بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة- الجزء 9
التجميع أمير المؤمنين عليه السلام
الکاتب الشيخ محمد تقي التّستري
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404
 شبكة الحسنين عليهما السلام الثقافية -

تتمة الفصل الثامن و العشرون

٤ - الكتاب (٢٧) و من عهد لهعليه‌السلام إلى محمد بن أبى بكر حين قلّده مصر:

فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ وَ أَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ وَ اُبْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ وَ آسِ بَيْنَهُمْ فِي اَللَّحْظَةِ وَ اَلنَّظْرَةِ حَتَّى لاَ يَطْمَعَ اَلْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ لَهُمْ وَ لاَ يَيْأَسَ اَلضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى يُسَائِلُكُمْ مَعْشَرَ عِبَادِهِ عَنِ اَلصَّغِيرَةِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَ اَلْكَبِيرَةِ وَ اَلظَّاهِرَةِ وَ اَلْمَسْتُورَةِ فَإِنْ يُعَذِّبْ فَأَنْتُمْ أَظْلَمُ وَ إِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ وَ اِعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ اَلْمُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعَاجِلِ اَلدُّنْيَا وَ آجِلِ اَلْآخِرَةِ فَشَارَكُوا أَهْلَ اَلدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ وَ لَمْ يُشَارِكْهُمْ أَهْلُ اَلدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ سَكَنُوا اَلدُّنْيَا بِأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ وَ أَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ فَحَظُوا مِنَ اَلدُّنْيَا بِمَا حَظِيَ بِهِ اَلْمُتْرَفُونَ وَ أَخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ اَلْجَبَابِرَةُ اَلْمُتَكَبِّرُونَ ثُمَّ اِنْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ اَلْمُبَلِّغِ وَ اَلْمَتْجَرِ اَلرَّابِحِ أَصَابُوا لَذَّةَ

زُهْدِ اَلدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ وَ تَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ جِيرَانُ اَللَّهِ غَداً فِي آخِرَتِهِمْ لاَ تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ وَ لاَ يَنْقُصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةٍ فَاحْذَرُوا عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمَوْتَ وَ قُرْبَهُ وَ أَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِأَمْرٍ عَظِيمٍ وَ خَطْبٍ جَلِيلٍ بِخَيْرٍ لاَ يَكُونُ مَعَهُ شَرٌّ أَبَداً أَوْ شَرٍّ لاَ يَكُونُ مَعَهُ خَيْرٌ أَبَداً فَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى اَلْجَنَّةِ مِنْ عَامِلِهَا وَ مَنْ أَقْرَبُ إِلَى اَلنَّارِ مِنْ عَامِلِهَا وَ أَنْتُمْ طُرَدَاءُ اَلْمَوْتِ إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ وَ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ وَ هُوَ أَلْزَمُ لَكُمْ مِنْ ظِلِّكُمْ اَلْمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُمْ وَ اَلدُّنْيَا تُطْوَى مِنْ خَلْفِكُمْ فَاحْذَرُوا نَاراً قَعْرُهَا بَعِيدٌ وَ حَرُّهَا شَدِيدٌ وَ عَذَابُهَا جَدِيدٌ دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ وَ لاَ تُسْمَعُ فِيهَا دَعْوَةٌ وَ لاَ تُفَرَّجُ فِيهَا كُرْبَةٌ وَ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَشْتَدَّ خَوْفُكُمْ مِنَ اَللَّهِ وَ أَنْ يَحْسُنَ ظَنُّكُمْ بِهِ فَاجْمَعُوا بَيْنَهُمَا فَإِنَّ اَلْعَبْدَ إِنَّمَا يَكُونُ حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ عَلَى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنْهُ وَ إِنَّ أَحْسَنَ اَلنَّاسِ ظَنّاً بِاللَّهِ أَشَدُّهُمْ خَوْفاً لِلَّهِ وَ اِعْلَمْ يَا؟ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ؟ أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ أَعْظَمَ أَجْنَادِي فِي نَفْسِي أَهْلَ؟ مِصْرَ؟ فَأَنْتَ مَحْقُوقٌ أَنْ تُخَالِفَ عَلَى نَفْسِكَ وَ أَنْ تُنَافِحَ عَنْ دِينِكَ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلاَّ سَاعَةٌ مِنَ اَلدَّهْرِ وَ لاَ تُسْخِطِ اَللَّهَ بِرِضَا أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ فَإِنَّ فِي اَللَّهِ خَلَفاً مِنْ غَيْرِهِ وَ لَيْسَ مِنَ اَللَّهِ خَلَفٌ فِي غَيْرِهِ أقول: رواه الشيخان في (أماليهما)، و رواه الثقفي في (غاراته)، و رواه ابن أبي شعبة الحلبي في (تحفه) و رواه الطبري في (تاريخه).

أمّا الشيخان فرويا بإسنادهما إلى كتاب إبراهيم الثقفي عن عبد اللّه بن محمد ابن عثمان عن علي بن محمد بن أبي سعيد عن فضيل بن الجعد عن أبي إسحاق الهمداني قال: ولّى عليّعليه‌السلام محمد بن أبي بكر مصر و أعمالها و كتب له كتابا و أمره أن يقرأه على أهل مصر و ليعمل بما أوصاه به، فكان الكتاب:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى أهل مصر و محمد بن أبي بكر، سلام عليكم فإنّي أحمد إليكم اللّه الذي لا إله إلاّ هو.

أمّا بعد: فإنّي أوصيكم بتقوى اللّه فيما أنتم عنه مسؤلون و إليه تصيرون، فإنّ اللّه تعالى يقول: كل نفس بما كسبت رهينة( ١ ) و يقول:

و يحذركم اللّه نفسه و إلى اللّه المصير( ٢ ) و يقول: فو ربّك لنسألنّهم أجمعين. عمّا كانوا يعملون( ٣) .

و اعلموا عباد اللّه أنّ اللّه عزّ و جل سائلكم عن الصغير من عملكم و الكبير فإن يعذّب فنحن أظلم و إن يعف فهو أرحم الراحمين، يا عباد اللّه إنّ أقرب ما يكون العبد من المغفرة و الرحمة حين يعمل للّه بطاعته و ينصحه في التوبة، عليكم بتقوى اللّه فإنّها تجمع الخير و لا خير غيرها و يدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها من خير الدنيا و خير الآخرة، قال اللّه عز و جل: و قيل للذين اتّقوا ما ذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة و لدار الآخرة خير و لنعم دار المتقين( ٤) .

اعلموا يا عباد اللّه أنّ المؤمن من يعمل لثلاث: إمّا لخير فإنّ اللّه يثيبه بعمله في دنياه. قال سبحانه لابراهيم: و آتيناه أجره في الدنيا و إنّه في الآخرة لمن الصالحين( ٥ ) فمن عمل للّه تعالى أعطاه أجره في الدنيا و الآخرة و كفاه المهم فيهما و قد قال تعالى يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم للّذين أحسنوا في هذه الدّنيا حسنة و أرض اللّه واسعة إنّما يوفّى الصابرون أجرهم

____________________

(١) المدثر: ٣٨.

(٢) آل عمران: ٢٨.

(٣) الحجر: ٩٢ ٩٣.

(٤) النحل: ٣٠.

(٥) العنكبوت: ٢٧.

بغير حساب( ١ ) ، و ما أعطاهم لم يحاسبهم به في الآخرة قال تعالى: للّذين أحسنوا الحسنى و زيادة( ٢ ) و الحسنى هي الجنّة و الزيادة في الدنيا، و إن اللّه تعالى يكفّر بكلّ حسنة سيّئة، قال عز و جل إنّ الحسنات يذهبن السيّئات ذلك ذكرى للذاكرين( ٣ ) حتى إذا كان يوم القيامة حسبت لهم حسناتهم ثم أعطاهم بكلّ واحدة عشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف، قال عز و جل: جزاء من ربك عطاء حسابا( ٤ ) و قال: أولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا و هم في الغرفات آمنون( ٥ ) فارغبوا في هذا رحمكم اللّه و اعملوا له و حاضّوا عليه.

و اعلموا يا عباد اللّه أنّ المتّقين حازوا عاجل الخير و آجله، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم و لم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، أباحهم اللّه ما كفاهم و أغناهم، قال عز اسمه: قل من حرّم زينة اللّه الّتي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصّل الآيات لقوم يعلمون( ٦ ) ، سكنوا الدّنيا بأفضل ما سكنت و أكلوها بأفضل ما أكلت، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون و شربوا من طيبات ما يشربون، و لبسوا من أفضل ما يلبسون و سكنوا من أفضل ما يسكنون و تزوّجوا من أفضل ما يتزوّجون و ركبوا من أفضل ما يركبون، أصابوا لذّة الدنيا مع أهل الدنيا و هم غدا جيران اللّه، يتمنّون عليه فيعطيهم ما تمنّوه و لا يردّ لهم دعوة و لا ينقص لهم نصيبا من اللذة، فإلى هذا

____________________

(١) الزمر: ١٠.

(٢) يونس: ٢٦.

(٣) هود: ١١٤.

(٤) النبأ: ٣٦.

(٥) سبأ: ٣٧.

(٦) الأعراف: ٣٢.

يا عباد اللّه يشتاق من كان له عقل و يعمل له بتقوى اللّه، و لا حول و لا قوة إلاّ باللّه.

يا عباد اللّه إن اتّقيتم اللّه و حفظتم نبيّكم في أهل بيته فقد عبدتموه بأفضل ما عبد، و ذكرتموه بأفضل ما ذكر و شكرتموه بأفضل ما شكر، و أخذتم بأفضل الصّبر و الشّكر، و اجتهدتم بأفضل الاجتهاد، و ان كان غيركم أطول منكم صلاة و أكثر منكم صياما فأنتم أتقى للّه عزّ و جلّ منهم و أنصح لأولي الأمر.

احذروا عباد اللّه الموت و سكرته، فإنّه يفجأكم بأمر عظيم بخير لا يكون معه شرّ أبدا أو بشرّ لا يكون معه خير أبدا، فمن أقرب إلى الجنّة من عاملها و من أقرب إلى النّار من عاملها، إنّه ليس أحد من الناس تفارق روحه جسده حتى يعلم إلى أيّ المنزلتين يصير إلى الجنّة أم النّار و عدوّ للّه أم وليّ، فان كان وليا فتحت له أبواب الجنة و شرع له طرقها و نظر إلى ما أعد اللّه له فيها، ففرغ من كلّ شغل و وضع عنه كلّ ثقل، و إن كان عدوا للّه فتحت له أبواب النّار و شرع له طرقها و نظر إلى ما أعدّ اللّه فيها فاستقبل كلّ مكروه و ترك كلّ سرور، كلّ هذا يكون عند الموت و عنده يكون اليقين، قال اللّه تعالى: الّذين تتوفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السّلم ما كنّا نعمل من سوء بلى إنّ اللّه عليم بما كنتم تعملون. فادخلوا أبواب جهنّم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرّين( ١) .

عباد اللّه إنّ الموت ليس منه فوت فاحذروه قبل وقوعه و أعدّوا له عدّته، فإنّكم طرد الموت، إنّ أقمتم له أخذكم و إن فررتم منه أدرككم، و هو ألزم لكم من ظلّكم، الموت معقود بنواصيكم و الدنيا تطوى خلفكم عند ما تنازعكم إليه

____________________

(١) النمل: ٢٨ ٢٩.

أنفسكم من الشهوات، فكفى بالموت واعظا، و كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كثيرا ما يوصي أصحابه بذكر الموت فيقول: «أكثروا ذكر الموت فإنّه هادم اللذّات حائل بينكم و بين الشهوات».

يا عباد اللّه ما بعد الموت لمن لا يغفر له أشدّ من الموت، القبر، فاحذروا ضيقه و ضنكه و ظلمته و غربته، إنّ القبر يقول كلّ يوم: أنا بيت الغربة، أنا بيت التراب، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الدود و الهوام، و القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، إنّ العبد المؤمن إذا دفن قالت الأرض مرحبا و أهلا قد كنت ممّن أحبّ أن يمشي على ظهري، فإذ وليتك فستعلم كيف صنيعي بك فتتّسع له مدّ البصر، و إن الكافر إذا دفن قالت له الأرض: لا مرحبا بك و لا أهلا، لقد كنت من أبغض من يمشي على ظهري، فإذ وليتك فستعلم كيف صنيعي بك، فتضمّه حتى تلقي أضلاعه، و إن المعيشة الضنك التي حذّر اللّه منها عدوّه، عذاب القبر، إنّه يسلّط على الكافر في قبره تسعة و تسعين تنينا فينهشن لحمه و يكسرن عظمه يتردّدن عليه كذلك إلى يوم يبعث، لو أن تنينا منها تنفخ في الأرض لم تنبت زرعا.

يا عباد اللّه إن أنفسكم الضعيفة و أجسادكم الناعمة الرقيقة التي يكفيها اليسير تضعف عن هذا، فإن استطعتم أن تنزعوا أجسادكم و أنفسكم ممّا لا طاقة لكم به و لا صبر لكم عليه فاعملوا بما أحبّ اللّه و أتركوا ما كره اللّه.

يا عباد اللّه إنّ بعد البعث ما هو أشدّ من القبر، يوم يشيب فيه الصغير و يسكر فيه الكبير و يسقط فيه الجنين و تذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت، يوم عبوس قمطرير، يوم كان شرّه مستطيرا، إنّ فزع ذلك اليوم ليرهب الملائكة الذين لا ذنب لهم، و ترعد منه السبع الشداد و الجبال الأوتاد و الأرض المهاد، و تنشقّ السماء فهي يومئذ واهية و تتغير فكأنها كالدهان، و تكون الجبال

كثيبا مهيلا بعد ما كانت صمّا صلابا، و ينفخ في الصور فيفزع من في السماوات و الأرض إلاّ ما شاء اللّه، فكيف من عصى بالسمع و البصر و اللسان و اليد و الرجل و الفرج و البطن، إن لم يغفر اللّه له و يرحمه من ذلك اليوم لأنّه يصير إلى غيره، إلى نار قعرها بعيد و حرّها شديد و شرابها صديد و عذابها جديد و مقامعها حديد لا يفتر عذابها و لا يموت ساكنها، دار ليس فيها رحمة و لا تسمع لأهلها دعوة.

و اعلموا يا عباد اللّه ان مع هذا رحمة اللّه التي لا تقصر عن العباد، جنة عرضها كعرض السماء و الأرض اعدت للمتقين، لا يكون معها شرّ أبدا، لذّاتها لا تملّ و مجتمعها لا يتفرق، سكّانها قد جاوروا الرحمن و قام بين أيديهم الغلمان بصحاف من ذهب فيها الفاكهة و الريحان.

ثم اعلم يا محمد بن أبي بكر أنّي قد ولّيتك أعظم أجنادي في نفسي، أهل مصر، فإذ ولّيتك ما وليتك من أمر الناس فأنت حقيق أن تخاف منه على نفسك و ان تحذر منه على دينك، فإن استطعت ألاّ تسخط ربّك برضا أحد من خلقه فافعل، فإنّ في اللّه عز و جل خلفا من غيره و ليس في شي‏ء سواه خلف منه، إشتدّ على الظالم و خذ عليه، و لن لأهل الخير و قرّبهم و اجعلهم بطانتك و أقرانك إلى أن قال:

يا محمّد بن أبي بكر إعلم أن أفضل العفّة الورع في دين اللّه و العمل بطاعته، و إنّي أوصيك بتقوى اللّه في أمر سرّك و علانيتك و على أيّ حال كنت عليه، و الدّنيا دار بلاء و دار فناء و الآخرة دار الجزاء و دار البقاء، و اعمل لما بقي و اعدل عمّا يفنى و لا تنس نصيبك من الدنيا.

أوصيك بسبع هن جوامع الاسلام: تخشى اللّه عز و جل في النّاس و لا تخش الناس في اللّه، و خير القول ما صدّقه العمل، و لا تقض في أمر واحد

بقضاءين مختلفين فيختلف أمرك و تزيغ عن الحق، و أحبّ لعامّة رعيّتك ما تحبّ لنفسك و أهل بيتك و اكره لهم ما تكره لنفسك و أهل بيتك فإنّ ذلك أوجب للحجّة و أصلح للرعية، و خض الغمرات إلى الحقّ و لا تخف في اللّه لومة لائم، و انصح المرء إذا استشارك و اجعل نفسك اسوة لقريب المسلمين و بعيدهم.

جعل اللّه مودّتنا في الدين، و حلاّنا و إيّاكم حلية المتقين، و أبقى لكم طاعتكم حتى يجعلنا و إيّاكم بها اخوانا على سرر متقابلين.

أحسنوا أهل مصر مؤازرة محمّد أميركم و اثبتوا على طاعته تردوا حوض نبيكم، أعاننا اللّه على ما يرضيه و السلام و رحمة اللّه و بركاته( ١ ) ( ٢) .

و أمّا ما رواه الثقفي، فروى عن يحيى بن صالح عن مالك بن خالد الأسدي عن الحسن بن إبراهيم عن عبد اللّه بن الحسن قال: كتب عليّعليه‌السلام إلى أهل مصر لما بعث محمد بن أبي بكر إليهم يخاطبهم فيه و يخاطب محمدا أيضا فيه:

أمّا بعد، فإنّي أوصيكم بتقوى اللّه في سرائركم و علانيتكم و على أيّ حال كنتم عليها، و ليعلم المرء منكم أنّ الدنيا دار بلاء و فناء و الآخرة دار جزاء و بقاء فمن استطاع أن يؤثر ما بقي على ما يفنى فليفعل فإنّ الآخرة تبقى و الدنيا تفنى، رزقنا اللّه و إياكم بصرا لما بصرنا و فهما لما فهمنا حتى لا نقصر عمّا أمرنا و لا نتعدى إلى ما نهانا.

و اعلم يا محمد أنّك إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فان عرض لك أمران أحدهما للآخرة و الآخر للدنيا فابدأ بأمر الآخرة، و لتعظم رغبتك في الخير و لتحسن فيه نيّتك، فإنّ اللّه عز و جل يعطي العبد على قدر نيته، و إذا أحبّ الخير

____________________

(١) أمالي المفيد: ٢٦٠ ح ٣ المجلس ٣١.

(٢) أمالي الطوسي ١: ٢٤ الجزء ١.

و أهله و لم يعمله كان إن شاء اللّه كمن عمله، فإنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال حين رجع من تبوك «إنّ بالمدينة لأقواما ما سرتم من مسير و لا هبطتم من دار إلاّ كانوا معكم ما حبسهم إلاّ المرض» يقول كانت لهم نية ثم اعلم يا محمد أنّي ولّيتك أعظم أجنادي، أهل مصر، و ولّيتك ما ولّيتك من أمر الناس فأنت محقوق أن تخاف على نفسك و تحذر فيه على دينك و لو كان ساعة من نهار فإن استطعت أن لا تسخط ربّك لرضى أحد من خلقه فافعل، فإنّ في اللّه خلفا من غيره و ليس في شي‏ء خلف منه، فاشتدّ على الظالم و لن لأهل الخير و قرّبهم إليك و اجعلهم بطانتك و اخوانك( ١) .

و عن يحيى بن صالح أيضا بالإسناد قال: كتب عليّعليه‌السلام إلى محمد و أهل مصر: أمّا بعد فإنّي أوصيكم بتقوى اللّه و العمل بما أنتم عنه مسؤولون و أنتم به رهن و إليه صائرون، فإنّ اللّه عز و جل يقول: كلّ نفس بما كسبت رهينة( ٢ ) و قال: و يحذّركم اللّه نفسه و إلى اللّه المصير( ٣ ) و قال فو ربّك لنسألنّهم أجمعين. عمّا كانوا يعملون( ٤) .

فاعلموا عباد اللّه أنّ اللّه سائلكم عن الصغير من أعمالكم و الكبير، فإن يعذّب فنحن الظالمون و إن يغفر و يرحم فهو أرحم الراحمين.

و اعلموا أنّ أقرب ما يكون العبد إلى الرّحمة و المغفرة حين ما يعمل بطاعة اللّه و مناصحته في التوبة، فعليكم بتقوى اللّه تعالى فإنّها تجمع من الخير ما لا يجمع غيرها و يدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها، خير الدنيا و خير الآخرة، يقول سبحانه: و قيل للّذين اتّقوا ما ذا أنزل ربكم قالوا خيرا

____________________

(١) الغارات ١: ٢٢٨ ٢٣٠.

(٢) المدثر: ٣٨.

(٣) آل عمران: ٢٨.

(٤) الحجر: ٩٢ ٩٣.

للّذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة و لدار الآخرة خير و لنعم دار المتّقين( ١) .

و اعلموا عباد اللّه أن المؤمنين المتقين قد ذهبوا بعاجل الخير و آجله، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم و لم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، يقول اللّه عز و جل قل من حرم زينة اللّه التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة( ٢ ) ، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت و أكلوها بأفضل ما أكلت، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا من أفضل ما يأكلون و شربوا من أفضل ما يشربون و لبسوا من أفضل ما يلبسون، أصابوا لذّة أهل الدّنيا مع أهل الدنيا مع أنّهم غدا جيران اللّه يتمنّون عليه لا يردّ لهم دعوة و لا ينقص لهم لذّة أما في هذا ما يشتاق إليه من كان له عقل؟

و اعلموا عباد اللّه أنّكم إن اتّقيتم ربّكم و حفظتم نبيّكم في أهل بيته، فقد عبدتموه بأفضل ما عبد و ذكرتموه بأفضل ما ذكر و شكرتموه بأفضل ما شكر و أخذتم بأفضل الصبر و جاهدتم بأفضل الجهاد، و إن كان غيركم أطول صلاة منكم و أكثر صياما إذ كنتم اتقى للّه و أنصح لأولياء اللّه من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و أخشع.

و احذروا عباد اللّه الموت و نزوله و خذوا له فإنّه يدخل بأمر عظيم، خير لا يكون معه شرّ أبدا و شرّ لا يكون معه خير أبدا، ليس أحد من الناس يفارق روحه جسده حتّى يعلم إلى أيّ المنزلين يصير، إلى الجنة أم إلى النار، أعدوّ هو للّه أم وليّ، فإن كان وليّا فتحت له أبواب الجنّة و شرع له طريقها و نظر إلى ما أعدّ اللّه عزّ و جلّ لأوليائه فيها، فرغ من كلّ شغل و وضع من كل ثقل، و إن

____________________

(١) النحل: ٣٠.

(٢) الأعراف: ٣٢.

كان عدوّا فتحت له أبواب النّار و سهّل له طريقها و نظر إلى ما أعدّ اللّه لأهلها و استقبل كلّ مكروه و فارق كلّ سرور، قال تعالى: خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين( ١) .

و اعلموا عباد اللّه أنّ الموت ليس منه فوت فاحذروه و أعدّوا له عدّته، فانكم طرداء الموت، إن أقمتم أخذكم و إن هربتم أدرككم و هو ألزم لكم من ظلّكم معقود بنواصيكم و الدنيا تطوى من خلفكم. إلى آخر ما مر عن الاماليّين مع أدنى اختلاف، ففيه بدل قوله «من ذلك اليوم... «و اعلموا عباد اللّه أنّ ما بعد ذلك اليوم أشدّ و أدهى»( ٢) .

و أما الحلبي فقال في (تحفه): «و منه إلى محمد بن أبي بكر و أهل مصر:

أمّا بعد فقد وصل كتابك و فهمت ما سألت عنه و أعجبني اهتمامك بما لا بدّ لك منه و ما لا يصلح المسلمين غيره، و ظننت أنّ الذي أخرج ذلك منك نيّة صالحة و رأي غير مدخول، أمّا بعد فعليك بتقوى اللّه في مقامك و مقعدك و سرّك و علانيتك، و إذا أنت قضيت بين الناس فاخفض لهم جناحك و ليّن لهم جانبك، و ابسط لهم وجهك و آس بينهم في اللحظ و النظر، حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم و لا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم، و أن تسأل المدعي البيّنة و على المدّعى عليه اليمين، و من صالح أخاه على صلح فأجز صلحه إلاّ أن يكون صلحا يحرّم حلالا أو يحلّل حراما، و آثر الفقهاء و أهل الصدق و الوفاء و الحياء و الورع على أهل الفجور و الكذب و الغدر، و ليكن الصالحون الأبرار إخوانك و الفاجرون الغادرون أعداؤك، و ان أحبّ اخواني الي أكثرهم للّه ذكرا و أشدّهم منه خوفا، و أرجو أن تكون منهم إن شاء اللّه. و إنّي أوصيكم بتقوى اللّه فيما

____________________

(١) الزمر: ٧٢.

(٢) الغارات ١: ٢٣١ ٢٤٤.

أنتم عنه مسؤولون و عمّا أنتم إليه صائرون، فإنّ اللّه تعالى قال في كتابه:

كلّ نفس بما كسبت رهينة( ١ ) و قال و يحذّركم اللّه نفسه( ٢ ) . مثل ما مر مع أدنى اختلاف و الأصل في الجميع واحد.

و أمّا الطبري فروى عن أبي مخنف عن الحارث بن كعب الوالبي عن أبيه قال: كنت مع محمد بن أبي بكر حين قدم مصر فقرأ عليهم عهده «هذا ما عهد عليه عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى محمّد بن أبي بكر حين ولاّه مصر، أمره بتقوى اللّه في السرّ و العلانية و خوف اللّه عز و جل في المغيب و المشهد، و باللين على المسلمين و بالغلظة على الفاجرين، و بالعدل على أهل الذمة و بانصاف المظلوم و بالشدة على الظالم، و بالعفو عن الناس و بالاحسان ما استطاع، و اللّه يجزي المحسنين و يعذّب المجرمين، و أمره أن يدعو من قبله أهل الطاعة و الجماعة، فإنّ لهم في ذلك من العاقبة و عظيم المثوبة ما لا يقدرون قدره و لا يعرفون كنهه، و أمره أن يجبي خراج الأرض على ما كانت تجبى عليه من قبل لا ينقص منه و لا يبتدع فيه، ثم يقسمه بين أهله على ما كانوا يقسمون عليه من قبل، و أن يليّن لهم جناحه و أن يواسي بينهم في مجلسه وجهه، و ليكن القريب و البعيد في الحق سواء، و أمره أن يحكم بين الناس بالحق و أن يقوم بالقسط و لا يتّبع الهوى و لا يخاف في اللّه عزّ و جلّ لومة لائم، فإنّ اللّه جلّ ثناؤه مع من اتّقى و آثر طاعته و أمره على ما سواه( ٣) .

و رواه الثقفي في (غاراته) كما مرّ في سابقه، و مرّ خبر انّ أن محمدا لما قتل أخذ كتبه أجمع فبعث بها إلى معاوية و فيها كتاب كتبهعليه‌السلام له فيه أدب

____________________

(١) المدثر: ٣٨.

(٢) تحف العقول: ١٧٦ ١٨٠. و الآية ٢٨ من آل عمران.

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٥٥٦.

و سنّة و أن معاوية كان ينظر فيه و يتعجّب منه و قال لجلسائه: نقول للناس: إنّه كان من كتب أبي بكر، و أنهعليه‌السلام تأسف على وصول ذلك الكتاب إلى معاوية.

و الظاهر عدم نقل ذلك الكتاب لنا لأن المفهوم من الخبر الثاني أنّه كان مشحونا من سنن لا يعرفها الناس، و الكتاب الواصل ليس فيه إلاّ مختصر من الوضوء و الصلاة.

قول المصنف (و من عهد لهعليه‌السلام إلى محمد بن أبي بكر) زادهم (ابن ميثم)( ١ ) و (الخطية) «رحمه اللّه» و (ابن أبي الحديد)( ٢ ) «رضي‌الله‌عنه ».

(حين قلّده مصر) جميع ما نقله المصنف لم يكن حين التقليد بل حينه و بعده كما عرفت من روايات غارات الثقفي، قلّده بعد قيس بن سعد بن عبادة.

قولهعليه‌السلام «و اخفض لهم جناحك» خفض الجناح كناية عن التواضع و يعبّر عنه بالفارسية «بشكسته بالي» و الأصل فيه قوله تعالى لنبيه: و اخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمنين( ٣) .

في (تاريخ بغداد): كان موسى بن إسحاق القاضي لا يرى متبسّما قطّ، فقالت له امرأة: أيّها القاضي لا يحلّ لك أن تحكم بين الناس، فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «لا يحل للقاضي أن يحكم بين اثنين و هو غضبان» فتبسّم( ٤) .

«و ألن لهم جانبك» قال تعالى لنبيه: فبما رحمة من اللّه لنت لهم و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضّوا من حولك( ٥) .

«و ابسط لهم وجهك» قال لقمان لابنه: و لا تصعّر خدك للناس و لا تمش

____________________

(١) شرح ابن ميثم ٤: ٤١٩.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٥: ١٦٣.

(٣) الشعراء: ٢١٥.

(٤) تاريخ بغداد ١٣: ٥٣.

(٥) آل عمران: ١٥٩.

في الأرض مرحا انّك لن تخرق الأرض و لن تبلغ الجبال طولا. كلّ ذلك كان سيّئه عند ربّك مكروها( ١) .

«و آس» أي: ساو، و في النهاية أي: إجعل كلّ واحد منهم اسوة خصمه.

«بينهم في اللحظة» أي: النظر بمؤخّر العين.

«و النظرة» أي: تأمّل الشي‏ء بالعين.

في الخبر كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقسم لحظاته بين جلسائه( ٢ ) ، و قال خالد بن صفوان لوال دخل عليه: قدمت فأعطيت كلاّ بقسطه من نظرك و مجلسك و صلاتك و عدلك حتى كأنّك من كلّ أحد أو كأنّك لست من أحد.

«حتى لا يطمع العظماء في حيفك» أي: جورك.

«لهم و لا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم» و قالعليه‌السلام لشريح: ثمّ و اس بين المسلمين بوجهك و منطقك و مجلسك حتّى لا يطمع قريبك في حيفك و لا ييأس عدوّك من عدلك( ٣) .

روت العامّة عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: خلا عمر لبعض شأنه و قال:

أمسك عليّ الباب، فطلع الزبير، فكرهته حين رأيته، فأراد أن يدخل، فقلت: هو على حاجة، فلم يلتفت إليّ و أهوى ليدخل، فوضعت يدي في صدره، فضرب أنفي فأدماه، ثم رجع، فدخلت على عمر فقال: ما بك؟ قلت: الزبير، فأرسل إليه، ثمّ دخل الزبير، فجئت لأنظر ما يقول له، فقال له: ما حملك على ما صنعت أدميتني للناس. فقال الزبير يحكيه و يمطّط في كلامه «أدميتني»، أتحجب عنّا يا ابن الخطاب، فو اللّه ما احتجب عنّي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و لا أبو بكر. فقال عمر

____________________

(١) الاسراء: ٣٧ ٣٨.

(٢) معاني الاخبار: ٨٢.

(٣) الكافي ٢: ٤١٣ ح ١: الفقيه ٣: ٨ ح ١٠: التهذيب ٦: ٢٢٦ ح ١.

كالمعتذر: إنّي كنت في بعض شأني، فلما سمعته يعتذر إليه يئست من أن يأخذ لي بحقّي منه، و خرج الزبير، فقال عمر: إنّه الزّبير و آثاره ما تعلم( ١) .

«فان اللّه تعالى يسائلكم معشر عباده عن الصغيرة من أعمالكم و الكبيرة» و كل صغير و كبير مستطر( ٢ ) ، و يقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلاّ أحصاها و وجدوا ما عملوا حاضرا( ٣ ) ، يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم. فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره. و من يعمل مثقال ذرّة شرّا يره( ٤) .

«و الظاهرة و المستورة» قال لقمان لابنه: يا بني إنّها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها اللّه إنّ اللّه لطيف خبير( ٥ ) ، يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور( ٦ ) و لا تكتموا الشهادة و من يكتمها فإنّه آثم قلبه( ٧ ) ، إن السمع و البصر و الفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا( ٨) .

و عن أبي جعفرعليه‌السلام : كان في بني إسرائيل قاض كان يقضي بالحق فيهم، فلما حضره الموت قال لامرأته: إذا أنا متّ فاغسليني و كفّنيني و ضعيني على سريري و غطّي وجهي، فإنّك لا ترين سوء، فلمّا مات فعلت ذلك، ثم مكثت بذلك حينا، ثم إنّها كشفت عن وجهه لتنظر إليه، فإذا هي بدودة

____________________

(١) رواه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٢١: ٤٥ ٤٦، بتصرّف.

(٢) القمر: ٥٣.

(٣) الكهف: ٤٩.

(٤) الزلزلة: ٦.

(٥) لقمان: ١٦.

(٦) غافر: ١٩.

(٧) البقرة: ٢٨٣.

(٨) الاسراء: ٣٦.

تقرض منخره، ففزعت من ذلك، فلمّا كان الليل أتاها في منامها فقال لها:

أفزعك ما رأيت؟ قالت: أجل لقد فزعت. فقال لها: أما لئن كنت فزعت ما كان الذي رأيت إلاّ في أخيك فلان، أتاني و معه خصم له، فلمّا جلسا إليّ قلت: اللّهم اجعل الحق له و وجّه القضاء على صاحبه، فلمّا اختصما كان الحق له و رأيت ذلك بيّنا في القضاء، فوجّهت القضاء له على صاحبه، فأصابني ما رأيت لموضع هواي مع موافقة الحقّ( ١) .

«فإن يعذّب» قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا ينقضي كلام شاهد الزور بين يدي الحاكم حتى يتبوأ مقعده من النار( ٢) .

«فأنتم أظلم» قال ابن أبي الحديد: أفعل ها هنا بمعنى فاعل( ٣) .

قلت: يمكن أن يكون من باب و جزاء سيّئة سيّئة مثلها( ٤ ) و يمكن أن يكون المراد: إنكم أظلم من كلّ عبد عصى سيّده.

«و إن يعف فهو أكرم» من كلّ سلطان يعفو عن رعيته: و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم و يعفو عن كثير( ٥) .

«و اعلموا عباد اللّه أنّ المتّقين ذهبوا بعاجل الدنيا و آجل الآخرة فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم و لم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم» قد عرفت في أسانيده أنهعليه‌السلام إستشهد لكلامه بقوله تعالى: قل من حرّم زينة اللّه الّتي أخرج لعباده و الطيّبات من الرزق قل هي للّذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيمة

____________________

(١) الكافي ٧: ٤١٠ ح ٢، التهذيب ٦: ٢٢٢ ح ٢١، أمالي الطوسي ١: ١٢٦ ١٢٧ الجزء ٥.

(٢) الكافي ٧: ٣٨٣ ح ٣.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٥: ١٦٥.

(٤) الشورى: ٤٠.

(٥) الشورى: ٣٠.

كذلك نفصّل الآيات لقوم يعلمون( ١) .

«سكنوا من الدّنيا بأفضل ما سكنت و أكلوها بأفضل ما اكلت فحظوا» يقال:

حظي فلان عند السلطان، و حظيت المرأة عند الزوج.

«من الدّنيا بما حظي به المترفون» قال ابن دريد: رجل مترف: منعّم( ٢) .

«و أخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبّرون» قد عرفت من روايات الثقفي انّه بدّل قوله «فحظوا إلى المتكبرون» بقوله «فأكلوا معهم من طيّبات ما يأكلون، و شربوا من طيبات ما يشربون، و لبسوا من أفضل ما يلبسون، و سكنوا من أفضل ما يسكنون، و تزوّجوا من أفضل ما يتزوّجون، و ركبوا من أفضل ما يركبون»( ٣ ) ، و ما هنا إجمال و ثمة تفصيل، فاللّذائذ الدنيوية منحصرة في هذه الستة من المآكل و المشارب و الملابس و المساكن و المناكح و المراكب.

«ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلّغ» أي: زاد التقوى الذي وصفه تعالى بكونه خير زاد.

«و المتجر الرابح» و هو الايمان و عمل الصالحات.

«أصابوا لذّة زهد الدنيا في دنياهم» لأن الزهد فيها ليس بترك نعيمها بل بعدم العلقة بها كما قال تعالى لكيلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم( ٤ ) ، و أما الحريص فدائما متألم بفوت ما فات من دنياه و عدم حصول زيادة له.

____________________

(١) الاعراف: ٣٢.

(٢) جمهرة اللغة ١: ٣٩٣.

(٣) الغارات باختلاف يسير ١: ٢٣٦، و أمالي المفيد: ٢٦٣، أمالي الطوسي ١: ٢٦.

(٤) الحديد: ٢٣.

«و تيقنوا أنّهم جيران اللّه غدا في آخرتهم» سلام قولا من ربّ رحيم( ١) ، و الملائكة يدخلون عليهم من كلّ باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار( ٢ ) ، وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة( ٣) .

«لا تردّ لهم دعوة» و لهم ما يدّعون( ٤) .

«و لا ينقص لهم نصيب من لذّة» و إذا رأيت ثمّ رأيت نعيما و ملكا كبيرا.

عاليهم ثياب سندس خضر و إستبرق و حلّوا أساور من فضة و سقاهم ربهم شرابا طهورا. إنّ هذا كان لكم جزاء و كان سعيكم مشكورا( ٥) .

«فاحذروا عباد اللّه الموت و قربه» فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون( ٦) .

«و أعدّوا له عدّته» و أنفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربّ لو لا أخّرتني إلى أجل قريب فأصّدّق و أكن من الصالحين. و لن يؤخّر اللّه نفسا إذا جاء أجلها و اللّه خبير بما تعملون( ٧) .

«فإنّه يأتي بأمر عظيم و خطب» أي: شأن.

«جليل، بخير لا يكون معه شرّ أبدا أو شرّ لا يكون معه خير أبدا» قال ابن أبي الحديد: نص في مذهب أصحابنا في الوعيد، أنّ من دخل النّار فليس بخارج منها، و لو كان خارجا منها لكان الموت قد جاءه بشرّ معه خير...( ٨) .

____________________

(١) يس: ٥٨.

(٢) الرعد: ٢٣ ٢٤.

(٣) القيامة: ٢٢ ٢٣.

(٤) يس: ٥٧.

(٥) الإنسان: ٢٠ ٢٢.

(٦) الاعراف: ٣٤.

(٧) المنافقون: ١٠ ١١.

(٨) شرح ابن أبي الحديد ١٥: ١٦٦.

قلت: يمكن حمل كلامهعليه‌السلام على القرآن و أكثر الأخبار في الاقتصار على ذكر المؤمنين المخلصين و الكافرين دون المؤمنين المسرفين.

و في (اعتقادات الصدوق): قيل لأمير المؤمنينعليه‌السلام : صف لنا الموت.

فقال: على الخبير سقطتم، هو أحد ثلاثة أمور ترد عليه: إمّا بشارة بنعيم الأبد و إمّا بشارة بعذاب الأبد، و إمّا تحزين و تهويل و أمر مبهم لا يدرى من أيّ الفرق هو، فأمّا وليّنا المطيع لأمرنا فهو المبشّر بنعيم الأبد، و أمّا عدونا المخالف علينا فهو المبشّر بعذاب الأبد، و أمّا المبهم أمره الذي لا يدرى ما حاله فهو المؤمن من المسرف على نفسه يأتيه الخير مبهما محزنا ثم لن يسوّيه اللّه تعالى بأعدائنا و لكن يخرجه من النار بشفاعتنا، فاعملوا و أطيعوا و لا تتكلوا و لا تستصغروا عقوبة اللّه عزّ و جلّ، فإنّ من المسرفين ما لا يلحقه شفاعتنا إلاّ بعذاب ثلاثمئة ألف سنة.

و سئل الحسنعليه‌السلام عن الموت فقال: أعظم سرور يرد على المؤمنين إذا انقلبوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد، و أعظم ثبور يرد على الكافرين إذا نقلوا عن جنتهم إلى نار لا تبيد و لا تنفد.

و لما أشتدّ الأمر بالحسينعليه‌السلام نظر إليه من كان معه فإذا هو بخلافهم لأنّهم كلّما اشتدّ الأمر بهم تغيّرت ألوانهم و ارتعدت فرائصهم و وجلت قلوبهم و وجبت جنوبهم، و كان الحسين و بعض خصائصه تشرق ألوانهم و تهدأ جوارحهم و تسكن نفوسهم، و قال بعضهم لبعض: انظروا إليه ما يبالي الموت، فقالعليه‌السلام لهم: صبرا بني الكرام فما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم من البؤس و الضرّاء إلى الجنان الواسعة و النعيم الدائم، فأيّكم يكره أن ينقل من سجن إلى قصر و ما هو لأعدائكم إلاّ كمن ينقل من قصر إلى سجن و عذاب أليم.

و قيل لعلي بن الحسينعليه‌السلام : ما الموت؟ فقال: للمؤمن كنزع ثياب و سخة قملة أو فك قيود ثقيلة و الاستبدال بأفخر الثياب و أطيبها روائح و أوطأ المراكب و آنس المنازل، و للكافر كخلع ثياب فاخرة و النقل عن منازل أنيسة و الاستبدال بأوسخ الثياب و أخشنها و أوحش المنازل و أعظم العذاب.

و قيل لمحمد الباقرعليه‌السلام : ما الموت؟ قال: هو النوم الذي يأتيكم كلّ ليلة إلاّ انّه طويل لا ينبه منه إلاّ يوم القيامة، فمن رأى في نومه من أصناف الفرح ما لا يقادر قدره و رأى في منامه من أصناف الأهوال ما لا يقادر قدره فكيف حال فرحه في النوم و وجله فيه، هذا هو الموت فاستعدوا له.

و قيل للصادقعليه‌السلام : صنف لنا الموت. فقال: هو للمؤمن كأطيب ريح يشم فينعس لطيبه و ينقطع التعب و الألم كلّه عنه، و للكافر كلسع الأفاعي و لذع العقارب و أشد. قيل له: فإنّ قوما يقولون: إنّه أشدّ من نشر بالمناشير و قرض بالمقاريض و رضخ بالحجارة و تدوير قطب الأرحية في الأحداق. فقالعليه‌السلام :

كذلك هو على بعض الكافرين و الفاجرين، ألا ترون منهم من يعاين تلك الشدائد؟ قيل: فما بالنا نرى كافرا يسهل عليه النزع فينطفى‏ء و هو يضحك و يتحدّث و يتكلّم، و في المؤمنين من يكون كذلك، و في المؤمنين و الكافرين من يقاسي عند سكرات الموت هذه الشدائد؟ فقالعليه‌السلام : ما كان من راحة للمؤمن هناك فهو عاجل ثوابه، و ما كان من شدّة فتمحيصه من ذنوبه ليرد الآخرة نفيضا نظيفا مستحقا لثواب الأبد لا مانع له دونه، و ما كان من سهولة هناك على الكافر فليتوفّى أجر حسناته ليرد الآخرة و ليس له إلاّ ما يوجب العذاب، و ما كان من شدة على الكافر هناك فهو ابتداء عقاب اللّه عند نفاد حسناته، ذلكم بأن اللّه عدل لا يجور.

و دخل موسى بن جعفرعليه‌السلام على رجل في سكرات الموت لا يجيب

داعيا. فقالوا: يا ابن رسول اللّه وددنا لو عرفنا كيف الموت و كيف حال صاحبنا فقال: الموت هو المصفاة يصفّي المؤمنين من ذنوبهم فيكون آخر ألم يصيبهم و كفارة آخر وزر عليهم، و يصفّي الكافرين من حسناتهم فيكون آخر لذة أو نعمة أو رحمة تلحقهم و هو آخر ثواب حسنة تكون لهم، و أما صاحبكم هذا فقد نخل من الذنوب نخلا و صفّي من الآثام تصفية، و خلص حتى نقّي كما ينقّى الثوب و صلح لمعاشرتنا في دار الأبد.

و مرض رجل من أصحاب الرضاعليه‌السلام فعاده فقال له: كيف تجدك؟

فقال: لقيت الموت بعدك يريد شدّة المرض فقال: إنّما الناس رجلان:

مستريح بالموت و مستراح به منه، فجدّد الإيمان باللّه و بالنبوّة و بالولاية تكن مستريحا ففعل الرجل ذلك.

و قيل للجوادعليه‌السلام : ما بال هؤلاء المسلمين يكرهون الموت؟ قال: لأنّهم جهلوه فكرهوه و لو عرفوه و كانوا من أولياء اللّه حقّا لأحبّوه و لعلموا ان الآخرة خير لهم من الدنيا. ثم قالعليه‌السلام : ما بال الصبي أو المجنون يمتنع من الدواء المنقّي لبدنه و النافي الألم عنه. فقالوا، لجهلهم بنفع الدواء. فقال: و الذي بعث محمدا بالحق إنّ من قد استعدّ للموت حق الاستعداد هو أنفع له من هذا الدواء لهذا المتعالج، أما لو عرفوا ما يؤدّي إليه الموت من النعيم لاستدعوه أشدّ مما يستدعي العاقل الحازم الدواء لرفع الآفات و اجتلاب السلامات.

و دخل الهاديعليه‌السلام على مريض من أصحابه و هو يبكي من الموت فقال له: تخاف من الموت لأنك لا تعرفه، أ رأيتك لو تقذّرت و اتّسخت من كثرة الوسخ و القذر عليك و أصابك قروح و جرب و علمت أن الغسل في الحمام يزيل ذلك عنك أما تريد أن تدخله فتزيل ذلك كلّه عنه؟ قال: بلى. قال: فذلك الموت هو ذلك الحمام و هو آخر ما بقي عليك من تمحيص ذنوبك، فاذا أنت وردت عليه

فقد نجوت من كلّ هم و غم و أذى و وصلت إلى كلّ فرح و سرور، فسكن الرجل و نشط و استسلم و غمض عين نفسه و مضى لسبيله.

و سئل الحسن العسكريعليه‌السلام عن الموت ما هو، فقال: التصديق بما يكون، ان أبي حدّثني عن أبيه عن جدّه عن الصادقعليه‌السلام قال: ان المؤمن إذا مات لم يكن ميتا و ان الكافر هو الميت، ان اللّه عز و جل يقول يخرج الحيّ من الميّت و يخرج الميّت من الحيّ( ١ ) يعني المؤمن من الكافر و الكافر من المؤمن.

و جاء رجل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: ما لي لا أحبّ الموت. فقال: أ لك مال؟

قال: نعم. قال: قد قدمته؟ قال: لا. قال: فمن ثمّ لا تحبّ الموت.

و قال رجل لأبي ذر: ما بالنا نكره الموت، فقال: لأنّكم عمّرتم الدنيا و خرّبتم الآخرة فتكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب. فقيل له: فكيف ترى قدومنا على اللّه؟ قال: أمّا المحسن فكالغائب يقدم على أهله، و أما المسي‏ء فكالآبق يقدم على مولاه. قيل: فكيف حالنا عند اللّه؟ فقال: أعرضوا أعمالكم على كتاب اللّه، إنّ اللّه عز و جل يقول: إنّ الأبرار لفي نعيم. و إنّ الفجّار لفي جحيم( ٢ ) قال الرجل: فأين رحمة اللّه؟ قال: إن رحمة اللّه قريب من المحسنين( ٣) .

«فمن أقرب إلى الجنّة من عاملها» و أما من خاف مقام ربّه و نهى النّفس عن الهوى. فإنّ الجنّة هي المأوى( ٤ ) ، تلك الجنة التي نورث من عبادنا من

____________________

(١) يونس: ٣١.

(٢) الانفطار: ١٤.

(٣) الاعتقادات: ١٤ ١٨. و الآية ٥٦ من سورة الأعراف.

(٤) النازعات: ٤٠ ٤١.

كان تقيا( ١ ) ، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون( ٢) .

و مرّ في رواية الثقفي ذكرهعليه‌السلام لقوله تعالى: الذين تتوفّاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون( ٣) .

«و من أقرب إلى النار من عاملها» و أما من طغى و آثر الحياة الدنيا فان الجحيم هي المأوى( ٤ ) ، و من يعص اللّه و رسوله فان له نار جهنم خالدين فيها( ٥) .

و مر في رواية الثقفي ذكرهعليه‌السلام لقوله تعالى الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنّا نعمل من سوء بلى ان اللّه عليم بما كنتم تعملون. فادخلوا أبواب جهنم خالدين فبئس مثوى المتكبرين( ٦) .

«و أنتم طرداء» جمع طريد، قال الجوهري الطرد الابعاد، تقول طردته فذهب، و لا يقال منه انفعل و افتعل إلاّ في لغة رديئة، و الرجل مطرود و طريد( ٧) .

(الموت ان أقمتم له أخذكم و ان فررتم منه أدرككم» قال تعالى أينما تكونوا يدرككم الموت و لو كنتم في بروج مشيدة( ٨ ) ، قل ان الموت الذي تفرون منه فانه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب و الشهادة فينبئكم

____________________

(١) مريم: ٦٣.

(٢) النحل: ٣٢.

(٣) النحل: ٣٢.

(٤) النازعات: ٣٩.

(٥) الجنّ: ٢٣.

(٦) الغارات ١: ٢٣٧. و الآيات ٢٨ ٢٩ من سورة النحل.

(٧) جوهري ٢: ٥٠١.

(٨) النساء: ٧٨.

بما كنتم تعملون( ١) .

«و هو ألزم لكم من ظلّكم» في (الكافي): ان ملكا كان له عند اللّه منزلة عظيمة فتعبت عليه فأهبطه من السماء إلى الأرض فأتى إدريسعليه‌السلام فقال: ان لك من الله منزلة فاشفع لي عند ربك. فصلّى ثلاث ليال لا يفتر و صام أيامها لا يفطر، ثم طلب إلى اللّه تعالى في السحر في الملك، فقال له الملك: إنّك قد أعطيت سؤلك و قد أطلق جناحي و أنا أحبّ أن أكافئك فاطلب إليّ حاجة. فقال: تريني ملك الموت لعلّي آنس به فإنّه ليس يهنا مع ذكره شي‏ء، فبسط جناحه ثم قال:

إركب فصعد به يطلب ملك الموت في السّماء الدنيا فقيل له: إصعد، فاستقبله بين السماء الرابعة و الخامسة، فقال الملك يا ملك الموت ما لي أراك قاطبا. قال:

العجب أنّي تحت ظل العرش فأمرت أن أقبض روح آدمي في السّماء الرابعة و الخامسة، فسمع إدريسعليه‌السلام ذلك فامتعض فخرّ من جناح الملك فقبض روحه مكانه، و قال عز و جل: و رفعناه مكانا عليّا( ٢) .

«الموت معقود بنواصيكم» في (اللّهوف): لما عزم الحسينعليه‌السلام على الشخوص إلى العراق من مكّة قام خطيبا فقال: خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة( ٣) .

«و الدنيا تطوى من خلفكم» مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح( ٤) .

«فاحذروا نارا قعرها بعيد و حرّها شديد» و زاد في رواية الثقفي

____________________

(١) الجمعة: ٨.

(٢) الكافي ٣: ٢٥٧ ح ٢٦. و الآية ٥٧ من سورة مريم.

(٣) اللهوف: ٢٦.

(٤) الكهف: ٤٥.

«و شرابها صديد»( ١) .

«و عذابها جديد» كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب( ٢ ) ، و نحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا و بكما و صمّا مأواهم جهنّم كلّما خبت زدناهم سعيرا( ٣) .

و زاد في رواية الثقفي «و مقامعها حديد»( ٤) .

«دار ليس فيها رحمة» و أعتدنا لمن كذّب بالسّاعة سعيرا. إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيّظا و زفيرا. و إذا ألقوا منها مكانا ضيّقا مقرّنين دعوا هنالك ثبورا. لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا و ادعوا ثبورا كثيرا( ٥) .

«و لا تسمع فيها دعوة» و نادوا يا مالك ليقض علينا ربّك قال إنّكم ماكثون( ٦) .

«و لا تفرج فيها كربة» و قال الّذين في النّار لخزنة جهنّم ادعوا ربّكم يخفف عنّا يوما من العذاب. قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبيّنات قالوا بلى قالوا فادعوا و ما دعاء الكافرين إلاّ في ضلال( ٧ ) ، ربّنا أخرجنا منها فإنّ عدنا فإنّا ظالمون. قال اخسئوا فيها و لا تكلمون( ٨) .

«و إن استطعتم أن يشتدّ خوفكم من اللّه و أن يحسن ظنّكم به فاجمعوا بينهما، فإنّ العبد إنّما يكون حسن ظنّه بربّه على قدر خوفه من ربّه، و إنّ أحسن النّاس ظنّا

____________________

(١) الغارات ١: ٢٤١.

(٢) النساء: ٥٦.

(٣) الاسراء: ٩٧.

(٤) الغارات ١: ٢٤١.

(٥) الفرقان: ١١ و ١٤.

(٦) الزخرف: ٧٧.

(٧) غافر: ٤٩ ٥٠.

(٨) المؤمنون: ١٠٧ ١٠٨.

باللّه أشدّهم خوفا للّه».

في (الكافي) عن الصادقعليه‌السلام كان في وصية لقمان الأعاجيب، و كان أعجب ما فيها أن قال لابنه: خف اللّه خيفة لو جئته ببرّ الثّقلين لعذبك، و ارج اللّه رجاء لو جئته بذنوب الثّقلين لرحمك، ثم قالعليه‌السلام كان أبي يقول: ليس من عبد مؤمن إلاّ و في قلبه نوران نور خيفة، و نور رجاء لو وزن هذا لم يزد على هذا.

و عنهعليه‌السلام : ارج اللّه رجاء لا يجرّئك على معاصيك، و خف اللّه خوفا لا يؤيسك من رحمته»( ١) .

و قال ابن أبي الحديد: قال عليّ بن الحسينعليه‌السلام : لو أنزل اللّه تعالى كتابا أنّه معذّب رجلا واحدا رجوت أن أكونه أو أنّه راحم رجلا واحدا لرجوت أن أكونه، أو أنّه معذّبي لا محالة ما ازددت إلاّ اجتهادا لئلاّ أرجع إلى نفسي بلائمة( ٢) .

«و أعلم يا محمّد بن أبي بكر أنّي قد ولّيتك أعظم أجنادي» كلّ مدينة يحصل منها عسكر هي جند.

«في نفسي أهل مصر» فكانت أعظم مدينة بيدهعليه‌السلام .

«فأنت محقوق» أي: خليق.

«أن تخالف على نفسك» قال يوسف الصديق: إنّ النفس لأمّارة بالسّوء إلاّ ما رحم ربي( ٣) .

«و أن تنافح» أي: تخاصم عن دينك.

«و لو لم يكن لك إلاّ ساعة من الدهر» في الولاية، و لقد فعل رحمه اللّه

____________________

(١) الكافي ٢: ٦٧ ح ١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٥: ١٦٧.

(٣) يوسف: ٥٣.

ما أمره فجاهد حتى قتل.

و في (الطبري) بعد أسره بيد العدو قال له معاوية بن حديج: أ تدري ما أصنع بك؟ أدخلك في جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار. فقال له محمد: إن فعلتم بي ذلك فطال ما فعل ذلك بأولياء اللّه، و إنّي لأرجو هذه النار التي تحرقني بها أن يجعلها اللّه عليّ بردا و سلاما كما جعلها على خليله إبراهيم، و أن يجعلها عليك و على أوليائك كما جعلها على نمرود و أوليائه، ان اللّه يحرقك و من ذكرته قبل يعني عثمان و امامك يعني معاوية و هذا و أشار إلى عمرو بن العاص بنار تلظى عليكم كلما خبت زادها اللّه سعيرا. قال له معاوية بن حديج: اني انما اقتلك بعثمان. قال له محمد: و ما أنت و عثمان، ان عثمان عمل بالجور و نبذ حكم القرآن و قد قال تعالى و من لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون فنقمنا ذلك عليه فقتلناه، و حسنت أنت له ذلك و نظراؤك فقد برأنا اللّه من ذنبه و أنت شريكه في إثمه و عظم ذنبه و جاعلك على مثاله، فغضب معاوية ابن حديج فقدمه فقتله ثم ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه بالنار( ١) .

«و لا تسخط اللّه برضا أحد من خلقه فان في اللّه خلفا من غيره و ليس من اللّه خلف في غيره» في (العقد): قال ابن هبيرة للحسن البصري و عنده الشعبي:

ما ترى في كتب تأتينا من عند يزيد بن عبد الملك فيها بعض ما فيها فان أنفذتها وافقت سخط اللّه و ان لم أنفذها خشيت على دمي؟ فقال له: هذا الشعبي فقيه الحجاز عندك، فسأله فقال: قارب و سدد فانما أنت عبد مأمور. فالتفت ابن هبيرة إلى الحسن و قال له: أنت ما تقول. قال: ابن هبيرة خف اللّه في يزيد و لا تخف يزيد في اللّه، يا ابن هبيرة ان اللّه مانعك من يزيد و ان يزيد لا يمنعك من

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ١٠٤ ١٠٥.

اللّه، يا ابن هبيرة لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فانظر ما كتب اليك يزيد فاعرضه على كتاب اللّه فما وافقه فأنفذه و ما خالفه فلا تنفذه، فان اللّه أولى بك من يزيد و كتاب اللّه أولى بك من كتابه. فضرب ابن هبيرة يده على كتف الحسن و قال: هذا الشيخ صدقني و ربّ الكعبة( ١) .

٥ - الكتاب (٧٢) و من كتاب لهعليه‌السلام إلى عبد اللّه بن العباس:

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ لَسْتَ بِسَابِقٍ أَجَلَكَ وَ لاَ مَرْزُوقٍ مَا لَيْسَ لَكَ وَ اِعْلَمْ بِأَنَّ اَلدَّهْرَ يَوْمَانِ يَوْمٌ لَكَ وَ يَوْمٌ عَلَيْكَ وَ أَنَّ اَلدُّنْيَا دَارُ دُوَلٍ فَمَا كَانَ مِنْهَا لَكَ أَتَاكَ عَلَى ضَعْفِكَ وَ مَا كَانَ مِنْهَا عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِكَ «أمّا بعد فإنّك لست بسابق أجلك» حتى يتخلّف عنك، قال تعالى: و لكلّ أمّة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون( ٢) .

«و لا مرزوق ما ليس لك» أهم يقسمون رحمة ربّك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدّنيا و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتّخذ بعضهم بعضا سخريا( ٣) .

«و اعلم بأنّ الدهر يومان: يوم لك و يوم عليك» ملكا كنت أم سوقة.

«و ان الدنيا دار دول» و تلك الأيّام نداولها بين الناس( ٤) .

«فما كان منها لك أتاك على ضعفك» لأنّه لا مانع لما أعطى.

«و ما كان منها عليك لم تدفعه بقوّتك» و إن يمسسك اللّه بضر فلا كاشف

____________________

(١) العقد الفريد:

(٢) الاعراف: ٣٤.

(٣) الزخرف: ٣٢.

(٤) آل عمران: ١٤٠.

له إلاّ هو و إن يردك بخير فلا رادّ لفضله يصيب به من شيئا من عباده و هو الغفور الرحيم( ١) .

و في (اليتيمة) قال الميكالي:

تق اللّه لا الأعداء و اعلم يقينا

بأن الذي لم يقضه لن يصيبكا

و حظك لا يعدوك ان كان قاعدا

و إنّك تعدوا حين تعدو نصيبكا

٦ - الكتاب (٧٦) و من وصية لهعليه‌السلام لعبد اللّه بن العباس عند استخلافه إياه على البصرة:

سَعِ اَلنَّاسَ بِوَجْهِكَ وَ مَجْلِسِكَ وَ حُكْمِكَ وَ إِيَّاكَ وَ اَلْغَضَبَ فَإِنَّهُ طَيْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ وَ اِعْلَمْ أَنَّ مَا قَرَّبَكَ مِنَ اَللَّهِ يُبَاعِدُكَ مِنَ اَلنَّارِ وَ مَا بَاعَدَكَ مِنَ اَللَّهِ يُقَرِّبُكَ مِنَ اَلنَّارِ أقول: رواها ابن قتيبة في (خلفائه) فقال: ذكروا أنّ عليّاعليه‌السلام لما سار من البصرة بعد فراغه من الجمل استعمل عليها ابن عباس و قال له: أوصيك بتقوى اللّه عزّ و جل و العدل على من ولاّك اللّه أمره. سع الناس بوجهك و علمك و حلمك، و إيّاك و الإحن فإنّها تميت القلب و الحق، و اعلم أنّ ما قرّبك من اللّه بعدّك من النار، و ما قرّبك من النّار بعدّك من الجنّة، اذكر اللّه كثيرا و لا تكن من الغافلين( ٢) .

قول المصنّف: (و من وصيّة لهعليه‌السلام لعبد اللّه بن العباس عند استخلافه إيّاه على البصرة) قد عرفت أنّه كان بعد الجمل عند شخوصه إلى الكوفة.

____________________

(١) يونس: ١٠٧.

(٢) الامامة و السياسة ١: ٨٥.

قولهعليه‌السلام : «سع الناس بوجهك و مجلسك و حكمك» لأنّه من عدل الواليّ الواجب عليه أو من كرائم أخلاقه المندوب إليها.

و قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لبني عبد المطلب: إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم( ١) .

و كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يساوي بين أهل مجلسه في النظر إليهم.

«و إيّاك و الغضب فإنّه طيرة» أي: خفّة يريد أن يطير بها، قال العماني:

و أحلم عن طيراته كلّ ساعة

إذا ما أتاني مغضبا يتهدّم

و الطيرة في مقابل الحلم، قال الكميت:

و حلمك عزّ إذا ما حلمت

و طيرتك الصّاب و الحنظل

«من الشيطان» في (الكافي) عن الباقرعليه‌السلام : إنّ هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم، و إنّ أحدكم إذا غضب احمرّت عيناه و انتفخت أوداجه و دخل الشيطان فيه، فإذا خاف أحدكم ذلك من نفسه فليلزم الأرض فإنّ رجس الشيطان يذهب عند ذلك.

و عن الصادقعليه‌السلام في (التوراة): يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين غضبي فلا أمحقك فيمن أمحق، و إذا ظلمت بمظلمة فارض بانتصاري لك فإنّ انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك.

و عنهعليه‌السلام قال رجل للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : علّمني. قال: إذهب و لا تغضب. فقال الرجل قد اكتفيت بذلك، فمضى إلى أهله فإذا بين قومه حرب قاموا صفوفا لابسي السّلاح، فلمّا رأى ذلك لبس سلاحه و قام معهم ثم ذكر قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا تغضب، فرمى السلاح ثم مشى إلى قوم عدوّ قومه فقال: يا هؤلاء ما كانت لكم من جراحة أو قتل أو ضرب فعلي في مالي. فقالوا: نحن أولى بذلك فما

____________________

(١) اخرجه الحاكم في المستدرك، و أبو نعيم في حلية الأولياء، عن الجامع الصغير ١: ١٠١، و النقل بتصرّف في اللفظ.

كان فهو لك، فاصطلحوا فذهب العضب( ١) .

«و اعلم أنّ ما قرّبك إلى اللّه» و هو طاعته و طاعة رسوله.

«يباعدك من النّار» و يدخلك الجنة قال تعالى: و من يطع اللّه و رسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و ذلك الفوز العظيم( ٢) .

«و ما باعدك من اللّه» و هو عصيانه و عصيان رسوله.

«يقرّبك من النّار» و من يعص اللّه و رسوله و يتعدّ حدوده يدخله نارا خالدا فيها و له عذاب مهين( ٣) .

٧ - الكتاب (٦٩) و من كتاب له عليه السلام إلى الحارث الهمدانىّ:

وَ تَمَسَّكْ بِحَبْلِ؟ اَلْقُرْآنِ؟ وَ اِسْتَنْصِحْهُ وَ أَحِلَّ حَلاَلَهُ وَ حَرِّمْ حَرَامَهُ وَ صَدِّقْ بِمَا سَلَفَ مِنَ اَلْحَقِّ وَ اِعْتَبِرْ بِمَا مَضَى مِنَ اَلدُّنْيَا لِمَا بَقِيَ مِنْهَا فَإِنَّ بَعْضَهَا يُشْبِهُ بَعْضاً وَ آخِرَهَا لاَحِقٌ بِأَوَّلِهَا وَ كُلُّهَا حَائِلٌ مُفَارِقٌ وَ عَظِّمِ اِسْمَ اَللَّهِ أَنْ تَذْكُرَهُ إِلاَّ عَلَى حَقٍّ وَ أَكْثِرْ ذِكْرَ اَلْمَوْتِ وَ مَا بَعْدَ اَلْمَوْتِ وَ لاَ تَتَمَنَّ اَلْمَوْتَ إِلاَّ بِشَرْطٍ وَثِيقٍ وَ اِحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ وَ يُكْرَهُ لِعَامَّةِ اَلْمُسْلِمِينَ وَ اِحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يُعْمَلُ بِهِ فِي اَلسِّرِّ وَ يُسْتَحَى مِنْهُ فِي اَلْعَلاَنِيَةِ وَ اِحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْكَرَهُ وَ اِعْتَذَرَ مِنْهُ وَ لاَ تَجْعَلْ عِرْضَكَ غَرَضاً لِنِبَالِ اَلْقَوْلِ وَ لاَ تُحَدِّثِ اَلنَّاسَ بِكُلِّ مَا سَمِعْتَ بِهِ فَكَفَى بِذَلِكَ كَذِباً وَ لاَ تَرُدَّ عَلَى اَلنَّاسِ كُلَّ مَا حَدَّثُوكَ بِهِ فَكَفَى بِذَلِكَ

____________________

(١) الكافي ٢: ٣٠٤ ح ١٠ ١٢.

(٢) النساء: ١٣.

(٣) النساء: ١٤.

جَهْلاً وَ اِكْظِمِ اَلْغَيْظَ وَ تَجَاوَزْ عِنْدَ اَلْمَقْدَرَةِ وَ اُحْلُمْ عِنْدَ اَلْغَضَبِ وَ اِصْفَحْ مَعَ اَلدَّوْلَةِ تَكُنْ لَكَ اَلْعَاقِبَةُ وَ اِسْتَصْلِحْ كُلَّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اَللَّهُ عَلَيْكَ وَ لاَ تُضَيِّعَنَّ نِعْمَةً مِنْ نِعَمِ اَللَّهِ عِنْدَكَ وَ لْيُرَ عَلَيْكَ أَثَرُ مَا أَنْعَمَ اَللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ وَ اِعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُهُمْ تَقْدِمَةً مِنْ نَفْسِهِ وَ أَهْلِهِ وَ مَالِهِ فَإِنَّكَ مَا تُقَدِّمْ مِنْ خَيْرٍ يَبْقَ لَكَ ذُخْرُهُ وَ مَا تُؤَخِّرْهُ يَكُنْ لِغَيْرِكَ خَيْرُهُ وَ اِحْذَرْ صَحَابَةَ مَنْ يَفِيلُ رَأْيُهُ وَ يُنْكَرُ عَمَلُهُ فَإِنَّ اَلصَّاحِبَ مُعْتَبَرٌ بِصَاحِبِهِ وَ اُسْكُنِ اَلْأَمْصَارَ اَلْعِظَامَ فَإِنَّهَا جِمَاعُ اَلْمُسْلِمِينَ وَ اِحْذَرْ مَنَازِلَ اَلْغَفْلَةِ وَ اَلْجَفَاءِ وَ قِلَّةَ اَلْأَعْوَانِ عَلَى طَاعَةِ اَللَّهِ وَ اُقْصُرْ رَأْيَكَ عَلَى مَا يَعْنِيكَ وَ إِيَّاكَ وَ مَقَاعِدَ اَلْأَسْوَاقِ فَإِنَّهَا مَحَاضِرُ اَلشَّيْطَانِ وَ مَعَارِيضُ اَلْفِتَنِ وَ أَكْثِرْ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَنْ فُضِّلْتَ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ اَلشُّكْرِ وَ لاَ تُسَافِرْ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ حَتَّى تَشْهَدَ اَلصَّلاَةَ إِلاَّ فَاصِلاً فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَوْ فِي أَمْرٍ تُعْذَرُ بِهِ وَ أَطِعِ اَللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ فَإِنَّ طَاعَةَ اَللَّهِ فَاضِلَةٌ عَلَى مَا سِوَاهَا وَ خَادِعْ نَفْسَكَ وَ اُرْفُقْ بِهَا وَ لاَ تَقْهَرْهَا وَ خُذْ عَفْوَهَا وَ نَشَاطَهَا إِلاَّ مَا كَانَ مَكْتُوباً عَلَيْكَ مِنَ اَلْفَرِيضَةِ فَإِنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا وَ تَعَاهُدِهَا عِنْدَ مَحَلِّهَا وَ إِيَّاكَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ اَلْمَوْتُ وَ أَنْتَ آبِقٌ مِنْ رَبِّكَ فِي طَلَبِ اَلدُّنْيَا وَ إِيَّاكَ وَ مُصَاحَبَةَ اَلْفُسَّاقِ فَإِنَّ اَلشَّرَّ بِالشَّرِّ مُلْحَقٌ وَ وَقِّرِ اَللَّهَ وَ أَحْبِبْ أَحِبَّاءَهُ وَ اِحْذَرِ اَلْغَضَبَ فَإِنَّهُ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنُودِ؟ إِبْلِيسَ؟ وَ اَلسَّلاَمُ أقول: و نقل روايته عن الآمدي في (غرره) مع اختلاف يسير في بعض الفقرات( ١) .

قول المصنّف: (إلى الحارث الهمداني) فانّه كما في (ذيل الطبري)

____________________

(١) الغرر للخوانساري ٣: ٣١٣.

الحارث بن عبد اللّه بن كعب بن أسد بن يخلد بن حوث بن سبع بن صعب بن معاوية بن كثير بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيوان بن نوف بن همدان.

قال الطبري: كان من متقدّمي أصحاب عليعليه‌السلام في الفقه و العلم بالفرائض و الحساب، قال الشعبي: تعلّمت منه الفرائض و الحساب، مات أيام ابن الزبير( ١) .

و روى (أمالي المفيد): مسندا عن الأصبغ قال: دخل الحارث الهمداني في نفر من الشيعة و كنت فيهم، فجعل الحارث يتأوّد في مشيته و يخبط الأرض بمحجنه و كان مريضا فأقبل عليه أمير المؤمنينعليه‌السلام و كانت له منه منزلة فقال: كيف تجدك يا حارث؟ فقال: نال الدهر منّي إلى أن قال فقالعليه‌السلام له: أبشّرك يا حارث تعرفني عند الممات و عند الصراط و عند الحوض و عند المقاسمة. قال الحارث: و ما المقاسمة؟ قال: مقاسمة النار، أقاسمها قسمة صحيحة، أقول هذا وليّي فاتركيه و هذا عدوّي فخذيه( ٢) .

و روى الكشي عن الشعبي قال: سمعت الحرث الأعور و هو يقول: أتيت أمير المؤمنينعليه‌السلام ذات ليلة فقال: يا أعور ما جاء بك؟ قلت: جاء بي و اللّه حبّك.

فقال: أما إنّي سأحدثك لتشكرها، أما إنّه لا يموت عبد يحبني فتخرج نفسه حتى يراني حيث يحبّ، و لا يموت عبد يبغضني فتخرج نفسه حتى يراني حيث يكره. ثم قال الشعبي بعد روايته: أما إنّ حبّه لا ينفعه و بغضه لا يضره( ٣) .

____________________

(١) ذيل المذيل: ١٤٦.

(٢) أمالي المفيد: ٣ ح ٣ المجلس ١.

(٣) رجال الكشي: ٨٨ ح ١٤٢.

قولهعليه‌السلام «و تمسك بحبل القرآن» فالقرآن أحد الحبلين اللّذين أمر الناس التمسّك بهما حتى لا يضلّوا و الآخر هو أهل بيتهعليهم‌السلام .

روى أحمد بن حنبل في (مسنده) عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، ألا و إنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض( ١) .

و عن زيد بن ثابت عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و إنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض( ١) .

و رواه الثعلبي في (تفسيره) في قوله تعالى: و اعتصموا بحبل اللّه جميعا و لا تفرقوا( ٢ ) و فيه: اني تارك فيكم الثقلين خليفتين ان أخذتم بهما لن تضلوا بعدي أحدهما أكبر من الآخر...( ٣) .

و روى الحميدي في (الجمع بين الصحيحين) من مسند زيد بن أرقم من عدة طرق قال زيد: قام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فينا خطيبا بماء يدعى خمّا بين مكّة و المدينة فقال: أيّها الناس إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيب، و أنا تارك فيكم الثقلين أوّلهما كتاب اللّه فيه الهدى و النور فخذوا بكتاب اللّه و استمسكوا به، فحثّ على كتاب اللّه و رغب فيه ثم قال: و أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي. و رواه مسلم في (صحيحه) مع زيادات( ٤) .

____________________

(١) حديث أبي سعيد أخرجه أحمد في مسنده ٣: ١٤، ١٧، ٢٦، ٥٩، و حديث زيد بن ثابت أخرجه في مسنده ٥: ١٨٧ ١٨٩.

(٢) آل عمران: ١٠٣.

(٣) الطرائف ١٦٠: ١٢٢، عن الثعلبي.

(٤) صحيح مسلم ٤: ١٨٧٣ ١٨٧٤ ح ٣٦ ٣٧، الطرائف ١: ١٢٢ ح ١٨٦.

ثم معنى قول النبي: «إن أهل بيته و القرآن لن يفترقا» أنّ غيرهم يفترقون عن القرآن و يقطعون حبله كما فصلوا وصلة عترته.

و قال أبو عبد اللّهعليه‌السلام فيما أخبر عن الملاحم: لا و اللّه لا يرجع الأمر و الخلافة إلى آل أبي بكر و عمر أبدا و لا إلى بني أميّة أبدا و لا في ولد طلحة و الزبير أبدا، و ذلك انهم نبذوا القرآن و أبطلوا السنن و عطلوا الأحكام.

«و استنصحه» هكذا في (المصرية) و الصواب: «و انتصحه» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ١ ) (و الخطية)، أي: عده و اعتقده نصيحا لك.

قال الزهري قال علي بن الحسينعليه‌السلام : لو مت بين المشرق و المغرب لما استوحشت بعد أن يكون القرآن معي. كانعليه‌السلام إذا قرأ مالك يوم الدين( ٢ ) يكررها حتى كاد أن يموت.

«و أحل حلاله و حرّم حرامه» و لا تحلل حرامه و لا تحرم حلاله، قال تعالى و لا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال و هذا حرام لتفتروا على اللّه الكذب( ٣) .

«و صدق بما سلف من الحق» من كتبه و رسله، قال تعالى في كتابه في موضعين و لكن تصديق الذي بين يديه( ٤ ) و في موضع مصدق الذي بين يديه( ٥ ) و في رسوله ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم( ٦ ) ، و قال تعالى في قوم و يريدون أن يفرقوا بين اللّه و رسله و يقولون نؤمن ببعض و نكفر

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٤٣، شرح ابن ميثم ٥: ٢١٩.

(٢) الفاتحة: ٤.

(٣) النحل: ١١٦.

(٤) يوسف: ١١١.

(٥) الانعام: ٩٢.

(٦) آل عمران: ٨١.

ببعض و يريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا. أولئك هم الكافرون حقا( ١) .

و قال ابن أبي الحديد أي: صدّق بما في القرآن من أيّام اللّه في الامم السالفة...( ٢ ) و هو كما ترى.

«و اعتبر بما مضى من الدنيا لما بقي منها» في (وزراء الجهشياري): وجد في ثني مصلّى الفضل بن يحيى لمّا نقل من محبس إلى آخر رقعة فيها:

لو لم تكن هذه الدنيا لها دول

بين البريّة بالآفات و العطب

إذن صفت لاناس قبلنا و بهم

كانت تليق ذوي الأخطار و الحسب

و لم ننلها و فيما قد ذكرت أسى

و عبرة لذوي الألباب و الأدب

«فإنّ بعضها يشبه بعضا و آخرها لاحق بأوّلها و كلّها حائل مفارق» في الخبر عن أبي جعفرعليه‌السلام : ينادي مناد كلّ يوم: يا ابن آدم لد للموت و اجمع للفناء و ابن للخراب( ٣) .

و عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام : جاء جبرئيل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: عش يا محمّد ما شئت فانّك ميت، و أحبب من شئت فإنّك مفارقه، و اعمل ما شئت فإنّك لاقيه.

و قال ابن أبي الحديد: قالعليه‌السلام في غير هذا الفصل: الماضي للمقيم عبرة، و الميّت للحي عظة، و ليس لأمس عودة، و لا المرء من غد على ثقة، الأوّل للأوسط رائد، و الأوسط للأخير قائد، و كلّ بكلّ لاحق، و الكلّ للكلّ مفارق( ٤) .

«و عظّم اسم اللّه أن تذكره إلاّ على حق» عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام : من أجلّ اللّه أن يحلف به أعطاه خيرا ممّا ذهب عنه.

و عنهعليه‌السلام اجتمع الحواريّون إلى عيسى فقالوا: يا معلّم الخير أرشدنا.

____________________

(١) النساء: ١٥٠ ١٥١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٤٣.

(٣) الكافي ٢: ١٣١ ح ١٤.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٤٤.

فقال لهم: إن موسى نبيّ اللّه أمركم ألاّ تحلفوا باللّه كاذبين و أنا آمركم ألا تحلفوا باللّه كاذبين و لا صادقين.

و عنهعليه‌السلام : من حلف باللّه كاذبا فقد كفر، و من حلف باللّه صادقا أثم، إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: و لا تجعلوا اللّه عرضة لأيمانكم.

و عنهعليه‌السلام : من حلف على يمين و هو يعلم أنّه كاذب فقد بارز اللّه، و من قال «علم اللّه ما لم يعلم» اهتزّ العرش إعظاما له.

و عنهعليه‌السلام قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّ للّه ملكا رجلاه في الأرض السفلى مسيرة خمسمئة عام و رأسه في السماء العليا مسيرة ألف سنة يقول: «سبحانك سبحانك حيث كنت فما أعظمك» فيوحي تعالى إليه: ما يعلم ذلك من يحلف بي كاذبا.

و في كتاب عليعليه‌السلام : اليمين الكاذبة و قطيعة الرحم تذران الديار بلاقع من أهلها و تنغّل في الرحم يعني انقطاع النسل.

و عنهعليه‌السلام : إذا ادّعى عليك مال و لم يكن له بيّنة فأراد أن يحلفك فإنّ بلغ مقداره ثلاثين درهما فأعطه و لا تحلف، و إن كان أكثر فاحلف و لا تعطه.

«و أكثر ذكر الموت و ما بعد الموت» حتّى تكون أفطن الناس، و قال أبو عبيدة الحذاء لأبي جعفرعليه‌السلام : حدثني بما انتفع به. فقال له: أكثر ذكر الموت فإنّه لم يكثر انسان ذكر الموت إلاّ زهد في الدنيا.

«و لا تتمنّ الموت إلاّ بشرط وثيق» روي أنّ رجلا جاء إلى الصادقعليه‌السلام فقال: قد سئمت الدنيا فأتمنّى على اللّه الموت. قال: تمنّ الحياة لتطيع لا لتعصي، فلئن تعيش فتطيع خير لك من أن تموت.

و الشرط الوثيق معلومية كونه من الأبرار و من أولياء اللّه تعالى، قال

عزّ و جلّ و ما عند اللّه خير للأبرار( ١ ) و قال لليهود المدّعين كونهم من أولياء اللّه فتمنوا الموت إن كنتم صادقين( ٢ ) و قد حكى تمنّى كثير من أوليائه تعالى و موتهم عقيب تمنّيهم.

«و احذر كلّ عمل يرضاه صاحبه لنفسه و يكره» هكذا في النسخ( ٣ ) و الظاهر كونه محرف «و يكرهه».

«لعامّة المسلمين، و احذر كلّ عمل يعمل به في السر و يستحى منه في العلانية» من القبائح لا ما ورد أصله سرّا كالمناكح( ٤) .

«و احذر كلّ عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكره و اعتذر منه» قال ابن أبي الحديد: الثلاثة الّتي أمرعليه‌السلام بالحذر منها متقاربة في المعنى، و يشملها معنى قول الشاعر:

لا تنه عن خلق و تأتي مثله

عار عليك إذا فعلت عظيم

و قال تعالى حاكيا عن أحد أنبيائه: و ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه( ٥ ) ، و من كلام الجنيد: ليكن عملك من وراء سترك كعملك من وراء الزجاج الصافي. و في المثل «إيّاك و ما يعتذر منه»( ٦) .

قلت: بل البيت و الآية في معنى الأول، و كلام الجنيد في معنى الثاني، و المثل في معنى الثالث، لا أنّ كلاّ منها يشمل الجميع.

«و لا تجعل عرضك غرضا» أي: هدفا.

____________________

(١) آل عمران: ١٩٨.

(٢) البقرة: ٩٤.

(٣) شرح ابن ميثم ٥: ٢١٩.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٤١.

(٥) هود: ٨٨.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٤٤ ٤٥.

«لنبال القول» أي: سهام أقوالهم، قال الشاعر:

مقالة السوء إلى أهلها

أسرع من منحدر سائل

و من دعا الناس إلى ذمّه

ذمّوه بالحقّ و بالباطل

أيضا:

لا تستثر أبدا ما لا تقوم له

و لا تهيجنّ من عرينه الأسدا

إن الزنابير إذا حرّكتها سفها

عن كورها أوجعت من لسعها الجسدا

في (سنن أبي داود) عن السجّادعليه‌السلام قالت صفية: كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم قمت فانقلبت فقام معي ليقلبني و كان مسكنها في دار اسامة فمر رجلان من الأنصار فلمّا رأيا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسرعا فقال: على رسلكما انّها صفية بنت حي. قالا: سبحان اللّه يا رسول اللّه قال: إنّ الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدّم فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا.

«و لا تحدّث الناس بكل ما سمعت به» بأن تقول لهم الأمر الفلاني كذا و كذا استنادا إلى سماعك.

«فكفى بذلك كذبا» لأنّ أكثر ما يسمع الإنسان كذب و حينئذ فالواجب ألاّ يحدّث إلاّ بما رأى بعينه أو كرؤية العين من السماع عن الثقة.

و هذا نظير قولهعليه‌السلام في موضع آخر: «بين الحق و الباطل أربع أصابع» و أراد بالحق ما رآه بعينه و بالباطل ما سمعه باذنه.

و قال ابن أبي الحديد: قد نهىعليه‌السلام أن يحدّث الإنسان بكلّ ما رأى من العجائب، فضلا عمّا سمع، لأنّ الحديث الغريب المعجب تسارع النفس إلى تكذيبه، و إلى أن تقوم الدلالة على صدقه قد فرط من سوء الظن فيه ما فرط،

و يقال إنّ بعض العلويّة قال في حضرة عضد الدولة ببغداد: عندنا في الكوفة نبق، وزن كلّ نبقة مثقالان، فاستظرف الملك ذلك و كاد يكذّبه الحاضرون، فلمّا قام ذكر ذلك لأبيه، فأرسل حماما كان عنده في الحال إلى الكوفة يأمر وكلاءه بإرسال مئة حمام في رجلي كلّ واحد نبقتان من ذلك النبق، فجاء النبق في بكرة الغد و حمل إلى عضد الدولة، فاستحسنه و صدّقه، ثم قال له:

لعمري لقد صدقت، و لكن لا تحدّث فيما بعد بكل ما رأيت من الغرائب، فليس كلّ وقت يتهيّأ لك إرسال الحمام( ١) .

قلت: هو كما ترى، فكلامهعليه‌السلام أنّه لا يجوز للإنسان أن يحدّث بجميع مسموعاته ممّا لا شاهد لصدقه لأن أكثرها كذب فإذا حدث كذب، و ما قاله شي‏ء آخر و هو أنّه لا ينبغي للعاقل أن يحدّث بكل ما رأى من الغرائب مخافة أن يكذّبه الناس مع صدقه فيحصل له استصغار كما هو مفاد تحديث العلوي.

«و لا تردّ على الناس كلّ ما حدّثوك به» و لو كان غريبا ففي مخلوقاته تعالى عجائب.

«فكفى بذلك جهلا» ففي العالم أشياء لم ترها أصلا فكيف تنكر وجودها بعدم رؤيتك، و إنّما قالعليه‌السلام لا تردّ كلّ ما حدثوك لأنّ من الأمور أمورا ممكنة و منها امورا ممتنعة قد قام البرهان على استحالتها، فيجوز لك ردّ الممتنع دون الممكن كما في رد حضّار مجلس العضد لكلام العلويّ الممكن.

«و اكظم الغيظ» قال ابن أبي الحديد: روى أنّ عبدا لموسى بن جعفرعليه‌السلام قدّم إليه صحفة فيها طعام حارّ، فعجل فصبّها على رأسه و وجهه، فغضب، فقال العبد: و الكاظمين الغيظ( ٢ ) قال: قد كظمت، قال و العافين عن

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٤٥ ٤٦.

(٢) آل عمران: ١٣٤.

الناس( ١ ) . قال: قد عفوت. قال: و اللّه يحب المحسنين( ٢ ) . قال: أنت حرّ لوجه اللّه، و قد نحلتك ضيعتي الفلانية( ٣) .

قلت: و روى المفيد في (إرشاده): أنّ رجلا من أهل بيت علي بن الحسينعليه‌السلام وقف عليه فأسمعه و شتمه فلم يكلمه، فلمّا انصرف قال لجلسائه: لقد سمعتم ما قال هذا الرجل و أنا أحبّ أن تبلغوا معي إليه حتّى تسمعوا منّي ردّي عليه. فقالوا له: نفعل، و لقد كنّا نحبّ أن تقول له و نقول، فأخذ نعليه و مشى و هو يقول: و الكاظيمن الغيظ و العافين عن الناس و اللّه يحب المحسنين( ٤ ) ، فعلموا انه لا يقول له شيئا، فلمّا أتى بابه قال: قولوا: له هذا علي بن الحسين، فخرج متوثّبا للشرّ و هو لا يشكّ أنّه إنّما جاء مكافئا له على بعض ما كان له، فقالعليه‌السلام له: يا أخي كنت قد وقفت عليّ آنفا و قلت و قلت، فإن كنت قلت ما فيّ فأستغفر اللّه منه، و إن كنت قلت ما ليس فيّ فغفر اللّه لك. فقبّل الرجل بين عينيه و قال: بل قلت فيك ما ليس فيك و أنا أحقّ به. قال الراوي: و الرجل هو الحسن بن الحسن( ٥) .

«و تجاوز عند المقدرة، و احلم عند الغضب» هكذا في (المصرية) و الصواب:

(و احلم عند الغضب و تجاوز عند المقدرة) كما في (ابن أبي الحديد)( ٦ ) و (ابن ميثم)( ٧ ) و (الخطية).

في (تاريخ اليعقوبي): قال رجل لأمير المؤمنينعليه‌السلام : أوصني. فقال له:

____________________

(١) آل عمران: ١٣٤.

(٢) آل عمران: ١٣٤.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٤٦.

(٤) آل عمران: ١٣٤.

(٥) الإرشاد: ٢٥٧.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٤٦.

(٧) شرح ابن ميثم ٥: ٢٢٠.

أوصيك بتقوى اللّه و اجتناب الغضب و ترك الأماني، و أن تحافظ على ساعتين من نهار من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس و من العصر إلى غروبها، و لا تفرح بما علمت و لكن بما عملت فيهما( ١) .

«و اصفح مع الدولة» أي: الغلبة، قال تعالى: و تلك الأيام نداولها بين الناس( ٢ ) أي: مرّة لهؤلاء و مرّة لهؤلاء، و قال الشاعر:

استدل الايام و الدهر دول

«تكن لك العاقبة» في (ذيل الطبري): قال سالم مولى أبي جعفر: كان هشام بن اسماعيل يؤذي عليّ بن الحسينعليه‌السلام و أهل بيته يخطب على المنبر و ينال من عليّ، فلمّا ولي الوليد بن عبد الملك عزله، و أمر به أن يوقف للناس كان هشام يقول لا و اللّه ما كان أحد من الناس أهمّ إليّ من عليّ بن الحسين، كنت أقول رجل صالح يسمع قوله فوقف للناس، فجمع علي بن الحسين ولده و حامته، و نهاهم عن التعرّض له، و غداعليه‌السلام مارّا لحاجة، فما عرض له، فناداه هشام اللّه أعلم حيث يجعل رسالته( ٣) .

و قال ابن أبي الحديد: قوله: «إصفح مع الدولة» هذه كانت شيمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و شيمة عليّ، أمّا النبي فظفر بمشركي قريش و عفا عنهم، و أمّا عليّ فظفر بأصحاب الجمل و قد شقّوا عصا الاسلام عليه، و طعنوا فيه و في خلافته، فعفا عنهم مع علمه بأنّهم يفسدون عليه أمره فيما بعد، و يصيرون إلى معاوية إمّا بأنفسهم أو بآرائهم و مكتوباتهم، و هذا أعظم من الصفح عن أهل مكة لأنّ أهل مكّة لم يبق لهم لمّا فتحت فئة يتحيّزون

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٠٩.

(٢) آل عمران: ١٤٠.

(٣) ذيل المذيل: ١٢٠. و الآية ١٢٤ من سورة الأنعام.

إليها، و يفسدون الدين عندها( ١) .

«و استصلح كلّ نعمة أنعمها اللّه عليك» لأنّه تعالى يسلب نعمته إذا أفسدها العبد ان اللّه لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيروا ما بأنفسهم( ٢) .

«و لا تضيّعنّ نعمة من نعم اللّه عندك» فمن ضيّع نعمته تعالى فسلبت عنه ثم دعا لعودها كان من طوائف لا يستجيب دعاءهم.

و يمكن أن يراد بتضييع النعمة أن لا يتمتع هو منها و لا يمتّع الناس منها، كمن عنده فاكهة فلا يأكلها و لا يعطيها غيره حتّى تفسد فيكون من المفسدين.

«و لير عليك أثر ما أنعم اللّه به عليك» فإنّ كتمانها كفران يوجب السلب، و لا يرتضي هذه الخلّة المخلوق فكيف الخالق.

قال أبو هلال العسكري في (ديوان معانيه): قال ابن قتيبة: أراد جعفر حاجة كان طريقه إليها على باب الأصمعي، فدفع إلى خادم له ألف دينار و قال:

إنّي سأنزل في رجعتي إلى الأصمعي ثم يحدثني و يضحكني فإذا ضحكت فضع الكيس بين يديه فلمّا رجع دخل عليه فرأى حبّا مكسور الرأس و جرّة مكسورة العنق و قصعة مشعّبة و جفنة أعشار، و رآه على مصلّى بال و عليه بركان أجرد، فغمز غلامه ألاّ يضع الكيس بين يديه، فلم يدع الأصمعي شيئا ممّا يضحك الثكلان و الغضبان إلاّ أورده عليه فما تبسّم، ثم خرج فقال لرجل يسايره: من استرعى الذئب ظلم، و من زرع سبخة حصد الفقر، إنّي و اللّه لو علمت أن هذا يكتم المعروف بالفعل ما حفلت له بنشره له باللسان، و أين يقع مديح اللسان من آثار الإنسان، إنّ اللسان قد يكذب و الحال لا يكذب،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٤٧.

(٢) الرعد: ١١.

و للّه در نصيب حيث يقول:

فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله

و لو سكتوا أثنت عليك الحقائب

ثم قال: أما علمت ان طاق أبرويز أمدح لأبرويز من شعر زهير لآل سنان( ١) .

«و اعلم أنّ أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه و أهله و ماله» قال تعالى:

و قدّموا لأنفسكم و اتّقوا اللّه و اعلموا أنّكم ملاقوه و بشّر المؤمنين( ٢) ، و لتنظر نفس ما قدّمت لغد( ٣ ) ، إنّ اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون و يقتلون وعدا عليه حقّا في التوراة و الإنجيل و القرآن و من أوفى بعهده من اللّه فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به و ذلك هو الفوز العظيم( ٤) .

و في (مقاتل أبي الفرج): قال العباس بن علي يوم الطف لأخيه من أبيه و امه عبد اللّه بن علي: تقدّم بين يديّ حتّى أراك قتيلا و أحتسبك( ٥) .

و في (الطبري): قال عابس بن شبيب الشاكري لشوذب مولى شاكر يوم الطف: ما في نفسك أن تصنع؟ قال: اقاتل معك دون ابن بنت رسول اللّه حتّى اقتل. قال: ذلك الظن بك، فتقدّم بين يدي أبي عبد اللّهعليه‌السلام حتّى يحتسبك كما احتسب غيرك من أصحابه و حتّى أحتسبك أنا، فإنّه لو كان معي السّاعة أحد أنا أولى به منّي بك لسرّني أن يتقدّم بين يديّ حتّى أحتسبه، فإنّ هذا يوم ينبغي أن نطلب الأجر فيه بكلّ ما قدرنا عليه، فإنّه لا عمل

____________________

(١) ديوان المعاني لأبي هلال العسكري

(٢) البقرة: ٢٢٣.

(٣) الحشر: ١٨.

(٤) التوبة: ١١١.

(٥) مقاتل الطالبيين: ٥٤.

بعد اليوم و إنّما هو الحساب( ١) .

«فإنّك» هكذا في (المصرية) و الصواب: (و إنّك) كما في (ابن أبي الحديد)( ٢ ) و (ابن ميثم)( ٣ ) و (الخطية).

«ما تقدّم من خير يبقى لك ذخره» و ما تقدّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند اللّه هو خيرا و أعظم أجرا( ٤) .

«و ما تؤخّره يكن لغيرك خيره» و لذا قيل: إنّ الناس مال غيرهم أحبّ إليهم من مالهم لأنّه ليس مالهم إلاّ ما قدّموه و أنفقوه في سبيله تعالى، و أمّا ما ادّخروه فهو مال ورثتهم.

«و احذر صحابة من يفيل» أي: يضعف.

«رأيه» قال جرير:

رأيتك يا أخيطل إذ جرينا

و جرّبت الفراسة كنت فالا

«و ينكر عمله فإنّ الصاحب معتبر بصاحبه» قال الصادقعليه‌السلام : لا تصحبوا أهل البدع و لا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم.

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : المرء على دين خليله و قرينه، و قال ابن أبي الحديد( ٥) :

قال طرفة:

عن المرء لا تسأل و سل عن قرينه

فكلّ قرين بالمقارن يقتدى

«و اسكن الأمصار العظام فإنّها جمّاع» بالضم و التشديد، أي: الاخلاط و الإشابه، قال أبو قبيس بن الأسلت:

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٤٤٣.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٤١.

(٣) شرح ابن ميثم ٥: ٢٢٠.

(٤) المزّمّل: ٢٠.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٤٨.

ثمّ تجلّت و لنا غاية

من بين جمع غير جمّاع

و جماع الثريا كواكبها المجتمعة، قال ذو الرمّة:

و نهب كجمّاع الثريا حويته

بأجرد محتوت الصفاقين خيفق

«المسلمين» و لأنّ فيها كلّ ما يحتاج إليه.

«و احذر منازل الغفلة و الجفاء و قلّة الأعوان على طاعة اللّه» و لذا يكون التعرّب بعد الهجرة كبيرة، و كانت الهجرة قبل الفتح فريضة.

«و اقصر» أي: أحصر.

«رأيك على ما يعنيك» أي: يهمّك و إلاّ فمن تابع الفضول فاتته الاصول.

«و إيّاك و مقاعد الأسواق فإنّها محاضر» أي: أمكنة حضور.

«الشيطان و معاريض» أي: مواضع عروض.

«الفتن» عن أبي جعفرعليه‌السلام : جاء أعرابي من بني عامر إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسأله عن خير بقاع الأرض و شرّ بقاع الأرض. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ خير بقاع الأرض المساجد و أحبّ أهلها إلى اللّه أوّلهم دخولا و آخرهم خروجا، و إنّ شرّ بقاع الأرض الأسواق و هي ميدان ابليس يغدو برايته و يضع كرسيه و يبثّ ذرّيّته فبين مطفّف في قفيز أو طائش في ميزان، أو سارق في ذرع أو كاذب في سلعة، فلا يزال مع أوّل من يدخل و آخر من يخرج.

«و أكثر أن تنظر إلى من فضّلت عليه فإنّ ذلك من أبواب الشّكر» يمكن أن يراد بإكثار النظر إلى المفضّل عليه التفكّر في نعمة اللّه عليك بتفضيلك فتشكره تعالى على ذلك، و يمكن أن يراد به إكثار مساعدته ليكون شكرا لنعمته تعالى عليه.

و في (وزراء الجهشياري): قال ابن المعتمر: كنت أسير مع يحيى

البرمكي و هو بين ابنيه الفضل و جعفر، فإذا ابن طرخان واقف على الطريق، فناداني فاستشرفت له فقال:

صحبت البرامك عشرا ولاء

و بيتي كراء و خبزي شراء

فسمعه يحيى فالتفت إلى ابنيه فقال: أفّ لهذا العقل فلان ممّن يحاسب، فلمّا كان من الغد جاء ابن طرخان فقلت له: ويحك ما هذا الذي عرضت له نفسك بالأمس. فقال: اسكت ما هو إلاّ أن انصرفت إلى منزلي حتّى جاءني من قبل الفضل بدرة و من قبل جعفر بدرة، و وهب لي كلّ واحد منهما دارا و أجرى لي من مطبخه ما يكفيني.

و كان يحيى يقول: ما وقع غبار مركبي على لحية رجل قط إلاّ أوجبت له على نفسي حفظه و ألزمتها حقّه.

«و لا تسافر في يوم جمعة حتّى تشهد الصلاة» إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللّه( ١ ) و قبل النداء إذا سافر فوّت على نفسه فضلا كثيرا.

«إلاّ فاصلا في سبيل اللّه» في الجهاد الواجب.

«أو في أمر تعذر به» من السفر الاضطراري.

«و اطع اللّه في جميع» هكذا في (المصرية) و الصواب: (في جمل) كما في (ابن أبي الحديد)( ٢ ) و (ابن ميثم)( ٣ ) و (الخطية).

«أمورك فإنّ طاعة اللّه فاضلة على ما سواها» و من يطع اللّه و رسوله فقد فاز فوزا عظيما( ٤ ) ، و من يطع اللّه و رسوله فأولئك مع الذين أنعم اللّه عليهم

____________________

(١) الجمعة: ١٠.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٤٢.

(٣) شرح ابن ميثم ٥: ٢٢٠.

(٤) الاحزاب: ٧١.

من النبيّين و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا( ١) ، و من يطع اللّه و رسوله و يخش اللّه و يتّقه فأولئك هم الفائزون( ٢ ) ، و من يطع اللّه و رسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و ذلك هو الفوز العظيم( ٣) .

«و خادع نفسك في العبادة» روى (إرشاد المفيد) عن سعد بن كلثوم قال:

كنت عند جعفر بن محمّدعليه‌السلام فذكر عليّا فقال: و اللّه ما أكل من الدنيا حراما قطّ حتّى مضى لسبيله، و ما عرض له أمران قطّ هما للّه رضى إلاّ أخذ بأشدّهما عليه في دينه، و ما نزلت بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نازلة قطّ إلاّ دعاه ثقة به، و ما أطاق عمل النبي من هذه الأمة غيره، و إن كان ليعمل عمل رجل كأنّ وجهه بين الجنّة و النّار يرجو ثواب هذه و يخاف من عقاب هذه، و لقد أعتق من ماله مئة ألف مملوك في طلب وجه اللّه و النجاة من النار ممّا كدّ بيده و رشح منه جبينه، و إن كان ليقوت أهله بالزيت و الخلّ و العجوة، و ما كان لباسه إلاّ الكرابيس، إذا فضل شي‏ء عن يده من كمه دعا بالجلم فقصّه.

و ما من أهل بيته أحد أقرب شبها به في لباسه و فقهه من علي بن الحسينعليه‌السلام ، و لقد دخل أبو جعفر ابنه عليه فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه، فرآه قد اصفرّ لونه من السهر و رمضت عيناه من البكاء، و دبرت جبهته و انخرم أنفه من السجود، و و رمت ساقاه و قدماه من القيام في الصلاة، فلم يملك نفسه من البكاء حين رآه بتلك الحال فبكى رحمة له و إذا هو يفكر، فالتفت إليه بعد هنيهة و قال له: يا بنيّ اعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي

____________________

(١) النساء: ٦٩.

(٢) النور: ٥٢.

(٣) النساء: ١٣.

بن ابي طالب، فأعطاه فقرأ فيها شيئا يسيرا ثم تركها من يده تضجّرا و قال:

من يقوى على عبادة عليعليه‌السلام ( ١) .

و روى (أمالي الشيخ): أن فاطمة بنت عليعليه‌السلام لما نظرت إلى ما يفعل ابن أخيها علي بن الحسين بنفسه من الدأب في العبادة أتت جابر الأنصاري فقالت له: يا صاحب النبي إنّ لنا عليكم حقوقا. و منها إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه اجتهادا أن تذكّروه اللّه و تدعوه إلى البقى على نفسه و هذا علي بن الحسين بقية أخي الحسين قد انخرم أنفه و ثفنت جبهته و ركبتاه و راحتاه إدآبا منه لنفسه في العبادة. فأتى جابر إليهعليه‌السلام و قال له: أما علمت يا ابن رسول اللّه أنّ اللّه تعالى إنّما خلق الجنة لكم و لمن أحبّكم و خلق النّار لمن أبغضكم و عاداكم، فما هذا الجهد الذي كلفته نفسك؟ فقالعليه‌السلام : أما علمت يا صاحب النبي أنّ جدّي رسول اللّه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر فلم يدع الاجتهاد له و تعبّد بأبي هو و امي حتّى انتفخ السّاق و ورم القدم؟ و قيل له:

أ تفعل هذا و قد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر؟ قال: أ فلا أكون عبدا شكورا؟ فلمّا رأى جابر أنّه ليس يغني فيه قوله قال له: يا ابن رسول اللّه البقيا على نفسك فإنّك من اسرة بهم يستدفع البلاء و يستكشف اللّأواء و بهم يستمطر السماء. فقالعليه‌السلام له: يا جابر لا أزال على منهاج أبوي صلوات اللّه عليهما مؤتسيا بهما حتّى ألقاهما. فأقبل جابر على من حضر فقال لهم: و اللّه ما أرى في أولاد الأنبياء بمثل علي بن الحسين إلاّ يوسف بن يعقوب، و اللّه لذرّيّة علي بن الحسين أفضل من ذرية يوسف بن يعقوب إذ منهم لمن يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا»( ٢) .

____________________

(١) الإرشاد للمفيد: ٢٥٥ ٢٥٦.

(٢) أمالي الطوسي ٢: ٢٤٩، المجلس ١٣.

«و ارفق بها و لا تقهرها، و خذ عفوها و نشاطها» في (الكافي) عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

إنّ هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، و لا تكرّهوا عبادة اللّه إلى عباد اللّه فتكونوا كالراكب المنبّت الذي لا سفرا قطع و لا ظهرا أبقى( ١) .

«إلاّ ما كان مكتوبا عليك من الفريضة فإنّه لا بدّ من قضائها» أي: أدائها كقوله تعالى: فإذا قضيت الصلاة( ٢) .

«و تعاهدها عند محلّها» أي: عند وقتها سواء كان لك نشاط أم لا بخلاف النافلة.

و في (الكافي) عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ للقلوب إقبالا و إدبارا، فإذا أقبلت فتنفّلوا و إذا أدبرت فعليكم بالفريضة.

و روي أنّ أبا الحسن موسىعليه‌السلام كان إذا أهمّ ترك النافلة( ٣) .

«و إيّاك أن ينزل بك الموت و أنت آبق من ربك في طلب الدّنيا» قيل لأبي ذر:

كيف ترى قدومنا على اللّه؟ قال: أمّا المحسن فكالغائب يقدم على أهله و أما المسي‏ء فكالآبق يقدم على مولاه. قيل له: فكيف حالنا عند اللّه؟ قال: إعرضوا أعمالكم على كتاب اللّه إنّه تعالى يقول: إنّ الأبرار لفي نعيم و إنّ الفجّار لفي جحيم( ٤ ) . قيل له: فأين رحمة اللّه؟ قال: إنّ رحمة اللّه قريب من المحسنين( ٥) .

«و إيّاك و مصاحبة الفسّاق فإنّ الشرّ بالشّر ملحق» روى (الكافي): أنّ الهاديعليه‌السلام قال للجعفري: مالي رأيتك عند عبد الرحمن بن أبي يعقوب؟ فقال

____________________

(١) الكافي ٢: ٨٦ ح ١.

(٢) الجمعة: ١٠.

(٣) الكافي ٣: ٤٥٤، ح ١٥ و ١٦.

(٤) الانفطار: ١٣ ١٤.

(٥) الاعراف: ٥٦.

له: إنّه خالي. فقالعليه‌السلام : إنّه يقول في اللّه تعالى قولا عظيما يصف اللّه تعالى و لا يوصف فإمّا جلست معه و تركتنا و إمّا جلست معنا و تركته. فقال الجعفري:

هو يقول ما شاء، أيّ شي‏ء عليّ منه إذا لم أقل بقوله؟ فقال: أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعا؟ أما علمت الذي كان من أصحاب موسىعليه‌السلام و كان أبوه من أصحاب فرعون، فلمّا لحق خيل فرعون موسى تخلّف عنه ليعظ أباه فيلحقه بموسى، فمضى أبوه و هو يراغمه حتّى بلغا طرفا من البحر فغرقا جميعا و أتى موسى الخبر فقال: هو في رحمة اللّه و لكنّ النّقمة إذا نزلت لم يكن لها عمّن قارب المذنب دفاع.

و روى عن محمّد بن مسلم قال: مرّ بي أبو جعفرعليه‌السلام و أنا جالس عند قاض بالمدينة، فدخلت عليه من الغد فقال لي: ما مجلس رأيتك فيه أمس؟ قلت له: جعلت فداك إنّ هذا القاضي لي مكرم فربّما جلست إليه. فقال لي: و ما يؤمنك أن تنزل اللعنة عليه فتعمّ من في المجلس( ١) .

«و وقر اللّه» فإنّه لازم الإيمان به و لازم المعرفة بعظمته و قدرته، قال نوح لقومه: ما لكم لا ترجون للّه وقارا. و قد خلقكم أطوارا( ٢) .

«و أحبب أحباءه» في (الكافي) عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لأصحابه: أيّ عرى الإيمان أوثق؟ فقال بعضهم: الصلاة، و قال بعضهم: الزكاة، و قال بعضهم:

الصيام، و قال بعضهم: الحج و العمرة، و قال بعضهم: الجهاد، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله ‏و سلّم: لكلّ ما قلتم فضل، و لكنّ أوثق عرى الإيمان باللّه الحبّ في اللّه، و البغض في اللّه و توالي أوليائه و التبرّي من أعدائه.

و عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ودّ المؤمن للمؤمن من أعظم شعب الإيمان، ألا و من

____________________

(١) الكافي ٢: ٣٧٤ ح ٢.

(٢) نوح: ١٣ ١٤.

أحبّ في اللّه و أبغض في اللّه و أعطى في اللّه و منع في اللّه فهو من أصفياء اللّه.

و عن السجادعليه‌السلام قال: إذا جمع اللّه الأوّلين و الآخرين قام مناد يسمع الناس فيقول: أين المتحابّون في اللّه؟ فيقوم عنق من الناس فيقال لهم: اذهبوا إلى الجنّة بغير حساب، فتتلقّاهم الملائكة فتقول لهم: فأيّ ضرب أنتم من الناس؟ فيقولون: نحن المتحابون في اللّه، فيقولون: أيّ شي‏ء كانت أعمالكم؟

قالوا كنّا نحبّ في اللّه و نبغض في اللّه، فيقولون لهم: نعم أجر العاملين( ١) .

«و احذر الغضب فإنّه جند عظيم من جنود إبليس» روى (الكافي): أنّ رجلا بدويّا أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: إنّي أسكن البادية فعلّمني جوامع الكلم. فقال: آمرك ألاّ تغضب، فأعاد عليه المسألة ثلاث مرّات حتّى رجع الرجل إلى نفسه فقال: لا أسأل عن شي‏ء بعد هذا، ما أمرني النبيّ إلاّ بالخير.

و كان أبي يقول: أيّ شي‏ء أشدّ من الغضب؟ إنّ الرجل ليغضب فيقتل النفس التي حرّم اللّه و يقذف المحصنة.

و عن أبي جعفرعليه‌السلام : إنّ الرجل ليغضب فما يرضى أبدا حتّى يدخل النار، فأيّما رجل غضب على قوم و هو قائم فليجلس من فوره ذلك فإنّه سيذهب عنه رجز الشيطان، و أيّما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه و ليمسّه فإنّ الرّحم إذا مسّت سكنت( ٢) .

٨ - الخطبة (٢٢) و من خطبة له ع أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَلْأَمْرَ يَنْزِلُ مِنَ اَلسَّمَاءِ إِلَى اَلْأَرْضِ كَقَطَرَاتِ اَلْمَطَرِ إِلَى كُلِّ

____________________

(١) الكافي ٢: ١٢٥ ١٢٦ ح ٣ و ٦ و ٨ بتصرف في بعض الألفاظ.

(٢) الكافي ٢: ٣٠٢ ٣٠٣ ح ٢ و ٤.

نَفْسٍ بِمَا قُسِمَ لَهَا مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ لِأَخِيهِ غَفِيرَةً فِي أَهْلٍ أَوْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ فَلاَ يَكُونَنَّ لَهُ فِتْنَةً فَإِنَّ اَلْمَرْءَ اَلْمُسْلِمَ مَا لَمْ يَغْشَ دَنَاءَةً تَظْهَرُ فَيَخْشَعُ لَهَا إِذَا ذُكِرَتْ وَ تُغْرَى بِهَا لِئَامُ اَلنَّاسِ كَانَ كَالْفَالِجِ اَلْيَاسِرِ اَلَّذِي يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ تُوجِبُ لَهُ اَلْمَغْنَمَ وَ يُرْفَعُ بِهَا عَنْهُ اَلْمَغْرَمُ وَ كَذَلِكَ اَلْمَرْءُ اَلْمُسْلِمُ اَلْبَرِي‏ءُ مِنَ اَلْخِيَانَةِ يَنْتَظِرُ مِنَ اَللَّهِ إِحْدَى اَلْحُسْنَيَيْنِ إِمَّا دَاعِيَ اَللَّهِ فَمَا عِنْدَ اَللَّهِ خَيْرٌ لَهُ وَ إِمَّا رِزْقَ اَللَّهِ فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْلٍ وَ مَالٍ وَ مَعَهُ دِينُهُ وَ حَسَبُهُ إِنَّ اَلْمَالَ وَ اَلْبَنِينَ حَرْثُ اَلدُّنْيَا وَ اَلْعَمَلَ اَلصَّالِحَ حَرْثُ اَلْآخِرَةِ وَ قَدْ يَجْمَعُهُمَا اَللَّهُ تَعَالَى لِأَقْوَامٍ فَاحْذَرُوا مِنَ اَللَّهِ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ وَ اِخْشَوْهُ خَشْيَةً لَيْسَتْ بِتَعْذِيرٍ وَ اِعْمَلُوا فِي غَيْرِ رِيَاءٍ وَ لاَ سُمْعَةٍ فَإِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ لِغَيْرِ اَللَّهِ يَكِلْهُ اَللَّهُ لِمَنْ عَمِلَ لَهُ نَسْأَلُ اَللَّهَ مَنَازِلَ اَلشُّهَدَاءِ وَ مُعَايَشَةَ اَلسُّعَدَاءِ وَ مُرَافَقَةَ اَلْأَنْبِيَاءِ أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّهُ لاَ يَسْتَغْنِي اَلرَّجُلُ وَ إِنْ كَانَ ذَا مَالٍ عَنْ عَشِيرَتِهِ وَ دِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَلْسِنَتِهِمْ وَ هُمْ أَعْظَمُ اَلنَّاسِ حَيْطَةً مِنْ وَرَائِهِ وَ أَلَمُّهُمْ لِشَعَثِهِ وَ أَعْطَفُهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَةٍ إِنْ نَزَلَتْ بِهِ وَ لِسَانُ اَلصِّدْقِ يَجْعَلُهُ اَللَّهُ لِلْمَرْءِ فِي اَلنَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ اَلْمَالِ يُوَرِّثُهُ غَيْرَهُ و منها أَلاَ لاَ يَعْدِلَنَّ عَنِ اَلْقَرَابَةِ يَرَى بِهَا اَلْخَصَاصَةَ أَنْ يَسُدَّهَا بِالَّذِي لاَ يَزِيدُهُ إِنْ أَمْسَكَهُ وَ لاَ يَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَكَهُ وَ مَنْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عَنْهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ وَ يُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ وَ مَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ اَلْمَوَدَّةَ قال الشريف: أقول: الغفيرة هنا الزّيادة و الكثرة من قولهم للجمع الكثير «الجمّ الغفير و الجمّاء الغفير»، و يروى «عفوة من أهل أو

مال» والعفوة الخيار من الشي‏ء، يقال: أكلت عفوة الطعام أي خياره، و ما أحسن المعنى الذي أرادهعليه‌السلام بقوله «و من يقبض يده عن عشيرته» إلى تمام الكلام فإنّ الممسك خيره عن عشيرته إنّما يمسك نفع يد واحدة فإذا احتاج إلى نصرتهم و اضطرّ إلى مرافدتهم قعدوا عن نصره و تثاقلوا عن صروته، فمنع ترافد الأيدي الكثرة و تناهض الأقدام الجمّة.

و قال في فصل غريب حديثهعليه‌السلام بعد (٢٦٠) في الثامن: «و من حديثه كالياسر الفالج ينتظر أوّل فورزة من قداحه» الياسرون هم الّذين يتضاربون بالقداح على الجزور، والفالج القاهر و الغالب، يقال: فلج عليهم و فلجهم، قال الرّاجز:

لمّا رأيت فالجا قد فلجا

أقول: الثاني كما ترى جزء الأول فهو من المواضع التي قال: «و ربّما بعد العهد» بما اختير أوّلا فأعيد بعضه سهوا و نسيانا، و روى الأول نصر بن مزاحم في (صفينه) و الدينوري في (طواله) و ابن قتيبة في (خلفائه) و اليعقوبي في (تاريخه) و محمّد بن يعقوب في (كافيه) بزيادة و نقصان و اختلاف، و كذا ابن عساكر في ترجمتهعليه‌السلام بطريقين عن يحيى بن معمر، و في طريق الثاني سفيان بن عيينة و قال قال من يحسن أن يتكلم بهذا الكلام إلاّ عليّ( ١ ) ؟

و روى الأول عن عليّ بن الحسينعليه‌السلام قال: خطبة عليّ بن أبي طالب في الجمعة بالكوفة و المدينة، أن الحمد للّه أحمده و أستعينه و أستهديه، و أعوذ باللّه من الضّلالة، من يهد اللّه فلا مضلّ له، و من يضلل فلا هادي له، و أشهد ألا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، انتخبه لأمره و اختصّه

____________________

(١) ابن عساكر ٣: ٢٦٩ ٢٧١ ح ١٢٩١ ١٢٩٢.

بالنبوّة أكرم خلقه عليه و أحبهم إليه، فبلّغ رسالة ربّه و نصح لأمته و أدّى الذي عليه و أوصيكم بتقوى اللّه، فإنّ تقوى اللّه خير ما تواصى به عباد اللّه و أقربه لرضوان اللّه و خيره في عواقب الامور عند اللّه، و بتقوى اللّه أمرتم و للاحسان و الطاعة خلقتم، فاحذروا من اللّه ما حذّركم من نفسه، فإنّه حذّر بأسا شديدا، و اخشوا اللّه خشية ليست بتعذير، و اعملوا بغير رياء و لا سمعة، فإنّه من عمل لغير اللّه وكله اللّه إلى ما عمل له، و من عمل اللّه مخلصا تولّى اللّه أجره، و أشفقوا من عذاب اللّه فإنّه لم يخلقكم عبثا و لم يترك شيئا من أمركم سدى، قد سمّى آثاركم و علم أعمالكم و كتب آجالكم، فلا تغتروا بالدّنيا فإنّها غرّارة بأهلها مغرور من اغترّ بها و إلى فناء ما هي، إنّ الآخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون، أسأل اللّه منازل الشهداء و مرافقة الأنبياء و معيشة السعداء فانما نحن له و به( ١) .

و مثله الثاني إلاّ أنّه قال: و إنّ أول جمعة صلّى بالكوفة خطب فقال...( ٢) .

و قال الثالث: ذكروا أن عليّاعليه‌السلام قام خطيبا فقال: أيّها النّاس ألا إنّ هذا القدر ينزل من السماء كقطر المطر على كلّ نفس بما كتب من زيادة أو نقصان في أهل أو مال، فمن أصابه نقصان في أهل أو مال فلا يغشّ نفسه، ألا و إنّما المال حرث الدنيا و العمل الصالح حرث الآخرة و قد يجمعهما اللّه لأقوام. و قد دخل في هذا العسكر طمع من معاوية فضعوا عنكم همّ الدنيا بفراقها و شدّة ما اشتدّ منها برجاء ما بعدها، فإنّ نازعتكم أنفسكم إلى غير ذلك فردّوها إلى الصبر و وطّنوها على العزاء، فو اللّه إنّ أرجى ما أرجوه الرزّق من اللّه من حيث

____________________

(١) وقعة صفين لنصر بن مزاحم: ١٠.

(٢) الأخبار الطوال: ١٥٢ ١٥٣.

لا يحتسب، و قد فارقكم مصقلة بن هبيرة فآثر الدنيا على الآخرة، و فارقكم بسر ابن أرطأة فأصبح ثقيل الظهر من الدماء مفتضح البطن من المال، و فارقكم زيد ابن عديّ بن حاتم فأصبح ليسأل الرجعة، و أيم اللّه لودّت رجال مع معاوية أنّهم معي فباعوا الدنيا بالآخرة، و لودّت رجال معي أنّهم مع معاوية فباعوا الآخرة بالدنيا( ١) .

و ما فيه من فراق بسر عنه كمصقلة و زيد غريب فلم يذكر أحد أنه كان معهعليه‌السلام أولا.

و قال أيضا بعد ذكر بيعتهعليه‌السلام و ذكروا أن البيعة لهعليه‌السلام لما تمّت بالمدينة خرج إلى المسجد فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه و وعد الناس خيرا ثم قال: لا يستغني الرجل و ان كان ذا مال و ولد عن عشيرته و دفاعهم عنه بأيديهم و ألسنتهم، هم أعظم الناس حيطة من ورائه و ألمّهم لشعثه و أعطفهم عليه إن أصابته مصيبة أو نزل به بعض مكاره الامور، و من يقبض يده عن عشيرته فإنّه يقبض عنهم يدا واحدة و تقبض عنه أيد كثيرة، و من بسط يده بالمعروف ابتغاء وجه اللّه تعالى يخلف اللّه ما أنفق في دنياه و يضاعف له في آخرته.

و اعلموا أنّ لسان صدق يجعله اللّه للمرء في الناس خير له من المال، فلا يزدادنّ أحدكم كبرياء و لا عظمة في نفسه، و لا يغفل أحدكم عن القرابة أن يصلها بالذي لا يزيده إن أمسكه و لا ينقصه إن أهلكه.

و اعلموا أنّ الدنيا قد أدبرت و الآخرة قد أقبلت. ألا و إنّ المضمار اليوم و السبق غدا، ألا و إنّ السبق الجنّة و الغاية النّار، ألا إنّ الأمل يسهي القلب و يكذب الوعد و يأتي بغفلة و يورث حسرة فهو غرور و صاحبه في عناء،

____________________

(١) الامامة و السياسة ١: ١١٤.

فافزعوا إلى قوام دينكم و إتمام صلاتكم و أداء زكاتكم و النّصيحة لإمامكم، و تعلّموا كتاب اللّه و أصدقوا الحديث عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و أوفوا بالعهد إذا عاهدتم و أدّوا الأمانات إذا ائتمنتم و ارغبوا ثواب اللّه و ارهبوا عذابه و اعملوا بالخير تجزوا بالخير يوم يفوز بالخير من قدّم الخير( ١) .

و قال الرابع: خطبعليه‌السلام فتلا قوله عزّ و جلّ: إنّا نحن نحي الموتى و نكتب ما قدّموا و آثارهم و كلّ شي‏ء أحصيناه في إمام مبين( ٢ ) ثم قال: إنّ هذا الأمر ينزل من السماء كقطر المطر إلى كلّ نفس بما كتب اللّه لها من نقصان في نفس أو أهل أو مال، فمن أصابه نقص في أهله و ماله و رأى عند أخيه عفوه فلا يكوننّ ذلك عليه فتنة، فإنّ المرء المسلم ما لم يأت دناءة يخشع لها و ذلة إذا ذكرت و تغرى به لئام النّاس كالياسر الفالج الذي ينتظر أول فوزه من قداحه يوجب له المغنم و يدفع عنه المغرم، كذلك المرء البري‏ء من الخيانة و الكذب يترقب كلّ يوم و ليلة إحدى الحسنيين إمّا داعي اللّه فما عند اللّه خير له و اما فتحا من اللّه فإذا هو ذو أهل و مال و معه حسبه و دينه، المال و البنون حرث الدنيا و العمل الصالح حرث الآخرة و قد يجمعهما اللّه لأقوام( ٣) .

و روى الخامس مسندا عن الحسن قال: خطبعليه‌السلام فحمد اللّه و أثنى عليه و قال: أما بعد فإنّه إنّما هلك من كان قبلكم حيث ما عملوا من المعاصي و لم ينههم الربّانيّون و الأحبار عن ذلك، و إنّهم لمّا تمادوا في المعاصي و لم ينههم الربّانيّون و الأحبار عن ذلك نزلت بهم العقوبات، فأمروا بالمعروف و انهوا عن المنكر. و اعلموا أنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لن يقرّبا

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٥٠ ٥١.

(٢) يس: ١٢.

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٠٧.

أجلا و لن يقطعا رزقا، إن الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطر المطر إلى كلّ نفس بما قدّر اللّه لها من زيادة أو نقصان، فإن أصاب أحدكم مصيبة في أهل أو مال أو نفس و رأى عند أخيه غفيرة في أهل أو مال أو نفس فلا يكوننّ له فتنة، فإنّ المرء المسلم لبرى‏ء من الخيانة ما لم يغش دناءة تظهر فيخشع لها إذا ذكرت و يغرى بها لئام الناس، كان كالفالج الياسر الذي ينتظر أوّل فوزة من قداحه حتّى توجب له المغنم و يدفع عنه بها المغرم، و كذلك المرء المسلم البري‏ء من الخيانة ينتظر من اللّه إحدى الحسنيين إمّا داعي اللّه فما عند اللّه خير له، و إمّا رزق اللّه فإذا هو ذو أهل و مال و معه دينه و حسبه، إنّ المال و البنين حرث الدنيا و العمل الصالح حرث الآخرة و قد يجمعهما اللّه لأقوام، فاحذروا من اللّه ما حذركم من نفسه و اخشوه خشية ليست بتعذير و اعملوا في غير رياء و لا سمعة، فإنّه من يعمل لغير اللّه يكله اللّه إلى من عمل له، نسأل اللّه منازل الشهداء و معايشة السعداء و مرافقة الأنبياء.

و عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام قال: قال أمير المؤمنين: لن يرغب المرء عن عشيرته و إن كان ذا مال و ولد عن مودّتهم و كرامتهم و دفاعهم بأيديهم و ألسنتهم، هم أشدّ الناس حيطة من ورائه و أعطفهم عليه و ألمّهم لشعثه ان أصابته مصيبة أو نزل به بعض مكاره الأمور، و من يقبض يده عن عشيرته فإنّما يقبض عنهم يدا واحدة و يقبض عنه منهم أيد كثيرة، و من يلن حاشيته يعرف صديقه منه المودّة و من بسط يده بالمعروف إذا وجده يخلف اللّه له ما أنفق في دنياه و يضاعف له في آخرته، و لسان الصدق للمرء يجعله اللّه في الناس خير من المال يأكله و يورّثه، و لا يزدادنّ أحدكم كبرا و عظما في نفسه و نأيا عن عشيرته إن كان موسرا في المال، و لا يزدادن أحدكم في أخيه زهدا و لا منه بعدا إذا لم ير منه مروّة و كان معوزا في المال، لا يغفل أحدكم عن

القرابة بها الخصاصة أن يسدّها بما لا ينفعه إن أمسكه و لا يضرّه إن استهلكه( ١) .

و ظهر لك ممّا نقلنا من المدارك و الأسانيد مع اختلافهما أنّ ما عنونه المصنف جمع بين روايتين كما أنّه جمع بين موضوعين، فمن أوّله إلى قوله:

«و مرافقة الأنبياء» رواية و كانت الخطبة بعد صفّين، و من قوله بعده: «أيها الناس إنّه لا يستغني الرجل...» خطبة اخرى خطبعليه‌السلام بها أوّل بيعة الناس له، و لا وجه لجمع المصنّف بينهما سوى ربط يسير بين قوله في الأولى: «فإذا رأى أحدكم لأخيه غفيرة...» و قوله في الثانية: «لا يستغني الرجل و إن كان ذا مال عن عشيرة...»، لكنّه كما ترى فالأول دستور للمسلم في سيرته مع المسلمين، و الثاني حثّ على صلة الارحام.

و ممّا ذكرنا يظهر لك ما في تكلف الخوئي للربط بينهما لعدم تفطّنه لكونهما كلامين كغيره ممّن سبقه من الشّراح، فقال عند قولهعليه‌السلام «أيّها الناس» لمّا أشار إلى تأديب الفقراء بالنهي عن التعرض للأغنياء بما يوجب لهم ملكات السوء من الحسد و نحوه، أردف ذلك بتأديب الأغنياء و استدراجهم في حقّ الفقراء ذوي الأرحام...( ٢) .

«أما بعد فإنّ الأمر ينزل من السماء كقطرات...» هكذا في (المصرية) و الصواب: «كقطر» كما في (ابن أبي الحديد)( ٣ ) و (ابن ميثم)( ٤ ) و (الخطية) بل و في مداركه.

«المطر إلى كلّ نفس بما قسم لها من زيادة و» هكذا في (المصرية)

____________________

(١) الكافي ٢: ١٥٤.

(٢) شرح الخوئي ١: ٢٨٨ و ٣٩٦.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١: ٣١٢.

(٤) شرح ابن ميثم ٢: ٣.

و الصواب: (أو) كما في (ابن أبي الحديد)( ١ ) و (ابن ميثم)( ٢ ) و (الخطية) بل و في مداركه.

«نقصان» قال تعالى: و جعلنا لكم فيها معايش و من لستم له برازقين.

و إن من شي‏ء إلاّ عندنا خزائنه و ما ننزّله إلاّ بقدر معلوم( ٣ ) ، يهب لمن يشاء إناثا و يهب لمن يشاء الذكور. أو يزوجهم ذكرانا و إناثا و يجعل من يشاء عقيما( ٤ ) ، قل اللّهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء و تنزع الملك ممّن تشاء و تعزّ من تشاء و تذلّ من تشاء بيدك الخير انّك على كلّ شي‏ء قدير. تولج اللّيل في النّهار و تولج النّهار في اللّيل و تخرج الحيّ من الميّت و تخرج الميّت من الحيّ و ترزق من تشاء بغير حساب( ٥ ) ، اللّه يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر( ٦) .

«فإذا رأى أحدكم لأخيه غفيرة» أي: كثرة و زيادة.

«في أهل أو مال أو نفس فلا تكوننّ» تلك الغفيرة أو رؤيتها له.

«فتنة» بأن يحسده عليها فيهلكه الحسد لأن الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب، كما كانت تلك الغفيرة لمن هي عنده فتنة هل يشكرها أم لا، قال تعالى لنبيه: و لا تمدّن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه و رزق ربك خير و أبقى( ٧) .

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١: ٣١٢.

(٢) شرح ابن ميثم ٢: ٣.

(٣) الحجر: ٢٠ ٢٢.

(٤) الشورى: ٤٩ ٥٠.

(٥) آل عمران: ٢٦ ٢٧.

(٦) الرعد: ٢٦.

(٧) طه: ١٣١.

«فإنّ المرء المسلم ما لم يغش دناءة تظهر فيخشع لها إذا ذكرت» قالت ليلى الأخيلية:

لعمرك ما بالموت عار على امرى‏ء

إذا لم تصبه في الحياة المعاير

في (الأغاني): مرّ مالك بن الريب بليلى الأخيلية فجلس إليها يحادثها طويلا و أنشدها، فأقبلت عليه و أعجبت به حتّى طمع في وصلها ثم إذا هو بفتى قد جاء إليها كأنّه نصل سيف فجلس إليها فأعرضت عن مالك و تهاونت حتّى كأنّه عندها عصفور، و أقبلت على صاحبها مليّا من نهارها فغاظه ذلك من فعلها و أقبل على الرجل فقال: من أنت؟ فقال توبة بن الحميّر. فقال: هل لك في المصارعة؟ قال: و ما دعاك إلى ذلك و أنت ضيفنا و جارنا. قال: لا بدّ منه. فظنّ أنّ ذلك يخوفه منه فازداد لجاجا، فقام توبة فصارعه فصرعه، فلمّا سقط إلى الأرض صدرت منه ريح ذات صوت، فضحكت ليلى منه فاستحى مالك فاكتتب بخراسان و قال: لا أقيم ببلد العرب أبدا و قد تحدثت عني بهذا الحديث، فأقام ثمة حتّى مات و قبره هناك معروف( ١) .

و كان المخبّل السعدي خطب كما في (الأغاني) إلى الزبرقان بن بدر أخته خليدة فمنعه ثم زوّجها بآخر فقال المخبّل:

فأنكحته زهوا كأنّ عجانها

مشقّ إهاب أوسع السلخ ناجله

ثم مر المخبل بعد ما أسن و ضعف بصره بخليدة فأنزلته و قرّبته و أكرمته و وهبت له وليدة قالت له: إني آثرتك بها يا أبا يزيد فاحتفظ بها. فقال:

و من أنت حتّى أعرفك و أشكرك. قالت: لا عليك. قال: بلى و اللّه. قالت: أنا بعض من هتكت بشعرك ظلما أنا خليدة بنت بدر. فقال: و اسوأتاه منك فإنّي استغفر اللّه و أستقيلك، ثم قال:

____________________

(١) الأغاني ٢٢: ٢٩٧، دار احياء التراث العربي بيروت.

لقد ضلّ حلمي في خليدة إنّني

سأعتب نفسي بعدها و أتوب

فأقسم بالرّحمن إنّي ظلمتها

و جرت عليها و الهجاء كذوب( ١)

«و تغرى» من الإغراء أو التغرية أي: تولع.

«به لئام الناس» في (المعجم): اجتاز القاضي التنوخي يوما في بعض الدروب فسمع امرأة تقول لأخرى: كم عمر بنتك يا اختي؟ فقالت لها: رزقتها يوم شهر بالقاضي التنوخي و ضرب بالسياط فرفع رأسه إليها و قال: يا بظراء صار صفعي تاريخك ما وجدت تاريخا غيره.

و في (العيون): دخل اعرابي على المساور الضبّي و هو بندار الريّ فسأله فلم يعطه فقال:

أتيت المساور في حاجة

فما زال يسعل حتّى ضرط

و حكّ قفاه بكرسوعه

و مسّح عثنونه و امتخط

فأمسك عن حاجتي خيفة

لاخرى تقطّع شرخ السفط

فأقسم لو عدت في حاجتي

للطّخ بالسلح و شي النمط

و قال غلطنا حساب الخراج

فقلت من الضرط جاء الغلط

فكان مساور كلّما ركب صاح به الصبيان: «من الضرط جاء الغلط» فهرب من غير عزل إلى بلاد أصبهان( ٢) .

«كان كالفالج الياسر» هكذا في النهج بتقديم «الفالج» في الاول و بتقديم الياسر بلفظ «كالياسر الفالج» في الثاني، و الظاهر أنّه أخذ الأول من رواية (الكافي) و أخذ الثاني من كتب عريب الحديث، بدليل أنّ النهاية أيضا نقله

____________________

(١) الاغاني ١٣: ١٩٦.

(٢) عيون الأخبار لابن قتيبة ٣: ١٥٤.

كالثاني( ١ ) و هو الصحيح لأن الفالج صفة الياسر و الصفة لا تتقدم على الموصوف و كذلك نقله اليعقوبي كما مر.

و أما قول ابن أبي الحديد و لم يتفطّن للإختلاف بين لموضعين كغيره: إنّه من باب تقديم الصفة على الموصوف كقوله تعالى: و غرابيب سود( ٢ ) ...( ٣ ) ، ففي غير محله، فإنّ المواضع التي تتقدّم فيها الصفة تجعل مضافة لا موصوفة، كأن يقال في «الليالي السود» «سود الليالي»، و أما «غرابيب سود» فقال الجوهري «سود» بدل من «غرابيب» لأن تواكيد الألوان لا تتقدم( ٤ ) ، مع أنه بعد وجود الرواية الصحيحة لا نحتاج إلى تأويل.

ثم إنّ المصنّف في الأوّل لم يتعرّض لتفسير الكلمتين، و إنّما فسّرهما في الثاني بأنّ الياسرين هم الذين يتضاربون بالقداح على الجزور، و الفالج القاهر الغالب، و اعترض عليه ابن أبي الحديد ثمّة في تفسير الفالج بأنّ الغالب لا ينتظر كما قد وصف به بعد و إنّما يعني بالفالج الميمون النقيبة الّذي له عادة مطّردة أن يغلب، و قلّ أن يكون مقهورا( ٥ ) ، مع أنه نفسه في الأول فسره بما فسّره المصنّف ثمّة فقال: الفالج الظافر الفائز( ٦ ) ، فالاعتراض عليه نفسه، مع أنّه لم يفسّر أحد الفالج بالميمون النقيبة، و كان عليه أن يقول ليس المراد بالغالب الغالب فعلا بل شأنا، و هو الّذي يغلب غالبا. و فسّره ابن ميثم( ٧ ) بأن

____________________

(١) النهاية ٥: ٢٩٦.

(٢) فاطر: ٢٧.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٣١٤.

(٤) شرح ابن ميثم ٢: ٣.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ١١٥.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ١: ٣١٤.

(٧) شرح ابن ميثم ٢: ٣.

المراد الفائز الذي ينتظر قبل فوزه أول فوزة من قداحه.

«الذي ينتظر أول فوزة من قداحه» بالكسر جمع القدح بالكسر، و أمّا القدح بفتحتين فجمعه أقداح للشرب، و القداح للميسر.

«توجب له المغنم» أي: الغنيمة.

«و يرفع بها عنه» هكذا في (المصرية) و الصواب: (و يرفع عنه بها) كما في (ابن أبي الحديد)( ١ ) و (ابن ميثم)( ٢ ) و (الخطية).

«المغرم» أي: الغرامة، قال ابن دريد في (جمهرته)، أسماء قداح الميسر ممّا اتّفق عليه الأصمعي و غيره من أهل العلم الفائزة منها سبعة و هي الفذ و التوأم و الضريب و هو المصفح و الحلس و النافس و المسبل و المعلّى، فهذه سبعة و منها ما لا نصيب له الفسيح و المنيح و الرقيب و الوغد( ٣) .

و قال ابن ميثم: المنقول أنّ الخشبات المسمّيات قداحا و هي التي كانت لأيسار الجزور سبعة: أولها الفذ و فيه فرض واحد، و الثاني التوأم و فيه فرضان، و ثالثها الضريب و فيه ثلاثة فروض، و رابعها الحلس و فيه أربعة، و الخامس النافس و فيه خمسة، و السادس المسبل و فيه ستة، و السابع المعلّى و له سبعة، و ليس بعده قدح فيه شي‏ء من الفروض إلاّ أنّهم يدخلون مع هذه السبعة أربعة اخرى تسمّى أو غادا لا فروض فيها و إنّما تنقل بها القداح و أسماؤها: المصدر ثم المضعف ثم المنيح ثم السفيح، فإذا اجتمع أيسار الحي أخذ كلّ منهم قدحا و كتب عليه اسمه أو علّمه بعلامة ثم أتوا بجزور فينحرها صاحبها و يقسمها عشرة أجزاء على الوركين و الفخذين و العجز

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١: ٣١٢.

(٢) شرح ابن ميثم ٢: ٣.

(٣) جمهرة اللغة ١: ٥٠٤.

و الكاهل و الزور و الملجأ و الكتفين، ثم يعمد إلى الطفاطف و خرز الرقبة فيقسمها على تلك الأجزاء بالسويّة، فإذا استوت و بقي منها عظم أو بضعة لحم انتظر به الجازر من أراده ممن يفوز قدحه، فإذا أخذه عيّر به و إلاّ فهو للجازر. ثم يؤتى برجل معروف أنّه لم يأكل لحما قط بثمن إلاّ ان يصيبه عند غيره و يسمى الحرضة فيجعل على يديه ثوب و يعصب رؤوس أصابعه بعصابة كيلا يجد مس الفروض، ثم يدفع إليه القداح و يقوم خلفه رجل يقال له الرقيب فيدفع إليها قدحا منها من غير أن ينظر إليها، فمن خرج قدحه أخذ من أجزاء الجزور بعدد الفروض التي في قدحه، و من لم يخرج قدحه حتّى استوفيت أجزاء الجزور غرم بعدد فروض قدحه كأجزاء تلك الجزور من جزور اخرى لصاحب الجزور الذي نحرها، فإنّ اتّفق أن خرج المعلّى أوّلا فأخذ صاحبه سبعة أجزاء من أجزاء الجزور، ثم خرج المسبل فلم يجد صاحبه إلاّ ثلاثة أجزاء أخذها و غرم له من لم يفز قدحه ثلاثة أجزاء من جزور اخرى.

و أمّا القداح الأربعة الأوغاد فليس في خروج أحدها غنم و لا من عدم خروجه غرم، و المنقول عن الأيسار أنّهم كانوا يحرّمون ذلك اللحم على أنفسهم و يعدّونه للأضياف( ١) .

«و كذلك المرء المسلم البري‏ء من الخيانة ينتظر من اللّه إحدى الحسنيين إمّا داعي اللّه فما عند اللّه خير له) الذين تتوفّاهم الملائكة طيّبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون( ٢ ) ، إنّ الذين قالوا ربّنا اللّه ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا و لا تحزنوا و أبشروا بالجنة الّتي

____________________

(١) شرح ابن ميثم ٢: ٦.

(٢) النحل: ٣٢.

كنتم توعدون. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا و في الآخرة و لكم فيها ما تشتهي أنفسكم و لكم فيها ما تدّعون. نزلا من غفور رحيم( ١) .

و عنهمعليهم‌السلام : ما بين أحدكم و بين الجنة إلاّ أن تبلغ نفسه حلقه.

و لما انتهى الحسينعليه‌السلام إلى عذيب الهجانات فإذا هم بأربعة قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم و معهم دليلهم الطرمّاح بن عديّ على فرسه و هو يقول:

يا ناقتي لا تذعري من زجري

و شمّري قبل طلوع الفجر

بخير ركبان و خير سفر

حتّى تحلي بكريم النجر

أتى به اللّه لخير أمر

ثمّة أبقاه بقاء الدهر

فقال الحسينعليه‌السلام : و اللّه أرجو أن يكون ما أراد اللّه بنا خيرا قتلنا أم ظفرنا.

«و إمّا رزق اللّه فإذا هو ذو أهل و مال و معه دينه و حسبه» روى (الكافي): أنّ الصادقعليه‌السلام قال لسفيان الثوري و أصحابه الصوفية لما رأى عليه ثيابا بيضا كأنها غرقى‏ء البيض و أنكره فيما ردّ عليه: إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ما عجبت من شي‏ء كعجبي من المؤمن إنّه إن قرض جسده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيرا له، و ان ملك ما بين مشارق الأرض و مغاربها كان خيرا له، و كلّ ما يصنع اللّه عز و جل به فهو خير له. و أخبروني أين أنتم عن سليمان بن داودعليه‌السلام حيث سأل اللّه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه اللّه تعالى ذلك و كان يقول الحق و يعمل به، و داود النبي قبله في ملكه و شدّة سلطانه، ثم يوسف النبيّ حيث قال لملك مصر إجعلني على خزائن الأرض إنّي حفيظ

____________________

(١) فصلت: ٣٠ ٣٢.

عليم( ١ ) ، ثم ذو القرنين عبد أحبّ اللّه فأحبه و طوى له الأسباب و ملكه مشارق الأرض و مغاربها و كان يقول الحق و يعمل به ثم لم نجد أحدا عاب عليه ذلك...( ٢) .

و روى (روضة الكافي) عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: كان عابد في بني اسرائيل و كان محارفا لا يتوجه في شي‏ء فيصيب فيه شيئا فأنفقت عليه امرأته حتّى لم يبق عندها شي‏ء، فجاعوا يوما من الأيام فدفعت إليه فضلا من غزل و قالت له بعه و اشتر شيئا نأكله، فانطلق به فوجد السوق قد أغلقت فقال لو أتيت هذا الماء فتوضأت منه و صببت عليّ منه و انصرفت، فجاء إلى البحر فإذا هو بصيّاد قد ألقى شبكته فأخرجها و ليس فيها إلاّ سمكة ردّية قد مكثت عنده حتّى صارت رخوة منتنة، فقال له بعني هذه السمكة و أعطيك هذا الغزل تنتفع به في شبكتك. قال: نعم، فأخذ السمكة و دفع إليه الغزل و انصرف بالسمكة إلى منزله، فلمّا شقّت امرأته السمكة بدت في جوفها لؤلؤة فأرتها زوجها فانطلق بها إلى السوق فباعها بعشرين ألف درهم و انصرف إلى منزله بالمال، فإذا سائل يدقّ الباب و يقول: يا أهل الدار تصدّقوا على المسكين. فقال له الرجل: ادخل فدخل، فقال له: خذ أحد الكيسين فأخذ أحدهما و انطلق، فقالت له امرأته: بينما نحن مياسير إذ ذهب بنصف يسارنا، فلم يكن ذلك بأسرع من أن دق السائل الباب و وضع الكيس مكانه ثم قال له: كل هنيئا مريئا إنّما أنا ملك أراد ربّك أن يبلوك فوجدك شاكرا( ٣) .

«إن المال و البنين حرث الدنيا» في (العقد الفريد): من قبائل مذحج سعد

____________________

(١) يوسف: ٥٤.

(٢) الكافي ٥: ٦٥ ٧٠.

(٣) الكافي ٨: ٣٨٥ و ٣٨٦ ح ٥٨٥.

العشيرة بن مالك بن أدد، و إنّما سمّي سعد العشيرة لأنّه لم يمت حتّى ركب معه من ولده و ولد ولده ثلاثمئة رجل( ١) .

«و العمل الصالح حرث الآخرة» قال تعالى: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه و من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها و ماله في الآخرة من نصيب( ٢) .

«و قد يجمعهما اللّه لأقوام» قال تعالى: و منهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار. أولئك لهم نصيب مما كسبوا( ٣) .

و روى الكشي: إن الصادقعليه‌السلام إذا رأى اسحاق بن عمّار، و إسماعيل بن عمّار قال: قد يجمعهما اللّه لأقوام يعني الدنيا و الآخرة( ٤) .

هذا، و قالوا: دخل أبو ورق على هارون و بين يديه جارية حسناء فقال له: صفها و إنّ اسمها دنيا، فقال:

ان دنيا هي التي

تملك القلب قاهره

ظلموا شطر اسمها

فهي دنيا و آخره

و لما قتل طاهر ذو اليمينين الأمين كتب إلى المأمون: وجّهت إليك بالدنيا و هو رأس المخلوع و بالآخرة و هي البردة و القضيب.

«فاحذروا ما حذركم اللّه من نفسه» لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين و من يفعل ذلك فليس من اللّه في شي‏ء إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة

____________________

(١) العقد الفريد ٣: ٣٠٧.

(٢) الشورى: ٢٠.

(٣) البقرة: ٢٠٢.

(٤) رجال الكشي: ٤٠٢ ح ٧٥٢.

و يحذّركم اللّه نفسه و إلى اللّه المصير( ١ ) ، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا و ما عملت من سوء تودّ لو أن بينها و بينه أمدا بعيدا و يحذّركم اللّه نفسه و اللّه رؤوف بالعباد( ٢) .

و في (الارشاد): لما عاد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تبوك قدم إليه عمرو بن معد يكرب فقال له النبي: أسلم يا عمرو يؤمنك اللّه من الفزع الأكبر. قال: يا محمّد ما الفزع الأكبر؟ فإنّي لا أفزع. فقال: يا عمرو انّه ليس كما تظنّ و تحسب، إنّ الناس يصاح بهم صيحة واحدة فلا يبقى ميّت إلاّ نشر و لا حيّ إلاّ مات إلاّ ما شاء اللّه، ثم يصاح بهم صيحة اخرى فينشر من مات و يصفّون جميعا و تنشقّ السماء و تهدّ الأرض و تخرّ الجبال هدّا، و ترمي النّار بمثل الجبال شرارا فلا يبقى ذو روح إلاّ انخلع قلبه و ذكر ذنبه و شغل بنفسه إلاّ ما شاء اللّه( ٣) .

«و اخشوه خشية» عن الحقيقة.

«ليست بتعذير» أي: بإظهار العذر و ليس له عذر، و لكن قال الجوهري:

كان ابن عباس يقرأ و جاء المعذرون( ٤ ) من أعذر و يقول: و اللّه لهكذا أنزلت، و يقول لعن اللّه المعذرين كان الأمر عنده أنّ المعذر هو المظهر للعذر اعتلالا من غير حقيقة له في العذر، و المعذر من له عذر( ٥) .

في الخبر: ان اللّه تعالى أنزل كتابا من كتبه على نبي من أنبيائه أنّه يكون من خلقي لمحسّنون الدنيا بالدين يلبسون مسوك الضأن على قلوب كقلوب الذئاب أشدّ مرارة من الصبر و ألسنتهم أحلى من العسل و أعمالهم الباطنة

____________________

(١) آل عمران: ٢٨.

(٢) آل عمران: ٣٠.

(٣) إرشاد المفيد: ٨٤.

(٤) التوبة: ٩٠.

(٥) الصحاح للجوهري ٢: ٧٤١١.

أنتن من الجيف، بي يغترّون أم إيّاي يخادعون أم عليّ يجترئون؟ فبعزّتي حلفت لأبعثن عليهم فتنة تطأ في خطامها حتّى تبلغ أطراف الأرض، تترك الحليم منها حيران( ١) .

«و اعملوا في غير رياء و لا سمعة فإنّه من يعمل لغير اللّه يكله اللّه» أي: يدعه.

«لمن» هكذا في (المصرية) و الصواب: (إلى من) كما في (ابن أبي الحديد)( ٢ ) و (ابن ميثم)( ٣ ) و (الخطية).

«عمل له» روى (الكافي): أنّ الصادقعليه‌السلام قال لعباد البصري: ويلك يا عباد إيّاك و الرياء فإنّه من عمل لغير اللّه وكله اللّه إلى من عمل له.

و قالعليه‌السلام : قال تعالى: «أنا خير شريك، من أشرك معي غيري في عمل عمله لم أقبله إلاّ ما كان لي خالصا».

و قالعليه‌السلام في قوله تعالى: فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربّه أحدا( ٤ ) هو الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه اللّه إنّما يطلب تزكية الناس يشتهي أن يسمع به الناس، فهذا الذي أشرك بعبادة ربه. ثم قالعليه‌السلام : ما من عبد ستر خيرا فذهبت الأيام أبدا حتّى يظهر اللّه له خيرا، و ما من عبد يستر شرّا فذهبت الايام حتّى يظهر اللّه له شرّا.

و قالعليه‌السلام في قوله تعالى: بل الإنسان على نفسه بصيرة. و لو ألقى معاذيره( ٥ ) ما يصنع الإنسان أن يتقرب إلى اللّه تعالى بخلاف ما يعلمه اللّه، ان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقول: من أسر سريرة رداه اللّه ردائها ان خيرا

____________________

(١) الجوهري ٢: ٧٤١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١: ٣١٢.

(٣) شرح ابن ميثم ٢: ٣.

(٤) الكهف: ١١٠.

(٥) القيامة: ١٤ ١٥.

فخير و ان شرا فشر( ١) .

و روى (عقاب الأعمال) عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن الرياء الشرك باللّه، و إن المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا خاسر، حبط عملك، و بطل أجرك، فلا خلاص لك اليوم، فالتمس أجرك ممّن كنت تعمل له( ٢) .

و قال ابن أبي الحديد: قال عليعليه‌السلام : ليست الصلاة قيامك و قعودك، إنّما الصلاة إخلاصك و أن تريد بها اللّه وحده.

و توصّل ابن الزبير إلى امرأة ابن عمر و هي أخت المختار في أن تكلّم بعلها أن يبايعه، فكلّمته في ذلك و ذكرت قيامه و صيامه، فقال لها: أما رأيت البغلات الشهب الّتي كنّا نراها تحت معاوية بالحجر إذا قدم مكة. قالت: بلى.

قال: فإيّاها يطلب ابن الزبير بصومه و صلاته( ٣) .

هذا، و ذكروا أن رجلا من قريش قال لأشعب الطمّاع: ما شكرت معروفي عندك. فقال له: ان معروفك كان من غير محتسب فوقع عند غير شاكر.

«نسأل اللّه منازل الشهداء و معايشة السعداء و مرافقة الأنبياء» إشارة إلى قوله تعالى: و من يطع اللّه و الرسول فأولئك مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيّين و الصدّيقين و الشّهداء و الصّالحين و حسن أولئك رفيقا( ٤) .

«أيها الناس إنّه لا يستغني الرجل و إن كان ذا مال عن عشيرته» و في (القاموس): قال عليعليه‌السلام «من يطل هن أبيه ينتطق به» أي: من كثر بنو أبيه

____________________

(١) الكافي ٢: ٢٩٣ ٢٩٥، ١، ٤، ٦، ٩.

(٢) عقاب الأعمال: ٣٠٣ ح ١.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١: ٣١٥ ٣١٦.

(٤) النساء: ٦٩.

يتقوّى بهم، و قال غيلان بن سلمة الثقفي:

و إنّ ابن عمّ المرء مثل سلاحه

يقيه إذا لاقى الكميّ المقنّعا

و قال:

لم أر عزا لامرى‏ء كعشيرة

و لم أر ذلا مثل نأي عن الأهل( ١)

«و دفاعهم عنه بأيديهم و ألسنتهم» في (العقد الفريد): كان مهلهل صار إلى قبيلة من اليمن يقال لهم جنب فخطبوا إليه فزوجهم و هو كاره لاغترابه عن قومه، و مهروا ابنته أدما، فقال:

أنكحها فقدها الأراقم في

جنب و كان الحباء من أدم

لو بأبانين جاء يخطبها

رمّل ما أنف خاطب بدم( ٢)

«و هم أعظم النّاس حيطة» أي: رعاية.

«من ورائه» في (كامل المبرد): قال ذو الرمّة لهلال بن أحوز المازني:

رفعت مجد تميم يا هلال لها

رفع الطراف على العلياء بالعمد

حتّى نساء تميم و هي نازحة بقلّة الحزن فالصمّان فالعقد

لو يستطعن إذا ضافتك مجحفة

و قينك الموت بالآباء و الولد( ٣)

و في (الأغاني): قال الشمردل في أخيه حكم لما أتاه نعيه:

و كنت سنان رمحي من قناتي

و ليس الرمح إلاّ بالسّنان

و كنت بنان كفّي من يميني

و كيف صلاحها بعد البنان

و كان يرى فيما يرى النائم كأن سنان رمحه سقط فأتاه نعي أخيه وائل، فقال:

____________________

(١) القاموس ٣: ٣٨٥.

(٢) العقد الفريد ٦: ٧٧.

(٣) الكامل للمبرد ١: ٥٠.

و تحقيق رؤيا في المنام رأيتها

فكان أخي رمحا ترقّص عامله( ١)

«و ألمّهم» أي: أجمعهم.

«لشعثه» أي: تفرّقه.

«و أعطفهم» أي: أشفقهم.

«عليه عند نازلة» أي: شديدة نازلة.

«إذا» هكذا في (المصرية و ابن أبي الحديد) و لكن في (ابن ميثم)( ٢ ) و (الخطية) (ان)( ٣ ) و هو أحسن.

«نزلت به» في (العقد): قال عليّعليه‌السلام : عشيرة الرجل خير للرجل من غير العشيرة فإنّ كفّ عنهم يدا واحدة كفّوا عنه أيديا كثيرة مع مودتهم و حفاظهم و نصرتهم، ان الرجل ليغضب للرجل لا يعرفه إلاّ بنسبه. و سأتلوا عليكم من ذلك آيات من كتاب اللّه قال عزّ و جلّ فيما حكاه عن لوط: لو أنّ لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد( ٤ ) يعني العشيرة و لم يكن للوط عشيرة، فو الّذي نفسي بيده ما بعث اللّه نبيا من بعده إلاّ في ثروة من قومه و منعة من عشيرته، ثم ذكر شعيبا و قال له قومه إنّا لنراك فينا ضعيفا و لو لا رهطك لرجمناك( ٥ ) و كان مكفوفا و اللّه ما هابوا إلاّ عشيرته( ٦) .

في (الطبري) بعد ذكر قتل أصحاب معاوية لحجر و ستة من أصحابه فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي و كريم بن عفيف الخثعمي: إبعثوا بنا إلى

____________________

(١) الأغاني ١٣: ٣٥٣ و ٣٥٦.

(٢) شرح ابن ميثم ٢: ٤.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١: ٣١٣.

(٤) هود: ٨٠.

(٥) هود: ٩١.

(٦) العقد ٢: ٢٠٨.

معاوية فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته، فبعثوا إلى معاوية يخبرونهما بمقالتهما فأجاز، فأدخلا عليه فقال معاوية للخثعمي: ما تقول في عليّ؟ قال:

أقول فيه قولك، أتبرّأ من دين عليّ الذي كان يدين اللّه به، فسكت معاوية و كره أن يجيبه فقال شمر بن عبد اللّه من بني قحافة: هب لي ابن عمي. فقال: هو لك.

قال: فخلى سبيله على أن لا يدخل الكوفة ما كان له سلطان. فقال له: تخيّر بلدا، فاختار الموصل، و كان يقول: لو قد مات معاوية قدمت المصر، فمات قبل معاوية بشهر، ثم أقبل معاوية على العنزيّ فقال له: يا أخا ربيعة ما قولك في عليّ؟ قال: دعني و لا تسألني. قال: لا أدعك. قال: أشهد أنّه كان من الذاكرين اللّه كثيرا و من الآمرين بالحق و القائمين بالقسط. قال: فما قولك في عثمان؟ قال:

هو أوّل من فتح باب الظلم و أرتج أبواب الحقّ. قال: قتلت نفسك. قال: بل إيّاك قتلت «و لا ربيعة بالوادي»، قال ذلك لأن شمر الخثعمي كلّم معاوية في كريم الخثعمي و لم يكن له أحد من قومه يكلّمه فيه، فبعث به إلى زياد و قال له: إنّ هذا شرّهم فاقتله شرّ قتلة، فدفنه زياد حيا بقسّ الناطف( ١) .

و فيه: كان عبد اللّه بن خليفة الطائي شهد مع حجر فطلبه زياد فتوارى، فبعث إليه الشرط فأخذوه فقالت أخته: يا معشر طيّ أ تسلمون سنانكم و لسانكم عبد اللّه بن خليفة؟ فشد الطائيّون عليهم و انتزعوه، فرجعوا إلى زياد فأخبروه فوثب على عدي بن حاتم و هو في المسجد فقال: إئتني بابن خليفة.

فقال: هذا شي‏ء كان في الحيّ لا علم لي به. قال: و اللّه لتأتينّي به. قال: أجيئك بابن عمّي تقتله، و اللّه لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه، فأمر بعديّ إلى السجن فلم يبق بالكوفة يماني و لا ربعي إلاّ أتاه و كلّمه و قالوا تفعل هذا بعدي بن حاتم صاحب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال: فإنّي أخرجه على أن يخرج ابن عمه عنّي

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٢٧٦.

فلا يدخل الكوفة ما دام لي بها سلطان. فقال عديّ لعبد اللّه: إنّ هذا لجّ في أمرك فالحق بالجبلين( ١) .

و مرّ في الفصل في وصيتهعليه‌السلام إلى ابنه قوله: «و أكرم عشيرتك فإنّهم جناحك الذي به تطير و يدك التي بها تصول...»، مع شروح مفيدة.

«و لسان الصدق يجعله اللّه للمرء في الناس خير له من المال يورثه غيره» قال إبراهيمعليه‌السلام : و اجعل لي لسان صدق في الآخرين( ٢ ) أي: ثناء حسنا، و قال تعالى في نوح و إبراهيم و موسى و هارون و إلياس: و تركنا عليه في الآخرين. سلام على نوح في العالمين( ٣ ) ، و تركنا عليه في الآخرين.

سلام على إبراهيم( ٤ ) ، و تركنا عليه في الآخرين. سلام على إلياسين( ٦ ) أي: تركنا قول «سلام عليهم» في الآخرين.

و في (الكافي): قال الصادقعليه‌السلام لأبي كهمس: إقرأ عبد اللّه بن أبي يعفور السلام و قل له: إنّ جعفر بن محمّد يقول لك: أنظر ما بلغ به عليّ عند النبي فالزمه و إنّ عليّا إنّما بلغ ما بلغ به بصدق الحديث و أداء الامانة( ٧) .

و روى: أنّ الرجل ليصدق حتّى يكتبه اللّه صديقا. و في (كامل المبرد):

قال ابن حلزة اليشكري:

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٢٦٧.

(٢) الشعراء: ٨٤.

(٣) الصافات: ٧٨ ٧٩.

(٤) الصافات: ١٠٨ ١٠٩.

(٥) الصافات: ١١٩ ١٢٠.

(٦) الصافات: ١٢٩ ١٣٠.

(٧) الكافي ٢: ١٠٤ ح ٥.

قلت لعمرو حين ارسلته

و قد خبا من دوننا عالج

لا تكسع الشول بأغبارها

انك لا تدري من الناتج

و أصبب لأضيافك ألبانها

فإنّ شر اللبن الوالج

و فيه: قال معاوية لابن الأشعث بن قيس: ما كان جدّك قيس بن معد يكرب أعطى الأعشى؟ فقال: أعطاه مالا و ظهرا و رقيقا و أشياء أنسيتها. فقال معاوية: لكن ما أعطاكم الأعشى لا ينسى.

هذا، و في (نسب قريش مصعب الزبيري): أتى عمرو بن سعيد الأشدق فتى من قريش يذكر حقا له في كراع من أديم بعشرين ألف درهم على أبيه بخط مولى أبيه و شهادة أبيه بخطه على نفسه، فقال له: و ما سبب مالك؟ قال:

رأيته و هو معزول يمشي وحده، فقمت فمشيت معه حتّى بلغ إلى باب داره ثم وقفت فقال: هل لك من حاجة؟ فقلت: لا إلاّ أنّي رأيتك تمشي وحدك فأحببت أن أصل جناحك. قال: وصلتك رحم يا ابن أخي، فكتب هذا الكتاب و قال: ليس اليوم عندنا شي‏ء فإذا أتانا شي‏ء فأتنا به، فمات قبل أن يصل إليه. فقال له عمرو: لا جرم، لا تأخذها إلاّ وافية.

قول المصنّف: «و منها» هكذا في (المصرية) و نسخة (ابن أبي الحديد) و لكن في (ابن ميثم و الخطية) «منها»( ١ ) و هو الأحسن فلم تتقدمها اخرى.

قوله «ألا لا يعدلنّ» هكذا في (المصرية) و الصواب: «ألا لا يعدلنّ أحدكم» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٢) .

«عن القرابة يرى بها الخصاصة» أي: الفاقة.

«ان يسدّها بالذي لا يزيده إن أمسكه و لا ينقصه إن أهلكه».

روى (الكافي) عن البزنطي قال: قرأت في كتاب أبي الحسن الرضاعليه‌السلام

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١: ٣١٣.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١: ٣١٣.

إلى ابنه أبي جعفر الجواد: بلغني أنّ الموالي إذا ركبت أخرجوك من الباب الصغير، فإنّما ذلك من بخل منهم لئلا ينال منك أحد خيرا، و أسألك بحقي عليك لا يكن مدخلك و مخرجك إلاّ من الباب الكبير، فإذا ركبت فليكن معك ذهب و فضة ثم لا يسألك أحد شيئا إلاّ أعطيته، و من سألك من عمومتك ان تبرّه فلا تعطه أقلّ من خمسين دينارا و الكثير إليك، و من سألك من عمّاتك فلا تعطها أقلّ من خمسة و عشرين دينارا و الكثير إليك، إنّما أنا اريد بذلك أن يرفعك اللّه، فأنفق و لا تخش من ذي العرش إقتارا.

و روى أنّ الباقرعليه‌السلام قال للحسين بن أيمن: أنفق و أيقن بالخلف من اللّه، فإنّه لم يبخل عبد و لا أمة بنفقة فيما يرضي اللّه عزّ و جلّ إلاّ أنفق أضعافها فيما يسخط اللّه.

و روى انّهعليه‌السلام قال: ان الشمس لتطلع و معها أربعة أملاك ملك ينادي يا صاحب الخير أتمّ و أبشر، و ملك ينادي يا صاحب الشرّ إنزع و أقصر، و ملك ينادي أعط منفقا خلفا و ممسكا تلفا، و ملك ينضحها بالماء و لو لا ذلك اشتعلت الأرض.

و روى عن الصادقعليه‌السلام قال: من يضمن أربعة بأربعة أبيات في الجنة:

انفق و لا تخف فقرا، و أنصف الناس من نفسك، و أفش السلام في العالم، و اترك المراء و إن كنت محقّا( ١) .

«و من يقبض يده عن عشيرته فإنّما تقبض منه عنهم يد واحدة و تقبض منهم عنه أيد كثيرة» روى (أمالي المفيد) عن الشعبي قال: قال صعصعة: عادني أمير المؤمنينعليه‌السلام في مرضي ثم قال: أنظر فلا تجعلنّ عيادتي إيّاك فخرا على قومك، و إذا رأيتهم في أمر فلا تخرج منه فإنّه ليس بالرجل غنى عن

____________________

(١) الكافي ٤: ٤٢ ٤٤ ح ١ و ٥ و ٧ و ١٠.

قومه، إذا خلع منهم يدا واحدة يخلعون منه أيدي كثيرة، فإذا رأيتهم في خير فأعنهم عليه، و إذا رأيتهم في شر فلا تخذلنهم، و ليكن تعاونكم على طاعة اللّه فإنّكم لن تزالوا بخير ما تعاونتم على طاعة اللّه تعالى و تناهيتم عن معاصيه( ١ ) . و من الشعر في ذلك:

أخاك أخاك إنّ من لا أخا له

كساع إلى الهيجا بغير سلاح

و إنّ ابن عم المرء فاعلم جناحه

و هل ينهض البازي بغير جناح

أيضا:

إن كان ذا عضد يدرك ظلامته

إنّ الذليل الذي ليست له عضد

تنبو يداه إذا ما قلّ ناصره

و يأنف الضيم إن أثرى له عدد

أيضا:

تناس ذنوب الأقربين فإنّه

لكلّ حميم راكب هو راكبه

له هفوات في الرخاء يشوبها

بنصرة يوم لا توارى كواكبه

تراه عدوّا ما أمنت و يتّقي

بجبهته يوم الوغى من يحاربه

لكلّ امرى‏ء اخوان بؤس و نعمة

و أعظمهم في النائبات أقاربه

أيضا:

ألم تر أنّ جمع القوم يخشى

و ان حريم واحدهم مباح

و أنّ القدح حين يكون فردا

فيهصر لا يكون له اقتداح

و إنّك ان قبضت بها جميعا

أبت ما سمت واحدها القداح

كذاك تفرّق الإخوان مما

يذلهم و في الذلّ افتضاح

و عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حافتا الصّراط يوم القيامة الرحم و الأمانة، فإذا مرّ الوصول للرحم المؤدي للأمانة نفذ إلى الجنّة، و إذا مرّ الخائن للأمانة القطوع

____________________

(١) لم يوجد هذا الحديث في أمالي المفيد، بل رواه الطوسي في أماليه (١ ١٢٥٧ الجزء ١٢.

للرحم لم ينفعه معه عمل فتكفى‏ء به الصراط في النار.

هذا، و قال ابن أبي الحديد: قال عثمان: إنّ عمر كان يمنع أقرباءه ابتغاء وجه اللّه، و أنا أعطيتهم ابتغاء وجه اللّه( ١) .

قلت: ما قاله عثمان مغالطة، فإعطاء الأقرباء إن كان من مال المعطي فلا يمكن أن يكون منعه كما فعل عمر ابتغاء وجه اللّه، لأنّه قطع الرحم المذموم الذي فاعله ملوم، و إن كان من مال اللّه و كان المعطي غير مستحقه فأعطاؤه كما فعل عثمان و نهب بيت المال و وهبه لبني الشجرة الملعونة في القرآن كيف يكون ابتغاء وجه اللّه، لقدمني الناس لعمر اللّه من هؤلاء بخبط و شماس.

«و من تلن حاشيته يستدم من قومه المودّة» هو نظير قولهعليه‌السلام : «من لان عوده كثفت أغصانه».

في (الكافي) عن أبي جعفرعليه‌السلام : لما خرج أمير المؤمنينعليه‌السلام يريد البصرة نزل بالرّبذة فأتاه رجل من محارب فقال: إنّي تحمّلت في قومي حمالة و إنّي سألت في طوائف منهم المواساة و المعونة فسبقت إليّ ألسنتهم بالنكد فمرهم بمعونتي. فقال: أين هم؟ فقال: هؤلاء فريق منهم حيث ترى، فنصّعليه‌السلام راحلته فأدلفت كأنّها ظليم فدلف بعض أصحابه في طلبها فلاى بلاى ما لحقت، فانتهى إلى القوم فسلّم عليهم و سألهم ما يمنعهم من مواساة صاحبهم، فشكوه و شكاهم فقالعليه‌السلام «وصل امرؤ عشيرته فانّهم أولى ببره و ذات يده و وصلت العشيرة أخاها إن عثر به دهر و أدبرت عنه دنيا فإنّ المتواصلين المتباذلين مأجورون و ان المتقاطعين المتدابرين موزورون» ثم بعث راحلته( ٢) .

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١: ٣٣٠.

(٢) الكافي ٢: ١٥٣، ١٨.

