جذور الشر
التجميع مكتبة التاريخ والتراجم
الکاتب احمد عبد الله
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404
 شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام الثقافية -

جذور الشر

أحمد عبد الله

الإهداء

إلى جميع الذين نالهم الشرّ في بلادنا وما أكثرهم

أهدي هذا الجهد

أحمد

المقدمة

وضحكت وأنا أتابع هؤلاء المزورين الجدد، وهم يجربون حظهم في تمرير خدعة كبيرة هذه المرة، لا تقف عند شخص أو أشخاص محدّدين وإنّما تتجاوزهم لتجعل من هذه الأزمة التي نعيشها منذ زمن طويل، وكأنها ظاهرة شاذة لا تمثل سماحة المسلمين ولا (ديمقراطيتهم)، أو سحابة صيف لن تلبث، مع شيء من الصبر والأناة، أن تنقشع عن صفاء عذب رقيق يعيدنا إلى الحياة السابقة من عصور الإسلام الزاهية؛ حيث الحكم لا يقوم إلاّ على الشورى والعدل واحترام الإنسان والرضا المتبادل بين الحاكم والمحكوم.

هذا هو ما يحاولون تسويقه الآن، وهم على علم، ربما أكثر مني بالمآسي التي عاشها المسلمون في ظل تلك العصور، والمظالم التي تعرضوا لها. وإن ما يجري اليوم ليس إلا امتداداً لما كان قبل اليوم في عصور الإسلام (الزاهية) تلك.

ضحكت، على قلة ما يضحك الإنسان في هذه الأيام، فهؤلاء الأغبياء لا يعلمون أن مزورين مثلهم قد سبقوهم على امتداد عصور طويلة قديمة أفرضوا على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديث مقابل ثمن، كهذا الذي قبضوه، سعت إلى تحصين الحاكم ومنعت حتى التفكير بمحاسبته مهما فعل، وجعلت من الطاعة له مساوية للإسلام، ونزعها لأي سبب خروجاً على الإسلام، لما في ذلك من شق لـ (عصا) المسلمين وتمزيق لوحدتهم. فكأن وحدة المسلمين وقوتهم لا تقوم إلاّ بظلم الحاكم للمحكوم واضطهاده وسلخ جلده، دون أن يكون لهذا الحق في أن يصرخ وأن يقاوم.

هذا هو التأريخ الذي جاء المزورون الجدد ليزوروه ثانية.

ولا أراني مغالياً إذا قلت إنني لا أعرف تأريخاً أكثر تزويراً وتشويهاً من تأريخنا، فأنت لا تقرأ تأريخاً وإنما تقرأ ما يريده الحكام أن يكون تأريخاً.

الأزمة التي نعيشها ليست سحابة صيف، بل سحاباً متراكماً مظلماً كثيفاً يتصل صيفه بشتائه وماضيه بحاضره، ورثناه منذ زمن بعيد، عاشه آباؤنا قبلنا فيما يسمى كذباً: بالعصور الإسلامية الزاهية.

وإذا كان هناك من اختلاف بين عصر وعصر، فهو اختلاف في درجة ما يتعرض له المسلمون من قهر واستبداد.

هذا إذن الوهم الذي عليّ أن أزيحه من طريقنا نحو بناء مستقبل زاهر سعيد، لا تزوير فيه ولا كذب ولا خداع، ننام مستريحين في ظله؛ حتى تنقشع غمامة الصيف عن مستقبل زاهر سعيد كما يريد أن يسخر منا هؤلاء المزورون الجدد.

وسيقولون: مالك وللتأريخ تنبشه: تعيب خلفاءنا ورموزنا وقيمنا، تريد أن تشعل فتنة نائمة، لعن الله من أيقظها.

وأضحك مرة أخرى، وشرُّ البلية ما يضحك. أضحك كثيراً وأنا أسمع ذاك.

لكم وددت أن تكون الفتنة نائمة. إذن سأكون أوّل من يلعن مشعلها ومثيرها ومن يشارك ومن يساعد على إشعالها وإثارتها.

لكن الأمر ليس كما يقولون، بل خلاف ما يقولون، فلم يكن تأريخنا مجرد ماضٍ وانقضی بأحزانه وآلامه، ولا أقول بأفراحه، فلم يكن فيه من فرح إلا للحكام وبطانتهم. وما أحسب الادعاء بغير ذلك إلا تزويراً جديداً يضاف الى تزوير قديم، وتهمة يطلقونها ضد كل من يريد أن يزيل القناع من المجرمين، ليحصن الحاضر، أو المستقبل على الأقل؛ حتى لا نستعبد مجدداً، حتى لا نتعرض لما تعرضت له أجيال طويلة، طويلة جداً، من ظلم وتعسّف واضطهاد، باسم الدين مرة، وطاعة أولي الأمر مرة، والخوف على الإسلام مرة، وحتى نحمي أجيالنا القادمة ممن يمتهنهم ويسلبهم الحياة أو يفرض عليهم حياة يريدها هو ولا يريدونها، حياة ذليلة متخلفة لا يمثلون فيها إلا دور المستعبد الضعيف.

لوددت أن يكونوا صادقين، وإننا نتحدث، حين نتحدث، عن تأريخ وماضٍ، إذن لصرفت قلمي إلى ما هو أولى أن يصرف إليه، وفي الحياة الكثير مما يصرف القلم إليه.

ليت الأمر كان كذلك أو بعض ذلك. فالتأريخ الذي يتكلمون عنه، هو هذا الحاضر الذي نعيش مآسيه وآلامه وأحزانه اليوم.إننا نعيش التأريخ. إن تأريخنا هو حاضرنا أو أن حاضرنا هو تأريخنا وماضينا نعيشه بکل مآسيه وبکل آلامه وأحزانه وأوجاعه، لا أدري إن كنا انتقلنا إليه أم انتقل هو إلينا. وما أحاوله الآن هو أن أدرك هذا الحاضر إن استطعت، فأنقذ ما أقدر على إنقاذه منه. أو إن فاتني ذلك أو تعذر، فلأسرع إلى المستقبل الذي لن يكون في مأمن من هذا الماضي الذي سيزحف إليه بمخالب وأنياب ليشوهه ويسممه ويفسده كما فعل بحاضرنا.

إننا، ودون جميع الأمم، نعيش التأريخ، نتخاصم ونتقاتل فيه. ليتنا أمّة بلا تأريخ أو أمّة لا تعيش التأريخ!

أرأيت إلى هذا الماضي الذي لا يريد أن يتركنا؟ إنه يلاحقنا، يلاحقنا بكل تخلّفه وتعصّبه وجنونه، حتى فيما كان يبدو وكأنه خارج حدود الخلاف أو غير قابل للخلاف.

أرأيت إلى الثورات في تونس ومصر وليبيا؟ كانت الأقلام بنادق ومدافع وأناشيد للثوار المنتفضين ضد الطغاة المستبدين الظالمين.

لكن ما للثورة في البحرين وحدها تفقد (ثوريتها) وللثوار في البحرين وحدهم يفقدون (ثوريتهم) ليتحولوا إلى مجرد... فتتوقف الأقلام وتسكت الأصوات. بل ليتها توقفت وسكتت. لقد راحت تهاجم الثورة والثوار، فتصفهم بأي شيء إلا بما هو وصفهم.

لماذا؟!

ألأن الثوار في البحرين كانوا شيعة؟! وماذا في ذاك مما يعيب؟!

ولا قبل أنهم كانوا كلهم شيعة. فهل كان عليهم أن يسكتوا على الظلم ويقبلوا به ويستسلموا له؟! أكان الظلم هنا غير الظلم هناك؟! أكانوا هواة قتل تحت عجلات المدافع والدبابات؟! أكانت الثورة يوماً هواية يمارسها الثائرون؟!

أكانوا سيثورون لو لم يسلبهم النظام إنسانيتهم؟! لو سار بالعدل فيهم؟!

والله لقد طال بهم الظلم حتى خافوا أن يكونوا جزءاً منه أو أن يكون جزءاً منهم، وأن ستلعنهم الأجيال أن لم يثوروا.

لم اختلف الموقف منهم؟

كيف تحولت ثورتهم إلى فوضى وتخريب، وتحولوا إلى مخربين ومجرمين، وكانت هذه أوصاف الحكام في تونس ومصر وليبيا... وفي البحرين وفي غير البحرين أيضاً؟!

أهناك غير التأريخ أفسر به اختلاف المواقف بين البحرين وبين سواها؟

أهناك غير التأريخ الذي ما نزال نعيشه، لم يتركنا ولم نتركه؟

أرأيت؟! حتى الثورة ضد الظلم والظالمين تغيرت وتغير اسمها بين بلد وبلد، فلم يعد الظلم في البحرين، ظلماً كما هو في غيرها؟!

ألم أكن محقاً حين قلت: ليتنا أمة بلا تأريخ! ليت هذا التأريخ لم يكن!

لكن مهلاً، فليس هذا فكر الثوار. إن فكر الثوار غير هذا. إن الذي تتحدث عنه هو فكر آخر، مختلف تماماً ومعاكس تماماً. إنه فكر هؤلاء الذين يعيشون على هامش الثورات، هؤلاء التافهين الصغار الذين يظهرون في بعض مراحل الثورات حين توشك أن تسجل انتصارها، ليضمنوا لهم مواقع فيها. يتبنون شعاراتها، وقد يزايدون عليها ليفجروها من داخلها إن استطاعوا أو ليخوفوا الناس منها ويبعدوهم عنها أو يبعدوها عنهم.

لا تبتئس فالثوار ليسوا هؤلاء. الثوار ما يزالون ثواراً؛ ثاروا حين رفضوا هذا التأريخ الذي أشبعه التافهون تزويراً، وجعلوا منه مأوى للمجرمين والفاسدين، وأداة لإفساد الفكر والعقل.

الثوار ستلقاهم هناك، تحتضنهم الخيم في الشوارع والميادين يقارعون الظلم والتخلف بصدور عارية وصبر واثق وإيمان لا يضعف ولا يلين.

إنهم التأريخ الجديد الذي سنفخر به. التأريخ الذي لم يكتبه المزوّرون.

(١)

الأمن العراقي

١- الساعة الرابعة من فجر أحد أيام الشتاء عام ١٩٩٢م والعائلة نائمة: أب تجاوز الخمسين وأم وخمسة أولاد: ثلاثة أبناء وبنتان صغراهما زينب، لم تعبر السنة إلاّ منذ قليل، وقبل أيام احتفل أهلها بعيد ميلادها الأول.

مسح الأب عينيه ليتأكد إن كان حلماً ما يسمعه في حديقة البيت من أصوات لم يألفها، وهي تطلب منه بألفاظ لم يألفها أيضاً، أن يشرع بالنزول هو وباقي أفراد عائلته قبل أن يكسر عليهم الباب رجال (الأمن) في نظام صدام: صنف آخر من المجاهدين!!

وكانت الزوجة قد استيقظت وهي تسمع السباب ينهال على زوجها وعليها، ومع السباب، التهديد بأقسى العقاب.

لم تفعل العائلة شيئاً تستحق عليه هذا ولا بعضه، فالرجل صاحب محل في السوق، وهو معروف بحسن سمعته وسلوكه. ومنذ أيام (تبرّع) للحزب بمبلغ كبير. وليس في سيرة الأم ما تؤاخذ عليه (وطنياً) فهي لم تمارس السياسة، ولم تنتم لحزب الدعوة، بل تتجنب أن يذكر اسمه مدحاً أو ذماً مع وجودها. وعادل: أكبر الأولاد في الرابعة عشرة، طالب في الصف الثاني المتوسط. والأُخر: في مراحل مختلفة من الدراسة الابتدائية. كانوا يغطون في نوم عميق، وربما كانوا يحلمون بيوم جديد جميل.

وتتعالى الأصوات شديدة جافة وهي تطلب النزول.

وقبل أن توقظ الأم أولادها، كان الباب قد كسر ودخل رجال الأمن، وقد صوب كل منهم مسدسه باتجاه (أعداء) الوطن من هؤلاء الذين شبعوا من خيراته ثم خانوه!!

هات مفتاح القاصة: كان هذا هو السؤال الذي وجّهه كبيرهم إلى أبي عادل وهو يحدق في وجهه بعيني ثور هائج، والمسدس مصوّب إلى رأسه.

وأنت يا ...

ولم يكمل حين كانت أم عادل تسرع في نزع ما كان عليها من صيغة ذهبية بسيطة وتسلمه بتوسل ورعب إلى هذا الوحش الذي يقف أمامها وقد تدلى شارباه حتى تجاوزا طرفي فمه، والموت في يده لا تدري في أية لحظة يغتالها أو يغتالهم كلهم.

ثم شدت عيون الجميع وأوثقت أيديهم وأنزلوا بملابس النوم التي كانوا فيها، يلوذ الواحد منهم بالآخر، لا يدرون إلى أين. لكن الوحش يدري.

ماما: إلى أين نحن ذاهبون؟ قالت سعاد كبرى الأختين. ولم تجب الأم، فهي الأخرى لا تعلم. ولو علمت لما استطاعت أن تقول شيئاً، وأصابع غليظة عُدمت الرحمة تسوقها بعنف.

ويسأل وسام: ماذا فعلنا؟ ويتلقى جواب سؤاله: ضربة قوية على رأسه من هذا الذي يبدو أنه ضاق بأسئلة المجرمين!!

الوجوه مصفرة مذعورة والأجسام ترتعش من الخوف والبرد. والدموع تسأل ولا تجيب.

وتدفع الأسرة إلى إحدى سيارتين قد غطي زجاجهما بستائر كثيفة، عدا عادل الذي اقتيد إلى السيارة الثانية.

وصرخت الأم وقد فقدت صوت عادل: وأين ابني عادل؟ لكن لكمة قوية على الرأس أسقطت زينب من بين يديها، كانت كافية لأن تفهم أن أي سؤال ممنوع، حتى لو كان عن الابن.

وقبل أن يودع الفجر كانت السيارة التي تحمل العائلة قد انطلقت بسرعة باتجاه الشرق، أما السيارة التي تقل عادل فقد أخذت طريقاً آخر يعرف العراقيون إلى أين يوصل وأين ينتهي.

كان صباحاً حزيناً هذا الذي تستقبله العائلة على غير ما اعتادت، صمت لا يقطعه إلاّ صوت عجلات السيارة وهي تنعطف مسرعة هنا أو هناك لتبلغ هدفها في الوقت المحدد.

وبعد مسيرة مضنية شاقة وقفت السيارة، طلب المرافق الذي يمكن أن تطلق عليه أي وصف إلاّ الإنسان، من أفراد العائلة أن ينزلوا، صوت غليظ متعال لا رحمة فيه ومسدس مصوّب دائماً.

ونزلت العائلة التي لا تعرف أين هي، لتجد عوائل أخرى مثلها قد سبقتها أو وصلت معها.

قال المرافق وهو يصعد إلى السيارة، هو ذا طريق إيران بلدكم الذي جئتم منه، أنتم ....

لم يكن معهم ما يأكلون، لقد أعجلهم رجال صدام، أو منعوهم أن يحملوا شيئاً من الأكل.

وبدأ الأطفال يتضورون من الجوع، يصرخون. إنهم لم يطعموا شيئاً منذ عشاء البارحة، الأب لا يستطيع أن يساعدهم بشيء وهو يراهم وقد شحبت وجوههم. هو الآخر جائع مثلهم لكنه يتصنع الصبر أمامهم ويمنيهم بما يعلم أنه لن يكون. ما أقسى هذه العائلة! ماذا فعلت؟ أية جريمة ارتكبت؟ ما ذنب الأطفال؟ زينب هذه التي التصقت بثدي أمها الذي جفّ لهول ما لاقت.

لكنها ليست وحدها، فها هي العوائل الأخرى التي ألقت بها سيارات الطغاة في نفس المكان، تقاسمها الخوف والبرد والجوع، أطفال ونساء ورجال.

لا أحد يعرف لِمَ جيء بهم على هذا المكان ولِمَ حشروا فيه: هو ذا طريق إيران. هذا كل ما عرفوه، مع سباب كثير وشتائم أكثر.

وسار الموكب، يكفكف الكبار الذين يحبسون دموعهم، دموع الصغار التي لا تنحبس. الخطى متثاقلة بطيئة تزداد تثاقلاً وبطئاً كلما طال الطريق وبعدت المسافة.

لا يدرون إلى أين، كلهم متجهون إلى الشرق كما أمرهم الجلادون.

وماتت زينب ملتصقة بثدي أمّها ثم تبعتها الأم.

لا يعرف الأب الزوج ماذا يفعل، غير دمعة ساخنة جرت على خدّيه؛ ودع بها البنت والزوجة وهو يستعيد أيامه معها، إنه ينتظر مأساة أخرى ستقع غير بعيد.

ويسقط وسام. وتتبعه سعاد ثم سمير ابن الخامسة، الذي أصر على البقاء مع أُمّه وأُخته، إنه لا يعرف معنى الموت بعد، ولا يعرف معنى العذاب بعد.

وليت الذين يدافعون عن صدام يعرفون معنى العذاب الذي عاشه العراقيون، إلاّ أن يكونوا مثله.

٢- لم يكن سعيد قد تجاوز الرابعة من عمره حين اختطفه من أمام داره مجهولون ملثّمون ووضعوه في سيارة مضت به إلى حيث لا يعلم أحد.

كان الطفل كعادة الأطفال عندنا، يلعب مع أصحابه من أطفال الجيران ضحى أحد أيام أيلول من عام ٢٠٠٦، فهو لم يصل سن الدراسة بعد، وأبوه موظف في إحدى دوائر الدولة، والأم داخل المنزل مشغولة بما يشغل به مثلها من النساء.

وفجأة تسمع أم سعيد طرقاً قوياً على الباب، لا تتوقع أحداً في تلك الساعة، النساء مثلها مشغولات في منازلهن، وأبو سعيد في عمله الذي يمتد إلى ما بعد الظهر، لم تفكر في سعيد، الطفل الذي خرج قبل قليل للعب مع أولاد الجيران كما اعتاد، في الشارع، غير بعيد عن البيت.

وأسرعت الأم وقد ضايقها طرق الباب المستمر، ولم تكد تفتح حتى سقطت أرضاً، وهي تسمع الأطفال يخبرونها بخطف ابنها من قِبَل مجهولين.

وتجمّع الجيران وقد خرجوا على صوت أم سعيد التي كانت تضرب على صدرها والدموع تنهمر من عينيها.

ماذا فعل سعيد، هذا الطفل الذي لم يتجاوز الرابعة؟! أي ذنب يمكن أن يجنيه ليروع بانتزاعه من بيته، وليروع معه هذه الأم المسكينة، وهذا الأب الوادع الذي لم يؤذِ أحداً ولم يعرف غير البيت خارجاً وعائداً إليه من العمل؟! هذا ما كان الجيران يرددونه، وقد التقت عيونهم، مذهولين.

قال أحدهم: لعل الأطفال من أصحابه لم يتيقنوا الأمر ولم يكن خطفاً.

وقال آخر: ربما أراد الخاطفون غيره، وقد تجدونه في الشارع الثاني، أنزلوه هناك بعد ما تبيّن لهم أنه ليس من يطلبون، واتجه، ومعه آخرون لعلهم يجدون سعيداً هناك: في الشارع الثاني أو قريباً منه، لكنهم ما لبثوا أن عادوا دون أن يكون سعيد بينهم.

ولم يخطر في ذهن أحد أن سعيداً، هذا الطفل الذي لم يتجاوز الأربع سنوات يمثل خطراً على الإسلام، ولا اختطافه انتصاراً للإسلام، لو لم ينقل الأطفال وهم يروون الحادث، إنهم سمعوا المختطفين يهتفون حيث وضعوا سعيداً في السيارة: الله أكبر والمجد للإسلام، هذا هو مصير أعداء الإسلام.

وما هي إلا ساعات حتى كان على الهاتف من يقول لأم سعيد إن ابنها قد ذبحه جند (الإسلام) من أتباع الشيخ بن لادن.

ولم تحتمل الأم الصدمة، كانت أقوى منها؛ فسقطت ميتة، ذبحها (اللادينيون) حينما ذبحوا ابنها وانتصار آخر للإسلام!!!

هذان مثالان لجرائم ليست الأخطر ولا الأبشع في تأريخ طويل يبدأ بمذبحة حلبجة وانتفاضة شعبان لينتهي بـ (خير القرون): الأول الهجري!!

ومن هذين المثالين أحسب القارئ قد عرف ما أريد في هذا الكتاب، فأنا لا أريد أن أبحث في الحروب التي وقعت في هذه المنطقة. والعراق منها بوجه خاص، عبر التأريخ الذي رويناه، فالحروب وقعت فيها وفي غيرها، وتقع فيها وفي غيرها، لم يخل مكان منها قديماً، ولم يخلُ مكان منها حديثاً، وما أظن مكاناً سيخلو منها في مستقبل قريب.

ولا أريد أن أبحث في ما هو دون الحروب مما يقع من أحداث عنيفة، قد تكون دامية في الكثير من الأحيان.

لكني أريد أن أبحث ظاهرة تميز بها تأريخنا وتجدها فيه، أكثر مما تميز بها تأريخ آخر، وأكثر مما تجدها في تأريخ آخر.

تلك هي الوحشية التي ترافق الجريمة فلا يكتفي المجرم بالدم من ضحيته، وليس قليلاً ذلك، بل يضيف إلى جريمته ما يجعل الدم أهون ما فيها وأسهل ما فيها، ولقد قال العرب قديماً، وهم يقولون هذه الأيام أيضاً: (شر من الموت ما اختير معه الموت) يعنون بهذا، الوحشية التي تسبق أو ترافق الموت، وقد تعقبه وتأتي بعده، وأظنها الأبشع.

وأسارع إلى التأكيد صادقاً، أن هذا الأسلوب الوحشي عرفته الكثير من الشعوب والأمم ورافق الكثير من أحداث تأريخها، وهو ما قلته قبل قليل، لا أنكر ذلك ولا أحد ينكره أو يستطيع أن ينكره، لكنه كان خطأ في تأريخهم، وكان تأريخنا خطأ، فيه بعض الفواصل التي تخلو من الوحشية أو تقتصر على ما هو معروف ولا أقول، مقبول منها، أو ما لا يشوه ويسوء. وأقل منها، ما يفخر به الإنسان ويعتز ويحرص على مكان له في ذاكرته يعود إليه، كلما ضاق بجريمة، من ماضيه أو من حاضره، وما أكثر هذه الجرائم، وما أكثر وأطول ضيقنا.

فهذا الأسلوب، إن كانت عرفته الشعوب والأمم الأخرى، فقد بقي محصوراً في مرحلة من تأريخها أو في شخص أو أشخاص منه، ولم يصبح وكأنه رفيق شبه دائم للحكم إلاّ عندنا، وفي تأريخنا.

فليس فيما جاء به صدام وابن لادن وما تقترفه طالبان إلاّ امتداداً لماضٍ طويل سيء حفل بجرائم وأحداث اتسمت بالقسوة والوحشية البعيدة عن قيم الإسلام وقيم الإنسان.

وإذا كان هؤلاء قد تجاوزوا الحدود وزادوا على ما وطّد الأسلاف من مناقب!! فذلك لا يزيد على أن يكون تطوراً (كمياً) في الوحشية وعدواناً على حقوق أولئك الأسلاف فيما ابتكروه وسبقوا إليه.

وأرجو أن يعلم القراء، وأنا أختم المقدمة، أنني لا أريد شتم تأريخي ولا الانتقاص منه، وهو ماضٍ لن يغير منه شتمي وانتقاصي، ولا مدحي وإطرائي، أريد أن نبدأ صفحة لن يكون فيها مكان لصدام أو لابن لادن أو لطالبان الذين وجدوا لهم أماكن وملاجيء وحصونا في صفحات هذا التأريخ، وعوناً لهم في جرائمهم. أن نفيد من تجاربه فلا نكررها ولا نعود إليها، فما لم نعرف الخطأ لن نعرف الصواب.

(٢)

إجرام البعث

هل كان هتلر إنساناً وهو يدفع بملايين اليهود إلى محارق جماعية (الهلوكوست) دون تمييز بين طفل وشيخ وعجوز، ودون توجيه تهمة إلى أحد منهم غير (يهوديته)؟

وهل كان موسوليني إنساناً وهو يذبح الملايين من الإيطاليين لمجرد الاختلاف في الرأي، ويقتل عمر المختار، الشيخ الذي تجاوز الثمانين، برميه من الطائرة وهي محلقة في الجو فيتمزق جسمه قبل أن يصل الأرض؟

وهل كان ستالين إنساناً وهو يهجّر ملايين الروس إلى سيبريا؛ ليموتوا هناك برداً وجوعاً وتعذيباً؟

وهل كان صدام إنساناً وهو يقتل الملايين من العراقيين بالأسلحة الكيماوية في حلبجة، أو يدفنهم أحياء في الجنوب، أو يهجّرهم عبر الحدود دون زاد أو ماء فلا يعبر الحدود إلاّ أقلّهم ويموت الآخرون في الطريق؟

وهل كان ابن لادن إنساناً وهو يحرض على ذبح الأطفال والنساء والعجزة على (الهوية) ويبارك الذبح والذابح؟

وهل كان الطالبان بشراً وهم يقتلون حتى التماثيل التي يبلغ عمرها آلاف السنين، ويغتالون القرن العشرين بحضارته وإنسانه؟

وهل كان...؟

وهل كان...؟

ليست هذه أسئلة أبحث عن جواب لها؟ فأنا أعرف جوابها، أعرفه جيداً، فلم يكن واحد منهم إنساناً: لا هتلر ولا موسوليني ولا ستالين، ولا صدام ولا ابن لادن، ولم يكن الطالبان بشراً.

لقد كانوا وحوشاً، وليس أخطر على الإنسان من الإنسان حينما يتوحش.

ثم انتهى هتلر وانتهى فكره النازي.

وانتهى موسوليني وانتهى فكره الفاشي.

وانتهى ستالين وانتهت الستالينية.

وعادت ألمانيا دولة ديمقراطية تحرّم النازية وتعاقب عليها.

وعادت إيطاليا دولة ديمقراطية تحرّم الفاشية وتعاقب عليها.

وعاد الاتحاد السوفيتي قبل أن ينحل ليحارب ستالين والستالينية.

لماذا؟

لأن هتلر وموسوليني وستالين كانوا ظواهر فردية طارئة، فرضتها ظروف داخلية وخارجية معروفة، فانتهت وزالت بزوال أسبابها ودواعيها.

فهل كان صدام وابن لادن وطالبان مجرد ظواهر فردية طارئة في هذا التأريخ العربي الممتد على قرون طويلة من الزمان، وفي هذا الحاضر العربي القائم على ذلك التأريخ والمستند إليه والمتغذي عليه؟

هل ستختفي ظاهرة صدام وابن لادن وطالبان كما اختفت ظاهرة هتلر وموسوليني وستالين؟

هذا هو السؤال الذي أحاول الإجابة عليه عبر رحلة طويلة في الزمان وفي المكان.

(٣)

حلبجة

نوروز عيد الربيع والحب عند الأكرادن وعيد الرقص والغناء والملابس الملونة، ها هو يقترب، إنهم ينتظرونه على شوق، بعد أشهر الشتاء الطويلة في الشمال، لم يبق بينه وبينهم إلاّ أيام قليلة، ستة أيام ليطل عليهم بشمسه الدافئة كما اعتاد، ما أحلى الربيع! ما أحلى أيامه! ما أحلى عيده.

الكل فرحون سعداء وهم يستقبلونه، وكل يوم يقربه منهم ويقربهم منه.

لقد هيؤوا ملابسهم الجديدة، إنه يستحق أن تكون له ملابس جديدة، فهو عيد الربيع، عيد الملابس الجديدة، والسنة الجديدة.

يحتفل به الفتيان والفتيات وهم يحلمون، يرقصون له، يتواعدون فيه، ينشدون - وقد تشابكت أيديهم وقلوبهم وأحلامهم - أناشيد الفرح والحب والأمل.

ويحتفل به الشيوخ، وهم يستذكرون أيامهم العذبة فيه ورقصاتهم الجميلة التي لا يحسنها هؤلاء الشبان كما كانوا يحسنونها هم في تلك الأيام، هكذا كانوا يقولون لبعضهم والابتسامة تشرق على وجوههم، وهم يرون الأبناء والأحفاد يشاركونهم الرقص والحب، والملابس ذات الألوان الربيعية الزاهية.

ويطل صباح السادس عشر من آذار، يخرج أهل حلبجة والقرى المحيطة بها والقريبة منها كعادتهم كل صباح: الفلاح إلى حقله والطالب إلى مدرسته، والطفل يلاعب أصحابه من أطفال القرية غير بعيد عن قريتهم، والنساء مشغولات بإعداد ما يقدمنه للعائد من الحقل أو العائد من المدرسة أو اللعب.

لم يكن أحد منهم يدري أن هذا اليوم هو آخر يوم في حياتهم، لن يروا العيد بعده: العيد الذي انتظروه منذ سنة حين ودعوا العيد السابق، سيودعون الحياة قبل هذا العيد ولن يروه أبداً، لقد حكم صدام عليهم جميعاً بالموت لا استثناء فيه لأحد، الكل مجرمون يجب أن يموتوا، وما هذا السحاب الذي يرونه إلا الحكم الي سينفذ فيهم، كانوا يستبشرون به كلما أظلهم أو دنا منهم وهو يحمل الحياة لهم ولزرعهم ومواشيهم، لكنه يحمل لهم الموت هذا اليوم.

وبدأ السحاب - الموت

وتحجر طفل على صدر أُمه التي تحجرت هي أيضاً وعينها عليه.

وتقاربت بقايا أجسام كانت حية قبل قليل، إنها واحدة من ألوف العوائل التي نُفّذ فيها الحكم.

وتمنى الذين لم يُنفّذ الحكم فيهم، أن يكون قد نُفّذ، فهم بين مشوّه ومشلول، بين من فقد الرجل أو الرجلين أو اليد أو اليدين، لم تعد الحياة تعني له أكثر من مرارة يعيشها، أو مرارة يتذكرها ويعيشها.

وانقشع السحاب عن خمسة آلاف ضحية: واحدة من أبشع الجرائم التي عرفتها الإنسانية. وكان الضمير العالمي قد مات قبلهم، حكم عليه صدام بالموت، لكنه الموت الذي يتم باتفاق الطرفين، يدفع فيه صدام المال، ويتسلم ثمنه سكوتاً واعتذاراً ودفاعاً عنه؛ فتسابقت حكومات، لجان إلى إنكار الجريمة وبراءة صدام، وتزاحمت وفود على بابه ومعها دهان وصبغ وكلمات وحقائب فارغة.

وحين جاء العيد بعد خمسة أيام، كانت الملابس الجديدة قد تحوّلت إلى أكفان، وعاد سكون الموت يحتل حلبات الرقص والغناء والفرح.

لقد كانوا ينتظرونك أيها العيد ليحتفلوا بك كما اعتادوا، كلهم كانوا ينتظرونك، ينتظرون على شوق إليك.

لقد رأيت الحزن على وجهك وأنت تقترب من حلبجة في الحادي والعشرين من آذار، بعد خمسة أيام على المجزرة.

وبعد ثلاث سنوات وقبل عيد الربيع أيضاً، يصدر صدام حكماً بإعدام أهل الجنوب ودفنهم أحياء.

لقد أبى القدر إلاّ أن يوحدكم، أحياء وأمواتاً، فها هو المجرم الذي نفّذ فيكم حكم الموت عام ١٩٨٨ ينفذه في إخوانكم عام ١٩٩١ في نفس الشهر وقبل عيد الربيع.

(٤)

انتفاضة آذار (الانتفاضة الشعبانية)

اليوم هو الأول من آذار أول أشهر الربيع الذي يأتيك باسماً حتى ليكاد يتكلم كما يقول البحتري.

لقد أمضينا شتاء قاسياً، لا في برده وهو ليس بالقليل، وقد انعدمت وسائل التدفئة، بل في أحداثه التي تلاحقت.

الكل أيديهم على قلوبهم لا يدرون ما يأتي به الغد، بل ما تأتي به الساعة المقبلة.

هل سيصبحون؟ أم أنّه الموت الذي كتبه عليهم صدام ينفّذه هو فيهم أو سينفّذه الأميركان، لكنه دائماً بفعله وحمقه.

كانت الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف ليلة السابع عشر من كانون الثاني ١٩٩١ رهيبة وستبقى رهيبة، لن ينساها يوماً، العراقيون الذين عاشوها.

أيقظنا دوي كاد يقتلعنا من فراشنا، أحسسنا كأن يوم القيامة الذي نتصوره ولم نره، قد جاء.

القصف يتلاحق ويزداد حدّة وعنفاً، الأطفال مرعوبون يسألون الكبار، المرعوبين أيضاً.

لا أحد يعرف ما يجري، وماذا عليه أن يفعل ليتجنب ما يجري، الكل مضطربون يتساءلون ولا جواب عند أحد.

البيوت تهتز من شدة القصف، ويتركها الناس، ولكن إلى أين؟

لم يعد البرد ما يشغلنا، بل الحياة.

ماذا نفعل الآن؟ إن بغداد تحترق، الطائرات الأميركية تغير بموجات لا انقطاع فيها، وهي تقذف الموت في كل مكان، في كل شارع من شوارع بغداد النائمة أو الساهرة حتى تلك الساعة من الليل.

هذا هو حصار الدكتاتورية، هذا ما جرّه الطاغية المجرم على العراق كله وليس بغداد فقط.

كنا نعرف أن شيئاً ما، شيئاً مخيفاً مرعباً سيحصل، لكننا لم نكن نتوقع الذي حصل؛ لأنه فوق ما كنا نتوقع.

- والآن بابا ماذا سنفعل؟ قالت آية: بنتي التي كنا سنحتفل قريباً بعيد ميلادها العاشر، وهي توجّه سؤالها مضطربة مذعورة.

ولم أدرِ بم أجيبها لأخفف من اضطرابها وذعرها، والذعر يلف البيت كله، بل البيوت كلها، بغداد كلها مذعورة.

ومضى الليل ليبدأ نهار حزين كئيب تنتشر فيه رائحة الموت والخراب، وملامح مستقبل مظلم قاتم الظلام.

واستمر القصف، ويوم آخر من الذعر والخوف... والزلزال... وأيام أخرى.

ودكّت بغداد كما لم تُدكّ يوماً وتهاوت معالمها وبيوتها وجسورها.

وخلت من ساكنيها: بين من هجرها وفرّ منها، وبين من لزم بيته لا يخرج منه، إلى أين سيذهب لو فكر في الخروج وقد ماتت الحياة، إنها لمجازفة فربما انفجرت فيه قنبلة أو انهد عليه بناء.

بغداد معشوقة الجميع ومدينة العشاق، بغداد الشاطئ وأبي نؤاس ودجلة، ماذا حلّ بها؟! إنها الآن موحشة مهجورة خائفة، قد خلت شوارعها وأظلمت بيوتها.

أسفي عليك بغداد! ما الذي دهاك؟

ما الذي فعله بك هذا المجرم التافه؟ أكان يساوي لحظة رعب من طفلة التصقت على صدر أُمّها؟ أكان يساوي بسمة لطفل يلاعب أترابه في شارع من شوارعك؟

أكنت ستجدين بين كل أعدائك، وأولهم وأشدهم أعداؤك العرب، كهذا العدو الذي كتب عليك أن تكوني أسيرته؟!

أسفي عليك، ماذا لقيت من هذا الوحش المجنون وماذا لقي العراق؟!!

ويأتي فجر الرابع والعشرين من شباط.

العراقيون ساهرون لا يذوقون النوم إلا ليوقظهم حلم مفزع.

ها هو بوش يعلن بدء العمليات العسكرية.

الجيش العراقي محطم منهوك، قد فقد روح القتال وعزيمة المقاتل؛ لأنه فقد الثقة بالقيادة، لا يدري لماذا يجب عليه أن يموت، لقد خرج قريباً من حرب مجنونة طويلة لم يعرف سبباً لها، قدّم فيها مئات الألوف من الضحايا.

وها هو يفرض عليه الآن أن يخوض حرباً مجنونة أخرى لا يعرف سبباً لها، وسيدفع أضعاف ما دفع من ضحايا في حربه الأولى، فهو يواجه قوة جبارة هائلة لا تكافؤ بينه وبينها في أي حال، وسيخرج الخاسر منها في كل حال.

والجنود يتساءلون: لِمَ نحن هنا؟ لِمَ كتب علينا ألا نخرج من حرب إلا لندخل حرباً؟ لِمَ نعرض أنفسنا للموت في هذه الصحراء، يقتلنا البرد والجوع قبل أن يقتلنا جيش أميركا وجيوش حلفائها، بعيدين عن الأهل والوطن؟

قال واحد منهم: لقد تركت طفلين: زينب وعلي وأُمّهما وليس لهم من عائل سواي.

كان علي يسرع قبلي إلى الباب كلما أردت الخروج صباحاً يحاول أن يمنعني، وزينب ما أحلاها! ما أحلى ابتسامتها، لا ترضى مني إلا بقبلة قبل الخروج، وبوعد بلعبة جديدة عند العودة، آه كيف هم الآن؟! هل سأراهم يوماً؟! لقد انقطعت أخبارهم عني منذ حين.

وقال الآخر: أنا الوحيد الباقي لأبوي الطاعنين في السن، كنا أربعة، قتل ثلاثة منا في الحرب مع إيران، ولم يبقَ لأُمي وأبي غيري، ماذا لو سمعا بقتلي، أو (استشهادي) الوصف الذي سيتكرم به علينا عبد الجبار محسن وهو يسوق خبر قتلنا في بياناته الشهيرة من دار الإذاعة، ما أظنهما سيحتملان الخبر، سيموتان حتماً عند سماعه.

وقال الثالث: في سبيل من نقاتل؟! ألنرضي غرور صدام وحمقه ونزواته؟! أليزداد ابناه وأهله وبطانته عدواناً على الناس في حياتهم وأعراضهم وأموالهم؟! هل لنا عدو غير صدام؟! أليس الأولى بنا أن نوجّه سلاحنا إليه، سيكون القتال ضدّه مشروعاً، بل واجباً، لسنا جبناء ولكننا لا نريد أن نموت دفاعاً عن عدوّنا، هناك القتال لا هنا، هناك عدوّنا الذي يجب أن نتوجّه إليه.

ويتعرض الجيش العراقي لنكسة لم يعرفها، ويشعر، ويشعر العراقيون معه، بالإهانة التي ألحقها به وبهم، مَن لا يعرف معنى الإهانة وقد ولد ونشأ فيها.

وينتفض الجيش أو بقاياه، وينتفض العراقيون، لم يكن معهم من سلاح غير الغضب للكرامة؛ وما أمضاه من سلاح، سلاح لم يعوز العراقيين يوماً، ولم يتخلّ عنهم أن يتخلّون عنه يوماً، حاربوا به في العشرين، وها هم يحاربون به اليوم في آذار عام ١٩٩١.

ويهرب المسوخ وتتهاوى صور المجنون وتماثيله المنتشرة في كل مكان، وتكبر الانتفاضة وتلتحق بها مدن العراقن الواحدة بعد الأخرى، أو قبل الأخرى، وتتحول إلى مدٍّ عارم، إنها انتفاضة العراقيين التي لا يحسنها غيرهم، انتفاضة الكريم الذي لم يعرف الذلّ والإهانة حين يتعرّض للذل والإهانة، هذا هو الدرب الذي ضللوا وأبعدوا عنه، حتى لكأنه لم يكن دربهم.

لقد قاربت الانتفاضة نجاحها الكامل، لم يبق بينها وبينه إلاّ بغداد، وهي متجهة إليها.

وذعر حكام واهتزّت كراسٍ، وتراكضت وفود تحمل الحقد وتحمل مفاتيح خزائن لم يعرف بعضها قارون، وهي تتوسّل ببوش أن ينقذ صدام وينقذهم بالثمن الذي يريد، سيوقع صدام على بياض تاركاً لبوش أن يملأه كما يشاء، المهم أن يبقى صدام، أن تفشل الانتفاضة: هذا الزلزال الذي سيحرمهم الأمن والاطمئنان، وأحلاماً عذبة لن تكون بعد اليوم إلا كوابيس.

ويستجيب بوش، ها هي فرصته، ماذا يضيره أن يبقى صدام ويُذبح العراقيون، ويملي هو شروطه، هذا ما يريده ويسعى إليه، بل أفضل ما يريده ويسعى إليه؟

وأصدر بوش أمره بفكّ الحصار عن فرق تابعة لصدام كانت محاصرة، وبالسماح للدبابات العراقية المحاصرة هي أيضاً، وللطائرات بضرب الانتفاضة والقضاء عليها.

وقضي على الانتفاضة بوحشيّة لا مثيل لها، ليبدأ فصل، هو الآخر، لا مثيل له، فصل قلّما عرفت الإنسانية عند غيرنا، شبيهاً له.

هل ستساعدني اللغة على أن أصف ما حصل فأحسن الوصف؟

كان هذا أول ما فكرت فيه وأنا أريد الكتابة عن انتفاضة شعبان وقبلها عن مأساة حلبجة؟

ليت اللغة تستطيع أن تساعد! ليتها تستطيع.

هل رأيت هذا الطفل ذا الستة أشهر، الذي اختلط دمه بحليبه، وفمه في ثدي أُمّه؟!

هل كان يعرف أن مجرماً سيقتله ويقتل أُمّه معه، فيحرمه الحليب والأم والحياة؟

لا، لابدّ أنه كان يبتسم وهو يرى الوحش قد أخرج مسدسه.

لم يكن المسدس لعبة أيها العزيز. أو إنك لا تعرف. لقد كان لعبة الموت التي لا يحمل الوحوش غيرها، للأطفال، للكبار، لك ولأُمك.. وللحياة.

ها هم يغتالون بسمتك ومعها بسمة أمك الحانية عليك، لا تفارقك عيناها ولا تنتقل عنك، لقد حكم عليك وعليها وحش اسمه صدام.

عذراً لك أيتها الوحوش فلم أجد في اللغة غير هذا التشبيه لهؤلاء المجرمين، وليس ذلك ذنبي، وليس ذلك ذنب اللغة، فما أظنها عرفت مثلهم.

وهذا الصبي الذي لم يتجاوز الثانية عشرة من العمر، ما له يتلوى تحت السياط وقد أخذته من كل جانب، حتى إذا سقط، تناولوه بأحذيتهم الخشنة الغليظة، لقد كف عن التنفس، ها هو يغمض عينيه وقد تناثر لحمه، لكن الوحوش لا يكفيهم هذا منه، حملوه ميتاً ليربطوه إلى خشبة ثم أطلقوا عليه نيرانهم، إنهم يضحكون الآن من هذا الذي يتمايل جسمه في الهواء.

وكريمة: هذه الفتاة التي أعرفها، لقد كنت أزور أهلها وأنزل ضيفاً عندهم فيكرمونني، لم يبقَ منهم غيرها، الوحوش يقتادونها ليفترسوها فترفض، ويحاولون فترفض، فيشدها بعضهم ويمزقون ملابسها، ثم يطرحونها أرضاً، لا ينتهي الواحد منهم إلا لوحش آخر ينتظر، حتى إذا انتهوا منها جميعاً، أفرغوا رصاصهم في جسدها وهم يلعنون أهلها الذين لم يحسنوا تربيتها!

أيتها اللغة، إني لأحس عجزك وأحس ألَمك، فما كنت تحسبين أن جريمة كهذه ستقع لتوجدي لها ما يناسبها من المفردات.

والماء: مصدر الحياة للإنسان والحيوان والنبات، ما ذنبه؟ هل ثار؟ هل حمل السلاح؟ لقد كان صدام يكرهه ويحقد عليه، إنه الحياة، وصدام عدوها، لقد جففوا الهور فمات الإنسان والحيوان والنبات.

هل سمعت بكاء النخلة وهي تقتلع من أرضها، أو وهي تذوي وتموت عطشاً بعد ما انقطع الماء ويبست الأرض، هذه التي رافقت العراق منذ كان العراق، وبقيت رفيقة وفيّة يأكل منها ويصدر منها، حتى صارت رمزاً له وصار رمزاً لها.

وهذه الأشلاء المتناثرة هنا وهناك، هل تراها، لقد كانت قبل قليل ناساً مثلنا، يتكلمون ويسمرون ويحلمون، إني أعرفهم، إنهم من أهلي كنت عندهم أمس، لقد نسفت منازلهم وهم فيها؛ لأن أبناءهم كانوا في صفوف الانتفاضة وبين الثائرين على الطغيان.

وأرض العراق، ما لها صبغت حمراء فأنت لا تسير إلا على دم قديم تجمّد، أو دم جديد ما يزال يسيل، أينما تسير، هو الدم معك يذكرك بحجم المأساة التي ارتكبها صدام، وشارك فيها حكام عرب وغير عرب، كلهم كانوا يكرهون العراق والعراقيين، وكلهم كانوا يريدون الموت له ولهم.

ورأيت دموعي قد مسحت أكثر ما كتبت فتوقفت قبل أن أمسح انا ما بقي مما كتبت.

(٥)

انقلاب ٨ شباط - يوم اغتيال الحياة

الساعة الآن حوالي التاسعة صباحاً من يوم الجمعة ٨ شباط ١٩٦٣، يدخل أخي جعفر كعادته كل يوم، لكنني أسمع صوته عالياً وهو يصرخ من الباب: افتحوا التلفزيون، افتحوه، انقلاب، انقلاب.

وأسرعنا إلى التلفزيون نتبين الخبر، كان البث لم ينقطع بعد، ثم ما لبث أن انقطع لتبدأ المأساة.

كان ذلك قبل خمسة وأربعين عاماً.

والآن وبعد خمسة وأربعين عاماً، هل أستطيع أن أكتب عن مأساة شباط، أن أصف ما حصل فيها؟ وما حصل هو اغتيال الحياة!

لقد حاولت مراراً قبل اليوم فأخفقت، وما أظن حظي سيكون اليوم بأفضل منه سابقاً، وليس ذلك ذنبي، بل ذنب اللغة، وسأخفق كما أخفقت، حتى لو استعنت بكل لغات العالم لا العربية وحدها؛ لأنها لأنها فوق الوصف.

ماذا سأفعل إذن وقد وصلت إليها وأنا أكتب عن وحشية الإنسان، وربما هناك من يلومني، وربما لمت نفسي اني لم أجعلها الأولى في هذا الموضوع، وإن تجاوزت التسلسل التأريخي الذي التزمته في الكتاب.

ويبدو أنني اهتديت أخيراً إلى حلٍّ أقنعني وقد يقنع الآخرين: أن أسوِّد ورقة من كلا صفحتيها وأكتب في أعلاها (٨ شباط ١٩٦٣).

بقي علي وقد عجزت عن الوصف وتركته مضطراً، أن أطرح اقتراحاً سيكون أجدى من كتابي، وهو أن يخصص يوم عالمي هو الثامن من شباط من كل عام، يطلق عليه (يوم حماية الحياة) فالحياة هبة الطبيعة، وهي مسؤولية إنسانية لا يملك أحد أن يتنكر لها ولا يملك أحد أن يلقي عن نفسه مهمة الدفاع عنها ليحصرها بغيره، لا، لن يكون إنساناً من يقف هذا الموقف، فالكل شركاء في هذه الإنسانية، وهي التي تجمعهم، إنها ليست مؤسسة تجارية تتحدد مسؤولية كل مساهم فيها بقدر حصّته.

هذا اليوم العالمي الذي أقترحه أرى ألا يتحدّد بالمستوى الرسمي، بل يعمّم على جميع المستويات: في المدارس، والصحف والشوارع، في المحاضرات والندوات والمظاهرات.

فالحياة تستحق هذا وتستحق أكثر منه.

(٦)

الدولة العباسية

أبو العباس السفاح، ابن هبيرة والعفو الذي لم يمنع القتل

ويلي عليك يا ابن هبيرة(١) والله لقد حيرني أمرك، فأنا لا ألومك حتى أعذرك، ولا أعذرك حتى ألومك، وأنت للاثنين مستحق، وأنا بين الاثنين حائر.

هل ألومك وقد أعطاك الأمان من يملك إعطاءه، بعد أربعين يوماً من الاتصالات والمفاوضات وتردد السفراء بينكم، شاورت خلالها العلماء وأهل الرأي والخبرة في صيغة عقد الأمان حتى ارتضيته واطمأننت إليه، ومن حقك ومن حق أي واحد كتب له، أن يرتضيه ويطمئن إليه، ولم تترك فيه ما يمكن النفاذ منه لنقضه أو نقض شيء مما تضمنه أو تفسيره خلافاً لما نصّ عليه، ثم بعثت به إلى المنصور الذي أنفذه إلى أخيه أبي العباس السفّاح فأمره بإمضائه.

فماذا يطلب أكثر من عقد أمان يوافق عليه الخليفة ويشهد عليه كبار القادة والرؤساء بصيغة لا تقبل شكّاً ولا تحتمل شكّاً؟!

لكنك تعرف غدر هؤلاء، وأمامك الغدر الذي بدؤوا به حكمهم حين نقضوا العهد الذي أعطوه لمحمد النفس الزكية ووثقوه بمسح أيديهم على يده، وبينهم السفاح والمنصور، وغير السفاح والمنصور من رجال آل العباس؟! وأنت تعرف ذاك ولست بعيداً عنه، وما أظنك تقيس نفسك بمحمد، ولا منزلتك عند المسلمين بمنزلته.

لقد كنت في سعة من أمرك: بقية جيش معك ومدينة محصنة هي واسط، تحميك وتمكنك على الأقل من المناورة والمطاولة، إن لم يكن القتال والانتصار، ثم القتل أخيراً حراً كريماً إذا كان لابد من القتال والقتل.

ولم تكن، وأنت تخوض الحروب، بعيداً عنه يوماً، أليس ذلك أفضل مما انتهيت إليه، والسيف يأخذ رأسك وسلاسل الحديد تثقل جسمك، ووجهك الشاحب الذليل يثير السخرية منك؟!

____________________

(١) يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري، آخر قادة الحكم الأموي في العراق قتل في واسط عام ١٣٢ بعد الأمان الذي أعطاه إياه المنصور بموافقة أخيه أبي العباس السفاح .

ورأيتني أسأل نفسي مرة أخرى. هل ألومك أم أعذرك؟ ربما يكون القارئ أقدر منّي على الجواب، والتفاصيل كلها في أحداث عام ١٣٢ في الطبري، وغير الطبري إن شاء الرجوع إليها.

وعلى كلٍّ فقد قتل يزيد بن هبيرة، لم ينفعه كتاب الأمان الذي أمضاه الخليفة وشهد عليه القادة والرؤساء، كما لم ينفع كتاب الأمان الذي سيعطيه المنصور لا لشخص كابن هبيرة، بل لعبد الله بن علي عم المنصور وأحد أكبر مؤسسي حكم العباسيين.

وإذا كان قتل ابن هبيرة يجد من يبرره عند من احترف تبرير الجرائم، فما ذنب هؤلاء الأمويين الذين أمنتهم يا أبا العباس، بعد زوال ملكهم فكانوا يحضرون مجلسك وتثنى لهم الوسائد فيه.

لِمَ قتلتهم بعد الأمان، ثم تجاوزت القتل إلى ما لا يفعله من يصدق عليه وصف الإنسان.

سأذكرك وما أظنك نسيت فمثلك لا ينسى ولا يذكر.

لقد حضروا مجلسك كما اعتادوا، لم يخطر ببال أيٍّ منهم أنه اليوم الأخير في حياته.

ودعوت بالغداء ذلك اليوم، وقبل أن يحضر غداؤك، كانت السيوف قد أخذتهم، ثم أمرت ببساط طرح عليهم، وجلست فوقه تأكل وهم يضطربون تحتك، منهم من مات ومنهم من لا يزال يعالج الموت. فلما فرغت من الأكل قلت: ما أعلمني أكلت أكلة قط أهنأ ولا أطيب لنفسي منها.

ثم أمرت بأن يجروا بأرجلهم، فألقوا في الطريق، فكانت الكلاب تسحبهم وتأكل منهم حتى أنتنوا، فحفرت لهم بئر وألقوا فيها(١) .

ويحك يا أبا العباس، أيمكن أن يكون هذا فعل أمير المؤمنين؟!

والله لأمير الوحوش، لا أمير المؤمنين، أقل وحشية منك!!

أكنت بعثياً قبل البعثيين، أم كان البعثيون (سفّاحين) بعدك؟!

____________________

(١) الأغاني طبع دار الكتب ج ٤ ص ٢٤٦، ٢٤٧ .

ما الذي حملك على ذاك، وكيف استجزته لنفسك، وقد أصبحت الخليفة، أن تفعل بمن أمنتهم من الأمويين ما فعلت، ولم يعد منهم خطر عليك ولا على سلطانك، وربما كان فيهم الصبي والغلام الذي لم يشارك فيما حصل، وربما كان فيهم من لا ذنب له إلاّ نسبه الأموي؟!

أنا لا أدافع هنا عن الحكم الأموي، ولا أريد أن يفهم من كلامي أني أحاول تبرئته مما اقترف من جرائم منكرة في حق المسلمين وغير المسلمين، ما نزال حتى اليوم نعيش آثارها ونحترب بسببها، ولكني أرفض يا أبا العباس هذا الأسلوب في التعامل مع الأعداء، فلا أنت الذي قتلتهم في الحرب فتعذر، ولا أنت الذي تركتهم وشأنهم يحيون كما يحيى الآخرون، وقد عدموا أسباب القوة، ولا أنت الذي احترمت عهدك لهم.

أنا لا أدافع إذن عن الأمويين كحكم، ولكن عن قيم إنسانية بعيدة عن الأشخاص، أمويين كانوا أم غير أمويين، بعيدة عن الحكم الأموي بعدها عن أي حكم آخر.

وأظنني سأكتفي من أول حكام بني العباس بهذا، فالطريق أمامي طويل وطويل جداً ولا أريد أن أحرم واحداً منهم حصّته من الحديث عن فضائله! فليعذرني أبو العباس إذا اختصرت حديثه فلم أعرض إلا لاثنتين من تأريخ حافل بالجرائم، وإن كان في الاثنتين ما يغني.

وليعذرني القارئ وهو عندي أهم من أبي العباس ومن كل المجرمين إذا اختصرت حديث أولهم، فلا أريد أن أخيفه، وهو بعد في أول الدرب، والدرب كما قلت طويل، من جرائم أراني مضطراً أن أقف عند بعضها، وأراني مضطراً أن أواجه هؤلاء المرتزقة من مزوّري التأريخ، وهم لا يستحيون أن يعرضوا تزويرهم وكذبهم وغباءهم على أنّه التأريخ.

(٧)

المنصور

عبد الله بن المقفع وآية التنور والتنور

ما الذي منع عبد الله بن المقفع من إكمال معارضته للقرآن وقد قطع فيها شوطاً طويلاً، وصل الثلث أو تجاوزه من القرآن؟

لكم تمنيت أن ألقاه لأسأله، فقد أعياني أن أجد الجواب، والسؤال يلح علي منذ زمن بعيد، لِمَ كف عن المعارضة ووقف عند آية التنور فلم يتجاوزها، والقرآن معجز كله، وليس فيه آية أبلغ من آية؟ ومن قدر على أن يعارض ثلث القرآن بكل سوره وآياته، فما أظنه سيعجز عن معارضة ما بقي منه، ولن يكون ما بقي مختلفاً عما استطاع معارضته.

ولأدع المؤرخين يروون لنا قصة عبد الله، أو بالأخرى، قصة معارضته للقرآن.

يقول هؤلاء إن عبد الله بن المقفع قد اعتزم معارضة القرآن، وأنه شرع في معارضته وسار فيها حتى إذا وصل إلى آية:( حَتّى‏ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التّنّورُ ... ) وهي الآية (٤٠) من سورة هود، وقف وتحيّر، ولم يستطع أن يمضي؛ فمزّق ما كتب وترك المعارضة بعد ما تبيّن له عجزه.

ورغم أن مؤرخينا لا يعوزهم الخطأ أو الكذب فيما يروون، فما أحسبهم إلا كانوا صادقين هذه المرة، صادقين في نصف القضية فقط، أي في فوران التنور، فقد فار التنور فعلاً، ولكنه لم يكن التنور المذكور في الآية القرآنية والذي منع ابن المقفع من الاستمرار في المعارضة كما يزعم المؤرخون لتبرير قتل الرجل، كان تنوراً آخر، تنوراً في قصر أمير البصرة، يلتهم ابن المقفع فلا يبقي منه ما يستطيع أن يعارض القرآن ولا غير القرآن، لقد كان جسم ابن المقفع يقطع أوصالاً بسكين في أحد دهاليز ذلك القصر ويرمى جزءاً جزءاً في تنور مسجور كأنه جيء به من جهنم يلتهم ألف ابن مقفع ويطلب المزيد.

وإليكم حديث التنور كما هو، لا كما يرويه المتعصبون المتخلفون الذين يحقدون على ابن المقفع وعلى كل مفكر، ويودون لو أن هذا التنور لا تخمد ناره، وأنه لم يبق مفكّر قبل ابن المقفع ولا بعده، وحتى اليوم وبعد اليوم إلا ألقي فيه.

كان المنصور قد عفا عن عمه عبد الله بن علي في أمر ليس هنا محل الحديث عنه، لكن عبد الله لا يثق بابن أخيه، لقد عملا معاً خلال الحكم الأموي وبعد الإطاحة به، وهو يعرف المنصور وغدره ونكثه بما يعاهد عليه؛ لذلك أراد أن يستوثق لنفسه بكتاب عفو يسد الطريق على المنصور أن ينفذ منه للتحلل من العفو الذي أعطاه.

ولجأ إلى عبد الله بن المقفع في كتابة صيغة العفو، فابن المقفع رجل فكر وأدب ومعرفة باللغة، وبما يمكن أن تحتمل الكلمات وما لا تحتمل، مما يساعد المنصور على الغدر لو أراد.

ويكتب ابن المقفع كتاب العفو، لا يترك فيه منفذاً أو ما يتصوره منفذاً، إلا سدّه بإحكام، يساعده في ذلك خلق عال ومعرفة واسعة باللغة واحترام للثقة التي وضُعت فيه.

وابن المقفع في هذا، لم يفعل إلا ما يفعله الرجل الكريم الذي لا يخون من يلجأ إليه ولا يشتري رضا السلطان بالتنازل عن مروءته، ولو لم يفعل، لما استحق إلا ما يستحق من أؤتمن على شيء فقصر في رعايته، وأهونه اللوم والاتهام بالغفلة، أو ربما الخيانة.

لم يكن يتصور أنه يرتكب ذنباً، وهو يصوغ كتاب العفو كما تقتضي الأمانة، ولم يكن يتصور أن المنصور، الذي كان يسر الغدر، قد يغفر له كل شيء إلا أن يكون أميناً وفياً، ولم يكن يتصور على الأقل، أن وفاءه سيصل حد قتله، وقتله بأبشع ما يقتل إنسان.

أسفي عليك يا ابن المقفع، ما أطيب قلبك، كأنك لا تعتبر بالشواهد ولا تعرف أن هذا المنصور، ليس أسهل عليه من نقض أي عهد سبق أن التزم به، إن الغدر عنده سياسة، والسياسة عنده غدر.

وغضب المنصور وثار مما فعل ابن المقفع الذي لم يترك له حيلة فيما أراد من عمه، وتساءل: ومن ابن المقفع هذا؟! ماذا ينتظر في قتله، وهو الذي قتل سادات العرب؟ وقتل أبا مسلم: الرجل القوي صاحب دولته ومشيّدها.

وأسرع في الكتابة إلى واليه على البصرة بأن يقتله قتلة ما عرفها أحد. ووالي البصرة يومئذٍ سفيان بن معاوية من آل المهلب بن أبي صفرة، وهو يحقد على ابن المقفع الذي كان يسخر منه، ويتمنى قتله، لكنه لا يجد السبيل لذلك؛ إذ كان ابن المقفع يعتصم بعيسى وسليمان عمي المنصور اللذين بسطا حمايتهما عليه، ويخشى انتقامهما لو ناله بسوء.

إذن ها هي الفرصة قد جاءت للانتقام من عدوه ابن المقفع الذي طال صبره عليه، سيقتله آمناً، لن يخشى هذه المرة، عيسى ولا سليمان، فالخليفة نفسه هو الآمر بالقتل.

ويدخل ابن المقفع قصر الوالي في بعض شأنه، وهو غافل عما ينتظره، لم يحتط؛ لأنه لم يفعل ما يدعو إلى الحيطة، هكذا قدر، ويفاجأ بحراس القصر يحتجزونه ثم يعدلون به إلى واحدة من غرفه.

وفي وسط هذه الغرفة انتصب تنور كبير، أجلس ابن المقفع قريباً منه وقد كتف جيداً.

وبدأ الوالي الجزار يقتطع بسكينه من جسم ابن المقفع قطعاً ثم يرميها في التنور، حتى لم يبقَ من ابن المقفع شيء يرمى.

وتحول رماداً، مترجم كليلة ودمنة، وصاحب اليتيمة والأدب الكبير والأدب الصغير، وأحد مفاخر الأدب والفكر العربي.

على أن كتاب العفو الذي قتل ابن المقفع، لم يُنجِ عبد الله بن علي من القتل، قُتل الاثنان: كاتب العفو، ومَن كُتب له العفو.

ليت ابن المقفع لم يكتب كتاب العفو الذي لم ينفع في شيء، إذن لاستمتعنا بما كان سيكتب بعد كليلة ودمنة وبعد كتبه الأخرى، ولما اضطر المؤرخون إلى اختلاق رواية عن معارضته للقرآن.

ولنتابع القصة لنرى نهاية عبد الله بن علي، بعد أن رأينا نهاية عبد الله بن المقفع.

جاء عبد الله بناءً على طلب المنصور، ومعه أخواه عيسى وسليمان ابنا علي، وحين دخل عبد الله حبسه المنصور، وطال حبس عبد الله وأقام في محبسه تسع سنوات، فلما أراد المنصور الحج سنة مائة وتسع وأربعين دعا بعيسى بن موسى. الذي جعله ولياً للعهد بعد ابنه المهدي. (ودفع إليه عبد الله بن علي سراً في جوف الليل، ثم قال له يا عيسى إن هذا أراد أن يزيل النعمة عني وعنك، وأنت ولي عهدي بعد المهدي والخلافة صائرة إليك - ولم تصر الخلافة إليه أبداً - فخذه إليك فاضرب عنقه، وإياك أن تخور أو تضعف فتنقض علي أمري الذي دبرت، ثم مضى لوجهه، وكتب إليه من طريقه ثلاث مرات يسأله ما فعل في الأمر الذي أوعز إليه، فكتب إليه قد أنفذت ما أمرت به، فلم يشك أبو جعفر في أنه قد فعل ما أمره به وأنه قد قتل عبد الله بن علي، فكان عيسي حين دفعه إليه ستره ودعا كاتبه يونس بن فروة - أبو الربيع بن يونس وجد الفضل بن الربيع - فقال له: إن هذا الرجل دفع إلي عمّه وأمرني فيه بكذا وكذا، فقال له: أراد أن يقتلك ويقتله: أمرك بقتله سراً ثم يدعيه عليك علانية ثم يقيدك به، قال: فما الرأي؟ قال: الرأي أن تستره في منزلك فلا تطلع على أمره أحداً، فإن طلبه منك علانية دفعته إليه علانية ولا تدفعه إليه سراً أبداً فإنه وإن كان أسره إليك فإن أمره سيظهر، ففعل ذلك عيسى، وقدم المنصور ودسّ إلى عمومته من يحركهم على مسألة هبة عبد الله بن علي لهم ويطمعهم في أنه سيفعل، فجاؤوا إليه وكلموه ورققوه وذكروا له الرحم وأظهروا له رقة، فقال: نعم علي بعيسى بن موسى، فأتاه فقال له: يا عيسى قد علمت إني دفعت إليك عمي وعمك عبد الله بن علي قبل خروجي إلى الحج وأمرتك أن يكون في منزلك، قال: قد فعلت ذلك يا أمير المؤمنين، قال: فقد كلمني عمومتك فيه فرأيت الصفح عنه وتخلية سبيله فأتنا به، فقال: يا أمير المؤمنين: ألم تأمرني بقتله، فقتلته؟ قال: ما أمرتك بقتله، إنما أمرتك بحبسه في منزلك. قال: قد أمرتني بقتله، ثم قال لعمومته: إن هذا قد أقر لكم بقتل أخيكم

وادعى أني أمرته بذلك وقد كذب، قالوا: فادفعه إلينا نقتله به، قال: شأنكم به. فأخرجوه إلى الرحبة واجتمع الناس وشهر الأمر، فقام أحدهم فشهر سيفه وتقدم إلى عيسى ليضربه، فقال له عيسى: أفاعل أنت؟ قال: إي والله، قال: لا تعجلوا، ردوني إلى أمير المؤمنين، فردوه إليه، فقال، يعني عيسى: إنما أردت بقتله أن تقتلني، هذا عمك حي سوي، إن أمرتني بدفعه إليك دفعته، قال: ائتنا به، فأتاه به فقال له عيسى: دبرت علي أمراً فخشيته فكان كما خشيت، شأنك وعمك. قال: يدخل حتى أرى رأيي، ثم انصرفوا، ثم أمر به فجعل في بيت أساسه ملح وأجري في أساسه الماء فسقط عليه فمات...

هذه هي رواية الطبري في مقتل عبد الله بن علي، عم المنصور، الذي أراد أن يتخلص في وقت واحد من الاثنين: عبد الله وعيسى، يأمر الثاني بقتل الأول ثم يقتل الثاني بحجة قتله الأول، كل ذلك وهو في طريقه إلى بيت الله للحج، وما أظنه أراد الحج إلا وسيلة يبتعد بها عن الشبهة ويلقي بالجريمة كلها على عيسى الذي لم يكن غافلاً عما دبر له (أمير المؤمنين) كما ظهر ذلك من حواره معه.

لكنك ستجد خاتمة الرواية بشكل مختلف عند المسعودي، أكثر وحشية وأشد قسوة، وإن كان لا حدود لوحشية وقسوة أمراء المؤمنين.

فلنستمع إلى المسعودي يصوّر لنا نهاية عبد الله بعد ما جاء به عيسى حياً.

(... قال: ادفعه إلى أبي الأزهر - أحد رجال المنصور من ذوي الاختصاص بالقتل - فدفعه إليه فلم يزل عنده محبوساً، ثم أمر بقتله، فدخل عليه ومعه - يعني عبد الله - جارية له، فبدأ بعبد الله فخنقه حتى مات ثم مده على الفراش، ثم أخذ الجارية ليخنقها فقالت: يا عبد الله!! قتلة غير هذه!!

ويلي عليك أيتها البائسة وأنت ترين هذه الأصابع الغليظة التي خنقت عبد الله، تمتد إليك.

فكان أبو الأزهر يقول: ما رحمت أحداً قتلته غيرها!! فصرفت وجهي عنها وأمرت بها فخنقت، ووضعتها معه - مع عبد الله بن علي - على الفراش وأدخلت يدها تحت جنبه، ويده تحت جنبها كالمعتنقين، ثم أمرت بالبيت فهدم عليهما، ثم أحضرنا القاضي ابن علاثة وغيره فنظروا إلى عبد الله والجارية معتنقين على تلك الحال..).

ولو أعدت قراءة الرواية لرأيت في كل سطر منها جريمة لا يحسنها إلا أمراء المؤمنين!

سلسلة طويلة تبدأ بنقض العفو عن عبد الله حتى قتله ومحاولة قتل عيسى بن موسى معه، وحين فشل في قتل الثاني، فليكن قتل عبد الله وهذه الجارية البائسة التي ما أحسبها كانت من المتنافسين على ولاية العهد، أو الطامعين في الخلافة بعد المنصور، لكنها كانت - دون أن تعلم - جزءاً من خطة لا تكتمل إلا بها، فالخليفة - كما يبدو - لا يرضى من عبد الله بالقتل خنقاً وحده، إنه يريد أن يلحق به الفضيحة حتى في موته، ولن يتم ذلك إلا بأن يكون موته مع امرأة في فراش واحد، وكان ذلك قدر هذه البائسة، فبعد قتلهما خنقاً مددا على الفراش وأُدخلت يد كل منهما تحت جنب الآخر كالمعتنقين، وقد نزعت عنهما ملابسهما وعرّيا ليكمل المشهد كما أظن، ثم يحضر القاضي ليرى بنفسه عبد الله والجارية على تلك الحال، وحسبك بالقاضي من شاهد.

ومع ذلك فلم يسلم البيت فهدم عليهما!!

لقد أراد المنصور أن يضيف فضيحة أخلاقية إلى ما اتهم به عبد الله ليحط منه ويشوّه سلوكه عند أهله وأصحابه، وماذا يعني قتل امرأة بريئة إذا استطاع أن يحقق هذا الغرض، وقد قتل المنصور، وقتل الخلفاء قبله والخلفاء بعده، الألوف والألوف ولم يحتاجوا إلى ما يبررون به القتل، وإن احتاجوا فهم قادرون دائماً عليه.

عشر سنوات ١٣٧ - ١٤٧ مرت على ثورة عبد الله والعفو عنه وإعطاء الأمان له، لم تستطع أن تمسح حقد المنصور على عمه الذي كان من أكبر المؤسسين للدولة التي هو حاكمها، ولم يعد لديه ما يخافه المنصور على سلطانه بعد طول حبسه له، كيف سيتعامل إذن مع غير عمه، ممن ليس له في بناء دولته مثل أو بعض بلائه؟!

لكن ما هو ذنب عيسى بن موسى(١) الذي شدد عليه المنصور في قتل عمه ليقاد به ويقتل، فيستريح من عدوين ويخرج هو سالماً مبرئاً من دمهما، بل رحيماً حليماً يتسع قلبه للعفو والمغفرة مع القدرة على خلافهما.

كل ذنبه أنه اختير ولياً للعهد بعد المنصور، أي إنه سيحجب المهدي ابنه ويتقدمه في الخلافة بعد وفاة أبيه المنصور، ولا أحد يدري ماذا سيكون بعد ذلك، فربما لن ينالها المهدي ولن تصل إليه، وصورة ما جرى في العهد الأموي ليست بعيدة عنه.

ورغم أن عيسى تنازل - مكرهاً طبعاً ولقاء مبالغ ضخمة - عن ولاية العهد للمهدي، على أن تعود إليه بعده - ولم تعد - إلا أن المنصور كان يخشى بقاء عيسى حياً ويريد التخلص منه ليأمن شره في حياته وبعد مماته، فبقاء عيسى حياً مع ما ناله من أبي جعفر بحرمانه من ولاية العهد التي يعتبرها (حقاً) له، سيجعل منه عدواً دائماً لأبي جعفر وأبنائه.

هذا ما فكر فيه المنصور، وهو يطلب من عيسى أن يقتل عمه فيقتل به ويتخلص هو من عدوّين في وقت واحد.

وعلى كلٍّ فقد فشلت الخطة كما رأينا، إذ كان عيسى عارفاً بمايدبره له المنصور، فقتل عبد الله وقتلت هذه التعيسة الحظ، وبقي عيسى ولياً لولي العهد، و(صار بعد غد، هذا الذي كان غداً) كما كان يتضاحك الأطفال عندما يرونه.

وما فعله المنصور مع عيسى، فعله المهدي حينما أفضت الخلافة إليه، فقد أجبره على التنازل لولديه الهادي والرشيد، ولم يعد هذا الذي صار بعد غد، يوماً من أيام الأسبوع ولا الشهر ولا السنة. لن يكون بعد الآن واحداً من الأيام، لقد مات في زمن المهدي ولم يلِ الخلافة.

ماذا فعلت بنا ولاية العهد التي ما ذكرتها إلا دعوت الله بالمغفرة لمن ابتدعها وكان السبب في تشويه صورة الإسلام وانتهاك حقوق المسلمين، وإلغاء حريتهم في اختيار خلفائهم، وتمهيد الطريق لظلم امتد عبر القرون حتى وصل إلينا، وما أظن أجيالاً أخرى قريبة قادمة ستنجو من شروره.

____________________

(١) هو عيسى بن موسى ابن أخي المنصور، وكان قد اختير في زمن السفاح ولياً للعهد بعد المنصور.

وأراني انتهيت من حديث عبد الله بن المقفع وعبد الله بن علي وعيسى بن موسى مع المنصور، ولكن هل انتهيت من حديث الآخرين - وما أكثرهم - مع المنصور؟!

ما أظن، إنه حديث طويل، طويل، وما أحسب أبا الخلفاء وأمير المؤمنين إلا ساخطاً غضباناً لو اقتصرت منه على ما ذكرت، وأنا لا أطيق غضب أمراء المؤمنين فلأمضِ في الحديث لأكمل به صورته التي يتفنّن المؤرخون من المؤمنين في نقلها إلينا مشرقة براقة تكاد تضيء.

ولكن بأي ضحية سأبدأ، إذا تركت الشعب، وهو الضحية الكبرى في كل العهود التي سبقت المنصور أو أعقبته، غير فترات قصيرة لا تمثل إلا استثناء من قاعدة الحكم في الإسلام؟!

ما لك يا أبا جعفر ولأبي أيوب المورياني؟ لقد كان وزيرك وصاحب ديوانك وموضع سرّك، ما الذي فعله حتى انقلبت عليه فنكبته ونكبت أهله: إخوته وأبناء إخوته تتبعتهم واحداً واحداً، فراحوا بين من مات تحت التعذيب ومن مات قتلاً بالسيف.

ما لكم حين تغضبون لا تقفون عند حد؟! لا تكتفون بمن غضبتم عليه، وإنما تتبعونه في أهله وأسرته وإخوته وأبناء إخوته، ولو استطعتم ألا تبقوا أحداً ممن يمتّ له بصلة نسب أو قرابة أو حتى صداقة، لفعلتم. ما لهذا الحقد الدفين لا يشفيه شيء عندكم؟!

وهذا التعيس المدعو أبا الجهم، ولأفترض أنك كنت تكرهه، وأسباب الكره لا يمكن حصرها عند أمراء المؤمنين، مع أنه كان وزيراً لأخيك السفاح، ألم تستحي، وأنت الخليفة، وقد عطش أبو الجهم بعدما أطلت بقاءه عندك حتى عطش، أن تدعو له بسويق مسموم لم يبلغ جوفه حتى أحس الموت، ثم مات عند وصوله البيت.

أكان هذا فعل خليفة وأمير للمؤمنين؟! ماذا أبقيت لسفلة الناس وأراذلهم؟!

ما أظن صدام إلاّ قد تعلم منك ومن أمثالك من أمراء المؤمنين وهو يقتل من يريد قتله بفنجان شاي أو قهوة مسمومة.

وهؤلاء الأسرى الذين جاء بهم قائدك خازم بن خزيمة، بعد فشل ثورة استاذ سيس. هل تعرف كم كان عددهم؟ لقد كانوا أربعة عشر ألف، قتلوا كلهم صبراً كما يذكر (الطبري أحداث سنة ١٥٠، وتأريخ ابن الأثير أحداث نفس السنة، وتأريخ الخلفاء للسيوطي) (المنصور أبو جند عبد الله) الذي يضيف أن قتلهم كان بعد علم من أسرهم.

وأصل الآن إلى جريمة كبرى من جرائمك، أنا مضطر أن أختم بها سجلّك الطويل العريض، المليء على طوله وعرضه، ذلك أني لم أخصص كتابي هذا لك وحدك، بل للمجرمين من خلفاء وحكّام العرب - وما أكثرهم - على امتداد القرون.

هذه الجريمة الجديدة القديمة، تتعلّق بآل محمد (النفس الزكية) ابن عبد الله بن الحسن، الثائر على ظلمك والمقتول عام ١٤٥.

وأريد أن أفترض أنك لم تنكث بيعته، وأنه هو الذي نكث بيعتك، رغم أن كل المؤرخين يذكرون العكس.

لكن ما لهؤلاء الأبرياء من شيوخ وشباب أهل بيته، تأخذهم بذنب لم يرتكبوه ولم يشاركوا فيه ولم يكونوا من جناته، وربما لم يكن لهم أو لبعضهم حتى علم به؟!

ولأبدأ من عام ١٤٠ فقد ذهبت حاجاً هذا العام، وبعد أن تركت المدينة متوجهاً إلى مكة توقفت في أوطاس على الطريق إليها، وكان على الغداء معك عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، وألححت عليه في طلب ابنيه: محمد وإبراهيم، وحين أخبرك أنه لا يعلم مكانهما أمرت به فحبس، وكان قد بلغ أو تجاوز السبعين من عمره.

ما ذنب هذا الشيخ غير أنه لم يخبرك مكان ولديه؟!(١) .

هذا إذن كل ذنبه؟! وهل يمكن لأب أن يفعل خلاف ما فعله عبد الله، حتى لو كان يعلم مكانهما؟! هل سيأتي بهما إليك أو يدلّك على مكانهما لو علمه، وهو يعرف أنك لا تطلبهما إلاّ للقتل؟!

____________________

(١) الأغاني، طبع دار الكتب، ج ٢١ ص ١٢٣، والطبري ج ٧ ص ٥٢٤، وابن الأثير ج ٥، ومقاتل الطالبيين ص ٢١٣، ٢١٤، ٢١٥.

أي أب هذا الذي يدل على مكان ولديه ليقتلا؟!

ثم لم تكتفِ بحبس عبد الله وحده، فأمرت عاملك على المدينة رياح بن عثمان المري بالقبض على بني الحسن وحبسهم مع عبد الله الذي كان ما يزال في الحبس(١) .

ويأتي عام ١٤٤ فتذهب للحج أيضاً، وحين استقبلك عاملك رياح في الربذة، رددته إلى المدينة وأمرته بإشخاص بني الحسن ومعهم محمد بن عبد الله العثماني(٢) إليك على الإبل تعض أعناقهم وأرجلهم السلاسل والقيود، تتشفى بمنظرهم قبل أن تأمر بسوقهم إلى محبسهم في الهاشمية من العراق (٣) .

قل لي يا أبا جعفر: ما لك كلما بيّتَ أمر سوء أو عزمت على ارتكاب جريمة، أو نويت الفتك بأحد، سلكت طريق مكة حاجاً؟!

أكان الله فرض الحج لمثل هذا؟! أم كنت تراه أفضل السبل لإبعاد التهمة عنك؛ باستغفال الناس وخداعهم بحج غير مبرور ولا مشكور، يبدأ من أول خطوة لك فيه بالشر وعصيان من ذهبت لحج بيته.

فعلت هذا بعبد الله بن الحسن عندما حججت عام ١٤٠.

وفعلت هذا بآل الحسن بن الحسن عندما حججت عام ١٤٤.

ثم فعلت هذا بعبد الله بن علي وعيسى بن موسى عندما حججت عام ١٤٧(٤) .

الحج هو طريق الخير والرحمة والنزوع عن الذنوب والتوبة منها إلاّ عندك، فما حججت مرّة إلا وفي رأسك خطة شر تريد تنفيذها. ولو عشت في وقتك لضربت في أقاصي الأرض أو اختفيت كلما سمعت أنك عازم على الحج.

____________________

(١) الطبري ج ٧ ص ٥٢٦، ٥٢٧، وابن الأثير ج ٥ ص ١٤٢، ومقاتل الطالبيين ص ٢١٨.

(٢) هو محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أخو عبد الله بن الحسن لأمّه وقد عذّب وقتل لهذا السبب.

(٣) الطبري ج ٧ ص ٥٤٠ و ٥٤٦، وابن الأثير ج ٥ ص ١٤٤، ١٤٦، وتأريخ اليعقوبي ج ٢ ص ١٠٥.

(٤) تأريخ الطبري أحداث علي ١٤٠، ١٤٤، ١٤٧.

وبعد الحبس الذي فرضته على هؤلاء الذين ليس لهم من ذنب إلاّ أنهم من أهل هذين اللذين تطلبهما، ولم يكن ذلك بأيديهم ولا من صنعهم، هل تستطيع أن تخبرني، وقد حبستهم وأمنت جانبهم، لماذا لم تساوهم بأدنى المحبوسين، فجعلتهم في سجن تحت الأرض لا يدرون أفي ليل هم أم في نهار، ولا يعرفون أوقات الصلاة إلاّ بأجزاء من القرآن يقرؤها عليهم أحدهم: علي بن الحسن بن الحسن؟!(١) .

ولماذا قيّدتهم، وهم في هذا السجن حتى أن عبد الله بن الحسن أخرج وهو يرسف في قيوده، ليصلّي على واحد منهم مات في السجن؟!

أكنت تخشى هربهم وهم لا يعرفون ليلاً من نهار، بعيدين عن الأهل والأنصار إلاّ من حرس يحيطون بالسجن، ويحيطون بهم داخل السجن؟!

وهذا الشيخ الذي بلغ الخامسة والسبعين، وكان رجل آل الحسن نبلاً وفضلاً وديناً؟! ألم ترعَ شيخوخته على الأقل فلا تستعجل قتله، ولو تركته ما أظنه كان سيبقى أياماً بعد اليوم الذي قتلته فيه؟!(٢) .

هل تعرف أنه استسقى ماء في أحد الأيام قبل أن تقتله، فأُتي بقُلّة فيها ماء، ودخل هذا الذي ولّيته أمرهم المدعو أبا الأزهر، فرآه يشرب والقُلّة على فيه، فما كان منه إلاّ أن ضرب القلّة برجله ومنعه الماء؟!(٣) .

ويحك يا أبا جعفر، أي وحش ساكن بين جنبيك؟!

ومحمد بن إبراهيم بن الحسن الذي كانوا يسمونه الديباج الأصفر، وما أرى في هذا ما يغيظ، وعلى كلٍّ فليس هو الذي سمّى نفسه، هل يعلم المزورون المدافعون عن ظلمك حتى اليوم كيف قتلته يا أمير المؤمنين؟! كم تمنيت أنهم أمضوا يوماً واحداً في الحبس مع آل الحسن!!

____________________

(١) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الإصبهاني ص ١٩٢، ١٩٤ و تأريخ الطبري ج ٧ ص ٥٤٩.

(٢) مقاتل الطالبيين ص ٢٢٧، وتأريخ الطبري ج ٧ ص ٥٤٨.

(٣) مقاتل الطالبيين ص ٢٢٥.

سأروي لهم وليس لك، هذه القصة التي قد لا يعرفونها، أو لا يريدون أن يعرفوها أو - وهو ما أرجّحه - لا يريدون أن يعرفها أحد، وسأرويها لهذا (الأحد) ولكل (أحد).

لقد أمرت فجيء بالمحبوسين فنظرت إلى محمد بن إبراهيم بن الحسن وقلت: أنت الديباج الأصفر؟ قال: نعم، فقلت: أما والله لأقتلنك قتلة ما قتلتها أحداً من أهل بيتك. ثم أمرت بأسطوانة أُدخل فيها وبنيت عليه وهو حي(١) .

الله الله يا أمير المؤمنين، هكذا فليكن أمراء المؤمنين! ما أسعد المؤمنين بك وبعدلك، ولكن لم القسم يا أبا جعفر؟! ليكون التنفيذ لازماً، ولتقطع الطريق على أي عفو محتمل منك؟

ماذا كنت ستفعل بابني عبد الله بن الحسن: محمد وإبراهيم لو تمكنت منهما؟! ومع ذلك فأنت تطالب أباهما أن يدلّك على مكانهما!!

ويبدو أن دفن الناس أحياء هواية لك يا أمير المؤمنين. فها أنت لم تكتف من محمد بدفنه حياً، وإنّما جمعت مع الابن أباه، فقد دفنت إبراهيم بن الحسن هو الآخر حياً. نعمت الهواية. والله يا أميرالمؤمنين وإن كان دفن الناس أحياء سبقك إليه - كما أعلم - أمير آخر للمؤمنين، هو معاوية بن أبي سفيان(٢) .

ثم يتحدثون عن الشورى والحريات والعدل... و(الديمقراطية) الإسلامية التي شوهها هذا السارق المحترف الذي اجتاز إلينا المسافات من غرب الكرة الأرضية، ليأخذها ويضع ختمه عليها كما يفعل المحتالون من التجار هذه الأيام.

ويعقوب وإسحاق: ابنا الحسن اللذان قتلتهما في الحبس مع من قتلت من آل الحسن(٣) .

وبعد فشل ثورتي محمد وإبراهيم عام ١٤٥، لِمَ أبقيت المحبوسين الذين سلموا من القتل فلم تطلقهم وتخلّ عنهم؟ وقد انتهى كل شيء، وقتل محمد وقتل بعده إبراهيم، ولم يعد من سبب لبقاء من بقي حياً منهم، في الحبس؟!

____________________

(١) مقاتل الطالبيين ص ٢٠٠، وتأريخ الطبري ج ٧ ص ٥٤٦.

(٢) مقاتل الطالبيين ص ٢٢٨.

(٣) مقاتل الطالبيين ص ١٨٩، ٢٢٨.

لِمَ بقي علي بن الحسن بن الحسن محبوساً حتى وفاته عام ١٤٦، ولو لم تدركه الوفاة وتنهي عذابه، لأدركه القتل أو البقاء تحت التعذيب في الحبس(١) .

ولأنتقل الآن، بعد آل الحسن، إلى هذا العثماني الذي كتب عليه أن يكون أخاً لعبد الله بن الحسن من أمّه فاطمة بنت الحسين، فلم تبخل عليه يا أبا جعفر بالعذاب الذي بسطته على آل الحسن، بل زدت عليه.

وسأذكرك يا أمير المؤمنين ببعض ما عذبته به قبل أن تنهي حياته بالقتل الذي هو عشقك وعشق كل أمراء المؤمنين، وإن كان غريباً مني أن أذكرك، وكأنك لم تأمر ولم تشهد ولم تحضر، وكأن الذي فعلت مما ينسى.

هل تذكر حين أمرت ببني الحسن فأُتي بهم إليك وأنت في الربذة، تحملهم الإبل مغلولين بغير وطاء حتى سقط لحم بعضهم، ومعهم محمد بن عبد الله العثماني، فطلبته فدخل عليك، ثم خرج منك وكأنه زنجي قد غيرت السياط لونه وأسالت دمه، وأصاب سوط منها إحدى عينيه فذهب بها، ثم أقعد إلى جنب أخيه عبد الله وعطش فتحاماه الناس، ولم يجرؤ أحد أن يسقيه لولا رجل خراساني ما أحسبه إلا هاوي موت، جاءه بماء فشرب(٢) .

وطلبته ثانية وأمرت بشقّ ثيابه حتى بدت عورته، ثم أمرت فضرب مائة وخمسين سوطاً، وحين قال للجلاد: اكفف عن وجهي فإن له حرمة من رسول الله؛ لأنه ابن فاطمة بنت الحسين، قلت للجلاد، وكأنك انتبهت إلى أشد ما يؤذي من أعضاء الإنسان: الرأس الرأس، فضرب كما اشتهيت، وبعد السياط دعوت بساجور من خشب فشد في عنقه وشدت به يده، وأخرج على هذه الهيئة، وكان أذاه بانكشاف عورته أقسى عليه من أذاه بوقع السياط. ويراه مولى له فيلقي عليه ثوبه ستراً له وحفظاً لحرمة لم تحفظها.

ومع كل العذاب الذي أنزلته بمحمد بن عبد الله، أبيت إلا أن تعذب بعذابه أخاه عبد الله بن الحسن الذي كنت تجعله في السير، خلف أخيه محمد؛ ليرى آثار السياط في ظهره ويتألم، فتكون قد عذبت اثنين بعذاب واحد(٣) .

____________________

(١) مقاتل الطالبيين ص ١٩٥.

(٢) تأريخ الطبري ج ٧ ص ٥٥٠، ومقاتل الطالبيين ص ٢٢٠ - ٢٢١.

(٣) مقاتل الطالبيين ص ٢٢٢.

ولم تكن في حاجة إلى كل ذاك؛ إذ كنت قادراً على قتل الاثنين معاً، لولا هذا المرض الذي اسمه أبو جعفر المنصور.

وتنتهي حياة محمد بن عبد الله كما انتهت حياة الآخرين ممن شاركوه السجن، ولكن هل تعرف - عزيزي القارئ - كيف انتهت حياته؟

سأروي لك القصة، وهي قصة قد تبدو غريبة لولا أن يعوّدنا خلفاء المسلمين على ما هو أغرب.

فحين ظهر محمد النفس الزكية في المدينة، وهو محمد بن عبد الله بن الحسن؛ أمر المنصور بقتل محمد بن عبد الله العثماني، ثم بعث بجسمه إلى خراسان، وبعث معه رجالاً يحلفون بالله أنه محمد بن عبد الله وأنه ابن فاطمة بنت رسول الله.

وأظنك عرفت كيف يحتال أمراء المؤمنين، فمحمد النفس الزكية، الثائر على المنصور. ومحمد العثماني يشتركان في اسم الأب عبد الله، وأم الاثنين فاطمة بنت الحسين، فكان الرجال يحلفون بأن الذي حملوه هو محمد بن عبد الله الذي أمه فاطمة بنت رسول الله.

وهذا ما عبر عنه ساخراً أحد الهاشميين حين سئل عن السب في قتل محمد بن عبد الله العثماني فأجاب قائلاً: احتيج إلى رأسه!!

احتاج أميرالمؤمنين إلى رأس من اسمه محمد بن عبد الله: اسم محمد النفس الزكية واسم أبيه. ومن جدّه لأمه رسول الله، فقتل محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان الذي كان مقتولاً على كل حال، وربما أراحه المنصور من عذاب سيطول قبل أن يقتله.

ومأثرة أخرى لك يا أمير المؤمنين أعتذر لأني أغفلتها وأنا أعدد مآثرك، وعلى كلٍّ فما أظنها الوحيدة التي أغفلتها، عمداً أو سهواً، وإلا لكان الكتاب خاصاً بك، ولتعرّضت بذلك لغضب أمراء المؤمنين الآخرين، الذين سأضطر لتجاوزهم وهم كثر، وبعضهم كما تعلم ليس دونك.

على أن هذه المأثرة سبقك إليها واحد ممن يحملون لقب أمير المؤمنين وأحسبك عرفتها وعرفته الآن.

لقد استباح جيشك الأهواز ثلاثاً في حربك ضد إبراهيم بن عبد الله أخي محمد النفس الزكية، تماماً كما استباح جيش يزيد المدينة ثلاثاً في واقعة الحرّة.

ولا أدري لَم يذكر الناس حرّة يزيد وينسون (حرّتك) مع أنها لم تكن دون تلك في استباحة دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم؛ ربما لأنّ ليزيد فضل الريادة والسبق إلى مثل هذا الصنف من (المآثر).

وها أنا أحاول أن أرد الظلم عنك فأسجّلها لك لتضاف إلى مآثرك الأخرى.

أظنني حملت القارئ كثيراً، ومن الخير له ولي ولك يا أبا جعفر أن أقف عند هذا الحد من حديثك والمثل العربي يقول: (يكفيك من شرٍّ سماعه).

وقد كفانا وأرهقنا ما سمعنا، وكان يكفينا ويرهقنا دون ذلك.

(٨)

المهدي

عندما يجبر الأب على أن يقتل ابنه

الخليفة المهدي يتوسّط غرفة كبيرة من غرف قصره الكبير الفخم، وعلى يمينه وشماله يقف عدد من رجال دولته ومن حاشيته، عرفت منهم وزيره الفضل بن الربيع.

وأمام المهدي شيخ، أو هكذا يتصوّره من يراه، ما يقوى على الوقوف، ترتعش يداه بالسيف، وقد شحب وجهه وذبلت شفتاه، وهو ينظر بعينين غائرتين ما أظنهما تبصران شيئاً مما حولهما.

وقلت لصاحبي ونحن نتابع المشهد: ما لهذا الشيخ ترتعش يداه بالسيف وكأنه لم ير سيفاً من قبل، وليس أكثر من السيوف في عهد المهدي وهي تحتز رقاب هؤلاء (الزنادقة)!

قال: ألا تعرفه؟!

قلت: لا والله، فلست من أصحاب الخليفة ولا من أصحاب أصحابه، لقد عشت حياتي بعيداً عنهم.

قال: إنه أبو عبيد الله.

قلت: وزير المهدي تعني؟

قال: نعم، هو ذاك، أبو عبيد الله، إن لم تره فلا شك أنك سمعت به.

قلت: ومن لم يسمع به وهو صاحب أمير المؤمنين ووزيره؟! ولكن ما شأنه؟ ما له يرتعش والسيف في يديه، وكانت الدنيا في يديه؟! ضحية جديدة من ضحايا الخليفة؟! ألم أقل لك يوماً إن خلفاءكم لا أمان لهم ولا عهد ولا دوام مودة ولا حساب لفضل أو سابق خدمة؟ لا تدري - وأنت وزير - متى يطرق عليك الباب أو يكسرها، من يجرك من فراشك دون سبب معلوم، ثم لا تدري إن كنت ستعود لأهلك، أم هو الطريق الآخر الذي تعرف إلى أين ينتهي، كوزرائنا في عهد صدام.

ولكن ما لنا ولهذا؟ ما هي التهمة التي جاءت به إلى هنا؟ رشوة؟ خيانة؟ سرقة؟ وليس فيهم من تبرّئه منها، وأوّلهم الخليفة نفسه الذي سرق شعباً كاملاً وانتهكه.

قال: ليس شيء مما ذكرت.

قلت: والله لقد حيرتني، ما الذي جاء به إذن، إذا لم تنسب إليه، لا الرشوة ولا الخيانة ولا السرقة؟!

قال: تلك قصة طويلة لا صلة لها بالرشوة والسرقة التي لا يعاقب عليها إلا إذا تناولت أموال أمير المؤمنين، قصة تتكرر كثيراً هذه الأيام، رأيناها قبل أبي عبيد الله ونراها مع أبي عبيد الله وسنرى أقسى وأشد منها في قابل الأيام كما أحسب.

قلت: هاتها فليس عندي ما يشغلني، بل هي جزء مما يشغلني.

قال: اسمع إذن.

كان عبيد الله بن أبي عبيد الله قد اتهم بالزندقة، وهي تهمة رائجة في عصرنا، تلجأ إليها السلطة للتنكيل بخصومها كلما أعوزتها الأسباب، مع أنها لا تعوزها الأسباب ولا تحتاج إليها.

وكان الربيع الذي يقال إنه ابن يونس، يحقد علي أبي عبيد الله ويكرهه أشد الكره ويسعى به دائماً لدى الخليفة، ويدس من يثير مخاوفه منه أو غضبه عليه ليزيله من مكانه، وكان هذا جارياً بين حاشية الخلفاء وأركان السلطة، كلٌّ يريد التفرّد والاستئثار بها، وكلٌّ يريد إبعاد غيره عنها.

لكن المهدي لم يكن يصغي لأحد في أبي عبيد الله؛ فهو معتمده الأثير لديه الذي لا يعدل به أحداً.

وفكّر الربيع فيما يبعد الخليفة عنه ويوغر صدره عليه.

والربيع رجل مكر ودهاء، ولا تعوزه الحيلة للوصول إلى ما يريد، وحين لم يجد في أبي عبيد الله نفسه منفذاً للدخول منه، فها هو عبيد الله ابنه يسهّل عليه هذا المنفذ.

كان الخليفة المهدي قد جرّد سيفه، وسيوف الخلفاء حادّة قاطعة، في المسلمين، يقتل من يخاف أو يتوهّم الخوف منه على حكمه تحت شعار الزندقة، وأوغل في ذلك حتى عيّن وكيلاً عنه هو عمر الكلواذي الذي تحول اسمه إلى (صاحب الزنادقة). والصحبة هنا لا تعني الصداقة والمودّة، وإنما ملاحقة هؤلاء الذين سموهم زنادقة، والبحث عنهم وأخذهم بمنتهى الشدّة؛ فهي صحبة قتل وتعذيب وسجن، وهو أقل ما يلحق الزنادقة من (صاحبهم).

وكان عبيد الله بن أبي عبيد الله متهماً بالزندقة؛ إذن ها هي الفرصة التي طالما انتظرها وبحث عنها الربيع، وها هو سلاحه الذي لن يجد أمضى منه للنيل من أبي عبيد الله، الذي عجزت وسائله الأخرى من النيل منه وتجريده من المكانة التي يحتلها عند الخليفة.

وجيء بعبيد الله إلى مجلس الحكم الذي لا أدري لماذا يحضره الخليفة مع وجود القاضي.

وعرض عبيد الله توبته، لكن المهدي رفض، رغم أن القاضي، وأظن اسمه عافية بن يزيد، طلب أن يخلي عنه بعد إعلانه التوبة، فما كان من المهدي إلا أن أمر بنزع عمامة القاضي ووجئه في عنقه؛ لأنه رأى باطلاً فأبى - وهو القاضي - أن يقره، وهذا ما لا يحتمله أمراء المؤمنين، فمهمة القضاة عندهم هي تشريع الظلم لا منعه أو الاعتراض عليه.

وأُطيح برأس عبيد الله كما أُطيح برؤوس كثيرة قبله وبعده دون أن يهتم بها أحد.

ولا أسألك يا أمير المؤمنين لِمَ قتلت عبيد الله بعد إعلان توبته، فأنتم - أمراء المؤمنين - أحرار فيما تفعلون، ومن بين ذلك وربما أول ذلك، قطع الرؤوس: هوايتكم المفضلة.

لكني أسألك فقط: كيف سمحت لنفسك أن تطلب من الأب أن يقتل ابنه؟!

أكان من شروط القتل في الزندقة أن يتولى الأب قتل ابنه المتهم بها، أم أعوزك هؤلاء الذين لا يحسنون شيئاً كما يحسنون القتل ويفرحون له بعدما جردتموهم من آدميتهم لطول ما قطعوا من رؤوس؟!

ألم ترع لهذا الشيخ سنّه وسابق خدمته لك وحسن قيامه بشؤون دولتك؛ فتطلب منه ما لا يطلبه واحد يصدق عليه وصف الإنسان؟!

ويرتعد الأب الشيخ وتخور قواه، ويسقط ويسقط السيف من يده، ويرفق به أحد الحاضرين فيرجوك أن تعفيه مما يستطيع غيره القيام به.

وأقسم أني ما تصوّرت منظر هذا الشيخ الذي تطلب منه أن يقتل ابنه إلا ارتعدت كما ارتعد، وأمسكت برأسي من هول ما أتصوّر.

وبعد هذا، أكان عبيد الله وحده الذي جيء به متهماً بالزندقة؟! لِمَ استثنيت مثلاً من حكمك: داود بن روح بن حاتم، وإسماعيل بن سليمان بن مجالد، ومحمد بن أبي أيوب، ومحمد بن طيفور الذين أقرّوا بزندقتهم فتركتهم ولم تعرض لهم، ولم يلحق القتل إلا ابن أبي عبيد الله الذي أعلن تبرؤه منها؟!

ثم ما لكم لا ترفعون اليوم شخصاً إلا لتنكبوه غداً؟! رفع أبوك آل المورياني وقدّمهم ثم نكبهم. ورفعت أنت أبا عبيد الله وقلّدته أمور دولتك ثم نكبته بأبشع ما ينكب إنسان، وسيرفع ابنك الرشيد البرامكة ويطلق أيديهم ويوكل شؤون الدولة إليهم ثم ينكبهم بما يسمى حتى الآن بـ (نكبة) البرامكة.

أية نفوس مريضة، هذه التي لا ترفع أحداً اليوم إلا لتطيح به غداً، ولا تنعم على أحد اليوم إلا لتسلبه النعمة غداً، ومعها نفسه على الأكثر؟!!

أهذا هو التراث الذي ستستلهمه الأجيال بعدكم؟!

هل تعلم: إنك وأمثالك من أمراء المؤمنين وخلفاء المسلمين، كنتم وراء انصراف الكثيرين عن الإسلام والبعد عنه، فليس من السهل دائماً التمييز بين الإسلام وبين المسلمين، فضلاً عن التمييز بين الإسلام وبين خلفاء المسلمين؟

وما أزال في الزندقة: ميدانك الذي شهرت به.

وما يزال الكثير من الأسئلة التي أريد استيضاحها منك، وقد سمحت لي بالحديث معك.

بشار بن برد مثلاً، لِمَ قتلته؟

وستجيب طبعاً: الزندقة، لقد كان زنديقاً فاستحق القتل بها.

ولا أدري إن كنت جاداً يا أمير المؤمنين، أم تريد أن تسخر منّا كعادة أُمراء المؤمنين.

لقد بقي بشار يقول الشعر أكثر من ستين عاماً، لم يترك باباً من أبوابه إلا طرقه ونظم فيه، تغزّل وشبّب وأفسد النساء بشعره، فلم تؤذه ولم تعرض له بسوء.

لقد كنت، على العكس، تدنيه وتقرّبه وتطلب منه أن يصف لك من جواريك، ما لا يطلبه شخص من شخص. بل لقد تجاوزت معه كل الحدود، حت طلبت منه أن يصف لك ما لا يجوز وما لا يقدر عليه إلا من كان حاضراً عملية ممارسة الجنس أو ما يمهّد لممارسة الجنس.

أتذكر يوم دخلت إلى بعض حجر النوم فنظرت إلى جارية منهن تغتسل - وما أكثر الجواري عندكم معاشر أمراء المؤمنين - فلما رأتك اضطربت ولم تدرِ ما تفعل غير أن وضعت يدها على... فقلت:

نظرت عيني لحيني

ثم ارتج عليك فلم تستطيع أن تجيز، فسألت عمن ببابك من الشعراء ليجيز شطرك، وكان بشار هناك، فلما دخل طلبت منه أن يكمل الشطر، ولم يقصر بشار ولم يكتفِ بإجازة الشطر، فقد أضاف إلى البيت الذي شاركك فيه، بيتين آخرين قلت له بعدهما (... قبحك الله، ويحك أكنت ثالثنا ...) ثم تقف عند ذاك فطلبت منه الزيادة. وأظنك تعرف ماذا تعني الزيادة هنا، والموضوع كله يدور حول جارية عارية، وقد أعجب الخليفة المنظر وما بعد المنظر.

ولأن بشاراً أعمى لا يرى محاسن الجارية، فكنت أنت يا أمير المؤمين تصف له مواضع الحسن فيها، وكيف تريد أن تكون معها إذا اختليت بها.

هذا هو بشار، وهذه علاقتك ومعرفتك به.

فما الذي استجدّ لديه مما لم تكن تعرف، ليستحق القتل عندك؟!

تركته حين كان يصف لك من الجواري والنساء ما تريد وتشتهي.

تركته عندما كان يقول الشعر فيما هو مقبول ومسموح به، وفيما هو غير مقبول ولا مسموح به.

تركته حين كانت تهمة الزندقة يمكن أن توجّه إليه وتصدق فيه، حتى إذا بلغ التسعين أو تجاوزها اكتشفت زندقته!!

إن الأحداث تقول غير ما قلت، تقول إنّ السياسة وهجاءه وزيرك يعقوب بن داود وهجاءك معه، ثم ما نسب إليه من أبيات تعرّض فيها لك ولعلاقتك بعمّاتك، ذلك ما قتل بشاراً.

أليس ذلك صحيحاً يا أمير المؤمنين، فيما بينك وبين نفسك على الأقل، إن كنت لا تريد أن تصدقني علناً فيه؟(١) .

وصالح بن عبد القدوس؟ ما شأنه هو الآخر، لِمَ قتلته؟ تهمة الزندقة أيضاً؟!!

لكن صالحاً نفاها عنه وأعلن براءته منها حين أحضرته لديك، ولم يدع لك سبيلاً عليه، وبدا وكأنه نجا من الموت، غافلاً عما قرّرته واعتزمته فيه.

ويتهيأ صالح للخروج وهو يحس الأمان أو هكذا تصوّر، ويتجه نحو الباب لكنه لم يبلغه حتى أمرته بالعودة وتردّد بيته الذي لا يكاد يجهله أحد:

والشيخ لا يترك أخلاقه

حتى يوارى في ثرى رمسه(٢)

ثم تقول له: (وأنت لا تترك أخلاقك ونحن نحكم فيك بحكمك في نفسك) وكالعادة، فقد أمرت به فقتل وصلب على الجسر.

____________________

(١) انظر ما يخص بشاراً كتابنا (في الزندقة والشعوبية).

(٢) هذا البيت هو الثاني من خمسة أبيات هي:

ما يبلغ الأعداء من جاهل

ما يبلغ الجاهل من نفسه

والشيخ لا يترك اخلاقه

حتى يوارى في ثرى رمسه

إذا ارعوى عاد إلى جهله

كذي الضنا عاد إلى نكسه

وإن من أدّبته في الصبا

كالعود يسقى الماء في غرسه

حتى تراه مورقا ناضراً

بعد الذي أبصرت من يبسه

ماذا تريد من شخص يؤكّد أنه برئ من تهمة تصرّ أنت على إلصاقها به، وليس معه من سلاح يثبت البراءة، ومعك كل الأسلحة التي تثبت الإدانة.

ماذا يجدي على صالح وغير صالح إنكاره وإعلان براءته حتى لو أقسم بكل ما يقطع الشك عند المسلمين، إذا كان أمير المؤمنين نفسه هو الذي يطلب رأسه، وكان رأس صالح مما يطلب أمير المؤمنين.

لقد تعلقت ببيت لصالح لم يقله عند قتله ولا قبله بقليل، وليس فيه على أية حال ما يتصل بالزندقة من قريب أو بعيد، وإنما هو بيت فيه حكمة وعظة وخبرة إنسان عاش حياته وعرف حياة الآخرين، ولا تعدم مثله في شعر العرب ابتداء من الجاهلية حتى عصر صالح، ولم يقتل به شاعر على حد علمي.

الذي قتل صالحاً ليس بيت الشعر.

الذي قتل صالحاً هو مسجد البصرة الذي كان يغص بالناس يتوافدون إليه من مختلف المناطق للاستماع إلى هذا الشيخ الحكيم وهو يروي لهم من أحداث الماضي ومآسي الحاضر ما يحرّك الفكر ويوجه النظر إلى واقع الناس، وهو إلى ذلك، شاعر أديب حلو الحديث ساحر البيان يتحدث فتنقطع الأعناق إليه ويشتد والزحام للاستماع منه، وهذا خطر آخر. ويتسع مجلسه، ويتسع نفوذه.

وتصل أخباره إلى المهدي، وأظنك تعرف ما سيحدث بعد ذاك، وليس بعد ذاك إلا... إلا القتل(١) .

ولم تكن الزندقة إلا مطية ركبتها لقتل صالح، كما كانت مطية ركبتها لقتل بشار وغير بشار.

وسأترك الزندقة التي مللت حديثها إلى ميدان آخر، لكن عليّ قبل ذاك أن أخبرك ما لا تريد أن يعرفه أحد عنك، وهو وجه من الوجوه التي كنت تعتبرها زندقة وتقتل عليها.

____________________

(١) انظر ما يخص صالح بن عبد القدوس كتابنا (في الزندقة والشعوبية).

يقولون إنك أول خليفة ظهر لندمائه وكان يسمح لهم بالشرب والسماع في قصره(١) ، بل يقولون إنك أكببت على اللذات والشرب(٢) .

وإنّ من أهم الأسباب التي ربطت بينك وبين وزيرك يعقوب بن داود، وقرّبته منك فبلغ ما بلغ من منزلة هو حديث النساء والجنس؛ الذي عرف يعقوب ولعك به فكان يدفع به شر الساعين والمتربّصين من أعدائه ومنافسيه، وهم يخلون بك في الليل يملؤون قلبك غيظاً عليه، وينتظرون أن تثور به صباحاً لكنهم يفاجأون بعكس ما انتظروا.

لقد عرف يعقوب ضعفك وشغفك بحديث النساء والجنس وأتاك من هذا واستولى عليك.

وهل كانت الزندقة في واحد من وجوهها على الأقل، غير ما تفعله أنت؟ وهو المكشوف الذي استطاع المؤرخون أن يعرفوه ويرووه.

ولأنتقل إلى هذا الميدان الآخر المتعلّق بأموال المسلمين التي اؤتمنت عليها، فأية مصلحة لهم في أن تبني متنزهاً لمتعك مع جواريك وندمائك بخمسين ألف ألف درهم، ومرتّب رئيس الكتاب لا الكاتب لا يزيد على الثلاثمائة درهم في الشهر عليه أن يعيش بها هو وعياله؟!

وماذا فعلت بالتسعمائة والستين ألف ألف درهم التي كانت في بيت المال يوم وليت الخلافة فانفقتها كلها في غير مصارفها، ولو وزعت في ذلك الوقت على فقراء المسلمين لكفتهم؟!

وعيسى بن موسى الذي دفع له أبوك مبالغ كبيرة لكي يحمله على التنازل لك عن ولاية العهد، ثم دفعت له أنت مثل تلك المبالغ، أو أكثر كما افترض، ليتنازل لولديك الهادي والرشيد عن حقّه في ولاية العهد. وهكذا، عيسى يتنازل، وبيت المال يدفع.

____________________

(١) الأوائل للعسكري ص ١٧٨، والوسائل إلى معرفة الأوائل للسيوطي، وتأريخ الطبري ج ٨ ص ١٦٠ أحداث سنة ١٦٦، وتأريخ الخلفاء للسيوطي نقلاً عن الصولي.

(٢) الوزراء والكتاب للجهشياري ص ١٥٩.

ولكن قل لي، وأرجو أن يكون هذا السؤال هو الأخير، كيف استجزت لنفسك أن تقتل ألفين وتسعين أسيراً صبراً، بعد المعارك وخارج ساحاتها، والأسير كما لا تجهل، أمانة بيد الآسر لا يجوز أن يعتدى عليه بما هو دون القتل فضلاً عن القتل.

عذرك الوحيد - يا أمير المؤمنين - أنك لم تتعب ولم تعرق في تحصيلها وأنك، متى شيءت، فرضت على الناس أضعافها.

لا عليك يا أمير المؤمنين مما يقوله المتحدثون، وسأودعك مضطراً هنا، فالطريق أمامي طويل والمنتظرون كثيرون، ربما أكثر من قائمة الأسئلة التي حملتها إليك والتي لم أطرح إلا بعضها.

(٩)

الهادي

الطبق الذي يحمل الفحشاء

سيكون الحديث معك يا سيدي قصيراً، قصر المدة التي أمضيتها في (مهنة) إمارة المؤمنين، وهي لا تتجاوز السنة والثلاثة أشهر عند المكثر.

سأقتصر إذن على بعض الأسئلة التي بدا لي أن أوجهها إليك، في فضول قد لا تكون مستعداً لتحمله في هذا الوقت، وقد احمرت عيناك من السهر وطول الشرب(١) .

ولكني سأختصر كما وعدتك، ولن أقطع عليك ما أنت فيه من متعة. أمتعك الله دائماً. إلا بقدر ما تأخذ منك الإجابة على أسئلتي هذه.

فلأسرع فيها، مع عذري لهؤلاء الجواري الحسان اللاتي لا يسرهن أن أقطع عليك وعليهن مجلسكم الذي تمنيت أن أكون حاضراً فيه، لو أن مثلي ممن يسمح بحضوره.

هل لك أن تخبرني لِمَ إصرارك على نزع أخيك الرشيد من ولاية العهد، وجعلها في ابنك الطفل الذي لم يكن قد بلغ الحلم؟ أكانت خلافة المسلمين قد بلغت من الهوان ما يجعل منها لعبة لا تصلح ولا يصلح لها إلا الأطفال؟ ألم تعتبر بمن سبقك، وكل من سبقك تقريباً مارس هذه اللعبة التي تصادر حق المسلمين في إدارة شؤونهم واختيار من يرونه أهلاً للحكم فيهم؟

لقد كانت ولاية العهد وبالاً على المسلمين، يتحمل وزرها من شرّعها وسنّها فجرى الآخرون عليها.

لِمَ أصررت على إبعاد أخيك هارون من هذه الولاية، حتى قرّرت قتله، هو وأصحابه، وأولهم يحيى بن خالد، في الليلة التي متّ فيها، للتخلّص منه ومنهم وقد رفضت أنت وأبيت حين أراد أبوك المهدي أن ينزعك من ولاية العهد ليجعلها في الرشيد(٢) .

____________________

(١) تأريخ الطبري ج ٨ ص ٢٢٣، والوزراء والكتاب ص ١٧٢.

(٢) تأريخ الطبري ج ٨ ص ٢٣٠ أحداث سنة ١٧٠.

ولأترك ولاية العهد فقد أصبح الصراع عليها وإبعاد صاحب (الحق) فيها من الأمور المعتادة، فكل ولي للعهد يدفع من يليه في الولاية إلى من هو أقرب وأحب إليه، وليس غير ابنه، إلا ما كان على سبيل الاستثناء.

سأترك ولاية العهد التي صار الحديث عنها مملولاً، لاتناول معك موضوع هذا التبذير في أموال المسلمين والعبث بها وإنفاقها في غير وجوهها، ووالله لو كانت إرثاً لحجر عليك، وقبلك على أبيك.

كيف دفعت لسلم الخاسر - والغريب إن لقبه الخاسر بقي ولم يبدل - ثلاثمائة ألف درهم في أبيات أظنها لا تتجاوز الثلاثة قالها كاذباً في مديحك، وهذا يعني أنّ كل بيت كلّف مائة ألف درهم تحمّلها بيت مال المسلمين؟!(١) .

وكم تمنيت أن أتقدم إلى عصرك أو تتأخر إلى عصري، وسأنظم فيك أكثر مما نظم سلم وأقبل أقل مما أخذ، لولا أن واحداً غير سلم اسمه عبد الله بن مالك كان يتولى الشرطة لأبيك وقد تقدم منه - بأمر أبيك طبعاً - شيء ساءك في ندمائك، وكنت بعد ولياً للعهد، فخاف عبد الله هذا حين صارت إليك الخلافة، وأردت أن تزيل خوفه وتدنيه إليك وتبعده أن يكون في صفّ أخيك هارون، وأنت تخوض الصراع ضده على ولاية العهد فأمرت فدخل بيته أربعمائة بغل موقرة دراهم، وأنا أعرف أن البغل معد للأحمال الثقيلة التي لا تطيقها الخيل ولا الحمير(٢) .

ونسيت سلماً، وقلت ربما جاء لقبه (الخاسر) بعد أن قورنت جائزته بجائزة عبد الله بن مالك التي لم يستطع حملها إلا أربعمائة من البغال.

ولكني أخطأت هنا أيضاً، وأنا أعتذر لك عن هذا الخطأ، فقد تجاوز إبراهيم الموصلي صاحبيه: سلماً وابن مالك وكان أسعد حظاً منهما، هل تذكر حين قلت له في مجلس ضمك وإياه وبعض المغنّين - وهذه هي مجالس أمراء المؤمنين - (من أطربني منكم فله حكمه...).

____________________

(١) الوزراء والكتاب ص ١٧٢.

(٢) تأريخ الطبري ج ٨ ص ٢١٦ أحداث سنة ١٧٠، وتاريخ ابن الأثير ج ٥ ص ٢٧٤. ٢٧٥ أحداث سنة ١٧٠.

ولن أطيل في الحديث، فقد أطربك إبراهيم بـ (سليمى أجمعت بينا ...) وأدخل بيت المال، أظنه مال المسلمين، فلم يخرج إلا بألف ألف درهم، شاركه الخازن، ومن حقّه أن يفعل، بثلاثمائة ألف منها، فبقي معه سبعمائة ألف(١) .

وبيت مال المسلمين والحمد لله فيه دائماً ما يكفي للإنفاق على المغنين، لكنني أحزن لسليمى التي قبض فيها ألف ألف درهم، ولم تقبض هي منها درهماً واحداً!!

ولعلّي ضايقتك بالحديث عن الشعر والغناء، وسليمى، فربما أذكرتك عهد الشباب الذي ما تزال تحنّ إليه كما أحنّ إليه، مع هذا الفرق الكبير بين شبابك وشبابي، وعدم وجود المغنّين والجوائز وسليمى.

ولأتحول إلى موضوع آخر، وإن كنت لا أدري كيف ستستقبله، فقد يكون من الأمور التي تحرص على عدم إذاعتها.

فلِمَ حاولت أن تقتل أُمّك بأوزّة مسمومة بعثت بها إليها، لكنها كانت من الدهاء بالموضع الذي تعرف، فلم تمسها ودفعتها إلى كلب أكل بعضها فتساقط لحمه(٢) .

ألم تستطع أن تمنعها من تجاوزك والقطع في الأمور دون الرجوع إليك، بوسيلة أخرى غير القتل بهذه الطريقة التي ستشينك وتخزيك؟!

ماذا سيقول الناس لو علموا ولابدّ أن يعلموا، إنّ الخليفة قتل أُمّه، خصوصاً مع ما يتناقلونه من اختلاف القوّاد والأمراء إليها في منزلها؟!

وأي غريب بعد في أن تسمّ الربيع بن يونس بكأس فيه شراب عسل، قدّمته إليه فلم يقدر على الامتناع من شربه، وحين انصرف إلى منزله جمع أولاده وأوصاهم بعد أن أحس الموت، ثم مات من يومه أو غده(٣) ؟! وهو ما يذكّر بفعل جدّك المنصور مع أبي الجهم.

____________________

(١) تأريخ الطبري ج ٨ ص ٢٠٦ أحداث سنة ١٧٠.

(٢) الوزراء والكتاب للجهشياري، وتأريخ الخلفاء للسيوطي.

(٣) تأريخ الطبري ج ٨ ص ٢٢٨ أحداث سنة ١٧٠.

وما دمت في حديث القتل، فاسمح لي بسؤال أخير أختم به الحديث معك.

ما ذنب هاتين الجاريتين اللتين قطعت رأسيهما ثم أمرت بوضعهما في طبق جاء يحمله خادمك مزهواً وهو يسير خلفك، وطلبت منه أن يحطّه أمام جلسائك الذين عدت إليهم، بعدما تركتهم لقطع الرأسين، وأنت ترعد كأنك في معركة، وأصحابك لا يعلمون شيئاً من أمر الطبق حتى رفع الخادم المنديل عن رأسي هاتين البائستين اللتين جنى عليهما القدر فكانتا من جواريك(١) ؟!!.

وأنا أعرف ما ستجيب به، ستقول إنهما اجتمعتا على الفاحشة، فقتلتهما؛ إذ كان هذا لا يجوز في قصر أمير المؤمنين!

أليس هذا هو كل ما تملك من جواب؟!

أغباء يا أمير المؤمنين أم تغابٍ؟!

لقد جمعت في قصرك المعمور ألوف الجواري وألوف الغلمان.

وأعترف أنك لست الوحيد بين أمراء المؤمنين في هذا؛ حتى ضاق بهن وبهم القصر على سعته.

ولم يكن يسمح لهؤلاء الجواري بالزواج، ومجالس اللهو والشرب والجنس لا تفارق قصرك؛ وهي تغريهن وتغري غيرهن بالفاحشة التي تتم بأمرك أحياناً.

لقد كن جزءاً من هذه المجالس، لا تعمر ولا تكتمل إلا بهن، بين ساقية ومغنية وراقصة و.. و..، والسعيدة منهن التي ترضيك وترضي جلساءك.

فما الذي سيبعدهن عما تسمّيه الفاحشة، وأنت تدفع إليها دفعاً؟

إن الفاحشة يا سيدي، هي ما تعمله أنت، حين تجمع كل هذه الألوف من الجواري والغلمان في قصرك، لا ما اضطرت إليه هاتان البائستان.

إن كانتا ركبتا الفاحشة، فليس غيرك من يجب أن يتحمل الذنب ويحاسب.

____________________

(١) تاريخ الطبری، أحداث سنة ١٧٠.

ولكنك أمير المؤمنين، القوي القادر على القتل، وكانتا الطرف الضعيف الذي لا يملك إلا الاستسلام للقتل.

وهل تصدقني يا أمير المؤمنين إذا قلت لك: إن هاتين الجاريتين لم تكونا الوحيدتين في ركوب الفاحشة، لقد كانت كل زاوية من زوايا قصرك وكل حجرة من حجره، مكاناً لركوب هذه الفاحشة، فالواحدة منهن تخشى الاتصال بالرجل معها في القصر خوف الحمل، ومع الحمل، القتل طبعاً، فتضطر إلى هذا الشذوذ، تجنباً للقتل، علها تسلم، ولم تسلم.

كيف تمنعهن من إتيان الفاحشة، والواحدة منهن لا تعرف في حضن من تنام الليلة أو غداً؛ فليس أسهل من أن يسكر أمير المؤمنين ويهب من يشاء منهن، إلى من يشاء من هؤلاء المسوخ الذين استطاعوا أن ينالوا رضاه بنكتة باردة، أو مديح مزيّف، أو أي شيء مما يسر أمير المؤمنين أدام الله سروره، ثم يقضي هذا وطره منها، ليبيعها في السوق كأية سلعة قد لا تجد من يرغب فيها، وقد زال جمالها وذهب الزمن بفتنتها، فترمى للموت الذي سيكون أرفق بها من أمير المؤمنين.

أليس غريباً أن يملك جسدها أي شخص، ويتصرف بجسدها أي شخص إلا هي، لا تملك ولا تتصرف بشيء منه؟

ألم يخطر ببالك أن تسأل نفسك أو نساءك، عن حاجة لهؤلاء الجواري، غير السعي في ساحات القصر، وغير إرضاء هؤلاء المشوهين من جلساء أمير المؤمنين؟ حتى الحلي والجواهر لم يكن لهن منه شيء، وإنما لمتعة أمير المؤمنين حين يخلو بواحدة منهن.

إن رأسي ليدور وأنا أتصوّر هذا القصر الذي أفترض أنه أُعد ليكون بيتاً تناقش فيه أمور المسلمين، وتعالج فيه مشاكلهم وقضاياهم، وما أكثرها، فتحوّل إلى بيتٍ للدعارة وارتكاب الفاحشة والقتل فيه.

لكم رثيت لهؤلاء البائسات وأنا أتسمع في الليل إلى بكائهن الخفي، وقد خلت كل إلى نفسها، وهي لا تملك غير البكاء، وربما خافت حتى البكاء.

لكم حزنت لهؤلاء الفتيات أو الجواري، وهذا هو اسمهن عند المسلمين، وقد انتزعن من أهلهن ومنازلهن وملاعب طفولتهن، وحرمن من الحب والزواج والانجاب كمثيلاتهن من الفتيات، وأُتي بهن غنائم حرب دون أن يشاركن في الحرب، ودون أن يعرفن - كما أظن - معنى الحرب، ثم أُلقي بهن في هذا القصر ذي الأسوار العالية، وكل ما فيه يخيف ويرعب ويقلق، الوجوه عابسة والخطوات محسوبة، وعلى أي منهن أن تحذر الضحكة والابتسامة... فهنا قصر أميرالمؤمنين!!

رحمة لكما أيتها القتيلتان بسيف الخليفة العفيف الغيور!! وربما خفّف حزنى أن السيف كان قاطعاً كسيوف الخلفاء فلم تتعذبا وهو يسرع فيكما.

الويل لك يا من يسمونك أمير المؤمنين، من دمٍ مسفوك بغير حق، ليس دم الفتاتين إلا أقلّه.

(١٠)

الرشيد - جعفر

والحرق، بعد الصلب، بعد القتل

ما لمسرور يحث الخطى مسرعاً لا يلتفت يميناً ولا شمالاً، كأنه في سباق مع الوقت؟!

ما الذي أخرجه في مثل هذه الساعة من الليل؟! ها هو يتجه إلى بيت جعفر بن يحيى، لابد أنّ شيئاً خطيراً قد طرق أمير المؤمنين بعد ما تركه جعفر، وهو يريد التباحث معه فيه، فجعفر وزيره وصديقه وأخوه؛ لا يقطع أمراً دونه ولا يبتّ بأمر دون استشارته وأخذ رأيه.

لكن ما هو هذا الشيء الذي منع أمير المؤمنين، أن ينتظر حتى عودة جعفر في الصباح، ولم يبقَ عليه إلا ساعات قليلة؟! لا أحد يعرف، لا أحد غير مسرور وأمير المؤمنين الذي أرسله.

كان الليل قد انتصف، وجعفر بن يحيى فارق الرشيد في آخر النهار إلى بيته، وقبل أن يفارقه تعانق الاثنان كعادتهما كلما أرادا الافتراق.

لا شيء يثير الريبة ولا شيء يدعو إلى القلق، المجلس حلو والحديث حلو والسرور مكتمل، والمائدة عامرة. إنها مائدة ابن يحيى التي يشتهيها أهل الجنة، وأبو زكار الأعمى يغني، والكل نشوان سعيد قد أخذه الطرب، أو سحره الجمال مما يرى في مجلس جعفر.

ويسمع طرق على الباب، قوي ومتواصل.

ويستغرب جعفر، ويستغرب الحاضرون، فليس الوقت وقت زيارة، والليل قد مضى أكثره، ربما كان الرشيد يريد جعفر في أمر لا يحتمل التأخير، أو شاعر يطمع في جائزة جعفر - وهو مطمع الشعراء - وليس مثل هذه الفرصة، ربما طالب حاجة لا يستطيع أن ينتظر في حاجته صباح الغد.

وقبل أن ينتهي جعفر من تصوّر الأسباب، وقبل أن يقوم الخادم لفتح الباب، كان مسرور يدفع الباب بقوّة ويدخل بوجه غير ما اعتاده جعفر حين يراه.

ويضطرب جعفر، ويضطرب الحاضرون، لا من مجيء مسرور خادم أمير المؤمنين وموضع سرّه، ولكن من طريقة دخوله، ومن وجهه العابس المكفهر الذي كان يحمل النذير بشيء لم يخطر ما هو دونه في ذهن جعفر.

ويقطع مسرور كل تفكير قريب أو بعيد قد ينصرف إليه الذهن، فيسرع بإبلاغ جعفر بأنه ما جاء إلا لأخذ رأسه.

وكانت أكثر من مفاجأة، لم تصب جعفر وحده بالذهول، وإنما أصابت الآخرين أيضاً ممن حضروا المجلس.

واصفرت الوجوه وران على المجلس سكون حزين وانقطع أبو زكار عما فيه من غناء.

لم يصدق جعفر أولاً، وتصوّر أن الأمر لا يخلو من مزاح أو خطأ وقع فيه مسرور، أو، وهذا أقصى ما يمكن أن يبلغه تفكيره، أن الرشيد غلبه الشرب فأمر مسروراً بما أمره، وسيكون ما حصل نكتة يضحك منها الرشيد طويلاً عندما يستعيد وعيه، لكن وجه مسرور ونظراته الحادة الملتهبة ولهجته الشديدة الجافة؛ تؤكّد أن الأمر جد لا يشوبه مزاح ولا خطأ، وأن هذا هو آخر مجلس له وآخر يوم من حياته.

ويطلب جعفر أن يسمح له بمواجهة الرشيد فيرفض، ويطلب أن يدخل البيت لتوديع أهله وعياله فيرفض، كل ما هو مسموح به أن يوصي إن شاء، وربما كان هذا كثيراً عليه.

إذن لم يبقَ بينه وبين السيف الذي يهتز بيد مسرور إلا أن يخرج من البيت وذلك لن يطول، فليس لدى مسرور وقت يضيعه والرشيد ينتظر الرأس، وهو لن يغفر لمسرور أي إبطاء.

ويُقتل جعفر ليبدأ الفصل الأول فيما عرف بعدئذٍ بنكبة البرامكة، التي لم يقصر المؤرخون تعصباً أو غباء، في تشويه صورتهم وإضافة ما هو معقول وما هو غير معقول إلى أسباب نكبتهم.

ولأترك الحديث عنها فأنا لا أريد أن أؤرّخ لها وقد عالجتها بتفصيل، هي وغيرها من القضايا المماثلة في كتابي (في الزندقة والشعوبية).

ولكني لا أستطيع أن أترك ما حصل بعد قتل جعفر من الوحشية التي تؤلّف موضوع هذا الكتاب.

قتل جعفر وانتهت حياته وانتهى سلطانه، ولكن هل انتهى حقد (أمير المؤمين)؟!

لا، لقد أمر أن يقطع جسده، بعد قطع رأسه، إلى نصفين ليشغل الرأس ونصفا الجسد، جسور بغداد الثلاثة، فيعلّق الرأس على الجسر الأوسط، وأحد نصفي الجسد على الجسر الأيمن، والنصف الثاني الأيسر على الجسر الأيسر، وكأنه يريد أن يقيم العدل والمساواة بين أجزاء الجسم الذي مزّقه ثلاثاً.

وتسأل بعد ذاك: وهل انتهى الحقد؟!

ما أظن، فبعد أن بقي الثلاثة معلقين مدّة طويلة تفضل أمير المؤمنين، وقد ضايقه منظرهم وهو خارج إلى خراسان، فأمر بإحراقهم ثلاثتهم: الرأس والنصف الأيمن والنصف الأيسر، فأمراء المؤمنين، لا ينتهي الحقد عندهم كالناس الآخرين الذين ليسوا أمراء للمؤمنين، إنهم يتابعون الحي حتى يقتل، ثم يتابعون القتيل حتى يصلب، ثم لا يكتفون، ثم لا يكفّون، ثم لا ينتهي الحقد، فبعد القتل وبعد الصلب يأتي الحرق. وأظنهم يأسفون أن يكون الحرق آخر ما يستطيعون، وألا شيء بعده يمكن أن ينالوا به خصومهم، وإن كان الوليد بن يزيد قد اكتشف شيئاً بعد الحرق يشفي به غلّه، كما سترى عند الحديث عن ثورة زيد بن علي.

وينتهي جعفر إلى رماد

**********

وها أنا أقف الآن بباب الرشيد، الازدحام شديد والناس بين خارج وداخل ومنتظر أرهقه القلق، وليس بعيداً عنهم، يقف جماعة الشعراء والأدباء بانتظار الإذن.

والتفت فإذا الأصمعي وهو يهم بالدخول فأتعلق به قائلاً: أبا سعيد: نشدتك بالله إلا ما ذكرتني عند الخليفة لأدخلن، فأنا هنا منذ أيام ولم يؤذن لي، وقد عييت بأمري ولا أستطيع البقاء أكثر.

ولم يحفل الأصمعي بي، وهو لا يعرفني طبعاً، ولم يسألني من أكون، مكتفياً بأن قال على عجل، دونك ابن أبي حفصة وهو قريب منك في جماعة الشعراء، وقد رأيته قبل قليل فلعلّه يحقّق لك ما تريد.

وعرفت أن المقصود هو مروان بن أبي حفصة الذي أخذ على قصيدة واحدة سبّ فيها العلويين - وأغلب شعره سب وطعن فيهم - مائة ألف درهم من الرشيد. ورغم أني أكره هذا الصنف من الشعراء الذين لا يكسبون المال إلا من المديح الكاذب لمن يطمعون في جائزته، أو الهجاء الكاذب لمن يخاصمه هذا الذي يطمعون في جائزته، فقد ذهبت إلى حيث أرشدني الأصمعي، ولم يصعب علي أن أعرف مروان، فدنوت منه وسلّمت، وكان قد انتحى جانباً عن زملائه، وحين طلبت منه التوسّط لإيصالي إلى الخليفة، تجهّم في وجهي وكأنه خاف أن أكون واحداً من الشعراء، جاء ينافسه في جائزة لا يريد أن ينافسه أحد فيها، أو لا يريد أن يضيف إلى منافسيه شاعراً جديداً فيها، فلم يزد في ردّه على أن أومأ إلى شخص كان على مسافة منه، قائلاً: هناك طلبتك. انه منصور.

قلت: ابن الزبرقان النمري؟

قال: نعم، و هل تعرفه؟إن له مكانا في القصر ليس دون مكاني فاذهب إليه.

وأحسست بالخجل من نفسي وقد نزلت بها كما لم أعوّدها من قبل.

ولكن رأيت أن مسؤولية التأريخ أكبر مني، وأن الأسئلة التي أحملها للرشيد وأريد الاجابة عليها تستحق هذا الذي لقيت من الأصمعي ومن مروان.

واتجهت إلى حيث يقف منصور الذي كان مشغولاً بترديد أبيات في مدح الرشيد، وكأنه يحاول إحكامها وصبّها في قالبها الأخير قبل أن يدخل عليه؛ ولهذا فحين سلمت لم يحسن الرد، وإنما تمتم بكلمات سريعة غير مفهومة ليعود إلى ما كان فيه. وخطرت في ذهني فكرة: فأنا أعرف أن العرب يستخفهم المديح وذكر الآباء والأجداد، فلمَ لا آتيه من هنا، وهو أمر لا يكلفني أكثر مما تكلّفت حتى الآن.

قلت: ألست منصور بن مطعم الكبش الرخم وابن عامر الضحيان؟ فما هو إلا أن سمع باسم جدّيه حتى أشرق وجهه ورحّب بي وسألني حاجتي.

قلت: إن معي أسئلة أريد توجيهها إلى الخليفة وإجابته عليها، فابتسم قائلاً: إنني هنا وهؤلاء الذين ترى من الشعراء، وليس منا واحد إلا وقد جاء بقصيدة في مدح الخليفة، سهر فيها الليالي وقطع المسافات ولم يؤذن لنا حتى الآن؛ فهل تعرف الفضل بن الربيع حاجب الخليفة؟ إنه يستطيع أن يتلطّف في دخولك إليه. قلت، ولم أملك نفسي أن انفجرت في وجهه وقد يئست منه، واليأس يجرّئ، إذن ما الذي أجدى عليك مديحك لصاحب القصر منذ زمان؟ أين ذهبت قصيدتك التي تقول في مطلعها.

أيّ امرئٍ بات من هارون في سخطٍ

فليس بالصلوات الخمس ينتفعُ

ألم تخف الله وأنت تساوي بين هارون، وهو من تعرف في ظلمه وعتوّه و بين الصلاة التي هي من أهم فروض الإسلام؟! ما هذا الضلال الذي تخبط فيه، وماذا يكون الكفر غير هذا؟! بم ستلقى الله غداً؟ إني لأظنّك ستنتهي إلى سوء في الدنيا وستكون من الخاسرين في الآخرة.

قال إنهم الملوك وأصحاب الخزائن، وهذه سبيلنا لفتح خزائنهم. فمن أراد منا الثراء ولين العيش، فليس أمامه إلا سلوك ماتلومني على سلوكه.

ورأيت الحديث غير مجد معه، فقلت وأنا التمس باب الخروج، كأني بك يا منصور، ورسل الرشيد تنقب الأرض عنك لضرب عنقك.

وبصوت فيه ضعف وانكسار، سمعته يرد عليّ: و كأني أرى ذاك.

وأظنّك الآن تعذرني يا أمير المؤمنين إذا أنا لجأت إلى طريق النشر بعد أن أعيتني الحيلة في الوصول إليك للإجابة على أسئلة جهدت أن تكون سراً بيني وبينك فلا يعلم بها أحد غيرنا.

فماذا فعل أبو عصمة لتبدأ خلافتك، ولم تدخل القصر بعد، بدمه وشد جمته في رأس قناة؟ هل سبقت منه إساءة إليك غير أنه فعل ما يفعل مثله؟ كنت أنت وابن أخيك جعفر بن موسى (الهادي) الذي جعله أبوه ولياً للعهد بعدما نزعك عنها، تعبران قنطرة، فأردت أن تسبقه، فقال لك: (مكانك حتى يجوز ولي العهد).

فماذا كنت تنتظر من أبي عصمة غير هذا، وجعفر ولي العهد والخليفة أبوه، وهل يتركك تتقدّم ولي العهد وابن الخليفة، وهل سيرضى الخليفة ويغفر له لو فعل غير ذلك؟ بل هل كنت ستفعل غير ما فعله لو أنك مكانه؟ لكنه الظلم المطبق، كما يقال الجنون المطبق، الذي لا يفارق صاحبه لحظة من ليل أو من نهار(١) .

ما أرخص دماء الناس عندكم يا أمراء المؤمنين!!

وهؤلاء العلويون؟ ما هذا الولع بدمائهم، فهم بين من تقتله بيديك، وبين من يقتله ولاتك وعمّالك بالسيف أو بالسم أو بغيرهما، المهم هو قتلهم والخلاص منهم.

أي ذنب ارتكبوه منك وأي جرم اقترفوه، غير حب واحترام لهم في قلوب الناس ما كانوا - حتى لو أرادوا - قادرين على تبديله وصرفه إليك، مع فقرهم وخزائن أموالك؟

أليس هذا ذنبهم، بل ذنبهم الذي لا يغتفر عندك؟!

لكم عجبت لأمرهم، إن ثاروا، وهم يرون الظلم والعدوان على الناس وانتهاك كراماتهم، قتلوا بحجّة الثورة وشق عصا المسلمين والخروج على ولاة الأمر. وإن لم يثوروا، كانت سيرتهم وحدها، بما تمثّل من قيم إنسانية رفيعة، ثورة لا تقل عن ثورة من حمل السلاح.

____________________

(١) تأريخ الطبري ج ٨ ص ٢٣٢.

قتل من ثار وحمل السلاح منهم.

وقتل من لم يثر ولم يحمل السلاح منهم.

فهم محكوم عليهم بالقتل في جميع الأحوال، ثاروا أم لم يثوروا؟!

ما الذي فعله موسى بن جعفر بن محمد ليؤخذ من المسجد في مكة ويقيّد ويحبس؟!

هل تذكر ما كتب إليك بشأنه عيسى بن جعفر بن المنصور ابن عمّك الذي أمرت بحبسه عنده؟ لقد كتب: (أن خذه منّي وسلّمه إلى من شيءت وإلاّ خليت سبيله، فقد اجتهدت أن آخذ عليه حجّة فما أقدر على ذلك، حتى أني لأتسمع عليه إذا دعا، لعلّه يدعو عليّ أو عليك فما أسمعه يدعو؟

واستوقفتني عبارة (حتى أني لأتسمع عليه إذا دعا...) فعيسى إذن لا يترك الرجل وهو محبوس عنده دون أن يتنصّت عليه، مع أنه وحيد، وليس هناك من يحدّثه أو يشكو إليه، فإذا تحدّث تحدّث إلى نفسه، ومع ذاك فلم يفلت من رقابة عيسى، ولم يجد عيسى عنده ما يريب في هذا الحديث إلى النفس.

لكن كتاب البراءة هذا لم يكن لينفع موسى، وقد أجمعت على قتله حتى لو جاءك ألف كتاب مثل كتاب عيسى.

وهذا ما حصل، فقد دخل يحيى بن خالد بن برمك ودعا بالسندي بن شاهك وأمره بأن يلف موسى في بساط ويقعد الفراشون على وجهه إلى أن مات(١) !!

وما يزال الكثيرون حتى اليوم، لا يرون الإسلام ومجد الإسلام وفخر الإسلام إلا فيك، ما أسعد حظك يا أمير المؤمنينن بل ما أسعد حظكم يا أمراء المؤمنين! ليت لي بعضه على ألا أكون واحداً منكم.

____________________

(١) مقاتل الطالبيين ص ٥٠٢ - ٥٠٤.

والعباس بن محمد بن عبد الله بن علي؟ كيف أجزت لنفسك أن تقول له وهو يحدثك، يا ابن الفاعلة، وأمه كما لا تجهل، حفيدة الحسين، وأمك الخيزران؟ صحيح أنك الخليفة القادر أن تقتل من تشاء بغير ذنب، ولكن هل أمنت أن يرد عليك المخاطب بما يسوؤك، وأنت تذكر أُمّه بما يسوء من ليس مثله وليس له مثل أمّه.

وهذا ما حصل، فقد أنف الرجل وأنت تذكر أمه، فرد عليك بما رآه أولى بك، فما كان منك إلا أن أمرت بأن يقرب إليك لتقتله بجرز في يدك، وكأنك لم تسبه في أمه إلا ليرد عليك فتتعلق بذلك، وتجعله سبباً لقتله(١) .

ومحمد بن يحيى بن عبد الله الذي جاء ليصوم في منزله؟ فأخذ إلى الحبس، ثم بدأ التضيق عليه حتى قضى في حبس واليك على المدينة بكار بن عبد الله الزبيري؟(٢) .

وإدريس بن عبد الله؟

ويحيى به عبد الله بن الحسن الذي سأنهي به حديث العلويين ولم أستوفه(٣) .

لقد كتبت له أماناً أشهدت عليه الفقهاء والقضاة وجلّة بني هاشم ومشايخهم، فوثق يحيى وقدم بغداد بأمانك فحبسته مكبلاً بالحديد ثم قتلته، بين من يقول بمنعك الطعام والماء عنه حتى مات، وبين من يقول بأنك بنيت عليه أسطوانة وهو حي، فعل جدك المنصور بمحمد بن إبراهيم بن الحسن، أو بالسم، أو - وليس هذا غريباً عليك - بإلقائه إلى سباع أجعتها وألقيته إليها فأكلته حياً، ولا أدري أيها أكثر وحشية، ولكني أدري أنها كلها شبيهة بك قريبة منك.

ووالله ما تذكرت الأمان الذي أعطيته ليحيى إلا ضحكت وتذكرت الأمان الذي أعطاه جدّك السفّاح ليزيد بن هبيرة، وجدّك المنصور لعبد الله بن علي.

____________________

(١) مقاتل الطالبيين ص ٤٩٨.

(٢) مقاتل الطالبيين ص ٤٩٥.

(٣) مقاتل الطالبيين ص ٤٨٩.

ويبدو أن آخر ما يفكر فيه بنو العباس، بل لا يفكرون فيه مطلقاً، هو احترام ما يعطون من أمان وعهد، مهما وثق وغلظ فيه وأشهد عليه.

وأظنك تضحك معي الآن، وخادمك مسرور يدخل عليك ليخبرك أن أحد قضاتك المدعو أبا البختري قد تفل في الأمان الذي أعطيت ليحيى بعدما مزّقه، فكافأته على صنيعه بمنصب قاضي القضاة ومبلغ ألف ألف وستمائة ألف درهم.

وغضبت على محمد بن الحسن ومنعته من الفتيا مدّةً طويلة؛ لأنه ثبّت صحة الأمان وأوجب عليك الالتزام به وإنفاذه(١) .

ولا أكتمك يا أمير المؤمنين فقد كنت أستعظم قتلك جعفراً وتقسيمه ثلاثاً، ولكني وجدتك رحيماً به وأنا أرى ما فعلته بهذين البائسين: أخي رافع بن الليث وقريبه، ولم يكن لهما شأن بثورة رافع ولا مشاركة، حين دعوت بجزّارين وأمرت بتفصيلهما عضواً عضواً، وأصبت في اختيارك، فالجزار أعرف من غيره بتقطيع الأعضاء حتى لا يفوته عضو، وهو صاحب الصناعة في السلخ والتقطيع(٢) .

ويبدو أن حديث الدم يطول معك، فأنا ما أن أحاول تركه والخروج منه حتى يردني إليه دم مسفوك آخر في غير معركة ولا قتال.

فما لكم لا تدخلون معركة إلا قتلتم من أُسر فيها صبراً، بعد انتهائها طبعاً؟!!

ماذا فعل هؤلاء الأسرى من الخرمية وهم لا يستطيعون فعل شيء بعدما أُسروا، لتضربوا أعناقهم بالسيف(٣) ؟! ثم لا يكفيكم ذلك، فتتقاسمون وتبيعون السبي من نساء ورجال؛ فتفرقون بين الأم وطفلها والزوجة وزوجها، ولكلٍّ ثمن حسب نوع البضاعة من ذكر وأنثى، ومن سن ولون وشكل.

____________________

(١) مقاتل الطالبيين ص ٤٨٠، وتأريخ الطبري ج ٨ ص ٢٤٧.

(٢) الوزراء والكتاب ص ٢٧٥.

(٣) تأريخ الطبري ج ٨ ص ٣٣٩.

وهؤلاء المساكين من أهل الذمّة؟ ما الذي فعلوه حتى هدمت كنائسهم وفرضت عليهم هيئة خاصة في اللباس والركوب يعرفون بها، تضيفها إلى ما سبق أن فرضه الأمويون من ذلك وهو كثير، وكنت أحسبه سيغنيك(١) .

وما تزال الكتب تصنّف في عدل الحكّام المسلمين ومساواتهم، وعدم تمييزهم بين رعاياهم في شيء من أمور الحياة.

وأخال القارئ قد ملّ، كما مللت أنا أيضاً، حديث الدم ومنظره وما يثيره في النفس من ألم وحزن واكتئاب يضطرنا إليه أمراء المؤمنين على كره منا.

فلأنتقل إلى حديث آخر يخص المال هذه المرة، وهو كما نعلم مال المسلمين، قتل فيه من قتل، ويُتّم من يُتّم، وثُكل من ثُكل.

ماذا فعلت يا سيدي الخليفة بهذا المال الذي يأبى على الحصر، كيف أنفقته؟ هل غير الحاشية والجواري والغلمان والندمان ومجالس الشرب واللهو، واللذة التي لا تعرف حداً تنتهي إليه وتقف عنده(٢) ؟! لقد توفي محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، ذكرت النسب كاملاً ليعرف القاري أنه في أفراد لأسرة المالكة، وأصطفيت ثروته التي لم يتعب في جمعها، فكانت من النقد فقط ستين ألف ألف!! حملت إلى بغداد في السفن، دون حساب الجواهر والرقيق والدواب والإبل و.. و.. فماذا كان مصير هذه الستين ألف ألف التي تمثّل ثروة شخص واحد؟ لم يأخذ صرفها منك أكثر من لحظات، إذ أمرت بصكاك (صكوك) دفعت للندماء والمغنين بكل المال فأخذوه، وهو بعد في السفن لم يدخل بيت المال منه شيء، مع أن الأمر لن يختلف لو دخل بيت المال(٣) .

____________________

(١) تأريخ الطبري ج ٨ ص ٣٢٤.

(٢) ويقول السيوطي نقلاً عن الذهبي وهو يتحدث عن الرشيد بأن (له أخبار في اللهو واللذات المحظورة..). تأريخ الخلفاء (الرشيد، هارون ابو جعفر) لجمال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.

(٣) تأريخ الطبري ج ٨ ص ٢٣٧.

وعلي بن عيسى بن ماهان: واليك السابق على خراسان، كم كانت ثروته التي قبضها قائدك هرثمة بن أعين؟ سأجنبك الحرج، وإن كان أمراء المؤمنين لا يتحرجون من شيء، كانت ثمانين ألف ألف حملت على ألف وخمسمائة بعير(١) .

وحديث واليك ابن ماهان يجرني إلى حديث الولاة الآخرين، فيبدو لي أنكم تتركونهم يظلمون الناس، ويجمعون الأموال بالتخويف والإرهاب وبعلم منكم، حتى إذا جمعوا ما رأيتموه كافياً عزلتموهم وصادرتم أموالهم، فكأنكم تولونهم لجمع المال، ثم تعزلونهم لأخذ ما جمعوا منه، بارداً صافياً، فهم وكلاء تحصيل لوقت محدد ومبلغ محدد.

وما زلت في حديث المال، فحديثه هو الآخر طويل كريه يريك

العبث بحقوق الناس، إنه وجه من أوجه الظلم الذي لازم الحكم العربي.

إذا تركنا بعض استثناءات: إسراف وتبذير، وتجاوز للحدود في الإسراف والتبذير، إلا على مصالح المسلمين وعلى ما ينفع المسلمين، وهو ما لهم، لا فضل ولا منة لأحد فيه.

هذا الفضل بن الربيع يبني قصراً فيهب له الرشيد مساعدة على بنائه مبلغ خمسة وثلاثين ألف ألف، ولكي تعرف ما يعني هذا المبلغ فأخبرك: إن أرزاق الكتاب منذ عهد المنصور وحتى عهد المأمون لم تزد على ثلاثمائة درهم شهرياً للرؤساء منهم. على أن المبلغ الذي وهبه الرشيد للفضل لا يمثل كلفة البناء، وإنما مجرد مساعدة على بنائه، وتستطيع أن تقدر كم كلّف القصر إذن(٢) .

وأرى حديث المال قد أوقعني فيما لا أريد يا أمير المؤمنين، فهل كانت ابنتك حمدونة في حاجة، لتأمر لها بإقطاع، غلته مائة ألف درهم مع ألف ألف درهم صلة(٣) ؟

____________________

(١) تأريخ الطبري ج ٨ ص ٣٢٤.

(٢) الوزراء والكتاب ص ٢٨٩.

(٣) الوزراء والكتاب ص ٢٣٣.

صحيح أن مواهبها وكفاءاتها وخدماتها النادرة لا يمكن أن يقابلها أضعاف هذا المبلغ الزهيد!! لكنها ليست بحاجة إلى مثله ولا إلى ما هو أكثر منه، وأبوها هو الذي يملك خزائن الأرض وبيديه مفاتيحها.

وبعد الدم والولوغ فيه، والمال والتبذير في إنفاقه، ولكي يكون

حديثي معك جامعاً وصريحاً كما يريده أعزائي القرّاء الذين لا يحفلون كثيراً بأمراء المؤمنين ولا يجعلونهم بديلاً للحقيقة التي ينشدونها، هل لي أن أسألك عن قصّتك مع جارية أبيك المهدي؟ أقلّت عليك النساء حتى تضاجع جارية أبيك؟!

فالسيوطي، وما أحسبك سمعت به، وهو غير متهم بالتحامل عليك أو الميل لأعدائك يقول ما نصّه: (.. لما أفضت الخلافة إلى الرشيد وقعت في نفسه جارية من جواري المهدي، فراودها عن نفسها، فقالت: لا أصلح لك، إنّ أباك قد طاف بي، فشغف بها، فأرسل إلى أبي يوسف فسأله: أعندك في هذا شيء - وليس مثل أبي يوسف يسأل هذا السؤال - وعنده له ولما هو أكبر وأخطر منه، شيء وأكثر من شيء. فقال: يا أميرالمؤمنين أو كلما ادعت أمة شيئاً ينبغي أن تصدق، لا تصدق فإنها ليست بمأمونة(١) .

ولست في حاجة إلى معرفة ما جرى بعد فتوى أبي يوسف وحتى قبلها يا أمير المؤمنين.

قال وقد حوصر بالحقائق ولم يعد يسعه الإنكار: (.. ووصلكم خبر الجارية؟! هل تعرف كم من الرؤوس أطيح بها لكي يبقى الخبر سرّاً لا يعلمه أحد)؟!

قلت: أعرف ذاك ولا أستغربه، ولكن دعني أكمل حديث السيوطي بتعليق ابن المبارك عليه، وأثبت لك نصّه أيضاً. قال - يعني ابن المبارك - (فلم أدرِ ممن أعجب: من هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين وأموالهم يتحرج عن حرمة أبيه، أو من هذه الأمة التي رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين، أو من هذا: فقيه الأرض وقاضيها - أبي يوسف - قال: اهتك حرمة أبيك واقضِ شهوتك وصيّره في رقبتي(٢) .

____________________

(١) تأريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٩١.

(٢) تأريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٩١.

أما أنا فلا أعجب من شيء مما حصل، بل من عجب ابن المبارك مما حصل.

وقبل أن أترك حديث الرشيد، أذكر أني قلت في بداية هذا الفصل إني لا أريد التعرّض لنكبة البرامكة التي فصلتها في كتابي (في الزندقة والشعوبية) لكن هذا لا يمنعني وأنا في حديث الرشيد، لم أنتقل منه بعد أن أعود إلى نقطة تتصل بجعفر بن يحيى وبمقتله، ربما أكون نسيتها هناك، وفي جميع الأحوال، فما أظن القارئ سيضيق بها لو كنت ذكرتها هناك ثم كررتها هنا.

لقد تساءلت طويلاً عن هذا السر الذي كان يدفع بالرشيد كلما اجتمع الثلاثة في مجلس شراب، هو وجعفر والعباسة أخت الرشيد التي زوجها من جعفر، على ألا يقتربا من بعضهما كما يقول المؤرخون، لِمَ يتركهما إذن وحدهما ويخلي لهما المجلس، وهما شابان متزوجان بمقتضى الشرع وبمباركة الرشيد نفسه، ويعلم حب أحدهما للآخر وكلف أحدهما بالآخر؟! كيف يسمح لنفسه بالقيام من المجلس دون أن يقوما أو يقوم أحدهما معه أو قبله؟!

ماذا كان الرشيد ينتظر؟! وقد أزيد فأقول: ماذا كان الرشيد يريد؟

ماذا تصف رجلاً يترك أخته مع من تحب وحدهما، وقد أخذ منهما الشرب، وكل عاشق للآخر، وهو يعلم ذلك، وليس هناك ما يمنع اتصالهما، والجو كله يبعث ويغري ويدفع دفعاً إليه؟!

كنا نسمع بالحب العذري، وقد نصدقه وقد لا نصدقه، لكننا لم نسمع حتى اليوم بالزواج العذري، هذا الذي اخترعه الرشيد لجعفر والعباسة.

سؤال أخير يا أمير المؤمنين: لِم اقتصرت على قتل جعفر وحده في (جريمة) لا تتم إلاّ بطرفين هو أحدهما؟

سأكفيك الجواب دون انتظاره منك، إنك تستطيع أن تجد ألف عذر تبرّر به قتل جعفر، ولكن أي عذر سيسعك في قتل العباسة أخت خليفة المسلمين التي سيحقق قتلها ما كان المسلمون يتناقلونه ولا يحققونه.

واعذرني يا أمير المؤمنين إذا كنت لا أستطيع البقاء معك أكثر مما بقيت، وأن أقتصر في حديثك على ما اقتصرت، فحديثك دامٍ مخيف وأنا أشفق على نفسي وعلى قرّائي من المضي فيه أكثر مما فعلت.

وسأقف مضطراً عند هذا الحد، تاركاً الكثير الكثير مما يجب ذكره من فضائلك.

(١١)

الأمين والمأمون

ما الذي أشعل الحرب بين المسلمين ثلاث سنوات ١٩٥ - ١٩٨ من همدان وحلوان والشام وحتى النهروان والمدائن ثم بغداد، مدينة وأحياء وأزقة وبيوتاً؟

ما الذي قتل الألوف، عشرات الألوف من هؤلاء المسلمين، وأفجع عوائلهم ورمّل نساءهم ويتّم صغارهم؟

ما الذي أرعب الناس وعطّل الحياة وخرّب بغداد ودمّر معالمها واغتال حضارتها وجعل منها غابة، يفترس فيها القوي الضعيف والمجرم البريء، ولا يعرف الشيخ ولا الفتاة كيف تحتمي، والحكم للعصابات، قد استبدت بالناس أرواحاً وأموالاً وأعراضاً؟ حتى الخليفة نفسه، لم يعد يملك إلا أن يسترضيها ويتقرب منها ويعتز بها دفاعاً عن نفسه، بعدما تخلّى عنه من كان يظن بهم الدفاع.

أليس هو مبدأ ولاية العهد الذي يتحمل وزره من شرعه وبدأ به وجرأ الآخرين عليه، وجعل منه سابقة مشؤومة في حياة المسلمين بعدت بهم عن العدل والصواب، حين جردتهم من حقهم في اختيار الحكم والحاكم، وأعطت لواحد منهم أن يولي عليهم من يراه هو ومن يريده هو، بعيداً عن رأي الناس وإرادتهم؟!

أكنت قادراً على الحديث عن الأمين والمأمون، وقد وصلت إليهما، دون الحديث عن مبدأ ولاية العهد، ولو بهذه المقدمة المختصرة، وهو الذي كان وراء الويلات التي نزلت بالمسلمين بعدهما، ونزلت بالمسلمين قبلهما، وهو الذي جعل من الديقمراطية والعدل والمساواة التي يكثر الحديث عنها هذه الأيام، مجرد أسطورة يلجأ إليها من اعتاد العبث بعقول الآخرين، أو يلهو بها من اعتاد الاستغناء عن عقله؟!!

ولأسرع إلى الرجل قبل أن يمل الانتظار فيذهب ولا أظفر به.

(١٢)

الأمين

ولا أريد أن أحمّل الرجل أكثر مما أحمّل أباه الذي عهد إليه بالخلافة من بعده، مع معرفته به، وليس كمعرفة الأب لابنه.

لم يكن الأمين مهيأ لأكثر من كأس وجارية وغلام، فرأى سلطة وحكماً وإمارة مؤمنين وخلافة مسلمين، ورأى نصف الدنيا أو أكثر من نصفها في ذلك العهد، يأمر فتطيع، وقد تحولت إلى خزائن يصرف منها ما يشاء، يعطي من يشاء ويحرم من يشاء.

فأي غريب في أن يبدأ الأمين سنته الأولى في الحكم بعزل أخويه المأمون والقاسم، وتنصيب ابنيه مكانهما، ولم يتول الخلافة واحد من أسلافه إلا بعزل (مستحقها) قبله: عزل المنصور عيسى بن موسى ليعهد إلى ابنه المهدي، ثم عزل المهدي عيسى المعزول سابقاً، ليعهد إلى ولديه الهادي والرشيد، وحاول عمه الهادي عزل الرشيد أبيه، لو لم تعاجله المنية فتبطل ما حاوله.

والآن وقد أفضت الخلافة إليه، فما الذي يمنعه أن ينهج سيرة من تقدمه من أهله؛ فيقصي أخاه المأمون، ويرشح لولاية العهد ابنه موسى، الطفل الذي كان ما يزال يرضع ويسميه الناطق بالحق، وهو لا يستطيع النطق لا بحق ولا بباطل.

وسأريح القارئ من استعراض الحروب التي استمرت بين الأخوين مدة طويلة، فتلك مأساة لا أريد الخوض فيها، يكفي القارئ ما يعيشه من مآسٍ تملأ عليه كل حياته في هذا العالم المتخلف الذي يسمونه العالم العربي.

سأبدأ مع أبي موسى بغير حديث الحرب، فالمؤرخون يذكرون أن الأمين منذ بداية خلافته (طلب الخصيان وابتياعهم وغالى فيهم وصيرهم لخلوته في ليلة ونهاره، وقوام طعامه وشرابه وأمره ونهيه، وفرض لهم فرضاً سماهم الجرادية، وفرضاً من الحبشان سماهم الغرابية، ورفض النساء: الحرائر والإماء حتى رمى بهن ...)(١) .

____________________

(١) النص مآخوذ من الطبري ج ٨ ص ٥٠٨، و ابن الأثير ج ٥ ص ٤١٠.

وقد خلف لنا الشعراء صورة لا يعوزها الوضوح لما كان عليه الأمين من حياة ماجنة تافهة.

فلنستمع إلى هذه الأبيات من قصيدة قالها شاعر بغدادي في ذلك الوقت:

لقد أبقيت للخصيان بعلا

تحمل منهم شؤم البسوس

فأما نوفل فالشأن فيه

وفي بدر فيالك من جليس

وما العصمى بشار لديه

إذا ذكروا بذي سهم خسيس

وما حسن الصغير أخس حالا

لديه عند محترق الكؤوس

لهم من عمره شطر وشطر

يعاقر فيه شرب الخندريس

وما للغانيات لديه حظ

سوى التقطيب والوجه العبوس(١)

وأظنك عرفت أن نوفلاً وبدراً وبشاراً وحسناً المذكورين في الأبيات، هم من الخصيان الذي أغرم بهم الأمين فأبعدوه عن نسائه مستغنياً بهم عنهن.

وأصرح من هذه الأبيات وأصرح من صاحبها، شاعر بغدادي آخر قال، وهو يرى تبذل الأمين وتهتكه ولهوه، والنار تشتعل في كل حي من أحياء بغداد، أبياتاً إليك بعضها:

أضاع الخلافة غش الوزير

وفسق الإمام وجهل المشير

* * *

لواط الخليفة أعجوبة

وأعجب منه خلاق الوزير

فهذا يدوس وهذا يداس

كذاك لعمري اختلاف الأمور

فلو يستعينان هذا بذاك

لكانا بعرضة أمر ستير

ولكن ذالج في كوثر

..............................(٢)

____________________

(١) الطبري ج ٨ ص ٥٠٨، وابن الأثير ج ٥.

(٢) تأريخ الطبري ج ٨ ص ٣٩٦.

ويبدو أن كوثراً هذا كان أحظى عند الخليفة من الآخرين، وآثر لديه منهم، فالطبري وابن الأثير يرويان أن الأمين قال للذي جاءه بهزيمة جيشه وقتل قائده علي بن عيسى بن ماهان، وكان على الشط يصيد السمك: (ويلك دعني فإن كوثراً قد اصطاد سمكتين وأنا ما اصطدت شيئاً بعد)(١) .

ما أروعك يا سيدي الخليفة، وما أسعد المسلمين بك وبصيدك للسمك وبكوثر وأصحابه!!

ألم تحزنك دماء المسلمين، وكانت تجري أنهاراً كهذا الذي تصطاد فيه؟!

ألم تصرفك - ولو لوقت محدود - عن صيد السمك والغلمان، تصيدهم أو يصيدونك؟!

ألم تشغلك هزيمة جيشك وقتل قائده عما أنت فيه من عبث كنت قادراً على تأجيله، أو كتمانه على الأقل حتى لا تصدم مشاعر هذه الناس التي فجعت بقتلاها أو أموالها أو أعراضها، واستسلمت للقدر يقرر ما يشاء في أمرها؟!

أهذه هي خلافة المسلمين: لواط وخصيان وكوثر ومباراة في صيد السمك؟

وهنا خطرت في ذهني فكرة، فافترضت أنني أصبحت واحداً من وعاظ السلاطين، وأردت الدفاع عن جرائم هؤلاء الخلفاء ومباذلهم وسقوطهم، فماذا أنا قائل في جريمة الإخصاء التي لا أدري إن كان قد سبقنا إليها أحد فحرمنا فضل الريادة فيها، أم كنا السابقين إليها وأصحاب الفضل في ابتداعها؟!

كيف سأدافع عن إتلاف الأعضاء التناسلية بالقسر والإكراه، طبعاً لشبان لا ذنب لهم إلا أن القدر جعل منهم (غلمان الخليفة) رغم ما يعرضهم له الإخصاء من تشويه ومن أمراض قد تبلغ الموت، كل ذلك لكي يسمح لهم بالدخول إلى القصور (الخلافية) والاختلاط بنسائها، مع استبعاد الاتصال الجنسي أو - وربما هذا هو الأهم - استبعاد الحمل وفضيحته، لو تم الاتصال بشكل من الأشكال في الحرم (الخليفي) المقدس.

____________________

(١) تأريخ الطبري ج ٨ ص ٣٩٥، وتأريخ ابن الأثير ج ٥ ص ٣٧٥.

وقلبت الأمر على الوجوه التي أعرف ففشلت ولم أهتدِ لوجه أطمئن إليه، فرأيت أن أتوجّه إلى أصحاب الصنعة والمحترفين من وعّاظ السلاطين، فهم وحدهم قادرون على أن يجعلوا من إخصاء الذكور وقطع أجهزتهم التناسلية، فضيلة لخلفاء المسلمين.

وتركت هؤلاء البؤساء تحت رحمة من كلف بإخصائهم، راجياً أن يكون رفيقاً بهم وهو يؤدي عمله؛ لأتجه إلى أموال المسلمين التي استباحها الأمين في كل شيء، إلاّ في مصالح المسلمين، فقد (قسم ما في بيوت الأموال وما بحضرته من الجوهر في خصيانه وجلسائه ومحدّثيه وأمر ببناء مجالس لمتنزهاته ومواضع خلوته ولهوه ولعبه بقصر الخلد والخيزرانية وبستان موسى وقصر عبد ربه وقصر المعلى ورقة كلواذى وباب الأنبار ونبارى والهوب، وأمر بصنع خمس حراقات - نوع من السفن - في دجلة على خلقة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس، وأنفق في عملها مالاً عظيماً...

وذكر عن الحسين بن الضحاك قال: ابتنى الأمير سفينة عظيمة أنفق عليها ثلاثة آلاف ألف درهم، واتخذ أخرى على خلقة شيء يكون في البحر يقال له الدلفين ...)(١) .

وغنّاه إبراهيم بن المهدي يوماً بيتاً فطرب له فأمر بأن يوقروا زورقه ذهباً(٢) .

ولن أسأل عما وزع على هذه الملايين من فقراء المسلمين ومعدميهم؛ لأنه لا يحتاج إلى سؤال، لأنه الجوع والحرمان... والإخصاء.

____________________

(١) الطبري ج ٨ ص ٥٠٩، وابن الأثير ج ٥.

(٢) الطبري ج ٨ ص ٥٢١، و ابن الأثير ج ٥.

(١٣)

المأمون

كانوا يسمّونك - وأنا منهم - الخليفة الحكيم العاقل العادل، ولكني ما أن بدأت بقراءتك قراءة من يريد أن يحكم؛ حتى وجدتك دون ذلك، لا تختلف كثيراً عمن سبقوك، لم تعتبر بما تقدم من تجاربهم، وهي قريبة منك، عاصرت بعضها وعشت بعضها، فما أن بلغك مقتل أخيك الأمين حتى بادرت إلى عزل أخيك القاسم: ولي العهد الثاني(١) وأنت بعد في خراسان لم تتركها، ويفصلك عن مركز الخلافة ببغداد مسافات لا نهاية لها، والأمور لم تحسم لصالحك هناك بما يسمح لك بنقض العهد لأخيك، وإن كان نقض العهد أمراً غير مقبول، ولا يرتبط بظرف يحتمي به من نوى الغدر وعزم عليه.

إذن كان عزل أخيك الذي عقد له أبوك ولاية العهد بعدك، هو أول ما بدأت به خلافتك.

فإذا تركت هذا، رأيتك تسير مع آل سهل سيرة أبيك الرشيد مع البرامكة؛ تترك الفضل وأخاه الحسن، يحكمان كما يشاءان، لا رد لحكمهما ولا مراجعة فيه، الفضل في خراسان، والحسن في العراق، حتى إذا بلغا من القوة ما بلغا، ودان الناس لهما خوفاً أو طمعاً، وخشيت عاقبة سلطانهما عليك وعلى خلافتك، قتلت الفضل بأسلوب غير بعيد عما ألفناه لدى آل العباس: دسست له من رجالك من يقتله في الحمام، ثم قتلت من أمرتهم بذلك، وهم لم يفعلوا غير تنفيذ أمرك؛ تريد أن تثبت براءتك أمام الناس، وتتخلص في نفس الوقت من عدوّين قد لا تتهيأ الفرصة دائماً للخلاص منهما.

وبعد قتل الأمين وعزل القاسم وصراع الخلافة، بقيت في خراسان أربع سنوات، ولم نعرف سواك خليفة يترك عاصمته أربع سنوات، وهي في أقسى محنة تمر بها عاصمة، والناس لا مرجع لهم، أو لهم أكثر من مرجع، وهذا أدعى للخطر، والقادة موزعو الأهواء، لا يفكر الواحد منهم إلا في نفسه ونفوذه ومركزه، وأكثرهم هجروا بغداد إلى أماكن قريبة أو بعيدة عنها، يكيد بعضهم لبعض ويقاتل بعضهم بعضاً، وتحوّلت بغداد إلى مأوى للمجرمين،

____________________

(١) تأريخ الطبري أحداث سنة ١٩٨، وتأريخ ابن الأثير أحداث نفس السنة.

يحكم كل ناحية منها عصابة يعتسفون أهلها ويعتدون عليهم قتلاً وسلباً واغتصاباً، دون حساب لأحد ولا خشية من أحد، ولم تعد بغداد مدينة السلام، وهي لم تكن يوماً، وإنما مدينة الخراب والقتل والعصابات، وحكم من يملك القوة على من لا يملكها.

كل ذاك وأنت في خراسان، ولم تعد إلى بغداد إلا بعد أن اشتد البلاء بالناس وبلغ منهم، وخفت أن يستوثق الأمر لإبراهيم بن المهدي خليفة بدلاً عنك، مع وجوده بينهم وبعدك عنهم(١) ، ولولا ذاك، ما أظنك كنت ستعود، ولبقيت حيث أنت في خراسان، تحكم من هناك، غير ملقٍ بالاً لما يحدث للناس وما يعانونه في بغداد وفي العراق كله، ما دام الأمر لم يمس خلافتك. وعلى كلٍّ فقد عدت للعراق، والعود أحمد، كما يقولون.

فلأنتقل إلى جانب آخر تجاوزت فيه من سبقوك، هو هذا الإسراف الذي ما فكرت فيه إلا أشفقت على هؤلاء المسلمين الذي كتب عليهم أن يعيشوا الفقر والحرمان، وأموالهم تسعهم وتزيد عليهم لولا جنون أمرائهم في التبذير الذي لا يقف عند حد.

فهل لك أن تخبرني يا أمير المؤمنين كم كلف زواجك من بوران بنت الحسن بن سهل؟ كيف رضيت لنفسك أن ينفق في هذا الزواج الميمون أكثر من مائة وعشرين ألف ألف درهم، عدا حصير الذهب الذي فرش لها، وعدا الألف درة التي نثرت عليها، وعدا الرقاع التي تضمنت كل منها اسم ضيعة أو جارية أو دابة. ونثرت هي الأخرى أكياس الذهب على الحاضرين من الهاشميين والقواد والأمراء... وغيرهم من البوساء والمحتاجين الذين لا يجدون ما يأكلون!!(٢) .

____________________

(١) إبراهيم بن المهدي عم المأمون، بايعه العباسيون والقادة بعدما بلغهم من تنصيب المأمون علي بن موسى (الرضا) ولياً للعهد وخوفهم من انتقال الحكم إلى آل علي، وقد ساعدهم على ذلك اضطراب الوضع في بغداد وبعد المأمون - الخليفة - عنها.

(٢) تأريخ الطبري ج ٨ حوادث سنة ٢١٠ ص ٦٠٦ - ٦٠٨، وثمار القلوب في المضاف والمنسوب لأبي منصور الثعالبي، مطبعة الظاهر بالقاهرة ١٩٠٨ ص ١٢٠ - ١٢١، وتأريخ ابن الأثير ج ٥ حوادث سنة ٢١٠ ص ٤٧٨، ومروج الذهب ج ٣ ص ٤٤٣، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد ج ٢ أحداث سنة ٢١٠ ص ٢٣.

ولكي يعرف القارئ ماذا يمثل مبلغ المئة والعشرين ألف ألف عليّ أن أخبره: أن المقاتل الذي يخوض الحروب ولا يدري في أية لحظة سيقتل، لا يزيد عطاؤه في أحسن الأحوال على الثمانين درهم، وأن رؤساء الكتّاب، لا الكتّاب، لا يتعدى راتب كل منهم الثلاثمائة درهم، كما أشرنا إلى ذلك من قبل.

أكثر من مائة وعشرين ألف ألف درهم، غير ما ذكرنا من الذهب والضياع يا أمير المؤمنين أنفق على زواجك من بوران!!

والله لو زوجت كل مستحق للزواج من شبان وشابات المسلمين لما كلف هذا المبلغ!!

واعذرني يا سيدي فأنا - والله يعلم صدقي - لم أرد في حديثي أن أفسد عليك متعتك مع بنت الحسن بن سهل، ولست ممن يحسدون الناس، خصوصاً أمراء المؤمنين الذي جعل الله أموال المسلمين، أموالهم، ملكاً خالصاً لهم!!

لكن سؤالاً أخيراً يلح عليّ من زمن بعيد وكنت أنتظر أن أسمع جوابه منك.

فالناس هنا يتحدثون عما يسمونه قضية أو مشكلة أو مسألة خلق القرآن، سمّها ما شيءت، والتي ارتبطت بأحمد بن حنبل، والقرآن كلام الله المنزل على نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والنزاع يدور حول قدمه أو حدوثه، والمذاهب الإسلامية كما تعلم، ليست متفقة في هذا الشأن.

وأنا أفهم أن تعتنق الاعتزال مذهباً لك، فهذا من حقك وليس لأحد أن يحدد حريتك في اعتناقه، وأفهم أن تذهب إلى القول بخلق القرآن، وهذا أيضاً من حقك وليس لأحد أن يحدد حريتك فيه.

لكن الذي لا أفهمه هو محاولتك فرض الاعتزال، وما يتضمنه من القول بخلق القرآن، على الأمة، مذهباً رسمياً لها بالرغم منها، وفيها كما قلت، من لا يعتنق الاعتزال، ومن لا يقول بخلق القرآن.

وأسارع فأطمئنك بأني لست من أصحاب ابن حنبل، وأن ما بيني وبينهم أبعد مما بينك وبينهم.

غير أني أدافع هنا عن حرية الرأي، أدافع عن حرية من يخالفني، بنفس القوة التي أدافع بها عن حرية من يوافقني، ولكم أكبرت هذا الرائد الكبير من رواد الحرية: فولتير، وهو يدافع عن روسو رغم خلافه معه، وعبارته الرائعة التي تفيض قوة وصدقاً وإيماناً بحرية الرأي وتقديساً لها، حين يخاطبه قائلاً له: (قد لا أتفق معك فيما تريد، ولكن سأقاتل حتى النهاية لكي تقول ما تريد).

ثم كيف سيكون موقفنا مع من يأتي بعدك، ولنفرضه عدواً للمعتزلة.كما حصل فعلاً مع المتوكل، إذا أراد أن يفرض على هؤلاء، ما سبقت أنت إليه مع مخالفيهم.

أليس فيما فعلت ما يقوي من موقفه ويضعف من موقف أعدائه؟

أتعرف كم أثرت هذه القضية على من كان حريصاً أن يرى فيك مثلاً للخليفة المثقف المستنير الذي يقبل الآخر ويتسع له ولا يضيق به.

لقد كانت هذه المسألة التي اصطلح على تسميتها بـ (محنة) أحمد ابن حنبل سبباً في صعوده واعتبارها فضيلة له، ونزولك واعتبارها منقصة عليك، مع أن مسألة خلق القرآن أو عدم خلقه، مسألة فرعية من مسائل علم الكلام الكثيرة التي خاض فيها المسلمون على اختلاف مذاهبهم وتعددت فيها آراؤهم، وليس لها ما يميزها عن غيرها، لتشغل الحكم وتفرض عليه اتخاذ موقف منها ومن القائلين بها، وكأنك تريد أن تخلع عليها طابعاً سياسياً بعيداً عنها، وكأن قول القائلين بها مما يمس السياسة ويهدد الحكم ويهدم الواقع الاجتماعي السائد آنذاك.

ثم إن العقائد - حتى لو أخذنا برأيك - لا تحارب بهذا الأسلوب من القسر والإكراه والتعذيب.

لقد جرّب الرومان الوثنيون هذا الأسلوب قبلك مع المسيحية، فماتت الوثنية وبقيت المسيحية.

وجرّبت قريش المشركة بعدهم هذا الأسلوب مع المسلمين، فمات الشرك وبقي الإسلام.

وحارب الأمويون والعباسيون - من أهلك - الشيعة العلويين؛ فلم يتركوا شيئاً مما يخطر أو لا يخطر على البال إلا لجؤوا إليه في محاربتهم، وبقي الشيعة كما تراهم.

فما كان القهر والتعذيب في العقيدة إلا دليل ضعف، وما يزداد المقهورون المعذبون إلا ارتباطاً بعقيدتهم وتعلقاً بها واقتناعاً بصوابها وتضحية من أجلها.

وماذا بعد؟! هل انتهى الحديث معك أيها الخليفة العادل الحكيم؟!

ما ذنب علي بن جبلة(١) وهو واحد من هؤلاء الشعراء الذين يتوسلون إلى ذوي السلطان بالشعر، يمدحونهم به ليفتحوا ما لا يفتح من خزائنهم، يكسبون قوتهم وقوت عوائلهم بهذا الشعر الذي لا يحسنون غيره، إنه مهنتهم كما كانت إمارة المؤمنين مهنتك أنت ومهنة أبيك وجدك قبلك!! وليس في هذا جديد عليك، وليس أكثر من شعراء المديح في تأريخنا، ولقد مدحوا أباك كذباً ونفاقاً بما أنت أعرف به، تزلّفاً وطمعاً في الجائزة وتقرّباً من صاحب الحكم.

ما الذي فعله علي بن جبلة غير هذا؟! لقد مدح - على عادة الشعراء - أبا دلف(٢) وهو قائد أمير جواد شجاع يستحق المديح أكثر مما يستحقه الكثيرون غيره من الممدوحين، ثم هو من قادتكم وأركان دولتكم ولم يكن يوماً خصماً لكم.

إنه لم يهجك ولم يعرض لك، ولم يهج ولم يعرض لواحد من أهلك، مع أن فيهم من يستحق أكثر من ذلك.

لقد ورد على ذهن هذا الشاعر معنى بديع ربما لم يسبقه إليه شاعر آخر فصاغه في بيتين ضمن قصيدة يمدح بها أبا دلف، كما يفعل الشعراء، قبله وبعده.

____________________

(١) علي بن جبلة المعروف بـ (العكوك) وهو الغليظ السمين، وكان أغلب شعره في مدح أبي دلف، ثم محمد بن حميد الطائي. ولد أعمى أو أصيب بالعمى بعد ولادته، توفي عام ٢١٣.

(٢) القاسم بن عيسى بن إدريس العجلي أحد الأمراء والقادة الشجعان، وكان شاعراً وله البيتان المعروفان:

أحبك يا جنان وأنت مني

مكان الروح من جسد الجبان

ولو أني أقول مكان روحي

خشيت عليك بادرة الطعان

توفي عام ٢٢٦.

ما الذي غاضك من بيتين يقول فيهما:

كل من في الأرض من عرب

بين باديه ومحتضره(١)

مستعير منك مكرمة

يرتديها يوم مفتخره

ما الذي أثارك وغاظك منه حتى بلغ بك الغيظ أن سللت لسانه من قفاه؛ فمات ببيتي شعر كان من الحق أن تثيبه عليهما، لقد دفع البائس حياته ثمن إجادته فيهما، وكنت أنت القاتل.

بِمَ سبقك المجرمون من آبائك، وبِمَ اختلفت عنهم؟! فأنا ما أريد أن أنسى لك جريمة إلا أسرعت إلى ذهني جريمة تنسي التي سبقتها.

والله لقد حزنت كثيراً يا أمير المؤمنين، حزنت لأنني فقدت شيئاً عزيزاً كنت أريده أن يبقى، فقدت المثل الذي أردت أن يمسح صورة الحقد والظلم والجهل والتخلف الذي لازم الحكم الإسلامي، وليس هذا بالأمر اليسير...

ولكنني خبت.

____________________

(١) وهذان البيتان من قصيدة يمدح فيها علي بن جبلة أبا دلف ومطلعها: ذادوردالغي عن صدره. وهي من أعلى شعر المديح العربي، ويفضلها البعض على قصيدة أبي نؤاس المشهورة التي يمدح فيها العباس بن عبد الله بن أبي جعفر المنصور والتي مطلعها:

أيها المنتاب عن عفره

لست من ليلي ولا سمره

وذلك لخلو الأولى من وجوه النقد التي أثارتها قصيدة أبي نؤاس.

(١٤)

المعتصم

ما تذكرته يوماً إلا أشفقت عليه مما أخذ به نفسه من الزهد وخشونة العيش وترك لذائذه!

إنه أميرالمؤمنين محمد بن هارون الرشيد الملقّب بـ (المعتصم) بالله طبعاً، وكل خلفائنا بين معتصم بالله ومتوكل عليه، وبين مهدي وهاد وأمين، والحمد لله على اعتصامهم، وتوكلهم عليه، وعلى الهداية والأمانة بفضله.

فهذا البائس - أقصد - المعتصم بالله، لم يترك إلا ثمانية آلاف جارية، وثمانية آلاف مملوك(١) .

هذا هو كل ما تركه أمير المؤمنين!! فقط ستة عشر ألف من الجواري والغلمان دون حساب الذهب والخيل والضياع وغيرها.

وأظنك أعجبت كما أعجبت، لهذا العدل الذي لا ظلم فيه ولا تعسف، ثمانية آلاف جارية يقابلهن ثمانية آلاف غلام، لا زيادة هنا ولا نقص هناك، فقد عصم الله أمير المؤمنين من الظلم والتعسّف!!

ما الذي يفعله أبو إسحاق، الذي يجمع المؤرخون على أنه كان شبه أمي بهؤلاء الثمانية آلاف جارية والثمانية آلاف غلام في أقل الروايات؟!

ينفق عليهم من أموال المسلمين كل يوم على الأكل واللبس والحلي والجواهر ما يتناسب ومقام الخليفة وجواري وغلمان الخليفة، ثم يطلب منهم وهم يتقابلون صباح مساء ويعملون في مكان واحد ويقيمون في مكان واحد، إن يكونوا محصنين، فلا كلام ولا حب ولا جنس، وكل ما فيهم، وكل ما حولهم يدعوهم إلى الحب والجنس الذي حرم عليهم ما لم يأمر الخليفة، ومع من يشاء، وإلاّ فإن سيف الهادي الذي أطار رأسي الجاريتين كما رأيت، لن يكون بعيداً عن رؤوس هؤلاء الذين قد يجرؤون على ركوب (الفاحشة) دون إذن أمير المؤمنين.

____________________

(١) لكن السيوطي يقول إن عدد الغلمان الأتراك بلغ بضعة عشر ألف، لا ثمانية آلاف، كما ذكرت، أي بزيارة ألوف الغلمان. انظر تأريخ الخلفاء للسيوطي (المعتصم بالله، أبو إسحاق، محمد بن الرشيد).

ورأيتني أصرخ: أية جريمة يركبها هذا الأمي في حق الإنسان، وهو يحرمه من التمتّع بإنسانيته التي ما عرفها يوماً ولا احترمها يوماً، وما عرفها ولا احترمها الذين نصبوه خليفة...؟!

وهدأت قليلاً، فلم يكن المعتصم إلاّ واحداً من المجرمين - وما أكثرهم في تأريخنا - حين يحال بين الشعب وبين اختيار من يريد، وتصبح إمارة المؤمنين أسهل لعب المجرمين والأغبياء والأميين.

وأسيت لهؤلاء الجواري والغلمان، لا أستطيع أن أفعل لهم شيئاً غير هذه الكلمات التي لن تنفعهم ولن تخفف من عذابهم، وقد أصبحوا جزءاً من حياة أمراء المؤمنين، ثم جزءاً من حياة كل موسر من المسلمين، ثم تحولوا إلى تجارة تعجّ بها أسواقهم، وترتبط بالأساس الذي قامت عليه دولة الظلم والجنون.

فلأنتقل إلى قضية أخرى تتصل بالمعتصم، ما يزال الحديث يدور حولها منذ ثلاثة عشر قرناً، ولم يحاول أحد أن يجرب فيها وجهاً غير الوجه الذي فرضه علينا عن جهل أو عمد، مؤرخون ينسخ بعضهم عن بعض، ويجري بعضهم إثر بعض، دون محاولة لمنح الفكر فرصة يقول فيها رأيه.

تلك هي قضية الأفشين، أو خيانته التي يتسابق المؤرخون في تأكيدها لتبرير قتله، ومن خلالها وخلاله، يحاولون الدخول فيما لا يحسنون، من حديث الشعوبية.

فهل كان الأفشين خائناً؟ وهل كان يستحق المصير الذي انتهى إليه؟

أم أن أسباباً أخرى بعيدة عن الخيانة والتآمر هي التي فرضت عليه الثمن الذي دفعه؟

لقد كان خيدر بن كاوس، وهو اسم الأفشين، قائداً من أشهر قواد المعتصم، أبلى في جميع حروبه بلاء لم يعرف لأحد غيره.

فهو الذي حارب بابك وانتصر عليه، وجاء به أسيراً بعد أكثر من عشرين سنة من الحروب المتصلة بينه وبين المسلمين، هلك منهم فيها عدد تجاوز المائتين والخمسين ألف، وهزم فيها عدد من القادة وقتل عدد آخر، حتى لم يجد المعتصم من يرمي به لحرب بابك غير الافشين وذلك عام٢٢٠(١) .

ومضى الافشين يحرز نصراً بعد نصر في قتال بابك، وهو ما أخفق فيه سابقوه. وامتدت الحرب بين الاثنين في أراض وعرة أو مسالك بين جبال تضيق عن مرور الواحد أو الاثنين، أو غياض تتكاثف فيها الأشجار وتلتف فلا تعرف من أين يأتيك عدوك.

وفي بداية على ٢٢٣ قدم الافشين على المعتصم ببابك أسيراً، ومعه أخوه. وبلغ من عظم هذا النصر عند المعتصم وسعادته به، أنه جاء بنفسه في الليل متنكراً ليرى بابك ويتأمله دون أن يعرفه بابك(٢) .

ثم جاءت معركة عمورية. وكان الافشين أحد ثلاثة أو أربعة يمثلون أكبر قادة المعتصم الذين شاركوا في فتح عمودية وإليهم يعود الفضل في فتحها(٣) .

وكان الافشين يزداد تألقاً، وعلاقته بالمعتصم تزداد وثوقاً، حتى أن زواج ابنه من بنت اشناس: أحد أكبر فؤاد المعتصم، قد جرى في قصر المعتصم نفسه عام ٢٢٤(٤) .

وكان لابد لهذه العلاقة الجديدة الوثيقة مع المعتصم، ثم هذه المصاهرة الجديدة مع اشناس أحد أقوى رجال الدولة، إن لم يكن أقواهم آنذاك، أن تثير لدى الآخرين من رجال الدولة وقادتها وزعمائها التقليدبين كآل طاهر بن الحسين وباقي آل مصعب وكابن أبي دواد، مخارف من هذا المنافس القوي الجديد، والصراع المحتمل الذي سيخوضونه ضده أو يخوضه ضدهم، وليس النصر إلى أحد طرفيه بأقرب منه إلى الطرف الآخر.

____________________

(١) تأريخ الطبري أحداث سنه ٢٢٠.

(٢) المصدر نفسه أحداث سنه ٢٢٣.

(٣) المصدر نفسه أحداث سنة ٢٢٣

(٤) المصدر نفسه أحداث سنة ٢٢٤.

وهكذا سارع خصوم الأفشين إلى تلفيق التهم ضده، حتى فيما كان يعتبر

من مفاخره، وما كان يعوزهم لتأكيدها، إلا بعض أحداث يصطنعونها وبعض رجال يشهدون عليها، وهو أمر ميسور، بل في غاية اليسر في مجتمع كالذي نتحدث عنه.

وبدؤوا بالخليفة يخوفونه غدر الأفشين وتآمره إذا بقي طليقاً، في ظل حكم قام في الأساس - كما يعلم المعتصم نفسه - على الغدر والتآمر.

وما بقي ليس صعباً أن تعرفه، فقد أمر المعتصم بحبس الأفشين الذي لم يغادر الحبس إلا ميتاً في عام ٢٢٦، ثم لم يكتفوا منه بالموت فصلبوه وأحرقوه بعد الصلب(١) .

وذهب الأفشين كما ذهب الكثيرون قبله. وسيذهب بعده في نفس حكم المعتصم، الفضل بن مروان، وإن لم يصل الأمر به حد الموت، وكان الفضل هذا صاحب المعتصم وكاتبه، والدواوين كلها تحت يديه، ثم غضب عليه المعتصم؛ لأنه كان يأمره بإعطاء المغنين والندمان من أموال المسلمين، فلا ينفذ الفضل، ولم يحتمل أمير المؤمنين طبعاً موقف الفضل من المغنين والندمان، فعزله وأخذ منه أموالاً طائلة ونكبه هو وأهل بيته، ونفاه إلى قرية بطريق الموصل(٢) .

وينتهي حديث أبي إسحاق، ويبقى الحديث عن الخلل في هذه النفس العربية، وهو خلل خطير أفسد حياتنا قديماً وحديثاً، فالعربي لا يسأل عن عدل الخليفة ونزاهته وعفته، إنما الذي يسحره ويروعه منه، ما يمثل هذا الخليفة من مظاهر القوة والسلطان والبطش التي قد ترتد عليه، وما يفتح من بلاد ويستولي عليه من أرض ويخوض فيه من حرب لن يكون وقودها غيره.

____________________

(١) الطبري ج ٩ ص ١١٤، وابن الأثير ج ٦ حوادث سنة ٢٢٦ ص ٦٦، وشذرات الذهب ج ٢ أحداث سنة ٢٢٦، وتأريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٢٠٣، ومروج الذهب ج ٣ ص ٤٧٤، والنجوم الزاهرة ج ٢ حوادث سنة ٢٢٦ ص ٢٤٧.

(٢) الطبري ج ٩ ص ٢٢٠، وابن الأثير ج ٦ حوادث سنة ٢٢٠ ص ٢٢ - ٢٣، وشذرات الذهب ج ٢ أحداث سنة ٢٢٠، ص ٤٧، والنجوم الزاهرة ج ٢ حوادث سنة ٢٢٠ ص ٢٣٣، وتأريخ اليعقوبي ج ٣ ص ١٩٨.

فعند الكلام عن المعتصم مثلاً، لا يسأل عن الثمانية آلاف جارية والثمانية آلاف مملوك المخصصين لخدمته، وما يستنزفون وحدهم من أموال المسلمين، ولا عن القول بخلق القرآن وفرضه على الأمة قسراً؛ فذلك لا أهمية له في نظر العربي، المهم عنده أن المعتصم هزم الروم وفتح عمورية.

وهو ما سيجيبك به أول ما يذكر المعتصم عندما يذكر.

وهذا كما أرى، أكثر من خلل، إنه مرض خبيث، عبث وما يزال يعبث بالنفس العربية، وسيبقى يعبث بها، ما لم نبادر إلى علاجه كأي مرض خبيث، رغم أن هذا العلاج - على افتراض حصوله - سيكون متأخراً بل ومتأخراً جداً، ولكن لن يكون أسوأ من إهماله وترك علاجه.

(١٥)

الواثق

حين يقتل أمير المؤمنين بيده

وكثير على الواثق أن أكتب عنه بشكل منفصل، فعهده - مع اختلاف يقوى ويضعف هنا أو هناك - هو امتداد لعهد أبيه، وكان هذا كافياً لأن أجعل من حديثي عنه تكملة لحديثي عن المعتصم أبيه، لو لم أسر في هذا الكتاب على أن يستقل كل (خليفة) بحديثه عن الآخر.

فقد استمر الواثق على خطى أبيه وعمه في فرض القول بخلق القرآن وأخذ الناس به، لكنه تجاوز حدود الاثنين حين تولى بيديه قتل أحمد بن نصر الخزاعي، وكانا قبله يقتصران على الأمر به فينفذه غيرهما أو يتم بقسوة التعذيب وطول الحبس وثقل الحديد.

ويبدو أن الواثق أبى إلا أن يشارك هو في هذا العمل الجليل: قتل الناس على الرأي والفكر والعقيدة.

أنا لا أدافع عن أحمد بن نصر، ولا عن أحمد بن حنبل وأصحابهما لأني

أشاركهم قولهم في مسألة خلق القرآن، وهو ما يذهب إليه المعتزلة - والمأمون والمعتصم والواثق منهم - لكني أدافع عن حقهم في أن يقولوا ما يعتقدون في هذه المسألة وفي غيرها دون خوف أو تهديد أو ما تجاوزهما.

أنا أدافع عن حرية الرأي التي لا تقبل التجزئة ولا التخصيص، والتي إن رفضتها اليوم في موضوع أو حرمتها على طائفة، أكون قد رضيت أن يفعل الآخرون الشيء نفسه معي، لو قدروا أن يفعلوا ذلك يوماً، وهو ما أقاتل حتى الموت دونه.

لا أريد أن تكون الحرية، وهي التعبير عن إنسانيتي، رهناً بالسلطة، تسمح بها أو تلغيها متى تشاء، إنها أكبر من كل سلطة وأعلى من كل سلطة؛ لأنها إنسانيتي.

ولأعد إلى الواثق الذي أراه يخطر الآن وقد جرد سيفه ودنا وهو يطيل النظر إلى موضع السيف من عنق أحمد، وما هي إلا لحظات حتى كان رأس ابن نصر قد أطاح به سيف الخليفة الذي يعلن كفر ضحيته وشركه وضلاله، ثم يعلق في أذنه رقعة كتب فيها (هذا رأس الكافر المشرك الضال...) وكان في الشرك ما يغني عن الصفتين الأخريين لتكون الرقعة أصغر وتعليقها في الأذن أسهل(١) .

ولا أدري أية منزلة احتفظ بها الواثق للآخرين ممن يجمع المسلمون بكل فرقهم على كفرهم، إذا كان مجرد الامتناع عن القول بخلق القرآن يجعل من صاحبه كافراً مشركاً ضالاً(٢) والذين يشاركون أحمد كثيرون، ومسألة خلق القرآن ليست من أصول الدين ولا من فروعه، ولم يرد بها ذكر صريح في القرآن، ولم تثر إلا بعد قرنين من الهجرة.

وهي على كل حال مسألة تجتهد فيها الآراء فتتقارب وتتباعد، وإذا كان المعتزلة يقولون بخلقه وحدوثه فإن الفرق الإسلامية ليست كلها في موقف واحد من ذلك.

وقد بلغ من شدة تعصب الواثق في مسألة خلق القرآن، أنه حين أراد أن يفادي أسرى المسلمين لدى الروم، أمر المكلف بمفاداتهم أن يمتحن الأسرى من المسلمين، فمن قال بأن القرآن مخلوق فاداه وأعطاه ديناراً، ومن امتنع أو لم يقل، تركه أسيراً لدى الروم ولم يفاده(٣) .

____________________

(١) تأريخ الطبري ج ٩ أحداث سنة ٢٣١ ص ١٣٨، وابن الأثير ج ٦ ص ٨٧، وتأريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٤١، ومروج الذهب ج ٣ ص ٤٨٨، وتأريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٢٠٧.

(٢) حول هذه الألفاظ ودلالالتها والمشاكل التي أثارتها انظر كتابنا (المعتزلة: بين الحقيقة والوهم) الفصل الثاني في الفاسق والمنزلة بين المنزلتين.

(٣) الطبري ج ٩، أحداث سنة ٢٣١ ص ١٤٢، وتأريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٢٠٧ وفيه (فمن قال: إنه مخلوق فودي ودفع إليه ديناران وثوبان ..) وابن الأثير ج ٦ أحداث سنة ٢٣١ ص ٨٨.

(١٦)

المتوكّل

لو لم يزوّر التأريخ لما تجاوز في وصفك ما سأقوله عنك، بل ربما كان ما سأقوله أقل مما سيقوله هو عنك.

١ - وأول ذلك أحمق غبي بالغ الحمق والغباء فلم تستفد حتى من تجارب أقرب الناس إليك: عميك الأمين والمأمون، وقد بلغ الأمر بينهما، بسبب ولاية العهد، حد القتال وسفك الدماء وقتل أحدهما الآخر، لم يمنع ذلك ولم يحل دونه، العهد الذي أخذه جدك الرشيد عليهما وعلقه في الكعبة، زيادة في توثيقه واحتياطاً لعدم نقضه، فذهب من أرسله الأمين وأتى به إليه ليمزقه.

وها أنت تعيد نفس ما ارتكبه جدك، مع أن الرشيد كان أحزم منك وأشد سطوة، وكان أبناؤه أكثر احتراماً له من أبنائك لك، وكان الحكم نفسه أقوى وأهيب في صدور الناس من حكمك، والقادة والأمراء والرؤساء قلة معروفون غير بعيدين عن عين الرشيد، سواء كانوا في بغداد أم خارج بغداد، ولم تبلغ الجرأة بأحدهم أن يحاول قتل الرشيد، وهم في الغالب لا يتجاوزون العرب أو الفرس ممن ساهموا هم أو آباؤهم في دعوة بني العباس وفي بناء دولتهم، وليست هذه هي الحال في عهدك من أية زاوية نظرنا إليها.

ومع كل ذاك فقد جرى ما أنت عالم به بعد وفاة جدك الرشيد، بسبب ولاية العهد التي كانت منذ كانت، شؤماً على المسلمين، فرقت صفوفهم وانتهكت حقوقهم وأسالت دماءهمن ولم يعرفوا معها الأمن والاستقرار، وما نزال نعاني منها حتى اليوم.

وافترضت أن يكون في فشل التجارب التي سبقت ما يبعدك عن تكرارها، لكنني كنت مخطئاً حين افترضت فيك الإدراك والفهم والقدرة على الإفادة من تجارب قاسية مرة، خاضها وفشل فيها من كان أقدر منك.

كيف تولّى ثلاثة من أبنائك بعدك، وأمامك تجربة الاثنين لم ينقطع نزفها إلى حين توليك الخلافة؟!

أليس قليلاً أن أكتفي من وصفك بالحمق والغباء، حتى لو أضفت إليهما (البالغ).

٢ - وإنك طويل الحقد لا تعرف العفو والمغفرة لمن أساء إليك يوماً، عن عمد أو غير عمد، وإن كان هذا يمثل القاسم المشترك بين جميع الحكام العرب، والعباسيين منهم على وجه الخصوص.

بدأت عهدك بحبس محمد بن عبدالملك الزيات(١) حتى مات في حبسك؛ لأنه أساء إليك في عهد أخيك الواثق قبل أن تصل الخلافة إليك، وقد كان في موت الواثق وتوليك الخلافة ما يزيل أسباب الحقد ويصرفك عن العقوبة، توقعها على من أساء إليك يوماً في حياة أخيك، وقد أصبحت جزءاً من الماضي وأصبح الحاضر جزءاً منك.

ولا أحتاج أن أعلمك كيف مات الزيات، وقد جرى ذلك على يديك، لكن قرائي يريدون أن يعلموا، وبعضهم على الأقل، لا يستطيعون أن يتصوروا أساليبك في الإجرام، لقد أمرت بتقييده ومنعه من النوم بأن ينخس كلما أرهقه السهر وأوشك أن ينام، ثم لم تكتفِ بذلك فأمرت بتنور من خشب فيه مسامير حديد ويطلب منه أن يجلس عليها وهو في التنور حتى تنفذ في جلده، وما أظن موته بعد كل هذا سيفاجئ أحداً(٢) .

ومات محمد بن عبدالملك الزيات، أو بالأحرى قتلته، ونلت ثأرك منه، وليس بعد الموت من ثأر، فما لك ولأمواله، وجهت من يقبض ما في منزله منها ونقلته إلى قصرك؟! أكنت قتلته لتستصفي أمواله وتقبضها، ولو شيءت لما امتنع الرجل عن التنازل لك عن جميع ما يملك، وما سيملك لقاء الإبقاء على حياته، وما أحسبك في حاجة إلى شيء مما يملك الزيات، فأمراء المؤمنين، هم أمراء الأموال والخزائن قبل أن يكونوا أمراء المؤمنين.

____________________

(١) كان وزيراً للواثق الذي فوض إليه أمور الدولة، وسبب حقد المتوكل عليه أنه أراد أن يكون ابن الواثق ولياً للعهد بدلاً من المتوكل.

(٢) الطبري ج ٩ ص ١٥٨ ١٥٩ أحداث سنة ٢٣٣.

٣ - وإنك - ولست الوحيد في هذا - كنت تغمض العين عن ولاتك وعمالك وتتركهم يظلمون الناس ويسلبونهم أموالهم كما يشاؤون، لا تمنعهم ولا تعاقبهم، ما دفعوا لك ما يرضيك، فإذا غضبت عليهم - وما أكثر أسباب الغضب عند أمراء المؤمنين - فالسعيد من يستطع منهم أن يشتري حياته، تاركاً كل ماله وأكثر من ماله، إن وجد من يسدد هذا الأكثر عنه.

غضبت على عمر بن فرج(١) فحبسته عند إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، ابن عم طاهر بن الحسين، والحبس في ذاته عقوبة لمن أجرم، لكنك سارعت إلى مصادرة أمواله وقبضها وكأنك لم تغضب إلا لمصادرة أمواله وقبضها، حتى أخوه - وذنبه أنه أخوه - لم ينج من مصادرة أمواله.

وغضبت على نجاح بن سلمة: صاحب ديوان التوقيع، فصادرت أمواله وأموال ابنه ثم قتلته خنقاً... أو بعصر خصيتيه حتى مات.

ولا أدري والله يا من يسمونك أمير المؤمنين، كيف اهتديت إلى هذه العقوبة التي لا أعلم أن أميراً آخر للمؤمنين سبقك إليها، وأظن قرائي كانوا محقين وهم يطالبونني بأن أكشف لهم عن أساليب الإجرام عندكم.

وأمرت بقبض ضياع وصيف(٢) وإعطائها للفتح بن خاقان(٣) .

ولِمَ يا سيدي تسلب شخصاً أمواله لتعطيها غيره؟! لِمَ لم تعطه من أموالك؟! مما تملك أنت، وما أكثر ما تملك، بل ليس هناك ما لا تملك.

ولكن قل لي: أين هو القضاء في كل ما يجري، وماذا بقي له من دور؟! أكان هناك ما هو أخطر من القتل والحبس ومصادرة الأموال مما يهتم به القضاء؟!

____________________

(١) كان هو وأبوه من كبار الكتاب في الدولة من أيام المأمون إلى أيام المتوكل، وقد عرف بعدائه لآل أبي طالب.

(٢) من كبار رجال الدولة في هذا العهد، ومن أكبر قواد المعتصم، شارك في فتح عمورية وفي الأحداث التي جرت خلال عهد المتوكل وبعده قتل عام ٢٥٣.

(٣) وزير المتوكل والمقدم عنده، قتل معه عام ٢٤٧.

٤ - وإنك كنت ملازم شرب ولهو، وندماؤك وأصحاب الحظوة عندك، هم أهل الشرب واللهو الذين وهبت لهم بمناسبة بناء الجعفري، ألفي ألف درهم، لكنك لم تدفع غير ثلاثة آلاف دينار لكل الذين مسح دورهم زلزال المغرب عام ٢٤٥، وأصبحوا دون مأوى يفترسهم الجوع والبرد والعراء(١) .

ثلاثة آلاف فقط يا خليفة المسلمين لمنكوبي المسلمين، هي كل ما قدمت لهم من بيت مالهم الذي كانت أمواله تجري بغير حساب على المغنين والمغنيات والجواري والغلمان وموائد الشرب والجنس!!

٥ - وإن السكر كان يبلغ بك الحد الذي يزري بأي شخص لا بخليفة المسلمين، حتى أنك تفقد توازنك من شدة السكر وغلبته عليك، ما لم يقمك الخدم الذين يقفون عند رأسك(٢) وهذا ما أفقدك الهيبة وحط من منزلتك وجعل منك أضحوكة لدى حاشيتك وخاصتك، وسهل بالتالي قتلك، وهو ما حصل، دون أن يجد القاتلون صعوبة في الوصول إليك!

فعلى مائدة الشرب قتلت، ومائدة الشرب آخر ما ودعت.

ومع الشرب، فإنك لم تكن تتصرف مع ندمائك ومجالسيك تصرف الإنسان الذي يحسن آداب المنادمة في الشرب، لقد كنت سوقياً فاحشاً في التعامل معهم، لا تنفك تعربد على هذا أو ذاك وتعتدي عليه، فعل السفلة من الناس، هل تذكر يوم شربت في القاطول وكنت في نزهة يصحبك فيها ايتاخ(٣) فعربدت عليه حتى هم بقتلك، فلما كان من صباح الغد وأخبرت بما كان منك، أسرعت معتذراً إليه، ولم تكن لتعتذر لولا أنه ايتاخ، ايتاخ الذي تعرف.

____________________

(١) تأريخ الطبري ج ٩ ص ٢٤٥ أحداث سنة ٢٤٥.

(٢) مروج الذهب ج ٤ ص ٣٨.

(٣) غلام خزري كان أول ظهوره في عهد المعتصم وسرعان ما تدرج في الوظائف حتى أصبح من رجال المعتصم الذين يعتمد عليهم، وبعد المعتصم في عهد الواثق والمتوكل، وكان إليه أمر الجيش والبريد والحجابة ودار الخلافة.

وما دمت في حديث ايتاخ فهل أذكرك يا أمير المؤمنين كيف قتلته بعد ذاك غدراً وقد عف عنك وتركك؟ ما أظنك نسيت، فحين انصرف راجعاً من مكة إلى العراق بعثت إليه مع من أرسلته لاستقباله في الطريق، بكسوة وهدايا، وأمرت الرسول بأن يحتال ليتوجه ايتاخ إلى بغداد قبل توجهه إلى سامراء، وكان ذلك مكيدة منك نفذها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب الذي بالغ في إكرامه والاحتفاء به عند وصوله بغداد، ثم أنزله في بيته بعد أن جرده من كل ما يقدر به على المقاومة والامتناع، مثقلاً بالحديد في عنقه ورجليه، ومات بعد فترة قصيرة من ثقل الحديد أو من العطش.

والغدر سلاح غير مأمون ما أسرع ما يرتد إلى صاحبه، وهذا ما حصل لك فيما بعد، ومن أقرب الناس إليك: ابنك وولي عهدك المنتصر.

٦ - وكان من نتائج ما ذكر وما سيذكر، إنك لم تكن تسوس الدولة بعقل وتدبير، وإنما هي النزوة والقرار الذي تتخذه اليوم لتنقضه غداً، دون أن يعرف أحد سبب اتخاذ القرار أو سبب نقضه.

كنت قد غضبت على يحيى بن أكثم ولا أعلم لماذا، ثم رضيت عنه، ولا أعلم لماذا، فوليته القضاء على القضاة (قاضي القضاة)، ثم عدت فغضبت عليه ثانية فعزلته بعد فترة، ولن أكون صادقاً إذا قلت إنني أعلم لماذا.

٧ - وإنك متخلف الفكر لا تستطيع أن تحتمل عقيدة تخالف ما أنت عليه، سواء من عقائد المسلمين أو من عقائد غيرهم، ودعك الآن من عقائد المسلمين التي شننت عليها وعلى أتباعها حرباً ظالمة قاسية عنيفة، لارتباطها بالسياسة والحكم فمالك وللمسيحيين (أهل الذمة كما كانت تسميتهم)، ألم يكفك من سبقوك؟ أم كنت تزايد على من سبقوك في العدوان عليهم وانتهاك إنسانيتهم، ففرضت عليهم لوناً واحداً خاصاً بهم وهيئة واحدة خاصة بهم، في اللبس وفي الركوب، وهدمت بيعهم؟ المحدث، وأخذت العشر من منازلهم ليكون مسجداً إن أمكن، أو فضاء قد لا ينفع إن لم يمكن ذلك، ثم أمرت أن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب تمييزاً لمنازلهم عن منازل المسلمين، وبأخذ العشر من منازلهم وإن تسوى قبورهم مع الأرض(١) ولم يبقَ إلا أن تميتهم جوعاً بمنعهم من العمل، أو تنفيهم من ديارهم، وهو ما حصل لهم فعلاً في حمص حين أمرت بتخريب كل ما فيها من الكنائس ونفي كل من فيها من النصارى وألا يبقى منهم أحد إلا أخرج منها(٢) .

٨ - وإنك عديم المروءة بعيد الشر لا تستطيع أن تتخلى عنه، فما تنتهي من الأحياء حتى تلتفت إلى الأموات، ماذا بينك وبين الحسين - وقد قتله وغد لئيم مثلك قبل قرنين من الزمان - لكي تهدم قبره وما أحاط به من المنازل والدور، ثم تجد الحقد بعد في نفسك فتأمر بأن يحرث موضع القبر ويبذر ويسقى، وأن يمنع الناس من إتيانه وزيارته، ثم لا تكتفي، فيهدد عاملك بحبس كل من وجد عند قبره بعد ثلاث(٣) .

____________________

(١) الطبري ج ٩ أحداث سنة ٢٣٥ ص ١٧١ - ١٧٢، وتأريخ اليعقوبي ج ٣ ص ٢١١ ويضيف: (... ولا يركبوا الخيل والبراذين ...)، وتأريخ ابن الأثير.

(٢) الطبري ج ٩ أحداث سنة ٢٤١ ص ١٩٩، وتأريخ ابن الأثير.

(٣) الطبري ج ٩ أحداث سنة ٢٣٦ ص ١٨٥، وتأريخ الخلفاء للسيوطي ص ٣٤٧ وفي مقاتل الطالبيين ص ٥٩٧ (.. وضع على سائر الطرق مسالح له لا يجدون أحداً زاره - قبر الحسين - إلا أتوه به فقتله أو أنهكه عقوبة.

وهذا ما لم يفعله الأمويون قبلك، وما لم يفعله واحد من أهل بيتك ممن تقدموك، على كره الاثنين وشدة عدائهم لهذا الذي هدمت قبره وهددت بحبس وقتل من يزوره.

وهل سأختم حديثك مع الحسين دون التعرض لقتل ابن السكيت الذي كان حب الحسنين وراء قتله. وأظن من العبث أن أذكرك به وأنت الذي قتلته. ولکن للقارئ علي حق لا أستطيع أن أغفله. فله هذا الحديث، لا لك.

ابن السكيت أبو يوسف يعقوب بن إسحاق أحد كبار اللغويين العرب. اختاره المتوكل مؤدباً لابنيه المعتز والمؤيد.

ولم يقصر ابن السكيت في شيء مما عهد إليه من تأديبهما، وسارت الأمور على خير، وربما كان ابن السكيت محسوداً ممن يرون مكانه في قصر الخليفة وقربه منه ودالته عليه.

لكن من الذي يستطيع أن يطمئن إلى هؤلاء الحكام، والقتل أسهل ما يمارسونه في حياتهم اليومية، وكأنه جزء منها وكأنها لا تتم إلا به.

ولا أدري ما الذي حمل المتوكل على سؤال ابن السكيت عن أيهما أحب إليه: المعتز والمؤيد ولديه: أم الحسن والحسين، لكن الذي أدري به أن ابن السكيت لم يرد إلا أن يكون صادقاً في جوابه على السؤال، فقال: الحسن والحسين، وهو لم يرتكب جريمة في ذاك، لم يسب ولديه ولم يذمهما، وإنما أجاب بما لا يمكن لمسلم إلا أن يجيب به، مَن مِن المسلمين ومِن غير المسلمين أيضاً يمكن أن يسأل نفس السؤال فيجيب بغير ما أجاب به ابن السكيت؟!

ولم يحتمل أمير المؤمنين المتوكل هذه الجرأة من ابن السكيت فأمر الأتراك بأن يدوسوا بطنه ويسلوا لسانه حتى مات، فن جديد في القتل!!

وهكذا قتل هذا العالم الجليل؛ لأنه فضل الحسن والحسين على ابني المتوكل الذي سيأتيك حديثهما.

٩- وأنتقل إلى حديث آخر من أحاديثك، ما يزال يحيرني يا أمير المؤمنين، كيف قدرت أن تطأ أربعة آلاف من إمائك وجواريك ولم تتجاوز خلافتك الخمس عشرة سنة ولا عمرك الأربعين حين قتلت(١) ؟ ولمن تركت زوجاتك، وهن نساء من النساء وعلى علم بما تفعل؟ ثم هل كانت الواحدة من هذه الأربعة آلاف مستعدة لأن تنتظر أربعة آلاف يوم، أي أحد عشر عاماً حتى يصل دورها ليمارس الجنس معها أمير المؤمنين يوماً ويتركها أربعة آلاف يوم آخر، إذا افترضت أن أمير المؤمنين لا يصبر يوماً دون أن يمارس الجنس، وأنه كان يتعاطى المنشطات كلاعبي الكرة في أيامنا هذه.

ولو ان شخصاً كانت حرفته وطء النساء لا إمارة المؤمنين، أكان يستطيع أن يجاري هذا (الأمير المؤمنين) فيطأ مثل ما وطئ وحتى دون ما وطئ

وإذا كان أمير المؤمنين يقضي ليله ونهاره في الشرب المفرط والجنس المفرط، بين الخمر وبين الإماء، فويلي على هؤلاء المساكين من المسلمين، مما يعانون ويواجهون!!

لكن ما يحيرني يا أمير المؤمنين، أكثر من القتل والشرب والجنس والإماء، وكل ذلك محير، كيف سموك وما يزالون يسمونك حتى اليوم ناصر السنة!!!، أليست السنة هي فعل النبي وقوله؟! أكان من السنة أن تقتل، وقد قتلت حتى من لا ذنب له؟ وأن تشرب حتى كانوا يجرونك وأنت لا تعي، وحتى كان الشرب وموائد الشرب آخر ما ودعت أو ودعك من الدنيا؟!

أكان من السنة أن تزني وقد زنيت حتى ملّك الزنا ولم تمله؟!

أكان من السنة أن تسرق وقد سرقت، بل كنت تدفع عمالك إلى السرقة فتسرق ما يسرقون؟!

هل تظن المزورين مهما فعلوا، بقادرين على أن يجعلوا منك غير ما تستحق: لصاً قاتلاً تافهاً؟!

وما أحسب مثلك يستحق كل هذا الجهد الذي أنفقته في الحديث عنك لولا ما تفرضه الأمانة العلمية من كشفك وكشف أمثالك، وكشف المزورين وراءك ووراء أمثالك.

____________________

(١) تأريخ الخلفاء للسيوطي ص ٣٤٩ - ٣٥٠.

(١٧)

ملاحظات سريعة حول الحكم العبّاسي

حين وصل العباسيون إلى الحكم لم يجدوا صعوبة في تبني أسلوب سار عليه من سبقهم.

كانت ولاية العهد قد تأصلت وصارت هي قاعدة الحكم، ونسيت أو تركت إلى غير عودة، الشورى التي لم تجرب على امتداد الحكم الإسلامي إلا مرتين: مع أبي بكر - على تحفظي بالنسبة للأحداث التي رافقتها - ومع علي.

مرتين إذن، عرف الحكم الإسلامي كله الشورى، رغم كثرة الحديث والمتحدثين عنها، وهم يستغلون أبشع استغلال ما ورد في القرآن الكريم من آية(وَأَمْرهمْ شُوْرَى بَيْنَهُمْ) يستغفلون بها الناس ويوظفونها كلما احتاجوا إليها.

وإذا كانت ولاية العهد قبل حكم الأمويين قد سارت دون عنف ودون سيف ودماء، وأريد أن أقبل هذا، فإن الأمر اختلف كثيراً في ظل الحكم الأموي ابتداء من تأسيسه.

لقد لجأ معاوية في ولاية العهد وفرض ولي العهد - وكان ابنه يزيد - إلى القوة والبطش وقهر أية معارضة يمكن أن تصدر من أية جهة: بالسلاح وقطع الرؤوس، إن كان ذلك ضرورياً، وبغيره من الوسائل إن استطاعت هذه الوسائل أن تحقق الهدف في إسكات المعارضة لولي عهد الحاضر وخليفة المستقبل.

ولم يكن هؤلاء الخلفاء (الحكام) ولا أولياء عهودهم، رضاً للمسلمين، لا بسبب الأسلوب الذي جاؤوا به أو جاء بهم إلى الحكم وحده كما قلت؛ ولكن لأنهم لم يكونوا مؤهلين أصلاً للحكم من أي جانب نظرت إليهم، إلا جانب القهر إن كان هذا مما يؤهل الشخص أن يكون خليفة.

ولقد ثار عدد من المسلمين ضد الحكم الأموي غير أنهم فشلوا لأسباب كثيرة، منها أنهم لم يهيؤوا لثوراتهم كما يجب ولم يحكموا أمرها وأهملوا عامل التنظيم والسرية اللازمين لنجاحها، ومنها، وهذا يرتبط إلى حد ما بالسبب السابق، إن ثوراتهم أجهضت قبل قيامها لقربها من مركز السلطة التي استطاعت عيونها أن تشدد مراقبتها وترصد نشاطها، وتحرمها بالتالي وسائل نجاحها فلم تقم، أو اضطرت للقيام قبل الموعد المناسب لقيامها، ومنها أن بعضهم لم يستطع أن يحوز ثقة المسلمين فلم يجد الدعم اللازم لنجاح ثورته رغم ضيق الناس بالحكم الأموي.ومنها العصبية القبلية التي كانت في الكثير من الأحيان تحول دون نجاح الثورة، إذا كان قائدها من قبيلة هي في عداء مع قبيلة أو قبائل أخرى، يقتضي نجاح ثورته انضمامها إليها.

وإلى كل هذا يضاف دائماً ما يتمتع به الحكم من وسائل يستطيع أن يشتري بها الرجال الذين سرعان ما يحولون ولاءهم إليه، تاركين الثورة في أحرج ظروفها.

هذه الصورة كانت أمام الثورة الهاشمية (العباسية فيما بعد) وهي تحاول أن تخطو أولى خطواتها أو قبل أن تخطو أولى خطواتها.

كان عليها أن تتحاشى الأخطاء التي أشرت إلى بعضها والتي يمكن لو أغفلت، أن تجعل من ثورتهم، ثورة أخرى تضاف إلى الثورات الفاشلة التي تحدثت عنها.

وهذا ما فعلته، فكان أول ما بدأ به الهاشميون، أن اختاروا من بينهم شخصاً سيتولى هو الخلافة لو تم لهم الأمر، حتى يتجنبوا فيما بعد أي خلاف يمكن أن يقع فيقسم صفوفهم ويضعفهم وقد يقضي على ثورتهم، لو تركوا اختيار الخليفة ولم يتفقوا عليه ابتداء.

وتم اختيار محمد النفس الزكية الذي بايعوه و(مسحوا على يده) خليفة لهم، وبين هؤلاء المبايعين الماسحين على يده، السفاح والمنصور وإبراهيم الإمام، وغيرهم من رجال العباسيين.

والنفس الزكية هو ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، رجل الهاشميين في وقته ديناً ونبلاً وفضلاً.

وسار كل شيء بحذر كامل، إبعاداً لشكوك الحكم الذي كان ما يزال يتمتع بالقدرة على البطش والانتصار، وما تزال عيونه وجواسيسه تراقب كل نشاط للهاشميين، أعدائه الدائمين.

وكان على قادة الثورة أن يختاروا أحد أقاليم الدولة الإسلامية منطلقاً لدعوتهم ودعاتهم، يمارسون فيه نشاطهم آمنين مطمئنين لا تقلقهم عيون السلطة ومراقبتها.

ولم يجدوا أفضل من إقليم خراسان يحقق لهم ما يريدون، فهذا الإقليم من الأقاليم، المهمة سعة وكثافة سكان، ويتمتع بموقع جغرافي فريد، فهو ليس بعيداً عن مراكز التأثير في الدولة الإسلامية، وليس قريباً بحيث يسهل تسيير الجيوش إليه، وأهل خراسان أهل قوة وجلد وبأس، وهم بعد ليسوا عرباً يمكن أن تلعب العصبية القبلية دوراً في تشتيت قوى الثورة وتمزيق وحدة الثائرين.

وبدأت الدعوة الهاشمية تندفع بسرعة وتنتشر بسرعة، يساعدها في ذلك صلتها النسبية بالنبي محمد وشعارها الذي رفعته بالعودة إلی أحکام الشريعة واحترامها والالتزام بها، بعدما عانت من انتهاك مستمر علی امتداد الحکم الاموي.

وانتصرت الثورة، وقام الحكم الجديد على انقاض الحكم الاموي السابق.

وأنا لا اريد أن اؤرخ لاحداث هذه الثورة، والحكم الجديد الذي قام بعد انتصارها، ولكن أريد أن اسجل هنا أنّ أول ما بدأ به هذا الحكم أيامه هو نقض العهد الذي تم الاتفاق عليه باختيار محمد النفس الزكية فقد اعلن عن ابي العباس السفاح كأول خليفة في الحكم العباسي الجديد، بدلا من النفس الزكية الذي سبق الاتفاق عليه.(١)

وكان هذا أول غدر، أو أول ظلم في الحكم الجديد، ومؤشراً خطيراً على اتجاهه وسياسته المقبلة، وتحذيراً من ظلم لن يقف عند نقض البيعة، وان لم يكن نقضها، بعد المواثيق المغلظة، وبعد المسح على اليدين، بالامر اليسير، فأي غريب اذن فيما سنراه من غدر وظلم وقتل لا ينتهي ودم لا يتوقف نزفه.

الحديث عن ذاك سيكون حديثاً لا معنى له ولن يضيف في أية حال، إلا جريمة جديدة إلى سجل حافل بما هو أخطر منها.

____________________

(١) مقاتل الطالبيين لابي الفرج، شرح و تحقيق السيد احمد صقر ص ٢٠٦، ٢٥٦.

سيقال إن الحكم العباسي كان حكم لصوص وسراق، وأنا اتفق في هذا، وقد كان هو نفسه ثمرة سرقة.

لقد سرقوا الناس أموالهم فأسرفوا في السرقة، لم يعفوا حتى عن ولاتهم وعمالهم، فكانوا يستصفون لانفسهم ما سرقه هؤلاء، ولكنهم لا يكتفون منهم بما سرقوا، بل يقتلونهم بعدما يجردونهم مما سرقوا.

وسيقال إنهم كانوا يشربون دون اعتدال ولا قصد، وإن قصورهم قد تحولت إلى بيوت يمارس فيها كل ضروب اللذة غير المشروعة، حتى الشعر تحول في قصورهم إلى صور خليعة لعملية الجنس، وأنا أتفق في هذا أيضاً.

ماذا يبقى إذن؟!

يبقى إنهم يفعلون كل ذاك باسم الإسلام، فهل لي أن أطلب منهم أن يتخلوا عن اللقب الذي يحملونه: (خليفة المسلمين) الذي يحرم دينهم ما يأتونه بل دون ما يأتونه؟!

وهل لي أن أسأل عن هؤلاء البؤساء من الناس، من سيرعى شؤونهم، من سينصف مظلومهم، وأحسبهم تحولوا كلهم إلى مظلومين؟ من سيمنع ظلم الولاة والعمال لهم وسلبهم أموالهم وحقوقهم وحرياتهم؟

وقد أرد على نفسي أحياناً فأقول: ربما كان من الأفضل أن يشغل أولئك الخلفاء بالشرب والجواري والغلمان، فقد يلهيهم ذلك ويبعدهم عن قتل الناس، وهو الأخطر بين الجرائم. لكني كنت مخطئاً، فقد جمعوا الاثنين معاً، ولم يلههم شيء عن شيء.

(١٨)

الدولة الأموية

معاوية - الخطوط الحمراء - دفن الإنسان حياً

حين أردت الكتابة عن معاوية فكرت طويلاً، طويلاً جداً، فقد تسابقت إلى ذهني صور الجرائم والمجرمين والضحايا، وما أكثر أولئك، وأكثر منهم هؤلاء.

بأية جرائمه سأبدأ حديثه ولا أعرف من يشبهه في كثرة الجرائم، والآخرون من المجرمين يستعجلونني الكتابة عنهم، وأنا بينه وبين استعجال الآخرون أجدني مشدود الأعصاب أو حائراً متردداً.

وقررت أن أبدأ، بأية جريمة، وستتابع الجرائم بعد ذاك يجر بعضها بعضاً، ففيم التردد إذن؟

لكن سؤالاً كبيراً انتصب أمامي قبل أن أبدأ، لم أستطع تجاوزه بل من الخطأ والخطر تجاوزه، وهو يتصل بالفترة التي سبقت حكمه، بالوسائل التي مهدت الطريق لما وصل إليه.

كيف أصبح معاوية خليفة للمسلمين؟! سابقته؟! دينه؟! جهاده؟! فضله؟! علمه؟!

ما الذي جرأ معاوية أن يخوض حرباً غير شرعية ضد الخليفة الشرعي للمسلمين؟!

هذا هو السؤال الذي عليّ أن أعالجه أولاً عند الحديث عن معاوية، وقبل الحديث عن جرائمه.

والسؤال كما ترى سيسحبني للعودة إلى وراء، إلى من تولوا الخلافة قبله ومهدوا له سبيلها، وأنا في غنى عن الخوض في ذلك، والخوض فيه سيتجاوز حتماً كل الخطوط الحمراء في التأريخ الإسلامي وهي خطوط بلون الدم لمن أراده.

فلأقتصر في الكتابة عنه على ما لا يبلغ تلك الخطوط، منذ توليه الحكم وحصوله على لقب (أمير المؤمنين).

إذن انتصر معاوية في الحرب التي خاضها ضد الإمام علي وأسفرت عن تسعين ألف قتيل، وكان الإسلام هو الخاسر الأكبر فيها.

فابتداءاً من حكم معاوية طويت نهائياً صفحة الشورى ونسي حديثها بل أصبح الحديث عنها جريمة من هذه الجرائم التي يعاقب عليها.

وها نحن أمام حكم جديد، ليس فيه شيء من قيم الإسلام، وفيه كل شيء مما يخالف الإسلام. إنه حكم الفرد الواحد الظالم المستبد.

وما أظن معاوية كان صادقاً يوماً كما كان صادقاً وهو يقول عن نفسه وحكمه مخاطباً الكوفيين، ومن خلالهم عموم المسلمين: (يا أهل الكوفة، أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد علمت أنكم تصلون وتصومون وتحجون، ولكنني قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم...)(١) .

وهكذا تحول الإسلام من دين رحمة وسلام إلى تحكم في رقاب الناس، وتهديد سافر صارم اللهجة عنيفها يوجهه معاوية إلى المسلمين بأنه قطع كل صلة مع الإسلام الذي يعرفونه، وأن عليهم أن يقطوا كل صلة مع الإسلام الذي يعرفونه، ويرتضوا حكماً لا يملكون فيه إلا الطاعة والخضوع لولي الأمر الحاكم الجديد.

وقد وفى معاوية بما عاهد المسلمين عليه، فبدأ أول ما بدأ بسنة لم يتقدمه فيها أحد وهي لعن علي الذي إن اختلف المسلمون في أنه أول اثنين سبقاً إلى الإسلام، فإنهم لا يختلفون في أنه الثاني منهما والخليفة الشرعي الذي انتخبوه وارتضوه.

هذا هو أول ما فعله معاوية، إنه علم المسلمين اللعن، ولمن؟! لرجل لم يجد حتى أعداؤه ما يتهمونه به غير أنه كان فريداً في مثاليته وإنسانيته، وكان قادراً أن يكسب الحرب بأيسر مما استطاع معاوية أن يكسبها لو أنه تخلى عن هذه المثالية التي كانت جزءاً منه، لم تفارقه في سلم ولا في حرب؛ لأنها جزء منه.

____________________

(١) شرح نهج البلاغة تحقيق الشيخ حسن تميم ج ٤ منشورات دار الحياة ١٩٦٤، ومقاتل الطالبيين ص ٧٠، والبداية والنهاية لابن كثير ج ٨ ص ١٣١. و مختصر تأريخ ابن عساكر لابن منظور - تحقيق مأمون الصاغه جي - دمشق ١٩٨٩ ترجمة معاوية بن أبي سفيان.

لقد مات المنتصر في الحرب، وعاش الذي ترك النصر مختاراً حين تعارض مع قيم الإنسانية، التي ما تزال ترى فيه مثلها الأعلى الذي تتجه إليه كلما تعرضت لما تعرضت له قبل أربعة عشر قرناً.

وبعد علي، وقد خلص لك الحكم يا ابن أبي سفيان، ما ذنب هؤلاء الذين أحبوه فأخلصوا له الحب؟ ما ذنب حجر بن عدي وأصحابه أن يقتلوا، غير أنهم أحبوا هذا الذي أبغضته ولعنته؟! وماذا عليك أن يحبوا علياً أو لا يحبوه؟! وهل كان الحب والبغض، إلا عندك وعند أصحابك، جريمة عقوبتها القتل يتفنن فيه القاتل ليشفي حقده من القتيل، وممن أحب القتيل. ويل لك من حجر وأصحاب حجر.

وعمرو بن الحمق يطاف برأسه على رمح بين الموصل والشام، وهو أول رأس يطاف به في الإسلام؟! سنة أخرى بعد سنة لعن علي؟! ثم لم يكفك ذلك فَحبست امرأته عندك، حتى إذا وصل رأسه دمشق ألقيت به في حجر امرأته المفجوعة فاحتضنته باكية مقبلة ذاهلة.

قل لي - يا معاوية - أي صنف من المجرمين أنت؟! لا يكفيك ولا يشفي غلك ان تقتل الرجل، ثم ان تحز رقبته، ثم ان تطوف برأسه مرفوعاً على الرمح بين البلدان. فاضفت جريمة ما أظن احداً من المجرمين سبقك إليها: ان تلقي برأس القتيل في حضن زوجته الثكلى التي حبستها عندك لتشفي غلك برؤية دموع الزوجة بعد قتل الزوج.(١)

وعبد الرحمن بن حسان العنزي الذي دفن حياً تحت التراب، ماذا فعل؟! إنه لم يقتل ولم يسرق ولم يخن ولم يزنِ ولم يرتكب ما يستحل به دمه ولا ما هو دون دمه، ليدفن حياً؟! سنة جديدة أخرى من سنن ابن أبي سفيان؟!!

أية جريمة هذه التي يرتكبها من لا يزال يدافع عن حكم شعاره: (لآخذن البريء بالمذنب والمقبل بالمدبر والصحيح بالسقيم). وقد فعل.

____________________

(١) أنساب الأشراف للبلاذري ج ٤ ترجمة معاوية والاصابة لابن حجر ترجمة عمرو بن الحمق رقم ٨٢٢ والاوائل لابن ابي عروبة الحراني ط دار ابن حزم ٢٠٠٣ ص ١٦٦ وتأريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٢٧٥ والاوائل لابي هلال العسكري ط دارالكتب العلمية بيروت ١٩٨٧ ص ١٩٨.

وهؤلاء الموالي أو (الحمراء) كما صار اسمهم، ما الذي فعلوه حتى أردت يا ابن أبي سفيان أن تقتل شطرهم، لولا أن يكفك عن ذلك سيد نبيل هو الأحنف بن قيس؟! إنهم مسلمون فقراء لم يثوروا ولم يحملوا السلاح ضدك، أذنبهم أنهم دخلوا الإسلام طامعين في عدله مؤمنين، إنه سيحميهم ويحرم دماءهم وأموالهم على من يريد بها ظلماً(١) ؟!

بل قل لي: ما ذنب الأطفال يجرون من حضن أمهم، وهم يتعلقون بها وهي تتعلق بهم، ليحز رقابهم أمامها سيف مجرم من مجرميك، فيذبح الأطفال وتجن الأم؟! ذلك هو بسر بن أرطاة الذي أقام في المدينة شهراً يستعرض الناس، لا يقال عن أحد إنه ممن أعان على عثمان إلا قتله، دون أن يسأل في ذلك حجة ولا إثباتاً؛ لأن قتل الناس في عهدك أهون من أن يسأل فيه حجة أو إثبات(٢) .

والله إن الوحشية لأهون ما يمكن أن توصف به، ويوصف به حكمك.

ماذا دها الإسلام منك ومن هؤلاء الحكام من مدرستك بعدك؟ لا تعفون عن طفل تنتزعونه من بين يدي أمه، ولا عن امرأة لا ذنب لها إلا أنها لم تشهد زوراً على زوجها، لا تكتفون بالقتل دون ذنب، وهو كبير في الإسلام وغير الإسلام، فتضيفون إليه الصلب، ثم الحرق بعد الصلب.

وتسيير الرؤوس على الرماح، ومنع الماء عن الأطفال والنساء ممن لم يشارك في حرب أو قتال، ثم لا تكتفون، فتحرقون الخيم على الأطفال والنساء.

والله لو علم الناس إن الإسلام هو الذي عندكم لما أسلم أحد.

وأموال المسلمين، وهي الأهون إذا قيست بأرواحهم، ماذا صنعت بها وأنت توزعها هنا وهناك على من لا يستحق، تسترضي بها من تخافه أو تطمع فيه، وتشتري ذمم رجال لا يحركهم إلا المال؟!

____________________

(١) العقد الفريد لابن عبد ربه تحقيق محمد سعيد العريان، نشر دار الفكر، ج ٢، ص ٢٢٦ - ٢٢٧.

(٢) الأطفال هم أبناء عبيد الله بن عباس والي الإمام علي على اليمن، والتي عميت وجنت هي أمهم، والحادثة تجدها في كل كتب التأريخ.

ومصر؟ مصر التي أعطيتها طعمة مدى الحياة لعمرو بن العاص؟!

هل سمع أحد أن بلداً كاملاً وبحجم مصر (يعطى) طعمة لشخص، كل ميزاته وكل فضله انه كان يحسن الخداع ويضلل الناس ويدافع عن الباطل؟!(١)

أكانت مصر ملكاً لك أو لأبيك تهبها لمن تشاء؟!

أم استسهلت ذلك بعد أن صار كل شيء سهلاً، وقد صرت أميراً للمؤمنين؟!

وقبل أن أنتقل إلى موضوع يزيد، أريد أن أسألك عن استلحاقك زياداً. ولن أكلفك الرد فأنا أعرفه.

ويحك يا معاوية، ألم تستحِ أن تحقق الزنا على أبيك؟! والله لو كان أبوك قد زنا حقاً بسمية وأولدها زياداً، لكان حرياً بك أن تستحيي من ذاك وتبرأ منه.

ثم ألا تعلم أن أباك قد توفي عام ٣٣ في خلافة عثمان، وبعد حديث الزنا بأكثر من ثلاثين عاماً، فما الذي منعه أن يدعي زياداً، طول هذه المدة؟!

____________________

(١) انظر في (طعمة) مصر لعمرو بن العاص، مروج الذهب للمسعودي ج ٢ ص ٥٤ - الباب الثامن والسبعون - خلافة علي بن أبي طالب والبدء والتاريخ جزء ٥ أحداث صفين وتأريخ اليعقوبي جزء ٢ - ص ٢١٦ - ٢١٧، وشرح نهج البلاغة تحقيق الشيخ حسن تميم قاضي بيروت الشرعي - دار مكتبة الحياة - بيروت ١٩٦٢ المجلد ١، ص ٣٢٢. وقد اصبحت (طعمة) البلدان سنة خصوصاً مصر. سنة سار عليها الخلفاء والامراء بعد معاوية، فعبدالملك بن مروان يعرض مصر طعمة لاخيه عبد العزيز يشتري بها تنازله عن ولاية العهد لابنه الوليد، كما يعرض خراسان (طعمة) لعبد الله بن خازم ان هو تخلى عن نصرة عبد الله بن الزبير وانضم إليه، ويزيد بن عبد الملك بن مروان يعد أخاه هشام أن (يطعمه) الجزيرة إذا خلع نفسه من ولاية العهد لابنه الوليد. بل إن الامر نزل إلى الأدنى، إلى من هم دون الخلفاء، فعبدالله بن خازم المار ذكره يعطي ميسان في العراق طعمة لزهير بن ذويب أحد رجال بني تميم و فرسانهم في ذلك العهد. تأريخ اليعقوبي ( أيام عبد الملك بن مروان وأيام يزيد بن عبد الملك، وتأريخ الطبري وتأريخ ابن الاثير، حوادث سنة ٧٣ وتأريخ ابن الوردي - دارالكتب العلمية ط اولى بيروت ١٩٩٦ (اخبار معاوية) والاخبار الطوال لابي حنيفة الدينوري (وقعة صفين) والبدء والتاريخ ج ٦ ص ٢٣ في الحرب بين ابن الزبير وعبد الملك بن مروان.

قد تقول، كما يقولون الآن وهم يبررون فعلك، إنّه كان يخشى أن يعلن ذلك خوفاً من عمر.

لكنك تعلم أن عمر قد توفي عام ٢٣، وعاش أبوك بعده ثماني سنين في خلافة عثمان، كان يستطيع خلالها أن يستلحق زياداً دون أن يخاف عمر ولا غير عمر، والخليفة هو عثمان ابن عمه، وأبوك أولى به منك وأحرى أن يدعيه لو كان زياداً ابنه، حتى مع القول بأنه من زنا.

ولو تجاوزت كل ذلك، وهو ما لا يمكن تجاوزه، فكيف سأتجاوز النبي (صلّى الله عليه وآله)؟! كيف سأصنع بقوله الذي تعرفه ويعرفه الجميع: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) وقد خالفته وعارضته وعملت بعكسه، وكأنك تريد أن تؤكد انقطاع صلتك بالنبي محمد (صلّى الله عليه وآله) وبدينه؟!!

واصل إلى يزيد، كيف توليه خلافة المسلمين مع ما تعرفه عنه من رذائل قلما اجتمعت في سواه، وهو لو كان في غير حكمك لأقيم عليه ألف حد؟!

ألم يكن في أفاضل المسلمين من يصلح للخلافة بعدك فاضطررت لاستخلاف يزيد، أم حسبت مجلس الخلافة لا يختلف عن مجلس الشرب؟! وعلى كلٍّ فالذي يغفر لك أنك أنت لم تكن خليفة شرعياً، فما الغريب أن تمنح ما لا حق لك فيه لمن لا حق له في إرثه؟!

والويل للمسلمين من حكم يؤخذ فيه البريء بالمذنب والمطيع بالعاصي!!

ألم أقل إن الإسلام كان الخاسر الأكبر حين استولى معاوية على الحكم؟!

ألم أقل إن حكمه جريمة كبيرة؟! ألم أقل ...

وعيني على قلمي ألا يزل فيبلغ الخطوط الحمراء التي أخشى الإشارة إليها.

(١٩)

يزيد

عندما يذهب الأخطل حاجاً إلى مكّة

وهكذا تنحدر الأمور، تبدأ بالسيء ثم تسير، إذا لم تجد رادعاً، نحو الأسوأ، حتى يصبح هذا الأسوأ هو القاعدة التي تجري بموجبها الأمور.

وهذا ما حصل مع يزيد.

وأظنني كنت قد أشرت إلى ذلك في مكان سابق وتخوفت من أن ترك الشورى والتخلي عنها، إلى تعيين شخص، أو عدد محدد من الأشخاص، قد يقود يوماً إلى أن يرشح للخلافة مثل يزيد، اعتماداً على وجود هذه السابقة التي ستسمح بترشيحه، لو أراد معاوية ذلك.

وقد أراد، إذ عين ابنه يزيد على كل مساوئه ومعرفته به وبها، ولياً لعهده ومرشحاً للخلافة بعده، لا برضا المسلمين الذين لم يعد يعير رضاهم أو سخطهم أي اعتبار، ولكن بحد السيف من جهة، وبحكم السابقة التي جرأته ويسرت عليه أن يجعل من ابنه يزيد ولياً لعهد المسلمين، على سوء رأيهم فيه، مع وجود عدد من كبار الصحابة وخيار التابعين في ذلك العهد، ممن هم أولى بالخلافة، وممن يحظون برضا وثقة المسلمين، لو ترك هؤلاء ومن يختارون، ولو لم يكن مبدأ الشورى قد وئد وترك العمل به منذ عهد الراشدين.

جاء يزيد إذن إلى الحكم وقد استباح أبوه قبله كل شيء، فلم يتحرج هو من شيء، ولم يمتنع عن شيء.

وسأتجاوز سيرته الشخصية وما شهر به من لهو وعبث واستخفاف بأحكام الدين وازدراء بمقام الخلافة، مع أن السيرة الشخصية هنا تنعكس بقوة على حياة الناس وتؤثر فيها ولا تنفصل عنها في أية حال.

سأتجاوز هذا فقد أجد من يتبرع، كما هي العادة، بالرد بأنه من صنع أعداء (أمير المؤمنين) يزيد وأعداء الأمويين وأعداء العروبة والإسلام أيضاً، ثم إنه شأن شخصي ليس لأحد أن يتدخل فيه أو يؤاخذ يزيد به!! فما على يزيد ولي عهد المسلمين أو خليفتهم أن يدخل عليه نديمه الأخطل والخمر تسيل من لحيته والصليب يتدلى على صدره؟! وما على يزيد أن يصطحب الأخطل معه في حجه إلى مكة وهو ولي عهد المسلمين؟! فربما اشترط عليه أن يسلم خلال فترة الحج ليعود إلى مسيحيته بعده!! وربما اشترط عليه أن يترك الخمر أو يقللها وهو يطوف بيت الله؟!(١) .

وخطر في ذهني أن أزور يزيد وقد زرت، وسأزور كل (أمراء المؤمنين) فلِمَ استثناؤه من بينهم؟ خصوصاً وأنه الوحيد الذي لن أحتاج معه إلى وقت طويل، فالمسلمون كلهم، وربما غير المسلمين، يعرفون عنه مثلما أعرف أو أكثر مما أعرف.

لكنني خشيت أن يغلبني الضحك وأنا أخاطبه بـ (أمير المؤمنين) والحرس قد انتضوا سيوفهم، تكفيهم إشارة منه، ولا حاجة لذكر ما بعد الإشارة.

وبين الرغبة في زيارته، وبين الحرص على رأسي، قررت أن ألغي الزيارة وأن أختصر الحديث عنه ما استطعت وهو حديث قصير كما قلت.

واتجهت إلى المدينة، مهبط الوحي ومسكن الرسول ومدفنه، المدينة التي ولد فيها التأريخ الإسلامي.

لقد شاقتني وبعد عهدي بها وطال غيابي عنها.

ولكن ماذا أرى؟! ما الذي يحدث في المدينة؟! ما لهؤلاء العذارى من بنات المهاجرين والأنصار يتراكضن مذعورات في كل درب من دروبها، لا تجد الواحدة منهن مأوى لها، حتى يفترس الذئاب من جيش يزيد عشراً ممن لم يجدن المأوى، وهم يقتحمون المدينة من جهة الحرة(٢) .

____________________

(١) الأغاني طبعة دار الكتب ج ٨ ترجمة الأخطل.

(٢) الحرة هي الأرض ذات الحجارة السوداء، وهي هنا الجهة التي دخل منها جيش يزيد إلى المدينة ودارت فيها المعركة؛ ومنها جاء اسمها (واقعة الحرة).

واستوقفت شيخاً كان يلهث من الجهد وهو يتحامل على نفسه لا يقوى على الركض وإن بدا مسرعاً، أردت أن أسأله عن هذا الذي يجري، قال وهو يحث الخطى والخوف بادٍ عليه: إن الأمر لأخطر من حديث تسمعه مني وأنا في طلب المأوى، ستعرف الجواب عما قريب، قال ذاك دون أن يقف وعيناه تنظران إلى خلف أكثر مما تنظران إلى أمام.

وانتحيت جانباً أفكر في هذا الذي أرى، وأفكر في نفسي، لا أدري ما أفعل، فربما اشتبهوا في أني من أهل المدينة، وأنا لا أستطيع الركض ولا أعرف أحداً فيها استتر عنده، والبيوت كلها معرضة للتفتيش.

ورأيتني أتساءل: أكان هولاكو مسلماً أو أميراً للمؤمنين كما كان يزيد أميراً للمؤمنين؟ هل استباح جيش هولاكو بغداد كما استباح جيش يزيد المدينة؟! هولاكو، هذا الذي يتحدثون عنه فيطيلون الحديث، وما يزالون يتحدثون عنه فيطيلون الحديث.

أكانت بغداد أهم من المدينة عند المسلمين، وهي ثاني الحرمين ومهبط الوحي ثلاث عشرة سنة؟!

أكان أهل بغداد أولى بالحماية والاهتمام من أهل المدينة، وهم المهاجرون والأنصار وجلة المسلمين وذوو السابقة والجهاد منهم؟!

هل فعل هولاكو - على افتراض صحة ما يقولون عنه - إلا بعض ما فعل يزيد؟!

ما لي لا أفتح كتاباً إلا كان هولاكو أكبر عناوينه في الوحشية والإجرام ولا ذكر لـ (أمير المؤمنين) يزيد ولا لأمراء مؤمنين آخرين.

إنه التأريخ يكتبه الذين يملكون كتابته.

لقد كانت واقعة الحرة إحدى الوقائع التي هزت ضمير المسلمين وما تزال كذلك حتى اليوم وبعد اليوم، ولا أدري كيف سيعتذر المزورون القدماء والجدد عما جرى فيها؟!

ماذا سيقولون عن هذه الواقعة التي بلغ عدد القتلى فيها الآلاف من خيار المهاجرين والأنصار وأبناء المهاجرين والأنصار، من حمل السلاح ومن لم يحمله. وانتهكت فيها ألف من بنات المهاجرين والأنصار(١) وما أظن هذا العدد إلا الحد الأدنى الذي يمكن تصوره، وقد استبيحت المدينة ثلاثة أيام يفعل فيها الجيش ما يشاء ولا يمنعه شيء مما يشاء، فكأن يزيد أراد أن يثأر لفتح مكة في زمن جده، بفتح المدينة في زمنه، ولكن الفاتح هناك أنزل شعار الملحمة ورفع شعار المرحمة، والفاتح هنا أنزل شعار المرحمة ورفع شعار الملحمة.

ثم لم يكتفِ بكل ذاك حتى أخذ البيعة ممن بقي من أهل المدينة لم يقتل ولم يسجن ولم يهرب، على أنهم (عبيد) ليزيد، وضرب عنق كل من يرفض هذه البيعة(٢) .

أسمعت بشيء من هذا في غير تأريخنا الذي يريدون أن ينشأ عليه أطفالنا عبيداً لمن بيده الأمر، لا يحسنون إلا الخضوع والطاعة والدعاء لمن يظلمهم ويقتلهم وينتهك أعراضهم؟

ما كان ذنب أهل المدينة أن يتعرضوا لما تعرضوا له؟! ما الذي فعلوه ليستحقوا كل هذا الذي جرى لهم؟!

لقد راعهم كما راع غيرهم من المسلمين، وهم بعد قريبو عهد بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أن يستخلف عليهم من لم تجتمع السيئات في شخص كما اجتمعت فيه؛ فلجؤوا إلى ما يلجأ إليه الأحرار حين يستنفدون كل الوسائل الممكنة لدفع الظلم عنهم.

ماذا يبقى بعد النصح والتحذير والإنكار وإرسال الوفود لإبلاغ (أمير المؤمنين) بآراء المؤمنين ومطالبهم، وليس فيها إلا ما هو مشروع؟!

وجرد يزيد جيشه بقيادة مسلم - الذي يسميه المسلمون مسرفاً - ابن عقبة المري.

____________________

(١) مروج الذهب للمسعودي، أحداث سنة ٦٣ ج ٣ ص ٦٩.

(٢) تأريخ الطبري ج ٤ ص ٣٨١، ومروج الذهب للمسعودي ج ٣ ص ٦٩ أحداث سنة ٦٣. وتأريخ اليعقوبي ج ٢ (مقتل الحسين بن علي).

وكان ما ذكرت - وهو ليس إلا جزءاً مما لم يشأ المؤرخون أن يقولوه - إلا مخففاً.

لقد أردت أن أصف ما حصل في الحرّة بأنه الصفحة السوداء في تأريخ الأمويين، لولا أني تذكرت أن تأريخ الأمويين كله - عدا سنتي ابن عبدالعزيز - لم يكن أكثر من كتاب أسود، وليست الحرة أشد صفحاته سواداً.

ومن المدينة وحرتها أخذت طريقي إلى مكة التي سبقني إليها جيش يزيد وحاصرها ومنع الزائرين من دخولها، فلم أعرف أخبارها إلا ممن استطاع أن ينجح في مغادرتها إيثاراً للسلامة، بعد الذي جرى في الحرة وهو غير بعيد.

وسألت أحد هؤلاء عما يحدث في مكة وسبب وجود جيش يزيد ومحاصرته لها، وفيها بيت الله وقبلة المسلمين وأقدس مكان لديهم، فعلمت أن عبد الله بن الزبير قد خلع طاعة يزيد وأنه انتقل إلى مكة يدعو لنفسه، وقد أجابه إلى دعوته عدد كبير من المسلمين في مكة وغير مكة وبايعوه خليفة لهم.

ولم ينصف عبد الله بيت الله في مكة حين لجأ إليه وتحصن فيه وعرض حرمته للامتهان، وهذا ما تكرر منه في زمن عبد الملك بن مروان.

وإذا كان ابن الزبير قد أخطأ وهو يخاطر بحرمة الكعبة، فماذا كان على جيش يزيد لو أنه اكتفى منه بحصره وقطع الإمداد عنه، بدلاً من أن يسرع إلى ضرب الكعبة بالمجانيق فيجرئ على ضربها من بعده.

وعلى كلٍّ فقد جاء موت يزيد ليريح ابن الزبير، ويجنب الكعبة ما كان ينتظرها من جيش يزيد، وسيكون أكثر من ضربها بالمجانيق.

وتركت مكة أعتسف الطريق، لا أدري إلى أين، فقد كان منظر الكعبة وهي تضرب بالمجانيق قد بلغ مني ما أذهلني عن طريقي الذي أريد.

ومن بعيد، لاح لي الأفق وهو مصبوغ بالدم، وما تزال قطرات منه تنزل، وكأن الدم لم يجف بعد... ولن يجف.

إذن وصلت الطف.

إذن هذه هي الأرض التي شهدت مأساة الإنسانية، وهذا هو الدم الذي ما يزال يعلم الإنسان كيف يواجه الظلم وينتصر عليه، دون جيش أو سلاح، وهو قد انتصر دون جيش أو سلاح.

هنا وقف الحسين وحده بعد مصرع آله وأصحابه، شامخاً يمثل كبرياء الإنسان وكرامته وعنفوانه أمام الطغيان والظلم وانتهاك إنسانية الإنسان؛ ليكتب تأريخاً جديداً لم تستكمل صفحاته بعد.

أيها الراية الحمراء أرى في كل خفقة من خفقاتها ساحة قتال، ومصارع شهداء وصور أيد وأرجل مقطعة، وأشلاء مبعثرة هنا وهناك ودماً يصرخ بالضعفاء والمترددين والخائفين: إن الطريق هو هذا فاتبعوني.

أيها الملحمة الخالدة على امتداد العصور يستلهم منها الإنسان كبرياء الإنسان وثباته وشموخه.

يا نشيد الثوار، لا تزيده الأيام إلا علواً وارتفاعاً وقوة وهو يخترق الزمان والمكان ليدك حصون المتجبرين الطغاة.

أيها القصيدة التي تنشدها الإنسانية كلها؛ لأنها انتظمت الإنسانية كلها.

أيها اللحن الحزين ينساب في جسم الإنسان برءاً وسلاماً وصفاء حين يعمى الدرب وتختلط الألوان وتضل الرؤية.

أيها الدم الزاكي يسقي الأرض نبلاً وحباً وإخاء.

يا نسيم الفجر يمر رقيقاً ندياً يملأ النفس رقة وإشراقاً وأمناً.

وينتهي الحديث عن يزيد، وينتهي يزيد نفسه، فلا يذكر إلا حين يذكر الظلم والاستخفاف بالإنسان وانتهاك إنسانيته.

ويبقى الحسين وسيبقى الحسين؛ لأن الإنسان لن يموت.

ولكن قبل الانتقال إلى الفصل التالي واستكمالاً لهذا الفصل؛ أراني مضطراً أن أقف عند ظاهرة لم أكن نسيتها؛ لأنها لا يمكن أن تنسى وهي جزء من الفصل نفسه.

فجيش يزيد لم يكتف بقتل المقاتلين من الرجال ولا بقتل غير المقاتلين من الأطفال، ولا بمنع الماء عنهم، وهو ما لم يسبق إليه أحد؛ بل تجاوز كل ذاك، إلى الهجوم على النساء والصبيان والفتيات، وحرق الخيام التي تؤويهم، وتركهم دون مأوى ولا ستر ولا أمن، وإن الطفل ليلتصق بثدي أمه فلا تجد ما ترضعه منه؛ لأنها لم تجد ما تأكل، ويشغلها عن الأكل الذي لا تجده، ما هي فيه مما يتجاوز الأكل.

وغير بعيد عن الخيام المحروقة، كان عشرة من (الفرسان) يطؤون بخيلهم جثة هي جثة الحسين، يتفاخرون أمام الأمير: أيهم كان أشد وأقوى في وطئها، بعد أن قطع الرأس ووضع على رمح في طريقه إلى الشام يحمل البشرى لـ (أمير المؤمنين).

سلاماً كربلاء...

وعشقاً لمن ضم ثراك.

(٢٠)

عبد الله بن الزبير - الصراع بينه وبين الأمويين

ماذا جرى للمسلمين لا ينتهون من حرب إلا إلى حرب، ولا من قتال إلا إلى قتال، وهم بعد لم يفارقوا نبيهم إلا منذ فترة يمكن حسابها بالأيام، وإن شيءت بالساعات.

بدأت بما سموها حروب (الردّة) التي اشتعلت بعد أيام من وفاة النبي مع طليحة، ثم مع بني يربوع ومالك بن نويرة ثم مع بني حنيفة في اليمامة، ثم لم تتوقف.

ثورة في المدينة وقتال.

حرب في الجمل وصفين وقتال في النهروان.

دم طاهر مسفوك في كربلاء.

حصار واستباحة للمدينة.

حصار لمكة وضرب بالمجانيق.

حرب في مرج راهط بالشام.

حرب بين جيش الأمويين وبين جيش مصعب في مسكن.

ماذا جر على المسلمين تركهم للشورى؟!!

ماذا جر على المسلمين عدم تدوين الحديث، ليمكن لحديث كـ (الأمراء من قريش) أن يشعل القتال داخل قريش نفسها، وكل حي منها يطمع في الخلافة ويحارب للوصول إليها، والمسلمون هم القتلى ووقود الحرب.

لقد تحولت الخلافة إلى حكم يستند إلى القوة والعصبية القبلية، بعيداً عن مفاهيم الإسلام وقيمه التي كانت تقوم على السابقة والبلاء والدين والتي استبعدت وحل محلها قيم أخرى أو قيم نقيضة. فلم تعد تجد المهاجرين والأنصار، ولم تعد تسمع بلالاً وعماراً، بل احتل مكان هؤلاء، اليمانية والمضرية وكلب وقيس وحسان بن بحدل وزفر بن الحارث.

هكذا إذن أصبح الإسلام وهذه صورة الحكم فيه، ونحن بعد لم نتجاوز النصف الأول من قرنه الأول إلا قليلاً: صراع وقتال ودم وحروب للاستيلاء على السلطة، وغالب ومغلوب، وعصبيات تقرب وتبعد المطالبين بالحكم اعتماداً على صلة أي منهم بهذه القبيلة أو تلك وقوة هذه القبيلة أو تلك وقدرتها على دعم صاحبها وإنجاحه.

نحن الآن في بداية العقد السابع من القرن الأول وقد انتقل عبد الله بن الزبير إلى مكة واتخذها مركزاً للدعوة إلى نفسه خليفة للمسلمين سراً منذ عام ٦١، ثم علناً بعد موت يزيد.

واستجاب لدعوته غالبية الأقاليم الإسلامية وبايعته. حتى الشام ذات الولاء التقليدي للأمويين، كان الكثير من مدنها قد انحازت إلى ابن الزبير وأعلنت مبايعتها له(١) .

وبدا وكأن ابن الزبير قد بسط سلطانه، ولم يبقَ من يقف مع أعدائه من بني أمية في الشام إلا قبيلة كلب اليمانية ذات النفوذ والقوة هناك، والمعروفة بولائها للأمويين، فمنها كانت نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان، ومنها كانت ميسون بنت بحدل أم يزيد بن معاوية.

وكان كبير الأمويين وشيخهم في ذلك العهد هو مروان بن الحكم، الذي استطاع أن يجمع صفوفهم ويوحدهم، وينظم صفوف أنصارهم من أهل الشام الذين اجتمع رأيهم بعد خلاف طويل على البيعة له كما هو معروف في كتب التأريخ.

وبدأ مروان يتحرك وأمامه خصم قوي هو الضحاك بن قيس الفهري(٢) الذي كان يدعو في دمشق لابن الزبير، تدعمه في ذلك القيسيةن ولابدّ من الخلاص منه.

والتقى الطرفان في أول معركة كبيرة بينهما على أرض الشام عام ٦٥ هي معركة مرج راهط(٣) التي انتهت بهزيمة جيش ابن الزبير وقتل قائده الضحاك بن قيس.

____________________

(١) كان الضحاك بن قيس في دمشق وزفر بن الحارث في قنسرين والنعمان بن بشير في حمص ونائل بن قيس في فلسطين، وكلهم من دعاة ابن الزبير وانصاره، ولم يبق إلا الأردن التي يسيطر عليها حسان بن مالك ابن بحدل الكلبي داعياً للأمويين.

(٢) كان من رؤوس أصحاب معاوية ولي له دمشق. وبعد وفاة يزيد انضم إلى ابن الزبير وقتل عام ٦٥ في معركة مرج راهط التي انتصر فيها جيش الأمويين بقيادة مروان بن الحكم.

(٣) من أرض الشام وفيها كانت المعركة الحاسمة بين جيش عبد الله بن الزبير وبين جيش الأمويين.

واستقامت الشام لحكم مروان الذي لم تدم خلافته إلا أشهراً معدودات توفي بعدها ليخلفه فيها ابنه عبد الملك.

وبعد معركة المرج بست سنين جاءت المعركة الحاسمة عام ٧١ في مسكن من نواحي الأنبار في العراق والتي انتهت هي الأخرى، لا بهزيمة الجيش الزبيري وحده، ولكن بقتل قائده مصعب بن الزبير أخي الخليفة عبد الله وتمزق جيشه، وزوال أي أمل لدى عبد الله الذي كان قد اتخذ من مكة عاصمة له.

وقبل أن أصل إلى القتال الذي دار على أرض مكة هذه المرة وداخل بيت الله، سأتوقف لأرى كيف كان حكم ابن الزبير خلال الفترة التي حكم فيها، وأي عدل أشاعه وأي ظلم قمعه، وهو الذي كان ينعى على الأمويين ظلمهم وبعدهم عن الإسلام وقيمه.

وأول ما ألاحظه أن ابن الزبير كان يتبارى مع الأمويين في كره الهاشميين والحقد عليهم والطعن فيهم، يسبقونه حيناً ويسبقهم أحياناً، حتى لقد ترك الصلاة على النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله لنسبه الهاشمي(١) ، ولا أدري إن كان على النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يبدل نسبه، أم على الهاشميين أن ينفوا النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله !!

واستمر هذا الحقد ملازماً له طول حياته.

وأظنك تذكر أن ابن الزبير حبس محمد بن علي (ابن الحنفية) وعبد الله بن عباس وعدداً من وجوه الهاشميين وأنصارهم في سجن عارم وضرب لهم أجلاً يبايعونه قبل حلوله أو يحرقهم، ولم يكن هذا منه مجرد تهديد، فقد هيأ كل شيء لتنفيذه، ولم ينقذهم إلا وصول القوات التي بعث بها المختار بن أبي عبيد والتي أخرجتهم من السجن قبل يومين فقط من الأجل المضروب لإحراقهم(٢) .

____________________

(١) مروج الذهب ج ٣ ص ٧٩، وشرح نهج البلاغة ج ٥ ص ٨٢٠، وتأريخ اليعقوبي (أيام مروان بن الحكم وعبد الله ابن الزبير ...) وبقي ابن الزبير لا يصلي على النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله أربعين يوماً (حتى عاتبه على ذلك قوم من خاصته وتشاءموا بذلك منه وخافوا عاقبته).

(٢) تأريخ الطبري احداث سنة ٦٦ وابن الأثير أحداث نفس السنة والأغاني ترجمة كثير عزة.

وأظنك تذكر أيضاً هذه المرأة المفجوعة بزوجها، إنها عمرة بنت النعمان بن بشير، لقد نسي ابن الزبير فضل جدها بشير بن سعد الذي كان أول المبايعين في السقيفة لجده من قبل أمه أبي بكر.

ما ذنبها؟ إنها قالت ما عرفته عن زوجها المختار حين سألها عنه مصعب فصدقته القول فيه: إنه كان من المصلين الصائمين الصالحين، رافضة أن تكذب كما طلب منها أخو أمير المؤمنين؟!

لقد فضلت أن تموت صادقة على أن تشتري حياتها باتهام شخص بريء هو زوجها الذي عاشت معه وعرفته، فلم تعرف منه إلا الخير.

ودفعت ثمن صدقها: رأسها يفصله عن جسدها سيف مجرم(١) .

إنها امرأة لم تحمل سيفاً ولم تشارك في قتال ولم تفعل إلا ما تفعله المرأة الوفية الصالحة، يطلب منها أن تكذب على زوجها القتيل فترفض.

أكان عليها أن تكذب؟! أن تتهم زوجها الذي تعرفه، بما هو بريء منه لكي تنجو من السيف.

لقد كان قتل عمرة عاراً لن يستطيع محوه هؤلاء الذين أجهدوا أنفسهم وأقلامهم في الحديث عن المروءة العربية والفروسية العربية، وعمرة تصرخ في وجوههم ساخرة مستنكرة.

وولدا حجر بن عدي؟! أي ذنب ارتكباه، وهما لم يبلغا السن التي يمكن أن ينسب إليهما ذنب؟ لِمَ قتلهما مصعب بعد أن انتزعهما من حضن أمهما الثكلى؟ ما أظنه إلا حسد بسر بن أرطأة وهو ينتزع طفلي عبيد الله بن عباس من حضن أمهما ويقتلهما فلم يرد أن يكون دون بسر في الإنسانية والمروءة !!.

والسبعة آلاف أسير الذين سيأتي حديثهم بعد هذا؟!

أية سادية وأي عشق للقتل، هذا الذي يحمله في جنبيه أمير المؤمنين وأخوه؟! وأية جريمة يقترفها هؤلاء المبررون للجريمة، المدافعون عنها؟!

____________________

(١) انظر تفصيل ذلك في كتابنا (على هامش الفرق الإسلامية) في الفصل الخاص بالمختار.

هؤلاء الذين يريدون أن يجعلوا من ابني الزبير، ومن كل المجرمين العرب - قبلهما وبعدهما - أبطالاً ورموزاً للحق والعدل والمروءة لا يعوزهم إلا نصب التماثيل... وأحسبهم فعلوها!!!

ويح ابن الزبير، ألم يخش ربه وهو يزعم أنه ما ثار إلا لإعلاء كلمته وإعادة ما درس من أحكام دينه؟!

ما الذي زاد عليه الأمويون، وبماذا كان هو دونهم؟!

ماذا كان سيلقى المسلمون منه لو طال حكمه أكثر مما طال؟!

إذن والله سينسيهم كل جبابرة الدنيا وطغاتها، ولن يكون أشدهم جبروتاً وطغياناً إلا ملكاً رحيماً في جنبه.

رحم الله هؤلاء المسلمين الذين قتلهم هو وأخوه وأبوه.

وقبل أن أنتهي من حديث ابن الزبير، كنت أسأل نفسي: لِمَ يلجأ هذا الرجل في حروبه مع الأمويين إلى حرم الله؟ ما الذي يدعوه إلى ذلك؟

لِمَ لم يخرج لقتال جيش الأمويين يقوده الحصين بن نمير؟!

ولِمَ لم يخرج لقتال جيشهم يقوده الحجاج، وهو يعرف أنه غير تاركه، وأن تحصنه في بيت الله لن يفعل أكثر من تعريضه للامتهان - بيت الله - وهو ما حصل حين ضربت الكعبة بالمجانيق وهدم جزء منها؟!

لِمَ لم يخرج إليهم ويقاتلهم كما يفعل المقاتلون الفرسان، فلا يتحصن بالحرم ولا يعرضه لما تعرض له؟!

هلا فعل كما فعل بعده، ثائر علوي هو محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) الذي عرض عليه أن ينجو بنفسه ويلتحق بمكة أو باليمن وله فيهما مأمن. وذلك حين أحاط به جيش عيسى بن موسى في المدينة، وقتل أو تفرق عنه أصحابه وأيقن بالقتل، فأبى رغم ما بذل له عيسى من الأمان على نفسه وأهله وماله وقال: (إذن يستعرض عيسى أهل المدينة بالسيف فيكون لهم يوم كيوم الحرة، لا والله لا أحفظ نفسي بهلاك أهل المدينة بل أجعل دمي دون دمائهم.

أكان بيت الله في مكة دون منزلة المدينة فعرضه ابن الزبير للخطر، ومنع محمد المدينة أن يعرضها ويعرض أهلها للخطر؟!

وانتصر جيش الأمويين بقيادة الحجاج، وقتل عبد الله بن الزبير بعدما قتل أو فر أو تخلى عنه أصحابه والتحقوا بالحجاج.

ماذا يريد الأمويون أكثر من ذلك؟! الانتصار وقد تحقق لهم كاملاً، وخصمهم ابن الزبير وقد قتل وانتهى أمره ولم يبقَ منه ما يثير الخوف أو القلق أو ما هو دون الخوف والقلق.

لكن الحقد لم ينته.

لكن الحقد بقي قوياً كما كان

فبعد القتل صلب جسد عبد الله، وبقي سنة معلقاً قبل أن يؤذن بإنزاله.

وحين أراد أهله غسله وتكفينه، كانوا لا يتناولون عضواً إلا جاء بأيديهم، فكفنوه عضواً عضواً.

وعذري إلى القارئ، فما كنت لأريد أن أزيد من ألمه، وحياته اليوم لا تحتاج إلى مزيد منه.

(٢١)

الدولة الأموية - المروانية

مروان بن الحكم - مقتل طلحة - ولاية العهد لأكثر من واحد

أما أبوه الحكم بن أبي العاص، فكان طريد رسول الله، رفض أن يراه أو يساكنه في المدينة لشدة ما آذاه، وبقي طريداً مبعداً عن المدينة حتى جاء به عثمان في خلافته.

وأما هو فلم يعرف بسابقة ولا بفضل أو دين أو صلاح، ولكنه عرف كأحد أبرز الأشخاص الذين أثاروا المسلمين على عثمان ولعبوا دوراً خطيراً في الأحداث المأساوية التي انتهت بقتله والتي مزقت الأمة الإسلامية وما زالت تمزقها حتى اليوم.

ذلك هو مروان بن الحكم.

كان من أسوأ الحاشية العثمانية وأشدهم كرهاً وقسوة على هؤلاء المطالبين بإصلاح الأمور والعودة بها إلى طريق العدل والصواب، ومنع الاستئثار بأموال المسلمين لصالح عدد منهم، ومروان من أكثر المنتفعين والمستأثرين بها.

ولأنه ابن عم عثمان ومستشاره فقد كان بالغ التأثير على عثمان، فما يحاول هذا أمراً فيه صلاح ورضا للناقمين والساخطين والثائرين، حتى يرده مروان عنه ويحول دون تحقيقه(١) .

وبعد عثمان وما جره قتله على المسلمين، كان مروان من أشد المعارضين والمعادين لعلي، شارك في حرب الجمل ضده إلى جانب طلحة والزبير، لكن ذلك لم يمنعه من قتل طلحة في هذه المعركة، رماه بسهم أصاب أكحله فبقي ينزف حتى مات، إذ كان يتهم طلحة بأنه وراء قتل عثمان وأنه الذي كان يحرض عليه ويشجع على قتله(٢) .

وحين استولى معاوية على الحكم، كانت علاقة مروان به متذبذبة، تقوى مرة وتضعف أخرى، لكنها لا تخرج عن حدود الخلاف بين أمويين.

____________________

(١) انظر في تفصيل ذلك كتب التأريخ كالطبري وابن الأثير.

(٢) انظر كتب التأريخ حول معركة الجمل وترجمة طلحة في كتب التراجم.

ثم مات معاوية، ومات بعده يزيد، فتولى مروان قيادة الأمويين وتوحيد نشاطهم، وتنظيم قوى الشاميين المناصرين لهم في مواجهة عبد الله بن الزبير الذي أعلن نفسه خليفة واستطاع أن يبسط حكمه على كل الأقاليم الإسلامية، حتى الشام نفسها، عدا أجزاء منها بقيت على ولائها للأمويين ورفضت البيعة لابن الزبير والدخول في حكمه.

وكانت معركة المرج التي قادها مروان أول هزيمة تلحق بابن الزبير لكنها لم تكن إلا معركة ينتصر فيها طرف ويخسر طرف، واستمرت المعارك، واستمر كل طرف يهيء للمعركة الفاصلة وجاءت معركة مسكن عام ٧١ التي كانت إيذاناً بنهاية حكم ابن الزبير - كما رأيت في فصل سابق - لكنها جرت في زمن عبدالملك وبعد وفاة مروان بست سنين، ونحن هنا نتحدث عن مروان، فلنعد لحديثه لقد رأيناه في زمن عثمان وهو يسعر النار بين المسلمين ويسخر من هؤلاء المطالبين بالإصلاح ويحرض عليهم ويرفض مطاليبهم ويمنع أي حوار مثمر بينهم وبين الخليفة كان من الممكن أن ينتهي إلى خير للمسلمين: حاكمين ومحكومين، ويحول دون النتائج الخطيرة التي هزت الحياة الإسلامية هزاً عنيفاً ما تزال تعاني منه(١) .

هذا هو تأريخ مروان قبل الخلافة، وما أظنه يسمح بأن ننتظر منه خيراً بعد الخلافة.

فإذا كان معاوية أول من جعل الخلافة حكماً وراثياً، فإن مروان أول من جعل هذا الحكم الوراثي موزعاً بين أولياء عهد متعددين يخلف أحدهم الآخر، وهو فساد جديد أضيف للحياة السياسية الإسلامية التي كانت تعاني أصلاً من فساد خطير.

ماذا يعني يا مروان أنك تجعل الحكم إرثاً لأكثر من واحد ممن يخلفونك، ولن تكون معهم حينذاك ولا يمكن أن تعرف ما يأتي به المستقبل فتحتاط له، وكل احتياط لن يجدي شيئاً حين يتعلق الأمر بالحكم؟!

____________________

(١) انظر تفاصيل الأحداث خلال السنوات الأخيرة التي سبقت مقتل عثمان وموقف مروان فيها، الطبري وابن الأثير وغيرهما من كتب التأريخ.

يعني إنك بإرادتك زرعت أسباب الفتنة والخلاف بين الذين وليتهم عهدك، فالمتقدم منهم سيحاول - وهذا ما حدث - أن يدفع المتأخر ويحرمه (الحق) الذي أعطيته إياه بلا حق، ليسلمه بعد أن يستقر في الحكم، وأحياناً قبل أن يستقر، إلى من هو أحب إليه وأقرب، مستغلاً لتحقيق ذلك، كل ما يجد تحت يديه من وسائل، وقد وفر له الحكم كل الوسائل، غير مبال بوصيتك وعهدك.

هل أخبرك أن عبد الملك ابنك خالف وصيتك وخلع أخاه عبد العزيز الذي وليته الخلافة بعده، ليجعلها في ابنيه الوليد وسليمان، ولولا أن يعاجل الموت عبد العزيز فيريح الاثنين الخالع والمخلوع للقي المسلمون عنتاً وشراً، وصراعاً لابدّ أن يشاركوا فيه ولابدّ أن يقتل كثير أو قليل منهم فيه(١) .

وإن الوليد كتب إلى عماله، بعد أن صارت الخلافة إليه، في عزل أخيه سليمان الذي كان العهد إليه بعد الوليد، ودعا الناس إلى ذلك بعد أن رفض سليمان عرض أخيه بالتنازل عن (حقه)، وإن من بين الذين أجابوه إلى عزل سليمان، الحجاج وقتيبة بن مسلم، ولم يجنب المسلمين شر فتنة جديدة، إلا موت الوليد قبل إكمال خطته، على أن سليمان لم يغفر لقتيبة موقفه السابق منه، حين ولي الخلافة، فكان ذلك الموقف أحد أهم الأسباب في مقتل قتيبة بخراسان(٢) ، ونجى الموت الحجاج من مثل مصير قتيبة.

وهذا أيضاً ما حاوله هشام بن عبد الملك والوليد بن يزيد بن عبد الملك.

واستمرت ولاية العهد، واستمر ولي العهد، بعد أن تجاوز ولاية العهد إلى الخلافة، في دفع الوارث بعده وإبعاده عن حقه، وهو في الأغلب أخوه، ليديرها في أبنائه: الواحد بعد الآخر، رغم الأخطار والتجارب التي لم تكن - بالتأكيد - بعيدة عنه.

ويستمر الخلاف والنزاع والقتال لاستعادة (الحق) المسلوب.

وتدفع الأمة ثمن هذا من أمنها واستقرارها... ومن دمها.

____________________

(١) انظر تأريخ الطبري أحداث عام ٨٥.

(٢) المصدر السابق احداث على ٩٦ وتأريخ ابن الأثير، أحداث نفس العام (خلافة سليمان بن عبد الملك) والنقائض لأبي عبيدة معمر بن المثنى.

لقد كانت ولاية العهد أمراً مناقضاً للشورى ومصادراً لحقوق الناس ومنافياً لكرامة الإنسان الذي يعامل كمملوك، ينام ومالكه شخص، ثم يصحو ليجد المالك قد تغير، دون أن يكون له رأي في أي من المالكين، بل دون أن يعلم. لقد حدد حاضره ومستقبله، هذا الذي ينام الآن في القبر، وليس عليه إلا الرضا والقبول... وربما الشكر لأنه لم يتعبه في اختيار خليفته!

ولاية العهد إذن كانت أسوأ ما عرفته الإنسانية من أنظمة الحكم، وولاية العهد لأكثر من واحد كانت أسوأ من هذا الأسوأ.

(٢٢)

النجف ومصعب والمختار

حين تتحوّل الشجاعة إلى وحشيّة

كان ذلك قبل ما يقارب السبعين سنة، ما أزال أذكره وكأنه حصل في الأمس القريب، الضيوف خرجوا من ديواننا ولم يبقَ إلا من اعتاد البقاء حتى وقت متأخر من الصباح أو حتى الغداء.

كنت صبياً لا أكاد أفارق الديوان، وجلسات هؤلاء الشيوخ تستأثر بإعجابي، هؤلاء الشيوخ الذين لا يملون الحديث في مسائل الدين والتأريخ واللغة: العروة والطبري والقاموس، والعلامة والمسعودي وابن دريد.

وكنت أتابعهم في حديثهم وخصامهم، لا يضايقني منهم إلا طلباتهم التي لا تنتهي بجلب هذا الكتاب أو ذاك؛ إذ كانت تحرمني من متابعتهم ولو لحظات، وأنا لا أريد أن أضيع لحظة.

ما أحلاها من أيام وأثراها! ما أروع تلك المجالس المهيبة وتلك الوجوه المهيبة يعلوها الوقار والجد، تختصم حتى تقول إنك في حومة معركة، ولم يبقَ إلا أن تسل السيوف، ثم ينتهي الخصام فإذا كل قد عاد إلى هدوئه بعد ما تبين الحق: عاد من معه الحق ومن لم يكن معه، إلى الحديث نفسه ليستكملاه أو إلى حديث أخر و خصام آخر لابدّ أن أشارك فيه بجلب الكتاب الذي سيفصل في الخصام ويفضه.

أيام ما أظنها ستعود، فلم يبق شيء مما كان يشغل ذلك الجيل ويهمه، لم يبق شيء من جد البحث وطلبه والعناء فيه، على توفر الوسائل الآن وقلتها يومذاك.

إيه أيتها النجف، هل تعلم أزقتك الضيقة وبيوتك الخربة القديمة ما ضمت من علم وأدب وفكر؟!!

أية مدينة أنت؟!! أكان ابن أبي طالب اختارك مرقداً له لأنك النجف، أم كنت النجف لأن ابن أبي طالب اختارك مرقداً له؟!!

أية عبقرية التفت عليها جوانبك؟!!

أية درة فريدة لو تركوا إشعاعك فلم يحل دونه أعداء من كل صنف، ساءهم، وهم المتخلفون، أن يصل إلى من حولهم ممن لا يريدون له إلا أن يكون متخلفاً، وإلا أن يبقى متخلفاً، وبقيت، بقيت أنت الدرة الفريدة رغم ذاك؛ لأنك لست حجراً صقل فشع، لأن اشعاعك لم يكن زيفاً ولا خداعاً، لأنه إشعاع النجف، لو ترك لأضاء الأرض كلها.

كان الحديث يومها يدور حول الشجاعة عند العرب ومن اشتهر منهم بها، وهو حديث يستهوي الذين في مثل سني، بل ما أحسب حديثاً يستهوي الذين في مثل سني كحديث الشجاعة والبطولة.

كنت أصغي إليهم، وأذكر أن أحدهم قال، وهو يعرض لشجعان العرب وفرسانهم: إن الشجاعة مع الأخلاق فتوة، والشجاعة بلا أخلاق وحشية.

وأعجبتني الكلمة واختزنتها ذاكرتي.

وتمر السبعون سراعاً، ورأيتني أعود إليها.

ما الذي ذكرني بها بعد هذه السنين الطوال وفي بعضها ما ينسى الأهم منها والأقرب.

كنت أريد الحديث عن واحد من شجعان العرب، لا شك في شجاعته، لكن شجاعته عدمت الأخلاق فتحولت إلى الوحشية: موضوع هذا الكتاب.

هل تعرف مصعب بن الزبير؟ ما أظنك إلا تعرفه كما أعرفه.

فالتأريخ العربي يحتفظ له بمكان واسع فيه، ومكان واسع للأحداث التي رافقته.

لقد كان قائداً لجيش أخيه عبد الله في حربه مع الأمويين وفي حربه مع المختار، وهو موضوع الحديث.

انتصر مصعب وخسر المختار المعركة وقتل.

فهل بلغك الذي فعله مصعب بعد قتل المختار وتشتت جمعه؟

كنت هناك غير بعيد عن الساحة، لم أصدق ما أرى، حاولت أن أكذب عيني، لكن المشهد يجري أمامي، لم تخني عيناي إذن، وليس لي أن اتهمهما.

مصعب يعطي الأمان لسبعة آلاف من أصحاب المختار كانوا قد دخلوا القصر وأغلقوه عليهم(١) .

ويثق هؤلاء بما أعطي لهم من أمان، يلقون سلاحهم ويخرجون مطمئنين.

لا يعلمون شيئاً مما كان ينتظرهم، وما كان لهم أن يعلموا.

وفي الساحة التي تواجه القصر، انتشر عدد من رجال مصعب، وعدد آخر أخذوا أفواه الطرق المتصلة بها، وكلهم جردوا سيوفهم من أغمادها متهيئين لشيء، شيء مرعب مخيف تنطق به عيونهم وحركاتهم، لم أعرفه إلا فيما بعد، حين خرج آخر من في القصر من أصحاب المختار.

ها، لقد عرفت الآن!

وبدأت مذبحة سبعة آلاف من المسلمين الذين خرجوا بعهد مصعب وذمته التي أعطاها لهم.

كانت مذبحة، مجزرة قلما سمعت بمثلها، سبعة آلاف إنسان، لم يقتلوا في معركة، بل في ساحة أعدت للذبح، لا قواعد للذبح، كيف شيءت فاذبح، يضرب الواحد منهم بالسيف فإن لم يمت كان هناك من يجهز عليه بسيف أو بحربة أو بسكين، في أي مكان من جسمه، ينزف حتى يموت، لم يكن الجزارون يعبأون في أي مكان جاءت الضربة، إنهم معجلون، عليهم أن ينتهوا من سبعة آلاف، سريعاً قبل أن يرتفع النهار.

____________________

(١) مروج الذهب للمسعودي ج ٣ ص ٩٩ أحداث سنة ٦٧، وتأريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٢١٥ ط ١٩٦٩ مضيفاً: (فأعطاهم - يعني أصحاب المختار - مصعب الأمان وكتب لهم كتاباً بأغلظ العهود وأشد المواثيق فخرجوا على ذلك فقدمهم فضرب أعناقهم، فكانت إحدى الغدرات المذكورة المشهورة في الإسلام). وأبو هلال العسكري في الاوائل (أول من مشى خلف الجنازة بلا رداء ...)

أشلاء بعضها فوق بعض، لا تميز واحداً من واحد، رؤوس وأيدٍ وأرجل متناثرة هنا وهناك، كلها تنزف فيختلط الدم بالدم، ثم يرتفع الدم ليغطي الساحة، تطفو عليه بقايا أجسام لسبعة آلاف كانوا قبل قليل يفكرون في حياتهم التي سيستقبلونها، وقد اطمأنوا إلى الأمان المعطى لهم من الأمير.

ما أصدقك يا عبد الله بن عمر وأنت تقول لمصعب بعد ذلك اليوم: (أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة؟! والله لو قتلت عدتهم غنماً من تراث أبيك لكان ذلك سرفاً)(١) .

وذهلت، أغمضت عيني، حاولت أن أكذب نفسي، أن أهرب بفكري عما أرى، لكن قطرات من الدم لامست جبيني، لم يعد هناك موضع للتكذيب، أغمضت عيني أم لم أغمضهما.

وحين استعدت الوعي، كان مشهد آخر ليس أقل من الأول داعياً إلى الذهول والاستغراب: رجال من رجال مصعب يقفون أمام باب المسجد، ما الذي يفعلون ولا أحد اليوم فيه؟ أغلقت أبوابه منذ ساعات الصباح الأولى، أتراهم جاؤوا يفتحون المسجد للمصلين؟ لكن المصلين لن يستطيعوا الدخول، فالدم ما زال فائراً يسيل بالأشلاء وسيمنع دخولهم.

ما الذي جاء بهم إذن؟! إن لهم لشأناً كما أظن، فهم في حوار يعلو ويخفت، ومعهم أكياس لا أدري ما فيها.

واستفزني الفضول مع أنه لم يبقَ ما يستفز بعد الذي رأيت، ودنوت نحوهم، سألت أحدهم: ماذا تفعلون هنا، وقد انتهى كل شيء؟!

قال دون أن يلتفت إلي: إن الأمير - يعني مصعباً - أمر أن نسمر كفي المختار على باب المسجد.

____________________

(١) تأريخ الطبري أحداث سنة ٦٧.

قلت: أو قد قطعت كفاه؟!

قال: ليست كفاه فحسب، لم يبقَ منه ما يصلح للتقطيع.

ومد يده إلى كيس معه وأخرج منه كفين سلم كل كف منهما لواحد من أصحابه، وأخرج آخر مسامير من كيس ثانٍ.

لم أغمض عيني هذه المرة ولم أهرب بفكري، وانتظرت حتى ثبتوا الكفين جيداً على الباب بمسامير قوية طويلة نفذت إلى مسافة بعيدة فيه ليصعب انتزاعهما.

وتركتهم وهم في طريق عودتهم إلى الأمير مسرورين بالجائزة التي تنتظرهم تجاه ما قاموا به من عمل بطولي رائع.

(٢٣)

عبد الملك بن مروان

قلت للرجل الواقف إلى جنبي وقد أخذته الدهشة كما أخذتني: ما الذي يضحك أمير المؤمنين عبد الملك وقلما رأيته يضحك أدام الله عليه نعمة الضحك؟

قال: والله لو لم تسبقني بالسؤال؛ لسألتك، لابدّ أن أمراً مما يسر أمير المؤمنين قد بلغه فأضحكه، وسآتيك بالخبر فلي بين حاشيته صديق لا يبخل علي به، ولن أتأخر عليك.

وما هي إلا دقائق حتى عاد ليقول لي: لقد تلقى الآن خبر موت أخيه عبد العزيز.

قلت مستغرباً: وهل في هذا ما يضحك؟! أيمكن أن يضحك المرء لفراق صديق حتى يضحك لموت أخ؟! إني لأذكر أخي الذي مات قبل ثلاثين عاماً فلا أملك دموعي، ما أرى صديقك الذي أخبرك إلا واهماً أو مخطئاً أو أراد أن يكتم عنك السبب الحقيقي وراء ضحك أمير المؤمنين.

قال: لم يكن الذي أخبرني واهماً ولا مخطئاً ولا كتم عني شيئاً كما تصورت، لقد كان صادقاً كل الصدق واثقاً كل الثقة، هل كنت يوماً حاكماً أو أميراً؟

قلت: لا، ولا أريد.

قال: هو ذا السبب يا صاحبي، إنك لا تعرف ما يفعل الحكم بالناس - إلا من عصم الله - حين يصبحون حكاماً، إنه يسحرهم، يبدلهم، يجردهم من عواطفهم ومن إنسانيتهم، ألم تسمع مثلنا القائل (يا حبذا الإمارة ولو على الحجارة) والآن دعني أشرح لك ما استغربت من ضحك أمير المؤمنين، هل تعرف أن عبد العزيز بن مروان كان المرشح للخلافة بعد أخيه عبد الملك؟

قلت: أعرف ذاك ويعرفه غيري فقد عقد مروان أبوهما ولاية العهد لابنيه: عبد الملك ثم لعبد العزيز من بعده.

قال: وهل تعرف أن عبد الملك أراد أن يخلع أخاه عبد العزيز من ولاية العهد ويجعلها في ابنيه الوليد وسليمان الواحد بعد الآخر؟(١) .

قلت: وأعرف هذا، وأعرف أن عبد الملك كان يهيء له ويعد لتحقيقه.

قال: إذن عرفت السبب في ضحك أمير المؤمنين، لقد أراحه موت أخيه مما يمكن أن يثير عزله إياه من مصاعب سيواجهها لو رفض أخوه ذلك وأصر على تنفيذ وصية أبيه، إن أحداً لا يستطيع أن يقدر ما قد يحصل، خصوصاً وإن لعبد العزيز أنصاراً كثيرين وللناس ميل إليه. فأي شيء سيسر أمير المؤمنين ويضحكه أكثر من هذا الموت الذي جنبه كل النتائج التي قد تترتب لو أصر كل منهما على موقفه: عبد الملك على العزل وتنصيب ابنيه، وأخوه على الرفض والاصرار على تنفيذ وصية أبيه.

وعرفت السبب، وعرفت صدق صاحبي أو من أخبره، وعرفت كيف يجرد الحكم المرء من قيم لم يمتلكها عبد الملك ولم ينشأ عليها.

عرفت كيف يكون الغدر بأقرب الناس: بالأخ.

إيه يا ابن مروان! أترى موت أخيك سيغير الوصف الذي تستحقه وأنت تهيء لخلعه وتتخذ الوسائل والأسباب لأبعاده؟!

ماذا تسمي انقلابك على أخيك وخيانتك لعهد أبيك الموثق الواضح وأنت من شهوده؟!

ما الغدر إن لم يكن هذا غدراً والموصي أبوك والموصى له أنت وأخوك؟!

ماذا سيلقى الأبعدون منك: هؤلاء المسلمون الذين كتب عليهم أن تتولى أنت وأمثالك أمور دينهم ودنياهم؟!

لقد كان أول ما ابتلي به المسلمون في حكمك، هو هذا الجلاد الطاغية الذي اسمه الحجاج.

____________________

(١) الطبري أحداث سنة ٨٥.

بأي وجه ستلاقي ربك وأنت تولي عليهم من يخبر هو عن نفسه (إن أكثر لذاته سفك الدماء)(١) .

أية محنة سيعيشها الناس حين يكون سفك دمائهم أكثر وأحب لذات أميرهم إليه؟!

هل تعرف عدد الذين قتلهم سفاحك، هذا الذي ما يزال يجد، كما تجد أنت وأمثالك، من يدافع عنه ويعتذر عن جرائمه؟!

سأخبرك إذن.

لقد قتل الحجاج من مائة وعشرين ألف إلى مائة وثلاثين ألف، صبراً في غير حرب، أي أسرى أو سجناء أو من ظن بهم - مجرد ظن - عدم الولاء للحكم، و« مات هذا (الحجاج) وفي حبسه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة، منهن ستة عشر ألف مجردة »!!

ولا أدري هل ستستغرب بعد، أم يبدو وكأن الأمر أصبح طبيعياً لا يثير استغراباً، إذا أخبرتك أن الحجاج العربي الغيور الشديد الغيرة في عصر الخلافة الشديدة الغيرة (كان يحبس النساء والرجال في موضع واحد...) ومنهن المجردات طبعاً(٢) .

يبقى ما لا أظنه يمثل شيئاً ذا بال في جنب ما تقدم، وهو أن الحجاج كان يحشر من ساقه قدره أن يكون بين المغضوب عليهم، في حبس ليس له ستر يقي المحبوسين حر الشمس في الصيف ولا البرد والمطر في الشتاء(٣) .

ويبقى، ويبقى أن هؤلاء الثمانين ألف من المحبوسين (خمسين ألف رجل وثلاثين ألف امرأة) هم غير الذين قتلهم الحجاج في حياته كما يوضح النص. وكان من الممكن، لو بقي حياً، أن يضافوا إلى المائة والعشرين أو المائة والثلاثين الذين قتلهم قبل أن يموت.

____________________

(١) مروج الذهب ج ٣ ص ١٢٥، ١٦٦، و تهذيب التهذيب لابن حجر ج ٢ ص ٢١١، وتأريخ ابن الأثير ج ٤ ص ٢٨٥.

(٢) مروج الذهب ج ٣ ص ١٦٦.

(٣) مروج الذهب ج ٣ ص ١٦٦ - ١٦٧.

وهل تعلم يا ابن مروان أن الحجاج بعد هزيمة ابن الأشعث في دير الجماجم(١) ، وتمزق جيشه، كان يؤتى بالناس للبيعة، فلا يبايعه أحد إلا قال له: (أتشهد أنك قد كفرت؟ فإذا قال: نعم بايعه وإلا قتله)(٢) .

أي خيار هذا الذي روعتم به الناس وسددتم عليهم طريق النجاة: أن يعترف المسلم الذي لم يرتكب إثماً ولا معصية، بالكفر على نفسه أو يذهب برأسه سيف الحجاج، فعل مسلم بن عقبة يوم الحرة في عهد يزيد قبلك حين كان يبايع الناس على أنهم عبيد ليزيد فمن بايعه سلم ومن رفض قتل.

أي عدل هذا الذي لا نراه إلا عند الأمويين وفي حكمهم، ونحن في خير القرون كما يذكر أصحاب الصحاح في أحاديثهم التي يروونها عن النبي محمد (صلّى الله عليه وآله)؟(٣) .

وهؤلاء المساكين من أهل الذمة الذين تركوا ما كانوا يدينون به وأسلموا، إيماناً منهم بعدالة الإسلام الذي سيساويهم بالمسلمين الآخرين، ومن حقهم أن يعتقدوا ذلك، كيف سمح جلادكم أن يعيد فرض الجزية عليهم وكأنهم لم يسلموا، وكأن شيئاً لم يتغير فيهم، ساخراً منهم ومن إسلامهم، ومن الإسلام؟!

ما حجته فيما فعل؟ إنها الحاجة إلى المال، فالخراج قد انكسر كما يدعون، بعد أن أعفي هؤلاء المسلمون الجدد من دفع ما كانوا يدفعون لبيت المال من مبالغ كانت مفروضة عليهم قبل إسلامهم(٤) .

أرأيت إلى هذه الحجة يتعلق بها في ازدراء من لا يقيم وزناً للإسلام ولا للإنسان!!

إن الذي كسر الخراج - على فرض صحة ذلك - ليس هو ما يدعونه من عدم دفع التي كان يدفعها أهل الذمة قبل إسلامهم، وهي لا تمثل شيئاً إذا قيست بالمبالغ الأسطورية التي كانت تجبى من كل أصقاع الأرض، حرباً أو سلماً ولكن شيء آخر لا يتصل بالجزية ومبالغها من قريب أو من بعيد.

____________________

(١)تأريخ الطبري أحداث سنة ٨٢ (ذكر الأحداث التي كانت فيها).

(٢)تأريخ الطبري ج ٦ ص ٢٦٥.

(٣)صحيح البخاري الأحاديث ٢٦٥١، ٦٤٢٨، ٦٦٩٥، ٢٦٥٢، ١٤٢٩، ٦٦٥٨.

(٤)تأريخ الطبري أحداث سنة ٨٢.

إن الذي كسر الخراج، هو هذا الإسراف المجنون في الإنفاق، هذا العبث الذي لا يمكن تصوره مهما اتسع الخيال، بأموال المسلمين.

فأمية بن عبد الله عامل عبد الملك على خراسان، لم تكن كل موارد خراسان وسجستان لتكفي نفقات مطبخه كما يعترف هو(١) .

فهل سمع أحد أو قرأ أحد عن مثل هذا الهدر المجنون لأموال المسلمين، والاستهانة بها وبهم من واحد فقط من ولاة عبد الملك؟!

أي انتهاك لحقوقهم في أموالهم، وأي ظلم لهم حين ينفق وال أموال إقليمين من أكبر أقاليم الدولة الإسلامية في نفقات مطبخه، ثم يجدها أقل من أن تفي بحاجته، وألوف ألوف المسلمين يفتشون عما يدفعون به الجوع عنهم، وقد لا يجدون؟!

وأظن أن لو كان مع مطبخ أمية مطبخان آخران أو ثلاثة؛ لفرضت الجزية على كل المسلمين، عرباً وغير عرب، لسد نفقات المطابخ... وربما لن تكفي.

وأعود إلى هؤلاء المساكين.

ما الذي يمكن أن يطلب منهم، وما الذي يمكن أن يقدموه، وهم الآن مسلمون يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، لا فرق بين متقدم ومتأخر، وكان بين المسلمين من تقدم ومن تأخر إسلامه، مع وجود النبي.

لكم أحزنني منظرهم وقد خرجوا لا يعلمون أين يذهبون، لا يملكون إلا البكاء والاستغاثة بالنبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) حتى أن قراء البصرة كانوا يخرجون إليهم متقنعين، فيبكون معهم لما يرون ويسمعون، دون أن يستطيعوا منعاً لما حل بهم(٢) .

____________________

(١) تأريخ الطبري أحداث سنة ٧٧ وأمية هو ابن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص الأموي كان عامل عبد الملك بن مروان على خراسان.

(٢) تأريخ الطبري أحداث سنة ٨٣، نهاية أحداث السنة.

أيها البؤساء، هل سيخفف من ألمكم لو أخبرتكم إن المسلمين قبلكم وبعدكم، وممن لم يكونوا مثلكم من أهل الذمة ثم أسلموا، قد شاركوكم ما أنتم فيه، وأصابهم ما أصابكم أو أكثر مما أصابكم، واستغاثوا كما استغثتم بمحمد دون أن ينفعهم تمسكهم واستغاثتهم بمحمد وإيمانهم به وبدينه، وأحسبهم لو خالفوا محمداً وتابعوا هؤلاء الحكام، لكان ذلك أولى أن يجنبهم ما تعرضتم وتعرضوا له.

وهؤلاء الآخرون من سبي خراسان؟ هل سألت عنهم يا أبا الوليد، وهل عرفت كيف ماتوا، وهم أسرى لدى أمير جيشك؟ لقد اشتد البرد في ذلك الوقت فجردوا من ثيابهم ليلبسها غيرهم من أفراد جيشك، فلم يلبثوا أن ماتوا من شدة البرد(١) .

ألم تكن تستطيع أن تزود جيشك بما يقيه برد الشتاء فلا يضطر إلى سلب الأسرى ملابسهم، وتركهم عراة يقاسون البرد؛ الذي قضى عليهم قبل أن يقضي عليهم سيف القائد المسلم.

وأسرى يوم الزاوية؟! لقد كانوا أربعة عشر ألف، قتلتهم كلهم صبرا إلا واحداً فقط، أي إنك قتلت من الأربعة عشر ألف، ثلاثة عشر ألف وتسعمئة وتسعة وتسعين. ما أرحمك يا حجاج!! لِمَ تركت هذا الواحد فلم تلحقه بأصحابه؟!(٢) .

وأراني سأكتفي بهذا منك، لا لأنه كل ما يمكن قوله عنك، ولكن يكفيك من شر سماعه كما قيل، ثم الخوف من أن يهرب القارئ ويترك القراءة، وليس في الحديث إلا القتل والدم والظلم والعبث بأرواح الناس وأموالهم، وإن لم يكن ذلك ذنبي، فما أنا عبد الملك ولا الولاة ولاتي، ولست أكثر من ناقل لا يريد أن يزور كما يزور الآخرون.

____________________

(١) تأريخ الطبري أحداث سنة ٨٥.

(٢) تأريخ الطبري أحداث سنة ٨٢.

(٢٤)

الوليد بن عبد الملك

العدل في قتل الأسرى

لم يكد الوليد يتولى الخلافة بعد أبيه عبد الملك حتى كان أول همه أن يخلع أخاه سليمان من ولاية العهد ليصرفها لابنه عبد العزيز، لكن الأمر لم يتم له. ويبدو أن هناك نفوراً لا أعرف سببه بين الخلافة وبين من اسمه عبد العزيز من الأمويين، فكل من كان اسمه كذلك لم يلها منهم.

إذن حاول الوليد أن يزيح سليمان، حاول بكل الوسائل: عرض عليه الأموال الطائلة - وهي أموال المسلمين طبعاً - غير أن سليمان رفض وأصر على البقاء في موضعه من وصية أبيه، فلم يكن من الوليد إلا أن كتب إلى عماله على الأمصار يدعوهم، ويدعو الناس لمبايعة ابنه عبد العزيز ولياً للعهد وخليفة بعده.

وكان فيمن أجابه إلى ذلك، الحجاج بن يوسف، وقتيبة بن مسلم.

وأمام رفض سليمان، قرر الوليد أن يسير هو إلى سليمان لأخذ البيعة منه لابنه، لكنه مات قبل أن يتم له ما أراد.

ورحم الله الموت، لو كان الموت مما يرحم، فكم من مشكلة حلها ولم تكن لتحل لولاه.

ورحم الله (لكن) فما أكبر أثرها في اللغة وأثقل ما تتحمله من بين ألفاظها، ولا أدري ماذا كنا سنفعل لولا هذه الـ (لكن) التي خففت علينا الكثير مما لا نعرف أو لا يسهل قوله.

ومات الوليد وتولى سليمان الخلافة.

لكننا لم نتناول من حكم الوليد ولم نقف إلا عند قضية واحدة، هي محاولة عزل أخيه سليمان.

فهل اقتصر حكم الوليد على هذه القضية، وهل سنكتفي منه بهذه القضية؟

لا، ليس ذاك، لقد كان حكم الوليد حافلاً، بالدم مع الأسف، بالمزيد من الدم، لا لمن قتل في جبهات القتال، وهذا قد يمكن فهمه، ولكن للأسير والمقتول صبراً في غير جبهات القتال.

فقتيبة بن مسلم أمير جيوشه في الشرق صلب من أهل الطالقان في عام ٩٠ (سماطين، أربعة فراسخ في نظام واحد)(١) وأظن الفرسخ يتجاوز الثلاثة كيلومترات، وتستطيع أن تقدر عدد المصلوبين الذين غفل المؤرخون فلم يعرضوا لعددهم.

وبعد ذاك، في عام ٩٣ قدم على قتيبة بأربعة آلاف أسير فأمر بقتلهم. ويعجبني فيه هذه المرة أنه كان في غاية العدل، فقد قتل ألفاً منهم بين يديه، وألفاً عن يمينه ومثلهم عن يساره والألف الرابع من خلف ظهره، ولم يكن يعوزه إلا أن يضاف إلى اسمه (الأمير العادل)(٢) .

ولا أعرف عدد الذين قتلهم هذا القائد وحده، وهم كما رأيت من الأسرى الذين كان لهم دائماً حكم خاص بهم، ولكن الذي أعرفه أن قتل الإنسان أصبح في العهد الذي أتكلم عنه أقرب إلى الهواية، يمارسها من شاء ممن بيدهم السلطة، من الكبير فيهم حتى الصغير.

وإن هذه الهواية لم تقتصر على أسرى الحرب ولا على غير العرب من أسرى الحرب، بل شملت إلى جانب هؤلاء، العرب أنفسهم، وقد أشرت إلى هذا آنفاً، دون القصد إلى التمييز بين العرب وبين غيرهم، فلست مستعداً إلى التفريط بقطرة دم واحدة تراق من غير حق لأي إنسان، أي إنسان.

____________________

(١) تأريخ الطبري أحداث سنة ٩٠ وتأريخ ابن الأثير أحداث نفس السنة.

(٢) نفس المصدر أحداث سنة ٩٣.

(٢٥)

سليمان بن عبد الملك

توفيل، الفرزدق وجرير

قد تستغرب أن أبدأ حديثي عن سليمان - على غير ما اعتدت - بهذا الجندي الرومي الذي قتل بعد الأسر في مجلس الخليفة، وليس فيه ما يدعو إلى أن يكون هو بداية الحديث عن سليمان، وليس أكثر من القتل في عهده وفي عهد غيره، حتى أصبح القتل هو قاعدة الحكم في تأريخنا.

لكن مقتل توفيل - وهو الاسم الذي تصورته لهذا الأسير الرومي - يمثل لوناً فريداً من ألوان الجريمة، لا يمكن أن تجده عند غير هؤلاء الذين احترفوا الجريمة، فلم يعد يعنيهم لونها أو شكلها أو حجمها، ثم إن الجريمة هي الجريمة، والوحشية هي الوحشية، لا يغير منها ولا يخفف من بشاعتها اختلاف الضحية: أن يكون عربياً أو مسلماً أو غير عربي وغير مسلم، من أي جنس وأي دين بل أزيد فأرى أن أسباب العداء، إن كانت مفهومة - وقلما كانت كذلك - اتجاه العربي الذي قد يتطلع إلى الحكم أو ينضم إلى من يتطلع إلى الحكم، فهي معدومة عند هذا الرومي وأمثاله من الذين لم يؤتَ بهم إلى القتال إلا مكرهين وينتظرون اليوم الذي يعودون فيه إلى أهليهم وذويهم لو سلموا من القتل.

ولهذا فقد سر توفيل وهو يقع أسيراً في أيدي العرب الذين سمع الكثير عن عدلهم ونبل أخلاقهم وحسن معاملتهم للأسرى الذين يقعون في أيديهم.

لقد نجا أخيراً من الموت الذي كان يحصد أصحابه، وهم يتساقطون أمامه ولا يدري متى سيأتي دوره فيسقط هو كما سقطوا. إن حياة جديدة منحت له بعدما يشبه اليأس منها، لقد كان يردد دائماً: ما أسعدني! لم يكن بيني وبين الموت إلا أن يخطئ سهم أو يصيب سيف فأكون بين الأموات، إنه لن يخوض حرباً بعد اليوم ولن يرى الدماء ولن يضطر إلى قتل الأبرياء مثله، ممن جيء بهم قسراً ليقتلوا أو يقتلوا، لا يدرون لماذا أو ربما دروا لكنهم لا يستطيعون شيئاً، إنه صاحب العرش الذي يسوقهم ليحفظ عرشه، ولم يكونوا إلا من ضحاياه قبل القتل في الحرب، أو في أثناء الحرب، أو بعدما يعودون من الحرب، لمن يعود منهم.

وربما فكر توفيل أنه لن يعود إلى بلده ويفضل أن يبقى ويعيش مع المسلمين، وربما يسلم ويتزوج وينجب، وربما يصطنع له نسباً في إحدى قبائل العرب فيصبح بعد حين، عربياً صليبة ويستبدل بـ (توفيل) حنظلة أو عتيبة.

لكن القدر أو الحاكم كان يريد شيئاً آخر، شيئاً بعيداً جداً عن الحلم الذي كان يراود توفيل ويغمره بالسعاد كلما ألم به.

ففي صبيحة أحد الأيام نودي عليه وعلى أربعمائة من أصحابه للذهاب إلى مجلس الخليفة. واستبشر توفيل خيراً ورأى أن حلمه بدأ يتحقق أخيراً، لم يعد مجرد حلم، لم يدعَ إلى مجلس الخليفة إلا لفك أسره وإطلاقه، ولكن لِمَ يأخذونهم مقيدين؟! تساءل توفيل، وهو يرى قيوده تشل حركته، وأجاب على تساؤله: لعل الخليفة فضل أن يفك بنفسه قيودهم، احتراماً لهم وعطفاً عليهم، ورسالة يوصلونها إلى من هناك في بلاد الروم عن الحكام العرب وعدلهم وتواضعهم!!

وجيء بالأسرى.

كان مجلس الخليفة غاصاً بهؤلاء المسوخ الممالئين للظالمين المبررين لجرائمهم، أو لا قل كانوا أدواتهم في جرائمهم.

الأسرى ساكتون فهم لا يعرفون العربية ولا يعلمون شيئاً مما يدور حولهم، والخليفة لم يتحرك لفك قيودهم كما قدر توفيل.

وبدأ القلق يساور توفيل وأصحابه، ويشتد كلما طالت المدة، وعيونهم تلتقي حيناً وتتباعد حيناً،لا يسمعون إلا ضربات قلوبهم.

وفجأة يأتي من يتحسس رقابهم ويعصب عيونهم، ثم يطلب من كل منهم أن يحني رأسه.

وقبل أن يستطيع توفيل الإجابة على أسئلة بدأت تتكاثر، كان الفرزدق: الشاعر المشهور، قد تقدم نحوه وأهوى على رقبته بالسيف، لكنه لم يقطع الرقبة فيريح توفيل.

وفكرت في هذا البائس الذي لم يمت ولكنه قريب من الموت، وقد تدلّت رقبته، وهو يتذكر أبويه وأيام صباه وأحلامه التي تزاحمت كلها في تلك اللحظات، فتختلط دموعه بدمه الذي ينزف من رقبته.

ويضحك الحاضرون من الفرزق الذي لم يحسن قطع رقبة هذا الأسير.

ويضحك أمير المؤمنين، وهذا أهم ما كان يشغل المسلمين!!. من شخص يتعذب حتى وهو يقتل، حين لا يقطع السيف رقبته بضربة واحدة، لكنه كان سيحرم أمير المؤمنين حينئذٍ لذة الضحك، وهي مشكلة لا أعرف كيف كان سيحلها المسلمون الذين ما أظنهم جرؤوا على الضحك في حضرة أميرالمؤمنين هذا لو لم يسبقهم إليه.

ويتعالى الضحك، وكنت أتمنى أن يتعالى الاستنكار.

ويعطى سيف آخر لشخص آخر ليكمل قطع رقبة توفيل التي بقيت مدلاة.

ويتحول توفيل، هذا الإنسان، ويتحول قتله، إلى جزء من شعر النقائض بين جرير والفرزدق، لا يعيد الحياة لتوفيل الذي لم يعرف ولم يسمع بجرير ولا بالفرزدق، ولا بأحد ممن ورد اسمه في ذلك الشعر مدحاً أو ذماً(١) .

وأنتهي من حديث توفيل الذي سأجعله رمزاً لكل هؤلاء الأسرى البؤساء.

وأعود إلى حديث سليمان الذي ما إن تولى الخلافة حتى سارع إلى نصب ابنه أيوب ولياً للعهد وخليفة بعده.

فإذا تركنا حديث ولاية العهد التي أصبحت شاغل الحكم والحاكمين والمحكومين؛ فإنك لن تجد غير الدم وغير قتل الأسرى صبراً يتسابق الأمراء والقادة فيه، فقد قتل يزيد بن المهلب، أمير سليمان على خراسان، أربعة عشر ألف أسير تركي في مدينة دهستان(٢) .

وأربعة عشر ألف آخرين في مدينة جرجان قتلهم صبراً.

وفي وقعة أخرى فيما وراء النهر، نصب يزيد هذا جذوع النخل للأسرى (فرسخين: عن يمين الطريق ويساره فصلبهم أربعة فراسخ...)(٣) .

____________________

(١) انظر تفصيل القصة في تأريخ الطبري أحداث سنة ٩٩، وتأريخ ابن الأثير النقائض لأبي عبيدة معمر بن المثنى.

(٢) تأريخ الطبري أحداث سنة ٩٨ وابن الأثير أحداث نفس السنة والبدء والتاريخ وفتح جرجان وطبرستان ج ٦.

(٣) تأريخ الطبري أحداث سنة ٩٨ وتأريخ ابن الأثير أحداث نفس السنة والبدء والتأريخ ج ٦ فتح جرجان وطبرستان.

لكن يبدو أن الأمير يزيد لم يعد يكتفي بالألوف من الأسرى يقتلهم صبراً، فقد أقسم مرة أن يجري وادي جرجان بدمهم حتى تطحن الارحاء ويخبز، فقاد اثني عشر ألف أسير إلى الوادي وقال لأفراد جيشه: من طلبهم (الأسرى) بثأر فليقتل، فكان الرجل يقتل الأربعة والخمسة، وأجري الماء في الوادي على الدم. وعليه ارحاء ليطحن بدمائهم. ولتبر يمينه، فطحن واختبز وأكل. ونعم ما أقسم يزيد! ليته حنث بقسمه. ليته لم يبر بقسمه ودفع كفارة الحنث باليمين. وما أظن الحنث في هذه اليمين أو مثلها يحتاج إلى كفارة. أليس ذلك ارضى لله من أن يسيل الوادي بدماء الأسرى، وهم اسرى؟!

أرأيت أبشع من هذه الصور التي ما مرت علي في حلم إلا قمت فزعاً مذعوراً أتحسس رقبتي؟!

ماذا فعل الأمويون بالناس، وأية جريمة بقيت لم يرتكبوها؟!

بل ماذا فعلوا بالإسلام نفسه وقد صبغوه بالدم ينزف من جسمه، وجسم غيره؟!

ماذا سيقولون للنبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله لو لاقوه، ولابدّ أنهم ملاقوه، ولابدّ أنه سائلهم؟!

ولولا أني أردت أن أقتصر في كتابي على الوحشية المتصلة بالجريمة، تسبقها أو تعقبها أو تصحبها، دون أن أتجاوزها إلى سواها، وليس قليلاً سواها.

لولا ذاك، لعرضت مثلاً، وأنا أتحدث عن سليمان، لإفراطه في الأكل وشدة حرصه وشرهه إليه، والذي يصفه لنا المسعودي قائلاً: (إن سليمان خرج من الحمام ذات يوم وقد اشتد جوعه، فاستعجل الطعام، ولم يكن فرغ منه، فأمر أن يقدم عليه ما لحق من الشواء، فقدم إليه عشرون خروفاً، فأكل أجوافها مع أربعين رقاقة، ثم قرب ذلك الطعام فأكل مع ندمائه كأنه لم يأكل شيئاً(١) .

____________________

(١) مروج الذهب للمسعودي ج ٣ ص ١٧٥.

(٢٦)

عمر بن عبدالعزيز

نقطة الضوء في النفق

أرأيت إلى نفق طويل مظلم قد أجهدك السير فيه، يضربك حائط هنا ويدمي قدميك شوك هناك، وأنت تلتمس الخروج فلا تجده ولا تدري متى تجده، فتستسلم ليأسك وتظن أن ليس وراء هذا الظلام إلا ظلام.

وفجأة ومن بعيد يلوح لك ضوء فتسرع إليه بعد طول العناء، وأنت تعيش الظلام في الظلام، وتحس الراحة والأمن وتستعيد الأمل المفقود.

ولكنك ما أن تطمئن وتحاول أن تنسى ألمك ونصبك ويأسك، حتى تهب ريح عاتية شديدة تطفيء تلك الشمعة فتعود إلى الظلام نفسه، يضربك حائط هنا ويدمي قدميك شوك هناك.

ذلك هو عمر بن عبد العزيز: نقطة الضوء في تأريخ مظلم شديد الظلام قبله، وتأريخ مظلم شديد الظلام بعده.

رحمك الله يا أبا حفص، لكم عانيت من نفسك ومن أهلك حتى استطعت أن ترى الحق وألا تغمض عينيك عنه.

رحمك الله وأنت تسوس الناس وقد فسدوا وأخلق دينهم، وانتزع منهم، من كان قبلك، إنسانيتهم، قبل أن ينتزع دينهم.

نعم ما اخترت لنفسك حياً ونعم ما اخترت لنفسك ميتاً.

فطبت حياً وطبت ميتاً.

أيها الاستثناء الذي لا استثناء معه على امتداد حكم ظالم طويل قبله وبعده.

لقد بقيت حياً ومات كل الذين قتلوك.

فسلام عليك وتحية لك، وسقى الله قبراً ضمك.

(٢٧)

يزيد بن عبد الملك

حبابة، عباس بن فرناس

لكم أعجبني المنظر! ومن ذا الذي يراه فلا يعجبه؟!

أمير المؤمنين يهم بالطيران، وحبابة تتعلق به ضارعة متوسلة: إلى من تكل المسلمين يا أمير المؤمنين؟! من لهم بعدك؟! من سينصف ضعيفهم من قويهم ويسد حاجة محتاجهم ويقيم فروض دينهم؟!(١)

وضحكت.

ضحكت من طيران أمير المؤمنين، ولكني ضحكت أكثر من خوف حبابة وقلقها واهتمامها بمن سيتولى شؤون المسلمين، لو أصر أمير المؤمنينن على الطيران، وقد غلبه السكر فحدث له لا قدر الله!! ما حدث للعباس بن فرناس كما تذكر الرواية المتداولة.

لا تقلقي يا حبابة وليطمئن بالك فأمور المسلمين ستكون أفضل، دون شك، لو طار أمير المؤمنين، ولو طار كل أمراء المؤمنين مثله، وكلهم مثله.. سيكونون في خير وعافية لو لم تمنعي سيدك من الطيران وتحرميني الاستمتاع بمشاهدته وهو يطير.

أظنك عرفته عزيزي القارئ، إنه يزيد بن عبد الملك ثالث أبناء عبد الملك بن مروان، الذي آلت إليه (ملكية) المسلمين إرثاً من جده مروان بن الحكم، ثم من أبيه عبد الملك.

وأما التي منعته أن يطير فهي حبابة الجارية التي أولع بها وبرفيقتها سلامة، وترك شؤون الناس يلهو بها من يلهو ممن لا يخشى عقاباً ولا حساباً، لقد قضى حياته بين هاتين ينتقل من حضن هذه إلى حضن تلك ثملاً مخموراً.

يزيد بن عبد الملك هذا، أو يزيد حبابة - سلامة؛ كما يعرفه الناس، كان الخليفة المفترض الطاعة على المسلمين كما يصر هؤلاء المشوهون المتخلفون الذين ينافس حديثهم قديمهم في وجوب طاعة الخليفة والامتثال لأمره وعدم الخروج عليه، حرصاً كما يقولون على الإسلام وصوناً له، وهم، يعلم الله ويعلمون، لا يقولون ذلك إلا دعماً للظلم وتزكية للظالمين.

____________________

(١) الأغاني ترجمة يزيد بن عبد الملك، وتأريخ الطبري خلافة يزيد بن عبد الملك.

وعلى كل فما كنت لأحفل بحب يزيد لحبابة وغير حبابة، وما كنت لأعرض له، فهذا شأنه: شاب مترف قد جمعت له الدنيا دون تعب ولا جهد، فأراد أن يستمتع بكل لذاتها، وليس في لذاتها ما هو ممتنع عليه.

ولكني أتحدث هنا عن أمير (المؤمنين) يزيد، عن خليفة أمة تمثل نصف الكرة الأرضية أو أكثر من نصفها في ذلك العصر، والويل لهذه الأمة حين لا يفكر خليفتها إلا في جاريتين، ولا ينصرف همه إلا إليهما وإلى إرضائهما وإشباع حاجته منهما!!

وأخاله كان صادقاً كل الصدق في تصوير حاله وهو يتمثل ببيت نسمعه دائماً لكثرة الاستشهاد به:

فألقت عصاها واستقرّ بها النوى

كما قرّ عيناً بالإياب المسافر

إذن ألقى خليفة المسلمين العصا وقد بلغ غاية مناه: حبابة وسلامة، وموائد شرب غنية بكل أنواع الخمر، وما يلزم الخمر وما يستطاب مع الخمر!!

وماذا يهم المسلمين غير هذا؟ وماذا يريد المسلمون غير سعادة خليفتهم، وليس كحبابة وسلامة من يقدر أن يدخل السعادة على قلبه؟!

فإذا تركت حديث حبابة وسلامة والخمر والطيران، وأنا لم أتناوله إلا لمساسه بحياة الناس ومعاناتهم وتأثيره عليهم، فما الذي فعله يزيد وماذا شهد حكمه؟

هل انتهى مسلسل القتل، وقتل الأسرى على وجه الخصوص؟

لا أظن، فهذا قائده عمر بن هبيرة يقتل سبعمائة أسير من الروم كانوا قد أخذوا بعد انتهاء الحرب.

وهذا يزيد نفسه حمل إليه في دمشق تسعة فتية من آل المهلب بعدما قتل كبارهم في قندابيل. مدينة مما وراء النهر(١) . فأمر بهم فقتلوا جميعهم، حتى غلام منهم يبدو أنه أنف أن يبقى حياً بعد مقتل من كانوا معه من أهله، فطلب أن يقتل فقتل معهم.

____________________

(١) ماوراء النهر اصطلاح يكثر ترداده في كتب التأريخ، ويراد به الأقاليم التي تقع بعد نهر جيحون أواسط آسيا، وهي بلاد واسعة تحتل مكاناً كبيراً في التأريخ الإسلامي.

ويحك يا يزيد، إنهم غلمان وصبيان لم يشتركوا في حرب ولم يحملوا سلاحاً، وقد جيء بهم أسرى بعدما قتل الكبار من أهلهم، هلا رحمتهم وقد قتلت آباءهم وإخوتهم وأيتمتهم؟! هلا تركتهم وقد تركتم المجرمين والقتلة واللصوص يعبثون بأرواح الناس وأموالهم؟!

ألم تشغلك حبابة وسلامة عن القتل، أم كان القتل مما لا يشغلكم عنه شيء؟!

وأنت يا حبابة، ما أظنك إلا على حق وأنت تصرخين: من للمسلمين بعدك؟! من الذي سيقتل أطفالهم الأسرى يا أمير المؤمنين؟!

وحين يتعلق الأمر بأرواح الناس، فإن الحديث عن أموالهم سيكون غير ذي شأن.

فهل ألغى يزيد الضرائب والأعباء المالية الجديدة التي كان محمد بن يوسف الثقفي أخو الحجاج بن يوسف قد فرضها على المسلمين، فرفعها عنهم عمر بن عبد العزيز حين ولي الخلافة؟!

سأترك الحديث لابن الأثير؛ قال: (وعمد يزيد إلى كل ما صنعه عمر بن عبد العزيز مما لم يوافق هواه فرده، ولم يخف شناعة عاجلة ولا إثماً عاجلاً، فمن ذلك أن محمد بن يوسف أخا الحجاج بن يوسف كان على اليمن فجعل عليهم خراجاً مجدداً، فلما ولي عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله يأمره بالاقتصار على العشر ونصف العشر وترك ما جدده محمد بن يوسف وقال: لأن يأتيني من اليمن حفنة ذرة أحب إلي من تقرير هذه الوضيعة، فلما ولي يزيد بعد عمر أمر بردها وقال لعامله: خذها منهم ولو صاروا حرضاً!! - وهو الضعيف أو الشديد المرض المشرف على الهلاك - والسلام)(١) .

ألم يكفك يا يزيد ما لا يفنى من المال الذي امتلأت به خزائنك، فتطلب إعادة ما فرضه ظلماً محمد بن يوسف من أعباء مالية جديدة على المسلمين الذين لم تبقوا لهم شيئاً بعدما استأثرتم بكل شيء؟

____________________

(١) تأريخ ابن الأثير ج ٤ ص ٣٣٢.

أكانت حبابة وسلامة وموائد الخمر تحتاج إلى كل هذه الأموال؟!

وأضحك، لا مما جرى وليس فيه ما يضحك، بل من هؤلاء المرتزقة المزورين المتخلفين، وكأني أراهم الآن وهم يبحثون عما يعتذرون به عن يزيد، بعد أن أجهدوا أنفسهم في البحث عما يعتذرون به عن يزيد آخر، سابق.

(٢٨)

هشام

زيد بن علي، المغيرة بن سعيد

على مسافة غير بعيدة من الكوفة، هذه المدينة المضطهدة الثائرة دوماً، وإلى يمين الذاهب منها إلى بغداد، سترى صحناً كبيراً يتوسطه قبر ترف فوقه راية خضراء، إنه قبر زيد بن علي بن الحسين: أحد كبار الثوار على الطغيان والطغاة من حكام الأمويين، بل أحد كبار الثوار على امتداد التأريخ الإسلامي.

نحن الآن في بداية عام ١٢٢، ونشاط غريب يلف الكوفة، شيء ما يوشك أن يحدث، شيء كبير سيتجاوز الكوفة وغير الكوفة لو قدر له أن يتم.

وعيون السلطة تراقب كل حركة وتتابع كل داخل وخارج، وقد سدت أفواه الطرق ومنافذ المدينة بقوات استقدمت من الشام، فالحكم لا يثق بالكوفيين ولا بعموم العراقيين.

ويوسف بن عمر(١) ينتقل إلى الحيرة ليكون قريباً من ساحة الأحداث في الكوفة، وأقدر على مواجهة ما يجري، وها هو يأمر بأخذ كل من كان قادراً على الحرب من أهل الكوفة من المتهمين بمعاداة الحكم أو الميل لزيد، وحشرهم - بعد نزع سلاحهم - داخل مسجدها الكبير الذي أغلقت أبوابه وشددت الحراسة عليه من جميع جهاته.

بيوت المدينة تفتش بيتاً بيتاً بحثاً عن زيد ومن بقي من أنصاره.

لكن زيداً ماض في خطته لا يتراجع، لا ينثني، إنه على الحق، ويكفيه ذلك قوة ومضاء وعزماً، وهذا ما أخرجه، وهذا ما حشد الثائرين حوله، لقد ساءه ما ساء المسلمين جميعاً من ظلم لا يريد أن يقف عند حد: من سلم على روحه من الناس لم يسلم على ماله، وهذا أيسر الاثنين.

لم يعد السكوت ممكناً على هؤلاء الذين لا يجرؤهم على الظلم مثل السكوت عليه، إن السكوت جريمة، والنقد والتوجع لم يعودا مجديين، لم يعد لهما موضع وقد تجاوز الظلم كل موضع. ليس إلا الثورة، لابد من الثورة، مهما كان الثمن الذي سيدفع فيها،

____________________

(١) يوسف بن عمر الثقفي أحد ولاة الأمويين الجبابرة الطغاة، كان والياً لهشام بن عبد الملك على العراق والمشرق كله قتل عام ١٢٧ ثأراً بخالد بن عبد الله القسري.

ولا ثورة دون ثمن، بل إن الثورات لتقاس أحياناً بما يدفع فيها من ثمن، الثورة؛ إنها الحل الوحيد والأخير لمن يأبى الظلم ويرفض احتماله ويريد إزالته.

وفي آخر ليلة من محرم، محرم الذي شهد مأساة الإنسانية قبل واحد وسبعين عاماً في كربلاء - غير البعيدة عن الكوفة - يخرج زيد مع من بقي من أصحابه.

ويستقتل الثوار من أصحاب زيد، ويكلفون قوات الأمويين من الخسائر ما لا يمكن تصوره إلا من ثوار مؤمنين بما ثاروا له.

ويبقى زيد في قلة من أصحابه يواجه تلك القوات، لا يشدون على جبهة منها إلا هزموها وشتتوها.

ويقتل زيد، يصيبه سهم لم يمهله طويلاً حتى تنتهي حياة هذا الثائر الكبير، وتنتهي، إلى حين، الثورة التي سيتابعها بعده ابنه يحيى، وسيتابعها الثوار من نفس المدرسة التي تعلم فيها زيد.

ويقتل أصحاب زيد ويتراجع أو يختفي من بقي منهم.

فهل يخلص القتل زيداً مما بعد القتل؟

هل ينتهي الحقد بقتل زيد وفشل ثورته وزوال الخطر منه ومنها؟

أترى هشام بن عبد الملك سيرضيه من زيد مجرد القتل؟

إذن سأحسن الظن به كثيراً، وهو ما لا يريده.

وتستخرج جثة زيد من المكان الذي دفن فيه.

ويقطع الرأس ليرسل إلى (أمير المؤمنين) الذي يأمر بنصبه على باب دمشق وكأنه لافتة ترحب بزائريها، ثم لا يكتفي، فيرسل الرأس إلى المدينة؛ ليستمتع بمشاهدته من فاته ذلك من أهل المدينة، حيث ولد زيد وحيث منازل أهله وأسرته.(١)

ويعلق الجسد عارياً بعد قطع الرأس، وظل معلقاً ثلاث سنين، من عام ١٢٢ حتى موت هشام واستخلاف الوليد بن يزيد عام ١٢٥.

وحين تولى الخليفة الجديد أمر بإنزال جسد زيد أو ما بقي منه.

____________________

(١) تأريخ الطبري أحداث سنة ١٢٢، وتأريخ ابن الأثير أحداث نفس السنة، وكتب التأريخ الأخرى.

وقلت: لعل الوليد أراد أن يبدأ عهده بما يجمل صورته لدى الناس ويقرّبه إليهم ويزيل بعض ما رسخ في نفوسهم من مظالم الأمويين، فيبدأ بإنزال جسد بقي معلقاً ثلاث سنين.

ولكني كنت مخطئاً، كما كنت دائماً في أحكامي على أمراء المؤمنين.ما أنتهي من خطأ إلا لأقع في خطأ، فالوليد لم يأمر بإنزال جسد زيد ليدفنه، ولو فعل لكنت مصيباً في شيء من أمره، ولاتهمت نفسي بالتجني عليه وعليهم.

وأنزل جسد زيد كما أمر الوليد، ولكن لا ليدفن، فذلك ما أخطأ فيه الذين سمعوا بإنزال الجسد كما سمعت، بل ليحرق، لقد كان يلوم هشام أنه تركه طول تلك المدة فلم يحرقه(١) .

آه يا حقد أمراء المؤمنين! والله لو وزع بعضه على أهل الأرض لأصبح كل من عليها حاقداً.

وطويل يا قارئي الكريم حديث الصلب والحرق بعد القتل عندنا. طويل لا ينتهي مع الأسف.

فلأكمل حديث زيد القتيل بحديث هشام القاتل.

فهشام هو الرابع من أبناء عبد الملك بن مروان، الذي تولى الخلافة بعد صراع لم يكن إلا فصلاً من صراع تكرر وصراع سيتكرر مع كل خليفة وكل ولاية عهد - رأيناه قبل هشام وسنراه بعد هشام - في زمن الأمويين ثم في زمن العباسيين، وحتى عصورنا المتأخرة.

وبعد زيد سأنتقل إلى هؤلاء البؤساء من أهل الذمة، وما أظن الذي أصابهم إلا كان واحداً من الأسباب التي حملت زيداً على الثورة، فيبدو أنهم أصبحوا الاحتياطي المالي للحكم كلما احتاج إلى المال.

هل تذكر ما فعله الحجاج من إعادة فرض الجزية على من أسلم من أهل الذمة؟ لقد أعاده هشام حين تولى الخلافة، ففي عام ١١٠ (دعا أشرس بن عبد الله، والي هشام على خراسان، أهل الذمة من أهل سمرقند ومن وراء النهر إلى الإسلام على أن توضع عنهم الجزية فأجابوا إلى ذلك فلما أسلموا وضع عليهم الجزية وطالبهم بها...)(٢) .

____________________

(١) تأريخ الطبري أحداث سنة ١٢٢، وتأريخ ابن الأثير.

(٢) تأريخ الطبري أحداث سنة ١١٠، وتأريخ ابن الأثير احداث نفس السنة.

أرأيت إلى الخلق يسابق الدين؟!

فلا أنت بالذي احترمت عهدك يا اشرس، ولا أنت بالذي احترمت دينك.

وموضوع الجزية وإعادة فرضها على من أسلم كان من بين أهم ما دعا المسلمين الجدد إلى ترك الإسلام الذي لم يحفظ لهم حقوقهم ولم يساوهم بأمثالهم المسلمين، الذين أصبحوا الآن جزءاً منهم، بعد إعلان إسلامهم ودخولهم فيه. فخسر الإسلام والمسلمون ألوفاً من الذين كانوا سينضمون إليهم ويلتحقون بهم وهم يقاتلون فيما وراء النهر، بل إن عدداً من صالحي المسلمين وخيارهم قد انتصروا لهؤلاء وأيدوهم واعتبروا ما فعله والي هشام غدراً ونكثاً بعهد قطعه لهم، وهو على كل حال مخالف لأحكام الإسلام وتشديده على الوفاء بالعهود.

فإذا تجاوزنا موضوع الجزية وهو من الانتهاكات الخطيرة لحقوق المسلمين الجدد، وعدواناً لا يقبله الإسلام على من دخله وشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ فإننا سنواجه ما هو أشد وأقسى وأدعى لأن يثير الغضب والإنكار، وهو قتل الأسرى الذي لم ينقطع ولم يتوقف؛ فقد قتل ثمانون أسيراً أكثرهم من بني تميم من أصحاب الحارث بن سريج(١) في إحدى معاركه ضد جيش السلطة في ماوراء النهر.

وعقوبة حرق أخرى كدت أنسى حديثها في زحمة العقوبات، كان البطل فيها هذه المرة والي هشام على العراق خالد بن عبد الله القسري، فحين أُتي خالد بالمغيرة بن سعيد وبيان - أظنه ابن سمعان التميمي - في عدد لا يتجاوز الستة أو السبعة أشخاص، قيل إنهم خرجوا بظهر الكوفة، وإن كنت أشك كثيراً في أن يخرج على السلطة وجيشها وكل إمكاناتها، ستة أو سبعة أو عشرة أشخاص لا مدد لهم من جيش ولا قوة تسندهم.

____________________

(١) الحارث بن سريج بصيغة التصغير، المجاشعي التميمي أحد الثوار على الحكم الأموي، استمر ثائراً فيما وراء النهر أكثر من عشر سنين حتى مقتله سنة ١٢٨.

ولأترك شكّي فليس محله هنا؛ لأعود إلى موضوع العقوبة القديمة الجديدة، فقد أمر خالد بحزم قصب ونفط فأحضرا، وأمر المغيرة أن يتناول حزمة منها فضعف، فصبت السياط على رأسه، فتناول حزمة فاحتضنها فشد عليها، ثم صب الزيت عليه وعلى القصب، وأشعلت فيهما النار فاحترق المغيرة والقصب. وهو ما فعله خالد مع الآخرين من أصحاب المغيرة(١) .

فأنت الآن أمام عقوبة من نوع مبتكر، ليس هو السجن ولا قطع العنق بالسيف، وإنما الحرق بالنفط يصب على القصب وقد شد المتهم إليه.

وبعد هذا الجانب المشرق، سأنتقل إلى جانب مشرق آخر!! هو ما يتعلق بأموال المسلمين التي امتلأت بها خزائن الخليفة والحاشية والولاة.

ومن الحق أن أعترف بأن هذا ليس خاصاً بعهد هشام؛ إذ يشاركه فيه، وقد يزيد عليه كل أمراء المؤمنين وكل حواشيهم وولاتهم في العهود التي سبقت أو تلت عهد هشام، لكننا نتحدث الآن عن هشام الذي يروي الطبري أن غلة أموال واليه على العراق: خالد بن عبد الله القسري الذي ورد ذكره قبل قليل قد بلغت عشرين ألف ألف، كما زدات غلة ابنه على العشرة آلاف ألف(٢) أي أن غلة أموال شخصين فقط من المقربين إلى الخليفة تبلغ أو تزيد على الثلاثين ألف ألف. ولاحظ أن هذا المبلغ لا يمثل إلا الغلة لا أصل المال؟!

تبقى القضية التي أصبحت ملازمة للحكم منذ ودعنا الشورى، وأحسبك عرفتها، تلك هي قضية أو مشكلة ولاية العهد، سمها كما شيءت، فهشام، متبعاً سيرة الذين مضوا من أسلافه، حاول هو أيضاً إبعاد الوليد بن يزيد عن ولاية العهد وجعلها في ابنه مسلمة، وألح على الوليد أن يخلع نفسه منها ويبايع لمسلمة، فأبى، فتنكر له هشام وآذاه وعمل سراً في البيعة لابنه، فأجابه قوم منهم خالاه محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل المخزومي وبنو القعقاع بن خليد العبسي وغيرهم من خاصته، الذين سيتعرضون لسخط الوليد وغضبه حين تفشل خطة هشام ويتولى الخلافة الوليد بعده.

____________________

(١) تأريخ الطبري ج ٧ ص ١٢٩.

(٢) تأريخ الطبري ج ٧ احداث سنة ١٢٠.

(٢٩)

الوليد بن يزيد

النسف في البحر بعد الحرق والصلب والقتل

وهذا الرجل كفاني الكثير مما يمكن قوله، فقد كان صريحاً مع نفسه ومع الناس، وكشف كل أوراقه بلغتنا اليوم، فلست في حاجة إلى أن أقرأ ما بين السطور؛ لأنه لا يوجد شيء بينها، وهي مكتوبة بعبارات واضحة تغني عن هذه (البين)، ثم إنه ابن الذي أراد أن يطير لو لا حبابة.

ولست معنياً بلهوه ومجونه، ولا بكفره وإلحاده، فما أكثر اللاهين الماجنين، وما أكثر الكافرين الملحدين في تأريخنا وتأريخ غيرنا.

وما أحسبني سأتوقف عند البيتين اللذين يواجهانك عند كل من تحدث عن الوليد، أو كتب عنه بتفصيل يتفاوت بين الواحد والآخر، وكأن الحديث عن الوليد لا يتم إلا بذكرهما:

تهددني بجبار عنيد

فها أنا ذاك جبار عنيد

إذا ما جئت ربك يوم حشر

فقل يا رب مزقني الوليد

مع القصة المرافقة لهما.

وما أحسبني سأتوقف عند القصة الأخرى التي ستواجهك هي أيضاً عند كل من تحدث عن الوليد أو كتب عنه.

أتذكر يا ابن يزيد يوماً كان عندك ابن عائشة فقلت له: غنني، فغناك بأبيات طربت لها، فقلت له: أحسنت والله يا أميري، أعد بحق عبد شمس، فأعاد، فقلت: أحسنت والله، بحق أمية أعد، فأعاد، فجعلت تتخطى من أب إلى أب، تأمره بالإعادة حتى بلغت نفسك، فقلت: أعد بحياتي، فأعاد، فقمت إلى ابن عائشة فأكببت عليه ولم تبقِ عضواً من أعضائه إلا قبلته وأهويت إلى تريد أن تقبله، وابن عائشة يضمه بين فخذيه مستعظماً ذلك من أمير المؤمنين!! فأبيت إلا أن تبر قسمك، فما كان منه إلا أن رضخ، ومن يستطيع أن يعصي أمير المؤمنين حين يقسم؟! ثم نزعت ثيابك فألقيتها على ابن عائشة، وبقيت عارياً، فسارع أفراد حاشيتك مذهولين، ثم عادوا يركضون وهم يحملون ثياباً أخرى يسترون بها أمير المؤمنين.

ومن أراد القصة كاملة فليراجعها في كتب الأدب والتأريخ(١) .

لكم ساءني هذا المنظر الذي ربما أضحك سواي، وهو يرى الخليفة عارياً يمسك بابن عائشة الذي يحاول الهرب منه فلا يستطيع!!

لكم أحزنني أن تنحدر خلافة المسلمين إلى هذا المستوى، وقلت في نفسي: أكان يمكن لمثل هذا المأفون الخليع المجنون أن يكون يوماً خليفة، لولا ولاية العهد التي ورثناها ممن تمنعني الخطوط الحمراء أو بعد الحمراء، من التعرض لهما.

ألم أكن محقاً وأنا أكثر الحديث عنها في أكثر من موضع في هذا الكتاب وفي غير هذا الكتاب؟!!

وسأتجاوز كل هذا، فقد سبق أن قلت في بداية حديثي عن الوليد: إنني لا أريد الحديث عنه كواحد من اللاهين الماجنين ولا من الكافرين الملحدين، ولكني أريد الحديث عن هذه الأمة، عن هذه الملايين المظلومة المقهورة، من الذي سيحميهم ومن الذي سيرعى حقوقهم، إن بقي شيء منها ولا أظن، إذا كان ولي أمورهم وخليفتهم و(أمير مؤمنيهم) لا يصحو ولا يفيق من سكر، وكل ما يشغله شرب وغناء وجارية؟!!

ما أظنني في حاجة إلى جواب.

تبقى لدي ملاحظتان أو ثلاث، أرى أن أشير إليهما استكمالاً لصورة الوليد.

فمن هذه الملاحظات، أن هذا اللاهي الماجن أو الكافر الملحد، لم ينسه لهوه ومجونه ولا كفره وإلحاده، موضوع ولاية العهد بعده، فهو ما أن تولى الخلافة حتى أسرع في عقدها لابنيه الحكم ثم عثمان، وكتب بذلك إلى الأمصار لأخذ البيعة لهما، كل ذلك ولما يمضِ على توليه الخلافة غير ثلاثة أشهر.

وهكذا ترانا أمام هذه المشكلة التي أصبحت جزءاً من تأريخنا.

____________________

(١) - الأغاني، ترجمة محمد بن عائشة.

ومنها، هذه الصورة الجديدة التي أضافها الوليد، إلى صور العقوبات السابقة المتعددة، للقتل والتعذيب والتمثيل التي مارسها الأمويون قبله، فحين ثار يحيى بن زيد وفشلت ثورته وقتل، لم يكتفِ الوليد بحز رأسه ولا بصلبه، بل كتب إلى واليه يوسف بن عمر بإنزاله من خشبته وإحراقه، ثم نسفه في البحر.

وهذه صورة جديدة يعود للوليد الفضل في ابتداعها، على كثرة صور القتل والتعذيب في تأريخنا كما رأيت، وكما سترى؛ فالوليد لا يريد أن يكتفي بإحراق يحيى كما فعل بأبيه زيد من قبل، وأبى إلا أن يضيف جديداً بعد صلب الابن وإحراقه، وهو نسفه في البحر.

ومن هذه الملاحظات، أنه منذ قيام الدولة الأموية مع معاوية وحتى زوالها، فإن الوليد هو الوحيد من بين الخلفاء الأمويين، الذي لم يمت بشكل طبيعي، وإنما قتل في ثورة، كانت العصبية اليمانية من أقوى عناصرها؛ لأسباب ليس هنا محل ذكرها. وشارك فيها عدد من أهل بيته من الأمويين، كان أبرزهم وأشدهم تحريضاً عليه وطعناً فيه، ابن عمه يزيد بن الوليد المعروف بيزيد الناقص والمتولي الخلافة بعده.

لم يقتل واحد من الخلفاء الأمويين الذين سبقوا الوليد، رغم أن سيرة بعضهم لم تكن لتفضل سيرته، لكن اشتهار الوليد بالشرب واللهو حتى أصبحت سيرته موضوع تندر على كل لسان، وعداء اليمانية، وانقسام البيت الأموي، وما لحقه من ضعف، وكره الناس للحكم وتمني الخلاص منه، ثم، وربما كان هذا هو الأهم، وإن لم يكن بعيداً عما سبق، ظهور الدعوة العباسية وما كانت تحققه من دعم وتأييد وانتشار خصوصاً في الأقاليم الشرقية من الخلافة.

كل هذه الأسباب سهلت الثورة على الوليد وقتله، لكن الثورة لم تتوقف ولم تنته بقتل الوليد، وإنما استمرت وامتدت، ولم تتوقف إلا بسقوط الحكم الأموي كله وقيام الحكم العباسي على أنقاضه.

(٣٠)

يزيد بن الوليد

الحكم الذي لم يدم أكثر من ستة أشهر - رأي المعتزلة

لم يكن مقتل الوليد إلا السبب المباشر لتصاعد الأحداث التي انتهت بسقوط الحكم الأموي.

فقبل قتل الوليد كان هذا الحكم يعيش أزمة تزداد حدة واتساعاً مع كل يوم جديد.

الناس ضاقوا بالحكم وثقلت عليهم أيامه ويئسوا من إصلاحه، وهم يفتشون عمن يخلصهم منه.

والخطر القادم من الشرق يغذي عوامل النقمة والكره له ويزيد من الجرأة عليه.

والبيت الحاكم تعصف به الخلافات وقد انقسم إلى مراكز قوى لكل فريق يناصره ويدعمه، من داخل البيت نفسه أو من خارج البيت، لكن الأمر لم يصل بينهم، وإن قارب، إلى نسف كل الجسور وإلى الاقتتال وسفك الدم، كان هناك شيء يجمعهم كلما أوشكت الأمور أن تبلغ ذاك: ربما الخوف من ثورة - والظروف كلها مهيأة لها - تقضي على الحكم وعليهم.

وجاء قتل الوليد ليقتل ما بقي من حطام أمل لدى البعض من أفراد هذا البيت باحتواء الأزمة وتلافي الخطر والعودة بالأمور إلى وضعها الطبيعي، أو السابق على الأقل، وليفجر ما لم يكن قد تفجر من البيت ويشعل النار في كل جانب منه، فالمشارك في القتل والساعي فيه والمحرض عليه هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك، ابن عمر الخليفة المقتول لحا، والذي تولى الخلافة بعده، بدعم اليمنية وتبنيها لدعوته؛ لأسباب لا أرى مجالاً لذكرها الآن(١) .

وهكذا تحول صراع الرأي إلى صراع السلاح بين أبناء العمومة من أفراد البيت الحاكم، وصراع بين الشاميين الذين يمثلون قوة الحكم وسنده منذ قام وتأسس، فسليمان بن هشام بن عبد الملك مثلاً يخرج من السجن ويقبل إلى دمشق مناصراً ليزيد ومتهماً الوليد بالكفر لما كان بينه وبين أبيه هشام من عداء شديد كانت ولاية العهد أهم أسبابه.

____________________

(١) انظر كتابنا (المعتزلة بين الحقيقة والوهم) الفصل المخصص لثورة يزيد.

وأهل الأردن وفلسطين يثورون على يزيد ويولون أمرهم أحد أبناء سليمان بن عبدالملك بن مروان.

وأهل حمص الذين يثورون على العباس بن الوليد، أخي يزيد، ويطالبون بدم الوليد.

ومروان بن محمد بن مروان يظهر الخلاف ليزيد والمطالبة بدم الوليد، ثم لا يلبث أن يبدل موقفه ويبايع يزيد بالخلافة.

وما أسرع ما تطورت الأحداث بين أنصار الوليد والمطالبين بدمه من أهله وأهل الشام وبين يزيد الخليفة الجديد وأنصاره من أهله وأهل الشام.

وما أسرع ما وصلت هذه الأحداث حد القتل وقطع الرؤوس، وبلوغ ما لا صلح معه ولا عودة إلا بتصفية أحد الفريقين، وهذا ما أضعفهم كلهم وعجل في نهايتهم.

إذن كان يزيد رجلاً سيء الحظ، فقد قضى الأشهر الستة أو على رواية، المكثر، الستة واليومين التي امتدت خلافته، في قتال أو استعداد لقتال، لا خارج حدود الخلافة ومع أعدائها التقليديين من روم وغيرهم، وإنما داخل حدود الخلافة، وعلى أرض الشام بالذات، وبين أفراد البيت الحاكم نفسه.

لكني أريد أن ألاحظ أن يزيد بن الوليد، وهو الناقص كما يلقبه المؤرخون(١) ، والذي يوصف عادة بالزهد والنسك، حتى فضله البعض على عمر بن عبد العزيز(٢) . يزيد هذا لم يعف ولم يترك سيرة من سبقه من خلفاء الأمويين في التمثيل بالجثث وقطع الرؤوس ونصبها على الرماح والطواف بها.

فحين قتل الوليد بن يزيد قطعت كفه اليسرى وبعث بها إلى يزيد قبل وصول رأسه، وعند وصول الرأس، أمر به يزيد فنصب للناس على رمح وطيف به في أحياء دمشق، ولم يحل الزهد والنسك الصادق أو المرائي الذي كان يظهره وهو ما اعتقده، دون ارتكاب ما كان يفعله السابقون له ممن لم يعرفوا بزهد ولا نسك(٣) .

____________________

(١) قيل له الناقص لنقصه أرزاق بعض الجنود، وقيل إن أول من سماه الناقص هو مروان بن محمد، شتمه فقال: الناقص بن الوليد فتبعه الناس في التسمية.

(٢) ذلك هو رأي المعتزلة في المفاضلة بين الاثنين، انظر كتابنا (المعتزلة بين الحقيقة والوهم) الفصل الخاص بثورة يزيد بن الوليد.

(٣) الطبري، أحداث عام ١٢٦.

(٣١)

مروان بن محمد

قطع الأيدي والأرجل - سقوط الحكم الأموي

كل شيء يشير إلى قرب نهاية الحكم الأموي، وأن هذا الحكم يعيش أيامه الأخيرة.

البيت الحاكم مشغول بالقتال بين أجنحته المختلفة كما رأيت دون أن يهتم بخطورة ما يجري في أطراف امبراطوريته بل فيما هو أدنى وأقرب إليه من أطراف امبراطوريته. ما يشغل كل جناح أو حزب فيه هو لمن سيكون الفوز في هذا القتال؟ من سيخرج منتصراً في هذه المعركة الداخلية التي شغله التفكير بالانتصار فيها عن التفكير بنتائجها، وبأنها لن تنتهي إلا بخسارة الكل، سيخرج الكل منها خاسرين، لن يكون الفوز من نصيب أي منهم.

والدعوة الهاشمية (العباسية) على الطرف الشرقي من الامبراطيورية: في إقليم خراسان، تحرز في كل يوم نصراً جديداً وأرضاً جديدة، وتكسب في كل يوم أنصاراً وأتباعاً جدداً، لا يردها شيء ولا يوقف زحفها شيء، ينهض بها ويقودها دعاة وقادة على درجة كبيرة من الذكاء والدهاء غالبيتهم من العرب الصليبة: اليمن وربيعة ومضر، وبينهم من ينتمي إلى غير العرب، خصوصاً إقليم خراسان: معقل الثورة ومنطلقها.

الدعاة يتحركون، يتنقلون كما يشاؤون مستفيدين من ضعف الحكم وكره الناس له ومن قوة العصبية القبلية التي أثارها هذا الحكم بقوة لم تشهدها الجاهلية نفسها.

وتتحول الدعوة إلى قوة منظمة ضاربة يقودها رجل من خراسان شديد المراس حديد الذهن نافذ العزيمة هو أبو مسلم الخراساني؛ الذي استطاع أن يسيطر على أجزاء كبيرة في الشرق ويتهيأ لما هو أكبر.

والولاة يرون ما يجري ويشعرون بالخطر الزاحف، لكنهم لا يستطيعون شيئاً إزاءه، إنهم عاجزون عن رده، وعلى كل واحد أو جماعة منهم أن يدبر أموره بما تيسر لديه، بعدما عجز المركز في دمشق، وهو المشلول المشغول بصراعه، أن يمده أو يساعده بشيء، رغم اشتداد المطالبة بالمدد والمساعدة لمواجهة الخطر الوشيك.

وكل يوم يمر تزداد الدعوة - التي تحولت إلى ثورة - قوة، وموقف الحكم ضعفاً، و(تسود) المدن تباعاً: الواحدة بعد الأخرى.(١)

في هذه الظروف تولى مروان الخلافة، كانت الأحداث قد تجاوزته، وأظنها كانت ستتجاوز غيره، لو قدر لغيره أن يلي الخلافة.

وبعد معارك ضارية طويلة قتل مروان في بوصير إحدى قرى مصر عام ١٣٢ لينتهي بذلك الحكم الأموي.

وأنا لا أريد أن أؤرخ للاحداث التي انتهت بمقتل مروان، وهي مبسوطة في كتب التاريخ، ولكني أريد أن أقف عند مروان نفسه، كما فعلت مع من سبقوه من حكام الأمويين.

فما أن تولى مروان الخلافة حتى سارع إلى نصب ولديه: عبيد الله وعبد الله وليين للعهد وخليفتين بعده، لم يمنعه من ذلك حراجة الظروف التي يواجهها ولا فشل التجارب السابقة التي انعكست شؤماً على المسلمين.

فإذا تركت ولاية العهد فسأجدني في مواجهة هذه السمة التي لازمت الحكم الأموي، وهي الوحشية في التعامل مع الأعداء، لا في ميادين القتال، وهو ما قد يغتفر، ولكن خارج هذه الميادين.

فحين ظفر مروان بأهل حمص أمر بجمع قتلاهم، وكانوا خمسمائة أو ستمائة فصلبوا حول المدينة.

وحين أتي بثابت بن نعيم الجذامي(٢) هو وابنيه إلى مروان، أمر فقطعت أيديهم وأرجلهم وأقيموا مقطعين على باب مسجد دمشق. فبنو أمية ومنهم مروان، لا يكتفون - كما رأينا - بقتل الخصم ولا يشفي ذلك غيظهم منه، فلابد بعد القتل من صلب أو ذبح أو تقطيع أيد وأرجل أو حرق ونسف في البحر.

____________________

(١) السواد كان شعار الثورة الهاشمية (العباسية) فحين يقال: سود فلان أو سودت هذه المدينة أو تلك، فهذا يعني انها انضمت والتحقت بهذه الثورة، عكس البياض الذي كان شعار الأمويين، فيقال بيضت المدينة إذا أعلنت ولاءها للأمويين.

(٢) ثابت بن نعيم الجذامي أحد رجال اليمانية وأحد الولاة في زمن الأمويين وانظر في مقتله ومقتل بنيه الذين كانوا في يدي مروان بن محمد، الطبري ج ٥ أحداث عام ١٢٧.

وكان هذا آخر ما فعله مروان قبل أن يلقى مصرعه في أرض مصر على أيدي العباسيين الذين لم يقصروا معه حين ظفروا به، ولم يقصروا مع غيره حين تولوا الحكم.

(٣٢)

بعض ملامح الحكم الأموي

أظن علي الآن وقد انتهيت من حديث الخلفاء الأمويين، كل على انفراد، أن أتناول الحكم الأموي ككل، وأشير إلى سماته الأساسية فيما يخص سيرته في الناس والعنف الذي أخذهم به؟ والوحشية التي طبعت سلوكه مع الذين كرهوه أو رفضوه أو ثاروا عليه بعد اليأس من إصلاحه.

وسأبدأ بأولى هذه السمات:

١- الإيغال في القتل وسفك الدم: وهي سمة لازمت هذا الحكم منذ أيامه الأولى بل قبل أيامه الأولى كحكم، فالقتل والتفنن فيه وعدم التمييز بين طفل وشيخ ومحارب وغير محارب، هو الأساس الذي قام عليه هذا الحكم.

وما كنت لأقف عند هذه النقطة لو اقتصر الأمر على القتل في ساحة الحرب؛ فذلك لا يثير سؤالاً، والحرب تأكل المحاربين من الطرفين، لكن الذي أود الكلام فيه شيء آخر خطير مختلف تماماً، وأخطر ما فيه أنه أصبح سنة بعد أن مارسه الأمويون طوال حكمهم، وهو هذا الإسراف في القتل الذي شمل من لم يكن مقاتلاً أو من أسر فقتل صبراً وهو أسير خارج دائرة القتال، وهذا ما كان يأباه العرب ويأنفون منه ويعيرون من يفعله منهم، حتى وهم في الجاهلية.

فإذا تجاوزنا القتل صبراً خارج الساحة أو دون ساحة، فألاحظ أن الأمويين نجحوا في استحداث فنون للقتل لم يسبقهم إليها أحد، ثم فنون أخرى لما بعد القتل، فدفن الإنسان حياً، أو قطع رأسه والطواف به أو قطع يديه ورجليه أو حرقه بعد القتل والصلب، كان شيئاً مألوفاً لم تسلم منه حتى النساء عند الظفر بهن.

هكذا تعامل الأمويون مع الناس: وحشية لا أفهم كيف يبررها من يكتبون عنهم ويمجدون حكمهم، إلا أن يكونوا مثلهم في النظر إلى الإنسان؛ هذا الذي لا تقوم الحياة إلا به، بل إنه الحياة نفسها.

كيف أفسر انتزاع بسر بن أرطاة، أحد قادة معاوية البارزين، طفلي عبيد الله بن عباس من حضن أمهما وهي متعلقة بهما وهما متعلقان بها ثم يذبحهما أمامها وهي تنظر إليهما والسكين يمضي في عنقيهما، ويتدحرج رأسا الطفلين، الواحد بعد الآخر فتعمى الأم وتجن، ويضحك بسر ويضحك أمير المؤمنين الذين منهم بسر.

أي مشهد هذا؟ أترى كل لغات العالم تستطيع أن تعبر عنه فتحسن التعبير؟

أية وحشية هذه التي ما تصورتها إلا وحاولت أن أبعد صورتها عن ذهني إلى صورة أخرى لا يكفي فيها القول بأنها النقيض لها، صورة أسرع إليها، أتفياً ظلالها، أحاول أن أستعيد الثقة بإنسانيتي من خلالها.

كان جيش الشام في صفين قد أخذ شريعة الفرات ومنع العراقيين من ورده وسقي خيلهم ودوابهم منه ليميتهم عطشاً كما أمر معاوية.

ويشد العراقيون على أهل الشام فيهزمونهم ويزيحونهم عن الفرات ويسيطرون عليه، ولم يبقَ بين هؤلاء وبين أن يهلكوا عطشاً إلا بمقدار ما يستطيع الإنسان أن يصبر عن الماء(١) .

وهنا يظهر الإنسان، الإنسان المثل، الانسان الذي يتعالى على جراحه؛ لأنه يضم الإنسانية كلها بين جنبيه، هنا يأمر علي بأن يخلي عن جزء من الشريعة ليستقي أعداؤه، ويسقوا خيلهم ودوابهم وعيالهم حتى لا يموتوا عطشاً مع أنهم لم يريدوا إلا هذا حين أخذوا الشريعة ومنعوا جيش علي من الماء.

صورتان، ما ذكرت الأولى، إلا أسرعت إلى الثانية، ثم يتحدثون عن معاوية وعمرو ودهاء وانتصار!!

على ان كل حديث عن القتل والدم في ظل الحكم الاموي أو في غيره، سيصغر ازاء ما جرى في العاشر من محرم، حيث شهدت ارض كربلا في ذلك اليوم، المأساة الانسانية الخالدة التي سيهدم حكم الامويين وحكم غيرهم من الظغاة. مأساة كربلاء، مأساة الانسانية في كربلاء. تلك هي الراية التي ستقود زحف الثوار في كل زمان وكل مكان. انها راية العاشر من محرم: راية الحسين.

____________________

(١) الحادثة مشهورة ترويها كل كتب التأريخ، ومنها تأريخ الطبري وتأريخ ابن الأثير أحداث سنة ٣٦.

٢- وكما أسرف الأمويون في دماء المسلمين فقد أسرفوا في أموالهم، وهي حقوقهم التي أفاءتها عليهم سيوفهم واستشهادهم بين أقاصي المشرق وأقاصي المغرب، لم يرثها الخليفة عن أبيه ليتصرف فيها كما يشاء، وهو لو ورثها عن أبيه لما عدم من يلومه وربما طلب الحجر عليه.

ماذا فعل الخلفاء بكل هذه الأموال، وما هو نصيب المسلمين منها ولكل منها نصيب، وهي ثمن دمائهم وعذابهم وهجر ديارهم وعوائلهم؟!

لا أظنني أغالي إذا قلت إنه لم يكن للمسلمين منها نصيب أو نصيب يناسب الحد الأدنى لتضحياتهم، لقد بذرها الأمويون في غير وجوهها، بل في عكس وجوهها، فاستعملوها في شراء الرجال وإفساد الذمم وتخريب النفوس وفي الإنفاق على مجالس اللهو والندمان والجواري، وعلى أسرة الخليفة وحاشيته، ووعاظ السلاطين ممن هم على استعداد لتبرير ما يفعل الخليفة والإشادة به والدفاع عنه.

ثم هذه الأفواج من الشعراء الذين وجدوا ضالتهم في هؤلاء الخلفاء فتراهم يزدحمون على أبوابهم، لا يخرج الواحد منهم إلا وجائزته معه، على قدر ما ينافق في مديحه لهم والطعن في خصومهم والانتقاص منهم والتنازل عن ضمير، لم يجد من يحرص عليه، إلا الإبعاد والحرمان، وما أقل الذين يحرصون عليه، وهذا ثمنه!

لقد كانت هذه الأموال، وهي محصورة في أيدي الخلفاء، سبباً كبيراً من أسباب التدهور الاجتماعي والخلقي وشيوع النفاق ورواج الكذب في هذا العهد ثم في العهود التي تلته، فهذه الأموال الأسطورية خلقت تفاوتاً خطيراً بين سكان البوادي وسكان الحواضر، ثم داخل هذه الحواضر، بين السعداء المحظوظين من القريبين من الخليفة أو القريبين من هؤلاء القريبين، وبين غيرهم ممن لم يساعدهم الحظ على أن يكونوا منهم.

بين من قتلته التخمة وبين من قتله الجوع لم تكن المسافة بعيدة إذن.

وأحب أن أشير هنا إلى أن محاولة الأمويين حصر المديح فيهم وقصره عليهم يتصل - كما يبدو لي - بموضوع سياسي، بالخلافة ذاتها، ذلك أن ما يقال عن علو بيتهم بين بيوت العرب وأسرها، وتكرار هذا والتأكيد عليه في كل ما يمدحون به - والشعر العربي الأموي في جزء كبير منه مديح لهم - يراد به إقناع العرب، مع طول الوقت، بأن الأمويين وحدهم ودون سائر العرب، هم الذين يصلحون للخلافة وتصلح لهم: امتياز يصرف غيرهم عن التفكير فيها، ويصرف الناس عن الانضمام إلى من يفكر فيها.

وأظن قصة الفرزدق مع سليمان بن عبد الملك تستطيع أن تقدم لنا صورة من هذا، فيروي المترجمون للفرزدق انه حضر يوماً عند سليمان وهو آنذاك خليفة، فطلب من الفرزدق أن ينشده، وإنما أراد سليمان أن ينشده مدحاً فيه، فأنشده الفرزدق مدحاً في أبيه غالب من ثلاثة أبيات يقول في الثالث منها:

إذا آنسوا ناراً يقولون ليتها

وقد خصرت أيديهم نار غالب

فأعرض عنه سليمان كالمغضب، ويضيف بعضهم أنه قال له: قم فالحق بنار أبيك.

فالأمويون يريدون المديح خالصاً لهم لا شركة فيه لأحد ولا حصة منه لأحد، لا يسمحون أن يمدح بحضورهم سواهم، ولا أن يشرك معهم في المدح غيرهم، ولو استطاعوا أن يمنعوا الشعراء من مديح غيرهم لفعلوا، بدأوا الطريق الذي سلكه العباسيون بعدهم وتجاوزوهم فيه.

وأظنني أسرفت في وقت القارئ وجهده قبل أن أنتهي من الموضوع الذي كنت فيه، وربما أعداني إسراف الأمويين في دم المسلمين ومالهم فأسرفت في وقت القارئ وجهده.

ولأعد إلى حديثي عن أموال المسلمين وتبذيرها في غير مصارفها أو في عكس مصارفها، وسأقتصر من ذلك على بعض الأمثلة وأحسبها تغني عن الإكثار منها ومتابعتها، وهو أمر يتجاوز قدرتي لأنه يمثل سمة لازمت الحكم الأموي، فمن العبث إذن أن أحاول متابعته.

هذا معاوية أول خلفائهم يمنح مصر كلها وبكل مواردها هدية خالصة (طعمة) لعمرو بن العاص ما بقي حياً(١) لماذا؟ ألأن ابن العاص كان فقيراً لا يملك ما ينفقه على عياله؟! فإن في بيت مال المسلمين ما يكفيه ويكفي غيره من فقراء المسلمين ومعدميهم الذين لا يملكون فعلاً ما ينفقونه على عيالهم، ثم إن في دون مصر، وفي دون قرية صغيرة من قراها، ما يفي بحاجة أكثر من واحد من فقراء المسلمين ومعدميهم، مثل عمرو بن العاص!! هذا إلى أن البلدان، وحتى القرى منها ليست مما يهدى أو يطعم، لكن معاوية منح مصر كلها طعمة، اشترى بها عمراً وذمة عمرو للالتحاق به والقتال معه ضد علي، وليس في هذا ما يشرف الإسلام أو المسلمين، وليس في هذا ما يمتنع على غير معاوية وما لا يقدر عليه لو تخلى عن خلقه ودينه وإنسايته.

وتصبح هدية البلدان، هذه التي ابتدعها معاوية سنة، تبعه فيها الآخرون من حكام الأمويين، وولاتهم وأمرائهم، كل (يطعم) من يريد منه شيئاً، بلاداً أو إقليماً أو مدينة مقابل ما يريد منه، وأظنني ذكرت ذلك سابقاً.(٢)

ويستمر حديث الأموال، وربما أطلت فيه لأني لا أملك، وربما لا يملك القارئ منها شيئاً، فلنمضِ فيه لنرى ما حل بأموال المسلمين، ومن خلالها، بالمسلمين أنفسهم.

هذا خالد بن عبد الله القسري والي العراق من قبل هشام، لقد بلغت غلته السنوية - لا ما يملك - عشرين ألف ألف درهم. ولأنهم لم يعرفوا المليون في ذلك الوقت، فسأخبرك أن المبلغ يساوي عشرين مليون في حساب أيامنا.

فخالد وهو لا يزيد على أن يكون واحداً من الولاة، تبلغ غلته عشرين مليون في السنة، وتزيد غلة ابنه على العشرة ملايين، وأظنك تدرك ما يعني هذا الرقم في العهد الذي نتكلم عنه(٣) .

____________________

(١) مروج الذهب ج ٢ ص ٣٤٥.

(٢) راجع ص ٨٥ من هذا الكتاب.

(٣) راجع ص ١١٧ من هذا الكتاب.

ولكن ما لنا نلوم خالداً وابنه ونستكثر عليهما ذلك، إذا كان الخليفة هشام نفسه يلجأ إلى الحيلة في الحصول على المال، فينقل لنا الجهشياري: (إن هشاماً أقطع قبل أن تفضي الخلافة إليه أرضاً يقال لها (دورين)، فأرسل في قبضها فإذا هي خراب فقال لذويد - كاتب كان بالشام - ويحك: كيف الحيلة! فقال: ما تجعل لي؟ فقال: أربعمائة دينار، فكتب (دورين وقراها) ثم أمضاها في الدواوين فأخذ هشام شيئاً كثيراً...).(١)

ولن يخفف من فعل هشام أن ذلك كان منه قبل أن يلي الخلافة؛ لأنه بعد الخلافة لن يحتاج إلى التزوير.

بل إن الوظائف العامة قد تحولت في زمن الأمويين إلى صفقات يفوز بها من يزيد في السعر، فيروي زياد بن عبيد الله بن عبد المدان الحارثي، في قصة طويلة له مع خالد بن عبد الله القسري لا ضرورة لإثباتها هنا، وسأقتصر على ما له صلة بموضوعنا رغم طوله أيضاً (فقال: - يعني خالداً لزياد - اخرج فقد وليتك عمله - عامله على الري - فخرجت حتى قدمت الري، فأخذت عامل الخراج فأرسل إلي: إن هذا أعرابي مجنون، فإن الأمير لم يولِّ على الخراج عربياً قط، وإنما هو عامل المعونة، فقل له فليقرني على عملي وله ثلاثمائة ألف، قال: فنظرت في عهدي، فإذا أنا على المعونة، فقلت: والله لانكسرت، ثم كتبت إلى خالد: إنك بعثتني على الري، فظننت أنك جمعتها لي. فأرسل إلى صاحب الخراج أن أقره على عمله ويعطيني ثلاثمائة ألف درهم، فكتب إلي: أن اقبل ما أعطاك واعلم إنك مغبون...)(٢) .

ولا أريد أن أضيف شيئاً إلى النص، وما أراه يحتاج إلى إضافة، الكل يشتري ويبيع: الأكبر إلى الكبير، والكبير إلى من دونه، تجار كبار وتجار جملة وتجار مفرق، والويل للمستهلك.

____________________

(١) الوزراء والكتاب لمحمد بن عبدوس الجهشياري ط أولى. مصطفى البابي الحلبي ص ٦٠.

(٢) تأريخ الطبري ج ٧ ص ٢٨.

وفي خلافة الوليد بن يزيد، وبعد أن اشترى منه يوسف بن عمر، ولاية خراسان، كتب يوسف إلى نصر يأمره بالقدوم عليه مع ما أمكنه من الهدايا والأموال، فجمع نصر ما طلبه يوسف، من أهل خراسان ومن عماله فيها، فلم يدع بخراسان جارية ولا عبداً ولا برذوناً فارهاً إلا أعده، واشترى ألف مملوك وأعطاهم السلاح وحملهم على الخيل، ويقال إنه (أعد خمسمائة وصيفة وأمر بصنعة أباريق الذهب والفضة وتماثيل الضباء ورؤوس السباع والأبابيل وغير ذلك).(١)

ولا أدري ماذا تعني هذه الـ (غير ذلك) بعد كل ذلك!!

يبقى السؤال: من أين لخالد بن عبد الله ولابنه ولنصر بن سيار ولكل الذين أسندت لهم وظائف في الدولة، ابتداء من الأمراء والولاة، وحتى أصغر العمال فيها، تاركين الخلفاء وأبناءهم، فالدولة كلها ملك لهم، من أين لهؤلاء كل هذه الأموال؟ هل كانت فائضة أو من غنائم الحروب، فالأولى بها أن ترسل إلى بيت مال المسلمين، فهي حق لهم، جمعتها سيوفهم ودماؤهم وإن كانت قد أخذت قهراً وغصباً، وهو هذا، فكان الله في عون هؤلاء المساكين الذين سلب منهم قوتهم ليصاغ ذهباً وفضة وتماثيل الظباء و.. و.. .

وأظن من العبث بعد كل هذا، الحديث عن عدل في التعامل مع الإنسان، ومما يتجاوز العبث سيكون الحديث عن حقوق وحريات وشورى ومشاركة في حكم أو في اختيار حاكم.

٣- ولاية العهد: وأصل إلى ولاية العهد: هذا الداء الخبيث الذي أفسد الحياة السياسية الإسلامية، بل شلها، ولأقل - غير مبالغ - قتلها، وكأن الحياة السياسية الإسلامية كانت سليمة فأضيف إليها هذا الداء، وهو أخطر ما أضيف.

مبدأ ولاية العهد هذا، هو الذي أريد الحديث عنه هنا كسمة من السمات التي طبعت الحكم الأموي على امتداده تقريباً، مع أني تحدثت عنه في هذا الكتاب وفي غير هذا الكتاب، وأظنه يستحق أكثر من حديث.

لقد كانت ولاية العهد النقيض الواضح للشورى وحرية الإنسان وحقه في اختيار من يراه أهلاً للحكم، لا أجد ما يبرره رغم كل حجج المدافعين عنه أو - حتى أكون صريحاً - حجج المدافعين عن شخصين: هما: الذي سنّه وشرعه ثم الذي سار عليه وأكده.

____________________

(١) تأريخ الطبري ج ٧ ص ٢٢٤.

وبين تشريعه وبين تأكيده، أجد الأسلوب الذي تأكد به وأفرز قاعدة جديدة للحكم، هو أسوأ الأساليب، فهذا الأسلوب حصر أولاً الخلافة في قريش وحدها، مستبعداً، دون حق، كل المسلمين الآخرين، فلست تجد بين الستة المرشحين واحداً من خارج قريش، مع أن الإسلام لم يميز بين قرشي وغير قرشي، ولم يكن التفاضل فيه إلا بالسابقة والدين والجهاد، وبين المسلمين المستبعدين من هو أفضل أو لا يقل عن بعض المرشحين الستة للخلافة.

وليت الأمر وقف عند سلب المسلمين حقهم في الخلافة، وإنما تجاوز ذلك ليسلب حقهم حتى في اختيار من يفضلونه من بين المرشحين القرشيين للخلافة، حين فوض الأمر كله وحصره بواحد من هؤلاء الستة، جعل له وحده حق اختيار الخليفة من بينهم.

ثم إن هذا الأسلوب زرع الفتنة وأسباب العداء والبغضاء، لا بين المسلمين وبين قريش فقط، حين استبعد الأولين وسلبهم حقهم، بل زرع الفتنة وأسباب العداء والبغضاء بين بطون قريش وأحيائها، وهي تحارب بعضها وتقاتل بعضها للفوز بالخلافة المحصورة فيهم.

لقد كان هذا الأسلوب في نظري بداية الفتنة التي عمت المسلمين ومزقت صفوفهم وما تزال.

وعلى كل فقد تحول هذا الأسلوب - الاستثناء إلى أن يكون هو القاعدة والأصل عندما انتقل الحكم إلى الأمويين، فها هو معاوية: أول خلفائهم يأخذ ولاية العهد أي خلافة المسلمين بعده، لابنه يزيد، مع كل ما عرف عنه، ومع وجود عدد كبير من خيار الصحابة والتابعين ممن كان سيتولى الخلافة على الأرجح، لو ترك المسلمون ومن يختارون.

ولست في معرض الحديث عن يزيد وأخلاقه وصلاحه أو عدم صلاحه لخلافة المسلمين، فهذا ما أراني في غنى عن الخوض فيه لأكثر من سبب أهمها أنه معروف.

لكن ما يلفت في هذا الاستثناء الذي تطور فيما بعد وأصبح قاعدة للحكم عند الأمويين، أنه لم يعد يقتصر على الشكل الأول لولاية العهد: من شخص إلى آخر.ولا الشكل الثاني وهو أسوأ من سابقه: ترشيح أكثر من واحد في نفس الوقت، يختار من بينهم الخليفة. وإنما تحول - كما هو المتوقع في مثل هذه الأمور - إلى الأسوأ من الاثنين؛ إذ صارت ولاية العهد بالخلافة، لأكثر من واحد بالتعاقب. وطبيعي أن يحاول السابق، وقد صار الخليفة، القادر على كل شيء، أن يحاول إبعاد اللاحق عنها، لصالح من هو أقرب إليه، أو أن يستعجل اللاحق ويسرع إلى التخلص من السابق ليحل محله إذا تهيأ له ذلك. فليس منصب الخلافة بالمنصب الهين الذي يمكن لمن له (الحق) في إشغاله، أن يتنازل عن حقه أو يتسامح فيه أو يتركه لغيره.

وهكذا تحولت الخلافة من شورى كما يقال إلى تعيين. ومن تعيين واحد إلى أكثر من واحد في ذات الوقت تدور بينهم الخلافة. ثم إلى تعيين أكثر من واحد على التوالي. وما شيءت من مؤامرات وفتن وصفقات لإبعاد الثاني أو للتخلص من الأول. وهي النتيجة الطبيعية لأمر غير طبيعي، يدفع الثمن فيه هؤلاء الناس الذين حررهم الإسلام فاستعبدهم المسلمون.

وحديث طويل عريض لا ينتهى طولاً وعرضاً عن الحرية والشورى ونزاهة الحكم.

٤- العصبية القبلية:

والعصبية مرض يصيب الإنسان فيفسد عقله حتى لا يرى من الأشياء إلا جانباً واحداً هو الذي يريده منها، وهنا موضع الخطر. فهو لا يناقش، وإذا اضطر يوماً إلى أن يناقش فإنه يكون قد حدد مسبقاً نتيجة هذا النقاش وحسمها لصالحه، حتى لو لجأ إلى حرف الوقائع أو إنكارها إذا وجد فيها ما يتعارض مع رأيه.

وهذا المرض لا يختص بميدان بذاته، بل تواجهه في كل ميدان: في الفكر وفي السلوك، في الدين وفي المذهب، في السياسة والاقتصاد، في أخطر القضايا وفي أبسطها.

ولقد عانت الإنسانية خلال تأريخها، الكثير من هذا المرض الذي لم تفلح حتى الآن في إيجاد الدواء المناسب له.

والعديد من الحروب التي حصدت الملايين من البشر، قامت بسبب هذه العصبية العرقية أو الدينية أو المذهبية. وأحسب عالماً كبيراً هو هذا العالم العربي الإسلامي الذي نحن - لسوء الحظ جزء منه - ما يزال يعاني من هذا المرض، وربما أشد من السابق.

فالعصبية بأي صورها أخذتها، تتعارض مع الحرية، وهي قيد ثقيل عليها، بل قيد على العقل الذي لم يخربه ويشله كهذه العصبية.

ولأن حديثي يتعلق أصلاً بالعصبية القبلية في ظل الحكم الأموي ومدى تأثيره فيها، فسأحاول أن أقصره عليها كموضوع عربي لا أخرج به إلى ميدان آخر.

ولأبدأ من الجاهلية: فهل كان العربي في الجاهلية حراً كما يوصف دائماً؛ لعدم وجود سلطة يخضع لها ولا دولة تفرض عليه قوانينها؟

لا أظن. وليس من بأس أن أستعير هنا الاصطلاح المتداول هذه الأيام لوصف العربي بأنه: كان مصاباً بازدواج الشخصية. فهو حر في التعبير عن حبه ووصف حبيبته، هذه التي تيمته وملكت فؤاده، يسهر مع خيالها في الليل، يناجي النجم حين ينام الخليون من الناس.

وهو حر في وصف ناقته التي يجوب عليها القفار المخوفة، لا أنيس فيها غير الوحش، تنشط أحياناً ويصيبها الكلل أحياناً. أو وصف فرسه في كل حالاته، في الحرب والسلم، وفي سرعته التي يسابق بها الريح، فلا يصيبه بسوطه إلا ظالماً له.

والعربي حر في الإدلال بشجاعته وفي اقتحامه المخاطر التي لا يجرؤ غيره على اقتحامها. وفي التمدح بكرمه وهو ينحر ناقته التي قد لا يملك غيرها لمن ينزل عنده من الضيوف، عن معرفة أو عن غير معرفة.

والعربي حر في أن يقول ما يشاء، وصفاً ومدحاً وهجاء وفخراً ورثاء.

هو إذن حر في التعبير عن عواطفه كما يشاء. لا قيد على حريته تلك، ما تعلق الأمر به كفرد ولم يتجاوز حدوده كفرد، لكنه ما أن يترك فرديته إلى القبيلة، حتى يصبح جزءاً منها، حريته من حريتها فيما يقول ويتصرف: يثور حين تثور ويسكن حين تسكن، فهي التي تتحرك فيه وتقول على لسانه ما يقول. قد نسي كل شيء إلا أنه من غزية، يغوى إن غوت ويرشد إن ترشد.(١)

وحين جاء الإسلام، حاول أن يستبدل بعصبية القبيلة عصبية الدين فيكون هذا هو الذي يجمع المسلمين. وبقدر اقترابهم منه يكون اقترابهم من بعضهم. فالإسلام لا القبيلة، هو الذي يجب أن تتجه إليه العصبية؛ به يكون الفضل عند التفاضل وبالسبق إليه والبلاء فيه والجهاد لإعلاء كلمته يمتاز مسلم عن مسلم، ويتقدم مسلم على مسلم.

لكن العصبية القبلية لم تمت حتى في حياة النبي نفسه وإن كانت ضعفت تحت تأثير الدين وبقوته كما ذكرت.(٢)

وانتهى عصر النبوة، وانتهى بعده عصر الراشدين الذي لم تخل أيامه هو أيضاً من بعض وجوه العصبية القبلية.

وها نحن أمام عهد جديد لم يقم على أساس من دين أو جهاد أو سابقة، وإنما بعد حرب استعمل فيها معاوية كل الوسائل غير الأخلاقية البعيدة عن الإسلام وقيمه، والبعيدة عن الإنسان وقيمه. فأي غريب أن تضعف العصبية الإسلامية وتخلي مكانها للعصبية القبلية التي بدأت مبكراً مع الحكم الأموي، أو بالأحرى قام عليها هذا الحكم.

____________________

(١) وهذا ما يمثله بيت دريد بن الصمة أحد فرسان هوازن المشهورين في الجاهلية وهو من عدة أبيات منها بيته المعروف:

وهل أنا إلا من غزية إن غوت

غويت وإن ترشد غزية أرشد

(٢) من ذلك ما كان في غزوة بني المصطلق من خزاعة عام ٦ للهجرة حين تزاحم على ماء المريسيع: ماء لبني المصطلق، جهجاه بن مسعود الغفاري أجير عمر بن الخطاب وسنان بن وبر الجهنى حليف بني عوف بن الخزرج فاقتتلا، فصرخ الجهني يا معشر الأنصار وصرخ جهجاه يا معشر المهاجرين. وكادت تقع فتنة لولا أن يتداركها النبي بتعجيل الرجوع إلى المدينة لاشغال الناس عما جرى. سيرة ابن هشام، المكتبة العلمية- بيروت لبنان ج ٣ ص ٢٩٠، وتاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٠٥، وتأريخ ابن الأثير ج ٢ ص ٨١.

فمنذ البدء اعتمد معاوية في حكمه علي العصبية القرشية، وعلى عدد من القبائل، تمثل اليمانية مركز الثقل فيها. ومن بين هذه القبائل، كانت كلب: القبيلة اليمانية القوية، وأخوال ابنه يزيد، هي صاحبة النفوذ الأقوى في عهد معاوية.

وبقيت كلب والقبائل اليمانية عموماً تتمتع بهذا النفوذ في زمن يزيد ومروان بن الحكم؛ فقد كان لكلب خصوصاً، الدور الكبير في الانتصار الذي حققه مروان على عبد الله بن الزبير في معركة مرج راهط، التي مثلت مرحلة هامة في الحرب التي استمرت دائرة بين ابن الزبير وبين الأمويين بقيادة عبدالملك بن مروان، حتى انتهت أخيراً بقتل ابن الزبير وصلبه في مكة، على يد الحجاج بن يوسف كما هو معروف.

وجاءت معركة المرج هزيمة للقيسية المضرية ونصراً لأعدائهم من القبائل اليمنية سيما كلب.

وقبل هذه المعركة وبعدها، كانت السياسة الأموية تدفع دفعاً إلى العصبية القبلية تبعاً لمواقف الخلفاء، وأحياناً مواقف ولاتهم من هذه القبيلة أو تلك، وتقريبهم أو استبعادهم لها. وزاد من حدة الشعور بهذه العصبية، أن التقريب والاستبعاد في هذا العهد يعني تقريباً أو استبعاداً من السطوة والمال والحكم. وهو ما لم تعرفه العصبية القبلية في الجاهلية.

ولكي تعلم مدى ما وصلت إليه العصبية القبلية من خطورة فسأنقل لك نصاً للطبري يورده ضمن أحداث سنة ١١٧ تحت عنوان (أمر أسد بن عبد الله - القسري اليمني أخي خالد بن عبد الله - مع دعاة بني العباس).

(وفي هذه السنة - ١١٧ - أخذ أسد بن عبد الله جماعة من دعاة بني العباس بخراسان، فقتل بعضهم ومثل ببعضهم، وحبس بعضهم. وكان فيما أخذ سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وموسى بن كعب ولاهز بن قريظ وخالد بن إبراهيم وطلحة بن زريق، فأتي بهم، فقال لهم: يا فسقة ألم يقل الله تعالى:( عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ وَمَن عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ) (١) . فذكر أن سليمان بن كثير قال: أتكلم أم أسكت؟ قال بل تكلم، قال: نحن والله كما قال الشاعر:

لَو بِغَيرِ الماءِ حَلقي شَرِقٌ

كَنتُ كَالغَصّانِ بِالماءِ اعتِصاري

____________________

(١)المائدة: ٩٥.

تدري ما قصتنا؟ صيدت والله العقارب بيدك أيها الأمير، إنا أناس من قومك، وإن هذه المضرية إنما رفعوا إليك هذا لأنا كنا أشد الناس على قتيبة بن مسلم - باهلي قيسي مضري - وإنما طلبوا بثأرهم. فتكلم ابن شريك بن الصامت الباهلي، وقال: إن هؤلاء القوم قد أخذوا مرة بعد مرة، فقال مالك بن الهيثم: أصلح الله الأمير: ينبغي لك أن تعتبر كلام هذا بغيره، فقالوا: كأنك يا أخا باهلة تطلبنا بثأر قتيبة! نحن والله كنا أشد الناس عليه، فبعث بهم أسد إلى الحبس، ثم دعا عبد الرحمن بن نعيم فقال له: ما ترى؟ قال: أرى أن تمن بهم على عشائرهم، قال: فالتميميان اللذان معهم؟ قال: تخلي سبيلهما، قال - يعني أسد بن عبد الله - أنا إذاً من عبد الله بن يزيد نفي، قال: فكيف تصنع بالربعي؟ وبين اليمن وربيعة حلف طويل؟ قال: أخلي والله سبيله، ثم دعا بموسى بن كعب - وهو من تميم من مضر - وأمر به فأُلجم بلجام حمار، وأمر باللجام أن يجذب فجذب حتى تحطمت أسنانه، ثم قال: اكسروا وجهه، فدق أنفه ووجأ لحيته، فندر ضرس له. ثم دعا بلاهز بن قريظ - وهو تميمي مضري أيضاً - فقال لاهز: والله ما في هذا الحق أن تصنع بنا هذا، وتترك اليمانيين والربعيين، فضربه ثلثمائة سوط، ثم قال: اصلبوه، فقال الحسن بن زيد الأزدي: هو لي جار وهو بريء مما قذف به، قال: فالآخرون؟ قال: أعرفهم بالبراءة، فخلى سبيلهم)(١) .

فهل رأيت إلى أين وصلت العصبية القبلية؟ دعاة بارزون لبني العباس، يريدون هدم الحكم الأموي الذي يمثل أسد بن عبد الله وأخوه خالد بن عبد الله القسري اليمني، ركنين من أركانه، يؤخذون وهم في نشاطهم أكثر من مرة. كما يظهر من الآية الكريمة التي استشهد بها أسد في أول حديثه معهم، ومن كلام ابن شريك بن الصامت الباهلي.

ولو زال الحكم الأموي وقام الحكم العباسي، فما أظن أسداً ولا خالداً أخاه سيطمعان من الحكم الجديد، بأكثر من القتل، دون تعذيب يتمنيان معه القتل.

____________________

(١) تأريخ الطبري ج ٧ ص ١٠٧، وابن الأثير ج ٤ ص ٤١٥.

فماذا يفعل أسد بن عبد الله بهؤلاء الأعداء للحكم، وله نفسه من خلال العداء للحكم؟ لقد نسي كل شيء، إلا هذه العصبية القبلية اليمنية، فهو يأمر بإخلاء سبيل سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم الخزاعيين اليمنيين، وطلحة بن زريق الخزاعي بالولاء - عم أبي طاهر بن الحسين القائد العباسي المشهور - كما يأمر بإخلاء سبيل خالد بن إبراهيم من بكر بن وائل من ربيعة، للحلف القديم بين اليمن وربيعة، لكنه يأمر بتعذيب موسى بن كعب ولاهز بن قريظ، الشريكين في نفس التهمة، ولم يفلت لاهز من الصلب إلا بوساطة يمني من الأزد. لماذا؟! لأن الأخيرين من تميم من مضر، وأسد اليمني لا يمكن أن ينسى عداءه لمضر، حتى في مثل هذا الظرف الذي لن يطيح بالحكم، قبل أن يطيح به وبأخيه.

ماذا يمكن أن تفعل العصبية أكثر من هذا؟

ماذا يمكن، وقد وصلت العصبية الى النبي محمد و الى الله نفسه الم تسمع (ما زالت ربيعة غاضبة على الله منذ بعث نبيه من مضر)؟!

لقد أراد الأمويون إشغال العرب بعضهم ببعض، فاشغلوهم، ثم شغلوا بانفسهم فضعفوا وأضعفوا معهم العرب بسلاح العصبية القبلية التي أذكوا نارها.

فحين دهمهم الخطر القادم من الشرق مع الدعوة العباسية، لم يستطيعوا دفعه. وحين أفاق العرب وانتبهوا للخطر، كان هذا قد تجاوزهم.

وكان السلاح الذي استعمله الأمويون في ضرب العرب بعضهم ببعض عن طريق العصبية القبلية، قد وجد من يحسن استعماله بأفضل مما استعمله الأمويون؛ فارتد عليهم وقوض حكمهم.

وملاحظة أخيرة قد تجمل ما تناولته الملاحظات السابقة هي إن الأمويين قد تنكروا في حكمهم للإسلام وقيمه وأحكامه، لقد بعدوا عنه أو فعلوا عكسه. وانتهى في حكمهم، لا الإسلام وحده، بل قبله أو معه، الإنسان بما يمثل من قيم وبما له من حقوق ليس الاختيار والشورى والمشاركة في الحكم أهمها ولا أولها، وفي بعض ما ذكرت ما يكفي لإثباته.

وانتهى الحكم الأموي ليقوم على أنقاضه حكم جديد هو حكم العباسيين الذي كان تسلسله الأوّل فيما بحثت في هذا الكتاب.

(٣٣)

هكذا يفعل الأمويّون

عبد الله بن خباب وطريق الموت

لم يتصور الزوجان الشابان أن هذا اليوم هو آخر يوم في حياتهما، وأن الطريق الذي أخذاه متجهين إلى الكوفة هو الطريق الذي يتجه بهما إلى الموت لا إلى الكوفة.

كان عبد الله بن خباب(١) يسوق بزوجته ليلى بنت سعد(٢) . وبعد كل مسافة يقطعانها يجلسان للراحة والحديث الذي يحلو في مثل هذه المناسبات، ويساعد على نسيان التعب واستعادة النشاط قبل استئناف السير.

لقد تزوّجا منذ وقت قصير، وليلى في شهرها التاسع من أشهر الحمل. إنها تمر يدها على بطنها وابتسامة عذبة رقيقة تعلو وجهها وهي تكلّم هذا الذي يسكنها الآن. تداعبه تحلم به، قد هيأت كل ما يلزمه مما يحتاجه الأطفال عند ولادتهم وبعد ولادتهم. ها هي تعد الأيام الباقية من الأشهر التسعة. إنها ليست بعيدة.

وعبد الله جنبها يشرق وجهه بالسعادة وهو يشاركها أحلامها يحسب الأيام مثلها أو أكثر منها. ينتظر المولود الجديد.

وتسأل ليلى: ماذا سنسمّيه يا عبد الله؟ أظنك ما تزال تفضّل (خباباً) اسم أبيك. لقد كان هذا رأيك منذ بدايات الحمل. وإني والله أفضله كما تفضله. ما أحب اسم خباب إليّ! سأفخر دائماً أن يكون خباب جدّاً لابني. ألم يكن خباب من خيار أصحاب رسول الله؟ ألم يشهد المشاهد كلها معه: بدراً وغير بدر، لم يتخلّف عن أيٍّ منها؟! ألم يسلم سادس ستة، وكان أول من أظهر إسلامه؟!

ونهضت ليلى ونهض عبد الله. إنهما الآن على مشارف الكوفة. لم يبق في الطريق إليها ما يستحق نزولاً أو توقّفاً.

____________________

(١) أبوه خباب بن الارز من كبار الصحابة شهد بدراً والمشاهد كلها. أسلم سادس ستة وأول من أظهر إسلامه. عذب كثيراً في إسلامه توفي عام ٢٧ وصلّى عليه عليّ.

(٢) الحق أنني أجهل اسم الزوجة ولم أجد بين المؤرّخين من ذكر اسمها وهو يسوق الرواية (ليلى بنت سعد) هو ما اخترته أنا للزوجة، مما اقتضاني التنبيه.

ولكن من هؤلاء المتجهون إلينا؟ ربما كانوا يقصدون المكان الذي تركناه، أو أن مساكنهم في هذه الناحية فهم ذاهبون إليها. ربما أرادو سؤالنا عن الطريق.

كل شيء خطر في ذهن الزوجين الشابين إلاّ شيء واحد. ما الذي يخيفهما من هؤلاء أو من غيرهم، فلم يكن عبد الله قد آذى أحداً أو اعتدى على أحد. ولم يكن ذا رأي يمكن أن يثير عليه غضب أي من جهات الصراع الذي كان دائراً آنذاك. بل إن اسم أبيه ومنزلته وحسن بلائه في الإسلام كفيل بأن يبعث في نفسه الأمن والاطمئنان. ومع ذاك فيبدو أن ليلى ليست مطمئنة.

إني أرى في وجوههم الشر يا عبد الله فمل بنا عنهم. قالت ليلى لزوجها. لكنهم كانوا قد اقتربوا فلم يسع الزوجين تغيير طريقهما وتجنّبهم.

ونادى أحدهم بصوت فيه خشونة وجفاء: من أنت؟

وفزع عبد الله وأهوى الى ثوبه يتناوله من الأرض وكان قد سقط من الفزع، وأجاب: أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله.

ودنوا أكثر منه ومن زوجته المذعورة، وبدأ امتحانهم له.

وحين عرفوا أنه لم يكن على رأيهم، بدأ شيء آخر: كتفوه ثم جاءوا به وبامرأته و طرحوهما بعنف على جانب النهر.

وقال أحدهم: والله لنقتلنكما شر قتلة يا أعداء الله.

ولم ينفع عبد الله توسّله ولا توسّل زوجته وتضرّعها بأنهما لم يفعلا ما يستحقان عليه القتل، وأنهما من المسلمين، يشهدان ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لم ينفعهما ذلك بشيء. لقد قرّر القوم قتلهما. ألا يكفي ذنباً يستحقان عليه القتل، أنهما لم يكونا من الخوارج، ولم يكفّرا عثمان في السنوات الست الأخيرة من حكمه وعليّاً بعد التحكيم.

وتسابق الزوجان، كلٌّ يقول إبدؤوا بي أوّلاً.

وللمرة الأخيرة كانت ليلى تمر يدها تتحسّس من في بطنها، تعتذر إليه وعيناها معلقتان به.

كان الكلام يقتصر على لسانها. شفتان مصفرّتان تتحركان بضعف تستطيع أن تعرف ما تريدان قوله، وإن لم تستطع تبيّنه.

ومرت سراعاً أمامها أيام زواجها وأحلامها، وتصوّرت خباباً وقد أصبح طفلاً وهو يناديها، وهي تقبّله مساءً قبل النوم، وتضمّه إلى صدرها أول ما ينهض من النوم.

وغلبتها دموعها قبل أن يشق أحدهم بطنها سيذبح المشرك، بعد أن ذبح أباه وأُمّه.

وعانق دم الأبوين دم الابن ليسجّل التأريخ مأساة جديدة أخرى في تأريخ لا تعوزه المآسي ولا شيء فيه أكثر من المآسي.

وما ذكرت القصّة إلاّ حزنت أشد الحزن لعبد الله وزوجته وطفلهما الذي ذُبح وهو بعد في بطن أُمّه.

وما ذكرت القصّة إلاّ سخرت أشد السخرية من هؤلاء الكتّاب، الكثيرين هذه الأيام، وهم يريدون أن يجعلوا من الخوارج، روّاد الديمقراطية والعدل في الإسلام.

ولو غفر الله يوماً للخوارج ما ارتكبوا، فما أظنه سيغفر لهؤلاء الذين يبرّرون للخوارج ما ارتكبوا.

لا غفر الله للاثنين.

ماذا فعل عبد الله بن خباب وماذا فعلت زوجته الحامل ليقتل وتقتل زوجته وتبقر بطنها ويقتل جنينها.

وبعد ابن خباب وزوجته، ماذا فعلت أم سنان الصيدواوية والنساء اللائي قُتلن معها بعد ما انتهى المجرمون من قتل ابن خباب وزوجته؟!

وما ذنب عقيل بن مصعب وعدي بن عمرو وأبي ليث بن أبي سليم وأزهر بن عبد الله وذهل بن الحارث؟!(١)

____________________

(١) تأريخ الطبري أحداث سنة ٧٦.

وكيف ستعتذر عن قتل الأب أمام ابنته والبنت أمام أبيها في وحشية قلّما حدّثنا التأريخ عنها؟!

والألوف أو عشرات الألوف من المسلمين، شيوخاً واطفالاً ورجالاً ونساءً، فاضت دماؤهم في غير ساحة حرب ولا أثناء قتال، لم يصدر منهم ما يحل دماءهم إلاّ أنهم لا يشاركون الخوارج آراءهم؟!

ومتى كان اختلاف الرأي محرّماً؟!

ومتى كان اختلاف الرأي موجباً للقتل إلاّ عند الخوارج: خوارج الأمس وهؤلاء الخوارج الجدد في هذه الأيام؟!

جذور الشر

عهد الراشدين

سأخصّص هذا الفصل للحديث عن عهد الراشدين. هذا العهد الذي يعتبره الكثيرون مثالياً في عدله واحترامه للإنسان، وفي قيامه على الشورى ورضى المسلمين، حتى أنك لا تنتقد نظاماً ولا حكماً ولا حاكماً في عصرنا هذا، إلا ركضوا إليه يستحضرونه ويستشهدون به على الحرية والعدل اللذين كان المسلمون ينعمون بهما في ظلّه. وكأن ما نحياه اليوم لا يعدو أن يكون مجرّد استثناء وخروج على القاعدة التي اتسمت بها علاقات المسلمين، حاكمين ومحكومين، على امتداد العهود الإسلامية السابقة، ابتداءً من أزكاها وأفضلها وأعدلها: عهد الراشدين.

فلأبدأ بهذا العهد، وبأول خلفائه: أبي بكر.

١- أبو بكر (الصدّيق)

وأظنك تستغرب أن يكون عهد أبي بكر موضوعاً للحديث في هذا الكتاب، وهو الذي يرى فيه الغالبية العظمى من المسلمين، المثل الذي لا يجدون له نظيراً في أنظمة الحكم القديمة والمعاصرة، على سعة الأرض التي نسكنها واختلاف الأنظمة فيها من السويد وحتى السعودية.

وهذا ما يخيف الكاتب وهو يريد أن يكون صادقاً مع نفسه وقارئه.

وهذا ما أخافني فعلاً.

لقد عانيت طويلاً وأنا أريد أن أكتب عن عهد أبي بكر، لا مدحاً كما يفعل الآخرون، وهذا ما لا يحتاج إلى معاناة وجرأة، فليس عليك إلاّ أن تكرّر ما كتبه السابقون وهو كثير، ثم تضيف إليه ما لم يذكروه مما تريد ذكره، ولكن نقداً كما جرت الأمور في ذلك العهد. وهذا ما أخافني، وهذا ما عانيت منه.

من ذا الذي يستطيع أن ينقد أبا بكر وعهد أبي بكر ولا يخاف، وهو يخاف أن ينقد من هو دونه، ودونه من هؤلاء الذين يسمّونهم (صحابة)؟!!

وأردت أن أغض النظر واؤثر السلامة وأسكت. ولكن فكّرت أن لو غضضت النظر وسكت عمّا جرى في عهد أبي بكر إرضاءً للآخرين أو خوفاً منهم، فسأضطر أن أغض النظر وأسكت عما جرى في غيره من العهود، أو أن أكون مزوّراً منافقاً كهؤلاء الذين أساؤوا إلى تأريخنا ممن ذكرتهم في أكثر من موضع، فأكتب بقلمين مختلفين: عمّن أخاف وعمّن لا أخاف.

وأظنك ستستغرب أكثر إذا أخبرتك أن أول ظلم لحق المسلمين وانتهك حقوقهم، وأن أول من جرأ على ظلم المسلمين وانتهاك حقوقهم كان أبا بكر وعهد أبي بكر.

لم يكن أبو بكر من الملائكة كما يصوّر، ولم يكن عهده ملائكياً كما يصوّر. لقد كان أبو بكر شخصاً من الناس تولّى حكم المسلمين فتصرّف كأي حاكم يريد الاحتفاظ بحكمه وإبعاده عن كل ما من شأنه أن يتهدّده. وليس ما يرويه الرواة من عدل مثالي لازم حكمه إلاّ من أساطير المزوّرين الذين سبق الحديث عنهم.

ولن أطيل عليك في الكلام، ولن أزوّر في الاعتذار عن ظلم نال المسلمين لا أجد ما أعتذر به لو حاولت، إلاّ أن أكون شريكاً فيه.

أ- عندما تكون رؤوس المسلمين حطباً للطبخ - شذرة التي قتلت الآلاف. المرتد الذي زوّجه أبو بكر أُخته - الضفدعة وحرب اليمامة -

المشهد أمامي. أرتعد كلما تذكّرته أو فكّرت فيه. كان الدم ما يزال ينزف من رأسه المقطوع بأمر سيف الله حين وضعوه تحت القدر يطبخون عليه الطعام لجيش المسلمين!!

الطبّاخ يحوش رأس مالك، ثم يضع يده المبتلّة بالدم في القدر يتأكّد إن كان الطعام قد نضج، فما يزال رأس مالك قادراً على أن يمد القدر بالنار.

وسألت نفسي أو سألتني، لا أدري، فما أطول تساءلنا ونحن نقرأ تأريخنا: أترى الحطب أعوز سيف الله. ألم يجد من الحطب، وليس أكثر منه في هذه الصحراء، ما يطبخ عليه، غير رأس هذا الرجل، حتى لو كان مذنباً؟! حتى لو كان ذنبه أكبر وأشد من شهوة سيف الله إلى احتضان أم نهشل؟! أم أن رؤوس الناس هي من بين أصناف الحطب، أو أفضل أصنافه في ذلك العهد.

وإذا لم أكن مخطئاً، فإن رأس مالك بن نويرة كان أول رأس يستعمل حطباً للطبخ. فلا يحدّثنا التأريخ أن قوماً سبقونا، أو أن شخصاً سبق سيف الله إلى هذه المأثرة!!

لكن الغريب أن المؤرّخين المسلمين لا يجدون في هذا الأمر جريمة. جريمة أخرى تزيد في بشاعتها على جريمة قتل مالك بغير حق. كل ما استوقفهم وكل ما استغربوه في هذه الجريمة الجديدة، إن الطعام نضج ولم يحترق رأس مالك كلّه، لكثافة شعره الذي منع النار أن تصل إلى جميع جوانبه.

هل رأيتم؟!

أي ذنب كبير هذا الذي ارتكبه مالك؟! كيف ينضج الطعام ولم يحترق رأسه كلّه؟! إنها حقّاً جريمة جديدة يرتكبها مالك لم يعاقبه عليها سيف الله، وكان من حقّه العقاب(١) . جريمتان قبل الموت، وبعد الموت!!!

____________________

(١) البداية والنهاية لابن كثير ج ٦ ص ٣٢٢ مطبعة دارالسعادة ١٩٣٢.

رحمك الله يا فتى يربوع وفارس ذي الخمار.

كم قاسيت؟! وكم حمّلوك من ذنوب وآثام، كان أولى بها من حمّلك إيّاها.

والله يا مالك. لو وجدك خالد ساجداً - وقد وجدك - لقتلك. ولو كنت في جيشه تقاتل (المرتدّين) لقتلك.

والله لو جاء محمد بن عبد الله وشهد بحسن إسلامك لقتلك خالد. فليست (الردّة) هي التي قتلتك. وليست الزكاة هي التي قتلتك. إنك تعرف من قتلك، أو من قتلتك.

ألم تجد غير أم نهشل تتزوّجها وأنت تعلم أنها من أجمل نساء العرب وصاحبة أجمل ساقين بينهن، وأن سيف الله لا يعجبه شيء كما يعجبه جمال الساقين في المرأة، هو كلف عاشق لهما(١) .

كان عليك ألاّ تتزوّجها، أو أن تطلّقها وتتخلّى عنها، حين اقترب سيف الله منك، وهو لن يتركك حيّاً، وما جاء بهذا الجيش ليتركك.. حيّاً، وقد عزم على أن تكون أم نهشل له. ولن تكون له إلاّ بقتلك والتخلّص منك.

ولا أدري كيف فاتك ذلك، وما كنت غافلاً عنه ولا جاهلاً به، ولقد أكّدته كأقوى وأوضح ما يكون التأكيد وأنت تقول بخالد، وسيف ضرار ينتظر الأمر (هذه التي قتلتني) مشيراً إلى زوجتك أم نهشل.

ومن النساء من تقتل يا مالك!!

وأنت يا ابن الوليد، يا سيف الله كما يسمّونك حتى اليوم. ما كان أغناك، وقد نلت ما تريد من ذات أجمل ساقين، وقتلت مالكاً، عن التمثيل به ووضع رأسه في موضع النار أو جزء من النار يطبخ عليه!! ما هذا الفعل الذي يقول الرواة والمحدّثون أن الصحابة لا يحملونه في صدورهم، بل لا تتسع له صدورهم، خصوصاً من نال رتبة سيف الله، وهي رتبة لم ينلها ولم يبلغها أحد غيرك من المسلمين؟!

____________________

(١) أم نهشل أو أم تميم زوجة مالك بن نويرة وأبوها المنهال بن عصمة الرياحي أحد فرسان بني تميم في الجاهلية.

إذن لجنّبت المؤرّخين العرب هذا الخلط العجيب، أو هذا الجنون العجيب، وهم يحاولون تبرير جريمتك، كعادتهم دائماً في تبرير الجرائم التي يرتكبها المحظوظون أمثالك، وهم يقتلون الناس بلا ذنب.

هل تعرف ماذا يقولون؟

يقولون في بعض ما يقولون إن قتلك مالكاً كان نتيجة خطأ في اللغة. لقد طلبت تدفيئه ففهم الحرّاس، وهم من كنانة، أنك طلبت قتله فقتلوه، ذلك أن لغة كنانة تختلف عن لغة قريش التي أنت منها. لغة يعني (الدف) فيها (القتل).

قل لي يا خالد: هل كانت كنانة هذه، كنانة أخرى، غير كنانة العربية التي أعرف؟!

إن النسّابين العرب يقولون إن قريشاً هو النضر بن كنانة أو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. فكنانة في جميع الأحوال أبو قريش أو جدّه. فهل اختلفت لغة الابن أو الحفيد عن لغة الأب أو الجد فصار (الدفء) في إحداهما يعني (القتل) في الثانية.

أتكون كنانة التي منها حراس مالك، غير عربية؟ جاءت من أواسط آسيا مثلاً وحلّت في جزيرة العرب وجاورت قريش وأخذت العربية منها وتكلّمتها ونظمت الشعر فيها، و(تقرّشت) في كل شيء ونسيت كل لغتها، إلاّ كلمة واحدة لم تستطع أو لم ترد أن تغيّرها، فبقيت كما هي في لغتها الأصلية حين كانت هناك في موطنها الأول. هذه الكلمة هي (دفؤوا) بمعني (اقتلوا).

هكذا كانوا يفهمونها قبل أن ينتقلوا ويجاوروا قريشاً. وهكذا بقيت وحدها تعني القتل. وبها قتل مالك. فما ذنبك أنت؟! ولِمَ يتهمونك، ظالمين لك، بقتل مالك، وكان عليهم أن يتهموا لغة كنانة وقد فعلوا؟!

ولكن لِمَ تطلب تدفئة مالك، وقد تمّ قتله في الصيف، في أحرّ أشهر الصيف: بين تموز وأيلول؟ لا كما يدّعي المؤرّخون، وهم يحاولون الاعتذار عنك، بأن أسر مالك وقتله كان في الشتاء: في ليلة باردة، شديدة البرودة، لا يقوم لها شيء كما يذكرون. لكأن الله جمع البرد كلّه وادخره لهذه الليلة وحدها، ليدّخر معها العذر لهؤلاء المؤرّخين في طلب (الدفء) لمالك الذي كان القتل هو دفئه.

وأظنك تسخر منهم الآن ومن محاولاتهم الاعتذار عنك، وأنت تذكر تلك الليلة من تموز أو آب، الحارّة الشديدة الحرارة، التي لا يقوم لحرها - لا لبردها - شيء، حين أمرت بقتل مالك الذي ما كنت لتجرأ أن تلقاه منفرداً، إلاّ ضائفاً أو مستجيراً.

وأظنك تسخر أكثر، من الحجّة التي ما يزال يتمسّك بها حتى اليوم، مرتزقة ومتعصّبون وأغبياء، من ارتداد العرب، ومنهم بنو يربوع قوم مالك.

فهل لك أن تخبرني يا خالد، ومثلك من يملك الجواب، حقيقة ما جرى؟

لِمَ أشعلتم الحرب على العرب وأسلتم دماءهم وسبيتم ذراريهم وعوائلهم، ولما يمضي بعد على وفاة نبيّهم إلا أيام؟

هل كان الأمر كما ينقل المؤرّخون من أن العرب، عدا قريش وثقيف، قد ارتدّوا، أي تركوا الإسلام ورجعوا إلى أوثانهم كما كانوا يفعلون في الجاهلية قبل إسلامهم؟

وقبل أن يجيب، خطر في ذهني سؤال أهم من خالد ومالك وكنانة التي نزحت، لا أدري من أين!! أهناك تهمة توجه للنبي محمد أشد وأخطر من التهمة التي يوجّهها إليه هؤلاء الذين يردّدون أن العرب قد ارتدّوا جميعهم عدا قريشاً وثقيفاً؟! أليس ما يقولونه وبكل وضوح، هو أن الإسلام لم يقم إلاّ على السيف، ولم يدخل العرب فيه إلاّ خوفاً من السيف، لا اقتناعاً ولا إيماناً، فما أن توفّي النبي محمد، وأمنوا أو تصوّروا أنهم أمنوا السيف، حتى ارتدّوا وتركوا هذا الدين الذي دخلوه أو أُدخلوا فيه بالقوّة وبالخوف، لا إيماناً واقتناعاً.

أي فشل لمحمد أكثر من هذا؟!

لقد كان إذن عبثاً كل هذا الجهد الذي أنفقه محمد منذ بدء دعوته حتى وفاته، وكل هذه الدماء التي سالت، وكل هذه التضحيات التي بذلها المسلمون.

وهاهم العرب يتسابقون إلى التخلّي عن هذا الدين وإعلان البراءة منه والعودة إلى أصنامهم بعد فراق لها.

إنهم يعانقونها معتذرين إليها من هجر أُجبروا عليه، كما يعتذر المحب لحبيبه.

أليس هذا ما يقوله المؤرّخون المسلمون، لا استنتاجاً يخطئ ويصيب. بل بوضوح ما وراءه وضوح: دخل العرب الإسلام خوفاً حين كان محمد حيّاً، وارتدّوا، حين مات محمد وزال الخوف. وكل حديث غير هذا، وكل تفسير لكلام المؤرّخين غير هذا، لن يكون إلاّ كذباً و تضليلاً.

وما أظن أعداء الإسلام ومحمد سيجدون تهمة للنيل من الإسلام ومحمد، أشد من هذه التهمة.

وما أظنهم سيظفرون بسلاح للطعن في الإسلام ومحمد أمضى من هذا السلاح الذي يقدّمه لهم هؤلاء الذين اختلقوا أسطورة (الردّة)، وهؤلاء الذين قبلوها وسوّقوها وأذاعوها من مرتزقة وأغبياء ومتعصّبين، عن وعي أو دون وعي، لا أدري أي الأمرين أخطر.

وأراني استرسلت في الحديث أطول مما قدرت، فللقارئ عذري. وكنت سأقف هنا وأريحه، لولا أن تأريخ سيف الله طويل وحافل، ومن الظلم أن أذكر مالكاً ورأس مالك وساقي أم نهشل وأنسى مأساة بني جذيمة: هؤلاء البؤساء الذين أرسل اليهم النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله خالداً أو سيف الله كما يصر البعض على تسميته، هادياً ومرشداً، فذبحهم ثأراً بعمّه الفاكه بن المغيرة الذي قتلوه في الجاهلية في قصّة ليس هنا مكانها(١) وقد بلغ من غيظ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وغضبه على خالد عندما سمع بما فعله ببني جذيمة أن رفع يديه إلى السماء حتى ليرى بياض إبطيه وهو يبرأ إلى الله مما فعله خالد. يكرّر ذلك ثلاثاً.

____________________

(١) صحيح البخاري

المستعمل للطبخ؟!!

والله لو فعلها غير خالد!

والله لو قالها غيرك، لقامت الدنيا ولم تقعد حتى اليوم.

عن أي جرائم خالد، وعن أي جرائم أخرى غير جرائمه، أسألك يا خليفة المسلمين؟!

لقد طالما تساءلت وأنا أسمع إصرارك على الاعتذار عن خالد: أكنت خليفة للمسلمين أم لبعض منهم: خالد وأصحابه؟! هل تذكر قولك وأنت على المنبر أول يوم من ولايتك (القوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه والضعيف عندي قوي حتى آخذ الحق له).

فهل كنت تصدر عن نيّة صادقة وأنت تقول ذاك، أم شيء فرضه الموقف عليك؟!

أي قوي أخذت منه الحق، وأي ضعيف أخذت له الحق؟!

هل أذكّرك بغير خالد وبغير مالك؟!

ورأيت أبا بكر يبتسم ساخراً وهو يقول لي: هل انتهيت من (خطبتك) أم بقي لديك ما تحب أن تضيفه إليها؟!

ماذا كنت تريد؟! أن أقتل خالداً القرشي، المخزرمي ابن الوليد بن المغيرة بواحد من المسلمين، حتى لو كان بريئاً، بشهادة عبد الله بن عمر وأبي قتادة الأنصاري، بل حتى لو كان بريئاً بشهادة جيش المسلمين كلّه؟!

لِمَ تركنا جثّة نبيّنا لم نجهّزه ولم ندفنه، وأسرعنا الى السقيفة؟! لِمَ عملنا ما عملنا للاستيلاء على السلطة وإبعاد الأنصار وباقي المسلمين عنها؟ أليس من أجل قريش وحكم قريش وسلطان قريش، ثم تأتي لتطالبني بأن أساوي بين واحد من كبار رجالها بواحد من المسلمين مهما علت منزلته في نفسه وقبيلته ودينه؟! ثم ماذا يعني أن يكون عشرون أو ثلاثون أو خمسون من المسلمين قد سُفكت دماؤهم ظلماً ويتّم أطفالهم ظلماً ونهبت أموالهم ظلماً، وفي المسلمين عن دماء هؤلاء وأطفالهم وأموالهم عوض كبير.

وتتحدّث عن عمر وموقفه من خالد ومطالبته اياي بالقود منه. لِمَ لم يفعل هو ذلك، وقد أصبح خليفة بعدي، وكان يمكنه أن ينفّذ ما كان يحرّضني عليه؟!

لقد كان ذلك منه قبل أن يتولى الخلافة ليتخلّص ممن يمكن أن ينازعه أو يعارضه فيها. فحين تولاّها وأمن خالداً، سالمه وترك ما كان يحرّضني عليه.

ماذا صنع بخالد بعدما ولي الخلافة غير أن أبعده عن قيادة الجيش في اليرموك؟! أرأيت؟! أهذا هو كل عقاب القاتل الزاني الذي كان عمر يريد الاقتصاص منه؟! ما أظن عمر كان يريدني أن أقتل خالداً بجريمتيه إلا ليثير قريشاً ضدّي، ربما، استعجالاً للخلافة!!

وعثمان؟ هل تريد أن أحدّثك عن الجرائم التي ارتكبت في عهده؟

قلت: لا حاجة لي، ولا لك في ذكرها. لقد كفاك الحديث عنها، ضحاياها وما أكثرهم!

قال وهو يهمّ بالإنصراف: فهل علمت الآن ماذا يعني حكم قريش والوقوف في وجهها أو معارضتها أو الاعتراض عليها؟! لقد جرّب عليٌّ أن يساوي بين المسلمين وأن يكف يد قريش عنهم، عن دمائهم وأموالهم، فدفع ثمن ذلك. ولم يكن ابن ملجم إلاّ السلاح الذي قتلت به قريش عليّاً وتخلّصت منه بعد حروب طويلة خاضتها ضدّه.

وأعود إلى القارئ لأعتذر إليه مرة أخرى إذا أخلفت عهدي له فرجعت أو أرجعتني المناسبة إلى ما يسمّى حتى الآن بحروب (الردّة). فلهذه الحروب شأن كبير في تأريخ مليء بالحروب. وليس من الإنصاف أن نقتصر منها على مالك وحده، فلأمضي في بعض حديثها. فوالله ما ذكرتها إلاّ ذكرت هذا الإسلام الذي ظُلم قبل أن يُظلم المسلمون فيها، وسال دمه قبل أن يسيل دم المسلمين في ساحاتها.

والله ما ذكرتها إلاّ ذكرت قريشاً: هذا الوحش الذي جرّد سيفه في المسلمين، في خيار المسلمين، لا ينتهي من صيحة منهم إلاّ اتجه لأخرى، ثأراً لما أصابه من هزيمة وذل قبل أن ينتصر الإسلام ويبسط سلطانه ويضطر للدخول فيه.

وإلاّ فما فعل هؤلاء الذين اعتاد المزوّرون أن يسمّوهم (مرتدّين) ويسمّوا ما فعلوه (ردّة) وهي تعني ببساطة ووضوح، رجوعاً عن الإسلام وكفراً به وعودة إلى حياة الأصنام.

ماذا فعل بنو يربوع لكي تسبى ذراريهم وتنهب أموالهم وتقطع رؤوسهم كما يفعل (المجاهدون) في العراق هذه الأيام.

هل أكثر من أنهم حبسوا زكاتهم عندهم ليوزّعوها على فقرائهم الكثيرين، وهم أحق بها، ولم يكن الحكم الجديد مقبولاً من قسم كبير من العرب الذين كان لهم رأي فيه.

أيريدونهم أن يرسلوها إلى المدينة يتلاعب بأموالها هؤلاء المترفون المتنعّمون من فتيان قريش الذين لم يدخلوا الإسلام إلاّ مكرهين حين أعياهم الانتصار عليه ولم يجدوا ما يحفظ لهم امتيازاتهم أو يضاعفها، غير الدخول فيه بعد أن تأخّروا طويلاً وطويلاً جداً وهم يحاربونه علناً وسرّاً، ويحرّضون ويساعدون من يحاربه. هؤلاء الذين أصبحوا هم القادة وأصحاب الرأي. ومنهم تتألّف الكتلة القرشية التي بدأت تنمو وتتسع وتتمتّع بالسلطة والقوّة منذ أواخر حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مستبعدين مَن عداهم من الجماعات الذين لم يكونوا يشاركونهم رأيهم أو يخالفونهم رأيهم.

لقد قال سعد بن معاذ لأهل اليمن حين بعثه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إليهم: إن الزكاة - وهو ينقل ذلك عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله طبعاً - تؤخذ من أغنيائهم لترد على فقرائهم(١) فماذا على المسلمين لو تولّوا هم هذا الأمر فردّوا زكاتهم على فقرائهم، وهم أعرف بهم ممن يعيش في المدينة، بعيداً عنهم وعن الفقر الذي لا يعرفه إلاّ من عاشه.

رأي رأوه ولم يخطئوا فيه.

ولأفترض أنهم اخطأوا. أخطأوا فيمن يجب أن يتولّى توزيع الزكاة. فهل يستحق هذا الخطأ الذي يمكن أن أقع فيه الآن، لو سمعت من مثل سعد ما ينقله عن النبي، كل ما جرى لبني يربوع من قتل وسبي ونهب؟!

إنهم لم ينكروا الزكاة، ولم ينقل أحد حتى من محترفي التزوير إنكارهم للزكاة. وإلاّ لأنكروا معها باقي فروض الإسلام وأولها الصلاة. مع أن الصلاة هي التي قتلتهم. فالذين يتحدّثون عن (ردّة) مالك يجمعون على أن بني يربوع قد وضعوا السلاح حين تهيّؤوا للصلاة، وإن من يسمّون مسلمين قد عجّلوا في صلاتهم - وأظنهم لم يصلّوا أصلاً - وأسرعوا إلى بني يربوع، وهم في صلاتهم بين ساجد وراكع، ثم أوثقوهم وجاؤوا بهم إلى (سيف الله) ليرى رأيه، لا رأي الإسلام فيهم فأمر بهم فقتلوا طبعاً، لم تشفع لهم صلاتهم ولا إعلامهم أنهم مسلمون ولا وضعهم السلاح أثناء الصلاة.

____________________

(١) صحيح البخاري الحديثان رقم ١٣٩٥/ ١٤٥٨.

ماذا تسمي هذا وهو يجري في بداية عهد أبي بكر؟

ماذا سيكون الظلم إن لم يكن هذا ظلماً، بل أبشع صنوف الظلم؟!

مَن الأولى أن يسمّى مرتدّاً؟ هؤلاء الذين آمنوا واطمأنوا وقاموا إلى صلاتهم آمنين مطمئنين، ولم يصدر عنهم ما يبيح دماءهم إلاّ أنهم وزّعوا الزكاة على فقرائهم كما سمعوا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! أم هؤلاء الذين رووا سيوفهم من دماء المسلمين وخانوا عهدهم وقتلوهم في صلاتهم وسبوا ذراريهم ونساءهم وأموالهم دون ذنب. ثم لم يكتف سيّدهم بكل ذلك فنصب قدراً لم يطبخ فيه طعاماً للجائعين من أطفالهم، بل وضع تحته رأس زعيمهم ونكح زوجته - وهي مرتدّة طبعاً كزوجها المرتدّ ولا يجوز الزواج منها - دون عدّةٍ ولا عقدٍ ولا رضا، ولم يجف دم زوجها ولا دماء قومها بعد، خروجاً على أحكام الإسلام التي يزعم المنافقون المزوّرون أنّ خالداً ما جاء إلاّ لتنفيذها؟!

وسأترك خالداً لأرى ما هو ردّ الفعل بعد هذه الجريمة أو الجرائم الوحشيّة عند خليفة المسلمين وراعي حقوقهم وحاميها، والقائل يوم تولّيه (الضعيف فيكم قويٌّ عندي حتى آخذ له حقّه، والقويّ ضعيفٌ عندي حتى آخذ منه الحق)(١) .

ماذا فعل احتراماً لحقوق هؤلاء المسلمين الضعفاء؟ وهل كان القوي ضعيفاً عنده فعلاً حتى يأخذ الحقّ منه كما أعلن؟

أيّ عقاب، حتى في حدّه الأدنى، أنزله بمرتكب هذه الجرائم، وهو حق للضحايا في عنق خليفتهم، وردع لخالد وأمثال خالد أن يكرّروا ارتكابها إذا أمنوا العقاب وأصبحت دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم مطمعاً لمن أسعده الحظ فكان سيفاً أو رمحاً من رماح الله، أو عصاً أو ربما دون؟!

لا شيء غير الخطأ في التأويل، عذراً عن دماء مسلمين أبرياء سالت وهم بين ساجدٍ وراكعٍ وأسيرٍ.

____________________

(١) تأريخ الطبري ج ٣ ص ٢١٠ وابن الاثير ج ٢ ص ١٩٤ - ١٩٥.

وقبل مالك وبني يربوع، ماذا فعل طليحة وأصحاب طليحة ليتّهموا بالردّة، وتقوم بينهم وبين جيش السلطة حربٌ أكلت المئات أو الألوف من المسلمين ويتّمت الألوف من الأطفال وأثكلت الألوف من الزوجات والأمهات؟!

وسأترك الجنون الذي يبدو أنّ المؤرّخين العرب قد أولعوا به، وهم يحاولون دائماً الإعتذار عن السلطة وتبرير أفعالها.

لقد جاء وفد طليحة المدينة عارضين على من بيده الأمر فيها، إعفاءهم من الزكاة التي يعرفون إلى أيٍّ من جيوب هذه العصابة القرشيّة الحاكمة الجديدة، ستذهب.

وفي المدينة استقبلهم كبار الصحابة وخيارهم وانضمّوا إليهم وأيّدوهم فيما قدموا فيه.

وأسأل، أكان هؤلاء سيستقبلونهم وينضمّون إليهم ويؤيّدونهم، لو علموا منهم ارتداداً عن الإسلام وخروجاً عليه، أو لو كان دفع الزكاة إلى سلطة المدينة فرضاً من فروض الدين، كالزكاة نفسها؟!

لقد رأى طليحة وأصحاب طليحة أنّ من بإزائهم من فقرائهم وهم كثر، أولى بزكاتهم من هؤلاء المترفين المتعالين الذين لم يسبقوهم في شيء، والذين تحوّلوا في زمنٍ قصير، من أعداء الإسلام والمسلمين إلى قادةٍ لهم وناطقين باسمهم ومدافعين عنهم.

وهذا ما يفسّر إنتصار أهل المدينة لهم وقيامهم معهم. وأقسم أن لو كنت حيّاً في ذلك العهد، لما فعلت غير ما فعل طليحة وغير طليحة من إمساك الزكاة وتوزيعها على فقراء قومي وعدم إرسالها إلى المدينة(١) .

لماذا الكيل بمكيالين كما يقول أهل عصرنا، أو بمكاييل؟ تتركون لأبي سفيان القرشي ما جاء به من زكاة أقوامٍ غير قومه، وهو الغنيّ غير المحتاج، وتشعلون الأرض حرباً وقتلاً وتدميراً على هؤلاء البؤساء الذين أمسكوا زكاتهم لتوزيعها على فقرائهم.

وماذا فعل بنو حنيفه، وفيهم بعض خيار المسلمين كالرجال بن عنفوة الذي بلغ من رسوخه في الإسلام أو رسوخ الإسلام فيه أن بعثه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى اليمامة ليعلّم أهلها الإسلام؟!

____________________

(١) تأريخ الطبري ج ٣ ص ٢١٠.

كيف انضم هذا المسلم الراسخ الإسلام، هو وأمثاله وسائر بني حنيفة إلى مسيلمة وقد أسلموا طائعين غير مكرهين وبعثوا بوفدهم الذي ضمّ كبارهم ليعلن إسلامهم على يد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في المدينة؟!

ما الذي دفع مسيلمة، ومعه بنو حنيفة المسلمون، إلى التمرّد على السلطة الحاكمة وعدم الاعتراف بها؟!

هل أستطيع أن أقبل وأنا صادق مع نفسي، أن مسيلمة قد ادعى النبوّة ونزول الوحي عليه بقرآن جديد لا أجد فيه إلاّ سورتين أو ثلاثاً من بينها، أو لأقل أشهرها، السورة (الضفدعية) التي تخاطب الضفدعة، لا الإنسان الذي يفترض أن يتوجّه الخطاب إليه (يا ضفدعة نقي). وأن بني حنيفة سارعوا إلى تصديق صاحب القرآن الجديد الذي لم ينزل به الوحي إلاّ لإبلاغ (المؤمنين) الجدد بنقيق الضفدعة؟!

إذن لن أكون إلاّ غبياً أو مزوّراً أو منافقاً.

لقد كانت هناك أسباب غير نقيق الضفدعة الذي ما أظنه يثير لدى القارئ إلاّ السخرية وعلامة تعجّب كبيرة من هؤلاء الذين يزوّرون، وأكثر من السخرية وعلامة التعجّب، من هؤلاء الذين يصدّقون!!

أترى نقيق الضفدعة يستطيع أن يدفع أربعين ألف مقاتل من بني حنيفة إلى حمل السلاح، معرّضين مدينتهم للخراب، وأرواحهم ونساءهم وذراريهم وأموالهم لما يعلمون من قتل وسبي ونهب؟!

وإذا كان المؤرّخون يريدون أن يزوّروا كعادتهم، فيضعوا شرعية على مذبحة اليمامة بحجّة الردّة، فهذا شأنهم الذي عوّدونا عليه، لكنهم لا يستطيعون أن يفرضوا علينا أن نصدّقهم في هذيانهم هذا وتزويرهم وغبائهم.

ولا أريد أن أنسى أن سيف الله قد سارع هنا أيضاً، ودم المسلمين و(المرتدّين) لم يجف بعد، إلى الزواج من بنت أحد زعماء (الردّة) لكنه. لم يقتل زوجها كما فعل مع مالك بن نويرة، لسبب بسيط إنها لم تكن ذات زوج. وقد عفا عن أبيها المرتد إكراماً لها(١) .

فابن الوليد لا يدخل معركة إذا لم يضمن لنفسه أجمل نسائها (المرتدّات).

____________________

(١) هو مجّاعة بن مرارة أحد سادات بني حنيفة ومن قادة ما يسمّى بـ (ردّتهم).

وهذه الناقة اللعينة التي أشعلت واحدة من أقسى حروب (الردّة) قتل فيها عدد كبير من المسلمين وأضعافهم من المرتدّين. ما حديثها؟ إنها تذكّرنا بحرب مشهورة قامت هي الأخرى بسبب ناقة واستمرت تطحن حيي وائل أربعين عاماً كما يقول المؤرّخون. ولكنها كانت في الجاهلية لا في الإسلام، لا يمضي على وفاة النبي إلاّ أيام، وعلى خلافة أول الراشدين إلاّ أيام.

كانت شذرة، وهذا هو اسم الناقة، قد دخلت خطأ في إبل الصدقة التي قدم بها شيطان بن حجر، وهو أول من قدم بزكاته من قومه. ولم تكن شذرة له بل لأخيه الذي ليس عليه صدقة. وحين حضر هذا عرف ناقته وأراد استرجاعها، على أن يقوم أخوه شيطان بتعويضها بناقة أخرى مما يملك.

وما أظن في هذا ما يؤذي أحدا أو يمس كرامة أحد. وما أظن في هذا ما يتعارض مع حكم من أحكام الإسلام أو فرض من فروض الدين.

غير أن الذي حصل أمر آخر: اتهام شيطان بالكفر، ومع الاتهام بالكفر، كان السيف يحشّه ويحشّ قومه الذين لم يكن لهم من ذنب إلاّ أنهم صدقوا صاحبهم فيما قال، وحاولوا أن يفهموا الطرف الآخر صدق دعواه.

وقتل من قتل من هؤلاء (المرتدّين) وسبي من سبي وأحرق من أحرق، وجيء بالناجين منهم أسرى إلى مقام الخلافة في المدينة.

كل ذلك لأن الأمير زياد بن لبيد الذي صدر بتعيينه مرسوم من الخليفة وتفويض مطلق بالتصرّف كما يشاء بالمسلمين: دماءً وأعراضاً وأموالاً، لم يعجبه أن يرجع عن قرار سبق أن اتخذه في شأن تلك الإبل، ومنها شذرة.

أرأيتم أروع من هذا العدل، وهذا الاحترام لحقوق الإنسان، ونحن بعد في أول العهد لأوّل خليفة للمسلمين بعد وفاة نبيّهم لكن الغريب - ولا غريب في التأريخ الإسلامي - أن الأشعث بن قيس سيد كِندة وزعيمها القوي، كان بين هؤلاء (المرتدّين)، وأسر وحمل إلى أبي بكر على الارتداد، فلم يجد أبو بكر ما يكافئ به هذا (المرتد) إلاّ أن يزوّجه أخته أم فروة، استرضاءً له وضماناً لدعمه وتأييده، وقد أصبح صهر الخليفة.

إذن هذا هو الحكم القائم على العدل والحرية واحترام حقوق الناس في أزهى ما يسمّى بالعصور الإسلامية الزاهية!!

فهل سنلوم من يأتي بعده؟ وماذا ستكون حال الناس في العصور غير الزاهية التي ستعقبه. وأنا هنا لا أتحدث عن المسلمين فقط، فربما كانوا أفضل من غيرهم.

لقد كانت حروب الردّة رسالة تحذير وتخويف لكل من تحدّثه نفسه بأن له حقّاً على الحاكم، وليس هو الآن غير قريش، أو بأن له أن يحاسب أو يسأل الحاكم: لكنها رسالة كتبت بالدم لتكون أقوى وأبلغ في التأثير.

وفهم العرب الرسالة وسكتوا إلى حين. وما دمت بعد في حديث الردّة، فقد يضحكك عزيزي القارئ كما أضحكني، محاولة بعض المؤرّخين للاعتذار عن الخليفة في موقفه من أمراء جنده وسلوكهم مع هؤلاء المساكين الذين فرض عليهم أن يكون (مرتدّين) بالرغم منهم، بأن أبا بكر لم يكن يزع عمّاله، أي لم يكن يعاقب عمّاله على ما يصدر عنهم. ولا أدري إن كان هؤلاء المؤرّخون يقصدون مدح أبي بكر أم ذمّه، بعدم معاقبته عمّاله إذا قاموا بما يستوجب العقوبة. أين إذن سيذهب المظلوم الذي اعتدي عليه، ولمن سيلجأ لدفع ظلامته والمطالبة بحقّه، إذا كان الخليفة رأس السلطة ومن يملك الأمر، لا يأخذ له بحقّه ممن ظلمه من عمّاله، ولا يزع هؤلاء والعمّال ولا يعاقبهم إذا ظلموا وتجاوزوا واعتدوا، وهو ما حصل كما رأينا؟! وأين (الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقّه، والقوي ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق).

على أن الحكم البكري لم يقف عند حروب الردّة في انتهاكه لحقوق المسلمين، فهو قد أبى إلاّ أن ينتهكها مرة أخرى عندما عهد بولاية العهد لرجل بعينه من المسلمين، دون أن يأخذ بمبدأ الشورى الذي ما يزال المزوّرون ينقّحون فيه، يرفعون رايته مفاخرين مزهويين كلما واجهوا من يتهم هذه الأنظمة الإسلامية بالديكتاتورية والاستهانة بحقوق الإنسان.

لقد ظلم أبو بكر المسلمين حيّاً وميّتاً: ظلمهم حيّاً، حين شنّ عليهم حروباً باسم (الردّة) راح ضحيّتها ألوف المسلمين الأبرياء، قتلوا وسبيت عوائلهم ونهبت أموالهم دون حق.

وظلمهم ميتاً، حين فرض عليهم خليفة اختاره وعيّنه هو، سالباً المسلمين حقّهم في اختيار من يرونه أهلاً بخلافتهم، مع صرف النظر عن صفات هذا الشخص الذي قد لا يكون هناك من يعترض عليه، لكننا نتحدّث هنا عن المبدأ لا عن الشخص.

بـ - الأنبياء لا يورّثون البنت لكنهم يورّثون الزوجة - عندما يصحّحون حديث الواحد ويخالفون نص القرآن

ما لفاطمة بنت رسول الله شاحبة حزينة تكفكف دموعها وهي خارجة من بيت أبي بكر؟!

أتراها تذكّرت أباها وهي تزور أحد أقدم أصحابه فأبكتها الذكرى؟!

ولم أحبس دموعي وأنا أراها في حالتها تلك، فتركتها تجري كما شاءت.

وحملتني الذكرى إلى بيت بسيط في مكّة حيث ولدت فاطمة.

إني لأراها الآن وهي طفلة، بين محمد وخديجة. تدرج وتنتقل من صدر أمها إلى حضن أبيها، سيعدة ضاحكة بين خير أب وخير أم. لا ينام الأبوان قبل أن يطمئنا إلى نوم ابنتهما الوحيدة، وعيناهما لا تفارقانها.

لا يخرج الأب من البيت الذي جعلت منه خديجة، روضة حب وأمن، إلاّ ليسرع في العودة إليه، تستقبله الزوجة برقّتها وحنانها، والبنت بارتمائها بين يديه متعلّقة به وكأنها تريد أن تعوّض ما فاتها من غيابه.

وتمضي الحياة فتصبح الطفلة صبية تشهد الوحي وهو يتنـزّل على أبيها. لكنها تفجع بأُمّها فتحزن الصبية فاطمة وهي ترى مكان أُمها خالياً منها. تلوذ بدموعها تحاول أن تهرب بفكرها. كل شيء في البيت يثير حزنها. يذكّرها بتلك الأم التي لا يمكن أن تنسى: إنها خديجة. لقد فقدتها إلى الأبد. لن تراها يوماً. لن تقبّلها يوماً. لم تعد إلاّ ذكرى تعيشها في نهارها وحلماً يطيف بها ليلاً ما أسرع ما تفيق منه على غير ما كان يداعبها.

ولقد ضاعف من حزنها ما كانت تراه من شدّة حزن أبيها. لقد كانت له خديجة زوجة ورفيقة وحبيبة. يجد عندها القوّة والصبر والإيمان كلما اشتدّ به أذى قريش وتكذيبهم له وسخريتهم من دعوته.

وتتداعى الصور أمامي فيسرح فكري معها.

والتفت فإذا رجل يقف غير بعيد عنّي ودموعه تنحدر على لحيته.

قلت وقد أثّر فيّ المنظر وأردت أن أعرف سبب بكائه: ما بك أيّها الرجل؟ ما الذي يبكيك؟ هل أنا قادر على شيء أساعدك به؟ لعلّك غريب فذكرت أهلك؟

قال: لا والله. ما لهذا بكيت، ولست غريباً كما ظننت. ولكن ألا ترى إلى بنت رسول الله؟! ألا يحزنك ما يحزنها؟! ألا يبكيك أن تراها وهي تكفكف دموعها؟! ما الذي يبكي المسلم أكثر من أن يرى بنت نبيّه تبكي ولمّا يمضي على وفاة أبيها إلاّ أيام. ما أسرع ما تنكّر لها هؤلاء الذين ما كانوا ولا عرفوا ولا بلغوا ما بلغوا إلاّ بفضل أبيها وباسمه وبدينه!! لكأنهم كانوا ينتظرون موته ليثأروا منها ويشفوا صدورهم بالإساءة إليها!! ما لهم ولها يتعمّدون إيذاءها!!

إنها الآن تشعر بالغربة. زوجها الذي قام الإسلام بسيفه وبلائه وجهاده، محارب مبعد.

أرأيت الوفاء لرسول الله أبي فاطمة؟!!

قلت مذهولاً مما أسمع: وكيف جرى ذلك؟! هل بلغ بهم الأمر أن يحرموها ما نزل به القرآن وما سار عليه الناس؟! أجاد أنت أيها الرجل فيما تقول؟!!

قال: كل الجد والله. وما كنت لأكذب على القوم، وما كنت لأدّعي عليهم مالم يفعلوا.

قلت وقد ازداد ذهولي: وبأيّة حجّة حرموها؟! ما الذي استندوا إليه، وكتاب الله ينصّ على ميراثها والأنبياء قبل نبيّنا قد ورّثوا، والناس قبله وبعده وحتى اليوم يرث بعضهم بعضاً، كل له نصيب معلوم، لم يحرم منهم أحد؟!

قال: حديث زعم أبو بكر أنه سمعه من رسول الله يقول فيه (نحن معاشر الأنبياء لا نورّث).

قلت: وهل ادعى أحد غيره من الصحابة أو من بني هاشم أنه سمعه من النبي؟

قال: أبداً. لم يدع أحد من كل هؤلاء ولا من غيرهم أنه سمعه.

قلت ولم أعد أملك نفسي: أكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخص أبا بكر وحده بحديث ميراثه بعد موته، ويترك ابنته ووريثته فلا يخبرها بشيء من ذلك، وهو يعلم أنها ستطالب - ككل وارث - بنصيبها مما ترك. ثم يترك عليّاً: ابن عمّه وزوج ابنته صاحبة الحق، فلا يخبره هو الآخر بشيء من ذلك؟!

وهؤلاء الصحابة كلهم وهم يصابحونه ويماسونه على اختلاف مقاماتهم ومنازلهم منه؟! لِمَ لم يجمعهم ويعلمهم برأيه، مع أن هذا الرأي يجب أن يعلن ويشهر، ويجب أن يعرفه المسلمون كلهم، وأوّلهم أصحاب الشأن: فاطمة وزوجها علي؛ لأنه خلاف الأصل الوارد في القرآن واستثناء منه وخلاف ما سار عليه الناس. ولا بد أن يكون واضحاً ومعلوماً حتى لا يثور النـزاع حوله بعد وفاة النبي كما ثار، وحتى يجنّب ابنته مرارة الرد لو طالبت بما لا حق لها فيه.

لِمَ إذن أبو بكر وحده؟! أكان هو أيضاً وريثاً فأعلمه النبي، مع أنه لم يعلم الوارث الحقيقي: ابنته، ولازوجها عليّاً، ابن عمّه؟!

أكانت فاطمة وعلي بعيدين عنه، في بلد آخر وقد أحسّ الموت، فلم يجد معه غير أبي بكر يخبره، أم كانت سيعصيان رأيه لو أخبرهما بما اعتزمه من أمر الإرث؟!

أكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يعلم أن أبا بكر سيلي الخلافة بعده؟! أكان عهد بالخلافة إليه ليبلغه عدم توريثه حين تأتي فاطمة للمطالبة بإرثها؟! لكنهم يقولون: إن النبي ترك الأمر شورى بعده ولم يعهد لأحد.

ثم لِمَ كتم أبو بكر هذا الحديث فلم يروه إلاّ بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أي بعد وفاة من نسب إليه الحديث واطمئنانه إلى عدم وجود من يكذّبه فيه حين جاءت فاطمة تطالب بنصيبها من إرث أبيها؟!

ورأيتني أقول لنفسي: الآن عرفت لِـمَ يصحّح المحدّثون وأصحاب المسانيد حديث الواحد ويبنون عليه، لا يطلبون معه راوياً آخر يعرفه أو يؤكّده، متنازلين عن كل شروطهم في صحّة الحديث كما اعتادوا.

ما ذاك إلاّ ليجدوا المخرج لما ادعاه أبو بكر وحده من حديث حرمان فاطمة إرثها من أبيها، على الرغم مما ورد في القرآن ، وعلى الرغم مما ورث الأنبياء قبل محمد وعلى الرغم مما سار عليه الناس: مسلمون وغير مسلمين، قبل وبعد محمد وحتى اليوم.

بقي ما يحيّرني ويثير استغرابي، وكل ما مضى يحيّر ويثير الاستغراب.

بقي ما يجمع عليه المؤرّخون، وأظنك تعرفه مثلما أعرفه أو أفضل مما أعرفه، وهو أن أبا بكر - ومعه عمر - كان يحارب الحديث ورواة الحديث وينكر عليهم أشد الإنكار ما يروونه ويتناقلونه منه. وها هو يتمسّك به ويشدّد في التمسّك به مع أنه حديث ليس هناك من يرويه غيره.

وبقي هذا السؤال: لماذا يجب على المسلم أن ينفي عقله ليرضي أبا بكر والبكر ؟؟؟

الأنبياء يأكلون ويشربون ويتزوّجون كباقي الناس. ويرثون غيرهم كباقي الناس. لكنهم لا يورّثون.

يرثون أولادهم لكنهم لا يورّثونهم.

يحبّون أولادهم لكنهم يحرمونهم الإرث الذي هو حق لهم، فرضه الله وسار عليه الناس، قبل محمد وبعد محمد وحتى اليوم، مسلمون وغير مسلمين، عرب وغير عرب.

أليس في القرآن الذي هو كتاب الله ووحيه على محمد: (إنما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إليّ ) فماذا يعني أنه مثل جميع الناس؟ أهو مثل الناس في كل شيء إلاّ في الإرث، إلاّ عندما يتعلّق الأمر بفاطمة؟!

ما للنبي يترك كل شيء فلا يهتم به ولا يعرض له ولا يعلم الصحابة به ولا يخص أبا بكر بسرّه، إلاّ الإرث الذي يتركه من بعده؟! أكان هذا الإرث أهم عنده من مستقبل الإسلام. وشؤون المسلمين وما يمكن أن يواجهوه بعده، وما يمكن أن تثور من خلافات ومشاكل بينهم وبين غيرهم؟!

ما له يترك كل ذاك، ليشغل نفسه بالإرث؟! أكان هذا الإرث هو القضية الكبيرة التي تشغل باله؟! أكان هو الخطر الذي سيتهدد الإسلام لو وصل إلى ابنته فاطمة؟ فلِمَ لم يجمع الصحابة ويخبرهم إذن؟!

أكانت فاطمة، ابنته الوحيدة، من الهوان عليه بحيث يتركها دون جميع البنات، بلا شيء يقيم حياتها ويحفظ كرامتها؟! أكان أي من الناس يفعل ذاك ويرضى به؟!(١)

____________________

(١) الحديث رقم ٢٣٢٨ في صحيح البخاري باب (المزارعة بالشطر ونحوه)

ثم لِمَ يقف هذا الحديث عند فاطمة وحدها فلا يتجاوزها إلى غيرها من الوارثين؟!

لِمَ يحرم فاطمة وحدها من إرث أبيها ويأخذ الوارثون الآخرون حصصهم كاملة؟!

لماذا أعطيت عائشة بنت صاحب الحديث نصيبها مما ترك النبي؟!

لماذا أعطيت حفصة بنت عمر نصيبها مما ترك النبي؟!(١)

لم تحرم واحدة منهما. وحرمت فاطمة وحدها، فلم تعط نصيبها مما ترك.

لماذا فاطمة وحدها؟!

أكان النبي قد قال في حديثه: الأنبياء يورّثون زوجاتهم فقط دون بناتهم؟!

كيف ورث يحيى زكريا، وزكريا نبي أيضاً؟

ما الذي ورثه يحيى؟ هل ورث النبوّة؟ أكانت النبوّة مما يورّث؟!

هل ورث العلم والحكمة؟ أكان العلم والحكمة مما يورّث؟!

هل ورث يحيى غير ما يمكن أن يرث من أبيه زكريا؟! غير الشيء القابل للإرث؟ غير ما يرث الأولاد من آبائهم، أنبياء وغير أنبياء؟ فهل ادعى أحد أن زكريا أخبره بأنه لم يورث، وبأن الأنبياء لا يورثون؟!

وسليمان ألم يرث داود؟! ماذا ورث من داود؟!

لماذا محمد وحده من دون الانبياء لا يورث؟!

ولماذا أبو بكر وحده من دون الصحابة يعلم بمنع هذا الإرث؟!

لِمَ كل هذا الظلم وكل هذا الحق وكل هذا التعسّف؟!

يبقى أن أسأل: بأي وصف يا أبا بكر كنت ترد فاطمة وتحرمها إرثها وتمنعها منه، فلا بد في كل دعوى من ثلاثة أطراف: مدّع ومدّعى عليه وقاضٍ يفصل بينهما فيما اختلفا فيه. أكنت قاضياً، فأين المدّعى عليه؟! أم كنت خصماً، فأين القاضي؟! أم كنت خصماً وقاضياً، ويا لفجيعة المسلمين بل لفجيعة الإنسان حين يكون الخصم هو القاضي أو حين يكون القاضي هو الخصم.

____________________

(١) الحديث اعلاه.

والله لو غير أبي بكر فعلها لقامت دنيا المسلمين ولم تقعد، ولن تقعد حتى لا تبقى للمسلمين دنيا.

والله لو كانت غير فاطمة لما اختلف موقفي ولا دفاعي، إنه الظلم، إن سكتنا عليه هنا، سنسكت عليه هناك، وإن قبلناه مع فرد، سنقبله مع جماعة وشعب وأُمّة.

ج - أحاديث رسول الله التي أحرقت في زمن أبي بكر ثم أصبحت ألف ألف حديث (مليوناً) بعد قرنين!!

الدخان يتعالى في بيت الخليفة أبي بكر

والسيدة عائشة: زوج النبي تروح وتأتي مسرعة وهي تحمل بين يديها شيئاً لا أعرفه.

وأثارني المنظر فدنوت أكثر. وكلما دنوت ازداد الدخان وتعالى.

ولمحت أبا بكر وهو يتناول من يدي ابنته الشيء الذي كانت تحمله ليلقيه في النار.

وفكّرت: ماذا عسى أن يكون هذا الشيء؟! ماذا يفعل الخليفة؟! ما الذي يحرقه فيشتعل ويتعالى دخانه؟!

وانتظرت حتى خرجت السيدة عائشة فعدوت نحوها أسألها، لكنها لم تجب وذهبت لشأنها.

وإني لكذلك أبحث عن سؤال لجوابي، إنه خرج رجل من بيت مجاور لبيت أبي بكر. لم يستوقفه منظر الدخان. نظر إليه ثم مضى في طريقه. وأسرعت خلفه طالباً منه أن يتلبّث قليلاً، فلديّ ما أريد السؤال عنه. والتفت الرجل الذي خفّف من سيره.

قلت بعد السلام: أليس ذلك بيت الخليفة أبي بكر.

قال: لقد أصبت. هو ذا بيته، ففيم سؤالك؟ هل تريد أن تزوره؟ ليس هذا وقت الزيارة، فالخليفة مشغول بما هو اهم من زيارتك.

قلت: أعلم ذاك وما أردت الزيارة فما مسأل عنها، ولكني أريد أن أسألك عن هذا الدّخان الذي يتصاعد من بيته.

قال وقد تهدّج صوته وانحدرت دمعة من عينيه، وكأنّي حرّكت في نفسه ذكريات شجته: إنّه يحرق أحاديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله التي كتبت على هذه الصحف - الألواح - التي تحملها ابنته عائشة. كان قد وضعها عندها ثم طلبها منها، وها هي تحملها إليه ليحرقها(١) .

____________________

(١) تذكرة الحفّاظ وكنز العمّال والكفاية وجامع بيان العلم وفضله.

قلت وقد أصابني الذهوك: أتقول حقّاً أيها الرجل؟! أهناك بين المسلمين من يجرؤ على إحراق أحاديث رسول الله؟! والله لو استطعت أن أكتبها بماء الذهب وأحملها معي أنّى سرت لفعلت. كيف يحرق أبو بكر أحاديث نبيّه وهو لم يكن خليفته إلاّ به وبأحاديثه؟! ما أظنك إلاّ مازحاً.

قال: ويلي على أمثالك المغفّلين!! هو ما أقول لك، وليس الأمر مما يحتمل المزاح.

وعدت أسأل: ولِمَ يحرقها؟ ما الذي يدعوه إلى إحراقها؟!

قال وقد ضاق ذرعاً بأسئلتي: إذهب إليه واسأله. لقد سمعت أنهّم يخشون أن تختلط بالقرآن أو يشغل المسلمون بها عن القرآن، فتراهم يحرقونها. بل طلبوا من المسلمين الذين عندهم شيء منها أن يحرقوه أو لا يحدّثوا به ويتركوا ذكره.

وقبل أن أطرح سؤالاً جديداً، كان الرجل قد أخذ طريقه وابتعد عنّي.

وتسمّرت في مكاني وأنا أتساءل: ما الذي يجري إذا كان ما يقوله الرجل حقّاً وما أظنه إلاّ حقّاً؟!

يخافون أن تختلط بالقرآن؟! ألم يكن تدوينه - لا حرقه - هو الذي يمنع اختلاطه بالقرآن؟! ومتى اختلط الحديث بالقرآن منذ أن نزل القرآن وتحدّث رسول الله وحفظ المسلمون الاثنين: القرآن والحديث ولم يخلطوا بينمهما.

وبِمَ أصبح أبو بكر خليفةً؟! أبغير (الائمة من قريش) يرن صداه في سقيفة بني ساعدة؟! هل أحرقه قبل أن يستخلف وترك الإستشهاد به وهو وصاحباه يجادلون الأنصار في السقيفة؟! أم إنهم لم يعودوا بحاجة إلى الأحاديث بعد أن أدّت دورها كما يشاؤون؟!

وللحظات فكّرت أن أعود إلى أبي بكر أسأله عمّا يدور في ذهني، ولكني خفت. فليس أسهل من أن يأمر فألقى في هذا النار المستعرة التي هيئت لإحراق أحاديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . لقد فعلها من قبل حين أحرق الفجاءة السلمي(١) .

____________________

 (١) تاريخ اليعقوبي، أيام أبي بكر.

وتركت سؤال أبي بكر وأنا أردّد في نفسي، وقد غلبتني دموعي: بئسما جازيتم نبيّكم وأنتم تحرقون أحاديثه التي به وبها صرتم خلفاء للمسلمين.

وسأقف هنا فأظن في هذا ما يكفي من خلافة أول الراشدين، وإن لم يكن هو كل ما يمكن قوله فيه.

٢ - عمر بن الخطّاب (الفاروق)

لم أكن قد نمت طويلاً، حين رأيت عمر بن الخطاب يمرّ قريباً منّي.

قلت وكأني أكلّم نفسي: فرصتك والله. لا عذر لك بعد اليوم إن فاتك ولم تسأله، ثم رفعت صوتي بحيث يسمعني، قائلاً: يا خليفة المسلمين. يا أبا حفص. إنّي واحدٌ من المسلمين الذين كنت خليفتهم، أريد أن أسألك عن بعض ما يدور في ذهني منذ زمن، وقد رأيتك الآن، فهلاّ توقّفت وأصغيت لي قليلا! إنّي في حاجةٍ إليك. لقد كنت أنتظر مثل هذه الفرصة التي لم تتح لي إلاّ الآن، لن أدعها تفوت.

قال: أمّا الآن فلا، فعندي ما يعجلني كما ترى، فاطلب غيري أو انتظر وقتاً آخر أكون أفرغ فيه.

قلت: لا والله. لن أتركك. إنّي أحمل بعض الأسئلة منذُ زمنٍ بعيدٍ وليس غيرُك من يحلّها ويريحني من همّها. لن آخذ الكثير من وقتك، فهلاّ تلبّثت قليلاً لتجيبني عليها.

قال: سأقبل مع هذا الشرط: ألاّ تطيل في الأسئلة، وتقبل بالجواب مختصراً.

قلت: قبلت.

قال: هات إذن.

قلت: سأبدأ من تأريخ إسلامك، فالمؤرّخون عندنا يقولون إنّك أسلمتَ بعد تسعةٍ وثلاثين أو أربعين أو أكثر قليلاً. فهل هم على حقٍّ في هذا؟ هل كنت التاسع والثلاثين أو الأربعين في الإسلام كما يذكر هؤلاء المؤرّخون؟ أو حتى الخامس والأربعين؟!

قال: وما لي ولمؤرّخيكم وما يذكرون ويروون؟! ما ذنبي إذا كانوا لا يصدقون؟! إذهب إليهم واسألهم إن شئت.

لِمَ تسألني أنا وتتركهم؟! والله لقد أضافوا لابن الخطاب من الفضائل ما أجهله أنا وأُنكره، وإنّي لأستغرب فعلهم، لكني أستغرب أكثر، من هؤلاء الذين يصدّقونهم فيما يختلقون ويضيفون. لقد لقيت هنا بعض هؤلاء، وحدّثوني عن فضائل لي لا أعرفها. وحين سألتهم كيف وصلتهم، قالوا: كل المؤلّفين يذكرونها، وكل المؤلّفات. لقد أصبحت جزءاً من المسلّمات التي لا تقبل نقاشاً، حتى لو أردت أنا أن أكذّبهم فيها لما استطعت، ولاتهمت بأني أجهل التأريخ أو بأنّي من أعداء عمر وربما أعداءُ الإسلام.

قلت: لم تجبني على سؤالي يا أمير المؤمنين.

قال: ومصرّ على الجواب! أعوذ بالله من أسئلةٍ تُبدأ بهذا. لقد أسلمت في السنة السادسة للبعثة، عند عودة المسلمين من أرض الحبشة في هجرتهم الثانية، وكان عددهم، كما أذكر، ثلاثة وثمانين رجلاً، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغاراً أو الذين وُلدوا هناك.

قلت: إذن بعد أكثر من ثمانين، لا تسعة وثلاثين ولا أربعين. ولا خمسة وأربعين.

قال: ليس هذا فحسب. فقد بقي في مكّة إلى جانب النبيّ، عمّه حمزة وأبو بكرٍ وعليّ في رجالٍ من المسلمين الذين أقاموا مع رسول الله ولم يخرجوا مع الذين خرجوا إلى أرض الحبشة.

قلت: إذن بلغنا المائة أو تجاوزناها، ونحن لم نذكر الأربعين من المسلمين الذين كانوا يجتمعون في بعض بيوت مكّة خوف ملاحقة قريش.

قال: وأكثر من هؤلاء. ماذا تريد منهم ومن؟! ألم تنتهِ بعد؟! لقد أخبرتك بما أعرف. قال ذاك وهو يستعجل الكلمات، ويهمُّ بالذهاب.

قلت: لقد اتفقنا على غير هذا. قبلت أن تجيب على أسئلتي، وقبلت أن أختصرها. ولم أسأل حتى الآن إلاّ سؤالاً واحداً، اختصرته كما تريد.

قال وهو يبتعد: لن تجد عندي جواباً لأيّ من أسئلتك، ولن أمرّ من هنا بعدَ اليوم.

وانتبهت من نومي لأكمل الحديث عن عمر.

حين أسلم عمر بن الخطّاب، كان أكثر من مائةٍ قد سبقوه إلى الإسلام ودخلوا فيه وبدؤوا يظهرونه(١) غير مبالين بما ينالهم من أذى قريشٍ وتعذيبها لهم وسخريّتها منهم وقسوتها في القصاص معهم. وربمّا كان ذلك أحد الأسباب التي دفعتهم إلى الدخول في الدين الجديد الذي لا قهر فيه ولا سيطرة لقريش ولا ذلّ ولا استعباد. لقد تحمّلوا صابرين ثابتين أو فرحين ساخرين عذاب قريشٍ وشدّتها، وكان الإسلام يقوى كل يومٍ ويعزّ كل يومٍ بمسلمٍ جديدٍ ينضمّ اليه.

هكذا كان الحال حين أسلم عمر.

وأنا لا أستطيع أن أقبل الرواية الشائعة عن إسلامه والتي يمكن اختصارها بأنّ عمر دخل بيت أخته فاطمة مغضباً يريد بها شرّاً، بعدما سمع عن إسلامها هي وزوجها سعيد بن زيد، وأنّ أخته طلبت منه أن يسمع بعض ما كانت تحفظ من القرآن قبل أن ينفّذ ما جاء فيه، فلما سمع عمر ما تلته عليه أو ما قرأة من سورة طه حين طلب من أخته ذلك دخل في نفسه ثم أعلن إسلامه.

فهذه الرواية تفترض أنّ عمر لم يكن قد سمع شيئاً من القرآن قبل دخوله بيت أخته، مع أنّ المسلمين كانوا قد أظهروا إسلامهم. ومع إسلامهم، كان القرآن رفيقاً لهم، يتلونه ويتدارسونه ويسترشدون به، فلا إسلام دون قرآن ولا فصل بينهما.

ثم كيف أفسّر انقلاب عمر من عدّوٍ محاربٍ للإسلام، إلى داخلٍ فيه لمجرّد سماعه آيةً أو آيتين من أخته وهو في تلك الحال من الغضب.

____________________

(١) سبق أن ذكرت أنّ خباب بن الأرز - وهو سادس ستة أسلموا - هو أول من أظهر إسلامه. وهناك من يذكرأنّ عبدالله بن مسعود هو أول من جهر بالقرآن.

لقد دخل عمر الإسلام - في رأيي - بعد جدلٍ وحديثٍ طويل مع النفس دون أن يكون لفاطمة هذا السحر الذي غيّره ودفع به لأن يستبدل بدينه ودين آبائه ديناً آخر مخالفاً بل مناقضاً لدينه ودين آبائه.

ولم يكن عمر من أسرةٍ من أسر قريش المعروفة كبني عبد مناف أو بني مخزوم، ولم يسمع أحدٌ بالخطاب أبي عمر، إلاّ مقترناً باسم ابنه فيقال عمر بن الخطّاب.

وسأعود إلى هذه النقطة فيما بعد.

ولأنتقل الآن إلى الأسلوب الذي جاء بعمر إلى الخلافة. فألاحظ أنّ عمر تولّى الخلافة بوصيةٍ أو كتابٍ من أبي بكر كتبه في مرض موته عام ١٣ للهجرة.

ويأخذني العجب والدهشة وأنا أذكر ما حصل قبل سنتين من هذا التأريخ.

ففي ربيع الأول من عام ١١ للهجرة رفض عددٌ من المسلمين، ومنهم الموصي والموصى إليه، طلباً لنبيّهم أن يكتب لهم كتاباً قبل موته، دون أن يحاولوا معرفة ما سيتضمّنه(١) . وهاهم الآن يقبلون كتاباً من واحدٍ منهم بتنصيب آخر خليفة عليهم دون أن يترك لهم الحريّة في اختيار من يرونه للخلافة.

وكان هذا في نظري أول خرقٍ لمبدأ الشورى الذي لا ينقطع الحديث عنه هذه الأيّام.

وسيرد عليّ المتبرّعون بالرّد، وهم كثيرون والحمد لله، بأنّ عمر كان أهلاً للخلافة، وبأن ليس في الصحابة من ينافسه أو يساويه في استحقاقه لها.

وأظنني رددت على هذا في أكثر من مكان من هذا الكتاب ومن غيره. وقلت إنّ الموضوع لا يخص عمر ولا يفهم منه أنني أشكّ في مواهب عمر وصفاته التي تؤهّله لشغل هذا المنصب. وما شككت يوماً بهذا. ولكني وكما قلت أيضاً في أكثر من مكانٍ من هذا الكتاب ومن غيره، أتحدّث عن مبدأ لا عن شخص. وكم تمنيت أن يكون عمر - الأهل لمنصب الخلافة - قد تمّ اختياره عن طريق الشورى. ذلك أنّ أسلوب ولاية العهد الذي جاء بعمر هو الذي وضع الأساس ومنح الشرعيّة لمبدأ ولاية العهد الذي سيكون قاعدة الحكم فيما بعد. والذي استذل المسلمين وحال، وما يزال، دون تقدّمهم.

____________________

(١) وهذه المواقف مذكورة في كل كتب التأريخ ولهذا لم أجد حاجةً لذكر مصادرها.

هذا الأسلوب هو الذي أرفضه إذن. بعيداً عن الأشخاص، وهو الذي ينقض كل ما يجهد المرتزقة والمزوّرون في أن يصوّروا الحكم في الإسلام وكأنّه حكم الشورى والحريّة والديمقراطيّة، وليس هو إلاّ حكم الفرد الذي لا رأي مع رأيه ولا نقاش لرأيه.

وإذا كان عمر لم يأت عن طريق الشورى، فمن المؤسّف أنه لم يأخذ بالشورى وهو يحصر الخلافة بعده في ستة أشخاصٍ كلّهم من قريش. مكرّساً بذلك حكم قبيلةٍ واحدةٍ هي قريش، وسالباً المسلمين حقّهم في أن يكونوا مرشّحين للخلافة، بل حقّهم في أن يختاروا من يرتضونه من بين هؤلاء الستة القرشيين المرشّحين وحدهم للخلافة. لقد جعل من شخصٍ واحدٍ هو عبد الرحمن بن عوف ممثلاً للمسلمين ونائباً عنهم ومعبرّاً عن إرادتهم حين منحه هذا الإمتياز المتمثّل في ترجيح أيّ جانبٍ ينضم إليه لو اختلف الستة وانقسموا فريقين وتساوت أصواتهم، ثلاثة في كل فريق.

ولا أدري ما الذي منع عمر من تسمية عبد الرحمن هذا خليفةً له فيجنّب المسلمين الصراع الذي ثار فيما بعد، ما دام قد ميزّه من بينهم وجعله المرجّح عند اختلافهم. أو أن يجعل عدد المرشّحين فرديّاً: خمسة أو سبعة مثلاً، وهو ليس بالأمر الصعب.

وهكذا نرى عمر بعيداً عن الشورى وهو يأتي بعهدٍ ممن سبقه، وبعيداً عن الشورى وهو يستخلف من بعده.

وهكذا سلب المسلمون حقّهم في المشاركة بأيّة صورةٍ في الحكم الذي استقرّ في قريش وحدها.

ولقد تساءلت طويلاً عن الأسباب التي دفعت عمر إلى هذا الأسلوب في اختيار خليفته. فلا هو بالذي أعاد الأمر شورى بين المسلمين كما يفترض، ولا هو بالذي حدّده بواحدٍ منهم فجنّبهم الاختلاف والصراع، حين جعل الخليفة واحداً من ستة، كل يرى نفسه الأولى بها، أو على الأقل، ليس غيره من الخمسة الآخرين بأولى بها ولا أحق وقد سموا للخلافة بعهدٍ واحد، ووراء كلٍّ منهم مؤيّدون وأنصار يدعمونه ولا يرون غيره ويرفضون غيره.

لقد تساءلت طويلاً، وما أحسبني اهتديت إلى الجواب حتى اليوم.

وأبقى مع عمر الذي يأخذك الحديث عنه في أكثر من اتجّاه. فالمؤرّخون يتناقلون أنه كان عزيز الجانب شجاعاً وهوباً، ويروون حديثاً للبني تجده في كل كتب التأريخ والحديث والسيرة، يقول فيه: اللّهمّ أعزّ الإسلام بعمر بن الخطّاب أو الحمزة بن عبد المطلب، أو بعمر بن الخطّاب أو أبي جهل: عمرو ابن هشام بن المغيرة. فعمر هو أحد الرجلين اللذين يتمنّى النبي على الله أن يعزّ به الإسلام: مع حمزة أو مع أبي جهل، فيهما الاختلاف لا فيه، فهو دائماً أحدهما.

ويتناقلون أيضاً أنه قال وهو يريد الهجرة إلى المدينة: من أراد أن تثكله أُمّه فليتّبعني خلف هذا الوادي.

فعمر إذن من العزّة والشجاعة بحيث يتمنّى رسول الله على ربّه أن يهديه للإسلام حتى يعزّ به.

وعمر إذن من العزّة والشجاعة بحيث يتحدّى كفّار قريش أن يتّبعه واحدٌ منهم خلف الوادي إلاّ إذا أراد أن تثكله أُمّه.

ولكي يعزّ الله دينه بشخصٍ أو لكي يتحدّى هذا الشخص قريشاً وهو يخرج مهاجراً، فلا بد أن يكون هذا الشخص عزيزاً بقومه أو شجاعاً بنفسه أو جامعاً للاثنين.

وفيما يخصّ قوم عمر فإنّ التأريخ لا يحدّثنا بشيء عن بني عدي كما يحدّثنا عن غيرهم من بطون قريش وأحيائها.

وحتى الخطّاب نفسه أبو عمر لا يذكر، كما قلت، إلاّ مقترناً باسم ابنه عمر حين يقال عمر بن الخطاب، فليس له في نفسه شأنٌ أو ذكر ولا يمثّل إلاّ واحداً في عمود النسب الذي يربط عمر بعدي بن كعب بن لؤي بن غالب الخ.

هذا عن أسرة عمر وقومِه.

فماذا عن عمر نفسه؟ هل كان شجاعاً، وشجاعاً بالدرجة التي يحاول المؤرّخون أن يضيفوها إليه؟

ولا أريد أن أتجنّى على التأريخ كما يفعل الآخرون. ولا أريد أن أنتقص من عمر كما قد يظن المؤرّخون. إنمّا أكتب للتأريخ أو لتصحيح التأريخ. لا عداء لي مع أحدٍ ولا محاباة لأحدٍ. ويكفي هذا التأريخ حتى الآن ما شوّه وزوّر كما لم يشوّه ويزوّر أيّ تأريخٍ آخر بفعل عوامل الكره أو الحب التي لا يستقيم معها مقياسٌ ولا يصحّ حكم.

وأعود إلى موضوع شجاعة عمر.

واستقرئ وقائع الإسلام الكبيرة ابتداءً من بدر التي تمثّل منعطفاً خطيراً في التاريخ الإسلامي، وأوّل تجربةٍ يمتحن المسلمون من خلالها قوّتهم وإيمانهم وقدرتهم على منازلة قريش ثم الانتصار عليها.

فماذا تقول أحداث بدر؟

وسأكتفي بدور الناقل عمّا حصل فيها وعن الذين خاضوها وبرزوا على ساحتها وكانت لهم مواقف متميّزة في النجاح الذي توّجت به.

يذكر المؤرّخون وأصحاب السير بتفصيلٍ يختلف بين الواحد والآخر، هؤلاء الذين برزوا من المسلمين في بدر. يذكرون عليّاً والحمزة وعبيدة وعمّاراً والزبير وأبا دجانة وطلحة وعاصم بن أبي الأقلح لكنهم لا يذكرون عمر، بل لا يذكرون أنه شارك في القتال بأيّ شكلٍ، فضلاً عن بروزه وتميّزه فيه.

ما الذي منع عمر أن يقاتل وقد قاتل المسلمون واستشهد من استشهد منهم، وأبلى وبرز من يذكره المؤرّخون منهم؟! وبدر هي الواقعةُ التي يسجّل فيها المسلمون أول انتصارٍ على مشركي قريش، وهي الواقعةُ التي يبدأ معها فصلٌ جديدٌ من تأريخ الإسلام.

ماذا كان ينتظر عمر؟! ولِمَ كان يدّخر شجاعته؟! أليس من حقّك أن تفتّش عن مكان عمر مع المسلمين الآخرين في بدر، وعن الذين كانوا ستثكلهم أُمّهاتهم - وما أكثرهم - في بدر؟!

ولأترك بدراً إلى واقعةٍ أخرى انعكست فيها الصورة وتعرّض المسلمون لنكسةٍ موجعةٍ وأصيب فيها النبي بجراحٍ حتى أُشيع أنّه قُتل. تلك هي واقعةُ أُحد. وما أظنك تجهل أحداثها، وما أظنك تجهل أسباب النكسة أو الهزيمة فيها. لقد كان المسلمون في حاجةٍ لأيّ سيفٍ ولأيّ رجلٍ، والمشركون يمزّقون صفوفهم ويثخنون فيهم.

هنا أيضاً تفتّش عن دورٍ لهذا الذي يتحدّى قريشاً أن يتبعه واحدٌ منهم إلاّ إذا أراد أن تثكله أُمّه. لكنّك لا تجد له دوراً ولا بعضَ دور. لم يشارك في قتالٍ ولم يضرب بسيفٍ ولا بحجرٍ، وأفضل ما يقال فيه وقد ارتقى الجبل مبتعداً عن القتال في أُحد، إنه لم يهرب كعثمان الذي كان يسابق الريح في سرعة عدوه طلباً للنجاة.

ما الذي منع عمر من المشاركة في معركتين من أهمّ ما خاض المسلمون من معارك، أو أهمّ ما خاض المسلمون من معارك؟!

أترى خانته الشجاعة بأن كانت له حسابات أخرى بعيدةً عن القتال وبدر وأحد، قريبةً من الخلافة والتخطيط لها والمستقبل والتفكير فيه؟!

وبعد بدرٍ وأحدٍ، هل سمعت بذكرٍ لعمر في كل الوقائع التي دارت بين المسلمين وبين أعدائهم على كثرة تلك الوقائع؟! دونك كتب التأريخ فاقرأها كتاباً كتاباً وصفحةً صفحةً، منذ بدر وحتى آخر واقعةٍ قبل وفاة النبي لكي تتأكّد مما أقول ولا تتهمني فيما أقول.

إنّ الحديث عن شجاعة عمر مرتبط في رأيي بالموقف من عليّ. فحين عجز أعداء عليّ عن إنكار شجاعته وعظم بلائه في الإسلام وذبّه عنه، راحوا يبحثون عمّا يقلّل من شأن شجاعته، بإضافتها إلى غيره وإشراك غيره فيها وكأنهم يقولون، ليس عليّ وحده الشجاع فهذا عمر - وهو المهم عندهم - الذي كان يتحدّى أن يتبعه واحدٌ من قريش، والذي قال فيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله اللّهمّ أعزّ الإسلام بعمر، مع أنّ الإسلام كان يسير ثابتاً قوياً عزيزاً بإيمان هؤلاء الذين سبقوا عمر في الدخول إليه. كان خباب بن الأرت وعبد الله بن مسعود والمسلمون من ورائهما، وقبل إسلام عمر، يجهرون بقراءة القرآن في مكّة، غير مبالين بجبروت قريش وبطشها.

أمّا ما يذكر عن شدّة عمر وجرأته و(درّته) التي كان يهابها ويخشاها المسلمون، فليست في الواقع إلاّ رفضاً وتمرّداً على الشعور بالضعف والإنكسار الذي عاشه في طفولته، وخمول البيئة التي نشأ فيها. وهو ما يفسّر موقفه وكذلك موقف أبي بكر من علي، حينوليا الخلافة وملكا السلطة.

لقد كان هناك تفاوتٌ كبير بين تيم وعدي: قبيلتي أبي بكر وعمر وبين آل عبد مناف بن قصي: قبيلة علي، وهو تفاوت لا أستطيع أن أغفله، وما أظن أبا بكر وعمر استطاعا أن يغفلاه، وهما لو حاولا ذلك لبقي قويّاً في داخلهما يحكم سلوكهما من علي بوعي أو من خارج حدود الوعي. ولا أريد أن ألغي كما يفعل الآخرون، أثر البيئة وقيم العصر وثقافته، لأركض وراء الإسلام ممسكاً به وكأنه قد غيّر كل شيء، وبدّل العرب غير العرب أو جعل من العرب ملائكةً في أشكال عرب.

لم يدرك أبو بكر وعمر عليّاً حاضراً - وأنا أتكلّم عن ذلك العصر - في شجاعته وبلائه وذبّه عن الإسلام. ولم يدركا عليّاً ماضياً: آباءً وأجداداً وقبيلةً. ولم يكن هذا ذنب علي، ولم يكن بيده أن يعالجه أو يتخلّص منه. من الذي يمكنه أن يقارن أبا طالبٍ وعبد المطلب وهاشم الذين هم على كل لسان، بأبي قحافة والخطّاب والآخرين من آبائهما على سلسلة النسب الذين أجهلهم وتجهلهم إلاّ بالرجوع إلى كتب الأنساب، إن احتجت يوماً إلى معرفتهم. لقد كانا يعانيان إذن من عقدة نقصٍ تجاه علي، عقدةٌ ظهرت بوضوح في سلوكهما معه، خصوصاً عندما وليا الخلافة.

وبعد هذا يبقى الحديث مع عمر طويلاً متشعباً كما قلت، يأخذك في كل جانب.

ما الذي دعا عمر إلى منع تدوين الحديث النبوي الذي كان سهلاً في ذلك العهد عقب وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مباشرةً، ليفسح المجال واسعاً فيما بعد، لكل المزوّرين والكذّابين والذين باعوا أنفسهم للسلطان، أن يأتونا بهذه الأحاديث التي بلغت المليون كما يذكر ابن حنبل، لعدم تدوينها عندما كان من الميسور تدوينها ومعرفة صادقها من كاذبها، وعندما كان هناك من يخشى الكذب ومن يستطيع الكشف عن الكذب.

أيّ تبرير مقبول يمكن أن يقدّمه عمر لمنع تدوين الحديث ومعاقبة مَن يرويه وينقله من الصحابة؟!

ماذا تقول يا عمر لهذه الأجيال التي فتك بها مرض خبيث اسمه أبو هريرة، ما يزال يعبث بعقولها هدماً وتخريباً منذ خمسة عشر قرناً حتى لم يعد البرء منه ممكناً إلاّ بعمليات جراحيّة صعبة لكي تعيد إليها توازنها وقدرتها على التفكير وتغلّبها على هذا المرض الذي كنت أنت وراءه، حين منعت تدوين الحديث وعاقبت عليه؟!

مَن الذي يتحمّل مسؤوليّة تضليل هذه الأجيال من المسلمين وتجهيلها، قديماً وحديثاً وفي كل جمعة وفي كل اجتماع، يواجهها هذا المزوّر الأُمّي التافه بألف حديث يشلّ عقلها ويعيدها إلى مربع الجهل والتخلّف كلما أوشكت أن تفيق؟!

لِمَ أُريد للمسلمين أن يبقوا متخلّفين، ولأموالهم ألاّ تنفق إلاّ للإبقاء عليهم متخلّفين؟!

ما لهم لا يتحرّكون ولا ينشطون، قد انتزع منهم إرادتهم هذا الأبو هريرة ومعه زمرة الهريرييّن من مختلف الأصناف ومختلف الأجور، وقد التقوا جميعاً على هدف واحدٍ غير نبيل، هو الدفاع عن أنظمة الجهل والظلم والإستبداد؟!

بِمَ تواجه الله ورسوله يا عمر وقد أصبح الإسلام أبا هريرة وسخف أبي هريرة وجهل أبي هريرة، ينشأ على ذلك الصغير ويشيب الكبير، وقد حاصرتهم كتب الصحاح وحاصرتهم الجوامع والجمع؟!

إنّ منع تدوين الحديث في ذلك العصر القريب من عصر النبوّة جريمةٌ من أيّ وجهٍ نظرت إليه. ولا أجد ما أفسّره به إلاّ دوافع شخصية فرضت استبعاد الحديث لإستبعاد نتائجه.

أليس كذلك يا أبا حفص؟! ألستَ مصدّقي فيما أقول؟!

ولأنتقل إلى قضيّةٍ ما زالت تلح عليّ منذ زمنٍ طويل. لقد أقمت الدنيا على خالد بن الوليد، سيف الله كما يسمّونه، وألححت على أبي بكر بالإقتصاص منه وإقامة الحدّ عليه بجريمتين: قتل مسلم - مالك بن نويرة - بلا ذنبٍ، والزنا بامرأته.

فمالك نسيت كل ما كنت تطالب أبا بكر بتنفيذه بعدما أصبحت خليفةً؟! نسيت خالداً ونسيت إقامة الحدّ أو الحدّين عليه. ألبعد المدّة؟! ولم تكن المدّة بعيدةً بين الجريمتين وبين توليّك الخلافة. على أنّ الحدود لا تسقطها المدد وإن طالت.

ما أظنك إلاّ ضقت بي وبما كشفت من أسرار حرصت على أن تبقى خفيّةً لا يعرفها أحد ولا يصل إليها أحد.

فلأكتف بما كشفت حتى الآن، ولأترك الباقي إلى وقت آخر.

٣- عثمان بن عفّان (ذوالنّورين)

وأراني وصلت إلى عهدٍ آخر من العهود الزّاهية والزّاهية جدا!! ذلك هو عهد عثمان والجرائم التي ارتكبت فيه، وكان من أخطر نتائجها أنها مزّقت المسلمين فلم يجتمعوا بعدها، وهيّأت لعهود من الظلم والاستبداد وما أظنها كانت ستحصل لولا هذا العهد وما رافقه وما حصل فيه من جرائم.

وابتداءً أسأل: ما الذي جاء بعثمان مرشّحاً للخلافة ثم خليفة؟ ما هي مؤهّلاته التي رفعته لمثل هذا المنصب، غير أنّ الملائكة تستحيي من النظر إليه. لماذا؟ أهو امتياز لعثمان وحده؟! وقبل هذا أسأل! هل كانت الملائكة تمارس من الأفعال ما يوجب الحياء؟! ولماذا لا تستحيي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله - إذا تركنا باقي الصحابة - وهي تمارس أفعالها تلك؟! أكان عثمان أعلى منزلةً من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أم كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يرضى بأن يمارس في حظوره ما ينافي الحياء خلافاً لعثمان، فهي لا تستحيي منه وتستحيي من عثمان؟!!(١)

وتوجّهت إلى الملائكة أسألهم فما وجدت عند أحدٍ منهم علماً. ورأيتهم يسأل بعضهم بعضاً وكأنهم لم يسمعوا بذلك من قبل. فلم يسبق لأيّ منهم أن نظر إلى عثمان فاستحيى من النظر إليه، ولم يسبق لأيّ منهم أن رأى عثمان إلاّ حين هرب مع مَن هرب من كبار الصحابة يوم أُحد وقد أطلق ساقيه للريح وهو يستبعد الملجأ على قربه، وضربات قلبه تسمع من بعيد. وأفترض أنّ الذي يستحيي من النظر إلى الآخر، بعد هذا، هو عثمان لا الملائكة.

ولأنتقل إلى الجد من موضوع عثمان.

____________________

(١) صحيح البخاري وصحيح مسلم.

لقد كانت خلافة عثمان نتيجة مساوماتٍ مع عددٍ من الذين رشّحهم عمر للخلافة، تعهّد لهم عثمان عبرها بالتزام سيرة الشيخين - أبي بكر و عمر - وهما شخصان مهما علت منزلتهما ومهما بلغ احترامنا لهما، فإنهما يبقيان شخصين من الناس لا يحسن بالخليفة الجديد أن يكون نسخةً منهما أو من غيرهما، ولا يحدّد نفسه فيكون أسيراً لهما في كل ما فعلا وما تركاه. ولم يكونا نبييّن ولا موصى إليهما من الله، ولم تكن سيرتهما ركناً من الإسلام يلزم المسلمون بالعمل بها. وقد يكون بين المسلمين مَن لم يوافقهما أو من يخالفهما في بعض تصرّفاتهما كالتي أشرنا إليها فيما مرّ. هذا إلى أنّ سيرتهما لم تكن واحدة.

وربما اختلفت هنا أو هناك، في هذه القضية أو تلك(١) ماذا سيفعل الخليفة الجديد في مثل هذا الموقف لو واجهه، وهو لا بد مواجهه يوماً؟ كيف يسمح خليفة أن يلغي وجوده ويقتصر على أن يكون مجرّد تابعٍ لسواه ممن مضى، وأمامه الكتاب والسنّة، وأمامه هذا العدد الكبير من أصحاب رسول الله الذين لن يبخلوا عليه بالنصح لو أراد أن يستشيرهم ويسترشد بآرائهم فيما يحدث من أمور لا يجد لها حلاً في الكتاب والسنّة، ولم يتبيّن له الوجه فيها؟! وهل كان سلفاه المطلوب منه أن يلتزم بسيرتهما، سيفعلان غير هذا لو قُدّر لهما أن يكونا في موضعه؟! بل هل استغنى سلفاه المطلوب منه أن يلتزم بسيرتهما، عن هذا؟!

وأيّ غناء وأيّ نفع في خليفةٍ يحكمه الأموات وهو يريد أن يحكم بين الأحياء؟!

إنني - لا علي بن أبي طالب - سأرفض قطعاً هذا الموقف لو طلب منّي والذي لا يمثّل في رأيي إلاّ مسخاً لشخص مَن يقبل به، وحرصاً وتهالكاً على الحكم بأيّ ثمن، وهو ما كان من عثمان.

لقد أراد أن يكون خليفةً، وكان على استعدادٍ لأن يقبل أي شرط يعرض عليه، حتى لو تجاوز سيرة الشيخين.

____________________

(١) اختلف أبو بكر وعمر في قسمة الفيء والصدقات. فأبو بكر يذهب إلى التسوية بين المسلمين فيهما دون تفضيل ولا تمييز بينما يأخذ عمر بسياسة التفضيل والتمييز بين الناس، فقد فضّل المهاجرين كافةً على الأنصار كافة، وفضّل العرب على العجم والصريح على المولى. كما اختلف أبو بكر وعمر في إقامة الحدّ على خالد بن الوليد بعد قتله مالك بن نويرة وزناه بامرأته إذ كان عمر يلحّ على أبي بكر بإقامة حدّي القتل والزنا على خالد وأبو بكر يرفض ويعتذر عنه، كما اختلفا أيضاً في المؤلّفة قلوبهم وقضايا كثيرة أخرى.

ومع ذاك، فهل وفّى عثمان بالعهد الذي قطعه على نفسه لعبد الرحمن بن عوف بالتزام سيرة الشيخين؟

لِمَ اختلف الرجلان وبلغ من بعد ما بينهما أنّ عبد الرحمن كان يدير وجهه وهو مريضٌ، عندما يعوده عثمان حتى لا يراه. ولم يكلّمه منذ اختلفا إلى أن توفّي عبد الرحمن في خلافة عثمان الذي لم يعلم بوفاته ولم يحضر جنازته ولم يصلّ عليه.

ما الذي أثار عبد الرحمن على عثمان؟

ما الذي أثار الصحابة في المدينة حتى كتبوا إلى إخوانهم في الأمصار يطلبون منهم العودة (لإقامة دين محمدٍ بعدما أفسده الخليفة)؟ وما الذي أثار المسلمين في غير المدينة.

ماذا فعل أبو ذر، زاهد الأُمّة الذي يقول فيه النبي: (ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجةٍ أصدق من أبي ذر) لينفى إلى الربذة بشكل مزرٍ يؤذي أيّ مسلم، ويمنع الناس من توديعه حتى وهو ذاهب إلى منفاه، فيذهب وحيداً، ويموت هناك وحيداً ليس معه إلاّ امرأته الحائرة لا تعرف ما تفعل؟

وماذا فعل عبد الله بن مسعود، هذا الصحابي الجليل الذي كان، كما يقول المؤرّخون، أول من جهر بالقرآن في مكّة أمام شيوخ قريش ليغيظهم؟! لقد حرم عطاءه وهو حق له، إلى أن مات، ثم لم يكتفوا منه بهذا حتى كسروا ضلعين من أضلاعه في ضرب قاسٍ عنيف، كان الضاربون أولى به.

وعمّار بن ياسر؟! ابن أول شهيدين في الإسلام والذي بشّره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله هو وأهله بالجنّة. ما كان ذنبه حين طُعن في بطنه طعناً أشفى به على الموت وخلّف له فتقاً خطيراً لازمه حتى مقتله في صفّين؟!

أذنبهم أنهم رأوا باطلاً فأنكروه، وسيرةً لا ترضي الله ولا رسوله ولا المسلين فنقدوها وأعلنوا سخطهم عليها.

أكان يراد منهم أن يشاركوا الحكم إثمه؟ أن يسكتوا فلا ينكروا ولا ينقدوا، وأن يباركوا الظلم ويستزيدوا منه ويشجّعوا عليه؟!

أكنت تريد منهم ومن غيرهم من المسلمين أن يصفّقوا لك وأنت تهب الخمس كلّه من غنائم فتح أفريقيا إلى ابن عمّك مروان بن الحكم، او يلومون لأنّك اقتصرت على الخمس وحده فلم تهبه النصف مثلا، بما سلف منه ومن أبيه الحكم بن أبي العاص، من جهادٍ وبلاء في الاسلام؟!!!! وربما وصلتك أبيات ابن حنبل الجحمي في هذه الهبة. ومع ذاك فلا بأس أن أذكر الأخير منها:

وأعطيت مروان خمس البلاد

فهيهات سعيك ممن سعى

ويبدو أنك استقللت ما أعطيت لمروان، فأعطيت أباه الحكم ثلاثمائة ألف درهم، هي كل صدقات قضاعة حين وليته عليها.

وعبد الله بن خالد بن أسيد الأموي الذي وصلته بأربعمائة ألف درهم، لا أدري مقابل ماذا. هل فكرت يوماً أن تصل فقراء المسلمين، وهم كثر والحمد لله في زمن حاكم مثلك، ببعض ما وصلت به ابن خالد بن أسيد وليس له من فضل على سواه إلاّ أنه أموي مثلك؟!

وفدك! هذه الأرض التي كانت خالصة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وحرمت منها وارثتها الشرعية فاطمة ابنته بحديث لم يسمعه منه إلاّ أبو بكر وحده دون جميع المسلمين، ومنهم طبعاً فاطمة وزوجها علي. كيف جاز لك أن تهبها لمروان بن الحكم - ابن عمّك - وقد منعت منها وارثتها بـ (نحن معاشر الأنبياء لا نورث).

أكانت فاطمة تحرم من فدك ليرثها مروان؟!

ثم مالك ولمواشي المسلمين التي لم تسلم هي أيضاً من ظلمك حين منعت عليها الرعي في المراعي حول المدينة وأبحته لمواشي بني أميّة؟!

ألم يكفك أن تحمل بني أمية على رقاب المسلمين، فحملت مواشيهم على رقاب مواشي المسلمين وميّزتها، فأتخمت تلك وأجعت هذه؟!

وما الذي دفع عبد الله بن الأرقم صاحب بيت المال، أن يلقي بمفاتيحه في وجهك وهو يصرخ محتجّاً (والله لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيراً) فما كان منك إلا أن قلت له (ألقِ المفاتيح يا ابن أرقم فإنّا سنجد غيرك).

نعم ستجد ولا شك غيره، فما أكثر المرتزقة في حكم ليست الحظوة فيه إلاّ للمرتزقة وأشباههم، وليس الإبعاد إلاّ لذوي الفضل والدين.

لكن قل لي يا عثمان ألا ترى أن من حق المسلمين أن يعرفوا اين تذهب أموالهم، وهي حق لهم وليست إرثاً لك من عفّان بن أبي العاص تتصرّف فيه كيف شئت؟!

لقد ضاق ابن الأرقم بتبذيرك أموال المسلمين في بني أمية ولم يستطع أن يتحمّل أكثر مما تحمّل فجاء تائباً إلى الله أن يكون شريكاً فيما يجري، وألقى مفاتيح بيت المال بعد أن طلبت منه أن يعطي أبا سفيان مائتي ألف درهم ومروان مائة ألف في يوم واحد، وكأن كل ما سبق أن أعطيته لهما لم يكن كافياً في نظرك، لسابقتهما في الإسلام وعظيم آثارهما في تأييده والدفاع عنه في مكّة وفي بدر وفي أحد!!!

أي عداء بينك وبين مال المسلمين فما يصل إليك شيء منه حتى تسرع إلى توزيعه فيمن كانوا أشد الأعداء للمسلمين؟!

وهذا الذي كان يكتب الوحي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم ارتدّ مشركاً وصار إلى قريش بمكّة فقال لهم (إني كنت أصرف محمداً حيث أريد، كان يملي علي « عزيز حكيم» فاقول « أو عليم حكيم » فيقول - يعني النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله - « نعم كل صواب »).

وأظنك عرفت من أعني. إنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح. كيف أجزت لنفسك أن تستأمن له وقد أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بقتله مع اثنين أو ثلاثة، حتى لو وجدوا متعلّقين بأستار الكعبة؟!

وأريد أن أقبل أنه استجار بك فأجرته، فكيف أقبل أن تبذخ عليه من أموال المسلمين ما لا أظنه كان يحلم ببعضه، وأنت تمنع عن خيارهم حقّهم الذي لا فضل لك فيه.

وهل استغرب بعد هذا قول سعيد بن العاص والي عثمان على الكوفة (إنما السواد بستان لقريش).

لقد كان سعيد صادقاً في قوله ذاك، لكنه سيكون أصدق لو قال (إنما الارض الإسلامية كلها - لا السواد وحده - بستان لقريش) وأصدق لو قال (بستان لأُميّة).

وهل نستغرب بعد هذا أن تقوم الثورة على عثمان، وقد هيّأ عثمان نفسه أسبابها؟!

لكن الغريب أن الكثيرين من المؤرّخين، قدماء ومحدثين، يحاولون الاعتذار عن كل ما قام به عثمان، مرة بالتشكيك في الفعل ذاته أو التقليل من شأنه، ومرة بأنه لم يباشره بنفسه وكأن المفروض في الحاكم أن يتولّى القتل أو التعذيب أو الضرب بيده، ومرة بأنه اجتهد رأياً، ومرة بأن المال المدفوع، ربما كان على سبيل القرض، ومرة بأنه استغفل فلم يعلم بما وقع.

المهم عندهم هو الاعتذار عن الحاكم وتبرئته، وهو هنا عثمان، حتى لو أدّى ذلك إلى اتهامه المسلمين كلهم وإلى تزوير التأريخ كله.

والأغرب أنّ أشدّ المدافعين عن عثمان ومحاولة تبرير أفعاله والتماس العذر له فيها، هم بعض شيوخ المعتزلة: أصحاب المنهج العقلي والفكر الحر كما يوصفون عند الحديث عنهم(١) .

على أن موقف المعتزلة من عثمان وغير عثمان، ومن كل ما له صلة بالسلطة هو موقف المبرّر دائماً، المساند دائماً، المدافع عنها مهما ارتكبت من جرائم. هذا موقفهم الثابت الذي لا تغيير فيه من كل سلطة، وعليه قامت مدرستهم منذ مؤسّسها واصل بن عطاء أو مؤسّسيها واصل وعمرو بن عبيد.

لقد كان المعتزلة شرطة السلطة وأعوانها ومسوّقي جرائمها رغم مواقفهم الجريئة على الصعيد الإيماني. لقد خافوا سلطان الدنيا فجبنوا وأمنوا سلطان الدين فاجترؤوا.

____________________

(١) انظر في ذلك دفاع قاضي القضاة وأبي الحسين الخياط في نهاية الجزء الثاني وبداية الجزء الثالث من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد تحقيق محمد أبوالفضل ابراهيم - دار إحياء الكتب العربية ط ١٩٥٩.

٤- علي بن أبي طالب (...؟)

ما لابن أبي طالب وحده لا يحمل لقباً كأصحابه الخلفاء الآخرين، كالصدّيق والفاروق وذي النورين؟! أتراهم استكثروا عليه ذلك وهم يوزّعون الألقاب حتى على من كان دون الخلفاء كـ (أمين الأُمّة) و(سيف الله)؟!

ولكن، أكان علي في حاجة إلى لقب؟! ماذا سيكون لقبه، ودونه كل الألقاب؟!

تلك كانت خاطرة أسرعت إلى ذهني وأنا أتناول الخلفاء الراشدين واحداً بعد الآخر. فلأبدأ بما أريد الحديث فيه.

كانت تركة العهد العثماني تمثّل عبئاً ثقيلاً وثقيلاً جداً على من يخلف عثمان، حتى لو كان أقوى الرجال وأقدر الرجال. فالفساد لحق جميع مفاصل الحياة، بل إنك لا تخطئ إذا قلت، إن الحياة كلها قد لحقها الفساد، وأن الإسلام كقيم وسلوك قد تراجع وانحسر بفعل عوامل كثيرة ضغطت عليه طوال ذلك العهد، عرضنا لبعضها وتركنا بعضها لأنه معروف.

في مثل هذه الظروف تمّ انتخاب علي الذي أصرّ على الاعتذار، لكنه قبل أخيراً - رغم معرفته بالظروف وربما بسبب معرفته بالظروف - حين وجد أن الاعتذار لا يسعه وأن مصلحة المسلمين توجب عليه القبول.

وجاء انتخابه بإجماع لم يعرف من قبل. لم يكن تعييناً من سابق للاحق. ولم يكن اختياراً من بين عدد محدود يمر عبر صفقات ومساومات.

لكن هذا الانتخاب وبالشكل الذي حصل فيه، أثار حفيظة الكثيرين من أعداء علي القدماء والجدد الذين رأوا في خلافته ضربة موجعة لمصالحهم وأطماعهم، وحاجزاً لا يمكن اختراقه لبلوغ ما يريدون. فهم يعرفون علياً ويعرفون شدّته في الحق وقوّته في ردع الظالمين وانتصافه للضعفاء والمظلومين. وربما كان يكفيهم منه أن يتركهم وما في أيديهم. لكنهم كانوا على يقين أن ذلك لن يتحقّق، وليس ما في أيديهم إلاّ أموالاً اقتطعت من أموال المسلمين.

كانت الصورة أمامهم واضحة: حكم يتساوى فيه أقصى المسلمين بأدناهم وأضعفهم بأقواهم، ولن يكون الخاسر فيه إلاّ هم.

وكان عليهم أن يعملوا بسرعة، قبل أن يتمكّن علي، وقبل أن يسبقهم الزمن فيفسد عليهم مسعاهم.

وأسرعوا. هاهم يتسابقون لإشغال علي وتأليب الرأي الإسلامي ضدّه: باتهامه بالاشتراك في قتل عثمان وعدم نصرته والتخذيل عنه تارة، أو باتهامه بإيواء قتلة عثمان تارة.

والتقى خصوم الأمس من ارستقراطية قريش وذوي النفوذ والجاه والمال تحت شعار محاربة علي: الخطر الوشيك على النفوذ والجاه والمال. ولم يكونوا ليلتقوا قبل اليوم، لكنها المصالح تنسي العداوات وتقفز عليها.

على أنّ من الحق أن أشير إلى أنّ محاولة استبعاد علي من الواجهة السياسية التي أخذت شكل الحرب والقتال بعد مبايعته بالخلافة، قد سبقت ذلك بزمن طويل. لقد كان علي ضحيّة مؤامرة كبيرة بدأت قبل خلافته وقبل الشورى وقبل السقيفة، ومنذ حياة النبي، شاركت فيها رؤوس كبيرة وأسماء كبيرة من رجال قريش.

ومع علي، كان الإسلام والمسلمون ضحيّة من ضحايا تلك المؤامرة التي انطلقت من يومئذ لتنتهي بظلم ما يزال يوجع الإنسان عندنا حتى اليوم.

وهكذا توحّدت مصالح الكبار من المسلمين وعلى رأسهم هذه الارستقراطية القرشية بما تمثّل من احتكار للثروات والمناصب، وعداوات قديمة وحديثة للهاشميين ولعلي، لتشارك كلها في قتل علي والتخلّص منه نهائياً، فانتهكت بقتله، حقوق هذه الملايين من المسلمين الذين كانوا يرون فيه وجه الإسلام النقي الصافي العذب، والذين وئدت آمالهم التي كان يجسّدها علي، لتصحيح وضع فاسد لم يعد يمثل أية قيمة إسلامية.

واغتيل علي. ولم يكن أقل جرماً من ابن ملجم، الذين مهّدوا له الطريق وشحذوا السيف وسلّموه إليه.

وباغتياله ختم عهد الراشدين الذي بدأ بحروب وقتال وانتهى بحروب وقتال، لكن ضجيج المزوّرين لم ينته، فما يزالون مصرّين على أن يجعلوا من هذا العهد المثل الأعلى للحكومة القائمة على الشورى والعدل والحرية والاحترام، وما كان يتمتّع به المسلمون من حقوق ما تزال الديمقراطيات تلهث، دون أن تستطيع اللحاق بها أو الاقتراب منها.

الفهرس

المقدمة ٣

(١) الأمن العراقي. ٧

(٢) إجرام البعث.. ١٣

(٣) حلبجة ١٥

(٤) انتفاضة آذار (الانتفاضة الشعبانية) ١٨

(٥) انقلاب ٨ شباط - يوم اغتيال الحياة ٢٤

(٦) الدولة العباسية ٢٦

(٧) المنصور ٢٩

عبد الله بن المقفع وآية التنور والتنور ٢٩

(٨) المهدي. ٤٤

عندما يجبر الأب على أن يقتل ابنه ٤٤

(٩) الهادي. ٥٣

الطبق الذي يحمل الفحشاء ٥٣

(١٠) الرشيد - جعفر ٥٩

والحرق، بعد الصلب، بعد القتل. ٥٩

(١١) الأمين والمأمون. ٧٣

(١٢) الأمين. ٧٤

(١٣) المأمون. ٧٨

(١٤) المعتصم. ٨٤

(١٥) الواثق. ٨٩

حين يقتل أمير المؤمنين بيده ٨٩

(١٦) المتوكّل. ٩١

(١٧) ملاحظات سريعة حول الحكم العبّاسي  ٩٩

(١٨) الدولة الأموية ١٠٣

معاوية - الخطوط الحمراء - دفن الإنسان حياً ١٠٣

(١٩) يزيد. ١٠٩

عندما يذهب الأخطل حاجاً إلى مكّة ١٠٩

(٢٠) عبد الله بن الزبير - الصراع بينه وبين الأمويين  ١١٦

(٢١) الدولة الأموية - المروانية ١٢٢

مروان بن الحكم - مقتل طلحة - ولاية العهد لأكثر من واحد. ١٢٢

(٢٢) النجف ومصعب والمختار ١٢٦

حين تتحوّل الشجاعة إلى وحشيّة ١٢٦

(٢٣) عبد الملك بن مروان. ١٣١

(٢٤) الوليد بن عبد الملك.. ١٣٧

العدل في قتل الأسرى. ١٣٧

(٢٥) سليمان بن عبد الملك.. ١٣٩

توفيل، الفرزدق وجرير ١٣٩

(٢٦) عمر بن عبدالعزيز ١٤٣

نقطة الضوء في النفق. ١٤٣

(٢٧) يزيد بن عبد الملك.. ١٤٤

حبابة، عباس بن فرناس. ١٤٤

(٢٨) هشام ١٤٨

زيد بن علي، المغيرة بن سعيد. ١٤٨

(٢٩) الوليد بن يزيد. ١٥٣

النسف في البحر بعد الحرق والصلب والقتل. ١٥٣

(٣٠) يزيد بن الوليد. ١٥٦

الحكم الذي لم يدم أكثر من ستة أشهر - رأي المعتزلة ١٥٦

(٣١) مروان بن محمد. ١٥٨

قطع الأيدي والأرجل - سقوط الحكم الأموي. ١٥٨

(٣٢) بعض ملامح الحكم الأموي. ١٦١

(٣٣) هكذا يفعل الأمويّون. ١٧٥

عبد الله بن خباب وطريق الموت.. ١٧٥

جذور الشر ١٧٩

عهد الراشدين. ١٧٩

١- أبو بكر (الصدّيق) ١٧٩

٢ - عمر بن الخطّاب (الفاروق) ٢٠٣

٣- عثمان بن عفّان (ذوالنّورين) ٢١٣

٤- علي بن أبي طالب (...؟) ٢١٩

مؤلف: احمد عبد الله
صفحات: