ويستمر الصراع
أحمد عبد الله
الإهداء
إلى كل الثوّار في العالم، فإنهم - علموا أم لم يعلموا - من مدرسة الحسينعليهالسلام
الفصل الأول
في الطريق إلى المدينة
السنة الثامنة للهجرة، مكّة لم تعد سعيدة فخورة آمنة کما کانت؛ الناس فيها قلقون. تعلو وجوههم الحيرة والكآبة، وأسئلة لا يجدون الاجابة عليها. الإسلام يتقدّم وينتشر ويكسب في كل يوم أنصاراً جدداً وانتصارات جديدة.
مشيخة قريش لم تعد تمسك بزمام الأمور كسابق عهدها، والعبيد والمستضعفون والحلفاء يتمردون ويهربون للالتحاق بمحمدٍ. الأمور لا تبدو مطمئنة لهم. إنهم لا يعرفون الخطوة القادمة لمحمد، لكنها بكل تأكيد ستزيدهم ضعفاً وتزيد خصومهم قوة. فمحمدٌ لن يقف حيث انتهى. إنّ خطوته القادمة ستكون أخطر من كل ما تقدّمها، وقد تقضي على ما بقي لقريش من عزٍّ وسلطان.
قبائل العرب بدأت تفقد الثقة في قريش وقدرتها على مواجهة محمّد. إنّهم يسخرون الآن منها. ومن يدري فلعلّهم سينضمون قريباً إلى محمّد ويحاربونها إلى جانبه؟
حتى شباب قريش، هؤلاء الذين كانوا أشدّ أعداء محمّد، بدؤوا يلتحقون به، طامعين في الجاه والسلطة التي يفتقدونها في مكة. ماذا يجدي عليهم بقاؤهم في مكة التي أصبحت ماضياً يثير الحسرة والحزن. وقصائد الرثاء وذكريات وآلام لا تنفع حاضراً ولا تبني مستقبلاً.
لم تعد المدينة التي يستطيعون تحقيق طموحهم فيها، أمامهم (المدينة): مدينة الأمل والمستقبل، فليسرعوا إليها. هناك يستطيعون أن يحققوا ما يريدون. لقد أصبحت المدينة - منذ اتخذها محمّد مسكناً له - مركز الدعوة وحاضرة المسلمين. وإذا كان الإسلام اليوم ديناً، فإنّه سيكون غداً حكماً وسلطاناً. ها هي المدينة تعج بالحركة والنشاط، إنها دولة تتشكل، ستتجاوز عن قريب، مكة وغير مكة، لتحتكر المستقبل إلى زمن طويل قادم.
وعلى الطريق الذاهب من مكة إلى المدينة وفي زاوية منه، كان اثنان من رجال قريش يتبادلان الحديث في موضوع يبدو أنه على جانب كبير من الخطورة. فقد كانت إمارات الجد والقلق واضحة عليهما وهما يتحدّثان.
قال أحدهما بلهجة حزينة، وهو يطيل النظر نحو مكة: والله يا عمرو ما أدري إلى متى سنستمر في حرب محمّد. أكثر من عشرين عاماً ونحن نحاربه فما يزداد إلا قوّة وما نزداد إلاّ ضعفاً. ماذا نفعل أكثر مما فعلنا - ولم نترك شيئاً إلا فعلناه - للقضاء عليه وعلى دينه، فلم نجني إلا الخيبة والاخفاق. وها هو دينه يعلو وأصحابه يزيدون وكأنه يملك سحراً فيجذبهم إليه. ما أدري ما سر هذا الرجل؟! لقد فتن الناس بهذا الدين الذي يزعم أنه يتلقاه من الله. أتذكر كم سخرنا منه عندما بدأ في مكة يدعو إلى دينه الجديد، مسفهاً ديننا، ولم يكن معه أحد غير زوجته خديجة وابن عمه علي وأبي بكر؟ إني لأذكره الآن وكأنه أمس القريب. أذكره ونحن نهزأ به وبدينه. أيمكن لواحد، ليس معه إلاّ اثنان أو ثلاثة، أن يواجه هبل واللات وعبد العزّى، ووراءها قريش بكل قوّتها وسطوتها وجبروتها، لولا ذلك الشيخ: أبي طالب الذي ما تزيدني الأيام إلا كرهاً له.
لقد بسط حمايته علی محمّد ومنع قريشاً من الوصول إليه ووأد فتنته، وهو بعد ضعيف لا يملك الدفاع عن نفسه. ما أظن أبا طالب إلاّ قد دخل في دين محمّد وهو يردّ قريشاً كلّها عنه. ليس هذا ظنّاً، إني لأتيقنه، وإلا فما بال أبي طالب وحده دون باقي أعمامه، يتحمل ما تحمل، لو لم يكن مؤمناً بدينه؟! لقد تحمل مقاطعة قريش له ومن معه من أهل بيته، وفيهم الأطفال والنساء والعجزة، ثلاث سنين لم يضعف ولم يتراجع. إنه الإيمان يا أبا عبد الله لا الحمية والعصبية. ثم تابع: هل تذكر يا أبا عبد الله؟ هل تذكر سُمية وياسر وبلال؟ ما أسرع ما تدور الأيام!! إني لأخشى أن نصبح يوماً موالي لهؤلاء الذين كانوا حتى وقت قريب موالي لنا. قال ذلك بصوت فيه ضعف وانكسار.
قال الثاني: لكأنك تنطق بلساني يا أبا سليمان. ما رأيتك أقرب إلي منك اليوم. ماذا جنينا من حرب محمد غير الفشل يتبعه الفشل. والله لو علمت أنه سيبلغ ما بلغه لأسرعت إلى الدخول في دينه، ولما تركت الآخرين يسبقونني إليه. لكنه الغرور وقلة التبصر والكره لمحمد ودينه حال كل ذلك دون ما أنا نادم عليه اليوم. إني لأكره محمداً مثلما تكرهه أو أشد. أأكثر من أنه لعن أبي في قرآنه ولم يلعن معه إلا أبا لهب؟! إن أي مسلم يقرأ (إنّ شانئك هو الأبتر) ليعلم أنها نزلت في العاص بن وائل. لقد ركبت البحر إلى النجاشي في الحبشة طامعاً أن أجد عنده العون على هذا الذي سخر من ديننا ويوشك أن يزيلنا عن سلطاننا، فلم أظفر بشيء مما طمعت فيه، بل بدا لي أنه أقرب إلى محمد، وربما مؤمنا به. والله لو وثقت أننا نستطيع أن نفعل شيئاً في قابل الأيام للانتصار على محمد والانتهاء منه ومن دينه لما ترددت ولما ادخرت وسيلة ولا حيلة إلا لجأت إليها وتعلقت بها. إنني لا أفكر الآن في الماضي يا أبا سليمان، فليس لعودته من سبيل. أنا أفكر في المستقبل الّذي سنخسره بعد أن
خسرنا الماضي. أنا علي يقين أننا سنخسره إن بقينا على عنادنا وحمقنا، وإن لم نلحق بمحمد، لا إيماناً به وبدينه، ونحن نخوض الحرب ضده منذ عشرين عاماً، لكن رعاية لمصالحنا وصيانة لقريش أن تستذل. علينا أن نقرر، أن نسرع في القرار. إن الوقت يضيق علينا، وستذكر قولي هذا يا أبا سليمان وستندم حيث لا ينفع الندم. أمامنا تجربة السنين الطويلة التي مرت مع محمد، وهي كافية لأن ترينا الطريق.
قال الأوّل: وماذا سنفعل مع قومنا في مكة؟! ماذا سنقول لهم إذا تركناهم واتجهنا صوب محمد؟! أليس ذلك خذلانا لهم في وقت صعب، وهم في حرب مع هذا الذي نفكر في اللحاق به؟! هل يرضيك أن يقال إننا تخلينا عن قومنا ونسينا ثأرنا عند محمد، وهو من أذلنا وسلبنا عزنا وسلطاننا؟!.
كيف سيواجه أهلنا واولادنا قريشاً بعد اليوم؟ هل من حل غير اللحاق بمحمد؟! أليس هناك من حل آخر؟! لا يا أبا عبدالله، لا. ابحث عن حل آخر.
قال الثاني: والله لا أجد من حل لنا ولقريش نفسها غير ما عرضت عليك، وليتني أملك غيره. أتظنه سهلاً علي أن أفارق ديني ودين آبائي لأتبدل به ديناً حاربته عشرين سنة، وعلى استعداد لأن أحاربه عشرين سنة أخرى لو وثقت بأنني ساهزمه وأستريح منه. لكن ذلك يبدو لي مستحيلاً. ماذا بيدي بعد تجربة العشرين؟!
قال الأول: والله إني لأراك محقاً يا أبا عبد الله. لا خيار أمامنا لنفاضل ونختار ونقبل ونرفض. لقد ضيق محمد الخيار علينا، لكن أفكر في قومنا كما قلت ذلك. أفكر في وقع النبأ عليهم حين يسمعون به.
قال الثاني بشيءٍ من الغضب يحاول أن يكتمه: لقد صرت معك يا أبا سليمان. ما أراك تقترب مني، حتى تعود لتبتعد! مالك؟! قومنا. قومنا!! ماذا سينفعنا أبو سفيان وقد فقدنا خيرة رجالنا وسنفقد الباقين؟! ماذا سيغني عنا عناده، غير هزائم جديدة بعد هزائم قديمة؟! إنه مجنون قتله الحقد على محمد، ما يزال يذكر أيامه الماضية ويحلم بها.
قال الأول وبدا كالمقتنع بكلام صاحبه: لقد ذكرت أبا سفيان. فهل نسيت أنه من آل عبد مناف، وحين تسد بوجهه السبل سيجري مسرعاً إلى (ابن عمه) معلناً إسلامه وتاركاً وراءه كل ما كان ينادي به من الثأر والانتقام من محمد. هل تعلم يا أبا عبد الله كم قتل من بني مخزوم، ومن آل المغيرة وحدهم؟! إن حزني لا ينقطع عليهم.
قال الثاني وهو يتهيأ للنهوض: اسمع يا أبا سليمان. سأختصر الحديث معك لألحق بمحمد في المدينة. لقد حاربنا محمداً سنين طوالاً، لم نقصر في حربه. لم ندخر جهداً فيه، حاربناه في بدر وفي أحد، وفي حنين والأحزاب، حرضنا القبائل عليه. ذهبنا إلى الحبشه طلباً لنصرة النجاشي هناك. لم نترك أحداً نرجو منه أن ينصرنا على حربه إلاّ اتصلنا به والتمسنا عونه. فماذا كانت نتيجة كل ذاك؟! سلطان يقوى ويتسع في جانب، وهزائم تتوالى في جانب؟! هل ترى يثرب؟! يثرب التي صار اسمها الآن المدينة. لم تعد يثرب التي نعرف. إنها اليوم عاصمة المسلمين وحاضرة الحكم. وكأني بها في يوم قريب، عاصمة لدولة كبرى، لن تكون مكة وأهل مكة إلا تبعاً لها. ونحن الآن في ساعة القرار: إما أن نفقد مستقلبنا كما فقدنا ماضينا، وإما أن نتدارك خطأ طويلاً لنا فنلحق بمحمد، نحاول أن نجد - رغم فوات الأوان - مكاناً لنا نضمن به مستقبلنا.
وربما مستقبل قريش معنا، ولنا بين قومنا من المهاجرين السابقين أهل وأصحاب لن يتنكروا لنا ولن يجفونا، وسيساعدوننا فيما جئنا له. فإن وافقتني فتعال معي، وإلا فإني ذاهب وحدي الى المدينة ومعلن إسلامي فيها. هذا رأيي الذي لا عدول عنه؟ وابق أنت إن شئت مع مجموعة الحمقى في مكة.
ونهض الاثنان وأخذا الطريق إلى المدينة. كان خالد بن الوليد وعمرو بن العاص أعلنا إسلامهما هناك في عام الثامنه للهجرة، قبل وقت قصير من فتح مكة.
وعمرو بن العاص هو أحد الذين أفسدوا الحياة السياسية والدينية للمسلمين. كان من أشد الناس على عثمان. هو الذي كان يقول (والله إني لأحرض الراعي عليه - يقصد عثمان) و(أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة أدميتها).
وحين كان عثمان محاصراً في المدينة، تركه عمرو وذهب إلى أرض له في فلسطين يترقب الأخبار.
وقبل أن تنشب حرب صفين، كان عمرو يساوم معاوية على مصر. يريدها طعمة له ما بقي حياً، فهو يعرف أن المسلمين لا يمكن أن يعدلوه بعلي، وأن لا سبيل أمام معاوية إلا الخداع والرشوة وشراء الذمم والضمائر. وهو قد تنازل عن ذمته وضميره.
قال لمعاوية وهو يساومه ليكون في صفّه ضد علي (... إن في النفس منها ما فيها حيث تقاتل مَن تعلم سابقته وفضله وقرابته. ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا).
وقبل معاوية شرط عمرو. وكانت مصر أول بلد في التاريخ يعطى رشوة.
الفصل الثاني
البدايات
الركض إلى السقيفة
مرت الأيام التي سبقت موت النبي حزينة ثقيلة على المسلمين كانوا يمنون أنفسهم بأن يبرأ النبي من المرض الذي أصابه، وأن يعود إليهم يلقاهم كما اعتاد في المسجد، أو يستقبلهم في بيته إن منعه شيء من لقائهم في المسجد. لكن الأخبار تتوالى، عن تراجع صحته. المرض يشتد عليه ليشتد القلق بالمسلمين. لم يعد يستطيع الخروج إلى الصلاة في المسجد. الناس يتحسسون الأخبار في كل مكان. يسأل بعضهم بعضاً. دون انتظار الجواب، فليس فيهم من يملك الجواب. لم يعد هناك أمل في شفائه. إنه ميت بين ساعة وأخرى.
ويعلن خبر موت النبي. ويفزع الناس مذهولين من هذا الخبر إلى الشوارع، يحركهم الحزن على نبيهم والوفاء له، يريدون أن يودعوه قبل أن يفارقهم إلى الأبد.
وفي الطريق الذاهب إلى دور الأنصار، كان ثلاثة من أصحابه القريبين يسرعون الخطى معجلين، ورابع يسبقهم بخطى أسرع. الأربعة معجلون، والحديث همس. وبين لحظة وأخرى يلتفت الرابع إليهم طالباً أن يسرعوا أكثر. إن نفسهم يكاد ينقطع من شدة العدو. يسقط أحدهم فينهضه صاحباه وهو يلعن الأنصار وبني ساعدة والاجتماع.
قال واحد من أهل المدينة لصاحبه: أليس هذا أبا بكر ومعه عمر وأبو عبيدة؟ والرابع الذي يسبقهم، أليس هو عويم بن ساعدة؟ لكن إلى أين يقصدون في هذه الساعة؟ إنهم يأخذون الطريق إلى بيوت الأنصار، وبني ساعدة خصوصاً. أيكونون قد نسوا بيت النبي من شدة الصدمة فأخذوا طريق بني ساعدة وهم يريدون بيت النبي؟ إن الصدمة شديدة على المسلمين جميعاً، وهؤلاء الثلاثة كانوا من أصحاب النبي المقربين إليه.
قال الآخر: لكن رأيت عمر على باب بيت النبي كأنه ينتظر شيئاً. كان بادي الاضطراب، يتلفت يميناً وشمالاً، يفرك يديه حيناً ويقبض على لحيته حيناً، وعيناه مصوبتان إلى ناحية من الطريق. وكان يقف إلى جانبه عويم بن ساعدة، يساره بشيء يبدو أنه خطير، وهو في مثل حالته من الترقب والاضطراب. وفجأة ظهر أبو بكر الذي كان قد سبقه قبل قليل ابو عبيدة بن الجراح، وما أن اقترب من الثلاثة حتى أسرعوا إليه. لم يدخل بيت النبي كما توقعت، بل مضوا جميعاً في اتجاه بني ساعدة.
قال الأول: وما الّذي منع الثلاثة أو الأربعة من دخول بيت النبي وإلقاء نظرة الوداع عليه؟! أهناك أهم من النبي عندهم، فتركوه وذهبوا للأهم؟! أم أن النبي أصبح ماضياً وذكريات. لم يعد يضر وينفع. لم يعد يخافه الناس ويرجونه ويطمعون في رضاه كما كانوا يفعلون.
قال الآخر: والله لا أعلم أكثر مما قلت. لقد رأيتهم يتجهون إلى بني ساعدة حيث يجتمع الأنصار هناك كما سمعت. هذا كل ما رأيته وسمعته.
وكان الأنصار ينظرون بقلق إلى ما يخبئه لهم المستقبل بعد رحيل النبي. فهم يعرفون قريشاً ومكرهم، وقد عاشوا معهم في مدينتهم مهاجرين. ويعرفونهم قبل أن يهاجروا إليهم حين كانوا بعد في مكة. سيحاولون أن يستأثروا بالحكم دونهم ودون باقي المسلمين. والحكم عند قريش يعني استعباد الآخرين واستذلالهم ومصادرة حقوقهم، ولهذا فقد قرروا أن يتركوا خلافاتهم ويتوحدوا في مواجهة قريش؛ ليمنعوها من الوصول إلى ما تريد. ولم يكن ذلك ممكنا إلا بالاتفاق على رجل يبايعونه ويولونه أمورهم. وكان هذا الرجل هو سعد بن عبادة، أحد زعماء الخزرج المعروفين، والذي تم ترشيحه بعد مشاورات طويلة استغرقت المدة التي مرض فيها النبي، وربما قبلها أيضاً. ولم يبق إلا إعلان بيعته في اجتماع حددوا مكانه.
ولكن كيف سيواجهون النبي لو بايعوا سعداً دون استئذانه وموافقته، وهو في تلك الحالة من المرض؟ أليس في ذلك ما يؤذيه ويزيد من مرضه، وهم الذين سعوا دائماً، منذ دخلوا الإسلام، إلى رضاه وتجنب ما يسؤوه ويؤذيه، حتى لو كان فيه ما يسؤوهم ويؤذيهم؟ ماذا سيقول عنهم المسلمون عندما يرونهم يبرمون أمراً في مثل هذه الخطورة دون الرجوع إلى النبي وهو بينهم لم يمت بعد؟!
ما الذي يعجلهم، وكانوا يستطيعون أن ينتظروا حتى تتبين حالة النبي ثم يتخذون ما يشاؤون بعد ذلك؟ بل ماذا سيقول بعضهم لبعض، وماذا سيقولون لأنفسهم وذويهم إذا تذكروا يوماً أنهم أخطأوا مع النبي وأساؤوا إليه في أواخر أيام حياته.
هذا ما كان يفكر فيه الأنصار وهم يواجهون قضية مستقبلهم، ومرض النبي، وقريشاً، ولكل في تفكيرهم مكان. وانتهوا إلى إرجاء الاجتماع الذي حددوا مكانه عند بني ساعدة إلى أن تتضح حالة النبي.
أما كتلة قريش فقد زاد مرض النبي من حدّة نشاطها وتحركها لتسلّم الحكم الذي كانت تخطط له من زمن بعيد، لولا وجود النبي الذي حال دونه. لكن النبي قد جاوز الكهولة أو قارب أن يتجاوزها، ولن يلبث طويلاً أن يموت. وحينذاك قد يفلت الأمر منها، فلا أحد يستطيع التنبؤ بالمستقبل ولا أحد يعرف ما يحمله لهم ولغيرهم. ربما لم يكن في صالحهم ما يحمله المستقبل. إذن عليهم أن يحكموا أمرهم من الآن، ويسرعوا فيه ولا يتركوا للمفاجات منفذاً إلا أغلقوه.
وكان أمام قريش عقبتان عليها أن تفكر فيهما، وهي تفكر في الحكم.
كان أمامها علي يلتف حوله بنو هاشم وأنصارهم، ويختلفون مع قريش أكثر مما يتفقون. ولعلي أنصار وأتباع ومؤيدون، ثم هو ابن عم النبي وزوج ابنته وابو سبطيه. وسابقة علي وبلاؤه في الدفاع عن الإسلام ليس لأحد من قريش. لكن قريشاً لا تريده أو تكرهه.
وكان هناك الأنصار في المدينة: الخصم القوي الذي لابد أن تواجهه قريش مستقبلاً، وهو ما يقلقها ويفزعها كلما فكرت في الحكم. فالمدينة مدينة الأنصار الذين لاتجهل قوتهم وبأسهم. هم أعداء المستقبل والعائق الوحيد أو شبه الوحيد أمام طموحهم.
والأنصار قبيلتان يمانيتان من الأزد، هما الأوس والخزرج، يجمعهما أب واحد. وكانت بينهم في الجاهلية حروب وقتل ودماء أخرها يوم (بُعاث) الذي لم يمض عليه زمن طويل حين جاءت الدعوة الإسلامية.
وحروب الأقارب الذين يعيشون على أرض واحدة أقسى وأشد من حروب غيرهم ممّن لا يلتقون إلا في ساحة الحرب، فإذا انتهت عاد كل إلى أرضه وشأنه.
وليس بعيداً عن الذاكرة حرب البسوس بين بكر وتغلب ابني وائل. وحرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان ابني بغيض من غطفان، وهما أطول حربين عرفهما تأريخ العرب.
هذه هي الحال بين الأوس والخزرج. حروب وقتلى ودماء، لا يتصالحون إلا ليعودوا للاقتتال، ولا ينتهون من حرب إلا ليتهيؤوا لأخرى. وجاء الإسلام، ودخل الأوس والخزرج فيه، لكنه لم يستطع أن يزيل أحقادهما القديمة. وإن خفّف منها.
هكذا إذن بدا المشهد في المدينة:
١ - قريش، وهي كتلة تضم إلى جانب المهاجرين القدماء منها، هؤلاء الذين أسلموا حديثاً في فتح مكة أو قبله بقليل بعد اليأس من الانتصار على الإسلام، وهاجروا إلى المدينة ليلتحقوا بمن سبقهم من قريش إليها، ثم عدو من حلفائهم واتباعهم.
وقد برزت هذه الكتلة كقوة متماسكة تربطها القرشية، ويوحدها هدف مشترك هو الحكم الذي لا تريد أن يشاركها فيه أحد من المسلمين، بعد وفاة النبي، التي باتت قريبة.
٢ - كتلة بني هاشم وانصارهم وهم يقفون خلف علي بن أبي طالب، ويتألفون من ذوي السابقة بين المسلمين وأهل الدين والفضل فهم، مع نفوذ أدبي وعاطفي، لا نفوذ عدوي.
٣ - الأنصار من الأوس والخزرج، ومعهم حلفاؤهم الذين يسري عليهم نفس التوزيع. وهم أهل المدينة والقوة الضاربة فيها. لكنهم كانوا مختلفين أو - على الأقل - لم يكونوا متفقين: الأوس تحذر الخزرج وتراقبها، والخزرج تحذر الأوس وتراقبها، وكل غير آمن من صاحبه. وإلى الخلافات القديمة جاءت لتضاف، خلافات أخرى أفرزها الواقع الجديد.
ها نحن في أواخر العقد الأول للهجرة، وقد انتهت مرحلة الخوف والقلق، وانتهت بعدها مرحلة الغزو والغزو المقابل، وبدر وأحد وغير بدر وأحد.
وها هو الإسلام ينتصر أخيراً ويبسط سلطانه على الجزيرة العربية، ويخف أو ينتهي الحديث عن الغزو والقتال، ليبدأ حديث آخر عن النظام والحكم والتطلّع إلى المستقبل والنظر إلى ما وراء الجزيرة.
وتتهيأ كتلة قريش، تفكر وتخطط لتضمن الحكم وتأمن المستقبل.
لكن هذه الكتلة، وهي تفكر وتخطط، لا يمكن ان تنسى خصمها القوي الذي ستصطدم به يوماً في معركة الحكم، وهي تعلم أن وحدة هذا الخصم - الأنصار - سوف تحول دون نجاح مشروعها لتحقيقه. وتعلم أيضاً ما كان بين طرفي الأنصار - الأوس والخزرج - من عداء طويل وجروح لم تلتئم.
إذن هذه هي نقطة الضعف لدى الخصم، وهذا هو المدخل الذي ستعمل من خلاله قريش لبلوغ هدفها.
وبدأت قريش العمل، وانطلق دعاتها وعملاؤها في نشاط كبير ينفذون مخططها في ضرب وحدة الأنصار وإضعاف صفّهم؛ فكانوا يحرضون الأنصار على بعضهم، الأوس على الخزرج والخزرج على الأوس، ويثيرون المخاوف والشكوك بينهما، وبين أبناء الفرع الواحد منهما. كما لم يفتهم أن يؤكدوا على حق قريش في تولي الأمر بعد وفاة النبي، وأن الأنصار ليس لهم أن ينازعوها فيه، وأنهم سيفشلون لو نازعوها ولن يجنوا إلا الخيبة والفشل وعداء قريش التي سترد على موقفهم بأشد منه حين تتولى الحكم، وهي ستتولاه حتماً.
هذا ما كان يبثه عملاء قريش وعيونها لكسر شوكة الأنصار، والتأثير فيهم وإضعاف روح المقاومة والثبات لديهم.
وكانت قريش من خلال أولئك العيون، ترصد نشاط الأنصار وتتابع تحركاتهم واجتماعاتهم، لا يفوتها شيء مما يجري فيها.
ثم لم تكتف، فالتفتت إلى بعض زعماء الأنصار تستميلهم وتجذبهم إلى صفها.
كان أسيد بن حضير من زعماء الأوس البارزين؛ وهو يخاف الخزرج ويخاف سعد بن عبادة من الخزرج، وبشير بن سعد، من كبار رجال الخزرج وسعد بن عبادة المنافس له على زعامة الخزرج.
والتقى الاثنان عند الخوف من سعد، كل له حسابه.
هذه هي صورة المدينة والقوى النافذة فيها آنذاك.
ويعلن موت النبي ليهز المدينة وكل البقاع التي يسكنها المسلمون من بلاد العرب.
ويتهيأ الأنصار لعقد اجتماعهم الذي أرجؤوه حياءً من النبي وهو حي.
ولكن قبل أن يجتمعوا، كان اثنان من عيون قريش وجواسيسها هما عويم بن ساعدة ومعن بن عدي، يهرولان نحو المدينة. يتجه عويم إلى بيت النبي حيث ينتظره عمر بن الخطاب على بابه، ويذهب الثاني إلى بيت أبي عبيدة بن الجراح يعلمه بخبر الاجتماع وضرورة اللحاق بأبي بكر وعمر.
ويأخذ الثلاثة طريقهم إلى بني ساعدة، مسرعين...
لكم هو طويل هذا الطريق اللعين: طريق بني ساعدة، لم يكن يوماً بهذا الطول! متى سنصل؟! قال ذلك أحد الثلاثة لصاحبيه وهم يحثون الخطى نحو بني ساعدة.
وما أن بدأ الاجتماع حتى فوجیء الجميع بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة في وسطهم.
ووجم الحاضرون وسط صمت غريب. وتلاقت عيونهم وهي تحمل سؤالاً واحداً: كيف وصل هؤلاء؟! من الذي أخبرهم بالاجتماع وموعده ومكانه؟! لِم جاؤوا؟! ماذا يريدون؟!
وبعد بضع كلمات من أبي بكر، وأقل منها من عمر، كان الأنصار يبايعون أبا بكر، هاهو زعيم الأوس، أسيد بن حضير يخرج من الجمع ويتقدّم نحو أبي بكر لمبايعته. وحين رآه بشير بن سعد، ترك هو الآخر مكانه واتجه إلى حيث يقف أبو بكر ومعه عمر وأبو عبيدة.
لقد رفض أن يكون زعيم الأوس أول المبايعين فيكون له الفضل وأعداؤه على الحكم الجديد، ويحرمه من منزلة كان يريدها لنفسه.
وصاح الحباب بن المنذر، وهو يرى ما يفعل بشير، بصوت مليء باللوم والمرارة: بئس ما تصنع يا ابن سعد! أنفت على ابن عمك الإمارة؟! أين ما اجتمعنا واتفقنا عليه؟! أين العهود والمواثيق؟! أنسيت فأذكرك؟
ماذا ستجدي عليك قريش؟! هلا رجعت وجنبت قومك عار اليوم وذل الغد. والله لن يبعد الندم عنك حيث لا ينفع الندم.
والحباب هو أحد فرسان الخزرج ورجالهم المعدودين ومن ذوي النجدة والبأس فيهم، وكان إلى جانب سعد ابن عبادة المزمل بملابسه لوعكة ألمّت به ذلك اليوم.
لكن ابن سعد مضى مسرعاً وكأنّه يخاف من نفسه أن يكسره الصوت ويتراجع فيسبقه أسيد.
لقد هزم الأنصار من الداخل وهم يرون اثنين من كبار رجالهم يتسابقون لكسر الاتفاق. وخسروا المعركة بفعل المؤامرات التي تتقنها قريش، والمنافسة بين الزعماء في ظرف لا يحتمل المنافسة.
وكسبت قريش المعركة ضد الأنصار: القوة الكبيرة في المدينة والتي كان من المنتظر أن تقلب الموازين بين الأطراف في موضوع الخلافة.
وخرج الموكب المنتصر من سقيفة بني ساعدة يجوبون شوارع المدينة وسيوفهم مجردة يلوحون بها، وهم يدكون الأرض بقوة والأعلام ترفرف فوقهم والطبول تضرب أمامهم احتفالا بالنصر وتخويفاً لهم للناس حتى يسارعوا إلى البيعة.
وكان أبو بكر يتقدم الموكب وعلى يمينه عمر وعلى يساره أبو عبيدة، وخرج الناس من بيوتهم على صوت الطبول ليروا الثلاثة المنتصرين وهم يرفعون أيديهم، سعداء بالنصر الذي حققوه، وابتسامة عريضة تعلو وجوههم.
قال أحد هؤلاء وهو يكلّم جاره الذي خرج هو أيضاً لمشاهدة الموكب: ترى إلى أين يتجهون الآن؟ لقد طافوا المدينة كلها. لم يتركوا سكة ولا طريقاً إلا مروا به ورآهم أهله. ألم يتعبوا من طول السير؟!
قال جاره: أظنهم يتجهون الآن إلى بيت علي وفاطمة. ما أعجب الأيام: لقد أصبح علي وفاطمة، العدوين اللذين يجب التخلص، منهما: بنت محمد وبطل الإسلام! من منهم مثل علي؟! من منهم له بعض ما لعلي الذي لم يقم الإسلام إلا بسيفه وبلائه؟! أين كانوا يوم بدر وأحد والخندق وأيام الاسلام الكبيرة الأخرى؟! أين كانت شجاعتهم التي تظهرالآن، بعد ما أمنوا واطمأنوا وزال الخوف وانتهت الحروب وشجع الجبان؟! لِم الخوف من علي؟! ألأنّ خيار المسلمين وصالحهم لا يعدلون به أحداً؟! ألأنه لم يترك النبي دون غسل وتكفين ودفن، كما تركوه؟! ألأنه أبو سبطي النبي الذي لا ذرية له إلا منه؟! ألأنهم لا يملكون أباً وجداً كأبي طالب وعبد المطلب في الجاهلية، فهم يغارون منه جاهلية، ويغارون منه إسلاماً؟!
قال الأول: أليس في بعض ما تقوله سبب كافٍ للغيرة والحسد وطلب الثأر، من هذا الذي لا يستطيعون أن يجاروه جاهلية ولا إسلاماً؟!
قال الثاني: ألم يكفهم أن الأنصار وقريشاً قد بايعوا؟! أكانت بيعة هؤلاء كلهم لا تعدل بيعة علي فهم يطلبونها ويلحون في طلبها؟! أكان علي عندهم يعدل كل المسلمين الذين بايعوا؟! فلِم إذن تجاوزوه ولم يولوه؟! إن حكماً لا يقوم إلا بالخداع والتضليل، لبئس الحكم هو.
قال ثالث وهو يصغي إلى حوار جاريه: ما أراكما يا صاحبي إلا كمن يدور حول نفسه. تسألان وأنتما تجيبان على الأسئلة. إنه الحكم، يقاتل كل من يظن انه يقف في طريقه. وليس مثل علي من يخشونه، حتى لو لم يحمل سلاحاً، حتى لو لم ينطق بكلمة، حتى لو كان في اقصی الأرض. إنهم يريدونه أن يبايع. لن يزول قلقهم بغير بيعته بأي ثمن، بأي ثمن، مشدداً على الكلمة. قال ذلك ثم أغلق بابه، والموكب لم يترك الطريق بعد.
الفصل الثالث
البدايات
ماذا جری في السقيفة؟
انتهى اجتماع السقيفة بانتصار حاسم لقريش التي خرجت منه وقد ضمنت الحكم لزمن طويل قادم. لن ينازعها بعد اليوم أحد، وقد بايع الأنصار بأوسهم وخزرجهم.
أما بالنسبة للأنصار أنفسهم، فقد كان هزيمة موجعة ما أسرع ما ندموا عليها. عادوا يتساءلون، وكأنهم أفاقوا من حلم مرعب. ما الذي جرى في السقيفة؟ كيف استدرجوا لإعطاء البيعة؟ أين ذهبت العهود والمواثيق؟ من الملوم في ذلك؟ أسيد بن حضير؟ نعم! بشير بن سعد؟ نعم! هما اللذان كسرا الأنصار وهدما كل ما بنوه. كان العداء لسعد بن عبادة وراء فعلهما. ليس ذنب الآخرين. رأوا الكبار يسرعون إلى البيعة فتبعوهم. كل يسأل ويطلب الجواب من الآخر. وكل يلقي باللوم على الآخر ويتهمه محاولاً تبرئة نفسه ممّا حصل في ذلك الاجتماع.
هذه كانت حال الأنصار بعد البيعة: ندم ولوم واتهام يلقيه كل طرف على الآخر، وهزيمة لحقت بكل الأطراف.
وذلك ما يعكسه لنا حوار دار بين اثنين من الخزرج بعدما انتهى الاجتماع بالنتائج التي انتهى بها.
قال أحدهما: ما الذي جرى في الاجتماع، إني أكاد لا أصدق أذني! لقد كنت في سفر، كما تعلمه، فلم أحضره. أحق هذا الذي أسمعه هنا وهناك؟ لقد كنت بين من حضروا الاجتماع وأريد أن أسمع منك. كيف نسيتم كل ما اتفقتم عليه وكل ما أعطيتموه من عهود ومواثيق لبعضكم ولسعدٍ! كيف تركتم سعداً حتى كاد المجتمعون، وهم الأنصار، أن يطؤوه بأقدامهم؟! سعد؟!
سعد بن عبادة، رجل الأنصار وصاحب الجفان التي كانت تتبع رسول الله في أي بيت كان من بيوت زوجاته. ألم تفكروا قبل أن تجتمعوا بما ستفعله قريش لشق صفكم وتفريق كلمتكم؟! هل غابت عنكم، وأنتم أعرف الناس بها وبمكرها؟ ألم يكن فيكم من فكر في قريش، وجواسيسها وعيونها بينكم. والله لقد كنت أخوف ما أكون عليكم منها. كان واضحاً عندي، على البعد، أنها ستكيدكم ببعضكم، وقد فعلت. هل رضي الأنصار أن يكونوا تبعاً لقريش، وما كانت، حتى في الجاهلية، لتطمع فيما هو دون ذلك منهم. والله إني لشديد الحزن لو كان الحزن مما ينفع. قال ذلك بصوت مختنق يزداد ضعفاً كلما مضى في الحديث أكثر.
قال الآخر: لا تذكرني، إنه حلم مرعب لا أريد أن أتذكرة ولا أن أفكر فيه. أريد أن أبعده عن خاطري.
قال الأول: لكم تمنيت أن يكون حلماً. ليس حلماً يا صاحبي، هذا الذي لا تريد أن تفكر فيه. إنه الواقع الذي نعيشه، أنت وأنا وأجيال طويلة من بعدنا. لكنك لم تجبني على سؤالي. كيف حصل هذا الذي حصل في السقيفة ذلك اليوم؟ هذا ما أريد أن أسمعه منك.
قال الثاني: لقد أبيت إلاّ أن تنكأ جرحاً لم يندمل. سأوجز لك الأمر. لم يبدأ اجتماعنا في سقيفة بني ساعدة ذلك اليوم، ونحن نتهيأ لمبايعة سعد كما اتفقنا، حتى فوجئنا بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة يتوسطوننا. كان أمراً غير متوقع، لم يحسب له أحد حساباً. ما الذي جاء بهم؟ ماذا يريدون؟ من الذي أخبرهم باجتماعنا؟ كيف عرفوا مكانه وزمانه؟ ليس غير عويم بن ساعدة لقد رأوه معهم وهم يخرجون من المدينة متجهين إلينا. كان يقدمهم، وحين وصلوا أول بيوت بني ساعدة فارقهم. فدخلوا وحدهم حتى يبعد التهمة عنه. كنا نعرفه عينا لقريش، لم يكن وحده. كان معه معن بن عدي وآخرون غيرهما من عيون قريش وجواسيسها، ينقلون إليها كل ما كان يدور بيننا. ولكن ماذا كان يستطيع ان يفعل لو كنا محصنين من داخل نفوسنا؟! كان العيب فينا، وعلينا يقع اللوم لا عليه.
قال الأوّل: وماذا بعد؟ فما بعد هو المهم، هو ما أريد معرفته.
ما الذي قالوه مما لم تعرفوه قبلاً حتی أسرعتم إلى بيعة لم نتفق عليها ونقض بيعة اتفقنا عليها؟!
قال الثاني: وقبل أن يتكلم أحد منا. وقبل أن تتم مبايعتنا لسعد، أخذ أبو بكر الكلام فقال. (... فهم - يعني قريشاً - أول من عبد الله في هذه الأرض وآمن بالله وبالرسول...).
قال الأوّل: أكان صعباً على الأنصار أن يردوا على أبي بكر وهو يدل بسبق قريش إلى عبادة الله والإيمان به، قائلين (إن الدخول في الإسلام فضل من الله على من دخله. سيكون ثوابه الجنة في الآخرة والصلاح في الدنيا، وهو لا يعني الحق في الحكم، وليس أحدهما ملازماً للآخر ولا سبباً له. لقد دخلنا الإسلام، والله يعبد على خوف والإسلام بعد ضعيف تحيط به المخاطر من كل جانب، والمسلمون معدودون يتخطفهم قريش وتعذبهم كما تريد، لا يستطيعون حماية لأنفسهم، فقوي بنا الاسلام وعز، وقويتم بنا وعززتم. هاجرتم إلينا هاربين خائفين، فآويناكم وحميناكم، وقاسمناكم الأرض والمال، وقاتلنا وقتلنا دفاعاً عن الإسلام والمسلمين. وكان قتلى الأنصار في حروب الإسلام أضعاف أضعاف قتلى المهاجرين من قريش وغير قريش. فإن كان لكم فضل، فلنا مثله أو أكثر منه. وأنت يا أبا بكر، ما كنا لننكر فضلك وسابقتك. ولكن أكان دخولك الإسلام بقصد الحكم؟! أكنت تفكر في الحكم منذ دخلت الإسلام فجئت الآن تطالب به؟! وما شأن هذين اللذين معك، وهما لم يدخلا الإسلام الا بعد ما دخله الكثيرون، ولم يعرف لهما موقف في كل حروب الإسلام؟ أهما معك لتتقوى بهما؟! أترانا نرفضك وحدك ونقبلك مع هذين؟! ما الذي منعكم من الجواب؟!
قال الثاني: كان سعد موعوكاً قد تزمل بملابسه ولا يستطيع الكلام، وإلى جانبه يقف الحباب بن المنذر بن الجموح.
قال الأول: وأسيد بن حضير وبشير بن سعد! ماذا فعلا؟ لِم لم يردا؟!
قال الثاني: هما والله أصل الفشل ووراء كل ما جرى في ذلك اليوم، كنت أراقبهما جيداً. كانت علائم الرضا والسرور تعلو وجههما وهما ينصتان لأبي بكر. ينصتان باهتمام مثير وكأنهما يطلبان من الآخرين أن ينصتوا إليه ليقتنعوا بما يقول. وإذا حاول أحد أن يبدي رأياً أو معارضة طلباً إليه عدم المقاطعة والسكوت ليمضي أبو بكر في كلامه الذي هيأه لهذا الاجتماع، كنت أشعر وأنا أراهما، إنهما يبيتان أمراً ما، كانت عيونهما تستعرض الوجوه ولا تکفان عن الدوران. كان كل شيء يشير إلى ذلك، لكن لم أتصور أنهما سيذهبان إلى حد خيانة الأنصار ونقض ما تمّ الاتفاق عليه. لماذا؟! إنهما من سادة الأنصار وكانا بين الموافقين على تولية سعد. أية مصلحة لهما في نقض الاتفاق. الوحيد الذي كان صوته يرعد في الجمع هو أبو عمرو الحباب بن المنذر الذي لم يدخر جهداً في تذكير الأنصار بما اتفقوا عليه وحثهم على الوفاء به. كان ناصحاً للأنصار لو سمعوا. لقد حذرهم فلم ينفع التحذير.
قال الأول: ثم ماذا قال بعد ذاك؟ إني لأظنه تكلم طويلاً في الاجتماع. لم يدخر جهداً ولا طاقة ولم يترك شيئاً مما يخاله نافعاً له إلا ذكره وأفاض فيه. إنه الحكم يا صاحبي يستحق منه ذاك وأكثر من ذاك. لكن اللوم، كل اللوم على من يسمع ولا يرد، وهو يستطيع الرد وقطع الحجة بأيسر الكلام وأقلّه.
قال الثاني: أكنت معنا في الاجتماع؟ أراك تتكلّم عن معرفة ودراية وكأنك حضرته.
قال الأول: لا عليك. ماذا قال أبو بكر بعد ذاك؟ وبماذا أجبتم؟
قال الثاني: ثم قال: (... ونحن أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده...).
قال الأول: وسكتم؟! أأعياكم أن تقولوا في الجواب: (ومن يجهل أنكم من قريش عشيرة النبيصلىاللهعليهوآله
، وإن كنتم من الأبعدين عنه، وهناك من هو أقرب إليه منكم وأمس رحماً، ونحسبكم تعرفونه. ولكن بم تطالبون؟ ما هذا (الأمر) الذي أنتم أحق به؟ الحكم؟! أكان الحكم ممّا يورث؟! ألا تعلم يا أبا بكر أن الأنبياء لا يورثون، حتى ما كان قابلاً للإرث؟ أنسيت حديث النبي إليك وحدك دون جميع المسلمين: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث)؟! أليس ما تطالبون به الآن، هو الإرث نفسه بعدما مات المورث؟! فهل تريد أن تخالف ما أوصى به النبي إليك، إلا أن يكون عهد، عهد به إليكم بعد ذلك؟ فهاتوه، وإن كنتم رفضتم ما أراد أن يكتبه ويعهد به قبل وفاته. أليس ذلك صحيحاً يا عمر...؟! هل نسيت قولك تلك الليلة يا ابن الخطاب: (إن النبي ليهجر؟!!) ما كان ما أجرأك على الله وعلى رسوله!! وبعد، أليس المسلمون كلهم أولياءه؟! هل جعلتم رابطة النسب بديلاً عن رابطة الإسلام؟! والله إن أبا سفيان لأقرب نسباً منکم. کيف تطلبون هذا (الأمر) بالنسب وهناك علي، ابن عمّه وزوج ابنته وأبو سبطيه، المشغول الآن بتجهيزه؟ هلا استحييتم، وأنتم تطالبون بارث من تركتموه دون أن تلقوا نظرة وداع عليه!! والله ما رأينا أصحاباً أعق لنبيهم منكم). ثم ماذا قال؟
قال الثاني (... ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم...).
قال الأول: وسكتم أيضاً؟! ماذا دهاكم؟! أكنتم خرساً فتعذر عليكم الكلام؟! أين الشجاعة والبلاغة والبصيرة؟! أهناك أبسط من أن تردوا: (وهل أظلم ممن يدعي ما ليس له؟! أليس الأمر أمر المسلمين، جميع المسلمين؟! فلم يكون ظالماً من يريده ويطلبه منهم، كما تريدونه وتطلبونه؟! أليس المسلمون كلهم سواء، يسعى بذمتهم أدناهم؟! فما امتيازكم عنهم، ولم اختصصتم بالأمر دونهم، حتى يكون ظالماً مَن ينازعكم فيه؟!
ثم باسم مَن تتكلمون، ومن تمثّلون؟!
إن كنتم تتكلمون باسم قريش، فليست قريش بأحق من غيرها ولا بأولى، وإن كنا نشك بأنكم تمثّلون كل قريش. ثم، أكان النبي يوصي بقبيلة كاملة، فيها المؤمن والفاسق والفاجر، ويترك ابن عمه وزوج ابنته ومن لا يعدل ببلائه في الإسلام، بلاء أي واحد منكم؟! وإن لم يوص فما امتياز قريش، و(الامر) أمر المسلمين، يولون من يريدون ويختارون؟! وربما لن تكونوا منهم؟
وإن كنتم تتكلمون باسم المهاجرين، فلم لا نرى بينكم، أحداً منهم:
عماراً أو أبا ذر أو عبد الله بن مسعود أو سواهم ممن نعرف من أهل الدين والسابقة والجهاد؟! لم أنتم الثلاثة وحدكم، وكلكم من قريش؟!
هذا ما كان على الأنصار أن يردوا به، وأكثر من هذا وأشد من هذا. أكان صعباً عليكم أم غائباً عنكم، أم كنتم تخشون هؤلاء الثلاثة لو واجهتموهم بما يليق بكم، ولستم الأقل ولا الأذل، جاهلية ولا إسلاماً؟!
ثم ما هذا الاستخفاف بكم وبعقولكم، وأبو بكر يعرض البيعة على صاحبيه، وهما يردانها عليه، وكأن كلا منهم زاهد فيها راغب عنها؟! ما الذي جاء بهم إذن، غيرها؟! تركوا نبيهم وجاؤوا يطلبونها. وها هم يخدعونكم بتنازل كل منهم عنها وإظهار الزهد فيها، وكأنها عبء لا يريد أن يتحمله. ألم يفكر أحد فيكم؟! ألم يسأل نفسه؟! أم ذهب بعقولكم الحسد والغيرة من بعضكم؟!
قال الثاني: والله لا أدري ما أقول.هذا ماجرى ذلك اليوم أنقله لك كما رأيته، لا حديثاً ولا روايه عن آخرين.
قال الأول: وأنا ما قصدت بسؤالي أن ألومك أو أحملك مشروعية ماجرى، لكنني أفكر فيما سنواجهه في قابل الأيام. والله إنه الذل والمرارة نتجرعها عن رضا أو عن كره. لقد صنعناها بأيدينا. وسترى عاقبة الأمور. سترى قريشاً كما هي، عند ما تسيطر وتحكم. والله ليكون ندم الكبار قبل ندم الصغار. أببعض كلمات لا تقنع طفلاً ولا تخدع صبياً سلمتم أموركم لهم واسترحتم؟! أبمثل هذه السهولة؟! كأنكم كنتم تحملون حملاً أتعبكم فاسرعتم لإلقائه حتى تتخلصوا منه ومن تعبه!!
ثم أطرق برأسه طويلاً وهو يقول بصوت خافت: لعن الله من فعلها، لعن الله من فعلها.
الفصل الرابع
البدايات
قريش الحاكمة
العباس، أبو سفيان
الحزن يلف المدينة، والليل يبدو أشد ظلاماً مما هو، والناس لا يتكلمون إلا بالدموع تجري فلا يمسحونها. إنها أول ليلة للمدينة، وقد وارت النبي التراب وودعته إلى الأبد. أهل المدينة يؤوون إلى مضاجعهم مبكرين، ليس لأنّ المجلس الذي اعتادوا السهر فيه قد فقد عميده والمتكلم فيه، ومن اعتادوا رؤيته وسماعه، أخاً ومرشداً وهادياً. ليس لكل ذاك فقط، بل لأنهم يحاولون أن ينسوا همومهم بالنوم إن استطاعوا أن يناموا. فهناك غير وفاة النبي وفراقه، وهو حزن سيلازمهم ما بقوا، هناك الخوف من الفتنة والخلاف. إن قريشاً تريد أن تستأثر بكل شيء بعد وفاة النبي، وهي تعد لذلك منذ زمن. لقد كسبت معركة السقيفة وأزاحت من طريقها سعد بن عبادة ومن يقف معه ويناصره. وبقي أمامها علي بن أبي طالب، الخصم الآخر أو الأخير الذي تريد التخلص منة. عليها أن تجرده من كل عناصر القوة التي يعتمد عليها، وتبعد عنه كل من تستطيع إبعاده من أهله وأصحابه وأنصاره. في صباح تلك الليلة. كان يعقد في بيت أبي بكر اجتماع ضم أبا بكر وعمر وأبا عبيدة والمغيرة بن شعبة.
قال المغيرة بعد أن استقر به المجلس إلى جانب أبي عبيدة: إني لأرجو أن يكون خيراً ما جمعتنا له يا أبا بكر.
قال عمر: إنه الخليفة الآن وليس أبا بكر يا أبا مطرف. أنسيت كم تعبناً حتى يكون الخليفة؟
قال المغيرة: ليس معنا غريب نحشمه يا عمر، والعهد قريب بالخلافة، لم يعتدها اللسان بعد.
قال ابوبكر: دعونا من هذا الآن لقد جمعتكم لأمر مقلق أريد أن أشاوركم فيه.
بلغني أن عدداً من المهاجرين والأنصار ندموا على مبايعتي بالأمس، وهم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المسلمين.
وسيتبعهم آخرون. وهذا يعني لو حصل، أن علياً هو المرشح لأن يتولاها، ويذهب عبثاً كل ما سعينا له وجهدنا فيه وما سنبقی نواجه بسببه اللوم والانكار من المسلمين حين تركنا النبي لم نشارك ولم نحضر غسله ودفنه. هذا ما رأيت أن أسمع رأيكم فيه. أنتركها لابن أبي طالب بعد طول ما تعبنا فيه لشق صف الأنصار وضمان بيعتهم. لم يكن الامر سهلاً معهم كما تعرفون. واعلموا أن العباس بن عبد المطلب لم يبايع بعد، وهو شيخ بني هاشم وعم النبي، وإذا مال إلى جانب ابن أخيه علي فسيكون الأمر في منتهى الصعوبة ولا آمن أن يفلت منا.
وأمر آخر أريد مشاورتكم فيه: هذا الذي سيطرقنا غداً أو بعد غد: أبو سفيان وأنا أخشى أن يثير لنا مشاكل جديدة ونحن لم ننته بعد من المشاكل السابقة.
قال أبو عبيدة: وماذا يرى خليفتنا؟ لابد أنه فكر طويلاً في الأمر، ولابد أن يكون قد وصل إلى رأي فيه، لا عدمنا رأيه.
قال أبو بكر: أريد أن أعرف رأيكم أولاً في هذا الأمر، فلعل فيه خيراً مما رأيت، نتفق عليه ونمضيه. ولن يبعد عليكم رأيي بعد ذاك.
قال الثلاثة: معاذ الله أن يكون فيما نرى خير مما يرى الخليفة. لقد كنت دائماً المدبر لنا، صاحب الرأي السديد. أكنا نستطيع خداع الأنصار والانتصار عليهم لولاك؟!
قال أبو بكر: ليس محل ذلك الآن، فهاتوا ما عندكم. وسنستمع إلى رأي عمر. فماذا عندك يا ابن الخطاب؟
وأبدى عمر رأيه - لكن الثلاثة سخروا منه. لم يكن فيه ما يقنع.
قال أبو بكر: وأنت يا عامر، يا ابن الجراح. ماذا عندك؟
قال أبو عبيدة: والله لم أنته بعد إلى رأي أرضاه، فلعل الخليفة يمنحنا من الوقت ما نقلب فيه الأمر على وجوهه لنصل إلى رأي واحد نرضاه ونذهب به إلى العباس.
قال أبو بكر: أقول لك إن الأمر يكاد يفلت منا، وتقول: أمهلنا وقتاً نفكر فيه! أكنت سأدعوكم إلى هذا الاجتماع، في ثاني يوم من خلافتي، لو كان في الأمر متسع. ثم التفت إلى المغيرة قائلاً: وأنت يا مغيرة! ماذا ترى؟ هات ما عندك، أم أنّك كصاحبيك: بين من لا رأي له، وبين من لم يأت بالرأي المصيب.
قال المغيرة: أرى أن نذهب إلى العباس ونجعل له في الحكم نصيباً، ولعقبه من بعده. فإن رفض هو ما سنعرضه عليه، دفعه أبناؤه إلى القبول به، وهم شباب، يستهويهم أن يشاركوا في الحكم، كغيرهم من الشباب، خصوصاً شباب قريش. ونكون بذلك قد قطعنا جانب علي وأضعفناه، وأضعفنا حجته أمام المسلمين، وهم يرون عم النبي وشيخ بني هاشم قد بايع غيره وتركه.
قال أبو بكر: هذا هو الرأي. لكأنك كنت يا مغيرة في داخلي، وأنا أفكر في هذا الأمر. هذا هو الرأي الذي كنت سأبسطه لكم، لقد وافقتني يا مغيرة فيه، ولطالما كنت توافقني فيما أرى.
أما أبو سفيان فأرى أن تتنازل له عن أموال الزكاة التي يحملها معه، وأن نولي أحد أبنائه عملاً من أعمالنا. فأبو سفيان كما تعرفونه، رجل يحب المال والاسم، وبذلك نكون قد أرضيناه واسترحنا منه ومن طول لسانه وعبد مناف وابن أبي قحافة، والجاهلية والإسلام، وأعز حي وأذل حي من قريش.
ولم يكمل أبو بكر كلامه حتى صاح الثلاثة بصوت واحد: والله لقد ألهمت الصواب الذي كأنه الوحي، إنه الرأي الذي لا معدل عنه، ما أحسن ما رأيت! لقد أحكمت التدبير. ماذا كنا نصنع لولاك ولولا حكمتك. ليس عبثاً أننا اخترناك لها.
وعند حلول الظلام كان أربعة يتسللون نحو بيت العباس، الواحد بعد الآخر، وهم ملثمون لا يطؤون الأرض إلا بأطراف أصابعهم.
وطرق أحدهم الباب طرقاً خفيفاً.
وصاح العباس من داخل البيت وهو يتهيأ للنوم: من الطارق وليست ساعة زيارة. ثم تابع بصوت خافت: نعوذ بالله من طوارق الليل.
وجاء صوت ضعيف من وراء الباب: أنا يا أبا الفضل. هلا فتحت لنا الباب.
وعرف العباس الصوت ومشي إلى الباب يفتحه. قال وهو يرى ثلاثة لم يميزهم كانوا يقفون ناحية من أبي بكر: ومن هؤلاء الذين معك يا أبا بكر.
قال أبو بكر: ستعرفهم. دعنا ندخل أولاً. لا نريد أن يعلم بمجئينا أحد. ورفع الثلاثة اللثام عن وجوههم.
قال العباس وقد عرفهم: مرحباً بفرسان السقيفة يوم أمس. هيا ادخلوا على الرحب. ادخلوا لقد كنت على وشك أن أنام. منذ صباح الأمس، وأنا لم أذق النوم بعد فراق نبي الله.
ودخل الرجال الأربعة وأبصارهم زائفة تدور في كل اتجاه. وعاد العباس للترحيب بأبي بكر وصاحبيه قائلاً بلهجة فيها سخريه وتقريع وغضب: كيف كانت معرکتكم أمس؟ ما أظنكم إلا سعداء بما حققتموه فيها. لقد أجدتم تمثيل الأدوار وكل منكم يرد الخلافة على صاحبه، وكأنه زاهد فيها.
لماذا لا أرى معكم أسيد بن حضير وبشير بن سعد وعويم بن ساعدة؟! لماذا لم تأتوا بهم؟ ألم يكونوا حلفاءكم وشركاءكم في المؤامرة؟! والله لم يكن صعباً علينا ما أسرعتم إليه لولا الخوف من الله والوفاء لنبيه والرعاية للمسلمين. والله لن يفلح المسلمون بعدها أبداً وأول حكم لهم يقوم على الخداع والتضليل والمكيدة. لقد ركبتم بالمسلمين مركباً صعباً لن ينتهى بهم إلى خير. وسيرى من عاش منكم، الدم يخوضون فيه حتی الركب. والله لن يصلحوا بعدها ولن ينتفعوا. هذا هو الثمن الذي سيدفعه المسلمون. لقد زرعتم بينهم الفتنة والحقد والشقاق ما عاشوا، وسهلتم لهم الجريمه، يرتكبها من قدر عليها منهم.
وخيم على الحاضرين سكون طويل قال أبو بكر بعده مخاطباً العباس بصوت مرتعش والكلمات تتقطع على لسانه: لقد جئناك يا أبا الفضل احتراماً لك واعترافاً بمقامك. فأنت عم النبي وشيخ بني هاشم ومن لا يجهل مكانه ولا يدانى في فضله. ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيباً، ولمن بعدك من عقبك. هذا ما جئناك به، فليس أحب إلينا من رضاك ومشاركتنا في تولينا.
قال العباس وهو يطيل النظر في أبي بكر: ومؤامرة جديدة يا أبا بكر بعد مؤامرة السقيفة؟! ألم تجدوا غير العباس تحاولون خداعه؟!
أظننتم اللعب سهلاً مع العباس؟! هل احترمتم النبي لتحترموا عمه وليس هو بأفضل المسلمين ولا من ذوي سابقتهم؟! لقد فعلتم مع النبي ما لا يفعله أحد مع أي من أهله وعشيرته، لا مع نبيه: قلتم إنه مات ولم يعد يضر ولا ينفع. بئس ما ودعتم به نبيكم!!
اسمع يا أبا بكر ولك الخطاب وحدك: هذا الذي تريد أن تجعله لي ولعقبي من بعدي. هل هو حق لنا أم حقك أم حق المسلمين؟ فإن يكن حقنا، لم نرض ببعضه دون بعض. وإن يكن حقك، فاحتفظ به لك ولا حاجة لنا فيه. وإن يكن حق المسلمين، فليس لك أن تتصرف فيه.
والله إن هي إلا رشوة أردتم بها إضعاف علي وفض المسلمين من حوله. ستصعد المنبر غداً لتقول: ها هو العباس عم النبي وشيخ بني هاشم قد بايع فما لعلي لا يبايع ويأبی إلا الخلاف.
أليس هذا ما كان يدور في رأسك ورؤوس أصحابك، وأنتم تقصدونني في مثل هذه الساعة من الليل؟! أترونني غافلاً عما تبيتون؟!
ونظر بعضهم إلى بعض دون أن يردوا بشيء، ونهضوا متجهين إلى الباب بعد أن أعادوا اللثام على وجوههم، والعباس يتبعهم بضحكة فيها أكثر من معنى.
في اليوم الثاني وصل أبو سفيان المدينة، وهو يحمل أموالاً كبيرة من زكاة المسلمين.
وكان أول ما سأل عنه:
- من الذي تولى الحكم بعد محمد؟
قال عمر: لقد ولي المسلمون أبا بكر خليفة لهم. ألست سعيداً يا أبا سفيان بأن يتولى الخلافة مثل أبي بكر؟!
قال أبو سفيان وقد بدا عليه الغضب: وما لابن أبي قحافة والخلافة؟!
منذ متى كانت تميم تمد عنقها نحوها؟! مالي أرى الأمر في أذل حي من قريش؟! وماذا فعل آل عبد مناف؟! أرضوا بأن يخرج الأمر منهم ليستقر في تيم؟! إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا الدم. والله لأملانها على أبي فصيل - يعني أبا بكر - خيلاً ورجالاً.
سيعرف أخو تيم قدره حين يجيش مرجل آل عبد مناف. قال ذلك وهو يلوّح بيديه مهدداً.
قال عمر: مهلاً يا أبا سفيان! مالك تزبد وترعد قبل أن تعرف ما ادخرنا لك ولا بنائك؟! أتروننا ننكر فضلك؟! أتروننا نستغني عنك؟!
وهدأ أبو سفيان قليلاً وزال منه الغضب وهو يسمع كلام عمر، ويريد أن يعرف ما فعله أبو بكر.
وتابع عمر: أما يرضيك يا أبا سفيان أن الخليفة ولى ابنك يزيد عملاً له في الشام؟
قال أبو سفيان وهو يمسح شاربين غليظين: وصلة رحم. ما أكرمه وأكرم فعله وإن كان من تيم!
قال عمر: وتنازل لك عما تحمل من أموال الزكاة. كل ما تحمل منها لك.
قال أبو سفيان: هذا والله الخليفة الأمين. نعم من اخترتم لخلافة المسلمين!
ثم قال وكأنه يحدث نفسه: والله ما فعلتم ذلك حباً بأبي سفيان ولكن خوفاً منه. رشوتموه وقبل الرشوة. كلانا سواء فيها، لا أحد أفضل من أحد. لن تكون آخر رشوة منكم. أعرف كيف أخوفكم وأستزيدكم منها.
وكانت رشوة أبي سفيان بتنازل أبي بكر عن أموال الزكاة التي حملها معه، سابقة متبعه فيها عثمان حين تنازل هو أيضاً عن أموال الزکاة التی حملها كعب بن مالك، ثم حين تنازل لعمه الحكم بن أبي العاص عن صدقات قضاعة البالغة ثلاثمئة ألف.
الفصل الخامس
البدايات
قريش الحاكمة
حروب (الردّة)
لم يصدق أهل المدينة الأنباء التي تحدثت عن قرب تسيير أبي بكر الجيوش إلى بعض ديار المسلمين.
لماذا؟! ماذا فعلوا ليستحقوا ذلك من أبي بكر؟! إن دموعهم لم تجف بعد على نبيهم! أيام فقط!! ما الذي ينتظرهم إذن في قابل الأيام؟! أهذا هو أول ما يبدأ به خليفتهم بعد ما اطمأن واستثبت له الأمور، ببيعة الأنصار واستبعاد علي وسيطرة قريش؟! إن السؤال يرتسم على كل الوجوه وقد علاها الحزن والقلق والحيرة، وكأنها تتذكر يوم موت النبي.
قال كعب بن عمير للربيع بن حنظلة، وهو يراه خارجاً من بيت أبي بكر:
مالك يا أبا حنظلة مهموماً كئيباً؟! إني لأرى الحزن واضحاً في وجهك. أهناك ما يحزن بعد موت رسول الله، وقد أخذ الحزن معه؟!
قال الربيع: والله كان يعزيني عن فقد رسول الله، أن يكون لنا من أصحابه خلف يخففون وجدنا عليه، وإن كان وجدنا لا يخففه شيء.
قال كعب: وماذا حصل؟ أظنك كنت عند أبي بكر، وهو من أقرب أصحابه إليه وخليفة المسلمين.
قال الربيع: وهو سبب ما ترى من حزني. لم أكن أصدق ما يتردد من أنباء عن إرسال أبي بكر الجيوش لقتال المسلمين ممن تأخر في دفع الزكاة، فأردت أن أستطلع الأمر من مصدره، لعلّ الأنباء لا تصدق، وهي ليست صادقة دائماً. أو لعلها تبالغ فيما تنقل. وربما كان الرجل بريئاً مما نسب إليه ولا علم له به.
قال كعب: وماذا وجدت مما أردت معرفته؟ هل كان الأمر كما سمعت، أم إن الرجل مكذوب عليه؟!
قال الربيع: ليت الأمر كان كما سمعت. لقد كانت الأنباء دون ما رأيته عند أبي بكر. كان متحاملاً عليهم كأشد ما يتحامل المرء على عدوه. يتحدث عنهم ولا يعوزه إلا أن يلبس عدة القتال، وإن لم يلبسها يوماً، ولم يعرف القتال في أي من معارك المسلمين.
أهذا هو الوفاء لرسول الله في امته يا عمير؟! لقد كان أبوبكر كمن يفتش عن سبب لقتالهم. كمن يحمل حقداً طويلا عليهم. لماذا؟! لماذا يا كعب؟! ماذا فعلوا؟! انها والله فجيعة اخرى، ولم ننس بعد فجيعتنا برسول الله.
قال كعب: وما هي الأسباب التي استوجبت قتالهم في رأيه؟ ألم تسأله، وقد كنت عنده؟ وان كان من نوى قتالاً، لا يحتاج إلى سبب أو اسباب.
قال الربيع وهو يحاول أن يتذكر كلمات أبي بكر: يقول إنهم حبسوا أموال الزكاة ولم يرسلوها إلى المدينة.
وإنه سيقاتلهم، حتى لو تخلفوا عن دفع عقال بعير - كما قال - مما كانوا يدفعونه لرسول الله. هل تعرف ما يعني بـ (عقال بعير)؟ يعني أنه سيقاتلهم حتى لو تخلفوا عن دفع ما لا قيمة له ولا ثمن ولا حساب.
هذا ما قاله لي، مؤكداً عليه كلما حاولت أن أثنيه عن عزمه. هذا هو سبب قتالهم: تأخرهم في إرسال الزكاة. بهذا استحل أبو بكر دماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم. أهذا سبب لقتال المسلمين؟! ألا يمكن أن يكونوا معذورين؟! ألا يمكن أن يكون قد حال حائل دون إرسالهم أموال الزكاة، والمؤمن يحمل أخاه على خير المحملين ما لم يتيقن. ولقد كان رسول الله يلتمس العذر، حتى لمن أذنب، إذا رأى موضعاً للعذر عنده. والله نفسه يمهل عباده ويرخص لهم في الكثير من الأحوال.
قال كعب: وهل غاب ذلك عن أبي بكر وهو يقرر إرسال الجيوش إلى هؤلاء المساكين؟!
قال الربيع: لم يغب عنه ذلك، لقد أراده. أراده عن تفكير وعزم سابقين. أترى تأخير الزكاة سبباً لقتل المسلمين وسبي ذراريهم ونهب أموالهم، وأبو بكر نفسه هو من تنازل عن أموال الزكاة ووهبها لأبي سفيان عند ما جاء المدينة حاملاً معه تلك الأموال؟!
أكان أبو سفيان أولى بأموال الزكاة من هؤلاء الفقراء، وهي أموالهم؟! ولم يكن أبو سفيان إلا جابياً لها، جمعها منهم. لم تكن أموال زكاته ولا زكاة قومه، ولم أسمع أنهم دفعوا زكاة، ولم أسمع أن أبا بكر طالبهم بها.
قال كعب: لكنهم لم ينكروا الزكاة، وانّما تأخروا في تسليمها، مفضلين توزيعها على فقرائهم، وما أكثرهم، وهم أحوج إليها من مسلمي قريش الجدد يتقاسمونها فيما بينهم، وينفقونها من غير حق على ذويهم وأقاربهم. وهل فات أبا بكر قول النبي لمعاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن. لقد قال له: (إن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم...) ماذا يعني النبي في قوله: (وترد على فقرائهم)؟ لقد وزعوها في فقرائهم. فهل في هذا كفر؟! هل في اتباع قول رسول الله كفر؟! أيستحل أبو بكر قتل المسلمين لأنهم امتثلوا أمر رسول الله وأطاعوه؟! أكان عليهم أن يعصوه لينجوا من القتل؟!
قال الربيع وقد انفرجت شفتاه عن ابتسامة ساخرة: ولماذا الزكاة وحدها من فروض الإسلام، هي التي أثارت نقمة أبي بكر وغضبه وغيرته؟! لماذا الزكاة، لا الصلاة مثلاً، وهي مقدمة على الزكاة، وبها يتعارف المسلمون؟!
ألأن الصلاة لا مال فيها، والزكاة فيها المال، تشترى به الذمم ويستمال الأقوياء وتقام سوق الصفقات والمساومات، وأعط وخذ؟!
قال كعب: ألم أقل لك إنها قريش، ما تملك الحكم حتى تستعبد الناس. أنسيت يا أبا حنظلة؟
قال الربيع: معاذ الله! وهل ذلك مما ينسى؟! ولكن قل لي: أكنت تعلم الغيب أم تقرأ دخائل النفوس؟!
قال كعب: لا هذا ولا ذاك، لكن أعرف قريشاً، أعرفها جيداً. إن الكثيرين منهم لم يدخلوا الإسلام إلا من أجل الحكم، بعد أن حاربوه طويلاً وفشلوا. إنهم يمثلون القوة التي ستحتكر الحكم وحدها دون باقي المسلمين، أو بالرغم منهم.
قال الربيع وهو يمسك بيد عمير: كفاني حزناً ألا يكون حديثي مع من لقيت إلا عن قتال المسلمين للمسلمين. أحس التعب يا عمير، علي أن أعود إلى البيت، أستودعك الله. قالها الربيع بصوت حزين ثم مضى.
وكانت حروب ما يسمی بالردة نكسة للإسلام وتشويهاً له، وعملية تضليل كبرى تعرّض لها المسلمون في أول حكم لهم بعد النبي مباشرة.
كانت رسالة واضحة شديدة بالغة العنف والشدة إلى جميع العرب بأن يذعنوا لقريش ويستسلموا لحكمها ولا يعارضوا أو يعترضوا على شيء مما تريده. ليس عليهم إلا الخضوع والطاعة، أو القتل والسبي والنهب والثكل واليتم.
هذه هي حروب الردة في حقيقتها. وهذا هو ما قصدته قريش منها وسعت إليه. وأي وصف آخر لها لن يكون إلا تبريراً للظلم ومشاركة فيه والتماس الأعذار لقريش في فرض سيطرتها على المسلمين واحتكار حكمهم وانتهاك حرماتهم في نفوسهم وأموالهم وإعراضهم. وهذا ما كان فعلاً، وما لا يقدر أحد على نكرانه، إلا أن ينسف التأريخ كله، وهذا ما حصل.
ما الذي فعله هؤلاء (المرتدون) كما سماهم الحكم وهو يحاربهم، وكما يصر المؤرخون حتى اليوم على وصفهم به؟!
هل أعلنوا العصيان؟! هل قطعوا الطريق؟! هل هاجموا المسلمين، أو اعتدوا على أحد منهم؟! هل كفروا بالله وخرجوا من الإسلام؟! هل عادوا إلى عبادة الأوثان واللاة ومناة وهبل؟!
لم يكن شيء من ذاك.
ماذا فعلوا إذن؟!
إنهم ابطؤوا في إرسال الزكاة. هذا هو الذنب الكبير الذي لم يستطع أبو بكر أن يغفره لهم، وأقسم أنه سيقاتلهم، وبادر لإرسال الجيوش إليهم، وكأنه يريد أن يسد عليهم الطريق لتلافي هذا الخطأ، قبل أن يتلافوه وتسقط حجّته.
ما لأبي بكر معجلاً على المال، لا يتمهل ولا ينتظر؟! أكانت جباية الأموال يتنعم بها شباب قريش المترفون، أهم في نظره من دماء المسلمين؟! ولم تكن دماؤهم وحدها التي ستستباح، بل أموالهم وأعراضهم، وبيوت تنهب وذراري تسبى ونساء تثكل، وأطفال سيواجهون اليتم والعوز والتشرد.
ألم يستطع أبو بكر أن يجد بين أفاضل المسلمين وذوي الدين والسابقة منهم، من يبعثه إلى هؤلاء (المرتدين) يستطلع رأيهم ويعرف عذرهم، ثم هو بالخيار بعد ذاك، إن شاء، قبل العذر إن كان فيه موضع للقبول، وإن شاء رفضه. وسيكون معذوراً بعد ذاك في حربهم؟! أليس هذا هو ما يفعله من يبتغي الخير والإصلاح، ويستبعد جهده عن الحرب والقتل ما وجد إلى ذلك سبيلاً.
ما له لجأ ابتداء إلى الخيار الأخير، فعقد الألوية وعيّن الأمراء وسيّر الجيوش: أحد عشر جيشاً، وأحد عشر أميراً!! ماذا جرى؟! هل كان يريد أن يحارب الفرس أو الروم؟!
ما له يسرع إلى أصعب الخيارات، تاركاً كل الخيارات الأخرى؟! لماذا؟
لأنه يريد أن يوجّه هذه الرسالة أو هذا الإنذار إلى جميع العرب، بأنّ عليهم الطاعة التامة والخضوع المطلق لحكم قريش: ذلك كل ما هو مطلوب منهم وكل ما يستطيعون فعله. ليس لهم أن يراقبوا أو يحاسبوا، أو ينطقوا بلفظ أو يوجهوا كلمة نقد. وهم أحرار فيما سوى ذاك!!!
وتمر بضعة أسابيع قبل أن يلتقي كعب والربيع في نفس المكان الذي كان فيه لقاؤهما السابق.
قال كعب وهو يرى الربيع: آه! أبا حنظلة! ما أشوقني وأحوجني إليك! لقد مضى زمن لم أرك فيه. كنت متعباً في لقائنا السابق. أرجو أن تكون اليوم في حال أفضل يا أبا حنظلة.
قال الربيع: كما ترى. لست أفضل. لقد تحقق ما خشيت منه وتخوفت. كيف يكون المسلم أفضل، وهو لا يرى ولا يسمع إلا دماً وبكاءً أين توجه، حروب الرده.
قال كعب: وعن هذا طليحة، أريد أن أسألك. ما الذي حصل، وكيف حصل؟! ولأبدأ بطلحة. كيف وصلت الأمور معه إلى ما وصلت إليه؟ ماذا فعل؟ ما حقيقة أمره؟ إني لا أعرف الرجل، وأنت تعرفه خيراً مني فهل ارتد عن الإسلام؟ هل صحيح ما يدعيه عليه أبو بكر ويتهمه به؟
كان ذلك أول الأسئلة التي طرحها كعب بن عمير على صاحبه الربيع ابن حنظلة.
قال الربيع وهو ينظر إلى كعب باستغراب: كنت أظنك أعقل من ذاك يا عمير! ألم تقل إنك تعرفه؟! فهل عرفت فيه ردة أو خروجاً عن الإسلام؟! لقد جاء وفده إلى المدينة، ونزلوا على وجوه المسلمين فيها. لم يطلبوا إلا اعفاءهم من الزكاة.
وقد أجمع المسلمون الذين أنزلوهم عندهم، على قبول ذلك منهم. وسعوا في مطلبهم عند أبي بكر، مؤكدين أن رأي المسلمين هو قبوله. لكن أبا بكر رفض ذلك وأبى إلا القتال.
أكان طليحة - الذي صغّر أعداؤه اسمه من طلحة إلی طليحة - سيبعث بوفده إلى المدينة، لو كان مرتداً؟! ماذا سيبحث فيها؟! ماذا سيقول الوفد حين يواجه المسلمين هناك، وقد ارتدوا عن دينهم؟! بل لماذا يأتون إلى المدينة وقد أصبحوا أعداء للمسلمين، وأصبح المسلمون أعداء لهم؟! أأمنوا أن يأخذهم المسلمون بتهمة الردة وينفذوا حكمها فيهم؟!
والمسلمون أنفسهم؟! أكانوا سيستقبلون وفد طلحة، وينزلونهم في بيوتهم، وبين المسلمين كبار الصحابة وأهل الدين والسابقة، ثم لا يكتفون بكل ذلك فيصحبونهم إلى أبي بكر دعماً لمطلبهم وتأييداً له واعترافاً بعدم تعارضه مع الإسلام؟!
أكان المسلمون قد ارتدوا هم أيضاً فانضموا إلى المرتدين من وفد طليحة؟! والله يا كعب لقد رأيت هؤلاء، وليس فيهم إلا من يرفع الصوت بـ (لا إله إلا الله، محمد رسول الله). وماذا يطلب من المسلم أكثر من هذا، إلا أن يكون الإسلام عند قريش، إسلاماً آخر لا نعرفه، ولم يخبرنا به رسول الله.
قال كعب: وماذا بعد؟
قال الربيع: ورجع الوفد دون أن يستطيع ثني أبي بكر عما اعتزمه في شأنهم.
وما هي إلا أيام حتى كانت الأشلاء تتناثر في بزاخة والدماء تصبغ أرضها. واختلطت أشلاء باشلاء ودماء بدماء.
وأحسبك تعرف الباقي.
قال كعب: أعرفه: ثكل ويتم وسبي. لقد أرحتني من هم طويل وحيرة بين هؤلاء وهؤلاء. إنه الحق نطق به لسانك.
قال الربيع وابتسامة خفيفة ارتسمت في وجهه: وقلبي مع لساني أو قبله.
قال كعب بعد لحظة صمت: هل لي أن أسألك يا أبا حنظلة عن مالك بن نويرة وبني يربوع وما يشاع عن ردتهم؟! لقد كان مالك من خيار المسلمين وعاملاً للنبي على صدقات قومه، وامرأ فضل ومعروف وعقل، فهل ارتد، وارتد قومه معه؟ هل تستطيع أن تخبرني يا أبا حنظله، وليس مثلك من أتوجه إليه بالسؤال. واعذرني إذا أثقلت عليك اليوم، فأنا لا أراك إلا نادراً في هذه الأيام.
الفصل السادس
البدايات
حروب الردّة
مالك بن نويرة وبنو يربوع
قال الربيع: إن لذلك حديثاً آخر، حديثاً طويلاً، فاعذرني واکتف بماسمعت، فلن يختلف حديث مالك وبني يربوع، وحديث مسيلمة وبني حنيفة، وحديث كندة وغيرهم، عن حديث طليحة. إنه الظلم نفسه، الظلم الذي لا يحسنه أحد کما تحسنه قريش. فدعني يرحمك الله. ذلك حديث ما ذكرته إلا أخذتني الرعشة من صورة أولئك الرجال، والسيوف تحز رقابهم، والنساء لا يملكن غير النحيب، يلقين بأنفسهن على رجالهن فتدفعهن أيد خشنة وكلام أخشن. وهؤلاء الصغار، قد بلل الدمع خدودهم، ساكتين لا يعرفون شيئاً مما يجري، تدور أعينهم بين آبائهم وأمهاتهم... ثم توقف وقد اختنق صوته.
قال كعب وكأنه غير مصدق ما يسمع: أكل ذلك كان؟!
قال الربيع: وأكثر منه. فاترك هذا الحديث يرحمك الله، ويرحمني منه ومن ذكره.
قال كعب: لا والله. أبعد أن سمعت ما سمعت، تريدني أن أترکك؟! لا، لن أتركك دون أن أسمع بقية الحديث. لكني سأكتفي منك ومنه، بالأقل الذي تستطيعه. لن أثقل عليك. إن في حديثك إنصافاً لهؤلاء المظلومين وانتصاراً لهم. لقد كنت أنا بين الظالمين المهتمين لهم، العاذرين لأبي بكر فيما فعله بهم. ألا تريد أن تكون ممن ينصر المظلوم ويدافع عن الحق ويرد الباطل بلسانه، إن لم يستطع ردّه بيده؟! أليس هذا هو الحديث الذي نحفظه ونردده دائماً؟!
قال الربيع وهو يرى إصرار صاحبه ويسمع حجته: سأقبل ما عرضت، على شرط الاختصار. فلدي موعد لا أريد أن يفوتني. قال كعب: لك ذاك، لن يفوتك موعدك.
قال الربيع: كنت قد بدأت الحديث، أول ما بدأته، بطليحة وسأبدؤه الآن بمالك بن نويرة وبني يربوع. فيا لهما، اتجه جيش أبي بكر بعد ما قتل (المرتدين) من أصحاب طليحة. إنها مأساة، لا أريد هذا الحديث. لا أريد أن أتذكر. لقد اتجه (سيف الله) مع سيوف أخرى مجردة حادة، إلى البطاح، حيث منازل بني يربوع. وذهبت سرية من الجيش إلى ناحية هناك، كان فيها مالك وعدد قليل من قومه. وجاء وقت الصلاة، فقام مالك ومن معه من بني يربوع لأدائها. كان سلاحهم عليهم، احتراساً منهم وحذراً أن تدهمهم السرية وهم في الصلاة.
قال قائد السرية، وهو يرى السلاح عليهم: ألستم مسلمين؟!
قالوا: بلى. نحن مسلمون وقد حان وقت الصلاة.
قال قائد السرية: ونحن مسلمون مثلكم ونريد الصلاة أيضاً. ولكن مالي أرى السلاح عليكم، وليس وقت سلاح؟
قالوا: نخشى الغدر، وقد تعلمنا أن نحترس. وأنتم ما لكم لا تنزعون سلاحكم؟!
قال قائد السرية: ضعوا سلاحكم ونضع سلاحنا، ولكم ذمة الله وذمة رسوله ألا نغدر بكم ولا نقطع عليكم صلاتكم ولا نتعرض لكم بسوء حتى تكملوها، ثم لا يكون إلا الخير لنا ولكم، وأنتم إخواننا في الدين. وقد حرم الله علينا دماءكم وأموالكم.
وصدق مالك وبنو يربوع، ولم يكونوا ملومين إذا صدقوا وأمنوا بعد ما أعطو ذمة الله وذمة رسوله. لم يعرفوا ماذا خبأ لهم سيف الله!
وحين كانوا في الصلاة، عاجلهم الجند فقتلوا من قتلوا وجاؤوا بالباقين منهم إلى خالد وقد شدوهم وضيقوا وثاقهم، وبينهم مالك بن نويرة.
لم يدر مالك أن ابن الوليد قد أجمع على قتله، فهو لم يفعل شيئاً يستحق به القتل، بل على العكس، لقد طلب من قومه أن يتفرقوا حتى لا يظن بهم السوء ويحتج عليهم بما لم يريدوا.
لكن مالكاً أحس بالقتل بعد ذاك، حين رأى ضرار بن الأزور قد جرد سيفه متهيئاً لقتله. قال مالك لخالد، وهو يشير إلى زوجته، قبل أن يطاح برأسه: هذه التي قتلتني يا خالد.
وكانت زوجة مالك: أم نهشل أو أم تميم، من أجمل النساء، وذات أجمل ساقين بين نساء العرب. كان خالد يريدها، يريدها بأي ثمن، وأرخص ثمن هو قتل زوجها مالك.
وقتل مالك، وفي نفس الليلة أو قبل ان يأتي الليل، كانت أم نهشل تقاد إلى خيمة سيف الله الذي لم يمنعه دين ولا مرؤة عن اغتصاب امرأة مفجوعة بزوجها لم يجف دمه ولا دماء قومه بعد. والمغتصب هو القاتل: سيف الله!!.
قال كعب وجسمه يضطرب من هول ما يسمع والألوان تتعاقب على وجهة:
أحق ما تقول؟! إنني لا أصدق. أيفعل خالد بن الوليد كل هذا، ثم يسمونه سيف الله؟! والله لقد كدت أن أظلم هؤلاء المساكين وأنا أسمع عكس هذه يردده المشوهون المزورون من أنصار السلطة. هل تعلم أي خطأ كبير كنت سأقع فيه لولا أن أراك؟! ماذا فعل خليفة المسلمين بالمسلمين؟! لكن قل لي كيف كان موقف عمر بن الخطاب، وهو صاحب أبي بكر والمقرب منه؟ لقد سمعت أن رأيه كان مخالفاً لرأي أبي بكر، وأنه طلب من أبي بكر أن يقيم حدين على خالد: قتل امرىء مسلم، والزنا بامرأته. وسمعت كذلك أن أبا قتادة وعبد الله بن عمر قد شهدا عند أبي بكر ببراءة مالك وصحة إسلامه، وأنه أقام الصلاة هو وقومه. وهما شاهدان على ذلك، وقد أقسما إلا يقاتلا تحت لواء لخالد بن الوليد بعد الذي فعله مع مالك وامرأته.
قال الربيع: هل تصدق إذا قلت لك: إن أبا بكر لم يلتفت إلى ما قاله عمر، ولا إلى ما شهد به عبد الله بن عمر وأبو قتادة. كان هم أبي بکر أن يلتمس العذر لخالد فيما فعل. كل ما كان يشغله هو أن يبرئ خالداً بأنه اجتهد فاخطأ. هل رأيت؟ اجهتد فقتل، واجتهد فزنى، وأخطأ في القتل وفي الزنا. هذا هو رأي خليفة المسلمين في جريمتي خالد. لقد نهى عمر، وأنكر عليه التعرض لخالد. أما أبو قتادة وعبد الله بن عمر فقد أغلظ لهما في الكلام وأمرهما بالعودة إلى جيش خالد، وكانا قد أقسما بألا يحاربا تحت لوائه. هذا كان كل ما يفكر به الخليفة، ولتذهب دماء المسلمين إلى حيث تريد أن تذهب.
وكان كعب قد سرح بفكره بعيداً، والأحداث تتزاحم أمام ناظريه: مالك وذمة الله والصلاة وأم نهشل ودم يسيل. ثم انتبه ليقول لربيع: لشد ما أحزنني ما سمعت! أيقتل خالد مسلماً بلا حق ويزني بامرأته ويشهد الشهود على ذلك، ويعذره خليفة المسلمين ويعفيه من كل عقوبة ويبقيه في منصبه، ويعتبر كل ذلك مجرد خطأ؟! ماذا لو كان غير خالد فعل بعض ما فعله؟! إذن لتحول الإسلام كله إلى سيف يقطع به أبو بكر رأس الظلم والظالمين. أليس هذا ما كان سيفعله أبو بكر لكي يبدو وكأنه حامي الدين وحارسه والساهر على تنفيذ أحكامه؟! والله إن عجبي من موقف أبي بكر أشد من عجبي من فعل خالد. ثم أضاف بابتسامة ساخرة: أذنب مالك أن تكون امرأته جميلة؟!
أكان على المسلمين، لكي ينجوا من سيف خالد، أن يختاروا زوجاتهم من قبيحات النساء؟!
وهكذا أسقط أول حدين في الإسلام: حد القتل وحد الزنا، وستسقط بعدهما حدود كثيرة.
وكان الربيع بادي التعب حين وصل في الحديث إلى هنا، فقال لكعب: هلا جلسنا يا كعب. لقد أتعبني الوقوف والكلام، وفي أحدهما ما يتعب مثلي. وأخذا مجلساً لهما في زاوية ليست بعيدة.
قال كعب: الآن تستطيع أن تكمل حديثك يا أبا حنظلة. ماذا بعد قتل مالك واغتصاب امرأته؟! أظن عندك كلاماً كثيراً؟!
قال الربيع متابعاً حديثه: ثم لم يكتف خالد بقتل مالك، فأمر بأن يوضع رأسه اثفية للقدر التي يطبخ فيها طعام الجيش المسلم، كأنه أعوزه أن يجد حجراً أو سواه يضعه تحت القدر، فجاء برأس مالك. ماذا سيقول المزورون المبررون لقتل مالك، ورأسه أو رأس أي إنسان، يستعمل کحجر تحت القدر بعدما قتل؟! هل تعلم ما الذي أثار دهشة هؤلاء في مأساة مالك؟ الذي أثار دهشتهم أن النار لم تصل إلى رأسه لکثافة شعره، فبقي سليما لم يحترق، حتى نضج طعام المسلمين!! وليست هذه نكتة، وإن كنا نحتاجها في أيامنا السوداء هذه. إنها تتردد بينهم وفي مجالسهم. جريمة أخرى يضيفها مالك إلى جريمة الردة!!
قال كعب ويده تمتد إلي رأسه تتحسس شعره: والله إنها لجريمة!! كان على مالك أن يحلق شعره قبل وصول خالد، ثم أضاف: وماذا عن لغة كنانة ولغة قريش، وعن حراس مالك الكنانيين الذين لم يفهموا قول خالد لهم (دفئوا) أسيركم، ففهموها على أنها (اقتلوا) أسيركم، فبادروا إلى قتل مالك؟ أكانت لغة كنانة تختلف عن لغة قريش؟! أكانت كنانة قبيلة من الصين أو الترك، ونزلت جزيرة العرب قبل مقتل مالك بقليل، فلم يفهموا لغة خالد؟!
قال الربيع: والله ما سمعت هذه الحكاية إلا أسرعت بوضع يدي على فمي حتى لا يسمع ضحکي! والله ما كان القوم أشد استخفافاً بالناس واحتقاراً لعقولهم، منهم، وهم يرددون كلاماً لمجانين، مجانين، مجانين، ثلاثاً! وما كانوا مثيرين للضحك كما كانوا في تبريرهم هذا!. ألست من كنانة يا كعب؟! ألست تفهم لغة العرب كل العرب، لا يعسر عليك شيء من شعرهم ونثرهم، وفيهم القحطاني اليماني الابعد عن كنانة، وفيهم الربعي والقيسي، البعيد عن كنانة، وفيهم التميمي والأسدي، وكلهم أبعد من قريش إلى كنانة؟! ألا تعلم أن كنانة هو أبو قريش واسمه النضر بن كنانة ولقبه قريش؟! فكيف اختلفت لغة الابن عن لغة أبيه حتى أصبحتا لغتين، وأصبح المتكلمون بالواحدة منهما لا يفهمون المتكلمين بالأخرى؟! أليس هذا كلام مجانين؟! مجانين من هذا النوع الذي لا ينفع معه سحر ولا رقية، ولا شيء مما يداوى به الجنون؟! لم يجدوا ما يعتذرون به إلا الجنون، فجنوا.
ثم قل لي: هل تستطيع أن تجد في كل (لغة) كنانة، شعراً أو نثراً أو حديثاً، كلمة اختلفت في معناها عما يقابلها في (لغة) قريش؟! كلمة واحدة فقط؟! بل هل تستطيع أن تجد في كل (لغة) كنانة، شعراً أو نثراً أو حديثاً، (دفئوا) بمعنى (اقتلوا) في غير مقتل مالك بن نويرة إن استطعت؟!ـ وأمهلك الوقت الذي تريد فسأسلم لك بصحة الرواية.
والله يا كعب، لأنا بمحاولة الاعتذار عن خالد وتبرير قتله لمالك، باختلاف (لغة) كنانة عن (لغة) قريش، أشد حزناً مني على قتل مالك. كنت سأقول: جريمة ارتكبها ابن الوليد، وسكت عنها أبو بكر، وينتهي الأمر. فما أكثر الجرائم في تاريخنا، وما أكثر السكوت عنها!
لكن لم يدر في ذهني أبداً أن يصل الجنون بالقوم إلى هذا الحد؟! هذا ليس جنوناً. هذا تعصب بلغ الجنون.
قال كعب وهو يتابع الربيع كلمة كلمة: والله ما أدري يا ابا حنظلة ماذا سيقولون للناس، وماذا سيقول الناس، وهم يكذبون عليهم، ويعرفون أنهم يكذبون!!
قال الربيع: أترى ذلك صعباً وهم يكذبون على الناس الآن، مع وجود القاتل ومكان القتل، ومن شارك فيه، ومن شهده، ومن طالب بالاقتصاص من القاتل، ومن عفا عنه، ونساء وأطفال وآباء وأمهات. ولغة نتكلمها جميعاً ونشترك فيها جميعاً!! أتراهم وهم لا يستحيون منا، ونحن نعرف الحدث بكل تفاصيله، سيستحيون ممن يأتي بعدنا، وهو لم ير الحدث ولم يشهده ولم يعاصره، إنما هو رواية وحديث سينقل إليه كما يريده الحاكمون. سيقرأه في كل ما يقرأ. لن يكون ذلك صعباً يا ابن عمير. إنها قريش!! طالما كادت الإسلام وتلاعبت به.
قال كعب وهو يهز رأسه تأييدا للربيع: صدقت يا أبا حنظلة. إنها قريش. ثم أضاف بعد لحظات سكت فيها الاثنان: ومسيلمة وبنو حنيفة!! ماذا فعلوا؟ لقد كانت مجزرة في اليمامة!! أصحيح أن مسيلمة قد ادعى النبوة؟!
مسيلمة وبنو حنيفة و( الضفدعة بنت الضفدع )
وانطلقت ضحكة عالية من الربيع قبل أن يقول: بم صدقه بنو حنيفة وصدقوا نبوته؟! أبـ ( يا ضفدعة بنت ضفدع. نقي كما تنقين. أعلاك في الماء وأسفلك في الطين ) أم بـ (الخابزات خبزاً والثاردات ثرداً واللاقمات لقماً... )؟!
أهذا هو كلام الله الذي نزل به الوحي على مسيلمة ليبلغه إلى بني حنيفة وغير بني حنيفة، وهو كل ما نزل به الوحي؟! أيمكن أن يكون هذا كلام الله يحمله الوحي وينزل به على أحد أنبيائه بعد محمد والقرآن؟!
أيبلغ الجنون بأنصار الحكم والمدافعين عنه والمبررين لظلمة، أن يتهموا مسيلمة وبني حنيفة بالجنون، كما فعلوا مع مالك، و( لغة ) كنانة و( لغة ) قريش؟!
لقد كان بنو حنيفة أعقل من ذاك. أعقل كثيراً من ذاك. كانوا أهل حاضرة ومتقدمين على باقي العرب من ساكني الصحراء. أكانوا يدفعون ألوف القتلى لكي تبقى ضفدعة مسيلمة تنق، ولتبقى الخابزات تخبز، والثاردات تثرد، واللاقمات تلقم؟! أليس هذا هو القرآن الذي جاء به مسيلمة إلى قومه من بني حنيفة كما يريد أنصار المجرمين القتلة أن نصدق؟! أيمكن أن يؤمن بنو حنيفة أو غير بني حنيفة بمثل هذا الهذيان، والعرب لم يؤمنوا بمحمد وقرآنه العظيم إلا بعد زمن طويل، خاضوا فيه معارك الفكر قبل معارك السيف؟!
لم يرتد بنو حنيفة ولم يخرجوا عن الإسلام كما يصفوه المشوهون المزورون المنافقون، لكنهم اضطروا للدفاع عن أنفسهم وكرامتهم، وكرامة غيرهم من العرب، حين هاجمهم جيش أبي بكر، لنفس الأسباب التي هاجم بها طليحة ومن معه ومالك وبني يربوع.
وسالت دماء، وثكلت نساء وأمهات وآباء، ويتم وشرد أطفال، إرضاء لنزوة حاكم او متهيئ للحكم وطامع فيه.
ما الذي يدعو بني حنيفة إلى الارتداد؟! أدين أفضل من الإسلام جاءهم به مسيلمة فاعتنقوه ورفضوا الإسلام وارتدوا عنه؟!
هذه يا كعب حقيقة ما اتهم به مسيلمة وبنو حنيفة. لقد أبى القوم إلا كذباً عليهم وتشويهاً لموقفهم. لم يستحيوا ولم يتحرجوا.
قال كعب: لو استحيوا وتحرجوا ما ظلموا. ولكن قل لي يا أبا حنظلة، هل صحيح أن سيف الله قد استولى على إحدى نساء بني حنيفة الجميلات، وكان الرجال هناك ما يزالون يقاتلون الرجال، والدماء من الطرفين تغطي أزقة اليمامه وشوارعها؟ يبدو أن سيف الله لا يدخل معركة إلا مقابل امرأة جميلة يحصل عليها. أظنها كانت بنت مجّاعة ابن مرارة من سادات بني حنيفة. لكن كيف ترك زوجها فلم يقتله كما فعل مع مالك؟
قال الربيع ضاحكاً: لأنها لأنها لم تكن ذات زوج.
قال كعب وهو يبادله الضحك: أظن الذي كان يريد أن يتزوجها قد حمد الله على أنه لم يفعل، وإلا لأصبح رأسه اثفية لقدر أخرى يطبخ فيها طعام المسلمين، كصاحبه مالك.
قال الربيع وهو يستعجل الكلمات: لقد أوشك موعدي أن يحل، وعلي الإسراع بالذهاب. لا أريد أن يضيع علي موعدي، حديث القتل والظلم، وإن حديثه لا ينتهي عندنا، ليس أكثر منه، أين توجهت ستجد هذا الحديث.
قال كعب: والله يا أبا حنظلة، لقد كشفت عن أسرار ما كان لي أن أعرفها من غيرك. وربما لا يعرفها غيرك، فجزاك الله خير ما يجزي هؤلاء الناطقين بالحق، لا يميلون عنه ولا يتبعون سواه. لكن سؤالاً واحداً، واحداً فقط، أتمنى أن تكمل به حديثك، وسأعفيك من حديث ( المرتدين ) الآخرين.
قال الربيع: ألا يكفيك من حديث القتل ما سمعت حتى الآن؟! والله لن تجد غيره، ولن تسمع غيره.
قال كعب: ولقد قبلت. بالله عليك يا أبا حنظلة إلا ما انتظرت قليلاً: لحظات معدودات تزيل فيها شكاً وتكشف عن حق. ألا يستحق ذلك منك لحظات ما أحسبها ستفوت عليك موعدك، أو إن شئت، سرت معك حتى ينتهي حديثك، فأكون قد كسبت أنا الحديث، وأدركت أنت موعدك دون إبطاء، ماذا تقول؟
( ردّة كِندة )
قال الربيع: والله إنه لرأي. لا يمكن رفضه ولكن عن ردة من تريد أن يكون الحديث؟! قال كعب: ربما كان الحديث عن ردة كندة هو الأسهل عليك الآن وأخذا الطريق.
قال الربيع: اسمع يا صاحبي حديث كندة إذن، فقد يكون أغرب من كل ما سبق، وإن كان ماسبق غريباً كله. كان زياد بن لبيد قد تولى زكاة قوم من كندة، هم بنو عمرو بن معاوية. فجاء أحدهم بناقة اسمها شذرة، ليست له بل لأخيه الذي لم تكن عليه زكاة. فقال مالك الناقة: هذه ناقتي، لا ناقة أخي ولا شأن له بها وأعطاها خطأ، ظاناً أنها له. واعترف أخوه بصحة قوله. وأنه أخطأ في إعطائها.
وخيرا زياداً أن يأخذ أية ناقة غيرها. لكن زياداً رفض، إلا تلك الناقة، وأبقاها في مال الزكاة، واتهم الآخوين: مالك الناقة، ومن أعطاها، بالكفر والخروج عن الإسلام!!
وثارت معارك طويلة، وقتلى ودماء وسبي نساء ويتم أطفال؛ لأن أمير جيش أبي بكر أصر إلا ( شذرة ) التي لا زكاة عليها ولا حق فيها.
أرأيت كيف يكون الظلم؟! أرأيت كيف تسيل الدماء رخيصة في أول حكم في الإسلام: بين امرأة تعجب خالداً، وناقة تعجب زياداً، ثم تسمى الخلافة الراشدة والخلفاء الراشدين، وحديثاً طويلاً عن العدل والمساواة.
وأسرع الربيع إلى موعده وهو يلعن لم أسمع من يلعن، لکني عرفته. وانتهى حديث كعب والربيع عن حروب ( الردة ) لكن حديثها لم ينته عند الآخرين. فقد بقي المؤرخون بعد كعب والربيع، مصرين على الحديث عن ردة ومرتدين، وسيف الله ومالك ومسيلمة. وما أظنه سينتهي إلا بأن يصحو هذا الضمير العربي المسلم يوماً، فيصحح اسمها ويعطيها الوصف الذي تستحقه.
لقد كانت حروب الردة من أشد الصفحات سواداً في تأريخ الإسلام الذي لا تعوزه الصفحات السوداء، ضل فيها المسلمون، وما يزالون، حتى اليوم، للأسف، وهذا أخطر ما فيها: اختلقت وقائع، وزورت أسباب، وسوقت أوهام، وبيعت ذمم وضمائر، وبرز ظلم سيمهد لظلم طويل تالٍ. حتى أسماء المرتدين غيروها فأصبح طلحة طليحة، ومسلمة مسيلمة، تصغيراً لهما وتحقيراً، وليس بين العرب إلا طلحة ومسلمة.
هذه حقيقة مالا يزال يسمى حتى اليوم، بحروب الردة: رسالة قريش أو إنذارها للعرب، في أول حكم لها، بالخضوع المطلق لسيادتها وسلطانها... أو الخيار الآخر الذي رأيناه مع ( المرتدين ).
وسأكون سعيداً إن استطاع ما قدم في هذا الفصل، أن يحرك عقل وضمير المثقف العربي والمسلم لإغناء هذه الحقيقة والكشف عنها، فما تزال دماء وقتلى ونساء وأطفال يبحثون عمن ينصفهم ويرد إليهم حقهم.
الفصل السابع
الحرب بين الجن والخزرج
سعد بن عباده، وأول اغتيال سياسي في الإسلام
لم يكن قد مر وقت طويل على افتراق كعب بن عمير والربيع بن حنظلة حين طرق كعب الباب على الربيع.
قال الربيع وهو يفتح الباب ويرى كعب: مرحباً بك يا أبا مالك. أرجو أن يكون خيراً ما أعادك. لابد أن أخباراً سارة بلغتك بعد افتراقنا ولم ترد المبيت بها دوني. إني أرى الابتسامة واضحة على شفتيك: قال ذلك وهو يقود كعباً إلى المكان الذي اعتاد الجلوس فيه كلما جاء كعب لزيارة الربيع.
قال كعب بعد أن استقر في مجلسه إلى جانب الربيع والابتسامة تأخذ مساحة أكبر في وجهه: جئتك قبل أن تنام فأنا أعرف مواعيد نومك. لم أشأ أن أنتظر حتى صباح الغد، ولا أدري ما يأتي به صباح الغد.
قال الربيع: صدقت والله. هل تعلم كم أسعدتني بمجيئك. لقد خلت أيامنا هذه من أية أخبار سارة، ولعل فيما تحمل منها ما يبعد الحزن عنا. إني أرى الابتسامة في وجهك، أراها ظاهرة، وقلما أخطأت فراستي. قل يا كعب. هل أعاد الخليفة عمر حقوق الذين قتلوا ظلماً فيما سموه حروب ( الردة ).
قال كعب: لا. ليس بهذا جئت.
قال الربيع: هل اقتص عمر من خالد بن الوليد الذي قتل مالكاً وزنا بامرأته في نفس الليلة التي قتل زوجها فيها.
قال كعب: ولا هذا. لم يكن شيء من هذا، إن عمر كان يلح على أبي بكر بأن يقيم على خالد حدي القتل والزنا، وهما القتل والرجم، حتى ضاق أبو بكر بإلحاح عمر ونهاه أن يعود إلى ذكر خالد.
قال الربيع: فهل أعاد لفاطمة بنت النبي محمد حقها الذي حرمها منه أبو بكر بحديث (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) الذي لم يروه أحد ولم يسمعه أحد سواه من بين جميع الصحابة الذين بلغوا الألوف، ومنهم صاحبا الشأن فاطمة وعلي، مع أن النبي لم يمت بعيداً عن المسلمين، ليس معه إلا أبو بكر وحده فأسره إليه.
قال كعب: لا، وتلك قصة أخرى كان البطل الثاني فيها عمر نفسه. لقد توفيت فاطمة وهي حزينة حزنين: على فقد أبيها، وعلى ما لحقها من ظلم أصحابه بعده.
قال الربيع وقد بدا حزينا وهو يستعرض الماضي القريب: قصة أخرى! نعم قصة أخرى. والله ما ذكرتها إلا أسرعت إلى عيني أمسح الدموع منهما. لم تحرم فاطمة وحدها؟! لم ترث عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر، النبي محمداً، ولا ترث فاطمة؟! هل قال النبي: نحن معاشر الأنبياء لا نورث بناتنا فقط، وعائشة هي بنت الذي سمع الحديث ورواه، وحفصة - بنت صاحبه ومصدقه ومؤيده؟!
قال كعب: تسألني وكأنني الذي أشعلت حروب الردة وأرسلت الجيوش لقتل المسلمين، وشجعت ابن الوليد على قتل مالك والزنا بامرأته، وحرمت بنت النبي ميراثها؟!!
لم لم تسأل خليفتك أبا بكر قبل موته، أو صاحبه وشريكه، خليفتك الآن؟! لم تقاطعني ولا تتركني أكمل؟! والله لقد كدت تنسيني الحديث الذي جئتك من أجله.
قال الربيع: أعترف أني أخطأت. ولكن ما يضحكك إذن، إذا لم يكن شيء مما ذكرت قد تحقق؟! لا الحقوق أعيدت، ولا الظلم رفع، ولا الحد أقيم على من وجب عليه.
قال كعب: حديث آخر. بعيد عن كل ما ذكرت هو الذي جاء بي إليك هذه الليلة، لا أدري لماذا كتمته عني فلم تذكره ولم تشر إليه ولا مرة واحدة، على طول صحبتي لك. لقد كنتم الأبطال في حروب لم يعرفها ولن يعرفها العرب إلا لكم وحدكم، وهو مجد كبير أضفتموه إلى ما لكم من مجد. فما الذي منعك من الحديث عنه أو ذكره على الأقل، فيما تخوض من حديث، وهو يستحق ذلك منك، ويستحق الأكثر.
قال الربيع مستغرباً: عماذا تتكلم؟! أية حروب تعني؟! لقد كان يوم بعاث آخر حروبنا مع الأوس. وأنت تعلم أن النصر كان حليف الأوس فيه. والحرب سجال: يوم لك ويوم عليك. هذه حروبنا، مع إخوتنا الأوس دائماً، ولا أذكر أننا دخلنا في حروب مع غيرهم، وهي مشهورة ومعروفة لك ولغيرك.
قال كعب، وما تزال الابتسامة تلازم شفتيه: وتتصنع الجهل أيضاً يا أبا حنظلة؟!
قال الربيع: والله كاد صبري ينفد معك. قل وأرحني أراحك الله. عن أي شيء تتكلّم؟! لقد قلت ما أعرف، لم أكتم شيئاً ولم أخف شيئاً، وليس عندي ما أضيفه.
قال كعب: وهو ينتقي كلماته بهدوء، وينطق بها بهدوء أكثر: حروبكم مع الجن؟! لقد كانت للخزرج حروب طويلة معهم، سقط فيها قتلى وسالت دماء ودمرت الكثير من مساكن الجن وشردوا في الآفاق. كل هذا جرى، وربما أكثر منه، وأنت لم تشر إليه يوماً في أي من أحاديثك. ألست محقاً في عتبي عليك. بل إنني أحفظ بعض ما قيل من الشعر في تلك الحروب. لقد كان الجن يقولون الشعر باللغة العربية، كما كانوا يقاتلون بالسهم التي يستعملها العرب في قتالهم. أكان الجن عرباً يا أبا حنظلة؟!
ربما من القحطانيين فيشتركون معكم في النسب، أو من العدنانيين فيقتربون من قريش.
قال الربيع وهو يطلق ضحكة كبيرة: هل أصابك شيء في عقلك يا صاحبي فأستدعي لك من يعالجك برقية أو غيرها مما يعالج به أمثالك؟!
قال كعب: لا والله وليس بي شيء مما تظن، ولن تحتاج إلى استدعاء أحد لعلاجي، وأنا جاد فيما أقول كل الجد، ولم أبتدع هذا الحديث ولم أختلقه.
قال الربيع وقد زاد تعجبه وبدا أكثر فضولاً ورغبة في متابعة كعب: من أين جئت بهذا الحديث؟! إني لا أعرف حرباً لنا مع الجن ولم أر أحداً منهم ولم ينقل أحد من شيوخ قبيلتي أنه رأى أحداً منهم. فهل كان كل أولئك يكذبون علي، وأنت الصادق الوحيد؟! هل رأيت الجن فسمعت منهم ما تتحدث به الآن؟! هل تعرف لغة الجن؟! والله لقد أوشكت أن أجن أنا يا كعب مما أسمع من حديثك عن الجن.
قال كعب: سأختصر لك ما أريد وتريد معرفته. بعد أن تركتك عائداً إلى البيت، لقيت جماعة من قريش، في حلقة لهم فسلمت وجلست. لم يكن لدي ما يعجلني إلى البيت، وكانوا من أصحابي القدماء.
خاضوا في أمور شتى، وخضت معهم. وصل الحديث إلى السقيفة وسعد بن عبادة وموقفه فيها، وأنت تعرف موقفه، فضحك القوم حين جاء اسم سعد. ولما سألتهم عن سبب ضحكهم، قالوا: تذكرنا الجن فضحكنا. ألا تعلم أن الجن هم الذين قتلوه، ثأراً بمن قتل من زعمائهم في حروب طويلة دارت بين الجن والخزرج، وكان قتله مبعث فرح عم صفوفهم في كل مكان، فقد كان سعد سيداً جليلاً مطاعاً في قومه مسموع الكلمة فيهم، وكان الجن يخشونه دائماً، فترصدوه في حوران من سوريا وسددوا له سهمين لم يخطآه، إذ اختار الجن خير رماتهم لقتل سعد. وكان ذلك انتصاراً كبيراً للجن على الخزرج، نظموا فيه الأشعار وتبادلوا التهاني وتعالت الهتافات. ثم أضاف:
هل تريد يا أبا حنظلة أن أنشدك بعض ما قال الجن من شعر في قتل سعد؟
قال الربيع: أعرفه:
( قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده
|
|
ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده )
|
قال كعب: ذلك هو الحديث الذي جئت أسأل عنه. لم كتمته يا أبا حنظلة طول هذا الوقت. أليس من حقي أن أعتب عليك في كتمانه عني؟!
قال الربيع وهو يعالج ضحكة لم يرد أن تنفجر، والناس نيام: وهل صدقت ما قال أصحابك؟! كنت أظنك غير ذاك يا أبا زهير. هل تريد أن تعرف من قتل سعداً؟ ستعرف من قتل سعداً إذا عرفت ما جرى في السقيفة.
قال كعب، والدهشة تكاد تقيمه من مكانه: أتعني ...؟!
وقبل أن ينطق كعب بالاسم، كان الربيع يومي برأسه: نعم، إنه هو.
الفصل الثامن
قريش الحاکمة الشورى عثمان
أبو ذر وعمار وعبد الله بن مسعود
صرخ أحد المتجمهرين في السوق الكبير للمدينة، وهو يسمع أسماء المرشحين للخلافة: ما بالهم كلهم من قريش؟! أليس في المسلمين الآخرين من يصلح للخلافة غير هؤلاء الستة القرشيين؟! ألم يجد عمر من يضيفه إليهم أو يرشحه مكان بعضهم فحصرها في قريش وحدها، وكأنها هي الإسلام؟! منذ متى أصبحت قريش ولية أمور المسلمين وراعية الإسلام؟!
قال آخر: والله إني لحائر فيما فعله عمر. إن كان أراد خير المسلمين فقد أخطأ الطريق إليه. وإن أراد غيره، فيكفي المسلمين ما هم فيه من فرقة واختلاف. أترى هؤلاء الستة، وهم يرشحون أحدهم، سيرشحونه بقلوب صافية أم ستشتعل الفتنة بينهم، اليوم أو غداً. والله إنه لاختيار مشؤوم ما أظنه سينتهي إلى خير، لا للمسلمين ولا للمرشحين أنفسهم.
قال ثالث وهو يدلي برأيه في الموضوع: وأنا والله لا أدري ما أقول. لِمَ لم يتركها عمر للمسلمين يولون من يثقون فيه ومن يرونه رضا لهم؟! مالك يا ابن الخطاب؟! لا أنت بالذي رشحت أحداً كما فعل أبو بكر حين ولاك، ولا أنت بالذي أخرجتها من عنقك وتركتها للمسلمين؟!
قال الأول: ليس هذا فقط، بل إنه جعل زمام الأمور كلها بيد عبد الرحمن بن عوف في حال اختلاف المرشحين وانقسامهم فريقين، فأي فريق كان ابن عوف فيه فإن مرشّحه هو الذي سيتولى الخلافة. لِم لم يرشح عبد الرحمن وحده ما دام هذا موضع ثقته وتفضيله فيحسم الأمر ابتداء، ويريح المسلمين من عواقب الاختلاف، بين المرشحين ثم بين أنصارهم وأتباعهم وأقاربهم؟! أكان ابن عوف أفضل الستة المرشحين؟ لم جعلهم ستة، لا سبعة مثلاً ليكون انتخاب الخليفة أسهل عند الاختلاف، بترشح أكثر الفريقين له؟ أأعجزه أن يجد سابعاً بين المسلمين، أو حتى بين القرشيين يضيفه إلى الستة، ليسهل انتخاب الخليفة ولا يحتاج إلى واحد يتحكم فيه؟! إنني أزداد حيرة كلما ازددت تفكيراً في الأمر.
هكذا إذن رسم عمر صورة الحكم في الإسلام: قرشية بامتياز كما يقال الآن. قريش وحدها في الساحة، لا احد معها ولا أحد يشاركها. إن فات الحكم هذا الطرف منها، فإنه سيحط حتماً عند ذاك الطرف.
وحين قال عمار بن ياسر لعبد الرحمن بن عوف في مسرحية الشورى: (إن أردت ألا يختلف المسلمون...) رد عليه عبد الله بن أبي سرح (إن أردت ألا تختلف قريش.....) ثم تجاوز الكلام هذه الحدود، فقال بعض بني مخزوم مخاطباً عماراً أيضاً في أحداث نفس المسرحية (... وما أنت وتأمير قريش لنفسها)؟
هذه هي الشورى التي جاءت بعثمان، لا کمرشح للمسلمين، لكن كمرشح لقريش دون المسلمين.
وبخلافة عثمان التي كانت صفقة مشؤومة بين أطراف حركتهم حسابات ومصالح، يكون قد بدأ فصل جديد سيمهد للأسوأ، في اضطهاد المسلمين وإنهاك حرماتهم في أشخاصهم وأموالهم، واستبعاد ذوي الفضل والسابقة منهم، وتقريب من لا فضل عنده ولا خلق ولا دين.
نحن الآن أمام حكم، كل شيء فيه يؤكد أنه حكم قريش وبني أمية من قريش، لا حكم المسلمين. لقد أصبحت أسماء الوليد بن عقبة بن أبي معيط ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص تحتل الواجهة التي أقصي عنها أبوذر وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وليت عثمان اكتفی من خيار المسلمين بذلك: لقد مضى بعيداً في العدوان عليهم والتنكيل بهم.
قال أحد سكان المدينة، يسأل آخر كان واقفاً عند مدخل المسجد الكبير:
من هذا الذي أنزل من ظهر الناقة؟ إن منظره لمحزن. لقد لحق لحم فخذيه بجنبي الناقة. ما أظنه إلا أرهق من طول الغربة. ألا تراه لا يقوى على المشي! أية جريمة ارتكبها؟! لكن حتى لو ارتكب جريمة، فهل يجوز أن يفعل به هذا، وهو غير داخل في العقوبة ولا جزأ منها؟!
قال الآخر: ويحك، هل تعرفه؟ هل تعرف عمن تتكلم؟ هل سمعت بأبي ذر؟
قال الأول: ومن لم يسمع بأبي ذر: صاحب رسول الله ورابع أربعة سبقوا إلى الإسلام والزاهد العفيف الذي يقول فيه رسول الله (ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر)؟! أهو هذا الذي أراه الآن؟!
قال الآخر: وأنه لهو، إنه ابوذر، هذا الذي تراه، وترى لحم فخذيه لاصقاً على جنبي الناقة. لقد أركبوه على ناقة بغير قتب وساروا به يصلون الليل بالنهار، من الشام حتى المدينة، وهو سبب ما ترى.
قال الأول: وماذا فعل؟ هل يمكن لمثل أبي ذر أن يفعل غير ما فيه خير المسلمين وصالحهم؟!
قال الآخر: وهذا هو ذنبه. هذا ما أغاظهم منه. لم يتحملوا منه النصح والارشاد والدعوة إلى المساواة بين المسلمين وعدم أكل أموالهم بالباطل وصرفها في غير وجوهها المشروعة. إنه الحكم الجديد!
وأسرع السائل نحو أبي ذر، لكن الجند دفعوه؛ إذ كان عثمان قد منع الناس من لقائه والكلام معه.
وبعد أيام كان أبو ذر في طريقه إلى الربذة وحيداً، ليس معه إلا زوجته وغلامه، وليس من مودع له إلا علي والحسن والحسين وعمار بن ياسر.
قال وهو يودعه، وقد سالت عيناه بالدموع ( أما والله لو أردت دنياهم لأمنوك، ولو رضيت أعمالهم لاحبوك ) لكنه لم يرض أعمالهم فكرهوه وآذوه وأبعدوه، حتى مات في الربذة وحيداً.
وكانت امرأته تبكي قبل أن يموت؛ لأنه لا يملك ثوباً يصلح كفنا له. ذلك هو أبو ذر أحد أكابر الثوار في التاريخ الاسلامي.
الفصل التاسع
قريش الحاکمة
أبو ذر، عمار، عبد الله بن مسعود
لكن هل كان أبو ذر هو الوحيد الذي تعرض لأذى عثمان؟ لا أظن، فعثمان لم يترك أحداً من خيار الصحابة يقدر على إيذائه إلا ناله باذاه. وسأبسط لك حديث اثنين غير أبي ذر، من أعلام الصحابة، تاركاً، إلى ما بعد، حديث الثورة. الثورة على عثمان، التي شارك فيها المسلمون من جميع أقطارهم. وكانت أول ثورة صنعتها الجماهير في التاريخ الإسلامي.
أما أول الاثنين فهو عمار بن ياسر، أحد صالحي المسلمين وخيارهم، وابن أول شهيدين في الإسلام. وذنبه أنه ذهب إلى عثمان حاملاً معه كتاباً كان قد كتبه عدد من فضلاء الصحابة، بينهم عمار نفسه، يذكرون فيه ما أحدثه عثمان من أحداث خطيرة ويخوفونه نتائجها ويطلبون إليه إصلاح ما سبق منها وعدم تكرارها، وإنهم لن يسكتوا بعد اليوم عن المظالم التي يتعرض لها المسلمون على يديه.
قال عثمان وهو يخاطب عماراً بعد أن سلمه الكتاب وقرأ جزأ منه: أعلي تقدم من بينهم؟!
قال عمار: لأني أنصحهم لك، ولقد أردت أن أحذرك، لعل التحذير ينفع، والوقت لا يزال أمامك وهو فرصة أخيرة لك لإصلاح ما مضى، حتى لا يكون علينا موضع اللوم، بأننا لم ننبه ولم ننصح.
قال عثمان: كذبت يا ابن سمية.
قال عمار: وأنا ابن سمية، وابن ياسر.
وسمية هذه التي يعير عثمان عماراً بها بنسبه إليها متجاوزاً أباه ياسراً، هي أول شهيدة في الإسلام، ماتت تحت تعذيب أبي جهل لها، وفيها وفي زوجها ياسر يقول النبي (أبشروا آل ياسر فمثواكم الجنة). ثم أمر عثمان غلماناً له فطرحوا عماراً أرضاً فضربه عثمان ضرباً شديداً بقدميه اللتين لم يخلع منهما النعل حتى غشي عليه من شدة الضرب وأصابه فتق ظل يعاني منه طول حياته.
خليفة المسلمين لا يريد أن يستمع لنصح أحد من خيار المسلمين. لماذا؟ لأنه سلك طريقاً آخر غير طريق المسلمين.
وعبد الله بن مسعود الذي لم يسلم من عدوان عثمان!! ماذا فعل ليستحق، ليستحق أن تكسر أضلاعه!!
وعبد الله بن مسعود، رابع الناس إسلاماً وأول من جهر بالقرآن في مكة من المسلمين. وكانوا يخافون قريشاً أن يجهروا به.
إنه لم يفعل غير ما يفعله كل مسلم حريص على دينه، يرى الحاكم يقدم على ظلم المسلمين فينكر ذلك ويرفضه. لكن عثمان يمضي في طريقه غير مبال ولا مكترث بإنكار المسلمين ورفضهم، ولا حاسب حساباً لقولهم أو عدم قولهم، لقد أبى إلا أن يحمل بني أمية على رقاب الناس.
وحين بلغه عن عبد الله بن مسعود ما بلغه من انتقاده لأعماله، أمر بإخراجه عن المسجد على أعنف الوجوه وأشدها بغضاً عند الله وبعداً عن الاسلام. فأخرجه مولى لعثمان فضرب به الأرض حتى كسر بعض أضلاعه.
قال ابن مسعود، ومولى عثمان يجره إلى خارج المسجد وقد تمزقت ثيابه وسال دمه: لا تخرجني من مسجد خليلي رسول الله. لقد كنت ملازماً لهذا المسجد منذ آمنت بمحمد رسولاً. والله للموت أهون عليّ من مفارقة المسجد، أنا عبد الله بن مسعود، أنا رابع من قال: (أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)، قبل أن يسلم خليفتكم ) لكن عثمان كان يؤمیء لمولاه: أن زد في تعذيبه ولا تصغ إليه وأخرج عن المسجد رابع المسلمين؛ لأنه لم يطق مظالم عثمان.
الفصل العاشر
قريش... الحاکمة... عثمان
أموال المسلمين... أين ذهبت؟!
قال عبد الله بن الأرقم - خازن بيت مال المسلمين - وهو يوجه كلامه إلى عثمان: كنت أراني خازناً للمسلمين، لا خازناً لك، فخازنك هو غلامك لا أنا. والله لا أتولى لك بيت المال أبداً. ثم ألقى المفاتيح إلى عثمان وخرج وهو يقول: لا والله ما هي أموال عثمان، ولا أموال أبيه عفان ابن أبي العاص وأنها أموال المسلمين يريدني أن أخونهم وأوزعها في بني أمية، كلما جاءه واحد منهم غرف له ما يريد. ماذا أقول لله غداً؟! لن أكون شريكاً في سرقة أموال المسلمين. لن أخونهم في أموالهم وإن غضب عثمان. والله لرضا الله عندي خير من رضا الخليفة، والخوف منه أشد من الخوف من الخليفة.
وكان عثمان قد أمر ابن الأرقم بأن يدفع لعبد الله بن خالد بن أسيد الأموي، حين قدم على عثمان من مكة، ثلاثمائة ألف، ولكل واحد ممن كان معه، مائة ألف، وطلب من عبد الله بن الأرقم أن يدفعها لهم، فاستكثر عبد الله ذلك ورفض أن يدفع المبالغ التي أمر بها عثمان. فقال له عثمان: إنما أنت خازن لنا.
هكذا كان موقف عثمان من أموال المسلمين التي جمعوها بدمائهم وثكل نسائهم ويتم أطفالهم. لقد أصبحت رهناً برغبته، يعطي منها ويحرم من يشاء، لا قيد عليه في ذلك ولا رقابة، ويرفض كل قيد ورقابة، مبعداً المسلمين عنها وكأنها شأن خاص من شؤونه لا شريك له فيه.
وهكذا أصبح بيت مال المسلمين، بيت مال الأمويين وأنصارهم يغرفون منه ما يشاؤون، لا يمنعهم منه إلا أن لا يبقى مكان يخزنونه فيه. ولى عمه الحكم بن أبي العاص: طريد رسول الله صدقات قضاعة التي بلغت ثلاثمائة ألف فوهبها له. ثلاثمائة ألف لم تدخل بيت مال المسلمين وحرموا منها، وفيهم العاجز والمريض والمحتاج، لتدخل بيت الحكم، لم يتعب فيها ولم يجهد ولم يكن مستحقاً لها ولا لبعضها. ويبدو أن سابقة أبي بكر مع أبي سفيان قد تكررت هنا بين عثمان والحكم.
وكان أبو بكر قد تنازل عن أموال الزكاة ووهبها لأبي سفيان حين قدم بها المدينة في أول خلافة أبي بكر.
وغنائم افريقيا!! كل ماغنمه المسلمون في افريقيا من غنائم لا يحصرها عد ولا حساب، ولا يحتويها صندوق ولا خزانة. ماذا فعل بها خليفة المسلمين، وهي حصاد دمائهم وسيوفهم، ولكل ثكلی ويتيم حق فيها ونصيب. لقد وهبها كلها لعبد الله بن أبي سرح، أخيه من الرضاعة.
قال كعب بن عمير للربيع بن حنظلة، وهو شبه مذهول: أيمكن أن يكون هذا يا أبا حنظلة؟! إنني لا أستطيع أن أصدق، ولا أريد أن أصدق ما فعله عثمان.
قال الربيع: وما هو هذا الذي لا تستطيع ولا تريد أن تصدق؟ أليس عليك أن تبدأ به أولاً لأعرف إن كان مما يصدق أو لا. إنك تتكلم وكأني أعلم الغيب أو كأني أعيش في داخلك.
قال كعب: لقد سمعت من أكثر من شخص أنّ عثمان وهب كل ما غنمه المسلمون في أفريقيا لشخص واحد هو عبد الله بن أبي سرح الذي.....!؟
قال الربيع: وسمعته أنا أيضاً وماذا فيه مما لا يصدق، وقد أكده الواهب والموهوب له؟! أي غريب فيما فعله عثمان مع ابن أبي سرح؟! ألم يعتد هذا ومثله أو أمثاله مع غير ابن أبي سرح؟!
من يعطي القليل بغير الحق يعطي الكثير، ومن يهب البعض يهب الكل، لن يتحرج عن إعطاء الكل مادام قد استسهل الباطل ورضي به. ليس في عمل عثمان ما يثير استغرابي، أنا على الأقل. فصدق ما لا تستطيع أو لا تريد أن تصدقه كما تقول. كل شيء ممكن جائز عند صاحبنا. أنسيت كيف أصبح خليفة؟! ألم تكن خلافته نفسها نتيجة مساومات وشروط بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، ولا أريد أن أطيل في هذه القصة، فأنت تعرفها كما أعرفها.
قال كعب وكأنه يتذكر أحداث الشورى: لقد ذكرتني يا أبا حنظلة ما لم أنس. هل تعلم كيف ساءت الأمور فيما بعد بين الاثنين؟ هل تعلم أن عثمان جاء يزور عبد الرحمن في مرض موته فرفض عبد الرحمن أن يراه، وكان يدير وجهه عنه كلما أراد عثمان أن يكلمه. ثم طلب ألا يصلي عليه عند وفاته. وإنه كان يقول محرضاً على عثمان: (عاجلوه قبل أن يتجارى في ملكه).
قال الربيع: وأعلم أكثر من ذاك. أعلم أنه جاء الى علي بن أبي طالب بعدما مات أبو ذر في الربذة، فنال من عثمان وطعن فيه. فقال له علي: أليس هذا عملك؟! فقال عبد الرحمن (فإذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي. إنه خالف ما أعطاني) ما أسرع ما انقلب ابن عوف على عثمان وتباعد ما بينهما وتبدل الحب بغضاً!! إن حبل الباطل لقصير يا عمير. فلنعد لحديثنا الذي كنا فيه، أظنني كنت في ذكر أبي موسی. لقد بعث أبو موسى عامل عثمان على البصرة بمال كثير، فجعل عثمان يقسمه بين ولده وأهله بالصحاف حتى لم يبق منه شيء. لم يكن قابلاً للعد فقسمه بالصحاف حتى لا يتعب، وأظنه تعب حتى وهو يقسمه بالصحاف! هل تريد المزيد؟ عندي منه المزيد والله. هل تريد أن تسمع ما قاله المسور بن مخرمة الزهري لمروان بن الحكم، وكان هذا قد دعا وجوه الناس الی وليمة كبيرة بمناسبة الانتهاء من بناء بيت له أنفق فيه أموالاً طائلة من أموال المسلمين؟ قال المسور وهو يرد على مروان ( والله لقد غزوت معنا افريقيا، وإنك لأقلنا مالاً، فأعطاك ابن عمك خمس افريقيا. وعملت على الصدقات فأخذت أموال المسلمين ) ذلك خليفتك يا عمير. لست أنا المسؤول عنه، إنما المسؤول عنه من رشحه ومن اختاره ومن ولاه أمور المسلمين، وكان عارفاً به. هل تريد المزيد؟ ما يزال عندي المزيد لأحدثك عن تبذير عثمان لأموال المسلمين وعن قطائعه لبني أمية.
قال كعب: لا. لا أريد، اتركه لك، يكفيني ما سمعت. لكم الله أيها المسلمون، لكم الله من خلفائكم، إن كفيتم شرهم فقد كفيتم الشر كله.
لكم الله من حكامكم أيها المسلمون، كما قال كعب وغير كعب، قبله وبعده. إن قيل إن عثمان ضرب عماراً وسبب له فتقاً أجاب المشوهون المزورون: إن عماراً كان ضعيف الجسم فلم يتحمل ضرب عثمان له، فأصابه الفتق، ولو كان قوى الجسم لما تعرض للفتق. فالذنب إذن في جسم عمار لا في ضرب عثمان. كان عليه أن يكون أقوى وأشد تحملاً.
وإن قيل إن عثمان كسر ثلاثة أظلاع لعبد الله بن مسعود، ردوا بأن عثمان لم يتول الفعل بنفسه، وإنما أمر غلامه به، ثم إن الاظلاع ربما لم تكن ثلاثة، ربما كانت أقل اثنين أو واحداً.
وإن قيل لهم إن عثمان نفی أبا ذر إلى الربذة حتى مات وحيداً لم تجد زوجته من يعينها على غسله وتكفينه، قالوا إن أبا ذر هو الذي اختار النفي إلى الربذة، لم ينفه عثمان إليها.
وإن قيل إن عثمان بذر أموال المسلمين وأنفقها في غير مواضعها، على أهله وأقاربه وأصحابه ممن لا يستحق، قالوا إن للحاكم أن يتصرف في أموال المسلمين كما يشاء حتى لو أعطاها كلها لأهل بيته أو لمن لا يستحق. ليس لأحد الحق في محاسبته أو الاعتراض عليه أو إبداء رأي فيما يفعل.
لماذا نبقى مشاركين في جريمة من أجرم، بالتستر عليها وتبريرها؟! لماذا اللعب بعقول المسلمين؟! ألم يحن أن نقول عمن ارتكب جريمة إنه مجرم، وعمن ظلم إنه ظالم، وعمن أخطأ إنه مخطئ؟! إلى متی يبقی المسلمون وحدهم، دون غيرهم، يبررون الجريمة ويلتمسون العذر للمجرم؟! أتراه قدراً لهم، كتب عليهم، فلا يستطيعون الخلاص منه؟! لكم أحزنني وأحزن غيري أن نرى حتى اليوم كتّاباً ومؤرخين، وهم يحاولون تبرير الظلم والاعتذار عن الظالمين والتماس المسوغات لأفعالهم. مواقف لا أجد ما أصفها به إلا أنها مضللة خادعة، وأن أصحابها أنفسهم غير مؤمنين ولا مقتنعين بها.
لا أدري لماذا يجب أن يكون الحاكم المسلم معصوماً؟! لماذا لا يخطئ؟! ولماذا، حين يخطئ، علينا أن نعتذر عن خطئه، وهو لم يعتذر عنه، ولا يمكن الاعتذار عنه.
الفصل الحادي عشر
عثمان
فوز الثورة
الأحداث تتسارع على امتداد الأرض العربية الإسلامية، حاملة قلقاً وخوفاً وحزناً. لا أحد يعرف ماذا يحمل الغد، لكنه يعرف أنه غد مرعب الصورة لا يريده ولا يرغب فيه ولا يريد الحديث عنه.
ومن المدينة إلى مكة، إلى الكوفة والبصرة، إلى الشام ومصر، كان الترقب هو المشترك بين الناس. إنهم ينتظرون شيئاً ما، شيئاً كبيراً، وهذا ما يخيفهم ويذهب بهم في اتجاهات شتی ما اتسع لهم الفكر.
ماذا يفعل الخليفة؟! تساءل الناس. ما الذي يمنعه من اتخاذ إجراء حاسم وسريع يبعد عنهم شبح حروب وقتلى ودماء، ما دام الأمر ممكنا ولم يفت وقته بعد؟!
وتعالت أصوات كبار الصحابة وذوي السابقة والدين منهم، منبهة إلى ما يجري ومحذرة مما سيجري، لو استمر الخليفة صاماً أذنيه عن الاستماع إلى شكاوى الناس، وإزالة أسبابها. لقد تجاوز ولاته كل الحدود في فسادهم وطغيانهم واستعلائهم على الناس وازدرائهم بهم. وقد حان الوقت - وهو قد حان منذ زمن طويل - أن يبعدهم ويستبدل بهم من هم أصلح وأكفأ. لم يعد الناس يطيقون أياً منهم، فليس فيهم إلا السيء والأسوأ.
وإذا كان الصحابة قد سكتوا طويلاً على هؤلاء الولاة، وعلى عثمان نفسه، خوف الفتنة، فإنهم لا يستطيعون أن يبقوا ساكتين، والفتنة قريبة، على أبواب دورهم، وهي تنذر بشر خطير. ان واجبهم الديني والأخلاقي يفرض عليهم موقفاً آخر، واضحاً وقوياً إزاء ما يجري. فالإسلام ليس إسلام عثمان ولا بني أميه. إنه إسلام المسلمين كلهم. وإذا كان من تمييز وتفاضل فهو لمن جاهدوا فيه وأبلوا وسبقوا، وليس بينهم بنو أمية وأنصارهم.
النذر تلوح في الأفق القريب وكأنها خطوط حمراء وسوداء توشك أن تلتقي، ثم لا يعرف إنسان ما الذي ستنتهي إليه، وان كانت ستنتهي إلى شر في جميع الأحوال.
وكان هذا الوضع القابل للانفجار في أية لحظة، يستدعي من الخليفة القيام باصلاحات سريعة وعميقة تزيل أسباب الشكوی، لدى المسلمين، وهي معروفة، وحلها ليس بالمتعذر لمن يريد الحل.
كان عليه ان يتدارك الخطر الوشيك بخطوات جادة حازمة تعيد إلى المسلمين اطمئنانهم وثقتهم بان الخليفة ليس بعيداً عنهم ولا عن همومهم.
لكن الخليفة كان مشغولا، مشغولا بما هو أهم في نظره من المسلمين ومشاكل المسلمين ومصالحهم. مشغولاً ببني اميه والوليد بن عقبة وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم الذي أصبح الدخول إلى الخليفة لا يتم الا باذنه. كل شيء منوط به. لقد أصبح هو الخليفة، لا يعوزه سوى الاسم. ولم يكن مروان هذا بالمرضي عند المسلمين ولا بالمؤتمن على ما أوكل إليه. وليس في سيرته ما يمنحه الأقل الأقل مما منحه عثمان. لم يعرف بفضل ولا سابقة ولا دين إلا أنه ابن الحكم بن أبي العاص، عم عثمان الذي طرده النبي من المدينة وأبى أن يساكنه فيها لشدة أذاه له في مكة، قبل أن يضطر إلى إعلان إسلامه. وها هو ابنه، مروان يثير الآن، بتقدمه وخطوته عند الخليفة، سخط المسلمين وغضبهم. ولقد نبه الكثيرون من خيار خيار المسلمين، عثمان إلى ما يمثله، مروان خصوصاً، من خطر عليه إذا ما مضى في تقديمه واحتضانه وتقليده امور المسلمين يبث فيها على هواه.
وكان من أول المنبهين وأرفعهم صوتاً وأوضحهم موقفاً، علي بن أبي طالب الذي طالب عثمان مراراً بأن يبعد مروان ولا يسمح له بأن يقوده كما يشاء. كان علي يرى المستقبل بعين بصيرة ورؤية نافذة لا يبخل بالنصح لوكان عثمان ممن يسمع النصح ويأخذ به. كان يرى بان هذا البطانة الفاسدة التي تحيط بعثمان،وعلى رأسهم مروان، سيقودون عثمان، ومعه المسلمون، إلى خطر لا يعرف نتائجه الا الله.
لكن عثمان ما كان يخطو في طريق الإصلاح خطوة إلا ليرجع في الاتجاه المعاكس خطوات: عزل سعد بن أبي وقاص، وهو من وجوه المسلمين ومن المرشحين الستة مع عثمان للخلافة، عن الكوفة، وولى أخاه لأمه، الوليد بن عقبة. ولم يكن الوليد صالحاً لولاية الكوفة ولا لغيرها. كان متهتكاً مستهتراً معروفاً. سكر يوماً، وهو وإلى الكوفة، فصلى الصبح أربعاً. ثم التفت إلى المصلين، يسألهم: إن كانوا يريدون الزيادة. وقد شاعت هذه الحادثة بين الناس حتى قال فيها الشعراء ما لا نزال نحفظه من الشعر.
هذا هو والي الكوفة أخو الخليفة، لا يعي من شدة سكره وهو يؤم المصلين وحين ضج أهل الكوفة منه، واضطر عثمان إلى عزله، عين في مكانه قريبه، سعيد بن العاص الأموي والياً على الكوفة.
وكان سلوك سعيد في الكوفة من بين الأسباب التي أدت إلى الثورة على عثمان. فقد كان يستفز أهل الكوفة ويتحدى مشاعرهم، ومن ورائهم، مشاعر المسلمين في غير الكوفة.
قال يوماً لجلسائه، وبينهم مالك الأشتر: ( إنما السواد - أرض ما بين دجلة والفرات من وسط العراق وجنوبه - بستان لقريش ). فرد الأشتر قائلاً: ( أتزعم أن السواد الذي أفاءه الله علينا بسيوفنا، بستان لك ولقومك )؟! وتكلم الآخرون ممن حضروا المجلس. واجتمع إليهم الناس منكرين محتجين. فكتب سعيد إلى عثمان في إخراجهم من ديارهم في الكوفة. فلم يكن من عثمان إلا أن نفاهم إلى معاوية في الشام، تماماً كما فعل من قبل مع أبي ذر. لم يسأل ولم يتحر عن الأسباب ولم يحاول إصلاح الخطأ الذي ارتكبه واليه ولم يوجه لوماً أو، حتى ما هو دون اللوم إلى سعيد يسترضي به الناس في الكوفة. لقد كان رضى سعيد عنده يعدل أو يسبق رضى كل أهل الكوفة: إحدى أكبر حواضر المسلمين انذاك.
ولم تكن الحال في البلدان الأخرى بأفضل منها في الكوفة. ولم يكن سخط الناس وتبرمهم فيها بأقل من سخط الناس وتبرمهم في الكوفة، ولا موقف عثمان من شكاوي الناس من ولاتة الآخرين في البلدان الأخرى بأفضل من موقفه من شكاوى أهل الكوفة. فحين بعث أهل البصرة عامر بن عبد قيس رسولا عنهم ليبلغ مطالبهم إلى عثمان، لم يفعل عثمان أكثر من أن يسخربه أمام الناس قائلاً: (انظروا إلى هذا، فإن الناس يزعمون أنه قارئ... ووالله ما يدري اين الله) فأجابه عامر (بلى والله إني لأدري أن الله لبالمرصاد) وهو جواب من يرى المستقبل ويعرف ماذا ينتظر عثمان إذا استمر لا يرى ولا يسمع، ولا يريد أن يرى ويسمع.
ومصر؟! ألم يجد عثمان من يوليه عليها إلا أخاه من الرضاعة: عبد الله بن سعد بن أبي سرح: أحد الأربعة الذين أهدر النبي دمهم حتى لو تعلقوا بأستار الكعبة.
قال كعب بن عمير للربيع بن حنظلة: قل لي يا أبا حنظلة. ألم يجد عثمان من يوليه البصرة غير هذا المرتد الذي فعل مع النبي ما لا يزال المسلمون يذكرونه وينكرونه ويتساءلون عما دفع عثمان إلى توليته مصر على أهميتها! ألم يجد بين المسلمين من يتولاها له؟!
قال الربيع: والله اني لاسأل نفسي ما سألتها أنت منذ سمعت الخبر. ما الذي أعجب عثمان فيه ليوليه بلدا في حجم مصر؟! دينه، فضله، سابقته؟! كذبه على النبي وعلى الله، وهو يكتب القرآن؟!
أم ردته إلى قريش وهزؤه بالنبي وسخريته منه؟! هل نسي عثمان كل ذاك؟! لقد كان ابن أبي سرح أحد أربعة رفض النبي ان يؤمنهم قائلاً (لا أأمنهم في حل ولا في حرم)
هل تعلم أن النبي كان يملي عليه الآية فيحرفها وهو يكتبها، ويقول ساخراً (ما يدري محمد ما يقول. اني لا كتب له ما شئت. هذا الذي كتبت يوحى إلى كما يوحى إلى محمد) ثم خرج هارباً من المدينة إلى مكة مرتدا.
ما لعثمان لايدني ولا يقرب ولا يكرم إلا من آذى النبي وكرهه وطعن عليه؟! غضب النبي على الحكم بن أبي العاص فطرده من المدينة وأبى أن يساكنه فيها، فرده عثمان إليها وأدناه وقربه وأكرمه وأفاض عليه وعلى أهله من أموال المسلمين ما تعرف.
وغضب النبي على عبد الله بن أبي سرح حتى أهدر دمه، فاستأمن له عثمان بعد أن أخفاه عنده، ثم لم يكتف، فها هو اليوم يوليه مصر: أكبر بلدان المسلمين.
أينفي عثمان أباذر ويؤذيه ويشرده ليأتي بالحكم ويقربه ويكرمه؟!
ايعرض حياة عمار للتلف ليولي ابن أبي سرح؟!
(أهذا هو فعل مسلم، فضلا عن خليفة المسلمين؟!)
لقد كان عثمان يدفع الأمور، بجهل أو بتعنت واستعلاء، إلى ان تبلغ الحد الذي بلغته.
فليس لأحد أن يلوم غيره، وليس لأحد أن يلقي التبعة على غيره.
الفصل الثاني عشر
عثمان
الثورة
لم تجد جميع النصائح والتحذيرات ولا الوفود ذاهبة عائدة. لم تواجه إلا الرفض العنيف والإصرارعلى موقف لم يعد محتملاً ولا مقبولاً. لقد صمم عثمان أن يمضي إلى آخر الشوط، غير ملتفت لما يحيط به وبالناس من أخطار تبدو وشيكة، إلا له ولأركان حكمه الذين لم يستطيعوا أن يدركوا أن هناك جماهير وفقراء ومظلومين لن يترددوا حين تسد المنافذ أمام مطالبهم - وقد سدت أو كادت - أن يثوروا. وأقوى الثائرين، هم أفقرهم وأشدهم تعرضاً للظلم وإحساساً به، فليس عندهم ما يخسرونه، وهم يرون الإغراق في الترف من أموالهم التي سرقت منهم. سالت فيها دماؤهم وتحملوا المشاق وواجهوا المخاطر.
لكن المجلس الاستشاري لعثمان کان له رأي آخر. كان يريد التخلص من زعماء الثوار، بقتلهم أو نفيهم وابعادهم ليستريحوا منهم.
وكان هذا المجلس يتألف من مروان بن الحكم ومعاوية وسعيد بن العاص وعبد الله بن عامر. وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وعمرو بن العاص يجتمعون، كلهم أو بعضهم بطلب من عثمان حين يجد ما يستدعي استشارتهم. ليس فيهم من افاضل المسلمين وأهل الصلاح والعفة أحد. كلهم من بني امية أو من انصارهم ومؤيديهم.
قال سعيد بن العاص وهو يعرض رأيه فيما جمعهم له عثمان (دواء ذلك طلب هؤلاء وقتل الذين يخرج هذا من عندهم).
فليس عند سعيد من حل للأزمة التي تواجه الحكم أو سببها الحكم الا القتل لمن يتوجع أو يشكوأو يرفع الصوت بما يشكو. لا يفكر في اصلاح ولا في رجوع عن خطأ ولا في عدل يبسطه في الناس. انه القتل، والقتل دائماً.
وفي اجتماع آخر، قال عبد الله بن عامر - ابن خال عثمان - (أرى لك يا أميرالمؤمنين أن تشغلهم بالجهاد عنك حتى يذلوا لك ولا يكون همة أحدهم إلا في نفسه...)
وها أنت ترى الحلول المطروحة: بين حسم الداء، بقتل الذين يشكون ويحتجون ويطالبون بالعدل، وبين إبعادهم عن ديارهم بحجة الجهاد الذي سيسوه، كما نقول الآن، وجعلوا منه وسيلة لاشغال المسلمين عن التفكير في جرائم الحكم، بالتفكير في عوائلهم وأطفالهم البعيدين عنهم. إلى أن يذلوا ويخضعوا للحكم ويكفوا عن الشكوى منه ويلزموا الانقياد والسكوت عن جرائمه.
هذه هي الخيارات التي وضعها عثمان ومجلسه الاستشاري امام المسلمين أو وضعهم أمامها: القتل أو الابعاد أو... الطاعة التامة والخضوع المطلق. القتل بيد الحكم (المسلم)، أو القتل في الجهاد بيد اعداء المسلمين، أو الرضا بما يساوي القتل. ما أروعك أيها الخليفة وأعدلك، وأروع وأعدل من جاء بك!!
وتوالت الاحتجاجات، وضج الناس في كل مكان، وتعالت الأصوات مستنكرة مستهجنة.
والتقى صوت بصوت، وشكا مظلوم لمظلوم، واجتمع ثائر مع ثائر. وانتفض الناس ضد الحكم.
حتى الذين كانوا مع عثمان وأيدوه وانضموا إلى جانبه في مسرحية الشورى المعروفة، لم يستطيعوا الاستمرار في تأييده، فتخلوا عنه واصبحوا أعداء له، صادقين أو غير صادقين. فعبد الرحمن بن عوف، وهو من اختاره وبايعه ونصبه خليفة، انفض عنه بعد حين واصبح من أشد خصومه الناقمين عليه المرضيين على قتله، لا يخفي ذلك ولا يسره بل يعلنه عالياً بين المسلمين. استمع إليه وهو يقول (... عاجلوه - يعني عثمان - قبل ان يتمادى في ملكه)
ويأتي إلى علي يطلب منه ان يقود الحملة ضد عثمان قائلاً له (خذ سيفك وآخذ سيفي ونقاتله) فيقول له علي (أليس هذا الذي تحرض على قتله هو من اخترت؟!) فلا يجد عبد الرحمن ما يجيبه به الا ان يقول (لقد خالف ما أعطاني).
وطلحة بن عبيد الله، المرشح الآخر من الستة والذي رجح كفة عثمان حين مال إليه، لم يكن احد أشد تحريضاً على عثمان وانتقاصا منه وطعنا فيه من طلحة هذا، حتى قال عثمان (اللهمّ اكفني طلحة فانّه ألب علي هؤلاء، واني لأرجو ان يكون منها صفرا، وان يسفك دمه) ويكفي لبيان مشاركة طلحة ودوره في قتل عثمان، ان مروان بن الحكم هو الذي قتله في حرب الجمل، ثأرا بقتل عثمان، رماه بسهم فظل ينزف حتى مات. وكان الاثنان: طلحة ومروان، في صف واحد يقاتلان علياً.
والسيدة عائشة زوج النبي، تتهم عثمان بالكفر قائلة: (اقتلوا نعثلاً - تعني عثمان - فقد كفر) فالسيدة عائشة تصرّح بكفره وبأنه يستحق القتل لذاك.
والصحابة من أهل المدينة، يكتبون إلى الصحابة في البلدان الأخرى: (إن أردتم الجهاد فهلموا إليه، فإن دين محمد قد أفسده خليفتكم فأقيموه).
بل إن عمرو بن العاص نفسه، ترك عثمان وهو محصور ومضى إلى قصره في فلسطين. وكان يقول: ( والله إني لألقى الراعي فأحرضه على عثمان ).
ويحرض علياً وطلحة والزبير عليه وحين بلغه مقتل عثمان قال شامتاً: ( أنا أبو عبد الله، إذا حككت قرحة نكأتها ).
هكذا إذن بدت الصورة: شعب مضطهد مظلوم وحكم جائر ظالم. والحل بيد الحكم الذي لا يريد أن يسمع. وإذا سمع فلا يريد أن يصلح. إنه ماضي في الطريق الذي اختطه: طريق الظلم والمزيد من الظلم لمن يشكو أو يصرخ أو ينتقد أو يرفض.
وكان لابد من خطوة أخرى يخطوها اليائسون من الإصلاح. لقد انتظروا طويلاً وصبروا طويلاً. وماذا بعد الانتظار والصبر، وقد جربوهما دون نفع ولاغنى.
وجائت الخطوة الأخرى حين قرر الثوار نقل مطالبهم مباشرة إلى الخليفة في المدينة ومحاولة فرضها إذا لزم الأمر. فهناك في المدينة جماعة المسلمين وكبارهم وذوو المنزلة والدين والفضل منهم، وهم ليسوا عثمان ولا بني أمية، ولا من أتباع الحكم ومؤيديه. إنهم سيتصلون بهم ويعرضون عليهم مظالمهم. وسيفهم هؤلاء موقفهم ويشاركونهم الضغط على عثمان للخروج من أزمة طالت ووصلت إلى طريق لا منفذ فيه إلا بالثورة، وهم لا يتمنونها ولا يريدونها، مادام في غيرها حل. وهذا هو الحل، وقد يكون الأخير.
والتقى ثوار الكوفة والبصرة ومصر قريباً من المدينة.
ومن هناك سارت رسلهم إلى كبار المسلمين في المدينة يعرضون ما جاؤوا فيه من مطالب، ويرجونهم أن يضغطوا على عثمان لتلبيتها حقناً لدماء المسلمين أن تراق في غير طائل.
وكان علي، طول تلك الأزمة على اتصال دائم بعثمان، يكلمه وينصحه ويطلب منه الاصغاء، إلى الناس والاستجابة لمطالبهم، وهي مشروعة ليس فيها ما يعجز أو ما يصعب تحقيقه.
لنستمع إلى هذا الحوار بينهما حين وصل الثوار إلی مشارف المدينة وجاء عثمان إلى علي يطلب توسطه لديهم وصرفهم عن دخول المدينة وعودتهم إلى بلدانهم.
قال عثمان:... وأحب أن تركب إليهم وتردهم عني.
قال علي: على أي شيء أردهم عنك؟
قال عثمان: علي أن أصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي.
قال علي وهو يذكّر عثمان بوعود سابقة لم يلتزم بها: إني قد كلمتك مرة بعد أخرى. وفي كل مرة أخرج للناس، أسترضيهم وأعتذر عنك وأعدهم بأن تصير إلى ما يحبون كما وعدتني أن تفعل، ثم لا يحصل شيء من ذاك. أنسيت يا عثمان؟! هذا ما فعله بك مروان وابن عامر ومعاوية وابن أبي سرح. لقد أطعتهم وعصيتني. هذا ما أوصلوك إليه، راضياً أو غير راضٍ: قال ذلك بصوت فيه حزن ولوم وعتب.
ثم خرج في عدد من الصحابة إلى الثوار، فكلمهم وأعطاهم الرضا من عثمان، وتعهّد لهم بتحقيق مطالبهم على أن يرجعوا إلى ديارهم آمنين.
وعاد الثوار، وعاد علي إلى المدينة وعثمان.
قال: يا عثمان، الله الله في المسلمين وفي نفسك. والله يا عثمان، ما كنت يوماً أضعف موقفاً مني اليوم وأنا أريد ردّهم عنك، وأعطي لهم من الوعود ما لا أدري إن كنت ستفي بها أم ستكون كغيرها في سابقاتها، لكنها الضريبة يؤديها المسلم، لعلّه يدفع شراً عن أمة يرى الخطر محدقاً بها. الله الله يا عثمان فيما توليت من أمور المسلمين. لقد بلغت بنفسك وبهم أقصی ما يبلغه عدو بعدوّه. وما كان بعيداً أصبح وشيكاً ينذر بخطر لا يعلم نتائجه إلا الله، فاتق الله فيما عاهدت. يا عثمان، الناس ثائرون وسيوفهم على عواتقهم. وإن استطعت أن أردهم اليوم فلن أستطيع ذلك بعد اليوم، سأكون المتهم معك أو قبلك.
والله لقد استحييت من طول ما اعتذرت عنك يا عثمان. والله ما عاد المصريون حتى كاد اليأس يداخلني من عودتهم، وعيني على طريق المدينة أن يميلوا إليه؛ فقم وكلم الناس هنا، قل لهم ما يهدئهم ويعيد السكينة والأمن إلى نفوسهم، وليكونوا شهوداً معي عليك، فلا أكون المكذب فيما أعطيت عنك.
وقام عثمان فخطب الناس ونزع عما أذنب وأعطاهم من نفسه التوبة واستغفر الله مما فعل. وعاهدهم بأن ينحي عنه مروان وأمثاله.
ولكن لم تمضي إلا ساعات حتى كان مروان، وبأمر عثمان نفسه، يثير الناس بخطبة حمقاء مجنونة يقول فيها: (... شاهت الوجوه. جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا، اخرجوا عنا...).
وتحولت خلافة المسلمين إلى ملك لبني أمية.
وبهذا نكون قد انتهينا من الفصل الأول للثورة، ليبدأ الفصل الثاني والأخطر منها.
قال كعب بن عمير للربيع بن حنظلة: أصحيح يا أبا حنظلة أن المصريين عادوا الى ذي خشب
بعد ما تركوه قافلين إلى بلدهم؟ ما الذي عاد بهم؟ هل سمعت شيئاً عن ذلك؟
____________________
قال الربيع: نعم. لقد عادوا وكانوا قد تركو ذاخشب في طريق عودتهم إلى مصر، تنفيذاً للاتفاق الذي تم بينهم وبين علي. فلما كانوا في بعض الطريق، لفت انتباههم رجل مقبل من جهة المدنية كأنه يطير على ناقته باتجاه مصر، فأخذوه، فإذا هو غلام لعثمان، والناقة لبيت المال. وعند تفتيشه، وجدوا معه كتاباً بختم الخليفة إلى واليه في مصر، يأمره بجلد زعمائهم وحبسهم وصلب بعضهم. فعادوا وعاد معهم الثوار الآخرون من الكوفة والبصرة.
وسمعت أن عثمان ذهب عند ورود هذه الأنباء، إلى علي كما اعتاد، طالباً عونه ووساطته لرد الثوار، وإن علياً امتنع أولاً، فقد كانت له أكثر من تجربة فاشلة مع عثمان. لكنه قبل بعد ما أقسم عثمان على الوفاء بما يلتزم به.
وكفّ الثوار عن دخول المدينة وعن عثمان، على شروط تنفذ خلال مدة اتفق عليها.
لكن المدة فاتت ولم يف عثمان بشيء مما التزم به. كان يبيت أمراً آخر: يريد إطالة الوقت حتى تصل قواته لضرب الثوار والقضاء عليهم، لقد راسل ولاته وقادته في البلدان الأخرى، وهم الآن في الطريق إلى المدينة كما سمعت. وأظن المدينة ستشهد أحداثاً جساماً في قابل الأيام، فقد عرف الثوار نوايا عثمان وما يبيته لهم.
قال كعب وهو يودع الربيع: نعوذ بالله من قابل الأيام يا أبا حنظلة.
وشهدت المدينة تلك الأحداث الجسام. وقتل عثمان بعد ما رفض تلبية مطالب الثوار، وأبى أن يعتزل أو يعزل المتهمين الفاسدين من حاشيته. لكن النتائج الخطيرة التي ترتبت عليها لم تقتصر على المدينة، بل تجاوزتها إلى كل مكان يعيش فيه المسلمون. ولم تقتصر على الزمان الذي حصلت فيه، بل تجاوزته إلى ما بعده وما بعد بعده، حتى وصلت إلينا.
لقد كانت فتنة كبيرة ما نزال نعيشها، وما تزال ترهقنا بآثارها. وأظننا سنبقى نعيشها، وستبقى ترهقنا بآثارها إلى أن نستطيع أن نفهم أسبابها ونقبلها، لا نزوّر فيها ولا نشوهها. فكم تساءلت، وأنا أصل إلى هذا الموضع من حديث عثمان والثورة عليه: ألا يستحي هؤلاء الذين لا همّ لهم إلا تبرير الظلم والاعتذار عن الظالمين واختلاق الأسباب لاتهام الثوار. ألا يستحيون حين يجعلون كل هذه الثورة الشعبية الأولى التي قامت وشارك فيها كل الناس، وأولهم كبار الصحابة وأهل المدينة ومصر والكوفة والبصرة وغيرها. كل هذا التراث الثوري الضخم الذي يفخر به التاريخ الإسلامي حين يتكلم المتكلمون عن ثورات وثوار، أن يجعلوا كل هذا من عمل رجل اختلقوه: يهودي أسود، يهودي ليكون أقرب إلى الاتهام بالعداء للإسلام، وأسود ليكون أدعى إلى السخرية بمن اتبعوه. كل الذي حصل هو من صنعه. هو الذي ثوّر الناس في الكوفة وفي البصرة وفي مصر، وحتى كبار الصحابة في المدينة. كلهم مفتونون بهذا اليهودي الأسود. كلهم خاضعون لهذا اليهودي الأسود. وحده الذي يفكر ويقرر ويثور، وليس فيهم إلا التابع المطيع. وليس من سلطة ولا عيون ولا جواسيس ولا شرطة ولا جيش، ولا أجهزة تتابع الناس وتراقب نشاطهم في السر والعلن. يتنقل كما يريد ويقول ما يريد، ورسله تطوف البلدان لا تخشى شيئاً ولا تحذر شيئاً. ويستمر هذا زمناً طويلاً، حتى مقتل عثمان، وحتى مقتل علي بعد عثمان.
أعاذنا الله أن نكون من المضللين الكاذبين أو من المضللين المخدوعين.
الفصل الثالث عشر
بعدما فسد الناس
ـ ما لهذه الجموع زاحفة نحو بيت علي من كل اتجاه تكاد تكسر الباب من شدة تدافعها عليه. ماذا يريدون من علي؟ هل يريدون قتله؟ إنهم يحاصرون بيته من كل ناحية، ألا تسمع هتافهم؟ قال ذلك كعب بن عمير، وهو بادي الاستغراب للربيع بن حنظلة الذي كان إلى جانبه يراقب ما يجري. ثم أضاف: انظر يا أبا حنظلة، إن أعدادهم تتزايد. لقد ملؤوا الأزقة التي تؤدي إلى البيت. ها هو طلحة بن عبيد الله، إني أراه بينهم وقريب منه الزبير، إنهما يتقدمان الصفوف.
قال الربيع: ما أحسب هذه الناس جاءت لشيءٍ مما تظن. لقد سمعت أن المسلمين اختاروا علياً للخلافة. لم يجدوا من هو أصلح لها منه، فجاؤوا يطلبونه للبيعة. لقد مضى أسبوع على مقتل عثمان، وليس من إمام يقوم بأمر الناس ويعيد الهدوء ويبسط الأمن ويقيم النظام. وكل يوم يمر يزداد الوضع سوءاً، ولن يكون أحد بعيداً عما يمكن أن يحصل، والله وحده العالم بما سيحصل، وهو شر على أية حال.
لهذا جاءت هذه الجموع إلى علي تعلن ثقتها فيه وإصرارها على أنها لن تنصرف دون قبوله بما قبله المسلمون واختاروه من مبايعته خليفة لهم. هذا ما جاؤوا فيه يا ابن عمير. إنهم يناشدونه الله والإسلام أن يستجيب لهم ويرضی ما رضوه لأنفسهم، بعد ما تكرر رفضه للخلافة.
قال كعب: والله لقد تأخر الناس كثيراً عن علي، ولو بايعوه قبل اليوم، لسار بهم على نهج واضح وسياسة مستقيمة لا عوج فيها ولا التواء، ولما وصل المسلمون إلى ما نراه اليوم. ماذا سيفعل علي، وقد فسدت النفوس واختلف الناس وتكارهوا وسال الدم بينهم. ماذا سيفعل وقد أقيمت أسواق للذمم والضمائر، تباع فيها وتشترى علنا دون خوف ولا حياء ولا دين. إني لأظن طلحة والزبير غير صادقين. إنهما يطلبان الخلافة ويسعيان إليها منذ رشحهما عمر مع الأربعة الآخرين.
قال الربيع: صدقت يا كعب. كان الله في عون ابن أبي طالب، لقد خلف السابقون له تركة ثقيلة لن يسهل حملها )
وكان علي قد رفض البيعة مراراً وطلب إلى الناس أن يختاروا غيره، خليفة لهم، فأبوا وخوفوه الفتنة واختلاف المسلمين، وأنهم اجمعوا عليه، لا يرون سواه ولا يريدون سواه. لقد وضعوه أمام خيارين لا ثالث معهما: أن يقبل الخلافة أو... أن يذهب المسلمون إلى المجهول الذي لا يعلمه إلا الله، لكنه في كل الأحوال خطير على الإسلام والمسلمين. هذا هو إذن الخيار الصعب: بين الله وبين نفسه وبين المسلمين.
وقبل علي ولم يكن لمثله أن يرفض. قبل المهمة على صعوبتها في تلك الظروف العصيبة العاصفة.
وفي اليوم المحدد للبيعة، صعد المنبر فقال فيما قال في أول خطبة له قبل أن يبايع الناس: (... ألا وأنه ليس لي دونكم إلا مفاتيح مالكم معي، وليس لي أن آخذ درهماً دونكم...).
فلن يكون مع علي الذي يبايعونه اليوم خليفة إلا مفاتيح بيت مال المسلمين، لا يأخذ درهماً ولا يختص بدرهم، لا له ولا لأهله. لقد بقي يختم على جراب يضع فيه كسر الخبز أو دقيق الشعير الذي يأكل منه.
هذا هو خليفتهم منذ اليوم. لا يطمعون فيه بغير الحق، ولكن لا يخشون منه أن يميل إلى غير الحق، وهو أول من يأخذ به ويطبقه على نفسه.
لكن هذا الحق لا تطيقه قريش ولا تؤمن به ولا تريده، فالحكم عندها سلطان ومال ونفوذ، وهي لا تتردد أن تقاتل من يحاول أن يسلبها السلطان والمال والنفوذ.
قال كعب بن عمير: هل تعرف يا أبا حنظلة كم يملك طلحة؟
قال الربيع: أعرف.
قال كعب: والزبير؟
قال الربيع: أعرف أيضاً، لو وزعت أموال طلحة والزبير على فقراء أهل المدينة لقامت بمؤنتهم.
قال كعب: وابن العاص؟
قال الربيع: سلخ ثلاثة اقراء كبيرة ونفخ جلودها وحشاها ذهباً.
وحين أراد كعب أن يسأل عن آخرين، منعه الربيع قائلاً: إذن تتعب وتتعبني معك. لقد أصبحت قريش وبنو أمية خاصة، ومن معهم من أنصار وحلفاء، طبقة جديدة يأتيها المال من الحكم أو بواسطة الحكم، ومع المال، السلطان والنفوذ والجاه ).
وهذا ما يفسر غضب قريش وثورتها وهي تتلقى نبأ مبايعة علي خليفة. لقد استأثرت بالحكم زمناً ليس بالقصير، وهي لا تريد أن تتنازل عنه أو تشرك أحداً فيه.
هي تعرف أن علياً لن يسمح لها بأن تتخذ من الحكم وسيلة للإثراء على حساب الآخرين أو ظلمهم والاعتداء على حقوقهم أو التميز عنهم بأي شكل من أشكال التميز، لا أحد عنده فوق أن يؤخذ الحق منه، ولا أحد دون أن يؤخذ الحق له. فيم علوية... وفيم قرشية، ما أبعد بينها رغم النسب!!
وهذا يضاف إلى حقد سابق على علي الذي وترها بأب أو ابن أو أخ أو قريب، إنها لا تنسى ثأرها عنده.
قال أحد القرشيين لصاحب له من غير قريش: لكم قتل علي من قريش! إنها لا تغفر له ولا تحبه، ولا تزال تطالب بالثأر منه حتى يشفى غيظها ويبرد حقدها، ينشأ عليه الصغير ويشيب الكبير.
قال صاحبه: ولِمَ؟! أكان علي قد قتلهم لخصومة أو عداء له معهم؟! أكان قتله لهم في غير الحق؟! لقد قتلهم كفاراً في حروب نشبت بين الإسلام وأعدائه، وكانوا هم من هؤلاء. ألم يكن النبي نفسه هو الآمر والقائد، وبأمره يأتمر المسلمون، وكل شيء منوط به؟! أتستطيع أن تنكر ذلك أو تشك فيه؟ فهل ستكرهون النبي وتحقدون عليه؟! ربما! أذنب علي أنه كان شجاعاً واضحاً مستقيماً لا يعرف المهادنة في دين الله، ولا المساومة عليه كالآخرين: بين جبان ومخادع، ومن كان يخطط للحكم مستقبلاً.
قال الأول: والله لقد أصبت، لمَ لم يفعل كما فعل الآخرون ممن تعرف؟! لم يحاربوا ولم يقاتلوا ولم يقتلوا أحداً من قريش فأمنوا كرهها. كانوا حين تقوم الحرب ويشتعل القتال، يتوارون أو يبعدون عن ساحته فلا تسمع لهم صوتاً ولا تحس مكاناً.
قال الثاني: والله لقد كنت أحسب بلاء علي وذياده عن الإسلام، ومواقفه وهو يرد المشركين عن النبي ويحميه بنفسه، مما يوجب الفضل لعلي ورفع منزلته بين المسلمين؛ هل نسيت بدراً وأحداً والخندق. الخندق حيث لا يستطيع مسلم أن يضع شيئاً غير أن يضع يديه على أذينه حتى لا يسمع ابن عبد ود وهو يرفع صوته بالتحدي وطلب المبارزة، ولا النبي وهو يطلب من أصحابه الرد على ابن عبد ود؟! من الذي أزال عن النبي غمّه؟! من الذي دفع عن المسلمين تحدياً كان سيضع إيمانهم في الميزان؟! أهو شخص آخر غير علي؟! وهؤلاء الذين يطعنون فيه، أتراهم مسلمين؟! أيمكن لمسلم أن ينحاز إلى كافر قُتل في حرب بين المسلمين والكفار؟! لقد سرّ علي النبي وأسعد المسلمين في ذلك الوقت، وكان سيفه هو الذي مهّد الطريق لأن يتولى من تعرف مناصب لم يكونو ليتولوها لولاه.
وسكت الأول: قليلاً قبل أن يجيب: هذا رأيك لا رأي قريش.
ويمكن أن يضاف إلى الأسباب السابقة، سبب قلما يذكر حين يتناول الحديث العلاقة بين علي وقريش وبغضها له؛ ذلك أن الكثيرين من رجال قريش كانوا يغارون من علي، ذي النسب القصير، وهو غاية الفخر عند العرب. فهو ابن أبي طالب، وإن صعدت، فابن عبد المطلب ثم ابن هاشم. وهم لا يملكون آباءً وأجداداً كآباء علي وأجداده ولا قريبين منهم، في عصر الآباء والأجداد والأنساب، وماضٍ يضاف إلى حاضر، ومآثر قديمة تضاف إلى مآثر حديثة وتثقل وزنها.
ثم إن أبا طالب، أبا علي، هو الذي منع محمداً وحماه، ومنع
الإسلام وحماه، ليزيل بعد ذاك، مجد قريش وسلطانها. وهذا ما لا تنساه قريش.
الفصل الرابع عشر
طلحة والزبير
في إحدى غرف بيت الزبير الكبير في المدينة، كان اثنان قد استسلما لحديث طويل.
قال طلحة موجهاً كلامه للزبير: ألا ترى يا أبا عبدالله أننا تسرعنا في بيعتنا لعلي بالخلافة، وكان يسعنا ما وسع أصحابنا الذين امتنعوا عن بيعته. أو أن نتربص وقتاً آخر نكون فيه أقدر وأوفر حظاً للفوز بما نريد، ولم يكن علي ليجبرنا وقد أبى بيعته سعد بن أبي وقاص وزيد ابن أرقم وكعب بن مالك وعبد الله بن عمر وأبو سعيد الخدري وغيرهم، فلم يجبرهم وتركهم لشأنهم لم يعرض لهم بسوء. ماذا سنكسب من بيعتنا لعلي؟ ما أظننا إلا سنخسر، وسنخسر كثيراً.
قال الزبير: وأنا والله أشد منك كرهاً وأكثر لنفسي لوماً لإسراعنا إلى بيعته، طائعين غير مكرهين. ما كان يضرنا لو تريثنا فلم نعجل، أو أبينا البيعة، شأن الآخرين ممن ذكرت، فعملنا فيما بعد، ولا بيعة في أعناقنا ولا عهد يمنع خلافنا عليه؟
قال طلحة: دعنا مما فات ولنفكر فيما سنفعل للانقلاب على هذا الذي سنحمد الله لو ترك لنا أموالنا التي جنيناها في زمن عثمان.
هل سمعت ما قاله في ثاني يوم من أيام خلافته، إنه سيرد إلى بيت مال المسلمين، كل ما أقطعه عثمان أو أعطاه بغير حق
وهل كانت أموالنا ثمرة كدّ وجهد منا؟
إننا لن نطمع في حكومة ابن خالك بأكثر من أن نتساوى مع أي واحد من المسلمين، لا فضل ولا امتياز ولا قربى، ليس أحد أقرب من أحد وليس أحد أبعد من أحد. المسلمون كلهم عنده سواء...
____________________
وهذا نذير شؤم، فما أظنه سيقف عند قطائع عثمان وعطاياه، وإن كانت البداية من هنا. ما أظنه إلا سيتجاوز هذا إلى كل مال أخذ بغير حق في زمن عثمان أو زمن غيره.
أين سنكون نحن عند ذاك؟ هل يرضيك يا أبا عبد الله أن يكون ابن عمة رسول الله وزوج بنت أبي بكر كواحد من هؤلاء المسلمين؟
قال الزبير: إنك تحدثنی وكأنني لا أعرف علياً. هلاّ لمت نفسك وأنت تصر على أن نذهب إليه بعد بيعتنا له مباشرة، لطلب ولاية البصرة والكوفة، فنصحتك ألا تفعل أو أن تتريث في ذاك، فأبيت إلا الذهاب، وطاوعتك حين رأيت إصرارك. ألم أخبرك بأنه لن يفعل، فهو يعرف أننا لا نطلب ولاية البصرة والكوفة إلا للامتناع بهما وإعداد العدة لحربه، بعيداً عنه، لكأنه كان عالماً بما في نفوسنا وهو يجيبنا: ( لا أشرك في أمانتي إلا من أرضى دينه من أصحابي، ومن قد عرفت دخيلته ). لقد كان ذلك خطأ آخر منا بعد خطأ البيعة.
وكان طلحة والزبير قد ذهبا إلى علي بعد توليه الخلافة وطلبا منه أن يولي أحدهما البصرة والآخر الکوفة لقاء بيعتهما له.
قال طلحة: أظننا نستحق ما نحن فيه، إنه جزاء مافعلناه بعثمان. لقد حرضنا عليه وتآمرنا وشاركنا في قتله، مع أن ما نملك إنّما جنيناه كله أو أغلبه، في حكمه. ليت حكمه دام لنا!
أليس هناك من عثمان آخر وشورى أخرى وابن عوف آخر؟ هل تذكر يا أبا عبد الله ما حصل في الشورى؟ هل تذكر ابن عوف وهو يساوم علياً وعثمان، فرفض علي المساومة وقبلها عثمان فانحاز إلى جانبه وبايعه خليفة. لقد كان علينا أن نعرف علياً منذ ذلك الوقت، وأن المساومة غير ممكنة معه.
قال الزبير: الحق معك يا أبا محمد. لقد ذكرتني ما لم أنس، كنا يومها مختلفين؛ كنت مع علي وكنت أنت مع عثمان. لكم أسفت لما وصلت إليه الأمور بين عثمان وبين عبد الرحمن. لقد بلغ الخلاف بينهما حداً لم يبلغه بين اثنين، حتى قال عبد الرحمن وهو يخاطب عثمان: ( يا ابن عفان، قد صدقنا عليك ما كنا نكذب فيك وإني استغفر الله من بيعتك ) وحتى أنه لم يكلمه حين أتاه عثمان عائداً في مرض ألمّ به. ثم لم يكلمه حتى مات.
قال طلحة: رحم الله الاثنين، ولنعد إلى ما كنا فيه وكيف ستجري الأمور بيننا وبين هذا الذي ابتلينا ببيعته؟ إنّي أفضل الإسراع في إعلان استقالتنا منها.
قال الزبير ضاحكاً: كإسراعنا في الركض إليها. إنّك مسرع دائماً يا أبا محمد. لنفكر جيداً حتى لا نخطئ في التخلص من البيعة كما أخطأنا في الدخول فيها. ماذا سنقول للمسلمين وقد بايعنا علياً على ملأ منهم في المسجد وكلهم حاضرون شاهدون؟
وكان قد مضى وقت طويل على اجتماع طلحة والزبير، ولم يخرج أي منهما، ولم يعرف عبد الله بن الزبير ما انتهيا إليه في شأن الموقف من علي. فدخل عليهما وهو يتصنع الضحك قائلاً: أرى النجوى قد طالت بين أبي وعمي. إني لأرجو أن يكونا قد وصلا إلى اتفاق بشأن ما اجتمعا له. ثم تابع أهناك ما يدعو إلى الخوف والقلق وطول البحث؟ لقد مضى وقت وأنتما في هذا الاجتماع.
قال طلحة: لا، لا شيء من ذاك، لكننا كنا نفتش عن عذر نتعلل به أمام المسلمين من بيعة سبقت منا لعلي، وهم كانوا شهوداً فيها.
قال عبد الله: أو هذا ما يشغلكم؟! وما شأن المسلمين بهذا؟!
الخلافة والحكم شأن قريش، قريش وحدها، وليس لأحد غيرها نصيب ولا رأي ولا قول فيه. ما أيسر الأمر الذي كنتم تناقشونه! أهناك أسهل من أن تقولا: لقد بايعنا مكرهين والسيف فوق الرأس هددونا بالقتل إن لم نبايع، وليس على مكره بيعة. ماذا فعل المسلمون قبل اليوم لتخافوهم اليوم؟ ألم يقل عمر للنبي نفسه، وأنتما تعلمان (إنه ليهجر) ثم تولى الخلافة بعده؟ ماذا صنع المسلمون؟ هل منعه قولهُ ذاك أن يصبح خليفة لهم؟ هل حاسبه أحد أو حال دون توليه الخلافة أحد؟ أكان علي أكبر وأجل قدرا وأعلى منزلة من النبي؟
ألم يقل النبي في حق علي يوم غدير خم وعلى ملأ من المسلمين أكبر ممن كان يوم بيعتكما لعلي، وكنتما بين الحاضرين الشاهدين: (من كنت مولاه فعلي مولاه...) ثم استبعد علي وترك أمر النبي، ولم يستطع أحد من المسلمين أن يمنع ذاك. إنكما إن أحكمتما أمركما واسترحتما من علي، فستمتلكان كل الوسائل لإسكات من يعترض أو يرفض، لن تجدا صعوبة فيه، كما لم يجد صعوبة فيه من كان قبلكما. هذا هو الرأي وليس غيره، وليس أسهل منه؛ لقد اشغلتما نفسيكما فيما لا يشغل بمثله.
قال طلحة وكأنه وجد ما طال تفتيشه عنه: والله إنه الرأي الذي لا رأي بعده، ولا أدري كيف غاب عنا. هلا كنت معنا منذ دخلنا فجنبتنا ما كنا فيه من قلق وهم وطول بحث، ثم التفت إلى الزبير وعلائم الرضا والسعادة بادية عليه: ما أصوب ما ذهب إليه ابنك يا أبا عبد الله! أين كنا عنه ونحن نخوض في الأمر منذ دخلنا مشرقين ومغربين دون أن نهتدي إليه. ألم أقل لك إن لدى الشباب من حدة الذهن ونفاذ الرأي ما لا يملكه الشيوخ أمثالنا؟!
قال الزبير: ليس ذلك كثيراً على ابن أسماء. هل تعلم يا أبا محمد أن كرهه لعلي يفوق كرهنا له مجتمعين؟ والله ما أظن حالته زادت عليه في كرههاً علياً.
قال عبد الله وهو يصوب بصره بعيداً: إلى أين المفر الآن يا ابن أبي طالب؟ معاوية في الشام والزبير وطلحة ومعهما أم المؤمنين سيكونون قريباً في العراق. ماذا بقي لك؟! حان الوقت لنثأر منك ونلعب بك ونروي الأرض من دمك ودم أصحابك، ثم تابع بصوت حديد ولهجة منكرة، وهو يوجه كلامه إلى أبيه وطلحة: والله إني لأبغض علياً وأبغض أباه أبا طالب وأبغض عبد المطلب وأبغض هاشماً ومن أنجب ومن نسل. والله إني لأبغض حتى جدتي صفية بنت عبد المطلب. والله لو استطعت لاستأصلت كل الهاشميين ولما تركت هاشمياً يمشي على وجه الأرض.
قال الزبير: قف هنا ولا تبلغ حد الكفر.
وكان عبد الله بن الزبير حين بويع له بالخلافة فيما بعد، قد ترك الصلاة على النبي مدة أربعين يوماً قائلاً إن له أهيل سوء يشمخون بآنافهم إن ذكرناه - يعني النبي - ولم يعد إلى الصلاة عليه إلا بعد أن خوّفه أصحابه عاقبة ذلك، وهو يحارب أعداءه الأمويين. قال طلحة وهو ينهض للخروج: إذن لم يبق أمامنا غير الجد والاسراع فيما اتفقنا عليه، وكتمان الأمر عن كل أحد حتى لا ينكشف ونحن بعد في المدينة، وعند الباب شد على يد عبد الله قائلاً: لا حرمنا الله من سديد رأيك يا ابن أخي.
وفي اليوم التالي تكرّر اللقاء ولكن في بيت طلحة هذه المرة.
قال محمد بن طلحة وهو يسرع إلى أبيه: إن أبا عبد الله بالباب.
قال طلحة: أبو عبد الله: الزبير تعني.
قال محمد: ومن يكون إذن غير عمي الزبير.
قال طلحة: والله ما جاء به إلا أمر، وكنا بالأمس معاً في اجتماع طويل؛ لابد أن شيئاً مهماً استجد جاء ليخبرنا به. وقام فلبس ملابسه واتجه نحو الباب يستقبل الزبير الذي كان قد دخل.
قال طلحة وهو يقود الزبير إلى إحدى الغرف: إنه لأمر، هذا الذي جاء بأبي عبد الله في مثل هذه الساعة.
قال الزبير: أي والله إنه لأمر، لكنه سار، لم أستطع أن أنتظر به حتى الغد.
وحين اطمأن بهما المجلس أخرج الزبير من كمّه كتاباً دفعه إلى طلحة قائلاً: هذا هو الذي جاء بي، اقرأ ما فيه.
كانت إمارات السعادة ظاهرة عليه وهو يدفع الكتاب إلى طلحة وقرأ طلحة: (من معاوية للزبير أمير المؤمنين. قد أخذت لك البيعة من أهل الشام لك ولطلحة من بعدك، فدونك البصرة والكوفة لا يسبقك ابن أبي طالب).
قال طلحة بعد أن انتهى من قراءة الكتاب: والله إنها لبشرى جاءت في أنسب وقت. لم يبق لنا عذر في الإبطاء. سيعرف علي ثمن رفضه ولاية البصرة والكوفة. سيعرف قريشاً حين تجتمع وتتوحد. هل أبلغت السيدة عائشة بذلك وبأننا على وشك اللحاق بها في مكة.
قال الزبير: لا، ليس قبل أن أطلعك عليه. أتراني أبلغ أحداً به قبل أبي محمد. أما عن لحاقنا بالسيدة عائشة فإن الرسل، كما تعلم، لم تنقطع بيننا وبينها، ثم أردف: لكنني لا أثق بمعاوية يا أبا محمد. لا آمن مكر ابن أبي سفيان فهو امرؤ لا عهد له ولا وفاء، وهو مثلنا يطلب الحكم ويريده لنفسه ويقاتل عليه. هل تدري لم أرسل هذا الكتاب، وماذا كان يدور في رأسه قبل أن يكتبه؟ لكأني أراه الآن وهو يقول لنفسه: ها هي فرصتي سأضرب خصومي بعضهم ببعض: يقتل أحدهم الآخر، وأكون قد تخلصت من أحدهم في كل حال. ومن خرج منهم منتصراً فسيخرج ضعيفاً قد استنفدت الحرب قواه وأنهكها طول القتال. وستكون الأحقاد قد فرقت الباقين من الجيشين، بين موتور من هؤلاء وموتور من أولئك وسأكون الرابح الوحيد. أليس هذا ما كان يدور في رأس ابن أبي سفيان، ولست أعرف به منك؟!
قال طلحة: مالك يا أبا عبد الله! رجل يأخذ لك البيعة من أهل الشام يريد نصرك، وهو يكره علياً أكثر ماتكره. أهذا وقت تشكيك أم تشمير للأمر وجدّ فيه! قال ذلك وهو يكلم نفسه: لا والله لن أدعها للزبير، لن يكون خليفة وأكون ولي عهد. ما يدريني ماذا سيفعل بعد ما يتولاها؟ أليس من الجائز أن يعهد بها إلى ابنه ولن أستطيع منعه عند ذاك، وهو يملك كل شيء ولا أملك شيئاً. ثم أكنت في سن ابنه حتى أنتظر دوري في الخلافة بعده؟
وبعد ساعات كان عبدالله بن الزبير في طريقه إلى مكة ومعه كتاب من طلحة والزبير إلى السيدة عائشة، يدعوانها فيه لإكبار قتل عثمان، واتهام علي به والتحريض عليه، وأنهما قادمان إلى مكة، ومنها إلى البصرة.
الفصل الخامس عشر
السيدة عائشة، المسير إلى البصرة
مكة تبدو مضطربة على غير عادتها، نشاط ريب في كل زاوية منها. سلاح يدخل وسلاح يخرج. طلحة والزبير وصلا قبل أيام، وهما لا يكفّان عن عقد الاجتماعات ولقاء هذا أو ذاك من وجوه الناس وأصحاب النفوذ والمال، وقد انضم إليهما عدد من كبار الأمويين، شيء ما. شيء خطير يبدو قريب الوقوع.
وما أسرع ما سارت الأنباء بأن السيدة عائشة؛ ومعها طلحة والزبير وآخرون على وشك المسير إلى البصرة للاستيلاء عليها ومقاتلة علي.
وكانت هذه الأنباء تحمل معها الخوف والحزن والقلق. وتساءل المسلمون عما تريده السيدة عائشة من خطواتها تلك؟! إنها ستهز دون أي شك، وحدة المسلمين وتثير بينهم فتنة لا تنطفئ نارها أبداً.
وكان أهل المدينة أشد الناس خوفاً وقلقاً من هذا الخروج فهم يعرفون السيدة عائشة جيداً، ويعرفون حبها للسيطرة والتفرّد وحقدها العميق القديم لعلي.
وها هي تتجه إلى البصرة ومعها أشخاص يشاركونها الحقد على علي والرغبة في التخلص منه، وجيش كبير يبلغ ثلاثة آلاف رجل وستمئة بعير، غير من سينضم إليهم في البصرة أو قبل الوصول إليها، وكانت السيدة عائشة قد كتبت إلى رؤوس القبائل هناك، تنعى إليهم عثمان وتتهم علياً بقتله وتطلب منهم ترك علي والالتحاق بها.
وفي بيت عبيد بن أبي سلمة الليثي، كان بعض الحاضرين يتناقشون في هذا الأمر الذي آثار دهشة المسلمين واستغرابهم، وعبيد هذا هو أول من أخبر السيدة عائشة، وكانت في طريق عودتها من مكة إلى المدينة، بمقتل عثمان وتولي على الخلافة.
قال عبيد معبّراً عن دهشته واستغرابه: ما للسيدة عائشة دون نساء النبي جميعاً لا تهدأ ولا تستقر على حال؟! ألم تكن حتى الأمس القريب تحرّض على عثمان وتدفع بالناس إلى قتله؟! أليست هي التي كانت تقول: (اقتلوا نعثلاً فقد كفر)! أهناك أكبر من الكفر يتهم به المسلم، أي مسلم، فضلاً عن خليفتهم؟! وها هو قد قتل كما أرادت وحرّضت، فما لها اليوم تحرض على علي وتطالب المسلمين بحربه وتتهمه بقتل عثمان الذي لم يقتله غير تحريضها عليه، وتحريض واشتراك بعض من يرافقونها وأولهم طلحة؟! إني لأستغرب أمر هذه المرأة التي كنا نريدها أداة إصلاح وسلام بين المسلمين إذا اختلفوا، فإذا بها أداة الخلاف بينهم ومثيرة الفتن ومشعلة الحروب؟! أكان النبي أوصاها بذلك قبل أن يموت؟!
آه لو رأيتموها وأنا انقل لها خبر مقتل عثمان، كيف بدآ عليها السرور! حتى إذا أخبرتها بتولي علي الخلافة بعده، كيف انقلبت فجأة وتبدل ذاك السرور غضباً عارماً، ثم انفجرت بالسب واللعن لعلي ومن ناصره ومن سعى في بيعته. لقد بايع المسلمون علياً باختيارهم ورضاهم. لم يطلب البيعة ولم يسعَ إليها، عرضوها عليه فرفضها أكثر من مرة، وكان راغباً عنها؛ فأصروا وحمّلوه تبعة ما يمكن أن يحصل للمسلمين أن هو أصر على رفضه ولم يقبل. وحين تمت له البيعة لم يكره أحداً عليها، حتى أن بعض الصحابة رفضوا أن يبايعوه، فلم يعرّض لهم بشيء ولم يطلب منهم أن يدخلوا فيما دخل فيه المسلمون، وبين هؤلاء سعد بن أبي وقاص الذي کان مرشحاً للخلافة بعد عمر، مع طلحة والزبير، وعبد الله بن عمر.
ما الذي أنكرته من علي؟! سابقته، بلاءه، فضله! أذنبه أن يكون أبوه أبا طالب وجده عبد المطلب، وليس لأبيها أب كأبيه ولا جد كجده؟! ألم يكن علي فارس المسلمين في جميع حروبهم مع المشركين؟! ألم يكن علي فارس أُحد وواحداً من أربعة أو خمسة ثبتوا مع النبي فيها ودافعوا عنه وحالوا دون وصول المشركين إليه وقتله، يوم لم يكن لأبيها ولا لغير أبيها ذكر ولا موقف؟!
قال أحد الحاضرين: لكنها كانت تطمع أن يكون الخليفة ابن عمها طلحة بن عبيد الله بعد ما يقتل عثمان، فلما صار الأمر إلى علي الذي لا تطيق حتى ذكر اسمه، أنكرت كل ما كانت تقوله سابقاً عن عثمان لتعصب نقمتها على علي وتتهمه بقتل عثمان وتهاجم وتحرض عليه أشد وأعنف ما يكون الطعن والتحريض.
قال عبيد بلهجة قوية واضحة: وما ذنب علي في ذاك؟ ماذا بيده أن يفعل؟! هل منع المسلمين من مبايعة طلحة، أو منع طلحة أو أي مسلم سواه، أن يرشح نفسه للخلافة؟!
ما لها تقود الجيوش من مكة إلى البصرة لتشعل الحرب بين المسلمين، وهي تعلم أن لن يصيبها شيء، ولن تخسر شيئاً، وأن الخاسر غيرها في جميع الحالات. لن تطحن الحرب غير هؤلاء المساكين المضللين الذين تأبى عليهم شيمهم أن تقتل زوجة النبي بينهم، سيستميتون في الدفاع عنها دون أن تخسر هي شيئاً لو انتهت الحرب على غير ما تشتهي.
قال آخر: يقولون إنها ذهبت إلى البصرة من أجل الإصلاح.
قال ذلك بأسلوب ساخر وصوت خفيض ورأسه ينحني قليلاً إلى الأرض.
قال عبيد وقد ارتفعت نبرة صوته: إصلاح من؟! هل كانت في البصرة ثورة أو قتال أو شيء قريب منهما فذهبت لإصلاحه؟!
هل يكون الإصلاح بثلاثة آلاف رجل، ستمئة منهم على ستمئة بعير بكامل أسلحتهم؟! هل سمعتم عن مصالحة يقوم بها ثلاثة آلاف؟ ذلك جيش للحرب لا للمصالحة، أكان صعباً على السيدة عائشة، لو كان هناك فعلاً ما يستوجب المصالحة، أن تجد اثنين أو ثلاثة من خيار المسلمين المقبولين لدى جميع الأطراف وتذهب بهم إلى البصرة، بدلاً من جيش كامل تقوده بحجّة المصالحة؟!
قال آخر: هل نسيتم حديث الإفك واتهام السيدة عائشة بما اتهمت به مع صفوان بن المعطل؟ ربما كان موقفها من علي رداً على موقفه منها في تلك الحادثة المشهورة.
قال آخر مجيباً؟ وماذا كان موقفه منها ليكون سبباً فيما تحمله عليه من حقد؟ لقد كان أخف المواقف في هذه الحادثة التي لم يبق أحد من المسلمين لم يخض فيها. فلم الحقد على علي وحده؟ أنسيتم حسان بن ثابت شاعر النبي والمؤيد بروح القدس؟ ومسطح بن أثاثة: ابن خالة أبي بكر؟ و... ألم يرجعها النبي نفسه إلى بيت أبيها رافضاً بقاءها معه وفي بيته؟ ماذا تريد أن يكون موقف علي، وهو يرى الكثيرين من المسلمين والمنافقين يتحدثون ويسخرون في السر والعلن، ويستغربون، لا من فعل السيدة عائشة وحدها، بل من سكوت النبي وهو يرى ويسمع ما يخرص فيه الناس من أمر زوجته، وكأنه راضٍ بما فعلت. أكنتم تريدونه أن يسمع ويسكت، دون أن يكون له موقف في قضية خطيرة تهم النبي وستنعكس آثارها على الإسلام كله؟ ماذا فعل غير أن قال حين استشاره النبي في أمرها إن النساء لكثير وإنك قادر على أن تستخلف، أرسلها إلى بيت أبيها.
لم يتهمها كما اتهمها الآخرون، ولم يطعن فيها ولم يزد كلامه على الحد الأدنى في قضية كهذه، ليخرس الأصوات التي بدأت تتعالى وتنتشر هازئة بهذا النبي الذي يقبل بما لا يقبله أي رجل، لا نبي. لقد كان النبي ومقامه أهمّ عند علي وعند المسلمين كافة، من السيدة عائشة.
ولو لم يبرئها الله فيما بعد، أكنتم ستبرئونها؟! امرأة تخرج لقضاء حاجتها في الليل، غير بعيد عن جيش المسلمين، وفيهم النبي نفسه.
ولابد أنها كانت أولهم علماً بأمر الرحيل الذي لا يستطيع أحد أن يتصرف فيه ويحدده غير النبي، زوجها الذي معها في خباء واحد.
ويتحرك الجيش استعداداً، للرحيل، بين من يجمع متاعه وبين من يحزمه على ظهر جمله، وبين من يذهب هو أيضاً لقضاء حاجته، في حلية ونشاط ورواح ومجيء ككل جيش عندما يريد أن يتحرك. كل ذلك يجري أمامها فلا تنتبه ولا تنهض ولا تسرع ولا تصيح على الأقل، لتنبه الآخرين حتى لا يتركوها، إن لم تكن قد قضت حاجتها بعد. وحين تفرغ من قضاء حاجتها وتقوم لتلتحق بالناس تفتقد عقدها فتبقى تجوب الطريق بحثاً عنه في الليل. ويطول بحثها عنه حتى يتحرك الجيش ويغادر المكان؛ عند ذاك فقط تعود فلا تجد أحداً، كأنهم لم يكونوا على مرأى ومسمع منها، وكأنها لا تعلم بموعد رحيلهم، وكأنها لا تحس حركتهم ولا تسمع أصواتهم منذ بدؤوا يتهيؤون إلى أن ارتحلوا، وهم ليسوا بعيدين عنها، في أرض منبسطة لا يحجب الرؤية فيها شيء.
ألم تر النيران وهي تضعف وتخف لاقتراب موعد الرحيل؟!
أتراها ذهبت لقضاء الحاجة ککل الناس، من رجال ونساء، أم ذهبت في سفر إلى مكان بعيد؟ كم لزمها التفتيش عن عقدها الذي لم يسقط إلا تلك الليلة، من وقت؟ إنه لم يسقط إلا بين مكان قضاء حاجتها وبين المكان الذي خرجت منه حيث يقيم الجيش، وهو ما لا يتجاوز في أي حال العشرين أو الثلاثين أو حتى الخمسين متراً.
أكانت الخمسون متراً في الصحراء تمنع الرؤية لمن كان على هذه المسافة، ونيران المسلمين يراها من هو أبعد، وأصواتهم يسمعها من هو أبعد؟ أكانوا كلهم خرساً لا ينطقون؟ يقومون ساكتين، ويتحركون ساكتين، ويجمعون متاعهم ساكتين ويقيمون إبلهم ساكتين؟ ويسأل بعضهم بعضاً ويتحدث بعضهم إلى بعض بالإشارات؟ حتى الإبل، لا رغاء لها ولا صوت!!
ألم يعلمها النبي بوجوب استعدادها للسفر، وهي زوجته وأقرب الناس إليه وأولى أن تعرف موعد السفر قبل الآخرين ولم تكن بعيدة عنه؟! أم تراه اتخذ قراره وبلغ جميع المسلمين، من كان قريباً ومن كان بعيداً، من كان مستيقظاً ومن كان نائماً، بعد ما ذهبت السيدة عائشة لقضاء حاجتها فقاموا وجمعوا متاعهم وركبوا إبلهم وساروا، وهي بعد لم تقضي حاجتها!! كم يأخذ قضاء الحاجة عند الإنسان؟! وكم كانت المسافة بين المكان الذي قصدته لقضاء حاجتها وبين المكان الذي كانت فيه؟!
أأكثر من بضعة أمتار خصوصاً في الليل، تسترها عن الأنظار؟! ثم ألم تخبر النبي بأنها ذاهبة لقضاء حاجتها ليتأكد من عودتها قبل رحيل الجيش؟!
وحين أراد المكلفون من المسلمين بأن يضعوا هودجها على ظهر الجمل، ألم يشعروا بأن الهودج خال لا أحد فيه؟! أكانت عديمة الوزن عديمة الحركة؟! أكان الهودج من حديد مصفح لا يرى من فيه ولا يميل جانب منه حين يرفعه المكلفون برفعه ووضعه على ظهر الجمل؟!
كل ذاك لابد أن يفكر فيه الإنسان وهو يسمعه، كما ترويه السيدة عائشة نفسها أو كما يرويه من ينقله عنها، دون أن يضيف إليه شيئاً من خياله. إن السيدة عائشة لم تذهب لقضاء الحاجة، وإنما ذهبت لغير هذا، إلى مكان بعيد سبق الاتفاق عليه وعلى موعده.
ألا يكفي أن النبي نفسه هجرها وأرسلها إلى بيت أبيها؟
هذه هي الظروف التي أحاطت بحادثة الإفك. والله لو لم يبرئها الله لما برأها أحد من المسلمين. أمّا بعد أن برأها الله فليس لمسلم أن يشك في براءتها، وليس لمن برأه الله من متهم، لكنني أتحدث عما قبل ذاك.
وبدا وكأنه قد استراح من هم كان يثقله بعد أن انتهى من حديثه الطويل، في عرض موضوعي نزيه كما يقولون في هذه الأيام.
قال عبيد: وهذا ما يعزز رأيي ويدعمه. فما دام المسلمون غير علي قد اتهموا السيدة عائشة، وما دام النبي نفسه لم يبقها في بيته، فلمَ هذا الحقد على علي وحده من بين الجميع؟!
قال الآخر: لقد كان حقد السيدة عائشة أسبق بكثير من حادثة الإفك ورأي علي فيها، ربما كانت السبب الذي فجر ما تراكم من حقد قديم لدى السيدة عائشة على علي. أنسيتم أنه زوج بنت ضرتها خديجة التي كانت أفضل مكان من قلب النبي، وكانت عائشة لا تذكرها إلا بما يسوء النبي ويسوء ابنتها زوجة علي وأم أولاده، لم تترك غيرتها منها وهي ميته، ولم تحترم ما قدمته للإسلام من جليل الأعمال، حتى نهاها النبي أكثر من مرة، وحتى قال لها بكلام صريح إن خديجة أفضل منها، مذكراً إياها بما للسيدة خديجة من يد عليه وعلى الإسلام. ثم - وهذا هو الأهم في رأيي - إن السيدة عائشة لم تنجب للنبي ولداً، إذ كانت عاقراً، فانحصر نسل النبي في أولاد علي من فاطمة، وهذا في ذاته كافٍ لأن يشعل الحقد عند واحدة كالسيدة عائشة.
وإلى كل ما تقدم فهل يمكن أن تفعل ما كان يتمتع به علي من منزلة لدى النبي، لا بوصفه ابن عمه وزوج ابنته الوحيدة وأبا سبطيه، وهي أسباب كافيه لأن يقربه النبي وأن يختلف شعوره نحوه عن شعوره نحو أيٍّ من أصحابه، ولكن لأسباب ذاتية لم تجتمع عند غير علي، أي من الصحابة له سابقته وشجاعته وزهده وبلاؤه وفهمه ودينه وعدله؟
أي مؤقف يعدل موقف علي في بدر وأحد والخندق وخيبر، وكل واحدة من هذه، كانت حاسمة في تاريخ الإسلام ومنعطفاً خطيراً في مسيرته؟!
كيف تطيق السيدة عائشة علياً وهي لا تطيق حفصة، ضرتها المفضلة وموضع سرها! لقد كانت تتآمر وتحوك الدسائس حتى على حفصة بنت عمر وتحاول أن تثير المشاكل بينها وبين النبي، مع أن حفصة كانت دائماً في صف عائشة التي جعلت من بيت النبي مسرحاً للنزاع والعراك، ومن نسائه فريقين لا يكفان عن الاقتتال. طبع فيها لا تستطيع التخلص منه، وحب للاستئثار والتسلّط لازمها طول حياتها وكلّف المسلمين غالياً.
الفصل السادس عشر
يوم اغتيل الإسلام
في فجر يوم ١٩ رمضان طار نبأ مروّع من مسجد الکوفه أقلق الناس وأفزعهم في کل مکان: لقد طُعن الإمام - وهذا هو الاسم الذي أطلقه عليه المسلمون وعرفوه به - عند صلاة الفجر. طعنه أحد المجرمين: عبد الرحمن بن ملجم، أثناء الصلاة.
وذُهل الناس، أذهلهم النبأ، لم يريدوا أن يصدقوه. كانوا قد ودعوا الإمام منذ ساعات. لقد قسم عليهم، بعد الانتهاء من صلاة العشاء، حقوقهم وأرزاقهم في بيت المال، ثم كنسه وكنسوه معه، قبل أن ينهض ويطفئ الشمعة، وغادر وغادروا، وراح إلى بيته، يرافقه ابناه: الحسن والحسين.
وبكى أب، ولطمت أم ...، وصرخت عجوز وانتحب شاب. الجميع في حزن عميق، قلوب الجميع وجلة مضطربة، تتمنى وتترقب، وتقرأ الوجوه، لا تريد أن تسمع الباب يطرق، رغم أن عيونها مسمّرة على الباب. إنها تخاف، تخاف القادم أن يحمل النبأ... النبأ الذي لا تطيقه ولا تريده، وتتمنى لو استطاعت أن تبدله بكل ما تملك، وهو قليل فيه.
ومضى يوم ثقيل حزين، الوجوه تلتقي بعضها، لا تتكلم؛ ليست في حاجة لأن تتكلم، تكاد تسمع الصمت.
وأعقبه يوم ثان ثقيل حزين. الإمام لا يرجى شفاؤه. الجرح عميق. لقد نفذ إلى داخل الرأس. الآمال بدأت تضعف، لكن الناس ما يزالون يعللون أنفسهم، ما يزال الأمل يراودهم، ما يقترب حتى يبتعد سريعاً. إنه مجرد أمل، وقلما تتحقق الآمال.
الكبير يبكي فيه أخاه، والصغير أباه، واليتيم كافله ومعيد البسمة إليه، والفقير معيله ومواسي جروحه. لقد كان الإمام كل أولئك للمسلمين، كان أقربهم إلى إنفسهم، يعيش معهم، فإن غاب أو غابوا، عاش همومهم وآمالهم وآلامهم. إنه الإمام، الأخ والأب، إنه... إنه... وبكى الربيع. قال والدموع تنصب على خديه وتخفق صوته: إنه الذي لن يرى الناس مثله.
ومرت الساعات ثقيلة حزينة طويلة. الناس واجمون يترقبون، والخوف هو المتحدث الوحيد بينهم. إنهم يملؤون الشوارع والأزقة مرة أخرى، ولكن، لا للبيعة. يسألون الداخل والخارج، ويتصفحون الوجوه يقرؤون فيها ما يسألون عنه، فهي الآن أبلغ من كل جواب. لم يبق أمل في شفاء الإمام.
وسمع الناس البكاء داخل البيت، لم يحتاجوا إلى من يخبرهم بوفاة الإمام.
وتعالى البكاء خارج البيت، في كل مكان، أكثر مما تعالى داخل البيت.
وصرخ الجميع: لقد مات الذي لن يكون مثله، لقد مات الإمام.
لكن الإمام لم يمت، لن يموت إلا إذا تخلى الإنسان عن طلب المثل الأعلى، إلا إذا تخلى الإنسان عن أن يكون إنساناً.
الفصل السابع عشر
معاوية... مأساة المسلمين التي ستطول
لم يكن أحد من الناس يتصور يوماً أن يرى معاوية خليفة للمسلمين والمتولي لأمورهم. لماذا؟! دين؟! سابقة؟! جهاد؟! أم لغياب من يصلح للخلافة من المسلمين؟!
من واحد من مسلمة الفتح، أو الطلقاء كما سماهم النبي، إلى خليفة للمسلمين؟! كيف حصل هذا؟! ما الذي جرى؟! أية رابطة لمعاوية بالإسلام، ليكون خليفة؟! أيحارب الإسلام والمسلمين ثماني عشرة سنة متصلة، يحرض ويتآمر ويقاتل، لا يترك وسيلة إلا استعملها ولجأ إليها، ثم يكون خليفة لهم؟! أكان معاوية ابن أبي سفيان وابن هند، يحلم هو نفسه بأن يكون يوماً خليفة لرسول الله في أمته، وما كان لمثله أن يحلم بأكثر من أن يعيش آمنا على دمه وماله، ولم يأمن المسلمون على دمهم وما لهم حين كان يستطيع أن يسلبها منهم؟! هل خلت ديار المسلمين من ذوي السابقة والدين والفضل، وهم الذين قاتلوا معاوية وقاتلوا أباه طويلاً على الإسلام، أم تحول الإسلام إلى ملك وقهر وخداع واستعباد، وقيم لا إسلام فيها ولا دين ولا أخلاق؟!
كيف استطاع معاوية أن يتجاوز كل أولئك ويستبعدهم ويتخلص منهم ويصبح الآمر الناهي في شؤون المسلمين؟!
هذا السؤال كان يلح على كعب بن عمير من زمن بعيد. طالما فكر فيه. كان أمامه أكثر من جواب. أجوبة متعددة، يوازن بينها فلا يجد ما يرضيه ويطمئن إليه؛ فقرر أخيراً أن يحملها معه وهو ذاهب بزيارة إلى صديقه الربيع بن حنظلة الذي انقطع في بيته منذ أيام فلم يره. إنه صديقه القريب، ويستحق - أقل ما يستحق - زيارة من صديقه. ربما كان مريضاً؟ ربما كان في حاجة إليه؟ ربما كان يريد أن يفضي إليه بشيء مما يجهله، وهو قريب من الأحداث عارف بها وبأسبابها؟!
كان الربيع قد أبلّ لتوّه من مرض ألزمه البيت. وما كان أشد سروره وهو يرى كعباً داخلاً عليه، ولم يكن كعب أقل سروراً منه.
وجلس الرجلان ...
قال الربيع إيه يا أبا زهير كيف خلفت الناس، فأنا بعيد عنهم كما ترى. لقد ألزمني المرض البيت، لا أخرج منه، فأنا أنتقل من زاوية لأخرى فيه.
قال كعب: كما تعهد، ليس من جديد. إن أيامنا تدور بين السيء والأسوأ.
ما ساءنا يوم إلا ساءنا أكثر منه اليوم الذي بعده. هذه حالنا في حكم معاوية. لكأنه عقاب لنا من الله. بين ابن أبي سفيان وابن العاص وابن سميه، والآخرين ممن تعرف.
قال الربيع: وماذا كنت تنتظر بعد الإمام؟ لقد دفنتم معه، الخير والعدل والفضل. لقد ذهب مع الإمام الزمن الذي لا يطمع فيه القوي، ولا يستبعد الضعيف. ذاك زمان يا عمير لن يعود، لقد اغتالوه، وسالت دموعه وهو ينطق بها، ليضيف بعدها بصوت حزين، وها أنت أمام حكم بني أمية يقودهم معاوية، بكل ما يحمل ويحملون من حقد واستعلاء وطغيان، ووراءهم قريش تدعمهم وتسندهم، ثم هؤلاء المنتفعون والطامعون من الذين يتاجرون في أسواق الضمائر والذمم، هذا هو الحكم اليوم، ماذا كنت تنتظر غير ما رأيت؟! وربما حمدت الله يوماً على ما رأيت فما أظن غدك إلا شراً من يومك.
قال كعب: والله ما أراك يا أبا حنظلة إلا صادق كما كنت دائماً. إن حديث معاوية حديث طويل، من أين بدأته واجهتك الجرائم، لكني أعجب من هؤلاء الذين يزعمون أنه داهية وأنه حليم وأنه جواد. لم يتركوا صفة مما يمدح بها الإنسان إلا أضافوها إليه.
أكان داهية من يحقق الزنا على أبيه ويؤكده بادعاء زياد بن سمية؟!
أين الدهاء في أن يقول الشخص إن أباه كان زانياً؟! أفخر لمعاوية أن يكون أبوه زانياً فاجراً دون خلق ولا دين ولا شرف، مبتذلاً يطوف بين البغايا؟!
وأين الحلم ممن يقتل ألوف المسلمين في أمر يعلم هو قبل غيره أن لا حق له فيه؟!
أحليم من يقتل خيار المسلمين لأنهم رفضوا أن يلعنوا علياً؟!
أحليم من يدفن عبد الرحمن بن حسان العنزي حياً في التراب حتى يموت؟!
أحليم من لا يشفي حقده قتل عمرو بن الحمق فيأمر بأن يطاف برأسه على الرمح بين البلدان، ثم لا يكتفي فيأمر بأن يلقى رأسه في حضن زوجته التي حبسها في قصرة، لترى مأساة زوجها أو مأساة المسلمين بعينيها، لا نقلاً ولا حديثاً ولا رواية؟!
وأين الجود من أفعال معاوية؟! أجواد من يبذر أموال المسلمين فيما يضرهم ويؤذيهم ويسوؤهم؟! أكانت أموال أبي سفيان التي ورثها معاوية فهو يتصرف فيها كيف شاء، أم أموال المسلمين، مؤتمن هو عليها ومسؤول عنها؟!
أكان معاوية جواداً وهو يعطي مصر طعمة لعمرو بن العاص؟!
أكان معاوية جواداً وهو يوزع أموال المسلمين على أهله وحاشيته وأنصاره؟!
أكان معاوية عادلاً وهو يعتزم قتل نصف الموالي، وكان يريد قتلهم كلهم لو لا حاجته إلى النصف الآخر للعمارة والبناء كما اعترف، هو؟! ما ذنبهم؟! ما الذي فعلوه ليستحقوا هذا؟! ألأنهم أصبحوا مسلمين؟! ربما، فكل مسلم يمثل هماً يحمله معاوية. ألأنهم لم يكونوا عرباً؟! فالإسلام جاء للناس جميعاً عرب وغير عرب، لا فضل لأحدهم إلا بما يقدم.
ودع عنك كل هذا وقل لي: أسلم من يقول عن النبي: (... وإن ابن أبي كبشة - يعني النبي محمداً، هكذا كانت قريش تسميه - ليصاح به كل يوم خمس مرات (أشهد أن محمداً رسول الله) فأي عمل يبقى وأي ذكر يدوم بعد هذا...)؟!
أسلم من يشق عليه ويؤذيه ويحزنه أن يسمع (أشهد أن محمداً رسول الله). وهل الإسلام إلا الشهادتان: (أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله).
ماذا تسمي من ينكر الشهادتين ويرفضهما أو ينكر ويرفض إحداهما؟! قال ذاك وهو يديم النظر في الربيع كأنه ينتظر رأيه فيما سمع قال الربيع: هل انتهيت أم بقي عندك ما تقوله؟
قال كعب: بل انتهيت. هل بقي شيء مما يقال بعد؟!
قال الربيع: الكثير الكثير. أراك تعالج النتائج وتترك الأسباب! من منا لا يعرف معاوية، ولا يعرف ماذا سيفعل حين يتولى أمر المسلمين؟! أكان المسلمون يجهلون معاوية؟! لا والله، إنهم يعرفونه كما تعرف وأكثر مما تعرف، ويعرفون من أوصافه أكثر مما وصفت، أليس هو ابن هند التي أكلت كبد حمزة، أسد الله وعم النبي؟! ولم تعرف امرأة قبلها ولا بعدها فعلت فعلها؛ في هذا البيت نشأ معاوية وفي حضن هذه الأم تربى ومن اخلاقها أخذ اخلاقه.
كان الأولى بك إذن أن تسأل عمن أوصل معاوية ومهّد له الطريق. كيف أصبح معاوية خليفة؟! هذا هو السؤال الذي لو وجدت جوابه، لاكتفيت به ولأغناك عما أتعبت نفسك فيه من تعداد جرائمه، وليس ما ذكرت إلا جزأ يسيراً منها.
كان الأولى بك أن تسأل كيف استدرج المسلمون وخدعوا، وأفسدت أخلاقهم، وعطلت عقولهم، وخربت ذممهم حتى استسهلوا أن يكون معاوية خليفة لهم.
قال كعب وقد أثاره كلام الربيع: أي والله، هذا ما لم أفكر فيه. لقد شغلتني جرائم معاوية عن البحث في أسبابها. والله يا أبا حنظلة، إني لمغفل حين أبحث عن أفعال معاوية وأنسی کيف بلغ ما بلغ. قال ذالك وهو ينظر إلی الربيع طالباً منه إکمال حديثه.
قال الربيع وكأنه يستعرض الماضي البعيد: هناك يا كعب، هناك عند بني ساعدة، وفي سقيفتهم، وفيما أعقبها وتلاها؛ ستجد الجواب عما سألت. هناك كانت البداية، هناك تحول الإسلام إلى حكم. هناك كانت قريش تقاتل على الحكم، هناك يا كعب أهدرت القيم واستبيح الكذب وزور الإسلام. هناك ستجد الجواب عن سؤالك يا كعب، ستجد الجواب الصحيح.
الفصل الثامن عشر
معاوية
الإرهاب
احتضنت الأم طفليها وهي ترفع رأسها إلى السماء أن يحفظهما الله لها من سيف بسر: هذا المتوحش الظالم الذي سلّطه معاوية على الناس، يقتل الصغار قبل الكبار، لا حدود للقتل عنده. إنهما كل ما تملك، وقُتل أبوهما، قتله جيش معاوية، وهي تخشی عليهما سيف بسر.
كانت الأخبار قد وصلت المدينة أن بسر قادم إليها. ولم يكن بسر مجهولاً في المدينة ولا في غيرها من مدن الإسلام.
لقد كان سفاحاً قلّ أن عرف الناس مثله. إنهم ما يزالون يذكرون بحزن ورعب قصته مع ابني عبيد الله بن العباس حين هاجم اليمن قبل سنتين. لم يكن لهما ذنب ولم يعرفا الذنب وهما طفلان، غير أن بسراً أبى إلا أن يقتلهما، فانتزعهما من حضن أمهما وهما يتشبثان بها وهي تتشبث بهما ثم حزّ رأسيهما بسيف غليظ، فعميت الأم وجنت. ولم يكن لعبد الرحمن وقثم من ذنب إلا أنهما ابنان لعبيد الله بن العباس والي علي على اليمن.
وها هي الأخبار تتوالى: أن بسراً يتجه نحو المدينة على رأس جيش كبير.
وفزعت الأمهات وفزع الأطفال وفزع أهل المدينة كلهم، فهم يعرفون ما ينتظرهم على يدي هذا الجلاد السفاح بامتياز. ولكن ما السبيل إلى النجاة منه؟ إلى أين سيذهبون وقد أخذت قوات معاوية جميع المسالك المؤدية إلى المدينة والخارجة منها، والحكم بيد من لا يرحم، وأمراء معاوية يتسابقون في قتل المسلمين على الظنة والشبهة والشك، لا يردعهم خلق ولا دين.
وقبل أن يصل بسر، وصل تهديده بأنّ له ثأراً عند أهل المدينة، هؤلاء الذين لم يمنعوا قتل عثمان ولم ينهضوا للدفاع عنه. إنه يحمّلهم دم عثمان، وقد جاء يوم الثأر منهم.
دم عثمان؟!! قال ساخراً عبد الله بن قبيس أحد أفراد حلقة من هذه الحلقات التي ملأت شوارع المدينة تفكر فيما تفعل بعد تهديد بسر: والله ما كان بسر يوماً أكذب منه اليوم عندي. ليس ذنب أهل المدينة أن عثمان قتل في مدينتهم وأنهم لم يستطيعوا أن يدفعوا القتل عنه، ولم يكونوا قادرين. إن أهل المدينة مطلوبون بغير ذلك، بأكثر من ثأر وبأقدم من دم عثمان. أنسيتم بدراً وقتلی بدر؟! أنسيتم عتبة وأبا جهل وأمية بن خلف؟! أنسيتم كيف أطاح أهل المدينة - مهاجروهم وأنصارهم - بكبرياء قريش وهيبتها؟! هناك، هناك في بدر فتشوا عن الأسباب، وما أظن قتل عثمان إلا حجة للثأر مما كان قبله. قال ذلك ثم أضاف: لِم لم يهب معاوية، وهو أمير الشام والمطاع فيها، لنصرة عثمان وقد امتدت الأحداث التي انتهت بقتله أربعين يوماً، وليست الشام إلا على مسيرة أيام لمن يريد الوصول إلى المدينة وهو يملك من الجيش والقوة ما يستطيع أن يدفع القتل عن عثمان لو شاء، مع مطالبة عثمان له والتأكيد عليه بالإسراع لنصرته قبل فوات الأوان.
ما الذي منع معاوية من ذلك؟! لقد كان معاوية يفكر في السلطة. كان يفكر فيها ويخطط لها منذ زمن بعيد، ولم يكن يريد أن يستنفد قومه في حرب قد لا يضمن نتائجها وهو يواجه المسلمين من جميع بلدانهم: من الكوفة والبصرة ومصر ومكة وغيرها. ولم تكن المدينة إلا واحدة منها. ما ذنبها إن كانت الأحداث قد جرت فيها، لأنها مركز الخلافة؟ لم يبق أحد من خيار المسلمين من يستطيع الدفاع عن عثمان الذي لم تبق أفعاله عذراً للسكوت عنه أكثر مما سكتوا وأطول مما سكتوا، ملتزمين الصبر والخوف من فتنة لا أحد يعرف إلى أين ستنتهي. ولقد كان بين أشد المحرضين على عثمان، السيدة عائشة، كانت تحرّض عليه قائلة: (اقتلوا نعثلاً - تعني عثمان - قتل الله نعثلاً فقد كفر). أأكثر من أن ترميه زوجه النبي بالكفر؟!
لم يكن معاوية إذن يجهل قاتلي عثمان والمحرضين على قتله. لكنه لم يكن يهتم بذاك. ما كان يهمه ويشغله هو التهيؤ لحرب وشيكة أخرى سيخوضها، وعليه أن يدخر قوته لها. تلك هي حربه مع علي: خصمه القديم الجديد الذي لم يسبق من يحول دون توليه الخلافة غيره، يلتف حوله أفاضل المسلمين وذوو السابقة والجهاد منهم.
ولهذا فلم يكتف معاوية بهذا الموقف السلبي من عثمان وتركه يقتل دون أن يحاول نصره. بل كان يتمنى قتله ويدفع إليه في السر ليتخذ منه حجة يتقوى بها على خصمه بتحميله مسؤولية قتل عثمان أو المشاركة فيه. وهذا ما كان، فقد استغل معاوية قتل عثمان ليحصل منه السبب وراء قتال علي الذي يتهمه به واستثارة الناس للطلب بدم الخليفة الشهيد، مع أن علياً بذل أقصى ما يمكن لإصلاح الأمور بين عثمان وبين الثائرين عليه، لولا موقف بعض حاشية عثمان وتعنتهم، وعلى رأسهم مروان بن الحكم.
قال ذاك وهو ينظر في وجوه الآخرين من أفراد الحلقة الذين بدا عليهم الاهتمام والتفكير. ثم مضى في حديثه، وكأنه يقرأ المستقبل بنظرة واثقة سليمة: إن معاوية يلاحق بثأره كل من وقف مع علي أو ساعده أو انتصر له، وكل من يشك أنه ما يزال يوالي علياً أو يميل إليه، أو يمتنع عن سبّه ولعنه، وكل من يشك أنه يرفض حكم آل أبي سفيان ويمتنع عن تأييده.
وسترون هذا إن كنتم في شك منه حتى اليوم. ليست المدينة وحدها، المقصودة، وليست مقصودة لأنّها لم تنصر عثمان. بل لأنها، وهي مدينة الرسول وبلد الصحابة الذين ما يزالون يعيشون على ذكراه ومع ذكراه، ترفض أن يحكم المسلمين معاوية بن أبي سفيان، وهو من تعرفون سابقاً وحاضراً. وليس عثمان إلا حجة يمسك بها ضد من لا يرضى حكمه. سيكون لغير المدينة ما تنتظره المدينة غداً أو بعد.
وأسرع الرجال إلى ما يملكون من وسائل دفاع يهيئوونها لمواجهة هذا الطاغية السفاح الذي بات على مشارف مدينتهم، لا يدرون متى سيدخلها. وهم يعلمون أن ميزان القوى ليس لصالحهم، لكن الاستسلام لهذا الجبار المتوحش وفتح المدينة أمام جيشه لن ينفع في شيء. فالحروب مع معاوية لا تقوم على موازين خلقية متعارف عليها بين المتحاربين، إنه القتل، قاوموا أم استسلموا ولم يقاوموا، ثم فتح المدينة صلحاً أو فتحها الجيش عنوة.
وباتت المدنية ليالي سوداء مرعبة حزينة، النساء في هلع، والأطفال بوجوههم البريئة الشاحبة، لا يعرفون ما يجري غير دموع لا تنقطع على وجوه أمهاتهم وهن يحتضنهم. والآباء يتجنبون رؤية النساء والأطفال، وهم يرون الثكل في عيونهن واليتم في عيونهم.
ويدخل الطاغية الجبار على رأس جيش أقنعوه بأن أهل المدينة هم مجموعة قتلة ومجرمين، شاركوا كلهم في قتل الخليفة الشهيد، بين من باشر القتل أوالحصار وبين من حرض عليه وبين من سكت عنه أو رفض الدفاع عنه. إنهم كلهم مشاركون في قتل الخليفة، وكلهم مسؤولون عنه.
وماذا تنتظر من جيش يدخل المدينة غازياً حاقداً قد ملأ الكره وطلب الثأر قلوب أفراده، ويقوده وحش كابن أرطاة. وعلى امتداد شهر كامل، كان بسر يستعرض الناس في المدينة، فلا يقال له إن شخصاً قد أعان أو شارك أو تخلف أو رضي بقتل عثمان إلا قتله. حتى أن قوماً ومعهم غلمانهم وأطفالهم كانوا على بئر يستقون، فلما رآهم على البئر ألقاهم فيه.
إنها إحدى المجازر المعروفة في التأريخ الإسلامي في عهد أمير المؤمنين معاوية.
وبعد مدة في زمن معاوية نفسه، قتل سمرة بن جندب، ثمانية آلاف شخص في غير ذنب، لم يقوموا بثورة ضد السلطة ولم يحملوا السلاح في وجهها.
وكان سمرة قد تولى البصرة نائباً عن زياد الذي ذهب إلى الكوفة ليشرف عليها مباشرة بعد أن جمعت له ولايتي البصرة والكوفة.
وحين عاد سمرة إلى الكوفة سأله أحدهم قائلاً: ألا تخاف يا سمرة أن يكون بين قتلاك بعض الأبرياء.
فأجاب سمرة غير مكترث: والله لو قتلت مثلهم - ثمانية الاف آخرين - ما خشيت.
ومم يخشى سمرة؟ ومن سيحاسبه، والإنسان هو الشيء الوحيد الذي لا قيمة له ولا حساب عليه. وليس كالقتل وسيلة لإخافة الناس وإرهابهم.
وتذكر عبد الله بن قيس أيام بسر وما نشره في المدينة من خوف وذعر. وتذكر ما قاله في تلك الحلقة التي ضمته إلى بعض أصحابه. وكان سيف الجلاد قد أخطأه فبقي حياً بعدهم: ليتهم أحياء الآن ليروا صدق كلامي: إن عثمان لم يكن إلا وسيلة معاوية للاستيلاء على السلطة واغتصابها.
ليتهم! قال ذلك وهو يسير متثاقلاً ويده تمسح دموعه التي أسالتها ذكريات حزينة.
الفصل التاسع عشر
معاوية - سنة اللعن -
عمر بن عبد العزيز
ما بال الشيخ بادر إلى الصلاة حين رآني مقبلاً، ثم أطال فيها على غير عادته، وكأنه لا يريد أن يراني؟! ماذا فعلت مما أغضب الشيخ ليتجنب لقائي، وقد جاء وقت ورودي عليه، لم أتأخر عنه ولم أقصر فيه؟! قال عمر ذلك، وراح يستعرض الأسباب ويتذكر منذ مر الشيخ وهو يلعب مع بعض فتيان بني أمية، لعل فيه ما أغضب شيخه منه. لكنه لم يفعل شيئاً غير ما كان يفعله كل يوم خلال اللعب من لعن هذا الفاسق الذي اسمه علي بن أبي طالب. وليس من المعقول أن يكون هذا ما أغضب الشيخ منه، مع أن كل بني أمية، صغاراً وكباراً، ومعهم كل أهل الشام يلعنونه ويسبونه في كل صلاة وفي غير الصلاة، يتقربون بهذا إلى الله.
إذن لم يطل الشيخ صلاته على غير ما اعتاد، قاصداً ذلك كما يبدو، ما دام شيء مما أفكر فية لم يحصل؟
أتراه استقل ما ندفع له من أجر فهو يريد الزيادة ويتحرج من طلبها؟! ما أيسر الأمر إذن! لم يكن عليه أكثر من مجرد الإشارة أو التلميح لتأتيه الزيادة مضاعفة. لا، ما أظن هذا هو السبب، فالشيخ ليس من هؤلاء، ولو أراد المال لكان له منه الكثير. لقد مرت مدة طويله وأنا أدرس عليه، لم يكلفني شيئاً ولم يطلب مني شيئاً وليس أسهل من إجابة طلبه لو شاء، على ابن عبد العزيز بن مروان، وأبوه ولي العهد وأمير مصدق وعمه الخليفة.
ودارت في رأس الفتى أفكار كثيرة قبل أن ينتهي الشيخ من صلاته. وانزاح عن قلب عمر همٌّ ثقيل، ها هو الشيخ يقبل عليه، ولكن ماله يقبل متثاقلاً بوجه غير الذي كان يقبل به حين يرى عمر، فلم يهش له ولم يبتسم؟! أتراه يشكو شيئاً أصابه في جسمه أو في أهله؟
قال عمر وهو يرد السلام: ما بال الشيخ عابساً متجهماً على خلاف ما عودني؟ أرجو ألا يكون شيء مما يسوء.
قال الشيخ وهو ما يزال عابساً متجهماً وبلهجة اتسمت بالجفاف: أأنت اللاعن علياً منذ اليوم؟!
قال عمر: وماذا تنكر من ذاك.
قال الشيخ وهو على هيئته: ومتى علمت أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم؟
قال عمر وقد بدت عليه علائم الدهشة: وهل كان علي من أهل بدر يا أبه؟!
قال الشيخ ولم يعد يحتمل المزيد من كلام عمر، ونسي أنه يخاطب ابن الأمير وولي العهد: ويحك! وهل كانت بدر كلها إلا له؟! ألم تسأل أباك عمن قتل المشركين في بدر وكان أهلك منهم؟! والله لقد قتل وحده ما يقارب النصف وشارك في قتل النصف الآخر. ثم تريدني أن أسمع وارض بما أعلم أنه لا يرضي الله ولا رسوله. استغفر الله يا ابن عبد العزيز وتب إليه مما فعلت، واعلم أني لن أعود إلى ما كنت عليه من تدريسك قبل أن تعلن توبتك الآن أمامي. قال ذلك بحزم وجرأة وتحدي مَن وطّن نفسه على الموت.
قال عمر: والله ما أراك يا أبه إلا صادقاً وما تعلقت عليك يوماً بكذبة. وأعلن توبتي الآن أمامك، وأعدك بأني لن أعود إلى ما كنت فيه. لقد ظلمت الرجل طويلاً، وكنت سأتحمل إثمه ما دمت حياً لولا فضل الله الذي أنقذني بك، وما كنت أظنه إلا واحداً من هؤلاء الفساق المارقين الذين أراح الله الإسلام والمسلمين بقتله.
وعجب عمر كيف غاب عنه ذلك! ولكن من أين له أن يعلم فضل من يسبه ويلعنه، وأهله كلهم يسبونه ويلعنونه، وهو لا يتصل بغيرهم، وليس من المعقول أن يكونوا كلهم على خطأ. كلهم يتهمونه بقتل الخليفة الشهيد عثمان، وكلهم يتهمونه بالخروج عن الإسلام، وكلهم يتهمونه بعكس هذا الذي يسمعه لأول مرة من شيخه.
ويتعرض عمر لأزمة دينية تضرب عقله ووجدانه.
كان عمر قد اعتاد أن يصحب أباه الأمير عبد العزيز بن مروان حين يذهب إلى المسجد يوم الجمعة من كل أسبوع للصلاة والخطبة.
وكان يسمع أباه يمضي في خطبته بليغاً قوياً كالسيل لا يقف ولا يتلعثم ولا يستعصي عليه قول، حتى إذا وصل إلى ذكر علي فارقته بلاغته وبدا ضعيفاً ركيكاً، مع أن المفروض أن يحصل العكس، وهو يتكلم عن رجل يستطيع أن ينال منه ويطعن فيه وينسب إليه ماشاء من مثالب وعيوب بحرية كاملة، دون أن يتهم بالمبالغة أو الكذب، فمجال القول أمامه واسع رحب لا قيود فيه ولا حدود.
وحاول أكثر من مرة أن يسأل أباه عن سر هذا الضعف والارتباك الذي يصيبه حين يصل في خطبته إلى ذكر علي. لكنه كان يحجم ويمتنع. فليس من المألوف أن يسأل الابن أباه عن أمور بعيدة عنه خصوصاً مع صغر سنه. ثم إنه قد يجيبه بما يؤذيه أو قد لا يصدقه أبوه القول. وفي كل هذه الحالات سيتعرض لحرج شديد، لا مع أبيه فقط ولكن مع نفسه.
وبعد تردد طويل وصراع طويل مع النفس قرر عمر أن يمضي في خطته لمعرفة الحقيقة، وأن يسأل أباه دون النظر إلى النتائج التي قد تترتب على السؤال والجواب.
كانا قد عادا إلى البيت في أحد أيام الجمعة بعد ما انتهى أبوه من الصلاة والخطبة التي انصبت كالعادة على لعن علي، ودخل أبوه إلى غرفته ليغير ملابسه ويستريح.
ووجد عمر أن الفرصة مواتية، فاستجمع قواه وطرق باب الغرفة. لم يتصور أبوه أن الطارق هو عمر ابنه، فقد كان معه منذ قليل. وحين فتح الباب ورآه، قال مندهشاً: عمر؟!
قال عمر: نعم يا أبي أنا هو.
قال الأب: ما الذي جرى وقد كنا معاً قبل قليل؟! أرجو أن يكون خيراً ما جرى. مالك يا بني عابساً مقطباً؟! هل حدث لك شيء أعاذك الله من كل سوء؟ ادخل يا بني، إني أرى التعب والحزن على وجهك.
ودخل عمر وأخذ مكانه مقابل أبيه. وقبل أن يسرع إليه الخوف أو التردد فيمنعه ما جاء يسأل عنه، قال عمر: هل تسمح لي يا أبي بسؤال وتصدقني في جوابه؟ قال ذلك بلهجة جادة حازمة.
قال أبوه: وهل منعتك يوماً من السؤال؟ وهل كذبت عليك يوماً وأنا أرد على سؤال لك؟! سل عما بدا لك يا بني فهل أعز على عبد العزيز من ابنه عمر، وهل أحب إليه من أن يرد على أسئلته.
قال عمر: ما لي أراك يا أبي أخطبهم وافصحهم وانصعهم بياناً حتى إذا وصلت إلى ذكر علي بن أبي طالب، تلجلجت وغاب عنك بيانك وفارقتك بلاغتك. وكأنك شخص آخر لم يرتق المنبر يوماً. ولا تقل لي إن هذا ربما حدث صدفة هذا اليوم، لقد لاحظته منذ زمن طويل، في كل مرة تخطب فيها وتصل إلى ذكر هذا الرجل.
وأراد عبد العزيز أن يبتعد عن الجواب بالحديث في قضايا أخرى حاول أن يوجه انتباه عمر إليها ويشغله بها. عسى أن ينسى هذا الموضوع، فلا يعود إليه، اليوم على الأقل، ريثما يرتب الجواب المناسب. لکن عمر بدا مصراً على موقفه حازماً فيه. ثم قال لأبيه: ألم تقل لي إنك ستصدقني في بداية الحديث، قبل قليل.
قال الأب: بلى يا بني وإني لعلى ما وعدتك، ولكن ما شأنك وهذه الأمور التي ليست من شغل من هم في سنك؟ اخبرني كيف تسير دراستك؟ هل من تقدم وأنت أهل لكل تقدم؟ هل من صعوبة أستطيع تذليلها وحلها؟
قال عمر: ما أراك يا أبتي إلا تهرب من الجواب على سؤالي: والله لن أكلمك إلا أن تصدقني فيما سألتك عنه، ثم أدار وجهه ليخرج. قال الأب ورأى الجد في وجه عمر، وأن كل ما حاوله لصرفه عن سؤاله، لم يجد معه شيئاً: اسمع يا بني، سأكون صريحاً في غاية الصراحة معك وسأتحمل راضياً تبعة صراحتي. سأقول لك الحق الذي لم أقله لأحد قبلك ولن أقوله لأحد بعدك. والله لقد سألت عن رجل لم يكن في الإسلام ولا بين المسلمين من يماثله أو يدانيه في سابقته وفضله وجهاده وشجاعته وتقواه. ولقد كان أقرب إلينا من سواه، فأنت لا تجهل أننا جميعاً من عبد مناف، جدنا القريب الذي يجمعنا، لكنه الملك يا بني، يبعد القريبين ويقرب البعداء.
قال عمر: ولِم تصرون حتى اليوم على لعنه وسبه وتشويه سيرته وقد أصبحتم الخلفاء ولم يعد يخيفكم في شيء. لقد ظلمتموه حياً وظلمتموه ميتاً.
قال أبوه: وكيف لا يخيفنا؟! والله لو علم أهل الشام بعض ما نعلم من فضائله لانفضوا عنا وتركونا. بماذا سنجيب لو قالوا لنا لم تركتم السنّة في لعنة؟! أنصدقهم ونقول إننا كنا له ظالمين وكان هو الخليفة الشرعي والأحق بالأمر منا، ولم يشارك في دم عثمان، ولم يحرض عليه، وكان يسعى لإصلاح ما بينه وبين الثائرين عليه، وأن دماءكم ذهبت في باطل؟! أكان هذا سيرضيهم؟ أكانوا سيغفرونه لنا ويتركوننا وشأننا وقد ضللناهم طويلاً؟ لم يكن أمامنا غير الاستمرار على ما سنه معاوية من لعنه واتهامه بقتل عثمان. أفهمت الآن يا بني؟ أعرفت لم يختلف أبوك في خطبته كلما وصل إلى ذكر علي؟
قال عمر: كل الفهم. لكن ما لم أفهمه، كيف انتصرتم عليه واغتصبتم الخلافة منه، مع ما ذكرت من صفاته وفضائله؟!
قال أبوه: هي والله التي قتلته. كان صادقاً فكذبنا عليه وكان بريئاً فاتهمناه وقلنا إنه شارك في قتل عثمان، ولم يكن أحد أحرص على إصلاح الأمور بين المسلمين وبين عثمان منه. وكان جدك مروان غفر الله له هو من أوصل الأمور بين علي وبين عثمان وبين عثمان وبين الثائرين على ما وصلت إليه.
حتى إذا قتل عثمان، سارع جدك مع باقي بني أمية وعلى رأسهم معاوية، إلى اتهام علي بقتله وتحريض المسلمين ضده والثأر لدم الخليفة الشهيد.
قال عمر مذهولاً: وكل هذا حصل؟!
قال أبوه وهو يطرق برأسه: نعم يا بني، لقد حصل، وحصل أكثر منه.
قال عمر: وبعد عثمان، كيف سارت الأمور.
قال أبوه: لقد بدأنا أولاً بحرب الجمل لعله يقتل فيها أو يضعف جيشه أو يتمرد. كنا ندفع بطلحة والزبير ومعهما السيدة عائشة لإشعال هذه الحرب، على كرهنا لطلحة والزبير. فإن لم يقتل علي فيها، فربما قتل طلحة أو الزبير أو كلاهما فنتخلص منهما، ونضيف إلى المطالبة بقتل عثمان، المطالبة بقتلهما أو قتل أحدهما، بعد ما يكون جيش علي قد أنهك.
وفي هذه الحرب قتل جدك مروان طلحة بن عبيد الله الذي كان أشد المحرضين على عثمان والساعين في قتله.
وكان معاوية في الشام يجمع الجموع ويحشد المقاتلين ويشتري الذمم مستغلاً انشغال علي بحرب الجمل، من كان يريد المال دفعه له. قال عمر وكأنه غير مصدق ما يسمع: وماذا بعد؟! أية جريمة ارتكبتموها بحقه! قال ذاك، وهو يحبس أنفاسه من هول ما سمع والعرق يتصبب منه.
قال أبوه: ثم كانت حرب صفين.
قال عمر: وقاتلتموه طبعاً وأنتم له ظالمون! وتعلمون فضله وبراءته من دم عثمان. ما أقبح ما تواجهون الله به!! وبدا وكأنه قد انتقل إلى الماضي الذي يتحدث عنه أبوه ويتصور ما جرى فيه. سكت لحظات ثم قال: وانتصرتم عليه طبعاً!! قال ذاك بمرارة وحزن وهو يشيح بوجهه عن أبيه.
قال أبوه: إن كنت تعني بالانتصار أننا كسبنا الحرب، فأقول لك إننا انتصرنا. لقد كانت أخلاق علي تسبق سيفه، وكان معاوية يحارب بلا أخلاق. إني لأذكر الآن كيف أخذ جيش أهل الشام شريعة الفرات. سبقوا إليها واستولوا عليها وأرادوا قتل العراقيين بمنع الماء عنهم. هكذا كان رأي معاوية. انتصار سهل، وماذا يعني أن يموت الأطفال والنساء والعجزة والدواب؛ وأيسر ما فيه إيجاد الاضطراب في جيش علي، وربما قتل علي نفسه بأيدي جيشه؟!
لكن أهل العراق شدوا علينا شدة منكرة فكشفونا بعيداً عن الماء، وكانوا يستطيعون أن يقتلونا عطشاً وقد بدأناهم نحن، وليس عليهم من لوم لو فعلوا ما أردناه بهم، لكن علياً منع أصحابه وأمر بأن يتركوا لنا جزأ من الشريعة نستقي منه ونسقي لعوائلنا وأطفالنا ودوابنا. لا تذكرنى يا بني، فليس فيما فعلناه مع علي إلا ما يخزي، وما تذكرت ذلك يوماً إلا شعرت باحتقار وعار وخسة.
قال عمر: سأعذرك يا أبي فيما سبق فلم يكن لك فيه رأي ولا مشاركة مع وجود جدي عفا الله عنه وهو وحده القادر على العفو وغفران الذنوب مهما كبرت، ومع وجود معاوية وابن العاص وغيرهم من بني أمية وغير بني أمية من أعداء علي. ولكن لِم لم تحاول أنت على الأقل ألا تتعرض له باللعن؟ وما أظن ذلك أمراً صعباً عليك وقد مضى الرجل ولم يعد يهددكم ولا يهدد غيركم؟
قال أبوه: ذلك أمر فات. لقد سن معاوية سنة شب عليها الصغير وشاب عليها الكبير، ولا يسع أباك ولا سواه تبديلها. لست يا بني الذي يجهل علياً. ولقد حاولت ما تريده مني الآن فهددوني بنو أمية بالقتل، وسيقتلونك لو حاولته؛ فاحفظ هذا جيداً عني وتذكرة.
أعلمت الآن لِم أضعف وأتلجلج وأرتبك حين أصل إلى ذكر هذا الرجل؟! وغادر عمر الغرفة وهو يمسح دموعاً لم يستطع أن يمنعها.
الفصل العشرون
الأحاديث النبوية
سلاح جديد في المعرکة
نهض الربيع بن حنظلة متثاقلاً وهو يردد في نفسه: من هذا الذي يطرق الباب في مثل هذه الساعة، وليست ساعة يزور أو يزار فيها أحد. ما أظنه إلا كعباً، فهو الوحيد الذي يأتي دون موعد وفي أي وقت. إنه صاحبي الذي لا أحتشم منه ولا يتحرج مني. إنه المرحب به دائماً، ما أشوقني إليه!
وفتح الباب وهو يقول: مرحباً أبا زهير. لقد عرفت أنك من يطرق الباب. ما الذي جاء بك في مثل هذه الساعة؟ كنت أظنك في البيت أو في طريقك إليه.
قال كعب: والله لا أدري. كنت في طريقي إلى البيت كما ذكرت، لكن رأيتني أغير طريقي إليك. سمعت بعض الأحاديث المنسوبة إلى النبي وأنا في المسجد، أثارت استغرابي، فأردت أن أسألك عنها وأعرفها منك.
خشيت أن أنساها أو يشغلني عنها شاغل لو تأخرت فيها إلى الغد.
قال الربيع بعد أن أخذ الاثنان مجلسهما في غرفة بسيطة خلت من كل أثاث إلا ما لا يمكن الاستغناء عنه. وأية أحاديث هذه التي جاءت بك أو جئت بها؟ إننا نسمع هذه الأيام أحاديث كثيرة لم نعرفها ولم نسمعها قبلاً مع أننا لم نكن بعيدين عن النبي الذي يروونها عنه وينسبونها إليه. أعرفهم، إنهم تجار الأحاديث الذين يزورون على النبي ما يبررون به ظلم الحكام طمعاً فيما عند هؤلاء وتقرباً منهم ورغبة في مالهم. والله يا عمير، إنهم أظلم من هؤلاء الحكام الظالمين الفاسدين وأكبر جرماً منهم وأفتك بعقول الناس بما يروون من أحاديث اختلقوها يضللون بها الناس ويخدعونهم ويروضونهم على قبول الظلم والاستسلام له، وربما الرضا والسعادة به، لما سينالون من أجر وثواب جزاء له.
هل تعرفهم؟ ثلاثة أو أربعة هم التجار الكبار في سوق الأحاديث، ثم تجار صغار دونهم. كلهم يقبضون ثمن تزويرهم، وإن كان الثمن يختلف باختلاف الحاجة ودرجة التزوير ومنزلة المزور ومدى تأثيره. ثم أضاف مبتسماً: أراني أخذت الحديث، وهو لك كان علي أن أستمع إلى ما جئت فيه، لا أن أسبقك في الحديث. لقد عكست الدور، ولا بأس فأمورنا كلها تسير معكوسة! هات يا عمير واعذرني. هات أحاديثك التي حملتها معك.
قال كعب: لقد سمعت الليلة وأنا في المسجد أحاديث كثيرة أنكرتها، لكن أصحابها يصرون على صحتها وصدورها عن النبي.
سمعت من يقول رواية عن النبي: (الأمراء أو الأئمة من قريش). ومن يقول: (افعل كما فعل أمراؤك). و(من حمل علينا السلاح فليس منا). و(السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره...). و(اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم...).
قال الربيع: وماذا سمعت بعد؟ أهذا كل ما سمعت؟! هناك ما هو أدهى وأدعى للتعجب.
قال كعب وهو يريد أن يتذكر: وسمعت أيضاً: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار). و(... ألا تنازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً براحاً عندكم من الله فيه برهان ). وسمعت: (من كره من أميره شيئاً فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهية).
وسمعت أحاديث أخرى تخص النبي، في شخصه وسلوكه وأخلاقه، لا أريد أن أعيدها، حتى على نفسي. إنها تنقص من النبي وتطعن فيه وترميه بتهم لو نسبت لأي شخص، لا النبي، لشانته وحطت منه.
قال الربيع: لا حاجة لي بها ولا بغيرها، لقد سمعت أكثر وأخطر مما سمعت. هل تريد الجواب مطولاً أو مختصراً كالمطول؟
قال كعب: بل مختصراً كالمطول، إن كان فيه الجواب عما سألت.
قال الربيع: أرجو ان يكون ذلك، فاسمعني يا عمير: الأصل في كل الأحاديث التي سمعت هو الحديث الأول: (الأمراء أو الأئمة من قريش) وكنت محقاً حين ذكرته أول ما ذكرت، هذا هو الأصل والمحور، وهو الذي دار عليه الصراع وحيكت فيه المؤامرات في السقيفة وبعد السقيفة. وليست الأحاديث الأخرى إلا داعمة مؤيدة مؤكدة له؛ فأحاديث السمع والطاعة هي خطوط الدفاع عن الحكم بعد أن حصر في قريش، كان لابد منها لحمايته وتحصينه وإبعاده عن أي خطر يمكن أن يهدده. وجاءت هذه الأحاديث لتنهض بهذه المهمة، قصد بها، أن تقتل روح المقاومة والجهاد ضد الحاكمين الظالمين، بتخويف الناس من أي نقد أو رفض أو ثورة على الحاكم مهما فعل ومهما بلغ ظلمه، فهي ضمان للحاكم يحمل له الراحة والاطمئنان والأمن مما قد يلجأ إليه الناس ضده، والنبي نفسه، كما تروي هذه الأحاديث، يحضهم على الطاعة وينهاهم عن التمرد والعصيان مهما رأوا من ظلم حاكمهم.
وحديث (إذا التقى المسلمان...) وأشباهه من الأحاديث، هي الأخرى تسير في ذات الاتجاه وتؤدي نفس الغرض. فكيف سيثور المظلوم ويحمل السيف ليدفع الظلم عنه إذا كان مصيره النار، يتساوى فيها مع حاكمه الظالم الذي ثار عليه وحمل السيف ضده. ولابد في الثورات من حمل السيف وغير السيف، وليس الاكتفاء بالكلام لا يغني ولا يمنع ولا يخيف. وحتى هذا الكلام حرمته الأحاديث السابقة ولم تسمح به.
هذا الحديث وأشباهه دعوة صريحة للاستسلام والتخاذل، لا لأن الثائر قد يقتل، والقتل متوقع في كل ثورة، بل لأنه، حتى لو قتل، سيذهب إلى النار، ربما قبل الحاكم الظالم الذي ثار عليه، أو ربما سيذهب وحده إليها دون ذلك الحاكم.
قال كعب وقد بدا عليه الاقتناع بما سمع: وماذا بشأن الأحاديث التي تنتقص من النبي وتشوه صورته؟! ماذا يريدون منها؟! حتى النبي لم يسلم منهم، وبدينه نَبِهَ ذِكْرُهم وعرفهم الناس!!
قال الربيع: كنت أظنك أذكى مما رأيت. أبعد كل ما سمعت مني تسأل عن السبب في تنقيص النبي والطعن فيه وتشويه صورته؟! لقد أرادوا أن يجردوا النبي من سلطانه على المسلمين ويضعفوا تأثيره فيهم فنسبوا إليه مختلف العيوب والنقائص، واتهموه بمختلف التهم لكي يتساوى بهم ويتساووا به، فلا يكون هناك فرق، أو فرق كبير بين الاثنين، فإن حوسبوا على شيء مما فعلوا، قالوا: لقد سبقنا النبي إليه فحاسبوا النبي قبلنا، فيكف لسان ويغمد سيف؛ ذلك ما أرادوه يا عمير. كان الحديث الأول تأسيساً لحكم قريش وحصراً له فيها. وكانت الأحاديث الأخرى حراسة للحكم وتحصيناً له وإبعاداً لأي خط قد تهدده حالاً أو مستقبلاً. لو لا الحديث الأول لما كانت الأحاديث الأخرى، ولربما كانت معاكسة له في اتجاهها. فهل عرفت الآن؟
قال كعب: أفضل المعرفة يا أبا حنظلة. جزاك الله خيراً عني وعن غيري ممن ينشدون الحق ويسعون إليه.
وصدق الربيع، فقد تم التلاعب بالحديث النبوي استبعادا أو استخصاراً، تقليلاً أو تكثيراً، اختلافاً أو تشويهاً حسب ما تريده السلطة، فحين كانت السلطة لا تستطيع التلاعب بالأحاديث وتوظيفها لمصلحتها، لقرب العهد بالنبي وقدرة المسلمين آنذاك على تمييز الصحيح والكاذب منها، فإن هذه السلطة حاربتها ومنعت تدوينها ولاحقت المحدثين ومنعتهم وحبستهم. كان ذلك في عهد الخليفتين: الأول والثاني. وحين بعد العهد وفسد الناس واجترؤوا على النبي واستسهلوا الكذب في حديثه، ولم يعد هيناً تمييز الصادق والمنحول منة، وقفت السلطة موقفاً معاکساً، فقدمت المحدثين ورشتهم وأغدقت عطاياها عليهم ليحدثوا عن النبي ما رسمته لهم. وكان هذا يسير في أكثر من اتجاه تفيض كلها إلى ما يحقق مصلحة السلطة؛ فانطلق الحديث، وانطلق المحدثون دون وازع من خلق أو دين أو ضمير كل يدعي أنه سمع من النبي، وكل يروي عن النبي ما يفسد العقل ويشوه الإسلام ويبرر الظلم ويطمئن الظالمين ويضعف المقاومة ويخوف من يفكر بالثورة من عواقب ما يناله في الدنيا على أيدي الحكام، فإن رضي به، فعواقب الآخرة أيضاً، فيكون قد خسر الدنيا والآخرة. وهذا ما لا يستطيع مسلم أن يقبل به قدراً ومصيراً. وهذا ما جاءت تبشر به وتؤكده تلك الأحاديث.
ثم ذهبت السلطة إلى أبعد من ذاك حين نسبت إلى صحابة محترمين صادقين، أحاديث لم يقولوها ولم ينطقوا بها، مستغلة موتهم أو ابتعادهم أو انشغالهم، وبين هؤلاء من كان عدواً للسلطة منكراً عليها مخاصماً لها كأبي ذر الذي كان يتمتع بمنزلة عالية بين المسلمين.
وهكذا مضت الأحاديث مع الأيام تكبر وتتسع دائرتها ويتضخم عددها، حتى بلغ في زمن أحمد بن حنبل في القرن الثالث الهجري، مليون حديث، وهو ما لا يمكن لعقل في أدنى درجاته أن يقره ويصدقه، وهو ما يؤكد في الوقت نفسه فوضی الحديث وعدم القدرة على ضبطه، وسهولة الكذب على النبي، وتهاون المسلمين في شأنه وقلة اعتبارهم له.
لقد كان الحديث دائماً في يد السلطة، تمنعه لمصلحتها، وتطلقه لمصلحتها. مصلحة السلطة هي التي كانت، وحتى اليوم، وراء الموقف من الحديث.
الفصل الحادي والعشرون
معاوية وزياد
الاستلحاق
ويحك يا أبا مريم، لقد بعدت عن أهلي وأنا ضيفك في الطائف، فماذا أعددت مما يعد أبو مريم للضيوف أمثالي؟
قال أبو مريم ضاحكاً: منذ متى كنت تنزل ضيفاً عندي يا أبا سفيان، وإنما أردت ضيافة أخرى قد لا تجدها عند غير أبي مريم. ولو وجدتها لمازرت أبا مريم ولا سألت عنه. أعليّ يا أبا سفيان، وكأني لا أعرفك؟! هل زرتني إلا في طلب بغي كما اعتدت كلما قدمت الطائف؟
قال أبو سفيان بنبرة فيها هزء وسخرية: وهل يزار أبو مريم لغير ذلك؟! أتظنك من ملوك الحيرة أو من آل جفنة فيفد عليهم السادة والكبار ليعودوا بجوائزهم وبما نالوه من خطوة لديهم يتحدثون بها في محافلهم وبين قبائلهم؟! أم كنت من زعماء العرب وشيوخهم فيقصدهم السائل في معروف أو في طلب العون بحمالة أو دية، أو السعي في صلح أو منع قتال نشب أو يكاد؟!
هل يأتيك إلا طالب خمر أو بغي ممن هم دون أبي سفيان؟!
ألست محظوظاً أن يترك أبو سفيان السماسرة الآخرين، وما أكثرهم في الطائف، ويؤثرك عليهم؟
وكان أبو مريم يملك حانة غير بعيدة عن حارة البغايا في الطائف يرتادها طلاب الجنس والخمر، وهو ينتمي إلى قبيلة سلول إحدى القبائل المستضعفة المحتقرة عند العرب، حتى قال عامر بن الطفيل: سيد بني عامر في وقته، وقد أصابته غدة وأحس بالموت (غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية) مستنكفاً أن يكون موته في بيت من هذه القبيلة، لا عند أهله ولا في قبيلة أخرى غير سلول.
ولم تكن تجربة أبي مريم موفقة مع أبي سفيان، فطالما عرضه للحرج مع بغاياه.
لقد كان أبو سفيان شديد البخل، فبعد أن يقضي حاجته مع البغي يبقى يساوم ما يستطيع فلا يدفع لها أجرها إلا ناقصاً، حتى كان أبو مريم يضطر أحياناً إلى التنازل عن نصيبه من السمسرة إكمالاً لأجر البغي.
ولهذا كانت البغايا ترفض تلبية طلب أبي سفيان ما لم يدفع أجورهن أولاً.
قال أبو مريم وهو يفكر في التخلص من أبي سفيان: والله يا أبا سفيان، لو تقدمت ساعة أو دونها لنلت حاجتك. لقد كانت هنا قبل قليل، طلبها مستطرق مثلك. كانت سيئة الحال، شكت لي فاقتها وحاجتها وإنها مضطرة أن تعمل أكثر من صاحباتها وبأجر دون أجورهن، لتعيل أطفالها. إن عبيد - زوج سمية - قد أصبح ضعيفاً عاجزاً فأضيف هو أيضاً إلى من يقبل. لقد رثيت لها، وأنا أحاول أن أساعدها قدر ما أستطيع، وذلك بأن أعتذر بعدم وجود غيرها لمن يأتي طالباً بغياً، خصوصاً إذا كان مستعجلاً لا يريد الانتظار أو لا يقدر عليه. وهذا سر لا يعلمن به الأخريات، وإلا لكان لهن معي ومعها شأن آخر.
هل تعلم يا أبا سفيان أني سمحت لها اليوم بنصيبي مما أخذت على أن تعيده إلي في مرة قادمة.
قال أبو سفيان مقاطعاً وقد استبد به الغضب: ويحك يا أبا مريم! منذ متی أصبحت خطيباً؟! قل لي وأرحني، عمن تتحدث فلا وقت لدي أضيعه في سماع هرائك وكرمك... وطيبة قلبك. ما شأني أنا بكل ذاك؟!
قال أبو مريم وهو يستعجل الألفاظ: إنها سمية، نعم سمية. أظنك تعرفها، لقد سبق لك أن...
وبدت على أبي سفيان إمارات التقزز والاشمئزاز وهو يقول:
السوداء ذات السقائين المقلوبين على صدرها والساقين الدقيقين كأنهما ساقا نعامة. التمس لي غيرها، فما ذكرت يومي معها إلا تجشأت. ثم هدأ قليلاً وكأنه يكلم نفسه: ولكن لا بأس فهي أرخص البغايا هنا في الطائف.
قال أبو مريم: أكنت أبخل على أبي سفيان، صاحبي وصديقي لو كان عندي الآن سواها، والأمر إليك، إن شئت بعثت إليها من يأتي بها وأظنها وصلت البيت الآن، وإلا فما عليك إلا أن تنتظر عسى أن أدبر لك خيراً منها.
وهنا صاح أبو سفيان: لا أستطيع الانتظار، إني على سفر كما أخبرتك؛ فلتكن هي، عليك وعليها لعنة هبل والآلهة أجمعين.
واتجه أبو مريم إلى زاوية في الحانة فبسط فيها حصيراً وأسدل ستاراً لا يحجب الرؤية تماماً عن إزاء النظر الی ما وراءه.
وبعد أن انته من ترتيب (المخدع) عاد إلى حيث كان أبو سفيان بانتظار سمية.
قال ابو سفيان وكأن أمراً مهماً خطر في باله! لشد ما ارتفعت أجور البغاء يا أبا مريم: هنا في الطائف وحتى في مكة، الأجور تزداد رغم ازدياد الدور التي ترفع الأعلام على واجهاتها
.
قال أبو مريم: إن أمرك غريب يا أبا سفيان! أما يشغلك عن حديث البغاء شيء؟! أما يشغلك ما يجري الآن في مكة من هذا الدين الجديد الذي يكسب في كل يوم أتباعاً وأنصاراً يتفانون في الدفاع عنه، ولا يزيدهم تعذيبكم لهم إلا ثباتاً عليه وإيماناً به، وقد سمعت أن أغلب سكان يثرب أو المدينة كما صار اسمها، من الأوس والخزرج وحلفائهم قد دخلوا فيه وتحولوا مسلمين، ومحمد آمن بينهم يمنعونه مما يمنعون أنفسهم، وهم من تعرف عزّةً وبأساً. وهو يحشد قواه وينظمها وما أظنكم ستنجون مما يريد بكم وستخسرون حتى ما كنتم تكسبون من تجارة البغاء الذي لا تمل الحديث عنه.
وقبل أن ينتهي حديث أبي مريم كانت سمية قد وصلت. وحين رأت أبا سفيان أرادت أن تعود قائلة: والله لو عرفت أنك هو لما أتيت، ثم أضافت: أنسيت يا أبا سفيان فعلك معي في المرة السابقة. لقد بقيت تساوم على أجري تحاول أن تحط منه لولا ما رأيت من جدي في فضحك، فدفعته مكرهاً.
____________________
وأنت يا أبا مريم، أكنت تجهل أبا سفيان وما حصل لي معه وأنت تبعث في طلبي، ولست وحدي في ذاك، فكل اللائي يعملن هنا يتحاشينه ويحاولن التهرب منه. هل تعلم يا أبا مريم أن الذي كان معي قبل أبي سفيان قد دفع لي أكثر من أجري تكرماً وسخاء.
هذا هو شأن الرجال، لا يحسبون الدراهم وهم يطلبون النساء، إلا أنت، والتفتت إلى أبي سفيان، مضيفة: لقد احترفت البغاء وهو وسيلتي لكسب المال ودفع الجوع عني وعن أطفالي ولن يهمني بعد، أن يكون أبو سفيان من شيوخ قريش أو من صعاليك العرب فالأمر سواء عندي ولا فرق بين الاثنين إلا فيما يدفعان.
قال أبو سفيان وهو يوجه الكلام إلى أبي مريم: أهذا هو قدر أبي سفيان عندك يا أبا مريم؟! لم يبق إلا سمية تهددني وترفع صوتها في وجهي!
قال أبو مريم: هذا والله ما صنعته بنفسك يا أبا سفيان وكنت غنياً عنه، وأنت وحدك القادر على إزالة آثاره. ثم توجه إلى سمية،
والآن يا سمية! لقد طلبتك لغير الكلام، وأبو سفيان ينتظرك، وقد تعهد ما لا يرزأك شيئاً من أجرك.
قالت سمية: والله ما أبرح مكاني هذا إلى هناك، وأشارت إلى الزاوية التي أسدلت دونها الستارة، إلا بعد أن اقبض أجري كاملاً. لا أطمع من أبي سفيان بزيادة لكني لا أقبل بنقص مهما كان واستدارت لتعود لولا أن يسرع أبو سفيان ويخرج من کيس نقوده، المبلغ الذي طلبته سمية.
وسارت سمية يتبعها أبو سفيان إلى (المخدع) الذي كان قد أعده أبو مريم.
مر على هذه الحادثة أكثر من أربع وأربعين عاماً حين أراد معاوية أن يضم زياداً إلى صفّه بأن يلحقه به.
وكان زياد من شيعة علي وأنصاره وعرف بالحزم والكفاية فاستعمله علي على بعض جهات فارس.
ولم يكن علي يجهل منشأ زياد وأنه ابن سمية البغي، لكنه لم يكن يؤاخذ أحداً ولا يعاقب أحداً بجرم لم يرتكبه هو، حتى لو كان أباه أو أمه.
ما ذنب زياد أن تكون أمه بغياً دفعها الفقر أو أجبرها سيدها على احتراف البغاء، ما دام هو نفسه لم يفعل ما يعاقب عليه الدين أو ترفضه الأخلاق. وكانت سيرة زياد رضية، لم يتهم بفساد ولا بخيانة فيما أوكل إليه من أعمال، ولم يسمع من الناس شكوى ضده.
وحين اغتيل علي بقي زياد على ولائه له متحصناً في قلعة من قلاع خراسان، رافضاً البيعة لمعاوية.
وخشي معاوية أن يجتمع إلى زياد باقي الشيعة وهم ما يزالون يمثلون في ذلك الوقت قوة كبيرة، وإقليم خراسان بعيد عن دمشق، وهو إقليم كبير وعر المسالك لا يوصل إليه بسهولة وقد لا تكون الحرب فيه مضمونة النتائج.
وبدأ معاوية يخطط للتخلص من خطر زياد وكانت أمامه سمية وما كان منها مع أبي سفيان في حانة أبي مريم قبل أربعين عاماً. فماذا لو سلك إلى زياد هذا السبيل الذي لن تکلفه شيئاً، لكن قد يجنبه الكثير مما يحذر ويخاف من أمر زياد، وتأكيداً لذلك فقد اصطنع رواية استلحاق زياد وربط نسبه به، ولم يكن شيء أسهل من اصطناع الأحداث والأخبار في ذلك الوقت، حتى أن الأحاديث كانت تختلق وتضاف إلى النبي محمد عن طريق رواة كثيرين.
وهذه الرواية تقوم على أنّ زياداً تكلم يوماً في مجلس عمر بن الخطاب وهو صبي فاستحسن الحاضرون كلامه، فقال عمرو بن العاص وكان حاضراً: لله هذا الغلام لو كان أبوه من قريش، إذن لساق العرب بعصاه. فقال أبو سفيان أنه من وضعه في رحم أمه.
وتمضي الرواية فتضيف: أن علياً خوف أبا سفيان أن يناله عمر بشر لو سمع قوله هذا؛ فسكت أبو سفيان وكف.
وسارت الرسل من معاوية إلى زياد ترغبه وتغويه وتذكره بصلة الرحم بينه وبين معاوية، وبأنه لن يكون بعد الآن، ابن سمية وإنما ابن أبي سفيان وأخاً لأمير المؤمنين وخليفة المسلمين.
وشاعت أخبار الاستلحاق. وفي إحدى حانات دمشق، كان يدور هذا الحوار بين عدد من الأصدقاء اجتمعوا حول مائدة في طرف منعزل من الحانة.
قال أحدهم وهو يتلفت يميناً وشمالاً: هل سمعتم؟! ما هذه البدعة الجديدة التي جاء بها معاوية؟!
قال الآخر: عن أية بدعة تتحدث، فما أكثر بدع (أمير المؤمنين)؟!
إن له في كل يوم بدعة أو أكثر، وإني لأتساءل كيف رضي أهلنا في الشام أن يتابعوه وينضموا إليه في حربه مع علي، وهو من لا يقاس به على أي وجه من الوجوه. كيف استطاع أن يخدعهم ويجرهم إلى صفه؟! أتراهم آمنوا به حقاً أم أن مصالح الكبار التمت مع مصلحته؟
ولكن دعنا من هذا فحديثه طويل. لقد كانت مؤامرة كبيرة على الإسلام، شارك فيها الكثيرون قبل أن تصل معاوية الذي سارع الی استغلالها. ماذا عن هذه البدعة الجديدة التي تتحدث عنها؟
قال الأول بعد ما أفرغ بقية الكأس في فمه لقد ادعى معاوية أن زياداً هو ابن أبي سفيان.
قال الثالث وعلامات استفهام كبيرة ترتسم على وجهه: أي زياد تعني؟ ابن سمية البغي!! هذا الذي لم نكن نعرفه إلا زياد بن أبيه، أصبح زياد بن أبي سفيان! ولكن لماذا العجب فصاحبنا لا يتحرج من فعل شيء إذا رأى فيه مصلحة له.
قال الأول: نعم زياد بن أبيه الذي ما يزال عاصياً في خراسان ويرفض بيعة معاوية. إن رسل معاوية إليه لا تنقطع وعلى رأسهم المغيرة بن شعبة. ثم أضاف: هل تعرفون المغيرة بن شعبة؟ إنه صاحب أم جميل بنت محجن الهلالي، التي اتهم معها بالزنا، وشهد عليه ثلاثة، ولولا أن الرابع أمليت عليه الشهادة إملاء تحت تهديد، ليختل النصاب في جريمة الزنا وينجو المغيرة، لما سلم منها ولأقيم عليه الحد فيها.
قال الرابع: ولكن كيف ثبت لمعاوية أن زياداً هو ابن أبي سفيان؟ أهناك غير تلك الحادثة التي جرت بين سمية وبين أبي سفيان في حانة أبي مريم، أم شيء جديد لا نعرفه؟ لقد كانت سمية بغياً بل افقر وأرخص بغايا الطائف، وكانت تنام في اليوم الواحد مع الاثنين أو الثلاثة أو الأكثر لا تمتنع عن أحد ولا ترفض أحداً قبل وبعد أبي سفيان، فمن أين عرفت سمية أو عرف أبو سفيان أن زياداً منه وأنه هو الذي قذفه في رحم أمه؟ أكان أبو سفيان قد تزوجها سراً؟ أكان زياد ثمرة زواج غير شرعي ليمكن ادعاء بنوته واستلحاقه فيما بعد كما يحصل بعض الأحيان؟ إنه ابن بغي محترفة. هل تعرفون معنى بغي؟!
والله ما أظن إلا الله وحده - عالم الغيب - يعرف من هو أبو زياد.
قال الثاني وهو يملأ كأسه: ولكن لماذا لم يدع أبو سفيان بنوة زياد وهو أولى به وأقرب من معاوية، لو كان ذلك حقاً؟ أليس الأب أقرب من الأخ وأعرف؟! أليس غريباً ان يترك الأب ابنه فلا يعترف به، ثم يأتي الأخ بعده بسنين طويلة ليدعيه؟! قال ذلك وأفرغ الكأس في جوفه، وضحكة ساخرة قد ملأت ما بين شفتيه.
قال الأول مجيباً على هذا التساؤل الذي بدا وكأنه موجه إليه:
يقولون إن أبا سفيان خاف عمر لو أنه أقر ببنوة زياد فلزم السكوت.
ويبدو أن هذا الجواب قد استفز الآخرين وأثارهم فقالوا بصوت واحد: وهل صدقت ذلك؟ وهل هناك من يصدق ذلك إلا أن يفقد عقله. لقد قتل عمر كما نعرف سنه ٢٣، وعاش أبو سفيان بعده أكثر من ثماني سنوات في خلافة ابن عمه عثمان. فلِمَ كتم الأمر كل هذه المدة وقد مات عمر ولم يعد موضع للخوف منه، والخليفة عثمان والحكم فيه لبني أمية، وأبو سفيان شيخ بني أمية وكبيرهم في ذلك الوقت، ولا شيء يمنعه من الاعتراف بزياد لو أراده.
وكان عمال الحانة قد بدؤوا في إطفاء الأنوار، إشارة إلى قرب إغلاق الحانة وتنبيه روادها إلى الإسراع في مغادرتها.
نهض أحد الأربعة متثاقلاً وتبعه الآخرون وهم يرددون: لعنة الله على من أفسد جلستنا هذه الليلة؛ أبو سفيان يزني وأمير المؤمنين يتاجر بزنا أبيه ونحن ندفع الثمن.
الفصل الثاني والعشرون
أمير البصرة
أصبح زياد بن أبيه الآن: الأمير زياد بن أبي سفيان. حذف (أبيه) من اسمه الذي كان يعرف به على امتداد حياته، كما لم يعد ذكر لسمية أم زياد إلا عند الحديث عن ماضيه.
وكان فعل معاوية هذا موضوع احتجاج واستنكار من جميع المسلمين لمخالفته أحكام الدين، وموضوعاً طريفاً للشعراء ليتناولوا به الاثنين: معاوية وزياد بالهجاء اللاذع والسخرية المرة. حتى بنو أمية أنفسهم رفضوا ذلك وأنكروه واعتبروه سبة وعاراً لحق بهم. لكن معاوية لم يكن يبالي بإنكار المسلمين أو سخرية الشعراء أو رفض بني أمية، وهو لم يدخل الإسلام إيماناً به وإنّما تحقيقاً لأطماع أصبح واثقاً أنه لن يستطيع تحقيقها إلا بأن يعلن إسلامه بعد ما فتحت مكة ودخلها المسلمون منتصرين وصحت الأمور بشكل نهائي لصالحهم. ولم يعد أمام معاوية وأبيه ومن كانوا على نهجه إلا أحد خيارين: أن يدخلوا الإسلام ما دام لهم متسع الآن فيه، أو أن يخسروا كل شيء: الحياة والجاه والنفوذ بعد أن سبقهم من سبقهم إلى الدخول في الإسلام الذي بسط سيطرته على الأرض العربية وأصبح غنياً عنهم وهو يزاداد قوة واتساعاً بهذه الأعداد الهائلة من الداخلين الجدد فيه.
لم يكن معاوية يفكر كمسلم وهو يستلحق زياداً ويدعيه أخاً له. بل لم يكن يفكر حتى في العار الذي سيلحق أباه وهو يجعل منه مجرد زان رخيص لا يفكر بغير البغي، أينما حل. لقد تحول أبو مريم، وحانته وسمية إلى أبطال قصة طريفة في تأريخ الإسلام.
قال أحد الخبثاء لصاحبه وهو يرى زياداً خارجاً من دار الإمارة في البصرة في موكب كبير، والحرس يسعون بين يديه وسادات العرب وزعماؤهم يمشون خلفه: ليت سمية حية اليوم لترى ما لم تكن تحلم به، ولا من هن خير منها من عقائل العرب. وما أظن صاحباتها في حانة أبي مريم إلا ينظرن إليها الآن بحسد وغيرة، ويتمنين لو كن تعاملن معها بأفضل مما فعلن.
قال صاحبه بكل برود وكأنّ الحديث لم يحرك فيه شيئاً: أترى سمية هي الوحيدة فيما تعجبت منه؟! وماذا كانت تفعل النابغة بنت حرملة أم عمرو بن العاص غير ما كانت تفعله سمية؟! لم تكن أكثر من بغي فقبل العاص بن وائل بنوة عمر الذي أصبح اسمه عمرو بن العاص. هل تعرف أن معاوية أعطاه مصر طعمة؟ مصر كلها بأهلها وأرضها ومائها وسمائها، لقاء انضمامه إليه في حربه ضد علي؟! هل سمعت بمثل هذا في حياتك؟! هل تحولت البلدان إلى أشياء توهب وتهدى وتطعم في غير عهد معاوية؟! لقد نقم المسلمون على عثمان أيسر ما يفعله معاوية الآن.
قال الأول: لقد كان الفساد قبل معاوية، ولم يكن معاوية ليجرؤ على جرائمه هذه لو لم يمهد الذين سبقوه طريقه إليها، ولكن مالك تنتقل بي من موضوع لآخر؟ مالي ولسمية والنابغة؟! مالي ولحديث البغايا والزناة؟! والله لقد كدت تنسيني ما كنت أريد سؤالك عنه. لقد أردت أن أسألك عن قضية يتناقل الناس حديثها هذه الأيام تتعلق بخطبة زياد الأولى في جامع البصرة بعدما عُيّن أميراً لها. لقد كثر الحديث عنها وأريد أن أسمعه منك إن كنت حضرتها أو ممن تثق فيه ممن حضرها.
قال الثاني: البتراء؟! ما أظنك تعني غيرها.
لقد خرجت كعادتي في ذلك اليوم لبعض شأني ففوجئت بحالة لم أرها قبلاً: الشوارع والطرق شبه مقفرة إلا من حرس يجوبونها وسيوفهم مجردة من أغمادها، وعليهم خوذهم قد شدت بإحكام على رؤوسهم، وعيونهم لا تستقر في أماكنها، وآخرين قد أخذوا أفواه الطرق وتقاطعاتها. الناس يسرعون لا أحد يقف إلا من يوقفه الحرس لسبب أو لآخر. لقد منع تجمع اثنين أو أكثر في المدينة التي بدت وكأنها غير البصرة العامرة الصاخبة النشطة. المحال والأسواق مقفلة، لا أحد يبيع ولا أحد يشتري. حاولت أن أعرف ما الذي يجري ففشلت. لمن أتوجه بالسؤال والكل معجلون لا يلتفتون ولا يجيبون لابد أن شيئاً ما، شيئاً خطيراً يحصل الآن، وهو ما أردت معرفته ففشلت. ولا أكتمك، لقد استبد بي الفضول أكثر، خصوصاً وأن الجنود الذين يخطوون أمامي ليسوا من البصرة الذين أعرفهم وأميزهم جيداً، وإنما من جنود أهل الشام الذين يثق فيهم معاوية واعتاد أن يرسلهم كلما حصل ما يقلقه في أي بلد.
وبين الفضول والخوف خطرت في ذهني فكرة، لا أدري كيف خطرت؟ ماذا لو تصنعت أني من أهل الشام وأني جئت البصرة في عمل لي.
واتجهت إلى واحد من الحرس في مغامرة غير مأمونة. فأي عقاب سأتعرض له لو اكتشفوا حقيقة أمري وإني أكذب عليهم وأخدعهم؟! إن حياتي ستكون في خطر، فربما حسبوا ذلك مؤامرة تستهدف الأمير، وإنني كنت أستطلع الخبر لإبلاع من أرسلوني من أعدائه، خصوصاً وأن أهل الشام يستطيعون معرفه بعضهم عند أول كلام بينهم، ثم إن أي شامي يعرف مهمة الجيش هنا ولا حاجة له بالسؤال عنها.
الوجه عابس كأن له أعداء مع كل الناس، حتى مع الأرض التي يطؤها بحذائه. ومشية رتيبة بخطوات كأنما حسب بدقة ما بينها وبين شيلاتها، وعيون مصوبة إلى كل مكان تدور بين اليمين والشمال وإلى الخلف أحياناً.
وما أن اتجهت إليه حتى أشرع رمحه نحوي، فعدة السلاح من سيف ورمح وترس وغيره كاملة لدى جميع الجنود، كأنهم يتهيؤون للدخول في حرب. قلت وأنا أصطنع الهدوء وأتقدم بحذر: شامي مثلك. لست عراقياً ولا بصرياً فأحسست أنه اطمأن قليلاً وزال عنه تشنجه وعبوسه. ثم أمال رمحه عني. كنت مضطراً للكذب فالظلم يضطرك أحياناً إليه. ثم أضفت بعد أن دنوت إليه: ما الذي يجري في البصرة، فإني أرى حالة لم أرها منذ وصلت المدينة قبل أيام. أهناك ثورة أو عصيان على أمير المؤمنين، وليس ذلك غريباً على أهل العراق: أهل الثورات على الحكام الذي فرض الله طاعتهم وجعل منها وسيلتهم الوحيدة للرضا عنهم. قلت ذلك وأنا أضحك في سري. ولكن ماذا أعمل في مثل الظرف الذي وجدت نفسي فيه.
قال وقد أنس بي أكثر: إذن أنت شامي من عندنا لا من هؤلاء الذين لو قدرت أن استأصلهم من الأرض لفعلت. ألم تعلم أن الأمير زياداً قادم بعد قليل إلى المسجد لخطبة هي الأولى منذ وصوله، وأن جميع أشراف البصرة ورؤساء القبائل فيها قد احتشدوا هناك. وبينهم الكثيرون من أعداء أمير المؤمنين من الشيعة والخوارج. آه لو ترك لي أمرهم، والله لقتلت حتى أطفالهم، بل لبدأت بأطفالهم حتى يزداد عذابهم كما فعل بسر بن أرطاة مع طفلي عبيد الله بن العباس. ما أحسن ما صنع لقد سحبهما وهما متعلقان بأمهما فذبحهما أمامها، فيقال إنها عميت وجنت. لقد كان على بسر ألا يبقى طفلاً من هؤلاء، سيكبرون يوماً ويتحولون إلى أعداء.
قلت: لكنهم أطفال وربما سيعلمون أن أمير المؤمنين معاوية هو صاحب الحق والأفضل والأولى بالخلافة، وأن علياً خارج على الخليفة الشرعي ومعاد للإسلام ومحارب له. سيعرفون ذلك يوماً، لابد أن يعرفوه، وسينضمون إلى قواتنا التي تحارب، بعيداً عن الأهل والوطن، دفاعاً عن الإسلام ضد أعدائه والخارجين عليه.
قلت: ومتى سيلقي الأمير خطبته؟
قال: بعد قليل. وها نحن نجوب الطرق التي سيسلكها الأمير في طريقه إلى الجامع.
قلت: والجامع نفسه، هل أمنتموه ضد من قد يحاول القيام بعمل، سهم أو سيف أو سكين أو أي شيء مما يمكن استعماله في الاعتداء على الأمير أو حاشيته؟
قال: إن الحرس مقيم في الجامع منذ الأمس، لم يتركوا مكاناً ولا زاوية إلا فتشوها.
قلت: والذين سيحضرون؟
قال: لا يسمح بدخول أحد دون تفتيش، إلا من عرفناه من أصحابنا وأنصارنا، خصوصاً أهل الشام.
قلت: إذن ضمنت دخولي الجامع وسماع أول خطبة للأمير. ولو كان أحد من أهل العراق يشكر لشكرت هذا العراقي الذي جاء بي إلى هنا للمطالبة بديني عليه. لكم أنا سعيد بأن أرى جيش الشام على أرض العراق. ما أبعد الشام وما أشوقني اليها!
قال: والله إني لسعيد بك فهل من خدمة أؤديها إليك.
قلت: حضور الجامع لسماع خطبة الأمير خصوصاً وأنا في البصرة، وهذه فرصة قد لا تتاح لي فيما بعد.
قال: ليس الأمر إلي ولكني سأسعی لدى من يملك الأمر فابق مكانك، فلن أتأخر عليك.
وغاب عني دقانق عاد بعدها ليقول: هذا إذن لك تستطيع أن تدخل به آمنا.
شكرته مودعاً واتجهت إلى الجامع وبالباب لم يستوقفني أحد وهم يرون الإذن، فدخلت وأخذت مكاني قريباً من المنبر.
وبعد قليل لاحظت حركة غير طبيعية فعلمت أن الأمير قد وصل.
واتجه زياد إلى المنبر والحرس من أمامه ومن خلفه وعلى جنبيه لا ترى من وجوههم غير أعينهم، يذودون الناس عنه ويفسحون طريقه، والجموع قد ملأت ساحة الجامع حتى لم يبق مكان لمن يأتي، وإن كان دخول الأمير يعني منع من يأتي بعده.
كان الحرس على استعداد تام، وعلى شرفاته انتشر عدد منهم: سهام ورماح ونفط ومشاعل جاهزة.
ورأيتني أردد مع نفسي: ولم كل هذا؟ الخوف من الناس؟! ماذا لو عدلوا واستقاموا! إذن لكانوا في غنى عن كل هذا؛ لكانوا هم والناس في أمن وعافيه، لا يخاف أحدهم الآخر ولا يحذر أحدهم الآخر.
قال الأول: وماذا بعد؟ وعني مما كنت تردد مع نفسك، وحدثني عما جرى بعد:
قال الثاني: والله لكان ما حصل كان في الأمس القريب. إني لأراه الآن وقد صعد المنبر فلم يحمد الله كما جرت العادة من قبله ومن بعده، حين يريد الولاة أن يخطبوا، حتى لو كانوا فساقاً وفجرة، وحتى لو كانوا غير مؤمنين أصلاً، فللمنبر حرمته وتقليده.
وذهل الناس وتشاءموا من خطبة لا يحمد الله فيها. ثم مضى زياد خطبته فلم يدع تهديداً يمكن أن يوجهه إلى الناس إلا وجهه. هل سمعت قبل زياد من يقول: (لآخذن البریء بالمذنب والمقبل بالمدبر والمقيم بالظاعن والصحيح بالسليم...). (... إن لي فيكم صرعى كثيرة فليحذر كل امرء منكم أن يكون من صرعاي...). وهو في تهديده ذاك لا يعوزه أن يؤكده بالقسم بالله، فكأنه يريد أن يزيل أي شك فيما ينوي فعله، والله برئ منه ومن قسمه.
هل سمعت بمثل هذا التهديد من والٍ غير زياد؟! هل سمعت بمن (يأخذ البريء بالمذنب والمقبل بالمدبر...) من والٍ في غير عهد معاوية الذي لا يعين فيه الولاة ولا يتقدمون إلا بمثل هذا الظلم والتعسف والقهر؟!
لقد كان الناس يريدون أن يسمعوا من يمسح جراحهم ويواسي ضعافهم ويعيد الطمأنينة إلى نفوسهم، لا أن يرهبهم ويزيد خوفهم ويثير الكامن من أوجاعهم وأحقادهم، سيما وأن زياداً يمثل حكماً غير شرعي، في بلد لا يجهل حكامه، ولا كيف استولوا على الحكم وتسلطوا على الناس، ابتداء من معاوية وحتى (ابن أبيه) الذي يبدو أنه شديد الحرص على أن يذكر الناس دائماً بأصله.
ثم هو لا يكتفي بذاك ولا يقف عنده فيصف نفسه ومن ولاه ومن شاركه بأنهم يحكمون بسلطان الله الذي منحهم إياه. هل رأيت؟!
زياد ابن سمية البغي يصف نفسه بأنه يمثل الله ويحكم بسلطانه؟!
هل تعرف واليا يقتل الناس على الظنة والشبهة غير زياد وأمثال زياد من عمال معاوية؟! والله لو كان الناس عبيداً لهم لما جاز لهم أن يفعل فيهم بعض ذلك.
لقد جاء زياد وهمه عدوان يريد أن ينتقم منهما وينكل بهما بكل ما ما أوتي من سلطة ونفوذ وبكل ما يملك من أساليب القهر والارهاب، هما: الشيعة ثم الخوارج.
ثم التفت إلى صاحبه قائلاً: هذا هو حديث الخطبة البتراء التي سألتني عنها، حديث مؤلم طويل من أحاديث مؤلمة طويلة، ما أحسبها ستنتهي إلا بانتهاء الحكم نفسه.
وكأنه أراد أن يعرف ما أحدثه كلامه من تأثير لدى صاحبه، فأضاف بلهجة المستفهم: ما رأيك فيما سمعت؟ أريد أن أعرف رأيك فيه فكفاني كلاماً وكفاك صمتاً.
قال صاحبه دون أن يبدو عليه الانفعال الذي كان محدثه ينتظره منه. اسمع يا صاحبي. إن أخطر ما يكون الإنسان حين يشتری منه ضميره فيتحول من عقيدته إلى أخرى مضادة معاكسة على الأغلب.
إنه سيجتهد ما يستطيع في محاربة أصحابه القدماء، والتنكيل بهم واستعمال أقسى أساليب العنف معهم.
وهو لن يجد صعوبة أوعسراً في معرفتهم، وكان منهم وعمل معهم. فحين ينقلب عليهم، لن يخطئ أحداً منهم ولن يرحم أحداً، وسيتجاوز حتى ما كان يريده الذين اشتروه. كل ذلك وهو يحاول أن يخدع نفسه، حتى لا يبدو صغيراً وحقيراً أمامها، بأنه لم يترك عقيدته الأولى ولم يتحول عنها إلا عن قناعة وإيمان، داخليين، لا مقابل الثمن الذي دفع له. فهل علمت الآن لِم لم أنفعل ولم أتأثر كما كنت تتوقع. إن دون الثمن الذي دفع لزياد ما أغرى ويغري الكثيرين بفعل ما فعله.
قال الآخر: ما أرى الحق إلا معك: من (ابن أبيه) إلى (ابن أبي سفيان) ومن صبي بائس معدم إلى أخٍ لأمير المؤمنين وأمير العراق. لا أدري إن كان على المسلم أن يضحك أم يبكي وقد وصلت الأمور إلى هذا الحد. قال الثاني لن يغير ذلك شيئاً فاضحك إن شئت أو ابك، وأظن الضحك أفضل هنا، وقد قيل شر البلية ما يضحك، وليس مثل البلية التي جاءت للحكم بمعاوية وأصحابه.
الفصل الثالث والعشرون
مقتل حجر بن عدي
كان زياد يزداد سروراً وانبساطاً كلما مضى أكثر في قراءة الرقعة التي بين يديه.
وما انتهى من قراءتها حتى قال مخاطباً الحاضرين: بارك الله في أبي بردة. هكذا فلتكن الشهادة. لقد أغلق كل منفذ يمكن أن يبعد القتل عن حجر. والله لو أردت أنا أن أكتب مثل شهادته لما قدرت. لقد أحكم الطوق على عنق حجر وأصحابه، واستحق بذلك جائزة الأمير، وبعدها، جائزة الخليفة، والله يعلم ماذا ستكون. وإذا كان لأحد منكم أن يضيف شيئاً مما لم يذكره أبو بردة - وما أظنه ترك شيئاً يمكن أن يضاف - فليقله قبل أن نختمها ونرسلها إلى أمير المؤمنين في دمشق.
وكان عدد من رجال أهل الكوفة ورؤوس قبائلها قد دعوا إلى قصر الإمارة في الكوفة دون أن يعرفوا أسباب الدعوة.
همس أحد الحاضرين في أذن من كان إلى جنبه، وهو يسمع كلام زياد: ترى عماذا يتحدث الأمير وعلى ماذا سنشهد؟! ألهذا دعينا؟ إننا لم نرشيئاً ولم نعلم شيئاً من حجر وأصحاب حجر غير كل جميل. ما الذي طالب به حجر وأصحابه غير ما يطالب به كل الناس من العدل والإنصاف وتعجيل أرزاق الناس؟! فهل لهذا استوجب حجر القتل؟ وهل على هذا يجب أن نشهد؟!
قال صاحبه: أما أنا فلا مفر لي من الشهادة وإلا المقتل. ألم تسمع الأمير يطلب المزيد ممن يستطع المزيد؟! لقد قرّر أن يقتل حجراً وجميع من هم على مذهب حجر من أتباع علي، إنه يعرفهم جيداً، أنسيت؟! لقد كان حتى وقت قريب من أشدهم بغضاً لمعاوية وتحريضاً عليه، لكنها الأمارة تقلب القلوب وتبدل الأفكار وتعمي البصائر.
والله ما أظن زياداً تاركنا قبل أن يأخذ تواقيعنا، شئنا أم أبينا. ماذا يعني له ولمعاوية أننا نشهد على ما لم نر ولم نسمع، وهم يعرفون ذلك مثلما نعرف؟ أتراهم سيتركون حجراً لو امتنعنا عن الشهادة، أو لو شهدنا بعكس ما يريدون مما نعرف من أمر حجر؟! متى كانت شهادة الناس ذات قيمة فيما يريدون؟!
قال الأول: وماذا لو رفضنا أن نشهد ونحن صادقون في ذلك، إننا لم نر من حجر إلا خيراً؟ كيف نشهد على رجل نعلم أن شهادتنا ستتخذ وسيلة لقتله، ولم نعرف منه إلا ما يستوجب الحمد والثناء أهذا هو جزاء الرجل منا. ولكن هل سيتركنا ابن أبيه وشأننا: نشهد بما نعرف لا بما يأمر. ما أحسب هذا الدعي سيترك لنا إلا خياراً واحد، وليس خياراً حين لا يكون أمامك غيره. ليس هذا أول ظلم من حكام معاوية، وليس هذا أول ضعف منا لهم وتأييد لظلمهم ورضا به. والله لو اتفقنا يوماً ورفضنا ما يدعونا إليه، لما استطاع منا ما يستسهله اليوم. إن اختلافنا وتفرق كلمتنا هو ما يقويه ويغريه ويغري سواه بنا. ولكن ما العمل إذا قال التميمي نعم، قال الأزدي لا. وإذا وافق الربعي خالف القيسي.
لقد استفاد الحاكم من اختلاف قبائلنا، وربما قلت إنه هو وراء اختلافها وتأجيج العداء بينها وإحياء ما مات من أسباب عدائها وخلق أسباب جديده لإثارة العصبية بينها، وإشعال نارها كلما انطفأت أو كادت. لقد عشت زمناً في الجاهلية فلم أعرف مثل هذه العصبية التي نعيشها اليوم.
ثم أضاف: هل سمعت بهذا التقسيم القبلي الجديد في الكوفة (الأرباع) حيث يضم كل (ربع) قبيلتين مختلفتين لا صلة لإحداهما بالأخرى كمذحج القحطانية اليمنية وأسد العدنانية. ثم لا يكتفون بذلك بل يأتون برئيس لهما ينصبونه هم ولا يكون من إحدى القبيلتين، كما رأسوا أبا بردة الذي كتب الشهادة ضد حجر، عليهما ولم يكن من إحداهما. إنها سياسة خبيثة مدبرة، فهم يعرفون الخلاف بين مذحج وبني أسد المختلفتين في كل شيء منذ الجاهلية. ثم ينصبون عليهما رئيساً من غيرهما - أبو بردة ابن أبي موسى الأشعري - فيكونون بذلك قد ضمنوا الخلاف الدائم بين القبيلتين الممثلتين للربع كما ضمنوا في نفس الوقت الخلاف بينها وبين رئيس الربع: كل يخاف الآخر، وكل يريد أن يكون صاحب الخطوة لدى السلطة دون الآخر فيسهل بالتالي إخضاعهم جميعاً. أرأيت؟! إن هذا التقسيم أحد أقوى أسلحة معاوية للبقاء في الحكم، وكان من بين ثماره الشهادة - الفضيحة - التي كتبها أبو بردة وأشار بها زياد
.
____________________
قال الثاني وهو يميل برأسه نحو محدثه ويخفض من صوته: والله لو سمعك أحدهم الآن لما أظنك ستنجو من مصير كمصير حجر، فقد يدبر لك زياد تهمة وما أسهل التهم عنده، وشهوداً وما أكثرهم، وأنت تعرف الباقي مما ينتظرك. أنت حر يا صاحبي فيما اخترت لنفسك. أما أنا فسأشهد كما يريد زياد، وأشهد الله على أني لم أرَ ولم أسمع شيئاً مما شهدت عليه، لكنه الخوف.
قال الأول: أتخاف زياداً ولا تخاف الله رب زياد ورب معاوية؟!
قال الثاني: إن الله يعفو ويغفر، وهؤلاء لا يعفون ولا يغفرون. إن الدم عندهم أسهل شيء وأحب شيء، لكأنهم من عشاقه.
وفي هذا الوقت وصلت الرقعة التي تحمل أسماء الشهود.
وأسرع الاثنان إلى وضع شهادتهما في صمت، وكل ينظر في وجه الآخر، ولم يكن قد مضى على حديثهما السابق إلا لحظات.
كانت الرقعة تحمل شهادة سبعين رجلاً - من غير رؤساء الأرباع - فألغى زياد شهادة بعضهم ليبقى من السبعين ثلاثة وأربعون (شاهداً) اكتفى بهم زياد.
وبين الشهود الذين ثبتت شهاداتهم عدد من أبناء الذين حاربوا علي بن أبي طالب في الجمل كأبناء طلحة والزبير وبينهم من حاربه أو خرج عليه في صفين كابن أبي معيط أو شبث بن ربعي أو مصقلة بن هبيرة الذي التحق بمعاوية في قضية معروفة، وشمر بن الجوشن وعمر بن سعد اللذين كانا من أكبر المشاركين في مقتل الحسين بن علي. ليس فيهم من لم يكن عدواً لعلي أو مبغضاً أو محرضاً على أنصاره، إلا أشخاصاً وضع زياد أسماءهم، ربما للتمويه، ولم يكن في حاجة إليه.
وفي السجن كان أربعة عشر رجلاً من خيار المسلمين وصالحيهم يرسفون في قيودهم منتظرين أمر الحاكم، لا بإخراجهم من السجن الذي لم يفعلوا ما يستحقون عليه السجن، بل بتسفيرهم إلى دمشق لينظر معاوية في شأنهم.
وكان زياد حريصاً على أن تقطع أعناق هؤلاء بأسرع وقت، فلم يأت المساء حتى أخرج من السجن اثني عشر منهم مکبلين بقيودهم، والحرس المدججون بكل الأسلحة المعروفة في ذلك الوقت يحوطونهم من كل جانب.
ثم أتبعهم باثنين آخرين كانا قد استبقاهما لسبب غير معروف. فأصبح عدد السجناء المسفرين أربعة عشر رجلاً.
وشاع خبر المسفرين في الكوفة، وشاع معه أسماء الذين شهدوا عليهم من أهلها، ولم يكن من الصعب معرفة أسمائهم، وكان بعضهم معروفاً، وبعضهم يعلنون هم عن أسمائهم تأكيداً لعلاقتهم بالحكم ومكانتهم عنده.
وغضب الناس، وهم في الأصل غاضبون، لكن الغضب وحده لا يصنع ثورة ولا يزيل ظلماً.
وسارع الذين وضعت شهاداتهم دون علمهم إلى إنكارها والتبرؤ منها وهم يعلنون عجبهم كيف وضع على لسانهم ما لم يقولوه ولم يسمعوه ولم يعرفوه. وإذا كان الآخرون قد رضوا بذلك، فإنهم يرفضونه ولا يقرونه مهما كانت النتائج التي ستترتب على موقفهم هذا.
قال السري بن وقاص الحارثي وقد بلغه أنه من بين الشهود: والله لقد وضعت شهادتي وأنا غائب عن الكوفة في عمل لي، ولا أعرف شيئاً مما حصل، وأنتم تعلمون ذلك. أهذه هي الشهادات في زمن معاوية؟! أيقتل خيار الناس بشهادات مزوره لا يعرفها أصحابها؟! ثم مضى حزيناً لا يدري ما يفعل، وهو يرى أن شهادته قد تكون من بين الأسباب ستقتل حجراً وأصحابه دون أن يستطيع منع ذلك.
وقال شريح بن الحارث القاضي: ويلي على ابن سمية! لقد سألني عن حجر فأخبرته أنه كان صواماً قواماً، رجل خير وصلاح. هل يمكن أن أشارك في دم من مدحت أنا دينه وصلاحه؟! أعلى حجر يشهد شريح بن الحارث؟!
وقال شريح بن هانئ: والله ما شهدت ولا ختمت ولا كنت حاضراً مع الذين حضروا وشهدوا. ولقد سمعت أن شهادتي قد كتبت دون علم مني ولا رأي. أين دين هذا الذي يسمح بأن تزوّر الشهادات وتختم دون علم أصحابها وخلافاً لرأيهم. لقد كتبت إلى معاوية أبرأ مما فعل زياد بوضع شهادتي على رجل إن أرادوا شهادتي عليه، فأشهد بأنّه حرام الدم، وأنه من الصالحين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر. الله الله في حجر وأصحاب حجر.
وحين وصل موكب الأسرى دمشق، نصب لهم معاوية مجلساً حضره كبار أصحابه، وهو يريد أن يستفيد من هذه المناسبة، ليستبقي بها ولاءهم له ويرفع في الوقت نفسه من مقامهم عند قبائلهم. فأمر باطلاق عدد من أصحاب حجر بعد أن تشفع لهم وجوه قبائلهم ممن حضروا مجلسه، مع أن المطلق سراحهم سيقوا بتهمه واحدة.
وأراد أحد زعماء كندة - قبيلة حجر - أن يشفع لدى معاوية في حجر فيطلقه كما فعل مع الآخرين، لكن معاوية ردّه ولم يستجب له.
وغضب مالك بن هبيرة وترك المجلس إلى بيته بعد أن أسمع معاوية كلاماً قاسياً وذكّره بمواقف سابقة كانت له ولقبيلته في نصرة معاوية.
وتوقع الناس أن يكون لمالك موقف آخر بعد أن أهين حين قبل معاوية وساطة الآخرين ورفض وساطته. لكن الأمر لم يكن كما توقعوا. ففي نفس الليلة كان هناك من يطرق الباب على مالك حاملاً معه مبلغاً كبيراً من المال، فرضي وعاد إلی معاوية في اليوم التالي ولكن ما الذي فعله حجر وأصحابه ليستوجبوا القتل؟
هل رفعوا السلاح ضد السلطة رغم أنها تستحق أن يرفع السلاح ضدها؟
هل قتلوا أحداً أو اتهموا في قتله؟
هل قطعوا الطريق وأخافوا السبيل؟
لقد أجاب عن ذلك رسول معاوية الذي دخل عليهم السجن ليلاً ومعه عدد كبير من الحرس.
قال: إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له فإن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم، وإن (أمير المؤمنين) يزعم أن دماءكم قد حلت له، فابرؤوا من هذا الرجل - يقصد علياً - نخل سبيلكم.
ولم يكمل هذا حديثه حتى ضج السجن بصوت قوي واحد: لا والله لن نبرأ ولن نلعن إلا أعداءه. لن نبرأ من أول المسلمين وقاتل المشركين، فافعلوا ما أنتم فاعلوه وفي الصباح كانت ست جثث تداس بأحذية السجانين، بعيدة عن رؤوسهم المبعثرة هنا وهناك في جوانب السجن.
وترك عبد الرحمن بن حسان العنزي فلم يقتل مع أصحابه وإنما اقتيد إلى مجلس معاوية ليدور هذا الحوار بين الاثنين.
ـ ايه يا أخا ربيعة ما قولك في علي؟ قال معاوية ذلك، وقد انفرجت شفتاه عن ضحكة فيها الزهو والشماتة وفيها الإغراء بالجواب الذي يريده من هذا الذي يرسف بقيوده، فيكون انتصاراً له أمام أصحابه الذين غصّ بهم المجلس.
قال عبد الرحمن بهدوء وثقة، دون أن يبدو عليه الخوف، وكل ما يحيط به يبعث على الخوف: دعني يا معاوية، لا تسألني فإنه خير لك. وكان ينظر إلى معاوية في تحدٍّ وازدراء.
قال معاوية وقد غاضت الضحكة منه واربدّ وجهه وبدا عليه وكأنه خسر الجولة: والله لا أدعك حتى تخبرني عنه.
قال عبد الرحمن، وكأنه خطيب لا أسير يثقله الحديد ويعلم أن حياته رهن بكل كلمة قد صدرت منه: أشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيراً ومن الآمرين بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس.
ورأى معاوية أن ما أراده من حضوره قد انقلب عليه فانتقل بالسؤال إلى موضوع آخر.
كان يعرف هوى أهل الشام في عثمان فأراد أن يحرج عبد الرحمن أمامهم ويريهم أنه معذور في قتله وقتل أصحابه، فقال له: فما قولك في عثمان؟
وبنفس الإيمان الذي لا يضطرب صاحبه وهو يواجه أصعب المواقف فلا يتردد ولا ينكر متحملاً نتائج ما يعتقد، قال عبد الرحمن: هو أول من فتح باب الظلم وأرتج أبواب الحق. قال ذلك، وهو يعرف ما قصد إليه معاوية من سؤاله.
ونظر معاوية في وجوه الشاميين ثم التفت إلى عبد الرحمن: إذن قتلت نفسك.
قال عبد الرحمن: بل إياك قتلت. ستعلم غداً أينا الأرجح ميزاناً والأقرب إلى الله ورسوله. ثم سقط أرضا من شدة الضرب والدم يسيل من جميع جوانبه.
وفي اليوم التالي، كان عبد الرحمن يساق به إلى زياد في الكوفة ورسالة يحملها من كلّف بتسييره إلى هناك يأمر فيها معاوية زياداً (... واقتله شرّ قتله).
ولم يطل تفكير زياد في (شر القتله) فسرعان ما وجدها. وليس كالمجرمين في اكتشاف وسائل التعذيب!
ففي صباح اليوم التالي كان النداء يعلو في أزقة الكوفة وأحيائها: من أراد أن يرى نهاية الطاعن على الخليفة، الخارج عن الإسلام، فليخرج غداً إلى قس الناطف.
وفي الصباح كانت جموع الكوفيين قد تكاثرت إلى المكان: بين المعلن عن فرحه وبين الباكي لهذا البريء، وبين الساخط الذي يرى فيما يجري إهانة لأهل الكوفة الذين اشتراهم الحكم وتفرقت كلمتهم.
وظهر شخص شاحب اللون، بادية عليه آثار التعذيب، وقد قيدت رجلاه وجمعت يداه إلى عنقه بسلسلة غليظة من الحديد، لا يكاد يستطيع السير فيسقط من الإعياء، ولا يقام إلا بالضرب، ينهال عليه ممن كلفوا به.
وانتهى به السير إلى حفرة عميقة كان رجال زياد قد انتهوا لتوهم من إكمال حفرها، وأوقف عبد الرحمن على حافتها.
قال له زياد: والآن ماذا تقول في علي؟
قال عبد الرحمن، وكأنه قد استعاد فجأة قوّته ونشاطه: والله لقولي فيه الآن خير من قولي فيه قبل الآن. والله لم يعرف المسلمون بعد نبيهم خيراً منه.
ولم يبلغ عبدالرحمن آخر كلامه، حتى كان اثنان من رجال زياد يقفان خلقه قد دفعاه بقوة ليهوي إلى قعر الحفرة، وأسرع آخرون إلى التراب الذي أخرج من الحفرة فهالوه عليه.
وكان عبد الرحمن بن حسان العنزي أول من دُفن حياً في الإسلام.
الفصل الرابع والعشرون
عمرو بن الحمق
أوّل رأس حُمل علی الرمح في الإسلام
لم تعد ليلى تنام إلا بعد أن يرهقها التعب. نوم يقطعه حلم جميل أو حلم مخيف. القلق يمزقها على مصير زوجها الذي لا تعرف عنه شيئاً منذ أن تركهم بعد ما اشتد طلب زياد بن أبيه لأصحاب علي. الأطفال ينامون إلى جانبها: صغيرها معها على نفس سريرها، والآخران: بنت وابن قريباً منها.
وكانت بين اليقظة والنوم حين سمعت طرقاً على الباب، وللحظات خفق قلبها وابتسمت وتزاحمت في ذهنها الخواطر، أيمكن أن يكون هو، جاء يراها ويرى أطفاله بعد كل هذه المدة؟! ستراه، ستشكوا إليه بعده عنها وبعدها عنه. ستشكوا إليه وحدتها ومعاناتها التي لم يخفف منها وجود الأهل الذين كانوا لا يأتون إلا نادراً فالحرس يراقبهم وهم يدخلون وهم يخرجون. ستعانقه بعد مدةً بدت طويلة في عينيها. سيحتضن الأولاد، وسيرى هذا الذي تركه وهو في الأشهر الأولى من عمره، آه ما أحلى أن يصدق حلمي!
ولكن ما للطرق قوياً عنيفاً على الباب، ولو كان هو لكان خفيفاً بقدر ما يسمع من في البيت، حتى لا يسمع أحد غيره فيشي به؟!
دارت كل هذه الخواطر في ذهنها وهي تتجه إلى الباب الذي اشتد طرقه.
لم يعد هناك ما يداعب أحلامها بأن الطارق هو عمرو كما كانت تفكر قبل قليل بأنها ستسعد بلقائه الذي انتظرته طويلاً. إنه ليس هو. إنهم هم، الأمر واضح الآن.
وفتحت الباب بيديها المرتعشتين ووجهها الشاحب، ورأسها إلى الخلف حيث يرقد أطفالها.
قالت وهي ترى الحارسين المدحجبين بكل آلة الحرب: لعلكما مخطئان فيمن تطلبان، فليس في البيت غيري وغير أطفالي الثلاثة
وحين أرادت أن تغلق الباب وتعود، أسرع أحد الحارسين فجذبها بعنف قبل أن تغلق الباب.
قالت وهي ترتعش من الخوف: ماذا تريدان مني؟ إني امرأة وحيدة هنا، لم أرتكب جرماً ولم أفعل ما يغضب الله. وليس معي إلا أطفالي الذين ما يزالون نائمين.
قال أحد الحارسين وهو يحكم قبضته عليها: ألست ليلى بنت سعد زوجة المجرم عمرو بن الحمق الخالع لطاعة أمير المؤمنين؟ قال ذلك بينما كان صاحبه ينطلق بعينيه نحو البيت وقد جرد سيفه تحسباً لأي طارئ.
قالت: بلى أنا هي، ولا أعلم عن عمرو إلا ما تعلمان. والله لا أدري أين هو الآن. دونكما البيت ففتشاه إن كنتما في شك مما أقول.
وقبل أن تنتهي من كلامها، كانت ضربة قوية من أحدهما قد أسالت دمها فنشفته بطرف كمها وهي تقول: دعوني إذن أودع أولادي فربما لن أراهم بعد الآن.
قال الآخر: ادخلي، وهو يسبقها إلى البيت، وبقي الآخر عند الباب يقوم بمهمة المراقبة.
واستيقظت البنت على صوت الحارس الخشن وهو يهدد أمها ويستعجلها الخروج. لم تستطع الكلام من الخوف، كان جسمها يرتعش ودموعها تسيل. ودنت أمها منها تقبلها وقد اختلطت دموعها بدموع ابنتها، والحارس يقف قريباً منهما يستمع ما تقولان. أوصتها بأخويها ثم قبلتها وقبلت أخاها الذي كان ما يزال نائماً، قبل أن تصل إلى الصغير الذي رفعته إلى صدرها لا تريد أن تفارقه، وعيناها وشفتاها تتقاسمان الدمع والتقبيل. ثم أعادته إلى فراشه بعد أن هددها الحارس بأنه لن يسمح لها بأكثر مما سمح لها من وقت، وأنها قد تتعرض هي أو أطفالها للأذى إن لم تسرع بالخروج.
كان منظر الحارسين يثير الريبة والرعب في قلبها المضطرب. أرادت أن تسأل إلى أين يريدان بها، لكن الکلمات تتقطع على شفتيها.
ثم تمالكت نفسها وسألت بصوت لا يكاد يسمع وعينين غائرتين لا ينضب منهما الدمع، ووجه يزداد شحوباً كلما ابتعدت عن البيت: إلى أين أنتما ذاهبان بي؟! ما هي الجريمة التي ارتكبتها؟ أقسم بالله ورسوله إني لم أفعل شيئاً مما تؤخذ امرأة بسببه.
قال أحدهما بصوت خشن جاف: لسنا إلا رسل أمير المؤمنين. إنه الذي بعثنا بطلبك، ومن الأفضل أن تتوجهي بالسؤال إليه.
وقال الآخر بلهجة ساخرة وتهكم واضح: لعله يريد أان يتزوجك! ألا يسرك أن تكوني زوجة أمير المؤمنين؟!
وعلت ضحكة هستيرية من الاثنين.
وسكتت المرأة على مضض وابتلعت ما كانت تريد من لعن (أمير المؤمنين) الذي سلّط مثل هؤلاء المتوحشين على أمور المسليمن، وهو أولى أن يسمى أمير المتوحشين لا أمير المؤمنين.
وأمام قصر كبير عالي الأسوار يحيط به رجال مدججون بمختلف الأسلحة، كانت ليلى تدفع بعنف لتودع في غرفة لم تكن إلا سجناً صغيراً أعد لها فيه.
كانت ليلى تفكر بأطفالها الصغار. ماذا ستقول ابنتها حين يسألها أخوها عن أمهم عند ما ينهض في الصباح؟ كيف هم الآن؟ وهذا الصغير الذي لم يتجاوز شهوره الأولى؟ إنه لا يملك إلا البكاء يعبر به عن غياب الصدر الذي كان يحتضنه وعن اليدين اللتين كانتا تلامسان جسمه برفق، وعن وجه غاب عنه لم يألف غيره.
كانت تذكر ذلك فيغلبها البكاء.
وهذا الحبيب؟! أين هو الآن؟ في أي أرض يعيش، إن كان ما يزال حياً؟ لابد أنه يعاني ما أعاني. ماذا فعل ليشرد عن أهله وبلده؟ هل ستراه يوماً؟!
وكان عمرو بن الحمق قد خرج هو ورفاعة بن شداد لما اشتد زياد في طلب أصحاب علي فنزلا المدائن، وخشيا أن يسعي بهما من يعرفهما فيها، وهما ليسا بعيدين عن عيون زياد التي لا ترحم، فارتحلا منها إلى أرض الموصل، فهي أبعد، وربما أكثر أمنا مما خلفا.
قال عمرو يكلم رفاعة وهما في الطريق إلى الموصل: أيأمن القاتل والسارق وقاطع الطريق ولا يأمن عمرو ولا رفاعة، ولا ذنب لهما إلا أنهما يحبان علياً! ومن مثل علي؟! والله لو قطعوني ما غيرت رأيي فيه ولا تحولت عنه ولا برئت إلا من أعدائه. أمن علي الذي ما قام الإسلام إلا بسيفه يريد ابن هند أن نبرأ؟! أليس غريباً يا ابن شداد أن يكون مثل معاوية خليفة وأميراً للمؤمنين؟! أكان أحد من المسلمين يصدق هذا لو قلته له قبل اليوم؟! ثم أضاف بصوت حزين: وأنتم يا من جاهدتم وتحملتم وقاتلتم وقتلتم، هل تعلمون أن الذي قاتلتموه وقاتلتم أباه ولعنتم أمه، هو خليفة المسلمين الآن والحاكم فيهم؟!
كان يردد ذاك، وكلما مضى فيه ازداد صوته حزناً وضعفاً.
وفي أقرب مكان من أرض الموصل، نزل عمرو ورفاعة. كان عمرو مريضاً ولا يستطيع مواصلة السير فلجأا إلى جبل هناك كان أول ما صادفهما.
لكن رجال السلطة وعيونها قد أخذوا المسالك والطرق، فما أسرع ما دهمتهما الخيل.
لم يستطع عمرو المقاومة ولا ركوب الفرس لمرضه. وحين أراد رفاعة ان يحارب القوم عنه منعه عمرو، فماذا سيغني رفاعة وهو فرد واحد غير أن يقتل؟!
قال له عمرو وهو يودع رفاعة وقد انحدرت دموعه على وجهه: انج بنفسك إن استطعت فلعل الله يكتب لك السلامة من هؤلاء الظالمين المجرمين، ولا تنس أنك على الحق، أما أنا فما أستعدني بلقاء الله.
إن هي إلا ضربة سيف أو طعنة رمح تكون شاهداً لي في قريب سنلتقي هناك، وسنعلم أينا الأربح صفقة. ثم اختنق صوته فلم يكمل. وأسرع عمارة على فرسه بعد أن شق صفوف المهاجمين، وعيون عمرو تتبعه حتى غاب.
وأخذ عمرو وهو لا يقوى على الركوب من شدة المرض. جاؤوا به إلى عامل معاوية على الموصل عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي. وتسابقت السکاکين إلى جسمه، وكانت واحدة كافية لقتله.
ثم أمر عبد الرحمن فاحتز رأس عمرو وعلق على رمح.
وقبل أن ينقل إلى دمشق، طيف بالرأس في أحياء الموصل وأزقتها ليستمتع أهلها بمنظر هذا الخارج على الإمام.
وفي الطريق بين الموصل ودمشق، كان الأهالي يجبرون على الخروج للنظر إلى رأس عمرو معلقاً على رمح عال يتناوب على حمله رجال غلاظ يحيط بهم عدد من المسلحين، اندس بعضهم بين الناس خشية أن يجرؤ أحد منهم على انتزاع الرأس.
وفي دمشق كان الاحتفال كبيراً بوصول الرأس الذي وضع في أحد جوانب القصر.
نظر معاوية إليه والبشر واضح في وجهه، ثم أسرع إلى الغرفة التي كانت تتمدد على أرضها ليلى.
ترى من الطارق في مثل هذا الوقت: تساءلت ليلى وهي تنهض متثاقلة بطيئة قد أضعفها الهم والمرض، فهي تتكئ على الأرض تارة وعلى الحائط أخرى.
كان الطرق خفيفاً، وصوت وراء الباب يناديها: البشری يا ليلى يرددها أكثر من مرة.
وعادت لليلى قواها فأسرعت تفتح الباب. وما كان أشد مفاجأتها وهي ترى معاوية نفسه يقف أمامها؛ ذهلت وارتبكت ولم تدر ما تقول.
لكن معاوية قطع عليها ارتباكها قائلاً: عندي لكِ بشرى لا تعدلها بشرى.
وقبل أن تسأله عنها قال: هل يسرك أن تري عمرو؟ إنه في الطريق إليك، سترينه بعد قليل، فتهيئي وأحسني استقباله. ثم أغلق الباب وراءه.
وكادت ليلى أن تجن من شدة الفرح؛ لقد عاد إليها زوجها وها هو في طريقه إليها. ربما عفوا عنه. ستعود إلى بيتها. أية مفاجئة لأطفالها وهم يرون امهم واباهم لأول مرة منذ زمن بعيد.
كانت تتصور المنظر فتغمرها سعادة لم تعرفها من قبل. كفكفت دموعها وابتسمت وهي تستعجل الوقت.
لم يبق بينها وبين تحقيق حلمها إلا بقدر ما يطرق عليها الباب ثانية. كانت تكلّم نفسها والفرح يغمرها وعيناها إلى الباب.
وطرق الباب، نهضت مسرعة ويداها ممدودتان لاحتضان الغائب.
وحين فتح الباب كان رأس عمرو لا عمرو، بين يديها!
صاحت من شدة الصدمة: عمرو، ثم سقطت. كان عمرو آخر ما نطقت به.
الفصل الخامس والعشرون
البيعة ليزيد
حوار عند باب القصر
نحن الآن في أواسط عام ٥٦ هـ، قصر الخليفة في دمشق يعج بالحركة على غير العادة. الزوار والوفود من زعماء القبائل ورؤساء العرب لا ينقطعون. لا يكاد يخرج زائر ووفد حتى يدخل غيره. نشاط لم يألفه القصر من قبل.
قال أحد الحارسين الواقفين بباب القصر، وهو يوجه كلامه للحارس الثاني الواقف غير بعيد عنه: أليس هذا الذي خرج لتوّه من القصر هو الأحنف بن قيس؟ أظنني رأيته قبل اليوم في قصر أمير المؤمنين. إن الناس هنا يتحدثون عنه أكثر مما يتحدثون عن أي شخص آخر؛ إنهم يكرهونه ويخشونه ويتهمونه.
قال الحارس الثاني، وهو يعدل وضع قلنسوته على رأسه ويمسك جيداً برمحه: نعم إنه الأحنف، سيد تميم ورجل البصرة. لقد كان من أعداء أمير المؤمنين معاوية وممن خذل الناس عنه بصفين. ولكن ما سؤالك عنه، وما رأيتك تسأل عن أحد، على كثرة الداخلين والخارجين؟
قال الأول: لقد كان عابساً مقطباً حين خرج، ولم يكن كذلك عند دخوله. أيكون قد ساءه شيء من أمير المؤمنين أو من أحد الحاضرين في مجلسه؟ ربما ذكره أمير المؤمنين بموقفه في صفين أو غمزه أحد أصحابنا بقول أو كلمة آذته. فأنت تعرف أن الشاميين لا يطيقون أهل العراق ولا يحتملون رؤيتهم، ما يزالون يذكرون مواقفهم منا، وليس ذلك ببعيد. لقد سالت دماء كثيرة بيننا، والله هو الذي نصرنا عليهم بعد ما كادوا يهزموننا. هل تذكر حين سبقناهم إلى الشريعه في صفين، ومنعناهم الماء حتى كادوا أن يموتوا عطشاً، أو يستسلموا صاغرين، لولا أن شدوا علينا شدتهم المنكرة تلك فكشفونا وأزاحونا عن الشريعة؟ ما كان أقربنا إلى الموت لو أرادوا!
كنا سنموت عطشاً في الصحراء، تأكل لحمنا وحوشها وكواسرها قبل أن تقتلنا سيوفهم ورماحهم. لكن أميرهم: هذا الذي نلعنه كل ساعة، هو الذي منعهم من ذلك وطلب منهم أن يتركوا لنا جزءاً من الشريعة نشرب ونستقي منه. وها نحن أحياء بفضله. إني لأسأل نفسي أحياناً: أي رجل هذا؟! أهناك من يعاف النصر وهو بين يديه لأن الدين والأخلاق يمنعان أن يقتل الأطفال والنساء والبهائم، وليس لهم من ذنب، ولم يفعلوا ما يستحقون به القتل، مع أنه لو فعل، لما كان ذلك إلا جزاء لما أردناه بهم حين ملكنا الماء عليهم. هل تعلم أنني بدأت أشك فيما ينسب إلى هذا الرجل من المشاركة في قتل الخليفة الشهيد عثمان، وأخشى أن نكون قد ظلمناه وحملناه إثم ما لم يفعل. قال ذلك، وهو يدني فمه من أذن صاحبه ويتلفت يميناً وشمالاً وعيناه مصوبتان نحو الباب. ثم أضاف: دعنا من هذا الآن وأخبرني عما يجري داخل القصر الذي نحن من حراسه.
ألا ترى كثرة الداخلين والخارجين من رؤساء العرب ووجوه الناس، على غير العادة؟! إني لأظن أمير المؤمنين يهيّئ لشيء، شيء كبير، فهو يبعت في طلب الرؤساء والقادة يحاول أن يستشيرهم ويعرف رأيهم فيه. ألا تتفق معي في ذلك؟ أي شيء، هذا الذي يفكر فيه أمير المؤمنين؟!
قال الثاني: ومن أين لي أن أخبرك، وأنا معك كل يوم، لا أغيب إلا حين تغيب. ما هو يا صاحبي إلا الظن، وكلمات يقولها بعضهم لبعض همساً وهم معجلون، داخلون أو خارجون، لا أدري إن كنت سمعتها وفهمتها على وجهها. سمعتهم يذكرون يزيد ويمدحونه ويثنون عليه، ويعيبون الأحنف ويسبونه، ويسبون معه أهل العراق. وبين يزيد والأحنف، كان يتردد ذكر أمير المؤمنين معاوية، وأنه صاحب الأمر كله، وواجب على المسلمين طاعته في كل ما يقول ويفعل. أظن... أظن... وتوقف فجأة.
وكان يقطع كلامه كلما أحس حركة قريبة أو رأى أحداً من بعيد، ثم يعود لإكماله بعد ذاك، حتى جاء وقت المناوبة فافترقا، وهو لم يكمل كلامه.
وفي اليوم التالي، كان قد نسي أين وصل في كلامه حين سأله صاحبه أن يكمله.
قال: والله لقد نسيت أين وصلت فيه. هل لك أن تذكرني إن كنت لم تنس أنت أيضاً، فآفة الكلام أن يقطع في كل لحظة.
قال الأول: إنه الحذر يا صاحبي والحذر أو... وأومأ إلى رأسه. لن ينجينا أننا حرس أمير المؤمنين. لقد طارت الوف الرؤوس قبل أن يصبح معاوية أمير المؤمنين، ولا أدري كم من الرؤوس سيطاح بها لكي يحتفظ بإمارة المؤمنين. لقد كنت تردد أمس قبل أن نفترق: يزيد، الأحنف، أمير المؤمنين. ثم (أظن) تكررها، ولا أعرف ماذا كنت تظن، وهو ما أريد أن أعرف، ماذا تظن؟!
قال الثاني: أي والله، هو ما ذكرت، لم يفتك شيء ولم تغفل شيئاً. ثم سكت لحظات قبل أن يقول: أظن الموضوع يتعلق بأخذ البيعة ليزيد خليفة للمسلمين بعد موت أمير المؤمنين أطال الله في عمره وأبقاه. وما هذه الوجوه التي نرى من رؤساء وزعماء، وقادة إلا لأخذ موافقتهم قبل الإعلان عن البيعة.
قال الأول، وهو يحدق في صاحبة مستغرباً: يزيد؟! قال ذلك بصوت عال، ناسياً الحذر الذي كان يتحدث عنه. ربما لأن المفاجئة كانت أكبر من احتماله فأنسته الحذر.
قال الثاني: ويحك أجننت؟! هل تريد أن تقتلنا. أتظن المكان خالياً من العيون، حتى علينا نحن الحرس؟! اخفض صوتك وإلا فإنك لن تسمع من كلمة بعد هذا.
قال الأول: ألا عذرتني إذا صرخت! لقد فاجأتني بأمر ما أظن أحداً يسمع به فلا يصرخ کما صرخت، فيزيد لا يصلح لما دون الخلافة لا الخلافة، أجل مقام عند المسلمين. إن سيرته على كل لسان، وفضائحه لم يبق بين الناس من يجهلها. أترى أمير
المؤمنين يجهل ابنه، والناس كلهم يعرفونه؟! ما أحسبك إلا مازحاً كما عهدتك.
قال الثاني: لا والله ليس في الأمر مزاح. لقد سمعت أن الأحنف، حين أبلغه أمير المؤمنين عزمه على ترشيح يزيد لولاية العهد، قال: نخاف الله إن كذبنا ونخافكم إن صدقنا. وليس هناك من جواب أقوى وأصرح في الرفض من جواب الأحنف هذا.
قال الأول: ولهذا يكرهه أصحابنا. إنه يبقى عراقياً حاقداً على أمير المؤمنين معاوية وعلى يزيد وأهل الشام. وماذا سمعت بعد؟
قال الثاني: وسمعت أن ثلاثة من أصحابنا ردوا على الأحنف رداً غليظاً قد يكون وراء ما لاحظته عليه من تجهم وعبوس وأن يزيد بن المقنع العذري - وهو من قومك وتعرفه جيداً - قال وقد جرد سيفه: هذا أمير المؤمنين، وأشار إلى معاوية، فإن هلك، فهذا، وأشار إلى يزيد، ومن أبى فهذا، وأشار إلى سيفه الذي كان يهزه بقوة في المجلس. وما أحسبه أراد تهديد الحاضرين فقط، وإنما عن طريقهم، كل من يفكر بالاعتراض أو الرفض.
وأحسا حركة داخل البهو فتوقفا عن الكلام واتخذا هيئة الاستعداد، واختفت الابتسامة التي كانا يتبادلانها قبل قليل، لتغيب خلف المغفر الذي لا يبدو منه إلا العينان وهما تقذفان الرعب والخوف، لكن أحداً لم يخرج.
وأخذ الكلام الحارس الأول ليقول:
والله يا عمرو - وهذا هو اسم الحارس الثاني - لا أرى هؤلاء الثلاثة يجرؤون على قول ما قالوا، لو لم يأمرهم بذلك أمير المؤمنين، ليعلن للناس عزمه الأكيد على تنصيب يزيد خليفة بعده. رسالة واضحة تفيد أن ليس للناس رأي واختيار مع رأي أمير المؤمنين واختياره، وأنهم لا يملكون إلا الخضوع والطاعة... أو السيف الذي جرده.
ثم أضاف: أليس الحق مع أمير المؤمنين الذي لا نملك إلا الخضوع والطاعة والامتثال له؟ هكذا تعلمنا: لو قال رشحت يزيد لولاية العهد لوجب علينا أن نقول: نعم ما صنعت، وهو أفضل الناس لها بعدك. ولو قال: رشحت غير يزيد، لما اختلف جوابنا. لقد علمونا أن طاعة ولي الأمر واجبة مهما فعل. وكل (الأحاديث النبوية) التي نسمعها اليوم تحث على الطاعة. ومعاوية هو ولي أمرنا فوجبت علينا طاعته. وحين يتولى يزيد الخلافة ويصبح هو ولي الأمر، فإن طاعتنا له لن تتغير؛ ستكون كما كانت لمن قبله ولمن يأتي بعده. ما لنا نتعب أنفسنا بالتفكير فيه وفي غيره؟! يكفي أنه أصبح خليفة وولي أمر المسلمين. لسنا كهؤلاء العراقيين الذين أتعبوا أنفسهم وأتعبوا إمامهم حتى قال لهم: (ليت لي بكل عشرة منكم واحداً من أهل الشام...) ما أصدق ما مدحنا به!! إن الطاعة المطلقة لولي الأمر تريحك من التفكير. لقد فرق التفكير أهل العراق وشتتهم. ونصرنا عليهم بعدنا عن التفكير. هل سمعت ما قاله أمير المؤمنين معاوية لمبعوث أهل العراق؟! قال له: (قل لإمامك: إني أحاربك بقوم لا يفرقون بين الناقة والجمل).
وما لنا أن نفرق بين الناقة والجمل؟! وما ينفعنا أن نفرق بينهما؟! ليس من شأننا ذلك، إنه من مهمة ولي الأمر.
ألست متفقاً معي فيما أرى؟! مالك لا تجيب كأنني أتكلم مع نفسي؟
قال عمرو: إنني لا أوافقك يا مالك في ربطك هزيمة أهل العراق بالفكر. صحيح إنهم يفكرون، لكنهم لم يخسروا الحرب بسبب الفكر. لم يكن الفكر يوماً سبباً في هزيمة صاحبه، بل على العكس. لقد هزم أهل العراق لسبب آخر غير الفكر. هزموا لأنّهم لم يأتوا جيشاً واحداً. لقد جاؤوا جيوشاً، كل منهم يحمل حقده على الآخر وخلافه له. جاؤوا قحطاناً وعدناناً، ربيعة ومضر، تميماً وقيساً، بصرة وكوفة. جاؤوا يحملون إرث الجمل وثأر قتلاهم فيها، وتأريخاً طويلاً من الدم والأشلاء والنزاع والخلاف، وقريش وما أدراك ما قريش.
وجئنا جيشاً واحداً، قحطاناً فقط أو شيئاً قريباً من ذاك، لم تفرقنا حرب، وليس معنا حقد على بعضنا ولا ثأر عند بعضنا. وكان إمامهم يقاتل بالسيف تسبقه الأخلاق وتحكمه الأخلاق أو أن الأخلاق هي التي كانت تقاتل. وكان خليفتنا يقاتل بالسيف وحده دون أخلاق أو مع عداء للأخلاق، لم يكن يعف عن شيء، ولا يتأثم من شيء. كل شيء عنده مباح مادام يحقق له الانتصار على خصمه. ومع ذاك فنحن معه ومن أنصاره؛ ألا يبدو هذا مضحكاً!
هذا هو السبب يا مالك فاكتف به، فإنه يغنيك، ولست في حاجة لأسباب أخرى كنت سأبسطها لك، لو سمح المكان والزمان.
قال مالك وهو يتلفت مذعوراً: رفقاً بنفسك وبي يا عمرو. والله لو أن احداً سمعنا نتكلم بما نتكلم به، لما أمنت أن نلحق بأهل القبور قبل أن تنتهي من كلامك. إن الكلام محرم في مثل هذه الأمور وفي غيرها مما يمس الحكم من قريب أو بعيد. لقد تعودنا أن نسمع ولا نقول ونطيع ولا نفكر. منعونا من الخوض في حديث علي إلا ما تعلق بقتله عثماناً وخروجه عن الإسلام، ولعنه وسبه ما استطعنا اللعن والسب.
وهنا سمع وقع أقدام يقترب من الباب، فتوقفا عن الكلام واتخذا هيئة الاستعداد واختفت الابتسامة التي كانا يتبادلانها قبل قليل لتغيب خلف المغفر الذي لا يبدو منه إلا العينان وهما تقذفان الرعب والخوف.
الفصل السادس والعشرون
بعد قتل الربيع وموت کعب
ما الذي فعله الربيع بن حنظلة ليقتل؟! هل زور كما زوروا؟! هل قتل كما قتلوا؟! هل ظلم كما ظلموا؟! لم يكن شيء من ذاك. لم يكن شيء مطلقاً من ذاك، ولا قريباً منه. لقد كان صادقاً فيما يروي وينقل ويحدث. لا يروي عن أحد إلا ما سمع منه، ولا يتهم أحداً إلا بما هو فيه. كان هذا شأنه معي. لقد وثقت فيه وارتحت لصدقه، فاعتمدت فيما أكتب على ما يقول. لكن ما قيمة ذلك في نظر معاوية، إن كانت له قيمة عندي وعند أمثالي؟! فها هو ابن أبي سفيان يأمر بقتله، أبشع قتلة يمكن أن يتصورها إنسان. لماذا؟! لسبب لا يستطيع معاوية أن يتحمله: لقد نقلوا إليه أنه مدح علياً في مجلس كان حاضراً فيه.
وكان كعب قد مات قبل الربيع بأيام قليلة، ها أنا حائر الآن،
من الذي سأثق فيه فيما أكتب، وقد فقدت الاثنين في وقت واحد تقريباً؟!
وما أكتب يتصل بأحداث ووقائع وتأريخ ما نزال نتغافل فيه.
وتوقفت عن الكتابة مضطراً، أفتش وأبحث وأتحرى. وجدت الكثيرين، لكن كم هم الذين يمكن الثقة فيهم والاطمئنان إليهم؟! كم هم الذين لم تشترهم السلطة ولم تفسدهم؟!
وأخيراً وجدت اثنين من خيار الناس، فشلت السلطة في شرائهم؛ هما: شبيب بن الحارث وعامر بن سعد. سيكونان صاحبيّ فيما بقي من فصول هذا الكتاب، إن لم تمتد يد السلطة الآثمة إليهما أو إلى أحدهما بالقتل، فأتوقف ثانية عن الكتابة، لأبحث عن آخرين غيرهما.
الفصل السابع والعشرون
البيعة ليزيد
معاوية في المدينة
ماذا يريد ابن الحكم هذه المرة؟! قبل أيام جمعنا ليبلغنا عزم معاوية على أن يختار إلينا من يستخلف بعده، فما الذي استجد منذ ذاك؟!
إن مناديه يطلب من أهل المدينة التوجه إلى المسجد لشأن لابد أن يكون خطيراً، فما كان مناديه ليطلب الاجتماع لولا أن يكون هناك شيء خطير يريد إبلاغهم به: قال ذلك شبيب ابن الحارث لصاحبه عامر بن سعد، وهو يطيل التفكير كأنه يحاول أن يجد الجواب على سؤاله. ثم أضاف: ألم تسمع شيئاً أو تعرف شيئاً عما وراء الاجتماع؟
قال عامر: لا والله. فهنا أنا معك منذ الصباح، لم أفارقك ولم تفارقني، فمن أين لي أن أعرف؟ سنذهب ونرى ونسمع، وما أظننا سنرى أو نسمع خيراً.
وكان مروان بن الحكم، والي معاوية على المدينة، قد جمع الناس قبل اجتماع اليوم، ليبلغهم ما ذكره شبيب في عزم معاوية على تعيين ولي للعهد ليكون خليفة للمسلمين بعده.
وتسارع الناس إلى المسجد الكبير ليعرفوا الأمر الذي جمعهم من أجله مروان.
وبدأ مروان الكلام فذكر فضل معاوية ودينه واستقامته. قال ذلك وهو يستعرض الوجوه ليعرف ما تركه كلامه فيهم. لم يجب أحد إلا بابتسامات ساخرة أو نظرات غضب يتبادلها الحاضرون.
ثم انتقل من معاوية إلى يزيد، فاثنى عليه في دينه وتقواه وعبادته! قل أن يفاجئ المجتمعين بأن معاوية قد اختاره ولياً لعهده وخليفة للمسلمين بعده. ولم ينس مروان في نهاية كلامه أن يشكر لمعاوية اهتمامه بأمور المسلمين ورعايته لهم في حياته وبعد موته، وأن يهنئ جميع المسلمين بولي العهد الجديد وخليفة المستقبل: يزيد.
وصعق الحاضرون، فقد كانوا ينتظرون كل شيء إلا تعيين يزيد خليفة للمسلمين.
وتعالت الأصوات بالرفض من جميع الحاضرين. إنهم لا يعترفون بخلافة معاوية نفسه، فكيف سيقبلون خلافة يزيد، ولو سئلوا عن أفسد أهل الأرض لما تجاوزوه. لكن أفراد الجيش الذين انتشروا في المسجد، وأسلحتهم بأيديهم، استطاعوا أن يسيطروا على الموقف، بضرب البعض واعتقال البعض وتهديد الآخرين.
وغادر المجتمعون المسجد وهم غير مصدقين: بين من يسب وبين من يضحك، وبين من يندب الإسلام حزيناً يكفكف دموعه وهو يسمع أن يزيد هو خليفتهم المنتظر.
ومرت أيام أخرى قبل أن يصحوا أهل المدينة على وضع مريب لم يعرفوه: أعداد من الجيش باستعداد كامل ينتشرون في المدينة ويقفون عند مداخلها يفتشون الداخل والخارج ويعتقلون من يرتابون فيه، والناس يتساءلون دون أن يعرفوا الجواب. وإذا إجابوا، فلن يكون جوابهم غير الإشارة إلى الجنود يحظرون بسيوفهم ورماحهم، يرهبون السكان الذين يسرعون الخطي إلى بيوتهم أو أعمالهم غير ملتفتين إلى ما يجري أمامهم.
ويعود شبيب ليسأل عامر بن سعد: ما الذي يجري يا ابن سعد؟ والله، ما جئتك إلا بعد عناء، حتى فكرت بأن ألغي زيارتك وأرجع إلى البيت. ما الأمر؟
قال عامر: لقد أخبرني من أثق فيه أن معاوية قد وصل أو يوشك أن يصل المدينة. وما تراه من انتشار جنود وتفتيش وسلاح فإنما هو لحمايته.
قال شبيب: وما الذي جاء به إلينا إذا كان خائفاً منا؟!
ماذا يريد معاوية؟! والله، لم يحب أهل المدينة يوماً ولم يحبوه.
ماذا لقينا منه ومن ولاته! أمجزرة أخرى بعد مجزرة بسر؟! ما أشد محنة الإسلام بمعاوية وأشباه معاوية!!
قال عامر: وأخبرني أيضاً أنه جاء على رأس ألف فارس كاملي السلاح، ولن يغادر المدينة قبل أخذ البيعة من أهلها ليزيد، طوعاً أو كرهاً رضاً أو جبراً، وبعد أن اطمأن وأخذ بيعة أهل الشام والعراق.
قال شبيب: أتراه جاء لأخذ البيعة من أهل المدينة، أم لحرب أهل المدينة؟! ماذا أبقى للحرب لو أراد أن يحارب؟ ألف فارس لأخذ البيعة؟! هل تحتاج البيعة لألف فارس؟! كان يكفي معاوية أن يعلن في الناس ترشيح ابنه يزيد للخلافة بعده، ويترك لهم الحرية في الاختيار، وسيختارونه، لو وجدوه أهلاً للخلافة.
قال عامر: والله ما رأيتك هازلاً كما رأيتك اليوم. وهل في المدينة وغير المدينة من يختار يزيد للخلافة. والله لو علم معاوية أن واحداً من كل مائة من الناس يختار يزيد لكان رابحاً ولا فعل ما فعل، وإنما هي القوة والقهر، وما تراه الآن في المدينة من جيش مدجج لا شيء عنده أسهل من سفك الدم. إن معاوية ينظر إلى المدينة كواحدة من أهم أو أهم الجبهات التي يخوض معاركه فيها ويريد أن يكسبها.
ولهذا جاء بهذا الجيش الكبير، ليكسر شوكة أهلها ويستذلهم ويفرض عليهم طاعته في بيعة يزيد وفي غيرها. إن لمعاوية ثاراً قديماً عندهم، يوم دخلوا عليه، هو وأهله، مكة وفتحوها، يوماً لن ينساه معاوية ولا بنو أمية.
قال شبيب، وهو يتذكر ما كان يحدثه أبوه عن فتح مكة وما تلاه من أحداث حتى الساعة التي هو فيها مع عامر: ألا ترى أن نبدل باسم البيعة، أي اسم آخر يناسب ما يسير عليه الحكم عندنا؟! فالبيعة تعني الرضا والقبول والاختيار عند من يبايع، وليس الحال كذلك، بل عكس ذلك مع حكامنا: ليس مع يزيد رضا أو قبول أو اختيار، ولم يكن مع أبيه رضا أو قبول أو اختيار.
وما لنا وليزيد وأبيه؟! فهل رشح الناس من كان قبلهما، ليقال إنهم رضوه وقبلوه واختاروه على غيره؟!
حين لا يكون إلا واحد بعينه ينصبه واحد بعينه، ويفرضه بالسيف والقهر والخديعه، وتنعدم الحرية لدى الناس، وليس أمامهم إلا من استخلف عليهم، رضوا أم أبوا، فمن الظلم كل الظلم أن تتحدث عن بيعة ورضا وقول واختيار. إننا يا صاحبي نحصد اليوم ما سنّه الذين كانوا قبل معاوية. هل تعرفهم؟
قال عامر: وهل بقي من لا يعرفهم؟! أعرفهم جيداً، والله لو لم يكن منهم إلا تأسيس ولاية العهد لكفاهم ذلك ظلماً للإنسان وسلباً لحريته وامتهاناً لحقوقه.
قال شبيب: لكنهم لم يكونوا کيزيد.
قال عامر: أعرف ذاك. لم يكونوا کيزيد، ولكن من سهل الطريق ليزيد. أليس هو من سنّ بدعة ولاية العهد؟!. لولا ولاية العهد، أكان يزيد يحلم يوماً أن يكون خليفة للمسلمين؟! لِم لم يفعلوا كابن أبي طالب؟! إنه الوحيد الذي جاءته الخلافة بالشورى وتركها للشورى. لم يأت بتعيين أحد ولم يعين للخلافة احداً.
قال شبيب: ذاك ابن أبي طالب: الوحيد في كل شيء. لن تظفر بمثله، فلا تتعب نفسك، وعد بنا إلى حديث هذا القادم الينا من الشام، كم سيقيم هنا؟
قال عامر: ما أظنه سيمكث طويلاً. سيتجه إلى مكة لتأمين بيعتها ليزيد، ثم يعود إلى المدينة لأخذ البيعة من أهلها، بعد أن يكون مروان قد سعى بها وهيأها ومهد طريقها.
قال شبيب: كان الله في عون أهل مكة.
قال عامر: كان الله في عونهم، لو كان الدعاء وحده يجدي.
الفصل الثامن والعشرون
يزيد خليفة
الحسين يترك المدينة إلى مكة
مرت أربعة أعوام قبل أن يتولى يزيد الخلافة. ففي رجب من عام ٦٠ للهجرة، على اختلاف في أي يوم منه، مات معاوية، وتحول يزيد من ولي عهد للمسلمين إلى خليفة لهم.
ولم يكن يزيد، على أي صعيد ومن أي جانب نظرت إليه، يصلح للمنصب ولا لما هو دونه، لو لا ازدراء معاوية بالمسلمين وبخلافتهم. ولولا ما لحق الحياة الإسلامية من فساد بلغ بهم الحد الذي جعل من يزيد إماماً لهم وخليفة. وهو فساد ثقيل طويل بدأ قبل معاوية ولم ينتهِ بموت معاوية. وقد عرضت لبعض وجوهه في فصول سابقة.
وعندما تولی يزيد الخلافة، كان أكبر همه أن يأخذ البيعة من الحسين، بأي ثمن، وبقتله لو رفض.
وكان الحسين في المدينة حين مات معاوية، والوالي عليها يومذاك، الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ابن عم يزيد. وكانت المدينة تعيش حالة من الرعب والخوف والإرهاب فرضها معاوية عليها.
وكتب يزيد يستحث والي المدينة ويشدد الضغط عليه في أخذ البيعة من الحسين. ولم يكن يزيد ولا أهله من بني أمية وأنصارهم وحواشيهم يجهلون ما تعني بيعة الحسين، لأهل المدينة ولغير أهل المدينة من المسلمين.
فلو بايع الحسين، بما يمثله من ثقل روحي كبير ووزن شخصي وأبوي وأسري فريد، لسقط آخر حصن كان سيلجأ إليه الناس وهم يقارعون الظلم، ولأنها، آخر أمل لهم كان يمنحهم القوة والعزيمة والصبر في مواجهة الاستبداد الأموي، ولاستسلم من كان لا يزال ممتنعاً، محارباً أو متهيئاً للحرب، وهو ينظر إلى الحسين وينتظر ما يصنع. ولمضى يزيد بعد ذاك، ومعه المشوهون والمنتفعون والطامعون: أمويون وغير أمويين، في ظلمهم وطغيانهم واستبدادهم، لا يرقبون شيئاً ولا يخافون شيئاً، آمنين مطمئنين كأحلى ما يكون الأمن والاطمئنان.
من هنا كان إصرار يزيد وتشديده في أخذ البيعة من الحسين.
وطلب والي المدينة من الحسين أن يبايع بالخلافة ليزيد، فأبى الحسين وامتنع. وأصر الوالي، وأصر الحسين قائلاً في ختام اللقاء قولته التي ما تزال تدوي على مر العصور ما تمثل شموخ الإنسان وكبريائه في أسمى وأروع وأنبل صورة: (مثلي لا يبايع مثله).
وما كان لمثل الحسين أن يبايع مثل يزيد، وما كان لواحد دون الحسين أن يبايع مثل يزيد.
وفي اليوم التالي کان الحسين يغادر المدينة مع عدد من أهل بيته وأنصاره معلناً رفضه مبايعة يزيد وتوجهه إلى مكة، وإن من أراده فليلحق به في مكة. إنه سيكون هناك، سينطلق، وتنطلق الثورة من هناك. قالها الحسين واضحة قوية لتبلغ الجميع، حتى ينقطع العذر عمن يلتمس العذر بعدم الدراية والعلم.
وأصبح خروج الحسين حديث أهل المدينة وشاغلهم، وقد حبس كل منهم أنفاسه ينتظر ويتوقع ويسأل ويناقش.
وانتشر جواسيس السلطة وعيونها في كل زاوية من المدينة يراقبون تحرك أهلها واتصالهم ببعضهم أو بالآخرين من غير أهلها.
ولم يقتصر نشاط السلطة على المدينة وحدها، فقد امتد ليشمل مكة والبصرة والكوفة التي ستكون مسرح الحدث الكبير.
قال شبيب بن الحارث لعامر بن سعد بعد خروج الحسين: ما أخبارك يا ابن سعد؟ وما أظن مع أخبار الحسين أو بعد أخبار الحسين من أخبار يسأل عنها اليوم؟! هل من جديد عندك؟
قال عامر: لقد كفيتني أنت الجواب على سؤالك. ليس من حديث لأهل المدينة غير حديث الحسين وذهابه إلى مكة، والأحداث الكبيرة التي ستعقب ذلك. كل شيء يشير إليها، وكأنك تراها.
قال شبيب: صدقت والله يا عامر، لقد قطع الحسين كل شك في عزمه على مواجهة الظلم الأموي الذي لا يريد أن يقف عند حد. وهل غير الحسين من هو قادر على ذلك؟! من غير الحسين؟! رددها أكثر من مرة بصوت حزين كان يزداد ضعفاً كلما يرددها أكثر.
قال عامر وكأنه يجيب شبيباً: ومن غير الحسين! لقد خرج حين لم يجد أمامه إلا أن يخرج، لا أشراً ولا بطراً كما قال. لكنه خرج للإصلاح بعد اليأس منه. خرج معلناً للناس أنه خارج، لا كما يفعل الخائف المتردد الضعيف. هكذا هو دائماً، وما أحسب أن بين المسلمين من يسعه الآن البقاء في بيته، يكتفي بمتابعة الأحداث وما ستصير إليه ليقرر عند ذاك. هؤلاء لا ينصر بهم حق ولا يهزم باطل. هؤلاء يريدونها دون ثمن، وهيهات. واجب المسلمين الآن، الالتحاق بالحسين، وهو عازم على جهاد الظالمين. ماذا ينتظرون إذن؟! ها هو الحسين يقطع عليهم الحجة.
قال شبيب: وماذا سيفعل الحسين بعد الذهاب إلى مكة؟ هل سيبقى فيها ويعلن ثورته منها، ام سيواصل المسير إلى مكان آخر غيرها؟
قال عامر: والله لا علم لي بذاك، لكني ما أظنه سيمكث طويلاً في مكة. فأنت تعلم أن بني أمية سيهدمون مكة بيتاً بيتاً للوصول إلى الحسين وقتله. وبيت الله أكرم على الحسين من أن يجعله هدفاً لطغام بني أمية يهتكون حرمته ويفعلون فيه ما يريدون، وربما كان هذا هو ما يريدون.
قال شبيب: وهل سيتركه بنو أمية، حتى لو غادر مكة؟!
هل سيتركونه يمضي في طريقه دون أن يقتلوه قبل أن يجتمع عليه الناس، والجيش معهم والمال في خزائنهم؟!
قال عامر: أترى الحسين يجهل ذاك؟! أتراه غافلاً عن ذاك؟! لكن الأمر يدور عنده بين اثنين لا ثالث لهما: بين أن يقتل ليحيي الأمة، وبين أن يستسلم لتستسلم الأمة وتذل وتخضع فينتصر بنوا أمية ويتأيد حكمهم دون حرب ولا دم ولا قتال، بأهون الوسائل وأضعفها وأيسرها ثمناً، بالقبول والاستسلام. هذا هو الخيار عند الحسين. هذا هو ما يفكر فيه، وما فكر فيه عندما غادر المدينة: يعرف أنه سيقتل، لكنه يعرف أنه لن يموت، وأن دمه ودم أهل بيته وأصحابه سيحيل الأرض ثورة تلاحق الطغاة وتهز عروشهم في كل مكان وزمان.
قال شبيب: وماذا أنت فاعل يا عامر؟
قال عامر: سأمضي معه أكتب وأروي ما أرى وأسمع دون تزوير ولا كذب. ألا يكفي هذا؟! أليس هذا شيئاً يستحق الثناء، وقد زوروا التاريخ يا ابن سعد؟! لقد رووا ما لم يرو أو لم يشاهدوا ولم يسمعوا. وإن قتلت، فنعم ما أختم به حياتي، شهيداً مع الحسين. ولكن قل لي يا ابن سعد، اتحسب لي شهادة كاملة، وأنا لم أقصدها عندما التحقت بركب الحسين؟!
قال عامر: والله إني لا أعرف الشهادة مجزأة أنصافاً وأرباعا لأخبرك إن كنت تستحق النصف أو الربع أو الأكثر أو الأقل منها. شهادة أولا شهادة. هذا ما أعرفه، وإن كنت تعرف غيره، فذلك شأنك.
ومضى الاثنان ليلتحقا بركب الحسين.
الفصل التاسع والعشرون
الحسين، الرحيل من مكّة
مكة حزينة ساكتة على غير عادتها في مثل هذه الأيام من كل عام، إنها تقترب من العيد الكبير. سيحل عن قريب. لكن الناس لا يبدو عليهم شيء من مظاهر العيد. ليس هناك ما يشير إليه، لا حركة ولا نشاط ولا فرح. لا يبتسم الواحد منهم إلا ليسترجع الابتسامة، وكأنه يتذكر شيئاً موجعاً سيحل به.
الرجال يتهامسون حين يلتقون في الشارع أو في المسجد، والنساء يتساءلن في البيوت في زياراتهن لبعضهن، وعلى وجوه الجميع آثار حزن لا تخفی. شيء واحد يشغلهم ويحزنهم ويقلقهم، يبدؤون به عندما يلتقون أو ينتهون به عندما يفترقون: متى سيرحل الحسين وماذا ينتظره بعد الرحيل؟ ماذا سيكون موقف بني أمية منه؟ بني أمية الذين يعرفونهم، اليوم وقبل اليوم: هؤلاء المجرمون الذين حكموا فأساؤوا وأسرفوا في الظلم. إنهم أعداء الله وأعداء الأمة، أعداء كل القيم النبيلة للإنسان.
ويقترب الموعد، يسير الوقت حزيناً باكياً، وكل واحد من أهل مكة حزين باك.
اليوم هو الثامن من ذي الحجة. الحسين يطوف البيت مودعاً. آخر مرة يطوف فيها البيت، ليبدأ الرحيل بعد ذاك.
مكة كلها تخرج لوداعه. دموع المودعين تختلط بزفراتهم التي تكاد تخنقهم. ليته يبقى. ليتهم يستطيعون أن يعيدوه إليهم: قالها أهل مكة وهم يخرجون لتوديعه، لكنه الواجب الذي لا يمكنه أن يتخلى عنه. من الذي سينهض به؟! إن صلاح الأمة، حاضراً ومستقبلاً، يحتاج إلى دمه، وهو لن يبخل به ما استطاع أن يعيد إليها وإلى جميع المستضعفين والمظلومين حقوقهم التي سلبها الطغاة المستبدون.
الحسين يتقدم الموكب الذي هم الصفوة من الأهل والأصحاب، وقد أرسل آخر رسالة له قبل رحيله: (من لحق بي فقد استشهد ومن تخلف لم يبلغ الفتح...) إنها رسالة الشهادة واضحة قوية تهيب بالضعاف والمترددين أن يجمعوا أمرهم ويلتحقوا به، إن كانوا مستعدين للشهادة التي أعلن عنها بوضوح كامل، ليكون من يريد اللحاق به عارفاً ما سيستقبله؛ ليس عنده غنائم ولا مال ولا يمنيه بشيء منهما. المال عند أعدائه الذين يتوجه لملاقاتهم، أما هو فليس عنده إلا الشهادة لمن يختارها ويرضاها.
ويبتعد ركب الحسين ويعود المودعون ودموعهم تجري، يلتفتون بين الحين والحين نحو الركب الذي غاب، لا يتكلمون لا يستطيعون الكلام ولا يحتاجونه، دموعهم أبلغ من كل كلام، فلن يكون كلامهم إلا عن الحسين الذي ودعوه قبل قليل، ولا يعرفون ماذا سيجري له، بل يعرفون؛ لأنهم يعرفون بني أمية. لن يروه بعد اليوم. إنها نهاية العهد به. لن تراه مكة، ولن يعمر مسجدها بوجوده.
ويعلو البكاء...
ويمضي الحسين مهيباً شامخاً كبيراً يملؤه الإيمان بالرسالة الكبيرة التي يحملها والتي لا يحملها ولا يؤديها غيره.
يمضي ساخراً من بني أمية ومن الموت، فهو الأكبر. الأكبر الذي لا يموت. ستحتضن الإنسانية كلها أشلاءه التي انتشرت على أرض كربلاء، كربلا التي ستصبح ملهمة الثوار ونشيدهم وشعارهم، بعد ما سقي ثراها دم الحسين ودم الكرام من أهله وأصحابه.
الفصل الثلاثون
أول الطريق إلی کربلاء
ها هو ركب الحسين يبتعد أكثر من مكة. لقد غابت وراء الأفق ولم تعد منذ اليوم إلا ذكريات، هم في شغل عنها الآن بما يستقبلون.
عدد قليل من الرجال والفتيان، ومعهم بعض النساء والصبية، أكثرهم السائرون على أرجلهم، لا يملكون فرساً ولا جملاً، ولا شيء مما يسهل عليهم الطريق ويقيهم عثاره، إلا العزيمة والإيمان الذي يتحول عند صاحبه إلى قوة فريدة لا يشغلها الطريق. قوة لا يعرفها الإنسان إلا إذا كان هو من هذا الفرع الفريد من الناس.
ها هم يأخذون طريق الكوفة.
ثمانون من الرجال ماذا يريدون؟! إن شيئاً كبيراً هذا الذي يطلبون، شيئاً لم يعرفه أهل الأرض في حساباتهم قديماً، ولن يعرفوه في حساباتهم مستقبلاً. ثمانون تتقاذفهم صحراء العرب الواسعة الكبيرة، لا يثنيهم حر ولا تعب ولا شوك ولا خوف، وإن الإنسان ليتجنب السير فيها ليلاً بعدما تغيب الشمس وينكسر الحر وينزل البرد. أية رسالة كبيرة يحملونها حتى يستسهلوا كل هذا العناء الذي لن ينتهي بهم على راحة ليخف احتماله، بل الی موت، يعرفون هم قبل غيرهم، إنهم مقدمون عليه. أتراهم كانوا هواة موت؟!
نعم، حين يكون الموت هو السبيل الوحيد لتحرير الإنسان من ظلم طويل ثقيل، أفسد الحياة وارعب الناس وأشاع الخوف وشوّه القيم وشل الفكر واستحل المحرمات، كل المحرمات.
وليس هذا ظنا ولا تخميناً.
لقد خرج الحسين بنية الشهادة، وخرج أصحابه معه بنية الشهادة. كان على علم بأنه سيقتل. لم يغب عنه ذاك، لكنه لم يثنه.
أكان يجهل قدرات الحكم وما يتمتع به من أسباب القوة والسيطرة والنصر في المعركة التي سيخوضها معه بعد أيام، وهو يتوجه إلى ساحتها؟!
أهناك أبين وأوضح من رسالته قبل أن يترك مكة: (... من لحق بي فقد استشهد...)
أهناك ما يؤكد الشهادة أكثر من لفظ الشهادة في هذه الرسالة الخالدة يوجهها الحسين إلى من يريد اللحاق به، حتى يكون على وضوح من أمره حين يقرر اللحاق به؟!
أكان الحسين يجهل جيش الخصم الذي لا عدد له، يبدأ بالكوفة، ولا ينتهي بالشام؛ كلما فشل جيش، جاء جيش أو جيوش.
أكان يستطيع في الحساب البسيط، حساب الأعداد والأرقام والسلاح، أن يحرز نصراً في معركة مع الحكم الأموي، حتى لو لم ينكث الذين كتبوا إليه وبايعوه في الكوفة، حتى لو وفوا بعهدهم وانضموا إليه وقاتلوا معه؟! كم سيكون عددهم في أحسن وافضل الحالات؟!
لم يغب ذلك عن الحسين، ولا يمكن أن يغيب. وهو واضح في أجوبته لمن سأله عن خروجه لقتال جيش الأمويين مع قلة من معه.
لقد أخبره الفرزدق، وهو في حدود مكة لم يغادرها بعد: ( إن قلوب الناس معك وسيوفهم عليك ).
ماذا يعني هذا القول؟
ما قيمة أن تكون قلوب الناس معه، حين تكون سيوفهم عليه؟! ماذا ستجدي عليه القلوب، وهي لن تجدي شيئاً في ساحة المعركة؟! ماذا سيتغير في موازين القتال، والكلام كله للسيف لا للقلب؟!
لقد كان الحسين، بعد الذي سمعه من الفرزدق، يستطيع العودة إلى مكة، وهو لم يكن قد بعد عنها، أو يغير طريقه إلى أي بلد آخر غيرها، لولا نية الشهادة عنده. لكن الحسين لم يختلف بعد سؤال الفرزدق، عنه قبل سؤاله. لم يحاول أن يستقصي في السؤال والدخول في تفاصيل الأمر، كما يفعل في مثل هذه الحال، من يفكر في العدد: من معه، ومن عليه من جيش الخصم. واكتفى من الفرزدق بهذا الجواب العام المقتضب، وهو يقصد الكوفة، حتى قال الفرزدق نفسه: (فو الله ما فتشني عن أكثر من ذلك) أي لم يسألني عن شيء آخر.
بل إن الحسين نفسه طلب من أصحابه أكثر من مرة أن يتركوه وينجوا بأنفسهم، وإنه يحلهم من عهدهم له ولا ذمام عليهم ولا لوم، ويستطيعون أن يتخذوا من الليل جملاً لهم لا يراهم ولا يرونه، إن كانوا يشعرون من ذلك حرجاً في النهار.
كيف أفسر ذلك؟! هل أستطيع أن أجد تفسيراً له غيرما ذكرت من نية الشهادة عند الحسين ابتداء، وقبل مغادرته مكه؟!
أرأيت من يريد المعركة والانتصار فيها - بحسب المقاييس المعروفة - يفضل التفكير في عدد الأنصار والخصوم، وهو أول وأهم ما يفكر فيه المقدم على أية معركة؟!
أرأيت من يريد الدخول في معركة - وأهم عناصرها الرجال المقاتلون - يطلب من رجاله وأنصاره أن يتركوه، غير الحسين في ملحمة كربلاء؟!
أرأيت من يقصد الموت ويزحف إليه راضياً سعيداً، غير هؤلاء الرجال والأنصار؟!
لماذا؟
لأن الحسين كان يقصد ابتداء إلى الشهادة.
ولأن أنصار الحسين كانوا يقصدون ابتداءً، حين التحقوا بالحسين، إلى الشهادة.
كان الحسين عالماً، وكانوا عالمين.
ثم تكرر قول الفرزدق، من غير الفرزدق على طول الطريق بين مكة وكربلاء. ولم يكن صعباً على الحسين أن يجد بلداً آمنا يذهب إليه ويبقى فيه حتى يجتمع إليه أنصاره، ثم يقاتل إن أراد القتال، كما اقترح عليه الطرماح بن عدي الطائي الذي عرض على الحسين أن يذهب إلى قبيلته طي، ويمتنع هناك في جبلها، وسيأتيه في أيام قليلة جيش كثيف منهاومن غيرها وكلهم له أنصار ومقاتلون أشداء بين يديه.
لكن القتال سيكون عند ذاك، بين جيش وجيش. لن تكون فيه الشهادة التي أرادها الحسين عنواناً لملحمة كربلاء. لن يكون النصر الذي أراده الحسين للإنسان خالداً ما بقي الإنسان. سيكون هناك جيش منتصر وجيش مهزوم كما يحصل في كل قتال وكل معركة.
لقد تقاتلت جيوش قبل الحسين وبعد الحسين، وانتصرت وانهزمت جيوش قبل الحسين وبعد الحسين؛ فأين هي القيم الكبيرة التي يستلهمها الإنسان من جيش منتصر أو جيش مهزوم؟!
أي درس يمكن أن يقدمه للإنسانية، قتال بين جيشين لابد من انتصار أو هزيمة أحدهما فيه؟!
لقد أراد الحسين الشهادة وقصدها؛ لأنها وحدها التي تمثل القيمة الكبيرة والمثل الأعلى؛ لأنها وحدها التي تلهم الإنسان وتبقى تلهمه على امتداد العصور؛ لأنها الخزين الروحي الذي يمد الإنسان بالقوة والثبات كلما تعرض للظلم في أية بقعة من هذه الأرض؛ لأنها تجسيد لكبرياء الإنسان وشموخه وإنسانيته؛ لأنها تجمع كل قيم الخير والسمو والجمال في عالم يضيق عنها أو تتسع عليه؛ لأنها... لأنها الشهادة.
الفصل الحادي والثلاثون
في الطريق
ويستمر زحف الثمانين. ويزحف معهم عدد من هؤلاء الذين يدفعهم الفضول أو الطمع حين يتوهمون أن هناك ما يطمعون فيه من غنائم وأموال. وهم على استعداد للرجوع أو الابتعاد وتجنب الخطر في أي وقت ينعدم فيه الطمع أو يحسون الخطر.
إنهم لا يحملون رسالة ولا يدافعون عن قضية. لكنهم من الذين اعتادوا أن يصحبوا الغزاة ويتبعوهم علهم يصيبون شيئاً مما يتركه هؤلاء أو يتفضلون به عليهم.
ولقد كان عدد منهم قد تبع ركب الحسين، لكنهم سرعان ما انفضوا عنه حين تأكدوا أن لا شيء معه مما يفكرون فيه، ليبقى فقط أصحاب الرسالة، لا يلتفتون إلى من تركوهم؛ لأنهم لم يلتفتوا إليهم حين صحبوهم.
إنهم يواصلون السير إلى غايتهم بعزيمة المؤمنين الصادقين ذوي النية والبصيرة الذين لم يفكروا في الموت، أو استغلوا الموت في جنب ما يسعون إليه. لم يكن أمامهم إلا أحد خيارين: أن يموتوا أو أن تموت القضية التي يحملون، وقد اختاروا الأول منهما.
إني لأراهم الآن، ووجوههم مشرقة مطمئنة، لا يشغلهم مما يشغل الناس إلا القضية الكبيرة التي يحملونها، حريصين على أن يؤدوها.
لا يفكرون في كثرة عدوهم وقلتهم، ولا في بطشه وسلاحه ولا في مكره وماله. ليس ذلك مما يهيمهم ولا يقلقهم، وربما وجدوا فيه الأسلوب الأروح والأكمل في أداء الرسالة وتبليغها وضمان الخلود لها وإبقائها حية قوية متجددة تتعالى على الشرح والكتابة؛ لأنها تساكن الإنسان عقلاً وفكراً وعاطفة.
الفصل الثاني والثلاثون
في الطريق إلی الکوفة
زهير بن القين
لم يخطر في ذهن زهير بن القين: شيخ بجيلة وزعيمها في الكوفة - أن يكون يوماً في صف الحسين أو من أصحابه، لا أن ليقتل دفاعاً عنه. لقد كان الرجل عثماني الهوى، يناصر العثمانيين ويعادي أعداءهم.
هكذا كان دائماً؛ موقف ثابت لم يغيره ولم يحد عنه.
فما الذي جرى ليحوله من موقف إلى نقيضه. من مناصر للعثمانيين إلى مستشهد بين يدي الحسين يحمل سيفه ضد من كانوا رفاقه حتى أيام مضت؟!
كان زهير قد ذهب إلى مكة حاجاً، ومعه عدد من قبيلته بجيله وآخرون من غيرها.
وفي مكة سمع أن الحسين خرج قاصداً الكوفة في الثامن من الشهر الحرام؛ فما كاد يقضي مناسك حجه حتى أخذ هو أيضاً الطريق إلى الكوفة معجلاً.
ولم يكن زهير يريد أن يلتحق بالحسين، ولم يكن من أنصاره، لكنه أحس أن شيئاً كبيراً سيحصل في الكوفة أو قبلها، حين يتواجه، الحسين مع جيش الأمويين؛ فهو لا يجهل الحسين ولا يجهل الأمويين، ولا يجهل الوضع في الكوفة التي لم يغادرها إلا منذ قريب.
وأسرع زهير السير حتى أدرك ركب الحسين في بعض الطريق.
كان يريد ألا يفوته الحدث حضوراً ومشاهدة لا نقلاً ورواية، وهو قريب منه لن يتكلف له جهداً ولا مالاً، والحدث كبير لن يتكرر.
وكان الطريق حتى الآن واسعاً عريضاً يسمح لزهير بأن يسير فيه كما يريد دون أن يغيب عنه ركب الحسين، متجنباً الاقتراب منه، ومتجنباً في الوقت نفسه، الابتعاد عنه.
ها هو ركب الحسين يصل إلى زرود، وهي محطة يستريح فيها المسافرون وتقع في طريق ضيق لا يستطيع زهير إلا أن يكون قريباً من ركب الحسين، وهو يحط رحاله فيها.
وينزل الركب في جانب من زرود، وينزل زهير ومن معه في جانب آخر، لكنه ليس بعيداً.
ويرسل الحسين في طلب زهير.
ولم يكن زهير يريد لقاء الحسين، كان يكره ذلك ويتحاشاه. وحين جاء رسول الحسين يطلبه، دهش وتحير ولم يعرف بم يجيب. وليس الجواب سهلاً، والحسين يطلبه، وعثمانيته تمنعه.
كان حائراً متردداً في اتخاذ الموقف، حين جاءه صوت زوجته عالياً ليحسم الأمر ويقطع على زهير تردده.
قالت زوجته بلهجة فيها إنكار وحزم: (سبحان الله أيبعث اليك ابن بنت رسول الله ثم لا تأتيه. ألا أتيته فسمعت كلامه).
فاستجاب زهير وقرر أن يذهب إلى الحسين، لكنه سرعان ما عاد. وعرف قومه ما عاد به؛ كان مسرعاً هاشاً طلق الوجه رضي النفس؛ لم يكن زهير الذي عرفوه وصاحبوه. لم يعد للتوتر مكان فيه. ما الذي أعطاه الحسين؟ وهو لا يملك أن يعطي إلا الشهادة لمن يريدها ويختارها، وهم قليل.
أكان زهير منهم؟ أكان زهير ممن يريد الشهادة ويعشقها؟
قال وهو يدخل على قومه بعد لقائه الحسين: (من أحب منكم أن يتبعني، وإلا فهو آخر العهد بي...). قال ذلك وهو يجمع متاعه معجلاً ليرجع إلى الحسين ومعه ابن عمه سلمان بن مضارب.
قال شبيب بن الحارث، وهو يرى زهيراً وابن عمه مقبلين: ألم أقل لك يا عامر، إن زهيراً سيعود، لكأنه كان خائفاً من نفسه وهو يمتنع عن لقاء الحسين على طول الطريق. كان يدرك أن لقاء الحسين سيكلفه ما لا يريد: حياته أو غضب السلطان عليه وجفوته له، وهو أقل ما يكلفه.
قال عامر: لقد كان يخشى أن يواجه الحق فيضعف وكان جانب الخير لم يمت فيه بعد، وكان يخاف هذا الجانب أن يغلبه حين يواجه الحسين. ما أسعدك يا زهير، وأسعد ابن عمك! وما أرخص ما تركتما وأنتما تضمنان الخلود والفوز الكبير! قال عامر هذا، وهو يسابق شبيباً إلى استقبال زهير ومضارب.
الفصل الثالث والثلاثون
مصرع مسلم بن عقيل
ماذا جری في الکوفة
ما لهم، ولهذا الرجل؟! ما لهم يجبرونه على الصعود، وهو لا يقوى على السير؟! إن الدم ينزف من كل موضع في جسمه، ولو تركوه لمات بعد قليل. قال ذلك مستغرباً أحد سكان الكوفة، وهو لا يعرف مسلم بن عقيل، لآخر من سكان الكوفة أيضاً.
قال الآخر: ما أظنه إلا مسلم بن عقيل الذي طالب منادي الأمير أن يخرج الناس ليشاهدوا مقتله.
قال الأول: ولكنهم يستطيعون قتله الآن وهو بينهم وحيد، لا قوة فيه ولا قوة معه تحميه وتدافع عنه. ماذا ينتظرون في قتله؟
قال الثاني: ألم تقل أنت إنهم يجبرونه علی الصعود، وإنهم لو تركوه لمات بعد قليل؟ لماذا إذن يجبرونه على الصعود، لو لم يريدوا ان يرموه من سطح القصر؟! هذا هو حكم عبيد الله بن زياد وحكم بني أمية. لا يكفيهم القتل، بل العذاب قبل القتل، والتمثيل بعده. وسترى مسلماً بعد قليل وقد حُزّ رأسه ورأس ابن عروة، وطوف بهما في أزقة الكوفة وأسواقها يخيفون بهما من يفكر في ثورة أو احتجاج أو نقد.
وكان أهل الكوفة قد انتبهوا على صوت يطوف أحياءها، وهو يطلب من أهلها التوجه إلى المسجد الكبير ليروا نهاية (المارقين الخارجين على الإسلام وعلى طاعة إمامهم أمير المؤمنين يزيد بن معاوية).
وقبل أيام، كان أكثر من عشرين ألف مقاتل في الكوفة يبايعون مسلماً على جهاد المارقين الخارجين على الإسلام: يزيد بن معاوية وبني أمية ومن يساندهم ويقف معهم ويعينهم على ظلمهم.
ما الذي حصل في الكوفة؟! كيف تبدلت الأمور في أيام؟!
أين المواثيق والعهود التي قطعوها لمسلم بعد مجيئه الكوفة؟!
لقد بايعه عشرون ألف شخص أو أكثر على القتال معه، لم يجبرهم احد على البيعة، وها هو مسلم وحيد يدفعه عدو من العتاة الغلاظ، من هؤلاء الذين لا يجدون متعتهم إلا في رؤية الناس يتألمون ويتعذبون؛ إنهم وحوش، وويل للإنسان من الإنسان حين يتوحش.
كان مسلم بن عقيل ينزل في دار المختار بن أبي عبيد الثقفي أول ما جاء الكوفة. وبعد وصول عبيد الله بن زياد والياً عليها، انتقل إلى دار هانئ بن عروة: أحد سادات مذحج ورجالها المعدودين.
وكانت عيون عبيد الله وجواسيسه ترصد كل حركة أو نشاط في الكوفة. لا أحد يستطيع الدخول أو الخروج إلا باذن. البيوت معرضة للتفتيش، والناس كذلك، ومن عرف عنه أنه من أتباع الحسين أو المناصرين له، ومن شك في ولائه للحكم، أدخل السجن أو أوقف. أخذت أطراف الطرق الداخلة والخارجة من الكوفة ومنع الداخلون والخارجون. الإرهاب هو سيد الموقف، يواجهك في كل مكان....
وكل زعماء الكوفة الذين كاتبوا الحسين وعاهدوه، قد استطاع عبيد الله أن يستميل غالبيتهم ويضمهم إليه بالرشوة والترغيب أو الحرمان والتخويف، أو نزع الرئاسة وتحويلها إلى آخرين. لكل منهم أسلوب في التعامل. يضاف إلى هذا، خوف بدأ يتزايد عند هؤلاء الزعماء من الثورة. الثورة التي يحملها شباب قد لا يدينون لزعاماتهم أو يرفضونها ويتمردون عليها. وهي زعامات لا تستند في الغالب إلا إلى مقاييس تقليدية ينكرها الشباب ولا يعترفون بها.
وكان أولئك الزعماء يعرفون ما تعني ثورة الحسين، لو انتصرت، على مصالحهم؛ لأنهم يعرفون الحسين والمثل السامية التي يحملها، وهي مثل عرفوها عند علي أبيه قبله.
كل هذه العوامل شاركت فيما وصلت إليه الحال في الكوفة، وفي ترك مسلم والتخلي عنه وعن الثورة، وعن العهود والمواثيق والخلق والدين.
لكن عاملاً في رأيي أخطر من كل ما ذكر، وإن لم يكن بعيداً عما ذكر؛ ذلك هو الهزيمة الداخلية التي لحقت بمن بايعوا مسلماً أول ما قدم الكوفة. فهذه الهزيمة هي التي شلّت المقاومة واضعفت القدرة على الصمود والمواجهة والنصر، حين شلت الإنسان نفسه من الداخل وأضعفت مقاومته وأسلمته إلى هزيمة لم يعد يفكر معها بالنصر، بل بالسلامة فقط، إن قدر عليها، ثم يروح يبرر فشله وتعوده، ويلتمس الأعذار، وليس من عذر. وهي حالة قد نراها مع غير مسلم وفي غير الكوفة، تريك لا شأن كما هو، في حالات ضعفه وفي حالات قوّته، عندما ينهار وعندما يتحدي.
لم يدخل المبايعون الناكثون القتال فيهزموا ويخسروا. لقد خسروا القتال قبل أن يخوضوه ويجربوه، خسروا القتال قبل القتال.
كانوا يتسابقون في التخلي عن مسلم، وكأنهم نادمون على انهم بايعوه. كانوا يلتمسون الأعذار أمام أنفسهم لتخليهم، وقد لا يحتاجون. لقد حسموا أمرهم، وقطعوا كل صلة لهم بأيام قليلة سابقة لا يريدون أن يذكروها، ولا أن يذكرهم أحد بها.
هذا هو السر في فهم ما جرى مع مسلم في الكوفة، وما سنراه بصورة أقسى وأشد وأظهر عندما يواجه الحسين في ساحة المعركة، الذين كتبوا وعاهدوا والتزموا.
كيف استجاز هؤلاء المبايعون والمعاهدون أن يتحللوا من كل ما ألزموا أنفسهم به فلم يراعوه ولم يحافظوا عليه، ولم يصونوه ولم يتحرجوا من التخلص منه ولم يتذمموا من نقضه، لولا هذه الهزيمة الداخلية التي تملكتهم وسيطرت عليهم.
كيف أفسر أن مسلماً ثار بخمسة آلاف فقط من عشرين ألف أو أكثر سبق أن بايعوه. أين ذهب الآخرون؟!
ثم ينهض مسلم بهؤلاء الخمسة آلاف لقتال عبيد الله الذي لجأ إلى القصر ومعه زعماء القبائل من أنصاره، فما يصل القصر حتى لا يبقى من الخمسة آلاف إلا خمسمئة تسللوا هم أيضاً عند حلول الظلام، فلم يبق واحد، واحد فقط مع مسلم.
وأسأل مرة أخرى: أين العهود والمواثيق وشرف الالتزام بها؟ لقد ذهبت بها الهزيمة الداخلية التي تسيطر على الجماعة في بعض الحالات، فيتهاوى وينهار كل شيء في الإنسان؛ لأن الإنسان نفسه قد تهاوى وانهار.
كان كل واحد من أصحاب مسلم يحاول أن يبرر لنفسه ما أقدم عليه، أوما هو مقدم عليه من تخل عن مسلم أو تنكر لالتزامه إزاءه، بأنه لن يستطيع أن يذبح عنه، وأن الثبات على عهده لمسلم لن يجدي عليه ولا على مسلم شيئاً، وأنه إن نكث فإن الآخرين قد نكثوا. ولو لم ينكث الآخرون، فسيقول لنفسه إنهم لن يستطيعوا أن يقفوا أمام جيش عبيد الله الممتد حتى الشام؛ يحاول أن يقنع نفسه بانه لم يفعل ما يلام عليه. المهم أن يهرب، بعذر، أو حتى بدون عذر.
هذا هو منطق الهزيمة لمن يستجيب لها: سهل بسيط جاهز لن يتعب من يريده في التفتيش عنه. استسلام سريع كامل دون مقاومة، بل دون فكر؛ لأن الفكر يكون مشلولاً عند ذاك.
وهكذا في أسرع ما استسلم أصحاب مسلم لزعماء القبائل - المحصورين في القصر - وهم يطلبون منهم إيثار السلامة والعودة إلى البيوت، وكانوا هم أولى بأن يطلبوا من الزعماء ذلك ولأترك مسلماً، البعيد عن الكوفة، القادم من المدينة، فكيف أسلموا هانئ بن عروة حتى قتل وسحب في السوق، وهو كبير مذحج، كبيرة قبائل اليمن: أكثر سكان الكوفة؟ هل هناك من تفسير آخر غير روح الهزيمة التي تحدثت عنها؟!
لكن كانت هناك روح أخرى تقابل روح الهزيمة وتسخر منها وتهزأ بها. روح الإيمان يشد العزيمة، والعزيمة الإيمان. روح أخرى لا تعرف الخوف ولا تساوم على المبادئ ولا تفكر في الثمن ولا تضع النتائج قبل المقدمات، وهي تخوض حرباً مقدسة ضد الظلم والظالمين دفاعاً عن الحرية والعدل والكرامة. والدفاع عن القضايا الكبيرة ليس تجارة يحسب فيها كل طرف ما يكسب وما يخسر ما يأخذ وما يعطي. ليس هكذا يكون النظر للقضايا الكبيرة والدفاع عنها. وما أظن الانسان كان سيتقدم خطوة لو فكر كل واحد في كل قضية، بما سيكسب أو يخسره؛ على أنه سيكسب حتى لو خسر.
كانت هذه الروح تتمثل في الصفوة من الأنصار الصادقي الإيمان، الصادقي العزيمة كهانئ بن عروة: هذا الشيخ الذي بلغ التسعين. ساومه عبيد الله بن زياد، وهو محجوز عنده، على أن يأتيه بمسلم بن عقيل، فأجابه بثقة وعزم وإيمان صادق لا يهتزو لا يرتجف ولا يتخاذل: (والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه). وكان يعرف الثمن: حز رأسه وأرسل مع رأس مسلم إلى يزيد، كان جسمه يجر في الأسواق، ومع جسم مسلم أيضاً.
وكهذا، الشاب قيس بن مسهر الصيداوي الذي رافق مسلماً منذ خروجه حتى قدومه الكوفة، وحمل رسالته إلى الحسين، ورسالة الحسين إلى أنصاره من أهل الكوفة. لقد قبض عليه الحصين بن نمير، أحد قادة عبيد الله بن زياد، والرسالة معه فاتلفها، وحين جاء به الحصين إلى عبيد الله الذي حاول أن يعرف منه أسماء الأشخاص الذين أرسلها الحسين إليهم، أبى وامتنع بكبرياء الرجل الذي يسخر من الصغار، حتى وهم قادرون على قتله، حتى وهم يتهيؤون لقتله. لقد رآهم يوثقونه ويقودونه إلى سطح القصر، ثم يساومونه على حياته، بأن يسب الحسين ويبرأ منه ويمدح الحكم متمثلاً بيزيد وعبيد الله. فما كان جوابه إلا ابتسامه ساخرة، جمع فيها قيس كل كبرياء الإنسان وكل احتقاره لهؤلاء المشوهين ولقادتهم وأمرائهم ثم رفع صوته بلعن عبيد الله ولعن يزيد ولعن من ولاهما وأمرهما على الناس.
ورمي قيس من أعلى القصر، ليبق علماً ومزاراً ورمزاً، ويصبح الذين قتلوه سبة وعاراً ولعنة تلحقهم كلما ذكروا.
وعبد الله بن يقطر أخي الحسين رضاعة. قبضوا عليه وهو يحمل رسالة من الحسين إلى مسلم، فلم يلن ولم يضعف ولم تخر عزيمته. عرضوا عليه أن يسب الحسين ويمدح يزيد فأبی ومدح الحسين وسب يزيد، وهو يرفع صوته، يريد أن يسمع الذين تجمعوا في الساحة، كما فعل قبله قيس بن مسهر فأمر به ابن زياد فألقي من فوق القصر فتهشمت عظامه. وبقي به رمق فأجهز عليه أحد المشوهين من أصحاب ابن زياد فقتله وأخذ رأسه ليضمن جائزة البطولة.
إننا أمام حالة جديدة من القتل، هي إلقاء الخصم من فوق السطح، ثم الاجهاز عليه إن لم يمت مباشرة. وسنجد حالات جديدة أخرى لم يسبق الأمويين إليها أحد.
ألم أقل: ويل للإنسان من الإنسان حين يتوحش!!
وغير هؤلاء الثلاثة الذين ذكرتهم، هناك أبطال آخرون وبطولات أخرى تنسي هؤلاء المسوخ الضعفاء.
صحيح إنهم قلة، إذا قورنوا بالذين نكثوا وانهاروا وتخاذلوا أو تجاوزوا فانضموا إلى صفوف العدو، ولكن متی كان الثابتون الصادقون المخلصون هم الأكثر بين الناس؟! على مدى التأريخ كانوا قلة، وكان غيرهم الكثرة؛ لأنهم يتجاوزون القيم المألوفة يتسامون في سيرتهم وسلوكهم عليها؛ وهذا ما يمنحهم المكانة التي لا يستطيع غيرهم ان يشغلها.
لو كانوا كغيرهم، ولو كان سهلاً على غيرهم أن يكون مثلهم، لما كان الحديث عنهم بعد أربعة عشر قرناً. إنهم الصفوة التي تضع التأريخ، لكنه التأريخ الذي يفخر به الإنسان ويفخر بالإنسان.
الفصل الرابع والثلاثون
الحسين يتلقی نبأ مصرع مسلم
عبد الله بن سليم والمنذر بن المشمعل رجلان من بني أسد، ليسا من الزعماء ولا من ذوي الجاه والنفوذ، وليس لهما من الشأن ما يذكر الناس بهما إلا ارتباط اسميهما بمقتل مسلم بن عقيل. كانا قد التحقا بركب الحسين كبعض هؤلاء الناس الذين رافقوه أو التحقوا به لمجرد الفضول ومعرفة ما سينتهي إليه أمره، وربما كانوا سيدعون أنهم قصدوا القتال معه ابتداء، لو انتصرت ثورته.
كان ركب الحسين يواصل سيره نحو الكوفة غير عابئ بما يلاقي من جهد ونصب، وهو سيلاقي الأكبر منهما.
وفي مكان من الطريق طلع عليهم راكب قادم من جهة الكوفة، اقترب من الركب ثم ابتعد مغيراً طريقه حين رأى الحسين. ولم يشأ الحسين أن يسأل الرجل عما يحمل من أخبار ما دام قد تجنب ذلك وابتعد، لكن عبد الله بن سليم والمنذر بن المشمعل لم يكتفيا بذلك، وأصرا على أن يعرفا ما عند الرجل من أخبار الكوفة. لقد رابهما أمره وهما يريانه يقترب ثم يبتعد ويغير طريقه حين رأى الحسين. أهناك أخبار غير سارة لا يريد أن يبلغها الحسين، لابد عنده الكثير من الأخبار. وأسرعا يتبعانه حتى أدركاه؛ سألاه عما خلف وراءه من أخبار الكوفة، وأخبار الكوفة تعني حينذاك أخبار مسلم بن عقيل والثورة وتطورها وموقف الناس هناك منها. فقال الرجل كمن يأسف لنقل خبر حزين: والله ما تركت الكوفة حتى رأيت مسلماً وهانياً يجران بأرجلهما في السوق.
إذن قتل مسلم وهانئ، وهو مؤشر الخذلان والتراجع والهزيمة. هذا هو الخبر الكبير الذي كان يحمله الرجل. الآن عرفا لماذا ابتعد الرجل وغير طريقه حين رأى الحسين. لكن هذا جزءاً من الخبر، وهو الأسهل فيه. فكيف سيبلغانه الحسين، وهو أصعب جزئيه؟
وطال الحديث بينهما: يتفقان ثم يختلفان، هل سيعلمان الحسين بما سمعاه؟ كيف سينقلانه له؟ إن مقتل مسلم، رسول الحسين وابن عمه، ومعه هانئ، معتمده وكبير أنصاره أمر خطير مفجع لا يجهلان تأثيره ولا يريدان أن يكونا هما اللذين ينقلانه. هل يسكتان؟ أليس السكوت في مثل هذا الأمر خيانة للحسين وثورته؟! ألا يلومهما الناس، بل ألا يلومان نفسهما إذا كتما مثل هذا الخبر وقد علماه؟! ألا يجدر بهما أن يحيطا الحسين بما سمعاه من الرجل، تاركين له حرية التصرف واتخاذ الموقف المناسب، ويكونان قد أبرأا ذمتهما من مسؤولية السكوت والكتمان، والنتائج الخطيرة التي قد تترتب عليهما.
ثم اتفقا أخيراً على أن يخبرا الحسين بعد أن يختليا به وحده، وكان ركب الحسين قد فاتهما خلال متابعتهما للرجل، ووصل مكاناً يدعى الثعلبية حيث نزل الحسين ومعه أنصاره وأهل بيته، يستريحون ويمضون الليل ليستأنفوا السير مع حلول الفجر.
وفي الثعلبية أدرك الرجلان الحسين. أرادا أن يخبراه، لكن الحسين كان وسط أنصاره وأهل بيته، وفيهم أبناء مسلم وأخوته؛ فانتظرا قبل أن يقولا له وقد بان عليهما التردد والارتباك: (رحمك الله، إن عندنا خبراً فإن شئت حدثناك به علانية وإن شئت سراً).
فنظر الحسين إلى من حوله، وهم الصفوة الذي صحبوه وجاؤوا معه، فقال: (ما دون هؤلاء من سر) فأعلماه مقتل مسلم وهانئ كما سمعاه من الرجل الذي خلفاه قبل قليل.
كان الخبر صعباً على الحسين، وزاد من صعوبته وجود أبناء مسلم وإخوته بين الحاضرين وهم يسمعون مقتل أبيهم أو أخيهم الذي كانوا ينتظرون أخبار انتصاره في الكوفة، وهو يقود الثورة فيها، وها هم يسمعون خبر مقتله ومقتل كبير أصحابه هانئ، وفشل الثورة هناك بخيانة البعض وتخلي البعض وتخاذل البعض.
قال شبيب بن الحارث لعامر بن سعد وقد انتحيا جانباً عن الجماعة: ماذا تظن الحسين فاعلاً الآن؟ إنه بادي الحزن. لقد كان مسلم رسوله وموضع ثقتة وابن عمه. وكان هانئ من دعائم الثورة وكبير الثائرين في الكوفة.
قال عامر: ما أخطأت في شيء مما ذكرت، ولكن أترى الحسين سيرده عن قصده قتل مسلم، وهو نفسه ينتظر ما جرى لمسلم منذ خرج من المدينة؟!
ألم يكن فيما سبق قتل مسلم من أخبار، ما يثنيه، لو كان القتل مما يثنيه؟!
إني لأرى قتل مسلم قد شد أكثر من عزمه وعزم أنصاره وأهل بيته، على القتال. لقد كان ذلك في حسابه منذ خرج، وكان في حساب الذين معه منذ خرجوا.
قال شبيب وهو يومئ لمالك: ألا أصغيت يا مالك. إن الحسين يخطب في الجمع. ماذا يقول لهم؟ ماذا يطلب منهم؟ إنه يحلهم من كل ما عاهدوه عليه. يطلب منهم أن يتركوه ويذهبوا في الأرض آمنين، لا ذمام عليهم ولا لوم. انه المطلوب دونهم فعلام يقتلون أنفسهم. ها هو يؤكد القول عليهم.
وعلا من الجميع صوت واحد جازم قاطع لا تردد فيه ولا خوف: لا والله بل نموت قبلك. لن نتركك ولن نخذلك ولن نفارقك. ما أسعدنا بالموت معك في جهاد الظالمين.
وبارك لهم الحسين هذا الموقف.
و مع الفجر، كان الركب يأخذ طريقه إلى الكوفة، وحين وصل إلى زبالة - قرية على الطريق - تلقى الحسين خبراً مفجعاً آخر؛ لقد قتلوا أخاه من الرضاعة، عبد الله بن يقطر، أصعدوه إلی سطح القصر ثم رموه، وكان فيه رمق فأجهزوا عليه واحتزوا رأسه.
الفصل الخامس والثلاثون
عبيد الله بن زياد، ولاية الکوفة والبصرة، العقدة الکبيرة
حين سمع يزيد بتوجّه الحسين إلى الكوفة، أسرع بضمها إلى عبيد الله بن زياد الذي أصبح من ذلك التأريخ والياً على العراق كله: البصرة والكوفة.
وزياد: أبو عبيد الله، هو زياد بن أبيه أو ابن سمية كما كان يعرف؛ لأنه ولد لأب مجهول وأم معروفة هي سمية التي كانت تحترف البغاء في الطائف.
وكان يمكن لهذه العائلة أن تعيش كما يعيش الآخرون مثلهم من ذوي الأنساب المغمورة أو الذين لا أنساب لهم، في بيئة واسعة كبيرة تحتمل كل صنوف الناس، وليس آل زياد بدعاً فيها ولا استثناء.
وقد بدأ زياد حياته بشكل طبيعي، وعمل للإمام. لم يقصد به نسبه ولم يحاسبه الإمام على فعل لا ذنب له فيه.
لكن كل شيء في زياد تغير: الفكر والمذهب والسلوك. لقد تحول زياداً آخر لا صلة له مطلقاً بزياد الأول، منذ أن ادعى معاوية أنه أخوه، في حكاية طويلة مبسوطة في كتب التاريخ وهي تتحدث عن زياد.
وبدأ زياد الآخر يطمع في دور، دور آخر يفرضه النسب الجديد ويتماشى معه؛ فهو منذ اليوم ابن لأبي سفيان وأخ للخليفة وواحد من رجال قريش وأصحاب المكانة والجاه فيها.
غير أن الناس لم تكن تقر له بهذا النسب، وأصبح موضع سخريتهم وهزئهم واستنكارهم، هو ومعاوية الذي منحه النسب. سخر منه الشعراء في شعرهم واستنكروه، وسخر منه الناس في مجالسهم واستنكروه، بل سخر منه قبل أولئك وهؤلاء آل معاوية وأسرته. حتى إذا تولى العباسيون الحكم، أعاد المهدي، بعد أكثر من قرن من الزمان، آل زياد إلى سمية: نسبهم القديم.
من هنا كانت العقدة الكبيرة التي لازمت زياداً وأهله، عقدة نسب أو عقدة شؤم عليهم وعلى غيرهم؛ فلاهم الذين بقوا، كما كانوا، من سواد الناس الذين لا أحد يهتم بهم أو يسأل عنهم، ولا الناس اعترفوا لهم بنسبهم الجديد وعاملوهم على أساسه.
أرادوا أن يردوا الدين لمعاوية ولآل أبي سفيان ويؤكدوا نسبهم فيهم فزادوا (سفيانية) عليهم، ولم يكن هؤلاء بحاجة إلى مزيد.
كانت عقدة النسب هذه وما تخلفه من نتائج، وما تثيره في النفوس الواطئة من عقد إضافية أخرى، قوية واضحة لم تفارقهم يوماً منذ معاوية لهم أو عليهم.
وهذه العقدة هي التي تفسر أن زياداً وضع أول كتاب في مثالب العرب والطعن فيهم وإظهار معايبهم، خلافاً لما ينتظر منه بعد أن أصبح من سادات العرب وأخا خليفتهم.
لماذا؟
الجواب هو ما يقدمه لنا زياد نفسه حين قال لأبنائه وقد ترك لهم (كتاب المثالب) وكان عارفاً بتكذيب العرب لنسبه الجديد وسخريتهم منه: (استظهروا به على العرب فإنّهم يكفون عنكم).
فزياد لا ينكر عيبه غير المنكور، لكنه يفتش عن عيوب الناس ليتقي بها ألسنة من يعيبونه.
ونشأ عبيد الله ابنه حاقداً لكل ما يعتز به الناس من قيم ويفخرون به من مآثر، والناس يومئذ عرب، يفخرون بقديمهم - ما أظنهم ما يزالون - أكثر مما يفخرون بحديثهم. وليس القديم إلا النسب والآباء والأجداد، وهو ما يعوز ابن زياد ويؤذيه في داخله، ويدفع به إلی سلوك عدواني شاذ إزاء كل من له قدر وشرف ومنزلة بين الناس، بالحط منه أو إهانته أو قتله؛ إرضاءً لنوازع لا يعرف، أو لا يريد التخلص منها.
وكان يزيد قد ضم إلى ولاية البصرة التي يتولاها عبيد الله منذ عهد معاوية، ولاية الكوفة؛ ليصبح السيد المطلق على العراق كله. وهو ما لم يحظ به أحد قبله؛ فعبيد الله إذن مدين ليزيد باستمراره في ولاية البصرة، ومدين ليزيد بتولية الكوفة التي ضمت أخيراً إلى البصرة.
ولم يكن يزيد ليوليه الكوفة، بعد سماعه بخروج الحسين وتوجهه إليها، إلا لمعرفته بعبيد الله واستعداده لارتكاب كل محرم، لا حدود عنده ولا حرج ولا شيء مما قد يردع الآخرين ويوقفهم أو يمنعهم. إنه أفضل رجال يزيد ليزيد، وخير من يلعب الدور الذي يريده منه في ملحمة كربلاء.
ها هو عبيد الله وعقدتاه: القديمة، عقدة النسب التي أضيفت إليها مؤخراً عقدة يزيد ودينه والوفاء له، أو عقدة الحكم والبقاء فيه. سمها ما شئت، وما نتج من هاتين العقدتين، من عقد أخرى.
وقد تهيأت له المناسبة لحلهما والتخلص منهما.
وليس بين العرب والمسلمين من هو أشرف وأفضل من الحسين. وليس بين العرب والمسلمين من يشفي غيظه ويزيل عقدة النسب عنده، كالحسين. وليس مثل الحسين من يرهب بقتله الناس ويؤكد به ولاءه ووفاءه ليزيد.
إذن فليسرع لقتل الحسين، ليقتله بأبشع صورة، بأبعد صورة عن الإنسان، بأقرب صورة إلى الوحش.
وأظنني وصلت الآن إلى تفسير هذا السلوك الساري الكريه لعبيد الله من الحسين ومن كان مع الحسين من الرجال والنساء والأطفال، موقف لا يمكن تفسيره بغير ما ذكرت.
ما الذي يدعو عبيد الله إلى الكتابة لعمر بن سعد أن يحول بين الحسين وبين الماء: (... ولا يذوقوا منه قطرة...).
ولو سمح عمر بالماء ولم يحل بينه وبين الحسين كما أمر عبيد الله، أكان الحسين مع أصحابه الذين لا يتجاوزون المائة، يستطيعون أن يقاتلوا ويهزموا جيش ابن سعد الذي لا عدد له؟!
وما الذي يدعو عبيد الله إلى الكتابة للحر يأمره بأن يجعجع بالحسين ولا ينزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء، ثم لا يكتف بذلك، فيجعل من رسوله بالكتاب رقيباً على عمر في تنفيذ أمره؛ كأنه خشي ألا ينفذ عمر أمره أو يقصر في تنفيذه.
وما الذي يدعوه إلى هذا الموقف الذي اتخذه من السيدة زينب أخت الحسين وباقي النساء المفجوعات حين أدخلن عليه، ومن علي بن الحسين، الفتى المريض ، الذي أراد قتله لولا تعلّق عمته به وإنكار بعض الحاضرين بذلك.
لقد كان موقفاً مخزياً، لا رجولة فيه ولا مروءة ولا شيء مما يحرص القادة عليه في مثل تلك الحال. وعکس عبيد الله، كما هو، حقيراً تافهاً وضيعاً، أسير عقد كانت شؤماً وبلاء علی المسلمين. لقد تجاوز ابن زياد بن أبيه كل ما سار عليه الناس والتزموا به، عرب وغير عرب، إلا بني أمية ورجالهم وأتباعهم.
كان يمكن ألا يكون مجرماً، لكنه أبی، كسب يزيد وخسر نفسه.
الفصل السادس والثلاثون
الوضع فی البصرة - نبيط بن يزيد
قبل أن يترك عبيد الله البصرة إلى الكوفة ليتولى أمرها، كان قد نشر الذعر والإرهاب في كل زاوية وكل بيت فيها. لا أحد يدري من سيؤخذ، تضرب عنقه أو يلقى في السجن دون أن يسأل أحد عنه؛ لأنه شك فيه. ما رأيناه في الكوفة من إرهاب، كان عبيد الله قد سبق إليه في البصرة قبلها.
أخذت أفواه الطرق ووضع الرصد في كل ركن يراقبون الداخل والخارج والمتكلم والساكت، وربما الساكت أكثر. ليس هناك حماية ولا حرمة لأحد. كل شيء مباح، والسلطة هي القانون لا منفذة للقانون.
ثم اشتد الإرهاب أكثر حين كشف أمر سليمان بن رزين: رسول الحسين إلى البصرة الذي شك المنذر بن الجارود أنه مدسوس عليه من عبيد الله، أرسله إليه لاستطلاع نواياه ومعرفة موقفه من الحسين ومن السلطة. وأراد المنذر أن يطمئن عبيد الله ويزيل شكه، فجاء إليه برزين، وهو يسخر فيما بينه وبين نفسه من عبيد الله ومن حيله التي لم تجر عليه. فما كان بأسرع من ضرب عنق رزين الذي ذهب ضحية (ذكاء) المنذر وصدق فراسته وسرعة كشفه لحيلة عبيد الله!!!
وكانت محنة قاسية تعرضت لها البصرة، التي كانت تعيش في الأصل، محنة مع هذا الطاغيه وحاشية له من عشاق الدم والجريمة الذين لا يجدون لذتهم إلا في القتل والتعذيب. مرض غريب ما يزال الإنسان يعاني منه حتى اليوم.
وفي أحد بيوت البصرة البسيطة التي لا تثير الانتباه، وفي واحد من أحيانها المزدحمة بالناس، اعتاد عدد من أنصار الحسين أن يعقدوا اجتماعاتهم فيه، للبحث في الموقف الذي عليهم اتخاذه، خصوصاً بعد ما علموا بعزم الحسين على الخروج.
كانت مارية بنت سعد من أقوى النصيرات في البصرة وأجرأهن.
وقد جعلت من بيتها ملتقى لأنصار الحسين، يجتمعون فيه ويتناقشون ويتبادلون ما لديهم من أخبار وما يبلغهم من معلومات قد تحدد خطواتهم القادمة.
قالت لأحد الانصار وهي تتابع الأخبار بلهفة وشوق: إلى أين وصل يزيد بن مسعود النهشلي؟ علمت أنه جمع بني تميم وحثهم على الانضمام إلى صف الحسين وخلع طاعة بني أمية، وهم كما تعلم أكثر أهل البصرة وأعزهم.
قال الرجل: والله لنعم الرجل ابن مسعود، لم يقصر في جهد ولم يبخل بنصيحة. إنه يواصل سعيه لحشد الأنصار للسير بهم الى الحسين. وإذا كان قد بدأ ببني تميم؛ فلأنهم قبيلته والأقرب إليه والأطوع لرأيه، وسيحد نشاطه إلى غيرهم من أهل البصرة، بعد الفراغ منهم.
قالت مارية وقد بدت قلقة: ألا ترى أن الوقت يضيق، والحسين على عزم الخروج، وإذا لم يسرعوا إلى اللحاق به الآن، فلن يكون خروجهم ذا جدوی بعده. وعلى كل فقد سمعت أن بني سعد قد طلبوا وقتاً للتفكير والرد على دعوة يزيد.
قال الرجل: هل نسيت موقفهم في صفين؟! لعلهم يريدون أن يكرروه.
وقبل أن يكمل الرجل جوابه، كان يسمع على الباب طرقات قد اتفق عليها بين مرتادي البيت من أنصار الحسين.
ودخل يزيد بن نبيط، وهو أحد أشد الأنصار وأنفذهم عزيمة. قال دون أن يجلس: إني قد أزمعت على الخروج، فمن يخرج معي.
قال أصحابه: إنا نخاف عليك يا ابن نبيط، فجيش عبيد الله ينتشر في المدينة، وهو يأخذ على الظنة والشبهة، ولا نأمن أن يكتشفوا أمرك فيأخذوك.
قال يزيد: من استسهل الموت، سهل عليه مادونه. إني لأرجو أن أرزق الشهادة في قتال هؤلاء الظالمين، بين يدي الحسين. ثم ودعهم وخرج. وخرج معه ستة من الأنصار، اثنان فيهم من أبنائه، والتحقوا بالحسين، وهو بعد في أبطح مكة. وكانوا بين الذين استشهدوا في كربلاء.
وأثناء ذلك، كان يزيد بن مسعود النهشلي يسرع في تجهيز أصحابه للالتحاق بالحسين.
وفي الطريق إلى كربلاء بلغه مصرع الحسين، فاشتد حزنه حتى مات أسفاً ألا يكون قد لحق به واستشهد معه.
الفصل السابع والثلاثون
الأزمة
كانت الروح العربية في زمن يزيد قد وصلت إلى أوطأ ما تصل إليه روح إمة، كانت تعيش أزمة حقيقية، أزمة مخيفة ربما لم يعرف لها التأريخ شبيهاً أولم يحدثنا - على الأقل - عن شبيه.
فمنذ بدأ الحكم الأموي مع معاوية، وحتى قبل معاوية، بدأت هذه الأزمة تغزو العربي عقلاً وضميراً، ثم تعيش معه، ثم تحوله إلى غير إنسان. لقد نجح الأمويون في تحطيمه فلم يعد يفكر؛ تعطل الفكر عنده، وتعطل الضمير.
أليست أزمة أن يقارن معاوية بعلي، ثم ينتصر معاوية في الحرب ضده. ونحن بعد في النصف الأول من القرن الهجري الأول، ولم يمضي على فتح مكة إلا ثلاثون عاماً، والصحابة الذين شهدوا فتح مكة كانوا أحياء في تلك الحرب؟!
أليست أزمة أن يحارب العرب بعد أقل من خمسين عاماً على الهجرة، الى جانب يزيد ويدعمونه ويساندونه ضد الحسين؟!
لولا هذه الأزمة، هل يستطيع معاوية أن يتولى حكم المسلمين، ويكون خليفة لهم، وهو الذي كان قريباً من القتل في أي حرب من حروب المسلمين مع مشركي قريش أو بعدها في فتح مكة؟!
وكيف استطاع أن يجمع جيشاً يحارب به علياً، ثم ينتصر عليه؟!
كيف انضم إليه المسلمون لولا أن تحكمهم وتسيطر عليهم وتشل فكرهم وضميرهم، هذه الأزمة؟!
أيمكن أن يقارن معاوية بعلي في مقياس من مقاييس الناس؟!
وانتهى معاوية، وظلت الأزمة، أو تفاقمت واشتدت.
فإذا كان لمعاوية من يعتذر عنه أو يعتذر له، فأي عذر يمكن أن يسع يزيد؟! وأي عذر يمكن أن يسع المسلمين، وهم يسمحون ليزيد أن يكون خليفة لهم؟!
لقد كانت ملحمة كربلاء أخطر نتائج هذه الأزمة، وستبقى أخطر نتائجها، على كثرة ما نتج عنها.
الفصل الثامن والثلاثون
المدينة - مكة
كان الحديث يدور بينهما بصوت أستطيع أن أسمعه. قال أحدهما لصاحبه: كيف كان موقف المدينة ومكة من معاوية والأمويين؟! ألا ترى أن هذا الموقف كان ضعيفاً متخاذلاً، لا يرتفع مطلقاً إلى ما كان يرجوه المسلمون منهما، ومكانتهما هي ما تعرف. وإليهما تتجه أنظارهم كلما تعرضوا لظلم، وليس كالظلم الذي تعرضوا له في عهد معاوية؟! لقد كان موقفهما، خصوصاً المدينة، قوياً حازماً مع عثمان، وهو خير من معاوية بما لا يقاس، وربما كان معاوية وتأثيره عليه من أقوى أسباب الثورة ضده.
قال الثاني بعد صمت طويل ظننت أنه لن يجيب؛ إليك القصة يا صاحبي: كان المجتمع العربي عموماً يعيش حالة انكسار وتراجع بعد فترة طويلة من النشاط والحركة.
لقد أنهكته سنون متعاقبة من الحروب والقتال والدم والسلاح، منذ الأحداث التي أدت إلى مقتل عثمان، ثم الحروب التي اضطر الإمام إلى خوضها في الجمل وصفين وختمتا باغتياله عام ٤٠هـ، واستيلاء معاوية على الحكم.
وانتهى الحماس الذي يرافق الحروب، وثورة العواطف تسبق ثورة المقاتلين وتشدهم وتقويهم. وعاد السيف إلى غمده. لم يعد خارج الغمد.
وانتهى ما كان يحرك النفوس، وهي تفكر وتناقش وتحكم وتحدد مصيباً ومخطئاً وحقاً وباطلاً.
لقد استولى على الناس شعور بالهزيمة وما يحمله من حالة الإحباط واليأس اللذين يقتلان العزيمة ويشلان المقاومة ويسلمان الإنسان إلى لون من الرضا والقبول بما هو حاصل والتخلي عن التفكير بتغييره.
ولم يكن أحب إلى معاوية ونظامه من هذه الحالة. ولم تكن هذه الحالة خارج حساباته؛ فسارع يغذيها ويرسخها ما أمكنه ذلك.
وكان الإعلام المتمثل بالأحاديث النبوية، المزورة طبعاً، قد بدأ منذ حين يعمل على نشر ثقافة الخضوع والطاعة له (ولاة الأمر) من الحكام ومن دونهم. وقد جند الحكم عدداً من المرتزقة والمنافقين والطامعين من الذين لا أخلاق لهم، لينشروا بين المسلمين أحاديث اختلقوها، تحرم الثورة على هؤلاء الحكام وتحصنهم ضد أي خطر محتمل.
وأظنك تعرف هذه الأحاديث التي أشرت إلى بعضها فيما سبق، وأظنك تعرف أصحابها من هؤلاء المزورين التافهين اللاحقين وراء الحكام وأموالهم. لقد استخدم الحكم الأموي وكل حكم بعده - وحتى اليوم - هذا الإعلام كواحد من أمضى الأسلحة وأشدها فتكاً بالعقل العربي.
وكان من بين ما ساعد على ذلك وفاة الكثيرين من الصحابة القدماء أو تفرقهم في البلدان، ولم يبق منهم أو ممن يسمع منهم في المدينة إلاّ عدد قليل، على رأسهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر. ولم يكن أي منهما صاحب موقف معروف أو اتجاه يخالف اتجاه السلطة أو يعارضها، فعاش كلاهما في كنف السلطة تقذف عليهما من عطاياها وأموالها: أموال المسلمين.
أما أولهما، عبد الله بن عباس، فقد أخذ بيت مال المسلمين وهرب به حين كان والياً على البصرة. وأما ابن عمر، فقد كان يتلقى المائة ألف من معاوية، لا يرفض ولا يتحرج، بل يستزيد. وبايع الاثنان يزيد، خليفة للمسلمين بعد موت معاوية.
وكان معاوية يحاول دائماً أن يؤكد روح الهزيمة عند أصحاب علي ويشعرهم بالضعف والعجز نحوه، وبأنهم أخطؤوا ابتداء في انضمامهم إلى عليّ الذي لم يجنوا منه غير الفشل والحرمان. لكن الرد كان يأتيه جافاً قاسياً أحياناً، وعلى عكس ما يريد دائماً، وأن من الخير له أن يترك الماضي ولا يثيره ولا يذكر علياً، فليس هو من نظرائه ولا ممن يقارنون به، وإذا كانوا خسروا الحرب، فلم يخسروا أنفسهم ولا إيمانهم ولا ولاءهم لعلي وتفضيلهم له، وربما تجاوزوا ذلك إلى تهديد معاوية بالعودة إلى الحرب.
وفي مكة لم تكن الحال لتختلف عنها في المدينة؛ كانت روح الهزيمة، هي نفسها التي تعيشها المدينة.
وكان عبد الله بن الزبير قد لجأ إلى مكة محتمياً أو عائذاً بالبيت كما سمى نفسه، ليبعد عنه أذى الأمويين الذين شغلهم عنه وعن غيره، خروج الحسين.
فابن الزبير لم يجرؤ على إظهار بيعته والدعوة إليها إلا بعد مقتل الحسين.
هذه إذن، إذا استثنينا الشام بلد المنتصرين والعاصمة الجديدة للخلافة، هي الحالة في المدينة ومكة، وغير المدينة ومكة: انهيار وتراجع وهزيمة تفتك بالناس وتشل كل تفكير في ثورة أو عصيان أو هو مادون الثورة والعصيان.
وكان لابد للخروج من الأزمة وتجاوز روح الهزيمة التي بدت وكأنها قدر لا يدفع، من حدث كبير، كبير جداً يهز النفس العربية وينفض عنها ما داخلها من شعور بالعجز والاستسلام.
كانت في حاجة إلى ملحمة كربلاء ودم الحسين.
وكانت كربلاء ودم الحسين؛ لتشتعل الثورات بعده على امتداد الأرض العربية الإسلامية، وهي تتمثل كربلاء والحسين فهل وجدت الآن الجواب على تساؤلك يا صاحبي؟
قال الأول متعجباً: أكنت معهم؟! والله لكأنك تتحدث عن رؤية وسماع!
قال الثاني: وهل نقل الذين رؤوا وسمعوا صحيحاً ما ررأوا وسمعوا؟! هل نحتاج في كل أمر إلى الرؤية والسماع؟! ماذا نفعل بالعقل إذن، وهو الهبة الكبرى، لم يمنحها حاكم ولا سلطان؛ إنه وحده، الحاكم والسلطان.
الفصل التاسع والثلاثون
شراف، ذوحسم
اللقاء الأوّل مع الحر
وصل الركب شراف - محطة على الطريق الذاهب إلى الكوفة بعد زبالة - فنزل يستريح ويتهيأ لسفر آخر يريد أن يواصله حتى الكوفة.
لقد قطعوا، حتى الآن، مسافات طويلة، بين سهل وواد وجبل. الحر قاس لا يطاق، والطريق ما يزال طويلاً وهو غير مستوٍ ولا سهل، لكن الرسالة التي يحملها الركب تنسي التفكير في غيرها؛ كل شيء غيرها هين يسير.
ومع خيوط الفجر الأولى كان الركب يستأنف سيره. ها هو يترك شراف بعزم لا ينثني ولا يلين، إلى المكان الذي سيكتب فيه تأريخ جديد للإنسان، تأريخ لا تزوير فيه ولا كذب ولا ادعاء.
ويبتعد الركب ويرتفع النهار.
وعند الأفق البعيد تلوح سحابة دكناء.
قال أحد أفراد الركب وهو يمد بصره إلى الأفق: إنه نخل، إني أرى نخلاً. ألا ترى؟ انظر. قال ذلك لصاحبه السائر إلى جنبه، لعله يرى هو أيضاً ما رآه.
وابتسم الأسديان: عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل وهما يسمعان ذلك. إنهما يعرفان المكان جيداً، فقد كانا كثيري المرور فيه، ويعلمان ألا نخل فيه. وما ظنه الرجل نخلاً، هو في الحقيقة جيش كثيف مقبل من ناحية الكوفة ومتجه إليهم.
وكان عبيد الله بن زياد قد أقام على جميع الطرق المؤدية إلى الكوفة مراكز تفتيش للتأكد من هوية المارين فيها. أما الطريق بين الكوفة والبصرة، فقد انتشرت - حتى مسافة بعيدة من طرفيه - مفارز من الشرطة، والجيش يسأل من يشك فيه من السالكين، أو يبعث به إلى مركز القيادة في الكوفة؛ لتتولى هي أمره.
لم يكتف عبيد الله بهذه الاجراءات، فبعث الحر بن يزيد الرياحي على رأس جيش من ألف فارس لملاقاة الحسين في الطريق والقدوم به إلى الكوفة. وكان هذا الجيش هو السحابة التي تراءت لأحد أصحاب الحسين وظنها نخلاً.
ووصل الجيش يتقدمه الحر، وقد جهدهم الحر وسرعة السير وانعدام الماء الذي شغلهم عن التزود به طلب الحسين كما أمر عبيد الله.
وطلب الحسين من أصحابه أن يسقوا الجيش وخيلهم مما حملوا من ماء.
قال عبد الله بن سليم للمذري بن المشمعل، وهو ينظر إلى أصحاب الحسين يقدمون الماء إلى الجيش: ألا ترى يا ابن المشمعل ما يفعل الحسين؟! إنه يسقيهم من الماء الذي حمله أصحابه معهم، وهو أعز شيء في مثل هذا الموضع. والله لو كنت مكانه لما سقيتهم قطرة ولتركتهم يموتون عطشاً. والله لو منع الماء عنهم ساعة لهلكوا وكفوه شرهم. أليس هذا أقل جزاء لهم؟! أليسوا هم جيش عبيد الله الذين جاؤوا لقتاله؟!
قال المذري: وما الذي تستغربه من فعل الحسين؟! لم يفعل إلا ما فعله علي أبوه مع جيش معاوية حين استرجعوا منهم شريعة الماء في صفين، فتركوا لهم جزءاً من الشريعة يستقون منه ويسقون خيلهم ودوابهم. أنسيت ذلك؟! إنهم لا يتركون نبلهم وسموهم، حتى مع أعدائهم. حتى مع من يريد قتلهم؛ هكذا هم دائماً. لِم لا يعدل الناس بهم أحداً، لو كانوا مثل غيرهم، ولولا هذا السمو الأخلاقي الذي لا يدركهم فيه أحد؟!
قال عبد الله: لقد صدقت. هكذا هم دائماً، حتى عند الموت.
وقبل أن يصل الحر، انحاز الحسين بأصحابه إلى جبل ذي حسم القريب، استعداداً للقتال إذا فرض عليهم.
لم يدر كلام كثير بين الحسين وبين الحر الذي اكتفى حتى الآن بالوقوف هو وجيشه مقابل الحسين وأصحابه. وحين حضرت صلاة الظهر، سأل الحسين الحر إن کان يريد أن يصلي بأصحابه، فقال الحر: بل نصلي بصلاتك.
وعاد المشهد نفسه في صلاة العصر، حيث صلى الحر وأصحابه وراء الحسين وعقب الصلاة، توجه الحسين إليهم فوعظهم وأشار إلى الظلم الذي يتعرض له المسلمون من حكم بني أمية، والأسباب التي حملته على الثورة ضدهم.
بعد ذاك طلب الحسين من أصحابه أن يتهيؤوا للرحيل لكن الجيش حال بينهم وبين ما أرادوا.
وطال الكلام بين الحسين وبين الحر: إصرار على الرحيل، وإصرار على المنع.
وأخيراً اقترح الحر حلاً وسطاً بديلاً: أن يسلك الحسين طريقاً لا يؤدي به إلى الكوفة. وقبل الحسين، وأخذ الطريق والحر يسايره قريباً منه.
وقد تحمل الحر مسؤولية هذا الموقف أمام عبيد الله بن زياد الذي اأمره ألا يأتي الكوفة إلا ومعه الحسين. وهذا ما لم يفعله الحر.
لم يكن الحر رجل سوء، ولا من هؤلاء المجرمين التافهين الذين ربطوا أنفسهم بالسلطان يخيفون الناس به ويصونون مصالحهم بالتقرب منه وتنفيذ أوامره. كان يسأل نفسه ويوازن بين سلوك وسلوك وموقف وموقف، يريد أن يعرف أين يقف وفي أي اتجاه هو. كان يفكر فيما أوكل إليه من أمر الحسين وهل عليه تنفيذه أم رفضه، دون حساب لنتائج الرفض أو قبول كامل بنتائجه؟ بدأ الشك يساوره، ثم قوي فيما بعد. لم يكن كالآخرين؛ ولهذا فإن مواقفه في أول لقاء له بالحسين، وحتى قبل أن يحسم أمره بشكل نهائي ويلتحق به، تشير إلى شيء من الحيرة والقلق وعدم اليقين، وتعكس حالة من الصراع الداخلي عنده بين عاملي جذب قويين، لكنه لم يصل بعد إلى الحالة التي تسمح له باتخاذ موقف أخير، حاسم سيتخذه بعد أيام في كربلاء.
الفصل الأربعون
عذيب الهجانات، عدد من الثوار يلتحقون بالحسين
كان الركب قد وصل عذيب الهجانات - من أواخر المحطات على الطريق - حين ظهر من بعيد أشخاص على رواحلهم يتجهون إلى الركب.
قال شبيب بن الحارث، وهو يحاول أن يتعرفهم فلا يستطيع: من ترى يا مالك هؤلاء المقبلين؟ لنا أم علينا؟ ولكن لماذا علينا؟! ألا يكفي جيش الحر وجيوش خلفه لاعدد لها؟! إنهم يقتربون، لكني لا أستطيع أن أميزهم بعد. كم عددهم؟ أربعة؟ خمسة؟ ستة؟ أسمع صوتاً يحدو بهم كأنني سمعته من قبل. كيف استطاعوا الإفلات من ابن زياد، وقد أحكم السيطرة على كل الطرق الداخلة والخارجة من الكوفة؟!
قال عامر: مالك كعادتك مستعجلاً دائماً؟! سنعرف التفاصيل حالما يصلون، ولن يتأخروا.
ويتقدم الأشخاص قليلاً، ويعود شبيب إلى صاحبه متسائلاً: انظر. انهم يقتربون. لقد صدق ظني. أليس ذلك الذي يتقدمهم هو الطرماح بن عدي الطائي؟! والذي خلفه؟ ذلك عمرو بن خالد الصيداوي يسير إلى يمينه. لقد كنا صديقين، ومضى زمن طويل لم أره ولم اسمع شيئاً عنه. وذاك؟ إنه مجمع بن عبد الله العائذي وابنه. أظن السير أتعبه. سنعلم منهم الخبر. إنهم يقتربون. امضي بنا نستقبلهم. لقد خرج الكثيرون لاستقبالهم. واحمل ما استطعت من الماء معك، فلابد أن الماء قد فقد عندهم، أو إنهم خرجوا دون أن يتزودوا بالماء، فلم يكن خروجهم سهلاً مع هذا الحصار المضروب على الكوفة.
انظر يا ابن سعد، انظر إلى حرارة اللقاء، ها هم الثوار يقبل بعضهم بعضاً ويعانق بعضهم بعضاً، فالعلاقة بين الثوار السائرين معاً إلى الموت، تختلف عن العلاقة بين الآخرين، مهما بلغت درجة القربى أو قوة العلاقة بينهم.
وجاء الجميع إلى حيث ينتظرهم الحسين الذي استقبلهم بشوق ولهفة، سعيداً بهم. لقد أنساهم لقاؤه التعب والخوف وقلقاً طويلاً ألا يلقوه.
ما الذي جاء بهم؟ كانوا يستطيعون الاعتذار - لو أرادوا - بالحصار المضروب عليهم، وعدم القدرة على اختراقه. كانوا يستطيعون ذلك، ويجدون من يقبل عذرهم؛ لكنه الإيمان بالقضية الكبيرة التي يحملها الحسين، والثوار معه، ذلك امامهم كل شيء وتركوا الراحة والأمن كقائدهم الحسين ليقتلوا. يعلمون جيداً أنهم مقتولون، فقد خرجوا من الكوفة، وهي ساقطة، يحکمها ابن زياد، قد اشترى الناس فيها، أو خافوا وضعفوا ولم يحتج إلى شرائهم.
وأراد الحر أن يقبض على الثوار القادمين، فهم لم يكونوا مع الحسين ابتداءً وإنما انضموا إليه الآن؛ وهذا، في رأيه، يعطيه الحق في القبض عليهم وإعادتهم إلى الكوفة. لكن الحسين رفض ذلك بشكل قاطع: يصر الحر ويأبى الحسين؛ إنه لا يسلم أصحابه لابن زياد يرميهم أحياء من السطوح ثم يحز رقابهم. ستحز رقابهم، ولكن في ساحة المعركة بكربلاء، بعد أن تحز رقبة الحسين قبلهم.
وفي اللقاء الذي جمع الثوار القادمين، بالحسين، عرض الطرماح بن عدي أن يقصد الحسين ديار طيء، فهناك الأمن والمنعة حتى يجتمع إليه الأنصار من طيء وغير طيء ثم يقاتل.
وكان الطرماح قد رأى قبل أن يترك الكوفة، جيشاً كثيفاً يسرح لقتال الحسين، غير جيش الحر الذي يراه الآن. الحسين مقتول إذن لو حصل قتال. هذا ما فكر فيه الطرماح.
واعتذر الحسين، وما كان ليجهل قوة خصمه، عدداً وتجهيزاً وإمداداً. ولقد عرضوا عليه قبل الطرماح، شيئاً قريباً مما عرضه، حتى وهو ما يزال في مكة، فأبى. كان للحسين رأي آخر غير ما يرون: إن الشهادة هي التي ستهز الضمير وتوقظ الفكر وتصنع النصر. هي التي ستحرك وتثير. هي التي ستلاحق الطغاة والظالمين، وتبقى تلاحقهم في كل زمان ومكان. إنها الراية التي سترفع غداً أو بعد غد، إن لم ترفع اليوم، وستحشد حولها الثوار غداً أو بعد غد، إن لم تحشدهم اليوم. إنها التي ستنتصر، وليس الحرب.
تلك هي رسالة الشهادة، لا تقوم بها الحروب.
هذا ما كان يقوله شبيب بن الحارث وعامر بن سعد، أحدهما للاخر وهما يسمعان رأي الحسين فيما اقترحه الطرماح.
الفصل الحادي والأربعون
رسول الأمير عبيد الله
الثاني من محرم عام ٦١. ركب الحسين وصل نينوى: كربلاء اليوم. الشمس قوية ساطعة تنعكس على أرض نينوى فتحيل كل ذرة من رملها جمرة صغيرة. الركب يتوقف ليستريح، ويتوقف معه جيش الحر الذي لازمه منذ شراف.
وفجأة يظهر فارس في كامل سلاحه وكأنه يطير على فرسه، يتجه مباشرة إلى قائد الجيش ليناوله شيئاً من يده.
ويسرع شبيب إلى عامر كما اعتاد، حين يرى ما يلفت انتباهه انظر يا مالك! من هذا الفارس؟ الفارس الملثم القادم من جهة الكوفة، وما الذي جاء به؟! يبدو أنه يحمل أخباراً خطيرة من هناك لإبلاغها إلى الحر. إنه يسلمه كتاباً. ترى ما الذي تضمنه؟! ليتني استطعت أن اسأل الحر أو الفارس عنه. ولكن ربما لا يعلم الفارس ما فيه، وكان مجرد رسول لتسليم الكتاب، دون علم بما فيه.
قال عامر: أظن الأمر كما تقول يا شبيب، وأن الفارس يحمل أنباء غير سارة. إني أرى فيه نذير شؤم.
قال شبيب بصوت منخفض وكأنه يحدث نفسه: ليته كان وحده نذير الشؤم في هذه الأيام!! هل بين القوم من يختلف عنه؟!
لم يمض وقت طويل على مجیء هذا الفارس حين كان الحر ينقل للحسين ما جاء في كتاب عبيد الله إليه: إنه يأمره أن يجعجع بالحسين ولا ينزله إلا في العراء في غير حصن ولا غير ماء. ثم أشار إلى الشخص الذي حمل الكتاب قائلاً: وهذا رسوله، أمره ألا يفارقني حتى أنفذ أمره.
قال شبيب وهو يسمع كلام الحر: أرأيت يا ابن سعد مثل هذا الـ (عبيد الله)؟! إنه يطلب من قائد جيشه ألا ينزل الحسين إلا في العراء وعلى غير ماء. وفي ركبه نساء وأطفال وخيل، وليس القتال هكذا، وليس هذا ما توجبه الفروسية والمروءة، ودع عنك الدين.
قال عامر: ومنذ متى عرف أميرك وأمراؤك الفروسية والمروءة؟! لقد عدموهما قديماً وحديثاً. هل كان عبيد الله إلا ابن زياد بن أبيه، وهل كان يزيد إلا ابن معاوية بن أبي سفيان؟! وهل عرفت أن واحداً من هؤلاء كان يتصرف تصرف الفارس أو يحرص على أن يملك أخلاق الفارس؟!
وفي اليوم التالي، كان عمر بن سعد يقود جيشاً آخر غير جيش الحر، تعداده أربعة آلاف فارس، جاء لمقاتلة الحسين.
قال شبيب، وهو يرى الجيش الذي لا تبلغ العين طرفه، وفي المقدمة عمر بن سعد يحيط به كبار قادته، والطبول تقرع بقوة: ماذا يصنع عبيد الله إذن لو أراد أن يحارب الروم أو الفرس؟! ألا يكفي جيش الحر والألف فارس، في مواجهة الحسين وأصحابه! وهم لا يبلغون المائة، فيرفدهم بأربعة آلاف، ووراءهم ما لا علم لأحد به من آلاف وآلاف؟! قال ذلك وهو ينظر ساخراً إلى هذا الجيش الجديد.
الفصل الثاني والأربعون
عمر بن سعد
لم يكن حمزة بن المغيرة من أنصار الحسين. لم يكن علوياً يوماً، لا هو ولا أبوه المغيرة بن شعبة. كان أبوه من خصوم علي المعروفين.
الكوفة تموج بالحركة والنشاط منذ أعلن عن خروج الحسين من مكة في ٢ ذي الحجة عام ٦٠ للهجرة. الإشاعات تنتقل بسرعة فيها. لا تنتشر إشاعة إلا لتنقضها أخرى بعد وقت قصير، أو ربما كانت الإشاعات المتناقضة تنتقل في وقت واحد، هنا أو هناك من أحياء الكوفة ومناطقها.
وفي إحدى الليالي من ذلك الشهر، وفي ساعة متأخرة منها يدخل عمر بن سعد على ابن اخته حمزة؛ كان يحمل شيئاً كبيراً يريد أن يطلع حمزه عليه.
قال حمزه وهو يرى خاله في غير الحالة التي كان يراه فيها: مالك يا خال؟! ما الذي يشغلك؟ مالي أراك على غير ما اعتدت منك؟! هل هناك ما يقلقك؟! قل، فأنا ابن أختك وأقرب الناس إليك.
وسكت عمر لحظة قبل أن يقول لحمزة: لقد عرض علي عبيد الله بن زياد إمارة الري.
قال حمزة، وهو يستعجل الكلمات وإمارات السعادة والرضا واضحة عليه: وماذا تنتظر؟ هل رفضت؟ أيمكن أن يكون هذا مما يرفض؟! أظنك تتهيأ الآن للسفر. هل تريد أن أكون معك؟ سأجهز نفسي اليوم أو غداً إن شئت. لكم أحب أن أرى الري، إنها مدينة كبيرة. لقد سمعت عنها الكثير. ما أسعدني وأنا أنام على مثل هذا الخبر. واراد أن يعانق عمر، لكن عمر أبعد رأسه عنه قائلاً: لم أنته بعد، فإن للخبر بقية.
قال حمزة مندهشاً: ألم تقل إن عبيد الله قد أمّرك على الري؟! أليس هذا ما سمعته منك؟! أكنت تهزل يا خال وأنت تنقل لي الخبر، وكنت سأذيعه بين الناس لولا أن يكون الوقت متأخراً؟! ما بقية الخبر؟! هاتِ
وسكت عمر مرة أخرى. عليه الآن أن يكشف لابن أخته عن بقية الخبر.
قال عمر وهو يحاول أن يخفف من تأثير ما سيقوله: لقد أبى عبيد الله إلا أن يربط إمارة الري بمقاتلة الحسين. إن هذا اللعين لا يعطي شيئاً إلا بثمن؛ ولهذا جئتك أستطلع رأيك.
قال حمزة وقد تغير وجهه وبدا كأنه لم يسمع أو لم يعي ما قاله خاله: ماذا قلت يا خال؟ هل طلب عبيد الله منك أن تقاتل الحسين؟! كأنني سمعت هذا، هل صحيح ما سمعته؟!
قال عمر: هو ما سمعت، هذا ما طلبه ثمناً لامارة الري.
قال حمزة: وهل هناك من يقبل أن يقاتل الحسين مهما كان الثمن؟! (أنشدك الله يا خال أن تسير إلى الحسين فتأثم بربك وتقطع رحمك. فو الله لإن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلها، لو كان لك، خير لك من أن تلقى الله بدم الحسين)
والله يا خال، ما مات أبي - على خصومته لأبي الحسين - حتى كان يلعن معاوية، أبا يزيد، ويكفره. ويزيد شر من أبيه.
والله يا خال إنه خزي الدنيا والآخرة، وسيلعنك الناس اليوم، وبعد اليوم.
أهذه هي بقية الخبر؟! وماذا أجبت؟ معاذ الله أن تكون قد ضعفت فقبلت ما عرضه عليك ابن زياد، فما أكثر الضعفاء اللاهثين وراء الجاه والسلطة في هذه الأيام، ولست منهم طبعاً؛ لقد أفسد معاوية الناس، وها نحن نحصد سيئات ما زرع.
قال عمر وكأنه يتفق مع ابن أخته: لا لم أقبل، ولو قبلت لما جئتك. قال ذاك، وهو يستعجل الخروج نادماً على زيارة حمزة.
وعمر بن سعد واحد من هؤلاء المجرمين التافهين الذين لا تستطيع إلا أن تحتقرهم قبل أن تكرههم. لم يكن في حاجة إلى جاه ولا مال، فأبوه سعد بن أبي وقاص من المتقدمين في الإسلام واحد الستة المرشحين للخلافة.
وقصره في العقيق - من نواحي المدينة - معروف. فعمر لم يكن إذن ممن يحتاجون الحكم في شيء، لولا ضعف يقود إلى الجريمة، أو استعداد للجريمة يقود إلى الضعف. ويبدو أن عمر قد جمع الاثنين. فلم يمضي إلا يوم أو يومان حتى كان حمزة يصرخ عالياً: لقد فعلها! لا والله لن يغفر الله لك أبداً! أكنت بيّتها وجئتني؟! أكنت تظنني سأؤيدك، أنت تريد أن تقاتل الحسين لدعم حكم يزيد؟! لقد جاء من يخبره أن خاله قد تولى قيادة الجيش الذاهب لمقاتلة الحسين.
وكان حمزة صادقاً فيما قال؛ فعمر لم يأته لأنه يجهل فأراد أن يستعلم. أهناك من يجهل أن قتل الحسين جريمة؟! هل يحتاج ذلك إلى سؤال؟! بل إن دعم وتأييد حكم يزيد القائم على الجريمة، أليس هو وحده جريمة؟!
لقد جاء عمر، لا ليسأل، وهو أعرف بما يسأل عنه، بل ليفتش عمن يؤيده ويسهل عليه ويزين له قبوله لعرض عبيد الله الذي يربط بين إمارة الري ومقاتلة الحسين لينتهي من أية بقايا لعناصر المقاومة أو التردد عنده. كان يختار الذين يسألهم ممن يعرف اتفاقهم معه في الرأي؛ ليقنع نفسه بأنه لم يقبل إلا بعد استشارة وتفكير ورضا الذين استشارهم. لقد كان عمر يخدع عمر، ولم يكن في حاجة لذاك. لقد حدد خياره وحسم أمره، ولو أنه سأل خطأ، من يعارضه أو لا يشاركه الرأي، لما سمع منه ولربما اتهمه.
وحين جاء إلى حمزة، جاء وهو واثق أن ابن أخته سيشاركه الرأي ويقويه ويشد عزمه، فهو ابن أخته وشاب، والشباب يطمعون، وسيسره أن يكون خاله أميراً للري، وقد يفكر أن يجد له مكاناً في هذه الولاية التي ستكون تحت إمرة خاله.
هكذا تصور عمر موقف ابن أخته، وهو يهرول إليه في الليل ليأخذ رأيه. لم يكن ينتظر المفاجأة التي واجهه بها، لكنه لم يحفل بها.
وأسرع ليعلن للأمير عبيد الله قبول عرضه، وأنه مستعد لقيادة الجيش الذي سيقاتل الحسين.
الفصل الثالث والأربعون
عودة إلی الکوفة
اشتداد الإرهاب فيها
عبيد الله يغادرها إلی النخيلة
في صباح يوم من أواخر أيام ذي الحجة خرج سكان الكوفة من بيوتهم على أصوات رجال عبيد الله وهم يعلنون بيان الأمير الذي جاء فيه: (ألا برئت الذمة ممن وجد في الكوفة، ولم يخرج لحرب الحسين).
كان البيان واضحاً لا يحتمل شكاً ولا تأويلاً. الكل سمعوه، والكل فهموا أن (برئت الذمة) تعني استحلال الدم، والقتل الذي لا ينتظر حجة ولا عذراً، ولا يسأل عن حجة أو عذر.
وذعر الناس وتملكهم القلق. وبدأت حالة من الرعب لا شبيه لها. الإرهاب يشتد ويقسو ويشل الحياة في المدينة، يمسح كل زاوية وركن فيها بحثاً عن الفارين أو المتخلفين عن الخروج لحرب الحسين. والسجون لا مكان فيها لنزيل جديد؛ فاستغنت السلطة بالقتل عن السجن.
عثروا على رجل لم يلتحق بالجيش الزاحف لقتال الحسين. قال حين سألوه عن أسباب تخلفه: والله إني رجل غريب، وصلت اليوم إلى الكوفة في طلب دين لي على بعض أهلها، ولم أسمع بنداء الأمير ولا علم لي به.
واقتادوه إلى الأمير عبيد الله، وقصوا عليه قصته، وهم يتوقعون الأمر بإطلاق سراحه.
وانطلقت من عبيد الله ضحكة عالية، ثم التفت إلى الرجل. قائلاً: نعم الرجل أنت. والله ما سررت بهدية تلقيتها منذ دخلت الكوفة كما سررت بهدية قدمتها أنت.
وفرح الرجل واطمأن، لقد صدقه الأمير أخيراً، وسيأمر بالإفراج عنه، وليس أدل على ذلك من ضحكته ولين كلامه معه.
لكن فرحه لم يدم طويلاً: لحظات، قبل أن يسمع عبيد الله يقول لبعض الحرس الواقفين بين يديه: انطلقوا به فاقطعوا رأسه وارموا به في السوق حيث يراه الجميع، فذلك أدعی أن يخيف أهل الكوفة عليهم اللعنة، فيخرجوا كلهم لحرب الحسين.
وعاد عبيد الله إلى الرجل ضاحكاً؛ ألم أقل لك: نعم الرجل أنت...
وانهار الرجل... لم يكن يعرف أن ذنبه هو هذا، وأن بين الذنوب مثل هذا.
وسيق الرجل إلى الذبح، ورمي رأسه تتلاعب به الأرجل كما أمر الأمير.
ولم يمض على هذا البيان إلا أيام حتی فوجئ الكوفيون ببيان آخر يقول فيه الأمير: (لا يبقين رجل من العرفاء والمناكب والتجار والسكان إلا خرج فعسكر معي فأيما رجل بصرناه بعد يومنا هذا متخلفاً عن المعسكر برئت منه الذمة).
وغادر عبيد الله الكوفة إلى النخيلة - أرض قريبة من كربلاء - ليكون أقرب إلى ساحة المعركة ويضمن الإشراف الكامل عليها.
وقبل أن يغادر الكوفة، أمر عمر بن سعد أن يحول بين الحسين وبين الماء ويمنعه عنه حتى يموت عطشاً، فاتجه خمسمئة فارس من جيش عمر وأخذوا شريعة الفرات.
قال أحد أفراد جيش عمر لصاحبه بصوت لا يسمعه غيرهما: أليس الماء حقاً لكل مخلوق من إنسان وغير إنسان جعله الله لهم، وليس لأحد أن يمنعه من الآخرين؟!
قال الآخر: إلا عند معاوية، وهذا عبيد الله يعيد سيرة (عمه) ووضع يده على فمه يردّ ضحكة قد تطيح برأسه لو سمعها غيرهما.
قال الأول، ولم يكن أقل حذراً من صاحبه: ما لهم أخزاهم الله؟ أليس عندهم ما يفخرون به غير الزنا؟! ألا يستحيون؟! ولكن لم لا أستحيي أنا؟! أي عذر لي وأنا أناصر الظالمين؟! ما كان يضرني لو أطعت صوت ضميري والتحقت بالحسين؟! كنت سأكون واحداً من هؤلاء السعداء الذين تراهم الآن في معسكره: حياة كريمة والشهادة معه، وهل أكرم منها؟! لقد كنت من أنصاره قبل اليوم، فما لي جبنت حين جاءني؟! ألا ترى ذلك الرجل البارز أمام المعسكر؟ إنه زهير بن القين، لم يكن من أنصار الحسين، لكن الله أراد له الخير فالتحق به.
قال الآخر: والله إني لأسأل نفسي فلا أجد جواباً. كيف ارتضيت أن أكون واحداً من جيش عبيد الله الذي يحارب الحسين، ولم ينهض الحسين ولم يثر إلا من أجلي ومن أجل أمثالي؟! ألست أولى باللعنة ممن العنه الآن؟! نترك الحسين وننضم إلى ابن زياد لنحاربه، نحن الذين كنا من أشد أنصاره، وهو بعيد. كيف تخلينا عنه، وهو بيننا؟! لعن الله الخوف. والله ما رأيت عدواً للإنسان كالخوف! والله لو كان الإنسان مخلداً، لكان الخوف عاراً. فكيف وهو سيموت؟! هذا ابن يسار، هل سمعت بما فعل؟! لم يخش عبيد الله ولا حرسه، ولا شرطته ومرتزقته. خرج يصرخ في الناس بأعلى صوته أن يحملوا سلاحهم ضد الحكم الجائر وأن ينضموا إلى الحسين الذي جاء انتصاراً لهم وإعادة لحقوقهم التي انتهكها الطغاة الظالمون.
لم يخش الموت بل استقبله باسماً راضياً. أراده ومشی إليه حين كان الخيار الآخر يزري بالإنسان ويذله ويحط منه. لقد مضى شهيداً. ما أروعك يا ابن يسار وأروع ما اخترت!! ثم أضاف: وما الذي يضمن لنا أننا لن نقتل في هذه الحرب التي علينا أن نخوضها، غداً أو بعد غد. ربما سنقتل فليس في الحرب ضمان، ولكن مع من وضد من؟!
أرأيت إلى أين أوصلنا الخوف؟!
قال الأول: لقد أصبحت من حزني مما كنت أواريه وأبعده بالتماس العذر تارة وبالنسيان تارة، وبغير هذا وذاك أخرى. لكنني سرعان ما كنت أنتبه إلى عبث ما أحاول. كنت أريد أن أخدع نفسي. وإذا كان سهلاً على المرء أن يخدع غيره، فليس سهلاً أبداً أن يخدع نفسه. لقد ذكرت عبد الله بن يسار، ونسيت عمار بن أبي سلامة: هذا البطل الآخر الذي حاول أمس اغتيال ابن زياد لكنه لم يفلح مع كثرة الحرس المحيطين به فالتحق بالحسين، وهو معه الآن. كنا معاً في العداء للحكم والعمل ضده. هؤلاء هم الأبطال الذين يفخر بهم الحسين ويفخر بهم أهلهم، ويفخر التأريخ، لا نحن الخائرين الضعفاء الراکضين وراء الأعذار تبرر بها خوفنا وضعفنا وهزيمتنا، والحق واضح أمامنا. هل بلغك ما فعله عبيد الله بن الحر: لم ينصر الحسين لكنه أبى أن ينضم إلى جيش عبيد الله ويشارك في قتله. وهذا أقل المواقف سوءاً. ليتني كنت كعبيد الله بن الحر!
قال الآخر: الآن؟! أين كنا عن كل هذا ولم تمض إلا أيام؟! أتراه قدرنا الذي كتب علينا كان يقودنا ولا مفر مما قادنا إليه؟! نحن الذي ضعفناه وارتضيناه.
قال الأول، وكأنه نسي شيئاً يريد أن يعود إليه: لقد كنت أريد أن أسألك قبل أن يأخذنا الحديث: ماذا تظن أن يفعل أنصار الحسين، وقد أخذ عليهم الماء كما ترى؟!
وقبل أن يكمل كلامه، كان ثلاثون من الأنصار يقودهم العباس يشقون طريقهم إلى الشريعة ويملؤون قربهم ويعودون بها إلى معسكر الحسين.
الفصل الرابع والأربعون
ثوار يلتحقون من الكوفة
شبيب بن الحارث يجلس في طرف المعسكر، وغير بعيد عنه، يجلس عامر بن سعد، رفيقه وصاحبه. والاثنان صامتان، لا يتبادلان الحديث كما اعتادا. السماء خارج المعسكر صافية والرؤية لا يحجبها شيء، وشخص يتقدم من بعيد. قال شبيب وهو يمد نظره إليه: من هذا القادم؟ إنه يقصدنا، ها هو يسرع نحونا رافعاً يديه بالسلام. لابد أنه أحد الأنصار الذين أفلتوا من حصار اللعين. قال ذلك، ثم رفع صوته مخاطباً عامر: انظر يا عامر، انظر: بطل آخر من الأنصار يفلت من سجن عبيد الله، بطل آخر!
وحين وصل الرجل، كان التعب والإرهاق قد بلغا منه. قال، وهو يتجه إلى مجلس الحسين: سأحدثكم بعد أن أرى الحسين، ولكن عليكم قبل ذاك أن تسرعوا لمساعدة مسلم بن كثير. لقد خلفته في الطريق وراء تلك الأحجار، وهو كما تعلمون شيخ كبير وأعرج. أصيبت إحدى رجليه في صفين حين كان يقاتل في صف الإمام. لقد تركته وهو يتحامل على نفسه من الجهد بعد طريق شاق طويل. حاولت أن أحمله أو أساعده، فأبى وطلب مني سرعة الوصول إليكم، فلعلكم أحوج إلي منه، كما قال. حملني سلامه إلى الحسين وإليكم، ويتمنى أن يصلكم سالماً ليشارككم الشهادة في قتال الظالمين.
كما تركت عبد الله بن عمير الكلبي ووهباً ابنه، وزوجته أم وهب التي أبت إلا أن تشارك في القتال إلى جانب الحسين. ولم يكن ابنها وهب أقل حماساً منها للقتال. لقد كانت تتعثر في الطريق فيسندها وهب أو أبوه.
والشيخ مسلم بن عوسجه... إنه أضعف من أن يسير بضع خطوات.
لا أدري كيف استطاع هو وزوجته العجوز أن يقطعا المسافة من الكوفة حتى المكان الذي تركتهما فيه؛ لقد رأيتهما: يسقط أحدهما فيقيمه الآخر باسماً رضياً.
ما أروعهما وأروع ما يريدان! قد تدركونهما حيّين وقد لا تدركونهما؛ فعجلوا رحمكم الله، وسأحدثكم عن الآخرين وعني حال خروجي من الحسين.
واتجه إلى خيمة الحسين.
كان قاسط بن زهير التغلبي قد أفلت هو ومجموعة من الأنصار، من الحصار المضروب على الكوفة. كانت قدماه قد تورمتا لطول ما مشى في الرمال الحارة دون توقف ولا بطء، ووجهه الأسمر قد ازداد سمرة، لكنه ما إن رأى الحسين ورأى أصحابه حتى أشرق وجهه من جديد، وعاد قاسط وكأنه لم يقطع هذه المسافة. نسي التعب، ونسي المخاطر التي واجهها منذ ترك الكوفة حتى وصوله كربلاء.
قال، وهو يسأل الحاضرين، بعد ما عاد من الحسين: هل تعلمون شيئاً عن أخي كردوس؟ إني لا أراه بينكم. لِم لم يصل، وقد خرجنا في وقت واحد كما أظن؟! وقبل أخي، هل من أخبار عن حبيب بن مظاهر، فهو الآخر خرج في نفس الوقت الذي خرجت فيه؟! وأنيس بن معقل؟! وذكر عدداً من الأشخاص.
قال أحد الأنصار: لم يصل واحد من هؤلاء الذين ذكرتهم. عسى أن يكون خيراً ما أخرهم، ولكن حدثنا كيف خرجت من الكوفة رغم الحصار الذي يفرضه اللعين عليها.
قال آخر من الأنصار: ألا تركته يستريح؟! إنه يحتاج إلى الراحة الآن أكثر مما تحتاجون إلى الحديث. إن قدميه متورمتان، علي بشيء ألف به قدميه؛ لقد قطع طريقاً طويلاً وشاقاً.
قال قاسط وابتسامة عذبة ترتسم بين شفتيه، ووجهه يشع رضا وسعادة: والله لقد استرحت حين رأيتكم. أأكثر من أن يرى المرء نفسه بين الحسين وأصحابه ورفاقه! سأحدثكم عن خروجنا: كنا نفكر منذ وقت في الخروج من الكوفة واللحاق بكم، لكن هذا اللعين - عبيد الله بن زياد - قد أغلق المنافذ كلها؛ لا أحد يدخل ولا أحد يخرج. المدينة مطوقة من جميع الجهات، والحرس يطوف السكك والشوارع ليلاً ونهاراً، ومن شك فيه، قتله أو زجّ به في السجن. تلك هي أوامر اللعين. وبعد طول تفكير انتهينا إلى أن نتوزع، وكنا حوالي العشرين، على بعض البيوت الواقعة في أطراف المدينة والتي نعرف أصحابها ونثق بهم، ثم نخرج ليلاً في ساعة واحدة، حين يهدأ التفتيش ويخف، ونسلك الطرق الفرعيته كل واحد يأخذ طريقاً، حتى لا نثير الانتباه، ولا يقبضوا علينا كلنا، إذا انتبهوا إلينا. لم أحمل معي، حين خرجت، وهذا ما اتفقنا عليه، غير زوادة فيها الماء، نشرب منه عند الضرورة ونبلل ايدينا ونمسح بها على وجوهنا نخفف عنها شدة الحر. ولا والله ما شعرت بالجوع مطلقاً، كنت أشعر بالسعادة والقوة كلما ابتعدت خطوة عن الكوفة واقتربت خطوة منكم.
كان قاسط يواصل حديثه عن الكوفة وحصارها وخروجه منها، والثوار ملتفون حوله يطلبون المزيد حين قطع حديثه واحد منهم وهو يقول، مشيراً إلى الطريق أمامهم: انظروا! هل ترون ما أرى؟! انظر يا قاسط! إن شخصاً يحمل شيئاً ما. لا، إنه يحمل شخصاً آخر. إني أراهما الآن، لكني لا أعرفهما. هل تعرفهما يا قاسط؟! لا شك أنهما من أصحابك الذين سألت عنهم.
قال قاسط وهو يتجه مسرعاً إلى الرجلين: نعم نعم. كيف لا أعرفهما! هذا هو مسلم بن كثير، والذي يحمله هو جبلة بن علي.
إنها بشارة خير. سأسألهما عن الآخرين، لعل عندهما علماً وأخيراً أراهم يصلون.
قال شبيب وهو لا يكاد يصدق ما يرى: إنه الإيمان يا عامر. إن الشهادة تنادي أصحابها، بل إنهم يطلبون الشهادة ويسعون إليها. ما أشد فرح الحسين بكم أيها السعداء. والله إنكم الباقون الخالدون حين ينسى الآخرون ويختفون. لقد تركتم الأهل والإخوان والراحة والأمن لتلتحقوا بركب الشهادة مع الحسين.
قال عامر: صدقت يا شبيب. لقد كانوا يستطيعون أن يعتذروا، صادقين أو غير صادقين كما اعتذر غيرهم، بأنهم حاولوا الفرار والالتحاق بركب الثوار مع الحسين، لكنهم أخفقوا. والله يا شبيب، منذ صحبنا الركب، وأنا أرى في كل يوم ما ينسيني الذي رأيت قبله، وما أظنني سأرى مثل أصحاب الحسين هؤلاء. هل سمعت بهذا الفتى وهب، وأظنه في الطريق إلينا مع أمه وأبيه، لقد رفض أن يتخلف عن أبويه ويبقى عند أخواله.
ولم يمانع ابواه في ذلك، بل فرحا وشجعاه، مع أنه وحيدهما، وهو بعد فتى لم يبلغ الحلم، وأبواه يعلمان تمام العلم أنهما مقتولان، وأنه سيقتل إن جاء معهما. إنها البطولة لا تعرف السن ولا تتحدد بها. ومع البطولة، عشق الشهادة، وهو عشق لا تستطيع وصفه، ما أروعه وأحلاه، لن تجده إلا عند أولئك الصفوة الذين عرفوه فاختاروه وسعدوا به.
قال شبيب: أرى بعض الأشخاص مقبلين من بعيد، أظنهم من أصحاب قاسط. ونهضا مع الثوار لاستقبال القادمين.
الفصل الخامس والأربعون
ثوّار يلتحقون من ساحة القتال
لم تكن المسافة التي تفصل جيش عمر بن سعد عن معسكر الحسين واسعة، لكنها كانت تحت مراقبة شديدة؛ لا أحد يستطيع التحرك إلا بإذن. وأطرافها الخارجية أحيطت بحراسة ليست أقل شدة لمنع الهرب من الجيش أو التسلل إلى معسكر الحسين والالتحاق به.
كانت أنباء، لبعض الجنود الذين استطاعوا الهرب أو المستعدين للهرب والانضمام إلى الحسين، تقلق عمر كثيراً. وزاد من قلقه، المحاولة التي قام بها عدد كبير من قبيلة بني أسد الساكنين قريباً من ساحة المعركة؛ فقد جاءهم أحد زعمائهم: حبيب بن مظاهر، من كبار أنصار الحسين، يدعوهم إلى الالتحاق بالحسين والانضمام إلى صفه والثورة على الظلم الذي يعانونه، ويعانية الآخرون من بني أمية، وإلى ما ينتظرهم من عدل وحياة كريمة، أو شهادة ستحتسب لهم إن انضموا لمعسكر الحسين وقاتلوا إلى صفه.
وقد استجاب لدعوة حبيب عدد يتجاوز السبعين أخذوا طريقهم إلى معسكر الحسين، لكنهم فوجئوا بجيش كبير لا طاقة لهم به، أرسله عمر بن سعد الذي بث عيونه وجواسيسه ترصد وتراقب وتزوده بكل ما يثير ريبتها من حركة أو نشاط؛ فاضطروا إلى الانسحاب والتفرق في المسالك المائية التي يعرفونها. أما الذين قبض عليهم فقد قطعت رؤوسهم أمام عيون الجيش تخويفاً لمن يفكر منهم بالانضمام إلى صف الحسين.
وبعد هذه المحاولة، ضاعف عمر من إجراءات الحراسة والمراقبة، وشدد من العقوبة التي هي في الأصل شديدة، على كل من يتهم بالهرب أو الالتحاق بالحسين أو الامتناع عن قتاله. كانت أوامره صريحة، وكان القتل أهونها.
ورغم ذاك فقد استطاع عدد من الثوار الذين أجبروا على القتال في جيش ابن سعد، أن يهربوا ويلتحقوا بالحسين، متحدين كل المخاطر التي واجهتهم؛ فها هو نعمان بن عمرو الراسبي يتنافس مع أخيه الحلاس بن عمرو، أيهما يصل معسكر الحسين قبل الآخر. ومسعود بن الحجاج يأسف ان يسبقه ابنه عبد الرحمن بن مسعود. قال لابنه بعد وصولهما معسكر الحسين، وهو يشد على يديه مفتخراً به: والله يا عبد الرحمن لولا شبابك وكبري، ما سبقتني في الوصول إلى المعسكر. ومالك بن سيف بن سريع وابن عمه: أخوه لأمه، سيف بن الحارث بن سريع، كان الرهان بينهما، لا على من يصل أولاً، ولكن على من يستشهد أولاً.
قال شبيب مذهولاً وهو يرى سباق المتنافسين إلى الشهاده: ما أروعكم يا أصحاب الحسين! الابن ينافس أباه، والزوجة تسابق زوجها، والأخ يباري أخاه. وكأنهما ذاهبان إلى حفل عرس، أي عرس؟!!
الفصل السادس والأربعون
في معسكر الحسين... ليلة العاشر من محرم
الأيام تمضي بطيئة حزينة منذ نزل الحسينعليهالسلام
أرض كربلاء في الثاني من محرم.
الناس في كل مكان يعالجون هماً ثقيلاً. يتوجهون بقلوبهم إلى هناك، إلى حيث الحسين، وكلهم قلق وترقب وانتظار. شيء كبير، كبير جداً يوشك أن يقع في تلك الأرض.
اليوم هو التاسع من محرم، الشمس تميل ببطء نحو الأفق الذي سيصبغ غداً بالدم؛ إنه اللون الذي سيصبغ أرض كربلاء. لن تنزعه عنها بعد الغد.
وهذا الليل يقترب حزيناً ساكناً، يعرف ما يحمل صباحه من مأساة.
وعلى أرض كربلاء تنتصب خيمة، إنها خيمة الحسين، وخلفها وحولها انتشرت خيام الأنصار، وفي طرف منها نصبت بعض الخيام لتضم النساء والأطفال.
ذلك هو معسكر الحسين، هدوء وجلال يحفانه؛ الأصوات خفيفة والنفوس مطمئنة والوجوه رضية يشع منها نور سماوي هادئ.
والجميع عيونهم متجهة الى خيمة الحسين لا يفارقونها، لا يريدون أن يفارقوها؛ فهذه الساعات القليلة هي كل ما بقي لهم ليروا الحسين ويروا بعضهم؛ فسيشهد الصباح الملحمة التي انتظرها الإنسان طويلاً ليبدأ معها تأريخ جديد؛ لتشع أرض كربلاء وتتحول كل قطرة دم فيها إلى ثورة وفكر ولهب لا يخبو ولا ينطفئ.
وفي الجانب الآخر من الخيام، كان الفتيان يودعون بعضهم، والأمهات يحتضن الأبناء، يعانقنهم ودموعهن تختلط بدموعهم. إنها آخر ليلة يقضينها مع أبنائهن ويقضيها الأبناء مع أمهاتهم، آخر ليلة وسيفرقهم صباحها.
ليت الصباح لا يأتي. ليت الليل يطول، ليته بلا صباح.
قالت ذلك احدى الأمهات وهي تعانق ابنها وتضمه إلى صدرها، وقد ضعف صوتها الا من نشيج يتقطع. الذكريات تمر أمامها سريعة، تحاول أن تستعرضها في لحظات منذ كان ابنها جنيناً، تكلمه، تداعبه باسمة، ثم منذ ولادته، وهي ترضعه وتلاعبه، فإذا اغتص، سارعت به على سريره تعاود النظر إليه بين فترة وأخرى، تستعجل السنين حتى يكبر. الآن تودعه وتسلمه إلى الموت بسيف مجرم جلاد. إنها لن تراه بعد الآن، لن تراه أبداً. ويعاودها البكاء فتترفق بها أم أخرى ستفارق هي أيضاً ابنها غداً، تحاول أن تواسيها وتخفف عنها.
والأخوات يبكين وقد أطرقن برؤوسهن، تاركات دموعهن تجري كما تريد. لن ترى أياً منهن أخاها بعد الليلة، وليس هذا حلماً. إنهن يرين ويسمعن ما يدور صامتات والدمع وحده هو المتكلم بينهن. استندت إحداهن إلى عمود من أعمدة الخيمة وقد أسبلت جفنيها الغارقين بالدمع.
ها هي تتذكر طفولتها، ملاعب صباها مع أخيها حين كانا صغيرين.
الصور تتلاحق أمام ناظريها فيسرع الدمع إلى الصورة. لا تريد أن تمسح الدمع؛ لِم تمسحه؟! أأشد وأقسی من فراق الأخ الذي لا عودة له؟!
الحسين يوصي الجميع بالهدوء والرضا بما قسم الله من الشهادة.
وأخته زينب تتماسك أمام هذا الموقف؛ تجمع قوتها وهي تدور بين خيام النساء، تهدئ هذه وتعظ تلك. تعالج المريض وتسكت الطفل وتقوي الخائف وتتفقد الغائب. لا مكان عندها للبكاء، وهي أولى به؛ تحبس دموعها وتخفي حزنها في صدرها؛ لو انهارت فسينهار جميع من في الخيام.
ثم تنتقل إلى خيمة الحسين، ترى وتسمع أخاها، متحملة ما لا يتحمله أقوى الرجال. تعرف ما سيأتي به الغد القريب فلا تنهزم أمامه، وكأنها خلقت لمثل هذا اليوم. ما أثقل وأشد وأقسى ما تحملته هذه البطلة. ما كان غيرها من امرأة أو رجل ليتحمل بعض ما تحملت لو لا أن تكون بنت علي وفاطمة. إن لها ولدين بين الذين سيستشهدون صباح الغد، لكن ذلك لا يثنيها عن واجبها إزاء ما هو أكبر من ولديها.
قال شبيب بن الحارث مذهولاً، وهو يرى زينب وثباتها ورباطة جأشها مع ما نزل بها وما تعرف أنه سينزل بها بعد ساعات: والله يا بنت علي وفاطمة، والله يا أخت الحسين: لو لم أكن في الركب معكم، أرى وأسمع، لما صدقت ما سيروى عنك. تشككت كثيراً فيه، ولكنك يا بطلة كربلاء أكبر من كل ما يروى وينقل. من غيرك يمكن أن تكون المثل الأعلى للنساء؟! لك أو لمثلك تعنو الجباه، واين مثلك؟! فداء لك هؤلاء المدعيات الكاذبات، الراكضات وراء الفتنة، الموغلات في دماء المسلمين، الفاضحات لأزواجهن وأسرار بيوتهن.
قال عامر بن سعد معقباً على كلام شبيب: وأنا والله. ما أحسب بين نساء العالم كله من تستحق أن ننحني لها كهذه البطلة التي لا نعرف لها نظيراً. والله لو أن الجبال تعرضت لمثل ما تعرضت له لانهارت.
اعذريني يا أخت الحسين إذا أنا قصرت فلم أوفك حقك ولا بعض حقك. ما ذاك إلا لأني لا أجد ما أقوله فيك، وكل قول قليل فيك. لن أستيطع أن أوفيك حقك إلا إذا استطعت أن أوفي أخاك الحسين حقه.
هذا كل ما أستطيع وما أظنني سأستطيع غيره، وإن كنت أرجو وأتمنى.
ما أروعك يا بطلة كربلاء، وما أجدرك بهذا الاسم!
الفصل السابع والأربعون
في خيمة الحسين
قال شبيب بن الحارث، وهو يهمس لعامر بن سعد: من هؤلاء الخارجون في مثل هذه الساعة من الليل؟! إلى أين يقصدون؟ أليس هذا مسلم بن عوسجة؟ والذي جنبه، أليس هو زهير بن القين، ومعهما حبيب بن مظاهر، ووراءهم بقية الأنصار؟ إنهم يتجهون إلى خيمة الحسين، ترى ماذا يريدون؟
لابد أن شيئاً خطيراً قد حصل، وهم ذاهبون إلى الحسين لإبلاغه أو للاستفسار عنه. أتظنهم يريدون أن يعتذروا للحسين عن القتال معه، وقد رأوا ألا طاقة لهم بقتال جيش عمر؟! أتظنهم يريدون أن يعرفوا رأي الحسين في مكان المعركة ومواقفهم منها، قبل أن تبدأ، ولا يفصلهم عنها إلا ساعات، وتتلاقى السيوف؟! أتظنهم...؟ وراح شبيب يستعرض ما يمكن أن يرد على ذهنه من الأسباب.
قال عامر: ولِم السؤال أو الأسئلة يا شبيب؟ ألبعد خيمة الحسين عنا، أم أنه سيمنعنا من الدخول؟! امضي بنا ندخل كما يدخلون، وسترى وتسمع جواب ما تسأل عنه.
وأسرع الاثنان إلى خيمة الحسين.
وبدأ الحسين الكلام، فحمد الله ثم حيّا الأنصار وأثنى عليهم بما لاقوه من نصب وعناء وما تركوه من أهل وراحة وأمن، وليس عنده ما يجزيهم عليه إلا الحمد، والأجر والمثوبة من الله. ثم قال: (... فإني لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني جميعاً خيراً. ألا وإني أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غداً. ألا وإني أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حل، ليس عليكم مني ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وإن القوم إنما يطلبونني، ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري). ثم سكت.
قال العباس أخوه، وكان أول المتكلمين بعد الحسين من أهل بيته الذين سبقوا إلى الخيمة قبل أن يصل الأنصار (ولِم نفعل ذلك؟! أنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك ابداً).
ثم تبعه الآخرون من أبناء الحسين وأبناء إخوته وباقي الطالبيين، فأكدوا ما قاله العباس معبرين عن سعادتهم بالموت معه، وأن ليس بينهم من يرفض الشهادة التي لا ينتظرون خيراً منها.
ويأتي دور الأنصار...
ويقوم الشيخ مسلم بن عوسجة: أكبر القوم سناً، يتقدم خطوة نحو الحسين وهو يتقد عزماً وحماساً، كأنما عاد إليه شبابه. قال بصوت عال يسمعه الجميع وبنبرة حادة صارمة لا تردد فيها ولا شك: (أنحن نخلي عنك ولما نعذر إلى الله في أداء حقك؟! أما والله حتی أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي، ما ثبت قائمه في يدي، ولا أفارقك. ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به؛ لقذفتهم بالحجارة دونك، حتى أموت معك).
ثم قام سعد بن عبد الله فقال: (والله لو علمت أني اقتل ثم أحيى، ثم أحرق حياً، ثم أذر، يفعل بي ذلك سبعين مرة، ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك. فكيف لا أفعل ذلك، وإنما هي قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً).
وبعد مسلم وسعد، قام زهير بن القين ليقول: (والله لوددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت، حتى أقتل كذا ألف قتلة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك).
وتعاقب آخرون من الأنصار، ليس فيهم إلا مستبسل يتعجل الموت غداً. ليس فيهم إلا من يرى القتل مع الحق إلاّ غنماً وشهادة لا يفوز بها إلا السعداء، فهو حريص عليها حرص الآخرين على الحياة.
الجميع واثقون من أنفسهم؛ لأنهم واثقون من القضية التي يدافعون عنها. الجميع لا يرون القتل إلا أقل ثمن يدفعون من أجلها، ولو ملكوا غير أنفسهم يقدمونها، لما ترددوا. ولو كان هناك أكثر من القتل لما أبطأوا ولا انتظروا. هذا كل ما يستطيع الإنسان أن يقدمه وأقصى ما يستطيع الإنسان أن يقدمه، ولم يبخلوا به. وكانوا آسفين أنهم لا يستطيعون غيره.
قال شبيب لعامر الذي كان جنبه: قل لي يا ابن سعد، هل سمعت ما سمعت؟! إني لا أصدق، لا أصدق ما أرى وأسمع. إني لأتهم بصري وسمعي!
قال عامر: والله إني لمثلك، ولولا أن تكون أنت أيضاً قد سمعت الذي سمعت، لكنت أسرع منك إلى إنكاره واتهام بصري وسمعي، لكننا لا نستطيع إلا أن نؤمن بما رأينا وسمعنا؛ لأننا رأيناه وسمعناه، لا رواية ولا حديثاً ينقل، فيزيد وينقص.
قال شبيب وهو يعود إلى الحديث: والله يا عامر لا أدري ممن أنا أشد عجباً: من الحسين، وهو يطلب من أنصاره أن يتركوه، ويحلهم من كل عهد سبق لهم. هو يعتذر عنهم ويسهل لهم طريق النجاة ويدلهم عليه، ويدفع الحرج عنهم بالليل يتخذونه جملاً، لا يراهم ولا يرونه، مع أنه مقبل غداً على قتال ويحتاج إلى أي فرد يقاتل معه؟! أم من هؤلاء الأنصار الذين يعلمون علماً لا شك فيه ولا ريب بأنهم مقتولون غداً، ثم يصرون على الموت، يتسابقون إليه، سعداء باسمين، ساخرين منه؟! إني والله لا أجد من الألفاظ ما أصفهم به إلا أنهم من معدن آخر غير ما نعرف من الرجال.
إنهم من مدرسة الحسين. وماذا تنجب مدرسة الحسين؟!
قال عامر: صدقت، إنها مدرسة الحسين؛ هؤلاء هم العمالقة الذين سيصنعون التأريخ، لا الصغار التافهون.
وخرج الجميع عائدين إلى خيامهم بانتظار صباح الغد: العاشر من محرم الذي سيشهد ميلاد التأريخ الجديد للإنسان.
وانتبهت فإذا الحبر أحمر بلون الدم، وإذا الصفحات التي كتبتها، هي أيضاً حمراء بلون الدم.
ارتعشت يدي، توقفت عن الكتابة. وما أسرع ما سمعت صوتاً عذباً حزيناً يقول لي: أنسيت؟ أنسيت أنك قد وصلت إلى الفصل الأخير من ملحمة كربلاء، فصل الدم والشهادة؟! أنسيت أنك تكتب عن العاشر من محرم؟! متى سيتحول الحبر إلى دم إن لم يتحول عند الكتابة عن العاشر من محرم؟!
وشعرت أن جسمي كله يرتعش؛ إنّه العاشر من محرّم: ميلاد الإنسان الجديد. تأريخه الجديد الذي لم يكتبه المزورون والمنافقون والضعفاء، كتبه الدم، وما أصدق التأريخ حين يكتبه الدم؟!
الفصل الثامن والأربعون
في معسكر عمر بن سعد
كانت الأنباء التي تتحدث عن هرب بعض أفراد الجيش من ميدان المعركة، تجنباً لقتال الحسين أو للالتحاق به والقتال معه تثير القلق لدی قادة الجيش الأموي، وتدفعهم إلى استعجال المعركة وحسمها قبل أن تشيع هذه الظاهره وتتحول إلى خطر حقيقي سيهدد الحكم كله.
الحراسة تشدد، والمراقبون ينتشرون بين الجنود، والمسالك والطرق الخارجة من المعسكر، خصوصاً المؤدية إلى معسكر الحسين قد أغلقت تماماً بنوبات حراسة قريبة من بعضها في الليل وفي النهار، وقد اختير أفرادها من المعروفين بولائهم للحكم.
قال أحد الجنود من جيش عمر لآخر معه في نوبة حراسة ليلية: والله لا أدري لِم الانتظار حتى الصباح. لِم لا نفاجئهم الليلة فنأخذهم على غير استعداد ولا تعبئة؟! لن يفلت منهم أحد، ولن يقتل منا أحد.
قال الآخر ممتعضاً: وربما جاء الصباح وأجلوا المعركة. وعلينا أن نسهر ليلة أو ليالي أخرى. لم نعط هؤلاء الخارجين أعداء الإسلام وقتاً إضافياً، ونحن نستطيع أن نباغتهم؟! والله لو أن النبي حي بيننا الآن لما اختلف رأيه عن رأينا، ولقاتلهم في هذه الليلة أو قبل هذه الليلة، ولسبى نساءهم وغنم أموالهم. أليس هذا هو حكمهم؟!
وكان عمر يضحك في سره، وهو يسمع مثل هذه الأحاديث من بعض جنوده.
ماذا لو علم هؤلاء الجنود بأننا نحن من نذيع هذه الأوصاف والإشاعات عن الحسين ومن معه؟! ماذا لو علموا بأن من نقاتله هو حفيد النبي، وأبوه بطل كل المعارك التي خاضها الإسلام ضد أعدائه؟! ماذا لو علموا أن النساء اللاتي يدعون أن النبي سيسبيهن، هن حفيدات النبي وحبيباته؟! ثم يضيف مكتئباً: آه يا إمارة الري! من أجلك أنا هنا. من أجلك أنا أقاتل الحسين مع معرفتي به، وأخشى أن ينكث ابن مرجانة بعهده بعد قتل الحسين. ما الذي يجمعني إلى شمر بن ذوي الجوشن، هذا الأعرابي الخشن الجلف لولا الري؟! وهذا الآخر: شبث ابن ربعي الذي كان من أنصار علي، ثم تحول خارجياً، وها هو معنا اليوم يحارب الحسين، لا عن عقيدة ولا عن اقتناع وإيمان، إنما حرصاً على مصلحة ودفاعاً عنها. هو يركض وراء مصلحته، وكأنه انتبه ليقول: وأنا مثله اركض وراء مصلحتي. لا فرق بيننا، ربما كنت أسوأ حالاً منه.
وفي مكان آخر من المعسكر كان يدور هذا الحوار بين أفراد من الجيش مجتمعين للطعام. ووقت الطعام يمثل فترة استراحة للجنود، يلتقون ويتحدثون، يروون ما سمعوه أو شاهدوه مما يظنون أنه يستحق الحديث.
قال أحدهم يسأل رفاقه وهم بانتظار الغداء: هؤلاء الذين سنواجههم غداً أو بعد غد، هل تعرفونهم؟! هل هم مشركون أم مرتدون أم خارجون عن الإسلام، أم مسلمون مثلنا؟ فالأنباء مختلفة بشأنهم.
لقد سمعت الأمير عبيد الله يقول لبعض جلسائه قبل أن نأتي إلى هنا، إنهم مشركون كفار، وسمعته مرة أخرى، يقول عنهم: إنهم مرتدون، وإن قائدهم الحسين مرتد كأبيه علي الذي كان مسلماً ثم ارتد، وإن علياً هو الذي قتل الإمام الشهيد عثمان. هذا ما يقوله الأمير، سمعته منه. وحين يقول الأمراء، فعلينا أن نصدقهم. هل نستطيع أن نكذب الأمراء؟!
قال آخر: وما لنا ولهذا؟! لم تتعب نفسك فيه، ما دمنا سنقاتلهم؟! أهذا وقت سؤال، ونحن في ساحة المعركة، لا نعلم متی تبدأ، على أنها لن تتأخر. قد تبدأ اليوم أو غداً أو بعد غد في أبعد الحالات. قال هذا ثم التفت إلى الذي كان إلى جنبه. أليس صحيحاً ما أقول؟! ما لنا ولهذه الأمور؟ إنها ليست من شأننا. إننا هنا جنود للقتال، للقتال فقط. إن قتلنا فعلينا لعنة الله، لم يأتوا بنا إلا لهذا، وإن انتصرنا فغيرنا هو المستفيد.
قال ثالث: إنه الحق والله. ولكن أتظن أن قتالاً سينشب بيننا وبينهم غداً إذا التقينا، أو بعد غد؟! أنا لا أظن، لن يكون قتال ولا معركة ولا شيء منهما. إنهم لا يزيدون على المائة. لن يستطيعوا القتال، وقد منعنا عنهم الماء، ولا يملك أكثرهم حتی فرساً يهرب عليه. سنحيط بهم من كل جهة. سنبيدهم مع بداية الهجوم. ماذا يفعل مائة أمام أكثر من خمسة آلاف، وآلاف أخرى لا عدد لها، من هنا إلى دمشق.
قال رابع، وهو ينظر إلى سيفه الموضوع إلى جنبه، يقلبه بين لحظة وأخرى: غداً سأرويك من دماء هؤلاء الفاسقين المارقين الخارجين على الدين. إنهم يستحقون القتل، حتى لو كانوا مسلمين وخرجوا على إمامهم. هكذا علمونا. لا والله لن أترك منهم صبياً ولا صبية ولا رضيعاً. هل يكون الابن إلا مثل أبيه. غداً موعدك أيها السيف. لن نبقي منهم أحداً سنستأصلهم.
قال الخامس وهو يضحك في وجوه أصحابه: أما أنا فقد حسمت أمري. ما لي وللحرب والقتال؛ سأتجه إلى خيام النساء.
لا رجال يحموهن ويدافعون عنهن. إنهن الغنيمة التي لا غنيمة مثلها. نساء بلا رجال؛ سأسلب كل ما أقدر عليه. لن يستطعن أن يمتنعن. لن أبقي شيئاً عليهن أستطيع سلبه. سأكون أول المهاجمين لخيام النساء، قبل أن يهجم الآخرون ويسبقوني إليها.
قال سادس وهو يصغي إلى حوارهم غير بعيد عنهم: والله ما أظن أحداً منكم قال صواباً، وما أظن أحداً منكم قال ما يؤمن به. إنكم تعرفون غير ذلك وعكس ذلك؛ لكنه الخوف الذي جاء بكم كما جاء بي إلى هنا معكم. إني لانكر نفسي الآن. لم أكن أتصور أن أقاتل الحسين يوماً، أو أن لا أكون معه وهو يقاتل. هل تعرف أنت - والتفت إلى أول المتكلمين - من هو عبيد الله بن زياد؟! لِم لا نستطيع أن نكذبه، حتى لو كان أميراً، حتى لو كان خليفة. من أين له هذه العصمة التي تمنعه من الكذب؟!
ألمجرد أنه أصبح أميراً أو خليفة؟! ليس ابن زياد أكثر من مجرم يعين مجرمين، ويستعين بمجرمين وتافهين وجبناء مثلنا. هل تعرفون من تقاتلون غداً؟! إنه الحسين. الحسين الذي ثار من أجلي ومن أجلكم، من أجلنا جميعاً، لو كنا صادقين مع أنفسنا، ولو لا ما غشي على بصائرنا وضللنا بفعلنا وبفعل غيرنا. لقد كان الحسين يستطيع أن يفعل ما فعل سواه ويبقى في أي بلد من بلاد العرب شاء، آمناً مطمئناً، لكنها الأمانة التي أبى أن يحملها غيره، هي التي قادته إلى هنا، غير مبال بالموت ولا مکترث به، من أجلي وأجلكم. سيقتل الحسين غداً، سنقتله نحن.
هل تعرفون من هو الحسين؟! إنه ابن بنت نبيكم، ومعه أهل بيته الذين تريدون قتالهم غداً والهجوم على خيامهم وترويع نسائهم وأطفالهم وسلب ما عليهم مما لا يقدم عليه إنسان له دين أو خلق أو مروءة. هل تعرفون من هو أبو الحسين؟ إنه علي بن أبي طالب: قاتل المشركين وبطل الإسلام في جميع معاركه، وزوج بنت النبي والذي فداه بنفسه حين نام في فراشه، وقريش تطلب قتله. هذا هو الذي ستقاتلونه غداً، وأنا معكم. سأقاتله خوف أن أقتل. سأكون ظالماً آثماً في قتاله لو حييت، أو الى النار لو قتلت أو مت.
ثم انقطع الكلام. لقدكان العريف يقترب منهم.
الفصل التاسع والأربعون
الحر بن يزيد القلق ثم الحسم
لم يستطع الحر أن ينام ليلة العاشر من محرم حتى صباحه. كان يتقلب على فراشه، ثم ينهض، ثم يعود، قلقاً مضطرباً، كمن يريد أن يصل إلى قرار في أمر أهم ولم يحسمه بعد. قرار خطير فيه الموت، وفيه ثكل الزوجة ويتم الولد وفجيعة الأبوين.
هذا هو القرار الذي أسهر الحر ليلة العاشر. كان عليه أن ينتهي فيه إلى رأي خلال ساعات، وقبل الصباح، على كل حال،
قال وهو يخاطب نفسه أخيراً قبل أن يتخذ قراره: ويحك يا حر، لو أن هؤلاء الذين تتحدث عنهم وتريد أن تتأسی بهم وتتخذهم لك مثلاً: عبيد الله وعمر وشمر وشبث وغيرهم. لو أنهم سرقوا وخانوا أمانة وفروا من قتال، أكنت فاعلاً فعلهم، تسرق وتخون وتفر؛ لأن بعضاً ممن لا خلق لهم ولا دين ولا حياء فعلوا ذلك؟! أليس لك أسوة بمن هو خير من هؤلاء؟!
أيكون زهير بن القين، العثماني الهوى كما تعرف، أفضل منك؟!
أيكون هؤلاء الذين رأيتهم في الطريق يلتحقون بالحسين، سعداء راضين مطمئنين، أفضل منك؟! لقد اختاروا وسعدوا، ولهم أيضاً زوجات وأولاد وآباء وأمهات، فما الذي يمنعك من الاختيار وحسم أمرك حتى الآن؟! ما هذه الحيرة والتردد؟! أهو الخوف من الموت، ولم يكن الموت بعيداً عنك يوماً؟! كان دائماً قريباً إليك في كل قتال تخوضه. أكنت محصناً من الموت؟! أتدري كم ستعيش بعد اليوم، إن لم تمت مع الحسين؟!
وانتهى الحوار. انتهى باختيار الانضمام إلى الحسين والاستشهاد معه، تاركاً الزوجة والولد والأبوين، والجاه والمال.
وفي الصباح خرج الحر من معسكر عمر ومعه قراره؛ كان سعيداً به ليس بينه وبين الخلود الآن إلا مسافة قصيرة، هي هذه التي تفصله عن معسكر الحسين.
كان أول من لقيه من أصحابه، هو قرة بن قيس، دار بينهما حديث قصير، لم يخبره الحر بما عزم عليه. أقصى ما تصوره قرة، وهو يصغي إلى حديث الحر، أنه قد يتنحى فلا يشهد القتال ضد الحسين. هذا قد يكون أقصى ما تصوره.
وكان جيش عمر بن سعد يستعد للهجوم على معسكر الحسين، والحر أحد كبار قادته المعروفين بالشجاعة. لم يخطر على بال أحد منهم أن يكون قائدهم ينوي الالتحاق بالحسين وهم يرونه يدنو من معسكره. كانوا يظنونه يستعجل المعركة، وهو يتقدم الصفوف باتجاه معسكر الحسين.
قال المهاجر بن أوس، أحد أفراد قبيلة الحر، وهو يرى الحر يبتعد عن معسكر عمر ويدنو من معسكر الحسين: ما تريد يا ابن يزيد؟ أتريد أن تحمل؟
لم يجب الحر. اكتفى بنظرة إلى المهاجر لم يفتهمها هذا. فعاد المهاجر يسأله: والله إن أمرك لمريب، وما رأيت منك في موقف قط مثل ما أراه الآن، ولو سئلت من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك.
مالي أراك ترتعش وكأنك لم تدخل حرباً قط ولم تشارك في قتال، وقد أمضيت عمرك فيه مخاطراً بحياتك، مهاجماً، أو مدافعاً حين يتراجع الآخرون أو ينهزمون؟
قال الحر بوضوح هذه المرة: والله ما بي شيء مما تظن؛ لكنني أخير نفسي بين الجنة والنار، بين الحسين ويزيد، وقد اخترت، وضرب فرسه نحو معسكر الحسين.
وفهم المهاجر ما لم يفهمه من نظرة الحر في أول اللقاء. قال شبيب بن الحارث وهو يرى الحر مقبلاً لكنه لا يتبينه: أرسول من عمر في هذا اليوم، وهو يوم قتال، لا رسائل فيه ولا رسل.
قال عامر: إنه يقترب بكامل سلاحه. كأنه الحر. إي والله هو هو، الحر مرة أخرى. إنه الحر الذي صحبنا من شراف وجعجع بنا. ماذا يريد الآن، وليس بعد القتال شيء يحذّره الإنسان أو يخافه؟!!
وقبل أن يكمل كلامه، كان الحر قد بلغ المعسكر ليكون من أوائل المستشهدين في المعركة مع الحسين.
الفصل الخمسون
صباح العاشر من محرم
عندما يتوحش الإنسان
الأصوات تتعالى في معسكر سعد مزمجرة هائجة خشنة، ليس أخشن منها إلاّ طباع أصحابها.
طبول الحرب تقرع معلنة بدء الزحف. السيوف مجردة من أغمادها في استعراض غريب والرماح تهتز بأيدي مجرمين هوايتهم القتل.
عمر بن سعد يتقدم الجموع الزاحفة يحيط به من جانبيه مجرمون مثله: شمر بن ذي الجوشن، وشبث بن ربعي وآخرون.
قال عمر وهو يعطي لأفراد الجيش آخر أوامره قبل الزحف: لا ترحموا أحداً، لا طفلاً ولا امرأة ولا شيخاً، كلهم سواء. كلهم دمهم مباح لكم. هذه هي وصية الأمير عبيد الله إليكم. لا تأخذكم بالمجرمين المارقين رحمة ولا عطف. فترتفع الأصوات في لحظة غياب كامل للضمير وفقدان الإنسان لإنسانيته: نحن طوع الأمر، سنسر الأمير ونقر عينه.
لن نبقي أحداً منهم، ولو شاء، بدأنا بالأطفال أولاً، سنذبحهم أمام أمهاتهم. ثم كرروا هتافهم للأمير عبيد الله ولأمير المؤمنين ناصر الإسلام: يزيد بن معاوية.
قال شمر وقد بدأ مسروراً بما سمع: بارك الله فيكم؛ هذا هو رأي الأمير في إخلاصكم ووفائكم، ولن يبخل في مكافئتكم على قدر بلائكم. سيضاعف المكافأة لمن يتقدم على سواه في تنفيذ أمره. وهذا قائدكم عمر يضمن لكم مكافأآتكم. الزموا وصية أميركم، أقرّ الله عينه بكم. إن هي إلا ساعة من نهاركم هذا، ثم لا يبقى أثر لهؤلاء المجرمين.
وتقدم جيش عمر باتجاه معسكر الحسين.
قال أحد أفراد الجيش وهو يرى مسروق بن وائل - أحد أفراد نفس الجيش - خارجاً من الصف: مالك يا مسروق خرجت من صفك؟! عد إلى مكانك فيه. سيعاقبك الآمر لو رآك.
قال مسروق: كأنك لم تسمع مقالة عمر وشمر! إني أريد أن أكون في أول الجيش، لعلّي أصيب قبل غيري من قدرت أن أصيبه: الحسين أو أحد أهل بيته أو أصحابه أو عياله وأطفاله فتضاعف لي الجائزة. لابد أنها ستكون أكبر من جوائز الآخرين. أليس هذا هو ما وعدنا الاثنان؟!
لم يسر الجيش إلا قليلاً، حين بدا من بعيد فارس يسرع متجها إلى مقدمة الجيش. ويتوقف الزحف، ويسلم الفارس رسالة من الأمير عبيد الله إلى قائد الجيش عمر، ثم يتسلم جوابها ليعود بالسرعة التي جاء بها.
كانت الرسالة تحث عمر على الجد في قتال الحسين ومن معه وأخذهم بمنتهى العنف والشدة، وأن يقطع رأس الحسين بعد ما يقتل ويوطأ جسده بالخيل، وأن تحرق الخيام على من فيها. الأمير يؤكد مما سبق أن أمر به عمر، وهو يوليه قيادة الجيش.
تلك كانت رسالة عبيد الله إلى عمر بن سعد.
ويستأنف الجيش زحفه نحو معسكر الحسين الذي بدا قريباً؛ على مرمى السهم.
وتناول عمر قوساً كان يحمله صاحب رايته، قال وهو يصوب السهم نحو معسكر الحسين: اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمی. قال ذلك وهو يمر يده على شارب غليظ خرجت من تحته ضحكة هستيرية مجنونة.
وغضب شمر، كان يريد أن يكون هو الأول. قال لعمر وهو لا يكتم غضبه:
ما على هذا اتفقنا يا ابن سعد. ألم تكفك إمارة الري فتطلب الزيادة؟! ثم تحرمني أن اكون أول من يرمي ويبدأ القتال، ولن يساوي هذا شيئاً مما نلته؟! أنفست علي حظوتي عند الأمير؟!
وابتسم عمر وربت على كتفي شمر مطمئناً إياه: لن تنقص جائزتك. ستتضاعف، ولن تقل حظوتك. سأعظم دورك عند الأمير يا شمر يا ابن ذي الجوشن. هل رضيت؟! أبقي في نفسك شيء من القائد عمر؟! ورضي شمر وبادل عمر الابتسام.
الفصل الحادي والخمسون
صباح العاشر من محرم
معسكر الشهادة
أربعون فارساً وستون راجلاً لا خيل معهم، ذلك هو عدد جيش الحسين. لكن كانت معهم القضية الكبيرة التي يحملونها ويستعذبون الموت من أجلها: قضية الإنسان. لقد أصبحت جزءاً منهم. لم يكن الموت يخيفهم ولا يشغل بالهم. إنهم ملاقوه اليوم، بعد ساعة، أو أقل أو أكثر.
أحلهم الحسين من عهدهم له، آخر مرة، في الليل، قبل ساعات من بدء المعركة، فأبوا. أصروا على البقاء وعلى القتال وعلى الاستشهاد. يعرفون لماذا يقاتلون، لا يفكرون في كثرة عدوهم وقلتهم، إنهم يعرفون، وقد اختاروا. يبتسمون راضين مطمئنين. أأكثر من الموت؟! ما أهونه ثمناً حين تكون القضية بحجم ما يحملون! ولو قتلوا ثم عادوا إلى الحياة، لما فعلوا غير ما يفعلونه اليوم؛ ذلك ما اعلنوه واكدوه على طول مصاحبتهم للحسين.
قال يزيد بن الحصين في صباح العاشر، وهو يرى حبيب بن مظاهر خارجاً من خيمته يضحك: ما هذه ساعة ضحك يا ابن مظاهر! فيجيبه حبيب: وأي موضع أحق من هذا بالضحك والسرور، وما بيننا وبين الشهادة إلا أن تلتقي السيوف؟!
وفي طرف المعسكر حيث خيم النساء، كان مشهد آخر. مشهد سيصبح جزءاً من ملحمة كربلاء، لا يتم الحديث عنها إلا بالحديث عنه؛ الأطفال يتضورون جوعاً وعطشاً. إنهم أطفال لا يحتملون ما يحتمله الكبار، وربما لا يحتمله حتى الكبار. يبكون فلا تملك الأمهات ما تدفع به البكاء عنهم، فيبكين معهم. لا طعام ولا ماء. كل شيء نفد في المعسكر، حتى الحليب يبس في صدور الأمهات. والشريعة القريبة منهم، يحرسها من جهة الحسين خمسمئة فارس بكامل أسلحتهم يمنعون من يدنو منها.
صاح الحر بن يزيد الذي التحق بالحسين قبل قليل من نفس اليوم: ويحكم أتمنعون الأطفال والنساء من الماء الذي هو حلال حتى للحيوان؟! أعرب أنتم؟! أمسلمون؟! أبشر؟! إن ما تفعلونه لم يفعله أحد قبلكم غير معاوية أبي هذا الفاسق الذي تقاتلون من أجله. ويحكم هلاّ تبتم مما أنتم فيه. والله إن كنت ألوم نفسي على شيء الآن، فعلى أني كنت يوماً منكم. سأغسل عني إثم ذلك اليوم أيها المجرمون، ولا يزيدنا ما تفعلون إلا بصيرة بكم وإصرارا على قتالكم. فرماه رجال عمر بالنبال وهم يصيحون: لا والله. لن يذوقوا من الماء قطرة حتى يموتوا عطشاً، حتى يموتوا كلهم عطشاً، وأنت معهم يا حر.
الفصل الثاني والخمسون
المعركة
جيش عبيد الله بن زياد يقف في مواجهة معسكر الحسين ينتظر أمر الهجوم من قائده عمر. الحسين وأنصاره يعظون أفراد الجيش الذين يسمعونهم الآن ويرونهم. ينادون من يعرفونه منهم. يكلمونهم ينبهونهم إلى خطئهم، وأنهم يقاتلون عن باطل، إنهم يظلمون أنفسهم ويظلمون غيرهم بهذا القتال، ويطلبون منهم أن يرجعوا ويعودوا إلى الصواب مادام الوقت لم يفت بعد. هذا ما يستطيعون أن يفعلوه لهم قبل القتال. آخر ما يستطيعون، وكل ما يستطيعون، لعل فيه ما ينفع، وليس بعده من عذر أمام الله وأمام النفس.
وأعلن عمر الهجوم...
وزحف الجيش: سيوف ورماح وسهام ومشاعل تقذف اللهب. وتواجه على أرض كربلاء الإنسان في أسمى وأروع صوره، مع الإنسان في أدنى واحط صوره.
واستمر القتال بين الألوف وبين المائة نهاراً كاملاً. وقاتل أصحاب الحسين قتالاً لم يعرف التأريخ أبسل ولا أنبل منه. كان آخر ما ينطق به أحدهم وهو يموت: أن يوصي رفاقه بالاستشهاد مع الحسين.
قال حبيب بن مظاهر وقد أدرك مسلم بن عوسجة في آخر رمق: أوصي، مع أني لا حق بك بعد قليل.
قال مسلم، وكان أول قتيل من أصحاب الحسين بعد بلاء لم تعرفه إلا أرض كربلاء: أوصيك بهذا، ورفع بصعوبة يده مشيراً إلى الحسين الذي كان قد سبق إليه حين عرف أنه صرع. كان صوته يزداد ضعفاً وهو ينطق اسم الحسين، ثم أغمض عيينه.
وكان الثاني الذي قتل هو أبو وهب، عبد الله بن عمير، بعد أن قاتل قتال كربلاء. جاءت زوجته أم وهب إليه بعد أن قتل، تودعه وتهنئه بالشهادة وتمسح التراب عن رأسه ووجهه، فما كان من شمر بن ذي الجوشن إلا أن أمر بقتلها، فلحقت بزوجها لتكون أول قتيلة في كربلاء.
ثم تتابعت مصارع الأبطال من أنصار الحسين.
قال شبيب بن الحارث مذهولاً، وهو يرى تسابق الأنصار إلى الموت: قل لي يا عامر، ولم يكن عامر أقل ذهولاً منه: أليس هو الموت الذي نخافه ونحذره ونفر منه؟! أليس هو أكره شيء للإنسان؟! كيف يصبح مطلباً له؟! كيف يتحول من عدو إلى حبيب يسارع إليه حريصاً على لقائه وكأنه يخشى أن يفوته؟! كيف يصبح الموت أمنية يا عامر، يتسابق إليه هؤلاء الأنصار؟! قل لي: ماذا فعل الحسين بهؤلاء؟! لقد جعل منهم أبطالاً سيخلد التأريخ أسماءهم في الصفحة الأولى من كتاب الأبطال.
قال عامر: بل لأنهم أبطال، اختاروا الحسين ولحقوا به واستشهدوا معه. أيهم لم يكن بطلاً؟! حبيب بن مظاهر؟! مسلم بن عوسجة؟! زهير بن القين؟! الحر بن يزيد؟!... وراح يعدد بعض من قتل من الأنصار، من منهم لم يكن قادراً على أن يتجنب الموت فأبى إلا الموت، دفاعاً عن قضية الإنسان التي حملها الحسين، فحملوها معه.
وجاء دور آل الحسين، وكان أول من قتل منهم علي الأكبر - ابن الحسين - وآخر من قتل أخوه، أخوه العباس بن علي، بعد أن قدم إخوته الثلاثة - لأمّه وأبيه - قبله للشهادة.
وكان أحد أخواله من أصحاب عبيد الله بن زياد قد جاء بأمان من عبيد الله له ولإخوته الثلاثة. قال وهو يناديهم ويرفع يده بكتاب
الأمان: هذا أمان لكم من الأمير، فهيا، تعالوا معي، إن أخوالكم ينتظرونكم، وسيسرهم سلامتكم وعودتكم.
قال العباس وإخوته الثلاثة بصوت واحد: ليس المجرم بخال لنا، ولا صاحب ابن مرجانة بخال لنا. لا حاجة لنا بأمانك، أعده إلى من كتبه، أو مزقه إن شئت. ثم عادوا إلى المعسكر.
وكان العباس حامل راية الحسين منذ غادر مكة، لم تسقط إلا بقتله. قُطعت يده اليمنی فحمل الراية بيسراه، وقطعت اليسرى، فاحتضن الراية. اخترق الصفوف ووصل الشريعة وأراد أن يشرب، فتذكر من في المعسكر: الحسين والآخرين من أنصار وأهل وأطفال. فترك الماء وأبى أن يشرب قبلهم وعاد، ومعه بعض أصحابه بالماء، لولا أن تمزق القربة سهام مجرمة كانت ترصدها.
كان العطش قد أضر بالأطفال. جاءت الرباب زوجة الحسين، بابنه الرضيع عبد الله وقد يبست شفتاه من العطش، ولا ماء عندها تعطيه، ولا حليب، جف الحليب في صدرها؛ فخرج الحسين به وطلب من جيش عمر أن يسقوا الطفل. إنه رضيع لا قتل عليه، حتى لو استحق الكبار القتل. وإن بعض الماء سيعيد إليه الحياة.
قال بعض الجنود لبعض وهم يرون الطفل: والله ما للطفل من ذنب إنه يكاد يموت في يد أبيه، وفي شربة ماء ما يعيد إليه الحياة. ولن تضعفنا حياته، ولن تزيد من قوة الخصم. ماذا لو سقيناه ومنعنا عنه الموت؟!.
لماذا يرفض قائد الجيش أن يعطوه الماء؟!
واتسع الكلام بين الجنود وانتقل من بعض لبعض، مثيراً معه كلاماً آخر يتجاوز الطفل.
وخشي عمر أن يتطور الأمر ويتحول إلى ثورة قد تطيح به وبأميره وبنظام الحكم كله؛ فأسرع يطلب من أحد المجرمين الذين قطعوا كل ما يصلهم بالإنسان، هو حرملة بن كاهل، أن يقتل الطفل ويحسم الموضوع قبل أن يتسع أكثر ويصعب علاجه. ولم يتردد حرملة، سدد سهمه إلى الطفل وهو بين يدي أبيه. فاضطرب للحظات قبل أن يميل رأسه، والدم يصبغ وجهه وملابس الأطفال التي تلفهم بها الأمهات.
قال شبيب وهو يرى الحسين عائداً والطفل بين يديه، يصبغ الدم جسمه: والله يا عامر، ما أظن أحداً قبل اليوم ولا بعد اليوم، يمكن أن يفعل هذا، ولا دون هذا. والله لقد أنسی الأمويون جرائم المجرمين قبلهم، وسهلوا الطريق على المجرمين بعدهم. لن انسى هذا المنظر أبداً.
سيبقى ماثلاً أمام عيني. لعن الله يوماً وضعتك فيه أمك يا ابن مرجانة، ولعن الله يوماً تسلطت فيه على الناس. أرأيت إلى الإنسان حين يفقد الإنسان في داخله، حين يتحول إلى وحش يركض وراء الدم ويتلذذ به ويعيش عليه!!
لم يجب عامر. كان الدمع قد منعه من الجواب.
الفصل الثالث والخمسون
سلام على أرض كربلاء
الشمس تميل نحو الزوال في العاشر من محرم. الأنصار مصرعون، وآل الحسين إلى جانبهم. قد امتزج دم بدم وتعانق شهيد وشهيد. أشلاء متناثرة لأبطال سيبقون حروفاً بارزة كبيرة في سجل التأريخ. نعم حاملو قضية الإنسان هم.
النساء والأطفال يحيط بهم جيش متوحش يستعد للهجوم، ولا رجال يحمونهم. يرتعشون مذعورين وهم يرون السيوف مشرعة إليهم. ومشاعل اللهب تحملها أيد غلاظ، وعيون تتقد حقداً تخيف أكثر من مشاعل اللهب. إنهم يرونهم ويسمعون تهديدهم. لن يتأخروا، سيهجمون سيحرقون الخيام، سينتزعون الأقراط من الآذان. سيتسابقون في سلب النساء ما عليهن، لن يتركوا لهن إلا ما لا يستحق السلب. سيروعوهن ويخيفوهن. سيجربون (بطولتهم) مع من لا رجل معهم. ستدوس الخيل بسنابكها من في الخيام من نساء وأطفال. سيفعلون هذا وأكثر من هذا بعد مقتل الحسين، وقد فعلوه وفعلوا الأكثر. إنه الحقد الذي لا حدود له. سيكشف الإنسان عن أقبح ما ينحط إليه الإنسان.
بضع خيام لا تضم إلاّ نساء وأطفالاً. هذا هو العدوّ الذي يستعد للهجوم عليه، جيش عمر بن سعد، ذو الألوف من المشوهين والمجرمين.
الحسين وحده، شامخاً عالياً كما هو. لم يبق معه إلاّ الحسين، وما أعظم من بقي معه!! وهل يحتاج الحسين أن يكون معه غيره؟! إنه أكبر من جيش بني أمية. أكبر من كل الجيوش. أكبر من الموت، فهو يسخر منه. كان ينتظر القتل منذ خرج من المدينة. يعلم أن رسالته لا يحققها إلا دمه. لم يفرض عليه القتل، ولم يأته مجبراً ولا مكرهاً.
وكان هذا ما يخيف جيش الأمويين. ماذا يستطيعون أكثر من الموت يخوفون به. والحسين يتحداه، ويسخر منه... ومنهم.
كانوا يريدون أن ينقذوا أنفسهم من شعور الصغار والمهانة فيستعجلون قتل الحسين. يسرعون إليه. يحرض أحدهم الآخر ويشجعه. لا أحد يجرؤ، يضعفون ومعهم كل القوة. أمر لا يخضع للقواعد والمقاييس، ولا تفسره القواعد والمقاييس.
ويصيح عمر مهتاجاً قد تملكه الغضب: ويحكم ماذا تنتظرون؟! إن الحسين وحده، لا أحد معه. سيحرمكم الأمير مكافأتكم وجوائزكم.
وأندفع جيش عمر نحو الحسين: سيوف ورماح وسهام... وصرع الحسين؛ شاركوا كلهم في مصرعه، كل المجرمين والطغاة. لكن الحقد لم يصرع. لم يكف المشوهين قتله، ولم يشف حقدهم، فأمر ابن سعد عشرة من مرتزقة جيشه بأن يطؤوا جسده بعد أن يقطع رأسه. يريدون أن يطمئنوا إلى أنه قتل ولن يخيفهم بعد اليوم. ولم يطمئنوا، ولم يزل خوفهم. بقي يخيفهم بعد مصرعه كما كان قبل مصرعه، هم وكل المجرمين والطغاة.
وصرع الحسين وفي الأفق كانت تتشكل صورة معركة فيها دم وفيها أشلاء، وفيها رؤوس مقطعة وأطفال مذعورون، ونساء تسلب، ورجال يشعلون النار، وسيوف تتقاطع بين الخيام وخيل تجول داخلها، وغبار يرتفع ودخان يلف المخيم.
وبطلة تتحمل دورها في هذا المشهد ثابتة رابطة، تعض على الجراح لتعالج موقفاً لا يقوم فيه أقوى الرجال، وينهار فيه أقوى الرجال؛ إنها أخت الحسين: زينب التي ستكون بطلة هذا المشهد، وبطلة المشهد القادم حين تواجه عبيد الله، ثم حين تواجه يزيد. ثم في فصول أخرى من فصول هذه الملحمة.
وجرى الدم في كربلاء، ليجري في كل مكان وزمان بعد كربلاء.
لا حرمة لأحد ولا لشيء بعدها. كان يوم الحرة ويوم الكعبة، وكان القتل والاستباحة للإنسان، وكان يزيد وعبيد الله، ومايزال يزيد وعبيد الله.
أية كربلاء! أية لوحة بطولات أنت!! والله ما حرت في تحديد البطل، كما حرت وانا أريد أن أحدده في كربلاء. كلهم أبطال. ليس فيهم إلاّ بطل.
أية مدينة تستطيع أن تفاخرك أو تساويك؟! ما أسعدك وأنت تحتضنين كل هذه البطولات!!
كربلاء!
احزني إن شئت فخير الدماء جرت على أرضك.
أو افرحي إن شئت فخير الناس ضمّت أرضك.
ولكن افخري دائماً بأن التأريخ الجديد للإنسان بدأ منك.
ويقف التأريخ مذهولا أمام هذا الذي يرى ويشهد. فما جرى في العاشر من محرم، ما كان لبشر أن يحتمله أو يحتمل بعضه، إلاّ أن يكون استثناء في الحياة، وكان الحسين هذا الاستثناء؛ كان استثناء في الحياة، وسيبقى استثناء فيها.
هنا يقف التأريخ يتحدّى المزورين والكذابين والمشوهين، ويفضحهم.
هنا يكتب التأريخ نفسه، ولا يدع الآخرين من المقبوحين والمأجورين والمنافقين يكتبون ما لم ير ولم يشاهد، ولم يقل ولم يرو.
هنا يشرق التأريخ بدم الحسين.
هنا سيصنع التأريخ الجديد الذي يفخر بالإنسان ويفخر به الإنسان.
هنا لا في مكان آخر ينبت الدم نبلاً وسمواً وإيثاراً وفداء ...
ما أعظمك يا حسين ...
لقد آمنت بك عاطفة
ثم آمنت بك فكراً وعاطفة
لقد سقيت بدمك طريق الصراع الدائم بين الخير والشر؛ فاسمح لي أن أجعل منه عنواناً لكتابي هذا: (ويستمر الصراع
)
سلاماً يا حسين...
سلاماً سلاماً سلاماً ولا أملك غير السلام
الفهرس
الفصل الأول. ٤
في الطريق إلى المدينة ٤
الفصل الثاني. ١٠
البدايات.. ١٠
الركض إلى السقيفة ١٠
الفصل الثالث.. ١٩
البدايات.. ١٩
ماذا جری في السقيفة؟ ١٩
الفصل الرابع. ٢٦
البدايات.. ٢٦
قريش الحاكمة ٢٦
العباس، أبو سفيان. ٢٦
الفصل الخامس.. ٣٢
البدايات.. ٣٢
قريش الحاكمة ٣٢
حروب (الردّة) ٣٢
الفصل السادس.. ٣٩
البدايات.. ٣٩
حروب الردّة ٣٩
مالك بن نويرة وبنو يربوع. ٣٩
( ردّة كِندة ) ٤٦
الفصل السابع. ٤٩
الحرب بين الجن والخزرج. ٤٩
سعد بن عباده، وأول اغتيال سياسي في الإسلام ٤٩
الفصل الثامن. ٥٣
قريش الحاکمة الشورى عثمان. ٥٣
أبو ذر وعمار وعبد الله بن مسعود ٥٣
الفصل التاسع. ٥٦
قريش الحاکمة ٥٦
أبو ذر، عمار، عبد الله بن مسعود ٥٦
الفصل العاشر ٥٨
قريش... الحاکمة... عثمان. ٥٨
أموال المسلمين... أين ذهبت؟! ٥٨
الفصل الحادي عشر ٦٢
عثمان. ٦٢
فوز الثورة ٦٢
الفصل الثاني عشر ٦٦
عثمان. ٦٦
الثورة ٦٦
الفصل الثالث عشر ٧٣
بعدما فسد الناس. ٧٣
الفصل الرابع عشر ٧٧
طلحة والزبير. ٧٧
الفصل الخامس عشر ٨٣
السيدة عائشة، المسير إلى البصرة ٨٣
الفصل السادس عشر ٩٠
يوم اغتيل الإسلام ٩٠
الفصل السابع عشر ٩٢
معاوية... مأساة المسلمين التي ستطول. ٩٢
الفصل الثامن عشر ٩٦
معاوية ٩٦
الإرهاب.. ٩٦
الفصل التاسع عشر ١٠٠
معاوية - سنة اللعن -. ١٠٠
عمر بن عبد العزيز ١٠٠
الفصل العشرون. ١٠٧
الأحاديث النبوية ١٠٧
سلاح جديد في المعرکة ١٠٧
الفصل الحادي والعشرون. ١١٢
معاوية وزياد ١١٢
الاستلحاق. ١١٢
الفصل الثاني والعشرون. ١١٩
أمير البصرة ١١٩
الفصل الثالث والعشرون. ١٢٦
مقتل حجر بن عدي. ١٢٦
الفصل الرابع والعشرون. ١٣٣
عمرو بن الحمق. ١٣٣
أوّل رأس حُمل علی الرمح في الإسلام ١٣٣
الفصل الخامس والعشرون. ١٣٨
البيعة ليزيد. ١٣٨
حوار عند باب القصر ١٣٨
الفصل السادس والعشرون. ١٤٣
بعد قتل الربيع وموت کعب.. ١٤٣
الفصل السابع والعشرون. ١٤٤
البيعة ليزيد. ١٤٤
معاوية في المدينة ١٤٤
الفصل الثامن والعشرون. ١٤٨
يزيد خليفة ١٤٨
الحسين يترك المدينة إلى مكة ١٤٨
الفصل التاسع والعشرون. ١٥٢
الحسين، الرحيل من مكّة ١٥٢
الفصل الثلاثون. ١٥٤
أول الطريق إلی کربلاء ١٥٤
الفصل الحادي والثلاثون. ١٥٨
في الطريق. ١٥٨
الفصل الثاني والثلاثون. ١٥٩
في الطريق إلی الکوفة ١٥٩
زهير بن القين. ١٥٩
الفصل الثالث والثلاثون. ١٦١
مصرع مسلم بن عقيل. ١٦١
ماذا جری في الکوفة ١٦١
الفصل الرابع والثلاثون. ١٦٧
الحسين يتلقی نبأ مصرع مسلم. ١٦٧
الفصل الخامس والثلاثون. ١٧٠
عبيد الله بن زياد، ولاية الکوفة والبصرة، العقدة الکبيرة ١٧٠
الفصل السادس والثلاثون. ١٧٤
الوضع فی البصرة - نبيط بن يزيد. ١٧٤
الفصل السابع والثلاثون. ١٧٦
الأزمة ١٧٦
الفصل الثامن والثلاثون. ١٧٧
المدينة - مكة ١٧٧
الفصل التاسع والثلاثون. ١٨٠
شراف، ذوحسم. ١٨٠
اللقاء الأوّل مع الحر ١٨٠
الفصل الأربعون. ١٨٣
عذيب الهجانات، عدد من الثوار يلتحقون بالحسين. ١٨٣
الفصل الحادي والأربعون. ١٨٥
رسول الأمير عبيد الله. ١٨٥
الفصل الثاني والأربعون. ١٨٧
عمر بن سعد. ١٨٧
الفصل الثالث والأربعون. ١٩٠
عودة إلی الکوفة ١٩٠
اشتداد الإرهاب فيها ١٩٠
عبيد الله يغادرها إلی النخيلة ١٩٠
الفصل الرابع والأربعون. ١٩٤
ثوار يلتحقون من الكوفة ١٩٤
الفصل الخامس والأربعون. ١٩٧
ثوّار يلتحقون من ساحة القتال. ١٩٧
الفصل السادس والأربعون. ١٩٩
في معسكر الحسين... ليلة العاشر من محرم ١٩٩
الفصل السابع والأربعون. ٢٠٢
في خيمة الحسين. ٢٠٢
الفصل الثامن والأربعون. ٢٠٥
في معسكر عمر بن سعد. ٢٠٥
الفصل التاسع والأربعون. ٢٠٩
الحر بن يزيد القلق ثم الحسم. ٢٠٩
الفصل الخمسون. ٢١١
صباح العاشر من محرم ٢١١
عندما يتوحش الإنسان. ٢١١
الفصل الحادي والخمسون. ٢١٣
صباح العاشر من محرم ٢١٣
معسكر الشهادة ٢١٣
الفصل الثاني والخمسون. ٢١٥
المعركة ٢١٥
الفصل الثالث والخمسون. ٢١٨
سلام على أرض كربلاء ٢١٨
|