قول المصنف في الأول (قال الشريف أقول) هكذا في (المصرية) و إنّما في (ابن أبي الحديد) قال الرضي، و في (ابن ميثم)( ١ ) قال السّيد( ٢ ) ، و هو دليل على أن أصله من كلام الشّراح و أنّ «أقول» زائدة (الغفير هاهنا) انما قال ههنا لأن الغفيرة تأتي في موضع آخر بمعنى آخر، قال الجوهري يقال «ما فيهم غفيرة» أي: لا يغفرون ذنبا لأحد، قال الراجز:

يا قوم ليست فيهم غفيرة

فامشوا كما تمشي جمال الحيرة( ٣)

و قال ابن دريد: و كلّ شي‏ء غطيته فقد غفرته، و منه المغفرة و الغفيرة( ٤ ) (الزيادة و الكثرة من قولهم للجمع الكثير، الجمّ الغفير و الجماء الغفير) المفهوم من الجوهري انهما يأتيان بالوصفية معرفة و نكرة و بالاضافة، فقال و قولهم «جاءوا جماء غفيرا و الجماء الغفير و جم الغفير و جماء الغفير» أي: جاءوا بجماعتهم: الشريف و الوضيع( ٥) .

(و يروى: عفوة من أهل أو مال) هو رواية اليعقوبي، فقد عرفت أنّ في خبره «فمن أصابه نقص في أهله و ماله و رأى عند أخيه عفوة فلا يكوننّ ذلك عليه فتنة» و الغفيرة رواية (الكافي) كما مر و كذا (النهاية)( ٦) .

(و العفوة الخيار من الشي‏ء، يقال عفوة الطعام أي: خياره) و قال الجوهري و قال بعضهم العفاوة بالكسر أول المرق و أجوده، و العفاوة بالضم آخره يردّها مستعير القدر مع القدر يقال منه «عفوة

____________________

(١) شرح ابن ميثم ٢: ١١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١: ٣١٣.

(٣) شرح ابن ميثم ٢: ١١.

(٤) الصحاح للجوهري ٢: ٧٧١.

(٥) جمهرة اللغة ٢: ٧٧٨.

(٦) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٠٧، و النهاية ٣: ٣٧٤.

القدر» إذا تركت ذلك في أسفلها( ١) .

(و ما أحسن المعنى الذي أرادهعليه‌السلام ) إلى (و اضطر إلى مرافقتهم) أي:

معاونتهم (قعدوا عن نصره و تثاقلوا عن صوته).

في (الأغاني): كان عقيل بن علفة قد اطرد بنيه فتفرّقوا في البلاد و بقي وحده، ثم إنّ رجلا من بني صرمة يقال له بجيل و كان كثير المال و الحاشية حطّم بيوت عقيل بماشيته و لم يكن قبل ذلك أحد يقرب من بيوت عقيل إلاّ لقي شرّا، فطردت أمة له الماشية فضربها بجيل بعصا كانت معه فشجها، فخرج إليه عقيل وحده و قد هرم يومئذ فزجر بجيلا فضربه بجيل بعصاه و احتقره فجعل عقيل يصيح يا علفة يا عملس يا فلان يا فلان بأسماء أولاده مستغيثا بهم و هو يحسب لهرمه أنّهم معه، فقال له أرطأة بن سهية:

أكلت بنيك أكل الضبّ حتى

وجدت مرارة الأكل الوبيل

و لو كان الأولى غابوا شهودا

منعت فناء بيتك من بجيل

و بلغ خبر عقيل إلى ابنه العملس و هو بالشام، فأقبل حتّى نزل عليه ثم عمد إلى بجيل فضربه ضربا مبرحا و عقر عدّة من أهله و أوثقه بحبل و جاء به يقوده حتّى ألقاه بين يدي أبيه، ثم ركب راحلته و عاد من وقته لم يطعم لأبيه طعاما و لم يشرب شرابا( ٢) .

قول المصنّف في الثاني (الياسرون هم الذين يتضاربون بالقداح على الجزور) أي: الابل الذكر و الانثى، ثم لفظ الخبر «الياسر» و هو قال «الياسرون» و كأنّه أراد أن يقول: إنّ اللاّم هنا للجنس.

(و الفالج القاهر و الغالب) هكذا في (المصرية)، و الصواب: (القاهر

____________________

(١) الصحاح الجوهري ٦: ٢٤٣٢.

(٢) الاغاني ١٢: ٢٦٩.

الغالب) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ١ ) (يقال فلج عليهم و فلجهم) لم أقف على من جوّز فلجهم، ففي (الجمهرة): فلج الرجل على خصمه و أفلج إذا ظهر عليه( ٢ ) ، و في (الصحاح): فلج على خصمه و أفلجه اللّه عليه( ٣) ، و في (الأساس): فلجت على خصمك و فلجت حجتك( ٤) .

(و قال) هكذا في (المصرية) و الصواب: (قال) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٥ ) و لأنّه قال ذلك شاهدا (الراجز) في الصحاح الرجز داء يصيب الإبل في أعجازها فإذا ثارت الناقة ارتعشت فخذاها ساعة ثم تنشط و منه سمّي الرجز من الشعر لتقارب أجزائه و قلّة حروفه.

(لما رأيت فالجا قد فلجا) ان ذكره شاهدا لكون معنى الفالج القاهر الغالب فصحيح و ان ذكره لصحّة (فلجهم) فهو أعم.

هذا، و لفظ خبري ابن عساكر في العنوان «الأول» هكذا: خطب فقال: أيّها الناس إنّما هلك من هلك ممّن كان قبلكم بركوبهم المعاصي، و لم ينههم الربّانيّون و الأحبار، فأنزل اللّه بهم العقوبات، ألا فمروا بالمعروف، و انهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم الذي نزل بهم، و اعلموا أنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لا يقطع رزقا، و لا يقرّب أجلا، إنّ الأمر ينزل من السماء كقطر المطر إلى كلّ نفس بما قدّر اللّه لها من زيادة أو نقصان في أهل أو مال أو نفس، فإذا أصاب أحدكم النقصان في أهل أو مال أو نفس في الآخرة عقوبة فلا يكونن ذلك له فتنة إلى آخره «و قد يجمعهما اللّه لأقوام».

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ١١٥.

(٢) جمهرة اللغة ١: ٤٨٧.

(٣) صحاح اللغة للجوهري ١: ٣٣٥.

(٤) أساس البلاغة: ٢٤٦.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ١١٥.

و الثاني قريب منه لكن أوّل من قوله «إنّ الأمر ينزل من السماء» و فيه أيضا «فمن رأى نقصا في أهله أو نفسه أو ماله و رأى لغيره عثرة فلا يكونن ذلك له فتنة»( ١) .

و ما فيه هو الصحيح و يصدقه نقل اليعقوبي و (الكافي) كما مرّ دون ما في المتن و باقي الأسانيد، لكن «عثرة» في هذا مصحف عفوة أو غفيرة.

و للّه الحمد أوّلا و أخيرا.

____________________

(١) ابن عساكر ٣: ٢٦٩ ٢٧١ ح ١٣٩١ ١٣٩٢.

تتمة في خرافات العرب

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين.

و بعد: فقد ذكر ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة مقدارا من خرافات العرب و الأصل فيه الخالع في كتابه «آراء العرب و أديانها»، ذكر ذلك فيما تفرّد به من نسبته إلى النهج أنّ فيه «و قالعليه‌السلام : العين حقّ، و الرقا حقّ، و السحر حقّ، و الفال حق، و الطيرة ليست بحقّ، و العدوى ليست بحق، و الطيب نشرة، و العسل نشرة، و الركوب نشرة، و النظر إلى الخضرة نشرة»، مع أنّه لو كان ذلك من كلامهعليه‌السلام فرضا فليس من النهج قطعا، لأنّ موضوع النهج كلام كان في غاية البلاغة لا ما كان من الأحاديث المتعارفة.

و كيف كان فحيث كان فيها أشياء غريبة و أمور عجيبة أحببت افرادها في موضع، و قد أنقل من غيره في طيّه و أنقل بعده كلام المروج.

قال في شرح فقرة «و العدوى ليست بحق» قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «لا عدوى و لا هامة و لا صفر» العدوى معروفة، أي: بأن المراد تعدي الداء من حي إلى حي.

و الهامة ما كانت العرب تزعمه في المقتول لا يؤخذ بثأره، و الصفر ما كانت

العرب تزعمه من الحية في البطن تعض عند الجوع.

قال: نذكر نكتا ممتعة من مذاهب العرب و تخيّلاتها، أنشد ابن الكلبي لأميّة ابن أبي الصلت:

سنة أزمة تبرّح بالناس

ترى للعضاه فيها صريرا

لا على كوكب تنوء و لا ري

ح جنوب و لا ترى طحرورا

و يسقون باقر السهل للطو

د مهازيل خشية أن تبورا

عاقدين النّيران في ثكن الأذ

ناب منها لكي تهيج البحورا

سلع ما و مثله عشر ما

عامل ما وعالت البيقورا

يروى أن عيسى بن عمر قال: ما أدري معنى هذا البيت أي: البيت الأخير.

و يقال: إن الأصمعي صحّف فيه فقال «و غالت» بالغين المعجمة و قال غيره «عالت» بمعنى أثقلت البقر بما حمّلتها من السلع و العشر. و البيقور البقر، و عائل أي: غالب أو مثقل.

قلت: و السلع بفتحتين: شجر مرّ، و العشر بالضم فالفتح: شجر له صمغ من العضاة.

قال: و كانت العرب إذا أجدبت و أمسكت السماء عنهم و أرادوا أن يستمطروا عمدوا إلى السلع و الشعر فحزّموهما و عقدوهما في أذناب البقر و أضرموا فيهما النيران و أصعدوها في جبل وعر و اتّبعوها يدعون اللّه و يستسقونه، و إنّما يضرمون النيران في أذناب البقر تفاؤلا للبرق بالنار، و كانوا يسوقونها نحو المغرب من دون الجهات، و قال اعرابي:

شفعنا ببيقور إلى هاطل الحيا

فلم يغن عنّا ذاك بل زادنا جدبا

فعدنا إلى ربّ الحيا فأجارنا

و صيّر جدب الأرض من بعده خصبا

و قال آخر:

قل لبني نهشل أصحاب الحور

أ تطلبون الغيث جهلا بالبقر

و سلع من بعد ذاك و عشر

ليس بذا يجلّل الأرض المطر

و قال آخر:

لمـّا كسونا الأرض أذناب البقر

بالسّلع المعقود فيها و العشر

و قال آخر:

يا كحل قد أثقلت أذناب البقر

بسلع يعقد فيها و عشر

فهل تجودين ببرق و مطر

و قال آخر يعيب العرب بفعلهم هذا:

لادر درّ رجال خاب سعيهم

يستمطرون لدى الإعسار بالعشر

أ جاعل أنت بيقورا مسلّعة

ذريعة لك بين اللّه و المطر

و قال بعض الأذكياء: كلّ أمة قد تحذو في مذاهبها مذاهب ملّة اخرى، و قد كانت الهند تزعم أنّ البقر ملائكة سخط اللّه عليها فجعلها في الأرض و أن لها عنده حرمة، و كانوا يلطخون الأبدان بأخثائها و يغسلون الوجوه ببولها و يجعلونها مهور نسائهم و يتبرّكون بها في جميع أحوالهم، فلعل أوائل العرب حذوا هذا الحذو و انتهجوا هذا المسلك.

و للعرب في البقر خيال آخر، و ذلك أنّهم إذا أوردوها فلم ترد ضربوا الثور ليقتحم الماء فتقتحم البقر بعده. و يقولون: إنّ الجنّ تصد البقر عن الماء و إنّ الشيطان يركب قرني الثور، قال قائلهم:

إنّي و قتلي سليك حين أعقله

كالثور يضرب لما عافت البقر

و قال نهشل بن حري:

كذاك الثور يضرب بالهراوى

إذا ما عافت البقر الظماء

و قال آخر:

كالثور يضرب للورو

د إذا تمنّعت البقر

فإنّ كان ليس إلاّ هذا فليس ذاك بعجيب من البقر و لا بمذهب من مذاهب العرب، لأنّه قد يجوز أن تمتنع البقر من الورود حتّى يرد الثور كما تمتنع الغنم من سلوك الطرق أو دخول الدار و الأخبية حتّى يتقدّمها الكبش أو التّيس، و كالنحل تتبع اليعسوب، و الكراكي تتبع أميرها. و لكن الذي تدلّ عليه أشعارهم أن الثور يرد و يشرب و لكن البقر تعاف الماء و قد رأت الثور يشرب فحينئذ يضرب الثور مع إجابته إلى الورود فتشرب البقر عند شربه، و هذا هو العجب، قال الشاعر:

فإنّي إذن كالثور يضرب جنبه

إذا لم يعف شربا و عافت صواحبه

و قال آخر:

فلا تجعلوها كالبقير و فحلها

يكسّر ضربا و هو للورد طائع

و ما ذنبه إن لم يرد بقراته

و قد فاجأتها عند ذاك الشرائع

و قال الأعشى:

لكالثور و الجنّيّ يضرب وجهه

و ما ذنبه إن عافت الماء مشربا

و ما ذنبه إن عافت الماء باقر

و ما إن تعاف الماء إلاّ لتضربا

قال: و اللام في «لتضربا» للعاقبة كقوله «لدوا للموت»( ١) .

(قلت: و في (الأساس): تزعم العرب أن الجن تمتطي الوحش و تجتنب الأرانب لمكان حيضها و لذلك يستدفعون العين بتعليق كعابها). و في (مجالس

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٣٨٢ ٣٨٥.

ثعلب) لامرى‏ء القيس:

يا هند لا تنكحي بوهة

عليه عقيقته أحسبا

مرسعة بين أرباقه

به عسم يبتغي أرنبا

ليجعل في ساقه كعبها

حذار المنية أن يعطبا

قال ثعلب: البوهة طائر يشبه البومة، و عقيقته أي: شعره، و الاحسب أي:

إلى السواد، يبتغي أرنبا ليأخذ عظمها فيصيّره عليه من خشية الجنّ.

و قال الجوهري في «هذذ» تزعم النساء أنّه إذا شقّ عند البضاع شيئا من ثوب صاحبه دام الود بينهما و إلاّ تهاجرا( ١) .

قال: و من مذاهب العرب تعليق الحلي و الجلاجل على اللّديغ، يرون أنّه يفيق بذلك، و يقال: إنّه إنّما يعلّق عليه لأنّهم يرون أنّه إن نام يسري السمّ فيه فيهلك فشغلوه بالحلي و الجلاجل و أصواتها عن النوم. و هذا قول النّضر بن شميل، و بعضهم يقول: إنّه إذا علّق عليه حلي الذهب برأ و إن علّق الرصاص أو حلي الرصاص مات، و قال النابغة:

فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة

من الرقش في أنيابها السم ناقع

يسهّد من ليل التمام سليمها

لحلي النساء في يديها قعاقع

و قال بعض بني عذرة:

كأني سليم ناله كلم حيّة

ترى حوله حلي النساء مرصّعا

و قال آخر:

و قد علّلوا بالبطل في كلّ موضع

و غرّوا كما غرّ السليم الجلاجل

و قال جميل و ظرف في قوله و لو قاله العباس بن الأحنف لكان ظريفا:

إذا ما لديغ ابرأ الحلي داءه

فحليك أمسى يا بثينة دائيا

____________________

(١) صحاح الجوهري ٢: ٥٧٣.

و قال عويمر النبهاني و هو يؤكد قول النضر بن شميل:

فبت معنّى بالهموم كأنني

سليم نفى عنه الرقاد الجلاجل

و قال آخر:

كأنّي سليم سهد الحلي عينه

فراقب من ليل التمام الكواكبا

و يشبه مذهبهم في ضرب الثور، مذهبهم في العرّ يصيب الإبل فيكوى الصحيح ليبرأ السقيم، قال النابغة:

و كلفتني ذنب امرى‏ء و تركته

كذي العرّ يكوى غيره و هو راتع

و قال بعض الأعراب:

كمن يكوني الصحاح يروم برءا

به من كلّ جرباء الإهاب

و قال آخر:

فألزمتني ذنبا و غيري جرّه

حنانيك لا تكوي الصحيح بأجربا

و من تخيلات العرب و مذاهبهم أنّهم كانوا يفقأون عين الفحل من الإبل إذا بلغت ألفا كأنّهم يدفعون عنها العين، قال الشاعر:

فقأنا عيونا من فحول بهاذر

و أنتم برعي البهم أولى و أجدر

و قال آخر:

وهبتها و كنت ذا امتنان

تفقأ فيها أعين البعران

و قال آخر:

أعطيتها ألفا و لم تبخل بها

ففقأت عين فحيلها معتافا

و قد ظنّ قوم أنّ بيت الفرزدق و هو:

غلبتك بالمفقّى‏ء و المعنى

و بيت المختبي و الخافقات

من هذا القبيل و ليس الأمر على ذلك و انما أراد قوله لجرير:

و لست و لو فقّأت عينك واجدا

أخا كلقيط أو أبا مثل دارم

و أ راد ب «المعنى» قوله لجرير أيضا:

و انّك إذ تسعى لتدرك دارما

لأنت المعنّى يا جرير المكلّف

و أراد بقوله «المختبي» قوله:

بيت زرارة مختب بفنائه

و مجاشع و أبو الفوارس نهشل

و أراد بقوله «بيت الخافقات» قوله:

و معصّب بالتاج يخفق فوقه

خرق الملوك له خميس جحفل

فأمّا مذهبهم في البليّة و هي ناقة تعقل عند القبر حتى تموت فمذهب مشهور، و «البليّة» أنّهم إذا مات كريم منهم بلوا ناقته أو بعيره فعكسوا عنقها و أداروا رأسها إلى مؤخرها و تركوها في حفيرة لا تطعم و لا تسقى حتى تموت، و ربّما أحرقت بعد موتها، و ربّما سلخت و ملى‏ء جلدها ثماما. و كانوا يزعمون أنّ من مات و لم يبل عليه، حشر ماشيا، و من كانت له بليّة حشر راكبا على بليته. قال جريبة بن الأشيم الفقعسي لابنه سعد:

يا سعد إمّا أهلكنّ فإنّني

اوصيك إنّ أخا الوصاة الأقرب

لا أعرفنّ أباك يحشر خلفكم

تعبا يجرّ على اليدين و ينكب

و احمل أباك على بعير صالح

وتق الخطيئة إنّه هو أصوب

و لعلّ لي ممّا جمعت مطية

في الحشر أركبها إذا قيل اركبوا

و قال جريبة أيضا:

إذا مت فادفني بجدّاء ما بها

سوى الأصرخين أو يفوّز راكب

فإن أنت لم تعقر عليّ مطيتي

فلا قام في مال لك الدهر حالب

و لا تدفننّي في صوى و ادفنني

بديمومة تنزو عليها الجنادب

قال: و قد ذكرت في مجموعي المسمّى ب «العبقري الحسان» أن الحسين بن محمد بن جعفر الخالع ذكر في كتابه «آراء العرب و أديانها» هذه الأبيات

و استشهد بها على ما كانوا يعتقدون في البلية. و قلت: إنّه وهم في ذلك و إنّه ليس في هذه الأبيات دلالة على هذا المعنى و لا لها به تعلّق، و إنّما هي وصية لولده أن يعقر مطيته بعد موته إمّا لكيلا يركبها غيره بعده أو على هيئة القربان كالهدي المعقور بمكة، أو كما كانوا يعقرون عند القبور. و مذهبهم في العقر على القبور كقول زياد الأعجم في المغيرة بن المهلب:

ان السماحة و المروة ضمّنا

قبرا بمرو على الطّريق الواضح

فإذا مررت بقبره فاعقر به

كوم الهجان و كلّ طرف سابح

و قال آخر:

نفرت قلوصي عن حجارة حرة

بنيت على طلق اليدين وهوب

لا تنفري يا ناق منه فإنّه

شرّيب خمر مسعر لحروب

لو لا السّفار و بعد خرق مهمه

لتركتها تحبو على العرقوب

و مذهبهم في العقر على القبور مشهور، و ليس في هذا الشعر ما يدل على مذهبهم في البلية( ١) .

قلت: و في خبر، إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام استشهد من بعض الصحابة قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» فأنكر فقال له: ان كنت سمعت و لم تشهد لي فلا أماتك اللّه إلاّ ميتة الجاهلية، فلمّا مات جاء قومه بالخيل و الإبل فعقرتها على باب منزله.

و المراد به الأشعث بن قيس، و في لطائف معارف الثعالبي هو أوّل من دفن في داره، فإنّه لمّا مات لم يقدر على إخراجه من كثرة الزحام و كان الرجل ينزل عن دابته فيعقرها و الآخر يجي‏ء براحلته فينحرها، فخاف الحسن بن

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٣٨٥ ٣٨٩.

علي أن يعقر الناس على قبره فأمر بدفنه في داره( ١) .

قال: فإن ظنّ ظانّ أنّ قوله «أو يفوّز راكب» فيه إيماء إلى ذلك، فليس الأمر كما ظنّه، و معنى البيت ادفنّي بفلاة جدّاء مقطوعة عن الإنس ليس بها إلاّ الذئب و الغراب أو أن يعتسف راكبها المفازة( ٢) .

و أخطأ الخالع أيضا في هذا الباب إيراده قول مالك بن الريب:

و عطّل قلوصي في الركاب فإنّها

ستبرد أكبادا و تبكي بواكيا

فظنه من هذا الباب، و إنما أراد الشاعر لا تركبوا راحلتي بعدي و عطّلوها بحيث لا يشاهدها أعاديّ و أصادقي ذاهبة جائية تحت راكبها فيشمت العدوّ و يساء الصّديق.

و قد أخطأ في مواضع اخر و أورد أشعارا في غير موضعها و ظنّها مناسبة و منها أنّه ذكر مذهب العرب في الحلي و وضعه على اللّديغ، و استشهد عليه بقول الشاعر:

يلاقي من تذكّر آل ليلى

كما يلقى السليم من العداد

فالعداد معاودة السمّ الملسوغ في كلّ سنة في الوقت الذي لدغ فيه، و ليس هذا من باب الحلي بسبيل.

و من ذلك إيراده قول الفرزدق «غلبتك بالمفقّى‏ء» في باب فق‏ء عيون الفحول إذا بلغت الإبل ألفا، و سنذكر كثيرا من المواضع التي وهم فيها.

و ممّا ورد في البلية قول بعضهم:

أ بنيّ زوّدني إذا فارقتني

في القبر راحلة برحل فاتر

للبعث أركبها إذا قيل اركبوا

مستوسقين معا لحشر الحاشر

____________________

(١) لطائف المعارف للثعالبي.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٣٨٩.

و قال عويم النبهاني:

أبنيّ لا تنس البليّة إنّها

لأبيك يوم نشوره مركوب

و من تخيلات العرب و مذاهبها ما حكاه ابن الأعرابي قال: كانت العرب إذا نفرت الناقة فسمّيت لها أمّها سكنت من النّفار، قال الراجز:

أقول و الوجناء بي تقحم

ويلك قل ما اسم أمّها يا علكم

«علكم» اسم عبده، و إنّما سأل عبده ترفّعا أن يعرف اسم أمّها، لأنّ العبيد بالإبل أعرف و هم رعاتها. و أنشد السّكّري:

فقلت له ما اسم امّها هات فادعها

تجبك و يسكن روعها و نفارها( ١)

قلت: و في أساس الزمخشري يقولون: الناقة النادة تسكن إذا سميت أمّها، و كذلك يسكن الجمل النادّ إذا سمّي أبوه( ٢ ) . قلت: و لعلّ وجه سكونهما أنّهما عند سماع اسمهما يتوجه خيالهما إلى الام و الأب فيسكنان عن النفور و الند.

و ممّا كانت العرب كالمجتمعة عليه (الهامة)، و ذلك أنّهم كانوا يقولون ليس من ميت يموت و لا قتيل يقتل إلاّ و يخرج من رأسه هامة، فإن كان قتل و لم يؤخذ بثاره نادت الهامة على قبره: «اسقوني فإنّي صديّة»، و عن هذا قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «لا هامة»( ٣) .

و حكي أن أبا زيد قال «الهامّة» مشددة الميم إحدى هوام الأرض، و إنّها هي المنادية المذكورة. و قيل: إن أبا عبيد قال: ما أرى أبا زيد حفظ هذا.

و قد يسمّونها «الصدى» و الجمع أصداء، قال: «و كيف حياة أصداء

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٣٨٩ ٣٩١.

(٢) أساس البلاغة: ٣٥٦، مادة: (قحم).

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٣٩١.

و هام»، و قال أبو دواد الأيادي:

سلّط الموت و المنون عليهم

فلهم في صدى المقابر هام

و قال بعضهم لابنه:

و لا ترقون لي هامة فوق مرقب

فإن زقاء الهام للمرء عائب

تنادي ألا اسقوني و كلّ صدى به

و تلك التي تبيضّ منها الذوائب

يقول له لا تترك ثاري إن قتلت فإنّك إن تركته صاحب هامتي: اسقوني، فإنّ كلّ صدى و هو ها هنا العطش بأبيك، و تلك التي تبيض منها الذوائب لشدّتها، كما يقال: «أمر يشيب رأس الوليد»، و يحتمل أن يريد صعوبة الأمر عليه و هو مقبور إذا لم يثأر به، و يحتمل أن يريد به صعوبة الأمر على ابنه، يعني أنّ ذلك عار عليك. و قال ذو الأصبع:

يا عمرو إلاّ تدع شتمي و منقصتي

أضربك حيث تقول الهامة اسقوني( ١)

قلت: و أنشد البيت عبد الملك بن مروان لعمرو بن سعيد لمّا قتله. قال:

و قال آخر:

[ فيا رب ان أهلك و لم ترو هامتي

بليلى أمت لا قبر أعطش من قبري( ٢)

و يحتمل هذا البيت أن يكون خارجا عن هذا المعنى الذي نحن فيه و أن يكون ريّ هامته الذي طلبه من ربه هو وصال ليلى في الدنيا، و هم يكنّون عمّا يشفيهم بأنّه يروي هامتهم. و قال معلّس الفقعسي:

و إنّ أخاكم قد علمت مكانه

بسفح قبا تسفي عليه الأعاصر

له هامة تدعو إذا الليل جنّها

بني عامر هل للهلاليّ ثائر

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٣٩١ ٣٩٢.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٣٩٥ ح ٣٩٢.

و قال توبة بن الحميّر:

و لو أنّ ليلى الأخيلية سلّمت

عليّ و دوني جندل و صفائح

لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا

إليها صدى من جانب القبر صائح

و قال قيس بن الملوح و هو المجنون:

و لو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا

و من دوننا رمس من الأرض أنكب

لظلّ صدى رمسي و إن كنت رمّة

لصوت صدى ليلى يهشّ و يطرب

و قال حميد بن ثور:

ألا هل صدى أمّ الوليد مكلّم

صداي إذا ما كنت رمسا و أعظما

و ممّا أبطله الإسلام قول العرب بالصّفر، زعموا أن في البطن حيّة إذا جاع الإنسان عضّت على شر سوفه و كبده، و قيل: هو الجوع بعينه، ليس أنّها تعضّ بعد حصول الجوع.

فأما لفظ الحديث «لا عدوى و لا هامة و لا صفر» فإنّ أبا عبيدة معمر بن المثنى قال: هو «صفر» الشهر الذي بعد المحرم. نهىعليه‌السلام عن تأخيرهم المحرّم إلى صفر، يعني ما كانوا يفعلونه من النسي‏ء، و لم يوافق أحد من العلماء أبا عبيدة على هذا التفسير. قال الشاعر:

لا يتأرّى لمـّا في القدر يرقبه

و لا يعض على شرسوفه الصفر

و قال بعض شعراء بني عبس يذكر قيس بن زهير لمّا هجر الناس و سكن الفيافي و أنس بالوحش، ثم رأى ليلة نارا فعشا إليها فشمّ عندها قتار اللّحم فنازعته شهوته فغلبها و قهرها و مال إلى شجرة سلم فلم يزل يكدمها و يأكل من خبطها إلى أن مات:

إنّ قيسا كان ميتته

كرم و الحيّ منطلق

شام نارا بالهوى فهوى

و شجاع البطن يختفق

في دريس ليس يستره

ربّ حرّ ثوبه خلق

و قوله: «بالهوى» إسم موضع بعينه. و قال أبو النجم العجلي:

إنّك يا خير فتى نستعدي

على زمان مسّنا بجهد

عضّا كعضّ صفر بكبد

و قال آخر:

أردّ شجاع البطن قد تعلمينه

و أوثر غيري من عيالك بالطّعم

و من خرافات العرب أن الرجل منهم كان إذا أراد دخول قرية فخاف وباءها أو جنّها، وقف على بابها قبل أن يدخلها فنهق نهيق الحمار، ثم علّق عليه كعب أرنب، كأنّ ذلك عوذة له و رقية من الوباء و الجن، و يسمّون هذا النهيق: التعشير قال شاعرهم:

و لا ينفع التّعشير إن حمّ واقع

و لا زعزع يغني و لا كعب أرنب

و قال الهيثم بن عدي: خرج عروة بن الورد إلى خيبر في رفقة ليمتاروا، فلمّا قربوا منها عشّروا و عاف عروة أن يفعل فعلهم و قال:

لعمري لئن عشّرت من خيفة الردى

نهاق حمير إنّني لجزوع

فلا و ألت تلك النفوس و لا أتوا

قفولا إلى الأوطان و هي جميع

و قالوا ألاّ انهق لا تضرّك خيبر

و ذلك من فعل اليهود ولوع

أي: كذب. فيقال إن رفقته مرضوا و مات بعضهم و نجا عروة من الموت و المرض. و قال آخر:

لا ينجينّك من حمام واقع

كعب تعلّقه و لا تعشير ]( ١)

قلت: و الأصل في وجه تسميتهم له بالتعشير ان الحمار يتابع في نهيقه بين عشر نهقات.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٣٩٢ ٣٩٥.

[ قال: و يشابه هذا أنّ الرجل منهم كان إذا ضلّ في فلاة قلب قميصه و صفّق بيديه كأنّه يومي بهما إلى إنسان فيهتدي. قال أعرابي:

قلت ثيابي و الظنون تجول بي

و ترمي برحلي نحو كلّ سبيل

فلأيا بلأي ما عرفت جليّتي

و أبصرت قصدا لم يصب بدليل

و قال أبو العملّس الطائي:

فلو أبصرتني بلوى بطان

اصفّق بالبنان على البنان

فأقلب تارة خوفا ردائي

و أصرخ تارة بأبي فلان

لقلت أبو العملّس قد دهاه

من الجنّان خالعة العنان

و الأصل في قلب الثياب التفأول بقلب الحال، و قد جاء في الشريعة الإسلامية نحو ذلك في الإستسقاء( ١) .

و من مذاهب العرب أنّ الرجل منهم كان إذا سافر عمد إلى خيط فعقده في غصن شجرة أو في ساقها، فإذا عاد نظر إلى ذلك الخيط، فإن وجده بحاله علم أن زوجته لم تخنه، و إن لم يجده أو وجده محلولا قال: خانتني، و ذلك العقد يسمّى «الرتم». و يقال: بل كانوا يعقدون طرفا من غصن الشجر بطرف غصن آخر. قال الراجز:

هل ينفعنك اليوم إن همت بهم

كثرة ما توصي و تعقاد الرّتم

و قال آخر:

خانته لمـّا رأت شيبا بمفرقه

و غرّه حلفها و العقد للرّتم

و قال آخر:

لا تحسبنّ رتائما عقّدتها

تنبيك عنها باليقين الصادق

و قال آخر:

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٣٩٥.

يعلّل عمرو بالرّتائم قلبه

و في الحي ظبي قد احلّت محارمه

فما نفعت تلك الوصايا و لا جنت

عليه سوى ما لا يحبّ رتائمه

و قال آخر:

ما ذا الذي تنفعك الرّتائم

إذ أصبحت و عشقها ملازم

و هي على لذّاتها تداوم

يزورها طبّ الفؤاد عارم

بكلّ أدواء النساء عالم

و قد كانوا يعقدون الرّتم للحمّى و يرون أن من حلّها انتقلت الحمّى إليه، قال الشاعر:

حللت رتيمة فمكثت شهرا

أكابد كلّ مكروه الدواء ]( ١)

قلت: و تأتي «الرتيمة» أيضا لمّا يعقد في اليد للتذكرة كما قال ثعلب في مجالسه و أنشد:

إذا لم تكن حاجاتنا في نفوسنا

لإخواننا لم تغن عنّا الرتائم( ٢)

و قال ابن السكّيت: إنّ العرب كانت تقول: إنّ المرأة المقلات و هي التي لا يعيش لها ولد إذا وطئت القتيل الشريف عاش ولدها، قال بشر بن أبي حازم:

قظل مقاليت النساء تطأنه

يقلن ألاّ يلقى على المرء مئزر

و قال أبو عبيدة: تتخطّاه المقلاة سبع مرات فذلك وطاها له.

و قال ابن الأعرابي: يمرّون به و يطأون حوله. و قيل إنّما كانوا يفعلون ذلك بالشريف يقتل غدرا أو قودا، و قال الكميت:

و تطيل المرزّءات المقاليت

إليه القعود بعد القيام

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٣٩٦.

(٢) مجالس الثعلبي.

و قال آخر:

تركنا الشعثمين برمل خبت

تزورهما مقاليت النساء

و قال آخر:

بنفسي الذي تمشي المقاليت حوله

يطال له كشحا هضيما مهشّما

و قال آخر:

تباشرت المقاليت حين قالوا

ثوى عمرو بن مرّة بالحفير

و من تخيّلات العرب و خرافاتها أن الغلام منهم كان إذا سقطت له سن أخذها بين السبابة و الابهام و استقبل الشمس إذا طلعت و قذف بها و قال: يا شمس، أبدليني بسن أحسن منها و ليجر في ظلمها «إياتك» أو «إياؤك»، و هما جميعا شعاع الشمس، قال طرفة «سقته إياة الشمس»، و إلى هذا الخيال أشار شاعرهم بقوله:

شادن يجلو إذا ما ابتسمت

عن أقاح كأقاح الرمل غر

بدّلته الشمس من منبته

بردا أبيض مصقول الأثر

و قال آخر:

و أشنب واضح عذب الثنايا

كأنّ رضا به صافي المدام

كسته الشمس لونا من سناها

فلاح كأنّه برق الغمام

و قال آخر:

بذي اشر عذب المذاق تفرّدت

به الشمس حتى عاد أبيض ناصعا

و الناس اليوم في صبيانهم على هذا المذهب.

و كانت العرب تعتقد أن دم الرئيس يشفي من عضة الكلب الكلب، قال الشاعر:

بناة مكارم و اساة جرح

دماؤهم من الكلب الشفاء

و قال ابن الزبير الأسدي:

من خير بيت علمناه و أكرمه

كانت دماؤهم تشفي من الكلب

و قال الكميت:

أحلامكم لسقام الجهل شافية

كما دماؤكم تشفي من الكلب

و من تخيّلات العرب أنّهم كانوا إذا خافوا على الرجل الجنون و تعرّض الأرواح الخبيثة له نجّسوه بتعليق الأقذار عليه كخرقة الحيض و عظام الموتى قالوا: و أنفع من ذلك أن تعلّق عليه طامث عظام موتى ثم لا يراها يومه ذلك و أنشدوا للممزّق العبديّ:

فلو أن عندي جارتين و راقيا

و علّق انجاسا عليّ المعلّق

قالوا: و التنجيس يشفي إلاّ من العشق، قال أعرابي:

يقولون علّق يا لك الخير رمّة

و هل ينفع التنجيس من كان عاشقا

و قالت امرأة و قد نجّست ولدها فلم ينفعه و مات:

نجّسته لو ينفع التنجيس

و الموت لا تفوته النفوس

و كان أبو مهديّة يعلّق في عنقه العظام و الصوف حذر الموت، و أنشدوا:

أتوني بأنجاس لهم و منجّس

فقلت لهم ما قدّر اللّه كائن

و من مذاهبهم أنّ الرجل منهم كان إذا خدرت رجله ذكر من يحبّ أو دعاه فيذهب خدرها، قال:

على أنّ رجلي لا يزال امذلالها

مقيما بها حتى أجيلك في فكري

و قال كثير:

إذا مذلت رجلي ذكرتك أشتفي

بدعواك من مذل بها فيهون

و قال جميل:

و أنت لعيني قرّة حين نلتقي

و ذكرك يشفيني إذا خدرت رجلي

و قالت امرأة:

إذا خدرت رجلي دعوت ابن مصعب

فإن قلت عبد اللّه أجلى فتورها

و قال آخر:

صبّ محبّ إذا ما رجله خدرت

نادى كبيشة حتى يذهب الخدر

و قال المؤمّل:

و اللّه ما خدرت رجلي و لا عثرت

إلاّ ذكرتك حتّى يذهب الخدر

و قال الوليد بن يزيد:

أثيبي هائما كلفا معنّى

إذا خدرت له رجل دعاك

و نظير هذا الوهم، أنّ الرجل منهم كان إذا اختلجت عينه قال: أرى من احبّه فإن كان غائبا توقّع قدومه و إن كان بعيدا توقّع قربه، قال بشر:

إذا اختلجت عيني أقول لعلّها

فتاة بني عمرو بها العين تلمع

و قال آخر:

إذا اختلجت عيني تيقّنت أنّني

أراك و إن كان المزار بعيدا

و قال آخر:

إذا اختلجت عيني أقول لعلّها

لرؤيتها تهتاج عيني و تطرف

و هذا الوهم باق في النّاس إلى اليوم.

و من مذاهبهم أنّ الرجل منهم كان إذا عشق و لم يسل، و أفرط عليه العشق، حمله رجل على ظهره كما يحمل الصبيّ و قام آخر فأحمى حديدة أو ميلا و كوى به بين أليتيه فيذهب عشقه فيما يزعمون، قال أعرابي:

كويتم بين رانفتيّ جهلا

و نار القلب يضرمها الغرام

و قال آخر:

شكوت إلى رفيقيّ اشتياقي

فجاءاني و قد جمعا دواء

و جاءا بالطبيب ليكوياني

و لا أبغي عدمتهما اكتواء

و لو أتيا بسلمى حين جاءا

لعاضاني من السّقم الشفاء

و استشهد الخالع على هذا المعنى بقول كثير:

أغاضر لو شهدت غداة بنتم

حنوّ العائدات على وسادي

أويت لعاشق لم ترحميه

بواقدة تلذّع بالزّناد

و هذا البيت ليس بصريح في هذا الباب، و يحتمل أن يكون مراده فيه المعنى المشهور المطروق بين الشعراء من ذكر حرارة الوجد و لذعه و تشبيهه بالنار، إلاّ أنّه قد روى في كتابه خبرا يؤكد المقصد الذي ادّعاه، و هو:

عن محمد ابن سليمان بن فليج عن جدّه قال: كنت عند عبد اللّه بن جعفر فدخل عليه كثير و عليه أثر علّة، فقال عبد اللّه: ما هذا بك؟ قال: هذا ما فعلت بي أمّ الحويرث، ثم كشف عن ثوبه و هو مكوي و أنشد:

عفا اللّه عن أمّ الحويرث ذنبها

على من تعنّيني و تكمي دوائيا

و لو آذنوني قبل أن يرقموا بها

لقلت لهم امّ الحويرث دائيا

قلت: و الظاهر أنّه حرّف شعره أيضا و إنّه قال:

«كويت لعاشق لم ترحميه» بقوله «أويت لعاشق لم ترحميه»

قال: و من أوهامهم و تخيلاتهم أنّهم كانوا يزعمون أنّ الرجل إذا أحبّ امرأة و أ حبّته فشقّ برقعها و شقّت رداءه صلح حبهما و دام، فإن لم يفعلا ذلك فسد حبهما، قال سحيم عبد بني الحسحاس:

و كم قد شققنا من رداء محبّر

و من برقع عن طفلة غير عابس

إذا شقّ برد شق بالبرد برقع

دواليك حتى كلّنا غير لابس

نروم بهذا الفعل بقيا على الهوى

و ألف الهوى يغري بهذي الوساوس

و قال آخر:

شققت ردائي يوم برقة عالج

و أمكنتني من شقّ برقعك السحقا

فما بال هذا الحب يفسد بيننا

و يمحق حبل الوصل ما بيننا محقا

و من مذاهبهم أنّهم كانوا يرون أنّ أكل لحوم السباع يزيد في الشجاعة و القوة، و هذا مذهب طبّي و الأطبّاء يعتقدونه، قال بعضهم:

أبا المعارك لا تتعب بأكلك ما

تظن أنّك تلفى منه كرّارا

فلو أكلت سباع الأرض قاطبة

ما كنت إلاّ جبان القلب خوارا

و قال بعض الأعراب و أكل فؤاد الأسد ليكون شجاعا فعدا عليه نمر فجرحه:

أكلت من الليث الهصور فؤاده

لأصبح أجرى منه قلبا و أقدما

فأدرك منّي ثأره بابن اخته

فيالك ثارا ما أشدّ و أعظما

و قال آخر:

إذا لم يكن قلب الفتى غدوة الوغى

أصم فقلب الليث ليس بنافع

و ما نفع قلب الليث في حومة الوغى

إذا كان سيف المرء ليس بقاطع

و من مذاهبهم أن صاحب الفرس المهقوع و الهقعة دائرة تكون بالفرس و ربما كانت على الكتف في الأكثر و هي مستقبحة عندهم إذا ركبه فعرق تحته اغتلمت امرأته و طمحت إلى غيره، قال بعضهم لصاحبه:

إذا عرق المهقوع بالمرء أنعظت

حليلته و ازداد حرّا عجانها

فأجابه صاحبه:

و قد يركب المهقوع من ليس مثله

و قد يركب المهقوع زوج حصان

و من مذاهبهم أنّهم كانوا يوقدون النّار خلف المسافر الذي لا يحبّون رجوعه و يقولون في دعائهم «أبعده اللّه و أسحقه و أوقد نارا أثره»، قال بعضهم:

صحوت و أوقدت للجهل نارا

ورد عليك الصّبا ما استعارا( ١)

و في لسان العرب قالت العقيلية: كان الرجل إذا خفنا شرّه فتحوّل عنّا أوقدنا خلفه نارا. فقلت لها: و لم ذلك؟ قالت: لتحوّل ضبعهم معهم، أي:

شرّهم( ٢ ) ، قال الشاعر:

و جمة أقوام حملت و لم أكن

كموقد نار أثرهم للتندّم

و كانوا إذا خرجوا إلى الأسفار أوقدوا نارا بينهم و بين المنزل الذي يريدونه و لم يوقدوها بينهم و بين المنزل الذي خرجوا منه تفاؤلا بالرجوع إليه.

و من مذاهبهم المشهورة تعليق كعب الأرنب، قال ابن الأعرابي: قلت لزيد ابن كثوة: أ تقولون: إنّ من علّق عليه كعب أرنب لم تقربه جنّان الدار و لا عمّار الحي. قال: أي و اللّه و لا شيطان الحماطة و لا جار العشيرة و لا غول القفر.

«الحماطة» شجرة «و العشيرة» بالتصغيرة شجرة.

و قال امرؤ القيس:

أيا هند لا تنكحي بوهة

عليه عقيقته أحسبا

مرسّعة بين أدباقه

به عسم يبتغي أرنبا

ليجعل في رجله كعبها

حذار المنيّة أن يعطبا

و قال أبو محلم: كانت العرب تعلّق على الصبي سنّ ثعلب و سنّ هرة خوفا من الخطفة و النظرة، و يقولون: إن جنيّة أرادت صبيّ قوم فلم تقدر عليه فلامها قومها من الجن في ذلك، فقالت تعتذر إليهم:

كان عليه نفره

ثعالب و هرره

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٣٩٧ ٤٠٣.

(٢) لسان العرب ١٥: ٣٦٣، مادة: (و قد).

و الحيض حيض السّمره

و السّمرة: شي‏ء يسيل من السمر كدم الغزال، و كانت العرب إذا ولدت المرأة أخذوا من دم السمر و هو صمغه الذي يسيل منه ينقطونه بين عيني النفساء و خطوا على وجه الصبي خطا، و يسمّى هذا الصمغ السائل من السمر «الدّودم» و يقال بالذال المعجمة أيضا. و تسمى هذه الأشياء التي تعلّق على الصبي «النفرات».

قال عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي: إنّ بعض العرب قال لأبي: إذا ولد لك ولد فنفّر عنه. فقال له أبي: و ما التنفير؟ قال: غرّب اسمه. فولد له ولد فسمّاه قنفذا و كنّاه «أبا العدّاء». قال: و أنشد أبي:

كالخمر مزج دوائها منها بها

تشفي الصداع و تبرى‏ء المنجودا

يريد أنّ القنفذ من مراكب الجن فداوى ولده منهم بمراكبهم.

و من مذاهبهم أنّ الرجل منهم كان إذا ركب مفازة و خاف على نفسه من طوارق الليل عمد إلى واد ذي شجر فأناخ راحلته في قرارته و عقلها و خطّ عليها خطّا ثم قال: «أعوذ بصاحب هذا الوادي» و ربما قال «بعظيم هذا الوادي»، و عن هذا قال سبحانه في القرآن: و إنّه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجنّ فزادوهم رهقا( ١) .

و استعاذ رجل منهم و معه ولد فأكله الأسد فقال:

قد استعذنا بعظيم الوادي

من شرّ ما فيه من الأعادي

فلم يجرنا من هزبر عاد

و قال آخر:

أعوذ من شرّ البلاد البيد

بسيّد معظّم مجيد

____________________

(١) الجن: ٦.

أصبح يلوي بلوى زرود

ذي عزّة و كاهل شديد

و قال آخر:

يا جنّ أجزاء اللوى من عالج

عاذ بكم ساري الظلام الدالج

لا ترهقوه بغويّ هائج

و قال آخر:

قد بتّ ضيفا لعظيم الوادي

المانعي من سطوة الأعادي

راحلتي في جاره و زادي

و قال آخر:

هيا صاحب الشجراء هل أنت مانعي

فإنّي ضيف نازل بفنائكا

و إنّك للجنّان في الأرض سيّد

و مثلك آوى في الظلام الصعالكا

و من مذاهبهم أنّ المسافر إذا خرج من بلدة إلى اخرى فلا ينبغي له أن يلتفت، فإنّه إذا التفت عاد، فلذلك لا يلتفت إلاّ العاشق الذي يريد العود، قال بعضهم:

دع التلفّت يا مسعود و ارم بها

وجه الهواجر تأمن رجعة البلد

و قال آخر، أنشده الخالع:

عيل صبري بالثّعلبيّة لمـّا

طال ليلي و ملّني قرنائي

كلّما سارت المطايا بنا مي

لا تنفست و التفتّ ورائي

ذكرهما الخالع في الباب، و عندي أنّه لا دلالة فيهما على ما أراد، لأن التلفّت في أشعارهم كثير، و مرادهم به الإبانة و الإعراب عن كثرة الشوق و التأسّف على المفارقة و كون الراحل عن المنزل حيث لم يمكنه المقام فيه بجثمانه يتبعه بصره و يتزود من رؤيته، كقول الرضيّرضي‌الله‌عنه :

و لقد مررت على طلولهم

و رسومهم ليد البلى نهب

فوقفت حتى ضجّ من لغب

نضوي و لجّ بعذلي الركب

و تلفّتت عيني فمذ خفيت

عنّي الطلول تلفّت القلب

و ليس يقصد بالتلفت ها هنا التفاؤل بالرجوع إليها، لأن رسومها قد صارت نهبا ليد البلى فأيّ فائدة في الرجوع إليها، و إنّما يريد ما قدّمنا ذكره من الحنين و التذكّر لمّا مضى من أيامه فيها، و كذلك قول الأول:

تلفّتّ نحو الحيّ حتى وجدتني

وجعت من الإصغاء ليتا و أخدعا( ١)

قلت: بل الظاهر أنّ إنشاد الخالع من ذاك الباب، بشهادة بيته الأول بعدم ميله إلى الرجوع و كون البيت الثاني بلفظ الالتفات لا التلفّت.

قال: و قال بعضهم في المذهب الأول:

تلفّت أرجو رجعة بعد نيّة

فكان التفاتي زائدا في بلائيا

ء أرجو رجوعا بعد ما حال بيننا

و بينكم حزن الفلا و الفيافيا

و قال آخر، و قد طلّق امرأته فتلفّتت إليه:

تلفّت ترجو رجعة بعد فرقة

و هيهات ممّا ترتجي امّ مازن

ألم تعلمي أنّي جموح عنانه إذا كان من أهواه غير ملاين

و من مذاهبهم أنّه إذا بثرت شفة الصبي حمل منخلا على رأسه و نادى بين بيوت الحيّ: «ألحلا ألحلا، ألطّعام الطّعام» فتلقي له النساء كسر الخبز و أقطاع التمر و اللحم في المنخل ثم يلقى ذلك للكلاب فتأكله فيبرأ من المرض، فإن أكل صبيّ من الصبيان من ذلك الذي ألقاه للكلاب تمرة أو لقمة أو لحمة بثرت شفته. و أنشد لامرأة:

ألاّ حلا في شفة مشقوقه

فقد قضى منخلنا حقوقه

و من مذاهبهم أنّ الرجل منهم كان إذا طرفت عينه بثوب آخر مسح

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٤٠٣ ٤٠٧.

الطارف عين المطروف سبع مرات، يقول في الأولى «باحدى جاءت من المدينة» و في الثانية «باثنتين جاءتا من المدينة» و في الثالثة «بثلاث جئن من المدينة» إلى أن يقول في السابعة «بسبع جئن من المدينة» فتبرأ عين المطروف، و فيهم من يقول «بإحدى من سبع جئن من المدينة» إلى أن يقول «بسبع من سبع».

و من مذاهبهم أنّ المرأة منهم كان إذا عسر عليها خاطب النكاح نشرت جانبا من شعرها و كحلت إحدى عينيها مخالفة للشعر المنشور و حجلت على إحدى رجليها، و يكون ذلك ليلا و تقول «يالكاح أبغي النكاح قبل الصباح» فيسهل أمرها و تتزوج عن قريب:

قال رجل لصديقه، و قد رأى أمّه تفعل ذلك:

أما ترى امّك تبغي بعلا

قد نشرت من شعرها الأقلاّ

و لم توفّ مقلتيها كحلا

ترفع رجلا و تحطّ رجلا

هذا و قد شاب بنوها أصلا

و أصبح الأصغر منهم كهلا

خذ القطيع( ١ ) ثم سمها الذلاّ

ضربا به تترك هذا الفعلا

و قال آخر:

قد كحلت عينا و أعفت عينا

و حجلت و نشرت قرينا

تظنّ زينا ما تراه شينا

و قال آخر:

تصنّعي ما شئت أن تصنّعي

و كحلّي عينك أو لافدعي

ثم احجلي في البيت أو في المجمع

مالك في بعل أرى من مطمع

و من مذاهبهم كانوا إذا رحل الضيف أو غيره عنهم و أحبّوا أن لا يعود

____________________

(١) أي السيف.

كسروا شيئا من الأواني وراءه، و هذا ممّا تعمله الناس اليوم أيضا، قال بعضهم:

كسرنا القدر بعد أبي سواح

فعاد و قدرنا ذهبت ضياعا

و قال آخر:

و لا نكسر الكيزان في أثر ضيفنا

و لكنّنا نقفيه زادا ليرجعا

و قال آخر:

أما و اللّه إنّ بني نفيل

لحلاّلون بالشرف اليفاع

اناس ليس تكسر خلف ضيف

أوانيهم و لا شعب القصاع

و من مذاهبهم قولهم: إنّ من ولد في القمراء تقلّصت غرلته فكان كالمختون، و يجوز عندنا أن يكون ذلك من خواصّ القمر، كما أنّ من خواصه إبلاء الكتان و إنتان اللحم.

و قد روي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام : إذا رأيت الغلام طويل الغرلة فأقرب به من السؤدد، و إذا رأيته قصير الغرلة كأنما ختنه القمر فأبعد به.

و قال امرؤ القيس لقيصر و قد دخل معه الحمّام فرآه أغلف:

إنّي حلفت يمينا غير كاذبة

لأنت أغلف إلاّ ما جنى القمر

و من مذاهبهم التشاؤم بالعطاس، قال امرؤ القيس:

و قد اغتدى قبل العطاس بهيكل

شديد منيع الجنب فعم المنطّق

و قال آخر:

و خرق إذا وجهت فيه لغزوة

مضيت و لم يحبسك عنه العواطس

و من مذاهبهم قولهم في الدّعاء عليه «لا عشت إلاّ عيش القراد» يضربونه مثلا في الشدة و الصبر على المشقة، و يزعمون أن القراد يعيش ببطنه عاما و بظهره عاما، و يقولون: إنّه يترك في طينة و يرمى بها الحائط

فيبقى سنة على بطنه و سنة على ظهره و لا يموت، قال بعضهم:

فلا عشت إلاّ كعيش القرا

د عاما ببطن و عاما بظهر

و من مذاهبهم: كانت النساء إذا غاب عنهن من يحببنه أخذن ترابا من موضع رجله، كانت العرب تزعم أن ذلك أسرع لرجوعه. و قالت امرأة من العرب و اقتبضت من أثره:

يا ربّ أنت جاره في سفره

و جار خصييه و جار ذكره

و قالت امرأة:

أخذت ترابا من مواطى‏ء رجله

غداة غدا كيما يؤوب مسلما

و من مذاهبهم انّهم كانوا يسمّون العشا في العين الهدبد، و أصل الهدبد اللبن الخاثر، فإذا أصاب أحدهم ذلك عمد إلى سنام فقطع منه قطعة و من الكبد قطعة و قلاهما و قال عند كلّ لقمة يأكلها بعد أن يمسح جفنه الأعلى بسبّابته:

فيا سناما و كبد

ألا اذهبا بالهدبد

ليس شفاء الهدبد

إلاّ السّنام و الكبد

فيذهب العشا بذلك.

و من مذاهبهم اعتقادهم ان الورل و القنفذ و الأرنب و الظبي و اليربوع و النعام مراكب الجن يمتطونها، و لهم في ذلك أشعار مشهورة، و يزعمون أنّهم يرون الجن و يظاهرونهم و يخاطبونهم و يشاهدون الغول، و ربما جامعوها و تزوّجوها.

و قالوا: إنّ عمرو بن يربوع تزوّج الغول و أولدها بنين و مكثت عنده دهرا فكانت تقول له: إذا لاح البرق من جهة بلادي و هي جهة كذا فاستره عنّي و إلاّ تركت ولدك عليك و طرت إلى بلاد قومي. فكان عمرو بن يربوع كلّما برق البرق غطى وجهها بردائه فلا تبصره.

و إلى هذا المعنى أشار أبو العلاء المعري في قوله يذكر الابل و حنينها إلى البرق:

طربن لضوء البارق المتعالي

ببغداد و هنا ما لهنّ و مالي

سمت نحوه الأبصار حتى كأنّها

بناريه من هنّا و ثمّ صوالي

إذا طال عنها سرها لرؤسها

تمدّ إليه في صدور عوالي

تمنّت قويقا و الصراة أمامها

تراب لها من أينق و جمالي

إذا لاح إيماض سترت وجوهها

كأنّي عمرو و المطيّ سعالي

و كم همّ نضوان يطير مع الصّبا

إلى الشام لو لا حبسه بعقالي

قالوا: فغفل عمرو بن يربوع عنها ليلة و قد لمع البرق فلم يستر وجهها فطارت و قالت له و هي تطير:

أمسك بنيك عمرو إنّي آبق

برق على أرض السّعالي آلق

و منهم من يقول: ركبت بعيرا و طارت عليه أي: أسرعت فلم يدركها.

و عن هذا قال الشاعر:

رأى برقا فأوضع فوق بكر

فلا بك ما أسال و لا أغاما

قال: فبنو عمرو بن يربوع إلى اليوم يدعون بني السعلاة، و لذلك قال الشاعر يهجوهم:

يا قبّح اللّه بني السعلاة

عمرو بن يربوع شرار النات

ليسوا بأبطال و لا أكيات

فأبدل السين تاء و هي لغة قوم من العرب( ١) .

قلت: أي: الأصل في النات «الناس» و في أكيات «أكياس».

و من مذاهبهم في الغول قولهم: إنها إذا ضربت ضربة واحدة بالسيف

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٤٠٧ ٤١٢.

هلكت فإن ضربت ثانية عاشت، و إلى هذا المعنى أشار الشاعر بقوله:

فقالت: ثنّ قلت لها رويدا

مكانك، إنّني ثبت الجنان

و كانت العرب تسمي أصوات الجن «العزيف» و تقول: ان الرجل إذا قتل قنفذا و ورلا لم يأمن الجن على فحل إبله، و إذا أصاب إبله خطب أو بلاء حمله على ذلك. و يزعمون أنّهم يسمعون الهاتف بذلك، و يقولون مثله في الجان من الحيّات و قتله عندهم عظيم.

و رأى رجل منهم جانّا في قعر بئر لا يستطيع الخروج منها، فنزل و أخرجه منها على خطر عظيم و غمض عينيه لئلاّ يرى أين يدخل، كأنّه يريد بذلك التقرّب إلى الجن.

و قال الجاحظ: و كانوا يسمّون من يجاور منهم الناس (عامرا) و الجمع عمار، فان تعرّض للصبيان فهو «روح»، فان خبث و تعرم فهو «شيطان»، فإن زاد على ذلك في القوة فهو «عفريت»، فإن طهر و لطف و صار خيرا كلّه فهو «ملك»، و يفاضلون بينهم.

و يعتقدون أن مع كلّ شاعر شيطانا و يسمّونهم بأسماء مختلفة( ١) .

قلت: و في (شعراء ابن قتيبة): راجز العجّاج على ناقة له كرماء و عليه ثياب حسان، و خرج أبو النجم العجلي على جمل مهنوء و عليه عباء، فأنشد العجّاج «قد جبر الدين الإله فجبر» و أنشد أبو النجم «تذكر القلب و جهلا ما ذكر» حتى بلغ قوله:

إنّي و كلّ شاعر من البشر

شيطانه انثى و شيطاني ذكر

فما رآني شاعر إلاّ استسر

فعل نجوم الليل عاين القمر

عيشي تميم و اصغري فيمن صغر

و باشري بالبذلّ و اعطي من عشر

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٤١٢ ٤١٣.

و أمّري الانثى عليك و الذكر

فبينا هو ينشد إذ حمل جمله على ناقة العجّاج، فضحك الناس و انصرفوا يقولون: «شيطانه انثى و شيطاني ذكر» و العجّاج من زيد مناة بن تميم.

[ قال: قال الجاحظ: و في النهار ساعات يرى فيها الصغير كبيرا و يوجد لأوساط الفيافي و الرمال و الحرار مثل الدوي و هو طبع ذلك الوقت، قال ذو الرمة:

إذا قال حادينا لترنيم بنأة

صه لم يكن إلاّ دويّ المسامع

و قال الجاحظ ايضا في الذين يذكرون عزيف الجن و تغوّل الغيلان: إنّ هذا الأمر و ابتداء هذا الخيال أنّ القوم لمّا نزلوا بلاد الوحش عملت فيهم الوحشة و من انفرد و طال مقامه في البلاد الخلاء استوحش و لا سيما مع قلّة الأشغال و فقد المذاكرين، و الوحدة لا تقطع أيّامها إلاّ بالتمنّي و الأفكار، و ذلك أحد أسباب الوسواس.

و من عجائب اعتقادات العرب و مذاهبهم اعتقادهم في الديك و الغراب و الحمامة و ساق حرّ و هو الهديل و الحيّة، فمنهم من يعتقد أن للجن بهذه الحيوانات تعلّقا، و منهم من يزعم أنّها نوع من الجن، و يعتقدون أنّ سهيلا و الزهرة و الضبّ و الذئب و الضبع مسوخ. و من أشعارهم في مراكب الجن قول بعضهم في قنفد رآه ليلا:

فما يعجب الجنّان منك عدمتهم

و في الأسد أفراس لهم و نجائب

أ يسرج يربوع و يلجم قنفذ

لقد أعوزتكم ما علمت النجائب

فإن كانت الجنّان جنّت فبالحرى

و لا ذنب للأقوام و اللّه غالب

و من الشعر المنسوب إلى الجنّ:

و كل المطايا قد ركبنا فلم نجد

ألذّ و أشهى من ركوب الأرانب

و من عضرفوط عنّ لي فركبته

أبادر سربا من عطاء قوارب( ١)

و قال أعرابيّ يكذّب بذلك:

أ يستمع الأسرار راكب قنفذ

لقد ضاع سرّ اللّه يا امّ معبد

و من أشعارهم و أحاديثهم في رؤية الجن و خطابهم و هتافهم ما رواه الجاحظ لسمير بن الحارث الضبي:

و نار قد حضأت بعيد و هن

بدار لا أريد بها مقاما

سوى تحليل راحلة و عين

أكالئها مخافة أن تناما

أتوا ناري فقلت منون أنتم؟

فقالوا: الجن قلت: عموا ظلاما

و يزعمون أنّ عمير بن ضبيعة رأى غلمانا ثلاثة يلعبون نهارا فوثب غلام منهم فقام على عاتقي صاحبه و وثب الآخر فقام على عاتقي الأعلى منهما، فلمّا رآهم كذلك حمل عليهم فصدمهم فوقعوا على ظهورهم و هم يضحكون، فقال عمير بن ضبيعة: فما مررت يومئذ بشجرة إلاّ و سمعت من تحتها ضحكا، فلمّا رجع إلى منزله مرض أربعة أشهر( ٢) .

و حكى الأصمعي عن بعضهم أنّه خرج هو و صاحب له يسيران فإذا غلام على الطريق فقالا له: من أنت؟ قال: مسكين قد قطع بي. فقال أحدهما لصاحبه أردفه خلفك، فأردفه خلفه فالتفت الآخر إليه فرأى فمه يتأجّج نارا، فشدّ عليه بالسيف فذهبت النار، فرجع عنه ثم التفت فرأى فمه يتأجج نارا، فشدّ عليه فذهبت النار، ففعل ذلك مرارا، فقال ذلك الغلام: قاتلكما اللّه ما أجلدكما و اللّه ما فعلتها بآدمي إلاّ و انخلع فؤاده،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٤١٢ ٤١٤.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٤١٤ ٤١٥.

ثم غاب عنهما فلم يعلما خبره( ١) .

و قال أبو البلاد الطهوي و يروى لتأبّط شرّا:

لهان على جهينة ما ألاقي

من الروعات يوم رحى بطان

لقيت الغول تسري في ظلام

بسهب كالعباءة صحصحان

فقلت لها كلانا نقض أرض

أخو سفر فخلّي لي مكاني

فشدّت شدة نحوي فأهوى

لها كفي بمصقول يماني

فقالت زد فقلت رويدا إنّي

على أمثالها ثبت الجنان

و الذين يروون هذا الشعر لتأبط شرا يروون أوّله:

ألاّ من مبلغ فتيات جهم

بما لاقيت عند رحى بطان

بأني قد لقيت الغول تلوي

بمرت كالصحيفة صحصحان

فصدّت فانتحيت لها بعضب

حسام غير مؤتشب يماني

فقدّ سراتها و البرك منها

فخرّت لليدين و للجران

فقالت ثنّ قلت لها رويدا

مكانك إنّني ثبت الجنان

و لم أنفك مضطجعا لديها

لأنظر مصبحا ما ذا دهاني

إذا عينان في رأس دقيق

كرأس الهرّ مشقوق اللسان

و ساقا مخدج و لسان كلب

و ثوب من عباء أو شنان

و قال البهراني:

و تزوجت في الشبيبة غولا

بغزال و صدقتي زقّ خمر

قال الجاحظ: أصدقها الخمر لطيب ريحها و الغزال لأنّه من مراكب الجن.

و قال أبو عبيد بن أيوب العنبري أحد لصوص العرب:

____________________

(١) المصدر نفسه.

تقول و قد ألممت بالأمس لمّة

مخضّبة الأطراف خرس الخلاخل

أ هذا خدين الغول و الذئب و الذي

يهيم بربّات الحجال الهراكل

رأت خلق الدّرسين أسود شاحبا

من القوم بسّاما كريم الشمائل

تعوّد من آبائه فتكاتهم

و إطعامهم في كلّ غبراء شامل

إذا صاد صيدا لفّه بضرامه

وشيكا و لم ينظر لغلي المراجل

فنهسا كنهس الصقر ثمّ مراسه

بكفّيه رأس الشيحة المتمائل( ١)

و من هذه الأبيات:

إذا ما أراد اللّه ذلّ قبيلة

رماها بتشتيت الهوى و التخاذل

و أول عجز القوم عمّا ينوبهم

تقاعدهم عنه و طول التواكل

و أوّل خبث الماء خبث ترابه

و أوّل لؤم القوم لؤم الحلائل

و هذا الشعر من جيّد شعر العرب، و إنّما كان غرضنا منه متعلقا بأوله و ذكرنا سائره لمّا فيه من الأدب. و قال عبيد بن أيوب:

و صار حليل الغول بعد غراره

صفيّا و ربّته القفار البسابس

و قال أيضا:

فلله درّ الغول أيّ رفيقة

لصاحب قفر في المهامه يذعر

أرنّت بلحن بعد لحن و أوقدت

حواليّ نيرانا تلوح و تزهر

و قال أيضا:

و غولا قفرة ذكر و انثى

كأنّ عليهما قطع البجاد

و قال أيضا:

فقد لاقت الغزلان منّي بليّة

و قد لاقت الغيلان منّي الدواهيا

و قال البهراني في قتل الغول:

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٤١٥ ٤١٦.

ضربت ضربة فصارت هباء

في محاق القمراء آخر شهر

و قال أيضا يزعم أنّه لمّا ثنّى عليها الضرب عاشت:

فثنّيت و المقدار يحرس أهله

فليت يميني يوم ذلك شلّت( ١)

و قال تأبط شرّا يصف الغول و يذكر أنّه راودها عن نفسها فامتنعت عليه فقتلها:

فأصبحت و الغول لي جارة

فيا جارة أنت ما أغولا

و طالبتها بضعها فالتوت

فكان من الرأي أن تقتلا

فجللّتها مرهفا صارما

أبان المرافق و المفصلا

فطار بقحف ابنة الجن ذو

شقاشق قد أخلق المحملا

فمن يك يسأل عن جارتي

فإنّ لها باللّوى منزلا

غطاءة أرض لها حلّتا

ن من ورق الطلح لم تغزلا

و كنت إذا ما هممت اهتبلت

و أحرى إذا قلت أن أفعلا

و من أعاجيبهم أنّهم كانوا إذا طالت علّة واحد منهم و ظنّوا أنّ به مسّا من الجن لأنّه قتل حية أو يربوعا أو قنفذا عملوا جمالا من طين و جعلوا عليها جوالق و ملأوها حنطة و شعيرا و تمرا و جعلوا تلك الجمال في باب جحر إلى جهة المغرب وقت غروب الشمس و باتوا ليلتهم تلك، فإذا أصبحوا نظروا إلى تلك الجمال من الطين فإن رأوا أنّها بحالها قالوا: لم تقبل الدّية فزادوا فيها، و إن رأوها قد تساقطت و تبدّد ما عليها من الميرة قالوا: قد قبلت الدية، و استدلّوا على شفاء المريض و فرحوا و ضربوا بالدفّ، قال بعضهم:

قالوا و قد طال عنائي و السقم

إحمل إلى الجنّ جمالات و ضم

فقد فعلت و السقام لم يرم

فبالّذي يملك برئي أعتصم

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٤١٦ ٤١٧.

و قال آخر:

يا ليت أن الجن جازوا حمالتي

و زحزح عنّي ما عناني من السقم

و يا ليتهم قالوا انطنا كلّ ما حوت

يمينك في حرب عماس و في سلم

اعلل قلبي بالذي يزعمونه

فيا ليتني عوفيت في ذلك الزعم( ١)

و قال آخر:

أرى أنّ جنّان النويرة أصبحوا

و هم بين غضبان عليّ و آسف

حملت و لم أقبل إليهم حمالة

تسكّن عن قلب من السقم تالف

و لو أنصفوا لم يطلبوا غير حقّهم

و من لي من أمثالهم بالتناصف

تغطّوا بثوب الأرض عنّي و لو بدوا

لأصبحت منهم آمنا غير خائف

و كانوا إذا غم عليهم أمر الغائب و لم يعرفوا له خبرا جاءوا إلى بئر عادية أو حفر قديم و نادوا فيه «يا فلان» أو «يا أبا فلان» ثلاث مرات، و يزعمون أنّه ان كان ميّتا لم يسمعوا صوتا و إن كان حيّا سمعوا صوتا ربّما توهّموه وهما أو سمعوه من الصدى فبنوا عليه عقيدتهم، قال بعضهم:

دعوت أبا المغوار في الحفر دعوة

فما آض صوتي بالذي كنت داعيا

أظن أبا المغوار في قعر مظلم

تجر عليه الذاريات السوافيا

و قال آخر:

و كم ناديته و الليل ساج

بعادي البئار فما أجابا

و قال آخر:

غاب فلم أرج له إيابا

و الحفر لا يرجع لي جوابا

و ما قرأت مذ نأى كتابا

حتى متى أستنشد الرّكابا

عنه و كلّ يمنع الخطابا

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٤١٧ ٤١٨.

و قال آخر:

ألم تعلمي أنّي دعوت مجاشعا

من الحفر و الظلماء باد كسورها

فجاوبني حتّى ظننت بأنّه

سيطلع من جوفاء صعب خدورها

فقد سكنت نفسي و أيقنت أنّه

سيقدم و الدنيا عجاب أمورها( ١)

و قال آخر:

دعوناه من عاديّة نضب ماؤها

و هدّم جاليها اختلاف عصور

فرد جوابا ما شككت بأنّه

قريبا إلينا بالاياب يصير

أقوى في البيت الثاني و سكن «نضب» ضرورة، كما قال «لو عصر منه البان و المسك انعصر»

و من أعاجيبهم أنّهم كانوا في الحرب ربما أخرجوا النساء فبلن بين الصفين يرون أن ذلك يطفى‏ء نار الحرب و يقودهم إلى السلم، قال بعضهم:

لقونا بأبوال النساء جهالة

و نحن نلاقيهم ببيض قواضب

و قال آخر:

بالت نساء بني خراشة خيفة

منّا و أدبرت الرجال شلالا

و قال آخر:

بالت نساؤهم و البيض قد أخذت

منهم مآخذ يستشفى بها الكلب

و هذان البيتان يمكن أن يراد بهما أن النساء بلن خيفة و ذعرا لا على المعنى الذي نحن في ذكره.

هيهات ردّ الخيل بالأبوال

إذا غدت في صور السعالي

و قال آخر:

هيهات ردّ الخيل بالأبوال

إذا غدت في صور السعالي

و قال آخر:

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٤١٩ ٤٢٠.

جعلوا السيوف المشرفية منهم

بول النساء و قلّ ذاك غناءا

فأمّا ذكرهم عزيف الجن في المفاوز و السباسب فكثير، كقول بعضهم:

و خرق تحدث غيطانه

حديث العذارى بأسرارها

و قال آخر:

و دوّيّة سبسب سملق

من البيد تعزف جنّانها( ١)

و قال الأعشى:

و بهماء تعزف جنّانها

مناهلها آجنات سدم

و قال:

و بلدة مثل ظهر الترس موحشة

للجنّ باللّيل في حافاتها زجل

و قال آخر:

ببيداء في أرجائها الجنّ تعزف( ٢)

و قال الشرقي بن القطامي: كان رجل من كلب يقال له عبيد بن الحمارس شجاعا و كان نازلا بالسماوة أيام الربيع، فلمّا حسر الربيع و قل ماؤه و أقلعت انواؤه تحمّل إلى وادي تبل فرأى روضة و غديرا فقال: روضة و غدير و خطب يسير و أنا لمّا حويت مجير، فنزل هناك و له امرأتان اسم إحداهما الرّباب و الاخرى خولة، فقالت له خولة:

أرى بلدة قفرا قليلا أنيسها

و إنّا لنخشى إن دجا الليل أهلها

و قالت له الرباب:

أرتك برأيي فاستمع عنك قولها

و لا تأمنن جنّ العزيف و جهلها

فقال مجيبا لهما:

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٤٢٠ ٤٢١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٤٢١.

ألست كميّا في الحروب مجرّبا

شجاعا إذا شبت له الحرب محربا

سريعا إلى الهيجا إذا حمس الوغا

فأقسم لا أعدو الغدير منكبا

ثم صعد إلى جبل تبل فرأى شيهمة و هي الانثى من القنافذ فرماها فأقعصها و معها ولدها فارتبطه، فلمّا كان الليل هتف به هاتف من الجن:

يا بن الحمارس قد أسأت جوارنا

و ركبت صاحبنا بأمر مفظع

و عقرت لقحته و قدت فصيلها

قودا عنيفا في المنيف الأرفع

و نزلت مرعى شائنا و ظلمتنا

و الظلم فاعله و خيم المرتع

فلنطرقنك بالذي أوليتنا

شر يجيئك ماله من مدفع

فأجابه ابن الحمارس:

يا مدّعي ظلمي و لست بظالم

إسمع أريك مقالتي و تسمّع

إن كنتم جنّا ظلمتم قنفذا

عقرت فشرّ عقيرة في مصرع

لا تطمعوا فيما لديّ فما لكم

فيما حويت و حزته من مطمع

فأجابه الجنّي:

يا ضارب اللقحة بالعضب الأفل

قد جاءك الموت و وافاك الأجل

و ساقك الحين إلى جن تبل

فاليوم أقويت و أعيتك الحيل

فأجابه ابن الحمارس:

يا صاحب اللّقحة هل أنت بجل

مستمع مني فقد قلت الخطل

و كثرة المنطق في الحرب فشل

هيجت قمقاما من القوم بطل

ليث ليوث و إذا همّ فعل

لا يرهب الجنّ و لا الانس أجل

من كان بالعقوة من جن تبل

فسمعها شيخ من الجن فقال: لا و اللّه لا نرى قتل إنسان مثل هذا ثابت القلب ماضي العزيمة. ثم قام و أنشد:

يا ابن الحمارس قد نزلت بلادنا

فأصبت منها مشربا و مناما

فبدأتنا ظلما بعقر لقوحنا

و أسأت لمـّا أن نطقت كلاما

فاعمد لأمر الرشد و اجتنب الرّدى

إنّا نرى لك حرمة و ذماما

و اغرم لصاحبنا لقوحا متبعا

فلقد أصبت بما فعلت أثاما

فأجابه ابن الحمارس:

اللّه يعلم حيث يرفع عرشه

أنّي لأكره أن اصيب أثاما

أمّا ادّعاؤك ما ادّعيت فإنّني

جئت البلاد و لا اريد مقاما

فأسمت فيها مالنا و نزلتها

لاريح فيها ظهرنا أيّاما

فليغد صاحبكم علينا نعطه

ما قد سألت و لا نراه غراما

ثم غرم للجن لقوحا متبعا للقنفذ و ولدها.

و هذه الحكاية و إن كانت كذبا إلاّ أنّها تتضمّن أدبا و هي من طرائف أحاديث العرب فذكرناها لأدبها و إمتاعها، و يقال: إن الشرقي كان يضع أشعارا و ينحلها غيره( ١) .

فأما مذهب العرب في أنّ لكلّ شاعر شيطانا يلقي إليه الشعر فمشهور و الشعراء كافة عليه، قال بعضهم:

إنّي و إن كنت صغير السنّ

و كان في العين نبوّ عنّي

فإنّ شيطاني أمير الجنّ

يذهب بي في الشعر كلّ فن

و قال حسان بن ثابت:

إذا ما ترعرع فينا الغلام

فما أن يقال له من هوه

إذا لم يسد قبل شدّ الإزار

فذلك فينا الذي لا هوه

ولي صاحب من بني الشيصبان

فطورا أقول و طورا هوه

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٤٢١ ٤٢٤.

و كانوا يزعمون أنّ اسم شيطان الأعشى مسحل و اسم شيطان المخبل عمرو قال الأعشى:

دعوت خليلي مسحلا و دعوا له

جهنّام جدعا للهجين المذمم

و قال آخر:

لقد كان جنّيّ الفرزدق قدوة

و ما كان فينا مثل فحل المخبّل

و لا في القوافي مثل عمرو و شيخه

و لا بعد عمرو شاعر مثل مسحل( ١)

قلت: و مرّ قول أبي النجم:

إنّي و كلّ شاعر من البشر

شيطانه انثى و شيطاني ذكر

قلت: و قالوا أنشد الفرزدق الصدر من أبيات لجرير فينشد الفرزدق العجز لها، فتعجب المنشد فقال له الفرزدق: أو ما علمت أن شيطاننا واحد.

قال: و أنشد الخالع فيما نحن فيه لبعض الرجاز:

ان الشياطين أتوني أربعة

في غلس الليل و فيهم زوبعه

و هو لا يدل على ما نحن فيه فلا وجه لإدخاله في هذا الموضع.

و من مذاهبهم أنّهم كانوا إذا قتلوا الثعبان خافوا من الجن أن يأخذوا بثأره فيأخذون روثه و يفتونها على رأسها و يقولون «روثة راث ثائرك»، قال بعضهم:

طرحنا عليه الروث و الزجر صادق

فراث علينا ثأره و الطوائل

و قد يذرّ على الحيّة المقتولة يسير رماد و يقال لها: «قتلك العين فلا ثأر لك»، و في أمثالهم لمن ذهب دمه هدرا «هو قتيل العين» قال الشاعر:

و لا أكن كقتيل العين وسطكم

و لا ذبيحة تشريق و تنحار

فأما مذهبهم في الخرزات و الأحجار و الرّقى و العزائم فمشهور، فمنها

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٤٢٤.

«السّلوانة» و يقال: «السّلوة»، و هي خرزة يسقى العاشق منها فيسلو في زعمهم و هي بيضاء شفّافة، قال:

لو أشرب السلوان ما سليت

ما بي غنى عنكم و إن غنيت( ١)

و قال اللّحياني: السلوانة تراب من قبر يسقى منه العاشق فيسلو، و قال عروة ابن حزام:

جعلت لعرّاف اليمامة حكمه

و عرّاف نجد إن هما شفياني

فقالا نعم نشفي من الداء كلّه

و قاما مع العوّاد يبتدران

فما تركا من رقية يعرفانها

و لا سلوة إلاّ و قد سقياني

و قال آخر:

سقوني سلوة فسلوت عنها

سقى اللّه المنيّة من سقاني

قال: أي سلوت عن السلوة و اشتد بي العشق و دام( ٢ ) قلت: ما فسره خلاف الظاهر، و الظاهر ان المراد سلوت عن المحبوبة، و إنّما دعا عليها لأن عنده في العشق لذة أزالها الراقي. فقالوا: عشق رجل جارية مملوكة، فقالوا اشترها، قال: إذن يذهب عشقي و في العشق لذة. و قال الشمردل:

و لقد سقيت بسلوة فكأنّما

قال المداوي للخيال بها ازدد( ٣)

و من خرزاتهم «الهنمة» تجلب بها الرجال و يعطف بها قلوبهم، و رقيتها:

أخذته بالهنمه بالليل زوج و بالنهار أمه.

و منها «الفطسة» و «القبلة» و «الدردبيس» كلّها لاجتلاب قلوب الرجال،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٤٢٥.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٤٢٦.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٤٢٦.

قال الشاعر:

جمّعن من قبل لهنّ فطسة

و الدردبيس تمائما في منظم

فانقاد كلّ مشذّب مرس القوى

لحبالهن و كلّ جلد شيظم

و قيل: الدردبيس خرزة سوداء تتحبّب بها النساء إلى بعولتهن، توجد في القبور العادية، و رقيتها:

أخذته بالدردبيس، تدر العرق اليبيس، و تذر الجديد كالدريس.

و أنشد:

قطعت القيد و الخرزات عنّي

فمن لي من علاج الدردبيس

و أصل الدردبيس الداهية، و نقل إلى هذه لقوة تأثيرها.

و من خرزاتهم «القرزحلة»، أنشد ابن الأعرابي:

لا تنفع القرزحلة العجائزا

إذا قطعنا دونها المفاوزا

و هي من خرز الضرائر إذا لبستها المرأة مال إليها بعلها دون ضرّتها.

و منها خرزة «العقرة» تشدها المرأة على حقويها فتمنع الحبل، ذكر ذلك ابن السّكّيت في إصلاح المنطق.

و منها «الينجلب»، و رقيتها:

أخذته بالينجلب

فلا يرم و لا يغب

و لا يزل عند الطّنب

و منها: «كرار»، و رقيتها:

يا كرار كرّيه

إن أقبل فسرّيه

و إن أدبر فضرّيه

من فرجه إلى فيه

و منها «الهمرة»، و رقيتها:

يا همرة اهمريه

من استه إلى فيه

و ماله و بنيه

و منها: «الخصمة» خرزة الدخول على السلطان و الخصومة تجعل تحت فص الخاتم أو في زر القميص أو في حمائل السيف، قال بعضهم:

يعلق غيري خصمة في لقائهم

و مالي عليكم خصمة غير منطقي

و منها: «الوجيهة» و هي كالخصمة حمراء كالعقيق.

و منها: «العطفة» خرزة العطف، و «الكحلة» خرزة سوداء تجعل على الصبيان لدفع العين عنهم، و «القبلة» خرزة بيضاء تجعل في عنق الفرس من العين، و «الفطسة» خرزة يمرض بها العدو و يقتل و رقيتها:

أخذته بالفطسه

بالثوباء و العطسه

فلا يزال في تعسه

من أمره و نكسه

حتى يزور رمسه

و من رقاهم للحب:

هوابه هوابه

ألبرق و السحابه

أخذته بمركن

فحبه تمكن

أخذته بابره

فلا يزل في عبره

جلبته بإشفى

فقلبه لا يهدا

جلبته بمبرد

فقلبه لا يبرد

و ترقى الفارك زوجها إذا سافر عنها فتقول: «بأفول القمر، و ظلّ الشجر، شمال تشمله، و دبور تدبره، و نكباء تنكبه، شيك فلا انتعش». ثم ترمي في أثره بحصاة و نواة وروثة و بعرة و تقول:

حصاة حصت أثره

نواة أنأت داره

روثة راث خبره

لقعته ببعره

و قالت فارك في زوجها:

أتبعته إذ رحل العيس ضحى

بعد النواة روثة حيث انتوى

الروث للريث و للنأي النوى

و قال شاعر:

رمت خلفه لمـّا رأت و شك بينه

نواة تلتها روثة و حصاة

و قالت نأت منك الديار فلا دنت

وراثت بك الأخبار و الرّجعات

و حصّت لك الاثار بعد ظهورها

و لا فارق الترحال منك شتات

و قال رجل يخاطب امرأته:

لا تقذفي خلفي إذا الركب اغتدى

روثة عير و حصاة و نوى

لن يدفع المقدار أسباب الرّقى

و لا التهاويل على جن الفلا

و هذا الرجز أورده الخالع في هذا المعرض، و هو بأن يدل على عكس هذا المعنى أولى، لأن قوله «لن يدفع المقدار بالرقي و لا بالتهاويل على الجن» كلام يشعر بأن قذف الحصاة و النواة خلفه كالعوذة له لا كما تفعله الفارك التي تتمنى الفراق( ١) .

قلت: بل دلالته على عين المعنى في غاية الوضوح، فإن قذف الروثة و الحصاة و النواة ليس إلاّ لعدم الرجوع، و لم يقل أحد إنّها تكون للعوذة له من البلاء، و أما قوله «لن يدفع المقدار الرقى» فمعناه أنّه لو كان رجوعي مقدارا لا تأثير لرقاك كما لا تأثير للرقى في التهاويل على الجن.

قال: فأمّا مذهبهم في القيافة و الزجر و الكهانة و اختلافهم في السانح و البارح و تشّامهم باللفظة و الكلمة و تأويلهم لها و تيمّنهم بكلمة اخرى و ما كانوا يفعلونه من البحيرة و السائبة و الوصيلة و الحام، فكلّه معروف لا حاجة

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٤٢٦ ٤٢٨.

لنا إلى ذكره ها هنا...( ١) .

قلت: قال أبو عبيدة: سأل يونس رؤبة و أنا شاهد عن السانح و البارح، فقال: السانح ما ولاّك ميامنه و البارح ما ولاّك مياسره، و العرب تتيمّن بالسانح و تتشأم بالبارح، و في المثل «من لي بالسانح بعد البارح»، و قال الأعشى «جرت لهما طير السناح بأشأم»، و في المثل: «إنّما هو كبارح الأرويّ».

قال (الجوهري): الأرويّ مساكنها في قنان الجبال لا يكاد الناس يرونها سانحة و لا بارحة إلاّ في الدهور مرة( ٢) .

و في (المروج): حدّث المنقري عن العتبي: وقف عبيد الراعي ذات يوم مع ركب من ثقيف على نفر و كانوا يريدون استقصاد رجل من تميم إذ سنحت ظباء سود منكرة، ثم اعترضت الركب مقصرة في حضرها واقفة على شأنها، فأنكر ذلك عبيد الراعي و لم ينتبه له أصحابه، فقال عبيد:

ألم تدر ما قال الظباء السوانح

أطفن أمام الركب و الركب رائح

فكرّ الّذي لم يعرف الزجر منهم

و أيقن قلبي أنّهن نوائح

ثم شارفوا مقصدهم فألفوا الرئيس قد نهشته أفعى فأتت عليه.

قال أبو عبيدة: و هذا من غريب الزجر، و ذلك أنّ السانح مرجو عند العرب و البارح هو المخوف، و أظن عبيدا إنّما زجر الظباء في حال رجوعها و وصف الحال الأول في شعره، كما أنّ من شرط الواصف أن يبدأ بهوادي الأسباب فيوضّح عنها، فهذا وجه زجر عبيد في شعره( ٣) .

و في (المروج) (ذكر ما ذهب إليه العرب في النفوس و الهام و الصفر

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٤٢٩.

(٢) الصحاح للجوهري ١: ٣٧٦ ٣٧٧.

(٣) مروج الذهب ٢: ١٤٨.

و غيرها) منهم من زعم ان النفوس في الدم لا غير، و ان الروح الهواء الذي في باطن جسم المرئي منه نفسه، و لذلك سمّوا المرأة نفساء لمّا يخرج منها من الدم، و لذلك تنازع الفقهاء فيما له نفس سائلة إذا سقط في الماء هل ينجسه أم لا، و قال تأبّط شرّا لخاله الشنفرى «ألجمته عضبا فسالت نفسه سكبا».

و قالوا: إنّ الميّت لا ينبعث منه الدم و لا يوجد فيه، و النماء مع الحرارة و الرطوبة، لأن كلّ حي فيه حرارة و رطوبة فإذا مات بقي اليبس و البرودة، قال ابن براق:

و كم لاقيت ذا نجب شديد

تسيل به النفوس على الصدور

إذا الحرب العوان به استهامت

و حال فذاك يوم قمطرير

و طائفة منهم تزعم أنّ النفس طائر ينبسط في جسم الإنسان، فإذا مات أو قتل لم يزل مطيفا به متصورا إليه في صورة طائر يصرخ على قبره مستوحشا، و في ذلك يقول بعضهم:

سلط الطير و المنون عليهم

فلهم في صدى المقابر هام

و هذا الطائر يسمّونه «الهام» و الواحدة هامة، و جاء الإسلام و هم على ذلك حتى قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله و سلم «لا هام و لا صفر».

و يزعمون أنّ هذا الطائر يكون صغيرا ثم يكبر حتى يصير كضرب من البوم و هي أبدا تتوحش في الديار المعطلة و النواويس و حيث مصارع الموتى.

و يزعمون أنّ الهامة لا تزال عند ولد الميت في محلته بفنائهم لتعلم ما يكون بعده فتخبره به حتى قال الصلت بن امية لبنيه:

هامتي تخبّرني بما تستشعروا

فتجنبوا الشنعاء و المكروها

و عن حاتم طي و سنورد خبره:

أتيت لصحبك تبغي القرى

لدى حفر صدحت هامها( ١)

و للعرب في الغيلان أخبار ظريفة، يزعمون ان الغول يتغول لهم في الخلوات و يظهر لخواصهم في أنواع من الصور فيخاطبونها و ربّما ضيّفوها، و قد أكثروا من ذلك في أشعارهم، منها قول تأبط شرّا:

و أدهم قد جبت جلبابه

كما اجتابت الكاعب الخيعلا

فأصبحت و الغول لي جارة

فيا جارتي أنت ما أهولا

و يزعمون أن رجليها رجلا عنز.

و كانوا إذا اعترضتهم الغول في الفيافي يتجزون و يقولون:

يا رجل عنز إنهقي نهيقا

لن نترك السبسب و الطريقا

و ذلك انها كانت تتراءى لهم في الليالي و أوقات النهار فيتوهمّون أنّها إنسان فيتبعونها فتزيلهم عن الطريق التي هم عليها و تتيههم، و كان ذلك قد اشتهر عندهم و عرفوه فلم يكونوا يزولون عمّا كانوا عليه من القصد، فإذا صيح بها على ما وصفنا شردت عنهم في بطون الأودية و رؤوس الجبال.

قال: و قد ذكر جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب أنّه شاهد ذلك في بعض أسفاره إلى الشام قبل الإسلام، و هذا مشهور عندهم في أخبارهم.

و حكي عن بعض المتفلسفين أنّ الغول حيوان شاذّ من جنس الحيوان لم تحكمه الطبيعة و أنه لمّا خرج منفردا في نفسه و هيئته توحّش من مسكنه فطلب القفار و هو يناسب الإنسان و الحيوان البهيمي في الشكل.

و ذهبت طوائف من الهند إلى أنّ ذلك إنّما يظهر من فعل ما كان غائبا من الكواكب عند طلوعها مثل طلوع الكوكب المعروف بكلب الجبار، و هي الشعرى العبور، و أنّ ذلك داء يحدث في الكلاب، و سهيل في الحمل و الذئب في

____________________

(١) مروج الذهب ٢: ١٣٢ ١٣٤ بتصرف.

الدب، و حامل رأس الغول يحدث عند طلوعه تماثيل و أشخاص تظهر في الصحاري و غيرها من العالم فتسمّيه عوام الناس غولا و هي ثمانية و أربعون كوكبا و قد ذكرها بطليموس.

و زعمت طائفة: أن الغول اسم لكل شي‏ء يعرض للسّفّار و يتمثّل في ضروب من الصور ذكرا كان أو انثى إلاّ أنّ أكثر كلامهم على أنّه انثى. و قد قال أبو المطراب:

و حالفني الوحوش على الوفاء

و تحت عهودهن و باالبعاد

و غولا قفرة ذكرا و انثى

كأن عليهما قطع النجاد

و قال كعب بن زهير الصحابي:

فما تدوم على حال تكون بها

كما تلوّن في أثوابها الغول

و كانت العرب قبل الإسلام تزعم أنّ الغيلان توقد بالليل النيران للعبث و التحيل و اختلال السابلة، قال أبو المطراب:

فللّه در الغول أي رفيقة

لصاحب قفر حالف و هو معبر

أرنّت بلحن بعد لحن و أوقدت

حواليّ نيرانا تلوح و تزهر

و قد فرّقوا بين السعلاة و الغول، قال عبيد بن أيّوب:

و ساخرة منّي و لو أنّ عينها

رأت ما رأت عيني من الهول جنّت

أبيت بسعلاة و غول بقفرة

إذا الليل و ارى اللحن فيه أرنّت

و وصفها بعضهم فقال:

و حافر العنز في ساق مدملجة

و جفن عين خلاف الإنس بالطول

و للناس كلام كثير في الغيلان و الشياطين و المردة و الجن و القطرب و القدار و هو نوع من أنواع المتشيطنة يعرف بهذا الإسم يظهر في أكناف اليمن و التهائم و أعالي صعيد مصر، و انّه ربما يلحق الإنسان فينكحه فيتدوّد

دبره فيموت و ربما يتوارى للانسان فيذعره، فإذا أصاب الإنسان ذلك منه يقول له أهل تلك النواحي: «أ منكوح أم مذعور؟» فإن قال: منكوح يئس منه و ان كان مذعورا اسكن روعه، و ذلك أنّ الإنسان إذا عاين ذلك سقط مغشيا عليه، و منهم من لا يكترث به لشهامة قلبه و شجاعة نفسه.

(و فيه): و ذكر عن علقمة بن صفوان بن امية الكناني جد مروان بن الحكم لامّه أنّه خرج في بعض الليالي يريد مالا له بمكة، فانتهى الى الموضع المعروف ب «حائط حرمان» فإذا هو بشق قد ظهر له و قال:

علقم إنّي مقتول

و إنّ لحمي مأكول

أضربهم بالمسلول

ضرب غلام مشمول

رحب الذراع بهلول

فقال علقمة:

شقّ مالي و لك

إغمد عني منصلك

تقتل من لا يقتلك؟

فقال شق:

علقم، غنيت لك

كيما ابيح معقلك

فاصبر لمّا قد حمّ لك

فضرب كلّ منهما صاحبه فخرا ميتين، و هذا مشهور عندهم و أن علقمة قتلته الجن. و ذكر عن الجن بيتين من الشعر قالتهما في حرب بن امية حين قتلته و هما:

و قبر حرب بمكان قفر

و ليس قرب قبر حرب قبر

و استدلّوا على أنّ هذا من قول الجنّ أنّ أحدا من الناس لم يتأتّ له أن ينشد هذين البيتين ثلاث مرات متواليات لا يتتعتع في إنشادها، لأن الإنسان

قد ينشد و العشرين بيتا و الأقل و الأكثر أشد من هذا الشعر و أثقل و لا يتتعتع فيه( ١) .

و ممّن قتلته الجن: مرداس السلمي، و هو أبو (عباس بن مرداس السلمي).

و منهم: الغريض المغنّي بعد أن ظهر غناؤه، و قد كانت الجن نهته أن يغنّي بأبيات من الشعر فغناها فقتلته.

و عن منصور بن يزيد الطائي قال: رأيت قبر حاتم طي‏ء ببيعة و هو أعلى جبل له واد يقال له الحامل و إذا قدر عظيمة من بقايا قدور حجر مكفأة في ناحية من القبر من القدور التي كان يطعم فيها الناس، و عن يمين قبره أربع جوار من حجارة و على يساره أربع جوار من حجارة كلّهن صاحبة شعر منشور متحجّرات على قبره كالنائحات عليه لم ير مثل بياض أجسامهن و جمال وجوههن، مثّلهن الجن على قبره و لم يكن قبل ذلك، و الجواري بالنهار كما وصفنا فإذا هدأت العيون ارتفعت أصوات الجن بالنياحة عليه و نحن في منازلنا نسمع ذلك إلى أن يطلع الفجر، فإذا طلع سكتن و هدأن، و ربما مرّ المارّ فيراهن فيفتتن بهن فيميل إليهن عجبا به، فإذا دنا وجدهن حجارة( ٢) .

و حدث ابن دريد عن أبي حاتم السجستاني عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال: سمعت شيخا من العرب قد أناف على المائة يقول: إنّه خرج وافدا على بعض ملوك بني امية، قال: فسرت في ليلة صهاكية حالكة كأن السماء قد برقعت نجومها بطرائق السحاب و ضللت الطريق، فتولّجت واديا لا أعرفه فأهمتني نفسي بطرحها حتى الصباح، فلم آمن عزيف الجن فقلت: «أعوذ بربّ

____________________

(١) مروج الذهب ٢: ١٣٤ ١٤١.

(٢) مروج الذهب ٢: ١٤١ ١٤٢.

هذا الوادي من شرّه و أستجيره في طريقي هذا و أسترشده»، فسمعت قائلا يقول من بطن الوادي:

تيامن تجاهك تلق الكلا

تسير و تأمن في المسلك

فتوجهت حيث أشار إليّ و قد أمنت بعض الأمن، فإذا أنا بأقباس نار تلمع أمامي في خللها كالوجوه على قامات كالنخيل السحيقة، فسرت و أصبحت بأوشال و هو ماء لكلب يقارب برية دمشق و قد ذكر اللّه تعالى ذلك من فعلهم فقال و أنّه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا( ١) .

قلت: و قال ابن قتيبة تقول العرب: ان الهدهد امّه ماتت فدفنها في رأسه فلذلك أنتنت ريحه، و قد ذكر هذا امية بن أبي الصلت فقال:

غيم و ظلماء و فضل سحابة

أيام كفن و استراد الهدهد

يبغي القرار لأمه ليجنها

فبنى عليها في قفاه يمهد

فيزال يدلج ما مشى بجنازة

منها و ما اختلف الحديد المسند( ٢)

و قال: و تقول العرب في الديك و الغراب: إنهما كانا متنادمين، فلمّا نفد شرابهما رهن الغراب الديك عند الخمّار و مضى فلم يرجع إليه و بقي الديك عنده حارسا، قال امية أيضا:

بآية قام ينطق كلّ شي‏ء

و خان أمانة الديك الغراب

و في (الصحاح): و الهديل فرخ كان على عهد نوحعليه‌السلام فصاده جارح من جوارح الطير قالوا: فليس من حمامة إلاّ و تبكي عليه، قال:

____________________

(١) مروج ٢: ١٤٣ ١٤٤، و الآية من سورة الجنّ: ٦.

(٢) ابن قتيبة

و ما من تهتفين به لنصر

بأسرع جابة لك من هديل( ١)

 (و في حيوان الجاحظ): من خرافات العرب ما ذكروا أن جرهما كان من نتاج ما بين الملائكة و بنات آدم، و كان الملك من الملائكة إذا عصى ربّه في السماء أهبطه إلى الأرض في صورة البشر و في طبيعته كما صنع بهاروت و ماروت حين كان من شأنهما و شأن الزهرة و هي أناهيد ما كان فلمّا عصى اللّه تعالى ملك و أهبطه إلى الأرض في صورة رجل تزوج أم جرهم فولدت جرهما، و لذلك قال شاعرهم:

لا همّ إنّ جرهما عبادكا

النّاس طارف و هم تلادكا

و من هذا النسل و من هذا التركيب كانت بلقيس ملكة سبأ، و كذلك كان ذو القرنين امه «فيرى» كانت آدمية و أبوه «عبرى» من الملائكة، و لذلك لمّا سمع عمر بن الخطاب رجلا ينادي يا ذا القرنين قال: أفرغتم من أسماء الأنبياء فارتفعتم إلى أسماء الملائكة( ٢) .

قلت: و من خرافاتهم أنّهم كانوا يقولون: إنّ الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه لم يصبه الدعاء، كأنّهم يزعمون أنّه مثل ما لو كان الإنسان في مكان يرمى فيه بالسهام فاضطجع لم يصبه سهم.

فلمّا أسر الكفار خبيب بن عدي الأوسي أحد العشرة الذين بعثهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عينا و باعوه بمكة بعد بدر من قريش فأخرجوه من الحرم و صلبوه، قال ابن هشام في سيرته، فلمّا أوثقوه للقتل قال: «اللّهم إنّا قد بلّغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا» ثم قال: «اللّهم أحصهم عددا و اقتلهم بددا و لا تغادر منهم أحدا». قال معاوية: كنت حضرته مع أبي يومئذ فيمن

____________________

(١) صحاح للجوهري ٥: ١٨٤٨.

(٢) حيوان الجاحظ ٦: ١٩٨.

حضره فلقد رأيتني يلقيني أبي إلى الأرض فرقا من دعوة خبيب، و كانوا يقولون: إنّ الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه زالت عنه.

قلت: و في حياة الحيوان للدميري: إنّ الصيّاد إذا أراد أن يصيد الضبع رمى في جحرها بحجر فتحسبه شيئا تصيده فتخرج لتأخذه فتصاد، و يقال لها و هي في جحرها «أطرقي أم طريق، خامري أم عامر أبشري بجراد عطلى و شاة هزلى» فلا يزال يقال لها ذلك حتى يدخل عليها الصائد فيربط يديها و رجليها ثم يجرّها.

و الجاحظ يرى هذا من خرافات العرب( ١) .

____________________

(١) حياة الحيوان للدميري ١: ٥٢٠.

الفصل التاسع و العشرون في ما يتعلق بعثمان و عمر

١ - الخطبة (٧٥) و من كلام لهعليه‌السلام لما بلغه اتهام بني أمية له بالمشاركة فى دم عثمان:

أَ وَ لَمْ يَنْهَ؟ أُمَيَّةَ؟ عِلْمُهَا بِي عَنْ قَرْفِي أَ وَ مَا وَزَعَ اَلْجُهَّالَ سَابِقَتِي عَنْ تُهَمَتِي وَ لَمَا وَعَظَهُمُ اَللَّهُ بِهِ أَبْلَغُ مِنْ لِسَانِي أَنَا حَجِيجُ؟ اَلْمَارِقِينَ؟ وَ خَصِيمُ اَلْمُرْتَابِينَ وَ عَلَى كِتَابِ اَللَّهِ تُعْرَضُ اَلْأَمْثَالُ قول المصنف: «لمّا بلغه اتّهام بني أميّة له بالمشاركة له في دم عثمان».

روى الطبريّ: أنّ عثمان صعد يوم الجمعة المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، فقام رجل، فقال له: أقم كتاب اللّه. فقال عثمان: اجلس. فجلس حتّى قام ثلاثا، فأمر به عثمان فأجلس [ فجلس ]، فتحاثوا بالحصباء حتى ما ترى السماء و سقط عثمان عن المنبر، و حمل فأدخل داره مغشيّا عليه، و دخل عليّعليه‌السلام

عليه و هو مغشيّ عليه، و بنو أميّة حوله، فأقبلت بنو أميّة بمنطق واحد، فقالوا:

يا عليّ أهلكتنا و صنعت هذا الصنيع به أما و اللّه لئن بلغت الذي تريد لتمرّنّ عليك الدّنيا. فقام عليّعليه‌السلام مغضبا( ١) .

قولهعليه‌السلام : «أو لم ينه أميّة علمها بي عن قرفي» أي: عن رميي و اتّهامي قال الشاعر:

فكم يبقى على القرف الإخاء( ٢)

في (نقض الإسكافيّ): قال عليّ بن الحسينعليه‌السلام : قال لي مروان: ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا من صاحبكم. قلت: فما بالكم تسبّونه على المنابر؟

قال: إنّه لا يستقيم لنا الأمر إلاّ بذلك( ٣) .

«أو ما وزع» أي: أو ما كفّ، و يقال للكلب: «وازع» لأنّه يكفّ الذئب عن الغنم.

«الجهّال سابقتي» في الإسلام.

«عن تهمتي» في (خلفاء ابن قتيبة): ذكروا أنّ رجلا من همدان يقال له برد قدم على معاوية، فسمع عمرا يقع في عليّعليه‌السلام ، فقال له: يا عمرو، إنّ أشياخنا سمعوا النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله و سلم يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» فحقّ ذلك أم باطل؟

فقال عمرو: حقّ، و أنا أزيدك أنّه ليس أحد من صحابة النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله و سلم له مناقب مثل مناقب عليّ. ففزع الفتى، فقال عمرو: إنّه أفسدها بأمره في عثمان. فقال برد: هل أمر أو قتل؟ قال: لا، و لكنّه آوى و منع. قال: فهل بايعه الناس عليها؟

قال: نعم. قال: فما أخرجك من بيتعه؟ قال: اتّهامي إيّاه في عثمان. قال له: و أنت

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٦٤ ٣٦٥، سنة ٣٥، و النقل بتلخيص.

(٢) أساس البلاغة: ٣٦٣، مادة (قرف)، و البيت هكذا:

إذا ما الحاسدون سعوا فشنّوا

فكم يبقى على القرف الإخاء

(٣) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرحه ١٣: ٢٢٠.

أيضا قد اتّهمت. قال: صدقت، و فيها خرجت إلى فلسطين. فرجع الفتى إلى قومه فقال: إنّا أتينا قوما أخذنا الحجّة عليهم من أفواههم عليّ على الحقّ فاتّبعوه( ١) .

و قال ابن أبي الحديد في شرح قولهعليه‌السلام : «أو لم ينه أميّة علمها بي....»:

علمهم بمنزلة في الدين التي لا منزلة أعلى منها، و ما نطق به الكتاب الصادق من طهارته و طهارة بنيه و زوجته في قوله تعالى: إنّما يريد اللّه ليُذهبَ عَنْكم الرّجسَ أهلَ البيتِ و يُطَهِّرَكم تطهيراً( ٢) .

و قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله و سلم له: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» و ترادف الأقوال و الأفعال من النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله و سلم في أمره التي يضطرّ معها الحاضرون لها و الشاهدون إيّاها إلى أنّ مثلهعليه‌السلام لا يجوز أن يسعى في إراقة دم أمير مسلم لم يحدث حدثا يستوجب به إحلال دمه( ٣) .

قلت: غاية ما يستفاد من كلامهعليه‌السلام أنّه لم يشارك في دم عثمان دون ما ذكره من عدم إحلال دمه. و عدم مشاركتهعليه‌السلام أعمّ من عدم إحلال دمه. و لو لم يكن حلال الدم كيف آوى قتلته كما مرّ من كلام عمرو( ٤ ) ؟

و كيف لم يعلمهعليه‌السلام حلال الدم و قد روى نصر بن مزاحم في (صفّين):

أنّ معاوية بعث إلى حبيب بن مسلمة الفهريّ، و شرحبيل بن السمط، و معن بن يزيد السلمي، فدخلوا على عليّعليه‌السلام إلى أن قال: فقال شرحبيل و معن لعليّعليه‌السلام : أ تشهد أنّ عثمان قتل مظلوما؟ فقال لهما: إنّي لا أقول ذلك. قالا: فمن لم يشهد أنّ عثمان قتل مظلوما فنحن برآء منه. ثمّ قاما فانصرفا. فقال

____________________

(١) الإمامة و السياسة لابن قتيبة ١: ١٠٩.

(٢) الأحزاب: ٣٣.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٦: ١٦٩ ١٧٠، و النقل بتصرّف.

(٤) مرّ آنفا.

عليّعليه‌السلام : وَ لا تُسْمِعُ الصّمَّ الدُّعاء إذا وَلَّوا مدبرين( ١) .

و روى (صفّين نصر) أيضا: أنّ عمرو بن العاص قال لعمّار: ما ترى في قتل عثمان؟ قال: فتح لكم باب كلّ سوء. أكنت فيمن قتله؟ قال: كنت فيمن [ مع من ] قتله و أنا اليوم أقاتل معهم. قال عمرو: فلم قتلتموه؟ قال عمّار: أراد أن يغيّر ديننا فقتلناه. فقال عمرو: ألا تسمعون؟ قد اعترف بقتل عثمان. قال عمّار: و قد قالها قبلك فرعون إذ قال لقومه:... ألا تستمعون... الخبر( ٢) .

و روى (صفّين نصر) أيضا: أنّ عمّارا قام بصفّين فقال: عباد اللّه، امضوا إلى قوم يطلبون في ما يزعمون بدم الظالم لنفسه، الحاكم على عباد اللّه بغير ما في كتاب اللّه، إنّما قتله الصالحون المنكرون للعدوان، الآمرون بالإحسان، فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم [ و ] لو درس هذا الدين: لم قتلتموه؟ فقلنا: لإحداثه. فقالوا: إنّه ما أحدث شيئا. و ذلك لأنّه مكّنهم من الدّنيا فهم يأكلونها و يرعونها و لا يبالون لو انهدّت عليهم الجبال. و اللّه ما أظنّهم يطلبون دمه، إنّهم ليعلمون إنّه لظالم، و لكنّ القوم ذاقوا الدّنيا فاستحبّوها و استمروها، و علموا لو أنّ الحقّ لزمهم لحال بينهم و بين ما يرعون فيه منها، و لم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقّون بها الطاعة، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قتل إمامنا مظلوما. ليكونوا بذلك جبابرة و ملوكا...( ٣) .

و في (الطبريّ): قال الزهريّ: خرج في سنة (٣١) محمّد بن أبي بكر،

____________________

(١) وقعة صفّين: ٢٠٠ ٢٠٢، و النقل بتلخيص و تقطيع، و الآية ٨٠ من سورة النمل.

(٢) وقعة صفّين: ٣٣٨ ٣٣٩، و الآية ٢٥ من سورة الشعراء.

(٣) المصدر نفسه: ٣١٩.

و محمّد بن أبي حذيفة و أبوه خال معاوية إلى الجهاد مع عبد اللّه بن سعد، فأظهرا عيب عثمان، و أنّ دم عثمان حلال، و قالا: استعمل( ١ ) عبد اللّه بن سعد و هو رجل كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أباح دمه و نزل القرآن بكفره( ٢) .

و كان محمّد بن أبي حذيفة يقول: لقد تركنا خلفنا الجهاد حقّا فيقال له:

و أيّ جهاد؟ فيقول: جهاد عثمان، فعل كذا و كذا( ٣) .

و روى الطبريّ: أنّمن كان بالمدينة من الصحابة كتبوا إلى من بالثغور: أنّ دين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أفسد من خلفكم و ترك، فهلمّوا فأقيموا دين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فأقبلوا من كلّ أفق حتّى قتلوه( ٤) .

و روى الطبريّ أيضا عن أبي كرب عامل عثمان على بيت ماله: أنّه دفن بين المغرب و العتمة و أنّه لم يشهد جنازته إلاّ مروان و ثلاثة من مواليه و ابنته، فرفعت صوتها تندبه، فأخذ النّاس الحجارة و قالوا: نعثل نعثل و كادت ترجم( ٥) .

و روى الطبريّ أيضا: أنّه نبذ ثلاثة أيّام لا يدفن و أنّهم لم يغسّلوه و دفنوه في حشّ كوكب( ٦ ) مقبرة اليهود، و أنّ معاوية أمر النّاس في سلطنته بدفن موتاهم حوله حتّى اتصل بمقابر المسلمين( ٧) .

____________________

(١) يعني عثمان.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٢٩٢، سنة ٣١.

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٢٩٢، سنة ٣١.

(٤) تاريخ الطبري ٤: ٣٦٧، سنة ٣٥.

(٥) المصدر نفسه ٤: ٤١٢، سنة ٣٥.

(٦) قال الحموي في معجم البلدان ٢: ٢٦٢: الحشّ في اللغة: البستان، و به سمّي المخرج حشّا لأنّهم كانوا إذا أرادوا الحاجة خرجوا إلى البساتين و كوكب الذي أضيف إليه: اسم رجل من الأنصار، و هو عند بقيع الغرقد، اشتراه عثمان بن عفّان و زاده في البقيع، و لمّا قتل ألقي فيه ثمّ دفن في جنبه.

(٧) تاريخ الطبري ٤: ٤١٢، سنة ٣٥، و النقل بتصرّف.

و بالجملة، المعلوم عدم تصدّيهعليه‌السلام لقتله، و لا أمره به. و أمّا رضاه به فأمر واضح، و لذا لم ينه عنه و قد أقرّ بذلك عبيد اللّه بن عمر مع أنّه أراد القصاص منه بهرمزان ففرّ منه إلى معاوية فروى نصر بن مزاحم: أنّ عبيد اللّه بن عمر لمّا قدم الشام أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص: أنّ اللّه قد أحيا لك عمر بالشام بقدوم عبيد اللّه، و قد رأيت أن اقيمه خطيبا فيشهد على عليّ بقتل عثمان.

فقال: الرأي ما رأيت. فبعث إليه فأتى، فقال له معاوية: يا بن أخ، إنّ لك اسم أبيك، فانظر بمل‏ء عينيك، و تكلّم بكلّ فيك، فأنت المأمون المصدّق فاشتم عليّا، و اشهد عليه أنّه قتل عثمان. فقال: أمّا شتمه فإنّه عليّ بن أبي طالب، و أمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم، فما عسى أن أقول في حسبه، و أمّا بأسه فهو الشجاع المطرق. و أمّا أيّامه فما قد عرفت. و لكنّي ملزمه دم عثمان. فقال عمرو: إذن و اللّه قد نكأت القرحة. فلمّا خرج عبيد اللّه قال معاوية: أما و اللّه لو لا قتله الهرمزان، و مخافة عليّ على نفسه ما أتانا أبدا أ لم تر إلى تقريظه عليّا؟ فقال عمرو: يا معاوية، إن لم تغلب فاخلب( ١ ) . فخرج حديثه إلى عبيد اللّه، فلمّا قام خطيبا تكلّم بحاجته، حتّى إذا أتى إلى أمر عليّعليه‌السلام أمسك، فقال له معاوية:

يا بن أخ، إنّك بين عيّ و خيانة فقال: كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان، و عرفت أنّ الناس محتملوها عنّي. فهجره معاوية و استخفّ بحقّه.

فقال عبيد اللّه:

معاوية لم أخرص بخطبة خاطب

و لم أك عيّا في لؤيّ بن غالب( ٢)

____________________

(١) قال الجوهري في الصحاح ١: ١٢٢: الخلابة: الخديعة باللسان، و في المثل: إذا لم تغلب فاخلب. أي: فاخدع.

و قال الميداني في مجمع الأمثال ١: ٣٤: يراد به الخدعة في الحرب، كما قيل: نفاذ الرأي في الحرب، أنفذ من الطعن و الضرب.

(٢) خرص يخرص خرصا، و تخرص، أي: كذب، الصحاح ٣: ١٠٣٥، مادة (خرص).

و لكنّني زاولت نفسا أبيّة

على قذف شيخ بالعراقين غائب

و قذفي عليّا بابن عفّان جهرة

أجدع بالشحناء انوف الأقارب( ١)

فأمّا انتقافي أشهد اليوم وثبة

فلست لكم فيها ابن حرب بصاحب

و لكنّه قد قرّب القوم جهده

و دبّوا حواليه دبيب العقارب

فما قال أحسنتم و لا قد أسأتم

و أطرق إطراق الشجاع المواثب( ٢)

و لو لم يكن مباح الدم عندهعليه‌السلام كيف طلب بدم الهرمزان و هرمزان رجل عجميّ من عرض المسلمين من عبيد اللّه بن عمر في زمان عثمان مع أمان السلطان له فخاف منه عبيد اللّه ففرّ من المدينة إلى كوفان( ٣ ) ، و لمّا بايعه الناس فرّ إلى الشام عند معاوية. فكيف لم يطلب بدم عثمان في زمان سلطنته و هو عندهم أحد الخلفاء الراشدين؟ و في (صفّين نصر): و مكث عليّعليه‌السلام يعني في أوّل الأمر لا يرسل إلى معاوية و لا يأتيه من قبل معاوية أحد. و جاء عبيد اللّه بن عمر فدخل على عليّعليه‌السلام في عسكره فقال له عليّعليه‌السلام : أنت قاتل الهرمزان، و قد كان أبوك فرض له في الديوان، و أدخله في الإسلام؟ فقال له ابن عمر: الحمد للّه الذي جعلك تطلبني بدم الهرمزان و أطلبك بدم عثمان بن عفّان. فقال له عليّعليه‌السلام : لا عليك، سيجمعني و إيّاك الحرب غدا( ٤) .

و ممّا يحسم مادّة الشغب أنّهعليه‌السلام آوى قاتليه، و كانوا من خواصّه.

فقال نصر بن مزاحم: خرج قرّاء أهل العراق و قرّاء أهل الشام، فعسكروا

____________________

(١) الشحناء: الحقد و العداوة، و كذلك الشحنة، لسان العرب ٧: ٤٨، مادة (شحن).

(٢) وقعة صفّين: ٨٢ ٨٤، شرح ابن أبي الحديد ٣: ١٠٠ ١٠٢، و نقله الشارح بتصرّف.

(٣) قال ياقوت الحموي في معجم البلدان ٤: ٤٩٠: قالوا: و كوفان اسم أرض و بها سمّيت الكوفة. قلت: كوفان و الكوفة واحد.

(٤) وقعة صفّين: ١٨٦.

ناحية صفّين في ثلاثين ألفا، و عسكر عليّعليه‌السلام على الماء، و عسكر معاوية فوق ذلك، و مشت القرّاء في ما بين معاوية و عليّعليه‌السلام ، و فيهم عبيدة السلمانيّ، و علقمة بن قيس النّخعي، و عبد اللّه بن عتبة، و عامر بن عبد القيس و كان في بعض تلك السواحل فانصرف إلى عسكر عليّعليه‌السلام فدخلوا على معاوية فقالوا: ما الذي تطلب؟ قال: أطلب بدم عثمان. قالوا: ممّن تطلب؟ قال من عليّ. قالوا: و عليّ قتله؟ قال: نعم، هو قتله و آوى قاتليه. فانصرفوا من عنده إلى عليّعليه‌السلام فقالوا: إنّ معاوية يزعم أنّك قتلت عثمان. قال: اللّهمّ كذب في ما قال، لم أقتله. فرجعوا إلى معاوية يزعم أنّك قتلت عثمان. قال اللّهم كذب في ما قال، لم أقتله. فرجعوا إلى معاوية فأخبروه، فقال لهم: إن لم يكن قتله بيده فقد أمر و مالا. فرجعوا إلى عليّعليه‌السلام فقالوا: إنّ معاوية يزعم أنّك إن لم تكن قتلته بيدك فقد أمرت و مالأت على قتله. فقال: اللّهمّ كذب في ما قال. فرجعوا إلى معاوية فقالوا له: إنّ عليّا يزعم أنّه لم يفعل. فقال: إن كان صادقا فليمكنّا من قتلته، فإنّهم في عسكره و جنده و أصحابه و عضده. فرجعوا إلى عليّعليه‌السلام فقالوا: إنّ معاوية يقول: إن كنت صادقا فادفع إلينا قتلته أو أمكنّا منهم. قال لهم عليّعليه‌السلام : تأوّل القوم عليه القرآن و وقعت الفرقة، و قتلوه في سلطانه و ليس على ضربهم قود...( ١) .

و إنّما جعل معاوية و باقي بني أميّة نسبة قتل عثمان إليه سببا لإمامتهم عند أهل الشام الذين قيل في وصفهم: «جفاة طغام عبيد أقزام»( ٢ ) و لم يكونوا في الحقيقة من فرق الإسلام كالخوارج لبغضهم أهل بيت نبيّهمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، و سلّم، و بغضهم بغضه و لتركهم مودّة قرباه:... قل لا أسألكم عليه

____________________

(١) وقعة صفين: ١٨٨ ١٨٩، شرح ابن أبي الحديد ٤: ١٥ ١٦.

(٢) من الخطبة ٢٣٨، قال الشيخ محمّد عبده في شرح النهج ٢: ٢٥٨: الجفاة بضم الجيم جمع جاف، أي: غليظ فظّ، و الطغام كسحاب: أوغاد الناس، و العبيد: كناية عن رديئي الأخلاق، و الأقزام: جمع قزم بالتحريك، و هم أرذال الناس.

أجرا إلاّ المودّة في القربى( ١) .

و أمّا أهل الحجاز و أهل العراق و فيهم كان المهاجرون و الأنصار فكانوا يعلمون أنّه لم يكن قاتله و أنّه لو كان قاتله لم يكن ذلك طعنا فيه، لأنّ عثمان كان يستحقّ القتل.

فقال الفضل بن عبّاس في أبياته التي يردّ فيها على الوليد بن عقبة في قوله:

ألا إنّ خير الناس بعد ثلاثة

قتيل التجيبيّ الذي جاء من مصر

إلى آخر أبياته كما في (الطبريّ):

ألا إنّ خير الناس بعد محمّد

وصيّ النبيّ المصطفى عند ذي الذكر

و أوّل من صلّى و صنو نبيّه

و أوّل من أردى الغواة لدى بدر

فلو رأت الأنصار ظلم ابن عمّكم

لكانوا له من ظلمه حاضري النّصر

كفى ذاك عيبا أن يشيروا بقتله

و أن يسلموه للأحابيش من مصر( ٢) .

و في قولهعليه‌السلام : «تأوّل القوم عليه القرآن» أي: أنّهم رأوا أنّ حكم القرآن قتل مثله، و لم يقل: إنّهم أخطأوا، إشارة إلى صحّة عقيدتهم في إباحة قتله.

و في كتاب نافع إلى ابن الزبير كما في (كامل المبرّد) لئن كان عثمان قتل مظلوما لقد كفر قاتلوه و خاذلوه، و لئن كان قاتلوه مهتدين و إنّهم

____________________

(١) الشورى: ٢٣.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٤٢٦، سنة ٣٥، شرح ابن أبي الحديد ٢: ١١٥ ١١٦.

لمهتدون لقد كفر من يتولاّه و ينصره و يعضده. و لقد علمت أنّ أباك و طلحة و عليّا كانوا أشدّ الناس عليه في أمره من بين قاتل و خاذل، و أنت تتولّى أباك و طلحة و عثمان( ١) .

و قال الإسكافيّ في نقضه على الجاحظ: إنّ الوليد بن عقبة( ٢ ) قال لعليّعليه‌السلام بعد بيعة الناس له: نبايعك على أن تقتل قتلة عثمان. فقال عليّعليه‌السلام :

لو لزمني قتلهم اليوم قتلتهم [ لقتلتهم ] أمس( ٣) .

و في (صفّين نصر): خرج أبو أمامة الباهليّ و أبو الدرداء، فدخلا على معاوية، فقالا له: علام تقاتل هذا الرجل؟ فو اللّه هو أقدم منك سلما، و أحقّ بهذا الأمر، و أقرب من النبيّ؟ فقال: أقاتله على دم عثمان، و أنّه آوى قتلته. فقولا له:

فليقدنا من قتلته، فأنا أوّل من يبايعه [ بايعه ] من أهل الشام. فانطلقا إلى عليّعليه‌السلام ، فأخبراه بقول معاوية، فقال: هم الذين ترون. فخرج عشرون ألفا و أكثرهم مسربلون في الحديد، لا يرى منهم إلاّ الحدق، فقالوا: كلّنا قتله، فإن شاؤوا فليروموا ذلك منّا( ٤) .

و في (صفّين نصر) أيضا بعد ذكر خروج أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى النخيلة ليخرج إلى الشام: ألبس معاوية منبر دمشق قميص عثمان و هو مخضّب بالدم، و حول المنبر سبعون ألف شيخ يبكون، لا تجفّ دموعهم على

____________________

(١) الكامل للمبرد ٢: ٢٢٩ ٢٣٠.

(٢) هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخو عثمان لأمّه، و أمّهما أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أسلم يوم الفتح، و يقال: إنّه نزل فيه: يا أيّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنباءٍ فَتبيَّنُوا (سورة الحجرات: ٦). ولاّه عثمان الكوفة بعد عزل سعد بن أبي وقّاص. و قصّة صلاته بالناس الصبح أربعا و هو سكران مشهورة. الإصابة ٣:

٦٣٧ ٦٣٨.

(٣) نقله عن الإسكافيّ ابن أبي الحديد في شرحه ٧: ٣٨ ٣٩.

(٤) وقعة صفّين لابن مزاحم: ١٩٠.

عثمان، فخطبهم معاوية و قال: يا أهل الشام، قد كنتم تكذّبوني في عليّ، و قد استبان لكم أمره، و اللّه ما قتل خليفتكم غيره، و هو أمر بقتله و ألّب الناس عليه، و آوى قتلته، و هم جنده و أنصاره و أعوانه، و قد خرج بهم قاصدا بلادكم لإبادتكم.

يا أهل الشام، اللّه اللّه في عثمان فأنا وليّ عثمان و أحقّ الناس بطلب دمه، و قد جعل اللّه لوليّ المظلوم سلطانا. فانصروا خليفتكم، فقد صنع به القوم ما تعلمون قتلوه ظلما و بغيا، و قد أمر اللّه بقتال الفئة الباغية حتّى تفي‏ء. فأعطوه الطاعة و انقادوا له( ١) .

و في (صفّين نصر) أيضا بعد ذكر مشورة معاوية مع عمرو بن العاص في أمر جرير البجليّ الذي بعثه أمير المؤمنينعليه‌السلام لأخذ البيعة من معاوية:

قال عمرو بن العاص لمعاوية: إنّ رأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكنديّ، و هو عدوّ لجرير الذي أرسل إليك، فأرسل إليه، و وطّن له ثقاتك فليفشوا في الناس أنّ عليّا قتل عثمان، و ليكونوا أهل الرضا عند شرحبيل فإنّها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحبّ، و إن تعلّق بقلب شرحبيل شي‏ء لم يخرجه شي‏ء أبدا [ و إن تعلقت بقلب شرحبيل لم تخرج منه بشي‏ء أبدا ].

فكتب معاوية إلى شرحبيل: «أنّ جريرا قدم علينا من عند عليّ بأمر فظيع، فأقدم». و دعا معاوية يزيد بن أسيد [ أسد ] و بسر بن أرطاة، و عمرو بن سفيان، و مخارق بن الحارث، و حمرة بن مالك، و حابس بن سعد الطائي و هؤلاء رؤساء [ رؤوس ] قحطان و اليمن، و كانوا ثقات معاوية و خاصّته و بني عمّ شرحبيل، فأمرهم أن يلقوه و يخبروه أنّ عليّا قتل عثمان إلى أن قال: فلمّا قدم شرحبيل قال له معاوية: إنّ جريرا يدعونا إلى بيعة عليّ، و عليّ

____________________

(١) وقعة صفين لابن مزاحم: ١٢٧ ١٢٨، و نقله الشارح بتصرّف.

خير الناس لو لا أنّه قتل عثمان، و قد حبست نفسي عليك، و إنّما أنا رجل من أهل الشام أرضى ما رضوا، و أكره ما كرهوا. فقال له شرحبيل: اخرج فانظر.

فخرج فلقيه هؤلاء النفر الموطّئون له، فكلّهم أخبره أن [ يخبره بأنّ ] عليّا قتل عثمان. فخرج مغضبا إلى معاوية و قال له: أبى الناس إلاّ أنّ عليّا قتل عثمان، فو اللّه لئن بايعت له لنخرجنّك من الشام أو لنقتلنّك.

قال معاوية: ما كنت لأخالف عليكم، ما أنا إلاّ رجل من أهل الشام. قال:

فردّ هذا الرجل إلى صاحبه إذن. فعرف معاوية أنّ شرحبيل [ قد ] نفذت بصيرته في حرب أهل العراق، و أنّ الشام كلّها مع شرحبيل( ١) .

«و لما وعظهم اللّه به» في عقوبة التهمة.

«أبلغ من لساني» في بيان شناعتها قال تعالى: و من يكسب خطيئة أو إثماً ثمّ يَرمِ به بريئاً فقد احتملَ بُهتاناً و إثماً مُبيناً( ٢) .

«أنا حجيج المارقين» في بيان خطأهم و بطلان أمورهم قال ابن أبي الحديد: كان عليعليه‌السلام يكثر من قوله: أنا حجيج المارقين( ٣) .

و روي عنهعليه‌السلام أيضا: أنّه يقول: أنا أوّل من يجثو بين يدي اللّه تعالى( ٤) .

و روي عن النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل ذلك مرفوعا( ٥) .

«و خصيم المرتابين» في إمامتي روى أبو نعيم في (حليته): أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال له: يا عليّ، أخصمك بالنبوّة، و لا نبيّ بعدي، و تخصم الناس

____________________

(١) وقعة صفين: ٤٤ ٤٧، و نقله الشارح بتقطيع.

(٢) النّساء: ١١٢.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٦: ١٧١.

(٤) المصدر نفسه ٦: ١٧٠، قال الطريحي في مجمع البحرين ١: ٨١: في حديث عليعليه‌السلام : «أنا أوّل من يجثو للخصومة» أي: يجلس على الركب و أطراف الأصابع عند الحساب.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ٦: ١٧٠.

بسبع لا يحاجّك فيهنّ أحد من قريش أنت أوّلهم إيمانا، و أوفاهم بعهد اللّه، و أقومهم بأمر اللّه، و أقسمهم بالسويّة، و أعدلهم في الرعيّة، و أبصرهم بالقضية، و أعظمهم عند اللّه مزيّة( ١) .

«و على» هكذا في (المصرية)( ٢ ) ، و الصواب «على» بدون الواو، كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّيّة)( ٣) .

«كتاب اللّه تعرض الأمثال» في (الكافي) عن الصادقعليه‌السلام : خطب النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمنى فقال: أيّها الناس ما جاءكم عنّي يوافق كتاب اللّه فأنا قلته، و ما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم أقله( ٤) .

و عنهعليه‌السلام : قال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ علىّ كلّ حقّ حقيقة، و على كلّ صواب نورا، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فدعوه( ٥) .

و عنهعليه‌السلام : إنّ اللّه تعالى أنزل في القرآن تبيان كلّ شي‏ء حتّى و اللّه ما ترك اللّه شيئا يحتاج إليه العباد، حتّى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا انزل في القرآن( ٦) .

«و بما في الصدور تجزى العباد» في (الطبريّ) قال عمّار لعبيد اللّه بن عمر:

بعت دينك من عدوّ الإسلام و ابن عدوّه؟ قال: لا، و لكن أطلب بدم عثمان. فقال له عمّار: أشهد على علمي فيك أنّك لا تطلب بشي‏ء من فعلك وجه اللّه، و أنّك إن

____________________

(١) حلية الأولياء ١: ٦٥ ٦٦، الخصال ٢: ٣٦٣ ح ٥٤.

(٢) نهج البلاغة ١: ١٢٢.

(٣) في شرح ابن ميثم ٢: ٢٠٦ مع الواو أيضا، و أمّا ابن أبي الحديد فذكر في متن الخطبة في ٦: ١٦٩ الواو، و عند شرح الفقرة في: ١٧١ أسقط الواو.

(٤) الكافي للكليني ١: ٦٩ ح ٥.

(٥) الكافي ١: ٦٩ ح ١.

(٦) الكافي ١: ٥٩ ح ١.

لم تقتل اليوم تمت غدا، فانظر إذا أعطي الناس على قدر نيّاتهم ما نيّتك( ١) .

٢ - الخطبة (٧٧) و من كلام لهعليه‌السلام :

إِنَّ؟ بَنِي أُمَيَّةَ؟ لَيُفَوِّقُونَنِي تُرَاثَ؟ مُحَمَّدٍ ص؟ تَفْوِيقاً لَأَنْفُضَنَّهُمْ نَفْضَ اَللَّحَّامِ اَلْوِذَامَ اَلتَّرِبَةَ و يروى: «التراب الوذمة» و هو على القلب( ٢) .

«قال الشريف و قوله: (ليفوّقونني) أي: يعطونني من المال قليلا كفواق الناقة، و هو الحلبة الواحدة من لبنها، و الوذام: جمع و ذمة و هي: الحزّة من الكرش أو الكبد، تقع في التراب فتنفض».

أقول: قال ابن أبي الحديد: روى أبو الفرج في (أغانيه) بإسناد رفعه إلى الحارث بن حبيش قال: بعثني سعيد بن العاص و هو يومئذ أمير الكوفة من قبل عثمان بهدايا إلى المدينة، و بعث معي هديّة إلى عليّعليه‌السلام و كتب إليه: إنّي لم أبعث إلى أحد أكثر ممّا بعثت به إليك إلاّ إلى الخليفة. فلما أتيت عليّاعليه‌السلام و قرأ كتابه، قال: «لشدّ ما تحظر عليّ بنو اميّة تراث محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أما و اللّه لئن وليتها لأنفضنّها نفض القصّاب التراب الوذمة». قال أبو الفرج: و هذا خطأ إنّما هو «الوذام التّربة».

و قد حدّثني بذلك أحمد بن عبد العزيز الجوهري( ٣ ) عن أبي زيد عمر بن شبّة، بإسناد ذكره في الكتاب: أنّ سعيد بن العاص حيث كان أمير الكوفة بعث

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٣٩ ٤٠، سنة ٣٧.

(٢) قال الشيخ محمد عبده في شرحه على النهج ١: ١٢٣: على القلب، أي: أنّ الحقيقة «الوذام التربة» كما في الرواية الاولى، لا «التراب الوذمة» إذ لا معنى له، فهذه الرواية يراد منها مقلوبها. هذا و سيأتي من الشارح بيان له.

(٣) السقيفة و فدك: ٧٥.

مع ابن أبي عائشة مولاه إلى عليّعليه‌السلام بصلة، فقال عليّ: «و اللّه لا يزال غلام من غلمان بني اميّة يبعث إلينا ممّا أفاء اللّه على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمثل قوت الأرملة و اللّه لئن بقيت لأنفضنّها نفض القصّاب الوذام التّربة»( ١) .

قلت: الذي وجدت في (الأغاني): «قال أبو جعفر: هذا غلط إنّما هو الوذام التربة»( ٢ ) . و المراد به (الطبريّ) لوقوعه في طريقه الأوّل لا أبو الفرج كما نقل.

ثمّ الأصل في إنكار رواية «التراب الوذمة» شعبة ففي (نهاية ابن الأثير) بعد ذكر أنّ في حديث عليّعليه‌السلام : «لئن وليت بني اميّة لأنفضنّهم نفض القصّاب التراب الوذمة» قال الأصمعيّ: سألت شعبة عن هذا الحرف، فقال:

ليس هو هكذا، إنّما هو «نفض الوذام التربة»( ٣) .

و (الصحاح) عكس( ٤ ) نقل الأصمعي عن شعبة، فقال: قال الأصمعي:

سألني شعبة عن هذا الحرف، فقلت( ٥ ) : ليس هو هكذا، إنّما هو «نفض القصّاب الوذام التربة»( ٦) .

و الصواب ما في (النهاية)، لنقله ذلك عن كتب غريب الحديث، و لأنّ في (طبقات السيوطي): روى الأصمعي عن شعبة( ٧) .

«إنّ بني اميّة ليفوقونني» قد عرفت من المصنّف معناه.

و في (الطبريّ): جلس المهديّ للمظالم، فتقدّم إليه رجل من آل الزبير،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٦: ١٧٤ ١٧٥.

(٢) الأغاني ١٢: ١٤٤.

(٣) النهاية ١: ١٨٥، مادة (ترب). و لكن فيها: نقل الأصمعي عن شعبة: إنّما هو نفض القصاب الوذام التربة.

(٤) لم يعكس الصحاح نقل الأصمعي كما عرفت.

(٥) في المصدر: سألت شعبة عن هذا الحرف فقال.

(٦) الصحاح ٥: ٢٠٥٠، مادة (وذم).

(٧) النهاية لابن الأثير ٣: ٤٨٠ [ فوق ] و منه حديث علي: «إنّ بني اميّة ليفوقونني تراث محمد تفويقا» و لا وجود له في طبقات المفسرين و لا طبقات الحفّاظ للسيوطي.

فذكر ضيعة اصطفاها عن أبيه بعض ملوك بني اميّة، الوليد أم سليمان، فأمر أبا عبيد اللّه أن يخرج ذكرها من الديوان العتيق. ففعل، فقرأ ذكرها على المهديّ. فقال المهديّ: يا زبيريّ، هذا عمر بن عبد العزيز و هو منكم معشر قريش لم يرد ردّها. قال: و كلّ أفعال عمر ترضى؟ قال: و أيّ أفعاله لا ترضى؟

قال: منها أنّه كان يفرض للسقط( ١ ) من بني اميّة في خرقة في الشرف من العطاء، و يفرض للشيخ من بني هاشم في ستّين. قال يا معاوية، أ كذلك كان يفعل عمر؟ قال: نعم قال: اردد على الزبيريّ ضيعته( ٢) .

«تراث محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تفويقا» مفعول مطلق لقوله: «ليفوّقونني».

روى ياقوت الحموي في (أدبائه) في ترجمة الشافعيّ عن جبير بن مطعم قال: لمّا قسّم النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله و سلم سهم ذوي القربى من خيبر على بني هاشم و بني المطلّب، مشيت أنا و عثمان إلى النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلنا: هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي جعلك اللّه به منهم، أ رأيت إخواننا [ إخوتنا ] من بني المطلّب أعطيتهم و تركتنا؟ و إنّما نحن و هم منك بمنزلة واحدة. فقال:

إنّهم لم يفارقونا في جاهليّة و لا إسلام، إنّما بنو هاشم و بنو المطلّب شي‏ء واحد. ثمّ شبّك النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يديه إحداهما بالاخرى( ٣) .

قال الحموي: كان لعبد مناف أربعة بنين: هاشم، و المطلّب، و عبد شمس أبو اميّة، و نوفل. و كان جبير من نوفل، و عثمان من عبد شمس( ٤) .

قلت: و كما أنّ بني هاشم و بني عبد المطلّب لم يفارقا في جاهليّة و لا إسلام، كما قال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كذلك بنو عبد شمس و بنو نوفل لم يفارقا

____________________

(١) السّقط مثلّثة الولد لغير تمام. (القاموس المحيط ٢: ٣٦٥، مادة: سقط).

(٢) تاريخ الطبري ٨: ١٧٧ ١٧٨، سنة ١٦٩.

(٣) معجم الادباء ١٧: ٣١٢، صحيح البخاري ٣: ١١٤٣.

(٤) معجم الادباء ١٧: ٣١٢.

فيها كما هو مرمى كلامه.

هذا، و في (العيون) عن ثمامة قال: عرض المأمون يوما للرضاعليه‌السلام بالامتنان عليه بأن ولاّه العهد، فقالعليه‌السلام له: إنّ من أخذ بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لحقيق أن يعطى به( ١) .

و في (الطبري) في وصية المأمون للمعتصم: و صلات بني عمّك من ولد أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام فلا تغفلها في كلّ سنة عند محلّها فإنّ حقوقهم تجب من وجوه شتى( ٢) .

«لأنفضنّهم» هكذا في (المصرية)( ٣ ) ، و فيه سقط و الأصل: «و اللّه لئن بقيت لهم لأنفضنّهم» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٤ ) ، و كما في مستنده من (الأغاني)( ٥ ) و غيره ممّا مرّ و يأتي.

و لأنفضنّهم من «نفض الثياب» حرّكها ليسقط ما عليها من الغبار.

و يأتي مشدّدة للتكثير. قال أبو ذؤيب:

تنفّض مهده و تذود عنه

و ما تغني التّمائم و العكوف( ٦)

«نفض» أي: تحريك.

«اللحّام» و هو: من يبيع اللحم.

«الوذام» أي: البطن و الأمعاء.

____________________

(١) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ٢: ١٤٣ ح ١٢.

(٢) تاريخ الطبري ٨: ٦٥٠، سنة ٢١٨.

(٣) نهج البلاغة ١: ١٢٣.

(٤) هكذا في شرح ابن أبي الحديد ٦: ١٧٤، و لكن ابن ميثم لم يذكر هذه الفقرة في متن الخطبة، و ذكرها عند شرح الخطبة في ٢: ٢١٢.

(٥) الأغاني ١٢: ١٤٤.

(٦) أساس البلاغة: ٤٦٧، مادة (نفض).

«التربة» بكسر الراء، أي: التي سقطت في التراب فتترّبت.

و مرادهعليه‌السلام من قوله: «لأنفضنّهم نفض اللحّام الوذام التربة» أخذهعليه‌السلام من بني اميّة بعد عثمان ما أنهبهم من مال اللّه تعالى كما يأتي في الآتي.

قول المصنّف: «و يروي: التراب الوذمة. و هو على القلب» في (جمهرة ابن دريد): و في حديث عليّعليه‌السلام : «لأنفضنّكم نفض الجزّار الوذام التربة»، فقلبه قوم فقالوا: «نفض الجزّار التراب الوذمة»( ١) .

ثمّ المراد من قوله: «و هو على القلب» إمّا كونه غلطا كما قاله شعبة و الطبري( ٢ ) ، و إمّا أنّه من تقديم المفعول الثاني على الأوّل و هو في ما لا التباس كما في «أعطيت درهما زيدا» و في «كسوت جبّة زيدا»، لكن ذلك لو جعلناهما مفعولين، و أمّا لو جعلناها صفة و موصوفا فلا.

ثمّ إنّ (النهاية) زاد بعد ما مرّ: «و قيل: أراد بالقصّاب السبع، و التراب أصل ذراع الشاة، و السبع إذا أخذ الشاة قبض على ذلك المكان فنفضها»( ٣) .

قلت: يرد عليه أنّ الوذمة تكون حينئذ زائدة و بلا معنى.

«قال الشريف» هكذا في (المصرية)( ٤ ) ، و ليس في (ابن ميثم)( ٥ ) ، مع أنّه لا مناسبة له هنا بل قبل قوله: «و يروى» كما فعله ابن أبي الحديد( ٦ ) ، مع أنّه ليس كلام المصنف بل كلام ابن أبي الحديد.

____________________

(١) جمهرة اللغة ٢: ٧٠٣، مادة (وذم).

(٢) مرّ تخريجه آنفا.

(٣) النهاية ١: ١٨٥، مادة (ترب).

(٤) نهج البلاغة ١: ١٢٣.

(٥) في شرح ابن ميثم ٢: ٢١٢ أيضا: قال الشريف.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ٦: ١٧٤.

«و قولهعليه‌السلام » هكذا في (المصرية)( ١ ) و الصواب: «قولهعليه‌السلام »( ٢ ) كما في (ابن ميثم و الخطّية)( ٣ ) ، و ليس في (ابن أبي الحديد)( ٤ ) رأسا.

«ليفوّقونني أي: يعطونني من المال قليلا» هكذا في (المصرية)( ٥) ، و الصواب: «قليلا قليلا» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم( ٦ ) و الخطّية).

«كفواق الناقة و هو الحلبة الواحدة من لبنها». في (أساس الزمخشري):

«ما أقام عنده إلاّ فواق ناقة وفيقة ناقة» أي: قليلا و ذلك أنّ الناقة تحلب في اليوم خمس مرّات أو ستّ مرّات، فما اجتمع من الحلبتين فهو فيقة( ٧) .

«و الوذام: جمع وذمة و هي الحزّة» بالفتح القطعة. و في (الصحاح):

الحزّة، أي: بالضمّ، قطعة من اللحم قطعت طولا. قال أعشى باهلة:

تكفيه حزّة فلذ إن ألمّ بها

من الشواء و يروي شربه الغمر( ٨)

«من الكرش» في (الصحاح): الكرش مثل كَبِد و كِبْد بمنزلة المعدة للإنسان لكلّ مجترّ، و العرب تؤنّثها( ٩) .

«أو الكبد تقع في التراب فتنفض» الوقوع في التراب ثمّ النفض ليس تفسيرا للوذام من حيث هي، بل بيان للمراد من نفض الوذام التربة، و في العبارة تسامح.

____________________

(١) نهج البلاغة ١: ١٢٣.

(٢) أي بدون الواو.

(٣) في شرح ابن ميثم ٢: ٢١٢ أيضا مع الواو.

(٤) في شرح ابن أبي الحديد ٦: ١٧٤ أيضا مع الواو.

(٥) نهج البلاغة ١: ١٢٣.

(٦) في شرح ابن أبي الحديد ٦: ١٧٤ و شرح ابن ميثم ٢: ٢١٢: «قليلا» أيضا.

(٧) أساس البلاغة: ٣٥٠، مادة (فوق).

(٨) الصحاح ٣: ٨٧٣، مادة (حزز).

(٩) المصدر نفسه ٣: ١٠١٧، مادة (كرش).

٣ - الخطبة (١٥) و من كلام له عليه السلام فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان رضى اللّه عنه:

وَ اَللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ اَلنِّسَاءُ وَ مُلِكَ بِهِ اَلْإِمَاءُ لَرَدَدْتُهُ فَإِنَّ فِي اَلْعَدْلِ سَعَةً وَ مَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ اَلْعَدْلُ فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ قول المصنّف: «في ما ردّه على المسلمين» هكذا في (المصرية و ابن أبي الحديد)( ١ ) ، و لكن ليس في (ابن ميثم و الخطية)( ٢ ) كلمة «على المسلمين» و لا وجه لها لأنّ بني أميّة الذين أقطعهم عثمان كانوا بحسب الظاهر من المسلمين فلا مناسبة للكلمة، و لو كان «على الناس» كان له وجه.

«من قطائع» جمع: قطيعة قطعة من أرض الخراج.

«عثمانرضي‌الله‌عنه » هكذا في (المصرية)( ٣ ) . و جملة «رضي‌الله‌عنه » من زياداتها، فليست في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم( ٤ ) و الخطّيّة)، و لأنّ الرضيّ الإماميّ لا يقولها.

كان عثمان غير إنها به بيت المال بني أبيه أقطعهم قطعات أراضي بغير حقّ.

قولهعليه‌السلام : «و اللّه لو وجدته قد تزوّج به النساء، و ملك به الإماء لرددته».

قال ابن أبي الحديد: هذه الخطبة ذكرها الكلبيّ مرويّة مرفوعة إلى أبي صالح، عن ابن عبّاس: أنّ عليّاعليه‌السلام خطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة،

____________________

(١) نهج البلاغة ١: ٤٢، شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٦٩.

(٢) في شرح ابن ميثم ١: ٢٩٥ «على المسلمين» أيضا.

(٣) نهج البلاغة ١: ٤٢.

(٤) هذه الجملة في شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٦٩ أيضا، و ليست في شرح ابن ميثم ١: ٢٩٥.

فقال: «ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان، و كلّ مال أعطاه من مال اللّه، فهو مردود في بيت المال. فإنّ الحقّ القديم لا يبطله شي‏ء. و لو وجدته قد تزوّج به النساء، و فرّق في البلدان أرددته إلى حاله و من ضاق عنه العدل [ الحقّ ] فالجور عليه أضيق».

قال الكلبيّ: ثمّ أمرعليه‌السلام بكلّ سلاح وجد لعثمان في داره ممّا تقوّى به على المسلمين فقبض، و أمر بقبض نجائب كانت في داره من أهل الصدقة، فقبضت، و أمر بقبض سيفه و درعه، و أمر أن لا يعرض لسلاح وجد له لم يقاتل به المسلمون، و بالكفّ عن جميع أمواله التي وجدت في داره و غير داره، و أمر أن ترتجع الأموال التي أجاز بها عثمان حيث اصيبت أو اصيب أصحابها.

فبلغ ذلك عمرو بن العاص، و كان بأيلة من أرض الشام، و كان أتاها حيث وثب الناس على عثمان، فنزلها فكتب إلى معاوية: ما كنت صانعا فاصنع، إذ قشرك ابن أبي طالب من كلّ ما تملكه كما تقشر عن العصا لحاها.

و قال الوليد بن عقبة و هو أخو عثمان من أمّه يذكر قبض عليّعليه‌السلام نجائب عثمان و سيفه و سلاحه:

بني هاشم ردّوا سلاح ابن اختكم

و لا تنهبوه لا تحلّ مناهبه

بني هاشم كيف الهوادة بيننا

و عند عليّ درعه و نجائبه

بني هاشم كيف التودّد بيننا [ منكم ]

و بزّ ابن أروى فيكم و حرائبه( ١)

____________________

(١) البزّ: الثياب أو متاع البيت من الثياب و نحوها. (القاموس المحيط ٢: ١٦٦، مادة: بزز)، و الحرائب: جمع حريبة: و هو مال الرجل الذي يقوم به أمره. (النهاية ١: ٣٥٩، مادة: حرب).

بني هاشم إلاّ تردّوا فإنّنا

سواء علينا قاتلوه [ قاتلاه ] و سالبه

بني هاشم إنّا و ما كان منكم

كصدع الصّفا لا يشعب الصدع شاعبه

قتلتم أخي كيما تكونوا مكانه

كما غدرت يوما بكسرى مرازبه

فأجابه عبد اللّه بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلّب بأبيات طويلة من جملتها:

فلا تسألونا سيفكم إنّ سيفكم

أضيع و ألقاه لدى الرّوع صاحبه

و شبّهته كسرى و قد كان مثله

شبيها بكسرى هديه و ضرائبه

أي: كان كافرا كما كان كسرى كافرا( ١) .

قلت: و في (تاريخ اليعقوبي): بايع الناس بعد عثمان عليّاعليه‌السلام إلاّ ثلاثة من قريش: مروان بن الحكم، و سعيد بن العاص، و الوليد بن عقبة، و كان لسان القوم، فقال لهعليه‌السلام : يا هذا، إنّك قد وترتنا جميعا، أمّا أنا فقتلت أبي يوم بدر صبرا. و أمّا سعيد فقتلت أباه يوم بدر، و كان أبوه نور قريش. و أمّا مروان فشتمت أباه و عبت على عثمان حين ضمّه إليه إلى أن قال: و تبايعنا على أن تضع عنّا ما أصبنا، و تعفي لنا عمّا في أيدينا، و تقتل قتلة صاحبنا. فغضب عليّعليه‌السلام و قال: أمّا ذكرت من وتري إيّاكم، فالحقّ و تركم. و أمّا وضعي عنكم ما أصبتم، فليس لي أن أضع حقّ اللّه. و أمّا إعفائي عمّا في أيديكم، فما كان للّه و المسلمين فالعدل يسعكم. و أمّا قتلي قتلة عثمان، فلو لزمني قتلهم اليوم

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٦٩ ٢٧١. و تجد الأبيات في مروج الذهب ٢: ٣٥٦ ٣٥٧، و الأغاني ٥: ١٢٠ ١٢١، و الكامل في اللغة و الأدب ٢: ٤٤ مع الاختلاف.

لزمني قتالهم غدا. و لكم أن أحملكم على كتاب اللّه و سنّة رسوله، فمن ضاق عليه الحقّ، فالباطل عليه أضيق، و إن شئتم فالحقوا بملاحقكم( ١) .

هذا، و قد أمر عمر بن عبد العزيز أيضا بردّ مظالم بني اميّة فعن (بيان الجاحظ): أنّ عمر بن عبد العزيز لمّا ولي، جعل لا يدع شيئا ممّا كان في يده و يد أهل بيته من المظالم، إلاّ ردّها مظلمة مظلمة، فبلغ ذلك عمر بن الوليد بن عبد الملك، فكتب إليه: إنّك أزريت على من كان قبلك من الخلفاء، و عبت عليهم، و سرت بغير سيرتهم بغضا لهم و شنآنا لمن بعدهم من أولادهم، و قطعت ما أمر اللّه به أن يوصل إذ عمدت إلى أموال قريش و مواريثهم، فأدخلتها بيت المال جورا و عدوانا.

يا بن عبد العزيز اتّق اللّه، و راقبه إن شططت، و لم تطمئنّ على منبرك حتّى خصصت أوّل قرابتك بالظلم و الجور( ٢) .

فأجابه عمر بن عبد العزيز: أمّا أوّل شأنك يا بن الوليد فإنّ امّك نباتة( ٣ ) أمة السكون، كانت تطوف في أسواق حمص، و تدخل حوانيتها ثمّ اللّه أعلم بها، اشتراها ذبيان بن ذبيان من في‏ء المسلمين، فأهداها إلى أبيك، فحملت بك، و بئس الحامل و بئس المحمول ثمّ نشأت فكنت جبّارا عنيدا، تزعم أنّي من الظالمين لأنّي حرمتك و أهل بيتك في‏ء اللّه الذي هو حقّ القرابة و المساكين و الأرامل إلى أن قال: و أظلم منّي و أترك لعهد اللّه من جعل لعالية البربريّة سهما في الخمس فرويدا يا بن نباتة، فلو التفت حلقتا البطان، و ردّ الفي‏ء إلى أهله لتفرّغت لك و لأهل بيتك، فوضعتكم على المحجّة البيضاء، فطالما تركتم

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٧٨ ١٧٩، و نقله الشارح بتصرّف.

(٢) لم أجد كتاب عمر بن الوليد بن عبد الملك في البيان و التبيين.

(٣) في البيان و التبيين ٣: ٤٠٣ صنّاجة، بدل: نباتة. و الصنّاجة: الضاربة بالصنج و هو الدف.

الحقّ، و أخذتم في غير بيّنات الطريق. و من وراء هذا من الفضل ما أرجو أن أكون رأيته بيع رقبتك، و قسم ثمنك بين اليتامى و المساكين و الأرامل فإنّ لكلّ فيك حقّا( ١) .

و عكسه يزيد بن عبد الملك الذي ولي بعده ففي (العقد الفريد): كتب يزيد بن عبد الملك إلى عمّال عمر بن عبد العزيز: رأيت كتبكم إليه في انكسار الخراج و الضريبة، فإذا أتاكم كتابي هذا فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده، و أعيدوا الناس إلى طبقتهم الاولى، أخصبوا أم أجدبوا، حيّوا أم ماتوا( ٢) .

و من الغريب أنّ ابن أبي الحديد قال: «قد كان عثمان أقطع كثيرا من بني اميّة و غيرهم من أوليائه و أصحابه قطائع من أرض بيت المال صلة لرحمه»( ٣) .

قلت: كيف يجوز صلة الرحم بمال المسلمين؟ فهل تجوز صلة الرحم بالسرقة من الناس؟ و الأصل في اعتذاره قول إمامه عثمان نفسه لمّا طعنوا عليه، فقال: إنّي أصل رحمي بما أهب( ٤ ) و أنهب من بيت المال، و تبعه في ذلك عمر بن الوليد في إنكاره على عمر بن عبد العزيز و قد كان جواب ابن عبد العزيز لابن الوليد جواب ابن أبي الحديد عن عثمان.

هذا، و في (الطبريّ): جلس المنصور ببغداد للمدنيين مجلسا عامّا، فدخل عليه شابّ من ولد عمرو بن حزم، فانتسب ثمّ قال للمنصور: قال

____________________

(١) كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الوليد في البيان و التبيين ٣: ٤٠٣ مع اختلاف في الألفاظ.

(٢) العقد الفريد ٥: ١٨٨.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٦٩، و نقله الشارح بتصرّف يسير.

(٤) انظر الشافي في الإمامة ٤: ٢٧٢.

الأحوص فينا شعرا منعنا أموالنا من أجله منذ ستّين سنة، مدح الوليد بن عبد الملك بقصيدة قال فيها:

لا تأوينّ لحزميّ رأيت به

فقرا و إن القي الحزميّ في النار

النّاخسين بمروان بذي خشب

والداخلين على عثمان يوم [في] الدار( ١)

فقال له الوليد: أذكرتني ذنب آل حزم، فأمر باستصفاء أموالهم. فقال المنصور للرجل: أعد عليّ الشعر. فأعاده ثلاثا. فقال له: لا جرم، تحتظي بهذا الشعر كما حرمت به. و أمر له بعشرة آلاف درهم، و كتب إلى عمّاله أن يردّوا ضياع آل حزم عليهم، و يعطوا غلاتها في كلّ سنة من ضياع بني اميّة، و تقسّم أموالهم بينهم على كتاب اللّه على التناسخ، و من مات منهم وفّر على ورثته( ٢) .

«فإنّ في العدل سعة، و من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق» قد عرفت أنّ (ابن أبي الحديد) نقل بدله عن الكلبيّ: «و من ضاق عنه العدل [ الحقّ ]، فالجور عنه أضيق»( ٣ ) . و أنّ اليعقوبي نقل بدله: «فمن ضاق عليه الحقّ، فالباطل عليه أضيق»( ٤) .

٤ - الخطبة (٤٣) و من كلام لهعليه‌السلام و قد أشار عليه أصحابه بالاستعداد للحرب بعد إرساله جرير بن عبد اللّه البجلي إلى معاوية:

____________________

(١) تجد البيتين في الأغاني ١: ٢٦ مع اختلاف يسير في الألفاظ.

(٢) تاريخ الطبري ٨: ٨٥، سنة ١٥٨.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٢٦٩١.

(٤) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٧٩.

إِنَّ اِسْتِعْدَادِي لِحَرْبِ أَهْلِ؟ اَلشَّامِ؟ وَ؟ جَرِيرٌ؟ عِنْدَهُمْ إِغْلاَقٌ؟ لِلشَّامِ؟ وَ صَرْفٌ لِأَهْلِهِ عَنْ خَيْرٍ إِنْ أَرَادُوهُ وَ لَكِنْ قَدْ وَقَّتُّ؟ لِجَرِيرٍ؟ وَقْتاً لاَ يُقِيمُ بَعْدَهُ إِلاَّ مَخْدُوعاً أَوْ عَاصِياً وَ اَلرَّأْيُ عِنْدِي مَعَ اَلْأَنَاةِ فَأَرْوِدُوا وَ لاَ أَكْرَهُ لَكُمُ اَلْإِعْدَادَ وَ لَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هَذَا اَلْأَمْرِ وَ عَيْنَهُ وَ قَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَ بَطْنَهُ فَلَمْ أَرَ لِي إِلاَّ اَلْقِتَالَ أَوِ اَلْكُفْرَ إِنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى اَلْنَّاسِ وَالٍ أَحْدَثَ أَحْدَاثاً وَ أَوْجَدَ لِلنَّاسِ مَقَالاً فَقَالُوا ثُمَّ نَقَمُوا فَغَيَّرُوا قول المصنّف: «و قد أشار عليه أصحابه بالاستعداد للحرب» إنّما أشار عليه بذلك منهم الأشتر، و عديّ بن حاتم، و شريح بن هانى‏ء، و أمّا باقيهم فأشاروا عليه بترك الاستعداد.

ففي (خلفاء ابن قتيبة): ذكروا أنّ عليّاعليه‌السلام استشار الناس، فأشاروا عليه بالمقام بالكوفة عامه ذلك، غير الأشتر النخعي، و عديّ بن حاتم، و شريح بن هانى‏ء، فإنّهم قاموا، فتكلّموا بلسان واحد، فقالوا: إنّ الذين أشاروا عليك بالمقام إنّما خوّفوك بحرب الشام، و ليس في حرب الشام شي‏ء أخوف من الموت، و نحن نريده. فقالعليه‌السلام لهم: «إنّ استعدادي لحرب الشام و جرير عندهم، صارف لهم عن خير إن أرادوه، و لكنّي قد وقّتّ لهم وقتا لا يقيم بعده إلاّ أن يكون مخدوعا أو عاصيا، و لا أكره لكم الإعداد»( ١) .

«بعد إرساله جرير بن عبد اللّه البجليّ( ٢ ) إلى معاوية» هكذا في

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٩٤، و نقله الشارح بتصرف يسير.

(٢) هو جرير بن عبد اللّه بن جابر البجليّ. توجد ترجمته في اسد الغابة ١: ٢٧٩ ٢٨٠، و الإصابة ١: ٢٣٢، و سفينة البحار ١: ١٥٢.

(المصرية)( ١ ) و الصواب: «بعد إرساله إلى معاوية جرير بن عبد اللّه البجلي» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٢) .

قولهعليه‌السلام : «إنّ استعدادي لحرب أهل الشام و جرير عندهم إغلاق للشام، و صرف لأهله عن خير إن أرادوه».

قال ابن أبي الحديد: كرهعليه‌السلام منهم إظهار الاستعداد، الجهر به، و لم يكره الإعداد في السرّ، و على وجه الخفاء. و قال الراونديّ: «كره استعداد نفسه، و لم يكره إعداد أصحابه».

و لقائل أن يقول: التعليل الذي علّلعليه‌السلام به كراهيّة الأمرين معا، بل ينبغي أن تكون كراهته لإعداد جيشه أولى لأنّ شياع ذلك أعظم من شياع استعداده وحده، لأنّه وحده يمكن أن يكتم استعداده، بخلاف استعداد العساكر العظيمة، فيكون إغلاق الشام عن باب خير إن أرادوه أقرب( ٣) .

قلت: إنّ ابن أبي الحديد لم يفهم معنى استعدادهعليه‌السلام ، و لم يفرّق بين الاستعداد و الإعداد فاستعدادهعليه‌السلام إنّما كان بشخوصه مع أصحابه إلى الشام للحرب، كما عرفت من موجب قولهعليه‌السلام ذاك الكلام و هو قول الأشتر، و عديّ، و شريح لهعليه‌السلام : «ليس في حرب الشام شي‏ء أخوف من الموت و نحن نريده»( ٤) .

و معلوم أنّ ذلك كان صرفا لأهلها عن خير إن أرادوه.

و أمّا إعداد أصحابه فإنّما هو بتهيئة أسباب الحرب من الخيل و الأسلحة، و لم يعلم من التهيئة لذلك أنّهعليه‌السلام أراد حربهم لكونه أعمّ.

____________________

(١) نهج البلاغة ١: ٨٩.

(٢) كذا في شرح ابن أبي الحديد ٢: ٣٢٢ و فيه: بجرير. و لفظ شرح ابن ميثم ٢: ١٠٩ مطابق للطبعة المصرية أيضا.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٢: ٣٢٢ ٣٢٣، و نقله الشارح بتلخيص.

(٤) الإمامة و السياسة ١: ٩٤.

«و لكن قد وقّتّ لجرير وقتا لا يقيم بعده إلاّ مخدوعا» في (خلفاء ابن قتيبة):

ذكروا أنّ معاوية قال لجرير: إنّي قد رأيت رأيا. قال جرير: هات. قال: اكتب إلى عليّ أن يجعل لي الشام و مصر [ جباية ]، فإن حضرته الوفاة لم يجعل لأحد بعده في عنقه بيعة، و اسلم إليه الأمر، و أكتب إليه بالخلافة. قال جرير: اكتب ما شئت. و إنّما أراد معاوية في طلبه الشام و مصر ألاّ يكون لعليّ في عنقه بيعة، و أن يخرج نفسه ممّا دخل فيه الناس، فكتب إلى عليّعليه‌السلام يسأله ذلك فلمّا أتى عليّاعليه‌السلام كتاب معاوية عرف أنّها خدعة منه. فكتب إلى جرير: أمّا بعد فإنّ معاوية إنّما أراد بما طلب ألاّ يكون لي في عنقه بيعة، و أن يختار من أمره ما أحبّ، و قد كان المغيرة بن شعبة أشار عليّ و أنا بالمدينة أن أستعمله على الشام، فأبيت ذلك عليه، و لم يكن اللّه ليراني أن أتّخذ المضلّين عضدا، فإن بايعك الرجل، و إلاّ فأقبل( ١) .

«أو عاصيا» في (الطبريّ): قال عوانة: لمّا قدم جرير على عليّعليه‌السلام و أخبره خبر معاوية و اجتماع أهل الشام معه على قتاله، و أنّهم يبكون على عثمان، و يقولون: إنّ عليّا قتله، و آوى قتلته، و إنّهم لا ينتهون عنه حتّى يقتلهم أو يقتلوه. فقال الأشتر لعليّعليه‌السلام : قد كنت نهيتك أن تبعث جريرا، و أخبرتك بعداوته و غشّه، و لو كنت بعثتني كان خيرا من هذا الذي أقام عنده حتّى لم يدع بابا يرجو فتحه إلاّ فتحه، و لا بابا يخاف منه إلاّ أغلقه.

فقال له جرير: لو كنت ثمّ لقتلوك لقد ذكروا أنّك من قتلة عثمان، فقال الأشتر: و اللّه يا جرير، لو أتيتهم لم يعيني جوابهم، و لحملت معاوية على خطّة أعجله فيها عن الفكر، و لو أطاعني فيك أمير المؤمنين لحبسك و أشباهك في محبس لا تخرجون منه حتّى تستقيم هذه الامور.

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٩٥ ٩٦.

فخرج جرير إلى قرقيسيا( ١ ) ، و كتب إلى معاوية، فكتب إليه معاوية يأمره بالقدوم عليه( ٢) .

و رواه نصر بن مزاحم في (صفّينه) و زاد: أنّ الأشتر قال لجرير: إنّ عثمان اشترى منك دينك بهمدان، و اللّه ما أنت بأهل أن تترك تمشي فوق الأرض. إنّما أتيتهم لتتّخذ عندهم يدا بمسيرك إليهم، ثمّ رجعت إلينا من عندهم تهدّدنا بهم. أنت و اللّه منهم، و لا أرى سعيك إلاّ لهم( ٣) .

و قال الإسكافيّ في (نقض عثمانيّته): روى الحارث بن حصين أنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دفع إلى جرير نعلين من نعاله، و قال له: احتفظ بهما، فإنّ ذهابهما ذهاب دينك. فلمّا كان يوم الجمل ذهبت إحداهما، فلمّا أرسله عليّعليه‌السلام إلى معاوية ذهبت الأخرى، ثمّ فارق عليّاعليه‌السلام و اعتزل الحرب.

و قال: قال اسماعيل بن جرير: هدم عليّ دارنا مرّتين( ٤) .

«و الرأي عندي مع الأناة» الانتظار.

«فأرودوا» من: أرود في السير، أي: رفق. و في المثل: الدهر أرود ذو غير.

أي: يعمل عمله في سكون و لا يشعر به( ٥) .

«و لا أكره لكم الإعداد» قال تعالى: و أعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة و من رباط الخيل...( ٦) .

____________________

(١) في معجم البلدان ٤: ٣٢٨: قال حمزة الاصبهاني: قرقيسيا معرب كركيسيا و هو مأخوذ من كركيس و هو اسم لإرسال الخيل المسمّى بالعربية الحلبة. و قال ياقوت: بلد على نهر الخابور قرب الفرات، قيل: سمّيت بقرقيسيا بن طهمورث الملك.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٥٦٢، سنة ٣٦.

(٣) وقعة صفّين: ٥٩ ٦٠ و شرح ابن أبي الحديد ٣: ١١٦.

(٤) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ٤: ٧٤ ٧٥.

(٥) الصحاح ٢: ٤٧٩، مادة (رود).

(٦) الأنفال: ٦٠.

«و لقد ضربت أنف هذا الأمر و عينه»( ١ ) الأنف قد يجي‏ء في قبال العين كما هنا و قد يجي‏ء في مقابل الذنب، كقول الشاعر:

قوم هم الأنف، و الأذناب غيرهم( ٢)

و قالعليه‌السلام نظير هذا الكلام لأبي مسلم الخولاني لمّا جاء بكتاب معاوية إليه ففي (أخبار الطوال) قال أبو مسلم لهعليه‌السلام : ادفع إلينا قتلة عثمان، و أنت أميرنا، فإن خالفنا [ خالفك ] أحد من الناس كانت أيدينا لك ناصرة.

فقالعليه‌السلام له: «إنّي ضربت أنف هذا الأمر و عينه، فلم يستقم دفعهم إليك و لا إلى غيرك»( ٣) .

«و قلّبت ظهره و بطنه» كناية كسابقه عن ملاحظة الأمر بجملته.

«فلم أر لي» هكذا في (المصرية)( ٤ ) ، و الصواب: «فلم أر فيه» كما في (ابن أبي الحديد)( ٥) .

«إلاّ القتال أو الكفر» هكذا في (المصرية) و مثله في (ابن ميثم)( ٦ ) و زاد في (ابن أبي الحديد): «بما جاء به محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »( ٧ ) ، و في الخطّيّة: «بما انزل على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ». و لعلّ الزيادة حاشية خلطت بالمتن، لكون نسخة شرح ابن ميثم بخطّ مصنّفه، و لأنّه قال: و مراده بالكفر الكفر الحقيقيّ، فإنّه صرّح بمثله فيما

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٢: ٣٢٢ الباب ٤٣.

(٢) القائل الحطيئة، و الشطر الثاني من البيت:

و من يسوّي بأنف الناقة الذّنبا

أورده ابن منظور في لسان العرب ١: ٢٣٩، مادة (أنف).

(٣) الأخبار الطوال: ١٦٢ ١٦٣، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

(٤) نهج البلاغة ١: ٩٠.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ٢: ٣٢٢.

(٦) نهج البلاغة ١: ٩٠، و شرح ابن ميثم ٢: ١١٠.

(٧) شرح ابن أبي الحديد ٢: ٣٢٢.

قبل حيث يقول: «و قد قلّبت هذا الأمر ظهره و بطنه حتّى منعني القوم، فما وجدتني يسعني إلاّ قتالهم أو الجحود بما جاء به محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »( ١) .

و كيف كان، كانعليه‌السلام يكرّر ذلك جوابا لمن يشير عليه بترك قتالهم. ففي (صفّين نصر بن مزاحم): خرج رجل من أهل الشام ينادي بين الصفّين: يا أبا الحسن يا عليّ ابرز إليّ. فخرج إليه عليّعليه‌السلام حتّى إذا اختلفت أعناق دابّتيهما بين الصفّين، فقال: يا عليّ، إنّ لك قدما في الإسلام و هجرة، فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء، و تأخير هذه الحروب حتّى ترى من رأيك؟ فقال له عليّعليه‌السلام : و ما ذاك؟ قال: ترجع إلى عراقك فنخلّي بينك و بين العراق، و نرجع إلى شامنا فتخلّي بيننا و بين شامنا.

فقال له عليّ عليه السلام: لقد عرفت أنّك إنّما عرضت هذا نصيحة و شفقة، و لقد أهمّني هذا الأمر و أسهرني، و ضربت أنفه و عينه، فلم أجد إلاّ القتال أو الكفر بما انزل على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض و هم سكوت مذعنون لا يأمرون بالمعروف، و لا ينهون عن المنكر فوجدت القتال أهون عليّ من معالجة الأغلال في جهنّم( ٢) .

و كيف يتركعليه‌السلام قتالهم و كان اللّه تعالى عيّنه على لسان نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقتال الناكثين و القاسطين و المارقين( ٣ ) . و القاسطون: معاوية و أهل الشام.

و أمره اللّه تعالى بجهاد المنافقين عوضا عن نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث كان نفس

____________________

(١) شرح ابن ميثم ٢: ١١٣.

(٢) وقعة صفين: ٤٧٤، و شرح ابن أبي الحديد ٢: ٢٠٧ ٢٠٨.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٣: ٢٠٧.

نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( ١ ) بقوله تعالى:... و أنفسنا و أنفسكم...( ٢ ) ، و قد قال جلّ و علا لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أيّها النّبيّ جاهد الكفّار و المنافقين...( ٣ ) و لم يجاهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير الكفّار فلا بدّ أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوّض إليه جهاد المنافقين. و معاوية و أصحابه كانوا رؤوس المنافقين.

«إنّه قد كان على الناس» هكذا في (المصريّة)( ٤ ) ، و الصواب: «على الامّة» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة)( ٥) .

«وال أحدث أحداثا، و أوجد للناس مقالا، فقالوا ثمّ نقموا فغيّروا» في (الطبريّ): كتب عليّعليه‌السلام إلى أهل مصر لمّا ولّى قيس بن سعد بن عبادة عليهم كتابا إلى أن قال فيه بعد ذكر أبي بكر و عمر ثمّ ولي بعدهما وال فأحدث أحداثا، فوجدت الامّة عليه مقالا فقالوا، ثمّ نقموا عليه فغيّروا، ثمّ جاؤوني فبايعوني( ٦) .

أمّا أحداثه ففي (تقريب الحلبيّ): فمن أحداث عثمان تقليد ابن عامر على البصرة للخؤولة التي بينهما، و ابن أبي سرح على مصر للرضاعة التي بينهما،

____________________

(١) أجمعت الخاصّة و العامّة على أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام نفس النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و تواترت بذلك أحاديثهم بألفاظ مختلفة، و أسانيد شتّى يضيق المجال لذكرها، و هنا نذكر أهمّ المصادر التي نقلت ذلك، حسب الترتيب التاريخي: التفسير المنسوب الى الامام العسكريعليه‌السلام : ٦٥٨ ٦٥٩، تفسير فرات الكوفي: ٨٦، الكافي ٨: ٣١٩، أمالي الصدوق: ٤٢٣، حقائق التأويل في متشابه التنزيل: ٢٢٩ ٢٣٠، أمالي الطوسي ١: ٢٧٨، أسباب النزول للواحدي: ٦٨، شواهد التنزيل للحسكاني ١: ١٥٨ ١٦٠، المناقب لابن المغازلي: ٢٦٣، معالم التنزيل للعلاّمة البغويّ، المناقب للخوارزميّ: ٩٠، المناقب لابن شهر آشوب ٢: ٢١٦ ٢١٨، العمدة لابن البطريق: ١٩١ ١٩٢، التفسير الكبير للرازي ٨: ٨١، كفاية الطالب: ٢٨٨، تفسير ابن كثير، الدرّ المنثور ٢: ٣٨ ٣٩، الصواعق المحرقة: ١٥٦.

(٢) آل عمران: ٦١.

(٣) التوبة: ٧٣.

(٤) نهج البلاغة ١: ٩٠.

(٥) كذا في شرح ابن أبي الحديد ٢: ٣٢٢، و لكن في شرح ابن ميثم ٢: ١١٠ «على الناس» أيضا.

(٦) تاريخ الطبري ٤: ٥٤٨ ٥٤٩، سنة ٣٦.

و يعلى بن اميّة على اليمن، و أسيد بن الأخنس على البحرين لكونه ابن عمّته، و عزل المأمونين من الصحابة على الدين، المختارين للولاية، المرضيين السيرة.

و من أحداثه استخفافه بعليّعليه‌السلام حين أنكر عليه تكذيب أبي ذرّ.

و منها عزل عبد اللّه بن الأرقم عن بيت المال لمّا أنكر عليه إطلاق الأموال لبني اميّة بغير حقّ.

و منها قوله لعبد الرحمن بن عوف: يا منافق و هو الذي اختاره و عقد له الأمر.

و منها منعه عائشة و حفصة ما كان أبو بكر و عمر يعطيانهما، و سبّه لعائشة، و قوله لها و قد أنكرت عليه الأفاعيل القبيحة: لئن لم تنتهي، لادخلنّ عليك الحجرة سودان الرجال و بيضانها.

و منها أكله الصيد و هو محرم مستحلاّ، و صلاته بمنى أربعا، و إنكاره متعة الحجّ.

و منها ضرب عبد اللّه بن حنبل و كان بدريّا مائة سوط، و حمله على جمل يطاف به في المدينة، لإنكاره عليه الأحداث، و إظهاره عيوبه في الشعر، و حبسه بعد ذلك موثقا بالحديد، فلم يزل عليّعليه‌السلام بعثمان يكلّمه حتّى خلّى سبيله على أن لا يساكنه بالمدينة، فسيّره إلى قلعة قموص من خيبر، فلم يزل بها حتّى ناهض المسلمون عثمان من كلّ بلد، فقال:

لو لا عليّ فإنّ اللّه أنقذني

على يديه من الأغلال و الصفد

نفسي فداء عليّ إذ يخلّصني

من كافر بعد ما أغضى على الصمد

و منها تسيير حذيفة إلى المدائن حين أظهر ما سمعه من النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه و أنكر أفعاله، فلم يزل يحرّض على عثمان [ يعرض بعثمان ] حتّى قتل.

و منها نفي الأشتر، و وجوه أهل الكوفة عنها إلى الشام حين أنكروا على سعيد بن العاص عامله أفعاله، و نفيهم من دمشق إلى حمص.

و منها معاهدته لعليّعليه‌السلام و وجوه الصحابة على الندم على ما فرّط فيه [ منه ]، و العزم على ترك معاودته، و نقض ذلك، و الرجوع عنه مرّة بعد مرّة، و إصراره على ما ندم منه، و عاهد اللّه تعالى و أشهد القوم على تركه من الاستيثار بالفي‏ء، و بطانة السوء، و تقليد الفسقة أمور المسلمين.

و منها كتابه إلى ابن أبي سرح بقتل رؤساء المصرييّن، و التنكيل بالأتباع، و تخليدهم الحبس لإنكارهم ما يأتيه ابن أبي سرح إليهم من الجور الذي اعترف به، و عاهد على تغييره.

و منها تعريضه نفسه، و من معه من الأهل و الأتباع للقتل، و لم يعزل ولاة السوء.

و منها استمراره على الولاية مع إقامته على المنكرات الموجبة للفسخ، و تحريم التصرف في أمر الامّة. و ذلك تصرّف قبيح لكونه غير مستحقّ عندهم مع ثبوت الفسق...( ١) .

و في (أخبار طوال الدينوريّ): كان الأشعث بن قيس واليا على أذربيجان طول ولاية عثمان، و كانت ولايته ممّا عتب الناس فيه على عثمان، لأنّه ولاّه عند مصاهرته إيّاه، و تزويج ابنة الأشعث من ابنه( ٢) .

و في (الطبري): أنّ أوّل من زاد النداء الثالث يوم الجمعة على الزوراء عثمان( ٣) .

____________________

(١) نقله عن تقريب المعارف، العلاّمة المجلسيرضي‌الله‌عنه في البحار ٨: ٣٣٥ ط الكمباني.

(٢) أخبار الطوال: ١٥٦.

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٤٠١، سنة ٣٥.

و في (الطبري) أيضا بعد ذكر كتاب عثمان إلى أهل مكّة مع ابن عبّاس لمّا ولاّه الموسم بعد حصره، و عدّه في كتابه ما طعنوا عليه و ما أجابهم، إلى أن ذكر قالوا: كتاب اللّه يتلى. فقلت: فليتله من تلاه غير غال فيه بغير ما أنزل اللّه في الكتاب( ١) .

و هو دالّ على أنّه منع من تلاوة مقدار من كتاب اللّه بشبهة كونه من غير القرآن.

و في (أنساب البلاذريّ) عن الزهريّ: أنّ عثمان كان يأخذ من الخيل الزكاة، فأنكر ذلك من فعله، و قالوا: قال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عفوت لكم عن صدقة الخيل و الرقيق.

و فيه أيضا كان عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح أخا عثمان من الرضاعة و عامله على المغرب، فغزا إفريقيّة سنة سبع و عشرين فافتتحها، و كان معه مروان فابتاع خمس الغنيمة بمائة ألف دينار، فكلّم عثمان فوهبها له، فأنكر الناس ذلك على عثمان.

و فيه أيضا: كان مما أنكر على عثمان أنّه ولّى الحكم بن أبي العاص صدقات قضاعة، فبلغت ثلاثمائة ألف درهم، فوهبها له حين أتاه بها.

و قال الواقدي و أبو مخنف في روايتهما: أنكر الناس على عثمان اعطاءه سعيد بن العاص مائة ألف درهم.

و فيه: قال أبو مخنف في أسناده: أنكر الناس على عثمان مع ما انكر ان حمى الحمى، و أن أعطى زيد بن ثابت مائة ألف درهم، من ألف ألف درهم حملها أبو موسى الأشعري، و قال له: هذا حقّك.

فقال أسلم بن أوس الساعدي و هو الذي منع من دفن عثمان في البقيع:

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٤٠٩، سنة ٣٥.

دعوت اللعين فأدنيته

خلافا لسنّة من قد مضى

و أعطيت مروان خمس العباد

ظلما لهم و حميت الحمى

و مال أتاك به الأشعري

من الفي‏ء أنهبته من ترى

و فيه: قال سعيد بن المسيب: أمر عثمان بذبح الحمام، و قال: إنّ الحمام قد كثر في بيوتكم حتى كثر الرمي و نالنا بعضه. فقال الناس: يأمرنا بذبح الحمام و قد آوى طرداء رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

و فيه: قال ابن عمر: صلّيت بمنى مع النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ركعتين، و مع أبي بكر و عمر و مع عثمان صدرا من خلافته، ثم أتمّها أربعا، فتكلّم الناس في ذلك فأكثروا، و سئل أن يرجع عن ذلك، فلم يرجع.

و فيه: ان النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا خرج للصلاة أذن المؤذن ثم يقيم، و كذلك كان الأمر على عهد أبي بكر و عمر و في صدر من أيام عثمان، ثم إنّ عثمان نادى النداء الثالث في السنة السابعة، فعاب الناس ذلك و قالوا: بدعة.

و في (خلفاء ابن قتيبة) بعد ذكر خطبة لأمير المؤمنينعليه‌السلام في التحريض على جهاد معاوية: ثمّ قام أبو أيّوب الأنصاري فقال: إنّ أمير المؤمنين أكرمه اللّه قد أسمع من كانت له أذن واعية، و قلب حفيظ. إنّ اللّه قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حقّ قبولها، حيث نزل بين أظهركم ابن عمّ الرسول، و خير المسلمين و أفضلهم و سيّدهم بعده، يفقهكم في الدين، و يدعوكم إلى جهاد المحلّين، فو اللّه لكأنّكم صمّ لا تسمعون إلى أن قال:

أ ليس إنّما عهدكم بالجور و العدوان أمس، و قد شمل العباد، و شاع في الإسلام، فذو حقّ محروم، و مشتوم عرضه، و مضروب ظهره، و ملطوم وجهه، و موطوء بطنه، و ملقى بالعراء، فلمّا جاءكم أمير المؤمنينعليه‌السلام صدع بالحقّ، و نشر العدل، و عمل بالكتاب؟ فاشكروا نعمة اللّه

عليكم، و لا تتولّوا مجرمين( ١) .

و فيه: ذكروا أنّه اجتمع ناس من أصحاب النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و كتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف عثمان من سنّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و سنّة صاحبيه، و ما كان من هبته خمس إفريقيّة لمروان و فيه حقّ اللّه و رسوله، و منهم ذوو القربى و اليتامى و المساكين، و ما كان من تطاوله في البنيان حتّى عدّوا سبع دور بناها بالمدينة: دارا لنائلة، و دارا لعائشة ابنته، و غيرهما من أهله و بناته، و بناء [ بنيان ] مروان القصور بذي خشب، و عمارة الأموال بها من الخمس الواجب للّه و لرسوله، و ما كان من إفشائه العمل و الولايات في أهله و بني عمّه من بني اميّة، أحداث و غلمة لا صحبة لهم من الرسول، و لا تجربة لهم بالامور، و ما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة إذ صلّى بهم الصبح و هو أمير عليها سكران أربع ركعات، ثمّ قال لهم: إن شئتم أن أزيدكم ركعة [ صلاة ] زدتكم، و تعطيله إقامة الحدّ عليه، و تأخيره ذلك عنه، و تركه المهاجرين و الأنصار لا يستعملهم على شي‏ء و لا يستشيرهم، و استغنى برأيه عن رأيهم، و ما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة، و ما كان من إدراره القطائع و الأرزاق و الأعطيات على أقوام بالمدينة ليست لهم صحبة من النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ لا يغزون بولا يذبّون، و ما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط، و إنّه أوّل من ضرب بالسياط ظهور الناس، و إنّما كان ضرب الخليفتين قبله بالدرّة و الخيزران.

ثمّ تعاهد القوم ليدفعنّ الكتاب في يد عثمان، و كان ممّن حضر الكتاب عمّار و المقداد، و كانوا عشرة، فلمّا خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان و الكتاب في يد عمّار جعلوا يتسلّلون عن عمّار، حتّى بقي وحده، فمضى حتّى جاء دار عثمان، فاستأذن عليه، فأذن له، فدخل عليه و عنده مروان و أهله من

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ١٥٢ ١٥٣.

بني اميّة، فدفع إليه الكتاب فقرأه، فقال: أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: نعم. قال:

و من كان معك؟ قال: معي نفر تفرّقوا فرقا منك. قال: و من هم؟ قال: لا أخبرك بهم. قال: فلم اجترأت عليّ من بينهم؟ فقال مروان: إنّ هذا العبد الأسود يعني عمّارا قد جرّأ عليك الناس، و إنّك إن قتلته نكلت به من وراءه. قال عثمان:

اضربوه، فضربوه و ضربه عثمان معهم حتّى فتقوا بطنه، فغشي عليه، فجرّوه حتّى طرحوه على باب الدار، فأمرت به أمّ سلمة زوج النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأدخل منزلها، ثمّ خرج عثمان إلى المسجد، فإذا هو بعليّعليه‌السلام و هو شاك معصوب الرأس، فقال عثمان: و اللّه يا أبا الحسن، ما أدري أشتهي موتك أم حياتك؟ فو اللّه لئن متّ ما أحبّ أن أبقى بعدك، لأنّي لا أجد منك خلفا، و لئن بقيت لا أعدم طاغيا يتّخذك سلما و عضدا، و يعدّك كهفا و ملجأ، لا يمنعني منه إلاّ مكانه منك، و مكانك منه إلى أن قال: فقال عليّعليه‌السلام : إنّ في ما تكلّمت به جوابا، و لكنّي عن جوابك مشغول بوجعي، و أنا أقول كما قال العبد الصالح: فصبرٌ جميل و اللّه المستعان على ما تصفون( ١) .

و في (حلية أبي نعيم): في حذيفة قال النزال بن سبرة: كنّا مع حذيفة في البيت فقال له عثمان: يا أبا عبد اللّه، ما هذا الذي يبلغني عنك؟ قال: ما قلته. فقال له عثمان: أنت أصدقهم و أبرّهم. فلمّا خرج قلت لحذيفة: أ لم تقل ما قلت؟ قال:

بلى، و لكن أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كلّه( ٢) .

و في (تاريخ اليعقوبيّ): نقم الناس على عثمان بعد ولايته بستّ سنين، و تكلّم فيه من تكلّم، و قالوا: آثر القرباء، و حمى الحمى، و بنى الدار، و اتّخذ

____________________

(١) الإمامة و السياسة لابن قتيبة ١: ٣٢ ٣٣، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص، و الآية ١٨ من سورة يوسف.

(٢) حلية الأولياء لأبي نعيم ١: ٢٧٩، العقد الفريد لابن عبد ربه ٧: ٢٩٦، و قال ابن عبد ربّه في العقد بعد ذكره: أخذه الشاعر فقال:

نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا

فلا ديننا يبقى و لا ما نرقّع

الضياع و الأموال بمال اللّه و المسلمين، و نفى أبا ذرّ صاحب الرسول، و عبد الرحمن بن حنبل، و آوى الحكم بن أبي العاص، و ولّى الوليد بن عقبة الكوفة، فأحدث في الصلاة ما أحدث، فلم يمنعه ذلك من إعادته إيّاه، و أجاز الرجم، و ذلك أنّه كان رجم امرأة من جهينة دخلت على زوجها، فولدت لستّة أشهر، فأمر عثمان برجمها، فلمّا اخرجت دخل عليه عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام فقال: إنّ اللّه تعالى يقول:... و حملُه و فِصاله ثلاثونَ شهرا...( ١ ) . و قال في رضاعه:

حولين كاملين...( ٢ ) . فأرسل عثمان في أثر المرأة، فوجدت قد رجمت فماتت، فاعترف الرجل بالولد( ٣) .

و كتب في جمع المصاحف من الآفاق حتّى جمعها، ثمّ سلقها بالماء الحارّ و الخلّ. و قيل: أحرقها، فلم يبق مصحف إلاّ فعل به ذلك خلا مصحف ابن مسعود. و كان ابن مسعود بالكوفة، فامتنع أن يدفع مصحفه إلى عبد اللّه بن عامر، فكتب إليه عثمان: أن أشخصه. فدخل المسجد و عثمان يخطب، فقال عثمان: إنّه قد قدمت عليكم دابّة سوء. فتكلّم ابن مسعود بكلام غليظ فأمر به عثمان، فجرّ برجله حتّى كسر له ضلعان، فتكلّمت عائشة، و قالت قولا كثيرا.

فأقام ابن مسعود مغاضبا لعثمان حتّى توفي، و صلّى عليه عمّار، و كان عثمان غائبا فستر أمره. فلمّا انصرف رأى القبر، فقال: قبر من هذا؟ قيل:

قبر عبد اللّه بن مسعود. قال: فكيف دفن قبل أن أعلم؟ فقالوا: ولي أمره عمّار، و ذكر أنّه أوصى ألاّ يخبر به، و لم يلبث إلاّ يسيرا حتّى مات المقداد، فصلّى عليه عمّار، و كان أوصى إليه، و لم يؤذن به عثمان، فاشتدّ غضب عثمان على

____________________

(١) الأحقاف: ١٥.

(٢) البقرة: ٢٣٣.

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٧٣ ١٧٤، و نقله الشارح بتصرّف.

عمّار، و قال: ويلي على ابن السوداء أما لقد كنت به عليما( ١) .

و في ابن أبي الحديد في موضع آخر: قرى‏ء كتاب (الاستيعاب) على شيخنا عبد الوهّاب بن سكينة المحدّث و أنا حاضر، فلمّا انتهى القارى‏ء إلى خبر حضور حجر و الأشتر في تجهيز أبي ذرّ، قال استاذي عمر بن عبد اللّه الدبّاس:

لتقل الشيعة بعد هذا ما شاءت، فما قال المرتضى و المفيد إلاّ بعض ما كان حجر و الأشتر يعتقدانه في عثمان و من تقدّمه، فأشار الشيخ إليه بالسكوت( ٢) .

و في (الأغاني) في أبي ذؤيب و خروجه في غزوة إفريقية: و كان مروان قد صفق( ٣ ) على الخمس بخمسمائة ألف، فوضعها عنه عثمان، فكان ذلك ممّا تكلّم فيه بسببه. فقال عبد الرحمن بن حنبل بن مليل و هو أخو صفوان بن اميّة لعثمان:

دعوت الطريد( ٤ ) فأدنيته

خلافا لسنّة من قد مضى

و أعطيت مروان خمس العبا

د ظلما لهم و حميت الحمى

و مالا أتاك به الأشعري

من الفي‏ء أعطيته من دنا

قال: المراد بالمال الذي أتى به الأشعري، المال الذي قدم به أبو موسى الأشعري من العراق على عثمان، فأعطى عبد اللّه بن أسيد بن أبي العاص [ العيص ] منه مائة ألف درهم، و قيل: ثلثمائة ألف درهم فأنكر الناس ذلك( ٥) .

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٧٠ ١٧١، و نقله الشارح بتصرّف.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٠١ ١٠٥.

(٣) يقال: صفقت له بالبيع و البيعة صفقا، أي: ضربت يدي على يده. (الصحاح ٤: ١٥٠٧، مادة: صفق).

(٤) هو الحكم بن أبي العاص بن أميّة أبو مروان بن الحكم و عمّ عثمان بن عفّان. و هو طريد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفاه من المدينة إلى الطائف، و لم يزل بها إلى أن ولي عثمان فردّه إلى المدينة و أعطاه مائة ألف درهم. انظر الطبقات الكبرى ٥: ٤٤٧، الاستيعاب ١: ٣١٧ ٣١٩، أسد الغابة ٢: ٣٣ ٣٥، الإصابة ١: ٣٤٥ ٣٤٦.

(٥) الأغاني ٦: ٢٦٨ ٢٦٩.

و أما ايجاد عثمان للناس مقالا، و قولهم فيه، و نقمهم عليه، و تغييرهم أمره ففي (الطبري) في جهاد هاشم المرقال يوم صفّين مع جمع من القرّاء:

فإنّهم لكذلك إذ خرج عليهم فتى شابّ و هو يقول:

أنا ابن أرباب الملوك غسّان

و الدائن اليوم بدين عثمان

إنّي أتاني خبر فأشجان

أنّ عليّا قتل ابن عفّان

ثم يشدّ فلا ينثني حتى يضرب بسيفه، ثمّ يشتم و يلعن و يكثر الكلام، فقال له هاشم: يا عبد اللّه، إنّ هذا الكلام بعده الخصام، و إنّ هذا القتال بعده الحساب، فاتّق اللّه فإنّك راجع إلى اللّه فسائلك عن هذا الموقف و ما أردت به.

قال: فإنّي أقاتلكم لأنّ صاحبكم لا يصلّي كما ذكر لي، و أنتم لا تصلّون أيضا، و أقاتلكم لأنّ صاحبكم قتل خليفتنا، و أنتم أردتموه على قتله. فقال له هاشم: و ما أنت و ابن عفّان إنّما قتله أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و أبناء أصحابه و قرّاء الناس، حين أحدث الأحداث، و خالف حكم الكتاب، و هم أهل الدين، و أولى بالنظر في امور الناس منك و من أصحابك إلى أن قال: و أمّا قولك: إنّ صاحبنا لا يصلّي، فهو أوّل من صلّى، و أفقه خلق اللّه في دين اللّه، و أولى بالرسول. و أمّا كلّ من ترى معي فكلّهم قارى‏ء لكتاب اللّه لا ينام الليل تهجّدا...( ١) .

و في (الطبري) أيضا: كان ابتداء الجرأة على عثمان أنّ إبلا من إبل الصدقة قدمت على عثمان، فوهبها لبعض ولد الحكم بن أبي العاص، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف، فأخذها [ فأخذاها ] و قسمها بين الناس و عثمان في داره، فكان ذلك أوّل وهن دخل عليه.

و قيل: بل كان أوّل وهن دخل عليه أنّ عثمان مرّ بجبلة بن عمرو

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٤٣ ٤٤، سنة ٣٧، و نقله الشارح بتصرّف.

الساعدي، و هو في نادي قومه و في يده جامعة( ١ ) ، فسلّم عثمان، فردّ القوم عليه، فقال لهم جبلة: لم تردّون على رجل فعل كذا و فعل كذا ثمّ قال لعثمان:

و اللّه لأطرحنّ هذه الجامعة في عنقك أو لتتركنّ بطانتك هذه الخبيثة مروان، و ابن عامر، و ابن أبي سرح منهم من نزل القرآن بذمّه، و منهم من أباح النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دمه.

و قيل: إنّه خطب يوما، و بيده عصا كان النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و أبو بكر و عمر يخطبون عليها، فأخذها جهجاه الغفاري من يده، و كسرها على ركبته، فلمّا تكاثرت أحداثه كتب جمع من أهل المدينة من الصحابة و غيرهم إلى من بالآفاق: إنّكم إن كنتم تريدون الجهاد فهلمّوا إلينا فإنّ دين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أفسده خليفتكم( ٢) .

و في (العقد): قال ابن دأب: لمّا أنكر الناس على عثمان ما أنكروا، من تأمير الأحداث من أهل بيته بني اميّة على الجلّة الأكابر من أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قالوا لعبد الرحمن بن عوف: هذا عملك و اختيارك لامّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال: لم أظنّ هذا به( ٣) .

و فيه: قال أبو سعيد الخدري: إنّ ناسا كانوا عند فسطاط عائشة و أنا معهم بمكّة، فمرّ بنا عثمان، فما بقي أحد من القوم إلاّ لعنه غيري، و كان فيهم رجل من أهل الكوفة، كان عثمان أجرأ عليه منه على غيره، فقال له: يا كوفيّ، أ تشتمني؟ فلمّا قدم المدينة كان يتهدّده، فقيل له: عليك بطلحة. فانطلق معه حتّى دخل على عثمان، فقال عثمان: و اللّه لأجلدنّه مائة سوط. قال طلحة: و اللّه

____________________

(١) الجامعة: الغلّ، لأنّها تجمع اليدين إلى العنق. (الصحاح ٣: ١١٩٩، مادة: جمع).

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٣٦٥ ٣٦٧، سنة ٣٥، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

(٣) العقد الفريد ٥: ٥٥.

لا تجلدنّه مائة سوط إلاّ أن يكون زانيا. قال: و اللّه لأحرمنّه عطاءه. قال: اللّه يرزقه( ١) .

و في (العقد): نظر ثابت بن عبد اللّه بن الزبير إلى أهل الشام فقال: إنّي لأبغض هذه الوجوه. فقال له سعيد بن عمرو بن عثمان: تبغضهم لأنّهم قتلوا أباك قال: صدقت، و لكنّ المهاجرين و الأنصار قتلوا أباك( ٢) .

و في (خلفاء ابن قتيبة) في حصار عثمان: فقام الأشتر و قال لطلحة:

تبعثون إلينا و جاءنا رسولكم بكتابكم، و ها هو ذا، و أخرج كتابا فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من المهاجرين الأوّلين و بقيّة الشورى، إلى من بمصر من الصحابة و التابعين، أمّا بعد أن تعالوا إلينا، و تداركوا خلافة رسول اللّه قبل أن يسلبها أهلها فإنّ كتاب اللّه قد بدّل، و سنّة رسوله قد غيّرت، و أحكام الخليفتين قد بدّلت، فننشد اللّه من قرأ كتابنا من بقيّة أصحاب الرسول و التابعين بإحسان، إلاّ أقبل إلينا، و أخذ الحقّ لنا، و أعطاناه، فأقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون باللّه و اليوم الآخر، و أقيموا الحقّ على المنهاج الواضح، الذي فارقتم عليه نبيّكمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و فارقكم عليه الخلفاء. غلبنا على حقّنا، و استولي على فيئنا، و حيل بيننا و بين أمرنا، و كانت الخلافة بعد نبيّنا خلافة نبوّة و رحمة، و هي اليوم ملكا عضوضا، من غلب على شي‏ء أكله. فبكى طلحة، فقال الأشتر: لمّا حضرنا أقبلتم تعصرون أعينكم، و اللّه لا نفارقه حتّى نقتله إلى أن قال: و ذكروا أنّ أهل مصر جاؤوا يشكون عاملهم ابن أبي سرح، فكتب إليه عثمان يتهدّده، فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان، و ضرب بعض من أتاه به من قبل عثمان من أهل مصر حتّى قتله، فخرج من أهل مصر سبعمائة رجل،

____________________

(١) العقد الفريد ٥: ٥٦.

(٢) العقد الفريد ٤: ١١٠.

فنزلوا في المسجد، و شكوا إلى أصحاب النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مواقيت الصلاة ما صنع بهم ابن أبي سرح، فقام طلحة و تكلّم بكلام شديد، و أرسلت عائشة إلى عثمان فقالت له: قد تقدّم إليك أصحاب النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و سألوك عزل هذا الرجل، فأبيت إلاّ واحدة، فهذا قد قتل منهم رجلا، فأنصفهم من عاملك. و دخل عليه عليّعليه‌السلام ، و كان متكلّم القوم، فقال له: إنّما يسألونك رجلا مكان رجل، و قد ادّعوا قبله دما، فاعزله عنهم و اقض بينهم، فإنّ وجب لهم عليه حقّ، فأنصفهم منه. فقال: اختاروا رجلا أولّيه عليهم. فقالوا: استعمل محمّد بن أبي بكر. فكتب عهده، و ولاّه، فخرج و خرج معه عدد من المهاجرين و الأنصار، ينظرون في ما بين أهل مصر و ابن أبي سرح، حتّى إذا كانوا على مسيرة ثلاث ليال من المدينة، فإذا هم بغلام أسود على بعير يخبط البعير، كأنّه رجل يطلب أو يطلب، فقال له أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما قصّتك و ما شأنك؟ كأنّك طالب أو هارب، فقال: إنّي غلام عثمان وجّهني إلى عامل مصر. فقال له رجل: هذا عامل مصر معنا، قال: ليس هذا اريد. فاخبر محمّد بن أبي بكر بأمره، فبعث في طلبه، فجي‏ء به إليه، فقال له: غلام من أنت؟ فأقبل مرّة يقول: غلام مروان، و مرّة يقول: غلام عثمان، حتّى عرفه رجل أنّه لعثمان، فقال له محمّد: إلى من أرسلك؟ قال: إلى عامل مصر. قال: بماذا؟ أما معك كتاب؟ قال: لا. ففتّشوه، فلم يجدوا معه كتابا، و كانت معه إداوة قد يبست، فيها شي‏ء يتقلقل، فحرّكوه ليخرج فلم يخرج، فشقّوا إداوته، فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح، فجمع محمّد بن أبي بكر من كان معه من المهاجرين و الأنصار، و فكّ الكتاب بمحضر منهم، فقرأه، فإذا فيه: إذا أتاك محمّد بن أبي بكر و فلان و فلان و فلان فاقتلهم، و أبطل كتابهم، و قرّ على عملك حتّى يأتيك رأيي.

فلمّا رأوا الكتاب فزعوا منه، و رجعوا إلى المدينة، و ختم محمّد بن أبي

بكر الكتاب بخواتم النفر الذين كانوا معه، و دفعه إلى رجل منهم، ثمّ قدموا المدينة، فجمعوا طلحة و الزبير و عليّا و سعدا، و من كان من أصحاب النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ فكّوا الكتاب بمحضر منهم، و أخبرهم بقصّة الغلام، و أقرأهم الكتاب، فلم يبق أحد من المدينة إلاّ حنق( ١ ) على عثمان. و قام أصحاب النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلحقوا بمنازلهم، و حصر الناس عثمان و أحاطوا به( ٢) .

ثم من المضحك أنّ ابن أبي الحديد نقل كلام المرتضى في ردّ قاضي القضاة في دفاعه عن مطاعن عثمان، و قال ابن أبي الحديد نفسه: الجواب عن هذه المطاعن على وجهين: إجمالا و تفصيلا: أمّا الإجماليّ، فإنّا لا ننكر أنّ عثمان أحدث أحداثا أنكرها كثير من المسلمين، و لكنّا ندّعي مع ذلك أنّها لم تبلغ درجة الفسق، و لا أحبطت ثوابه، و أنّها من الصغائر التي وقعت مكفّرة و ذلك لأنّا قد علمنا أنّه مغفور له، و أنّه من أهل الجنّة لثلاثة أوجه:

أحدها: أنّه من أهل بدر، و قد قال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ اللّه اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم لا يقال: عثمان لم يشهد بدرا، لأنّا نقول:

صدقتم، لكنّه تخلّف على رقيّة ابنة النّبيّ لمرضها، و ضرب له النّبيّ بسهمه و أجره باتّفاق سائر الناس.

و ثانيها: أنّه من أهل بيعة الرضوان الذين قال تعالى فيهم: لقد رضي اللّه عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة...( ٣ ) . لا يقال: إنّه لم يشهد بيعة الشجرة لأنّا نقول: صدقتم، لكنّ النّبيّ كان أرسله إلى أهل مكّة، و لأجله كانت بيعة الرضوان، حيث أرجف( ٤ ) بأنّ قريشا قتلت عثمان، فقال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إن

____________________

(١) حنق عليه: اغتاظ، و الحنق: الغيظ. (الصحاح ٤: ١٤٦٥، مادة: حنق).

(٢) الإمامة و السياسة لابن قتيبة ١: ٣٥ ٣٧، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

(٣) الفتح: ١٨.

(٤) أرجف القوم إذا خاضوا في الأخبار السيئة و ذكر الفتن قال اللّه تعالى: و المرجفون في المدينة (الأحزاب: ٦٠). و هم الذين يولّدون الأخبار الكاذبة التي يكون معها اضطراب في الناس. (لسان العرب ٥: ١٥٣، مادة: رجف).

كانوا قتلوه، لأضرمنّها عليهم نارا»، ثمّ جلس تحت الشجرة، و بايع الناس على الموت، ثمّ قال: «إن كان عثمان حيّا فأنا ابايع عنه»، فصفح بشماله على يمينه، و قال: «شمالي خير من يمين عثمان». روى ذلك جميع أرباب السيرة متّفقا عليه.

و ثالثها: أنّه من جملة العشرة الذين تظاهرت الأخبار بأنّهم من أهل الجنّة.

و إذا كانت هذه الوجوه الثلاثة دالّة على أنّه مغفور له، و أنّ اللّه قد رضي عنه و هو من أهل الجنّة، بطل أن يكون فاسقا، فاقتضت بأن يحكم أنّ كلّ ما وقع منه فهو من باب الصغائر المكفّرة( ١) .

قلت: بقاء عدالة عثمان مع تلك الأعمال كبقاء طهارة مرأة قد كانت تأتيها الرجال، فكانت إذا قامت من تحت رجل بالدلال، و ثبت إلى الصلاة بلا إمهال، فقال لها رجل: إنّي أتعجّب من استحكام وضوئك، أيّ وضوء هو لا تستطيع تلك الجنابات المتواترة أن تؤثّر فيه؟ و ليت ابن أبي الحديد كان حاضرا يوم الشورى حتّى يجيب المقداد عن طعنه في عثمان فقال المقداد ذلك اليوم من وراء الباب لمّا لم يدخلوه: يا معشر المسلمين، إن ولّيتموها أحدا، فلا تولّوها من لم يحضر بدرا، و انهزم يوم أحد، و لم يحضر بيعة الرضوان، و ولّى الدبر يوم التقى الجمعان( ٢) .

و عثمان نفسه لم يدر أن يجيب المقداد بجواب ابن أبي الحديد المنطقيّ ذاك الذي بالشكل الأوّل الذي بديهيّ الإنتاج، بل أجابه بالتهديد، فقال: «أما و اللّه

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٣: ٦٨ ٦٩.

(٢) إشارة إلى الآية ١٥٥ من سورة آل عمران.

لئن ولّيتها لأردّنّك إلى ربّك الأوّل»( ١) .

و الأصل في ترتيب وجوهه معاوية بن أبي سفيان، فإذا كان معاوية هو الحاكم يوم الجزاء يثني على ابن أبي الحديد أحسن الثناء

٥ - الخطبة (٣٠) و من كلام لهعليه‌السلام في معنى قتل عثمان:

لَوْ أَمَرْتُ بِهِ لَكُنْتُ قَاتِلاً أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ لَكُنْتُ نَاصِراً غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ خَذَلَهُ مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ وَ مَنْ خَذَلَهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَ أَنَا جَامِعٌ لَكُمْ أَمْرَهُ اِسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ اَلْأَثَرَةَ وَ جَزِعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ اَلْجَزَعَ وَ لِلَّهِ حُكْمٌ وَاقِعٌ فِي اَلْمُسْتَأْثِرِ وَ اَلْجَازِعِ أقول: رواه (رسائل الكليني) جزء كتاب كتبهعليه‌السلام ليقرأ على الناس لمّا سألوه عن أبي بكر، و عمر، و عثمان بعد فتح معاوية لمصر، و قتل محمّد بن أبي بكر، رواه مع زيادات، و هذا نصّه: و أمّا أمر عثمان، فكأنّه علم من القرون الأولى علمها عند ربّي في كتاب لا يضلّ ربّي و لا ينسى( ٢ ) . خذله أهل بدر، و قتله أهل مصر. و اللّه ما أمرت و لا نهيت و لو أنّني أمرت كنت قاتلا، و لو أنّي نهيت كنت ناصرا، و كان الأمر لا ينفع فيه العيان و لا يشفى منه الخبر، غير أنّ من نصره لا يستطيع أن يقول: خذله من أنا خير منه، و لا يستطيع من خذله أن يقول: نصره من هو خير منّي، و أنا جامع أمره: استأثر فأساء الأثرة، و جزعتم

____________________

(١) أمالي المفيد: ١١٤ ١١٥، الجمل: ١٢٢.

(٢) طه: ٥٢.

فأسأتم الجزع، و اللّه يحكم بينكم و بينه، و اللّه ما يلزمني في دم عثمان تهمة( ١) .

و رواه (مسترشد ابن رستم الطبريّ) أخصر منه( ٢) .

قول المصنّف: «و من كلام لهعليه‌السلام في معنى قتل عثمان».

أقول: و لهعليه‌السلام كلام آخر في معنى قتله رواه ابن قتيبة في (عيونه) عن القاسم بن الحسن، عن خالد بن خداش، عن حمّاد، عن مجالد، عن عمير بن روذي قال: خطبنا عليّعليه‌السلام فقال: «لئن لم يدخل الجنّة إلاّ من قتل عثمان لا أخلها، و لئن لم يدخل النار إلاّ من قتل عثمان لا أدخلها»، فقيل له: ما صنعت فرّقت الناس فخطبهم فقال: إنّكم أكثرتم في قتل عثمان، ألا و إنّ اللّه قتله و أنا معه( ٣) .

و قال ابن قتيبة: حدّثنا خالد، عن حمّاد، عن حبيب بن الشهيد عن محمّد بن سيرين قال: كلمة عربيّة، و لها وجهان، أي: و سيقتلني معه( ٤) .

و رواه ابن عبد البر في (استيعابه) إلى «و لئن لم يدخل النار إلاّ من قتل عثمان لا أدخلها»( ٥) .

و روى كاتب الواقدي كما في (الشافي) عن عبيدة السلماني، قال:

سمعت عليّاعليه‌السلام يقول: من كان سائلي عن دم عثمان، فإنّ اللّه قتله و أنا معه (٦).

و أمّا ما نقله ابن قتيبة( ٧ ) عن ابن سيرين أنّه قال: معناه «و سيقتلني

____________________

(١) لا وجود لرسائل الائمة للكليني، و انما نقله قدس سرّه من مصادر أخرى.

(٢) مسترشد ابن رستم الطبري: ١٠٠، المطبعة الحيدرية، النجف.

(٣) عيون الأخبار ٢: ٢٠٦ ٢٠٧، العقد الفريد ٥: ٥٢.

(٤) عيون الأخبار ٢: ٢٠٧.

(٥) لم أجده في الاستيعاب.

(٦) الشافي في الإمامة ٤: ٣٠٨.

(٧) عيون الأخبار ٢: ٢٠٧.

معه» إن أراد بقوله: معناه هذا، أنّه تعالى يتوفّاه لقوله تعالى: اللّه يتوفّى الأنفس حين موتها...( ١ ) فلا اختصاص بهعليه‌السلام ، و لم يصر جوابا، و لم ينطبق عليه العربيّة، و إن أراد غيره فليبيّنه.

و ممّا يوضّح أنّهعليه‌السلام أراد ظاهره ما قاله كاتب الواقدي كما في (الشافي): روى شعبة عن أبي حمزة الضبعي قلت لابن عبّاس: إنّ أبي أخبرني أنّه سمع عليّاعليه‌السلام يقول: «ألا من كان سائلي عن دم عثمان، فإنّ اللّه قتله و أنا معه». قال: صدق أبوك. هل تدري ما يعني بقوله؟ إنّما عنى أنّ اللّه قتله، و أنا مع اللّه( ٢) .

و ما رواه نصر بن مزاحم في (صفّينه): أنّ عمرو بن العاص قال لعمّار:

ما ترى في قتل عثمان؟ قال: فتح لكم باب كلّ سوء. قال عمرو: فعليّ قتله؟ قال عمّار: بل اللّه ربّ عليّ قتله و عليّ معه. قال عمرو: أ كنت فيمن قتله؟ قال: كنت مع من قتله و أنا اليوم أقاتل معهم. قال عمرو: فلم قتلتموه؟ قال عمّار: أراد أن يغيّر ديننا فقتلناه. فقال عمرو: ألا تسمعون؟ قد اعترف بقتل عثمان. قال عمّار:

و قد قال فرعون قبلك لقومه:... ألا تستمعون( ٣) .

قولهعليه‌السلام : «لو أمرت به لكنت قاتلا، أو نهيت عنه لكنت ناصرا» في (صفّين نصر): خرج جرير البجليّ أيّام كونه بالشام لمّا بعثه عليّعليه‌السلام إلى معاوية لأخذ البيعة يتجسّس الأخبار، فإذا هو بغلام [ يتغنّى ] على قعود له، و هو يقول:

حكيم و عمّار الشجا و محمّد

و أشتر و المكشوح جرّوا الدواهيا( ٤)

____________________

(١) الزمر: ٤٢.

(٢) الشافي في الإمامة ٤: ٣٠٨.

(٣) وقعة صفّين: ٣٣٨ ٣٣٩، شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٢، و الآية ٢٥ من سورة الشعراء.

(٤) حكيم بن جبلة بن حصن العبدي كان من عمّال عثمان على السند ثمّ البصرة، و قتل بها يوم الجمل. اسد الغابة ٢: ٣٩ ٤٠. و عمّار هو عمّار بن ياسر الصحابي، و محمّد هو ابن أبي بكر، و الأشتر لقب مالك بن الحارث، و المكشوح هو المراديّ. قال الزبيدي في تاج العروس ٧: ٧٦: سمّي المكشوح المراديّ حلفا، و نسبه في بجيلة ثمّ في بني أحمس، و اسمه هبيرة بن هلال، و يقال: عبد يغوث بن هبيرة بن الحارث. و في الروض الأنف: و إنّما سمّي مكشوحا لأنّه ضرب بسيف على كشحه.

و قد كان فيها للزبير عجاجة

و صاحبه الأدنى أشاب النواصيا

فأمّا عليّ فاستغاث ببيته

فلا آمر فيها و لم يك ناهيا

فقال له جرير: يا بن أخي، من أنت؟ قال: أنا غلام من قريش، و أصلي من ثقيف، أنا ابن المغيرة بن الأخنس، قتل أبي مع عثمان يوم الدار. فعجب جرير من قوله، و كتب بشعره إلى عليّعليه‌السلام ، فقال عليّعليه‌السلام : و اللّه ما أخطأ الغلام شيئا( ١) .

و في (العقد الفريد): قال حسّان بن ثابت لعليّ: إنّك تقول: ما قتلت عثمان و لكن خذلته، و لم آمر به و لكن لم أنه عنه. فالخاذل شريك القاتل، و الساكت شريك القاتل.

و أخذ معنى كلام حسّان، كعب بن جعيل التغلبي و كان مع معاوية في صفّين فقال:

و ما في عليّ لمستحدث

مقام سوى عصمة المحدثينا

و إيثاره لأهالي الذنوب

و رفع القصاص عن القاتلينا

إذا سيل عنه زوى وجهه

و عمّى الجواب على السائلينا( ٢)

فليس براض و لا ساخط

و لا في النهاة و لا الآمرينا

و لا هو ساء و لا سرّه

و لا بدّ من بعض ذا أن يكونا( ٣) .

____________________

(١) وقعة صفين: ٥٤ ٥٥، شرح ابن أبي الحديد ٣: ٨٦ ٨٧.

(٢) روى وجهه: صرفه و نحّاه. (لسان العرب ٦: ١١٩، مادة: زوى).

(٣) العقد الفريد ٥: ٤٧ و البيت الآخر فيه هكذا:

و لا هو ساه و لا سرّه

و لا آمن بعض ذا أن يكونا

و في (خلفاء ابن قتيبة) لمّا اخبر عمرو بن العاص و هو بفلسطين، أنّ عثمان قد قتل، و أنّ الناس بايعوا عليّاعليه‌السلام قال: فما فعل عليّ في قتلة عثمان؟

قيل له: دخل عليه الوليد بن عقبة، فسأله عن قتله، فقال: ما أمرت و لا نهيت، و لا سرّني و لا ساءني.

قال: فما فعل بقتلته؟ فقيل له: آواهم. فقال عمرو: خلط و اللّه أبو الحسن.

ثمّ كتب عمرو إلى سعد بن أبي وقّاص يسأله عن قتل عثمان، و من قتله؟ فكتب إليه سعد: انّك سألتني عن قتل عثمان، و إنّي اخبرك أنّه قتل بسيف سلّته عائشة، و صقله طلحة، و سمّه ابن أبي طالب و سكت الزبير بلسانه و أشار بيده، و أمسكنا نحن، و لو شئنا دفعنا عنه( ١) .

و في (العقد): قال العتبي: قال رجل من بني ليث: لقيت سعدا، فقلت له: من قتل عثمان؟ قال: سيف سلّته عائشة، و شحذه طلحة، و سمّه عليّ( ٢) .

و في (خلفاء ابن قتيبة): قال أبو ثور: كنت فيمن حاصر عثمان، فكنت آخذ سلاحي و أضعه، و عليّعليه‌السلام ينظر إليّ لا يأمرني و لا ينهاني، فلمّا كانت البيعة له، خرجت في أثره( ٣) .

و في (صفّين نصر): طلب معاوية من عبيد اللّه بن عمر أن يشهد على عليّعليه‌السلام بقتل عثمان، فقام و قال:

و لكنّه قد قرّب القوم جهده

و دبّوا حواليه دبيب العقارب

فما قال أحسنتم و لا قد أسأتم

و أطرق إطراق الشجاع المواثب( ٤)

و في (العقد) عن قيس بن رافع قال: قال زيد بن ثابت: رأيت عليّا

____________________

(١) الإمامة و السياسة لابن قتيبة ١: ٤٧ ٤٨، و النقل بتصرف يسير.

(٢) العقد الفريد ٥: ٤٦.

(٣) الإمامة و السياسة ١: ٤٦ ٤٧.

(٤) وقعة صفين: ٨٢ ٨٤، شرح ابن أبي الحديد ٣: ١٠٠ ١٠١، و نقله الشارح بتلخيص.

مضطجعا في المسجد، فقلت له: إنّ الناس يرون أنّك لو شئت رددت الناس عن عثمان. فجلس ثمّ قال: و اللّه ما أمرتهم بشي‏ء و لا دخلت في شي‏ء من شأنهم.

فأتيت عثمان فأخبرته، فقال:

و حرّق قيس عليّ البلا

د حتّى إذا اضطرمت أحجما [أجذما]( ١)

و روى (الشافي) عن الواقدي، عن الحكم بن الصلت، عن عمّار، عن أبيه، قال: رأيت عليّاعليه‌السلام على منبر النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين قتل عثمان، و هو يقول: ما أحببت قتله و لا كرهته، و لا أمرت به و لا نهيت عنه( ٢) .

و عن (كاتب الواقدي) مسندا عن أبي خلدة [ جلدة ] قال: سمعت عليّاعليه‌السلام و هو يخطب فذكر عثمان و قال: و اللّه الذي لا إله إلاّ هو ما قتلته، و لا مالأت على قتله، و لا ساءني( ٣) .

هذا، و لعلّ قولهعليه‌السلام في قتل عثمان: «ما أمرت و لا نهيت، و لا رضيت و لا سخطت» في قبال قول أبي سفيان لمّا مثلت امرأته هند بعمّه حمزة في احد، فأشرف أبو سفيان على المسلمين و قال: «أما إنّها قد كانت فيكم مثلة ما أمرت بها و لا نهيت عنها، و لا سرّتني و لا ساءتني»( ٤) .

هذا، و في (المروج): لمّا قتل الأمين قيل لزبيدة: ما يجلسك و قد قتل ابنك؟ فقالت: و ما أصنع؟ فقيل: تخرجين فتطلبين بثأره كما خرجت عائشة تطلب بدم عثمان. فقالت: اخسأ لا أمّ لك، ما للنساء و طلب الثأر؟ ثمّ أمرت بثيابها فسوّدت، و لبست مسحا من شعر، و دعت بدواة و قرطاس، و كتبت إلى

____________________

(١) العقد الفريد لابن عبد رب ٥: ٤٩.

(٢) الشافي في الإمامة ٤: ٣٠٧ ٣٠٨.

(٣) المصدر نفسه ٤: ٣٠٨.

(٤) تاريخ الطبري ٢: ٥٢١، سنة ٣.

المأمون ما لقت من طاهر، و قتله لابنها. فلما قرأ المأمون كتابها قال: اللّهمّ إنّي أقول كما قال أمير المؤمنين عليعليه‌السلام لمّا بلغه قتل عثمان: و اللّه ما أمرت به و لا نهيت عنه...( ١) .

و من المضحك أنّ ابن أبي الحديد قال: لا يجوز أن يحمل كلامهعليه‌السلام :

«لو أمرت به لكنت قاتلا، أو نهيت عنه لكنت ناصرا» على ظاهره، لما ثبت من عصمة دم عثمان. و أيضا ثبت في السير أنّه كان ينهى الناس عن قتله فيحمل لفظ النهي على المنع كما يقال: «الأمير ينهى عن نهب أموال الرعية»، أي: يمنع، و حينئذ يستقيم الكلام لأنّه ما أمر بقتله و لا منع عن قتله، و إنّما كان ينهى عنه باللسان، و لا ينهى [ يمنع ] عنه باليد. و لأجل أشباه هذا الكلام كقوله: «ما سرّني و لا ساءني». و قوله لمّا قيل له: أرضيت بقتله؟ قال: لم أرض. فقيل له: أسخطت قتله؟ فقال: لم أسخط. و قوله: «اللّه قتله و أنا معه» قال كعب أبياته و نقل تلك الأبيات و للكلّ تأويل يعرفه أولو الألباب( ٢) .

قلت: بل ينكره ذوات الأذناب فضلا عن أولي الألباب. و لو صحّ ما قاله لكان كلّ باطل حقّا، و كلّ منكر معروفا.

و كيف يقول: نهىعليه‌السلام عنه باللسان و عمّار يصيح بين يديه في صفّين:

«اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبغون دم عثمان، و يزعمون أنّه قتل مظلوما. و اللّه إن كان إلاّ ظالما لنفسه، الحاكم بغير ما أنزل اللّه»( ٣ ) ؟

ثمّ إن كان المصريون و البصريون و الكوفيون الذين جاؤوا لقتله لا يطيعونهعليه‌السلام هل كان عمّار لا يطيعه، و هو الذي يقول لهعليه‌السلام : إن أمرتني أن

____________________

(١) مروج الذهب ٣: ٤٢٣ ٤٢٤. و في المصدر: و اللّه ما قتلت، و لا أمرت، و لا رضيت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٢: ١٢٧ ١٢٨، بتصرّف و تلخيص من الشارح.

(٣) وقعة صفين لابن مزاحم: ٣٢٦، شرح ابن أبي الحديد ٨: ١٠.

ألقي بنفسي في البحر لفعلت( ١ ) . و هل كان محمّد بن أبي بكر لا يطيعه و هو كان أطوع له من ولده غير الحسنينعليهما‌السلام ( ٢ ) . و هل كان الأشتر لا يطيعه و كانعليه‌السلام يقول: ليت في أصحابي عدّة مثله في إطاعته لي في كلّ كليّ و جزئيّ( ٣) .

و كيف جاهرعليه‌السلام قبل خلافته بوجوب قتل عبيد اللّه بن عمر قاتل هرمزان العجميّ( ٤ ) ، و دافع في خلافته عن قتلة إمامهم الثالث؟ و كيف يقول بعصمة دم عثمان و لمّا بعث معاوية شرحبيل بن السمط، و حبيب بن سلمة، و معن بن يزيد إليهعليه‌السلام قال له شرحبيل كما في (الطبري) و غيره: أ تشهد أنّ عثمان قتل مظلوما؟ قالعليه‌السلام : لا. قال شرحبيل: فمن لم يزعم أنّ عثمان قتل مظلوما فنحن منه برآء. ثمّ قام فانصرف. فقال عليّعليه‌السلام :

إنّك لا تسمع الموتى و لا تسمع الصمّ الدّعاء إذا ولّوا مدبرين. و ما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلاّ من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون( ٥) .

و كيف لم يكن مباح الدم و لمّا كتب معاوية كما في (العقد) إليهعليه‌السلام :

____________________

(١) ذكر نصر بن مزاحم في وقعة صفين: ٣٢٠ دعاء عمّار و أنّه قال: اللهمّ إنّك تعلم أنّي لو أعلم أنّ رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلت إلى أن قال: اللهمّ و إنّي أعلم ممّا أعلمتني أنّي لا أعمل (أعلم) اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، و لو أعلم اليوم عملا أرضى لك منه لفعلته، و نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ٥: ٢٥٣.

(٢) سفينة البحار للمحدّث القمي رحمه اللّه ١: ٣١٢ ٣١٣.

(٣) قال الإمام عليعليه‌السلام في الأشتر: ليت فيكم مثله اثنين، بل ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوّه [ عدوّي ] مثل رأيه، إذا لخفّت عليّ مؤونتكم...

وقعة صفّين: ٥٢١، تاريخ الطبريّ ٥: ٥٩، سنة ٣٨، الإرشاد ١: ٢٦٩، الكامل في التاريخ ٣: ١٦٣، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٢٤٠، بحار الأنوار، ط الكمباني ٨: ٥٠٥، ٥٩٣.

(٤) وقعة صفين: ١٨٦.

(٥) وقعة صفين: ٢٠١ ٢٠٢، تاريخ الطبري ٥: ٨، سنة ٣٧، شرح ابن أبي الحديد: ٢٤، و الآيتان ٨٠ ٨١ من سورة النمل.

قتلت ناصرك، و استنصرت و اترك( ١ ) فايم اللّه لأرمينّك بشهاب تذكيه الريح و لا تطفئه الماء، فإذا وقع وقب( ٢ ) ، و إذا مسّ ثقب، فلا تحسبنّني كسحيم، أو عبد القيس، أو حلوان الكاهن» كتبعليه‌السلام إليه: (ما قتل ابن عمّك غيرك، و إنّي أرجو أن ألحقك به على مثل ذنبه و أعظم من خطيئته)( ٣ ) . غير أنّ من نصره لا يستطيع أن يقول: «خذله من أنا خير منه»، و من خذله لا يستطيع أن يقول:

«نصره من هو خير منّي». «فمن نصره» كان مروان بن الحكم، و المغيرة بن الأخنس و نظراؤهما من المنافقين، و «من خذله» كان منهم أجلاّء المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان فناصره لا يمكنه لوضوح فسقه ادّعاء كونه خيرا من خاذله، كما أنّ خاذله لثبوت تديّنه لا يمكنه الإقرار على نفسه بكون ناصره خيرا منه.

و هذا الكلام ككلامه الأوّل المشتمل على عدم نهيهعليه‌السلام عن قتله، مع كونهعليه‌السلام آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر باتّفاق المؤالف و المخالف دالّ على باحة قتله، فإنّ حقّ الامور و باطلها يعلمان من متصدّيها فإذا كان ناصره لا يستطيع أن يدّعي تلك الدعوى، و خاذله لا يستطيع أن يقرّ ذاك الإقرار، يفهم أنّ جواز قتله كان بمثابة من الوضوح الذي لا يعتريه مرية، و كيف لا و قاتلوه من الأجلّة الذين اعترف المخالف بجلالهم، مثل عمّار الذي يكفي في جلاله قول النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المتواتر فيه: «عمّار تقتله الفئة الباغية»( ٤ ) . و قد أقرّ عمّار كما

____________________

(١) يقال: وتر فلانا: أي قتل حميمه، و أفزعه، و كلّ من أدركته بمكروه فقد وترته. (لسان العرب ١٥: ٢٠٥ مادة: وتر).

(٢) وقب الشي‏ء يقب وقبا، أي: دخل. (الصحاح ١: ٢٣٤، مادة: وقب).

(٣) العقد الفريد لابن عبد ربه ٥: ٨٢.

(٤) هذا الحديث من الأحاديث المتواترة. نذكر هنا أهمّ المصادر التي نقلت ذلك، حسب الترتيب التاريخي: وقعة صفين: ٣٢٤ و ٣٢٦، التفسير المنسوب إلى الامام العسكري: ٦٢٥، سيرة ابن هشام ٢: ١٤٢، الطبقات الكبرى ١: ٢٤١، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٨٨، تاريخ الطبري ١٠: ٥٩، العقد الفريد ٥: ٨٩، عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ، مستدرك الحاكم ٣: ٣٨٥ ٣٨٦، تاريخ بغداد ٢: ٢٨٢ عن أبي قتادة و ٧: ٤١٤ عن عبد اللّه بن عمر و ٨: ٢٧٥ عن حذيفة و ١١: ٢١٨ عن عثمان بن عفّان و ١٣: ١٨٧ عن أبي أيوب، الخرائج و الجرائح، شرح ابن أبي الحديد ٨: ١٠.

مرّ بأنّه من قتلته، و أنّهم قتلوه لأنّه أراد أن يغيّر دين اللّه( ١) .

و قال ابن قتيبة: لما أرسل عليّعليه‌السلام عمّارا إلى الكوفة لنفر الناس إليه قال عمّار: يا أهل الكوفة إنّ كان غاب عنكم امورنا فقد انتهت إليكم أنباؤنا( ٢) ، إنّ قتلة عثمان لا يعتذرون من قتله إلى الناس، و لا ينكرون ذلك، و قد جعلوا كتاب اللّه بينكم و بين محاجّيهم، فبكتابه أحيا اللّه من أحيا، و أمات من أمات( ٣) .

و من قتلته محمّد بن أبي بكر، و في (الطبري): أنّ معاوية بن حديج لمّا قال لمحمّد بن أبي بكر: أقتلك بعثمان قال له محمّد: إنّ عثمان عمل بالجور، و نبذ حكم القرآن، و قد قال تعالى:... و من لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون( ٤ ) ، فنقمنا ذلك عليه فقتلناه( ٥) .

و من قتلته عمرو بن الحمق الخزاعي: و في (الطبري): جلس عمرو بن الحمق على صدر عثمان و به رمق، فطعنه تسع طعنات، و قال: فأمّا ثلاث منهنّ فإنّي طعنتهنّ إيّاه للّه، و أمّا ستّ فإنّي طعنتهنّ إيّاه لما كان في صدري عليه( ٦) .

و يكفي في إباحة دمه إجماع المهاجرين و الأنصار على قتله بخذلانهم إيّاه قال الفضل بن عباس في أبياته في ردّ الوليد بن عقبة:

فلو رأت الأنصار ظلم ابن عمّكم

لكانوا له من ظلمه حاضري النصر

____________________

(١) وقعة صفين: ٣٣٨ ٣٣٩، شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٢.

(٢) في المصدر: إن كان غاب عنكم أنباؤنا فقد انتهت اليكم امورنا.

(٣) الإمامة و السياسة لابن قتيبة ١: ٦٧.

(٤) المائدة: ٤٧.

(٥) تاريخ الطبري ٥: ١٠٤، سنة ٣٨.

(٦) المصدر نفسه ٤: ٣٩٤، سنة ٣٥.

كفى ذاك عيبا أن يشيروا بقتله

و أن يسلموه للأحابيش من مصر( ١)

و لم نقل: إنّ قتلته كلّهم كانوا مؤمنين فكان فيهم طلحة و الزبير و نظراؤهما، و إنّما نستدلّ بفعل مؤمنيهم و لذا كان حذيفة بن اليمان كما روى (شافي المرتضى) من طرقهم يقول: ما في عثمان بحمد اللّه شك، لكنّني أشكّ في قاتله لا أدري أ كافر قتل كافرا، أم مؤمن خاض إليه الفتنة حتّى قتله؟

هو أفضل أهل الايمان [ المؤمنين ] إيمانا( ٢) .

و روى الطبري: أنّ عثمان نبذ ثلاثة لا يدفن ثمّ إنّ حكيم بن حزام، و جبير بن مطعم كلّما عليّاعليه‌السلام في دفنه، و طلبا إليه أن يأذن لأهله في ذلك، ففعل. فلمّا سمع الناس بذلك قعدوا إليه في الطريق بالحجارة، و خرج به ناس يسير من أهله و هم يريدون به حائطا بالمدينة، يقال له: حشّ كوكب( ٣ ) ، كانت اليهود تدفن موتاهم فيه، فلمّا خرج على الناس رجموا سريره، و همّوا بطرحه، فبلغ ذلك عليّاعليه‌السلام ، فأرسل إليهم يعزم عليهم ليكفّنّ عنه، ففعلوا، فانطلق به حتّى دفن في حشّ كوكب. فلمّا ظهر معاوية على الناس أمر بهدم ذلك الحائط حتّى أفضى به إلى البقيع، و أمر الناس أن يدفنوا حوله حتّى اتّصل بمقابر المسلمين( ٤) .

و في (الطبري): قال أبو كرب عامل عثمان على بيت المال: إنّ عثمان دفن بين المغرب و العتمة، لم يشهد جنازته إلاّ مروان و ثلاثة من مواليه و ابنته الخامسة، فناحت [ ابنته ] فأخذ الناس الحجارة، و قالوا:

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٤٢٦، سنة ٣٥.

(٢) الشافي في الإمامة ٤: ٢٩١ ٢٩٢.

(٣) قال ياقوت الحموي في معجم البلدان ٢: ٢٦٢: حشّ كوكب: موضع عند بقيع الغرقد اشتراه عثمان بن عفّان و زاده في البقيع، و لمّا قتل ألقي فيه ثمّ دفن في جنبه.

(٤) تاريخ الطبري ٤: ٤١٢، سنة ٣٥.

نعثل نعثل و كادت ترجم( ١) .

و في (الطبري): كان قتل معه عبداه نجيح و صبيح، فجرّا بأرجلهما فرمي بهما على البلاط، فأكلتهما الكلاب و لم يغسل عثمان و لا غلاماه، و لمّا وضع ليصلّى عليه، جاء نفر من الأنصار يمنعونهم الصلاة عليه( ٢) .

و في (صفين نصر بن مزاحم): سأل معاوية النعمان بن بشير أن يخرج إلى قيس بن سعد بن عبادة، فيعاتبه و يسأله السلم. فخرج النعمان حتّى وقف بين الصفين فقال: يا قيس، أنا النعمان بن بشير. فقال قيس: هيه يا بن بشير، فما حاجتك؟ فقال: ألستم معشر الأنصار تعلمون أنّكم أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار، و قتلتم أنصاره يوم الجمل، و أقحمتم خيولكم على أهل الشام بصفين؟ فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليّا لكانت واحدة بواحدة، و لكنّكم خذلتم حقّا، و نصرتم باطلا، ثمّ لم ترضوا أن تكونوا كالناس حتّى أعلمتم في الحرب و دعوتم إلى البراز، ثمّ لم ينزل بعليّ أمر قطّ إلاّ هوّنتم عليه المصيبة، و وعدتموه الظفر. و قد أخذت الحرب منّا و منكم ما قد رأيتم، فاتقوا اللّه في البقيّة.

فضحك قيس ثمّ قال: ما كنت أراك يا نعمان تجترى‏ء على هذه المقالة، لكن لا ينصح أخاه من غشّ نفسه، و أنت و اللّه الغاشّ الضالّ المضالّ، أما ذكرك عثمان فإن كانت الأخبار تكفيك فخذها منّي، واحدة قتل عثمان من لست خيرا منه، و خذله من هو خير منك...( ٣) .

و كيف لم يكن مباح الدم و شهد حجر بن عديّ و أصحابه الذين قالوا: لو

____________________

(١) المصدر نفسه.

(٢) المصدر نفسه ٤: ٤١٣ ٤١٥، سنة ٣٥، و نقله الشارح بتصرّف و تقديم و تأخير.

(٣) وقعة صفين لنصر بن مزاحم: ٤٤٨ ٤٤٩.

لم يكن في معاوية إلاّ قتله لهم لكفاه في هلاكته بذلك.

ففي (الطبري) بعد ذكر بعث زياد بهم إلى الشام، و بعث معاوية جمعا لقتلهم قال أصحاب معاوية لحجر و أصحابه: يا هؤلاء، رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة، و أحسنتم الدعاء، فأخبرونا ما قولكم في عثمان؟ قالوا: هو أوّل من جار في الحكم، و عمل بغير الحقّ( ١) .

و قال في عبد الرحمن العنزي الذي كان أحد أصحاب حجر و لم يقتله معاوية معهم، بل ردّه إلى زياد فدفنه حيّا بقسّ الناطف قال معاوية له: إيه يا أخا ربيعة، ما قولك في عليّ؟ قال: دعني و لا تسألني فإنّه خير لك. قال: و اللّه لا أدعك حتّى تخبرني. قال: أشهد أنّه كان من الذاكرين اللّه كثيرا، و من الآمرين بالحقّ، و القائمين بالقسط، و العافين عن الناس. قال: فما قولك في عثمان؟ قال:

هو أوّل من فتح باب الظلم، و أرتج أبواب الحقّ. قال له معاوية: قتلت نفسك.

قال: بل إيّاك قتلت( ٢) .

و كيف يقول ابن أبي الحديد بعصمة دمه، و كان سعد من خذلته، و طلحة و الزبير من قتلته، و هم من ستّة شوراهم، و عشرتهم المبشّرة.

و تسبّبت صدّيقتهم في تحريضاتها عليه لقتله؟

و في (كامل المبرد): كتب نافع إلى ابن الزبير: قد حضرت عثمان يوم قتل، فلعمري لئن كان قتل مظلوما لقد كفر قاتلوه و خاذلوه، و لئن كان قاتلوه مهتدين و إنّهم لمهتدون لقد كفر من يتولاّه و ينصره و يعضده. و لقد علمت أنّ أباك و طلحة و عليّا كانوا أشدّ الناس عليه، و كانوا في أمره [ من ] بين قاتل و خاذل، و أنت تتولّى أباك و طلحة و تتولى عثمان. و كيف ولاية قاتل متعمّد

____________________

(١) تاريخ الطبريّ ٥: ٢٧٥، سنة ٥١.

(٢) تاريخ الطبري ٥: ٢٧٦ ٢٧٧، سنة ٥١.

و مقتول في دين واحد( ١) .

قلت: ما أورده نافع على ابن الزبير يرد على جميع أهل السنّة، لكن يقال لنافع: إنّه كما يكون الجمع بين المتضادّين باطلا بالعقل، يكون انفكاك الملزوم عن اللازم كذلك، و ولاية الأوّل و الثاني يستلزم صحّة ولاية الثالث، فإذا كانت ولاية الثالث عندك باطلة فلا بدّ أن تقول ببطلان ولاية الأوّلين. و قد دبّر الثاني للثالث ولايته مع عرفانه له و أنّه يفعل ما فعل.

و من العجب أنّ إخواننا أتوا بالتضادّ في أقوالهم فضلا عن مذهبهم فهذا ابن قتيبة و ابن عبد ربه و المسعودي قالوا بعد ما مرّ عنهم: لمّا قتل عثمان دخل عليّ عليه و كان أرسل الحسن و الحسين لمنعه و كان ذهل عقله فقال لهما:

كيف قتل أمير المؤمنين و أنتما على الباب؟ فلطم الحسين و ضرب صدر الحسن( ٢ ) فأيّ تخليط هذا؟ أما لهم شعور حتّى لا يقولوا بالتناقض و التضادّ؟ فإن كان من يروي خبرين متضادّين معذورا في الظاهر، فليس من يفتي بالتضادّ بمعذور أصلا، مع أنّ من يروي متضادّا و يكون أحد الضدّين معلوم الكذب، و على خلاف اتّفاق التواريخ كالطبري في ضمّه روايات سيف المعلومة الكذب ليس بمعذور أيضا.

و ليس تلك الروايات إلاّ من أخبار أمر معاوية بوضعها، كما أنّه حمل الناس بالسيف على القول بإمامة عثمان، و إلاّ فجميع أهل السّنة الذين كانوا في ذاك اليوم سوى الأمويّة و أتباعهم كانوا قائلين بكفر عثمان، و استحقاقه القتل.

____________________

(١) الكامل للمبرد ٢: ٢٢٩ ٢٣٠.

(٢) الإمامة و السياسة لابن قتيبة ١: ٤٤، العقد الفريد لابن عبد ربه ٥: ٤٢، مروج الذهب للمسعودي ٢: ٣٥٤.

و كان التضادّ بينه و بين أمير المؤمنينعليه‌السلام كالتضادّ بين معاوية و بينهعليه‌السلام أمرا بيّنا عندهم، كما عند الشيعة، و إنّما كان الفرق بين الشيعة و السنّة ذاك اليوم تضادّهعليه‌السلام مع أبي بكر و عمر أيضا، فالشيعة قائلون به بشهادة الدراية، و السنّة ينكرونه بإنكار البداهة.

و كيف لم يكن تضادّهعليه‌السلام مع عثمان واضحا، و كان نافع بن هلال الجمليّ من أصحاب الحسينعليه‌السلام يقاتل يوم الطفّ و يقول كما في (الطبري): أنا الجمليّ أنا على دين عليّ. فخرج إليه مزاحم بن حريث من أصحاب ابن سعد و قال: أنا على دين عثمان. فقال له نافع: أنت على دين شيطان( ١) .

و كيف لم يكن بطلان أمر عثمان واضحا و قد باهل أصحاب الحسينعليه‌السلام أصحاب ابن سعد في ذلك؟ ففي (الطبري): قال عفيف بن زهير و هو ممّن شهد مقتل الحسينعليه‌السلام : خرج يزيد ابن معقل من أصحاب ابن سعد فقال لبرير بن حضير من أصحاب الحسينعليه‌السلام كيف ترى اللّه صنع بك؟ قال: صنع اللّه و اللّه بي خيرا، و صنع بك شرّا. قال له يزيد: كذبت، و قبل اليوم ما كنت كذّابا، فهل تذكر و أنا أماشيك في بني لوذان و أنت تقول: إنّ عثمان كان على نفسه مسرفا، و إنّ معاوية ضالّ مضلّ، و إنّ إمام الهدى و الحقّ عليّ بن أبي طالب؟ فقال له برير: أشهد أنّ هذا رأيي و قولي. فقال له يزيد: فإنّي أشهد أنّك من الضالّين. فقال له برير: هل لك أن أباهلك( ٢ ) ، و لندع اللّه أن يلعن الكاذب و أن يقتل المبطل، ثمّ نخرج للمبارزة؟ قال: نعم. فخرجا فرفعا

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٤٣٥، سنة ٦١.

(٢) المباهلة: الملاعنة و معنى المباهلة أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شي‏ء فيقولوا: لعنة اللّه على الظالم منّا. (لسان العرب ١: ٥٢٢، مادة: بهل).

أيديهما يدعوا انه أن يلعن الكاذب، و أن يقتل المحقّ المبطل، ثمّ برز كلّ واحد منهما لصاحبه، فاختلفا ضربتين، فضرب يزيد بريرا ضربة خفيفة لم تضرّه شيئا، و ضربه برير ضربة قدّت المغفر، و بلغت الدماغ، فخرّ كأنّما هوى من حالق، و إنّ سيف برير لثابت في رأسه، فكأني أنظر إليه ينضنضه( ١ ) من رأسه الخ( ٢) .

و من المضحك أنّ (الطبريّ) روى في رواياته الخبيثة عن سيف: أنّ الحسن خرج يرتجز في الدفاع عن عثمان مثل المغيرة بن الأخنس( ٣ ) فيقال له: إذا كان الأمر كذلك لم يقول عمرو بن العاص للحسنعليه‌السلام لمّا رآه في الطواف كما روى المدائني عن زيد بن أرقم: زعمت يا حسن، أنّ الدين لا يقوم إلاّ بك و بأبيك، فقد رأيت اللّه أقامه بمعاويه، فجعله راسيا بعد ميله، و بيّنا بعد خفائه، أفرضي اللّه بقتل عثمان، أو من الحقّ أن تطوف بالبيت عليك ثياب كغرقى‏ء( ٤ ) البيض، و أنت قاتل عثمان، و اللّه إنّه لألمّ للشعث، و أسهل للوعث، أن يوردك معاوية حياض أبيك فقال له الحسنعليه‌السلام : إنّ لأهل النار لعلامات يعرفون بها، إلحادا لأولياء اللّه، و موالاة لأعداء اللّه، و اللّه إنّك لتعلم أنّ عليّاعليه‌السلام لم يرتب في الدين، و لم يشكّ في اللّه ساعة و لا طرفة عين قطّ. و أيم اللّه لتنتهينّ يا بن أم عمرو أو لأنفذنّ حضنيك بنوافذ أشدّ من القعضبية( ٥ ) ، فإيّاك و التهجم عليّ فإنّي من قد عرفت لست بضعيف الغمزة، و لا هشّ المشاشة( ٦) ،

____________________

(١) ينضنضه: يحرّكه. (لسان العرب ١٤: ١٨٠، مادة: نضض).

(٢) تاريخ الطبري ٥: ٤٣١ ٤٣٢، سنة ٦١.

(٣) المصدر نفسه ٤: ٣٨٨، سنة ٣٥.

(٤) الغرقى‏ء: القشرة الملتزقة ببياض البيض. (لسان العرب ١٠: ٥٨، مادة: غرق).

(٥) قعضب: اسم رجل كان يعمل الأسنّة في الجاهليّة، إليه تنسب أسنّة قعضب (لسان العرب ١١: ٢٤٦، مادة: قعضب).

(٦) المشاشة: واحدة المشاش، و هي رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها (الصحاح ٣: ١٠١٩ مادة: مشش).

و لا مري‏ء المأكلة، و إنّي من قريش كواسطة القلادة، يعرف حسبي، و لا أدعى لغير أبي، و أنت من تعلم و يعلم الناس، تحاكمت فيك رجال قريش، فغلب عليك جزّارها، ألأمهم حسبا، و أعظمهم لؤما، فإيّاك عنّي، فإنّك رجس، و نحن أهل بيت الطهارة، أذهب اللّه عنّا الرجس، و طهّرنا تطهيرا. فأفحم عمرو و انصرف كئيبا( ١) .

و كيف لا يستحيون أن يقولوا: إنّ أمير المؤمنين أرسل الحسنين للدفاع عن عثمان؟ و قد قتل بنو امية الحسينعليه‌السلام بعثمان، ففي الطبري: كتب عبيد اللّه بن زياد إلى عمر بن سعد: أمّا بعد فحل بين الحسين و أصحابه و بين الماء، و لا يذوقوا منه قطرة، كما صنع بالتقيّ الزكيّ المظلوم عثمان( ٢) .

و في (الطبري) أيضا: لمّا جي‏ء برأس الحسينعليه‌السلام إلى عبيد اللّه بن زياد، دعا عبد الملك بن أبي الحارث السلميّ، و قال له: انطلق حتّى تأتي المدينة على عمرو بن سعيد بن العاص و كان يومئذ أمير المدينة فبشّره بقتل الحسين.

قال: فدخلت على عمرو فقال: ما وراءك؟ قلت: ما سرّ الأمير، قتل الحسين.

فقال: ناد بقتله. فناديت فلم أسمع و اللّه واعية( ٣ ) مثل واعية نساء بني هاشم في دورهنّ على الحسين، فقال عمرو متمثّلا ببيت عمرو بن معدى كرب و ضحك:

عجّت نساء بني زياد عجّة

كعجيج نسوتنا غداة الأرنب( ٤)

ثمّ قال: هذه واعية بواعية عثمان( ٥) .

و في (تذكرة سبط ابن الجوزي): قال ابن سعد كاتب الواقدي: دفن رأس

____________________

(١) نقل عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ١٦: ٢٧ ٢٨.

(٢) تاريخ الطبري ٥: ٤١٢، سنة ٦١.

(٣) يقال: ارتفعت الواعية: الصراخ على الميّت. و سمعت واعية القوم: أصواتهم. (أساس البلاغة: ٥٠٤، مادة: وعى).

(٤) في رواية لسان العرب: بني زبيد بدل: بني زياد. و الأرنب: موضع. (لسان العرب ٥: ٣٣١، مادة: رنب).

(٥) تاريخ الطبري ٥: ٤٦٥ ٤٦٦، سنة ٦١، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: ٢٦٦.

الحسينعليه‌السلام بالمدينة عند امّه و ذكر الشعبيّ أنّ مروان كان بالمدينة فأخذ الرأس، و تركه بين يديه، و تناول أرنبة أنفه و قال:

يا حبّذا بردك في العيدين

و لونك الأحمر في الخدّين

و اللّه لكأنّي أنظر إلى أيّام عثمان( ١) .

و من المضحك أنّ (المسعودي) قال: فلمّا بلغ عليّا أنّهم يريدون قتله، بعث ابنيه و مواليه بالسلاح لنصرته و بعث الزبير ابنه و بعث طلحة ابنه إلى أن قال: و جرح الحسن، و شجّ قنبر، و جرح محمّد بن طلحة( ٢) .

و كيف يرسل طلحة و الزبير ابنيهما لنصرته و هما كانا محرّضين على قتله إلى ساعة قتله؟ ففي (خلفاء ابن قتيبة): أنّ عمّارا لمّا جاء إلى الكوفة لنفر الناس في حرب الجمل قال: يا أهل الكوفة، و إنّ طلحة و الزبير كانا أوّل من طعن على عثمان، و آخر من أمر بقتله( ٣) .

و كيف أرسل طلحة ابنه لنصرة عثمان و قد رماه مروان بسهم مع كونه في جنده فقتله و قال: أخذت ثأري من طلحة في عثمان( ٤) .

و إنّما المحقّق نصرة ابن الزبير لعثمان من نفسه لا من قبل أبيه، حضر لنصره لأمرين أحدهما: أنّه لمّا كان حريصا على الإمارة، و طالبا للخلافة يمكنه أن يدّعي أنّ عثمان في حصاره نصّ عليه، فكان يدّعي ذلك. و الثاني: أنّه علم أنّ عثمان إن قتل، يكون الأمر لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، و كان كخالته أمّ مؤمنيهم في كون ذلك أشدّ عليه من وقوع السماء عليه.

____________________

(١) تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي: ٢٦٥ ٢٦٦.

(٢) مروج الذهب للمسعودي ٢: ٣٥٣ ٣٥٤.

(٣) الإمامة و السياسة لابن قتيبة ١: ٦٧.

(٤) أنساب الأشراف ٣: ٢٤٦، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٨٢، الجمل للمفيد: ٣٨٤، تذكرة الخواصّ: ٧٧، شرح ابن أبي الحديد ٩: ١١٣.

روى المدائني: أنّ ابن الزبير قال يوما لمعاوية: أ تنكر شجاعتي و قد وقفت في الصفّ بإزاء عليّ و هو من تعلم فقال له معاوية: لا جرم أنّه قتلك و أباك بيسرى يديه، و بقيت يده اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها. فقال له ابن الزبير: أما و اللّه ما كان ذلك إلاّ في نصر عثمان فلم نجز به، فقال له معاوية: خلّ هذا عنك، فو اللّه لو لا شدّة بغضك لابن أبي طالب لجررت برجل عثمان مع الضبع( ١) .

و كيف يعقل صحّة ما قال اولئك المصنفون؟ و قد قالعليه‌السلام : «إنّ من نصره لا يستطيع أن يقول: خذله من أنا خير منه، و من خذله لا يستطيع أن يقول: نصره من هو خير منّي»( ٢ ) . فهل كان ناصروه إلاّ كندماء ابن عمّه الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان؟ و لمّا أرادوا قتل الوليد أخذ مصحفا مثل عثمان، و قال: يومي [ يوم ] كيوم عثمان( ٣ ) . مع أنّه كان راميا المصحف بالسهم حتّى مزّقه( ٤) .

و في (الطبري): كان مع الوليد مالك المغنّي، و عمرو الوادي المغنّي، فلمّا تفرّق عن الوليد أصحابه، و حصر، قال مالك لعمرو: اذهب بنا. فقال عمرو:

ليس هذا من الوفاء، و نحن لا يعرض لنا لأنّا لسنا ممّن يقاتل، فقال مالك: ويلك و اللّه لئن ظفروا بنا لا يقتل أحد قبلي و قبلك فيوضع رأسه بين رأسينا، و يقال للناس: انظروا من كان معه في هذه الحال فلا يعيبونه بشي‏ء أشدّ من هذا فهربا( ٥) .

____________________

(١) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٢٠: ١٢٦.

(٢) نهج البلاغة ١: ٧١ ٧٢.

(٣) تاريخ الطبري ٧: ٢٤٦، سنة ١٢٦.

(٤) مروج الذهب للمسعودي ٣: ٢٢٨.

(٥) تاريخ الطبري ٧: ٢٥٢، سنة ١٢٦.

و لعمر اللّه إنّ المغنّيين كانا أحسن من مروان صاحب عثمان فقد كانا فاسقين بالعمل و قد كان مروان من خبث النفس بحيث لا يوصف فهو الذي قال للوليد بن عتبة ابن عمّ يزيد الذي كتب يزيد إليه: «خذ البيعة لي من الحسين»: احبس الحسين حتّى يبايع أو تضرب عنقه. فقال له الوليد: اخترت لي التي فيها هلاك ديني و اللّه ما احبّ أنّ لي ما طلعت عليه الشمس و غربت عنه من مال الدّنيا و ملكها، و أنّي قتلت حسينا، سبحان اللّه أقتل حسينا أن قال:

لا أبايع و اللّه إنّي لا أظنّ أمرأ يحاسب بدم الحسين لخفيف الميزان عند اللّه تعالى يوم القيامة. فقال له مروان مستهزئا به: إذا كان هذا رأيك فقد أصبت في ما صنعت( ١) .

و نفس عثمان و نفس مروان واحدة، «فالمرء على دين خليله»( ٢) .

و كيف يصحّ ما قالوا من أنّهعليه‌السلام و طلحة و الزبير بعثوا بنيهم للدفاع عن عثمان؟ و قد عرفت أنّ نافعا حاجّ ابن الزبير، فحجّه بأنّك تعلم أنّ أباك و طلحة و عليّا كانوا أشد الناس على عثمان، و كانوا في أمره من بين قاتل و المراد أبوه و طلحة و خاذل يعني أمير المؤمنينعليه‌السلام و أنت تتولّى أباك و طلحة و عثمان. و كيف ولاية قاتل متعمّد و مقتول في دين واحد( ٣) .

و كيف يصحّ ما قالوا: من أنّهعليه‌السلام بعث ابنيه للدفاع عن قتل عثمان، و كانعليه‌السلام مدافعا عن قتلة عثمان فلمّا قام أبو مسلم الخولاني( ٤ ) في قرّاء

____________________

(١) المصدر نفسه ٥: ٣٤٠، سنة ٦٠.

(٢) رواه الكليني في الكافي ٢: ٣٧٥.

و قال ابن منظور في لسان العرب ٤: ٢٠٢، مادة (خلل): و في الحديث: المرء بخليله، أو على دين خليله، فلينظر امرؤ من يخالل. و أورده الميداني في مجمع الأمثال ٢: ٢٧٥ عن النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و قال: المرء بخليله، أي: مقيس بخليله.

(٣) الكامل للمبرّد ٢: ٢٢٩ ٢٣٠.

(٤) هو عبد اللّه بن ثوب أحد الزّهاد الثمانية، تابعيّ، أصله من اليمن، أدرك الجاهلية و أسلم قبل وفاة النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

الشام إلى معاوية كما في (صفين نصر) و قال له: علام تقاتل عليّا و ليس لك مثل صحبته و لا قرابته و لا سابقته؟ قال: لست أدّعي ذلك، و لكن ألستم تعلمون أنّ عثمان قتل مظلوما؟ فليدع إلينا قتلته فنقتلهم به، و لا قتال بيننا و بينه إلى أن قال فقال أبو مسلم لعليّعليه‌السلام : قد رأيت قوما مالك معهم أمر.

قال: و ما ذاك؟ قال: بلغ القوم أنّك تريد أن تدفع إلينا قتلة عثمان فضجّوا و اجتمعوا، و لبسوا السلاح، و زعموا أنّهم كلّهم قتلة عثمان. فقال له عليّعليه‌السلام :

و اللّه ما أردت أن أدفعهم إليك طرفة عين، لقد ضربت هذا الأمر أنفه و عينيه، ما رأيته ينبغي لي أن أدفعهم إليك و لا إلى غيرك. فخرج أبو مسلم و هو يقول: الآن طاب الضّراب( ١ ) و إنّما خلّىعليه‌السلام بينه و بينهم ليريه إجماع المسلمين على قتل عثمان، و إباحة دمه.

«و أنا جامع لكم أمره» من طرفه و طرفكم.

«استأثر فأساء الأثرة» فكان عثمان خصّ أقاربه بولاية البلاد حتّى عزل عمرو بن العاص، فطلّق عمرو لذلك اخته امّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، و حرّض الناس عليه. و لمّا سمع خبر قتله قال: أنا أبو عبد اللّه إذا حككت قرحة نكأتها( ٢ ) ، إن كنت لاحرّض عليه، حتى لا حرّض عليه الراعي في غنمه في رأس [ي]ره، فقدم المدينة في خلافة أبي بكر، و هاجر إلى الشام، توفي سنة ٦٢ ه و دفن في داريّا بدمشق. و كان للعامّة فيه اعتقاد عظيم. و لكنّه من أعوان معاوية و سيّى‏ء الرأي في عليّعليه‌السلام . روي عن الفضل بن شاذان أنّه قال عند ذكره للزّهاد الثمانية: و أمّا أبو مسلم، فإنّه كان فاجرا مرائيا و كان صاحب معاوية، و هو الذي كان يحثّ الناس على قتال عليّعليه‌السلام .

انظر حلية الأولياء ٢: ١٢٢، الأعلام ٤: ٧٥، الكنى و الألقاب ١: ١٥٨.

____________________

(١) وقعة صفّين لنصر بن مزاحم: ٨٥ ٨٦، شرح ابن أبي الحديد ١٥: ٧٣ ٧٥، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

(٢) قال ابن الأثير في النهاية ١: ٤١٨، مادة (حكك): و في حديث عمرو بن العاص: إذا حككت قرحة دمّيتها، أي: إذا أمّمت غاية تقصّيتها و بلغتها، و في الصحاح ١: ٧٨، مادة (نكأ): نكأت القرحة نكأ، إذا قشرتها.

الجبل. فقال له سلامة بن روح: يا معشر قريش، إنّه كان بينكم و بين العرب باب وثيق فكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟ فقال: أردنا أن نخرج الحقّ من خاصرة [ حافرة ] الباطل، و أن يكون الناس في الحقّ شرعا سواء( ١) .

«و جزعتم فأسأتم الجزع» لأنّهم منعوه الماء في حياته، و منعوا من دفنه بعد قتله. و لا يجوز منع الماء من أحد( ٢ ) . و يجب مواراة أموات جميع الناس المسلم و غيره.

و قال ابن أبي الحديد: أساؤوا الجزع لأنّه كان الواجب عليهم ألاّ يجعلوا جزاءه عمّا أذنب القتل، بل الخلع و الحبس و ترتيب غيره في الإمامة( ٣) .

قلت: فإذا كان مستحقّا للخلع، كيف يقول بإمامته؟ و قد قال الناس له قبل قتله: أنت مستحقّ للخلع، لمّا رأوا غلامه على جمله، و كتابه إلى عامله على مصر بقتل محمّد بن أبي بكر و من معه و كان بعثه لمّا شكوا إليه ظلم عامله، و قتله الناس بغير حقّ، فأنكر عثمان أن يكون هو بعث الغلام و كتب الكتاب، فقالوا له: إن كنت كاذبا فقد استحققت الخلع لعملك هذا، و إن كنت صادقا استحققت الخلع لعجزك عن أمر الخلافة حيث يكتب غيرك على لسانك مثل هذا، و أنت لا تعلم فاخلع نفسك. فأبى عليهم حتّى قتلوه( ٤) .

و إنّما الأصل في قولهعليه‌السلام : «و أسأتم الجزع» لأنّ عمدة الجازعين و هم قريش و في رأسهم طلحة من تيم، و الزبير من أسد لم يقتلوه غضبا للّه بل لهوى أنفسهم، لأنّه لم يولّهم و ولّى بني أبيه.

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٥٧، سنة ٣٥، و شرح ابن أبي الحديد ٢: ١٤٤.

(٢) و لذا بعث أمير المؤمنينعليه‌السلام الماء إلى عثمان حين منع من الماء. انظر أمالي الشيخ الطوسي ٢: ٣٢٥، شرح ابن أبي الحديد ٢: ١٤٨، و بحار الأنوار ط الكمباني ٨: ٣٧٤.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٢: ١٢٨ ١٢٩.

(٤) تفصيل ذلك في تاريخ الطبري ٤: ٣٧٥ ٣٧٦، سنة ٣٥، و شرح ابن أبي الحديد ٢: ١٥٠.

و في (المروج): حجّ عبد الملك في بعض أعوامه، فأمر للناس بالعطاء، فخرجت بدرة مكتوب عليها «من الصدقة» فأبى أهل المدينة من قبولها و قالوا:

إنّما كان عطاؤنا من الفي‏ء. فقال عبد الملك و هو على المنبر: يا معشر قريش، مثلنا و مثلكم أنّ أخوين خرجا مسافرين، فنزلا في ظلّ شجرة تحت صفاة، فلمّا دنا الرواح خرجت إليهما من تحت الصفاة حيّة تحمل دينارا فألقته إليهما، فقالا: إنّ هذا لمن كنز، فأقاما عليها ثلاثة أيّام كلّ يوم تخرج إليهما دينارا، فقال أحدهما لصاحبه: إلى متى ننتظر هذه الحيّة؟ ألا نقتلها و نحفر هذا الكنز فنأخذه؟ فنهاه أخوه، و قال: ما تدري لعلّك تعطب و لا تدرك المال. فأبى عليه، و أخذ فأسا و صرد الحيّة حتّى خرجت، فضربها ضربة جرحت رأسها و لم تقتلها فثارت الحيّة فقتلته، و رجعت إلى جحرها، فقام أخوه فدفنه، و أقام حتّى إذا كان الغد خرجت الحيّة معصوبا رأسها ليس معها شي‏ء، فقال لها: يا هذه، إنّي و اللّه ما رضيت ما أصابك، و لقد نهيت أخي عن ذلك، فهل لك أن نجعل اللّه بيننا أن لا تضرّيني و لا أضرّك، و ترجعين إلى ما كنت عليه؟ قالت الحيّة: لا.

قال: و لم؟ قالت: لأنّي أعلم أنّ نفسك لا تطيب لي أبدا، و أنت ترى قبر أخيك، و نفسي لا تطيب لك أبدا و أنا أذكر هذه الشجّة، و أنشدهم أي عبد الملك شعر النابغة في ذلك:

فقالت أراه [ أرى ] قبرا تراه مقابلي

و ضربة فأس فوق رأسي فاغرة [ فاقره ]

يا معشر قريش، وليكم عمر فكان فظّا غليظا مضيّقا عليكم، فسمعتم له و أطعتم، ثمّ وليكم عثمان فكان سهلا فعدوتم عليه فقتلتموه، و بعثنا عليكم مسلما يوم الحرّة فقتلناكم، فنحن نعلم يا معشر قريش، أنّكم لا تحبّوننا أبدا

و أنتم تذكرون يوم الحرّة و نحن لا نحبّكم أبدا و نحن نذكر قتل عثمان( ١) .

«و للّه حكم واقع في المستأثر و الجازع» هو نظير قولهعليه‌السلام : «لو أمرت به لكنت قاتلا، أو نهيت عنه لكنت ناصرا» في إجمال الجواب لعدم تمكّنهعليه‌السلام من بيان الحقيقة و هي بطلان ولايته المستلزمة لبطلان ولاية الأوّل و الثاني.

و في (الأغاني): كان حسّان بن ثابت و النعمان بن بشير و كعب بن مالك عثمانية، يقدّمون بني أميّة على بني هاشم، و يقولون: الشام خير من المدينة.

و اتّصل بهم أنّ ذلك قد بلغ عليّاعليه‌السلام ، فدخلوا عليه، فقال له كعب: أخبرنا عن عثمان: أقتل ظالما، فنقول بقولك؟ [ أم قتل مظلوما، فنقول بقولنا ]، و نكلك إلى الشبهة فيه، و العجب من تيقّننا و شكّك، و قد زعمت العرب أنّ عندك علم ما اختلفنا فيه، فهاته نعرفه، فقال لهم عليّعليه‌السلام : لكم عندي ثلاثة أشياء: استأثر عثمان فأساء الأثرة، و جزعتم فأسأتم الجزع، و عند اللّه ما تختلفون فيه إلى يوم القيامة. فقالوا: لا ترضى بهذا العرب، و لا تعذرنا فيه [ به ]. فقال لهم عليّ:

أ تردّون عليّ بين ظهراني المسلمين، بلا بيّنة صادقة، و لا حجّة واضحة؟

اخرجوا عنّي، فلا تجاوروني في بلد أنا فيه أبدا. فخرجوا من يومهم، فساروا حتّى أتوا معاوية، فقال: لكم الكفاية أو الولاية. فأعطى حسّانا ألف دينار، و كعبا ألف دينار، و ولّى النعمان حمصا( ٢) .

و في (مواسم الأدب): قال كعب بن مالك الأنصاري لعليّعليه‌السلام : بلغك عنّا أمر لو كان غيرك لم يحتمله، و لو كان غيرنا لم يقم معك عليه، و ما في الناس من هو أعلم منك، و في الناس من نحن أعلم منه و أوضح العلم ما وقف على لسان و أرفعه ما ظهر في الجوارح و الأركان، و نحن أعرف بقدر عثمان من

____________________

(١) مروج الذهب للمسعودي ٣: ١٢٧ ١٢٨، و نقله الشارح بتصرّف.

(٢) الأغاني ١٦: ٢٣٣ ٢٣٤، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

قاتليه و أنت أعلم بهم و بخاذليه، فإن قلت: «إنّه قتل ظالما» قلنا: بقولك، و إن قلت: «إنّه قتل مظلوما» قلنا بقولنا، و إن وكلتنا إلى الشبهة آيسنا بعدك من إصابة البيّنة.

فقالعليه‌السلام عندي في عثمان و فيكم. استأثر فأساء الأثرة و جزعتم فأسأتم الجزع، و للّه عز و جل حكم واقع في المستأثر و الجازع( ١) .

و هوعليه‌السلام و إن أجمل في جواب أولئك العثمانيّة لكون سؤالهم في غير الموقع، إلاّ أنّه بيّن بأفعاله من إيوائه قاتليه، و دفاعه عنهم و بأقواله كما مرّ من قولهعليه‌السلام للخولاني: «إنّي ضربت هذا الأمر أنفه و عينه، فرأيت أنّه ما ينبغي لي أن أدفع قتلته إلى أحد»( ٢ ) و قولهعليه‌السلام لقرّاء الشام و العراق لمّا قالوا له: «إنّ معاوية يقول: إن كنت صادقا أنّك ما أمرت بقتل عثمان، و لا مالأت على قتله، فادفع إلينا قتلته أو أمكنّا منهم»: تأوّل القوم عليه القرآن، و قتلوه في سلطانه و ليس على أضرابهم [ ضربهم ] قود( ٣ ) ، أنّه كان مباح الدم، و به صرّح شيعته عمّار و غيره( ٤) .

و في (فواتح الميبدي): روى إبراهيم النخعي و أبو العالية أنّ قوله تعالى:

ثمّ إنّكم يوم القيامة عند ربّكم تختصمون( ٥ ) في شأن المسلمين، و ناظر إلى قتل عثمان و حرب صفين. و قوله تعالى: فمن أظلم ممّن كذب على اللّه و كذّب بالصّدق إذ جاءه أ ليس في جهنّم مثوى للكافرين. و الّذي جاء بالصّدق

____________________

(١) نهج البلاغة خطبة ٣٠.

(٢) وقعة صفّين: ٨٦، شرح ابن أبي الحديد ١٥: ٧٥.

(٣) وقعة صفّين: ١٨٩.

(٤) الإمامة و السياسة ١: ٦٧.

(٥) الزمر: ٣١.

و صدّق به اولئك هم المتّقون( ١ ) تفصيل اولئك الفرق( ٢) .

٦ - الكتاب (٣٨) و من كتاب لهعليه‌السلام إلى أهل مصر لما ولّى عليهم الأشتر:

مِنْ عَبْدِ اَللَّهِ؟ عَلِيٍّ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ؟ إِلَى اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ غَضِبُوا لِلَّهِ حِينَ عُصِيَ فِي أَرْضِهِ وَ ذُهِبَ بِحَقِّهِ فَضَرَبَ اَلْجَوْرُ سُرَادِقَهُ عَلَى اَلْبَرِّ وَ اَلْفَاجِرِ وَ اَلْمُقِيمِ وَ اَلظَّاعِنِ فَلاَ مَعْرُوفٌ يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ وَ لاَ مُنْكَرٌ يُتَنَاهَى عَنْهُ قول المصنّف: «و من كتاب لهعليه‌السلام إلى أهل مصر لمّا ولّى عليهم الأشتر» روى الطبري عن أبي مخنف، عن فضيل بن خديج، عن مولى للأشتر قال: لمّا هلك الأشتر وجدنا في ثقله رسالة عليّعليه‌السلام إلى أهل مصر: «من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى امّة المسلمين الذين غضبوا للّه حين عصي في الأرض، و ضرب الجور بأرواقه على البرّ و الفاجر، فلا حقّ يستراح إليه، و لا منكر يتناهى عنه»( ٣) .

و رواه (غارات الثقفي) تارة عن المدائنيّ و اخرى عن الشعبيّ( ٤) .

و رواه (أمالي المفيد) أيضا عن الشعبيّ عن صعصعة( ٥) .

و أمّا رواية (الاختصاص)( ٦ ) المنسوب إلى المفيد أيضا فنسبته غير

____________________

(١) الزمر: ٣٢ ٣٣.

(٢) كتاب الفواتح للميبدي، مخطوط.

(٣) تاريخ الطبري ٥: ٩٦، سنة ٣٨.

(٤) الغارات ١: ٢٦٣ ٢٦٦.

(٥) الأمالي للمفيد: ٧٩ ٨٢ عن إبراهيم بن محمّد الثقفي، و في الاختصاص عن الشعبي.

(٦) الاختصاص: ٧٩ ٨٠.

معلومة حيث إنّ كتب المفيد طرزها غير طرزه. و خبر (الاختصاص) غير صحيح حيث تضمّن قتل محمّد بن أبي بكر قبل الأشتر، و هو خلاف الواقع( ١) .

قولهعليه‌السلام : «من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين» روى الكنجيّ الشافعيّ بإسناده عن ابن عبّاس قال: قال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما أنزل اللّه تعالى آية فيها يا أيّها الذين آمنوا إلاّ و عليّ رأسها و أميرها( ٢ ) «إلى القوم الذين غضبوا للّه» مدحهعليه‌السلام أهل مصر مع كونهم قتلة عثمان بأنّهم غضبوا للّه، دالّ على كون قتل عثمان عملا مرضيّا عند اللّه تعالى فضلا عن إباحته.

و في (الطبريّ): ذكر في سبب مسير المصريين إلى عثمان، و نزولهم ذا خشب أمور كثيرة، و منها ما أعرضت عن ذكره كراهة منّي ذكره، لبشاعته( ٣) .

و قال أيضا: قد ذكرنا كثيرا من الامور التي ذكر قاتلوه أنّهم جعلوها ذريعة إلى قتله، فأعرضنا عن ذكر كثير منها، لعلل دعت إلى الإعراض عنها( ٤) .

قلت: العجب من الرجل يستقصي روايات السريّ عن شعيب، عن سيف مع أنّ أكثرها مفتعلة قطعا، و يترك كثيرا من روايات المدائنيّ و الواقدي و غيرهما ممّن اتّفق على جلاله و صحّة رواياته.

و قال ابن أبي الحديد: هذا الفصل من كلامه يشكل عليّ تأويله، لأنّ أهل مصر هم الذين قتلوا عثمان، و إذا شهد أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّهم غضبوا للّه

____________________

(١) لا يخفى أنّ في تاريخ قتلهما رضوان اللّه عليهما اختلافا و لا يسمح المقام ذكر ذلك. انظر تاريخ اليعقوبي ٢:

١٩٤، تاريخ الطبري ٥: ٩٤، سنة ٣٨، مروج الذهب ٢: ٤٢٠، أسد الغابة ٤: ٣٢٤، الإصابة ٣: ٤٨٢، الأعلام ٥: ٢٥٩ و ٦: ٢١٩ ٢٢٠.

(٢) كفاية الطالب: ١٣٩ ١٤٠، نظم درر السمطين: ٨٩.

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٣٥٦، سنة ٣٥.

(٤) تاريخ الطبري: ٣٦٥، سنة ٣٥.

حين عصي في الأرض، فهذه شهادة قاطعة على عثمان بالعصيان، و إتيان المنكر( ١) .

ثمّ ذكر ابن أبي الحديد تأويلا ركيكا( ٢ ) . و لو صحّ تأويله لم يكن في الدنيا أمر باطل. أ فرأيت من اتّخذ إلهه هواة( ٣ ) و من لم ينفعه عيان لا يفيده برهان.

«حين عصي في أرضه» في (الطبري): كتب أهل مصر بالسقيا أو بذي خشب إلى عثمان بكتاب فجاء به رجل منهم حتّى دخل به عليه، فلم يردّ عليه شيئا، فأمر به فاخرج من الدار و كان أهل مصر الذين ساروا إلى عثمان ستّمائة رجل على أربعة ألوية لها رؤوس أربعة، مع كلّ رجل منهم لواء و كان جماع أمرهم إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي و كان من أصحاب النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و إلى عبد الرحمن بن عديس التّجيبيّ فكان في ما كتبوا إليه: بسم اللّه الرحمن الرحيم أمّا بعد فاعلم... أنّ اللّه لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم...( ٤ ) . فاللّه اللّه ثمّ اللّه اللّه فإنّك على دنيا فاستتمّ إليها معها آخرة، و لا تنس [ لا تلبس ] نصيبك من الآخرة فلا تسوغ لك الدنيا. و اعلم [ أنّا ] و اللّه للّه نغضب، و في اللّه نرضى و أنّا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتّى تأتينا منك توبة مصرّحة، أو ضلالة مجلّحة مبلجة. فهذه مقالتنا لك، و قضيتنا إليك، و اللّه عذيرنا منك( ٥) .

«و ذهب بحقّه» في (الطبري): خرجت عائشة إلى مكّة و عثمان محصور،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٥٦.

(٢) المصدر نفسه: ١٥٧.

(٣) الجاثية: ٢٣.

(٤) الرعد: ١١.

(٥) تاريخ الطبري ٤: ٣٦٩، سنة ٣٥.

فقدم عليها رجل يقال له أخضر، فقالت: ما صنع الناس؟ فقال: قتل عثمان المصريّين. قالت عائشة: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون أ يقتل عثمان قوما يطلبون الحقّ و ينكرون الظلم و اللّه لا نرضى بهذا. ثمّ قدم آخر فقالت عائشة له: ما صنع الناس؟ قال: قتل المصريّون عثمان. قالت: العجب لأخضر، زعم أنّ المقتول هو القاتل فكان يضرب به المثل: أكذب من أخضر( ١) .

قلت: أخضر أيضا ما كذب. أراد عثمان قتل المصريين فكتب سرّ إلى ابن أبي سرح بقتلهم، إلاّ أنّ لم يرد ذلك فرأوا رسوله و كتابه معه بذلك فرجعوا و قتلوه( ٢) .

«فضرب الجور سرادقه على البرّ و الفاجر و المقيم» أي: البلديّ.

«و الظاعن» أي: الغريب المرتحل.

في (الطبريّ): قال محمّد بن السائب الكلبيّ: إنّما ردّ أهل مصر إلى عثمان بعد انصرافهم عنه أنّه أدركهم غلام لعثمان على جمل له بصحيفة إلى أمير مصر أن يقتل بعضهم، و يصلب بعضهم. فلمّا أتوا عثمان، قالوا: هذا غلامك؟ قال: هذا غلامي انطلق بغير علمي. قالوا: جملك. قال: اخذ من الدار بغير أمري. قالوا: خاتمك. قال: نقش عليه. فقال ابن عديس التجيبيّ حين أقبل أهل مصر:

أقبلن من بلبيس و الصعيد

خوصا كأمثال القسيّ قود

مستحقبات حلق الحديد

يطلبن حقّ اللّه في الوليد

و عند عثمان و في سعيد

يا ربّ فارجعنا بما نريد( ٣)

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٤٤٩، سنة ٣٦.

(٢) المصدر نفسه ٤: ٣٦٧ ٣٦٨، سنة ٣٥.

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٣٦٨، سنة ٣٥.

و عن سفيان بن أبي العوجاء: قدم المصريّون القدمة الأولى، فكلّم عثمان بن محمّد بن مسلمة، فخرج في خمسين راكبا من الأنصار، فأتوهم بذي خشب فردّهم، و رجع القوم حتّى إذا كانوا بالبويب، وجدوا غلاما لعثمان معه كتاب إلى عبد اللّه بن سعد، فكرّوا، فانتهوا إلى المدينة، و قد تخلّف بها من الناس الأشتر و حكيم بن جبلة، فأتوا بالكتاب، فأنكر عثمان أن يكون كتبه، و قال: هذا مفتعل. قالوا: فالكتاب كتاب كاتبك قال: أجل، و لكنّه كتب بغير أمري. قالوا: فإنّ الرسول الذي وجدنا معه الكتاب غلامك قال: أجل، و لكنّه خرج بغير إذني. قالوا: فالجمل جملك. قال: أجل، و لكنّه اخذ بغير علمي. فقالوا:

ما أنت إلاّ صادق أو كاذب فإن كنت كاذبا فقد استحققت الخلع، لما أمرت به من سفك دمائنا بغير حقّها، و إن كنت صادقا فقد استحققت أن تخلع لضعفك و غفلتك و خبث بطانتك لأنّه لا ينبغي لنا أن نترك على رقابنا من يقتطع مثل هذا الأمر دونه لضعفه و غفلته. و قالوا له أيضا: إنّك ضربت رجالا من أصحاب النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين يعظونك و يأمرونك بمراجعة الحقّ عند ما يستنكرون من أعمالك فأقد من نفسك من ضربته و أنت له ظالم. فقال: الإمام يخطى‏ء و يصيب، فلا أقيد من نفسي لأنّي لو أقدت كلّ من أصبته بخطأ آتي على نفسي، و قالوا له: إنّك أحدثت أحداثا عظيمة [ عظاما ] فاستحققت بها الخلع فإذا كلّمت فيها أعطيت التوبة ثمّ عدت إليها و إلى مثلها، ثمّ قدمنا عليك فأعطيتنا التوبة و الرجوع إلى الحقّ و لا منا فيك محمّد بن مسلمة، و ضمن لنا ما حدث من أمر، فأخفرته فتبرّأ منك، و قال: لا أدخل في أمره. فرجعنا أوّل مرّة لنقطع حجّتك و نبلغ أقصى الإعذار إليك، و نستظهر باللّه عزّ و جلّ عليك، فلحقنا كتاب منك إلى عاملك [ علينا ] تأمره فينا بالقتل و القطع و الصلب. و زعمت أنّه كتب بغير علمك. و هو مع غلامك و على جملك و بخطّ كاتبك و عليه خاتمك، فقد

وقعت عليك بذلك التهمة القبيحة، مع ما بلونا منك قبل ذلك من الجور في الحكم، و الأثرة في القسمة [ القسم ] و العقوبة للأمر بالقسط، و إظهار التوبة، ثمّ الرجوع إلى الخطيئة إلى أن قال بعد ذكر قول عثمان لهم: إنّه يتوب: قالوا: إن كان هذا أوّل حدث أحدثته ثمّ تبت منه و لم تقم عليه، لكان علينا أن نقبل منك، و لكنّه قد كان منك من الأحداث قبل هذا ما قد علمت إلى أن قال: ثمّ انصرفوا عنه و آذنوه بالحرب، و أرسل عثمان إلى محمّد بن مسلمة أن يردّهم، فقال:

و اللّه لا أكذب اللّه في سنة مرّتين( ١) .

قلت: صدق المصريّون في استحقاق عثمان للخلع، إن صدق أنّ بعث كتاب بخطّ كاتبه على جمله مع غلامه بخاتمه في الأمر بقتل بعض، و قطع بعض، و صلب بعض بدون جناية كان بغير علمه، و إن كان كذب فيه. فيشهد به عقل كلّ عاقل ملحد أو موحّد. فما وجه قول إخواننا بإمامته مع أنّ كذبه كان أمرا بيّنا؟ فلو كان بغير علمه كيف لم يستعظم ذلك، و لم لا يؤاخذ غلامه بذلك؟

و في (الطبري) أيضا: لمّا سمع عثمان بوفد أهل مصر، استقبلهم، و كان في قرية له، فقالوا له: ادع بالمصحف. فدعا به. فقالوا له: افتح السابعة و كانوا يسمّون سورة يونس السابعة فقرأها حتّى أتى على قوله تعالى: قل أ رأيتم ما أنزل اللّه لكم من رزق فجعلتم منه حراما و حلالا قل آللّه أذِنَ لكم أم على اللّه تفترون( ٢ ) قالوا له: قف. أ رأيت ما حميت من الحمى؟ اللّه أذن لك إلى أن قال ثمّ أخذوه بأشياء لم يكن عنده منها مخرج. فعرفها، فقال: استغفر اللّه، فأخذوا ميثاقه إلى أن قال ثمّ رجع الوفد المصريّون راضين فبينا هم

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٧٥ ٣٧٧، سنة ٣٥، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

(٢) يونس: ٥٩.

في الطريق إذا هم براكب...( ١) .

«فلا معروف يستراح إليه، و لا منكر يتناهى عنه» في (الطبري): لمّا قال المصريّون لعثمان: ما هذا الكتاب الذي كتبت في قتلنا؟ و أنكره، قالوا: إنّا لا نعجّل عليك و إن كنّا قد اتّهمناك، اعزل عنّا عمّالك الفسّاق، و استعمل علينا من لا يتّهم على دمائنا و أموالنا، و اردد علينا مظالمنا.

قال عثمان: إذن ما أراني في شي‏ء إن كنت أستعمل من هويتم، و أعزل من كرهتم إذن الأمر أمركم قالوا: و اللّه لتفعلنّ أو لتعزلنّ أو لتقتلنّ، فانظر لنفسك أو دع. فأبى عليهم و قال: لم أكن لأخلع سربالا سربلنيه اللّه. فحصروه أربعين ليلة( ٢) .

قلت: لعمر اللّه ذاك السربال لم يسربله اللّه، بل سربله عمر بتدبير الشورى شكرا له بما كتب عن أبي بكر في غشوته استخلافه له.

٧ - الخطبة (١٦٤) و من كلام لهعليه‌السلام : قالوا: لما اجتمع الناس عليه، و شكوا ما نقموه على عثمان، و سالوه مخاطبته عنهم و استعتابه لهم، فدخل عليه، فقال:

إِنَّ اَلنَّاسَ وَرَائِي وَ قَدِ اِسْتَسْفَرُونِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ وَ وَ اَللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ وَ لاَ أَدُلُّكَ عَلَى شَيْ‏ءٍ لاَ تَعْرِفُهُ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْ‏ءٍ فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ وَ لاَ خَلَوْنَا بِشَيْ‏ءٍ فَنُبَلِّغَكَهُ وَ قَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا وَ سَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا وَ صَحِبْتَ؟ رَسُولَ

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٥٤ ٣٥٥، سنة ٣٥، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

(٢) المصدر نفسه ٤: ٣٧١، سنة ٣٥.

اَللَّهِ ص؟ كَمَا صَحِبْنَا وَ مَا؟ اِبْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ وَ لاَ؟ اِبْنُ اَلْخَطَّابِ؟ بِأَوْلَى بِعَمَلِ اَلْحَقِّ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى؟ رَسُولِ اَللَّهِ ص؟

وَشِيجَةَ رَحِمٍ مِنْهُمَا وَ قَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِهِ مَا لَمْ يَنَالاَ فَاللَّهَ اَللَّهَ فِي نَفْسِكَ فَإِنَّكَ وَ اَللَّهِ مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمًى وَ لاَ تُعَلَّمُ مِنْ جَهْلٍ وَ إِنَّ اَلطُّرُقَ لَوَاضِحَةٌ وَ إِنَّ أَعْلاَمَ اَلدِّينِ لَقَائِمَةٌ فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اَللَّهِ عِنْدَ اَللَّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ هُدِيَ وَ هَدَى فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً وَ أَمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةً وَ إِنَّ اَلسُّنَنَ لَنَيِّرَةٌ لَهَا أَعْلاَمٌ وَ إِنَّ اَلْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ لَهَا أَعْلاَمٌ وَ إِنَّ شَرَّ اَلنَّاسِ عِنْدَ اَللَّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَ ضُلَّ بِهِ فَأَمَاتَ سُنَّةً مَأْخُوذَةً وَ أَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكَةً وَ إِنِّي سَمِعْتُ؟ رَسُولَ اَللَّهِ ص؟ يَقُولُ يُؤْتَى يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ بِالْإِمَامِ اَلْجَائِرِ وَ لَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَ لاَ عَاذِرٌ يُلْقَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ اَلرَّحَى ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا وَ إِنِّي أَنْشُدُكَ اَللَّهَ أَلاَّ تَكُونَ إِمَامَ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ اَلْمَقْتُولَ فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ يُقْتَلُ فِي هَذِهِ اَلْأُمَّةِ إِمَامٌ يَفْتَحُ عَلَيْهَا اَلْقَتْلَ وَ اَلْقِتَالَ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ وَ يَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا وَ يُثَبِّثُ اَلْفِتَنَ فِيهَا فَلاَ يُبْصِرُونَ اَلْحَقَّ مِنَ اَلْبَاطِلِ يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجاً وَ يَمْرُجُونَ فِيهَا مَرْجاً فَلاَ تَكُونَنَّ؟ لِمَرْوَانَ؟

سَيِّقَةً يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلاَلِ اَلسِّنِّ وَ تَقَضِّي اَلْعُمُرِ فَقَالَ لَهُ؟ عُثْمَانُ؟

كَلِّمِ اَلنَّاسَ فِي أَنْ يُؤَجِّلُونِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَظَالِمِهِمْ فَقَالَ ع مَا كَانَ؟ بِالْمَدِينَةِ؟ فَلاَ أَجَلَ فِيهِ وَ مَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ إِلَيْهِ أقول: رواه المدائني كما في (جمل المفيد) عن علي بن صالح قال: ذكر

ابن دأب أنّه لمّا عاب الناس على عثمان ما عابوا، كلّموا عليّاعليه‌السلام فيه فدخل عليه...( ١) .

و رواه (العقد الفريد) مختصرا عن ابن دأب أيضا( ٢) .

و رواه الطبري في ثلاث روايات: روى في إحداها صدره إلى قولهعليه‌السلام :

«فلا تكوننّ لمروان سيّقة»( ٣ ) . و في اخرى قولهعليه‌السلام : «فلا تكوننّ»... و في ثالثة قولهعليه‌السلام : «ما كان بالمدينة»...

ففيه: زعم الواقديّ أنّ عبد اللّه بن محمد حدّثه عن أبيه، قال: لمّا كانت سنة (٣٤) كتب أصحاب النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعضهم إلى بعض: أن أقدموا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد. و كثّر الناس على عثمان، و نالوا منه أقبح ما نيل من أحد، و أصحاب النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرون و يسمعون ليس فيهم أحد ينهى و لا يذبّ أي عن عثمان إلاّ نفير زيد بن ثابت، و أبو أسيد الساعديّ، و كعب بن مالك و حسّان. فاجتمع الناس، و كلّموا عليّاعليه‌السلام . فدخل على عثمان فقال: «الناس ورائي، و قد كلّموني فيك، و اللّه ما أدري ما أقول لك إلى «و يمرجون مرجا» مثله مع اختلاف يسير. ثمّ بعده: فقال له عثمان: قد و اللّه علمت، ليقولنّ الذي قلت، أما و اللّه لو كنت مكاني ما عنّفتك، و لا أسلمتك، و لا عبت عليك، و لا جئت منكرا أن وصلت رحما، و سددت خلّة، و آويت ضائعا، و ولّيت شبيها بمن كان عمر يولّي. أنشدك اللّه يا علي، هل تعلم أنّ المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال:

نعم. قال: فتعلم أنّ عمر ولاّه؟ قال: نعم. قال: فلم تلومني أن ولّيت ابن عامر في رحمه و قرابته؟ قال عليّعليه‌السلام : سأخبرك إنّ عمر كان كلّ من ولّى فإنّما يطأ

____________________

(١) الجمل: ١٨٧ ١٨٨.

(٢) العقد الفريد ٥: ٥٨.

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٣٣٧، سنة ٣٤.

على صماخه، و إن بلغه عنه حرف جلبه، ثمّ بلغ به أقصى الغاية، و أنت لا تفعل، ضعفت و رققت [ رفقت ] على أقربائك.

قال عثمان: هم أقرباؤك أيضا. فقال عليّعليه‌السلام : لعمري إنّ رحمهم منّي لقريبة، و لكنّ الفضل في غيرهم. قال عثمان: هل تعلم أنّ عمر ولّى معاوية خلافته كلّها؟ فقد ولّيته. فقال عليّعليه‌السلام : أنشدك اللّه هل تعلم أنّ معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه؟ قال: نعم. قال عليّعليه‌السلام : فإنّ معاوية يقتطع الامور دونك و أنت لا تعلمها [ تعلمها ] فيقول للناس: هذا أمر عثمان، فيبلغك و لا تغيّر على معاوية.

ثمّ خرج عليّعليه‌السلام من عنده، و خرج عثمان على أثره، فجلس على المنبر و قال: إنّ لكلّ شي‏ء آفة، و لكلّ أمر عاهة، و إنّ آفة هذه الامّة، و عاهة هذه النعمة، عيّابون طعّانون يرونكم ما تحبّون، و يسرّون ما تكرهون يقولون لكم و تقولون، أمثال النعام يتبعون أوّل ناعق أحبّ مواردها إليها البعيد، لا يشربون إلاّ نغصا و لا يردون إلاّ عكرا، لا يقوم لهم رائد، و قد أعيتهم الامور، و تعذّرت عليهم المكاسب. أما [ ألا فقد ] و اللّه عبتم عليّ بما أقررتم لابن الخطاب بمثله، و لكنّه وطأكم برجله، و ضربكم بيده، و قمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، و لنت لكم، و أوطأت لكم كتفي، و كففت يدي و لساني عنكم، فاجترأتم عليّ. أما و اللّه أنا لأعزّ [ لأنا أعزّ ] نفرا، و أقرب ناصرا، و أكثر عددا، و أقمن إن قلت هلمّ [ أتي ] إليّ و لقد أعددت لكم أقرانكم، و أفضلت عليكم فضولا، و كشرت لكم عن نابي، و أخرجتم منّي خلقا لم أكن أحسنه، و منطقا لم أنطق به، فكفّوا عليكم ألسنتكم، و طعنكم و عيبكم على ولاتكم، فإنّي قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلّمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا. ألا فما تفقدون من حقّكم؟ و اللّه ما قصّرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي، و من لم

تكونوا تختلفون عليه و أفضل [ فضل فضل من مال ]، فمالي لا أصنع في الفضل ما اريد فلم كنت إماما فقام مروان فقال: إن شئتم حكّمنا و اللّه بيننا و بينكم السيف، نحن و اللّه و أنتم كما قال الشاعر:

فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم

معارسكم تبنون في دمن الثّرى( ١)

قول المصنف: «و من كلام لهعليه‌السلام » زاد في (ابن أبي الحديد):

«لعثمان»( ٢ ) . و لعلّه كان حاشية خلط بالمتن، فليس في (ابن ميثم)( ٣ ) و نسخة نهجه كانت بخطّ مصنّفه.

«لمّا اجتمع الناس عليه» هكذا في (المصرية)( ٤ ) ، و الصواب: «إليه» كما في (ابن ميثم)( ٥ ) . لكن في (ابن أبي الحديد) بدل الكلام: «قالوا لمّا اجتمع الناس إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام »( ٦) .

«و شكوا ممّا نقموه على عثمان» هكذا في (المصرية)( ٧ ) ، و في (ابن ميثم): «و شكوا ما نقموه على عثمان»( ٨ ) . و في (ابن أبي الحديد): «و شكوا إليه ما نقموه على عثمان»( ٩) .

«و سألوه مخاطبته عنهم» ليس في (ابن أبي الحديد) كلمة «عنهم»( ١ ) ٠.

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٣٦ ٣٣٩، سنة ٣٤.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٢٦١.

(٣) شرح ابن ميثم ٣: ٣٠١.

(٤) نهج البلاغة ٢: ٨٤.

(٥) في شرح ابن ميثم ٣: ٣٠١ أيضا: «عليه».

(٦) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٢٦١.

(٧) نهج البلاغة ٢: ٨٤.

(٨) في شرح ابن ميثم ٣: ٣٠١ أيضا: «ممّا».

(٩) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٢٦١.

(١٠) المصدر نفسه.

«و استعتابه» أي: طلب رجوعه عن أعماله الشنيعة.

«لهم فدخل عليه» و في (ابن أبي الحديد): «على عثمان»( ١) .

«فقال» كالتأكيد لقوله «و من كلام له» فلو أسقط لم يكن الكلام ناقصا.

قولهعليه‌السلام : «إنّ الناس ورائي» ليس كلمة «ورائي» في نسخة (ابن ميثم)( ٢) .

«و قد استسفروني» أي: اتّخذوني سفيرا، أي: رسولا.

«بينك و بينهم. و واللّه» و في (ابن ميثم): «و اللّه»( ٣) .

«ما أدري ما أقول لك» لأنّ التنبيه على قبح الظلم و الجور تنبيه على البديهيات.

«ما أعرف شيئا تجهله و لا أدلّك على شي‏ء» هكذا في (المصرية)( ٤ ) و الصواب: «على أمر» كما في (ابن أبي الحديد( ٥ ) ، و الخطيّة).

«لا تعرفه. إنّك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شي‏ء فنخبرك عنه، و لا خلونا بشي‏ء فنبلغكه، و قد رأيت كما رأينا، و سمعت كما سمعنا، و صحبت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما صحبنا».

قال ابن أبي الحديد: أقسمعليه‌السلام في قوله: «و اللّه...» على أنّه لا يعرف أمرا يجهله عثمان، أي: من هذه الأحداث خاصّة. و هذا حقّ، لأنّ عليّاعليه‌السلام لم يكن يعلم منها ما يجهله عثمان، بل كان أحداث الصبيان فضلا عن العقلاء

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٢٦١.

(٢) في شرح ابن ميثم ٣: ٣٠٢ «ورائي» أيضا.

(٣) في شرح ابن ميثم ٣: ٣٠٢ «و و اللّه» أيضا.

(٤) نهج البلاغة ٢: ٨٤.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٢٦١.

و المميّزين، يعلمون وجهي الصواب و الخطأ فيها( ١) .

قلت: الأمر كما ذكر من أنّ المراد أنّ عثمان كان يعلم كما يعلم أمير المؤمنينعليه‌السلام و باقي الناس: أنّ أعماله من بذل بيت مال المسلمين، و بذل الأخماس حقوق أهل بيت النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأقاربه من بني اميّة أعداء النّبي و أعداء الدين( ٢ ) و ردّه عمّه الحكم بن أبي العاص طريد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( ٣ ) و تولية أخيه لامّه الوليد بن عقبة الفاسق بنصّ القرآن بإجماع الامّة، و الذي كان يشرب الخمر و يصلّي الصبح في حال السكر بالناس أربعا، و يغنّي في الصلاة، و يتكلّم فيها، و يقول للناس: إن تحبّوا الزيادة على أربع ركعات أزيدكم( ٤ ) و توليته ابن أبي سرح الذي كان النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أباح دمه، و أمر بقتله و لو رأوه متعلّقا بأستار الكعبة( ٥ ) ، امور منكرة يعلمها جميع الناس حتّى النساء و الصبيان إلاّ أنّه كان يغالط فأجاب أمير المؤمنينعليه‌السلام بأنّه لو كان مكانه و فعل ما أنكر عليه، ما عابه. فمع كونه من المحالات فإنّهعليه‌السلام هو الذي عامل مع أخيه لمّا طلب زيادة صاع برّ على حقّه ما عامل( ٦ ) ، و على فرضه فهو أيضا من عدم مبالاته بالدين و إلاّ فإنكار المنكر واجب و سمّى إركابه أعداء الدين على رقاب الناس صلة رحم و مجرّد مودّة أرحام مثلهم منكر. أ لم يقل جلّ و علا: لا تجد قوما يؤمنون باللّه و اليوم الآخر يوادّون من حادّ اللّه

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٢٦٢ ٢٦٣.

(٢) أنساب الأشراف، الإمامة و السياسة ١: ٣٢، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٧٣، الأغاني ٦: ٢٦٨ ٢٦٩.

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٧٣، الطبقات الكبرى ٥: ٤٤٧، الاستيعاب ١: ٣١٧ ٣١٩، الشافي في الإمامة ٤: ٢٢٨.

(٤) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٧٣، مروج الذهب ٢: ٣٤٣ ٣٤٤.

(٥) تاريخ الطبري ٣: ٥٨، سنة ٨.

(٦) نهج البلاغة ٢: ٢٤٣ ٢٤٤، الخطبة ٢٢٤ و شرح ابن أبي الحديد ٤: ٩٢.

و رسوله و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم...( ١ ) ؟

و سمّى تمكينهم من «خضم مال اللّه خضم الإبل نبتة الربيع»( ٢ ) سدّ خلّة الأرحام( ٣ ) و سمّى ردّ من أمر اللّه رسوله بتبعيده إيواء ضائعهم( ٤ ) و تولية من كان مثل المغيرة من ولاة عمر( ٥) .

و ما أبلهه حيث أراد مغالطة مثل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، المتنمّر في ذات اللّه بتلك المغالطات.

و تولية عمر المغيرة أيضا كان أمرا منكرا، فكان نفاقه و خبثه أمرا بيّنا.

و لذا قال عثمان لهعليه‌السلام : «هل تعلم أن المغيرة ليس هناك»( ٦ ) إلاّ أنّهعليه‌السلام لعدم تمكّنه من تخطئة عمر ما شاه بأن قال له: «إنّ عمر إن كان بلغه عمّن ولاّه حرف جلبه ثمّ بلغ به أقصى الغاية، و أنت لا تفعل»( ٧ ) إلاّ أنّ عمر كان يجلب من بلغه عنه حرف، سياسة لا ديانة فإن لم يكن له داع فيه عزله و صادره و عاقبه، و إلاّ فيعمل معه عملا يموّه به على الناس، فجلب المغيرة من صادره و عاقبه، و إلاّ فيعمل معه عملا يموّه به على الناس فجلب المغيرة من البصرة لمّا شهدوا عليه بالزنا، إلاّ أنّه لاحتياجه إلى دهائه منع الشاهد الرابع و هو زياد عن أداء شهادته عليه بالزنا كاملة، و ضرب باقي الشهود. ثمّ ولاّه الكوفة فصار غضب عمر على المغيرة بعزله عن البصرة

____________________

(١) المجادلة: ٢٢.

(٢) من الخطبة ٣ (الشقشقيّة)، انظر نهج البلاغة ١: ٣٠. و قال ابن الأثير في النهاية ٢: ٤٤، في حديث عليّرضي‌الله‌عنه «فقام إليه بنو اميّة يخضمون مال اللّه خضم الإبل نبتة الربيع». الخضم: الأكل بأقصى الأضراس.

(٣) الشافي في الإمامة ٤: ٢٧٥، شرح ابن أبي الحديد ٣: ٣٦.

(٤) تاريخ الطبري ٤: ٣٣٨، سنة ٣٤، شرح ابن أبي الحديد ٩: ٢٦٤، بحار الأنوار، ط الكمباني ٨: ٣٢٣.

(٥) المصدر نفسه.

(٦) تاريخ الطبري ٤: ٣٣٨، سنة ٣٤، شرح ابن أبي الحديد ٩: ٢٦٤.

(٧) تاريخ الطبري ٤: ٣٣٨، سنة ٣٤.

و توليته الكوفة مثلا بين الناس( ١) .

و كذلك الكلام في تولية عمر لمعاوية فإنّه و إن كان أمير المؤمنينعليه‌السلام ماشى عثمان في جوابه «بأن معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه، إلاّ أنّ معاوية يقتطع الامور دونك»( ٢ ) و إلاّ فخوف معاوية من عمر إنّما كان لخوف عمر من معاوية، فكان معاوية لا يحسب عمر شيئا لكونه فوقه في الحسب لكونه من بني عبد مناف، و عمر من عديّ و لا دهاء فوق دهائه.

فكان عمر يقول: تصفون دهاء كسرى و قيصر و عندكم فتى قريش معاوية( ٣ ) فكان عمر يداقّه كاملا لئلاّ يزلزل أمره، و إلاّ فما فعل معاوية مع كونه من الشجرة الملعونة من قيامه في قبال أمير المؤمنينعليه‌السلام كان بواسطة تولية عمر له، فكان يحتجّ به حتّى حمل بذلك أهل الشام على قتال أمير المؤمنينعليه‌السلام ( ٤ ) الذي كان بمنزلة نفس النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنصّ القرآن( ٥) .

و لكون توليته أمرا منكرا أنكرعليه‌السلام على المغيرة لمّا أشار عليه بعد بيعة الناس له بأن يبقي معاوية على إمارته على الشام لئلاّ يزلزل أمره، ثمّ يعزله بأن قالعليه‌السلام له:... ما كنت متّخذ المضلّين عضدا( ٦) .

ثمّ إنّ عثمان اقتصر في الدفاع عن نفسه بأنّه إن ولّى ابن عامر المنافق فقد ولّى عمر المغيرة المنافق، و إن ولّى معاوية عدوّ الإسلام

____________________

(١) انظر تاريخ الطبري ٤: ٧٠ ٧٢، سنة ١٧، الأغاني ١٦: ٩٥ ٩٩.

(٢) تاريخ الطبريّ ٤: ٣٣٨، سنة ٣٤، شرح ابن أبي الحديد ٩: ٢٦٥.

(٣) تاريخ الطبري: ٣: ٢٦٤ ٢٦٥، دار الكتب العلمية.

(٤) وقعة صفّين: ٣٢.

(٥) إشارة إلى آية المباهلة ٦١ من سورة آل عمران.

(٦) وقعة صفّين: ٥٢، شرح ابن أبي الحديد ٣: ٨٤ و الآية ٥١ من سورة الكهف.

فقد ولاّه عمر طول خلافته( ١) .

و لم يمكنه أن يقول لهعليه‌السلام : إنّ عمر دبّر خلافتي في الشورى بحكميّة ابن عوف مع علمه بأنّي أفعل ما أفعل لعرفانه أخلاقي و تهالكي لبني أبي، بل قال ذلك لي صريحا.

و في (العقد): كان عليّعليه‌السلام كلّما اشتكى الناس أمر عثمان، أرسل ابنه الحسن إليه، فلمّا أكثر عليه قال له: إنّ أباك يرى أنّ أحدا لا يعلم ما يعلم، و نحن أعلم بما نفعل، فكفّ عنّا فلم يبعث عليّعليه‌السلام ابنه في شي‏ء بعد ذلك( ٢) .

قلت: قولهعليه‌السلام : «إنّك لتعلم ما نعلم» إشارة إلى كلام عثمان فتسلّمعليه‌السلام قول عثمان «إنّه يعلم ما يعلم هو» لكنّه غير مراده، و هذا في غاية اللطافة في جواب الخصم.

«و ما ابن أبي قحافة و لا ابن الخطّاب أولى» هكذا في (المصرية)( ٣ ) و الصواب: «بأولى» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم( ٤ ) و الخطية).

«بعمل الحقّ منك» في (خلفاء ابن قتيبة): ذكروا أنّ ابن عبّاس قال: خرجت إلى المسجد فإنّي لجالس فيه مع عليّعليه‌السلام حين صلّيت العصر، إذ جاء رسول عثمان يدعو عليّاعليه‌السلام فقال: انطلق معي. فأقبلت معه فإذا طلحة و الزبير و سعد و اناس من المهاجرين، فجلسنا فإذا عثمان عليه ثوبان أبيضان، فسكت القوم، و نظر بعضهم إلى بعض، فقال عثمان: إنّ ابن عمّي معاوية قد كان غائبا عنكم و عمّا نلتم منّي، و ما عاتبتموني، و قد سألني أن يكلّمكم إلى أن قال:

و خرج القوم و أمسك عثمان ابن عبّاس، و قال له: يا ابن عمّي و ابن

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٣٨، سنة ٣٤.

(٢) العقد الفريد ٥: ٥٨ ٥٩.

(٣) نهج البلاغة ٢: ٨٥.

(٤) هكذا في شرح ابن أبي الحديد ٩: ٢٦١، و في شرح ابن ميثم ٣: ٣٠٢ أيضا: أولى.

خالتي، لم يبلغني عنك شي‏ء احبّه و لا شي‏ء أكرهه، أنت لا عليّ و لا لي، و قد علمت أنّك رأيت بعض ما رأى الناس، فمنعك عقلك و حلمك من أن تظهر ما أظهروا، و قد أحببت أن تعلمني رأيك في ما بيني و بينك فأعتذر. فقال له ابن عبّاس: و اللّه لوددت أنّك لم تفعل ما فعلت ممّا ترك الخليفتان قبلك، فإن كان شيئا تركاه لما رأيا أنّه ليس لهما علمت أنّه ليس لك كما لم يكن لهما، و إن كان ذلك لهما فتركاه خيفة أن ينال منهما مثل الذي نيل منك، تركته لما تركاه له، و لمن يكونا أحقّ بإكرام أنفسهما منك بإكرام نفسك، قال: فما منعك أن تشير عليّ بهذا قبل أن أفعل ما فعلت؟ قال: و ما علمي أنّك تفعل ذلك قبل أن تفعل؟

قال: فهب لي صمتا حتّى ترى رأيي( ١) .

و روى الطبري: أنّ محمّد بن أبي بكر لمّا قعد على صدر عثمان لقتله، و أخذ لحيته، قال له عثمان: ما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه. فقال له محمّد بن أبي بكر: لو رآك أبي تعمل هذه الأعمال أنكرها عليك( ٢) .

و روى الزبير بن بكّار أنّ عمر لمّا أتى بجوهر كسرى، وضع في المسجد، فطلعت عليه الشمس فصار كالجمر، فقال لخازن بيت المال: ويلك [ ويحك ] أرحني من هذا، و اقسمه بين المسلمين، فإنّ نفسي تحدّثني أنّه سيكون في هذا بلاء و فتنة بين الناس. فقال: إن أقسمته [ قسمته ] بين المسلمين لم يسعهم، و ليس أحد يشتريه لأنّ ثمنه عظيم، و لكن تدعه إلى قابل، فعسى اللّه أن يفتح على المسلمين بمال فيتشريه منهم من يشتريه. قال:

ارفعه و أدخله بيت المال.

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٢٩ ٣١، و نقله الشارح بتلخيص.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٣٩٣، سنة ٣٥.

و قتل عمر و هو بحاله، فأخذه عثمان لمّا ولّي الخلافة فحلّى به بناته( ١) .

«و أنت أقرب إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و شيجة» أي: اشتباك.

«رحم منهما» كان عثمان يجتمع مع النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جدّه الرابع عبد مناف، و أبو بكر يجتمع معهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جدّه السابع مرّة بن كعب، و عمر في جدّه الثامن كعب بن لؤي، و كانت امّ عثمان أروى بنت كريز، و امّها البيضاء بنت عبد المطلّب، فأمّه كانت من عبد شمس ابن عبد مناف، و امّ امّه من هاشم، و أمّ أبي بكر كانت سلمى من تيم مثله، و امّ عمر كانت حنتمة من مخزوم فهو كان أقرب في النسب أمّا و أبا( ٢) .

«و قد نلت من صهره ما لم ينالا» فتزوّج عثمان برقيّة، ثمّ بعد موتها بامّ كلثوم بنتي النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و كانتا قبله عند عتبة بن أبي لهب، و عتيبة بن أبي لهب.

و أبو بكر و عمر لم ينالا صهريّة منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكن تزوّجصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بابنتيهما و لم ينل ذلك عثمان.

هذا، و قال ابن أبي الحديد: قولهعليه‌السلام : «و أنت أقرب إلى ما لم ينالا» كلام موضع المثل: «يسر حسوا في ارتغاء»، و مراده تفضيل نفسه عليهما، لأنّ العلّة التي باعتبارها فضّل عثمان عليهما محقّقة فيه و زيادة لأنّ له مع المنافيّة الهاشمية( ٣) .

قلت: بل كلام ابن أبي الحديد موضع التهوّع أين أمير المؤمنين الذي هو كنفس النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و أين ابن أبي قحافة و ابن الخطّاب و ابن عفّان الذين لم يكن فيهم شي‏ء سوى أن نالوا ملكا معجلا غصبا فتنة للناس؟... هل يستوي

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٩: ١٦.

(٢) جمهرة أنساب العرب لابن حزم الأندلسي: ١٣، ١٥، ٧٤، ٧٥، ١٣٥، ١٣٦، ١٤٤، ١٤٩، ١٥٠، ١٥١.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٢٦٣.

الّذين يعلمون و الذين لا يعلمون...( ١ ) ... أم هل تستوي الظّلمات و النّور...( ٢ ) ... فما لكم كيف تحكمون( ٣) .

«فاللّه اللّه في نفسك فإنّك و اللّه ما تبصّر من عمى، و لا تعلّم من جهل، و إنّ الطرق لواضحة، و إنّ أعلام الدين» أي: راياته.

«لقائمة» يبصرها كلّ أحد.

في (الطبري): لمّا انصرف المصريون بواسطة عليّعليه‌السلام طلب من عثمان أن يتكلّم بكلام يشهدون عليه بنزوعه و إنابته لئلاّ يقدم ركب آخر لتمخّض البلاد عليه، فخرج فخطب فقال: أيّها الناس، و اللّه ما عاب من عاب منكم شيئا أجهله، و ما جئت شيئا إلاّ و أنا أعرفه، و لكنّي منّتني نفسي و كذّبتني، و ضلّ عنّي رشدي، و لقد سمعت النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: «من زلّ فليتب، و من أخطأ فليتب، و لا يتمادى في الهلكة، إنّ من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق»، فأنا أوّل من اتّعظ( ٤) .

«فاعلم» و في (ابن ميثم): «و اعلم»( ٥) .

«أنّ أفضل عباد اللّه عند اللّه إمام عادل هدي و هدى، فأقام سنّة معلومة، و أمات بدعة مجهولة» قال تعالى: و جعلناهم أئمّة يهدون بأمرنا و أوحينا إليهم فعل الخيرات و إقام الصّلاة و إيتاء الزكاة و كانوا لنا عابدين( ٦) .

«و إنّ السنن لنيّرة» كالنجوم، و يقال للشمس و القمر: النّيران.

____________________

(١) الزمر: ٩.

(٢) الرعد: ١٦.

(٣) يونس: ٣٥.

(٤) تاريخ الطبريّ ٤: ٣٦٠ ٣٦١، سنة ٣٥.

(٥) في شرح ابن ميثم المطبوع ٣: ٣٠٢ أيضا فاعلم.

(٦) الأنبياء: ٧٣.

«لها أعلام» أي: علائم فلا يمكن لأحد أن يدخل فيها البدع.

«و إنّ البدع لظاهرة» كالنار على المنار.

«لها أعلام» فلا يمكن لأحد أن يجعلها من السنن.

فبيت المال، السنّة فيه كانت معلومة من وجوب صرفه في مصالح الإسلام و المسلمين، و بذل عثمان له لبني اميّة أعداء الإسلام بدعة واضحة، و تسمية عثمان فعله صلة الرحم مخزاة له فإنّ مورد صلة الرحم بذل الإنسان مال شخصه لرحمه الذي كان رضى اللّه في صلته، و أمّا من كان من أعداء اللّه فلا يجوز إعطاؤه من ماله فضلا عن مال غيره.

«و إنّ شرّ الناس عند اللّه إمام جائر ضلّ و ضلّ به، فأمات سنّة مأخوذة، و أحيا بدعة متروكة». قال تعالى: و جعلناهم أئمّة يدعون إلى النّار و يوم القيامة لا ينصرون. و أتبعناهم في هذه الدّنيا لعنة و يوم القيامة هم من المقبوحين( ١) .

«و إنّي سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر و ليس معه نصير و لا عاذر. يلقى» هكذا في (المصرية)( ٢ ) و الصواب: «فيلقى» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية).

«في نار جهنّم» و في (ابن ميثم)( ٣ ) : «في جهنّم»( ٤) .

«فيدور فيها كما تدور الرحى، ثمّ يرتبط في قعرها» و في نسخة (ابن ميثم):

«ثمّ يرتبك في قعرها و يرتبط»( ٥) .

____________________

(١) القصص: ٤١ ٤٢.

(٢) نهج البلاغة ٢: ٨٥.

(٣) هكذا في شرح ابن أبي الحديد ٩: ٢٦١، و لكن في شرح ابن ميثم ٣: ٣٠٢: أيضا يلقى.

(٤) في شرح ابن ميثم المطبوع ٣: ٣٠٢: أيضا في نار جهنّم.

(٥) في شرح ابن ميثم المطبوع ٣: ٣٠٢: أيضا ثمّ يرتبط في قعرها.

روى الثقفي في (تاريخه) عن ابن عبّاس قال: استأذن أبو ذرّ على عثمان فأبى أن يأذن له، فقال لي: استأذن لي عليه فرجعت فاستأذنت له عليه، قال:

إنّه يؤذيني. فقلت: عسى أن لا يفعل. فآذن له من أجلي، فلمّا دخل عليه قال: اتّق اللّه يا عثمان، فجعل يقول لعثمان: اتّق اللّه و عثمان يتوعّده، فقال أبو ذرّ: حدّثني النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه يجاء بك و بأصحابك يوم القيامة فتبطحون على وجوهكم، فتمرّ عليكم البهائم فتطأكم، كلّما مرّت اخراها ردّت اولاها حتّى يفصل بين الناس.

قال يحيى بن سلمة: فحدّثني العرزميّ أنّ في هذا الحديث: «ترفعون حتّى إذا كنتم مع الثريا ضرب بكم على وجوهكم فتطأكم البهائم»( ١) .

ثمّ إنّ كلام أمير المؤمنينعليه‌السلام واضح الدلالة على أنّ عثمان إمام جائر، قال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه ما قال، كما أنّ حديث أبي ذرّ صريح الدلالة فيه.

«و إنّي أنشدك» بالفتح.

«اللّه» و في (ابن ميثم): «يا عثمان إنّي أنشدك اللّه»( ٢) .

«أن لا تكون» هكذا في (المصرية)( ٣ ) و الصواب: «أن تكون» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٤) .

«إمام هذه الامّة المقتول، فإنّه كان يقال: يقتل في هذه الامّة إمام يفتح عليها» أي: على الامّة.

«القتل و القتال إلى يوم القيامة» روى (سنن أبي داود) عن ثوبان مولى النّبيّ عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إنّي سألت ربّي لامّتي أن لا يهلكها بسنة بعامّة، و لا يسلّط

____________________

(١) نقله عن الثقفي العلاّمة المجلسيّ في بحار الأنوار ط الكمباني ٨: ٣٣٦.

(٢) في شرح ابن ميثم المطبوع ٣: ٣٠٢: «و إنّي أنشدك» أيضا.

(٣) نهج البلاغة ٢: ٨٥.

(٤) هكذا في شرح ابن أبي الحديد ٩: ٢٦٢، و لكن في شرح ابن ميثم المطبوع ٣: ٣٠٢: «أن لا تكون» أيضا.

عليهم عدوّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم إلى أن قال: و إنّما أخاف على امّتي الأئمّة المضلّين، و إذا وضع السيف في امّتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة( ١) .

و في (الطبري): قال أبو معشر: بويع لعثمان سنة أربع و عشرين عام الرعاف، و إنّما قيل لهذه السنة عام الرعاف لأنّه كثر الرعاف فيها في الناس( ٢) .

قلت: بيعته عام الرعاف كانت دليلا على كثرة قتل الناس بسببه بغير حقّ، مثل سنة بيعة ابن عمّه يزيد بن معاوية.

قال ابن قتيبة في (خلفائه): قدم عمرو بن سعيد الأشدق من قبل يزيد أميرا على المدينة و على الموسم، فلمّا استوى على المنبر رعف، فقال اعرابيّ مستقبله: «مه جاءنا و اللّه بالدم»، فتلقّاه بعمامته، فقال: «مه عمّ و اللّه الناس»، ثمّ قام يخطب، فناوله عصا له شعبتان، فقال: «مه شعب و اللّه النّاس»( ٣) .

و في (صفّين نصر): قال رجل لعديّ بن حاتم يوم صفّين: أ لم أسمعك تقول يوم الدار: «و اللّه لا يخنق [ تحبق ] فيها أي في قضيّة قتل عثمان عناق حوليّة»( ٤ ) ، و قد رأيت ما كان فيها؟ و قد كانت فقئت عين عديّ و قتل بنوه

____________________

(١) سنن أبي داود ٢: ٤٩٩ ح ٤٢٥٢.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٢٤٢، سنة ٢٤.

(٣) الإمامة و السياسة ٢: ٣.

(٤) قال الميداني في مجمع الأمثال ٢: ٢٢٥ تحت الرقم ٣٥٤٨ ما لفظه: «لا تحبق في هذا الأمر عناق حوليّة» قاله عديّ بن حاتم حين قتل عثمانرضي‌الله‌عنه ، فلمّا كان يوم الجمل فقئت عين عديّ و قتل ابنه بصفّين، فقيل له: يا أبا طريف، أ لم تزعم أنّه لا تحبق في هذا الأمر عناق حوليّة؟ فقال: بلى و اللّه، التّيس الأعظم قد حبق فيه، قالوا: و لمّا كان بعد ذلك دخل على معاوية و عنده عبد اللّه بن الزبير، فقال ابن الزبير: يا أمير المؤمنين هجه فإنّ عنده جوابا، فقال معاوية: أمّا أنا فلا، و لكن دونك إن شئت. فقال له ابن الزبير: أيّ يوم فقئت عينك يا عديّ؟ قال: في اليوم الذي قتل فيه أبوك مدبرا و ضربت على قفاك موليّا، فأفحمه. يضرب المثل في أمر لا يعبأ به و لا غير له، أي لا يدرك فيه ثأر. و العناق: الانثى من ولد المعز، و الجمع أعنق و عنوق. (الصحاح ٤: ١٥٣٤، مادة: عوق). و الحوليّة: التي أتى عليها حول، و كل ذي حافر أوّل سنة حوليّ، و الأنثى حوليّة، و الجمع حوليّات. (لسان العرب ٣: ٣٩٨، مادة: حول).

قال: بلى و اللّه لقد خنقت [ حبقت ] فيه العناق و التّيس الأعظم( ١) .

و في خبر (خلفاء ابن قتيبة) بعد ذكر مكالمة معاوية لأمير المؤمنينعليه‌السلام و الصحابة في أمر عثمان ثم انصرافهم: فقال عثمان لمعاوية: ما ترى؟ قال له معاوية: أرى أن تأذن لي بضرب أعناق هؤلاء القوم إلى أن قال: فقال معاوية: فثالثة. قال: و ما هي؟ قال: اجعل لي الطلب بدمك إن قتلت. قال عثمان: نعم هذه لك إن قتلت فلا يطلّ دمي( ٢) .

و حينئذ فأوزار كلّ قتل و قتال، منها قتل سيّد شباب أهل الجنّة و أسر بنات النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و منها قتل كلّ مؤمن كعمّار و غيره ممّن قتل في الجمل و صفّين، و كلّ قتل و قتال يقعان إلى يوم القيامة على عثمان.

و بذلك صرّح أمير المؤمنينعليه‌السلام في شخوصه إلى صفّين مضافا إلى فحوى كلامه في ما مرّ من مكالمته مع عثمان، فروى الأعمش و قد نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر عن الحكم بن عتيبة، عن قيس بن أبي حازم قال:

سمعت عليّا على منبر الكوفة و هو يقول: «يا أبناء المهاجرين، انفروا إلى أئمّة الكفر، و بقيّة الأحزاب، و أولياء الشيطان. انفروا إلى من يقاتل على دم حمّال الخطايا، فو اللّه الذي فلق الحبّة، و برأ النسمة إنّه ليحمل خطاياهم إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئا»( ٣) .

و قيس الراوي هذا ليس بشيعيّ بل ناصبيّ، روى هذا عنهعليه‌السلام ذمّا له، فقال بعد نقل كلامهعليه‌السلام : و لمّا سمعته قال: «انفروا إلى بقيّة الأحزاب»

____________________

(١) وقعة صفّين: ٣٥٩ ٣٦٠، شرح ابن أبي الحديد ٨: ٣٩.

(٢) الإمامة و السياسة ١: ٣١، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٢: ١٩٤، بحار الأنوار، ط الكمباني ٨: ٣٤٢.

دخل بغضه في قلبي( ١) .

و حينئذ فجميع من قتل بنو اميّة من معاوية إلى آخرهم و بنو العبّاس جميعهم من المؤمنين و من أئمّة الدين أوزارهم على عثمان.

و في (موفقيات ابن بكّار): أنّ رجلا جاء إلى عليّعليه‌السلام يستشفع به إلى عثمان فقال: «حمّال الخطايا، لا و اللّه لا أعود إليه أبدا»( ٢) .

كما أنّ أوزار عثمان على من أسّس له الأوّل و الثاني، و به صرّح معاوية في جوابه لكتاب محمّد بن أبي بكر( ٣ ) . لا سيّما الأخير في تدبيره له مع عرفانه له.

و روى الكشي عن الورد بن زيد: أنّ الكميت سأل أبا جعفر عن الرجلين [ الشيخين ]؟ فقال [عليه‌السلام ]: ما اهريق دم و لا حكم بحكم [ يحكم ] غير موافق لحكم اللّه و حكم رسوله إلاّ و هو في أعناقهما( ٤) .

و عن (تاريخ إبراهيم الثقفي) عن خيثمة عن ابن مسعود قال: بينا نحن في بيت و نحن اثنا عشر رجلا نتذاكر أمر الدجّال و فتنته، إذ دخل النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: «ما تتذاكرون من أمر الدجّال، و الذي نفسي بيده إنّ في البيت لمن هو أشدّ على أمّتي من الدجّال». قال ابن مسعود: و قد مضى من كان في البيت غيري و غير عثمان( ٥) .

«و يلبس» و في (ابن ميثم): «و يلتبس»( ٦) .

____________________

(١) المصدر نفسه ٢: ١٩٤ ١٩٥.

(٢) أخبار الموفقيات للزبير بن بكار: ٦١٣ رقم ٣٩٧، بحار الأنوار ط الكمباني ٨: ٣٣٦.

(٣) نقله الطبرسيّ في الاحتجاج ١: ١٨٤.

(٤) اختيار معرفة الرجال ٢: ٤٦١ الرقم ٣٦١.

(٥) نقله عنه العلاّمة المجلسي في بحار الأنوار، ط الكمباني ٨: ٣٣٨.

(٦) شرح ابن ميثم المصححة ٢: ٣٠٣ خ ١٦٣ بلفظ: يلبس.

«امورها عليها»، و المراد: عامّة الامّة، و أمّا خواصّهم كطلحة و الزبير و عائشة و عمرو بن العاص فكانوا عارفين باستحقاقه القتل و كان الأوّلان من قاتليه، و الأخيران من المحرّضين على قتله، و لبس الأوّلون بقيامهم للطلب بدمه كالأخير مع معاوية المحبّ لقتله ليكون وسيلة لنيله الخلافة.

«و يثبّت» هكذا في (المصرية)( ١ ) ، و الصواب: «و يبثّ» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية)( ٢) .

«الفتن فيها» ففتنة الجمل و صفّين كانت باسم طلب ثأره، و فتنة النهروان كان أمر عثمان سببها.

«فلا يبصرون الحقّ من الباطل يموجون فيها موجا، و يمرجون» أي: يختلطون و يضطربون.

«فيها مرجا» و لا سيّما أنّ معاوية وضع لهم أنّ من اطلق عليه اسم الخلافة بأيّ نحو كان، يكون حجّة اللّه و في درجة رسول اللّه فكان مسلم بن عقبة( ٣ ) مستبيح المدينة يقول في احتضاره: اللّهم إنّي لم انكر خليفة من خلفائك( ٤) .

____________________

(١) نهج البلاغة ٢: ٨٥.

(٢) ورد بلفظ «يثبّت» ٣: ٣٠٣ خ ١٦٣.

(٣) في الإصابة ٣: ٤٩٣ ٤٩٤: مسلم بن عقبة بن رباح المرّيّ أبو عقبة، الأمير من قبل يزيد بن معاوية على الجيش الذين غزوا المدينة يوم الحرّة... و قد أفحش مسلم القول و الفعل بأهل المدينة، و أسرف في قتل الكبير و الصغير حتى سمّوه مسرفا، و أباح المدينة ثلاثة أيّام لذلك، و العسكر ينهبون و يقتلون و يفجرون، ثمّ رفع القتل و بايع من بقي على أنّهم عبيد ليزيد بن معاوية و توجّه العسكر إلى مكّة ليحارب ابن الزبير لتخلّفه عن البيعة ليزيد فعوجل بالموت فمات بالطريق و ذاك سنة ثلاث و ستين.

و قال ابن قتيبة في الإمامة و السياسة ١: ٢١٥ في واقعة الحرّة ما لفظه: فبلغ عدّة قتلى الحرّة يومئذ من قريش و الأنصار و المهاجرين و وجوه الناس، ألفا و سبعمائة، و سائرهم من الناس عشرة آلاف، سوى النساء و الصبيان.

(٤) أورد اليعقوبي نصا آخر لمسلم بن عقبة و هو «اللّهم إن عذبتني بعد طاعتي لخليفتك يزيد بن معاوية، و قتل أهل الحرة، فإني إذا لشقي» راجع تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٥١.

«فلا تكوننّ لمروان سيّقة يسوقك حيث شاء» كما يسوق ناهب الدوابّ لها حيث يشاء.

«بعد جلال السنّ» أي: كبره.

«و تقضّي العمر» أي: انقضائه، فكان يومئذ كما قال الواقديّ ابن (٨٢) سنة( ١) .

روى الطبري عن الواقديّ بإسناده عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قال: خرج عثمان إلى الناس فأعطاهم الرضا، و بكى على المنبر و بكى الناس حتّى نظرت إلى لحية عثمان مخضلّة من الدموع، و هو يقول: «اللهمّ إنّي أتوب إليك، و اللّه لئن ردّني الحقّ لأن أكون عبدا قنّا لأرضينّ به، فإذا دخلت منزلي فادخلوا عليّ فو اللّه لا أحتجب منكم، و لأعطينّكم الرضا، و لأزيدنّكم على الرضا، و لأنحينّ مروان و ذويه».

فلمّا دخل عثمان أمر بالباب ففتح، و دخل عليه مروان، فلم يزل يفتله في الذروة و الغارب حتّى فتله عن رأيه، و أزاله عمّا كان يريد فلقد مكث عثمان ثلاثة أيّام ما خرج، استحياء من الناس و خرج مروان إلى الناس فقال: «شاهت الوجوه، ارجعوا إلى منازلكم فإن يكن للخليفة حاجة بأحد منكم يرسل إليه، و إلاّ قرّ في بيته».

قال عبد الرحمن بن الأسود: فجئت إلى عليّعليه‌السلام فأجده بين القبر و المنبر، و أجد عنده عمّار و محمّد بن أبي بكر و هما يقولان: «صنع مروان بالناس و صنع». قال: فأقبل عليّعليه‌السلام عليّ و قال: أحضرت خطبة عثمان؟ قلت:

نعم. قال: أفحضرت مقالة مروان للناس؟ قلت: نعم. قال: «يا للمسلمين إنّي إن

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٤١٥، سنة ٣٥.

قعدت في بيتي قال لي أي عثمان: تركتني و قرابتي و حقّي و إنّي إن تكلّمت فجاء ما يريد يلعب به مروان، فصار سيّقة( ١ ) له يسوقه حيث شاء بعد كبر السنّ»( ٢) .

و روى الطبري عن الواقدي أيضا بإسناده أنّ علياعليه‌السلام جاء إلى عثمان بعد انصراف المصريّين، فقال له: تكلّم كلاما يسمعه الناس منك و يشهدون عليه، و تشهد [ يشهد ] اللّه على ما في قلبك من النزوع و الإنابة، فلا آمن ركبا آخر يقدمون من الكوفة، فتقول: اركب إليهم و لا أقدر أن أركب إليهم، و لا أسمع عذرا. و يقدم ركب آخر من البصرة فتقول: اركب إليهم فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك، و استخففت بحقّك.

فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها، و أعطى [ الناس ] من نفسه التوبة، فلمّا نزل وجد في منزله مروان و سعيدا و نفرا من بني اميّة و لم يكونوا شهدوا الخطبة فلمّا جلس قال مروان: أ تكلّم أم أصمت؟ فقالت نائلة امرأة عثمان الكلبيّة: لا بل اصمت، فإنّهم و اللّه قاتلوه و مؤثّموه إنّه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها. فأقبل عليها مروان، فقال: ما أنت و ذاك فو اللّه لقد مات أبوك و ما يحسن أن يتوضّأ. فقالت له: مهلا يا مروان عن ذكر الآباء، تخبر عن أبي و هو غائب، تكذب عليه و إنّ أباك لا تستطيع أن تدفع عنه أما و اللّه لو لا أنّه عمّه، و أنّه يناله غمّه، أخبرتك عنه بما لم [ لن ] أكذب عليه.

فأعرض عنها مروان، ثمّ قال: أ تكلّم أم أصمت؟ قال: بل تكلّم. فقال مروان: بأبي أنت و أمّي و اللّه لوددت أنّ مقالتك هذه كانت و أنت ممتنع منيع، فكنت أوّل من رضي بها، و أعان عليها و لكنّك قلت ما قلت حين بلغ الحزام

____________________

(١) السيّقة: ما استاقه العدوّ من الدوابّ، مثل الوسيقة. (الصحاح ٤: ١٤٩٩، مادة: سوق).

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٣٦٣ ٣٦٤، سنة ٣٥.

الطّبيين، و خلف السيل الزّبى، و حين أعطى الخطّة الذليلة الذليل و اللّه لإقامة على خطيئة تستغفر اللّه منها أجمل من توبة تخوّف عليها و إنّك إن شئت تقرّبت بالتوبة و لم تقرّب [ تقرر ] بالخطيئة، و قد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس.

فقال عثمان: فاخرج إلى الناس فكلّمهم، فإنّي أستحيي أن أكلّمهم. فخرج مروان إلى الباب فقال: أما و اللّه لئن رمتمونا ليمرّن عليكم منّا أمر لا يسرّكم و لا تحمدوا غبّ رأيكم. ارجعوا إلى منازلكم فإنّا و اللّه لسنا بمغلوبين على ما في أيدينا.

فرجع الناس و خرج بعضهم حتّى أتى عليّاعليه‌السلام فأخبره الخبر، فجاء مغضبا حتّى دخل على عثمان، فقال: أما رضيت من مروان و لا رضي منك إلاّ بتحرّفك عن دينك و عن عقلك، مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به، و اللّه ما مروان بذي رأي في دينه و لا في نفسه و ايم اللّه إنّي لأراه سيوردك ثمّ لا يصدرك و ما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك، و غلبت على أمرك( ١) .

قلت: و مع كون حال عثمان على ذلك المنوال، إخواننا لا يجعلون أمثال ذلك مبطلا لإمامته فكانت إمامته كوضوء مرأة معروفة كان يطأها الرجال واحد بعد واحد، و كلّما قام عنها رجل تشتغل بالصلاة حتّى يجي‏ء آخر بوضوئها الأوّل.

فعمل السوء و الباطل و الجور و الفساد أيّ شي‏ء لم يأت به عثمان؟ لكنّ إخواننا أرادوا أن يرضوا معاوية بن أبي سفيان لعين النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في موطن بعد موطن.

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٦٠ ٣٦٢، سنة ٣٥، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

ثمّ لعمر اللّه هل يصل صلابة وجه البشر إلى هذا الحدّ الذي بلغها وجه عثمان في مواعيده التي كانت كمواعيد عرقوب( ١ ) ؟ و لقد أجاد أبو تمّام في وصف فرس:

أيقنت أن تتثبت أنّ حافره

من صخر تدمر أو وجه عثمان( ٢)

قول المصنّف: «فقال له عثمان: كلّم الناس في أن يؤجّلوني حتّى أخرج إليهم من مظالمهم. فقالعليه‌السلام : ما كان بالمدينة فلا أجل فيه، و ما غاب فأجله وصول أمرك إليه».

روى الطبري مسندا عن الزبير بعد ذكر كتاب المصرييّن إلى عثمان:

إنّا و اللّه للّه نغضب، و في اللّه نرضى، و إنّا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتّى تأتينا منك توبة مصرّحة، أو ضلالة مجلّحة( ٣) .

قال: و كتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة، و يقسمون له باللّه لا يمسكون عنه أبدا حتّى يقتلوه، أو يعطيهم ما يلزمه من حقّ اللّه.

قال: فلمّا خاف القتل شاور نصحاءه و أهل بيته، فقال لهم: قد صنع القوم ما قد رأيتم، فما المخرج؟ فأشاروا عليه أن يرسل إلى عليّ بن أبي طالب فيطلب إليه أن يردّهم عنه، و يعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتّى يأتيه امداد فقال لهم عثمان: إنّ القوم لن يقبلوا التعليل، و قد كان منّي في قدمتهم الاولى ما كان فمتى أعطهم ذلك يسألوني الوفاء به.

فقال مروان: مقاربتهم حتّى تقوى أمثل من مكاثرتهم على القرب،

____________________

(١) قال الجوهري في الصحاح ١: ١٨٠ ما لفظه: عرقوب اسم رجل من العمالقة ضربت به العرب المثل في الخلف فقالوا: مواعيد عرقوب.

(٢) ورد في ديوانه: «حلفت ان لم تثبت أنّ حافره من صخر تدمر أو من وجه عثمان» و هو في مدح عثمان بن إدريس السامي. راجع شرح ديوان أبي تمام: ٥٤٠، دار الكتب العلمية، بيروت. ١٩٨٧ م. ط ١.

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٣٦٩، سنة ٣٥.

فأعطهم ما سألوك، و طاولهم ما طاولوك فإنّما هم بغوا عليك، فلا عهد لهم.

فأرسل إلى عليّعليه‌السلام فلمّا جاءه قال: يا أبا الحسن، إنّه قد كان من الناس ما قد رأيت، و كان منّي ما قد علمت و لست آمنهم على قتلي، فأرددهم عنّي، فإنّ لهم عهد اللّه عزّ و جلّ أن أعتبهم من كلّ ما يكرهون و أن أعطيهم الحقّ من نفسي و من غيري، و إن كان في ذلك سفك دمي.

فقال له عليّعليه‌السلام : الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك و إنّي لأرى قوما لا يرضون إلاّ بالرضا، و قد كنت أعطيتهم في قدمتهم الاولى عهدا من اللّه:

لترجعنّ عن جميع ما نقموا فرددتهم عنك، ثمّ لم تف لهم بشي‏ء من ذلك، فلا تغرّني هذه المرّة من شي‏ء فإنّي معطيهم عليك الحقّ. قال: نعم، فأعطهم، فو اللّه لأفينّ لهم.

فخرج عليّعليه‌السلام إلى الناس، فقال: أيّها الناس، إنّكم إنّما طلبتم الحقّ فقد أعطيتموه و إنّ عثمان قد زعم أنّه منصفكم من نفسه و من غيره و راجع عن جميع ما تكرهون، فاقبلوا منه و وكّدوا عليه.

قال الناس: [ قد ] قبلنا فاستوثق لنا منه، فإنّا و اللّه لا نرضى بقول دون فعل. فقال لهم: ذلك لكم. ثمّ دخل عليه فأخبره الخبر، فقال له عثمان: اضرب بيني و بينهم أجلا يكون لي فيه مهلة، فإنّي لا أقدر على ردّ ما كرهوا في يوم واحد. فقال له عليعليه‌السلام : ما حضر بالمدينة فلا أجل فيه، و ما غاب فأجله وصول أمرك إليه. قال: نعم، و لكن أجّلني في ما بالمدينة ثلاثة أيّام. قال عليّعليه‌السلام : نعم، فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك، و كتب بينهم و بين عثمان كتابا أجّله فيه ثلاثا، على أن يردّ كلّ مظلمة، و يعزل كلّ عامل كرهوه ثمّ أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ اللّه على أحد من خلقه من عهد و ميثاق، و أشهد عليه ناسا من وجوه المهاجرين و الأنصار، فكفّ المسلمون عنه و رجعوا إلى

أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه فجعل يتأهّب للقتال، و يستعدّ بالسلاح و قد اتخذ جندا عظيما من رقيق الخمس فلمّا مضت الأيّام الثلاثة و هو على حاله لم يغيّر شيئا ممّا كرهوه، و لم يعزل عاملا ثار به الناس. و خرج عمرو بن حزم الأنصاري حتّى أتى المصرييّن و هم بذي خشب، فأخبرهم الخبر، و سار معهم حتّى قدموا المدينة، فأرسلوا إلى عثمان: ألم نفارقك على أنّك زعمت أنّك تائب من إحداثك، و راجع عمّا كرهنا منك و أعطيتنا على ذلك عهد اللّه و ميثاقه؟

قال: بلى، أنا على ذلك، قالوا: فما هذا الكتاب الذي وجدنا مع رسولك، و كتبت به إلى عاملك؟ إلى أن قال: فحصروه أربعين ليلة، و طلحة يصلّي بالناس( ١) .

هذا، و في (الطبري): قال الوليد بن يزيد يوم قتل و هو يقاتلهم: من جاء برأس فله خمسمائة. فجاء قوم بأرؤس، فقال الوليد: اكتبوا أسماءهم. فقال أحد من جاء برأس: ليس هذا بيوم يعمل فيه بنسيئة( ٢ ) و في (الأغاني): عن إسحاق الموصليّ قال: عمل محمّد المخلوع( ٣ ) سفينة فأعجب بها، و ركب فيها يريد الأنبار، و أنا مقبل على قبض [ بعض ] أبواب السفينة فصاحوا: إسحاق إسحاق. فوثبت فدنوت منه، فقال لي: كيف ترى سفينتي؟ فقلت: حسنة عمّرها اللّه ببقائك. قال: قل فيها أبياتا. فقلت، فقال لي: أحسنت يا إسحاق، و حياتك لأهبنّ لك عشرة آلاف دينار. قلت: متى؟ إذا وسّع اللّه عليك فضحك و دعا بها على المكان( ٤) .

نقلت هذا بمناسبة قولهعليه‌السلام : «ما كان بالمدينة فلا أجل فيه»( ٥) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٦٩ ٣٧١، سنة ٣٥، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

(٢) المصدر نفسه ٧: ٢٥٢، سنة ١٢٦.

(٣) هو محمّد الأمين بن هارون الرشيد.

(٤) الأغاني ٥: ٤٠٥ ٤٠٦.

(٥) نهج البلاغة ٢: ٨٦.

٨ - من الخطبة (١٥٢) منها:

قَدْ طَلَعَ طَالِعٌ وَ لَمَعَ لاَمِعٌ وَ لاَحَ لاَئِحٌ وَ اِعْتَدَلَ مَائِلٌ وَ اِسْتَبْدَلَ اَللَّهُ بِقَوْمٍ قَوْماً وَ بِيَوْمٍ يَوْماً وَ اِنْتَظَرْنَا اَلْغِيَرَ اِنْتِظَارَ اَلْمُجْدِبِ اَلْمَطَرَ «قد طلع طالع» يقال: طلعت الشمس و القمر.

«و لمع لامع» يقال: لمع البرق.

«و لاح لائح» يقال: لاح النجم.

«و اعتدل» أي: استقام برجوع الأمر إليهعليه‌السلام .

«مائل» أي: ما اعوج من الامور أيّام عثمان.

في (الطبري): قال الزهري: خرج محمّد بن أبي بكر و محمّد بن أبي حذيفة عام خرج عبد اللّه بن سعد في غزوته الروم سنة ٣١ فأظهرا عيب عثمان و ما غيّر، و ما خالف به أبا بكر و عمر، و أنّ دم عثمان حلال. و يقولان:

استعمل عبد اللّه بن سعد رجلا كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أباح دمه و نزل القرآن بكفره، و أخرج النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوما فأدخلهم عثمان، و نزع أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و استعمل سعيد بن العاص و عبد اللّه بن عامر. فبلغ ذلك عبد اللّه بن سعد، فقال:

لا تركبا معنا، فركبا في مركب ما فيه أحد من المسلمين، و لقوا العدوّ، و كانا انكل [ أكلّ ] المسلمين قتالا، فقيل لهما في ذلك، فقالا: كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكّمه الخ( ١) .

و فيه أيضا: قال العلاء بن عبد اللّه العنبريّ: اجتمع ناس من المسلمين، فتذاكروا أعمال عثمان و ما صنع، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا إليه رجلا

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٢٩٢، سنة ٣١.

يكلّمه، و يخبره بإحداثه، فأرسلوا إليه عامر بن عبد اللّه التميمي ثمّ العنبري و هو الذي يدعى عامر بن عبد قيس فأتاه، فدخل عليه فقال له: إنّ ناسا من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك، فوجدوك قد ركبت امورا عظاما، فاتّق اللّه عزّ و جلّ و تب إليه، و انزع عنها.

فقال عثمان: انظروا إلى هذا، يزعم الناس أنّه قارى‏ء، ثمّ هو يجي‏ء فيكلّمني في المحقّرات، فو اللّه ما يدري أين اللّه قال عامر: أنا لا أدري أين اللّه قال: نعم، و اللّه ما تدري أين اللّه قال عامر: بلى و اللّه إنّي لأدري أنّ اللّه بالمرصاد لك.

فأرسل عثمان إلى معاوية، و إلى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، و إلى سعيد بن العاص، و إلى عبد اللّه بن عامر، و إلى عمرو بن العاص فجمعهم ليشاورهم في أمره و ما طلب إليه، و ما بلغه عنهم، فلمّا اجتمعوا عنده قال لهم:

إنّ لكلّ امرى‏ء وزراء و نصحاء، و إنّكم وزرائي و نصحائي و أهل ثقتي، و صنع الناس ما قد رأيتم، و طلبوا إليّ أن أعزل عمّا لي، و أن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبّون، فاجتهدوا رأيكم، و أشيروا عليّ.

فقال عبد اللّه بن عامر: رأيي لك أن تشغلهم بجهاد يشغلهم عنك، و أن تجمّرهم( ١ ) في المغازي حتّى يذلّوا لك فلا يكوننّ همّ أحدهم إلاّ نفسه، و ما هو فيه من دبرة دابته، و قمل فروه.

ثمّ أقبل عثمان على سعيد بن العاص فقال له: ما رأيك؟ قال: إن كنت تريد [ ترى ] رأينا فاحسم عنك الداء، و اقطع عنك الذي تخاف، و اعمل برأيي تصب. قال: و ما هو؟ قال: إنّ لكلّ قوم قادة متى تهلك يتفرّقوا، و لا يجتمع لهم أمر، فقال عثمان: إنّ هذا هو الرأي لو لا ما فيه.

____________________

(١) تجمير الجيش: أن تحبسهم في أرض العدوّ و لا تقفلهم من الثغر. (الصحاح ٢: ٦١٦، مادة: جمر).

ثمّ أقبل على معاوية فقال: ما رأيك؟ قال: أرى أن تردّ عمّالك على الكفاية لما قبلهم، و أنا ضامن لك قبلي.

ثمّ أقبل عثمان على عبد اللّه بن سعد فقال: ما رأيك؟ قال: أرى أنّ الناس أهل طمع، فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم.

ثمّ أقبل على عمرو بن العاص، فقال له: ما رأيك؟ قال: أرى أنّك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعتدل، فإنّ أبيت فاعتزم أن تعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزما، و امض قدما. فقال له عثمان: مالك قمل فروك؟ أ هذا الجدّ منك فأسكت عنه دهرا، حتّى إذا تفرّق القوم، قال عمرو لعثمان: لا و اللّه لأنت أعزّ عليّ من ذلك، و لكن قد علمت أن سيبلغ الناس قول كلّ رجل منّا، فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي، فأقود إليك خيرا، أو أدفع عنك شرّا( ١) .

و رواه عن الزهريّ أيضا و زاد: فردّ عثمان عمّا له على أعمالهم، و أمرهم بالتضييق على من قبلهم، و أمرهم بتجمير الناس في البعوث، و عزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه، و يحتاجو إليه( ٢) .

«و استبدل اللّه بقوم قوما. و بيوم يوما» قال ابن أبي الحديد: أي: استبدل اللّه بعثمان و شيعته عليّاعليه‌السلام و شيعته، و بأيّام ذاك أيّام هذا( ٣) .

قلت: استبدل بالظلمة النّور، و بالجور العدل، و بالباطل الحقّ.

و في (خلفاء ابن قتيبة) بعد ذكر خطبة لهعليه‌السلام في التحريض على جهاد معاوية: ثمّ قام أبو أيّوب الأنصاريّ فقال: إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام قد أسمع من كانت له اذن واعية، و قلب حفيظ، إنّ اللّه قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٣٣ ٣٣٤، سنة ٣٤.

(٢) نفس المصدر ٤: ٣٣٥، سنة ٣٤.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٩: ١٥٣.

حقّ قبولها، حيث نزل بين أظهركم ابن عمّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و خير المسلمين و أفضلهم و سيّدهم بعده، يفقّهكم في الدين، و يدعوكم إلى جهاد المحلّين، فو اللّه لكأنّكم صمّ لا تسمعون، و قلوبكم غلف مطبوع عليها فلا تستجيبون، أ ليس إنّما عهدكم بالجور و العدوان أمس، و قد شمل العباد، و شاع في الإسلام، فذو حقّ محروم، و مشتوم عرضه، و مضروب ظهره، و ملطوم وجهه، و موطوء بطنه، و ملقى بالعراء فلمّا جاءكم أمير المؤمنينعليه‌السلام صدع بالحقّ، و نشر العدل [ بالعدل ]، و عمل بالكتاب، فاشكروا نعمة اللّه عليكم، و لا تتولّوا مجرمين( ١) .

و في (جمل محمّد بن محمّد بن النعمان): لمّا بعث عليّعليه‌السلام الأشتر إلى الكوفة لمّا أراد قتال البصرة، صعد الأشتر المنبر و قال بعد حمده تعالى و ذكر الإسلام إلى أن قال: ثمّ ولّي رجل نبذ كتاب اللّه وراء ظهره، و عمل في أحكام اللّه بهوى نفسه، فسألناه أن يعزل نفسه عنّا فلم يفعل، و أقام على أحداثه، فاخترنا هلاكه على هلاك ديننا و دنيانا، و لا يبعد اللّه إلاّ القوم الظالمين، و قد جاءكم اللّه بأعظم الناس مكانا، و أجلّهم في الإسلام سهما، ابن عمّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و أفقه الناس في دين اللّه، و أقرئهم لكتاب اللّه، و أشجعهم عند اللقاء يوم البأس، و قد استنفركم فما تنتظرون؟ أ سعيد الذي فعل ما فعل، أم الوليد الذي شرب الخمر و صلّى بكم على سكر، أيّ هذين تريدون؟ قبّح اللّه من له هذا الرأي( ٢) .

«و انتظرنا الغير» أي: التغيّرات.

«انتظار المجدب» أي: من أصابه القحط.

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ١٥٢ ١٥٣، و الآية ٥٢ من سورة هود.

(٢) الجمل للمفيد: ٢٥٤ ٢٥٥، و نقله الشارح بتصرّف.

«المطر» كان انتظار الناس أيّام عثمان انتظار ناس أصابهم القحط لمطر يحييهم.

و لمّا أخرج عثمان أبا ذرّ إلى الربذة، و شيّعه أمير المؤمنينعليه‌السلام و الحسنان عليهما السلام، قال له الحسينعليه‌السلام : يا عمّاه، إنّ اللّه تعالى قادر على أن يغيّر ما ترى و هو كلّ يوم في شأن( ١) .

و في (تاريخ الثقفي): أنّ رجلا شهد الجمعة عند معاوية بالجابية لقي أبا الدرداء و صاحبا له في طريق، فقال لهما: خبر كرهت أن اخبركما به، فقال أبو الدرداء: لعلّ أبا ذرّ قد نفي. قال: نعم و اللّه. فاسترجع أبو الدرداء و صاحبه قريبا من عشر مرّات، ثمّ قال أبو الدرداء لصاحبه:... فَارتقِبهم و اصْطَبِر( ٢ ) كما قيل لأصحاب الناقة( ٣) .

و في (سقيفة الجوهريّ): عن أبي كعب الحارثي في خبر أنّه كان يجي‏ء عند عثمان إذ جاء نفر فقالوا: إنّه أبى أن يجي‏ء. فغضب عثمان و قال: أبى أن يجي‏ء اذهبوا فجيئوا به فإن أبى فجرّوه جرّا. قال: فمكثت قليلا فجاؤوا و معهم رجل آدم طوال أصلع، في مقدّم رأسه شعرات، و في قفاه شعرات، فقلت: من هذا؟ قالوا: عمّار.

فقال له عثمان: أنت الذي تأتيك رسلنا فتأبى أن تجي‏ء؟ فكلّمه بشي‏ء لم أدر ما هو إلى أن قال: فتبعت عثمان حتّى دخل المسجد، فإذا عمّار جالس إلى سارية، و حوله نفر من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبكون، فقال عثمان: يا وثّاب عليّ بالشرط. فجاؤوا، فقال: فرّقوا بين هؤلاء.

____________________

(١) السقيفة و فدك ٧٦ ٧٧، شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٥٣ ٢٥٤.

(٢) من الآية ٢٧ في سورة القمر.

(٣) نقله عنه، العلاّمة المجلسيرضي‌الله‌عنه في بحار الأنوار ٨: ٣٣٧ ط الكمباني.

ثمّ اقيمت الصلاة، فتقدّم عثمان فصلّى بهم، فلمّا كبّر قالت امرأة من حجرتها: تركتم أمر اللّه، و خالفتم عهده. ثمّ صمتت و تكلّمت اخرى بمثل ذلك، فإذا هما عائشة و حفصة. فسلّم عثمان ثمّ أقبل على الناس فقال: إنّ هاتين لفتّانتان، يحلّ لي سبّهما، و أنا بأصلهما عالم. فقال له سعد: أ تقول هذا لحبائب النبيّ؟ فقال له: و فيم أنت و ما ها هنا، ثمّ أقبل نحو سعد عامدا ليضربه، فانسلّ سعد إلى أن قال: فلقي عليّاعليه‌السلام بباب المسجد، فقال عثمان له: أ لست الذي خلّفك النبيّ يوم تبوك؟ فقال له عليّعليه‌السلام : أ لست الفارّ يوم احد؟( ١) .

و في (موفّقيّات الزبير بن بكّار) عن ابن عبّاس في خبر قال عثمان لعمّار: أما إنّك من شنآئنا و أتباعهم، و ايم اللّه، إنّ اليد عليك منبسطة، و إنّ السبيل إليك لسهلة إلى أن قال فقال له عمّار: و اللّه ما أعتذر من حبّي عليّاعليه‌السلام . فقال له عثمان: إنّك و اللّه ما علمت لمن أعوان الشرّ الحاضّين عليه، الخذلة عند الخير و المثبّطين عنه. فقال عمّار: مهلا يا عثمان، فقد سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصفني بغير ذلك. قال عثمان: و متى؟ قال: يوم دخلت أنا عليه منصرفه عن الجمعة، و ليس عنده غيرك، و قد ألقى ثيابه، و قعد في فضله( ٢) ، فقبّلت أنا صدره و نحره و جبهته، فقال: يا عمّار، إنّك لتحبّنا و إنّا لنحبّك، و إنّك لمن الأعوان على الخير و المثبّطين عن الشرّ.

فقال عثمان: أجل و لكنّك غيّرت و بدّلت. فرفع عمّار يديه يدعو و قال:

آمّن يا ابن عبّاس، اللهمّ من غيّر فغيّر به( ٣) .

و روى (الموفقيات) أيضا عن عليّعليه‌السلام قال: أرسل إليّ عثمان في

____________________

(١) السقيفة و فدك: ٧٩ ٨١، شرح ابن أبي الحديد ٩: ٣ ٥، و نقله الشارح بتلخيص.

(٢) ثوب فضل، تقول: خرجت في فضل أي: في ثوب واحد ملحفة أو نحوها. أساس البلاغة: ٣٤٣، مادة (فضل).

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٩: ١٠ ١١.

الهاجرة( ١ ) ، فتقنّعت بثوبي، فأتيته، فدخلت عليه و هو على سريره، و في يده قضيب، و بين يديه مال دثر( ٢ ) : صبرتان من ورق و ذهب، فقال: دونك خذ من هذا حتّى تملأ بطنك فقد أحرقتني. فقلت: وصلتك رحم إن كان هذا المال ورثته، أو أعطاكه معط، أو اكتسبته من تجارة، كنت أحد رجلين: إمّا آخذ و أشكر، أو أفرّ و أجهد، و إن كان من مال اللّه و فيه حقّ المسلمين و اليتيم و ابن السبيل، فو اللّه مالك عليّ أن تعطينيه، و لا لي أن آخذه. فقال: أبيت و اللّه إلاّ ما أبيت. ثمّ قام إليّ بالقضيب فضربني، و اللّه ما أردّ يده حتّى قضى [ حاجته ]، فتقنّعت بثوبي، و رجعت إلى منزلي، و قلت: اللّه بيني و بينك إن كنت أمرتك بمعروف أو نهيتك عن منكر( ٣) .

و روى الثقفي في (تاريخه) عن داود بن الحصين الأنصاري أنّ محمّد بن مسلمة الأنصاري قال يوم قتل عثمان: ما رأيت يوما قطّ أقرّ للعيون و لا أشبه بيوم بدر من هذا اليوم.

و روى عن أبي سفيان قال: أتيت محمّد بن مسلمة فقلت: قتلتم عثمان؟

قال: نعم، و أيم اللّه ما وجدت رائحة هي أشبه برائحة يوم بدر من رائحة هذا اليوم( ٤) .

قلت: صدق، ففي بدر قتل جمع من الجبابرة، و اسر جمع من الجبابرة، و في ذاك اليوم قتل رئيس الجبابرة عثمان رئيس بني اميّة الشجرة الملعونة، فذلّوا و خزيوا.

ثمّ تشبيه أمر محبوب متوقّع بمطر بعد جدب، كما في كلامهعليه‌السلام ، أمر

____________________

(١) الهجر و الهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحرّ. (الصحاح ٢: ٨٥١، مادة: هجر).

(٢) الدثر بالفتح: المال الكثير. يقال: مال دثر و أموال دثر. (الصحاح ٢: ٦٥٥، مادة: دثر).

(٣) أخبار الموفقيات للزبير بن بكار: ٦١٢ رقم ٣٩٥، مطبعة العاني، بغداد، شرح ابن أبي الحديد ٩: ١٦.

(٤) نقله عنه العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في بحار الأنوار ٨: ٣٤٠ ط الكمباني.

شائع قال الفرزدق:

إنّي و إيّاك إذ حلّت بأرحلنا

كمن بواديه بعد المحل ممطور( ١)

و قال آخر:

و حديثها كالغيث يسمعها

راعي سنين تتابعت جدبا

فأصاخ يرجو أن يكون حيا

و يقول من فرح هياربا( ٢)

و لمّا كثر عبث هشام بن عبد الملك بالوليد بن يزيد و بند مائه، قال أحدهم:

لعلّ الوليد دنا ملكه

فأمسى إليه قد استجمعا

و كنّا نؤمّل في ملكه

كتأميل ذي الجدب أن يمرعا( ٣)

قلت: لكنّ الوليد وعد ذلك من نفسه إلاّ أنّه لم يفعل كعثمان الذي وعد الناس الخير في أوّل خلافته لما حصل له العيّ في خطبته، و لم يفعل إلاّ الشّرّ.

قال أبو الفرج في (أغانيه): لمّا خرج زيد بن عليّ على هشام منع أهل مكّة و المدينة أعطياتهم، فلمّا ولي الوليد بعده كتب إلى أهل مكّة و المدينة:

ضمنت لكم إن لم تصابوا بمهجتي

بأنّ سماء الضرّ عنكم ستقلع

فلمّا فعل خلاف ما قال، قال حمزة بن بيض ردّا عليه:

وصلت سماء الضرّ بالضرّ بعد ما

زعمت سماء الضرّ عنّا ستقلع

فليت هشاما كان حيّا يسوسنا

و كنّا كما كنّا نرجّي و نطمع( ٤)

هذا، و بعضهم بدل في التشبيه، المطر بعد المحل بقرب الغريق إلى

____________________

(١) أورده أبو الفرج الاصبهاني في الأغاني ٢١: ٣٠٨ هكذا:

إنّا و إيّاك إن بلّغن أرحلنا

كمن بواديه بعد المحل ممطور

 (٢) عيون الأخبار لابن قتيبة ٤: ٨٢، دار الكتاب العربي.

(٣) الأغاني ٧: ٨ ٩.

(٤) الأغاني ٧: ٢١ ٢٢.

الساحل فقال:

إذا قلت أي فتى تعلمون

أهش إلى الطعن بالذابل

و أضرب للقرن يوم الوغى

و أطعم في الزمن الماحل

أشارت إليك أكفّ الورى

اشارة غرقى إلى الساحل

ثمّ إنّ ابن أبي الحديد قال: كلامهعليه‌السلام «و انتظرنا الغير، انتظار المجدب المطر» يدلّ على أنّهعليه‌السلام كان يتربّص بعثمان الدوائر، و يرتقب حلول الخطوب بساحته.

فإن قلت: أ يجوز على مذهب المعتزلة أن يقال: إنّهعليه‌السلام كان ينتظر قتل عثمان، انتظار المجدب المطر، و هل هذا إلاّ محض مذهب الشيعة قلت: إنّهعليه‌السلام و إن قال: «انتظر الغير» يجوز أن يكون أراد انتظار خلعه و عزله عن الخلافة، فإنّ عليّاعليه‌السلام عند أصحابنا كان يذهب إلى أنّ عثمان يستحقّ الخلع بأحداثه، و لم يستحقّ القتل.

فإن قلت: أ تقول المعتزلة أنّ عليّاعليه‌السلام كان يذهب إلى فسق عثمان المستوجب لأجله الخلع؟

قلت: كلاّ حاش للّه أن تقول المعتزلة ذلك و إنّما تقول: إنّ عليّاعليه‌السلام كان يرى أنّ عثمان يضعف عن تدبير الخلافة، و أنّ أهله غلبوا عليه، و استبدّوا بالأمر دونه، و استعجزه المسلمون، و استسقطوا رأيه، فصار حكمه حكم الإمام إذا عمي، أو أسره العدوّ، فإنّه ينخلع من الإمامة( ١) .

قلت: هب أنّ الأمر كما ذكر، فإذا كان عثمان بالغا درجة الانخلاع فضلا عن استحقاقه الخلع، هل صار قتله موجبا لاستحقاق الخلافة،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٩: ١٥٣ ١٥٤، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

فكيف يقولون بإمامته؟

ثمّ لم أعلم أيّ شي‏ء يجعلون معنى الفسق، فإن لم يكن عثمان بتلك الأحداث فاسقا فلا فاسق في الدّنيا.

ثمّ كيف لم يكن فاسقا بها و قد قال تعالى:... و من لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون( ١ ) ؟

و قال جلّ و علا:... و مَن لم يحكُم بما أنزل اللّه فاولئك هم الظالمون( ٢) .

و قال عزّ اسمه:... و مَنْ لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون( ٣) .

و كان عمّار يقول: هذه الثلاثة تشهد بكفره و أنا الرابع( ٤) .

و سبحان اللّه هل حبّ الشي‏ء يعمي الإنسان و يصمّه بدرجة يسلبه فطرياته و ضروريّات العقول؟ و إلاّ فمن قال بإمامة أبي بكر و عمر في عصر عثمان كفّر عثمان، و أباح دمه، و إنّما حمل معاوية عدوّ الاسلام و لعين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غير موطن الناس بالسيف على القول به.

ثمّ كيف يقول ابن أبي الحديد: إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام لم يقل بفسقه، و لا باستحقاقه القتل( ٥ ) و الأشتر يصيح بين يديه في صفّين:

لا يبعد اللّه سوى عثمانا

مخالف قد خالف الرحمانا

____________________

(١) المائدة: ٤٧.

(٢) المائدة: ٤٥.

(٣) المائدة: ٤٤.

(٤) تفسير العيّاشي ١: ١٢٣ ٣٢٣، الشافي في الإمامة ٤: ٢٩١.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ٩: ١٥٣.

نصرتموه عابدا شيطانا( ١)

و عمّار يصيح بين يديه كما في (صفّين نصر بن مزاحم): امضوا عباد اللّه إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه، الحاكم على عباد اللّه بغير ما في كتاب اللّه، إنّما قتله الصالحون المنكرون للعدوان، الآمرون بالإحسان و يقول هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين: لم قتلتموه؟ فقلنا: لإحداثه. فقالوا: إنّه ما أحدث شيئا. و ذلك لأنّه مكّنهم من الدّنيا فهم يأكلونها و يرعونها و لا يبالون لو انهدّت عليهم الجبال. و اللّه ما أظنّهم يطلبون دمه، إنّهم ليعلمون أنّه كان ظالما، و لكنّ القوم ذاقوا الدّنيا فاستحبّوها و استمروها و علموا لو أنّ الحقّ لزمهم لحال بينهم و بين ما يرعون فيه منها. و لم يكن للقوم سابقة في الاسلام يستحقّون بها الطاعة و الولاية، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قتل إمامنا مظلوما، ليكونوا بذلك جبابرة( ٢) .

و روى الثقفي أنّ رجلا قال لعمّار يوم صفّين: علام تقاتلهم؟ قال: على أنّهم زعموا أنّ عثمان مؤمن و نحن نزعم أنّه كافر( ٣) .

و روى الواقدي كما في (تقريب الحلبي): أنّه قيل لحذيفة:

ما تقول في قتلة [ قتل ] عثمان؟ فقال: هل هو إلاّ كافر قتل كافرا أو مسلم قتل كافرا؟ فقالوا: ما جعلت لعثمان مخرجا. قال: إنّ اللّه لم يجعل له مخرجا( ٤) .

____________________

(١) وقعة صفين: ١٧٨.

(٢) وقعة صفين: ٣١٩.

(٣) نقله عنه العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في بحار الأنوار ٨: ٣٣٨ ط الكمباني.

(٤) المصدر نفسه ٨: ٣٣٩.

٩ - الخطبة (٢٤) و من كلام لهعليه‌السلام قاله لعبد اللّه بن عباس، و قد جاءه برسالة من عثمان، و هو محصور يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع، ليقلّ هتف الناس باسمه للخلافة، بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل.

فقالعليه‌السلام :

يَا؟ اِبْنَ عَبَّاسٍ؟ مَا يُرِيدُ؟ عُثْمَانُ؟ إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَنِي جَمَلاً نَاضِحاً بِالْغَرْبِ أَقْبِلْ وَ أَدْبِرْ بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَقْدُمَ ثُمَّ هُوَ اَلْآنَ يَبْعَثُ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ وَ اَللَّهِ لَقَدْ دَفَعْتُ عَنْهُ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ آثِماً أقول: هذا العنوان في (المصرية) قبل عنوان واحد من آخر باب الخطب( ١ ) و الصواب جعله قبل خمسة عناوين، أي قبل عنوان: «و من كلام لهعليه‌السلام اقتصّ فيه ذكر ما كان منه بعد هجرة النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٢) .

قول المصنّف: «و من كلام لهعليه‌السلام قاله لعبد اللّه بن عبّاس و قد جاءه برسالة من عثمان» هكذا في (المصرية)( ٣ ) ، و في (ابن ميثم): «من عند عثمان»( ٤ ) ، و في (ابن أبي الحديد): «من عثمان بن عفّان»( ٥ ) ، و الصواب ما في (ابن ميثم)، لكون نسخته بخطّ المصنّف.

«و هو محصور» أي: حاصره الناس.

____________________

(١) نهج البلاغة ٢: ٢٦٠.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٣: ٢٩٦، و شرح ابن ميثم ٤: ٣٢٢.

(٣) نهج البلاغة ٢: ٢٦٠.

(٤) في شرح ابن ميثم المطبوع ٤: ٣٢٢: «من عثمان» أيضا.

(٥) في شرح ابن أبي الحديد المطبوع ١٣: ٢٩٦: «من عثمان» أيضا.

«يسأله فيها» ليس «فيها» في (ابن ميثم)( ١) .

«الخروج إلى ماله بينبع»، قال (الصحاح): ينبع بلد( ٢ ) . و قال في (القاموس): ينبع حصن له عيون و نخيل و زروع بطريق حاجّ مصر( ٣) .

و قال ابن دريد: ينبع بين مكّة و المدينة( ٤) .

و قال غيره: ينبع من أرض تهامة غزاها النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يلق كيدا و هي قريبة من طريق الحاجّ الشامي، و قال الشريف الينبعي: عددت بها مائة و سبعين عينا( ٥) .

و قال الحموي في (بلدانه): قال عرّام السلمي: ينبع عن يمين رضوى لمن كان منحدرا من المدينة إلى البحر على ليلة من رضوى من المدينة على سبع مراحل، و هي لبني حسن بن عليّ، و كان يسكنها الأنصار و جهينة و ليث، و فيها عيون عذاب غزيرة، و واديها يليل، و بها منبر، و هي قرية غنّاء و واديها يصبّ في غيقة، و قال غيره: ينبع حصن به ماء و نخيل و زرع، و بها وقوف لعليّعليه‌السلام يتولاّها ولده( ٦) .

«ليقل هتف الناس» أي: تصويتهم و صيحتهم.

«باسمه للخلافة» و في نسخة (ابن ميثم)( ٧ ) : «بالخلافة».

«بعد أن كان» أي: عثمان.

____________________

(١) في شرح ابن ميثم المطبوع ٤: ٣٢٢: «فيها» أيضا.

(٢) الصحاح ٣: ١٢٨٨: مادة (نبع).

(٣) القاموس المحيط ٣: ٨٧ مادة (نبع).

(٤) جمهرة اللغة ١: ٣٦٨ مادة (نبع).

(٥) معجم البلدان ٥: ٤٥٠.

(٦) المصدر نفسه ٥: ٤٤٩ ٤٥٠.

(٧) في شرح ابن ميثم المطبوع ٤: ٣٣٢: «للخلافة» أيضا.

«سأله مثل ذلك» أي: خروجه إلى ينبع.

«من قبل» هذه المرّة.

«فقالعليه‌السلام » الكلمة تأكيد، و إلاّ فلا حاجة إليها بعد قوله: «و من كلام لهعليه‌السلام ».

قولهعليه‌السلام : «يا بن عبّاس ما يريد عثمان إلاّ أن يجعلني جملا» هكذا في (المصرية)( ١ ) و الصواب: «ما يريد عثمان أن يجعلني إلاّ جملا» كما في (ابن ميثم و الخطية)( ٢) .

«ناضحا» أي: مستقيا عليه.

«بالغرب» أي: الدلو العظيم.

«اقبل» بلفظ المتكلّم من الإقبال.

«و ادبر» كما يقبل و يدبر الجمل الناضح بالغرب.

«بعث إليّ أن أخرج ثمّ بعث إليّ أن اقدم، ثمّ هو الآن يبعث إليّ أن أخرج» و في (ابن ميثم): «ثمّ هو يبعث الآن إليّ أن أخرج»( ٣) .

في (العقد الفريد): قال ابن عبّاس: أرسل إليّ عثمان فقال لي: اكفني ابن عمّك فقلت: إنّ ابن عمّي ليس بالرجل يرى له و لكنّه يرى لنفسه، فأرسلني إليه بما أحببت. قال: قل له: فليخرج إلى ماله بينبع، فلا أغتمّ به و لا يغتمّ بي. فأتيته فأخبرته، فقال: ما اتّخذني عثمان إلاّ ناضحا، ثمّ أنشد يقول:

فكيف به أنّي اداوي جراحه

فيدوى فلا ملّ الدواء و لا الداء

إلى أن قال: فخرج عليعليه‌السلام إلى ينبع، فكتب إليه عثمان حين اشتدّ

____________________

(١) نهج البلاغة ٢: ٢٦١.

(٢) في شرح ابن ميثم المطبوع ٤: ٣٣٢: «إلاّ أن يجعلني جملا» أيضا.

(٣) في شرح ابن ميثم المطبوع ٤: ٣٣٢ «ثمّ هو الآن هو يبعث إليّ أن أخرج».

عليه الأمر: أمّا بعد فقد بلغ السيل الزّبى، و جاوز الحزام الطّبيين، و طمع فيّ من كان يضعف عن نفسه.

و إنّك لم يفخر عليك كفخر

ضعيف و لم يغلبك مثل مغلّب

فأقبل إليّ، و كن لي أم عليّ، صديقا كنت أم عدوّا.

فإن كنت مأكولا فكن خير آكل

و إلاّ فأدركني و لمـّا امزّق( ١)

و في (خلفاء ابن قتيبة): ذكروا أنّه لمّا اشتدّ الطعن على عثمان، استأذنه عليّعليه‌السلام في بعض بواديه ينتحي إليها، فأذن له، فلمّا اشتدّ الأمر عليه بعد خروج عليّعليه‌السلام ، و رجا الزبير و طلحة أن يميلا إليهما قلوب الناس، و يغلبا عليهم، و اغتنما غيبة عليّعليه‌السلام كتب عثمان إلى عليّعليه‌السلام : أمّا بعد فقد بلغ السيل الزّبي، و جاوز الحزام الطبيين، و ارتفع أمر الناس في شأني فوق قدره، و زعموا أنّهم لا يرضون دون دمي، و طمع فيّ من لا يدفع عن نفسه.

و إنّك لم يفخر عليك البيت و قد كان يقال: أكل السبع خير من افتراس الثعلب( ٢) .

«و اللّه لقد دفعت عنه حتّى خشيت أن أكون آثما» بالدفاع عن ظالم.

في (الطبري): قال أبو حبيبة: نظرت إلى سعد يوم قتل عثمان دخل عليه ثمّ خرج و هو يسترجع ممّا يرى على الباب، فقال له مروان: الآن تندم أنت أشعرته( ٣ ) إلى أن قال: فقال له مروان: إن كنت تريد أن تذبّ عنه، فعليك بابن أبي طالب فإنّه متستّر، و هو لا يجبه فخرج حتّى أتى عليّاعليه‌السلام و هو بين القبر و المنبر إلى أن قال فقال له عليّعليه‌السلام : و اللّه ما زلت أذبّ عنه حتّى إنّي

____________________

(١) العقد الفريد ٥: ٥٩ ٦٠.

(٢) الإمامة و السياسة ١: ٣٤.

(٣) قال الزمخشري: أشعرت أمر فلان: جعلته معلوما مشهورا، و أشعرت فلانا: جعلته علما بقبيحة أشدتها عليه. (أساس البلاغة: ٢٣٦، مادة: شعر).

لأستحيي، و لكنّ مروان و معاوية و عبد اللّه بن عامر و سعيد بن العاص هم صنعوا به ما ترى، فإذا نصحته و أمرته أن ينحّيهم استغشّني حتّى جاء ما ترى. فبيناهم كذلك إذ جاء محمّد بن أبي بكر، فسارّ عليّاعليه‌السلام ، فأخذ عليّعليه‌السلام بيدي، و نهض و هو يقول: أيّ خير توبته هذه فو اللّه ما بلغت داري حتّى سمعت الهائعة( ١ ) أنّ عثمان قد قتل( ٢) .

و في (الطبري) أيضا: لمّا خرج ابن عديس من مصر في خمسمائة إلى عثمان و جاؤوا حتّى نزلوا اذا خشب، قال عثمان لعليّعليه‌السلام : احبّ أن تركب إليهم فتردّهم عنّي، فإنّي لا احبّ أن يدخلوا عليّ فإنّ ذلك جرأة منهم عليّ، و يسمع [ ليسمع ] بذلك غيرهم.

فقال عليّعليه‌السلام له: علام أردّهم؟ قال: على أن أصير إلى ما أشرت به عليّ و رأيته لي، و لست أخرج من يديك. فقال عليّعليه‌السلام له: إنّي قد كنت كلّمتك مرّة بعد مرّة، فكلّ ذلك تخرج و تكلّم، و تقول و تقول، و ذلك كلّه فعل مروان و سعيد بن العاص و ابن عامر و معاوية، أطعتهم و عصيتني. قال عثمان: فإنّي أعصيهم و أطيعك.

فركب عليعليه‌السلام إلى أهل مصر، فردّهم عنه، فانصرفوا راجعين( ٣) .

و روى أيضا: أنّهعليه‌السلام جاء إلى عثمان بعد انصراف المصريّين، و قال له:

تكلّم كلاما يسمعه الناس منك و يشهدون عليه، و تشهد [ يشهد ] اللّه على ما في قلبك من النزوع و الإنابة، فإنّ البلاد قد تمخّضت عليك، فلا آمن ركبا آخرين يقدمون من الكوفة، فتقول: اركب إليهم. و يقدم ركب آخرون من البصرة،

____________________

(١) الهائعة: الصوت الشديد (الصحاح ٣: ١٣٠٩، مادة: هيع).

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٣٧٧ ٣٧٨، سنة ٣٥.

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٣٥٧ ٣٥٩، سنة ٣٥، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

فتقول: اركب إليهم، فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك. فخرج فخطب الخطبة التي نزع فيها إلى أن قال: فخرج مروان إلى الباب و الناس يركب بعضهم بعضا، فقال: ما شأنكم قد اجتمعتم كأنّكم قد جئتم لنهب شاهت الوجوه تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا فإنّا و اللّه ما نحن بمغلوبين على ما في أيدينا.

فرجع الناس و خرج بعضهم حتّى أتى عليّاعليه‌السلام فأخبره الخبر، فجاء مغضبا حتّى دخل على عثمان، فقال له: أما رضيت من مروان و لا رضي منك إلاّ بتحرّفك عن دينك و عن عقلك، مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به و اللّه ما مروان بذي رأي في دينه و لا في نفسه، و ايم اللّه إنّي لأراه سيوردك ثمّ لا يصدرك، و ما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك، و غلبت على أمرك.

فلمّا خرج دخلت عليه نائلة ابنة الفرافصة امرأته، فقالت: قد سمعت قول علي لك، و إنّه ليس يعاودك، و قد أطعت مروان يقودك حيث شاء. قال: فماذا [ فما ] أصنع؟ قالت: تتّقي اللّه، و تتّبع سنّة صاحبيك من قبلك، فإنّك متى أطعت مروان قتلك، و مروان ليس له عند الناس قدر و لا هيبة و لا محبّة، و إنّما تركك الناس لمكان مروان، فأرسل إلى عليّ فاستصلحه. فأرسل إليه فأبى أن يأتيه، و قال: قد أعلمته أنّي لست بعائد( ١) .

و روى الطبريّ أيضا: عن عبد الرحمن بن الأسود، قال: جاء رسول عثمان إلى عليّعليه‌السلام أن ائتني. فقال بصوت مرتفع عال مغضب: قل له: ما أنا بداخل عليك و لا عائد إلى أن قال: قال عبد الرحمن: فغدوت فجلست معهعليه‌السلام ، فقال: جاءني عثمان البارحة، فجعل يقول: إنّك [ إنّي ] غير عائد، و إنّي

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٦٠ ٣٦٣، سنة ٣٥، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

فاعل. فقلت له: بعد ما تكلّمت به على منبر النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و أعطيت من نفسك، ثمّ دخلت بيتك، و خرج مروان إلى الناس فشتمهم على بابك، فرجع عثمان و هو يقول: قطعت رحمي، و خذلتني، و جرأت الناس عليّ.

فقلت: و اللّه إنّي لأذبّ الناس عنك، و لكنّي كلّما جئت بهنة أظنّها لك رضا جاء باخرى، فسمعت قول مروان عليّ، و استدخلت مروان.

قال عبد الرحمن: فلم أزل أرى عليّاعليه‌السلام منكّبا عنه لا يفعل ما كان يفعل، إلاّ أنّي أعلم أنّه قد كلّم طلحة حين حصر في أن يدخل عليه الروايات و غضب في ذلك غضبا شديدا، حتّى دخلت الروايا على عثمان( ١) .

و روى أبو حذيفة في كتابه مقتل عثمان كما في (جمل المفيد) عن ابن إسحاق عن الزهريّ قال: لمّا قدم أهل مصر في ستّمائة راكب، عليهم عبد الرحمن بن عديس البكري [ البلويّ ] فنزلوا ذا خشب و فيهم كنانة بن بشر الكناني [ الكنديّ ]، و ابن بديل الخزاعيّ، و أبو عروة الليثي، و اجتمع معهم حكيم بن جبلة العبدي في طائفة من أهل البصرة، و كميل بن زياد، و مالك الأشتر، و صعصعة بن صوحان، و حجر بن عدي، في جماعة من قرّاء الكوفة الذين كانوا سيّرهم عثمان من الكوفة إلى الشام حين شكوا أحداثه التي أنكرها عليه المهاجرون و الأنصار، فاجتمع فاجتمع القوم على عيب عثمان، و جهروا بذكر أحداثه، فمرّ بهم نفران، فقالا لهم: إن شئتم بلّغنا عنكم أزواج النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإن أمرنّكم أن تقدموا فأقدموا. فقالا لهم: افعلا و اقصدا عليّاعليه‌السلام آخر الناس.

فانطلقا فبدأ بعائشة و باقي أزواجه، ثمّ بأصحاب النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأمروا أن يقدموا المدينة و صارا إلى عليّعليه‌السلام فأخبراه، فقال: هل أتيتما أحدا قبلي؟ قالا:

نعم، أزواج النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و أصحابه من المهاجرين و الأنصار، فأمروا أن يقدموا.

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٦٤، سنة ٣٥، و نقله الشارح بتصرّف.

فقالعليه‌السلام : لكنّي لا آمرهم، بل يستغيثون بمن [ يستعتبونه ممّن ] قرب، فإن أغاثهم [ أعتبهم ] فهو خير لهم، و إن أبى فهم أعلم.

فخرجا إليهم و تسرّع جماعة من المدينة إليهم و اجتمعوا مع أهل ذي خشب و ذي مروة [ أهل الحسب و ذوي المروّات ].

فلمّا بلغ عثمان اجتماعهم أرسل إلى عليّعليه‌السلام و قال: يا أبا الحسن اخرج إلى هؤلاء القوم و ردّهم. فخرجعليه‌السلام إليهم، فلمّا رأوه رحّبوا به و قالوا له: قد علمت ما أحدثه هذا الرجل من الأعمال الخبيثة، و ما يلقاه المسلمون منه و من عمّاله، و كنّا لقيناه و استعتبناه فلم يعتبنا، و كلّمناه فلم يصغ إلى كلامنا و أغراه ذلك بنا، و قد جئناه نطالبه بالاعتزال عن إمرة المسلمين، و استأذنا في ذلك المهاجرين و الأنصار و أزواج النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأذنوا لنا في ورود المدينة و نحن على ذلك.

فقالعليه‌السلام لهم: يا هؤلاء، تلبّثوا [ تريّثوا ] و لا تسرعوا إلى شي‏ء لا تعرفون عاقبته. فقالوا: هيهات لا نقنع منه إلاّ بالاعتزال عن هذا الأمر ليقوم به من يوثق به. فرجععليه‌السلام إلى عثمان و أخبره بمقالتهم.

فخرج عثمان فخطب و جعل يدعو إلى نصرته، فقام إليه عمرو بن العاص فقال: إنّك قد ركبت الناس بالتهمة [ بالنهابير ]، فتب إلى اللّه. فقال له:

و إنّك لهاهنا يا بن النابغة، ثمّ رفع يده إلى السماء و قال: أتوب إلى اللّه، اللهمّ إنّي أتوب إليك.

فأنفذ عليّعليه‌السلام إلى القوم بما صار إليه من التوبة و الإقلاع، و مع ذلك ساروا إليه بأجمعهم، و سار إليه عمرو بن معدى كرب في ناس كثيرين و جعل يحرّض على عثمان، و انضمّ إليهم من المهاجرين و الأنصار طلحة و الزبير و جمهور الأنصار، فخرج عليعليه‌السلام إليهم و قال لهم: اتّقوا اللّه ما لكم و للرجل؟

أما رجع عمّا أنكرتموه، أما تاب على المنبر توبة جهر بها؟ و لم يزل يلطف بهم حتّى سكنت فورتهم.

ثمّ سأله أهل مصر أن يلقاه في عزل ابن أبي سرح، و أهل الكوفة في عزل سعيد بن العاص، و أهل البصرة في عزل ابن كريز، و يعدل عمّا كان عليه من منكر الأفعال. فدخلعليه‌السلام عليه، و لم يزل به حتّى أعطاه ما أراد القوم، و بذل لهم العهود و الأيمان. فخرج عليّعليه‌السلام إليهم بما ضمنه له، و لم يزل بهم حتّى تفرّقوا.

فلمّا سار أهل مصر ببعض الطريق إلى أن قال: رأوا كتابا من عثمان إلى ابن أبي سرح: إذا أتاك كتابي فاضرب عنق عمرو بن بديل، و عبد الرحمن البكري [ البلوي ]، و اقطع أيدي علقمة، و كنانة، و عروة و أرجلهم، ثمّ دعهم يتشحّطون في دمائهم، فإذا ماتوا فأوقفهم على جذوع النخيل [ النخل ].

فدخل عليّعليه‌السلام على عثمان و قال له: إنّك وسطتني أمرا بذلت الجهد فيه لك، أمّا أنا فمعتز لك و شأنك و أصحابك. و خرج من عنده و دخل داره و أغلق عليه بابه( ١) .

١٠ - الخطبطة (١٣٥)

و من كلام لهعليه‌السلام :

يَا اِبْنَ اَللَّعِينِ اَلْأَبْتَرِ وَ اَلشَّجَرَةِ اَلَّتِي لاَ أَصْلَ لَهَا وَ لاَ فَرْعَ أَنْتَ تَكْفِينِي فَوَ اللَّهِ مَا أَعَزَّ اَللَّهُ مَنْ أَنْتَ نَاصِرُهُ وَ لاَ قَامَ مَنْ أَنْتَ مُنْهِضُهُ اُخْرُجْ عَنَّا أَبْعَدَ اَللَّهُ نَوَاكَ ثُمَّ اُبْلُغْ جَهْدَكَ فَلاَ أَبْقَى اَللَّهُ عَلَيْكَ إِنْ أَبْقَيْتَ

____________________

(١) تاريخ المدينة المنوّرة ٣: ١١٢٦، و ٤: ١١٥١ ١١٦١، الإمامة و السياسة ١: ٣٦ ٣٨، أنساب الأشراف، الجمل للمفيد: ١٣٧ ١٤١، و نقله الشارح عن الجمل بتصرّف و تلخيص.

أقول: قال ابن أبي الحديد: روى عوانة عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ: أنّ عثمان لمّا كثرت شكايته من عليّعليه‌السلام ، أقبل لا يدخل عليه أحد من أصحاب النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ شكاه إليه، فقال له زيد بن ثابت الأنصاري و كان من شيعته و خاصّته: أ فلا أمشي إليه فاخبره بموجدتك فيما يأتي إليك؟ قال:

بلى. فأتاه زيد و معه المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي و عداده في بني زهرة، و امّه عمّة عثمان في جماعة فدخلوا عليه.

ثمّ قال له زيد: إنّ اللّه قدّم لك سلفا صالحا في الإسلام، و جعلك من الرسول بالمكان الذي أنت به، فأنت للخير كلّ الخير أهل، و عثمان ابن عمّك، و والي هذه الامّة، فله عليك حقّان: حقّ الولاية و حقّ القرابة و قد شكا إلينا أنّ عليّا يعرض لي، و يردّ عليّ أمري، و قد مشينا إليك نصيحة لك، و كراهية أن يقع بينك و بين ابن عمّك أمر نكرهه لكما.

فقال عليّعليه‌السلام : و اللّه ما احبّ الاعتراض، و لا الردّ عليه، إلاّ أن يأبى حقّا للّه لا يسعني أن أقول فيه إلاّ بالحقّ، و و اللّه لأكفنّ عنه ما وسعني الكفّ.

فقال المغيرة بن الأخنس و كان رجلا وقاحا، و كان من شيعة عثمان و خلصائه: إنّك و اللّه لتكفّنّ عنه أو لتكفّنّ فإنّه أقدر عليك منك عليه و إنّما أرسل هؤلاء القوم من المسلمين إعذارا [ إعزازا ] إليك ليكون له الحجّة عندهم عليك.

فقال له عليعليه‌السلام : يا بن اللعين الأبتر، و الشجرة التي لا أصل لها و لا فرع، أنت تكفّني؟ فو اللّه ما أعز اللّه امرأ أنت ناصره، اخرج أبعد اللّه نواك، ثمّ أجهد جهدك، فلا أبقى اللّه عليك و لا على أصحابك إن أبقيتم.

فقال زيد: إنّا و اللّه ما جئناك لنكون عليك شهودا، و لا ليكون مشينا [ ممشانا ] إليك حجّة، و لكن [ مشينا فيما بينكما ] التماس الأجر أن يصلح اللّه

ذات بينكما، ثمّ قام فقاموا معه( ١) .

قال ابن أبي الحديد: و هذا الخبر يدلّ على أنّ اللفظة «تكفّني» لا «تكفيني» كما ذكره الرضيّ، لكنّ الرضيّ طبّق هذه اللفظة على ما قبلها، و هو قوله: «أنا أكفيكه» و لا شبهة أنّه رواية اخرى( ٢) .

قلت: و رواه أعثم الكوفي في (تاريخه) مثل (ابن أبي الحديد) و زاد: أنّ الأصل في وقوع المشاجرة بين عليّعليه‌السلام و عثمان، أنّ عثمان أراد إخراج عمّار بعد أبي ذرّ إلى الربذة أيضا.

و مختصر روايته: أنّ عمّار لمّا سمع بوفاة أبي ذر في الربذة ترحّم عليه في حضور عثمان، فغضب و قال: ارسلوه إلى محل كان فيه أبو ذر. فقال له عمّار: مجاورة الكلاب و الخنازير أحبّ إليّ من جوارك.

و خرج من عنده و عزم عثمان على إخراجه، فاجتمع بنو مخزوم حلفاء عمّار إلى عليّعليه‌السلام و قالوا له: ضربه مرّة و فتقه اخرى، و الآن أراد إخراجه، فالق عثمان ينصرف عن هذا و إلاّ تكون فتنة. فدخل عليّعليه‌السلام على عثمان و قال له: أخرجت أبا ذر و هو من أجلّ الصحابة حتّى مات في الغربة، فانصرف وجوه المسلمين عنك و الآن أردت اخراج عمّار فاتّق اللّه. فغضب عثمان و قال:

يجب إخراجك أوّلا حتّى لا تجترى‏ء أمثال عمّار و فسادهم منك.

فقال له عليّعليه‌السلام : إنّك لا تقدر على ذلك، و فساد أمثال عمّار من أعمالك لا منّي، فأعمالك خلاف الدين فينكرون عليك. ثم خرج من عنده فاجتمع الناس إليه و قالوا: أراد عثمان أن يخرجنا جميعا حتّى نموت بعيدين من أهالينا.

فقالعليه‌السلام : قولوا لعمّار: لا يخرج من بيته. فاطمأن بنو مخزوم

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٣٠٢ ٣٠٣.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٣٠٣.

باستظهارهعليه‌السلام ، و قالوا له: لو كنت معنا لم يقدر عثمان على إضرارنا. فبلغ ذلك إلى عثمان، فشكاهعليه‌السلام إلى الناس فقال له زيد بن ثابت: لو تأذن القى عليّا.

فخرج هو و المغيرة بن الأخنس إليهعليه‌السلام إلى آخر ما مرّ( ١) .

و تاريخ تأليف كتاب أعثم سنة (٢٠٤) كما صرّح به مترجمه المتوفى، و كلّ منهما عامّيّ( ٢) .

قول المصنّف: «و من كلام لهعليه‌السلام » اقتصر عليه في (المصرية)( ٣ ) ، مع أنّه قال المصنّف بعده: «و قد وقعت مشاجرة بينه و بين عثمان، فقال المغيرة بن الأخنس لعثمان: أنا أكفيكه. فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام للمغيرة» كما يشهد له نقل (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٤ ) مع اختلاف يسير، و اخترنا لفظ ما في (ابن ميثم) لكون نسخته بخطّ المصنّف.

____________________

(١) الفتوح لابن أعثم الكوفي ١: ١٦، تحقيق سهيل زكار، دار الفكر، بيروت.

(٢) قال ياقوت في معجم الأدباء ٢: ٢٣٠ ٢٣١ ما لفظه: «أحمد بن أعثم الكوفي أبو محمّد الاخباريّ المؤرّخ، كان شيعيّا، و هو عند أصحاب الحديث ضعيف، و له كتاب التاريخ إلى آخر أيّام المقتدر، ابتدأه بأيام المأمون، و يوشك أن يكون ذيلا على الأوّل، رأيت الكتابين». و عدّ العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في البحار ١: ٢٥ كتاب الفتوح من كتب تواريخ العامّة، و قال: و تاريخ الفتوح للأعثم الكوفي و تاريخ الطبري و... و قال حاجي خليفة في كشف الظنون في ذيل عنوان فتوحات الشام: و صنّف فيها أبو محمّد أحمد بن أعثم الكوفيّ و ترجمه أحمد بن محمّد المنوفيّ إلى الفارسية. و قال الشيخ آقا بزرك الطهراني في الذريعة ٣: ٢٢١: قال المنوفيّ في أوّل ترجمة «الفتوح»: «ذكر عندي كتاب الفتوح الذي ألّف سنة ٢٠٤» و هذا فيه غلط في تاريخ التأليف جزما، فإنّ ياقوت المعاصر للمترجم، لأنّه توفي سنة ٦٢٦، أخبر بأنّه رأى الكتابين: الفتوح المنتهي إلى عصر الرشيد، و التاريخ المنتهي فيه إلى أيّام المقتدر المقتول سنة ٣٢٠، و هما لأحمد بن أعثم. فمؤلّف هذا التاريخ كيف يكون تأليف فتوحه سنة ٢٠٤؟ فالظاهر أنّ المترجم بما أنّه لم يظفر بتاريخ ابن أعثم و إنّما ظفر بفتوحه فقط المنتهي إلى حدود سنة ٢٠٤، حسب ذلك تاريخ الفراغ لمؤلّفه و ترجمه الى الفارسية....

(٣) نهج البلاغة ٢: ٢٥.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٣٠١، شرح ابن ميثم ٣: ١٦٣.

ثمّ من مشاجراتهعليه‌السلام مع عثمان غير ما في المتن ما في (مروج المسعودي): أنّ عليّاعليه‌السلام لمّا رجع من تشييع أبي ذرّ استقبله الناس و قالوا له:

إنّ عثمان عليك غضبان لتشييعك لأبي ذرّ، فقالعليه‌السلام : غضب الخيل على اللّجم( ١ ) إلى أن قال: فقال له عثمان: أو لم يبلغك أنّي نهيت الناس عن تشييع أبي ذرّ؟ فقال له عليّعليه‌السلام : أو كلّ شي‏ء أمرتنا به نرى طاعة اللّه و الحقّ في خلافه اتّبعنا فيه أمرك؟ لا و اللّه. قال عثمان: أقد مروان إلى أن قال:

قال عثمان لهعليه‌السلام : فو اللّه ما أنت عندي بأفضل من مروان. فغضب عليعليه‌السلام و قال: ألي تقول هذا القول، و بمروان تعدلني؟ إلى أن قال: فلمّا كان من الغد و اجتمع الناس إلى عثمان شكا إليهم عليّاعليه‌السلام و قال: إنّه يعيبني و يظاهر من يعيبني يريد بذلك أبا ذرّ و عمّارا و غيرهما فدخل الناس بينهما، فقالعليه‌السلام : ما أردت بتشيع أبي ذرّ إلاّ اللّه( ٢) .

و ما في (تاريخ الثقفي) على ما في تقريب الحلبي عن عبد الرحمن بن معمّر عن أبيه قال: لمّا قدم بأبي ذرّ من الشام إلى عثمان كان ممّا أنّبه( ٣ ) عثمان به أن قال: أيّها النّاس، إنّه يقول: إنّه خير من أبي بكر و عمر. قال أبو ذرّ: أجل، أنا أقول و اللّه لقد رأيتني رابع أربعة من النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ما أسلم غيرنا، و ما أسلم أبو بكر و لا عمر، و لقد ولّيا و ما ولّيت.

فقال عليّعليه‌السلام : و اللّه لقد رأيته و إنّه لربع الإسلام. فردّ عثمان ذلك على عليعليه‌السلام ، و كان بينهما كلام، فقال عثمان: و اللّه لقد هممت بك. قال عليّعليه‌السلام :

____________________

(١) قال الميدانيّ في مجمع الأمثال ٢: ٥٦ ما لفظه: يضرب لمن يغضب غضبا لا ينتفع به، و لا موضع له، و نصب «غضب» على المصدر، أي: غضب غضب الخيل.

(٢) مروج الذهب ٢: ٣٥٠ ٣٥١، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

(٣) التأنيب: المبالغة في التوبيخ و التعنيف. النهاية ١: ٧٣، مادة (أنب).

و أنا و اللّه لأهمّ بك. فقام عثمان و دخل بيته( ١) .

و نقل (ابن أبي الحديد) أيضا مقدارا من مشاجراته( ٢) .

هذا، و قالوا: كان اسم أبي المغيرة بن أخنس أبيّا، فلمّا خرجت قريش إلى بدر، و أتاهم الخبر عن أبي سفيان بسلامة العير، قال ابيّ لبني زهرة و كان حليفا لهم: ارجعوا. فرجعوا. فقيل: خنس بهم أبيّ، فسمّي الأخنس( ٣) .

قولهعليه‌السلام : «يا بن اللعين» قال ابن أبي الحديد: جعلعليه‌السلام أباه لعينا، لأنّه كان من أكابر المنافقين، ذكره أصحاب الحديث كلّهم في المؤلّفة الذين أسلموا يوم الفتح بألسنتهم دون قلوبهم، و أعطاه النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من غنائم حنين مائة من الإبل لتأليفه( ٤) .

قلت: و روى (أسباب نزول الواحدي): أنّ فيه نزل و من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدّنيا و يشهد اللّه على ما في قلبه و هو ألدّ الخصام.

و إذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها و يهلك الحرث و النسل و اللّه لا يحبّ الفساد. و إذا قيل له اتّق اللّه أخذته العزّة بالإثم فحسبه جهنّم و لبِئسَ المِهاد( ٥) .

ففيه قال السّدي: أقبل الأخنس بن شريق الثقفي إلى المدينة فأظهر الإسلام، فأعجب النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك منه، و قال الأخنس: إنّما جئت اريد الاسلام، و اللّه يعلم إنّي لصادق. ثمّ خرج من عند النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فمرّ بزرع القوم من

____________________

(١) نقله عنه العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في بحار الأنوار، ٨: ٣٣٧ ط الكمباني.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٥٤ ٢٥٥.

(٣) اسد الغابة ١: ٤٧ ٤٨، الإصابة ١: ٢٥.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٣٠١.

(٥) أسباب النزول: ٣٩، و الآيات ٢٠٤ ٢٠٦ من سورة البقرة.

المسلمين و حمر، فأحرق الزرع و عقر الحمر، فأنزل فيه تلك الآيات( ١) .

و منه يظهر قول ابن أبي الحديد: أسلم يوم الفتح( ٢) .

قال ابن أبي الحديد: و أبو الحكم بن الأخنس أخو المغيرة، قتله أمير المؤمنينعليه‌السلام يوم احد كافرا في الحرب، و الحقد الذي في قلب المغيرة عليهعليه‌السلام من جهة أخيه هذا( ٣) .

قلت: و خرج ابنه عبد اللّه بن المغيرة، و ابن أخيه عبد اللّه بن أبي عثمان يوم الجمل عليهعليه‌السلام في الناكثين فقتلا( ٤) .

و في (إرشاد محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد): مرّ أمير المؤمنينعليه‌السلام يوم الجمل في القتلى على عبد اللّه بن المغيرة، فقالعليه‌السلام : أمّا هذا فقتل أبوه يوم قتل عثمان في الدار، فخرج مغضبا لقتل أبيه و هو غلام حدث حيّن( ٥ ) لقتله.

ثمّ مرّعليه‌السلام بعبد اللّه بن أبي عثمان بن الأخنس، فقالعليه‌السلام : أمّا هذا فكأنّي أنظر إليه و قد أخذ القوم السيوف هاربا يعدو من الصفّ، فنهنهت عنه فلم يسمع من نهنهت فقتله( ٦) .

«الأبتر» قال ابن أبي الحديد: جعلعليه‌السلام أباه أبتر، لأنّ من كان عقبه ضالاّ خبيثا، فهو كمن لا عقب له، بل من لا عقب له خير منه( ٧) .

قلت: الأصل في كلامهعليه‌السلام قوله تعالى: إنّ شانِئكَ هوم الأبتر( ٨ ) نزل

____________________

(١) أسباب النزول: ٣٩.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٣٠١.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٣٠١.

(٤) الجمل للمفيد: ٣٩٣ ٣٩٤.

(٥) الحين بالفتح: الهلاك يقال: حان يحين حينا، و حيّنه اللّه فتحيّن. (لسان العرب ٣: ٤٢٣ ٤٢٤، مادة: حين).

(٦) الإرشاد ١: ٢٥٥ ٢٥٦، الجمل: ٣٩٣ ٣٩٤، بحار الأنوار ٣٢: ٢٠٨.

(٧) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٣٠١.

(٨) الكوثر: ٣.

في العاص أبي عمرو بن العاص.

و في (الأسباب) أيضا: تحدّث العاص مع النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند باب بني سهم، ثمّ دخل المسجد فقالت له قريش: من كنت تحدّث؟ قال ذاك الأبتر و قد كان ابنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من خديجة مات، و كانوا يسمّون من ليس له ابن أبتر فأنزل تعالى سورة الكوثر( ١) .

«و الشجرة التي لا أصل لها و لا فرع» قال ابن أبي الحديد: قالعليه‌السلام ذلك لكون المغيرة من ثقيف، و في نسب ثقيف طعن فهم يزعمون أنّهم من هوازن من قيس عيلان، و قيل: إنّهم من إياد بن نزار، و قيل: إنّهم من بقايا ثمود( ٢) .

و قال الحجّاج: يزعمون أنّا من بقايا ثمود و قد قال تعالى: و ثمودَ فما أبقى( ٣) .

قلت: و مع كونه بهذه المثابة من الخباثة افتعل له سيف الوضّاع خبرا في كون قاتله من أهل النّار( ٤ ) ، لكونه قتل مع عثمان يوم الدار( ٥) .

«أنت تكفيني؟ فو اللّه ما أعزّ اللّه من أنت ناصره» يعنيعليه‌السلام عثمان.

«و لا قام من أنت منهضه» أي: مقيمه، و ناهضة الرجل بنو أبيه الذين يغضبون له، هذا، و في (بلاغات أحمد بن أبي طاهر البغدادي): لمّا قتل عليّعليه‌السلام بعث معاوية في طلب شيعته، فكان في من طلب عمرو بن الحمق الخزاعي فراغ منه فأرسل إلى امرأته فحبسها في سجن دمشق سنتين، ثم إنّ عبد الرحمن بن الحكم ظفر بعمرو بن الحمق في بعض بلاد الجزيرة، فقتله

____________________

(١) أسباب النزول: ٣٠٦ ٣٠٧.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٣٠٣ ٣٠٥.

(٣) المصدر نفسه ٨: ٣٠٦، و الآية ٥١ من سورة النجم.

(٤) تاريخ الطبري ٤: ٣٩٠، سنة ٣٥.

(٥) تاريخ الطبري ٤: ٣٨٢، سنة ٣٥، شرح ابن أبي الحديد ٨: ٣٠٦.

و بعث برأسه إلى معاوية و هو أول رأس حمل في الإسلام فبعث معاوية بالرأس إلى امرأته في السجن إلى أن قال: فسمعها الاسلع الهلالي، و كان رجلا أسود أصلع أصعل، تذكر معاوية فقال: من تعني هذه عليها لعنة اللّه.

فالتفتت إليه، فلمّا رأته قالت: خزيا لك و جدعا، أ تلعنني و اللعن بين جنبيك، و ما بين قرنك إلى قدميك، اخسأ يا هامة الصعل و وجه الجعل، فأذلل بك نصيرا و اقلل بك نصيرا. فبهت الاسلع منها و اعتذر إليها( ١) .

و في (كنايات الجرجاني) قال أبو حيان: رأيت أبا حامد في مجلس ابن أمّ شيبان يناظر خصما له، فابتدر أبو جعفر الأبهري ليتكلّم مداخلا، فأنشد أبو حامد:

فإن تك قيس قدمتك لنصرها

فقد خزيت قيس و ذلّ نصيرها( ٢)

«اخرج عنّا أبعد اللّه نواك» في (الصحاح): النوى: الوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد و هي مؤنّثة( ٣) .

«ثمّ ابلغ جهدك» في (الصحاح): قال الفرّاء: الجهد بالضمّ الطاقة، و بالفتح من قولك: اجهد جهدك في هذا الأمر، أي: ابلغ غايتك و المراد فيما تستطيع من الإيذاء و الإضرار( ٤) .

«فلا أبقى اللّه عليك إن أبقيت» شيئا ممّا يأتي من يديك. و قد قالعليه‌السلام نظير هذا الكلام لحبيب بن مسلمة الفهريّ لمّا بعثه معاوية إليهعليه‌السلام في صفّين ففي (الطبري): أنّ حبيبا قال لهعليه‌السلام : كان عثمان خليفة مهديّا، يعمل بكتاب اللّه، و ينيب إلى أمر اللّه، فاستثقلتم حياته، و استبطأتم وفاته، فعدوتم عليه

____________________

(١) بلاغات النساء لابن أبي طاهر البغدادي: ٨٧، دار النهضة الحديثة، بيروت.

(٢) الكنايات للجرجاني: ١٠٠، مطبعة السعادة، مصر.

(٣) الصحاح ٦: ٢٥١٦، مادة (نوى).

(٤) المصدر نفسه ٢: ٤٦٠، مادة (جهد).

فقتلتموه فادفع إلينا قتلة عثمان إن زعمت أنّك لم تقتله نقتلهم به، ثمّ اعتزل أمر الناس، فيكون أمرهم شورى بينهم، يولّي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم.

فقالعليه‌السلام له: و ما أنت لا أمّ لك و هذا الأمر؟ اسكت فإنّك لست هنا لك و لا بأهل له فقام و قال: و اللّه لترينّي بحيث تكره. فقالعليه‌السلام : و ما أنت، و لو أجلبت بخيلك و رجلك؟ لا أبقى اللّه عليك إن أبقيت عليّ أحقرة و سوءا؟ اذهب فصوّب و اصعد [ صعّد ] ما بدا لك( ١) .

١١ - الخطبة (١٣٠) و من كلام لهعليه‌السلام لأبي ذرّ رحمه اللّه لما اخرج إلى الرّبذة:

يَا؟ أَبَا ذَرٍّ؟ إِنَّكَ غَضِبْتَ لِلَّهِ فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ إِنَّ اَلْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ وَ خِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ وَ اُهْرُبْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ وَ مَا أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ وَ سَتَعْلَمُ مَنِ اَلرَّابِحُ غَداً وَ اَلْأَكْثَرُ حُسَّداً وَ لَوْ أَنَّ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرَضِ كَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتْقاً ثُمَّ اِتَّقَى اَللَّهَ لَجَعَلَ اَللَّهُ لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً لاَ يُؤْنِسَنَّكَ إِلاَّ اَلْحَقُّ وَ لاَ يُوحِشَنَّكَ إِلاَّ اَلْبَاطِلُ فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لَأَحَبُّوكَ وَ لَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا لَأَمَّنُوكَ أقول: قال ابن أبي الحديد: روى هذا الكلام أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في (سقيفته) عن عبد الرزّاق، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: لمّا أخرج أبو ذرّ إلى الربذة أمر عثمان، فنودي في الناس أن لا يكلّم أحد أبا ذرّ، و لا يشيّعه. و أمر مروان أن يخرج به فخرج به، و تحاماه الناس إلاّ عليّ بن

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٧، سنة ٣٧.

أبي طالبعليه‌السلام و عقيلا أخاه، و الحسن و الحسين عليهما السلام و عمّارا، فإنّهم خرجوا معه يشيّعونه، فجعل الحسنعليه‌السلام يكلّم أبا ذرّ، فقال له مروان: ألا تعلم أنّ الخليفة قد نهى عن كلام هذا الرجل؟ فإن كنت لا تعلم ذلك فاعلم. فحمل عليّعليه‌السلام على مروان بالسوط بين اذني راحلته، و قال له: تنحّ نحّاك [ لحاك ] اللّه إلى النّار فرجع مروان مغضبا إلى عثمان، فأخبره الخبر، فتلظّى على عليّعليه‌السلام . و وقف أبو ذرّ فودّعه القوم، و معه ذكوان مولى امّ هاني بنت أبي طالب.

قال ذكوان: فحفظت كلام القوم و كان حافظا فقال له عليّ: يا أبا ذرّ، إنّك غضبت للّه. أنّ القوم خافوك على دنياهم، و خفتهم على دينك، فامتحنوك بالقلى، و نفوك إلى الغلى [ الفلا ]، لو كانت السماوات والأرض على عبد رتقا، ثمّ اتّقى اللّه لجعل اللّه له منها مخارجا. يا أبا ذرّ لا يؤنسنّك إلاّ الحقّ، و لا يوحشنّك إلاّ الباطل.

ثمّ قال لأصحابه: ودّعوا عمّكم. و قال لعقيل: ودّع أخاك. فتكلّم عقيل، فقال: ما عسى أن نقول يا أبا ذرّ و أنت تعلم أنّا نحبّك، و أنت تحبّنا، و اتّق اللّه فإنّ التقوى نجاة، و اصبر فإنّ الصبر كرم، و اعلم أنّ استثقالك الصبر من الجزع، و استبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس و الجزع.

ثمّ تكلّم الحسنعليه‌السلام فقال: يا عمّاه لو لا أنّه لا ينبغي للمودّع أن يسكت.

و [ لا بدّ ظ ] للمشيّع أن ينصرف، لقصر الكلام و إن طال الأسف، و قد أتى القوم إليك ما ترى، فضع عنك [ همّ ظ ] الدنيا بتذكّر فراقها، و شدّه ما اشتدّ منها برخاء [ برجاء ] ما بعدها، و اصبر حتّى تلقى نبيّك و هو عنك راض.

ثمّ تكلّم الحسينعليه‌السلام فقال: يا عمّاه، إنّ اللّه تعالى قادر على أن يغيّر ما ترى، و اللّه كلّ يوم هو في شأن، و قد منعك القوم دنياهم، و منعتهم دينك،

فما أغناك عمّا منعوك، و أحوجهم إلى ما منعتهم، فاسأل اللّه تعالى الصبر و النصر، و استعذ به من الجشع و الجزع، فإنّ الصبر من الدين و الكرم، و إنّ الجشع لا يقدّم رزقا، و الجزع لا يؤخّر أجلا.

ثمّ تكلّم عمّاررضي‌الله‌عنه مغضبا فقال: لا آنس اللّه من أوحشك، و لا آمن من أخافك. أما و اللّه لو أردت دنياهم لأمّنوك، و لو رضيت أعمالهم لأحبّوك، و ما منع الناس أن يقولوا بقولك إلاّ الرضا بالدنيا، و الجزع من الموت، و مالوا إلى سلطان جماعتهم عليه، و الملك لمن غلب، فوهبوا لهم دينهم، و منحهم القوم دنياهم، فخسروا و الدّنيا و الآخرة، و ذلك هو الخسران المبين.

فبكى أبو ذرّ و كان شيخا كبيرا، و قال: رحمكم اللّه يا أهل بيت الرحمة إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مالي بالمدينة سكن و لا شجن( ١ ) غيركم، إنّي ثقلت على عثمان بالحجاز، كما ثقلت على معاوية بالشام، و كره أن أجاور أخاه و ابن خاله بالمصرين، فافسد الناس عليهما، فسيّرني إلى بلد ليس لي به ناصر و لا دافع إلاّ اللّه، و اللّه ما اريد إلاّ اللّه صاحبا، و ما أخشى مع اللّه وحشة.

ثمّ رجعوا إلى المدينة، فقال عثمان لعليّعليه‌السلام : ما حملك على ردّ رسولي، و تصغير أمري؟ فقال: أمّا رسولك، فأراد أن يردّ وجهي فرددته. قال: أما بلغك نهيي عن كلام أبي ذرّ؟ قال: أو كلّما أمرت بأمر معصية أطعناك فيه؟ قال: أقد مروان. قال: ممّ؟ قال: من شتمه و جذب راحلته. قال: أمّا راحلته فراحلتي بها، و أما شتمه إيّاي، فو اللّه لا شتمني شتمة إلاّ شتمتك مثلها، و لا أكذب عليك.

فغضب عثمان، و قال: لم لا يشتمك، كأنّك خير منه؟ قال عليّعليه‌السلام : أي و اللّه و منك. ثمّ قام فخرج إلى أن قال: فقالت قريش و بنو اميّة لمروان: أ أنت

____________________

(١) الشجن بفتحتين: الحاجة (المصباح المنير ١: ٣٦٨، مادة: شجن).

رجل جبهك علي، و ضرب راحلتك، و قد تفانت وائل في ضرع ناقة، و ذبيان و عبس في فرس، و الأوس و الخزرج في نسعة أ فتحمل لعليّ ما أتاه إليك؟

فقال مروان: و اللّه لو أردت ذلك لما قدرت عليه( ١) .

قلت: و رواه محمّد بن يعقوب في (روضته) عن عدّة من أصحابه، عن سهل الآدميّ، عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن حفص التميمي، عن أبي جعفر الخثعميّ قال: لمّا سيّر عثمان أبا ذرّ إلى الربذة شيّعه أمير المؤمنينعليه‌السلام و عقيل و الحسنانعليهما‌السلام و عمّار، فلمّا كان عند الوداع قالعليه‌السلام له: يا أبا ذرّ، إنّما غضبت للّه عزّ و جلّ، فارج من غضبت له، إنّ القوم خافوك على دنياهم، و خفتهم على دينك، فأرحلوك عن الفناء و امتحنوك بالبلاء و و اللّه لو كان السماوات و الأرض على عبد رتقا ثمّ اتّقى اللّه جعل اللّه له منها مخرجا، فلا يؤنسنّك [ يونسك ] إلاّ الحقّ، و لا يوحشنّك [ يوحشك ] إلاّ الباطل.

ثمّ تكلّم عقيل فقال: يا أبا ذرّ، أنت تعلم أنّا نحبّك، و نحن نعلم أنّك تحبّنا، فإنّك قد حفظت منّا [ فينا ] ما ضيّع الناس إلاّ القليل، فثوابك على اللّه عزّ و جلّ، و لذلك أخرجك المخرجون و سيّرك المسيّرون، فاتّق اللّه، و اعلم أنّ استثقالك [ استعفاءك ] البلاء من الجزع، و استبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس و الجزع و قل: حسبي اللّه و نعم الوكيل.

ثمّ تكلّم الحسنعليه‌السلام فقال: يا عمّاه، إنّ القوم قد أتوا إليك ما ترى، و إنّ اللّه عزّ و جلّ بالمنظر الأعلى، فدع عنك ذكر الدّنيا بذكر فراقها، و شدّة ما يرد عليك لرخاء ما بعدها، و اصبر حتّى تلقى نبيّكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و هو عنك راض.

ثمّ تكلّم الحسينعليه‌السلام فقال: يا عمّاه، إنّ اللّه تعالى قادر على أن يغيّر ما ترى و هو كلّ يوم في شأن، إنّ القوم منعوك دنياهم، و منعتهم دينك، فما

____________________

(١) السقيفة و فدك: ٧٦ ٧٩. شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٥٢ ٢٥٥، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

أغناك عمّا منعوك، و ما أحوجهم إلى ما منعتهم، فعليك بالصبر و إنّ الخير في الصبر، و الصبر من الكرم، و دع الجزع فإنّ الجزع لا يغنيك.

ثمّ تكلّم عمّاررضي‌الله‌عنه فقال: يا أبا ذرّ، أوحش اللّه من أوحشك، و أخاف من أخافك، إنّه و اللّه ما منع الناس أن يقولوا الحقّ إلاّ الركون إلى الدّنيا و الحبّ لها، ألا إنّما الطاعة مع الجماعة، و الملك لمن غلب عليه، و إنّ هؤلاء القوم دعوا الناس إلى دنياهم فأجابوهم إليها، و وهبوا لهم دينهم فخسروا الدّنيا و الآخرة و ذلك هو الخسران المبين.

ثمّ تكلّم أبو ذرّ فقال: عليكم منّي السلام و رحمة اللّه و بركاته، بأبي و امّي هذه الوجوه فإنّي إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و مالي بالمدينة شجن و لا سكن غيركم، و إنّه ثقل على عثمان جواري بالمدينة كما ثقل على معاوية بالشام، فآلى أن يسيّرني إلى بلدة، فطلبت إليه أن يكون ذلك إلى الكوفة، فزعم أنّه يخاف أن افسد على أخيه الناس بالكوفة، و آلى باللّه أن يسيّرني إلى بلدة لا أرى بها أنيسا و لا أسمع لها حسيسا( ١ ) ، و إنّي و اللّه ما اريد إلاّ اللّه عزّ و جلّ صاحبا و مالي مع اللّه وحشة حسبي اللّه لا إله إلاّ هو عليه توكّلت و هو ربّ العرش العظيم( ٢) .

قول المصنّف: «و من كلام لهعليه‌السلام لأبي ذرّرضي‌الله‌عنه لمّا خرج» هكذا في (المصرية)( ٣ ) ، و الصواب: «لمّا اخرج» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٤) ، و أيضا لم يخرج هو بل اخرج كما عرفت و تعرف.

«إلى الربذة» في (المعجم): الربذة من قرى المدينة على ثلاثة أميال

____________________

(١) الحسيس: الصوت الخفيّ. (المصباح المنير ١: ١٦٦، مادة: حسس).

(٢) الكافي ٨: ٢٠٦ ٢٠٨، و الآية ١٢٩ من سورة التوبة.

(٣) نهج البلاغة ٢: ١٧.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٥٢، شرح ابن ميثم ٣: ١٤٥.

[ إيام ]، قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت في فيد تريد مكة، و بها قبر ابي ذر( ١) .

قال ابن أبي الحديد: اعلم أنّ الذي عليه أكثر أرباب السيرة و علماء الأخبار و النقل، أنّ عثمان نفى أبا ذرّ أوّلا إلى الشام، ثمّ استقدمه إلى المدينة لمّا شكا منه معاوية، ثمّ نفاه من المدينة إلى الربذة لمّا عمل بالمدينة نظير ما كان يعمل بالشام.

و أصل هذه الواقعة أنّ عثمان لمّا أعطى مروان بن الحكم و غيره بيوت الأموال، و اختصّ زيد بن ثابت بشي‏ء منها، جعل أبو ذرّ يقول بين الناس و في الطرقات و الشوارع: بشّر الكافرين بعذاب أليم، و يرفع بذلك صوته، و يتلو قوله تعالى:... و الّذين يكنزون الذّهب و الفضّة و لا ينفقونها في سبيل اللّه فبشّرهم بعذاب أليم( ٢ ) ، فرفع ذلك إلى عثمان مرارا و هو ساكت.

ثمّ إنّه أرسل إليه مولى من مواليه: أن انته عمّا بلغني عنك. فقال أبو ذرّ:

أينهاني عثمان عن قراءة كتاب اللّه؟ فو اللّه لأنّ أرضي اللّه بسخط عثمان أحبّ إليّ من أن اسخط اللّه برضا عثمان.

فأغضب عثمان ذلك و أحفظه، فتصابر و تمالك [ تماسك ] إلى أن قال عثمان يوما، و الناس حوله: أ يجوز للإمام أن يأخذ من بيت المال شيئا قرضا، فإذا أيسر قضى؟

فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك. فقال أبو ذرّ: يا بن اليهوديّين، أ تعلّمنا ديننا فقال عثمان: قد كثر أذاك لي، و تولّعك بأصحابي، الحق بالشام. فأخرجه إليها.

____________________

(١) معجم البلدان ٣: ٢٤.

(٢) التوبة: ٣٤.

فكان أبو ذرّ ينكر على معاوية أشياء يفعلها، فبعث إليه معاوية يوما ثلاثمائة دينار، فقال أبو ذرّ لرسوله: إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا أقبلها، و إن كانت صلة فلا حاجة لي فيها، و ردّها عليه.

ثمّ بنى معاوية الخضراء بدمشق، فقال أبو ذرّ: يا معاوية، إن كانت هذه من مال اللّه فهي الخيانة، و إن كانت من مالك فهي الإسراف. و كان أبو ذرّ يقول بالشام: و اللّه لقد حدثت أعمال ما أعرفها، و اللّه ما هي في كتاب اللّه و لا سنّة نبيّه، و اللّه إنّي لأرى حقّا يطفأ و باطلا يحيا، و صادقا مكذّبا، و إمرة [ أثرة ] بغير تقى، و صالحا مستأثرا عليه.

فقال حبيب بن مسلمة الفهريّ لمعاوية: إنّ أبا ذرّ لمفسد عليكم الشام فتدارك أهله إن كان لك فيه حاجة( ١) .

و قال ابن أبي الحديد أيضا: روى شيخنا الجاحظ في (سفيانيّته) عن جلاّم بن جندل الغفاريّ، قال: كنت عاملا [ غلاما ] لمعاوية على قنّسرين و العواصم في خلافة عثمان، فجئت إليه يوما أسأله عن حال عملي إذ سمعت صارخا على باب داره يقول: أتتكم القطار تحمل [ بحمل ] النار، اللهمّ العن الآمرين بالمعروف، التاركين له، اللهمّ العن الناهين عن المنكر المرتكبين له.

فازبأرّ( ٢ ) معاوية و تغيّر لونه و قال: يا جلاّم، أ تعرف الصارخ؟ قلت: لا.

قال: من عذيري من جندب بن جنادة يأتينا كلّ يوم فيصرخ على باب قصرنا بما سمعت ثمّ قال: أدخلوه. فجي‏ء بأبي ذرّ بين قوم يقودونه، حتّى وقف بين يديه، فقال له معاوية: يا عدوّ اللّه و عدوّ رسوله تأتينا كلّ يوم فتصنع ما تصنع، أما إنّي لو كنت قاتل رجل من أصحاب محمّد من غير إذن عثمان

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٥٥ ٢٥٧.

(٢) ازبأرّ الرجل: اقشعرّ. (لسان العرب ٦: ١٣، مادة: زبر).

لقتلتك، و لكنّي أستأذن فيك.

قال جلاّم: و كنت احبّ أن أرى أبا ذرّ، لأنّه رجل من قومي، فالتفتّ إليه فإذا رجل أسمر ضرب( ١ ) من الرجال، خفيف العارضين، في ظهره حنى [ جنأ ]، فأقبل على معاوية و قال: ما أنا بعدوّ للّه و لا لرسوله، بل أنت و أبوك عدوّان للّه و لرسوله، أظهرتما الإسلام و أبطنتما الكفر، و لقد لعنك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و دعا عليك مرّات أن لا تشبع، و سمعته يقول: «إذا ولي الامة الأعين الواسع البلعوم، الذي يأكل و لا يشبع، فلتأخذ الامّة حذرها منه».

فقال معاوية: ما أنا ذاك الرجل. قال أبو ذرّ: بل أنت ذلك، أخبرني بذلك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و سمعته يقول و قد مررت به: «اللهمّ العنه و لا تشبعه إلاّ بالتراب»، و سمعته يقول: «است( ٢ ) معاوية في النار». فضحك معاوية و أمر بحبسه، و كتب إلى عثمان فيه. فكتب عثمان إليه: «أن احمل جندبا على أغلظ مركب و أوعره». فوجّه به من سار به الليل و النّهار، و حمله على شارف( ٣ ) ليس عليها إلاّ قتب، حتّى قدم به المدينة، و قد سقط لحم فخذيه من الجهد. فلمّا قدم بعث إليه عثمان أن الحق بأيّ أرض شئت. قال: بمكّة؟ قال: لا. قال: بيت المقدس؟ قال: لا. قال: بأحد المصرين؟ قال: لا، و لكنّي مسيّرك إلى الربذة.

فسيّره إليها، فلم يزل بها حتّى مات.

قال: و في رواية الواقديّ: أنّ أبا ذرّ لمّا دخل على عثمان قال له:

____________________

(١) الضرب: الرجل الخفيف اللحم. قال طرفة:

أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه

خشاش كرأس الحيّة المتوقّد

 (الصحاح ١: ١٦٨، مادة: ضرب).

(٢) الاست: العجز. و قد يراد به حلقة الدبر، و أصلها سته على فعل بالتحريك، يدلّ على ذلك أنّ جمعه أستاه، مثل جمل و أجمال. (الصحاح ٦: ٢٢٣٣، مادة: سته).

(٣) ناقة شارف: عالية السنّ. (أساس البلاغة: ٢٣٣، مادة: شرف).

لا أنعم اللّه بقين عينا

نعم و لا لقّاه يوما زينا

تحيّة السّخط إذا التقينا

فقال أبو ذرّ: ما عرفت اسمي «قينا». و في رواية اخرى، قال: لا أنعم اللّه بك عينا يا جنيدب فقال: أنا جندب، و سمّاني النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عبد اللّه، فاخترت اسمه الذي سمّاني به على اسمي. فقال له عثمان: أنت الذي تزعم أنّا نقول:

يد اللّه مغلولة( ١ ) و إنّ اللّه فقير و نحن أغنياء( ٢ ) ؟ فقال أبو ذرّ: لو كنتم لا تقولون هذا لأنفقتم مال اللّه على عباده و لكنّي أشهد أنّي سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: «إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا، جعلوا مال اللّه دولا و عباده خولا».

فقال عثمان لمن حضر: أسمعتموها من النبيّ؟ قالوا: لا. قال عثمان:

ويلك يا أبا ذرّ أ تكذب على النّبيّ؟ فقال أبو ذرّ لمن حضر: أما تدرون أنّي صدقت قالوا: لا و اللّه ما ندري. فقال عثمان: ادعوا لي عليّا. فلمّا جاء فقال عثمان لأبي ذرّ: اقصص عليه حديثك في بني أبي العاص. فأعاده، فقال عثمان لعليّعليه‌السلام : أ سمعت هذا من النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال: لا، و قد صدق أبو ذرّ. قال عثمان:

كيف عرفت صدقه؟ قال: لأنّي سمعت النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: «ما أظلّت الخضراء، و لا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ». فقال من حضر: أمّا هذا، فسمعناه كلّنا من النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فقال أبو ذرّ: احدّثكم أنّي سمعت هذا من النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتتّهموني ما كنت أظنّ أنّي أعيش حتّى أسمع هذا من أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( ٣) .

و قال ابن أبي الحديد: و روى الواقدي في خبر آخر بإسناده عن

____________________

(١) المائدة: ٦٤.

(٢) آل عمران: ١٨١.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٥٧ ٢٥٩.

صبهان، مولى الأسلميّين، قال: رأيت أبا ذرّ يوم دخل به على عثمان، فقال له:

أنت الذي فعلت و فعلت فقال أبو ذرّ: نصحتك فغششتني، و نصحت صاحبك فاستغشّني قال عثمان: كذبت و لكنّك تريد الفتنة و تحبّها، قد أنغلت( ١ ) الشام علينا. فقال له أبو ذرّ: اتّبع سنّة صاحبيك لا يكن لأحد عليك كلام.

فقال له عثمان: مالك و ذلك لا امّ لك قال أبو ذرّ: ما وجدت عذرا لي إلاّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. فغضب عثمان و قال: أشيروا عليّ في هذا الشيخ الكذّاب اضربه، أو أحبسه، أو اقتله، فإنّه فرّق جماعة المسلمين، أو أنفيه من أرض الإسلام.

فتكلّم عليّعليه‌السلام و كان حاضرا فقال: اشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون:... و إن يَكُ كاذِباً فعليه كذبُهُ و إن يكُ صادِقاً يُصِبكم بعض الذي يَعِدكُم إنّ اللّه لا يهدي من هو مسرفٌ كذّابٌ( ٢ ) فأجابه عثمان بجواب غليظ، و أجابه عليّعليه‌السلام بمثله، و لم يذكر الجوابين تذمّما منهما( ٣) .

قلت: ذكر إبراهيم الثقفي الجوابين و هما: أنّ عثمان قال لهعليه‌السلام : بفيك التراب فقالعليه‌السلام له: بل بفيك( ٤) .

و قال ابن أبي الحديد: قال الواقدي: ثمّ إنّ عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذرّ، أو يكلّموه. فمكث كذلك أيّاما ثمّ أتى به فوقف بين يديه، فقال أبو ذر: ويحك يا عثمان أما رأيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و رأيت أبا بكر و عمر هل هديك كهديهم؟ أما إنّك لتبطش بي بطش جبّار [ عنيد ].

فقال عثمان: اخرج عنّا. قال أبو ذرّ: فما أبغض إليّ جوارك فإلى أين

____________________

(١) أنغلهم حديثا سمعه: ثمّ إليهم به، و النغل: الإفساد بين القوم و النميمة. (لسان العرب ١٤: ٢٢٢، مادة: نغل).

(٢) غافر: ٢٨.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٥٩.

(٤) بحار الأنوار ٨: ٣٢٤ ط الكمباني، عن تقريب المعارف.

أخرج؟ قال: حيث شئت. قال: أخرج إلى الشام أرض الجهاد؟ قال: إنّما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها، أ فأردّك إليها؟ قال: فأخرج إلى العراق. قال: لا، إنّك إن تخرج إليها تقدم على قوم اولى شبه و طعن على الأئمّة و الولاة، اخرج إلى البادية. قال: أصير أعرابيّا بعد الهجرة؟ قال: نعم. قال أبو ذرّ: فاخرج إلى بادية نجد. قال: لا تعدونّ الربذة( ١) .

و قال: و روى الواقدي أيضا عن مالك بن أبي الرجال، عن موسى بن ميسرة: أنّ أبا الأسود الدؤلي قال: كنت احبّ لقاء أبي ذرّ لأسأله عن سبب خروجه إلى الربذة، فجئته فقلت له: ألا تخبرني، أخرجت من المدينة طائعا، أم أخرجت كرها؟ فقال: كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغني عنهم، فاخرجت إلى المدينة، فقلت: دار هجرتي و أصحابي. فأخرجت من المدينة إلى ما ترى.

ثمّ قال: بينا أنا ذات ليلة نائم في مسجد النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذ مرّ بي النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فضربني برجله و قال: لا أراك نائما في المسجد. فقلت: بأبي أنت و أمّي غلبتني عيني، فنمت فيه. قال: فكيف تصنع إذا أخرجوك منه؟ قلت: آخذ سيفي فأضربهم به. فقال: ألا أدلّك على خير من ذلك؟ انسق معهم حيث ساقوك، و تسمع و تطيع. فسمعت و أطعت، و اللّه ليلقينّ اللّه عثمان و هو آثم في جنبي( ٢) .

قلت: و روى الثقفيّ في (تاريخه) كما في (تقريب الحلبيّ) كثيرا ممّا رواه الواقدي( ٣) .

و روى أيضا: أنّ أبا الدرداء و صاحبا له لقيا رجلا شهدا الجمعة عند معاوية بالجابية، فقال الرجل: خبر كرهت أن اخبركما به. فقال أبو الدرداء:

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٥٩ ٢٦٠.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٦٠ ٢٦١.

(٣) نقله عنه العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في بحار الأنوار، ٨: ٣٣٦ ٣٣٨ ط الكمباني.

لعلّ أبا ذرّ قد نفي؟ قال: نعم و اللّه. فاسترجع أبو الدرداء و صاحبه قريبا من عشر مرّات، ثمّ قال أبو الدرداء:... فارتقبهم و اصطبر( ١ ) كما قيل لأصحاب الناقة، اللهمّ إن كانوا كذّبوا أبا ذرّ فإنّي لا أكذّبه، و إن اتّهموه فإنّي لا أتّهمه، و إن استغشّوه فإنّي لا أستغشه إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يأتمنه حيث لا يأتمن أحدا، و يسرّ إليه حتّى لا يسرّ إلى أحد. أما و الذي نفسي بيده لو أنّ أبا ذرّ قطع يميني ما أبغضته بعد ما سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: ما أظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ( ٢) .

و روى عن الأحنف بن قيس: بينا نحن جلوس مع أبي هريرة إذ جاء أبو ذرّ، فقال: يا أبا هريرة، هل افتقر اللّه منذ استغنى؟ فقال أبو هريرة: سبحان اللّه بل اللّه الغنيّ الحميد و نحن الفقراء إليه. قال أبو ذرّ: فما بال هذا المال يجمع بعضه إلى بعض. فقال: مال اللّه قد منعوه أهله من الناس و المساكين.

ثمّ انطلق أبو ذرّ، فقلت لأبي هريرة: ما لكم لا تأبون مثل هذا؟ قال: هذا رجل [ قد ] وطّن نفسه على أن يذبح في اللّه، أما إنّي أشهد أنّي سمعت النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: ما أظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ، فإذا أردتم أن تنظروا إلى أشبه الناس بعيسى بن مريم برّا و زهدا و نسكا فعليكم به( ٣) .

و روى أيضا مسندا أنّ معاوية قام بالشام خطيبا فقال: أيّها الناس، إنّما أنا خازن فمن أعطيته فاللّه يعطيه، و من حرمته فاللّه يحرمه.

فقام إليه أبو ذرّ فقال: كذبت و اللّه يا معاوية إنّك لتعطي من حرم اللّه،

____________________

(١) القمر: ٢٧.

(٢) نقله عنه العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في بحار الأنوار، ٨: ٣٣٧ ط الكمباني.

(٣) المصدر نفسه.

و تمنع من أعطى اللّه( ١) .

و روى عن المغرور بن سويد قال: كان عثمان يخطب، فأخذ أبو ذرّ بحلقة الباب فقال: أنا أبو ذرّ، من عرفني فقد عرفني و من لم يعرفني فأنا جندب، سمعت النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إنّما مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح في قومه من تخلّف عنها هلك، و من ركبها نجا.

فقال له عثمان: كذبت. فقال له عليعليه‌السلام : إنّما كان عليك أن تقول كما قال العبد الصالح: إنْ يَكُ كاذباً فعليه كذبهُ و إنْ يَكُ صادقاً يُصبكم بعض الذي يعدكم( ٢) .

و روى المفيد في (أماليه) عن الثقفي أيضا عن محمّد بن علي، عن الحسين بن سفيان، عن أبيه، عن أبي جهضم الأزدي، عن أبيه قال: لمّا أخرج عثمان أبا ذرّ من المدينة إلى الشام كان يقوم في كلّ يوم فيعظ الناس، و يأمرهم بالتمسّك بطاعة اللّه، و يحذّرهم من ارتكاب معاصيه، و يروي عن النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما سمعه في فضائل أهل بيته، و يحضّهم على التمسّك بعترته.

فكتب معاوية إلى عثمان: أمّا بعد، فإنّ أبا ذرّ يصبح إذا أصبح، و يمسي إذا أمسى و جماعة من الناس كثيرة عنده فيقول كيت و كيت، فإن كان لك في الناس قبلي حاجة فأقدم أبا ذرّ إليك فإنّي أخاف أن يفسد الناس عليك.

فكتب عثمان إليه: أشخص أبا ذرّ إليّ حين تنظر في كتابي هذا.

فبعث معاوية إلى أبي ذرّ و دعاه، و أقرأه كتاب عثمان، فقال: النجا( ٣)

____________________

(١) المصدر نفسه.

(٢) بحار الأنوار، ٨: ٣٣٧ ٣٣٨ ط الكمباني، و الآية ٢٨ من سورة غافر.

(٣) النجا بالمد و القصر: مصدر منصوب بفعل مضمر، و النجاء: السرعة. (لسان العرب ١٤: ٦٢، مادة: نجا).

الساعة. فخرج أبو ذرّ إلى راحلته، فشدّها بكورها( ١ ) ، و أنساعها( ٢ ) ، فاجتمع إليه الناس فقالوا له: رحمك اللّه أين تريد؟ قال: أخرجوني إليكم غضبا عليّ، و أخرجوني منكم إليهم الآن عبثا بي، و لا يزال هذا الأمر فيما أرى فيما بيني و بينهم حتّى يستريح برّ، أو يستراح من فاجر. و مضى.

و سمع الناس بخروجه حين خرج من دمشق، فساروا معه حتّى انتهى إلى دير مرّان( ٣ ) إلى أن قال: فلمّا دخل على عثمان قال له: لا قرّب اللّه بعمرو عينا. فقال أبو ذرّ: و اللّه ما سمّاني أبواي عمرا و لكن لا قرّب اللّه من عصاه و خالف أمره، فارتكب هواه. فقام إليه كعب الأحبار فقال: ألا تتّقي اللّه يا شيخ و تجيب أمير المؤمنين بهذا الكلام فرفع أبو ذرّ عصا كانت في يده فضرب بها رأس كعب، ثمّ قال له: يا بن اليهوديّين ما كلامك مع المسلمين؟ فو اللّه ما خرجت اليهوديّة من قلبك بعد. فقال عثمان: و اللّه لا جمعتني و إيّاك دار، قد خرفت، و ذهب عقلك، أخرجوه من بين يديّ حتّى تركبوه قتب ناقة بغير وطاء، ثمّ انخسوا( ٤ ) به الناقة، و تعتعوه حتّى توصلوه الربذة، فنزّلوه بها من غير أنيس حتّى يقضي اللّه فيه ما هو قاض. فأخرجوه متعتعا( ٥ ) موهونا [ ملهوزا ] بالعصيّ.

و تقدّم عثمان أن لا يشيّعه أحد من الناس، فبلغ ذلك عليّاعليه‌السلام ، فبكى حتّى بلّ لحيته بدموعه، ثمّ قال: أ هكذا يصنع بصاحب رسول اللّه؟ إنّا للّه و إنّا

____________________

(١) الكور بالضمّ: الرحل بأداته. (الصحاح ٢: ٨١٠، مادة: كور).

(٢) الأنساع: جمع النّسعة: التي تنسج عريضا للتصدير. (الصحاح ٣: ١٢٩٠، مادة: نسع).

(٣) هذا الدير بالقرب من دمشق على تل مشرف على مزارع الزعفران و رياض حسنة، و بناؤه بالجصّ. (معجم البلدان ٢: ٥٣٣).

(٤) نخسوا بفلان: نخسوا دابّته و طردوه. (أساس البلاغة: ٤٥٠، مادة: نخس).

(٥) التعتعة: الحركة العنيفة. (لسان العرب ٢: ٣٦، مادة: تعع).

إليه راجعون، ثمّ نهض و معه الحسنانعليهما‌السلام ، و عبد اللّه بن العبّاس، و الفضل، و قثم، و عبيد اللّه حتّى لحقوا أبا ذرّ فشيّعوه إلى أن قال: فرجعوا و هم يبكون على فراقه( ١) .

و في (مروج المسعودي): ممّا أنكر الناس على عثمان فعله بأبي ذرّ، و هو أنّه حضر أبو ذرّ يوما مجلس عثمان، فقال عثمان: أ رأيتم من زكّى ماله هل فيه حقّ لغيره؟ فقال كعب: لا، فدفع أبو ذرّ في صدره، و قال له: كذبت يا بن اليهوديّ، ثمّ تلا: ليس البرّ...( ٢ ) . فقال عثمان: أ ترون بأسا أن نأخذ مالا من بيت مال المسلمين فننفقه فيما ينوبنا من امورنا و نعطيكموه؟ فقال كعب: لا بأس بذلك. فرفع أبو ذرّ العصا فدفع بها في صدر كعب و قال: يا بن اليهوديّ، ما أجرأك على القول في ديننا فقال له عثمان: ما أكثر أذاك لي غيّب وجهك عنّي فقد آذيتني.

فخرج أبو ذرّ إلى الشام فكتب معاوية إلى عثمان: أنّ أبا ذرّ تجتمع إليه الجموع، و لا آمن أن يفسدهم عليك، فإن كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك.

فكتب عثمان إليه بحمله، فحمله على بعير عليه قتب يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون به، حتّى أتوا به المدينة قد تسلّخت بواطن أفخاذه و كاد أن يتلف، فقيل له: إنّك تموت من ذلك. فقال: هيهات لن أموت حتّى انفى. و ذكر جوامع ما نزل به بعد، و من يتولّى دفنه، فاحتبس في داره أيّاما، ثمّ دخل على عثمان فجلس على ركبتيه، و تكلّم بأشياء، و ذكر الخبر في ولد أبي العاص إذا بلغوا ثلاثين رجلا اتّخذوا عباد اللّه خولا( ٣ ) ، و مرّ في الخبر بطوله، و تكلّم بكلام

____________________

(١) أمالي المفيد: ١٦١ ١٦٥ بتلخيص من الشارح.

(٢) البقرة: ١٧٧.

(٣) خول الرجل: حشمه، الواحد: خائل. (الصحاح ٤: ١٦٩٠، مادة: خول).

كثير، و كان في ذلك اليوم قد أتى عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف، فنضّت [ فنثرت ] البدر حتّى حالت بين عثمان و بين الرجل القائم، فقال عثمان: إنّي لأرجو لعبد الرحمن خيرا لأنّه كان يتصدّق، و يقري الضيف، و ترك ما ترون.

فقال كعب الأحبار: صدقت. فشال أبو ذرّ العصا، فضرب بها رأس كعب، و لم يشغله ما كان فيه من الألم، و قال: يا بن اليهوديّ، أتقول لرجل مات و ترك هذا المال: إنّ اللّه أعطاه خير الدنيا و خير الآخرة، و تقطع على اللّه بذلك؟ و إنّي سمعت النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: ما يسرّني أن أموت و أدع ما يزن قيراطا.

فقال له عثمان: وار عنّي وجهك. فقال: أسير إلى مكّة. قال: لا و اللّه. قال:

فتمنعني من بيت ربّي أعبده فيه حتّى أموت؟ قال: أي و اللّه. قال: فإلى الشام؟

قال: لا و اللّه. قال: فالبصرة؟ قال: لا و اللّه، اختر غير هذه البلدان. قال: لا و اللّه ما اختار غير ما ذكرت لك، و لو تركتني في دار هجرتي ما أردت شيئا من البلدان، فسيّرني حيث شئت. قال: فإنّي مسيّرك إلى الربذة. قال: اللّه أكبر، صدق رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أخبرني بكلّ ما أنا لاق.

قال عثمان: و ما قال لك؟ قال: أخبرني أنّي أمنع عن مكّة و المدينة و أموت بالربذة، و يتولّى مواراتي نفر ممّن يردون من العراق نحو الحجاز.

و بعث أبو ذرّ إلى جمل له فحمل عليه امرأته و قيل: ابنته و أمر عثمان أن يتجافاه الناس حتّى يسير إلى الربذة، فلمّا طلع عن المدينة و مروان يسيّره إذ طلع عليه عليّعليه‌السلام و معه ابناه، و أخوه، و عبد اللّه بن جعفر، و عمّار، فاعترض مروان و قال: يا عليّ، إنّ الخليفة قد نهى الناس أن يصحبوا أبا ذرّ في مسيره و أن يشيّعوه، فإن كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتك. فحمل عليه عليّعليه‌السلام بالسوط بين اذني راحلته، و قال له: تنحّ نحّاك اللّه إلى النّار.

و مضى مع أبي ذرّ فشيّعه ثمّ ودّعه و انصرف، فلمّا أراد الانصراف

بكى أبو ذرّ و قال: رحمكم اللّه أهل البيت، إذا رأيتك يا أبا الحسن و ولديك ذكرت بكم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أن قال: فلمّا رجع عليّعليه‌السلام قالوا له: إنّ عثمان عليك غضبان لتشييعك أبا ذرّ. فقالعليه‌السلام : غضب الخيل على اللّجم( ١ ) إلى أن قال:

فقال عثمان لهعليه‌السلام : أو لم يبلغك أنّي قد نهيت الناس عن أبي ذرّ و عن تشييعه؟

فقال عليّعليه‌السلام : أو كلّ ما أمرتنا به من شي‏ء يرى طاعة اللّه و الحقّ في خلافه اتّبعنا فيه أمرك؟ لا، باللّه لا نفعل. قال عثمان: أقد مروان، فو اللّه ما أنت عندي بأفضل منه. فغضب عليّعليه‌السلام و قال: ألي تقول هذا؟ و بمروان تعدلني؟...( ٢) .

قال ابن أبي الحديد: إخراج أبي ذرّ إلى الربذة أحد الأحداث التي نقمت على عثمان( ٣) .

قلت: هو أعظم أحداثه مع كون أبي ذرّ في تلك المرتبة من الجلالة، و معاملة عثمان معه تلك المعاملة توجب نفاقه الذي في حدّ الكفر، و لذا أعرض عنه رأسا كثير من مؤرّخيهم كابن قتيبة في (خلفائه) و ابن عبد ربّه في (عقده)( ٤ ) ، فذكرا كثيرا من أحداثه و سكتا عن هذا و تمجمج بعضهم كابن عبد البرّ في (استيعابه) فأنكر إخراجه أوّلا إلى الشام، بل قال: خرج بنفسه( ٥) .

و أتى في إخراجه إلى الربذة بلفظ مجمل فقال: خرج بعد وفاة أبي بكر إلى الشام، فلم يزل بها حتّى ولي عثمان، ثمّ استقدمه عثمان بشكوى معاوية،

____________________

(١) قال الميداني في مجمع الأمثال ٢: ٥٦ ما نصّه: يضرب لمن يغضب غضبا لا ينتفع به، و لا موضع له. و نصب «غضب» على المصدر، أي: غضب غضب الخيل.

(٢) مروج الذهب ٢: ٣٤٨ ٣٥١ بتصرّف و تلخيص من الشارح.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٥٢.

(٤) الإمامة و السياسة ١: ٣٢، العقد الفريد ٥: ٥٥ ٦٠.

(٥) الاستيعاب بهامش الإصابة ١: ٢١٤.

و أسكنه الربذة فمات بها( ١) .

كما أنّه نقل بعض أخباره كذلك فروى عن عبد الرحمن بن غنم قال:

كنت عند أبي الدرداء إذ دخل رجل من أهل المدينة فسأله، فقال: أين تركت أبا ذرّ؟ قال: بالربذة. فقال أبو الدرداء: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، لو أنّ أبا ذرّ قطع منّي عضوا لما هجته، لمّا سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول فيه( ٢) .

و روى حديث «ما أظلّت الخضراء» عن أبي هريرة، و عن أبي الدرداء، قال: و روى عن النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: أبو ذرّ في امّتي شبيه عيسى بن مريم في زهده( ٣) .

و سئل عليّعليه‌السلام عن أبي ذرّ، فقال: ذلك رجل وعى علما عجز عنه الناس، ثمّ أوكأ عليه و لم يخرج شيئا منه( ٤) .

و روى عن أبي ذرّ أنّه قال: أنا ربع الإسلام( ٥) .

قال ابن أبي الحديد: حكى قاضي القضاة في (المغني) عن شيخنا أبي عليّ: أنّ الناس اختلفوا في أمر أبي ذرّ، و أنّ الرواية وردت أنّه قيل له: أ عثمان أنزلك الربذة؟ قال: لا، بل أنا اخترت ذلك.

قال: و روى أبو علي أيضا عن زيد بن وهب، قال: قلت لأبي ذرّ و هو بالربذة: ما أنزلك هذا المنزل؟ قال: اخبرك أنّي كنت بالشام، فذكرت قوله تعالى:... و الذين يكنزون الذهب و الفضّة و لا ينفقونها...( ٦ ) فقال لي

____________________

(١) الاستيعاب بهامش الاصابة ١: ٢١٤.

(٢) المصدر نفسه ١: ٢١٧.

(٣) المصدر نفسه ١: ٢١٦.

(٤) المصدر نفسه.

(٥) المصدر نفسه ١: ٢١٣.

(٦) التوبة: ٣٤.

معاوية: هذه نزلت في أهل الكتاب. فقلت: فيهم و فينا. فكتب معاوية إلى عثمان في ذلك، فكتب إليّ أن أقدم، فقدمت، فانثال الناس إليّ كأنّهم لم يعرفوني، فشكوت ذلك إلى عثمان فخيّرني و قال: انزل حيث شئت. فنزلت الربذة.

قال: و روى أبو علي أيضا: أنّ معاوية كتب يشكوه و هو بالشام، فكتب إليه عثمان: أن صر بالمدينة. فلمّا صار إليها، قال له: ما أخرجك إلى الشام؟

قال: إنّي سمعت النّبيّ يقول: «إذا بلغت عمارة المدينة موضع كذا فاخرج منها» فلذلك خرجت. فقال: أيّ البلاد أحبّ إليك بعد الشام؟ قال: الربذة. فقال:

صر إليها( ١) .

ثم قال ابن أبي الحديد: و هذه الأخبار و إن كانت قد رويت، لكنّها ليست في الاشتهار و الكثرة كتلك الأخبار، و الوجه أن يقال في الاعتذار عن عثمان و حسن الظن بفعله: إنّه خاف الفتنة و اختلاف كلمة المسلمين، فيغلب على ظنّه أنّ إخراج أبي ذرّ إلى الربذة أحسم للشّغب، و أقطع لأطماع من يشرئبّ إلى شقّ العصا، فأخرجه مراعاة للمصلحة، و مثل ذلك يجوز للإمام. و هكذا يقول أصحابنا المعتزلة و هو الأليق بمكارم الأخلاق، فقد قال الشاعر:

إذا ما أتت من صاحب لك زلّة

فكن أنت محتالا لزلّته عذرا

و إنّما يتأوّل أصحابنا حال من يحتمل التأويل كعثمان، فأمّا من لا يحتمل حاله التأويل، و إن كانت له صحبة سالفة كمعاوية و أضرابه، فإنّهم لا يتأوّلون لهم، إذا كانت أعمالهم و أفعالهم لا وجه لتأويلها، و لا تقبل العلاج( ٢) .

قلت: شيخ تاريخهم الطبري تأوّل لمعاوية أيضا فقال: و في سنة (٣٠) كان ما ذكر من أمر أبي ذرّ و معاوية، و إشخاص معاوية إيّاه من الشام، و قد

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٦١.

(٢) المصدر نفسه ٨: ٢٦١ ٢٦٢.

ذكر في سبب إشخاصه إيّاه من الشام امور كثيرة، كرهت ذكر أكثرها.

فأمّا العاذرون معاوية في ذلك، فإنّهم ذكروا في ذلك قصّة كتب بها إليّ السريّ، يذكر أنّ شعيبا حدّثه عن سيف، بسند أنّه لمّا ورد ابن السوداء الشام لقي أبا ذرّ، فقال له: ألا تعجب إلى معاوية، يقول: «المال مال اللّه ألا إنّ كلّ شي‏ء للّه» كأنّه يريد أن يحتجنه دون المسلمين، و يمحو اسم المسلمين. فأتاه أبو ذرّ فقال: ما يدعوك إلى أن تسمّي مال المسلمين مال اللّه إلى أن قال: و جعل أبو ذرّ يقول بالشام: يا معشر الأغنياء، و اسوا الفقراء. فما زال حتّى ولع الفقراء بمثل ذلك، و أوجبوه على الأغنياء، و حتّى شكا الأغنياء ما يلقون من الناس.

فكتب معاوية إلى عثمان: انّ أبا ذرّ قد أعضل بي( ١ ) ، و قد كان من أمره كيت و كيت. فكتب إليه عثمان: جهّز أبا ذرّ إليّ، و ابعث معه دليلا و زوّده، و رافق به إلى أن قال: و دخل على عثمان، فقال له عثمان: ما لأهل الشام يشكون ذربك؟ فأخبره أنّه لا ينبغي أن يقال: مال اللّه، و لا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالا.

فقال: يا أبا ذرّ، عليّ أن أقضي ما عليّ، و آخذ ما على الرعيّة، و لا أجبرهم على الزهد. قال: فتأذن لي بالخروج، فإنّ المدينة ليست لي بدار؟ فقال: لا تستبدل بها إلاّ شرّا منها.

قال: أمرني النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعا. قال: فانفذ لما أمرك به. فخرج حتّى نزل الربذة، فخطّ بها مسجدا، و أقطعه عثمان صرمة( ٢ ) من الإبل و أعطاه مملوكين، و أرسل إليه: أن تعاهد المدينة حتّى

____________________

(١) عضل بي الأمر و أعضل بي و أعضلني: اشتدّ و غلظ و استغلق: قال الاموي في قوله: أعضل بي: هو من العضال و هو الأمر الشديد الذي لا يقوم به صاحبه، أي: ضاقت عليّ الحيل في أمرهم، و صعبت عليّ مداراتهم. (لسان العرب ٩: ٢٦٠، مادة: عضل).

(٢) الصرمة بالكسر: القطعة من الإبل ما بين العشرة إلى الأربعين. (المصباح المنير ١: ٤٠٩، مادة: صرم).

لا ترتدّ أعرابيا. ففعل( ١) .

و عنه بإسناد قال: كان أبو ذرّ يختلف من الربذة إلى المدينة مخافة الأعرابيّة، و كان يحبّ الوحدة و الخلوة. فدخل على عثمان، و عنده كعب الأحبار، فقال لعثمان: لا ترضوا من الناس بكفّ الأذى حتّى يبذلوا المعروف و قد كان ينبغي للمؤدّي الزكاة أن لا يقتصر عليها حتّى يحسن إلى الجيران و الإخوان، و يصل القرابات. فقال كعب: من أدّى الفريضة فقد قضى ما عليه.

فرفع أبو ذرّ محجنه فضربه فشجّه، فاستوهبه عثمان، فوهبه له، و قال له: يا أبا ذرّ، اتّق اللّه و كفّ يدك و لسانك، و قد كان قال له: يا بن اليهوديّة، ما أنت و ما ها هنا؟ إلى أن قال (الطبري): و أمّا الآخرون، فإنّهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة، و امورا شنيعة، كرهت ذكرها( ٢) .

فتراه لم يذكر اسما من عثمان، و اقتصر على إشخاص معاوية له من الشام، و قال: إنّ عاذري معاوية ذكروا في ذلك قصّة( ٣) .

و لو اريد الدفاع فالعلاج ما فعل الطبري من طهارة ساحة معاوية، دون ما قاله ابن أبي الحديد من معذوريّة عثمان، و عدم معذوريّة معاوية. فإنّ قصّة أبي ذرّ لم تكن أيّام معاوية بل أيّام عثمان فما فعل معاوية إنّما كان فعل عثمان. فكيف يعذر هو دونه؟ اللهمّ إلاّ أن يقول ابن أبي الحديد كعثمان في أمر كتابه إلى مصر بخطّ كاتبه على يد غلامه على جمله بقتل الجماعة، بأنّه ما كان عن اطّلاعه( ٤ ) : بأنّ معاوية فعل بأبي ذرّ ما فعل، من دون اطّلاع عثمان، و حينئذ فيقال في جواب ابن أبي الحديد: ما أجاب الناس عثمان من عدم

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٢٨٣ ٢٨٤، سنة ٣٠، بتلخيص من الشارح.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٢٨٤ ٢٨٦، سنة ٣٠. و قد نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

(٣) المصدر نفسه ٤: ٢٨٣، سنة ٣٠.

(٤) تاريخ المدينة المنّورة ٤: ١١٥٥، الإمامة و السياسة ١: ٤٠، الجمل للمفيد: ١٤٠ ١٤١.

معذوريّته على صدقه و كذبه( ١) .

ثمّ العجب من الطبري كيف ترك روايات الواقدي و المدائني و الثقفي و غيرهم من أهل النقل الموثوق بهم، و اقتصر على روايات السريّ عن شعيب، عن سيف التي كلّها كذب قطعيّ مخالف لجميع السير فإذا كان عثمان بتلك الدرجة من العدالة حتّى يعظ أبا ذرّ بأن لا يتعرّب بعد الهجرة، و لا يؤذي الناس بغير حقّ، لم قال الطبري نفسه في عنوان دفن عثمان و دفن كلّ مسلم واجب: نبذ عثمان ثلاثة أيّام لم يدفن، و لم يشهد جنازته إلاّ مروان و ثلاثة من مواليه، و أخذ الناس الحجارة، و قالوا: نعثل نعثل( ٢ ) ؟

و من الغريب أنّ ياقوتا قال في عنوان الربذة: كان أبو ذرّ خرج إليها مغاضبا لعثمان، فأقام بها إلى أن مات في سنة (٣٢)( ٣) .

فالطبري و إن اقتصر في نقل الروايات على رواية السري، إلاّ أنّه قال:

و أمّا الآخرون، فإنّهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة، و امورا شنيعة، كرهت ذكرها( ٤ ) . فأشار إلى الحقيقة، و أقرّ بأنّه أخذ جانب العصبيّة، لكنّ ياقوتا أرسل المطلب إرسالا مسلّما.

فهل الرجل أنصب من الجاحظ، الذي يصحّ من درجة نصبه أن يعدّ في عداد بني أميّة؟ فقد عرفت أنّه قال في (سفيانيّته): إنّ عثمان كتب إلى معاوية أن يحمل أبا ذرّ على أغلظ مركب و أوعره، ففعل ما أمره به، حتّى سقط لحم فخذيه في الطريق، و لم يخلّه عثمان يذهب إلى البصرة

____________________

(١) تاريخ المدينة المنورة ٤: ١١٥٥، الإمامة و السياسة ١: ٤٠، الجمل للمفيد: ١٤٠ ١٤١.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٤١٢، سنة ٣٥.

(٣) معجم البلدان ٣: ٢٤.

(٤) تاريخ الطبري ٤: ٢٨٦، سنة ٣٠.

و الكوفة، و سيّره إلى الربذة( ١) .

و أما قول ابن أبي الحديد: إنّ أخبار خروج أبي ذرّ بنفسه إلى الربذة كانت شواذّا، و أخبار إخراجه إليها مشتهرة، و الوجه في الاعتذار عنه أن يقال:

إنّه أخرجه لأنّه خاف الفتنة إلى آخر ما مرّ( ٢ ) فيقال له: نعم، إنّه خاف فتنة لبني اميّة بأن يقطع طمعهم في الخلافة لو عزل عثمان عن الخلافة، فيوم بويع عثمان علم بنو أميّة أنفسهم ورّاث الخلافة.

قال المسعودي في (مروجه): و قد كان عمّار حين بويع عثمان بلغه قول أبي سفيان في دار عثمان عقيب الوقت الذي بويع فيه و دخل داره مع بني أميّة: أ فيكم أحد من غيركم؟ و قد كان عمي. قالوا: لا. قال: يا بني اميّة تلقّفوها تلقّف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم، و لتصيرنّ إلى صبيانكم وراثة( ٣) .

و رووا أنّ أبا سفيان مرّ في أيّام عثمان بقبر حمزة، فضربه برجله و قال: يا أبا عمارة، إنّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس [ أمسى ] في يد غلماننا اليوم يتلعّبون به( ٤ ) و رضي عثمان بقتله دون عزله لذلك فإنّه إن كان عزل، لصاروا أذلّ الناس بل كان الناس، يستأصلونهم بجناياتهم في كفرهم و إسلامهم، فرأى عثمان أنّ عمره قد فنى حيث كان بلغ ثمانين، و أنّه إن قتل يصير وسيلة لبني أميّة بأن يقولوا: قتل مظلوما، و إنّهم يطلبون ثأره حتّى أنّه أي عثمان جعل طلب دمه إلى معاوية، و صار الأمر كما دبّر، و آل إلى ما أمّل لبني اميّة.

____________________

(١) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٨: ٢٥٨.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٦١ ٢٦٢.

(٣) مروج الذهب ٢: ٣٥١ ٣٥٢.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٣٦.

ففي (صفين نصر بن مزاحم): قام عمّار بصفّين فقال: امضوا عباد اللّه إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه، الحاكم على عباد اللّه بغير ما في كتاب اللّه، إنّما قتله الصالحون، المنكرون للعدوان، الآمرون بالإحسان، فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين: لم قتلتموه؟ فقلنا: لأحداثه و ذلك لأنّه مكّنهم من الدّنيا فهم يأكلونها و يرعونها و لا يبالون لو انهدّت عليهم الجبال. و اللّه ما أظنّهم يطلبون دمه. إنّهم ليعلمون إنّه لظالم، و لكنّ القوم ذاقوا الدّنيا فاستحبّوها و استمروها، و علموا لو أنّ الحقّ لزمهم لحال بينهم و بين ما يرعون فيه منها، و لم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقّون بها الطاعة و الولاية، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قتل إمامنا مظلوما، ليكونوا بذلك جبابرة و ملوكا...( ١) .

كما أنّ أعمال أبي ذرّ و عمّار و أمثالهما كانت موجبة ليأس أعداء اللّه من نيل خلافة اللّه فمنعهم عثمان بالضرب و الكسر و الحبس و النفي لاستحكام طمعهم.

و أمّا ما أنشده ابن أبي الحديد لحمل أفعال إمامه على الصحّة، و الإغماض عمّا فيها من قول الشاعر( ٢ ) ، فلم يقله الشاعر لبناء الدين و تصنّع إمام له، بل في المصاحبات الدّنيوية فلا مناسبة لما أنشده من الشعر، و إنّما المناسب للمقام تلاوة قوله تعالى: اتّخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون اللّه...( ٣ ) بالتمثيل.

و قول ابن أبي الحديد نظير قول زيد بن ثابت و كان مع عثمان يوم

____________________

(١) وقعة صفّين: ٣١٩، شرح ابن أبي الحديد ٥: ٢٥٢.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٦٢.

(٣) التوبة: ٣١.

الدار، و لم ينصره من الأنصار غيره للأنصار مرغّبا لهم في نصرة عثمان: يا معشر الأنصار، انصروا و اللّه مرّتين( ١) .

و جواب ابن أبي الحديد جواب الأنصار لزيد: يا زيد، إنّا نكره أن نلقى اللّه تعالى، فنقول له كما قال القوم: ربّنا إنّا أطعنا سادتنا و كبراءنا فأضلّونا السّبيلا( ٢) .

«يا أبا ذرّ، إنّك غضبت للّه» بإنكار ما أنكره، و من لم يغضب له جلّ و علا فليس منه في شي‏ء و في (الكافي) عن الصادقعليه‌السلام : بعث اللّه تعالى ملكين إلى أهل مدينة ليقلباها على أهلها، فلمّا انتهيا إلى المدينة و جدا رجلا يدعو اللّه و يتضرّع، فقال أحدهما لصاحبه: أما ترى هذا الداعي؟ فقال: قد رأيته و لكن أمضي لما أمر به ربّي. فقال: و لكنّي لا احدث شيئا حتّى اراجع إلى أن قال: فقال اللّه تعالى له: امض لما أمرتك به، فإنّ ذا رجل لم يتمعّر( ٣ ) وجهه غيظا لي قطّ( ٤) .

و عن الباقرعليه‌السلام : أوحى اللّه تعالى إلى شعيب: أنّي معذّب من قومك مائة ألف أربعين ألفا من شرارهم، و ستّين ألفا من خيارهم. فقال: يا ربّ، فما بال الأخيار؟ قال عزّ و جلّ: داهنوا أهل المعاصي، و لم يغضبوا لغضبي( ٥) .

و روي أيضا: أنّ اللّه عزّوجلّ: داهنوا أهل المعاصي، و لم يغضبوا لغضبي( ٥) .

و روي أيضا: أنّ اللّه عزّ و جلّ أوحى إلى داودعليه‌السلام : أنّي قد غفرت ذنبك، و جعلت عار ذنبك على بني إسرائيل. فقال: يا ربّ، كيف و أنت لا تظلم؟ قال:

إنّهم لم يعاجلوك بالنكرة( ٦) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٤٣٠، سنة ٣٥: كونوا أنصارا للّه... مرّتين.

(٢) أنساب الأشراف للبلاذري ٥: ٧٨، و الآية ٦٧ من سورة الأحزاب.

(٣) تمعّر لونه عند الغضب: تغيّر. (الصحاح ٢: ٨١٨، مادة: معر).

(٤) الكافي ٥: ٥٨، فقه الرضاعليه‌السلام :

(٥) الكافي ٥: ٥٦، تهذيب الأحكام ٦: ١٨١.

(٦) الكافي ٥: ٥٨، و قال الفيروزآبادي: النكرة بالتحريك: اسم من الإنكار كالنفقة من الإنفاق. (القاموس المحيط

و عن النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ اللّه عزّ و جلّ ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا دين له. فقيل له: و ما المؤمن الذي لا دين له؟ قال: الذي لا ينهى عن المنكر( ١) .

و عن أمير المؤمنينعليه‌السلام : أمرنا النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن نلقي أهل المعاصي بوجوه مكفهرّة( ٢) .

و روي الثقفي كما في (أمالي المفيد): أنّ أبا ذرّ لمّا ودّع جمعا كانوا اتّبعوه في الشام لمّا أخرج منها، قال لهم: اجمعوا مع صلاتكم و صومكم غضبا للّه تعالى إذا عصي في الأرض، و لا ترضوا أئمّتكم بسخط اللّه، و إذا أحدثوا ما لا تعرفون فجانبوهم، و أزروا عليهم، و إن عذّبتم و حرمتم و سيّرتم حتّى يرضى اللّه تعالى، فإنّ اللّه أعلى و أجلّ و لا ينبغي أن يسخط برضا المخلوقين، غفر اللّه لي و لكم( ٣) .

«فارج من غضبت له» و هو اللّه تعالى حتّى يثيبك على عملك قال جلّ و علا:... و لينصرنّ اللّه مَنْ يَنصرهُ...( ٤) .

«إنّ القوم خافوك على دنياهم» فعاملوك بما عاملوك، من الإخراج تارة إلى الشام، و اخرى إلى الربذة، لئلاّ تفسد عليهم دنياهم، فمن حال بين أهل الدنيا و بين دنياهم جهدوا في دفعه بأيّ قيمة كانت فلمّا خرج محمّد بن عبد اللّه بن الحسن( ٥ ) على المنصور بالمدينة قال المنصور: لو حاول صاحب القبر( ٢ ) : ١٤٨، مادة: نكر).

____________________

(١) الكافي ٥: ٥٩.

(٢) الكافي ٥: ٥٩، و قال الجوهري: اكفهرّ الرجل، إذا عبس، و منه قول ابن مسعود: إذا لقيت الكافر فالقه بوجه مكفهرّ، يقول: لا تلقه بوجه منبسط. (الصحاح ٢: ٨٠٩، مادة: كفهر).

(٣) أمالي المفيد: ١٦٣.

(٤) الحجّ: ٤٠.

(٥) هو محمّد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، أبو عبد اللّه، الملقّب بالنفس الزكيّة، ولد و نشأ بالمدينة، و كان يقال له: صريح قريش، لأنّ أمّه وجدّاته لم يكن فيهنّ أمّ ولد. خرج محمّد بن عبد اللّه على المنصور في أيّام خلافته و انتدب المنصور لقتاله وليّ عهده عيسى بن موسى العبّاسي فقتله عيسى في المدينة و بعث برأسه إلى المنصور. انظر: مقاتل الطالبيين: ١٥٧ ١٨٦، عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: ١٠٣ ١٠٥، الأعلام ٦: ٢٢٠، سفينة البحار ١: ٣٢٦.

يعني قبر النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إزالة سلطاني لم يكن لي بدّ من قتله فكيف هذا الرجل؟.

«و خفتهم على دينك» حيث خالفتهم ليسلم لك.

و في (الكافي) عن الباقرعليه‌السلام سئل عن أعمالهم، فقال: لا و لا مدّة قلم( ١ ) إنّ أحدهم لا يصيب من دنياهم شيئا إلاّ أصابوا من دينه مثله( ٢) .

و عن الصادقعليه‌السلام : ما احبّ أنّي عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء( ٣) ، و إنّ لي ما بين لابيتها لا و لا مدّة بقلم إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من النار [ نار ] حتّى يحكم اللّه تعالى بين العباد( ٤) .

و عنهعليه‌السلام : من خضع لصاحب سلطان و لمن يخالفه على دينه طلبا لما في يديه من دنياه أخمله( ٥ ) اللّه تعالى، و مقته عليه، و وكله إليه، فإن غلب على شي‏ء من دنياه نزع اللّه تعالى البركة منه، و لم يأجره على شي‏ء ينفقه منه في حجّ و لا عتق و لا برّ( ٦) .

و في (العقد): عن مالك بن أنس قال: بعث المنصور إليّ و إلى ابن طاوس

____________________

(١) قال العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في مرآة العقول ١٩: ٦٣ ما لفظه: أي لا يجوز إعطاؤهم مدّة من السواد و لا يجوز أخذ المدّ منهم، و لا يجوز إعمال مدّة قلم في ديوانهم. و قال الفيروزآبادي: المدّة بالضّمّ: اسم ما استمددت به من المداد على القلم.

(٢) الكافي ٥: ١٠٦ ١٠٧، تهذيب الأحكام ٦: ٣٣١.

(٣) الوكاء بالكسر: الذي يشدّ به رأس القربة. (الصحاح ٦: ٢٥٢٨، مادة: وكى).

(٤) الكافي ٥: ١٠٧، تهذيب الأحكام ٦: ٣٣١.

(٥) خمل ذكره و صوته خمولا: خفي و أخمله اللّه تعالى، فهو خامل ساقط لا نباهة له. (القاموس المحيط ٣: ٣٧١، مادة: خمل).

(٦) الكافي ٥: ١٠٥ ١٠٦، ثواب الأعمال و عقاب الأعمال: ٢٩٢، أمالي المفيد: ١٠٠، تهذيب الأحكام ٦: ٣٠٣.

فأتيناه فإذا هو جالس على فرش قد نضّدت، و بين يديه نطاع قد بسطت، و بين يديه جلاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق، فأومأ إلينا، فجلسنا. فأطرق عنّا، ثمّ رفع رأسه إلى ابن طاوس فقال: حدّثني عن أبيك. فقال: نعم، حدّثني أبي أنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه اللّه في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله»، فأمسك ساعة، ثمّ ضممت ثيابي من ثياب ابن طاوس مخافة أن يملأني من دمه. ثمّ التفت إليه، فقال له: عظني. قال: نعم، يقول اللّه تعالى: ألم ترَ كيف فعل ربُّك بعادٍ. إرَمَ ذات العماد. التي لم يخلق مثلها في البلاد. و ثمودَ الّذين جابوا الصخر بالوادِ... إنّ ربّك لبِالمرصاد( ١) ، فأمسك ساعة، ثمّ قال: يا بن طاوس ناولني هذه الدواة. فأمسك عنه، ثمّ قال:

ناولني هذه الدواة. فأمسك عنه، فقال: ما يمنعك أن تناولنيها؟ قال: أخشى أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها. فلمّا سمع ذلك قال: قوما عنّي. فقال ابن طاوس له: ذلك ما كنّا نبغي منذ اليوم.

قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله( ٢) .

«فاترك في أيديهم ما خافوك عليه» من دنياهم و لا تشاركهم فيها فتكون مثلهم و في (الكافي) عن الصادقعليه‌السلام : أنّ قوما ممّن آمن بموسى قالوا: «لو أتينا عسكر فرعون و كنّا فيه، و نلنا من دنياه فإذا كان الذي نرجو من ظهور موسىعليه‌السلام صرنا إليه» ففعلوا. فلمّا توجّه موسىعليه‌السلام و من معه هاربين من فرعون، ركبوا دوابّهم، و أسرعوا في السير ليلحقوا موسىعليه‌السلام و عسكره ليكونوا معهم، فبعث اللّه عزّ و جلّ ملكا، فضرب وجوه دوابّهم فردّهم إلى عسكر فرعون فكانوا في من غرق مع فرعون. و قال لهم: حقّ على اللّه تعالى أن

____________________

(١) الفجر: ٦ ١٤.

(٢) العقد الفريد ١: ٥٢ ٥٣، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

تصيروا مع من عشتم معه في دنياه( ١) .

«و اهرب بما» هكذا في (المصرية)( ٢ ) و الصواب: «و اهرب منهم بما» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٣) .

«خفتهم عليه» من دينك ليسلم قال الصادقعليه‌السلام لجهم بن حميد: أما تغشى( ٤ ) سلطان هؤلاء؟ قال: لا. قال: و لم؟ قال: فرارا بديني. قال: و عزمت على ذلك؟ قال: نعم. قال: الآن سلم لك دينك( ٥) .

و في (عيون ابن قتيبة): طلب أبو قلابة للقضاء فلحق بالشام هربا، فأقام حينا ثمّ قدم البصرة فقال له أيّوب: لو أنّك وليت القضاء، و عدلت بين الناس رجوت لك في ذلك أجرا، فقال له: إذا وقع السابح في البحر فكم عسى أن يسبح( ٦ ) و قال زياد: أي الناس أنعم؟ قالوا: معاوية. قال: فأين ما يلقى من الناس؟

قالوا: فأنت. قال: فأين ما ألقى من الثغور و الخراج؟ قالوا: فمن؟ قال: شابّ له سداد من عيش، و امرأة قد رضيها و رضيته، لا يعرفنا و لا نعرفه، فإن عرفنا و عرفناه، أفسدنا عليه دينه و ديناه( ٧) .

و مرّ طارق صاحب شرطة خالد القسري بابن شبرمة في موكبه، فقال ابن شبرمة:

____________________

(١) الكافي ٥: ١٠٩.

(٢) نهج البلاغة ٢: ١٨.

(٣) هكذا في شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٥٢ و لكن في شرح ابن ميثم ٣: ١٤٥ «و اهرب بما» أيضا.

(٤) غشيه يغشاه غشيانا: إذا جاءه. (لسان العرب ١٠: ٧٧، مادة: غشي).

(٥) الكافي ٥: ١٠٨، تهذيب الأحكام ٦: ٣٣٢.

(٦) عيون الأخبار ٢: ٣٧٣.

(٧) عيون الأخبار ١: ٢٦٤، العقد الفريد ١: ٧٧.

أراها و إن كانت تحبّ كأنّها

سحابة صيف عن قريب تقشّع

اللهمّ لهم دنياهم، و لي ديني( ١ ) . ثمّ استعمل ابن شبرمة بعد ذلك على القضاء، فقال له ابنه: أ تذكر يوم مرّ بك طارق في موكبه و قلت ما قلت؟ فقال: يا بنيّ، إنّهم يجدون مثل أبيك و لا يجد أبوك مثلهم. يا بنيّ، إنّ أباك أكل من حلوائهم، و حطّ في أهوائهم( ٢) .

و قال أبو العتاهية:

فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما اس

تغنى الملوك بدنياهم عن الدين( ٣)

«فما أحوجهم إلى ما منعتهم» من الدين و في الخبر: أخوك دينك فاحتط لدينك( ٤) .

«و ما أغناك» هكذا في (المصرية)( ٥ ) و الصواب: «و أغناك» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٦ ) بكونه عطفا على «أحوجهم».

«عمّا منعوك» من الدّنيا لأنّها فانية تمنع عن الباقية.

ذكر عند أعرابيّ أهل السلطان فقال: أما و اللّه لئن عزّوا في الدّنيا بالجور لقد ذلّوا في الآخرة بالعدل، و لقد رضوا بقليل فان عن كثير باق.

هذا، و قال العبّاس بن الأحنف في جارية مسمّاة بفوز:

____________________

(١) في المصدرين: اللهمّ لي ديني، و لهم دنياهم.

(٢) عيون الأخبار ١: ٥٦، العقد الفريد ١: ٧٥.

(٣) عيون الأخبار ٢: ٣٧٣.

(٤) رواه المفيد رحمه اللّه في الأمالي: ٢٨٣، عن عليّ بن موسى الرضا عليهما السلام.

(٥) نهج البلاغة ٢: ١٨.

(٦) في شرح ابن أبي الحديد ٨: ٢٥٢، و شرح ابن ميثم ٣: ١٤٥ «و ما أغناك» أيضا.

يا فوز ما ضرّ من يمسي و أنت له

ألا يفوز بدنيا آل عبّاس( ١)

«و ستعلم من الرابح» أنت أو هم.

«غدا» يوم القيامة، فيهم:... و سيعلم الكفّار لمن عقبى الدّار( ٢ ) ، و فيه:

إنَّ الذيبن قالوا ربُّنا اللّه ثمّ استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا و لا تحزنوا و أبشروا بالجنّة التي كنتم توعدون نحنُ أولياؤكم في الحياة الدّنيا و في الآخرةِ و لكم فيها ما تشتي أنفُسُكم و لكم فيها ما تدَّعون نُزُلاً من غفورٍ رحيم( ٣) .

«و الأكثر حسدا» كان الصادقعليه‌السلام يقول لشيعته: ما بين أحدكم و بين أن يغتبط و يرى السرور و قرّة العين إلاّ أن تبلغ نفسه ها هنا و أومأ بيده إلى حلقه( ٤ ) «و لو أنّ السماوات و الأرض كانتا على عبد رتقا، ثمّ اتّقى اللّه لجعل اللّه له منهما مخرجاً» عن أبي جعفرعليه‌السلام : أوحى اللّه تعالى إلى داودعليه‌السلام : ما اعتصم بي أحد من عبادي دون أحد من خلقي، عرفت ذلك من نيّته، ثمّ تكيده السماوات و الأرض و من فيهنّ إلاّ جعلت له المخرج ممّا [ من ] بينهنّ. و ما اعتصم أحد من عبادي بأحد من خلقي، عرفت ذلك من نيّته إلاّ قطعت أسباب السماوات و الأرض من يديه، و أسخت الأرض من تحته، و لم ابال بأيّ واد هلك( ٥) .

و ورد: أنّ أصحاب الرقيم كانوا ثلاثة رجال، لجؤوا إلى كهف من المطر فخرّت قطعة من الجبل و. طبقت عليهم، ثمّ ذكر كلّ منهم ما فعله للّه اتّقاء منه،

____________________

(١) الأغاني ١٧: ٧٣.

(٢) الرعد: ٤٢.

(٣) فصّلت: ٣٠ ٣١.

(٤) الكافي ٣: ١٣١ ح ٤.

(٥) الكافي ٢: ٦٣، كنز العمّال ٣: ١٠١.

من ترك أحدهم امرأة علقها، و أعطاها ما طلبت، و قعد منها مقعد الرجل من امرأته و قيام آخر منهم على أبويه لإطعامهما و كانا غلبهما النّوم و خلّى امرأته و ولده جائعين لئلاّ يستيقظ أبواه، و يبقيا جائعين، و لم ينبهّما لئلاّ يتأذّيا و ردّ ثالثهم ما حصل بيده من زرع أرزّ عيّنه لأجيره إليه، ففرّج اللّه عنهم، و كشف تلك القطعة لتقواهم حتّى نجوا( ١) .

«لا يؤنسنّك إلاّ الحقّ، و لا يوحشنّك إلاّ الباطل» في (تاريخ بغداد): قال المنتصر: و اللّه ما عزّ ذو باطل و لو طلع القمر من جبينه، و لا ذلّ ذو حقّ و لو أطبق العالم عليه( ٢) .

«فلو قبلت دنياهم لأحبّوك» لأنّ محبّ الحبيب محبوب و إن كانت بينهم مخاصمات، و مبغض الحبيب مبغوض و إن لم يكن بينهم مزاحمات. و لذا كانت طوائف قريش على اختلاف مشاربهم لاتّفاقهم على حبّ الدّنيا يتآلفون كمعاوية مع طلحة و الزبير و عائشة، مع كونهم من قتلة عثمان و من أهل البيت عليهم السلام لكونهم ملتزمين بالحقّ متنافرون لعلمهم بأنّهم لو ولّوا لحالوا بينهم و بين دنياهم.

«و لو قرضت منها» أي: قطعت من دنياهم لنفسك قطعة.

«لأمّنوك» في (الكشّي) عن الصادقعليه‌السلام : أرسل عثمان إلى أبي ذرّ موليين و معهما مائتا دينار، فقال لهما: انطلقا إلى أبي ذر و قولا له: إنّ عثمان يقرؤك السلام و يقول لك: هذه مائتا دينار فاستعن بهما على ما نابك. فقال أبو ذرّ: هل اعطي أحد من المسلمين مثل ما أعطاني؟ قالا: لا. قال: فإنّما أنا رجل من المسلمين يسعني ما يسعهم. قالا له: إنّه يقول: هذا من صلب مالي، و باللّه

____________________

(١) الخصال ١: ١٨٤ ١٨٥، قصص الأنبياء: ٢٦٢ ٢٦٣، بحار الأنوار ١٤: ٤٢١.

(٢) لم أجد هذا النصّ في تاريخ بغداد بتتبّع فهارسه.

الذي لا إله إلاّ هو ما خالطها حرام، و لا بعثت بها إليك إلاّ من حلال. فقال: لا حاجة لي فيها، و قد أصبحت يومي هذا و أنا من أغني الناس. فقالا له: ما نرى في بيتك قليلا و لا كثيرا. فقال: بلى تحت هذا الإكاف( ١ ) الذي [ التي ] ترون رغيفا شعير قد أتى عليهما أيّام فما أصنع بهذه الدّنانير، لا و اللّه حتّى يعلم اللّه أنّي لا أقدر على قليل و لا كثير، و قد أ صبحت غنيّا بولاية عليّ بن أبي طالب و عترته الهادينعليهم‌السلام الذين يهدون بالحقّ و به يعدلون.

و كذلك سمعت النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: فإنّه لقبيح بالشيخ أن يكذب. فردّاها عليه، و أعلماه أنّه لا حاجة لي فيها و لا فيما عنده، حتّى ألقى اللّه ربّي فيكون هو الحاكم فيما بيني و بينه( ٢) .

١٢ - بسم اللّه الرّحمن الرحيم. باب المختار من كتب مولانا أمير المؤمنين إلى أعدائه و امراء بلاده. و يدخل في ذلك ما اختير من عهوده إلى عمّاله، و وصاياه لأهله و أصحابه.

الكتاب (١) من كتاب لهعليه‌السلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة:

مِنْ عَبْدِ اَللَّهِ؟ عَلِيٍّ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ؟ إِلَى أَهْلِ؟ اَلْكُوفَةِ؟ جَبْهَةِ اَلْأَنْصَارِ وَ سَنَامِ اَلْعَرَبِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَمْرِ؟ عُثْمَانَ؟ حَتَّى يَكُونَ سَمْعُهُ كَعِيَانِهِ إِنَّ اَلنَّاسَ طَعَنُوا عَلَيْهِ فَكُنْتُ رَجُلاً مِنَ اَلْمُهَاجِرِينَ أُكْثِرُ اِسْتِعْتَابَهُ وَ أُقِلُّ

____________________

(١) الإكاف ككتاب و غراب: الحمار. (القاموس المحيط ٣: ١١٨، مادة: أكف).

(٢) اختيار معرفة الرجال (الكشّي) ١: ١١٨ ١٢٠.

عِتَابَهُ وَ كَانَ؟ طَلْحَةُ؟ وَ؟ اَلزُّبَيْرُ؟ أَهْوَنُ سَيْرِهِمَا فِيهِ اَلْوَجِيفُ وَ أَرْفَقُ حِدَائِهِمَا اَلْعَنِيفُ وَ كَانَ مِنْ؟ عَائِشَةَ؟ فِيهِ فَلْتَةُ غَضَبٍ فَأُتِيحَ لَهُ قَوْمٌ فَقَتَلُوهُ وَ بَايَعَنِي اَلنَّاسُ غَيْرَ مُسْتَكْرَهِينَ وَ لاَ مُجْبَرِينَ بَلْ طَائِعِينَ مُخَيَّرِينَ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ دَارَ اَلْهِجْرَةِ قَدْ قَلَعَتْ بِأَهْلِهَا وَ قَلَعُوا بِهَا وَ جَاشَتْ جَيْشَ اَلْمِرْجَلِ وَ قَامَتِ اَلْفِتْنَةُ عَلَى اَلْقُطْبِ فَأَسْرِعُوا إِلَى أَمِيرِكُمْ وَ بَادِرُوا جِهَادَ عَدُوِّكُمْ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ قول المصنف: «بسم اللّه الرّحمن الرحيم» ليس في (ابن ميثم)( ١) .

«باب المختار من كتب مولانا أمير المؤمنين» ليس في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم) كلمة «مولانا»( ٢) .

«إلى أعدائه و امراء بلاده» و في (ابن أبي الحديد): «باب المختار من كتب أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، و رسائله إلى أعدائه و أولياء بلاده»( ٣ ) ، فزاد و بدّل.

«و يدخل في ذلك ما اختير من عهوده إلى عمّاله، و وصاياه لأهله و أصحابه».

قال ابن أبي الحديد: كلامهعليه‌السلام لشريح القاضي، و لشريح بن هانى‏ء لمّا جعله مقدّمته إلى الشام بباب الخطب أشبه( ٤) .

قلت: كلامه كما ترى أمّا الأوّل، فصرّح فيه بأنّه كتاب لكنّه كتاب بيع لا كتاب رسالة، و الثاني من عهودهعليه‌السلام إلى عمّاله التي صرّح بدخولها في الكتب إلحاقا.

____________________

(١) شرح ابن ميثم ٤: ٣٣٧.

(٢) في شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٥، و شرح ابن ميثم ٤: ٣٣٧ المطبوعين: «مولانا أمير المؤمنين» أيضا.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٥.

(٤) المصدر نفسه.

و لكن لو لم يسقط من عنوان المصنّف بعد «إلى أعدائه» كلمة «و أوليائه» أو «و غيرهم» خرج من هذا الباب كتبه الثلاثة إلى أهل الكوفة الأوّل و الثاني و السابع و الخمسون، و كتابه إلى أهل الأمصار و هو (٥٨) من الكتب، و كتاباه إلى أهل مصر (٣٨) و (٦٢) منها، و كتابهعليه‌السلام إلى أخيه عقيل (٣٦) منها، و كتابهعليه‌السلام إلى سلمان و هو (٦٨) منها لعدم دخولها في كتبهعليه‌السلام إلى أعدائه، و لا إلى امراء بلاده، و لا في عهودهعليه‌السلام و وصاياه.

أقول: قال ابن أبي الحديد: روى محمّد بن إسحاق عن عمّه عبد الرحمن بن يسار القرشيّ، قال: لمّا نزل عليّعليه‌السلام الربذة متوجّها إلى البصرة بعث إلى الكوفة محمّد بن جعفر و محمّد بن أبي بكر، و كتب إليهم هذا الكتاب، و زاد في آخره:

فحسبي بكم إخوانا، و للدين أنصارا، ف انفروا خِفافاً و ثقالاً و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم في سبيل اللّه ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون( ١) .

قلت: و رواه ابن قتيبة في (خلفائه)( ٢ ) إلاّ أنّه قال: بعث عليّعليه‌السلام أوّلا محمّد بن أبي بكر و عمّارا، فمنعهما أبو موسى فانصرفا، فبعث الحسنعليه‌السلام ، و ابن عبّاس، و عمّارا، و قيس بن سعد، و كتب معهم هذا الكتاب، و فيه زيادة هكذا: أمّا بعد فإنّي اخبركم عن أمر عثمان حتّى يكون سامعه كمن عاينه، إنّ الناس طعنوا على عثمان، فكنت رجلا من المهاجرين أقلّ عيبه، و أكثر استعتابه.

و كان هذان الرجلان طلحة و الزبير أهون سيرهما فيه اللهجة

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٨، و الآية ٤١ من سورة التوبة.

(٢) رواه ابن قتيبة في الإمامة و السياسة ١: ٦٦، و الشيخ الطوسي في الأمالي ٢: ٣٢٩، و ابن شهر آشوب في المناقب ٣: ١٥١.

و الوجيف، و كان من عائشة فيه قول على غضب، فانتحى له قوم فقتلوه، و بايعني الناس غير مستكرهين، و هما أوّل من بايعني على ما بويع عليه من كان قبلي، ثمّ استأذنا إلى العمرة، فأذنت لهما، فنقضا العهد، و نصبا الحرب، و أخرجا عائشة من بيتها ليتّخذاها فتنة، و قد سارا إلى البصرة اختيارا لأهلها، و لعمري ما إيّاي تجيبون، ما تجيبون إلاّ اللّه، و قد بعثت ابني الحسن، و ابن عمّي عبد اللّه بن العبّاس، و عمّار بن ياسر، و قيس بن سعد فكونوا عند ظنّنا بكم، و اللّه المستعان( ١) .

و رواه المفيد في (جمله) مثله إلاّ أنّه لم يذكر ابن عبّاس( ٢) .

قول المصنّف: «من كتاب لهعليه‌السلام لأهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة».

أقول: قد عرفت من رواية محمّد بن إسحاق أنّه كتبه من الربذة( ٣ ) . و يفهم من (الخلفاء) أنّه كان من قرب الكوفة في مسيره إلى البصرة( ٤) .

قولهعليه‌السلام : «من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة جبهة الأنصار» أي: أنصار الحقّ، و ليس المراد أنصار المدينة.

«و سنام العرب» أي: أعلاهم، كما أنّ سنام البعير أعلى أعضائه.

قال ابن أبي الحديد: قال الطبري: كتب عليّعليه‌السلام من الربذة إلى أهل الكوفة: أمّا بعد فإنّي اخترتكم و آثرت النزول بين أظهركم، لما أعرف من مودّتكم و حبّكم للّه و لرسوله، فمن جاءني و نصرني فقد أجاب

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٦٥ ٦٧، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

(٢) الجمل: ٢٤٤.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٨.

(٤) الإمامة و السياسة ١: ٦٥.

الحقّ، و قضى الذي عليه( ١) .

قلت: و روى النعمانيّ عن أبي هارون: أنّه سأل أبا سعيد الخدري عن السمك الذي يزعم أهل الكوفة أنّه حرام، فقال أبو سعيد: سمعت النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: الكوفة جمجمة العرب، و رمح اللّه تعالى( ٢ ) ، و كنز الإيمان، فخذ عنهم( ٣) .

و في (خلفاء ابن قتيبة) بعد ذكر بعثهعليه‌السلام ابنه الحسنعليه‌السلام و جمع معه و قراءته كتابهعليه‌السلام عليهم ثمّ قام، فقال: أيّها الناس، إنّه قد كان في مسير أمير المؤمنينعليه‌السلام ما قد بلغكم، و قد أتيناكم مستنفرين، لأنّكم جبهة الأنصار، و رؤوس العرب، و قد كان من نقض طلحة و الزبير بعد بيعتهما و خروجهما بعائشة ما بلغكم، و تعلمون أنّ وهن النساء و ضعف رأيهنّ إلى التلاشي، و من أجل ذلك جعل اللّه الرجال قوّامين على النساء( ٤) .

«أمّا بعد فإنّي أخبركم عن أمر عثمان حتّى يكون سمعه كعيانه» في (خلفاء ابن قتيبة): لمّا أقرأهم الحسنعليه‌السلام كتاب أبيهعليه‌السلام و خطبهم في ذلك، قام شريح بن هانى‏ء فقال: لقد أردنا أن نركب إلى المدينة، حتّى نعلم قتل عثمان، فقد أتانا اللّه به في بيوتنا، فلا تخالفوا عن دعوته، و اللّه لو لم يستنصر بنا لنصرناه سمعا و طاعة( ٥) .

«إنّ الناس طعنوا عليه» في (أغاني أبي الفرج): قال مطر الورّاق: قدم رجل

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٤٧٧، سنة ٣٦، شرح ابن أبي الحديد ١٤: ١٦.

(٢) قال ابن الأثير في النهاية ١: ٢٩٩، مادة (جمجم) ما نصّه: في الحديث: «ائت الكوفة فإنّ بها جمجمة العرب» أي: ساداتها، لأنّ الجمجمة: الرّأس، و هو أشرف الأعضاء. و قيل: جماجم العرب: التي تجمع البطون فينسب إليها دونهم.

و قال فيه أيضا ٢: ٢٦٢، مادة (رمح): العرب تجعل الرمح كناية عن الدفع و المنع.

(٣) علل الشرائع ٢: ٤٦٠ ٤٦١ الباب ٢٢٢ ح ١.

(٤) الامامة و السياسة ١: ٦٧.

(٥) الإمامة و السياسة ١: ٦٧.

من أهل الكوفة إلى المدينة فقال لعثمان: إنّي صلّيت صلاة الغداة خلف الوليد، فالتفت في الصلاة إلى الناس فقال: أ أزيدكم فإنّي أجد اليوم نشاطا؟ و شممنا منه رائحة الخمر. فضرب عثمان الرجل. فقال الناس لعثمان: عطّلت الحدود، و ضربت الشهود( ١) .

و في (الطبري): قال عبد الرحمن بن يسار: لمّا رأى الناس ما صنع عثمان كتب من بالمدينة من أصحاب النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى من بالآفاق منهم و كانوا قد تفرّقوا في الثغور: «إنّكم إنّما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل اللّه، و تطلبون دين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّ دين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أفسد من خلفكم و ترك، فهلّموا فأقيموا دين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » فأقبلوا من كلّ افق حتّى قتلوه( ٢) .

و في (الطبري) أيضا: قال أبو حبيبة: خطب عثمان فقام إليه جهجاه الغفاري، فصاح: يا عثمان إنّ هذه شارف( ٣ ) قد جئنا بها، عليها عباءة و هذه جامعة، فانزل فلندرّعك العباءة، و لنطرّحك في الجامعة، و لنحمّلك على الشارف، ثمّ نطرحك في جبل الدخان. و لم يكن ذلك منه إلاّ عن ملأ من الناس، و قام إلى عثمان حزبه من بني اميّة فحملوه فأدخلوه الدار. قال: فكان آخر ما رأيته( ٤) .

«فكنت رجلا من المهاجرين» قال ابن أبي الحديد: هو من لطيف الكلام فإنّ فيه من التخلّص و التبرّي ما لا يخفى على المتأمّل، ألا ترى أنّه لم تبق عليه في ذلك حجّة لطاعن، من حيث جعل نفسه كواحد من عرض المهاجرين، الذين بنفر يسير منهم انعقدت خلافة أبي بكر، و هم أهل الحلّ و العقد، و إنّما كان

____________________

(١) الأغاني ١: ٢٠، ٥: ١٣١.

(٢) تاريخ الطبريّ ٤: ٣٦٧، سنة ٣٥.

(٣) الشارف: المسنة من النوق، و الجمع الشرف. (الصحاح ٤: ١٣٨٠، مادة: شرف).

(٤) تاريخ الطبري ٤: ٣٦٦، سنة ٣٥.

الإجماع حجّة لدخولهم فيه( ١) .

قلت: نعم كلامهعليه‌السلام من لطيف الكلام لكن لا لما قال، بل لأنّه دلّ على أنّ الطاعنين على عثمان و المنكرين لعثمان كان فيهم من المهاجرين الحقيقيين الملتزمين بالشريعة عند الكلّ كأبي ذرّ، و المقداد، و عمّار، و حذيفة و نظرائهم، و لم ينحصروا بالعامّة الغوغاء و لا بالمغرضين، كعمرو بن العاص.

فروى الطبري عن الواقدي: انّ عثمان لمّا عزل عمرو بن العاص عن مصر، و استعمل ابن أبي سرح قدم المدينة و جعل يطعن على عثمان فقال له عثمان: يا بن النابغة، ما أسرع ما قمل جربّان جبّتك إلى أن قال: و لمّا سمع عمرو بن العاص بقتل عثمان قال: إنّي كنت لأحرّض عليه الناس، حتّى إنّي لأحرّض الراعي عليه في رأس الجبل. و فارق عمرو حين عزله عثمان اخت عثمان لأمّه أمّ كلثوم بنت أبي معيط( ٢) .

و قول ابن أبي الحديد: «الذين بنفر يسير منهم انعقدت خلافة أبي بكر»( ٣ ) ممّا يضحك الثكلى، فالمهاجرون الذين جعل أمير المؤمنينعليه‌السلام نفسه أحدهم قلنا: هم أبو ذرّ، و عمّار و نظراؤهما.

و أمّا بيعة أبي بكر فكانت عن توطئة بينه و بين عمر و أبي عبيدة و هم فعلوا أفعال عثمان حيث كانوا السبب لأفعاله لا كانوا من مستعتبيه فكتب عثمان و كان كاتب أبي بكر في غشوة أبي بكر استخلافه لعمر، فكافأه عمر مع علمه بأنّه يفعل ما يفعل بما دبّر في أمر الشورى لصيرورته خليفته.

و أمّا أهل حلّه و عقده فكانوا اولئك الثلاثة، فكان أبو بكر يقول للناس:

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٧.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٣٥٦ ٣٥٧، سنة ٣٥، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٧.

بايعوا أحد هذين: عمر أو أبي عبيدة. و هما كانا يقولان: ما كنّا لنتقدّمك( ١) .

و روى الثقفي في (تاريخه) عن رجالهم، و رواه أبو نعيم في (حليته): أنّ رجلا جاء إلى ابيّ بن كعب فقال: يا أبا المنذر، ألا تخبرني عن عثمان، ما قولك فيه؟ فأمسك عنه، فقال له الرجل: جزاكم اللّه شرّا يا أصحاب محمّد شهدتم الوحي و عاينتموه، ثمّ نسألكم التفقّه في الدين فلا تعلّمونا. فقال ابيّ عند ذلك:

«هلك أصحاب العقدة و ربّ الكعبة( ٢ ) أما و اللّه ما عليهم آسي و لكن آسي على من أهلكوا»( ٣ ) و اللّه لئن أبقاني اللّه إلى يوم الجمعة لأقومنّ مقاما أتكلّم فيه بما أعلم، قتلت أو استحييت. فمات يوم الخميس( ٤) .

«اكثر استعتابه» أي: طلب رجوعه عن الباطل.

«و اقلّ عتابه» العتاب: إظهار الموجدة، و قد كان مستحقّا لكلّ عتاب.

و يعبّر عن العتاب في الفارسية ب (سرزنش).

و أمّا المهاجرون، فكانوا يكثرون من عتابه روى الثقفي في (تاريخه):

أنّ أبا ذرّ كان يقول لعثمان: حدّثني النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه يجاء بك و بأصحابك يوم القيامة، فتبطحون على وجوهكم، فتمرّ عليكم البهائم فتطأكم( ٥) .

و ذكر الواقدي في (تاريخه): أنّ أبا ذرّ أظهر عيب عثمان بالشام، فجعل كلّما دخل المسجد أو خرج منه شتم عثمان، و ذكر منها خصالا قبيحة( ٦) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣: ٢٢١، سنة ١١.

(٢) قال ابن الأثير في النهاية ٣: ٢٧٠: و في حديث ابي: «هلك أصحاب العدة و ربّ الكعبة» يريد البيعة المعقودة للولاة.

(٣) قول أبيّ مذكور في حلية الأولياء ١: ٢٥٢.

(٤) رواه عنه العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في البحار ٨: ٣٣٦، ط الكمباني، و قريب منه ما في شرح ابن أبي الحديد ٢٠: ٢٤.

(٥) رواه عنه العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في البحار ٨: ٣٣٦، ط الكمباني.

(٦) المصدر نفسه ٨: ٣٣٨.

و نقل ابن أبي الحديد عن كتاب (أبي مخنف) روايته عن عبد الرحمن بن أبي ليلى [ عن أبيه ]: أنّه سمع عمّارا لمّا جاء إلى الكوفة لاستنفارهم يقول: ما تركت في نفسي حزّة أهمّ إليّ من أن لا نكون نبشنا عثمان من قبره، ثمّ أحرقناه بالنار( ١) .

و قد روى الثقفي في (تاريخه): أنّ رجلا قام إلى أبيّ بن كعب، فقال له: إنّ عثمان كتب للرجل من آل أبي معيط بخمسين ألف درهم من بيت المال. فقال ابيّ: لا تزال تأتوني بشي‏ء ما أدري ما هو. فبينما هو كذلك إذ مرّ به الصكّ، فقام فدخل على عثمان فقال: يا بن الهاوية يا بن النار الحامية أتكتب لبعض آل أبي معيط إلى بيت مال المسلمين بصكّ بخمسين ألف درهم؟ فغضب عثمان( ٢) .

و روى هو أيضا في (تاريخه)، و الواقدي في كتاب (داره) عن عبيدة السلمانيّ قال: سمعت ابن مسعود يلعن عثمان، فقلت له في ذلك. فقال: سمعت النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشهد له بالنار( ٣) .

و عن خيثمة قال ابن مسعود: بينا نحن في بيت، و نحن اثنا عشر رجلا نتذاكر أمر الدّجال و فتنته، إذ دخل النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: ما تتذاكرون من أمر الدجّال، و الذي نفسي بيده إنّ في البيت لمن هو أشدّ على امّتي من الدّجال.

قال ابن مسعود: و قد مضى من كان في البيت غيري و غير عثمان، [ ثمّ ] قال ابن مسعود: و الذي نفسي بيده لوددت أنّي و عثمان برمل عالج( ٤ ) نتحاثى

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٤: ١١.

(٢) نقله عنه العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في البحار ٨: ٣٣٦، ط الكمباني.

(٣) نقله عنه العلامة المجلسي رضي اللّه في البحار ٨: ٣٣٦، ط الكمباني.

(٤) قال الطريحيّ: نقل أنّ رمل عالج جبال متواصلة يتّصل أعلاها بالدهناء، و الدهناء بقرب يمامة، و أسفلها بنجد.

و في كلام البعض: رمل عالج محيط بأكثر أرض العرب. (مجمع البحرين ٢: ٣١٨ ٣١٩، مادة: علج).

التراب حتّى يموت الأعجز( ١) .

و روى الأول عن جمع من أصحاب ابن مسعود، قالوا: قال ابن مسعود:

لا يعدل عثمان عند اللّه تعالى جناح بعوضة( ٢) .

و روى عن همّام بن الحارث، قال: دخلت مسجد المدينة فإذا الناس مجتمعون على عثمان، و إذا رجل يمدحه، فوثب المقداد و أخذ كفّا من حصى أو تراب فأخذ يرميه به، فرأيت عثمان يتّقيه بيده( ٣) .

و روى عن عيسى بن زيد قال: كان عبد الرحمن بن حنبل القرشي و هو من أهل بدر من أشدّ الناس على عثمان، و كان يذكره في الشعر، و يذكر جوره، و يطعن عليه و يبرأ منه، و يصف صنائعه، فلمّا بلغ ذلك عثمان ضربه مائة سوط، و حمله على بعير، و طاف به في المدينة ثمّ حبسه موثقا في الحديد( ٤) .

و روى عن قيس بن أبي حازم قال: جاءت بنو عبس إلى حذيفة يستشفعون به إلى عثمان، فقال حذيفة: لقد أتيتموني من عند رجل وددت أنّ كلّ سهم في كنانتي في بطنه( ٥) .

و أمّا هوعليه‌السلام فكان أقلّهم عتابا له، و أكثرهم استعتابا، رعاية لكرم الأخلاق، و براءة عن التهم.

روى الواقدي في (شوراه) و نقله ابن أبي الحديد في عنوان «و من كلام لهعليه‌السلام و قد وقعت بينه و بين عثمان مشاجرة» عن ابن عبّاس قال: شهدت

____________________

(١) بحار الأنوار ٨: ٣٣٨، ط الكمباني.

(٢) نقله عن تاريخ الثقفيّ العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في بحار الأنوار ٨: ٣٣٨، ط الكمباني.

(٣) المصدر نفسه ٨: ٣٣٩.

(٤) نقله عن تاريخ الثقفي العلامة المجلسي رحمه اللّه في بحار الأنوار ٨: ٣٣٨، ط الكمباني.

(٥) المصدر نفسه.

عتاب عثمان لعليّعليه‌السلام يوما، فقال له في بعض ما قاله: نشدتك اللّه أن تفتح للفرقة بابا فلعهدي بك و أنت تطيع عتيقا و ابن الخطّاب إلى أن قال: فإن كنت تزعم أنّ هذا الأمر جعله النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لك، فقد رأيناك حين توفّي النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نازعت ثمّ أقررت، فإن كانا لم يركبا من الأمر جدّا فكيف أذعنت لهما بالبيعة، و بخعت بالطاعة إلى أن قال: فقال عليّعليه‌السلام : أمّا الفرقة، فمعاذ اللّه أن أفتح لها بابا، أو اسهّل إليها سبيلا و لكنّي أنهاك عمّا ينهاك اللّه و رسوله عنه، و أهديك إلى رشدك و أمّا عتيق و ابن الخطاب فإن كانا أخذا ما جعله النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لي، فأنت أعلم بذلك و المسلمون، و مالي و لهذا الأمر و قد تركته منذ حين إلى أن قال: و أمّا التسوية بينك و بينهما، فلست كأحدهما إنّهما ولّيا هذا الأمر، فظلفا( ١ ) أنفسهما و أهلهما عنه، و عمت فيه و قومك عوم السابح في اللجة، فارجع إلى اللّه أبا عمرو، و انظر هل بقي من عمرك إلاّ كظم‏ء الحمار( ٢ ) . فحتى متى و إلى متى لا تنهى [ ألا تنهى ] سفهاء بني أميّة عن أعراض المسلمين و أبشارهم و أموالهم و اللّه لو ظلم عامل من عمّالك حيث تغرب الشمس لكان إثمه مشتركا بينه و بينك.

فقال عثمان: لك العتبى، و افعل و اعزل [ من عمّالي ] كلّ من تكرهه و يكرهه المسلمون ثمّ افترقا فصدّه مروان، و قال: يجترى‏ء عليك الناس، فلم يعزل [ فلا تعزل ] أحدا منهم( ٣) .

«و كان طلحة و الزبير أهون سيرهما فيه الوجيف» الوجيف: ضرب من سير الإبل و الخيل سريع روى (جمل المفيد) عن كتاب (مقتل عثمان) لأبي حذيفة

____________________

(١) ظلف نفسه: كفّها عمّا لا يجمل. (أساس البلاغة: ٢٨٩، مادة: ظلف).

(٢) قال ابن الأثير: و في حديث بعضهم: «حين لم يبق من عمري إلاّ ظم‏ء حمار» أي: شي‏ء يسير، و إنّما خصّ الحمار لأنّه أقلّ الدواب صبرا عن الماء. (النهاية ٣: ١٦٢، مادة: ظمأ).

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٩: ١٥ ١٦، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

القرشيّ من أهل حديث العامّة: قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: و اللّه كأنّي لأنظر إلى طلحة، و عثمان محصور، و هو على فرس، و بيده رمح يجول حول دار عثمان( ١) .

و روى أيضا أنّه لمّا اشتدّ الحصار بعثمان عمد بنو أميّة على إخراجه ليلا إلى مكّة، و عرف الناس ذلك و جعلوا عليه حرسا، و كان على الحرس طلحة و هو أوّل من رمى بسهم في دار عثمان( ٢) .

و في (صفّين نصر بن مزاحم): قدم خفاف الطائي الشام، فقال له معاوية: هات يا أخا طي حدّثنا عن عثمان. قال: حصره المكشوح، و حكم فيه حكيم، و ولي في أمره محمّد و عمّار، و تجرّد في أمره ثلاثة نفر: عديّ بن حاتم، و الأشتر، و عمرو بن الحمق، و جدّ في أمره طلحة و الزبير( ٣) .

و قال عبيد اللّه بن عمر:

و قد كان فيها للزبير عجاجة

و طلحة فيها جاهد غير لاعب( ٤)

و في (أنساب البلاذري): ذكروا أنّ عثمان نازع الزبير، فقال الزبير: إن شئت تقاذفنا. فقال: بماذا أبالبعر؟ قال: لا و اللّه و لكن بطبع خباب و ريش المقعد و كان خباب يطبع السيوف، و كان المقعد يريش النبل( ٥) .

«و أرفق حدائهما» قال الجوهري: الحدو: سوق الإبل، و الغناء لها( ٦) .

«العنيف» أي: الشديد في (الطبري): قال عبد الرحمن بن الأسود: لم أزل

____________________

(١) الجمل: ١٤٦.

(٢) المصدر نفسه، و الرواية عن أبي إسحاق.

(٣) وقعة صفّين: ٦٥، شرح ابن أبي الحديد ٣: ١١١.

(٤) وقعة صفّين: ٨٤، شرح ابن أبي الحديد ٣: ١٠٢.

(٥) أنساب الأشراف للبلاذري ٥: ١٤، مكتبة المثنى، بغداد.

(٦) الصحاح ٦: ٢٣٠٩، مادة (حدا).

أرى عليّاعليه‌السلام منكّبا عن عثمان لمّا أعطى الناس عهدا على المنبر، و دخل بيته فخرج مروان و شتمهم، و فرّقهم عن الباب إلاّ أنّي أعلم أنّه قد كلّم طلحة حين حصر عثمان في أن يدخل عليه الروايا، و غضب في ذلك غضبا شديدا حتّى دخلت الروايا على عثمان( ١) .

و فيه: قال عبد اللّه بن عيّاش بن أبي ربيعة: دخلت على عثمان، فتحدّثت عنده ساعة، فقال: تعال. فأخذ بيدي فأسمعني كلام من على الباب، فسمعنا منهم من يقول: ما تنتظرون به؟ و منهم من يقول: انظروا عسى أن يراجع.

فبينا أنا و هو واقف إذ مرّ طلحة، فقال: أين ابن عديس؟ فقيل: ها هو ذا. فجاءه ابن عديس، فناجاه طلحة بشي‏ء، ثمّ رجع ابن عدى؟ فقال لأصحابه: لا تتركوا أحدا أن يدخل على هذا الرجل، و لا يخرج من عنده( ٢) .

و في (مقتل أبي حذيفة): اطلع عثمان و قد اشتد به الحصار و ظمى‏ء من العطش، فنادى أيها الناس اسقونا شربة من الماء و أطعمونا ممّا رزقكم اللّه.

فناداه الزبير يا نعثل و اللّه لا تذوقه.

و فيه أيضا: قال ثعلبة الحماني: أتيت الزبير و هو عند أحجار الزيت فقلت له: قد حيل بين أهل الدار و بين الماء. فنظر نحوهم و قال: و حيل بينهم و بين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنّهم كانوا في شكّ مريب( ٣) .

و فيه أيضا: أنفذ عثمان إلى عليّعليه‌السلام إنّ طلحة و الزبير قد قتلاني من العطش و إنّ الموت بالسلاح أحسن، فخرج معتمدا على يد مسور بن مخرمة الزهري حتّى دخل على طلحة و هو جالس في داره يسوي نبلا و عليه قميص

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٦٤، سنة ٣٥.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٣٧٨ ٣٧٩، سنة ٣٥.

(٣) سبأ: ٥٤.

هندي، فلما رآه طلحة رحّب به و وسّع له على الوسادة، فقال له عليّعليه‌السلام : إنّ عثمان قد أرسل إليّ أنّكم أهلكتموه عطشا، و أنّ ذلك ليس بحسن، و القتل بالسلاح أحسن، و كنت آليت على نفسي أن لا أردّ عنه أحدا بعد أهل مصر، و أنا أحبّ أن تدخلوا عليه الماء حتّى تروا رأيكم فيه. فقال طلحة: و اللّه لا ننعمه عينا و لا نتركه يأكل و يشرب. فقال عليّعليه‌السلام : ما كنت أظنّ أن أكلّم أحدا من قريش فيردني، دع ما كنت فيه يا طلحة. فقال طلحة: ما كنت أنت يا علي في ذلك من شي‏ء. فقام عليّعليه‌السلام مغضبا و قال: ستعلم يا بن الحضرمية أكون في ذلك من شي‏ء أم لا؟ ثم انصرف( ١) .

و في (خلفاء ابن قتيبة): ذكروا أنّ طلحة و الزبير أتيا عليّاعليه‌السلام بعد خلافته، فقالا له: هل تدري على ما بايعناك؟ و كان الزبير لا يشكّ في ولاية العراق، و طلحة في اليمن إلى أن قال: فلمّا استبان لهما أنّ عليّاعليه‌السلام غير مولّيهما شيئا، أظهرا الشكاية [ الشكاة ]، فتكلّم الزبير في ملأ من قريش، فقال:

هذا جزاؤنا من عليّ قمنا له في أمر عثمان حتّى أثبتنا عليه الذنب، و سبّبنا له القتل و هو جالس في بيته و كفي الأمر. فلمّا نال بنا ما أراد جعل دوننا غيرنا.

فقال طلحة: ما اللوم إلاّ لنا، كنّا ثلاثة من أهل الشورى، كرهه أحدنا و بايعناه، و أعطيناه ما في أيدينا، و منعنا ما في يده، فأصبحنا قد أخطأنا ما رجونا( ٢) .

قلت: و مراد طلحة بكونهم ثلاثة من أهل الشورى: هما مع سعد بن أبي وقّاص فهما بايعاهعليه‌السلام طمعا، و اعتزله سعد يأسا.

و فيه أيضا: و لمّا نزل طلحة و الزبير و عائشة بأوطاس( ٣ ) ، من أرض

____________________

(١) الجمل للمفيد: ٧٤.

(٢) الإمامة و السياسة ١: ٥١.

(٣) قال ياقوت: أوطاس: واد في ديار هوازن، فيه كانت وقعة حنين للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ببني هوازن. (معجم البلدان ١:٢٨١.)

خيبر، أقبل عليهم سعيد بن العاص على نجيب له، فأقبل على مروان و كان مع طلحة و الزبير فقال له: و أين تريد؟ قال: البصرة. قال: و ما تصنع بها؟ قال:

أطلب قتلة عثمان. قال: فهؤلاء قتلة عثمان معك إنّ هذين الرجلين يعني طلحة و الزبير قتلا عثمان و هما يريدان الأمر لأنفسهما، فلمّا غلبا عليه قالا: نغسل الدم بالدم، و الحوبة( ١ ) بالتوبة( ٢) .

و فيه أيضا بعد ذكر دخول طلحة و الزبير البصرة: فبيناهم كذلك أتاهم رجل من أشراف البصرة بكتاب كتبه طلحة في التأليب على قتل عثمان، فقال لطلحة: هل تعرف هذا الكتاب؟ قال: نعم. قال: فما ردّك على ما كنت عليه؟

و كنت أمس تكتب إلينا تؤلّبنا على قتل عثمان، و أنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه( ٣) .

و عن (تاريخ الواقدي): ما كان أحد من أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشدّ على عثمان من عبد الرحمن بن عوف حتّى مات عبد الرحمن، و من سعد بن أبي وقّاص حتّى مات عثمان، و من طلحة و كان أشدّهم فإنّه لم يزل كهف المصرييّن و غيرهم يأتونه بالليل يتحدّثون عنده إلى أن حاربوه [ جاهدوا ]، فكان وليّ الحرب و القتال، و عمل المفاتيح على بيت المال، و تولّى الصلاة بالناس، و منع عثمان و من معه من الماء، و ردّ شفاعة عليّعليه‌السلام في حمل الماء إليه، و قال: لا و اللّه...( ٤) .

و في (خلفاء ابن قتيبة): أقبل الأشتر من الكوفة في ألف رجل، و أقبل محمّد بن أبي حذيفة من مصر في أربعمائة رجل، فأقام أهل الكوفة و أهل

____________________

(١) الحوبة بالفتح: الخطيئة. (المصباح المنير ١: ١٩٠، مادة: حوب).

(٢) الإمامة و السياسة ١: ٦٣.

(٣) الإمامة و السياسة ١: ٦٨.

(٤) نقله عنه العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في بحار الأنوار ٨: ٣٣٩، ط الكمباني.

مصر بباب عثمان ليلا و نهارا، و طلحة يحرّض الفريقين جميعا على عثمان، ثمّ إنّ طلحة قال لهم: إنّ عثمان لا يبالي ما حصرتموه، و هو يدخل إليه الطعام و الشراب فامنعوه الماء أن يدخل عليه( ١) .

و ممّن هيّج على عثمان غير طلحة و الزبير، و سار فيه الوجيف وحدا فيه العنيف عبد الرحمن بن عوف، و هو الذي عيّن عثمان إماما، و لم يذكرهعليه‌السلام ، لأنّ كلامهعليه‌السلام في أصحاب الجمل الذين قاتلوا عثمان حتّى قتلوه، ثمّ حاربوهعليه‌السلام باسم ثأره. فقد عرفت كون عبد الرحمن أيضا ممّن كانوا أشدّاء عليه إلاّ أنّه مات قبل عثمان.

و عن (تاريخ الثقفي): قال طارق بن شهاب: رأيت عبد الرحمن و هو يقول: إنّ عثمان أبي أن يقيم فيكم كتاب اللّه. فقيل له: فأنت أوّل من بايعه، و أوّل من عقد له. قال: إنّه نقض، و ليس لناقض عهد( ٢) .

و عن (تاريخ الواقدي): قال عثمان بن شريد: دخلت على عبد الرحمن بن عوف في شكواه الذي مات فيه أعوده، فذكر عنده عثمان، فقال: عاجلوا طاغيتكم هذه قبل أن يتمادى في ملكه. قالوا: فأنت ولّيته. قال: لا عهد لناقض( ٣) .

و عن (تاريخ الثقفي): قال أبو إسحاق: أصبح الناس يوما حين صلّوا الفجر في خلافة عثمان، فنادوا بعبد الرحمن، فحوّل وجهه إليهم، و استدبر القبلة، ثمّ خلع قميصه عن جيبه فقال: يا معشر أصحاب محمّد، يا معشر المسلمين، أشهد اللّه و اشهدكم أنّي قد خلعت عثمان من الخلافة كما خلعت سربالي هذا. فأجابه مجيب من الصفّ الأوّل: الآن و قد عصيت من قبل،

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٣٨.

(٢) نقله عنه العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في بحار الأنوار ٨: ٣٤٠، ط الكمباني.

(٣) نقله عنه العلامة المجلسي رحمه اللّه في بحار الأنوار ٨: ٣٤٠، ط الكمباني.

و كنت من المفسدين( ١ ) . فنظروا من الرجل فإذا هو عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ( ٢) .

«و كان من عائشة فيه فلتة غضب» روى الجوهري في (سقيفته)( ٣ ) ، و نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر مسندا عن أبي بن كعب الحارثي في خبر طويل، قال: تبعت عثمان حتّى دخل المسجد، فإذا عمّار جالس إلى سارية، و حوله نفر من أصحاب النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبكون، فقال عثمان: يا وثّاب عليّ بالشرط، فجاؤوا، فقال: فرّقوا هؤلاء. ففرّقوا بينهم.

ثم اقيمت الصلاة، فتقدّم عثمان فصلّى بهم، فلمّا كبّر قالت امرأة من حجرتها: أيّها الناس، و تكلّمت، ثمّ ذكرت النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و ما بعثه اللّه به، ثمّ قالت:

تركتم أمر اللّه و عهده، و نحو هذا، ثم صمتت و تكلّمت اخرى بمثل ذلك، فإذا هما عائشة و حفصة.

فسلّم عثمان ثمّ أقبل على الناس، و قال: إنّ هاتين لفتّانتان، يحلّ لي سبّهما، و أنا بأصلها عالم...( ٤) .

و في (خلفاء ابن قتيبة): ذكروا أنّ عائشة لمّا أتاها أنّه بويع عليّعليه‌السلام و كانت خارجة عن المدينة قالت: ما كنت أبالي أن تقع السماء على الأرض، قتل عثمان و اللّه مظلوما، و أنا طالبة بدمه. فقال عبيد: إنّ أوّل من طعن فيه و أطمع الناس فيه لأنت، و لقد قلت: اقتلوا نعثلا فقد كفر [ فجر ]. فقالت: قلت و قال الناس، و آخر قولي خير من أوّله. فقال عبيد: عذر ضعيف و اللّه. ثمّ قال:

فمنك البداء و منك الغير

و منك الرياح و منك المطر

و أنت أمرت بقتل الإمام

و قلت لنا إنّه قد فجر

____________________

(١) يونس: ٩١.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) السقيفة و فدك: ٨٠.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٥.

فهبنا أطعناك في قتله

و قاتله عندنا من أمر( ١)

و في (الطبري): عن ابن عباس، قال: قال لي عثمان، إنّي قد استعملت خالد بن العاص على مكّة، و قد بلغ أهل مكّة ما صنع الناس، فأنا خائف أن يمنعوه الموقف [ فيأبى ]، فيقاتلهم، فرأيت أن اولّيك أمر الموسم. و كتب معه إلى أهل الموسم بكتاب يسألهم أن يأخذوا له بالحقّ ممّن حصره. فخرج ابن عبّاس، فمرّ بعائشة في الصّلصل( ٢ ) ، فقالت: يا بن عبّاس، انشدك اللّه فإنّك قد أعطيت لسانا ذلقا [ إزعيلا ] أن تجادل [ تخذل ] عن هذا الرجل، و أن تشكّك فيه الناس، فقد بانت لهم بصائرهم و أنهجت، و رفعت لهم المنار، و تحلّبوا من البلدان لأمر قد حمّ، و قد رأيت طلحة قد اتّخذ على بيوت الأموال و الخزائن مفاتيح، فإن يل يسر بسيرة ابن عمّه أبي بكر( ٣ ) و فيه: أقبل غلام من جهينة على محمّد بن طلحة و كان عابدا يوم الجمل، فقال له: أخبرني عن قتلة عثمان. فقال: نعم، دم عثمان على ثلاثة أثلاث، ثلث على صاحبة الهودج يعني عائشة و ثلث على صاحب الجمل الأحمر يعني أباه طلحة و ثلث على عليّ. فضحك الغلام، و قال: أراني على ضلال و لحق بعليّعليه‌السلام ، و قال:

سألت ابن طلحة عن هالك

بجوف المدينة لم يقبر

فقال ثلاثة رهط هم

أماتوا ابن عفّان و استعبر

فثلث على تلك في خدرها

و ثلث على راكب الأحمر

و ثلث على ابن أبي طالب

و نحن بدوّيّة قرقر

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٥٢، تاريخ الطبري ٤: ٤٥٨ ٤٥٩، سنة ٣٦.

(٢) قال ياقوت: صلصل: بنواحي المدينة على سبعة أميال، منها نزل بها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم خرج من المدينة إلى مكّة عام الفتح. (معجم البلدان ٣: ٤٢١).

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٤٠٧، سنة ٣٥، و نقله عنه ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة ١٠: ٦.

فقلت صدقت على الأوّلين

و أخطأت في الثالث الأزهر( ١)

و رواه (خلفاء ابن قتيبة)، و زاد: و بلغ طلحة قول ابنه محمّد، و كان من عباد الناس، فقال له: أ تزعم أنّي قاتل عثمان، كذلك تشهد على أبيك؟ كن كعبد اللّه بن الزبير، فو اللّه ما أنت بخير منه، و لا أبوك بدون أبيه، كفّ عن قولك، و إلاّ فارجع فإنّ نصرتك نصرة واحد، و فسادك فساد عامّة. فقال: ما قلت إلاّ حقّا و لا [ لن ] أعود( ٢) .

و عن (تاريخ الثقفي): جاءت عائشة إلى عثمان فقالت: أعطني ما كان يعطيني أبي و عمر. قال: لا أجد له موضعا في الكتاب، و لا في السنّة، و لكن كان أبوك و عمر يعطيانك عن طيبة أنفسهما و أنا لا أفعل.

قالت: فأعطني ميراثي من النّبي. قال: أو لم تجى‏ء فاطمة تطلب ميراثها منه، فشهدت أنت، و مالك بن أوس البصري أنّ النّبيّ لا يورّث، و أبطلت حقّ فاطمة و جئت تطلبين الميراث؟ لا أفعل. فكان عثمان إذا خرج إلى الصلاة أخرجت عائشة قميص النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و تنادي: أنّ عثمان خالف صاحب هذا القميص( ٣) .

و عنه: انّ عثمان صعد المنبر، فنادته عائشة، و رفعت قميص النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لقد خالفت صاحب هذا. فقال عثمان: إنّ هذه الزعراء( ٤ ) عدوّة اللّه، ضرب اللّه مثلها و مثل صاحبتها حفصة في الكتاب( ٥ ) بامرأة

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٤٦٥ ٤٦٦، سنة ٣٦، الإمامة و السياسة ١: ٦٥.

(٢) الإمامة و السياسة ١: ٦٥.

(٣) نقله عنه العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في بحار الأنوار ٨: ٣٤١، ط الكمباني.

(٤) زعر الرجل إذا ساء خلقه و قلّ خيره: و هو أزعر و هي زعراء. (أساس الاقتباس ١٩١، مادة: زعر).

(٥) التحريم: ١٠.

نوح و امرأة لوط( ١) .

و عنه: عن موسى التغلبي عن عمّه قال: دخلت المسجد فإذا الناس مجتمعون، و إذا كفّ مرتفعة و صاحب الكفّ يقول: «إنّ فيكم فرعون أو مثله» فإذا هي عائشة تعني عثمان( ٢) .

و عن الحسن بن سعيد قال: رفعت عائشة ورقات من ورق المصحف، و عثمان على المنبر، فقالت: يا عثمان، أقم ما في كتاب اللّه إن تصاحب تصاحب غادرا و إن تفارق تفارق عن قلى. فقال عثمان: أما و اللّه لتنتهينّ أو لأدخلنّ عليك حمران الرجال و سودها. قالت: أما إن فعلت لقد لعنك النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ ما استغفر لك( ٣) .

و روي عن عدّة طرق: أنّه لمّا اشتدّ الحصار على عثمان تجهّزت عائشة للحجّ، فجاءها مروان، و عبد الرحمن بن عتاب فسألاها الإقامة و الدفع عنه، فقالت: قد غريت غرائري، و أدنيت ركابي، و فرضت على نفسي الحجّ فلست بالتي أقيم إلى أن قال: فقالت لمروان: لعلّك ترى أنّي إنّما قلت هذا الذي قلته شكّا في صاحبك فو اللّه لوددت أنّ عثمان مخيط عليه في بعض غرائري حتّى أكون أقذفه في اليم. ثمّ ارتحلت حتّى نزلت بعض الطريق، فلحقها ابن عبّاس أميرا على الحجّ، فقالت له: إنّ اللّه قد أعطاك لسانا و علما، فانشدك اللّه أن تخذل عن قتل هذا الطاغية غدا إلى أن قال: قال ابن عبّاس: دخلت عليها بالبصرة، فذكرتها هذا الحديث، فقالت: ذاك المنطق أخرجني، لم أر لي توبة إلاّ الطلب بدم عثمان. فقلت لها: فأنت قتلته بلسانك فأين تخرجين؟ توبي و أنت في بيتك، أو

____________________

(١) نقله عنه العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في البحار ٨: ٣٤١، ط الكمباني.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) المصدر نفسه.

ارضي ولاة دم عثمان ولده. قالت: دعنا( ١) .

و في (الأغاني) قال الزهري: خرج رهط من أهل الكوفة إلى عثمان في أمر الوليد بن عقبة، و شربه الخمر، و صلاته الصبح أربعا سكران، و تغنّيه في الصلاة، فقال عثمان: أكلّما غضب رجل منكم على أميره رماه بالباطل لئن أصبحت لكم لأنكّلنّ بكم. فاستجاروا بعائشة، و أصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتا و كلاما فيه بعض الغلظة، فقال: أما يجد مرّاق أهل العراق ملجأ إلاّ بيت عائشة فسمعت فرفعت نعل النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و قالت: تركت سنّة صاحب هذا النعل. فتسامع الناس فجاؤوا فملأوا المسجد، فمن قائل: أحسنت، و من قائل: ما للنساء و لهذا حتّى تحاصبوا و تضاربوا بالنعال و دخل رهط من الصحابة على عثمان، فقالوا له: اتّق اللّه و لا تعطّل الحدّ، و اعزل أخاك عنهم( ٢) .

و في (أنساب البلاذري): يقال إنّ عايشة أغلظت لعثمان و أغلظ لها و قال: و ما أنت و هذا؟ إنّما امرت أن تقرّي في بيتك. فقال قوم مثل قوله، و قال آخرون: و من أولى بذلك منها. فاضطربوا بالنعال و كان ذلك أوّل قتال بين المسلمين بعد النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( ٣) .

و بالجملة: إنّ عثمان كان يطعن فيه لأعماله و عمّاله البرّ و الفاجر، إلاّ أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام و شيعته من أبي ذرّ، و المقداد، و عمّار، و حذيفة، و عمرو بن الحمق، و مالك الأشتر و نظرائهم كانوا يطعنون فيه للّه تعالى فإنّه عزّ و جلّ «أخذ على العلماء ألاّ يقارّوا على كظّة ظالم، و لا سغب مظلوم»( ٤) .

و أمّا عمرو بن العاص، فإنّه كان يطعن فيه لأنّه عزله عن مصر، كما أنّ

____________________

(١) نقله عنه العلامة المجلسي رحمه اللّه في البحار ٨: ٣٤١، ط الكمباني.

(٢) الأغاني ٥: ١٣٠ ١٣١.

(٣) أنساب الأشراف للبلاذري ٥: ٣٤، مكتبة المثنى، بغداد.

(٤) نهج البلاغة ١: ٣٢.

عبد الرحمن بن عوف كان يطعن فيه لأنّه أعطاه الخلافة ليردّها إليه، و يكون شريكه فيها كما أعطى عمر أبا بكر الخلافة، فردّها إليه بعده، و كان شريكه فيها في وقته. و عثمان لم يرد تولية غير بني امية بني أبيه في حياته و بعد وفاته.

و كذلك سعد بن أبي وقّاص يطعن فيه لأنّه تجافى عن سهمه في الشورى ليولّيه. و كذلك طلحة و الزبير كانا بايعا عثمان طمعا أن يكونا شريكيه في حكومته، و كيف لا و طمعا ذلك من أمير المؤمنينعليه‌السلام الذي كانا هما و غيرهما يعلمون أنّه لا يراقب أحدا غير اللّه تعالى، و كانا يريان أنفسهما فوق عثمان و كانا فوقه فلمّا رأيا أنّه لا ينظر غير بني اميّة سعيا في قتله ليليا الأمر كما عرفت اعترافهما بذلك.

و كذلك عائشة كانت تطمع أن يعطيها عثمان ما كان أبوها و صاحبه يعطيانها زائدا على حقّها في قبال فعّاليّتها لخلافتهما، فلمّا خابت منه طعنت فيه و فطن معاوية بذلك، فكان يعطيها سياسة مثل ما يعطيها أبوها و صاحبه، فلمّا أرادت الطعن فيه بقتل حجر بن عديّ العابد المجاهد قال لها: هل عطاؤك حسن؟ قالت: نعم. قال لها: فخلّيني و حجرا إلى المعاد. فسكتت( ١) .

و أمّا عثمان، فلمّا جبهها بأنّك تدّعين ما ليس لك، حرّضت على قتله طمعا أن يصير الأمر إلى ابن عمّها طلحة فإذا كان صار إليه، كان كأنّه صار إليها كما في أيّام أبيها و أيّام صاحبه، فلمّا سمعت بقتل عثمان و ظنّت صيرورة الأمر إلى طلحة قالت: «أبعد اللّه عثمان بما قدّمت يداه، الحمد للّه الذي قتله»( ٢ ) ، و قالت مشيرة إلى طلحة: «إيها

____________________

(١) ذكر بأعلام الورى بشكل آخر: ٤٤، و نقله المجلسي في بحار الأنوار ١٨: ١٢٦.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٦: ٢١٦.

ذا الإصبع»( ١ ) فلما بلغها بيعة الناس لأمير المؤمنينعليه‌السلام قالت: «وددت أنّ هذه تعني السماء وقعت على هذه تعني الأرض»( ٢) .

كما أنّ طلحة و الزبير لمّا أيسا من وصول الأمر إليهما ندما، فاتّفقت عائشة معهما و كان طلحة ابن عمّها، و الزبير زوج اختها أسماء على أن يقولوا: «قتل عثمان مظلوما، و إنّ قاتله عليّ» لعلّ الأمر يرجع إليهم( ٣) .

و في (خلفاء ابن قتيبة): بعث عثمان بن حنيف عامل عليعليه‌السلام على البصرة بعمران بن الحصين، و أبي الأسود الدؤلي إلى طلحة و الزبير و عائشة لإتمام الحجّة عليهما فبدئا بطلحة، فقال له أبو الأسود: إنّكم قتلتم عثمان غير مؤامرين لنا في قتله، و بايعتم عليّا غير مؤامرين لنا في بيعته، فلم نغضب لعثمان إذ قتل، و لم نغضب لعليّ إذ بويع، ثمّ بدا لكم.

و قال له عمران: إنّكم قتلتم عثمان و لم نغضب له إذ لم تغضبوا، ثمّ بايعتم عليّا و بايعنا من بايعتم، فإن كان قتل عثمان صوابا فمسيركم لما ذا؟

و إن كان خطأ فحظّكم منه الأوفر، و نصيبكم منه الأوفى.

فقال لهما طلحة: إنّ صاحبكما لا يرى أنّ معه في هذا الأمر غيره، و ليس على هذا بايعناه.

فقال أبو الأسود لعمران: أمّا هذا فقد صرّح أنّه إنّما غضب للملك( ٤) .

و فيه: قال عمّار لأهل الكوفة: إنّ طلحة و الزبير كانا أوّل من طعن [ في عثمان ]، و آخر من أمر [ بقتله ]، و كانا أوّل من بايع عليّاعليه‌السلام ، فلمّا أخطأهما ما

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٨٠، شرح ابن أبي الحديد ٦: ٢١٥.

(٢) الإمامة و السياسة ١: ٥٢، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٨٠، شرح ابن أبي الحديد ٦: ٢١٥.

(٣) الإمامة و السياسة ١: ٥١ ٥٢.

(٤) الإمامة و السياسة ١: ٦٤ ٦٥.

أملاه نكثا بيعتهما من غير حدث( ١) .

هذا، و ما قالته عائشة لعثمان: إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعنه، و شبّهه بنعثل اليهودي( ٢ ) ، و غير ذلك و ما قاله عثمان لعائشة( ٣ ) من أنّ اللّه تعالى ضرب لها و لحفصة المثل المذكور في قوله جلّ و علا: ضرب اللّه مثلا للّذين كفروا امرأة نوح و امرأة لوط...( ٤ ) صحيحان، حيث إنّ عند إخواننا: عثمان إمام، و عائشة صدّيقة، فلا بدّ من صحّة قولهما.

و أيضا انّهما مع شدّة عداوة كلّ منهما للآخر أقرّ بما نسبه إليه، لكن قابله بكون طرفه مثله معيوبا و قالت اليهود ليست النّصارى على شي‏ء و قالت النّصارى ليست اليهود على شي‏ء...( ٥ ) و كلّ منهما صدق.

«فاتيح» أي: قدر.

«له قوم فقتلوه» و في (ابن أبي الحديد و الخطية): «قتلوه»( ٦) .

في (العقد الفريد): إنّ نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان كتبت إلى معاوية كتابا مع النعمان بن بشير، و بعثت إليه بقميص عثمان مخضوبا بالدماء، و كان في كتابها: أنّي أقصّ عليكم خبره، أنّي شاهدة أمره كلّه.

إنّ أهل المدينة حصروه في داره، و حرسوه ليلهم و نهارهم قياما على أبوابه بالسلاح، يمنعونه من كلّ شي‏ء قدروا عليه، حتّى منعوه الماء، فمكث هو و من معه خمسين ليلة، و أهل المصر قد أسندوا أمرهم إلى عليّعليه‌السلام ،

____________________

(١) المصدر نفسه ١: ٦٧.

(٢) أورده العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في بحار الأنوار، ط الكمباني ٨: ٣٤١.

(٣) المصدر نفسه.

(٤) التحريم: ١٠.

(٥) البقرة: ١١٣.

(٦) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٦.

و محمّد بن أبي بكر، و عمّار، و طلحة، و الزبير، فأمروهم بقتله، و كان معهم من القبائل: خزاعة، و سعد بن بكر، و هذيل، و طوائف من جهينة، و مزينة، و أنباط يثرب إلى أن قالت: و دخل عليه القوم يقدمهم محمّد بن أبي بكر، فأخذ بلحيته و دعوه باللقب، فضربوه على رأسه ثلاث ضربات، و طعنوه في صدره ثلاث طعنات، و ضربوه على مقدم العين [ الجبين ] فوق الأنف ضربة أسرعت في العظم، فسقطت عليه و قد أثخنوه و به حياة، يريدون أن يقطعوا رأسه فيذهبوا به، فأتتني ابنة شيبة فألقت بنفسها عليه معي، فوطئنا وطئا شديدا...( ١) .

«و بايعني الناس غير مستكرهين و لا مجبرين» الاستكراه: عدم الرغبة، و الإجبار: القهر.

«بل طائعين مخيّرين» بل ألجأوهعليه‌السلام إلى البيعة معه، و كانت رغبتهم في بيعته كما وصفها خفاف الطائي لمعاوية قال: تهافت الناس على عليّعليه‌السلام بالبيعة تهافت الفراش حتّى ضلّت النعل، و سقط الرداء، و وطى‏ء الشيخ( ٢) .

و قال الحسنعليه‌السلام : «و اللّه ما دعا إلى نفسه و لقد تداكّ الناس عليه تداكّ الإبل الهيم( ٣ ) [ عند ] ورودها»( ٤) .

«و اعلموا أنّ دار الهجرة قد قلعت بأهلها و قلعوا بها و جاشت» من «جاشت القدر» أي: غلت.

«جيش المرجل» في (الصحاح) في «رجل»: المرجل قدر من نحاس( ٥) .

____________________

(١) العقد الفريد ٥: ٥٠ ٥١، و نقله الشارح بتصرف.

(٢) وقعة صفّين: ٦٥، شرح ابن أبي الحديد ٣: ١١١.

(٣) الهيم: العطاش. (الصحاح ٥: ٢٠٦٣، مادة: هيم).

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٤: ١٢.

(٥) الصحاح ٤: ١٧٠٥، مادة (رجل).

في (جمل المفيد): روى الواقدي عن عبيد [ عبد ] اللّه بن الحارث بن الفضل [ الفضيل ]، عن أبيه قال: لمّا عزم عليّعليه‌السلام على المسير من المدينة بعث محمّد بن جعفر [ الحنفيّة ] و محمّد بن أبي بكر إلى الكوفة إلى أن قال بعد ذكر رجوعهما، و قولهما: إنّ أبا موسى يمنع الناس عنّا: فبعث عمّارا و الحسنعليه‌السلام و كتب معهما كتابا: أمّا بعد، فإنّ دار الهجرة تقلّعت بأهلها فانقلعوا عنها، و جاشت جيش المرجل، و كانت فاعلة يوما ما فعلت، و قد ركبت المرأة الجمل، و نبحتها كلاب الحوأب، و قامت الفئة [ الفتنة ] الباغية يقودها [ رجال ] يطلبون بدم هم سفكوه، و عرض هم شتموه، و حرمة انتهكوها، و أباحوا ما أباحوا، يعتذرون إلى الناس دون اللّه يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإنّ اللّه لا يرضى عن القوم الفاسقين( ١ ) ، اعلموا رحمكم اللّه أنّ الجهاد مفترض على العباد، فقد جاءكم في داركم من يحثّكم عليه، و يعرض عليكم رشدكم، و اللّه يعلم أنّي لم أجد بدّا من الدخول في هذا الأمر، و لو علمت أنّ أحدا أولى به منّي لما تقدّمت [ قدمت ] إليه، و قد بايعني طلحة و الزبير طائعين غير مكرهين، ثمّ خرجا يطلبان بدم عثمان، و هما اللذان فعلا بعثمان ما فعلا، و عجبت لهما كيف أطاعا أبا بكر و عمر في الغيبة، و أبيا ذلك عليّ( ٢) .

«و قامت الفتنة على القطب» قال ابن أبي الحديد: قال الطبري: أقبل زيد بن صوحان و معه كتاب من عائشة إليه خاصّة، و كتاب منها إلى أهل الكوفة عامّة، تثبّطهم عن نصرة عليّعليه‌السلام ، و تأمرهم بلزوم الأرض، فقال زيد: انظروا إلى هذه المرأة، امرت أن تقرّ في بيتها، و أمرنا نحن أن نقاتل، حتّى لا تكون

____________________

(١) التوبة: ٩٦.

(٢) الجمل: ٢٥٧ ٢٦٠، بتصرّف و تلخيص، و ذكره ابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب ٣: ١٥١، مع اختلاف.

فتنة، فأمرتنا بما امرت به، و ركبت ما امرنا به، إلى أن قال: فقام و شال يده المقطوعة، و أومأ بيده إلى أبي موسى و هو على المنبر: أتردّ الفرات عن أمواجه دع عنك ما لست تدركه. ثم قرأ: ألم. أحَسِب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا و هم لا يفتنون. و لقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمنّ اللّه الذين صدقوا و ليعلمنّ الكاذبين( ١) .

قال: و روى أبو مخنف عن الكلبي، عن أبي صالح: أنّ عليّاعليه‌السلام لمّا نزل ذاقار في قلّة من عسكره، صعد الزبير منبر البصرة، فقال: ألا ألف فارس أسير بهم إلى عليّ، فأبيّته بياتا، و اصبّحه صباحا، قبل أن يأتيه المدد فلم يجبه أحد، فنزل واجما، و قال: هذه و اللّه الفتنة التي كنّا نتحدّث بها فقال له بعض مواليه:

تسمّيها فتنة ثمّ تقاتل فيها فقال: ويحك و اللّه إنّا لنبصر ثمّ لا نصبر. فاسترجع المولى ثمّ خرج في الليل فارّا إلى عليّعليه‌السلام فأخبره، فقال: اللهمّ عليك به( ٢) .

و في (العقد): عن الحسن البصري قال الزبير: لقد نزلت: و اتّقوا فتنة لا تُصيبنَّ الذين ظلمُوا منكُمْ خاصّةً...( ٣ ) و ما ندري من يختلف إليها. فقال بعضهم: فلم جئت إلى البصرة؟ فقال: ويحك إنّا ننظر و لا نبصر( ٤) .

و في (الاستيعاب): عن أبي ليلى الغفاري، عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:

ستكون بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام فإنّه أوّل من يراني، و أوّل من يصافحني يوم القيامة، و هو الصّدّيق الأكبر، و هو فاروق هذه الامّة، يفرّق بين الحقّ و الباطل، و هو يعسوب المؤمنين،

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٤٨٣ ٤٨٤، سنة ٣٦، شرح ابن أبي الحديد ١٤: ١٩ ٢٠، و الآية ١ ٣ من سورة العنكبوت.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٤: ١٤.

(٣) الأنفال: ٢٥.

(٤) العقد الفريد ٥: ٥٦.

و المال يعسوب المنافقين( ١) .

«فأسرعوا إلى أميركم، و بادروا جهاد عدوّكم» قال ابن أبي الحديد: قال الطبري: قام زيد بن صوحان أي في الخبر المقدّم بعد تلاوته ألم أحَسِبَ الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنّا و هم لا يُفتنون( ٢ ) ثمّ نادى: سيروا إلى أمير المؤمنين، و صراط سيّد المرسلين.

و قام الحسنعليه‌السلام فقال: أيّها الناس، أجيبوا دعوة إمامكم، و سيروا إلى إخوانكم فإنّه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه، و اللّه لأنّ يليه اولوا النّهى أمثل في العاجلة، و خير في العاقبة فأجيبوا دعوتنا، و أعينونا على أمرنا( ٣) .

و قال: و روى أبو مخنف عن ابن أبي ليلى، قال: لمّا دخل الحسنعليه‌السلام و عمّار الكوفة، قال الحسنعليه‌السلام : أيّها الناس، إنّا جئنا ندعوكم إلى اللّه و إلى كتابه و سنّة رسوله، و إلى أفقه من تفقّه من المسلمين، و أعدل من تعدّلون، و أفضل من تفضّلون، و أوفى من تبايعون، من لم يعيه [ يعبه ] القرآن، و لم تجهّله السنّة، و لم تقعد به السابقة، إلى من قرّبه اللّه تعالى إلى رسوله قرابتين:

قرابة الدين و قرابة الرحم، إلى من سبق الناس إلى كلّ مأثرة، إلى من كفى اللّه به رسوله و الناس متخاذلون فقرب منه و هم متباعدون، و صلّى معه و هم مشركون، و قاتل معه و هم منهزمون، و بارز معه و هم محجمون، و صدّقه و هم مكذّبون [ يكذّبون ] إلى من لم تردّ له راية [ رواية ] و لا تكافأ له سابقة، و هو يسألكم النصر، و يدعوكم إلى الحقّ، و يأمركم بالمسير إليه، لتوازروه و تنصروه على قوم نكثوا بيعته، و قتلوا أهل الصلاح من أصحابه، و مثّلوا

____________________

(١) الاستيعاب بهامش الإصابة ٤: ١٧٠.

(٢) العنكبوت: ١ ٢.

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٤٨٤ ٤٨٥، سنة ٣٦، شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٢٠.

بعمّاله، و انتهبوا بيت ماله فأشخصوا إليه رحمكم اللّه فمروا بالمعروف...( ١) .

و عن تميم الناجي قال: قدم علينا الحسنعليه‌السلام و عمّار يستنفران الناس إلى عليعليه‌السلام ، و معهما كتابه، فلمّا فرغا من قراءة كتابه، قام الحسنعليه‌السلام و هو فتى حدث، و إنّي لأرثى له من حداثة سنّه و صعوبة مقامه فرماه الناس بأبصارهم و هم يقولون: اللهمّ سدّد منطق ابن بنت نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوضع يده على عمود يتساند إليه، و كان عليلا من شكوى به، فقال: الحمد للّه العزيز الجبّار، الواحد القهّار، الكبير المتعال، سواءٌ منكم مَنْ أسرَّ القولَ و مَنْ أسرَّ القولَ و مَنْ جهرَ به وَ مَنْ هو مُسْتَخْفٍ بالليل و سارِبٌ بالنّهار( ٢ ) . أحمده على حسن البلاء، و تظاهر النعماء، و على ما أحببنا و كرهنا من شدّة و رخاء إلى أن قال: أمّا بعد، فإنّي لا أقول [ لكم ] إلاّ ما تعرفون، إنّ أمير المؤمنين أرشد اللّه أمره، و أعزّ نصره بعثني إليكم يدعوكم إلى الصواب، و إلى العمل بالكتاب، و الجهاد في سبيل اللّه، فإن كان في عاجل ذلك ما تكرهون، فإنّ في آجله ما تحبّون إن شاء اللّه تعالى و لقد علمتم أنّ عليّاعليه‌السلام صلّى مع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحده، و أنّه يوم صدّق به لفي عاشرة من سنّه، ثمّ شهد مع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جميع مشاهده. و كان من اجتهاده في مرضاة اللّه و طاعة رسوله و آثاره الحسنة في الإسلام ما قد بلغكم، و لم يزل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم راضيا عنه، حتّى غمّضه بيده و غسّله وحده، و الملائكة أعوانه، و الفضل ابن عمّه ينقل إليه الماء، ثمّ أدخله حفرته، و أوصاه بقضاء دينه و عداته، و غير ذلك من اموره، كلّ ذلك من منّ اللّه عليه.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٤: ١١.

(٢) الرعد: ١٠.

ثمّ و اللّه ما دعا إلى نفسه...( ١) .

قلت: و روى المفيد في (جمله): أنّ الحسنعليه‌السلام صعد المنبر و قال: أيّها الناس إنّ عليّاعليه‌السلام باب هدى، فمن دخله اهتدى، و من خالفه تردّى.

ثمّ نزل فصعد عمّار و قال بعد الثناء: أيّها الناس إنّا لمّا خشينا على هذا الدين أن يهدم جوانبه، و أن يتعرّى أديمه، نظرنا لأنفسنا و لديننا فاخترنا عليّا خليفة و رضيناه إماما، فنعم الخليفة، و نعم الإمام [ المؤدّب ]، مؤدّب لا يؤدّب، و فقيه لا يعلّم، و صاحب بأس لا ينكر، و ذو سابقة في الإسلام ليس لأحد من الناس غيره، و قد خالفه قوم من أصحابه، حاسدون له، و باغون عليه، و قد توجّهوا إلى البصرة، فاخرجوا إليهم رحمكم اللّه فإنّكم لو شاهدتموهم و حاججتموهم تبيّن لكم أنّهم ظالمون.

ثمّ قام الأشتر و قال بعد ذكر أبي بكر و عمر: ثمّ‏ّ ولي بعدهما رجل نبذ كتاب اللّه وراء ظهره، و عمل في أحكام اللّه بهوى نفسه، فسألناه أن يعتزل لنا نفسه فلم يفعل، فاخترنا هلاكه على هلاك ديننا و دنيانا، و لا يبعد اللّه إلاّ القوم الظالمين، و قد جاءكم اللّه بأعظم الناس مكانا، و أكبرهم في الإسلام سهما، ابن عمّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و أفقه الناس في الدين، و أقرئهم للكتاب، و أشجعهم عند اللقاء يوم البأس، و قد استنفركم فما تنتظرون؟ أ تنتظرون سعيدا [ الذي جعل سوادكم فطير قريش ]، أم الوليد الذي شرب الخمر و صلّى بكم على سكر [ الصبح أربعا ] و استباح ما حرّمه اللّه فيكم، أيّ هذين تريدون؟ قبّح اللّه من له هذا الرأي فانفروا مع ابن بنت نبيّكم. و إنّي لكم ناصح إن كنتم تعقلون( ٢) .

قال ابن أبي الحديد: قال الطبري: روى الشعبي عن أبي الطفيل، قال

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٤: ١١ ١٢.

(٢) الجمل: ٢٥٣ ٢٥٥، بتصرّف و تلخيص من الشارح، المعيار و الموازنة: ١١٧ ١٢١.

عليّعليه‌السلام : يأتيكم من الكوفة اثنا عشر ألف [ رجل ] و رجل واحد. قال: فو اللّه لقعدت على نجفة( ١ ) ذي قار، فأحصيتهم واحدا واحدا، فما زادوا رجلا، و لا نقصوا رجلا( ٢) .

قلت: و قال المفيد في (جمله): روى نصر بن مزاحم عن عمرو [ عمر ] بن سعد، عن الأجلح، عن زيد بن عليّ، قال: لمّا أبطأ على عليّعليه‌السلام خبر أهل الكوفة [ البصرة ] قال ابن عبّاس: أخبرت عليّاعليه‌السلام بذلك فقال لي: اسكت، فو اللّه ليأتينا في هذين اليومين من الكوفة ستّة آلاف و ستّمائة رجل، و ليغلبنّ أهل البصرة، و ليقتلنّ طلحة و الزبير. قال: فو اللّه إنّي لأستشرف الأخبار و أستقبلها، حتّى إذا أتى راكب فاستقبلته و استخبرته، فأخبرني بالعدّة التي سمعتها من عليّعليه‌السلام ، لم ينقص رجلا واحدا( ٣) .

و في (إرشاده): و قالعليه‌السلام بذي قار و هو جالس لأخذ البيعة: يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل، لا يزيدون رجلا و لا ينقصون رجلا، يبايعونني على الموت.

قال ابن عبّاس: فجزعت لذلك، و خفت أن ينقص القوم عن العدد أو يزيدوا عليه فيفسد الأمر علينا، فلم أزل مهموما، حتّى ورد أوائلهم، فجعلت أحصيهم فاستوفيت عددهم تسعمائة [ رجل ] و تسعة و تسعين رجلا، ثمّ انقطع مجي‏ء القوم، فقلت: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، ما ذا حمله على ما قال؟ فبينما أنا مفكّر في ذلك إذ رأيت شخصا قد أقبل، حتّى إذا دنا و إذا هو راجل

____________________

(١) النجف و النجفة بالتحريك: مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد، و الجمع نجاف. (الصحاح ٤: ١٤٢٩، مادة:

نجف).

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٥٠٠، سنة ٣٦، شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٢١.

(٣) الجمل: ٢٩٣.

عليه قباء صوف معه سيفه و ترسه و إداوته( ١ ) ، فقرب من أمير المؤمنينعليه‌السلام فقال: امدد يدك أبايعك. فقال عليّعليه‌السلام علام؟ قال: على القتال بين يديك حتّى أموت أو يفتح اللّه عليك. فقال له: ما اسمك؟ قال: أويس. فقالعليه‌السلام : أنت أويس القرني؟ قال: نعم. قال: اللّه أكبر أخبرني حبيبي أنّي أدرك رجلا من امّته يقال له أويس القرني، يكون من حزب اللّه و رسوله، يموت على الشهادة، يدخل في شفاعته مثل ربيعة و مضر( ٢) .

١٣ - الخطبة (١٧٤) و من كلام لهعليه‌السلام في طلحة بن عبيد اللّه( ٣) :

قَدْ كُنْتُ وَ مَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ وَ لاَ أُرَهَّبُ بِالضَّرْبِ وَ أَنَا عَلَى مَا قَدْ وَعَدَنِي رَبِّي مِنَ اَلنَّصْرِ وَ اَللَّهِ مَا اِسْتَعْجَلَ مُتَجَرِّداً لِلطَّلَبِ بِدَمِ؟ عُثْمَانَ؟ إِلاَّ خَوْفاً مِنْ أَنْ يُطَالَبَ بِدَمِهِ لِأَنَّهُ مَظِنَّتُهُ وَ لَمْ يَكُنْ فِي اَلْقَوْمِ أَحْرَصُ عَلَيْهِ مِنْهُ فَأَرَادَ أَنْ يُغَالِطَ بِمَا أَجْلَبَ فِيهِ لِيُلْبِسَ اَلْأَمْرُ وَ يَقَعَ اَلشَّكُّ.

وَ وَ اَللَّهِ مَا صَنَعَ فِي أَمْرِ؟ عُثْمَانَ؟ وَاحِدَةً مِنْ ثَلاَثٍ لَئِنْ كَانَ؟ اِبْنُ عَفَّانَ؟ ظَالِماً كَمَا كَانَ يَزْعُمُ لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَازِرَ قَاتِلِيهِ أَوْ أَنْ يُنَابِذَ نَاصِرِيهِ.

وَ لَئِنْ كَانَ مَظْلُوماً لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ اَلْمُنَهْنِهِينَ عَنْهُ وَ اَلْمُعَذِّرِينَ فِيهِ

____________________

(١) الإداوة بالكسر إناء صغير من جلد يتّخذ للماء كالسطيحة و نحوها. (لسان العرب ١: ١٠٠، مادة: أدا).

(٢) الإرشاد ١: ٣١٥ ٣١٦. و أخرجه الكشّي في اختيار معرفة الرجال ١: ٣١٥.

(٣) قال الشيخ محمد عبده: في جميع النسخ المطبوعة من الكتاب «طلحة بن عبد اللّه» و في النسخة التي شرح عليها ابن أبي الحديد «طلحة بن عبيد اللّه» و هذا هو الموافق لما في كتب الصحابة في ترجمة طلحة.... (نهج البلاغة ٢: ١٠٧).

وَ لَئِنْ كَانَ فِي شَكٍّ مِنَ اَلْخَصْلَتَيْنِ لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَزِلَهُ وَ يَرْكُدَ جَانِباً وَ يَدَعَ اَلنَّاسَ مَعَهُ فَمَا فَعَلَ وَاحِدَةً مِنَ اَلثَّلاَثِ وَ جَاءَ بِأَمْرٍ لَمْ يُعْرَفْ بَابُهُ وَ لَمْ تَسْلَمْ مَعَاذِيرُهُ قول المصنّف: «و من كلام لهعليه‌السلام في طلحة بن عبيد اللّه» هكذا في (المصرية)( ١ ) ، و الصواب: «في معنى طلحة» لا «في طلحة» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٢) .

ثم عند إخواننا كونه أحد العشرة المبشّرة مسلّم( ٣ ) ، و لو صحّ ما قالوا لكان دين الإسلام دينا متناقضا حيث إنّ هذا المبشّر قتل واحدا من العشرة، و قاتل آخر منهم و هما عندهما إمامان، و لعمري إنّه من طائفة بشّرهم اللّه بعذاب أليم على أعمالهم في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه...( ٤ ) و صرّح الذي شهد له من لا ينطق بالهوى بكونه مع الحقّ عملا و قولا، بكونه من أهل النار.

ففي (جمل أبي مخنف): مرّ عليّعليه‌السلام بطلحة قتيلا، فقال: أجلسوه.

فأجلس، فقال: ويل امّك طلحة لقد كان لك قدم لو نفعك و لكنّ الشيطان أظلّك فأزلّك فعجّلك إلى النار( ٥) .

____________________

(١) نهج البلاغة ٢: ١٠٧.

(٢) هكذا في شرح ابن أبي الحديد ١٠: ٣ و لكن في شرح ابن ميثم المطبوع ٣: ٣٤٤ «في طلحة بن عبيد اللّه» أيضا.

(٣) انظر الطبقات الكبرى ٣: ٣٨٣، الجرح و التعديل ٤: ٤٧١، المستدرك على الصحيحين ٣: ٣٦٤، أسد الغابة ٣: ٥٩، شرح ابن أبي الحديد ١: ٣٢٥، الإصابة ٢: ٣٢٩.

(٤) فصلت: ٤٢.

(٥) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ١: ٢٤٨، و قريب منه ما في الشافي ٤: ٣٤٤ و الاحتجاج ١: ١٦٣، و نقله العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في البحار ٣٢: ٢٠٠.

و في (إرشاد محمّد بن محمّد بن النعمان): مرّ عليّعليه‌السلام بطلحة، فقال:

هذا الناكث بيعتي، و المنشى‏ء الفتنة في الامّة، و المجلب عليّ، و الداعي إلى قتلي و قتل عترتي، أجلسوه. فاجلس، فقالعليه‌السلام له: يا طلحة، قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا، فهل وجدت ما وعدك ربّك حقّا؟ إلى أن قال: فقال له بعض من كان معه: أ تكلّم كعبا و طلحة بعد قتلهما؟ فقال: أم و اللّه، لقد سمعا كلامي كما سمعوا كلام النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر( ١) .

و كيف كان مبشّرا بما قالوا و لمّا أصاب السهم خنصره في أحد قال:

(حسّ) فقال النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما في (أنساب البلاذري): لو قال «بسم اللّه» و لم يقل حسّ لدخل الجنّة( ٢) .

و فاروقهم، و إن قال أوّلا: إنّ طلحة من ستّة توفّي النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و هو عنهم راض( ٣ ) ، إلاّ أنّه قال له ثانيا: أمّا إنّي أعرفك منذ أصيبت إصبعك يوم احد بالبأ و الذي حدث لك، و لقد مات النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ساخطأ عليك للكلمة التي قلتها يوم انزلت [ آية ] الحجاب و أشار إلى قول طلحة: «ما الذي يغني محمّدا [ يعنيه ] حجاب نسائه اليوم، و سيموت غدا فننكحهنّ».

قال الجاحظ: من كان يجسر أن يقول لعمر: ناقضت( ٤ ) ؟

«قد كنت و ما اهدّد بالحرب، و لا ارهب بالضرب» في (جمل المفيد):

لمّا أرسلعليه‌السلام ابن عبّاس مع مصحف إلى طلحة و الزبير و عائشة يدعوهم إلى ما فيه، نادى طلحة: ناجزوا القوم، فإنّكم لا تقومون لحجّاج ابن أبي طالب.

قال ابن عبّاس: فقلت: يا أبا محمّد، أبا لسيف تخوّف ابن أبي طالب؟ أما

____________________

(١) الإرشاد ١: ٢٥٦ ٢٥٧، الجمل: ٣٩٢، الشافي ٤: ٣٤٤، الاحتجاج ١: ١٦٣ ١٦٤، بحار الأنوار ٣٢: ٢٠٩.

(٢) أنساب الاشراف للبلاذري ١: ٣١٨، تحقيق محمد حميد اللّه، دار المعارف، مصر.

(٣) صحيح البخاري ٣: ١٣٥٥ ح ٣٤٩٧.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١: ١٨٥ ١٨٦، و نقله الشارح بتصرف يسير.

و اللّه ليعاجلنّك السيف [ للسيف ]( ١) .

و تهديد طلحة لهعليه‌السلام بالحرب و الضرب مضحك.

و في (الطبري): قال الزبير بن الحريث [ الخرّيث ]: قلت لأبي لبيد: لم تسبّ عليّا؟ قال: ألا أسبّ رجلا قتل منّا في الجمل ألفين و خمسمائة، و الشمس ها هنا؟ و قال ابن أبي يعقوب: قتل عليّعليه‌السلام يوم الجمل ألفين و خمسمائة رجل، ألف و ثلثمائة و خمسون من الأزد، و ثمانمائة من بني ضبّة، و ثلاثمائة و خمسون من سائر الناس( ٢) .

و في (خلفاء ابن قتيبة): شقّ عليّعليه‌السلام يوم الجمل في عسكر القوم يطعن و يقتل بعد أخذه الراية من ابنه محمّد، ثمّ خرج و هو يقول: الماء الماء. فأتاه رجل بإداوة فيها عسل، و قال له: لا يصلح لك الماء في هذا المقام. فقالعليه‌السلام له:

هات، فحسا منه حسوة، ثمّ قال له: إنّ عسلك لطائفي. فقال له الرجل: عجبا منك و اللّه لمعرفتك الطائفي من غيره في هذا اليوم، و قد بلغت القلوب الحناجر فقالعليه‌السلام له: يا بن أخي، ما ملأ صدر عمّك شي‏ء و لا أهابه شي‏ء، ثمّ أعطى الراية لابنه، و قال له: هكذا فاصنع( ٣) .

و في (المروج): لمّا أخذ عليّعليه‌السلام في الجمل الراية من ابنه محمّد، حمل و حمل معه الناس، فما كان القوم إلاّ... كرمادٍ اشتدّت به الريح في يومٍ عاصفٍ...( ٤) .

و فيه: نادى عليّعليه‌السلام يا زبير، اخرج إليّ. فخرج شاكّا( ٥ ) في سلاحه، فقيل

____________________

(١) الجمل: ٣٣٦ ٣٣٧، و نقله الشارح بتصرّف.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٥٤٥، سنة ٣٦.

(٣) الإمامة و السياسة ١: ٧٦، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

(٤) مروج الذهب ٢: ٣٧٥، و الآية ١٨ من سورة إبراهيم.

(٥) الشاكّ في السلاح: هو اللابس للسلاح التامّ. (الصحاح ٤: ١٥٩٤، مادة: شكك).

لعائشة، فقالت: و احرباه لأسماء فقيل لها: إنّ عليّا حاسر. فاطمأنت( ١) .

و في (خلفاء ابن قتيبة): ذكروا أنّ عبد اللّه بن أبي محجن الثقفي قدم على معاوية، و قال له: إنّي أتيتك من عند العيي [ الغبيّ ] البخيل الجبان ابن أبي طالب. فقال له معاوية: للّه أنت تدري ما قلت؟ أمّا قولك: العيي [ الغبيّ ]، فو اللّه لو أنّ ألسن الناس جمعت فجعلت لسانا واحدا لكفاها لسان عليّ و أمّا قولك: إنّه بخيل، فو اللّه لو كان له بيتان أحدهما من تبر و الآخر من تبن، لأنفد تبره قبل تبنه و أمّا قولك: إنّه جبان، فثكلتك امّك هل رأيت أحدا بارزه إلاّ قتله؟ فقال الثقفي: فعلام تقاتله إذن؟ قال: على دم عثمان، و على هذا الخاتم الذي جعله في يده جازت طينته، و أطعم عياله، و ادّخر لأهله. فضحك الثقفي ثمّ لحق بعليّعليه‌السلام ، و قال له: لا دنيا أصبت، و لا آخرة غنمت. فضحك عليّعليه‌السلام ثمّ قال له: أنت على رأس أمرك...( ٢) .

و في (صفّين نصر): ذكروا أنّ عتبة بن أبي سفيان، و الوليد بن عقبة، و مروان بن الحكم، و عبد اللّه بن عامر، و ابن طلحة الطلحات اجتمعوا عند معاوية، فقال عتبة: إنّ أمرنا و أمر عليّ لعجيب، ليس منّا إلاّ موتور أمّا أنا فقتل جدّي، و أشرك في دم عمومتي يوم بدر و أمّا أنت يا وليد فقتل أباك، و أيتم إخوتك و أمّا أنت يا مروان فكما قال الأوّل:

و أفلتهنّ علباء جريضا

و لو أدركنه صفر الوطاب( ٣)

فقال لهم معاوية: فهذا الإقرار و أين الغير( ٤ ) ؟ قال مروان: أيّ غير تريد؟

____________________

(١) مروج الذهب ٢: ٣٧١.

(٢) الإمامة و السياسة ١: ١١٤ ١١٥.

(٣) قال في هامش المصدر: ٤١٧: البيت لامرى‏ء القيس، و علباء هذا هو قاتل والد امرى‏ء القيس، و هو علباء بن حارث الكاهلي: و الجريض: الذي يأخذ بريقه. صفر و طابه: قتل.

(٤) الغير: جمع غيور، و الغيور فحول من الغيرة، و هي الحميّة و الأنفة. (تاج العروس ١٣: ٢٨٨، مادة: غير).

قال: أريد أن يشجر بالرماح. فقال له: و اللّه إنّك لهازل، أو لقد ثقلنا عليك.

و قال الوليد:

يقول لنا معاوية بن حرب

أما فيكم لواتركم طلوب

يشدّ على أبي حسن عليّ

بأسمر لا تهجّنه الكعوب

فيهتك مجمع اللبّات منه

و نقع القوم مطّرد يثوب

فقلت له أ تلعب يا بن هند

كأنّك وسطنا رجل غريب

أ تأمرنا بحيّة بطن واد

إذا نهشت فليس لها طبيب؟

و ما ضبع يدبّ ببطن واد

أتيح له به أسد مهيب

بأضعف حيلة منّا إذا ما

لقيناه و ذا منّا عجيب

و ما لاقاه في الهيجاء لاق

فأخطأ نفسه الأجل القريب

سوى عمرو وقته خصيتاه

نجا و لقلبه منها وجيب

كأنّ القوم لمـّا عاينوه

خلال النقع ليس لهم قلوب( ١)

و فيه: قال جابر بن نمير [ عمير ] الأنصاري قال: لا و اللّه الذي بعث محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالحقّ نبيّا، ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق اللّه السماوات و الأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب عليّعليه‌السلام ، إنّه قتل فيما ذكر العادّون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب، يخرج بسيفه منحنيا، فيقول:

معذرة إلى اللّه عزّ و جلّ و إليكم من هذا، لقد هممت أن أفلقه [ أصقله ] و لكن حجزني عنه أنّي سمعت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول كثيرا: «لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ عليّ». و أنا اقاتل به دونه، فكنّا نأخذه فنقوّمه ثمّ يتناوله من أيدينا فيتقحّم به في عرض الصفّ، و لا و اللّه ما ليث بأشدّ نكاية في عدوّه منهعليه‌السلام ( ٢) .

____________________

(١) وقعة صفين: ٤١٧ ٤١٨.

(٢) وقعة صفين: ٤٧٧ ٤٧٨، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٢١٠ ٢١١.

«و أنا على ما قد وعدني» هكذا في (المصرية)( ١ ) ، و الصواب: «ما وعدني» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٢) .

«ربّي من النصر» و هذا يدلّ على أنّهعليه‌السلام كان موعودا من اللّه تعالى بالظفر على أهل الجمل. و مرّ أنّهعليه‌السلام لمّا مرّ على طلحة قتيلا قال: أجلسوه.

فاجلس. فقالعليه‌السلام له: يا طلحة، قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا، فهل وجدت ما وعدك ربّك حقّا؟( ٣ ) و روى النعماني في (غيبته) عن الصادقعليه‌السلام قال: لمّا التقى أمير المؤمنينعليه‌السلام و أهل البصرة نشر راية النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتزلزلت أقدامهم فما اصفرت الشمس حتّى قالوا: آمنّا يا بن أبي طالب فعند ذلك قال: لا تقتلوا الاسراء، و لا تجهزوا على جريح، و لا تتبعوا مولّيا، و من ألقى سلاحه فهو آمن، و من أغلق بابه فهو آمن، و لمّا كان يوم صفّين سألوه نشر الراية فأبى عليهم فتحمّلوا عليه بالحسنينعليهما‌السلام ، و عمّار، فقالعليه‌السلام : إنّ للقوم مدّة يبلغونها، و إنّ هذه راية لا ينشرها بعدي إلاّ القائم( ٤) .

«و اللّه ما استعجل [ طلحة ] متجرّدا للطلب بدم عثمان إلاّ خوفا من أن يطالب بدمه لأنّه مظنّته». في (العقد): لمّا رأى مروان يوم الجمل طلحة، قال: لا أنتظر بعد اليوم بثأري في عثمان، فانتزعه بسهم فقتله( ٥) .

و في (الاستيعاب): كان مروان مع طلحة يوم الجمل، فلمّا اشتبكت الحرب قال مروان: لا أطلب بثأري بعد اليوم، ثمّ رماه بسهم فأصاب ركبته

____________________

(١) نهج البلاغة ٢: ١٠٧.

(٢) هكذا في شرح ابن أبي الحديد ١٠: ٣، و لكن في شرح ابن ميثم المطبوع ٣: ٣٤٤ «ما قد وعدني» أيضا.

(٣) الإرشاد ١: ٢٥٦، و الجمل للمفيد: ٣٩٢، الشافي ٤: ٣٤٤، الاحتجاج ١: ١٦٣.

(٤) كتاب الغيبة: ٣٠٧.

(٥) العقد الفريد ٥: ٧٠.

فما رقأ الدم حتّى مات، فالتفت مروان إلى أبان بن عثمان، فقال: قد كفيناك بعض قتلة أبيك( ١) .

«و لم يكن في القوم أحرص عليه» أي: على قتل عثمان.

«منه» أي: من طلحة قال ابن أبي الحديد: روى الطبري عن ابن عبّاس، قال: لمّا حججت بالناس نيابة عن عثمان و هو محصور، مررت بعائشة بالصّلصل( ٢ ) ، فقالت: يا ابن عباس، انشدك اللّه، فإنّك قد اعطيت لسانا و عقلا، أن تخذّل الناس عن طلحة فقد بانت لهم بصائرهم في عثمان، و رفعت لهم المنار، و تحلّبوا من البلدان لأمر قد حمّ، و إنّ طلحة فيما بلغني قد اتّخذ رجالا على بيوت الأموال و الخزائن، و أظنّه يسير بسيرة ابن عمّه أبي بكر. فقلت: يا أمّه، لو حدث بالرجل حدث ما فزع الناس إلاّ إلى صاحبنا. فقالت: إيها عنك يا بن عبّاس إنّي لست اريد مكابرتك و لا مجادلتك( ٣) .

قال: و روى المدائني في كتاب (مقتل عثمان): أنّ طلحة منع من دفنه ثلاثة أيّام، و أنّ عليّاعليه‌السلام لم يبايعه [ لم يبايع ] الناس إلاّ بعد قتل عثمان بخمسة أيّام، و أنّا حكيم بن حزام، و جبير بن مطعم استنجدا بعليّعليه‌السلام على دفنه، فأقعد لهم طلحة في الطريق ناسا بالحجارة، فخرج به نفر يسير من أهله و هم يريدون به حائطا بالمدينة يعرف بحشّ كوكب( ٤ ) ، كانت اليهود تدفن موتاهم فيه، فلمّا صار هناك رجم سريره، و همّوا بطرحه فأرسل عليّعليه‌السلام إلى الناس

____________________

(١) الاستيعاب بهامش الإصابة ٢: ٢٢٣.

(٢) صلصل: بنواحي المدينة على سبعة أميال منها، نزل بها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم خرج من المدينة إلى مكّة عام الفتح.

(معجم البلدان ٣: ٤٢١).

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٤٠٧، سنة ٣٥، شرح ابن أبي الحديد ١٠: ٦.

(٤) حشّ كوكب: موضع عند بقيع الغرقد، اشتراه عثمان بن عفّان، و زاده في البقيع، و لمّا قتل القي فيه ثمّ دفن في جنبه. (معجم البلدان ٢: ٢٦٢).

يعزم عليهم ليكفّوا عنه فكفّوا، فانطلقوا به حتّى دفنوه في حشّ كوكب( ١) .

قال: و روى الطبري نحو ذلك إلاّ أنّه لم يذكر طلحة بعينه( ٢) .

قال: و روى الواقديّ أنّ عثمان لمّا قتل، تكلّموا في دفنه، فقال طلحة: يدفن بدير سلع يعني مقابر اليهود( ٣) .

قال: و ذكر الطبري في (تاريخه) مثل هذا، إلاّ أنّه ورّى عن طلحة، فقال: قال رجل: يدفن بدير سلع...( ٤) .

«فأراد» أي: طلحة.

«أن يغالط» أي: يوقع الناس في الغلط.

«بما أجلب» و جمع من الجند.

«فيه» متعلق بقوله «يغالط»، أي: في كونه قاتل عثمان.

«ليلبس الأمر» أي: يشتبه.

«و يقع الشكّ» في كونه قاتلا بأن يقول الناس: لو كان قاتلا لما طلب بدمه.

«و و اللّه ما صنع» أي: طلحة.

«في أمر عثمان واحدة» أي: خصلة واحدة.

«من ثلاث» خصال كانت واجبة عليه عقلا.

«لئن كان ابن عفّان ظالما كما كان يزعم» قبل قتله.

«لقد كان ينبغي له أن يؤازر» أي: يعين.

«قاتليه أو أن» هكذا في (المصرية)( ٥ ) ، و الصواب «و أن» كما في (ابن

____________________

(١) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٠: ٦.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٤١٢، سنة ٣٥، شرح ابن أبي الحديد ١٠: ٧.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٠: ٧.

(٤) تاريخ الطبري ٤: ٤١٣، سنة ٣٥، شرح ابن أبي الحديد ١٠: ٧.

(٥) نهج البلاغة ٢: ١٠٧.

ميثم)( ١ ) ، و لأنّ الواجب الأمران معا.

«ينابذ» أي: يكاشف بالحرب و العداوة.

«ناصريه» بعد قتله.

«و لئن كان مظلوما لقد كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين» أي: الكافّين و الزاجرين.

«عنه» أي: عن قتله.

«و المعذرين» أي: يعملون عملا يصيرون به معذورين.

«فيه» أي: في الدفاع عنه.

«و لئن كان في شكّ من الخصلتين» كونه ظالما و كونه مظلوما.

«لقد كان ينبغي له أن يعتزله و يركد» أي: يسكن و يهدأ.

«جانبا» أي: في جانب.

«و يدع النّاس» محاربيه.

«معه» و في (خلفاء ابن قتيبة): قال الزبير لعبد اللّه بن عامر: من رجال البصرة؟ قال: ثلاثة، كلّهم سيّد مطاع: كعب بن سور في اليمن، و المنذر في ربيعة، و الأحنف في مضر. فكتب هو و طلحة إلى كعب: أمّا بعد، فإنّك قاضي عمر، و شيخ أهل البصرة، و سيّد أهل اليمن، و قد كنت غضبت لعثمان من الأذى، فاغضب له من القتل.

و كتبا إلى الأحنف: أمّا بعد، فإنّك وافد عمر، و سيّد مضر، و حليم أهل العراق، و قد بلغك مصاب عثمان، فنحن قادمون عليك، و العيان أشفى لك من الخبر.

و كتبا إلى المنذر: أمّا بعد، فإنّ أباك كان رئيسا في الجاهلية، و سيّدا في

____________________

(١) في شرح ابن ميثم المطبوع ٣: ٣٤٤ «أوأن» أيضا.

الإسلام، و إنّك من أبيك بمنزلة المصلّي( ١ ) من السابق، يقال: كاد أو لحق، و قد قتل عثمان من أنت خير منه، و غضب له من هو خير منك.

فلمّا وصلت كتبهما إليهم، قام زياد بن مضر، و النعمان، و غزوان، فقالوا: ما لنا و لهذا الحيّ من قريش؟ يريدون أن يخرجونا من الإسلام بعد أن دخلنا فيه؟ و يدخلونا في الشرك بعد أن خرجنا منه؟ قتلوا عثمان، و بايعوا عليّا، لهم ما لهم، و عليهم ما عليهم. و كتب كعب إليهما: فإن يك عثمان قتل ظالما، فما لكما و له؟ و إن كان قتل مظلوما فغيركما أولى به، و إن كان أمره أشكل على من شهده، فهو على من غاب عنه أشكل. و كتب المنذر: إنّما أوجب حقّ عثمان اليوم حقّه أمس، و قد كان بين أظهركم فخذلتموه، فمتى استنبطتم هذا العلم، و بدا لكم هذا الرأي؟( ٢ ) «فما فعل» أي: طلحة.

«واحدة من الثلاث» المتقدّمة.

«و جاء بأمر لم يعرف بابه، و لم تسلم معاذيره» قيل:

قد عذرتك غير معتذر

إنّ المعاذير يشوبها الكذب( ٣)

في (خلفاء ابن قتيبة): لمّا نزل طلحة و الزبير البصرة، بعث عثمان بن حنيف إليهما عمران بن الحصين، و أبا الأسود، فقال عمران: يا طلحة، إنّكم قتلتم عثمان و لم نغضب له إذ لم تغضبوا، ثمّ بايعتم عليّا فبايعنا من بايعتم، فإن كان قتل عثمان صوابا فمسيركم لماذا؟ و إن كان خطأ فحظّكم منه الأوفر، و نصيبكم منه الأوفى. فقال طلحة: يا هذا، إنّ صاحبك [ يا هذان، إنّ صاحبكما ]

____________________

(١) المصلّي: تالي السابق. (الصحاح ٦: ٣٤٠٢، مادة: صلو).

(٢) الإمامة و السياسة ١: ٦٠ ٦١، و نقله الشارح بتلخيص.

(٣) الصحاح للجوهري ٢: ٧٣٧، مادة (عذر).

لا يرى أنّ معه في هذا الأمر غيره، و ليس على هذا بايعناه. فقال أبو الأسود لعمران: أمّا هذا، فقد صرّح أنّه إنّما غضب للملك. ثمّ أتيا الزبير، فقال لهما: إنّ طلحة و إيّاي كروح في جسدين، و إنّه و اللّه يا هذان، قد كان منّا في عثمان فلتات، احتجنا إلى المعاذير( ١) .

و فيه: لمّا قال مروان و كان مع طلحة و الزبير في مسيرهما إلى البصرة لسعيد بن العاص: اريد البصرة، أطلب قتلة عثمان. قال له سعيد:

هؤلاء قتلة عثمان معك. إنّ هذين الرجلين قتلا عثمان، و هما يريدان الأمر لأنفسهما، فلمّا غلبا عليه قالا: نغسل الدم بالدم، و الحوبة بالتوبة( ٢) .

و فيه بعد ذكر خطبة عائشة و اختلاف الناس فبينماهم كذلك إذ أتاهم رجل من أشراف البصرة، بكتاب كان كتبه طلحة في التأليب على قتل عثمان، فقال له: هل تعرف هذا الكتاب؟ قال: نعم. قال: فما ردّك عمّا كنت عليه؟ و كنت أمس تكتب إلينا تؤلّبنا على قتل عثمان، و أنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه؟

قالا: ذكرنا ما كان من طعننا عليه، و خذلاننا إيّاه، فلم نجد مخرجا إلاّ الطلب بدمه. قال: ما تأمراني به؟ قالا: بايعنا على قتال عليّ، و نقض بيعته. قال:

أ رأيتما إن أتانا بعدكما من يدعونا إلى ما تدعون إليه، ما نصنع؟ قالا: لاتبايعه.

قال: ما أنصفتما، أ تأمراني أن اقاتل عليّاعليه‌السلام و أنقض بيعته و هي في أعناقكما، و تنهياني عن بيعة من لا بيعة عليه لكما [ له عليكما ]...( ٣ ) ؟

و لو أراد التوبة كما زعما أخيرا من حوبة قتل عثمان كان عليهما أن يسلّما أنفسهما إلى أولياء عثمان ليقتلوهما كما صرّح بذلك الأشتر لا أن

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٦٤ ٦٥، و نقله الشارح بتلخيص.

(٢) المصدر نفسه ١: ٦٣، و نقله الشارح بتصرّف.

(٣) المصدر نفسه ١: ٦٨ ٦٩، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

يقتلا الناس، و يقاتلا أمير المؤمنينعليه‌السلام مع اعتزاله.

١٤ - الكتاب (٥٤) و من كتاب لهعليه‌السلام إلى طلحة و الزبير مع عمران بن الحصين الخزاعيّ، ذكره أبو جعفر الإسكافي في كتاب (المقامات) في مناقب أمير المؤمنينعليه‌السلام :

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتُمَا وَ إِنْ كَتَمْتُمَا أَنِّي لَمْ أُرِدِ اَلنَّاسَ حَتَّى أَرَادُونِي وَ لَمْ أُبَايِعْهُمْ حَتَّى بَايَعُونِي وَ إِنَّكُمَا مِمَّنْ أَرَادَنِي وَ بَايَعَنِي وَ إِنَّ اَلْعَامَّةَ لَمْ تُبَايِعْنِي لِسُلْطَانٍ غَالِبٍ وَ لاَ لِعَرَضٍ حَاضِرٍ فَإِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُمَانِي طَائِعَيْنِ فَارْجِعَا وَ تُوبَا إِلَى اَللَّهِ مِنْ قَرِيبٍ وَ إِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُمَانِي كَارِهَيْنِ فَقَدْ جَعَلْتُمَا لِي عَلَيْكُمَا اَلسَّبِيلَ بِإِظْهَارِكُمَا اَلطَّاعَةَ وَ إِسْرَارِكُمَا اَلْمَعْصِيَةَ وَ لَعَمْرِي مَا كُنْتُمَا بِأَحَقِّ اَلْمُهَاجِرِينَ بِالتَّقِيَّةِ وَ اَلْكِتْمَانِ وَ إِنَّ دَفْعَكُمَا هَذَا اَلْأَمْرَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْخُلاَ فِيهِ كَانَ أَوْسَعَ عَلَيْكُمَا مِنْ خُرُوجِكُمَا مِنْهُ بَعْدَ إِقْرَارِكُمَا بِهِ وَ قَدْ زَعَمْتُمَا أَنِّي قَتَلْتُ؟ عُثْمَانَ؟ فَبَيْنِي وَ بَيْنَكُمَا مَنْ تَخَلَّفَ عَنِّي وَ عَنْكُمَا مِنْ أَهْلِ؟ اَلْمَدِينَةِ؟ ثُمَّ يُلْزَمُ كُلُّ اِمْرِئٍ بِقَدْرِ مَا اِحْتَمَلَ فَارْجِعَا أَيُّهَا اَلشَّيْخَانِ عَنْ رَأْيِكُمَا فَإِنَّ اَلْآنَ أَعْظَمُ أَمْرِكُمَا اَلْعَارُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَجَمَّعَ اَلْعَارُ وَ اَلنَّارُ وَ اَلسَّلاَمُ قول المصنّف: «و من كتاب لهعليه‌السلام إلى طلحة و الزبير مع عمران بن الحصين الخزاعي» روى الكشي عن الفضل بن شاذان أنّ عمران من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ( ١) .

____________________

(١) اختيار معرفة الرجال (الكشّيّ) ١: ١٧٩ ١٨٨، و ذكره شيخ الطائفة في رجاله: ٢٤، في الصحابة.

و عن (جامع الأصول): سئل عمران عن متعة النساء، فقال: أتانا بها كتاب اللّه، و أمرنا بها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ قال فيها رجل برأيه ما شاء( ١) .

و في (حلية أبي نعيم) في محمّد بن واسع مسندا عنه، قال: تمتّعنا مع النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّتين، فقال رجل برأيه ما شاء. قال أبو نعيم: هو حديث صحيح أخرجه مسلم في (صحيحه)( ٢) .

و روى الكشّي في أبي عبد اللّه الجدليّ، عن أبي داود قال: حدّثني عمران بن الحصين الخزاعي أنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر فلانا و فلانا أن يسلّما على عليّعليه‌السلام بإمرة المؤمنين، فقالا: من اللّه أو من رسوله؟ «فقال: من اللّه و من رسوله»( ٣) .

قال ابن أبي الحديد: هو عمران بن الحصين بن عبيد بن خلف بن عبد [ بن ] نهم بن سالم بن غاضرة...( ٤) .

قلت: أخذ ما قاله عن أبي عمرو. قال ابن مندة و أبو نعيم جدّ جدّه عبد نهم بن حذيفة بن جهمة بن غاضرة( ٥ ) . و قال الكلبي: جدّ جدّه عبد نهم بن جرمة بن جهيمة كما في (الجزري)( ٦) .

و في (الجزري): قال محمّد بن سيرين: لم نر في البصرة أحدا من أصحاب النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يفضل على عمران، و كان مجاب الدعوة و لم يشهد الفتنة( ٧) .

____________________

(١) نقله عن جامع الأصول، الميرداماد الإسترابادي في تعليقه على رجال الكشّيّ ١: ١٨٧، و تجده في صحيح البخاري ٤: ١٦٤٢ ح ٤٢٤٦، صحيح مسلم (باب الحج جواز التمتّع رقم ١٢٢٦)، مسند أحمد ٤: ٤٣٦.

(٢) حلية الأولياء ٢: ٣٥٥، صحيح مسلم:

(٣) اختيار معرفة الرجال (الكشّي) ١: ٣٠٨. و ليست هذه العبارة في المصدر.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٣٢.

(٥) أسد الغابة في معرفة الصحابة ٤: ١٣٧.

(٦) المصدر نفسه.

(٧) أسد الغابة ٤: ١٣٧ ١٣٨.

و روى عنه: أنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن الكيّ فاكتوينا فما أفلحنا، و كان في مرضه تسلّم عليه الملائكة، فاكتوى ففقد التسليم، ثمّ عادت إليه و كان به استسقاء فطال به سنين و هو صابر عليه، و شقّ بطنه و أخذ منه شحم و ثقب له سرير فبقى ثلاثين سنة توفى سنة (٥٢)( ١) .

«ذكره أبو جعفر الاسكافي» محمّد بن عبد اللّه، قال ابن أبي الحديد: عدّه قاضي القضاة في الطبقة السابقة من المعتزلة مع عباد بن سليمان الصيمري و مع زرقان و مع عيسى بن الهيثم الصوفي، و جعل أوّل الطبقة ثمامة بن أشرس أبا معن ثم الجاحظ ثم أبا موسى عيسى بن صبيح المردار ثم أبا عمران يونس بن عمران ثمّ محمّد بن إسماعيل بن العسكري ثم عبد الكريم بن روح العسكري ثمّ أبا يعقوب يوسف بن عبد اللّه الشحام ثم أبا الحسين الصالحي ثم جعفر بن جرير و جعفر بن ميسر ثم أبا عمران بن النقاش ثم أبا سعيد أحمد بن سعيد الأسدي ثم عبّاد بن سليمان ثم أبا جعفر الاسكافي، و قال: كان أبو جعفر فاضلا، عالما، صنّف سبعين كتابا في علم الكلام، و هو الذي نقض كتاب العثمانية على الجاحظ في حياته، فدخل الجاحظ الوراقين ببغداد فقال: من هذا الغلام السوادي الذي بلغني أنّه تعرّض لنقض كتابي.

و أبو جعفر جالس، فاختفى منه حتى لم يره و كان علوي الرأي، محققا، منصفا، قليل العصبية، يقول بالتفضيل و يبالغ فيه( ٢) .

«في كتاب المقامات» و ذكره ابن قتيبة في (خلفائه) و زاد: و زعمتما أنّي آويت قتلة عثمان فهؤلاء بنو عثمان فليدخلوا في طاعتي ثم يخاصموا إليّ قتلة أبيهم، و ما أنتما و عثمان إن كان قتل ظالما أو مظلوما؟ و لقد بايعتماني و أنتما

____________________

(١) المصدر نفسه ٤: ١٣٨.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٣٢ ١٣٣.

بين خصلتين قبيحتين: نكث بيعتكما، و إخراجكما أمّكما( ١) .

و ذكره أعثم الكوفي في عنوان محاربة الجمل( ٢) .

«في مناقب أمير المؤمنينعليه‌السلام » هكذا في (المصرية)( ٣) .

و قوله: (في مناقب أمير المؤمنينعليه‌السلام ) زائدة فليس في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٤ ) ، و الظاهر أنّه كان حاشية خلط بالمتن، مع انّه لم يعلم موضوع المقامات، هل هو في المناقب أو شي‏ء آخر؟

قولهعليه‌السلام : «أما بعد فقد علمتما و إن كتمتما أنّي لم أرد الناس حتى أرادوني و لم أبايعهم حتى بايعوني» في (الطبري) قال أبو بشير العابدي: كنت بالمدينة حين قتل عثمان، و اجتمع المهاجرون و الأنصار فيهم طلحة و الزبير فأتوا عليّاعليه‌السلام فقالوا: هلم نبايعك. فقال لهم: لا حاجة لي في أمركم، أنا معكم فمن اخترتم فقد رضيت به. فقالوا: و اللّه لا نختار غيرك. فاختلفوا إليه مرارا، ثمّ أتوه في آخر ذلك فقالوا له: لا يصلح الناس إلا بإمرة و قد طال الأمر. فقال لهم: إنّكم قد اختلفتم إليّ و أتيتم عندي مرارا، و إنّي قائل لكم قولا إن قبلتموه قبلت أمركم و إلاّ فلا حاجة لي فيه. قالوا: ما قلت من شي‏ء قبلناه. فقال: إنّي كنت كارها لأمركم فأبيتم إلاّ أن أكون عليكم، ألا و إنّه ليس لي أمر دونكم ألا إنّ مفاتيح مالكم معي، ألا و إنّه ليس أن آخذ منه درهما دونكم، رضيتم؟ قالوا: نعم. قال:

اللهمّ اشهد عليهم. ثمّ بايعهم على ذلك( ٥) .

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٧٠.

(٢) كتاب الفتوح ٢: ٤٦٥.

(٣) نهج البلاغة ٣: ١٢٢.

(٤) هكذا في شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٣١، و لكن في شرح ابن ميثم المطبوع ٥: ١٨٧ بزيادة «في مناقب أمير المؤمنينعليه‌السلام ».

(٥) تاريخ الطبري ٤: ٤٢٧ ٤٢٨، سنة ٣٥.

«و إنّكما ممّن أرادني و بايعني» في (الطبري) عن أبي المليح قال: لما قتل عثمان خرج عليّعليه‌السلام إلى السوق و ذلك يوم السبت لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجّة فاتبعه الناس و بهشوا في وجهه، فدخل حايط بني عمرو بن مبذول، و قال لأبي عمرة بن محصن: أغلق الباب. فجاء الناس فقرعوا الباب فدخلوا، و فيهم طلحة و الزبير فقالا: يا علي ابسط يدك. فبايعه طلحة و الزبير، فنظر حبيب بن ذؤيب الى طلحة حين بايع، فقال: أوّل من بدأ بالبيعة يد شلاء، لا يتم هذا الأمر...( ١) .

«و إنّ العامّة لم تبايعني لسلطان غالب» هكذا في (المصرية)( ٢ ) ، و الصواب:

(غاصب) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٣ ) ، كما في بيعة أبي بكر فعن البراء بن عازب كما روت العامّة عنه: لم أزل لبني هاشم محبّا، فلما قبض النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عنهم، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول، فكنت أتردد إلى بني هاشم و هم عند النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحجرة، و أتفقد وجوه قريش، فإنّي كذلك إذ فقدت أبا بكر و عمر، و إذا قائل يقول: القوم في سقيفة بني ساعدة، و إذا قائل آخر يقول: قد بويع أبو بكر، فلم ألبث و إذا أنا بأبي بكر قد أقبل و معه عمر و أبو عبيدة و جماعة من أصحاب السقيفة و هم محتجزون بالازر الصنعائية، لا يمرون بأحد إلاّ خبطوه و قدموه، فمدوا يده فمسحوه على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبى، فأنكرت عقلي...( ٤) .

هذا و في (خلفاء ابن قتيبة): دعا عبد الملك في مرض موته ابنه الوليد

____________________

(١) المصدر نفسه ٤: ٤٢٨، سنة ٣٥.

(٢) نهج البلاغة ٣: ١٢٢.

(٣) في شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٣١، و شرح ابن ميثم ٥: ١٨٨ «غالب» أيضا.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١: ٢١٩.

و قال له: حضر الوداع. فبكى الوليد، فقال له عبد الملك: لا تعصر عينيك عليّ كما تعصر الأمة الوكساء، إذا متّ فاغسلني و كفّني و صلّ عليّ و أسلمني إلى عمر بن عبد العزيز يدليني في حفرتي، و اخرج أنت إلى الناس و البس لهم جلد نمر، و اقعد على المنبر و ادع الناس الى بيعتك، فمن مال بوجهه كذا فقل له بالسيف كذا، و تنكّر للصديق و القريب و اسمح للبعيد. فلما توفي و مات من يومه ذلك خرج الوليد إلى الناس و قعد على المنبر، ثم دعا الناس الى البيعة فلم يختلف عليه أحد، ثم كان أوّل ما ظهر من أمر الوليد أن أمر بهدم كلّ دار من دار عبد الملك إلى قبره، فهدمت من ساعتها و سوّيت بالأرض لئلاّ يعرج بسرير عبد الملك يمينا و شمالا، ثم كتب ببيعته إلى الآفاق فلم يختلف عليه أحد( ١) .

«و لا لعرض حاضر» هكذا في (المصرية)( ٢ ) ، و لكن في نسخة (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٣ ) : «و لا لحرص حاضر»، و في (سقيفة الجوهري) عن القاسم بن محمّد قال: لمّا توفّى النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اجتمعت الأنصار إلى سعد إلى أن قال: فتكلّم أبو بكر و قال: نحن الامراء و أنتم الوزراء، و الأمر بيننا نصفان كشق الابلمة. فبويع، و كان أول من بايعه بشير بن سعد والد النعمان بن بشير، فلما اجتمع الناس قسم قسما بين نساء المهاجرين و الأنصار فبعث إلى امرأة من بني عدي بن النجار قسمها مع زيد بن ثابت، فقالت: ما هذا؟ قال قسم قسمه أبو بكر للنساء. قالت: أ تراشوني عن ديني؟ و اللّه لا أقبل منه شيئا.

فردته( ٤) .

____________________

(١) الامامة و السياسة ٢: ٥٧ ٥٨.

(٢) نهج البلاغة ٣: ١٢٢.

(٣) هكذا في شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٣١، و لكن في شرح ابن ميثم المطبوع ٥: ١٨٨ «و لا لعرض حاضر» أيضا.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ٢: ٥٢ ٥٣.

«فان كنتما بايعتماني طائعين» هكذا في (النهج)( ١ ) ، و كأن «طائعين» محرّف «راغبين» لأن بعده «و إن كنتم بايعتماني كارهين»، و مقابل الكراهة الرغبة لا الطائعية، كما ان مقابل الطوع الإكراه لا الكره ففي (الصحاح): «يقال جاء فلان طائعا غير مكره»( ٢ ) ، اللهمّ إلاّ أن يقال: بأن المراد بالطوع هنا الرغبة فتصحّ المقابلة.

«فارجعا و توبا إلى اللّه من قريب» من نكث البيعة فقد قال تعالى:... فمَن نكث فإنّما ينكث على نفسه...( ٣) .

و كان بين ابن الزبير و ابن عبّاس مشاجرة، فقال ابن الزبير لابن عبّاس معرضا بأسر العبّاس أبيه يوم بدر و فدائه نفسه و خلو الزبير من ذلك:

و صديق متبحح في الشرف الانيق خير من طليق. فقال له ابن عبّاس: و أماما ذكرت من الطليق فو اللّه لقد ابتلي فصبر و انعم عليه فشكر، و ان كان و اللّه وفيّا كريما، غير ناقض بيعته بعد توكيدها، و لا مسلّم كتيبة بعد التأمر عليها. فقال ابن الزبير: أ تعيّر الزبير بالجبن؟ و اللّه انّك لتعلم منه خلاف ذلك. قال ابن عبّاس: و اللّه إنّي لا أعلم إلاّ انّه فر و ماكر، و حارب فما صبر، و بايع فما تمّم، و قطع الرحم، و أنكر الفضل، و رام ما ليس له بأهل.

و كان بين القاسم بن محمّد بن يحيى بن طلحة و هو على شرطة عيسى بن موسى و بين إسماعيل بن جعفر الصادقعليه‌السلام مشاجرة، فقال القاسم لإسماعيل: لم يزل فضلنا و إحساننا سابقا عليكم يا بني هاشم و على بني عبد مناف. فقال إسماعيل: أي فضل و إحسان أسديتموه إلى بني عبد

____________________

(١) نهج البلاغة ٣: ١٢٢.

(٢) الصحاح ٣: ١٢٥٥، مادة (طوع).

(٣) الفتح: ١٠.

مناف، أغضب أبوك جدّي بقوله: «ليموتن محمّد و لنجولنّ بين خلاخيل نسائه كما جال بين خلاخيل نسائنا». فأنزل تعالى مراغمة لأبيك:... و ما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه و لا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا...( ١ ) ، و منع ابن عمّك امّي حقّها من فدك و غيرها من ميراث أبيها و اجلب أبوك على عثمان و حصره حتى قتل و نكث بيعة عليّعليه‌السلام و شام السيف في وجهه و أفسد قلوب المسلمين عليه...

«و إن كنتما بايعتماني كارهين فقد جعلتما لي عليكما السبيل بإظهاركما الطاعة و اسراركما المعصية» فعلى كلّ حال لم يكن لهما النكث طائعين كانا أو كارهين، و انّما كان لهما النكث لو كانا مكرهين، مع انّه لم يكن قطعا و إن كانا ادعياه باطلا كما نسبا قتل عثمان مع كونهما هما المحرّضين في قتله إليهعليه‌السلام باطلا.

روى الطبري عن سعد بن أبي وقاص: أنّ طلحة قال: «بايعت و السيف فوق رأسي» و قال سعد: لا أدري أنّ السيف كان على رأسه أم لا، إلاّ انّي أعلم انّه بايع كارها( ٢) .

«و لعمري ما كنتما بأحق المهاجرين بالتقيّة و الكتمان» و الظاهر وقوع سقط في الكلام من المصنّف أو من نقل عنه، و أنّ الأصل «المهاجرين و الأنصار» فتخلف جمع كثير من الأنصار أيضا عن البيعة معهعليه‌السلام فتركهم.

ففي (الطبري): لمّا قتل عثمان بايعت الأنصار عليّاعليه‌السلام ، إلاّ حسان بن ثابت و كعب بن مالك و مسلمة بن مخلد و أبو سعيد الخدري و محمّد بن مسلمة و النعمان بن بشير و زيد بن ثابت و رافع بن حديج و فضالة بن عبيد

____________________

(١) الاحزاب: ٥٣.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٤٣١، سنة ٣٥.

و كعب بن عجرة كانوا عثمانية فقال رجل لعبد اللّه بن حسن: كيف أبى هؤلاء بيعة عليّعليه‌السلام ؟ قال: أمّا حسان فكان شاعرا لا يبالي ما يصنع، و أمّا زيد فولاّه عثمان الديوان و بيت المال، فلما حصر عثمان قال: يا معشر الأنصار كونوا أنصار اللّه مرّتين. فقال له أبو أيوب: ما تنصره إلاّ أنّه أكثر لك من العضدان، فأمّا كعب فاستعمله على صدقة مزينة و ترك عثمان له ما أخذ منهم، و أما المهاجرون فكان منهم سعد بن أبي وقاص و عبد اللّه بن عمر( ١) .

و في (خلفاء ابن قتيبة): خاطب عليّعليه‌السلام بين الصفّين طلحة فقال له:

أو ما بايعتني طائعا غير مكره؟ فقال طلحة: بايعتك و السيف في عنقي. قال: أ لم تعلم انّي ما أكرهت أحدا على البيعة، و لو كنت مكرها أحدا لأكرهت سعدا و ابن عمر و محمّد بن مسلمة، أبو البيعة و اعتزلوا فتركتهم( ٢) .

و فيه: أنّ عمّارا دعا ابن عمر و سعدا و محمّد بن مسلمة إلى بيعتهعليه‌السلام فأبوا، فأخبر عليّاعليه‌السلام بذلك فقالعليه‌السلام : دع هؤلاء الرهط، اما ابن عمر فضعيف، و أما سعد فحسود و ذنبي إلى محمّد بن مسلمة انّي قتلت أخاه يوم خيبر( ٣) .

و ذكر المسعودي: تخلّف قدامة بن مظعون و وهبان بن صيفي و عبد اللّه بن سلام و المغيرة بن شعبة عن بيعتهعليه‌السلام أيضا( ٤) .

و يمكن أن يقال بعدم سقط و أنّهعليه‌السلام اقتصر على ذكر المهاجرين، لأن طلحة و الزبير كانا منهم، و ان كان جمع من الأنصار أيضا تخلّفوا عن بيعتهعليه‌السلام فتركهم.

و كيف كان، فهما كانا أقوى من سعد و ابن عمر، فكيف لم يتقيا و هما

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٤٢٩ ٤٣١، سنة ٣٥.

(٢) الإمامة و السياسة ١: ٧٤ ٧٥.

(٣) الإمامة و السياسة ١: ٥٣ ٥٤.

(٤) مروج الذهب ٢: ٣٦١.

اتقيا، فيكون معلوما كذبهما؟ و ان كان سيف الذي يروي الطبري عن السّري عن شعيب عنه روى إكراههما، و لا غرو فإن سيفا ذاك أحد الوضّاعين، و رواياته جميع خلاف السير و خلاف العقل و النقل، فروى عمّن افترى عليه:

أنّه لما اجتمع الناس على عليّعليه‌السلام ذهب الأشتر فجاء بطلحة فقال له: دعني أنظر ما يصنع الناس. فلم يدعه و جاء به يتله تلا عنيفا، و صعد المنبر فبايع.

و جاء حكيم بن جبلة بالزبير حتّى بايع فكان الزبير يقول: جاءني لص من لصوص عبد القيس فبايعت و اللج في عنقي.

«و إنّ دفعكما هذا الأمر من قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما من خروجكما منه بعد اقراركما به» في (الطبري) قال الزهري: قد بلغنا أنّ عليّاعليه‌السلام قال لطلحة و الزبير: إن أحببتما أن تبايعا لي، و إن أحببتما بايعتكما؟ فقالا: بل نبايعك.

و قالا بعد ذلك: إنّما صنعنا ذلك خشية على أنفسنا، و قد عرفنا أنّه لم يكن ليبايعنا. فظهرا إلى مكّة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر( ١) .

«و قد زعمتما أنّي قتلت عثمان فبيني و بينكما من تخلّف عني و عنكما» فلا يكون متّهما بالميل إلى من معه.

«من أهل المدينة ثم يلزم كلّ امرى‏ء بقدر ما احتمل» فغاية ما قالوا: إنّهعليه‌السلام خذل عثمان و كان راضيا بقتله و كان منتظرا لقتله، و كانعليه‌السلام لا ينكر ذلك، بل يقرّبه كما مرّ عند قولهعليه‌السلام : «ما أمرت به و لا نهيت عنه»، و أما هما فكانت دخالتهما في قتله من الواضحات.

فمن تخلّف عنه و عنهما عبيد اللّه بن عمر و مع أنّهعليه‌السلام أراد قتله بدم الهرمزان ففرّ منهعليه‌السلام إلى معاوية، و طلب منه معاوية أن ينسب قتل عثمان إليهعليه‌السلام ، لم يرض مع لجاه إليه بذلك، بل نسبه إلى طلحة و الزبير، و إنّما نسب

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٤٢٩، سنة ٣٥.

إليهعليه‌السلام انتظاره قتل عثمان.

فقال نصر بن مزاحم في (صفّينه): في حديث محمّد بن عبيد اللّه عن الجرجاني قال: لمّا قدم عبيد اللّه بن عمر على معاوية أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص فقال: إنّ اللّه أحيا لنا عمر بالشام بقدوم عبيد اللّه و قد رأيت أن أقيمه خطيبا فيشهد على عليّ بقتل عثمان و ينال منه. فقال عمرو: الرأي ما رأيت.

فبعث إليه فأتى فقال له معاوية: يا بن أخ إنّ لك اسم أبيك فانظر بمل‏ء عينيك و تكلّم بكلّ فيك، فأنت المأمون المصدّق، فاشتم عليّا و اشهد عليه أنّه قتل عثمان. فقال: أمّا شتمه فإنّه ابن أبي طالب، و امّه فاطمة بنت أسد بن هاشم، فما عسى أن أقول في حسبه، و أمّا بأسه فهو الشجاع المطرق، و أمّا أيّامه فما قد عرفت، و لكنّي ملزمه دم عثمان. فقال عمرو: اذن و اللّه قد نكأت القرحة. فلما خرج عبيد اللّه قال معاوية لعمرو: أما و اللّه لو لا قتله الهرمزان و مخافته من عليّ على نفسه ما أتانا أبدا، أ لم تر إلى تقريظه عليّا؟ فقال عمرو: يا معاوية إن لم تغلب فاخلب. فخرج حديثه إلى عبيد اللّه فلما قام خطيبا تكلّم بحاجته حتّى إذا أتى إلى أمر عليّعليه‌السلام أمسك، فقال له معاوية: إنّك بين عي أو خيانة. فقال:

كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان، و قال أبياتا و منها مشيرا إليهعليه‌السلام و ذاكرا لطلحة و الزبير:

و لكنّه قد قرّب القوم و دبوا

حواليه دبيب العقارب

فما قال أحسنتم و لا قد أسأتم

و أطرق إطراق الشجاع المواثب

و قد كان فيها للزبير عجاجة

و طلحة فيها جاهد غير لاعب( ١)

و في (خلفاء ابن قتيبة): ذكروا أنّه لما كان في الصباح بعد قتل عثمان اجتمع الناس في المسجد، و كثر الندم و التأسف على عثمان و سقط في أيديهم

____________________

(١) وقعة صفين: ٨٢ ٨٤.

و أكثر الناس على طلحة و الزبير و اتّهموهما بقتل عثمان، فقال الناس لهما: قد وقعتما في أمر عثمان فخليا عن أنفسكما. فقال طلحة: أيّها الناس إنّا و اللّه ما نقول اليوم إلاّ ما قلناه أمس، انّ عثمان خلط الذنب بالتوبة حتى كرهنا ولايته و كرهنا أن نقتله، و سرّنا أن نكفاه و قد كثر فيه اللجاج، و أمره إلى اللّه.

ثم قام الزبير فقال: أيّها الناس إنّ اللّه قد رضى لكم الشورى فأذهب بها الهوى، و قد تشاورنا فرضينا عليّا فبايعوه، و أمّا قتل عثمان فإنّا نقول فيه: إنّ أمره إلى اللّه و قد أحدث أحداثا و اللّه وليّه في ما كان فقام الناس فأتوا عليّا في داره، فقالوا: نبايعك( ١) .

بل مر أنّ ابن طلحة مع كونه مع أبيه و الزبير يحاربه أقرّ بأن ثلث دم عثمان على أبيه، فغضب عليه أبوه و قال له: كن كابن الزبير. فقال له: لم أقل إلاّ حقّا.

«فارجعا أيّها الشيخان عن رأيكما، فإن الآن أعظم أمركما العار» في (الطبري) قال قتادة: سار عليّعليه‌السلام من الزاوية يريد طلحة و الزبير، و سارا من الفرضة يريدان عليّاعليه‌السلام ، فالتقوا عند قصر عبيد اللّه بن زياد في النصف من جمادى الآخرة سنة (٣٦) فلما تراءى الجمعان خرج الزبير على فرس عليه سلاح فقيل لعليّعليه‌السلام : هذا الزبير. فقالعليه‌السلام : أما أنّه أحرى الرجلين ان ذكر باللّه أن يذكر.

و خرج طلحة فخرج إليهما عليعليه‌السلام و قال لهما: لقد أعددتما سلاحا و خيلا و رجالا إن كنتم أعددتما عند اللّه عذرا فاتّقيا اللّه و لا تكونا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا( ٢ ) أ لم أكن أخاكما في دينكما تحرّمان دمي و احرّم دماءكما فهل من حدث أحلّ لكما دمي؟ قال طلحة: ألّبت الناس على عثمان. قال

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٤٦.

(٢) النحل: ٩٢.

عليّعليه‌السلام : يومئذ يوفيهم اللّه دينهم الحقّ و يعلمون أنّ اللّه هو الحقّ المبين( ١ ) يا طلحة تطلب بدم عثمان؟ فلعن اللّه قتلة عثمان إلى أن قال بعد ذكره للزبير قول النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له: (و لتقاتلنه و أنت ظالم)، قال الزبير: و لو ذكرت ما سرت مسيري هذا، و اللّه لا اقاتلك أبدا و رجع إلى عايشة فقال لها: ما كنت في موطن مذ عقلت إلاّ و أنا أعرف فيه أمري غير موطئي هذا. قالت: ما تريد؟ قال:

أن أدعهم و أذهب. فقال له ابنه: أحسست رايات ابن أبي طالب و علمت أنّها تحملها فتية أنجاد قال: إنّي قد حلفت ألاّ اقاتله و أحفظه ما قال له فقال له ابنه: كفر عن يمينك و قاتله. فدعا بغلام له يقال له مكحول فأعتقه فقال بعضهم:

لم أر كاليوم أخا اخوان

أعجب من مكفّر الأيمان

بالعتق في معصية الرحمن

أيضا:

يعتق مكحولا لصون دينه

كفّارة للّه عن يمينه

و النكث قد لاح على جبينه( ٢)

«من قبل أن يتجمّع» هكذا في (المصرية)( ٣ ) و الصواب: (يجتمع) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٤) .

«العار و النار» في (جمل المفيد): في رواية سفيان بن عنبسة عن أبي موسى عن الحسن بن أبي الحسن قال: خرج طلحة من رساتيق أقطعه إيّاها عثمان، فلم يعرف له ذلك حتّى سعى في دمه، فلما كان يوم البصرة خرج

____________________

(١) النور: ٢٥.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٥٠١ ٥٠٢، سنة ٣٦.

(٣) نهج البلاغة ٣: ١٢٣.

(٤) هكذا في شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٣١، و لكن في شرح ابن ميثم المطبوع ٥: ١٨٨ «يتجمّع» أيضا.

للقتال و قد لبس درعا استجن به من السهام إذ أتاه سهم فأصابه و كان أمر اللّه قدرا مقدورا.

قال الحسن: و رأيته يقول حين أصابه السهم: ما رأيت كاليوم مصرع شيخ أضيع من مصرعي. قال: و قد كان قبل ذلك جاهد جهادا مع النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و وقاه بيده فضيع أمر نفسه. قال: و لقد رأيت قبره مأوى الشقاء، فيضع عنده غريبه ثم يقضي عنده حاجته.

و أما الزبير فإنّه أتى حيّا من أحياء العرب فقال: أجيروني و كان قبل ذلك يجير و لا يجار عليه قالوا: و ما الذي أخافك، و اللّه ما أخافك إلاّ ابنك؟

فاتبعه ابن جرموز تولّة من أتاليل العرب فقتله، و هذا قبره بوادي السباع مخرأة للثعالب. قال: فخرجا و لم يدركا ما طلبا، و لم يرجعا إلى ما تركا فعزّ عليّ هذه الشقوة التي كتبت عليهما( ١) .

و فيه: و في رواية عبد اللّه بن جعفر عن ابن أبي عون إلى أن قال: فلمّا رأى عليّعليه‌السلام رأس الزبير و سيفه، هزّ السيف و قال: سيف طالما قاتل بين يدي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و لكن الحين و مصارع السوء، ثم تفرّس في وجه الزبير و قال: لقد كان لك بالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صحبة و منه قرابة، و لكن دخل الشيطان منخرك، فأوردك هذا المورد( ٢) .

و فيه: و مرعليه‌السلام في قتلى الجمل على طلحة بعد كعب بن سور فرأى طلحة صريعا، فقال أجلسوه. فاجلس، فقال: يا طلحة بن عبيد اللّه قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا، فهل وجدت ما وعدك ربّك حقّا؟ إلى أن قال: فوقف رجل من القرّاء أمامه فقال: يا أمير المؤمنين ما كلامك هذه، الهام قد صديت

____________________

(١) الجمل للمفيد: ٣٨٤ ٣٨٥، شرح ابن أبي الحديد ٩: ١١٣ ١١٤.

(٢) الجمل: ٣٨٩ ٣٩٠.

لا تسمع كلاما و لا ترد جوابا؟ فقالعليه‌السلام : انّهما ليسمعان كلامي كما تسمع أصحاب القليب كلام النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و لو أذن لهما في الجواب لرأيت عجبا( ١) .

و من العجب أنّ العامة وضعوا في مقابل هذا منكرا عجبا ففي (العقد الفريد): من حديث سفيان الثوري، لمّا انقضى يوم الجمل خرج علي في ليلة ذلك اليوم و معه مولاه، و بيده شمعة يتصفّح وجوه القتلى، حتى وقف على طلحة في بطن واد متعفّرا، فجعل يمسح الغبار عن وجهه و يقول: اعزز عليّ يا أبا محمّد أن أراك متعفّرا تحت نجوم السماء و بطون الأودية، إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، شفيت نفسي و قتلت معشري، إلى اللّه أشكو عجري و بجري. ثمّ قال: و اللّه اني لأرجو أن أكون أنا و عثمان و طلحة و الزبير من الذين قال اللّه فيهم: و نزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين( ٢ ) ، و إذا لم يكن نحن فمن هم( ٣ ) ؟ و كم لإخواننا أخبار نظير هذا، مما يجعل الملاحدة أحقّ من الموحدة إن فرض تحققها.

١٥ - الخطبة (٢٢) و من خطبة لهعليه‌السلام :

أَلاَ وَ إِنَّ اَلشَّيْطَانَ قَدْ ذَمَرَ حِزْبَهُ وَ اِسْتَجْلَبَ جَلَبَهُ لِيَعُودَ اَلْجَوْرُ إِلَى أَوْطَانِهِ وَ يَرْجِعَ اَلْبَاطِلُ إِلَى نِصَابِهِ وَ اَللَّهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً وَ لاَ جَعَلُوا بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ نَصِفاً وَ إِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقّاً هُمْ تَرَكُوهُ وَ دَماً هُمْ سَفَكُوهُ فَلَئِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ لَنَصِيبَهُمْ مِنْهُ وَ لَئِنْ كَانُوا وَلُوهُ

____________________

(١) الجمل: ٣٩٢، الإرشاد ١: ٢٥٦ ٢٥٧.

(٢) الحجر: ٤٧.

(٣) العقد الفريد ٥: ٧٠.

دُونِي فَمَا اَلتَّبِعَةُ إِلاَّ عِنْدَهُمْ وَ إِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِهِمْ لَعَلَى أَنْفُسِهِمْ يَرْتَضِعُونَ أُمّاً قَدْ فَطَمَتْ وَ يُحْيُونَ بِدْعَةً قَدْ أُمِيتَتْ يَا خَيْبَةَ اَلدَّاعِي مَنْ دَعَا وَ إِلاَ مَ أُجِيبَ وَ إِنِّي لَرَاضٍ بِحُجَّةِ اَللَّهِ عَلَيْهِمْ وَ عِلْمِهِ فِيهِمْ فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ اَلسَّيْفِ وَ كَفَى بِهِ شَافِياً مِنَ اَلْبَاطِلِ وَ نَاصِراً لِلْحَقِّ وَ مِنَ اَلْعَجَبِ بَعْثُهُمْ إِلَيَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطِّعَانِ وَ أَنْ أَصْبِرَ لِلْجِلاَدِ هَبِلَتْهُمُ اَلْهَبُولُ لَقَدْ كُنْتُ وَ مَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ وَ لاَ أُرْهَبُ بِالضَّرْبِ وَ إِنِّي لَعَلَى يَقِينٍ مِنْ رَبِّي وَ غَيْرِ شُبْهَةٍ مِنْ دِينِي و في الخطبة (١٣٧) و من كلام لهعليه‌السلام في معنى طلحة و الزبير:

وَ اَللَّهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً وَ لاَ جَعَلُوا بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ نِصْفاً وَ إِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقّاً هُمْ تَرَكُوهُ وَ دَماً هُمْ سَفَكُوهُ فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ وَ إِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي فَمَا اَلطَّلِبَةُ إِلاَّ قِبَلَهُمْ وَ إِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ لَلْحُكْمُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ إِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَسْتُ وَ لاَ لُبِسَ عَلَيَّ وَ إِنَّهَا لَلْفِئَةُ اَلْبَاغِيَةُ فِيهَا اَلْحَمَأُ وَ اَلْحُمَّةُ وَ اَلشُّبْهَةُ اَلْمُغْدِفَةُ وَ إِنَّ اَلْأَمْرَ لَوَاضِحٌ وَ قَدْ زَاحَ اَلْبَاطِلُ عَنْ نِصَابِهِ وَ اِنْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ شَغْبِهِ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَأُفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ لاَ يَصْدُرُونَ عَنْهُ بِرِيٍّ وَ لاَ يَعُبُّونَ بَعْدَهُ فِي حَسْيٍ و في الخطبة (١٠) و من خطبة لهعليه‌السلام :

أَلاَ وَ إِنَّ اَلشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ وَ اِسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَ رَجِلَهُ وَ إِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَّسْتُ عَلَى نَفْسِي وَ لاَ لُبِّسَ عَلَيَّ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَأُفْرِطَنَّ لَهُمْ

حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ لاَ يَصْدُرُونَ عَنْهُ وَ لاَ يَعُودُونَ إِلَيْهِ أقول: ترى التكرار في الثلاث، و عذره ما قاله في (ديباجته): و ربما بعد العهد بما اختير أوّلا، فاعيد بعضه سهوا أو نسيانا لا قصدا و اعتمادا( ١) .

قال ابن أبي الحديد بعد الاولى: ذكر كثيرا من هذه الخطبة أبو مخنف فقال: قال مسافر بن عفيف بن أبي الأخنس لمّا رجعت رسل عليعليه‌السلام من عند طلحة و الزبير و عايشة يؤذنونه بالحرب قال: أيّها الناس اني قد راقبت هؤلاء القوم كي يرعووا أو يرجعوا، و وبختهم بنكثهم و عرّفتهم بغيهم فلم يستحيوا، و قد بعثوا إليّ أن أبرز للطعان و أصبر للجلاد، إنّما تمنيك نفسك أماني الباطل و تعدك الغرور. ألا هبلتهم الهبول لقد كنت و ما اهدد بالحرب و لا اذهب بالضرب، و لقد أنصف القارة من راماها، فليرعدوا و ليبرقوا فقد رأوني قديما و عرفوا نكايتي، فكيف رأوني أنا أبو الحسن الذي فللت حدّ المشركين و فرّقت جماعتهم؟ و بذلك القلب ألقى عدوي اليوم، و اني لعلى ما وعدني ربي من النصر و التأييد، و على يقين من أمري و في غير شبهة من ديني، أيّها الناس ان الموت لا يفوته المقيم، و لا يعجزه الهارب، و ليس عن الموت محيد و لا محيص، و من لم يقتل مات. إنّ أفضل الموت القتل، و الذي نفس عليّ بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موتة واحدة على الفراش، اللهمّ ان طلحة نكث بيعتي و ألّب على عثمان حتى قتله، ثم عضهني به و رماني، اللهمّ فلا تمهله، اللهمّ ان الزبير قطع رحمي و نكث بيعتي و ظاهر عليّ عدوي، فاكفنيه اليوم بما شئت( ٢) .

قلت: و روى (جهاد الكافي) عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن محبوب رفعه: أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام خطب يوم الجمل فقال: أيّها الناس انّي أتيت

____________________

(١) نهج البلاغة ١: ٥.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١: ٣٠٥ ٣٠٦، أمالي الطوسي ١: ١٧١ ١٧٢.

هؤلاء و دعوتهم و احتججت عليهم، فدعوني إلى أن أصبر للجلاد إلى آخره مثل ما نقله عن أبي مخنف مع اختلاف يسير( ١) .

و قال ابن ميثم بعد الأولى: تمام الخطبة هكذا: أيّها الناس ان اللّه افترض الجهاد فعظّمه و جعله نصرته و ناصره، و اللّه ما صلحت دنيا و لا دين إلاّ به، و قد جمع الشيطان حزبه و استجلب خيله، و من أطاعه ليعود له دينه و سننه و خدعه و قد رأيت امورا قد تمخّضت، و اللّه ما أنكروا عليّ منكرا و لا جعلوا بيني و بينهم نصفا، و إنّهم ليطلبون حقّا تركوه و دما سفكوه، فان كنت شريكهم فيه فان لهم لنصيبهم منه، و إن كانوا ولّوه دوني فما الطلبة إلاّ قبلهم، و إنّ أول عدلهم لعلى أنفسهم و لا اعتذر ممّا فعلت، و لا أتبرّأ مما صنعت، و إنّ معي لبصيرتي ما لبست و لا لبس علي و إنّها للفئة الباغية فيها الحم و الحمة، طالت جلبتها و انكفت جونتها، ليعودن الباطل في نصابه، يا خيبة الداعي من دعا لو قبل ما أنكر من ذلك و ما امامه و في من سنته و اللّه اذن لزاح الباطل عن نصابه و انقطع لسانه، و ما أظنّ الطريق له فيه واضح حيث نهج، و اللّه ما تاب من قتلوه قبل موته، و لا تنصّل من خطيئته. و ما اعتذر اليهم فعذروه، و لا دعا فنصروه و ايم اللّه لافرطن لها حوضا أنا ماتحه لا يصدرون عنه بري و لا يعبون حسوه أبدا و انها لطيبة نفسي بحجة اللّه عليهم و علمه فيهم و إنّي داعيهم فمعذر اليهم، فإن تابوا و قبلوا و أجابوا و أنابوا، فالتوبة مبذولة و الحق مقبول و ليس علي كفيل، و إن أبوا أعطيتهم حدّ السيف، و كفى به شافيا من باطل و ناصرا لمؤمن، و مع كل صحيفة شاهدها و كاتبها، و اللّه انّ الزبير و طلحة و عايشة ليعلمون أنّي على الحق و أنّهم مبطلون( ٢) .

____________________

(١) الكافي ٥: ٥٣ ٥٤.

(٢) شرح ابن ميثم ١: ٣٣٣.

قلت: كان عليه ان ينقله في الثاني لأنّه تضمن جميع فقرات الثاني مع زيادة، و لم ينقل في الثاني شيئا فهو غفل كما غفل المصنّف. و كيف كان فبعض فقرات ما نقل بلا محصل و قد رواه (الإرشاد) صحيحا. ففي (الارشاد): و استجلب خيله و شبه في ذلك، و خدع و قد بانت الامور و تمحصت و اللّه ما أنكروا( ١) .

و فيه: فيا خيبة للداعي و من دعا لو قيل له: إلى من دعوك، و إلى من أجبت، و من إمامك و ما سنته؟ إذن لزاح الباطل عن مقامه و لصمت لسانه فما نطق)...( ٢) .

قال ابن أبى الحديد: و اعلم أنّ كلام أمير المؤمنينعليه‌السلام و كلام أصحابه و عمّاله في واقعة الجمل كلّه يدور على هذه المعاني، فمن ذلك خطبة رواها المدائني عن عبد اللّه بن جنادة قال: قدمت من الحجاز اريد العراق في أول إمارة عليعليه‌السلام فمررت بمكّة فاعتمرت ثم قدمت المدينة فدخلت المسجد إذ نودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس و خرج عليعليه‌السلام متقلّدا سيفه فشخصت الأبصار نحوه، فحمد اللّه و صلّى على رسوله ثم قال: أمّا بعد، فإنّ اللّه تعالى لمّا قبض نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قلنا: نحن أهله و ورثته و عترته و أولياؤه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، و لا يطمع في حقنا طامع، إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فصارت الإمرة لغيرنا، و صرنا سوقة يطمع فينا الضعيف و يتعزز علينا الذليل، فبكت الأعين منا لذلك و خشنت الصدور و جزعت النفوس، و ايم اللّه لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين و أن يعود الكفر و يبور الدين لكنّا على غير ما كنّا لهم، فولي الأمر ولاة لم يألوا الناس خيرا، ثم

____________________

(١) الإرشاد ١: ٢٥١.

(٢) المصدر نفسه.

استخرجتموني أيّها الناس من بيتي، فبايعتموني على شنآن مني لأمركم، و فراسة تصدقني ما في قلوب كثير منكم، و بايعني هذان الرجلان في أول من بايع تعلمون ذلك و قد نكثا و غدرا و نهضا إلى البصرة بعايشة ليفرقا جماعتكم، و يلقيا بأسكم بينكم، اللهمّ فخذهما بما عملا أخذة رابية( ١ ) ، و لا تنعش لهما صرعة و لا تقلهما عثرة و لا تمهلهما فواقا، فإنّهما يطلبان حقا تركاه و دما سفكاه، اللهمّ إنّي أقتضيك وعدك فإنّك قلت و قولك الحق و لمن بغي عليه لينصرنه اللّه( ٢ ) اللهمّ فأنجز لي موعدي، و لا تكلني إلى نفسي إنّك على كل شي‏ء قدير( ٣) .

و قال: و روى الكلبي: أنّ علياعليه‌السلام لمّا أراد المسير إلى البصرة قام فخطب الناس فقال بعد أن حمد اللّه و صلّى على رسوله: إنّ اللّه لما قبض نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استأثرت علينا قريش بالأمر و دفعتنا عن حق نحن أحقّ به من الناس كافّة، فرأيت أنّ الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين و سفك دمائهم و الناس حديثوا عهد بالإسلام، و الدين يمخض مخض الوطب، يفسده أدنى و هن و يعكسه أقلّ خلق، فولي الأمر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهادا ثم انتقلوا إلى دار الجزاء، و اللّه وليّ تمحيص سيئاتهم و العفو عن هفواتهم، فما بال طلحة و الزبير و ليسا من هذا الأمر بسبيل لم يصبرا عليّ حولا و لا شهرا حتى وثبا و مرقا و نازعاني أمرا لم يجعل اللّه لهما إليه سبيلا، بعد أن بايعا طائعين غير مكرهين يرتضعان أمّا قد فطمت، و يحييان بدعة قد اميتت، أدم عثمان زعما؟ و اللّه ما التبعة إلاّ عندهم و فيهم و إنّ أعظم حجتهم

____________________

(١) الحاقة: ١٠.

(٢) الحج: ٦٠.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١: ٣٠٧ ٣٠٨، و الآية ٢٦ من سورة آل عمران.

لعلى أنفسهم، و أنا راض بحجة اللّه عليهم و علمه فيهم، فإنّ فاءا و أنابا فحظهما أحرزا و أنفسهما غنما و أعظم بهما غنيمة، و إن أبيا أعطيتهما حدّ السيف و كفى به ناصرا لحق و شافيا لباطل. ثم نزل( ١) .

و قال: و روى أبو مخنف عن زيد بن صوحان قال: شهدت علياعليه‌السلام بذي قار و هو معتمّ بعمامة سوداء، ملتف بساج يخطب، فقال في خطبة: الحمد للّه على كل أمر و حال في الغدو و الآصال، و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا عبده و رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ابتعثه رحمة للعباد و حياة للبلاد حين امتلات الأرض فتنة و اضطرب حبلها و عبد الشيطان في أكنافها، و اشتمل ابليس عدوّ اللّه على عقائد أهلها، فكان محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب الذي اطفأ اللّه به نيرانها، و أخمد به شرارها و نزع به أوتادها و أقام به ميلها، امام الهدى و النبي المصطفى، فلقد صدع بما امر به و بلّغ رسالات ربه، فأصلح اللّه به ذات البين، و آمن به السبل و حقن به الدماء و ألّف به بين ذوي الضغائن الواغرة في الصدور، حتى أتاه اليقين. ثم استخلف الناس أبا بكر فلم يأل جهده، ثم استخلف الناس عثمان فنال منكم و نلتم منه، حتى إذا كان في أمره ما كان أتيتموني لتبايعوني فقلت: لا حاجة لي في ذلك. و دخلت منزلي فاستخرجتموني، فقبضت يدي فبسطتموها و تداككتم عليّ حتى ظننت أنّكم قاتلي، و أنّ بعضكم قاتل بعض فبايعتموني و أنا غير مسرور بذلك و لا جذل، و قد علم اللّه سبحانه أنّي كنت كارها للحكومة بين امة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و لقد سمعته يقولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما من وال يلي شيئا من أمر أمتي إلاّ اتي به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه على رؤس الخلائق، ثم ينشر كتابه فإن كان عادلا نجا، و إن كان جائرا هوى» حتى اجتمع عليّ ملأكم، و بايعني طلحة و الزبير و أنا أعرف الغدر

____________________

(١) المصدر نفسه ١: ٣٠٨ ٣٠٩.

في أوجههما، و النكث في أعينهما، ثم استأذناني في العمرة فأعلمتهما ان ليس العمرة يريدان، فسارا إلى مكة و استخفّا عايشة و خدعاها، و شخص معهما أبناء الطلقاء، فقدموا البصرة فقتلوا بها المسلمين و فعلوا المنكر، و يا عجبا لاستقامتهما لأبي بكر و عمر و بغيهما عليّ، و هما يعلمان أنّي لست دون أحدهما و لو شئت أن أقول لقلت و لقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتابا يخدعهما فيه، فكتماه عني و خرجا يوهمان الطغام أنّهما يطلبان بدم عثمان، و اللّه ما أنكرا عليّ منكرا و لا جعلا بيني و بينهم نصفا، و إنّ دم عثمان لمعصوب بهما و مطلوب منهما، يا خيبة الداعي إلام دعا و بما ذا اجيب، و اللّه إنّهما لعلى ضلالة صمّاء و جهالة عمياء، و إنّ الشيطان قد ذمر لهما حزبه، و استجلب منهما خيله و رجله، ليعيد الجور إلى أوطانه و يرد الباطل إلى نصابه ثم رفع يديه فقال: اللهمّ إنّ طلحة و الزبير قطعاني و ظلماني و ألّبا عليّ و نكثا بيعتي، فاحلل ما عقدا و انكث ما أبرما و لا تغفر لهما أبدا، و أرهما المساءة في ما عملا و أمّلا.

فقام إليه الأشتر فقال: الحمد للّه الذي منّ علينا فأفضل، و أحسن إلينا فأجمل، قد سمعنا كلامك و لقد أصبت و وفقت، و أنت ابن عمّ نبيّنا و صهره و وصيّه، و أوّل مصدّق به و مصلّ معه، شهدت مشاهده كلّها فكان لك الفضل فيها على جميع الأمّة، فمن اتبعك أصاب حظّه و استبشر بفلجه، و من عصاك و رغب عنك فإلى امّه الهاوية، لعمري ما أمر طلحة و الزبير و عايشة علينا بمخيل، و لقد دخل الرجلان في ما دخلا فيه و فارقا على غير حدث أحدثت و لا جور صنعت، فان زعما أنّهما يطلبان بدم عثمان فليقيدا من أنفسهما، فإنّهما أوّل من ألّب عليه و أغرى الناس بدمه، و اشهد اللّه لئن لم يدخلا في ما خرجا

منه لنلحقنّهما بعثمان، فإنّ سيوفنا في عواتقنا و قلوبنا في صدورنا...( ١) .

قلت: إنّه و إن نقلها للأوّل إلاّ أنّها اشتملت على الثاني و الثالث أيضا قولهعليه‌السلام في الأوّل.

«ألا و إنّ الشيطان قد ذمر» أي: حثّ.

«حزبه و استجلب جلبه» أي: جمع جمعه، و مثله قوله في الثالث.

«ألا و إنّ الشيطان قد جمع حزبه و استجلب خيله و رجله» أي: صاح بركابه و مشاته و الأصل فيه قوله تعالى للشيطان:... و اجلب عليهم بخيلك و رجلك...( ٢) .

ثم الغريب أنّ ابن أبي الحديد لم يتفطّن أنّ الثالث في طلحة و الزبير أيضا، فقال في قولهعليه‌السلام : «و ان الشيطان قد جمع حزبه»: يمكن أن يريدعليه‌السلام بالشيطان الشيطان الحقيقي، و أن يريد به معاوية( ٣) .

قولهعليه‌السلام في الأوّل: «ليعود الجور الى أوطانه و يرجع الباطل إلى نصابه» أي: أصله كما فعلوا ذلك يوم السقيفة و يوم الدار، فحالوا بينهعليه‌السلام و بين حقّه هربا من عدلهعليه‌السلام فيهم و منعهم من الجور و الباطل.

قولهعليه‌السلام في الأوّل و الثاني: «و اللّه ما أنكروا عليّ منكرا» حتى نقضوا بيعتي، بل أنكروا التزامهعليه‌السلام بالمعروف حتى انّ المغيرة بن شعبة الذي كان منافقا و اعتزل أمير المؤمنينعليه‌السلام و لحق بالطائف أيامه، فلم ينصرهعليه‌السلام لعرفانه بدهائه و أنّه لا يستقر أمره لعداوة قريش و بني أمّية، و لم يحاربهعليه‌السلام لعرفانه بأسه و شجاعته أنكر عليهم ذلك.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١: ٣٠٩ ٣١١.

(٢) الإسراء: ٦٤.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٣٩.

ففي (خلفاء ابن قتيبة): لما أشرف المغيرة مع سعيد بن العاص على طلحة و الزبير و عايشة و من معهم أقبل المغيرة عليهم و قال: أيّها الناس إن كنتم إنّما خرجتم مع أمّكم فارجعوا خيرا لكم، و إن كنتم غضبتم لعثمان فرؤساؤكم قتلوا عثمان، و إن كنتم نقمتم على عليّ شيئا فبيّنوا ما نقمتم عليه انشدكم اللّه فتنتين في عام واحد( ١ ) «و لا جعلوا بيني و بينهم نصفا» إذ قتلوا عثمان و نسبوا قتله إليهعليه‌السلام ثم إنّ ابن أبي الحديد أغرب فقال في شرح الفقرة في الأوّل: النصف الذي ينصف.

و قال الراوندي: «النصف النصفة» و لا معنى لقوله «و لا جعلوا إنصافا في البين»( ٢ ) و في الثاني: النصف و الإنصاف قال الفرزدق:

و لكن نصفا لو سببت و سبني

بنو عبد شمس من قريش و هاشم

و هو على حذف المضاف أي: ذا نصف فما أنصفه( ٣) .

«و إنّهم ليطلبون حقّا هم تركوه» هكذا في (المصرية)( ٤ ) في الأوّل و الثاني و لكن في (شرح ابن ميثم) في الأوّل «حقا تركوه» بدون «هم»( ٥) .

«و دما هم سفكوه» قال حسان:

من عذيري من الزبير و من

طلحة إذ جاء أمر له مقدار

و في (خلفاء ابن قتيبة): لما حاصر أهل الكوفة و أهل مصر عثمان ليلا و نهارا، كان طلحة يحرّض الفريقين و يقول لهم: إنّ عثمان لا يبالي ما

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٦٣.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١: ٣٠٤.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٣٣.

(٤) نهج البلاغة ١: ٥٥، و ٢: ٢٧.

(٥) شرح ابن ميثم ١: ٣٣٣.

حصرتموه و هو يدخل عليه الطعام و الشراب، فامنعوه أن يدخل عليه( ١) .

قوله في الأوّل: «فلئن كنت شريكهم فيه» هكذا في (المصرية)( ٢ ) ، و لكن في (ابن ميثم): «فان كنت شريكهم فيه»( ٣ ) ، مثله في الثاني.

«فإنّ لهم لنصيبهم منه» قال ابن أبي الحديد: روى الذين صنّفوا في واقعة الدار: أنّ طلحة كان يوم قتل عثمان مقنّعا بثوب قد استتر به عن أعين الناس، يرمي الدار بالسهام( ٤) .

و قال: و رووا: أنّه لما امتنع على الذين حصروه الدخول من باب الدار حملهم طلحة إلى دار لبعض الأنصار، فأصعدهم إلى سطحها و تسوّروا منها على عثمان داره فقتلوه( ٥) .

و قال: و رووا أيضا: أنّ الزبير أيضا يقول: اقتلوه فقد بدّل دينكم. فقالوا:

إن ابنك يحامي عنه بالباب. فقال: ما أكره أن يقتل عثمان و لو بدى‏ء بابني، إنّ عثمان لجيفة على الصراط غدا( ٦) .

و قال: و روي: أنّ عثمان قال: ويلي على ابن الحضرمية يعني طلحة أعطيته كذا و كذا بهارا ذهبا و هو يروم دمي و يحرّض على نفسي( ٧) .

و في (الطبري): عن عبد الرحمن بن ابزي قال: رأيت اليوم الذي دخل فيه على عثمان، فدخلوا من دار عمرو بن حزم من خوخة هناك، فو اللّه ما نسيت

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٣٨.

(٢) نهج البلاغة ١: ٥٥.

(٣) شرح ابن ميثم ١: ٣٣٣.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٣٥.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٣٥ ٣٦.

(٦) المصدر نفسه ٩: ٣٦.

(٧) المصدر نفسه ٩: ٣٥.

أن خرج سودان بن حمران يقول: أين طلحة، قد قتلنا ابن عفان( ١ ) ؟

قولهعليه‌السلام في الأوّل: «و لئن كانوا ولّوه دوني فما التبعة إلاّ عندهم و إنّ أعظم حجّتهم لعلى أنفسهم» و في (شرح ابن ميثم): «ان كانوا»( ٢ ) كما في الثاني.

«و إن كانوا ولّوه دوني فما الطّلبة إلاّ قبلهم و إنّ أوّل عدلهم للحكم على أنفسهم» في (خلفاء ابن قتيبة): تكلّم الزبير في ملأ من قريش فقال: هذا جزاؤنا من عليّ، قمنا له في أمر عثمان حتى أثبتنا عليه الذنب و سببنا له القتل، و هو جالس في بيته و كفي الأمر، فلمّا نال بنا ما أراد جعل دوننا...( ٣) .

و في (جمل المفيد): روى سليمان بن عبد اللّه بن عويمر الأسلمي عن ابن الزبير قال: سمعت عمّارا يقول لأصحابنا: ما تريدون و ما تطلبون؟ فناديناه:

نطلب بدم عثمان، فإن خلّيتم بيننا و بين قتلته رجعنا. فنادانا عمّار: قد فعلنا، هذه عايشة و طلحة و الزبير قتلوه عطشانا، فابدؤا بهم، فإذا فرغتم منهم تعالوا إلينا نبذل لكم الحقّ. فأمسك و اللّه أصحاب الجمل كلّهم( ٤) .

و لم يذكرعليه‌السلام شقّا ثالثا و هو توليته دونهم لأنّه أمر لا يمكنهم التفوّه بذلك لأنّه واضح البطلان، فمن يدّعي باطلا إن كان عاقلا لا بدّ أن يدّعي ما يمكنه التلبيس فيه دون ما لا يمكن، و تصديهما و التحريض على قتله كان أمرا معلوما شاهده جميع الناس، و إنّما اتّهموهعليه‌السلام بشراكته، لأنّه آوى قاتليه و لم ينههم عن قتله، و لمّا سألوه عن رأيه في قتله قال: ما ساءني. و هو إنّما يدلّ على رضاه دون دخالته.

و مما يوضح رضاه قول الأشتر لهعليه‌السلام و هو من أخص أصحابه: إنّ

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٧٩، سنة ٣٥.

(٢) شرح ابن ميثم ١: ٣٣٣.

(٣) الإمامة و السياسة ١: ٥١.

(٤) الجمل للمفيد: ٣٦٥.

طلحة و الزبير إن لم يرجعا لنلحقنّهما بعثمان. كما مر عن أبي مخنف.

قولهعليه‌السلام في الأوّل: «يرتضعون أمّا قد فطمت» في (خلفاء ابن قتيبة): قام عثمان بن حنيف عامل عليعليه‌السلام على البصرة لمّا سمع بدنوّ طلحة و الزبير فقال: أيّها الناس إنّما بايعتم اللّه، يد اللّه فوق أيديكم فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه و من أوفى بما عاهد عليه اللّه فسيؤتيه أجرا عظيما( ١ ) و اللّه لو علم عليعليه‌السلام أنّ أحدا أحقّ بهذا الأمر منه ما قبله، و ما به إلى أحد من الصحابة حاجة و ما بأحد منه غنى، و لقد شاركهم في محاسنهم و ما شاركوه في محاسنه، و لقد بايعه هذان الرجلان و ما يريدان اللّه، فاستعجلا الفطام قبل الرّضاع، و الرّضاع قبل الولادة و الولادة قبل الحمل( ٢) .

«و يحيون بدعة قد اميتت» فعمر بايع أبا بكر، ليكون شريكه في أمره و ليرد الأمر إليه بعده ففعل، و كتب عثمان و كان كاتب أبي بكر استخلاف أبي بكر لعمر في غشوته، و إن أفاق و أمضاه ليدبر عمر له في استخلافه، فدبر له مع كونه من بني امية، و كون سوابقه الدفاع عن أعداء اللّه حتى لا يقتلهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بجعل شورى، و أنّه من بني عبد مناف كعليّ، و جعل ابن عوف زوج اخته حكما، فحكم ابن عوف لعثمان ليردّ الأمر إليه و يكون شريكه كعمر مع أبي بكر، إلاّ أنّ عثمان لم يعرف غير بني أبيه فآل الأمر بينهما بالفساد. و قد كانعليه‌السلام دعا عليه لما فوّض الأمر إلى عثمان فقال له: «دق اللّه بينكما عطر منشم» فكان يسعى في عزله بعد نصبه إلى أن مات قبله، فبايعهعليه‌السلام طلحة و الزبير أوّل الناس بهذا الطمع، إلاّ أنّهعليه‌السلام لم يكن أهل ذاك و كانوا يعرفونه بذلك، و لذلك اتّفقوا على دفعه عن الأمر يوم السقيفة و يوم الشورى، إلاّ أنّهم

____________________

(١) الفتح: ١٠.

(٢) الإمامة و السياسة ١: ٦٣ ٦٤.

بعد قتل عثمان لم يمكنهم دفعه، لأنّ شوق الناس إليه كان بحيث كاد أن يقتل بعضهم بعضا في السبقة إليه، إلاّ أنّ الطمع يسلب العقل، فقالا لهعليه‌السلام : إنّا بايعناك على أنّا شركاؤك في الأمر. و قال طلحة بعد قول الزبير المتقدم: ما اللوم إلاّ لنا، إنّا كنّا ثلاثة من أهل الشورى أي: هما مع سعد كرهه أحدنا و بايعناه، و أعطيناه ما في أيدينا و منعنا ما في يده، فأصبحنا قد أخطأنا ما رجونا.

«يا خيبة الداعي» من الاجابة.

«من دعا» أي: إلى طلب دم عثمان. إنّما دعا إليه طلحة و الزبير اللذان حثّا على قتله، و دعا إليه من كان مثلهما في الحثّ على قتله عايشة، و كانت مأمورة بنص القرآن بالقرار في بيتها، و بنص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لها ألاّ تكون صاحبة كلاب الحوأب.

سبحان اللّه من هؤلاء المنتمين إلى السّنة القائلين بجلال هؤلاء من ذاك اليوم إلى يومنا، و هل باطل أوضح من هذا؟ إلاّ أنّ لازم كونهم أهل سنة سنّة أبي بكر و عمر ذلك و لا غرو يقول تعالى: و لو أننا نزّلنا إليهم الملائكة و كلّمهم الموتى و حشرنا عليهم كل شي‏ء قبلا ما كانوا ليؤمنوا...( ١ ) و إلاّ فكون أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أهل عصمة و طهارة و مثل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كلّ صفة بنص القرآن و السنة المتواترة و إجماع مخالفيهم فضلا عن موافقيهم، و كون جميع أئمتهم معدن كل عوار و مثلبة، و كون أولهم كآخرهم، و كون أبي بكر و عمر كعثمان، و عثمان كبني اميّة في عداوتهم للّه و لرسوله و أهل بيت نبيه من أوضح الواضحات.

و في (خلفاء ابن قتيبة): أتى طلحة و الزبير عبد اللّه بن خلف فقال لهما:

____________________

(١) الأنعام: ١١١.

إنّه ليس أحد من أهل الحجاز كان منه في عثمان شي‏ء إلاّ و قد بلغ أهل العراق، و قد كان منكما في عثمان من التخليب و التأليب ما لا يدفعه جحود، و لا ينفعكما فيه عذر، و أحسن الناس فيكما قولا من أزال عنكما القتل و ألزمكما الخذلان، و قد بايع الناس عليّا بيعة عامة، و الناس لاقوكما غدا فما تقولان؟

فقال طلحة: ننكر القتل و نقرّ بالخذلان، و لا ينفع الإقرار إلاّ مع الندم، و لقد ندمنا على ما كان منّا. و قال الزبير: نقول: بايعنا عليّا و السيف على أعناقنا، حيث تواثب الناس بالبيعة إليه دون مشورتنا، و لم نصب عثمان قتلا خطأ فيجب علينا الديّة، و لا عمدا فيجب علينا القصاص. فقال لهما: عذركما أشد من ذنبكما( ١) .

و فيه: جاء جارية بن قدامة إلى عايشة فقال لها: قتل عثمان كان أهون علينا من خروجك على هذا الجمل الملعون( ٢) .

«و إلام» و في نسخة (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٣ ) : «و إلى ما».

«اجيب» أي: اجيب إلى الطلب بدم عثمان الذي استحل المؤمنون دمه، و منع المسلمون من دفنه في مقابر المسلمين ففي (جمل المفيد): روى عبد اللّه بن رياح مولى الأنصار بن زياد مولى عثمان قال: خرج عمّار يوم الجمل إلينا فقال: يا هؤلاء على أيّ شي‏ء تقاتلونا؟ فقلنا: على أنّ عثمان قتل مؤمنا. فقال عمّار: نحن نقاتلكم على أنّه قتل كافرا. و اللّه لو ضربتمونا حتى نبلغ سعفات هجر لعلمنا أنّا على الحقّ و أنّكم على الباطل. و اللّه ما نزل تأويل هذه الآية: يا أيّها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي اللّه بقوم يحبّهم

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٦١ ٦٢.

(٢) الإمامة و السياسة ١: ٦٩.

(٣) في شرح ابن أبي الحديد ١: ٣٠٣، و شرح ابن ميثم ١: ٣٣٢ «إلام» أيضا.

و يحبّونه...( ١ ) إلاّ اليوم( ٢) .

و في (صفين نصر): قال عمرو بن العاص لعمّار: هل كنت مع من قتل عثمان؟ قال: كنت مع من قتله و أنا اليوم أقاتل معهم. فقال عمرو: فلم قتلتموه؟

قال عمّار: أراد أن يغيّر ديننا فقتلناه. فقال عمرو لمن معه: ألا تسمعون، قد اعترف بقتل عثمان؟ قال عمّار: و قال قبلك فرعون لقومه: ألا تسمعون( ٣) .

هذا و في (خلفاء ابن قتيبة): ذكروا: أنّ عبد اللّه بن عامر لحق بالشام و لم يأت معاوية، فبعث إليه معاوية أن يأتيه و ألحّ عليه، فكتب إليه ابن عامر:

اخبرك أنّي أقحمت طلحة و الزبير إلى البصرة، و أنا أقول: إذا رأى الناس أمّ المؤمنين مالوا إليها، و إن فرّ الناس لم يفرّ الزبير، و إن غدر الناس لم يغدر مروان. فغضبت عايشة و رجع الزبير و قتل مروان طلحة و ذهب مالي بما فيه، و الناس أشباه، و اليوم كأمس. فكتب إليه معاوية: فإنّك قلّدت أمر دينك قتلة عثمان، و أنفقت مالك لابن الزبير و آثرت العراق على الشام، فأخرجك اللّه من الحرب صفر اليدين، ليس لك حظ الحق و لاثار القتيل( ٤) .

«و إنّي لراض بحجة اللّه عليهم و علمه فيهم» في (جمل المفيد): روى الواقدي عن عمر بن علي قال: لمّا سمع أبيعليه‌السلام أصوات الناس يوم الجمل و قد ارتفعت، قال لابنه محمّد: ما يقولون؟ قال: يقولون: يا ثارات عثمان. فقالعليه‌السلام :

فقاتلوهم صابرين محتسبين، فالكتاب معكم و السّنة معكم، و من كانا معه فهو القوي( ٥) .

____________________

(١) المائدة: ٥٤.

(٢) الجمل للمفيد: ٣٦٦ و قريب منه ما في وقعة صفّين: ٣٢٢ و الشافي في الإمامة ٤: ٣٥٥.

(٣) وقعة صفّين: ٣٣٨ ٣٣٩.

(٤) الإمامة و السياسة ١: ٨٨ ٨٩.

(٥) الجمل للمفيد: ٣٥٧ ٣٥٨.

«فإن أبوا أعطيتهم حدّ السيف» روى الواقدى كما في (الجمل) للمفيد عن محمّد بن علي قال: رمقت لضرب أبي و لحظته، فاذا هو يورد السيف و يصدره و لا أرى فيه دما، و إذا هو يسرع اصداره فيسبق الدم، و صاح أبي بمحمد بن أبي بكر: اقطع البطان. فقطعه، و تلقوا الهودج فكأن الحرب و اللّه جمرة صبّ عليها الماء( ١) .

و روى ابراهيم بن نافع كما فيه: عن سعيد بن أبي هند عمّن حضر الجمل: أنّ علياعليه‌السلام قاتل يومئذ أشد القتال، و سمعوه و هو يقول: تبارك اللّه الذي أذن لهذه السيوف تصنع ما تصنع( ٢) .

و في (الطبري) في عنوان كثرة قتلى يوم الجمل قال الزبير بن الحريث: قلت لأبي لبيد: لم تسبّ عليّا؟ قال: ألا أسبّ رجلا قتل منّا ألفين و خمسمائة، و الشمس ها هنا( ٣) .

«و كفى به شافيا من الباطل و ناصرا للحق» قالواعليهم‌السلام : لا يقيم الناس على الحقّ إلاّ السيف( ٤ ) . و قيل فيه من الشعر:

السيف أصدق أنباء من الكتب

في حدّه الحدّ بين الجد و اللعب

محا السيف ما قال ابن داره اجمعا

«و من العجب بعثهم» هكذا في (المصرية)( ٥ ) ، و لكن في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٦ ) : «بعثتهم».

____________________

(١) الجمل للمفيد: ٣٦٠ ٣٦١.

(٢) الجمل للمفيد: ٣٦١.

(٣) تاريخ الطبريّ ٤: ٥٤٥، سنة ٣٦.

(٤) ثواب الأعمال: ٢٢٦ بإسناده إلى أبي عبد اللّهعليه‌السلام .

(٥) نهج البلاغة ١: ٥٥.

(٦) في شرح ابن أبي الحديد ١: ٣٠٣ و شرح ابن ميثم ١: ٣٣٢ «بعثهم» أيضا.

«إليّ أن أبرز للطعان» بالرماح.

«و أن أصبر للجلاد» بالسيوف.

«هبلتهم الهبول» بالفتح أي: ثكلتهم الثكول.

«لقد كنت و ما أهدّد بالحرب و لا ارهب بالضرب» مرت هاتان الجملتان في (١٣) من الفصل من أول العنوان قوله هنا.

«و إنّي لعلى يقين من ربّي و غير شبهة من ديني» و في الثاني و الثالث: «و إنّ معي لبصيرتي ما لبست على نفسي و لا لبس عليّ» في (الصحاح): اللبس: مصدر لبست عليه الأمر خلطت، من قوله تعالى:... و للبسنا عليهم ما يلبسون( ١) .

كان ابن عمر و سعد و محمّد بن مسلمة لبسوا على أنفسهم فاعتزلوهعليه‌السلام ، فحاجّهم عمّار و أتمّ عليهم الحجّة.

ففي (الخلفاء) ذكروا: أنّ عمّارا أتى ابن عمر بعد استيذانه عليّاعليه‌السلام فقال له: إنّه بايع علياعليه‌السلام المهاجرون و الأنصار، و من إن فضّلناه عليك لم يسخطك، و إن فضلناك عليه لم يرضك، و قد أنكرت السيف في أهل الصلاة، و قد علمت أنّ على القاتل القتل و على المحصن الرجم، و هذا يقتل بالسيف و هذا بالحجارة. فقال: إنّ أبي جمع أهل الشورى فكان أحقّهم بها عليّعليه‌السلام ، غير أنّه جاء أمر فيه السيف و لا أعرفه، و لكن و اللّه ما احبّ أنّ لي الدنيا، و أنّي أضمرت عداوة عليّعليه‌السلام .

فأتى بمحمد بن مسلمة فقال: يا عمّار لو لا ما في يدي من النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لبايعت عليّا، و لو أنّ الناس كلهم عليه لكنت معه. فقال له عمّار: أفتريد من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قولا بعد قوله في حجّة الوداع «دماؤكم و أموالكم حرام إلاّ بحدث»، أ فتقول: لا نقاتل المحدثين؟ قال: حسبك.

____________________

(١) الصحاح ٣: ٩٧٣، مادة: (لبس)، و الآية ٩ من سورة الأنعام.

ثم أتى سعدا فكلّمه، فأظهر الكلام القبيح فانصرف إلى عليعليه‌السلام فقالعليه‌السلام له: دع هؤلاء الرهط، أمّا ابن عمر فضعيف، و أمّا سعد فحسود، و ذنبي إلى محمّد بن مسلمة أنّي قتلت أخاه( ١) .

قولهعليه‌السلام في الثاني: «و إنّها للفئة الباغية» قال ابن أبي الحديد: لام التعريف في الفئة يشعر بأنّ نصّا كان عنده: أنّه سيخرج عليه فئة باغية و لم يعيّن له وقتها و لا كلّ صفاتها، بل بعض علاماتها، فلمّا خرج أصحاب الجمل و رأى تلك العلامات فيهم قال ذلك( ٢) .

قلت: بل الظاهر أنّ قولهعليه‌السلام : «و إنّها للفئة الباغية» إشارة إلى قوله تعالى:... فإن بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفي‏ء إلى امر اللّه...( ٣) .

ثم إنّهعليه‌السلام كان يعلم تفاصيل تلك الفئة فروى نصر بن مزاحم كما في (جمل المفيد) مسندا عن زيد عن ابن عباس قال: أبطأ خبر أهل الكوفة علينا و نحن في فلاة، فأخبرت علياعليه‌السلام بذلك فقال لي: اسكت يا بن عباس، فو اللّه لتأتين في هذين اليومين من الكوفة ستة آلاف و ستمائة رجل، و لتغلبنّ أهل البصرة و ليقتلنّ طلحة و الزبير. قال ابن عباس: فو اللّه إنّي أستشرف الأخبار و أستقبلها، حتى إذا أتى ركب فاستقبلته و استخبرته فأخبرني بالعدة التي سمعتها منهعليه‌السلام لم ينقص واحد( ٤) .

و إنّما كان الزبير و عايشة أخبرهما النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أمر الجمل، و أنّهم من أهل البغي و أهل الفتنة، و من الفئة الباغية، فلمّا اتّفق لهم ما اتّفق، و رأوا

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٥٣ ٥٤.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٣٧.

(٣) الحجرات: ٩.

(٤) الجمل للمفيد: ٢٩٣، تاريخ الطبري ٤: ٥٠٠، سنة ٣٦، شرح ابن أبي الحديد ٢: ١٨٧.

العلامات فيهم من قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعايشة «تنبحك كلاب الحوأب» و قولهعليه‌السلام للزبير: «تقاتل عليّا و أنت له ظالم» فهموا أنّهم المرادون.

ففي (الخلفاء): لمّا انتهوا إلى ماء الحوأب في الطريق و معهم عايشة نبحتها كلاب الحوأب، فقالت لمحمد بن طلحة: أيّ ماء هذا؟ قال: ماء الحوأب، قالت: ما أراني إلاّ راجعة. قال: و لم؟ قالت: قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لنسائه: «كأني بإحداكن تنبحها كلاب الحوأب». فقال لها محمّد: تقدمي و دعي هذا القول...( ١) .

و في (العقد): عن شريك عن الأسود بن قيس قال: حدّثني من رأى الزبير يوم الجمل يقعص الخيل بالرمح قعصا، فنوّه به عليعليه‌السلام : أ تذكر يوما أتانا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و أنا أناجيك، فقال: «أ تناجيه، و اللّه ليقاتلنّك و هو ظالم لك»؟ فصرف الزبير وجه دابته و انصرف( ٢) .

«فيها الحما و الحمة» الظاهر أنّ الحمة: إشارة بعايشة و الحمأ: بطلحة ابن عمّ أبيها فأبو بكر ابن أبي قحافة بن عامر بن عمرو، و طلحة ابن عبيد اللّه بن عثمان بن عمرو و بالزبير زوج اختها أسماء قال ابن دريد: الحما: مصدر حامى عنه، يقال: أنا الحماء لك و الفداء. و هما كانا حاميا عنها و بها نهضا( ٣) .

قال ابن أبي الحديد: قد كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعلم علياعليه‌السلام بأنّ فئة من المسلمين تبغي عليه أيّام خلافته، فيها بعض زوجاته و بعض أحمائه، فكنّى عليعليه‌السلام عن الزوجة بالحمة، و هي اسم العقرب، و الحما بالألف المقصورة كناية عن الزبير لأنّ كلّ ما كان بسبب الرجل فهم الاحماء، واحدهم حما، مثل:

قفا و اقفاء، و ما كان بسبب المرأة فهم الاحمات، فأمّا الأصهار فيجمع الجهتين،

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٦٣.

(٢) العقد الفريد ٥: ٧١.

(٣) جمهرة اللغة ٢: ١٠٥٢، مادة: (حما).

و كان الزبير ابن عمّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و ظهر أنّ الحما الذي أخبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الزبير ابن عمّته( ١) .

قلت: قوله: «و بعض أحمائه» لا معنى له لأنّه لم يقل أحد إن الأحماء بمعنى مطلق الأقرباء حتى يكون المعنى بعض أقربائهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و هو الزبير ابن عمّته، و إنّما الاحماء أقرباء زوج المرأة، فعن عايشة: ما كان بيني و بين عليعليه‌السلام إلاّ ما كان بين المرأة و أحمائها.

و قال امرؤ القيس:

إذا ما عدّ أربعة فسال

فزوجك خامس و حماك سادي( ٢)

و معنى فسال: ضعاف، و معنى سادي: سادس.

و قال آخر:

هي ما كنتي و تزعم

أنّي لها حمو( ٣)

و الكنة: امرأة الابن.

و قال آخر:

قلت لبوّاب لدى دارها

تئذن فإنّي حموها و جارها( ٤)

و أمّا قول ابن دريد في الحمو: «حمو الرجل: أبو امرأته أو أخوها أو عمّها»( ٥ ) ، و نقل البيتين الأولين، فوهم أو تصحيف، لأن البيتين يدلاّن على خلاف قوله، و لأنّه قال بعد في (حمى): أحماء المرأة أهل زوجها( ٦ ) . كما أنّ قول

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٣٤.

(٢) جمهرة اللغة لابن دريد ١: ٥٧٣، مادة: (حمو).

(٣) المصدر نفسه.

(٤) الصحاح للجوهري ٦: ٢٣١٩، مادة: (حمى).

(٥) جمهرة اللغة ١: ٥٧٣، مادة: (حمو).

(٦) جمهرة اللغة ٢: ١٠٥٢، مادة: (حما).

ابن أبي الحديد: «و ما كان بسبب المرأة فهم الاحمات»( ١ ) أيضا بلا معنى، و إنّما حماة المرأة امّ زوجها، و كأنّه أراد أن يقول: «فهم الاختان»، فقال: الاحمات.

قال الجوهري: كلّ شي‏ء من قبل الزوج مثل الأب و الأخ فهم الاحماء، و كلّ شي‏ء من قبل المرأة فهم الاختان و الصهر يجمع هذا كله( ٢) .

و كيف كان، فروى ابن بابويه باسناده عن عبد الرزاق عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف عن ابن مسعود قال: قلت للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من يغسلك إذا مت؟

قال: يغسل كلّ نبي وصيّه. قلت: من وصيّك؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علي بن أبي طالب. قلت:

كم يعيش بعدك؟ قال: ثلاثين سنة، فإن يوشع وصيّ موسىعليه‌السلام عاش بعده ثلاثين سنة، و خرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسى فقالت: أنا أحقّ بالأمر منك. فقاتلها و قتل مقاتلتها و أسرها فأحسن أسرها، و إنّ بنت أبي بكر ستخرج على عليّعليه‌السلام في كذا و كذا ألفا من أمّتي فيقاتلها و يقتل مقاتلتها و يأسرها فيحسن أسرها، و فيها أنزل تعالى: و قرن في بيوتكنّ و لا تبرجن تبرج الجاهليّة الاولى...( ٣ ) يعني بالجاهلية الاولى: صفراء بنت شعيب( ٤) .

و عن الحميدي في (الجمع بين الصحيحين): عن ابن عمر: قام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطيبا فأشار إلى نحو مسكن عايشة و قال: ها هنا الفتنة ثلاثا منه يطلع قرن الشيطان.

قلت: و الظاهر أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال ثلاث مرات: ها هنا الفتنة. لأنّها كانت منشأ الفتنة قبل الجمل أيضا، يوم بعثت أباها يصلّي بالناس في مرض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فجعله رفيقه الفاروق شبهه لاستخلافه، و بعد الجمل في منعها من

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٣٤.

(٢) الصحاح ٦: ٢٣١٩، مادة: (حمى).

(٣) الأحزاب: ٣٣.

(٤) كمال الدين ١: ٢٧.

دفن الحسنعليه‌السلام عند جدّه( ١) .

و روى الواقدي كما في (جمل المفيد): أنّ أبا بكرة أقبل يريد أن يدخل مع طلحة و الزبير، فلمّا رأى تدبير عايشة لهما رجع عنهما و قال: سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: و قد ذكر ملكة سبأ لا أفلح قوم تدبرهم امرأة( ٢) .

«و الشبهة المغدقة» أي: الوسيعة الغزيرة.

«و إنّ الأمر لواضح و قد زاح» من زاح يزيح أي: بعد و ذهب.

«الباطل عن نصابه» أي: أصله.

«و انقطع لسانه عن شغبه» أي: تهييجه للشر في (جمل المفيد): لمّا سارعليه‌السلام من ذي قار قدّم صعصعة بكتاب إلى طلحة و الزبير و عايشة يعظّم عليهم حرمة الاسلام، و يخوفهم في ما صنعوا من قتل من قتلوا و يدعوهم إلى الطاعة قال صعصعة: فبدأت بطلحة و أعطيته الكتاب، فقال: الآن حين عض ابن أبي طالب الحرب ترقق لنا. ثم جئت إلى الزبير فوجدته ألين من طلحة، ثم جئت إلى عايشة فوجدتها أسرع الناس إلى الشّرّ، فقالت: نعم قد خرجت للطلب بدم عثمان و اللّه لأفعلن و أفعلن. فعدت فلقيتهعليه‌السلام قبل أن يدخل البصرة فقال لي: ما وراءك؟ قلت: رأيت قوما لا يريدون إلاّ قتالك. قال: اللّه المستعان.

ثم دعا ابن عباس و قال له: انطلق إليهم و ذكّرهم العهد الذي في رقابهم.

قال: فبدأت بطلحة فقال: لقد بايعت و اللج على رقبتي. قال: فقلت: أنا رأيتك بايعت طائعا، أو لم يقل لك قبل بيعتك إن أحببت أبايعك؟ فقلت: لا بل نحن نبايعك. فقال: إنّما قال ذلك لي و قد بايعه قوم فلم أستطع خلافهم، أما علمت أنّي جئت إليه و الزبير و لنا من الصحبة ما لنا و القدم في الإسلام، و قد أحاط به

____________________

(١) صحيح البخاري ٨: ٩٥، صحيح مسلم ٨: ١٨١.

(٢) الجمل للمفيد: ٢٩٧، و قريب منه ما في تلخيص الشافي ٤: ١٦٤، و شرح ابن أبي الحديد ٦: ٢٢٧.

الناس قياما على رأسه بالسيف فقال لنا يهزل: إن أحببتما بايعت لكما. فلو قلنا: نعم، أفتراه يفعل و قد بايع الناس له، يخلع نفسه و يبايعنا، لا و اللّه ما كان يفعل و حتى ان يغرى بنا من لا يرى لنا حرمة فبايعناه كارهين، و قد جئنا نطلب بدم عثمان، فقل لابن عمّك: إن يريد حقن الدماء و إصلاح أمر الامّة فليمكّنّا من قتلة عثمان، فهم معه، و يخلع نفسه و يرد الأمر ليكون شورى، و إن أبى أعطيناه السيف. قال: فقلت له: لست تنصف، ألم تعلم أنّك حصرت عثمان حتّى مكث عشرة أيام يشرب ماء بئره، حتى كلّمك عليعليه‌السلام في أن تخلّي الماء له و أنت تأبى ذلك، و لمّا رأى أهل مصر فعلك و أنت من الصحابة، دخلوا عليه بسلاحهم فقتلوه؟

ثمّ بايع الناس رجلا له من السابقة و الفضل و القرابة من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و البلاء العظيم ما لا يدفع، و جئت أنت و صاحبك طائعين غير مكرهين حتى بايعتما ثم نكثتما، فعجب و اللّه إقرارك لأبي بكر و عمر و عثمان بالبيعة، و وثبك على عليّعليه‌السلام ، فو اللّه ما عليعليه‌السلام دون أحد منكم، و أمّا قولك: يمكّنني من قتلة عثمان. فما يخفى عليك من قتل عثمان؟ و أمّا قولك: إن أبى عليّ فالسيف. فو اللّه إنّك لتعلم أنّ عليّاعليه‌السلام لا يتخوّف. فقال طلحة: دعنا من جدالك. فخرجت إلى عليعليه‌السلام و قد دخل البيوت، فقال: ما وراءك؟ فأخبرته، فقال:... اللهمّ افتح بيننا و بين قومنا و أنت خير الفاتحين( ١) .

قولهعليه‌السلام في الثالث: «و ايم اللّه لأفرطن» من (أفرطت المزادة ملاتها).

«لهم حوضا» قال العماني:

و ابن السقاة إذا الحجيج تفارطوا

حوضا بمكة واسع الأركان

«أنا ماتحه» أي: مستقيه، و الماتح: الذي ينزع الدلو، و بئر متوح: قريبة

____________________

(١) الجمل للمفيد: ٣١٤ ٣١٦، و نقله الشارح بتصرّف، و الآية ٨٩ من سورة الأعراف.

المنزع كأنها تمتح بنفسها.

«لا يصدرون عنه و لا يعودون إليه» و قولهعليه‌السلام في الثاني. «و أيم اللّه لأفرطن حوضا أنا ماتحه لا يصدرون بري» في (الصحاح): يقال: من أين ريتكم مفتوحة الراء أي: من أين ترتوون الماء( ١ ) ؟

«و لا يعبّون» العب: شرب الماء بغير مص.

«بعده في حسي» بالكسر قال الجوهري: الحسي: ما تنشفه الأرض من الرمل فإذا صار إلى صلابة امسكته، فيحفر عنه الرمل فيستخرج( ٢) .

في (العقد): كان عدي بن حاتم فقئت عينه يوم الجمل فقال له ابن الزبير:

متى فقئت عينك؟ قال: يوم قتل أبوك و هربت عن خالتك، و أنا للحق ناصر و أنت له خاذل( ٣) .

و روى الجاحظ: أنّ الحسنعليه‌السلام دخل على معاوية و عنده ابن الزبير، و كان معاوية يحب أن يغري بين قريش، فقال: يا أبا محمّد أيّهما أكبر سنّا عليّعليه‌السلام أم الزبير؟ فقالعليه‌السلام : ما أقرب بينهما و عليعليه‌السلام أسنّ من الزبير رحم اللّه عليا. فقال ابن الزبير: رحم اللّه الزبير و هناك أبو سعيد بن عقيل فقال: يا عبد اللّه و ما يهيجك من أن يترحّم الرجل على أبيه؟ قال: و أنا أيضا ترحمت على أبي. قال: أ تظنّه ندا له و كفوا؟ قال: و ما يقعد به من ذلك، كلاهما من قريش، كلاهما دعا إلى نفسه و لم يتم له. قال: دع ذا يا عبد اللّه إنّ عليّاعليه‌السلام من قريش و من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث تعلم، و لمّا دعا إلى نفسه اتبع فيه و كان رأسا. و دعا الزبير إلى أمر كان الرأس فيه امرأة، و لما تراءت الفئتان نكص على عقبيه

____________________

(١) الصحاح ٦: ٢٣٦٤، مادة: (روى).

(٢) الصحاح ٦: ٢٣١٣، مادة: (حسا).

(٣) العقد الفريد ٤: ١٢٠.

و ولى مدبرا قبل أن يظهر الحقّ فيأخذه الحق، أو يدحض الباطل فيتركه، فأدركه رجل لو قيس ببعض أعضائه لكان أصغر، فضرب عنقه و أخذ سلبه و جاء برأسه، و مضى عليعليه‌السلام قدما كعادته مع ابن عمه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رحم اللّه عليا. فقال ابن الزبير: أما لو غيرك يا أبا سعيد تكلّم بهذا لعلم، فقال: إنّ الذي تعرض به يعني الحسنعليه‌السلام يرغب عنك.

و اخبرت عايشة بمقالتهم، و مر أبو سعيد بفنائها، فنادته: أنت القائل لابن اختي كذا؟ فالتفت أبو سعيد فلم ير شيئا، فقال: إنّ الشيطان يراك و لا تراه. فضحكت و قالت: للّه أبوك ما أذلق لسانك( ١) .

و روى كتاب مصعب إلى عبد الملك و جواب عبد الملك له، و في جوابه: ثم دعا الناس إلى علي و بايعه أبوك، فلما دانت له امور الامّة، و أجمعت له الكلمة أدركه الحسد القديم لبني عبد مناف، فنقض عهده و نكث بيعته بعد توكيدها، ففكّر و قدر و قتل كيف قدر، و مزّقت لحمه السباع بوادي الضباع( ٢) .

و في (الطبري) عن ابن عباس قال: خرج أصحاب الجمل في ستمائة معهم عبد الرحمن بن أبي بكرة و عبد اللّه بن صفوان الجمحي، فلمّا جازوا بئر ميمون إذا هم بجزور قد نحرت، و نحرها ينثعب فتطيروا( ٣) .

و في (خلفاء ابن قتيبة): أنّ علياعليه‌السلام دعا طلحة و الزبير و أتمّ عليهما الحجّة، ثم سئلعليه‌السلام بم كلمتهما؟ فقالعليه‌السلام : إنّ شأنهما لمختلف، أمّا الزبير فزاده اللجاج و لن يقاتلكم، و أمّا طلحة فسألته عن الحق فأجابني بالباطل، و لقيته باليقين فلقيني بالشك، فو اللّه ما نفعه حقي و لا ضرّني باطله، مقتول غدا

____________________

(١) نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١١: ١٩ ٢٠.

(٢) نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١١: ١٨ ١٩، و نقله الشارح بتلخيص.

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٤٥٤، سنة ٣٦.

في الرعيل الأوّل( ١) .

و روى أبو مخنف عن جندب بن عبد اللّه قال: مررت بطلحة و معه عصابة يقاتل بهم، و قد فشت فيهم الجراح و كثرهم الناس، فرأيته جريحا و السيف في يده و أصحابه يتصدعون عنه رجلا فرجلا و اثنين فاثنين، و هو يقول: الصبر الصبر فإن بعد الصبر النصر و الأجر. فقلت له: النجا ثكلتك امّك، فو اللّه ما اجرت و لا نصرت، و لكنّك هزمت و خسرت. ثم صحت بأصحابه فانزعروا عنه إلى أن قال: قلت له: و إنّ دمك لحلال...( ٢) .

و روى المدائني قال: لمّا أدبر طلحة و هو جريح يرتاد منزلا، و جعل يقول لمن يمرّ به من أصحاب عليعليه‌السلام : أنا طلحة من يجيرني يكررها.

فكان الحسن البصري إذا ذكر ذلك قال: لقد كان في جوار عريض( ٣) .

و روى الكلبي: أنّ العرق الذي أصابه السهم من طلحة إذا أمسكه بيده استمسك، و إذا رفع يده عنه سال، فقال طلحة: هذا سهم أرسله اللّه، و كان أمر اللّه قدرا مقدورا، ما رأيت كاليوم دم قرشي أضيع. و كان الحسن البصري إذا حكي له هذا يقول: ذق عقق( ٤) .

هذا و في (الأغاني): نهض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بدر بإشارة الحباب بن منذر عليه بأن يأتي أدنى ماء من مياه القوم ينزله و يعوّر( ٥ ) ما سواه من القلب، ثم يبني عليه حوضا فيملؤه ماء، ثم يقاتلهم فيشرب و لا يشربون و فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قال فأقبل نفر من قريش حتى وردوا الحوض إلى أن قال:

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٧١ ٧٢، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

(٢) أورده ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٩: ١١٤ ١١٥.

(٣) المصدر نفسه ٩: ١١٥.

(٤) المصدر نفسه ٩: ١١٤.

(٥) عوّر عين الركيّة إذا كبسها و أفسدها حتّى نضب الماء. (أساس البلاغة: ٣١٦، مادة: عور).

و خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي حين الحرب، فقال: أعاهد اللّه لأشربنّ من حوضهم أو لأهدمنّه أو لأموتنّ دونه.

فلما خرج خرج له حمزة( ١ ) فلمّا التقيا ضربه حمزة فأبان قدمه بنصف ساقه و هو دون الحوض، فوقع على ظهره، تشخب( ٢ ) رجله دما، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد أن يبرّ يمينه، و أتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض( ٣) .

١٦ - الكتاب (٥٥) و من كتاب لهعليه‌السلام إلى معاوية:

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ اَلدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا وَ اِبْتَلَى فِيهَا أَهْلَهَا لِيَعْلَمَ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَ لَسْنَا لِلدُّنْيَا خُلِقْنَا وَ لاَ بِالسَّعْيِ فِيهَا أُمِرْنَا وَ إِنَّمَا وُضِعْنَا فِيهَا لِنُبْتَلَي بِهَا وَ قَدِ اِبْتَلاَنِي اَللَّهُ بِكَ وَ اِبْتَلاَكَ بِي فَجَعَلَ أَحَدَنَا حُجَّةً عَلَى اَلْآخَرِ فَعَدَوْتَ عَلَى اَلدُّنْيَا بِتَأْوِيلِ؟ اَلْقُرْآنِ؟ فَطَلَبْتَنِي بِمَا لَمْ تَجْنِ يَدِي وَ لاَ لِسَانِي وَ عَصَبْتَهُ أَنْتَ وَ أَهْلُ؟ اَلشَّامِ؟ بِي وَ أَلَّبَ عَالِمُكُمْ جَاهِلَكُمْ وَ قَائِمُكُمْ قَاعِدَكُمْ فَاتَّقِ اَللَّهَ فِي نَفْسِكَ وَ نَازِعِ اَلشَّيْطَانَ قِيَادَكَ وَ اِصْرِفْ إِلَى اَلْآخِرَةِ وَجْهَكَ فَهِيَ طَرِيقُنَا وَ طَرِيقُكَ وَ اِحْذَرْ أَنْ يُصِيبَكَ اَللَّهُ مِنْهُ بِعَاجِلِ قَارِعَةٍ تَمَسُّ اَلْأَصْلَ وَ تَقْطَعُ اَلدَّابِرَ فَإِنِّي أُولِي لَكَ بِاللَّهِ أَلِيَّةً غَيْرَ فَاجِرَةٍ لَئِنْ جَمَعَتْنِي وَ إِيَّاكَ جَوَامِعُ اَلْأَقْدَارِ لاَ أَزَالُ بِبَاحَتِكَ حَتَّى يَحْكُمَ

____________________

(١) هو حمزة بن عبد المطلّب.

(٢) شخب المائع: درّ و سال. المصباح المنير ١: ٣٦٩، مادة: (شخب).

(٣) الأغاني ٤: ١٨٣ ١٨٩، سيرة ابن هشام ٢: ٢٧٢ ٢٧٧، بتصرّف و تلخيص من الشارح.

اَللَّهُ بَيْنَنا وَ هُوَ خَيْرُ اَلْحاكِمِينَ ١٥ ٢٢ ٧: ٨٧ «أمّا بعد فإن اللّه سبحانه قد جعل» هكذا في (المصرية)( ١ ) ، و الصواب:

(جعل) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٢ ) ، إلاّ أنّ المصرية جعلت (قد) بين قوسين، و هو دأبها فيما تأخذه من (شرح ابن أبي الحديد) و ليس فيه، و لعل نسختها كانت مشتملة عليه.

«الدنيا لما بعدها» لأنّها مزرعتها و متزودتها.

«و ابتلى فيها أهلها ليعلم أيّهم أحسن عملا» الذي خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملا...( ٣) .

«و لسنا للدنيا خلقنا و لا بالسعي فيها» أي: لها.

«امرنا» بل بالسعي للآخرة... و ابتغ فيما آتاك اللّه الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا...( ٤) .

«و قد ابتلاني اللّه بك» هكذا في (المصرية)( ٥ ) ، و الصواب: (و قد ابتلاني بك) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٦ ) ، و الضمير راجع إلى اللّه في قوله: «فإن اللّه».

«و ابتلاك بي» كابتلاء موسى بفرعون و فرعون بموسى و محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأبي جهل و أبي جهل بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

«فجعل أحدنا حجّة على الآخر» كون المعصوم حجّة على الناس يجب عليهم

____________________

(١) نهج البلاغة ٣: ١٢٣.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٣٥، شرح ابن ميثم ٥: ١٩٠.

(٣) الملك: ٢.

(٤) القصص: ٧٧.

(٥) نهج البلاغة ٣: ١٢٣.

(٦) في شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٣٥ و شرح ابن ميثم ٥: ١٩٠: «و قد ابتلاني اللّه بك» أيضا.

اتباعه معلوم، و أمّا كون غيره حجّة عليه فبمعنى أنّه إن سكت عن عطفه إلى الحق و كفّه عن الباطل يكن مؤاخذا عند اللّه.

روى الكّشّي في أبي الخطاب عن مصادف قال: دخلت على أبي عبد اللّهعليه‌السلام لمّا لبى القوم الذين لبوا بالكوفة لهعليه‌السلام ، فأخبرته بذلك فخّر ساجدا و دق جؤجؤه بالأرض و بكى و يقول: بل عبدقنّ صاغر مرارا كثيره ثمّ رفع رأسه و دموعه تسيل على لحيته، فقلت: جعلت فداك و ما عليك أنت من ذا؟

فقال: يا مصادف إنّ عيسىعليه‌السلام لو سكت عمّا قالت النصارى فيه، لكان حقّا على اللّه أن يصمّ سمعه و يعمي بصره، و لو سكت عمّا قال فيّ أبو الخطاب لكان حقّا على اللّه أن يصمّ سمعي و يعمي بصري( ١) .

«فعدوت على الدنيا» هكذا في (المصرية)( ٢ ) ، و الصواب: (على طلب الدنيا) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٣ ) قال ابن أبي الحديد:

«عدوت» بمعنى: تعديت و ظلمت. و «على الدنيا»: متعلّق بمحذوف، أي:

مثابرا على طلب الدنيا( ٤) .

قلت: بل الظاهر أنّ «عدوت» هنا من قولهم (ذئب عدوان)، أي: يعدو على الناس فلا يحتاج إلى تقدير.

«بتأويل القرآن» قال ابن أبي الحديد: أرادعليه‌السلام به ما كان يموّه به معاوية على أهل الشام بأنّه ولي عثمان، و قال تعالى:... و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليّه سلطانا...( ٥ ) ، ثم يعدهم الظفر على العراق بقوله تعالى:

____________________

(١) اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّي) ٢: ٥٨٧ ٥٨٨ ح ٥٣١.

(٢) نهج البلاغة ٣: ١٢٣.

(٣) هكذا في شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٣٥، و لكن في شرح ابن ميثم المطبوع ٥: ١٩٠ «على الدّنيا» أيضا.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٣٦.

(٥) الإسراء: ٣٣.

فلا يسرف في القتل إنّه كان منصورا( ١) .

قلت: و مع ذلك أشارعليه‌السلام إلى قوله تعالى:... فأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله...( ٢) .

و في (صفين نصر): أنّ عمّارا قام بصفين فقال: امضوا عباد اللّه إلى قوم يطلبون في ما يزعمون بدم الظالم لنفسه، الحاكم على عباد اللّه بغير ما في كتاب اللّه، إنّما قتله الصالحون المنكرون للعدوان، الآمرون بالإحسان، فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين: لم قتلتموه؟ فقلنا: لأحداثه. فقالوا: ما أحدث شيئا، و ذلك لأنّه مكّنهم من الدنيا، فهم يأكلونها و يرعونها و لا يبالون لو انهدت عليهم الجبال، و اللّه ما أظنّهم يطلبون اللّه، إنّهم ليعلمون إنّه لظالم، و لكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها و استمرؤوها، و علموا لو أنّ الحق لزمهم لحال بينهم و بين ما يرعون فيه منها، و لم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها الطاعة و الولاية، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قتل إمامنا مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة و ملوكا، و تلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون، و لو لا هي ما بايعهم من الناس رجلان( ٣) .

«فطلبتني بما لم تجن» بكسر النون، من (جنى يجني) من الجناية.

«يدي» بمباشرة لقتل.

«و لا لساني» بالأمر لآخر بالقتل، و معلوم أنّهعليه‌السلام لم يباشره، و لا أمر به كما فعل طلحة و الزبير، بل جلس في بيته و اعتزل الناس. و لمّا خدع معاوية

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٣٦، و الآية ٣٣ من سورة الاسراء.

(٢) آل عمران: ٧.

(٣) وقعة صفّين: ٣١٩.

شرحبيل و هيّأ له رجالا يشهدون عنده أن علياعليه‌السلام قتل عثمان، كتب جرير إلى شرحبيل أبياتا منها:

و قال ابن هند في عليّ عضيهة

و للّه في صدر ابن أبي طالب أجل

و ما لعليّ في ابن عفّان سقطة

بأمر و لا جلب عليه و لا قتل

و ما كان إلاّ لازما قعر بيته

إلى أن أتى عثمان في بيته الأجل

فمن قال قولا غير هذا فحسبه

من الزور و البهتان قول الذي احتمل

وصيّ رسول اللّه من دون أهله

و فارسه الأولى به يضرب المثل( ١)

«و عصبته» أي: شددته.

«أنت و أهل الشام بي» في (صفين نصر): بعث معاوية الى عمرو بن العاص و قال له: إنّي أدعوك الى جهاد هذا الرجل الذي قتل الخليفة، و أظهر الفتنة و فرّق الجماعة و قطع الرحم. قال عمرو: إلى جهاد من؟ قال: إلى جهاد علي.

فقال عمرو: و اللّه يا معاوية ما أنت و علي بعكمى بعير( ٢ ) ، مالك هجرته و لا سابقته و لا صحبته و لا جهاده و لا فقهه و لا علمه، و لكن لك مع ذلك جدّا و جدودا و حظّا و حظوة، فما تجعل لي إن شايعتك على حربه، و أنت تعلم ما فيه من الغرر و الخطر؟ قال: حكمك. قال: مصر طعمة إلى أن قال: فقال له عمرو إنّ رأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكندي، و هو عدوّ جرير الذي أرسله علي إليك، فأرسل إليه و وطّن له ثقاتك، فليفشوا في الناس أنّ عليّا قتل عثمان، و ليكونوا أهل الرضا عند شرحبيل، فإنّها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحب، و أن تعلّق بقلبه لم يخرجه شي‏ء أبدا.

____________________

(١) وقعة صفّين: ٤٦ ٤٩.

(٢) العكمان: عدلان يشدّان على جانبي الهودج بثوب، و من أمثالهم قولهم: هما كعكمي البعير. يقال: للرجلين يتساويان في الشرف. لسان العرب ٩: ٣٤٤، مادة: (عكم).

فكتب معاوية الى شرحبيل: أنّ جريرا قدم علينا من عند علي بأمر فظيع فاقدم. و دعا يزيد بن أسد و بسر بن أرطاة و عمر بن سفيان و مخارق بن الحرث و حمزة بن مالك و حابس بن سعد و هم رؤساء قحطان و اليمن، و كانوا ثقات معاوية و خاصته و بني عمّ شرحبيل فأمرهم أن يلقوه و يخبروه أنّ عليا قتل عثمان، فلما قدم قال له معاوية: إنّ جريرا يدعونا إلى بيعة عليّ، و عليّ خير الناس لو لا أنّه قتل عثمان و حبست نفسي عليك، و إنّما أنا رجل من أهل الشام، أرضى ما رضوا و أكره ما كرهوا. فقال شرحبيل: أنا أخرج فانظر. فخرج فلقيه هؤلاء النفر الموطئون له، فكلّهم يخبره أنّ عليا قتل عثمان. فخرج مغضبا إلى معاوية، فقال: يا معاوية أبى الناس إلاّ أنّ عليا قتل عثمان. و اللّه لئن بايعت له لنخرجنّك من الشام أو لنقتلنّك. قال معاوية: ما كنت لاخالف عليكم، إن أنا إلاّ رجل من أهل الشام. قال: فاردد هذا الرجل إلى صاحبه. فعرف معاوية أنّ شرحبيل قد نفذت بصيرته في حرب أهل العراق، و أنّ الشام كله مع شرحبيل( ١) .

«و ألّب» و التأليب: التحريض.

«عالمكم جاهلكم و قائمكم قاعدكم» في (صفين نصر): بعث معاوية الى شرحبيل: إنه قد كان من إجابتك الحق و قبله عنك صلحاء الناس ما علمت، و أن هذا الأمر لا يتمّ إلاّ برضاء العامة، فسر في مدائن الشام و ناد فيهم: بأنّ عليا قتل عثمان، و أنّه يجب على المسلمين أن يطلبوا بدمه. فسار فبدأ بأهل حمص، فقام خطيبا و كان مأمونا في أهل الشام ناسكا متألّها فقال: أيّها الناس إنّ عليّا قتل عثمان، و قد غضب له قوم فقتلهم عليّ و هزم الجميع و غلب على الأرض، فلم يبق إلاّ الشام، و هو واضع سيفه على عاتقه، ثم

____________________

(١) وقعة صفّين: ٣٧ ٤٧، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

خائض به غمار الموت حتى يفنيكم أو يحدث اللّه له أمرا، و لا نجد أحدا أقوى على قتاله من معاوية، فجدّوا فأجابه الناس الانساك من حمص.

و جعل يستنهض مدائن الشام حتى استفرغها، لا يأتي قوم إلاّ قبلوا ما أتاهم به( ١) .

«فاتق اللّه في نفسك و نازع الشيطان قيادك» و لا تدعه يقودك حيث شاء و (القياد): حبل يقاد به الدابة.

«و اصرف الى الآخرة وجهك فهي طريقنا و طريقك» إنّك ميت و إنّهم ميتون.

ثم إنّكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون( ٢) .

«و احذر أن يصيبك اللّه منه بعاجل قارعة» أي: شديدة.

«تمسّ» هكذا في النسخ( ٣ ) ، و الظاهر كونه محرّف (تحس) أي: تستأصل.

«الأصل» قال ابن أبي الحديد: «تمسّ الأصل» أي: تقطعه. و منه ماء مسوس، أي: يقطع الغلة( ٤) .

قلت: لم يقل أحد: إنّ المس يجي‏ء بمعنى القطع و أمّا الماء المسوس فقال الجوهري: هو الذي بين العذب و الملح قال الشاعر:

لو كنت ماء كنت لا

عذب المذاق و لا مسوسا( ٥)

«و تقطع الدابر» أي: الآخر و الباقي، و قطع دابر أمر معاوية بأخذ اللّه تعالى لابنه يزيد أخذ عزيز مقتدر.

«فإنّي اولي» من الايلاء، أي: اقسم.

____________________

(١) المصدر نفسه: ٥٠ ٥١.

(٢) الزمر: ٣٠ ٣١.

(٣) نهج البلاغة ٣: ١٢٤، شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٣٥، شرح ابن ميثم ٥: ١٩٠.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ١٣٧.

(٥) الشاعر هو ذو الإصبع العدوانيّ، و البيت في الصحاح ٣: ٩٧٩ ٩٧٨، مادة: (مسس).

«لك باللّه أليّة» أي: قسما قال الشاعر:

قليل الألايا حافظ ليمينه

و إن سبقت منه الأليّة برّت( ١)

و الألايا: جمع الأليّة.

«غير فاجرة» أي: كاذبة قال الجوهري: فجر أي: كذب، و أصله الميل، قال الشاعر( ٢ ) : و إن أخّرت فالكفل فاجر.

أي: مقعد الرديف مائل( ٣) .

«لئن جمعتني و إياك جوامع الأقدار لا أزال» أي: دائما.

«بباحتك» أي: ساحتك، و في (ابن ميثم)( ٤ ) (ساحتك).

«حتى يحكم اللّه بيننا و هو خير الحاكمين» و لمّا قال معاوية لجرير: اكتب الى صاحبك يجعل لي الشام و مصر جباية، و اكتب إليه بالخلافة، كتب إليه الوليد بن عقبة:

و إنّ كتابا يا بن حرب كتبته

على طمع يزجي إليك الدواهيا

سألت عليّا فيه ما لن تناله

و لو نلته لم تبق إلاّ لياليا

و سوف ترى منه الذي ليس بعده

بقاء فلا تكثر عليك الأمانيا

أمثل علي تعتريه بخدعة

و قد كان ما جربت من قبل كافيا؟

و لو نشبت أظفاره فيك مرة

حداك ابن هند منه ما كنت حاذيا( ٥)

____________________

(١) أورده الجوهري في الصحاح ٦: ٢٢٧١، مادة: (ألا).

(٢) هو لبيد يخاطب عمّه أبا مالك.

(٣) الصحاح ٢: ٧٧٨، مادة: (فجر).

(٤) في شرح ابن ميثم المطبوع ٥: ١٩٠ «بباحتك» أيضا.

(٥) وقعة صفّين: ٥٢ ٥٣.

١٧ - الكتاب (٦) و من كتاب لهعليه‌السلام إلى معاوية:

إِنَّهُ بَايَعَنِي اَلْقَوْمُ اَلَّذِينَ بَايَعُوا؟ أَبَا بَكْرٍ؟ وَ؟ عُمَرَ؟ وَ؟ عُثْمَانَ؟ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ وَ لاَ لِلْغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ وَ إِنَّمَا اَلشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ فَإِنِ اِجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَ سَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضًا فَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى اِتِّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ وَلاَّهُ اَللَّهُ مَا تَوَلَّى وَ لَعَمْرِي يَا؟ مُعَاوِيَةُ؟ لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ اَلنَّاسِ مِنْ دَمِ؟ عُثْمَانَ؟ وَ لَتَعْلَمَنَّ أَنِّي كُنْتُ فِي عُزْلَةٍ عَنْهُ إِلاَّ أَنْ تَتَجَنَّى فَتَجَنَّ مَا بَدَا لَكَ وَ اَلسَّلاَمُ أقول: الذي يفهم من (صفين نصر) و (أخبار الدينوري) أنّ أوّل ما في المتن إلى قوله: «أبرأ الناس من دم عثمان»، كتابهعليه‌السلام إلى معاوية مع جرير البجلي في أوّل الأمر، و قولهعليه‌السلام بعد: «و لتعلمن أنّي كنت في عزلة عنه إلاّ أن تتجنى فتجن ما بدا لك»، جزء كتابهعليه‌السلام إليه أخيرا مع أبي مسلم الخولاني( ١) .

ففي (أخبار الدينوري): فسار جرير إلى معاوية بكتاب عليعليه‌السلام ، فقدم عليه فألفاه و عنده وجوه أهل الشام، فناوله كتاب عليعليه‌السلام و قال: هذا كتاب عليّعليه‌السلام إليك و إلى أهل الشام، يدعوكم إلى الدخول في طاعته، فقد اجتمع له الحرمان و المصران و الحجازان و اليمن و البحران و عمان و اليمامة و مصر و فارس و الجبل و خراسان، و لم يبق إلاّ بلادكم هذه، و إن سال عليها

____________________

(١) وقعة صفّين: ٢٩، الأخبار الطوال: ١٥٧.

و أدمن من أوديته غرقها.

و فتح معاوية الكتاب ففيه: أمّا بعد، فقد لزمك و من قبلك من المسلمين بيعتي، و أنا بالمدينة و أنتم بالشام لأنّه بايعني الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان، فليس للشاهد أن يختار و لا للغائب أن يرد، و إنّما الأمر في ذلك للمهاجرين و الأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل مسلم فسمّوه إماما كان ذلك للّه رضى، فإن خرج من أمرهم أحد بطعن فيه أو رغبة عنه، رد إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، و ولاّه اللّه ما تولّى و يصله جهنم و ساءت مصيرا، فادخل فيما دخل فيه المهاجرون و الأنصار، فإنّ أحب الامور إليّ فيك و في من قبلك العافية، فإن قبلتها و إلاّ فأذن بحرب. و قد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل ما دخل فيه الناس ثم حاكم القوم إليّ أحملك و إيّاهم على كتاب اللّه، فأمّا تلك التي تريد فخدعة الصبي عن الرضاع( ١) .

و مثله (صفين نصر) و زاد بعد «و ساءت مصيرا»: و أنّ طلحة و الزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي و كان نقضهما كردتهما، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق و ظهر أمر اللّه و هم كارهون و زاد في آخره و لعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان. و اعلم أنّك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، و لا تعرض فيهم الشورى( ٢ ) . و مثله (خلفاء ابن قتيبة)( ٣) .

و روى (اخبار الدينوري) بعد ذكر كتاب معاوية إليهعليه‌السلام مع أبي مسلم الخولاني أنّهعليه‌السلام كتب جوابه معه: أمّا بعد فإنّ أخا خولان قد قدم عليّ

____________________

(١) الأخبار الطوال: ١٥٦ ١٥٧.

(٢) وقعة صفّين: ٢٩.

(٣) الإمامة و السياسة ١: ٩٣.

بكتاب منك، تذكر فيه قطع رحمي عثمان و تأليبي الناس عليه، و ما فعلت ذلك غير أنّه عتب الناس عليه، فمن بين قاتل و خاذل، فجلست في بيتي و اعتزلت أمره إلاّ أن تتجنى، فتجنّ ما بدا لك( ١) .

و رواه (صفين نصر) مع إضافات( ٢) .

و في (العقد) في عنوان (أخبار علي و معاوية): و كتب عليّعليه‌السلام إلى معاوية بعد وقعة الجمل: أمّا بعد، فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك و أنت بالشام لأنّه بايعني الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان على ما بايعوا عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، و لا للغائب أن يرد الى لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان، و اعلم أنّك من الطلقاء... الخ بدون قوله (و لتعلمن...)( ٣) .

و في (خلفاء القتيبي) في عنوان (كتاب عليعليه‌السلام إلى معاوية مرة ثانية) أيضا ذكره مثل (العقد)( ٤) .

«إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان على ما بايعوهم عليه» قال ابن أبي الحديد: هذا الفصل دال على كون الاختيار طريقا إلى الإمامة، لأنه احتجّ ببيعة أهل الحل و العقد لأبي بكر، لأنّه لم يبايعه سعد بن عبادة و لا أحد من أهل بيته و ولده، و لأنّ علياعليه‌السلام و بني هاشم و من انضوى إليهم لم يبايعوه في مبدأ الأمر، و امتنعوا و هذا دليل على صحّة الاختيار و كونه طريقا الى الإمامة فأمّا الإمامية فتحمل هذا الكتاب منهعليه‌السلام على التقيّة، و تقول: إنّه ما كان يمكنه أن يصرح لمعاوية في مكتوبه بباطن الأمر، و بقوله أنا منصوص عليّ من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و معهود الى المسلمين أن أكون خليفته فيهم بلا فصل،

____________________

(١) الأخبار الطوال: ١٦٣.

(٢) وقعة صفّين: ٨٨ ٩١.

(٣) العقد الفريد ٥: ٨٠.

(٤) الإمامة و السياسة ١: ٩٣.

فيكون في ذلك طعن على الأئمة المتقدمين، و يفسد حاله مع الذين بايعوه من أهل المدينة. و هذا القول من الامامية لو عضدها دليل لوجب أن يقال بها و لكن لا دليل لهم( ١) .

قلت: دليلهم منع فارقوهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن كتابة وصيته، لأنّه علم كما أقرّ أنّه أراد أن يكتب ما قاله شفاها، من حين بعثته الى ساعة وفاته من كونهعليه‌السلام وصيّه و خليفته، فمنع عنها و قال: إنّ الرجل ليهجر، و لا نحتاج إلى وصيته، و إنّ القرآن يكفينا. و دليلهم أيضا تخلّف فاروقهم و صدّيقهم عن جيش اسامة، مع لعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متخلّفيه كرارا، فإنّهما علما لو نفرا و لم يتخلّفا لبايع الناس من استخلفه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فإن أراد ابن أبي الحديد بالدليل أن ينزل تعالى عليهم كتابا من السماء كما قالوا للنبي... و لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه...( ٢ ) فلا دليل كذا لهم، و إلاّ فلا دليل لهم إذا فرض عدم صحة نبوّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و لا صحة أقواله، و لا حجية أفعاله، و مع عدم صحة الفرض يكون دليلهم بينا، كالدليل على وجود الصانع، و لا يصح مذهبهم إلاّ إذا بطلت العقول و انفك الملزوم عن اللازم، و ارتفع اللازم و بقي الملزوم، و اجتمع الضدان، و صح النقيضان، و كان لا أثر للتواتر. و بالجملة قالعليه‌السلام ما قال جدلا، فالحكيم يجادل الخصم بما يسكته و يلزمه.

«فلم يكن للشاهد أن يختار و لا للغائب أن يرد» كما في بيعة اولئك حتى إنّ طلحة مع كونه أحد ستّة الشورى، كان غائبا وقت بيعة الناس لعثمان بعد اختيار ابن عوف له، و لم يستطع أن يرد بيعته، مع أنّه قالعليه‌السلام ذلك ردّا على معاوية حيث كتب إليهعليه‌السلام كما في (خلفاء ابن قتيبة): لو بايعك القوم الذين

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٣٦ ٣٧.

(٢) الإسراء: ٩٣.

بايعوك و أنت بري‏ء من دم عثمان كنت كأبي بكر و عمر و عثمان، و لكنك أغريت بعثمان المهاجرين و خذلت عنه الأنصار، فأطاعك الجاهل و قوى بك الضعيف، و قد أبى أهل الشام إلاّ قتالك، حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإذا دفعتهم كانت شورى بين المسلمين، و قد كان أهل الحجاز أعلى الناس و في أيديهم الحقّ، فلمّا تركوه صار الحقّ في أيدي أهل الشام. و لعمري ما حجّتك على أهل الشام كحجّتك على أهل البصرة، و لا حجتك عليّ كحجّتك على طلحة و الزبير، لأنّ أهل البصرة بايعوك و لم يبايعك أحد من أهل الشام، و أنّ طلحة و الزبير بايعاك و لم ابايعك. و أمّا فضلك في الإسلام و قرابتك من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلعمري ما أدفعه و لا أنكره( ١) .

«و إنّما الشورى للمهاجرين و الأنصار فإن اجتمعوا على رجل و سمّوه إماما، كان ذلك للّه رضى فإن خرج عن» هكذا في (المصرية و ابن أبي الحديد)( ٢ ) ، و الصواب:

(من) كما في (ابن ميثم و الخطّيّة)( ٣) .

«أمرهم خارج بطعن أو بدعة» قال ابن أبي الحديد: المشهور المروي «فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة» أي: رغبة عن ذلك الإمام الذي وقع الاختيار له( ٤) .

قلت: و عليه فكلمة (بدعة) محرّفة (رغبة) و هو الأنسب.

«ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين و ولاّه اللّه ما تولى» ما قالهعليه‌السلام من قوله: «فإن اجتمعوا على رجل و سمّوه اماما...» و إن كان قاله جدلا، إلاّ انه عبّرعليه‌السلام بما يكون حقّا، واقعا فإنّ الاجماع حجّة لا من

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ١٠١ ١٠٢.

(٢) نهج البلاغة ٣: ٨ شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٣٥.

(٣) في شرح ابن ميثم المطبوع ٤: ٣٥٢ «عن» أيضا.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٣٦.

حيث هو، بل من حيث دخول المعصوم المأمون من الخطأ فيهم، فممن اجتمع من المهاجرين عليهعليه‌السلام ، و وافقه المهاجرون و الأنصار المؤمنون في تسميتهعليه‌السلام إماما النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . و سبحان اللّه من اولئك الناس و اف لهم، لم يراعوا في هذا الرجل الجليل لا فضائله النفسانية الموجبة بتقدمه بشهادة العقول، و لا قول اللّه تعالى فيهعليه‌السلام في كتابه في آيات، و لا نص رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليه في موضع بعد موضع، و لا بيعتهم التي ابتدعوها، فبايعه طلحة و الزبير ثم نكثاها بادعائهما عدم بيعتهما، و أبى معاوية الطليق من بيعته بكونه خليفة عمر و ولي عثمان في دمه.

«و لعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان، و لتعلمن أنّي كنت في عزلة عنه» قال ابن أبي الحديد: نهى عليعليه‌السلام أهل مصر و غيرهم عن قتل عثمان قبل قتله مرارا، و نابذهم بيده و لسانه و بأولاده، فلم يغن شيئا( ١) .

قلت: سبحان اللّه من الرجل إنّهعليه‌السلام يقول: «كنت في عزلة عنه»، و هو يقول:

نهى عنه و نابذهم بيده و لسانه و بأولاده. فلم ما أجابعليه‌السلام معاوية بذلك، و قد كان في مقام الدفاع عن تهمة قتله لعثمان؟ و كيف يكتب إليهعليه‌السلام معاوية كما في (أخبار الدينوري) أنّ عثمان قتل معك في المحلة و أنت تسمع من داره الهيعة، فلا تدفع عنه بقول و لا بفعل، و اقسم باللّه قسما صادقا لو كنت قمت في أمره مقاما صادقا فنهنهت عنه، ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا( ٢ ) ؟ إلاّ أنّهم وضعوا أخبارا في دفاعهعليه‌السلام عنه، حتى لا يكون إمامهم مهدور الدم (و هل يصلح العطار ما أفسد الدهر) و كل يقول بهواه دون عقله؟

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٣٧ ٣٨.

(٢) الأخبار الطوال: ١٦٢.

«إلاّ أن تتجنى فتجن ما بدا لك» التجني: نسبة الجناية إلى غيرك كذبا قال:

و اذا ما الجفاء جهز جيشا

سبقته طليعة من تجن

و في (مفاخرات الزبير بن بكار): اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص و الوليد بن عقبة و عتبة بن أبي سفيان و المغيرة بن شعبة، و قد كان بلغهم عن الحسنعليه‌السلام قوارص إلى أن قال: قال لهم معاوية: و اعلموا أنّهم أهل بيت لا يعيبهم العائب، و لا يلصق بهم العار، و لكن اقذفوا الحسن بحجره، و قولوا له:

إنّ أباك قتل عثمان و كره خلافة الخلفاء( ١) .

١٨ - في الكتاب (٩) وَ أَمَّا مَا سَأَلْتَ مِنْ دَفْعِ قَتَلَةِ؟ عُثْمَانَ؟ إِلَيْكَ فَإِنِّي نَظَرْتُ فِي هَذَا اَلْأَمْرِ فَلَمْ أَرَهُ يَسَعُنِي دَفْعُهُمْ إِلَيْكَ وَ لاَ إِلَى غَيْرِكَ وَ لَعَمْرِي لَئِنْ لَمْ تَنْزِعْ عَنْ غَيِّكَ وَ شِقَاقِكَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ عَنْ قَلِيلٍ يَطْلُبُونَكَ لاَ يُكَلِّفُونَكَ طَلَبَهُمْ فِي بَرٍّ وَ لاَ بَحْرٍ وَ لاَ جَبَلٍ وَ لاَ سَهْلٍ إِلاَّ أَنَّهُ طَلَبٌ يَسُوءُكَ وِجْدَانُهُ وَ زَوْرٌ لاَ يَسُرُّكَ لُقْيَانُهُ أقول: روى (صفين نصر) و نقله ابن أبي الحديد أيضا عن عمر بن سعد عن أبي ورق قال: جاء أبو مسلم الخولاني في ناس من قراء أهل الشام إلى معاوية قبل مسيره، فقالوا له: علام تقاتل علياعليه‌السلام و ليس لك مثل صحبته و لا هجرته و لا قرابته و لا سابقته؟ فقال: إنّي لا ادّعي ذلك و لكن خبّروني، ألستم تعلمون أنّ عثمان قتل مظلوما؟ قالوا: بلى. قال: فليدفع إلينا قتلته و لا قتال معه.

قالوا: فاكتب إليه. فكتب مع أبي مسلم إليهعليه‌السلام إلى أن قال في جوابهعليه‌السلام :

و أمّا ما ذكرت من أمر قتلة عثمان فإنّي نظرت في هذا الأمر و ضربت أنفه

____________________

(١) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٦: ٢٨٥ ٢٨٦، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

و عينه، فلم أر دفعهم إليك و لا إلى غيرك، و لعمري لئن لم تنزع عن غيّك و شقاقك، لتعرفنهم عن قليل يطلبونك لا يكلفونك ان تطلبهم في برّ و لا بحر و لا سهل و لا جبل، و قد كان أبوك أتاني حين ولّى الناس أبا بكر، فقال: أنت أحقّ بمقام محمّد و أولى الناس بهذا الأمر، و أنا زعيم لك بذلك على من خالف، ابسط يدك ابايعك. فلم أفعل، و أنت تعلم أنّ أباك قال ذلك و أراده حتى كنت أنا الذي أبيت، لقرب عهد الناس بالكفر مخافة الفرقة بين أهل الاسلام...( ١) .

«و أمّا ما سألت من دفع قتلة عثمان إليك، فإنّي نظرت في هذا الأمر، فلم أره يسعني دفعهم إليك و لا إلى غيرك» هذا الكلام يدل على كون عثمان عندهعليه‌السلام مهدور الدم، و سقوط القصاص عن قاتليه، و به صرّح شفاها لأبي مسلم الخولاني.

ففي (صفين نصر) في ذاك الخبر: أنّ أبا مسلم الذي جاء بكتاب معاوية إليهعليه‌السلام ، و كتبعليه‌السلام معه هذا الكتاب قال لهعليه‌السلام : إنّك قد قمت بأمر وليته، و ما احب أنّه لغيرك إن أعطيت الحق من نفسك، إنّ عثمان قتل مظلوما فادفع إلينا قتلته و أنت أميرنا، فإن خالفك من الناس أحد كانت أيدينا لك ناصرة، و ألسنتنا لك شاهدة، و كنت ذا عذر و حجّة فقال له عليعليه‌السلام : اغد عليّ غدا فخذ جواب كتابك. فانصرف ثمّ رجع من غد ليأخذ جواب كتابه، فوجد الناس قد بلغهم الذي جاء قبل فلبست الشيعة أسلحتها، ثم غدوا فملؤا المسجد فنادوا كلّنا قتلة عثمان، و أكثروا من النداء بذلك، فقال أبو مسلم لهعليه‌السلام : لقد رأيت قوما مالك معهم أمر. قالعليه‌السلام : و ما ذلك؟ قال: بلغ القوم أنّك تريد أن تدفع إلينا قتلة عثمان، فضجوا و اجتمعوا و لبسوا السلاح، و زعموا أنّهم كلهم قتلة عثمان. فقال عليعليه‌السلام : و اللّه ما أردت أن أدفعهم إليك طرفة عين قط، لقد ضربت هذا الأمر أنفه و عينه، فما رأيته أن ينبغي لي أن أدفعهم إليك و لا إلى غيرك. فخرج أبو

____________________

(١) وقعة صفّين: ٨٥ ٩١، شرح ابن أبي الحديد ١٥: ٧٣ ٧٨، و نقله الشارح بتلخيص.

مسلم و هو يقول: الآن طاب الضراب( ١) .

فترى أنّهعليه‌السلام أنكر أصل كون عثمان قتل ظلما و توجه قصاص على قاتليه، و لفهم أبي مسلم منهعليه‌السلام ذلك قال: الآن طاب الضراب.

و قد عرفت في ما مرّ تصريحهعليه‌السلام لرسل اخر من معاوية إليه، أرادوا إقرارهعليه‌السلام بكون قتل عثمان ظلما، بأني ما أقول: إنّه قتل ظلما. فقالوا: إنّا منك براء. و خرجوا من عندهعليه‌السلام ، فقالعليه‌السلام : إنّك لا تسمع الصم الدعاء اذا ولّوا مدبرين( ٢) .

بل روى الزبير بن بكار في (موفقياته): عن عمر بن أبي بكر الدؤلي، عن عبد اللّه بن أبي عبيدة بن محمّد بن عمار بن ياسر، قال: بلغني أنّ أبا مسلم الخولاني قام إلى معاوية فقال: على ما تقاتل عليا و هو ابن عم رسول اللّه، و له من القدر في الاسلام و السابقة و القرابة ما ليس لك، إنّما أنت رجل طليق ابن طليق؟ فقال معاوية: إنّي و اللّه ما اقاتله و أنا ادعي في الاسلام مثل الذي يدعي، ولي من الاسلام مثل ماله، و لكنّي اقاتله على دم عثمان، فأنا أطلبه بدمه. فخرج أبو مسلم على ناقته فضرب حتى انتهى إلى الكوفة، فأناخها بالكناسة، ثم جاء يمشي حتى دخل على عليعليه‌السلام و الناس عنده، فسلّم ثم قال: من قتل عثمان؟

فقال عليّعليه‌السلام : اللّه قتله و أنا معه. فخرج أبو مسلم و لم يكلّمه، حتى أتى ناقته فركبها حتى أتى الشام...( ٣) .

«و لعمري لئن لم تنزع عن غيّك و شقاقك لتعرفنّهم عن قليل يطلبونك» هو دالّ على أنّه يكون لقاتليه أن يقتلوا أولياءه و طالبي ثأره، فضلا عن

____________________

(١) وقعة صفّين: ٨٥ ٨٦، شرح ابن أبي الحديد ١٥: ٧٣ ٧٥.

(٢) وقعة صفّين: ٢٠٠ ٢٠٢، و الآية ٨٠ من سورة النمل.

(٣) أخبار الموفقيات لابن بكار: ٢٩٩ رقم ١٦١.

عدم توجه قصاص اليهم.

«و لا يكلفونك طلبهم في برّ و لا بحر و لا جبل و لا سهل إلاّ أنّه طلب يسوؤك وجدانه و زور» بالفتح مصدر زار.

«لا يسرك لقيانه» يناسب كلامهعليه‌السلام قول الشاعر:

رويد بني شيبان بعض وعيدكم

تلاقوا غدا خيلي على سفوان

تلاقوا جبار لا تحيد عن الوغى

إذا ما غدت فى المأزق المتداني

تلاقوهم فلتعرفوا كيف صبرهم

على ما جنت فيهم يد الحدثان

رويد أيضا هد بالعراق جيادنا

كانّك بالضحاك قد قام نادبه

و كنّا إذا دب العدو لسخطنا

و راقبنا في ظاهر لا نراقبه

ركبنا له جهرا بكل مثقب

و أبيض يستسقي الدماء مضاربه

اولئك الالى شقوا العمى بسيوفهم

عن العين حتى أبصر الحق طالبه

١٩ - في الكتاب (٦٤) وَ قَدْ أَكْثَرْتَ فِي قَتَلَةِ؟ عُثْمَانَ؟ فَادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ اَلنَّاسُ ثُمَّ حَاكِمِ اَلْقَوْمَ إِلَيَّ أَحْمِلْكَ وَ إِيَّاهُمْ عَلَى كِتَابِ اَللَّهِ تَعَالَى وَ أَمَّا تِلْكَ اَلَّتِي تُرِيدُ فَإِنَّهَا خُدْعَةُ اَلصَّبِيِّ عَنِ اَللَّبَنِ فِي أَوَّلِ اَلْفِصَالِ وَ اَلسَّلاَمُ لِأَهْلِهِ «و قد أكثرت في قتلة عثمان فادخل في ما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم إليّ أحملك و إيّاهم على كتاب اللّه» قال ابن أبي الحديد: هي حجّة صحيحة، إنّهعليه‌السلام لم يسلّم قتلة عثمان إلى معاوية لأن الامام يجب أن يطاع، ثم يتحاكم إليه...( ١) .

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٢١.

قلت: إنّما قالعليه‌السلام : «أحملك و إيّاهم على كتاب اللّه» و لم يقل إذا دخلت في طاعتي اسلّم إليك قتلة عثمان، و كيف و هوعليه‌السلام كان مأواهم و ملجأهم و كانوا خواصهعليه‌السلام ، و معاوية إن لم يدخل في طاعته فبنوا اميّة الذين كانوا بالمدينة حضروا لطاعته، و طلبوا منه ذلك، فصرّحعليه‌السلام بكون عثمان مهدور الدم و سقوط القصاص عن قاتليه؟

فقال أبو جعفر الاسكافي: إنّهعليه‌السلام خطب في أوّل خلافته بأنّه يقسم بينهم بالسوية، و أعلمهم بأن يشهدوا المال يقسمه فيهم. فبينا الناس في المسجد بعد الصبح إذ طلع الزبير و طلحة فجلسا ناحية عن عليعليه‌السلام ، ثم طلع مروان و سعيد و عبد اللّه بن الزبير فجلسوا إليهما، ثم جاء قوم من قريش فانضموا إليهم، فتحدّثوا نجيا ساعة، ثم قام الوليد بن عقبة فجاء إلى عليعليه‌السلام فقال: إنّك قد و ترتنا جميعا، أمّا أنا فقتلت أبي يوم بدر صبرا، و خذلت أخي يوم الدار بالأمس. و أمّا سعيد فقتلت أباه يوم بدر في الحرب و كان ثور قريش. و أمّا مروان فسخفت أباه عند عثمان إذ ضمه إليه، و نحن اخوتك و نظراؤك من بني عبد مناف، و نحن نبايعك اليوم على أن تضع عنّا ما أصبناه من المال أيّام عثمان، و أن تقتل قتلته، و إنّا إن خفناك تركتنا فالتحقنا بالشام. فقالعليه‌السلام : أمّا ما ذكرتم من و تري إيّاكم فالحقّ و تركم. و أمّا وضعي عنكم ما أصبتم فليس لي أن أضع حق اللّه عنكم و لا عن غيركم. و أمّا قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتلهم اليوم لقتلتهم أمس...( ١) .

و قد نقله نفسه عند قولهعليه‌السلام : «دعوني و التمسوا غيري»( ٢) .

____________________

(١) نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٧: ٣٧ ٣٩، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

(٢) نهج البلاغة ١: ١٨٢، الخطبة ٩٢.

و روى قريبا منه اليعقوبي( ١) .

«و أمّا تلك التي تريد فإنّها خدعة الصبي عن اللبن في أوّل الفصال» روى هذا الكلام (صفين نصر و خلفاء ابن قتيبة و أخبار الدينوري)( ٢ ) ، جزء كتابهعليه‌السلام إلى معاوية مع جرير البجلي كما مرّ في (١٧). و لمّا كتب معاوية إلى شرحبيل بن السمط الكندي بإشارة عمرو بن العاص عليه بذلك ليجمع له كلمة أهل الشام بأن يوطن له ثقاته فيقولوا له: إنّ عليّا قتل عثمان و عزم شرحبيل على المسير إلى معاوية بعث عياض اليمانى و كان ناسكا إلى شرحبيل بهذه الأبيات:

يا شرح يا بن السمط إنّك بائع

بودّ على ما تريد من الأمر

و يا شرح إنّ الشام شامك ما بها

سواك فدع قول المضلل من فهر

فإنّ ابن حرب ناصب لك خدعة

تكون علينا مثل راغية البكر( ٣)

هذا و مما يناسب كلامهعليه‌السلام قول الراجز:

برّح بالعينين خطّاب الكثب

يقول إنّي خاطب و قد كذب

و إنّما بالعينين يخطب عسّا من حلب( ٤)

و المراد أنّه يجي‏ء باسم الخطبة، و مقصوده الطعمة و الكثب: مل‏ء القدح لبنا.

«و السلام لاهله» في (المصرية)( ٥ ) أخذا له من (ابن أبي الحديد) مع قوله: «في أوّل الفصال»، حيث جعل الكل بين قوسين إلاّ أنّ كلمة «لأهله» من متفردات

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٧٨ ١٧٩.

(٢) وقعة صفّين: ٤٤ ٤٥، و الإمامة و السياسة ١: ٩٣، و الأخبار الطوال: ١٥٧.

(٣) وقعة صفّين: ٤٤ ٤٥.

(٤) أورد قول الراجز ابن منظور في لسان العرب ١٢: ٣٤، مادة: (كتب).

(٥) نهج البلاغة ٣: ١١.

(ابن أبي الحديد)( ١ ) و ليست في (ابن ميثم)( ٢ ) ، (كالخطية).

٢٠ - في الكتاب (٢٨) ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَ أَمْرِ؟ عُثْمَانَ؟ فَلَكَ أَنْ تُجَابَ عَنْ هَذِهِ لِرَحِمِكَ مِنْهُ فَأَيُّنَا كَانَ أَعْدَى لَهُ وَ أَهْدَى إِلَى مَقَاتِلِهِ أَ مَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَ اِسْتَكَفَّهُ أَمْ مَنِ اِسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاخَى عَنْهُ وَ بَثَّ اَلْمَنُونَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ كَلاَّ وَ اَللَّهِ لَ قَدْ يَعْلَمُ اَللَّهُ اَلْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ اَلْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَ لا يَأْتُونَ اَلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً ١ ١٦ ٣٣: ١٨( ٣) .

وَ مَا كُنْتُ لِأَعْتَذِرَ مِنْ أَنِّي كُنْتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ أَحْدَاثاً فَإِنْ كَانَ اَلذَّنْبُ إِلَيْهِ إِرْشَادِي وَ هِدَايَتِي لَهُ فَرُبَّ مَلُومٍ لاَ ذَنْبَ لَهُ وَ قَدْ يَسْتَفِيدُ اَلظِّنَّةَ اَلْمُتَنَصِّحُ وَ مَا أَرَدْتُ إِلاَّ اَلْإِصْلاحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَ ما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ ٢٨ ٤١ ١١: ٨٨( ٤ ) وَ ذَكَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي وَ لِأَصْحَابِي عِنْدَكَ إِلاَّ اَلسَّيْفُ فَلَقَدْ أَضْحَكْتَ بَعْدَ اِسْتِعْبَارٍ مَتَى أَلْفَيْتَ؟ بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ؟ عَنِ اَلْأَعْدَاءِ نَاكِلِينَ وَ بِالسَّيْفِ مُخَوَّفِينَ لَبِّثْ قَلِيلاً يَلْحَقِ اَلْهَيْجَا حَمَلْ فَسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ وَ يَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعِدُ وَ أَنَا مُرْقِلٌ نَحْوَكَ فِي جَحْفَلٍ مِنَ اَلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ وَ اَلتَّابِعِينَ لَهُمْ بِالْإِحْسَانِ شَدِيدٍ زِحَامُهُمْ سَاطِعٍ قَتَامُهُمْ مُتَسَرْبِلِينَ سِرْبَالَ اَلْمَوْتِ أَحَبُّ اَللِّقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ وَ قَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ وَ سُيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا فِي أَخِيكَ

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٤٨.

(٢) في شرح ابن ميثم المطبوع ٤: ٣٦٠ «و السلام لأهله» أيضا.

(٣) الأحزاب: ١٨.

(٤) هود: ٨٨.

وَ خَالِكَ وَ جَدِّكَ وَ أَهْلِكَ وَ ما هِيَ مِنَ اَلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ٤ ٩ ١١: ٨٣ أقول: نقل ابن أبي الحديد عن شيخه النقيب: أنّه جواب كتاب كتبه معاوية إليهعليه‌السلام مع أبي امامة الباهلي، و في كتاب معاوية: ثم الخليفة الثالث المظلوم الذي نشر المله و طبق الآفاق بالكلمة الحنيفية، فلما استوسق الإسلام و ضرب بجرانه، عدوت عليه فبغيته الغوائل، و نصبت له المكائد و ضربت له بطن الأرض و ظهره، و دسست عليه و أغريت به و قعدت حيث استنصرك عن نصرته، و سألك أن تدركه قبل أن يمزّق فما أدركته. و ما يوم المسلمين منك بواحد، لقد حسدت أبا بكر و التويت عليه، و رمت إفساد أمره، و قعدت في بيتك، و استغويت عصابة من الناس حتى تأخّروا عن بيعته، ثم كرهت خلافة عمر و حسدته و استطلت مدته، و سررت بقتله و أظهرت الشماتة بمصابه، حتى إنّك حاولت قتل ولده، لأنّه قتل قاتل أبيه، ثم لم تكن أشدّ منك حسدا لابن عمّه عثمان، نشرت مقابحه و طويت محاسنه و طعنت في فقهه، ثم في دينه، ثمّ في سيرته، ثم في عقله، و أغريت به السفهاء من أصحابك و شيعتك حتى قتلوه بمحضر منك، لا تدفع عنه بلسان و لا يد، و ما من هؤلاء إلاّ من بغيت عليه و تلكأت عليه، حتّى حملت إليه قهرا، تساق بخزائم الاقتار كما يساق الفحل المخشوش، ثمّ نهضت الآن تطلب الخلافة و قتلة عثمان خلصاؤك و شجراؤك و المحدقون بك، و تلك من أماني النفوس و ضلالات الأهواء، فدع اللجاج و العبث جانبا، و ادفع إلينا قتلة عثمان، و أعد الأمر شورى بين المسلمين، ليتفقوا على من هو للّه رضى، فلا بيعة لك في أعناقنا، و لا طاعة لك علينا، و لا عتبى لك عندنا، و ليس لك و لأصحابك عندي إلاّ السيف، و الذي لا إله إلاّ هو لأطلبنّ قتلة عثمان أين كانوا و حيث كانوا، حتى أقتلهم أو تلحق روحي بالله.

____________________

(١) هود: ٨٣.

فامّا ما لا تزال تمنّ به من سابقتك و جهادك، فإنّي وجدت اللّه سبحانه يقول:

يمنون عليك أن أسلموا...( ١ ) ، و لو نظرت في حال نفسك لوجدتها أشدّ الأنفس امتنانا على اللّه بعملها، و إذا كان الامتنان على السائل يبطل أجر الصدقة، فالامتنان على اللّه يبطل أمر الجهاد و يجعله ك صفوان على تراب...( ٢) .

«ثم ذكرت» يعني بعد ذكر أبي بكر و عمر، بأنّهعليه‌السلام حسدهما و بغى عليهما.

«ما كان من أمري و أمر عثمان فلك أن تجاب عن هذه» المقالة فيه دون ذينك لعدم ربطهما بك.

«لرحمك منه» يجمعهما امية بن عبد شمس، فعثمان هو ابن عفان بن أبي العاص بن امية، و معاوية هو ابن أبي سفيان بن حرب بن أمية.

«فأيّنا كان أعدى له» أي: أكثر تجاوزا عليه.

«و أهدى إلى مقاتله» مقاتل الانسان المواضع التي اذا اصيبت قتلته.

«أمن بذل له نصرته فاستقعده و استكفه» لأنّ عثمان كان لا يحب أن يحضرهعليه‌السلام ، لأنّه كان إذا حضره ينهاه عن شنائع أعماله، حتى أحب ألاّ يشهد معه المدينة، فكان يأمره بالخروج عن البلد، و إنّما يستغيث به إذا خاف القتل، و بعد نقض عهده مرّات تركهعليه‌السلام أخيرا حتى قتلوه.

«أم من استنصره فتراخى عنه و بث إليه المنون» أي: المنية قال الجوهري: لأنّ المنيّة تقطع المدد و تنقص العدد.

سبحان من اولئك طلحة و الزبير و عايشة سعوا غاية السعي في قتل عثمان، حتى قتل ثم طلبوا دمه من أمير المؤمنينعليه‌السلام و عمرو بن العاص

____________________

(١) الحجرات: ١٧.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٥: ١٨٦ ١٨٧، و الآية ٢٦٤ من سورة البقرة.

أغرى الناس به حتى الرعاة على رؤوس الجبال، حتى قتل فافتخر بذلك، و قال:

أنا أبو عبد اللّه، ما نكأت قرحة إلاّ أدميتها و معاوية منع جنده من نصره بعد طلب عثمان منه ذلك، ليقتل و يطلب بدمه الملك ثم يطلبان دمه منهعليه‌السلام .

ففي (خلفاء ابن قتيبة): قال عمرو بن العاص لمعاوية: إنّ لعليّ في الحرب لحظا ما هو لأحد من الناس، و إنّه لصاحب الأمر. فقال معاوية: صدقت، و لكن نلزمه دم عثمان. فقال عمرو: وا سوأتاه إنّ أحق الناس ألاّ يذكر عثمان لأنا و أنت، أمّا أنت فخذلته و معك أهل الشام، و استغاثك فأبطأت عليه. و أمّا أنا فتركته عيانا و هربت إلى فلسطين. قال معاوية: دعني من هذا هلم فبايعني.

قال: لا اعطيك ديني حتى آخذ من دنياك. قال: سل تعط...( ١) .

و فيه ذكروا: إنّه لم يكن أحد أحب إلى معاوية أن يلقاه من أبي الطفيل الكناني فارس أهل صفين و شاعرهم و كان من أخصّ الناس بعليعليه‌السلام فقدم أبو الطفيل الشام يزور ابن أخ له من رجال معاوية، فأخبر بقدومه، فأرسل إليه فأتاه و هو شيخ كبير، فلمّا دخل عليه قال له: أنت أبو الطفيل؟ قال نعم. قال: أ كنت ممّن قتل عثمان؟ قال: لا، و لكن ممّن شهده فلم ينصره. قال:

و لم؟ قال: لأنّه لم ينصره المهاجرون و الأنصار. قال: أما و اللّه إن نصرته كانت عليهم و عليك حقّا واجبا، و فرضا لازما، فإذ ضيعتموه فقد فعل اللّه بكم ما أنتم أهله، و أصاركم إلى ما رأيتم. فقال له أبو الطفيل: فما منعك إذ تربصت به ريب المنون ألاّ تنصره و معك أهل الشام؟ فقال معاوية: أو ما ترى طلبي لدمه؟

فضحك أبو الطفيل، فقال: بلى و لكنّه و إيّاك، كما قال عبيد بن الأبرص:

لا الفينك بعد الموت تندبني

و في حياتي ما زودتني زادي

فدخل مروان بن الحكم و عبد الرحمن بن الحكم و سعيد بن العاص، فلمّا

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٩٨.

جلسوا نظر إليهم معاوية و قال: أ تعرفون هذا الشيخ؟ قالوا: لا. قال: هذا خليل عليّ و فارس صفين و شاعر العراق، هذا أبو الطفيل. قال سعيد: فما يمنعك منه؟ و شتمه القوم فزجرهم معاوية و قال: مهلا، فربّ يوم ارتفع عن الأسباب قد ضقتم به ذرعا. ثم قال له: أ تعرف هؤلاء القوم يا أبا الطفيل؟ قال:

ما أنكرهم من سوء و لا أعرفهم بخير، و أنشد:

فإن تكن العداوة قد أكنت

فشر عداوة المرء السباب

فقال معاوية: ما أبقى لك الدهر من حبّ عليّ؟ قال: حبّ ام موسى، و أشكو إلى اللّه التقصير. فضحك معاوية و قال: و لكن و اللّه هؤلاء الذين حولك لو سئلوا عنّي ما قالوا هذا. فقال مروان: أجل و اللّه لا نقول الباطل( ١) .

و في (صفين نصر): كتب معاوية إلى أبي أيوب كتابا سطرا واحدا، و هو:

«حاجيتك لا تنسى الشيباء أبا عذرها و لا قاتل بكرها». فلم يدر أبو أيوب ما هو، فأتى به علياعليه‌السلام فقال لهعليه‌السلام : إنّ معاوية كهف المنافقين كتب إليّ كتابا لا أدري ما هو. فقالعليه‌السلام له: هذا مثل ضربه لك، الشيباء: المرأة البكر ليلة افتضاضها، يعني لا تنسى بعلها الذي افترعها و بكرها: أول ولدها يعني كما لا تنسى تلك، لا أنسى أنا قاتل عثمان.

فكتب إليه أبو أيوب كتبت «لا تنسى الشيباء أبا عذرها و لا قاتل بكرها» فضربتها مثلا لقتل عثمان، و ما نحن و قتل عثمان، إنّ الذي تربّص بعثمان و ثبط يزيد بن أنس و أهل الشام عن نصرته لأنت( ٢) .

و في (تاريخ اليعقوبي): دخل ابن عباس يوما على معاوية، فقال له: كيف رأيت فعل اللّه بنا و بأبي الحسن؟ فقال: فعل فعلا و اللّه غير مختل عجّله إلى جنّة

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ١٩٢ ١٩٣.

(٢) وقعة صفّين: ٣٦٦ ٣٦٨، و نقله الشارح بتلخيص.

لن تنالها، و أخّرك إلى دنيا قد كان أمير المؤمنين نالها. قال: و إنّك لتحكم على اللّه؟ قال: أحكم على اللّه بما حكم به على نفسه... و من لم يحكم بما أنزل اللّه فاولئك هم الكافرون( ١) .

قال معاوية: و اللّه لو عاش أبو عمرو يعنى عثمان حتى يراني، لرأى أنّي نعم ابن العمّ له. فقال له ابن عباس: أمّا و اللّه لو رآك أيقن أنّك خذلته حيث كانت النصرة له، و نصرته حيث كانت النصرة لك. قال: و ما دخولك بين العصا و لحائها؟ قال: ما دخلت عليهما إلاّ لهما( ٢) .

«كلاّ و اللّه لقد علم اللّه المعوقين منكم و القائلين لإخوانهم هلمّ إلينا و لا يأتون البأس إلاّ قليلا» الآية في الأحزاب، و فيها قد يعلم اللّه المعوقين منكم...( ٣) ، لكن جعلهاعليه‌السلام جزء كلامه و غيّر بما ناسب، و لعلّه أيضا كانت قراءتهعليه‌السلام .

ثمّ في (ابن ميثم): «لقد علم المعوقين»( ٤) .

«و ما كنت لأعتذر من أنّي أنقم عليه» أي: أعتب عليه.

«أحداثا» أي: امورا منكرة، كعمله مع أبي ذر و عمّار و غيرهما، و في أعمال عمّاله كالوليد و ابن عامر و معاوية و غيرهم.

«فإن كان الذّنب إليه إرشادي و هدايتي له» إلى الحقّ و إلى صراط مستقيم قال الشاعر:

و كم من موقف حسن احيلت

محاسنه فعدّ من الذنوب( ٥)

«فربّ ملوم لا ذنب له» هو كالمثل قال الشاعر:

____________________

(١) المائدة: ٤٤.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٢٣ ٢٢٤.

(٣) الأحزاب: ١٨.

(٤) في شرح ابن ميثم المطبوع ٤: ٤٣٤: لقد علم اللّه المعوّقين أيضا.

(٥) أورده أبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال ١: ٤٧٥ و البيت للفزاريّ.

لعل له عذرا و أنت تلوم( ١)

بل في (أمثال الكرماني): هو مثل من أكثم بن صيفي( ٢) .

«و قد يستفيد الظنّة» أي: التهمة.

«المتنصح» أي: الناصح و عن أكثم: يا بني إيّاكم و كثرة التنصح فإنّه يورث التهمة)( ٣) .

و من البيت و قول أكثر يظهر لك ما في اقتصار الجوهري على قوله: تنصح: أي تشبه بالنصحاء( ٤) .

و قلنا (البيت) لأنه عجز بيت تمثلعليه‌السلام به، و صدره: و كم سقت في آثاركم من نصيحة( ٥) .

قال المبرّد: انشدنيه الرياشي.

«و ما أردت إلاّ الإصلاح ما استطعت و ما توفيقي إلاّ باللّه عليه توكلت و إليه انيب» الأصل فيه قول شعيبعليه‌السلام لقومه:... إن اريد إلاّ الإصلاح ما استطعت و ما توفيقي إلاّ باللّه عليه توكلت و إليه انيب( ٦) .

«و ذكرت أنّه ليس لي و لا لأصحابي إلاّ السيف، فلقد أضحكت بعد استعبار» أي:

بعد جريان الدمع يقال: استعبرت أي: دمعت. و الباكي لا يضحك من كلّ شي‏ء يتعجب منه كغير الباكي، بل من عجيب في غاية الغرابة، و المراد: أتيت بعجب يضحك الباكي، و من شواهده و إن كان من باب الهزل أنّ أبا دلامة الشاعر

____________________

(١) أورده أبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال ١: ٤٧٤.

(٢) أورده الميداني في مجمع الأمثال ١: ٣٠٥ تحت الرقم ١٦٢٨ و قال: هذا من قول أكثم بن صيفيّ.

(٣) نقله ابن منظور في لسان العرب ١٤: ١٥٩، مادة: (نصح).

(٤) الصحاح ١: ٤١١، مادة: (نصح).

(٥) أورد البيت ابن ميثم في شرح نهج البلاغة ٤: ٤٤٥.

(٦) هود: ٨٨.

دخل على أم سلمة زوجة السفاح بعد وفاته، فعزاها به و بكى و بكت، و قالت له:

يا أبا دلامة لم أر أحدا أصيب به غيري و غيرك و كان السفاح يعطي أبا دلامة جزيلا فقال لها أبو دلامة: و لا سواء، لك منه ولد و ما ولدت أنا منه فضحكت ام سلمة و لم تكن منذ مات السفاح ضحكت و قالت له: لو حدثت الشيطان لأضحكته.

«متى ألفيت» أي: وجدت.

«بني» هكذا في (المصرية)( ١ ) ، و الصواب: «بنو» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم( ٢ ) و الخطيّة)، و حينئذ «فألفيت» بسكون التاء مجهولا.

«عبد المطلب عن الاعداء ناكلين» أي: جبانين ضعيفين.

«و بالسيف مخوفين» فكانوا عموما شجعان فضلا عنهعليه‌السلام .

و في (خلفاء ابن قتيبة): لمّا أراد الزبير الاعتزال من الجمل، قالت له عايشة:

خفت سيوف بني عبد المطلب طوال حداد يحملها فتية أنجاد( ٣) .

و في (نسب مصعب الزبيري): قال عليعليه‌السلام : رأيت يوم بدر طعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف قد علا رأس كثيب، و قد ساواه سعد بن خيثمة، فصمدت له و لم آته حتى قتل سعدا، فلما رآني أصعد الكثيب إليه انحط عليّ و كان رجلا جسيما فخشيت أن يعلو عليّ، فانحططت في السهل، فظنّ أنّي فررت منه فصاح بأعلى صوته: فرّ ابن أبي طالب. قلت له: قريبا مفر ابن الشتراء و هذا مثل تضربه العرب فلمّا استوت قدماي بالأرض وقفت له فانحدر إليّ و أهويت إليه، فسمعت قائلا من خلفي: طأطى‏ء رأسك. فجعلت

____________________

(١) نهج البلاغة ٣: ٣٩.

(٢) في شرح ابن أبي الحديد ١٥: ١٨٣، و شرح ابن ميثم ٤: ٤٣٥: بني أيضا.

(٣) الإمامة و السياسة ١: ٧٣.

رأسي فى صدر طعيمة، و إذا برقة من السيف فأخذت قحف طعيمة فسقط ميتا، و إذا هو حمزة بن عبد المطلب( ١) .

«لبث قليلا يلحق الهيجا» أي: الحرب قال الجوهري: يمد و يقصر( ٢) .

«حمل» قال ابن ميثم: أصل البيت أنّ حمل بن بدر رجل من قشير اغير على إبل له في الجاهلية في حرب داحس و الغبراء، و قال:

لبّث قليلا يلحق الهيجا حمل

ما أحسن الموت إذا الموت نزل

و قيل: أصله أنّ مالك بن زهير توعّد حمل بن بدر فقال حمل: «لبث قليلا يلحق الهيجا حمل»، ثم أتى و قتل مالكا، فظفر أخوه قيس بن زهير به و بأخيه حذيفة فقتلهما، و قال:

شفيت النفس من حمل بن بدر

و سيفي من حذيفة قد شفاني( ٣)

قلت: و في (الاستيعاب): حمل بن سعدانة الكلبي وفد على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و عقد له لواء، و هو القائل: لبّث قليلا يدرك الهيجا حمل. و شهد مع خالد مشاهده كلّها و قد تمثّل بقوله سعد بن معاذ رضى اللّه عنه يوم الخندق حيث قال:

البث قليلا يدرك الهيجا حمل

ما أحسن الموت إذا حان الأجل( ٤)

و قد عنونه الجزري عن أبي موسى أيضا، و لكنه قال: حمل بن سعد. و زاد:

شهد بلوائه صفّين مع معاوية( ٥ ) . و الأظهر كون البيت لحمل بن بدر الجاهلي دون ما قالاه، و قررهما الجزري من حمل بن سعدانة أو سعد الصحابي، و يؤيده تمثل سعد به يوم الخندق، و كيف كان، فنظيره قول آخر:

____________________

(١) قريب منه في المغازي للواقدي ١: ٩٢ ٩٣، و نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٤: ١٤٥.

(٢) الصحاح ١: ٣٥٢، مادة: (هيج).

(٣) شرح ابن ميثم ٤: ٤٤٥ ٤٤٦.

(٤) الاستيعاب بهامش الإصابة ١: ٣٦٦.

(٥) أسد الغابة ٢: ٥٢.

لبث قليلا يلحق الداريون

أهل الحباب البدن المكفيون

سوف ترى إن لحقوا ما يبلون

«فسيطلبك من تطلب و يقرب منك ما تستبعد» في (العقد): خرج عليعليه‌السلام إلى معاوية في خمسة و تسعين ألفا، و كان معاوية في بضع و ثمانين ألفا، و كان عسكر عليعليه‌السلام يسمّى الزحزحة لشدة حركته، و عسكر معاوية الخضرية لاسوداده بالسلاح و الدروع( ١) .

و انقضت صفين عن خمسين ألف قتيل من أهل الشام و عشرين ألفا من أهل العراق( ٢) .

«و أنا مرقل» في (الصحاح): الإرقال: ضرب من الخبب، أي: العدو، و لقب هاشم بن عتبة الزهري المرقال، لأنّ علياعليه‌السلام دفع إليه الراية يوم صفين فكان يرقل بها إرقالا( ٣) .

«نحوك» أي: جانبك.

«في جحفل» أي: جيش.

«من المهاجرين و الأنصار و التابعين لهم» كذا في (المصرية)( ٤ ) ، و كلمة (لهم) زائدة لعدم وجودها في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٥) .

«بإحسان» في (صفين نصر): خرج النعمان بن بشير يوما فدعا قيس بن سعد، فقال له: ألستم معشر الأنصار تعلمون أنّكم أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار، و قتلتم أنصاره يوم الجمل، و أقحمتم خيولكم على أهل الشام

____________________

(١) العقد الفريد ٥: ٨٥.

(٢) العقد الفريد ٥: ٩١.

(٣) الصحاح ٤: ١٧١٢ مادة (رقل).

(٤) نهج البلاغة ٣: ٤٠.

(٥) في شرح ابن أبي الحديد ١٥: ١٨٤ و شرح ابن ميثم ٤: ٤٣٥ «التابعين لهم» أيضا.

بصفين؟ فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليّا، لكانت واحدة بواحدة، و لكنّكم خذلتم حقّا و نصرتم باطلا إلى أن قال: فقال له قيس: أمّا ذكرك عثمان فإن كانت الأخبار تكفيك فخذها منّي واحدة، قتل عثمان من لست خيرا منه، و خذله من هو خير منك. و أمّا أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث. انظر يا نعمان هل ترى مع معاوية إلاّ طليقا أو أعرابيا أو يمانيا مستدرجا بغرور؟

انظر أين المهاجرون و الأنصار و التابعون بإحسان الذينرضي‌الله‌عنه م؟ ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك و صويحبك و لم يكن مع معاوية من الأنصار غيره و غير مسلمة بن مخلد و لستما و اللّه ببدريين و لا احديين، و لا لكما سابقة في الإسلام و لا آية في القرآن، و لعمري لو شغبت علينا لقد شغب علينا أبوك من قبل( ١) .

«شديد زحامهم» أي: اجتماعهم في الحرب قال الشاعر:

إن تلق عمرا فقد لاقيت مدرعا

و ليس من همه إبل و لا شاء

في جحفل لجم جم صواهله

بالليل يسمع في حافاته آء

«ساطع قتامهم» أي: غبارهم في الحرب قال الشاعر:

في فتية صدأ الحديد عبيرهم

و خلوقهم علق النجيع الأحمر

لا يأكل السرحان شلو عفيرهم

مما عليه من القنا المتكسر

«متسربلين سربال الموت» هكذا في (المصرية)( ٢ ) ، و الصواب: «سرابيل الموت» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم( ٣ ) و الخطية).

و في (صفين نصر): أنّ أبا عرفاء الذهلي أخذ الراية يوم صفين و قال: يا أهل

____________________

(١) وقعة صفّين: ٤٤٨ ٤٤٩.

(٢) نهج البلاغة ٣: ٤٠.

(٣) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١٥: ١٨٤، و لكن في شرح ابن ميثم ٤: ٤٣٥: «سربال الموت» أيضا.

هذه الراية إنّ عمل الجنّة كره كلّه، و إنّ عمل النّار خف كلّه، و إنّ الجنّة لا يدخلها إلاّ الصابرون الذين صبروا أنفسهم على فرائض اللّه و أمره، و ليس شي‏ء ممّا افترض اللّه على العباد أشدّ من الجهاد، فإذا رأيتموني قد شددت فشدّوا، و يحكم أما تشتاقون إلى الجنّة؟ فشدّ و شدّوا معه، و قاتل حتى قتل إلى أن قال: فلمّا أصبحوا في اليوم العاشر، أصبحوا و ربيعة محدقة بعليعليه‌السلام إحداق بياض العين بسوادها، و قام خالد بن المعمر فنادى: من يبايع على الموت و يشري نفسه للّه؟ فبايعه سبعة الآف على ألاّ ينظر رجل خلفه حتّى يرد سرادق معاوية، فاقتتلوا قتالا شديدا، و كسروا جفون سيوفهم( ١) .

«أحبّ اللقاء إليهم لقاء ربهم، قد صحبتهم ذريّة بدريّة» في (صفين نصر): قام سعد بن قيس في صفين يخطب أصحابه فقال: إنّ أصحاب محمّد المصطفين الأخيار معنا و في حيزنا، فو اللّه الذي هو بالعباد بصير، لو كان قائدنا حبشيّا مجدعا( ٢ ) ، و معنا من البدرييّن سبعين رجلا، لكان ينبغي لنا أن تحسن بصائرنا، و تطيب أنفسنا، و كيف و إنّما رئيسنا ابن عمّ نبيّنا؟ بدري صدق صلّى مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صغيرا، و جاهد معه كبيرا و معاوية طليق، من وثاق الاسار و ابن طليق، إلاّ أنّه أغوى جفاة، فأوردهم النار، و أورثهم العار، و اللّه محلّ بهم الذل و الصغار( ٣) .

«و سيوف هاشمية» في (صفين نصر) بعد ذكر خطبتهعليه‌السلام أصحابه بصفين: فقالوا له: انهض بنا يا أمير المؤمنين إلى عدوّنا و عدوّك إذا شئت، فو اللّه ما نريد بك بدلا، نموت معك و نحيا معك. فقالعليه‌السلام لهم: و الذي نفسي

____________________

(١) وقعة صفّين: ٣٠٥ ٣٠٦.

(٢) قال في هامش المصدر: ٢٣٦ ما نصّه: هو إشارة إلى حديث أبي ذرّ، قال: إنّ خليلي أوصاني أن أسمع و أطيع و إن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف. انظر صحيح مسلم ٢: ٨٥.

(٣) وقعة صفّين: ٢٣٦ ٢٣٧.

بيده، لنظر إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أضرب قدّامه بسيفي، فقال: لا سيف إلاّ ذو الفقار، و لا فتى إلاّ علي إلى أن قال ثمّ نهض إلى القوم فاقتتلوا من حين طلعت الشمس حتى غاب الشفق، و ما كانت صلاة القوم إلاّ تكبيرا( ١) .

هذا و لما أمر سليمان الفرزدق بضرب عنق أسير من الكفّار فنبا سيفه، و قال جرير له يعيّره:

بسيف أبي رغوان سيف مجاشع

ضربت و لم تضرب بسيف ابن ظالم

قيل: أراد بسيف ابن ظالم، سيف الحارث بن ظالم الغساني، الذي ضرب به ابن السموأل فقطعه نصفين.

«قد عرفت مواقع نصالها» أي: حديدها.

«في أخيك» حنظلة.

«و خالك» الوليد بن عتبة.

«و جدّك» عتبة بن ربيعة أبي امّه.

«و أهلك» شيبة عمّ أمّها، و العاص بن سعيد بن أبي العاص، و معاوية بن المغيرة بن أبي العاص من بني عمّه و عنهعليه‌السلام : تعجبت من جرأة القوم يوم بدر، قد قتلت الوليد بن عتبة، و قتل حمزة عتبة و شركته في قتل شيبة، إذ أقبل إليّ حنظلة بن أبي سفيان، فلمّا دنا ضربته ضربة بالسيف، فسالت عيناه و لزم الأرض قتيلا( ٢) .

و من رثاء هند امّ معاوية لأبيها:

تداعى له رهطه غدوة

بنو هاشم و بنو المطلب

يذيقونه حدّ أسيافهم

يعرونه بعد ما قد شجب

____________________

(١) وقعة صفّين: ٣١٥.

(٢) قريب منه ما في وقعة صفّين: ١٠٢.

و عن سعيد بن العاص: أنّه ذهب إلى مجلس عمر، فجلس ناحية، فقال له عمر: كأنّ في نفسك عليّ شيئا، أ تظنّ أنّي قتلت أباك؟ و اللّه لوددت أني كنت قاتله، مررت به يوم بدر فرأيته يبحث للقتال، كما يبحث الثور بقرنيه، و اذن شدقاه، قد أزبد كالوزغ، فلمّا رأيت ذلك هبته وزغت عنه، فقال لي: إليّ يا بن الخطاب. و صمد له عليّ فو اللّه ما رمت مكاني حتى قتله. و كان عليعليه‌السلام حاضرا، فقال لعمر: مالك تهيج الناس عليّ؟ فكفّ عمر، فقال سعيد بن العاص:

أما انّه ما كان يسرني أن يكون قاتل أبي غير ابن عمّه علي( ١) .

هذا، و ممّا قيل في أثرات السيف، قول الواسطي و الهذلي و ثعلبة الفاتك:

ما أنكر الهام من أسيافه ظبة

و إنّما أنكرت أسيافه القرب

به يدع الكمي على يديه

يخر تخاله نسرا قشيبا

نحن الاولى أردت ظبات سيوفنا

داود بين القرنتين يحارب

و كذاك إنّا لا تزال سيوفنا

تنفي العدى و تفيد رعب الراعب

«و ما هي من الظالمين ببعيد» الأصل فيه قوله تعالى في قرية قوم لوط:

و أمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود. مسومة عند ربك و ما هي من الظالمين ببعيد( ٢) .

و المراد أنّ تلك الحجارة التي امطرت على قوم لوط ليست من الظالمين من امّتك العاملين عملهم ببعيد.

و في الخبر: لا يموت اللاطي حتّى يضرب بحجر من تلك على قلبه( ٣) .

كما أنّ المراد من كلامهعليه‌السلام : أنّ مواقع نصال تلك السيوف الهاشمية،

____________________

(١) قريب منه ما في المغازي للواقدي ١: ٩٢، و نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٤: ١٤٣ ١٤٥.

(٢) هود: ٨٢ ٨٣.

(٣) تفسير العياشي ٢: ١٥٨، تفسير القمّي ١: ٣٣٦ ٣٣٧.

و المراد سيفهعليه‌السلام لست ببعيد من معاوية السالك مسالك أسلافه في البغي و العتو، اولئك في قبال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و هو في قبال الوصيّعليه‌السلام ، و كان عمّار يقول في صفين: قاتلت مع هذه الراية أي راية معاوية مرات في غزوات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بدر و غيرها، و ما هي اليوم بأبر منها أمس( ١) .

هذا و لهعليه‌السلام كتاب آخر إلى معاوية و قد نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر و فيه: و قد أسهبت في ذكر عثمان، و لعمري ما قتله غيرك، و لا خذله سواك، و لقد تربصت به الدوائر، و تمنّيت به الأماني، طمعا في ما ظهر منك و دلّ عليه فعلك، و إنّي لأرجو أن الحقك به على أعظم من ذنبه، و أكبر من خطئيته، فأنا ابن عبد المطلب صاحب السيف، و إنّ قائمته لفي يدي، و قد علمت من قتلت به من صناديد بني عبد شمس، و فراعنة بني سهم و جمح و مخزوم، و أيتمت أبناءهم و أيّمت نساءهم( ٢) .

و في قولهعليه‌السلام : «الحقك به على أعظم من ذنبه» ما لا يخفى.

٢١ - الكتاب (٣٧) و من كتاب لهعليه‌السلام إلى معاوية:

فَسُبْحَانَ اَللَّهِ مَا أَشَدَّ لُزُومَكَ لِلْأَهْوَاءَ اَلْمُبْتَدَعَةِ وَ اَلْحَيْرَةِ اَلْمُتَّبَعَةِ مَعَ تَضْيِيعِ اَلْحَقَائِقِ وَ اِطِّرَاحِ اَلْوَثَائِقِ اَلَّتِي هِيَ لِلَّهِ طِلْبَةٌ وَ عَلَى عِبَادِهِ حُجَّةٌ فَأَمَّا إِكْثَارُكَ اَلْحِجَاجَ فِي؟ عُثْمَانَ؟ وَ قَتَلَتِهِ فَإِنَّكَ إِنَّمَا نَصَرْتَ؟ عُثْمَانَ؟ حَيْثُ كَانَ اَلنَّصْرُ لَكَ وَ خَذَلْتَهُ حَيْثُ كَانَ اَلنَّصْرُ لَهُ وَ اَلسَّلاَمُ

____________________

(١) وقعة صفين: ٣٢١.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٥: ٨٣ ٨٤.

أقول: قال ابن أبي الحديد: و أوّله أمّا بعد، فإنّ الدّنيا حلوة خضره ذات زينة و بهجة، لم يصب إليها أحد إلاّ و شغلته بزينتها عمّا هو أنفع له منها، و بالآخرة امرنا و عليها حثثنا فدع يا معاوية ما يفنى و اعمل لما يبقى، و احذر الموت الذي إليه مصيرك، و الحساب الذي إليه عاقبتك.

و اعلم أنّ اللّه تعالى إذا أراد بعبد خيرا حال بينه و بين ما يكره، و وفّقه لطاعته، و إذا أراد اللّه بعبد سوءا أغراه بالدنيا، و أنساه الآخرة و بسط له أمله، و عاقة عمّا فيه صلاحه. و قد وصلني كتابك فوجدتك ترمي فيه غير غرضك، و تنشد غير ضالّتك، و تخبط في عماية، و تتيه في ضلالة، و تعتصم بغير حجّة، و تلوذ بأضعف شبهة. فأمّا سؤالك المتاركة و الإقرار لك على الشام، فلو كنت فاعلا ذلك اليوم لفعلته أمس. و أمّا قولك: إنّ عمر ولاّكه فقد عزل من كان ولاّه صاحبه، و عزل عثمان من كان عمر ولاّه، و لم ينصب للناس إمام إلاّ ليرى من صلاح الامّة، ما قد كان ظهر لمن قبله و اخفي عنهم عيبه، و الأمر يحدث بعده الأمر، و لكل وال رأي و اجتهاد، فسبحان اللّه...( ١) .

«فسبحان اللّه ما أشدّ لزومك للأهواء المبتدعة» كإقراره على الشام، لأن عمر ولاّه.

«و الحيرة المتعبة» هكذا في (المصرية)( ٢ ) ، و لكن في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم( ٣ ) و الخطية): «المتبعة».

«مع تضييع الحقايق» بأنّ للوالي أن يعمل بما يراه صلاحا، حتى إنّ عمر أوّل ساعة خلافته عزل خالد بن الوليد، الذي فوّض أبو بكر اموره إليه و جعله

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٥٣ ١٥٤.

(٢) نهج البلاغة ٣: ٦٩.

(٣) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٥٣، و شرح ابن ميثم ٥: ٨٠.

أمير امرائه، لأنّ عمر رأى: أنّ خالدا قتل مسلما، و هو مالك بن نويرة لحقد له معه، و زنا مع امرأته في أيّام أبي بكر، و أغضى أبو بكر منه.

«و اطراح الوثائق التي هي للّه طلبة و على عباده حجّة» و تلك الوثائق وجوب إطاعة الإمام، قال تعالى... أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول و اولي الأمر منكم...( ١) .

«فأمّا إكثارك الحجاج» أي: المحاجة.

«في عثمان و قتلته فإنّك إنّما نصرت عثمان حيث كان النصر لك و خذلته حيث كان النصر له» قال ابن أبي الحديد: روى البلاذري: أنّ عثمان لما أرسل الى معاوية يستمده، بعث معاوية يزيد بن أسد القسري جدّ خالد بن عبد اللّه القسري، أمير العراق و قال له: إذا أتيت ذا خشب فأقم بها و لا تتجاوزها، و لا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فإنّني أنا الشاهد و أنت الغايب. فأقام بذي خشب حتى قتل عثمان، فاستقدمه فعاد بالجيش الذي كان أرسل معه، و إنّما صنع ذلك معاوية ليقتل عثمان فيدعوا إلى نفسه.

و كتب معاوية عند صلح الحسنعليه‌السلام له كتابا إلى ابن عباس يدعوه فيه إلى بيعته، و يقول له فيه: و لعمري لو قتلتك بعثمان رجوت أن يكون ذلك للّه رضى، و أن يكون رأيا صوابا، فإنّك من الساعين على عثمان و الخاذلين له، و السافكين دمه، و ما جرى بيني و بنيك صلح فيمنعك منّي و لا بيدك أمان.

فكتب إليه ابن عباس جوابا طويلا، يقول فيه: و أما قولك: إنّي من الساعين عليه و الخاذلين له و السافكين دمه، و ما جرى بيني و بينك صلح فيمنعك مني.

فأقسم باللّه لأنت المتربّص بقتله، و المحبّ لهلاكه، و الحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من أمره، و لقد أتاك كتابه و صريخه يستغيث بك و يستصرخ فما

____________________

(١) النساء: ٥٩.

حفلت به، حتى بعثت إليه معذرا بآخره، أنت تعلم أنّهم لن يتركوك حتى تقتل، فقتل كما كنت أردت، ثمّ علمت عند ذلك أنّ الناس لن يعدلوا بيننا و بينك، فطفقت تنعي عثمان و تلزمنا دمه و تقول: قتل مظلوما. فإن يك قتل مظلوما فأنت أظلم الظالمين، ثم لم تزل مصوبا و مصعدا و حائما و رابضا، تستغوي الجهّال، و تنازعنا حقّنا بالسفهاء، حتى أدركت ما طلبت و إن أدري لعلّه فتنة لكم و متاع إلى حين( ١) .

و في (خلفاء ابن قتيبة): كتب معاوية إلى محمّد بن مسلمة الأنصاري: فهلاّ نهيت أهل الصلاة عن قتل بعضهم بعضا، أو ترى أنّ عثمان و أهل الدار ليسوا بمسلمين؟ عصيتم اللّه و خذلتم عثمان.

فكتب إليه محمّد بن مسلمة: لعمري يا معاوية ما طلبت إلاّ الدّنيا، و لا اتبعت إلاّ الهوى، و لئن كنت نصرت عثمان ميّتا لقد خذلته حيّا( ٢) .

«و السلام» ليس في (ابن ميثم)( ٣) .

٢٢ - في الكتاب (٦٢) إِنِّي وَ اَللَّهِ لَوْ لَقِيتُهُمْ وَاحِداً وَ هُمْ طِلاَعُ اَلْأَرْضِ كُلِّهَا مَا بَالَيْتُ وَ لاَ اِسْتَوْحَشْتُ وَ إِنِّي مِنْ ضَلاَلِهِمُ اَلَّذِي هُمْ فِيهِ وَ اَلْهُدَى اَلَّذِي أَنَا عَلَيْهِ لَعَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ نَفْسِي وَ يَقِينٍ مِنْ رَبِّي وَ إِنِّي إِلَى لِقَاءِ اَللَّهِ لَمُشْتَاقٌ وَ بِحُسْنِ ثَوَابِهِ لَمُنْتَظِرٌ رَاجٍ وَ لَكِنَّي آسَى أَنْ يَلِيَ أَمْرَ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ سُفَهَاؤُهَا وَ فُجَّارُهَا فَيَتَّخِذُوا مَالَ اَللَّهِ دُوَلاً وَ عِبَادَهُ خَوَلاً وَ اَلصَّالِحِينَ

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٦: ١٥٤ ١٥٥، و الآية ١١١ من سورة الأنبياء.

(٢) الإمامة و السياسة ١: ١٠٠ ١٠١.

(٣) شرح ابن ميثم ٥: ٨١.

حَرْباً وَ اَلْفَاسِقِينَ حِزْباً فَإِنَّ مِنْهُمُ اَلَّذِي قَدْ شَرِبَ فِيكُمُ اَلْحَرَامَ وَ جُلِدَ حَدّاً فِي اَلْإِسْلاَمِ وَ إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى رُضِخَتْ لَهُ عَلَى اَلْإِسْلاَمِ اَلرَّضَائِخُ فَلَوْ لاَ ذَلِكَ مَا أَكْثَرْتُ تَأْلِيبَكُمْ وَ تَأْنِيبَكُمْ وَ جَمْعَكُمْ وَ تَحْرِيضَكُمْ وَ لَتَرَكْتُكُمْ إِذْ أَبَيْتُمْ وَ وَنَيْتُمْ أَ لاَ تَرَوْنَ إِلَى أَطْرَافِكُمْ قَدِ اِنْتَقَضَتْ وَ إِلَى أَمْصَارِكُمْ قَدِ اُفْتُتِحَتْ وَ إِلَى مَمَالِكِكُمْ تُزْوَى وَ إِلَى بِلاَدِكُمْ تُغْزَى اِنْفِرُوا رَحِمَكُمُ اَللَّهُ إِلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ وَ لاَ تَثَّاقَلُوا إِلَى اَلْأَرْضِ فَتُقِرُّوا بِالْخَسْفِ وَ تَبُوءُوا بِالذُّلِّ وَ يَكُونَ نَصِيبُكُمُ اَلْأَخَسَّ وَ إِنَّ أَخَا اَلْحَرْبِ اَلْأَرِقُ وَ مَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ وَ اَلسَّلاَمُ قول المصنف «و منه» أي: و من كتابهعليه‌السلام إلى أهل مصر مع الأشتر لمّا ولاّه، إلاّ أنّه قلنا في شرح صدره أنه خطبة خطبعليه‌السلام بها في الكوفة بعد فتح مصر و قتل محمّد بن أبي بكر، و سؤال الناس له عن قولهعليه‌السلام في أبي بكر و عمر و عثمان، رواه ابراهيم الثقفي في (غاراته)( ١ ) ، و ابن قتيبة في (خلفائه)( ٢) ، و الكليني في (رسائله)( ٣ ) ، على اختلاف، لكن كتبهاعليه‌السلام لهم حتى تقرأ عليهم، كما صرّح به في رواية ابن قتيبة: فأمر كاتبه عبيد اللّه بن أبي رافع أن يقرأها، و عيّنعليه‌السلام عشرة من ثقاته لئلاّ يشغب الناس، كما صرح به في رواية الكليني، و مضمون فقرات الذيل تدلّ أيضا على كون الكلام خطبة في التحريض على الجهاد، و لا مناسبة لها أن تكون كتابا إلى أهل مصر، فالظاهر أنّ المصنّف رأى أنّهعليه‌السلام كتب للناس بعد فتح مصر، فلم يتدبّر و توهّم أنّهعليه‌السلام كتب

____________________

(١) الغارات ١: ٣٠٢ ٣٢٢.

(٢) الإمامة و السياسة ١: ١٥٤ ١٥٩.

(٣) لم أجد نسخته، و لكن نقله عنه السيد ابن طاووس في كشف المحجّة لثمرة المهجة و عنه العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في بحار الأنوار ٨: ١٨٤ ١٨٨، ط الكمباني.

بالكتاب إلى أهل مصر. فزاد (مع الأشتر) من الخارج.

ثمّ «و منه» في (المصرية)( ١ ) ، و لكن في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٢ ) : «و من هذا الكتاب»، فهو الصحيح.

روى الأوّل عن رجاله، عن عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه قال: خطب عليعليه‌السلام بعد فتح مصر و قتل محمّد بن أبي بكر إلى أن قال بعد ذكر بعثة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و أيّام الثلاثة و آثام الثالث في أيامه: و إنّ فيهم من قد شرب فيكم الخمر، و جلد الحدّ، يعرف بالفساد في الدين، و في الفعل السيى‏ء، و إنّ فيهم من لم يسلم حتّى رضخ له رضخة، فهؤلاء قادة القوم، و من تركت ذكر مساويه من قادتهم مثل من ذكرت منهم، بل هو شرّ و يود هؤلاء الذين ذكرت لو ولّوا عليكم، فأظهروا فيكم الكفر و الفساد و الفجور و التسلّط بجبرية، و اتّبعوا الهوى، و حكموا بغير الحقّ، و لأنتم على ما كان فيكم من تواكل و تخاذل، خير منهم و أهدى سبيلا، فيكم العلماء و الفقهاء، و النجباء و الحكماء، و حملة الكتاب و المتهجّدون بالأسحار، و عمّار المساجد بتلاوة القرآن، أفلا تسخطون و تهتمون أن ينازعكم أمري؟ فو اللّه لئن أطعتموني لا تغوون، و إن عصيتموني لا ترشدون، خذوا للحرب اهبتها و أعدّوا عدّتها، قد شبّت نارها، و علا سناؤها، و تجرّد لكم فيها الفاسقون، كي يعذبوا عباد اللّه و يطفئوا نور اللّه، إلاّ أنّه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع و المكر و الجفاء، بأولى في الجدّ في غيّهم و ضلالهم من أهل البرّ و الزهادة و الإخبات في حقّهم و طاعة ربهم، و اللّه لو لقيتهم فردا و هم مل‏ء الأرض ما باليت و لا استوحشت، و إنّي من ضلالتهم التي هم فيها، و الهدى الذى نحن عليه، لعلى ثقة و بيّنة و يقين

____________________

(١) نهج البلاغة ٣: ١٣١.

(٢) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٢٢٥، و لكن في شرح ابن ميثم ٥: ٢٠١: و منه أيضا.

و بصيرة، و إنّي إلى لقاء ربي لمشتاق، و لحسن ثوابه لمنتظر، و لكن أسفا يعتريني و حزنا، أن يلي أمر هذه الامّة سفهاؤها و فجّارها، فيتخذوا مال اللّه دولا، و عباده خولا، و الفاسقين حزبا. و ايم اللّه لو لا ذلك لمّا أكثرت تأنيبكم و تحريضكم، و لتركتكم إذا و نيتم و أبيتم، حتى ألقاهم بنفسي متى حمّ لقاؤهم، فو اللّه إنّي لعلى الحقّ، و إنّي للشهادة لمحبّ، فانفروا خفافاً و ثقالاً، و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم في سبيل اللّه ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعملون( ١ ) و لا تثاقلوا إلى الأرض فتقرّوا بالخسف و تبوؤا بالذل، و يكن نصيبكم الأخس. إنّ أخا الحرب اليقظان، و من ضعف أردى، و من ترك الجهاد كان كالمغبون المهين، اللهمّ اجمعنا و إيّاهم على الهدى، و زهّدنا و إيّاهم في الدّنيا، و اجعل الآخرة خيرا لنا و لهم من الاولى( ٢) .

و في الثاني: قام حجر بن عدي و عمرو بن الحمق و فلان إلى عليعليه‌السلام ، فسألوه عن أبي بكر و عمر، و قالوا: بيّن لنا قولك فيهما و في عثمان، فقال كرم اللّه وجهه: أو قد تفرغتم لهذا، و هذه مصر قد افتتحت و شيعتي فيها قد قتلت؟

إنّي مخرج إليكم كتابا انبئكم فيه ما سألتموني، فاقرؤه على شيعتي. فأخرج إليهم كتابا إلى ان قال: و إنّ منهم لمن شرب فيكم و جلد حدّا في الإسلام، فهؤلاء قادة القوم، و من تركت ذكر مساويه منهم شرّ و أضر، و هؤلاء الذين لو ولّوا عليكم لأظهروا فيكم الغضب و الفخر و التسلط بالجبروت، و التطاول بالغصب و الفساد في الارض، و لاتبعوا الهوى، و ما حكموا بالرشاء، و أنتم على ما فيكم من تخاذل و تواكل، خير منهم و أهدى سبيلا، فيكم الحكماء و العلماء و الفقهاء، و حملة القرآن و المتهجدون بالأسحار، و العبّاد و الزّهاد في

____________________

(١) التوبة: ٤١.

(٢) الغارات ١: ٣٠٢ ٣٢٢، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

الدّنيا، و عمّار المساجد و أهل تلاوة القرآن، أفلا تسخطون و تنقمون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم و الأراذل و الأشرار منكم؟ اسمعوا قولي إذا قلت، و أطيعوا أمري إذا أمرت، و اعرفوا نصيحتي إذا نصحت، و اعتقدوا حزمي إذا حزمت، و التزموا عزمي إذا عزمت، و انهضوا نهوضي و قارعوا من قارعت، و لئن عصيتموني لا ترشدوا و لا تجتمعوا، خذوا للحرب اهبتها و أعدّوا لها آلتها، فإنّها قد وقدت نارها و علا سناها، و تجرّد لكم الظالمون كيما يطفئوا نور اللّه، و يقهروكم.

عباد اللّه إنّه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع و الجفاء، بأولى في الجدّ في غيّهم و ضلالهم و باطلهم، من أهل النزاهة و الحق، و الاخبات بالجدّ في حقّهم، و طاعة ربهم و مناصحة إمامهم، إنّي و اللّه لو لقيتهم وحيدا منفردا، و هم في أهل الأرض، إن باليت بهم أو استوحشت منهم، إنّي في ضلالهم الذي هم فيه، و الهدى الذي أنا عليه، لعلى بصيرة و يقين و بيّنة من ربّي، و إنّي للقاء ربّي مشتاق، و لحسن ثوابه لمنتظر راج، و لكن أسفا يعتريني، و جزعا يريبني، من أن يلي هذه الامة سفهاؤها و فجّارها، فيتخذوا مال اللّه دولا و عباد اللّه خولا و الصالحين حربا و القاسطين حزبا، و ايم اللّه لو لا ذلك، ما أكثرت تأليبكم و تحريضكم، و لتركتم، فو اللّه إنّي لعلى الحقّ، و إنّي للشهادة لمحبّ، أنا نافر بكم إن شاء اللّه...( ١) .

و في الثالث: و روايته عن علي بن إبراهيم بإسناده عنهعليه‌السلام : و إنّ منهم من قد شرب الخمر و ضرب حدّا في الإسلام، و كلّكم يعرفه بالفساد في الدين، و إن منهم من لم يدخل في الإسلام و أهله حتى رضخ عليه رضيخه، فهؤلاء قادة القوم، و من تركت لكم ذكر مساويه أكثر و أبور، و أنتم تعرفونهم بأعيانهم

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ١٥٤ ١٥٩، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

و أسمائهم، كانوا على الاسلام ضدا، و لنبي اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حربا، و للشيطان حزبا، لم يتقدّم إيمانهم، و لم يحدث نفاقهم، و هؤلاء الذين لو ولّوا عليكم، لأظهروا فيكم الفخر و التكبر، و التسلّط بالجبرية و الفساد في الأرض، و أنتم على ما كان منكم من تواكل و تخاذل، خير منهم و أهدى سبيلا، منكم الفقهاء و العلماء و الفهماء، و حملة الكتاب، و المتهجدون بالأسحار.

ألا تسخطون و تنقمون ان ينازعكم الولاية السفهاء البطاء عن الإسلام الجفاة فيه؟ اسمعوا قولي يهديكم اللّه إذا قلت، و أطيعوا أمري إذا أمرت، فو اللّه لئن أطعتموني لا تغووا، و إن عصيتموني... قال اللّه تعالى:... أ فمن يهدي إلى الحقّ أحقّ ان يتّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يهدى فما لكم كيف تحكمون( ١ ) ، و قال تعالى لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :... إنّما أنت منذر و لكلّ قوم هاد( ٢) .

فالهادي بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هاد لامته على ما كان من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فمن عسى أن يكون الهادي إلاّ الذي دعاكم إلى الحقّ و قادكم إلى الهدى؟ خذوا للحرب اهبتها، و أعدّوا لها عدّتها، فقد شبّت و اوقدت نارها، و تجرّد لكم الفاسقون لكيما يطفئوا نور اللّه بأفواههم، و يغروا عباد اللّه، ألاّ إنّه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع و الجفاء، أولى بالحقّ من أهل البرّ و الاخبات في طاعة ربّهم، و مناصحة إمامهم، انّي و اللّه لو لقيتهم وحدي و هم و أهل الأرض ما استوحشت منهم و لا باليت، و لكن أسف يريبني، و جزع يعتريني، من أن يلي هذه الامّة فجّارها و سفهاؤها، يتّخذون مال اللّه دولا، و كتابه دخلا، و الفاسقين حزبا، و الصالحين حربا، و أيم اللّه لو لا ذلك ما أكثرت تأنيبكم و تحريضكم، و لتركتكم إذ أبيتم، حتى ألقاهم متى حمّ لي لقاؤهم، فو اللّه إنّي لعلى الحقّ، و انّي

____________________

(١) يونس: ٣٥.

(٢) الرعد: ٧.

للشهادة لمحبّ، و إنّي إلى لقاء ربّي لمشتاق، و لحسن ثوابه لمنتظر، انّي نافر بكم فانفروا خفافاً و ثقالاً و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم في سبيل اللّه و لا تثاقلوا إلى الأرض فتعمّوا بالذل و تقرّوا بالخسف، و يكون نصيبكم الخسران، إنّ أخا الحرب اليقظان الأرق، إن نام لم تنم عينه، و من ضعف أودى، و من كره الجهاد في سبيل اللّه، كان المغبون المهين، إنّي لكم اليوم على ما كنت عليه أمس، و لستم لي على ما كنتم عليه. من تكونوا ناصريه، أخذ بالسهم الأخيب.

و اللّه لو نصرتم اللّه لنصركم و ثبّت أقدامكم، إنّه حق على اللّه أن ينصر من نصره، و يخذل من خذله، أ ترون الغلبة لمن صبر بغير نصر، و قد يكون الصبر جبنا، و إنّما الصبر بالنصر، و الورود بالصدور، و البرق بالمطر، اللهمّ اجمعنا...( ١) .

«إنّي و اللّه لو لقيتهم واحدا و هم طلاع الأرض» أي: ملؤها.

«ما باليت» أي: ما اكترثت.

«و لا استوحشت» من وحدتي، كما أنّ إبراهيمعليه‌السلام ما استوحش من وحدته في توحيده، و كون جميع أهل الأرض مشركين، فإنّ الأنبياء و أوصياء الأنبياء لا يبالون من قيام جميع أهل الدنيا على خلافهم، و لا يستوحشون من إنفرادهم. و لمّا كان الناس يشيرون على الحسينعليه‌السلام ببيعة يزيد، لكونه ذا سلطان و الناس كلّهم معه، و عدم ناصر له، كان يقول: و اللّه لو لم يكن لي في الدّنيا ملجأ و لا مأوى لمّا بايعت يزيد.

«و إنّي من ضلالهم الذي هم» أي: العثمانية و الطالبين بدم عثمان.

«فيه و الهدى الذي أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي و يقين من ربّي» و كذلك

____________________

(١) نقله عنه السيد ابن طاووس في كشف المحجّة لثمرة المهجة:، و عنه العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في بحار الأنوار ٨:

١٨٤ ١٨٨، ط الكمباني.

كانت شيعتةعليه‌السلام فكان عمّار يقول: و اللّه لو ضربونا حتى نبلغ سعفات هجر، لعلمت أنّا على الحقّ و هم على الباطل.

«و إنّي إلى لقاء اللّه لمشتاق و بحسن» هكذا في (المصرية)( ١ ) ، و الصواب:

(و لحسن) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم( ٢ ) و الخطيّة).

«ثوابه لمنتظر راج» ان قتلت أو مت و في (الطبري): أن الحرّ لمّا كان يساير الحسينعليه‌السلام في الطريق، يقول له: اذكّرك اللّه في نفسك، فإنّي أشهد لئن قاتلت لتقتلن. فقالعليه‌السلام له: أ فبالموت تخوفني؟ و هل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني، ما أدري ما أقول لك؟ و لكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه لقيه و هو يريد نصرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال له: أين تذهب فإنّك مقتول فقال له:

سأمضي و ما بالموت عار على الفتى إذا ما نوى حقّا و جاهد مسلما و آسى الرجال الصالحين بنفسه و فارق مثبورا يغش و يرغما( ٣ ) «و لكنّي آسى» بالفتح من (اسي) بالكسر، أي: حزن.

«أن يلي أمر هذه الامة سفهاؤها و فجّارها» من تواكلكم و تخاذلكم، كما كان كذلك أيّام عثمان و في (صفين نصر): أنّهعليه‌السلام لمّا أراد المسير إلى الشام، قام خطيبا و قال: سيروا إلى أعداء السنن و القرآن، سيروا إلى بقيّة الأحزاب و قتلة المهاجرين و الأنصار( ٤) .

بل لم يختصّ ما ذكرهعليه‌السلام بايّام عثمان، أ لم يل أمر الناس أيّام أبي بكر خالد بن الوليد الذي قتل مالك بن نويرة غدرا و فجر بامرأته؟ أو لم يل أمر الناس أيّام عمر المغيرة بن شعبة الذي زنا محصنا؟ و كان صاحب تلك النفس

____________________

(١) في نهج البلاغة ٣: ١٣١ «و حسن».

(٢) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٣٢٥، و لكن في شرح ابن ميثم ٥: ٢٠١ «و حسن» أيضا.

(٣) تاريخ الطبري ٥: ٤٠٤، سنة ٦١.

(٤) وقعة صفّين: ٩٤.

الخبيثة الذي حمل معاوية على استلحاق زياد به، و على استخلاف يزيد السكير القمّير على الامّة، و لمّا اعترضوا على عثمان بتوليته المنافقين، أجابهم بتوليه عمر المغيرة مع نفاقه، و إنّما كانت تولية الفجّار و السفهاء أيّام عثمان أكثر.

و في (حلية أبي نعيم) في ابيّ، عن قيس بن عباد قال: قدمت المدينة للقاء أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلم يكن فيهم أحد أحبّ إليّ لقاء من أبيّ بن كعب، فقمت في الصفّ الأوّل، فخرج، فلمّا صلّى حدّث فما رأيت الرجال متحت أعناقها إلى شي‏ء منهم إلى أبي، فسمعته يقول: هلك أهل العقد( ١ ) و رب الكعبة قالها ثلاثا هلكوا و أهلكوا. أما إنّي لا آسي عليهم، و لكنّي آسي على من يهلكون من المسلمين( ٢) .

«فيتخذوا مال اللّه دولا» أي: متداولا بينهم و في (الصحاح): قال محمّد بن سلام الجمحي: سألت يونس عن قوله تعالى:... كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم...( ٣ ) ، فقال: قال أبو عمرو بن العلاء: الدولة بالضم في المال، و الدولة بالفتح في الحرب. و قال عيسى بن عمر: كلتاهما تكون في المال و الحرب سواء( ٤) .

في (المروج): قال سعيد بن العاص لمّا كان واليا على الكوفة من قبل عثمان، في بعض الأيّام: إنّما هذا السواد يعني العراق فطير لقريش. فقال له الأشتر: أ تجعل ما أفاء اللّه علينا بظلال سيوفنا و مراكز

____________________

(١) قال ابن الأثير: يريد البيعة المعقودة للولاة. النهاية ٣: ٢٧٠، مادة: (عقد).

(٢) حلية الأولياء ١: ٢٥٢.

(٣) الحشر: ٧.

(٤) الصحاح ٤: ١٧٠٠، مادة: (دول).

رماحنا بستانا لك و لقومك؟( ١ ) و فيه: ذكر عبد اللّه بن عتبة: أنّ عثمان يوم قتل، كان عند خازنه من المال خمسون و مائة ألف دينار، و ألف و ألف درهم، و قيمة ضياعه بوادي القرى و حنين و غيرهما مائة ألف دينار، و خلف خيلا كثيرا و إبلا( ٢) .

و في (معارف ابن قتيبة): آوى عثمان الحكم بن أبي العاص، الذي سيّره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم لم يؤوه أبو بكر و لا عمر، و أعطاه مائة ألف درهم. و تصدق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمهزور موضع سوق المدينة على المسلمين، فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان، و أقطع فدك و هي صدقة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مروان، و فتح افريقية فأخذ الخمس، فوهبه كلّه لمروان، فقال عبد الرحمن بن حنبل الجمحي و كان عثمان سيّره:

و أعطيت مروان خمس العباد فهيهات شأوك ممّن سعى و طلب إليه عبد اللّه بن خالد بن اسيد صلة، فأعطاه أربعمائة ألف درهم( ٣) .

و في (تاريخ اليعقوبي): و زوّج عثمان ابنته من عبد اللّه بن خالد بن اسيد، و أمر له بستمائة ألف درهم، و كتب إلى عبد اللّه بن عامر أن يدفعها إليه من بيت مال البصرة.

و حدّث أبو إسحاق عن عبد الرحمن بن يسار، قال: رأيت عامل صدقات المسلمين على سوق المدينة، إذا أمسى أتاها عثمان، فقال له: ادفعها إلى الحكم بن أبي العاص. و كان عثمان إذا أجاز أحدا من أهل بيته بجائزة، جعلها فرضا من بيت المال، فجعل يدافعه و يقول: يكون فنعطيك. فألحّ عليه فقال له عثمان:

____________________

(١) مروج الذهب ٢: ٣٤٦.

(٢) المصدر نفسه ٢: ٣٤١ ٣٤٢.

(٣) المعارف لابن قتيبة: ١٩٥، دار المعارف، مصر، ط ٢.

إنّما أنت خازن لنا، فاذا أعطيناك فخذ، و إذا سكتنا عنك فاسكت. فقال: كذبت و اللّه، ما أنا لك بخازن و لا لأهل بيتك، إنّما أنا خازن المسلمين. و جاء بالمفتاح يوم الجمعة و عثمان يخطب، فقال: أيّها الناس زعم عثمان أنّي خازن له و لأهل بيته، و إنّما كنت خازنا للمسلمين، و هذه مفاتيح بيت مالكم. و رمى بها، فأخذها عثمان و دفعها إلى زيد بن ثابت( ١) .

«و عباده خولا» أي: رقيقا لهم و ملكا و في (صفين نصر): لمّا أراد عليعليه‌السلام المسير إلى الشام، قام قيس بن سعد بن عبادة، فقال: انكمش بنا إلى عدوّنا، و لا تعرج فو اللّه لجهادهم أحبّ إليّ من جهاد الترك و الروم، لإدهانهم في دين اللّه و استذلالهم أولياء اللّه من أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، من المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان، و إذا غضبوا على رجل حبسوه، أو حرموه، أو سيّروه، و فيئنا لهم في أنفسهم حلال، و نحن لهم في ما يزعمون قطين. يعني: رقيق( ٢) .

«و الصالحين» كأبي ذر و عمّار.

«حربا» و في (تاريخ اليعقوبي): لمّا بلغ عثمان وفاة أبي ذر، فقال عمّار: نعم، رحم اللّه أبا ذر من كل أنفسنا. فغلظ ذلك على عثمان، و بلغه عن عمّار كلام، فأراد أن يسيّره أيضا...( ٣) .

«و الفاسقين» كالوليد بن عقبة الفاسق بنصّ القرآن فيه، و هو أخو عثمان لامّه، و عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، الذي أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتله و لو وجد متعلقا بأستار الكعبة، و هو أخوه من الرضاع.

«حزبا» و في (صفين نصر): قام عمّار في صفين، فقال: امضوا عباد اللّه إلى

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٦٨ ١٦٩.

(٢) وقعة صفّين: ٩٢ ٩٣.

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٧٤.

قوم يطلبون في ما يزعمون بدم الظالم لنفسه، الحاكم بغير ما في كتاب اللّه، إنّما قتله الصالحون، المنكرون للعدوان، الآمرون بالإحسان. فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين: لم قتلتموه؟ فقلنا:

لأحداثه. فقالوا: إنّه ما أحدث شيئا. و ذلك لأنه مكّنهم من الدّنيا فهم يأكلونها و يرعونها، و اللّه ما أظنهم يطلبون دمه، إنّهم ليعلمون إنّه لظالم، و لكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها و استمرؤها، و علموا لو أن الحقّ لزمهم لحال بينهم و بين ما يرعون فيه منها، و لم يكن للقوم سابقة في الإسلام، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قتل إمامنا مظلوما، ليكونوا بذلك جبابرة و ملوكا...( ١) .

و فيه: و قال هاشم بن عتبة المرقال لعليعليه‌السلام : سر بنا إلى هؤلاء القوم القاسية قلوبهم، الذين نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم، و عملوا في عباد اللّه بغير رضى اللّه، فأحلّوا حرامه و حرّموا حلاله، و استولاهم الشيطان و وعدهم الأباطيل، و منّاهم الأماني حتّى أزاغهم عن الهدى، و قصد بهم قصد الردى، و حبّب إليهم الدنيا، فهم يقاتلون على دنياهم رغبة فيها، كرغبتنا في الآخرة...( ٢) .

و ما قالهعليه‌السلام من أنّه يأسى أن يلي أمر الامّة من يتخذ مال اللّه دولا، و عباده خولا... أخبر به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل. فدخل أبو ذر على عثمان بعد إرسال معاوية له من الشام على قتب بغير وطاء و قد ذهب لحم فخذيه، فقال عثمان: بلغني أنّك تقول: سمعت النبي يقول: إذا كملت بنو أبي العاص ثلاثين اتّخذوا عباد اللّه خولا و دين اللّه دغلا. فقال له: نعم، سمعته يقول ذلك. فطلب منه شاهدا فشهدعليه‌السلام له لقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المتّفق عليه في أبي ذر: ما أظلت الخضراء و لا

____________________

(١) وقعة صفّين: ٣١٩.

(٢) المصدر نفسه: ١١٢.

أقلّت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر.

روى ذلك المسعودي( ١ ) و اليعقوبي( ٢ ) و الواقدي( ٣ ) و غيرهم.

«فإنّ منهم الذي قد شرب فيكم الحرام و جلد حدّا في الإسلام» قال ابن أبي الحديد:

قال الراوندي: «هو المغيرة». و أخطأ لأن المغيرة اتّهم بالزنا و لم يحدّ، و لم يجر للمغيرة ذكر في الشرب، و أيضا لم يشهد المغيرة صفين مع معاوية، و لا مع عليعليه‌السلام ، و ما للراوندي و هذا؟ إنّما يعرف هذا الفن أربابه. و الذي عناهعليه‌السلام الوليد بن عقبة بن أبي معيط( ٤) .

قلت: لا ريب في إرادتهعليه‌السلام الوليد، كما يفصح عنه كلامه الآخر الّذي رواه الطبري عن زيد بن وهب: أنّ عليّاعليه‌السلام مرّ على جماعة من أهل الشام بصفين، فيهم الوليد بن عقبة و هم يشتمونه، فأخبروهعليه‌السلام بذلك فوقف في ناس من أصحابه، فقال: انهدوا إليهم و عليكم السكينة و سيماء الصالحين و وقار الاسلام، و اللّه لأقرب قوم من الجهل باللّه عزّ و جلّ، قوم قائدهم و مؤدّبهم معاوية، و ابن النابغة، و أبو الأعور السلمي، و ابن أبي معيط شارب الحرام و المجلود حدّا في الاسلام، و هم أولى يقومون فيقصبونني و يشتمونني، و قبل اليوم ما قاتلوني و شتموني، و أنا إذ ذاك أدعوهم إلى الإسلام، و هم يدعونني إلى عبادة الأصنام، فالحمد للّه، قديما عاداني الفاسقون فعبّدهم اللّه.

إنّ هذا لهو الخطب الجليل، أنّ فسّاقا كانوا غير مرضيين، و على الإسلام و أهله متخوفين، خدعوا شطر هذه الامّة، و اشربوا قلوبهم حبّ الفتنة، و استمالوا

____________________

(١) مروج الذهب ٢: ٣٤٨ ٣٥٠.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٧١ ١٧٢.

(٣) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٣: ٥٥ ٥٦.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٢٢٧.

أهواءهم بالافك و البهتان، قد نصبوا لنا الحرب في إطفاء نور اللّه...( ١) .

لكن ردّه الراوندي: بأنّ المغيرة اتّهم بالزنا، و (لم يحدّ) تجنب عن الحقيقة، و إلاّ فالمغيرة زنا محققا، و إنّما منع عمر الشاهد الرابع من أداء شهادته كاملا، حتّى لا يحدّه، و قد قال الحسنعليه‌السلام لمعاوية: بأنّ اللّه يسأله عن ذلك، كما ان قوله في ردّه: إنّ المغيرة لم يشهد صفين مع أحد، في غير محلّه، فإنّ كلامهعليه‌السلام ليس في من شهد صفين بالخصوص، لأنّ كلامهعليه‌السلام لم يكن في صفين، بل في الكوفة بعد النهروان كما عرفت، و المغيرة و إن اعتزل لدهائه لاحتماله غلبة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، كما اتّفقت و دفعوها بالحيلة، إلاّ أنّه لم يكن أدون من الوليد، و قد ولّي بعدهعليه‌السلام على الناس أيّام حياته لتخاذل أصحابهعليه‌السلام ، و قد عرفت أنّه هو الذي حمل معاوية على استلحاق زياد و استخلاف يزيد، و مفاسدهما في الإسلام معلومة، و هو الذي أقام خطباء يسبّونهعليه‌السلام لمّا بويع معاوية، فضلا عن سبّه بنفسه أيّام حياته على المنبر، بوصية معاوية إليه لمّا ولاّه.

ثم إنّ ابن أبي الحديد نقل عن (أغاني أبي الفرج) أحوال الوليد، شربه و غير شربه. و نحن نقتصر منها على ما له زيادة دخالة، فمن رواياته عن ابن شوذب: صلّى الوليد بأهل الكوفة الغداة أربع ركعات ثم التفت اليهم فقال:

ازيدكم؟ فقال ابن مسعود: ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم( ٢) .

و عن هشام الكلبي، و أبي عبيدة، و الأصمعي، قالوا: كان الوليد زانيا، يشرب الخمر، فشرب بالكوفة و قام ليصلّي بهم الصبح، فصلّى بهم أربع ركعات، ثم التفت إليهم فقال: أ ازيدكم؟ و تقيأ في المحراب و أنشد في الصلاة:

____________________

(١) تاريخ الطبري ٥: ٤٥، سنة ٣٧.

(٢) الأغاني ٥: ١٢٥، شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٢٢٩.

علّق القلب الربابا بعد ما شابت و شابا فشخص أهل الكوفة إلى عثمان فأخبروه، فأتي به، فأمر رجلا أن يضربه الحدّ، فلمّا دنا منه قال: نشدتك و قرابتي من الخليفة. فتركه، فخاف عليعليه‌السلام أن يعطّل الحدّ، فقام إليه فحدّه بيده، فقال له الوليد نشدتك: و القرابة. فقال عليعليه‌السلام له: اسكت. فإنّما هلك بنو إسرائيل لتعطيلهم الحدود. فلمّا فرغ من حدّه قال: لتدعوني قريش بعدها جلاّدا( ١) .

و عن مطر الوراق قال: قدم رجل من أهل الكوفة إلى المدينة، فقال لعثمان:

إني صليت صلاة الغداة خلف الوليد، فالتفت في الصلاة إلى الناس فقال:

أ أزيدكم فإنّي أجد اليوم نشاطا؟ و شممنا منه رائحة الخمر. فضرب عثمان الرجل، فقال الناس: عطّلت الحدود و ضربت الشهود( ٢) .

و عن الزهري قال: خرج رهط من أهل الكوفة إلى عثمان في أمر الوليد، فقال لهم عثمان: أ كلّما غضب رجل على أميره رماه بالباطل؟ لئن أصحبت لكم لأنكلنّ بكم. فاستجاروا بعايشة، و أصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتا و كلاما فيه بعض الغلظة، فقال: أما يجد فسّاق العراق و مرّاقها ملجأ إلاّ بيت عايشة؟ فسمعت ذلك، فرفعت نعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و قالت: تركت سنّة صاحب هذا النعل. و تسامع الناس فجاؤوا حتّى ملؤوا المسجد إلى أن قال: و دخل رهط من الصحابة على عثمان، فقالوا له: اتّق اللّه و لا تعطّل الحدود، و اعزل أخاك عنهم. ففعل( ٣) .

و لمّا عزله أمّر عليها سعيد بن العاص، فلمّا قدمها قال: اغسلوا المنبر فإنّ

____________________

(١) الأغاني ٥: ١٢٦، شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٢٣٠.

(٢) الأغاني ٥: ١٣١، شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٢٣٣.

(٣) الأغاني ٥: ١٣٠ ١٣١، شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٢٣٢ ٢٣٣.

الوليد كان رجسا نجسا. فلم يصعده حتى غسل( ١) .

و عن ابن الأعرابي: أنّ أبا زبيد وفد على الوليد حين استعمله عثمان على الكوفة، فأنزله الوليد دار عقيل عند باب المسجد، و استوهبها فوهبها له، فكان ذلك أوّل الطعن عليه من أهل الكوفة، لأنّ أبا زبيد كان يخرج من داره حتى يشق المسجد إلى الوليد فيسمر عنده و يشرب معه، و يخرج و يشقّ المسجد و هو سكران، فذاك نبههم عليه( ٢ ) . و كان أبو زبيد نصرانيا.

و مات الوليد فويق الرقّة، و مات أبو زبيد هناك، فدفنا جميعا في موضع واحد، فمرّ أشجع السلمي بقبريهما، و قال:

مررت على عظام أبي زبيد و قد لاحت ببلقعة صلود( ٣ ) فكان له الوليد نديم صدق فنادم قبره قبر الوليد( ٤ ) و عن الزهري: أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رجز في غزاة بني المصطلق مواساة لأصحابه، فقالوا له: قلت قولا لا ندري ما هو؟ كنت تقول: «جندب و ما جندب و إلاّ قطع زيد الخير» فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هما رجلان يكونان في هذه، يضرب أحدهما ضربة يفرّق بين الحقّ و الباطل، إلى أن قال: و أمّا جندب هذا فدخل على الوليد و عنده ساحر يقال له: أبو شيبان، فيخرج مصارين بطنه ثم يردها، فجاء من خلفه فضربه و قتله، و قال:

العن وليدا و أبا شيبان و ابن حبيش راكب الشيطان

____________________

(١) الأغاني ٥: ١٤٥، شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٢٤٢.

(٢) الأغاني ٥: ١٣٥، شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٢٣٦.

(٣) البلقع و البلقعة: الأرض القفر التي لا شي‏ء بها. الصحاح ٣: ١١٨٨، مادة: (بلقع). و أرض صلود: لا تنبت. أساس البلاغة: ٢٥٧، مادة: (صلد).

(٤) الأغاني ٥: ١٤٦، شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٢٤٣.

رسول فرعون إلى هامان( ١ ) و عن ابن عباس قال: قال الوليد لعليّعليه‌السلام : أنا أحدّ منك سنانا، و أبسط منك لسانا، و أملأ للكتيبة. فقال له عليعليه‌السلام : اسكت يا فاسق فنزل القرآن فيهما:

أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون( ٢ ) . قال: و قال ابن عبد البرّ صاحب (الاستيعاب): لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن، إنّ قوله تعالى:

إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا...( ٣ ) انزلت في الوليد لمّا بعثه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مصدقا، فكذب على بني المصطلق و قال: إنّهم ارتدوا و امتنعوا من اداء الصدقة، و فيه و في عليّعليه‌السلام نزل أ فمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون( ٤ ) في قصتهما المشهورة( ٥) .

قال: و روى أبو الفرج مسندا: أنّ امرأة الوليد جاءت إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تشتكي إليه الوليد بأنّه يضربها، فقال لها: قولي له إنّ النبي قد أجارني، فأنطلقت، فمكثت ساعة، ثمّ رجعت فقالت: إنّه ما قلع عنّي. فقطع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هدبة من ثوبه، و قال لها: اذهبي بها إليه و قولي له: إنّ النبي قد أجارني، فانطلقت، فمكثت ساعة ثم رجعت، فقالت: ما زادني إلاّ ضربا. فرفع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يده ثم قال: «اللهمّ عليك بالوليد» مرتين أو ثلاثا( ٦) .

و في (المروج): كان الوليد يشرب مع ندمائه و مغنّيه من أوّل اللّيل إلى الصباح، فلمّا آذنه المؤذن بالصلاة، خرج في غلائه فتقدّم إلى المحراب في

____________________

(١) الأغاني ٥: ١٤٤، شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٢٤١.

(٢) السجدة: ١٨.

(٣) الحجرات: ٦.

(٤) السجدة: ١٨.

(٥) الأغاني ٥: ١٤٠ ١٤١، شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٢٣٨ ٢٣٩.

(٦) الأغاني ٥: ١٤١، و شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٢٣٩ ٢٤٠.

صلاة الصبح، فصلّى بهم أربعا، و قال: تريدون أن ازيدكم؟ قيل: و قال في سجوده و قد أطال: اشرب و اسقني. فقال له بعض من كان خلفه في الصفّ الأوّل: ما تريد لا زادك اللّه مزيد الخير، و اللّه لا أعجب إلاّ ممّن بعثك علينا واليا؟

و القائل عتاب بن غيلان الثقفي. و خطب الوليد الناس فحصبوه بحصباء المسجد، فدخل قصره يترنّح و يتمثل بأبيات لتأبط شرّا:

و لست بعيدا عن مدام وقينة

و لا بصفا صلد عن الخير معزل

و لكنني أروي من الخمر هامتي

و أمشي الملا بالساحب المتسلسل

و في ذلك يقول الحطيئة:

شهد الحطيئة يوم يلقى ربّه

أنّ الوليد أحقّ بالغدر

نادى و قد تمّت صلاتهم

أ أزيدكم ثملا و ما يدري

ليزدهم اخرى و لو قبلوا

لقرنت بين الشفع و الوتر

حبسوا عنانك في الصلاة و لو

خلّوا عنانك لم تزل تجري

و أشاعوا في الكوفة فعله، و ظهر فسقه و مداومته شرب الخمر، فهجم عليه جماعة، منهم أبو زينب بن عوف الأزديّ، و جندب بن زهير الأزدي و غيرهما، فوجدوه سكران مضطجعا على سريره لا يعقل، فأيقظوه من رقدته فلم يستيقظ، ثم تقيّأ عليهم ما شرب من الخمر، فانتزعوا خاتمه من يده، و خرجوا من فورهم إلى المدينة، فأتوا عثمان فشهدوا عنده على الوليد: أنّه شرب الخمر. فقال عثمان: و ما يدريكم أنّه شرب خمرا؟ قالوا: هي الخمر التي كنّا نشربها في الجاهلية. و أخرجا خاتمه فدفعاه إليه، فرزأهما و دفع في صدرهما، و قال: تنحّيا عنّي. فخرجا و أتيا عليّاعليه‌السلام و أخبراه بالقصة، فأتى عثمان و هو يقول: دفعت الشهود و أبطلت الحدود. فقال له عثمان: فما ترى؟ قال: أرى أن تبعث إلى صاحبك، فإن أقاما الشهادة عليه في وجهه و لم يدل بحجة، أقمت

عليه الحدّ. فلمّا حضر الوليد دعاهما عثمان فأقاما الشهادة عليه، و لم يدل بحجّة، فألقى عثمان السوط إلى عليّعليه‌السلام ، فقالعليه‌السلام لابنه الحسنعليه‌السلام : قم يا بني فأقم عليه ما أوجب اللّه عليه. فقال: يكفيه بعض من ترى. فلمّا نظر إلى امتناع الجماعة عن إقامة الحد عليه، توقّيا لغضب عثمان لقرابته منه، أخذ السوط و دنا منه، فلمّا أقبل نحوه، سبّه الوليد، و قال: يا صاحب مكس. فقال عقيل و كان ممّن حضر: إنّك لتتكلم يا ابن أبي معيط كأنّك لا تدري من أنت، إنّما أنت علج من أهل صفورية، قرية بين عكا و اللجون من أعمال الاردن من بلاد طبرية، ذكر أنّ أباه كان يهوديّا منها فأقبل الوليد يروغ من عليعليه‌السلام ، فاجتذبه و ضرب به الأرض و علاه بالسوط، فقال عثمان: ليس لك أن تفعل به هذا. قال: بلى و شرّ من هذا، إذا فسق و منع أن يؤخذ حقّ اللّه منه إلى أن قال:

و بلغ الوليد عن رجل من اليهود من ساكني قرية ممّا يلي جسر بابل، يقال له:

زارة، يعمل أنواع من الشعبذة و السحر، يعرف بمطروي، فأحضر فأراه في المسجد ضربا من التخاييل، فأظهر له في الليل فيلا عظيما على فرس في صحن المسجد، ثم صار اليهودي ناقة يمشي على جبل، ثم أراه صورة حمار دخل من فيه ثم خرج من دبره، ثم ضرب عنق رجل ففرّق بين جسده و رأسه، ثم أمر السيف عليه فقام الرجل، و كان جماعة من أهل الكوفة حضورا منهم جندب بن كعب الأزدي، فجعل يستعيذ باللّه من فعل الشيطان، و من عمل يبعد من الرحمن، و علم أنّ ذلك هو ضرب من التخييل و السحر، فاخترط سيفه فضرب به اليهودي ضربة أدار رأسه ناحية من بدنه، و قال:... جاء الحق و زهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقا( ١ ) ، فأنكر عليه الوليد ذلك و أراد أن يقيده به، فمنعه الأزد فحبسه و أراد قتله غيلة، و نظر السجّان إلى قيامه ليله إلى

____________________

(١) الإسراء: ٨١.

الصبح، فقال له: انج نفسك. فقال جندب: تقتل بي. قال: ليس ذلك بكثير في مرضاة اللّه و الدفع عن وليّ من أولياء اللّه. فلمّا أصبح الوليد، دعا به و قد استعدّ لقتله، فأخبره السجّان بهربه، فضرب عنق السجّان، و صلبه بالكناس( ١) .

«و إنّ منهم من لم يسلم حتّى رضخت له على الإسلام الرضائخ» جمع الرضيحة و في (الجمهرة) يقال: رضخ فلان لفلان من ماله إذ: أعطاه قليلا من كثير. و الاسم الرضيخة يقال: أعطاه رضيخة من ماله و رضاخة( ٢) .

قال ابن أبي الحديد: قال الراوندي: «يعني عمرو بن العاص» و ليس بصحيح لأنّ عمرا لم يسلم بعد الفتح، و أصحاب الرضائخ كلّهم بعد الفتح صونعوا على الإسلام بغنائم، و إنّما يعني به معاوية( ٣) .

قلت: و في (الطبري) في غنائم حنين عن عبد اللّه بن أبي بكر قال: أعطى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المؤلفة قلوبهم و كانوا من أشراف الناس يتألّفهم، فأعطى أبا سفيان مائة بعير، و أعطى ابنه معاوية مائة بعير إلى أن قال: قال أبو سعيد الخدري: لمّا أعطى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريش و قبائل العرب، و لم يكن في الأنصار منها شي‏ء، وجدوا في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة إلى أن قال: فقال لهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وجدتم في أنفسكم معشر الأنصار في لعاعة من الدّنيا، تألّفت بها قوما ليسلموا، و وكلتكم إلى إسلامكم، أ فلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة و البعير، و ترجعوا برسول اللّه إلى رحالكم؟ فو الذي نفس محمّد بيده لو لا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، و لو سلك الناس شعبا و سلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهمّ

____________________

(١) مروج الذهب ٢: ٣٤٤ ٣٤٨، و النقل بتصرّف و تلخيص.

(٢) جمهرة اللغة ١: ٥٨٧، مادة: (رضخ).

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٢٢٦ ٢٢٧.

ارحم الأنصار و أبناء الأنصار و أبناء أبناء الأنصار. فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم و قالوا: رضينا برسول اللّه قسما و حظا( ١) .

«فلو لا ذلك ما أكثرت تأليبكم» أي: تحريضكم.

«و تأنيبكم» أي: لومكم.

«و جمعكم و تحريضكم» أي: حثّكم.

«و لتركتكم إذ أبيتم و ونيتم» أي: ضعفتم في (صفين نصر): حرّض يزيد بن قيس الأرحبي الناس، فقال: إنّ هؤلاء القوم و اللّه ما ان يقاتلوا على إقامة دين رأونا ضيعناه، و لا إحياء عدل رأونا أمتناه، و لن يقاتلونا إلاّ على إقامة الدنيا، ليكونوا جبابرة ملوكا. فلو ظهروا عليكم لا أراهم اللّه ظهورا إذن ألزموكم مثل سعيد و الوليد و عبد اللّه بن عامر السفيه، الذي يحدث أحدهم في مجلسه بذيت و ذيت، و يأخذ مال اللّه و يقول: هذا لي و لا إثم عليّ فيه، كأنّما أعطى تراثه من أبيه، قاتلوا عباد اللّه القوم الظالمين، الحاكمين بغير ما أنزل اللّه، و لا تأخذكم في جهادكم لومة لائم، إنّهم إن يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم و دنياكم، و هم من قد عرفتم و جرّبتم( ٢) .

«ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقضت» فكان معاوية يبعث الجيوش إلى الأطراف و الثغور، فيقتل الناس و يغير عليهم.

«و إلى أمصاركم قد افتتحت» و منها مصر، و هي كانت قسمة مهمة من المملكة.

«و إلى ممالككم تزوى» أي: تجمع و تقبض.

«و إلى بلادكم تغزى» فأغزى جيوش معاوية اليمن و الحجاز و أكثر

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣: ٩٣ ٩٤، سنة ٨.

(٢) وقعة صفّين: ٢٤٧ ٢٤٨.

بلاد العراق.

«انفروا» أي: اشخصوا.

«رحمكم اللّه إلى قتال عدوّكم و لا تثّاقلوا» قال ابن أبي الحديد: بالتشديد، أصله «تتثاقلوا»( ١) .

قلت: إنّما قال ذلك لأنّ في القرآن... اثّاقلتم...( ٢ ) ، إلاّ أنّه يجوز أن يكون بالتخفيف حذفت إحدى تاءيه تخفيفا.

«إلى الأرض» قال تعالى: يا أيّها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل اللّه اثاقلتم إلى الأرض...( ٣) .

«فتقروا بالخسف» أي: النقيصة.

«و تبوءوا» أي: ترجعوا «بالذل».

«و يكون نصيبكم الأخس» أي: الدني‏ء في (صفّين نصر): كتب عقبة بن مسعود عاملهعليه‌السلام على الكوفة إلى سليمان بن صرد و هو معهعليه‌السلام بصفين: أمّا بعد، فإنهم... إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملّتهم و لن تفلحوا إذن أبدا فعليك بالجهاد و الصبر( ٤) .

«و إنّ» هكذا في (المصرية)( ٥ ) ، و الصواب: «ان» كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم( ٦ ) و الخطية).

«أخا الحرب الأرق» أي: لم ينم بالليل.

«و من نام لم ينم عنه» يعنى إن نمت عن العدوّ فالعدو لا ينام عنك لكن عرفت

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٢٢٦.

(٢) التوبة: ٣٨.

(٣) التوبة: ٣٨.

(٤) وقعة صفّين: ٣١٣، و الآية ٢٠ من سورة الكهف.

(٥) نهج البلاغة ٣: ١٣٢.

(٦) في شرح ابن أبي الحديد ١٧: ٢٢٥، و شرح ابن ميثم ٥: ٢٠٢ «و إنّ» أيضا.

أنّ (رسائل الكليني) رواه: (إن نام لم تنم عينه)، فجعله بيانا للأرق، و هو صفة الذئب، قالوا: ينام بإحدى مقلتيه و الاخرى يقظى.

قال حميد بن ثور:

و نمت كنوم الذئب في ذي حفيظة

أكلت طعاما دونه و هو جائع

ينام بإحدى مقلتيه و يتقي

باخرى الأعادي فهو يقظان هاجع( ١)

هذا و من كتبهعليه‌السلام إلى معاوية لمّا كتب معاوية إليهعليه‌السلام يذكر اعتراضاتهعليه‌السلام على عثمان، و أنّه قصر في اللّه فيه: بلغني كتابك تذكر مشاغبتي، و تستقبح مؤازرتي، و تزعمني متحيّرا، و عن حق اللّه مقصّرا، فسبحان اللّه كيف تستجيز الغيبة و تستحسن العضيهة؟ إنّي لم اشاغب إلاّ في أمر بمعروف أو نهي عن منكر، و لم أضجر إلاّ على باغ مارق، أو ملحد منافق، و لم آخذ في ذلك إلاّ بقول اللّه سبحانه: لا تجد قوما يؤمنون باللّه و اليوم الآخر يوادّون من حادّ اللّه و رسوله و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم( ٢ ) . و أمّا التقصير في حق اللّه، فمعاذ اللّه، و المقصّر في حقّ اللّه من عطّل الحقوق المؤكّدة، و ركن إلى الأهواء المبتدعة، و أخلد إلى الضلالة المحيّرة( ٣) .

٢٣ - الخطبة (١٥٩) و من خطبة لهعليه‌السلام :

وَ لَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ وَ أَحَطْتُ بِجُهْدِي مِنْ وَرَائِكُمْ وَ أَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رِبَقِ اَلذُّلِّ وَ حَلَقِ اَلضَّيْمِ شُكْراً مِنِّي لِلْبِرِّ اَلْقَلِيلِ وَ إِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ

____________________

(١) أورد البيتين الجاحظ في كتاب الحيوان ٦: ٤٦٧، و ٤٧٢.

(٢) المجادلة: ٢٢.

(٣) نقله ابن ميثم و عنه العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في البحار ٨: ٥٤٠، ط الكمباني.

اَلْبَصَرُ وَ شَهِدَهُ اَلْبَدَنُ مِنَ اَلْمُنْكَرِ اَلْكَثِيرِ أقول: الظاهر أنّها إشارة إلى دفاعهعليه‌السلام عن الناس أيّام عثمان، و إذلال بني اميّة للناس ففي (الطبري) قال الواقدي: كتب الصحابة في سنة (٣٤) بعضهم إلى بعض: إن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد إلى أن قال: فاجتمع الناس و كلّموا عليّاعليه‌السلام فدخل على عثمان فقال: الناس ورائي و قد كلّموني فيك إلى أن قال: ثم خرج عليّعليه‌السلام من عنده و خرج عثمان على أثره فجلس على المنبر، فقال: أمّا بعد فإنّ لكل شي‏ء آفة، و لكل أمر عاهة، و إنّ آفة هذه الامّة و عاهة هذه النعمة عيّابون طعّانون، يرونكم ما تحبّون و يسرّون ما تكرهون، يقولون لكم و يقولون، أمثال النعام يتبعون أوّل ناعق، أحبّ مواردها إليها البعيد، لا يشربون إلاّ نغصا و لا يرون إلاّ عكرا، لا يقوم لهم رائد، و قد أعيتهم الامور و تعذّرت عليهم المكاسب إلى أن قال: فقام مروان فقال: إن شئتم حكّمنا بيننا و بينكم السيف( ١) .

و عن الواقدي أيضا: جاء عليّعليه‌السلام إلى عثمان بعد انصراف المصريين فقال له: تكلّم كلاما يسمعه الناس منك، و يشهدون عليه، و تشهد اللّه على ما في قلبك من النزوع إلى أن قال: فقال عثمان لمروان: اخرج إلى الناس فكلّمهم، فإني أستحيي أن اكلّمهم. فخرج مروان إلى الناس فقال: ما شأنكم قد اجتمعتم كأنّكم قد جئتم لنهب، جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا اخرجوا عنّا؟

أما و اللّه لئن رمتمونا ليمرّن عليكم منّا أمر لا يسرّكم، و لا تحمدوا غبّ رأيكم.

ارجعوا فو اللّه ما نحن بمغلوبين على ما في أيدينا. فرجع الناس و أتى بعضهم عليّاعليه‌السلام فأخبره، فدخل مغضبا على عثمان فقال له: أما رضيت من مروان و لا رضي منك إلاّ بتحرفك عن دينك و عقلك، مثل جمل الظعينة يقاد حيث

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٣٦ ٣٣٩، سنة ٣٤.

يسار به، و اللّه ما مروان بذي رأي في دينه، و إنّي لأراه سيوردك ثمّ لا يصدرك، و ما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك( ١) .

و فيه: أنّ عثمان صعد المنبر، فقام رجل و قال له: أقم كتاب اللّه إلى أن قال: فتحاثّوا بالحصباء حتى ما ترى السّماء، و سقط عثمان عن المنبر و حمل إلى داره مغشيّا عليه، و دخل عليه عليّعليه‌السلام و بنو اميّة حوله، فأقبلت بمنطق واحد على عليّعليه‌السلام و قالوا له: أهلكتنا و صنعت هذا الصنيع به، أما و اللّه لئن بلغت الذي تريد لتمرّن عليك الدّنيا. فقامعليه‌السلام مغضبا( ٢) .

و يفهم من هذه الروايات درايات و منها: أنّ اعتقاد كون أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ملكا، لم ينحصر بيزيد بن معاوية الذي قال: لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء و لا وحي نزل. و لا بالوليد بن يزيد الذي قال: تلعّب بالخلافة هاشمي و لا بمعاوية بن أبي سفيان الذي تلهف للمغيرة بعدم استطاعته بإزالته اسم أخي هاشم أي: النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن المأذنات، بل الأصل فيهم عثمان، فيوم نال الأمر قال أبو سفيان بمشهده: يا بني اميّة اجعلوا هذا الأمر كرة بينكم فلا جنّة و لا نار و قال أيضا أبو سفيان أيّام عثمان و قد مرّ بقبر حمزة و ضربه برجله:

يا حمزة إنّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس، في يد غلماننا اليوم يتلعّبون به.

و يقول مروان الذي كان سفير عثمان و بمنزلة روحه بل فوقه، حيث رضى بقتله دون أن يصل أذى بمروان، و كان من الخبث فوق يزيد: أ تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا؟

بل يظهر حال المؤسّس له و لهم.

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٦٠ ٣٦٢، سنة ٣٥، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

(٢) المصدر نفسه ٤: ٣٦٤ ٣٦٥، سنة ٣٥، و نقله الشارح بتلخيص.

«و لقد أحسنت جواركم» في (القاموس): الجوار: كسحاب الماء الكثير القعر، و بالكسر أن تعطي الرجل ذمة فيكون بها جارك فتجيره( ١) .

«و أحطت بجهدي من ورائكم» في (الصحاح) قال الفرّاء: الجهد بالضم: الطاقة، و بالفتح: من قولك: اجهد جهدك. أي: ابلغ غايتك( ٢) .

«و أعتقتكم من ربق الذل» في (الصحاح) الربق: حبل فيه عدّة عرى، يشدّ به البهم، الواحدة ربقة( ٣) .

«و حلق» جمع حلقة.

«الضيم» أي: الذلّ، قد كان الناس أيّام عثمان أرقّاء أذلاّء، في ربق ذلّ بني اميّة و حلق ضيمهم حسبما أخبر به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قوله: إذا بلغ آل أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا عباد اللّه خولا و دينه دغلا، و ماله خولا( ٤ ) . فأطلقهم أمير المؤمنينعليه‌السلام في أيّامه و أعتقهم بطرد بني أميّة.

«شكرا منّي للبرّ القليل» من لجأهم إليهعليه‌السلام أيّام عثمان، و اتفاقهم على بيعته بعده.

«و إطراقا عمّا أدركه البصر» في (الصحاح) قال يعقوب: أطرق الرجل إذا سكت فلم يتكلّم، و أطرق أي: أرخى عينيه ينظر إلى الأرض( ٥) .

«و شهده البدن» من تركهم لهعليه‌السلام و خذلانهم إيّاه، مع كونه بمنزلة نفس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنص القرآن علما و عملا و تعيين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهعليه‌السلام من يوم بعثته إلى وقت وفاته قولا و فعلا، يوم السقيفة و يوم الشورى.

____________________

(١) القاموس المحيط ١: ٣٩٤، مادة: (جور).

(٢) الصحاح ٢: ٤٦٠، مادة: (جهد).

(٣) المصدر نفسه ٢: ١٤٨٠، مادة: (ربق).

(٤) مضت مداركه في هذا الفصل.

(٥) الصحاح ٤: ١٥١٥، مادة: (طرق).

٢٤ - الخطبة (١٦٨) و من كلام لهعليه‌السلام بعد ما بويع له بالخلافة، و قد قال له قوم من الصحابة: لو عاقبت قوما ممن أجلب على عثمان. فقالعليه‌السلام :

يَا إِخْوَتَاهْ إِنِّي لَسْتُ أَجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ وَ لَكِنْ كَيْفَ لِي بِقُوَّةٍ وَ اَلْقَوْمُ اَلْمُجْلِبُونَ عَلَى حَدِّ شَوْكَتِهِمْ يَمْلِكُونَنَا وَ لاَ نَمْلِكُهُمْ وَ هَا هُمْ هَؤُلاَءِ قَدْ ثَارَتْ مَعَهُمْ عِبْدَاؤُكُمْ وَ اِلْتَفَّتْ إِلَيْهِمْ أَعْرَابُكُمْ وَ هُمْ خِلاَلَكُمْ يَسُومُونَكُمْ مَا شَاءُوا وَ هَلْ تَرَوْنَ مَوْضِعاً لِقُدْرَةٍ عَلَى شَيْ‏ءٍ تُرِيدُونَهُ وَ إِنَّ هَذَا اَلْأَمْرَ أَمْرُ جَاهِلِيَّةٍ وَ إِنَّ لِهَؤُلاَءِ اَلْقَوْمِ مَادَّةً إِنَّ اَلنَّاسَ مِنْ هَذَا اَلْأَمْرِ إِذَا حُرِّكَ عَلَى أُمُورٍ فِرْقَةٌ تَرَى مَا تَرَوْنَ وَ فِرْقَةٌ تَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ وَ فِرْقَةٌ لاَ تَرَى هَذَا وَ لاَ ذَاكَ فَاصْبِرُوا حَتَّى يَهْدَأَ اَلنَّاسُ وَ تَقَعَ اَلْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا وَ تُؤْخَذَ اَلْحُقُوقُ مُسْمَحَةً فَاهْدَءُوا عَنِّي وَ اُنْظُرُوا مَا ذَا يَأْتِيكُمْ بِهِ أَمْرِي وَ لاَ تَفْعَلُوا فَعْلَةً تُضَعْضِعُ قُوَّةً وَ تُسْقِطُ مُنَّةً وَ تُورِثُ وَهْناً وَ ذِلَّةً وَ سَأُمْسِكُ اَلْأَمْرَ مَا اِسْتَمْسَكَ وَ إِذَا لَمْ أَجِدْ بُدّاً فَآخِرُ اَلدَّوَاءِ اَلْكَيُّ أقول: كما نسبوا الخطبة (٣١) من الكتاب و هي: «أيّها الناس قد أصبحنا في دهر عنود و زمن كنود...» إلى معاوية و هي من كلامهعليه‌السلام قطعا فقال المصنّف ثمّة: إنّ الجاحظ قال في (بيانه): هي بكلام عليعليه‌السلام أشبه، و بمذهبه في تصنيف الناس و بالإخبار عمّا هم عليه من القهر و الإذلال، و من التقيّة و الخوف أليق، و متى وجدنا معاوية في حال من الأحوال يسلك في كلامه مسلك الزّهاد( ١ ) كذلك هذا الكلام نسبوه إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، و هو

____________________

(١) نهج البلاغة ١: ٧٦.

بكلام معاوية أشبه و بمذهبه في انتهازه الفرصة من قتلة عثمان، و لو كان مثل عمّار و عمرو بن الحمق أليق، و متى وجدنا أمير المؤمنينعليه‌السلام في حال من الأحوال يذمّ قتلة عثمان؟ اللهمّ إلاّ قتلوه قتوله و طلبوا دمه كطلحة و الزبير و عايشة.

و ممّا يوضّح كونه كلام معاوية ما قاله ابن عبد ربّه في (عقده): إنّ معاوية قدم المدينة بعد عام المجاعة فدخل دار عثمان، فصاحت عايشة ابنة عثمان و بكت و نادت أباها، فقال معاوية: يا ابنة أخي إنّ الناس أعطونا طاعة و أعطيناهم أمانا، و أظهرنا لهم حلما تحته غضب، و أظهروا لنا ذلاّ تحته حقد، و مع كلّ إنسان سيفه و يرى موضوع أصحابه، فإن نكثنا بهم نكثوا بنا، و لا ندري أ علينا تكون أم لنا، و إن تكوني ابنة عمّ الخليفة، خير من أن تكوني امرأة من عرض الناس( ١) .

و قد رواه الجاحظ في (بيانه): عن عيسى بن يزيد عن أشياخه.

و كيف يمكن أن يكون هذا كلامهعليه‌السلام و الدراية بخلافة؟ فقد عرفت كلامهعليه‌السلام في عناوين هذا الفصل و في مواضع اخر من النهج، و في غير النهج، و كلام شيعتهعليه‌السلام في قتله و قتلته، و كلّها بالضد لمّا هنا.

و كيف يمكن أن يكون هذا كلامهعليه‌السلام ، و قد ثبت بالتواتر أنّهعليه‌السلام آوى قتلته، و كان يدافع عنهم لمّا كان معاوية يطلبهم؟ ثم من كان الطالب ذلك منهعليه‌السلام أولياؤه، فكلّهم كانوا من قاتلي عثمان و خاذليه، أم أعداؤه فلم يبايعوه، بل هربوا منه، فإن كان طلب منه ذلك أحد فليكن طلحة الذي كان على باب عثمان لحصره حتى قتل، و منع من إدخال الماء عليه، و من دخول أحد عليه و منع الناس من دفنه، و أعدّ رجالا يرمون جنازته.

____________________

(١) العقد الفريد ٥: ١١٣.

و كيف يمكن أن يكون هذا كلامه؟ و من قتلته كان عمّار و محمّد بن أبي بكر و مالك الأشتر؟

و في (خلفاء ابن قتيبة) في عنوان قدوم أبي هريرة و أبي الدرداء على معاوية، ذكروا أنّ أبا هريرة و أبا الدرداء قدما على معاوية من حمص و هو بصفين، فوعظاه و قالا له: علام تقاتل عليّا و هو أولى بهذا الأمر منك في الفضل و السابقة، لأنّه رجل من المهاجرين الأوّلين السابقين، و أنت طليق و أبوك من الأحزاب؟ فقال: لست أزعم أنّي أولى بهذا الأمر من عليّ، و لكنّي اقاتله حتى يدفع إليّ قتلة عثمان. فقالا: إذا دفعهم إليك ما ذا يكون؟ قال: أكون رجلا من المسلمين إلى أن قال: فأتيا عليّاعليه‌السلام فقالا له: إنّ لك فضلا لا يدفع، و قد سرت مسير فتى إلى سفيه من السفهاء، و معاوية يسألك أن تدفع إلينا قتلة عثمان، فإن فعلت ثم قاتلك كنّا معك. فقال لهما عليعليه‌السلام : أ تعرفانهم؟ قالا:

نعم. قال: فخذاهم. فأتيا محمّد بن أبي بكر و عمّار بن ياسر و الأشتر، فقالا: أنتم من قتلة عثمان و قد امرنا بأخذكم. فخرج إليهما أكثر من عشرة آلاف رجل، فقالوا: نحن قتلنا عثمان. فقالا: نرى أمرا شديدا، البس علينا أمر الرجل.

فانصرفا إلى منزلهما بحمص، فلمّا قدما حمص لقيهما عبد الرحمن بن عثمان فسألهما عن مسيرهما، فقصّا عليه القصّة، فقال: العجب منكما أنّكما من صحابة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أما و اللّه لئن كففتما أيديكما ما كففتما ألسنتكما، أ تأتيان عليّا و تطلبان إليه قتلة عثمان؟ و قد علمتما أنّ المهاجرين و الأنصار لو حرموا دم عثمان نصروه و بايعوا عليّا على قتلته فهل فعلوا؟ إلى أن قال: ففشى قوله و قولهما، فهمّ معاوية بقتله، ثم راقب عشيرته( ١) .

ثم من يطلب منهعليه‌السلام عقوبة المجلبين على عثمان، و لم يكن في

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ١٠٨ ١٠٩، و النقل بتلخيص.

أصحابهعليه‌السلام من كان له هوى في عثمان، و لم يكن يطلب يومئذ دم عثمان إلاّ من كان عدوّا لهعليه‌السلام ، و هم بنو اميّة و اتباعهم، و قد طلب ذلك منه مروان و الوليد بن عقبة و سعيد بن العاص فنهرهم؟

قال اليعقوبي في (تاريخه): و بايع الناس عليّاعليه‌السلام إلاّ ثلاثة نفر من قريش:

مروان بن الحكم و سعيد بن العاص و الوليد بن عقبة و كان لسان القوم فقال: يا هذا إنّك قد وترتنا جميعا إلى أن قال: فبايعنا على أن تضع عنّا ما اصبنا، و تعفي لنا عمّا في أيدينا، و تقتل قتلة صاحبنا. فغضب عليّعليه‌السلام و قال:

أمّا ما ذكرت من وتري إيّاكم، فالحقّ و تركم إلى أن قال: و أمّا قتلي قتلة عثمان فلو لزمني اليوم قتلهم، لزمني قتالهم، و لكن لكم أن أحملكم على كتاب اللّه و سنّة نبيّه، فمن ضاق عليه الحق، فالباطل عليه أضيق، و إن شئتم فالحقوا بملاحقكم( ١) .

و لم يرو ما نقل إلاّ سيف الذي يقول الطبري: «كتب إلى السّريّ عن شعيب عن سيف»( ٢ ) و رواياته كلّها كذب و خلاف أهل السير. و من أكاذيبه أنّه قال: إنّ أبا ذر خرج بنفسه إلى الربذة( ٣ ) ، و إنّ عثمان نهاه عن ذلك، و قال له: إنّ خروجك إلى الربذة تعرّب بعد الهجرة. و روى أنّ سعد بن عبادة بايع أبا بكر( ٤ ) ، مع تواتر الأخبار بعدم بيعته.

و من خبثه أنّه يقلب الأشياء مثل بدل كون (بيعة أبي بكر فلتة)، بأنّ عمل سعد كان فلتة قام دونها أبو بكر( ٥) .

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٧٨ ١٧٩.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٢٨٤ ٢٨٥، سنة ٣٠.

(٣) المصدر نفسه.

(٤) تاريخ الطبري ٣: ٢٢٣، سنة ١١.

(٥) تاريخ الطبري ٣: ٢٦٣ ٢٦٤، سنة ١١.

و بدّل قصّة (نبح كلاب حوأب عايشة) بنبح كلاب حوأب أمّ زمل التي كانت عند عائشة( ١) .

و من أكاذيبه: أنّ عثمان لمّا بايع أهل الشورى خرج و هو أشدّهم كآبة، فأتى منبر النبي فخطب الناس و قال: إنّكم في دار قلعة، و في بقيّة اعمار...( ٢ ) فإنّ السير رووا: أنّ عثمان لمّا بويع خرج إلى داره في غاية السرور، و بنو اميّة حوله، و قال أبو سفيان: لازلت أرجو لكم الخلافة يا بني امية، اجعلوها كرة بينكم، فإنّما هي الملك، فلا جنّة و لا نار. و لمّا أراد خطبته الاولى حصر و قال:

إنّ أبا بكر و عمر كانا يعدان للمنبر و أنا ما أعددت( ٣) .

و روى أنّ ابن الهرمزان قال: «إنّ عثمان لمّا ولّي دعاني فأمكنني من عبيد اللّه بن عمر قاتل أبي فعفوت عنه»( ٤ ) ، مع أنّ أوّل طعن طعنوا به حتى أدّى إلى قتله تركه عبيد اللّه بلا قصاص( ٥) .

و روى أنّ الوليد بن عقبة ما شرب الخمر، و إنّما اتّهموه بذلك، و أنّ زهير بن جندب و مورع بن أبي مورع و شبيل بن أبي زينب نقبوا على رجل فقتلوه فقتلهم الوليد، فكان آباؤهم حاقدين على الوليد منذ قتل أبنائهم، و أشاعوا ذلك، و لم يكن على بيت الوليد باب فاقتحموا عليه من المسجد، فدخلوا عليه و كان بين يدي الوليد تفاريق عنب، فاستحيى أن يروه فأدخله تحت السرير( ٦) .

و أنّ عثمان أحدث القسامة ليصدّ الناس عن القتل، و أنّ الوليد أتى بساحر

____________________

(١) المصدر نفسه ٣: ٢٦٣ ٢٦٤، سنة ١١.

(٢) المصدر نفسه ٤: ٢٤٣ سنة ٢٤.

(٣) الإمامة و السياسة ١: ٢٧، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٦٢ ١٦٣.

(٤) تاريخ الطبري ٤: ٢٤٣ ٢٤٤، سنة ٢٤.

(٥) الشافي في الإمامة ٤: ٣٠٣ ٣٠٥، شرح ابن أبي الحديد ٣: ٥٩.

(٦) تاريخ الطبري ٤: ٢٧٣ ٢٧٤، سنة ٣٠.

فأرسل إلى ابن مسعود يسأله عن حدّه، فما أمهله جندب، و جاء فقتله، فاجتمع ابن مسعود و الوليد على حبسه، و كتب الوليد فيه إلى عثمان، فتقدم عثمان إلى الناس ألاّ يعملوا بالظنون، و لا يقيموا الحدود دون السلطان، و أن يستحلفوا جندبا أنّه صادق في ما ظنّ من تعطيل الحدود، و يقرره و يطلقه، فغضب لجندب أصحابه، فخرجوا إلى المدينة فاستعفوه من الوليد، فقال لهم عثمان:

تعملون بالظنون و تخطئون في الإسلام، ارجعوا. فرجعوا فعملوا في عزل الوليد، فدخل أبو زينب و أبو مورد الأسدي عليه و هو نائم، فأخرجا خاتمه و ذهبا به إلى عثمان، فقالا: دخلنا عليه و هو يقي‏ء الخمر. فطلبه عثمان فحلف الوليد أنّ الأمر ما كان كذا، فقال عثمان: نقيم الحدود و يبوء شاهد الزور بالنار( ١) .

فتراه وضع في مقابل كلّ شي‏ء شيئا، لكنّه لم يدر كيف يصنع بصلاته الصبح و بقوله في الصلاة ازيدكم، فسكت.

و قد قال صاحب (الاستيعاب) مع نصبه: كان الأصمعي و أبو عبيدة بن الكلبي و غيرهم يقولون: كان الوليد فاسقا شرّيب خمر، و أخباره في شرب الخمر و منادمته أبا زيد الطائي مشهورة كثيرة يسمج بنا ذكرها، و خبر صلاته بهم و هو سكران و قوله: أ أزيدكم؟ بعد أن صلّى الصبح أربعا مشهور من رواية الثقات، من نقل أهل الحديث و أهل الأخبار( ٢) .

و لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن، أنّ قوله تعالى:... إن جاءكم فاسق بنبأ... نزل في الوليد( ٣ ) ، و رواية الطبري: و أشار إلى روايته عن

____________________

(١) المصدر نفسه ٤: ٢٧٥ ٢٧٦، سنة ٣٠، و النقل بتلخيص.

(٢) الاستيعاب بهامش الإصابة ٣: ٦٣٣ ٦٣٤.

(٣) الاستيعاب بهامش الاصابة ٣: ٦٣٢، و الآية ٩ من سورة الحجرات.

سيف المتقدّمة أنّه تعصّبت عليه قوم من أهل الكوفة لا تصح عند أهل الحديث، و لا لها عند أهل العلم أصل...( ١) .

و الأصل في قصّة الساحر ما عرفته من (مروج المسعودي)( ٢ ) في العنوان (٢٢) عند قولهعليه‌السلام : «و إنّ منهم الّذي شرب فيكم الحرام و جلد حدّا في الإسلام»( ٣) .

و قد وضع في مقابل خبر الإمامية: (أنّ الناس ارتدوا بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ ثلاثة أو أربعة)( ٤ ) ، و يصدقه قوله تعالى:... أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم...( ٥ ) أنّه ما تخلّف عن بيعة أبي بكر إلاّ مرتد( ٦) .

و قد وضع في مقابل ما رووه أنفسهم: أنّ عمر لمّا وقف على باب بيت فاطمةعليها‌السلام و قال: «لتخرجن أو لاحرقنّها على من فيها»( ٧ ) ، فخرجوا و بايعوا إلاّ عليّاعليه‌السلام فإنّه قال: حلفت ألاّ أخرج و لا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن، و أنّه لمّا أحضروه للبيعة قهرا، لحق بقبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و صاح: يا بن أمّ إنّ القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني( ٨ ) أنّ عليّا لمّا سمع بجلوس أبي

____________________

(١) المصدر نفسه ٣: ٦٣٥.

(٢) مروج الذهب ٢: ٣٤٨.

(٣) نهج البلاغة ٣: ١٣٢.

(٤) انظر الكافي ٢: ٢٤٤، و ٨: ٢٤٥، اختيار معرفة الرجال للكشّي ١: ٢٦ ٢٧، الاختصاص: ٦.

(٥) آل عمران: ١٤٤.

(٦) تاريخ الطبري ٣: ٢٠٧، سنة ١١.

(٧) انظر: الإمامة و السياسة ١: ١٢، العقد الفريد ٥: ١٣، مروج الذهب (من منشورات دار الهجرة بقم) ٣: ٧٧، الشافي في الإمامة ٤: ١١٩ ١٢٠، الاحتجاج ١: ٨٠، كشف المحجّة: ٦٧، روضة المناظر في أخبار الأوائل و الأواخر: ١١٣.

(٨) الإمامة و السياسة ١: ١٢ ١٣، العقد الفريد ٥: ١٣ ١٤، الاحتجاج ١: ٨٠.

بكر للبيعة، خرج عجلا بلا إزار و رداء كراهة أن يؤخّر عنها( ١) .

و وضع في مقابل قولهعليه‌السلام في ابن عمر لمّا تخلّف عن بيعتهعليه‌السلام «إنّه ضعيف»( ٢ ) ، أنّه قال: إنّه ثقة( ٣) .

و وضع في مقابل ركوب عايشة البغل لمنع دفن الحسنعليه‌السلام ( ٤ ) ، ركوب امّ كلثوم البغل لمنع أبيها عليّ عن تعاقب ابن عمر( ٥) .

و روى في تسيير عثمان أهل الكوفة و أهل البصرة إلى الشام أيضا غير ما ذكره باقي أهل السير، دفعا للطعن عن عثمان( ٦) .

و روى في مسير أهل البصرة إلى ذي خشب أشياء مضحكة، و أنّ ابن سبأ قدم مصر و وضع لهم رجعة النبيّ، و أنّ عليّا وصيّه، و بثّ دعاته يكتبون إلى الأمصار بكتب في عيوب ولاتهم، فأرسل عثمان محمّد بن مسلمة إلى الكوفة و اسامة إلى البصرة، و ابن عمر إلى الشام، و عمّارا إلى مصر، فرجع الجميع و قالوا: امراؤهم يقسطون بينهم إلاّ عمّار، فكتب ابن أبي سرح: إنّه استماله قوم بمصر، منهم ابن سبأ، و أنّ السبائية توافوا بالمدينة فقالوا لرجلين: نريد أن نذكر لعثمان أشياء زرعناها في قلوب الناس، و نرجع إليهم و نقول: إنّا قررناه بها، فلم يخرج منها، و لم يتب. فنخرج فنخلعه أو نقتله. فخطب عثمان الناس و أخبرهم خبر القوم فقالوا جميعا: اقتلهم فإنّ النبيّ قال: من دعا إلى

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣: ٢٠٧، سنة ١١.

(٢) الإمامة و السياسة ١: ٥٣ ٥٤.

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٤٤٧، سنة ٣٦.

(٤) انظر: تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٢٥، مقاتل الطالبيين: ٤٩، الإرشاد ٢: ١٧ ١٩، شرح ابن أبي الحديد ١٦: ٤٩ ٥١، بحار الأنوار ٤٤: ١٥٦ ١٥٧.

(٥) تاريخ الطبري ٤: ٤٤٦ ٤٤٧، سنة ٣٦.

(٦) المصدر نفسه ٤: ٣٢٦ ٣٢٩، سنة ٣٣.

نفسه أو إلى أحد و على الناس إمام، فعليه لعنة اللّه فاقتلوه. و قال عمر: لا أحل لكم إلاّ ما قبلتموه و أنا شريككم( ١ ) إلى أن قال: و في سنة (٣٥) خرج أهل مصر على أربعة امراء، و كانوا يشتهون عليّا، و خرج أهل الكوفة في أربعة رفاق و عليهم زيد بن صوحان و الأشتر، و كانوا يشتهون الزبير، و خرج أهل البصرة في أربع رفاق و عليهم حكيم بن جبلة العبدي و كانوا يشتهون طلحة، فنزل أهل البصرة ذا خشب، و أهل الكوفة الأعوص، و أهل مصر بذي المروة، فجاء جمع من المصريين عليّا و قد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان، و جاء البصريون طلحة و قد أرسل ابنيه إلى عثمان، و قد جاء الكوفيون إلى الزبير و قد أرسل ابنه إلى عثمان، فصاحوا بهم و أطردوهم و قالوا: لقد علم المؤمنون أنّ جيش ذي مروة و ذي خشب و الأعوص ملعونون على لسان محمّد، فخرجوا و أروا الناس أنّهم يرجعون فكرّوا مع عساكرهم، فقال لهم علي: ما ردّكم بعد ذهابكم؟ قالوا: أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا. فقال لهم: كيف علمتم يا أهل الكوفة و أهل البصرة بما لقي أهل مصر؟ و خطب عثمان فقال: ادخلت في الشورى عن غير علم و لا مسألة، ثم أجمع أهل الشورى عن ملأ منهم، و من الناس على غير طلب منّي و لا محبّة، فعملت فيهم ما يعرفون و لا ينكرون، تابعا غير مستتبع، متبعا غير مبتدع، مقتديا غير متكلّف، فلمّا انتهت الامور و انتكث الشّرّ بأهله، بدت ضغائن و أهواء على غير اجرام و لا ترة في ما مضى، إلاّ امضاء الكتاب، فطلبوا أمرا و أعلنوا غيره بغير حجّة و لا عذر، فعابوا عليّ أشياء ممّا كانوا يرضون، و أشياء عن ملأ من أهل المدينة لا يصلح غيرها، فصبرت لهم نفسي و كففتها عنهم منذ سنين و أنا أرى و أسمع، فازدادوا على اللّه جرأة، حتى أغاروا علينا في جوار الرسول و حرمه و أرض الهجرة، و ثابت

____________________

(١) المصدر نفسه ٤: ٣٤٠ ٣٤٦، سنة ٣٥، و النقل بتصرّف و تلخيص.

إليهم الأعراب، فهم كالأحزاب أيّام الأحزاب أو من غزانا باحد( ١) .

فإنّه من ابن سبأ بمصر و ما فعل، و حيث إنّ بني اميّة كانوا يعبّرون عن الشيعة تهجينا لهم بالسبأية أي: أتباع ابن سبأ القائل: بالهية أمير المؤمنينعليه‌السلام ، صنع هذا الواضع هذا الخبر هكذا، و لم يكن لابن سبأ اسم في أيّام عثمان في كلام غيره.

ثم كيف كان هوى الكوفيين في الزبير و رئيسهم الأشتر؟ و حاله معلوم و زيد ابن صوحان الذي قيل فيه: دينه دين عليّ؟ و كيف كان هوى أهل البصرة في طلحة و رئيسهم حكيم بن جبلة الذي حارب طلحة قبل قدوم أمير المؤمنينعليه‌السلام البصرة، حتى استشهد و جمع كانوا معه حالهم حاله؟

و الأصل في وضعه: أنّ الزبير بايع أمير المؤمنينعليه‌السلام طمعا في الكوفة، و بايعه طلحة طمعا في البصرة. و حديثه في الأحوص و ذي خشب و ذي المروة من الكذب الركيك يكاد يحصل الغثيان منه.

و قد وضعه في مقابل ما روي بطرق عن أمير المؤمنينعليه‌السلام في أهل الجمل: و اللّه لقد علمت صاحبة الهودج أنّ أهل الجمل ملعونون على لسان النبي الامّي، و قد خاب من افترى( ٢) .

كما أنّ قوله: إنّهم أرسلوا أبناءهم لمعاونة عثمان( ٣ ) . كذب محض أمّا أمير المؤمنينعليه‌السلام فكان يمنع الحسنينعليه‌السلام عن الحرب في الجمل و صفين، لئلاّ ينقطع بهما نسل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . و كيف لم ينقل أحد أنّهعليه‌السلام أجاب معاوية عن نسبة قتل عثمان إليه، بأنّه أرسل ابنيه لمدده. و كيف يقول عمرو بن العاص

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٤٨ ٣٥٢، سنة ٣٥، و النقل بتصرّف و تلخيص.

(٢) رواه فرات الكوفي في تفسيره: ١٤١، في تفسير الآية ٤٠ من سورة الأعراف، و الآية ٦١ من سورة طه.

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٣٥٠، سنة ٣٥.

للحسنعليه‌السلام و قد رآه يطوف بالبيت: أو من الحق أن تطوف بالبيت كما يدور الجمل بالطحن، و عليك ثياب كغرقى البيض و أنت قاتل عثمان؟

و أمّا طلحة فكان محرّضا على عثمان إلى ساعة قتله، و منع من دفنه، فكيف يرسل ابنه و لم يكن ابنه مخالفا له، حتى يروح بنفسه؟ فمع كونه من العبّاد حضر لمحاربة أمير المؤمنينعليه‌السلام برا له بأبيه، حتى قالعليه‌السلام : قتله برّه بأبيه.

نعم، ابن الزبير ذهب من قبل نفسه لمساعدته طمعا أن يحصل له سبب لادعاء الخلافة، و قد كان ادّعى أنّ عثمان أوصى إليه عند قتله. و بغضا لأن يصل الأمر لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، إن قتل عثمان كما قال له ذلك معاوية. و أمّا إرسال أبيه له فلا، و كيف و هو قال: إنّه يود أن يقتل عثمان، و لو قتل ابنه قبله، و لم يكن تابع أبيه حتى يمنعه، بل كان أبوه تابعا له، فالزبير قبل نشوئه كان صالحا و معدودا في عداد أهل البيت و الهاشميين و ما وضع له في خطبته من إجماع أهل الشورى على بيعته أيضا خلاف المقطوع، فطلحة لم يكن وقت بيعته حاضرا، و الزبير كان هواه في أمير المؤمنينعليه‌السلام ، و محاجّتهعليه‌السلام ذاك اليوم كيوم السقيفة ممّا ملأ الخافقين، حتى اكرهوه على البيعة، و قد كان عمر أعدّ الأمر لعثمان و وكّل أبا طلحة مع خمسين لقتلهعليه‌السلام لو خالف.

و من العجب عدم حيائه في قوله له: «إنّهم أجمعوا عليه كالأحزاب و يوم احد»( ١ ) . فمؤسس الأحزاب كان حزبه بنو اميّة، و يوم احد يوم فرار عثمان.

و روى سيف أيضا: أنّ سعدا ممّن استقتل لعثمان( ٢ ) . مع أنّه كان باتفاق السير ممّن يطعن في عثمان إلى أن قتل.

و وضع لمغيرة بن الأخنس المنافق الذي مرّ كلام أمير المؤمنينعليه‌السلام فيه:

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٥٢، سنة ٣٥.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٣٥٣، سنة ٣٥.

رؤيا في كون قاتله من أهل النار( ١) .

و وضع للزبير: أنّه لمّا سمع بقتل عثمان قال في قتلته: و حيل بينهم و بين ما يشتهون...( ٢ ) . مع أنّ الزبير قال ذلك في عثمان لمّا منع الماء، و لا مناسبة لأن يقوله في قتلته حين قتله لأنّهم كانوا غالبين.

و وضع لطلحة: أنّه لمّا سمع بقتل عثمان قال في قتلته: تبّا لهم فلا يستطيعون توصية و لا إلى أهلهم يرجعون( ٣ ) . مع أنّه أعدّ رجالا يرمون جنازته و يقولون: نعثل نعثل، و لا يخلونه يدفنونه في مقابر المسلمين، مع أنّه لا مناسبة لمّا قال أيضا.

و روى: أنّ عايشة خرجت ممتلئة غيظا على أهل مصر لمّا جاؤوا إلى عثمان( ٤ ) . مع أنّها في طريق الحجّ لمّا رأت ابن عبّاس صار أميرا على الموسم، قالت له: اعطيت لسانا و إيّاك أن تدفع عنه( ٥) .

و روى: أنّ مروان طلب من عايشة الدفاع عن عثمان فقالت: أخاف أن يفعل بي كما فعل بام حبيبة لمّا أرادت الدفاع عنه( ٦ ) . مع أنّ عايشة قالت لمروان:

وددت أنّ صاحبك في غرائري فألقيه في البحر.

و روى: أنّه جعل الزبير وصيّه، و إنّما كان ابنه يدعيها( ٧ ) ، مع أنّ عثمان لمّا اشتد به الحصار نادى اسقونا الماء و أطعمونا ممّا رزقكم اللّه. فناداه

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٩٠، سنة ٣٥.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٣٩٢، سنة ٥، ٣ و الآية ٥٤ من سورة سبأ.

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٣٩٢، سنة ٣٥، و الآية ٥٠ من سورة يس.

(٤) تاريخ الطبري ٤: ٣٨٧، سنة ٣٥.

(٥) تاريخ الطبري ٤: ٤٠٧، سنة ٣٥.

(٦) تاريخ الطبري ٤: ٣٨٧، سنة ٣٥.

(٧) تاريخ الطبري ٤: ٣٨٩، سنة ٣٥.

الزبير: يا نعثل، و اللّه لا تذوقه.

و روى و هو من المضحك الركيك: أنّ الناس لمّا قتلوا عثمان جاء المصريون إلى عليّ، و الكوفيون إلى الزبير، و البصريون إلى طلحة، لبيعتهم و هم يأبون و ينشدون أرجازا( ١ ) ، مع أنّ طلحة و الزبير حرّضا على قتل عثمان لينالا الخلافة، و هوعليه‌السلام يكرّر الشكاية من غصبهم حقّه.

و روى: أنّ طلحة و الزبير بايعاه مكرهين( ٢ ) . مع أنّهما كانا مقرّين بأنّهما بايعاه طوعا، و إنّما كانا مدعيين أنّهما خافا على أنفسهما لو لم يبايعاه، فقالعليه‌السلام : «أقرّا بالبيعة و ادّعيا الوليجة»( ٣ ) . و إنّما وضع ذلك ليصحّح بيعة أبي بكر.

و روى: أنّ طلحة و الزبير اصطلحا مع عثمان بن حنيف على أن يرسلوا كعب بن سور إلى المدينة، هل بايعا طوعا أو مكرها؟ فلم يجبه أحد خوفا من سهل بن حنيف عامل عليّعليه‌السلام سوى اسامة، فقال: بايعاه كارهين. فضربوه حتى أطلقه جمع( ٤ ) . وضع ذلك في مقابل أنّ طلحة و الزبير ضربا عثمان بن حنيف، و نتفا لحيته و أرادا قتله، و لم يقتلوه خوفا على مخلفيهما من أخيه سهل بن حنيف( ٥) .

و روى: أنّ طلحة و الزبير ما غدرا بعثمان بن حنيف، بل هو غدر بهما( ٦) ،

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٤٩، سنة ٣٥.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٤٣٠، سنة ٣٥.

(٣) قال في نهج البلاغة: و من كلام لهعليه‌السلام يعني به الزبير في حال اقتضت ذلك: يزعم انّه قد بايع بيده و لم يبايع بقلبه فقد أقرّ بالبيعة، و ادّعى الوليجة. انظر نهج البلاغة ١: ٣٨، الخطبة ٨.

(٤) تاريخ الطبري ٤: ٤٦٧ ٤٦٨، سنة ٣٦.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٣٢٠ ٣٢١.

(٦) تاريخ الطبري ٤: ٤٦٣، سنة ٣٦.

على خلاف جميع السير إلى غير ذلك من أكاذيبه.

و من أكاذيبه العجيبة ما قاله: انّ عليّا لمّا أراد الجمل خطب، فقال: لا يرتحلنّ أحد أعان على عثمان بشي‏ء في شي‏ء من امور الناس. فاجتمع علباء، و عدي بن حاتم و سالم بن ثعلبة، و شريح بن أوفى، و الأشتر ممّن سار إلى عثمان فقال الأشتر: إن يصطلح طلحة و الزبير و علي نغل دمائنا، فهلمّوا فلنتوائب على عليعليه‌السلام فنلحقه بعثمان و تكلّم كلّ منهم بشي‏ء من قبيل الأشتر و تكلّم ابن السوداء فقال: إنّ عزّكم في خلطة الناس فصانعوهم، و إذا التقى الناس غدا فانشبوا القتال، و لا تفرغوهم للنظر و يشغل اللّه عليّا و طلحة و الزبير و من رأى رأيهم عمّا تكرهون( ١) .

و إنّ طلحة و الزبير و عليّا لم يريدوا القتال، و إنّما هؤلاء أنشبوا القتال، فقال طلحة و الزبير لمّا رأيا ذلك: علمنا أنّ عليّا غير منته حتّى نسفك الدماء. و قال عليّ لمّا رأى ذلك: علمت أنّ طلحة و الزبير غير منتهيين حتّى يسفكا الدماء و إن رأى كلّ منهم ألاّ يبدأ بالقتال. و إنّهم قالوا لعايشة: أدركي الناس، فأبوا إلاّ القتال. فبرزت من البيوت فسمعت ضجّة فقالت: «المهزوم من كانت منه الضجّة» فما مجيئها إلاّ الهزيمة فمضى الزبير في وجهه و جاء طلحة سهم غرب( ٢) .

و روى: أنّ عليّا سئل عن حالهم إن ابتلوا بالقتل؟ قال: أرجو أن لا يقتل أحد منّا و منهم نقى قلبه للّه إلاّ أدخله اللّه الجنّة( ٣) .

و روى: أنّ عليّا و عايشة قال كلّ منهما: وددت أنّي متّ قبل الجمل

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٤٩٣ ٤٩٤، سنة ٣٦، و النقل بتلخيص.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٥٠٧ ٥٠٨، سنة ٣٦.

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٥٣٧، سنة ٣٦.

بعشرين عاما( ١) .

و روى: أنّ عليّا أمر لرجل قال لعايشة: «توبي فقد خطيت» بضرب مائة مجرّدا( ٢) .

و كذا أمر بضرب آخر قال لها: «جزيت الأم عقوقا» أيضا بالضرب مائة مجردا( ٣) .

و روى: أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سيّر الحكم بن أبي العاص من مكّة إلى الطائف، و هو أيضا ردّه( ٤ ) و ما استحيى أن يقول خلاف المتواتر، و لم يكفه جعل امامه، فإنّه لمّا اعترضوا عليه في ردّه، قال: إنّ النبيّ أجازني في ردّه.

و لقد أغرب في وضع خبر في مقابل قصّة عمرو بن العاص في قتل عثمان، فروى الواقدي: أنّ عمرا لمّا عزله عثمان عن مصر و استعمل ابن أبي سرح، يأتي عليّاعليه‌السلام مرّة فيؤلّبه على عثمان، و يأتي الزبير مرّة فيؤلّبه على عثمان، و يأتي طلحة مرّة فيؤلّبه على عثمان، و يعترض الحاجّ فيخبرهم بما أحدث عثمان، فلمّا كان حصر عثمان الحصر الأوّل خرج من المدينة حتّى انتهى إلى أرض له بفلسطين يقال له السبع، فنزل في قصر له يقال له العجلان و هو يقول: العجب ما يأتينا عن ابن عفّان خبر. فبينا هو جالس في قصره ذلك و معه ابناه محمّد و عبد اللّه و سلامة بن روح الجذامي إذ مرّ بهم راكب فناداه عمرو:

من أين قدم الرجل؟ فقال: من المدينة. فقال: ما فعل الرجل يعني عثمان قال:

تركته محصورا شديد الحصار. قال عمرو: أنا أبو عبد اللّه قد يضرط العير و المكواة في النار. فلم يبرح مجلسه ذلك حتّى مرّ به راكب آخر، فناداه عمرو:

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٥٣٧، سنة ٣٦.

(٢) تاريخ الامم و الملوك للطبري ٣: ٥٨، دار الكتب العلمية، بيروت.

(٣) المصدر نفسه ٣: ٥٨.

(٤) تاريخ الطبري ٤: ٣٤٧، سنة ٣٥.

ما فعل الرجل؟ قال: قتل. قال: أنا أبو عبد اللّه إذا حككت قرحة نكأتها. إن كنت احرّض عليه حتّى إنّي لاحرّض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل. فقال له سلامة بن روح: يا معشر قريش كان بينكم و بين العرب باب فكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟ فقال: أردنا أن نخرج الحقّ من خاصرة الباطل، و أن يكون النّاس في الحقّ شرعا سواء( ١) .

فقال سيف: قالوا: لمّا احيط بعثمان، خرج عمرو بن العاص من المدينة نحو الشام، و قال: و اللّه يا أهل المدينة ما يقيم بها أحد فيدركه قتل هذا الرجل إلاّ ضربه اللّه بذل، و من لم يستطع نصره فليهرب. فسار مع ابنيه و خرج بعده حسّان، فبينا عمرو جالس بعجلان و معه ابناه إذ مرّ بهم راكب، قال له: من أين قدمت؟ قال: من المدينة. قال: ما اسمك؟ قال حصيرة. قال عمرو: حصر الرجل فما الخبر؟ قال: تركته محصورا. ثم مكثوا أيّاما فمرّ بهم راكب، فقال:

ما اسمك؟ قال: حرب. قال عمرو: يكون حرب، فما الخبر؟ قال: قتل عثمان و بويع لعليّ. قال عمرو: أنا أبو عبد اللّه يكون حرب من حك فيها قرحة نكأها...( ٢ ) وضع في مقابل ذاك هذا.

ثم إنّه بدل على وضع خبر العنوان خصوصا، سوى ما قلنا من وضع أخباره عموما صدره و ذيله، ففي صدر الخبر: اجتمع إلى عليّ بعد ما دخل طلحة و الزبير في عدّة من الصحابة فقالوا: يا عليّ إنّا قد اشترطنا إقامة الحدود، و إنّ هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم الرجل، و أحلّوا بأنفسهم( ٣) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٣٥٦ ٣٥٧، سنة ٣٥.

(٢) تاريخ الطبري ٤: ٣٥٧، سنة ٣٥.

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٤٣٧، سنة ٣٥.

و في ذيله: و اشتد عليّ على قريش و حال بينهم و بين الخروج على حالها، و إنّما هيّجه على ذلك هرب بني اميّة، و تفرّق القوم و بعضهم يقول: و اللّه لئن ازداد الأمر لا قدرنا على انتصار من هؤلاء الأشرار لترك هذا إلى ما قال علي أمثل و بعضهم يقول: نقضي الذي علينا و لا نؤخّره، و اللّه إنّ عليّا لمستغن برأيه و أمره عنّا، و لا نراه إلاّ سيكون على قريش أشدّ من غيره. فذكر ذلك لعليّ، فقام و ذكر فضلهم و حاجته إليهم، و نظره لهم و قيامه دونهم، و أنّه ليس لعليّ، فقام وذكر فضلهم و حاجته إليهم، و نظره لهم و قيامه دونهم، و أنّه ليس له من سلطانهم إلاّ ذلك و الأجر من اللّه، و نادى: برئت الذمة من عبد لم يرجع إلى مواليه، فتذامرت السبائية و الأعراب، و قالوا: لنا غدا مثلها( ١) .

فكل منهما واضح الجعل، أمّا صدره فبيعتهعليه‌السلام إنّما كانت بتداك الناس عليه حتى كاد يقتل بعضهم بعضا، و طلحة و الزبير قال، أوّلا: إنّهما بايعا إكراها، فمن يبايع مكرها كيف يشترط شيئا؟ و هما كانا مدعيين أنّهما بايعا خوفا، و المبايع خوفا أيضا لا يمكنه، ثم دخالتهما في دمه كانت أمرا معلوما، و كيف لا و قتل مروان لطلحة إنّما كان بثأر عثمان، فكيف يعقل اشتراطهما؟

ثم أمير المؤمنينعليه‌السلام كان قبل خلافته يجري الحدّ الذي يجب إجراؤه، كما حدّ الوليد أخا عثمان لشربه، و أراد قود عبيد اللّه بن عمر بهرمزان لمّا امتنع عثمان من إجراء الحدّ عليه و القصاص منه، حتّى فرّ منه و خرج من المدينة إلى كوفان، فلم يكن محتاجا إلى اشتراط. فيدل تركهعليه‌السلام القصاص من قتلة عثمان، كونه مباح الدم عنده، و إنّما قال الوليد بن عقبة من قبله و قبل مروان و سعيد له بعد: نبايعك على أن تقتل قتلة عثمان. فانتهره و قال له: لزمني ذلك لفعلته أوّلا. و أمّا ذيله فمن قريش التي يقولعليه‌السلام : ليس له من سلطانهم إلاّ ذلك. و إنّما كانعليه‌السلام يقول: أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب

____________________

(١) المصدر نفسه ٤: ٤٣٧ ٣٤٨، سنة ٣٥.

النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . و الخبيث سمع من بني اميّة سبائية فإنّهم كانوا يعبّرون عن شيعتهعليه‌السلام بالسبائية تهجينا لهم، بأنّهم مثل ابن سبأ في الغلو فيه و القول بالإلهية له، لا ان فرقة سبائية كانت موجودة.

و بالجملة هذا الخبر كباقي أخبار سيف، التي ينقلها الطبري عن السدي عن شعيب عنه، كذب و افتعال، إلاّ أنّ المصنف عفا اللّه عنه، كان مغرما على جمع كلام فصيح منسوب إليهعليه‌السلام ، مع أنّه ليس بتلك الفصاحة مع أنّ خطبة نسبها إلى عثمان التي نقلناها عنه أفصح، فالرجل كان أديبا تاريخيا شاعرا و كان خبيثا داهيا، فكان يقلب كلّ شي‏ء و يموهه بكلمات أدبيّة، و يضع له أراجيز حتّى يلبس الحقّ بالباطل، لكنّ الباطل زهوق، فكل أهل السير من الواقدي و المدائني و صاحب (المغازي) و غيرهم و كلهم من رجالهم أظهروا كذبه، و اللّه يفضح الكاذب فقال: «إنّ طلحة كان من المدافعين عن عثمان»( ١ ) ، و قال:

«لمّا أصاب طلحة سهم قال: اللهمّ خذ منّي لعثمان حتّى ترضى»( ٢ ) إلى غير ذلك من تناقضاته.

و كيف غرّ المصنف به؟ و قد نقل في باب كتبه في التاسع كتابهعليه‌السلام إلى معاوية: و أمّا ما سألت من دفع قتلة عثمان إليك، فإنّي نظرت في هذا الأمر و ضربت أنفه و عينه، فلم أر دفعه إليه، و لا إلى غيرك، و لعمري لئن لم تنزع عن غيّك و شقاقك لتعرفنّهم عن قليل يطلبونك...( ٣) .

و حيث إنّ العنوان مفتعل و ليس من كلامهعليه‌السلام قطعا، لم نتعرّض لشرح فقراته و لكن (سأستمسك) في (المصرية)( ٤ ) محرّف (و سأمسك) بشهادة (ابن

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٤٥١، و ٤٦٢، سنة ٣٦.

(٢) المصدر نفسه ٤: ٥٢٧، سنة ٣٦.

(٣) نهج البلاغة ٣: ١١ الكتاب ٩.

(٤) في نهج البلاغة ٢: ٩٩ «و سأمسك» أيضا.

أبي الحديد و ابن ميثم( ١ ) و الخطيّة).

هذا و في آخر خبر (الطبري): «فاهدؤوا عنّي و انظروا ما ذا يأتيكم ثمّ عودوا»( ٢ ) ، و الظاهر أن الرضيرضي‌الله‌عنه أخذ قوله «و لا تفعلوا فعله...»، من موضع آخر مناسب كما هو دأبه، فيجمع ما روي عنهعليه‌السلام في موضعين و معناهما واحد.

هذا و في (المصرية) التحريف في موضعين أحدهما: في قوله: «و إنّ هذا الأمر»( ٣ ) و ثانيهما: في قوله: «و لا ذاك»( ٤ ) ففي (ابن أبي الحديد و ابن ميثم( ٥ ) و الخطيّة): «إنّ هذا الامر» بدون واو و فيها «و لا هذا».

٢٥ - الكتاب (٥٨) و من كتاب لهعليه‌السلام كتبه إلى أهل الأمصار يقتصّ فيه ما جرى بينه و بين أهل صفّين:

وَ كَانَ بَدْءُ أَمْرِنَا أَنَّا اِلْتَقَيْنَا وَ اَلْقَوْمُ مِنْ أَهْلِ؟ اَلشَّامِ؟ وَ اَلظَّاهِرُ أَنَّ رَبَّنَا وَاحِدٌ وَ نَبِيَّنَا وَاحِدٌ وَ دَعْوَتَنَا فِي اَلْإِسْلاَمِ وَاحِدَةٌ لاَ نَسْتَزِيدُهُمْ فِي اَلْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَ اَلتَّصْدِيقِ بِرَسُولِهِ ص وَ لاَ يَسْتَزِيدُونَنَا اَلْأَمْرُ وَاحِدٌ إِلاَّ مَا اِخْتَلَفْنَا فِيهِ مِنْ دَمِ؟ عُثْمَانَ؟ وَ نَحْنُ مِنْهُ بَرَاءٌ فَقُلْنَا تَعَالَوْا نُدَاوِ مَا لاَ يُدْرَكُ اَلْيَوْمَ بِإِطْفَاءِ اَلنَّائِرَةِ وَ تَسْكِينِ اَلْعَامَّةِ حَتَّى يَشْتَدَّ اَلْأَمْرُ

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٢٩١، شرح ابن ميثم ٣: ٣٢١.

(٢) تاريخ الامم و الملوك ٢: ٧٠٢، دار الكتب العلميّة بيروت.

(٣) نهج البلاغة ٢: ٩٨.

(٤) نهج البلاغة ٢: ٩٩.

(٥) كذا شرح ابن أبي الحديد ٩: ٢٩١، و لكن في شرح ابن ميثم ٣: ٣٢٠ «و إنّ هذا الأمر» أيضا، مع الواو و «و لا ذاك» كما في النهج.

وَ يَسْتَجْمِعَ فَنَقْوَى عَلَى وَضْعِ اَلْحَقِّ فِي مَوَاضِعِهِ فَقَالُوا بَلْ نُدَاوِيهِ بِالْمُكَابَرَةِ فَأَبَوْا حَتَّى جَنَحَتِ اَلْحَرْبُ وَ رَكَدَتْ وَ وَقَدَتْ نِيرَانُهَا وَ حَمِشَتْ فَلَمَّا ضَرَّسَتْنَا وَ إِيَّاهُمْ وَ وَضَعَتْ مَخَالِبَهَا فِينَا وَ فِيهِمْ أَجَابُوا عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى اَلَّذِي دَعَوْنَاهُمْ إِلَيْهِ فَأَجَبْنَاهُمْ إِلَى مَا دَعَوْا وَ سَارَعْنَاهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا حَتَّى اِسْتَبَانَتْ عَلَيْهِمُ اَلْحُجَّةُ وَ اِنْقَطَعَتْ مِنْهُمُ اَلْمَعْذِرَةُ فَمَنْ تَمَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ اَلَّذِي أَنْقَذَهُ اَللَّهُ مِنَ اَلْهَلَكَةِ وَ مَنْ لَجَّ وَ تَمَادَى فَهُوَ اَلرَّاكِسُ اَلَّذِي رَانَ اَللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ وَ صَارَتْ دَائِرَةُ اَلسَّوْءِ عَلَى رَأْسِهِ أقول: لم أقف على سند له، و لا يبعد كونه مثل سابقه من روايات سيف الموضوعة، و الطبري و إن لم ينقله لكن لا يبعد أخذ المصنف له من أصل كتاب سيف، و إلاّ فكيف يقولعليه‌السلام : الأمر واحد إلاّ ما اختلفنا فيه من دم عثمان، و نحن منه برآء؟ فإن المراد بقوله (و نحن) هوعليه‌السلام و أهل الحجاز و أهل العراق، في مقابل أهل الشام، مع أنّ من المقطوع أنّه كان في أصحابه المجلبون على عثمان و المباشرون لقتله، و انّما الاختلاف بينهم أنّ أصحابه المجلبون على عثمان و المباشرون لقتله، و انّما الاختلاف بينهم أنّ أصحابه كانوا يقولون مثلهعليه‌السلام ان عثمان كان حلال الدم، لا يستحق قاتله قصاصا، و أهل الشام كانوا يقولون: كان عثمان خليفة حقّا، يجب قتال قاتليه و قتال المحامين عنهم، و إن لم يكونوا من القاتلين، كأمير المؤمنينعليه‌السلام و أهل بيته.

ففي (صفين نصر): قال زيد بن وهب الجهني: إنّ عمّارا نادى يومئذ: أين من يبتغي رضوان ربه، و لا يؤب إلى مال و لا ولد؟ فأتته عصابة، فقال:

اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبغون دم عثمان، و يزعمون أنّه قتل مظلوما، و اللّه إن كان إلاّ ظالما لنفسه، الحاكم بغير ما أنزل اللّه( ١) .

____________________

(١) وقعة صفّين: ٣٢٦.

و روى عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه، قال: قام عمّار بصفّين فقال:

امضوا عباد اللّه إلى قوم يطلبون في ما يزعمون بدم الظالم لنفسه، الحاكم على عباد اللّه بغير ما في كتاب اللّه، إنّما قتله الصالحون المنكرون للعدوان، الآمرون بالإحسان، فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين: لم قتلتموه؟ فقلنا: لأحداثه. فقالوا: إنّه ما أحدث شيئا، و ذلك لأنّه مكّنهم من الدّنيا، فهم يأكلونها و يرعونها، و لا يبالون لو انهدت عليهم الجبال، و اللّه ما أظنّهم يطلبون دمه، إنّهم ليعلمون إنه لظالم، و لكن القوم ذاقوا الدّنيا فاستحبوها و استمرؤها، و علموا لو أن الحقّ لزمهم، لحال بينهم و بين ما يرعون فيه منها، و لم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها الطاعة و الولاية، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قتل إمامنا مظلوما، ليكونوا بذلك جبابرة و ملوكا( ١) .

و عن الأفريقي بن أنعم في حديث جمع ذي الكلاع بين عمّار و عمرو بن العاص، لحديث سمعه ذو الكلاع من عمرو في أيام عمر، ان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: عمّار تقتله الفئة الباغية( ٢) .

قال عمرو لعمّار: فما ترى في قتل عثمان؟ قال: فتح لكم باب كلّ سوء. قال عمرو: فعليّ قتله؟ قال عمّار: بل اللّه ربّ عليّ قتله، و عليّ معه. قال عمرو: فلم قتلتموه؟ قال عمّار: أراد أن يغيّر ديننا فقتلناه( ٣) .

و روى في حديث مشي القرّاء بين معاوية و بين أمير المؤمنينعليه‌السلام ، أنّ القرّاء قالوا لهعليه‌السلام : إنّ معاوية يقول لك: إن كنت صادقا في أنّك لم تأمر بقتل

____________________

(١) وقعة صفّين: ٣١٩.

(٢) وقعة صفّين: ٣٣٢ ٣٣٥، و النقل بتصرّف و تلخيص.

(٣) وقعة صفّين: ٣٣٨ ٣٣٩.

عثمان، و لم تمالى‏ء على قتله، فادفع إلينا قتلته أو أمكنا منهم؟ فقال عليعليه‌السلام :

القوم تأوّلوا عليه القرآن، و وقعت الفرقة و قتلوه في سلطانه، و ليس على ضربهم قود( ١) .

و روى في حديث بعث معاوية حبيب بن مسلمة و شرحبيل بن السمط إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّهما قالا لعليعليه‌السلام : أ تشهد أنّ عثمان قتل مظلوما؟ فقال لهما: إنّي لا أقول ذلك. قالا: فمن لم يشهد أنّ عثمان قتل مظلوما فنحن منه برآء. ثم قاما و انصرفا، فقال عليعليه‌السلام : إنّك لا تسمع الموتى و لا تسمع الصمّ الدّعاء إذا ولّوا مدبرين. و ما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلاّ من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون( ٢) .

و روى في حديث بعث معاوية أبا إمامة الباهلي و أبا الدرداء إليهعليه‌السلام لمّا كانا قالا لمعاوية: علام تقاتل عليّا؟ فو اللّه لهو أقدم منك إسلاما و أقرب إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و أحقّ بالأمر. و قال لهما معاوية: على دم عثمان و إيوائه قتلته، فإن يقدني من قتلته أكن أوّل من يبايعه من أهل الشام. فقدما عليهعليه‌السلام و أبلغاه كلام معاوية: أنّ علياعليه‌السلام قال لهما: هم الذين ترون. فخرج عشرون ألفا أو أكثر مسربلين في الحديد، لا يرى منهم إلاّ الحدق، فقالوا: كلّنا قتله فإن شاؤوا فليروموا ذلك منّا( ٣) .

و روى في حديث بعث معاوية أبا مسلم الخولاني بكتاب إليهعليه‌السلام : فقال أبو مسلم لعليّعليه‌السلام : إنّك قد قمت بأمر ولّيته، و اللّه ما احب أنّه لغيرك إن أعطيت الحق من نفسك، إنّ عثمان قتل مسلما محروما مظلوما، فادفع إلينا قتلته و أنت

____________________

(١) وقعة صفّين: ١٨٨ ١٨٩.

(٢) وقعة صفّين: ٢٠٠ ٢٠٢، و النقل بتلخيص، و الآيات ٥٢ ٥٣ من سورة الروم.

(٣) وقعة صفّين: ١٩٠.

أميرنا، فإن خالفك من الناس أحد كانت أيدينا لك ناصرة، و ألسنتنا لك شاهدة، و كنت ذا عذر و حجّة.

فقال له عليعليه‌السلام : اغد عليّ غدا فخذ جواب كتابك. فانصرف ثم رجع من غد ليأخذ جواب كتابه، فوجد الناس قد بلغهم الذي جاء فيه قبل، فلبست الشيعة أسلحتها، ثم غدوا فملؤوا المسجد فنادوا: كلّنا قتلة عثمان. و أكثروا من النداء بذلك، فقال أبو مسلم لعليّعليه‌السلام : لقد رأيت قوما مالك معهم أمر. قال: و ما ذاك؟

قال: بلغ القوم أنّك تريد أن تدفع إلينا قتلة عثمان، فضجّوا و اجتمعوا و لبسوا السلاح و زعموا أنّهم كلهم قتلة عثمان. فقال عليعليه‌السلام : و اللّه ما أردت أن أدفعهم إليك طرفة عين قط، لقد ضربت هذا الأمر أنفه و عينه، فما رأيته ينبغي لي أن أدفعهم إليك و لا إلى غيرك.

فخرج أبو مسلم و هو يقول: الآن طاب الضراب( ١) .

و روى في حديث الفتى الشامي الذي حمل على هاشم المرقال و أصحابه القرّاء و جعل يلعن و يشتم: أنّ هاشما قال له: اتّق اللّه فإنّك راجع إلى ربّك فسائلك عن هذا الموقف و ما أردت به، فقال: اقاتلكم لأنّ صاحبكم قتل خليفتنا، و أنتم وازرتموه على قتله. فقال له هاشم: و ما أنت و ابن عفان، إنّما قتله أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و قرّاء الناس، حين أحدث أحداثا و خالف حكم الكتاب؟

و أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هم أصحاب الدين و أولى بالنظر في امور المسلمين( ٢) .

و روى في أراجيز الشاميين:

ان عليا قتل ابن عفّان

خليفة اللّه على تبيان

____________________

(١) وقعة صفّين: ٨٥ ٨٦.

(٢) وقعة صفّين: ٣٥٤ ٣٥٥.

ردوا علينا شيخنا كما كان( ١)

و في أراجيز العراقيين رجز بعضهم:

أبت سيوف مذحج و همدان

بأن نرد نعثلا كما كان

خلقا جديدا بعد خلق الرحمن( ٢)

و رجز بعضهم:

نحن قتلنا صاحب المرّاق

و قائد البغاة و الشقاق

عثمان يوم الدار و الإحراق( ٣)

و رجز بعضهم:

نحن قتلنا نعثلا بالسيرة

إذ صدّ عن أعلامنا المنيره

يحكم بالجور على الشعيره

نحن قتلنا قبله المغيره( ٤)

و المراد بالمغيرة ابن عمّ عثمان، الذي كسر أسنان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم احد و شجّ رأسه، و لمّا انهزم الكفار في الأحزاب كان المغيرة نائما فأيقظته الشمس و كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أهدر دمه فاستجار بعثمان، فشفع له عثمان، فأمهله بشرط ألاّ يرى بعد ثلاثة، فبقي بعدها، فبعث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقتله.

و روى: أنّ رجلا من أهل الشام صاح:

ردّوا علينا شيخنا ثم بجل

و لا تكونوا جزرا من الأسل

فأجابه رجل من العراق:

كيف نردّ نعثلا و قد قحل

نحن ضربنا رأسه حتى انجفل

____________________

(١) وقعة صفّين: ٢٢٨.

(٢) وقعة صفّين: ٢٢٨.

(٣) وقعة صفّين: ٣٨٣، و القائل: همّام بن الأغفل الثقفي.

(٤) وقعة صفّين: ٣٨٣، و القائل: محمّد بن أبي سبرة بن أبي زهير القرشيّ.

لمـّا حكم حكم الطواغيت الأول

و جار في الحكم و جار في العمل( ١)

و روى في حديث التحكيم: أنّ حمرة بن مالك خطيب الشام قام بين الصفّين، فقال: انشدكم اللّه يا أهل العراق ألاّ أخبرتمونا لم فارقتمونا؟ قالوا:

لأنّ اللّه عزّ و جلّ أحلّ البراءة ممّن حكم بغير ما أنزل اللّه، فتولّيتم الحاكم بغير ما أنزل اللّه، و قد أمر اللّه بعداوته و حرّمتم دمه و قد أمر اللّه بسفكه، فعاديناكم لأنّكم حرّمتم ما أحل اللّه و حلّلتم ما حرم اللّه، و عطّلتم أحكام اللّه و اتبعتم هواكم بغير هدى من اللّه.

فقال حمرة: قتلتم خليفتنا و نحن غيّب عنه، بعد أن استتبتموه فتاب، فعجلتم عليه فقتلتموه، فنذكركم اللّه لمّا أنصفتم الغائب المتّهم لكم، فإنّ قتله لو كان عن ملأ من الناس و مشورة كما كانت إمرته، لم يحل لنا الطلب بدمه، و قد رضينا أن تعرضوا ذنوبه على كتاب اللّه أوّلها و آخرها، فإن أحلّ الكتاب دمه برئنا منه و ممّن تولاّه و من يطلب بدمه، و كنتم اجرتم في أوّل يوم و آخره. و إن كان كتاب اللّه يمنع دمه و يحرّمه تبتم إلى اللّه ربكم، و أعطيتم الحق من أنفسكم في سفك دم بغير حلّه، بعقل أو قود أو براءة ممّن فعل ذلك و هو ظالم، و نحن قوم نقرأ القرآن و ليس يخفى علينا منه شي‏ء، فأفهمونا الأمر الذي استحللتم عليه دماءنا إلى أن قال: فقالوا له: قد قبلنا من عثمان حين دعي إلى اللّه و التوبة من بغيه و ظلمه، و قد كان منّا عنه كف حين أعطانا أنّه تائب، حتى جرى علينا حكمه بعد تعريفه ذنوبه، فلمّا لم يتم التوبة و خالف بفعله عن توبته، قلنا: اعتزلنا نولّ أمر المسلمين رجلا يكفيك و يكفينا، فإنّه لا يحل لنا أن نولّي أمرهم رجلا نتّهمه في دمائنا و أموالنا. فأبى ذلك و أصرّ،

____________________

(١) وقعة صفّين: ٢٢٨ ٢٢٩.

فلمّا ان رأينا ذلك قتلناه( ١) .

و بالجملة، فرض صحّة قوله (و نحن منه برآء)، يستلزم أن يكون قاتل عثمان الجن أو الملائكة.

ثمّ يظهر ممّا مرّ أنّ طريقة عامّة الأعصار المتأخرة عن عصر أمير المؤمنينعليه‌السلام ، في قولهم بأبي بكر و عمر و عثمان و بهعليه‌السلام ، خلاف إجماع الامّة في عصرهعليه‌السلام ، لأنّ جمهور أهل السّنة كانوا يقولون بأبي بكر و عمر و بهعليه‌السلام ، و الاموية و من كان هواه هواهم، كأهل الشام عموما و معدود من ساير البلاد خصوصا، كانوا يقولون بأبي بكر و عمر و عثمان دونهعليه‌السلام .

و أما الجمع بينهعليه‌السلام و بين عثمان فكان كالجمع بين الضدّين. و لمّا حملت الاموية في مدّة سلطنتهم القول بعثمان على رقاب الناس بالسيف، حتى صار دينا عند متأخريهم وضعوا الجمع تصحيحا لمذهبهم.

و أما قوله: (لا نستزيدهم في الإيمان باللّه و التصديق برسوله) فإنّ اوّل بجعله مربوطا بقوله: (و الظاهر أنّ ربّنا واحد، و نبيّنا واحد، و دعوتنا في الإسلام واحدة)، بمعنى أنّ الظاهر أنّا لا نستزيدهم لأنّهم يقولون: أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه كما نقول، و يقولون: أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه كما نقول، و إلاّ فعدم استزادة الإيمان و التصديق مذهب أبي حنيفة ففي (تاريخ بغداد): قال شريك:

كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب اللّه تعالى... و يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة و ذلك دين القيّمة( ٢ ) ، و و ليزدادوا ايمانا مع إيمانهم...( ٣ ) ، و زعم أبو حنيفة أنّ الإيمان لا يزيد و لا ينقص. و زعم أنّ الصلاة ليست من دين اللّه( ٤) .

____________________

(١) وقعة صفّين: ٥١٤ ٥١٦.

(٢) البيّنة: ٥.

(٣) الفتح: ٤.

(٤) تاريخ بغداد ١٣: ٣٧٦.

و عن الفزاري، قال أبو حنيفة: إيمان آدم و إيمان إبليس واحد قال إبليس:

ربّ بما أغويتني...( ١ ) و قال:... ربّ فأنظرني إلى يوم يبعثون( ٢ ) ، و قال آدم:... ربنا ظلمنا أنفسنا...( ٣) .

و عن القاسم بن عثمان: مرّ أبو حنيفة بسكران يبول قائما، فقال له أبو حنيفة: لو بلت جالسا. فنظر السكران في وجهه و قال: ألا تمرّ يا مرجى‏ء؟ فقال أبو حنيفة: هذا جزائي منك صيّرت إيمانك كإيمان جبرئيل( ٤) .

مع أنّ معاوية و أصحابه لم يكونوا من الإسلام في شي‏ء، فروى (صفين نصر): عن شيخ من بكر بن وائل: كنّا مع عليّعليه‌السلام بصفّين إلى أن قال فقالعليه‌السلام : و الذي فلق الحبة، و برأ النسمة، ما أسلموا و لكن استسلموا، و أسرّوا الكفر حتّى وجدوا عليه أعوانا، رجعوا إلى عداوتهم منّا إلاّ أنّهم لم يدعوا الصلاة( ٥) .

و عن أبي إسحاق الشيباني، قال: قرأت كتاب الصلح عند سعيد بن أبي بردة، في صحيفة صفراء عليها خاتمان، خاتم من أسفلها و خاتم من أعلاها، في خاتم عليعليه‌السلام محمّد رسول اللّه و في خاتم معاوية محمّد رسول اللّه فقيل لعليعليه‌السلام حين أراد أن يكتب الكتاب بينه و بين معاوية و أهل الشام: أ تقرّ أنّهم مؤمنون مسلمون؟ فقال: ما أقرّ لمعاوية و لا لأصحابه أنّهم مؤمنون و لا مسلمون، و لكن يكتب معاوية ما شاء و يسمّي نفسه و أصحابه ما شاء( ٦) .

____________________

(١) الحجر: ٣٩.

(٢) الحجر: ٣٦.

(٣) تاريخ بغداد ١٣: ٣٣٧، و الآية ٢٣ من سورة الاعراف.

(٤) المصدر نفسه.

(٥) وقعة صفّين: ٢١٥.

(٦) وقعة صفّين: ٥٠٩ ٥١٠.

و عن الأصبغ قال: جاء رجل إلى عليعليه‌السلام فقال: هؤلاء القوم الذين نقاتلهم، الدعوة واحدة، و الرسول واحد، و الصلاة واحدة، و الحج واحد، فبم نسمّيهم؟

قالعليه‌السلام : بما سمّاهم اللّه في كتابه. قال: ما كلّ في الكتاب أعلمه. قال: أما سمعت اللّه عزّ و جلّ قال: تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض... و لو شاء اللّه ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البيّنات. و لكن اختلفوا فمنهم من آمن و منهم من كفر...( ١ ) فلمّا وقع الاختلاف كنّا نحن أولى باللّه و بالكتاب و بالنبي و بالحق؟ فنحن الذين آمنوا و هم الذين كفروا، و شاء اللّه قتالهم فقاتلناهم هدى بمشية اللّه ربّنا، و إرادته( ٢) .

و عن أسماء بن الحكم الفزاري قال: كنّا مع عليّعليه‌السلام بصفّين تحت راية عمّار ارتفاع الضحى و استظللنا ببرد أحمر، إذ أقبل رجل يستقرى‏ء الصف حتّى انتهى إلينا، فقال: أيّكم عمّار؟ فقال عمّار: أنا. قال: أبو اليقظان؟ قال: نعم. قال:

إنّ لي إليك حاجة فأنطق بها سرّا أو علانية؟ قال: اختر لنفسك أيّ ذلك شئت.

قال: لا بل علانية. قال: فانطق. قال: إنّي خرجت من أهلي مستبصرا في الحق الذي نحن عليه، لا أشك في ضلالة هؤلاء القوم، و أنّهم على الباطل، و لم أزل على ذلك مستبصرا، حتى كان ليلتي هذه، فتقدّم منادينا فشهد ألاّ إله إلاّ اللّه، و أن محمّدا رسول اللّه، و نادى بالصلاة فنادى مناديهم بمثل ذلك، ثمّ أقيمت الصلاة فصلّينا صلاة واحدة، و دعونا دعوة واحدة، و تلونا كتابا واحدا، فأدركني الشّك، فبتّ بليلة لا يعلمها إلاّ اللّه حتى أصبحت فأتيت أمير المؤمنينعليه‌السلام فذكرت ذلك له، فقال: هل لقيت عمّارا؟ قلت لا. قال: فالقه فانظر ما يقول لك فاتبعه فجئتك لذلك. فقال له عمّار: هل تعرف صاحب الراية

____________________

(١) البقرة: ٢٥٣.

(٢) وقعة صفّين: ٣٢٢ ٣٢٣.

السوداء؟ لمقابلتي فإنّها راية عمرو بن العاص، قاتلتها مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاث مرّات و هذه الرابعة، ما هي بخيرهنّ و لا أبرّهنّ، بل هي شرّهنّ و أفجرهنّ.

أشهدت بدرا و احدا و حنينا، أو شهدها أب لك فيخبرك عنها؟ قال: لا. قال: فإنّ مراكزنا على مراكز رايات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر و يوم احد و يوم حنين. و إنّ هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب، هل ترى هذا العسكر و من فيه؟ فو اللّه لوددت أنّ جميع من أقبل مع معاوية كانوا خلقا واحدا فقطعته و ذبحته...( ١) .

و روى: أنّ عمّارا خرج في اليوم الثالث من أيّام صفين و جعل يقول: يا أهل الإسلام أ تريدون أن تنظروا إلى من عادى اللّه و رسوله؟ و جاهدهما و بغى على المسلمين و ظاهر المشركين فلمّا أراد اللّه أن يظهر دينه و ينصر رسوله أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأسلم، و هو و اللّه في ما يرى راهب غير راغب، و قبض اللّه رسوله و إنّا و اللّه لنعرفه بعداوة المسلم و مودة المجرم؟ ألا و إنّه معاوية فالعنوه لعنه اللّه و قاتلوه فإنّه ممّا يطفى‏ء نور اللّه و يظاهر أعداء اللّه( ٢) .

و روى عن منذر الثوري قال: قال عمار: و اللّه ما أسلم القوم و لكن استسلموا، و أسروا الكفر حتّى وجدوا علينا أعوانا( ٣) .

و روى المسعودي تأسفه على عدم قدرته على محو اسم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و عدم سكون غليله بما فعل بعترته، مع وصوله السلطنة بواسطته( ٤) .

و كما عرفت أنّ قوله (و نحن منه برآء) لكونه خلاف الواقع دالّ على وضع العنوان كذلك على ما رتب عليه من قوله: (فقلنا تعالوا نداو ما لا يدرك

____________________

(١) وقعة صفّين: ٣٢١.

(٢) وقعة صفّين: ٢١٤.

(٣) وقعة صفّين: ٢١٦.

(٤) لا وجود له في مروج الذهب للمسعودي و لا التنبية و الاشراف للمسعودي.

اليوم بإطفاء النائرة و تسكين العامّة، حتى يشتدّ الأمر و يستجمع فنقوى على وضع الحقّ مواضعه)، فأيّ وقت قالعليه‌السلام : أمهلوني حتّى يستحكم أمري فأطلب القصاص من قتلة عثمان و قتلة عثمان خواصهعليه‌السلام .

و قوله: (فقالوا بل نداويه بالمكابرة فأبوا)، مختل فإنّما بالمناسب أن يقال:

(فأبوا و قالوا: بل نداويه بالمكابرة).

كما أنّ قوله: (حتّى جنحت الحرب و ركدت و وقدت نيرانها و حمشت) ليست ألفاظه بتلك السلاسة و (جنح) يستعمل للميل إلى المحبوب كما في قوله تعالى: و إن جنحوا للسلم فاجنح لها...( ١ ) ، و لم يعلم استعماله للميل إلى المكروه كما فيه، و إنّما يصحّ أن يقال: (جنح البعير) إذا انكسرت جوانحه و أضلاعه من الحمل، و لا مناسبة لذلك المعنى هنا.

و أما قوله (فلمّا ضرّستنا و إيّاهم و وضعت مخالبها فينا و فيهم أجابوا عند ذلك إلى الذي دعوناهم إليه) فأيّ حكيم يتكلّم كذلك؟ فكلمة (لمّا) تفيد العلّية، فهل إجابة معاوية إن فرضت إجابة كانت لتضريس الحرب لأمير المؤمنينعليه‌السلام ؟ و إنّما كانت لانهزامه حتى أراد الفرار، مع أنّ تسميته إجابة غلط واضح، و إنّما كانت دعوتهم إلى القرآن حيلة ليوقعوا بها الاختلاف بين أصحابهعليه‌السلام ففي (صفين نصر): أنّ عليّاعليه‌السلام لمّا خطب و قال: «و أنا غاد عليهم احاكمهم إلى اللّه عزّ و جلّ»، بلغ ذلك معاوية فدعا عمرو بن العاص، فقال: يا عمرو إنّما هي الليلة حتى يغدو علينا عليّ بالفيصل، فما ترى؟ قال:

أرى أنّ رجالك لا يقومون لرجاله، و لست مثله، هو يقاتلك على أمر، و أنت تقاتله على غيره، أنت تريد البقاء و هو يريد الفناء، و أهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم، و أهل الشام لا يخافون عليّا إن ظفر بهم، و لكن الق إليهم أمرا إن

____________________

(١) الأنفال: ٦١.

قبلوه اختلفوا، و إن ردّوه اختلفوا ادعهم إلى كتاب اللّه حكما فيما بينك و بينهم، فإنّك بالغ به حاجتك في القوم، فإنّي لم أزل اؤخر هذا الأمر لحاجتك إليه.

فعرف ذلك معاوية، فقال: صدقت( ١) .

و فيه: قال تميم بن حذيم: لمّا أصبحنا من ليلة الهرير نظرنا فإذا أشباه الرايات أمام صف أهل الشام وسط الفيلق من حيال موقف معاوية، فلمّا إن أسفرنا، فإذا هي المصاحف قد ربطت على أطراف الرماح، و هي عظام مصاحف العسكر، و قد شدوا ثلاثة رماح جميعا و قد ربطوا عليها مصحف المسجد الأعظم، يمسكه عشرة رهط.

و قال أبو جعفر و أبو الطفيل: استقبلوا عليّا بمائة مصحف، و وضعوا في كلّ مجنبة مائتي مصحف، و كان جميعها خمسمائة مصحف. قال أبو جعفر:

ثمّ قام الطفيل بن أدهم حيال عليّعليه‌السلام ، و قام أبو شريح الجذامي حيال الميمنة، و قام ورقاء المعمّر حيال الميسرة، ثمّ نادوا: يا معشر العرب اللّه اللّه في نسائكم و بناتكم، فمن للروم و الأتراك و أهل فارس غدا إذا فنيتم؟ اللّه اللّه في دينكم، هذا كتاب اللّه بيننا و بينكم. فقال عليعليه‌السلام : اللهمّ إنّك تعلم أنّهم ما الكتاب يريدون، فاحكم بيننا و بينهم إنّك أنت الحق المبين. فاختلف أصحاب عليعليه‌السلام في الرأي، طائفة قالت: القتال. و طائفة قالت: لا يحلّ لنا الحرب، و قد دعينا إلى حكم الكتاب. فعند ذلك بطلت الحروب و وضعت أوزارها( ٢) .

كما أنّ قوله: (فأجبناهم إلى ما دعوا و سارعناهم إلى ما طلبوا) إفتراء محض، فقد عرفت أنّهعليه‌السلام قال: «اللهمّ انّك تعلم أنّهم ما الكتاب يريدون، فاحكم بيننا و بينهم إنّك أنت الحق المبين». فكيف يصحّ هذا الكلام؟ و قالعليه‌السلام

____________________

(١) وقعة صفّين: ٤٧٦ ٤٧٧.

(٢) وقعة صفّين: ٤٧٨ ٤٧٩.

لمّا أراد المسير إليهم: سيروا إلى بقيّة الأحزاب، سيروا إلى أعداء السنن و القرآن.

و كيف سارععليه‌السلام إلى ما طلبوا و أجابهم إلى ما دعوا، أو يكون سارع أصحابه المستقيمون؟ و إنّما سارع الذين صاروا خوارج و الأشعث.

و في (صفين نصر) و غيره من السير: لمّا رفع أهل الشام المصاحف على الرماح يدعون إلى حكم القرآن، قال عليعليه‌السلام : عباد اللّه أنا أحقّ من أجاب إلى كتاب اللّه، و لكنّ معاوية و عمرو بن العاص و ابن أبي معيط، و حبيب بن مسلمة، و ابن أبي سرح، ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن، إنّي أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالا و صحبتهم رجالا، فكانوا شرّ أطفال و شر رجال، إنّها كلمة حقّ يراد بها باطل، إنّهم و اللّه ما رفعوها لأنّهم يعرفونها و لا يعملون بها، و ما رفعوها لكم إلاّ خديعة و مكيدة، أعيروني سواعدكم و جماجمكم ساعة واحدة، فقد بلغ الحقّ مقطعه و لم يبق إلاّ أن يقطع دابر الذين ظلموا.

فجاءه زهاء عشرين ألفا مقنّعين في الحديد، شاكي السلاح سيوفهم على عواتقهم، و قد اسودت جباههم من السجود، يتقدّمهم مسعر بن فدكي و زيد بن حصين، و عصابة من القرّاء الذين صاروا خوارج من بعد، فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين: يا عليّ أجب القوم إلى كتاب اللّه إذ دعيت إليه، و إلاّ قتلناك كما قتلنا ابن عفّان، فو اللّه لنفعلنّها إن لم تجبهم. فقالعليه‌السلام لهم: ويحكم أنّا أوّل من دعا إلى كتاب اللّه، و أوّل من أجاب إليه، و ليس يحلّ لي و لا يسعني في ديني أن ادعى إلى كتاب اللّه فلا أقبله، إنّي إنّما اقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن، فإنّهم قد عصوا اللّه في أمرهم و نقضوا عهده، و نبذوا كتابه، و لكنّي قد أعلمتكم أنّهم قد كادوكم، و أنّهم ليس العمل بالقرآن يريدون. قالوا: فابعث إلى الأشتر ليأتينّك.

و قد كان أشرف على عسكر معاوية بالفتح( ١) .

و كذلك قوله: (حتى استبانت عليهم الحجّة و انقطعت منهم المعذرة) بلا محصل، فإنّ معاوية و أصحابه إنّما كانت الحجّة عليهم مستبينة من أوّل الأمر، و إنّما الخوارج استبانت عليهم الحجّة، بأنّ دعوة معاوية إلى القرآن كانت مكيدة.

و كذلك قوله: (فمن تم على ذلك منهم فهو الذي أنقذه اللّه من الهلكة، و من لج و تمادى فهو الراكس الذي ران اللّه على قلبه، و صارت دائرة السوء على رأسه) بلا مفاد، فإنّ معاوية و أصحابه لم يرضوا بحكم القرآن حتى يتمّوا عليه أو لا يتمّوا، و انّما الخوارج أمضوا أوّلا عهد التحكيم، ثم لم يتمّوا عليه، و قالوا: انّه كفر.

و بالجملة هذا كسابقه افتراء عليهعليه‌السلام .

٢٦ - الخطبة (٢٢٨) و من كلام لهعليه‌السلام :

لِلَّهِ بَلاَءُ فُلاَنٍ فَلَقَدْ قَوَّمَ اَلْأَوَدَ وَ دَاوَى اَلْعَهْدَ وَ أَقَامَ اَلسُّنَّةَ وَ خَلَّفَ اَلْفِتْنَةَ ذَهَبَ نَقِيَّ اَلثَّوْبِ قَلِيلَ اَلْعَيْبِ أَصَابَ خَيْرَهَا وَ سَبَقَ شَرَّهَا أَدَّى إِلَى اَللَّهِ طَاعَتَهُ وَ اِتَّقَاهُ بِحَقِّهِ رَحَلَ وَ تَرَكَهُمْ فِي طُرُقٍ مُتَشَعِّبَةٍ لاَ يَهْتَدِي بِهَا اَلضَّالُّ وَ لاَ يَسْتَيْقِنُ اَلْمُهْتَدِي أقول: قال ابن أبي الحديد: المراد بفلان عمر، حدّثني فخار بن معد الموسوي: أنّ في النسخة التي بخط المصنّف تحت (فلان): عمر. و سألت

____________________

(١) وقعة صفّين: ٤٨٩، تاريخ الطبري ٥: ٤٨ ٤٩، سنة ٣٧، و شرح ابن أبي الحديد ٢: ٢١٦ ٢١٧، و النقل بتصرف و تلخيص.

النقيب فقال: هو عمر. فقلت: أيثني عليه أمير المؤمنينعليه‌السلام ؟ فقال: نعم، أما الإمامية فيقولون: إنّ ذلك من التقيّة و استصلاح أصحابه. و أمّا صالحية الزيدية فيقولون: إنّه أثنى عليه. و أمّا جاروديتهم فيقولون: إنّه كلام قاله في أمر عثمان، أخرجه مخرج الذم و التنقص لأعماله، كما يمدح الآن الأمير الميّت في أيّام الأمير الحيّ بعده، فيكون ذلك تعريضا به( ١) .

و قال الراوندي: المراد به بعض أصحابهعليه‌السلام . و هو بعيد، على أنّ الطبري صرّح أو كاد أن يصرّح، بأن المراد بهذا الكلام عمر، فقال: لمّا مات عمر قالت ابنة أبي خيثمة: وا عمراه، أقام الأود و أبرأ العمد، أمات الفتن و أحيا السنن، خرج نقي الثوب بريئا من العيب( ٢) .

و روى صالح بن كيسان عن المغيرة، قال: لمّا دفن عمر أتيت عليّا و أنا احبّ أن أسمع منه في عمر شيئا، فخرج ينفض رأسه و لحيته و قد اغتسل و هو ملتحف بثوب، لا يشك أنّ الأمر يصير إليه، فقال: رحم اللّه ابن الخطاب، لقد صدقت ابنة أبي خيثمة: ذهب بخيرها و نجا من شرّها. أما و اللّه ما قالت و لكن قوّلت( ٣) .

أقول: إنّما الكلام في أصل الخبر و تحقق نسبة العنوان إليهعليه‌السلام ، و الظاهر أنّه كسابقيه، و إنما الرضي عفا اللّه عنه إذا رأى كلاما فصيحا منسوبا إليهعليه‌السلام يقبله بدون تدبّر في معناه، و لو مع وجود شواهد على خلافه، كما أنّه في (مجازاته النبويّة) نسب إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حديث من رأى الأذان في النوم( ٤ ) ، مع أنّه في متواتر أخبار الإمامية إنزال جبرئيلعليه‌السلام

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٢: ٣ ٥.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) تاريخ الطبري ٤: ٢١٨، سنة ٢٣، شرح ابن أبي الحديد ١٢: ٥.

(٤) المجازات النبويّة للشريف الرضي: ٣٩٣ ح ٣١٠، مؤسسة الحلبي، القاهرة.

الأذان من اللّه تعالى عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( ١) .

و أمّا ما نقله عن (الطبري) فمع أنّ رواية المخالف لنفسه غير مقبولة، لا يفهم منه سوى أنّهعليه‌السلام صدق من قول ابنة أبي خيثمة جملة (ذهب بخيرها و نجا من شرّها)، حتى إنّهعليه‌السلام قال: ما قالته و لكن قوّلته. يعني ما قالته من نفسها، و لكن حملت على قوله، و ليس تحته شي‏ء، لأن معناه أنّ في الخلافة و السلطنة خيرا و شرّا، و لكنّ عمر ذهب بخيرها و نجا من شرّها بحبسه مثل طلحة و الزبير عن الخروج عن المدينة، حتّى إلى الجهاد لئلاّ يخرجا عليه، و أحدث شورى موجبة لنقض الامور عليهعليه‌السلام و ليس قولهعليه‌السلام : (ذهب بخيرها و نجا من شرّها) إلاّ نظير قولهعليه‌السلام فيه و في صاحبه في الشقشقية:

لشد ما تشطر أضرعيها.

و أمّا باقي العنوان فإمّا افتراء تعمّدا و الافتراء عليهعليه‌السلام كالنبيّعليه‌السلام كثير فالخصم يضع لنفسه على حسب هواه و إمّا توهما من قولهعليه‌السلام : لقد صدقت ابنة أبي خيثمة، أنّه راجع إلى جميع ما قالته، مع أنّهعليه‌السلام قيّده في قولها: ذهب بخيرها و نجا من شرّها. مع أنّ ما في (الطبري) تحريف، فعن ابن عساكر قالعليه‌السلام : (أصدقت) لا (لقد صدقت)( ٢) .

و ممّا ذكرنا يظهر لك ما في قول ابن أبي الحديد، على أنّ الطبري صرّح أو كاد أن يصرّح بأنّ المراد بهذا الكلام عمر، فإنّ الطبري إنّما روى وصف بنت أبي خيثمة بما روى، و أنّ المغيرة كان يعلم أنّ عليّاعليه‌السلام يكتم ما في قلبه على عمر كصاحبه، فأراد المغيرة أن يستخرج ما في قلبه ذاك الوقت فأجابهعليه‌السلام

____________________

(١) انظر الكافي ٣: ٣٠٢، ح ١، ٢، من لا يحضره الفقيه ١: ١٨٣ ح ٨٦٥، تهذيب الأحكام ٢: ٢٧٧ ح ١٠٩٩.

(٢) نص ما أورده ابن عساكر: للّه نادبة عمر عاتكة و هي تقول وا عمراه، مات و اللّه قليل العيب أمات العوج و أبرأ العمد، وا عمراه ذهب و اللّه بحظها و نجا من شرّها وا عمراه ذهب و اللّه بالسّنة و أبقى الفتنة، راجع صورة المخطوطة ١٣: ١٨٩ (تاريخ ابن عساكر. دار البشائر).

بحكمته بذم و شكوى في صورة الثناء.

و بالجملة جميع ما رووه من هذا الخبر، أو ما كان من قبيله خلاف الدراية، و الأخبار المتواترة و السير المحفوفة بالقرائن و الشواهد، و كيف يصح العنوان و قد كتب معاوية إليهعليه‌السلام : ثم كرهت خلافة عمر و حسدته، و استطلت مدّته و سررت بقتله، و أظهرت الشماتة بمصابه، حتى إنّك حاولت قتل ولده...

و كيف و قد روى المسعودي و نصر بن مزاحم و غيرهما حتى الطبري و ان كفّ عن نقل تفصيله لعدم احتمال العامّة له عنده: أنّ محمّد بن أبي بكر لمّا كتب إلى معاوية كتابا و فيه بعد ذكر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فكان أوّل من أجاب و أناب و صدّق و وافق و أسلم و سلّم، أخوه و ابن عمّه علي بن أبي طالب، فصدّقه بالغيب المكتوم، و آثره على كلّ حميم، فوقاه كلّ هول، و واساه بنفسه في كلّ خوف، فحارب حربه و سالم سلمه، فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الأزل و مقامات الروع، حتى برز سابقا لا نظير له في جهاده، و لا مقارب له في فعله، و قد رأيتك تساميه، و أنت أنت و هو هو، المبرز السابق في كلّ خير، أوّل الناس إسلاما، و أصدق الناس نيّة، و أطيب الناس ذرّيّة، و أفضل النّاس زوجة، و خير النّاس ابن عمّ، و أنت اللعين بن اللعين، ثم لم تزل أنت و أبوك تبغيان الغوائل لدين اللّه، و تجهدان على إطفاء نور اللّه، و تجمعان على ذلك الجموع، و تبذلان فيه المال، و تحالفان فيه القبائل، على ذلك مات أبوك، و على ذلك خلفته، و الشاهد عليك بذلك من يأوي و يلجأ إليك من بقيّة الأحزاب و رؤوس النفاق و الشقاق للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و الشاهد لعليّعليه‌السلام مع فضله المبين و سبقه القديم، أنصاره الذين ذكروا بفضلهم في القرآن، فأثنى اللّه عليهم من المهاجرين و الأنصار، فهم معه عصائب و كتائب، حوله يجاهدون بأسيافهم، و يهريقون دماءهم دونه، يرون الفضل في اتّباعه و الشقاء في خلافه، فكيف

يا لك الويل تعدل نفسك بعليّ؟ و هو وارث رسول اللّه و وصيه، و أبو ولده، و أولى الناس له اتّباعا، و آخرهم به عهدا، يخبره بسرّه، و يشركه في أمره، و أنت عدوّه و ابن عدوّه، فتمتع ما استطعت بباطلك، و ليمدد لك ابن العاص في غوايتك.

أجابه معاوية: ذكرت حقّ ابن أبي طالب و قديم سوابقه، و قرابته من نبيّ اللّه، و نصرته له، و مواساته إيّاه في كلّ خوف و هول، و احتجاجك عليّ فقد كنّا و أبوك معنا في حياة نبيّنا، نرى حقّ ابن أبي طالب لازما لنا، و فضله مبرزا علينا، فلمّا اختار اللّه لنبيّه ما عنده، و أتمّ له ما وعده، و أظهر دعوته، و أفلج حجته، قبضه اللّه إليه، فكان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزه و خالفه على ذلك، اتّفقا و اتسقا، ثم دعواه إلى أنفسهم، فأبطأ عنهما و تلكأ عليهما، فهمّا به الهموم و أرادا به العظيم، فبايع و سلم لهما، لا يشركانه في أمرهما و لا يطلعانه على سرّهما، حتى قبضا و انقضى أمرهما إلى أن قال: فخذ حذرك يا بن أبي بكر فسترى و بال أمرك، و قس شبرك بفترك، تقصر من أن تساوي أو توازي من تزن الجبال حلمه، لاتلين على قصر قناته و لا يدرك ذو مدى أناته، أبوك مهّد مهاده و بنى ملكه و شاده، فإن يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك أوّله، و إن يكن جورا، فأبوك اسّه و نحن شركاؤه، و بهديه أخذنا، و بفعله اقتدينا، فعب أباك ما بدا لك أو دع( ١) .

و كيف يثني عليهما؟ و قد قال ابن قتيبة و غيره: إنّ عليّاعليه‌السلام أتي به إلى به إلى أبي بكر و هو يقول: أنا عبد اللّه و أخو رسوله. فقيل له: بايع. فقال: أنا أحقّ بهذا الأمر منكم، لا ابايعكم و أنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار،

____________________

(١) وقعة صفّين: ١١٨، تاريخ الطبري ٤: ٥٥٧، سنة ٣٦، مروج الذهب ٣: ٢٠ ٢٢، شرح ابن أبي الحديد ٣: ١٨٨ ١٩٠.

و احتججتم عليه بالقرابة من النبيّ، و تأخذونه منّا أهل البيت غصبا، ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر لمّا كان محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منكم؟ فأعطوكم المقادة و سلّموا إليكم الامارة، فإذن أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار، نحن أولى برسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيّا و ميّتا، إن كنتم تؤمنون، و إلاّ فبوؤا بالظلم و أنتم تعلمون. فقال له عمر: إنّك لست متروكا حتى تبايع. فقال له عليّعليه‌السلام : احلب حلبا لك شطره و شد له اليوم يردده عليك غدا إلى أن قال:

قال عليّعليه‌السلام : اللّه اللّه يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في العرب من داره و قعر بيته، إلى دوركم و قعور بيوتكم، و تدفعون أهله عن مقامه في الناس و حقّه، فو اللّه يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ النّاس به، لأنّا أهل البيت، و نحن أحقّ بهذا الأمر. ما كان فينا القارى‏ء لكتاب اللّه، الفقيه في دين اللّه، العالم بسنن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، المتطلّع لأمر الرعيّة، الدافع عنهم الامور السيّئة، القاسم بينهم بالسويّة، و اللّه إنّه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل اللّه، فتزدادوا من الحقّ بعدا.

فقال بشير بن سعد الأنصاري: لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا عليّ قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلفت عليك.

فقال عليّعليه‌السلام : أفكنت أدع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيته لم أدفنه، و أخرج انازع الناس بسلطانه( ١ ) ؟

و في (خلفاء ابن قتيبة) أيضا: و خرج عليّ كرم اللّه وجهه يحمل فاطمة بنت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على دابّة ليلا في مجالس الأنصار، تسألهم النصرة فيقولون: يا بنت رسول اللّه قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، و لو أنّ زوجك و ابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به. فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسنعليه‌السلام إلاّ ما كان

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ١١ ١٢.

ينبغي له، و لقد صنعوا ما اللّه حسيبهم و طالبهم( ١) .

و فيه: تفقّد أبو بكر قوما تخلّفوا عن بيعته عند عليّعليه‌السلام ، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم و هم في دار عليّعليه‌السلام فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب و قال:

و الذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها. فقيل له: إنّ فيها فاطمة. فقال: و إن إلى أن قال: ثم قام فمشى معه جماعة حتى أتوا بيت فاطمة، فدقّوا الباب فلمّا سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا أبه يا رسول اللّه، ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، و ابن أبي قحافة؟ فلمّا سمع القوم صوتها و بكاءها انصرفوا باكين، و كادت قلوبهم تتصدّع و أكبادهم تتفطر، و بقي عمر و معه قوم، فأخرجوا عليّا فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع. فقال: إن أنا لم أفعل؟ قالوا: إذن و اللّه الذي لا إله إلاّ هو، نضرب عنقك. قال: إذن تقتلون عبد اللّه و أخا رسوله. فقال عمر: أمّا عبد اللّه فنعم، و أمّا أخا رسوله فلا. و أبو بكر ساكت لا يتكلّم، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟ فقال: لا اكرهه على شي‏ء ما كانت فاطمة إلى جنبه. فلحق عليّعليه‌السلام بقبر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يصيح و يبكي و ينادي:

يا بن أمّ إنّ القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني( ٢ ) إلى أن قال بعد ذكر ورودهما على فاطمةعليها‌السلام و تحويلها وجهها إلى الحايط، و عدم ردّها عليهما جواب سلامهما، ثم تقريرهما بقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها: (رضا فاطمة رضاه و سخطها سخطه) فقالت لهما فاطمة: فإنّي اشهد اللّه و ملائكته، أنّكما أسخطتماني و ما أرضيتماني، و لئن لقيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأشكونكما إليه إلى أن قال: فقالت فاطمة لأبي بكر لمّا خرج من عندها: و اللّه لأدعون اللّه عليك في كلّ صلاة اصليها إلى أن قال: فقال المغيرة لأبي بكر و عمر: الرأي أن تلقوا

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ١٢.

(٢) طه: ٩٤.

العباس، فتجعلوا له في هذا الأمر نصيبا يكون له و لعقبه، و تكون لكما الحجّة على عليّ و بني هاشم إذا كان العباس معكم( ١) .

و فيه: (في عنوان مرض أبي بكر و استخلافه)، قال أبو بكر: و اللّه ما آسي إلاّ على ثلاث فعلتهن ليتني كنت تركتهن إلى أن قال: وليتني تركت بيت عليّ و إن كان اغلق على الحرب إلى أن قال: قال أبو بكر لعمر: خذ هذا الكتاب و اخرج به إلى النّاس، و اخبرهم أنّه عهدي، و سلهم عن طاعتهم. فخرج بالكتاب و أعلمهم فقالوا: سمعا و طاعة. فقال له رجل: ما في الكتاب؟ قال: لا أدري، و لكنّي أوّل من سمع و أطاع. قال: لكنّي و اللّه أدري ما فيه، أمّرته عام أوّل و أمّرك العام( ٢) .

و فيه: (في عنوان تولية عمر الشورى) قال عمر: سأستخلف النفر الذين توفي النبيّ و هو عنهم راض. فأرسل إليهم فجمعهم إلى أن قال: ثمّ قال: إن استقام أمر خمسة منكم و خالف واحد فاضربوا عنقه، و إن استقام أربعة و اختلف اثنان فاضربوا أعناقهما، و إن استقام ثلاثة و اختلف ثلاثة فاحتكموا إلى ابني عبد اللّه فلأيّ الثلاثة قضى فالخليفة منهم، فإن أبى الثلاثة الاخر من ذلك فاضربوا أعناقهم. فقالوا: قل فينا مقالا نستدل فيها برأيك، و نقتدى به.

فقال: و اللّه ما يمنعني أن أستخلفك يا سعد إلاّ شدّتك و غلظتك، مع انّك رجل حرب، و ما يمنعني منك يا عبد الرحمن إلاّ انّك فرعون هذه الامّة، و ما يمنعني منك يا زبير إلاّ انّك مؤمن الرضا كافر الغضب، و ما يمنعني من طلحة و كان غائبا إلاّ نخوته و كبره و لو وليها وضع خاتمه في اصبع امرأته، و ما يمنعني منك يا عثمان إلاّ عصبيتك و حبّك قومك، و ما يمنعني منك يا عليّ إلاّ حرصك

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ١٢ ١٥، و النقل بتلخيص.

(٢) المصدر نفسه ١: ١٨ ٢٠، و النقل بتلخيص.

عليها، و انك أحرى القوم، ان ولّيتها تقيم على الحق المبين و الصراط المستقيم إلى أن قال: ثم التفت إلى عليّعليه‌السلام فقال: لعل هؤلاء القوم يعرفون لك حقّك و قرابتك و شرفك من النبيّ، و ما آتاك اللّه من العلم و الفقه و الدين فيستخلفونك، فإن وليت هذا الأمر فاتق اللّه يا عليّ فيه، و لا تحمل أحدا من بني هاشم على رقاب الناس ثم اتلفت إلى عثمان فقال: يا عثمان لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من النبيّ و سنّك و شرفك و سابقتك فيستخلفونك، فإن وليت هذا الأمر فلا تحمل أحدا من بني اميّة على رقاب الناس إلى أن قال:

فأخذ عبد الرحمن بيد عثمان فقال له: عليك عهد اللّه و ميثاقه لئن بايعتك لتقيمنّ كتاب اللّه و سنّة رسوله و سنّة صاحبيك. و شرط عمر أن لا تحمل أحدا من بني اميّة على رقاب النّاس، فقال عمثان: نعم ثم أخذ بيد عليّعليه‌السلام فقال له: ابايعك على شرط ألاّ تحمل أحدا من بني هاشم على رقاب النّاس. فقال عليّعليه‌السلام عند ذلك: ما لك و لهذا، إذا جعلتها في عنقي إن عليّ الاجتهاد لامّة محمّد حيث علمت القوّة و الأمانة استعنت بها في بني هاشم كان أو غيرهم قال عبد الرحمن: لا و اللّه حتّى تعطيني هذا الشرط، قال عليّعليه‌السلام : «و اللّه لا أعطيكه أبدا»، فتركه فقاموا من عنده فخرج عبد الرحمن إلى المسجد فجمع الناس، ثم قال:

انّي نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعل يا عليّ سبيلا على نفسك، فانّه السيف لا غير ثم أخذ بيد عثمان فبايعه( ١) .

فترى ان عمر أخذ البيعة من أمير المؤمنينعليه‌السلام لأبي بكر بالسيف، و ان عمر دبّر أيضا لعثمان أن يؤخذ له من أمير المؤمنينعليه‌السلام البيعه بالسيف، فكيف يعقل ان يمدحهعليه‌السلام ؟ و لو فرض ألا يكونعليه‌السلام منصوبا من قبل اللّه و قبل رسوله، و كيف يعقل ذلك، و قد عرفعليه‌السلام ان عمر تعمّد صرف الأمر

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٢٤ ٢٧، و النقل بتلخيص.

عنه؟ ففي (العقد الفريد) في الشورى، قال عليّعليه‌السلام للعبّاس: عدلت عنّا، قال:

و ما أعلمك؟ قال قرن عمر بي عثمان، ثم قال: إن رضي رجلان رجلا و رجلان رجلا، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمان، فلو كان الآخران معي ما نفعاني بعد كون عبد الرحمن مع عثمان( ١) .

ثم إذا كان في كلّ من السّتة عيب مانع من تعيينه، فكيف جعل الأمر بينهم، ثم إذا كانوا أهلا للخلافه و مات النبيّ راضيا عنهم، كما زعم، و ان ناقض بعد و قال لطلحة مات النبيّ غاضبا عليك للكلمة التي قلتها في نكاح نسائه بعده، كيف يأمر بقتلهم؟

ثمّ إن كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنهم راضيا بالفرض، فما كان عن عمر نفسه راضيا حين موته بالحتم، حيث منعه من وصيّته و نسبه إلى الهجر، حتى غضب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و أمره مع من معه بالخروج عنه.

ثم من كذبه و نفاقه يقول لأمير المؤمنينعليه‌السلام انّك أحرصهم عليها، مع انّه كان يعلمه بخلافه، و مع كونها حقّه تركها لمّا طلب منه العمل بسنّة الشيخين، و شرط عمر كما تركها يوم السقيفة لئلاّ يضمحل الإسلام.

ثم إذا كان اعترف بانّه أولاهم أن يقيم الناس على الحقّ المبين و الصراط المستقيم، لم لم يعيّنه؟ و قد قال تعالى:... أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ ان يتّبع أمن لا يهدّي إلاّ ان يُهدى فما لكم كيف تحكمون( ٢ ) ، و قد قال له ابنه عبد اللّه: إذا كان عليّ هكذا فلم لا تعينه؟ فقال له: انّه لا يقدر أن يراه قائما بالأمر لا في حياته و لا بعد وفاته.

ثم قوله لعثمان: يعرفون لك صهرك و سنّك و شرفك و سابقتك، فأبو

____________________

(١) العقد الفريد ٥: ٢٩.

(٢) يونس: ٣٥.

سفيان أيضا كان صهرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و كان أسنّ من عثمان و أشرف، فانّه كان شيخ بني اميّة على الإطلاق، و امّا سابقته فلم نعرف له منها غير فراره الطويل العريض يوم احد، و في باقي المواطن، و دفاعه عن أعداء اللّه و أعداء رسوله، كالمغيرة بن أبي العاص و ابن أبي سرح. نعم نعرف لعثمان لاحقته أيّام خلافته.

ثمّ انّ قوله لأمير المؤمنينعليه‌السلام : لعلّهم يعرفون لك حقّك و قرابتك و شرافتك من الرسول، كيف كانوا يعرفون له حقّه؟ و هو أوّل من أضعف مقامه و هيّأ تزلزل أمره و به اقتدوا، كما اعترف به معاوية.

ثم انّ قوله لهعليه‌السلام : (و ما آتاك اللّه من العلم و الفقه و الدين)، كيف سوى مع ذلك بينه و بين عثمان؟ و قد قال تعالى:... هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون...( ١ ) و قال جل ثناؤه: أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا...( ٢) .

و كيف يقول لعثمان: (فلا تحمل أحدا من بني اميّة على رقاب النّاس)؟ مع انّه كان يعلم ان ترك عثمان ذلك من المحالات العاديّة، فهل قوله ذلك إلاّ نفاق منه و علم ذلك عثمان، فقبل و ما عمل.

و كيف يقول لأمير المؤمنينعليه‌السلام : لا تحمل أحدا من بني هاشم على رقاب النّاس؟ كما يقول لعثمان لا تحمل أحدا من بني أميّة على رقاب النّاس، و بنو هاشم أهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و دينهم دينه، و بنو اميّة أعداء اللّه و أعداء رسوله.

و كيف يسوّي بينهعليه‌السلام و بين عثمان؟ و يقول لكلّ منهما: (اتّق اللّه) و أمير المؤمنينعليه‌السلام يطلب منه أخوه صاعا من بر بيت المال زائدا على حقّه اضطرارا، لجوع أطفاله، فيحمي له حديدة و يدنيها من جسمه ليعتبر بها،

____________________

(١) الزمر: ٩.

(٢) السجدة: ١٨.

و عثمان يعطي خمس جميع افريقية لمروان الذي كان أخبث من يزيد بن معاوية، و لمّا سمع أمير المؤمنينعليه‌السلام بأن رجلا من فتية البصرة دعا عامله عثمان بن حنيف إلى ضيافة فأجابه، كتب إليه ينكر عليه ذلك، بأن ذاك الإطعام لم يكن للّه، لأنّه دعا الغني و جفا العائل، فلا ينبغي لعامله إجابته، و عثمان رأى أنّ أخاه لامّه الوليد بن عقبة، صلّى الصبح أربعا بالنّاس في سكره، و غنّى في صلاته، و تكلّم في سجوده فقال: أ أزيدكم على الأربع و لم ينكر عليه ذلك. فهل منشأ تلك المنكرات إلاّ عمر؟ فكيف يعقل ثناؤهعليه‌السلام عليه؟ إن هو إلاّ افتراء محض.

و رووا عنهعليه‌السلام أخبارا اخر في ثنائه عليه إفتراء و بهتانا، مثل ما رواه ابن قتيبة، عن ابن عباس قال: وضع عمر على سريره فتكنّفه النّاس يدعون و يصلّون، قبل أن يرفع فلم ير عني إلاّ رجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت فإذا عليّ يترحّم على عمر، و قال: و اللّه ما خلفت أحدا أحبّ أن ألقى اللّه بمثل عمله منك يا عمر، و ايم اللّه ان كنت لأرجو أن يجعلك اللّه مع صاحبيك، و ذاك انّي سمعت النبيّ يقول: ذهبت أنا و أبو بكر و عمر، و كنت أنا و أبو بكر و عمر، و إنّي كنت لأظن أن يجعلك اللّه معهما( ١) .

و عن عليّ قال: كنت جالسا عند النبيّ فأقبل أبو بكر و عمر فقال: هذان سيّدا كهول أهل الجنّة من الأوّلين و الآخرين، إلاّ النبيّين و المرسلين، و لا تخبرهما يا عليّ( ٢) .

فانّ الخبر الأوّل وضعوا صدره، في مقابل خبر رواه (فضائل أحمد بن حنبل) عن أبي ذر قال: قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لينتهينّ بنو وليعة أو لأبعثن إليهم رجلا

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ١ ٢.

(٢) المصدر نفسه ١: ١.

كنفسي، يمضي فيهم أمري، يقتل المقاتلة، و يسبي الذريّة، فما راعني إلاّ بردّ كف عمر من خلفي فقال: من تراه يعني؟ فقلت: ما يعنيك و إنّما يعني عليّاعليه‌السلام ( ١) .

و أخذ ذيله من قوله: (و اللّه ما خلّفت أحدا أحبّ أن ألقى اللّه بمثل عمله منك يا عمر) من قولهعليه‌السلام لمّا سجّى عمر: «ما أحد أحبّ أن ألقى اللّه بصحيفته من هذا المسجّى» يعني ليخاصم معه عند ربّه. فغيّره بما فعل.

و لا ننكر أن يقولعليه‌السلام لعمر: و ايم اللّه إن كنت لأرجو أن يجعلك اللّه مع صاحبيك، أي: أبي بكر و أبي عبيدة، فإن الثلاثة كانوا أصل السقيفة و زيد ذاك الكلام الركيك: (و ذاك انّي كنت سمعت النبيّ يقول: ذهبت أنا و أبو بكر و عمر و كنت أنا و أبو بكر و عمر...) تلبيسا.

و الخبر الثاني وضعوه في مقابل ما تواتر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحسنينعليهما‌السلام انّهما سيّدا شباب أهل الجنّة. و من المضحك انّهم غيّروا ما ورد أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام لمّا توفي ارتجت الكوفة كالمدينة يوم قبض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و جاء رجل باكيّا و هو مسرع مسترجع و قال: «رحمك اللّه يا أبا الحسن، كنت أوّل القوم إسلاما...» بألفاظه في أبي بكر، فقالوا كما في (العقد):

لمّا قبض أبو بكر و سجّي بثوب ارتجت المدينة كيوم قبض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و جاء عليّ باكيا مسرعا مسترجعا حتّى وقف بالباب، و هو يقول: رحمك اللّه يا أبا بكر كنت أوّل القوم إسلاما...( ٢) .

و من فقراته: (كنت كالجبل لا تحرّكه العواصف)( ٣) .

____________________

(١) فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ٢: ٥٧١ رقم ٩٦٦، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٩٨٣، و أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ١١٠.

(٢) العقد الفريد ٥: ١٨ ١٩.

(٣) المصدر نفسه.

و لا أدري أين كان هذا الوقار منه، هل في يوم خيبر أو في باقي مشاهده.

و بالجملة لا نعلم من الرجل إلاّ انّه لم يكن يشهد الحرب، أو يشهد فيفرّ حتّى قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا فرّ هو و صاحبه يوم خيبر: «لاعطين الراية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله كرارا غير فرار»، بمعنى أنّ الرجلين بالعكس لا يحبّان اللّه و رسوله و لا يحبّانهما فرارين غير كرارين.

و من فقراته: (لم يكن لأحد عندك مطمع و لا هوى)( ١) .

فنسألهم لم يكن لأحد عنده مطمع، حتى لخالد بن الوليد الذي قتل مالك بن نويرة مسلما وزنا بإمرأته، حتى أنكر عمر عليه عدم إنكاره على خالد.

و القول بكون الثلاثة غاصبين عند أمير المؤمنينعليه‌السلام و أهل بيته و شيعته من البديهيات، و الأخبار فيه من المتواترات، فكيف يصح ما قالوا؟.

و قد نقل ابن أبي الحديد عند شرح قولهعليه‌السلام : (و قد قال لي قائل: انّك يا بن أبي طالب على هذا الأمر لحريص):

عن يحيى بن سعيد الحنبلي المعروف بابن عالية، و أحد الشهود المعدلين ببغداد قال: كنت حاضرا عند الفخر إسماعيل بن علي الحنبلي الفقيه مقدم الحنابلة ببغداد في الفقه و الخلاف، إذ دخل شخص من الحنابلة قد كان له دين على بعض أهل الكوفة، فانحدر إليه يطالبه به و اتّفق أن حضرت زيارة الغدير فجعل الفخر يسائله: ما فعلت؟ ما رايت؟ هل وصل مالك إليك؟ و هل بقي منه بقيّة؟ و هو يجاوبه حتّى قال الرجل: يا سيدي لو شاهدت يوم الزيارة يوم الغدير، و ما يجري عند قبر علي بن أبي طالب من الفضايح و الأقوال الشنيعة و سبّ الصحابة جهارا بأصوات مرتفعة من غير مراقب و لا خيفة فقال الفخر:

أي ذنب لهم، و اللّه ما جرّأهم على ذلك و لا فتح لهم هذا الباب إلاّ صاحب ذاك

____________________

(١) العقد الفريد ٥: ١٩.

القبر. فقال الرجل: و من صاحبه؟ قال: عليّ بن أبي طالب. قال: يا سيدي هو الذي سنّ لهم ذلك و علّمهم إيّاه؟ قال: نعم و اللّه. قال: يا سيدي فإن كان محقّا فما لنا نتولّى فلانا و فلانا، و ان كان مبطلا فما لنا نتولاّه؟ فقام الفخر و قال:

لعنني اللّه إن كنت أعرف جواب هذه المسألة( ١) .

و روى الخطيب عن سويد بن غفلة، قال: مررت بنفر من الشيعة يتناولون أبا بكر و عمر بغير ما هما له أهل، فدخلت على عليّعليه‌السلام و قلت له ذلك، و قلت له:

و لو لا أنّهم يرون أنّك تضمر لهما على مثل ما أعلنوا ما اجترؤا على ذلك. فقال:

أعوذ باللّه أن أضمر لهما إلاّ الحسن الجميل.

و صدق سويد في قوله: لو لا أنّهم يرون أنّهعليه‌السلام يضمر لهما على مثل ما أعلنوا ما اجترؤوا. و صدقعليه‌السلام في عدم إضماره غير الحسن الجميل، فانهعليه‌السلام كان لا يضمر غير الحقّ لأحد، و الحقّ حسن جميل، و لم يفصحعليه‌السلام لأن عامّة النّاس كانوا غير عارفين بهعليه‌السلام ، و انما كان العارف منهم معدودين.

وضعوا ما مر من العنوان و غيره في قبال ما جرى من الحقّ على لسانهم، فروى أحمد بن أبي طاهر صاحب (تاريخ بغداد) عن ابن عباس، قال: دخلت على عمر في أوّل خلافته، و قد ألقي له صاع من تمر على خصفة، فدعاني إلى الأكل، فأكلت تمرة واحدة، و أقبل يأكل حتى أتى عليه، ثم شرب من جر كان عنده، و استلقى على مرفقة له، ثم قال: من أين جئت؟ قلت: من المسجد. قال:

كيف خلفت ابن عمّك؟ فظننته يعني عبد اللّه بن جعفر فقلت: خلفته يلعب مع أترابه. قال: لم أعن ذلك، إنّما عنيت عظيمكم أهل البيت. قلت: خلفته يمتح بالغرب على نخيلات من فلان، و هو يقرأ القرآن. قال: يا عبد اللّه عليك دماء البدن ان كتمتنيها هل بقي في نفسه شي‏ء من أمر الخلافة؟ قلت: نعم. قال:

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٣٠٧ ٣٠٨.

أ يزعم أنّ النبيّ نصّ عليه؟ قلت: نعم و أزيدك: سألت أبي عمّا يدّعيه، فقال:

صدق. فقال: لقد كان من النبيّ في أمره ذرو من القول لا يثبت حجّة، و لا يقطع عذرا، و لقد كان يربع في أمره وقتا ما، و لقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه، فمنعت من ذلك إشفاقا و حيطة على الإسلام، لا و رب هذه البنيّة لا تجتمع عليه قريش أبدا، و لو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم النبيّ أنّي علمت ما في نفسه، فأمسك و أبى اللّه إلاّ إمضاء ما حتم( ١) .

و روى أبو بكر الأنباري في (أماليه): أنّ عليّاعليه‌السلام جلس إلى عمر في المسجد، و عنده ناس فلمّا قام عرض واحد بذكره و نسبه إلى العجب و التيه، فقال عمر: حق لمثله أن يتيه، و اللّه لو لا سيفه لمّا قام عمود الإسلام، و هو بعد أقضى الامّة و ذو سابقتها و ذو شرفها. فقال له ذلك القائل: فما منعكم عنه؟

قال: كرهناه على حداثة السنّ و حبّه بني عبد المطلب( ٢ ) ، إلى غير ذلك ممّا لو أردنا استقصاءها لطال الكلام.

ثمّ ما وضعوا له على لسان غيرهعليه‌السلام أكثر و اكثر، و قد نقل ابن أبي الحديد الأشهر منها، من كتاب مسلم و البخاري عن عايشة قالت: إنّ النبيّ قال: كان في الامم محدّثون فإن تكن في امّتي فعمر( ٣) .

و عن سعد بن أبي وقاص قال: استاذن عمر على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و عنده نساء من قريش، يكلّمنّه عالية أصواتهن، فلمّا دخل ابتدرن الحجاب، فدخل و النبيّ يضحك، فقال: عجبت من هؤلاء اللائي كنّ عندي، فلمّا سمعن صوتك ابتدرن الحجاب، فقال عمر: أنت أحقّ أن يهبنك ثم قال لهنّ: أي عدوات أنفسهن

____________________

(١) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٢: ٢٠ ٢١.

(٢) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٢: ٨٢.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٢: ١٧٧.

أ تهبنني و لا تهبن النبيّ؟ قلن: نعم أنت أغلظ و أفظّ فقال النبيّ: و الذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجّا إلاّ سلك فجّا غير فجّك( ١) .

و من غير الكتابين خبرا (أنّ السكينة لتنطق على لسان عمر) و خبرا (أنّ اللّه ضرب بالحقّ على لسان عمر و قلبه) و خبرا (أنّ بين عيني عمر ملكا يسدّده و يوفّقه) و خبرا (لو لم ابعث فيكم لبعث عمر) و خبرا (لو كان بعدي نبيّ لكان عمر) و خبرا (لو نزل إلى الأرض عذاب لمّا نجا إلاّ عمر) و خبرا (ما أبطأ عنّي جبرئيل إلاّ ظننت أنّه بعث إلى عمر) و خبرا (سراج أهل الجنّة عمر) و خبرا (إنّ شاعرا أنشد النبيّ شعرا، فدخل عمر فأشار النبيّ إلى الشاعر أن اسكت، فلمّا خرج عمر قال له: عد فعاد، فدخل عمر فأشار النبيّ إليه بالسكوت مرّة ثانية، فلمّا خرج عمر سأل الشاعر النبيّ عن الرجل، فقال: هذا عمر بن الخطاب، و هو رجل لا يحب الباطل) و خبرا (أنّ النبيّ قال: وزنت بأمتي فرجحت، و وزن أبو بكر بها فرجح، و وزن عمر بها فرجح ثم رجح)( ٢) .

قال ابن أبي الحديد بعد نقلها: رووا في فضل عمر حديثا كثيرا غير هذا، لكنّا ذكرنا الأشهر، و طعن أعداؤه في هذه الأحاديث فقالوا: لو كان محدّثا لمّا اختار معاوية الفاسق لولاية الشام، و لكان اللّه تعالى قد ألهمه و حدّثه بما يواقع معاوية من القبايح و المنكرات و البغي، و التغلب على الخلافة و الاستيثار بمال الفي‏ء و غير ذلك( ٣) .

قلت: و ان كان الخبر. (كان عمر محدثا) بلفظ اسم الفاعل من الافعال فصحيح، فقد أحدث تحريم المتعتين، و العول، و التعصيب، و التراويح، و غير

____________________

(١) المصدر نفسه ١٢: ١٧٧ ١٧٨.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٢: ١٧٨.

(٣) المصدر نفسه ١٢: ١٧٩.

ذلك ممّا أبدعه في الدين.

قال ابن أبي الحديد: قالوا: و كيف لا يزال الشيطان يسلك فجّا غير فجّه و قد فرّ مرارا من الزحف في احد و حنين و خيبر، و الفرار من الزحف من عمل الشيطان؟( ١ ) قلت: يمكن تصحيح الخبر بأن إن لقيه سالكا فجّا يطمئن بأنّه يعمل عمله فيسلك فجا آخر لأنّه كفاه ذلك الفج.

قال ابن أبي الحديد قالوا: و كيف يدّعى له أنّ السكينة تنطق على لسانه، أ ترى كانت السكينة تلاج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الحديبية حتى أغضبه( ٢) .

قلت: و بسكينته التي تنطق على لسانه منع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الوصيّة، و قال: إنّ الرجل ليهجر.

قال ابن أبي الحديد: قالوا: و لو كان ينطق على لسانه ملك أو بين عينيه ملك يسدده و يوفقه، أو ضرب اللّه بالحقّ على لسانه و قلبه، لكان نظيرا للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل أفضل منه، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يؤدي عن ملك، و عمر كان ملك ينطق على لسانه، و زيد ملكا آخر بين عينيه يسدده و يوفقه، و قد كان حكم في أشياء فيخطى‏ء فيها حتى يفهمه إيّاها عليعليه‌السلام و معاذ بن جبل و غيرهما، حتى قال: (لو لا عليّ لهلك عمر) (و لو لا معاذ لهلك عمر). و كان يشكل عليه الحكم فيقول لابن عباس: غص يا غواص فيفرج عنه. فأين كان الملك السمدّد له، و أين الحق الذي ضرب به على لسان عمر؟ و معلوم أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان ينتظر نزول الوحي، و عمر على مقتضى هذه الأخبار، لا حاجة به إلى نزول ملك عليه، لأن الملكين معه في كلّ وقت، و قد عززا بثالث و هي السكينة،

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٢: ١٧٩.

(٢) المصدر نفسه.

فهو إذن أفضل من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

و قالوا: و الحديث الذي مضمونه: (لو لم ابعث فيكم لبعث عمر)، يستلزم أن يكون النبيّ عذابا على عمر لأنّه لو لم يبعث لبعث، فالتنزيل له عن هذه الرتبة التي ليس وراءها رتبة، ينبغي ألاّ يكون في الأرض أحد أبغض إليه منه.

و أمّا كونه سراج أهل الجنّة، فيقتضي أنّه لو لا عمر لكانت الجنّة مظلمة لا سراج فيها.

قالوا: و كيف يجوز أن يقال: (لو نزل العذاب لم ينج منه إلاّ عمر)؟ و اللّه تعالى يقول: و ما كان اللّه ليعذبهم و أنت فيهم( ١) .

قالوا: و كيف يجوز أن يقال إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يسمع الباطل و يحبّه و يشهده، و عمر لا يسمع الباطل و لا يشهده و لا يحبه؟ أ ليس هذا تنزيها لعمر عمّا لم ينزه عنه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

قالوا: و من العجب أن يكون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أرجح من الامة يسيرا و كذلك أبو بكر، و يكون عمر أرجح منهما كثيرا( ٢) .

ثم أجاب ابن أبي الحديد عن تلك الطعون بمغالطات و تأويلات، كما أنّه نقل مطاعنه التي ذكرها الإمامية، و نقل رد المرتضى على قاضي القضاة في دفاعه عنها، و أجاب عنها بمغالطات، و أغرب حيث قال: و اعلم أنّ من تصدّى للعيب وجده، و من قصر همّته على الطعن على النّاس انفتحت له أبواب كبيرة، و السعيد من أنصف و رفض الهوى و تزوّد التقوى( ٣) .

قلت: فإذا كان الأمر كما ذكر، فليكن الطعن على إلهية الأوثان و على نبوّة

____________________

(١) الأنفال: ٣٣.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٢: ١٧٩ ١٨٠.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٢: ١٨٠ ١٨٢.

مسيلمة، خلاف التّقوى، إلاّ أنّ المكابر لا علاج له، و إلاّ فمن أراد إحراق أهل بيت نبيّه الذين شهد كتاب اللّه بعصمتهم و طهارتهم، و منع نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن وصيّته و نسبه إلى الهجر، و أمر بقتل من كان بمنزلة نفس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنص القرآن، و تخلّف عن جيش لعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المتخلّف عنه، و آذى من كان أذاه أذى اللّه و أذى رسوله و كلّ ذلك من المقطوع الذي يقرّ الخصم به كيف يعقل أن يكون محقّا؟ اللهمّ إلاّ أنّ يقولوا: أن دين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان باطلا، و انما كان دين عمر حقّا، و هو لازم قولهم.

و لقد حاجّ المأمون فقهاءهم في أحاديثهم المفتعلة، و قد نقل ذلك محمّد بن بابويه في (عيونه)، و ابن عبد ربّه في (عقده) بزيادة و نقصان قال: و اللفظ للأوّل، أمر المأمون يحيى بن أكثم بجمع أربعين رجلا من أهل الكلام و الحديث من أهل السنة، فجمع فقال لهم المأمون: إنّما جمعتكم لأحتجّ بكم عند اللّه فاتّقوا اللّه و انظروا لأنفسكم و إمامكم، لا يمنعكم جلالتي و مكاني من قول الحقّ حيث كان، و ردّ الباطل على من أتى به، فناظروني بجميع عقولكم.

إنّي رجل أزعم أنّ عليّاعليه‌السلام خير البشر بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإن كنت مصيبا فصوّبوني، و إن كنت مخطئا فردّوا عليّ، و إن شئتم سألتكم، و إن شئتم سألتموني. فقال له الذين يقولون بالحديث: بل نسألك، فقال قائل منهم: إنّا نزعم أن خير النّاس بعد النبيّ أبو بكر و عمر، من قبل أنّ الرواية المجمع عليها جاءت عن النبيّ أنّه قال: اقتدوا بالذين من بعدي أبو بكر و عمر، و علمنا أنّه لم يأمر إلاّ بالاقتداء بخير النّاس.

فقال المأمون: الروايات كثيرة، و لا بد أن يكون كلّها حقّا، أو كلّها باطلا، أو بعضها حقّا و بعضها باطلا. فلو كانت كلّها حقّا كانت كلّها باطلا، من قبل أنّ بعضها ينقض بعضا. و لو كان كلّها باطلا، كان في بطلانها بطلان الدين

و دروس الشريعة، فلمّا بطل الوجهان ثبت الثالث بالاضطرار، و هو أن بعضها حقّ و بعضها باطل، فإذا كان كذلك فلا بد من دليل على ما يحقّ منها ليعتقد و ينفى خلافه.

و روايتك هذه من الأخبار التي أدلّتها باطلة في أنفسها، و ذلك أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحكم الحكماء، و أولى النّاس بالصدق، و أبعد النّاس من الأمر بالمحال، و حمل النّاس على التديّن بالخلاف إلى أن قال: فإن كان أبو بكر و عمر مختلفين فكيف يجوز الاقتداء بهما؟ و هذا تكليف ما لا يطاق، لأنّك إذا اقتديت بواحد فقد خالفت الآخر.

و الدليل على اختلافهما: أنّ أبا بكر سبى أهل الردة و ردّهم عمر أحرارا، و أشار عمر على أبي بكر بعزل خالد و قتله بمالك بن نويرة، فأبى أبو بكر عليه، و حرم عمر المتعتين و لم يفعل ذلك أبو بكر إلى أن قال:

فقال آخر: إنّ النبيّ قال: (لو كنت متّخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا).

فقال المأمون: هذا مستحيل من قبل أنّ رواياتكم ان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا آخى بين أصحابه آخى عليّاعليه‌السلام و قال له: (ما أخّرتك إلاّ لنفسي).

فقال الآخر: إنّ عليّا قال على المنبر: (خير هذه الامّة بعد نبيّها أبو بكر و عمر).

قال المأمون: هذا مستحيل من قبل أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لو علم أنّهما أفضل، ما ولّى عليهما مرّة عمرو بن العاص و مرّة اسامة بن زيد. و ممّا يكذب هذه الرواية قول عليّعليه‌السلام لمّا قبض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا أولى بمجلسه منّي بقميصي، و لكنّي أشفقت أن يرجع النّاس كفّارا.

فقال آخر: فإنّ أبا بكر أغلق بابه و قال: (هل من مستقيل فأقيله)؟ فقال عليّ:

(قدّمك النبيّ فمن ذا يؤخرك).

فقال المأمون: هذا باطل من قبل أنّ عليّاعليه‌السلام قعد عن بيعة أبي بكر. و رويتم حتّى قبضت فاطمةعليها‌السلام ، و أنّها أوصت أن تدفن ليلا لئلاّ يشهدا جنازتها.

و أيضا: إن كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استخلفه فكيف كان له أن يستقيل، و كيف يقول للأنصار: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أبا عبيدة و عمر؟

فقال آخر: إنّ عمرو بن العاص قال: يا نبيّ اللّه من أحب النساء إليك من النساء؟ قال عايشة، فقال: من من الرجال؟ فقال: أبوها.

فقال: هذا باطل من قبل أنّكم رويتم أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان بين يديه طائر مشوي فقال: اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك، فكان عليّعليه‌السلام .

فقال آخر: فإنّ عليّاعليه‌السلام قال: من فضّلني على أبي بكر و عمر جلدته حدّ المفتري.

فقال المأمون: كيف يجوز أن يقول عليّعليه‌السلام : أجلد الحد على من لا يجب حدّ عليه، فيكون متعديا لحدود اللّه عاملا بخلاف أمره؟ و ليس تفضيل من فضله عليهما فرية، و قد رويتم عن إمامكم أنّه قال: وليّتكم و لست بخيركم.

فقال آخر: إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: أبو بكر و عمر سيّدا كهول أهل الجنّة.

قال المأمون: هذا الحديث محال، لأنّه لا يكون في الجنّة كهل.

فقال آخر: جاء أنّ النبيّ قال: لو لم ابعث فيكم لبعث عمر.

فقال المأمون: هذا محال لأن اللّه تعالى يقول: إنّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح و النبييّن من بعده...( ١ ) و قال: و اذ أخذنا من النبيين ميثاقهم و منك و من نوح و ابراهيم و موسى و عيسى بن مريم...( ٢ ) فهل يجوز أن يكون من لم يؤخذ ميثاقه مبعوثا و من اخذ مؤخّرا؟

____________________

(١) النساء: ١٦٣.

(٢) الأحزاب: ٧.

قال آخر: إنّ النبيّ نظر إلى عمر يوم عرفة فتبسم فقال: إنّ اللّه باهى بعباده عامّة و بعمر خاصّة.

فقال المأمون: هذا مستحيل من قبل أنّ اللّه لم يكن ليباهي بعمر و يدع نبيّه.

فقال آخر: قال النبيّ: لو نزل العذاب ما نجا إلاّ عمر.

فقال المأمون: هذا خلاف الكتاب لأن اللّه تعالى يقول: و ما كان اللّه ليعذبهم و أنت فيهم...( ١) .

فقال آخر: فقد شهد النبيّ لعمر بالجنّة في عشرة من أصحابه.

فقال المأمون: لو كان هذا كما زعمتم لكان عمر لا يقول لحذيفة: نشدتك اللّه أمن المنافقين أنا؟ فان كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد قال له إنّك من أهل الجنّة و لم يصدقه حتّى زكّاه حذيفة، فصدّق حذيفة و لم يصدّق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو على غير الإسلام، و ان كان قد صدّق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم سأل حذيفة؟

قال الآخر: قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وضعت في كفّة الميزان و وضعت امّتي في كفّة اخرى فرجحت بهم، ثم وضع مكاني أبو بكر فرجح بهم، ثم عمر فرجح بهم ثم رفع الميزان.

فقال المأمون: إن كانت أجسامهما فمحال أن ترجح بأجسام الامّة، و إن كانت أعمالهما فلم تكن بعد فكيف يرجح بما ليس الخ( ٢) .

ثمّ أنّهم كما رووا عنهعليه‌السلام الثناء عليه، رووا عن ابن عباس أيضا الثناء عليه، فقال ابن قتيبة في (خلفائه) بعد ذكر طعن أبي لؤلؤ لعمر: قال عمر لابن عبّاس: لو أنّ لي ما طلعت عليه الشمس و ما غربت لافتديت به من هول

____________________

(١) الأنفال: ٣٣.

(٢) عيون الأخبار للصدوق ٢: ١٨٣ ١٨٨، و عنه البحار ٤٩: ١٨٩ ١٩٥، العقد الفريد ٥: ٣٤٩ ٣٥٩، و النقل بتصرّف و تلخيص.

المطلع، فقال له ابن عبّاس: فإن يك ذاك فجزاك اللّه عنّا خيرا، أ ليس قد دعا النبي أن يعزّ اللّه بك الدين و المسلمون محتبسون بمكة، فلمّا أسلمت كان إسلامك عزّا أعزّ اللّه به الإسلام و ظهر النبيّ و أصحابه، ثم هاجرت إلى المدينة فكانت هجرتك فتحا، ثم لم تغب عن مشهد شهده النبي من قتال، و مات و هو عنك راض، ثم ارتد النّاس بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الإسلام فوازرت الخليفة على منهاج النبيّ، و ضربتم من أدبر بمن أقبل حتّى دخل النّاس في الإسلام طوعا و كرها، ثم قبض الخليفة و هو عنك راض، ثم ولّيت بخير ما يلي أحد من النّاس، مصر بك الأمصار و جبى بك الأموال و نفى بك العدو، و أدخل اللّه على أهل كل بيت من المسلمين توسعة في أرزاقهم، ثم ختم اللّه لك بالشهادة فهنيئا لك فصبّ اللّه الثناء عليك صبّا فقال له عمر: أ تشهد لي بهذا يا عبد اللّه عند اللّه يوم القيامة؟

قال: نعم، فقال عمر: اللّهمّ لك الحمد( ١) .

و لا نقول إنّه حتما موضوع مثل ما رووه عن أمير المؤمنينعليه‌السلام فيه، فإنّ ابن عبّاس لم يكن معصوما و كان يستعمل السياسة، و قد كان أشار على أمير المؤمنينعليه‌السلام أن يبقي معاوية على الشام، و يولّي طلحة البصرة و الزبير الكوفة حتى يستقر أمر خلافته، فأنكرهعليه‌السلام ، و خدع أبا موسى بوضع كتاب على لسانهعليه‌السلام إليه بإبقائه على الإمارة. ففي (جمل المفيد): أنّهعليه‌السلام كتب إلى أبي موسى مع ابن عبّاس كتابا غلظ فيه، قال ابن عبّاس: فقلت في نفسي: اقدم على رجل و هو أمير بمثل هذا الكتاب، ألا ينظر في كتابي هذا، و نظرت أن أشقّ كتاب أمير المؤمنينعليه‌السلام و كتبت من عندي كتابا عنهعليه‌السلام لأبي موسى: (أما بعد فقد عرفت مودّتك إيّانا أهل البيت و انقطاعك إلينا، و انّما نرغب إليك لمّا نعرف من حسن رأيك فينا، فإذا أتاك كتابي هذا فبايع لنا النّاس) فدفع إليه

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٢١ ٢٣، و النقل بتلخيص.

الكتاب، فلمّا قرأه قال لي: أنت الأمير، قلت: بل أنت، فدعا النّاس إلى بيعة عليعليه‌السلام فلمّا بايع النّاس قمت و صعدت المنبر فرام إنزالي الخ( ١) .

و ابن عباس هو الذي كان يحاجّ عمر و يفحمه في كون الأمر لأمير المؤمنينعليه‌السلام و غاصبيته فكيف يثني عليه لو لا استعماله السياسة.

و من محاجاته معه ما في (الطبري) و غيره عن ابن عمر قال: كنت عند أبي يوما فجرى ذكر الشعر فقال: من أشعر العرب؟ فقالوا فلان و فلان، فطلع ابن عبّاس فقال عمر: قد جاء الخبير، من أشعر النّاس يا عبد اللّه؟ قال: زهير بن أبي سلمى. قال: فأنشدني له ممّا تستجيده. فقال: إنّه مدح قوما من غطفان يقال لهم بنو سنان، فقال فيهم:

لو كان يقعد فوق الشمس من كرم

قوم بأولهم أو آخرهم قعدوا

قوم سنان أبوهم حين تنسبهم

طابوا و طاب من الأولاد ما ولدوا

إنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا

مزراون بها ليل إذا جهدوا

محسدون على ما كان من نعم

لا ينزع اللّه عنهم ما له حسدوا

فقال عمر: قاتله اللّه لقد أحسن، و لا أرى هذا البيت يصلح إلاّ لهذا البيت من هاشم لقرابتهم من رسول اللّه. فقال له ابن عباس: وفّقك اللّه فلم تزل موفّقا، قال: يا بن عبّاس أ تدري ما منع النّاس منكم؟ قال: لا. قال: لكنّي أدري. قال: ما هو؟ قال: كرهت قريش أن تجمع لكم النبوّة و الخلافة فتجحفوا النّاس جحفا، فنظرت قريش لأنفسها فاختارت و وفقت فأصابت. فقال ابن عباس: أ يميط الخليفة عنّي غضبه فيسمع. قال: قل ما تشاء. قال: أمّا قولك (إنّ قريشا كرهت) فإنّ اللّه تعالى قال لقوم: ذلك بأنّهم كرهوا ما أنزل اللّه فأحبط أعمالهم( ٢) .

____________________

(١) الجمل للمفيد: ٢٦٥.

(٢) محمّد: ٩.

و أمّا قولك: إنّا نجحف بالخلافة، فلو جحفنا بالخلافة جحفنا بالقرابة، و لكننا قوم أخلاقنا مشتقة من خلق رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الذي قال تعالى فيه:

و إنّك لعلى خلق عظيم( ١ ) ، و قال له: و اخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمنين( ٢) .

و أمّا قولك إنّ قريشا اختارت فإنّ اللّه تعالى يقول: و ربّك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة...( ٣ ) ، و قد علمت أنّ اللّه اختار من خلقه لذلك من اختار، فلو نظرت قريش من حيث نظر اللّه لها لوفّقت و أصابت.

فقال عمر: على رسلك يا بن عبّاس أبت قلوبكم يا بني هاشم إلاّ غشّا لقريش لا يزول، و حقدا عليها لا يحول.

فقال ابن عباس له: مهلا لا تنسب قلوب بني هاشم إلى الغشّ فإنّ قلوبهم من قلب رسول اللّه الذي طهّره و زكّاه، و هم أهل البيت الذين قال تعالى فيهم:

إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا( ٤) .

و أمّا قولك (حقدا) فكيف لا يحقد من غصب شيئه و يراه في يد غيره؟

فقال عمر: أمّا أنت يا عبد اللّه فقد بلغني عنك كلام أكره أن اخبرك به فتزول منزلتك عندي.

قال: و ما هو أخبرني به؟ فان يك باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه، و إن يك حقّا فإن منزلتي عندك لا تزول به.

قال: بلغني أنّك لا تزال تقول: اخذ هذا الأمر منّا حسدا و ظلما.

قال: أمّا قولك حسدا فقد حسد إبليس آدم فأخرجه من الجنّة، فنحن بنو

____________________

(١) القلم: ٤.

(٢) الشعراء: ٢١٥.

(٣) القصص: ٦٨.

(٤) الأحزاب: ٣٣.

آدم المحسودون، و أمّا قولك ظلما فإنّ الخليفة يعلم صاحب الحقّ من هو.

فقال عمر: قم الآن فارجع إلى منزلك.

فقام، فلمّا ولى هتف به عمر: أيّها المنصرف إنّي على ما كان منك لراع حقّك.

فالتفت ابن عباس فقال: إنّ لي عليك و على كلّ المسلمين حقّا برسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فمن حفظه فحقّ نفسه حفظ، و من أضاعه فحقّ نفسه أضاع( ١) .

ثم مضى، فقال عمر لجلسائه: واها لابن عبّاس ما رأيته لاحى أحدا قط إلاّ خصمه( ٢) .

فكيف يثني عليه هذا الثناء مع وضوح عدم واقعية تلك الفقرات، أمّا كون إسلامه عزّا للإسلام فهل كان ذا شجاعة أو عشيرة؟ انّما كانت شجاعته على الاسراء لا في الحروب كما قال: اسد عليّ و في الحروب نعامة.

و لم لم يذهب إلى مكة لمّا أراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يرسله قبل الشجرة، مع عدم قتله أحدا من قريش أو غيرهم؟ فاعتذر بخوفه و عدم عشيرة له تمنعه كما تكون بنو اميّة لعثمان، و انّما كان عزّ الإسلام أوّلا بأمير المؤمنينعليه‌السلام ، فمر كتاب محمّد بن أبي بكر إلى معاوية و آثر عليّعليه‌السلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على كلّ حميم و وقاه كلّ هول، و واساه بنفسه في كل حرب، فحارب حربه و سالم سلمه، فلم يزل مبتذلا لنفسه ساعات الازل و مقامات الروع. و مع أن قريشا كانوا ينظرون إليه نظر الثور إلى الجازر، أخذعليه‌السلام سورة (براءة) من أبي بكر، و ذهب بها إلى مكّة وحده، و بلّغ آياتها، و كانت قريش معهعليه‌السلام كما قال القائل:

(لو يشربون دمي لم يرو شاربهم). ثم بعده حمزة أسد اللّه و أسد رسوله، الذي

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٢٢٢ ٢٢٤، سنة ٢٣، شرح ابن أبي الحديد ١٢: ٥٢ ٥٤.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٢: ٥٥.

كان له تلك الشجاعة المعروفة و تلك العزّة الهاشميّة، حتّى كان يقدر على ضرب أبي جهل الذي كان أكبر جبّاري قريش.

فإن قالوا إسلامه كان سببا لنجاة المسلمين من شرّه فلعل.

فقالوا: أصحّ ما روي في إسلامه رواية أنس عنه، قال: خرجت متقلّدا سيفي فلقيت رجلا من بني زهرة، فقال: أين تعمد؟ قلت: أقتل محمّدا، قال: و كيف تأمن في بني هاشم و بني زهرة؟ فقلت: ما أراك إلاّ صبوت، قال: أ فلا أدلّك على العجب، إنّ اختك و زوجها قد صبوا، فمشى عمر فدخل عليهما و عندهما رجل من الصحابة يقال له خباب بن الارت، فلمّا سمع حس عمر توارى، فقال عمر:

ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم؟ و كانوا يقرؤون (طه) على خباب، فقالا:

ما عندنا شي‏ء إنّما هو حديث كنّا نتحدّثه بيننا، قال: فلعلّكما قد صبوتما، فقال له ختنه: «أ رأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك». فوثب على ختنه فوطأه وطأ شديدا، فجاءت اخته فدفعته عن زوجها، فنفحها بيده فأدمى وجهها، فجاهرته فقالت: ان الحقّ في غير دينك...

ثمّ إنّ من المضحك قوله: (فكانت هجرتك فتحا)، فهل كانت المدينة حربا حتّى تكون هجرته فتحا. كما أن قوله: (لم تغب عن مشهد)، أي فائدة فيه؟ إذ كان لم يظهر فيها أثرا سوى الفرار و تولية الدبر.

كما أنّ قوله: (مات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و هو عنك راض) كيف يصح؟ و قد اعترض عمر على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحديبية، و في مرض موته حتّى أغضبه فأخرجه من عنده، و بعد خروجه مات النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

كما أنّ قوله: (فوازرت الخليفة على منهاج الرسول) كيف يصح؟ و عمر كان معتقدا أنّ الخليفة خالف الرسول في قضية خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة، و أما قبض الخليفة راضيا عنه فلا ننكره، و كيف لا يكون راضيا عنه

و قد جعله خليفة و شكره فردّه عليه جزاء فعله.

كما أنّ قوله: (و مصّر بك الأمصار)، أي أثر فيه؟ و كان الأكاسرة و القياصرة أكثر آثارا منه في ذلك.

و قوله: (ثم ختم اللّه لك بالشهادة)، فيه أنّ الشهادة المحقّقة القتل في غزوات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و قوله: (صبّ اللّه عليك الثناء صبّا) فيه أنّه فرع ما عرفت أصله.

كما أنّ قول عمر: (و تشهد لي بهذا عند اللّه يا عبد اللّه) فيه دلالة على انّه كان شاكّا في نفسه، ثم هل يحتاج اللّه إلى شاهد و هو حاكم شاهد؟ و اذا كانت شهادة الاتباع نافعة لم يهلك أحد من الجبابرة.

و من المضحك أنّ ابن أبي الحديد نقل خبرا: ان ابن عباس قال: قلت لعمر «كنت تقضي بالكتاب و تقسم بالسويّة»( ١ ) ، فأعجبه قولي، فاستوى جالسا، فقال: أ تشهد لي بهذا يا بن عباس؟ فكفعت أي: جبنت فضرب عليّ بين كتفي و قال: اشهد.

فالرجل لم يكن عارفا بالكتاب حتى يقض به، و قد ردّت عليه امرأة في أنفها فطس، لمّا حظر على النّاس الزيادة على مهر السنّة، بكون حكمه مخالف الكتاب فقال تعالى:... و أتيتم إحداهنّ قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا...( ٢) ، فقال عمر: ألا تعجبون من امرأة أصابت و إمام أخطأ.

و من أين قسم بالسويّة؟ و من مطاعنه عدم تقسيمه بالسوية، قبّح اللّه دينا كلّه كذب و افتراء و تناقض و تخليط، و خلاف مقتضى العقول، و ضد كلام اللّه تعالى و نص الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ثم كيف يقول أمير المؤمنينعليه‌السلام لابن عباس: اشهد له بما قلت له، ثم

____________________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٨: ٥٣ باب ٧٠.

(٢) النساء: ٢٠.

يقولعليه‌السلام في أوّل خلافته: غصبونا سلطان نبيّنا فصارت الإمرة لغيرنا، و صرنا سوقة يطمع فينا الضعيف، و يتعزّز علينا الذليل، فبكت الأعين منّا لذلك، و خشنت الصدور و جزعت النفوس.

و قد كان ينبغي عند سماع هذا الكلام منهعليه‌السلام ، ان يشق الجيوب و يلطم الخدود لمّا جرى عليهم، فهل ماتت فاطمة التي كانت بضعة من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كمدا إلاّ من عمر؟ و هل قتل أمير المؤمنينعليه‌السلام الذي هو بمنزلة نفس الرسول، و الحسنان اللذان ابنا الرسول، و شهد القرآن بعصمة جميعهم و طهارتهم من كلّ رجس، إلاّ من عمل عمر؟

٢٧ - الحكمة (٤٦٧) و قالعليه‌السلام في كلام له:

وَ وَلِيَهُمْ وَالٍ فَأَقَامَ وَ اِسْتَقَامَ حَتَّى ضَرَبَ اَلدِّينُ بِجِرَانِهِ قول المصنف:

«و قالعليه‌السلام في كلام لهعليه‌السلام » قال ابن أبي الحديد: هذا الكلام من خطبة لهعليه‌السلام طويلة، يذكر فيها قربه من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و اختصاصهعليه‌السلام بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و إفضائهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأسراره إليهعليه‌السلام ، حتى قالعليه‌السلام فيها: «فاختار المسلمون بآرائهم رجلا منهم، فقارب و سدّد حسب استطاعته على ضعف وجد كانا فيه، ثم وليهم بعده وال فأقام و استقام، حتى ضرب الدين بجرانه على عسف و عجرفية كانا فيه، ثم استخفلوا ثالثا لم يكن يملك في أمر نفسه شيئا غلب عليه أهله، فقادوه إلى اهوائهم كما تقود الوليدة البعير المخطوم، فلم يزل الأمر بينه و بين النّاس يبعد تارة و يقرب اخرى، حتى نزوا عليه فقتلوه ثم جاؤوني

مدب الدبا يريدون بيعتي» و تمام الخطبة معروف( ١) .

«فاقام و استقام» أي: لم يكن عمر مثل عثمان لم يكن يملك أمر نفسه، و كان عمر بالضدّ، كان مستبدا.

«على عسف و عجرفية كانا فيه» كقولهعليه‌السلام في الشقشقية: «حوزة خشناء يغلظ كلمها و يخشن مسّها و يكثر العثار فيها، فصاحبها كراكب الصعبة، ان أشفق لها خرم و ان أسلس لها تقحم( ٢) .

و العسف: الأخذ على غير طريق و العجر فيه الخرق، «حتى ضرب الدين بجرانه» أي: الفتوحات الواقعة في أيّامه، في فارس و الروم فإن السلطة سبب لاستحكام الأمر.

و جران البعير و الفرس مقدم عنقهما.

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٢٠: ٢١٨.

(٢) نهج البلاغة ١: ٢٨، الخطبة ٣.

الفصل الثلاثون في بيعتهعليه‌السلام

١ - الخطبة (٥٤) و من خطبة لهعليه‌السلام :

فَتَدَاكُّوا عَلَيَّ تَدَاكَّ اَلْإِبِلِ اَلْهِيمِ يَوْمَ وُرُوْدِهَا قَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِيهَا وَ خُلِعَتْ مَثَانِيهَا حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ بَعْضٍ لَدَيَّ وَ قَدْ قَلَّبْتُ هَذَا اَلْأَمْرَ بَطْنَهُ وَ ظَهْرَهُ فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعُنِي إِلاَّ قِتَالُهُمْ أَوِ اَلْجُحُودُ بِمَا جَاءَ بِهِ؟ مُحَمَّدٌ ص؟ فَكَانَتْ مُعَالَجَةُ اَلْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مُعَالَجَةِ اَلْعِقَابِ وَ مَوْتَاتُ اَلدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتِ اَلْآخِرَةِ و الخطبة (٢٢٩) و من كلام لهعليه‌السلام في وصف بيعته بالخلافة، و قد تقدم مثله بألفاظ مختلفة:

وَ بَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا وَ مَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَّ اَلْإِبِلِ اَلْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وُرُودِهَا حَتَّى اِنْقَطَعَتِ اَلنَّعْلُ وَ سَقَطَ

اَلرِّدَاءُ وَ وُطِئَ اَلضَّعِيفُ وَ بَلَغَ مِنْ سُرُورِ اَلنَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ اِبْتَهَجَ بِهَا اَلصَّغِيرُ وَ هَدَجَ إِلَيْهَا اَلْكَبِيرُ وَ تَحَامَلَ نَحْوَهَا اَلْعَلِيلُ وَ حَسَرَتْ إِلَيْهَا اَلْكِعَابُ أقول: قال ابن أبي الحديد بعد الأوّل: ذكر أبو مخنف في كتاب (الجمل):

أنّ الأنصار و المهاجرين اجتمعوا في مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لينظروا من يولّونه أمرهم حتّى غص المسجد بأهله، فاتفق رأي عمار و أبي الهيثم بن التهيان و رفاعة بن رافع و مالك بن عجلان و أبي أيوب على إقعاد أمير المؤمنينعليه‌السلام في الخلافة، و كان أشدهم تهالكا عليه عمّار فقال لهم: «أيّها الأنصار قد سار فيكم عثمان بالأمس بما رأيتموه، و أنتم على شرف من الوقوع في مثله إن لم تنظروا لأنفسكم، و إنّ عليّاعليه‌السلام أولى الناس بهذا الأمر لفضله و سابقته» فقالوا حينئذ بأجمعهم لبقيّة الناس من الأنصار و المهاجرين: «أيّها الناس إنّا لن نألوكم خيرا و أنفسنا إن شاء اللّه، و إنّ عليّاعليه‌السلام من قد علمتم، و ما نعرف مكان أحد أحمل لهذا الأمر منه، و لا أولى به». فقال الناس بأجمعهم: قد رضينا و هو عندنا على ما ذكرتم و أفضل و قاموا كلّهم فأتوا عليّاعليه‌السلام فاستخرجوه من داره و سألوه بسط يده فقبضها، فتداكوا عليه تداك الإبل الهيم على ورودها حتى كاد بعضهم يقتل بعضا، فلمّا رأى ما رأى سألهم أن تكون بيعته في المسجد ظاهرة للناس، و قالعليه‌السلام : إن كرهني رجل واحد لم أدخل في هذا الأمر.

فنهض الناس معه حتّى دخل المسجد، فكان أوّل من بايعه طلحة، فقال قبيصة بن ذؤيب الأسدي: تخوفت ألاّ يتم أمره لأنّ أوّل يد بايعته شلاء، ثم بايعه الزبير و بايعه المسلمون بالمدينة، إلاّ محمّد بن مسلمة و عبد اللّه بن عمر و اسامة بن زيد و سعد بن أبي وقاص و كعب بن مالك و حسان بن ثابت و عبد

اللّه بن سلام، فأمر بإحضار عبد اللّه بن عمر فقال له: بايع. قال: لا ابايع حتّى يبايع جميع الناس. فقال له عليعليه‌السلام : فأعطني حميلا أن لا تبرح. قال: لا اعطيك.

فقال الأشتر لهعليه‌السلام : إنّ هذا قد أمن سوطك و سيفك، فدعني أضرب عنقه.

فقالعليه‌السلام : لست اريد ذلك منه على كره، خلوا سبيله، لقد كان صغيرا و هو سيى‏ء الخلق، و هو في كبره أسوأ خلقا. ثم اتي بسعد بن أبي وقاص، فقال لهعليه‌السلام : بايع، فقال له: خلّني فاذا لم يبق غيري بايعتك، فو اللّه لا يأتيك من قبلي أمر تكرهه أبدا. فقالعليه‌السلام : صدق، خلوا سبيله. ثم بعث إلى محمّد بن مسلمة، فلمّا أتاه قال له: بايع. قال: إنّ النّبي أمرني اذا اختلف الناس و صاروا هكذا و شبّك بين أصابعه أن أخرج بسيفي فأضرب عرض أحد، فإذا تقطع اتيت منزلي فكنت فيه، لا أبرحه حتّى تأتيني يد خاطفة أو منيّة قاضية. فقالعليه‌السلام له:

فانطلق اذن فكن كما امرت به. ثم بعث إلى اسامة بن زيد، فلمّا جاء قال له: بايع.

فقال له: إنّي مولاك و لا خلاف منّي عليك، و ستأتيك بيعتي إذا سكن الناس.

فأمره بالانصراف، و لم يبعث إلى أحد غيرهم.

و قيل له: ألا تبعث إلى حسان بن ثابت و كعب بن مالك و عبد اللّه بن سلام؟ فقالعليه‌السلام : لا حاجة لنا في من لا حاجة له فينا.

ثم قال ابن أبي الحديد: فأمّا أصحابنا أي المعتزلة فإنّهم يذكرون في كتبهم أنّ هؤلاء الرهط إنّما اعتذروا بما اعتذروا به لمّا ندبهم إلى الشخوص معه في حرب الجمل، و إنّهم لم يتخلفوا عن البيعة، و إنّما تخلّفوا عن الحرب( ١) .

ثم نقل ابن أبي الحديد خبرا شاهدا لقولهم( ٢) .

قلت: و روى ذلك (جمل المفيد) عن (جمل أبي مخنف) و عن غيره. و في آخر خبره: أنّهعليه‌السلام قال لسعد و ابن عمر و اسامة: أ لستم على بيعتي؟ قالوا:

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٤: ٨ ١٠.

(٢) المصدر نفسه ٤: ١٠.

بلى. قال: انصرفوا فسيغني اللّه عنكم( ١) .

و قال ابن أبي الحديد أيضا: و روى أبو مخنف عن ابن عباس، قال: لمّا دخل عليّ المسجد و جاء الناس ليبايعوه، خفت أن يتكلّم بعض أهل الشنآن لعليعليه‌السلام ممّن قتل أباه أو أخاه، أو ذا قرابته في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيزهد عليعليه‌السلام في الأمر و يتركه. فكنت أرصد ذلك و أتخوفه، فلم يتكلّم أحد حتّى بايعه الناس كلهم راضين مسلّمين غير مكرهين( ٢) .

قول المصنف في الأوّل: «و من خطبة لهعليه‌السلام » هكذا في (المصرية)( ٣) ، و الصواب: (و من كلام لهعليه‌السلام ) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٤ ) و (الخطيّة).

ثم إنّ ابن أبي الحديد زاد: (في ذكر البيعة)( ٥ ) . قوله في الثاني: «و من كلام لهعليه‌السلام في وصف بيعتهعليه‌السلام بالخلافة» هكذا في (المصرية و ابن أبي الحديد)( ٦ ) ، و لكن ليس في (ابن ميثم) كلمة (بالخلافة)( ٧) .

«و قد تقدم مثله بألفاظ مختلفة» و مراده في الخطبة (٥٤) كما مرّ هنا، و في الخطبة (١٣٣) كما يأتي في الآتي.

ثمّ الأصل في الأوّل رواية أبي مخنف عن زيد بن صوحان، قال: شهدت عليّاعليه‌السلام بذي قار و هو معتمّ بعمامة سوداء، فقال في خطبة: الحمد للّه على كلّ أمر و حال في الغدوّ و الآصال إلى أن قال ثم استخلف الناس عثمان فنال

____________________

(١) الجمل للمفيد: ٨٩ ٩٦.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٤: ١٠.

(٣) نهج البلاغة ١: ٩٩.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ٤: ٦، شرح ابن ميثم ٢: ١٤٣.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ٤: ٦.

(٦) نهج البلاغة ٢: ٢٤٩، شرح ابن أبي الحديد ١٣: ٣.

(٧) في شرح ابن ميثم المطبوع ٤: ٩٩ «بالخلافة» أيضا.

منكم و نلتم منه، حتى إذا كان من أمره ما كان أ تيتموني لتبايعوني، فقلت: لا حاجة لي في ذلك، و دخلت منزلي فاستخرجتموني، فقبضت يدي فبسطتموها، و تداككتم عليّ حتّى ظننت أنّكم قاتلي، و أنّ بعضكم قاتل بعض، فبايعتموني و أنا غير مسرور بذلك و لا جذل الخ و رواه (الإرشاد)( ١) .

و الأصل في الثاني: ما رواه الكليني في (رسائله) في ما كتبعليه‌السلام بعد النهروان، لمّا سألوه عن قولهعليه‌السلام في الثلاثة ليقرأ على الناس إلى أن قال:

فلمّا قتلتموه أتيتموني لتبايعوني فأبيت عليكم و أبيتم عليّ، فقبضت يدي فبسطتموها، و بسطتها فمددتموها.

ثم تداككتم عليّ تداكّ الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها، حتّى ظننت أنّكم قاتلي، و أنّ بعضكم قاتل بعض، حتى انقطعت النعل و سقطت الرداء، و وطى‏ء الضعيف، و بلغ من سرور الناس ببيعتهم أن حمل اليها الصغير و هدج إليها الكبير، و تحام اليها العليل و حسرت إليها الكعاب.

و رواه ابن قتيبة في (خلفائه)، و إبراهيم الثقفي في (غاراته)، و ابن رستم الطبري في (مسترشده) باختلاف يسير( ٢) .

قولهعليه‌السلام في الأوّل: «فتداكوا عليّ»، و في الثاني: «ثمّ تداككتم عليّ» الدك:

الدق.

«تداك الإبل الهيم يوم ورودها» في الأوّل. و «تداك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها» في الثاني الأصل فيه قوله تعالى: فشاربون شرب الهيم( ٣ ) أي: الإبل العطاش.

قولهعليه‌السلام في الأوّل:

____________________

(١) الإرشاد ١: ٢٤٤ ٢٤٥، الاحتجاج ١: ١٦١، العقد الفريد ٤: ١٦٢ و ٥: ٦٧، شرح ابن أبي الحديد ١: ٣٠٩.

(٢) الإمامة و السياسة لابن قتيبة ١: ١٥٦، و الغارات للثقفي ١: ٣١٠، المسترشد: ١٠٠ طبع الحيدرية، النجف.

(٣) الواقعة: ٥٥.

«قد أرسلها راعيها» زيادة كما بعده في بيان تداك الإبل الهيم.

«و خلعت مثانيها» المراد بالمثاني هنا و هي جمع المثناة بالكسر:

العقالات.

«حتّى ظننت أنّهم قاتلي أو بعضهم قاتل بعض لديّ» من شدة ازدحامهم للتسابق على البيعة معي.

«و قد قلبت هذا الأمر بطنه و ظهره» زاد ابن ميثم و ابن أبي الحديد: (حتى منعني النوم)( ١ ) ، و نسختهما الصحيحة، فتركه في (المصرية)( ٢ ) نقص.

«فما وجدتني يسعني إلاّ قتالهم أو الجحود بما جاءني» هكذا في (المصرية)( ٣ ) ، و الصواب: (جاء) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٤) .

«به محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » هكذا في (المصرية)( ٥ ) ، و لكن في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٦ ) و (الخطية):صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

«فكانت معالجة القتال» أي: مزاولته.

«أهون عليّ من معالجة القتال» أي: مزاولته.

«أهون عليّ من معالجة العقاب» فيمكن الغلبة في القتال، و لا يمكن الغلبة على عقاب اللّه تعالى.

«و موتات الدّنيا أهون عليّ من موتات الآخرة» الموتات بالضم: جمع الموتة بالضم و هي: الصرع و الغشوة.

و في (صفين نصر): خرج رجل من أهل الشام ينادي بين الصفين: يا أبا الحسن ابرز لي. فخرج عليعليه‌السلام إليه فقال له الرجل: إن لك قدما في الإسلام و هجرة، فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء و تأخير هذه

____________________

(١) كذا في شرح ابن أبي الحديد ٤: ٦، و ليست هذه الفقرة في شرح ابن ميثم ٢: ١٤٣.

(٢) نهج البلاغة ١: ٩٩.

(٣) نهج البلاغة ١: ٩٩.

(٤) كذا في شرح ابن أبي الحديد ٤: ٦، و لكن في شرح ابن ميثم ٢: ١٤٤ «جاءني» أيضا.

(٥) نهج البلاغة ١: ٩٩.

(٦) كذا في شرح ابن ميثم ٢: ١٤٤، و لكن في شرح ابن أبي الحديد ٤: ٦ أيضا:.

الحروب، حتى ترى من رأيك فترجع إلى عراقك و نرجع إلى شامنا؟ فقالعليه‌السلام له: «لقد عرفت أنّه إنّما عرضت هذا نصيحة و شفقة، و لقد أهمّني هذا الأمر و أسهرني، و ضربت أنفه و عينه فلم أجد إلاّ القتال أو الكفر بما انزل على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّ اللّه تعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض و هم سكوت مذعنون، لا يأمرون بالمعروف و لا ينهون عن المنكر، فوجدت القتال أهون عليّ من معالجة الأغلال في جنهم». فرجع الشامي و هو يسترجع( ١) .

قولهعليه‌السلام في الثاني: «حتى انقطعت» هكذا في (المصرية)( ٢ ) ، و الصواب:

(انقطع) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٣ ) ، و إن كان (انقطعت) أيضا صحيحا لكون النعل مؤنثا.

«النعل و سقطت» هكذا في (المصرية)( ٤ ) ، و الصواب: (و سقط) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٥ ) أيضا.

«الرداء و وطى‏ء الضعيف» في (صفين نصر) بعد ذكر شرح خفاف بن عبد اللّه لمعاوية قتل عثمان فقال له معاوية: ثم مه؟ قال: ثمّ تهافت الناس على عليّعليه‌السلام بالبيعة، تهافت الفراش حتى ضلت النعل و سقط الرداء و وطى‏ء الشيخ( ٦) .

«و بلغ من سرور الناس ببيعتهم إيّاي أن ابتهج» أي: سرّ.

«بها الصغير و هدج» الهدج: مشي الشيخ في ارتعاش قال: (و هدجانا

____________________

(١) وقعة صفّين لنصر بن مزاحم: ٤٧٤ ٤٧٥.

(٢) نهج البلاغة ٢: ٢٤٩.

(٣) في شرح ابن أبي الحديد ١٣: ٣: «انقطعت» في المتن و «انقطع» في الشرح، و لكن في شرح ابن ميثم ٤: ٩٩ «انقطعت» أيضا.

(٤) في نهج البلاغة ٢: ٢٤٩ «سقط» أيضا.

(٥) في شرح ابن ميثم ٤: ٩٩، و شرح ابن أبي الحديد ١٣: ٣ «سقط» أيضا.

(٦) وقعة صفّين لنصر بن مزاحم: ٦٥.

لم يكن من مشيتي)( ١) .

«إليها الكبير و تحامل» أي: حمل نفسه على المشي.

«نحوها» أي: جانبها.

«العليل و حسرت» أي: كشفت.

«إليها» هكذا في (المصرية)( ٢ ) ، و يصدقه (ابن أبي الحديد)( ٣ ) ، و لكن في (ابن ميثم)( ٤ ) : «عن ساقها».

«الكعاب» بالتفح قال الجوهري: و هي الجارية حين يبدو ثديها للنهود كالكالب( ٥) .

و الكل الثلاثة و الأربعة بيان لوصف شدّة شوق الناس إلى بيعتهعليه‌السلام .

٢ - من الخطبة (١٣٧) منها:

فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ اَلْعُوذِ اَلْمَطَافِيلِ عَلَى أَوْلاَدِهَا تَقُولُونَ اَلْبَيْعَةَ اَلْبَيْعَةَ قَبَضْتُ يَدِي فَبَسَطْتُمُوهَا وَ نَازَعْتُكُمْ يَدِي فَجَذَبْتُمُوهَا اَللَّهُمَّ إِنَّهُمَا قَطَعَانِي وَ ظَلَمَانِي وَ نَكَثَا بَيْعَتِي وَ أَلَّبَا اَلنَّاسَ عَلَيَّ فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا وَ لاَ تُحْكِمْ لَهُمَا مَا أَبْرَمَا وَ أَرِهِمَا اَلْمَسَاءَةَ فِيمَا أَمَّلاَ وَ عَمِلاَ وَ لَقَدِ اِسْتَثَبْتُهُمَا قَبْلَ اَلْقِتَالِ وَ اِسْتَأْنَيْتُ بِهِمَا أَمَامَ اَلْوِقَاعِ فَغَمَطَا اَلنِّعْمَةَ وَ رَدَّا اَلْعَافِيَةَ

____________________

(١) لسان العرب ١٥: ٤٨ مادة (هدج).

(٢) نهج البلاغة ٢: ٢٥٠.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٣: ٣.

(٤) في شرح ابن ميثم ٤: ٩٩ «إليها» أيضا.

(٥) الصحاح ١: ٢١٣، مادة: (كعب).

قول المصنف «منها» هكذا في جميع النسخ( ١ ) ، و الظاهر أنّ المصنف توهم أنّه قال في أوّل عنوانه: (و من خطبة لهعليه‌السلام ) مع أنّه قال: (و من كلام لهعليه‌السلام ).

قولهعليه‌السلام «فأقبلتم إليّ إقبال العوذ المطافيل على أولادها» نظير قولهعليه‌السلام في سابقه: (فتداكوا عليّ تداك الإبل الهيم يوم ورودها، قد أرسلها راعيها و خلعت مثانيها)( ٢ ) ، شبّه ثمّة شوق الناس في بيعته بإبل عطاش مخلاة السرب، مطلقة العنان يوم سقيها، كيف ترد الماء، و شبّهه هنا بإبل معها أطفالها و هي قريبة العهد بالنتاج، كيف تقبل على ولدها.

و قال ابن أبي الحديد: (العوذ): إذا ولدت عن قريب و (المطافيل): التي زال عنها اسم العياذ و معها طفلها، و قد تسمى المطافيل عوذا إلى أن يبعد العهد بالنتاج مجازا، و على هذا قالعليه‌السلام : (العوذ المطافيل) و إلاّ فالاسمان لا يجتمعان حقيقة( ٣) .

قلت: ما ذكره غلط، كيف لا يجتمع الاسمان (العوذ) و (المطافيل) و قد قال في (الجمهرة): و العوذ المطافيل من الإبل الحديثات العهد بالنتاج التي معها أولادها، و الظباء المطافيل التي معها أولادها و هي قريبة عهد بالنتاج( ٤) .

و كيف لا يجتمعان و قد أكثر الشعراء من الجمع بينهما قال الأعشى:

الواهب المائة الهجان و عبدها

عوذا تزجّي خلفها أطفالها( ٥)

و قال الأخطل يصف سحابا:

____________________

(١) نهج البلاغة ٢: ٢٨، و لكن في شرح ابن ميثم ٣: ١٦٦، و شرح ابن أبي الحديد ٩: ٣٨: منه.

(٢) نهج البلاغة ١: ٩٩، الخطبة ٥٤.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٣٨.

(٤) جمهرة اللغة ٢: ٩٢٠، مادة: (طفل).

(٥) جمهرة اللغة: و قال في هامشه: البيت للأعشى في ديوانه: ٢٩، و قد استشهد به سيبويه ١: ٩٤ على عطف «عبدها» على «المائة» و هو مضاف إلى غير الألف و اللام.

إذا زعزعته الريح جرّ ذيوله

كما رجّعت عوذ ثقال تطفّل( ١)

و قال أبو ذؤيب في وصف تكلّم امرأة:

و إنّ حديثا منك لو تبذلينه

جني النحل في ألبان عوذ مطافل

مطافيل أبكار حديث نتاجها

تشاب بماء مثل ماء المفاصل( ٢)

و الأصل في وهمه قول (الصحاح) في (عوذ): العوذ: الحديثات النتاج من الظباء و الإبل و الخيل، واحدتها عائذ، مثل حائل و حول، تقول: هي عائذ بينة العوذة و ذلك إذا ولدت عشرة أيّام أو خمسة عشر يوما، ثم هي مطفل بعد...( ٣) .

فإن حمل على أنّ مراده أنّ المطفل أعم، و إلاّ فهو غلط منه، و كيف لا، و قد قال نفسه في (طفل): و الطفل: الظبي معها طفلها و هي قريبة عهد بالنتاج، و كذلك الناق، ة و الجمع مطافل و مطافيل. ثم استشهد ببيتي أبي ذؤيب المتقدمين( ٤) .

«تقولون البيعة البيعة» أي: ليس لنا همّ إلاّ ببيعتك و لا نرضى إلاّ بيعتك.

«قبضت يدي» هكذا في (المصرية)( ٥ ) ، و الصواب: (كفّي) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٦ ) و (الخطيّة).

«فبسطتموها» روى (مقاتل أبي الفرج) بأسانيد في جعل المأمون الرضاعليه‌السلام وليّ عهده: أنّ المأمون أمر ابنه العبّاس فبايعه أول الناس، فرفع الرضاعليه‌السلام يده فتلقى بظهرها وجه نفسه و بطنها وجوههم، فقال له المأمون:

____________________

(١) لسان العرب ٨: ١٧٥، مادة: (طفل).

(٢) أوردهما الجوهري في الصحاح ٥: ١٧٥١، مادة: (طفل).

(٣) الصحاح ٢: ٥٦٧، مادة: (عوذ).

(٤) الصحاح ٥: ١٧٥١، مادة: (طفل).

(٥) نهج البلاغة ٢: ٢٨.

(٦) كذا في شرح ابن أبي الحديد ٩: ٣٨، و لكن في شرح ابن ميثم ٣: ١٦٦ «يدي» أيضا.

ابسط يدك للبيعة. فقالعليه‌السلام : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هكذا كان يبايع. فبايعه الناس...( ١) .

«و نازعتكم يدي فجذبتموها» هكذا في (المصرية)( ٢ ) ، و الصواب:

(فجاذبتموها) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٣ ) و (الخطية).

في (خلفاء القتيبي): قال أبو ثور: كنت فيمن حاصر عثمان، فكنت آخذ سلاحي و أضعه و عليّعليه‌السلام ينظر اليّ، لا يأمرني و لا ينهاني، فلمّا كانت البيعة له خرجت في أثره و الناس حوله يبايعونه، فدخل حايطا من حيطان بني مازن فألجأوه إلى نخلة و حايلوا بيني و بينه، فنظرت إليهم و قد أخذت أيدي الناس ذراعه يختلف أيديهم على يده...( ٤) .

ثم قولهعليه‌السلام هنا: «قبضت كفّي...» كقولهعليه‌السلام في سابقه: «و بسطتم يدي فكففتها...»( ٥ ) دال على قول الامامية: إنّ الإمامة بالنص من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لا ببيعة الناس «و إنّ الإمام كالكعبة يؤتى و لا يأتي»( ٦ ) ، فلم يكن هوعليه‌السلام و لا المعصومون من عترته يكترثون ببيعة الناس لهم، و إنّما كانوا يدعون الناس أحيانا إلى أنفسهم إتماما للحجّة، فهوعليه‌السلام بعد قتل عثمان يمدّ الناس يده لأن يبايعوه فيقبضها، كما أنّهعليه‌السلام يوم الشورى يعرض ابن عوف عليه البيعة بشرط العمل بسنّة الشيخين، فيطوي الكشح عنها، دلالة على بطلان أمرهم و كان الحسينعليه‌السلام يقول لمن تبعه: قد رفعت بيعتي عن أعناقكم. و كان الرضاعليه‌السلام لم يقبل ولاية عهد المأمون حتى أكرهه.

ففي (مقاتل أبي الفرج): أنّ المأمون قال للفضل بن سهل و أخيه: إنّي

____________________

(١) مقاتل الطالبيين: ٣٧٦.

(٢) نهج البلاغة ٢: ٢٨.

(٣) كذا في شرح ابن أبي الحديد ٩: ٣٨، و لكن في شرح ابن ميثم ٣: ١٦٦ «فجذبتموها» أيضا.

(٤) الإمامة و السياسة لابن قتيبة ١: ٤٦ ٤٧.

(٥) نهج البلاغة ٢: ٢٤٩، الخطبة ٢٢٩.

(٦) كفاية الأثر في النصّ على الأئمّة الاثني عشر: ٢٤٨.

عاهدت اللّه إن ظفرت بالمخلوع أن اخرجها إلى أفضل آل أبي طالب، و ما أعلم أحدا أفضل من هذا الرجل، فأرسلهما إليهعليه‌السلام في ذلك فأبى، فأحضره المأمون و قال له كالمتهدّد: إنّ عمر جعل الشورى في ستّة أحدهم جدّك، و قال:

من خالف فاضربوا عنقه، و لا بد من قبول ذلك...( ١) .

و في (الطبري): أنّ الرضاعليه‌السلام أخبر المأمون بخلع أهل بغداد له، و بيعتهم لعمّه ابن شكله و إن كان الفضل ستر ذلك عنه و قالعليه‌السلام : لأنّ الناس ينقمون منك مكانه، و مكان أخيه منك، و مكان بيعتك لي من بعدك( ٢) .

و في (صفّين نصر): أنّ عليّاعليه‌السلام كتب إلى معاوية: و اعلم أنّ هذا الأمر لو كان إلى الناس أو بأيديهم لحسدونا و لامتنوا به علينا، و لكنّه قضاء ممّن امتن به علينا على لسان نبيّه الصادق المصدّق، لا أفلح من شك بعد العرفان و البيّنة، اللهمّ احكم بيننا و بين عدوّنا( ٣) .

«اللهم إنّهما» أي: طلحة و الزبير.

«قطعاني و ظلماني و نكثا بيعتي و الّبا» أي: حرّضا.

«الناس عليّ فاحلل ما عقدا و لا تحكم لهما ما أبرما» أي: أحكما.

«و أرهما المساءة فيما أمّلا و عملا» روى أبو مخنف في (جمله): أنّه لمّا رجعت رسل عليعليه‌السلام من عند طلحة و الزبير و عايشة يؤذنونه بالحرب، قام فقال: اللهمّ إنّ طلحة نكث بيعتي، و ألّب على عثمان حتّى قتله، ثم عضهني و رماني، اللهمّ فلا تمهله. اللهمّ إنّ الزبير قطع رحمي و نكث بيعتي و ظاهر عليّ عدوّي، فاكفنيه اليوم بما شئت( ٤) .

____________________

(١) مقاتل الطالبيين: ٣٧٥.

(٢) تاريخ الطبري ٨: ٥٥٥، سنة ٢٠١.

(٣) وقعة صفّين لنصر بن مزاحم: ١٠٩ ١١٠.

(٤) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١: ٣٠٥ ٣٠٦.

و روى المدائني عن عبد اللّه بن جنادة، قال: قدمت من الحجاز اريد العراق في أوّل إمارة عليعليه‌السلام ، فمررت بمكّة فاعتمرت، ثم قدمت المدينة فدخلت مسجد النبيّ إذ نودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس و خرج عليعليه‌السلام متقلّدا سيفه، فشخصت الأبصار نحوه، فحمد اللّه و صلّى على رسوله، ثم قال:

أمّا بعد، فإنّ اللّه تعالى لمّا قبض نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قلنا: نحن أهله و ورثته و عترته و أولياؤه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، و لا يطمع في حقّنا طامع، إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فصارت الإمرة لغيرنا و صرنا سوقة، يطمع فينا الضعيف، و يتعزّز علينا الذليل، فبكت الأعين منّا لذلك، و خشنت الصدور و جزعت النفوس.

و ايم اللّه لو لا مخافة فرقة المسلمين، و أن يعود الكفر و يبور الدين، لكنّا على غير ما كنّا لهم، فولي الأمر ولاة لم يألوا الناس خيرا، ثم استخرجتموني من بيتي فبايعتموني على شنآن منّي لأمركم، و فراسة تصدقني ما في قلوب كثير منكم، و بايعني هذان الرجلان في أوّل من بايع تعلمون ذلك و قد نكثا و غدرا و نهضا إلى البصرة بعايشة، ليفرّقا جماعتكم و يلقيا بأسكم بينكم، اللّهمّ فخذهما بما عملا أخذة رابية، و لا تنعش لهما صرعة و لا تقلّهما عثرة و لا تمهلهما فواقا، فإنّهما يطلبان حقّا تركاه، و دما سفكاه، اللهمّ إنّي اقتضيك وعدك، فإنّك قلت و قولك الحق:... ثمّ بغي عليه لينصرنّه اللّه...( ١ ) ، اللهمّ فأنجز لي موعدي، و لا تكلني إلى نفسي إنّك على كلّ شي‏ء قدير( ٢) .

قال ابن أبي الحديد: دعاؤهعليه‌السلام على طلحة و الزبير بإراءتهما المساءة، استجيب الاّ انّه مساءة الدّنيا لا الآخرة، فانّ اللّه وعدهما على لسان نبيّه بالجنّة

____________________

(١) الحج: ٦٠.

(٢) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١: ٣٠٧ ٣٠٨.

بالتوبة التي نقلت عنهما، و لولاها لكانا من الهالكين( ١) .

قلت: أمّا قوله (إنّ اللّه وعدهما على لسان نبيّه بالجنّة) فسبحانك هذا بهتان عظيم، إن كان خبرهم في العشرة المبشّرة حقّا، كان الإسلام باطلا، فمن العشرة طلحة و الزبير و ابن عوف و عثمان، و كل من الأولين يشهد على الأخير بالنفاق و الكفر، و الأخير يشهد على كلّ من الأولين كذلك، كما إنّ طلحة و الزبير قتلا آلافا من المسلمين بغير حق، و أفسدا في الأرض فسادا أثره باق إلى آخر الدّهر، و قاتلا من هو نفس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بصريح التنزيل، و لم يندما عن فعلهما حتّى قتلا و إنّما ترك الزبير قتالهعليه‌السلام ، و لو كان تاب للحقّ بهعليه‌السلام ، كما تاب الحرّ الرياحي من قتاله مع الحسينعليه‌السلام ، كما إنّ طلحة إنّما نقل عنه أنّه لمّا أصابه السهم قال: «اللهمّ خذ منّي لعثمان»( ٢ ) ، فإن صح النقل فقد تاب عن قتله عثمان، لا عن قتاله أمير المؤمنين.

«و لقد استثبتهما» من ثاب يثوب، أي: طلب منهما الرجوع، و يروى (و لقد استتبتهما)( ٣) .

«قبل القتال و استأنيت» أي: ترفقت و انتظرت.

«بهما أمام الوقاع» أي: الحرب.

«فغمطا» بالكسر و الفتح، أي: حقرا.

«النعمة و ردّا العافية» في (المروج): بعث عليعليه‌السلام من يناشدهم اللّه في الدماء، فأبوا إلاّ الحرب، فبعث رجلا من أصحابه يقال له مسلم، معه مصحف يدعوهم إلى اللّه فرموه بسهم فقتلوه، فحمل إليهعليه‌السلام . و قالت امّ مسلم:

يا ربّ إنّ مسلما أتاهم

يتلو كتاب اللّه لا يخشاهم

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد

(٢) طبقات ابن سعد ٣: ٢٢٢ ٢٢٣، تاريخ المدينة المنوّرة ٤: ١١٦٩ ١١٧٠.

(٣) نهج البلاغة ٢: ٢٨.

فخضّبوا من دمه لحاهم

و امّه قائمة تراهم( ١)

و حملعليه‌السلام و حمل معه الناس، فما كان القوم إلاّ... كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف...( ٢) .

و كما استثابهما في البصرة قبل القتال، استثابهما قبل الخروج من المدينة فرووا و قد نقله ابن أبي الحديد عند قولهعليه‌السلام (يزعم انه قد بايع بيده)( ٣ ) : أنّ معاوية كتب إلى الزبير: «إنّي قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا، فدونك الكوفة و البصرة لا يسبقك إليهما ابن أبي طالب، و قد بايعت لطلحة من بعدك، فادعوا الناس إلى الطلب بدم عثمان». فأقرأ الزبير الكتاب طلحة فأجمعا على نقض البيعة، فدخلا عليهعليه‌السلام فاستأذناه في العمرة، فقال: ما العمرة تريدان فحلفا ما يريدان غيرها. فقال لهما: إنّما تريدان الغدرة و نكث البيعة، فحلفا لا يريدان النكث. فقال لهما: فأعيدا البيعة ثانية. فأعاداها بأشدّ ما يكون من الأيمان و المواثيق، فاذن لهما فلمّا خرجا قالعليه‌السلام : و اللّه لا ترونهما إلاّ في فئة يقتتلان فيها. فقالوا: فمر بردهما عليك. فقالعليه‌السلام :... ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا...( ٤ ) أما و اللّه لقد علمت أنّهما سيقتلان أنفسهما أخبث مقتل، و يأتيان من وردا عليه بأشأم يوم، و لقد أتياني بوجهي فاجرين و رجعا بوجهي غادرين ناكثين، و اللّه لا يلقياني بعد اليوم إلاّ في كتيبة خشناء، يقتلان فيها نفسهما، فبعدا لهما و سحقا( ٥) .

____________________

(١) مروج الذهب للمسعودي ٢: ٣٧٠، أنساب الأشراف للبلاذري ٢: ٢٤١.

(٢) مروج الذهب للمسعودي ٢: ٣٧٥، و الآية ١٨ من سورة إبراهيم.

(٣) نهج البلاغة ١: ٣٨، الخطبة ٨.

(٤) الأنفال: ٤٢.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٣١ ٢٣٣، و النقل بتلخيص.

٣ - الكتاب (٧) و من كتاب لهعليه‌السلام إليه أيضا:

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَتْنِي مِنْكَ مَوْعِظَةٌ مُوَصَّلَةٌ وَ رِسَالَةٌ مُحَبَّرَةٌ نَمَّقْتَهَا بِضَلاَلِكَ وَ أَمْضَيْتَهَا بِسُوءِ رَأْيِكَ وَ كِتَابُ اِمْرِئٍ لَيْسَ لَهُ بَصَرٌ يَهْدِيهِ وَ لاَ قَائِدٌ يُرْشِدُهُ قَدْ دَعَاهُ اَلْهَوَى فَأَجَابَهُ وَ قَادَهُ اَلضَّلاَلُ فَاتَّبَعَهُ فَهَجَرَ لاَغِطاً وَ ضَلَّ خَابِطاً مِنْهُ لِأَنَّهَا بَيْعَةٌ وَاحِدَةٌ لاَ يُثَنَّى فِيهَا اَلنَّظَرُ وَ لاَ يُسْتَأْنَفُ فِيهَا اَلْخِيَارُ اَلْخَارِجُ مِنْهَا طَاعِنٌ وَ اَلْمُرَوِّي فِيهَا مُدَاهِنٌ أقول: قال ابن أبي الحديد: هذا الكتاب كتبه عليعليه‌السلام جوابا عن كتاب كتبه معاوية إليه في أثناء حرب صفين، بل في أواخرها و كتاب معاوية: أما بعد فان اللّه تعالى يقول في محكم كتابه: و لقد أوحي إليك و إلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين( ١ ) و اني احذرك اللّه أن تحبط عملك و سابقتك بشق عصا هذه الامّة و تفريق جماعتها، فاتّق اللّه و اذكر موقف القيامة، و اقلع عمّا أسرفت فيه من الخوض في دماء المسلمين، و إنّي سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: (لو تمالأ أهل صنعاء و عمان على قتل رجل واحد من المسلمين لأكبّهم اللّه على مناخرهم في النار)، فكيف يكون حال من قتل أعلام المسلمين و سادات المهاجرين، بله ما طحنت رحاء حربه من أهل القرآن، من شيخ كبير و شاب غرير، كلّهم باللّه مؤمن و له مخلص و برسوله مقرّ عارف، فان كنت أبا حسن انّما تحارب على الإمرة و الخلافة، فلعمري لو

____________________

(١) الزمر: ٦٥.

صحت خلافتك لكنت قريبا من ان تعذر في حرب المسلمين، و لكنّها ما صحّت لك و أنّى بصحّتها، و أهل الشام لم يدخلوا فيها و لم يرتضوا بها، و خف اللّه و سطواته و اتّق بأسه و نكاله، و اغمد سيفك عن الناس، فقد و اللّه أكلتهم الحرب فلم يبق منهم إلاّ كالثمد في قرارة الغدير.

فكتبعليه‌السلام اليه: أما بعد إلى قوله: و ضل خابطا. فأما أمرك لي بالتقوى فأرجو أن أكون من أهلها، و أستعيذ باللّه أن أكون من الذين إذا امروا بها أخذتهم العزّة بالإثم، و أما تحذيرك إيّاي أن يحبط عملي و سابقتي في الإسلام، فلعمري لو كنت الباغي عليك لكان لك أن تحذّرني ذلك، و لكني وجدت اللّه تعالى يقول:... فقاتلوا التي تبغي حتى تفي‏ء إلى أمر اللّه...( ١) ، فنظرنا إلى الفئة الباغية فوجدناها الفئة التي أنت فيها، لأن بيعتي بالمدينة لزمتك و أنت بالشام، كما لزمتك بيعة عثمان بالمدينة و أنت أمير لعمر بالشام.

و أمّا شقّ عصا هذه الامّة فأنا أحقّ أن أنهاك عنه، فأما تخويفك لي من قتل أهل البغي، فإنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمرني بقتالهم و قتلهم و قال لأصحابه: «ان فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله» و أشار إليّ و أنا أولى من اتّبع أمره. و أما قولك: إن بيعتي لم تصحّ لأن أهل الشام لم يدخلوا فيها، كيف؟ و انّما هي بيعة واحدة تلزم الحاضر و الغائب، لا يستثنى فيها النظر و لا يستأنف فيها الخيار، الخارج منها طاعن، و المروّي مداهن، فاربع على ظلعك، و انزع سربال غيّك، و اترك ما لا جدوى له عليك، فليس لك عندي إلاّ السيف، حتّى تفي‏ء إلى أمر اللّه صاغرا، و تدخل في البيعة راغما( ٢) .

و قال ابن ميثم: كتابهعليه‌السلام جواب كتاب معاوية إليه (و انّما كان أهل

____________________

(١) الحجرات: ٩.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٤٢ ٤٣.

الحجاز الحكّام على الناس حين كان الحق فيهم، فلمّا تركوه صار أهل الشام الحكّام، و ليس حجّتك عليهم كحجّتك على أهل البصرة، و لا حجّتك عليّ كحجّتك على طلحة و الزبير، لأنّ أهل البصرة بايعوك و لم يبايعك أهل الشام، و ان طلحة و الزبير بايعاك و لم ابايعك، و أمّا فضلك في الإسلام، و قرابتك من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و موضعك من بني هاشم، فلست أدفعه) فكتب عليّعليه‌السلام جوابه:

أمّا بعد فإنّه أتاني كتابك كتاب امرى‏ء إلى قوله «خابطا» ثم بعده زعمت أنّه إنّما أفسد عليّ بيعتك خطيئتي في عثمان، و لعمري ما كنت إلاّ رجلا من المهاجرين، أوردت كما أوردوا و أصدرت كما أصدروا، و ما كان اللّه ليجمعهم على ضلال و لا يضر بهم بعمى، و أمّا ما زعمت أنّ أهل الشام الحكام على أهل الحجاز، فهات رجلين من قريش الشام يقبلان في الشورى أو تحل لهم الخلافة، فإن زعمت ذلك كذّبك المهاجرون و الأنصار، و إلاّ فأنا آتيك بهما من قريش الحجاز، و أمّا ما ميّزت بين أهل الشام و أهل البصرة و بينك و بين طلحة و الزبير، فلعمري ما الأمر في ذلك إلاّ واحد ثم بعده لأنّها بيعة عامة إلى آخره ثم و أما فضلي في الإسلام و قرابتي من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و شرفي في بني هاشم، فلو استطعت دفعه لفعلت( ١) .

قال ابن ميثم: و أما قولهعليه‌السلام (فقد أتتني إلى بسوء رأيك)، فهو صدر كتاب آخر في جواب معاوية بعد الكتاب الذي ذكرناه، و ذلك أنّ معاوية لمّا وصل إليه هذا الكتاب منهعليه‌السلام ، كتب إليه ثانيا: (أما بعد فاتّق اللّه يا عليّ و دع الحسد، فإنّه طالما لم ينتفع به أهله، و لا تفسد سابقتك بشرة من حديثك، فإن الأعمال بخواتيمها، و لا تلحدن بباطل في حقّ من لا حقّ لك في حقّه، فانّك إن تفعل لا تضلل إلاّ نفسك، و لا تمحق إلاّ عملك، و لعمري إنّ ما مضى لك من

____________________

(١) شرح ابن ميثم ٤: ٣٥٥.

السوابق الحسنة لحقيقة أن تردّك و تردعك عمّا اجترأت عليه من سفك الدماء، و إجلاء أهل الحقّ عن الحل و الحرم، فاقرأ سورة الفلق و تعوّذ باللّه من شرّ ما خلق و من شر نفسك الحاسد إذا حسد، قفل اللّه بقلبك و أخذ بناصيتك و عجّل توفيقك، فانّي أسعد النّاس بذلك. فكتبعليه‌السلام إليه:

أمّا بعد فقد أتتني منك موعظة موصلة إلى بسوء رأيك ثم بعده و كتاب ليس ببعيد الشبه منك، حملك على الوثوب على ما ليس لك فيه حق، و لو لا علمي بك، و ما قد سبق من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيك، ممّا لا مردّ له دون إنفاذه، لوعظتك، و لكن عظتي لا تنفع من حقّت عليه كلمة العذاب، و لم يخف العقاب، و لم يبرح للّه وقارا، و لم يخش له حذارا، فشأنك و ما أنت عليه من الضلالة و الحيرة و الجهالة، تجد اللّه في ذلك لك بالمرصاد من دنياك المنقطعة و تمنيك الأباطيل، و قد علمت ما قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيك و في امّك و أبيك( ١) .

قال ابن ميثم: و المصنّف أضافه إلى هذا الكتاب، كما هو عادته في عدم مراعاة أمثال ذلك( ٢) .

قلت: لم يذكر أحدهما مستندا، لكن ما ذكره ابن ميثم من كون قولهعليه‌السلام : (كتاب امرى‏ء ليس له بصر يهديه) إلى آخر العنوان، أوّل جوابهعليه‌السلام عن كتاب ذكره ابن ميثم صحيح فذكره (كامل المبرد) و (خلفاء ابن قتيبة) و (عقد ابن عبد ربه) و (صفّين نصر)( ٣) .

و أما كون قولهعليه‌السلام : فقد أتتني منك موعظة موصلة إلى: (و أمضيتها بسوء رأيك) جوابا عن كتاب ذكره أيضا فلم أتحققه.

____________________

(١) شرح ابن ميثم ٤: ٣٥٥ ٣٥٦.

(٢) المصدر نفسه ٤: ٣٥٦.

(٣) الإمامة و السياسة ١: ١٠١ ١٠٢، العقد الفريد ٥: ٨١.

و في (صفّين نصر) ذكر كتاب معاوية: (و دع الحسد...)( ١ ) ، لكن لم يذكر جوابه.

قولهعليه‌السلام : «أما بعد فقد أتتني منك موعظة موصلة» أي: مرقعة أكثر فيها من الوصلة، و موعظته الموصلة لهعليه‌السلام مثل ما عرفت في كتابه إليهعليه‌السلام : أما بعد فاتّق اللّه يا عليّ الخ في ما نقله ابن ميثم( ٢ ) و يقول تعالى: و لقد أوحي إليك...( ٣ ) فيما مرّ عن ابن أبي الحديد( ٤) .

«و رسالة محبرة» أي: منقشة.

«نمقتها» أي: نقشتها.

«بضلالك و أمضيتها بسوء رأيك» كقوله (و اقرأ سورة الفلق و تعوّذ باللّه من شرّ ما خلق).

و نظير كلامهعليه‌السلام قول أبي دلامة:

كتبوا إليّ صحيفة مطبوعة

جعلوا عليها طينة كالعقرب

فعلمت أنّ الشّر عند فكاكها

ففككتها عن مثل ريح الجورب

و إذا شبيه بالأفاعي رقشت

يوعدنني بتلمظ و تثاوب

و ممّا يناسب قولهعليه‌السلام (موعظة و موصلة)، ما في (السير) أن المهدي لمّا تقلّد الخلافة بعد أبيه، وفد عبيد اللّه بن الحسن الهاشمي عليه معزّيا و مهنئا، فتكلّم بكلام أعده و قال: سلوا أبا عبيد اللّه وزير المهدي عمّا تكلّمت، فسئل أبو عبد اللّه عنه فقال: لم يعد الهاشمي بكلامه أن أخذ مواعظ الحسن البصري و رسائل غيلان، فلقح بينهما كلاما. فأخبر عبيد اللّه بما قال أبو عبيد

____________________

(١) وقعة صفّين: ١١٠.

(٢) شرح ابن ميثم ٤: ٣٦٦.

(٣) الزمر: ٦٥.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٤٢.

اللّه فيه، فقال: للّه أبوه، فو اللّه ما أخطأ حرفا و لا تجاوزت ما قال.

هذا، و في (المعجم): لمّا ورد عضد الدولة بغداد في سنة (٣٦٧)، نقم على الصابي أشياء من مكتوباته عن الخليفة و عن بختيار عزّ الدولة فحبسه، فسئل فيه و عرف بفضله و قيل له: مثل مولانا لا ينقم على مثله ما كان منه، فإنّه كان في خدمة قوم لا يمكنه إلاّ المبالغة في نصيحتهم، و لو أمره مولانا بمثل ذلك إذا استخدمه ما أمكنه المخالفة. فقال عضد الدولة: قد سوغته نفسه فإن عمل كتابا في مآثرنا و تاريخنا أطلقته، فشرع في محبسه بكتاب (التاجي في أخباره) و قيل: إنّ بعض أصدقائه دخل عليه في الحبس و هو في تبييض و تسويد في هذا الكتاب، فسأله عمّا يعمله، فقال: أباطيل انمّقها و أكاذيب ألفّقها، فأنهى الرجل ذلك إلى عضد الدولة، فأمر بإلقائه تحت أرجل الفيلة، فأكبّ عبد العزيز بن يوسف و نصر بن هارون على الأرض يقبلانه و يشفعون إليه في أمره حتى أمر باستحيائه و أخذ أمواله( ١) .

و قالوا: كتب عبد الحميد لمروان الحمار كتابا إلى أبي مسلم الخراساني، حمل على جمل لعظمه و كثرته و تهويلا على أبي مسلم، و قال: ان قرأه خاليا نحب قلبه، و ان قرأه في ملأ خذلوا.

فلمّا وصل الكتاب إلى أبي مسلم أحرقه و لم يقرأه، و كتب على قطعة بياض إلى مروان:

محا السيف أسطار البلاغة و انتحت

إليك ليوث الغاب من كلّ جانب

فإن تقدموا نعمل سيوفا شحيذة

يهون عليها العتب من كلّ عاتب

«و كتاب» هكذا في (المصرية)( ٢ ) ، مثله (ابن أبي الحديد)( ٣ ) ، و لكن في

____________________

(١) معجم الأدباء ٢: ٢١ ٢٢.

(٢) نهج البلاغة ٣: ٩.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٤١.

(ابن ميثم)( ١ ) : (كتاب).

«امرى‏ء ليس له بصر يهديه»... لهم أعين لا يبصرون بها...( ٢) .

«و لا قائد يرشده»... و من يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا( ٣) .

«قد دعاه الهوى فأجابه» أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه...( ٤) .

«و قاده الضلال فاتّبعه»... و من أضلّ ممّن اتّبع هواه بغير هدى من اللّه...( ٥) .

«فهجر» أي: هذى من (هجر المريض)، و الكلام مهجور، قيل: و منه قوله تعالى حكاية عن رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا( ٦) .

«لاغطا» في (الصحاح) اللغط بالتحريك: الصوت و الجلبة( ٧) .

«و ضل خابطا» من (خبط البعير الأرض بيده) ضربها، و منه (خبط عشواء) و هي الناقة التي في بصرها ضعف تخبط إذا مشت لا تتوقى شيئا.

قول المصنف «منه» هكذا في (المصرية)( ٨ ) ، و الصواب: (و من هذا الكتاب) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٩) .

و قولهعليه‌السلام : «لأنّها بيعة واحدة لا يثنى» من ثناه تثنية، أي: جعله اثنين.

«فيها النظر و لا يستأنف» أي: لا يجدد.

«فيها الخيار» أي: الاختيار.

____________________

(١) في شرح ابن ميثم ٤: ٣٥٤ «و كتاب» أيضا.

(٢) الأعراف: ١٧٩.

(٣) الكهف: ١٧.

(٤) الجاثية: ٢٣.

(٥) القصص: ٥٠.

(٦) الفرقان: ٣٠.

(٧) الصحاح ٣: ١١٥٧، مادة: (لغط).

(٨) نهج البلاغة ٣: ٩.

(٩) شرح ابن أبي الحديد ١٤: ٤٤، شرح ابن ميثم ٣: ٣٥٤.

«الخارج منها طاعن» على المؤمنين.

«و المروي فيها» في (الصحاح): رويت في الأمر إذا نظرت فيه و فكرت يهمز و لا يهمز( ١) .

«مداهن» أي: مصانع.

في (عيون ابن بابويه) عن الحاكم البيهقي، عن محمّد الصولي، عن أحمد بن محمّد بن إسحاق، عن أبيه قال: لمّا بويع الرّضاعليه‌السلام بالعهد، اجتمع الناس إليه يهنئونه فأومأ إليهم فأنصتوا، ثم قالعليه‌السلام بعد ان استمع كلامهم: الحمد للّه الفعّال لمّا يشاء لا معقّب لحكمه، و لا رادّ لقضائه، يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، و صلّى اللّه على محمّد و آله في الأوّلين و الآخرين، و على آله الطيبين الطاهرين، إنّ أمير المؤمنين عضده اللّه بالسداد و وفّقه للرّشاد، عرف من حقّنا ما جهله غيره، فوصل أرحاما قطعت، و آمن نفوسا فزعت، بل أحياها و قد تلفت، و أغناها إذ افتقرت، مبتغيا رضى ربّ العالمين، لا يريد جزاء إلاّ من عنده، و سيجزي اللّه الشاكرين و لا يضيع أجر المحسنين، و انّه جعل إليّ عهده، و الإمرة الكبرى إن بقيت بعده، فمن حل عقدة أمر اللّه تعالى بشدّها، و فصم عروة أحبّ اللّه إثباتها، فقد أباح حريمه و أحلّ محرمه، إذ كان بذلك زاريا( ٢ ) على الإمام، منتهكا حرمة الإسلام، بذلك جرى السالف فصبر منه على الفلتات و لم يتعرّض بعدها على العزمات، خوفا على شتات الدين و اضطراب حبل المسلمين، و لقرب أمر الجاهلية و رصد المنافقين فرصة تنتهز و بائقة تبتدر، و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم، إن الحكم إلاّ للّه يقص الحق و هو خير الفاصلين( ٣) .

____________________

(١) الصحاح ٦: ٢٣٦٤، مادة: (روى).

(٢) زاريا أي: عاتبا ساخطا غير راض. الصحاح ٦: ٢٣٦٨، مادة: (زرى).

(٣) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ٢: ١٤٤ ١٤٥ ح ١٧، و عنه البحار ٤٩: ١٤١.

٤ - الخطبة (٨) و من كلام لهعليه‌السلام يعني به الزبير في حال اقتضت ذلك:

يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ بَايَعَ بِيَدِهِ وَ لَمْ يُبَايِعْ بِقَلْبِهِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْبَيْعَةِ وَ اِدَّعَى اَلْوَلِيجَةَ فَلْيَأْتِ عَلَيْهَا بِأَمْرٍ يُعْرَفُ وَ إِلاَّ فَلْيَدْخُلْ فِيمَا خَرَجَ مِنْهُ أقول: الذي وقفت عليه كون العنوان كلام الحسنعليه‌السلام ابنهعليه‌السلام ، ففي (جمل المفيد): لمّا تقرّر في الجمل أمر الكتائب في الفريقين، و قام ابن الزبير خطيبا في ذمّ أمير المؤمنينعليه‌السلام و تهمته بقتل عثمان، و بلغهعليه‌السلام ذلك، قال للحسن ابنهعليه‌السلام : قم يا بني فاخطب، فقام فحمد اللّه و أثنى عليه، و قال: أيّها الناس قد بلغتنا مقالة ابن الزبير، و قد كان أبوه و اللّه يتجنّى على عثمان الذنوب، و قد ضيّق عليه البلاد حتى قتل، و إن طلحة راكز رايته على بيت ماله و هو حيّ.

و أمّا قوله: إنّ عليّا ابتز النّاس أمرهم، فإن أعظم حجّته لأبيه زعم أنّه بايعه بيده و لم يبايعه بقلبه، فقد أقرّ بالبيعة و ادّعى الوليجة، فليأت على ما ادّعاه ببرهان و أنّى له ذلك( ١ ) ؟

و قال ابن أبي الحديد عند قولهعليه‌السلام (فتداكوا عليّ): قال الزبيريّون عبد اللّه بن مصعب، و الزبير بن بكار و من وافقهم من تيم بن مرة عصبية لطلحة:

إنّهما بايعا مكرهين، و إنّ الزبير كان يقول: بايعت و اللجّ أي: سيف الأشتر في قفّي أي: عنقي( ٢) .

قلت: كون بيعة الزبير و السيف في عنقه، رواية السيف الوضّاع، و إن صاحب السيف كان حكيم بن جبلة لا الأشتر، ففي رواية له: جاء حكيم بن

____________________

(١) الجمل للمفيد: ٣٢٧ ٣٢٢.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٤: ٧.

جبلة بالزبير حتّى بايع، فكان الزبير يقول جاءني لص من لصوص عبد القيس و اللجّ على عنقي و إنّما قال سيف الوضاع: إنّ بيعة طلحة كانت بإجبار الأشتر، ففي رواية اخرى له: فبعث البصريون إلى الزبير بصريا و كان رسولهم حكيم بن جبلة العبدي في نفر فجاؤوا به يحدونه بالسيف، و إلى طلحة كوفيا الأشتر في نفر فجاؤوا به يحدونه بالسيف و في رواية اخرى له:

(ذهب الأشتر فجاء بطلحة يتلّه تلا عنيفا) و بالجملة حيث إنّ سيفا الوضّاع ادّعى افتراء أن الكوفيين لم يريدوا غير بيعة الزبير، و البصريين غير بيعة طلحة و لم يحصل مرادهم، بل مراد المصريين الذين أرادوا بيعة عليّعليه‌السلام اضطر إلى ان يجعل مكره الزبير بصريّا حكيما و مكره طلحة كوفيّا الأشتر.

و أما الزبيريون فقالوا بعدم بيعة الزبير أصلا و أنّه أراد قتلهعليه‌السلام .

ففي (الطبري): عن الزبير بن بكار، عن عمّه مصعب، عن أبيه عبد اللّه بن مصعب، عن موسى بن عقبة، عن أبي حبيبة مولى الزبير قال: لمّا بايع النّاس عليّاعليه‌السلام جاء إلى الزبير فاستأذن، فأعلمت الزبير فسل السيف و وضعه تحت فراشه ثم قال: إيذن له. فأذنت له فدخل، فسلّم على الزبير و هو واقف بنجوه ثم خرج، فقال الزبير: قم في مقامه هل ترى من السيف شيئا؟ فقمت في مقامه فرأيت ذباب السيف فأخبرته فقال: ذاك أعجل الرجل. فلمّا خرج عليّ سأله النّاس فقال: وجدت أبرّ ابن اخت. فظنّ النّاس خيرا. فقال عليّ: إنّه بايعه( ١) .

و المكابر المعاند لا علاج له، و لو كانعليه‌السلام أكرههما أو لم يبايعه الزبير، كيف يخطب النّاس في مقام بعد مقام بأن بيعتي كانت بإجبار من النّاس لي، أ فلم يكن أحد يقوم و يقول له: أنت أكرهت طلحة و الزبير. و كيف و مخالفوه كانوا مقرّين بذلك، فكتب معاوية إليهعليه‌السلام : إنّ طلحة و الزبير بايعاك و أنا ما

____________________

(١) تاريخ الطبري ٤: ٤٣١ ٤٣٢، سنة ٣٥.

بايعتك. و كتب سعد إلى معاوية: و لو كان طلحة و الزبير لزما بيعتهما لكان خيرا لهما، إلى غير ذلك ممّا لو أردنا استقصاءه لطال، و غاية ما يمكن الزبيريون أن يدّعوه للزبير كما في العنوان، و ادّعاه أولا ابنه أنّه بايع بيده فقط، و جوابه ما قالهعليه‌السلام هو و ابنه. فلو كان مثله مسموعا لزم إمكان نقض جميع العقود و العهود.

٥ - الحكمة (٢٠٢) وَ قَالَ ع وَ قَدْ قَالَ لَهُ؟ طَلْحَةُ؟ وَ؟ اَلزُّبَيْرُ؟ نُبَايِعُكَ عَلَى أَنَّا شُرَكَاؤُكَ فِي هَذَا اَلْأَمْرِ لاَ وَ لَكِنَّكُمَا شَرِيكَانِ فِي اَلْقُوَّةِ وَ اَلاِسْتِعَانَةِ وَ عَوْنَانِ عَلَى اَلْعَجْرِ وَ اَلْأَوَدِ أقول: هذا مربوط بما مرّ في أوّل هذا الفصل من كلامهعليه‌السلام في وصف بيعته، و الأصل فيه كما عرفت ما كتبه للناس لمّا سألوه عن الثلاثة، و فيه برواية (رسائل الكليني): فبايعتكم على كتاب اللّه تعالى و سنّة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و دعوت النّاس إلى بيعتي فمن بايعني طائعا قبلت منه، و من أبى تركته، فكان أوّل من بايعني طلحة و الزبير فقالا: نبايعك على أنّا شركاؤك في الأمر، فقلت:

لا و لكنّكما شركائي و عوناي في العجز، فبايعاني على هذا الأمر، و لو أبيا لم اكرههما كما لم اكره غيرهما. و كان طلحة يرجو اليمن و الزبير العراق، فلمّا علما أنّي غير مولّيهما استأذناني للعمرة يريدان الغدرة.

و في (خلفاء ابن قتيبة) في عنوان (اختلاف طلحة و الزبير على عليّ كرم اللّه وجهه): ذكروا ان الزبير و طلحة أتيا عليّا بعد فراغ البيعة فقالا له: هل تدري على ما بايعناك؟ قال: نعم على السمع و الطاعة و على ما بايعتم عليه أبا بكر و عمر و عثمان، فقالا: لا و لكنّا بايعناك على أنّا شريكاك في الأمر. قال

عليّعليه‌السلام : لا و لكنّكما شريكان في القوّة و الاستقامة و العون على العجز و الأود، و كان الزبير لا يشكّ في ولاية العراق و طلحة في اليمن، فلمّا استبان لهما أنّ عليّاعليه‌السلام غير موليهما شيئا أظهرا الشكاة، فتكلّم الزبير في ملأ من قريش فقال: هذا جزاؤنا من عليّ قمنا له في أمر عثمان حتّى أثبتنا عليه الذنب و سببنا له القتل، و هو جالس في بيته و كفي الأمر، فلمّا نال بنا ما أراد جعل دوننا غيرنا و قال: ما اللوم إلاّ لنا، كنّا ثلاثة من أهل الشورى كرهه أحدنا و بايعناه، فأعطيناه ما في أيدينا و منعنا ما في يده، فأصبحنا أخطأنا ما رجونا( ١) .

و في (نقض الاسكافي لعثمانية الجاحظ) روى: أنّ طلحة و الزبير قالا لهعليه‌السلام وقت البيعة: نبايعك على أنّا شركاءك في هذا الأمر. فقال لهما: لا و لكنّكما شريكاي في الفي‏ء، لا أستاثر عليكما و لا على عبد حبشي مجدع بدرهم فما دون، لا أنا و لا ولداي هذان، فإن أبيتم إلاّ لفظ الشركة فأنتم عونان لي عند العجز و الفاقة، لا عند القوّة و الاستقامة.

قال الاسكافي: فاشترطا ما لا يجوز في عقد الإمامة، و شرطعليه‌السلام لهما ما يجب في الدين و الشريعة.

و قد روى أيضا: أنّ الزبير قال في ملأ من قريش: هذا جزاؤنا من عليّ، قمنا له في أمر عثمان حتّى أثبتنا عليه الذنب و سببنا له القتل، و هو جالس في بيته و كفي الأمر، فلمّا نال بنا ما أراد جعل دوننا غيرنا. و قال طلحة: كنّا ثلاثة من أهل الشورى، كرهه أحدنا و بايعناه، فأعطيناه ما في أيدينا، و منعنا ما في يده، فأصبحنا قد أخطأنا اليوم ما رجوناه أمس، و لا نرجو غدا ما أخطأنا اليوم( ٢) .

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٥١.

(٢) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١١: ١٦.

و في (تاريخ اليعقوبي): أتى عليّاعليه‌السلام طلحة و الزبير فقالا له: قد نالتنا جفوة بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأشركنا في أمرك، فقال: أنتما شريكاي في القوّة و الاستقامة و عوناي على العجز و الأود( ١) .

قولهعليه‌السلام «لا»، أي: لم تكن بيعتكما إياي على كونكما شريكي في أمر الخلافة.

«و لكنّكما شريكان في القوّة و الاستعانة» هكذا في جميع النسخ( ٢) ، و (الاستعانة) تصحيف من المصنّف، و الصواب: (و الاستقامة)، كما عرفته من نقل (خلفاء ابن قتيبة) و (نقض الاسكافي) و (تاريخ اليعقوبي)( ٣ ) ، و لأنّ في مقابله (الأود) و مقابل (الاود) الاستقامة لا (الاستعانة) فإنّه مقابل (الاستغناء).

و قال ابن أبي الحديد: الاستعانة هنا الفوز و الظفر، كانوا يقولون للقامر يفوز قدحه (قد جرى ابناعيان) و هما خطان يخطان في الأرض يزجر بهما الطير، و استعان الإنسان إذا قال وقت الظفر و الغلبة هذه الكلمة( ٤) .

قلت: ما قاله غلط في غلط، فانه استند إلى قول (الصحاح): (ابناعيان خطان يخطان في الأرض يزجر بهما الطير، و إذا علم ان القامر يفوز قدحه قيل جرى ابناعيان)( ٥) .

فالاستعانة لو فرض وجوده في كلامه، هل هي إلاّ بمعنى الاستعانة في قوله تعالى:... و إياك نستعين( ٦ ) ، لا بمعنى مصطلح عند القامرين في

____________________

(١) تاريخ اليعقوبيّ ٢: ١٧٩ ١٨٠.

(٢) نهج البلاغة ٣: ١٩٨، شرح ابن ميثم ٥: ٣٤٦، شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٢٢.

(٣) مضت آنفا مداركه.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ٢٢.

(٥) الصحاح ٦: ٢١٧٢، مادة: (عين).

(٦) الفاتحة: ٥.

الجاهلية، مع أنّ (الصحاح) إنّما قال: (و إذا علم القامر يفوز قدحه قيل جرى ابناعيان)، لا كما قال ابن أبي الحديد: استعان الإنسان، إذا قال وقت الظفر و الغلبة هذه الكلمة. مع أنّه أيّ ربط للاستعانه بمثل (ابناعيان) و الاستعانة من العون، و ابناعيان من العين و بينهما بون ذكر (الصحاح) و (القاموس) الأوّل في الأوّل( ١ ) و الثاني في الثاني( ٢ ) ، و قد عرفت كلام (الصحاح)، و في (القاموس):

ابناعيان ككتاب طائران أو خطان يخطهما العائف في الأرض، ثم يقول ابناعيان أسرعا البيان و إذا علم...( ٣ ) ، مع أنّك قد عرفت أنّ أصل الاستعانه تصحيف من المصنّف.

«و عونان على العجز و الأود» بالتحريك مصدر أود الشي‏ء بالكسر أي:

اعوج.

ثم الظاهر أنّ طلحة و الزبير لمّا رأيا أنّ عمر كان شريك أبي بكر في خلافته، و بني اميّة لا سيما مروان كانوا شركاء عثمان في خلافته، طمعا منهعليه‌السلام ذلك.

٦ - الخطبة (٢٠٥) و من كلام له ع كلم به؟ طلحة؟ و؟ الزبير؟ بعد بيعته بالخلافة و قد عتبا عليه من ترك مشورتهما، و الاستعانة في الأمور بهما:

لَقَدْ نَقَمْتُمَا يَسِيراً وَ أَرْجَأْتُمَا كَثِيراً أَ لاَ تُخْبِرَانِي أَيُّ شَيْ‏ءٍ لَكُمَا فِيهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ وَ أَيُّ قَسْمٍ اِسْتَأْثَرْتُ عَلَيْكُمَا بِهِ أَمْ أَيُّ حَقٍّ رَفَعَهُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ ضَعُفْتُ عَنْهُ أَمْ جَهِلْتُهُ أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ.

____________________

(١) الصحاح ٦: ٢١٦٩، مادة: (عون)، القاموس المحيط ٤: ٢٥٠ مادة (عون).

(٢) الصحاح ٦: ٢١٧٢، مادة: (عين)، القاموس المحيط ٤: ٢٥٢، مادة: (عين).

(٣) القاموس المحيط ٤: ٢٥٢، مادة: (عين).

وَ اَللَّهِ مَا كَانَتْ لِي فِي اَلْخِلاَفَةِ رَغْبَةٌ وَ لاَ فِي اَلْوِلاَيَةِ إِرْبَةٌ وَ لَكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهَا وَ حَمَلْتُمُونِي عَلَيْهَا فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيَّ نَظَرْتُ إِلَى كِتَابِ اَللَّهِ وَ مَا وَضَعَ لَنَا وَ أَمَرَنَا بِالْحُكْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ وَ مَا اِسْتَنَّ؟ اَلنَّبِيُّ ص؟ فَاقْتَدَيْتُهُ فَلَمْ أَحْتَجْ فِي ذَلِكَ إِلَى رَأْيِكُمَا وَ لاَ رَأْيِ غَيْرِكُمَا وَ لاَ وَقَعَ حُكْمٌ جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِيرَكُمَا وَ إِخْوَانِي اَلْمُسْلِمِينَ وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ أَرْغَبْ عَنْكُمَا وَ لاَ عَنْ غَيْرِكُمَا.

وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ اَلْأُسْوَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ أَنَا فِيهِ بِرَأْيِي وَ لاَ وَلِيتُهُ هَوًى مِنِّي بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَ أَنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ؟ رَسُولُ اَللَّهِ ص؟

قَدْ فُرِغَ مِنْهُ فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَيْكُمَا فِيمَا قَدْ فَرَغَ اَللَّهُ مِنْ قَسْمِهِ وَ أَمْضَى فِيهِ حُكْمَهُ فَلَيْسَ لَكُمَا وَ اَللَّهِ عِنْدِي وَ لاَ لِغَيْرِكُمَا فِي هَذَا عُتْبَى.

أَخَذَ اَللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ قُلُوبِكُمْ إِلَى اَلْحَقِّ وَ أَلْهَمَنَا وَ إِيَّاكُمُ اَلصَّبْرَ ثم قال ع رَحِمَ اَللَّهُ اِمْرَأً رَأَى حَقّاً فَأَعَانَ عَلَيْهِ أَوْ رَأَى جَوْراً فَرَدَّهُ وَ كَانَ عَوْناً بِالْحَقِّ عَلَى صَاحِبِهِ أقول: رواه أبو جعفر الاسكافي في (نقض العثمانية) فقال بعد ذكر قصّة بيعتهعليه‌السلام : ثم بعث عليّعليه‌السلام بعمّار بن ياسر و عبد الرحمن بن حنبل إلى طلحة و الزبير و هما في ناحية المسجد، فأتياهما فدعواهما فقاما حتّى جلسا إلى عليّعليه‌السلام فقال لهما: نشدتكما اللّه هل جئتماني طائعين للبيعة، و دعوتماني إليها و أنا كاره لها؟ قالا: نعم، فقالعليه‌السلام : غير مجبرين و لا مقسورين فأسلتما لي بيعتكما و أعطيتماني عهدكما؟ قالا: نعم، قال: فما دعاكما بعد إلى ما أرى؟ قالا: أعطيناك بيعتنا على أن لا تقتضي الامور و لا

تقطعها دوننا، و تستشيرنا في كلّ أمر و لا تستبد بذلك علينا، و لنا من الفضل على غيرنا ما قد علمت، و أنت تقسم و تقطع الأمر و تمضي الحكم بغير مشاورتنا و لا علمنا. فقال عليّعليه‌السلام : لقد نقمتما يسيرا و أرجأتما كثيرا، فاستغفرا اللّه يغفر لكما، ألا تخبرانني أدفعتكما عن حقّ واجب لكما فظلمتكما إيّاه؟ قالا: معاذ اللّه. قال: فهل استأثرت من هذا المال لنفسي بشي‏ء؟ قالا: معاذ اللّه. قال: أفوقع حكم أو حقّ لأحد من المسلمين فجهلته أو ضعفت عنه؟ قالا:

معاذ اللّه. قال: فما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي؟ قالا: خلافك عمر بن الخطاب في القسم، إنّك جعلت حقّنا في القسم كحقّ غيرنا، و سوّيت بيننا و بين من لا يماثلنا فيما أفاء اللّه تعالى بأسيافنا و رماحنا، و أوجفنا عليه بخيلنا، و ظهرت عليه دعوتنا، و أخذناه قسرا عمّن لا يرى الإسلام إلاّ كرها. فقالعليه‌السلام :

أما ما ذكرتموه من الاستشارة بكما فو اللّه ما كانت لي في الولاية رغبة، و لكنّكم دعوتموني إليها و حملتموني عليها، فخفت أن أردّكم فتختلف الامّة، فلمّا أفضت إليّ نظرت في كتاب اللّه و سنّة رسوله، فأمضيت ما دلاّني عليه و اتّبعته، و لم احتج إلى رأيكما فيه و لا رأي غيركما، و لو وقع حكم ليس في كتاب اللّه بيانه و لا في السنّة برهانه، و احتيج إلى المشاورة فيه تشاورتكما.

و أما القسم و الاسوة فإن ذلك أمر لم أحكم فيه بادى‏ء بدء، قد وجدت أنا و أنتما رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحكم بذلك، و كتاب اللّه ناطق به، و هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

و أمّا قولكما: جعلت فيئنا و ما أفاءته سيوفنا و رماحنا سواء بيننا و بين غيرنا، فقديما سبق إلى الإسلام قوم و نصروه بأسيافهم و رماحهم، فلا فضّلهم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في القسمة و لا آثرهم بالسبق، و اللّه سبحانه موف السابق و المجاهد يوم القيامة أعمالهم، و ليس لكما و اللّه عندي و لا لغيركما إلاّ

هذا، أخذ اللّه بقلوبنا و قلوبكم إلى الحقّ و ألهمنا و إيّاكم الصبر ثمّ قال: رحم اللّه امرأ رأى حقّا فأعان عليه، و رأى جورا فردّه و كان عونا للحقّ على من خالفه.

و رواه ابن عقدة الحافظ بأسانيده، كما نقله محمّد بن الحسن الطوسي في أواخر (أماليه)( ١) .

قولهعليه‌السلام : «لقد نقمتما» أي: أنكرتما و عتبتما.

«يسيرا و أرجأتما» أي: أخّرتما.

«كثيرا» نقمهما اليسير ما عرفت من طلبهما شيئا ليس لهما فيه حق، و إرجاؤهما الكثير ترك طاعتهما الإمام الواجب الإطاعة.

قال ابن أبي الحديد: روى الجاحظ أن طلحة و الزبير أرسلا إلى عليّعليه‌السلام قبل خروجهما محمّد بن طلحة و قالا له: لا تقل له يا أمير المؤمنين، و لكن قل له يا أبا الحسن، لقد فال فيك رأينا و خاب ظنّنا، أصلحنا لك الأمر و وطدنا ليك الإمرة، و أجلبنا على عثمان حتى قتل، فلمّا طلبك النّاس لأمرهم أسرعنا إليك و بايعناك، و قدنا إليك أعناق العرب، و وطى‏ء المهاجرون و الأنصار أعقابنا في بيعتك، حتّى إذا ملكت عنانك، استبددت برأيك عنّا و رفضتنا رفض التريكة، و أذللتنا إذلالة الإماء، و ملكت أمرك الأشتر و حكيم بن جبلة و غيرهما من الأعراب و نزاع الأمصار، فكنّا في ما رجوناه منك و أمّلناه من ناحيتك كما قال الأوّل:

فكنت كمهريق الذي في سقائه

لرقراق آل فوق رابية صلد

فلمّا أبلغه محمّد بن طلحة ذلك قال عليّعليه‌السلام له: قل لهما فما الذي يرضيكما؟ فذهب و جاء فقال: إنّهما يقولون ولّ أحدنا البصرة و الآخر الكوفة.

____________________

(١) الأمالي للشيخ الطوسيّ رحمه اللّه ٢: ٣٣٧ ٣٤١.

فقال: لاها اللّه إذن يحلم الاديم و يستسري الفساد، و تنتقض عليّ البلاد من أقطارها، و اللّه إنّي لا آمنهما و هما عندي بالمدينة، فكيف آمنهما و قد وليتهما العراقين؟ اذهب إليهما و قل لهما: أيّها الشيخان احذرا من اللّه و نبيّه على امّته، و لا تبغيا المسلمين غائلة و كيدا، و قد سمعتما قول اللّه تعالى: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتّقين( ١ ) . فقام و لم يعد إليه و تأخرا عنهعليه‌السلام أيّاما، ثم جاءاه فاستأذناه للخروج إلى مكة للعمرة، فأذن لهما بعد أن أحلفهما ألا ينقضا بيعة، و لا يغدرا به، و لا يشقّا عصا المسلمين، و لا يوقعا الفرقة بينهم، و أن يعودوا بعد العمرة إلى بيوتهما بالمدينة، فحلفا على ذلك كلّه ثم خرجا ففعلا ما فعلا( ٢) .

و روي انّهما لمّا خرجا قال عليّعليه‌السلام : و اللّه ما يريدان العمرة و إنّما يريدان الغدرة،... فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه و من أوفى بما عاهد عليه اللّه فسيؤتيه أجرا عظيما( ٣) .

و في (خلفاء ابن قتيبة): كان الزبير لا يشك في ولاية العراق، و طلحة في اليمن، فلمّا استبان لهما أنّ عليّاعليه‌السلام غير موليهما شيئا أظهرا الشكاة، فتكلّم الزبير في ملأ من قريش فقال: هذا جزاؤنا من علي قمنا له في أمر عثمان، حتّى أثبتنا عليه الذنب، و سببنا له القتل، و هو جالس في بيته و كفي الأمر، فلمّا نال بنا ما أراد جعل دوننا فوقنا. و قال طلحة: ما اللوم إلاّ لنا، كنّا ثلاثة من أهل الشورى كرهه أحدنا و بايعناه و أعطيناه ما في أيدينا و منعنا ما في يده( ٤) .

«ألا تخبراني أي شي‏ء لكما فيه حقّ دفعتكما عنه و أيّ» هكذا في

____________________

(١) القصص: ٨٣.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١١: ١٦.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١١: ١٧، و الآية ١٠ من سورة الفتح.

(٤) الإمامة و السياسة ١: ٥١.

(المصرية)( ١ ) ، و لكن في (ابن ميثم)( ٢ ) : (أو أيّ)، و في (ابن أبي الحديد)( ٣ ) : (أم أيّ).

«قسم» أي: تقسيم.

«استأثرت» أي: استبددت.

«عليكما به» كما كان عثمان يستأثر نفسه و أقاربه على النّاس.

«أم أيّ حق رفعه إليّ أحد من المسلمين ضعفت عنه أم جهلته أم أخطأت بابه» كما في المتقدمين عليه فقالوا: أمر عمر برجم حامل، فقال له معاذ: إن يكن لك عليها سبيل فلا سبيل لك على بطنها. فرجع عن حكمه و قال: لو لا معاذ لهلك عمر( ٤) .

و أمر أيضا برجم مجنونة فقال له عليّعليه‌السلام : إنّ القلم مرفوع عن المجنون حتّى يفيق( ٥ ) . فقال: «لو لا عليّ لهلك عمر»( ٦) .

«و اللّه ما كانت لي في الخلافة رغبة» فهوعليه‌السلام كان إماما بتعيين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له من قبل اللّه تعالى، و ليست الخلافة و السلطنة جزء للإمامة كالنبوة و إن كانت حقّها.

«و لا في الولاية» على النّاس.

«إربة» اي: حاجة.

«و لكنّكم دعوتموني إليها و حملتموني عليها فلمّا أفضت» أي: الخلافة.

«إليّ نظرت إلى كتاب اللّه و ما وضع لنا و أمرنا بالحكم به فاتّبعته و ما استن»

____________________

(١) نهج البلاغة ٢: ٢١٠.

(٢) في شرح ابن ميثم ٤: ٩ «و أيّ» أيضا.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١١: ٧.

(٤) ذكره العلاّمة الأمينيّ رحمه اللّه مع مصادره في الغدير ٦: ١٣٢ فراجع.

(٥) مسند أحمد ١: ١٤٠ و ١٥٤، فضائل الصحابة ٢: ٧١٩، المناقب للخوارزمي: ٨٠.

(٦) هذه الكلمة قالها عمر بن الخطّاب في موارد شتّى، انظر في تبيين مواضعها ملحقات إحقاق الحقّ ٨: ١٨٢ ١٩٢.

هكذا في (المصرية)( ١ ) ، و الصواب: (و ما استسن) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٢ ) و (الخطية).

«النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاقتديته» و هكذا كان مذهبهعليه‌السلام في عدم حجيّة غير كتاب اللّه تعالى و سنّة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

«فلم احتج في ذلك إلى رأيكما و لا رأي غيركما» لأنّ كل شي‏ء مذكور في كتاب اللّه و سنة نبيّه، و إن كان باقي الصحابة لم يعرفوا ذلك.

«و لا وقع حكم جهلته فأستشيركما و إخواني المسلمين» كما كان من تقدم عليه كذلك فقالوا: جاءت امرأة إلى عمر فقالت: إنّ زوجي يصوم النّهار و يقوم الليل، و إنّي أكره أن أشكوه و هو يعمل بطاعة اللّه. فقال لها عمر: نعم الزوج زوجك. فجعلت تكرّر إليه القول و هو يكرّر عليها الجواب. فقال كعب بن سور لعمر: إنّها تشكو زوجها في مباعدته إيّاها عن فراشه. ففطن عمر حينئذ و قال له: قد وليّتك الحكم بينهما. فقال كعب لعمر: إنّ اللّه أحلّ لزوجها من النّساء مثنى و ثلاث و رباع، فله ثلاثة أيام و لياليهنّ يعبد فيها ربّه، و لها يوم و ليلة.

فقال له عمر: و اللّه ما أعلم من أي أمر بك أعجب، أمن فهمك أمرهما، أم من حكمك بينهما، اذهب قد وليّتك قضاء البصرة( ٣) .

«و لو كان ذلك» على طريق الفرض.

«لم أرغب عنكما و لا عن غيركما» و إلاّ فكان وقوع ذلك منهعليه‌السلام محالا.

«و أما ما ذكرتما من أمر الاسوة» أي: المساواة بين النّاس في قسمة الغنيمة.

«فإنّ ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي و لا ولّيته هوى مني، بل وجدت أنا و أنت

____________________

(١) نهج البلاغة ٢: ٢١٠.

(٢) في شرح ابن أبي الحديد ١١: ٧ و شرح ابن ميثم ٤: ٩ «استنّ» أيضا.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٢: ٤٦ ٤٧.

ما جاء به رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد فرغ منه، فلم احتج إليكما فيما قد فرغ اللّه من قسمه و أمضى فيه حكمه» و هذا دليل على كون التفضيل الذي أحدثه عمر بدعة منكرة، فقد عرفت من رواية الإسكافي( ١ ) أنّهعليه‌السلام قال لهما: ما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي؟ قالوا: خلافك عمر في القسم أنّك جعلت حقّنا في القسم كحقّ غيرنا. فقالعليه‌السلام لهما: إنّ كتاب اللّه و سنّة نبيّه على التسوية فكيف يمكن إعمال الرأي في قبالهما.

و كما رضيعليه‌السلام بترك حقّه لمّا قال له ابن عوف: ابايعك على أن تعمل بسنّة الرجلين، دلالة على بطلان سنتهما، كذلك رضي بتزلزل أمره بخروج طلحة و الزبير عليه فيتعقبه قيام معاوية، دون إجابتهما إلى التفضيل، دلالة على كون فعل عمر مخالفا لصريح القرآن و السنّة.

«فليس لكما و اللّه عندي و لا لغيركما في هذا» أي: أمر الأسوة.

«عتبى» أي: حقّ. عودا إلى مقصدكما و ما يرضيكما، لكونها خلاف الشريعة.

«أخذ اللّه بقلوبنا و قلوبكم إلى الحقّ» حتى لا نستدعي الباطل.

«و ألهمنا و إيّاكم الصبر» على العمل بالحقّ.

«ثم قال: رحم اللّه امرأ» هكذا في (المصرية)( ٢ ) ، و الصواب: (رجلا) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٣ ) و (الخطية).

«رأى حقا فأعان عليه»... و تعاونوا على البرّ و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان...( ٤) .

____________________

(١) مضت آنفا.

(٢) نهج البلاغة ٢: ٢١١.

(٣) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١١: ٨، و لكن في شرح ابن ميثم ٤: ١٠ «امرأ» أيضا.

(٤) المائدة: ٢.

«أو رأى جورا فردّه» فهو الواجب على كلّ مسلم.

«و كان عونا بالحقّ على صاحبه» هكذا في النسخ( ١ ) ، و الأصحّ ما في رواية الإسكافي( ٢ ) : (و كان عونا للحقّ على من خالفه).

٧ - الخطبة (١٣٦) و من كلام لهعليه‌السلام :

لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً وَ لَيْسَ أَمْرِي وَ أَمْرُكُمْ وَاحِداً إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ وَ أَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا اَلنَّاسُ أَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَأُنْصِفَنَّ اَلْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ وَ لَأَقُودَنَّ اَلظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ اَلْحَقِّ وَ إِنْ كَانَ كَارِهاً أقول: الأصل في هذا الكلام ما رواه (الإرشاد): عن الشعبي عنهعليه‌السلام حين تخلّف ابن عمر و سعد و أسامة و حسان و محمّد بن مسلمة عن بيعته، فقال الشعبي: لمّا توقف هؤلاء عن بيعته، حمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أيّها النّاس إنّكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان من قبلي، و إنّما الخيار للناس( ٣ ) قبل أن يبايعوا، فإذا بايعوا فلا خيار لهم، و إنّ على الإمام الاستقامة و على الرعية التسليم، و هذه بيعة عامّة من رغب عنها رغب عن دين الإسلام و اتّبع غير سبيل أهله، و لم تكن بيعتكم إيّاي فلتة، و ليس أمري و أمركم واحدا، و إنّي اريدكم للّه و أنتم تريدونني لأنفسكم، و ايم اللّه لأنصحن للخصم

____________________

(١) نهج البلاغة ٢: ٢١١، شرح ابن أبي الحديد ١١: ٨، شرح ابن ميثم ٤: ١٠.

(٢) مضت آنفا.

(٣) قال العلاّمة المجلسي رحمه اللّه في البحار ٣٢: ٣٣ ما لفظه: «إنّما الخيار» أي: بزعمكم و على ما تدّعون من ابتناء الأمر على البيعة.

و لأنصفن للمظلوم، و قد بلغني عن سعد و ابن مسلمة و اسامة و عبد اللّه و حسّان امور كرهتها، و الحقّ بيني و بينهم( ١) .

و ما رواه الدينوري مرفوعا قال: لمّا قتل عثمان بقي النّاس ثلاثة أيّام بلا إمام، و كان الذي يصلّي بالناس الغافقي، ثم بايع النّاس عليّاعليه‌السلام فقال: أيّها النّاس بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، و إنّما الخيار قبل أن تقع البيعة، فإذا وقعت فلا خيار، و إنّما عليّ الاستقامة و على الرعية التسليم، و إنّ هذه بيعة عامّة من ردّها رغب عن دين الإسلام و إنّها لم تكن فلتة( ٢) .

«لم تكن بيعتكم إيّاي فلتة» كما كانت بيعة أبي بكر، كما صرّح به عمر.

ففي (تاريخ اليعقوبي): استأذن قوم من قريش عمر في الخروج للجهاد فقال: قد تقدّم لكم مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّي آخذ بحلاقيم قريش على أفواه هذه الحرّة، لا يخرجوا فيسللوا بالناس يمينا و شمالا. فقال له عبد الرحمن بن عوف: و لم تمنعنا من الجهاد؟ فقال: لأن أسكت عنك فلا اجيبك خير لك من أن أجيبك.

ثم اندفع يحدّث عن أبي بكر حتّى قال: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه شرّها، فمن عاد لمثلها فاقتلوه( ٣) .

و في (الطبري): عن ابن عباس قال: حججنا مع عمر و إنّي لفي منزلي بمنى إذ جاءني عبد الرحمن بن عوف فقال: شهدت اليوم عمر و قام إليه رجل فقال: إنّي سمعت فلانا يقول: لو قد مات عمر لبايعت فلانا فقال عمر: إنّي لقائم العشيّة في النّاس احذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا النّاس أمرهم. فقلت له: إنّ الموسم يجمع رعاع النّاس و غوغاءهم، و هم الذين يقربون من مجلسك و يغلبون عليه، و أخاف أن تقول مقالة لا يعونها و لا

____________________

(١) الإرشاد ١: ٢٤٣ ٢٤٤، بحار الأنوار ٣٢: ٣٣.

(٢) الأخبار الطّوال: ١٤٠.

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٥٧ ١٥٨.

يحفظونها فيطيروا، و لكن امهل حتّى تقدم المدينة و تخلص بأصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتقول فيعوا مقالتك. فقال: و اللّه لأقومن بها أوّل مقام أقومه بالمدينة.

قال ابن عباس: فلمّا قدمنا المدينة و جاء يوم الجمعة، هجرت للحديث الذي حدثنيه عبد الرحمن إلى أن قال فقال عمر على المنبر: بلغني أن قائلا منكم يقول: لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغرنّ امرأ أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقد كانت كذلك، غير أن اللّه وقى شرّها، و ليس فيكم من يقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر. و أنّه كان من خبره حين توفي النبيّ أنّ عليّا و الزبير و من معهما تخلفوا عنّا في بيت فاطمة، و تخلّفت عنّا الأنصار بأسرها...( ١) .

و قال الجاحظ: إنّ الرجل الذي قال: (لو مات عمر لبايعت فلانا) كان عمّار بن ياسر فإنّه قال: لو قد مات عمر لبايعت عليّاعليه‌السلام ( ٢) .

و روى ابن الهيثم بن عدي في كتابه كما نقل الفضل بن شاذان في (إيضاحه) و المرتضى في (شافيه) و الهيثم من مصنّفيهم كما ذكره المسعودي في أوّل (مروجه)( ٣ ) عن عبد اللّه بن عباس الهمداني، عن سعيد بن جبير عن أبن عمر في خبر قال: أشهد أنّي كنت عند أبي يوما و قد أمرني أن أحبس النّاس عنه، فاستأذن عليه عبد الرحمن بن أبي بكر فقال أبي: دويبة سوء و لهو خير من أبيه. فأوحشني ذلك منه فقلت: يا أبة عبد الرحمن خير من أبيه؟ فقال: و من ليس بخير من أبيه لا أمّ لك ايذن له. فدخل فكلّمه في الحطيئة و قد كان عمر حبسه في شعر قاله فقال له عمر إنّ في الحطيئة أودا فدعني اقوّمه بطول حبسه، فألحّ عبد الرحمن عليه و أبى هو، فخرج عبد الرحمن فأقبل

____________________

(١) تاريخ الطبريّ ٣: ٢٠٣ ٢٠٥، سنة ١١، و النقل بتلخيص.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٢: ٢٥.

(٣) مروج الذهب ١: ٧١.

عليّ أبي و قال: أ في غفلة أنت إلى يومك هذا عمّا كان من تقدم احيمق بني تيم عليّ و ظلمه لي؟ فقلت: لا علم لي بذلك، قال: فما عسيت يا بنيّ أن تعلم؟ فقلت له:

و اللّه أحب إلى النّاس من ضياء أبصارهم، قال: إنّ ذلك لكذلك على رغم أبيك، قلت: أ فلا تجلي عن فعله بموقف في النّاس تبيّن ذلك لهم؟ قال: فكيف لي بذلك مع ما ذكرت إذا يرضخ رأس أبيك بالجندل. قال: ثمّ تجاسر و اللّه فما دارت الجمعة حتى قام خطيبا فقال: أيّها النّاس إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى اللّه شرّها، فمن دعاكم إلى مثلها فاقتلوه( ١) .

و عن مجالد بن سعيد قال: غدوت يوما إلى الشعبيّ إذ أقبل رجل من الأزد فجلس إلينا، فأخذ الأزدي في ذكر أبي بكر و عمر، فضحك الشعبي و قال:

لقد كان في صدر عمر ضبّ( ٢ ) على أبي بكر إلى أن قال بعد ذكر استغراب الأزدي لذلك فقال الشعبي له: فكيف تصنع بالفلتة التي وقى اللّه شرها، أ ترى عدوّا يقول في عدوّ يريد ان يهدم ما بنى لنفسه في النّاس، أكثر من قول عمر في أبي بكر؟ فقال الأزدي: سبحان اللّه أنت تقول ذلك؟ فقال: أنا أقوله قاله عمر على رؤس الأشهاد، فلم أدعه...( ٣) .

و المفهوم من سوق الكلام و مقتضى المقام أنّ عمر كان ينكر أن يعقد إمامة ببيعة النّاس، كما صنعت لأبي بكر و اعتقاده أنّ الامامة انّما يجب أن تكون إمّا بنص مفصل كما نصّ أبو بكر عليه، أو مجمل كما صنع هو لعثمان.

و امّا من دعا النّاس إلى بيعته كما أرادت قريش طلحة و الزبير و غيرهما في أيّامه أن يخرجوا من المدينة باسم الجهاد، و كما خرج طلحة و الزبير في أيّام أمير المؤمنينعليه‌السلام باسم العمرة إلى مكة، و يدعو النّاس إلى

____________________

(١) الإيضاح: ١٣٥ ١٣٨، الشافي ٤: ١٢٦ ١٢٩، الصراط المستقيم ٣: ٣٠٢، و النقل بتصرّف و تلخيص.

(٢) الضبّ: الحقد، نقول: أضبّ فلان على غلّ في قلبه، أي أضمره. الصحاح ١: ١٦٧، مادة: (ضبب).

(٣) الإيضاح: ١٣٩ ١٤٠، الشافي ٤: ١٢٦ ١٢٩، و النقل بتصرّف.

بيعتهم كأبي بكر و يدل على ذلك قول ابن عوف له في رواية اليعقوبي( ١ ) : لم تمنعنا من الجهاد؟ و جواب عمر له: لا اجيبك خير لك، و كما أراد عمّار في رواية الطبري( ٢ ) دعوة النّاس بعد موت عمر إلى أمير المؤمنين، لعدم جرأته على ذلك في أيّام عمر فهو عند عمر أمر منكر ذو مفاسد كثيرة، و إنّما كانت بيعة النّاس لأبي بكر كذلك فلتة و تصادفا و اتفاقا سلموا من عواقبها بأمور:

الأوّل: اجتماع الأنصار لمّا رأوا طمع قريش في الإمارة عليهم بمنعهم نبيّهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الوصيّة، و تخلفهم عن جيش أكّد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتجهيزه حتى لعن المتخلّف عنه فقالوا: لمّا رأوا ذلك إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لبث بضع عشرة سنة في قريش بمكّة فما آمن به أكثرهم، و من آمن به منهم ما قدروا أن يمنعوه عن أعدائه، و انّما استقامت العرب له طوعا و كرها بنصر الأنصار له، فهم أولى بسلطانه من قريش الطامعين.

و الثاني: أنّ سعد بن عبادة رئيسهم كان مريضا، فقال لابنه قيس: إنّي لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلّهم كلامي، فكان يتكلّم سعد و يحفظ ابنه قوله و يسمعه النّاس( ٣ ) ، و لذا قال سعد لعمر لمّا قال اقتلوا سعدا: أما و اللّه لو أن لي بكم قوّة أقوى على النهوض لسمعت مني في أقطارها و سككها زئيرا يحجرك و أصحابك، و إذن لألحقنّك و اللّه بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع( ٤) .

و الثالث: أنّ بشير بن سعد الخزرجي ابن عمّ سعد بن عبادة حسده أن يصير أميرا، فبادر إلى بيعة أبي بكر قبل الجميع حتّى قبل عمر، فقال له الحبّاب بن المنذر: عققت عقاق أنفست على ابن عمّك الإمارة( ٥) .

____________________

(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٥٧ ١٥٨.

(٢) تاريخ الطبريّ ٣: ٢٠٥، سنة ١١.

(٣) تاريخ الطبريّ ٣: ٢١٨، سنة ١١، شرح ابن أبي الحديد ٦: ٥.

(٤) تاريخ الطبريّ ٣: ٢٢١، سنة ١١.

(٥) تاريخ الطبريّ ٣: ٢٢١، سنة ١١، الإمامة و السياسة ١: ٩.

و الرابع: أنّ الأوس كانوا منافسين للخزرج في الجاهليّة و الإسلام، فاغتنموا الفرصة لمّا رأوا عمل بشير ابن عم سعد معه، فقال اسيد بن حضير رئيس الأوس لهم: و اللّه لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، و لا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبدا، فقوموا فبايعوا أبا بكر فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد و الخزرج ما كانوا أجمعوا من أمرهم( ١) .

و الخامس: أن أمير المؤمنينعليه‌السلام و بني هاشم كانوا مشتغلين بتجهيز النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و لم يحضر أحد منهم السقيفة، و لو حضروا كيف يعقل أن يحاجّ أبو بكر مع الأنصار و يقول لهم في مقابل نصرتهم له: إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا بعث عظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فخصّ اللّه المهاجرين الأوّلين من قومه بتصديقه، و المواساة له، و الصبر معه على شدّة أذى قومه و تكذيبهم له؟

و كيف يمكن لعمر أن يقول لهم: و اللّه لا ترضى العرب أن يؤمروكم و نبيّها من غيركم، و لكن العرب لا تمتنع أن تولّي أمرها من كانت النبوّة فيهم، و من ذا ينازعنا سلطان محمّد و إمارته و نحن أولياؤه و عشيرته إلاّ مدل بباطل( ٢) .

فلمّا أخرجوا أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد قهرا إلى بيعتهم قالعليه‌السلام لهم: لا ابايعكم و أنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار و احتججتم عليهم بالقرابة من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و تأخذوه منّا أهل البيت غصبا، ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم، لمّا كان محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منكم؟ فأعطوكم المقادة و سلّموا إليكم الإمارة، فإذن أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار، نحن أولى برسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيّا و ميّتا، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون، و إلاّ فبوؤا بالظلم و أنتم تعلمون. و حتّى إنّ بشير بن سعد الذي كان أوّل من

____________________

(١) المصدر نفسه ٣: ٢٢١ ٢٢٢، سنة ١١.

(٢) الإمامة و السياسة ١: ٧ ٨.

بايع أبا بكر، حتّى قبل عمر، لمّا سمعهعليه‌السلام قال لأبي بكر و عمر نحن أحقّ بهذا الأمر لأنّا أهل البيت إلى آخر ما مر قال لهعليه‌السلام : لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا عليّ قبل بيعتها لأبي بكر، ما اختلفت عليك، فقالعليه‌السلام له: أفكنت أدع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيته لم أدفنه و أخرج انازع بسلطانه.

و كذلك لمّا كانعليه‌السلام يخرج بفاطمة ليلا إتماما للحجّة لسؤال الأنصار النصرة، كانوا يقولون لها: يا بنت رسول اللّه قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، و لو أنّ زوجك و ابن عمّك سبق قبل أبي بكر ما عدلنا عنه، فتقولعليها‌السلام لهم: ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له، و لقد صنعوا ما اللّه حسيبهم( ١) .

و لمّا دعا عمر بالحطب و قال: و الذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنها على من فيها، وقفت فاطمةعليها‌السلام على بابها و قالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جنازة بين أيدينا و قطعتم أمركم بينكم( ٢) .

و السادس: أن أمير المؤمنينعليه‌السلام كان وتر قريش، فلم يرضوا أن ينتقل الأمر إليهعليه‌السلام ، و لم يكن فيهم أنفسهم من يتصديه بشخصه لكون أكثرهم من الطلقاء و المؤلفة، و كون إسلام أبي بكر أقدم من إسلامهم حتّى من إسلام عمر، و كونه ذا سياسة زائدة مع طبيعة لينة، و صيرورة مصاحبته للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الغار سببا لاشتهاره و مستمسكا للتلبيس به على العامّة، و كون بنته عايشة التي لم تكن في السياسة و الجلارة دون أبيها في بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و بواسطتها زيد على مصاحبة غاره أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له بالصلاة في مرض موته، و بهما تمسّك عمر في تقديمه. و قد وصف عمر بغض قريش لهعليه‌السلام كبغض الثور لجازره، فقال يوما لابن عباس: أنتم أهل النبيّ و بنو عمّه فما

____________________

(١) المصدر نفسه ١: ١٢.

(٢) المصدر نفسه.

تقول منع قومكم عنكم؟ قال: لا أدري و اللّه ما أضمرنا لهم إلاّ خيرا، قال: اللهمّ غفرا ان قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة و الخلافة، فتذهبوا في السماء شمخا و بذخا، و لعلكم تقولون إنّ أبا بكر كان أوّل من أخّركم، أما إنّه لم يقصد ذلك و لكن حضر أمر لم يكن بحضرته أحزم مما فعل، و لو لا رأي أبي بكر فيّ لجعل لكم من الأمر نصيبا، و لو فعل ما هناكم مع قومكم أنّهم ينظرون إليكم نظر الثور إلى جازره.

و السابع: أنّ قريشا كانوا أهل دنيا، و كانوا يريدون الإمارة و السلطنة، و كانوا علموا أنّه إن تصدّى أمير المؤمنينعليه‌السلام للأمر لم يجعله إلاّ في المعصومين من عترته، فجعلوه في أبي بكر و هو نظيرهم ليردّه إليهم، و ليكون لهم به سبب يدعونه، فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام في كتاب كتبه ليقرأ على النّاس لمّا سألوه عن الثلاثة و قد رواه ابن قتيبة و الثقفي و غيرهما:

و جعلني عمر سادس ستّة فما كانوا لولاية أحد منهم بأكره منهم لولايتي، لأنّهم كانوا يسمعونني و أنا احاج أبا بكر و أقول: يا معشر قريش أنا أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان منّا من يقرأ القرآن و يعرف السنّة، فخشوا إن وليت عليهم ألا يكون لهم في هذا الأمر نصيب، فتابعوا إجماع رجل واحد حتّى صرفوا الأمر منّي لعثمان، فأخرجوني منها رجاء أن يتداولوها حين يئسوا أن ينالوها، ثمّ قالوا لي: هلم فبايع و إلاّ جاهدناك. فبايعت مستكرها و صبرت محتسبا...( ١) .

و رووا عن جندب خبرا طويلا و أنّهعليه‌السلام قال لجندب لمّا قال لهعليه‌السلام : ادع النّاس إلى نفسك: لا يجيبني من المائة واحد، سأخبرك أنّ النّاس إنّما ينظرون إلى قريش فيقولون هم قوم محمّد و قبيلته، و أما قريش في ما بينها

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ١٥٥، الغارات للثقفيّ ١: ٣٠٧ ٣٠٨.

فيقولون إنّ آل محمّد يرون لهم على النّاس بنبوّته فضلا، يرون أنّهم أولياء هذا الأمر دون قريش و دون غيرهم من النّاس، و أنّهم إن ولّوه لم يخرج السلطان منهم إلى أحد أبدا، و متى كان في غيرهم تداولته قريش بينها، لا و اللّه لا يدفع النّاس هذا الأمر إلينا طائعين أبدا...( ١) .

و الثامن: أن معين أبي بكر كان مثل عمر تلك الحوزة الخشناء، التي يغلظ كلمها، و يخشن مسّها، و لولاه لمّا تم الأمر له، و قد صرّح النظام بأن عمر هو الذي جعل أبا بكر خليفة. فتارة كان عمر يخاصم الحباب بن المنذر بأنّه من ينازعنا سلطان محمّد و نحن عشيرته، و اخرى يقول: اقتلوا سعدا قتله اللّه.

و يقوم على رأسه و يقول: لقد هممت أن أطأك حتى يندر عصوك، و اخرى يقول في الزبير لمّا خرج بالسيف من عند بني هاشم: عليكم بالرجل فخذوه.

فوثبوا عليه و أخذوا السيف منه، و انطلقوا به فبايع. و يدعو بالحطب على باب أهل البيت و يقول: و الذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنّها، فقيل له إنّ فيها فاطمة. فقال: و إن، فخرج الهاشميون غيرهعليه‌السلام فبايعوا. و اخرى يقول لأبي بكر مرة بعد مرة: ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة يعني أمير المؤمنينعليه‌السلام فيرسل أبو بكر قنفذا بأنّ خليفة النبيّ يدعوك فيقولعليه‌السلام :

سريعا كذب على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيجي‏ء عمر بنفسه مع جماعة إلى الباب. و مع أنّ فاطمةعليها‌السلام تصيح: يا أبه يا رسول اللّه ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب و ابن أبي قحافة فانصرف عدّة منهم لأنّ قلوبهم كادت تتصدّع و أكبادهم تتفطّر من بكاء فاطمةعليها‌السلام و كلامها لم يكترث عمر بذلك و بقي مع عدّة حتّى أخرج أمير المؤمنينعليه‌السلام و مضى به إلى أبي بكر و يقول لهعليه‌السلام : إن لم تبايع و اللّه الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك، و كانعليه‌السلام يصيح مخاطبا للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٥٧ ٥٨.

ابن ام ان القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني...( ١ ) فلم يخلّه حتّى أخذ منه البيعة.

و اخرى يقول للعبّاس لمّا قال هو و أبو بكر له بإشارة المغيرة عليهما، أن يجعلا له سهما في الأمر فيضعف عليّ لكون العباس عم النبيّ إي و اللّه و اخرى إنّا لم نأتكم حاجة منّا إليكم، و لكنّا كرهنا أن يكون الطعن منكم في ما اجتمع عليه العامّة، فيتفاقم الخطب بكم و بهم فانظروا لأنفسكم.

و أيضا لمّا قدم خالد بن سعيد بن العاص من اليمن بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و قد كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولاّه المدينة لم يبايع كما في (سقيفة الجوهري) أبا بكر أيّاما، ثم أتى بني هاشم و قال: أنتم الظهر و البطن و الشعار دون الدثار و العصا دون اللحا إلى أن قال: فولاّه أبو بكر الجند الذي استنفرهم إلى الشام، فقال عمر لأبي بكر: أتولّي خالدا و قد حبست عليك بيعتة. و قال لبني هاشم ما قال، ما أرى أن توليه و ما آمن خلافه، فولّى أبو بكر أبا عبيدة و يزيد بن أبي سفيان و شرحبيل بن حسنة و انصرف عن خالد( ٢) .

ثم ما ذكرنا من ميل قريش إلى أبي بكر رغبة عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، و قيام عمر بتلك الامور لإتمام بيعة أبي بكر، هو معنى قول عمر في خطبته في الفلتة: (و ليس منكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر)، إلاّ أنّك عرفت الحقيقة و أنّ قطع الأعناق إلى أبي بكر لبيعته، كان على أنحاء منها: تسابق عمر و أبي عبيدة للبيعة لتواطئهما معه بردّها اليهما، و منها سبقة بشير بن سعد حسدا لابن عمّه سعد بن عبادة أن ينال الإمارة ثمّ جميع الأوس حسدا أن ينالها خزرجي، ثم بيعة باقي طوائف قريش من مخزوم و زهرة و اميّة و غيرهم طمعا أن ينالوها بواسطته، و ثمّ بيعة بني هاشم بإحراق البيت و ضرب

____________________

(١) الأعراف: ١٥٠.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٢: ٥٨ ٥٩، السقيفة للجوهريّ: ٥٢ ٥٣.

الأعناق لو لم يبايعوا و باقي النّاس بالإكراه.

فرووا عن البراء بن عازب في خبر قال: و إذا قائل يقول: القوم في سقيفة بني ساعدة، و إذا قائل آخر يقول: قد بويع أبو بكر. فلم ألبث و إذ أنا بأبي بكر قد أقبل و معه عمر و أبو عبيدة و جماعة من أصحاب السقيفة، و هم محتجزون بالأزر الصنعائيّة لا يمرّون بأحد إلاّ خبطوه، و قدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أنكر...( ١) .

ثم بيعة أمير المؤمنين لم تكن محتاجة إلى قطع الأعناق إليه، بل كانت الأعناق تتقطّع دونها، فتداكّوا عليه تداك الإبل الهيم يوم ورودها، قد أرسلها راعيها و خلعت مثانيها، و أقبلوا إليه إقبال العوذ المطافيل على ولدها، حتّى كاد أن يقتل بعضهم بعضا، و حتّى شق عطفاه و حتى وطى‏ء الحسنانعليهما‌السلام و كان يقبض يده فيبسطوها، و يكفها فيجاذبوها بدون غرض نفساني، بل و كان يقبض يده فيبسطوها، و يكفها يجاذبوها بدون غرض نفساني، بل لكونه أقرب النّاس إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيّا و ميّتا، و أعلم النّاس بكتابه و سنّته، و سوابقه التي لم يشاركه فيها أحد.

ثمّ إنّ عمر و إن قال في خطبته: «فمن عاد إلى مثل بيعة أبي بكر فاقتلوه»( ٢ ) ، و أراد بذلك أن تبقى الخلافة فيهم و لا تنتقل إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فيتداولونها بينهم من يد إلى يد ككرة اللعب فقد عرفت أنّه خطب بما خطب لمّا سمع ان عمّارا قال أنه يبايع عليّاعليه‌السلام إن مات عمر إلاّ ان النّاس لمّا رأوا أن من عيّنه عمر في شوراه و هو عثمان، سار فيهم بما سار، خافوا أن يسير باقي أهل شوراه حقيقة (طلحة و الزبير و سعد) بما عاملهم به عثمان، فبادروا إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام بتلك الكيفيّة، و قد كان عمّار قال لهم:

رأيتم سيرة عثمان بالأمس، فإن لم تنظروا لأنفسكم تقعون في مثله، فخاب

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١: ٢١٩.

(٢) الإيضاح: ١٣٥ ١٣٨، الشافي ٤: ١٢٦ ١٢٩.

أمل عمر و بطل ما دبّر في مدة، لكن آل الأمر إلى انقطاعه بقيام طلحة و الزبير، لكونهما من شورى عمر، ثمّ قيام معاوية لكونه والي عمر و لقد كان عمر يتأوّه شديدا حيث يفكّر و يدبّر ألا يدع يرجع الأمر إليهعليه‌السلام يوما، فيحصل له بسط يد فيوضح الأمر للناس، و يحصل له شيعة فرأى أن ذلك لا يحصل له بتمامه، فكان يتمنّى تارة حياة أبي عبيدة الذي كان أبو بكر يقول للناس:

«بايعوا عمر أو أبا عبيدة» و هما يقولان: «كيف نقدمك»، و اخرى حياة سالم مولى أبي حذيفة، و هو من أعوانه و أعوان صاحبه يوم السقيفة.

ثم إنّ من المضحك أن سيف بن عمر الذي طريق الطبري الغالبي إليه (السري عن شعيب عنه) و طريقه النادر (عبيد اللّه عن عمر عنه) أنكر المتواتر من عدم بيعة سعد بن عبادة مع أبي بكر فقال ببيعته، و أنّ الفلتة تأمّل سعد أوّلا فقال: لمّا قام الحبّاب و انتضى سيفه، حامله عمر فضرب يده فندر السيف فأخذه، و وثبوا على سعد و تتابع القوم على البيعة، و بايع سعد و كانت فلتة كفلتات الجاهلية، قام أبو بكر دونها( ١) .

و كيف أراد سيف ستر كون بيعة أبي بكر فلتة و قد ضرب بها المثل؟

ففي (أدباء الحموي): انفلت ليلة في مجلس الصاحب بن عباد صوت من بعض الحاضرين، و الصاحب في الجدل فقال: كانت بيعة أبي بكر فخذوا في ما أنتم فيه( ٢) .

قولهعليه‌السلام في رواية (أخبار طوال) أبي حنيفة الدينوري و (إرشاد) المفيد: و إنّ هذه بيعة عامّة من ردّها أو (من رغب عنها) رغب عن دين الإسلام( ٣) .

____________________

(١) تاريخ الطبريّ ٣: ٢٢٣، سنة ١١.

(٢) معجم الأدباء ٦: ٢١٧.

(٣) الأخبار الطوال: ١٤٠، الإرشاد ١: ٢٤٣.

قالعليه‌السلام ذلك لأنّها كانت بمنزلة بيعة الأنصار للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة العقبة، و بيعة المؤمنين لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحت الشجرة.

و قال اليعقوبي: لمّا بايعوا عليّاعليه‌السلام قام عقبة بن عمرو فقال: من له يوم كبيعة الرضوان و الإمام الهدى الذي لا يخاف جوره، و العالم الذي لا يخاف جهله( ١) .

هذا و في (تذكرة) سبط ابن الجوزي: ذكر صاحب كتاب (عقلاء المجانين)، عن أبي هذيل العلاف قال: سافرت مع المأمون إلى الرقة فبينا أنا أسير في الفرات إذ مررنا بدير فيه مجنون يتكلّم بالحكمة إلى أن قال: قال أبو الهذيل قال ذاك المجنون لي: أخبرني عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هل أوصى؟ قلت: لا.

قال: فكيف ولّي أبو بكر مجلسه من غير وصيّة؟ فقلت: اختاره المهاجرون و الأنصار و رضي به النّاس، فقال: كيف اختاره المهاجرون و قد قال الزبير لا ابايع الاّ عليّا و كذا العباس، و كيف اختاره الأنصار و قد قالوا: منّا أمير و منكم أمير و ولوا سعد بن عبادة و قال عمر اقتلوا سعدا قتله اللّه و كيف تقول رضي به النّاس و قد قال سلمان الفارسي (كرديد نكرديد)، فوجئت عنقه، و قال أبو سفيان لعليّعليه‌السلام : مد يدك ابايعك، و ان شئت ملأتها خيلا و رجالا، ثم قعد بنو هاشم عن بيعة أبي بكر ستة أشهر، فأين الإجماع؟ و لمّا قتل عثمان جاء المسلمون و الصحابة ارسالا إلى عليّ ليبايعوه، فلم يفعل حتى قالوا: و اللّه لئن لم تفعل لنلحقنّك بعثمان، فأخبرني أيما آكد من ضرب سعدا و وجاء عنق سلمان كمن جاء النّاس إليه يكرهونه على البيعة معه؟ قال أبو الهذيل فلم أحر جوابا و سقط في يدي، فحدثت المأمون حديثه فاستطرفه و بقي زمانا يستعيده منّي( ٢) .

____________________

(١) تاريخ اليعقوبيّ ٢: ١٧٩.

(٢) تذكرة الخواصّ: ٦٠ ٦٢، و نقله الشارح بتصرّف.

«و ليس أمري و أمركم واحدا إنّي اريدكم للّه» في (تاريخ اليعقوبي): لمّا بويع عليّعليه‌السلام قام صعصعة بن صوحان فقال لهعليه‌السلام : و اللّه لقد زينت الخلافة و ما زانتك، و رفعتها و ما رفعتك، و لهي إليك أحوج منك إليها.

و قام خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين فقال لهعليه‌السلام : ما أصبنا لأمرنا هذا غيرك، و لا كان المنقلب إلاّ إليك، و لئن صدقنا أنفسنا فيك لأنت أقدم النّاس ايمانا، و أعلم النّاس باللّه و أولى المؤمنين بالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لك ما لهم و ليس لهم ما لك.

و قام ثابت بن قيس خطيب الأنصار فقال لهعليه‌السلام : و اللّه لئن كانوا تقدموك في الولاية فما تقدموك في الدين، و لقد كانوا و كنت لا يخفى موضعك و لا يجهل مكانك، يحتاجون إليك فيما لا يعلمون و ما احتجت إلى أحد مع علمك.

و قام الأشتر فقال: أيّها النّاس هذا وصيّ الأوصياء، و وارث علم الأنبياء، العظيم البلاء، الحسن العناء، الذي شهد له كتاب اللّه بالإيمان، و رسوله بجنّة الرضوان، من كملت فيه الفضائل، و لم يشك في سابقته و علمه و فضله الأواخر و الأوائل( ١) .

«و أنتم تريدوني» هكذا في (المصرية)( ٢ ) ، و الصواب: (تريدونني) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم( ٣ ) و الخطيّة).

«لأنفسكم» قال عمّار للناس قبل بيعتهم لهعليه‌السلام : أيّها النّاس رأيتم سيرة عثمان بالأمس، فان لم تنظروا لأنفسكم تقعون في مثله.

«أيّها النّاس أعينوني على أنفسكم، و ايم اللّه لأنصفن المظلوم من ظالمه»

____________________

(١) تاريخ اليعقوبيّ ٢: ١٧٩.

(٢) نهج البلاغة ٢: ٢٦.

(٣) كذا في شرح ابن أبي الحديد ٩: ٣١، و لكن في شرح ابن ميثم ٣: ١٦٤ «تريدوني» أيضا.

هكذا في (المصرية)( ١ ) ، و الصواب: زيادة كلمة (من ظالمه) و كونها حاشية خلطت بالمتن، لعدم وجودها في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية)( ٢) .

«و لأقودن الظالم بخزامة» الخزامة: حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير يشد بها الزمام قال الجوهري: و يقال لكل مثقوب مخزوم، و الطير كلّها مخزومة لأن وترات انوفها مثقوبة( ٣) .

«حتّى اورده منهل» المنهل: موضع الورود على الماء.

«الحقّ و إن كان كارها» في (تاريخ اليعقوبي): بايع النّاس عليّاعليه‌السلام إلاّ ثلاثة من قريش، مروان بن الحكم و سعيد بن العاص و الوليد بن عقبة و كان لسانهم فقال: يا هذا إنّك وترتنا جميعا أما أنا فقتلت أبي يوم بدر صبرا، و أما سعيد فقتلت أباه يوم بدر حربا، و أما مروان فشتمت أباه و عبت على عثمان حين ضمّه إليه، فبايعنا على أن تضع عنّا ما أصبنا، و تعفي لنا عمّا في أيدينا و تقتل قتلة صاحبنا. فغضب عليّعليه‌السلام و قال: أمّا ما ذكرت من وتري إيّاكم فالحقّ و تركم، و أما قتلي قتلة عثمان، فلو لزمني اليوم قتلهم لزمني غدا قتالهم، و أما وضعي عنكم ما أصبتم، فليس لي أن أضع حقّ اللّه، و أمّا إعفائي عمّا في أيديكم فما كان للّه و للمسلمين فالعدل يسعكم( ٤) .

٨ - الخطبة (٩٢) و من خطبة لهعليه‌السلام لمّا اريد على البيعة بعد قتل عثمان:

دَعُونِي وَ اِلْتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَ أَلْوَانٌ لاَ تَقُومُ لَهُ

____________________

(١) نهج البلاغة ٢: ٢٦.

(٢) كلمة «من ظالمه» ليست في شرح ابن أبي الحديد ٩: ٣١، و لكن كانت في شرح ابن ميثم ٣: ١٦٤.

(٣) الصحاح ٥: ١٩١١، مادة: (خزم).

(٤) تاريخ اليعقوبيّ ٢: ١٧٨ ١٧٩.

اَلْقُلُوبُ وَ لاَ تَثْبُتُ عَلَيْهِ اَلْعُقُولُ وَ إِنَّ اَلْآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ وَ اَلْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ. وَ اِعْلَمُوا إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ وَ لَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ اَلْقَائِلِ وَ عَتْبِ اَلْعَاتِبِ وَ إِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ وَ لَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَ أَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ وَ أَنَا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً أقول: الأصل في العنوان رواية سيف الذي قد عرفت في (٢٤) من فصل عثمان، ان رواياته كذب و افتعال، إمّا كلاّ و إمّا جزءا، و أنّه يدخل في كل شي‏ء شيئا و يضع في مقابل أمر أمرا.

و مما يوضح تصرفه في هذا الخبر إدخاله فيه إكراه طلحة و الزبير على بيعتهعليه‌السلام ، مع وضوح أنّهعليه‌السلام لم يكن يجبر أحدا. و أيضا إدخاله فيه أنّ أهل البصرة أرادوا جعل الأمر لطلحة، و أنّ أهل الكوفة أرادوا جعل الأمر للزبير، و لم يرد الأمر لهعليه‌السلام غير أهل مصر، و هو أيضا واضح البطلان، فأهل البصرة جاؤوا كأهل الكوفة جاؤوا كلّهم كانوا شيعتهعليه‌السلام ، كيف لا؟ و رئيس البصريين حكيم بن جبلة العبدي و رئيس الكوفيين الأشتر النخعي.

و هذه رواية سيف في (الطبري) كتب إلى السري، عن شعيب عن سيف، عن محمّد و طلحة قالا: قالوا أي أهل الكوفة و البصرة و مصر الذين شهدوا قتل عثمان لأهل المدينة: أجلناكم يومين، فو اللّه لئن لم تفرغوا لنقتلنّ غدا عليّاعليه‌السلام و طلحة و الزبير و اناسا كثيرا، فغشى النّاس عليّا فقالوا: نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام و ما ابتلينا به من ذوى القربى، فقال عليّ: «دعوني و التمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه و له ألوان، لا تقوم له القلوب، و لا تثبت عليه العقول» فقالوا: ننشدك اللّه ألا ترى ما نرى، ألا ترى الإسلام، ألا ترى الفتنة، ألا تخاف اللّه؟ فقال: «قد أجبتكم لمّا أرى، و اعلموا إن أجبتكم ركبت

بكم ما أعلم، و إن تركتموني فأنا كأحدكم إلاّ أنّي أسمعكم و أطوعكم لمن وليتموه أمركم».

ثم افترقوا على ذلك و اتعدوا الغد، و تشاور النّاس في ما بينهم و قالوا:

إن دخل طلحة و الزبير فقد استقامت، فبعث البصريون إلى الزبير بصريا و قالوا: احذر لا تحابه و كان رسولهم حكيم بن جبلة العبدي فجاؤوا به يحدونه بالسيف و إلى طلحة كوفيّا و قالوا له: احذر لا تحابه، فبعثوا الأشتر في نفر فجاؤا به يحدونه، و أهل الكوفة و أهل البصرة شامتون بصاحبهم، و أهل مصر فرحون بما اجتمع عليه أهل المدينة، و قد خشع أهل الكوفة و أهل البصرة أن صاروا أتباعا لأهل مصر و حشوة فيهم إلى أن قال: و جاء القوم بطلحة فقالوا: بايع، فقال: إنّي إنّما ابايع كرها. فبايع إلى أن قال ثمّ جي‏ء بالزبير فقال مثل ذلك و بايع، و في الزبير اختلاف يعني هل بايع أو لا( ١ ) ؟

و أخذ قوله: «و أنا لكم وزيرا» من خبر آخر.

و العجب من المصنّف كيف يأخذ من رواياته و يرى اشتمالها على مقطوع الكذب، ألم ينقل كلامهعليه‌السلام في ١٤ ٢ في كتابهعليه‌السلام إلى طلحة و الزبير:

«أنّي لم أرد النّاس حتى أرادوني، و لم ابايعهم حتّى بايعوني، و إنّكما ممّن أرادني و بايعني»؟ إلى غير ذلك ممّا نقل.

قول المصنف:

«و من خطبة لهعليه‌السلام » هكذا في (المصرية)( ٢ ) ، و الصواب: (و من كلام لهعليه‌السلام ) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٣ ) و (الخطية)، و لأنّه واضح أنّ كلامهعليه‌السلام لم يكن خطبة، بل على فرض صحّة نسبته يكون جوابا منهعليه‌السلام

____________________

(١) تاريخ الطبريّ ٤: ٤٣٤، سنة ٣٥.

(٢) نهج البلاغة ١: ١٨٢.

(٣) كذا في شرح ابن أبي الحديد ٧: ٣٣، و لكن في شرح ابن ميثم ٢: ٣٨٥ «و من خطبة له» أيضا.

لهم لمّا قالوا له: نبايعك.

«لمّا أريد على البيعة بعد قتل عثمان» هكذا في (المصرية)( ١ ) ، و يصدقه (ابن ميثم و الخطية)( ٢ ) و لكن في (ابن أبي الحديد)( ٣ ) بدله: (لمّا أراده النّاس على البيعة)، و قال: و في بعض النسخ (لمّا أداره النّاس على البيعة)( ٤) .

«رضي‌الله‌عنه » هكذا في (المصرية)( ٥ ) ، و هو زائد لعدم وجوده في (ابن ميثم)( ٦ ) و (الخطية)، و كذا (ابن أبي الحديد)( ٧ ) على ما عرفت نقله، و أيضا واضح أنّ المصنّف لا يقول ذلك، كما أنّ في (المصرية) في المتن: (إن أجبتكم)( ٨ ) ، و الأصل (أنّي إن أجبتكم) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم( ٩ ) و الخطية).

ثمّ قد عرفت عدم تحقّق العنوان في كلامهعليه‌السلام ، فلا نحتاج إلى شرحه أو تأويله، و لكن قال ابن أبي الحديد: يحمل أصحابنا كلامهعليه‌السلام على ظاهره و يقولون إنّه لم يكن منصوصا عليه، و إن كان أولى النّاس بها، لأنّه لو كان منصوصا عليه لمّا جاز أن يقول: «دعوني و التمسوا غيري»، و لا أن يقول:

«و لعلّي أسمعكم و أطوعكم لمن ولّيتموه أمركم» و لا أن يقول: «و أنا لكم وزيرا خير منّي لكم أميرا» و تحمله الإمامية على وجه آخر فيقولون: إنّ الذين أرادوه على البيعة هم كانوا عاقدين بيعة الخلفاء من قبل، و كان عثمان منعهم

____________________

(١) نهج البلاغة ١: ١٨٢.

(٢) شرح ابن ميثم ٢: ٣٨٥.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٧: ٣٣.

(٤) المصدر نفسه.

(٥) نهج البلاغة ١: ١٨٢.

(٦) شرح ابن ميثم ٢: ٣٨٥.

(٧) في شرح ابن أبي الحديد ٧: ٣٣ «رضي‌الله‌عنه » أيضا.

(٨) نهج البلاغة ١: ١٨٢.

(٩) كذا في شرح ابن أبي الحديد ٧: ٣٣، و لكن في شرح ابن ميثم ٢: ٣٨٥ إن أجبتكم أيضا.

أو منع كثيرا منهم عن حقّه من العطاء، لأن بني اميّة استأصلوا الأنام في أيّام عثمان، فلمّا قتل قالوا لعليّعليه‌السلام نبايعك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر و عمر، فاستعفاهم و سألهم أن يطلبوا غيره ممّن يسير بسيرتهما، و قالعليه‌السلام للناس كلاما تحته رمز و هو قولهعليه‌السلام : «إنّا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان، لا تقوم له القلوب، و لا تثبت عليه العقول، و إنّ الآفاق قد أغامت و المحجّة قد تنكّرت» قالوا: هذا كلام له باطن و غور عميق، معناه الإخبار عن غيب يعلمه هو و يجهلون هم، و هو الإنذار بحرب المسلمين بعضهم لبعض، و اختلاف الكلمة و ظهور الفتنة.

و معنى قولهعليه‌السلام «الآفاق قد أغامت و المحجة قد تنكرت»: أنّ الشبهة استولت على العقول و القلوب، و جهل أكثر النّاس محجّة الحق أين هي، فأنا لكم وزيرا عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أفتي فيكم بشريعته و أحكامه، خير لكم منّي أميرا محجورا عليه، مدبرا بتدبيركم، فإنّي أعلم أنّه لا قدرة لي أن أسير فيكم بسيرة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أصحابه، مستقلا بالتدبير لفساد أحوالكم و تعذّر صلاحكم.

و معنى قولهعليه‌السلام : «له وجوه و ألوان» أنّه موضع شبهة و تأويل، فمن قائل يقول: (أصاب عليّ) و آخر يقول: (أخطأ).

و كذلك القول في تصويب محاربيه من الجمل و صفين و النهروان، و تخطئتهم فإنّ المذاهب فيه و فيهم تشعّبت و تفرّقت جدا. قال: و حمل بعضهم كلامهعليه‌السلام على محمل آخر، فقال: هذا كلام مستريب شاكّ من أصحابه، يقول لهم: «دعوني و التمسوا غيري» على طريق الضجر منهم، و التبرّم بهم، و التسخّط لأفعالهم، لأنّهم كانوا عدولا عنه من قبل و اختاروا عليه، فلمّا طلبوه بعد أجابهم جواب المتسّخط العاتب.

و حمله بعضهم على محمل آخر فقالوا: إنّه أخرجه مخرج التهكم و السخرية أي: «أنا لكم وزيرا خير لكم منّي أميرا» في ما تعتقدونه، كما قال سبحانه: ذق إنّك أنت العزيز الكريم( ١ ) أي: تزعم ذلك لنفسك و تعتقده. و ما ذكروه من المحامل ليس ببعيد لو كان الدليل عليه دل( ٢) .

قلت: قد عرفت عدم معلوميّة كونه كلامهعليه‌السلام و على فرض كونه كلامهعليه‌السلام فنقول: أمّا ما نقله عن أصحابه أنّه لو كان منصوصا عليه لمّا جاز أن يقول: (دعوني و التمسوا غيري و لعلّي أسمعكم و أطوعكم لمن وليتموه أمركم، و أنا لكم وزيرا خير لكم منّي أميرا) فهل الإمامة هي السلطنة و الرّياسة، فالإمام كالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سواء كان له بسط يد أم لا، و السّلطنة و إن كانت حقّهما إلاّ أنّ تلك السلطنة أيضا من اللّه، و هم يريدون أن يجعلوه سلطانا من قبلهم و ببيعتهم، و لم يكونوا يعتقدوا أنّ طاعتهعليه‌السلام طاعة اللّه، و معصيتة معصية اللّه كالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يكن واجبا عليهعليه‌السلام قبول رياستهم، فأي مانع أن يقول دعوني و التمسوا غيري لإمامتكم المصنوعة، و أمّا طاعته لمن ولوه فلوجوب التقيّة.

و أمّا كون كونه وزيرا لهم خيرا لهم من إمارته، لأنّ بامارته كانوا يخرجون عليه فيكفروا، فإنّ طلحة و الزبير صارا بسبب إمارتهعليه‌السلام في غاية الخزي و الشقاوة، مع أنّ تكلّم الإنسان في مثله على عقيدة خصمه فقالوا: ان طائفة بجيلة في صفين قالوا لأبي شداد قيس بن مكشوح: خذ رايتنا. فقال:

غيري خير لكم منّي، قالوا: ما نريد غيرك. قال: فو اللّه لئن أعطتيمونيها لا أنتهي بكم دون صاحب الترس المذهب يعني معاوية فكان على رأسه رجل معه ترس مذهب يستره من الشمس.

____________________

(١) الدخان: ٤٩.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٧: ٣٣ ٣٥.

و أمّا ما نقل عن الإمامية من المحامل، و قال ليست ببعيدة لو دلّ عليها دليل، فيدلّ على المحمل الأوّل من عدم قبولهعليه‌السلام العمل بسيرة أبي بكر و عمر:

إنّه لمّا قال له ابن عوف يوم الدار: ابايعك على أن تعمل بسنّتهما أنكر عليه، و قال: لا أعمل إلاّ بكتاب اللّه تعالى و سنّة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و لمّا بايعهعليه‌السلام أصحابه بيعة ثانية بعد التحكيم، أراد رجل خثعمي بيعته على شرط ذلك فأنكر عليه أيضا، و كونهعليه‌السلام وزيرا عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر معلوم بالضرورة، لا ينكره أحد حتّى انّ معاوية كان مقرّا به، كما في كتابه إلى محمّد بن أبي بكر، و تواتر به الخبر في حديث المنزلة( ١) .

و يدلّ على الثاني: أنّ تسخطهعليه‌السلام على النّاس و عتابه لهم في عدولهم عنه أمر مقطوع من الواضحات، و قد كان يصرّح به في أيّام الثلاثة في غير مقام و يخطب به في أيّامه مقاما بعد مقام، بل كانعليه‌السلام قلمّا يرقى المنبر إلاّ و يشكو من مظلوميته.

و يدلّ على الثالث: أنّ كونهعليه‌السلام رائي نفسه بمنزلة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضا أمر معلوم، فكانعليه‌السلام يقول: «و أنا من رسول اللّه كالصنو من الصنو و الذراع من العضد»( ٢ ) ، و كان يقول: «إنّا صنائع اللّه و النّاس صنائع لنا»( ٣ ) و كيف لا يقولعليه‌السلام ذلك و القرآن في قوله تعالى:... و أنفسنا و أنفسكم...( ٤ ) و إنّما وليّكم اللّه و رسوله و الّذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون( ٥ ) يشهد له بذلك؟ و كانعليه‌السلام لا يرى الإمامة لغيره و غير المعصومين من عترته، و لذا

____________________

(١) انظر في مصادر هذا الحديث إحقاق الحقّ ٧: ٤٢٨، بحار الأنوار ٣٧: ٢٥٤ الباب ٥٣، الغدير ٣: ١٩٩ ٢٠١.

(٢) نهج البلاغة ٣: ٨١، الكتاب ٤٥.

(٣) نهج البلاغة ٣: ٣٦، الكتاب ٢٨.

(٤) آل عمران: ٦١.

(٥) المائدة: ٥٥.

أجمعت قريش على طوائفها إجماع رجل واحد على صرف الأمر عنه يوم السقيفة و يوم الدار، ليكون لكلّ منهم نصيب من الأمر و كانوا يريدون أنّ يجعلوه كواحد من عرض النّاس، خواصهم عنادا و حسدا و عامّتهم قلّة معرفة، فكان حدّ معرفتهم أنّ أهل الشام لمّا رفعوا المصاحف، بأنّا حكمنا القرآن لم يعرفوا انّهعليه‌السلام مع سوابقه تلك في الإسلام و التقى أحقّ بالخلافة من معاوية مع سوابقه تلك في الكفر و الفجور، ثم كفّرهعليه‌السلام جمع منهم بمعاهدته في ذلك مع شرطه.

ثمّ إنّ ابن أبي الحديد قال: نذكر ها هنا قصّة بيعتهعليه‌السلام عن كتاب (نقض عثمانية) أبي جعفر الاسكافي قال: لمّا أجمعت الصحابة في مسجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد قتل عثمان للنظر في أمر الإمامه، أشار أبو الهيثم بن التيهان و رفاعة بن رافع و مالك بن العجلان و أبو أيوب الأنصاري و عمّار بن ياسر بعليّعليه‌السلام ، و ذكروا فضله و سابقته و جهاده و قرابته، فأجابهم النّاس إليه، فقام كلّ واحد منهم خطيبا يذكر فضل عليّعليه‌السلام ، فمنهم من فضّله على أهل عصره خاصّة، و منهم من فضّله على المسلمين كافة، ثم بويع و صعد المنبر في اليوم الثاني من يوم البيعة و هو يوم السبت لاحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة. فحمد اللّه و أثنى عليه و ذكر محمّدا فصلّى عليه، ثم ذكر نعمة اللّه على أهل الإسلام، ثم ذكر الدنيا فزهّدهم فيها و ذكر الآخرة فرغّبهم إليها ثم قال: أمّا بعد فإنّه لمّا قبض رسول اللّه استخلف النّاس أبا بكر، ثم استخلف أبو بكر عمر فعمل بطريقة ثم جعلها شورى بين ستة، فأفضى الأمر منهم إلى عثمان فعمل ما أنكرتم و عرفتم، ثم حصر و قتل، ثم جئتموني فطلبتم إليّ و إنّما أنا رجل منكم لي ما لكم و عليّ ما عليكم، و قد فتح اللّه الباب بينكم و بين أهل القبلة و أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، و لا يحمل هذا الأمر إلاّ أهل الصبر و النصر و العلم

بمواقع الأمر، و إنّي حاملكم على منهج نبيّكمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و منفّذ فيكم ما أمرت به، إن استقمتم لي و باللّه المستعان ألا إنّ موضعي من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته كموضعي منه أيّام حياته، فامضوا لمّا تؤمرون وقفوا عند ما تنهون عنه، و لا تعجلوا في أمر حتّى نبيّنه لكم، فإنّ لنا عن كل أمر تنكرونه عذرا، ألا و إنّ اللّه عالم من فوق سمائه و عرشه أنّي كنت كارها للولاية على امّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتّى اجتمع رأيكم على ذلك لأنّي سمعتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: أيما والّ ولّي الأمر من بعدي اقيم على حدّ الصراط و نشرت الملائكة صحيفته، فإن كان عادلا أنجاه اللّه بعدله، و إن كان جائرا انتفض به الصراط تتزايل مفاصله، ثم يهوي إلى النّار فيكون أوّل ما يتقيها به أنفه و حر وجهه، و لكنّي لمّا اجتمع رأيكم لم يسعني ترككم ثم التفتعليه‌السلام يمينا و شمالا فقال: ألا لا يقولن رجل منكم غدا: قد غمرتهم الدّنيا فاتّخذوا العقار و فجّروا الأنهار، و ركبوا الخيول الفارهة و اتخذوا الوصائف الروقة، فصار ذلك عليهم عارا و شنارا، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، و أصرتهم إلى حقوقهم التي كانوا يعلمون، فينقمون ذلك و يستنكرون و يقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا، ألا و أيّما رجل من المهاجرين و الأنصار من أصحاب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرى أنّ الفضل له على من سواه لصحبته، فإنّ الفضل النيّر غدا عند اللّه و ثوابه و أجره على اللّه، و أيّما رجل استجاب للّه و للرسول فصدّق ملتنا و دخل في ديننا و استقبل قبلتنا، فقد استوجب حقوق الإسلام و حدوده، فأنتم عباد اللّه، و المال مال اللّه، يقسم بينكم بالسويّة لا فضل فيه لأحد على أحد، و للمتّقين غدا عند اللّه أحسن الجزاء و أفضل الثواب، لم يجعل اللّه الدّنيا للمتّقين أجرا و ثوابا و ما عند اللّه خير للأبرار...( ١) .

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٧: ٣٦ ٣٧.

قلت: و رواه ابن عقدة الحافظ، كما نقله محمّد بن الحسن الطوسي في أواخر (أماليه)( ١) .

هذا، و في قولهعليه‌السلام فيه: و سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: «ايّما وال...» تعريض بهلاك المتقدمين عليه، أمّا كون عثمان جائرا فواضح، كونه معدن كلّ خطيئة، و أمّا عمر فمعلوم أنّه جار في تفضيل العربي على العجمي و الصحابي على التابعي.

ففي ذيل هذا الخبر: أنّهعليه‌السلام قال لطلحة و الزبير: «ما الذي كرهتما من أمري»؟ قالا: خلافك عمر في القسم، فقالعليه‌السلام لهما: «قد وجدت أنا و أنتما رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحكم بذلك و كتاب اللّه ناطق به». و أمّا أبو بكر فواضح جوره في قضية مالك بن نويرة، و تعطيله حدود اللّه تعالى في حق خالد بن الوليد كما اعترف به عمر إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد( ٢ ) و لو لم يكن لشيخيهم إلاّ تفويض خلافة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أعداء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكفاهم هلاكه.

٩ - الكتاب (٧٥) و من كتاب لهعليه‌السلام إلى معاوية في أول ما بويع له ذكره الواقديّ في كتاب (الجمل):

مِنْ عَبْدِ اَللَّهِ؟ عَلِيٍّ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ؟ إِلَى؟ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ؟ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتَ إِعْذَارِي فِيكُمْ وَ إِعْرَاضِي عَنْكُمْ حَتَّى كَانَ مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ وَ لاَ دَفْعَ لَهُ وَ اَلْحَدِيثُ طَوِيلٌ وَ اَلْكَلاَمُ كَثِيرٌ وَ قَدْ أَدْبَرَ مَا أَدْبَرَ وَ أَقْبَلَ مَا أَقْبَلَ فَبَايِعْ مَنْ قِبَلَكَ وَ أَقْبِلْ إِلَيَّ فِي وَفْدٍ مِنْ أَصْحَابِكَ

____________________

(١) الأمالي للطوسيّ ٢: ٣٣٦ ٣٤٢.

(٢) ق: ٣٧.

قول المصنّف:

«و من كتاب لهعليه‌السلام إلى معاوية» هكذا في (المصرية)( ١ ) و فيها سقط، و الأصل: (و من كتاب لهعليه‌السلام إلى معاوية من المدينة) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٢ ) و (الخطيّة).

«في أوّل ما بويع له» هكذا في (المصرية)( ٣ ) ، و فيها أيضا سقط و الأصل:

(في أوّل مابويع له» هكذا في (المصرية( ٣ ) ، و فيها أيضا سقط و الأصل:

(في أوّل مابويع به بالخلافة) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٤ ) و (الخطيّة) أيضا.

«ذكره» و في نسخة (ابن ميثم)( ٥ ) : (و ذكره).

«الواقدي» محمّد بن عمر بن واقد.

«في كتاب (الجمل)» و له كتب كثيرة.

قولهعليه‌السلام : «أمّا بعد فقد علمت إعذاري فيكم و إعراضي عنكم، حتّى كان ما لا بد منه و لا دفع له» قال ابن أبي الحديد: كتابهعليه‌السلام لمعاوية و لكن مخاطبته لبني اميّة جميعا، و المعنى علمت كوني ذا عذر لو لمتكم و ذممتكم في أيّام عثمان، و مع ذلك أعرضت عن إساءتكم إليّ حتّى كان ما لا بد منه من قتل عثمان( ٦) .

قلت: في (الطبري) كتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة، و يقسمون له لا يمسكون عنه أبدا حتى يقتلوه، أو يعطيهم ما يلزمه من حق اللّه. فلمّا خاف القتل شاور نصحاءه و أهل بيته، فأشاروا عليه أن يرسل إلى عليّعليه‌السلام ليردّهم عنه حتى يأتيه إمداد، فقال لهم عثمان: إنّهم لن يقبلوا التعليل

____________________

(١) نهج البلاغة ٣: ١٤٩.

(٢) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٦٨، و لكن ليست في شرح ابن ميثم ٥: ٢٣٢ عبارة «من المدينة».

(٣) نهج البلاغة ٣: ١٤٩.

(٤) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٦٨، و لكن ليست كلمة «بالخلافة» في شرح ابن ميثم ٥: ٢٣٢ عبارة «من المدينة».

(٥) في شرح ابن ميثم ٥: ٢٣٢ «ذكره» أيضا.

(٦) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٦٨.

و قد كان منّي في قدمتهم الاولى ما كان. فقال مروان: مقاربتهم حتّى تقوى أمثل من مكاثرتهم على القرب، فطاولهم ما طاولوك، فإنّهم بغوا عليك، فلا عهد لهم. فأرسل إلى عليّعليه‌السلام و قال له: يا أبا الحسن قد كان من النّاس ما رأيت، و كان منّي ما قد علمت، و لست آمنهم فارددهم عنّي، فإنّ لهم أن اعطيهم الحقّ من نفسي و من غيري. فقال له عليّعليه‌السلام : قد كنت أعطيتهم في قدمتهم الاولى عهدا من اللّه لترجعنّ عن جميع ما نقموا فرددتهم عنك، ثم لم تف لهم بشي‏ء فلا تغرّني هذه المرّة إلى أن قال: فقال له عثمان: أجّلني في ما بالمدينة ثلاثة أيّام. فخرج عليّعليه‌السلام إلى النّاس فأخبرهم بذلك، فكفّوا عنه و رجعوا، فجعل يتأهب للقتال، و قد كان اتّخذ جندا عظيما من رقيق الخمس، فلمّا مضت الايّام الثلاثة و هو على حاله لم يغيّر شيئا، و لم يعزل عاملا ثار به النّاس و خرجوا إلى المصريين بذي خشب فأخبروهم فقدموا المدينة إلى أن قال: و جاء محمّد بن أبي بكر و جماعة حتّى انتهى إلى عثمان، و أخذ بلحيته و قال له: ما أغنى عنك معاوية، ما أغنى عنك ابن عامر، ما أغنت عنك كتبك. فقام رجل من القوم بمشقص حتى وجأبه في رأسه ثمّ تغادوا عليه حتّى قتلوه( ١) .

«و الحديث طويل و الكلام كثير» أي: في قتل عثمان و معاملته مع النّاس حتى اضطروا إلى قتله.

«و قد أدبر ما أدبر و أقبل ما أقبل» هكذا في (المصرية)( ٢ ) ، و صدقها ابن أبي الحديد ففسّره بأنه أدبر ذلك الزمان و أقبل زمان آخر( ٣ ) ، و نقله (ابن ميثم): (و قد أدبر من أدبر و أقبل من أقبل) و فسّره بأنه يمكن أن يكون المراد خروج طلحة و الزبير، و أن يكون المعنى صار ذا إدبار (من أدبر عنّي)

____________________

(١) تاريخ الطبريّ ٤: ٣٦٩ ٣٧٢، سنة ٣٥، و نقله الشارح بتصرّف و تلخيص.

(٢) نهج البلاغة ٣: ١٤٩.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٦٨.

و ذا إقبال (من أقبل عليّ)( ١) .

و الظاهر أنّ صحيحه ما في (ابن ميثم)( ٢ ) لكون نسخته بخط مصنّفه.

«فبايع من قبلك و أقبل إليّ في وفد من أصحابك» قال ابن أبي الحديد: لكن معاوية لم يبايع و لا قدم، و كيف يبايع و عينه طامحة إلى الملك و الرياسة منذ أمّره عمر على الشام؟ و كان عالي الهمّة تواقا إلى معالي الامور...( ٣) .

قلت: و كان عليه أن يقول و أمّره عمر ليستطيع بذلك أن يقوم في قبال أمير المؤمنينعليه‌السلام إن وصل الأمر إليه يوما، و أن يستأصل أهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكان يصفه بأنّه فتى قريش و ابن كريمها الذي لا ينام إلاّ على الرضا، و أنّه يضحك عند الغضب، و أنّه يتناول ما فوقه من تحته، و أنّه أدهى من كلّ كسرى و قيصر، يصفه النّاس بالدهاء، و قد شكره أبو سفيان في توليته، و لم يكتف بتأميره بل أكمل له الأمر بتدبيره الشورى لعثمان.

و من المضحك أنّه بشوراه جعل طلحة و الزبير و سعدا و ابن عوف مستعدين للخلاف عليهعليه‌السلام ، بجعلهم نظيره في الشورى، فقام عليه الأولان و تخلف عنه الثالث، و لو كان الرابع حيّا لتخلّف عنه أيضا، و مع ذلك يقول لهم:

إن اختلفتم في أمر الشورى غلبكم معاوية.

روى معمّر بن سليمان عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن ابن عبّاس قال: سمعت عمر يقول لأهل الشورى: إنّكم إن تعاونتم و توازرتم و تناصحتم أكلتموها و أولادكم، و إن تحاسدتم و تقاعدتم و تقاطعتم و تدابرتم و تباغضتم غلبكم على هذا الأمر معاوية و كان معاوية حينئذ أمير الشام( ٤) .

____________________

(١) شرح ابن ميثم ٥ ٢٣٣.

(٢) شرح ابن ميثم ٥ ٢٣٣.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ٦٨ ٦٩.

(٤) شرح ابن أبي الحديد ١: ١٨٧.

و كلامه هذا أيضا كان محرّكا آخر لمعاوية، و كان عمر يعلم أنّه كان موافقة أمير المؤمنينعليه‌السلام الذي كان لا يرعى غير اللّه معهم محالا، كما أنّه يعلم أنّ الجماعة الذين جعلهم في مقابلهعليه‌السلام و حرّضهم عليهعليه‌السلام بكون خلافة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طعمة لهم، و لأعقابهم و إن كان بينهم اختلاف، إلاّ انّهم متّفقون على خلافهعليه‌السلام ، فهل كان فعله و قوله إلاّ نصبا لمعاوية.

و أما قول ابن أبي الحديد( ١ ) : و كان معاوية عالي الهمّة، تواقا إلى معالي الامور، فالأمر كما ذكر فمن علو همّته حربه كانت محاربته كأبيه مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى آخر أيّامه، و ما أسلم و لكن استسلم اضطرارا، و أسرّ كفره حتّى وجد أعوانا ممّا مهد له صدّيقهم و فاروقهم و ذو نوريهم، فأخذوا من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثأر من قتل منهم ببدر و احد.

١٠ - الحكمة (١٧) و قالعليه‌السلام في الّذين اعتزلوا القتال معه:

خَذَلُوا اَلْحَقَّ وَ لَمْ يَنْصُرُوا اَلْبَاطِلَ قول المصنف: «و قالعليه‌السلام في الذين اعتزلوا القتال معه» قال ابن أبي الحديد: هم ابن عمر و سعد بن أبي وقاص و سعيد بن زيد و اسامة بن زيد و محمّد بن مسلمة و أنس بن مالك و جمع آخر، و قال أبو الحسين من شيوخ المعتزلة في كتاب (غرره): إنّهعليه‌السلام لمّا دعاهم إلى القتال معه، و اعتذروا بما اعتذروا به قال لهم: أ تنكرون هذه البيعة؟ قالوا: لا لكنّا لا نقاتل فقال: «إذا بايعتم فقد قاتلتم» قال: فسلموا من الذم( ٢) .

قلت: مع أنّ أصل بيعتهم غير معلومة و الروايات فيها مختلفة، روايته

____________________

(١) مضى آنفا.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨: ١١٥.

رواية باطلة فكيف يعقل أن يقولعليه‌السلام لهم: «إذا بايعتم فقد قاتلتم»؟ بدون عذر صحيح و هم الذين ذكر اللّه تعالى عذرهم في الجهاد في قوله: ليس على الضعفاء و لا على المرضى و لا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا للّه و رسوله ما على المحسنين من سبيل و اللّه غفور رحيم. و لا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولّوا و أعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون( ١ ) ، و اولئك كان لهم معاذير كاذبة فهم مصاديق قوله تعالى: و جاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم و قعد الذين كذبوا اللّه و رسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم( ٢) .

و كيف يصح ما روى؟ و من بايعهعليه‌السلام كان الواجب عليه إطاعته، حتّى عند العامّة في جميع اموره و أوامره، و كيف سلموا من الذم و قد خذلوا الحق؟

و يكفيهم ذلك خزيا.

و قلنا: إنّ الروايات في أصل بيعتهم مختلفة، و الأصح روايات العدم لكثرتها و شهرتها، بل ليس بالبيعة إلاّ خبر واحد قابل للتأويل. فروى الطبري:

أنّهم جاؤوا بسعد فقال عليّعليه‌السلام : بايع، قال: لا ابايع حتّى يبايع النّاس و اللّه ما عليك منّي بأس، قال: خلوا سبيله، و جاؤوا بابن عمر فقال: بايع، قال: لا ابايع حتّى يبايع النّاس، قال: إنّني بحميل. قال: لا أرى حميلا، قال الأشتر: خل عنّي أضرب عنقه. قال عليّعليه‌السلام : دعوه أنا حميله إنّه ما علمت لسيى‏ء الخلق صغيرا و كبيرا( ٣) .

و روى أبو مخنف في (جمله) في خبر: أنّ المسلمين بايعوا عليّاعليه‌السلام إلاّ محمّد بن مسلمة و عبد اللّه بن عمر و اسامة بن زيد و سعد و كعب بن مالك

____________________

(١) التوبة: ٩١ ٩٢.

(٢) التوبة: ٩٠.

(٣) تاريخ الطبريّ ٤: ٤٢٨، سنة ٣٥.

و حسّان بن ثابت و عبد اللّه بن سلام، فأمر بإحضار ابن عمر فقال له: بايع، فقال: لا ابايع حتّى يبايع جميع النّاس إلى أن قال: فلمّا انصرف قالعليه‌السلام : لقد كان صغيرا و هو سيى‏ء الخلق و هو في كبره أسوأ خلقا، ثم أتي بسعد فقال له:

بايع، فقال له: خلني فإذا لم يبق غيري بايعتك، فو اللّه لا يأتيك من قبلي أمر تكرهه أبدا، فقال: صدق خلوا سبيله.

ثم بعث إلى محمّد بن مسلمة فلمّا أتاه قال له: بايع، قال: إنّ النبيّ أمرني إذا اختلف النّاس و صاروا هكذا و شبك بين أصابعه أن أضرب بسيفي فأضرب به عرض (أحد) فإذا انقطع أتيت منزلي لا أبرحه. فقالعليه‌السلام له: فانطلق إذن فكن كما امرت. ثم بعث إلى اسامة فلمّا جاء قال له: بايع، فقال: إنّي مولاك و لا خلاف منّي عليك و ستأتيك بيعتي إذا سكن النّاس. فأمرهعليه‌السلام بالانصراف و لم يبعث إلى أحد غيرهم، فقيل له ألا تبعث إلى حسّان بن ثابت و كعب بن مالك و عبد اللّه بن سلام فقالعليه‌السلام : لا حاجة لنا في من لا حاجة له فينا.

و روى أيضا أنّهعليه‌السلام لمّا تكلم ابن عمر في البيعة فامتنع عليه، أتاه في اليوم الثاني فقال له: إنّي لك ناصح إنّ بيعتك لم يرض بها كلّهم فلو نظرت لدينك و رددت الأمر شورى بين المسلمين. فقالعليه‌السلام له: ويحك و هل كان ما كان عن طلب منّي، ألم يبلغك صنيعهم بي، قم عني يا أحمق ما أنت و هذا الكلام...

و روى (الإرشاد) عن الشعبي قال: لمّا اعتزل سعد و من معه و توقفوا عن بيعتهعليه‌السلام قالعليه‌السلام في جملة كلام له: «و هذه بيعة عامّة من رغب عنها رغب عن دين الإسلام، و اتبع غير سبيل أهله إلى أن قال:

و قد بلغني عن سعد و ابن مسلمة و أسامة و عبد اللّه و حسّان امور

كرهتها و الحق بيني و بينهم»( ١) .

و روى المسعودي في (مروجه): أنّ سعدا و اسامة و ابن عمر و محمّد بن مسلمة ممّن قعد عن عليّعليه‌السلام ، و أبوا أن يبايعوه هم و غيرهم ممّن ذكرنا من القعاد عن بيعته و ذلك أنّهم قالوا: إنّها فتنة، و منهم من قال لعليّعليه‌السلام : أعطنا سيوفا نقاتل بها معك فإذا ضربنا بها المؤمنين لم تعمل فيهم و نبت عن أجسامهم، فإذا ضربنا بها الكافرين سرت في أبدانهم. فأعرض عنهم عليّعليه‌السلام و قال: و لو علم اللّه فيهم خيرا لأسمعهم و لو أسمعهم لتولّوا و هم معرضون( ٢) .

و في (خلفاء ابن قتيبة): ذكروا أنّ عمّار قام إلى عليّعليه‌السلام فقال: ايذن لنا آت ابن عمر لعلّه يخف معنا في هذا الأمر. فقالعليه‌السلام : نعم. فأتاه و قال له: قد بايع عليّا المهاجرون و الأنصار و من إن فضّلناه عليك لم يسخطك، و إن فضّلناك عليه لم يرضك، و قد أنكرت السيف في أهل الصلاة، و قد علمت أنّ على القاتل القتل و على المحصن الرجم.

فقال له ابن عمر: إنّ أبي جمع أهل الشورى فكان أحقّهم بها عليّ، غير أنّه جاء أمر فيه السيف و لا أعرفه، لكن ما احبّ أنّ لي الدنيا و ما عليها و أنّي أضمرت عداوة علي. فانصرف عنه و أخبر عليّاعليه‌السلام بقوله، فقال له: لو أتيت محمّد بن مسلمة. فأتاه فقال له محمّد بن مسلمة: لو لا ما في يدي من النبيّ لبايعت عليّا، و لكن كان منه أمر ذهب فيه الرأي فقال له عمّار: كيف؟ قال: قال النبيّ إذا رأيت المسلمين يقتتلون أو إذا رأيت أهل الصلاة فقال عمار: فإن كان قال لك (إذا رأيت المسلمين) فو اللّه لا ترى مسلمين يقتتلان بسيفهما أبدا، و إن كان قال (أهل الصلاة)، فمن سمع هذا معك إنّما أنت أحد الشاهدين،

____________________

(١) الإرشاد ١: ٢٤٤ ٢٤٣، بحار الأنوار ٣٢: ٣٣.

(٢) الأنفال: ٢٣، مروج الذهب ٣: ٢٤ ٢٥.

أ فتريد من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قولا بعد يوم حجّة الوداع: «دماؤكم و أموالكم عليكم حرام إلاّ بحدث»؟ فنقول أنت يا محمّد بن مسلمة لا تقاتل المحدثين. فقال له:

حسبك.

ثم أتى سعدا فكلّمه فأظهر الكلام القبيح. فانصرف إليهعليه‌السلام فقال له عليّعليه‌السلام : دع هؤلاء الرهط، أمّا ابن عمر فضعيف، و أمّا سعد فحسود، و أما محمّد بن مسلمة فذنبي إليه انّي قتلت أخاه يوم خيبر( ١) .

و في (أخبار الطوال) للدينوري بعد ذكر بيعة النّاس له: ثمّ إنّ عليّاعليه‌السلام نادى في النّاس بالتّأهّب للمسير إلى العراق، فدخل عليه سعد و ابن عمر و محمّد بن مسلمة فقال لهم: قد بلغني عنكم هنات كرهتها لكم. فقال سعد: قد كان ما بلغك فأعطني سيفا يعرف المسلم من الكافر إلى أن قال:

فقال الأشتر لهعليه‌السلام : إنّا و إن لم نكن من المهاجرين و الأنصار فإنّا من التابعين بإحسان، و إنّ القوم و إن كانوا أولى بما سبقونا إليه فليسوا بأولى ممّا شركناهم فيه و هذه بيعة عامّة، الخارج منها طاعن مستعتب، فعظ هؤلاء الذين يريدون التخلّف عنك باللسان فإن أبوا فأدّبهم بالحبس. فقال عليّعليه‌السلام :

بل أدعهم و رأيهم الذي هم عليه( ٢) .

و في (الاستيعاب): قيل لنافع: ما بال ابن عمر بايع معاوية و لم يبايع عليّا؟ فقال: كان ابن عمر لا يعطي يدا في فرقه و لا يمنعها من جماعة، و لم يبايع معاوية حتّى اجتمعوا عليه( ٣) .

قلت: قبح اللّه دينا يستلزم كون عدو النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولى بالولاية من

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ٥٣ ٥٤.

(٢) أخبار الطوال: ١٤٠ ١٤٣، و النقل بتصرّف و تلخيص.

(٣) ابن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب ١: ٢٦٢ في ترجمة معاوية بن أبي سفيان، دائرة المعارف، حيدر آباد ١٣١٨ للهجرة.

ولي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بل نفسه.

و في (نقض عثمانية) الإسكافي: لم يميّز ابن عمر بين إمام الرشد و إمام الغيّ، فانّه امتنع من بيعة عليّعليه‌السلام ، و طرق على الحجّاج بابه ليلا ليبايع لعبد الملك كيلا يبيت تلك الليلة بلا إمام، زعم لأنّه روي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «من مات و لا إمام له مات ميتة جاهليّة» و حتّى بلغ من احتقار الحجّاج له و استرذاله حاله أن أخرج رجله من الفراش و قال: اصفق بيدك عليها( ١) .

فهذه روايات تسع دالّة صريحة على عدم بيعتهم. و روى أبو مخنف كما في (جمل المفيد) أنّهعليه‌السلام لمّا همّ بالمسير إلى البصرة، بلغه عن سعد و ابن مسلمة و اسامة و ابن عمر تثاقلهم عنه، فبعث إليهم فلمّا حضروا قال لهم:

قد بلغني عنكم هنات كرهتها لكم، و أنا لا اكرهكم على المسير معي. ألستم على بيعتي؟ قالوا: بلى، قال: فما الذي يقعدكم عن صحبتي؟ فقال له سعد: إنّي أكره الخروج في هذه الحرب فاصيب مؤمنا، فإن أعطيتني سيفا يعرف المؤمن من الكافر قاتلت معك. و قال له اسامة: أنت أعزّ الخلق عليّ و لكنّي عاهدت اللّه ألا اقاتل أهل (لا إله إلاّ اللّه) و ذكر في قتله رجلا شهد بالوحدانية و ظنّ أنّه قالها تعوّذا في عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و إنكار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليه ذلك و قال عبد اللّه بن عمر: لست أعرف في هذه الحرب بشي‏ء أسألك ألا تحملني على ما لا أعرف. فقالعليه‌السلام لهم: ليس كلّ مفتون يعاتب. ألستم على بيعتي؟ قالوا: بلى، قال: فانصرفوا فسيغني اللّه( ٢) .

و لم نقف في بيعتهم على غير هذا الخبر، مع أنّ أبا مخنف الذي رواه روى ضدّه، مع أنّه يمكن حمل قوله: (ألستم على بيعتي)، على أنّ المراد عدم

____________________

(١) الإسكافي: نقض العثمانية، ملحق بكتاب العثمانية للجاحظ، ٣٠١ تحقيق عبد السلام هارون، دار الكتاب العربي بمصر، ١٩٥٥ م.

(٢) الجمل للمفيد: ٩٥ ٩٦.

الإخلال في بيعتي، فإنّهم و إن قعدوا عن مشاهده، إلاّ أنّهم لم يخلّوا في خلافته كطلحة و الزبير و مروان و سعيد بن العاص و الوليد بن عقبة.

و أمّا رواية أبي الحسن المعتزلي في (غرره) المرفوعة، فهي عين هذا الخبر بدليل أنّ ابن أبي الحديد نقلها عنه في شرح قولهعليه‌السلام : (فتداكوا عليّ)، هكذا قال عليّعليه‌السلام لهم: ما كلّ مفتون يعاتب، أ عندكم شكّ في بيعتي؟ قالوا: لا، قال فإذ بايعتم فقد قاتلتم( ١ ) . إلاّ أنّه لمّا أراد تنزيه سعد أحد عشرتهم المبشّرة، و أحد ستّة شوراهم و ابن فاروقهم، نقل كلامهعليه‌السلام عند نفسه بالمعنى فبدّل قولهعليه‌السلام : (انصرفوا فسيغني اللّه عنكم) بقوله: (فإذا بايعتم فقد قاتلتم)، لكنّه كما ترى و هل يصلح العطّار ما أفسد الدهر؟ قولهعليه‌السلام «خذلوا الحقّ و لم ينصروا الباطل» في (الطبري): قال عبد خير الخيواني لأبي موسى: هل كان هذا الرجلان يعني طلحة و الزبير ممّن بايع عليّا؟ قال: نعم، قال: هل أحدث حدثا يحل به نقض بيعته؟ قال: لا أدري، قال: لا دريت فإنّا تاركوك حتّى تدري، هل تعلم يا أبا موسى أحدا خارجا من هذه التي تزعم أنّها فتنة؟ إنّما بقى أربع قرون عليّعليه‌السلام بظهر الكوفة، و طلحة و الزبير بالبصرة، و معاوية بالشام و فرقة اخرى بالحجاز، لا يجبى بها في‏ء و لا يقاتل بها عدوّ. فقال له أبو موسى: اولئك خير النّاس و هي فتنة، فقال له عبد خير: يا أبا موسى غلب عليك غشّك( ٢) .

١١ - الحكمة (٢٦٢) وَ قِيلَ إِنَّ؟ اَلْحَارِثَ بْنَ حَوْطٍ؟ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ أَ تَرَانِي أَظُنُّ؟ أَصْحَابَ اَلْجَمَلِ؟ كَانُوا عَلَى ضَلاَلَةٍ

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٤: ١٠.

(٢) تاريخ الطبريّ ٤: ٤٨٥ ٤٨٦، سنة ٣٦.

فَقَالَ ع يَا؟ حَارِثُ؟ إِنَّكَ نَظَرْتَ تَحْتَكَ وَ لَمْ تَنْظُرْ فَوْقَكَ فَحِرْتَ إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ اَلْحَقَّ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ وَ لَمْ تَعْرِفِ اَلْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ فَقَالَ؟ اَلْحَارِثُ؟ فَإِنِّي أَعْتَزِلُ مَعَ؟ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ؟ وَ؟ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُمَرَ؟ فَقَالَ ع إِنَّ؟ سَعْداً؟ وَ؟ عَبْدَ اَللَّهِ بْنَ عُمَرَ؟ لَمْ يَنْصُرَا اَلْحَقَّ وَ لَمْ يَخْذُلاَ اَلْبَاطِلَ أقول: رواه الجاحظ في (بيانه) و اليعقوبي في (تاريخه) ففي الأوّل:

نهض الحرث بن حوط الليثي إلى عليّعليه‌السلام و هو على المنبر فقال: أ تظن أنّا نظن أنّ طلحة و الزبير كانا على ضلال؟ قال: يا حار إنّه ملبوس عليك، إنّ الحق لا يعرف بالرجال، فاعرف الحق تعرف أهله( ١ ) و مثله الثاني و زاد: و اعرف الباطل تعرف من أتاه( ٢ ) . و رواه إبراهيم الثقفي كما يأتي كاملا مع اختلاف.

قول المصنف:

«و قيل ان الحارث بن حوت» هكذا في (المصرية)( ٣ ) ، و الصواب: (حوط) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٤ ) و (الخطية) و كما عرفت من (مستنده). ثم ان ابن أبي الحديد قال: (حوط) بالحاء المهملة و يقال: ان الموجود في خط الرضي بالمعجمة( ٥) .

قلت: لم يعلم كون خط الرضي بالمعجمة و إلاّ لذكره ابن ميثم، لكون نسخته بخط مصنفه.

و كيف كان فقال (الجمهرة) في المهملة: إنّهم سمّوا به و لم يذكر في

____________________

(١) البيان و التبيين.

(٢) تاريخ اليعقوبيّ ٢: ٢١٠.

(٣) نهج البلاغة ٣: ٢١٦.

(٤) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١٩: ١٤٧ و لكن في شرح ابن ميثم ٥: ٣٧٧ «حوت» أيضا.

(٥) شرح ابن أبي الحديد ١٩: ١٤٨.

المعجمة( ١ ) ، كما أنّ (القاموس) ذكر في المهملة جمعا مسمين به( ٢ ) و إن لم يذكر هذا و لم يذكر في المعجمة.

«أتاه فقال أتراني أظن أصحاب الجمل كانوا على ضلالة» نظير الحارث بن حوط الليثي هذا اربد الفزاري ففي (صفين نصر) و غيره، لمّا خطب عليّعليه‌السلام النّاس و أمرهم بالمسير الى صفين و قال لهم: سيروا إلى أعداء السنن و القرآن، سيروا إلى بقيّة الأحزاب و قتلة المهاجرين و الأنصار قام رجل من بني فزارة يقال له أربد فقال له: أ تريد أن تسير بنا إلى إخواننا من أهل الشام فنقتلهم لك كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة فقتلناهم؟ كلا و اللّه إذن لا نفعل ذلك. فقام الأشتر فقال: من لهذا؟ و هرب الفزاري و اشتد النّاس على أثره فلحقوه في مكان من السوق تباع فيه البراذين فوطئوه بأرجلهم و ضربوه بأيديهم و نعال سيوفهم حتّى قتل، فقالعليه‌السلام : قتيل عميه ديته من بيت المال( ٣) .

فقالعليه‌السلام «يا حارث» هكذا في (المصريّة)( ٤ ) ، و الصواب (يا حار) بالترخيم كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٥ ) و (الخطيّة) و كما في (مستنده).

«إنّك نظرت تحتك و لم تنظر فوقك فحرت» أي: صرت حيرانا من (حار يحار).

«إنّك لم تعرف الحق فتعرف من أتاه» هكذا في (المصرية)( ٦ ) ، و الصواب:

____________________

(١) جمهرة اللغة ١: ٥٥٢ حوط.

(٢) القاموس المحيط ٢: ٣٥٦، مادة: (حوط).

(٣) وقعة صفّين: ٩٤ ٩٥، شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٧٩.

(٤) نهج البلاغة ٣: ٢١٦.

(٥) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١٩: ١٤٧ و لكن في شرح ابن ميثم ٥: ٣٧٧ «يا حارث» أيضا.

(٦) نهج البلاغة ٣: ٢١٦.

(فتعرف أهله) كما في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم( ١ ) و الخطيّة و مستنده).

«و لم تعرف الباطل فتعرف من أتاه» هكذا في (المصرية و ابن أبي الحديد)( ٢ ) ، و لكن في (ابن ميثم)( ٣ ) أيضا: (فتعرف أهله)، و نسبت ما في المتن إلى نسخة.

و كيف كان فهو كلام في غاية النفاسة نظير قولهعليه‌السلام : «لا تنظروا إلى من قال و انظروا إلى ما قال»( ٤ ) ، فإن النّاس الذين ليس لهم معرفة كاملة يجعلون الرجال ميزان الحقّ و الباطل، و الواجب العكس، فقال تعالى لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :... لئن أشركت ليحبطن عملك...( ٥ ) و قد قال تعالى فيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

و لو تقوّل علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين( ٦) .

فالحارث رأى أنّ عايشة يقال لها أمّ المؤمنين أخذا من قوله تعالى في حرمة نكاح أزواج نبيّه... و أزواجه امهاتهم...( ٧ ) إلاّ انّه لم يلاحظ قوله تعالى: يا نساء النبيّ من يأت منكن بفاحشة مبيّنة يضاعف لها العذاب ضعفين و كان ذلك على اللّه يسيرا( ٨ ) و قرن في بيوتكن و لا تبرجن تبرج الجاهليّة الاولى...( ٩) .

كما أنّه رأى أنّ طلحة و الزبير من المهاجرين، و من ستّة الشورى، و لم

____________________

(١) كذا في شرح ابن أبي الحديد ١٩: ١٤٧ و لكن في شرح ابن ميثم ٥: ٣٧٧ «من أتاه» أيضا.

(٢) نهج البلاغة ٣: ٢١٦، شرح ابن أبي الحديد ١٩: ١٤٧.

(٣) في شرح ابن ميثم ٥: ٣٧٧ «من أتاه» أيضا.

(٤) غرر الحكم و درر الكلم بشرح الخوانساري ٦: ٢٦٦ ح ١٠١٨٩.

(٥) الزمر: ٦٥.

(٦) الحاقّة: ٤٤ ٤٦.

(٧) الأحزاب: ٦.

(٨) الأحزاب: ٣٠.

(٩) الأحزاب: ٣٣.

يلاحظ أنّهما نكثا و أفسدا في الأرض و قتلا آلافا من المسلمين بغير حقّ، و قد قال تعالى:... فمن نكث فانّما ينكث على نفسه...( ١ ) و الذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه و يقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل و يفسدون في الأرض اولئك هم الخاسرون( ٢ ) أم نجعل الذين آمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتّقين كالفجّار( ٣) .

و الحارث و نظراؤه في نظرهم إلى جانب دون جانب مصاديق قول الشاعر:

حفظت شيئا و غابت عنك أشياء

قول المصنف «فقال الحارث فإنّي اعتزل مع سعيد» هكذا في (المصرية)( ٤ ) و الصواب: (سعد)، فإنّ المراد سعد بن أبي وقاص المعروف.

«بن مالك و عبد اللّه بن عمر فقالعليه‌السلام إنّ سعيدا» الكلام فيه كالأوّل.

«و عبد اللّه بن عمر» هكذا في (المصرية)( ٥ ) ، و (بن عمر) زائدة لعدم وجوده في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٦ ) ، و لعدم الاحتياج إليه بعد ذكره في كلام الخصم كما في (سعد).

«لم ينصرا الحق» و هو هوعليه‌السلام ، ففي متواتر الخبر و ظاهر العيان و الأثر كونهعليه‌السلام مع الحقّ و كون الحقّ معهعليه‌السلام ( ٧ ) من أوّله إلى آخره و سلام عليه

____________________

(١) الفتح: ١٠.

(٢) البقرة: ٢٧.

(٣) ص: ٢٨.

(٤) نهج البلاغة ٣: ٢١٦.

(٥) المصدر نفسه.

(٦) في شرح ابن أبي الحديد ١٩: ١٤٧ و شرح ابن ميثم ٥: ٣٧٧ «ابن عمر» أيضا.

(٧) هذا من الأحاديث المتواترة من طرق الخاصّة و العامّة. جملة من رواته من أعلام العامّة في كتاب الغدير ٣: ١٧٦ ١٨٠، و كتاب التاج الجامع للاصول كتاب الفضائل في فضل عليّ بن أبي طالب، و إحقاق الحقّ ١: ٥٨ و ٧: ٤٧٠، و كذا في بحار الأنوار باب أنّه من الحقّ و الحقّ معه ٣٨: ٢٦.

يوم ولد و يوم يموت و يوم يبعث حيا( ١) .

«و لم يخذلا الباطل» و هو أعداؤهعليه‌السلام من الناكثين و القاسطين و المارقين، فإنّهما و إن لم يعاوناهم لم يعادياهم فلم يحصلا منهما خذلان كامل.

إلاّ ان الثقفي رواه كما في (أمالي الشيخ) بلفظ آخر فروى عن أبي الوليد الضبي، عن أبي بكر الهذلي قال: دخل الحرث بن حوط الليثي على أمير المؤمنينعليه‌السلام و قال لهعليه‌السلام : ما أرى طلحة و الزبير و عايشة أضحوا إلاّ على حقّ فقالعليه‌السلام : «يا حارث إنّك إن نظرت تحتك و لم تنظر فوقك جزت عن الحقّ. إنّ الحقّ و الباطل لا يعرفان بالناس، و لكن اعرف الحق باتّباع من اتّبعه و الباطل باجتناب من اجتنبه» قال: فهلا أكون كعبد اللّه بن عمر و سعد بن مالك؟

فقالعليه‌السلام : إنّ عبد اللّه و سعدا خذلا الحق و لم ينصرا الباطل متى كانا إمامين في الخير فيتبعان( ٢ ) ؟

هذا و أما سعد فقد مر عنهعليه‌السلام فيه أنّه لم يبايعه لكونه حسودا، و روى سليم بن قيس في كتابه: أنّ سعدا إمام المذبذبين( ٣) .

و في (مروج المسعودي): لمّا حجّ معاوية طاف بالبيت و معه سعد، فلمّا فرغ انصرف إلى دار الندوة و أجلس سعدا معه على السرير، ثم وقع في سبّ عليّعليه‌السلام فزحف سعد و قال لمعاوية: أجلستني معك ثم شرعت في سبّ عليّ، و اللّه لئن يكون فيّ خصلة واحدة من خصال كانت لعليّعليه‌السلام أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، و اللّه لأن يكون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لي ما قال له يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يحبّه اللّه و رسوله و يحبّ اللّه و رسوله ليس بفرّار يفتح اللّه على يديه» أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه

____________________

(١) مريم: ١٥.

(٢) الأمالي للشيخ الطوسيّ ١: ١٣٣ ١٣٤، بحار الأنوار ٢٢: ١٠٥.

(٣) كتاب سليم بن قيس الهلالي العامري، ١٥٢، طبع النجف الأشرف.

الشمس. و اللّه لأن يكون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لي ما قال له في غزوة تبوك: «ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي» أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، و ايم اللّه لا دخلت لك دارا ما بقيت.

و نهض.

و وجدت في كتاب علي بن محمّد بن سليمان النوفلي، في الأخبار عن ابن عايشة و غيره: أنّ سعدا لمّا قال هذه المقالة لمعاوية و نهض ليقوم ضرط له معاوية و قال له: اقعد حتّى تسمع جواب ما قلت، فما كنت عندي قط ألأم منك الآن، فهلا نصرت عليّا؟ و لم قعدت عن بيعته؟ فإنّي لو سمعت من النبيّ فيه مثل الذي سمعت فيه لكنت خادما لعليّ ما عشت.

فقال سعد: و اللّه إنّي لأحق بموضعك منك.

فقال معاوية: يأبى عليك بنو عذرة و كان سعد فيما يقال لرجل من بني عذرة.

و في ذلك يقول السيّد الحميري:

سائل قريشا بها إن كنت ذا عمه

من كان أثبتها في الدين أوتادا

إن يصدقوك فلم يعدوا أبا حسن

إن أنت لم تلق للأبرار حسّادا

إن أنت لم تلق تيميّا أخا صلف

و من عدي لحق اللّه جحّادا

أو من بني عامر أو من بني أسد

رهط العبيد ذوي جهد و أوغادا

و رهط سعد و سعد كان قد علموا

عن مستقيم صراط اللّه صدّادا

قوم تداعوا زنيما ثم سادهم

لولا خمول بني زهر لمـّا سادا( ١)

و أما ابن عمر ففي (الطبري): أنّ عمر لمّا تمنى حين وفاته حياة أبي عبيدة و سالم مولى أبي حذيفة حتى يستخلفهما، قيل له: فابنك؟ قال: كيف

____________________

(١) مروج الذهب ٣: ٢٣ ٢٤، و النقل بتصرّف و تلخيص.

استخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته( ١ ) ؟

و في (مسترشد الطبري) الإمامي مخاطبا للعامّة: و من فقهائكم و رواة أخباركم ابن عمر الذي قعد عن بيعة عليّعليه‌السلام ثم مضى إلى الحجّاج فطرقه ليلا فقال: هات يدك لابايعك لأمير المؤمنين عبد الملك فإني سمعت النبيّ يقول:

«من مات و ليس عليه إمام فميتته جاهلية» حتى أنكرها عليه الحجّاج مع كفره و عتوّه( ٢) .

و مرّ عن الإسكافي: أنّه بلغ من احتقار الحجّاج له أن أخرج رجله من الفراش، و قال اصفق بيدك عليها.

١٢ - الحكمة (١٤) و قالعليه‌السلام :

مَا كُلُّ مَفْتُونٍ يُعَاتَبُ أقول: قد عرفت في العنوان التاسع من رواية أبي مخنف التي نقلها (جمل المفيد): أنّهعليه‌السلام قال لسعد و ابن عمر و اسامة و محمّد بن مسلمة لمّا اعتذروا عن تخلّفهم عنه: «ما كل مفتون يعاتب ألستم على بيعتي؟» قالوا:

بلى. قال: «فانصرفوا فسيغني اللّه عنكم». و قلنا ثمة أنّ تبديل أبي الحسين المعتزلي ذيل الخبر: (فانصرفوا فسيغني اللّه عنكم) بقوله: (فاذا بايعتم فقد قاتلتم)، من تصرفاته في الخبر دفعا للطعن عن سعد و ابن عمر مع أنّك قد عرفت أنّ عدم بيعتهم متواترة، و أنّ الخبر شاذ و لو لم نطرحه لا بد من تأويله بكون المراد بكونهم على بيعتهعليه‌السلام عدم إخلالهم بخلافتهعليه‌السلام .

ثم إنّ المراد بقولهعليه‌السلام : (ما كلّ مفتون يعاتب)، أنّ المفتون إنّما يعاتب

____________________

(١) تاريخ الطبريّ ٤: ٢٢٧ ٢٢٨، سنة ٢٣.

(٢) ابن رستم الطبري: المسترشد: ١٦ ط الحيدرية، النجف.

إذا كانت الفتنة عن التباس الأمر عليه، فيعاتب و يقال له: ويحك الأمر حقيقته كذا و كذا، و إمّا إذا كانت عن تلبيس على نفسه لمرض في قلبه، فلا يعاتب لأن العتاب لا يفيده و مثلهم المغيرة فيأتي أنّهعليه‌السلام قال: «المغيرة عمدا لبس على نفسه ليجعل الشبهات عاذرا لسقطاته».

و مر أنّهعليه‌السلام قال لعمّار لمّا ذهب إلى ابن عمر و ابن مسلمة و سعد و حاجّهم و أفحمهم و انصرف إليهعليه‌السلام : دع هؤلاء الرهط، أمّا ابن عمر فضعيف، و أما سعد فحسود، و ذنبي إلى محمّد بن مسلمة أنّي قتلت أخاه يوم خيبر.

و مرّ في الحادي عشر: أنّ سعدا لمّا ذكر لمعاوية أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال فيهعليه‌السلام يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله». و يوم تبوك: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي» قال له معاوية: ما كنت قط عندي ألأم منك الآن لعدم بيعتك معه مع ذلك.

و في (خلفاء ابن قتيبة): أنّ معاوية لمّا كتب إلى سعد: (قد نصر عثمان طلحة و الزبير و هما شريكاك في الأمر و الشورى) كتب إليه سعد: أنّ أهل الشورى ليس منهم أحد أحقّ بها من صاحبه، غير أنّ عليّا كان له من السابقة ما لم يكن فينا، و شاركنا في محاسننا و لم نشاركه في محاسنه، و كان أحقّنا كلّنا بالخلافة، و لكن مقادير اللّه التي صرفتها عنه حيث شاء لعلمه و قدره، و قد علمنا أنّه أحقّ بها منّا و لكن لم يكن بدّ من الكلام في ذلك و التشاجر...( ١) .

هكذا يقول سعد في حقّه و لا يبايعه، فأي عتاب يفيده.

____________________

(١) الإمامة و السياسة ١: ١٠٠.

و أمّا قوله: (و لكن مقادير اللّه التي صرفتها عنه) فيقال له: كل شي‏ء يقع في الدّنيا بمقادير اللّه، و لكن الذي صرفتها عنهعليه‌السلام تدابير المنافقين لا مقادير اللّه.

١٣ - الحكمة (٤٠٥) وَ قَالَ ع؟ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ؟ وَ قَدْ سَمِعَهُ يُرَاجِعُ؟ اَلْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ؟

كَلاَماً دَعْهُ يَا؟ عَمَّارُ؟ فَإِنَّهُ لَنْ يَأْخُذَ مِنَ اَلدِّينِ إِلاَّ مَا قَارَبَهُ مِنَ اَلدُّنْيَا وَ عَلَى عَمْدٍ لَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ لِيَجْعَلَ اَلشُّبُهَاتِ عَاذِراً لِسَقَطَاتِهِ و قالعليه‌السلام لعمّار بن ياسر و قد سمعه يراجع المغيرة بن شعبة كلاما:

أقول: رواه (أمالي المفيد) و (خلفاء ابن قتيبة)، ففي الأوّل: مسندا عن مالك بن أنس عن عمّه أبي سهل عن أبيه قال: إنّي لواقف مع المغيرة عند نهوض عليّعليه‌السلام من المدينة إلى البصرة إذ أقبل عمّار فقال له: هل لك في اللّه عزّ و جلّ يا مغيرة، فقال: و أين هو لي يا عمّار؟ قال: تدخل في هذه الدعوة فتلحق بمن سبقك و تسود من خلفك.

فقال له المغيرة: أو خير من ذلك؟ قال عمّار: و ما هو؟ قال: ندخل بيوتنا و نغلق علينا أبوابنا حتى يضي‏ء لنا الأمر، فنخرج و نحن مبصرون، و لا تكون كقاطع السلسلة أراد الضحك فوقع في الغنم. فقال له عمّار: هيهات هيهات أجهل بعد علم و أعمى بعد علم و أعمى بعد استبصار و اسمع لقولي، فو اللّه لن تراني إلاّ في الرعيل الأوّل، فطلع عليهما أمير المؤمنينعليه‌السلام فقال: يا أبا اليقظان ما يقول لك الأعور، فإنّه و اللّه دائما يلبس الحقّ بالباطل و يموّه فيه، و لن يتعلّق من الدين إلاّ بما يوافق الدنيا، ويحك يا مغيرة إنّها دعوة تسوق من يدخل فيها إلى الجنّة.

فقال له المغيرة: صدقت يا أمير المؤمنين إن لم أكن معك فلن أكون عليك( ١) .

و في الثاني: دخل المغيرة على عليّعليه‌السلام فقالعليه‌السلام له: هل لك يا مغيرة في اللّه؟ قال: فأين هو يا أمير المؤمنين؟ قال تأخذ سيفك فتدخل معنا في هذا الأمر فتدرك من سبقك و تسبق من معك، فإنّي أرى امورا لا بد للسيوف أن تشحذ لها و تقطف الرؤوس بها. فقال المغيرة: إنّي و اللّه ما رأيت عثمان مصيبا و لا قتله صوابا، و إنّها لمظلمة تتلوها ظلمات، فاريد إن أذنت لي أن أضع و أنا في بيتي، حتّى تنجلي الظلمة و يطلع قمرها فنسري مبصرين نقفو آثار المهتدين و نتّقي سبيل الجائرين.

فقالعليه‌السلام له: لقد أذنت لك فكن من أمرك على ما بدا لك.

فقام عمّار فقال له: معاذ اللّه يا مغيرة تقعد أعمى بعد أن كنت بصيرا، يغلبك من غلبته و يسبقك من سبقته، انظر ما ترى و ما تفعل، فأما أنا فلا أكون إلاّ في الرعيل الأوّل.

فقال له المغيرة: يا أبا اليقظان إيّاك أن تكون كقاطع السلسلة فرّ من الضحاء فوقع في الرمضاء.

فقال عليّعليه‌السلام لعمّار: دعه فإنّه لم يأخذ من الآخرة إلاّ ما خالطته الدّنيا، أما و اللّه يا مغيرة إنّها المثوبة تؤدي من قام فيها إلى الجنّة و لمّا اختار بعدها، فإذا غششتنا فنم في بيتك.

فقال المغيرة: أنت و اللّه يا أمير المؤمنين أعلم منّي و لئن لا اقاتل معك لا اعين عليك، فإن يكن ما فعلت صوابا فإيّاه أردت، و إن خطأ فمنه نجوت، و لي ذنوب كثيرة لا قبل لي بها إلاّ الاستغفار منها( ٢) .

____________________

(١) الأمالي للمفيد: ٢١٧.

(٢) الإمامة و السياسة ١: ٥٠.

قول المصنف: «و قالعليه‌السلام لعمار بن ياسر و قد سمعه يراجع المغيرة بن شعبة كلاما» قد عرفت من الروايتين أنّ مراجعة عمّار للمغيرة كلاما إنّما كانت في دعوة عمّار للمغيرة إلى بيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام و مساعدته على أعدائه، و إنّ المغيرة ما قبل ذلك، و قال لعمّار: مثلك في نصرتك له كمن فر من الضحاء فوقع في الرمضاء، بمعنى أنّك فررت من ضغطة أيّام عثمان فتقع بمساعدتهعليه‌السلام في ضغطات معاوية التي هي أكثر.

قولهعليه‌السلام : «دعه يا عمّار فإنّه لم يأخذ من الدين إلاّ ما قاربه من الدّنيا» هكذا في (المصرية)( ١ ) و لكن في (ابن أبي الحديد و ابن ميثم)( ٢ ) : (إلاّ ما قاربته الدّنيا) و حينئذ فالمراد لم يأخذ من الدّين إلاّ ما قاربته الدّنيا إليه، و أما دين لم تقاربه الدّنيا إليه، فلا يكترث المغيرة به. و يمكن أن يكون (قاربته) فيهما مصحف (قاربه) ففي (الخطيّة): «قاربه الدنيا».

و صدقعليه‌السلام حتى أنّ أصل إسلام المغيرة إنّما كان كذلك.

ففي (الاغاني) و نقله ابن أبي الحديد أيضا: أنّ المغيرة كان يحدّث حديث إسلامه قال: خرجت مع قوم من بني مالك و نحن على دين الجاهلية إلى المقوقس ملك مصر فدخلنا إلى الاسكندرية و أهدينا للملك هدايا كانت معنا و كنت أهون أصحابي على الملك فقبض هدايا القوم و أمر لهم بجوائز، و فضّل بعضهم على بعض و قصر بي فأعطاني شيئا قليلا لا ذكر له. و خرجنا فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهلهم و هم مسرورون، و لم يعرض عليّ أحد منهم مواساة، فلمّا خرجوا حملوا معهم خمرا فكانوا يشربون منها فأشرب معهم، و نفسي تأبى أن تدعني معهم و قلت: ينصرفون إلى الطائف و يخبرون قومي بازدراء الملك إيّاي، فأجمعت على قتلهم، فقلت إنّي أجد صداعا

____________________

(١) نهج البلاغة ٣: ٢٥٠.

(٢) في شرح ابن أبي الحديد ٢٠: ٨ و شرح ابن ميثم ٥: ٤٤٠ «إلاّ ما قاربه من الدنيا» أيضا.

فوضعوا شرابهم و دعوني، فقلت: رأسي يصدع و لكن اجلسوا فأسقيكم فلم ينكروا من أمري شيئا، فجلست أسقيهم فلمّا دبت فيهم اشتهوا الشرب فجعلت أصرف لهم الكأس و انتزع الكأس فأهمدتهم الخمر حتّى ناموا ما يعقلون، فوثبت إليهم فقتلتهم جميعا و أخذت جميع ما كان معهم و قدمت بالمدينة فوجدت النبيّ في المسجد و عنده أبو بكر و كان عارفا بي، فلمّا رآني قال: ابن أخي عروة، قلت: نعم، قد جئت أشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا رسوله، فقال أبو بكر: أمن مصر أقبلت؟ قلت: نعم، قال: فما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟ قلت: كان بيني و بينهم بعض ما يكون بين العرب و نحن على دين الشرك فقتلتهم و أخذت أسلابهم، و جئت بها إلى النبيّ ليخمسها فإنّها غنيمة من المشركين، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أمّا إسلامك فقبلته و لا نأخذ من أموالهم شيئا و لا نخمسها، لأنّ هذا غدر و الغدر لا خير فيه، فأخذني ما قرب و ما بعد، فقلت: انّما قتلتهم و أنا على دين قومي ثم أسلمت حين دخلت إليك الساعة، فقال: الإسلام يجب ما قبله و كان قتل منهم ثلاثة عشر رجلا و احتوى على ما معهم فبلغ ذلك ثقيفا بالطائف فتداعوا للقتال ثم اصطلحوا على أن حمل عمّه عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية( ١) .

و قال ابن أبي الحديد: و لمّا جاء عروة بن مسعود إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عام الحديبية، نظر إلى المغيرة قائما على رأس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متقلّدا سيفا، فقال: من هذا؟ فقيل له: ابن أخيك المغيرة. قال: و أنت ها هنا يا غدر، و اللّه إنّي إلى الآن ما غسلت سوأتك( ٢) .

و قال أيضا: قال أصحابنا البغداديون: من كان إسلامه على هذا الوجه، و كانت خاتمته ما قد تواتر به الخبر من سبّه على المنابر إلى أن مات

____________________

(١) الأغاني ١٦: ٨٠ ٨٢، شرح ابن أبي الحديد ٢٠: ٩ ١٠، و النقل بتصرّف و تلخيص.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٢٠: ٨.

عليّاعليه‌السلام ، و كان المتوسط من عمره الفسق و إعطاءه البطن و الفرج سؤلهما و ممالاة الفاسقين، كيف نتولاّه و لا نكشف فسقه و أي عذر لنا في الإمساك عنه( ١) .

قلت: لم ينحصر كشف فسقه بل نفاقه بمعتزلة بغداده، بل كشف ذلك قبلهم عبد الرحمن بن عوف أحد عشرتهم و ستتهم و عثمان بن عفان أحد عشرتهم و ستتهم و إمامهم الثالث و ذو نوريهم.

أمّا الأوّل ففي الجوهري في (سقيفته) و عوانة في (شوراه): أنّه لمّا بايع ابن عوف عثمان قال المغيرة لعثمان: أما و اللّه لو بويع غيرك لمّا بايعناه. فقال له ابن عوف: كذبت و اللّه لو بويع غيره لبايعته، و ما أنت و ذاك يا بن الدباغة؟ لو وليها غيره لقلت له مثل ما قلت الآن تقرّبا إليه و طمعا في الدّنيا( ٢) .

و أمّا الثاني ففي (الطبري): أنّ النّاس لمّا استسفروا عليّاعليه‌السلام بينهم و بين عثمان، دخل على عثمان و قال له: ممّا أنكر النّاس عليك توليتك الفسقة كابن عامر و الوليد بن عقبة. فقال له عثمان: انشدك اللّه يا عليّ هل تعلم أنّ المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال: نعم، قال: فتعلم أنّ عمر ولاّه؟ قال: نعم، قال: فلم تلومني إن وليت ابن عامر في رحمه...( ٣) .

و ان كان فاروقهم أنكر نفاقه حيث جعله من المهاجرين لمّا دافع عنه في زناه، و مانع الشاهد الرابع من أداء شهادته حتى لا يرجم.

ففي (الأغاني) لأبي الفرج بعد ذكر أداء أبي بكرة و نافع و شبل بن معيد شهادتهم في رؤيتهم زنا المغيرة، كالميل في المكحلة: فأمر عمر أن ينحوا و لا يجالسهم أحد من أهل المدينة، و انتظر قدوم زياد فلمّا رآه مقبلا قال: إنّي

____________________

(١) المصدر نفسه ٢٠: ١٠.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٩: ٥٣.

(٣) تاريخ الطبريّ ٤: ٣٣٨، سنة ٣٤.

لأرى رجلا لن يخزي اللّه على لسانه رجلا من المهاجرين( ١) .

و في حديث ابن شبه عن السري، عن عبد الكريم بن رشيد عن أبي عثمان قال: لمّا جاء الثالث فشهد بزنا المغيرة، كان عمر كانّما نثر الرماد على وجهه، فلمّا جاء زياد جاء شاب يخطر بيديه، فرفع عمر رأسه إليه و قال له: ما عندك أنت يا سلح العقاب و صاح أبو عثمان صيحة تحكي صيحة عمر قال عبد الكريم: لقد كدت أن يغشى عليّ لصيحته فقال زياد لعمر: أما أن أحقّ ما حق القوم فليس عندي، و لكني رأيت مجلسا قبيحا و سمعت نفسا حثيثا و ابتهارا، و رأيته متبطنها، فقال عمر أ رأيته يدخل و يخرج كالميل في المكحلة؟

قال: لا( ٢) .

و في كثير من الروايات: قال زياد: رأيته رافعا برجليها و رأيت خصييه مترددين بين فخذيها و سمعت خفرا شديدا و نفسا عاليا، فقال عمر: أ أرأيته يدخله و يخرجه كالميل في المكحلة؟ قال: لا. فقال عمر: اللّه أكبر قم يا مغيرة إليهم فاضربهم. فضربهم فقال أبو بكره بعد أن ضرب: أشهد أنّ المغيرة فعل كذا و كذا، فهمّ عمر بضربه. فقال له عليّعليه‌السلام : إن ضربته رجمت صاحبك.

و حجّ عمر بعد ذلك مرّة فوافق الرقطاء التي رمي بها المغيرة بالموسم فرآه و كان المغيرة يومئذ بالموسم فقال عمر للمغيرة: أ تعرف هذه؟ قال:

نعم، هذه ام كلثوم بنت عليّ، فقال له: ويحك أ تتجاهل عليّ؟ و اللّه ما أظن أبا بكرة كذب عليك، و ما رأيتك إلاّ خفت أن ارمى بحجارة من السماء و كان عليّ بعد ذلك يقول: إن ظفرت بالمغيرة لأتبعته أحجاره( ٣) .

و في (نقض الاسكافي): كان المغيرة يسبّ عليّاعليه‌السلام على منبر الكوفة

____________________

(١) الأغاني ١٦: ٩٥ ٩٧، و النقل بتلخيص.

(٢) المصدر نفسه ١٦: ٩٧ ٩٨.

(٣) المصدر نفسه.

لأنّه بلغه أيّام عمر أن عليّا قال: لئن رأيت المغيرة لأرجمنه بأحجاره( ١) .

و في (مفاخرات الزبير بن بكار): اجتمع عمرو بن العاص و الوليد بن عقبة و عتبة بن أبي سفيان و المغيرة بن شعبة عند معاوية و قد كان بلغهم عن الحسن بن عليّعليه‌السلام قوارص فقالوا لمعاوية: إنّ الحسن قد أحيا أباه ابعث إليه فليحضر لنسبّه و نسبّ أباه و نوبّخه و نخبّره أن أباه قتل عثمان إلى أن قال: فتكلّم المغيرة فشتم عليّاعليه‌السلام و قال: و اللّه ما أعيبه في قضية يخون و لا في حكم يميل و لكنّه قتل عثمان فقال له الحسنعليه‌السلام : و أما أنت يا مغيرة فلم تكن بخليق أن تقع في مثل هذا، و إنّما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة استمسكي فإنّي طائرة عنك، فقالت النخلة و هل علمت بك واقفة عليّ فأعلم بك طائرة عني؟ و اللّه ما نشعر بعداوتك إيّانا و لا اغتممنا إذ علمنا بها و لا يشقّ علينا كلامك، و إنّ حدّ اللّه في الزنا لثابت عليك، و لقد درأ عمر عنك حقّا اللّه سائله عنه، و لقد سألت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هل ينظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها؟ فقال: لا بأس بذلك يا مغيرة ما لم ينو الزنا لعلمه بأنّك زان...( ٢) .

و لم يكتف عمر بمنع زياد عن شهادته حتى لا يرجم، بل رفع درجته، فإنّه و إن عزله عن البصرة لكون زناه فيها، إلاّ انّه ولاّه الكوفة التي كانت أهم، حتّى صار مثلا بين النّاس (غضب اللّه عليك كما غضب أمير المؤمنين على المغيرة عزله عن البصرة و ولاّه الكوفة).

إلاّ أنّ عمر كان معذورا في ذلك، فعل ذلك به شكرا له لحمله له و لصاحبه على طلب الخلافة و مساعدته لهما في ذلك.

فروى الجوهري في (سقيفته): أنّ المغيرة مرّ بأبي بكر و عمر و هما جالسان على باب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين قبض فقال لهما: ما يقعدكما؟ قالا: ننتظر هذا

____________________

(١) أورده ابن أبي الحديد في نهج البلاغة ٢: ٦٩.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٦: ٢٨٥ ٢٩٤، و النقل بتصرّف و تلخيص.

الرجل يخرج فنبايعه يعنيان عليّاعليه‌السلام فقال لهما المغيرة: أ تريدون أن تنظروا خيل الحلبة من أهل هذا البيت و سعوها في قريش تتسع، فقاما إلى سقيفة بني ساعدة( ١) .

و لكن في أخبارنا أنّ إبليس تمثل بصورة المغيرة يوم السقيفة و قال:

أيّها النّاس لا تجعلوها كسرانية و لا قيصرانية و سعوها تتسع و لا تردوها في بني هاشم( ٢) .

و في (خلفاء ابن قتيبة) بعد ذكر امتناع أمير المؤمنينعليه‌السلام عن بيعة أبي بكر و لحوقه بقبر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و خطابه للنبي: يا... ابن امّ إنّ القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني...( ٣ ) ، و قول فاطمةعليها‌السلام لأبي بكر: «و اللّه لا دعون اللّه عليك في كلّ صلاة اصلّيها». و قولها له و لعمر بعد تقريرهما بأنّ سخطها من سخط اللّه: «اشهد اللّه و ملائكته انّكما أسخطتماني و لأشكونكما إليه إذا لقيته» فقال المغيرة لأبي بكر: أرى أن تلقوا العبّاس فتجعلوا له في هذا الأمر نصيبا يكون له و لعقبه، و تكون لكما الحجّة على علي‏ا و بني هاشم إذا كان العبّاس معكم( ٤) .

و فعل ذلك به لاحتياجه بنفسه إليه بعد، و ليبقى بعده و يساعد ولاة الأمر بعده على استيصال أهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ففي (الطبري): لمّا ولّى معاوية المغيرة الكوفة سنة (٤١) قال له: أردت إيصاءك بأشياء كثيرة و أنا تاركها اعتمادا على بصرك بما يرضيني و يسعد سلطاني، و يصلح به رعيتي، و لست تاركا إيصاءك بخصلة، لا تتحمّ عن شتم

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٦: ٤٣، السقيفة و فدك: ٦٨.

(٢) الجوهري: السقيفة و فدك: ٦٨ مكتبة نينوى، طهران، و أورده المجلسي في بحاره ٢٨: ٢٠٥.

(٣) الأعراف: ١٥٠.

(٤) الإمامة و السياسة ١: ١٢ ١٥، و النقل بتصرّف و تلخيص.

عليّ و ذمه، و العيب على أصحابه و الإقصاء لهم، و ترك الاستماع منهم و عن الترحم على عثمان و إطراء شيعته و الإدناء لهم و الاستماع منهم. فقال له المغيرة: قد جربت و جربت، و عملت قبلك لغيرك فلا يذمم بي دفع و لا رفع و لا وضع...( ١) .

و من اطمينان المغيرة بعمر لمّا قال في الموسم للمغيرة و كان رأى ثمة تلك المرأة: أ تعرفها؟ استهزأ به المغيرة و قال: له: هي امرأتك كما مر، و عمر و إن قال له: ما رأيتك إلاّ خفت أن ارمى بحجارة من السماء، إلاّ أنّه كان جوابا ظاهريا، مع أنّه كان إقرارا من عمر بإبطاله الحدّ في حقّه و إلاّ لم خاف( ٢) .

ثم إنّ المغيرة اجترأ ان يقول لعمر: هي امرأتك لكونها بنتهعليه‌السلام ، لعلمه بعداوته معه و أنّه نكحها إذلالا لهعليه‌السلام ، و لو كان المغيرة تسمى امرأة اخرى لعمر و لو كانت في غاية الدناءة ما احتمل عمر ذلك له مع منزلته تلك عنده.

و من اطمينانه بعمر لمّا لم يأت زياد بلفظ الميل في المكحلة و إن أتى بمعناه، قال المغيرة لزياد حين أراد اداء شهادته: و اللّه لو كنت بين بطني و بطنها ما رأيت أين سلك ذكري منها( ٣) .

و من اطمينانه بعمر أنّه لمّا دعا بالشهود فتقدم أبو بكرة فقال له عمر:

أ رأيته بين فخذيها؟ فقال أبو بكرة: نعم، و اللّه لكأنّي أنظر تشريم جدري بفخذيها، فقال له المغيرة: لقد ألطفت النظر أ ليس كلّ ذلك إقرارا من المغيرة في حضور عمر؟ و قد أراد المغيرة في قوله لزياد: «لو كنت بين بطني و بطنها ما رأيت أين سلك ذكري منها» إفهام زياد أنّ الاستشهاد مجرّد صورة، و عمر

____________________

(١) الطبري، تاريخ الامم و الملوك ٣: ٢١٨ دار الكتب العلمية، بيروت في حوادث، سنة ٤٥١ و ذكره ابن الاثير في الكامل ٣: ٤٧٢ دار صادر.

(٢) الأغاني ١٦: ٩٩.

(٣) الأغاني ١٦: ٩٨.

معه فلا يؤدي زياد شهادته( ١) .

و من اطمينانه بعمر أنّه لمّا شخص من البصرة إلى عمر رأي: في طريقه جارية فأعجبته فخطبها إلى أبيها، فقال له: أنت على هذه الحال يعني يذهبون بك لإجراء الحدّ عليك و يرجموك فقال لأبيها: و ما عليك أن أعف، فهو الذي نريد، و إن اقتل ترثني. فزوّجه و قدم بها على عمر فقال له: إنّك لفارغ القلب طويل الشبق( ٢) .

و كيف لا يكون فارغ القلب و كان مطمئنا به؟ و لمّا ضرب الثلاثة الحدّ قال لهم المغيرة: اللّه أكبر الحمد للّه الذي أخزاكم.

و عمر و إن كان قال له: اسكت أخزى اللّه مكانا و اراك، إلاّ أنّه قال ذلك لئلاّ يفتضح بدفاعه عنه، مع أنّ الظاهر أنّه دعا على مكان وقع العمل من المغيرة، لعدم كونه مكانا يواريه حتّى يروه و يحصل له كلفة.

و ممّا يدلّ على إعماله الغرض في أمره أنّه ضرب أبا بكرة ضربا شديدا فوق الحدّ، حتّى أمرت امّه بشاة فذبحت و جعلت جلدها على ظهره( ٣) .

هذا و قد قال حسّان في هجو المغيرة في عمله هذا:

لو أنّ اللوم ينسب كان عبدا

قبيح الوجه أعور من ثقيف

تركت الدين و الإسلام لمـّا

بدت لك غدوة ذات النصيف( ٤)

و كيف لا يدافع عمر عنه و هو سمّى عمر أمير المؤمنين؟ فقال الزبير بن بكار: لمّا ولّي عمر قال: كان أبو بكر يقال له خليفة النبيّ، فكيف يقال لي خليفة خليفة النبيّ بطول هذا؟ فقال له المغيرة: أنت أميرنا و نحن المؤمنون( ٥) .

____________________

(١) الأغاني ١٦: ٩٦ ٩٨، و النقل بتلخيص.

(٢) الأغاني ١٦: ١٠٠.

(٣) الأغاني ١٦: ٩٨ ٩٩.

(٤) الأغاني ١٦: ١٠٠.

(٥) لم يشر الزبير بن بكار الى هذا الموضوع في أخبار الموفقيات بل اكتفى بمخاطبة المغيرة بن شعبة لعمر بلقب أمير المؤمنين راجع صفحة ٦٢٠ رقم (٤٠٣) و يذكر ابن هلال العسكري في الأوائل: ١٠٣ أن عمرو بن العاص هو أوّل من سمى عمر بأمير المؤمنين.

و أقول: صدق المغيرة في كونه، أمير المؤمنين مثله ممّن لم يؤمن إلاّ بهواه، فالمغيرة هو الذي قال يوما في مجلس معاوية لإرضائه: انّ النبيّ لم ينكح عليّا ابنته حبّا له، و لكنّه أراد أن يكافى‏ء بذلك إحسان أبي طالب إليه.

و هو الذي لمّا بويع معاوية، أقام خطباء يسبّون أمير المؤمنينعليه‌السلام لإرضاء معاوية قبل أن يأمر معاوية.

و هو الذي حرّض معاوية على إلحاق زياد به و مفاسده في الإسلام لا تخفى، كما أنّه هو الذي حرّضه على جعله يزيد ولي عهده لئلاّ يعزله، لكبر سنّه، فأدّى ذلك إلى قتل الحسينعليه‌السلام و أهل بيته و سبي حريمه.

ثمّ إنّ ابن أبي الحديد إنّما قال: و أي عذر لنا في الإمساك عنه( ١ ) ؟ كما مر، لأنّ كثيرا من علمائهم أمسكوا عنه لرعاية فاروقهم، فهذا ابن عبد البرطوى الكشح في عنوانه له عن كيفية إسلامه، و عن ذكر شنائعه و اقتصر على كونه من دهاة العرب، و أنّه أشار على أمير المؤمنينعليه‌السلام بإبقاء معاوية على الشام و تولية طلحة و الزبير البصرة و الكوفة، ليستقر أمر سلطنته فلم يقبل منه( ٢) .

و أشدّ منه ما عليه حشويتهم و أصحاب حديثهم، ينسبون إلى أنبياء اللّه الامور العظام من القتل و الزنا، فإذا تكلّم واحد في معاوية و عمرو بن العاص و المغيرة و أضرابهم من المنافقين و الجبابرة و قتلة أولاد الانبياء، قالوا: مبدع بسبّ الصحابة و يشتم السلف قبّحهم اللّه و أخزاهم.

و نقل ابن أبي الحديد. عن أبي المعالي الجويني، منهم: تحريم التعرّض لذكر الصحابة و إنّ ما ينقله الشيعة من المشاجرة لم تثبت، و أنّهم كانوا كبني

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٢٠: ١٠.

(٢) الاستيعاب بهامش الإصابة ٣: ٣٨٨ ٣٩١.

امّ واحدة و لم يتكدر باطن أحد منهم على صاحبه و لا وقع بينهم اختلاف( ١) .

و المكابر المنكر للبديهيات لا يحتاج إلى جواب، و لكنه نقل جوابهم عن النقيب في كلام طويل( ٢) .

هذا و من مصاديق قولهعليه‌السلام في المغيرة: (لم يأخذ من الدين إلاّ ما قاربته الدّنيا) ما رواه (الأغاني) أيضا: أنّه كان بين المغيرة و مصقلة بن هبيرة الشيباني تنازع فضرع له المغيرة و تواضع في كلامه حتّى طمع فيه مصقلة، فاستعلى عليه و شتمه و قذفه، و قال له: و اللّه إنّي لأعرف شبهي في حمزة ابنك فقدمه إلى شريح و هو القاضي يومئذ فأقام عليه البيّنة فضربه الحدّ، فآلى مصقلة ألا يقيم ببلدة فيها المغيرة ما دام حيا، و خرج إلى بني شيبان فنزل فيهم إلى أن مات المغيرة، ثم دخل الكوفة فتلقّاه قومه و سلّموا عليه، فما فرغ عن التسليم حتّى سألهم عن مقابر ثقيف فأرشدوه إليها، فجعل قوم من مواليه يلتقطون له الحجارة فقال: ما هذا؟ قالوا: ظننّا أنّك تريد أن ترجم قبره، فقال: ألقوا ما في أيديكم. فألقوه، و انطلق حتّى وقف على قبره ثم قال: و اللّه لقد كنت ما علمت نافعا لصديقك ضارّا لعدوّك، و ما مثلك إلاّ كما قال مهلهل في أخيه كليب:

إنّ تحت الأحجار حزما و عزما

و خصيما ألدّ ذا معلاق

حيّة في الوجار أربد لا

ينفع منه السليم نفث الراق( ٣)

«و على عمد لبس» بالتخفيف و التشديد.

«على نفسه ليجعل الشبهات عاذرا لسقطاته» فتخلف عن أمير المؤمنينعليه‌السلام لأنّه كان يعلم أن معاوية لا يطيعه، و أنّ طلحة و الزبير يخرجان

____________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٢٠: ١٠ ١٢، و النقل بتلخيص.

(٢) المصدر نفسه ٢٠: ١٢.

(٣) الأغاني ١٦: ٩٢.

عليهعليه‌السلام ، و لم يساعد طلحة و الزبير لعلمه بعجزهما عنهعليه‌السلام ، و لم يساعد معاوية حتّى وقع التحكيم و رأى اختلاف أهل العراق عليهعليه‌السلام ، و اتّفاق أهل الشام على معاوية و أطمأن بذلك فلحق به.

و في (غارات الثقفي): ذكر المغيرة عند عليّعليه‌السلام و جدّه مع معاوية فقالعليه‌السلام : و ما المغيرة إنّما كان إسلامه لفجره و غدره بنفر من قومه فهرب و أتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كالعائذ بالإسلام، و اللّه ما رأى عليه أحد منذ ادّعى الإسلام خضوعا و لا خشوعا، ألا و إنّ امّه كانت من ثقيف فراعنة قبل يوم القيامة، يجانبون الحقّ، و يوقدون الحرب، و يوازرون الظالمين( ١) .

و في (جمل المفيد): الأحنف لمّا بعث إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام في الجمل أنّي مقيم على طاعتك في قومي، فإن شئت أتيتك و مائتين من أهل بيتي، و إن شئت جلست عنك أربعة آلاف سيف من بني سعد قال رجل لهعليه‌السلام : من هذا؟

قال: أدهى العرب و خيرهم لقومه. فقال: كذلك هو و إنّي لامثل بينه و بين المغيرة، لزم الطائف فأقام بها ينتظر على من يستقيم الأمر، فقال الرجل: إنّي لأحسب أنّ الأحنف لأسرع إلى ما يحب من المغيرة، فقالعليه‌السلام : أجل ما يبالي المغيرة أي لواء رفع، لواء ضلالة أو هدى( ٢) .

هذا و في (تاريخ الطبري): أنّ المغيرة كان يدّعي أنّه أحدث النّاس عهدا بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و يقول للناس: إنّي أخذت خاتمي فألقيته في القبر و قلت: إنّ خاتمي سقط منّي و إنّما طرحته عمدا لأمسّ النبيّ لأكون آخر النّاس عهدا به فدخل نفر من العراق على عليّعليه‌السلام زمان عمر أو عثمان و قالوا: جئنا نسألك عن أمر نحبّ أن تخبرنا به. فقالعليه‌السلام : أظن أنّ المغيرة يحدّثكم، أنّه أحدث النّاس عهدا

____________________

(١) الغارات ٢: ٥١٧.

(٢) الجمل للمفيد: ٢٩٥ ٢٩٦.

بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قالوا: أجل عن ذا جئناك نسألك. قال: كذب( ١) .

و في (ذيله): لمّا ألقى المغيرة خاتمه في القبر نزل عليّعليه‌السلام ، و قد رأى موقعه فتناوله فدفعه إليه، و قال له: لا يتحدث النّاس أنّك نزلت في القبر و لا تحدّث أنّ خاتمك في قبره( ٢) .

و فيه قال قبيصة بن جابر الأسدي: لو أنّ المغيرة جعل في مدينة لا يخرج من أبوابها كلّها إلاّ بالغدر لخرج منها( ٣) .

و في (المعارف): أوّل من رشا في الإسلام المغيرة، قال: ربّما عرق الدرهم في يدي أرفعه ليرفأ ليسهل إذني على عمر( ٤) .

و في (الكامل) ولّى عمر جبير بن مطعم الكوفة و قال له: لا تذكره لأحد فسمع المغيرة أنّ عمر خلا بجبير فأرسل امرأته إلى امرأة جبير لتعرض عليها طعام السفر ففعلت، فقالت: نعم ما حييتني به. فلمّا علم المغيرة جاء إلى عمر و قال له: بارك اللّه لك في من ولّيت، فعزله عمر و ولّى المغيرة( ٥) .

____________________

(١) تاريخ الطبريّ ٣: ٢١٤، سنة ١١.

(٢) ذيل تاريخ الطبريّ ١١: ٥١٣.

(٣) تاريخ الطبريّ ٥: ٣٣٧، سنة ٦٠.

(٤) ابن قتيبة: المعارف: ٥٨٨ دار المعارف مصر.

(٥) ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ٣: ٢٠ دار صادر.

الفهرست

تتمة الفصل الثامن و العشرون. ١

٤ - من الكتاب ٢٧: «... فاخفض لهم جناحك، و ألن لهم جانبك...». ١

٥ - من الكتاب ٧٢: «... أمّا بعد فانّك لست بسابق أجلك...». ٢٨

٦ - من الكتاب ٧٦: «... سع النّاس بوجهك و مجلسك و حكمك...». ٢٩

٧ - من الكتاب ٦٩: «... و تمسّك بحبل القرآن و استنصحه...». ٣١

٨ - من الخطبة ٢٢: «أمّا بعد، فانّ الأمر ينزل من السّماء إلى الأرض...». ٥٢

تتمة في خرافات العرب.. ٨٤

الفصل التاسع و العشرون في ما يتعلق بعثمان و عمر ١٣٧

١ - من الخطبة ٧٥: «... أو لم ينه اميّة علمها بي عن قرفي...». ١٣٩

٢ - من الخطبة ٧٧: «انّ بني اميّة ليفوّقونني تراث محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تفويقا...». ١٥٢

٣ - من الخطبة ١٥: «... و اللّه لو وجدته قد تزوّج به النّساء...». ١٥٨

٤ - من الخطبة ٤٣: «إنّ استعدادي لحرب أهل الشّام و جرير عندهم...». ١٦٣

٥ - من الخطبة ٣٠: «... لو أمرت به لكنت قاتلا...». ١٨٥

٦ - من الكتاب ٣٨: «... من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين، إلى القوم...». ٢١٠

٧ - من الخطبة ١٦٤: «انّ النّاس ورائي و قد استفسروني بينك و بينهم...». ٢١٦

٨ - من الخطبة ١٥٢: «و قد طلع طالع، لمع لامع، و لاح لائح...». ٢٤١

٩ - من الخطبة ٢٤: «... يا بن عبّاس، ما يريد عثمان إلاّ أن يجعلني جملا...». ٢٥٢

١٠ - من الخطبة ١٣٥: «... يا بن اللّعين الأبتر، و الشّجرة الّتي لا أصل...». ٢٦٠

١١ - من الخطبة ١٣٠: «... يا أبا ذرّ، انّك غضبت للّه فارج...». ٢٧٠

١٢ - من الكتاب ١: «... من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة...». ٣٠٢

١٣ - من الخطبة ١٧٤: «... قد كنت و ما أهدّد بالحرب...». ٣٣٣

١٤ - من الكتاب ٥٤: «... أمّا بعد، فقد علمتما و إن كتمتما انّي لم أرد...». ٣٤٥

١٥ - من الخطبة ٢٢: «ألا و انّ الشّيطان قد ذمر حزبه...» و من الخطبة ١٣٧: «و اللّه ما أنكروا عليّ منكرا...»      
و من الخطبة ١٠: «ألا و إنّ الشّيطان قد جمع حزبه...». ٣٥٩

١٦ - من الكتاب ٥٥: «... أمّا بعد، فانّ اللّه سبحانه قد جعل الدّنيا...». ٣٨٦

١٧ - من الكتاب ٦: «... إنّه بايعني القوم الّذين بايعوا أبا بكر و عمر...». ٣٩٤

١٨ - من الكتاب ٩: «... و أمّا ما سألت من دفع قتلة عثمان إليك...». ٤٠٠

١٩ - من الكتاب ٦٤: «... و قد أكثرت في قتلة عثمان...». ٤٠٣

٢٠ - من الكتاب ٢٨: «... ثمّ ذكرت ما كان من أمري و أمر عثمان...». ٤٠٦

٢١ - من الكتاب ٣٧: «... فسبحان اللّه ما أشدّ لزومك للأهواء...». ٤٢٠

٢٢ - من الكتاب ٦٢: «انّي و اللّه لو لقيتهم واحدا و هم طلاع الأرض...». ٤٢٣

٢٣ - من الخطبة ١٥٩: «و لقد أحسنت جواركم...». ٤٤٥

٢٤ - من الخطبة ١٦٨: «... يا أخوتاه انّي لست أجمل ما تعلمون...». ٤٤٩

٢٥ - من الكتاب ٥٨: «... و كان بدء أمرنا أنّا التقينا و القوم...». ٤٦٧

٢٦ - من الخطبة ٢٢٨: «... للّه بلاء فلان، فقد قوّم الأود،...». ٤٨١

٢٧ - من الحكمة ٤٦٧: «و وليهم وال فأقام و استقام حتّى ضرب...». ٥١٠

الفصل الثلاثون في بيعته عليه‌السلام.... ٥١٢

١ - من الخطبة ٥٤: «فتداكّوا عليّ تداكّ الإبل الهيم يوم ورودها...»................
من الخطبة ٢٢٩: «و بسطتم يدي فكففتها، و مددتموها فقبضتها...». ٥١٣

٢ - من الخطبة ١٣٧: «فاقبلتم إليّ اقبال العوذ المطافيل على أولادها...». ٥٢٠

٣ - من الكتاب ٧: «... أمّا بعد فقد أتتني منك موعظة موصّلة...». ٥٢٨

٤ - من الخطبة ٨: «... يزعم أنّه قد بايع بيده و لم يبايع بقلبه...». ٥٣٦

٥ - من الحكمة ٢٠٢: «... و لكنّكما شريكان في القوّة و الاستعانة...». ٥٣٨

٦ - من الخطبة ٢٠٥: «... لقد نقمتما يسيرا، و أرجأتما كثيرا...». ٥٤١

٧ - من الخطبة ١٣٦: «... لم تكن بيعتكم إيّاي فلتة...». ٥٤٩

٨ - من الخطبة ٩٢: «... دعوني و التمسوا غيري فانّا مستقبلون أمرا...». ٥٦٣

٩ - من الكتاب ٧٥: «... من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية...». ٥٧٢

١٠ - من الحكمة ١٧: «خذلوا الحقّ و لم ينصروا الباطل...». ٥٧٦

١١ - من الحكمة ٢٦٢: «... يا حارث، انّك نظرت تحتك...». ٥٨٢

١٢ - الحكمة ١٤: «ما كلّ مفتون يعاتب». ٥٨٩

١٣ - من الحكمة ٤٠٥: «ما كلّ مفتون يعاتب»..................................
من الحكمة ٤٠٥: «دعه يا عمّار، فانّه لن يأخذ من الدّين...». ٥٩١

مؤلف: الشيخ محمد تقي التّستري
صفحات: