أهل البيت عليهم السلام سماتهم وحقوقهم في القرآن الكريم
التجميع مكتبة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام
الکاتب الشيخ جعفر السبحاني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404
 شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام الثقافية -

أهل البيتعليهم‌السلام

سماتُهم وحقوقُهم في القرآن الكريم

تأليف

سماحة العلاّمة المحقّق

الشيخ جعفر السبحاني

نشر مؤسّسة الإمام الصادقعليه‌السلام

فهرست نويسى پيش از انتشار توسط : مؤسسة تعليماتى وتحقيقاتى إمام صادقعليه‌السلام

السبحاني التبريزي ، جعفر ، ١٣٤٧ هـ ق -

أهل البيتعليهم‌السلام سماتهم وحقوقهم في القرآن الكريم / تأليف جعفر السبحاني ، قم : مؤسّسة الإمام الصادقعليه‌السلام ، ١٤٢٥ ق = ١٣٨٣ .

١٨٣ ص .

كتابنامه به صورت زيرنويس.

چاپ دوم

١ - خاندان نبوت ٢ - خاندان نبوت - جنبه هاى قرآنى الف - مؤسّسة الإمام الصادقعليه‌السلام .

ب - عنوان .

٩ الف ٢س / ٣٦Bp ٩٥/٢٩٧

____________________

اسم الكتاب : أهل البيتعليهم‌السلام سماتهم وحقوقهم في القرآن الكريم

المؤلّف : العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

الطبعة : الثانية

المطبعة : مؤسّسة الإمام الصادقعليه‌السلام - قم

التاريخ : ١٤٢٥ هـ ق

الكمية : ١٠٠٠ نسخة

الناشر : مؤسّسة الإمام الصادقعليه‌السلام

الصفّ والإخراج باللاينوترون : مؤسّسة الإمام الصادقعليه‌السلام

____________________

توزيع : مكتبة التوحيد

قم - ساحة الشهداء ، تلفون : ٧٧٤٤٥٧ و ٠٩١٢١٥١٩٢٧١

٢٩٢٢٣٣١ ٢٥١ ٠٠٩٨ : FAX

E-mail:pub@imamsadeq.org

http://www.imamsadeq.org

أهل البيت

سماتهم وحقوقهم

بسم الله الرّحمن الرّحيم

قال الله تعالى :

( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)

 (الأحزاب : ٣٣ )

المقدّمة

الحمد للّه بارئ النّسم ، وسابغ النّعم ، والصلاة والسلام على أفضل خليقته ،وأشرف بريّته ، أبي القاسم محمّد ، وعلى آله الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً .

أمّا بعد ...

لقدحاز أهل البيتعليهم‌السلام على أهمية بالغة في القرآن الكريم ،وأشار إليهم في غير واحد من آياته ببيان سماتهم ، وحقوقهم ، وما يمتّ إليهم بصلة ، لا سيّما آية التطهير المعروفة بين المسلمين ، أعني : قوله سبحانه :( إِنّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أَهْلَ البَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيراً ) .

ولأجل أهمّية الموضوع ألّف غيرُ واحد من علماء الفريقين كتباً ورسائل حوله ، أفاضوا فيها الكلام حوّل هويّة أهل البيت ومناقبهم وفضائلهم .

وقد استرعى انتباهي في الفترة الأخيرة كتابان حول أهل البيت : أحدهم : (حقوق أهل البيت عليهم‌السلام ) لابن تيمية (المتوفّى عام ٧٢٨هـ) ، والآخر : ( الشيعة وأهل البيت) للكاتب المعاصر إحسان إلهي ظهير ، حيث بذلا الوسع لبيان نزول الآية في نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و الكتاب الثاني أشدّ بخساً في هذا المجال وقد أنصف الكتاب الأوّل بعض الإنصاف .

هذا وذاك ممّا دعاني إلى تقديم هذا الكتاب الماثل بين يديك الذي يبيّن هوية أهل البيت من خلال القرائن الموجودة في الآية والروايات المتضافرة ، مضافاً إلى بيان سماتهم وحقوقهم ؛ عسى أن يجبر بعض ما هُضم من حقوقهم في ذينك الكتابين ، خصوصاً الكتاب الأخير .

وأودّ أن أشير في الختام إلى نكتة ، وهي : أنّ آية التطهير لحنها لحن الثناء والتمجيد على أهل البيتعليهم‌السلام في حين أنّ لحن الآيات الواردة في نساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم النصح والوعظ تارّة ، والتنديد والتوبيخ أُخرى .

أمّا الأوّل فكما في الآيات الواردة في سورة الأحزاب .

يقول سبحانه :( يا أَيُّها النَّبيُّ قُل لأزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحياةَ الدُّنيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَميلاً ) .(١)

( يا نِساءَ النَّبيّ مَنْ يَأتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشة مُبيّنةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَينِ وَكانَ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسيراً ) .(٢)

( يا نِساءَ النَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ منَ النِّساءِ إِن اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيََطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَولاً مَعْرُوفاً ) .(٣)

( وَقَرَنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِليّةِ الأولى وَأَقمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وأَطِعْنَ اللّهَ ورَسُولَهُ ) .(٤)

وأمّا الثاني أي التنديد و التوبيخ ففي الآيات الواردة في سورة التحريم :

( يا أيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرضاةَ أَزْواجِكَ واللّهُ غَفُورٌ رَحيم ) .(٥)

( إِن تَتُوبا إِلى اللّه فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَولاهُ وجِبْرِيلُ وصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيراً ) .(٦)

( عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقْكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً ) .(٧)

فأُمّهات المؤمنين كسائر الصحابيات لهنّ من الفضل ما لغيرهنّ ، ولكنّ آية التطهير بلغت من الثناء على أهل البيت بمكان تأبى من الانطباق عليهنّ ؛ بما عرفت لهنّ من السمات في الآيات وستوافيك دلالة الآية على عصمة أهل البيت وتنزيههم من الزلل والخط .

____________________

١ - الأحزاب : ٢٨ .

٢ - الأحزاب : ٣٠ .

٣ - الأحزاب : ٣٢ .

٤ - الأحزاب : ٣٣ .

٥ - التحريم : ١

٦ - التحريم : ٤

٧ - التحريم : ٥

أهل البيتعليهم‌السلام سماتهم و حقوقهم

لقد وردت لفظة (أهل البيت) مرّتين في القرآن الكريم .

قال سبحانه حاكياً عن لسان الرسل :( قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أمرِ اللّهِ رَحمةُ اللّهِ وبَركاتُهُ عَلَيْكُمْ أهلَ البَيْتِ إنّهُ حَمِيدٌ مَجِيد ) .(١)

وقال تعالى : ( وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَّ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأولى وأقِمْنَ الصلاةَ وآتِينَ الزكاةَ واطِعْنَّ اللّهَ ورَسُولَهُ إنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُم تَطهِيراً ) (٢)

فالآية الأُولى تخاطب أهل بيت خليل اللّه عند ما جاءتهم الرسل فبشّروا امرأته بإسحاق ومن وراء إسحاق بيعقوب .

ولمّا كانت هذه البشارة على خلاف السنن الكونية حيث كان الخليل شيخاً وزوجته طاعنة في السنّ ، فلذلك تعجّبت وقالت مخاطبةً الرسل :(  يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ   ) (٣) ، فوافاها الجواب من

____________________

١ - هود : ٧٣ .

٢ - الأحزاب : ٣٣ .

٣ - هود : ٧٢ .

جانب الرسل الذين كانوا ملائكة وتمثّلوا بصورة الإنسان ، قائلين :( قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ   ) .

وأمّا الآية الثانية فقد وردت في ثنايا الآيات التي نزلت في شأن نساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدعوتهنّإلى التخلّي عن الدنيا والتحلّي بالتقوى إلى غير ذلك من الوصايا التي وردت ضمن آيات(١)

والمهم في هذا المقام هو معرفة أهل البيت في الآية الثانية وما هي سماتهم وحقوقهم في الذكر الحكيم؟

فهناك مباحث ثلاثة :

مَن هم أهل البيتعليهم‌السلام ؟

و ماهي سماتهم؟

وماهي حقوقهم؟

وها نحن نقوم بدراسة هذه المواضيع في فصول ثلاثة ، مستمدّين من اللّه العون والتوفيق .

____________________

١ - انظر سورة الأحزاب ، الآيات : ٢٨ - ٣٤ .

الفصل الأوَّل: مَن هم أهل البيتعليهم‌السلام ؟

إنّ المعروف بين المفسّرين والمحدّثين ، هو أنّ المراد من أهل البيت في الآية المباركة : العترة الطاهرة ، الذين عرّفهم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث الثقلين ، وقال :( إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه ، وعترتي) .

غير أنّ تحقيق مفاد الآية وتبيين المراد من أهل البيت فيها وانطباقها على حديث الثقلين يستدعي البحث في موردين :

أ - أهل البيت لغة وعرفاً .

ب - أهل البيت في الآية المباركة .

وإليك الكلام فيهما واحداً تلو الآخر .

* * *

أ - أهل البيت لغة وعرفاً :

هذا اللفظ مركّب من كلمتين ولكلٍّ مفهوم ، ويمكن تحديد مفهوم (الأهل) من موارد استعماله ، فيقال :

١ - أهل الأمر والنهي ٢ - أهل الإنجيل ٣ - أهل الكتاب ٤ - أهل الإسلام ٥ - أهل الرجل ٦ - أهل الماء .

وهذه الموارد تُوقفنا على أنّ كلمة (أهل) تستعمل مضافاً فيمن كان له علاقة قوية بمن أُضيف إليه ، فأهل الأمر والنهي هم الذين يمارسون الحكم والبعث والزجر ، وأهل الإنجيل هم الذين لهم اعتقاد به كأهل الكتاب وأهل الإسلام .

وقد اتّفقت كلمة أهل اللغة على أنّ الأهل والآل كلمتان بمعنى واحد ، قال ابن منظور : آل الرجل : أهله ، وآل اللّه وآل رسوله : أولياؤه ، أصلها أهل ثمّ أُبدلت الهاء همزة فصارت في التقدير أأل ، فلمّا توالت الهمزتان أبدلوا الثانية ألفاً ، كما قالوا : آدم وآخر ، وفي الفعل آمن وآزر .

وقد أنشأ عبد المطّلب عند هجوم أبرهة على مكّة المكرّمة ، وقد أخذ حلقة باب الكعبة وقال :

وانصر على آل الصليب وعابديه اليومَ آلك .

وعلى ما ذكرنا ، فهذا اللفظ إذا أُضيف إلى شيء يقصد منه المضاف الذي له علاقة خاصة بالمضاف إليه ، فأهل الرجل مثلاً هم أخص الناس به ، وأهل

المسجد ، المتردّدون كثيراً إليه ، وأهل الغابة القاطنون فيها فإذا لاحظنا موارد استعمال هذه الكلمة لا نتردّد في شمولها للزوجة والأولاد ، بل وغيرهم ممّن تربطهم رابطة خاصة بالبيت من غير فرق بين الأولاد والأزواج ، ولأجل ذلك ترى أنّه سبحانه يطلقه على زوجة إبراهيم كما عرفت في الآية .

هذا هو حقّ الكلام في تحديد مفهوم هذه الكلمة ، ولنأت ببعض نصوص أئمّة اللغة .

قال ابن منظور : أهل البيت سكانه ، وأهل الرجل أخص الناس به ، وأهل بيت النبيّ : أزواجه وبناته وصهره ، أعني : علياًعليه‌السلام ، وقيل : نساء النبيّ والرجال الذين هم آله(١)

فلقد أحسن الرجل في تحديد المفهوم أوّلاً ، وتوضيح معناه في القرآن الكريم ثانياً ، كما أشار بقوله : ( قيل) إلى ضعف القول الآخر ، لأنّه نسبه إلى القيل .

وقال ابن فارس ناقلاً عن الخليل بن أحمد : أهل الرجل : زوجه ، والتأهّل ، التزوّج ، وأهل الرجل : أخصّ الناس به ، وأهل البيت : سكّانه ، وأهل الإسلام : من يدين به(٢)

وقال الراغب في ( مفرداته) : أهل الرجل من يجمعه وإيّاهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد ، فأهل الرجل في الأصل من يجمعه وإيّاهم مسكن واحد ، ثمّ تجوز به ، فقيل : أهل بيت الرجل ،لمن يجمعه وإيّاهم النسب وتعورف في أُسرة النبي عليه الصلاة والسلام مطلقاً إذا قيل أهل البيت .(٣)

وقال الفيروز آبادي : أهل الأمر : ولاته ، وللبيت سكّانه ، وللمذهب من

____________________

١ - لسان العرب : ١١ / ٢٩ ، مادة ( أهل) .

٢ - معجم مقاييس اللغة : ١ / ١٥٠ .

٣ - المفردات : ٢٩ .

يدين به ، وللرجل زوجته كأهله ، وللنبيّ أزواجه وبناته وصهره عليّ - رضي اللّه تعالى عنه - أو نساؤه والرجال الذين هم آله(١)

هذه الكلمات ونظائرها بين أعلام أهل اللغة كلّها تعرب عن أنّ مفهوم أهل البيت في اللغة هم الذين لهم صلة وطيدة بالبيت ، وأهل الرجل من له صلة به بنسب أو سبب أو غيرهم

هذا هو الحقّ الذي لامرية فيه ، والعجب منإحسان إلهي ظهير الذي ينقل هذه النصوص من أئمّة اللغة وغيرهما ثمّ يستظهر أنّ أهل البيت يطلق أصلاً على الأزواج خاصة ، ثمّ يستعمل في الأولاد والأقارب تجوّزاً ! ثمّ يقول : هذا ما يثبت من القرآن الكريم كما وردت هذه اللفظة في قصّة إبراهيم بالبشرى ، فقال اللّه عزّ وجلّ في سياق الكلام :( وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ) (٢) .

وقال : فاستعمل اللّه عزّ وجلّ هذه اللفظة على لسان ملائكته في زوجة إبراهيمعليه‌السلام لا غير ، وهكذا قال اللّه عزّ وجلّ في كلامه المحكم في قصّة موسى عليه الصلاة والسلام :( فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً ) (٣) ، فالمراد من الأهل زوجة موسىعليه‌السلام ، وهي بنت شعيب(٤)

____________________

١ - القاموس المحيط : ٣ / ٣٣١ .

٢ - هود : ٧٣ .

٣ - القصص : ٣٠ .

٤ - الشيعة وأهل البيت : ١٦ - ١٧ .

نحن نسأل الكاتب : من أين استظهر من كلمات أهل اللغة أنّ (الأهل ) تطلق أصلاً على الأزواج خاصة ، ثمّ تستعمل في الأولاد تجوّزاً ؟!

أليس قد تقدّم لنا كلام ابن منظور : أهل الرجل : أخصّ الناس به؟! أليس الأولاد أخصّ الناس بالرجل؟ ومن فسّره ، بقوله : أهل الرجل زوجه لا يريد اختصاصه بالزوج ، بل يشير إلى أحد موارد استعماله ، ولأجل ذلك يستدركه ويصرّح بقوله : أهل الرجل : أخصّ الناس به .

ثمّ نسأله عن دلالة الآيتين على اختصاص الأهل بالأزواج وهل في منطق اللغة والأدب جعل الاستعمال دليلاً على الانحصار ؟ فلا شكّ أنّ الأهل في الآيتين أُطلق على الزوجة ، وليس الإطلاق دليلاً على الانحصار ، على أنّه أُطلق في قصّة الخليل وأُريد الزوجة والزوج معاً ، أي نفس الخليل بشهادة قوله تعالى :(  عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ) ، والإتيان بضمير الجمع المذكر ، وإرادة واحد منهما وحمل الخطاب العام على التعظيم ، لا وجه له في المقام .

وحصيلة الكلام : أنّ مراجعة كتب اللغة ، وموارد استعمال الكلمة في الكتاب والسنّة تعرب عن أنّ مفهوم (الأهل ) هو المعنى العام وهو يشمل كلّ من له صلة بالرجل والبيت صلة وطيدة مؤكّدة من نسب أو سبب أو غير ذلك ، من غير فرق بين الزوجة والأولاد وغيرهم ، وأنّ تخصيصها بالزوجة قسوة على الحقّ ، كما أنّ تخصيصها لغة بالأولاد وإخراج الأزواج يخالف نصوص القرآن واستعمالها كما عرفت في الآيات الماضية .

هذا هو الحقّ في تحديد المفهوم ، فهلمّ معي نبحث عمّا هو المراد من هذا المفهوم في الآية الكريمة ؟ وهل أُريد منه : كلّ مَن انتمى إلى البيت من أزواج وأولاد أو أنّ هناك قرائن خاصة على أنّ المقصود قسم من المنتمين إليه؟

وليس هذا بشيء

غريب ؛ لأنّ المفهوم العام قد يطلق ويراد منه جميع الأصناف والأقسام كما يطلق ويراد منه حسب القرائن بعضهم ، وقد عرفت أنّ المراد من الأهل في قصّة موسى زوجَته ، وفي قصّة إبراهيم زوجَته ، وعلى هذا لا شكّ في شمول كلمة أهل البيت للزوجة والأولاد وغيرهما إلاّ أنّ تقوم قرائن على أنّ المراد صنف خاص ، والمدّعى أنّه قد قامت القرائن على إرادة صنف خاص منهم ، وتتبيّن في البحث الآتي :

أهل البيت في الآية المباركة؟

اختلف المفسّرون في بيان ما هو المراد من (أهل البيت) في الآية المباركة على أقوال ، غير أنّ العبرة بقولين ؛ والأقوال الأخر شاذة لا يُعبأ بها ، وإنّما اختلقت لحلّ الإشكالات الواردة على القول الثاني كما سيوافيك بيانها في آخر البحث .

١ - المراد بنت النبيّ ، وصهره ، وولداهما ، الحسن والحسينعليهم‌السلام .

٢ - نساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١)

ولا بدّ من إمعان النظر في تعيين المراد بعد قابلية اللفظ لشمول كلتا الطائفتين ، فيقول : إنّ هناك قرائن تدلّ بوضوح على أنّ المراد من هذه الكلمة جماعة خاصة منتمين إلى البيت النبوي بوشائج خاصة لا كلّ المنتمين إليه ، وإليك تلك القرائن :

القرينة الأولى : اللام في ( أهل البيت ) للعهد

لا شك أنّ اللام قد تطلق ويراد منها الجنس المدخول كقوله سبحانه :( إنّ الإنسانَ لَفٍي خُسرٍ   ) .(٢)

____________________

١ - وهناك أقوال أُخر شاذّة جداً ستوافيك في مختتم البحث .

٢ - العصر : ٢ .

وقد يطلق ويراد منها استغراق أفراده كقوله سبحانه : ( يَا أَيُّها النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) (١)

وثالثة تستعمل في العهد باعتبار معهودية مدخولها بين المتكلّم والمخاطب .

ولا يمكن حمل اللام في (البيت ) على الجنس أو الاستغراق ، لأنّ الأوّل إنّما يناسب إذا أراد المتكلّم بيان الحكم المتعلّق بالطبيعة كما يعلم من تمثيلهم لذلك بقوله تعالى :(  إِنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً   ) (٢) ، ومن المعلوم أنّ الآية الكريمة ليست بصدد بيان حكم طبيعة أهل البيت ، كما لا يصحّ أن يحمل على العموم ، أي : جميع البيوت في العالم ، أو بيوت النبيّ ، وإلاّ لناسب الإتيان بصيغة الجمع فيقول : أهل البيوت ، كما أتى به عندما كان في صدد إفادة ذلك ، وقال في صدر الآية :(  وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ   ) .

فتعيّن أن يكون المراد هو الثالث ، أي البيت المعهود ، فالآية تشير إلى إذهاب الرجس عن أهل بيت خاص ، معهود بين المتكلّم والمخاطَب ، وحينئذٍ يقع الكلام في تعيين هذا البيت المعهود ، فما هو هذا البيت ؟ هل هو بيت أزواجه ، أو بيت فاطمة وزوجها والحسن والحسينعليهم‌السلام ؟

لا سبيل إلى الأوّل ، لأنّه لم يكن لأزواجه بيتٌ واحدٌ حتى تشير اللام إليه ، بل تسكن كلّ واحدة في بيت خاص ، ولو أُريد واحداً من بيوتهنّ لاختصّت الآية بواحدة منهم ، وهذا ما اتّفقت الأمّة على خلافه .

أضف إلى ذلك : أنّه على هذا يخرج بيت فاطمة مع أنّ الروايات ناطقة بشمولها ، وإنّما الكلام في شمولها لأزواج النبيّ كما سيوافيك بيانه .

____________________

١ - التوبة : ٧٣ .

٢ - المعارج : ١٩ .

هذا كلّه على تسليم أنّ المراد من البيت هو البيت المبنيّ من الأحجار والآجر والأخشاب ، فقد عرفت أنّ المتعيّن حمله على بيت خاص معهود ولا يصحّ إلاّ حمله على بيت فاطمة ، إذ ليس هناك بيت خاص صالح لحمل الآية عليه .

وأمّا لو قلنا بأنّ البيت قد يطلق ويراد منه تارة هذا النسق ، كما في قوله تعالى :(  وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى   ) ، وأُخرى غير هذا النمط من البيت ، مثل قول القائل : ( بيت النبوّة ) و : ( بيت الوحي ) ؛ تشبيهاً لهما على المحسوس ، فلا محيص أن يراد منه المنتمون إلى النبوّة والوحي بوشائج معنوية خاصة على وجه يصحّ مع ملاحظتها ، عدّهم أهلاً لذلك البيت ، وتلك الوشائج عبارة عن النزاهة في الروح والفكر ، ولا يشمل كلّ من يرتبط ببيت النبوّة عن طريق السبب أو النسب فحسب ، وفي الوقت نفسه يفتقد الأواصر المعنوية الخاصة ، ولقد تفطّن العلاّمة الزمخشري صاحب التفسير لهذه النكتة ، فهو يقول في تفسير قوله تعالى :(  قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ   ) (١) ، لأنّها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأمور الخارقة للعادات ، فكان عليها أن تتوقّر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء الناشئات في غير بيوت النبوّة ، وأن تسبّح اللّه وتمجّده مكان التعجّب ، وإلى ذلك أشارت الملائكة في قوله :(  رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ   ) أرادوا أنّ هذه وأمثالها ممّا يكرمكم به ربّ العزّة ، ويخصّكم بالأنعام به يا أهل بيت النبوّة(٢)

وعلى ذلك لا يصحّ تفسير الآية بكلّ المنتسبين عن طريق الأواصر الجسمانية لبيت خاص حتى بيت فاطمة ، إلاّ أن تكون هناك الوشائج المشار

____________________

١ - هود : ٧٣ .

٢ - الكشاف : ٢ / ١٠٧ .

إليها ، ولقد ضلّ من ضلّ في تفسير الآية بغير تلك الجماعةعليها‌السلام ، فحمل البيت في الآية على البيت المبني من حجر ومدر مع أنّ المراد غيره .

ولقد جرى بين قتادة ، ذلك المفسّر المعروف ، وبين أبي جعفر محمّد بن علي الباقرعليه‌السلام محادثة لطيفة أرشده الإمام فيها إلى هذا المعنى الذي أشرنا إليه ، قال - عندما جلس أمام الباقرعليه‌السلام - : لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدّام ابن عبّاس فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك قال له أبو جعفرعليه‌السلام :( ويحك ، أتدري أين أنت ؟ أنت بين يدي : (  في بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ * رجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ   ) (١) ، فأنت ثَمّ ونحن أُولئك ) فقال له قتادة : صدقت واللّه جعلني اللّه فداك ، واللّه ما هي بيوت حجارة ولا طين(٢)

وهذه القرينة تحضّ المفسّر على التحقيق عن الأفراد الذين يرتبطون بالبيت بأواصر معيّنة ، وبذلك يسقط القول بأنّ المراد منه أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لأنّه لم تكن تلك الوشائج الخاصة باتّفاق المسلمين بينهم ، وأقصى ما عندهنّ أنّهنّ كنّ مسلماتٍ مؤمناتٍ .

القرينة الثانية : تذكير الضمائر

نرى أنّه سبحانه عندما يخاطب أزواج النبيّ يخاطبهنّ حسب المعتاد بضمائر التأنيث ، ولكنّه عندما يصل إلى قوله :(  إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ   ) يغيّر الصيغة الخطابية في التأنيث ويأتي بصيغة التذكير ، فما هو السرّ في تبديل الضمائر لو كان المراد أزواج النبي ؟! وإليك نصّ الآيات :

____________________

١ - النور : ٣٦ - ٣٧ .

٢ - الكافي : ٦ / ٢٥٦ - ٢٥٧ .

(  يا نِسَاءَ النَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً   ) (١)

(  وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً   ) (٢)

( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ آياتِ اللّهِ وَالحِكْمَةِ إنّ اللّهَ كانَ لَطِيفَاً خَبِيراً   ) (٣)

ترى أنّه سبحانه يخاطبهنّ في الآية الأولى بهذه الخطابات :

١ - لستنَّ ٢ - اتقيتنّ ٣ - فلا تخضعنَ ٤ - وقُلنَ .

ويخاطبهنّ في الآية الثانية بهذه الخطابات :

١ - قرنَ ٢ - بيوتكنَّ ٣ - لا تبرجنَ ٤ - أقمنَ ٥ - آتينَ ٦ - أطعنَ .

كما يخاطبهن في الآية الثالثة بقوله :

١ - واذكرنَ ٢ - بيوتكنَ .

وفي الوقت نفسه يتّخذ في ثنايا الآية الثانية موقفاً خاصاً في الخطاب ويقول :

١ - عنكم ٢ - يطهّركم

فما وجه هذا العدول إذا كان المراد نساء النبيّ ؟!

أَوَليس هذا يدلّ على أنّ المراد ليس نساءهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

____________________

١ - الأحزاب : ٣٢ .

٢ - الأحزاب : ٣٣ .

٣ - الأحزاب : ٣٤ .

وقد حاول القرطبي التفصّي عن الإشكال فقال : إنّ تذكير الضمير يحتمل لأن يكون خرج مخرج ( الأهل) كما يقول لصاحبه : كيف أهلك ، أي امرأتك ونساؤك ؟ فيقول : هم بخير ، قال اللّه تعالى :(  قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ   ) (١)

ولكنّ المحاولة فاشلة فإنّ ما ذكره من المثال على فرض سماعه من العرب ، إنّما إذا تقدّم ( الأهل ) وتأخّر الضمير ، دون العكس كما في الآية ، فإنّ أحد الضميرين مقدّم على لفظ ( الأهل) في الآية كما يقول :(  عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ   ) .

وأمّا الاستشهاد في الآية فغير صحيح ، لأنّ الخطاب فيها لإبراهيم وزوجته ، فيصحّ التغليب تغليب الأشرف على غيره في الخطاب ، والمفروض في المقام أنّ الآية نزلت في زوجاته ونسائه خاصة فلا معنى للتغليب .

نعم إنّما تصحّ فكرة التغليب لو قيل بأنّ المراد منه ، هو أولاده وصهره وزوجاته ، وهو قول ثالث سنبحث عنه في مختتم البحث ، وسيوافيك أنّ بقية الأقوال كلّها مختلقة لتصحيح الإشكالات الواردة على النظرية الثانية ، فلاحظ .

القرينة الثالثة : الإرادة تكوينية لا تشريعية

سيوافيك الكلام عند البحث في سمات أهل البيت ، أنّ من سماتهم كونهم معصومين من الذنب ، وذلك بدليل كون من الإرادة في قوله : (  إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ   ) الإرادة التكوينية ، التي لا ينفكّ المراد فيها عن الإرادة وتكون متحقّقة وثابتة في

____________________

١ - جامع الأحكام : ١٤ / ١٨٢ .

الخارج ، وبما أنّ المراد هو إذهاب الرجس وإثبات التطهير وتجهيزهم بالأسباب والمعدّات المنتهية إلى العصمة ، فلا يصحّ أن يراد من أهل البيت أزواج النبيّ ، إذ لم يدّع أحدٌ من المسلمين كونهنّ معصومات من الذنب ومطهّرات من الزلل فلا مناص عن تطبيقه على جماعة خاصة من المنتمين إلى البيت النبويّ الذين تحقّق فيهم تعلّقهم بالأسباب والمقتضيات التي تنتهي بصاحبها إلى العصمة ، ولا ينطبق هذا إلاّ على الإمام عليّ وزوجته والحَسَنينعليهم‌السلام ، لأنّ غيرهم مجمع على عدم اتّصافهم بهذه الأسباب .

القرينة الرابعة :

أنّ الآيات المربوطة بأزواج النبي تبتدئ من الآية ٢٨ وتنتهي بالآية ٣٤ ، وهي تخاطبهن تارة بلفظ : (الأزواج ) ، ومرّتين بلفظ : (نساء النبيّ ) ، الصريحين في زوجاته ، فما هو الوجه في العدول عنهما إلى لفظ : (أهلالبيت ) ? فإنّ العدول قرينة على أنّ المخاطب به غير المخاطب بهما .

أهل البيت في كلام النبيّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

قد وقفت على المراد من أهل البيت في الآية المباركة من خلال دراسة مفردات الآية وجملها وهدفه

وهناك طريق آخر للتعرّف عليهم ، وهو دراسة الأحاديث الواردة في كلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّها تكشف عن وجه الحقيقة ، فنقول : إنّ للنبيّ الأكرم عناية وافرة بتعريف أهل البيت لم يرَ مثلها إلاّ في أقلِّ الموارد ، حيث قام بتعريفهم بطرق مختلفة سيوافيك بيانها ، كما أنّ للمحدّثين والمفسّرين وأهل السِير والتاريخ عناية كاملة بتعريف أهل بيت نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مواضع مختلفة حسب المناسبات التي تقتضي طرح هذه المسألة ، كما أنّ للشعراء الإسلاميين المخلصين في طوال قرون ، عناية بارزة

ببيان فضائل أهل البيت والتعريف بهم ، والتصريح بأسمائهم على وجه يظهر من الجميع اتّفاقهم على نزول الآية في حقّ العترة الطاهرة ، وسيوافيك نزر من شعرهم في مختتم البحث

كلّ ذلك يعرب عن أنّ الرأي العام بين المسلمين في تفسير أهل البيت هو القول الأوّل ، وأنّ القول بأنّ المقصود منهم زوجاته كان قولاً شاذاً متروكاً يُنقل ولا يُعتنى به ، ولم ينحرف عن ذلك الطريق المهيع إلاّ بعض من اتّخذ لنفسه تجاه أهل البيت موقفاً يشبه موقف أهل العداء والنصب .

قام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتعريف أهل البيت بطرق ثلاثة نشير إليها :

١ - صرّح بأسماء من نزلت الآية في حقّهم حتى يتعيّن المنزول فيه باسمه ورسمه .

٢ - قد أدخل جميع من نزلت الآية في حقّهم تحت الكساء ، ومنع من دخول غيرهم ، وأشار بيده إلى السماء وقال :( اللّهمّ إنّ لكلّ نبيٍّ أهل بيت وهؤلاء أهل بيتي ) كما سيوافيك نصّه .

٣ - كان يمرّ ببيت فاطمة عدّة شهور ، كلّما خرج إلى الصلاة فيقول : الصلاة أهل البيت :(  إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً   ) .

وبهذه الطرق الثلاثة حدّد أفراد أهل البيت ، وعيّن مصاديقهم على وجه يكون جامعاً لهم ومانعاً عن غيرهم ونحن ننقل ما ورد حول الطرق الثلاثة في التفسيرين : الطبري والدر المنثور للسيوطي ، ثمّ نأتي بما ورد في الصحاح الستّة حسب ما جمعه ابن الأثير الجزري في كتابه ( جامع الأصول) وأخيراً نشير إلى

الجوامع التي جمعت فيها أحاديث الفريقين حول نزول الآية في حقّ الخمسة الطيّبة ، ونترك الباقي إلى القارئ الكريم ؛ فإنّ البحثَ قرآنيٌّ لا حديثي ، والاستيعاب في الموضوع يحوجنا إلى تأليف مفرد.

الطائفة الأولى: التصريح بأسمائهم

١ - روى الطبري : عن أبي سعيد الخدري ، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( نزلت هذه الآية في خمسة : فيَّ، وفي عليّرضي‌الله‌عنه ، وحسنرضي‌الله‌عنه ، وحسينرضي‌الله‌عنه ، وفاطمة (رضي‌الله‌عنها ) :(  إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً   ) ).

٢ - عن أبي سعيد ، عن أُم سلمة زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ هذه الآية نزلت في بيتها( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) ، قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: أنا يا رسول اللّه ألست من أهل البيت ؟ قال :( إنّك إلى خير ، أنت من أزواج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) ، قالت : وفي البيت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليّ وفاطمة والحسن والحسينرضي‌الله‌عنهم .

وفي ( الدر المنثور ) ما يلي :

٣ - روى السيوطي عن ابن مردويه ، عن أُمّ سلمة ، قالت : نزلت هذه الآية في بيتي :(  إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) وفي البيت سبعة : جبريل ، وميكائيلعليهما‌السلام ، وعليّ ، وفاطمة ، والحسن ، والحسينرضي‌الله‌عنهم ؛ وأنا على باب البيت ، قلت : يا رسول اللّه ألستُ من أهل البيت ؟ قال :( إنّك إلى خير ، إنّك من أزواج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) .

٤ - وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي سعيد الخدري -

رضي‌الله‌عنه - ، قال : قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( نزلت هذه الآية في خمسة : فيَّ ، وفي عليّ ، وفاطمة ، وحسن ، وحسين : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) .

الطائفة الثانية : إدخالهم تحت الكساء

إدخالهم تحت الكساء أو ( مرط أو ثوب) أو ( عباءة أو قطيفة) : فقد وردت حوله هذه الروايات :

٥ - أخرج الطبري قال : قالت عائشة : خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذات غداة وعليه مِرطٍ مُرَجَّلِ من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله معه ، ثمّ جاء عليّ فأدخله معها ، ثمّ قال :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) .

٦ - أخرج الطبري قال : عن أُمّ سلمة قالت : كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندي وعليّ وفاطمة والحسن والحسين فجعلت لهم خزيرة فأكلوا وناموا وغطّى عليهم عباءة أو قطيفة ثمّ قال :( اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً )

٧ - أخرج الطبري : عن أبي عمّار قال : إنّي لجالس عند واثلة بن الأسقع إذ ذكروا عليّاًرضي‌الله‌عنه فشتموه ، فلمّا قاموا قال : اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموا ، إنّي عند رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ جاءه عليّ وفاطمة وحسن وحسين فألقى عليهم كساء له ، ثمّ قال :اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي ، اللّهمّ اذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً .

٨ - أخرج الطبري : عن أبي عمّار قال : سمعت واثلة بن الأسقع يحدّث قال : سألت عن عليّ بن أبي طالب في منزله ، فقالت فاطمة : قد ذهب يأتي برسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ جاء ، فدخل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودخلت ، فجلس رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الفراش

وأجلس فاطمة عن يمينه وعليّاً عن يساره وحسناً وحسيناً بين يديه ، فلفع عليهم بثوبه ، وقال :( ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) اللّهمّ هؤلاء أهلي ، اللّهمّ أهلي ) .

٩ - أخرج الطبري : عن أبي سعيد الخدري عن أُمّ سلمة قالت : لمّا نزلت هذه الآية :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) ، دعا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسينا ، فجلّل عليهم كساءً خيبرياً ، فقال :(اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي ، اللّهمّ اذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً) ، قالت : أُمّ سلمة ، قلت : ألست منهم ؟ قال :( أنتِ إلى خير ) .

١٠ - أخرج الطبري : عن أبي هريرة ، عن أُم سلمة : قالت : جاءت فاطمة إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ببرمة لها قد صنعت فيها عصيدة تحلها على طبق ، فوضعته بين يديه فقال :( أين ابن عمّك وابناك؟ ) ، فقالت :( في البيت ) ، فقال :( ادعيهم) ، فجاءت إلى عليّ فقالت :( أجب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنت وابناك ) ، قالت أُمّ سلمة : فلما رآهم مقبلين مدَّ يده إلى كساء كان على المنامة فمدّه وبسطه وأجلسهم عليه ، ثمّ أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله فضمّه فوق رؤوسهم وأومأ بيده اليمنى إلى ربِّه ، فقال :( هؤلاء أهل البيت فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً) .

١١ - أخرج الطبري : عن عمر بن أبي سلمة ، قال : نزلت هذه الآية على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيت أُمّ سلمة :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) فدعا حسناً وحسيناً وفاطمة فأجلسهم بين يديه ، ودعا علياً فأجلسه خلفه ، فتجلّل هو وهم بالكساء ، ثمّ قال :( هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً) ، قالت أُم سلمة : أنا معهم ، قال :( مكانك ، وأنت على خير ) .

١٢ - أخرج الطبري : قال عامر بن سعد ، قال : قال سعد : قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين نزل عليه الوحي فأخذ علياً وابنيه وفاطمة ، وأدخلهم تحت ثوبه ثم قال :( ربّ هؤلاء أهلي وأهل بيتي) .

١٣ - أخرج الطبري : عن حكيم بن سعد قال : ذكرنا عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه عند أُم سلمة ، قالت : فيه نزلت :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) ، قالت أُم سلمة : جاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى بيتي فقال :لا تأذني لأحد فجاءت فاطمة فلم استطع أن أحجبها عن أبيها ، ثمّ جاء الحسن فلم استطع أن أمنعه أن يدخل على جدّه وأُمّه ، وجاء الحسين فلم استطع أن أحجبه ، فاجتمعوا حول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على بساط فجلّلهم نبيّ اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكساءٍ كان عليه ثّم قال :( هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً) ، فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط قالت ، فقلت : يا رسول اللّه : وأنا؟ قال :( إنّك إلى خير ) .

١٤ - روى السيوطي : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أُم سلمةرضي‌الله‌عنهما زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان ببيتها على منامة له عليه كساء خيبري ، فجاءت فاطمةرضي‌الله‌عنها ببرمة فيها خزيرة ، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( ادعي زوجك وابنيك حسناً وحسين) ، فدعتهم ، فبينما هم يأكلون إذ نزلت على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) فأخذ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بفضلة أزاره فغشاهم إياها ، ثمّ أخرج يده من الكساء وأومأ بها إلى السماء ثمّ قال :( اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ) ، قالها ثلاث مرّات ، قالت أُم سلمة -رضي‌الله‌عنها - : فأدخلت رأسي في الستر ، فقلت : يا رسول اللّه وأنا

معكم ؟ فقال :( إنّك إلى خير ) مرّتين

١٥ - روى السيوطي : وأخرج الطبراني عن أُم سلمة -رضي‌الله‌عنها - أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لفاطمة -رضي‌الله‌عنها - :( ائتني بزوجِكِ وابنيه ) ، فجاءت بهم ، فألقى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم كساءً فدكياً ثمّ وضع يده عليهم ، ثمّ قال :اللّهمّ إنّ هؤلاء أهل محمّد وفي لفظ :آل محمّد ، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمّد كما جعلتها على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد) قالت أُم سلمة -رضي‌الله‌عنها - : فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي وقال :( إنّك على خير ) .

١٦ - روى السيوطي : وأخرج الطبراني عن أُم سلمة -رضي‌الله‌عنها - قالت : جاءت فاطمة -رضي‌الله‌عنها - إلى أبيها بثريدة لها ، تحملها في طبق لها حتى وضعتها بين يديه ، فقال لها :( أين ابن عمك ؟) قالت :( هو في البيت) قال :( اذهبي فادعيه وابنيك) ، فجاءت تقود ابنيها كلّ واحد منهما في يد وعليّ -رضي‌الله‌عنه - يمشي في أثرهما حتى دخلوا على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأجلسهما في حجره ، وجلس عليّ -رضي‌الله‌عنه - عن يمينه ، وجلست فاطمة -رضي‌الله‌عنها - عن يساره ، قالت أُمّ سلمة -رضي‌الله‌عنها - : فأخذت من تحتي كساء كان بساطنا على المنامة في البيت(١)

١٧ - روى السيوطي : وأخرج ابن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري -رضي‌الله‌عنه - قال : كان يوم أُمّ سلمة أُم المؤمنين -رضي‌الله‌عنها - فنزل جبرئيلعليه‌السلام على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذه الآية :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) ، قال : فدعا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحسن وحسين وفاطمة وعلي فضمهم إليه ونشر عليهم الثوب ، والحجاب على أُم سلمة مضروب ، ثم قال :

____________________

١ - وإجمال الحديث وإبهامه يرتفع بالرجوع إلى سائر ما روي عن أُم سلمة في ذلك المضمار .

( اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي ، اللّهمّ أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً) ، قالت أُم سلمة -رضي‌الله‌عنها - : فأنا معهم يا نبيّ اللّه ؟ قال : ( أنت على مكانك ، وأنّك على خير ) .

١٨ - روى السيوطي : وأخرج الترمذي وصحّحه ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والحاكم وصحّحه ، وابن مردويه والبيهقي في سننه ، من طرق ، عن أُمّ سلمة -رضي‌الله‌عنها - قالت : في بيتي نزلت :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين فجلّلهم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكساء كان عليه ثمّ قال :( هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً) .

١٩ - روى السيوطي : وأخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد ، ومسلم ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والحاكم عن عائشة -رضي‌الله‌عنها - قالت : خرج رسول اللّه ص غداة وعليه مرط مرجّل من شعر أسود ، فجاء الحسن والحسين -رضي‌الله‌عنهما - فأدخلها معه ، ثمّ جاء علي فأدخله معه ، ثمّ قال :(  إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) .

٢٠ - روى السيوطي : وأخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه ، عن سعد قال : نزل على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الوحي ، فأدخل علياً وفاطمة وابنيهما تحت ثوبه ثمّ قال :( اللّهمّ هؤلاء أهلي وأهل بيتي) .

٢١ - روى السيوطي : وأخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، والحاكم وصححه ، والبيهقي في سننه ، عن واثلة ابن الأسقع -رضي‌الله‌عنه - قال : جاء رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى فاطمة ومعه حسن وحسين وعليّ ، حتى دخل فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسنا

وحسيناً كل واحد منهما على فخذه ، ثمّ لفّ عليهم ثوبه وأنا مستدبرهم ، ثمّ تلا هذه الآية :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) .

الطائفة الثالثة : تعيينهم بتلاوة الآية على بابهم

٢٢ - أخرج الطبري : عن أنس ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يمرّ ببيت فاطمة ستّة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة ، فيقول :الصلاة أهل البيت : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) ) .

٢٣ - أخرج الطبري : أخبرني أبو داود ، عن أبي الحمراء ، قال : رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : رأيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا طلع الفجر جاء إلى باب عليّ وفاطمة فقال :الصلاة ، الصلاة : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) .

٢٤ - أخرج الطبري : عن يونس بن أبي إسحاق بإسناده ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثله .

٢٥ - روى السيوطي : أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسّنه ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والطبراني ، والحاكم وصحّحه ، وابن مردويه ، عن أنس -رضي‌الله‌عنه - أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يمرّ بباب فاطمة -رضي‌الله‌عنها - إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول :( الصلاة يا أهل البيت :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) ).

٢٦ - روى السيوطي : أخرج ابن مردويه ، عن أبي سعيد الخدري -رضي‌الله‌عنه - قال : لمّا دخل عليّرضي‌الله‌عنه بفاطمةرضي‌الله‌عنها جاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربعين

صباحاً إلى بابها يقول : ( السلام عليكم أهل البيت ورحمة اللّه وبركاته ، الصلاة رحمكم اللّه :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) أنا حرب لمن حاربتم ، أنا سلم لمن سالمتم) .

٢٧ - روى السيوطي : أخرج ابن جرير ، وابن مردويه ، عن أبي الحمراءرضي‌الله‌عنه قال : حفظت من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرّة يخرج إلى صلاة الغداة إلاّ أتى إلى باب عليّرضي‌الله‌عنه فوضع يده على جنبّتي الباب ، ثمّ قال :( الصلاة الصلاة : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) )

٢٨ - روى السيوطي : وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عبّاس -رضي‌الله‌عنهما - قال : شهدنا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسعة أشهر يأتي كل يوم باب عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه عند وقت كلّ صلاة ، فيقول :( السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته أهل البيت : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) ، الصلاة رحمكم اللّه ) كلّ يوم خمس مرّات

٢٩ - روى السيوطي : وأخرج الطبراني عن أبي الحمراءرضي‌الله‌عنه ، قال : رأيت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأتي باب علي وفاطمة ستّة أشهر فيقول :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) (١)

جولة حول ما رواه العلمان

قد تعرّفت على أكثر ما رواه الطبري والسيوطي في تفسيرهما ، وتركنا بعض ما

____________________

١ - لاحظ للوقوف على مصادر هذه الروايات تفسير الطبري : ٢٢ / ٥ - ٧ ، والدر المنثور : ٥ / ١٩٨ - ١٩٩

نقلاه في ذلك المجال عن أعلام التابعين ، وما رويناه ينتهي إسناده إلى أقطاب الحديث من الصحابة وعيون الأثر ، وهم :

١ - أبو سعيد الخدري .

٢ - أنس بن مالك .

٣ - ابن عبّاس .

٤ - أبو هريرة الدوسي .

٥ - سعد بن أبي وقاص .

٦ - واثلة بن الأسقع .

٧ - أبو الحمراء ، أعني : هلال بن الحارث .

٨ - أُمّهات المؤمنين : عائشة وأُم سلمة .

أيصحّ بعد هذا لمناقش أن يشكّ في صحّة نزولها في حقّ العترة الطاهرة؟! وليس الطبري والسيوطي فريدين في نقل تلك المأثورة ، بل سبقهما أصحاب الصحاح والمسانيد فنقلوا نزول الآية في حقّهم صريحاً أو كناية ، ولا بأس بنقل ما جاء في خصوص الصحاح حتى يعضد بعضه بعضاً فنقول :

٣٠ - أخرج الترمذي : عن سعد بن أبي وقاص -رضي‌الله‌عنه - ، قال : لمّا نزلت هذه الآية :(  فَقُلْ تَعالَوا نَدعُ أبناءَنا وأبناءَكُمْ ونساءَنا ونساءَكُمْ   ) (١) الآية ، دعا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال :( اللّهمّ هؤلاء أهلي )

____________________

١ - آل عمران : ٦١ .

٣١ - أخرج الترمذي : عن أُم سلمةرضي‌الله‌عنها : قالت إنّ هذه الآية نزلت في بيتي :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) ، قالت : وأنا جالسة عند الباب فقلت : يا رسول اللّه ألست من أهل البيت؟ فقال :( إنّك إلى خير ، أنتِ من أزواج رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) ، قالت : وفي البيت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليّ وفاطمة وحسن وحسين ، فجلّلهم بكسائه وقال :( اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً )

وفي رواية أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جلل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة ثمّ قال :( اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامَّتي اذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً) قالت أُم سلمة : وأنا معهم يا رسول اللّه ؟ قال :( إنّكِ إلى خير ) .

٣٢ - أخرج الترمذي : عن عمر بن أبي سلمة قال : نزلت هذه الآية على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) في بيت أُم سلمة ، فدعا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمة وحسناً وحسينا ، فجلّلهم بكساء ، وعليٌّ خلف ظهره ، ثم قال :( اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً) قالت أُم سلمة : وأنا معهم يا نبي اللّه؟ قال :( أنت على مكانك وأنت على خير ) .

٣٣ - أخرج الترمذي : عن أنس بن مالك : أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يمرُّ بباب فاطمة إذا خرج إلى الصلاة حين نزلت هذه الآية قريباً من ستة أشهر يقول :الصلاة أهل البيت ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) .

٣٤ - أخرج مسلم : عن عائشة قالت : خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليه مِرط مُرَحَّل أسود ، فجاءه الحسن فأدخله ، ثمّ جاءه الحسين فأدخله ، ثمّ جاءت فاطمة

فأدخلها ، ثمّ جاء علي فأدخله ، ثمّ قال :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ   ) الآية .

٣٥ - أخرج مسلم : عن زيد بن أرقم : قال يزيد بن حيان : انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين : لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً ، رأيت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمعت حديثه ، وغزوت معه ، وصلّيت خلفه ، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيرا ، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : يا ابن أخي ، واللّه لقد كبُرت سنّي ، وقدم عهدي ، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فما حدّثتكم فاقبلوا ، ومالافلا تكلّفونيه ، ثمّ قال : قام رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً فينا خطيباً بماء يدعى : خمّاً بين مكّة والمدينة ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ووعظ وذكر ، ثمّ قال :

( أمّا بعد : ألا أيّها الناس ، إنّما أنا بشر ، يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأُجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين أوّلهما : كتاب اللّه فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب اللّه ، واستمسكوا به ، فحثّ على كتاب اللّه ورغّب فيه ، ثمّ قال : وأهل بيتي ، أذكّركم اللّه في أهل بيتي ، أذكّركم اللّه في أهل بيتي ، أذكّركم اللّه في أهل بيتي ، فقال له حصين : ومن أهل بيته يا زيد ، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال : نساؤه من أهل بيته ، ولكنّ أهل بيته من حُرٍم الصدقة بعده قال: ومن هم؟ قال : آل عليّ ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، وآل عبّاس قال : كلّ هؤلاء حرم الصدقة؟ قال : نعم ، زاد في رواية : ( كتاب اللّه فيه الهدى والنور من استمسك به وأخذ به كان على الهدى ومن أخطأه ضلّ ) .

وفي أُخرى نحوه : غير أنّه قال :( وإنّي تارك فيكم ثقلين أحدهما : كتاب اللّه ، وهو حبل اللّه فمن اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة ، وفيها ، فقلنا : مَن أهل بيته ، نساؤه ؟ قال : لا وايم اللّه ؛ إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من

الدهر ، ثمّ يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها ، أهل بيته : أصله وعصبته الذين حُرِموا الصدقة بعده(١)

هذا ما رواه أصحاب الصحاح حول نزول الآية في حقّ العترة الطاهرة ، وتركنا ما رواه الإمام أحمد في مسنده ؛ روماً للاختصار ، وفي هذا غنى وكفاية لمن رام الحقّ واتبعه وعرف الباطل فاجتنبه ، ومن أراد التوس فعليه الرجوع إلى المصادر التالية :

١ - العمدة للمحدّث الحافظ يحيى بن سعيد ، المتوفّى عام ٦٠٠ هـ الطبعة الحديثة .(٢)

٢ - بحار الأنوار : ٣٥ / ٢٠٦ - ٢٢٦ .

٣ - غاية المرام : ٢٨٧و ٢٩٤ ، فقد أورد فيه واحداً وأربعين حديثاً من كتب أهل السنّة ، وأربعاً وثلاثين من كتب الشيعة .

٤ - تفسير البرهان : ٣ / ٣٠٩ - ٣٢٥ ، فقد أورد فيه خمساً وستين حديثاً .

٥ - نور الثقلين : ٤ / ٢٧٠ - ٢٧٧ ، أورد فيه خمسة وعشرين حديثاً .

٦ - إحقاق الحقّ : ٢ / ٥٠٢ - ٥٤٤ ، فقد نقل نزول الآية في حقّ العترة الطاهرة عن كتب أهل السنّة حديثاً وتفسيراً ، ثمّ استدرك ما فاته في الجزء التاسع والرابع عشر .

____________________

١ - راجع للوقوف على هذه المأثورات جامع الأصول لابن الأثير : ١٠ / ١٠٠ - ١٠٣ ، وصحيح مسلم : ٧ / ١٢٢ - ١٢٣ .

٢ - حُقّق تحقيقاً أنيقاً ونشر من قبل مؤسّسة الإمام الصادقعليه‌السلام في عام ١٤١٢ هـ .

٧ - آية التطهير في حديث الفريقين فقد استقصى في جزء خاص الأحاديث الواردة حول الموضوع من طريق الفريقين شكر اللّه مساعي الجميع .

وبعد هذا ، حان حين البحث عن دلائل القول الآخر : وهو نزول الآية في نسائه .

نزولها في نسائه عليه الصلاة والسلام

قد تعرّفت على دلائل القول وقرائنه ومؤيّداته وأحاديثه المتواترة التي أطبق على نقلها تسع وأربعون(١) صحابياً وصحابية من أُمّهات المؤمنين ، وقد تلقّته الأمّة بالقبول في القرون الماضية ، وأمّا القول الثاني ، أعني نزولها في نسائه وزوجاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد نسب إلى أشخاص نقل عنهم ، منهم :

١ - ابن عبّاس .

٢ - عكرمة .

٣ - عروة بن الزبير .

٤ - مقاتل بن سليمان .

أمّا الأوّل : فقد نقل عنه تارّة ، عن طريق سعيد بن جُبير ، وأُخرى عن طريق عكرمة ، قال السيوطي في الدر المنثور : وأخرج ابن أبي حاتم ، وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عبّاس عن قوله :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ   ) ، قال : نزلت في نساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقال أيضاً : أخرج ابن مردويه عن طريق سعيد بن جُبير ، عن ابن عبّاس

____________________

١ سيوافيك مصدره .

قال : نزلت في نساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأمّا الثاني : أعني عكرمة ، فقد نقله عنه الطبري ، عن طريق ( علقمة) وانّ عكرمة كان ينادي في السوق :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ   ) نزلت في نساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ونقل في الدر المنثور : أخرج ابن جرير وابن مردويه ، عن عكرمة في قوله :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ ) إنّه قال ليس بالذي تذهبون إليه إنّما هو نساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأمّا الثالث : أعني : عروة بن الزبير ، فقال السيوطي : وأخرج ابن سعد عن عروة بن الزبير أنّه قال :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ   ) قال : أزواج النبيّ نزلت في بيت عائشة .

وأمّا الرابع : فقد نقل عنه في أسباب النزول .(١)

تحليل هذه النقول :

أمّا نقله عن ابن عبّاس فليس بثابت ، بل نقل عنه خلاف ذلك ، فقد نقل السيوطي في ( الدر المنثور ) قال : وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عبّاس قال : شهدنا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسعة أشهر يأتي كلّ يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كلّ صلاة فيقول :( السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته أهل البيت : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) ) .

وليس ابن مردويه فريداً في هذا النقل ، فقد نقله عنه الحاكم الحسكاني في

____________________

١ تفسير الطبري : ٢٢ / ٧ و ٨؛ والدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي : ٥ / ١٩٨؛ وأسباب النزول للواحدي : ٢٠٤ .

٢ شواهد التنزيل : ٢ / ٣٠ .

شواهد التنزيل(٢) بسند ينتهي إلى أبي صالح ، عن ابن عبّاس :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) نزلت في رسول اللّه وعلي وفاطمة والحسن والحسين والرجس : الشك .

كما نقله الحافظ الحسين بن الحكم الحبري في ( تنزيل الآيات) عن أبي صالح بمثل ما سبق(١)

وممّن رواه عن ابن عبّاس صاحب أرجح المطالب ( ص ٥٤ ) طبع لاهور ، والعلاّمة إسماعيل النقشبندي ( في مناقب العترة) .

أضف إلى ذلك أنّ من البعيد أنّ يخفى على ابن عبّاس حبر الأمّة ما اطّلع عليه عيون الصحابة وأُمّهات المؤمنين ، وقد أنهى بعض الفضلاء السادة(٢) عدد رواة الحديث من الصحابة إلى تسعة وأربعين صحابياً وجمعها من مصادر الفريقين في الفضائل والمناقب

عكرمة من الخوارج لا قيمة لقوله

وأمّا عكرمة : فقد ثبت تقوّله بذلك كما عرفت ، لكنّ في نفس كلامه دليلاً واضحاً على أنّ الرأي العام يوم ذاك في شأن نزول الأمّة هو نزولها في حقّ فاطمة ، وإنّما تفرّد هو بذلك ، ولأجله رفع عقيرته في السوق بقوله : ليس بالذي تذهبون إليه وإنّما هو نساء النبيّ أضف إلى ذلك : أنّ تخصيص هذه الآية بالنداء في السوق ، وإنّها نزلت في نساء النبيّ ، يعرب عن موقفه الخاص بالنسبة إلى من اشتهر نزول الآية في حقهم ،

____________________

١ - تنزيل الآيات : ٢٤ ( مخطوط) منه نسخة في جامعة طهران لاحظ إحقاق الحقّ : ١٤ / ٥٣ .

٢ - آية التطهير في حديث الفريقين .

وإلاّ فالمتعارف بين الناس أنّ الجهر بالحقيقة بشكل معقول لا بهذه الصورة المعربة عن الانحراف عنهم .

هذا كلّه حول ما نقل عنه ، وأمّا تحليل شخصيته وموقفه من الأمانة والوثاقة ، وانحرافه عن عليّ وانحيازه إلى الخوارج وطمعه الشديد بما في أيدي الأمراء فحدّث عنه ولا حرج ، ولأجل إيقاف القارئ على قليل مما ذكره أئمّة الجرح والتعديل في حقه ، نأتي ببعض ما ذكره الإمام شمس الدين الذهبي نقّاد الفن في كتابيه : ( تذكرة الحفّاظ) ، و ( سٍير أعلام النبلاء) ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتب الجرح والتعديل .

نقل الإمام شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفّى ٧٤٨هـ في ( سٍير أعلام النبلاء) هذه الكلمات في حقّ عكرمة :

١ - قال أيوب : ( قال عكرمة : إنّي لأخرج إلى السوق فأسمع الرجل يتكلّم بالكلمة فينفتح لي خمسون باباً من العلم ...) ما معنى هذه الكلمة؟ وهل يقولها إنسان يملك شيئاً من العقل والوقار ؟!

٢ - قال ابن لهيعة: وكان يحدّث برأي نجدة الحروري(١) وأتاه ، فأقام عنده ستّة أشهر ، ثمّ أتى ابن عبّاس فسلّم ، فقال ابن عبّاس : قد جاء الخبيث .

٣ - قال سعيد بن أبي مريم ، عن أبي لهيعة ، عن أبي الأسود ، قال : كنت أوّل من سبّب لعكرمة الخروج إلى المغرب وذلك أنّي قدمت من مصر إلى المدينة فلقيني عكرمة وسألني عن أهل المغرب ، فأخبرته بغفلتهم ، قال : فخرج إليهم وكان أوّل ما أحدث فيهم رأي الصفريّة(٢)

____________________

١ - هو نجدة بن عامر الحروري الحنفي من بني حنيفة رأس الفرقة النجدية ، انفرد عن سائر الخوارج بآرائه .

٢ - هم فرقة من الخوارج أتباع زياد بن الأصفر .

٤ - قال يحيى بن بكير : قدم عكرمة مصر ونزل هذه الدار وخرج إلى المغرب ، فالخوارج الذين بالمغرب عنه أخذوا .

٥ - قال علي بن المديني : كان عكرمة يرى رأي نجدة الحروري .

٦ - وقال أحمد بن زهير : سمعت يحيى بن معين يقول : إنّما لم يذكر مالك عكرمة - يعني في الموطأ - قال : لأنّ عكرمة كان ينتحل رأي الصفريّة .

٧ - وروى عمر بن قيس المكّي ، عن عطاء ، قال : كان عكرمة إباضياً(١)

٨ - وعن أبي مريم ، قال : كان عكرمة بيهسياً(٢)

٩ - وقال إبراهيم الجوزجاني : سألت أحمد بن حنبل عن عكرمة ، أكان يرى رأي الإباضية ؟ فقال : يقال : إنّه كان صفرياً ، قلت : أتى البربر ؟ قال : نعم ، وأتى خراسان يطوف على الأُمراء يأخذ منهم .

١٠ - وقال علي بن المديني : حكى عن يعقوب الحضرمي عن جده ، قال : وقف عكرمة على باب المسجد فقال : ما فيه إلاّ كافر قال : وكان يرى رأي الإباضية(٣)

وقال في ( ميزان الاعتدال)(٤) : وقد وثقه جماعة ، واعتمده البخاري ، وأمّا مسلم فتجنّبه ، وروى له قليلاً مقروناً بغيره ، وأعرض عنه مالك ، وتحايده إلاّ في حديث أو حديثين .

عفّان ، حدثنا وهيب قال : شهدت يحيى بن سعيد الأنصاري ، وأيوب ، فذكرا عكرمة ، فقال يحيى : كذّاب ، وقال أيوب : لم يكن بكذّاب .

____________________

١ - هم أتباع عبد اللّه بن أباض ، رأس الإباضية .

٢ - فرقة من الصفرية أصحاب أبي بيهس هيصم بن جابر الضبغي رأس الفرقة البيهسية من الخوارج .

٣ - لاحظ : سير أعلام النبلاء للذهبي : ٥ / ١٨ - ٢٢ .

٤ - ميزان الاعتدال : ٣ / ٩٣ - ٩٧ .

عن عبد اللّه بن الحارث : دخلت على علي بن عبد اللّه بن عبّاس فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحش ، فقلت : ألاّ تتقي اللّه؟ قال : إنّ هذا الخبيث يكذب على أبي .

سئل محمّد بن سيرين عن عكرمة؟ فقال : ما يسؤني أن يكون من أهل الجنّة ولكنّه كذّاب

هشام بن عبد اللّه المخزومي : سمعت ابن أبي ذئب يقول : رأيت عكرمة وكان غير ثقة .

وعن بريد بن هارون قال : قدم عكرمة البصرة ، فأتاه أيوب ويونس وسليمان التيمي ، فسمع صوت غناء ، فقال : اسكتوا ، ثمّ قال : قاتله اللّه لقد أجاد وعن خالد بن أبي عمران ، قال : كنّا بالمغرب وعندنا عكرمة في وقت الموسم فقال : وددتّ أنّ بيدي حربة فاعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً .

وعن يعقوب الحضرمي عن جده ، قال : وقف عكرمة على باب المسجد ، فقال : ما فيه إلاّ كافر قال : ويرى رأي الإباضية ، أنّ عكرمة لم يدع موضعاً إلاّ خرج إليه : خراسان والشام واليمن ومصر وإفريقيا ، كان يأتي الأمراء فيطلب جوائزهم .

وقال عبد العزيز الدراوردي : مات عكرمة وكثير عزّة في يوم واحد ، فما شهدهما إلاّ سودان المدينة .

وعن ابن المسيب أنّه قال لمولاه ( برد) : لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عبّاس .

أفبعد هذه الكلمات المتضافرة الحاكية عن انحراف الرجل عن جادة الحقّ ،

وتكفيره عامّة المسلمين ، وتمنّيه أن يقتل كلّ من شهد الموسم ، يصحّ الاعتماد عليه في تفسير الذكر الحكيم؟! والأسف أنّ المفسّرين نقلوا أقواله وأرسلوها ولم يلتفتوا إلى أنّ الرجل كذّاب على مولاه وعلى المسلمين ، فواجب على عشاق الكتاب العزيز وطلاّب التفسير ، تهذيب الكتب عن أقوال وآراء ذلك الدجّال ومن يحذو حذوه .

عروة بن الزبير :

وأمّا عروة بن الزبير فيكفي في عدم حجيّة قوله ، عداؤه لعلي وانحرافه عنه ، ففي هذاالصدد يقول ابن أبي الحديد : روى جرير بن عبد الحميد ، عن محمّد بن شيبة ، قال : شهدت مسجد المدينة ، فإذا الزهري وعروة بن الزبير جالسان يذكّران عليّاًعليه‌السلام فنالا منه ، فبلغ ذلك عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، فجاء حتى وقف عليهما ، فقال :أما أنت يا عروة فإنّ أبي حاكم أباك إلى اللّه فحكم لأبي على أبيك ، وأمّا أنت يا زهري فلو كنت بمكّة لأريتك كير أبيك .

وقد روي من طرق كثيرة : أنّ عروة بن الزبير كان يقول : لم يكن أحد من أصحاب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يزهو إلاّ عليّ بن أبي طالب ، وأُسامة بن زيد .

وروى عاصم بن أبي عامر البجلي ، عن يحيى بن عروة ، قال : كان أبي إذا ذكر عليّاً نال منه ، وقال لي مرّة : يا بني واللّه ما أحجم الناس عنه إلاّ طلباً للدنيا ، لقد بعث إليه أُسامة بن زيد أن أبعث إلي بعطائي فواللّه إنّك لَتعلم أنّك لو كنت في فم أسد لدخلت معك فكتب إليه :إنّ هذا المال لمن جاهد عليه ، ولكن لي مالاً بالمدينة ، فأصب منه ما شئت .

قال يحيى : فكنت أعجب من وصفه إياه بما وصفه به ، ومن عيبه له وانحرافه عنه(١)

مقاتل بن سليمان :

وهو رابع النقلة لنزول الآية في نسائهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويكفي في عدم حجّية قوله ما نقله الذهبي في حقّه في (سير أعلام النبلاء) قال : قال ابن عيينة : قلت لمقاتل : زعموا أنّك لم تسمع من الضحاك؟ قال : يغلق علي وعليه باب فقلت في نفسي : أجل باب المدينة .

وقيل : إنّه قال : سلوني عمّا دون العرش ، فقالوا : أين أمعاء النملة؟ فسكت ، وسألوه لما حجّ آدم من حلق رأسه؟ فقال : لا أدري قال وكيع : كان كذّاباً .

وعن أبي حنيفة قال : أتانا من المشرق رأيان خبيثان : جهم معطّل(٢) ومقاتل مشبّه ، مات مقاتل سنة نيف وخمسين ومئة ، وقال البخاري : مقاتل لا شيء البتة قلت : أجمعوا على تركه(٣)

تجد اتّفاق المتكلّمين من الأشاعرة والمعتزلة ومن قبلهم على أنّ القول بالتشبيه إنّما تسرّب إلى الأوساط الإسلامية من مقاتل ، فهو الزعيم الركن بالقول

____________________

١ - شرح النهج لابن أبي الحديد : ٤ / ١٠٢؛ وراجع سير أعلام النبلاء : ٤ / ٤٢١ - ٤٣٧ ما يدلّ على كونه من بغاة الدنيا وطالبيها ، وقد بنى قصراً في العقيق وأنشد شعراً في مدحه ، وكان مقرّباً لدى الأمويين خصوصاً عبد الملك بن مروان .

٢ - التعطيل : هو أن لا تثبت للّه الصفات التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتشبيه : أن يُشبَه اللّه سبحانه وتعالى بأحد من خلقه .

٣ - سير أعلام النبلاء : ٧ / ٢٠٢ .

بأنّ له سبحانه أعضاء مثل ما للإنسان من اليد والرجل والوجه وغير ذلك ، قاتل اللّه مقاتل ، كيف يفتري على اللّه سبحانه كذباً ويُفسر آياته بغير وجههاً ؟!

وقال الذهبي أيضاً في ( ميزان الاعتدال)(١) ، ما هذا تلخيصه : قال النسائي : كان مقاتل يكذب

وعن يحيى : حديثه ليس بشيء وقال الجوزجاني : كان دجّالاً جسوراً

وقال ابن حٍبّان : كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم ، وكان يشبّه الربّ بالمخلوقات ، وكان يكذب في الحديث

وعن خارجة بن مصعب : لم استحلّ دمّ يهودي ، ولو وجدت مقاتل بن سليمان خلوة لشققت بطنه

وقال ابن أبي حاتم : حديثه يدل على أنّه ليس بصدوق

مشكلة السياق:

قد تعرفت على ما هو المراد من أهل البيت في الآية الشريفة من خلال الإمعان فيها وفي ظلّ الروايات الواردة في كلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير أنّهناك مشكلة باسم مشكلة السياق ، وهي أنّالآية وردت في ثنايا الآيات المربوطة بنساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على وجه يكون قبلها وبعدها راجعاً إليهنّ ومع ذلك كيف يمكن أن تكون هذه الآية راجعة إلى أهل البيت بالمعنى الذي عرفت؟

وبعبارة أُخرى : إنّ آية التطهير جزء من الآية الثالثة الثلاثين ، التي يرجع صدرها وذيلها إلى نساء النبيّ ، فعندئذٍ كيف يصحّ القول بأنّها راجعة إلى

____________________

١ - ميزان الاعتدال : ٤ / ١٧٢ - ١٧٥ .

غيرهنّ ، فإنّ وحدة السياق قاضية على أنّ الكل راجع إلى موضوع واحد ، وإرجاعها إلى غير نسائه يستلزم التفكيك بين أجزاء آية واحدة ، نعم لو كانت آية التطهير آية مستقلة لكان الأمر سهلاً إذ كان الإشكال أضعف ، ولكنّها جزء من آية واحدة نزلت في نساء النبيّ

والجواب : لا شك أنّ السياق من الأمور التي يستدل بها على كشف المراد ويجعل صدر الكلام ووسطه وذيله قرينة على المراد ، ووسيلة لتعيين ما أُريد منه ، ولكنّه حجة إذا لم يقم دليل أقوى على خلافه ، فلو قام ترفع اليد عن وحدة السياق وقرينيّته .

وبعبارة أُخرى : إنّ الاعتماد على السياق إنّما يتمّ لو لم يكن هناك نصّ على خلافه ، وقد عرفت النصوص الدالة على خلافه .

أضف إليه أنّ هناك دلائل قاطعة على أنّ آية التطهير آية مستقلة نزلت كذلك ووقعت في ثنايا الآية المربوطة بأزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لمصلحةٍ كان صاحب الشريعة أعرف بها(١) وإليك الدلائل الدالة على استقلالها :

الدليل الا َُوّل :

أطبقت الروايات المنتهية إلى الأصحاب وأُمّهات المؤمنين والتابعين لهم بإحسان على نزولها مستقلة ، سواء أقلنا بنزولها في حق العترة الطاهرة أو زوجات النبيّ أو أصحابه ، فالكلّ - مع قطع النظر عن الاختلاف في المنزول فيه - اتّفقوا

____________________

١ - نقل السيوطي عن ابن الحصّار : إنّ ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنّما كان بالوحي كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ضعوا آية كذا في موضع كذا لاحظ الإتقان : ١ / ١٩٤ ، الفصل الثامن عشر في جمع القرآن وترتيبه من طبعة مكتبة ومطبعة المشهد الحسيني ، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم .

على نزولها مستقلّة ، وقد مضت النصوص عن الطبري و ( الدر المنثور ) والصحاح ترى أنّ أُمَّ سلمة تقول : نزلت في بيتي :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) .

ويروي أبو سعيد الخدري ، عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( نزلت هذه الآية في خمسة : فيَّ وفي عليّ وفاطمة وحسن وحسين : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) ) .

وروت عائشة : خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذات غداة وعليه مرط مرجّل من شعر أسود ، فجاء الحسن فأدخله معه ، ثمّ جاء الحسين فأدخله معه ، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها معه ، ثمّ جاء علي فأدخله معه ، ثمّ قال :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) إلى غير ذلك من النصوص .

حتى أنّ ظاهر كلام عكرمة وعروة بن الزبير نزولها مستقلة بقول السيوطي : كان عكرمة ينادي في السوق :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) نزلت في نساء النبيّ .

وأخرج ابن سعد عن عروة بن الزبير أنّه قال :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ   ) قال : أزواج النبيّ ، نزلت في بيت عائشة(١)

فالموافق والمخالف اتّفقا على كونها آية مستقلة إمّا نزلت في بيت أُمّ سلمة أو بيت عائشة ، وإمّا في حق العترة أو نسائه .

وعلى ذلك تسهل مخالفة السياق ، والقول بنزولها في حقّ العترة الطاهرة ، وأنّ الصدر والذيل راجعان إلى نسائهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا ما ورد في ثناياها ، فهو راجع إلى غيرهنّ .

____________________

١ - لاحظ : ٣٨٩ - ٤٠٢ ، من هذا الجزء .

ولا غرو في أن يكون الصدر والذيل راجعين إلى موضوع وما ورد في الأثناء راجعاً إلى غيره فإنّ ذلك من فنون البلاغة وأساليبها ، نرى نظيره في الذكر الحكيم وكلام البلغاء ، وعليه ديدن العرب في محاوراتهم ، فربّما يرد في موضوع قبل أن يفرغ من الموضوع الذي كان يبحث عنه ثمّ يرجع إليه ثانياً .

يقول الطبرسي : من عادة الفصحاء في كلامهم أنّهم يذهبون من خطاب إلى غيره ويعودون إليه ، والقرآن من ذلك مملوء ، وكذلك كلام العرب وأشعارهم(١)

قال الشيخ محمّد عبده : إنّ من عادة القرآن أن ينتقل بالإنسان من شأن إلى شأن ، ثمّ يعود إلى مباحث المقصد الواحد المرّة بعد المرّة(٢)

وروي عن الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام : ( إنّ الآية من القرآن يكون أوّلها في شيء وآخرها في شيء )(٣)

ولأجل أن يقف القارئ على صحّة ما قاله هؤلاء الأكابر نأتي بشاهد ، فنقول : قال سبحانه ناقلاً عن ( العزيز) مخاطباً زوجته :( إِنّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِين ) (٤) نرى أنّ العزيز يخاطب أوّلاً امرأته بقوله :( إِنّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ ) ، وقبل أن يفرغ من كلامه معها ، يخاطب يوسف بقوله :( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ) ثمّ يرجع إلى الموضوع الأوّل ويخاطب زوجته بقوله :( وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ) ، فقوله :( يُوسُفُ

____________________

١ - مجمع البيان : ٤ / ٣٥٧ .

٢ - تفسير المنار : ٢ / ٤٥١ .

٣ - الكاشف : ٦ / ٢١٧ .

٤ - يوسف : ٢٨ - ٢٩ .

أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ) جملة معترضة وقعت بين الخطابين ، والمسوّغ لوقوعها بينهما كون المخاطب الثاني أحد المتخاصمين ، وكانت له صلة تامّة بالواقعة التي رفعت إلى العزيز .

والضابطة الكليّة لهذا النوع من الكلام هو وجود التناسب المقتضي للعدول من الأوّل إلى الثاني ، ثمّ منه إلى الأوّل ، وهي أيضاً موجودة في المقام ، فإنّه سبحانه يخاطب نساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالخطابات التالية :

١ -(  يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ   ) .

٢ -(  يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ) .

٣ -( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ) .

فعند ذلك صحّ أن ينتقل إلى الكلام عن أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً وذلك لوجهين :

١ - تعريفهنّ على جماعة بلغوا في التورّع والتقى ، الذروة العليا ، وفي الطهارة عن الرذائل والمساوئ ، القمّة وبذلك استحقّوا أن يكونوا أُسوة في الحياة وقدوة في مجال العمل ، فيلزم عليهن أن يقتدين بهم ويستضيئنّ بضوئهم .

٢ - التنبيه على أنّ حياتهنّ مقرونة بحياة أُمّة طاهرة من الرجس ومطهّرة من الدنس ، ولهنّ معهم لُحمة القرابة ووصلة الحسب ، واللازم عليهن التحفّظ على شئون هذه القرابة بالابتعاد عن المعاصي والمساؤئ، والتحلّي بما يرضيه سبحانه ولأجل ذلك يقول سبحانه :(  يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء   ) ، وما هذا إلاّ لقرابتهن منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصلتهن بأهل بيته وهي لا تنفكّ عن المسئولية الخاصة ، فالانتساب للنبيّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولبيته الرفيع ، سبب المسئولية ومنشؤها ، وفي ضوء

هذين الوجهين صحّ أن يُطرح طهارة أهل البيت في أثناء المحاورة مع نساء النبيّ والكلام حول شئونهنّ .

ولقد قام محقّقو الإمامية ببيان مناسبة العدول في الآية ، نأتي ببعض تحقيقاتهم ، قال السيد القاضي التُستري : ( لا يبعد أن يكون اختلاف آية التطهير مع ما قبلها على طريق الالتفات من الأزواج إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليهم‌السلام على معنى أنّ تأديب الأزواج وترغيبهن إلى الصلاح والسداد ، من توابع إذهاب الرجس والدنس عن أهل البيتعليهم‌السلام ، فالحاصل نظم الآية على هذا : أنّ اللّه تعالى رغب أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى العفة والصلاح بأنّه إنّما أراد في الأزل أن يجعلكم معصومين يا أهل البيت واللائق أن يكون المنسوب إلى المعصوم عفيفاً صالحاً كما قال :( والطّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ ) (١) (٢)

وقال العلاّمة المظفر : وإنّما جعل سبحانه هذه الآية في أثناء ذكر الأزواج وخطابهن للتنبيه على أنّه سبحانه أمرهنّ ونهاهنّ وأدّبهنّ إكراماً لأهل البيت وتنزيهاً لهم عن أن تنالهم بسببهنّ وصمة ، وصوناً لهم عن أن يلحقهم من أجلهنّ عيب ، ورفعاً لهم عن أن يتّصل بهم أهل المعاصي ، ولذا استهل سبحانه الآيات بقوله :(  يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء   ) ضرورة أنّ هذا التميّز إنّما هو للاتصال بالنبيّ وآله لا لذواتهنّ ؛ فهنّ في محلٍّ وأهل البيت في محلّ آخر ، فليست الآية الكريمة إلاّ كقول القائل : يا زوجة فلان لست كأزواج سائر الناس فتعفّفي ، وتستّري ، وأطيعي اللّه تعالى ، إنّما زوجك من بيت أطهار يريد اللّه حفظهم من الأدناس وصونهم عن النقائص(٣)

____________________

١ - النور : ٢٦ .

٢ - إحقاق الحق : ٢ / ٥٧٠ .

٣ - دلائل الصدق : ٢ / ٧٢ .

الدليل الثاني :

إنّ لسان الآيات الواردة حول نساء النبيّ لسان الإنذار والتهديد ، ولسان الآية المربوطة بأهل بيته لسان المدح والثناء ، فجعل الآيتين آية واحدة وإرجاع الجميع إليهن ممّا لا يقبله الذوق السليم ، فأين قوله سبحانه :(  يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ   ) من قوله :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) ؟!

كما أنّ لسان القرآن في أزواج النبيّ ، لسان المدح والإنذار ويكفيك الإمعان في آيات سورة التحريم فلاحظ .

الدليل الثالث

إنّ قوله سبحانه :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ   ) في المصاحف جزء من الآية الثالثة والثلاثين فلو رفعناه منها لم يتطرّق أيّ خلل في نظم الآية ومضمونها وتحصّل من ضم الآية الرابعة والثلاثين إلى ما بقيت ، آية تامّة واضحة المضمون ، مبينة المرمى منسجمة الفاصلة ، مع فواصل الآيات المتقدّمة عليها ، وإليك تفصيل الآية في ضمن مقاطع :

ألف -(  وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ   ) .

ب -( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً ) (١)

____________________

١ - الأحزاب : ٣٣ .

ج -(  وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً   ) (١)

فلو رفعنا قوله :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ ) وضممنا ما تقدّم عليه بما تأخّر ، جاءت الآية تامّة من دون حدوث خلل في المعنى والنظم ، وهذا دليل على أنّ قوله تعالى :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ ) آية مستقلة وردت في ضمن الآية لمصلحة ربّما نشير إليها .

إنّ الأحاديث على كثرتها صريحة في نزول الآية وحدها ، ولم يرد حتى في رواية واحدة نزولها في ضمن آيات نساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا ذكره أحد حتى القائل باختصاص الآية بأزواج النبيّ كما ينسب إلى عكرمة وعروة ، فالآية لم تكن حسب النزول جزءاً من آيات نساء النبيّ ولا متّصلة بها ، وإنّما وضعت إمّا بأمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو عند التأليف بعد الرحلة.

ويؤيّده أنّ آية(  وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ   ) باقية على انسجامها واتّصالها لو قدّر ارتفاع آية التطهير من بين جملها(٢)

وليس هذا أمراً بدعاً فله نظير في القرآن الكريم .

فقد تضافرت السنّة ، وروى الفريقان أنّ قول--ه سبحان--ه :( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِيناً ) (٣) نزلت في غدير خُمّ عندما نصّب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علياً إماماً للأمّة وولياً للمؤمنين ، مع أنّه في المصاحف جزء الآية الثالثة من ( سورة المائدة) التي تبيّن أحكام اللّحوم ، وإليك نفس الآية في مقاطع

____________________

١ - الأحزاب : ٣٤ .

٢ - الميزان : ١٦ / ٣٣٠.

٣ - سورة المائدة : ٣ .

ثلاثة :

ألف -( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ الْسَّبُعُ إلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ) (١)

ب - (  الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً   ) .

ج -( فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِف لإثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .(٢)

فإذا رفعنا الجزء الثاني يحصل من ضم الأوّل إلى الثالث آية تامّة من دون طروء خلل في مضمونها ونظمها ، وذلك دليل على أنّ الجزء الثاني آية مستقلة وردت في ضمن آية أُخرى بتصويب صاحب الشريعة الغرّاء أو بتصويب من جامعي القرآن بعد رحلتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

أضف إلى ذلك أنّ مضمون الآية - أعني : أحكام اللحوم - قد ورد في آيات أُخر من دون أن تشتمل على هذه الزيادة ، فهذه قرينة على أنّ ما ورد في الأثناء ليس من صميم الآية في سورة المائدة ، وإنّما وضع في أثنائها بأمر من النبيّ الأكرم لمصلحة عامة نشير إليها .

ما هو السرّ في جعلها جزءاً من آية أُخرى ؟

قد اتّضح ممّا ذكرنا أنّ القرآن الكريم إنّما انتقل إلى موضوع أهل البيت

____________________

١ - سورة المائدة : ٣ .

٢ - سورة المائدة : ٣ .

وخطابهم لأجل إعلام نساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّهن في جوار هؤلاء المطهّرين فيجب عليهنّ القيام بأداء حقوق هؤلاء العظماء ، الذين ميّزهم اللّه تعالى عن غيرهم من هذه الأمّة بالتطهير والعصمة والاقتداء بهم في القول والسلوك

ولكن يبقى هنا سؤال آخر ، وهو أنّه إذا كانت الآية آيةً مستقلة فلماذا جاءت في المصحف جزءاً من آية أُخرى ، ولم تكتب بصورة آية تامّة في جنب الآيات الأخرى ؟

الجواب : التاريخ يطلعنا بصفحات طويلة على موقف قريش وغيرهم من أهل البيتعليهم‌السلام ، فإنّ مرجل الحسد ما زال يغلي والاتجاهات السلبية ضدّهم كانت كالشمس في رابعة النهار ، فاقتضت الحكمة الإلهية أن تجعل الآية في ثنايا الآيات المتعلّقة بنساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أجل تخفيف الحساسية ضدّ أهل البيت ، وإن كانت الحقيقة لا تخفى على من نظر إليها بعين صحيحة ، وأنّ الآية تهدف إلى جماعة أُخرى غير نساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما بيّناه قبل قليل .

وللسيد عبد الحسين شرف الدين هنا كلام ربّما يفصّل ما أجملناه فإنّه - قدّس اللّه سرّه - بعد ما أثبت أنّ قوله سبحانه :(  إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ   ) (١) منزّل في حقّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام طرح سؤالاً ، وهو أنّه إذا كان أمير المؤمنينعليه‌السلام هو المراد من الآية ، فلماذا عبّر عن المفرد بلفظ الجمع؟

فقال : إنّ العرب قد تعبّر عن المفرد بلفظ الجمع لنكتة التعظيم حيث يستوجب ، ثمّ قال : وعندي في ذلك نكتة ألطف وأدق ، وهي أنّه إنّما أُتي بعبارة الجمع دون عبارة المفرد بُقياً منه تعالى على كثير من الناس ، فإنّ شانئي عليّ وأعداء

____________________

١ - المائدة: ٥٥.

بني هاشم وسائر المنافقين وأهل الحسد والتنافس لا يطيقون أن يسمعوها بصيغة المفرد إذ لا يبقى لهم حينئذٍ مطمع في التمويه ولا ملتمس في التضليل ، فيكون منهم بسبب يأسهم حينئذٍ ما تخشى عواقبه على الإسلام فجاءت الآية بصيغة الجمع مع كونها للمفرد اتّقاء من معرّتهم ، ثمّ كانت النصوص بعدها تترى بعبارات مختلفة ومقامات متعدّدة وبثّ فيهم أمر الولاية تدريجاً حتى أكمل اللّه الدين وأتمَّ النعمة جرياً منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على عادة الحكماء في تبليغ الناس ما يشقّ عليهم ، ولو كانت الآية بالعبارة المختصّة بالمفرد لجعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصرّوا واستكبروا استكباراً ، وهذه الحكمة مطّردة في كلّ ما جاء في القرآن الحكيم من آيات فضل أمير المؤمنين وأهل بيته الطاهرين كما لا يخفى ، وقد أوضحنا هذه الجمل وأقمنا عليها الشواهد القاطعة والبراهين الساطعة في كتابينا ( سبيل المؤمنين) و ( تنزيل الآيات) والحمد للّه على الهداية والتوفيق والسلام(١)

____________________

١ - المراجعات :المراجعة: ٤٢ ص ١٦٦ .

نظريات أُخرى في تفسير أهل البيت :

قد عرفت القولين المعروفين حول الآية ، كما عرفت الحقّ الواضح منهما ، فهلُمَّ معي ندرس سائر الأقوال الشاذّة التي لا تعتمد على ركن وثيق ، وإنّما هي آراء مُختلَقة لأجل الفرار من المشاكل المتوجّهة إلى ثاني القولين ، ونحن نذكرها واحداً بعد آخر على نحو الإيجاز :

١- المراد من (البيت ) هو : بيت اللّه الحرام ، والمراد من أهله هم المقيمون حوله .

٢- المراد من (البيت ) هو : مسجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمراد من أهله هم القاطنون حوله ، وكان لبيوتهم باب إلى المسجد .

٣- المراد ممّن تحرم عليهم الصدقة وهم : ولد أبي طالب ؛ علي [و] جعفر وعقيل ، وولد العبّاس .

٤- المراد من البيت : بيت النَسَب والحسب ، فيعمّ أبناء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونساءه(١) وهذه الوجوه كلّها عليلة ؛أمّا الأوّل والثاني : فلأنّ إطلاق (أهل البيت ) واستعماله في أهل مكّة والمدينة استعمال بعيد لا يحمل عليه الكلام إلاّ بقرينة قطعية ، والمتبادر منه هو : أهل بيت الرجل وعلى ذلك جرى الذكر الحكيم في موردين ، أحدهما : في قصّة إبراهيم ، قال سبحانه :(  قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ   ) (٢) وثانيهما في قصّة موسى ، قال سبحانه :(  هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ   ) (٣) .

أضف إليه أنّ الآية واقعة في سياق البحث عن نساء النبيّ ، فصرْف الآية عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإرجاعها إلى من جاور بيت اللّه أو من بات حول مسجده لا يساعد عليه

____________________

١ - لاحظ في الوقوف على هذه الأقوال : تفسير الطبري : ٢٢ / ٥ - ٧ وتفسير القرطبي : ١٤ / ١٨٢ ومفاتيح الغيب للرازي : ٦ / ٦١٥ والكشّاف : ٢ / ٥٣٨ وغيرها

٢ - هود : ٧٣

٣ - القصص : ١٢

ظاهر الآيات أبداً .

ويتلوهما الثالث : فإنّ تفسير (أهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) ب- ( مَن تحرم عليه الصدقة من صلب أبي طالب والعبّاس ) تفسير بلا شاهد ، وكأنّه حمل البيت على البيت النَسَبي أضف إليه أنّ الصدقة غير محرّمة على خصوص أبنائهما ، بل هي محرّمة على أبنائهما وكلّ من كان من نَسل عبد المطلب قال الشيخ الطوسي في الخلاف : تحرم الصدقة المفروضة على بني هاشم من ولد أبي طالب العقيليّين والجعافرة والعلويين ، وولد العبّاس بن عبد المطّلب ، وولد أبي لهب ، وولد الحارث بن عبد المطلب ، ولا عقب لهاشم إلاّ من هؤلاء ، ولا يحرم على ولد المطّلب ، ونوفل ، وعبد شمس بن عبد مناف ، قال الشافعي : تحرم الصدقة المفروضة على هؤلاء كلّهم وهم جميع ولد عبد مناف(١) .

وقال بمثله أيضاً في كتاب قسمة الصدقات : ٢ / ٣٥٣ ، المسألة ٢٦ .

وعلى ذلك فليس لهذه النظرية دليل سوى ما رواه مسلم عن زيد بن أرقم ، وقد قدّمنا نصّه عند ذكر الأحاديث الواردة حول الآية(٢)

وأمّا النظرية الرابعة : فقد ذهب إليها بعضهم ؛ جمعاً بين الأحاديث المتضافرة الحاكية عن نزول الآية في العترة الطاهرة ، وسياق الآيات الدالة على رجوعها إلى نسائه فحاول القائل الجمع بين الدليلين بتفسير الآية بأولاده وأزواجه ، وجعل عليّاً أيضاً منهم بسبب معاشرته وملازمته للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال الرازي : والأولى أن يقال هم : أولاده وأزواجه والحسن والحسين منهم وعليّ معهم ، لأنّه كان من أهل بيته بسبب معاشرته بيت النبيّ وملازمته(٣)

وقال البيضاوي : والتخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية

____________________

١ - الخلاف : ٢ / ٢٢٧ ، المسألة ٤ كتاب الوقوف والصدقات .

٢ - لاحظ : ص ٣٩٨ ، الحديث ٣٥ .

٣ - مفاتيح الغيب : ٦ / ٦١٥ .

وما بعدها ، والحديث يقتضي أنّهم من أهل البيت لا أنّ غيرهم ليس منهم(١)

وقال المراغي : أهل بيته من كان ملازماً له من الرجال والنساء والأزواج والإماء والأقارب(٢)

وهذه النظرية موهونة أيضاً :

أوّلاً : أنّ اللام في (أهل البيت) ليس للجنس ولا للاستغراق ، بل هي لام العهد ، وهي تشير إلى بيت معهود بين المتكلّم والمخاطَب ، وهو بيت واحد ، ولو صحّ ذلك القول لَوجب أن يقول : (أهل البيوت) حتى يعمّ الأزواج والأولاد وكلّ من يتعلّق بالنبيّ نسباً أو حسباً أو لعلاقة السكنيّة مثل الإماء .

والحاصل : انّه لو أُريد ( بيت النبيّ ) المادي الجسماني لا يصحّ ، إذ لم يكن له بيت واحد ، بل كان لكلّ واحدة من نسائه بيت مشخّص ، فكان النبيّ صاحب البيوت لا البيت الواحد .

ولو أُريد منه بيت النَسَب ، كما يقال : بيت من بيوتات (حِمْيَر ) أو (ربيعة ) ، فلازمه التعميم إلى كلّ من ينتمي إلى هذا البيت بنَسَب أو سبب ، مع أنّه كان بعض المنتمين إليه يوم نزول الآية من عبدة الوثن وأعداء النبيّ ؛ فإنّ سورة الأحزاب نزلت سنة ست من الهجرة ، وقد ورد فيها زواج النبيّ من زينب بنت جحش ، وهو حسب ما ذكره صاحب (تاريخ الخميس) من حوادث سنة الخمس ، وعلى ذلك فلا تتجاوز الآيات النازلة في نساء النبيّ عن هذا الحدّ وكان عند ذاك ، بعض من ينتمي إلى النبيّ بالنَسَب مشركاً ، كأبي سفيان بن عبد المطّلب ابن عمّ رسول اللّه ، وعبد اللّه بن أُمّية بن المغيرة ابن عمّته ، وقد أسلما في عام الفتح ، وأنشد الأوّل قوله في إسلامه واعتذر إلى النبيّ ممّا كان مضى منه ، فقال :

____________________

١ - أنوار التنزيل : ٤ / ١٦٢ .

٢ - تفسير المراغي : ٢٢ / ٧ .

لَعَمْرُكَ إنَّي يَوْم أَحْمِلُ رَايةً

لِتَغْلِبَ خيلُ الَّلات خَيْلَ محمّد

لكَالُمدْلِجِ الحَيْرَانِ أظْلَمَ لَيْلُه

فهذا أَوَانُ حِينَ أَهْدي وَأهْتَدي(١)

ولو أُريد منه (بيت الوحي) فلازمه الاختصاص بمن بلغ من الورع والتقوى ذروتهما ، حتى يصحّ عدّه من أهل ذلك البيت الرفيع المعنون ، ومثله لا يعمّ كلّ من ينتمي بالوشائج النسبية أو الحَسَبية إلى هذا البيت ، وإن كان في جانب الإيمان والعمل في درجة نازلة تلحقه بالعاديين من المسلمين .

ثانياً : قد عرفت أنّ الإرادة الواردة في الآية تكوينية تعرب عن تعلّق إرادته الحكيمة على عصمة أهل ذلك البيت ، ومعه كيف يمكن القول بأنّ المراد كلّ من ينتمي إلى ذلك البيت بوشائج النسب والحَسَب ؟!

ثالثاً : إنّ النظرية في جانب مخالف للأحاديث المتضافرة الدالّة على نزول الآية في حقّ العترة الطاهرة ، وقد قام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتفسيرها بوجوه مختلفة أوعزنا إليها عند البحث عن القول الأوّل ، والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو المبين الأوّل لمفاد كتابه الذي أرسل معه قال سبحانه :(  وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ   ) (٢)

فليست وظيفة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القراءة والتلاوة بل التبيين والتوضيح من وظائفه التي تنصّ الآية عليها .

هذا هو موجز القول في تفسير الآية ولا بأس بإكمال البحث بنقل بعض ما أنتجته قريحة الشعراء الإسلاميين حول أهل البيت وفضائلهم ، على وجه يعرب عن أنّ المتبادر من ذلك اللفظ في القرون الإسلامية لم يكن إلاّ العترة الطاهرة ، أعني : فاطمة وأباها وبعلها وابنيها سلام اللّه عليهم أجمعين ، وإليك نزراً يسيراً في هذا المجال .

____________________

١ - السيرة النبوية : ٢ / ٤٠١ .

٢ - النحل : ٤٤ .

خاتمة المطاف : أهل البيت في الأدب العربي

ما حقَّقناه حول الآية كان أمراً واضحاً لا لبس فيه عند المسلمين في الصدر الأوّل فقد فهموا في الآية الكريمة وبفضل الروايات مَن هم أهل البيت من دون تردّد أو تريّث ، وصاغوا ما فهموه في قوالب شعرية رائعة ، نقتطف منها هذه الشذرات .

قالعمرو بن العاص في قصيدته الجلجلية المعروفة يمدح بها الإمام عليّ ابن أبي طالب ، وفيها هذا البيت في حقّ العترة الطاهرة :

فوال مواليه يا ذا الجلال

وعاد معادي أخ المرسل

ولا تنقضوا العهد من عترتي

فقاطعهم بي لم يوصل(١)

وقال الكميت بن زيد الأسدي في قصيدة له :

____________________

١ - الغدير : ٢ / ١١٥ .

ألم تَرَنِي من حُبِّ آلِ محمّد

أروحُ وأَغدُو خَائِفاً أتَرقّبُ

فَإن هِيَ لَم تَصلُح لِحَي سِوَاهُمُ

فَإِن ذَوِي القُربَى أحَقُّ وأوجب

يَقُولُونَ لَم يُورَث وَلَولا تُرَاثُه

لَقَد شَرِكَت فِيهِ بَكِيل وأرحَبُ(١)

قال العبدي الكوفي (المتوفّى ١٢٠ هـ):

ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم

مذاهبهم في أبحر الغي والجهل

ركبت على اسم اللّه في سفن النجا

وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل

وأمسكت حبل اللّه وهو ولاؤهم

كما قد أمرنا بالتمسّك بالحبل(٢)

قال الإمام الشافعي :

يا أهل بيت رسول اللّه حبّكم

فرضٌ من اللّه في القرآن أنزله

____________________

١ - الغدير : ٢ / ١٩١ .

٢ - الغدير : ٢ / ٢٩٠ - ٣٢٦ .

كفاكم من عظيم القدر أنّكم

من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له(١)

وذكرابن الصبّاغ المالكي في (الفصول) لقائل :

هم العروة الوثقى لمعتصم بها

مناقبهم جاءت بوحي وإنزالِ

مناقب في شورى وسورة هل أتى

وفي سورة الأحزاب يعرفها التالي

وهم آل بيت المصطفى فودادهم

على الناس مفروض بحكم وإسجال(٢)

وذكرالشبلنجي في (نور الأبصار ) عنأبي الحسن بن جبير :

أحبُّ النبيّ المصطفى وابنَ عمّه

علياً وسبطيه وفاطمة الزهرا

هم أهل بيت أذهب الرجس عنهم

وأطلعهم أفق الهدى أنجماً زُهرا

موالاتهم فرض على كلّ مسلم

وحبهم أسنى الذخائر لِلأُخرى

____________________

١ - الغدير : ٢ / ٣٠٣ .

٢ - الغدير : ٢ / ٣١٠ - ٣١١ ، نقلاً عن الفصول : ١٣ .

وما أنا للصحب الكرام بمبغض

فإنّي أرى البغضاء في حقّهم كفراً(١)

وقال العبدي :

يا سادتي يا بني علي

يا (آل طه) و (آل صاد)

من ذا يوازيكم وأنتم

خلائف اللّه في البلاد

أنتم نجوم الهدى اللواتي

يهدي بها اللّه كلّ هاد

لولا هداكم إذاً ضللنا

والتبس الغي بالرشاد

لازلت في حبّكم أوالي

عُمري وفي بغضكم أعادي

وما تزوّدت غير حبّي

إياكم وهو خير زاد

وذاك ذخري الذي عليه

في عرصة الحشر اعتمادي

____________________

١ - الغدير : ٢ / ٣١١ ، نقلاً عن نور الأبصار : ١٣ .

ولاكم والبراءة ممّن

يشنأكم اعتقادي(١)

وقال دعبل الخزاعي:

أتسكب دَمعَ العَينِ بِالعَبَراتِ

وَبِتَّ تُقاسي شِدَّةَ الزَفَراتِ

وَتَبكي لآثارٍ لآلِ محمّد

فَقَد ضاقَ مِنكَ الصَدرُ بِالحَسَراتِ

أَلا فَاِبكِهِم حَقّاً وَأَجرِ عَلَيهِمُ

عُيوناً لِرَيبِ الدَهرِ مُنسَكِباتِ

وَلا تَنسَ في يَومِ الطُفوفِ مُصابَهُم

وَداهِيَةً مِن أَعظَمِ النَكَباتِ

سَقى اللَهُ أَجداثاً عَلى أَرضِ كَربَلا

مَرابِعَ أَمطارٍ مِنَ المُزُناتِ

وَصَلّي عَلى روحِ الحُسَينِ وَجِسمِهِ

طَريحاً لَدى النَهرَينِ بِالفَلَواتِ

قَتيلاً بِلا جُرمٍ فجعنا بفقده

فَريداً ينادي أَينَ أَينَ حُماتي

____________________

١ - الغدير : ٢ / ٣١٧ .

أنا الظامىَ العطشان في أرض غربة

قتيلاً ومظلوماً بغير ترات

وقد رفعوا رأس الحسين على القنا

وساقوا نساءً ولّهاً خفرات

فقل لابن سعد عذب اللّه روحه

ستلقى عذاب النار باللعنات

سأقنت طول الدهر ما هبت الصبا

واقنت بالآصال والغدوات

على معشر ضلّوا جميعاً وضيّعوا

مقال رسول اللّه بالشّبهات(١)

وقال أيضاً :

نطق القرآن بفضل آل محمّد

وولاية لعليّه لم تجحد

بولاية المختار من خير الذي

بعد النبيّ الصادق المتودّد(٢)

____________________

١ - الغدير : ٢ / ٣٨١ - ٣٨٢ .

٢ - الغدير : ٢ / ٣٨١ - ٣٨٢ .

وقال الحمّاني (المتوفّى ٣٠١ هـ) :

يا آل حا ميم الذين بحبّهم

حكم الكتاب منزَّلٌ تنزيلا

كان المديح حُلى الملوك وكنتم

حلل المدايح غرّةً وحجولا

بيت إذا عَدَّ المآثر أهله

عدّوا النبيّ وثانياً جبريلا

قوم إذا اعتدلوا الحمايل أصبحوا

متقسِّمين خليفة ورسولا

نشأوا بآيات الكتاب فما انثنوا

حتى صدرن كهولة وكهولا

ثقلان لن يتفرَّقا أو يُطفيا

بالحوض من ظمأ الصدور غليلا

وخليفتان على الأنام بقوله

الحق أصدق من تكلّم قيلا

فأتوا أكف الآيسين فأصبحوا

ما يعدلون سوى الكتاب عديلا(١)

____________________

١ - الغدير : ٣ / ٦٦ .

وقال العجلوني (المتوفّى ١١٦٢ هـ ) :

لقد حاز آل المصطفى أشرف الفخر

بنسبتهم للطاهر الطيَّب الذكر

فحبّهم فرض على كلّ مؤمن

أشار إليه اللّه في محكم الذكر

ومن يدّعي من غيرهم نسبة له

فذلك ملعون أتى أقبح الوزر

وقد خص منهم نسل زهراء الأشرف

بأطراف تيجان من السندس الخضر

ويُغنيهمُ عن لبس ما خصَّهم به

وجوهٌ لهم أبهى من الشمس والبدر

ولم يمتنع من غيرهم لبس أخضر

على رأي من يعزى لاسيوط ذي الخبر

وقد صححوا عن غيره حرمة الذي

رآه مباحاً فاعلم الحكم بالسبر(١)

وقال جرير بن عبد اللّه البجلي :

فصلى الإله على أحمد

رسول المليك تمام النعم

____________________

١ - الغدير : ٣ / ١٧٣ .

وصلّى على الطهر من بعده

خليفتنا القائم المدَّعْم

عليّاً عنيت وصي النبيّ

يجالد عنه غواة الأُمم

له الفضل والسبق والمكرما

ت وبيت النبوّة لا المهتضم(١)

وقال الزاهي (المتوفّى ٣٥٢ هـ):

يا سادتي يا آل ياسين فقط

عليكم الوحي من اللّه هبط

لولاكم لم يقبل الفرض ولا

رحا لبحر العفو من أكرم شط

أنتم ولاة العهد في الذرِّ ومن

هواهم اللّه علينا قد شرط

ما أحد قايسكم بغيركم

ومازج السلسل بالشرب اللمط

إلاّ كمن ضاهى الجبال بالحصى

أو قايس الأبحر جهلاً بالنقط(٢)

____________________

١ - الغدير : ٣ / ٢٣٣ .

٢ - الغدير : ٣ / ٣٩١ .

قال أيضاً ضمن أبيات :

هم آل أحمد والصيد الجحاجحة الز

هر الغطارفة العلوية الغرر

وقال أيضاً :

يا آل أحمد ماذا كان جرمكم

فكل أرواحكم بالسيف تنتزع(١)

وقال الناشئ الصغير (المتوفّى ٣٦٥ هـ ) :

بآل محمّد عرف الصواب

وفي أبياتهم نزل الكتاب

هم الكلمات والأسماء لاحت

لآدم حين عزّ له المتاب

وهم حجج الإله على البرايا

بهم وبحكمهم لا يستراب

إلى آخر الآبيات التي يقول فيها :

يقول لقد نجوت بأهل بيت

بهم يصلّى لظى وبهم يثاب

____________________

١ - الغدير : ٣ / ٣٩٦ .

هم النبأ العظيم وفلك نوح

وباب اللّه وانقطع الخطاب(١)

وقال البشنوي الكردي (المتوفّى بعد ٣٨٠ هـ) :

أليّة ربي بالهدى متمسّكاً

باثني عشر بعد النبيّ مراقباً

أبقي على البيت المطهّر أهله

بيوت قريش للديانة طالباً(٢)

وقال أيضاً :

يا ناصبي بكلّ جهدك فاجهد

إنّي علقت بحبّ آل محمّد

الطيبين الطاهرين ذوي الهدى

طابوا وطاب وليهم في المولد

واليتهم وبرئت من أعدائهم

فاقلل ملامك لا أباً لك أو زد

فهم أمان كالنجوم وإنّهم

سفن النجاة من الحديث المسند(٣)

____________________

١ - الغدير : ٤ / ٢٥ .

٢ - الغدير : ٤ / ٣٥ .

٣ - الغدير : ٤ / ٣٨ .

وقال الصاحب بن عبّاد ( المتوفّى ٣٨٥ هـ ) :

أُواليكم يا آل بيت محمّد

فكلّكم للعلم والدين فرقد

وأترك من ناواكم وهو هتكه

ينادى عليه مولد ليس يحمد(١)

وقال ابن الحجاج البغدادي (المتوفّى ٣٩١ هـ ) :

فما وجدت شفاء تستفيد به

إلاّ ابتغاءك تهجو آل ياسين

كافاك ربُّك إذ أجرتك قدرته

بسب أهل العلا الغرِّ الميامين

إلى أن يقول:

وانّ أجر ابن سعد في استباحة

آل النبوّة أَجر غير ممنون(٢)

وقال أبو الفتح كشاجم (المتوفّى ٣٦٠ هـ) من قصيدة:

له في البكاء على الطاهرين

مندوحة عن بكاء الغزل

____________________

١ - الغدير : ٤ / ٦٠ .

٢ - الغدير : ٤ / ٨٩ .

فكم فيهم من هلال هوى

قبيل التمام وبدر أفل

هم حجج اللّه في خلقه

ويوم المعاد على من خذل

ومن أنزل اللّه تفضيلهم

فردَّ على اللّه ما قد نزل

فجدّهم خاتم الأنبياء

ويعرف ذاك جميع الملل(١)

وقال أيضاً :

آل النبي فضّلتم

فضل النجوم الزاهرة

وبهرتم أعداءكم

بالمأثرات السائرة(٢)

وقال أبو محمّد الصوري الشاعر (المتوفّى ٤١٩ هـ ):

فهل ترك البين من أرتجيه

من الأوّلين والآخرينا

____________________

١ - الغدير : ٤ / ٣ .

٢ - الغدير : ٤ / ١٧ .

سوى حبّ آل نبي الهدى

فحبّهم أمل الآملينا

هم عدّتي لوفاتي هم نجاتي هم

الفوز للفائزينا(١)

وقال من قصيدة في أهل البيت :

بماذا ترى تحتجُّ يا آل أحمد

على أحمد فيكم إذا ما استعدت

وأشهر ما يروونه عنه قوله

تركت كتاب اللّه فيكم وعترتي

ولكن دنياهم سعت فسعوا

لها فتلك التي فلّت ضميراً عن التي(٢)

وقال أيضاً من قصيدة :

فلهذا أبناء أحمد أبناء علي

طرايد الآفاق

فقراء الحجاز بعد الغنى الأكبر أسرى

الشام قتلى العراق

____________________

١ - الغدير : ٤ / ٢٢٢ و ٢٢٥ .

٢ - الغدير : ٤ / ٢٢٧ .

جانبتهم جوانب الأرض حتى

خلت أنّ السماء ذات انطباق

أن أقصر يا آل أحمد أو أغر

ق كان التقصير كالإغراق(١)

وقال الشبراوي الشافعي في كتابه (الإتحاف بحبّ الأشراف):

آل طه ومن يقل آل طه

مستجيراً بجاهكم لا يرد

حبكم مذهبي وعقد يقيني

ليس لي مذهب سواه وعقد(٢)

وقال أيضاً في قصيدة أُخرى :

آل بيت النبيّ ما لي سواكم

ملجأ أرتجيه للكرب في غد

لست أخشى ريب الزمان وأنتم

عمدتي في الخطوب يا آل أحمد

من يضاهي فخاركم آل طه

وعليكم سرادق العزّ ممتد

____________________

١ - الغدير : ٤ / ٢٢٧ - ٢٢٨ .

٢ - الإتحاف بحب الأشراف : ٩٩ .

إلى أن يقول في قصيدته هذه :

يا إلهي ما لي سوى حبّ آل البيت

آل النبيّ طه الممجّد

أنا عبد مقصر لست أرجو

عملاً غير حبّ آل محمّد(١)

وقال أيضاً من قصيدة :

يا كرام الأنام يا آل طه

حبّكم مذهبي وعقد ولائي

ليس لي ملجأ سواكم وذخر

أرتجيه في شدّتي ورخائي

فاز من زار حيّكم آل طه

وجنا منكم ثمار العطاء(٢)

وقال أيضاً في قصيدة :

أنا في عرض آل بيت نبيّ

طهّر اللّه بيتهم تطهيراً

سادة أتقياء أعطاهم اللّه

مقاماً ضخماً ومُلكاً كبيراً

____________________

١ - الإتحاف بحبّ الأشراف : ١٠٠ و ١٠١ .

٢ - الإتحاف بحبّ الأشراف : ١٠٠ و ١٠١ .

إلى أن يقول :

يا بحور الكمال يا آل طه

كم مننتم وكم جبرتم كسيراً

هل على غير بيتهم نزل الو

حي بجبريل خادماً مأموراً

هل سواكم قد أذهب اللّه عنه الرجـ

ـس نصّاً في ذكره مسطوراً(١)

 (  أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ   ) (٢)

الشيعة وآية التطهير :

استدلت الشيعة عن بكرة أبيها بآية التطهير على عصمة العترة الطاهرة ، وأفاض المفسّرون منهم القول حول الآية وأتوا ببيانات شافية في وجه دلالتها على عصمتهم .

وهناك جماعة من العلماء قاموا بتأليف رسائل مفردة حول دلالتها وشأن نزولها ، نشير إلى ما وقفنا عليه في ما يلي :

١ - (السحاب المطير في تفسير آية التطهير ) ، للسيد السعيد القاضي نور اللّه المرعشي الشهيد عام ١٠١٩ هـ .

____________________

١ - الإتحاف بحبّ الأشراف : ١٠٦ - ١٠٩ .

٢ - الأنعام : ٩٠ .

٢ - (تطهير التطهير ) ، تأليف الفاضل الهندي ( المتوفّى عام ١٠٣٥هـ ) .

٣ - (شرح تطهير التطهير ) ، تأليف السيد عبد الباقي الحسيني كتبه شرحاً لكتاب الفاضل الهندي .

٤ - ( إذهاب الرجس عن حظيرة القدس ) ، للعلاّمة الشيخ عبد الكريم بن محمّد طاهر القمّي .

٥ - (الصور المنطبعة) ، له أيضاً في هذا المجال .

٦ - (أقطاب الدوائر ) ، للعلاّمة عبد الحسين بن مصطفى أحد علمائنا في القرن الثاني عشر فرغ منه عام ١١٣٨ هـ ، وطبع عام ١٤٠٣ هـ .

٧ - ( تفسير آية التطهير ) ، تأليف الشيخ إسماعيل بن زين العابدين التبريزي الملقّب بمصباح ( المتوفّى عام ١٣٠٠ هـ ) .

٨ - التنوير في ترجمة رسالة ( آية التطهير ) باللغة الأُوردية ، تأليف السيد عبّاس الموسوي ، طبع في الهند عام ١٣٤١ هـ ، وهو ترجمة لرسالة السيد القاضي نور اللّه .

٩ - ( جلاء الضمير في حلّ مشكلات آية التطهير ) ، للشيخ محمّد البحراني ، طبع في بُمباي عام ١٣٢٥ هـ .

١٠ - رسالة قيمة في تفسير آية التطهير ، للعلاّمة المحقق الشيخ لطف اللّه الصافي ، طبعت عام ١٤٠٣ هـ من منشورات دار القرآن الكريم في قم المقدسة ، وله رسالة أُخرى في العصمة طبعت معه ، حيّاه اللّه وبيّاه .

١١ - (آية التطهير ) في جزءين ، للسيد الجليل علي الأبطحي ، وقد استقصى الكلام فيها حول المأثورات الواردة فيها في الجزء الأوّل ، ودلالتها على العصمة في الجزء الثاني .

١٢ - (آية التطهير ) ، للشيخ محمّد مهدي الآصفي وهي دراسة حول مداليل الآية الكريمة : (  إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ   ) واختصاصها بأهل البيتعليهم‌السلام نشرتها مؤسسة دار القرآن الكريم في قم المقدسة سنة ١٤١١ هـ .

١٣ - ( آية التطهير ، رؤية مبتكرة ) ، لآية اللّه الشيخ محمّد الفاضل اللنكراني ، طبع في إيران [سنة] ١٩٧٠م. بالفارسية ، و[سنة] ١٩٨٧م. بالعربيَّة .

١٤ - ( آية التطهير في الخمسة أهل الكساء ) ، للسيد محيي الدين الموسوي الغريفي ، طبع في النجف الأشرف - ١٣٧٧هـ / ١٩٥٨م .

١٥ - أخيرها ، لا آخرها ، ما قدّمناه لكم في هذه الصحائف لكاتب هذه السطور ، عفا اللّه عنه ، ورزقه شفاعة محمّد وأهل بيته يوم لا ينفع مال ولا بنون .

الفصل الثاني : سمات أهل البيتعليهم‌السلام

قد تعرَّفت على مَن هم أهل البيت من خلال التعريف بالحدِّ التامّ الذي عرَّف به رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أهل بيته ، أهل بيت النبوّة والرّسالة ، وكأنَّ التعريف السابق كان بمنزلة التعريف بالحدّ ، أي التعريف بالذات .

و يمكن أن نتعرّف عليهم من خلال التعريف على سماتهم وخصوصيّاتهم الّتي تشبه التعريف بالرّسم والتعريف بالعرضي .

و سماتهم وخصوصيّاتهم كثيرة مبثوثة في ثنايا الآيات والأحاديث النبويَّة ، ولكن نقتصر في المقام على ما ورد من السمات في الذكر الحكيم .

من سمات أهل البيتعليهم‌السلام

١ - العصمة

لقد تعرّفت على ما هو المراد من أهل البيت في الآية المباركة على وجه لم يدع لقائل كلمة ، ولا لمجادل شُبهة ، في أنّ المقصود منه هو العترة الطاهرة قرناء الكتاب في كلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فحان البحث للتطرّق إلى سماتهم وخصوصياتهم ، وهي على قسمين :

١ - ما يستفاد من الآية الشريفة

٢ - ما يستفاد من سائر الآيات .

أمّاالأوّل ، فالآية - بعد الإمعان فيها - تدلّ على عصمتهم وطهارتهم من الذنوب ، ويعلم ذلك من خلال دراسة أمرين :

١ - ما هو المراد من الرجس ؟

٢ - هل الإرادة في الآية المباركة إرادة تكوينية وتشريعية ؟

١ - ما هو المراد من الرجس ؟

المراد من الرجس : هو القذارة ، الأعم من المادّية والمعنوية ، وقد اتّفق على ذلك أئمّة اللغة .

قال ابن فارس : الرجس : أصل يدل على اختلاط ، ومن هذا الباب :

الرجس : القذر لأنّه لطخ وخلط(١)

وقال ابن منظور : الرجس : القذر ، وكلّ قذر رجس ، وفي الحديث : أعوذ بك من الرجس النجس وقد يعبّر به عن الحرام والفعل القبيح والعذاب واللعن والكفر قال الزجّاج : الرجس في اللغة كلّ ما استقذر من عمل... فبالغ اللّه في ذمّ أشياء وسمّاها رجساً ، وقال ابن الكلبي : رجسٌ من عمل الشيطان ، أي : مأثم .(٢)

وقد استعملت هذه اللفظة في الذكر الحكيم ثمانية مرات : ووصف به الخمر والميسر ، والأنصاب والأزلام ، والكافر غير المؤمن باللّه ، والميتة ، والدم المسفوح ، ولحم الخنزير ، والأوثان ، وقول الزور... إلى غير ذلك من الموارد التي وصفت به في الذكر الحكيم .

ونكتفي بنقل بعض الآيات قال سبحانه :(  إِنَّمَا الخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ   ) (٣)

وقال سبحانه :( إلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ   ) .(٤)

وقال سبحانه :(  كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤَْمِنُونَ   ) (٥) ، إلى غير ذلك من الآيات .

والمتفحّص في كلمات أئمّة أهل اللغة ، والآيات الواردة فيها تلك اللفظة ،

____________________

١- معجم مقاييس اللغة : ٢ / ٤٩٠ .

٢- لسان العرب : ٦ / ٩٤ - ٩٥ ، مادة (رجس) .

٣- المائدة : ٩٠ .

٤- الأنعام : ١٤٥ .

٥ - الأنعام : ١٢٥ .

يصل إلى أنّها موضوعة بمعنى القذارة التي تستنفر منها النفوس ، سواءً أكانت مادّية ، كما وردت في الآيات ، أم معنوية كما هو الحال في الكافر وعابد الوثن ووثنه .

فلو وصف به العمل القبيح عرفاً وشرعاً ، فلأجل أنّ العمل القبيح يوصف بالقذارة التي تستنفرها الطباع السليمة ، وعلى هذا فالمراد من الرجس في الآية هي الأعمال القبيحة عرفاً وشرعاً ، ويدلّ عليه قوله سبحانه بعد تلك اللفظة :(  ويطَّهركُم تَطْهيراً   ) ، فليس المراد من هذا التطهير إلاّ تطهيرهم من الرجس المعنوي الذي لا تقبله النفوس السليمة .

وقد ورد نظير قوله :(  ويطَّهركُم تَطْهيراً   ) في حقّ السيدة مريمعليها‌السلام ، قال سبحانه :(  إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِين   ) (١)

نعم : إنّ لتطهير النفوس وطهارتها مراتب ودرجات ، ولا تكون جميعها مستلزمة للعصمة ، وإنّما الملازم لها هو الدرجة العليا ، قال سبحانه :(  فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِِّرِينَ   ) (٢)

قال العلاّمة الطباطبائي : الرجس - بالكسر والسكون - صفة من الرَّجاسة وهي القذارة ، والقذارة هيئة في النفس توجب التجنّب والتنفّر منها ، وهي تكون تارة بحسب ظاهر الشيء كرجاسة الخنزير ، قال تعالى :(  أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ   ) وبحسب باطنه ، أُخرى ، وهي الرّجاسة والقذارة المعنوية كالشرك والكفر وأثر العمل السيّء ، قال تعالى :(  وأمّا الّذِينَ فِي ُقُلوِبِهمَ َمٌرضَ َفزَاْدُتْهمِ رجساً إلى رِجْسِهِمْ ومَاتُوا وَهُمْ كافِرون   ) (٣) ، وقال :(  وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً

____________________

١- آل عمران : ٤٢ .

٢- التوبة : ١٠٨ .

٣- التوبة : ١٢٥ .

حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤَْمِنُونَ   ) .(١)

وأيّاً ما كان فهو إدراك نفساني وأثر شعوري يحدث من تعلّق القلب بالاعتقاد الباطل والعمل السيّئ ، وإذهاب الرجس عبارة عن إزالة كل هيئة خبيثة في النفس تضاد حقّ الاعتقاد والعمل ، وعند ذلك يكون إذهاب الرجس معادلاً للعصمة الإلهية التي هي صورة علمية نفسانية ، تحفظ الإنسان من رجس باطني الاعتقاد وسيّئ العمل(٢)

المنفي مطلق الرجس :

إذا كان المراد من الرجس في الآية الكريمة هو الأفعال القبيحة عرفاً وشرعاً والمعاصي صغيرها وكبيرها ، فيجب أن يقال : إنّ المنفي في الآية هو عموم الرجس ، وذلك لأنّ المنفي هو جنس الرجس لا نوعه ولا صنفه ، ونفي الجنس يلازم نفي الطبيعة بعامة مراتبها ، ولأجل ذلك لم يكتف سبحانه بقوله :(  لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ   ) ، بل أكّده بقوله :(  ويطَّهركُم تَطْهيراً   ) ، فلو كان المراد نفي قسم خاص من الرجس - أعني : الشرك ، والأوسع منه كالمعاصي الكبيرة - لما كان لهذه العناية وجه .

والحاصل : أنّ المفهوم من قول القائل لا خير في الحياة ، ولا رجل في الدار ، هو المفهوم من قوله : ليذهب عنكم الرجس ، والتفكيك بين المقامين غير مقبول هذا هو الأمر الأوّل وإليك الكلام في الأمر الثاني :

____________________

١ - الأنعام : ١٢٥ .

٢ - الميزان : ١٦ / ٣٣٠ .

٢ - هل الإرادة في الآية تكوينية أم تشريعية ؟

إنّ انقسام إرادته سبحانه إلى تكوينية وتشريعية من الانقسامات الواضحة التي لا تحتاج إلى بسط في القول ، ومجمل القول فيها هو انّه إذا تعلّقت إرادته سبحانه على إيجاد شيء وتكوينه في صحيفة الوجود ، فهي الإرادة التكوينية ولا تتخلّف تلك الإرادة عن مراده ، وربّما يعبّر عنها بالأمر التكويني قال سبحانه :(  إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون   ) (١)

ففي هذا المجال يكون متعلّق الإرادة تكوّن الشيء وتحقّقه وتجسّده ، واللّه سبحانه لأجل سعة قدرته ونفوذ إرادته لا تنفك إرادته عن مراده ولا أمره التكويني عن متعلّقه .

وأمّا إذا تعلّقت إرادته سبحانه بتشريع الأحكام وتقنينها في المجتمع حتى يقوم المكلّف مختاراً بواجبه ، فهي إرادة تشريعية ، ففي هذا المجال يكون متعلّق الإرادة تحقيقاً هو التشريع والتقنين ، وأمّا قيام المكلّف فهو من غايات التكليف ، ولأجل ذلك ربّما تترتب عليه الغاية ، وربّما تنفكّ عنه ، ولا يوجب الانفكاك خللاً في إرادته سبحانه ، لأنّه ما أراد إلاّ التشريع وقد تحقّق ، كما انّه ما أراد قيام المكلّف بواجبه إلاّ مختاراً ، فقيامه بواجبه وعدم قيامه من شعب اختياره ، هذا هو إجمال القول في الإرادتين ، وللتفصيل محلّ آخر .

والقرائن التي ستمرّ عليك تدلّ على أنّ الإرادة في الآية تكوينية لا تشريعية بمعنى أنّ إرادته التكوينية التي تعلّقت بتكوين الأشياء وإبداعها في عالم الوجود ، تعلّقت أيضاً بإذهاب الرجس عن أهل البيت ، وتطهيرهم من كلّ رجس وقذر ، ومن كلّ عمل يستنفر منه ، وإليك تلك القرائن :

____________________

١ - يس : ٨٢ .

١ - إنّ الظاهر من الآية هو تعلّق إرادة خاصة بإذهاب الرجس عن أهل البيت ، والخصوصية إنّما تتحقّق لو كانت الإرادة تكوينية ؛ إذ لو كانت تشريعية لما اختصّت بطائفة دون طائفة ؛ لأنّ الهدف الأسمى من بعث الأنبياء هو إبلاغ تشريعاته ودساتيره إلى الناس عامة لا لأُناس معيّنين ، ولأجل ذلك ترى أنّه سبحانه عندما شرّع للمسلمين الوضوء والغسل بقوله :(  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا   ) علّله بقوله :(  وَلَكِنْ يُريدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ   ) (١) خاطب سبحانه المؤمنين عامّة بالوضوء والغسل وعلّل تشريعه العام بتطهيرهم وإتمام نعمته عليهم وهذا بخلاف الآية التي نحن بصددها ؛ فإنّها خَصّصت إرادة تطهيره بجمع خاص تجمعهم كلمة (أهل البيت ) وخصّهم بالخطاب وقال : (  عَنكُمُ أَهْلَ الْبَيْتِ   ) أي : لا غيركم .

وبالجملة فتخصيص تعلّق الإرادة بجمع خاص على الوجه الوارد في الآية ، يمنع من تفسير الإرادة بالإرادة التشريعية التي عمّت الأمّة جميعاً .

نعم لا يتوهّم من ذلك أنّ أهل البيت خارجون عن إطار التشريع ، بل التشريع في كلّ المجالات يعمّهم كما يعمّ غيرهم ، ولكن هنا إرادة تكوينية مختصّة بهم .

٢ - إنّ العناية البارزة في الآية المباركة أقوى شاهد على أنّ المقصود بالإرادة ، الإرادة التكوينية لا التشريعية ، لوضوح أنّ تعلّق الإرادة التشريعية بأهل البيت لا يحتاج إلى العناية في الآية ، وإليك بيان تلك العناية :

____________________

١ - المائدة : ٦ .

أ - ابتدأ سبحانه كلامه بلفظ الحصر ، ولا معنى له إذا كانت الإرادة تشريعية ؛ لأنّها غير محصورة بأُناس مخصوصين .

ب - عيّن تعالى متعلّق إرادته بصورة الاختصاص ، فقال :(  أَهْلَ الْبَيْتِ   ) ، أي : أخصّكم أهل البيت .

ج - قد بيّن متعلّق إرادته بالتأكيد ، وقال بعد قوله :(  لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ   ) : (  وَيُطَهِّرَكُمْ   ) .

د - قد أكّده أيضاً بالإتيان بمصدره بعد الفعل ، وقال :(  وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراًً   ) ليكون أوفى في التأكيد .

هـ- إنّه سبحانه أتى بالمصدر نكرة ، ليدلّ على الإكبار والإعجاب ، أي : تطهيراً عظيماً معجباً .

و- إنّ الآية في مقام المدح والثناء ، فلو كانت الإرادة إرادة تشريعية لما ناسب الثناء والمدح .

وعلى الجملة : العناية البارزة في الآية تدلّ بوضوح على أنّ الإرادة هناك غير الإرادة العامة المتعلّقة لكلّ إنسان حاضر وباد ، ولأجل ذلك فإنّ المحقّقين من المفسّرين يفسّرون الإرادة في المقام بالإرادة التكوينية ويجيبون عن كلّ سؤال يطرح عنها .

قال الشيخ الطبرسي : إنّ لفظة(  إِنَّمَا   ) محقّقة لما أُثبت بعدها ، نافية لما لم يُثبت ، فإنّ قول القائل : إنّما لك عندي درهم ، وإنّما في الدار زيد ، يقتضي انّه ليس عنده سوى الدرهم ، وليس في الدار سوى زيد ، وعلى هذا فلا تخلو الإرادة في الآية أن تكون هي الإرادة المحضة التشريعية ، أو الإرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس ولا يجوز الوجه الأوّل ؛ لأنّ اللّه تعالى قد أراد من كلّ مكلّف هذه الإرادة المطلقة ، فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق ؛ ولأنّ هذا القول يقتضي

المدح والتعظيم لهم بغير شكّ وشبهة ولا مدح في الإرادة المجرّدة ، فثبت الوجه الثاني ، وفي ثبوته ثبوت عصمة المعنيين بالآية من جميع القبائح(١)

وقال السيد ابن معصوم المدني في تقريب دلالة الآية على عصمة المعنيّين بالآية : إنّ لفظة(  إِنَّمَا   ) محقّقة لما أُثبت بعدها ، نافية لما لم يثبت ، فإنّ قول القائل إنّما لك عندي درهم ، وإنّما في الدار زيد ، يقتضي انّه ليس له عنده سوى درهم وليس في الدار سوى زيد ، إذا تقرّر هذا فلا تخلو الإرادة في الآية أن تكون هي الإرادة المطلقة ، أو الإرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس فلا يجوز الوجه الأوّل ؛ لأنّ اللّه تعالى قد أراد من كلّ مكلّف هذه الإرادة المطلقة ، فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق وهذا القول يقتضي المدح والتعظيم لهم بغير شكّ ولا شبهة ولا مدح في الإرادة المجرّدة ، فثبت الوجه الثاني ، وفي ثبوته ثبوت عصمة المعنيّين بالآية من جميع القبائح ، لأنّ اللام في الرجس للجنس ، ونفي الماهية نفي لكلّ جزئياتها ، وقد علمنا أنّ من عدا ما ذكرناه من أهل البيت حين نزول الآية غير مقطوع على عصمته ، فثبت أنّ الآية مختصة بهم ؛ لبطلان تعلّقها بغيرهم

وما اعتمدوا عليه من أنّ صدر الآية وما بعدها في الأزواج ، فجوابه : أنّ من عرف عادة العرب العُرباء في كلامهم وأسلوب البلغاء والفصحاء في خطابهم ، لا يذهب عليه أنّ هذا من باب الاستطراد ، وهو خروج المتكلّم من غرضه الأوّل إلى غرض آخر ثمّ عوده إلى غرضه الأوّل ، واتفقت كلمة أهل البيان على أنّ ذلك من محاسن البديع في الكلام نثراً ونظماً والقرآن المجيد وخطب البلغاء وأشعارهم مملوءة من ذلك(٢)

____________________

١- مجمع البيان : ٤ / ٣٥٧ ، تفسير سورة الأحزاب ؛ وقريب منه ما أفاده الشيخ الطوسي في تبيانه : ٨ / ٣٤٠ .

٢ - رياض السالكين : ٤٩٧ ، الروضة السابعة والأربعون ، وقد نقلنا عن الطبرسي ما يقرب منه .

أسئلة وأجوبة :

قد تعرّفت على مفاد الآية : واتضح لديك أنّ القرائن الداخلية في نفس الآية تدلّ بوضوح على أنّ الإرادة الواردة في الآية إرادة تكوينية تعلّقت بطهارة أهل البيت وإذهاب الرجس عنهم ، ويكون وزان الإرادة فيها وزان الإرادة الواردة في الآيات التالية ونظائره :

١ -(  وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ   ) (١)

٢ -(  وَيُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ   ) .(٢)

٣ -(  وَمَنْ يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ   ) (٣)

وعند ذلك تطرح في المقام أسئلة لا بدّ من الإجابة عليه :

السؤال الأوّل : هل الإرادة التشريعيّة تتعلَّق بفعل الغير ؟

هل يصحّ تعريف الإرادة التشريعية بالإرادة المتعلّقة بفعل الغير ، كتكليفه سبحانه عباده بالصلاة والزكاة ، وتكليف الآمر البشري غيره بالسقي والرعي ؟ وإذا كانت الإرادة التشريعية عبارة عمّا ذكر ، فتكون الإرادة التكوينية عبارة عن تعلّقها بفعل نفس المريد كتعلّق إرادته سبحانه بخلق السماوات والأرض ، وإرادة غيره بالأكل والشرب ؟

الجواب : أنّ تعريف الإرادة التكوينية بما ذكر وإن كان صحيحاً ، لكن

____________________

١- القصص : ٥ .

٢- الأنفال : ٧ .

٣- المائدة : ٤١ .

تعريف التشريعية منها بتعلّقها بفعل الغير غير صحيح قطعاً ، وذلك لأنّ الإرادة لا تتعلّق إلاّ بأمر اختياري وهو فعل المريد ، وأمّا فعل الشخص الآخر ، فهو بما أنّه خارج عن اختيار المريد ، لا تتعلّق به إرادته ، وكيف يصحّ لشخص أن يريد صدور فعل من الغير مع أنّ صدوره منه تابع لإرادة ذلك الغير وليس تابعاً لإرادة المريد الآخر ؟

وإن شئت قلت : إنّ زمام فعل الفاعل المختار بيد الفاعل المباشر ، فلو أراده لقام به ولو لم يرده لما قام به وليس زمامه بيد الآمر ، حتى يريده منه جداً ولا تصيّره إرادة الآمر مسلوب الاختيار ولا تجعله مضطراً مقهوراً مسخّراً في مقابل إرادة الآمر ، لأنّ المفروض أنّ الفاعل بعد فاعل مختار ، ومن هذا شأنه لا تتعلّق بفعله إرادة الغير الجدّية ؛ لأنّ معنى تعلّقها بفعل الغير أنّه في اختيار المريد ومتناوله ، ويوجد بإرادته وينتفي بانتفائه ، مع أنّه ليس كذلك ، وإنّما يوجد بإرادة الفاعل المباشر وينتفي بانتفاء إرادته ، ولا ملازمة بين إرادة الآمر وإرادة المأمور ، ولأجل ذلك كثيراً ما يُعصى ويُخالف .

وفي الجملة : ليست ماهية الإرادة التشريعية أمراً يخالف ماهية الإرادة التكوينية ، بل الكلّ من وادٍ واحد تختلفان في الاسم وتتّحدان في الماهية ، والجميع يتعلّق بفعل نفس المريد ، غير أنّ المراد فيهما مختلف حسب الاعتبار ، وهو في التكوينية ، عبارة عن الفعل الخارجي الصادر عنه مباشرة ، كالتكوين والتصنيع ، سواء كان المريد هو اللّه سبحانه أم أحد عباده القادرين على الأفعال الخارجية بإقداره ، ولكنّه في التشريعية عبارة عن نفس الطلب والإنشاء بالإيماء والإشارة واللفظ والكتابة ، وهو أيضاً فعل المريد الواقع في اختياره ، وأمّا قيام الغير بالمطلوب فهو من غايات إرادة المريد ومقاصده وأغراضه ، وهي تترتب تارة ،

وتنفك أُخرى ، فلو تكوّنت في نفسه مبادئ الخوف والرجال لقام به وإلاّ فلا يقوم به ولا تتحقّق الغاية لكن تتمّ عليه الحجّة .

وعلى ذلك فما اشتهر على الألسن من أنّ الإرادة التشريعية عبارة عن تعلّق إرادة الآمر بفعل الغير تسامح في التعبير ومن باب إقامة الغاية مكان ذيها .

والذي يوضح ذلك : إنّ إرادته سبحانه لا تنفكّ عن مراده ، ومن المستحيل أن يخاطب شيئاً ب- ( كن ) ولا يتحقّق ، ولسعة قدرته وعموميتها ، قال سبحانه :(  إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ   ) (١) ، فلو تعلّقت إرادته بفعل العباد كالصلاة والصوم لما أنفكّ عنهم ولو تعلّقت على إيمانهم وهدايتهم ، لما وجد على أديم الأرض عاصٍ ومتمرّد ، قال سبحانه :(  وَلَوْ شَاءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ   ) (٢) ، وتكون نتيجة ذلك كونهم مجبورين في قبول الهداية ، ومضطرين إلى الطاعة ، فلا يقام لمثلها وزن ولا قيمة ، وهذا يعرب بوضوح عن أنّ متعلّق إرادته في مجال التشريع هو فعل نفس المشرع وهو التشريع ، وهو بعد غير منفك عن إرادته ، موجود معها

السؤال الثاني : هل الإرادة التكوينيّة توجب سلب الاختيار ؟

لو كانت الإرادة في المقام إرادة تكوينية ، فبما إنّ إرادته سبحانه لا تتخلّف عن المراد فلازمها هنا كون طهارتهم وابتعادهم عن الرجس أمراً جبرياً لا يتخلّف ، وهذا لا يعدّ فضيلة وثناء لأهل البيت مع أنّ الآية بصدد الثناء عليهم .

وقد أجاب عنه المحقّقون على وجه الإجمال وقالوا : إنّ القدرة والتمكّن من فعل المعصية ثابت للمعصوم ، والعصمة مانع شرعي ، ولا منافاة بين عدم القدرة الشرعية والقدرة الذاتية ، وهذا الجواب بإجماله كاف لأهل التحقيق ولكن يحتاج

____________________

١- يس : ٨٢ .

٢- الأنعام : ٣٥ .

إلى إيضاح ، فنقول :

إنّ مشكلة الجبر تنحل بالتعرّف على كيفية تعلّق إرادته سبحانه بأفعال العباد ، والإمعان في هذا الموضوع يكفي لحلّ بعض المشاكل المطروحة في مسألة الجبر والاختيار .

وبعبارة أُخرى : هل تعلّقت إرادته سبحانه بصدور أفعال العباد عنهم باختيارهم وإرادتهم ، أم تعلّقت بصدورها منهم مطلقاً وإن لم تكن مسبوقة باختيارهم وإرادتهم ، فالجبر لازم القول الثاني ، والاختيار نتيجة القول الأوّل ، والحقّ هو القول الأوّل فنقول في توضيحه :

إنَّ لازم التوحيد في الفاعلية والخالقية - كما هو منصوص الآيات ومقتضى البراهين - هو إنّ كل ما يقع في صفحة الوجود سواء كان فعلاً للعباد أم لغيرهم لا يخرج عن إطار الإرادة التكوينية للّه سبحانه ، ولا يقع شيء في الكون إلاّ بإرادته وإذنه سبحانه ، قال تعالى :(  مَا قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللّهِ   ) (١) ، وهذه الآية وغيرها تدلّ بصراحة على أنّ أفعال العباد حلالها وحرامها غير خارجة عن إطار الإرادة التكوينية للّه وإلاّ لزم أن يكون الإنسان والفواعل الأُخر مستقلة في الفعل والتأثير ، وهو يستلزم الاستقلال في الذات ، وهو عين الشرك ونفي التوحيد في الأفعال والخالقية .

ومع ذلك فليس العباد مجبورين في أفعالهم وتصرّفاتهم ؛ لأنّ إرادته سبحانه وإن تعلّقت بأفعالهم لكنّ إرادته سبحانه متعلّقة بأفعالهم بتوسّط إرادتهم الخاصة وفي طول مشيئتهم ، وبذلك صحّ أن يقال : لا جبرٌ ولا تفويض ، بل أمر بين الأمرين .

____________________

١- الحشر : ٥ .

وعلى ذلك فاللّه سبحانه وإن أراد طهارتهم عن الذنوب بالإرادة التكوينية ولكن تلك الإرادة تعلّقت بها ، لما علم سبحانه إنّهم بما زوّدوا من إمكانات ذاتية ومواهب مكتسبة نتيجة تربيتهم وفق مبادئ الإسلام ، لا يريدون إلاّ ما شرّع لهم سبحانه من أحكام ، فهم لا يشاءون إلاّ ما يشاء اللّه ، وعند ذلك صحّ له سبحانه أن يخبر بأنّه أراد تكويناً إذهاب الرجس عنهم ، لأنّهمعليهم‌السلام ما داموا لا يريدون لأنفسهم إلاّ الجري على وفق الشرع لا يفاض عليهم إلاّ هذا النوع من الوصف .

وحصيلة الكلام : أنّ مبنى الإشكال هو الغفلة عن كيفية تعلّق إرادته سبحانه بأفعال العباد حيث توهّم المستشكل :

أوّلاً : أنّ أفعال العباد خارجة عن إطار الإرادة التكوينية للّه سبحانه ، وغفل عن أنّ هذا النوع من الاعتقاد يساوق الشرك ويصادم التوحيد .

وثانياً : أنّ سبق الإرادة التكوينية على أفعال العباد يستلزم سلب الاختيار عنهم ، وغفل عن أنّ إرادته سبحانه إنّما تتعلّق بتوسط إرادة العباد واختيارهم ، فهم إذا أرادوا لأنفسهم شيئاً ، فاللّه سبحانه يريد ذلك الشيء لهم تكويناً ، وليس في ذلك أيّة رائحة للجبر ، بل هو الأمر بين الأمرين .

وعندئذٍ يكون المراد من تطهيرهم - بعد تجهيزهم بإدراك الحقّ في الاعتقاد والعمل ، وإعطائهم البصيرة الكاملة لمعرفة الحقّ في مجال الاعتقاد والعمل - تعلّق إرادته التكوينية بطهارتهم من الذنوب ، لأجل تعلّق إرادتهم بذلك ، فقد تعلّقت إرادته سبحانه بتنزيههم عن طريق إرادتهم واختيارهم ، وأين هذا من الجبر ؟

تفسير آخر للإرادة بالتكوينية :

ما ذكرناه في كيفية تعلّق إرادته سبحانه بأفعال العباد ، جواب عام سار في

جميع الموارد ورافع للإشكال في مجال الجبر ، وإنّ من أعضل الموارد في الجبر والاختيار ، هي تحليل كيفية تعلّق إرادته بأفعال العباد وانّه : هل يوجب الجبر ويسلب الاختيار ؟ باعتبار أنّ إرادته لا تنفك عن المراد ، أم لا ؟ لاَنّ إرادته تعلّقت بصدور أفعالهم عن أنفسهم عن مبادئها المكوّنة فيهم وهي إرادتهم واختيارهم ، فلو صدرت عنهم بلا هذه الخصوصية لزم انفكاك إرادته عن مراده .

ولمّا استشكل هذا المطلب على بعضهم انصرفوا إلى إخراج أفعال العباد عن إطار إرادته سبحانه ، وإنّما تتعلّق بالكائنات دون أفعالهم ، وهو كما ترى ؛ لأنّه يستلزم تحقّق شيء في صحيفة الوجود بغير إذنه وإرادته ، مع أنّ مقتضى التوحيد في الخالقية انتهاء كلّ ما في عالم الإمكان إلى وجوده وخالقيته ، وبالتالي إلى إرادته ، فإخراج أفعال العباد عن مجال إرادة اللّه ، يخالف الأَُسس التوحيدية التي جاء بها القرآن ودعمها العقل .

إلاّ أنّ في مسألة العصمة وكيفية تعلّق إرادته تعالى بعصمة المعصوم تحليلاً آخر يختص بهذا المقام ولا يتعدّاه .

وحاصل هذا التحليل يتوقّف على معرفة كيفية العصمة وحقيقتها ، فنقول :

إنّ حقيقة العصمة ترجع إلى الدرجة العليا من التقوى ، بمعنى أنّ التقوى إذا بلغت قمتها تعصم الإنسان عن اقتراف الذنب وجميع القبائح .

وإن شئت قلت : العصمة نتيجة العلم القطعي الثابت والعرفان بعواقب المعصية علماً يصد الإنسان عن اجتراح المعاصي واقتراف المآثم ، كالإنسان الواقف أمام الأسلاك التي يجري فيها التيار الكهربائي ، فانّه لا يقدم بنفسه على إمساكها .

وبعبارة ثالثة : العصمة : الاستشعار بعظمة الربّ وكماله وجلاله استشعاراً منقطع النظير حيث يحدث في المستشعر التفاني في الحقّ ، والعشق لجماله ، وكماله ، بحيث لا يستبدل برضاه شيئاً .

فإذا كانت حقيقة العصمة نفس هذه الحقائق وقريباً منها ، فليس اتصاف الإنسان بهذه الحقائق موجباً للجبر وسالباً للاختيار ، بل المعصوم مع هذه المواهب الإلهية قادر على اقتراف المعاصي وارتكاب الخطايا غير أنّه لأجل حصوله على الدرجة العليا من التقوى ، والعلم القطعي بآثار المعاصي والاستشعار المنقطع النظير بعظمة الخالق ، يختار الطاعة وترك المعصية مع القدرة على خلاف ذلك ، فحاله كالوالد العطوف لا يقدم على قتل ولده ولو أُعطيت له الكنوز الكثيرة .

إنّ هذه الحقائق الموهوبة للمعصوم أشبه بحبل يلقى إلى الغارق في البحر والساقط في البئر حتى يتمسك به وينجي نفسه ، فلا شك أنّ العاقل يتمسّك به دائماً وينجي نفسه ، ولكن هذا العمل لا يخالف قدرته على ترك التمسك به وإلقاء نفسه في مهاوي الهلكة .

فهذه الحقائق النفسانية المَوهوبة ليست إلاّ أسباباً لترك العصيان ومقتضيات للطاعات ، ومعدّات لقرب العبد من ربّه ، ومع ذلك تتوسّط بينها وبين فعل العبد من طاعة وعصيان ، إرادته واختياره ، فليست هذه المواهب عللاً تامة لتوجّه العبد إلى جانب واحد وانحيازه عن جانب آخر ، بل هي أسباب مقرِّبة ومعدات للإرادة ، ومع ذلك كلّه فاختيار المعصوم وإرادته باقيان على حالهما .

فمعنى تعلّق إرادته سبحانه بعصمتهم ليس تعلّقها بالطاعة وترك العصيان ، بل معناه تعلّق إرادته التكوينية بإفاضة هذه المواهب عليهم وجعلها في

مكامن نفوسهم وتحليتهم بهذه الحُلية الإلهية ، ولكن هذا الجعل والتحلية لا يهدف إلى كونهم مكتوفي الأيدي أمام التكاليف ومسوقين إلى جانب واحد ، فالاشتباه في المقام حصل في تعيين ما هو المفاض من اللّه سبحانه على هذه الشخصيات ، فتخيّل : ( إنّ المفاض هو العصمة المفسّرة بترك المعصية ونفس الطاعة ) غفلة عن أنّ المفاض هو هذه الكيفيات والصفات العليا النفسانية عليهم ، وهي تُوجد استعداداً في النفس بترك العصيان واختيار الطاعة مع القدرة على الخلاف .

نعم : لو كان هناك جبر ، فالجبر في تحليتهم بهذه المواهب والعطايا الإلهية ، ولكنّهم معها مختارون في التوجه ، لأي طرف أرادوا ، وإن كانوا لا يشاءون إلاّ الطاعة وترك المعصية .

ما هو الوجه لتفسير الإرادة بالتشريعية ؟

ثمّ إنّ الجمهور لمّا ذهبوا إلى كون الإرادة تشريعية ، احتالوا في توجيهها ، يقول المفسّر المعاصر سيد قطب في هذا الصدد : إنّه سبحانه يجعل تلك الأوامر - الأوامر الواقعة قبل الآية من قوله :(  وَقَرْنَ وَلا تَبَرَّجْنَ   ) - وسيلة لإذهاب الرجس وتطهير البيت ، فالتطهير وإذهاب الرجس يتمّ بوسائل يأخذ الناس بها أنفسهم ويحقّقونها في واقع الحياة العملي... ويختم هذه التوجيهات لنساء النبيّ بمثل ما بداها ، بتذكيرهنّ بعلو مكانتهنّ وامتيازهنّ على النساء بمكانتهنّ من رسول اللّه وبما أنعم اللّه عليهنّ فجعل بيوتهنّ مهبط القرآن ومنزل الحكمة وتشرف النور والهدى والإيمان ، وإنّه لحظّ عظيم يكفي التذكّر به لتحسّ النفس جلالة قدره ولطيف صنع اللّه فيه وجزالة النعمة التي لا يعد لها نعيم(١)

____________________

١- في ظلال القرآن ، في تفسير سورة الأحزاب .

وحاصل ما ذكره مبني على نزول القرآن في مورد نساء النبيّ ، وإنّه سبحانه علّل خطاباته لهنّ بأنّه يريد من هذه التكاليف إذهاب الرجس عنهنّ ، ويكون المعنى : أنّ التشديد في التكاليف وتضعيف الثواب والعقاب ليس لانتفاع اللّه سبحانه به ، بل لإذهاب الرجس عنكنّ وتطهيركنّ .

ولا يخفى أنّ ما ورد في الآيات من الأحكام ليست أحكاماً خاصة بنساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهذا قوله سبحانه قبل آية التطهير :( وَقَرْنَ فِي بُيْوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأوْلَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللّهَ وَرَسُولَهُ ) .(١)

وهذا قوله سبحانه بعد الآية :(  وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ   ) كلّها أحكام عامة لنساء المسلمين ، فاللّه سبحانه بهذه التكاليف يريد أن يطهّر الكلّ وإذهاب الرجس عن عموم النساء ، لا عن زوجات النبيّ خاصة ، وعندئذٍ لا وجه لتخصيصهنّ بالخطاب بالعناية التي عرفت .

وإنّما ذهب بعض الجمهور إلى ما ذهب ، لأجل إنّهم تصوّروا نزول الآية في حقّ نساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فاحتالوا لتفسير الإرادة بما ذكره سيد قطب ونظراؤه ، وإنّما ذهبوا إلى ذلك بزعمهم اتصال الآية بما قبلها من الآيات ، مع أنّه سيوافيك أنّ الآية آية التطهير آية مستقلة لا صلة لها بما قبلها ولا ما بعدها ، وإنّما وضعت في هذا الموضع لمصلحة خاصة سنشير إليها ، والأحاديث بكثرتها البالغة ناصّة على نزول الآية وحدها ، ولم يرد نزولها في ضمن آيات نساء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا ذكره أحد حتى أنّ القائل باختصاص الآية بأزواج النبيّ ينسب القول إلى عكرمة وعروة لا إلى الرواية .

فالآية لم تكن بحسب النزول من آيات النساء ، ولا متصلة بها ، وستوافيك

____________________

١- الأحزاب : ٣٣ .

الروايات الكثيرة الواردة في هذا المضمار .

السؤال الثالث : هل العصمة الموهوبة مفخرة ؟

وهذا سؤال ثالث يتردّد في المقام وفي غيره ، وقد طرحناه عند البحث عن العصمة على وجه الإطلاق ونطرحه هنا بشكل آخر ، وهو أنّ عصمة أهل البيت لو كانت أمراً موهوباً من اللّه سبحانه كيف يمكن أن تعد مفخرة لأهله ؟

والإجابة عن هذا السؤال واضحة بعد الوقوف على معنى العصمة الموهوبة لهم ، وقد عرفت أنّ المراد من هبتها لهم هو إعطاء المقتضيات والمعدات لهم التي لا تسلب الاختيار عنهم ، وهم بعد قادرون على الطاعة والعصيان والنقض والإبرام ، والسائل تخيل أنّ العصمة الموهوبة هي نفس ترك العصيان والمخالفة ، فزعم أنّ شيئاً مثلها لا يعدّ فخراً ولا يوجب ثناءً ، وقد أوضحنا هذا في السؤال السابق ، فراجع .

السؤال الرابع : هل الآية تدل على فعلية التطهير ؟

وربّما يقال : إنّ أقصى ما تدل عليه الآية هو إخباره سبحانه عن أنّه يريد إذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم ، وليس في الآية ما يدل على تحقّق هذه الإرادة بالفعل ، وإنّها صدرت منه سبحانه ، مع أنّ القائلين بعصمة أهل البيت يذهبون بدلالتها على اتصافهم بالعصمة ، وفي هذا الصدد ينقل الشيخ زين الدين البياضي العاملي إشكالاً عن المخالف ويقول :(  يُرِيدُ   ) لفظ مستقبل ، فلا دليل على وقوعه.(١)

____________________

١ - الصراط المستقيم : ١ / ١٨٤ .

ولا يخفى أنّ هذا الإشكال نشأ من اتخاذ موقف خاص بالنسبة إلى أهل البيت ؛ بشهادة أنّ هذه اللفظة وردت في كثير من الآيات مع أنّه ما خطر ببال أحد مثل هذا الإشكال قال سبحانه :(  يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ   ) (١) ، وقال :(  وَاللّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ   ) (٢) ، وقال :(  يُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ   ) (٣) ، وقال :(  وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ   ) (٤) ، أضف إلى ذلك أنّ هناك قرينة واضحة على تحقّق الإرادة بشهادة أنّ الآية في مقام المدح والثناء .

وأمّا الإتيان بصيغة المستقبل والعدول عن الماضي ، فهو لأجل ظهور فعل المستقبل في الدوام ، وهو سبحانه يريد إفادة دوام هذه الإرادة واستمرارها مدى الأيام والسنين .

السؤال الخامس : هل الإذهاب يستلزم الثبوت ؟

خلاصة هذا السؤال ترجع إلى أنّ الإذهاب يتعلّق بشيء موجود ، فعلى ذلك يستلزم أن يكون هناك رجس موجود أذهبه اللّه وطهّرهم منه ، وهذا يضاد مقالة أهل العصمة ، ولكنّ السائل والمعترض غفل عن أنّ هذه التراكيب كما تستعمل في إذهاب الشيء الموجود ، كذلك تستعمل فيما إذا لم يكن موجوداً ، ولكن كانت هناك مقتضيات ومعدّات له حسب الطبيعة الإنسانية وإن لم يكن موجوداً بالفعل كقول الإنسان لغيره : أذهبَ اللّه عنك كلّ مرض ، ولم يكن حاصلاً له ، ولكن كانت بعض المعدّات للمرض موجودة .

____________________

١- النساء : ٢٦ .

٢- النساء : ٢٧ .

٣- النساء : ٢٨ .

٤- النساء : ٢٦ .

وفي المقام نزيد توضيح : أنّ الإنسان حسب الطبيعة الأوّلية مجهّز بالغرائز والميول العادية المتجاوزة عن الحدود ، ولم يشذّ أهل البيت عنها ولم تكن لهم في العالم الجسماني خلقة خاصة بهم ، فكانت هناك أرضية صالحة للتعدّي والطغيان ، فلمّا جهّزوا بهذه الغرائز أوّلاً ، ثمّ بالعصمة - بالمعنى الذي عرفت - ثانياً ، صحّ أن يقال : إنّه سبحانه أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً من العصيان .

وهذه الأسئلة وأشباهُها لا تحتاج إلى البسط في المقال ، ولأجل ذلك نطوي الكلام عنها.

من سمات أهل البيتعليهم‌السلام

٢ - المحبّة في قلوب المؤمنين

إنّ الإيمان باللّه والعمل الصالح يُورث محبَّة في قلوب الناس ، إذ للإيمان أثر بالغ في القيام بحقوق اللّه أوّلا ، وحقوق الناس ثانياً ، لا سيّما إذا كان العمل الصالح نافعاً لهم ، ولذلك استقطب المؤمنون حُبَّ النّاس ، لدورهم الفعّال في إصلاح المجتمع الإنساني وهذا أمر ملموس لكلّ النّاس ، وإليه يشير قوله سبحانه :(  إِنَّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمن وُداً   ) (١) وبما أنّ الأنبياء بلغوا قمَّة الإيمان كما بلغوا في العمل الصالح ذروته ، نرى أنّ لهم منزلة كبيرة في قلوب الناس لا يضاهيها شيء ، لأنّهم صرفوا أعمارهم في سبيل إصلاح أُمور الناس وإرشادهم إلى ما فيه الخير والرشاد هذا حال الأنبياء ويعقبهم الأوصياء والأولياء والصلحاء .

أخرج أبو إسحاق السعدوي في تفسيره بإسناده ، عن البراء بن عازب ، قال :

____________________

١ - مريم : ٩٦ .

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ :( [قل ]* اللّهمّ اجعل لي عندك عهداً ، واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة ) ، فأنزل اللّه تعالى الآية المذكورة آنفاً .

إنّ أهل البيتعليهم‌السلام لأجل انتسابهم إلى البيت النبوي الرفيع ، حازوا مودّة الناس واحترامهم بكلّ وجودهم وقد أُشير إلى ذلك في آثارهم وكلماتهم .

روى معاوية بن عمّار عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إنّ حبّ عليعليه‌السلام قُذف في قلوب المؤمنين ، فلا يُحبّه إلاّ مؤمن ، ولا يبغضه إلاّ منافق ، وانّ حبّ الحسن والحسينعليهما‌السلام قذف في قلوب المؤمنين والمنافقين والكافرين فلا ترى لهم ذامّ ، ودعا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحسن والحسينعليهما‌السلام قرب موته فقرّبهما وشمّهما وجعل يرشفهما وعيناه تهملان ). (١)

وقد تعلّقت مشيئته سبحانه على إلقاء محبّتهم في قلوب المؤمنين الصالحين ، حتى كانت الصحابة يميّزون المؤمن عن المنافق بحبّ علي وبغضه .

روى أبو سعيد الخدري ، قال : إنّا كنّا نعرف المنافقين - نحن معشرَ الأنصار - ببغضهم عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .(٢)

وقد تضافر عن علي أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال : ( واللّه فلق الحبّة وبرأ النسمة ، إنّه لعهد النبيّ الأمّي إليّ : أنّه لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق ) .(٣)

ويروى عنهعليه‌السلام أيضاً أنّه قال : واللّه انّه ممّا عهد إليَّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنَّه لا

____________________

* هكذا جاءت في المصادر المختلفة ، وهي أوفق بالسياق والمراد أيضاً [ شبكة الحسنين /قسم التقويم ] .

١ - المناقب لابن شهر آشوب : ٣ / ٣٨٣ سفينة البحار : مادة حبب : ١ / ٤٩٢ .

٢ - سنن الترمذي : ٥ / ٦٣٥ برقم ٣٧١٧ حلية الأولياء : ٦ / ٢٩٥ .

٣ - أسنى المطالب : ٥٤ ، تحقيق محمّد هادي الأميني .

يبغضني إلاّ منافق ولا يُحبّني إلاّ مؤمن .(١)

و قد أعرب عن ذلك الإمام علي بن الحسينعليهما‌السلام في خطبته في جامع دمشق ، عند ما صعد المنبر وعرَّف نفسه فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثمّ خطب خطبة أبكى منها العيون ، وأوجل منها القلوب ، ثمّ قال :

( أيّها الناس ! أُعطينا ستّاً وفُضِّلنا بسبع ، أعطينا : العلم ، والحلم ، والسماحة ، والفصاحة ، والشجاعة ، والمحبّة في قلوب المؤمنين ) .(٢)

ولا عجب في أنّه تبارك وتعالى سمّاهم كوثراً ، أي الخير الكثير ، وقال :(  إِنّا أَعْطَيْناكَ الكَوثر   ) قال الرازي : الكوثر أولاده ؛ لأنّ هذه السورة إنّما نزلت على مَن عابهعليه‌السلام بعدم الأولاد ، فالمعنى : أنّه يعطيه نسلاً يبقون على مرّ الزمان فانظر كم قتل من أهل البيتعليهم‌السلام والعالم ممتلئ منهم ولم يبقَ من بني أُمية في الدنيا أحد يعبأ به ، ثمّ انظر كم كان فيها من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضاعليهم‌السلام .(٣)

إنّ محبّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للحسينعليه‌السلام لم تكن محبّة نابعة من حبّه لنسَبه ، بل كان واقفاً على ما يبلغ إليه ولده الحسينعليه‌السلام في الفضل والكمال والشهادة في سبيله ، ونجاة الأمّة من مخالب الظلم ، والثورة على الظلم والطغيان وهناك كلام للعلاّمة المجلسي يقول :

إنّ محبّة المقرّبين لأولادهم وأقربائهم وأحبّائهم ليست من جهة الدواعي

____________________

١ - بحار الأنوار : ٤٥ / ١٣٨ .

٢ - تفسير الفخر الرازي :٣٢ / ١٢٤ .

٣ - تفسير الفخر الرازي : ٣٢ / ١٢٤ .

النفسانية والشهوات البشرية ، بل تجرّدوا عن جميع ذلك وأخلصوا حُبَّهم ، ووُدَّهم للّه وحُبّهم لغير اللّه إنّما يرجع إلى حبّهم له ، ولذا لم يحبّ يعقوب من سائر أولاده مثل ما أحبّ يوسفعليه‌السلام منهم ، ولجهلهم بسبب حبّه له نسبوه إلى الضلال ، وقالوا : نحن عصبة ، ونحن أحقّ بأن نكون محبوبين له ؛ لأنّا أقوياء على تمشية ما يريده من أُمور الدنيا ، ففرط حبّه يوسف إنّما كان لحبّ اللّه تعالى له واصطفائه إيّاه ؛ فمحبوب المحبوب محبوبٌ .(١)

____________________

١ - سفينة البحار : ١ / ٤٩٦ ، مادة حبب .

من سمات أهل البيتعليهم‌السلام

٣ - استجابة دعائهمعليهم‌السلام

الابتهال إلى اللّه وطلب الخير منه وطلب دفع الشرِّ ومغفرة الذنوب أمر مرغوب ، يقوم به الإنسان تارة بنفسه ، وأُخرى يتوصّل إليه بدعاء الغير .

واستجابة الدعاء رهن خرق الحجب والوصول إليه سبحانه ، حتى يكون الدعاء مصداقاً لقوله سبحانه :(  أُدْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ   ) (١) ، وليس كلّ دعاء مستجاباً وصاعداً إليه سبحانه ؛ فإنّ لاستجابة الدعاء شروطاً مختلفة قلّما تجتمع في دعاء الإنسان العادي .

نعم ، هناك أُناس مطهّرون من الذنوب يكون دعاؤهم صاعداً إلى اللّه سبحانه ومستجاباً قطعاً ، ولذلك حثَّ سبحانه المسلمين على التشرّف بحضرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وطلب الاستغفار منه ، قال سبحانه :(  وَلَو أنّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أنفسهُمْ جاءُوكَ فاستغْفروا اللّه وَاسْتَغْفر لَهُمُ الرَّسُول لَوَجدوا اللّه تَوّاباً رَحيماً   ) .(٢)

وقال سبحانه :(  وَإِذا قيلَ لَهُمْ تَعالَوا يَسْتَغْفِر لَكُمْ رَسُول اللّه لَوّوا رُؤوسهُمْ

____________________

١ - غافر : ٦٠ .

٢ - آل عمران : ٦٥ .

وَرأيتهم يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) (١)

ولذلك طلب أبناء يعقوب أباهم أن يستغفر في حقّهم :(  قالُوا يا أَبانا استَغْفِر لَنا ذُنُوبنا إنّا كُنّا خاطِئين   ) .(٢)

ويظهر ممّا جرى بين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووفد نجران من المحاجَّة والمباهلة أنّ أهل البيت إذ أمَّنوا لدعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُستجاب دعاءه ، فقد وفد نصارى نجران على الرسول وطلبوا منه المحاجَّة ، فحاجَّهم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ببرهان عقلي تشير إليه الآية المباركة : (  إِنَّ مَثل عيسى عِنْد َاللّه كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قال لَهُ كُنْ فَيَكُون   ) .(٣)

فقد قارعهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذا البيان البليغ الذي لا يرتاب فيه ذو مرية ، حيث كانوا نصارى نجران يحتجّون ببنوة المسيح بولادته بلا أبٍ ، فوافاهم الجواب : ( بأنّ مثل المسيح كمثل آدم ، إذ لم يكن للثاني أب ولا أُمّ مع أنّه لم يكن ابناً للّه سبحانه ) وأولى منه أن لا يكون المسيح ابناً له .

ولمّا أُفحموا في المحاجّة التجأوا إلى المباهلة والملاعنة ، وهي وإن كانت دائرة بين الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورجال النصارى ، لكن عمَّت الدعوة للأبناء والنساء ، ليكون أولى على اطمئنان الداعي بصدق دعوته وكونه على الحقّ ؛ وذلك لما أودع اللّه سبحانه في قلب الإنسان من محبّة الأولاد والشفقة عليهم ، فتراه يقيهم بنفسه ويركب الأهوال والأخطار دونهم ، ولذلك قدَّم سبحانه في الآية المباركة الأبناء على النساء ، وقال :(  فَمَنْ حاجّكَ فيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكََ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءُكُمْ وَنساءَنا ونساءكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنُفسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَل لَعْنَة اللّه

____________________

١ - المنافقون : ٥ .

٢ - يوسف : ٩٧ .

٣ - آل عمران : ٥٩ .

عَلى الكاذِبين ) .

وحيث إنّه سبحانه أتى بلفظ الأبناء بصيغة الجمع يعرب عن أنّ طرف الدعوى لم يكن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحده ، بل أبناؤه ونساؤه ، ولذلك عدَّدتهم الآية ، نفس النبيّ ، ونساء النبيّ ، وأبناءه ، من بين رجال الأمّة ونسائهم وأبنائهم .

ثمّ إنّ المفسّرين قد ساقوا قصّة المباهلة بشكل مبسوط منهم صاحب الكشّاف ، قال : لما دعاهم إلى المباهلة ، قالوا : حتى نرجع وننظر ، فلّما تخالوا قالوا للعاقب ، وكان ذا رأيهم : يا عبد المسيح ما ترى ؟ فقال : واللّه لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمّداً نبيّ مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم ، واللّه ما باهل قوم نبياً قط ، فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ! ولئن فعلتم لتهلكنّ ، فإن أبيتم إلا إلفَ دينكم والإقامة على ما أنتم عليه ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم .

فأتوا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد غدا محتضناً الحسين ، آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشى خلفه ، وعليّ خلفها ، وهو يقول :( إذا أنا دعوت فأمَّنوا ) .

فقال أُسقف نجران : يا معشر النصارى ! إنّي لأرى وجوهاً لو شاء اللّه أن يُزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها !! فلا تباهلوا فتُهلكوا ، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، فقالوا : يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك ، وأن نقرّك على دينك ، ونثبت على ديننا قال :( فإذا أبيتم المباهلة ، فأسلموا ، يكن لكم ما للمسلمين ، وعليكم ما عليهم ) .

فأبوا ، قال :( فانّي أُناجزكم ) ، فقالوا : ما لنا بحرب العرب طاقة ، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ، ولا تخيفنا ، ولا تردُّنا عن ديننا ، على أن نؤدي إليك كلّ عام ألفي حلّة ، ألف في صَفر ، وألف في رجب ، وثلاثين درعاً عادية من حديد ، فصالحهم على ذلك .

وقال : ( والذي نفسي بيده : إنّ الهلاك قد تدلّى على أهل نجران ، ولو لاعنوا لمُسِخوا قِرَدة وخنازير ، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ، ولاستأصل اللّه نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر ، ولمَا حال الحول على النصارى كلّهم حتى يهلكوا ) .

وعن عائشة : أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج وعليه مرط مرجل من شعر أسود ، فجاء الحسن فأدخله ، ثمّ جاء الحسين فأدخله ، ثمّ فاطمة ، ثمّ علي ، ثمّ قال : (  إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ   ) .(١)

الشاهد على استجابة دعائهم أمران :

أ - قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أنا دعوت فأمّنوا ، فكان دعاء النبيّ يصعد بتأمينهم ، وأيُّ مقام أعلى وأنبل من أن يكون دعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صاعداً بفضل دعائهم .

ب - قول أُسقف نجران : ( إنّي لأرى وجوهاً لو شاء اللّه أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها ) والضمير يرجع إلى الوجوه ، أي لأزاله بدعائهم ولأزاله بالقسم على اللّه بهم ، وقد أيَّد القول الثاني ابن البطريق في ( العمدة ) ، حيث قال : المباهلة بهم تصدّق دعوى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد صار إبطال محاجَّة أهل نجران في القرآن الكريم بالقسم على اللّه بهم .(٢)

____________________

١ - الزمخشري : الكشاف : ١ / ٣٢٦- ٣٢٧ ، ط عام ١٣٦٧هـ .

٢ - العمدة : ٢٤٣ .

وقد تركت مباهلة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته أثراً بالغاً في نفوس المسلمين ، يشهد بها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ،عن أبيه ، قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً ، فقال : ما يمنعك أن تسبَّ أبا تراب ؟ فقال : أما ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلن أسبَّه ، لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم .

سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول له وقد خلفه في بعض مغازيه ، فقال له علي :يا رسول اللّه ، خلّفتني مع النساء والصبيان ؟ فقال له رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي ؟

و سمعته يوم خيبر ، يقول : لأُعطين الراية رجلاً يحبّ اللّه ورسوله ، ويحبّه اللّه ورسوله .

قال : فتطاولنا لها ، فقال : ادعوا لي عليّا ، فأُتي به أرمد العين ، فبصق في عينيه ، ودفع الراية إليه ، ففتح اللّه على يديه .

ولما نزلت هذه الآية :(  فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ   ) دعا رسول اللّه عليّاً وفاطمة وحسناً وحسينا ، وقال :اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي . (١)

____________________

١ - صحيح مسلم : ٧ / ١٢٠ ، باب فضائل علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

من سمات أهل البيتعليهم‌السلام

٤ - ابتغاء مرضاة اللّه تعالى

الإنسان الكامل هو الذي لا يفعل شيئاً ولا يتركه إلاّ لابتغاء مرضاة اللّه تبارك وتعالى ، فيصل في سلوكه ورياضاته الدينيَّة إلى مكان تفنى فيه كلّ الدوافع والحوافز إلاّ داع واحد ، وهو طلب رضا اللّه تبارك وتعالى ، فإذا بلغ هذه الدرجة فقد بلغ الذروة من الكمال الإنساني ، وربَّما يبلغ الإنسان في ظلّ الرضا درجة لا يتمنّى وقوع ما لم يقع ، وعدم ما وقع ، وإلى ذلك المقام يشير الحكيم السبزواري بما في منظومته :

وبهجة بما قضى اللّه رضا

وذو الرضا بما قضى ما اعترضا

أعظم باب اللّه ، الرضا وُعي(١)

وخازن الجنّة رضواناً دُعي

فقرا على الغنى صبورٌ ارتضى

وذان سيّان لصاحب الرضا

عن عارف عمّر سبعين سنة

إن لم يقل رأساً لأشيا كائنة

يا ليت لم تقع ، ولا لما ارتفع

مماّ هو المرغوب ليته وقع(٢)

____________________

١ - إشارة إلى ما روي أنّ الرضا باب اللّه الأعظم .

٢ - شرح منظومة السبزواري : ٣٥٢ .

وممَّن يمثل ذلك المقام في الأمّة الإسلامية هو إمام العارفين وسيد المتّقين عليّ أمير المؤمنينعليه‌السلام فهو في عامة مواقفه في جهاده ونضاله ، وعزلته وقعوده في بيته ، وفي تسنّمه على منصَّة الخلافة بإصرار من الأمّة ، فهو في كلّ هذه الأحوال والمواقف ، لا همّ له إلاّ طلب رضوانه تعالى

و قد صرح الإمام بذلك عندما طلب منه تسلّم مقاليد الخلافة ، فقال : ( أما والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجّة بوجود الناصر ، وما أخذ اللّه على العلماء ألاّ يقارُّوا على كظّة ظالم ، ولا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنزٍ ) .(١)

وقد تجلّت هذه الخصلة في عليّعليه‌السلام حين مبيته في فراش النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

روى المحدّثون أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما أراد الهجرة خلّف عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام بمكّة لقضاء ديونه وردّ الودائع التي كانت عنده ، وأمره ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له :يا عليّ ، اتَّشح ببردي الحضرمي الأخضر ، ثمّ نم على فراشي ، فانّه لا يخلص إليك منهم مكروه ، إن شاء اللّه عزّ وجلّ .

ففعل ذلكعليه‌السلام فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى جبرئيل وميكائيلعليهما‌السلام : إنّي قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر ، فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة ، فاختار كلاهما الحياة ، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليهما : ألا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب ، آخيت بينه وبين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنام على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة ، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه ، فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه .

____________________

١ - نهج البلاغة : الخطبة ٣ .

فقال جبرئيل :بخٍ بخٍ مَن مثلك يا بن أبي طالب يباهي اللّه بك الملائكة ؟! فأنزل اللّه تعالى على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو متوجِّه إلى المدينة في شأن علي بن أبي طالبعليه‌السلام :(  وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْري نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّه ) (١)

وقد نقل غير واحد نزول الآية في حقّ عليّعليه‌السلام .

وقال ابن عبّاس : أنشدني أمير المؤمنين شعراً قاله في تلك الليلة :

وقيت بنفسي من وطىَ الحصى

وأكرم خلق طاف بالبيت والحجر

وبتَّ أراعي منهم ما يسوءني

وقد صَّبرت نفسي على القتل والأسر

وبات رسول اللّه في الغار آمناً

ومازال في حفظ الإله وفي الستر(٢)

وإلى هذه الفضيلة الرابية وغيرها يشير حسّان بن ثابت في شعره عند مدح عليّعليه‌السلام :

من ذا بخاتمه تصدَّق راكعا

وأسرّها في نفسه إسرارا

من كان بات على فراش محمّد

ومحمد أسرى يوَم الغارا

من كان في القرآن سمّي

في تسع آيات تلين غزارا(٣)

محاولة طمس الحقيقة لولا !

إنّ عظمة هذه الفضيلة وأهمية هذا العمل التضحويّ العظيم دفعت بكبار علماء الإسلام إلى اعتبارها واحدة من أكبر فضائل الإمام عليّعليه‌السلام وإلى أن

____________________

١ - البقرة : ٢٠٧ .

٢ - شواهد التنزيل : ١ / ١٣٠ أُسد الغابة : ٤ / ٢٥ .

٣ - سبط ابن الجوزى : تذكرة الخواصّ : ٢٥ ، ط عام ١٤٠١هـ .

يَصِفُوا بها علياً بالفداء والبذل والإيثار ، وإلى أن يعتبروا نزول الآية المذكورة في شأنه من المسلّمات ، كلّما بلغ الحديث في التفسير والتاريخ إليها .(١)

إنّ هذه الحقيقة ممّا لا ينسى أبداً ، فانّه من الممكن إخفاء وجه الواقع والتعتيم عليه بعض الوقت إلاّ أنّه سرعان ما تمزّق أشعةُ الحقيقة الساطعة حجبَ الأوهام ، وتخرج شمس الحقيقة من وراء الغيوم .

إنّ معاداة معاوية لأهل بيت النبوة وبخاصة للإمام أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ممّا لا يمكن النقاش فيه .

فقد أراد هذا الطاغية من خلال تطميع بعض صحابة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يلوّث صفحات التاريخ اللامعة ويخفي حقائقه بوضع الأكاذيب ، ولكنّه لم يحرز في هذا السبيل نجاحاً .

فقد عمد (سمرة بن جندب ) الذي أدرك عهد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ انضمّ بعد وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى بلاط معاوية بالشام ، عمد إلى تحريف الحقائق لغاية أموال أخذها من الجهاز الأموي ، الحاقد على أهل البيت .

فقد طلب منه معاوية بإصرار أن يرقى المنبر ويكذّب نزول هذه الآية في شأن عليّعليه‌السلام ، ويقول للناس أنّها نزلت في حقّ قاتل عليّ ( أي : عبد الرحمن بن ملجم المرادي) ، ويأخذ في مقابل هذه الأكذوبة الكبرى ، وهذا الاختلاق الفضيع الذي أهلك به دينه ، مئة ألف درهم .

فلم يقبل (سمرة) بهذا المقدار ولكن معاوية زاد له في المبلغ حتى بلغ أربعمئة ألف درهم ، فقبل الرجل بذلك ، فقام بتحريف الحقائق الثابتة ، مسوَّداً

____________________

١ - الغدير : ٢ / ٤٨ .

بذلك صفحته السوداء أكثر من ذي قبل ، وذلك عندما رقى المنبر وفعل ما طلب منه معاوية .(١)

وقبل السامعون البسطاء قوله ، ولم يخطر ببال أحد منهم أبداً أنّ (عبد الرحمن بن ملجم) اليمنيّ لم يكن يوم نزول الآية في الحجاز بل لعلّه لم يكن قد وُلِد بعد آنذاك فكيف يصحّ ؟!

ولكن الحقيقة لا يمكن أن تخفى بمثل هذه الحجب الواهية ، ولا يمكن أن تُنسى بمثل هذه المحاولات العنكبوتية الرخيصة .

فقد زالت حكومة معاوية وزال معها أعوانها ، واندثرت آثار الاختلاق والافتعال الذي وقع في عهدها المشئوم ، وطلعت شمس الحقيقة من وراء حُجبُ الجهل والافتراء مرّة أُخرى ، واعترف أغلبُ المفسّرين الأجلّة والمحدّثين الأفاضل - في العصور والأدوار المختلفة - بأنّ الآية المذكورة نزلت في ( ليلة المبيت ) في بذل عليّعليه‌السلام ومفاداته النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنفسه .

____________________

١ - لاحظ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٤ / ٧٣ .

من سمات أهل البيتعليهم‌السلام

٥ - الإيثار

إنّه سبحانه تبارك وتعالى وصف الإيثار في كتابه الكريم وهو من صفات الكرام حيث يقدِّمون الغير على أنفسهم ، يقول سبحانه في وصف الأنصار :(  وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ   ) .(١)

كما أنّه سبحانه أمر بالوفاء بالنذر ، قال سبحانه :(  ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نذرٍ فَإنَّ اللّهَ يعلمهُ   ) (٢) ، وقال سبحانه :(  ثُمَّ لْيقضُوا تَفثهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورهُمْ   ) (٣)

وفي الوقت نفسه ندب إلى الخوف من عذابه يقول سبحانه :(  يَخافُونَ يَوماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوب وَالأبْصار   ) (٤) ، وقال سبحانه :(  وَالّذِينَ يصلُونَ ما أَمَر اللّه بهِ

١ - الحشر :٩ .

٢ - البقرة : ٢٧٠ .

٣ - الحجّ : ٢٩ .

٤ - النور : ٣٧ .

أَنْ يُوصل وَيَخشونَ ربّهم ويخافُونَ سُوء الحِساب   ) .(٥)

ما ذكرنا من الصفات الثلاث هي من أبرز الصفات التي يتحلّى بها أولياؤه سبحانه ، ونجد هذه الصفات مجتمعة في أهل البيتعليهم‌السلام في سورة واحدة ، يقول سبحانه :

(  يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً * وَيطعِمُونَ الطَّعام عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسيراًً * إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّه لا نُريدُ مِنْكُمْ جزاءً وَلا شكوراً * إِنَّا نَخاف مِنْ رَبِّنا يَوماً عَبُوساً قَمْطَريراً   ) .(١)

فقوله سبحانه : (  ويُطْعِمُونَ الطَّعام عَلى حُبِّه   ) إشارة إلى إيثارهم الغير على أنفسهم ، والضمير في(  عَلى حُبِّهِ   ) يرجع إلى الطعام ، أي إنّهم مع حبّهم للطعام قدَّموا المسكين على أنفسهم ، كما أنّ قوله :(  يُوفُونَ بِالنَّذْر   ) إشارة إلى صلابتهم في طريق إقامة الفرائض .

ثمّ قوله :(  وَيَخافُونَ يَوماً   ) إشارة إلى خوفهم من عذابه سبحانه يوم القيامة .

وقد نقل أكثر المفسّرين - لو لم نقل كلّهم - أنّ الآيات نزلت في حقّ أهل البيتعليهم‌السلام

رُوي عن ابن عبّاس (رض) : أنّ الحسن والحسينعليهما‌السلام مرضا فعادهما رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أُناس معه ، فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك ، فنذر عليّ وفاطمة وفضّة جارية لهما : إن شفاهما اللّه تعالى أن يصوموا ثلاثة أيام ، فشفيا وما معهم

١ - الرعد : ٢١

٢ - الإنسان : ٧ - ١٠ .

شيء ، فاستقرض عليعليه‌السلام من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير ، فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم ووضعوها بين أيديهم ليفطروا ، فوقف عليهم سائل ، فقال : السلام عليكم أهل بيت محمّد ، مسكين من مساكين المسلمين ، أطعموني أطعمكم اللّه من موائد الجنّة ، فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلاّ الماء وأصبحوا صائمين فلماّ أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه وجاءهم أسير في الثالثة ، ففعلوا مثل ذلك .

فلما أصبحوا أخذ عليّعليه‌السلام بيد الحسن والحسينعليهما‌السلام و دخلوا على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلماّ أبصرهم ، وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع ، قال :ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم ، وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق بطنها بظهرها وغارت عيناها فساءه ذلك .

فنزل جبرئيلعليه‌السلام و قال :خذها يا محمّد هنّأك اللّهُ في أهل بيتك ، فاقرأها السورة .(١)

روى السيوطي في الدر المنثور ، وقال : اخرج ابن مردويه عن ابن عبّاس في قوله :(  وَيطعِمُونَ الطَّعام عَلى حُبِّهِ   ) الآية ، قال : نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .(٢)

ورواه الثعلبي في تفسيره ، وقال : نزلت في عليّ بن أبي طالب و فاطمةعليهما‌السلام وفي جاريتهما فضّة ، ثمّ ذكر القصّة على النحو الذي سردناه لكن بصورة مبسطة .

وقال : وذهب محمّد بن علي ، صاحب الغزالي ، على ما ذكره الثعلبي في كتابه

١ - الكشّاف : ٣ / ٢٩٧ تفسير الفخر الرازي : ٣٠ / ٢٤٤ .

٢ - الدر المنثور :٨ / ٣٧١ ، تفسير سورة الإنسان .

المعروف ب- (البلغة ) أنّهمعليهم‌السلام نزلتعليهم‌السلام مائدة من السماء فأكلوا منها سبعة أيّام ، وحديث المائدة ونزولها عليهم في جواب ذلك مذكور في سائر الكتب .(١)

وقد سرد سبب نزول هذه الآية في حقّ أهل البيتعليهم‌السلام غير واحد من أئمّة الحديث .(٢)

١ - ابن البطريق : العمدة : ٢ / ٤٠٧ - ٤١٠ .

٢ - شواهد التنزيل للحافظ الحاكم الحَسَكاني :٢ / ٤٠٥ - ٤٠٨ أُسد الغابة : ٥ / ٥٣٠ مناقب ابن المغازلي : ٢٧٢ .

من سمات أهل البيتعليهم‌السلام

٦ - هم خير البريّة

إنّ خير الناس في منطق القرآن الكريم من آمن باللّه ورسوله وعرف خالقه ومنعمه ، وقد قال سبحانه :(  لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ قِبَل الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ وََالمَلائِكَةِ وَالكِتابِ وَالنَّبِيّينَ وَآتَى المالَ عَلى حُبّهِ ذَوِي القُربَى وَاليَتامَى وَالْمَساكينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسّائلينَ وَفِي الرِّقابِ و أقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عَاهَدُوا وَالصَّابِرينَ فِي البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْس أُولئكَ الّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ الْمُتَّقُون   ) .(١)

وهذه الصفات المذكورة في الآية تجدها ، متمثّلة في أهل البيتعليهم‌السلام شهد على ذلك سيرتهم ، ولذلك صاروا خير البرية

أخرج الطبري في تفسير قوله سبحانه :(  إِنَّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة   ) (٢) ، بإسناده عن أبي الجارود ،عن محمّد بن علي ، قال :

١ - البقرة : ١٧٧ .

٢ - البيّنة : ٧ .

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(أنت يا عليّ وشيعتك) .(١)

روى الخوارزمي عن جابر قال : كنّا عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأقبل عليّ بن أبي طالب ، فقال رسول اللّه :( قد أتاكم أخي ) ثمّ التفت إلى الكعبة فضربها بيده ، ثمّ قال :( والذي نفسي بيده ! إنّ هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة ) ، ثمّ قال :( إنّه أوّلكم إيماناً معي ، وأوفاكم بعهد اللّه ، وأقومكم بأمر اللّه ، وأعدلكم في الرعيّة ، وأقسمكم بالسوّية ، وأعظمكم عند اللّه مزيّة ) ، قال : وفي ذلك الوقت نزلت فيه :(  إِنَّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحات أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّة   ) ، وكان أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أقبل عليّ ، قالوا : قد جاء خير البرية .(٢)

وروى أيضاً من طريق الحافظ ابن مردويه ، عن يزيد بن شراحيل الأنصاري ، كاتب عليّعليه‌السلام ، قال سمعت عليّاً ، يقول :( حدَّثني رسول اللّه وأنا مُسْنده إلى صدري ، فقال : أي عليّ ! ألم تسمع قول اللّه تعالى : (  إِنَّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات أُولئكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّة   ) ؟! أنت وشيعتك ، وموعدي وموعدكم الحوض ، إذا جاءت الأمم للحساب تُدعون غرّاً محجّلين ) (٣)

وأرسل ابن الصباغ المالكي في فصوله عن ابن عبّاس ، قال : لمّا نزلت هذه الآية ، قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليعليه‌السلام :( أنت و شيعتك ، تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيّين ، ويأتي أعداؤك غضاباً مقمحين ) .(٤)

١ - تفسير الطبري :٣٠ / ١٤٦ .

٢ - المناقب للخوارزمي : ٦٦ .

٣ - المناقب للخوارزمي :١٧٨ .

٤ - الفصول : ١٢٢ .

من سمات أهل البيتعليهم‌السلام

٧ - أهل البيتعليهم‌السلام ورثة الكتاب

اختلفت الأمة الإسلامية بعد رحيل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أمر الخلافة - وإن كان اللائق بها عدم الاختلاف فيها ؛ للنصوص الصحيحة الصادرة عنه في مختلف الموارد - وقد استقصينا البحث فيها في مبحث الإمامة من هذا الجزء .

والذي نركِّز عليه في هذا البحث هو تبيين المرجع العلمي بعد رحيله - سواء أكانت الخلافة لمن نصَّ عليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في يوم الغدير أو من اختاره بعض الصحابة في سقيفة بني ساعدة .

والمراد من المرجع العلمي مَن ترجع إليه الأمّة في أُصول الدين وفروعه ، ويصدر عنهم في تفسير القرآن وتبيين غوامضه ، ويستفهم منه أسئلة الحوادث المستجدَّة .

يقول سبحانه :(  وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ

الْكَبِيرُ   ) .(١)

المراد من الكتاب في قوله :(  أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ   ) ، هو القرآن بلا شكّ ، وكونه حقّاً لأجل براهين قطعية تُثبت أنّه منزّل من ربّه ، فإنّ قوانينه تنسجم مع الفطرة الإنسانية ، والقصص الواردة فيها مصونة من الأساطير ، والمجموع خالٍ من التناقض إلى غير ذلك من القرائن الدالة على أنّه حقّ ومع ذلك هو مصدِّق لما بين يدي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الكتاب السماوي هذا هو مفاد الآية الأولى .

ثمّ إنّه سبحانه يقول :(  ثُمَّ أَورَثْنا الكتابَ   ) المراد من الكتاب هو القرآن : لأنَّ الّلام للعهد الذِّكري ، أي الكتاب المذكور في الآية المتقدِّمة ، والوراثة عبارة عمّا يستحصله الإنسان بلا مشقّة وجهد ، والوارث لهذا الكتاب هم الذين ُأشير إليهم بقوله :(  الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا   ) ، فلو قلنا بأنّ(  مِن   ) للتبيين فيكون الوارث هو الأمّة الإسلامية جميعاً ، ولو قلنا : إنّ( مِن ) للتبعيض فيكون الوارث جماعة خاصة ورثوا الكتاب .

والظاهر هو التبيين كما في قولنا :(  وَسَلامٌ عَلى عِبادِه الّذينَ اصْطَفى   ) (٢) ، ولكن الأمّة الإسلامية صاروا على أقسام ثلاثة :

أ -ظالم لنفسه ، الَّذين قصَّروا في وظيفتهم في حفظ الكتاب والعمل بأحكامه ، وفي الحقيقة ظلموا أنفسهم ، فلذلك صاروا ظالمين لأنفسهم .

ب -مقتصد ، الذين أدُّوا وظيفتهم في الحفظ و العمل لكن لا بنحوٍ كامل ،

١ - فاطر : ٣١ - ٣٢ .

٢ - النمل : ٥٩ .

بل قصرّوا شيئاً فيهما .

ج -سابق بالخيرات بإذن اللّه ، هم الجماعة المثلى أدّوا وظائفهم بالحفظ والعمل على النحو الأتم ، فلذلك سبقوا إلى الخيرات كما يقول سبحانه :(  سابِقُوا إلى الخَيرات بِإِذْنِ رَبِّهِمْ   ) وعلى هذا ورثة الكتاب في الحقيقة هم الطائفة الثالثة أعني الذين سبقوا بالخيرات وأمّا ما هو المراد من الطائفة الثالثة فيتكفَّل الحديث لبيان ملامحها

روى الكليني عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام في تفسير الآية أنّه قال: (السابق بالخيرات الإمام ، والمقتصد العارف بالإمام ، والظالم لنفسه الذي لا يعرف الإمام ) وروي نفس الحديث عن الإمام الرضاعليه‌السلام وهناك روايات أُخرى تؤيّد المضمون فمن أراد فليراجع .(١)

ثمّ إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أوضح ورثة الكتاب في حديثه المعروف الذي اتّفق على نقله أصحاب الصحاح والمسانيد

أخرج مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقمرضي‌الله‌عنه ، قال : قام رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً فينا خطيباً ، بماء يدعى خُمّاً بين مكّة والمدينة ، فحمد اللّه تعالى ، وأثنى عليه ووعظ وذكّر ، ثمّ قال :

( أمّا بعد : ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين : أوّلهما كتاب اللّه فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب اللّه ، استمسكوا به ) ، فحثّ على كتاب اللّه ورغَّبَ فيه ، ثمّ قال : ( وأهل بيتي ، أذكِّركم اللّه في أهل بيتي ، أذكِّركم اللّه في أهل بيتي ، أذكِّركم اللّه في أهل

١ - البرهان في تفسير القرآن : ٣ / ٣٦٣ .

بيتي ) .(١)

هذا ما أخرجه مسلم ، و من الواضح انّه لم ينقل على وجه دقيق ؛ وذلك لأنّ مقتضى قوله : أوّلهما ، أنّ يقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ثانيهما أهل بيتي مع أنّه لم يذكر كلمة : (ثانيهما) وقد رواها الإمام أحمد بصورة أفضل ممّا سبق ، كما رواه النسائي في فضائل الصحابة كذلك .

أخرج أحمد في مسنده عن أبي الطفيل ، عن زيد بن الأرقم ، قال : لما رجع رسول اللّه عن حجّة الوداع ونزل غدير خُم ، أمر بدوحات فقمّمن ، ثمّ قال :( كأنّي قد دعيت فأجبت : إنّي قد تركت فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما ؛ فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ) .

ثمّ قال : ( إنّ اللّه مولاي ، وأنا ولي كلّ مؤمن ) ، ثمّ أخذ بيد عليّ ، فقال : ( من كنت وليّه فهذا وليّه ، اللّهمّ والِ مَن والاه وعاد مَن عاداه ) .(٢)

هذه إلمامة سريعة بحديث الثقلين ، ومن أراد أن يقف على أسانيده ومتونه فعليه أن يرجع إلى الكتب المؤلَّفة حوله ، وأبسط كتاب في هذا الموضوع ما ألفه السيد المجاهد مير حامد حسين حيث خصّ أجزاءً من كتابه (العبقات) لبيان تفاصيل أسانيده ومضمونه ، وقد طبع ما يخصَّ بالحديث في ستَّة أجزاء .

كما بسط الكلام في أسانيده وأسانيده غيره سيد مشايخنا البروجردي (١٢٩٢ - ١٣٨٠ه -) في كتابه (جامع أحاديث الشيعة) ، فقال بعد استيفاء

١ - صحيح مسلم : ٤ / ١٨٧٣ برقم ٢٤٠٨ ، ط عبد الباقي .

٢ - مسند أحمد : ١ / ١١٨ .

نصوص الحديث وأسانيده : وقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوجب على الأمّة قاطبة التمسُّك بالعترة الطيبة في الأمور الشرعية والتكاليف الإلهية ، وأكَّد وجوبه وشدَّده وأوثقه وكرَّره بكلمات عديدة وألفاظ مختلفة بحيث لا يمكن إنكاره ولا يجوز تأويله ، و قد اكتفينا بذلك وأنّ كثيراً من طرق الحديث قد ضمّن - مضافاً إلى المذكورات - ما يدل على حجّية أقوالهم ووجوب اتّباعهم وحرمة مخالفتهم .(١)

والجدير بالمسلمين التركيز على مسألة تعيين المرجع العلمي بعد رحيل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ لا يسوغ في منطق العقل أن يترك صاحب الرسالة ، الأمّة المرحومة بلا راع ، وهو يعلم أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم برحيله سوف يواجه المسلمون حوادث مستجدة ووقائع جديدة تتطلّب أحكاماً غير مبيّنة في الكتاب والسنَّة ، فلا محيص من وجود مرجع علمي يحُلُّ مشاكلها ويذلّل أمامها الصعاب ، وقد قامصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ببيان من يتصدّى لهذا المنصب بحديث الثقلين .

ومن العجب أنّ كثيراً من المسلمين يطرقون كلّ باب إلاّ باب أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، مع أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يذكر شيئاً ممّا يرجع إلى غير هؤلاء ، فلا أدري ما هو وجه الإقبال على غيرهم والإعراض عنهم ؟!

قال السيد شرف الدين العاملي : والصحاح الحاكمة بوجوب التمسّك بالثقلين متواترة ، وطرقها عن بضعٍ وعشرين صحابياً متضافرة وقد صدع بها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مواقف له شتى .

تارة يوم غدير خُم كما سمعت ، وتارة يوم عرفة في حجّة الوداع ، وتارة بعد انصرافه من الطائف ، ومرّة على منبره في المدينة ، وأُخرى في حجرته المباركة في

١ - جامع أحاديث الشيعة :١ / ١٣١ - ١٣٢ .

مرضه ، والحجرة غاصَّة بأصحابه ، إذ قال :( أيّها الناس يوشك أن ُأقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي ، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم ، ألا إنّي مخلّف فيكم كتاب اللّه عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي ) ، ثمّ أخذ بيد عليّ فرفعها ، فقال :( هذا عليّ مع القرآن ، والقرآن مع عليّ ، لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض ) .

وقد اعترف بذلك جماعة من أعلام الجمهور ، حتى قال ابن حجر : ثمّ اعلم أنّ لحديث التمسّك بهما طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً .

قال : ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه ، وفي بعض تلك الطرق أنّه قال ذلك بحجّة الوداع بعرفة ، وفي أُخرى أنّه قاله بالمدينة في مرضه ، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه ، وفي أُخرى أنّه قال : ذلك بغدير خُم ، وفي أُخرى أنّه قال : ذلك لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف .

قال : ولا تنافي ؛ إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة .

وحسب أئمّة أهل العترة الطاهرة أن يكونوا عند اللّه ورسوله بمنزلة الكتاب ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وكفى بذلك حجّة تأخذ بالأعناق إلى التعبُّد بمذهبهم ، فانّ المسلم لا يرتضي بكتاب اللّه بدلاً ، فكيف يبتغي عن أعداله حِولاً(١)

١ - المراجعات : المراجعة رقم ٨ .

من سمات أهل البيتعليهم‌السلام

٨ - حرمة الصدقةُ عليهم

اتّفق الفقهاء على أنّه لا تحلّ الصدقة المفروضة على بني هاشم الواردة في الآية المباركة ، أعني : قوله سبحانه :(  خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ   ) (١) ؛ وذلك لأنّ التطهير والتزكية إنّما يتعلَّق بما فيه وسخ ، وأهل البيت أعلى من أن يعيشوا بأوساخ الناس .

قال ابن قدامة : ( لا نعلم خلافاً في أنّ بني هاشم لا تحلُّ لهم الصدقة المفروضة) (٢) . وقد تضافرت الروايات على ذلك وجمعها ابن حجر العسقلاني في بلوغ المرام ، نقتبس منها ما يلي :

١ - عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث ، قال : قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّ الصدقة لا تنبغي لآل محمّد ، إنّما هي أوساخ النّاس ) .(٣)

وفي رواية : ( وإنّها لا تحلُّ لمحمّد ولا لآل محمّد) ، رواه مسلم .(٤)

١ - التوبة : ١٠٣ .

٢ - المُغني : ٢ / ٥٤٧ .

٣ - بلوغ المرام : ١٢٩ ، برقم ٦٦٥ .

٤ - بلوغ المرام : ١٢٩ ، برقم ٦٦٥ .

٢ - روى أبو هريرة ، قال : أخذ الحسن بن عليّعليهما‌السلام تمرة من تمر الصدقة ، فجعلها في فيه ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( كخٍ ، كخٍ ) ليطرحها ، ثمّ قال :( أما شعرت أنّا لا نأكل الصدقة ) ، رواه الشيخان البخاري ومسلم ولمسلم :أما علمت أنّا لا تحل لنا الصدقة .(١)

٣ - عن أنسٍ : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّ بتمرة في الطريق ، وقال :( لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها ) رواه مسلم وأبو داود .(٢)

٤ - عن عائشة ، قالت : أُتي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلحم ، فقلت : هذا ما تُصدِّق به على بريرة ، فقال :( هو لها صدقة ، ولنا هدية ) رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود .(٣)

٥ - كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أتي بطعام سأل عنه ، فإن قيل : هدية ، أكل منها ، وإن قيل : صدقة ، لم يأكل منها رواه الترمذي ومسلم .(٤)

٦ - عن عبد اللّه بن حرث الهاشمي ، وساق حديثاً حتى قال :إنّ هذه الصدقات إنّما هي أوساخ الناس وإنّها لا تحلّ لمحمّد ولا لآل محمّد رواه مسلم والنسائي .(٥)

٧ - عن أبي رافع أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم ، فقال لأبي رافع : اصحبني فإنّك تصيب منها ، قال : حتى آتي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأسأله ، فأتاه فسأله ، فقال :مولى القوم من أنفسهم وإنّا لا تحلُّلنا الصدقة أخرجه أبو داود والترمذي وصححه .(٦)

١ - التاج الجامع للأصول : ٢ / ٣٠ - ٣١ ، ط الثانية .

٢ - التاج الجامع للأصول : ٢ / ٣٠ - ٣١ ، ط الثانية .

٣ - التاج الجامع للأصول : ٢ / ٣٠ - ٣١ ، ط الثانية .

٤ - التاج الجامع للأصول : ٢ / ٣٠ - ٣١ ، ط الثانية .

٥ - التاج الجامع للأصول : ٢ / ٣٠ - ٣١ ، ط الثانية .

٦ - التاج الجامع للأصول : ٢ / ٣٠ - ٣١ ، ط الثانية .

الفصل الثالث: حقوق أهل البيتعليهم‌السلام في القرآن الكريم

قد عرفت مَن هم أهل البيتعليهم‌السلام في الآيات والروايات الواردة على لسان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وما جادت به القرائح العربية حولهم من قصائد وأراجيز ، كما عرفت سماتهم وخصوصياتهم .

وحان البحث لبيان حقوقهم على المسلمين الَّتي نزل بها الوحي في الكتاب العزيز ، وها نحن نذكر بعض حقوقهم :

من حقوق أهل البيتعليهم‌السلام

١ - ولاية أهل البيتعليهم‌السلام

قد دلّت الروايات المتضافرة على أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ارتحل وقد نصب عليّاًعليه‌السلام للولاية والخلافة ، فأبان ولايته وولاية من بعده من الأئمّة في مواقف مختلفة ، نذكر منها موقفين :

الأوّل : أنّ سائلاً أتى مسجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليّعليه‌السلام راكع ، فأشار بيده للسائل ، أي اخلع الخاتم من يدي ، فنزل قوله سبحانه :(  إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُوَْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُون   ) .(١)

وقد تضافرت الروايات على نزول الآية في حقّ عليّعليه‌السلام و نقلها الحفّاظ ، منهم : ابن جرير الطبري(٢) ، والحافظ أبو بكر الجصّاص الرازي(٣) ، والحاكم النيسابوري(٤) ، والحافظ أبو الحسن الواحدي النيسابوري(٥) ، وجار اللّه الزمخشري(٦) ، إلى غير ذلك من أئمّة الحفّاظ و كبار المفسِّرين ربّما ناهز عددهم السبعين وهم بين

____________________

١ - المائدة : ٥٥ .

٢ - تفسير الطبري : ٦ / ١٨٦ .

٣ - أحكام القرآن : ٢ / ٥٤٢ .

٤ - معرفة أُصول الحديث : ١٠٢ .

٥ - أسباب النزول : ١١٣

٦ - الكشّاف : ١ / ٤٦٨ .

محدِّث ومفسّر ومؤرِّخ .

والذي يجب التركيز عليه هو فهم معنى الولي الوارد في الآية المباركة والذي وقع وصفاً للّه سبحانه ولرسوله ومن جاء بعده المراد من الولي في الآية هو الأولوية الواردة في قوله سبحانه : (  النَّبيُّ أولى بِالمُؤْمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ   ) .(١)

فالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولى من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم فهو بما أنّه زعيم المسلمين ووليّهم ، يتصرّف فيهم حسب ما تقتضيه المصالح في طريق حفظ كيان الإسلام وصيانة هويَّتهم والدفاع عن أراضيهم ولغاية نشر الإسلام .

وليست الغاية من هذه الولاية الموهوبة للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هي حفظ مصالح النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الشخصية ، بل الغاية كما عرفت هو صيانة مصالح الإسلام والمسلمين .

فالولاية بهذه المعنى هي المراد من قوله سبحانه :(  إِنَّما وَليّكُمُ اللّهَ وَرَسُولُه   ) والقرائن الدالَّة على تعُّين هذا المعنى كثيرة ، نذكر منها ما يلي :

الأُولى * : إذا كان المراد من الوليّ هو الزعامة يصحّ تخصيصها باللّه سبحانه و رسوله ومن أعقبه ، وأمّا لو كان المراد منه هو الناصر و المحب ، فهو ليس مختصاً بهوَلاء ، لاَنّ كلّموَمن محب للآخرين أو ناصر لهم كما يقول سبحانه:(  وَالمُوَْمِنُونَ وَالمُوَْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَولياءُ بَعْضٍ   ) .(٢)

الثانية: أنّ ظاهر الآية أنّ هناك أولياء وهناك مولى عليهم ، ولا يتحقّق التمايز إلاّ بتفسير الولاية بمعنى الزعامة حتى يتميّز الزعيم عن غيره ، وهذا بخلاف ما لو فسّرناه بمعنى الحبّ والود أو النصر ، فتكون الطوائف الثلاث على حدّ سواء

____________________

* جاء تعداد القرائن في الكتاب بصيغة المذكر : (الأوّل ، الثاني ...) فغيّرنا الصيغة إلى صيغة المؤنّث ؛ لأنّه أوفق بالسياق ، ولكي لا يشتبه بتعداد المواقف السابق عليه [ شبكة الإمامين الحسنين / قسم التقويم ]

١ - الأحزاب: ٦ .

٢ - التوبة: ٧١ .

الثالثة : إذا كان المراد من الولي هو الزعيم ، يصحّ تخصيصه بالمؤمن المؤدّي للزكاة حال الصلاة ، وأمّا لو كان المراد بمعنى المحبّ والناصر وما أشبهها يكون القيد زائداً ، أعني : إعطاء الزكاة في حال الصلاة ، فإنّ شرط الحبّ هو إقامة الصلاة وأداء الزكاة ، وأمّا تأديتها في حال الركوع فليس من شرائط الحبّ والنصرة ، وهذا دليل على أنّ المراد فرد أو جماعة خاصة يوصفون بهذا الوصف لا كلّ المؤمنين .

الرابعة : أنّ الآية التالية تفسّر معنى الولاية ، يقول سبحانه:(  ومَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغالِبُون   ) .(١)

فإنّ لفظة :(  وَالّذينَ آمَنُوا   ) في هذه الآية هو الوارد في الآية المتقدّمة ، أعني :(  وَالّذينَ آمَنُوا الّذينَ يُقيمُونَ الصَّلاة   ) ، وعلى هذا يكون المراد من القول أخذهم زعيماً وولياً بشهادة أنّ حزب اللّه لا ينفك من زعيم يدبِّر أمرهم .

إلى هنا تبيّن أنّ الإمعان في القرائن الحافَّة بالآية تفسّر معنى الولي وتعّين المعنى وتثبت أنّ المقصود هو الزعيم ، لكن من نكات البلاغة في الآية أنّه سبحانه صرّح بولايته وولاية رسوله ومَن جاء بعده وعلى ذلك صارت الولاية للثلاثة ، وكان اللازم عندئذٍ أن يقول : إنّما أولياؤكم ، بصيغة الجمع ، لكنّه أتى بصيغة المفرد إشارة إلى نكتة ؛ وهي أنّ الولاية بالأصالة للّه سبحانه وأمّا ولاية غيره فبإيهاب من اللّه سبحانه لهم ، ولذلك فرّد الكلمة ولم يجمعها ، لكنّ هذه الولاية لا تنفكّ من آثار ، وقد أُشير إلى تلك الآثار في آيات مختلفة ، وإليك بيانها :

١ -(  أَطيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأمْرِ مِنْكُمْ   ) .(٢)

فإنّ لزوم إطاعة اللّه والرسول وغيرهما من آثار ولايتهم وزعامتهم ، فالزعيم

____________________

١ - المائدة : ٥٦ .

٢ - النساء : ٥٩

يجب أن يكون مطاعاً .

٢ -(  وَما كانَ لِمُؤمِنٍ وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ   ) .(١)

فينفذ قضاؤه سبحانه والَّذي هو من آثار الزعامة ، ونظيره قوله سبحانه :(  إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللّهُ   ) .(٢)

٣ -(  فَلْيَحْذَرِ الّذينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرهِ أنْ تُصيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَو يُصيبَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ   ) .(٣) فحرمة مخالفة أمر اللّه ورسوله من توابع زعامتهم وولايتهم .

فهذه الحقوق ثابتة للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنصِّ القرآن الكريم ، ولمن بعده بحكم أنّهم أولياء بعد النبيّ فإنّ ثبوتها للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأجل ولايته فإذا كانت الولاية مستمرّة بعده فيتمتّع كلّ وليٍّ بهذه الحقوق .

وبهذا تبيَّنت دلالة الآية على ولاية عليّعليه‌السلام وأنّها حقّ من حقوقهم لصالح الإسلام والمسلمين .

نعم ، بعض من لا تروقهم ولاية أهل البيتعليهم‌السلام وزعامتهم حاولوا تضعيف دلالة الآية بشبهات واهية واضحة الرد ، وقد أجبنا عنها في بعض مسفوراتنا فلنكتف في المقام بهذا المقدار .

غير أنّا نركّز على نكتة وهي أنّ الصحابة الحضور لم يفهموا من الآية سوى الولاية ؛ ولذلك صبَّ شاعر عهد الرسالة حسّان بن ثابت ما فهمه من الآية بصفاء ذهنه في قالب الشعر ، وقال :

____________________

١ - الأحزاب : ٣٦ .

٢ - النساء : ١٠٥ .

٣ - النور : ٦٣ .

فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكع

فدتك نفوس القوم يا خير راكع

بخاتمك الميمون يا خير سيد

و يا خير شار ثمّ يا خير بايع

فأنزل فيك اللّه خير ولاية

و بينّها في محكمات الشرائع(١)

والظاهر ممّا رواه المحدّثون أنّ الأمّة الإسلامية سيُسألون يوم القيامة عن ولاية عليعليه‌السلام ، حيث ورد السؤال في تفسير قوله سبحانه :(  وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ   ) .(٢)

روى ابن شيرويه الديلمي في كتاب (الفردوس) في قافية الواو ، باسناده عن أبي سعيد الخدري ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(  وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ   ) عن ولاية علي بن أبي طالب .(٣)

ونقله ابن حجر عن الديلمي ، وقال :(  وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ   ) أي عن ولاية عليّ وأهل البيت ؛ لأنّ اللّه أمر نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يعرّف الخلق أنّه لا يسألهم على تبليغ الرسالة أجراً إلاّ المودّة في القربى ، والمعنى إنّهم يسألون : هل والَوهم حقّ الموالاة كما أوصاهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أم أضاعوها وأهملوها فتكون عليهم المطالبة والتبعة ؟(٤)

الثاني (٥) : من تلك المواقف هو يوم الغدير وهو أوضحها وآكدها وأعمّها وقد صدع بها في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة الحرام في منصرفه من حجّة الوداع ، وقد قام في محتشد كبير بعد ما خطب خطبة مفصَّلة وأخذ من الناس الشهادة على التوحيد والمعاد ورسالته وأعلن انّه فرط على الحوض ، ثمّ ذكر الثقلين وعرَّفهما ، بقوله :( الثقل الأكبر ، كتاب اللّه ، والآخر الأصغر : عترتي ؛ وأنّ اللطيف

____________________

١ - مناقب الخوارزمي : ١٧٨ كفاية الطالب للكنجي : ٢٠٠ تذكرة ابن الجوزي : ٢٥ .

٢ - الصّافات : ٢٤ .

٣ - شواهد التنزيل للحَسَكاني : ٢ / ١٠٦ .

٤ - الصواعق المحرقة : ١٤٩ .

٥ - تقدّم الأوّل في صفحة : ١٢٩ .

الخبير نبَّأني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ) ، ثمّ قال :( أيّها النّاس مَن أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ؟ ) قالوا : اللّه ورسوله أعلم ، قال :( إنّ اللّه مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فعلي مولاه ) ، ثمّ قال :( اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه ، وأحبّ من أحبّه ، وأبغض من أبغضه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحقّ معه حيث دار ، ألاّ فليبلغ الشاهد الغائب ) .

ففي هذه الواقعة الفريدة من نوعها أعلن النبيّ ولاية عليّعليه‌السلام للحاضرين وأمرهم بإبلاغها للغائبين ، ونزل أمين الوحي بآية الإكمال ، أعني : قوله سبحانه :(  الْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي   ) .(١)

فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( اللّه أكبر على إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضى الربّ برسالتي ، والولاية لعليّ من بعدي ) .

ثمّ طفق القوم يهنّئون أمير المؤمنينعليه‌السلام و ممَّن هنَّأه في مقدّم الصحابة : الشيخان أبو بكر وعمر ، كلّ يقول : بخٍ بخٍ لك يابن أبي طالب ، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة .

وقد تلقّى الصحابة الحضور أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوجب ولايته على المؤمنين ، وقد أفرغ شاعر عهد الرسالة حسّان بن ثابت ما تلقّاه عن الرسول ، في قصيدته وقال :

فقال له قم يا عليّ فإنّني

رضيتك من بعدي إماماً وهادياً

فمن كنت مولاه فهذا وليه

فكونوا له أنصار صدق موالياً

قد ذكرنا مصادر الخطبة والأبيات عند البحث عن الإمامة فراجع .(٢)

____________________

١ - المائدة : ٣ .

٢ - راجع مفاهيم القرآن : الجزء العاشر .

مِن حقوق أهل البيتعليهم‌السلام

٢ - أهل البيتعليهم‌السلام وضرورة إطاعتهم

أمر سبحانه باطاعة الرسول وأُولي الأمر ، وقال :(  يا أَيُّهَاالّذينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللّه والرَّسُول إِنْ كُنْتُمْ تُْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخر ذلِكَ خَيرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلاً   ) .(١)

تأمر الآية بإطاعة اللّه كما تأمر بإطاعة الرسول وأُولي الأمر لكن بتكرار الفعل ، أعني :(  وأَطيعُوا الرَّسُول   ) ، وما هذا إلاّ لأنّ سنخ الإطاعتين مختلف ، فإطاعته سبحانه واجبة بالذات ، و إطاعة النبيّ وأُولي الأمر واجبة بإيجابه سبحانه .

والمهم في الآية هو التعرُّف على المراد من أُولي الأمر ، فقد اختلف فيه المفسّرون على أقوال ثلاثة :

١ - الأمراء ٢ - العلماء ٣ - صنف خاص من الأمّة ، وهم أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام .

____________________

١ - النساء : ٥٩ .

وبما انّه سبحانه أمر بإطاعة أُولي الأمر إطاعة مطلقة غير مقيدة بما إذا لم يأمروا بالمعصية ، يمكن استظهار أنّ أولي الأمر المشار إليهم في الآية والذين وجبت طاعتهم على الإطلاق ، معصومون من المعصية والزلل ، كالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى اقترنوا في لزوم الطاعة في الآية .

وبعبارة أُخرى : أنّه سبحانه أوجب طاعتهم على الإطلاق ، كما أوجب طاعته ، وطاعة رسوله ، ولا يجوز أن توجب طاعة أحد على الإطلاق إلاّ من ثبتت عصمته ، وعلم أنّ باطنه كظاهره ، وأمن منه الغلط والأمر بالقبيح ، وليس ذلك بحاصل في الأمراء ، ولا العلماء سواهم ، جلّ اللّه عن أن يأمر بطاعة من يعصيه ، أو بالانقياد للمختلفين في القول والفعل ، لأنّه محال أن يطاع المختلفون ، كما أنّه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه .(١)

وقد أوضحه الرازي في تفسيره ، وذهب إلى أنّ المقصود من أُولي الأمر هم المعصومون في الأمّة ، وإن لم يخض في التفاصيل ، ولم يستعرض مصاديقهم ، لكنّه بيّن المراد منهم بصورة واضحة ، وقال :

والدليل على ذلك أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ، ومن أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم والقطع ، لا بدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر اللّه بمتابعته ، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ ، والخطأ لكونه خطأً منهي عنه ، فهذا يُفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد وأنّه

____________________

١ - مجمع البيان : ٣ / ١٠٠ .

محال .

فثبت أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم ، وثبت أنّ كلّ مَن أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم ، وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الأمر المذكورون في هذه الآية لا بدّ وأن يكونو معصومين .(١)

وقد أوضح السيد الطباطبائي دلالة الآية على عصمة أُولي الأمر ببيان رائق وإليك نصّه ، قال : الآية تدلّ على افتراض طاعة أُولي الأمر هؤلاء ، ولم تقيده بقيد ولا شرط ، وليس في الآيات القرآنية ما يقيد الآية في مدلولها حتى يعود معنى قوله :(  وَأَطيعُوا الرَّسُول وَأُولي الأمْر مِنْكُمْ   ) إلى مثل قولنا : وأطيعوا أُولي الأمر منكم فيما لم يأمروا بمعصية أو لم تعلموا بخطئهم ، فإن أمروكم بمعصية فلا طاعة عليكم ، وإن علمتم خطأهم فقوِّموهم بالردّ إلى الكتاب والسنّة ، وليس هذا معنى قوله :(  وَأَطيعُوا الرَّسُول وَأُولي الأمْرِمِنْكُمْ   ) .

مع أنّ اللّه سبحانه أبان ما هو أوضح من هذا القيد فيما هو دون هذه الطاعة المفترضة ، كقوله في الوالدين :(  وَوَصَّيْنَا الإنْسان بِوالِدَيهِ حُسناً وَإِنْ جاهَداكَ لتشرِكَ بِي ما لَيْسَلَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما   ) .(٢) فما باله لم يُظهر شيئاً من هذه القيود في آية تشتمل على أُس أساس الدين ، وإليها تنتهي عامة أعراق السعادة الإنسانية .

على أنّ الأية جمع فيها بين الرسول و أُولي الأمر ، وذكر لهما معاً طاعة واحدة ، فقال :(  وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ   ) ، ولا يجوز على الرسول أن يأمر

____________________

١ - التفسير الكبير : ١ / ١١٤ .

٢ - العنكبوت : ٨ .

بمعصية أو يغلط في حكم ، فلو جاز شيء من ذلك على أُولي الأمر ، لم يسع إلاّ أن يذكر القيد الوارد عليهم فلا مناص من أخذ الآية مطلقة من غير أن تقيّد ، ولازمه اعتبار العصمة في جانب أُولي الأمر ، كما اعتُبر في جانب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من غير فرق .(١)

وبذلك تبَّين أنّ تفسير أُولي الأمر بالخلفاء الراشدين أو أُمراء السرايا أو العلماء أمر غير صحيح ؛ لأنّ الآية دلَّت على عصمتهم ولا عصمة لهؤلاء ، فلا بدّ في التعرُّف عليهم من الرجوع إلى السنَّة التي ذكرت سماتهم ولا سيّما حديث الثقلين حيث قورنت فيه العترة بالكتاب ، فإذا كان الكتاب مصوناً من الخطأ ، فالعترة مثله أخذاً بالمقارنة .

ونظيره حديث السفينة : ( مَثَل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق ) .(٢)

إلى غير ذلك من الأحاديث التي تنصُّ على عصمة العترة الطاهرة ، فإذاً هذه الأحاديث تشكّل قرينة منفصلة على أنّ المراد من أُولي الأمر هم العترة أحد الثقلين .

بل يمكن كشف الحقيقة من خلال الإمعان في آية التطهير ، وقد عرفت دلالتها على عصمة أهل البيت الذين عيَّنهم الرسول بطرق مختلفة .

وعلى ضوء ذلك فآية التطهير ، وحديث الثقلين ، وحديث السفينة ، إلى غيرها من الأحاديث الواردة في فضائل العترة الطاهرة ، كلّها تدلّ على عصمتهم .

هذا من جانب و من جانب آخر دلَّت آية الإطاعة على عصمة أُولي الأمر ،

____________________

١ - الميزان : ٤ / ٣٩١ .

٢ - المستدرك للحاكم : ٣ / ١٥١ أخرجه مسنداً إلى أبي ذر .

فبضم القرائن الآنفة الذكر إلى هذه الآية يتّضح المرادمن أُولي الأمر الذين أمر اللّه سبحانه بطاعتهم و قرن طاعتهم بطاعة الرسول .

وأمّا الرواية عن النبيّ: فقد روى ابن شهراشوب عن تفسير مجاهد أنّ هذه الآية نزلت في أمير المؤمنينعليه‌السلام حين خلّفه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المدينة ، فقال:( يا رسول اللّه ، أتخلفّني بين النساء والصبيان ؟ ) فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( يا عليّ ، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ، حين قال له : (  اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ   ) ، فقال بلى واللّه ) .

(  وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ   ) ، قال : علي بن أبي طالبعليه‌السلام ولاّه الله أمر الأمّة بعد محمّد حين خلّفه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمدينة فأمر العباد بطاعته وترك خلافه ) .(١)

وأمّا ما رُوي عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام حول الآية فحدّث عنها ولا حرج ، فلنقتصر في المقام على رواية واحدة نقلها الصدوق باسناده عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري .

قال : لمّا أنزل اللّه عزّ وجلّ على نبيّه محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ   ) قلت : يا رسول اللّه ، عَرَفنا اللّه ورسوله ، فمن أولوا الأمر الذين قرن اللّه طاعتهم بطاعتك ؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( هم خلفائي يا جابر وأئمّة المسلمين من بعدي ، أوّلهم عليّ بن أبي طالب ، ثمّ الحسن ، ثمّ الحسين ، ثمّ عليّ بن الحسين ، ثمّ محمّد بن عليّ المعروف في التوراة بالباقر ستدركه يا جابر ، فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام ، ثمّ الصادق جعفر بن محمّد ، ثمّ موسى بن جعفر ، ثمّ عليّ بن موسى ، ثمّ محمّد بن علي ، ثمّ عليّ بن محمّد ، ثمّ الحسن بن عليّ ، ثمّ سَمِيِّ محمّد

____________________

١ - المناقب لابن شهراشوب : ٣ / ١٥ ، ط المطبعة العلميّة .

وكنيتي ، حجّة اللّه في أرضه وبقيّته في عباده ابن الحسن بن عليّ ، ذاك الذي يفتح اللّه تعالى على يديه مشارق الأرض ومغاربها ، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيه على القول بإمامته إلاّ من امتحن اللّه قلبه للإيمان ) .

قال جابر ، فقلت له : يا رسول اللّه فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته ؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إي والذي بعثني بالنبوّة ، إنّهم يستضيئون بنوره ، وينتفعون بولايته في غيبته ، كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلاّها سحاب يا جابر هذا من مكنون سرّ اللّه ومخزون علم اللّه ، فاكتمه إلاّ عن أهله ) .(١)

____________________

١ - البرهان في تفسير القرآن : ١ / ٣٨١ .

من حقوق أهل البيتعليهم‌السلام

٣ - وجوب مودَّتهم وحبِّهم

قام الرسل بإبلاغ رسالات اللّه سبحانه إلى الناس ، دون أن يبغوا أجراً منهم ، بل كان عملهم خالصاً لوجهه سبحانه ، لأنّ إبلاغ رسالاته كانت فريضة إلهية على عواتقهم ، فكيف يطلبون الأجر للعمل العبادي الذي لا يبعثهم إليه إلاّ طاعة أمره وطلب رضاه ، ولذلك كان شعارهم دوماً ، قولهم: (  وَما أسأَلكم عليهِ منْ أَجْر إِن أَجْري إِلاّ على اللّه ربّ العالَمين   ) .(١)

فقد ذكر سبحانه على لسان الأنبياء تلك الآية في سورة الشعراء ، ونقلها عن عديد من أنبيائه ، نظراء : نوح(٢) ، وهود(٣) وصالح(٤) ولوط(٥) وشعيب(٦) .

وقد جاء هذا الشعار في سور أُخرى نقلها القرآن الكريم عن رسله وأنبيائه ، فقد كانوا يخاطبون أُمَمهم بقولهم :

____________________

١ - الشورى : ١٠٩ .

٢ - الشعراء : ١٠٩ ، ١٢٧ ، ١٤٥ ، ١٦٤ ، ١٨٠ .

٣ - الشعراء : ١٠٩ ، ١٢٧ ، ١٤٥ ، ١٦٤ ، ١٨٠ .

٤ - الشعراء : ١٠٩ ، ١٢٧ ، ١٤٥ ، ١٦٤ ، ١٨٠ .

٥ - الشعراء :١٠٩ ، ١٢٧ ، ١٤٥ ، ١٦٤ ، ١٨٠ .

٦ - الشعراء :١٠٩ ، ١٢٧ ، ١٤٥ ، ١٦٤ ، ١٨٠ .

(  قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْري إِلاّ على اللّه   ) .(١)

(  يا قَوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الّذي فطرني   ) .(٢)

فإذا كان هذا موقف الأنبياء من أُمّتهم ، فكيف يصحّ للنبيّ الخاتمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يطلب الأجر ؟! بل هو أولى بأن يكون عمله خالصاً للّه ؛ لأنّه خاتم الرسل وأفضلهم ، وقد كان يرفع ذلك الشعار أيام بعثته ، بأمر منه سبحانه و يتلو قوله تعالى :(  قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكرى لِلْعالَمين   ) (٣) .

هذه هي حقيقة قرآنية لا يمكن إنكارها ، ومع ذلك نرى أنّه سبحانه يأمره في آية أُخرى بأن يطلب منهم مودّة القربى أجراً للرسالة ، ويقول :(  قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ المَودَّةَ فِي القُربى   ) .(٤)

فكيف يمكن الجمع بين هذه الآية ، وما تقدّم من الآية الخاصة بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والآيات الراجعة إلى سائر الأنبياء ، فإنّهمعليهم‌السلام كانوا على نهج واحد ؟

هذا هو السؤال المطروح في المقام ، والإجابة عليه تتوقَّف على نقل ما ورد حول الموضوع في القرآن الكريم ، فنقول :

الآيات التي وردت حول أجر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أصناف أربعة :

الأوّل : أمره سبحانه بأن يخاطبهم بأنّه لا يطلب منهم أجراً ، قال سبحانه :(  قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكرى لِلْعالَمين   ) .(٥)

____________________

١ - هود :٢٩ .

٢ - هود : ٥١ .

٣ - الأنعام : ٩٠ .

٤ - الشورى : ٢٣ .

٥ - الأنعام : ٩٠ .

الثاني : ما يشعر بأنّه طلب منهم أجراً يرجع نفعه إليهم دون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فيقول سبحانه :(  قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ على اللّهِ وهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهيد   ) .(١)

الثالث : ما يُعرّف أجره ، بقوله :(  قُلْ ما أَسْأَلُكُمْ عَلَيْه ِمِنْ أَجْرٍ إِلاّ مَنْ شاء أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبيلاً   ) .(٢) فكان اتخاذ السبيل إلى اللّه هو أجر الرسالة .

الرابع : ما يجعل مودّة القربى أجراً للرسالة ، ويقول :(  قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ المَوَدَّةَ فِي القُربى   ) .

فهذه العناوين الأربعة لا بدّ أن ترجع إلى معنى واحد ، وهذا هو الذي نحاول أن نسلّط عليه الأضواء .

الجواب : أنّ لفظة الأجر يطلق على الأجر الدنيوي والأخروي غير أنّ المنفي في تلك الآيات بقرينة نفي طلبه عن الناس هو الأجر الدنيوي على الإطلاق ، ولذلك لم ينقل التاريخ أبداً أن يطلب نبيّ لدعوته شيئاً ، بل نقل خلافه .

هذه هي قريش تقدَّمت إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي طليعتهم أبو الوليد ، فتقدّم إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : يا بن أخي إن كنت إنّما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً ، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد به شرفاً سوَّدناك علينا ، حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد به مُلكاً ملّكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك ، طلبنا لك الطبَّ ، وبذلنا فيه أموالنا حتى نُبرئك منه ، فإنّه ربّما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه ، أو كما قال له .

____________________

١ - سبأ : ٤٧ .

٢ - الفرقان : ٥٧ .

حتى إذا فرغ عتبة ، ورسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستمع منه ، قال :أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ قال : نعم ، قال :فاسمع منّي قال : أفعل ، فقال : (  بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم * حم * تَنْزَيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحيم* كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرآناً عَرَبِياً لِقَومٍ يَعْلَمُونَ * بَشيراً وَنَذِيراً فَأعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُون * وَقالُوا قُلُوبُنا في أَكِنَّةٍ مَمّا تَدْعُونا إِلَيْه   ) .(١)

ثمّ مضى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها يقرؤها عليه فلماّ سمعها منه عتبة ، أنصت لها ، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليها يسمع منه ، ثمّ انتهى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى السجدة منها ، فسجد ثمّ قال :قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت ، فأنت وذاك .(٢)

هذا النصّ وغيره يعرب عن أنّ مدار الإثبات والنفي هو الأجر الدنيوي بعامة صوره ، وهذا أمر منفي جداً لا يليق لنبيّ أن يطلبه من الناس .

قال الشيخ المفيد : إنّ أجر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في التقرُّب إلى اللّه تعالى هو الثواب الدائم ، وهو مستحقّ على اللّه تعالى في عدله وجوده وكرمه ، وليس المستحقّ على الأعمال يتعلَّق بالعباد ؛ لأنّ العمل يجب أن يكون للّه تعالى خالصاً ، وما كان للّه فالأجر فيه على اللّه تعالى دون غيره .(٣)

إذا عرفت ذلك ، فنقول :

إنّ مودّة ذي القربى وإن تجلّت بصورة الأجر حيث استثنيت من نفي الأجر ، لكنّه أجر صوري وليس أجراً واقعياً ، فالأجر الواقعي عبارة عمّا إذا عاد نفعه إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكنّه في المقام يرجع إلى المُحِبّ قبل رجوعه إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وذلك لأنّ مودّة ذي القربى تجرّ المُحِبّ إلى أن ينهج سبيلهم في الحياة ، ويجعلهم أُسوة في

____________________

١ - فصّلت : ١ - ٥

٢ - السيرة النبوية : ١ / ٢٩٣ - ٢٩٤ .

٣ - تصحيح الاعتقاد : ٦٨ .

دينه ودنياه ، ومن الواضح أنّ الحُبّ بهذا المعنى ينتهي لصالح المُحِبّ قال الصادقعليه‌السلام :( ما أحبَّ اللّه عزّ و جلّ من عصاه ) ثمّ تمثَّل ، فقال :

تعصي الإله وأنت تظهر حبّه

هذا محال في الفعال بديع

لو كان حبّك صادقاً لأطعته

إنّ المحبّ لمن يحب مطيع(١)

وسيوافيك أنّ المراد من ذوي القربى ليس كلّ من ينتمي إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنسب أو سبب ، بل طبقة خاصة من أهل بيته الذين عرفهم بأنّهم أحد الثقلين في قوله :( إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه ، وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ) .(٢)

فإذا كان المراد من ذوي القربى هؤلاء الذين أنيط بهم أمر الهداية والسعادة فحبُّهم ومودَّتهم يرفع الإنسان من حضيض العصيان والتمرّد إلى عزّ الطاعة .

إنّ طلب المودة من الناس أشبه بقول طبيب لمريضه بعد ما فحصه وكتب وصفة : لا أُريد منك أجراً إلاّ العمل بهذه الوصفة ، فانّ عمل المريض بوصفة الطبيب و إن خرجت بهذه العبارة بصورة الأجر ، ولكنّه ليس أجراً واقعياً يعود نفعه إلى الطبيب ، بل يعود نفعه إلى نفس المريض الذي طلب منه الأجر .

وعلى ذلك فلابدّ من حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع ، كأن يقول : قل لا أسألكم عليه أجراً ، وإنّما أسألكم مودّة ذي القربى ، وليس الاستثناء المنقطع

____________________

١ - سفينة البحار : مادة حبَّب .

٢ - أخرجه الحاكم في مستدركه : ٣ / ١٤٨ ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وأخرجه الذهبي في تلخيص المستدرك معترفاً بصحته على شرط الشيخين قلت : هذا حديث متواتر وقد ألَّف غير واحد من المحقّقين رسائل حوله .

أمراً غريباً في القرآن ، بل له نظائر مثل قوله :(  لا يسمعون فيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً   ) (١) . وعلى ذلك جرى شيخ الشيعة المفيد في تفسير الآية ، حيث طرح السؤال ، و قال :

فإن قال قائل : فما معنى قوله :(  قُلْ لا أَسألكم عليهِ أَجْراً إِلاّ المَودَّة فِي القُربى   ) أَوَليس هذا يفيد أنّه قد سألهم مودّة القربى لأجره على الأداء ؟!

قيل له : ليس الأمر على ما ظننت لما قدّمنا من حجّة العقل والقرآن ، والاستثناء في هذا المكان ليس هو من الجملة لكنّه استثناء منقطع ، ومعناه قل لا أسألكم عليه أجراً لكنّي ألزمكم المودة في القربى و اسألكموها ، فيكون قوله :(  قُلْ لا أَسألكم عليهِ أَجْراً   ) كلاماً تاماً ، قد استوفى معناه ، ويكون قوله :(  إِلاّ المودّة في القُربى   ) كلاماً مبتدَأً , فائدته : لكن المودة في القربى سألتكموها ، وهذا كقوله :(  فَسَجَد المَلائِكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إلا إبْلِيس   ) (٢) . والمعنى فيه : لكنَّ إبليس وليس باستثناء من جملة(٣) .

وعلى ضوء ذلك يظهر معنى قوله سبحانه :( ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ   ) .(٤)

وقد تبَّين أنّ حبّ الأولياء والصالحين لصالح المحب قبل أن يكون لصالحهم .

كما تبَّين معنى قوله سبحانه في شأن ذلك الأجر :( ما أَسأَلكُمْ عليه مِنْ أَجْر إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبيلاً   ) .(٥)

____________________

١ - مريم : ٦٢ .

٢ - الحجر : ٣٠ - ٣١ .

٣ - تصحيح الاعتقاد : ٦٨ .

٤ - سبأ : ٤٧ .

٥ - الفرقان : ٥٧ .

فإنّ اتخاذ السبيل لا يخلو من أحد احتمالين :

١ - مودَّة القربى والتفاني في حبّهم الذي سينتهي إلى العمل بالشريعة الموجب لنيل السعادة .

٢ - نفس العمل بالشريعة الذي يصل إليها الإنسان عن طريق حبّهم ومودّتهم وبذلك ترجع الآيات الثلاث إلى معنى واحد من دون أن يكون بينهما أي تناف واختلاف وقد جاء الجمع بين مفاد الآيات الثلاث في دعاء الندبة الذي يشهد علو مضامينه على صدقه ، حيث جاء فيه :

( ثمّ جعلت أجر محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مودّتهم في كتابك ، فقلت :(  لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى   ) ، وقلت : ما سألتكم من أجر فهو لكم ، وقلت :(  ما أسألكم عليه من أجر إلاّ من شاء أن يتّخذ إلى ربّه سبيلاً   ) ، فكانوا هم السبيل إليك ، والمسلك إلى رضوانك ) .

وإلى ذلك يشير شاعر أهل البيت و يقول :

موالاتهم فرضٌ ، وحبّهم هدى

وطاعتهم ودٍّ وودُّهم تقوى

* * *

وأمّا القربى فهو على وزن البشرى والزلفى بمعنى القرابة ، يقول الزمخشري : القربى مصدر كالزلفى والبشرى ، بمعنى القرابة والمراد في الآية :( أهل القربى ) .(١)

وقد استعمل القرآن الكريم لفظة القربى في عامة الموارد بالمضاف ، فتارة

____________________

١ - الكشاف : ٣ / ٨١ في تفسير الآية .

بلفظة ذي ، قال سبحانه :(  وِبالوالدين أَحساناً وذي القُربى واليَتامى   ) .(١)

وأُخرى بلفظة ذوي ، قال سبحانه :(  وَاتَى المال عَلى حُبِّهِ ذَوي القُربى وَاليَتامى   ) (٢)

وثالثة : بلفظة (أُولي) ، قال سبحانه :(  ما كان لِلنَّبيّ وَالّذينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ وَلَوكانُوا أُولي قُربى   ) .(٣)

و قد جاءت مرّة واحدة دون إضافة وهي نفس الآية المباركة ، فلأجل ذلك يلزم تقدير شيء مثل لفظة (أهل) كما قدَّره الزمخشري أو لفظاً غير ذلك مثل كلمة (ذي) أو (ذوي) أو (ذوي قربى) إلى هنا تمّت الإجابة عن السؤال الأوّل حول الآية .

السؤال الثاني : (٤)

دلَّت الآية الكريمة على أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فرض مودّة ذي القربى ، على المسلمين ولكن يبقى هناك سؤال وهو أنّ الآية تحتمل وجهين :

أ - أن يكون المراد مودّة ذوي القربى من أقرباء النبي وأهل بيته .

ب - أن يكون المراد ودّ كلّ مسلم أقربائه وعشيرته ومَن يمُّت إليه بصلة ، وليس في الآية ما يدل على المعنى الأوّل .

أقول : إنّ ذي القربى كما علمت بمعنى صاحب القرابة والوشيجة النسبية ، ويتعَّين مورده بتعينُّ المنسوب إليه ، وهو يختلف حسب اختلاف موارد الاستعمال ،

____________________

١ - البقرة : ٨٣ .

٢ - البقرة : ١٧٧ .

٣ - التوبة : ١١٣ .

٤ - مضي السؤال الأوّل : ٢٥٨ .

ويستعان في تعيينه بالقرائن الموجودة في الكلام ، وهي :

الأشخاص المذكورون في الآية أو ما دلَّ عليه سياق الكلام .

فتارة يراد منه الأقرباء دون شخص خاص ، مثل قوله سبحانه :(  ما كانَ لِلنَّبي وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ وَلَو كانُوا ذوي قُربى   ) (١)

وقوله سبحانه :(  فَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُربى   ) .(٢)

فإنّ ذكر النبيّ والذين آمنوا معه آية على أنّ المراد قريب كلّ إنسان إليهما ، كما أنّ جملة(  فإذا قلتم فاعدلوا   ) آية أنّ المراد كلّ إنسان قريب إليه .

وأمّا قوله سبحانه :(  قُلْ لا أَسأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ المَوَدَةَ فِي القُربى   ) ، فالفعل المتقدّم عليه ، يعنى :(  لا أسألكم   ) ، آية أنّ المراد أقرباء السائل ، مثل قوله سبحانه :( ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرى فَلِلّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِي القُربى   ) (٣) ؛ فإنّ لفظة(  عَلى رَسُولِهِ   ) آية أنّ المراد أقرباء الرسول .

وعلى ذلك فلا بدّ من الرجوع إلى القرائن الحافَّة بالآية وتعيين المراد منه ، و بذلك ظهر أنّ المراد هو أقرباء الرسول .

يقول الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ناقداً انتخاب الخليفة الأوّل في السقيفة لأجل انتمائه إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقرابة :

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم

فغيرك أولى بالنبيّ وأقرب(٤)

____________________

١ - التوبة : ١١٣ .

٢ - الأنعام : ١٥٢ .

٣ - الحشر : ٧ .

٤ - شرح ابن أبي الحديد : ١٨ / ٤١٦ .

السؤال الثالث :

إنّ سورة الشورى سورة مكّية ، فلو كان المراد من ذوي القربى هو عترته الطاهرة ، أعني : عليّاً وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام فلم يكن يومذاك بعض هؤلاء كالحسن والحسينعليهما‌السلام ؟ .

والجواب : أنّ الميزان في تمييز المكّي عن المدني ، أمران ، وكلاهما يدلان على أنّ الآية نزلت في المدينة المنوّرة .

الأمر الأوّل : دراسة مضمون الآيات فقد كانت مكافحة الوثنية والدعوة إلى التوحيد والمعاد هي مهمّة النبيّ قبل الهجرة ، ولم يكن المجتمع المكّي مؤهلاً لبيان الأحكام والفروع أو مجادلة أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، ولذلك تدور أغلب الآيات المكّية حول المعارف والعقائد والعبرة بقصص الماضين ، و ما يقرب من ذلك .

ولمّا استتب له الأمر في المدينة المنورة واعتنق أغلب سكّانها الإسلام ، حينها سنحت الفرصة لنشر الإسلام وتعاليمه ولمناظرة اليهود والنصارى حيث كانوا يثيرون شبهاً ويجادلون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنزلت آيات حول اليهود والنصارى في السور الطوال .

فلو كان هذا هو الميزان بغية تميّز المكّي عن المدني ، فالآية مدنية قطعاً دون ريب لعدم وجود أيَّة مناسبة لسؤال الأجر أو طلب مودّة القربى من أُناس لم يؤمنوا به ، بل حشَّدوا قواهم على قتله ، بخلاف البيئة الثانية فقد كانت تقتضي ذلك حيث التفَّ حوله رجال من الأوّس والخزرج وطوائف كثيرة من الجزيرة العربية .

الأمر الثاني : الاعتماد على الروايات والمنقولات .

فلو كان هذا هو الميزان فقد صرح كثير منهم بأنّ أربعةً آيات من سورة الشورى مكّية ، حتى أنّ المصاحف المطبوعة في الأزهر وغيره ، تصرّح بذلك و تُقرأ فوق السورة هذه الجملة : سورة الشورى مكية الآيات إلاّ ثلاث وعشرين ، وأربع وعشرين ، وسبع وعشرين .

أضف إلى ذلك أنّ كثيراً من المفسرّين والمحدِّثين صرّحوا بذلك .(١)

وهذا هو البقاعيّ مؤلّف (نظم الدرر وتناسب الآيات والسور) يصرّح بأنّ الآيات مكّية ، كما نقله المحقّق الزنجاني في ( تاريخ القرآن ) .(٢)

السؤال الرابع :

الإنسان مفطور على حبّ الجميل وكراهة القبيح فيكون الودّ أمراً خارجاً عن الاختيار ، فكيف يقع في دائرة السؤال ويطلبه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المؤمنين مع أنّه كذلك .

والجواب :

أوّلاً : أنّ الحبّ لو كان أمراً خارجاً عن الاختيار فلا يتعلَّق به الأمر ، كما لا يتعلَّق به النهي ، مع أنّه سبحانه ينهى عن ودّ من حادَّ اللّه ورسوله ، ويقول :(  لا تَجد قَوماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخِرِ يُوادّونَ من حادّ اللّهَ وَرَسُولَهُ   ) .(٣)

____________________

١ - انظر الكشاف : ٣ / ٨١ تفسير الرازي : ٧ / ٦٥٥ تفسير أبي السعود في هامش تفسير الرازي نفس الصفحة تفسير أبي حيّان : ٧ / ٥١٦ تفسير النيسابوري : ٦ / ٣١٢ وأمّا من المحدّثين كمجمع الزوائد للهيتمي :٩ / ١٦٨ الصواعق المحرقة : ١٠١ - ١٣٥ .

٢ - تاريخ القرآن : ٥٧ .

٣ - المجادلة : ٢٢ .

كما أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدعو إلى التراحم والتعاطف النابعين عن الودّ والحبّ ، ويقول :

( مثل المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) .(١)

كلّ ذلك يدل على أنّ الودّ والبغض ليس على النسق الذي وصفه السائل ، ولذلك نرى الدعوة الكثيرة إلى الحبّ في اللّه والبغض في اللّه .

قال الإمام الصادقعليه‌السلام : (من أوثق عرى الإيمان أن تحبّ في اللّه وتبغض في اللّه ) .(٢)

وقد كتب الإمام عليّعليه‌السلام إلى عامله في مصر مالك الأشتر رسالة قال فيها :( واشعر قلبك الرحمة للرعية ، والمحبّة لهم ، واللطف بهم ) .(٣)

روى الخطيب في تاريخه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(عنوان صحيفة المؤمن حبّ عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ) .(٤)

و قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( من سرّه أن يحيا حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي ، فليوال علياً بعدي ، وليوال وليّه ، وليقتد بالأئمّة من بعدي ؛ فإنّهم عترتي خلقوا من طينتي ، رزقوا فهماً وعلماً ) .(٥)

روى أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( من أحبّني فليحبّ عليّ ) .(٦)

____________________

١ - مسند أحمد : ٤ / ٢٧٠ .

٢ - سفينة البحار : ٢ / ١١ مادة الحبّ .

٣ - نهج البلاغة : قسم الرسائل : الرسالة ٥٣ .

٤ - تاريخ بغداد : ٤ / ٤١٠ .

٥ - حلية الأولياء : ١ / ٨٦ .

٦ - مسند أحمد :٥ / ٣٦٦ صحيح مسلم : ج كتاب الفتن : ١١٩ .

و أخرج أحمد في مسنده عن الرسول : (من أحبّني وأحبّ هذين وأباهما وأُمَّهما ، كان معي في درجتي يوم القيامة ) .(١)

وثانياً : أنّ الإيصاء إنّما لا يفيد إذا لم يتوفر في الموصى له ملاك الحبّ والودّ كما إذا كان الرجل محطّاً للرذائل الأخلاقية ، وأمّا إذا كان الموصى له إنساناً مثالياً متحلّياً بفضائل الأخلاق ومحاسنها ، فإنّ الإيصاء به يعطف النظر إليه وبالتالي يجيش حبّه كلَّما تعمَّقت الصلة به .

وحاصل الكلام : أنّ دعوة الناس إلى الحبّ تقوم على إحدى دعامتين :

الأولى : الإشادة بفضائل المحبوب وكمالاته التي توجد في نفس السامع حبّاً وولعاً إليه .

الثانية : الإيصاء بالحبّ والدعوة إلى الودّ ، فانّه يعطف نظر السامع إلى الموصى له ، فكلَّما توطَّدت الأواصر بنيهما وانكشفت آفاق جديدة من شخصيته ازداد الحبّ والودّ له وعلى كلّ تقدير فالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو المحبوب التام لعامة المسلمين ، فحبُّه لا ينفك عن حبّ من أوصى بحبِّه وأمر بودّه .

وخير ما نختم به هذا البحث حديث مروي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نقله صاحب الكشاف حيث قال ، قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائباً ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان ، ألاَ ومَن مات على حبّ آل محمّد بشرَّه ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير ، ألاَ ومَن مات على حبّ آل محمّد يُزفُّ إلى الجنّة كما تزفُّ العروس إلى بيت زوجها ،

____________________

١ مسند أحمد :١ / ٧٧ .

ألاَ ومَن مات على حبّ آل محمّد فتح اللّه له في قبره بابين إلى الجنّة ، ألاَ ومَن مات على حبّ آل محمّد جعل اللّه قبره مزار ملائكة الرحمة ، ألاَ ومَن مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة ، ألاَ ومَن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيساً من رحمة اللّه ، ألاَ ومَن مات على بغض آل محمّد مات كافراً ، ألاَ ومَن مات على بغض آل محمّد لم يشمَ رائحة الجنّة ) .(١)

وروى أيضاً : أنّه لما نزلت هذه الآية ، قيل : يا رسول اللّه من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم ؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( عليّ وفاطمة وأبناهما ) .(٢)

____________________

١ - الكشّاف :٣ / ٨٢ ، تفسير سورة الشورى ، ط عام ١٣٦٧ .

٢ - الكشّاف :٣ / ٨١ .

من حقوق أهل البيتعليهم‌السلام

٤ - الصلوات عليهم

إنّ مِن حقوق أهل البيتعليهم‌السلام هي الصلوات عليهم عند الصلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال سبحانه :(  إِنَّ اللّهَ وَمَلائكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيّ يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وََسَلِّمُوا تَسْلِيماً   ) .(١)

ظاهر الآية هو تخصيص الصلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكن فهم الصحابة أنّ المراد هو الصلاة عليه وعلى أهل بيته ، وقد تضافرت الروايات على ضمّ الآل إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند التسليم والصلاة عليه ، وقد جاء ذلك في الصحاح والمسانيد ، نقتصر منها على ما يلي :

١ - أخرج البخاري عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : لقيني كعب بن عجرة ، قال : ألا أُهدي لك هدية سمعتها من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلت : بلى ، فأهدها لي ، فقال : سألنا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلنا : يا رسول اللّه ، كيف الصلاة عليكم أهل البيت ، فانّ اللّه قد علّمنا كيف نسلم ، قال :

( قولوا : اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ، كما صلّيت على إبراهيم وعلى

____________________

١ - الأحزاب : ٥٦ .

آل إبراهيم إنّك حميد مجيد ، اللّهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حَميدٌ مجيد ) .(١)

وأخرجه أيضاً في كتاب التفسير عند تفسير سورة الأحزاب .(٢)

كما أخرجه مسلم في باب الصلاة على النبي من كتاب الصلاة .(٣)

٢ - أخرج البخاري أيضاً ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قلنا يا رسول اللّه ، هذا التسليم فكيف نصلّي عليك ؟ قال : ( قولوا : اللّهمّ صلّ على محمّد عبدك ورسولك ، كما صلّيت على آل إبراهيم ، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد ، كما باركت على إبراهيم ) .(٤)

٣ - أخرج البخاري ، عن ابن أبي حازم عن يزيد ، قال : (كما صليت على إبراهيم ، وبارك على محمّد و آل محمّد ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم) .(٥)

٤ - أخرج مسلم ، عن أبي مسعود الأنصاري ، قال : أتانا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و نحن في مجلس سعد بن عبادة ، فقال له بشير بن سعد : أمرنا اللّه تعالى أن نصِّلي عليك ، يا رسول اللّه : فكيف نصلي عليك ؟

قال : فسكت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى تمنّينا أنّه لم يَسأله .

ثمّ قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( قولوا : اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ، كما صلّيت على آل إبراهيم ،وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على آل إبراهيم

____________________

١ - صحيح البخاري : ٤ / ١٤٦ ضمن باب ( يزفُّون النَسَلان في المشي ) من كتاب بدء الخلق .

٢ - صحيح البخاري : ٦ / ١٥١ ، تفسير سورة الأحزاب .

٣ - صحيح مسلم : ٢ / ١٦ .

٤ - صحيح البخاري : ٦ / ١٥١ ، تفسير سورة الأحزاب .

٥ - المصدر السابق .

في العالمين إنّك حميد مجيد ، والسلام كما قد علمتم ) .(١)

إنّ ابن حجر ذكر الآية الشريفة ، وروى جملة من الأخبار الصحيحة الواردة فيها ، وإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرن الصلاة على آله بالصلاة عليه ، لمّا سئل عن كيفية الصلاة والسلام عليه ، قال : وهذا دليل ظاهر على أنّ الأمر بالصلاة على أهل بيته وبقية آله مراد من هذه الآية ، وإلاّ لم يسألوا عن الصلاة على أهل بيته وآله عُقب نزولها ولم يجابوا بما ذكر ، فلمّا أُجيبوا به دلّ على أنّ الصلاة عليهم من جملة المأمور به ، وإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقامهم في ذلك مقام نفسه ؛ لأنّ القصد من الصلاة عليه مزيد تعظيمه ، ومنه تعظيمهم ، ومن ثمّ لمّا أُدخل من مرّفي الكساء ، قال :( اللّهمّ إنّهم منّي وأنا منهم ، فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عليّ وعليهم ) ، وقضية استجابة هذا الدعاء : أنّ اللّه صلّى عليهم معه فحينئذٍ طلب من المؤمنين صلاتهم عليهم معه .

ويروى : لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء ، فقالوا : وما الصلاة البتراء ؟ قال : تقولون :اللّهمّ صلّ على محمّد وتمسكون ، بل قولوا : اللّهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ثمّ نقل عن الإمام الشافعي قوله :

يا أهل بيت رسول اللّه حبكم

فرض من اللّه في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم القدر أنّكم

من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له

فقال : فيحتمل : لا صلاة له صحيحة ، فيكون موافقاً لقوله بوجوب الصلاة على الآل ويحتمل : لا صلاة كاملة ، فيوافق أظهر قوليه .(٢)

____________________

١ صحيح مسلم : ٢ / ٤٦ ، باب الصلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد التشهد من كتاب الصلاة .

٢ الصواعق المحرقة : ١٤٦ ، ط عام ١٣٨٥هـ .

هذا كلّه حول الصلاة على الآل عند الصلاة على الحبيب .

وأمّا حكم الصلاة على آل البيت في التشهّد ، فقال أكثر أصحاب الشافعي : إنّه سنّة .

وقال التربجي : من أصحابه هي واجبة ، ولكنّ الشعر المنقول عنه يدل على وجوبه عنده ، ويؤيده رواية جابر الجعفي - الذي كان من أصحاب الإمامين الباقر والصادقعليهما‌السلام ، وفي طبقة الفقهاء ، عن أبي جعفر عن أبي مسعود الأنصاري ، قال : قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( من صلّى صلاة لم يصلِّ فيها عليّ ولا أهل بيتي لم تقبل منه ) .(١)

وأبو جعفر الجعفي ممَّن ترجمه ابن حجر في تهذيبه ، ونقل عن سفيان في حقّه :

ما رأيت أورع في الحديث منه ، وقال وكيع : مهما شككتم في شيء فلا تشكّوا في أنّ جابراً ثقّة .

وقال سفيان أيضاً لشعبة : لأن تكلَّمت في جابر الجعفي لأتكلمنَّ فيك إلى غير ذلك .(٢)

قال ابن حجر : أخرج الدار قطني والبيهقي حديث من صلّى صلاة ولم يصلّ فيها عَلَيّ وعلى أهل بيتي لم تقبل منه ، وكأنّ هذا الحديث هو مستند قول الشافعي إنّ الصلاة على الآل من واجبات الصلاة ، كالصلاة عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكنّه ضعيف ، فمستنده الأمر في الحديث المتّفق عليه ، قولوا : اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ، والأمر للوجوب حقيقة على الأصحّ .(٣)

وقال الرازي : إنّ الدعاء للآل مَنصبٌ عظيم ، ولذلك جعل هذا الدعاء

____________________

١ - سنن الدارقطني : ١ / ٣٥٥ .

٢ - تهذيب التهذيب : ٢ / ٤٦ .

٣ - الصواعق المحرقة : ٢٣٤ ، ط الثانية ، عام ١٣٨٥هـ .

خاتمة التشهد في الصلاة ، وقوله : اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ، وارحم محمّداً وآل محمّد .

وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل ، فكلّ ذلك يدل على أنّ حبّ آل محمّد واجب ، وقال الشافعي :

يا راكباً قف بالمحصَّب من منى

واهتف بساكن خيفها والناهض

سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى

فيضاً كما نظم الفرات الفائض

إن كان رفضاً حبُّ آل محمد

فليشهد الثقلان أنّي رافضي(١)

وقال النيسابوري في تفسيره عند قوله تعالى :(  قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ المَوَدَّة فِي القُربى   ) كفى شرفاً لآل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفخراً ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم في كلّ صلاة .(٢)

وروى محبّ الدين الطبري في الذخائر عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري (رض) عنه أنّه كان يقول : لو صلّيت صلاة لم أُصلِّ فيها على محمّد وعلى آل محمّد ما رأيت أنّها تقبل .(٣)

وقال المحقّق الشيخ حسن بن عليّ السقاف : تجب الصلاة على آل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في التشهد الأخير على الصحيح المختار ، لأنّ أقصر صيغة وردت عن سيدنا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثبت فيها ذكر الصلاة على الآل ، ولم ترد صيغة خالية منه في صيغ تعليم الصلاة ، فقد تقدّم حديث سيدنا زيد بن خارجة ، أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

____________________

١ تفسير الفخر الرازي :٢٧ / ١٦٦ ، تفسير سورة الشورى .

٢ تفسير النيسابوري : تفسير سورة الشورى .

٣ ذخائر العقبى :١٩ ، ذكر الحثّ على الصلاة عليهم .

( صلّوا عليّ واجتهدوا في الدعاء ، وقولوا : اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد ) .(١)

بلاغ وإنذار :

لقد تبيّن ممّا سبق كيفية الصلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و انّه لا يصلّى عليه إلاّ بضم الآل إليه ، ومع ذلك نرى أنّه قد راجت الصلاة البتراء بين أهل السنَّة في كتبهم ورسائلهم ، مع أنّ هذه البلاغات من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نصب أعينهم ولكنَّهم رفضوها عملاً واكتفوا بالصلاة عليه خاصة ، حتى أنّ ابن حجر الهيتمي (٨٩٩ - ٩٧٤هـ) نقل كيفية الصلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولكن كتابه المطبوع مليء بالصلاة البتراء .وإليك نصّ ما قال : ويروى لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء ، قالوا : وما الصلاة البتراء ، قال :تقولون : اللّهمّ صلّ على محمّد وتمسكون ، بل قولوا : اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد .

ولا ينافي ما تقرّر حذف الآل في الصحيحين ، قالوا : يا رسول اللّه : كيف نصلّي عليك ؟ قال : قولوا اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى أزواجه وذريّته ، كما صلّيت على إبراهيم إلى آخره .

لأنّ ذكر الآل ثبت في روايات أُخر ، وبه يعلم أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ذلك كلّه فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظه الآخر .(٢)

وفي الختام نذكر ما ذكره الرازي ، أنّه قال : أهل بيته ساووه في خمسة أشياء : في الصلاة عليه وعليهم في التشهّد ، وفي السلام ، والطهارة ، وفي تحريم الصدقة ، وفي المحبّة .(٣)

____________________

١ - صحيح صفة صلاة النبيّ : ٢١٤ .

٢ - الصواعق المحرقة :١٤٦ ، ط الثانية ، عام ١٣٨٥ .

٣ - الغدير : ٢ / ٣٠٣ ، ط طهران نقله عن تفسير الرزاي : ٧ / ٣٩١ ولم نعثر عليه في الطبعتين .

من حقوق أهل البيتعليهم‌السلام

٥ - دفع الخمس إليهم

الأصل في ضريبة الخمس ، قوله سبحانه :(  وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ   ) (١)

نزلت الآية يوم الفرقان ، يوم التقى الجمعان وهي غزوة بدر الكبرى ، واختلف المفسّرون في تفسير الموصول في (ما غنمتم ) هل هو عام لكلّ ما يفوز به الإنسان في حياته ، كما عليه الشيعة الإمامية ، أو خاص بما يظفر به في الحرب ، وهذا بحث مهم لا نحوم حوله ، لأنّه خارج عّما نحن بصدده ، وقد أشبعنا الكلام فيه في كتابنا (الاعتصام بالكتاب والسنّة) وأثبتنا بفضل القرآن والأحاديث النبوية أنّ الخُمس يتعلَّق بكلّ ما يفوز به الإنسان في حياته ، وأنّ نزول الآية في مورد الغنائم الحربية لا يُخصّص الحكم الكلّي .(٢)

____________________

١ - الأنفال : ٤١ .

٢ - الاعتصام بالكتاب والسنَّة : ٩١- ١٠٥ .

إنّما الكلام في تبيين مواضع الخمس ، وقد قسّم الخُمس في الآية إلى ستّة أسهم ، أعني : للّه وللرسول ولذي القربى واليتامى و المساكين وابن السبيل .

فالسهمان الأوّلان واضحان ، إنّما الكلام في السهم الثالث وما بعده ، فالمراد من ذي القربى هم أقرباء النبيّ وذلك بقرينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و قد سبق منّا القول في تفسير آية المودة : أنّ تبيين المراد من القربى رهن القرائن الحافَّة بالآية فربّما يراد منها أقرباء الناس ، مثل قوله :(  وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى   ) .(١)

المراد أقرباء المخاطبين ، بقرينة قوله :(  قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ   ) ، نظير قوله : (  وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى   ) والمراد أقرباء الميت .

وعلى ضوء ذلك فإذا تقدَّم عليه لفظ (الرسول ) يكون المراد منه أقرباء الرسول كما في الآية(  وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى   ) ، ومثله قوله :(  مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ   ) .(٢) وقوله :(  فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ   ) .(٣) فالمراد من ذي القربى هم أقرباء الرسول بقرينة توجَّه الخطاب إليه أعني (فآت ) .

ومنه يعلم المراد من المساكين في الآيتين وآية الخمس ، أي : مساكينَ ذي القربى وأيتامهم وأبناء سبيلهم .

هذا هو المفهوم من الآية ، وعلى ما ذكرنا فكلّما يفوز به الإنسان في مكسبه ومغنمه أو ما يفوز به في محاربة المشركين والكافرين ، يُقسم خمسه بين ستة سهام كما عرفت .

____________________

١ - الأنعام : ١٥٢ .

٢ - الحشر : ٧ .

٣ - الروم : ٣٨ .

ويؤيّده الروايات التالية :

١ - روي عن ابن عبّاس : كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقسّم الخمس على ستة : للّه وللرسول سهمان وسهم لأقاربه ، حتى قبض .(١)

٢ - وروي عن أبي العالية الرياحي : كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُؤتى بالغنيمة فيقسّمها على خمسة فتكون أربعة أخماس لمن شهدها ، ثمّ يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الذي قبض كفّه ، فيجعله للكعبة وهو سهم اللّه ، ثم يقسَّم ما بقي ، على خمسة أسهم : فيكون سهم للرسول ، وسهم لذي القربى ، وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لابن السبيل قال : والذي جعله للكعبة فهو سهم اللّه .(٢)

وأمّا تخصيص بعض سهام الخمس بذي القربى ومن جاء بعدهم من اليتامى والمساكين وابن السبيل ، فلأجل الروايات الدالة على أنّه لا تحلّ لهم الصدقة ، فجعل لهم خمس الخمس .

أخرج الطبري عن مجاهد ، إنّه قال : كان آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا تحلّ لهم الصدقة فجعل لهم الخمس .(٣)

و أخرج أيضاً عنه : قد علم اللّه أنّ في بني هاشم الفقراء فجعل لهم الخمس مكان الصدقة .(٤)

كما تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام أنّ السهام الأربعة من الخمس ، لآل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .(٥)

____________________

١ - تفسير النيسابوري : ١٠ / ٤ ، المطبوع بهامش الطبري .

٢- تفسير الطبري : ١٠ / ٤ أحكام القرآن : ٣ / ٦٠ .

٣ - الظاهر زيادة لفظ (خمس) بقرينة ما نقله ثانياً عن مجاهد .

٤ - تفسير الطبري : ١٠ / ٥ .

٥ - الوسائل : ٦ / الباب ٢٩ من أبواب المستحقّين للزَّكاة .

هذا ظاهر الآية ويا للأسف لعب الاجتهاد دوراً كبيراً في تحويل الخمس عن أصحابه وظهرت أقوال لا توافق النصّ القرآني ، وإليك مجملاً من آرائهم :

١ - قالت الشافعية والحنابلة : تقسم الغنيمة ، وهي الخمس إلى خمسة أسهم : واحد منها سهم الرسول ويصرف على مصالح المسلمين ، وواحد يعطى لذوي القربى وهم من انتسب إلى هاشم بالأبوة من غير فرق بين الأغنياء والفقراء ، والثلاثة الباقية تنفق على اليتامى والمساكين وأبناء السبيل سواء أكانوا من بني هاشم أو من غيرهم .

٢ - وقالت الحنفية : إنّ سهم الرسول سقط بموته ، أمّا ذوو القربى فهم كغيرهم من الفقراء يعطون لفقرهم لا لقرابتهم من الرسول .

٣ - وقالت المالكية : يرجع أمر الخمس إلى الإمام يصرفه حسبما يراه من المصلحة .

٤ - وقالت الإمامية : إنّ سهم اللّه وسهم الرسول وسهم ذوي القربى يفوِّض أمرها إلى الإمام أو نائبه ، يضعها في مصالح المسلمين ، والأسهم الثلاثة الباقية تعطى لأيتام بني هاشم ومساكينهم وأبناء سبيلهم ولا يشاركهم فيها غيرهم .(١)

٥ - وقال ابن قدامة في المغني بعد ما روى أنّ أبا بكر وعمر قسَّما الخمس على ثلاثة أسهم : وهو قول أصحاب الرأي ، أبي حنيفة وجماعته ، قالوا : يقسّم الخمس على ثلاثة : اليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل ، وأسقطوا سهم رسول اللّه بموته وسهم قرابته أيضاً .

٦ - وقال مالك : الفيء والخمس واحد يجعلان في بيت المال .

٧ - وقال الثوري : والخمس يضعه الإمام حيث أراه اللّه عزّ وجلّ .

____________________

١ - الفقه على المذاهب الخمسة : ١٨٨ .

وما قاله أبو حنيفة مخالف لظاهر الآية ؛ فإنّ اللّه تعالى سمّى لرسوله وقرابته شيئاً وجعل لهما في الخمس حقاً ، كما سمّى الثلاثة أصناف الباقية ، فمن خالف ذلك فقد خالف نصّ الكتاب ، وأمّا جعل أبي بكر وعمر سهم ذي القربى ، في سبيل اللّه ، فقد ذُكر لأحمد فسكت وحرّك رأسه ولم يذهب إليه ، و رأى أنّ قول ابن عبّاس ومن وافقه أولى ، لموافقته كتاب اللّه وسنة رسوله .(١)

وقد أجمع أهل القبلة كافّة على أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يختصّ بسهم من الخمس ويخصّ أقاربه بسهم آخر منه ، وأنّه لم يعهد بتغيير ذلك إلى أحد حتى دعاه اللّه إليه ، واختار اللّه له الرفيق الأعلى .

فلمّا ولى أبو بكر تأوّل الآية فأسقط سهم النبيّ وسهم ذي القربى بموت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و منع بني هاشم من الخمس ، وجعلهم كغيرهم من يتامى المسلمين ومساكينهم وأبناء السبيل منهم .

قال الزمخشري عن ابن عبّاس : الخمس على ستة أسهم : للّه ولرسوله سهمان ، وسهم لأقاربه ، حتى قبض فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة ، وكذلك روي عن عمر و من بعده من الخلفاء ، قال : وروي أنّ أبا بكر منع بني هاشم الخمس .(٢)

وقد أرسلت فاطمةعليها‌السلام ، تسأله ميراثها من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّا أفاء اللّه عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فَوَجَدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه

____________________

١ - الشرح الكبير على هامش المغني : ١٠ / ٤٩٣ - ٤٩٤ .

٢ - الكشاف : ٢ / ١٢٦ .

حتى توفيت ، وعاشت بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ستة أشهر ، فلما تُوفّيت دفنها زوجها عليّ ليلاً ولم يُؤذِن بها أبا بكر ، وصلّى عليها .(١)

وفي صحيح مسلم عن بريد بن هرمز ، قال : كتب نجدة بن عامر (الحروري الخارجي) إلى ابن عبّاس ، قال ابن هرمز : فشهدت ابن عبّاس حين قرأ الكتاب وحين كتب جوابه ، وقال ابن عبّاس : واللّه لولا أن أرد عن نَتْن يقع فيه ، ما كتبت إليه ولا نُعْمةَ عينٍ ، قال : فكتب إليه إنّك سألت عن سهم ذي القربى الذي ذكرهم اللّه من هم ؟ وإنّا كنّا نرى أنّ قرابة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هم نحن فأبى ذلك علينا قومنا .(٢)

____________________

١ - صحيح البخاري : ٣ / ٣٦ باب غزوة خيبر .

٢ - صحيح مسلم : ٢ / ١٠٥ ، كتاب الجهاد و ١٦٧ السير ، باب النساء الغازيات .

من حقوق أهل البيتعليهم‌السلام

٦ - الفيء لأهل البيتعليهم‌السلام

الفيء عبارة عن الغنائم التي يحصل عليها المسلمون بلا خيل ولا ركاب ، فإنّ هذه الأموال تقع تحت تصرّف الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باعتباره رئيساً للدولة الإسلامية ، وكان الفيء في حياة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمراً هاماً في تنمية الثروة في المجتمع الإسلامي ، ولا سيّما انتقال الثروة من يد الأغنياء إلى يد الفقراء .

والأساس فيه قوله سبحانه :(  وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ   ) .(١)

(  مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ   ) .(٢)

بيّن سبحانه أحكام الفيء ، وقال :(  وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ   )

____________________

١ - الحشر : ٦ .

٢ - الحشر : ٧ .

الضمير يرجع إلى اليهود ، ولكن الحكم سار على جميع الكفّار .

(  فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ   ) أي : الفيء عبارة عن الأموال التي استوليتم عليها بلا إيجاف خيل ولا إبل ولم تسيروا إليها على خيل ولا إبل .

هذا هو الفيء ، وأمّا المواضع التي يصرف بها هذا الفيء فقد بيَّنها سبحانه في الآية الثانية ، وقال :(  مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى   ) ، أي ما ردَّ ما كان للمشركين على المسلمين بتمليك اللّه إيّاهم ذلك ،(  فَلِلَّهِ   ) و(  وَلِلرَّسُولِ   ) و(  وَلِذِي الْقُرْبَى   ) ، فهو للّه بالذات وللرسول و لذي القربى بتمليك اللّه إيّاه .

والمراد من ذي القربى بقرينة الرسول أهل بيت رسول اللّه وقرابته ، و هم بنو هاشم .

(  وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ   ) ، أي : منهم ؛ بقرينة الرسول ، فيكون المعنى ويتامى أهل بيته ومساكينهم وأهل السبيل منهم .

وعلى ذلك فالفيء يقسّم على ستّة أسهم :

١ - سهم للّه المالك لكلّ شيء غير محتاج لشيءٍ ، جعل نفسه قريناً لسائر الأسماء تكريماً لهم .

٢ - سهم الرسول وهو يؤمّن بذلك حاجاته وحاجة الدولة الإسلامية .

٣ - سهم ذوي القربى ، أي : أقرباء الرسول ، فبما أنّ الصدقة تحرم عليهم حلّ ذلك محلّه .

٤ - سهم اليتامى .

٥ - سهم المساكين .

٦ - سهم أبناء السبيل .

وبكلمة جامعة :

( الغنيمة ) - كلّما أُخذ من دار الحرب بالسيف عنوة ممّا يمكن نقله إلى دار الإسلام ، وما لا يمكن نقله إلى دار الإسلام - لجميع المسلمين ينظر فيه الإمام ، ويصرف انتفاعه إلى بيت المال لمصالح المسلمين .

(الفيء ) - كلّما أخذ من الكفّار بغير قتال أو انجلاء أهلها - للنبيّ ، يضعه في المذكورين في هذه الآية ، ولمن قام مقامه من الأئمّة وقد بيّنه سبحانه في ضمن الآيتين .(١)

____________________

١ - التبيان : ٩ / ٥٦٤ .

من حقوق أهل البيتعليهم‌السلام

٧ - الأنفال لأهل البيتعليهم‌السلام

وردت لفظة (الأنفال ) في القرآن مرّتين في آية واحدة ، قال سبحانه :(  يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ للّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللّه وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنين   ) .(١)

أقول : إنَّ الضرائب الواردة في القرآن الكريم لا تتجاوز الأربع :

أ - الزكاة ومقسمها ثمانية .

ب - الخمس ومقسمه هو الستة .

ج - الفيء ومقسمه مقسم الخمس كما عرفت .

د - الأنفال ومقسمها اثنان ، وهما ما ذكر في الآية من قوله : (  للّهِ والرَّسُول   ) ، لكن الكلام في بيان المراد من الأنفال .

اختلف المفسّرون في تفسير الأنفال اختلافاً كثيراً ، والذي يمكن أن يقال : أنّ الأنفال من :النفل وهو الزائد من الأموال ، فيشمل كلّ زائد عن حاجات

____________________

١ - الأنفال : ١ .

الحياة ، ولكن السنّة المروية عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام فسّرته بالنحو التالي :

١ - روى حفص البختري عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : ( الأنفال ما لم يوجف عليه بخيلٍ أو ركابٍ ، أو قوم صالحوا ، أو قوم أُعطوا بأيديهم ، وكلّ أرض خربة ، وبطون الأودية ، فهو لرسول اللّه ، وهو للإمام بعده يضعه حيث يشاء ) .(١)

٢ - وروى حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا ، عن الإمام الكاظمعليه‌السلام في حديث : ( والأنفال كلّ أرض خربة باد أهلها ، وكلّ أرض لم يوجف عليها بخيلٍ ولا ركابٍ ، ولكن صالحوا صلحاً وأعطوا بأيديهم على غير قتال ، وله رؤوس الجبال وبطون الأودية والآجام وكلّ أرض ميتة لا ربّ لها ، وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب ، لأنّ الغصب كلّه مردود ، و هو وارث من لا وارث له ، يعول من لا حيلة له ) .(٢)

٣ - موثّقة إسحاق بن عمّار المروية في تفسير القمّي قال : سألت أبا عبد اللّهعليه‌السلام عن الأنفال ، فقالعليه‌السلام : ( هي القرى التي قد خربت وانجلى أهلها ، فهي للّه وللرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وما كان للملوك فهو للإمام ، وما كان من الأرض الخربة لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، وكلّ أرض لا ربّ لها ، والمعادن منها ، من مات و ليس له مولى فماله من الأنفال ) . (٣)

إلى غير ذلك من الروايات .

وعلى الرواية الأولى يكون الفيء من أقسام الأنفال ، ولم نجد في تفاسير أهل السنّة من يوافق الشيعة الإمامية في تفسير الأنفال إلاّ شيئاً قليلاً ، فقد عقد أبو

____________________

١ - وعلى هذا يكون الفيء قسماً من الأنفال .

٢ - وسائل الشيعة : ٦ ، الباب الأوّل من أبواب الأنفال ، الحديث ١ ، ٤ ، ٢٠ .

٣ - وسائل الشيعة : ٦ ، الباب الأوّل من أبواب الأنفال ، الحديث ١ ، ٤ ، ٢٠ .

إسحاق الشيرازي باباً للأنفال وفسّرها بقوله : يجوز لأمير الجيش أن ينفل لمن فعل فعلاً يفضي إلى الظفر بالعدو ، كالتجسيس ، والدلالة على طريق أو قلعة ، أو التقدّم بالدخول إلى دار الحرب أو الرجوع إليها بعد خروج الجيش منها .(١)

____________________

١ - المهذّب في فقه الإمام الشافعي : ٢ / ٢٤٣ .

من حقوق أهل البيتعليهم‌السلام

٨ - ترفيع بيوتهم

لقد أذن اللّه تعالى في ترفيع البيوت التي يذكر فيها اسمه ويسبِّح له بالغدوِّ والآصال في آية مباركة ، وقال : (  فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ   ) .(١)

وتفسير الآية رهن دراسة أمرين :

الأوّل : ما هو المقصود من البيوت ؟

الثاني : ما هو المراد من الرفع ؟

أمّا الأوّل فربّما قيل : إنّ المراد من البيوت هو المساجد .

قال صاحب الكشّاف :(  فِي بُيُوتٍ   ) يتعلّق بما قبله ، مثل نوره كمشكاة في بعض بيوت اللّه ، وهي المساجد(٢)

ولكنّ الظاهر أنّ التفسير غير صحيح ؛ لأنّ البيت هو البناء الذي يتشكَّل

____________________

١ - النور : ٣٦ - ٣٧ .

٢ - الكشاف : ٢ / ٣٨٩

من جدران أربعة وعليها سقف قائم ، فالكعبة بيت اللّه لأجل كونها ذات قوائم أربعة وعليها سقف ، والقرآن يعبّر عن البيت بالمكان المسقَّف ، ويقول : (  وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ   ) (١)

فالمستفاد من الآية أنّ البيت لا ينفكّ عن السقف ، هذا من جانب ومن جانب آخر : لا يشترط في المساجد وجود السقف ، هذا هو المسجد الحرام تراه مكشوفاً تحت السماء ودون سقف يظلّله .

وقد ورد لفظ البيوت في القرآن الكريم (٣٦ مرّة ) بصور مختلفة ، واستعمل في غير المسجد ، يقول سبحانه :(  طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ   ) (٢) (  وَاذْكُرُن ما يُتلى في بُيوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللّه وَالحِكْمَة   ) (٣)

إلى غير ذلك من الآيات ، فكيف يمكن تفسيره بالمساجد ؟

وبما أنّ جميع المساجد ليس على هذا الوصف ، التجأ صاحب الكشّاف بإقحام كلمة ( بعض ) ، وقال : في بعض بيوت اللّه وهي المساجد ، وهو كما ترى ، وهناك حوار دار بين قتادة فقيه البصرة وأبي جعفر الباقرعليه‌السلام يؤيّد ما ذكرنا .

حضر قتادة في مجلس الإمام أبي جعفر الباقرعليه‌السلام فقال له الإمام :من أنت ؟

قال : أنا قتادة بن دعامة البصري .

فقال أبو جعفر :أنت فقيه أهل البصرة ؟

فقال : نعم قال قتادة : أصلحك اللّه ، ولقد جلستُ بين يدي الفقهاء وقدام ابن عبّاس فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ، ما اضطرب قدّامك!

____________________

١ - الزخرف : ٣٣ .

٢ - البقرة : ١٢٥

٣ - الأحزاب : ٣٤ .

فقال أبو جعفرعليه‌السلام :ما تدري أين أنت ؟ أنت بين يدي : (  بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ   ) ونحن أُولئك .

فقال له قتادة : صدقت ، واللّه جعلني فداك ، واللّه ما هي بيوت حجارة ولا طين(١)

و يؤيّد ما رواه الصدوق في الخصال عن النبيّص : أن اللّه اختار من البيوتات أربعة ، ثمّ قرأ هذه الآية : (ِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ َ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ   ) (٢) .(٣)

وعلى هذا الحوار فالمراد من البيت ، بيت الوحي وبيت النبوَّة ، ومن يعيش في هذه البيوت من رجال لهم الأوصاف المذكورة في الآية الكريمة .

هذا كلّه حول الأمر الأوّل .

وأمّا الأمر الثاني ، أعني ما هو المراد من الرفع ؟ فيحتمل وجهين :

الأوّل : أن يكون المراد الرفع المادي الظاهري الذي يتحقّق بإرساء القواعد وإقامة الجدار والبناء ، كما قال سبحانه : (  وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ   ) (٤) و على هذا تدلّ الآية على جواز تشييد بيوت الأنبياء والأولياء وتعميرها في حياتهم بعد مماتهم .

الثاني : أن يكون المراد الرفع المعنوي والعظمة المعنوية ، وعلى هذا تدل الآية بتكريم تلك البيوت وتبجيلها وصيانتها وتطهيرها ممّا لا يليق بشأنها .

____________________

١ - البرهان في تفسير القرآن : ٣ / ١٣٨ .

٢ - آل عمران : ٣٣ - ٣٤ .

٣ - الخصال : ١ / ١٠٧ .

٤ - البقرة : ١٢٧ .

قال الرازي : المراد من رفعها : بنائها ؛ لقوله تعالى :(  رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا   ) (١) و ثانيها (ترفع ) أي : تعظّم(٢)

هذا كلّه حسب ما تدلّ عليه الآية ، وأمّا بالنظر إلى الروايات فنذكر منها ما يلي :

١ - روى الحافظ السيوطي عن أنس بن مالك وبريدة ، أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرأ قوله تعالى :(  في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ   ) فقام إليه رجل وقال : أيّ بيوت هذه يا رسول اللّه ؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :بيوت الأنبياء .

فقام إليه أبو بكر وقال : يا رسول اللّه ، وهذا البيت منها ؟ وأشار إلى بيت علي وفاطمةعليهما‌السلام .

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :نعم من أفاضلها . (٣)

٢ - روى ابن شهراشوب عن تفسير مجاهد و أبي يوسف ، يعقوب بن سفين ، قال ابن عبّاس في قوله تعالى :(  وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً   ) : إنّ دحية الكلبي جاء يوم الجمعة من الشام بالميرة ، فنزل عند أحجار الزيت ، ثمّ ضرب بالطبول ليؤذن الناس بقدومه ، فمضوا الناس إليه إلاّ علي والحسن والحسين وفاطمةعليهم‌السلام وسلمان وأبو ذر والمقداد وصهيب ، وتركوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قائماً يخطب على المنبر ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قد نظر اللّه يوم الجمعة إلى مسجدي فلولا

____________________

١ - النازعات : ٢٨ .

٢ - تفسير الفخر الرازي : ٢٤ / ٣ .

٣ - تفسير الدر المنثور : ٥ / ٥٠ .

هوَلاء الثمانية الذين جلسوا في مسجدي لأضرمت المدينة على أهلها ناراً ، وحُصبوا بالحجارة كقوم لوط ، ونزل فيهم رجال لا تلهيهم تجارة .(١)

وقد وصف الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام هؤلاء الرجال الذين يسبِّحون في تلك البيوت ؛ عند تلاوته :(  رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ   ) :وإنّ للذكر لأهلاً أخذوه من الدُّنيا بدلاً ، فلم يشغلهم تجارة ولا بيع عنه ، يقطعون به أيام الحياة ، ويهتفون بالزواجر عن محارم اللّه في أسماع الغافلين ، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به ، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه فكأنَّما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها ، فشاهدوا ما وراء ذلك ، فكأنّما اطَّلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه ، وحقَّقت القيامة عليهم عِداتهُا ، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا ، حتى كأنّهم يرون ما لا يرى الناس ويسمعون ما لا يسمعون (٢)

____________________

١ - البرهان في تفسير القرآن : ٣ / ١٣٩ .

٢ - نهج البلاغة : الخطبة ٢٢٢ .

خاتمة المطاف

أهل البيت في كلام الإمام عليعليه‌السلام

إلى هنا تمّ ما أردنا استعراضه من سماتهم وحقوقهم في القرآن الكريم ، ولو حاول الباحث أن يستعرض أوصافهم وخصوصيّاتهم الواردة في الأحاديث النبوية لاحتاج إلى تأليف مفرد ، و بما أنّ محور بحوثنا هو القرآن الكريم اقتصرنا على ذلك ، وهذا لا يمنعنا أن نذكر ما روي عن عليعليه‌السلام في ذلك المجال :

١ - يقول في حقّهم :( فَإنّهم عيش العلم ، وموت الجهل ، هم الذين يُخبركم حُكمُهم عن علمهم ، وصَمتُهم عن منطقهم ، وظاهرهُم عن باطنهم ، لا يخالفون الدين ، ولا يختلفون فيه ، فهو بينهم شاهدُ صادق ، وصامت ناطق ) (١)

٢ - وفي خطبة أُخرى :( لا يقاس بآل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من هذه الأمّة أحد ، ولا يُسوَّى بهم مَن جرت نعمتهم عليه أبداً ، هم أساسُ الدين ، وعمادُ اليقين ، إليهم يفيءُ الغالي ، وبهم يُلحق التالي ، ولهم خصائص حقِّ الولاية ، وفيهم الوصية والوراثة ، الآن إذا رجع الحقّ إلى أهله ، ونُقل إلى منتقله ) (٢)

____________________

١ - نهج البلاغة : الخطبة ١٤٧ .

٢ - نهج البلاغة : الخطبة ٢ .

٣ - وقالعليه‌السلام :( نحنُ الشعار والأصحاب ، والخزنة والأبواب ، ولا تؤتى البيوتُ إلاّ من أبوابها ، فمن أتاها من غير أبوابها سُمّي سارق ) .

منها : فيهم كرائمُ القرآن ، وهم كنوز الرحمن ، إن نطقوا صدقوا ، وإن صمتوا لم يسبقوا . (١)

٤ - وقالعليه‌السلام :( ألا إنّ مثل آل محمّدٍ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كَمَثَلِ نجوم السَّماء : إذا خوى نجم ، طَلَعَ نَجم ، فكأنّكم قد تكاملت من اللّه فيكم الصنائع ، وأراكم ما كنتم تأملون ) (٢)

٥ - وقالعليه‌السلام :( ألا وإنّ لكلِّ دمٍ ثائراً ، ولكلِّ حقٍّ طالباً وإنَّ الثّائِرَ في دمائِنا كالحاكِمِ في حقِّ نفسِهِ ، وهُوَ اللّهُ الذي لا يُعجِزُهُ من طَلَبَ ، ولا يفُوتُهُ من هرب ) (٣)

٦ - وقالعليه‌السلام :( أيّها الناس ، خذوها عن خاتم النبيّين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّه يموت من ماتَ منّا وليس بميِّت ، ويبلى من بَلي منَّا وليس ببال ، فلا تقولوا بما لا تعرِفُون ، فإنّ أكثرَ الحقِّ فيما تُنكِرون ، واعذِروا من لا حُجّة لكم عليه - و هو أنّا - ألم أعمل فيكم بالثَّقل الأكبر ، وأترُك فيكم الثَّقل الأصغر ، قد ركْزتُ فيكُمْ راية الإيمانِ ، ووقفتُكُم على حُدودِ الحلالِ والحرام ، وألبستُكُمُ العافيةَ من عدلي ، وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي ،وأريتُكُم كرائمَ الأخلاقِ من نفسي ، فلا تستعملوا الرأيَ فيما لا يُدْرِكُ قعرَهُ البصرُ ، ولا تتغلغل إليهِ الفِكر ) .(٤)

إلى غير ذلك الكلمات الناصعة في خطبه ورسائله وقصار كلمه ممّا نقله

____________________

١ - نهج البلاغة : الخطبة ١٥٤.

٢ - نهج البلاغة : الخطبة ١٠٠.

٣ - نهج البلاغة : الخطبة ١٠٥.

٤ - نهج البلاغة : الخطبة ٨٧.

الرضي في (نهج البلاغة ) وغيره في الكتب الحديثية والتاريخية ، ولنقتصر على ذلك ؛ فإنّ الإفاضة في القول في هذا المضمار يوجب الإطالة .

* * *

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين

جعفر السبحاني

قم - مؤسّسة الإمام الصادقعليه‌السلام

في صبيحة يوم الثلاثاء الموافق ل- ١٢ من شهر رمضان المبارك

من شهور عام ١٤٢٠ هـ

الفهرست

المقدّمة ٥

أهل البيت عليهم‌السلام سماتهم و حقوقهم. ٧

الفصل الأوَّل: مَن هم أهل البيت عليهم‌السلام ؟ ٩

أ - أهل البيت لغة وعرفاً : ١٠

أهل البيت في الآية المباركة؟ ١٤

القرينة الأولى : اللام في ( أهل البيت ) للعهد. ١٤

القرينة الثانية : تذكير الضمائر ١٧

القرينة الثالثة : الإرادة تكوينية لا تشريعية ١٩

القرينة الرابعة : ٢٠

أهل البيت في كلام النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ٢٠

الطائفة الأولى: التصريح بأسمائهم. ٢٢

الطائفة الثانية : إدخالهم تحت الكساء ٢٣

الطائفة الثالثة : تعيينهم بتلاوة الآية على بابهم. ٢٨

نزولها في نسائه عليه الصلاة والسلام ٣٤

عكرمة من الخوارج لا قيمة لقوله ٣٦

عروة بن الزبير : ٤٠

مقاتل بن سليمان : ٤١

مشكلة السياق: ٤٢

ما هو السرّ في جعلها جزءاً من آية أُخرى ؟ ٥٠

نظريات أُخرى في تفسير أهل البيت : ٥٣

خاتمة المطاف : أهل البيت في الأدب العربي. ٥٧

الشيعة وآية التطهير : ٧٣

الفصل الثاني : سمات أهل البيت عليهم‌السلام.... ٧٧

١ - العصمة ٧٩

المنفي مطلق الرجس : ٨٢

٢ - هل الإرادة في الآية تكوينية أم تشريعية ؟ ٨٣

أسئلة وأجوبة : ٨٧

السؤال الأوّل : هل الإرادة التشريعيّة تتعلَّق بفعل الغير ؟ ٨٧

السؤال الثاني : هل الإرادة التكوينيّة توجب سلب الاختيار ؟ ٨٩

السؤال الثالث : هل العصمة الموهوبة مفخرة ؟ ٩٦

السؤال الرابع : هل الآية تدل على فعلية التطهير ؟ ٩٦

السؤال الخامس : هل الإذهاب يستلزم الثبوت ؟ ٩٧

٢ - المحبّة في قلوب المؤمنين. ٩٩

٣ - استجابة دعائهم عليهم‌السلام.... ١٠٣

٤ - ابتغاء مرضاة اللّه تعالى. ١٠٨

٥ - الإيثار ١١٣

٦ - هم خير البريّة ١١٧

٧ - أهل البيت عليهم‌السلام ورثة الكتاب.. ١١٩

٨ - حرمة الصدقةُ عليهم. ١٢٥

الفصل الثالث: حقوق أهل البيت عليهم‌السلام في القرآن الكريم  ١٢٧

١ - ولاية أهل البيت عليهم‌السلام.... ١٢٩

٢ - أهل البيت عليهم‌السلام وضرورة إطاعتهم. ١٣٥

٣ - وجوب مودَّتهم وحبِّهم. ١٤١

٤ - الصلوات عليهم. ١٥٥

٥ - دفع الخمس إليهم. ١٦١

٦ - الفيء لأهل البيت عليهم‌السلام.... ١٦٧

٧ - الأنفال لأهل البيت عليهم‌السلام.... ١٧٠

٨ - ترفيع بيوتهم. ١٧٣

خاتمة المطاف.. ١٧٨

أهل البيت في كلام الإمام علي عليه‌السلام.... ١٧٨

مؤلف: سماحة العلامة المحقق الشيخ جعفر السبحاني
صفحات: