الإمام الحسينعليهالسلام
الظلامة الفاتحة الهادية
العلامة المحقق السيّد سامي البدري
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الطاهرين. وبعد، فهذه خلاصة لكتاب عن الإمام الحسينعليهالسلام
يتضمن عدة أبحاث، أرجو أن تكون مفيدة ونافعة في حقلها.
وقد حاولت أن أستبق ظهور الكتاب نفسه بنشر خلاصة عن اُطروحته؛ مساهمة في تلبية تطلعات وشوق عشاق الحسينعليهالسلام
إلى أن يطالعوا شيئاً جديداً في هذا الموسم؛ بوصفه أوّل موسم يأخذ فيه الشيعة حرّيتهم في إقامة شعائر المحرم، ويشقّ الكتاب الحسيني طريقه بأمان إلى قرّائه.
وقبل أن أدع القارئ وجهاً لوجه أمام الخلاصة رأيت أن أفتتح الكتاب بعدة تنبيهات مفيدة كنت قد افتتحت بها أحاديثي عن الإمام الحسينعليهالسلام
في موسم المحرم قبل اثنتي عشرة سنة تقريباً:
التنبيه الأوّل
هناك نوعان من البحوث حول أهل البيتعليهمالسلام
:
الأوّل:
بحوث تستهدف الاستدلال على إمامتهم، وعظيم منزلتهم عند اللّه ورسوله، ومسؤوليتهم في حفظ الإسلام وتبليغه. ويتكفّل هذا النوع من البحوث علم العقائد والكلام.
الثاني:
بحوث تستهدف التعريف بسيرة النبيصلىاللهعليهوآله
وأوصيائهعليهمالسلام
من بعده في ضوء العقيدة بهم. فحين نعتقد أن علياً والحسن والحسين والتسعة من ذرية الحسينعليهمالسلام
كانوا قد كُلِّفوا بحفظ الرسالة ونشرها في المجتمع بعد رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، يجيء البحث التاريخي ليكشف عن جهودهم وخططهم التي حققت ذلك.
التنبيه الثاني
هناك نوعان من البحوث التاريخيّة:
النوع الأوّل:
يستهدف نقد مصادر الأخبار لتمييز صحيحها من سقيمها
.
النوع الثاني:
يستهدف معرفة المغزى الذي يكمن وراء الواقعة التاريخيّة؛ وذلك من خلال التدبُّر في أسبابها ونتائجها
.
ومن الطبيعي أنّ النوع الثاني من البحث متأخر رتبة عن النوع الأوّل؛ فما لم تكن أخبار الفترة التاريخيّة المعينة قد مُحّصت وفرز صحيحها من سقيمها فإنّ عملية التحليل ودراسة الأسباب والنتائج سوف تفقد الأساس الموضوعي لها؛ إذ قد ينطلق التحليل من معلومات خاطئة، وحينئذٍ يزداد القارئ أو الباحث بُعداً عن الحقِّ بسبب ذلك التحليل الخاطئ الذي سيكون بعد ذلك نفسه حجاب آخر يضاف إلى حجاب الرواية الكاذبة.
التنبيه الثالث
ينطلق الأئمة الاثنا عشرعليهمالسلام
في مواقفهم ونشاطاتهم من حقيقة كونهم أوصياء للنبيصلىاللهعليهوآله
، مكلّفون إلهيّاً بواسطته في حفظ الإسلام الذي جاء به وجعله ميسَّراً بين الناس. وأنهم تسلموا من النبيصلىاللهعليهوآله
رؤية تفصيلية لما ستواجهه الرسالة من أخطار بعد الرسولصلىاللهعليهوآله
، وخطة إنقاذها منها، وأنهمعليهمالسلام
قد شُخص لكلِّ واحد منهم عمله المحدد
.
وفي ضوء ذلك فإنّ عملهمعليهمالسلام
سلسلة مترابطة يستند آخرها على أولها، وتقود الحلقة السابقة منها إلى التي تليها؛ ومن هنا تعذَّر للباحث أن يُقدّم صورة واضحة لعمل أي واحد من الأئمةعليهمالسلام
دون أن يبيّن موقعه ممّا قبله، بل وممّا بعده أيضاً.
____________________
التنبيه الرابع
في بحثنا عن سيرة الإمام الحسينعليهالسلام
كوصيٍّ لرسول اللّهصلىاللهعليهوآله
كُلِّف إلهيّاً بواسطة النبيصلىاللهعليهوآله
في حفظ الرسالة ونشرها في المجتمع. لا بدّ لنا أن نتعرف أولاً على الخطر الذي واجهه الإسلام في زمان إمامته التي استغرقت عشر سنوات، ثمّ ندرس الخطة الإلهيّة التي تحمَّل الحسينعليهالسلام
مسؤولية تنفيذها في مواجهة ذلك الخطر وإنقاذ الرسالة منه.
وقد ذكرنا في التنبيه الثاني أنّ عمل الإمام اللاحق يتقوّم بعمل الإمام السابق؛ ومن هنا فإنّه يتعيّن علينا أن ندرس ولو باختصار جهود الإمام الحسن والإمام عليعليهماالسلام
كأوصياء للرسولصلىاللهعليهوآله
في تبليغ الإسلام؛ لنُدرِك كيف توقّف عمل الإمام الحسينعليهالسلام
على عملهم.
كما لا بدّ لنا أن ندرس عمل النبيصلىاللهعليهوآله
أوّلاً لندرك صلة عمل أوصيائه بعملهصلىاللهعليهوآله
، وكيف أن سيرة هؤلاء الأوصياء على استقامة واحدة مع سيرة رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
تبليغاً وتطبيقاً، وأنّ سيرة غيرهم تحريف لسيرته وسنتهصلىاللهعليهوآله
.
وهكذا يتعين علينا منذ البدء بالبحث عن الإسلام على عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، ثمّ ندرس ما جرى عليه أيام حكومة قريش المسلمة بعدهصلىاللهعليهوآله
، ثمّ كيف نشر علي والحسنعليهماالسلام
الإسلام بين أهل البلاد التي فُتحت بعد الرسولصلىاللهعليهوآله
.
ثمّ كيف كانت سيرة معاوية بعد وفاة الحسنعليهالسلام
وخطته في تحريف الإسلام، ومدى نجاحه في ذلك، ثمّ كيف كانت سيرة الحسينعليهالسلام
ومدى نجاحه في إحباط تخطيط معاوية وإنقاذ تراث النبوة الخاتمة برمّته من الخطر الذي أحدق به.
الاُطروحات الأساسيّة في تفسير الثورة الحسينيّة
من ينعم النظر في كتب التاريخ الإسلامي التي ظهرت في القرون الخمسة الهجرية الاُولى يجد ثلاث اُطروحات في تفسير حركة الحسينعليهالسلام
ونهضته؛ تبعاً للنظرة إليه.
الاُولى: الاُطروحة الاُمويّة
تبنّى الإعلام الاُموي عرض الحسينعليهالسلام
على أنه ثائر من أجل الملك، مارق عن الدين، وخارج على الخليفة الشرعي، وقد تبنّى بعض الكتّاب المعاصرين هذه الاُطروحة نظير الشيخ الخضري، قال: وعلى الجملة فإنّ الحسين أخطأ خطأً عظيماً في خروجه هذا الذي جرَّ على الاُمّة وبالَ الفُرقة والاختلاف، وزعزع عماد إلفتِها إلى يومنا هذا... غاية الأمر أنّ الرجل طلب أمراً لم يتهيّأ له، ولم يعد له عدته؛ فحيل بينه وبين ما يشتهي، وقُتل دونه
.
وذكر أحمد العسيري نظير هذا الكلام، ثمّ ختمه بكلام الدكتور أحمد شلبي
ولم ينسبه إليه، قائلاً: وكانت هذه فتنة أيسر ما نقول عنها: إنها وسعّت باب الفرقة، والتهمت الآلاف والملايين من المسلمين، ولا يزال بابها مفتوحاً حتّى كتابة هذه السطور
.
الثانية: الاُطروحة العباسيّة
تبنى الإعلام العباسي عرض الحسينعليهالسلام
على أنه ثائر من أجل الملك، وأنه وكان من حقه الثورة وطلب الخلافة، غير أن تقديره للاُمور لم يكن صحيحاً حين اختار الكوفة رغم كثرة الناصحين له، وأن مسؤولية قتل الحسينعليهالسلام
تقع على ابن زياد والكوفيِّين من شيعة عليعليهالسلام
.
وقد كرّس أبو مخنف ونظراؤه من الرواة المعاصرين له رواياتهم لهذا التفسير، وقد تبنى العباسيّون هذه الاُطروحة للنهضة الحسينيّة بعد أن تعمّق الصراع بين الطالبيِّين والعباسيِّين، واستحكم بعد قيام ثورة محمّد وإبراهيم ولدي عبد الله بن الحسن المثنى ابن الحسن بن عليعليهمالسلام
، ثمّ القضاء عليها سنة (١٤٤) هجرية.
____________________
وقد تبنّى أغلب المؤرّخين الذين كتبوا التاريخ في العهد العباسي هذه النظرة كالطبري وغيره، وحذا حذوهم بعدهم آخرون كالذهبي وابن كثير وغيرهما من القدامى وكثير من المعاصرين.
الثالثة: اُطروحة الأئمة من ذرّية الحسينعليهمالسلام
عرض الأئمة من ذرّية الحسينعليهمالسلام
الحسينَعليهالسلام
على أنه وارث الأنبياء، وإمام الهدى، وحجة الله على خلقه
، وأنهعليهالسلام
نهض لأجل هداية الناس بعد أن عمت ضلالة بني اُميّة.
هذه الضلالة التي تمثّلت بتحريف الدين، وطمس أحاديث النبي (صلى لله عليه وآله) في أهل بيتهعليهمالسلام
، وعرض عليعليهالسلام
على أنه رمز للفساد في الإسلام، وعرض بني اُميّة على أنهم أئمة هدى، وحجج الله على عباده. وهذا التفسير للحركة الحسينيّة يجده الباحث واضحا جلياً في تراث أهل البيتعليهمالسلام
.
روى ابن قولويه بسنده عن أبي حمزة الثمالي قال: قال الصادقعليهالسلام
:« قل اللهمَّ إنّي أَشهَدُ أنّ هذا قبرُ ابنِ حبيبِك وصَفوتِك من خلقِك، وأنه الفائزُ بكرامتِك، أكرمتَه بكتابِك، وخصَصْتَه وائتمَنْتَه على وحيك، وأعطيتَه مواريثَ الأنبياء، وجعلته حجةً على خَلقِك؛ فأعذَرَ في الدعاء، وبذَل مُهجتَه فيك؛ ليستنقذَ عبادَك من الضَّلالة والجهالة والعَمى، والشَّكِ والارتياب، إلى باب الهدى.
السّلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السّلام عليك يا وارث نوح نبي الله، السّلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله، السّلام عليك يا وارث موسى كليم الله، السّلام عليك يا وارث عيسى روح الله، السّلام عليك يا وارث محمّد حبيب الله، السّلام عليك يا وارث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وصيِّ رسول الله وولي الله، السّلام عليك يا وارث الحسن بن علي الزكي، السّلام عليك يا وارث فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين.
السّلام عليك أيها الصِّدِّيق الشهيد، السّلام عليك أيها الوصيّ، السّلام عليك أيها الوفيّ، أشهد أنك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وعبدت الله مخلِصاً حتّى أتاك اليقين، السّلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته »
.
____________________
الواقع التاريخي لحركة النبيصلىاللهعليهوآله
وعلي والحسنعليهماالسلام
في أداء وظيفتهم الإلهيّة قبل حركة الحسينعليهالسلام
عهد النبوة الخاتمة
قال الله سبحانه وتعالى:(
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
)
(الجمعة / ٢ - ٥).
الاُميّون: هم (قريش) ساكنو مكة ومَن دانَ بدينهم من القبائل العربيّة في الحجاز. ودينهم هو دين إبراهيمعليهالسلام
. وقد حُرِّف على مراحل، كان أخطرها نصب الأصنام على الكعبة، وتحويل بيت إبراهيمعليهالسلام
الذي شُيِّد على التوحيد إلى بيت عبادة للأصنام.
وكان آخر مراحل تحريف دين إبراهيم هو ما قامت به قريش بعد حادثة الفيل حين ابتدعت بدعة الحُمْس
، وفصلت بين العمرة والحج، وفرضت على الناس أن يحجّوا بثياب قريش ليُقبَل حجُّهم، وتسمّت بـ (آل الله) بدلاً من حصر تلك التسمية في بيت عبد المطلب الذي أجرى الله تعالى على يده آياته ليميِّزه بها عن بقية قريش.
وإلى جانب الاُمِّيين القرشيين هؤلاء حرَّف اليهود من أهل الكتاب كتاب الله (التوراة)، وأدخلوا فيه الأساطير، وكذلك حرَّف المسيحيون (الإنجيل)، واتخذ أهل الكتاب (أحبارهم ورهبانهم) أرباباً من دون الله.
وكذلك القبائل العربيّة في الحجاز اتّخذت (قريشاً) أرباباً من دون الله حين كانوا يشرِّعون لهم من الدين ما فيه تحريف لشريعة إبراهيمعليهالسلام
، ويقبلون ذلك منهم.
ثمّ بعث الله تعالى محمّدصلىاللهعليهوآله
، وأنزل عليه القرآن كتاب هدى، ونسخ به كتب أهل الكتاب، كما هدم به الإمامة الدينية لهم ولقريش.
____________________
وشاءت حكمة الله أن يجعل القرآن بحاجة إلى شرح وتفصيل، قال الله تعالى:(
فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ
)
(القيامة / ١٨ - ١٩).
وشاءت حكمته تعالى أن يكون النبيصلىاللهعليهوآله
مصدر البيان،(
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
)
(النحل / ٤٤).
وبعبارة اُخرى شاءت حكمته أن يؤخذ تفصيل القرآن وبيانه من سنة النبيصلىاللهعليهوآله
، وهي قوله وفعله وتقريره؛ وبذلك صار الإسلام عبارة عن كتاب الله وسنة النبيصلىاللهعليهوآله
.
بلَّغ النبيصلىاللهعليهوآله
القرآن وبيانه، وقام المجتمع الإسلامي على اتّباع كتاب الله وسنة النبيصلىاللهعليهوآله
، وكَتَبَ عليعليهالسلام
بأمر النبيصلىاللهعليهوآله
كلَّ السنّة النبويّة المطهرة من خلال لقاءات خاصة بينهما
، وجعلها في صُحُف لتكون تراثاً إلهيّاً للأئمة الاثني عشرعليهمالسلام
، نظير تراث آل هارون المذكور في القرآن
؛ وبذلك صار علي والطاهرون من ذرّيتهعليهمالسلام
الراوي الأمين والوحيد إلى سنة النبيصلىاللهعليهوآله
الكاملة، والعِدْلَ الوحيد للقرآن لتحقيق الهداية التفصيلية التي جاء بها النبيصلىاللهعليهوآله
.
وقد أشار النبيصلىاللهعليهوآله
إلى ذلك بقوله:« ثمّ إني أوشك أن اُدعى فاُجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين؛ كتاب الله (عزّ وجل) وعترتي؛ كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض، فانظروني بمَ تخلفوني فيهما »
.
____________________
وقولهصلىاللهعليهوآله
:« أنا مدينة العلم وعلي بابها »
.
وقولهصلىاللهعليهوآله
:« يا علي، أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبيّ بعدي »
.
وقولهصلىاللهعليهوآله
:« يا علي، لا يُحبك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق »
.
وجعل النبيصلىاللهعليهوآله
ولاية أول أهل بيته عليعليهالسلام
هي ولايته إلى آخر الدنيا حين قال:« مَن كنت مولاه فعلي مولاه »
.
وهكذا صار الإسلام عبارة عن الولاية لله تعالى، وللرسولصلىاللهعليهوآله
، ولعليعليهالسلام
، ثمّ الأئمة من ولده. وولاية الله تعني اتّباع كتابه، وولاية الرسول تعني اتّباع سنّته والاقتداء به، وولاية علي والأئمة من ولده تعني أخذ سنة النبيصلىاللهعليهوآله
منهم والاقتداء بهم، والاحتكام إليهم في زمانهم.
حاربت قريش المشركة بكلِّ قواها دعوة النبيصلىاللهعليهوآله
، وعاونها في ذلك يهود المدينة، واستغلّت قريش حروب النبيصلىاللهعليهوآله
التي كانت دفاعاً عن نفسه وعن أصحابه لتشويه صورته لدى القبائل العربيّة، وأخذت تصفه بأنه رجل أساء إلى البيت الحرام، وقطع الطرق الآمنة، وسفك الدِّماء، وأنها تريد الأمن وخدمة البيت الحرام وخدمة الحجيج.
ونجحت قريش في تحشيد عشرة آلاف جندي لحرب النبيصلىاللهعليهوآله
في غزوة الأحزاب المعروفة بغزوة الخندق، وباءت جهودها بالفشل ورجعت تلك الأحلاف والأحزاب منهزمة.
ثمَّ رأى النبيصلىاللهعليهوآله
بعد فشل قريش في الأحزاب أنّ استمرار اُسلوب الحرب معها ومع حلفائها لا ينفع؛ فعدَلَ عنه إلى الصلح، وفاجأ قريشاً في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة بقدومهصلىاللهعليهوآله
ومعه ألف وخمسمئة من أصحابه، وقد ساقوا معهم الهدي ليعتمروا ويصالحوا قريشاً.
ولكن قريشاً أخذتها حَمِيَّةُ الجاهليّة، فأصرَّت على رفض دخول النبيصلىاللهعليهوآله
ومَن معه مكّة ذلك العام، وصالحته على الأمان عشر سنين، وعلى أن يرجع تلك السنة ويعتمر العام القادم؛ وبذلك افتضحت قريش عند القبائل بكونها هي التي تصدّ عن البيت الحرام، وأنّ النبيصلىاللهعليهوآله
رجل يعظّم البيت ويدعو إلى تعظيمه واحترامه.
____________________
وانتشر الإسلام في قبائل الجزيرة العربيّة، وبلغ عدد المسلمين خلال سنتين ونصف عشرة آلاف. ثمّ نقضت قريش عهدها وأخلّت بشروط الصلح، وفاجأها النبيصلىاللهعليهوآله
بجيش قوامه عشرة آلاف مسلم، ونصر الله تعالى نبيّه، ودخلت قريش الإسلام وهي راغمة.
عهد خلافة قريش المسلمة
خططت قريش المسلمة للالتفاف على الإسلام واحتوائه بعد النبيصلىاللهعليهوآله
تحت شعار (حسبنا كتاب الله)، في حياة النبيصلىاللهعليهوآله
، من أجل فصل الكتاب عن السنة.
وتجاوزت مقام عليعليهالسلام
الذي أسسه الله تعالى ورسوله، ورجعت تعظم مقامها في الجاهليّة،(
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ
)
(آل عمران / ١٤٤)، وفرضت على المسلمين أن تكون الإمامة الدينية والسياسية في رجالات قريش وليست في أهل البيتعليهمالسلام
، وأعادت الأمر جاهليّة باسم الإسلام.
وقال رجالاتها في السقيفة: إنّ العرب لا ترضى أن يكون هذا الأمر في غير قريش. ثمّ فرضت بيعة أبي بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان بالقوة
.
____________________
وكانت سياستهم هي أن تتداول بطون قريش وقبائلها الإمامة الدينية والسياسية، ويمنعونها بني هاشم
.
رفع الخلفاء القرشيّون الثلاثة شعار (حسبنا كتاب الله)، وأنَّ العرب لا ترضى أن يكون هذا الأمر في غير قريش، في قبال شعار النبيصلىاللهعليهوآله
« إنّي تارك فيكم كتاب الله وعترتي أهل بيتي »
.
واجتهد الخلفاء القرشيّون الثلاثة باُمور خالفوا فيها سنة النبيصلىاللهعليهوآله
، وكان من أكثر اجتهاداتهم ضرراً على الإسلام والمسلمين مَنْعُهم نشرَ حديث النبيصلىاللهعليهوآله
وتفسيرَ القرآن، وإحراقُهم مدوَّنات الصحابة في الحديث
، وفسحُ المجال لعلماء أهل الكتاب الذين أسلموا من نشر أساطيرهم بين المسلمين باسم الإسلام
.
____________________
وكان من أبرز مخالفاتهم لسنة النبيصلىاللهعليهوآله
بعد نكثهم وصيَّته في عليعليهالسلام
هو تحريمهم متعة الحج.
وفي ضوء هذه الاجتهادات الخاطئة فُتِحت البلاد شرقاً وغرباً، وتعلَّم أهل البلاد المفتوحة الإسلام على أنه ولاء لله وللخليفة من قريش، وأنّ الدين هو كتاب الله وما شرعه الخليفة القرشي؛ ومن هنا عَرَضَ عبد الرحمن بن عوف على عليعليهالسلام
أن يبايعه على كتاب الله والعمل بسيرة الشيخين، فرفض عليعليهالسلام
ذلك قائلاً:« إنّ سيرة النبي
صلىاللهعليهوآله
لا تحتاج إلى إجّيري
أحد »
. وبويع عثمان على ذلك
.
وهكذا عاش الناس خمساً وعشرين سنة بعد النبيصلىاللهعليهوآله
في جاهليّة وضلالة مقنَّعة باسم الإسلام.
____________________
خالف عثمان سيرة الشيخين في قضية تولية الولاة على البلدان؛ إذ جعلاها في قبائل قريش وحصرها عثمان في بني اُميّة؛ فقد بدأ عهده باستقدام عمّه الحكم والد مروان، وكان النبيصلىاللهعليهوآله
قد نفاه إلى الطائف، ثمّ جعل ابنه مروان
كاتبه الخاص بعد أن زوّجه ابنته، ثمّ عزل سعد بن أبي وقاص عن الكوفة سنة ٢٥ هجرية وعيَّن أخاه لاُمّه الوليد بن عقبة الفاسق بنص القرآن، وفي سنة ٢٦ هجرية جمع الشام كلّها لمعاوية، وفي سنة ٢٧ هجرية جمع مصر كلّها لأخيه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان النبيصلىاللهعليهوآله
قد أهدر دمه في فتح مكة وأجاره عثمان.
وفيها أيضاً عزل أبا موسى الأشعري عن البصرة وولّى مكانه عبد الله بن عامر بن كريز بن حبيب بن عبد شمس وهو ابن أربع وعشرين سنة، وضمّ إليه ولاية فارس. وبسبب ذلك شاع التذمر في قريش، وصار المتذمرون وهم عبد الرحمن بن عوف، وطلحة والزبير، وعمرو بن العاص وعائشة حزباً، وصار عثمان ومعه بنو أبيه بنو اُميّة حزباً.
وتعاظم الخلاف بين الحزبين القرشيين سنة ٢٧ هجرية حين أعلن عبد الرحمن بن عوف المرشح الأكيد لخلافة عثمان قطيعته لعثمان، وبدأ الخصوم يذكرون من سيرة النبيصلىاللهعليهوآله
وأحاديثه ما يضعِّفون به جانب عثمان وبني اُميّة؛ وبذلك انكسرت سياسة منع الحديث وضعفت سيطرة السلطة.
____________________
حركة عليعليهالسلام
لإحياء السنة النبويّة
في أجواء الانشقاق القرشي هذا قرَّر عليعليهالسلام
البدء بحركته الإحيائية لسنّة النبيصلىاللهعليهوآله
في المجتمع، وأعلن عن عزمه على الحج تلك السنة، ولبّى بحجّ التمتع الذي أمر به النبيصلىاللهعليهوآله
وحرَّمته الخلافة القرشية
.
وأوعز إلى أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله
الذين على رأيه، وهم: أبو ذر وعمّار ومقداد ونظراؤهم أن يبدؤوا بنشر الحديث النبوي، ويعرِّفوا الناس بمفتاح العلم والهداية بعد النبيصلىاللهعليهوآله
وهم أهل بيتهعليهمالسلام
.
____________________
انتهى انشقاق قريش بنجاح طرف عائشة وطلحة في التحريض على عثمان، ثمّ نجاحهم في قتله، وكانوا يترقّبون أن يتّجه الناس إلى طلحة ليبايعوه، غير أنهم فوجئوا بأن الناس اتجهوا إلى عليعليهالسلام
يقودهم عمار وأبو الهيثم بن التيِّهان وأبو سعيد الخُدري وغيرهم من الصحابة الأنصار، ومعهم مالك الأشتر ونظراؤه من التابعين، وأصرّوا على عليعليهالسلام
أن يبايعوه
.
وقام عليعليهالسلام
بواجبه كوصيٍّ للنبيصلىاللهعليهوآله
، وإمام هدى بأمر الله تعالى، وشاهد إلهي على الناس، مسؤول عن حفظ الرسالة ونشرها في المجتمع خير قيام حين نهض بالأمر بعد قتل عثمان وبيعة الأمة له؛ فأكمل عمله الذي بدأه في اُخريات عهد عثمان، أكمل نشر سنة النبيصلىاللهعليهوآله
وأحيا العمل بها، وحثَّ على تدوينها، ومنع من التحديث بالأساطير الإسرائيلية.
____________________
ولم تطب نفس قريش بذلك؛ فنكثت بيعة عليعليهالسلام
، وعملت على تفريق الاُمّة. وتصدى لذلك وجوهم آنذاك، وهم: عائشة وطلحة والزبير ومعاوية، وحاربوه في البصرة في الحرب المعروفة بحرب الجمل، ولمّا انكسروا فيها التفّوا حول معاوية في الشام وحاربه في صفين، ثمّ وقعت الفتنة في جيش عليعليهالسلام
وتجمهر عدة آلاف من العراقيِّين المتأثرين باجتهادات عمر في العبادة وغيرها
فحاربوه في النهروان.
____________________
انحصر إحياء سنة النبيصلىاللهعليهوآله
ونشرها بين أهل البلاد المفتوحة شرقاً، وصارت الكوفة مركزاً لتلك النهضة الإحيائية لسنة النبيصلىاللهعليهوآله
والعمل بها. أما الشام فقد بقيت منغلقة على هذه النهضة، وصارت مركزاً لقريش في محاربة عليعليهالسلام
والكيد له، ومحاربة الأحاديث النبويّة الصحيحة.
وشوَّه معاوية عن طريق الأخبار الكاذبة صورة عليعليهالسلام
لدى الشاميِّين، وصوَّره لهم شخصاً مجرماً بحق الإسلام، وأن دم عثمان بعهدته، وسوَّغ لهم لعنه ومحاربته نظير ما فعلت قريش المشركة مع النبيصلىاللهعليهوآله
لمّا هاجر إلى المدينة.
وصار يشن الغارات على أطراف بلاد عليعليهالسلام
لسلب الأموال وإرعاب الناس؛ ليطوّق تجربة عليعليهالسلام
الإحيائية للسنة النبويّة ويحدها من الانتشار. واستشهد عليعليهالسلام
وهو يعبِّئ الناس لخوض معركة جديدة مع معاوية.
صلح الإمام الحسنعليهالسلام
يحفظ وحدة الكتاب والقبلة ويثقّف أهل الشام بالسنة النبويّة الصحيحة
بايع أهل العراق الحسنعليهالسلام
تبعاً للنصوص النبويّة الواردة في حق أهل البيتعليهمالسلام
التي تعيِّنهم أئمة هدى، وحججاً إلهيين بعد النبيصلىاللهعليهوآله
، والتي أحيا نشرها عليعليهالسلام
. وكانت حكومته مشروعة؛ لأنّ بيعة الاُمّة وقعت في محلها الشرعي، وبايع أهل الشام معاوية ولم تكن بيعة مشروعة؛ لأنها لم تقع في محلها الشرعي.
وانقسمت الاُمّة بذلك إلى كيانين سياسيّين:
أحدهما:
كيان سياسي محوره العراق، يرأسه الحسنعليهالسلام
، وهو عازم على مواصلة مسيرة أبيه في إحياء السنة النبويّة والعمل بها ونشرها بين المسلمين.
وثانيهما:
كيان سياسي محوره الشام، يرأسه معاوية، وهو عازم على إحياء مسيرة أبي بكر وعمر وعثمان ونشر اجتهاداتهم من جديد.
عرض معاوية الصلح على الحسنعليهالسلام
لحقن الدماء، وأن يبقى كل طرف على البلاد التي بايعته واقتنعت به.
وكان الحسنعليهالسلام
أمام هذا العرض بين إحراجين؛ فهو إن رفض اُطروحة الصلح يكون قد سجّل على نفسه أمام الشاميين مخالفة لقوله تعالى:(
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا
)
(الأنفال / ٦٠ - ٦١)، ويكون بذلك قد أمدَّهم بمبرّر قوي لحربه.
وهو إن أقرَّ اُطروحة معاوية في الصلح يكون قد كرَّس جهلَ أهل الشام بالأحاديث النبويّة في حق عليعليهالسلام
، وجهلهم بسيرته التي هي سيرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله
، مضافاً إلى ذلك فإن اُطروحة معاوية في الصلح تستبطن إجراءً سوف يتّخذه معاوية مستقبلاً يقضي بمنع أهل الشام من الذهاب إلى مكة حتّى لا يختلطوا بالعراقيِّين، ومن ثمّ يتعلموا منهم أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله
في حقِّ عليعليهالسلام
، ولا يتعرفون على سيرته المشرقة.
وهذه الخطوة سوف تجر إلى تبنّي القبلة الأولى (بيت القدس) في قبال مكة، وحذف آيات ونسخها من القرآن؛ وبذلك تتعدد القبلة ويتعدد الكتاب، وكذلك تجر إلى اُمور أخرى
.
ومن هنا قدّم الحسنعليهالسلام
اُطروحة جديدة للصلح تستند إلى اُطروحة جدّه النبيصلىاللهعليهوآله
في صلحه مع قريش، مع تطوير يناسب المقام ويحقق الأهداف كاملة. وتمثلت هذه الاُطروحة الحسنيّة بأن يسلّم الأمر كله لمعاوية لقاء شروط يصوغها الحسنعليهالسلام
.
وفوجئ معاوية بهذه الاُطروحة، وطار لها فرحاً، ولم يكن يصدِّق ذلك.
أرسل معاوية للحسنعليهالسلام
صحيفة بيضاء موقّعة من طرفه يكتب شروطه عليها، وكان من هذه الشروط:
أن يكون الأمر للحسنعليهالسلام
بعد معاوية.
ومنها: أن يترك لعن عليعليهالسلام
.
ومنها: أن يسير معاوية بالكتاب والسنة.
ومنها: أمان كل شيعة عليعليهالسلام
، وغير ذلك.
وحاول معاوية أن يستثني عشرة من شيعة عليعليهالسلام
من الأمان، ولكن الحسنعليهالسلام
رفض ذلك.
واستجاب معاوية أخيراً للشروط، واتّضح لأهل الشام جلياً أنّ معاوية كان يقاتل على الملك وليس من أجل دم عثمان، بدليل أنه لمّا عرض عليه الملك بشرط أمان الناس كلهم بما فيهم مَن هو متّهم من قبل الإعلام الاُموي بدم عثمان رضيَ به، بل طار له فرحاً
.
____________________
عاشت الاُمّة عشر سنوات من الصلح، وكانت سنوات أمان تام، وتحرَّك أصحاب عليعليهالسلام
من العراقيِّين ينشرون سنة النبيصلىاللهعليهوآله
، واختلطوا بأهل الشام في موسم الحج والعمرة، ومن خلال سفرات إلى الشام كان يعرضها معاوية عليهم، وانتشرت أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله
في حقِّ عليعليهالسلام
، وعرف الشاميّون موقعه في الإسلام، وعرفوا سيرته المشرقة المتطابقة مع سيرة النبيصلىاللهعليهوآله
.
وأحبَّ الناس جميعاً الحسنعليهالسلام
؛ لِما حقّق لهم من الأمان، ولِما رأوا من أخلاقه وعبادته وعلمه من خلال موسم الحج الذي أحياه بالحج ماشياً عشر سنوات بعد الصلح
، ومن خلال سفراته إلى الشام، وأدرك الناس بعمق كلمة النبيصلىاللهعليهوآله
في حق الحسنعليهالسلام
حين قال:« إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين »
.
ضلالة بني اُميّة
لم يَرُق لمعاوية أن يموت ويترك الاُمور ممهَّدة للحسن بن عليعليهالسلام
، وقد برَّزته الأحداث كأعظم مُصلح في الاُمّة، ثمّ يستمر الأمر من بعده للحسين بن علي والأئمةعليهمالسلام
من ذرّيته، شهداء على الناس، وأئمة هدى يقودون الناس إلى الله تعالى.
وخطط معاوية ليستولي على الاُمور، وليكون هو ونسله أولى بالنبيصلىاللهعليهوآله
وبدين إبراهيمعليهالسلام
، وأن يعرضوا أنفسهم على الناس أنهم أئمة الهدى، وخلفاء الله وشفعاؤه في خلقه، وأن يعرضوا علياً وأهل بيتهعليهمالسلام
ملحدين في الدين، استوجبوا اللعنة والبراءة على لسان النبيصلىاللهعليهوآله
؛ وبذلك يثأر لأسلافه الذين قُتِلوا في معركة بدر على الشرك، ويحقق ما لم يخطر على بال اُمّه هند من صور الانتقام.
____________________
كانت العقبة الكؤود أمام هذا المخطط الرهيب وجود الحسنعليهالسلام
، ومحبة الناس له، والكوفة قلعة الولاء لعليعليهالسلام
، والأحاديث النبويّة الصحيحة في حق علي وأهل بيته، وتاريخ بني اُميّة في حرب النبيصلىاللهعليهوآله
، ومخالفات الخلفاء السابقين لسنة النبيصلىاللهعليهوآله
التي انتشرت أخبارها بين المسلمين جميعاً.
كانت ركائز خطة معاوية هي:
١ - اغتيال الحسنعليهالسلام
بالسم.
٢ - المنع من رواية فضائل علي وأهل بيتهعليهمالسلام
.
٣ - وضع أحاديث تطعن بعليعليهالسلام
وتشوّه سيرته، وتسوّغ لعنه والبراءة منه، ثمّ وضع أحاديث تجعل من شخصيّة النبيصلىاللهعليهوآله
شخصيّة اعتيادية.
٤ - وضع أحاديث في فضائل معاوية والخلفاء السابقين توجب الولاء لهم، والتقرب بهم إلى الله تعالى والطاعة المطلقة لهم.
٥ - قتل وجوه أصحاب عليعليهالسلام
باعتبارهم سيقفون معارضين لتلك السياسة، وتفريغ الكوفة من شيعة علي بإشغالهم بالفتوح، وتحويل الكوفة إلى بلد مطيع لبني اُميّة. وجَدَّ في ذلك معاوية كل الجِدّ، وصرف كل قدراته في تنفيذ تلك الخطوات.
شهد الحسينعليهالسلام
نقض معاوية لشروط الحسنعليهالسلام
بعد وفاته، وشهد فصول حركته التحريفيّة التي استهدفت (تفريغ) الإسلام من محتواه المحمدي الأصيل الذي يقوم على الولاء لله ولرسولهصلىاللهعليهوآله
، ولعلي والأئمةعليهمالسلام
من ولده؛ بصفتهم أولى بالنبيصلىاللهعليهوآله
وبدين إبراهيمعليهالسلام
، و(استبداله) بمحتوى اُموي يقوم على البراءة من عليعليهمالسلام
ولعنه؛ بصفته ملحداً في الدين، ثمّ الولاء لبني اُميّة بصفتهم أولى بالنبيصلىاللهعليهوآله
وبدين إبراهيمعليهالسلام
، وأنهم أئمة هدى، وأنهم خلفاء الله وشفعاؤه في خلقه.
جدَّد وجوه الكوفيِّين العهد مع الحسينعليهالسلام
بعد وفاة الحسنعليهالسلام
، وعرضوا عليه النهوض في وجه معاوية لنقضه الشروط، فأجابهم الحسينعليهالسلام
أن يكونوا أحلاس بيوتهم ريثما يموت معاوية
، وطلب منهم العمل سراً على مواصلة نشر الحديث النبوي الصحيح.
وتكررت لقاءاتهم مع الحسينعليهالسلام
لأخذ التوجيه منه، وكان آخر لقاء له معهم هو قبل موت معاوية بسنة؛ حيث جمعهم في مؤتمر سرّي تدارس فيه معهم الخطة بعد موت معاوية.
عيَّن معاوية ولده يزيد خليفة من بعده، وأخذ البيعة له من الناس، وحاول أخذ البيعة له من وجوه كان يخشى أن لا تبايعه بعد موته، منها الحسينعليهالسلام
، وعبد الله بن الزبير وغيرهما، ولم ينجح معهم.
المعركة بين الطرفين حول الهداية
يتّضح من ذلك أنَّ المعركة الأساسيّة بين الحسينعليهالسلام
وبين ومعاوية وولده يزيد لم تكن معركة حول السلطة، بل كانت حول الهداية؛ فهي نظير المعركة بين النبيصلىاللهعليهوآله
وقريش لمّا بُعث في مكة؛ حيث كانت قريش بعد وفاة عبد المطلبرضياللهعنه
بعد أن ميَّزه الله تعالى بقصة الفيل، وإبرازه أولى بإبراهيم ودينه، قد عرضت نفسها على أنها أولى الناس بمقام إبراهيمعليهالسلام
وبدينه، ومن ثمّ يتعيّن على الناس أخذ أحكام الحج من قريش.
وخضعت الناس لقريش في ذلك حتّى بعث الله تعالى محمّدصلىاللهعليهوآله
، وميَّز بني هاشم على غيرهم مرة اُخرى.
____________________
وهي أيضاً نظير المعركة بين موسى وفرعون في مصر، كانت معركة حول التوحيد وليست حول السلطة؛ فقد عرض فرعون نفسه على أنه خليفة الله وشفيعه، والهادي إلى دينه ورضاه في قبال آل يعقوب، واستضعف الأئمة من آل يعقوب بسب عدم خضوعهم له في ذلك. وبعث الله تعالى موسى ليميِّز آل يعقوب من جديد، ولينقذهم من العذاب المهين، ويفتح الطريق لإمامتهم الهادية.
وكذلك فإنَّ المعركة الأساسية بين عليعليهالسلام
والخلفاء القرشيِّين الثلاثة كانت حول الهداية وليس حول السلطة؛ عليعليهالسلام
يرفض بيعة أبي بكر، ولو وجد أربعين ذوي عزم لجاهدهم ليس لأجل الملك، بل لأجل حفظ رسالة النبيصلىاللهعليهوآله
من أن تعبث بها قريش المسلمة، قريش التي جعلت من سيرة أبي بكر وعمر في عداد كتاب الله وسيرة النبيصلىاللهعليهوآله
.
وقد رفض عليعليهالسلام
أن يبايعه عبد الرحمن بن عوف على أساس ذلك، ولما وجد الأنصار نهض وقاتل كما فعل النبيصلىاللهعليهوآله
، وانتشرت سنة النبيصلىاللهعليهوآله
من جديد في الجيل الذي حُرم منها، ولولا عليعليهالسلام
لم تنتشر.
وكذلك فإنّ المعركة بين معاوية والحسنعليهالسلام
لم تكن حول السلطة، بمعنى أن الحسنعليهالسلام
لم يصالح معاوية من أجل أن يرجع إليه الملك فحسب، وإن كان هذا الملك من حقه، ولكنّه صالَح حتّى تحفظ الرسالة من خطر التحريف المستلزم بعثة نبيّ وبطلان ختم النبوة. ولولا الصلح لتعددت القبلة، وتعدد الكتاب فضلاً عن ضياع الشريعة وأحكامها.
وكذلك الأمر بين الحسينعليهالسلام
ومعاوية ويزيد، فلم يكن رفض البيعة من قبل الحسينعليهالسلام
، ثمّ أخذ البيعة من أهل الكوفة لأجل الملك
، بل رفض البيعة ليزيد، وقال:« لو لم يكن لي ملجأ لما بايعت يزيد »
؛ لأنّ البيعة ليزيد ولو كرهاً تعني السكوت عن أخطر عملية تحريف للسنة النبويّة؛ لأنه تحريف يجعل من عليٍّعليهالسلام
رمزاً للإلحاد في الإسلام والانحراف عنه، ويكون لعنة من أفضل القربات عند الله، ويجعل من الخليفة الاُموي رمزاً للهداية تكون طاعته من أفضل الطاعات.
وبقي الحسينعليهالسلام
على موقفه حتّى حين حوصر وفُصِل بينه وبين أنصاره، وهذا النوع من الانحراف لم يكن حتّى زمن الخلفاء الثلاثة.
وفيما يلي تفصيل عن مفردات الواقع السياسي والاجتماعي الذي تحرّك فيه الحسينعليهالسلام
، وكيف انحصر التغيير وفتح خط الهداية به، وكيف كانت خطة الحسينعليهالسلام
لذلك.
____________________
مفردات الواقع السياسي والاجتماعي الذي تحرك فيه الحسينعليهالسلام
المفردة الأولى: البراءة من عليعليهالسلام
أحد أركان الإسلام الذي تقدّمه دولة معاوية للناس
استطاع معاوية في حياة الحسنعليهالسلام
أن يكسر حِدَّة تحركات الخوارج، وأن يبني جيشاً قوياً يقابل به الروم، ويستأنف مشروع الخلافة في الفتوح الذي توقّف زمن عليعليهالسلام
، وأن يبني جهاز الأمن الداخلي لينفّذ به ما يريد. ثمّ تخلّص من الحسنعليهالسلام
بطريقته المعهودة بأن دسّ السمَّ له عن طريق زوجته ابنة الأشعث بن قيس، ثمّ طالع الاُمّة بمنهجه الجديد في التربية والبناء من خلال ما يلي:
أ - تربية الاُمّة على لعن عليعليهالسلام
والبراءة منه
جهد معاوية على تربية الاُمّة على البغض لعليعليهالسلام
ولعنه على منابر المسلمين، وترويج الأحاديث الكاذبة في ذمه، والمنع من ذكر أيّة رواية عن النبيصلىاللهعليهوآله
في فضله، ومعاقبة المخالف بالقتل والتهجير والسجن، وقطع الأيدي والنفي والحرمان من العطاء.
قال أبو عثمان الجاحظ
: إنّ معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة: اللهمَّ إنّ أبا تراب ألحد في دينك، وصدّ عن سبيلك، فالعنه لعناً وبيلاً، وعذّبه عذاباً أليماً. وكتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يشار بها على المنابر.
قال أبو جعفر الأسكافي (ت٢٢٠)
: إنّ معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليعليهالسلام
تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جُعَلاً يُرغب في مثله؛ فاختلقوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير
.
____________________
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مسنداً متصلاً بعمرو بن العاص، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله
يقول: إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنما وليّيَ الله وصالح المؤمنين
.
روى أبو الحسن على بن محمّد بن أبي سيف المدائني في كتاب الأحداث، قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله أن برئت الذمة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته.
فقامت الخطباء في كل كورة، وعلى كل منبر يلعنون علياً ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته.
____________________
قال الباقرعليهالسلام
:« وكان عُظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن
عليهالسلام
؛ فقُتلت شيعتنا بكلِّ بلدة، وقُطعت الأيدي والأرجل على الظِّنَّة، وكان من يذكِّر بحبنا والانقطاع إلينا سُجن أو نهب ماله أو هدمت داره، ثمّ لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين »
.
ب - تربية الاُمّة على الولاء لمعاوية وابنه يزيد وذرّيته وتوصيف نفسه بخليفة الله
جدّ معاوية في تربية الاُمّة على أن طاعته هي من أعظم الطاعات الإلهيّة لله، وأن معصيته من أعظم المعاصي، وروَّج الأحاديث الكاذبة التي تحطّ من شخصية النبيصلىاللهعليهوآله
بما يوافق هوى الحكّام وسيرتهم، وظهرت أحاديث موضوعة على لسان النبيصلىاللهعليهوآله
تمدح معاوية.
- روى الترمذي بسنده عن سعيد بن عبد العزيز (راوي شامي)، عن ربيعة بن يزيد (راوي شامي)، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة (صحابي سكن الشام)
، عن النبيصلىاللهعليهوآله
أنه قال لمعاوية: اللهمّ اجعله هادياً مهدياً واهدِ به
.
- ورووا أنه قال: ائتمن الله على وحيه ثلاثة؛ جبرئيل في السماء، ومحمّداً في الأرض، ومعاوية بن أبي سفيان
!
وكان معاوية يكرم من يسايره من الرواة بالعطاء والتشفيع، والتولية والتوظيف في مرافق الدولة.
____________________
ج - تربية الاُمّة على السكوت على الظلم
وجدّ معاوية أيضاً على تربية الاُمّة على السكوت على الظلم مهما بلغت شدته وقسوته، من خلال ترويج أحاديث كاذبة تدعو إلى ذلك:
- فرووا عن النبيصلىاللهعليهوآله
أنه قال: تسمع وتطع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك
.
- وأنه قال: فإن رأيت يومئذ لله (عزّ وجلّ) في الأرض خليفة فألزمه وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك
.
د - تربية الاُمّة على الطاعة المطلقة للخليفة
وجهد معاوية أيضاً في تربية الاُمّة على الطاعة المطلقة للخليفة واعتبارها رأس الطاعات.
- ورووا عن النبيصلىاللهعليهوآله
أنه قال: مَن خرج من الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهليّة
.
وأنهصلىاللهعليهوآله
قال: ثلاثة لا تسأل عنهم؛ رجل فارق الجماعة وعصى إمامه فمات عاصياً فلا تسأل عنه، وأمة أو عبد أبق من سيده، وامرأة غاب زوجها وكفاها مؤونة الدنيا فتبرجّت وتمرّجت بعده
.
أقول: المراد بالإمام في الرواية الحاكم الأعلى للمسلمين.
____________________
المفردة الثانية: ظهور جيل مسلم جديد يتقرّب إلى الله تعالى بلعن عليعليهالسلام
نشأ على أساس تلك التربية والمنهج جيل جديد في الاُمّة ما بين سن الخامسة عشر وسن الخامسة والعشرين، وقد كان هذا الجيل المادة الأساسية للجيش وقوى الشرطة وبقية المواقع الاجتماعية والإدارية.
أما معلموا هذا الجيل فهم جماعة من الصحابة الذين حاربوا علياًعليهالسلام
في الجمل وصفين، أو الذين أغراهم معاوية بالمال، وجماعة من التابعين الذين ساروا على منهجهم.
وكان من هؤلاء الصحابة مسلم بن عقبة المري
قائد جيش أهل الشام في واقعة الحرة في المدينة. قال في وصيته عند موته: اللهمّ إنك تعلم أني لم أعصِ خليفة قط. اللهمّ إني لم أعمل عملاً أرجو به النجاة قط إلاّ ما فعلتُ بأهل المدينة
.
وفي رواية اليعقوبي: اللهمّ إن عذبتني بعد طاعتي لخليفتك يزيد بن معاوية وقتل أهل الحرة فإني إذاً لشقي
.
____________________
ومن التابعين شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسينعليهالسلام
، قال أبو إساحق: كان يصلي معنا، ثمّ يقول: اللهمَّ إنك تعلم أني شريف فاغفر لي.
قلت: كيف يغفر الله لك وقد أعنت على قتل ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله
؟!
قال: ويحك! فكيف نصنع؟! إن أمراءنا هؤلاء أمرونا بأمر فلم نخالفهم، ولو خالفناهم كنّا شراً من هذه الحمر الشقاء
.
المفردة الثالثة: محاصرة شيعة عليعليهالسلام
واضطهادهم وتصفيتهم
شيعة عليعليهالسلام
هم طبقة من المحدِّثين، فيهم مئات من الصحابة وآلاف التابعين، لهم معتقد بعليعليهالسلام
قام على أساس أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله
وسيرته مع عليعليهالسلام
، وكذلك قام هذا المعتقد على أساس أحاديث عليعليهالسلام
وسيرته في المجتمع خلال السنوات الخمس التي حكم فيها، وهي سيرة أحيت المعطّل من كتاب الله، والمكتوم من سنة النبيصلىاللهعليهوآله
، وتذوَّق خلالها الناس كرامة الحياة التي يدعو إليها الأنبياء.
تركَّز شيعة عليعليهالسلام
في الكوفة بصفتها البلد الذي شهد حركة عليعليهالسلام
الفكرية والتربوية والسياسية. حمل شيعة عليعليهالسلام
كل ذكرياتهم عن عليعليهالسلام
وما تعلموه منه، وهو كل الإسلام الذي جاء به النبيصلىاللهعليهوآله
ووعاه عليعليهالسلام
وعياً تاماً دون غيره من الصحابة، ونشروه في البلدان التي لم تعرف عن عليعليهالسلام
وسيرته، وبخاصة الشام أيام سنوات الصلح بين الحسنعليهالسلام
ومعاوية.
وصار الشيعة وبخاصة في العراق غرضاً لخطة معاوية في التصفية والإبادة والتطويق، بصفتهم العقبة الكؤود أمام منهجه التربوي والسياسي الجديد؛ ومن هنا سُجِّلت في الكوفة مظالم لم تسجّل في غيرها من بلاد المسلمين، منها:
____________________
- تهجير خمسين ألف بعيالاتهم من الكوفة والبصرة إلى خراسان سنة ٥٠ هجرية، كان فيهم الصحابي بريدة بن الحصيب، والصحابي أبو برزة الأسلمي وغيرهما ممّن عرف بولائه لعليعليهالسلام
.
- قتل حجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهما بتلفيق تهمة الخروج على الدولة.
- نفي صعصعة بن صوحان العبدي
، وآمنة بنت الشريد زوجة عمرو بن الحمق
، وكان معاوية قد سجنها رهينة حتّى يسلّم زوجها نفسه، ولمّا قُتل نفاها إلى حمص وماتت بها، وغيرهما.
- قتل رشيد الهجري وميثم التمار وجويرية بن مسهر ونظرائهم.
- قطع أيدي ثمانين حصبوه بالحجارة على لعنه علياًعليهالسلام
.
قال سُلَيم: اشتد البلاء بالأمصار كلِّها على شيعة علي وأهل بيتهعليهمالسلام
، وكان أشدَّ الناس بلية أهلُ الكوفة؛ لكثرة مَن بها من الشيعة. واستعمل عليها زياداً، وجمع له العراقين(أي الكوفة والبصرة). كان يتتبع الشيعة … فقتلهم على التهم والظن والشُّبه تحت كلِّ كوكب، وتحت كلِّ حجر ومدر، وأحلأهم وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل منهم، وصلبهم على جذوع النخل، وسمل أعينهم، وطردهم وشرّدهم
.
____________________
وكان آخر ما عزم زياد على فعله في الكوفة سنة ثلاث وخمسين هو أن جمع الناس فملأ منهم المسجد والرُّحبة والقصر ليعرضهم على البراءة من عليعليهالسلام
، فمَن أبى ذلك عرضه على السيف
. ولكن الله تعالى سلّط عليه الطاعون فأشغله عنهم ومات بعدها بأيام
.
الواقع السياسي والاجتماعي الذي أسّسه معاوية
استطاع معاوية أن يُحْكِمَ قبضته على حركة المجتمع لتحقيق أربعة أهداف، هي:
١ - القضاء على شيعة عليعليهالسلام
المنتشرين في البلاد الإسلاميّة، وتحويل الكوفة بصفتها مركز التشيع لعليعليهالسلام
إلى سابق عهدها قبل هجرة عليعليهالسلام
إليها مدينة موالية للخليفة القرشي، سامعة مطيعة له.
٢ - تكوين أجيال جديدة توالي الاُمويِّين بصفتهم أئمة الدين وحماته، وتُبغض أهل البيتعليهمالسلام
وعلياً بصفتهم أعداء الله ورسوله، وتحفظ روايات كاذبة عن النبيصلىاللهعليهوآله
في ذمِّ عليٍّ وأهل بيتهعليهمالسلام
، وروايات كاذبة في الحطِّ من سيرة النبيصلىاللهعليهوآله
بما يوافق هوى الحكّام ومدح معاوية وأهل بيته.
٣ - حصر الملك في ذرّية معاوية واُسرته.
٤ - تحريف السنة النبويّة وتفسير القرآن بما ينسجم مع الأهداف الآنفة الذكر.
____________________
التغيير المطلوب تحقيقه في الاُمّة
ممّا لا شك فيه أنّ المطلوب إسلاميّاً في وضع سياسي واجتماعي كالذي عرضنا هو تحقيق ثلاثة اُمور، وهي:
أ - كسر الطوق السياسي والاجتماعي المفروض على الحديث النبوي الصحيح في أهل البيتعليهمالسلام
وعليعليهالسلام
خاصة، ليُعرض أهل البيت وعليعليهمالسلام
في الاُمّة من جديد امتداداً رسالياً للنبيصلىاللهعليهوآله
، ومحوراً للولاء، ومصدراً مطهراً للتثقيف بعد الرسولصلىاللهعليهوآله
.
ب - إنقاذ شيعة العراق بصفتهم حملة علم عليعليهالسلام
وسيرته من حالة التصفية والاختناق والحصار الاجتماعي والسياسي التي يعيشونها.
ج - تفهيم الاُمّة أنّ السكوت على ظلم بني اُميّة ليس من الدين في شيء، بل الدين يدعو إلى قتالهم والإطاحة بهم؛ بصفتهم قد بلغوا القمة في الظلم والانحراف، وإقامة حكومة إسلاميّة تستهدي تجربة عليعليهالسلام
وتجربة النبيصلىاللهعليهوآله
.
الحسينعليهالسلام
هو الشخص الوحيد المعني بالتغيير المطلوب، والقادر عليه
وممّا لا شك فيه أنّ الشخص الوحيد المعني بالتغيير المطلوب، القادر عليه هو الحسين بن عليعليهالسلام
؛ وذلك لأنه سيد بني هاشم الذين يعيشون المحنة بعميدهم عليعليهالسلام
، وهو مرجع شيعة أبيه وأخيه الممتحنين في العراق، ولأنه يتبوأ في المجتمع الإسلامي أرفع مقام اجتماعي وديني؛ لكونه حفيد النبيصلىاللهعليهوآله
. وقبل ذلك كلِّه لأنه الحجة المنصوب من قبل النبيصلىاللهعليهوآله
لحفظ الرسالة.
وفي قبال الحسينعليهالسلام
هناك الخوارج وعبد الله بن الزبير، وكلاهما معني بتغيير السلطة، أمّا فيما يرتبط بعلي وشيعته فهم والاُمويّون مدرسة واحدة وموقف واحد
.
____________________
الحسينعليهالسلام
عُدَّة إلهية لتحقيق التغير المطلوب
كان الانقلاب الفكري الذي قام به معاوية، والوضع الاجتماعي والفكري الذي أنتجه خطيراً جداً، وكان يشبه إلى حدٍّ كبير الوضع الذي صنعه فرعون مع بني إسرائيل والمجتمع المصري، ودين الله الذي جاء به يوسفعليهالسلام
من قبل.
الوضع الذي اقتضت الحكمة الإلهيّة معه أن يبعث موسىعليهالسلام
لينقذ بني إسرائيل، ويجدد دين يوسفعليهالسلام
، ويقيم الحجة على المجتمع المصري ليحيا من حيَّ عن بينة ويهلك من هلك عن بينة.
وكذلك الحال مع الوضع الذي صنعه معاوية مع أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله
والمجتمع الإسلامي عامة وشيعة عليعليهالسلام
خاصة. ولما كانت النبوة قد خُتمت بمحمّدصلىاللهعليهوآله
اقتضت الحكمة الإلهية أن يقوم أوصياؤه، وهم ليسوا بأنبياء، بما كان يقوم به أوصياء الأنبياء السابقين الذين كانوا في الغالب أنبياء أيضاً.
اقتضت الحكمة الإلهية أن يعرِّف النبيصلىاللهعليهوآله
بأوصيائه من بعده، ويعرِّف أيضاً بأبرز ما يقومون به، ويحدد الموقف منه من أجل أن تهتدي الاُمّة بهديه؛ ومن ذلك أمرُ النبيصلىاللهعليهوآله
لعليعليهالسلام
أن يقاتل الناكثين والقاسطين والمفسدين من بعده، وقوله للزبير:« ستقاتل علياً وأنت له ظالم »
، وقوله لعائشة:« تنبحها كلاب الحوأب »
، وقوله في الحسنعليهالسلام
: «إنّ ابني هذا سيّد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين »
.
____________________
وممّا لا شك فيه أنّ هذه الأقوال من النبيصلىاللهعليهوآله
تفتح القلوب لفعل الوصي الذي يجيء في ظرف فتنة واختلاف، وتشوّش في الرؤية عند غالبية المسلمين.
ومن ذلك قوله في الحسينعليهالسلام
أنه يقتل مظلوماً. وكانصلىاللهعليهوآله
قد استقبل ولادته بذرف الدموع الساخنة عليه، وليس من شك فإنّ قول النبيصلىاللهعليهوآله
هذا وبكاءه يأتي تأييداً لموقف الحسينعليهالسلام
، وتصويباً لموقفه الذي يتألّف من ركنين، هما: رفضه لبيعة يزيد، وخروجه بأهله إلى العراق.
ثمّ يُحاصر هناك ويُعرض عليه البيعة أو الموت، فيختار الموت على البيعة، في قبال مَن يحاول أن يضع اللوم على الحسينعليهالسلام
في عدم تقديره للظرف، وتعريضه لنفسه ولأهل بيته لنكبة ومأساة قلّ نظيرها في التاريخ
.
____________________
خطة الحسينعليهالسلام
العملية لتحقيق التغيير
قامت خطة الحسينعليهالسلام
لتحقيق التغيير عملياً على مرحلتين أساسيّتين، هما:
المرحلة الاُولى: اتخاذ موقف السكوت على عهد معاوية، والعمل سرّاً
احتفظ الإمام الحسينعليهالسلام
في هذه المرحلة مع أصحابه بعلاقات سرية كان يحثهم فيها على نشر أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله
في أهل البيتعليهمالسلام
ريثما يموت معاوية. نعم تذكر المصادر التاريخيّة أنّ معاوية بعث برسالة تهديد إلى الحسينعليهالسلام
بعد قتل حجر وتردد العراقيِّين على بيته، فبعث الحسينعليهالسلام
برسالة يردّ فيها على معاوية.
وكان آخر نشاط سرّي نوعي في هذه المرحلة هو المؤتمر السري الذي عقده بحضور بني هاشم، وعدد من الصحابة والتابعين قبل موت معاوية بسنة.
كتب معاوية إلى الحسينعليهالسلام
:... فمتى تنكرني أنكرك، ومتى تكدني أكدك، فاتقِ الله في شق عصا هذه الاُمّة، وأن تردهم إلى فتنة.
فكتب إليه الحسينعليهالسلام
:«... أمّا ما ذكرتَ أنه رُقِّيَ إليك عنّي فإنه إنما رقاه إليك الملاّقون، المشّاؤون بالنميمة... ما أردتُ لك حرباً ولا عليك خلافاً، وإنّي لأخشى الله في ترك ذلك منك، ومن الإعذار فيه إليك، وإلى أوليائك الفاسقين الملحدين حزب الظلمة.
ألستَ القاتل حجر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم، ويستفضعون البِدَع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يخافون [في] الله لومةَ لائم؟! ثمّ قتلتَهم ظلماً وعدواناً من بعدما أعطيتَهم الأيمان المغلظة والمواثيق المؤكدة؛ جرأةً على الله واستخفافاً بعهده!
ولعمري ما وفيتَ بشرط، ولقد نقضتَ عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان، والعهود والمواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوك ونقضوا عهدك. ولم تفعل ذلك بهم إلاّ لذكرهم فضلَنا وتعظيمهم حقَّنا. فأبشر يا معاوية بالقصاص وأيقن بالحساب... وليس الله بناسٍ لأخذك بالظِّنَّة، وقتلِك أولياءَه على التُّهَم، ونفيِك إيّاهم من دورهم إلى دار الغربة »
.
____________________
قال سليم بن قيسرحمهالله
: لمّا كان قبل موت معاوية بسنة حجَّ الحسين بن عليعليهمالسلام
، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن جعفر، فجمع الحسينُ بني هاشم، ثمّ رجالَهم ونساءَهم، ومواليهم ومَن حجّ من الأنصار ممّن يعرفه الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام
، ثمّ أرسل رسلاً وقال لهم:« لا تَدَعونَ أحداً حَجَّ العام من أصحاب رسول اللّه
صلىاللهعليهوآله
، المعروفين بالصلاح والنسك إلاّ اجمعوهم لي »
.
فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمئة رجل، وهم في سرادُقِه، عامَّتُهم من التابعين، ونحو من مئتي رجل من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله
، فقام فيهم خطيباً وقال:« أمّا بعد، فإنّ هذا الطاغية قد فعل ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم. اسمعوا مقالتي واكتبوا قولي، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم؛ فمن أمنتم من الناس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا؛ فإني أتخوف أن يُدْرَسَ
هذا الأمر، ويذهب الحق ويُغلب، واللّه متمّ نوره ولو كره الكافرون ».
وما ترك شيئاً ممّا أنزله الله فيهم من القرآن إلاّ تلاه وفسّره، ولا شيئاً ممّا قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله
في أبيه وأخيه واُمّه وفي نفسه وأهل بيته إلاّ رواه... وكلّ ذلك يقول أصحابه: اللّهمَّ نعم، وقد سمعنا وشهدنا.
ويقول التابعي: اللّهمَّ قد حدّثني به مَن أثق به، وأأتمنه من الصحابة.
فقال:« أنشدكم الله إلاّ حَدَّثتُم به مَن تثقون به وبدينه »
.
____________________
المرحلة الثانية: التحرك العلني بعد موت معاوية
وكانت الخطوات الأساسيّة للعمل في هذه المرحلة ثلاث، وهي:
الخطوة الاُولى: الإعلان عن عدم إعطاء بيعة ليزيد وإن كلّفه ذلك حياته
وذلك لأنّ بيعة الحسينعليهالسلام
ليزيد ليست في صالح الإسلام، ولا في صالح الاُمّة بأي حال من الأحوال، بل تعني - إن حصلت - أنّ الحسينعليهالسلام
أقرّ المنهج التحريفي للإسلام الذي نهض به بنو اُميّة، وانقطاع أثر الحديث الصحيح في أهل البيت وعليعليهمالسلام
في الاُمّة تماماً عند موت حامليه الذين حملوه في صدورهم، وكتموه خوفاً من السلطة.
قالعليهالسلام
:« لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد »
.
وهو في ذلك نظير جدِّه النبيصلىاللهعليهوآله
حين قال لعمّه أبي طالب (رضوان الله عليه):« يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتّى يظهره الله أو أهلك دونه »
.
والقضية واحدة عند النبيصلىاللهعليهوآله
وعند الحسينعليهالسلام
؛ فإنّ قريشاً كانت تريد من النبيصلىاللهعليهوآله
أن يترك دعوة التوحيد لتسود عبادة الأصنام، وبنو اُميّة يريدون من الحسينعليهالسلام
أن يترك أحاديث جدّه في أهل بيته الذين عيّنهم بأمر الله تعالى حججاً على الناس، تموت في الاُمّة وينقطع أثرها بموت حامليها، وتحلّ محلها أحاديث كاذبة قيلت على لسانه في بني اُميّة والخلفاء منهم على أنهم حجج الله وأئمة الهدى.
____________________
الخطوة الثانية: الانطلاق من مكّة لإعلان الحركة التبليغيّة
اختار الحسينعليهالسلام
مكّة مركزاً لإعلان رفضه لبيعة يزيد؛ لأنها المكان الوحيد الذي يقصده المسلمون من كلِّ الأقطار للعمرة والحج. والحسينعليهالسلام
بأمسِّ الحاجة إلى مكان عام كهذا من أجل نشر حديث جدّه في أهل البيتعليهمالسلام
، هذا مضافاً إلى تحرّكه على أخيار الاُمّة القادمين من الآفاق لطلب نصرتهم.
وقد بقي في مكّة أربعة أشهر؛ شعبان ورمضان، وشوال وذو القعدة، وأيام من ذي الحجة. التفّ حوله المعتمرون والقادمون للحجّ، يسمعون منه حديثه عن جدّه في فضل أبيه، أو في فضله، أو في جهاد الظالمين، أو فيما سوف يُرتكب بحقّه، وقتله مظلوماً بشط الفرات.
قال الطبري: فأقبل الحسينعليهالسلام
حتّى نزل مكّة، فأقبل أهلها يختلفون إليه ويأتونه، ومَن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق.
وقال ابن كثير: فعكف الناس على الحسينعليهالسلام
يفِدون إليه ويقدِمون عليه، ويجلِسون حواليه ويستمعون كلامه حين سمعوا بموت معاوية وخلافة يزيد. وأمّا ابن الزبير فإنه لزِم مصلاّه عند الكعبة، وجعل يتردد في غُبون
ذلك إلى الحسين في جملة الناس، ولا يمكنه أن يتحرك بشيء ممّا في نفسه مع وجود الحسين؛ لما يعلم من تعظيم الناس له وتقديمهم إيّاه
.
أقول:
بقي الحسينعليهالسلام
في مكّة شهر شعبان ورمضان، وشوال وذي القعدة، وثمانية أيام من ذي الحجة، وممّا لا شك فيه أن الحسينعليهالسلام
في هذه الفترة وفي حلقاته مع المعتمرين وأهل الآفاق كان قد كسر الطوق الذي فرضه معاوية على الحديث النبوي الصحيح في علي وأهل بيتهعليهمالسلام
، أو في ذمِّ بني اُميّة، أو في بيان أحكام متعة الحج وغير ذلك.
____________________
وبدأ يذكِّر الناس ويُسْمِع مَن لم يَسمَع منهم أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله
في تفسير القرآن، وفي فضل أبيه عليعليهالسلام
، وفي فضله وفضل أخيه الحسنعليهماالسلام
، وفي ذمِّ بني اُميّة، وفي الموقف الصحيح عند ظهور الظلم والبدع وغير ذلك، من قبيل: حديث الغدير، وحديث الدار، وحديث المنزلة، وحديث الثقلين، وحديث الكساء، وحديث رؤيا النبيصلىاللهعليهوآله
والشجرة الملعونة في القرآن، وغيرها.
ومن قبيل قولهصلىاللهعليهوآله
:« مَن رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله »
.
ثمَّ يذكِّرهم بجرائم بني اُميّة ومخالفاتهم لأحكام الله وسنة رسوله، وتعطيلهم الحدود، وقتلهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر كحجر بن عدي وعمرو بن الحمق وغيرهما، ونفي الأخيار والنساء كصعصعة بن صوحان العبدي وآمنة بنت الشريد زوجة عمرو بن الحمق بعد أن كانت رهينة الحبس لحين تسليم زوجها نفسه، وغيرها.
ويقول لهم:« ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ مَن غَيَّر »
.
ويقول لهم:« ألا ترون إلى الحقِّ لا يُعملُ به، وإلى الباطل لا يُتَناهى عنه؟! ليرغب المؤمن في لقاء الله؛ فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، ولا الحياة مع الظالمين إلاً برماً »
.
ويقول لهم:« إنّي أدعوكم إلى إحياء معالم الحقِّ وإماتة البدع »
.
ثمّ يذكِّرهم بقول النبيصلىاللهعليهوآله
فيه:« حسين منّّي وأنا من حسين، أحبَّ الله مَن أحبَّ حسيناً »
، وبقولهصلىاللهعليهوآله
فيه وفي أخيهعليهماالسلام
:« الحسن والحسين سبطان من الأسباط. الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة »
.
____________________
ولا بدّ أنهعليهالسلام
قد ذكّرهم وأخبرهم بما أعلنه النبيصلىاللهعليهوآله
منذ ولادتهعليهالسلام
بأنه سوف تقتله الفئة الباغية
ظلماً وعدواناً.
ثمّ يقول لهم:« وأيم الله، لو كنتُ في جُحْرِ هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقضوا فيَّ حاجتهم، ووالله لَيَعْتَدُنَّ عليَّ كما اعتدت اليهود في السبت »
.
ويقولعليهالسلام
لهم:« كأني بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن منّي أكراشاً جوفاً، وأجربةً سغباً، لا محيص عن يوم خُط بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، [نصبر على بلائه] ويوفّينا اُجور الصابرين. لن تشذ عن رسول الله لحمته... »
.
لقد كان الحسينعليهالسلام
يحدِّث بهذا وأمثاله سراً وعلانية في جو من الاستضعاف والخوف والإرهاب، يبصِّر المسلمين ويستنهض هممهم ويطلب نصرتهم، ويذكِّرهم بتكليفهم الشرعي، نظير ما كان يصنعه جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله
في مكّة يوم استضعفته قريش وعذّبت أصحابه؛ فقُتل مَن قُتل، وسجن مَن سُجن، وشُرِّد من شُرِّد.
وليس من شكٍّ أنّ هذه الحركة التبليغية العلنية من الحسينعليهالسلام
تقوم على أساس ما أمر به النبيصلىاللهعليهوآله
من تبليغ حديثه إلى الناس، وما أمر به الله ورسوله من إظهار العلم عند ظهور البدع. وقد اختار لها الحسينعليهالسلام
بتوفيق إلهي خاص ليتحرك في ظرفها المناسب، وهذه الحركة تعني في الوقت نفسه أنّ السلطة الاُمويّة في الشام سوف لن تسكت عليها، بل سيكون موقفها منها هو العمل على القضاء عليها بكلِّ وسيلة ممكنة، وبأقسى ما يُتصوّر من العقوبة لتكون للآخرين نكالاً وعبرة.
____________________
الخطوة الثالثة: الهجرة إلى الكوفة؛ مركز الشيعة وبلد التضحية
كان الحسينعليهالسلام
على موعد مع شيعة أبيهعليهالسلام
في الكوفة أنه ينهض بهم بعد وفاة معاوية، والكوفة هي البلد الممتحن، وفيها بقية تلاميذ عليعليهالسلام
وحملة خطبه وأحاديثه، وأقضيته وأخبار سيرته
. كانت مؤهلة للانطلاق بالشيعة في مواجهة الاُمويِّين وتطويق انحرافهم والإطاحة بهم.
قدم إلى الحسينعليهالسلام
وهو في مكّة ثلّةٌ من وجوه الشيعة الكوفيِّين، منهم: برير الهمداني
، وعابس بن حبيب الشاكري الهمداني
، وشوذب مولى عابس
، وحجّاج بن مسروق الجعفي
، ويزيد بن مغفل المذحجي الجعفي
، والصحابي أنس بن الحارث
وغيرهم،
____________________
أنهى عددهم الذهبي إلى ستّين شيخاً
، وبقوا مع الحسينعليهالسلام
حماية له إضافة إلى بني هاشم.
أرسل الحسينعليهالسلام
ابن عمّه مسلم بن عقيل إلى الكوفة يتحرك لتهيئة الأجواء، وأمره أن ينزل على هانئ بن عروة شيخ مذحج، أهم وأقوى شخصيّة اجتماعيّة وسياسيّة في الكوفة
، وكتب مسلم للحسينعليهالسلام
يخبره أنّ الأجواء مهيأة لقدومه.
نُمِّيَ الخبر إلى يزيد فعزل النعمان بن بشير؛ خوفاً من أن لا يُقْدِم على الحسينعليهالسلام
، وضم الكوفة إلى عبيد الله بن زياد، وطلب منه الذهاب إليها ومواجهة حركة مسلم.
واستطاع ابن زياد أن يسيطر على الحركة الشعبيّة الكامنة في الخفاء بواسطة قوى الشرطة والأمن الداخلي الموالية للنظام الاُموي، ثمّ ألقى القبض على هانئ ومسلم وقتلهما، وزجّ في السجون آلاف
من الشيعة على الشبهة والظنّة، وقطع الطرق المؤدية إلى الكوفة
بالجيش والشرطة الذين تربَّوا على الولاء لبني اُميّة والطاعة للنظام منذ عشرين سنة.
____________________
بعث يزيد إلى مكّة مَن يقتل الحسينعليهالسلام
غيلة، ووصل الخبر إلى الحسينعليهالسلام
، واقترن ذلك مع وصول كتاب مسلم الذي يخبره فيه أنّ الأجواء في الكوفة مهيأة لقدومه.
خرج الحسينعليهالسلام
يوم الثامن من ذي الحجة من مكّة؛ خوفاً من أن يغتال في الموسم، أو يُقتل في الحرم وتُستباح به حرمة الحرم
. وقد حاول والي مكّة منعه من الخروج فلم يفلح.
دخل الحسينعليهالسلام
أرض العراق واستقبلته طلائع جيش النظام الاُموي بقيادة الحر بن يزيد الرياحي، ولم تدعه يدخل الكوفة أو يخرج عن أرض العراق، وانتهى المطاف بإجباره على النزول في كربلاء.
واجتمعت عليه كتائب جيش النظام الاُموي بقيادة عمر بن سعد وعرضوا عليه البيعة وتسليم نفسه للسلطة أو يقاتلوه. اختار الحسينعليهالسلام
الموت على البيعة أو التسليم، وهو شعاره منذ اليوم الأوّل من حركته. وكذلك كان موقف مَن معه من أهل بيته وأصحابه من الكوفيِّين الذين صحبوه من مكّة، ومن الذين استطاعوا الفرار من الكوفة واللحاق به، أمثال: عمرو بن خالد الصيداوي
، وأبي الشعثاء يزيد بن زياد بن مهاصر البهدلي الكندي
، وحبيب بن مظاهر الأسدي
، ومسلم بن عوسجة الأسدي
، وأبي ثمامة الصائدي
، ونافع بن هلال الجملي وغيرهم
.
قُتل الحسينعليهالسلام
وأصحابه وأهل بيته جميعاً بعد معركة غير متكافئة، وقُطعت رؤوسهم وسُيِّرت إلى الكوفة مع عيال الحسينعليهالسلام
، ومن هناك سُيِّروا إلى الشام.
____________________
معالم التغيير بعد شهادة الحسينعليهالسلام
وانفتاح طريق الهداية من جديد
لئن شاء الله تعالى أن يقتل الحسينعليهالسلام
بعد خمسة شهور من حركته الهادية، فقد شاء أيضاً أن يتحرك الواقع السياسي والاجتماعي بعد الحسينعليهالسلام
بالاتجاه الذي يخدم الأهداف التي تحرك الحسينعليهالسلام
لها، وقُتل من أجلها، ثمّ يتحقق كل ما أراد تحقيقه.
وبيان ذلك كما يلي:
أوّلاً:
تفهمت الاُمّة أنّ الطاعة المطلقة للخليفة ليست من الدين في شيء، وأنَّ الدين يدعو إلى مجاهدة سلطة بني اُميّة والإطاحة بهم، ومن ثمّ نهضت الاُمّة ثائرة تحت لواء هذا القائد أو ذاك من مختلف الاتجاهات.
وقد استمرت الثورات على الاُمويِّين حتّى هلكوا على يد بني العباس، ولم تعد سلطة حاكمة بعد ذلك تتبنّى لعن عليعليهالسلام
والتربية على بغضه.
ثانياً:
تصدّعت وحدة الدولة، وغابت السلطة المركزية
لبني اُميّة التي كانت تلاحق المحدِّثين الصادقين، ولم تسترجع سيطرتها كاملة إلاّ بعد خمس وعشرين سنة من قتل الحسينعليهالسلام
، وبذلك كُسِر الطوق المفروض على الحديث الصحيح، وعُرض عليعليهالسلام
والمطهرون من ذرّيتهعليهمالسلام
من جديد أئمة هداة في المجتمع؛ وذلك حين انطلق خلال هذه الفترة بقية الصحابة والتابعين من شيعة عليعليهالسلام
وغيرهم في المدينة ومكّة، والكوفة والبصرة، والشام وخراسان وغيرها ينشرون حديث النبيصلىاللهعليهوآله
في أهل بيته، كل حسب استطاعته وبقدر ما تسمح له ظروفه.
____________________
فمن الصحابة في المدينة اُمّ سلمة (ت٦١)، وأبو سعيد الخدري (ت٦٤)، وعبد الله بن عباس (ت٦٨) بالمدينة ومكّة والطائف، وتوفي بها وله نيف وسبعون سنة، وجابر بن عبد الله الأنصاري (ت٧٤) عن ٩٤ سنة، وسلمة بن الأكوع (ت٧٤)، وسهل بن سعد الساعدي (ت٩١).
وفي الكوفة سليمان بن صرد (قُتل سنة ٦٦) هـ، وزيد بن أرقم (ت٦٨)، وعدي بن حاتم (ت٦٧)، والبرّاء بن عازب (ت٧٢)، وعامر بن واثلة (ت١١٠) بمكّة منفيّاً من الكوفة منذ تولّى الحجاج الكوفة، وهو آخر من توفي من الصحابة.
وفي البصرة مالك بن الحويرث (ت٧٤)، وأنس بن مالك (ت٩٠) الذي أخذ يحدّث بفضائل عليعليهالسلام
لمّا أصابته دعوة عليعليهالسلام
.
وفي مرو وخراسان بريدة بن الحصيب (ت٦٢)، وأبو برزة الأسلمي (ت٦٤).
وفي الشام واثلة بن الأسقع (ت٨٥)، وهو آخر مَن مات من الصحابة بدمشق.
ومن التابعين وهم بقية أصحاب عليعليهالسلام
، وأغلبهم كوفيّون، أمثال: الحارث الأعور الهمداني (ت٦٥)، وسعد بن حذيفة بن اليمان (من رجال عهد المختار)، والأصبغ بن نباتة (ت بعد سنة٧٠)، وحبة بن جوين (ت٧٦)، وأبي البختري، (قُتل سنة ٨٢)، وزاذان (ت٨٢)، وزر بن حبيش (ت٨١)، وعبد الله بن الحارث بن نوفل (ت٨٤)، وعبد الرحمن بن أبي ليلى (قُتل سنة ٨٢)، وفضالة بن أبي فضالة (ت٧٠ - ٨٠)، وكميل بن زياد قتله الحجّاج سنة (٨٢)، وقيس بن عباد قتله الحجّاج (٨٣)، وزيد بن وهب الجهني (ت٨٤، وقيل: ٩٦)، ومسلم بن صبيح (ت١٠٠).
ومنهم بصريون، مثل أبي الأسود الدؤلي، وخِلاس الهَجَري
.
ومنهم مدنيون، أمثال: عمر بن أبي سلمة (ت٨٣)، وإياس بن سلمة بن الأكوع (ت١١٩)، ويزيد بن اُميّة (ت٧٠ - ٨٠).
____________________
ولولا هذه السنوات الخمس والعشرين من غياب السلطة المركزية التي أنتجتها شهادة الحسينعليهالسلام
لما استطاع اُولئك الصحابة والتابعون من نشرهم حديث النبيصلىاللهعليهوآله
في بيان منزلة علي وأهل بيتهعليهمالسلام
، أو ذمِّ بني اُميّة، أو نشرهم حديث عليعليهالسلام
وخطبه التي نجدها اليوم في كتب الحديث والتاريخ لدى عامة المسلمين.
ولولا انتشار أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله
في أهل بيته لما استطاع الأئمة من ذرّيّة الحسينعليهمالسلام
أن ينشروا سنّة النبيصلىاللهعليهوآله
برواية عليعليهالسلام
.
ثالثاً:
تنفس الشيعة (صحابة وتابعون) من جديد في الكوفة بشكل عام حين ارتفع الضغط الخاص عنهم مدة أربع سنوات (٦٤ - ٦٧) هـ، وبخاصة أيام المختار لمدة سنة ونصف (١٤ ربيع الأول ٦٦ - ١٤ رمضان ٦٧)، حيث استطاعوا أن يطهِّروا المجتمع الكوفي من قتلة الحسينعليهالسلام
الذين كانوا يمثّلون قمة الانحراف وبؤرة الفساد فيه، ويعيدوا التثقيف الصحيح باتجاه علي وأهل بيتهعليهمالسلام
.
وعلى الرغم من قصر مدة حكم المختار وقتله على يد مصعب الزبيري، وقتل سبعة آلاف شيعي صبراً بعده بضمنهم عمرة بنت النعمان بن بشير زوجة المختار؛ لأنها لم تتبرّأ من زوجها المختار، ثمّ ظلم الحجّاج وتتبعه لشيعة عليعليهالسلام
.
أقول:
على الرغم من ذلك بقيت الكوفة قلعة صامدة على التشيع، أبيَّةٌ عن الترويض؛ ممّا اضطر الحجاج في حركة ابن الأشعث (سنة ٨٠ - ٨٣) أن يستعين بجيش شامي للقضاء عليها، ولم يسكنها الكوفة بعد ذلك؛ خوفاً على جيش أهل الشام من التأثّر بفكرهم؛ فبنى واسط خاصة لهم.
واستطاع الأئمة من ذرّية الحسينعليهالسلام
وبخاصة الإمامين الباقر والصادقعليهماالسلام
أن يثقفوا قواعدهم الشعبية الكوفيّة من جديد، وانفسح المجال بشكل عام للإمام الصادقعليهالسلام
في السنوات الاُولى من حكم العباسيِّين (١٣٢ - ١٣٦) هـ، وبذلك عادت الكوفة كسابق عهدها أيام عليعليهالسلام
قلعة للتشيع ورواية أهل البيتعليهمالسلام
.
خلاصة وخاتمة
قال الله سبحانه تعالى:(
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ
)
(الصف / ١٤).
وروى البخاري أنّ أعرابياً قال للنبيصلىاللهعليهوآله
: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليُذكر، ويقاتل ليرى مكانه في سبيل الله.
فقال:« مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله »
.
وجّه الحسينعليهالسلام
أصحابه في المرحلة السِّريَّة من حركته في مواجهة الانقلاب الفكري السياسي لمعاوية (٥٠ - ٥٩) هـ ليواصلوا نشر الأحاديث النبويّة الصحيحة في علي وأهل البيتعليهمالسلام
بين من يثقون به من الناس.
وكان آخر نشاط نوعي في هذا السبيل هو المؤتمر السري الذي عقده الحسينعليهالسلام
في مكّة في موسم الحج لسنة (٥٩) هجرية، أي قبل موت معاوية بسنة، وحضره عدد كبير من الصحابة والتابعين، وكانت المادة الأساسية في هذا المؤتمر هي خطاب الحسينعليهالسلام
الذي أطلع المؤتمرين آنذاك على خطورة الوضع الفكري والسياسي، ثمّ حثهم على نشر الحقائق الدينيّة في علي وأهل البيتعليهمالسلام
.
وقد استهل خطابهعليهالسلام
بقوله:« إنّي خفت دروس هذا الأمر »
، أي أمر ولاية أهل البيتعليهمالسلام
. ثمَّ أعلن الحسينعليهالسلام
بعد موت معاوية عن حركته التبليغيّة ليقاوم بدعتين سادتا وانتشرتا انتشاراً مطبقاً:
الاُولى:
التربية العامة على بغض عليعليهالسلام
ولعنه والبراءة منه، ورواية الأحاديث الكاذبة في ذمّه والطعن عليه، ومعاقبة من يظهر خلافه لهذه السياسة.
الثانية:
التربية العامّة على الولاء المطلق للخليفة الاُموي والتقرّب إلى الله بطاعته ومحبته، ورواية الأحاديث الكاذبة في فضل بني اُميّة، وإكرام من يتجاوب مع هذه السياسة.
اختار الحسينعليهالسلام
مكّة قاعدة ينطلق منها في حركته التبليغيّة النهضوية تلك، يحيط به بنو هاشم لحمايته من أجل أن يقوم بممارسته التبليغيّة، ونشر أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله
في عليعليهالسلام
، والنهوض بوجه الظالمين. هذه الممارسة التي تعاقب الدولة عليها بعقوبة الإعدام كما يقال بلغة العصر.
وتحرك الحسينعليهالسلام
على أخيار المسلمين القادمين من مختلف البلاد الإسلاميّة لأداء العمرة والحج، يحدِّث الجيل الجديد منهم بما حرَّمت الدولة الحديث به فلم يسمعوه، ويستنهض الجيل القديم ويذكِّرهم بتكليفهم الشرعي إزاء ظهور البدع، ومن ثمّ يطلب النصرة من الجميع ليحموه من دولة الضلال؛ لكي يواصل هو وأخيار الصحابة والتابعين تبليغ أحاديث جدّه وسنته للاُمّة.
تجاوب مع الحسينعليهالسلام
وجوه شيعة أبيه في العراق، وبخاصة في الكوفة الممتحنة في السنوات السابقة من النظام الاُموي، وبايعوه على النصرة، ودعوه إلى البلد لينهض به في مقاومة بني اُميّة كما نهض جدّه النبيصلىاللهعليهوآله
بأهل المدينة لمقاومة قريش.
وشاء الله تعالى أن تنكشف الحركة في الكوفة وتُسحق في مهدها، ويُسجن أنصار الحسينعليهالسلام
فيها، ويُقتل هانئ أبرز وجوه في الكوفة وأقواها سياسياً واجتماعياً، ويُقتل بعده مسلم بن عقيل، وتُقطع الطرق المؤدّية إلى الكوفة لقطع الطريق على المختفين من أنصار الحسينعليهالسلام
، ولمنعهم من اللحاق به، ويطوّق الركب الحسيني الخارج من مكّة خوفاً من أن تُستحل حرمتها به؛ حيث كان يزيد قد دسّ الرجال ليقتلوا الحسينعليهالسلام
غِيلة في الموسم.
عرض جيش الدولة الاُموي على الحسينعليهالسلام
أن يسلّم نفسه للسلطة، وأبى الحسينعليهالسلام
ومَن معه ذلك، وجرت معركة غير متكافئة، وقُتل الحسينعليهالسلام
وأهلُ بيته وأصحابه، ورُفعت رؤوسهم على الرماح، وداست الخيل صدر الحسينعليهالسلام
، واُخذت نساؤه وأطفاله أسرى إلى الشام.
صفا الجو ليزيد وبني اُميّة سنتين تقريباً بعد قتل الحسينعليهالسلام
، وقدَّروا أنهم أطفؤوا النور الحسيني، وأنّ خطر الزلزال عليهم وعلى خطّتهم انتهى إلى غير رجعة، وما دَرَوا أنّ القيام المخلص لله والقتل في سبيله هو من أعظم الوسائل التي يتألق بها نور الهداية، ويستحكم بها الخطر على المنحرفين، وتظهر معالمه جلية واضحة في كل البلاد الإسلاميّة؛ فقد ثار أهل المدينة على يزيد بعد سنتين (٦٣) هجرية من قتلِ الحسينعليهالسلام
، وأعلن أهل مكّة تمردهم في غضون ذلك.
وعاجل الله تعالى يزيد فأماته مبكّراً، واستقال ولده معاوية الثاني من الحكم، ومات بعد استقالته بأيام، وتمزّقت الدولة الاُمويّة شر ممزّق؛ فاقتتل أهل الشام بينهم من أجل الملك وصاروا رايتين؛ راية تدعو لابن الزبير، واُخرى تدعو لمروان، ثمّ صفا الأمر لمروان بن الحكم بعد وقعة مرج راهط التي أهلكت آلاف الناس، ومن بعده لابنه عبد الملك.
واقتتل أهل خراسان. قال المدائني: لما مات يزيد بن معاوية وثب أهل خراسان بعمّالهم فأخرجوهم، وغلب كلّ قوم على ناحية، ووقعت الفتنة، وغلب عبد الله بن حازم على خراسان، ووقعت الحرب
، وأقرَّ عبد الله بن الزّبير عبد الله بن خازم على خراسان، وكاتَبَه عبد الملك ليبايع له فرفض، فثار عليه وكيع بن الدورقية وقتله
.
____________________
وفي البصرة روى أبو مخنف قال: وثب الناس بعبيد الله بن زياد، وكسر الخوارج أبواب السجون وخرجوا منها
، وقادهم نافع بن الأزرق ومن بعده عبيد الله بن الماحوز، وجرت بينهم وبين أهل البصرة حروب كثيرة، ثمّ هزمهم المهلب بن أبي صفرة عن الأهواز.
وفي الكوفة وثب رؤساء الجيش والشرط بعمرو بن حريث خليفة ابن زياد ومدير شرطته، وكان هواهم مع ابن الزبير، فأخرجوه من القصر واصطلحوا على عامر بن مسعود بن اُميّة الجمحي القرشي، وبايعوا لابن الزبير، ثمّ كُسرت السجون وخرج الشيعة.
واقتتل أهل اليمن فيما بينهم كذلك. وكان البلد الوحيد الذي وجدت فيه حركة تحمل خط الحسينعليهالسلام
ونهجه هو الكوفة بزعامة سليمان بن صرد، ثمّ بزعامة المختار الثقفي، ولكن عبد الله بن الزبير لم يحتمل ذلك، وبخاصة وأنّ الكوفة كانت تابعة له؛ فبعث أخاه مصعباً بأهل البصرة وبقايا الجيش الذي قاتل الحسينعليهالسلام
الذي خرج من الكوفة فارّاً من المختار، ثم جرت بينهم وبين جيش المختار معارك ضارية انتهت بقتل المختاررحمهالله
، وقتلِ بعد ذلك زوجته لأنها لم تتبرّأ منه، ومعها سبعة آلاف صبراً ممّن كان مع المختار في القصر.
ولئن استطاع عبد الملك بعد عشرين عاماً أن ينتصر على المعارضة والثوّار في أنحاء البلاد الإسلامية، وأن يستعيد وحدة الدولة الاُمويّة، ويفرض السياسة التي اختطّها معاوية من جديد، فإنَّ حرارة البركان في الكوفة، والمغتربين من أبنائها في خراسان لم تكن قد انتهت؛ فكانت ثورة زيدرحمهالله
في الكوفة، وكان قدره فيها كقدر جدّه الحسينعليهالسلام
، فكان وقوداً وزيتاً للثائرين.
____________________
ثمّ كانت ثورة العباسيِّين بالكوفيِّين المغتربين ومَن معهم من أهل خراسان، وانهار على أيديهم الحكم الاُموي والاُطروحة الاُمويّة للإسلام المبني على لعن عليعليهالسلام
إلى غير رجعة؛ حيث لم يأتِ حكم بعد ذلك يتبنّى لعن عليعليهالسلام
إلى اليوم، ولن يأتيَ إلى آخر الدنيا.
وانتشرت الأحاديث النبويّة التي عمل بنو اُميّة على طمسها وكتمانها وتحريفها، واهتدى بها من أراد الهداية من الاُمّة، وهي محفوظة في كتب المسلمين جميعاً إلى اليوم.
وأيّد الله تعالى الحسينعليهالسلام
تأييداً خاصاً حين بتر نسل يزيد، فلا يوجد اليوم من يُنتسب إليه، وبارك الله تعالى في نسل الحسينعليهالسلام
فهو يملأ الدنيا، ورزقه منهم تسعة أئمة هدى أسباطاً، أعلام هداية نشروا ما كان يحمله الحسينعليهالسلام
من تراث نبوي كتبه عليعليهالسلام
بيده الكريمة الطاهرة، وأملاه النبيصلىاللهعليهوآله
من فيه الشريف المطهر، والتف حولهم شيعة يأخذون عنهم هذا التراث الإلهي، ويحملون ظلامة الحسينعليهالسلام
غضة طرية كل عام في عاشوراء؛ ليهتدي بهديها من شاء من الناس.
كتاب أبي مخنف حول مقتل الحسينعليهالسلام
وحركة المختاررحمهالله
يُعدّ كتاب أبي مخنف (توفي قبل سنة ١٧٠ هـ) في مقتل الحسينعليهالسلام
وحركة المختار أقدم وأشهر كتاب في موضوعه، وقد اعتمد عليه خصوم الشيعة لمّا رأوا فيه بغيتهم من الطعن على أهل الكوفة، وتحملهم مسؤولية قتل الحسينعليهالسلام
ووصفهم بالغدر، كما اعتمد عليه الشيعة لتقديمه تفاصيل عن مقتل الحسينعليهالسلام
وحركته لا توجد في غيره.
وفيما يلي دراسة مختصرة عن أبي مخنف وكتابه، وظرفه السياسي الذي ظهر فيه تبيّن الموقف من أخبار كتابه.
قال فلهاوزن: وأبو مخنف هو أَثْبَتُ حجة … في تاريخ الشيعة طالما اتّصل بالكوفة، والطبري يكاد لا يعتمد على غيره في ذكر أخبارهم، وما أطولها
!
أقول:
إنّ الطبري صاحب التاريخ ليس حجة حين يُكثِر من راوٍ معين في موضوع معين؛ فلقد أكثَرَ في تاريخه من روايات سيف بن عمر في حروب الردة ومقتل عثمان وحرب الجمل، وتبيِّن لدى التحقيق أنّ أكثر أخبار سيف في هذه المواضيع إمّا محرّفة أو موضوعة
.
والطبري مؤرخ راعى في تأليفه لتاريخه أن يأتي منسجماً مع السياسة العباسيّة؛ ولذا نراه يذكر الرواية العباسيّة الرسمية لقصة وفاة الإمام علي الرضاعليهالسلام
، وهي: أنه أكثر من أكل العنب فمات فجأة
.
تبنّى رواية كتب أبي مخنف كثيرون، منهم: محمّد بن سعد في الطبقات الكبرى، والطبري في التاريخ، وابن أعثم في الفتوح، والبلاذري في أنساب الأشراف.
وروى المسعودي طرفاً منها في مروج الذهب، ثمّ أخذ ابن الأثير في كتابه الكامل، وابن كثير، وابن خلدون، والذهبي برواية الطبري؛ لأنه أوردها كاملة، وعن هؤلاء أخذ المعنيون بالتاريخ الإسلامي من القدامى والمعاصرين؛ شيعة كانوا أو سنة.
____________________
لم يكن أبو مخنف من القائلين بالنصِّ على عليعليهالسلام
، فهو ليس شيعياً بالمعنى الخاص للتشيع. قال ابن أبي الحديد: وأبو مخنف من المحدِّثين، وممن يرى صحة الإمامة بالاختيار، وليس من الشيعة ولا معدوداً من رجالها
.
وممّا يؤكد ذلك قول الشيخ المفيد بعد أن أورد أخبار حرب الجمل عن أبي مخنف والواقدي وغيرهما، قال: فهذه جملة من أخبار البصرة، وسبب فتنتها، ومقالات أصحاب الآراء في حكم الفتنة بها قد أوردناها على سبيل الاختصار، وأثبتنا ما أثبتنا من الأخبار عن رجال العامة دون الخاصة، ولم نثبت في ذلك ما روته كتب الشيعة
.
هذا وقد عاصر أبو مخنف أربعة من الأئمة من أهل البيتعليهمالسلام
، وهم السجاد والباقر، والصادق والكاظمعليهمالسلام
، ولم يروِ عن واحد منهم بشكل مباشر، نعم روى عن بعض أصحابهم بعض الروايات. وقد وثَّقَ عددٌ من أعلام الشيعة أبا مخنف في النقل
.
نحن نتئِد في قبول فقرات مبثوثة في رواياته التي ترتبط ببعض سيرة الأئمةعليهمالسلام
، أو سيرة شيعة الكوفة، أو علاقة الأئمةعليهمالسلام
بهم في الفترة الواقعة من سنة حكم عليعليهالسلام
سنة ٣٥ هجرية وحروبه إلى مقتل المختار سنة ٦٧ هجرية؛ وذلك لأنها تعطي رؤية تخالف الثابت عن أهل البيتعليهمالسلام
، أو الثابت من التاريخ عن شيعتهم في الكوفة وعلاقتهم بهم، من قبيل أنّ الحسينعليهالسلام
ندم على أخذ نسائه وبناته معه، وأنه تذكَّر نصيحة ابن عباس يوم العاشر لمّا ارتفعت أصواتهن
.
____________________
ومن قبيل أنّ يزيد بن معاوية قال لعلي بن الحسينعليهمالسلام
لما أمر بإرجاعه والسبايا إلى المدينة: لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبداً إلاّ أعطيتها إيّاه، ولدفعت الحتف عنه بكلِّ ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن الله قضى ما رأيت
.
وهناك من الرواة من أسفَّ إلى أكثر من هذا كما فعل يزيد بن روح بن زنباغ الجذامي المعاصر لأبي مخنف، يروي عن الغاز بن ربيعة الجرشى من حمير، قال: والله، إنّا لعند يزيد بن معاوية بدمشق إذ أقبل زحر بن قيس حتّى دخل على يزيد بن معاوية، فقال له يزيد: ويلك! ما وراءك وما عندك؟
فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره؛ ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته وستّين من شيعته، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال على الاستسلام، فعدونا عليهم مع شروق الشمس، فأحطنا بهم من كل ناحية، حتّى إذا أخذت السيوف مأخذها من هام القوم، أخذوا يهربون إلى غير وزر، ويلوذون منّا بالآكام والحفر لواذاً كما لاذ الحمائم من صقر.
فوالله يا أمير المؤمنين، ما كان إلاّ جزر جزور، أو نومة قائل حتّى أتينا على آخرهم. فهاتيك أجسادهم مجرّدة، وثيابهم مرمّلة، وخدودهم معفّرة، تصهرهم الشمس، وتسفي عليهم الريح، زوّارهم العقبان والرخم...
قال: فدمعت عين يزيد وقال: قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن سمّية، أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه، فرحم الله الحسين
.
ومن قبيل أنّ شيعة عليعليهالسلام
في الكوفة أمثال سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة وغيرهما كتبوا للحسينعليهالسلام
بالقدوم ثمّ خذلوه حتّى قُتل، ثمّ ندموا بعد ذلك ونهضوا للأخذ بثأره. وغير ذلك.
____________________
أقول:
نحن نرى أنّ هذه الأخبار سواء كانت في كتاب أبي مخنف أو في كتب غيره وضعت بأمر العباسيِّين ضمن سياسة تهدف إلى تطويق الكوفة ومحاصرتها إعلامياً، رُسمت خطوطها من قبل أبي جعفر المنصور خاصة ضمن مخطّط إعلامي شامل لتغيير الرؤية عن تاريخ علي والحسن والحسينعليهمالسلام
؛ نكاية بالحسنيِّين الثائرين؛ حيث كان هوى الثوّار من الكوفيِّين مع الحسنيِّين، وهوى مَن يرى العلم والحديث مع الإمام جعفر الصادق وآبائه الأئمةعليهمالسلام
.
ثمّ تحرّك الإعلام العباسي من خلال روايات الرواة الذين سايروا العباسيِّين في مخططهم رغبة في دنياهم؛ فوضعوا وحرّفوا ما شاؤوا من الروايات.
أمّا كون هوى الكوفيِّين مع الحسنيِّين فقد قال الطبري: لمّا ظهر محمّد وإبراهيم ابنا عبد الله، أرسل أبو جعفر المنصور إلى (عمّه) عبد الله بن علي وهو محبوس عنده، أنّ هذا الرجل قد خرج، فإن كان عندك رأي فأشر به علينا.
وكان ذا رأي عندهم، فقال: ارتحل الساعة حتّى تأتي الكوفة، فاجثُم
على أكبادهم؛ فإنهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارُهم، ثمّ احفُفْها بالمسالح؛ فمن خرج منها إلى وجه من الوجوه، أو أتاها من وجه من الوجوه فاضرب عنقه
.
وأمّا كونهم في الفقه والحديث والعلم يتبعون الإمام جعفر الصادق وآبائَهعليهمالسلام
فقد روى القاضي عياض
الحوار الذي دار بين أبي جعفر المنصور ومالك بن أنس، حيث عرض عليه أن يجعله مرجعاً فقهياً للدولة آنذاك.
قال مالك: فقلت له: ولأهل العراق قولاً تعدَّوْا فيه طورَهم.
فقال: أمّا أهل العراق فلست أقبل منهم صرفاً ولا عدلاً، وإنّما العلم علم أهل المدينة، فضع للناس العلم.
وفي رواية، فقلت له: إنّ أهل العراق لا يرضون عِلمَنا.
فقال أبو جعفر: يضرب عليه عامَّتهم بالسيف، وتقطع عليه ظهورهم بالسياط
.
____________________
وقد خطب المنصور في الكوفة سنة (١٤٤) هجرية بعد أن قبض على عبد الله بن الحسن والد محمّد وإبراهيم قبيل أن ينهضا ويثورا عليه.
قال المسعودي: ولمّا أخذ المنصور عبد الله بن الحسن وإخوته والنفر الذين كانوا معه من أهل بيته صعد المنبر بالهاشميّة؛ فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على محمّدصلىاللهعليهوآله
، ثمَّ قال: يا أهل خراسان، أنتم شيعتنا وأنصارنا، وأهل دعوتنا، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا خيراً منّا.
إنَّ ولد أبي طالب تركناهم - والذي لا إله إلاَّ هو - والخلافة، فلم نعرض لهم لا بقليل ولا بكثير؛ فقام فيها علي بن أبي طالبعليهالسلام
فما أفلح، وحكَّم الحكمين، فاختلفت عليه الاُمّة وافترقت الكلمة، ثمَّ وثب عليه شيعته وأنصاره وثقاته فقتلوه.
ثمَّ قام بعدَهُ الحسن بن عليعليهالسلام
، فوالله ما كان برجل عرضت عليه الأموال فقبلها، ودسَّ إليه معاوية أنِّي أجعلك ولي عهدي، فخلع نفسه وانسلخ له ممَّا كان فيه، وسلَّمه إليه، وأقبل على النساء يتزوج اليوم واحدة ويطلق غداً اُخرى، فلم يزل كذلك حتّى مات على فراشه.
ثمَّ قام من بعده الحسين بن عليعليهالسلام
، فخدعه أهل العراق وأهل الكوفة، أهل الشقاق والنِّفاق والإغراق في الفتن، أهل هذه المِدرة السوء - وأشار إلى الكوفة - فوالله ما هي لي بحرب فاُحاربها، ولا هي لي بسلم فاُسالمها، فرَّق الله بيني وبينها، فخذلوه وأبرؤوا أنفسهم منه، فأسلموه حتّى قُتل.
ثمَّ قام من بعده زيد بن علي، فخدعه أهل الكوفة وغرّوه، فلمَّا أظهروه وأخرجوه أسلموه، وقد كان أبي محمّد بن علي ناشده الله في الخروج، وقال له: لا تقبل أقاويل أهل الكوفة؛ فإنّا نجد في علمنا أنَّ بعض أهل بيتنا يُصلب بالكناسة، وأخشى أن تكون ذلك المصلوب.
وناشده الله بذلك عمّي داود وحذَّرهرحمهالله
غدر أهل الكوفة فلم يقبل، وتمَّ على خروجه فقُتل وصُلب بالكناسة
.
____________________
ولمّا قُتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن أمر المنصور أن يُطاف برأسه بالكوفة سنة (١٤٥) هجرية، وخطب قائلاً: يا أهل الكوفة، عليكم لعنة الله وعلى بلد أنتم فيه... سبئيّة
، خشبية
، قائل يقول: جاءت الملائكة، وقائل يقول: جاء جبريل... لَلْعجب لبني اُميّة وصبرهم عليكم! كيف لم يقتلوا مقاتلتكم، ويسبوا ذراريكم، ويخربوا منازلكم!
أما والله يا أهل المَدَرَة الخبيثة، لئن بقيتُ لكم لأذلّنكم
.
وفي ضوء ذلك كان من الضروري التحقيق في الرواية التاريخيّة التي ظهرت في هذه الفترة الخطيرة؛ سواء كانت رواية أبي مخنف أو رواية غيره، وتجزئة الرواية إلى أجزاء، واستبعاد الجزء الذي يلتقي مع الهدف الإعلامي للعباسيِّين إن لم يكن لدينا غيرها.
إنّ الكتّاب المعاصرين أمثال الشيخ محمود شاكر
، والدكتور أحمد شلبي
، والشيخ الخضري ونظرائهم معذورون حين يعتمدون على رواية أبي مخنف دون أن يحقّقوا فيها؛ بسبب خلفيتهم العقائدية التي تسوّغ لهم قبول ذلك أو الاُنس به، أمّا أن يعتمد الكاتب الشيعي الإمامي
على رواية أبي مخنف دون تحقيق أو دون تجزئة فإنَّه ليس معذوراً في ذلك
.
والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين
____________________
الفهرس
المقدمة ٢
التنبيه الأوّل. ٢
التنبيه الثاني. ٣
التنبيه الثالث.. ٣
التنبيه الرابع. ٤
الاُطروحات الأساسيّة في تفسير الثورة الحسينيّة ٥
الاُولى: الاُطروحة الاُمويّة ٥
الثانية: الاُطروحة العباسيّة ٥
الثالثة: اُطروحة الأئمة من ذرّية الحسين عليهمالسلام.... ٦
الواقع التاريخي لحركة النبي صلىاللهعليهوآله وعلي والحسن عليهماالسلام في أداء وظيفتهم الإلهيّة قبل حركة الحسين عليهالسلام ٧
عهد النبوة الخاتمة ٧
عهد خلافة قريش المسلمة ١٠
حركة علي عليهالسلام لإحياء السنة النبويّة ١٤
صلح الإمام الحسن عليهالسلام يحفظ وحدة الكتاب والقبلة ويثقّف أهل الشام بالسنة النبويّة الصحيحة ١٨
ضلالة بني اُميّة ٢٠
المعركة بين الطرفين حول الهداية ٢٢
مفردات الواقع السياسي والاجتماعي الذي تحرك فيه الحسين عليهالسلام ٢٥
المفردة الأولى: البراءة من علي عليهالسلام أحد أركان الإسلام الذي تقدّمه دولة معاوية للناس. ٢٥
أ - تربية الاُمّة على لعن علي عليهالسلام والبراءة منه ٢٥
ب - تربية الاُمّة على الولاء لمعاوية وابنه يزيد وذرّيته وتوصيف نفسه بخليفة الله. ٢٧
ج - تربية الاُمّة على السكوت على الظلم. ٢٨
د - تربية الاُمّة على الطاعة المطلقة للخليفة ٢٨
المفردة الثانية: ظهور جيل مسلم جديد يتقرّب إلى الله تعالى بلعن علي عليهالسلام.... ٢٩
المفردة الثالثة: محاصرة شيعة علي عليهالسلام واضطهادهم وتصفيتهم. ٣٠
الواقع السياسي والاجتماعي الذي أسّسه معاوية ٣٢
التغيير المطلوب تحقيقه في الاُمّة ٣٣
الحسين عليهالسلام هو الشخص الوحيد المعني بالتغيير المطلوب، والقادر عليه ٣٣
الحسين عليهالسلام عُدَّة إلهية لتحقيق التغير المطلوب.. ٣٤
خطة الحسين عليهالسلام العملية لتحقيق التغيير ٣٦
المرحلة الاُولى: اتخاذ موقف السكوت على عهد معاوية، والعمل سرّاً ٣٦
المرحلة الثانية: التحرك العلني بعد موت معاوية ٣٨
الخطوة الاُولى: الإعلان عن عدم إعطاء بيعة ليزيد وإن كلّفه ذلك حياته ٣٨
الخطوة الثانية: الانطلاق من مكّة لإعلان الحركة التبليغيّة ٣٩
الخطوة الثالثة: الهجرة إلى الكوفة؛ مركز الشيعة وبلد التضحية ٤٢
معالم التغيير بعد شهادة الحسين عليهالسلام وانفتاح طريق الهداية من جديد ٤٦
خلاصة وخاتمة ٤٩
كتاب أبي مخنف حول مقتل الحسين عليهالسلام وحركة المختار رحمهالله ٥٤
|