استخراج المرام من استقصاء الإفحام- الجزء 1
التجميع مناظرات وردود
الکاتب السيد علي الحسيني الميلاني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

استخراج المرام

من

استقصاء الإفحام

للعلم الحجّة آية الله

السّيّد حامد حسين اللّكهنوي

بحوث وردود

تأليف

السيّد علي الحسيني الميلاني

القسم الأوّل ـ العقائد


بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ

كلمة المؤلّف

الحمد لله ربّ العالمين ، والصّلاة والسّلام على خير خلقه محمّدٍ وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين ، من الأوّلين والآخرين .

وبعد :

فإنّ كتاب (استقصاء الإفحام ) من مؤلّفات آية الله المجاهد ، والمحقّق الفذ ، والقدوة الرائد ( السيّد مير حامد حسين النيسابوري اللكهنوي ) الملقّب بـ (صاحب عبقات الأنوار ) كتاب لم يُصنّف مثله في بابه ، وقد كنت سمعت به منذ أنْ تعرَّفت على كتاب ( العبقات ) وعلى مؤلّفه الجليل ، وذلك لمّا زار المحقّق الحجّة والعلاّمة الكبير المرحوم السيّد محمّد سعيد نجل آية الله السيّد ناصر حسين نجل السيّد (صاحب العبقات ) كربلاء المقدّسة ، ونزل ضيفاً على سيّدي الوالد آية الله السيّد نور الدين الميلاني ، قبل حوالي أربعين سنة ...

لقد حدّثني السيّد السعيد ـرحمه‌الله ـ عن آبائه وآثارهم ، وشرح لي كثيراً من مآثرهم وأخبارهم ، وعرّفني بكتبهم وأسفارهم ، ثمّ رغّبني في مشروع كتاب (العبقات ) وشرعت بذلك من ذلك الوقت وكانت (النفحات )(١) .

وكان كتاب (استقصاء الإفحام ) من جملة الكتب التي تحدّث عنها ،

ـــــــــــــــــ

(١) نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار في إمامة الأئمّة الأطهار طبع في ٢٠ جزء .


     

لا سيّما وأنّه كان قد ألّف في النجف الأشرف ، عندما كان يدرس في حوزتها العلميّة الكبرى ، كتاب (الإمام الثاني عشر ) ـ الذي استفاد فيه كثيراً من (استقصاء الإفحام ) ـ واقترح عليّ إعادة طبعه ، فوُفّقت لذلك مع تعاليق وإضافات ثمينة ، والحمد لله(١) .

ثمّ رأيت أكابر الطائفة ، يذكرون (استقصاء الإفحام ) في تقاريظهم لمؤلّفات (صاحب العبقات ) ، ووجدت جماعةً من العلماء الأعلام ينقلون عنه ويستندون إليه في مؤلّفاتهم المختلفة ...

وهكذا ازداد شوقي إلى (استقصاء الإفحام ) ، إلى أن وقفت عليه قبل أعوام ، وقرأته من أوّله إلى آخره ، فألفيته مثل ( العبقات ) في البحث والتحقيق والمتانة ، وفي القوّة والدقّة والرصانة ، وإنْ لم يشتهر كاشتهاره .

فعزمت على إخراج مطالبه التي لم يسبق إليها أحدٌ من أعلامنا الماضين ، وكان عيالاً عليه فيها كثير من علمائنا المتأخّرين ، وانتهزت لذلك فرص العطل ، وواصلت العمل بلا ملل ، حتّى وفقني الله عزّ وجلّ ، لتنظيم فرائده ، وترتيب فوائده ، فجاءت في أربعة أبواب وملحقاتٍ وخاتمة .

فالباب الأوّل : في المسائل الإعتقاديّة .

والباب الثاني : في التفسير والمفسّرين .

والباب الثالث : في الصّحاح الستّة وأصحابها .

والباب الرابع : في أئمّة المذاهب الأربعة .

أمّا الملحقات : فهي بحوثّ في ( مسائل فقهيّة ) وفي ( القياس ) و( الاستحسان ) .

ـــــــــــــــــ

(١) طُبع كتاب ( الإمام الثاني عشر ) في النجف الأشرف ، مطبعة القضاء ، سنة ١٣٩٣ .


وأمّا الخاتمة : فتحقيقٌ عن ( حديث الحوض ) وما ورد عن أهل البيتعليهم‌السلام في ( الصّحابة ) .

وقد وضعت له مقدّمةً ، تعرّضت فيها لما تمتاز به العلوم الدينيّة وأعلامها ، عند الفرقة الإماميّة عن سائر الفرق الإسلاميّة ، وللتعريف بالكتاب وموضوعاته ومؤلّفه العظيم وأُسرته الأبرار ، بالاستفادة من ( دراسات في كتاب العبقات ) وهي مقدّمة ( نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار ) .

والله أسأل أن ينفع به كما نفع بأصله ، وأنْ يوفّقنا للدفاع عن الحق وأهله ، وأنْ يحشرنا في زمرة أتباع الأئمّة المعصومين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ، إنّه أكرم الأكرمين .

علي الحسيني الميلاني

١٠ ربيع الثاني ١٤٢٤


تقديم

افتراق الأُمّة

لقد افترقت الأُمّة الإسلاميّة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

 إلى فرقٍ كثيرة ، وطوائف شتّى ...

( كُلّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) (١) .

وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى ...

والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أخبر عن ذلك ، وأعلن بأنّ فرقةً واحدةً فقط منها ناجية ، والباقي في النار ...(٢) .

ثمّ أرشد الأُمّة إلى تلك الفرقة ، وعرّفها لهم كما في الأحاديث والأخبار ...

وبذلك وقعت المحنة ، وحصل الاختبار كما قال تعالى :

( أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنّا الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) (٣) .

معالم الفرقة النّاجية

وكان على كلّ باحثٍ ـ إذا ما أراد أن يعرف الفرقة الحقّة الناجية ـ أنْ

ـــــــــــــــــ

(١) سورة المؤمنون ٢٣ : ٥٣ سورة الروم ٣٠ : ٣٢ .

(٢) إشارة إلى حديثٍ عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة في سننهم ، وأحمد في المسند ٢ : ٣٣٢ .

(٣) سورة العنكبوت ٢٩ : ٢ ـ ٣ .


يعرض معالم الدين عند الفرق على الكتاب والسنّة ؛ لأنّهما المصدران الأصليّان والأساسيّان في جميع الشئون الدينيّة ، والمعارف الإسلاميّة ، فما وافقهما أو كان مستنبطاً منهما أُخذ به ، وما لم يكن كذلك طُرح وتُرك ، إذ ما من شيءٍ إلاّ وبه كتاب أو سنّة :

روى الشيخ الكليني بإسناده عن حمّاد عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سمعته يقول :

( ما من شيءٍ إلاّ وفيه كتابٌ أو سنّة ) .

وعن عمر بن قيس ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : سمعته يقول :

( إنّ الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأُمّة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ وجعل لكلّ شيءٍ حدّاً وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه ، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّا ) .

وعن المعلّى بن خنيس ، قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام :

( ما من أمرٍ يختلف فيه اثنان إلاّ وله أصلٌ في كتاب الله عزّ وجلّ ، ولكنْ لا تبلغه عقول الرجال ) .

وعن سماعة عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام قال : قلت له : أكلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو تقولون فيه ؟

قال :( بل كلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيّه ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) .

وعن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللهعليه‌السلام :

( كتاب الله فيه نبأ من قبلكم ، وخبر ما بعدكم وفصل ما بينكم ، ونحن نعلمه ) (١) .

وإذا كان أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام يؤكّدون ـ كما في الأخبار الكثيرة الواردة عنهم ـ على ضرورة الرجوع إليهم في كلّ الأُمور والأخذ منهم

ـــــــــــــــــ

(١) راجع : الكافي ١/٥٩ باب الرد إلى كتاب الله والسنّة ...


والتمسّك بهم فإنّ ذلك ما أوصى به رسول الله ، الصّادق الأمين ، في الأحاديث الثابتة عنه ، المرويّة في كتب جميع الفرق .

ومن أشهر تلك الأحاديث قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( كأنّي قد دعيت فأجبت ، وإنّي قد تركت فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله تعالى وعترتي ) (١) .

دور الأئمّة في حفظ الدين ونشر العلم

وفي هذا الباب روايات خاصّة بأمير المؤمنينعليه‌السلام ، بيّن فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منزلة الإمام ومقامه العلمي ، وأنّه ما من شيء من العلوم إلاّ ولابدّ أنْ يؤخذ منه ويرجع إليه فيه ويتّبع قوله ...

ومن أشهر تلك الروايات قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، فمن أراد العلم فليأت الباب ) (٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ٣/١٠٩ وهذا هو الحديث المعروف بحديث الثقلين ، أخرجه المحدّثون والمفسّرون وسائر العلماء ، في مختلف الكتب وبألفاظٍ مختلفة ، فراجع :

مسند أحمد ٥/١٨١ و٣/٢٦ وغيرهما ، والمصنَّف لابن أبي شيبة ١٠/٥٠٥ ، صحيح الترمذي ٥/٦٦٣ ، جامع الأُصول ١/٢٧٨ ، الطبقات الكبرى ١/١٩٤ ، المعجم الكبير ٣/٦٢ ، مصابيح السنّة ٤/١٩٠ ، كتاب السنّة لابن أبي عاصم : ٣٣٦ ، مجمع الزوائد ٩/١٦٥ ، فيض القدير في شرح الجامع الصغير ٣/١٤ ، الصواعق المحرقة : ٢٣٣ وغيرها من كتب المتقدّمين والمتأخّرين من أهل السنّة ومن شاء التفصيل فليرجع إلى كتاب ( نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار ) الأجزاء ١ ـ ٣ .

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣/١٢٧ وهذا هو حديث مدينة العلم ، ورواته من الأئمّة الأعلام


حيث أفاد أنّ العلوم كلّها مجموعة عنده ، وأنّه يجب على الناس طلب العلم ، وأنّ الطريق الوحيد إليه هو مولانا عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

وكذلك كان أمير المؤمنينعليه‌السلام فقد كان المرجع الوحيد للمتصدّين للأمر ، وكبار الصحابة ، فكم من مشكلةٍ علميّة عجزوا عن حلّها أو مسألةٍ فقهيّة جهلوا الحكم الشرعي فيها ، فكان هو المرجع وإليه المفزع ، حتّى قال الحافظ النووي بترجمته :

( وسؤال كبار الصّحابة له ، ورجوعهم إلى فتاواه وأقواله في المواطن الكثيرة ، والمسائل المعضلات ، مشهور )(١) .

وإنّ ذلك من أقوى الأدلّة على إمامته المطلقة ، وولايته العامّة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنّ من أُولى الصفات المعتبرة في الإمام ـ عند علماء الكلام من الخاصّة والعامّة ـ هو العلم :

قال شارح المواقف : ( المقصد الثاني ، في شروط الإمامة ، الجمهور على أنّ الإمامة ومستحقّها من هو مجتهد في الأُصول والفروع ، ليقوم بأُمور الدين ، متمكّناً من إقامة الحجج وحلّ الشّبه في العقائد الدينيّة ، مستقلاًّ بالفتوى في النوازل وأحكام الوقائع ، نصّاً واستنباطا ، لأنّ أهمّ مقاصد الإمامة حفظ العقائد

ـــــــــــــــــ

عند السنّة كثيرون جدّا ، فراجع :

تهذيب الكمال وتهذيب التهذيب ، بترجمة الإمام عليعليه‌السلام ، تاريخ ابن كثير ٧/٣٥٩ ، جامع الأُصول ٩/٤٧٣ ، جمع الجوامع ١/٣٧٣ ، تاريخ بغداد ٢/٣٧٧ و٤/٣٤٨ و٧/١٧٢ و١١/٢٠٤ ، الرياض النضرة ٢/٢٥٥ ، فيض القدير ٣/٤٧ ، تاريخ الخلفاء : ١٧٠ ، المعجم الكبير ١١/٦٥ ، أُسد الغابة ٤/٢٢ ، تذكرة الحفّاظ ٤/٢٨ ، مجمع الزوائد ٩/١١٤ ، عمدة القاري في شرح البخاري ٧/٦٣١ ، إتحاف السادة المتقين ٦/٢٤٤ ومن شاء التفصيل فليرجع إلى كتاب ( نفحات الأَزهار ) الأجزاء ١٠ ـ ١٢ .

(١) تهذيب الأسماء واللغات ١/٣٤٦ .


وفصل الحكومات ورفع المخاصمات ، ولن يتمّ ذلك بدون هذا الشّرط )(١) .

وليس فقط رجوع كبار الصحابة وغيرهم بل العلوم الإسلاميّة كلّها منه أُخذت وعنه انتشرت ...

أمّا في المدينة المنوّرة ، فقد عرفت أنّه كان المرجع للمتقمّصين للخلافة ولغيرهم ، حتّى اشتهر عن عمر بن الخطّاب قوله : ( لو لا علي لهلك عمر )(٢) ، و ( أقضاها علي )(٣) و ( لا أبقاني الله بعدك يا علي )(٤) .

وعن سعد بن أبي وقّاص ـ في كلامٍ له عن الإمامعليه‌السلام يخاطب الناس ـ ( ألم يكن أعلم الناس )(٥) .

وعن ابن عبّاس : ( والله ، لقد أُعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم ، وايم الله ، لقد شارككم في العشر العاشر )(٦) .

وعن أبي سعيد الخدري : ( أقضاهم علي )(٧) .

وعن ابن مسعود : ( كنّا نتحدّث أنّ أقضى أهل المدينة علي )(٨) .

وعن عائشة : ( علي أعلم الناس بالسنّة )(٩) .

وأمّا مكّة المكرّمة ، فقد عاش فيها الإمام منذ ولادته حتّى الهجرة ،

ـــــــــــــــــ

(١) شرح المواقف ٨/٣٤٩ .

(٢) الاستيعاب : ٣/١١٠٣ ، فيض القدير ٤/٣٥٧ .

(٣) الاستيعاب : ٣/١١٠٢ .

(٤) الرياض النضرة : ٢/١٩٧ ، فيض القدير ٤/٣٥٧ .

(٥) المستدرك : ٣/٥٠٠ .

(٦) الاستيعاب : ٣/١١٠٤ ، الرياض النضرة ٢/١٩٤ .

(٧) فتح الباري : ٨/١٣٦ .

(٨) الاستيعاب : ٣/١١٠٥ .

(٩) الرياض النضرة : ٢/١٩٣ .


وسافر إليها بعد الاستيطان بالمدينة غير مرّة ، ولا ريب في أخذ أهل مكّة منه العلم والمعرفة في خلال هذه المدّة .

على أنّ تلميذه الخاص ـ أعني عبد الله بن العبّاس ـ كان بمكّة مدّةً مديدة ينشر العلم ، ويفسّر القرآن ، ويعلّم المناسك ، ويدرّس الفقه ، قال الذهبي بترجمته :

( الأعمش ، عن أبي وائل قال : استعمل علي بن عبّاس على الحج ، فخطب يومئذٍ خطبةً لو سمعها الترك والروم لأسلموا ، ثمّ قرأ عليهم سورة النور فجعل يفسّرها )(١) .

وروى ابن سعد عن عائشة : ( إنّها نظرت إلى ابن عبّاس ومعه الخلق ليالي الحج ، وهو يسئل عن المناسك ، فقالت : هو أعلم مَن بقي بالمناسك )(٢) .

وقال ابن عبد البر :

( روينا أنّ عبد الله بن صفوان مرّ يوماً بدار عبد الله بن عبّاس بمكّة ، فرأى فيها جماعةً من طالبي الفقه )(٣) .

واعترف ابن تيميّة بهذه الحقيقة قال السيوطيّ : ( قال ابن تيميّة : أعلم الناس بالتفسير أهل مكّة ؛ لأنّهم أصحاب ابن عبّاس ( رضي الله عنهما ) ، كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عبّاس، وسعيد بن جُبير وطاووس ، وغيرهم )(٤) .

وأمّا الشام ، فقد انتشر العلم فيه عن أبي الدرداء ، وهو تلميذ عبد الله بن مسعود ، وابن مسعود من تلامذة الإمام ، فانتهى إليهعليه‌السلام علم أهل الشام :

ـــــــــــــــــ

(١) تذكرة الحفّاظ : ١/٤٠ ـ ٤١ .

(٢) الطبقات الكبرى : ٢/٢٨٢ .

(٣) الاستيعاب في معرفة الأصحاب : ٣/٩٣٧ .

(٤) الإتقان في علوم القرآن : ٢/٥٣٧ .


روى الحافظ أبو العبّاس المحبّ الطبري : ( عن أبي الزعراء عن عبد الله ، قال : علماء الأرض ثلاثة ، عالم بالشام ، وعالم بالحجاز ، وعالم بالعراق فأمّا عالم أهل الشام فهو أبو الدرداء ، وأمّا عالم أهل الحجاز فهو عليّ بن أبي طالب ، وأمّا عالم أهل العراق فأخ لكم .

وعالم أهل الشام وعالم أهل العراق يحتاجان إلى عالم أهل الحجاز ، وعالم أهل الحجاز لا يحتاج إليهما أخرجه الحضرمي )(١) .

وأمّا البصرة ، فقد ورد إليها الإمامعليه‌السلام بنفسه ، وتلك خطبه ومواعظه فيها مدوّنة في كتب التاريخ .

وأيضاً ، فقد أخذ أهل البصرة وتفقّهوا على ابن عبّاس حيث كان والياً على البصرة من قِبَل الإمام ، وهو من أشهر تلاميذه وملازميه بلا كلام ، قال الحافظ ابن حجر :

( إنّ ابن عبّاس كان يغشى الناس في رمضان وهو أمير البصرة ، فما ينقضي الشهر حتّى يفقّههم )(٢) .

وأمّا الكوفة ، فقد تعلّم أهلها القرآن والسنّة منهعليه‌السلام مباشرةً ، مدّة بقائه بها ولو كانوا قد تعلّموا شيئاً من ذلك قبل وروده إليها ، فمن عبد الله بن مسعود وعمّار بن ياسر ، وهما من تلامذتهعليه‌السلام .

وأمّا اليمن ، فقد روى الكلّ أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد بعثه إلى اليمن قاضياً ، والقضاء هو الفقه ، فهو أفقه الأُمّة ؛ لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ـــــــــــــــــ

(١) الرياض النضرة في مناقب العشرة : ٣/١٩٩ ـ ٢٠٠ .

(٢) الإصابة في معرفة الصحابة : ٤/١٥٠ .


ـ فيما رواه الفريقان ـ ( أقضاكم علي )(١) .

وهو الذي فقّه أهل اليمن وعلّمهم ، وقد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين بعثه إليهم :( اللّهمّ اهد قلبه وثبّت لسانه ) (٢) .

فهذا بعث علي إلى اليمن ، وهذا شأنه في العلم وموقعه من الفقه ، فقد انتشر العلم في تلك البلاد بواسطته .

وأمّا معاذ بن جبل ، فقد بعثه النبي إلى طائفةٍ من اليمن ( ليجبره ) بعد أنْ ( أغلق ماله عن الدين فباع النبي ماله كلّه في دينه ، حتّى قام معاذ بغير شيء )(٣) .

وأمّا شأن معاذ في العلم والفقه فلا يقاس بالإمام ـ كما لا يقاس به غيره ـ بل في نفس خبر بعثه إلى اليمن ما يدلّ على فسقه أو جهله بأدنى الأحكام الشرعيّة(٤) .

وهكذا كان حال سائر أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، فقد كانوا الحافظين لحدود الشريعة المقدّسة ، من أن يتلاعب بها المبتدعون ، بإدخال شيءٍ في الدين أو نقص شيءٍ منه ، وللعقائد الثابتة من الشبهات ، والأُمّة من الضّلالات ، وبواسطتهم انتشرت المعارف الإسلاميّة ، ومنهم أخذ فقهاء

ـــــــــــــــــ

(١) ورد بألفاظٍ مختلفة في : المستصفى في علم الأُصول ١/٧٠ ، تاريخ دمشق ٥١/٣٠٠ ، حلية الأولياء ١/٦٥ ، الطبقات الكبرى ٢/٢٥٨ و٢٥٩ ، كشف الخفاء ١/١٦٢ .

(٢) سنن ابن ماجة ٢/٧٧٤ ح٢٣١٠ ، كتاب الأحكام ، باب ذكر القضاء ، سنن أبي داود ٣/٢٩٩ ـ ٣٠٠ ح٣٥٨٢ ، سنن البيهقي ٥/١١٦ ح٨٤١٩ ، مسند عبد بن حميد : ٦١ ح٩٤ ، تاريخ بغداد ١٢/٤٤٤ رقم ٦٩١٦ ، الطبقات الكبرى ٢/٢٥٧ ، دلائل النبوّة للبيهقي ٥/٣٩٧ ، نصب الراية ٥/٣٦ وغيرها .

(٣) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣/١٤٠٤ .

(٤) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣/١٤٠٥ .


المذاهب ، وقد جاء ذلك كلّه بتراجمهم في كتب مخالفيهم أيضا :

* فقد ذكروا بترجمة الإمام علي بن الحسين زين العابدين : أنّه كان ( أفضل هاشميٍّ في زمانه )(١) و ( كان كثير الحديث )(٢) وقد سمّاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ فيما رواه الفريقان عن جابر بن عبد الله ـ( سيّد العابدين ) (٣) ، وأنّه قد روى عنه الزهري في جماعةٍ من أكابر القوم(٤) .

والزهري هو الذي دوَّن السنّة لمّا أمر بذلك عمر بن عبد العزيز ، بعد قرنٍ من منع عمر بن الخطّاب كتابة الأحاديث النبويّة .

* وبترجمة الإمام محمّد بن علي الباقر : إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي سمّاه بهذا اللّقب ، في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري الذي أشرنا إليه .

وروى ابن قتيبة : ( إنّ هشاماً قال لزيد بن علي : ما فعل أخوك البقرة ؟

فقال زيد : سمّاه رسول الله باقر العلم وأنت تسمّيه بقر ! فاختلفتما إذن )(٥) .

وقال الجوهري : ( التبقّر : التوسّع في العلم وكان يقال : محمّد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب الباقر ؛ لتبقّره في العلم )(٦) .

وقال الزبيدي صاحب تاج العروس : ( وقد ورد في بعض الآثار عن جابر

ـــــــــــــــــ

(١) تهذيب التهذيب : ٧/٣٠٤ وفي ط ٢٦٨ .

(٢) تهذيب التهذيب : ٧/٣٠٤ وفي ط ٢٦٨ .

(٣) الصواعق المحرقة : ١٢٠ ، تذكرة الخواص : ٣٣٧ ، مناقب آل أبي طالب : ٤/١٩٦ ، كشف الغمّة في معرفة الأئمّة : ٢/٣٣١ .

(٤) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب وغيره .

(٥) عيون الأخبار : ١/٢١٢ .

(٦) صحاح اللُّغة : ( ب ق ر ) .


ابن عبد الله الأنصاري : إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال له :

( يوشك أن تبقى حتّى تلقى ولداً لي من الحسين يقال له محمّد ، يبقر العلم بقراً ، فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام ) خرّجه أئمّة النسب )(١) .

روى عنه من الأئمّة : الزهري والأوزاعي والأعمش وأبو حنيفة وابن جريج(٢) .

* وبترجمة الإمام جعفر بن محمّد الصادق :

عن مالك بن أنس : ( اختلفت إليه زماناً ، فما كنت أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصالٍ : إمّا مصلٍّ وإمّا صائمٍ وإمّا يقرأ القرآن وما رأيته يحدّث إلاّ عن طهارة )(٣) .

وعن أبي حنيفة : ( ما رأيت أفقه من جعفر بن محمّد لمّا أقدمه المنصور بعث إليّ فقال : يا أبا حنيفة : إنّ الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمّد ، فهيّئ له من المسائل الشداد ، فهيّأت له أربعين مسألة

ثمّ بعث إليّ أبو جعفر ـ وهو بالحيرة ـ فأتيته فدخلت عليه ، وجعفر بن محمد جالس عن يمينه ، فلمّا أبصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمّد الصادق ما لم يدخلني لأبي جعفر ، فسلّمت عليه وأومأ إليّ ، فجلست ، ثمّ التفت إليه فقال :

يا أبا عبد الله ، هذا أبو حنيفة .

قال جعفر : نعم ثمّ أتبعها : قد أتانا كأنّه كره ما يقول فيه قوم أنّه إذا

ـــــــــــــ

(١) تاج العروس في شرح القاموس : ( ب ق ر ) .

(٢) تهذيب التهذيب : ١٠/٤٠١ و٩/٣١٢ ، حلية الأولياء ٣/١٨٨ ، تذكرة الحفّاظ ١/١٢٤ .

(٣) تهذيب التهذيب : ٢/٨٩ .


رأى الرجل عرفه .

ثمّ التفت المنصور إليّ فقال : يا أبا حنيفة ، ألقِ على أبي عبد الله من مسائلك

فجعلت أُلقي عليه فيجيبني ، فيقول :

أنتم تقولون كذا ، وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا ، فربّما تبعناهم وربّما خالفنا جميعاً .

حتّى أتيت على الأربعين مسألة .

ثمّ قال أبو حنيفة : ألسنا روينا أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس )(١) .

فهذا كلام مالك وأبي حنيفة وهما من تلامذته ، وقال الآلوسي في كلامٍ له :

( هذا أبو حنيفة يفتخر ويقول بأفصح لسان : لولا السّنتان لهلك النّعمان )(٢) .

وعن أبي حاتم الرازي : ( لا يسأل عن مثله )(٣) .

وعن ابن حِبّان : ( كان من سادات أهل البيت فقهاً وعلماً وفضلاً )(٤) .

وقال النووي : ( اتّفقوا على إمامته وجلالته )(٥) .

وقال الشهرستاني : ( قد أقام بالمدينة مدّةً يفيد الشيعة المنتمين إليه ،

ـــــــــــــــــ

(١) جامع مسانيد أبي حنيفة : ١/٢٢٢ ، تذكرة الحفّاظ : ١/١٥٧ .

(٢) مختصر التحفة الاثنى عشريّة : ٨ .

(٣) تهذيب التهذيب : ٢/٨٩ .

(٤) تهذيب التهذيب : ٢/٨٨ .

(٥) تهذيب الأسماء واللُّغات : ١/١٥٥ .


ويفيض على الموالين أسرار العلوم ، ثمّ دخل العراق وأقام بها مدّةً )(١) .

وقال اليافعي :

( له كلام نفيس في علوم التوحيد وغيرها ، قد ألّف تلميذه جابر بن حيّان الصّوفي كتاباً يشتمل على ألف ورقة ، يتضمّن رسائله وهي خمسمائة رسالة )(٢) .

وقال ابن حجر :

( ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في البلدان وروى عنه الأئمّة الأكابر ، كيحيى بن سعيد وابن جريج ومالك والسفيانين وأبي حنيفة وشعبة وأيوب السختياني )(٣)

* وبترجمة الإمام موسى بن جعفر الكاظم : إنّه كان يُدعى : (العبد الصالح ) من عبادته واجتهاده(٤) .

وإنّه : (إمام من أئمّة المسلمين )(٥) .

وقال الذهبي :

( موسى الكاظم الإمام القدوة ذكره أبو حاتم فقال : ثقةٌ صدوق ، إمامٌ من أئمّة المسلمين ...

له مشهد عظيم مشهور ببغداد ، دُفن معه فيه حفيده الجواد ، ولولده عليّ ابن موسى مشهد عظيم بطوس )(٦) .

وقال ابن حجر :

( هو وارث أبيه علماً ومعرفةً وكمالاً وفضلاً ، سمّي

ـــــــــــــــــ

(١) الملل والنحل : ١/١٤٧ .

(٢) مرآة الجنان : ١/٣٠٤ .

(٣) الصواعق المحرقة : ١١١ .

(٤) تهذيب التهذيب : ١٠/٣٠٢ ، تاريخ بغداد ١٣/٢٧ ، تهذيب الكمال ٢٩/٤٤ ، صفوة الصفوة ٢/١٢٤ .

(٥) تهذيب الأسماء : ١/٣٠٢ .

(٦) سِيَر أعلام النبلاء : ٦/٢٧٠ .


الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه ،وكان معروفاً عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله ، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم )(١) .

* وبترجمة الإمام عليّ بن موسى الرضا : أنّه كان يفتي بمسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو ابن نيّف وعشرين سنة(٢) .

وقال الذهبي :

( علي بن موسى الرضا ، أحد الأعلام هو الإمام أبو الحسن كان سيّد بني هاشم في زمانه وأجلّهم وأنبلهم ، وكان المأمون يعظّمه ويخضع له ويتغالى فيه ، حتّى أنّه جعله وليَّ عهده من بعده وكتب بذلك إلى الآفاق )(٣) .

وذكر أبو الفرج ابن الجوزي وغيره في خبر جعل المأمون الإمام وليّ العهد :

( وذلك أنّه نظر في بني العبّاس وبني عليّ ، فلم يجد أحداً أفضل ولا أورع ولا أعلم منه ، وأنّه سمّاه الرضي من آل محمّد ، وأمر بالبيعة له )(٤) .

روى عنه من الأئمّة : أحمد بن حنبل(٥) .

وأخرج عنه : الترمذي وأبو داود وابن ماجة .

وروى الحافظ ابن حجر عن الحاكم أبي عبد الله قوله : ( سمعت أبا بكر محمّد بن المؤمّل بن الحسن بن عيسى يقول : خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر ابن خزيمة وعديله أبي علي الثقفي مع جماعةٍ من مشايخنا ـ وهم إذ

ـــــــــــــــــ

(١) الصواعق المحرقة : ١١٢ .

(٢) تهذيب التهذيب : ٧/٣٣٨ ، المنتظم ١٠/١٢٠ ، تذكرة الخواص : ٣٥١ .

(٣) تاريخ الإسلام ، حوادث ٢٠١ ـ ٢١٠ ص : ٢٦٩ .

(٤) المنتظم في تاريخ الأُمم : ١٠/٩٣ ، وفيات الأعيان : ٢/٤٣٢ وغيرهما .

(٥) سِيَر أعلام النبلاء : ٩/٣٨٧ .


ذاك متوافرون ـ إلى زيارة قبر عليّ بن موسى الرضا بطوس ، فرأيت من تعظيمه ـ يعني ابن خزيمة ـ لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرّعه عندها ما تحيّرنا )(١) .

وجاء في غير واحدٍ من الكتب :

إنّه لمّا دخل الإمامعليه‌السلام نيسابور راكباً ، خرج إليه علماء البلد وبأيديهم المحابر والدّوى، وتعلَّقوا بلجام دابّته وحلّفوه أن يحدّثهم بحديثٍ عن آبائه ، فقال :

( حدّثني أبي موسى الكاظم عن أبيه عليّ بن أبي طالب ، قال : حدّثني حبيبي وقرّة عيني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : حدّثني جبريل قال : سمعت ربّ العزّة يقول : لا إله إلاّ الله حصني ، فمن قالها دخل حصني وأمن من عذابي ) .

وفي روايةٍ : أنّه روى عن آبائه عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال :

( سألت رسول الله : ما الإيمان ؟ قال : معرفة بالقلب وإقرار باللّسان وعمل بالأركان ) .

وعن أحمد بن حنبل : إن قرأت هذا الإسناد على مجنونٍ برئ من جنونه .

هذا ، وكان على رأس العلماء الذين طلبوا من الإمام أن يحدّثهم :

أبو زرعة الرازي ، ومحمّد بن أسلم الطوسي ، وياسين بن النضر ، وأحمد ابن حرب ، ويحيى بن يحيى ...

وقد عدّ أهل المحابر والدّوى الذين كانوا يكتبون ، فأنافوا على عشرين ألفاً(٢) .

* فهؤلاء ـ وسائر الأئمّة الإثنى عشر ـ هم المؤسّسون لمذهب الإماميّة ،والمشيّدون لأركان العلوم الإسلاميّة .

ـــــــــــــــــ

(١) تهذيب التهذيب : ٧/٣٣٩ .

(٢) أخبار أصبهان : ١/١٣٨ ، المنتظم : ١٠/١٢٠ وغيرهما .


وقد علم ممّا تقدّم :

١ ـ إنّ أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام كان كلّ واحّدٍ منهم أعلم الناس في زمانه وأفضلهم ، وقد شهد بذلك المخالف كالمؤالف .

٢ ـ إنّ العلوم الإسلاميّة إنّما انتشرت في البلاد بواسطة الأئمّةعليهم‌السلام في كلّ عصر ، فالصّحابة العلماء : كابن عبّاس وابن مسعود وأُبيّ بن كعب وأبي ذر الغفاري وأمثالهم ، تعلّموا من أمير المؤمنين ، وكذلك التابعون قد أخذوا عنه وعن الأئمّة من بعده ، والصحابة من تلامذته .

٣ ـ إنّ علماء المذاهب الأُخرى قد حضروا عند الأئمّة ، ومنهم أخذوا وعنهم رووا ، وعلى رأسهم : مالك بن أنس وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل ...

نشر العلم والمعرفة بشتّى الطرق

ثمّ إنّ نشر الأئمّةعليهم‌السلام للعلوم وتعليمهم الأُمّة معارف الدين ، لم يقتصر على طريقٍ من الطرق ، أو أُسلوب من الأساليب بل لقد استفادوا لذلك من كافّة الوسائل وشتّى الطّرق : كالكتابة ، والخطابة ، والدعاء ، والإملاء ، والتدريس ؛

ففي الوقت الذي منعت الحكومة ـ ولأغراضٍ عديدة ـ من تدوين السنّة النبويّة الشريفة ، لم يقنع أميرالمؤمنينعليه‌السلام بأُجوبة الإستفتاءات ، وحلّ المشكلات ، وتعليم العلوم ، بل عمد إلى الكتابة أيضاً وحثَّ عليها يقول الحافظ السيوطي :

( كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم ،


فكرهها كثير منهم ، وأباحتها طائفة وفعلوها ، منهم : علي وابنه الحسن )(١) .

وما كتبهعليه‌السلام كان موجوداً لدى أبنائه، ينظرون فيه وينقلون عنه ، كما لا يخفى على من راجع أحاديثهم ...(٢) .

وكتب أيضاً كاتبه الجليل علي بن أبي رافع : ( وهو تابعي ، من خيار الشيعة ، كانت له صحبة مع أمير المؤمنين ، وكان كاتباً له ، وحفظ كثيراً ، وجمع كتاباً في فنون الفقه ، كالوضوء والصلاة وسائر الأبواب ، وكانوا يعظّمون هذا الكتاب )(٣) .

وعن الإمام الصّادقعليه‌السلام مخاطباً أصحابه :

( أُكتبوا ، فإنّكم لا تحفظون حتّى تكتبوا ) (٤) .

( أُكتبوا ، فإنّكم لا تحفظون إلاّ بالكتاب ) (٥) .

( ما يمنعكم من الكتاب ؟ إنّكم لن تحفظوا حتّى تكتبوا ، إنّه خرج من عندي رهط من أهل البصرة يسألون عن أشياء فكتبوها ) (٦) .

وورد الحثّ على الإحتفاظ بالكتب :

( احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون إليها )(٧) .

وأمّا خطب الأميرعليه‌السلام من على منبر الكوفة ، فما زالت محطّ

ـــــــــــــــــ

(١) تدريب الراوي : ٢ : ٦٥ .

(٢) انظر كتاب : وسائل الشيعة ، في مختلف الأبواب منه .

(٣) رجال النجاشي : ٦/٢ .

(٤) وسائل الشيعة : ٢٧ : ٣٢٣/ ٣٣٨٤٤ .

(٥) مستدرك الوسائل : ١٧ : ٢٨٥/ ٢١٣٥٩ .

(٦) مستدرك الوسائل : ١٧ : ٢٩٢ ـ ٢٩٣/ ٢١٣٨٣ .

(٧) وسائل الشيعة : ٢٨ : ٣٢٣/ ٣٣٨٤٥ .


أنظار أهل العلم ومحور أفكار أهل الفهم فقد زخرت بأسرار الحكمة الإلهيّة ، وكشفت عن أستار كثير من المعارف الدينيّة ، واشتملت على أُمّهات الحقائق المعنويّة فيها براهين إثبات المبدأ والمعاد ، ومباحث صفات الباري وآيات عظمته وحكمته ...

ثمّ جاءت هذه المعاني في قالب الأدعية ، على لسان حفيده الإمام السجّادعليه‌السلام وعرف بالصحيفة السجّاديّة .

وجاءت على شكل الإملاء عن الإمام الصادقعليه‌السلام فيما نقله المفضَّل بن عمر ، وعرف بكتاب : توحيد المفضّل .

وأمّا جلسات الدّرس والسؤال والجواب ، فعن الحافظ أبي العبّاس ابن عقدة الكوفي المتوفى سنة ٣٣٣ أنّه وضع كتاباً في أسماء تلامذة الإمام الصادقعليه‌السلام ، فذكر ترجمة ٤٠٠٠ رجل منهم(١) .

وعن الحسن الوشاء :

( إنّي أدركت في هذا المسجد ـ يعني مسجد الكوفة ـ ٩٠٠ شيخ كلٌّ يقول : حدّثني جعفر بن محمّد )(٢) .

ومن هنا ، انتشر التشيّع وأحاديث أهل البيتعليهم‌السلام بين أهل الكوفة ، وأصبحت الكوفة مركزاً من مراكز الإشعاع الفكريّ لمذهب العترة الطاهرة ، ومعقلاً من معاقل أتباعهم الأخيار ، ودخلت رواياتهم في كتب أهل السنّة ، وخاصّةً صحاحهم المعروفة ، فإنّهم ـ وإنْ نبزوهم بالرفض للمتقدّمين على عليعليه‌السلام ـ لم يتمكّنوا من رفض رواياتهم ؛ لاتّصافهم بأسمى صفات الوثاقة ، وأتمّ شروط الإعتبار والإعتماد ؛ حتّى قال الذهبي :

ـــــــــــ

(١) تاريخ الكوفة : ٤٠٨ .

(٢) رجال النجاشي : ٣٩ ـ ٤٠/٨٠ .


 (أبان بن تغلب [م، عو] الكوفي ، شيعي جلد، لكنّه صدوق ، فلنا صدقه وعليه بدعته .

وقد وثّقه أحمد بن حنبل وابن معين وأبو حاتم وأورده ابن عدي وقال : كان غالياً في التشيّع وقال السعدي : زائغ مجاهر .

فلقائل أن يقول : كيف ساغ توثيق مبتدع وحدّ الثقة العدالة والإتقان ، فكيف يكون عدلاً من هو صاحب بدعة ؟

وجوابه : إنّ البدعة على ضربين : فبدعة صغرى ، كغلوّ التشيّع أو كالتشيّع بلا غلو ولا تحرّف ، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق ، فلو رُدّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبويّة ، وهذه مفسدة بيّنة )(١) .

ولذا قال السيّد شرف الدين العاملي (رحمه‌الله ) :

( وتلك صحاحهم الستّة وغيرها تحتجُّ برجالٍ من الشيعة ، وصمهم الواصمون بالتشيّع والانحراف ، ونبزوهم بالرفض والخلاف ، ونسبوا إليهم الغلوّ والإفراط والتنكّب عن الصراط ، وفي شيوخ البخاري رجال من الشيعة نُبزوا بالرفض ووُصموا بالبغض ، فلم يقدح ذلك في عدالتهم عند البخاري وغيره ، حتّى احتجّوا بهم في الصّحاح بكلّ ارتياح.

إنّ الشيعة إنّما جروا على منهاج العترة الطاهرة واتّسموا بسماتها ، وإنّهم لا يطبعون إلاّ على غرارها ولا يضربون إلاّ على قالبها ، فلا نظير لمن اعتمدوا عليه من رجالهم في الصّدق والأمانة ، ولا قرين لمن احتجّوا به من أبطالهم في الورع والإحتياط ، ولا شبيه لمن ركنوا إليه من أبدالهم في الزهد والعبادة وكرم

ـــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال : ١/٥ .


الأخلاق وتهذيب النفس ومجاهدتها ومحاسبتها بكلّ دقة ، آناء اللّيل وأطراف النهار ، لا يبارون في الحفظ والضبط والإتقان ، ولا يجارون في تمحيص الحقائق والبحث عنها بكلّ دقّة واعتدال .

وقد علم البرّ والفاجر حكم الكذب عند هؤلاء الأبرار ، والأُلوف من مؤلَّفاتهم المنتشرة تلعن الكاذبين ، وتعلن أنّ الكذب في الحديث من الموبقات الموجبة لدخول النار ، ولهم في تعمّد الكذب في الحديث حكم قد امتازوا به ، حيث جعلوه من مفطّرات الصائم ، وأوجبوا القضاء والكفّارة على مرتكبه في شهر رمضان ، كما أوجبوهما بتعمّد سائر المفطّرات ، وفقههم وحديثهم صريحان بذلك ،

فكيف يتّهمون ـ بعد هذا ـ في حديثهم وهم الأبرار الأخيار قوّامون اللّيل صوّامون النهار ؟

وبماذا كان الأبرار من شيعة آل محمّد وأولياؤهم متّهمين ، ودعاة الخوارج والمرجئة والقدريّة غير متّهمين ، لو لا التحامل الصريح أو الجهل القبيح ؟

نعوذ بالله من الخذلان ، وبه نستجير من سوء عواقب الظلم والعدوان ) .

ثمّ ذكر السيّد أسماء مائةٍ من رجال الشيعة الواردين في أسناد الصّحاح الستّة ...(١) .

أقول :

إنّ من النقاط الجديرة بالذكر في تراجم العلماء الشيعة والسنّة في كتب التاريخ والرجال لأهل السنّة :

أوّلاً :

إنّهم يترجمون للرجل من أهل السنّة وإن كان خاملاً ، وأمّا إن كان من علماء الشيعة فيحاولون التناسي عنه وإنْ كان كبيراً فيهم ، ولذا ترى تراجم

ـــــــــــــــــ

(١) المراجعات : ١٠٢ ـ ١٠٣ بتلخيص .


علماء الإماميّة في كتب القوم الرجاليّة والتاريخيّة قليلة جدّاً .

وثانياً :

إنّه إن كان من أهل السنّة يتعرّضون لجميع جوانب حياته ، فيذكرون مشايخه وتلامذته ومؤلّفاته ومناقبه ، وما قيل فيه وحتّى أسفاره أمّا العالم الإمامي فيختصرون الكلام بترجمته جدّاً ، وربّما لا يترجمون لشخصيّة من أكابرهم المشهورين إلاّ بأسطرٍ أو سطرين !

ثالثاً :

ـ وهي المهمّة هنا ـ أنّك ترى بتراجم علمائهم ارتكاب الكبائر والموبقات الموجبة لدخول النار ، ولا تجد شيئاً من ذلك بتراجم علماء الإماميّة ، ولو كان أحدهم متّهماً ـ ولو من قِبَل الخصوم ـ بموبقةٍ ، لذكروا بل وهرّجوا !

وسنورد نماذج من تراجم علماء الإماميّة ، ونماذج من الموبقات المذكورة بتراجم علماء السنّة .

أهمُّ العلوم في المدرسة الشيعيّة

وكان أكثر الاهتمام والاشتغال ـ في مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام بمسائل العقائد وعلوم القرآن الكريم والأحكام الفقهيّة ، وعلى هذه الأُمور كانت تدور بحوثهم وحلقات دروسهم ، وفيها ألّفوا الكتب ووضعوا الرسائل التي لا تُحصى ، ونبغ فيها العلماء الفطاحل الأعلام في مختلف القرون :

علم الكلام

ففي علم الكلام ، قال الشيخ الحرّ العاملي ـ وعن السيّد حسن الصّدر ـ ما ملخّصه:


إنّه لمّا توفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن من شيعة عليعليه‌السلام إلاّ أربعة مخلصون : سلمان والمقداد وأبوذر وعمّار ، ثمّ تبعهم جماعة ، وكانوا يكثرون بالتدريج ، فلمّا أخرج عثمان أباذر إلى الشام تشيّع على يده جماعة كثيرون ، ثمّ أخرجه معاوية إلى القرى ، فوقع في جبل عامل فتشيّعوا من ذلك اليوم(١) .

وفي الصحابة أيضاً : ابن عبّاس وقيس بن سعد بن عبادة وصعصعة بن صوحان وأبو الطفيل في جماعةٍ آخرين(٢) .

أمّا في أصحاب الأئمّة وتلامذتهم ، فالمشهورون منهم في علم الكلام :

سليم بن قيس الهلالي

والأصبغ بن نباتة

وكميل بن زياد النخعي

والحارث الهمداني

وهشام بن الحكم

وهشام بن سالم الجواليقي

وحمران بن أعين

وأبو جعفر محمّد بن علي بن النعمان الأحول، الملقّب بمؤمن الطاق

وقيس الماصر

وعلي بن إسماعيل بن ميثم التمّار

والفضل بن شاذان النيسابوري

ـــــــــــــــــ

(١) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : ٣٥١ .

(٢) أعيان الشيعة ١ : ١٣٣ .


وقد اشتهر من أعلام الإماميّة في علم الكلام :

أبو جعفر ابن قبة الرازي

والحسن بن الحسين النوبختي

والشيخ المفيد البغدادي

والسيّد المرتضى الموسوي

والشيخ أبو الفتح الكراجكي

والشيخ أبو جعفر الطوسي

والشيخ نصير الدين الطوسي

والعلاّمة الحلّي

علوم القرآن

واشتهر في علوم القرآن من الإماميّة بعد طبقة الصحابة :

ميثم بن يحيى التمّار

وسعيد بن جبير

وإسماعيل بن عبد الرحمن السدّي، وهو المعروف بالسدّي الكبير

ومحمّد بن السائب الكلبي

وأبو حمزة الثمالي

وهشام بن محمّد الكلبي

وأبان بن تغلب

ويونس بن عبد الرحمن

والحسن بن محبوب السرّاد


ومحمّد بن مسعود العيّاشي

وفرات بن إبراهيم الكوفي

وعلي بن إبراهيم القمّي

وأبو جعفر الطوسي

وابن شهر آشوب السروي

وأبو علي الطبرسي

والعلاّمة الحلّي

علم الفقه والحديث

وأمّا الفقهاء والمحدّثون الكبار من أصحاب الأئمّةعليهم‌السلام ومن بعدهم ، فنذكر منهم جماعةً :

علي بن أبي رافع

وأبو حمزة الثمالي

وجابر بن يزيد الجعفي

وزيد بن علي بن الحسين

وأبان بن تغلب

ومحمّد بن مسلم الطائفي

وأبو بصير يحيى بن القاسم

وزرارة بن أعين

ومعاوية بن عمّار الدّهني

ومعروف بن خرّبوذ المكّي


وجميل بن درّاج

وصفوان بن يحيى

وعبيد الله بن موسى العبسي

وأحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي

وأحمد بن محمّد بن خالد البرقي

ومحمّد بن يعقوب الكليني

وابن الجنيد الإسكافي

وابن أبي عقيل العماني

وابن بابويه الصدوق القمي

والمفيد البغدادي

والسيّد المرتضى الموسوي

وأبو جعفر الطوسي

وأبو الفتح الكراجكي

وابن إدريس الحلّي

وأبو القاسم جعفر بن الحسن الحلّي

والعلاّمة الحلّي

وهنا فوائد :

الفائدة الأُولى :

قد ظهر ممّا تقدّم أنّ الأصل في العلوم الإسلاميّة ـ الموجودة بأيدي المسلمين ، والتي نبغ فيها العلماء الأعلام في مختلف القرون ـ هم أئمّة أهل


البيتعليهم‌السلام وعلى رأسهم أمير المؤمنين وباب مدينة العلم عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

الفائدة الثانية :

إنّ من أعلام الإماميّة من تضلّع وتبحّر في عدّةٍ من العلوم الإماميّة ، فالشيخ أبو جعفر الطوسي ـ مثلاً ـ فقيه ، مفسّر ، متكلّم ، محدّث ، وهذا في علماء هذه الطائفة كثير ، وبين علماء سائر الفرق قليل .

الفائدة الثالثة :

إنّ الجوامع الحديثيّة المعروفة عند الإماميّة ، والتي عليها المدار في الفقه والحديث ، هي الكتب الأربعة :

١ ـ الكافي للشيخ أبي جعفر الكليني

٢ ـ من لا يحضره الفقيه ، للشيخ ابن بابويه الصّدوق القمّي

٣ ـ تهذيب الأحكام

٤ ـ الاستبصار فيما اختلف من الأخبار

وكلاهما للشيخ أبي جعفر الطوسي .

ثمّ الكتب الأربعة الثانية :

١ ـ بحار الأنوار ، للشيخ محمّد باقر المجلسي

٢ ـ الوافي، للشيخ الفيض الكاشاني

٣ ـ وسائل الشيعة ، للشيخ الحرّ العاملي

٤ ـ مستدرك وسائل الشيعة ، للشيخ النوري الطبرسي .

الفائدة الرابعة :

إنّ الكتب الفقهيّة التي ألّفها أصحاب الأئمّةعليهم‌السلام كانت تحتوي


أُمّهات المسائل في كثيرٍ من الأبواب ، ثمّ أُلّفت الكتب الكبار شيئاً فشيئاً ، حتّى توسّع الفقه الشيعي ، وصُنّف فيه الموسوعات الضخمة مثل (الحدائق الناضرة ) للشيخ يوسف البحراني ، و(جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام ) للشيخ محمّد حسن النجفي المعروف بصاحب الجواهر .

تنبيه :

قد اكتفينا في طبقات العلماء في مختلف العلوم بذكر أسماء جماعةٍ من أشهرهم في كلّ علم ، ابتداءً بالأصحاب وانتهاءً بالعلاّمة الحلّي (رحمه‌الله ) .

وأمّا من جاء بعد العلاّمة ـ وإلى يومنا هذا ـ من أكابر العلماء فلا يعدّون كثرة .


تراجم أعلام الشيعة في كتب السنّة

ولأجل أنْ نعرّف بطائفةٍ من أعلام الإماميّة في الكلام والفقه والحديث وعلوم القرآن ، ونشيد بدورهم في حفظ هذه العلوم ، ونشرها بين الأمّة في مختلف الأدوار والأعصار ، وخاصّةً على لسان المخالفين ، فإنّا نورد هنا طرفاً من تراجم علماء الشيعة في كتب أهل السنّة ، مع الإلتفات إلى النقاط التي ذكرناها سابقاً :

الأصبغ بن نباته

وهو من رجال ابن ماجة ، وثّقه جماعة ، وتكلّم فيه آخرون لتشيّعه ، حتّى قال ابن حبّان :

( فتن بحبّ عليٍّ فأتى بالطامّات فاستحقّ الترك )

وقال ابن عدي : ( عامّة ما يرويه عن علي لا يتابعه أحد عليه وإذا حدّث عنه ثقة فهو عندي لا بأس بروايته ، وإنّما أتى الإنكار من جهة من روى عنه )

وذكر العقيلي : ( كان يقول بالرّجعة ) ، وقال ابن سعد : ( كان على شرطة علي )(١) .

الحارث الهمداني

قال الذهبي : ( حديث الحارث في السنن الأربعة ، والنسائي مع تعنّته في الرجال فقد احتجّ به وقوّى أمره ، والجمهور على توهين أمره مع روايتهم

ـــــــــــــــــ

(١) تهذيب التهذيب : ١/٣١٦ ـ ٣١٧ .


لحديثه في الأبواب ، فهذا الشعبي يكذّبه ثمّ يروي عنه ، والظاهر أنّه كان يكذّب في لهجته وحكاياته ، وأمّا في الحديث النبوي فلا، وكان من أوعية العلم ) .

وروى عن ابن أبي داود : كان الحارث الأعور أفقه الناس وأفرض الناس وأحسب الناس ، تعلّم الفرائض عن علي .

وأورد الذهبي : تكلّم بعضهم فيه ، وكلماتهم كلّها ترجع إلى تشيّعه(١) .

ونحن تكفينا رواية النسائي وسائر أصحاب السنن عنه .

كُميل بن زياد

من رجال النسائي ، ووثّقه ابن سعد وابن معين والعجلي وابن حبّان وابن حجر العسقلاني وغيرهم(٢) .

سعيد بن جُبَير

روى الكشي بإسناده عن أبي عبد الله الصادق ، قال :

( إنّ سعيد بن جبير كان يأتمّ بعلي بن الحسين عليه‌السلام ، وكان علي بن الحسين يثني عليه ، وما كان سبب قتل الحجّاج له إلاّ على هذا الأمر ، وكان مستقيماً ) (٣) .

وروى البلاذري بإسناده عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس ، قال :

( يوم الخميس وما يوم الخميس ، اشتدّ فيه وجع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال :

ـــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال : ١/٤٣٥ .

(٢) تهذيب التهذيب : ٨/٤٠٢ ، تقريب التهذيب ٦/١٣٦ .

(٣) رجال الكشي : ١١٩/١٩٠ .


إيتوني بالدواة والكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلّون معه بعدي أبداً ، فقالوا : أتراه يهجر ! وتكلّموا ولغطوا ، فغمّ ذلك رسول الله وأضجره وقال :إليكم عنّي ، ولم يكتب شيئاً )(١) .

وقال ابن حجر العسقلاني :

( ع ـ سعيد بن جبير الأسدي ، مولاهم ، الكوفي ، ثقة ثبت فقيه قُتل بين يدي الحجّاج سنة ٩٥ )(٢) .

وقال ابن الجزري :

( التابعي الجليل والإمام الكبير ، عرض على عبد الله ابن عبّاس ، وعرض عليه أبو عمرو بن العلاء والمنهال بن عمرو

قال إسماعيل بن عبد الملك : كان سعيد بن جبير يؤمّنا في شهر رمضان ، فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله ـ يعني ابن مسعود ـ وليلة بقراءة زيد بن ثابت ، قتله الحجّاج بواسط شهيداً في سنة ٩٥ وقيل سنة ٩٤ )(٣) .

أبو حمزة الثمالي

ذكر النديم في كتب التفسير : كتاب تفسير أبي حمزة قال :

( واسمه ثابت ابن دينار ، من أصحاب علي ـ يعني الإمام زين العابدين ـ من النجباء الثقات ، وصحب أبا جعفر ـ يعني الإمام الباقر ـ )(٤) .

وترجم له علماؤنا ووثّقوه ، ورووا عن الإمام أبي عبد اللهعليه‌السلام قوله :

( أبو حمزة في زمانه مثل سلمان في زمانه ) (٥) .

ـــــــــــــــــ

(١) أنساب الأشراف : ١/٥٦٢ .

(٢) تقريب التهذيب : ١/٢٩٢ .

(٣) غاية النهاية : ١/٣٠٥ .

(٤) الفهرست : ٣٦ .

(٥) رجال النجاشي : ١١٥ .


وقد روى عنه من أصحاب الصّحاح الستّة : النسائي في مسند علي ، وأبو داود وابن ماجة(١) والترمذي(٢) .

لكنْ تكلّم فيه جماعة من أجل التشيّع ، فقد عدّه السليماني في قومٍ من الرافضة(٣) ، وفي التقريب : رافضي(٤) .

وروى الذهبي : إنّه ذكر حديثاً في ذكر عثمان بن عفّان فنال منه ، فقام ابن المبارك وفرّق ما كتب عنه(٥) .

جابر بن يزيد الجعفي

قال الذهبي : ( جابر بن يزيد [د ، ت ، ق] بن الحارث الجعفي ، الكوفي ، أحد علماء الشيعة ، له عن أبي الطفيل والشعبي وخلق ، وعنه : شعبة وأبو عوانة وعدّة .

قال ابن مهدي عن سفيان : كان جابر الجعفي ورعاً في الحديث ، ما رأيت أورع منه في الحديث .

وقال شعبة : صدوق

وقال يحيى بن أبي بكر عن شعبة : كان جابر إذا قال أخبرنا ، وحدّثنا ، وسمعت ، فهو من أوثق الناس .

وقال وكيع : ما شككتم في شيء فلا تشكّوا أنّ جابراً الجعفي ثقة .

وقال ابن عبد الحكم : سمعت الشافعي يقول : قال سفيان الثوري لشعبة :

ـــــــــــــــــ

(١) تقريب التهذيب : ١/١١٦ .

(٢) ميزان الاعتدال : ١/٣٦٣ .

(٣) ميزان الاعتدال : ١/٣٦٣ .

(٤) تقريب التهذيب : ١/١٦٦ .

(٥) ميزان الاعتدال : ١/٣٦٣ .


لئن تكلَّمت في جابر الجعفي لأتكلّمنّ فيك ) .

ثمّ نقل عن جرير بن عبد الحميد أنّه تكلّم فيه ؛ لأنّه ( كان يؤمن بالرجعة ) .

وعن سفيان بن عيينة أنّه تركه لمّا سمعه قال : دعا رسول الله عليّاً فعلّمه ممّا تعلّم ، ثمّ دعا عليٌّ الحسنَ فعلّمه ممّا تعلّم ، ثمّ دعا الحسنُ الحسينَ فعلّمه ممّا تعلّم ، ثمّ دعا ولده حتّى بلغ جعفر بن محمّد .

وعن زائدة : جابر الجعفي رافضيٌّ يشتم أصحاب النبي .

وعن الحميدي : سمعت رجلاً يسأل سفيان :

أرأيت ـ يا أبا محمّد ـ الذين عابوا على جابر الجعفي قوله : حدّثني وصيّ الأوصياء ؟

فقال سفيان : هذا أهونه(١) .

فكان تشيّعه والعقائد الشيعيّة عنده هي السبب لتكلّم من تكلّم فيه ...

هشام بن الحكم

قال النديم : ( من متكلّمي الشيعة ، ممّن فتق الكلام في الإمامة وهذّب المذهب والنظر ، وكان حاذقاً بصناعة الكلام ، حاضر الجواب )(٢) .

محمّد بن مسلم

من أصحاب الإمام أبي جعفر الباقر ، والإمام أبي عبد الله الصادقعليهما‌السلام ، وقد روى أصحابنا عن الصادقعليه‌السلام ، أنّه قال :

(أوتاد الأرض وأعلام الدين أربعة : محمّد بن مسلم وبريد بن معاوية وليث بن البختري

ـــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ١ / ٣٧٩ .

(٢) الفهرست : ٢٢٣ .


المرادي وزرارة بن أعين ) (١) .

وأنّه قال فيهم :( أربعة نجباء أُمناء الله على حلاله وحرامه، لو لا هؤلاء انقطعت آثار النبوّة واندرست ) (٢) .

وأنّه :( هؤلاء حفّاظ الدين ، وأُمناء أبي على حلاله وحرامه ، وهم السابقون إلينا في الدنيا والسّابقون إلينا في الآخرة ) (٣) .

وقال العلماء في حقّه : فقيه ورع ، وجه أصحابنا بالكوفة ، من أوثق الناس .

وذكروا أنّه توفّي سنة ١٥٠(٤) .

وترجم له علماء الجمهور في أغلب كتبهم ، ولم يتكلّم فيه أحد منهم بشيء .

وقد أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ، واستشهد به البخاري ، وروى له في كتاب الأدب المفرد(٥) .

معاوية بن عمّار

من أصحاب الإمام محمّد الباقر ، وجعفر الصادقعليهما‌السلام ، وله كتب في المسائل الفقهيّة ، مثل : كتاب الصلاة وكتاب الحج وكتاب الزكاة وكتاب

ـــــــــــــــــ

(١) رجال الكشي : ٢٣٨ / ٤٣٢ .

(٢) رجال الكشي : ١٧٠ / ٢٨٦ .

(٣) رجال الكشي : ١٣٦ ـ ١٣٧ / ٢١٩ .

(٤) رجال الكشي : ١٦١ ـ ١٦٩ ، رجال النجاشي : ٣٢٣ / ٨٨٢ ، رجال الشيخ : ٢٩٤ / ٤٢٩٣ ، خلاصة الأقوال : ٢٥١ / ٨٥٨ .

(٥) تهذيب الكمال : ٢٦ / ٤١٦ .


الطلاق ...

قال النجاشي : كان وجهاً من أصحابنا ومقدّماً ، كبير الشأن ، عظيم المحل ، ثقة ، وكان أبوه عمّار ثقة في العامّة ، وجهاً ومات معاوية سنة ١٧٥(١) .

وأخرج عنه مسلم والنسائي والترمذي والبخاري في أفعال العباد(٢) .

قال الذهبي وابن حجر : صدوق(٣) .

حمران بن أعين

من رجال ابن ماجة ، روى عن أبي الطفيل وغيره .

كان يتقن القرآن ، وقرأ عليه حمزة الزيّات ، وروى عنه جماعة من الأكابر ، منهم : سفيان الثوري .

ترجم له البخاري في تاريخه فلم يذكر له جرحاً .

وقال ابن عدي ـ بعد أن ذكر له بعض الأخبار ـ :

( وحمران ـ هذا ـ له غير ما ذكرنا من الحديث وليس بالكثير ، ولم أر له حديثاً منكراً جدّاً فيسقط من أجله ، وهو غريب الحديث ، ممّن يكتب حديثه ) .

وذكره ابن حبّان في الثقات .

وقد تكلّم فيه جماعة من أجل التشيّع ، ورماه بعضهم بالغلوّ في التشيّع وآخرون بالرفض .

وقال ابن الجزري : ( حمران بن أعين ، أبو حمزة الكوفي ، مقرئ كبير ،

ـــــــــــــــــ

(١) رجال النجاشي : ٤١١/١٠٩٦ وانظر : خلاصة الأقوال : ٢٧٣/٩٩٥ .

(٢) تقريب التهذيب : ٢/٢٦٠ .

(٣) ميزان الاعتدال : ٤/١٣٧ ، تقريب التهذيب ٢/٢٦٠ .


أخذ القراءة عرضاً عن عبيد بن نضلة وأبي حرب بن أبي الأسود وأبيه أبي الأسود ويحيى بن وئاب ومحمّد بن علي الباقر روى القراءة عنه عرضاً حمزة الزيّات .وكان ثبتاً في القراءة ، يُرمى بالرفض .

قال الذهبي : توفّي في حدود الثلاثين والمائة أو قبلها )(١) .

معروف بن خرّبوذ

من أصحاب الإمام زين العابدين ، والإمام الباقر ، والإمام الصادقعليهم‌السلام .

قال الكشي : أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأوّلين من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام ، وانقادوا لهم بالفقه ، فقالوا : أفقه الأوّلين : زرارة ومعروف بن خربوذ ...(٢) .

وقد أخرج عنه : البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة .

قال الذهبي : صدوق شيعي(٣) .

وقال ابن حجر : صدوق ربّما وهم ، وكان أخباريّاً علاّمةً(٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) التاريخ الكبير : ٣/٨٠ ، الكامل في الضعفاء : ٣/٣٦٦ ، ميزان الاعتدال : ١/٦٠٤ ، كتاب الثقات : ٤/١٧٩ ، غاية النهاية في طبقات القرّاء : ١/٢٦١ .

(٢) رجال الكشي : ٢٣٨/٤٣١ .

(٣) ميزان الاعتدال : ٤/١٤٤ .

(٤) تقريب التهذيب : ٢/٢٦٤ .


الحسن بن محبوب السرّاد

روى عن الإمام موسى بن جعفر ، والإمام علي بن موسى الرضاعليهما‌السلام ، وثّقه أصحابنا وقالوا : كان جليل القدر ، يُعدّ في الأركان الأربعة في عصره(١) .

ولم أجد له ترجمةً في كتب القوم ، إلاّ عند ابن حجر ، نقلاً عن شيخ الطائفة ، ولم يذكر سوى أسماء مشايخه ، والرواة عنه(٢) .

السدّي الكبير

ذكره شيخ الطائفة في أصحاب الإمام زين العابدين والإمام الباقرعليهما‌السلام (٣) .

وأخرج عنه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة(٤) .

ووثّقه : أحمد والعجلي وابن حبّان ، وقال النسائي : صالح ، وقال ابن عدي : مستقيم الحديث ، صدوق(٥) .

وقال ابن حجر : صدوق يهم ، رُمي بالتشيّع(٦) .

ـــــــــــــــــ

(١) رجال الشيخ الطوسي : ٣٣٤ ، خلاصة الأقوال : ٩٧/٢٢٢ ، قاموس الرجال : ٣/٣٤٧ ، الفهرست للشيخ الطوسي : ٩٦/١٦٢ .

(٢) لسان الميزان : ٢/٢٨٨ الطبعة الحديثة .

(٣) رجال الشيخ : ١٠٩/١٠٦٢ .

(٤) تقريب التهذيب : ١/٧٣ .

(٥) تهذيب التهذيب : ١/٢٧٤ .

(٦) تقريب التهذيب : ١/٧٣ .


بل قال الذهبي : ( قال حسين بن واقد المروزي : سمعت من السدّي ، فما قمت حتّى سمعته يشتم أبابكر وعمر ، فلم أعد إليه )(١) .

الحسن بن الحسين النوبختي

أبو محمّد الحسن بن الحسين بن علي بن العبّاس بن إسماعيل بن أبي سهل ابن نوبخت ، النوبختي ، البغدادي ، الكاتب ، المتوفّى سنة ٤٠٢ .

هو من كبار علمائنا من آل نوبخت ، وقد ترجم له الخطيب البغدادي ، فقال : ( كان سماعه صحيحاً ، وقال الأزهري : كان النوبختي رافضيّاً رديء المذهب ، سألت البرقاني عن النوبختي ، فقال : كان معتزليّاً وكان يتشيّع إلاّ أنّه تبيّن أنّه صدوق )(٢) .

وقال ابن حجر : ( قال العقيقي : كان يذهب إلى الاعتزال ، ثقة في الحديث .

وقال البرقاني : كان معتزليّاً وكان يتشيّع إلاّ أنّه تبيّن أنّه صدوق )(٣) .

وقال السمعاني : ( كان معتزليّاً رافضيّاً ، رديء المذهب ، إلاّ أنّه صدوق صحيح السّماع )(٤) .

أبو جعفر الكليني

قال الذهبي : ( الكليني ، شيخ الشيعة وعالم الإماميّة ، صاحب التصانيف ،

ـــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال : ١/٢٣٧ .

(٢) تاريخ بغداد : ٧/٢٩٩ .

(٣) لسان الميزان : ٢/١٩٩ ـ ٢٠١ الطبعة القديمة .

(٤) الأنساب : ٥/٥٢٩ .


أبو جعفر محمّد بن يعقوب الرازي الكليني ـ بالنون ـ روى عنه : أحمد بن إبراهيم الصيمري وغيره ، وكان ببغداد ، و بها توفي ، وقبره مشهور مات سنة ٣٢٨ وهو بضمّ الكاف وإمالة اللاّم ، قيّده الأمين )(١) .

أبو جعفر ابن بابويه

قال الذهبي : ( ابن بابويه ، رأس الإماميّة ، أبو جعفر محمّد بن العلاّمة علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي ، صاحب التصانيف السائرة بين الرافضة ، يُضرب بحفظه المثل ، يقال : له ثلاث مائة مصنّف ، منها : كتاب دعائم الإسلام ، كتاب الخواتيم ، كتاب الملاهي ، كتاب غريب حديث الأئمّة ، كتاب التوحيد ، كتاب دين الإماميّة .

وكان أبوه من كبارهم ومصنّفيهم .

حدّث عن أبي جعفر جماعة ، منهم : ابن النعمان المفيد ، والحسين بن عبد الله الفحّام ، وجعفر بن حسنيكه القمّي )(٢) .

الشيخ المفيد

قال الذهبي : ( الشيخ المفيد ، عالم الرافضة ، صاحب التصانيف ، الشيخ المفيد ، واسمه محمّد بن محمّد بن النعمان البغدادي الشيعي ، ويُعرف بابن المعلّم .

كان صاحب فنون وبحوث وكلام واعتزال وأدب ، ذكره ابن أبي طي في

ـــــــــــــــــ

(١) سِيَر أعلام النبلاء : ١٥/٢٨٠ .

(٢) سِيَر أعلام النبلاء : ١٦/٣٠٣ .


تاريخ الإماميّة فأطنب وأسهب وقال : كان أوحد في جميع فنون العلم ، الأصلين والفقه ، إلى أن قال : مات سنة ٤١٣ وشيّعه ثمانون ألفاً .

وقيل : بلغت تواليفه مائتين ، لم أقف على شيءٍ منها ولله الحمد ، يكنّى أبا عبد الله )(١) .

السيّد المرتضى

قال الذهبي : ( المرتضى ـ العلاّمة الشريف المرتضى ، نقيب العلويّة ، أبو طالب ، علي بن الحسين بن موسى ، القرشي العلوي الحسيني الموسوي البغدادي ، من ولد موسى الكاظم .

ولد سنة ٣٥٥ وحدّث عن : سهل بن أحمد الديباجي وأبي عبد الله المرزباني وغيرهما .

قال الخطيب : كتبت عنه .

قلت : هو جامع كتاب نهج البلاغة المنسوبة ألفاظه إلى الإمام عليرضي‌الله‌عنه ، ولا أسانيد لذلك وبعضها باطل وفيه حق ، ولكن فيه موضوعات يجلّ الإمام من النطق بها ، ولكن أين المنصف ؟

وقيل : بل جمع أخيه الشريف الرضي .

وديوان المرتضى كبير ، وتواليفه كثيرة ، وكان صاحب فنون ، وله كتاب الشافي في الإمامة ، والذخيرة في الأُصول ، وكتاب التنزيه ، وكتاب إبطال القياس ، وكتاب في الاختلاف في الفقه ، وأشياء كثيرة ، وديوانه في أربع مجلّدات .

ـــــــــــــــــ

(١) سِيَر أعلام النبلاء : ١٧/٣٤٤ .


وكان من الأذكياء الأولياء ، المتبحّرين في الكلام والاعتزال والأدب والشعر ، لكنّه إماميٌّ جلد ، نسأل الله العفو .

قال ابن حزم : الإماميّة كلّهم على أنّ القرآن مبدّل وفيه زيادة ونقص ، سوى المرتضى فإنّه كفّر من قال ذلك ، وكذلك صاحباه أبو يعلى وأبو القاسم الرازي .

قلت : في تواليفه سبّ أصحاب رسول الله ، فنعوذ بالله من علمٍ لا ينفع .

تُوفّي المرتضى في سنة ٤٣٦ )(١) .

أبو الفتح الكراجكي

قال الذهبي : ( الكراجكي ، شيخ الرافضة وعالمهم ، أبو الفتح ، محمّد بن علي ، صاحب التصانيف مات بمدينة صور سنة ٤٤٩ )(٢) .

أبو جعفر الطوسي

قال الذهبي : ( أبو جعفر الطوسي ، شيخ الشيعة وصاحب التصانيف ، أبو جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي .

قَدِم بغداد ، وتفقّه أوّلاً للشافعي ، ثمّ أخذ الكلام وأُصول القوم عن الشيخ المفيد رأس الإماميّة ، ولزمه وبرع ، وعمل التفسير ، وأملى أحاديث ونوادر في مجلّدين ، عامّتها عن شيخه المفيد .

روى عن هلال الحفّار والحسين بن عبيد الله الفحّام والشريف المرتضى

ـــــــــــــــــ

(١) سِيَر أعلام النبلاء : ١٧/٥٥٨ وفيه ما فيه .

(٢) سِيَر أعلام النبلاء : ١٨/١٢١ .


وأحمد بن عبدون وطائفة .

روى عنه ابنه أبو علي .

وأعرض عنه الحفّاظ لبدعته ، وقد أُحرقت كتبه عدّة نوب في رحبة جامع القصر ، واستتر لما ظهر عنه من التنقّص بالسلف ، وكان يسكن بالكرخ محلّة الرافضة .

ثمّ تحوّل إلى الكوفة وأقام بالمشهد يفقّههم .

ومات في المحرّم سنة ٤٦٠ .

وكان يُعدّ من الأذكياء .

ذكره ابن النجار في تاريخه .

وله تصانيف كثيرة ، منها : كتاب تهذيب الأحكام ، كبير جدّاً ، وكتاب مختلف الأخبار ، وكتاب المفصح في الإمامة

ورأيت له مؤلّفاً في فهرسة كتبهم وأسماء مؤلّفيها )(١) .

ابن شهر آشوب السروي

قال ابن حجر : ( محمّد بن علي بن شهر آشوب ، أبو جعفر السروي المازندراني ، من دعاة الشيعة ، فقال ابن أبي طي في تاريخه : اشتغل بالحديث ولقي الرجال ثمّ تفقّه ، وبلغ النهاية في فقه أهل البيت ، ونبغ في الأُصول ، ثمّ تقدّم في القراءات والغريب والتفسير والعربيّة ، وكان مقبول الصورة ، مليح العرض على المعاني ، وصنّف في المتفق والمفترق والمؤتلف والمختلف ، والفصل والوصل ، وفرّق بين رجال الخاصّة ورجال العامّة ، يعني أهل السنّة

ـــــــــــــــــ

(١) سِيَر أعلام النبلاء : ١٨/٣٣٤ .


والشيعة ، كان كثير الخشوع مات في شعبان سنة ٥٥٨ )(١) .

وقال الصفدي : ( أحد شيوخ الشيعة ، حفظ القرآن وله ثمان سنين ، وبلغ النهاية في أُصول الشيعة ، كان يرحل إليه من البلاد ، ثمّ تقدّم في علم القرآن والغريب والنحو ، ووعظ على المنبر أيّام المقتفي ببغداد ، فأعجبه وخلع عليه

وكان بهيّ المنظر حسن الوجه والشيبة ، صدوق اللّهجة ، مليح المحاورة ، واسع العلم ، كثير الخشوع والعبادة والتهجّد ، لا يكون إلاّ على وضوء أثنى عليه ابن أبي طي في تاريخه ثناءً كثيراً )(٢) .

الشيخ نصير الدين الطوسي

الشيخ نصير الدين محمّد بن محمّد الطوسي ، المتوفّى سنة ٦٧٢ .

قال الذهبي ـ في وفيات السنة المذكورة ـ :

( وكبير الفلاسفة خاجا نصير الدين محمّد بن محمّد بن حسن الطوسي ، صاحب الرصد )(٣) .

( وكان رأساً في علم الأوائل ، ذا منزلة من هولاكو )(٤) .

وقال ابن كثير : ( النصير الطوسي اشتغل في شبيبته وحصّل علم الأوائل جيّداً ، وصنّف في ذلك وفي علم الكلام ، وشرح الإشارات لابن سينا ، وقد ذكره بعض البغاددة فأثنى عليه ، وقال : كان عاقلاً ، فاضلاً ، كريم الأخلاق ، ودُفن في مشهد موسى بن جعفر ، في سردابٍ كان قد أُعدّ للخليفة الناصر لدين الله ، وهو الذي كان قد بنى الرصد بمراغة ، ورتّب فيه الحكماء من الفلاسفة

ـــــــــــــــــ

(١) لسان الميزان : ٥/٣٠٥ .

(٢) الوافي بالوفيات : ٤/١٦٤ .

(٣) تذكرة الحفّاظ : ٤/١٤٩١ .

(٤) العبر في خبر من غبر : ٣/٣٢٦ .


والمتكلّمين والفقهاء والمحدّثين والأطبّاء ، وغيرهم من أنواع الفضلاء ، وبنى له فيه قبّةً عظيمة ، وجعل فيه كتباً كثيرةً جدّاً )(١) .

وقال الصّفدي : ( الفيلسوف صاحب علم الرياضي ، كان رأساً في علم الأوائل ، لا سيّما في الأرصاد والمجسطي ، فإنّه فاق الكبار وكان حسن الصّورة ، سمحاً ، كريماً ، جواداً ، حليماً ، حسن العشرة ، غزير الفضل وكان للمسلمين به نفع ، خصوصاً الشيعة والعلويّين والحكماء وغيرهم )(٢) .

العلاّمة الحلّي

جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن علي بن مطهّر الحلّي ، المتوفّى سنة ٧٢٦.

ترجم له الصفدي ، فقال : ( الإمام العلاّمة ذو الفنون جمال الدين ابن المطهّر الأسدي الحلّي المعتزلي ، عالم الشيعة وفقيههم ، صاحب التصانيف التي اشتهرت في حياته ، تقدّم في دولة خربندا تقدّماً زائداً ، وكان له مماليك وإدارات كثيرة وأملاك جيّدة ، وكان يصنّف وهو راكب ، شرح مختصر ابن الحاجب وهو مشهور في حياته ، وله كتاب في الإمامة ردّ عليه الشيخ تقي الدين ابن تيمية في ثلاث مجلّدات ، وكان يسمّيه ابن المنجَّس.

وكان ابن المطهَّر ريّض الأخلاق ، مشتهر الذكر ، تخرَّج به أقوام كثيرة ، وحجّ في أواخر عمره وخمل وانزوى إلى الحلّة ، وتوفّي سنة ٢٥ وقيل ٢٦ وسبعمائة في شهر المحرّم وقد ناهز الثمانين

وكان إماماً في الكلام والمعقولات .

ـــــــــــــــــ

(١) البداية والنهاية ١٣/٢٦٧ ـ ٢٦٨.

(٢) الوافي بالوفيات ١/١٧٩ ـ ١٨٣.


قال الشيخ شمس الدين : قيل اسمه يوسف ، وله : الأسرار الخفيّة في العلوم العقليّة )(١) .

وهكذا ترجم له ابن حجر العسقلاني ، قال : ( لازم النصير الطوسي مدّةً ، واشتغل في العلوم العقليّة فمهر فيها ، وصنّف في الأُصول والكلام ، وكان صاحب أموال وغلمان وحفدة ، وكان رأس الشيعة بالحلّة ، واشتهرت تصانيفه ، وتخرّج به جماعة ، وشرحه على مختصر ابن الحاجب في غاية الحسن في حلّ ألفاظه وتقريب معانيه ، وصنّف في فقه الإماميّة ، وكان قيّماً بذلك داعيةً إليه )(٢) .

من تراجم علماء السنّة في كتبهم

وعلى الجملة ، فإنّهم إمّا يهملون علماء الإماميّة فلا يترجمون لهم أصلاً ، وإلاّ ترجموا بسطرين أو أسطرٍ قليلةٍ ، مع أغلاطٍ وهفواتٍ كثيرة لكنْ لا تجد في هذه التراجم نسبة شيء من الآثام والقبائح الموبقة ، ولو كان ـ ولو نسبةً كاذبةً ـ لذكروا ، كما يذكرون بتراجم علمائهم ...

فهذا الذهبي الذي نقلنا عن كتابه ( سِيَر أعلام النبلاء ) تراجم جملةٍ من علمائنا قد ذكر فيه بتراجم علماء السنّة أشياء قبيحة مخجلة ، نورد بعضها في هذا المجال :

فقد ذكر بترجمة زاهر بن طاهر بعد أنْ وصفه بـ ( الشيخ العالم ، المحدّث

ـــــــــــــــــ

(١) الوافي بالوفيات : ١٣/٨٥ .

(٢) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٢/٧١ ـ ٧٢ .


المفيد ، المعمّر ، مسند خراسان ، أبو القاسم ابن الإمام أبي عبد الرحمان ، النيسابوري ، الشحامي ، المستملي ، الشروطي ، الشاهد )!! وعدّد مشايخه وتصانيفه ذكر عن جماعةٍ أنّه كان يخلُّ بالصّلوات إخلالاً ظاهراً ...(١) .

وذكر بترجمة عمر بن محمّد ، المعروف بابن طبرزد ، وقد وصفه بـ ( الشيخ المسند الكبير الرحلة ، أبو حفص عمر بن محمّد بن معمّر بن ) وعدّد شيوخه ومن روى عنه من المشاهير : كابن النجّار والكمال ابن العديم والمجد ابن عساكر والقطب ابن عصرون وأمثالهم ، ثمّ أورد قول ابن نقطة : ( ثقة في الحديث ) ، وقول ابن الحاجب : ( كان مسند أهل زمانه ) ، حتّى نقل عن ابن النجّار : كان متهاوناً بأُمور الدين ، رأيته غير مرّةٍ يبول من قيام ، فإذا فرغ من الإراقة أرسل ثوبه وقعد من غير استنجاءٍ بماءٍ ولا حجر ) قال الذهبي : ( قلت : لعلّه يرخّص بمذهب من لا يوجب الإستنجاء ! ) .

ثمّ حكى عن ابن النجّار : ( وكنّا نسمع منه يوماً أجمع ، فنصلّي ولا يصلّي معنا ، ولا يقوم لصلاة ) .

قال الذهبي : ( وقد سمعت أبا العبّاس ابن الظاهري يقول : كان ابن طبرزد لا يصلّي )(٢) .

ثمّ إنّ الذهبي روى خبرين بترجمة مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي القصّاب في سند أحدهما ( زاهر ) وفي الآخر ( عمر ) فقال : ( في الإسنادين ضعف ، من جهة زاهر وعمر ؛ لإخلالهما بالصّلاة ، فلو كان فيَّ ورع لَما رويتُ

ـــــــــــــــــ

(١) سِيَر أعلام النبلاء : ٢٠/٩ .

(٢) سِيَر أعلام النبلاء : ٢١/٥٠٧ .


لمن هذا نعته )(١) .

لكنْ في مشايخ الذهبي غير واحدٍ من هؤلاء ، فقد نصَّ ـ مثلاً ـ بترجمة علي بن مظفّر الإسكندراني ، شيخ دار الحديث النفيسيّة !! المتوفّى سنة ٧١٦ : ( لم يكن عليه ضوء في دينه ، وحملني الشّره على السماع من مثله ، والله يسامحه ، كان يخلُّ بالصّلوات ، ويُرمى بعظائم !! )(٢) .

وذكر بترجمة الشيخ المعمّر أبي المعالي عثمان بن علي بن المعمّر بن أبي عِمامة البغدادي البقّال : ( قال ابن النجّار : كان عسراً ، غير مرضي السيرة ، يخلُّ بالصّلوات ، ويرتكب المحظورات )(٣) .

وبترجمة الجعابي الموصوف بـ ( الحافظ البارع العلاّمة ، قاضي الموصل ، أبو بكر محمّد بن عمر بن محمّد بن سلم التميمي البغدادي ) قال بعد ذكر مشايخه ، وأنّه حدّث عنه : أبو الحسن الدار قطني وأبو حفص ابن شاهين وابن رزقويه وابن مندة والحاكم وبعد ذكر بعض الكلمات في الثناء عليه قال :

( ونقل الخطيب عن أشياخه أنّ ابن الجعابي كان يشرب في مجلس ابن العميد

وقال أبو عبد الرحمان السلمي : سألت الدار قطني عن ابن الجعابي ، فقال : خلط ، وذكر مذهبه في التشيّع ، وكذا نقل أبو عبد الله الحاكم عن الدار قطني ، قال : وحدّثني ثقة أنّه خلّى ابن الجعابي نائماً وكتب على رجله ، قال : فكنت أراه ثلاثة أيّام لم يمسّه الماء ) ..

( قال الحاكم : قلت للدّار قطني : يبلغني عن ابن الجعابي أنّه تغيَّر عمّا

ـــــــــــــــــ

(١) سِيَر أعلام النبلاء : ١٠/٣١٧ .

(٢) معجم الشيوخ : ٢/٥٨ .

(٣) سِيَر أعلام النبلاء : ١٩/٤٥٣ .


عهدناه

قال : وأيّ تغيّر !

قلت : بالله هل اتّهمته ؟!

قال : إي والله ثمّ ذكر أشياء

فقلت : وضح لك أنّه خلط في الحديث ؟!

قال: إي والله ، قلت : هل اتّهمته حتّى خفت المذهب ؟!

قال : ترك الصّلاة والدّين )(١) .

أقول :

لكنّ بقاء الكتابة على رجله ثلاثة أيّام ، إنّما يدلّ على عدم غسله لرجليه في الوضوء ، ولا يدلّ على عدم الوضوء وترك الصلاة ، فلعلّه كان من القائلين بالمسح في الوضوء ، تعييناً أو تخييراً ، فإنّ هذا مذهب كثيرٍ من الصحابة والتابعين والفقهاء الكبار ، كابن جرير الطبري ـ صاحب التفسير والتاريخ ـ وأتباعه ...(٢)

* وأمّا شرب المسكر ، فمذكور بتراجم كثيرٍ من أعلام القوم :

ففي ترجمة نصر وهو : ( الحافظ ، المجوّد ، الماهر ، الرحّال ، أبو محمّد نصر بن أحمد بن نصر الكندي البغدادي ) :

( قال أبو الفضل السليماني : يُقال إنّه كان أحفظ من صالح بن محمّد جزرة ، إلاّ أنّه كان يُتّهم بشرب المسكر )(٣) .

وبترجمة علي بن سراج وهو : ( الإمام الحافظ البارع ، أبو الحسن ابن أبي الأزهر ) : ( إلاّ أنّ الدار قطني قال : كان يشرب ويسكر )(٤) .

وبترجمة الذهبي وهو : ( الحافظ العالم الجوّال ، أبوبكر أحمد بن محمّد

ـــــــــــــــــ

(١) سِيَر أعلام النبلاء : ١٦/٨٨ .

(٢) قد بحثنا ذلك في رسالتنا : ( حكم الأرجل في الوضوء ) وهو من البحوث المنشورة عن مؤتمر ألفيّة الشيخ المفيد (رحمه‌الله ) في قم المقدّسة ، سنة ١٤١٣ .

(٣) سِيَر أعلام النبلاء : ١٣/٥٣٨ .

(٤) سِيَر أعلام النبلاء : ١٤/٢٨٤ .


ابن حسن بن أبي حمزة البلخي ثمّ النيسابوري ) فذكر مشايخه ومَن حدّث عنه وهم أكابر المحدّثين الحفّاظ ، ثمّ قال :

( لكنّه مطعون فيه قال الإسماعيلي : كان مستهتراً بالشرب )(١) .

وبترجمة عبد الله بن محمّد بن الشرقي : ( ذكر الحاكم أنّه رآه قال : ولم يدَعِ الشرب إلى أن مات ، فنقموا عليه ذلك ، وكان أخوه لا يرى لهم السّماع منه لذلك )(٢) .

وبترجمة أبي عبيد الهروي : ( قال ابن خلّكان قيل : إنّه كان يحبّ البِذلة ، ويتناول في الخلوة ، ويعاشر أهل الأدب في مجالس اللذّة والطرب )(٣) .

وبترجمة الزوزني ، وهو : ( الشيخ المسند الكبير ، أبو سعد أحمد بن محمّد من مشاهير الصوفيّة ) !!

حدّث عنه : ابن عساكر والسمعاني وابن الجوزي وآخرون ، ( قال السمعاني : كان منهمكاً في الشرب ، سامحه الله وقال ابن الجوزي : ينسبونه إلى التسمّح في دينه )(٤) .

أقول :

ومثل هذه القضايا في تراجمهم كثير ، وهم حفّاظ ، أئمّة ، يقتدون بهم ...

وقد جاء بترجمة ( الإمام !! القدوة !! العابد !! الواعظ !! محمّد بن يحيى الزبيدي ، نزيل بغداد )

عن السمعاني : ( سمعت جماعةً يحكون عنه أشياء ، السكوت عنها أَوْلى

وقيل : كان يذهب إلى مذهب السالميّة ، ويقول : إنّ

ـــــــــــــــــ

(١) سِيَر أعلام النبلاء ١٤/٤٦١.

(٢) سِيَر أعلام النبلاء ١٥/٤٠.

(٣) سِيَر أعلام النبلاء ١٧/١٤٧.

(٤) سِيَر أعلام النبلاء ٢٠/٥٧.


الشارب والزاني لا يُلام ؛ لأنّه يفعل بقضاء الله وقدره )(١) .

فهذا مذهب القوم ، وهذه أعمالهم ...

وجاء بترجمة ( الشيخ المعمَّر المحدّث !! ) أحمد بن الفرج الحجازي ، من مشايخ : النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهم من الأئمّة ، عن محمّد بن عوف : ( هو كذّاب !! رأيته في سوق الرستن وهو يشرب مع مُردان وهو يتقيّأ !! وأنا مشرفٌ عليه من كوّة بيتٍ كانت لي فيه تجارة ، سنة ٢١٩ )(٢) .

فاجتمع عنده : الشرب ! والكذب ! والعبث بالمردان !!

* وكان العبث بالمردان من أفعال غير واحدٍ من أعلام القوم ، فقد جاء بترجمة قاضي القضاة !! يحيى بن أكثم : ( قال فضلك الرازي : مضيت أنا وداود الأصبهاني إلى يحيى بن أكثم ، ومعنا عشرة مسائل ، فأجاب في خمسةٍ منها أحسن جواب ، ودخل غلام مليح ، فلمّا رآه اضطرب ، فلم يقدر يجيء ولا يذهب في مسألةٍ

فقال داود : قم ، اختلط الرجل )(٣) .

وبترجمة الخطيب البغدادي ، الذي أطنب وأسهب الذهبي ترجمته بعد أن وصفه بـ ( الإمام الأوحد ، العلاّمة المفتي ، الحافظ الناقد ، محدّث الوقت خاتمة الحفّاظ ) ونحو ذلك من الألقاب ، وبعد أورد كلمات الأئمّة في مدحه ، قال :

( كان سبب خروج الخطيب من دمشق إلى صُور أنّه كان يختلف إليه صبي مليح ، فتكلّم الناس في ذلك )(٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) سِيَر أعلام النبلاء : ٢٠/٣١٨ .

(٢) سِيَر أعلام النبلاء : ١٢/٥٨٥ .

(٣) سِيَر أعلام النبلاء : ١٢/١٠ .

(٤) سِيَر أعلام النبلاء : ١٨/٢٨١ .


وبترجمة ابن الأنماطي ، وهو : ( الشيخ العالم الحافظ ، المجوّد ، البارع ، مفيد الشام ، تقي الدين أبو الطاهر إسماعيل بن عبد الله ) عن ابن الحاجب :

( وكان يُنبَز بالشرّ ، سألت الحافظ الضياء عنه ، فقال : حافظ ، ثقة ، مفيد ، إلاّ أنّه كثير الدعابة مع المُرد )(١) .

وجاء بترجمة الحافظ أبي بكر أحمد بن إسحاق الصِبغي : ( قال الحاكم : وسمعت أبا بكر ابن إسحاق يقول : خرجنا من مجلس إبراهيم الحربي ومعنا رجل كثير المجون ، فرأى أمرد ، فتقدّم فقال : السلام عليك ، وصافحه وقبَّل عينيه وخدّه ، ثمّ قال: حدّثنا الدَبَري بصنعاء بإسناده ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا أحبّ أحدكم أخاه فليعلّمه

فقلت له : ألا تستحي ؟! تلوط وتكذب في الحديث !! يعني : أنّه ركّب إسناداً للمتن )(٢) .

هذا ، ولا اُريد أنْ أُطيل في هذا المقام ، وفي كتابنا ( الانتقاء من سِيَر أعلام النبلاء ) من هذا القبيل كثير عن الصحابة والتابعين وكبار الرجال وبعضه عجيبٌ وغريبٌ !

كانت تلك دراسة مقارنة موجزة عن أهمّ العلوم ـ وهي العقائد والفقه والتفسير والحديث ـ عند الشيعة الإماميّة ، ولمحة عن تراجم علماء هذه الطائفة في العلوم المذكورة وموقف الرّجاليين من أهل السنّة منهم ، ولمحة عن تراجم علماء السنّة ، حسبما ذكروا بتراجمهم في أشهر كتبهم ...

وقد تبيّن أنّ الإهمال ، أو الاختصار في الترجمة مع الطعن في المذهب ، من جملة أساليب الخصوم في المحاربة مع هذا المذهب وأعلامه .

ـــــــــــــــــ

(١) سِيَر أعلام النبلاء : ٢٢ / ١٧٤ .

(٢) سِيَر أعلام النبلاء : ١٥ / ٤٨٧ .


ولكنّهم ـ مع ذلك ـ لم يُتّهموا بموبقةٍ من الموبقات ، على خلاف ما جاء بأحوال علماء المخالفين .

فلينظر العاقل المتدبّر أنّ الإماميّة عمّن يأخذون ، وأنّ غيرهم لمن يتّبعون !

كتب الردود في المكتبة الشيعيّة

لقد واجهت هذه الطائفة ـ منذ اليوم الأوّل ـ شتّى أنواع الظلم والاضطهاد ، من القتل والحبس والتشريد ، ولم تترك الحكومات ـ وأهل العلم المتعاونون مع الحكّام في كلّ دور ـ وسيلةً ، ولم تفوّت فرصةً إلاّ واستفادت منها وانتهزتها ، للقضاء على هذا المذهب وشخصيّاته ورموزه ، على مختلف الأصعدة ...

وهذه القضايا مسجّلة في كتب التّواريخ عند جميع الفرق .

فلمّا لم تجد هذه الأساليب للقضاء على التشيّع جعلوا يتّبعون الأساليب الأُخرى ، ...

فكان ترك الذكر والإهمال للعلماء والشخصيّات الشيعيّة في كتب التراجم والرجال ، أحد الأساليب وقد أوضحنا ذلك بقدر الضرورة .

ومن الطرق والأساليب في كلّ عصرٍ وفي كلّ بلدٍ من البلدان الإسلاميّة :

تأليف الكتب للتهجّم على الشيعة والتشيّع ، وقد نهجوا هذا النهج منذ القديم ، وما زال متّبعاً حتّى الآن .

تأليف الكتب للصدّ عن التشيّع

فإنّ كثيراً من الكتب التي وضعها العلماء السابقون من أهل السنّة في الردّ على الشيعة ، إنّما أُلّفت للحيلولة دون انتشار هذا المذهب ، والصدّ عن إقبال

الناس عليه ودخول الأُمم فيه ...

وهذا ما صرّح به ونصّ عليه غير واحدٍ من علماء أهل السنّة في مختلف البلاد .


في الحجاز

ففي الحجاز ـ مثلاً ـ لمّا رأى القوم كثرة الشيعة وازديادها في مكّة المكرّمة ، طلبوا من ابن حجر المكّي أن ينشر كتابه (الصواعق المحرقة ) وذلك ما نصّ عليه في ديباجته إذ قال :

( فإنّي سئلت قديماً في تأليف كتابٍ يبيّن أحقيّة خلافة الصدّيق ، وإمارة ابن الخطّاب ، فأجبت إلى ذلك ، مسارعةً في خدمة هذا الباب ، فجاء ـ بحمد الله ـ أنموذجاً لطيفاً ، ومنهاجاً شريفاً ، ومسلكاً منيفاً .

ثمّ سئلت قديماً في إقرائه في رمضان سنة ٩٥٠ بالمسجد الحرام ، لكثرة الشيعة والرافضة ونحوهما الآن بمكّة المشرّفة ، أشرف بلاد الإسلام ، فأجبت إلى ذلك ، رجاءً لهداية بعض من زلّ به قدمه عن أوضح المسالك ) .

في الهند

وفي الهند ، كذلك وخاصّةً في القرنين الثاني عشر والثالث عشر فقد نبغ بين الشيعة الإماميّة في تلك البلاد ، فقيه كبير، ومجاهد عظيم ، هو السيّد دلدار علي بن معين الدين النقوي المولود سنة ١١٦٦ والمتوفّى سنة ١٢٣٥(١) ، الذي انتشرت بفضل جهوده تعاليم المذهب الجعفري في تلك الأرجاء ، وانتظمت على يده أُمور الطائفة ، بعد أن كانوا متفرّقين ليست لهم

ـــــــــــــــــ

(١) أُنظر : أعيان الشيعة ٦ / ٤٢٥ ، هدية العارفين ٥ / ٧٧٢ .


دعوة إلى مذهبهم ، وما كانت لهم جامعة تجمعهم ، واشتغل طيلة أيّام حياته الشريفة بترويج الدين ونشر الأحكام بإقامة الشعائر وتأليف الكتب وتربية العلماء .

ولمّا وصل خبره إلى حسن رضا خان ـ من وزراء حكومة ( أوده ) في لكنهو ـ استدعاه للإقامة بلكنهو ، فهاجر إليها ، وانصرف إلى بثّ تعاليم الدين وإقامة الشعائر .

وكان العلاّمة المولى محمّد علي الكشميري الشهير بپادشاه(١) نزيل فيض آباد ، قد ألّف في تلك الأيّام رسالة في فضل صلاة الجمعة ، حثّ فيها السّلطان آصف الدولة ابن الشجاع بن صدر جنك سلطان مملكة ( أوده ) في لكنهو ، على إقامة الجمعة ، وذكر من هو أهل لإمامة الجماعة ، وهم : السيّد دلدار عليّ وتلميذاه الميرزا محمّد خليل والأمير السيّد مرتضى ، فأمر السلطان بإقامتها ، ورشّح السيّد لها

فأقامها ابتداء من ظهر اليوم الثالث عشر من رجب ـ يوم ولادة أمير المؤمنينعليه‌السلام ـ سنة ١٢٠٠ .

ثمّ أُقيمت الجمعة في السابع والعشرين منه ، يوم مبعث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكانت أوّل صلاة جماعة للشيعة تقام في تلك الديار .

ثمّ استمرّت الجماعة والخطب ، وانتشرت أندية الذكر ومجالس الوعظ ، واهتمّ السلطان لترويج الشريعة ، وتشييد الدين ، وكثر طلاّب العلم ، وأخذوا يتواردون على السيّد من كلّ صوب(٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) أعلام الشيعة ، نزهة الخواطر : ٧ / ٤٥٦ .

(٢) أعلام الشيعة ـ الكرام البررة : ٢ / ٥١٩ .


قال السيّد عبد الحيّ اللكهنوي المحقّق السنّي : ثمّ إنّه بذل جهده في إحقاق مذهبه وإبطال غيره من المذاهب ، لا سيّما الأحناف والصوفيّة والأخباريّة ، حتّى كاد يعمّ مذهبه في بلاد ( أوده ) ويتشيّع كلّ الفرق(١) .

وفي هذه الأيّام خرج للناس كتاب للمولوي شاه عبد العزيز بن شاه وليّ الله الدهلوي الحنفي ، المولود سنة ١١٥٩ ، والمتوفّى سنة ١٢٣٩ باسم (التحفة الاثني عشريّة ) في الردّ على الشيعة الإماميّة ...

قال في مقدّمة الكتاب :

( وقد سمّيت هذه الرسالة بـ (التحفة الاثني عشريّة ) ولقّبتها بـ (نصيحة المؤمنين وفضيحة الشياطين ) .

وكان السبب في تأليف هذه الرسالة وتحرير هذه المقالة ، هو :

إنّ البلاد التي نحن بها ساكنون ، وفي هذا الزّمان الذي نحن فيه ، قد راج مذهب الاثني عشريّة وشاع ، حتّى قلّ بيتٌ لم يتمذهب من أهله واحد أو اثنان بهذا المذهب ، ولم يرغب فيه ، لكنّ أكثرهم جاهلون بالتاريخ والأخبار ) .

فألّف علماء الشيعة في تلك الديار الردود الحاسمة على كتاب (التحفة ) وأشهرها كتاب (عبقات الأنوار في إمامة الأئمّة الأطهار ) الذي سنتحدّث عنه فيما بعد باختصار .

في العراق

وفي العراق كذلك فقد نشر محمود شكري الآلوسي البغدادي مختصر ترجمة (التحفة الاثني عشريّة ) إلى العربيّة في سنة ١٣٠١ ـ أي قبل

ـــــــــــــــــ

(١) نزهة الخواطر : ٧ / ١٦٧ .


وفاة السيّد صاحب (عبقات الأنوار ) في الردّ على (التحفة ) بخمس سنوات ـ وقد ذكر في مقدّمة الكتاب ما نصّه :

( وبعد ، فيقول المفتقر إلى الله ، الملتجئ إلى ركن فضله وعلاه ، خادم العلوم الدينيّة في مدينة دار السلام المحميّة ، محمود شكري ابن السيّد عبد الله الحسيني الآلوسي البغدادي ، كان الله تعالى له خير معين وأحسن هادي :

إنّ علماء الشيعة لم يزالوا قائمين على ساق المناظرة ، واقفين في ميادين المنافرة والمكابرة ، مع كلّ قليل البضاعة ، ممّن ينتمي إلى مذاهب أهل السنّة والجماعة ، لاسيّما في الديار العراقيّة وما والاها من ممالك الدولة العليّة العثمانيّة ، حتّى اغترّ بشبههم من الجهلة الأُلوف ، وانقاد لزمام دعواهم ممّن لم يكن له على معرفة الحقّ وقوف ، فلمّا رأيت الأمر اتّسع خرقه والشرّ تعدّدت طرقه ، شمّرت عن ساعد الجدّ والاجتهاد في الذبّ عن ملك ذوي الرشاد ، ورأيت أن أُؤلّف في هذا الباب كتاباً مشتملاً على فصل الخطاب به يتميّز القشر عن اللباب ويتبيّن الخطأ من الصواب .

وقد ألّف العالم العلاّمة والنحرير الفهّامة الشيخ غلام محمّد أسلمي الهندي ، تغمّده الله تعالى بغفرانه الأبدي ، ترجمة (التحفة الاثنى عشريّة في الردّ على فرق الشيعة الإماميّة ) ، فوجدته كتاباً انكشفت شبه المناظرين بأنوار دلائله ، واندفعت شكوك المعاندين بمسلَّم براهينه فحداني التوفيق الإلهي إلى تلخيص ذلك الكتاب ، وهداني التأييد الرباني إلى إبراز غواني معانيه بأبهى لباب ، مع ضمّ ما يؤدّي إليه المقام ممّا أفاده العلماء الأعلام ، بعبارات سهلة موجزة مشتملة ينتفع بها الخاص والعام ويتلقّاها بالقبول ذوو الإنصاف من الأنام .

ولمّا يسّر الله تعالى ما طلبته ، وأجابني فيما رجوته ودعوته ، سمّيت الكتاب (المنحة الإلهيّة بتلخيص ترجمة التحفة الإثنى عشريّة ) .

وقدّمته لأعتاب خليفة الله في أرضه ونائب رسوله ألا وهو أمير المؤمنين الواجب طاعته على الخلق أجمعين ، سلطان البرّين وخاقان البحرين ، السلطان ابن السلطان ، السلطان الغازي عبد الحميد خان ) .


منتهى الكلام للفيض آبادي

وكتاب (منتهى الكلام ) تأليف المولوي حيدر علي الفيض آبادي ، من هذا القبيل ...

فقد ألّف الشيخ سبحان علي خان ، من علماء الشّيعة في الهند ، المتوفّى سنة ١٢٦٤ ، رسالةً في حديث الحوض ، قال صاحب (كشف الحجب والأستار ) :

( رسالة في حديث الحوض ، لسبحان علي خان ، رفع الله درجته في فراديس الجنان ، ذكر فيها انطباق حديث الحوض على الخلفاء الثلاثة والتابعين لهم ، صنّفها سنة ١٢٥٢ .

لقد أحسن وأجاد وأحرق ببيانه قلوب أهل العناد )(١) .

ولهذا الشيخ كتب ورسائل أُخرى منها :

رسالة في فضائح البخاري وصحيحه(٢) .

رسالة في حديث الثقلين(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) كشف الحجب والأستار : ٢٥٨ / ١٣٦٣ .

(٢) كشف الحجب والأستار : ٢٧٦ / ١٤٧٨ .

(٣) كشف الحجب والأستار : ٢٥٧ / ١٣٦٢ .


رسالة في حديث الإثرة ، ذكر فيها حديث الإثرة على الخلفاء الثلاثة(١) .

رسالة في لزوم أفضليّة أولاد الشيخين من أولاد فاطمةعليها‌السلام على قواعد أهل السنّة أسماها بـ (لطافة المقال )(٢) .

فردّ عليه رشيد الدين الدهلوي ـ من تلاميذ صاحب التحفة الإثني عشريّة ـ بكتاب أسماه (إيضاح لطافة المقال )(٣) .

فردّ عليه الشيخ سبحان علي خان بكتاب (فذلكة الكلام )(٤) .

كما ردّ عليه الشيخ حسين علي خان المتوفّى سنة بضع وأربعين ومائتين بعد الألف(٥) .

هذا ، وقد ترجم صاحب (نزهة الخواطر ) الشيخ سبحان علي خان ، ووصفه بـ (الأمير الفاضل ) قال : ( وكان مع اشتغاله بمهمّات الأُمور يشتغل بالبحث والتنقير والمناظرة بأهل السنّة والجماعة ، وبالشيعة الأُصوليّة ، وله مصنّفات عديدة ، منها : الباقيات الصالحات ، ومنها :شمس الضحى ) وأرّخ وفاته بسنة ١٢٦٤(٦) .

لكنّ صاحب (كشف الحجب ) وصفه بألقاب جليلة وصفاتٍ ضخمة ، مثل :

( قدوة الأعيان وأُسوة الأقران ، راقم آثار الشرف على صحائف الإحسان ،

ـــــــــــــــــ

(١) كشف الحجب والأستار : ٢٥٧ / ١٣٦١ .

(٢) كشف الحجب والأستار : ٤٧٩ / ٢٧٠١ .

(٣) كشف الحجب والأستار : ٤٧٩ / ضمن ٢٧٠١ .

(٤) كشف الحجب والأستار : ٣٩٧ / ٢٢٩٦ .

(٥) كشف الحجب والأستار : ٥٣٤ / ٢٩٩٩ وسمّاه بـ ( معتمد الكلام ) .

(٦) نزهة الخواطر ـ تراجم كبار علماء الهند ٧ / ١٩٥ .


جامع أطوار الرعاية بين طوائف الإنسان ، عين الإنسان ، علاّمة الدوران ، فريد الدهر والأوان ) .

( صدر الزمان ، قدوة الأعيان ، شرف أبناء الزمان بالتزام الفضل والإحسان ، علاّمة الدوران ، مليح البيان ، فصيح اللّسان ) .

( علاّمة الزمان وأُعجوبة الدوران ، فصيح البيان ، مليح اللّسان ، المزري لطائف منشآته على أزهار الربيع وأنوار البديع ، ذي العز المنيع والفخر الرفيع )(١) .

وعلى الجملة ، فقد ألّف الشيخ سبحان علي خان رسالته في حديث الحوض ، وأثبت انطباقه على المشايخ ، على أساس أحاديث القوم في أصحّ كتبهم ككتاب البخاري وغيره.

فلمّا وقف الشيخ المولوي الفيض آبادي المتوفّى سنة ١٢٩٩ على رسالة حديث الحوض ، ألّف في الردّ عليها كتاب (منتهى الكلام ) بطلبٍ من بعض أصدقائه ، الذي ضاق صدره من ( رواج التشيّع المحدَث !! ) في بلاد الهند كما قال وهذه ترجمة كلامه في المقدّمة باختصار :

( بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد الله الذي وفّقنا لمنتهى الكلام مع الخصام وتمييز الحق من الباطل كالنور من الظلم ، وكرّمنا بتنبيهات أهل الخوض لاعتراضهم على حديث الحوض ، بتقرير اللّسان وتحرير القلم ، والصّلاة والسلام على عباده الذين اصطفى ، سيّما من خصّ بالشفاعة العظمى يجري على لسانه ينابيع الحكم ، وعلى آله وخلفائه الأربعة المتـناسبة يشربون من السلسبيل ولن يسمعوا حسيس جهنّم ، فبعداً وسحقاً لمن لم يزالوا

ـــــــــــــــــ

(١) كشف الحجب والأستار : ٥٩٩ ، ٢٥٧ ، ١٦١ ـ ١٦٢ .


مرتدّين عنهم من أهل الإبدال ، يؤخذ بهم ذات اليمين وذات الشمال ، يختلجون دون الأدبار فلا تدري أن يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم .

أمّا بعد ، فيقول أقلّ الخليقة عديم الإدراك وذميم الأخلاق حيدر علي الفيض آبادي ، أعطاه الله تعالى في الدنيا النفس اللّوامة وتجاوز عن جرائمه يوم القيامة ، وبصّره بعيوب نفسه وجعل غده خيراً من أمسه ، ابن صفوة الحفّاظ والعابدين الشيخ محمّد حسن ، ابن قدوة العارفين الشيخ محمّد ذاكر، ابن أُسوة الواصلين الشيخ عبد القادر الدهلوي ، ألطفهم الله سبحانه بالإعادة وأكرمهم بالحسنى وزيادة :

إنّ أحد الأصدقاء الأحباب ، الذي طالما تألّم ليلاً ونهاراً ممّا آل إليه أمر الدين ، وضاق صدره وارتعد قلبه واحترق كبده من رواج التشيّع المحدَث ، قد تمكّن من الحصول على رسالةٍ ـ لإمام المتشيّعين ، نظام المتكلّمين ، البحر المحيط للفهم والفطانة ، والنهر العميق للفصاحة والبلاغة ، رئيس العلماء الكبار سبحان علي خان ، جنّبه الله تعالى عن فساد اعتقاداته وبصّره الله ببطلان خيالاته وهفواته ، ألّفها بسنة سبع وأربعين ومائتين وألف من الهجرة النبويّة ، في حديث أُصيحابي ـ بواسطة بعض المؤمنين ، وأطلعني عليها ، وألحّ عليّ بأن أكتب ردّاً لها ، فعزمت على إنجاح مرامه عوناً لأهل الحق والإنصاف ، وصوناً لعقائدهم عن الزيغ والإعتساف ...

ولمّا كان هذا الكتاب ، بحيث يقول كلّ من وقف عليه ـ موافقاً كان أو مخالفاً ـ إنّه قد بلغ النهاية القصوى في البحث ، فقد سمّيته بـ (منتهى الكلام ) ، ولمّا كان كلّ ورقةٍ من أوراقه مشتملاً على تنبيه ، تعريضاً للمخالفين المعترضين على حديث الحوض ، الذين صدق عليهم قوله تعالى( وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضينَ ) فقد لقّبته بـ (تنبيهات أهل الخوض لاعتراضهم على حديث الحوض ) .

ثمّ إنّه ذكر ثمان مقدّمات ، فقال في المقدّمة الثامنة :

( إنّه لمّا كان دأبي في المناظرة مع الشيعة ، بعد التحقيق في الموضوع وإلزامهم بالحجّة ، هو قلب تقريراتهم في الاستدلال ، فقد خصصت المسلك الثاني ـ بعد الفراغ من الأوّل ـ لهذا الغرض ، وفصلت في هذا المسلك بين كلامي وكلام المؤلّف بخطوطٍ لئلاّ يقع الخلط ، وجعلت بعض مطالب المؤلّف الخارجة عن الموضوع في الخاتمة .


فجاء الكتاب مشتملاً على خاتمةٍ ومسلكين ، أحدهما جوابي والآخر انقلابي ) .

هذا ، وقد تعرّض في المسلك الأوّل ـ الجوابي ـ لمسائل مهمّة ، كقضيّة صلاة أبي بكر بالناس بأمر من النبي في مرضهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ فيما يروون ـ وكونه معه في الغار ليلة الهجرة ، وقضيّة تزوّج عمر بن الخطّاب بأُمّ كلثوم بنت أمير المؤمنينعليه‌السلام ـ برضاً منه كما يزعمون ـ وكان مقصوده من الأوليين إثبات فضيلة لأبي بكر ، ومن الثالثة إنكار هجوم عمر على بيت الزهراء الطاهرةعليها‌السلام ودفع الطعن عليه ، ونفي الخصومة بينه وبين الإمامعليه‌السلام .

أقول :

ولكنّي قد أثبتُّ في رسالةٍ مفردةٍ مطبوعة : أنّ صلاة أبي بكرٍ تلك لم تكن بأمرٍ من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل إنّه لمّا علم بذلك خرج معتمداً على الإمام علي ورجلٍ آخر ، ورجلاه تخطّان في الأرض ، وصلّى بالناس وتنحّى أبوبكر فلا فضيلة له في تلك القضيّة إنْ لم يكن العكس .

وأثبتُّ في رسالةٍ أُخرى مطبوعة : أنّ كلّ ما رواه القوم في كتبهم في زواج عمر بأُمّ كلثوم لا أساس له من الصحّة ، وأمّا ما جاء في رواية أصحابنا ـ بناءً على الأخذ به ـ فلا فائدة في الاستدلال به للخصم ، بل يدلّ على عكس المدّعى .

وأمّا قصّة الغار ، فالرسائل المؤلّفة فيها من قبل علمائنا متعدّدة ، فقد كتب فيها السيّد الشهيد التستري ، صاحب كتاب (إحقاق الحق ) والسيّد مير حامد حسين صاحب (استقصاء الإفحام ) و (عبقات الأنوار ) وكذا غيرهما من علماء الشيعة الكبار في بلاد الهند وغيرها وإنّه ليكفي في هذه القضيّة أن نقول :

إنّه قد كان في ليلة الهجرة واقعتان ، نزلت في كلّ منهما آية ،

إحداهما : مبيت مولانا علي أمير المؤمنين في فراش النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

والأُخرى : خروج أبي بكر معه إلى الغار


أمّا في الأُولى فنزلت الآية( وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ ) (١) .

وأمّا في الثانية فنزلت الآية( ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَتَحْزَنْ إِنّ اللّهَ مَعَنَا ) (٢) .

أمّا عن عليعليه‌السلام ، فأخبر الله عزّ وجلّ بأنّه قد (شرى نفسه ) ابتغاء مرضات الله ، وأمّا عن أبي بكر فأخبر عن حزنه ونهي النبي إيّاه فكم فرق بين الحالين ؟ ولذا ورد مباهاة الله سبحانه بفعل عليّ في رواية الفريقين(٣) .

أمّا في المسلك الثاني ـ الانقلابي ـ فقد حاول الفيض آبادي التهجّم على الشيعة الاثنى عشريّة في بعض عقائدها ، والطعن في بعض كتبها ، والكذب على بعض علمائها .

فتعرّض لمسألة ولادة الإمام المهدي ابن الحسن العسكريعليهما‌السلام ، ولمسألة البداء ، ونسب إلى الشيعة القول بنقصان القرآن الكريم وإلى السيّد المرتضى علم الهدى إنكار الميثاق ...

وحاول الطعن في تفسير علي بن إبراهيم القمّي ، والتكلّم في كتاب سليم بن قيس الهلالي ...

وهكذا في مسائل أُخرى ...

ـــــــــــــــــ

(١) سورة البقرة ٢ : ٢٠٧ .

(٢) سورة التوبة ٩ : ٤٠ .

(٣) الأمالي للشيخ الطوسي : ٤٦٩ / ضمن الحديث ١٠٣١ تفسير الثعلبي ٢ : ١٢٥ ـ ١٢٦ ، أُسد الغابة : ٤ / ٢٥ تفسير الرازي : ٣ / ٢٢٢ والآية في سورة البقرة : ٢٠٧ .


ترجمة الفيض آبادي

وقد أثنى صاحب كتاب (نزهة الخواطر ) على الفيض آبادي ، ووصفه بألقابٍ ضخمة ، وذكر كتابه (منتهى الكلام ) في أوّل مؤلّفاته ، وهذا نصّ عبارته :

( مولانا حيدر علي الفيض آبادي ، الشيخ العالم الكبير العلاّمة ، حيدر علي بن محمّد حسن بن محمّد ذاكر بن عبد القادر ، الدهلوي ، الفيض آبادي ،أوحد المتكلّمين والنظار.

ولد ونشأ بفيض آباد ، وقرأ العلم على مرزا فتح علي والسيّد نجف علي

والحكيم مير نوّاب ، كلّهم كانوا من علماء الشيعة بفيض آباد

ثمّ سافر إلى دهلي وأخذ عن الشيخ رشيد الدين والشيخ رفيع الدين ، واستفاض عن الشيخ عبد العزيز بن وليّ الله الدهلوي أيضاً ، ولازمه زماناً ، حتّى برع في كثير من العلوم والفنون ، ثمّ قدم لكهنو وأقام بها مدّةً طويلة وجدّ في البحث والاشتغال ، وأقبل على الجدل والكلام ، فصار أوحد زمانه ، أقرّ بفضله الموافق والمخالف ، ثمّ سار إلى بهوپال وأقام بها مدّةً، ثمّ سار إلى حيدر آباد ، فولاّه نوّاب مختار الملك العدل والقضاء ، فاستقلّ به مدّة حياته مع اشتغاله بالتصنيف والتأليف .

ومن مصنّفاته : منتهى الكلام ، في مجلّدٍ كبير ، وإزالة الغين عن بصارة العين ، في ثلاث مجلّدات ، ونضارة العينين عن شهادة الحسنين ، وكاشف اللثام عن تدليس المجتهد القمقام ، والداهية الحاطمة على من أخرج من أهل البيت فاطمة ، ورؤية الثعاليب والغرابيب في إنشاء المكاتيب ، وكتابه في إثبات البيعة المرتضويّة ، وكتابه في إثبات ازدواج عمر بن الخطّاب بسيّدتنا أُم كلثوم بنت علي المرتضى ، وله تكملة فتح العزيز ، في مجلّدات كبار ، صنّفها بأمر نوّاب سكندر بيكم ملكة بهوپال .

مات سنة ١٢٩٩ )(١) .

وذكره خير الدين الزركلي في (الأعلام ) فقال :

( حيدر علي بن محمّد الفيض آبادي متكلّم هندي ، من فقهاء الحنفيّة ، له تصانيف ، منها : إزالة الغين ط تكملة لتفسير العزيزي ، ومنتهى الكلام في

ـــــــــــــــــ

(١) نزهة الخواطر : ٧/١٥٦ أعيان القرن ١٣ برقم ٢٧٤ .


الردّ على الشيعة ، قال صاحب الهدية : مجلّدان ضخمان )(١) .

وقال عمر كحّالة :

( حيدر علي بن محمّد الفيض آبادي الهندي الحنفي ، متكلّم فقيه من آثاره : منتهى الكلام في الردّ على الشيعة ، في مجلّدين ضخمين ، فرغ منه سنة ١٢٥٠ )(٢) .

وكذلك في ( هديّة العارفين ١ / ٣٤٢ ) .

استقصاء الإفحام للسيّد حامد حسين

وهذا الكتاب عنوانه الكامل (استقصاء الإفحام واستيفاء الإنتقام في نقض منتهى الكلام ).

وكأنّ المؤلّف قد وضع عليه هذا الاسم ليشير إلى أنّ للبحث فيه جهتين ، وأنّ له من تأليفه غرضين :

أحدهما : دفع الشبه والاعتراضات عن جملةٍ من العقائد ، وردّ التُّهم عن بعض الأعلام ، والتكلّم على بعض الكتب المعروفة عند الإماميّة .

وعنوان (استقصاء الإفحام ) ناظر إلى هذه الجهة .

والثاني : التحقيق عن موقع العلوم الإسلاميّة من علم العقائد والتفسير والحديث والفقه وعن حال مؤسّسيها ، عند أهل السنّة ، وبيان حال علمائهم وأشهر كتبهم المعتمدة في هذه العلوم .

وعنوان (استيفاء الانتقام ) ناظر إلى هذه الجهة .

ـــــــــــــــــ

(١) الأعلام : ٢ / ٢٩٠ .

(٢) معجم المؤلّفين : ٤ / ٩٢ .


وبتعبير آخر ، فإنّ هذا الكتاب قد أُلّف نقضاً لكتاب (منتهى الكلام ) في كلا مسلكيه ، الجوابي والإنقلابي ، حسب تعبير الفيض آبادي .

إلاّ أنّ مؤلّفه العلاّمة الفذ الأجلّ ، قد قدّم المسلك الثاني على الأوّل ، وقد ذكر السبب في ذلك بقوله :

( وقد كنت كتبت من النقض على مقامات شتّى من المسلك الأوّل لهذا الكتاب ، ما فيه نفع لأوام أُولي الألباب وشفاء للأسقام والأوصاب ، وغنية بإظهار الصواب ونضو الحجاب ، وكنت لإتمامه وإنجازه صامداً ، ولتبييضه وإبرازه قاصداً .

ولكنْ ألفيت رغبات الناس إلى تقديم المسلك الثاني وافرة ، وهممهم عن الصبر والانتظار قاصرة ، وأيضاً : وجدت صاحب الكتاب ومن اقتصّ أثره وحذا حذوه ، يستصعبون نقض هذا المسلك غاية الاستصعاب ، ويزعمونه ويحسبونه بالخصوم ممتنع الجواب ، ويعدّون اجتياح جذمه من أنكر الأشياء وأعجب العجاب .

فخفت على نفسي محاجزات الدهر الكنود ، ورابئت عوائق الزمن العنود ، وأشفقت أنْ لا ابلغ إلى حمادى المقصود ، ويحال بيني وبين الإتيان عليه كملاً وأُردع عمّا أرود ، فيكون ذلك تصديقاً لظنونهم الخاسرة وتأييداً لما يلعج في صدورهم الواغرة .

فأشحت بوجهي عن التوجّه إلى المسلك الأوّل لعناني ثانياً ، وقمت ـ بعون الله ـ لنقض المسلك الثاني نصرةً لدينه غير متعتع ولا وانياً ، ثمّ إذا وفّق الله لاستيعاب جواب هذا المسلك وإتمامه وإبراز أثماره من أكمامه ، سأنثني ـ إنْ شاء الله ـ إلى إتمام نقض المسلك الأوّل وهدم جدرانه ، ورضّ أركانه وهصر فنونه وأغصانه ، وعضب عروقه وأفنانه .

وإنْ حيل بيني وبين هذا المراد ، واقتطعت عن هذه البغية وضربت دونها الأسداد ، فليستدل الناظر بما في هذا المسلك الآخر من غرائب البوادر على حقيقة ما في الأوّل من الوهن الظاهر ، فإنّ الغرفة تـنبئ عن الغدير ، والقزير يدلّ على الغزير ، وأثر القدم على المسير ، فكيف لا يدلّ هذا التحرير والتقرير الكثير على سقوط ما في المسلك الأوّل من إفادات المخاطب النحرير ؟ ) .


فهرس موضوعات استقصاء الإفحام

وقد خرج من المسلك الثاني مجلّدان .

* وبحوث المجلّد الأوّل هي :

مبحث تحريف القرآن

مبحث البداء

مبحث التجسيم

مطاعن أبي حنيفة

مبحث القياس والاستحسان

كلام في مسألة الميثاق

كلام في مسألة الصور

كلام في ردّ الشمس وشقّ القمر

مسألة العبث في الصّلاة

حول كتاب سليم بن قيس الهلالي

مبحث إسلام آباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

كلام حول نسب عمرو بن العاص

كلام حول حكم ولد الزنا وأنّه يدخل الجنّة أولا ؟

من قبائح مذهب الأشاعرة

الكلام في الصحاح الستّة وأصحابها

الكلام في مالك والشافعي

* وأمّا المجلّد الثاني، فبحوثه هي :

الدفاع عن تفسير علي بن إبراهيم القمّي

الكلام في التفسير والمفسّرين عند القوم ، ابتداءً بالصّحابة ثمّ التابعين ثمّ من بعدهم


على ضوء كتبهم ، فأورد هنا دراسات جليلة عن الأعلام الأئمّة في التفسير عند أهل السنّة ، وهم :

عبد الله بن مسعود

أبو موسى الأشعري

عبد الله بن الزبير

أنس بن مالك

أبو هريرة

عبد الله بن عمرو بن العاص

مجاهد

عكرمة

الحسن البصري

عطاء

أبو العالية

الضحّاك

قتادة

زيد بن أسلم

مرّة بن شراحيل

سفيان بن عيينة

عبد الرزاق

وجماعة غيرهم... إلى الفخر الرازي .

ثمّ تعرّض للتحقيق عن حديث الحوض ومفاده ، وما ورد عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام في الصحابة .


ترجمة السيّد مير حامد حسين

نسبه

وهو : السيّد حامد حسين ، ابن السيّد محمّد قلي ، ابن السيّد محمّد حسين المعروف بالسيّد الله كرم ، ابن السيّد حامد حسين ، ابن السيّد زين العابدين ، ابن السيّد محمّد المعروف بالسيّد البولاقي ، ابن السيّد محمّد المعروف بالسيّد مدا ، ابن السيّد حسين المعروف بالسيّد ميئهر ، ابن السيّد جعفر ، ابن السيّد علي ، ابن السيّد كبير الدين ، ابن السيّد شمس الدين ، ابن السيّد جمال الدين ، ابن السيّد شهاب الدين أبي المظفّر حسين الملقّب بسيّد السادات المعروف بالسيّد علاء الدين أعلى بزرك ، ابن السيّد محمّد المعروف بالسيّد عزّ الدين ، ابن السيّد شرف الدين أبي طالب المعروف بالسيّد الأشرف ، ابن السيّد محمّد الملقّب بالمهدي المعروف بالسيّد محمّد المحروق ، ابن حمزة بن علي بن أبي محمّد بن جعفر بن مهدي بن أبي طالب بن علي بن حمزة بن أبي القاسم حمزة ، ابن الإمام أبي جعفر محمّد الباقر ، ابن الإمام أبي محمّد علي زين العابدين ، ابن السبط الشهيد الإمام أبي عبد الله الحسين ابن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين(١) .

ولد في ٤ محرّم الحرام سنة ١٢٤٦ ، وتوفّي في ١٨ صفر سنة ١٣٠٦ .

ـــــــــــــــــ

(١) تكملة نجوم السماء : ٢ / ٢٥ الفضل الجلي : ٢ عن تذكرة ناصر الملّة .


أُسرته

وهو من أُسرةٍ عريقةٍ في العلم والفضيلة والجهاد ، والدّفاع عن مذهب أهل البيت الطاهرينعليهم‌السلام .

قال شيخنا الحجّة الطهراني ـرحمه‌الله ـ :

( إنّ هذا البيت الجليل من البيوت التي غمرها الله برحمته ، فقد صبّ ـ سبحانه وتعالى ـ على أعلامه المواهب ، وأمطر عليهم المؤهّلات ن وأسبل عليهم القابليّات ، وغطّاهم بالإلهام ، وأحاطهم بالتوفيق ، فقد عرفوا قدر نعم الله عليهم فلم يضيّعوها بل كرّسوا حياتهم وبذلوا جهودهم وأفنوا أعمارهم في الذبّ عن حياض الدين ، وسعوا سعياً حثيثاً في تشييد دعائم المذهب الجعفري ، فخدماتهم للشرع الشريف وتفانيهم دون إعلان كلمة الحقّ غير قابلة للحدّ والإحصاء ، ولذا وجب حقّهم على جميع الشيعة الإماميّة ممّن عرف قدر نفسه واهتمّ لدينه ومذهبه )(١) .

وقد اشتهر من أعلام هذه الأُسرة جماعة ، ونحن نكتفي منهم بترجمته وترجمة والده السيّد محمّد قلي ونجله الكبير السيّد ناصر حسين .

والده السيّد محمّد قلي

ولد السيّد محمّد قلي يوم الاثنين ، الخامس من شهر ذي القعدة ، سنة ١١٨٨ في بلدة كنتور ، وتتلمذ على الإمام الأكبر السيّد دلدار علي النقوي ، وله مصنّفات جليلة ، من أشهرها ردوده على أبوابٍ من كتاب (التحفة الإثنى عشريّة ) وأكثرها فائدةً (تشييد المطاعن )... وله (الفتوحات الحيدريّة في الردّ

ـــــــــــــــــ

(١) طبقات أعلام الشيعة ـ الكرام البررة ٢ / ١٤٨ .


على كتاب الصراط المستقيم لعبد الحيّ الدهلوي ) و (الشعلة الجوّالة في الردّ على الشوكة العمريّة ، لرشيد الدين الدهلوي ) و (الأجوبة الفاخرة في ردّ الأشاعرة ) و (نفاق الشيخين بحكم أحاديث الصحيحين ) و (تقريب الأفهام في تفسير آيات الأحكام ) وله غير ذلك .

وهذه الكتب مذكورة له في كتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة ) وبترجمته في (نزهة الخواطر ) إذ قال :

( الشيخ الفاضل المفتي محمّد قلي بن محمّد حسين بن حامد حسين بن زين العابدين الموسوي النيسابوري الشيعي الكنتوري .

أحد الأفاضل المشهورين .

ولد سنة ١١٨٨ ، وقرأ العلم على أساتذة لكهنو ، ثمّ لازم السيّد دلدار علي بن محمّد معين النقوي النصيرآبادي المجتهد(١) ، وأخذ عنه الفقه والأُصول والحديث ، ثمّ ولي الإفتاء ببلدة ميرت ، فاستقلّ مدّةً من الزمان ، وصنّف كتباً في الأُصول والكلام ...

مات لتسع خلون من محرّم سنة ستّين ومائتين وألف ، كما في تذكرةالعلماء ) (٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) هو : من أعاظم علماء الشيعة في عصره ، وكبار فحول علماء الهند ، وهو الذي نشر عقائد الشيعة هناك ، عبّر عنه الشيخ صاحب الجواهر بكلماتٍ قلّما جاءت في حقّ أحد ، من الشيخ (رحمه‌الله ) ومن غيره

قرأ في الهند ، وهاجر إلى العراق فحضر في كربلاء المقدّسة على الوحيد البهبهاني وصاحب الرياض ، والميرزا الشهرستاني ، وفي النجف الأشرف على السيّد بحر العلوم ، ثمّ سافر إلى مشهد الرضا ، فحضر هناك على الشهيد السيّد محمّد مهدي بن هداية الله الخراساني ، ثمّ رجع إلى بلاده حاملاً الإجازات والشهادات الثمينة ، وخلّف آثاراً جليلةً في الفقه والأُصول والفلسفة والكلام ، وأولاداً علماء أبرار ستأتي تراجم بعضهم ، ولد سنة ١١٦٦ ، وتوفّي سنة ١٢٣٥ ( ريحانة الأدب ٤/٢٣٠ ، أعلام الشيعة ، الترجمة رقم ٩٤٨ ) .

(٢) نزهة الخواطر : ٧/٤٧١ ـ ٤٧٢ .


أساتذته

قرأ المقدّمات ومبادئ العلوم والكلام على والده العلاّمة .

وأخذ الفقه والأصول عن السيّد حسين(١) ابن السيّد دلدار علي .

والمعقول على السيّد مرتضى(٢) ابن السيّد محمّد ابن السيّد دلدار علي .

والأدب عن المفتي السيّد محمّد عبّاس(٣) .

وكلّ هؤلاء من أعاظم الوقت ومشاهير العصر .

كلمات العلماء في حقّه

١ ـ قال الحجّة الأمين العاملي :

( كان من أكابر المتكلّمين الباحثين عن أسرار الديانة ، والذابّين عن بيضة الشريعة وحوزة الدين الحنيف ، علاّمةً نحريراً ماهراً بصناعة الكلام والجدل ،

ـــــــــــــــــ

(١) من مشاهير علماء الشيعة في الهند ، لقّب بـ ( سيّد العلماء ) نشأ على أبيه وإخوته ، بلغ رتبة الاجتهاد في سنّ الشباب ، نبغ نبوغاً باهراً ، وذاع صيته وقصده الطّلاب ، وله مصنّفات ثمينة

ولد سنة ١٢١١ ، وتوفّي سنة ١٢٧٣ ، كما في أعلام الشيعة ، الكرام البررة ، الترجمة رقم ٧٩٣ .

(٢) كان عارفاً بالعلوم العقليّة ، وتوفّي شابّاً في حياة والده ، وكان عالماً كاملاً أريباً

أمّا والده السيّد محمّد ، فكان من كبار المجتهدين ومن أعاظم المتكلّمين ، لقّب بـ ( سلطان العلماء ) ( أحسن الوديعة في تراجم علماء الشيعة ١/٤٣ ، ريحانة الأدب في المعروفين بالكنية واللّقب ، وغيرهما ) .

(٣) هو العالم الشهير ، أديب الهند الكبير ، ذكره شيخنا بترجمة السيّد حسين النقوي من الكرام البررة في أعلام القرن الثالث بعد العشرة .


محيطاً بالأخبار والآثار ، واسع الإطلاع ، كثير التتبع ، دائم المطالعة ، لم ير مثله في صناعة الكلام والإحاطة بالأخبار والآثار في عصره ، بل وقبل عصره بزمانٍ طويل ، وبعد عصره حتّى اليوم .

ولو قلنا : إنّه لم ينبغ مثله في ذلك بين الإماميّة بعد عصر المفيد والمرتضى ، لم نكن مبالغين ، يعلم ذلك من مطالعة كتاب (العبقات ) وساعده على ذلك ما في بلاده من حرّيّة الفكر والقول والتأليف والنشر ، وقد طار صيته في الشرق والغرب ، وأذعن لفضله عظماء العلماء .

وكان جامعاً لكثير من فنون العلم ، متكلّماً ، محدّثاً ، رجاليّاً ، أديباً ، قضى عمره في الدرس والتصنيف والتأليف والمطالعة )(١) .

٢ ـ وقال شيخنا الحجّة الطهراني :

( من أكابر متكلّمي الإماميّة وأعاظم علماء الشيعة المتبحّرين ، في أوليات هذا القرن ، كان كثير التتبّع ، واسع الاطّلاع والإحاطة بالآثار والأخبار والتراث الإسلامي ، بلغ في ذلك مبلغاً لم يبلغه أحدٌ من معاصريه ولا المتأخّرين عنه ، بل ولا كثير من أعلام القرون السابقة ، أفنى عمره الشريف في البحث عن أسرار الديانة ، والذبّ عن بيضة الإسلام ، وحوزة الدين الحنيف ، ولا أعهد في القرون المتأخّرة من جاهد جهاده ، وبذل في سبيل الحقائق الراهنة طارفه وتلاده ، ولم تر عين الزمان في جميع الأمصار والأعصار مضاهياً له ، في تتبّعه وكثرة اطّلاعه ودقّته وذكائه وشدّة حفظه وضبطه .

قال سيّدنا الحسن الصّدر في (التكملة ) : كان من أكابر المتكلّمين ، وأعلام علماء الدين وأساطين المناظرين ، بذل عمره في نصرة

ـــــــــــــــــ

(١) أعيان الشيعة : ٤/٣٨١ .


الدين وحماية شريعة سيّد المرسلين والأئمّة الهادين ، بتحقيقات أنيقة وتدقيقات رشيقة ، واحتجاجات برهانيّة ، وإلزامات نبويّة ، واستدلالات علويّة ، ونقوض رضويّة ، حتّى عاد الباب من (التحفة الاثنى عشريّة ) خطابات شعريّة وعبارات هنديّة تضحك منها البريّة ، ولا عجب :

فالشبل من ذاك الهِزَبر وإنّما

تلد الأُسود الضاريات أُسودا(١)

٣ ـ وقال المحقّق الشيخ محمّد علي التبريزي :

( حجّة الإسلام والمسلمين ، لسان الفقهاء والمجتهدين ، ترجمان الحكماء والمتكلّمين ، علاّمة العصر مير حامد حسين ، من ثقات وأركان علماء الإماميّة ، ووجوه وأعيان فقهاء الاثنى عشريّة ، كان جامعاً للعلوم العقليّة والنقليّة ، بل من آيات الله وحجج الفرقة المحقّة ، ومن مفاخر الشيعة بل الأُمّة الإسلاميّة ، وبالأخص ؛ فإنّه يعدّ من أسباب افتخار قرننا على سائر القرون )(٢) .

٤ ـ وقال العلاّمة المحدّث القمّي :

( السيّد الأجل العلاّمة والفاضل الورع الفهّامة ، الفقيه المتكلّم المحقّق والمفسّر المحدّث المدقّق ، حجّة الإسلام والمسلمين آية الله في العالمين ، وناشر مذهب آبائه الطاهرين ، السيف القاطع ، والركن الدافع ، والبحر الزاخر ، والسحاب الماطر ، الذي شهد بكثرة فضله العاكف والبادي ، وارتوى من بحار علمه الضمآن والصّادي :

هو البحر لا بل دون ما علمه البحر

هو البدر لابل دون طلعته البدرُ

ـــــــــــــــــ

(١) أعلام الشيعة ١/٣٤٧ بتلخيص.

(٢) ريحانة الأدب في المعروفين بالكنية واللقب ٣/٤٣٢.


هـوالـنجم لابل دونه النجم طلعة

هـو الـدرّ لابـل دون منطقه الدرُّ

هو العالم المشهور في العصر والذي

بـه بـين أرباب النُهى افتخ العصرُ

هو الكامل الأوصاف في لعلم والتقى

فـطاب بـه فـي كلّ ماقطرالذكرُ

مـحاسنه جلّت عن الحصر وازدهي

بـأوصافه نـظم الـقصائدوالـنثرُ

و بالجملة : فإنّ وجوده كان من آيات الله وحجج الشيعة الاثنى عشريّة ، ومن طالع كتابه (العبقات ) يعلم أنّه لم يصنّف على هذا المنوال في الكلام ـ لا سيّما في مبحث الإمامة ـ من صدر الإسلام حتّى الآن )(١) .

٥ ـ وقال صاحب تكملة نجوم السماء :

( آية الله في العالمين وحجّته على الجاحدين ، وارث علوم أوصياء خير البشر ، المجدّد للمذهب الجعفري على رأس المئة الثالثة عشر ، مولانا ومولى الكونين المقتفي لآثار آبائه المصطفين ، جناب السيّد حامد حسين ، أعلى الله مقامه وزاد في الخلد إكرامه .

بلغ في علوّ المرتبة وسموّ المنزلة مقاماً تقصر عقول العقلاء وألباب الألباء عن دركه ، وتعجز أَلسنة البلغاء وقرائح الفصحاء عن بيان أيسر فضائله )(٢) .

٦ ـ وقال صاحب المآثر والآثار :

( مير حامد حسين اللكهنوي ، آية من الآيات الإلهيّة ، وحجّة من حجج الشيعة الاثنى عشريّة ، جمع إلى الفقه التضلّع في علم الحديث ، والإحاطة بالأخبار والآثار وتراجم رجال الفريقين ، فكان في ذلك المتفرّد بين الإماميّة ،

ـــــــــــــــــ

(١) الفوائد الرضويّة : ٩١ ـ ٩٢ .

(٢) تكملة نجوم السماء : ٢/٢٤ .


وهو صاحب المقام المشهود ، والموقف المشهور بين المسلمين في فنّ الكلام ـ ولا سيّما مبحث الإمامة ـ ومن وقف على كتابه عبقات الأنوار عَلم أنّه لم يصنّف على منواله في الشيعة من الأوّلين والآخرين ومن الأمارات على كونه مؤيّداً من عند الله ، ظفره بكتاب الصواقع لنصر الله الكابلي الذي انتحل الدهلوي كلّه )(١) .

٧ ـ وقال صاحب أحسن الوديعة :

( لسان الفقهاء والمجتهدين ، وترجمان الحكماء والمتكلّمين ، وسند المحدّثين مولانا السيّد حامد حسين كان ـرحمه‌الله ـ من أكابر المتكلّمين الباحثين في الديانة ، والذابّين عن بيضة الشريعة وحوزة الدين الحنيف ، وقد طار صيته في الشرق والغرب ، وأذعن بفضله صناديد العجم والعرب ، وكان جامعاً لفنون العلم ، واسع الإحاطة ، كثير التتبّع ، دائم المطالعة ، محدّثاً رجاليّاً أديباً أريباً ، وقد قضى عمره الشريف في التصنيف والتأليف ، فيقال أنّه كتب بيمناه حتّى عجزت بكثرة العمل ، فأضحى يكتب باليسرى .

وله مكتبة كبيرة في لكهنو ، وحيدة في كثرة العدد من صنوف الكتب ، ولا سيّما كتب المخالفين .

وبالجملة : فهو في الديار الهنديّة سيّد المسلمين حقّاً وشيخ الإسلام صدقاً ، وأهل عصره كلّهم مذعنون لعلوّ شأنه في الدين والسّيادة وحسن الاعتقاد وكثرة الإطّلاع وسعة الباع ولزوم طريقة السلف )(٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) المآثر والآثار : ١٦٨ .

(٢) أحسن الوديعة في تراجم علماء الشيعة : ١٠٣ .


٨ ـ وقال كحّالة :

( أمير ، متكلّم ، فقيه ، أديب )(١) .

٩ ـ وقال صاحب نزهة الخواطر :

( ولد لأربع خلون من المحرّم سنة ١٢٤٦ في (ميرته ) حيث كان والده صدر الصدور ، وقرأ عليه الكتب الابتدائية المتداولة ، ومات أبوه وله ١٥ سنة من العمر ، فقرأ الأدب على المولوي بركة علي السنّي والمفتي محمّد عبّاس اللّكهنوي ، والعلوم العقليّة على السيّد مرتضى ابن المولوي سيّد محمّد ، وكتب العلوم الشرعيّة على السيّد محمّد بن دلدار علي وعلى السيّد حسين ، وكان أكثر أخذه ودراسته على الأخير ، واشتغل بعد التحصيل بترتيب مؤلّفات والده وتصحيحها ومقابلتها بالأُصول .

وبدأ بتأليف استقصاء الإفحام في الردّ على منتهى الكلام للشيخ حيدر علي الفيض آبادي ، وأكمل شوارق النصوص .

وسافر في سنة ١٢٨٢ للحج والزيارة ، واقتبس من الكتب النادرة في الحرمين ، ورجع إلى الهند وانصرف إلى المطالعة والتأليف واقتناص الكتب النادرة ، وكثير منها بخطّ مؤلّفيها من كلّ مكانٍ وبكلّ طريق ، وأنفق عليها الأموال الطائلة ، حتّى اجتمع عنده عشرة آلاف من الكتب ، منها ما جلبت من مصر والشام والبلاد البعيدة .

وكان بارعاً في الكلام والجدل ، واسِع الاطّلاع ، كثير المطالعة ، سائل القلم ، سريع التأليف ، وقد أضنى بنفسه في الكتابة والتأليف ، حتّى اعترته الأمراض الكثيرة وضعفت قواه .

ـــــــــــــــــ

(١) معجم المؤلّفين : ١/٥٢١ رقم ٣٨٩٧ .


وكان جلّ اشتغاله بالردّ على أهل السنّة ومؤلّفات علمائهم وأئمّتهم ، كالشيخ الإمام وليّ الله الدهلوي وابنه الشيخ عبد العزيز والشيخ حيدر علي الفيض آبادي وغيرهم .

ومن مؤلّفاته :استقصاء الإفحام ، في مجلّدين ضخمين ، وعبقات الأنوار ، في ثلاثين جزء ، وشوارق النصوص ، في خمسة أجزاء ، وكشف المعضلات في حلّ المشكلات ، وكتاب النجم الثاقب في مسألة الحاجب ـ في الفقه ، والدرر السنيّة في المكاتيب والمنشآت العربيّة ، وله غير ذلك من المؤلّفات .

مات في ١٨ صفر سنة ١٣٠٦ في لكهنو ، ودُفن في حسينيّة العلاّمة السيّد دلدار علي المجتهد )(١) .

المكتبة الناصريّة

ومن آثار هذه الأُسرة وخدماتهم للعلم والطائفة : المكتبة العظيمة التي خلّفتها في مدينة لكهنو ، هذه المكتبة التي كانت كتب العلاّمة السيّد محمّد قلي نواةً لها ، ثمّ ضمّ إليها نجله السيّد حامد حسين كلّ ما حصل عنده من الكتب ، ولا سيّما ما كان يفحص عنه وحصل عليه في البلاد المختلفة من أُمّهات المصادر في مختلف العلوم والفنون لأجل كتابه (عبقات الأنوار ) ، ثمّ سعى نجله السيّد ناصر حسين في تطويرها وتوسعتها فاشتهرت بالمكتبة الناصريّة .

لقد كانت في زمن السيّد حامد حسين تحتوي على ثلاثين ألف كتاب .

قال شيخنا الطهراني بترجمته :

( وللمترجم خزانة كتب جليلة وحيدة في لكهنو بل في بلاد الهند ، وهي إحدى مفاخر العالم الشيعي ، جمعت ثلاثين

ـــــــــــــــــ

(١) نزهة الخواطر : ٨/٩٩ ـ ١٠٠ .


ألف كتاب بين مخطوط ومطبوع ، من نفائس الكتب وجلائل الآثار ، ولاسيّما تصانيف أهل السنّة من المتقدّمين والمتأخّرين .

حدّثني شيخنا العلاّمة الميرزا حسن النوري أنّ المترجم كتب إليه من لكهنو يطلب منه إرسال أحد الكتب إليه ، فأجابه الأُستاذ : بأنّه من العجيب خلوّ مكتبتكم من هذا الكتاب على عظمها واحتوائها ، فأجابه المترجم : بأنّ من المتيقّن لديَّ وجود عدّة نسخ من هذا الكتاب ، ولكن التفتيش عنه والحصول عليه أمر يحتاج إلى متّسع من الوقت ، والكتاب الذي ترسله إليّ يصلني قبل وقوفي على الكتاب الذي هو في مكتبتي التي أسكنها ، انتهى .

فمن هذا يظهر عِظَم المكتبة واتّساعها .

وحدّثني بعض فضلاء الهند أنّ أحد أهل الفضل حاول تأليف فهرس لها وفشل في ذلك .

وقد أهدى إليّ بعض أجلاّء الأصدقاء صورة جانبٍ واحدٍ من جوانبها الأربع ، وهو كتب التفاسير ، وقد زرناه فأدهشنا .

وبالجملة ، فإنّ مكتبة هذا الإمام الكبير من أهمّ خزائن الكتب في الشرق )(١) .

وقال السيّد محسن الأمين :

( ومكتبته في لكهنو وحيدة في كثرة العدد من صنوف الكتب ، ولا سيّما كتب غير الشيعة ويناهز عدد كتبها الثلاثين ألفاً ، مابين مطبوعٍ ومخطوط فيما كتبه الشيخ محمّد رضا الشبيبي في مجلّة العرفان ما صورته : من أهمّ خزائن الكتب الشرقيّة في عصرنا هذا ، خزانة كتب المرحوم السيّد حامد حسين اللكهنوي ـ نسبة إلى لكهنو من بلاد الهند ـ

ـــــــــــــــــ

(١) أعلام الشيعة ، نقباء البشر ١/٣٤٨ .


صاحب كتاب (عبقات الأنوار ) الكبير في الإمامة ، من ذوي العناية بالكتاب والتوفّر على جمع الآثار ، أنفق الأموال الطائلة على نسخها ووراقتها ، وفي كتابه (عبقات الأنوار ) المطبوع في الهند ما يشهد على ذلك .

وقد اشتملت خزانة كتبه على أُلوف من المجلّدات ، فيها كثير من نفائس المخطوطات القديمة )(١) .

وفي (أحسن الوديعة ) بترجمته :

( وله مكتبة كبيرة في لكهنو وحيدة في كثرة العدد من صنوف الكتب ، ولا سيّما كتب المخالفين ) .

وجاء في (صحيفة المكتبة ) الصادرة عن مكتبة أمير المؤمنينعليه‌السلام في النجف الأشرف ، في ذكر المكتبات التي زارها العلاّمة الحجّة المجاهد صاحب الغدير في مدينة لكهنو بالهند ، ما نصّه :

(مكتبة الناصريّة العامّة ، تزدهر هذه المكتبة العامرة بين الأوساط العلميّة وحواضر الثقافة في العالم الإسلامي بنفائسها الجمّة ، ونوادرها الثمينة ، وما تحوي خزانتها من الكتب الكثيرة في العلوم العالية من الفقه وأُصوله ، والتفسير ، والحديث والكلام ، والحكمة والفلسفة ، والأخلاق ، والتاريخ ، واللّغة ، والأدب ، إلى معاجم ومجاميع وموسوعات في الجغرافيا ، والتراجم ، والرجال ، والدراية ، والرواية .

وهي نتيجة فكرة ثلاثة من أبطال العلم والدين ، جمعت يمين كلّ منهم قسماً من هذه الثروة الإسلاميّة الطائلة في حياته السعيدة ، فأسدى بها إلى أُمّة القرآن الكريم خدمةً كبيرة ، تُذكر وتُشكر مع الأبد ، ولم يكتف أولئك الفطاحل بذلك إلى أن وقف كلّ منهم ماله عليه وقفاً ، فغدت يقضي بها كلّ عالم مأربه ، ويسدّ بها كلّ ثقافي حاجته .

ـــــــــــــــــ

(١) أعيان الشيعة : ٤/٣٨١ ، بترجمة السيّد حامد حسين .


وكانت النواة لها مكتبة السيّد محمّد قلي الموسوي ثمّ حذا حذوه وضمّ كتبه إليها نجله القدوة والأُسوة السيّد حامد حسين ثمّ شفعت تلك المكتبة بمكتبة شبله السيّد ناصر حسين .

وهذه المكتبة العامرة تسمّى باسمه ، يناهز عدد كتبها اليوم ثلاثين ألفاً من المطبوع والمخطوط ، يقوم بإدارة شؤونها شقيقا الفضيلة : السيّد محمّد سعيد العبقاتي ، والزعيم المحنّك السيّد محمّد نصير العبقاتي ، وقد شيّدت لها حين كنّا في تلكم الديار بهمّتهما القعساء بناية فخمة تقع في أهدء مكان ، قد خصّصت لها الإدارة المحلّيّة لمتصرّفية لكهنو والإدارة المركزيّة للشؤون الثقافيّة للحكومة الهنديّة ، منحة ماليّة سنويّة لإدارة شؤونها ، وتسديد رواتب موظّفيها ، وهي وإن كانت جلّ ذلك فضلاً عن الكلّ ، إلاّ أنّها مساعدة تحمد عليها وتقدّر ) .

ثمّ ذكر الكاتب أسماء نفائس من هذه الخزانة ممّا وقف عليه العلاّمة الأميني وغيره.

وقال صاحب (نزهة الخواطر ) بترجمته : ( وسافر في سنة ١٢٨٢ للحج والزيارة ، واقتبس من الكتب النادرة في الحرمين ، ورجع إلى الهند وانصرف إلى المطالعة والتأليف واقتناص الكتب النادرة ، وكثير منها بخطّ مؤلّفيها ، من كلّ مكان ، وبكلّ طريق ، وأنفق عليها الأموال الطائلة ) .

تصانيفه

قال شيخنا العلاّمة الطهراني :

( وله تصانيف جليلة نافعة ، تموج بمياه التحقيق والتدقيق ، وتوقف على ما لهذا الحبر من المادّة الغزيرة ، وتعلم الناس

بأنّه بحر طامٍ لا ساحل له ) .

ومصنّفاته كثيرة ومتنوّعة ، منها :

١ ـ الذرائع في شرح الشرائع ، في الفقه .

٢ ـ العضب البتّار في مبحث آية الغار .

٣ ـ الدرر السنيّة في المكاتيب والمنشآت العربيّة .


٤ ـ إفحام أهل المين في ردّ إزالة الغين .

٥ ـ كشف المعضلات في حلّ المشكلات .

٦ ـ شوارق النصوص في مناقب اللّصوص .

٧ ـ عبقات الأنوار في إمامة الأئمّة الأطهار ، في الردّ على الباب السابع من (التحفة الاثنى عشريّة ) وهو في الإمامة .

٨ ـ استقصاء الإفحام واستيفاء الانتقام في نقض منتهى الكلام ، وهو الكتاب الذي نقدّم له وتكلّمنا حوله .

قال المحقّق التبريزي :

( وقد صرّح بعض الأكابر ببلوغ مؤلّفاته المائتين مجلّداً )(١) .

وقال الشيخ الطهراني :

( الأمر العجيب أنّه ألّف الكتب النفائس والموسوعات الكبار وهو لا يكتب إلاّ بالحبر والقرطاس الإسلاميّين ، لكثرة تقواه وتورّعه ، وأمر تحرّزه عن صنائع غير المسلمين مشهور متواتر )(٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) ريحانة الأدب : ٣/٤٣٢ .

(٢) طبقات أعلام الشيعة ـ نقباء البشر في أعلام القرن الرابع عشر : ١/٣٤٧ .


أشهر مصنّفاته :

وإنّ أشهر مصنّفاته وأهمّها وأوسعها هي الكتب الثلاثة الأخيرة ، وخاصّةً كتاب (عبقات الأنوار ) الذي لقّب به المؤلّف واشتهر بـ (صاحب العبقات ) .

وقد ألّف كتاب (شوارق النصوص ) ثمّ (العبقات ) ثمّ كتاب (استقصاء الإفحام ) .

١ ـ استقصاء الإفحام

أمّا كتاب (استقصاء الإفحام ) فقد تقدّم التعريف به ، وسنذكر فيما بعد عملنا فيه .

٢ ـ شوارق النصوص

وأمّا كتاب (شوارق النصوص ) فقد تناول فيه ما رواه القوم في كتبهم في فضل المشايخ الثلاثة بالبحث والتحقيق في السند والدلالة ، على ضوء كلمات أئمّتهم في الجرح والتعديل ، ونصوص عبارات عظمائهم في الحديث والكلام ، فأثبت سقوط تلك الأحاديث عن درجة الإعتبار ، وأنه لا يجوز الاستناد إليها والاحتجاج بها في باب من الأبواب وقد طبع هذا الكتاب في الآونة الأخيرة وهو كتاب فريد في بابه ...

٣ ـ عبقات الأنوار

وأمّا كتابه (عبقات الأنوار ) فقد قال الميرزا أبو الفضل الطهراني :

( عبقات الأنوار : تصنيف السيّد الجليل ، المحدّث العالم العامل ، نادرة الفلك وحسنة الهند ، ومفخرة لكهنو وغرّة العصر ، خاتم المتكلّمين ، المولوي الأمير حامد حسين المعاصر الهندي اللّكهنوي ( قدّس سرّه ) وضوعف برّه ، الذيأعتقد أنّه لم يصنّف مثل هذا الكتاب المبارك منذ بداية تأسيس علم الكلام حتّى الآن في مذهب الشيعة ، من حيث الإتقان في النقل ، وكثرة الإطّلاع على كلمات المخالفين ، والإحاطة بالروايات


الواردة من طرقهم في باب الفضائل فجزاه الله عن آبائه الأماجد خير جزاء ولد عن والده ، ووفّق خلفه الصالح لإتمام هذا الخير الناجح ) (١) .

وقال السيّد الأمين :

( عبقات الأنوار في إمامة الأئمّة الأطهار بالفارسيّة ، لم يكتب مثله في بابه في السلف والخلف ، وهو في الردّ على باب الإمامة من (التحفة الاثنى عشريّة ) للشاه عبد العزيز الدهلوي ، فإنّ صاحب التحفة أنكر جملةً من الأحاديث المثبتة إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فأثبت المترجم تواتر كلّ واحدٍ من تلك الأحاديث مِن كتب مَن تسمّوا بأهل السُّنّة .

وهذا الكتاب يدلّ على طول باعه وسعة اطّلاعه ، وهو في عدّة مجلّدات ، منها مجلّد في حديث الطير وقد طبعت هذه المجلّدات ببلاد الهند ، وقرأت نبذاً من أحدها فوجدت مادّةً غزيرة وبحراً طامياً ، وعلمت منه ما للمؤلّف من طول الباع وسعة الاطّلاع .

وحبّذا لو ينبري أحدٌ لتعريبها وطبعها بالعربيّة ، ولكن الهمم عند العرب خامدة )(٢) .

وقال شيخنا الحجّة الطهراني :

ـــــــــــــــــ

(١) شفاء الصدور : ٩٩ ـ ١٠٠ .

(٢) أعيان الشيعة : ٤/٣٨١ .


 ( وهو أجلّ ما كتب في هذا الباب من صدر الإسلام إلى الآن )(١) .

وقال أيضاً :

( هو من الكتب الكلاميّة التاريخيّة الرجاليّة ، أتى فيه بما لا مزيد عليه لأحدٍ من قبله )(٢) .

وقال المحدّث الكبير الشيخ القمّي ، ما تعريبه :

( لم يؤلّف مثل كتاب (العبقات ) من صدر الإسلام حتّى يومنا الحاضر ، ولا يكون ذلك لأحدٍ إلاّ بتوفيقٍ وتأييدٍ من الله تعالى ورعايةٍ من الحجّةعليه‌السلام (٣) .

وقال المحقّق الشيخ محمّد علي التبريزي ، ما تعريبه :

( ويظهر لمن راجع كتاب (عبقات الأنوار ) أنّه لم يتناول أحد منذ صدر الإسلام حتّى عصرنا الحاضر علم الكلام ـ لاسيّما باب الإمامة منه ـ على هذا المنوال وظاهر لكلّ متفطّن خبير أنّ هذه الإحاطة الواسعة لا تحصل لأحدٍ إلاّ بتأييد من الله تعالى وعناية من وليّ العصر عجّل الله فرجه )(٤) .

وقال العلاّمة الحجّة المجاهد الشيخ الأميني ، في المؤلّفين في حديث الغدير :

( السيّد مير حامد حسين ابن السيّد محمّد قلي الموسوي الهندي اللّكهنوي المتوفّى سنة ١٣٠٦ عن ٦٠ سنة ، ذكر حديث الغدير وطرقه وتواتره ومفاده في مجلّدين ضخمين ، في ألف وثمان صحائف ، وهما من مجلّدات

ـــــــــــــــــ

(١) أعلام الشيعة : ١/٣٤٨ .

(٢) مصفى المقال في مصنّفي علم الرجال : ١٤٩ .

(٣) هدية الأحباب في المعروفين بالكنى والألقاب : ١٧٧ ، وانظر الفوائد الرضويّة : ٩١ ـ ٩٢ .

(٤) ريحانة الأدب في المعروفين بالكنية واللقب : ٣/٤٣٢ .


كتابه الكبير (العبقات ) .

وهذا السيّد الطاهر العظيم ـ كوالده المقدّس ـ سيف من سيوف الله المشهورة على أعدائه ، وراية ظفر الحقّ والدين ، وآية كبرى من آيات الله سبحانه ، قد أتمّ به الحجّة وأوضح المحجّة .

وأمّا كتابه (العبقات ) فقد فاح أريجه بين لابتي العالم ، وطبّق حديثه المشرق والمغرب ، وقد عرف من وقف عليه أنّه ذلك الكتاب المعجز المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

وقد استفدنا كثيراً من علومه المودعة في هذا السفر القيّم ، فله ولوالده الطاهر منّا الشكر المتواصل ، ومن الله تعالى لهما أجزل الأُجور )(١) .

أقول :

والحمد لله الذي وفّقني لتأليف كتاب (نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار ) وإخراجه للناس في ٢٠ مجلّداً ، فمجلّد في سبع آيات وهي : آية الولاية ، وآية التطهير ، وآية المودّة ، وآية المباهلة ، وآية الإنذار ، والآية : وقفوهم إنهم مسؤولون ، والآية : السّابقون السّابقون .

وتسعة عشر مجلّداً في الأحاديث ، وهي : حديث الغدير ، وحديث المنزلة ، وحديث الطير ، وحديث مدينة العلم ، وحديث النور ، وحديث السفينة ، وحديث التشبيه ، وحديث الثقلين .

التقاريظ على كتبه

ولمّا وصلت كتب السيّد مير حامد حسين إلى الأقطار الإسلاميّة

ــــــــــــــ

(١) الغدير في الكتاب والسنّة والأدب : ١/١٥٦ .


والعواصم العلميّة فيها ، كالنجف الأشرف ، واطّلع عليها كبار الفقهاء ، ووقف عليها رجالات الحديث والكلام والعلماء الأعلام في سائر العلوم ، أكبروها غاية الإكبار ، وأثنوا عليها وعلى مؤلّفها العظيم الثناء البالغ الجليل ، وأرسلوا إلى السيّد المؤلّف ونجله رسائل التقريظ والتبجيل ، شاكرين الله تعالى على هذه النعم ومعبّرين عن غاية سرورهم واعتزازهم بهذه الموهبة .

وقد جمعت نصوص تلك التقاريظ في كتاب سمّي بـ (سواطع الأنوار في تقاريظ عبقات الأنوار ) ، ونحن نكتفي بذكر نصوص بعضها :

ـ ١ ـ

تقريظ سيّد الطائفة في عصره المجدّد السيّد الميرزا الشيرازي(١)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أبدع بقدرته على وفق إرادته فطرة الخليقة ، وكلاًّ بحسب قابليّته ما يليق به من صبغة الحقيقة ، فعلّم آدم الأسماء ، واصطفى أكابر ذرّيّته وخلّص صفوته للبحث عن حقائق الأشياء ، والاطّلاع على ما في بطون الأنبياء ، فألهمهم علوم حقائقه ، وأعلمهم نوادر دقائقه ، وجعلهم مواضع ودائع أسراره ، وطالع طوالع أنواره ، فاستنبطوا وأفادوا ، واستوضحوا وأجادوا ، والصلاة

ـــــــــــــــــ

(١) هو السيّد الميرزا محمّد حسن الشيرازي النجفي ، أعظم علماء عصره وأشهرهم ، وأعلى مراجع الإماميّة في الأقطار الإسلاميّة في زمانه ، حضر على الشيخ محمّد تقي صاحب حاشية ( المعالم ) والسيّد حسن المدرّس ، والشيخ محمّد إبراهيم الكلباسي في أصفهان ، وفي النجف الأشرف على الشيخ صاحب ( الجواهر ) ، والشيخ الأنصاري ، والشيخ حسن آل كاشف الغطاء ، وكان أيّام زعامته مقيماً في سامراء المشرّفة ، وقصّة ( التنباك ) وفتواه بتحريمه مشهورة .

ولد سنة ١٢٣٠ وتوفّي سنة ١٣١٢ ( أعلام الشيعة )


والسلام على من حبّه خير وأبقى ، وآله الذين مَن تمسّك بهم فقد استمسك بالعروة الوثقى .

أمّا بعد : فلمّا وقفت بتأييد الله تعالى وحسن توفيقه على تصانيف ذي الفضل الغزير ، والقدر الخطير ، والفاضل النحرير ، والفائق التحرير ، والرائق التعبير ، العديم النظير ، المولوي السيّد حامد حسين ، أيّده الله في الدارين ، وطيّب بنشر الفضائل أنفاسه ، وأذكى في ظلمات الجهل من نور العلم نبراسه .

رأيت مطالب عالية ، تفوق روائح تحقيقها الغالية ، عباراتها الوافية دليل الخبرة ، وإشاراتها الشافية محلّ العبرة ، وكيف لا ؟ وهي من عيون الأفكار الصافية مخرجة ، ومن خلاصة الإخلاص منتجة ، هكذا هكذا وإلاّ فلا ، العلم نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء من الأخيار ، وفي الحقيقة أفتخر كلّ الافتخار ، ومن دوام العزم ، وكمال الحزم ، وثبات القدم ، وصرف الهمم ـ في إثبات حقّيّة أهل بيت الرسالة بأوضح مقالة ـ أغار ؛ فإنّه نعمة عظمى وموهبة كبرى ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .

أسأل الله أن يديمه لإحياء الدين ولحفظ شريعة خاتم النبيّين صلوات الله عليه وآله أجمعين .

فليس حياة الدين بالـسيف والقنا

فأقلام أهل العلم أمضى من السيفِ

والحمد لله على أنّ قلمه الشريف ماضٍ نافع ، ولألسنة أهل الخلاف حسام قاطع ، وتلك نعمة منّ الله بها عليه ، وموهبة ساقها إليه .

وإنّي وإنْ كنت أعلم أنّ الباطل فاتح فاه من الحنق ، إلاّ أنّ الذوات المقدّسة لا يبالون في إعلاء كلمة الحق ، فأين الخشب المسنّدة من الجنود المجنّدة ، وأين ظلال الضلالة من البدر الأنور ، وظلام الجهالة من الكوكب الأزهر .

أسأل الله ظهور الحق على يديه ، وتأييده من لديه ، وأن يجعله موفّقاً منصوراً مظفّراً مشكوراً ، وجزاه الله عن الإسلام خيراً والرجاء منه الدعاء مدى الأيّام ، بحسن العاقبة والختام ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

حرّره الأحقر حسن الحسيني

في ذي الحجّة الحرام سنة ١٣٠١

( الختم المبارك )


ـ ٢ ـ

تقريظ خاتمة المحدّثين الميرزا حسين النوري(١)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي خصّنا من بين الفرق بالفلج ، وأيّدنا ما دونهم بأوضح الحجج ، والصلاة على مَن اصطفاه لدين قيّم غير ذي عوج ، وعلى آله الذين نشروا لواء الحقّ ولو بسفك المهج ، وأحضوا على العلم ولو بخوض اللّجج ، عجّل الله لهم النصر والفرج ، وصلّى الله عليهم ما مدحت الثغور بالبلج ، ووصفت الحواجب بالزجج .

ـــــــــــــــــ

(١) هو إمام أئمّة الحديث والرجال في الأعصار المتأخّرة ، مؤلّفاته تربو على العشرين ، أشهرها وأهمّها ( المستدرك ) استدراك فيه على كتاب ( وسائل الشيعة ) وهو أحد المجاميع الثلاثة المتأخّرة ، في ثلاث مجلّدات كبار تشتمل على زهاء ( ٢٣٠٠٠ ) حديث ، وقد ختمها بخاتمة ذات فوائد جليلة ، وله في بعض مؤلّفاته آراء لم يوافقه عليها سائر العلماء .

ولد سنة ١٢٥٤ وتوفّي سنة ١٣٢٠ ( أعلام الشيعة )


وبعد : فإنّ العلم مشرع سلسال لكن على أرجائه ضلال ، وروض مسلوف لكن دونه قلل الجبال دونهنّ حتوف ، وإنّ من أجلّ من اقتحم موارده ، وارتاد آنسه وشارده ، وعاف في طلابه الرّاحة ، ورأى في اجتلاء أنواره مروحة وراحة ، حتّى فاز منه بالخصل ، بل وأدرك الفرع منه والأصل ؛ السّد السديد ، والركن الشديد ، سبّاح عيالم التحقيق ، سيّاح عوالم التدقيق ، خادم حديث أهل البيت ، ومن لا يشقّ غباره الأعوجي الكميت ، ولا يحكم عليه لو ولا كيت ، سائق الفضل وقائده وأمير الحديث ورائده ، ناشر ألوية الكلام ، وعامر أندية الإسلام ، منار الشيعة ، مدار الشريعة ، يافعة المتكلّمين ، وخاتمة المحدّثين ، وجه العصابة وثبتها ، وسيّد الطائفة وثقتها ، المعروف بطنطنة الفضل بين ولايتي المشرقين ، سيّدنا الأجل حامد حسين ، لا زالت الرواة تحدّث من صحاح مفاخره بالأسانيد ممّا تواتر من مستفيض فضله المسلسل كلّ معتبرٍ عال الأسانيد .

ولعمري ، لقد وفى حقّ العلم بحقّ براعته ، ونشر حديث الإسلام بصدق لسان يراعته ، وبذل من جهده في إقامة الأود ، وإبانة الرشد ما يقصر دونه العيوق ، فأنّى يدرك شأوه المسح السابح السبوق !!

فتلك كتبه قد حبت الظلام وجلت الأيّام ، وزيّنت الصدور وأخجلت المدور ، ففيها (عبقات ) أنوار اليقين و (استقصاء ) شافٍ في تقدير نزهة المؤمنين ، وظرائف طرف في إيضاح خصائص الإرشاد هي غاية المرام من مقتضب الأركان ، وعمدة وافية في إبانة نهج الحقّ لمسترشد الصراط المستقيم إلى عماد الإسلام ونهج الإيمان ، وصوارم في استيفاء إحقاق الحقّ هي مصائب النواصب ، ومنهاج كرامة كم له في إثبات الوصيّة بولاية الإنصاف من مستدرك مناقب ، ولوامع كافية لبصائر الأُنس في شرح الأخبار ، تلوح منها أنوار الملكوت ، ورياض مونقة في كفاية الخصام من أنوارها المزرية بالدرّ النظيم تفوح منها نفحات اللاهوت .

فجزاه الله عن آبائه الأماجد خير ما جزى به ولداً عن والد ، وأيّد الله أقلامه في رفع الأستار عن وجه الحقّ والصواب ، وأعلى ذكره في الدين ما شهد ببارع فضله القلم والكتاب ، وملأت بفضائله صدور المهارق وبطون الدفاتر ، ونطقت بمكارمه ألسنة الأقلام وأفواه المحابر .


آمين آمين لا أرضى بواحدةٍ

حتّى أُضيف إليها ألف آمينا

وصلّى الله على سيّدنا محمّدٍ والميامين من عترته وسلّم تسليماً .

كتب بيمناه الدائرة الخاثرة العبد المذنب المسيء حسين بن محمّد تقي النوري الطبرسي.

في ليلة الثاني عشر من شهر الصيام

في الناحية المقدّسة سرّ من رأى ـ سنة ١٣٠٣ حامداً مصلّياً

ـ ٣ ـ

تقريظ الفقيه الكبير الشيخ زين العابدين المازندراني الحائري(١)

 (... چون متدرّجاً مجلّدات كتب مؤلّفات ومصنّفات آن جناب سامىصفات ـ كه عبارت از ( استقصاء الإفحام ) و ( عبقات ) بوده باشد ـ در اين صفحات به دست علماء وفضلاى اين عتبات عرش درجات ملحوظ ومشاهد افتاد ، به أضعاف مضاعف آنچه شنيده مى شد ديده شد ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمّ فُصّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) از صفحاتش نمودار ( كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرّبُونَ ) از أوراقش پديدار ، از عناوينش ( آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الْكِتَابِ ) پيدا ، و از مضامينش ( هذا بَلاَغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذّكّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ ) هويدا ، از فصولش عالمى را تاج تشيّع و استبصار بر سر نهاده ، و از ابوابش به سوى ( جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ) بابها گشاده ، كلماتش ( وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشّيَاطِينِ ) كلامش ( أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظّالِمِينَ ) مفاهيمش ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاّ تَعْبُدُوا الشّيْطَانَ إِنّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مّبِينٌ ) مضامينش در لسان حال أعداء ( يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ) دلائلش ( هذَا بَيَانٌ لِلنّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتّقِينَ ) براهينش ( كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ ) .

ـــــــــــــــــ

(١) من كبار الفقهاء ومراجع التقليد ، درس في النجف الأشرف ثمّ انتقل إلى كربلاء المقدّسة ، واشتغل بالتدريس والتصنيف حتّى توفّي في ١٦ ذي القعدة سنة ١٣٠٩ ودُفن في الصحن الحسيني الشريف .


براى دفع يأجوج ومأجوج مخالفين دين مبين سدّى است متين ، و از جهت قلع و قمع زمره معاندين مذهب و آئين چون تيغ أمير المؤمنين ، سيمرغ سريع النقل عقل از طيران به سوى شرف اخبارش عاجز ، هماى تيزپاى خيال از وصول به سوى غرف آثارش قاصر كتبى به اين لياقت و متانت و اتقان تا الآن از بنان تحرير نحريرى سر نزده ، وتصنيفى در اثبات حقّيّت مذهب و ايقان تا اين روز ظاهر نگشته .

از (عبقاتش ) رائحه تحقيق وزان ، و از (استقصايش ) استقصا بر جميع دلائل قوم عيان ، ولله درّ مؤلّفها ومصنّفها :

( أَكَانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى‏ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النّاسَ وَبَشّرِ الّذِينَ آمَنُوا أَنّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنّ هذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ )

ولده السيّد ناصر حسين

ولد في ١٩ جمادى الثانية سنة ١٢٨٤ ، وقرأ العلوم على والده العلاّمة والمفتي محمّد عبّاس وغيرهما من الأعلام ، وله تصانيف كثيرة ومتنوّعة .

* قال السيّد محسن الأمين العاملي :

( إمام في الرجال والحديث ، واسع التتبّع ، كثير الإطّلاع ، قوي الحافظة ، لا يكاد يسأله أحد عن مطلب إلاّ ويحيله إلى مظانّه من الكتب مع الإشارة إلى عدد الصفحات ، وكان أحد الأساطين والمراجع في الهند ، وله وقار وهيبة في قلوب العامّة ، واستبداد في الرأي ومواظبة على العبادات ، وهو معروف بالأدب والعربيّة معدود من أساتذتهما وإليه يرجع في مشكلاتهما ، وخطبه مشتملة على عبارات جزلة وألفاظ مستطرفة ، وله شعر جيّد )(١) .

* وقال العلاّمة المحدّث القمّي ـ في ذيل ترجمة السيّد حامد حسين ـ ما تعريبه :

( وجناب السيّد مير ناصر حسين خلفه في جميع الملكات والآثار ، ووارث ذاك البحر الزخّار ، وهو مصداق قوله :

إنّ السريّ إذا سرى فبـــنفسه

وابن السريّ إذا سرى أسراهما

ولم يترك جهود والده تذهب سُدى ، بل اشتغل بتتميم عبقات الأنوار

ـــــــــــــــــ

(١) أعيان الشيعة : ١٠/٢٠١ .


وأخرج إلى البياض حتّى الآن عدّة مجلّدات وطبعت ، أدام الباري بركات وجوده الشريف وأعانه لنصرة الدين الحنيف )(١) .

* وقال المحقّق العلاّمة الشيخ التبريزي ما تعريبه ملخصاً :

( السيّد ناصر حسين الملّقب بـ (شمس العلماء ) كان عالماً متبحّراً ، فقيهاً أُصوليّاً ، محدّثاً رجاليّاً ، كثير التتبّع واسع الاطّلاع ، دائم المطالعة ، من أعاظم علماء الإماميّة في الهند والمرجع في الفتيا لأهالي تلك البلاد )(٢) .

* وقال المحقّق الشيخ محمّد هادي الأميني :

( إمام في الفقه والحديث والرجال والأدب )(٣) .

* وقال العلاّمة السيّد محمّد مهدي الأصفهاني :

( شمس العلماء السيّد ناصر حسين ، عارف بالرجال والحديث ، واسع التتبّع ، كثير الاطّلاع ، دائم المطالعة ، وهو أحد مراجع أهالي الهند ، ولد سلّمه الله في ١٩ جمادى الثانية ١٢٨٤ )(٤) .

* وقال العلاّمة السيّد مرتضى حسين اللاهوري:

( هذا السيّد العظيم شبلٌ من ذاك الأسد ، آية من آيات الله ، قد أتمّ به الحجّة وأوضح المحجّة ، كان فقيهاً محدّثاً رجالياً متضلّعاً ، أديباً متطلّعاً ، وخطيباً مفوّهاً عالي الهمّة ، ونبيه المنزلة ، واسع العطاء ، كريم الأخلاق ، ليّن الجانب ، ذا فكرة وقّادة ، حصيف الرأي ، مرجع الأُمور ، نافذ الأمر ، ومع أعمال المرجعيّة وأشغاله الكثيرة كان ضابطاً للأوقات ، مثابراً على التحقيق والبحث ، عاكفاً على

ـــــــــــــــــ

(١) هدية الأحباب : ١٧٧ .

(٢) ريحانة الأدب : ٤/١٤٤ ـ ١٤٥ .

(٣) معجم رجال الفكر والأدب : ٣٩٠ .

(٤) أحسن الوديعة : ١٠٤ .


التصنيف والتأليف ، حتّى في أضيق الأحوال والمرض والأسقام ، يروح ويغدو دائماً في المكتبة ويجلس طول النهار ، فكتب وأكثر وصنّف وأفاض ، فأتمّ قسماً هامّاً من تأليف عبقات الأنوار ، ونشر كتب والده ، ووسّع في المكتبة ، إلى أن صارت تلك الخزانة من أكبر خزائن الكتب للشيعة وأشهرها في العالم )(١) .

بين السيّد حامد حسين والمولوي الفيض آبادي

ولم يقتصر الردّ والإيراد بين السيّد حامد حسين والمولوي فيض آبادي على الكتابين (منتهى الكلام ) و (استقصاء الإفحام ) .

فلقد ردّ السيّد على كتاب (إزالة الغين ) للفيض آبادي ، بكتاب (إفحام أهل المين ) .

كما حاول الفيض آبادي أنْ يكتب ردّاً على كتاب (عبقات الأنوار ) ، واستعان لذلك ببعض كبار العلماء ، إلاّ أنّه قد فشل ، وهذا ما جاء في كتاب (نزهة الخواطر ) بترجمة المولوي السهسواني ، إذ قال :

( مولانا أمير حسن السهسواني ، الشيخ الفاضل العلاّمة حسن بن لياقت علي بن حافظ علي بن نور الحق ، الحسيني السهسواني ، أحد العلماء المشهورين بالفضل والكمال.

ولد سنة ١٢٤٧ ببلدة سهسوان ، قرأ بعض الكتب الدرسيّة فدرّس وأفاد مدّةً من الزمان وكان غايةً في سرعة الحفظ وقوّة الإدراك والفهم وبطوء النسيان ، حتّى قال غير واحدٍ من العلماء : إنّه لم يكن يحفظ شيئاً فينساه .

ـــــــــــــــــ

(١) الفضل الجلي طبع بمقدّمة كتاب تشييد المطاعن .


وكان له يد بيضاء في معرفة النحو واللُّغة ، وأُصول الفقه ، والكلام ، والجدل ، والرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم ، وسائر فنون الحديث واختلاف المذاهب .

وكان فيه زهد وقناعة باليسير في الملبس والمأكل ، يقوم بمصالحه ولا يقبل الخدمة في غالب الأوقات ؛ لئلاّ يفوته خدمة العلم .

وإنّي سمعت بعض الفضلاء يقول : إنّ مولانا حيدر علي الفيض آبادي استقدمه إلى حيدر آباد ، ورتّب له ثلاثمائة ربيّة شهريّاً يعينه في الرد على عبقات الأنوار ؛ لأنّ أوقاته لا تفرغ لذلك ، لكثرة الخدمات السلطانيّة ، فأبى قبوله ، وقال: إنّي لا أرضى بأنْ احتمل همّ ثلاثمائة ربيّة ، أين أضعها ؟ وفيم أبذلها ؟

قال : وكان مولانا حيدر علي يصنّف الكتب ويدرّس ، فلمّا رحل إلى حيدر آباد وولي الخدمة الجليلة تأخّر عن ذلك حتّى احتاج إلى أنْ يولي غيره أمر التصنيف ، فإنّي لا أُريد أن أُضيّع العلم بالمال ، إنتهى .

وللسيّد أمير حسن تعليقات على طبيعيّات الشفا ، وله رسالة في إثبات الحق ، ورسالة في الرد على الشيعة ، ورسائل أُخرى لم تشتهر باسمه .

وكان لا يقلّد أحداً من الأئمّة الأربعة ، بل يتتبّع النصوص ويعمل بالكتاب والسنّة .

مات يوم الإثنين لإحدى عشرة خلون من صفر سنة ١٢٩١ )(١) .

ـــــــــــــــــ

(١) نزهة الخواطر : ٧/٨١ ـ ٨٢ .


عملنا في الكتاب

إنّه قد علم ممّا تقدّم : إنّ كتاب (استقصاء الإفحام ) يحتوي على قضايا مهمّة ومسائل أساسيّة ، ففيه بحثّ قرآني على ضوء روايات القوم في كيفيّة جمع القرآن وما ورد عن عثمان وغيره حوله ، وهو بحثٌ لا يوجد في أيّ كتابٍ قبله .

وكذا تحقيقه في القول بالتجسيم ومسألة البداء ، وغيرهما من البحوث الاعتقاديّة ...

ثمّ دراسته للكتب والمؤلّفين ، فهو يدافع عن كتاب سليم بن قيس الهلالي ويثبت اعتباره ، ويناقش اعتبار الصحاح الستّة وأحوال مؤلّفيها ، وكذلك يدافع عن تفسير علي بن إبراهيم القمّي ، ثمّ يتعرّض لطبقات المفسّرين وكتب التفسير عند أهل السنّة ، وينظر في أحوالها على ضوء ما جاء في كتب القوم .

وما يذكره حول عقائد أبي حنيفة وأخذه بالقياس ، وما قيل فيه وفي مالك والشافعي وغيرهم من أئمّة الفقه ممّا يتبيّن امتياز مذهب الإماميّة الآخذين فقههم عن أهل البيتعليهم‌السلام عن المذاهب الأُخرى ...

فهذه بحوثٌ ودراسات ونقود وردود قد اجتمعت في هذا الكتاب ، وكثير منها ـ إنْ لم نقل كلّها ـ ممّا تفرّد به السيّد المؤلّف ، ولم يسبقه إليها غيره .

التعريب : ولمّا كان الكتاب باللّغة الفارسيّة ، فقد قمنا بتعريب مطالبه ونقلها إلى العربيّة ، لكن الترجمة ليست حرفيّةً وإنْ حاولنا ذلك قدر الإمكان .

التلخيص : وقد لخّصنا المطالب ، بحذف المكرّر وإسقاط ما لا دخل له فيه ، فهو تلخيص دقيق لا يفوّت شيئاً من فوائد الكتاب ولا يخلّ بالمقصود .

التنسيق : وبذلنا الجهد الكبير للتنسيق بين المواضيع ؛ لأنّها كانت متشتّتةً جدّاً ، بسبب أنّ كثيراً منها أو كلّها إنّما جرى على قلم الفيض آبادي بصورة الجمل المعترضة ، فاهتمّ السيّد المؤلّف بذلك ولم يسكت عنه ، بل فصّل الكلام في موضعه ، ومن الطبيعي حينئذٍ أن ينقطع الكلام وينفصل بعضه عن البعض فجمعنا كلّ بحثٍ في مكانٍ واحدٍ تحت عنوانٍ يخصّه ، ليصل القارئ إلى النتيجة المطلوبة منه بسهولة .


وأيضاً ، فقد حاولنا التنسيق بين المطالب من الناحية الموضوعيّة ، من البحوث الاعتقاديّة والفقهيّة ، والتفسيريّة ، والحديثيّة ، وجعلنا بحوثاً في المجلّد الأخير تحت عنوان الملحقات ...

الإضافة والتعليق : ثمّ أضفنا إلى مطالب الكتاب ـ في بعض فصوله ـ ما رأينا من الضروري إضافته تكميلاً للبحث ، كما علّقنا على مواضع منه في داخله بقدر الحاجة ، وفي النيّة التعليق في الهامش على كلّ الكتاب في الطبعة اللاّحقة بعد مراجعته وتكميل نواقصه وتصحيح أخطائه إن شاء الله تعالى.

التحقيق : وقد وثّقنا النصوص المنقولة في الكتاب ، وأرجعناها إلى المصادر بعد تطبيقها عليها بقدر الإمكان .

وقد سمّينا هذا المجهود باسم (استخراج المرام من استقصاء الإفحام ) .

الباب الأوّل :

مسائل اعتقاديّة

الصحيحان أصحُّ من القرآن ؟

القرآن الكريم كلام الله عزّ وجلّ ...

والأخبار الواردة عن النبي وآله الأطهار في تلاوته وحفظه والعمل به والرجوع إليه كثيرة جدّاً ، ولا خلاف بين العلماء في وجوب تعظيمه بكلّ أنحاء التعظيم وحرمة إهانته مطلقاً ، وذلك مذكور في محلّه من الفقه الشيعي .

وقد أفتى الأعاظم من علماء الإماميّة بأنّ القرآن الكريم لم يقع فيه أيّ نقصٍ في سوره وآياته ، معرضين عن الروايات الواردة في بعض كتبهم الظاهرة في ذلك ، لكون أكثرها ضعيفاً في السّند ، وأنّ القليل المعتبر فيها معارض بما هو أقوى دلالةً وسنداً وأكثر عدداً لاسيّما وأنّه قد تقرّر أن ليس عند جمهور الطائفة الإماميّة الإثني عشريّة كتابٌ صحيحٌ من أوّله إلى آخره ، فضلاً عن أن يقولوا بقطعيّة صدور جميع ألفاظه عن النبي والأئمّة عليهم الصّلاة والسلام ...


أمّا أهل السنّة ، فجمهورهم على القول بصحّة ما أُخرج في كتابي البخاري ومسلم المعروفين بالصحيحين .

بل إنّ كثيراً من المحقّقين منهم ذهبوا إلى أنّ جميع ألفاظ هذين الكتابين مقطوعة الصدور ، وهذه كلمات كبار علمائهم تنادي بهذا المعنى :

قال السيوطي : ( وذكر الشيخ ـ يعني ابن الصّلاح ـ : إنّ ما روياه أو أحدهما فهو مقطوع بصحّته ، والعلم القطعي حاصل فيه ، خلافاً لمن نفى ذلك .

قال البلقيني : نقل بعض الحفّاظ المتأخّرين مثل : قول ابن الصّلاح عن جماعةٍ من الشافعيّة كأبي إسحاق وأبي حامد الإسفرانيين والقاضي أبي الطيّب والشيخ أبي إسحاق الشيرازي ، وعن السرخسي والزاغوني من الحنابلة ، وابن فورك وأكثر أهل الكلام من الأشعريّة ، وأهل الحديث قاطبة ، ومذهب السلف عامّة بل بالغ ابن طاهر المقدسي في صفوة التصوّف ، فألحق به ما كان على شرطهما وإنْ لم يخرجاه .

وقال ابن كثير : وأنا مع ابن الصلاح فيما عوّل عليه وأرشد إليه .

قال السيوطي : قلت : وهو الذي أختاره ولا أعتقد سواه(١) .

إلاّ أنّ في نفس هذين الكتابين وكذا في سائر كتبهم من الصحاح والمسانيد والمعاجم المشهورة ، رواياتٍ وآثاراً كثيرة ، عن جمعٍ كبير من كبار الصّحابة وأعلام التابعين ، مفادها وقوع الخطأ والحذف والنقصان في ألفاظ القرآن ...

ألا تكون النتيجة لهاتين المقدّمتين هي ( الصّحيحان أصحُّ من القرآن ) ؟

فإمّا أنْ ترفع اليد عن صحّة الكتابين ـ فضلاً عن القول بقطعيّة صدور ما فيهما ـ وهو مقتضى التحقيق ، كما سيأتي في ( المجلّد الثاني ) من هذا الكتاب ، وعن ثبوت تلك الأخبار والآثار ، كما هو الحق ، وإمّا أنْ يلتزم بالنتيجة المذكورة .

وهذا طرفٌ ممّا جاء في كتبهم حول القرآن الكريم :

ــــــــــــــ

(١) تدريب الراوي ١ : ١٣١ ـ ١٣٤ ملخّصاً .


الأخبار والآثار في وقوع النقص والغلط في القرآن

في كتب السنّة

ذهب من القرآن كثير !

قال السيوطي في (الدرّ المنثور ) :

( أخرج أبو عبيد وابن الضّريس وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عمر ، قال : لا يقولنّ أحدكم قد أخذت القرآن كلّه ، ما يدريه ما كلّه ؟ قد ذهب منه قرآنٌ كثير ، ولكن يقل : قد أخذت ما ظهر منه )(١) .

سورة الأحزاب

وقال السيوطي في (الإتقان ) :

( قال ـ أي أبو عبيد ـ : حدّثنا إسماعيل بن جعفر ، عن المبارك بن فضالة ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن زر بن حبيش قال : قال أُبيّ بن كعب كأيّن تعدّ سورة الأحزاب ؟ قلت أثنتين وسبعين آية أو ثلاثاً وسبعين آية

قال : إن كانت لتعدل سورة البقرة ، وإن كنّا لنقرأ فيها آية الرّجم

قلت : وما آية الرّجم ؟

قال : إذا زنا الشّيخ والشّيخة فارجموهما ألبتّة نكالاً من الله والله عزيز

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور في التفسير بالمأثور : ١ : ٢٥٨ .


حكيم )(١) .

وقال الراغب الأصفهاني في (المحاضرات ) :

( وقالت عائشة : كانت الأحزاب تُقرأ في زمن رسول الله مائة آية ، فلمّا جمعه عثمان لم يجد إلاّ ما هو الآن ، وكان فيه آية الرّجم )(٢) .

وقال السيوطي في (الإتقان ) عن أبي عبيد :

( حدّثنا ابن أبي مريم ، عن ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة قالت : كانت سورة الأحزاب تُقرأ في زمان النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مائتي آية ، فلمّا كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلاّ على ما هو الآن )(٣) .

وقال في (الدر المنثور ) :

( أخرج ابن الضّريس عن عكرمة ـ رضي الله عنه ـ قال : كانت سورة الأحزاب مثل سورة البقرة أو أطول ، وكانت فيها آية الرّجم .

وأخرج البخاري في تاريخه عن حذيفة قال : قرأت سورة الأحزاب على النّبيّ ، فنسيت منها سبعين آية ما وجدتها .

وأخرج أبو عبيد في الفضائل وابن الأنباري وابن مردويه عن عائشة قالت : كانت سورة الأحزاب تُقرأ في زمان النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مائتي آية ، فلمّا كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلاّ على ما هو الآن )(٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن : ٣ : ٨٢ .

(٢) محاضرات الأُدباء : ٢ : ٤٣٤ .

(٣) الإتقان في علوم القرآن : ٣ : ٨٢ .

(٤) الدر المنثور في التفسير بالمأثور : ٦ : ٥٥٩ ـ ٦٠٠ .


سورة تشبه براءة

وأخرج الحاكم في (المستدرك ) بإسناده عن أبي حرب بن أبي الأسود :

( بعث أبو موسى الأشعري إلى قرّاء البصرة ، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن ، فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقرّاؤهم ، فاتلوه ، ولا يطولنّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم ، وإنّا كنّا نقرأ سورة كنّا نشبّهها في الطّول والشّدّة ببراءة ، فأنسيتها غير أنّي حفظت منها : لو كان لابن آدم واديان من المال لابتغى وادياً ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب ، وكنّا نقرأ سورة كنّا نشبّهها بإحدى المسبّحات ، فأنسيتها غير أنّي حفظت منها : يا أيّها الّذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم ) .

وأخرجه مسلم في (الصحيح )(١) .

وقال السيوطي في (الدر المنثور ) :

( أخرج مسلم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن أبي موسى الأشعري قال : كنّا نقرأ سورة نشبّهها في الطّول والشدّة ببراءة فأنسيتها غير أنّي حفظت منها : لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغى وادياً ثالثاً ، ولا يملأ جوفه إلاّ التراب ، وكنّا نقرأ سورة نشبّهها بإحدى المسبّحات أوّلها : سبّح لله ما في السّماوات ، فأنسيتها ، غير أنّي حفظت منها : يا أيّها الّذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة )(٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) صحيح مسلم : ٢ : ٧٢٦/١٠٥٠ ، كتاب الزكاة الباب ٣٩ .

(٢) الدر المنثور : ١ : ٢٥٦ ـ ٢٥٧ .


وفي (الإتقان ) :

( أخرج ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري قال : كنّا نقرأ سورة نشبّهها بإحدى المسبّحات فأنسيناها غير أنّي قد حفظت : يا أيّها الّذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة )(١) .

البراءة تعدل البقرة

( وفي المستدرك عن ابن عبّاس قال : سألت عليّ بن أبي طالب : لم لم يكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم ؟

قال : لأنّها أمان ، وبراءة نزلت بالسيف .

وعن مالك : إنّ أوّلها لمّا سقط سقط معه البسملة ، فقد ثبت أنّها كانت تعدل البقرة لطولها )(٢) .

وفيه :

( وفي المستدرك عن حذيفة قال : ما تقرأون ربعها يعني براءة )(٣) .

وفي (الدر المنثور ) :

( أخرج ابن أبي شيبة والطّبراني في الأوسط وأبو الشّيخ والحاكم وابن مردويه عن حذيفة قال : الّتي تسمّون سورة التّوبة هي سورة العذاب ، والله ما تركت أحداً إلاّ نالت منه ، وما تقرأون منها ممّا كنّا نقرأ إلاّ ربعها )(٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٣ : ٨٣ .

(٢) الإتقان في علوم القرآن ١ : ٢٢٥ ـ ٢٢٦ .

(٣) الإتقان في علوم القرآن ٣ : ٨٤ .

(٤) الدر المنثور ٤ : ١٢٠ .


وفيه :

( أخرج ابن الضّريس وأبو الشّيخ عن حذيفة قال : ما تقرأون ثلثها يعني سورة التوبة )(١) .

وفيه :

( أخرج أبو عبيد وابن المنذر وأبو الشّيخ وابن مردويه عن سعيد بن جُبير قال : قلت لابن عبّاس : سورة التّوبة

قال : التّوبة ! بل هي الفاضحة ، ما زالت تنزل فيهم وتنال منهم ، حتّى ظننّا أنّه لا يبقى منّا أحدٌ إلاّ ذُكر فيها .

وأخرج ابن المنذر وأبو الشّيخ وابن مردويه عن ابن عبّاس أنّ عمر قيل له : سورة التّوبة

قال : هي إلى العذاب أقرب ، ما أقلعت عن النّاس حتّى ما كانت تدع منهم أحداً .

وأخرج أبو الشّيخ عن عكرمة قال : قال عمر : ما فرغ من تنزيل براءة حتّى ظننّا أنّه لم يبق منّا أحدٌ إلاّ تنزل فيه ، وكانت تُسمّى الفاضحة )(٢) .

وفي (تفسير الرازي ) :

( عن حذيفة : إنّكم تسمّونها سورة التوبة ، والله ما تركت أحداً إلاّ نالت منه .

وعن ابن عبّاس في هذه السّورة قال : إنّها الفاضحة ، ما زالت تنزل فيهم وتنال منهم حتّى خشينا أن لا تدع أحداً )(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٤ : ١٢١ عن أبي الشيخ .

(٢) الدر المنثور ٤ : ١٢٠ ـ ١٢١ .

(٣) تفسير الرازي ١٥ : ٢١٥ .


سورتا الحفد والخلع

وفي (الإتقان ) :

( وفي مصحف ابن مسعود مائة واثنتا عشرة سورة ؛ لأنّه لم يكتب المعوّذتين .

وفي مصحف أُبيّ ست عشرة ؛ لأنّه كتب في آخره سورتي الحفد والخلع .

أخرج أبو عبيد عن ابن سيرين ، قال : كتب أُبي بن كعب في مصحفه فاتحة الكتاب والمعوّذتين و : اللّهمّ إنّا نستعينك واللّهمّ إيّاك نعبد ، وتركهنّ ابن مسعود ، وكتب عثمان منهنّ فاتحة الكتاب والمعوّذتين .

وأخرج الطبراني في الدّعاء من طريق عباد بن يعقوب الأسدي عن يحيى بن يعلى الأسلمي عن ابن لهيعة عن أبي هبيرة عن عبد الله بن رزين الغافقي قال : قال لي عبد الملك بن مروان : لقد علمت ما حملك على حبّ أبي تراب إلاّ أنّك أعرابيّ جاف ، فقلت : والله لقد جمعت القرآن من قبل أن يجتمع أبواك ، ولقد علّمني منه عليّ بن أبي طالب سورتين علّمهما إيّاه رسول الله ما علّمتهما أنت ولا أبوك : اللّهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك ، اللّهمّ إيّاك نعبد ولك نصلّي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إنّ عذابك بالكفّار ملحق .

وأخرج البيهقي من طريق سفيان الثوري عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير أنّ عمر بن الخطّاب قنت بعد الرّكوع فقال: بسم الله الرحمن الرّحيم اللّهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك

بسم الله الرّحمن الرّحيم اللّهمّ إيّاك نعبد ولك نصلّي ونسجد وإليك نستغيث ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إنّ عذابك بالكفّار ملحق

قال ابن جريج : حكمة البسملة أنّها سورتان في مصحف بعض الصّحابة .

وأخرج محمّد بن نصر المروزي في كتاب الصّلاة عن أُبي بن كعب : أنّه كان يقنت بالسّورتين ، فذكرهما ، وأنّه كان يكتبهما في مصحفه .


قال ابن ضريس : ثنا أحمد بن جميل المروزي عن عبد الله بن المبارك أنبأنا الأجلح عن عبد الله بن عبد الرحمان عن أبيه قال : في مصحف ابن عبّاس قراءة أبي موسى : بسم الله الرّحمن الرّحيم اللّهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك .

وفيه : اللّهمّ إيّاك نعبد ولك نصلّي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونخشى عَذابك ونرجو رحمتك إنّ عذابك بالكفّار ملحق )(١) .

وفي (الدر المنثور ) :

( قال ابن الضّريس في فضائله : أخبرني موسى بن إسماعيل ، أنبأنا حمّاد قال : قرأنا في مصحف اُبيّ بن كعب : اللّهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير كلّه ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك .

وفيه أيضاً : وأخرج ابن الضّريس عن عبيد الله بن عبد الرحمان عن أبيه قال : صلّيت خلف عمر بن الخطّاب ، فلمّا فرغ من السّورة الثّانية قال : اللّهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك ، اللّهمّ إيّاك نعبد ولك نصلّي وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إنّ عذابك بالكفّار ملحق .

ـــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ١ : ٢٢٦ ـ ٢٢٧ مع بعض الاختلاف


وفي مصحف ابن عبّاس قرائة أُبيّ وأبي موسى : بسم الله الرّحمن الرّحيم اللّهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك .

وفي مصحف حجر : اللّهمّ إنّا نستعينك .

وأخرج محمّد بن نصر عن ابن إسحاق قال : قرأت في مصحف أُبيّ بن كعب بالكتاب الأوّل العتيق : بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد إلى آخرها ، بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ بربّ الفلق إلى آخرها ، بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ بربّ النّاس إلى آخرها ، بسم الله الرحمن الرحيم اللّهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك ، بسم الله الرحمن الرحيم اللّهمّ إيّاك نعبد ولك نصلّي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إنّ عذابك بالكفّار ملحق .

وأخرج محمّد بن نصر عن الشّعبي قال : قرأت ـ أو حدّثني من قرأ ـ في بعض مصاحف أُبيّ بن كعب هاتين السّورتين : اللّهمّ إنّا نستعينك والاُخرى بينهما بسم الله الرحمن الرحيم ، قبلهما سورتان من المفصل وبعدهما سور من المفصل )(١) .

آيتان لم تكتبا

وفي (الإتقان ) :

( وقال أبو عبيد : حدّثنا ابن أبي مريم ، عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن عمرو المعافري ، عن أبي سفيان الكلاعي أنّ مسلمة بن مخلد الأنصاري قال لهم ذات يوم : أخبروني بآيتين من القرآن لم تكتبا في المصحف ؟ فلم يخبروه

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٨ : ٦٩٥ ـ ٦٩٧ ، وفيه بعض الاختلاف .


وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك، فقال لي مسلمة : ( إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون ، والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون )(١) .

آية أُخرى

وفي (الإتقان ) أيضاً :

( قال ـ أي أبو عبيد ـ : حدّثنا عبد الله بن صالح ، عن هشام بن سعيد [ سعد ] عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي واقد اللّيثي قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أُوحي إليه أتيناه فعلّمنا ممّا أُوحي إليه ، قال : فجئت ذات يوم فقال : إنّ الله يقول : إنّا أنزلنا المال لإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة ، ولو كان لابن آدم واد من ذهب لأحبّ أن يكون إليه الثاني ، ولو كان له الثاني لأحبّ أن يكون إليهما الثالث ، ولا يملأ جوف بن آدم إلاّ التراب ، ويتوب الله على من تاب )(٢) .

وفي (الدر المنثور ) :

( أخرج أبو عبيد وأحمد والطبراني في الأوسط ، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي واقد اللّيثي ، قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أُوحي إليه أتيناه فعلّمنا ممّا أُوحي إليه ، قال : فجئته ذات يوم ، فقال : إنّ الله يقول : إنّا أنزلنا المال لإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة ، ولو أنّ لابن آدم وادياً لأحبّ أن يكون إليه الثاني ، ولو كان له ثان لأحبّ أن يكون إليهما ثالث ، ولا يملأ جوف ابن

ـــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٣ : ٨٤ .

(٢) الإتقان في علوم القرآن ٣ : ٨٣ .


آدم إلاّ التراب ، ويتوب الله على من تاب .

وأخرج أبو عبيد وأحمد وأبو يعلى والطّبراني عن زيد بن أرقم قال : كنّا نقرأ على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو كان لابن آدم واديان من ذهبٍ وفضّةٍ لابتغى الثالث ، ولا يملأ بطن ابن آدم إلاّ التراب ، ويتوب الله على من تاب .

وأخرج أبو عبيد عن جابر عن عبد الله قال : كنّا نقرأ : لو أنّ لابن آدم ملأ وادٍ مالاً لأحبّ إليه مثله ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب ، ويتوب الله على من تاب .

وأخرج البزّار وابن الضّريس عن بريرة قالت : سمعت النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرأ : لو أنّ لابن آدم وادياً من ذهبٍ لابتغى إليه ثانياً ، ولو أُعطي ثانياً لابتغى إليه ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب ، ويتوب الله على من تاب .

وأخرج ابن الأنباري عن أبي ذر قال : في قرائة أُبيّ بن كعب : ابن آدم لو أُعطي وادياً من مالٍ لالتمس ثانياً ، ولو أُعطي واديين من مالٍ لالتمس ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التّراب ، ويتوب الله على من تاب )(١) .

وفي (الإتقان ) :

( أخرج الحاكم في المستدرك عن أُبيّ بن كعب قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن ، فقرأ : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ـ ومن بقيّتها ـ : لو أنّ ابن آدم سأل وادياً من مالٍ فأعطيته سأل ثانياً فأعطيته سأل ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ١ : ٢٥٧ ـ ٢٥٨ مع اختلاف قليل .


التراب ، ويتوب الله على من تاب وإنّ ذات الدّين عند الله الحنفيّة غير اليهوديّة ولا النّصرانيّة ، ومن يعمل خيراً فلن يكفره )(١) .

وفي (جامع الاصول ) :

(عن أُبيّ بن كعب : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن ، وقرأ عليه : لم يكن الذين كفروا ، وقرأ فيها : إنّ الدّين عند الله الحنفيّة المسلمة لا اليهوديّة ولا النّصرانيّة ولا المجوسيّة ومن يعمل خيراً فلم يكفره ، وقرأ عليه : لو أنّ لابن آدم وادياً من مالٍ لابتغى إليه ثانياً ، ولو أنّ له ثانياً لابتغى ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التّراب ، ويتوب الله على من تاب ؛ أخرجه الترمذي )(٢) .

وفي (الدر المنثور ) :

( أخرج أحمد والتّرمذي والحاكم وصحّحه عن أُبيّ بن كعب ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك ، فقرأ : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ، فقرأ فيها : ولو أنّ ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيته لسأل ثانياً ولو سأل ثانياً فأعطيته لسأل ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التّراب ويتوب الله على مَن تاب ، وإنّ ذات الدّين عند الله الحنفيّة غير المشركة ولا اليهوديّة ولا النّصرانيّة ومن يفعل ذلك فلن يكفره .

وأخرج [ أحمد ] عن أُبيّ بن كعب قال : قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك ، فقرأ : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكّين حتّى تأتيهم البيّنة رسول من الله يتلوا صحفاً

ـــــــــــــــــ

(١) الإتقان ٣ : ٨٣ .

(٢) جامع الأصول ٢ : ٥٠٠/٩٧٢ .


مطهّرة ، وما تفرّق الذين أُوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءتهم البيّنة ، إنّ الدّين عند الله الحنفيّة غير المشركة ولا اليهوديّة ولا النّصرانيّة ، ومن يفعل ذلك فلن يكفره .

قال شعبةرضي‌الله‌عنه : ثمّ قرأ آيات بعدها ، ثمّ قرأ : لو أنّ لابن آدم وادياً من مال لسأل وادياً ثانياً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التّراب ، ثمّ ختم بما بقي من السّورة )(١) .

وفي (الدر المنثور ) أيضاً عن أحمد :

( عن ابن عبّاس قال : رجل أتى عمر يسأله ، فجعل عمر ينظر إلى رأسه مرّة وإلى رجليه اُخرى ، هل يرى عليه من البؤس ، ثمّ قال له عمر : كم مالك ؟

قال : أربعون من الإبل

قال ابن عبّاس : قلت : صدق الله ورسوله : لو كان لابن آدم واديان من ذهبٍ لابتغى الثالث ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب ويتوب الله على من تاب

فقال عمر ( رضي الله عليه ) : ما هذا ؟

فقلت : هكذا أقرأني أُبيّ

قال : فمرّ بنا إليه فجاء إلى أُبيّ ، فقال : ما يقول هذا ؟

قال اُبيّ : هكذا أقرأنيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : فأثبتها في المصحف ؟ قال : نعم )(٢) .

وفي (الدر المنثور ) أيضاً :

( أخرج ابن الضّريس عن ابن عبّاس قال : قلت : يا أمير المؤمنين ! إنّ أُبيّاً يزعم أنّك تركت من كتاب الله آيةً لم تكتبها ، قال : والله لأسألنّ أُبيّاً فإن أنكر لتكذبنّ ، فلمّا صلّى صلاة الغداة غدا على أُبيّرضي‌الله‌عنه فأذن له ، فطرح له وسادة وقال : يزعم هذا إنّك تزعم أنّي تركت آيةً من كتاب الله لم أكتبها ؟!

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٨ : ٥٨٦ .

(٢) الدر المنثور ٨ : ٥٨٧ .


فقال : إنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :

لو أنّ لابن آدم واديين من مالٍ لابتغى إليهما وادياً ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التّراب ويتوب الله على من تاب ، فقال : أو أكتبها ؟

قال : لا أنهاك )(١) .

آية الرجم

وفي (صحيح البخاري ) :

( إنّ الله بعث محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالحقّ وأنزل عليه الكتاب ، فكان ممّا أنزل الله آية الرّجم ، فقرأناها وعقلناها ووعيناها ، ورجم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالنّاس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرّجم في كتاب ، فيضلّوا بترك فريضةٍ أنزلها الله ، فالرّجم في كتاب الله حقٌّ على من زنا )(٢) .

وقال الراغب في ( المحاضرات ) في ذكر ( ما ادّعي أنّه من القرآن ممّا ليس في المصحف ) :

( وروي أنّ عمررضي‌الله‌عنه قال : لو لا أن يُقال زاد عمر في كتاب الله لأثبتُّ في المصحف ، فقد نزلت : الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالاً من الله والله شديد العقاب )(٣) .

وفي (الإتقان ) :

( وقال ـ أي أبو عبيد ـ ثنا عبد الله بن صالح ، عن اللّيث ، عن خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن غزوان بن عثمان ، عن أبي أُمامة بن سهل

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٨ : ٥٨٧ .

(٢) صحيح البخاري ٨ : ٢٠٩ .

(٣) محاضرات الأُدباء ٢ : ٤٣٣ ـ ٤٣٤ .


أنّ خالته قالت : لقد أقرأنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آية الرّجم : الشّيخ والشّيخة فارجموهما ألبتّة بما قضيا من اللذّة )(١) .

وفي (الموطأ ) :

( مالك عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيّب قال : لمّا صدر عمر ابن الخطّاب من منى أناخ بالأبطح ، ثمّ كوّم كومةً من بطحاء ، ثمّ طرح عليها رداءه فاستلقى ، ثمّ مدّ يديه إلى السّماء ، فقال :

اللّهمّ كبرت سنّي وضعفت قوّتي وانتشرت رعيّتي ، فاقبضني إليك غير مضيّع ولا مفرّط ، ثمّ قَدِم المدينة فخطب النّاس ، ثمّ قال : أيّها النّاس قد سُنّت لكم السنن وفُرضت لكم الفرائض وتركتم على الواضحة إلاّ أن تضلّوا بالنّاس يميناً وشمالا، وضرب بإحدى يديه على الأُخرى ، ثمّ قال : إيّاكم أن تهلكوا عن آية الرّجم أن يقول قائل : إنّا لا نجد حدّين في كتاب الله ، فقد رجم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورجمنا ، والذي نفسي بيده لو لا أن يقول النّاس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها : الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتّة ، فإنّا قد قرأناها )(٢) .

وفي (مسند ) أحمد بن حنبل :

( حدّثنا عبد الله قال : حدّثني أبي قال : حدّثنا هشيم قال : أخبرنا الزهري ، عن عبد الله بن عبيد الله بن عتبة بن مسعود قال : أخبرني عبد الله بن عبّاس قال : حدّثني عبد الرحمان بن عوف أنّ عمر بن الخطّاب خطب النّاس فسمعه يقول : ألا وإنّ أُناساً يقولون ما بال الرجم وفي كتاب الله الجلد ، وقد رجم رسول الله ورجمنا بعده ، ولو لا أن يقول قائلون ، أو يتكلّم المتكلّمون أنّ عمر زاد في

ـــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٣ : ٨٢ .

(٢) الموطأ ٢ : ٨٢٤ كتاب الحدود/ ١٠ مع اختلاف .


كتاب الله ما ليس فيه لأثبتُّها كما نزلت )(١) .

وفيه أيضاً :

( حدّثنا عبد الله قال : حدّثني أبي قال : حدّثنا عبد الرّحمان قال : حدّثنا مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس قال : قال عمر : إنّ الله عزّ وجلّ بعث محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنزل عليه الكتاب ، فكان فيما أنزل عليه آية الرّجم ، فقرأناها وعقلناها ووعيناها ، فأخشى أن يطول بالنّاس عهدٌ فيقولون إنّا لا نجد آية الرّجم فتُترك فريضة أنزلها الله ، وإنّ الرجم في كتاب الله حقّ على من زنا إذا أُحصن من الرجال والنساء إذا قامت البيّنة أو كان الحبل أو الإعتراف )(٢) .

وفيه:

( حدّثنا عبد الله قال : حدّثني أبي قال : حدّثنا محمّد بن جعفر وحجّاج قالا : حدّثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم قال : سمعت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يحدّث عن ابن عبّاس ، عن عبد الرحمان بن عوف ، قال : حجّ عمر بن الخطّاب فأراد أن يخطب النّاس خطبة فقال عبد الرحمان بن عوف : إنّه قد اجتمع عندك رعاع النّاس فأخِّر ذلك حتّى تأتي المدينة ، فلمّا قدم المدينة دنوت قريباً من المنبر فسمعته يقول : إنّ ناساً يقولون ما بال الرّجم وإنّما في كتاب الله الجلد ، وقد رجم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورجمنا بعده ، لو لا أن يقولوا أثبت في كتاب الله ما ليس فيه لأثبتّها كما أُنزلت )(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) مسند أحمد بن حنبل ١ : ٤٩/١٩٨ مع اختلاف .

(٢) مسند أحمد بن حنبل ١ : ٦٦/٢٧٨ .

(٣) مسند أحمد بن حنبل ١ : ٨١/٣٥٤ .


وفي (صحيح البخاري ) :

( قال عكرمة : قال عمر لعبد الرحمان بن عوف : لو رأيت رجلاً على حدّ زنى أو سرقة وأنت أمير ؟

فقال : شهادتك شهادة رجل من المسلمين

قال : صدقت

قال عمر : لو لا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي )(١) .

وفي (فتح الباري ) في شرح قوله : قال عمر إلخ :

( قال المهلّب : استشهد البخاري لقول عبد الرحمان بن عوف المذكور قبله بقول عمر هذا : إنّه كانت عنده شهادة في آية الرجم أنّها من القرآن فلم يلحقها بنصّ المصحف بشهادته وحده وأفصح بالعلّة في ذلك بقوله : لو لا أن يقال زاد عمر في كتاب الله ، فأشار إلى أنّ ذلك من قطع الذّرائع لئلاّ يجد حكّام السوء سبيلاً إلى أن يدّعوا العلم لمن أحبّوا له الحكم بشيء )(٢) .

آية الرضاع

وفي (المحاضرات ) :

( قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ : لقد نزلت آية الرجم ورضاع الكبير ، وكانت في رقعةٍ تحت سريري وشغلنا بشكاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدخلت داجن للحيّ فأكلته )(٣) .

وفي (تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ) في حكم الرضاع :

( قال الشافعي : لا يحرم إلاّ بخمس رضعات يعني مشبعات ، لما روي

ـــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٩ : ٨٦ .

(٢) فتح الباري ـ شرح صحيح البخاري ١٣ : ١٣٥ .

(٣) محاضرات الأُدباء ٢ : ٤٣٤ مع اختلاف قليل .


عن عائشة ( رضي الله عنها ) أنّها قالت : كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثمّ نُسخن بخمس معلومات ، فتوفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي فيما يقرأ من القرآن ؛ رواه مسلم ) .

فأجاب عن استدلال الشافعي بقوله :

( ولا حجّة له في خمس رضعات أيضاً ؛ لأنّ عائشة ( رضي الله عنها ) أحالتْها على أنّها قرآن وقالت : ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلمّا مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتشاغلنا بموته دخلت دواجن فأكلتها )(١) .

آية الجهاد

وفي (الإتقان ) :

( قال ـ أي أبو عبيد ـ : حدّثنا ابن أبي مريم ، عن نافع بن عمر الجُمحي ، حدّثني ابن أبي مُلَيكة ، عن المِسْور بن مَخْرمة قال : قال عمر لعبد الرحمان بن عوف : ألم تجد فيما أُنزل علينا : أن جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرّة ، فإنّا لا نجدها قال : أُسقطت فيما أُسقط من القرآن )(٢) .

ورواه في (الدر المنثور ) حيث قال :

( أخرج أبو عبيد عن المسور بن مخرمة قال : قال عمر لعبد الرحمان بن عوف : ألم تجد فيما أُنزل علينا : أن جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرّة ، فإنّا لا نجدها

قال : أُسقطت فيما أُسقط من القرآن )(٣) .

وفي (كنز العمال ) :

ـــــــــــــــــ

(١) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ٢ : ٦٣٠ ـ ٦٣١ .

(٢) الإتقان في علوم القرآن ٣ : ٨٤ .

(٣) الدر المنثور ١ : ٢٥٨ .


 ( عن المِسْور بن مخرمة قال : قال عمر لعبد الرحمان بن عوف : ألم تجد فيما أُنزل علينا : أن جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرّة ، فإنّا لم نجدها

قال : أُسقطت فيما أُسقط من القرآن أبو عبيد )(١) .

آية : لا ترغبوا عن آبائكم

وفي (الدر المنثور ) :

( أخرج ابن الضّريس عن ابن عبّاس قال : كنّا نقرأ : لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم وإنّ كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم .

وأخرج عبد الرزاق وأحمد وابن حبّان عن عمر بن الخطّاب ، قال : إنّ الله بعث محمّداً بالحقّ وأنزل معه الكتاب ، فكان فيما أنزل عليه آية الرّجم ورجمنا بعده ، ثمّ قال : قد كنّا نقرأ : ولا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم إن ترغبوا عن آبائكم .

وأخرج الطيالسيّ وأبو عبيد والطّبراني عن عمر بن الخطّاب : كنّا نقرأ فيما نقرأ : لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم ، ثمّ قال لزيد بن ثابت : أكذلك يا زيد ؟ قال : نعم )(٢) .

آية حميّة الجاهليّة

وفي (المستدرك ) :

( عن ابن إدريس عن أُبيّ بن كعب ، أنّه كان يقرأ : إذ جعل الذين في قلوبهم الحميّة حميّة الجاهليّة كما حموا لفسد المسجد الحرام فأنزل الله

ـــــــــــــــــ

(١) كنز العمال ٢ : ٥٦٧/٤٧٤١ .

(٢) الدر المنثور ١ : ٢٥٨ .


سكينته على رسوله )(١) .

وفي (الدرّ المنثور ) :

( أخرج النسائي والحاكم وصحّحه من طريق ابن ابي إدريس عن اُبيّ بن كعبرضي‌الله‌عنه إنّه كان يقرأ : إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحميّة حميّة الجاهليّة ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام فأنزل الله سكينته على رسوله ، فبلغ ذلك عمررضي‌الله‌عنه فاشتدّ عليه ، فبعث إليه فدعا ناساً من أصحابه فيهم زيد بن ثابت فقال : من يقرأ فيكم سورة الفتح ، فقرأ زيد على قرائتنا اليوم ، فغلّظ له عمر فقال : إنّي أتكلّم ؟

قال : تكلّم

قال : لقد علمت أني كنتُ أدخل على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويُقرئني وأنت بالباب ، فإن أحببت أن أُقرئ النّاس على ما أقرأني وإلاّ لم أقرأ حرفاً ما حييتُ

قال : بل أقرئ النّاس )(٢) .

آية الصلاة على النبي

وفي (الإتقان ) :

( قال ـ أي أبو عبيد ـ : حدّثنا حجّاج ، عن ابن جريج ، أخبرني ابن أبي عبيدة عن حميدة بنت أبي يونس قالت : قرأ عليّ أبي وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة : إنّ الله وملائكته يصلّون على النبيّ يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً وعلى الذين يصلون الصفوف الأُوَل ، قالت : قبل أن يُغيّر عثمان المصاحف )(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ٢ : ٢٢٥ وفيه : أبي إدريس .

(٢) الدر المنثور ٧ : ٥٣٥ وفيه : من طريق أبي إدريس ، بدل : ابن أبي إدريس .

(٣) الإتقان في علوم القرآن ٣ : ٨٢ ، وفيه : ابن أبي حميد عن حميدة قالت بدل : ابن أبي عبيدة عن حميدة ...


آية : وهو أبٌ لهم

وفي (الدر المنثور ) :

( أخرج الفِريابي والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه إنّه كان يقرأ هذه الآية : النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبٌ لهم وأزواجه أُمّهاتهم .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وإسحاق بن راهويه وابن المنذر والبيهقي عن بَجَالة قال : مرّ عمر بن الخطّاب بغلامٍ وهو يقرأ في المصحف : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أُمّهاتهم وهو أبٌ لهم ، فقال : يا غلام حُكّها ، فقال : هذا مصحف اُبيّ ، فذهب إليه فسأله ، فقال : إنّه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق )(١) .

آية الصلاة الوسطى

وأخرج مسلم في (الصحيح ) :

( حدّثنا يحيى بن يحيى التميمي قال : قرأت على مالك عن زيد بن أسلم عن القعقاع بن حكيم عن أبي يونس مولى عائشة أنّه قال : أمرتني عائشة أن أكتبَ لها مصحفاً وقالت : إذا بلغت هذه الآية فآذنّي :( حافِظُوا عَلَى الصّلَوَاتِ وَالصّلاَةِ الْوُسْطَى ) قال : فلمّا بلغتها آذنتها ، فأملَتْ عليّ : حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين

قالت عائشة : سمعتها من رسول الله ـصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ )(٢) .

وفي (الدر المنثور ) :

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٦ : ٥٦٧ بتقديم وتأخير والمعنى واحد .

(٢) صحيح مسلم ١ : ٤٣٧/٦٢٩ .


 ( أخرج عبد الرزاق والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف عن أبي رافع مولى حفصة قال : إستكتبتني حفصة مصحفاً فقالت : إذا أتيت على هذه الآية فتعال حتّى أُمليها عليك كما أقرأتها، لمّا أتيت على هذه الآية :

( حافِظُوا عَلَى الصّلَوَاتِ)

قالت : أُكتب : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر

فلقيت أُبيّ بن كعب ، فقلت : أبا المنذر ! إنّ حفصة قالت كذا وكذا

فقال : هو كما قالت ، أوليس أشغل ما نكون عند صلاة الظهر في عملنا لو أصبحنا .

وأخرج مالك وأبو عبيد وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن عمرو بن نافع قال : كنت أكتبُ مصحفاً لحفصة زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقالت : إذا بلغت هذه الآية فآذنّي :

( حافِظُوا عَلَى الصّلَوَاتِ وَالصّلاَةِ الْوُسْطَى)

فلمّا بلغتُها آذنتها ، فأملت عليّ : حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين ، وقالت : أشهد أنّي سمعتها من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأخرج عبد الرزاق عن نافع : إنّ حفصة دفعت مصحفاً إلى مولىً لها يكتب ، وقالت : إذا بلغتَ هذه الآية :

( حافِظُوا عَلَى الصّلَوَاتِ وَالصّلاَةِ الْوُسْطَى)

فآذنّي ، فلمّا بلغها جاءها فكتبت بيدها : حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى وصلاة العصر .

وأخرج مالك وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي داود وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن يونس مولى عائشة ، قال : أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً وقالت : إذا بلغت هذه الآية فآذنّي : حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى وصلاة


العصر وقوموا لله قانتين قالت عائشة : سمعتها من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر عن أُمّ حميد بنت عبد الرحمان أنّها سألت عائشة عن الصّلاة الوسطى ، فقالت : كنّا نقرؤها في الحرف الأوّل على عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين )(١) .

وروى ابن حجر في (فتح الباري ) :

( روى مسلم وأحمد من طريق أبي يونس عن عائشة أنّها أمرته أن يكتب لها مصحفاً ، فلمّا بلغتُ :

( حافِظُوا عَلَى الصّلَوَاتِ وَالصّلاَةِ الْوُسْطَى)

قال : فأملَتْ عليّ : وصلاة العصر

قالت : سمعتها من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وروى مالك عن عمرو بن رافع قال : كتبت مصحفاً لحفصة ، فقالت : إذا أتيت هذه الآية فآذنّي ، فأملَتْ عليّ : حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى وصلاة العصر .

أخرجه ابن جرير ـ من وجه آخر حسن ـ عن عمرو بن رافع .

وروى ابن المنذر من طريق عبيد الله بن رافع : أمرتني أُم سلمة أن أكتبَ لها مصحفاً ، نحوه .

ومن طريق نافع : إنّ حفصة أمرت مولىً لها أن يكتب لها مصحفاً ، فذكر مثله وزاد : كما سمعت من رسول الله ـصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ يقولها )(٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ١ : ٧٢١ ـ ٧٢٢ وفيه : في عملنا ونواضحنا ، بدل : في عملنا لو أصبحنا .

(٢) فتح الباري ـ شرح صحيح البخاري ٨ : ١٥٨ ـ ١٥٩ .


وفي (الموطّأ ) :

( مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن القعقاع بن حكيم بن أبي يونس مولى عائشة أمّ المؤمنين أنّه قال : أمرتني عائشة أن أكتبَ لها مصحفاً ، ثمّ قالت : إذا بلغتَ هذه الآية فآذنّي :

( حافِظُوا عَلَى الصّلَوَاتِ وَالصّلاَةِ الْوُسْطَى‏ وَقُومُوا للّهِ‏ِ قَانِتِينَ)

فلمّا بلغتها آذنتُها ، فأملت عليّ : حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين ، ثمّ قالت : سمعتها من رسول الله ـصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ )(١) .

وفيه :

( مالك عن زيد بن أسلم عن عمرو بن نافع أنّه قال : كنتُ أكتبُ مصحفاً لحفصة أُمّ المؤمنين ، فقالت : إذا بلغتَ هذه الآية فآذنّي :

( حافِظُوا عَلَى الصّلَوَاتِ وَالصّلاَةِ الْوُسْطَى‏ وَقُومُوا للّهِ‏ِ قَانِتِين)

فلمّا بلغتها آذنتها ، فأملت عليّ : حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين )(٢) .

آية صلاة الجمعة

وفيه :

( مالك ، إنّه سأل ابن شهاب عن قول الله تبارك وتعالى :( إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى‏ ذِكْرِ اللّهِ ) (٣)

فقال ابن شهاب : كان عمر بن الخطّاب يقرؤها : إذا نودي للصّلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله )(٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) الموطّأ ١ : ١٣٨ ـ ١٣٩ .

(٢) الموطّأ ١ : ١٣٩ .

(٣) سورة الجمعة ٦٢ : ٩ .

(٤) الموطّأ : ١٢٩ .


وقال في (الدر المنثور ) :

( أخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن خَرَشَة بن الحُررضي‌الله‌عنه قال : رأى معي عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه لوحاً مكتوباً فيه :

( إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى‏ ذِكْرِ اللّهِ ) (١)

فقال : من أملى عليك هذا ؟

قلت : أُبيّ بن كعب

قال : إنّ أُبيّاً أقرؤنا للمنسوخ ، اقرأها : فامضوا إلى ذكر الله .

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيمرضي‌الله‌عنه قال : قيل لعمررضي‌الله‌عنه : إنّ أُبيّاً يقرأ فاسعوا إلى ذكر الله قال عمررضي‌الله‌عنه : أُبيّ أعلمني بالمنسوخ وكان يقرؤها : فامضوا إلى ذكر الله .

وأخرج الشافعي في الأُمّ وعبد الرزاق والفِريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال : ما سمعت عمر يقرأ قطّ إلاّ : فامضوا إلى ذكر الله .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عمررضي‌الله‌عنه قال : لقد توفي عمررضي‌الله‌عنه وما يقرأ هذه الآية التي في سورة الجمعة إلاّ : فامضوا إلى ذكر الله .

وأخرج عبد الرزاق والفِريابي وأبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري والطبراني من طرقٍ عن ابن مسعودرضي‌الله‌عنه أنّه كان يقرأ : فامضوا إلى ذكر الله قال : ولو كان

ـــــــــــــــــ

(١) سورة الجمعة ٦٢ : ٩ .


فاسعوا لَسَعَيْتُ حتّى يسقط ردائي )(١) .

آية أُخرى

وفي (صحيح الترمذي ) :

( حدّثنا عبد بن حميد ، نا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمان بن يزيد ، عن عبد الله بن مسعود قال : أقرأني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي أنا الرزّاق ذو القوّة المتين ؛ هذا حديث حسن صحيح )(٢) .

وفي (مسند ) أحمد بن حنبل :

( حدّثنا عبد الله ، حدّثني أبي ، ثنا يحيى بن آدم ويحيى بن أبي بكر قالا : حدّثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمان بن يزيد ، عن عبد الله بن مسعود قال : أقرأني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي أنا الرزّاق ذو القوّة المتين )(٣) .

آية الطلاق

وفي (الدر المنثور ) :

( أخرج مالك والشافعي وعبد الرزّاق في المصنَّف وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في سننه ، عن ابن عمررضي‌الله‌عنه أنّه : طلّق امرأته وهي حائض ، فذكر ذلك عمررضي‌الله‌عنه لرسول الله ، فتغيّظ فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ قال : ليراجعها ثمّ يمسكها حتّى

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ١ : ١٦١ .

(٢) صحيح الترمذي ٥ : ١٩١/٢٩٤٠ .

(٣) مسند أحمد بن حنبل ١ : ٦٥١/٣٧٣٣ .


تطهر ثمّ تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلّقها فليطلّقها طاهراً قبل أن يمسكها ، فتلك العدّة التي أمر الله تعالى أن يطلّق بها النساء ، وقرأصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أيّها النّبيّ إذا طلّقتم النساء فطلّقوهنّ في قبل عدّتهنّ.

وأخرج عبد الرزّاق في المصنَّف وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن ابن عمررضي‌الله‌عنه أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرأ : فطلّقوهنّ في قبل عدّتهنّ .

وأخرج عبد الرزّاق وأبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي عن ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه أنّه كان يقرأ : وطلّقوهنّ لقبل عدّتهنّ .

وأخرج ابن الأنباري عن ابن عمررضي‌الله‌عنه أنّه قرأ : فطلّقوهنّ لقبل عدّتهنّ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي عن مجاهدرضي‌الله‌عنه أنّه كان يقرأ : فطلّقوهنّ لقبل عدّتهنّ )(١) .

آية التبليغ

وفيه : ( أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : كنّا نقرأ على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أيّها الرّسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك أنّ عليّاً مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من النّاس )(٢) .

وقال محمّد بن معتمد خان البدخشاني :

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٨ : ١٨٩ ـ ١٩٠ مع اختلاف .

(٢) الدر المنثور ٣ : ١١٧ .


 ( وأخرج ـ أي ابن مردويه ـ عن زرّ عن عبد الله قال : كنّا نقرأ على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أيّها الرّسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك أنّ عليّاً مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من النّاس )(١) .

آية : كفى الله المؤمنين

وفي (الدر المنثور ) :

( أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن ابن مسعود أنّه كان يقرأ هذا الحرف : وكفى الله المؤمنين القتال بعليّ بن أبي طالب )(٢) .

وفي (مفتاح النجا ) :

( وأخرج ـ أي ابن مردويه ـ عن ابن مسعودرضي‌الله‌عنه أنّه كان يقرأ هذا الحرف : وكفى الله المؤمنين القتال بعليّ بن أبي طالب وكان الله قويّاً عزيزاً )(٣) .

وفي (تفسير الثعلبي ) :

( أخبرني أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن عبد الله القايني ، نا أبو الحسين محمّد بن عثمان بن الحسين النصيبي ، نا أبوبكر محمّد بن الحسين بن صالح السبيعي ، نا أحمد بن محمّد بن سعيد ، نا أحمد بن ميثم بن أبي نعيم ، نا أبو جنادة السلولي ، عن الأعمش ، عن أبي وائل قال : قرأت في مصحف عبد الله ابن مسعود : إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران وآل محمّد

ـــــــــــــــــ

(١) مفتاح النجا في مناقب آل العبا ـ مخطوط .

(٢) الدر المنثور ٦ : ٥٩٠ .

(٣) مفتاح النجا في مناقب آل العبا ـ مخطوط .


على العالمين )(١) .

عثمان : إنّ في القرآن لحناً !

وقال ابن قتيبة :

( إنّ عثمان قال في قوله تعالى :( إِنْ هذَانِ لَسَاحِرَانِ ) إنّ في القرآن لحناً فقال رجل : صحّح ذلك الغلط

فقال : دعوه فإنّه لا يُحلّل حراماً ولا يُحرِّم حلالاً )(٢) .

وفي بعض الروايات :

( قال عثمان : إنّ في المصحف لحناً وسيقيمه العرب بألسنتهم ، فقيل له : ألا تغيّره ؟

فقال : دعوه ، فلا يحلّل حراماً ولا يحرّم حلالاً ) فقد جاء في (معالم التنزيل ) للبغوي بتفسير الآية :

( لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصّلاَةَ ) ما نصّه :

( واختلفوا في وجه انتصابه فحكي عن عائشة وأبان بن عثمان أنّه غلط من الكاتب ينبغي أن يصلح ويكتب : والمقيمون الصلاة، وكذلك قوله في سورة المائدة :( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَالّذِينَ هَادُوا وَالصّابِئُونَ )

وقوله :( إِنْ هذَانِ لَسَاحِرَانِ )

قالوا : ذلك خطأ من الكُتّاب ، وقال عثمانرضي‌الله‌عنه : إنّ في المصحف لحناً وسيقيمه العرب بألسنتها ، فقيل له : ألا تُغيّره ؟

فقال : دعوه فإنّه لا يحلّ حراماً ولا يحرّم حلالاً )(٣) .

وقد ذكر ابن تيمية في (منهاجه ) تفسير البغوي ، فقال بالنسبة إلى

ــــــــــــــ

(١) تفسير الثعلبي ٣ : ٥٣ .

(٢) تأويل مشكل القرآن : ٥٠ ـ ٥١ .

(٣) تفسير البغوي معالم التنزيل ٢ : ١٨٧ ـ ١٨٨ .


الأحاديث المروية فيه :

( وأمّا الأحاديث ، فلم يذكر في تفسيره شيئاً من الموضوعات التي رواها الثعلبي ، بل يذكر منها الصحيح ولم يذكر الأحاديث التي يظهر لعلماء الحديث أنّها موضوعة كما يفعله غيره من المفسّرين كالواحدي )(١) .

وفي (الدر المنثور ) :

( أخرج ابن أبي داود ، عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي قال : لمّا فرغ من المصحف أُتي به عثمان فنظر فيه فقال : قد أحسنتم وأجملتم ، أرى شيئاً من لحن ستقيمه العرب بألسنتها قال ابن أبي داود : وهذا عندي يعني بلغتها فينا ، وإلاّ فلو كان فيه لحن لا يجوز في كلام العرب جميعاً ؛ لما استجاز أن يبعث إلى قوم يقرؤونه .

وأخرج ابن أبي داود عن عكرمة قال : لمّا أُتي عثمان بالمصحف رأى فيه شيئاً من لحن ، فقال : لو كان المملي من هُذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا .

وأخرج ابن أبي داود عن قتادة : إنّ عثمان لمّا رفع إليه المصحف فقال : إنّ فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها .

وأخرج ابن أبي داود عن يحيى بن يَعمر قال : قال عثمان : إنّ في القرآن لحناً وستقيمه العرب بألسنتها )(٢) .

وفي (الإتقان ) :

( حدّثنا حجّاج ، عن هارون بن موسى ، أخبرني الزبير بن الخِرّيت ، عن

ـــــــــــــــــ

(١) منهاج السنّة ٤ : ٣٩ .

(٢) الدر المنثور ٢ : ٧٤٥ .


عكرمة قال : لمّا كُتبت المصاحف عُرضَت على عثمان ، فوجد فيها حروفاً من اللحن ، فقال : لا تغيّروها فإنّ العرب ستغيّرها ـ أو قال : ستعربها ـ بألسنتها ، لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم يوجد فيه هذه الحروف أخرجه من هذه الطريق ابن الأنباري في كتاب الردّ على من خالف مصحف عثمان ، وابن أشتة في كتاب المصاحف.

ثمّ أخرج ابن الأنباري نحوه من طريق عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر وابن أشتة نحوه من طريق يحيى بن يعمر )(١) .

وفي (تفسير ) أبي الليث :

( قال ـ أي أبو عبيد ـ : وروي عن عثمانرضي‌الله‌عنه أنّه عُرِض عليه المصحف فوجد فيه حروفاً من اللحن ، فقال : لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم يوجد فيه هذه الحروف )(٢) .

وقال ابن روزبهان بجواب العلاّمة الحلّي :

( وأمّا عدم تصحيح لفظ القرآن ؛ لأنّه كان يجب عليه متابعة صورة الخط ، وهكذا كان مكتوباً في المصاحف ، ولم يكن التغيير له جائزاً فتركه ؛ لأنّه لغة بعض العرب ) .

ولنعم ما أفاده العلاّمة التستري في جوابه حيث قال :

( وأمّا ما ذكره في إصلاح إطلاق عثمان اللّحن على القرآن فلا يصدر إلاّ عن محجوج مبهوت ، فإنّ المصنّف اعترض على عثمان بأنّه أطلق على القرآن اشتماله على اللحن المذموم المخلّ بالفصاحة ، وهذا النّاصب يغمض العين

ـــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٣٢٠ .

(٢) تفسير أبي الليث السمرقندي ١ : ٤٠٤ و ٤٥٠ و ٢ : ٣٤٧ ـ ٣٤٨ .


عن جواب هذا الذي هو محطّ الطعن ، ويتعرّض بوجه ترك عثمان لتغييره وإصلاحه بقوله : دعوه .

وما أشبه جوابه هذا بما أجاب به أهل خراسان عمداً عن سؤال أهل ماوراء النهر ، بأنّ النبّال إذا أراد استعلام استقامة النبل واعوجاجه لِمَ يغمض أحد عينيه ؟

وبأنّ الطير المسمّى باللقلق إذا قام لِمَ يرفع إحدى رجليه ؟

فأجاب أهل خراسان بأنّ النبّال إنّما يغمض إحدى عينيه ؛ لأنّه لو أغمض العين الأُخرى لا يرى شيئاً ، والطّير المذكور إنّما يرفع إحدى رجليه ؛ لأنّه لو رفع الرجل الآخر لسقط على الأرض ، فليضحك أولياؤه كثيراً .

ومن العجب : أنّ عثمان صرّح بأنّ تلك العبارة من القرآن لا تقبل الإصلاح ، وأنّه لا حاجة إلى إصلاحه ، لعدم تحليله حراماً وتحريمه حلالاً ، وهذا الناصب المرواني ـ الذي غلب عليه هوى عثمان ـ لمّا علم أنّ ما قاله عثمان طعن لا مدفع له ، عَدَل عن دفعه عنه وقال : تركه لأنّه كان لغة بعض العرب ، فإنّ كونه لغة بعض العرب هو الوجه الذي ذكره العلماء لدفع وهم عثمان لا لدفع الطعن عنه ، وأنّى يندفع الطعن عنه بذلك ، ولو كان عثمان عالماً بموافقة ذلك للغة بعض العرب ، كيف صحّ له ـ مع كثرة حياءه عند القوم ـ أن لا يستحيي من الله ويطلق على بعض كلماته التامّات أنّه لحن وخطأ في القول ؟

مع ظهور أنّ بعض ألفاظ القرآن واردٌ على لغة قريش ، وبعضها على لغة بني تميم ، وبعضها على لغة غيرهم ) .

نقد القول بوقوع اللحن في القرآن

هذا ، وقد قال صاحب (الكشّاف ) : ( لا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه


لحناً في [ خطّ ] المصحف )(١) .

ونصّ النيسابوري صاحب (التفسير ) على ركاكة القول المذكور حيث قال : ( ولا يخفى ركاكة هذا القول ؛ لأنّ هذا المصحف منقول بالنّقل المتواتر )(٢) .

وهكذا الفخر الرازي فإنّه بعد حكاية القول بذلك عن عثمان وعائشة قال : ( واعلم أنّ هذا بعيد )(٣) .

ولا استبعاد في استبعاده ، بل في كفر قائله بإجماع أهل العلم على ما في (الشفاء ) للقاضي عياض(٤) .

والسيوطي تحيَّر بعد نقل تلك الآثار في حلّها ، فإنّه قال :

( وهذه الآثار مشكلة جدّاً ، وكيف يظنّ بالصّحابة :

أوّلاً : إنّهم يلحنون في الكلام فضلاً عن القرآن وهم الفصحاء اللّد ، ثمّ كيف يظنّ بهم.

ثانياً : في القرآن الذي تلقّوه من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما أُنزل وحفظوه وضبطوه وأتقنوه ، ثمّ كيف يظنّ بهم .

ثالثاً : اجتماعهم كلّهم على الخطأ وكتابته ، ثمّ كيف يظنّ بهم .

رابعاً : عدم تنبّههم ورجوعهم عنه

ثمّ كيف يظنّ بعثمان إنّه ينهى عن تغييره ؟

ثمّ كيف يظنّ أنّ القرآن استمرّ على مقتضى ذلك الخطأ ، وهو مرويّ بالتّواتر خلفاً عن سلف ، هذا ممّا يستحيل شرعاً وعقلاً وعادةً )(٥) .

ثمّ إنّ السيوطي حاول الإجابة عن الإشكالات فقال :

( وقد أجاب العلماء عن ذلك بثلاثة أوجه :

ـــــــــــــــــ

(١) الكشّاف في تفسير القرآن ١ : ٥٨٢ .

(٢) تفسير النيسابوري غرائب القرآن ٦ : ٥٢٩ .

(٣) تفسير الفخر الرازي ١١ : ١٠٦ .

(٤) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢ : ٦٤٦ ـ ٦٤٧ .

(٥) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٣٢١ .


أحدها : أنّ ذلك لا يصحّ عن عثمان ، فإنّ إسناده ضعيف مضطرب منقطع ، ولأنّ عثمان جعل للنّاس إماماً يقتدون به ، فكيف يرى فيه لحناً ، ويتركه ليقيمه العرب بألسنتها ؟

فإذا كان الذين تولّوا جمعه وكتابته لم يقيموا ذلك وهم الخيار، فكيف يقيمه غيرهم ؟

وأيضاً ، فإنّه لم يكتب مصحفاً واحداً ، بل كتب عدّة مصاحف ، فإن قيل : إنّ اللحن وقع في جميعها ، فبعيد اتّفاقها على ذلك أو في بعضها فهو اعتراف بصحّة البعض ، ولم يذكر أحد من النّاس أنّ اللّحن كان في مصحفٍ دون مصحف ، ولم تأت المصاحف قطّ مختلفة إلاّ فيما هو من وجوه القراءة وليس ذلك بلحن .

الوجه الثاني : على تقدير صحّة الرواية ، إنّ ذلك مأوّل على الرّمز والإشارة ومواضع الحذف نحو الكتب والصابرين وما أشبه ذلك .

الثّالث : إنّه مأوّل على أشياء خالف لفظها رسمها كما كتبوا (لأوضعوا ) و (لأذبحنّه ) بألف بعد لا (لا اوضعوا ) و (لا اذبحنّه ) و (جزاؤ الظالمين ) بواو وألف ، و (بأيد ) بيائين ، فلو قرئ ذلك بظاهر الخط لكان لحناً

وبهذا الجواب وما قبله جزم ابن أشتة في كتاب المصاحف )(١) .

هذا ، ولا يجدي شيء من هذه الوجوه نفعاً ، فالروايات تلقّاها العلماء بالقبول ونسبوها إلى قائليها عن جزم ، كما في (معالم التنزيل ) : ( قال عثمان : إنّ في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها )(٢) .

وأمّا الجواب بالحمل على التأويل ، فواضح ما فيه ، وقد ذكره السيوطي فقال :

ـــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٣٢١ ـ ٣٢٢ وفيه اختلاف .

(٢) تفسير البغوي معالم التنزيل ٢ : ١٨٨ .


 ( ومن زعم أنّ عثمان أراد بقوله : أرى فيه لحناً : أرى في خطّه لحناً إذا أقمناه بألسنتنا كان لحن الخط غير مفسد ولا محرّف من جهة تحريف الألفاظ وإفساد الإعراب ، فقد أبطل ولم يصب ؛ لأنّ الخط منبئ عن النطق ؛ فمن لحن في كتبه فهو لاحن في نطقه ، ولم يكن عثمان ليؤخّر فساداً في هجاء ألفاظ القرآن من جهة كتب ولا نطق ، ومعلوم أنّه كان مواصلاً لدرس القرآن ، متقناً لألفاظه ، موافقاً على ما رُسم في المصاحف المنفذة إلى الأمصار والنواحي )(١) .

وقال :

( أخرج ـ أي ابن أشتة ـ عن إبراهيم النخعي أنّه قال : آية و (إنّ هذين ساحران ) سواء ، لعلّهم كتبوا الألف مكان الياء ، والواو في قوله : (والصابئون ) و (الرّاسخون ) مكان الياء

قال ابن أشتة : يعني إنّه من إبدال حرف في الكتابة بحرف ، مثل الصّلاة والزّكاة والحياة .

وأقول :

هذا الجواب إنّما يحسن لو كانت القراءة بالياء فيها والكتابة بخلافها ، وأمّا والقراءة على مقتضى الرسم فلا )(٢) .

ثمّ ذكر السيوطي جواباً آخر جعله أقوى ما يجاب به ، قال :

( ثمّ قال ابن أشتة : أنبأنا محمّد بن يعقوب ، حدّثنا أبو داود سليمان بن الأشعث ، ثنا حميد بن مسعدة ، ثنا إسماعيل أخبرني الحارث بن عبد الرحمن ، عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر قال : لمّا فرغ من هذا المصحف أُتي به عثمان فنظر فيه ، فقال : أحسنتم وأجملتم ، أرى شيئاً سنقيمه بألسنتنا .

فهذا الأثر لا إشكال فيه وبه يتّضح معنى ما تقدّم ، فكأنّه عرض عليه

ـــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٣٢٢ .

(٢) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٣٢٤ ـ ٣٢٥ .


عقب الفراغ من كتابته ، فرأى فيه شيئاً كتب على غير لسان قريش ، كما وقع لهم في التابوت والتابوة ، فوعد بأنّه سيقيمه على لسان قريش ، ثمّ وفى بذلك عند العرض والتقويم ولم يترك شيئاً .

ولعلّ من روى الآثار السابقة عنه حرّفها ولم يتقن اللّفظ الذي صدر من عثمان ، فلزم منه ما لزم من الإشكال ، فهذا أقوى ما يجاب به عن ذلك ، ولله الحمد )(١) .

وأمّا أبو القاسم الراغب الأصفهاني ، فلم يرتض شيئاً من هذه الوجوه ، فقال:

( كأن القوم الذين كتبوا المصحف لم يكونوا قد حذقوا الكتابة ، فلذلك وضعت أحرف على غير ما يجب أن تكون عليه

وقيل : لمّا كتبت المصاحف وعرضت على عثمان فوجد فيها حروفاً من اللّحن في الكتابة قال : لا تغيّروها ، فإنّ العرب ستغيّرها ـ أو ستعربها ـ بألسنتها ولو كان الكاتب من ثقيف والممل من هذيل لم يوجد فيه هذه الحروف )(٢) .

عائشة : أخطأوا في الكتب !

وقال السيوطي في (الإتقان ) :

( قال أبو عبيد في فضائل القرآن : ثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن جدّه قال : سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله :( إِنْ هذَانِ لَسَاحِرَانِ ) وعن قوله :( وَالْمُقِيمِينَ الصّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزّكَاةَ ) وعن قوله :( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَالّذِينَ هَادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنّصَارَى ) قالت : يا ابن أخي هذا عمل

ـــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٣٢٣ ـ ٣٢٤ .

(٢) محاضرات الأُدباء ٢ : ٤٣٤ .


الكتّاب أخطأوا في الكتاب هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين )(١) .

وقال في (الدر المنثور ) :

( أخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي داود وابن المنذر عن عروة قال : سألت عائشة عن لحن القرآن :( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَالّذِينَ هَادُوا وَالصّابِئُونَ ) ( وَالْمُقِيمِينَ الصّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزّكَاةَ ) و ( إِنْ هذَانِ لَسَاحِرَانِ ) فقالت : يا ابن اُختي ! هذا عمل الكتّاب أخطأوا في الكتاب )(٢) .

وقال أبو عمرو الداني في (المقنع ) :

( نا الخاقاني قال : نا أحمد بن محمّد قال : نا علي بن عبد العزيز قال : نا أبو عبيد قال : نا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه قال : سألت عائشة ( رضي الله عنها ) عن لحن القرآن عن قول الله عزّ وجلّ :( إِنْ هذَانِ لَسَاحِرَانِ ) وعن قوله :

( وَالْمُقِيمِينَ الصّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزّكَاةَ)

وعن قوله تعالى :( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَالّذِينَ هَادُوا وَالصّابِئُونَ )

فقالت : يا ابن اُختي ! هذا عمل الكتّاب أخطأوا في الكتاب )(٣) .

والحقُّ : أن الحديث الصحيح المتقدّم ونحوه لا يمكن الجواب عنه بما ذكروه ، وهذا ما اعترف به الحافظ السيوطي بالتالي ؛ حيث قال بعد ذكر الأجوبة التي تقدّمت وما استحسنه من جوابه :

( وبعد ؛ فهذه الأجوبة لا يصح شيء منها عن حديث عائشة ؛ أمّا الجواب

ــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٣٢٠ .

(٢) الدر المنثور ٢ : ٧٤٤ ـ ٧٤٥ .

(٣) المقنع لأبي عمرو الداني : ١١٩ .


بالتضعيف ؛ فلأنّ إسناده صحيح كما ترى ، وأمّا الجواب بالرمز وما بعده ؛ فلأنّ سؤال عروة عن الأحرف المذكورة لا يطابقه )(١) .

ولقد أنصفالقاضي ثناء الله الهندي ـ وهو أكبر تلامذة شاه ولي الله ـ إذ خطّأ عائشة وجعل قولها خرقاً للإجماع ، حيث قال في (تفسيره ) في تفسير قوله تعالى :( إِنْ هذَانِ لَسَاحِرَانِ ) :

( واختلفوا في توجيهه ، فروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّه خطأ من الكاتب وهذا القول خطأ خارق للإجماع ) .

وكذا ابن السمين في تفسيره (الدر المصون ) حيث قال :

( ذهب جماعة ـ منهم عائشة ( رضي الله عنها ) وأبو عمرو ـ إلى أنّ هذا ممّا لحن فيه الكاتب وأُقيم بالصواب ، يعنون أنّه كان من حقّه أن يكتب بالياء ، فلم يفعل ولم يقرأه النّاس إلاّ بالياء على الصواب )(٢) .

وقال السيوطي في (الإتقان ) :

( تذنيب : يقرب ممّا تقدّم عن عائشة ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن أشتة في المصاحف ، من طريق إسماعيل المكّي عن أبي خلف مولى بني جمح : أنّه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة ، فقال : جئت أسألك عن آية من كتاب الله كيف كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرؤها

قالت : أيّة آيةٍ ؟

قال : الذين يؤتون ما آتوا أو الذين يأتون ما آتوا

فقالت : أيّهما أحبّ إليك ؟

قلت : والذي نفسي بيده لإحداهما أحبّ إليّ من الدنيا جميعاً

قالت : أيّهما ؟

قلت : الذين يأتون ما آتوا

فقالت : أشهد أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ـــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٣٢٤ .

(٢) الدر المصون تفسير ابن السمين ٥ : ٣٤ ـ ٣٥ .


كذلك كان يقرؤها وكذلك أُنزلت ولكن الهجاء حُرّف )(١) .

وقال في (الدر المنثور ) :

( أخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه ، وابن المنذر وابن أبي شيبة وابن الأنباري معاً في المصاحف ، والدّار قطني في الإفراد ، والحاكم وصحّحه وابن مردويه عن عبيد بن عميررضي‌الله‌عنه : أنّه سأل عائشة ( رضي الله عنها ) : كيف كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرأ هذه الآية : والذين يؤتون ما آتوا والذين يأتون ما آتوا ، فقالت : أيّتهما أحبّ إليك ؟

قلت : والذي نفسي بيده لإحداهما أحبّ إليّ من الدنيا جميعاً

قالت : أيّهما ؟

قلت : الذين يأتون ما آتوا

فقالت : أشهد أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كذلك كان يقرؤها ، وكذلك أُنزلت ولكن الهجاء حرّف )(٢) .

ابن عبّاس : أخطأ الكاتب

وقال في (الإتقان ) عاطفاً على ما تقدم :

( وما أخرجه ابن جرير وسعيد بن منصور في سننه من طريق سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس في قوله :

( حَتّى‏ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلّمُوا)

قال : إنّما هي خطأ من الكاتب : حتّى تستأذنوا وتسلّموا ؛ أخرجه ابن أبي حاتم بلفظٍ هو فيما أحسب ممّا أخطأ به الكتّاب )(٣) .

وأخرج الحاكم :

(عن مجاهد عن ابن عبّاس في قوله : ( لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى‏ تَسْتَأْنِسُوا)

ـــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٣٢٧ .

(٢) الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٦ : ١٠٦ وفيه : ابن اشته بدل ابن أبي شيبة .

(٣) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٣٢٧ .


قال : أخطأ الكاتب ، تستأذنوا )

ثمّ قال : ( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين )(١) .

وفي (الدر المنثور ) :

( أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف ، وابن مندة في غرائب شعبة والحاكم وصحّحه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان ، والضياء في المختارة من طرق عن ابن عبّاس ( رضي الله عنهما ) في قوله تعالى :( حَتّى‏ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلّمُوا عَلَى‏ أَهْلِهَا )

قال : أخطأ الكاتب ، إنّما هي : حتّى تستأذنوا )(٢) .

والعجب : أن الحكيم الترمذي يجعل هذا الحديث وأمثاله ـ ممّا أخرجه كبار الأئمّة كما عرفت وصحّحوه ـ من مكائد الزنادقة ، وفي ذلك فضيحة لثقات المحدثين ، بل لأعلام الصحابة وغيرهم من أركان الدين إنّه يقول :

( والعجب من هؤلاء الرواة ، أحدهم يروي عن ابن عبّاس أنّه قال في قوله :( حَتّى‏ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلّمُوا ) هو خطأ من الكاتب ، إنّما هو : تستأذنوا وتسلّموا ، وما أرى مثل هذه الروايات إلاّ من كيد الزنادقة في هذه الأحاديث ، إنّما يريدون أن يكيدوا الإسلام بمثل هذه الروايات ، فيا سبحان الله ، كان كتاب الله بين ظهرانيّ أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مَضِيعةٍ حتّى كتب الكتّاب فيها ما شاؤوا وزادوا ونقصوا !!

وروي عنه أيضاً أنّه قال : خطأ من الكتّاب قوله :( أَفَلَمْ يَيَأْسِ الّذِينَ آمَنوا أَن لَوْ يَشَاءُ اللّهُ لَهَدَي النّاسَ جَمِيعاً )

ـــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ٢ : ٣٩٦ .

(٢) الدر المنثور : ٦ : ١٧١ .


إنّما هو : أفلم يتبيّن ، فهذه اللُّغات إنّما يتغيّر معانيها بزيادة حرفٍ ونقصان حرف ، أفيحسب ذو عقلٍ أنّ أصحاب محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أهملوا أمر دينهم ، حتّى فوّضوا عهد ربّهم إلى كاتبٍ يخطئ فيه ، ثمّ يقرّه أبوبكر وعمر وأُبيّ بن كعب ( رضي الله عنهم أجمعين ) ، حيث جمعوه في خلافة أبي بكر ثمّ من بعده مرّةً أُخرى في زمن عثمان ـ رضي الله عنه ـ ) .

وقد أشار الحكيم إلى ما رواه السيوطي في (الإتقان ) إذ قال :

( وما أخرجه ابن الأنباري من طريق عكرمة عن ابن عبّاس أنّه قرأ : أفلم يتبيّن الذين آمنوا أن لو يشاء اله لهدى الناس جميعاً ، فقيل له : إنّها في المصحف : أفلم ييأس الذين آمنوا ، قال : أظنّ الكاتب كتبها وهو ناعس )(١) .

وهو في (الدر المنثور ) :

( أخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عبّاس ( رضي الله عنهما ) أنّه قرأ : أفلم يتبيّن الذين آمنوا ، فقيل له : إنّها في المصحف : أفلم ييأس الذين آمنوا ، فقال : أظنّ الكاتب كتبها وهو ناعس )(٢) .

ونصّ الحافظ ابن حجر على صحّته في (فتح الباري ) :

( روى الطبري وعبد بن حميد بإسنادٍ صحيح ، كلّهم من رجال البخاري ، عن ابن عبّاس أنّه كان يقرؤها : أفلم يتبيّن ، ويقول : كتبها الكاتب وهو ناعس )(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٣٢٧ .

(٢) الدر المنثور ٤ : ٦٥٣ .

(٣) فتح الباري في شرح البخاري ٨ : ٣٠٠ .


ثمّ تعرّض ابن حجر لإنكار من أنكر هذه الأحاديث وردّ عليهم بشدّة فقال :

( وأمّا ما أسنده الطبري عن ابن عبّاس ، فقد اشتدّ إنكار جماعة ممّن لا علم له بالرجال صحّته ، وبالغ الزمخشري في ذلك كعادته ـ إلى أن قال ـ وهي والله فِرية بلا مرية ، وتبعه جماعة بعده والله المستعان

وقد جاء عن ابن عبّاس نحو ذلك في قوله تعالى :( وَقَضَى‏ رَبّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ) أخرجه سعيد بن منصور بإسنادٍ جيّدٍ عنه

وهذه الأشياء وإن كان غيرها المعتمد ، لكنّ تكذيب المنقول بعد صحّته ليس من دأب أهل التحصيل ، فلينظر في تأويله بما يليق [ به ] )(١) .

وقد روى السيوطي ما ذكره ابن حجر :

( أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف ، من طريق سعيد بن جُبير عن ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه في قوله :( وَقَضَى‏ رَبّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ) قال : التزقت الواو بالصاد وأنتم تقرؤونها : وقضى ربّك .

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحّاك عن ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه مثله .

وأخرج أبو عبيد وابن منيع وابن المنذر وابن مردويه من طريق ميمون ابن مهران عن ابن عبّاس قال : أنزل الله هذا الحرف على لسان نبيّكم : ووصّى ربّك ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه ، فلصقت إحدى الواوين بالصاد فقرأ النّاس : وقضى

ـــــــــــــــــ

(١) فتح الباري في شرح البخاري ٨ : ٣٠٠ ـ ٣٠١ مع بعض الاختلاف .


ربّك ، ولو نزلت على القضاء ما أشرك به أحداً )(١) .

وفي (الإتقان ) :

( أخرج سعيد بن منصور من طريق سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس أنّه كان يقول في قوله :( وَقَضَى‏ رَبّكَ ) إنّما هي : ووصّى ربّك ، التزقت الواو بالصاد .

وأخرجه ابن أشتة بلفظ : استمدّ الكاتب مداداً كثيراً فالتزقت الواو بالصاد .

وأخرج هو من طريق الضحّاك عن ابن عبّاس أنّه كان يقرأ : ووصّى ربّك ، ويقول : أمر ربّك ، إنّهما واوان التصقت إحداهما بالصاد .

وأخرج من طريق أُخرى عن الضحّاك أنّه قال : كيف تقرأ هذا الحرف ؟

قال: وقضى ربّك ، قال : ليس كذلك نقرؤها نحن ولا ابن عبّاس ، إنّما هي : ووصّى ربّك ، كذلك كانت تُقرأ وتُكتب ، فاستمدّ كاتبكم فاحتمل القلم مداداً كثيراً فالتزقت الواو بالصاد ، ثمّ قرأ :( وَصّيْنَا الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) ولو كانت قضاء من الربّ لم يستطع أحد ردّ قضاء الربّ ، ولكنّه وصيّة أوصى بها العباد )(٢) .

وروى السيوطي في (الإتقان ) :

( وما أخرجه سعيد بن منصور وغيره من طريق عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عبّاس إنّه كان يقرأ : ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء ، ويقول : خذوا هذه الواو واجعلوها هاهنا : ( الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ) الآية .

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٥ : ٢٥٧ .

(٢) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٣٢٧ ـ ٣٢٨ مع اختلاف .


وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق الزّبير بن خرّيت ، عن عكرمة عن ابن عبّاس ، قال : إنزعوا هذه الواو فاجعلوها في :

( الّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ) (١) .

وفي (الدر المنثور ) :

( أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عبّاس ( رضي الله عنهما ) أنّه كان يقرأ : ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء ، ويقول : خذوا هذه الواو واجعلوها هاهنا في :( الّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ) (٢) .

وروى في (الإتقان ) :

( وما أخرجه ابن أشتة وابن أبي حاتم من طريق عطاء ، عن ابن عبّاس في قوله تعالى :( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ) قال : هي خطأ من الكاتب ، هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة ، إنّما هي :مثل نور المؤمن كمشكاة )(٣) .

وفي (الدر المنثور ) :

( أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس في قوله تعالى :( مَثَلُ نُورِهِ ) قال : هي خطأ من الكاتب ، هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة ، قال :مثل نور المؤمن كمشكاة )(٤) .

ثمّ حاول السيوطي تأويل هذه الروايات والدفاع عن رواتها :

( وقد أجاب ابن أشتة عن هذه الآثار كلّها : بأنّ المراد أخطأوا في الاختيار

ـــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٣٢٨ .

(٢) الدر المنثور ٥ : ٦٣٤ .

(٣) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٣٢٨ .

(٤) الدر المنثور ٦ : ١٩٧ .


وما هو الأولى بجمع الناس عليه من الأحرف السبعة ، لا أنّ الذي كُتب خطأ خارج عن القرآن .

قال : فمعنى قول عائشة (حرّف الهجاء ) أُلقي إلى الكاتب هجاء غير ما كان بالأولى أن يُلقى إليه من الأحرف السبعة .

قال : وكذا معنى قول ابن عبّاس : كتبها وهو ناعس ، يعنى فلم يتدبّر الوجه الذي هو أولى من الآخر ، وكذا سائرها )(١) .

وذكر مثل ذلك في رسالته (جزيل المواهب ) :

( ونظير ما قلناه من أنّ المذاهب كلّها صواب ، وأنّها من باب جائز وأفضل لا من باب صواب وخطأ : ما ورد عن جماعة من الصحابة في قراءات مشهورة أنّهم أنكروها على عثمان وقرؤوا غيرها

وأجاب العلماء عن إنكارهم بأنّهم أرادوا أنّ الأولى اختيار غيرها ، ولم يريدوا إنكار القراءة بها البتّة ، وقد عقدتُ لذلك فصلاً في الإتقان ) .

وقال في (الإتقان ) بعد العبارة السابقة :

( وأمّا قول ابن الأنباري ، فإنّه جنح إلى تضعيف الروايات ومعارضتها بروايات أُخر ، عن ابن عبّاس وغيره ، بثبوت هذه الأحرف في القرآن ، والجواب الأوّل أولى وأقعد )(٢) .

هذا ، وقد كان الأولى بالسّيوطي أن يترك التعرّض لمثل هذه الخرافات ، كما تركها ابن حجر ...

ثمّ جاء في (الإتقان ) ما هو الأعجب من ذلك ، حيث قال :

ـــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٣٢٨ ـ ٣٢٩ .

(٢) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٣٢٩ .


 ( قد حكى أبو عمر الزاهد في كتاب اليواقيت عن ثعلب إنّه قال : إذا اختلف الإعرابان في القرآن ، لم أُفضّل إعراباً على إعراب ، فإذا خرجتُ إلى كلام النّاس فضّلتُ الأقوى .

وقال أبو جعفر النحّاس : السلامة عند أهل الدّين إذا صحّت القرائتان أن لا يقال لإحداهما أجود ؛ لأنّهما جميعاً عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيأثم من قال ذلك ، وكان رؤساء الصحابة ( رضوان الله عليهم ) ينكرون مثل هذا .

وقال أبو شامة : أكثر المصنّفون من الترجيح بين قراءة مالك وملك ، حتّى أنّ بعضهم بالغ إلى حدٍّ يكاد يُسقط وجه القراءة الأُخرى ، وليس هذا بمحمودٍ بعد ثبوت القرائتين )(١) .

فإذا كان الترجيح إثماً فكيف بالتخطئة ، وقد عرفنا أنّ ابن عبّاس وعائشة وغيرهما قد خطّأوا آيات عديدة ؟

بل جاء في بعض الآثار الصحيحة أن ترجيح قراءةٍ على قراءةٍ يكاد يكون كفراً !

قال ابن حجر في كلامٍ له في جمع المصاحف :

( وقد جاء عن عثمان أنّه إنّما فعل ذلك بعد أن استشار الصّحابة ، فأخرج ابن أبي داود بإسنادٍ صحيح من طريق سويد بن غفلة قال : قال عليّ : لا تقولوا في عثمان إلاّ خيراً ، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلاّ عن ملإٍ منّا

قال : ما تقولون في هذه القراءة ، فقد بلغني أنّ بعضهم يقول إنّ قرائتي خير من قرائتك ، وهذا يكاد يكون كفراً

قلنا : فما ترى ؟

قال : أرى أن يجمع النّاس على مصحف واحد فلا يكون فرقة ولا اختلاف

قلنا : فنعم ما رأيت )(٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) الإتقان في علوم القرآن ١ : ٢٨١ .

(٢) فتح الباري ٩ : ١٥ .


هذا ، وفي (تفسير الثعلبي ) في قوله تعالى :( وَالْمُقِيمِينَ الصّلاَةَ ) :

( اختلفوا في وجه انتصابه ؛ فقالت عائشة وأبان بن عثمان : هو غلط من الكاتب ، ونظيره قوله :

( الّذِينَ آمَنُوا وَالّذِينَ هَادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنّصَارَى)

وقوله :( إِنْ هذَانِ لَسَاحِرَانِ ) (١) .

مجاهد والضحّاك وسعيد بن جُبير ...

وفي (الدر المنثور ) :

( أخرج عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى :

( وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النّبِيّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ)

قال : هي خطأ من الكتّاب ، وهي في قراءة ابن مسعود : ميثاق الذين أُوتوا الكتاب .

وأخرج ابن جرير عن الربيع أنّه قرأ : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أُوتوا الكتاب قال : وكذلك كان يقرؤها أُبيّ بن كعب

قال الربيع : ألا ترى إنّه يقول :

( ثُمّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنّ بِهِ وَلَتَنصُرُنّهُ ) لتؤمننّ بمحمّد ولتنصرنّه ، قال : هم أهل الكتاب )(٢) .

وفي (تفسير الثعلبي ) بتفسير الآية المتقدّمة :

( قال عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه : ( لم يبعث الله نبيّاً ، آدم ومن بعده ، إلاّ أخذ عليه العهد في محمّد ، وأمره بأخذ العهد على قومه ليؤمننّ به ، ولئن بعث وهم أحياء لينصرنّه )

وقال آخرون : إنّما أخذ الميثاق على أهل الكتاب الذين أرسل منهم النبيّون ؛ وهو قول مجاهد والربيع

قال مجاهد : هذا غلط من الكاتب ، وهي في قراءة ابن مسعود واُبيّ بن كعب : وإذ أخذ الله ميثاق الذين

ـــــــــــــــــ

(١) تفسير الثعلبي ٣ : ٤١٤ .

(٢) الدر المنثور ٢ : ٢٥٢ .


قالوا ، ألا ترى إلى قوله : ثمّ جاءكم )(١) .

وفي (الإتقان ) :

( وأخرج ـ أي ابن أشتة ـ من طريق أبي بشر عن سعيد بن جُبير أنّه كان يقرأ : والمقيمين الصّلاة ، ويقول : هو لحن من الكاتب )(٢) .

ثمّ نقل السيوطي عن ابن أشتة تأويلاً غريباً ، فقال :

( أمّا قول سعيد بن جُبير : لحن من الكاتب ، فعنى باللّحن القراءة واللّغة ، يعني : إنّها لغة الذي كتبها وقراءته ، وفيها قراءة أُخرى )(٣) .

واتّبع الضحاك ـ أيضاً ـ ابن عبّاس ، فقد جاء في (الدر المنثور ) :

( أخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن الضحّاك بن مزاحمرضي‌الله‌عنه أنّه قرأها (ووصّى ربّك ) قال : إنّهم ألصقوا إحدى الواوين بالصاد فصارت قافاً )(٤) .

والأقبح الأشنع من ذلك كلّه : قول بعضهم بأنّ في القرآن أغلاطاً لم يتنبّه إليها الرسول الكريم ولا جبريل الأمين فاستمع لما جاء في كتاب (اليواقيت والجواهر ) :

( كان حمزة الزيّات يقول : قرأ سورة يس على الحقّ تعالى حين رأيته ، فلمّا قرأت :( تَنزِيلَ الْعَزِيْزِ الرّحِيمِ ) بضمّ اللاّم فردّ عليّ الحقّ تعالى تنزيل بفتح اللام وقال : إنّي نزّلته تنزيلاً

وقال : قرأت عليه جلّ وعلا أيضاً سورة طه ، فلمّا بلغت إلى قوله تعالى :( وَأَنَا اخْتَرْتُكَ ) فقال تعالى : وإنّا

ـــــــــــــــــ

(١) تفسير الثعلبي ٣ : ١٠٥ .

(٢) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٣٢١ .

(٣) الإتقان في علوم القرآن ٢ : ٣٢٤ .

(٤) الدر المنثور ٥ : ٢٥٨ .


اخترناك )(١) .

ونعوذ بالله من هذه الاعتقادات الفاسدة ، في حق كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه !

موقف ابن مسعود

ومن العجائب : ما يروونه عن عبد الله بن مسعود ـ هذا الصحابي الجليل ـ بالنسبة إلى هذا القرآن الموجود ، فقد جاء في (جامع الأُصول ) :

( وزاد الترمذي : قال الزهري : فأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن مسعود أنّه ـ أي ابن مسعود ـ كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف ، وقال : يا معشر المسلمين أُعزل عن نسخ المصاحف ويتولاّها رجل ـ والله ـ لقد أسلمتُ وإنّه لفي صلب رجل كافر ـ يريد زيد بن ثابت ـ ولذلك قال عبد الله بن مسعود : يا أهل العراق اكتموا المصاحف التي عندكم وغلّوها فإنّ الله يقول :( وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) فالقوا الله بالمصاحف )(٢) .

وفي (فتح الباري ) :

( وفي رواية النسائي وأبي عوانة وابن أبي داود من طريق ابن شهاب ، عن الأعمش عن أبي وائل ، قال : خطبنا عبد الله بن مسعود على المنبر فقال :( وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) غلّوا مصاحفكم ، وكيف تأمرونني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت وقد قرأت مِن في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وفي رواية خمير بن مالك : بيان السبب في قول ابن مسعود هذا ، ولفظه : لمّا أمر بالمصاحف أن تُغَيَّر ، ساء ذلك عبد الله بن مسعود ، فقال : من استطاع ...

ـــــــــــــــــ

(١) اليواقيت والجواهر للشيخ عبد الوهاب الشعراني ١ : ١٦٢ .

(٢) جامع الأُصول ٢ : ٥٠٦/٩٧٥ ـ وانظر الترمذي ٥ : ٢٨٥/٣١٠٤ .


وقال في آخره : أفأترك ما أخذت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي رواية له : فقال : إنّي غال مصحفي فمن استطاع أن يغلّ مصحفه فليفعل .

وعند الحاكم من طريق أبي ميسرة قال : زحتُ فإذا أنا بالأشعري وحذيفة وابن مسعود ، فقال ابن مسعود : والله لا أدفعه ـ يعني مصحفه ـ أقرأني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فذكره )(١) .

وفي (مجمع البحار ) بتفسير قول ابن مسعود : (ومن يغلل ) :

( يعني : إنّ مصحفه ومصحف أصحابه كان مخالفاً لمصحف الجمهور ، فأنكر عليه النّاس وطلبوا إحراق مصحفه كما فعلوا ، فامتنع وقال لأصحابه : غُلّوا مصاحفكم أي اكتموها ، ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة ، وكفاكم به شرفاً ، ثمّ قال إنكاراً : ومن هو الذي تأمروني أن آخذ بقراءته وأترك مصحفي الذي أخذته مِن في رسول الله )(٢) .

هذا، وقد كان في مصحف ابن مسعود زيادة ونقصان بالنسبة إلى المصحف الموجود ، جاء ذلك في كلمات غير واحدٍ من أئمّة القوم ، كالقوشجي ؛ حيث قال مدافعاً عن عثمان في (شرح التجريد ) :

( أُجيب : بأن ضرب ابن مسعود إن صحّ فقد قيل : إنّه لمّا أراد عثمان أن يجمع النّاس على مصحفٍ واحد ، ويرفع الاختلاف بينهم في كتاب الله ، طلب مصحفه منه فأبى ذلك ، مع ما كان فيه من الزيادة والنقصان ، ولم يرض أن يجعل موافقاً لما اتّفق به أجلّة الصحابة ، فأدّبه عثمان لينقاد )(٣) .

وأبو الدرداء

وفي مصحف أبي الدرداء الصحابي ـ أيضاً ـ زيادة كما أخرج مسلم في (الصحيح ) : ( حدّثنا أبوبكر ابن أبي شيبة وأبو كُرَيب ـ واللفظ لأبي بكر ـ قال : حدّثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة قال : قَدِمنا الشام فأتانا أبو الدرداء فقال : فيكم أحد يقرأ على قراءة عبد الله ؟

ـــــــــــــــــ

(١) فتح الباري ٩ : ٣٩ .

(٢) مجمع البحار : ( غلّ ) .

(٣) شرح التجريد للقوشجي : ٣٧٥ .


فقلت : نعم أناقال : فكيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية : ( وَاللّيْلِ إِذَا يَغْشَى ) ؟

قال : سمعته يقرأ : والليل إذا يغشى والذكر والأُنثى

قال : أنا والله هكذا سمعت رسول الله يقرأ ، ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ (ما خلق ) فلا أُتابعهم )(١) .

وفي (صحيح مسلم ) أيضاً : ( وحدّثني علي بن حجر السعدي حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن داود ابن أبي هند ، عن الشعبي ، عن علقمة قال : لقيت أبا الدرداء فقال لي : ممّن أنت ؟

قلت : من أهل العراق

قال : من أيّهم ؟

قلت : من أهل الكوفة

قال : هل تقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود ؟

قال : قلت : نعم

قال : فاقرأ( وَاللّيْلِ إِذَا يَغْشَى ) فقرأت : والليل إذا يغشى والنّهار إذا تجلّى والذكر والأُنثى قال : فضحك ، ثمّ قال : هكذا سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرؤها )(٢) . وفي (صحيح البخاري ) :

( حدّثنا قبيصة بن عقبة قال : حدّثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة قال : دخلت في نفرٍ من أصحاب عبد الله الشام ، فسمع بنا أبو الدرداء فأتانا فقال : أفيكم من يقرأ ؟

فقلنا : نعم

قال : فأيّكم أقرأ ؟

فأشاروا إليّ

فقال : اقرأ ، فقرأت : والليل إذا يغشى والنّهار إذا تجلّى والذكر والأُنثى

فقال : أنت سمعتها من فيّ صاحبك ؟

ـــــــــــــــــ

(١) صحيح مسلم ١ : ٥٦٥ ـ ٥٦٦/٨٢٣ كتاب صلاة المسافرين الباب ٥٠ .

(٢) صحيح مسلم ١ : ٥٦٥ .


قلت : نعم

قال : وأنا سمعتها من فيّ النبيّ وهؤلاء يأبون علينا )(١) .

وفي (صحيح البخاري ) أيضاً : ( حدّثنا عمرو بن حفص ، حدّثنا أبي قاص : حدّثنا الأعمش ، عن إبراهيم قال : قَدِم أصحاب عبد الله على أبي الدرداء فطلبهم فوجدهم ، فقال : أيّكم يقرأ على قرائة عبد الله ؟

قال : كلّنا

قال : فأيّكم أحفظ ؟

فأشاروا إلى علقمة

قال : كيف سمعته يقرأ :( وَاللّيْلِ إِذَا يَغْشَى ) ؟

قال علقمة : والذكر والأُنثى

قال : أشهد أنّي سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرأ هكذا ، وهؤلاء يريدونني على أن أقرأ : ما خلق الذكر والأُنثى ، والله لا أُتابعهم )(٢)

وفي (صحيح الترمذي ) :

( حدّثنا هناد ، نا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم، عن علقمة ، قال : قَدِمنا الشام فأتانا أبو الدرداء ، فقال : أفيكم أحد يقرأ على قراءة عبد الله ؟

فأشاروا إليّ ، فقلت : نعم

قال : كيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية :( وَاللّيْلِ إِذَا يَغْشَى ) ؟

قال : قلت : سمعته يقرؤها : والليل إذا يغشى والذكر والأُنثى

فقال أبو الدرداء : وأنا والله هكذا سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يقرؤها ، وهؤلاء يريدونني أن أقرأها : [ و ] ما خلق ، فلا أُتابعهم .

هذا حديث حسن صحيح ، وهكذا قراءة عبد الله بن مسعود : والليل إذا

ـــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٦ : ٢١٠ .

(٢) صحيح البخاري ٦ : ٢١٠ ـ ٢١١ وفيه : عمر بن حفص .


يغشى والنّهار إذا تجلّى والذكر والأُنثى )(١) .

وجاء في كتاب (المحاضرات ) ما يلي :

( وقيل : أحرق عثمانرضي‌الله‌عنه مصحف ابن مسعود ، وإنّ ابن مسعودرضي‌الله‌عنه كان يقول : لو ملكت كما ملكوا لصنعت بمصحفهم مثل الذي صنعوا بمصحفي )(٢) .

أقول:

قد يُحمل بعض ما جاء في هذه الأخبار والآثار على اختلاف القراءة ، وبعضها الآخر على نسخ التلاوة ، ولكنَّ طرفاً كبيراً من ذلك لا يمكن حمله لا على النسخ ولا على القراءة ، كما هو واضحٌ لأهل العلم والتحقيق ، فهل يلتزم القوم بما جاء في هذه النصوص ؟!

ـــــــــــــــــ

(١) صحيح الترمذي ٥ : ١٩١/٢٩٣٩ كتاب القراءات ، الباب ٧ .

(٢) محاضرات الأُدباء ٢ : ٤٣٣ باختلاف يسير .


رجال الحديث والعرفان و ولادة الإمام المهدي صاحب الزمان

وأورد السيّد نصوص ما وقف عليه من عبارات أعلام أهل السنّة ، من عرفاء ومحدّثين ومؤرّخين ، في بلاد الهند وخارجها ، يصرّحون فيها بولادة الإمام المهدي ، وأنّه ابن الإمام الحسن العسكري ، من ولد الإمام أبي عبد الله الحسين الشهيد عليهم الصلاة والسلام ونحن ننقل تلك النصوص ، ونترجم لأصحابها ، تنويهاً بمقامهم وشأنهم بين أهل السنّة :

الشيخ عبد الوهاب الشعراني

قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه (لواقح الأنوار في طبقات الأخيار ) :

( ومنهم : الشيخ الصالح العابد الزاهد ، ذو الكشف الصحيح والحال العظيم ، الشيخ حسن العراقي ، المدفون فوق الكوم المطِل على بركة الرطلي ، كانرضي‌الله‌عنه عمّر نحو مائة سنة وثلاثين سنة ، ودخلت عليه مرّةً أنا وسيّدي أبو العبّاس الحرشي ، فقال : أُحدّثكم بحديثٍ تعرفون به أمري من حيث كنت شابّاً إلى وقتي هذا ؟

فقلنا : نعم .

فقال : كنت شابّاً أمرد ، أنسج العباء في الشام ، وكنت مسرفاً على نفسي ، فدخلت جامع بني أُميّة فوجدت شخصاً على الكرسي يتكلّم في أمر المهدي وخروجه ، فتشرّب حبّه قلبي وصرت أدعو في سجودي بأنّ الله يجمعني عليه ، فمكثت نحو سنة وأنا أدعو ، فبينما أنا بعد المغرب في الجامع إذ دخل عليّ شخص عليه عمامة كعمائم العجم ، وجبّة من وبر الجمال ، فجسّ بيده على كتفي وقال :

مالك بالاجتماع بي ؟

فقلت له : من أنت ؟

فقال : أنا المهدي

فقبّلت يده وقلت : أمض بنا إلى البيت .

فأجاب وقال : أخْلِ لي مكاناً لا يدخل عليّ فيه أحدٌ غيرك ، فأخليت له .


فمكث عندي سبعة أيّام ولقّنني الذكر ، وأمرني بصوم يوم وإفطار يوم ، وبصلاة خمسمائة ركعة في كلّ ليلة ، وأن لا أضع جنبي على الأرض للنوم إلاّ غلبة .

ثمّ طلب الخروج وقال لي : يا حسن ! لا تجتمع بأحد بعدي ويكفيك ما حصل لك منّي ، فما ثَمّ إلاّ دون ما وصل إليك منّي فلا تتحمّل من أحدٍ بلا فائدة .

فقلت : سمعاً وطاعة .

وخرجت أودّعه ، فأوقفني عند عتبة باب الدار وقال : من هنا .

فأقمت على ذلك سنين عديدة ـ إلى أن قال الشعراني بعد ذكر حكاية سياحة حسن العراقي ـ :

وسألت المهدي عن عمره ؟

فقال : يا ولدي ! عمري الآن ستمائة سنة وعشرون سنة ، ولي عنه الآن مائة سنة .

فقلت ذلك لسيّدي علي الخواصّ فوافقه على عمر المهدي ( رضي الله عنهما )(١) .

وقال في كتابه (اليواقيت والجواهر ) :

( المبحث الخامس والستّون : في بيان أنّ جميع أشراط الساعة التي أخبر بها الشارعصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حقّ لابدّ أن يقع كلّها قبل قيام الساعة ، وذلك كخروج المهدي ، ثمّ الدجّال ، ثمّ نزول عيسى ، وخروج الدابّة ، وطلوع الشمس من مغربها ، ورفع القرآن ، وفتح سدّ يأجوج ومأجوج ، حتّى لو لم يبق من الدنيا إلاّ

ـــــــــــــــــ

(١) لواقح الأنوار في طبقات الأخيار ٢ : ١٣٩ ترجمة الشيخ حسن العراقي .


مقدار يومٍ واحدٍ لوقع ذلك كلّه .

قال الشيخ تقي الدين بن أبي منصور في عقيدته : وكلّ هذه الآيات تقع في المائة الأخيرة من اليوم الذي وعد به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُمّته بقوله : إن صلحت أُمّتي فلها يوم وإن فسدت فلها نصف يوم ، يعني من أيّام الربّ المشار إليها بقوله :( وَإِنّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ ) .

وقال بعض العارفين : وأوّل الألف محسوب من وفاة عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه آخر الخلفاء ، فإنّ تلك المدّة كانت من جملة أيّام نبوّة رسول الله ورسالته ، فمهّد الله تعالى بالخلفاء الأربعة البلاد ، ومرادهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنْ شاء الله بالألف قوّة سلطان شريعته إلى انتهاء الألف ، ثمّ تأخذ في الاضمحلال إلى أن يصير الدين غريباً كما بدأ ، وذلك الاضمحلال يكون بدايته من مُضِىّ ثلاثين سنة من القرن الحادي عشر ، فهناك يُتَرَقَّب خروج المهدي ، وهو من أولاد الإمام حسن العسكري ، ومولدهعليه‌السلام ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين ، وهو باقٍ إلى أن يجتمع بعيسى بن مريمعليه‌السلام ، فيكون إلى وقتنا هذا ـ وهو سنة ثمان وخمسين وتسعمائة ـ سبعمائة سنة وست سنين ؛ هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي المدفون فوق كوم الريش المُطِلِّ على برْكة الرطلي بمصر المحروسة ، عن الإمام المهدي حين اجتمع به ووافقه على ذلك شيخنا سيّدي علي الخَوّاص ( رحمهما الله ) .

وعبارة الشيخ محي الدين في الباب السادس والستين وثلاثمائة من الفتوحات هكذا : واعلموا أنّه لابدّ من خروج المهديرضي‌الله‌عنه ، لكن لا يخرج حتّى تمتلئ الأرض جوراً وظلماً ؛ فيملؤها قسطاً وعدلاً ، ولو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد ، طوّل الله تعالى ذلك اليوم حتّى يلي هذا الخليفة .

وهو من عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ولد فاطمة ( رضي الله عنها ) ، جدّه الحسين بن علي بن أبي طالب ، ووالده حسن العسكري ابن الإمام عليّ النقي بالنون ابن محمّد التقي بالتاء ابن الإمام عليّ الرضا ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام الصادق ابن الإمام محمّد الباقر ابن الإمام زين العابدين عليّ بن الإمام الحسين ابن الإمام عليّ بن أبي طالب .


يواطئ اسمه اسم رسول الله .

يبايعه المسلمون ما بين الركن والمقام .

يشبه رسول الله في الخلق ـ بفتح الخاء ـ .

وينزل عنه في الخق ـ بضمّها ـ إذ لا يكون أحد مثل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أخلاقه والله تعالى يقول :

( وَإِنّكَ لَعَلَى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) .

هو أجلى الجبهة ، أقنى الأنف .

أسعد الناس به أهل الكوفة .

يقسم المال بالسويّة ، ويعدل في الرعيّة ، يأتيه الرجل ، فيقول : يا مهدي أعطني ، وبين يديه المال ، فيحثي له ما استطاع أن يحمله .

يخرج على فترة من الدين ، يزع الله به ما لا يزع بالقرآن .

يمسي الرجل جاهلاً وجباناً وبخيلاً فيصبح عالماً شجاعاً كريماً .

يمشي النصر بين يديه .

يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً .

يقفو أثر رسول الله ولا يخطي ، له ملك يُسدّده من حيث لا يراه ، يحمل الكل ، ويعين الضعيف ويساعد على نوائب الحقّ ، يفعل ما يقول ، ويقول ما يفعل ، ويعلم ما يشهد ، يصلحه الله في ليلة ، يفتح المدينة الروميّة بالتكبير مع سبعين ألف من المسلمين من ولد إسحاق ، يشهد الملحمة العظمى مأدبة الله بمرج عكاء ، يبيد الظلم وأهله ، ويقيم الدين ، وينفخ الروح في الإسلام ، يُعِزّ الله به الإسلام بعد ذلّه ، ويحييه بعد موته ، يضع الجزية ، ويدعو إلى الله بالسيف ، فمن أبى قتل ومن نازعه خُذِل ، يظهر من الدين ما هو عليه في نفسه حتّى لو كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيّاً لحكم به .

فلا يبقى في زمانه إلاّ الدّين الخالص عن الرأي ، يخالف في غالب أحكامه مذاهب العلماء فينقبضون منه لذلك ، لظنّهم أنّ الله تعالى لا يحدث بعد أئمّتهم مجتهداً .


وأطال في ذلك وفي ذكر وقائعه معهم ، ثمّ قال : واعلم أنّ المهدي إذا خرج يفرح جميع المسلمين خاصّتهم وعامّتهم ، وله رجال إلهيّون يقيمون دعوته وينصرونه ، وهم الوزراء له ، يتحمّلون أثقال المملكة ويعينونه على ما قلّد الله له.

ينزل عليه عيسى بن مريمعليه‌السلام بالمنارة البيضاء ، شرقيّ دمشق متّكياً على ملكين : ملك عن يمينه وملك عن شماله ، والنّاس في صلاة العصر ، فيتنحّى له الإمام من مكانه فيتقدّم ويصلّي بالنّاس يوم البأس بسنّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكسر الصليب ويقتل الخنزير .

ويقبض المهديّ طاهراً مطهّراً .

وفي زمانه يقتل السفياني عند شجرة بغُوطة دمشق ، ويخسف بجيشه في البيداء ، فمن كان مجبوراً من ذلك الجيش مكرهاً يحشر على نيّته ، وقد جاءكم زمانه وأظلّكم أوانه .

وقد ظهر في القرن الرابع اللاّحق بالقرون الثلاثة الماضية قرن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو قرن الصحابة ، ثمّ الذي يليه ، ثمّ الذي يلي الثاني ، ثمّ جاء بينها فترات وحدثت أُمور ، وانتشرت أهواء ، وسفكت دماء ، فاختفى إلى يجيء الوقت المعلوم ، فشهداؤه خير الشهداء وأُمناءه أفضل الأُمناء .

قال الشيخ محي الدين : وقد استوزر الله تعالى له طائفةً خبّأهم الحقّ له في مكنون غيبه ، أطلعهم كشفاً وشهوداً على الحقائق وما هو أمر الله عليه في عباده ، وهم على أقدام رجال من الصحابة الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، وهم من الأعاجم ليس فيهم عربيّ ، لكن لا يتكلّمون إلاّ بالعربيّة ، لهم حافظ من غير جنسهم ، ما عصى الله قطّ هو أخصّ الوزراء وأعلم )(١) .

ثمّ قال الشعراني بعد كلامٍ له :

( فإن قلت : فما صورة ما يحكم به المهدي إذا خرج ؟

هل يحكم بالنصوص أو بالإجتهاد أو بهما ؟

ـــــــــــــــــ

(١) اليواقيت والجواهر ٢ : ٤٢٢ ـ ٤٢٣ .


فالجواب كما قاله الشيخ محي الدين : إنّه يحكم بما ألقى إليه ملك الإلهام من الشريعة ، وذلك أن يلهمه الله الشرع المحمّديّ فيحكم به كما أشار إليه حديث المهدي : إنّه يقفو أثري ، فعرّفناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه متّبع لا مبتدع ، وأنّه معصوم في حكمه ، إذ لا معنى للمعصوم في الحكم إلاّ أنّه لا يخطئ ، وحكم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يخطئ ، فإنّه لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى ، وقد أخبر عن المهدي أنّه لا يخطئ وجعله ملحقاً بالأنبياء في ذلك الحكم .

قال الشيخ : فعلم أنّه يحرم على المهدي القياس مع وجود النصوص التي منحه الله إيّاها على لسان ملك الإلهام .

بل حرّم بعض المحقّقين على جميع أهل الله القياس ؛ لكون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مشهوداً لهم ، فإذا شكّوا في صحّة حديث أو حكم رجعوا إليه في ذلك فأخبرهم بالأمر الحقّ يقظةً ومشافهةً ، وصاحب هذا المشهد لا يحتاج إلى تقليد أحد من الأئمّة غير رسول الله ، قال الله تعالى :( قُلْ هذِهِ سَبِيلي أَدْعُوا إِلَى اللّهِ عَلَى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتّبَعَنِي ) وأطال في ذلك )(١) .

أقول : وفي النصوص المتقدّمة ، إقرار جماعةٍ من الأعلام بوجود المهديعليه‌السلام ، ولربّما يوجد فيها ما لا تساعد عليه الأدلّة .

ترجمة الشعراني

هو : الشيخ أبو المواهب عبد الوهّاب بن علي الشعراني المتوفّى سنة ٩٧٣ :

قال ابن المعاد ـ في وفيات السنة المذكورة ـ : وفيها : الشيخ عبد الوهّاب ابن أحمد الشعراوي الشافعي

قال الشيخ عبد الرؤف المناوي في طبقاته : هو شيخنا الإمام العامل ، العابد ، الفقيه ، المحدّث ، الأُصولي ، الصوفي المربّي ، المسلك ، من ذريّة محمّد بن الحنفيّة جدّ واجتهد ، فخفظ عدّة متون وعرض ما حفظ على علماء عصره .

ثمّ شرع في القراءة وحبّب إليه الحديث ، فلزم الاشتغال به والأخذ عن أهله ، ومع ذلك ، لم يكن عنده جمود المحدّثين ولا لدونة النقلة ، بل هو

ـــــــــــــــــ

(١) اليواقيت والجواهر ٢ : ٤٢٤ ـ ٤٢٥ .


فقيه النظر صوفي الخبر ...

ثمّ أقبل على الاشتغال بالطريق فجاهد نفسه مدّةً وقطع العلائق الدنيويّة ، ومكث سنين لا يضطجع على الأرض ليلاً ولا نهاراً ، بل اتّخذ له حبلاً بسقف خلوته يجعله في عنقه ليلاً حتى لا يسقط ، وكان يطوي الأيّام المتوالية ويديم الصوم حتّى قويت روحانيّته ، فصار يطير من صحن الجامع الغمري إلى سطحه ...

ثمّ تصدّى للتصنيف ، فألّف كتباً ...

وحسده طوائف ، فدسّوا عليه كلمات يخالف ظاهرها الشرع ، وعقائد زائفة ومسائل تخالف الإجماع ، وأقاموا عليه القيامة وشنّعوا وسبّوا ورموه بكلّ عظيمة ، فخذلهم الله وأظهره عليهم .

وكان مواظباً على السنّة ، مبالغاً في الورع ، مؤثراً ذوي الفاقة على نفسه ...

ومن كلامه : دوروا مع الشرع كيف كان لا مع الكشف فإنّه قد يخطئ )(١) .

الشيخ المودودي

وتبعهم الشيخ علي أكبر بن أسد الله المودودي وهو من علمائهم المتأخرين ، فإنّه قال في (المكاشفاتِ ـ حاشية النفحات ) بترجمة علي بن سهل بن ألأزهر الأصفهاني :

( ولقد قالوا : إنّ عدم الخطأ في الحكم مخصوص بالأنبياء آكد الخصوصيّة ، والشيخ رضي الله عنه يخالفهم في ذلك ؛ لحديثٍ ورد في شأن

ـــــــــــــــــ

(١) شذرات الذهب في أخبار من ذهب ٨ : ٣٧٢ ـ ٣٧٤ .


الإمام المهدي الموعود على جدّه وعليه الصلاة والسلام ، كما ذكر ذلك صاحب اليواقيت عنه ، حيث قال : صرّح الشيخرضي‌الله‌عنه في الفتوحات : بأنّ الإمام المهدي يحكم بما ألقى إليه ملك الإلهام من الشريعة ؛ وذلك أنّه يلهمه الشرع المحمّدي ، فيحكم به كما أشار إليه حديث المهدي إنّه يقفو أثري لا يخطيء ، فعرّفناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه متّبع لا مبتدع ، وأنّه معصوم في حكمه ، إذ لا معنى للمعصوم في أمرٍ إلاّ أنّه لا يخطي ، وحكم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يخطيء فإنّه لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يُوحى ، وقد أخبر عن المهدي أنّه لا يخطيء وجعله ملحقاً بالأنبياء في ذلك الحكم ، وأطال صاحب اليواقيت في ذلك نقلاً عن الشيخرضي‌الله‌عنه وعن غيره من العلماء والفضلاء من أهل السنّة والجماعة .

وقال ( رحمة الله عليه ) في المبحث الحادي والثلاثين ، في بيان عصمة الأنبياء من كلّ حركةٍ وسكون وقولٍ وفعلٍ ينقص مقامهم الأكمل ؛ وذلك لدوام عكوفهم في حضرة الله تعالى الخاصّة ؛ فتارة يشهدونه سبحانه وتارة يشهدون أنّه يراهم ولا يرونه ، ولا يخرجون أبداً عن شهود هذين الأمرين ، ومن كان مقامه كذلك ، لا يتصوّر في حقّه مخالفة قطّ ، صوريّة كما سيأتي بيانه ، وتسمّى هذه :حضرة الإحسان ، ومنها عصم الأنبياء وحفظ الأولياء ؛ فالأولياء يخرجون ويدخلون ، والأنبياء مقيمون ، ومن أقام فيها من الأولياء كسهل بن عبد الله التستري وسيّدي إبراهيم المتبولي ، فإنّما ذلك بحكم الإرث والتبعيّة للأنبياء ، استمداداً من مقامهم لا بحكم الاستقلال فافهم .

ثمّ قال في المبحث الخامس والأربعين :

قد ذكر الشيخ أبو الحسن الشاذليرضي‌الله‌عنه : إنّ للقطب خمسة عشر علامة : أن يمدّد بمدد العصمة والرحمة والخلافة والنيابة ومدد حملة العرش ، ويكشف له عن حقيقة الذات ، وإحاطة الصفات إلى آخره ؛ فبهذا صحّ مذهب من ذهب إلى كون غير النبي معصوماً ، ومن قيّد العصمة في زمرةٍ معدودةٍ ونفاها عن غير تلك الزمرة فقد سلك مسلكاً آخر ، وله أيضاً وجه يعلمه من علمه ، فإنّ الحكم بكون المهدي الموعودرضي‌الله‌عنه موجوداً وهو كان قطباً بعد أبيه الحسن العسكريعليهما‌السلام ، كما


كان هو قطباً بعد أبيه ، إلى الإمام عليّ بن أبي طالب كرّمنا الله بوجوههم ، يشير إلى صحّة حصر تلك الرتبة في وجوداتهم ، من حين كان القطبيّة في وجود جدّه عليّ بن أبي طالب ، إلى أن تتمّ فيه لا قبل ذلك ، فكلّ قطبٍ فرد يكون على تلك الرتبة نيابة عنه لغيبوبته عن أعين العوام والخواصّ لا عن أعين أخصّ الخواص ، وقد ذكر ذلك عن الشيخ صاحب اليواقيت وعن غيره أيضاً ( رضي الله عنه وعنهم ) ، فلابدّ أن يكون لكلّ إمام من الأئمّة الاثنى عشر عصمة ؛ خذ هذه الفائدة .

قال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي في المبحث الخامس والستين : قال الشيخ تقي الدين بن أبي المنصور في عقيدته ، بعد ذكر تعيين السنين للقيامة : فهناك يترقّب خروج المهديعليه‌السلام ، وهو من أولاد الإمام الحسن العسكري ، ومولدهعليه‌السلام ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين ، وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى بن مريمعليهما‌السلام ، فيكون عمره إلى وقتنا هذا ـ وهو سنة ثمان وخمسين وتسعمائة ـ سبعمائة سنة وست سنين ؛ هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي عن الإمام المهدي حين اجتمع به ، ووافقه على ذلك شيخنا سيّدي علي الخواص ( رحمه الله تعالى ) .

وعبارة الشيخ محي الدين في الباب السادس والسبعين وثلاثمائة من الفتوحات : واعلموا أنّه لابدّ من خروج المهديعليه‌السلام ، ثمّ قال : وهو من عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، من ولد فاطمة ( رضي الله عنها ) ، جدّه الحسين بن علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه ، ووالده الحسن العسكري ابن الإمام عليّ النقي بالنون ابن الإمام التقي بالتاء ابن الإمام عليّ الرضا ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمّد الباقر ابن الإمام زين العابدين ابن الإمام الحسين ابن الإمام عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، يواطئ اسمه اسم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


ثمّ عَدَّرضي‌الله‌عنه نبذةً من شيم المهدي وأخلاقه النبويّة ، التي تكون فيه على جدّه وعليه الصلاة والسلام ، ونحن نذكرها في أحوال العارف الجندي ( قدّس سرّه ) إن شاء الله تعالى )(١) .

الخواجه محمّد پارسا

وقال الخواجا السيد محمّد پارسا في كتاب (فصل الخطاب ) :

( ولمّا زعم أبو عبد الله جعفر بن أبي الحسن علي الهاديرضي‌الله‌عنه أنّه لا ولد لأخيه أبي محمّد الحسن العسكريرضي‌الله‌عنه ، وادّعى أنّ أخاه الحسن العسكريرضي‌الله‌عنه جعل الإمامة فيه سمّي : الكذّاب ، وهو معروف بذلك ، والعقب من ولد جعفر بن علي هذا في علي بن جعفر ، وعقب علي هذا في ثلاثة : عبد الله وجعفر وإسماعيل .

وأبو محمّد الحسن العسكري ولده محمّد ( رضي الله عنهما ) معلوم عند خاصّة أصحابه وثقات أهله .

ـــــــــــــــــ

(١) المكاشفات في الحاشية على نفحات الأنس ـ ترجمة علي بن سهل الأصبهاني .


ويروى أنّ حكيمة بنت أبي جعفر محمّد الجوادرضي‌الله‌عنه عمّة أبي محمّد الحسن العسكريرضي‌الله‌عنه كانت تحبّه وتدعو له وتتضرّع أن ترى له ولداً ، وكان أبو محمّد الحسن العسكري اصطفى جاريةً يُقال لها نرجس ، فلمّا كان ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين ، دخلت حكيمة فدعت لأبي محمّد الحسن العسكري ، فقال لها :يا عمّة ! كوني الليلة عندنا لأمر ، فأقامت كما رسم ، فلمّا كان وقت الفجر اضطربت نرجس ، فقامت إليها حكيمة ، فلمّا رأت المولود أتت به أبا محمّد الحسن العسكريرضي‌الله‌عنه وهو مختون مفروغ منه ، فأخذه وأمرّ يده على ظهره وعينيه وأدخل لسانه في فمه وأذّن في أُذنه اليمنى وأقام في الأُخرى ، ثمّ قال :يا عمّة ! اذهبي به إلى أُمّه ، فذهبت به وردّته إلى أُمّه .

قالت حكيمة : فجئت إلى أبي محمّد الحسن العسكريرضي‌الله‌عنه ، فإذا المولود بين يديه في ثيابٍ صفر ، وعليه من البهاء والنور ما أخذ بمجامع قلبي ، فقلت : سيّدي ، هل عندك من علمٍ في هذا المولود المبارك فتلقيه إليّ ؟

فقال :( أي عمّة ! هذا المنتظر ، هذا الذي بُشّرنا به )

فقالت حكيمة : فخررت لله تعالى ساجدةً شكراً على ذلك .

قالت : ثمّ كنت أتردّد إلى أبي محمّد الحسن العسكريرضي‌الله‌عنه ، فلمّا لم أره فقلت له يوماً : يا مولاي ! ما فعل سيّدنا ومنتظرنا ؟

قال :استودعناه الذي استودعته أُمّ موسى ابنها )(١) .

ـــــــــــــــــ

(١) انظر : ينابيع المودّة ٣ : ١٧١ عن كتاب فصل الخطاب .


ترجمة خواجه پارسا

هو : الحافظ محمّد بن محمّد بن محمود البخاري المعروف بخواجة پارسا ، المتوفّى سنة ٨٢٢ .

قال الكفوي في كتابه في تراجم فقهاء الحنفيّة :

( محمّد بن محمّد بن محمود الحافظي البخاري المعروف بخواجه محمّد پارسا ، أعزّ خلفاء الشيخ الكبير خواجة بهاء الدين نقشبند ...

ولد سنة ٧٥٦ ، وقرأ العلوم على علماء عصره ، وكان قد بهر على أقرانه في دهره ، وحصّل الفروع والأُصول ، وبرع في المعقول والمنقول وكان شابّاً .

أخذ الفقه عن قدوة وبقيّة أعلام الهدى الشيخ الإمام العارف الولي أبي الطاهر محمّد بن الحسن بن علي الطاهر ، وأخذ الفروع والأُصول عن المولى العالم الكامل إلياس بن يحيى بن حمزة الرّومي ) .

وقال صاحب حبيب السير :

( كان من أولاد عبد الله بن جعفر الطيّار ، توجّه في المحرّم سنة ٨٢٢ لأداء فريضة الحج وزيارة قبر خير الأنام عليه الصلاة والسلام ...

وبعد أن وصل إلى مكّة وفرغ من المناسك ، مرض مرضاً شديداً فتوجّه إلى المدينة المنوّرة ودخلها في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شهر ذي الحجّة ، وتوفّي في يوم الخميس ، فصلّى عليه مولانا شمس الدين الفناري ، ودفن بجوار العبّاس ـ عليه السلام ـ ) .

الشيخ عبد الرحمان الجامي

والشيخ عبد الرحمان بن أحمد الجامي في كتابه (شواهد النبوّة ) :

ذكر المهدي خلف الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ، بعنوان الإمام الثاني عشر ، فأورد جملةً من غرائب حالاته عند ولادته ، من قبيل عدم ظهور آثار الحمل على والدته الكريمة ، وأنّه عندما ولد خرَّ ساجداً لله عزّ وجلّ ، وقرأ قوله تعالى :

( وَنُرِيدُ أَن نّمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) في حال السجدة إلى غير ذلك .


وقد نصّ الشيخ الجامي على أنّه هو الإمام والخليفة بعد والده الإمام الحسن العسكري ، وذكر أنّ خليفة الوقت قد أرسل رجالاً إلى بيت الإمام للقبض عليه ، وقد أمرهم بقتل كلّ من يجدونه هناك ، وأنّه قد ظهرت المعجزة من الإمام صاحب الزمان في غرق اثنين منهم ، وقد رأوهعليه‌السلام واقفاً على الماء يصلّي لله عزّ وجلّ .

وبعد هذا كلّه ، حكى خبر حكيمة عمّة الإمامعليه‌السلام ، وما رأته من الكرامات قبل ولادته وبعدها بالتفصيل ...

ثمّ أورد النصوص على إمامته عن والده الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام .

ترجمة الجامي

هو : عبد الرحمان بن أحمد الجامي المتوفّى سنة ٨٩٨ ، ترجم له ابن العماد في شذراته ٨ /٣٦٠ والشوكاني في البدر الطالع ١ /٣٢٧ واللكهنوي في

الفوائد البهيّة في طبقات الحنفيّة : ٨٦ قال ابن العماد :

( وفيها : الإمام العارف بالله تعالى عبد الرحمان بن أحمد الجامي ، ولد بـ ( جام ) من قصبات خراسان ، واشتغل بالعلوم العقليّة والشرعيّة فأتقنها ، ثمّ صحب مشايخ الصوفيّة وتلقّى الذكر من الشيخ سعد الدين كاشغرى ، وصحب خواجة عبيد الله السمرقندي وانتسب إليه أتم الانتساب وكان مشتهراً بالفضائل ، وبلغ صيت فضله الآفاق وسارت بعلومه الركبان ...

وكان ( رحمه الله تعالى ) أُعجوبة دهره علماً وعملاً وأدباً وشعراً .

وله مؤلّفات جمّة وله كتابشواهد النبوّة ـ بالفارسيّة ـ وكتاب :نفحات الأُنس ، بالفارسيّة أيضاً ، وكتابسلسلة الذهب ، حطّ فيه على الرافضة وكلّ تصانيفه مقبولة ) .

الشيخ عبد الحق الدهلوي

وكذلك ذكر الشيخ عبد الحق المحدّث الدهلوي ، في رسالته في (مناقب الأئمّة الأطهار ) حيث ذكره بعنوان الإمام الثاني عشر ، وأنّه معروف عند خواصّ أصحابه وثقات أهله .

ثمّ أورد خبر ولادته عن السيّدة حكيمة عمّته ...


ترجمة عبد الحق الدهلوي

هو : الشيخ أبو المجد عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي ، المتوفّى سنة ١٠٥٢ :

قال الصّديق حسن خان بترجمته من كتاب (أبجد العلوم ) : ( هو المتضلّع في الكمال الصوري والمعنوي ، رزق من الشهرة قسطاً جزيلاً ، وأثبت المؤرّخون ذكره إجمالاً وتفصيلاً ، حفظ القرآن ، وجلس على مسند الإفادة وهو ابن ٢٢ سنة ، ورحل إلى الحرمين الشريفين وصحب الشيخ عبد الوهّاب المتقي خليفة الشيخ علي المتقي ، واكتسب علم الحديث ، وعاد إلى الوطن واستقرّ به ٥٢ سنة بجمعيّة الظاهر والباطن ، ونشر العلوم ، وترجم كتاب المشكاة بالفارسي وكتب شرحاً على سفر السعادة ، وبلغت تصانيفه مائة مجلّد .

ولد في محرّم سنة ٩٥٨ وتوفّي سنة ١٠٥٢ .

وأخذ الخرقة القادريّة من الشيخ موسى القادري من نسل الشيخ عبد القادر الجيلاني .

وكان له اليد الطولى في الفقه الحنفي ) .

السيد جمال الدين الممحدّث

وقال السيد جمال الدين المحدّث الشيرازي في كتاب (روضة الأحباب ) :

( الكلام في بيان الإمام الثاني عشر المؤتمن محمّد بن الحسن ) فذكر ولادته واسم والدته وأسمائه وألقابه ، فاسمه إسم جدّه رسول الله وكنيته كنيته ، وألقابه : المهدي المنتظر ، والخلف الصالح ، وصاحب الزمان .

قال : ( وكان عمره عند وفاة والده ـ في أحد القولين وهو الأقرب ـ خمس سنوات ، وعلى القول الآخر سنتين ، وقد أتاه الله الحكمة في حال الطفولة كيحيى وزكريّا ، وبلغ مرتبة الإمامة في حال الصبا ) .


قال : ( وقد غاب عن الأنظار ، في زمن المعتمد ، سنة خمس وستين أو ست وستّين ومائتين ، على اختلاف القولين ، في سردابٍ في سرّ من رأى ) .

أقول :

وبهذه التصريحات يسقط قول المنكر أو المشكّك في ولادة الإمام المهدي وأنّه الإمام الثاني عشر من الأئمّة الاثني عشر بعد رسول الله ( صلَّى الله عليه وآله ) .

ثمّ أورد طائفةً من الأحاديث الواردة في المهدي ، وجعل الإمامعليه‌السلام هو المصداق لتلك الأحاديث كالحديث عن جابر بن عبد الله الأنصاري في نزول قوله تعالى :( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ )

قال سألته : قد عرفنا الله والرسول ، فمن أُولوا الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( هُم خلفائي من بعدي : أوّلهم عليّ بن أبي طالب ، ثمّ الحسن ، ثمّ الحسين ، ثمّ عليّ بن الحسين ، ثمّ محمّد بن علي المعروف في التوراة بالباقر وستدركه يا جابر ، فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام .

ثمّ الصادق ، ثمّ جعفر بن محمّد ، ثمّ موسى بن جعفر ، ثمّ عليّ بن موسى ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ عليّ بن محمّد ، ثمّ الحسن بن عليّ ، ثمّ حجّة الله في أرضه وبقيّته في عباده محمّد بن الحسن بن علي.

ذلك الذي يفتح الله عزّ وجلّ علي يديه مشارق الأرض ومغاربها .

وذلك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبةً لا يبيت فيها على القول بإمامته إلاّ من امتحن الله قلبه للإيمان

قال جابر : فقلت له : يا رسول الله ، فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته ؟

فقال :إي والذي بعثني بالنبوّة ، إنّهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع النّاس بالشمس وإن علاها سحاب ) .

ثمّ ذكر عقيدته في الإمام المهدي بكلّ صراحةٍ ، فنصّ على ما تقول به الطائفة الإماميّة بلا فرق .

ثمّ إنّه جعل يدعو الله عزّ وجلّ ، في أنْ يعجّل الفرج للإمام ، ويظهره لبسط العدل ، وتطبيق أحكام الإسلام .


ترجمة الجمال المحدّث الشيرازي

هو : السيّد جمال الدين عطاء الله ابن السيّد غياث الدين فضل الله ابن السيّد عبد الرحمان المعروف بالمحدّث الشيرازي ، المتوفّى سنة ٩٢٦ كما في معجم المؤلّفين ٦/٢٨٥ ، قال :

( عطاء الله بن محمود بن فضل الله بن عبد الرحمان الشيرازي ، الحسيني ، الدشتكي ، نزيل هراة ، جمال الدين فاضل من آثاره : تكميل الصناعة في القوافي ) .

وفي كشف الظنون ١/٩٢٢ :

( روضة الأحباب في سير النبي والآل والأصحاب ، فارسي ، لجمال الدين عطاء الله بن فضل الله الشيرازي النيسابوري المتوفّى سنة ١٠٠٠ ـ ٩٢٦ ، ألّفه في مجلّدين بالتماس الوزير أمير علي شير بعد الإستشارة مع استاذه وابن عمّه السيّد أصيل الدين عبد الله ) .


الشيخ أبو عبد الله الكنجي

وقال الشيخ أبو عبد الله محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي في كتاب (البيان في أخبار صاحب الزمان ) :

 ( من الدلالة على كون المهدي باقياً منذ غيبته إلى الآن : أنّه لا امتناع في بقائه كبقاء عيسى بن مريم والخضر وإلياس من أولياء الله ، وبقاء الأعور الدجّال وإبليس اللعين من أعداء الله ، وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسنّة )(١) .

ترجمة الكنجي الشافعي

هو : أبو عبد الله محمّد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي المقتول سنة ٦٥٨ ، بسبب روايته أخبار مناقب أمير المؤمنينعليه‌السلام وسط جامع دمشق ، وكان حافظاً للحديث ، راويةً للأخبار ، مطّلعاً في العلوم ، وقد اعترف بمقامه العلمي مترجموه ، ذاكرين السبب في مقتله متبجّحين بذلك

أُنظر حوادث السنة المذكورة من تاريخ ابن كثير ، والنجوم الزاهرة ، وغيرهما من المصادر .

سبط ابن الجوزي

وقال الحافظ سبط ابن الجوزي الحنفي في كتاب (تذكرة خواص الأمّة ) :

( هو محمّد بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام ، وكُنيته أبو عبد الله وأبو القاسم ، وهو الخلف الحجّة صاحب الزمان القائم والمنتظر الباقي ، وهو آخر الأئمّة )(٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) البيان في أخبار صاحب الزمان ط مع كفاية الطالب : ٥٢١ مع اختلاف .

(٢) تذكرة خواص الأُمّة في معرفة الأئمّة : ٣٢٥ .


ترجمة سبط ابن الجوزي

هو : شمس الدين يوسف سبط أبي الفرج ابن الجوزي ، توفي سنة ٦٥٤ أو ٦٥٦ ، وصفوه بالإمام ، الحافظ ، الواعظ ، المؤرّخ ، الفقيه ، الحنفي ، كما في جامع مسانيد أبي حنيفة ١ /٧٠ ، وفيات الأعيان ٣/١٤٢ ، العبر ومرآة الجنان وتاريخ أبي الفداء وغيرها في حوادث سنة ٦٥٤ .

ابن الصبّاغ المالكي

وقال نور الدين علي بن محمّد المعروف بابن الصبّاغ المالكي في كتاب (الفصول المهمّة ) :

( الفصل الثاني عشر : في ذكر أبي القاسم محمّد الحجّة الخلف الصالح ابن أبي محمّد الحسن الخالص ـ وهو الإمام الثاني عشر ـ وتاريخ ولادته ، ودلائل إمامته ، وذكر طرف من أخباره وغيبته ، ومدّة قيام دولته ، وذكر نسبه وكنيته ولقبه وغير ذلك )(١) .

ثمّ قال بعد كلامٍ له :

( وروى ابن الخشّاب في كتابه مواليد أهل البيت يرفعه بسنده إلى عليّ ابن موسى الرضاعليه‌السلام أنّه قال :

( الخلف الصالح من ولد أبي محمّد الحسن بن علي ، وهو صاحب الزمان والقائم المهدي ) .

وأمّا النصّ على إمامته من جهة أبيه ، فروى محمّد بن عليّ بن بلال قال : خرج إليّ أمر أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكري قبل مضيّه بسنتين ،

ـــــــــــــــــ

(١) الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة : ٢٩١ .


يخبرني بالخلف من بعده ، ثمّ خرج إليّ قبل مضيّه بثلاثة أيّام يخبرني بالخلف بأنّه ابنه من بعده .

وعن أبي هاشم الجعفري قال : قلت لأبي محمّد الحسن بن علي : جلالتك تمنعني من مسألتك ، أفتأذن لي أن أسألك ؟

فقال : سل فقلت : يا سيّدي ! هل لك ولد ؟

قال : نعم

قلت : فإن حدث حادث فأين أسأل عنه ؟

قال : بالمدينة .

ولد أبو القاسم محمّد الحجّة بن الحسن الخالص بسرّ من رأى ، ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين للهجرة )(١) .

قال : ( وهذا طرفٌ يسيرٌ ممّا جاء من النصوص الدالّة على الإمام الثاني عشر عن الأئمّة الثقات ، والروايات في ذلك كثيرة ، والأخبار شهيرة ، أضربنا عن ذكرها ، وقد دوّنها أصحاب الحديث في كتبهم واعتنوا بجمعها )(٢) .

ثمّ أورد نصوصاً كثيرةً من الأحاديث ، فقال :

( قال الشيخ أبو سعيد محمّد بن يوسف بن محمّد الكنجي الشافعي في كتابه البيان في أخبار صاحب الزمان : من الدلالة على كون المهدي حيّاً باقياً ، منذ غيبته إلى الآن ، أنّه لا امتناع في بقائه كبقاء عيسى )(٣) .

ثمّ قال في آخر المبحث :

( قال بعض علماء أهل الأثر : المهدي هو القائم المنتظر ، وقد تعاضدت

ـــــــــــــــــ

(١) الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة : ٢٩٢ .

(٢) الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة : ٢٩٣ .

(٣) الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة : ٢٩٩ .


الأخبار على ظهوره وتظاهرت الروايات على إشراق نوره ، وسيستسفر ظلمة الأيّام والليالي بسفوره ، وتنجلي برؤيته الظُلَمُ انجلاء الصباح عن ديجوره ، ويخرج من أسرار الغيبة فيملأ القلوب بسروره )(١) .

وقال بترجمة الإمام العسكريعليه‌السلام :

( وخلّف أبو محمّد الحسن ـ رضي الله عنه ـ من الولد : ابنه الحجّة القائم المنتظر لدولة الحقّ ، وكان قد أُخفي مولده وسُتر أمره لصعوبة الوقت ، وخوف السلطان ، وتطلّبه للشيعة وحبسهم والقبض عليهم )(٢) .

ترجمة ابن الصبّاغ المالكي

هو : الشيخ علي بن محمّد المالكي المكّي المتوفّى سنة ٨٥٥ ، ترجم له الحافظ السخاوي في الضوء اللامع ٥/٢٨٣ وذكر له كتاب (الفصول المهمّة لمعرفة الأئمّة )

وترجم له في معجم المؤلّفين ٧/١٧٨ قال : فقيه مالكي ، وذكر له الكتاب .

الشيخ كمال الدين ابن طلحة الشافعي

وقال الشيخ كمال الدين ابن طلحة الشافعي في كتاب (مطالب السئول ) :

( الباب الثاني عشر ، في أبي القاسم محمّد الحجّة ابن الحسن الخالص ابن عليّ المتوكّل ابن محمّد القانع ابن عليّ الرضاعليهم‌السلام ...

ـــــــــــــــــ

(١) الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة : ٣٠٣ .

(٢) الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة : ٣٩٠ .


فـهذا الـخلف الـحجّة قـد أيّـده الله

هـداه مـنهج الـحقّ وآتـاه سـجاياه

وأعـلى فـي ذرى الـعليا بالتأيد مرقاه

وآتـاه حـلي فـضلٍ عـظيمٍ فـتحلاّه

وقـد قـال رسـول الله قولاً قد رويناه

وذو الـعلم بـما قـال إذا أدرك مـعناه

يـرى الآثار في المهدي جاءت بمسمّاه

وقـد أبـداه بـالنسبة والوصف وسمّاه

ويـكفي قـوله مـنّي لإشـراق محيّاه

ومـن بـضعته الزهراء مرساه ومسراه

ولـن يـبلغ مـا أُوتـيه أمثال وأشباه

فإن قالوا هو المهدي فما مانوا ولا فاهوا

قد أرتع من النبوّة في أكناف عناصرها ، ورضع من الرسالة أخلاف أواصرها ، ونزع من القرابة بسجال معاصرها ، وبرع في صفات الشرف فعقدت عليه بخناصرها ، فاقتنى جنا الهداية من معادنها وأسبابها ، فهو من ولد الطّهر البتول المجزوم بكونها بضعة من الرّسول ، فالرسالة أصلها ، وإنّها لأشرف العناصر والأُصول .

فأمّا مولده فبسرّ من رأى ، في ثالث وعشرين من شهر رمضان سنة ثمان وخمسين ومائتين للهجرة .

وأمّا نسبه أباً وأُمّاً ، فأبوه أبو محمّد الحسن الخالص بن عليّ المتوكّل بن محمّد القانع بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصّادق بن محمّد الباقر ابن عليّ زين العابدين بن الحسين الزكي بن عليّ المرتضى أمير المؤمنين ، وقد تقدّم ذكر ذلك مفصّلاً ، وأُمّه أمّ ولد تسمّى صقيل ، وقيل حكيمة ، وقيل غير ذلك .

وأمّا اسمه فمحمّد ، وكنيته أبو القاسم ، ولقبه الحجّة ، والخلف الصالح ، وقيل : المنتظر .

وأمّا ما ورد عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المهديعليه‌السلام من الأحاديث الصحيحة .

فمنها : ما نقله الإمامان أبو داود والترمذي ( رضي الله عنهما ) كلّ واحدٍ منهما بسنده في صحيحه يرفعه إلى أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :

( المهديّ منّي ، أجلى الجبهة ، وأقنى الأنف ، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ، ويملك سبع سنين ) .


ومنها : ما أخرجه أبو داود (رحمه‌الله ) بسنده في صحيحه ، يرفعه إلى عليّ قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما مُلئت جوراً ) .

ومنها : ما رواه أيضاً أبو داودرضي‌الله‌عنه في صحيحه ، يرفعه بسنده إلى أُمّ سلمة زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالت : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :المهدي من عترتي من ولد فاطمة .

ومنها : ما رواه القاضي أبو محمّد الحسين بن مسعود البغويرضي‌الله‌عنه في كتابه المسمّى بشرح السنّة ، وأخرجه الإمامان البخاري ومسلم ، كلّ واحدٍ منهما بسنده في صحيحة ، يرفعه إلى أبي هريرة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم .

ومنها : ما أخرجه أبو داود والترمذي بسندهما في صحيحيهما ، يرفعه كلّ واحدٍ منهما بسنده إلى عبد الله بن مسعود ، أنّه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم ، حتّى يبعث الله رجلاً منّي ومن أهل بيتي ، يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي ، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً ) .

وفي روايةٍ أُخرى :

( لا تنقضي الدنيا حتّى يملك العرب رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي ) .

وفي روايةٍ أُخرى : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي ) .

هذه الروايات عن أبي داود والترمذي .

ومنها : ما نقله الإمام أبو إسحاق أحمد بن محمّد الثعلبي في تفسيره ، يرفعه بإسناده إلى أنس بن مالك قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( نحن ولد عبد المطّلب سادة أهل الجنّة : أنا وحمزة وجعفر وعليّ والحسن والحسين والمهدي ) .


قال المعترض :

هذه الأحاديث النبويّة الكثيرة بتعدادها ، المصرّحة بجملتها وإفرادها ، متّفقٌ على صحّة إسنادها ومُجمعٌ على نقلها عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإيرادها ، وهي صحيحةٌ صريحةٌ في إثبات كون المهدي من ولد فاطمةعليها‌السلام ، وأنّه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّه من عترته ، وأنّه من أهل بيته ، وأنّ اسمه يواطئ اسمه ، وأنّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، وأنّه من ولد عبد المطّلب ، وأنّه من سادات الجنّة ، وذلك ممّا لا نزاع فيه ، غير أنّ ذلك لا يدلّ على أنّ المهدي الموصوف بما ذكرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الصفات والعلامات هو هذا أبو القاسم محمّد بن الحسن الحجّة الخلف الصّالح ؛ فإنّ ولد فاطمةعليها‌السلام كثيرون ، وكلّ من يولد من ذرّيّتها إلى يوم القيامة يصدق عليه أنّه من ولد فاطمة ، وأنّه من العترة الطاهرة ، وأنّه من أهل البيتعليهم‌السلام ، فتحتاجون مع هذه الأحاديث المذكورة إلى زيادة دليل على أنّ المهدي المراد هو الحجّة المذكور ، ليتمّ مرامكم .

فجوابه : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا وصف المهديعليه‌السلام بصفات متعدّدة ، من ذكر اسمه ونسبه ومرجعه إلى فاطمةعليها‌السلام وإلى عبدالمطّلب ، وأنّه أجلى الجبهة أقنى الأنف ، وعدّد الأوصاف الكثيرة التي جمعتها الأحاديث الصّحيحة المذكورة آنفاً ، وجعلها علامةً ودلالةً على أنّ الشخص الذي يُسمّى بالمهدي ويثبت له الأحكام المذكورة هو الشخص الذي اجتمعت تلك الصفات فيه ، ثمّ وجدنا تلك الصفات المجعولة علامةً ودلالةً مجتمعةً في أبي القاسم محمّد الخلف الصّالح دون غيره ، فيلزم القول بثبوت تلك الأحكام له وأنّه صاحبها ، وإلاّ فلو جاز وجود ما هو علامة ودليل ، ولا يثبت ما هو مدلوله ، قدح ذلك في نصبها علامة ودلالة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وذلك ممتنع .

فإن قال المعترض : لا يتمّ العمل بالعلامة والدلالة إلاّ بعد العلم باختصاص من وُجدت فيه بها دون غيره وتعيّنه لها ، فأمّا إذا لم يعلم تخصيصه وانفراده بها فلا يحكم له بالدلالة ، ونحن نسلّم أنّ من زمن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى والدة الخلف الصالح الحجّة محمّدعليه‌السلام ، ما وُجد من ولد فاطمةعليها‌السلام شخص جمع تلك الصّفات التي هي العلامة والدّلالة ،


غيره ، لكن وقت بعثة المهدي وظهوره وولايته هو في آخر أوقات الدنيا ، عند ظهور الدجّال ونزول عيسى بن مريم ، وذلك سيأتي بعد مدّةٍ مديدة ، ومن الآن إلى ذلك الوقت المتراخي الممتد أزمان متجدّدة ، وفي العترة الطاهرة من سلالة فاطمةعليها‌السلام كثرة يتعاقبون ويتوالدون إلى ذلك الآن ، فيجوز أن يولد من السّلالة الطاهرة والعترة النبويّة من يجمع تلك الصّفات فيكون هو المهدي المشار إليه في الأحاديث المذكورة ، ومع هذا الاحتمال والإمكان كيف يبقى دليلكم مختصّاً بالحجّة المذكور ؟

فالجواب : إنّكم إذا عرفتم أنّه إلى وقت ولادة الخلف الصّالح وإلى زماننا ، لم يوجد من جمع تلك الصّفات والعلامات بأسرها سواه ، فيكفي ذلك في ثبوت تلك الأحكام له عملاً بالدلالة الموجودة في حقّه ، وما ذكرتموه من احتمال أن يتجدّد مستقبلاً في العترة الطّاهرة من أن يكون بتلك الصفات ، لا يكون قادحاً في إعمال الدلالة وما مانعاً من ترتيب حكمها عليها ؛ فإنّ دلالة الدليل راجحة لظهورها ، واحتمال تجدّد ما يعارضها مرجوح ، ولا يجوز ترك الراجح بالمرجوح ؛ فإنّه لو جوّزنا ذلك لامتنع العمل بأكثر الأدلّة المثبتة للأحكام ، إذ ما من دليل إلاّ واحتمال تجدّد ما يعارضه متطرّق إليه ، ولم يمنع ذلك من العمل به وفاقاً .

والذي يوضّح ذلك ويؤكّده : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما أورد به الإمام مسلم بن الحجّاج في صحيحه ، يرفعه بسنده ، قال لعمر بن الخطّاب : يأتي عليك مع إمداد أهل اليمن أويس بن عامر ، من مراد ثمّ من قرن ، كان به برص فبرأ منه إلاّ موضع درهم ، له والدة هو بها برّ ، لو أقسم على الله لأبرّه ، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل

فالنّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذكر اسمه ونسبه وصفته ، وجعل ذلك علامةً ودلالةً على أنّ المسمّى بذلك الإسم المتّصف بتلك الصّفات لو أقسم على الله لأبرّه ، وأنّه أهل لطلب الإستغفار منه ، وهذه منزلة عالية ومقام عند الله تعالى عظيم .


فلم يزل عمررضي‌الله‌عنه بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعد وفاة أبي بكررضي‌الله‌عنه يسأل إمداد اليمن من الموصوف بذلك ، حتّى قَدِم وفدٌ من اليمن ، فسألهم ، فأُخبر بشخص متّصف بذلك ، فلم يتوقّف عمررضي‌الله‌عنه في العمل بتلك العلامة والدّلالة التي ذكرها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل بادر إلى العمل بها واجتمع به وسأله الإستغفار ، وجزم أنّه المشار إليه في الحديث النّبوي لمّا علم تلك الصفات فيه ، مع وجود احتمال أن يتجدّد في وفود اليمن مُستقبلاً من يكون بتلك الصّفات ، فإنّ قبيلة مراد كثيرة والتوالد فيها كثير ، وعين ما ذكرتموه من الاحتمال موجود .

وكذلك قضيّة الخوارج لمّا وصفهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بصفات ورتّب عليها حكمهم ، ثمّ بعد ذلك لمّا وجدها عليّرضي‌الله‌عنه موجودة في أولئك في واقعة حرورا والنهروان ، جزم بأنّهم هم المرادون بالحديث النّبوي وقاتلهم وقتلهم ، فعمل بالدلالة عند وجود الصّفة مع احتمال أن يكون المرادون غيرهم ، وأمثال هذه الدلالة والعمل بها مع قيام الاحتمال كثيرة ، فعلم أنّ الدلالة الرّاجحة لا تترك لاحتمال المرجوح .

ونزيده بياناً وتقريراً فنقول : لزوم ثبوت الحكم عند وجود العلامة والدلالة لمن وجدت فيه ، أمر يتعيّن العمل به والمصير إليه ، فمن تركه وقال بأنّ صاحب الصّفات المراد بإثبات الحكم له ليس هو هذا بل شخص غيره سيأتي ، فقد عدل عن النّهج القويم ووقف نفسه موقف اللّئيم .

ويدلّ على ذلك : أنّ الله عزّ وعلا لمّا أنزل في التوراة على موسى أنّه يبعث النبيّ العربيّ في آخر الزّمان خاتم الأنبياء ، ونعته بأوصافه وجعلها علامةً ودلالة على إثبات حكم النبوّة له ، وصار قوم موسىعليه‌السلام يذكرونه بصفاته ويعلمون أنّه يبعث ، فلمّا قرب زمان ظهوره وبعثه ، صاروا يهدّدون المشركين به ويقولون :

سيظهر الآن نبيّ نعته كذا ، وصفته كذا ، ونستعين به على قتالكم ، فلمّا بعثصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووجدوا العلامات والصّفات بأسرها التي جعلت دلالة على نبوّته


أنكروه وقالوا : ليس هو هذا بل هو غيره وسيأتي ، فلمّا جنحوا إلى الاحتمال وأعرضوا عن العمل بالدلالة الموجودة في الحال ، أنكر الله تعالى عليهم كونهم تركوا العمل بالدلالة التي ذكرها لهم في التوراة ، وجنحوا إلى الاحتمال ، وهذه القصّة من أكبر الأدلّة وأقوى الحجج على أنّه يتعيّن العمل بالدلالة بعد وجودها ، وإثبات الحكم لمن وجدت تلك الدلالة فيه .

فإذا كانت الصفات التي هي علامة ودلالة لثبوت الأحكام المذكورة موجودة في الحجّة الخلف الصالح محمّد ، تعيّن إثبات كونه المهدي المشار إليه ، من غير جنوحٍ إلى احتمال تجدّد غيره في الاستقبال .

فإن قال المعترض :

نسلّم أنّ الصفات المجعولة علامة ودلالة إذا وجدت تعيّن العمل بها ولزوم إثبات مدلولها لمن وجدت فيه ، لكن نمنع وجود تلك العلامة والدلالة في الخلف الصالح محمّد ، فإنّ من جملة الصفات المجعولة علامة ودلالة : أن يكون اسم أبيه مواطئاً لاسم أب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، هكذا صرّح به الحديث النبويّ على ما أوردتموه ، وهذه الصفة لم توجد فيه ، فإنّ اسم أبيه الحسن واسم أب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عبد الله ، وأين الحسن من عبد الله ؟

فلم توجد هذه الصفة التي هي جزء من العلامة والدلالة ، وإذا لم يوجد جزء العلّة لا يثبت حكمها ؛ فإنّ الصفات الباقية لا تكفي في إثبات تلك الأحكام ، إذ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يجعل تلك الأحكام ثابتة إلاّ لمن اجتمعت تلك الصفات فيه كلّها ، التي جزءها مواطاة اسمي الأبوين في حقّه ، وهذه لم تجتمع في الحجّة الخلف ، فلا يثبت تلك الأحكام له ، وهذا إشكال قوي .

فالجواب :

لابدّ قبل الشروع في تفصيل الجواب ، من بيان أمرين يُبنى عليهما الغرض :

الأوّل :

إنّه شائع في لسان العرب إطلاق لفظة الأب على الجدّ الأعلى ، وقد نطق القرآن الكريم بذلك فقال تعالى :( مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ )


وقال تعالى حكايةً عن يوسفعليه‌السلام :( وَاتّبَعْتُ مِلّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ )

ونطق بذلك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث الإسراء إنّه قال : قلت : مَن هذا ؟

قال : أبوك إبراهيم ؛ فعلم أنّ لفظة الأب تُطلق على الجدّ وإن علا ؛ فهذا أحد الأمرين .

الثاني :

إنّ لفظة الاسم تُطلق على الكنية وعلى الصفة ، وقد استعملها الفصحاء ودارت بها ألسنتهم ووردت في الأحاديث ، حتّى ذكر الإمامان البخاري ومسلم ( رضي الله عنهما ) ، كلّ منهما يرفعه إلى سهل بن سعد الساعديرضي‌الله‌عنه أنّه قال عن عليٍّرضي‌الله‌عنه : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سمّاه بأبي تراب ولم يكن له اسم أحبّ إليه منه ، فأطلق لفظة الاسم على الكنية ، ومثل ذلك قول الشاعر :

أُجِلّ قدرك أن تسمي مؤبنةً

ومن كناك فقد سمّاك للعربِ

ويروى : ومن يصفك ، فأطلق التسمية على الكناية أو الصفة ، وهذا شائعٌ ذائعٌ في لسان العرب .

فإذا وضح ما ذكرناه من الأمرين ، فاعلم أيّدك الله بتوفيقه : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان له سبطان : أبو محمّد الحسن وأبو عبد الله الحسين ، ولمّا كان الحجّة الخلف الصّالح محمّدعليه‌السلام ومن ولد أبي عبد الله الحسين ولم يكن من ولد أبي محمّدٍ الحسن ، وكانت كنية الحسين أبا عبد الله ، فأطلق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الكنية لفظ الاسم ؛ لأجل المقابلة بالاسم في حقّ أبيه ، وأطلق على الجدّ لفظة الأب ، فكأنّه قال : يواطئ اسمه اسمي فهو محمّد ، وأنا محمّد ، وكنية جدّه اسم أبي ، إذ هو أبو عبد الله وأبي عبد الله ، لتكون تلك الألفاظ المختصرة جامعة لتعريف صفاته وإعلام أنّه من ولد أبي عبد الله الحسين بطريق جامع موجز ، وحينئذٍ تنتظم الصّفات وتوجد بأسرها مجتمعة للحجّة الصالح محمّدعليه‌السلام ، وهذا بيان شافٍ كافٍ في إزالة ذلك الإشكال ، فافهمه .


وأمّا ولده ، فلم يكن له ولد ليذكر ، لا أُنثى ولا ذكر .

وأمّا عمره ، فإنّه في أيّام المعتمد على الله ، خاف فاختفى وإلى الآن ، فلم يمكن ذكر ذلك ، إذ مَن غاب ـ وإن انقطع خبره ـ لا توجب غيبته وانقطاع خبره الحكمَ بمقدار عمره ولا بانقضاء حياته ، وقدرة الله تعالى واسعة وحكمه وألطافه بعباده عظيمة عامّة ، ولو رام عظماء العلم أن يدركوا حقائق مقدوراته وكنه قدرته ، لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً ، ولانقلب طرف تطلّعهم إليه حسيراً وحدّه كليلاً ، ولتلا عليهم لسان عجزهم عن الإحاطة به( وَمَا أُوتِيتُم مّنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً ) (١) ، وليس ببدع ولا مستغرب تعمير بعض عباد الله المخلصين وامتداد عمره إلى حين ، فقد مدّ الله سبحانه وتعالى أعمار جمعٍ كثيرٍ من خلقه من أصفيائه وأوليائه ، ومن مطروديه وأعدائه .

فمن الأصفياء عيسىعليه‌السلام ، ومنهم الخضرعليه‌السلام ، وخلق آخرون من الأنبياءعليهم‌السلام طالت أعمارهم ، حتّى جاز كلّ واحدٍ منهم ألف سنة أو قاربها كنوحعليه‌السلام وغيره .

وأمّا من الأعداء المطرودين فإبليس ، وكذلك الدجّال

ومن غيرهم كعادٍ الأُولى كان فيهم مَنْ عمّره ما يقارب الألف ، وكذلك لقمان صاحب البلاء ؛ وكلّ هذا لبيان اتّساع القدرة الربانيّة في تعمير بعض خلقه ، فأيّ مانعٍ يمنع من امتداد عمر الخلف الصالح إلى أن يظهر ، فيعمل ما حكم الله تعالى له به .

وحيث وصل الكلام إلى هذا المقام ، وانتهى جريان القلم بما خطّه من هذه الأقسام الوسام ، فلنختمه بالحمد لله ربّ العالمين ؛ فإنّها كلمة مباركة جعلها الله سبحانه وتعالى آخر دعوى أهل جنانه ، وخصّها بمن اجتباه من خلقه وكساه ملابس رضوانه )(٢) .

ترجمة ابن طلحة الشافعي

هو : أبو سالم محمّد بن طلحة بن محمّد القرشي العدوي الشافعي المتوفّى سنة ٦٥٢ ، ترجم له الذهبي في سِيَر أعلام النبلاء ٢٣/٢٩٣ ووصفه بالعلاّمة الأوحد ، برع في المذهب وأُصوله وشارك في فنون ، ولكنّه دخل في

ـــــــــــــــــ

(١) سورة الإسراء ١٧ : ٨٥ .

(٢) مطالب السئول في مناقب آل الرسول : ٣١١ ـ ٣٢٠ .


هذيان علم الحروف ، وتزهّد ، وقد ترسّل عن الملوك ، وولي وزارة دمشق يومين وتركها ، وكان ذا جلالةٍ وحشمة وتوجد ترجمته كذلك في كثير من كتب التاريخ والرجال ، كالبداية والنهاية ، والعبر ، والنجوم الزاهرة ، وشذرات الذهب ، في وقائع السنة المذكورة وفي طبقات الشافعيّة الكبرى للسبكي ٨/٦٣ الترجمة رقم ١٠٧٦ والوافي بالوفيات ٣/١٧٦ .

الشيخ ولي الله الدهلوي

وقال شاه ولي الله الدهلوي ـ وهو والد الشيخ عبد العزيز الدهلوي ، صاحب التحفة الاثني عشرية ـ في (مسلسلاته ) الموسومة بـ (الفضل المبين ) :

( قلت : شافهني ابن عقلة بإجازة جميع ما يجوز له روايته ، ووجدت في مسلسلاته حديثاً مسلسلاً بانفراد كلّ راوٍ من رواته بصفةٍ عظيمة تفرّد بها ، قالرحمه‌الله : أخبرني فريد عصره الشيخ حسن بن علي العجيمي ، أنا حافظ عصره جمال الدين البابلي ، أنا مسند وقته محمّد الحجازي الواعظ، أنا صوفي زمانه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي ، أنا مجتهد عصره الجلال السيوطي، أنا حافظ عصره أبو نعيم رضوان العقبي ، أنا مقرئ زمانه الشمس محمّد ابن الجوزي ، أنا الإمام جمال الدين محمّد بن محمّد الجمّال زاهد عصره ، أنا الإمام محمّد بن مسعود محدّث بلاد فارس في زمانه ، أنا شيخنا إسماعيل بن مظفّر الشيرازي عالم وقته ، أنا عبد السلام بن أبي الربيع الحنفي محدّث زمانه ، أنا أبو بكر عبد الله بن محمّد بن شابور القلانسي شيخ عصره ، أنا عبد العزيز ، ثنا محمّد الآدمي إمام أوانه ، أنا سليمان بن إبراهيم بن محمّد بن سليمان نادرة عصره ، ثنا أحمد بن محمّد بن هاشم البلاذري حافظ زمانه ، ثنا محمّد بن الحسن بن علي المحجوب إمام عصره ، ثنا الحسن بن علي ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن أبي جدّه عليّ بن موسى الرضا ، ثنا موسى الكاظم ، قال : ثنا أبي جعفر الصادق ، ثنا أبي محمّد الباقر بن علي ، ثنا أبي عليّ بن الحسين زين العابدين السجّاد ، ثنا أبي الحسين سيّد الشهداء ، ثنا أبي عليّ بن أبي طالب سيّد الأولياء قال : أخبرنا سيّد الأنبياء محمّد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

أخبرني جبرئيل سيّد الملائكة قال : قال الله تعالى سيّد السادات : إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا ، من أقرّ لي بالتوحيد دخل حصني ، ومن دخل حصني أمن من عذابي .


قال الشمس ابن الجزري : كذا وقع هذا الحديث من المسلسلات السعيدة والعهدة فيه على البلاذري ) .

ترجمة وليّ الله الدهلوي

هو : وليّ الله بن عبد الرحيم الدهلوي المتوفّى سنة ١١٨٠ ، قال في معجم المؤلفين ٤/٢٩٢ : فقيه ، أُصولي ، محدّث ، مفسّر .

مع الأعور الواسطي

وبما ذكرنا يظهر عداء الأعور الواسطي لأهل البيتعليهم‌السلام ، فإنّه مضافاً إلى إنكاره وجود الإمام المهدي بن الحسن العسكري وإمامته ، يردُّ على تسميته بصاحب الزمان ويجعلها من الفسوق ، حيث يقول في (رسالته ) .

( أكبر الفسوق تسمية هذا المفقود بصاحب الزمان ، ولا صاحب للزمان غير الله تعالى ، ما أجرأهم على الله ) !!

مع ابن حجر المكي

وابن حجر المكّي ـ أيضاً ـ عاند الحق ، وتكلّم في أهله حيث قال في (الصواعق ) :

( ثمّ المقرّر في الشريعة المطهّرة أنّ الصغير لا تصحّ ولايته ، فكيف ساغ لهؤلاء الحمقى المغفّلين أن يزعموا إمامة من عمره خمس سنين ، وأنّه أُوتي الحكم صبيّاً ، مع أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يخبر به ، ما ذلك إلاّ مجازفةً وجرأةً على الشريعة الغَرَّاء .

قال بعض أهل البيت : وليت شعري من المخبر لهم بهذا ؟ وما طريقه ؟

ولقد صاروا بذلك وبوقوفهم بالخيل على ذلك السرداب وصياحهم بأن يخرج إليهم ضحكة لأُولي الألباب .


ولقد أحسن القائل :

ما آن للسّرداب أن يلد الذي

كـلّمتموه بـجهلكم ما آنا

فـعلى عقولكم العفاء فإنّكم

ثـلّثتم الـعنقاء والـغيلانا

وقد قال ابن حجر بترجمة الإمام الحسن العسكري :

( ولم يخلّف غير ولده أبي القاسم محمّد الحجّة ، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين لكن آتاه الله فيها الحكمة ، ويسمّى القائم المنتظر ، قيل : لأنّه ستر بالمدينة وغاب فلم يعلم أين ذهب )(١) .

أقول :

لقد أرسل بعض الناصبة من أهل بغداد هذا الشعر إلى النجف الأشرف ، فانبرى للجواب عنه الشيخ ميرزا حسين النوري الطبرسي بكتاب (كشف الأستار عن الإمام الغائب عن الأبصار ) ثمّ نظم غير واحدٍ من العلماء الأعلام مطالب هذا الكتاب في أشعارٍ لهم جواباً عن الشعر المذكور ، منهم : الشيخ محمّد جواد البلاغي ، والسيّد محسن الأمين العاملي ، والشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء ...

ثمّ إنّ العلماء الذين ذكرهم السيّد هم عدّة من وقف على كتبهم ، ولكنّ من يقول بمقالة الشيعة الإماميّة في موضوع الإمام الثاني عشر من أكابر أهل السنّة في مختلف العلوم والفنون كثيرون ، ومنهم الذين أضافهم حفيد السيّد في كتابه (الإمام الثاني عشر ) وهم :

١ ـ الشيخ محي الدين ابن عربي ، المتوفّى سنة ٦٣٨ .

٢ ـ رشيد الدين الدهلوي الهندي ، المتوفّى سنة ١٢٤٣ .

٣ ـ صلاح الدين الصفدي ، المتوفّى سنة ٧٦٤ .

٤ ـ الشيخ العطّار النيسابوري ، المتوفّى سنة ٦١٨ .

٥ ـ الشيخ صدر الدين أبو المجامع الحمويني ، المتوفّى سنة ٧٢٣ .

ـــــــــــــــــ

(١) الصواعق المحرقة : ٢/٤٨٣ .


ثمّ إنّا قد استدركنا عليه في طبعته النجفيّة عام ١٣٩٣ بأعلامٍ آخرين من أهل السنّة في مختلف القرون ، وهم :

١ ـ الحافظ أحمد بن محمّد البلاذري البغدادي ، المتوفّى سنة ٢٧٩ .

٢ ـ الحافظ أو محمّد الحسين بن مسعود البغوي ، المتوفّى سنة ٥١٦ .

٣ ـ الحافظ شمس الدين ابن الجزري ، المتوفّى سنة ٨٣٣ .

٤ ـ الحافظ جلال الدين السيوطي ، المتوفّى سنة ٩١١ .

٥ ـ أبو عبد الله ابن الخشاب ، المتوفّى سنة ٥٦٧ .

٦ ـ المؤرّخ ابن الأزرق ، المتوفّى سنة ٥٩٠ .

٧ ـ المؤرّخ ابن خلكان ، المتوفّى سنة ٦٨١ .

٨ ـ المؤرّخ الشيخ ابن الوردي ، المتوفّى سنة ٧٤٩ .

٩ ـ الحافظ أبو بكر البيهقي ، المتوفّى سنة ٤٥٨ .

١٠ ـ الحافظ أبو الفتح ابن أبي الفوارس ، المتوفّى سنة ٤١٢ .

١١ ـ الشيخ علي القاري الهروي ١٠١٤ .

١٢ ـ الحسين بن معين الدين الميبدي ، شارح ديوان الإمام علي ، المتوفّى سنة ٨٧٠.

١٣ ـ الشيخ عبد الله المطيري صاحب كتاب (الرياض الزاهرة ) .

١٤ ـ الشيخ سعد الدين الحموي ٦٥٠ .

١٥ ـ جلال الدين محمّد الرومي العارف المشهور بالمولوي ٦٢٨ .

١٦ ـ شمس الدين التبريزي ، المتوفّى في منتصف القرن السابع الهجري .

١٧ ـ الشيخ عبد الرحمان البسطامي ٨٥٨ .

١٨ ـ السيد النسيمي ٩٠١ .

١٩ ـ الشيخ صدر الدين القونوي ٦٧٢ .

٢٠ ـ الشيخ حسن العراقي ، أوائل القرن الحادي عشر .

٢١ ـ الشيخ علي الخواص .

٢٢ ـ السيّد مؤمن بن حسن الشبلنجي ١٢٩٠ .


٢٣ ـ الشيخ حسن العدوي الحمزاوي صاحب (مشارق الأنوار ) المتوفّى سنة ١٣٠٣ .

٢٤ ـ المولى محمّد الشهير بابن بدر الدين الرومي ، شيخ الحرم المدني ، المتوفّى سنة ١٠٠١ .

٢٥ ـ الشيخ سليمان بن أحمد القندوزي الحنفي ، المتوفّى سنة ١٢٩٤ .

التجسيم والمجسّمة

قد ينسب في بعض الكتب إلى الفرقة المحقّة القول بالتجسيم ، وإلى خصوص هشام بن الحكم ، والقول بأنّه سبعة أشبار بشبر نفسه وهذا افتراء محض عليه وعلى الطائفة ، وتعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

تبرئة الشهرستاني هشام بن الحكم

ولقد أحسن الشهرستاني ، وهو من أعلام علماء أهل السنّة ، حيث ردَّ على الكعبي نسبة القول بذلك إلى هشام ، فقد جاء في (الملل والنحل ) ما نصّه :

( حكى الكعبي عن هشام بن الحكم أنّه قال : هو جسم ذو أبعاض ، له قدر من الأقدار ولكن لا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا تشبهه ونقل عنه أنّه قال : هو سبعة أشبار بشبر نفسه )(١) .

ثمّ قال بعد كلامٍ له :

( وهذا هشام بن الحكم صاحب غورٍ في الأُصول ، لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة ، فإنّ الرجل وراء ما يلزمه على الخصم ودون ما يظهره من التشبيه ، وذلك أنّه ألزم العلاّف فقال : إنّك تقول إنّ الباري تعالى عالم بعلم وعلمه ذاته ، فيشارك المحدثات في أنّه عالم بعلم ويباينها في أنّه علمه ذاته ، فيكون عالماً لا كالعالمين ، فلم لا تقول هو جسم لا كالأجسام ، وصورة لا

ـــــــــــــــــ

(١) الملل والنحل ١ : ١٨٤ .


كالصّور ، وله قدر لا كالأقدار ، إلى غير ذلك )(١) .

ترجمة الشهرستاني

وأبو الفتح عبد الكريم الشهرستاني الفقيه ، المتكلّم ، صاحب التصانيف ، من أعلام العلماء المحققين عند القوم :

قال اليافعي في (مرآة الجنان ) :

( أبو الفتح محمّد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني ، المتكلّم على مذهب الأشعري ، كان إماماً مبرّزاً فقيهاً متكلّماً ، تفقّه على أبي نصر القشيري وأحمد الخوافي وغيرهما ، وبرع في الفقه ، وقرأ الكلام على أبي القاسم الأنصاري وتفرّد فيه ، وصنّف كتباً منها : نهاية الإقدام في علم الكلام ، وكتاب الملل والنحل ، وتلخيص الأقسام لمذاهب الأنام ، وكان كثير المحفوظ ، حسن المحاورة )(٢) .

وعلى الجملة ، فإنّ نسبة هذا القول الباطل إلى الفرقة المحقّة أو خصوص هشام باطلة ، والناسب كاذب ولا حاجة إلى إطالة الكلام في ذلك ، وقد بحث عنه بالتفصيل في محلّه .

ـــــــــــــــــ

(١) الملل والنحل ١ : ١٨٥ .

(٢) مرآة الجنان ٣ : ٢٢١ ـ ٢٢٢ السَّنة : ٥٤٨ .


المجسّمون من أهل السنّة

ولكنّ العجب من هؤلاء ، كيف يغفلون أو يتغافلون عن القائلين بهذه المقالة في صفوف علمائهم وهم كثيرون :

ابن تيميّة وابن القيّم

فابن تيميّة ، قد ثبت عنه القول بذلك :

قال ابن حجر المكّي في (أشرف الوسائل في شرح الشمائل ) في ذكر إرخاء العمامة على الكتفين :

( قال ابن القيّم عن شيخه ابن تيميّة إنّه ذكر شيئاً بديعاً وهو : أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا رأى ربّه واضعاً يده بين كتفيه أكرم ذلك الموضع بالعذبة .

قال العراقي : ولم نجد لذلك أصلاً ، بل هذا من قبيل رأيهما وضلالهما ، إذ هو مبنيٌّ على ما ذهبا إليه ، وأطالا في الاستدلال له والحطّ على أهل السنّة في نفيهم له ، وهو إثبات الجهة والجسميّة لله ، تعالى عمّا يقول الظالمون والجاحدون علوّاً كبيراً ، ولهما في هذا المقام من القبائح وسوء الاعتقاد ، ما يصمّ عنه الآذان ويقضى عليه بالزور والكذب والضلال والبهتان ، قبّحهما الله وقبّح من قال بقولهما ، والإمام أحمد وأجلاّء مذهبه مبرّؤون عن هذه الوصمة القبيحة ، كيف وهي كفرٌ عند كثيرين ) .

وقال الجلال الدواني في (شرح عقائد العضدي ) :

 ( ولابن تيميّة أبي العبّاس أحمد وأصحابه ميل عظيم إلى إثبات الجهة ومبالغة في القدح في نفيها ، ورأيت في بعض تصانيفه أنّه لا فرق عند بديهة العقل بين أن يقال هو معدوم أو يقال طلبته في جميع الأمكنة فلم أجده ، ونسب النافين إلى التضليل ، هذا مع علوّ كعبه في العلوم النقليّة والعقليّة ، كما يشهد به من تتبّع تصانيفه ) .


وقال المفتي صدر الدين ، وهو من أكابر فضلاء السنّة في الهند في رسالته (منتهى المقال ) التي قرّظها علماؤهم بتقريظات عديدة :

( قال شيخ الأُمّة الهمام ، سند المحدّثين الشيخ محمّد البريسي ، في كتابه إتحاف أهل العرفان برؤية الأنبياء والملائكة والجان : قد تجاسر ابن تيميّة الحنبلي ـ عامله الله تعالى بعدله ـ وادّعى أنّ السفر لزيارة قبر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حرام ، وإنّ الصلاة لا تقصر فيه لعصيان المسافر به ، وأطال في ذلك بما تمجّه الأسماع وتنفر منه الطباع ، وقد عاد شؤم كلامه عليه حتّى تجاوز الجناب الأقدس المستحق لكلّ كمال أنفس ، وخرق سياج الكبرياء والجلال ، وحاول إثبات منافي العظمة والكمال ، بادّعائه الجهة والتجسيم ، ونسبة من لم يعتقدهما إلى الضلالة والتأثيم ، وأظهر هذا الأمر على المنابر ، وشاع وذاع ذكره بين الأكابر والأصاغر ، وخالف الأئمّة المجتهدين في مسائل كثيرة ، استدرك على الخلفاء الراشدين باعتراضات سخيفة حقيرة ، فسقط من أعين علماء الأُمّة ، وصار مثلة بين العوام فضلاً عن الأئمّة ، وتعقّب العلماء كلماته الفاسدة ، وزيّفوا حججه الداحضة الكاسدة ، وأظهروا عور سقطاته وبيّنوا قبائح أوهامه وغلطاته ) .

وهذه بعض الجُمل الواردة في المنشور السلطاني في ابن تيمية :

 ( وكان الشقيّ ابن تيميّة في هذه المدّة قد بسط لسان قلمه ومدَّ عنان كلمه ، وتحدّث في مسائل القرآن والصفات ، ونصّ في كلامه على أُمورٍ منكرات ، وتكلّم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون ، وفاه بما يمجّه السلف الصالحون ، وأتى في ذلك بما أنكره أئمّة الإسلام ، وانعقد على خلافه إجماع العلماء الأعلام ، واشتهر من فتاواه في البلاد ما استخفّ به عقول العوام ، وخالف في ذلك علماء عصره وفقهاء شامه ومصره ، وبعث رسائله إلى كلّ مكان ، وسمّى كتبه أسماء ما أنزل الله بها من سلطان ، ولمّا اتّصل بنا ذلك من سلكه من هذه المسالك وأظهروه ، من هذه الأحوال وأشاعوه ، وعلمنا أنّه استخفّ قومه فأطاعوه ، حتّى اتّصل بنا أنّهم صرّحوا في حقّ الله بالحرف والصوت والتجسيم ، فقمنا في حقّ الله تعالى مشفقين من هذا النبأ العظيم ) .

إلى آخر المنشور الطويل ، المثير لأوليائه العويل ، الهادم لأساس فخرهم الجزيل ومجدهم الأثيل .


بل قال ابن تيمية بقِدَم العرش ، فأثبت للباري شريكاً في الأزليّة ، كما ذكر الدوّاني في (شرح العقائد ) بذكر القِدَم الجنسي للعالم :

( وقد قال به بعض المحدّثين المتأخّرين ، وقد رأيت في بعض تصانيف ابن تيميّة القول به في العرش ) .

وقال المولوي عبد الحليم ـ من علماء الهند ـ في حاشية شرح العقائد المسماة (حلّ المعاقد ) :

( كان تقيّ الدين ابن تيميّة حنبليّاً ، لكنّه تجاوز عن الحدّ وحاول إثبات ما ينافي عظمة الحقّ تعالى وجلاله ، فأثبت له الجهة والجسم ، وله هفوات أُخر كما يقول : إنّ أمير المؤمنين سيّدنا عثمانرضي‌الله‌عنه كان يحبّ المال ، وإنّ أمير المؤمنين سيّدنا عليرضي‌الله‌عنه ما صحّ إيمانه ؛ فإنّه آمن في حال صباه ، وتفوّه في حقّ أهل بيت النبيّ ( صلّى الله عليه وعليهم ) ما لا يتفوّه به المؤمن المحقّ ، وقد ورد الأحاديث الصحاح في مناقبهم في الصحاح .

وانعقد مجلس في قلعة حبل ، حضر العلماء الأعلام والفقهاء العظام ، ورئيسهم كان قاضي القضاة زين الدين المالكي ، وحضر ابن تيميّة ، فبعد القيل والقال ، بهت ابن تيميّة وحكم قاضي القضاة بحبسه ، وكان ذلك سنة سبع مائة وخمس من الهجرة ، ثمّ نودي بدمشق وغيره : من كان على عقيدة ابن تيميّة حلَّ ماله ودمه ؛ كذا في مرآة الجنان للإمام أبي محمّد عبد الله اليافعي ، ثمّ تاب وتخلّص من السجن سنة سبع مائة وسبع من الهجرة ، وقال : إنّي أشعريّ ، ثمّ نكث عهده وأظهر مكنونه ومرموزه ، فحبس حبساً شديداً مرّةً ثانية ، ثمّ تاب وتخلّص من السجن وأقام في الشام ، وله هناك واقعات كتبت في كتب التواريخ .

وردّ أقاويله وبيّن أحواله الشيخ ابن حجر في المجلّد الأوّل من الدرر الكامنة ، والذهبي في تاريخه ، وغيرهما من المحقّقين .


هذا كلام وقع في البين والمرام أنّ ابن تيميّة لمّا كان قائلاً بكونه تعالى جسماً قال بأنّه ذو مكان ، فإنّ كلّ جسمٍ لابدّ له من مكان على ما ثبت ، ولما ورد في الفرقان الحميد( الرّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) قال : إنّ العرش مكانه ، ولمّا كان الواجب أزليّاً عنده وأجزاء العالم حوادث عنده ، فاضطرّ إلى القول بأزليّة جنس العرش وقدمه ، وتعاقب أشخاصه الغير المتناهية ، فمطلق التمكّن له تعالى أزليّ ، والتمكّنات المخصوصة حوادث عنده ، كما ذهب المتكلّمون إلى حدوث التعلّقات ) .

وهذا نصّ كلام الحافظ ابن حجر بترجمة ابن تيمية من (الدرر الكامنة ) : ( وافترق الناس فيه شيعاً :

فمنهم : من نسبه إلى التجسيم ، لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطيّة وغيرهما من ذلك ، بقوله : إنّ اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقيّة لله ، وإنّه مستوٍ على العرش بذاته ، فقيل له : يلزم من ذلك التحيّز والانقسام ، فقال : أنا لا أسلّم إنّ التحيّز والانقسام من خواصّ الأجسام ، فأُلزم بأنّه يقول بالتحيّز في ذات الله .

ومنهم : من ينسبه إلى الزندقة ؛ لقوله إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يستغاث به ، وإنّ في ذلك تنقيصاً ومنعاً من تعظيم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان أشدّ النّاس عليه في ذلك النور البكري ، فإنّه لمّا عُقِدَ له المجلس بسبب ذلك قال بعض الحاضرين : يعزّر ، فقال البكري : لا معنى لهذا القول ، فإنّه إن كان تنقيصاً يقتل ، وإن لم يكن تنقيصاً لا يعزّر .

ومنهم : من ينسبه إلى النفاق ، لقوله في عليّ ما تقدّم ، ولقوله إنّه كان مخذولاً حيث ما توجّه ، وإنّه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها ، وإنّما قاتل للرياسة لا للديانة ، ولقوله : إنّه كان يحبّ الرياسة ، وإنّ عثمان كان يحبّ المال ، ولقوله : أبو بكر أسلم شيخاً يدري ما يقول ، وعليّ أسلم صبيّاً والصبيّ لا يصحّ إسلامه على قول ، ولكلامه في قصّة خطبة بنت أبي جهل وما نسبه من الثناء على قصّة أبي العاص بن الربيع وما يُؤخذ من مفهومها ، فإنّه شنّع في ذلك فألزموه بالنفاق لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا يبغضك إلاّ منافق ) .


ونسبه قوم إلى أنّه يسعى في الإمامة الكبرى ، فإنّه كان يلهج بذكر ابن تومرت ويطريه ، فكان ذلك مولّداً لطول سجنه وله وقائع شهيرة ، وكان إذا حوقق وأُلزم يقول لم أرد هذا إنّما أردت كذا ، فيذكر احتمالاً بعيداً )(١) .

بعض شيوخ الحديث

وبعض شيوخ أهل الحديث ـ أيضاً ـ ذهب إلى هذا القول الفاسد ، فقد قال البيهقي في كتاب (الأسماء والصفات ) :

( وقد زلّ بعض شيوخ أهل الحديث ، ممّن يرجع إلى معرفته بالحديث والرجال ، فحاد عن هذه الطريقة حين روى حديث النزول ، ثمّ أقبل على نفسه ، فقال : إن قال قائل كيف ينزل ربّنا إلى السماء ؟

قيل له : ينزل كيف يشاء

فإن قال : هل يتحرّك إذا نزل ؟

فقال : إن شاء تحرّك وإن شاء لم يتحرّك .

وهذا خطأ فاحش عظيم ، والله تعالى لا يوصف بالحركة ؛ لأنّ الحركة والسكون يتعاقبان في محلٍّ واحد ، وإنّما يجوز أن يُوصف بالحركة من يجوز أن يُوصف بالسكون ، وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين ، والله تبارك وتعالى متعال عنهما ليس كمثله شيء )(٢) .

الذهبي

والذهبي ، الذي يُعدّ من أكابر حفّاظهم المحققين ، هذا مذهبه ، كما نصّ على ذلك علماؤهم الأعلام ، كالسبكي في (طبقات الشافعية ) حيث قال :

( وأمّا تاريخ شيخنا الذهبي غفر الله له ، فإنّه على جمعه وحسنه مشحونٌ بالتعصّب المفرط لا واخذه الله ، فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين أعني الفقراء الذين هم صفوة الخلق ، واستطال بلسانه على كثير من الأئمّة الشافعيين

ـــــــــــــــــ

(١) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ١ : ١٥٥ ـ ١٥٦ .

(٢) الأسماء والصفات للبيهقي ٣ : ٦١٥ ـ ٦١٦ .


والحنفيين ، ومال فأفرط على الأشاعرة ، ومدح فزاد في المجسمة ، هذا وهو الحافظ المِدْرَه والإمام المبجّل )(١) .

وقال السبكي أيضاً :

( ونقلت من خطّ الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي (رحمه‌الله ) ما نصّه : الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبي لا شكّ في دينه وورعه وتحرّيه فيما يقوله في الناس ، ولكنّه غلب عليه مذهب الإثبات ومنافرة التأويل والغفلة عن التنزيه ، حتّى أثّر ذلك في طبعه انحرافاً شديداً عن أهل التنزيه وميلاً قويّاً إلى أهل الإثبات ، فإذا ترجم واحداً منهم يطنب في وصفه ، بجميع ما قيل فيه من المحاسن ، ويبالغ في وصفه ويتغافل عن غلطاته ويتأوّل له ما أمكن ، وإذا ذكر أحداً من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزالي ونحوهما ، لا يبالغ في وصفه ويكثر من قول مَن طعن فيه ، ويعيد ذلك ويبديه ويعتقده ديناً وهو لا يشعر ، ويُعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها ، وإذا ظفر لأحدٍ منهم بغلطةٍ ذكرها ، وكذلك فعله في أهل عصرنا إذا لم يقدر على أحدٍ منهم بتصريح يقول في ترجمته والله يصلحه ، ونحو ذلك ، وسببه المخالفة في العقائد ، إنتهى .

والحال في حقّ شيخنا الذهبي أزيد ممّا وصف ، وهو شيخنا ومعلّمنا ، غير أنّ الحقّ أحقّ أن يتّبع )(٢) .

وقال السبكي في (طبقاته ) :

( اعلم أنّ أبا إسماعيل عبد الله بن محمّد الهروي ، الذي يسمّيه المجسّمة

ـــــــــــــــــ

(١) طبقات الشافعية للسبكي ٢ : ٢٢ .

(٢) طبقات الشافعية للسبكي ٢ : ١٣ .


شيخ الإسلام قال : سألت يحيى بن عمّار عن ابن حبّان قلت : رأيته ؟

قال : وكيف لم أره )(١) .

ولا يخفى أنّ مراده من (المجسّمة ) هو (الذهبي ) ، فهو الذي وصفه بـ (شيخ الإسلام ) كما في (ميزان الاعتدال ) حيث قال :

( قال أبو إسماعيل الأنصاري شيخ الإسلام سألت يحيى بن عمّار عن أبي حاتم )(٢) .

أبو القاسم ابن مندة

وابن مندة ـ أيضاً ـ من القائلين بثبوت الجهة للباري عزّ وجل ، فقد قال اليافعي في (مرآة الجنان ) :

( الحافظ أبو القاسم عبد الرحمان بن مندة الأصبهاني صاحب التصانيف ، كان ذا هيبةٍ ووقار ، وله أصحاب وأتباع

قال الذهبي : وفيه تسنّن مفرط ، أوقع بعض العلماء في الكلام في معتقده وتوهّموا فيه التجسيم ، قال : وهو بريء منه فيما علمت ، ولكن لو قصّر من شأنه لكان أولى به .

قلت : وكلام الذهبي هذا يحتاج إلى إيضاح ، فقوله : فيه تسنّنٌ مفرط ، أي يبالغ في الأخذ بظواهر السنّة والاستدلال بها وجحد حملها فيه التجسيم ؛ لأنّ الجري على اعتقاد الظواهر ومنع التأويل فيها يدلّ على ذلك ، والكلام فيه يطول ، وقد أوضحت ذلك في الأُصول

وقوله : لو قصّر من شأنه لكان أولى به ، أي لو ترك المبالغة في التظاهر بذلك والاستشهار به لكان أولى

وأمّا قوله : وهو بريء منه ، فشهادة على أمرٍ باطل والله أعلم بحقيقته ، وغاية ما ثمَّ أنّه ما

ـــــــــــــــــ

(١) طبقات الشافعية للسبكي ٣ : ١٣٢ .

(٢) ميزان الاعتدال ٦ : ٩٩/٧٣٥٢ .


يصرّح بالتجسيم بلسانه لكنّه يقول بالجهة ، وأسلم ما في ذلك أنّه يلزم منه القول بالتجسيم ، وفي ملزوم المذهب خلاف مشهور عند العلماء ، هل هو مذهب أم لا ؟

هذا إذا اقتصر على اعتقاد الجهة ، فأمّا إذا اعتقد الحركة والنزول والجارحة فصريح في التجسيم )(١) .

ولا تتوهَّمن أن هذه المقالات الفاسدة إنّما قال بها المتأخّرون من تلقاء أنفسهم ، فإنّهم قد تبعوا فيها أسلافهم ...

جماعة من القدماء

فإنّ ذلك مذهب جماعة من القدماء فقد قال في (الملل والنحل ) بعد ذكر مذهب أحمد بن حنبل وأمثاله من منع تأويل الآيات الدالّة على التشبيه :

( وليس ـ أي هذا المذهب ـ من التشبيه في شيء ، غير أنّ جماعة من الشيعة الغالية وجماعة من أصحاب الحديث الحشويّة صرّحوا بالتشبيه ، مثل الهشامين من الشيعة ، ومثل مضر وكهمس وأحمد الهجيمي وغيرهم من أهل السنّة قالوا : معبودهم صورة ذات أعضاء وأبعاض روحانيّة وجسمانيّة ، ويجوز عليه الانتقال والصعود والنزول والاستقرار والتمكّن .

فأمّا مشبّهة الشيعة ، فسيأتي مقالاتهم في باب الغلاة .

وأمّا مشبّهة الحشويّة ، فقد حكى الأشعري عن محمّد بن عيسى أنّه حكى عن مضر وكهمس وأحمد الهجيمي أنّهم أجازوا على ربّهم الملامسة والمصافحة ، وإنّ المخلصين من المسلمين يعانقونه في الدنيا والآخرة ، إذا بلغوا في الرياضة والإجتهاد إلى حدّ الإخلاص والإتحاد المحض ، وحكى الكعبي عن بعضهم أنّه كان يُجوّز الرؤية في الدنيا وأن يزوره ويزورهم

ـــــــــــــــــ

(١) مرآة الجنان وعبرة اليقظان ٣ : ٧٦ ـ ٧٧ ترجمة الحافظ أبي القاسم عبد الرحمان بن مندة .


ويحكى عن داود الجواربي أنّه قال : أعفوني عن اللّحية والفرج ، وسلوني عمّا وراء ذلك ، وقال : إنّ معبوده جسم ولحم ودم ، وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس ولسان وعينين وأُذنين ، وهو مع ذلك جسم لا كالأجسام ، ولحم لا كاللحوم ، ودم لا كالدماء ، وكذلك سائر الصفات ، وهو لا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء

وحكي أنّه قال : هو أجوفٌ من أعلاه إلى صدره ومصمّت ما سوى ذلك ، وأنّ له وفرةً سوداء ، وله شعر قطط .

وأمّا ما ورد في التنزيل من الاستواء واليدين والوجه والرجلين والجنب والمجيء والإتيان والفوقيّة وغير ذلك ، فأجروها على ظاهرها ، يعني ما يُفهم عند الإطلاق على الأجسام ، وكذلك ما ورد في الأخبار من الصورة في قوله : خلق آدم على صورة الرحمان ، وقوله : يضع الجبّار قدمه في النّار ، وقوله : قلب المؤمنين بين إصبعين من أصابع الرحمان ، وقوله : خمّر طينة آدم بيده أربعين صباحاً ، وقوله : فوضع يده أو كفّه على كتفي فوجدت برد أنامله في صدري ، إلى غير ذلك ، أجروها على ما يتعارف في صفات الأجسام )(١) .

أكثر المحدّثين

وهو قول أكثر المحدّثين ، فيما نسب إليهم جلال الدين الدواني في (شرح العقائد ) حيث قال :

( وأكثر المجسّمة هم الظاهريون المتبعون لظواهر الكتاب والسنّة ، وأكثرهم المحدّثون ) .

ونسب ابن الجوزي في (تلبيس إبليس ) ذلك إلى عموم المحدّثين :

( واعلم أنّ عموم المحدّثين حملوا ظاهر ما نقلوا من صفات الباري

ـــــــــــــــــ

(١) الملل والنحل ١ : ١٠٥ ـ ١٠٦ .


سبحانه وتعالى على مقتضى الحسّ فشبّهوا ؛ لأنّهم لم يخالطوا الفقهاء ، فيعرفوا حمل المتشابه على مقتضى المُحْكَم ) .

مقاتل بن سليمان

ومقاتل بن سليمان من القائلين بالتشبيه والتجسيم ، وهو ـ كما في (الملل والنحل ) ـ من أئمّة السلف ، وفي عداد أحمد بن حنبل وأمثاله ، قال الشهرستاني :

( فأمّا أحمد بن حنبل وداود بن علي الأصبهاني وجماعة من أئمّة السلف فجروا على منهاج السلف المتقدّمين عليهم من أصحاب الحديث ، كمالك بن أنس ومقاتل بن سليمان ، سلكوا طريق السلامة وقالوا : نؤمن بما ورد به الكتاب والسنّة ، ولا نتعرّض للتأويل )(١) .

وقد ورد قوله بالتجسيم في (المواقف ) حيث قال :

( والمجسّمة قالوا هو جسم حقيقة فقيل : مركّب من لحمٍ ودم ، كمقاتل ابن سليمان )(٢) .

وفي (منهاج السنة ) :

( قال الأشعري في المقالات : وقال داود الجواربي ومقاتل بن سليمان : إنّ الله جسم ، وإنّه جثّة وأعضاء وعلى صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم ، له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين ، ومع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه )(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) الملل والنحل ١ : ١٠٤ .

(٢) شرح المواقف في علم الكلام ٣ : ٣٨ .

(٣) منهاج السنّة ١ : ٣٧٢ .


وإذا كان الأشعري ينسب ذلك إلى مقاتل ، فلا يصغى إلى تشكيكات بعض الناس .

وأيضاً ، فقد جاء بترجمة مقاتل من (الأنساب ) ما نصّه :

( أبو الحسن مقاتل بن سليمان الخراساني مولى الأزد ، أصله من بلخ ، وانتقل إلى البصرة ، وبها مات بعد قدوم الهاشميّة ، وكان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم ، وكان مشبّهاً يُشبّه الربّ بالمخلوقين ، وكان يكذب مع ذلك في الحديث ، وكان أبو يوسف القاضي يقول : قال أبو حنيفة (رحمه‌الله ) يا أبا يوسف احذر صنفين من خراسان : الجهميّة والمقاتليّة )(١) .

وهكذا في (ميزان الاعتدال ) :

( قال أبو حنيفة : أفرط جهم في نفي التشبيه ، حتّى قال : إنّه تعالى ليس بشيء ، وأفرط مقاتل ـ يعني في الإثبات ـ حتّى جعله مثل خلقه )(٢) .

وفيه : ( قال ابن حبّان : كان يأخذ عن اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم ، وكان يشبّه الربّ بالمخلوق ، وكان يكذب في الحديث )(٣) .

نعيم بن حمّاد

ومنهم نعيم بن حمّاد قال السمعاني في (الأنساب ) بترجمته :

( يقال له : الفارض ؛ لأنّه يعرف الفرائض وقسمة المواريث معرفة حسنة ،

ـــــــــــــــــ

(١) الأنساب للسمعاني ٢ : ٣٣٧ .

(٢) ميزان الاعتدال ٦ : ٥٠٥/٨٧٤٧ .

(٣) ميزان الاعتدال ٦ : ٥٠٧ .


واشتهر بهذه النسبة حتّى كان يقال له نعيم الفارض ـ إلى أن قال ـ وكان من العلماء ولكنّه ربّما يهمّ ويخطي ومن ينجو من ذلك ؟

ثبت في المحنة حتّى مات في الحبس ، وسمع منه حمزة الكاتب في الحبس ، وكان قد امتنع عن القول بخلق القرآن ، وكان يقول : أنا كنت جهميّاً فلذلك عرفت كلامهم ، فلمّا طلبت الحديث علمت أنّ أمرهم يرجع إلى التعطيل )(١) .

وقال الذهبي بترجمته في ( ميزان الاعتدال ) :

( نعيم بن حمّاد الخزاعي المروزي ، أحد الأئمّة الأعلام ، على لين في حديثه

قال الخطيب : يقال : إنّ نعيم بن حمّاد أوّل من جمع المسند .

وقال الحسين بن حبّان : سمعت يحيى بن معين يقول : نعيم بن حمّاد صدوق وأنا أعرف الناس به ، وكان رفيقي في البصرة ، كتب عن روح بن عبادة خمسين ألف حديث وكذا وثّقه أحمد .

وروى إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين : ثقة .

وقال أحمد العجلي : ثقة صدوق .

وقال العبّاس بن مصعب في تاريخه : نعيم بن حمّاد وضع كتباً في الردّ على الجهميّة ، وكان من أعلم النّاس بالفرائض .

وقال الحافظ أبو علي النيسابوري : سمعت النسائي يذكر فضل نعيم بن حمّاد وتقدّمه في العلم ومعرفة السنن )(٢) .

وأمّا قوله بالتجسيم ، فقد حكاه ابن الجوزي في (تلبيس ابليس ) فإنّه قال :

ـــــــــــــــــ

(١) الأنساب ٤ : ٣٣٣ .

(٢) ميزان الاعتدال ٧ : ٤١ ـ ٤٢/٩١٠٩ .


 ( قال أبو يحيى : وقد حكى كثير من المتكلّمين : أنّ مقاتل بن سليمان ونعيم بن حمّاد وداود الجواربي ، يقولون : إنّ الله صورة وأعضاء ، أفترى هؤلاء كيف يثبتون له القدم دون الآدميّين ، ولم لا يجوز عليه عندهم ما يجوز على الآدميّين ، من مرضٍ وتلف ) إلى آخر ما أفادو وأجاد(١) .

وقال الخطيب :

( نعيم بن حمّاد بن معاوية بن الحارث ، أبو عبد الله الخزاعي ، الأعور المروزي ، كان قد سكن مصر ، ولم يزل مقيماً حتّى أُشخص للمحنة في القرآن إلى سرّ من رأى في أيّام المعتصم ، فسُئل عن القرآن فأبى أن يجيبهم إلى أنّ القرآن مخلوق ، فسُجن إلى أن مات في السجن ، سنة ثمان وعشرين ومائتين ، وأُلقي في حفرةٍ ، ولم يكفّن ولم يُصلَّ عليه .

وروى مسنداً إلى مروان بن عثمان ، عن عمارة بن عامر ، عن أُمّ الطّفيل قالت : سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يذكر إنّه رأى ربّه تعالى في المنام في أحسن صورة ، شابّاً موفّراً ، رجلاه في خصر عليه نعلان من ذهب ، على وجهه فراش من ذهب .

وروى الخطيب عقيب هذا الخبر عن نعيم بإسناده يرفعه، قال : سمعت أبا عبد الرحمان النسوي يقول : ومن مروان بن عثمان حتّى يصدّق على الله عزّ وجلّ ؟

وقال صالح بن محمّد : إنّ نعيماً كان يحدّث من حفظه ، وعنده مناكير كثيرة لا يتابع عليها )(٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) تلبيس إبليس : ١٠٠ .

(٢) تاريخ بغداد ١٣ : ٣٠٦ ـ ٣١٤ ملخّصاً .


البـداء

اعلم :

أنّ علماء الطائفة المحقّة قد ذكروا في كتبهم العقيدة بالبداء ، وبيّنوا أدلَّتها العقليّة والنقليّة ، لكنَّ بعض الناس لمّا جهلوا بهذه الحقيقة ولم يطّلعوا على أدلّتها ، جعلوا يشنّعون علينا ، وينسبون إلينا القول بعروض الندم أو الجهل على الباري ، عزّ وجلّ وتعالى عمّا يقول الظّالمون علوّاً كبيراً ...

فرأينا من المناسب التعرّض لهذا المطلب بإيجاز ، رفعاً للشبهة ودفعاً للتهمة وأُسوةً بعلمائنا الأبرار الذين وضعوا رسائل مفردة في هذه المسألة ، تبييناً للعقيدة ودفاعاً عن المذهب .

وأمّا من يتفوّه بذلك وهو عالم بواقع الحال ، ففي قلبه مرضٌ لا يمكننا علاجه ، ونكل أمره إلى الله ، وكفى به حسيباً ...

هذا ، وسيكون بحثنا في مقامات :

أحدها :

في نقل كلام الشيخ المجلسي وجماعة من علمائنا .

والآخر :

في نقل روايات من طرق أهل السنّة متضمّنة للتغيير والتبديل في المقدّرات الإلهيّة ، وهي عين مفاد أحاديث البداء .

والثالث :

في ذكر موارد وقوع البداء في كتب الجمهور .


كلام الشيخ المجلسي وسائر علمائنا الأعلام

قال العلامة الشيخ محمّد باقر المجلسي صاحب (بحار الأنوار ) بعد رواية نبذةٍ من أحاديث البداء وأقوال العلماء فيه :

( ولنذكر ما ظهر لنا من الآيات والأخبار بحيث تدلّ عليه النصوص الصريحة ، ولا تأبى عنه العقول الصحيحة ، فنقول وبالله التوفيق :

إنّهمعليهم‌السلام إنّما بالغوا في البداء ؛ ردّاً على اليهود الذين يقولون : إنّ الله قد فرغ من الأمر والنظام ، وبعض المعتزلة الذين يقولون : إنّ الله خلق الموجودات دفعةً واحدةً على ما هي عليه الآن ، معادن ونباتاً وحيواناً وإنساناً ، ولم يتقدّم خلق آدم على خلق أولاده ، والتقدّم إنّما يقع في ظهورها لا في حدوثها ووجودها ، وإنّما أخذوا هذه المقالة من أصحاب الكمون والظهور من الفلاسفة ، وعن بعض الفلاسفة القائلين بالعقول والنفوس الفلكيّة ، وبأنّ الله تعالى لم يؤثّر حقيقةً إلاّ في العقل الأوّل ، فهم يعزلونه تعالى عن ملكه ، وينسبون الحوادث إلى هؤلاء .

فنفواعليهم‌السلام ذلك ، وأثبتوا أنّه تعالى كلّ يوم في شأنٍ ، من إعدام شيء وإحداث آخر ، وإماتة شخص وإحياء آخر إلى غير ذلك ، لئلاّ يترك العباد التضرّع إلى الله ومسألته وطاعته ، والتقرّب إليه بما يصلح أُمور دنياهم وعقباهم ، وليرجوا عند التصدّق على الفقراء وصلة الأرحام وبرّ الوالدين والمعروف والإحسان ما وُعِدوا عليها ، من طول العمر وزيادة الرزق ، وغير ذلك .

ثمّ اعلم : أنّ الآيات والأخبار تدلّ على أنّ الله تعالى خلق لوحين أثبت فيهما ما يحدث من الكائنات :

أحدهما : اللّوح المحفوظ الذي لا تغيّر فيه أصلاً ، وهو مطابق لعلمه تعالى .


والآخر : لوح المحو والإثبات ، فيثبت فيه شيئاً ثمّ يمحوه ، لحكم كثيرة لا تخفى على أُولي الألباب ، مثلاً يكتب إنّ عمر زيد خمسون سنة ، ومعناه : أنّ مقتضى الحكمة أن يكون عمره كذا إذا لم يفعل ما يقتضي طوله أو قصره ، فإذا وصل الرحم ـ مثلاً ـ يمحى الخمسون ويكتب مكانه ستّون ، وإذا قطعها يكتب مكانه أربعون ، وفي اللّوح المحفوظ إنّه يصل عمره ستّون ، كما أنّ الطبيب الحاذق إذا اطّلع على مزاج شخصٍ يحكم بأنّ عمره بحسب هذا المزاج يكون ستّين سنةَ ، فإذا شرب سمّاً ومات أو قتله إنسان فنقص من ذلك أو استعمل دواء قوي مزاجه به فزاد عليه ، لم يخالف قول الطبيب ، والتغيّر الواقع في هذا اللّوح مسمّى بالبداء ؛ إمّا لأنّه شبيه به ، كما في سائر ما يطلق عليه سبحانه من الابتلاء والاستهزاء والسخرية وأمثالها ؛ أو لأنّه يظهر للملائكة أو للخلق إذا أُخبروا بالأوّل خلاف ما علموا أوّلاً .

وأيّ استبعاد في تحقّق هذين اللّوحين ؟

وأيّة استحالة في هذا المحو والإثبات حتّى يحتاج إلى التأويل والتكلّف ، وإن لم يظهر الحكمة فيه لنا بعجز عقولنا عن الإحاطة بها ؟

مع أنّ الحكم فيه ظاهرة :منها : أن يظهر للملائكة الكاتبين في اللّوح والمطّلعين عليه ، لطفه تعالى بعباده ، وإيصالهم في الدنيا إلى ما يستحقّونه فيزدادوا به معرفة .

ومنها : أن يعلم العباد ـ بإخبار الرسل والحججعليهم‌السلام ـ أنّ لأعمالهم الحسنة مثل هذه التأثيراتت في صلاح أُمورهم ، ولأعمالهم السيّئة تأثيراً في فسادها ، فيكون داعياً لهم إلى الخيرات ، صارفاً لهم عن السيّئات

فظهر أنّ لهذا اللّوح تقدّماً على اللّوح المحفوظ ، من جهة صيرورته سبباً لحصول بعض الأعمال ، فبذلك ينقش في اللّوح المحفوظ حصوله ، فلا يتوهّم أنّه بعد ما كتب في هذا اللّوح حصوله لا فائدة في المحو والإثبات .

ومنها : إنّه إذا أخبر الأوصياء أحياناً من كتاب المحو والإثبات ، ثمّ أخبروا بخلافه ، يلزمهم الإذغان به ويكون في ذلك تشديد للتكليف عليهم ، تسبيباً لمزيد الأجر لهم ، كما في سائر ما يبتلي الله عباده به من التكاليف الشاقّة ، وإيراد الأُمور التي يعجز أكثر العقول عن الإحاطة بها ، وبها يمتاز المسلّمون الذين فازوا بدرجات اليقين عن الضعفاء الذين ليس لهم قدم راسخ في الدين .


ومنها : أن يكون هذه الإخبار تسليةً لقومٍ من المؤمنين المنتظرين لفرج أولياء الله وغلبة الحقّ وأهله ، كما روي في فرج أهل البيتعليهم‌السلام وغلبتهم ؛ لأنّهمعليهم‌السلام لو كانوا أخبروا الشيعة ـ في أوّل ابتلاءهم باستيلاء المخالفين وشدّة محنتهم ـ أنّه ليس فرجهم إلاّ بعد ألف سنة أو ألفي سنة ، ليئسوا ورجعوا عن الدين ، ولكنّهم أخبروا شيعتهم بتعجيل الفرج ، وربّما أخبروهم بأنّه يمكن أن يحصل الفرج في بعض الأزمنة القريبة ؛ ليثبتوا على الدين ويثابوا بانتظار الفرج ، كما مرّ في خبر أمير المؤمنين صلوات الله عليه ) .

وقال ـرحمه‌الله ـ بعد إيراد حديثين :

( فأخبارهم ـعليهم‌السلام ـ بما يظهر خلافه ظاهراً ، من قبيل المجملات والمتشابهات التي تصدر عنهم ، ثمّ يصدر بعد ذلك تفسيرها وبيانها ، وقولهم : يقع الأمر الفلاني في وقت كذا معناه إن كان كذا ، أو إن لم يقع الأمر الفلاني الذي ينافيه ، ولم يذكروا الشرط كما قالوا في النسخ قبل الفعل ، وقد أوضحناه في باب ذبح إسماعيلعليه‌السلام .

فمعنى قولهمعليهم‌السلام : ما عبد الله بمثل البداء ، إنّ الإيمان بالبداء من أعظم العبادات القلبيّة ؛ لصعوبته ومعارضة الوساوس الشيطانيّة فيه ، ولكونه إقراراً بأنّ له الخلق والأمر ، وهذا كمال التوحيد ، أو المعنى أنّه من أعظم الأسباب والدواعي إلى عبادة الربّ تعالى كما عرفت .

وكذا قولهم : ما عُظِّم الله بمثل البداء ، يحتمل الوجهين ، وإن كان الأوّل فيه أظهر .

وأمّا قول الصادقعليه‌السلام : لو علم النّاس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه .

فلما مرّ أيضاً ، من أنّ أكثر مصالح العباد موقوفة على القول بالبداء ، إذ لو اعتقدوا أنّ كلّ ما قُدِّرَ في الأزل فلابدّ من وقوعه حتماً ، لَمَا دعوا الله في شيء من مطالبهم ، وما تضرّعوا إليه وما استكانوا لديه ، ولا خافوا منه ولا رجوا إليه ، إلى غير ذلك ممّا قد أومأنا إليه .

وأمّا إنّ هذه الأُمور من جملة الأسباب المقدّر في الأزل ، أن يقع الأمر بها لا بدونها ، فممّا لا يصل إليه عقول أكثر الخلق .


فظهر أنّ هذا اللّوح وعلمهم بما يقع فيه من المحو والإثبات أصلح لهم من كلّ شيء )(١) .

أقول :

ومثله في إثبات علم الله عزّ وجلّ بالأشياء كلّها قبل كونها ، وأنّه ليس معنى أخبار البداء ظهور الأمر له تعالى ، كلمات غيره من أعلام الطائفة ، بل صريح بعضهم أنْ أخذ (البداء ) بمعنى العلم بعد الجهل كفر :

قال الشيخ الصدوق :

( وعندنا : من زعم أنّ الله تعالى يبدو له اليوم في شيءٍ لم يعلمه أمس ، فهو كافر ، والبراءة منه واجبة )(٢) .

وقال الشيخ المفيد :

( وليس هو الانتقال من عزيمةٍ إلى عزيمة ، ولا من تعقّب الرأي ، تعالى الله عمّا يقول المبطلون علوّاً كبيراً )(٣) .

وقال الشيخ الطوسي :

( والوجه في هذه الأخبار : ما قدّمنا ذكره من تغيير المصلحة فيه ، واقتضائها تأخير الأمر إلى وقتٍ آخر على ما بيّناه ، دون ظهور الأمر له تعالى ، فإنّا لا نقول به ولا نجوّزه ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً ) .

بل قال : ( فأمّا من قال بأنّ الله تعالى لا يعلم بشيءٍ إلاّ بعد كونه ، فقد كفر وخرج عن التوحيد )(٤) .

وكذلك كلام غير هؤلاء من علمائنا المتقدّمين والمتأخّرين .

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار ٤ : ١٢٩ ـ ١٣٣ .

(٢) كتاب التوحيد : ١٣٥ باب العلم .

(٣) تصحيح الاعتقاد : ٢٠٠ .

(٤) كتاب الغيبة : ٤٣٠ ـ ٤٣١ .


روايات السنّة في البداء

والروايات والأخبار المخرّجة في كتب أهل السنّة من طرقهم ، الدالّة على عقيدة البداء عن الصحابة والتابعين كثيرة :

فالرواية الأُولى : ما أخرجه جماعة من الأئمّة عن مجاهد .

قال السيوطي في تفسيره (الدر المنثور ) :

( أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهدرضي‌الله‌عنه ، قال : قالت قريش حين أُنزل :( وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ ) ما نراك يا محمّد تملك من شيءٍ ولقد فُرغ من الأمر ، فأُنزلت هذه الآية تخويفاً ووعيداً لهم :( يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ) إنّا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا ، ويحدث الله تعالى في كلّ رمضان ، فيمحو الله ما يشاء ويثبت من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم وما يقسم لهم )(١) .

الرواية الثانية : عن ابن عباس كما في (الدر المنثور ) حيث قال :

( أخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شُعب الإيمان ، عن ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه في قوله :( يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ) قال : ينزل الله في كلّ شهر رمضان إلى سماء الدنيا ، فيدبّر أمر السنة إلى السنة في ليلة القدر ، فيمحو الله ما يشاء ويثبت ، إلاّ الشقاوة والسعادة والحياة والمماة )(٢) .

ـــــــــــــــــ

(١ و٢) الدر المنثور ٤ : ٦٥٩ .


الرواية الثالثة : عن جابر ، ففي (الدر المنثور ) :

( أخرج ابن سعد وابن جرير وابن مردويه عن الكلبيرضي‌الله‌عنه في الآية قال : يمحو الله من الرزق ويزيد فيه ، ويمحو من الأجل ويزيد فيه .

فقيل له : من حدّثك بهذا ؟

قال : أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رباب الأنصاري عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

وقال السيوطي في رسالته (إفادة الخبر بنصّه في زيادة العمر وانقصه ) :

( أخرج ابن جرير وابن مردويه في تفسيرهما عن الكلبي في قوله :( يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ) قال : يمحو من الرزق ويزيد فيه ، ويمحو من الأجل ويزيد فيه .

فقيل : من حدّثك بهذا ؟

قال : أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رباب الأنصاري عن النبيّ ـ صلَّى الله عليه وسلّم ـ ) .

الرواية الرابعة : عن أبي الدرداء ، قال عمر بن عادل في (اللّباب ) :

( روى أبو الدرداء ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ينزل الله تعالى في آخر ثلاث ساعات يبقين من اللّيل ، فينظر في الساعة الأُولى منهنّ في أُمّ الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره ، فيمحو ما يشاء ويثبت )(٢) .

الرواية الخامسة : ما رواه ابن مردويه في تفسيره ، وابن عساكر في تاريخه عن أمير المؤمنين ، فقد قال السيوطي في (إفادة الخبر بنصّه ) :

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٤ : ٦٦٠ .

(٢) اللباب في علوم الكتاب ١١ : ٣٢٠ .


 ( أخرج ابن مردويه في تفسيره وابن عساكر في تاريخه عن عليّرضي‌الله‌عنه : أنّه سال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن قوله :( يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ )

فقال : لأقرّنّ عينك بتفسيرها ، ولأقرّنّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها :

الصدقة على وجهها وبرّ الوالدين واصطناع المعروف ، يحوّل الشقاء سعادةً ويزيد في العمر ويقي مصارع السوء ) .

وفي (الدر المنثور ) بتفسير الآية :

( أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن عليّرضي‌الله‌عنه إنّه سأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن هذه الآية ، فقال له : لأقرّنّ عينك بتفسيرها ، ولأقرّنّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها :

الصدقة على وجهها وبرّ الوالدين واصطناع المعروف ، يحوّل الشقاء سعادةً ويزيد في العمر ويقي مصارع السوء )(١) .

وقال القاضي ثناء الله في (تفسيره ) :

( سأل عليّ عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن هذه الآية ـ يعني( يَمْحُوا اللّهُ ) الآية ـ قال : لأقرّنّ عينك بتفسيرها وأقرّنّ عين أُمّتي بتفسيرها : الصدقة على وجهها وبرّ الوالدين واصطناع المعروف ، يحوّل الشقاء سعادةً ويزيد في العمر .

مر ، أي رواه ابن مردويه .

قلت : المراد بهذا القضاء المعلّق ) .

الرواية السادسة : ما أخرجه الحاكم وصحّحه ، كما في (الدر المنثور )

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٤ : ٦٦١ .


 ( أخرج الحاكم وصحّحه عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ قال : لا ينفع الحذر مِن القدر ، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر )(١) .

الرواية السابعة : عن قيس بن عباد ، أخرجها ابن جرير .

قال في (الدر المنثور ) :

( أخرج ابن جرير عن قيس بن عباد ـ رضي الله عنه ـ قال : العاشر من رجب يمحو الله فيه ما يشاء )(٢) .

الرواية الثامنة : أخرجها جماعة عن قيس بن عباد أيضاً .

قال في (الدر المنثور ) :

( أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن قيس بن عبادرضي‌الله‌عنه قال : لله أمر في كلّ ليلة العاشر من الأشهر الحرم ، أمّا العاشر من الأضحى فيوم النحر ، وأمّا العاشر من المحرّم فيوم عاشورا ، وأمّا العاشر من رجب ففيه يمحو الله ما يشاء ويثبت .

قال: ونسيت ما قال في ذي القعدة )(٣) .

الرواية التاسعة : عن عمر بن الخطّاب ، أخرجها جماعة .

قال في (الدر المنثور ) :

( أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه إنّه قال ـ وهو يطوف بالبيت ـ : اللهمّ إن كنت كتبت عليّ شقاوةً أو ذنباً فامحه ، فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أُمّ الكتاب ، فاجعله سعادةً ومغفرة )(٤) .

الرواية العاشرة : عن ابن مسعود :

ـــــــــــــــــ

(١ ـ ٤) الدر المنثور ٤ : ٦٦١ .


 ( أخرج ابن أبي شيبة في المصنّف وابن أبي الدنيا في الدعاء عن ابن مسعودرضي‌الله‌عنه قال : ما دعا عبدٌ قط بهذه الدعوات إلاّ وسّع الله عليه في معيشته :

يا ذا المنّ ولا يمنّ عليه ، يا ذا الجلال والإكرام ، يا ذا الطَّوْل ، لا إله إلاّ أنت ، ظهر اللاّجين وجار المستجيرين ، ومأمن الخائفين ، إن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب شقيّاً ، فامح عنّي اسم الشقاوة وثبّتني عندك سعيداً ، وإن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب محرّماً مقتَّراً علَيّ رزقي ، فامح حرماني ويسّر رزقي وثبّتني عندك سعيداً موفّقاً للخير ، فإنّك تقول في كتابك الذي أنزلت : ( يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمّ الْكِتَابِ ) ) .

هكذا في (الدر المنثور )(١) .

ورواه عمر بن عادل الحنبلي في تفسيره (اللباب في علوم الكتاب ) عن ابن مسعود وعمر ، فقال :

( عن ابن عمر وابن مسعود أنّهما قالا : يمحو السعادة والشقاوة ويمحو الرزق والأجل ويثبت ما يشاء .

وروي عن عمر : إنّه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول : اللّهمّ إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها ، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة فامحني وثبّتني في أهل السعادة والمغفرة ، فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أُمّ الكتاب ، ومثله عن ابن مسعود )(٢) .

وقال الفخر الرازي بتفسير الآية :( يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ ) .

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٤ : ٦٦١ .

(٢) اللباب في علوم الكتاب : ١١/٣٢٠ .


 ( في هذه الآية قولان :

الأوّل : إنّها عامّة في كلّ شيء ، كما يقتضيه ظاهر اللّفظ ، قالوا : إنّ الله يمحو من الرزق ويزيد فيه ، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر .

وهو مذهب عمر وابن مسعود .

ورواه جابر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

أقول :

وقد ذُكر مذهب ابن مسعود وعمر بن الخطّاب بتفسير الآية ، في تفسير ابن كثير والقرطبي والواحدي وابن الجوزي والبيضاوي وغيرهم ، وقد نُسب ذلك في بعضها إلى غيرهما من الصّحابة أيضاً .

الرواية الحادية عشر : أخرجها ابن جرير عن مجاهد .

قال السيوطي في (الدر المنثور ) و (إفادة الخبر بنصّه ) :

( أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله :( يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ )

قال : الله ينزّل كلّ شيءٍ يكون في السنة في ليلة القدر ، فيمحو ما يشاء من الآجال والأرزاق والمقادير ، إلاّ الشقاوة والسعادة ) .

الرواية الثانية عشر : أخرجها جماعة عن ابن عبّاس .

قال في (الدر المنثور ) :

( أخرج ابن جرير ومحمّد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصحّحه ، عن ابن عبّاس :( يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ) قال : من أحد الكتابين هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدهما ويثبت وعنده أُمّ الكتاب أي جملة

ـــــــــــــــــ

(١) تفسير الرازي ١٩ : ٦٤ ـ ٦٥ .


لكتاب )(١) .

الرواية الثالثة عشر : رواها ابن جرير عن كعب الأحبار ، وهو جليل القدر عندهم ، وإنْ كذَّبه ابن عبّاس في بعض الأحاديث ، كما في (حياة الحيوان )(٢) .

قال السيوطي في (الدر المنثور ) :

( أخرج ابن جرير عن كعب ـ رضي الله عنه ـ أنّه قال لعمر ـ رضي الله عنه ـ : يا أمير المؤمنين ، لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة

قال : وما هي ؟

قال : قول الله :( يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمّ الْكِتَابِ ) (٣) .

وهذه الرواية ـ بالإضافة إلى دلالتها على البداء ـ تدلّ على أفضليّة كعب الأحبار من عمر ، بل الثلاثة ، فقد ادّعى العلم بجميع الأُمور المستقبلة إلى يوم القيامة ، والقوم لم يكذّبوه في هذه الدعوى التي ليس لأحدٍ من الثلاثة أنْ يدَّعيها .

وإذا جاز لكعبٍ أن يدّعي مثل هذه الدّعوى ، وأنْ يتلقّاها القوم بالتصديق ، فلماذا يستبعدون ما ورد في هذا الباب عن الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام ؟

قال في (البحار ) :

( عن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ إنّه قال :لولا آية في كتاب الله ، لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن ، إلى يوم القيامة وهي هذه الآية : ( يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمّ الْكِتَابِ ) )(٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٤ : ٦٦٠ .

(٢) حياة الحيوان ١ : ٢٥٨ .

(٣) الدر المنثور ٤ : ٦٦٤ .

(٤) بحار الأنوار ٤ : ٩٧ .


وأيضاً في (البحار ) :

( عن زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال : كان عليّ بن الحسين ـ عليهما السلام ـ يقول : لو لا آية في كاب الله لحدّثتكم بما يكون إلى يوم القيامة ، فقلت : أيّة آية ؟

قال : قول الله :( يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمّ الْكِتَابِ ) (١) .

الرواية الرابعة عشر : رواها ابن جرير عن الضحاك، قال في (الدر المنثور ) :

( أخرج ابن جرير عن الضحّاك ـ رضي الله عنه ـ في الآية ، قال : يقول : أنسخ ما شئت وأصنع في الآجال ما شئت ، إن شئت زدت فيها وإن شئت نقصت ، وعنده أُمّ الكتاب

قال : جملة الكتاب وعلمه ، يعني بذلك ما ينسخ منه وما يثبت )(٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار ٤ : ١١٨ .

(٢) الدر المنثور ٤ : ٦٦٤ .


من موارد وقوع البداء في أخبار القوم

فإنْ قيل : إنّ مفاد هذه الروايات تجويز وقوع التغيير في التقدير الإلهي ، لكنّ أخبار البداء عند الإماميّة تدلّ على وقوع التغيير بعد اطّلاع الأنبياء ، أو الملائكة ، أو غيرهم ، على الأمر الأوّل ، وهذا ما لا تدلّ عليه روايات القوم .

قلنا : إنّه وإنْ كان ما ذكرناه كافياً لدفع هذه الشبهة ، لكنّا ـ مع ذلك ـ نأتي بأحاديثهم في جملةٍ من القضايا الواقعة من هذا القبيل .

قصّة الأبرص والأعمى والأقرع في بني إسرائيل

فمنها : قصّة الثلاثة في بني إسرائيل ، وأنّه ( بدا لله ) فيهم :

أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة أنّه سمع رسول الله ( صلَّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : ( إنّ ثلاثةً في بني إسرائيل : أبرص وأقرع وأعمى ، بدا لله أنْ يبتليهم ، فبعث إليهم ملكاً .

فأتى الأبرص فقال : أيّ شيء أحبّ إليك ؟

قال : لون حسن وجلد حسن ، قد قذرني الناس .

قال : فمسحه ، فذهب عنه ، فأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً .

فقال : أيّ المال أحبّ إليك ؟

قال : الإبل أو قال البقر ـ هو شك في ذلك أنّ الأبرص والأقرع قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر ـ فأعطى ناقةً عشراء فقال : يبارك لك فيها .

وأتى الأقرع فقال : أيّ شيء أحبّ إليك ؟

قال : شعر حسن ويذهب عنّي هذا ، قد قذرني الناس .

قال : فمسحه ، فذهب ، وأُعطي شعراً حسناً .

قال : فأيّ المال أحبّ إليك ؟

قال : البقر .

قال : فأعطاه بقرةً حاملاً وقال : يبارك لك فيها .

وأتى الأعمى فقال : أيّ شيء أحبّ إليك ؟

قال : يردّ الله إليَّ بصري ، فأبصر به الناس .


قال : فمسحه ، فردّ الله إليه بصره .

قال : فأيّ المال أحبّ إليك ؟

قال : الغنم فأعطاه شاةً والداً .

فأُنتج هذان وولّد هذا ، فكان لهذا وادٍ من إبل ، ولهذا وادٍ من بقر ، ولهذا واد من الغنم )(١) .

قصّة يونسعليه‌السلام

ومنها : قصّة يونس كما في (الدر المنثور ) حيث قال :

( أخرج ابن مردويه عن ابن مسعودرضي‌الله‌عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إنّ يونس دعا قومه ، فلمّا أبوا أن يجيبوه وعدهم العذاب ، فقال : إنّه يأتيكم يوم كذا وكذا ، ثمّ خرج عنهم ، وكانت الأنبياءعليهم‌السلام إذا وعدت قومها العذاب خرجت ، فلمّا أظلّهم العذاب خرجوا ، ففرّقوا بين

ـــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ، كتاب الأنبياء ، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ، الباب : ٩٤٧ .


المرأة وولدها وبين السّخلة وأولادها ، وخرجوا فعجّوا إلى الله وعلم الله منهم الصدق ، فتاب عليهم وصرف عنهم العذاب ، وقعد يونس في الطريق يسأل عن الخبر ، فمرّ به رجل ، فقال : ما فعل قوم يونس ؟

فحدّثه بما صنعوا ، فقال : لا أرجع إلى القوم فقد كَذِبْتُم ، وانطلق مغاضباً يعنى مراغماً )(١) .

وفي (الدر المنثور ) أيضاً :

( أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس ( رضي الله عنهما ) قال : لمّا دعا يونسعليه‌السلام على قومه ، أوحى الله إليه : إنّ العذاب مصبحهم ، فقال لهم ، فقالوا : ما كذب يونسعليه‌السلام وليصبحنا العذاب ، فتعالوا حتّى نخرج سخال كلّ شيء فنجعلها مع أولادنا لعلّ الله أن يرحمنا ، فأخرجوا النساء مع الولدان وأخرجوا الإبل مع فصلانها ، وأخرجوا البقر مع عجاجيلها ، وأخرجوا الغنم مع سخالها فجعلوها فجعلوها أمامهم وأقبل العذاب ، فلمّا رأوا جأروا إلى الله ودعوا وبكى النساء والولدان ، ورغت الإبل وفصلانها ، وخارت البقر وعجاجيلها ، وثغت الغنم وسخالها ؛ فرحمهم الله فصرف ذلك العذاب عنهم ، وغضب يونسعليه‌السلام فقال : كذبت ، فهو قوله( إذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً ) (٢) .

وفي (تفسير ) القاضي ثناء الله :

( أخرج ابن أبي حاتم عن عليّرضي‌الله‌عنه قال : تعيبَ على قوم يونس يوم عاشورا ، وكان يونس قد خرج ينتظر العذاب وهلاك قومه ، فلم ير شيئاً ، وكان من كذب ولم يكن له بيّنةٌ قتل ، فقال يونس : كيف أرجع إلى قومي وقد كذبتهم ، فانطلق عاتباً على ربّه مغاضباً لقومه ) .

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٤ : ٣٩٢ .

(٢) الدر المنثور ٥ : ٦٦٧ .


وفيه :

( قال عروة بن الزبير وسعيد بن جُبير وجماعة : وذهب عن قومه مغاضباً لربّه ، إذ كشف عن قومه العذاب بعدما وعدهم ، وكره أن يكون بين قوم جرّبوا عليه الخلف فيما وعدهم واستحيى منهم ، ولم يعلم السبب الذي به رفع العذاب عنهم ، وكان غضب من ظهور خلف وعده وأن يسمّى كذّاباً ، لا كراهيّة لحكم الله عزّ وجلّ .

وفي بعض الأخبار : إنّه كان من عادة قومه أن يقتلوا من جرّبوا عليه الكذب ، فخشي أن يقتلوه لمّا لم يأتهم العذاب للميعاد ، فغضب ) .

وقال السيوطي في (الدر المنثور ) :

( أخرج ابن أبي حاتم واللالكائي في السنّة عن عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه قال : إنّ الحذر لا يردّ القدر ، وإنّ الدعاء يردّ القدر ، وذلك في كتاب الله :( إلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ ) .

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه قال : إنّ الدعاء ليردّ القضاء ، وقد نزل من السماء ، اقرأوا إن شئتم :( إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ ) دعوا ، فصرف عنهم العذاب )(١) .

قصّة موسىعليه‌السلام

ومنها : ما رووه في قصة موسىعليه‌السلام .

قال السيوطي في (الدر المنثور ) :

( أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ، عن مجاهد :( وَوَاعَدْنَا مُوسَى‏ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً ) قال : ذو القعدة( وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ ) قال : إنّ موسى قال لقومه : إنّ ربي

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٤ : ٣٩٢ .


وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه وأخلف هارون فيكم ، فلمّا اتّصل موسى إلى ربّه زاده الله عشراً ، فكانت فتنتهم في العشر التي زادها الله )(١) .

وفي حديثٍ طويل أخرجه السيوطي عن العدني وعبد بن حميد والنسائي وجماعة غيرهم : إن قوم موسى قالوا :

( فما بال موسى وعدنا ثلاثين ليلة ثمّ أخلفنا )(٢) .

ومنها : ما جاء في قصّة الرجل الذي أتى وكر طائر قال الدميري في (حياة الحيوان ) :

( وفي تاريخ ابن النجّار وعوالي أبي عبد الله المثنّى بن أنس بن مالك الأنصاري قاضي البصرة وعالمها ومسندها ، وهو من كبار شيوخ البخاري ، من حديث الحسن بن أبي الحسن البصري .

عن أبي هريرةرضي‌الله‌عنه : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : كان فيمن قبلكم رجل يأتي وكر طائرٍ ، كلّما أفرخ يأخذ فرخه ، فشكى ذلك الطائر إلى الله تعالى ما يفعل به ، فأوحى الله إليه : إن عاد فسأهلكه ، فلمّا أفرخ الطائر خرج ذلك الرجل كما كان يخرج ، فبينما هو في بعض الطريق فسأله سائل فأعطاه رغيفاً كان معه يتغذّاه ثمّ مضى ، حتّى أتى الوكر فوضع سلّمه ثمّ صعد وأخذ الفرخين ، وأبواهما ينظران إليه ، فقالا : ربّنا إنّك لا تخلف الميعاد وقد وعدتنا أن تهلك هذا إذا عاد ، وقد عاد وأخذ فرخينا ولم تهلكه ؟!

فأوحى الله إليهما : ألم تعلما أنّي لا أُهلك أحداً تصدّق في يومه بميتة سوءٍ )(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٣ : ٥٣٥ .

(٢) الدر المنثور ٥ : ٥٧٧ مع فرق .

(٣) حياة الحيوان للدميري ٢ : ١٥١ .


قصّة القصّار

ومنها : ما جاء في قصّة القصّار الذي مرّ على عيسىعليه‌السلام ، رواها الزندوبستي في (روضة العلماء ) قال :

( حدّثنا أبو عبد الله المطوّعي بإسناد له عن وهب ـرحمه‌الله ـ قال : كان عيسى النبي صلوات الله عليه قاعداً مع الحواريّين ، إذ مرّ قصّار على ظهره حزمة ثياب ، فقال عيسىعليه‌السلام للحواريّين : إنّ هذا القصّار سالماً مع ثيابه ، فتعجّب الحواريّون بذلك ، فقال عيسى للقصّار : أخبرني عن قصّتك

قال : خرجت بالغداة ومعي ثلاثة أرغفة ، فاستقبلني سائل فدفعت إليه واحداً فدعا وقال : صرف الله عنك السّوء ، فمضيت فاستقبلني سائل آخر فسألني فدفعت إليه الرغيف الثاني ، فقال : صرف الله عنك البلاء ، فإذا فتحت حزمة ثيابي رأيت فيها حيّةً سوداء تلتهب النّار من عينها وفي عنقها سلسلتان ، وإذا ملكان يمدّان تلك الحيّة حتّى إذا أخرجاها من حزمة ثيابي

فقال عيسى : لذلك الرغيف سلّمك الله تعالى وزاد في عمرك ) .

قصّة الرجل من قوم صالحعليه‌السلام

ومنها : قصّة الرجل من قوم صالح ، الذي كان يؤذي الناس ، فيما روي في كتاب (حياة الحيوان ) حيث قال :

( روى أحمد في كتاب الزهد عن سالم بن أبي الجعد ، قال : كان رجل من قوم صالحعليه‌السلام قد آذاهم ، فقالوا : يا نبيّ الله أُدع الله عليه ، فقال : اذهبوا ، فقد كفيتموه

قال : وكان يخرج كلّ يومٍ يحتطب

قال : فخرج يومئذ معه رغيفان ، فأكل أحدهما وتصدّق بالآخر

قال : فاحتطب ثمّ جاء بحطبه سالماً لم يصبه شيء ، فجاؤوا إلى صالحعليه‌السلام وقالوا : قد جاء بحطبه سالماً لم يصبه شيء


قال : فدعاه صالحعليه‌السلام وقال له : أيّ شيءٍ صنعت اليوم ؟

قال : خرجت ومعي قرصان ، فتصدّقتُ بأحدهما وأكلت الآخر

فقال صالح : حُلَّ حطبك ، فحلّه ، فإذا فيه أسود مثل الجذع عاضّ على جذل من الحطب ، فقال : بهذا دفع عنك ، يعني بالصدقة )(١) .

قصّة الملكين

ومنها : قصّة الملكين من بني إسرائيل رواها صاحب (مختار مختصر تاريخ بغداد ) عن عبد الصمد بن علي ، قال :

( حدّثني أبي عن جدّي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّه كان في بني إسرائيل ملكان أخوان على مدينتين ، وكان أحدهما بارّاً برحمه عادلاً على رعيّته ، وكان الآخر عاقّاً برحمه جائراً على رعيّته ، وكان في عصرهما نبيّ ، فأوحى الله إلى ذلك النبيّ : إنّه قد بقي من عمر هذا البارّ ثلاث سنين ، وبقي من عمر هذا العاقّ ثلاثون سنة

قال : فأخبر النبيّ رعيّة هذا ورعيّة هذا ، فأحزن ذلك رعيّة الجائر وأحزن ذلك رعيّة العادل

قال : ففرّقوا بين الأطفال والأُمّهات وتركوا الطعام والشراب ، وخرجوا إلى الصحراء يدعون الله تعالى أن يمتّعهم بالعادل ويزيل عنهم أمر الجائر

فأقاموا ثلاثاً ، فأوحى الله إلى ذلك النبيّ أن أخبر عبادي بأنّي قد رحمتهم وأجبت دعائهم ، فجعلت ما بقي من عمر هذا البارّ لذلك الجائر ، وما بقي من عمر الجائر لهذا البارّ .

قال : فرجعوا إلى بيوتهم ، ومات العاقّ لتمام ثلاث سنين ، وبقي العادل فيهم ثلاثين سنة ، ثمّ تلا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( وَمَا يُعَمّرُ مِن مُعَمّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتَابٍ إِنّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ) ) .

ـــــــــــــــــ

(١) حياة الحيوان ١ : ٣٧ ( الأسود السالخ ) .


ورواه أبو الحسن البزّار في كتابه في (فضائل أهل البيت ) على ما نقل عنه في كتاب (مفتاح كنز الدراية ) حيث قال :

( قال الإمام الثقة أبو الحسن علي بن معروف البزّار ، في حديث البرّ والصّلة ، وهو من آخر الجزء : حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصّمد بن موسى بن محمّد بن إبراهيم بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس ، قال : حدّثني محمّد بن إبراهيم الإمام ، عن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس ، قال : حدّثني أبي عن جدّي عبد الله ( رضي الله عنهما ) عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّه قال : كان في بني إسرائيل ملكان أخوان على مدينتين ، وكان أحدهما بارّاً برحمه ، عادلاً في رعيّته ، وكان الآخر عاقّاً لرحمه ، جائراً على رعيّته ، وكان في مصرهما نبيّ ، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى ذلك النبيّ : إنّه قد بقي من عمر هذا البارّ ثلاث سنين ، وبقي من عمر هذا العاقّ ثلاثون سنة ، فأخبر ذلك النبيّ رعيّة هذا ورعيّة هذا ، فأحزن ذلك رعيّة العادل وأحزن ذلك رعيّة الجائر

قال : ففرّقوا بين الأطفال والأُمّهات ، وتركوا الطعام والشراب ، وخرجوا إلى الصحراء يدعون الله عزّ وجلّ أن يمتّعهم بالعادل ، ويزيل عنهم أمر الجائر ، فأقاموا ثلاثاً ، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى ذلك النبيّ أن أخبر عبادي إنّي قد رحمتهم فأجبت دعائهم ، فجعلت ما بقي من عمر هذا البارّ لذلك الجائر وما بقي من عمر الجائر لهذا البارّ

قال : فرجعوا إلى بيوتهم ، ومات العاقّ لتمام ثلاث سنين ، وبقي العادل فيهم ثلاثين سنة ، ثمّ تلا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( وَمَا يُعَمّرُ مِن مُعَمّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتَابٍ إِنّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ ) )(١) .

والعجب من الدهلوي صاحب (التحفة الاثنى عشرية ) حيث يروي هذه القصّة في كتابه (بستان المحدّثين ) المنتحل من (مفتاح كنز دراية المسموع ) ومع ذلك يردّ على أخبار أهل الحق في مسألة البداء ، وهذه عبارة (بستان المحدّثين ) حيث ذكر بأنّ ( جزء فضائل أهل البيت ) صنّفه أبو الحسن علي بن معروف البزّار ، وفي آخره في حديث البرّ والصلة :

ـــــــــــــــــ

(١) مفتاح كنز الدراية ـ مخطوط .


 ( حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصّمد بن موسى بن محمّد بن إبراهيم بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس ، قال : حدّثني محمّد بن إبراهيم الإمام ، عن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس ، قال : حدّثني أبي عن جدّي عبد اللهرضي‌الله‌عنه قال :

قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّه كان في بني إسرائيل ملكان أخوان على مدينتين ، كان أحدهما بارّاً برحمه ، عادلاً في رعيّته ، وكان الآخر عاقّاً لرحمه ، جائراً على رعيّته ، وكان في عصرهما نبيّ ، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى ذلك النبيّ : قد بقي من عمر هذا البارّ ثلاث سنين ، وبقي العادل فيهم ثلاثين سنة ، ثمّ تلا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

 ( وَمَا يُعَمّرُ مِن مُعَمّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتَابٍ إِنّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ) ) .

قصّة الملك الذي إذا ذكر ذكر عمر

ومنها : قصّة الملك الذي إذا ذكر ذكر عمر ، ففي (الدر المنثور ) :

( أخرج ابن سعد في الطبقات ، عن كعب ، قال : كان في بني إسرائيل ملك ، إذا ذكرناه ذكرنا عمر ، وإذا ذكرنا عمر ذكرناه ، وكان إلى جنبه نبيّ يُوحى إليه ، فأوحى الله إلى النبيّ أن يقول له : أعهد عهدك واكتب وصيّتك ؛ فإنّك ميّت إلى ثلاثة أيّام

فأخبره النبيّ بذلك ، فلمّا كان اليوم الثالث ، وقع بين الجدار والسرير ، ثمّ جاء إلى ربّه ، فقال : اللّهمّ إن كنت تعلم إنّي كنت أعدل في الحكم وإذا اختلف الأمر اتّبعت هداك وكيت وكيت ، فزدني في عمري حتّى يكبر طفلي وتربو أمتي ، فأوحى الله إلى النبي أنّه قد قال كذا وكذا وقد صدق ، وقد زدته في عمره خمس عشرة سنة ، ففي ذلك ما يكبر ولده وتربوا أمته ، فلمّا طُعِن عمر ، قال كعب : لئن سأل عمر ربّه ليبقيّنه ، فأخبر بذلك عمر ، فقال : اللّهمّ اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم )(١) .

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٣ : ٤٤٩ .


قصّة بعض الفضلاء

ومنها : قصّة تغيّر الأمر الإلهي في قبض روح بعض الفضلاء من أهل السنّة ، كما حكاه الشعراني في (لواقح الأنوار ) بترجمة الشيخ محمد الشريبي ، إذ قال :

( وأخبرني والده الشيخ أحمد ـ أيضاً ـ وصدّقه على ذلك الإمام العالم العلاّمة شهاب الدين البهوني الحنبلي ، قال : مرضت مرّةً حتّى أشرفت على الموت ، وحضرني عزرائيل ، ورأيته جالساً عندي لقبض روحي ، فدخل عليّ والدي ، فقال لعزرائيل : راجع ربّك فإنّ ذلك الأمر تغيَّر ، فخرج عزرائيل وأنا أعيش إلى الآن ، والحكاية لها أكثر من ثلاثين سنة )(١) .

تبدّل حال الرجل

ومنها : تبدّل حال الرّجل من الشقاوة إلى السعادة ، كما ذكر القاضي ثناء الله في (تفسيره ) بعد ذكر مذهب ابن مسعود وعمر ، قال :

( ويوافق مذهب عمر وابن مسعود ( رضي الله عنهما ) ما ذكر في المقامات المجدديّة : أنّ المجدّدرضي‌الله‌عنه نظر ببصيرة الكشف مكتوباً في ناصية ملاّ طاهر اللاّهوري ( شقيّ ) ، وكان ملاّ طاهر معلّماً لابنيه الكريمين محمّد سعيد ومحمّد معصوم ( رضي الله عنهما ) ، فذكر المجدّدرضي‌الله‌عنه ما أبصر لولديه الشريفين ، فالتمسا منه ( رضي الله عنهم ) أن يدعو الله سبحانه أن يمحو عنه الشقاوة ويثبت مكانه السعادة ، فقال المجدّدرضي‌الله‌عنه : نظرت في اللّوح المحفوظ ، فإذا فيه : إنّه قضاءٌ مبرم لا يمكن ردّه ، فألجأه ولداه الكريمان في الدعاء لمّا التمسا منه ، فقال المجدّدرضي‌الله‌عنه : تذكّرت ما قال غوث الثقلين السيّد السند محي الدين عبد القادر الجيليرضي‌الله‌عنه : إنّ القضاء المبرم أيضاً يردّ بدعوتي ، فدعوت الله سبحانه ، وقلت : اللّهمّ رحمتك واسعة وفضلك غير مقتصرٍ على أحد ، أرجوك وأسألك من فضلك العظيم أن تجيب دعوتي في محو كتاب الشقاء من ناصية ملاّ طاهر وإثبات السعادة مكانه ، كما أجبت دعوة السيّد السندرضي‌الله‌عنه قال : فكأنّي أنظر إلى ناصية ملاّ طاهر

ـــــــــــــــــ

(١) لواقح الأنوار ـ ترجمة الشيخ محمّد الشريبي .


إنّه مُحِي منها كلمة ( شقيّ ) وكُتب مكانه ( سعيد ) وما ذلك على الله بعزيز ) .

قصّة أبي رومي

ومنها : قصّة أبي رومي ، التي رووها عن ابن عباس ، كما في (الدر المنثور ) قال :

( أخرج ابن مردويه والديلمي عن ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه قال : كان أبو رومي من شرّ أهل زمانه ، وكان لا يدع شيئاً من المحارم إلاّ ارتكبه ، وكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : لئن رأيت أبا رومي في بعض أزقّة المدينة لأضربنّ عنقه .

وإنّ بعض أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتاه ضيف له ، فقال لامرأته : اذهبي إلى أبي رومي فخذي لنا منه بدرهم طعاماً حتّى ييسّر الله تعالى فقالت له : إنّك لتبعثني إلى أبي رومي وهو أفسق أهل المدينة ؟!

فقال : اذهبي فليس عليك منه بأس إنْ شاء الله تعالى ، فانطلقت فضربت عليه الباب ، فقال : من هذا ؟

قالت : فلانة

قال : ما كنت لنا بزوّارة ؟!

ففتح لها الباب فأخذها بكلام رفث ، ومدّ يده إليها فأخذتها رعدة شديدة ، فقال : ما شأنك ؟

قالت : إنّ هذا عمل ما عملته قطّ

قال أبو رومي : ثكلت أبا رومي أُمّه ، هذا عمل عَمِله وهو صغير لا تأخذه رعدة ولا يبالي على أبي رومي ، عهد الله إن عاد لشيء من هذا أبداً .

فلمّا أصبح غدا على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : مرحباً يا أبا رومي وأخذ يوسّع له المكان ، وقال له : يا أبا رومي ما عملت البارحة ؟

فقال : ما عسى أن أعمل يا نبيّ الله ، أنا شرّ أهل الأرض ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله قد حوّل مكتبك إلى الجنّة فقال :( يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ) ) .


وأخرج يعقوب بن سفيان وأبو نعيم عن ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه قال : كان أبو رومي من شرّ أهل زمانه ، وكان لا يدع شيئاً من المحارم إلاّ ارتكبه ، فلمّا أصبح غدا على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا رآه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من بعيد قال : مرحباً يا أبا رومي وأخذ يوسّع له المكان ، فقال له : يا أبا رومي ، ما عملت البارحة ؟

قال : ما عسى أن أعمل يا نبيّ الله ، أنا شرّ أهل الأرض

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله جعل مكتبك إلى الجنّة ، فقال :( يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمّ الْكِتَابِ ) (١) .

وبعد :

فهل يبقى المعاندون يشنّعون على الإماميّة رواياتهم في البداء وعقيدتهم في هذه الحقيقة الدينيّة ؟

وهل يستمرّون على التبحّج بكلام سليمان ابن جرير الزيدي(٢) وأمثاله من أعداء أهل البيت ؟

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٤ : ٦٦٣ .

(٢) انظر الملل والنحل ١ : ١٥٩ ـ ١٦٠ .


الميثـاق والصّـور

رأي السيّد المرتضى في خبر الميثاق

لقد نسب الشيخ عبد العزيز الدهلوي صاحب كتاب (التحفة الإثني عشريّة ) ـ تبعاً لشيخه الكابلي صاحب (الصواقع ) ـ إلى السيّد المرتضى ـ رضي الله عنه ـ الحكم بوضع خبر الميثاق ، وقد أجاب عن ذلك علماؤنا الأعلام في ردودهم على كتاب (التحفة ) بالجملة والتفصيل ، وكان مجمل كلامهم : إنّ السيّد المرتضى لم يكذّب أخبار الميثاق المرويّة بالطرق المختلفة والأسانيد المتكثّرة ، ونحن نذكر أوّلاً كلام (التحفة ) ثمّ نعقّبه بنصّ عبارة السيّد المرتضىرحمه‌الله ؛ ليتّضح واقع الحال ، ويظهر كذب الدهلوي فيما نُسب إلى السيّد من المقال :

قال الدهلوي في (التحفة ) عند تعداد موارد غلوّ الإماميّة في الأئمّة المعصومين عليهم الصلاة والسلام :

( الثاني ـ قولهم : إنّ الله تعالى أخذ من الملائكة والأنبياء الميثاق على ولاية الأئمّة وطاعتهم .

وهذا ـ أيضاً ـ خلاف العقل تماماً ؛ لأنّ أخذ الميثاق من الأنبياء على ذلك ـ مع العلم القطعي بعدم معاصرتهم للأئمّة ـ عبث محض ، إذ الغرض من أخذ الميثاق هو النصرة والإعانة وبيان المناقب ونشر المدائح ، وأيّ فائدةٍ في ذلك مع عدم اتّحاد الزمان

وأمّا أخذ الميثاق منهم على بيان وصف خاتم الأنبياء كما في القرآن المجيد ؛ فلأنّ نصوص نبوّته وصفاته ونعوته نازلة في الكتب السماويّة ومصرَّح بها فيها ، ووجود أهل الكتاب في زمانه وإظهار تلك النصوص على يده مقطوع به ، فلذا أخذ الميثاق من الأنبياء على تفهيم تلك النصوص وتبليغها إلى أُممهم ، وأخذ ذلك الميثاق من الأُمم أيضاً ؛ حتّى تبقى تلك النصوص قرناً بعد قرن ، من دون تغيير وتبديل ، إلى أنْ يأتي وقت الحاجة إلى إظهارها والاحتجاج بها .


بخلاف إمامة الأئمّة ، فلا هي ممّا نزل في كتب الأنبياء ، ولا هي ممّا أُبلغ به الأُمم ، ولا ممّا وقعت الحاجة إلى إظهاره ؛ لأنّ الإمامة إنّما تثبت بالنصّ من النبي ؛ لكونها نيابةً عنه ، ولم يراجع أهل الكتاب بشأنها ولم يكن لقولهم فيها اعتبار ، ولو كان أخذ الميثاق في هذا الأمر ضروريّاً ، لأُخذ من أبي بكر وعمر وعثمان ، بل كان على النبيّ أنْ يأخذ منهم كتاباً في أنْ ليس لهم حقٌّ في الإمامة ، ويستشهد على ذلك الثقات ، ويودعه عند الأمير ، لا أنْ يأخذ الميثاق من موسى وعيسى وهارون ، الذين ليس لهم ولا لأتباعهم دخلٌ في غصب الإمامة من الأئمّة أو تقريرها والتسليم بها .

ومستمسك هؤلاء في هذا الغلوّ الباطل ، ما رواه محمّد بن الحسن الصفّار ، عن محمّد بن مسلم ، قال : سمعت أبا جعفر يقول : إنّ الله أخذ ميثاق النبيّين بولاية عليّ بن أبي طالب .

وما رواه محمّد بن بابويه في كتاب التوحيد ، عن داود الرّقي ، عن أبي عبد الله في خبرٍ طويل ، قال : ( لمّا أراد الله أن يخلق الخلق نشرهم بين يديه ، وقال : من أنا ؟

فكان أوّل من نطق رسول الله وأمير المؤمنين والأئمّة ـعليهم‌السلام ـ فقالوا : أنت ربّنا

فحمّلهم العلم والدين ثمّ قال للملائكة : هؤلاء حملة علمي وديني وأمانتي من خلقي ، ثمّ قال لبني آدم : أقرّوا لله بالربوبيّة ولهؤلاء النّفر بالطاعة ، فقالوا : نعم ربّنا أقررنا ) .

في هذه الرواية والرواية السابقة لم يذكر أخذ الميثاق من الملائكة ، وإنّما الغرض من الرواية الثانية مجرّد إظهار فضل الأئمّة ، وشرفهم عند الملائكة ، ومن الواضح أنْ لا معنى لأخذ الميثاق من الملائكة ، ولذا لم يدخل الملائكة في أخذ ميثاقٍ من المواثيق ؛ لأنّ الميثاق إنّما يؤخذ من المكلَّفين ؛ لأنّهم الذين يحتمل منهم الطاعة والعصيان ، بخلاف الملائكة فإنّهم :

( لاَ يَعْصُونَ اللّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)

فأيّ فائدةٍ في أخذ الميثاق منهم ؟

وأيضاً ، فلم يذكر في الرواية الأخيرة أخذ الميثاق من الأنبياء ، إلاّ أنْ يستفاد ذلك من عموم لفظ ( بني آدم ) ولكنْ قد أشتهر أنّه : ما من عام إلاّ وقد خصّ منه البعض .


وأيضاً ، فإنّ هذه الرواية فيها أخذ ميثاق الطاعة للنبيّ والأمير والأئمّة فقط ، فلابدَّ وأنْ يكون وجوب الطاعة للأنبياء أُولي العزم وغيرهم ـ الذي لا شكّ في ثبوته ـ قد وقع بطريق البداء !

والرواية التي تعجب هؤلاء القوم ، تجدها في مجاميع الشيخ ابن بابويه ، فقد روى ابن بابويه في خبرٍ طويل عن ابن عبّاس عن النبي ، أنّه لمّا أُسري به وكلّمه ربّه ، قال بعد كلامٍ : إنّك رسولي إلى خلقي وإنّ عليّاً وليّ المؤمنين ، أخذت ميثاق النبيّين وملائكتي وجميع خلقي بولايته .

وأحوال الصفّار وابن بابويه ورجالهما ـ خصوصاً محمّد بن مسلم وغيره ـ معروفة ، وركّة ألفاظ هذه الأخبار تشهد بكونها كذباً وافتراءً ، ومع هذا ، فإنّ أهل السنّة ـ والحمد لله ـ في غنىً عن توهين وتضعيف هذه الأخبار أو تأويل هذه المفتريات ؛ لأنّ الشريف المرتضى ـ الملقَّب بزعم الشيعة بـ ( علم الهدى ) ـ قد أثبت جدارته بهذا اللقب في كتابه (الدرر والغرر ) بتكذيب خبر الميثاق بكلّ جزمٍ وحتم ، وكفى الله المؤمنين القتال )(١) .

التحقيق فيما نُسب إلى السيّد المرتضى

حاصل هذا الكلام دعوى موافقة السيّد المرتضى العامّةَ في إنكار أخذ الميثاق على ولاية أمير المؤمنينعليه‌السلام من الأنبياء والملائكة ، وهل هذا إلاّ محض البهتان وصريح الإفك وواضح الهذيان ؟

وتوضيح ذلك :

أوّلاً : إنّ السيّد المرتضى لم يذكر في كتابه (الدرر والغرر ) خبر الميثاق أصلاً ، فضلاً عن أن يكذّب أو يصدّق به ، نعم ، قد ذكر السيّد قوله تعالى( وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِي آدَمَ ) وأنكر أن يكون المراد منها أنّ الله تعالى أخذ من جميع ذريّة آدم الذين في ظهره الميثاق على الإقرار بمعرفته تعالى ، وأنّه أشهدهم على ذلك ، وإنّما ذكر للآية تأويلاً آخر ، وأيّ ربطٍ لذلك بتكذيب أخبار الميثاق ؟!

ــــــــــــــ

(١) التحفة الاثني عشريّة : ١٦١ .


وثانياً : إنّه على فرض أنّ السيّد ينكر وقوع أخذ الميثاق في عالم الأرواح ، فأين الدليل من كلامه على إنكار أخذ الميثاق على الإطلاق ، كما يدّعيه الدهلوي ؟

وكيف يثبت بذلك تضعيف خبر الصفّار وخبر ابن بابويه ، الدالّين على مطلق أخذ ميثاق ولاية أمير المؤمنينعليه‌السلام ؟

فظهر أنّ نسبة تكذيب أخبار الميثاق على الإطلاق إلى السيّد المرتضى كذب بحت وبهتان صريح ، وهذا كتاب (الغرر والدرر ) موجود بين أيدي الناس ، ونسخه شائعة في البلاد ...

وبعد ، فإنّ العلماء قد اختلفوا في معنى الآية المباركة على قولين ، فذهب الأكثر إلى الأخذ بظاهرها ، وقالوا : بأنّ ذريّة آدم كانوا في عالم الأرواح ذوي عقولٍ ـ كما هم في هذا العالم ـ وقد أخذ منهم الميثاق ، وقال جماعة ـ منهم السيّد المرتضى ـ بتأويل الآية على معنىً آخر ، وهذا نصُّ عبارة السيّد في الكتاب المذكور :

( إنّه تعالى ، لمّا خلقهم وركّبهم تركيباً يدلّ على معرفته ، ويشهد بقدرته ووجوب عبادته ، وأراهم العبر والآيات والدلائل في غيرهم وفي أنفسهم ، كان بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم ، وكانوا ـ في مشاهدة ذلك ومعرفته وظهوره فيهم على الوجه الذي أراده الله تعالى وتعذر امتناعهم منه وانفكاكهم من دلالته ـ بمنزلة المقرّ المعترف ، وإن لم يكن هناك إشهاد ولا اعتراف على الحقيقة ، ويجري ذلك مجرى قوله تعالى :( ثُمّ اسْتَوَى‏ إِلَى السّماءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَللأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) وإن لم يكن منه تعالى قول على الحقيقة ولا منهما جواب ، ومثله قوله تعالى :( شَاهِدِينَ عَلَى‏ أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِ ) ونحن نعلم أنّ الكفّار لم يعترفوا بالكفر بألسنتهم ، وإنّما لما يظهر منهم ظهوراً لا يتمكّنون من دفعه كانوا بمنزلة المعترفين به )(١) .

فدلَّ هذا الكلام منه على أنّه غير منكرٍ لأصل الميثاق ، وإنّما له كلامٌ في كيفيّته ، وله رأيٌ في تأويل الآية .

ـــــــــــــــــ

(١) الغرر والدرر أمالي السيّد المرتضى ١ : ٣٠ .


رأي الغزالي في خبر الميثاق

وهذا بخلاف الغزّالي مثلاً ـ من علماء القوم ـ فإنّه ينكر أصل الميثاق ، كما في كتابه (المضنون به على أهله ) :

 ( فقيل له ـ أي للغزالي ـ : إن كانت الأرواح حادثة مع الأجساد ، فما معنى قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ، وقولهعليه‌السلام : أنا أوّل الأنبياء خلقاً وآخرهم بعثاً ، وقالعليه‌السلام : كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين ؟

فقالرضي‌الله‌عنه : شيء من هذه لا يدلّ على قدم الروح ، بل يدلّ على حدوثه وكونه مخلوقاً ، نعم ، ربّما يدلّ بظاهره على تقدّم وجوده على الجسد ، وأمر الظواهر ضعيف وتأويلها يمكن ، والبرهان القاطع لا يدرء بالظواهر ، بل يسلّط على تأويل الظواهر ، كما في ظواهر التشبيه في حقّ الله .

وأمّا قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ، فأراد بالأرواح أرواح الملائكة ، وبالأجساد أجساد العالم من العرش والكرسي والسماوات والكواكب والماء والهواء والأرض ، كما أنّ أجساد الآدميّين بجملتهم صغيرة بالإضافة إلى الأرض ، وجرم الأرض أصغر من الشمس بكثير ، ثمّ لا نسبة لجرم الشمس إلى فلكه ، ولا لفلكه إلى السماوات التي فوقه ، ثمّ كلّ ذلك اتّسع له الكرسي ، إذ وسع كرسيّه السماوات والأرض ، والكرسي صغير بالإضافة إلى العرش ، فإذا تفكّرت في جميع ذلك ، استحقرت جميع أجساد الآدميّين ، ولم تفهمها من مطلق لفظ الأجساد .

فكذلك فاعلم وتحقّق : أنّ أرواح البشر بالإضافة إلى أرواح الملائكة كأجسادهم بالإضافة إلى أجساد العالم ، ولو انفتح لك باب معرفة أرواح الملائكة لرأيت الأرواح البشريّة كسراج اقتبس من نار عظيمة طبّق العالم ، وتلك النار العظيمة هي الروح الأخير من أرواح الملائكة ، ولأرواح الملائكة ترتيب ، ولكلّ واحد انفراد بمرتبة ، ولا يجتمع في مرتبة واحدة اثنان ، بخلاف


الأرواح البشريّة المتكثّرة مع اتّحاد النوع والمرتبة ، أمّا الملائكة فكلّ واحدٍ نوعٌ برأسه وهو كلّ ذلك النوع ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :( وَإِنّا لَنَحْنُ الصّافّونَ ) وبقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الراكع منهم لا يسجد ، والقائم منهم لا يركع ، وإنّه ما من واحد إلاّ له مقام معلوم ، فلا تفهمنّ إذاً من الأرواح والأجساد المطلقة أرواح الملائكة .

وأمّا قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ : أنا أوّل الأنبياء خلقاً وآخرهم بعثاً ؛ فالخلق هاهنا هو الإيجاد ، فإنّه قبل أن ولدته أُمّه ليس موجوداً مخلوقاً ، ولكنّ الغايات والكمالات سابقة في التقدير لاحقة في الوجود ، وهو معنى قولهم : أوّل الفكرة آخر العمل بيانه : أنّ المقدّر المهندس أوّل ما يتمثّل صورته في تقديره ، وهي دار كاملة ، وآخر ما يوجد في أثر أعماله هي الدار الكاملة ؛ فالدار الكاملة أوّل الأشياء في ذهنه تقديراً وآخرها وجوداً ؛ لأنّ ما قبلها من ضرب اللبنات وبناء الحيطان وتركيب الجذوع وسيلة إلى غاية الكمال وهي الدار ، فالغاية هي الدار ، ولأجلها تُقدّر الآلات والأعمال )(١) .

فإن لم يتيسّر الوقوف على كتاب الغزالي ، فقد نقل المتأخّرون مقالته في كتبهم ، ففي (المواهب اللدنيّة ) ـ مثلاً ـ جاء محصّل المقالة المذكورة ، حيث قال :

( فإن قلت : إنّ النبوّة وصف ، ولابدّ أن يكون الموصوف به موجوداً ، وإنّما يكون بعد بلوغ أربعين سنة أيضاً ، فكيف يوصف به قبل وجوده وإرساله ؟

ـــــــــــــــــ

(١) المضنون به على أهله وهذا الكلام موجود في رسالته ( الأجوبة الغزالية في المسائل الأخروية ) ضمن ( مجموعة رسائل الإمام الغزالي ) : ١٧٨ ـ ١٨٠ .


قلت : أجاب الغزالي في كتابالنفخ والتسوية عن هذا وعن قوله ـ عليه الصّلاة والسّلام ـ : أنا أوّل الأنبياء خلقاً وآخرهم بعثاً ، بأنّ المراد بالخلق هنا التقدير دون الإيجاد ، فإنّه قبل أنْ ولدته أُمّه لم يكن موجوداً مخلوقاً ، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير لاحقة في الوجود )(١) .

فإنّ هذا الكلام يفيد أنّ الغزالي ينكر تقدّم خلق الأرواح على الأجساد ، ولا يسلّم بأنّ للخلق وجوداً سابقاً على ولادتهم الظاهريّة في هذا العالم ، ولا يرى خلقةً للنبيّ قبل وجوده الظاهري ، فضلاً عن القول بالوجود في عالم الذرّ .

ومن الواضح أنّ أخذ الميثاق في عالم الأرواح فرع على وجودها فيه .

فالغزالي ينكر وقوع الميثاق في ذلك العالم ، مع دلالة الأحاديث الكثيرة الواردة من طرقهم في ذلك ، وكونها مخرّجةً في كتابي البخاري ومسلم ، وفي الموطّأ لمالك(٢) ، وغيرها من كتبهم كما أنّ السيوطي أخرج ما يقارب الخمسين حديثاً في أخذ الميثاق من ذريّة آدم في عالم الأرواح ، بذيل الآية المباركة من (الدرّ المنثور )(٣) .

وقد نصَّ الشعراني في (اليواقيت ) على ابتناء كثيرٍ من الاعتقادات في إثبات الحشر والنشر على مسألة الميثاق(٤) .

وحينئذٍ ، فكلّ جوابٍ يذكرونه من طرف الغزالي ، فهو الجواب من طرف السيّد المرتضى لو صحّت النسبة إليه !

ـــــــــــــــــ

(١) شرح المواهب اللدنيّة بالمنح المحمّدية : ١ : ٣٦ .

(٢) الموطأ ٢ : ٨٩٨ ـ ٨٩٩/٢ كتاب القدر ، باب النهي عن القول بالقدر .

(٣) الدر المنثور ٣ : ٥٩٨ ـ ٦٠٧ .

(٤) اليواقيت والجواهر : ٤٣٩ ـ ٤٤٢ .


رأي مجاهد في آية الميثاق

هذا ، وقد أنكر مجاهد أخذ الميثاق من الأنبياء ، والتزم بتحريف الآية المباركة الناصّة على ذلك ، كما ذكر السيوطي في (تفسيره ) إذ قال :

( أخرج عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن المنذر ، عن مجاهد في قوله تعالى :

( وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النّبِيّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ)

قال : هي خطأ من الكتّاب ، وهي في قراءة ابن مسعود : ميثاق الذين أُوتوا الكتاب .

وأخرج ابن جرير عن الربيع ، أنّه قرأ : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أُوتوا الكتاب ، قال : وكذلك كان يقرؤها أُبي بن كعب ، قال الربيع : ألا ترى إنّه يقول :( ثُمّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنّ بِهِ وَلَتَنصُرُنّهُ ) لتؤمننّ بمحمّد ولتنصرنّه

قال : هم أهل الكتاب )(١) .

حول كلام الطبرسي في آية الصّور

وقد نُسب إلى الشيخ الطبرسي بل إلى الشيخ المفيد القول بأنّ ( الصور ) في قوله تعالى:

( وَنُفِخَ فِي الصّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السّماوَاتِ وَمَن فِي الأَرْض ِ ) (٢) هو ( جمع صورة ) وليس المراد ( صور إسرافيل ) .

وهذه النسبة باطلة ، وقد نشأت من الخطأ والغلط في فهم عبارة الشيخ المجلسي ...

فإنّ هذا المتوهّم قد نظر إلى قول الشيخ المجلسي :

( وأمّا الصور فيجب الإيمان به ، على ما ورد في النصوص الصريحة ، وتأويله بأنّه جمع الصورة كما

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور ٢ : ٢٥٢ .

(٢) سورة الزمر ٣٩ : ٦٨ .


مرَّ من الطبرسي وقد سبقه الشيخ المفيد )(١) وغفل عن كلامه السابق ، حيث قال :

( قال الطبرسي في قوله تعالى :( وَنُفِخَ فِي الصّورِ ) : اختلف في الصور .

فقيل : هو قرن ينفخ فيه عن ابن عباس وابن عمر

وقيل : هو جمع صورة ، فإنّ الله يصوّر الخلق في القبور كما صوّرهم في أرحام الأُمّهات ، ثمّ ينفخ فيهم الأرواح كما نفخ وهم في أرحام أُمّهاتهم عن الحسن وأبي عبيدة

وقيل : إنّه ينفخ إسرافيل في الصور ثلاث نفخات : النفخة الأُولى نفخة الفزع ، والثانية نفخة الصعق يصعق من في السماوات والأرض بها فيموتون ، والثالثة نفخة القيام لربّ العالمين فيحشر الناس بها من قبورهم )(٢) .

فهذا كلام صاحب (مجمع البيان ) ، وأين اختيار القول الذي نسب إليه ؟

فقول الشيخ المجلسي : ( كما مرّ من الطبرسي ) يعني : كما مرَّ نقل هذا القول ـ الذي قاله غير الطبرسي ـ من الطبرسي ، حيث نقله في تفسيره ، لا أنّه قائل به ومعتقد له .

بل لعلّ في تقديمه القول الأوّل إشارة إلى اختياره له بل إنّ كلامه في تفسير الآية المذكورة صريح في ذلك ، فإنّه قال في (مجمع البيان ) :

(( وَنُفِخَ فِي الصّورِ ) وهو قرن ينفخ فيه إسرافيل

ووجه الحكمة في ذلك : إنّها علامة جعلها الله ليعلم بها العقلاء آخر أمرهم في دار التكليف ثمّ تجديد الخلق ، فشبّه ذلك بما يتعارفونه من بوق الرحيل والنزول ، ولا تتصوّره النفوس بأحسن من هذه الطريقة

وقيل : إنّ الصّور جمع صورة ، فكأنّه ينفخ

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار ٦ : ٣٣٦ .

(٢) بحار الأنوار ٦ : ٣١٨ .


في صور الخلق )(١) .

ثمّ قال ـرحمه‌الله ـ : (( فَصَعِقَ مَن فِي السّماوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ ) أي : يموت من شدّة تلك الصيحة التي يخرج من الصور جميع من في السماوات والأرض ، يُقال : صعق فلان : إذا مات بحال هائلة شبيهةٍ بالصيحة العظيمة ) .

قال : (( ثُمّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى ) يعني : نفخة البعث ، وهي النفخة الثانية

وقال قتادة في حديثٍ رفعه : إنّ ما بين النفختين أربعين سنة

وقيل : إنّ الله تعالى يفني الأجسام كلّها بعد الصعق وموت الخلق ثمّ يعيدها

وقوله :( فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ ) إخبار عن سرعة إيجادهم ؛ لأنّه سبحانه إذا نفخ النفخة الثانية أعادهم عقيب ذلك ، فيقومون من قبورهم أحياء )(٢) .

وعلى هذا المنوال كلامه في تفسيره الآخر (جوامع الجامع ) في قوله تعالى :( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصّورِ ) (٣) : ( والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل نفختين ، فيفنى الخلق بالنفخة الأُولى ويحيون بالثانية وعن الحسن إنّه جمع صورة )(٤) .

وقد قال في (مجمع البيان ) بتفسيرها : ( وأمّا الصور فقيل فيه إنّه قرن ينفخ فيه إسرافيلعليه‌السلام نفختين ، فيفنى الخلائق كلّهم بالنفخة الأُولى ويحيون بالنفخة الثانية ، فتكون الأُولى لانتهاء الدنيا والثانية لابتداء الآخرة

وقال الحسن : هو جمع صورة ، كما أنّ السور جمع سورة ، وعلى هذا فيكون معناه : يوم ينفخ الروح في الصور .

ويؤيّد الأوّل : ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبيّ ( صلَّى الله عليه وآله

ـــــــــــــــــ

(١) مجمع البيان في تفسير القرآن ٨ : ٤٥٩ .

(٢) مجمع البيان ٨ : ٤٦٠ .

(٣) سورة الأنعام ٦ : ٧٣ .

(٤) جوامع الجامع ١ : ٥٨٤ .


وسلَّم ) إنّه قال :

( كيف أنتم وقد التقم صاحب القرن وحنا جبينه وأصغى سمعه ينتظر أنْ يُؤمر فينفخ ؟

قالوا : فكيف نقول يا رسول الله ؟

قال :قولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ) .

والعرب تقول : نفخ الصور ونفخ في الصور ، قال الشاعر :

لولا ابن جعدة لم يفتح قهندزكم

ولا خراسان حتّى ينفخ الصور )(١)

وكما أيّد القول الأوّل هنا بالحديث ، كذلك أيّده به بتفسير( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصّورِ ) حيث قال : ( وقد ورد ذلك في الحديث ) أي : إنّ القول الآخر لا مؤيّد له في الأحاديث ...

وقال بتفسير( فَإِذَا نُقِرَ فِي النّاقُورِ ) : ( الناقور فاعول من النقر ، كهاضوم من الهضم وحاطوم من الحطم ، وهو الذي من شأنه أن ينقر فيه للتصويت به ) قال :

( معناه : إذا نفخ في الصور ، وهي كهيئة البوق ، عن مجاهد

وقيل : إنّ ذلك في النفخة الأُولى وهو أول الشدّة الهائلة العامّة

وقيل : إنّه النفخة الثانية ، وعندها يحيي الله الخلق ، وتقوم القيامة وهي صيحة الساعة ، عن الجبائي )(٢) .

وعلى الجملة ، فإنّ التتبع في كلمات الشيخ الطبرسي في المواضع المختلفة من تفسيريه ، يفيد أنّ ما نُسب إليه من إنكار الصور بالمعنى بالمذكور من غرائب التوهّمات ، بل من عجائب الافتراءات .

حول كلام المفيد في معنى ( الصور )

وأمّا ما نُسب إلى الشيخ المفيد (رحمه‌الله ) من تأويل (الصور ) ، وأنّه يقول

ـــــــــــــــــ

(١) مجمع البيان ٤ : ٩٥ .

(٢) مجمع البيان ١٠ : ١٩١ و ١٩٥ .


بأنّه جمع للصّورة ، ففيه كلام كذلك ، ومجرّد قول الشيخ المجلسي ( وسبقه الشيخ المفيد ) لا يكفي ، إذ يحتمل أن يكون مراده أنّ الشيخ المفيد قد سبق الشيخ الطبرسي في نقل القول المذكور عن بعض العامّة .

ولو سلّمنا أنّ الشيخ المفيد يجوّز أنْ يكون (الصور ) جمعاً للصورة ، فإنّه لا ينكر (الصور ) بمعنى (القرن ) الذي ينفخ فيه إسرافيلعليه‌السلام ، لثبوت ذلك في الكتاب والسنّة ، غاية ما هناك أنّه جوّز في بعض تلك الأدلّة أنْ يكون (الصور ) جمعاً للصورة ، وذلك لا يلازم إنكار كون المراد هو (القرن ) في البعض الآخر كما هو واضح ...

فإنْ كان الخصم في شكٍّ من هذا ، ذكرنا له كلام إمامه الفخر الرازي بتفسير قوله تعالى :( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصّورِ ) فإنّه يصدّق ما قلناه تماماً ، وهذا نصّه :

( المسألة الثالثة : قوله تعالى :( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصّورِ ) لا شبهة أنّ المراد منه يوم الحشر ، ولا شبهة عند أهل الإسلام أنّ الله سبحانه خلق قرناً ينفخ فيه ملك من الملائكة ، وذلك القرن مسمّى بالصور على ما ذكر الله هذا المعنى في مواضع من الكتاب الكريم ، ولكنّهم اختلفوا في المراد بالصّور في هذه الآية على قولين : الأوّل : إنّ المراد منه ذلك القرن الذي ينفخ فيه وصفته مذكورة في سائر السور ، والقول الثاني : إنّ الصور جمع صورة ، والنفخ في الصور عبارة عن النفخ في صور الموتى )(١) .

فلو فرض تفسير الشيخ المفيد لفظ (الصور ) في بعض الموارد بـ (جمع الصورة ) ، فإنّ هذا لا يستلزم كونه منكراً وجود (الصور ) بمعنى (النفخ ) ، وكيف

ـــــــــــــــــ

(١) تفسير الرازي ١٣ : ٣٣


يجوز نسبة ذلك إليه ؟ والحال أنّ كلامه في (أجوبة المسائل السروية ) صريح في الاعتقاد بالصور

وهذه عبارة السؤال والجواب على ما نقل في (البحار ) :

( ما قوله ـ أدام الله تأييده ـ في عذاب القبر وكيفيّته ؟

ومتى يكون ؟

وهل تردّ الأرواح إلى الأجساد عند التعذيب أم لا ؟

وهل يكون العذاب في القبر أو يكون بين النفختين ؟

الجواب :

الكلام في عذاب القبر طريقه السمع دون العقل ، وقد ورد عن أئمّة الهدىعليهم‌السلام أنّهم قالوا :

( ليس يعذّب في القبر كلّ ميّت ، وإنّما يعذّب من جملتهم من محّض الكفر محضاً ، ولا ينعم كلّ ماض لسبيله ، وإنّما ينعم منهم من محّض الإيمان محضاً ، فأمّا سوى هذين الصنفين فإنّه يلهى عنهم )

وكذلك روي : أنّه لا يُسئَل في قبره إلاّ هذان الصنفان خاصّة ، فعلى ما جاء به الأثر من ذلك يكون الحكم ما ذكرناه .

فأمّا عذاب الكافر في قبره ، ونعيم المؤمنين فيه ، فإنّ الخبر ـ أيضاً ـ قد ورد بأنّ : الله تعالى يجعل روح المؤمن في قالب مثل قالبه في الدنيا في جنّة من جنانه ينعمه فيها إلى يوم الساعة ، فإذا نُفِخ في الصور أُنشىء جسده الذي بُلي في التراب وتمزّق ، ثمّ أعاده إليه وحشره إلى الموقف وأمر به إلى جنّة الخلد ، فلا يزال منعّماً ببقاء الله عزّ وجلّ ، غير أنّ جسده الذي يُعاد فيه لا يكون على تركيبه في الدنيا ، بل تعدّل طباعه وتحسّن صورته ، فلا يهرم مع تعديل الطباع ، ولا يمسّه نصبٌ في الجنّة ولا لغوب .

والكافر يجعل في قالب كقالبه في الدنيا ، في محلّ عذاب يعاقب به ونار يعذّب بها حتّى الساعة ، ثمّ أُنشئ جسده الذي فارقه في القبر ويعاد إليه ، ثمّ يعذّب به في الآخرة إلى الأبد ، ويركّب ـ أيضاً ـ جسده تركيباً لا يفنى معه ، وقد


قال الله عزّ وجلّ اسمه :

( النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدّ الْعَذَابِ)

وقال في قصّة الشهداء :

 ( وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ ) .

فدلّ أنّ العذاب والثواب يكونان قبل يوم القيامة وبعدها .

والخبر وارد بأنّه يكون مع فراق الروح الجسد من الدنيا ، والروح هاهنا عبارة عن الفعّال الجوهر البسيط ، وليس بعبارة عن الحياة التي يصحّ معها العلم والقدرة ؛ لأنّ هذه الحياة عرض لا يبقى ولا يصحّ الإعادة فيه .

فهذا ما عوّل عليه بالنقل وجاء به الخبر على ما بيّنّاه )(١) .

هذا كلام الشيخ المفيد ، وهو نصّ قاطع في أنّه غير منكر للصور ، بل ذكر عقيدته على أساس الأخبار المرويّة عن الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام وجعلها المعوَّل عليه والمعتَمد .

ولا يتوهّم أنّ هذا الكلام أيضاً ، يحتمل كون المراد من الصور هو نفخ الأرواح في الأجساد ، وأنّ الصور جمع الصورة ؛ لأنّ هذا الإحتمال فاسد قطعاً ، وكلامه صريح في أنّ المراد من (الصور ) هو (القرن ) لا جمع الصورة ، ويدلّ على ذلك وجهان :

الأوّل : قوله : ( فإذا نفخ في الصور أُنشئ جسده ) فإنّه يدلّ بوضوحٍ على أنّ إنشاء الجسد إنّما يكون بعد نفخ الصور ، فنفخ الصور متقدّم على إنشاء الجسد الذي بلي في التراب وتمزّق ، وهذا مقتضى الشرط والجزاء ؛ فإنّ الجزاء متفرّعٌ على وجود الشرط متأخّرٌ عنه

ومن البديهي أنّه لو كان (الصور ) جمع الصّورة ، وكان المراد نفخ الأرواح في الأجساد ، لم يكن تأخّر إنشاء

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار ٦ : ٢٧٢ ـ ٢٧٣ عن أجوبة المسائل السرويّة .


الجسد ، وإلاّ لزم تأخّر الشيء عن نفسه ؛ لأنّ النفخ في الصور ـ على تقدير كون (الصور ) جمع الصورة ـ هو نفخ الأرواح في الأجساد ، فلابدّ من إنشاء الأجساد قبل النفخ حتى ينفخ فيها الأرواح .

الثاني : إنّ لفظة ( ثمّ ) في قوله : ( ثمّ أعاد إليه وحشره إلى الموقف ) صريحٌ في تأخّر إعادة الروح إلى الجسد ، عن نفخ الصور وإنشاء الجسد ، كما هو ظاهر لفظة ( ثمّ ) الموضوعة للتراخي والبعديّة ، ولا ريب أنّ أعادة الروح إلى الجسد هو عين نفخ الروح فيه فلو كان المراد من( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصّورِ ) هو جمع الصورة ، وكان المراد من النفخ هو نفخ الأرواح في الأجساد ، لزم تأخّر الشيء عن نفسه .

وتلخّص : أنّ الشيخ المفيد (رحمه‌الله ) يقول بوجود الصور بمعنى القرن ، وبوقوع النفخ فيه كما دلّت عليه الأدلّة ، وقد أشار إليها في جواب السؤال ونصَّ على الاعتماد عليها فلا يجوز نسبة غير ذلك إليه ألبتّة .

عقيدة الحسن البصري وأبي عبيدة

لكنّها عقيدة الحسن البصري وأبي عبيدة وغيرهما من أهل السنّة ، وقد نصّ غير واحدٍ من أعلام القوم على أنّها خلاف ما عليه أهل السنّة والجماعة :

قال العيني في (عمدة القاري ) بشرح قول البخاري : ( باب نفخ الصور ) :

( الصور ، وهو بضمّ الصاد وسكون الواو ، وذكر عن الحسن أنّه قرأها بفتح الواو جمع الصورة ، وتأوّله على أنّ المراد النفخ في الأجسام ليعاد إليها الأرواح

قال الأزهري : إنّه خلاف ما عليه أهل السنّة والجماعة )(١) .

ـــــــــــــــــ

(١) عمدة القاري بشرح البخاري ٢٣ : ٩٨ باب نفخ الصور .


بل هو عقيدة جماعة

وليس هذا قول الحسن وحده ، ففي (فتح الباري ) ما نصّه :

( باب نفخ الصور ، تكرّر ذكره في القرآن ، في الأنعام والمؤمنين والنمل والزمر وقاف وغيرها ، وهو بضمّ المهملة وسكون الواو ، وثبت كذلك في القراآت المشهورة والأحاديث ، وذكر عن الحسن البصري أنّه قرأها بفتح الواو جمع صورة ، وتأوّله على أنّ المراد النفخ في الأجساد ليعاد إليها الأرواح

وقال أبو عبيدة في المجاز : يقال الصور يعني بسكون الواو جمع صورة ، كما يقال سور المدينة جمع سورة

قال الشاعر :

لمّا أتى خــبر الزبير

تواضعت صور المدينة

فيستوي معنى القراءتين .

وحكى مثله الطبري عن قوم وزاد : كالصوف جمع صوفة .

قالوا : والمراد بالنفخ في الصور ـ وهي الأجساد ـ أن تعاد فيها الأرواح ، كما قال تعالى :( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رّوحِي ) .

وتعقّب قوله : جمع ، بأنّ هذه أسماء أجناس لا جموع .

وبالغ النحّاس وغيره في الردّ على التأويل المذكور .

وقال الأزهري : إنّه خلاف ما عليه أهل السنّة والجماعة )(١) .

وقال الرازي في (تفسيره ) :

( اعلم : إنّ الله سبحانه لمّا قال :( وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) ذكر أحوال ذلك اليوم ، فقال :( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصّورِ ) وفيه ثلاثة أقوال :

أحدها : إنّ الصور آلة ، إذا نفخ فيها يظهر صوتٌ عظيم جعله الله علامةً

ـــــــــــــــــ

(١) فتح الباري في شرح البخاري ١١ : ٣٠٨ باب نفخ الصور .


لخراب الدنيا وإعادة الأموات

روي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّه قرن ينفخ فيها .

وثانيها : إنّ المراد من الصور مجموع الصور ، والمعنى : فإذا نفخ في الصور أرواحها ، وهو قول الحسن ، وكان يقرأ بفتح الواو ، وبالفتح والكسر عن أبي رزين ، وهو حجّة لمن فسّر الصّور بجمع صورة .

وثالثها : إنّ النفخ في الصور استعارة ، والمراد منه البعث والحشر .

والأولى الأوّل )(١) .

وقال ابن الأثير في (النهاية ) :

( وفيه ذكر النفخ في الصور ، هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيلعليه‌السلام عند بعث الموتى إلى المحشر

وقال بعضهم : إنّ الصور جمع صورة ، يريد صور الموتى ينفخ فيه الأرواح ، والصحيح الأوّل ؛ لأنّ الأحاديث تعاضدت عليه تارةً بالصور وتارةً بالقرن )(٢) .

وقال محمد طاهر في (مجمع البحار ) :

( ونفخ في الصور ، هو قرن ينفخ فيه إسرافيلعليه‌السلام عند بعث الموتى إلى المحشر ، وقيل : هو جمع صورة يريد صور الموتى ينفخ فيها الأرواح ، والصحيح الأوّل لتظاهر الأحاديث فيه )(٣) .

وفي (الصحاح ) :

( الصور القرن قال الراجز :

ـــــــــــــــــ

(١) تفسير الرازي ٢٣ : ١٢١ .

(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر ( صور ) .

(٣) مجمع البحار ( صور ) .


لقد نطحــناهم غداة الجمعين

نطحاً شديداً لا كنطح الصورين

ومنه قوله تعالى :( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصّورِ ) قال الكلبي : لا أدري ما الصور ، ويقال : هو جمع صورة مثل بسرة وبسر ، أي ينفخ في صور الموتى الأرواح ، وقرأ الحسن يوم ينفخ في الصور ، والصور ـ بكسر الصاد ـ لغة في الصور جمع صورة )(١) .

وفي (تفسير البغوي ) :

( والصور قرن ينفخ فيه قال مجاهد كهيئة البوق ، وقيل : هو بلغة أهل اليمن

وقال أبو عبيدة : الصور هو الصور جمع الصورة ، وهو قول الحسن .

والأول أصحّ )(٢) .

بل هو القول المشهور بينهم

وظاهر (تفسير النيسابوري ) أنّه قول مشهور :

( وفي الصور قولان ، أشهرهما : أنّه القرن ، يؤيّده قوله تعالى :( فَإِذَا نُقِرَ فِي النّاقُور ِ ) وإنّه تعالى يُعرّف أُمور الآخرة بأمثال ما شوهد في الدنيا ، ومن عادة الناس النفخ في البوقات عند الأسفار وفي العساكر ، فجعل الله تعالى النفخ في تلك الآلة علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات .

وأقربهما من المعقول أنّ الصور جمع صورة ، يؤكّده قراءة من قرأ بفتح الراء ، ويقال : صورة وصُوَر وصِوَر ، كدرّة ودُرَر )(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) صحاح اللّغة ٢ : ٧١٦.

(٢) تفسير البغوي ٢ : ٣٧٧ .

(٣) تفسير النيسابوري ٤ : ٥٧٠ .


وهو قول أهل اللُّغة منهم

وصريح كلام السجستاني في (غريب القرآن ) إنّه قول أهل اللّغة ، قال :

( قال أهل اللّغة : الصّور جمع صورة ينفخ فيها روحها فتحيى ، والذي جاء في التفسير أنّ الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل والله أعلم )(١) .

وقال محمّد بن أبي بكر الرازي في (غريب القرآن ) :

( الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل : وقيل هو جمع صورة مثل بسرة وبسر ، فقوله تعالى( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصّورِ ) أي ينفخ في صور الموتى أرواحها ، وقرأ الحسنرضي‌الله‌عنه ( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصّورِ ) بفتح الواو )(٢) .

وقال النسفي في (تفسيره ) :

( يوم ينفخ ، ظرف لقوله : وله الملك ، في الصور هو القرن بلغة اليمن ، أو جمع صورة )(٣) .

وفي (تفسير الرازي ) :

( وأمّا قوله تعالى :( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصّورِ ) ففيه وجوه :

أحدها : إنّه شيء يشبه بالقرن ، وإنّ إسرافيلعليه‌السلام ينفخ فيه بإذن الله تعالى ، وإذا سمع النّاس ذلك الصوت ـ وهو في الشدّة بحيث لا تحتمله طبايعهم ـ يفزعون عنده ويصعقون ويموتون ، وهو كقوله تعالى :( فَإِذَا نُقِرَ فِي النّاقُورِ ) . وهذا قول الأكثرين .

وثانيها : يجوز أن يكون تمثيلاً لدعاء الموتى ، فإنّ خروجهم من قبورهم

ـــــــــــــــــ

(١) غريب القرآن : ٢٤٥ باب الصاد المضمومة .

(٢) غريب القرآن ( صور ) .

(٣) تفسير النسفي مدرك التنزيل ١ : ٣٧٢ .


كخروج الجيش عند سماع صوت الآلة .

وثالثها : إنّ الصّور جمع الصورة )(١) .

وقال ابن الملقن في ( شرح البخاري ) :

( والذي عليه المفسّرون : إنّ الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل

قال أهل اللغة : هو جمع صورة مثل بسرة وبسر ينفخ فيها الروح نفخاً

وقرأ الحسن بفتح الواو ، والصور بكسر الصاد لغة في الصور جمع صورة ، وأنكره النحاس وقال : لا يعرف هذا أهل التفسير

قال : والحديث على أنّه الصور الذي ينفخ فيه إسرافيل ـ عليه السلام ـ ) .

وفيه أيضاً :

( قال القرطبي : وليس الصور جمع صورة كما زعم بعضهم أنّه ما ينفخ في صور الموتى ، بدليل الأحاديث المذكورة ، والتنزيل ـ أيضاً ـ يدلّ على ذلك ، قال تعالى :( ثُمّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى ) ولم يقل فيها ، فعلم أنّه ليس بجمع صورة

وقال الكلبي : لا أدري ما الصور ، ويقال : هو جمع صورة مثل بسر وبسرة أي ينفخ في صورة الموتى الأرواح

وقرأ الحسن :( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ ) وإلى هذا ذهب أبو عبيدة معمر ، وهو مردود بما ذكرناه ، وأيضاً : لا ينفخ في الصور للبعث مرّتين ، بل ينفخ مرّةً واحدة ، فإسرافيل ينفخ في الصور الذي هو القرن ، والله هو الذي يحيي الصور فينفخ فيها الروح ، كما قال تعالى( فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا ) ،( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رّوحِي ) وقد أنكر بعض أهل الزيغ أن يكون الصور قرناً

قال أبو الهيثم : من قال ذلك فهو كمن أنكر العرش

ـــــــــــــــــ

(١) تفسير الرازي ٢٤ : ٢١٩ .


والميزان وطلب لها تأويلات )(١) .

بل هو عقيدة البخاري !!

لقد ثبت أنّ أصحابنا لا يقولون بهذه المقالة الفاسدة ، بل القائلون بها هم من أهل السنّة ، كالحسن البصري ، وأبي عبيدة ، وصاحب سراج العقول ، وغيرهم من الأئمّة ...

ولو أنّ الخصم أجاب بأنّ الحسن البصري قدري ، وقد كفّره العلماء المحقّقون ، ومن حكم عليه بالكفر فلا يستبعد صدور مثل هذه الأباطيل منه ، وأمّا أبو عبيدة العالم اللّغوي النحوي فلا عبرة بقوله ، وكذا من تبعه واستحسن مقالته ...

قلنا له : فما تقول في إمامك البخاري ، وقد ذهب إلى هذا المذهب في كتابه (الصحيح ) عند جمهوركم :

لقد قال البخاري بتفسير سورة الأنعام من كتابه ، في الآية( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصّورِ ) : ( الصور جماعة صورة ، كقوله سورة وسور )(٢) .

وقال القسطلاني بشرحه :

( الصور ـ بضم الصاد وفتح الواو ـ في قوله تعالى :( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصّورِ ) جماعة صورة

أي : يوم ينفخ فيها روحها فتحيى ، كقوله : سورة وسور ، بالسين المهملة فيهما .

قال ابن كثير : والصحيح أنّ المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيلعليه‌السلام ،

ـــــــــــــــــ

(١) شرح صحيح البخاري لابن الملقن ، عن تفسير القرطبي ٧ : ٢٠ ـ ٢١ والآية في سورة الأنعام : ٧٣ .

(٢) صحيح البخاري ٦ : ٧٠ .


 للأحاديث الواردة فيه )(١) .

وقال القاضي عياض :

( قوله في التفسير : الصور جمع صورة ، كقولك : صورة وصور ، كذا لأبي ذر

أي جمع على صور وصور بسكون الواو وفتحها ، وهو خير من رواية غيره ، كقولك سورة وسور ، بالسين ، إذ ليس مقصود الباب ذلك وهذا أحد تفاسير الآية )(٢) .

وقال ابن حجر العسقلاني :

( قوله : الصور جماعة صورة كقوله سورة وسور ، بالصاد أوّلاً وبالسين ثانياً ، كذا للجميع ، إلاّ في رواية أبي أحمد الجرجاني ففيها : كقولك صورة وصور ، بالصاد في الموضعين ، والاختلاف في كسون الواو وفتحها

قال أبو عبيدة في قوله تعالى :( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصّورِ ) يقال : إنّها جمع صورة ، ينفخ فيها روحها فتحيى ، بمنزلة قولهم : سورة المدينة ، واحدها سورة قال النابغة :

ألم تر أنّ الله أعطاك سورةً

ترى كلّ ملك دونها يتذبذبُ

والثابت في الحديث أنّ الصور قرن ينفخ فيه ، وهو واحد لا إسم جمع )(٣) .

أقول :

لقد بان في غاية الوضوح والظهور ، طهارة أذيال أعلامنا الصدور عن التلوّث بوضح المصير إلى إنكار الصور ، وأنّ عزو هذا الإنكار إليهم كذب

ـــــــــــــــــ

(١) إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري ٧ : ١١٦ .

(٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢ : ٦٥ .

(٣) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٨: ٢٣٢ .


وزور لكنّ أئمّة القوم هم الذين حرّفوا كلام الله وأحاديث الرسول ، كالحسن البصري وأبي عبيدة النحوي اللّغوي وصاحب سراج العقول ، وغيرهم من أعلامهم الفحول وأعجب من ذلك كلّه : أنّ البخاري الذي هو عندهم ابن بجدّة النقد والبراعة ، وحامل لواء أهل السنّة والجماعة ، قد تفوّه بهذا التفسير المهجور ، فاستحقّ كلّ أنواع التشنيع والتحقير ...

معاجز نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

وربّما نسب بعضهم إلى علمائنا تكذيب المعاجز النبويّة ، كردّ الشمس وشقّ القمر ، وتكلّم الحيوانات مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وشهادة الأشجار وغيرها برسالته ...

وحاشا علماء الطائفة المحقّة من إنكار هذه المعجزات وأمثالها ، وأين كلماتهم الصريحة في ذلك ؟

وما هو المستند في هذه النّسبة إليهم ؟

إنّ هذه النسبة كذب وافتراء ...

والقضيّة بالعكس ...

فقد وجدنا في علماء القوم من ينكر المعجزات النبويّة الصحيحة الثابتة بالأحاديث المجمع عليها .

ردّ الشمس

فحديث ردّ الشمس الثابت بأخبار الفريقين ، المذكور في كتاب (الشفاء ) للقاضي عياض في عداد المعجزات النبويّة ، والذي أخرجه الطحاوي ، عن أسماء بنت عميس ، بطريقين ، وقال :

( هذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات )(١) .

وقال القاضي عياض :

( حكى الطحاوي أنّ أحمد بن صالح كان يقول : لا ينبغي لمن سبيله

ـــــــــــــــــ

(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١ : ٥٤٩ .


العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء ؛ لأنّه من علامات النبوّة )(١) .

وحتّى الكابلي صاحب (الصواقع ) ومقلّدوه ، الذين أنكروا كثيراً من الأُمور الثابتة ، أذعنوا بثبوت حديث ردّ الشمس ، قال في الصواقع : ( وأمّا ردّ الشمس فكانت معجزة للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لأنّه صلّى العصر فأنزل عليه الوحي وكان رأسه في حجر عليّ وهو لم يصلّ العصر ، فلمّا فرغ ورأى الشمس قد غربت دعا ربّه أن يردّها ، فاستجاب دعاءه وردّ الشمس وصلّى عليّ العصر ، فلمّا فرغ غربت الشمس )(٢) .

وقال صاحب (التحفة ) ما تعريبه :

(وأمّا ردّ الشمس، فقد صحّحه أكثر أهل السنّة ، كالطحاوي وغيره ، وهو من معجزات النبيّ بلا ريب ، وقد كان ذلك لمّا فات وقت صلاة العصر على حضرة الأمير ، فدعاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى يؤدّي صلاته )(٣) .

وقد وضع غير واحد من الحفّاظ رسالة مفردة في هذا الحديث :

منهم : السيوطي ، وقد أسمى رسالته ( كشف اللبس في حديث ردّ الشمس ) وقال في أوّلها :

(وبعد، فإنّ حديث ردّ الشمس معجزة لنبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، صحّحه الإمام أبو جعفر الطحاوي وغيره ) .

وقال في هذا الحديث أيضاً :

( ثمّ الحديث صرّح جماعة من الأئمّة والحفّاظ بأنّه صحيح )(٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١ : ٥٤٩ .

(٢) الصواقع الموبقة ـ مخطوط .

(٣) التحفة الاثني عشريّة : ٢٢٦ في الأدلّة العقليّة على إمامة الأميرعليه‌السلام .

(٤) كشف اللبس في حديث ردّ الشمس ـ المقدّمة .


ومنهم : أبو الحسن شاذان الفضلي ، وقد أدرج السيوطي رسالته في (كشف اللبس ) .

ومنهم : أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد الحسكاني ، فإنّه وضع رسالةَ في هذا الحديث وأسماها : مسألة في تصحيح ردّ الشمس وترغيم النواصب الشمس ، وقد اعترف بذلك ابن تيميّة في منهاجه

وقد صحّح الحسكاني فيها الحديث بطرقٍ متعدّدة وأورد أقوال العلماء الكبار ، وذكر أنّه مرويٌّ عن أسماء بنت عميس وأمير المؤمنين وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري ...

من المنكر لهذه المعجزة

ومع ذلك كلّه ، فقد نكر بعضهم ـ تقليداً للنواصب ـ هذا الحديث الذي يعدّ من معاجز النبوّة ، ومن فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام ...

ومن هؤلاء : ابن تيميّة الحراني ، فقد كذّب هذا الحديث ، وردّ على الحفّاظ كلامهم في تصحيحه وتحامل على الطحاوي وأمثاله من الأئمّة حتّى قال :

( وحديث ردّ الشمس له ، قد ذكره طائفة كأبي جعفر الطحاوي والقاضي عياض وغيرهما ، وعدّوا ذلك من معجزات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكنْ المحقّقون من أهل المعرفة بالحديث يعلمون أنّ هذا الحديث كذب موضوع )(١) .

فانظر كيف يكذّب الحديث ويطعن في الأئمّة المصحّحين له ...

ومن هؤلاء : ابن الجوزي ، إذ أورده في (الموضوعات ) وقال :

ـــــــــــــــــ

(١) منهاج السنة ٤ : ٢٨٨ ـ ٢٨٩ .


 ( هذا حديث موضوع بلا شك ) .

ثمّ جعل ـ بعد كلامٍ له ـ يعترض على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقول :

( قال المصنّف : ومن تغفيل واضع هذا الحديث أنّه نظر إلى صورة فضله ولم يلمح عدم الفائدة فيها ، فإنّ صلاة العصر بغيبوبة الشمس صارت قضاءً ، فرجوع الشمس لا يعيدها أداء )(١) .

وأضاف في باطله في (تلبيس إبليس ) وزاد بأنْ قال :

( وغلوّ الرافضة في حبّ عليٍّ ـ رضي الله عنه ـ حملهم على أنْ وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله ، أكثرها يشينه ويؤذيه ، وقد ذكرت منها جملةً في كتاب الموضوعات ، منها : إنّ الشمس غابت ففاتت عليّاًرضي‌الله‌عنه العصر ، فرُدّت له الشمس

وهذا من حيث النقل موضوع محال لم يروه ثقة ، ومن حيث المعنى فإنّ الوقت قد فات وعودها طلوع مجدّد ، فلا يرد الوقت )(٢) .

فانظر كيف يبالغون في إنكار المعاجز والفضائل ويحاولون طمس الحقائق ، ولا وازع لهم في هذا السبيل عن تكذيب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونسبة العبث واللغو إليه ، إلاّ أنّه ليس بغريبٍ ممّن يجوّز على الله صدور القبائح العظام تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً .

ومن هؤلاء : الأعور الواسطي ، فإنّه كذّب الحديث وجعله من رواية الإماميّة إذ قال : ( ومنها دعواهم ردّ الشمس لعلي ، وهو مكذوبٌ لم يأت إلاّ

ـــــــــــــــــ

(١) كتاب الموضوعات ١ : ٣٥٥ ـ ٣٥٧ .

(٢) تلبيس إبليس : ١١٤ .


بنقلهم وهم أخصام لا يقوم مجرّد نقلهم على الخصم حجّة )(١) .

فانظر إلى هذا الناصبي الذي زاد على سلفه ـ ابن تيميّة ـ في البغض والحقد والعناد ، فإنّ ذاك يعترف بتصحيح الطحاوي وغيره من أئمّة السنّة ، وهذا يدّعي أنّه من رواية الشيعة فحسب ، مع أنّ من رواته : ابن شاهين وابن مردويه وابن مندة ، كما في (المقاصد الحسنة )(٢) وغيرها ، وقد رواه الطبراني بطرق متعدّدة ، والخطيب والدولابي وابن أبي شيبة كما في ( كشف اللبس )

وقد ألّف فيه غير واحدٍ من الأعلام كما عرفت ، كأبي الحسن شاذان الفضلي والسيوطي ، والحسكاني ، وقد جزم به الإمام القرطاجني كما في (تنزيه الشريعة )(٣) .

بل لقد كذّب الأعور سلفه المعترف برواية الطحاوي والقاضي عياض وغيرهما له ، وكذّب أحمد بن صالح الذي قال : ( لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلّف عن حديث أسماء ) وكذَّب غير هؤلاء من الأئمّة الأعلام من أهل السنّة ...

فهذا حال هؤلاء القوم ، وهذه مواقفهم من معاجز النبيّ ومناقب الوصي ، عليهما وآلهما الصلاة والسلام ...

انشقاق القمر

وكذّب بعضهم كذلك انشقاق القمر لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال

ـــــــــــــــــ

(١) رسالة الأعور في الردّ على الرافضة ـ مخطوط .

(٢) المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة : ٢٧٠/٥١٩ .

(٣) تنزيه الشريعة الغرّاء ١ : ٣٧٩ .


الكرماني في ( الكواكب الدراري ) :

( إنشقاق القمر آية عظيمة لا يعادلها شيء من آيات الأنبياءعليهم‌السلام ؛ لأنّه ظهر من ملكوت السماء ، والخطب فيه أعظم والبرهان به أظهر ؛ لأنّه خارج عن جملة طباع ما في هذا العالم المركّب من العناصر .

وقد أنكر بعضهم هذا الخبر فقالوا : لو كان له حقيقة لم يخف أمره على عوام الناس ، ولتواترت به الأخبار ؛ لأنّه أمر محسوس مشاهد والناس فيه شركاء ، وللنفوس دواع على نقل الأمر الغريب والخبر العجيب ، ولو كان لذكر في الكتب ودوّن في الصّحف ، ولكان أهل التنجيم والسِيَر والتواريخ عارفين به ، إذ لا يجوز إطباقهم على إغفاله مع جلالة شأنه وجلاء أمره )(١) .

وحتّى ابن تيمية اعترف بهذه المعجزة ، ويعرّض بالمنكرين :

( وانشقاق القمر كان بالليل وقت نوم الناس ، ومع هذا فقد رواه الصحابة من غير وجه ، وأخرجوه في الصحاح والسنن والمسانيد من غير وجه ، ونزل به القرآن ، فكيف تردّ الشمس التي تكون بالنهار ولا يشتهر ذلك ولا ينقله أهل العلم نقل مثله ، ولا يعرف قط أنّ الشمس رجعت بعد غروبها .

وإن كان كثير من الفلاسفة والطبيعيّين وبعض أهل الكلام ينكر انشقاق القمر وما يشبه ذلك ، فليس الكلام في هذا المقام )(٢) .

من المنكرين لهذه المعجزة

ومع هذا كلّه، فقد أنكر الحليمي ـ وهو من كبار علماء القوم ـ انشقاق

ـــــــــــــــــ

(١) وانظر الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري ، باب انشقاق القمر في آخر المناقب وتفسير سورة الانشقاق من كتاب التفسير .

(٢) منهاج السنّة ٤ : ٢٩١ .


القمر لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

والأعجب من ذلك اعتماد الفخر الرازي على منع الحليمي وإنكاره ، في مقابلة أهل الحق ، حيث جاء في كتابه (نهاية العقول ) في كلامٍ له :

( ثمّ نقول : لا نزاع في شيءٍ من المقدّمات إلاّ في قولكم : الأمر العظيم الواقع بمشهد الخلق العظيم لابدّ وأنْ يتواتر

فإنّا نقول : ليس الأمر كذلك ، فإنّ انشقاق القمر ، وفتح مكّة أنّه كان بالصلح أو بالقهر ، وكونبسم الله الرحمن الرحيم هل هو من كلّ سورةٍ أم لا ؟

وكون الإقامة مثنى أو فرادى ، مع مشاهدة الصحابة لذلك مدّة حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّ يومٍ خمس مرّات ، وكذلك أحكام الصّلاة والزكاة ، مع مشاهدتهم هذه الأُمور من النبيعليه‌السلام مدّة حياته ، كلّ ذلك أُمور عظيمة وقعت بمشهد أكثر الأُمّة ، ثمّ إنّه لم ينتشر شيءٌ منها )(١) .

ثمّ قال الرازي في مقام الجواب عن هذا التقرير :

( أمّا الانشقاق ، فقد منع الحليمي وقوعه ، بحمل :( انشَقّ الْقَمَرُ ) على أنّه سينشقّ

وإنْ سلّمنا وقوعه فلعلَّ المشاهدين ما كانوا في حدّ التواتر ؛ لأنّه آية ليليّة ، وأكثر الناس كانوا تحت السقوف ، فلذلك لم ينتشر )(٢) .

فانظر إلى الحليمي كيف يحمل الآية المباركة على خلاف ظاهرها ! وإلى الرازي كيف يستند إلى كلام الحليمي ليعارض به استدلال الإماميّة !

وقد قام الإجماع من المسلمين على وقوع الانشقاق :

قال الحافظ القاضي عياض :

ـــــــــــــــــ

(١) نهاية العقول ـ مخطوط .

(٢) نهاية العقول ـ مخطوط .


 ( فصل ـ في انشقاق القمر وحبس الشمس قال الله تعالى :

( اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانشَقّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مّسْتَمِرّ ) أخبر تعالى بوقوع انشقاقه بلفظ الماضي وإعراض الكفرة عن آياته ، وأجمع المفسّرون وأهل السنّة على وقوعه ) .

ثمّ قال بعد ذكر الروايات :

( وأكثر طرق هذه الأحاديث صحيحة ، والآية مصرّحة ، ولا يلتفت إلى اعتراض مخذول بأنّه لو كان هذا لم يخف على أهل الأرض ، إذ هو شيء ظاهر لجميعهم )(١) .

وقال :

( أمّا انشقاق القمر ، فالقرآن نصّ بوقوعه وأخبر عن وجوده ، ولا يعدل عن ظاهرٍ إلاّ بدليل ، وجاء برفع احتماله صحيح الأخبار من طرقٍ كثيرة ، فلا يوهن عزمنا خلاف أخرق يحلُّ عرى الدين ، ولا يلتفت إلى سخافة مبتدع يلقي الشك على قلوب ضعفاء المؤمنين ، بل نرغم بهذا أنفه وننبذ بالعراء سخفه )(٢) .

أقول :

هذا بعض الكلام على إنكار القوم ما ثبت من معاجز النبي عليه وآله الصلاة والسلام ...

وأمّا إنكارهم لما ثبت من معجزات وكرامات الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام ، فموارده كثيرة جدّاً ، فما أكثر المعجزات العلويّة المرويّة في كتب

ـــــــــــــــــ

(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١ : ٥٤٣ و ٥٤٧ .

(٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١ : ٤٩٥ .


الفريقين ، يستدلّ بها أهل الحقّ في مباحث الإمامة ، ويكذّبها أهل الخلاف ، أمثال ابن تيميّة والأعور وغيرهما .

أضف إلى ذلك : إنّ الحليمي وأبا إسحاق يكذّبان كرامات الأولياء مطلقاً ، وهذا ـ بعمومه ـ يشمل كرامات الأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام .

قال شارح المواقف :

( المقصد التاسع : في كرامات الأولياء وأنّها جائزة عندنا ، خلافاً لمن منع جواز الخوارق واقعة ، خلافاً للأُستاذ أبي إسحاق والحليمي منّا وغير أبي الحسين من المعتزلة .

قال الإمام الرازي في الأربعين : المعتزلة ينكرون كرامات الأولياء ، ووافقهم الأُستاذ أبو إسحاق منّا ، وأكثر أصحابنا يثبتونها ، وبه قال أبو الحسين البصري من المعتزلة )(١) .

ـــــــــــــــــ

(١) شرح المواقف ٨ : ٢٨٨ .


إسلام آباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ربّما نسب بعض المتعصّبين المفترين من أهل السنّة إلى الشيعة القول بعدم طيب ولادة آباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهذا بهتانٌ عظيم ، اللّهمّ العن قائله ومعتقده ومثبته ألف ألف لعنة ، وأذقه حرّ النار وأصله سعيراً ...

ولكنّ الكثيرين من أهل السنّة قائلون بعدم إسلام وإيمان آباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والعياذ بالله .

أباطيل الأعور الواسطي

بل الأعجب من ذلك ردّ بعضهم على الإماميّة تشنيعهم على أهل السنّة وإعابتهم القول بذلك !!

ألا ترى كيف يدافع الأعور الواسطي عن هذه المقالة الفاسدة والزعم الباطل ، ويردّ على أهل الحق ، قائلاً :

( ومنها : إعابتهم قول أهل السنّة بكفر أبوي النبي ؛ وذلك حقّ لا إعابة على أهل السنّة ؛ لوجوه :

الأوّل : إنّ نصّ القرآن والأحاديث والتواريخ عن مجموع الكفّار من قريش ، مثل : أبي لهب عمّ النبي وأبي جهل ، ومن أسلم منهم ، مثل : أبي سفيان وغيرهم : أنّ محمّداً سفّه ما كان آباؤنا عليه من عبادة الأصنام ، ونحن لا نرغب عن ملّة عبد المطّلب .

الثاني : إنّ الله يقول لمن عرف الإسلام به :

( مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإيمَانُ) فمن أين جاء الإيمان لأبويه .

الثالث : إنّ الرافضة يزعمون أنّ عليّاًرضي‌الله‌عنه رمى أصنام قريش عن الكعبة ، وعبد المطّلب وعبد الله من رؤوسهم ، فأيّ شيء أخبرهم عن عدم عبادتهما ؟

قالوا : نقل من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرة .

قلنا : معناه لم يكن سفاح بل عن عقود وأنكحة .

قالوا : كيف يمكن خروج نبيّ من كافر ؟

قلنا : كثير من الأنبياء ، كخروج إبراهيمعليه‌السلام من آزر .


قالوا : عمّه أو خاله ؟

قلنا : يكذب ذلك أنّ الله تعالى سمّاه أباً بقوله :( إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أَتَتّخِذُ أَصْنَاماً ) ويقول إبراهيم لآزر : يا أبتِ ، مراراً كثيرة

وأيضاً : العم ابن الجد لأبٍ ، والخال ابن الجد لأُمّ ، وحينئذٍ فيكون جدّه كافراً ، ولا ينتفع الرافضة بشيءٍ من هذه الدعوى ؛ ودليل كفره شهادة ابنه عليه ، كقوله تعالى :

( وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناماً فنظلُّ لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذْ تدعون أو ينفعونكم أو يضرّون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون)

وكقوله تعالى :

( مَا هذِهِ التّمَاثِيلُ الّتِي أَنْتُم لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ) (١) .

أقول :

إنّها خرافات ركيكة وهفوات سخيفة :

فأمّا ما ذكره في الوجه الأوّل ، فلا دليل عليه في القرآن والحديث ، ولو فرض أنّ مجموع الكفّار قالوا كذلك ، فأيّ اعتبارٍ بقول الكفّار ؟

وأمّا ما ذكره في الوجه الثاني ، فليس إلاّ وساوس ظلمانيّة ، وتلبيسات شيطانيّة ، ومحصّلها الكفر والزندقة والإلحاد .

ـــــــــــــــــ

(١) رسالة الأعور الواسطي في الرد على الرافضة ـ مخطوط .


وأمّا ما ذكره في الوجه الثالث ، ففي غاية الضعف ولا محصَّل له ، وأيّ ارتباط لمقصوده بقضيّة كسر الأصنام ، التي رواها ابن أبي شيبة وأبو يعلى وأحمد والطبري والحاكم والخطيب والنسائي وأمثالهم من الأعلام(١) .

وهل رئاسة عبد المطّلب وعبد الله لقريش تستلزم عبادة الأصنام ؟

إنّه لا يقول بذلك إلاّ الجهلة الأغثام والسفهاء اللئام !

كيف لا ؟ وقد قال السيوطي في (طراز العمامة في الفرق بين العمامة والقمامة ) في بيان المسالك التي سلكها في إثبات إسلام أبوي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( الثالث : إنّهما كانا على دين إبراهام ، ما عبدا قطّ في عمرهما الأصنام ، وأحاديث هذا المسلك قويّة السند ، كثيرة العدد ، عظيمة المدد ، لا يقوم لردّها أحد ) .

وأمّا ما ذكره عن إبراهيم ( عليه السلام ) ، فبطلانه يتّضح بمراجعة (رسائل السيوطي ) و(المنح المكيّة ) لابن حجر المكي ، وأمثالهما .

وبالجملة ، فإنّ القائلين منهم بهذا القول الباطل والرأي الفاسد كثيرون ، ولنذكر كلمات بعضهم :

ـــــــــــــــــ

(١) كنز العمّال للمتقي الهندي ، عن أبن شيبة وأبي يعلى وابن جرير ، مسند أحمد ١ : ٨٤ ، خصائص علي : ٢٢٥ الحديث ١٢٢ ، المستدرك ٢ : ٣٦٦ و٣ : ٥ .


وابن كثير المدمشقي

قال ابن كثير الدمشقي في تاريخه (البداية والنهاية ) :

( وإخباره ـ عليه السلام ـ عن أبويه وجدّه عبد المطلب بأنّهم من أهل النّار ، لا ينافي الحديث الوارد عنهم ـ من طرق متعددة ـ أنّ أهل الفترة والأطفال والمجانين والصمّ يمتحنون في العرصات يوم القيامة ، كما بسط سنداً ومتناً عند قوله تعالى :

( وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّى‏ نَبْعَثَ رَسُولاً ) فيكون منهم من يجيب ومنهم من لا يجيب ، فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب .

والحديث الذي ذكره السهيلي ـ في إسناده مجاهيل ـ إلى أبي الزناد عن عروة عن عائشة : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سأل ربّه أن يُحيي أبويه فأحياهما وآمنا به .

فإنّه منكر جدّاً ، وإنْ كان ممكناً بالنظر إلى قدرة الله تعالى ، لكن الذي ثبت في الصحيح يعارضه )(١) .

وكذّب أبو الخطّاب ابن دحية أيضاً حديث السهيلي ، ونصَّ على أنّه موضوع ، قال القسطلاني :

( قال ابن دحية : هذا الحديث موضوع ، يردّه القرآن والإجماع ، انتهى

وقد جزم بعض العلماء بأنّ أبويهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ناجيان وليسا في النّار ، متمسّكاً بهذا الحديث وغيره

وتعقّبه عالم آخر ، بأنّه لم ير أحداً صرّح بأنّ الإيمان بعد انقطاع العمل بالموت ينفع صاحبه ، فإن ادّعى أحدٌ الخصوصيّة فعليه الدليل ، انتهى

وقد سبقه بذلك أبو الخطّاب ابن دحية وعبارته : من مات كافراً لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة ، بل لو آمن عند المعاينة لم ينفعه ذلك

ـــــــــــــــــ

(١) البداية والنهاية تاريخ ابن كثير ٢ : ٢٨١ .


فكيف بعد الإعادة )(١) .

وقد أطنب ابن كثير في المسألة في (تفسيره ) بتفسير قوله تعالى :

 ( مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى‏ مِن بَعْدِ مَاتَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) ، وقال :

( قال الإمام أحمد : حدّثنا الحسن بن موسى ، حدّثنا زهير ، حدّثنا زبيد ابن الحرث اليامي ، عن محارب بن دثار ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، قال :

كنّا مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنزل بنا ونحن معه ، قريب من ألف راكب ، فصلّى ركعتين، ثمّ أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان ، فقام إليه عمر بن الخطّاب وفدّاه بالأب والأُم ، وقال : يا رسول الله ! مالك ؟

قال: إنّي سألت ربّي عزّ وجلّ في الاستغفار لأُمّي فلم يأذن لي ، فدمعت عيناي رحمةً لها من النّار .

وإنّي كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها لتذكّركم زيارتها خيراً ، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث ، فكلوا وأمسكوا ما شئتم ، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية ، فاشربوا في أيّ وعاء شئتم ولا تشربوا مسكراً .

وروى ابن جرير من حديث علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا قدم مكّة ، أتى رسم قبر ، فجلس إليه فجعل يخاطب ، ثمّ قام مستعبراً ، فقلنا : يا رسول الله ! إنّا رأينا ما صنعت .

قال : إنّي استأذنت ربّي في زيارة قبر أُمّي فأذن لي ، واستأذنته في الاستغفار لها ، فلم يأذن لي ، فما رُئي باكياً أكثر من يومئذٍ .

وقال ابن أبي حاتم في تفسيره : حدّثنا أبي ، حدّثنا خالد بن خداش ،

ـــــــــــــــــ

(١) المواهب اللدنيّة بالمنح المحمّديّة ١ : ٩٠/ ذكر رضاعه .


حدّثنا عبد الله بن وهب ، عن ابن جريح عن أيوب بن هاني ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً إلى المقابر فأتبعناه ، فجاء حتّى جلس إلى قبرٍ منها ، فناجاه طويلاً ، ثمّ بكى ، فبكينا لبكائه ، ثمّ قام ، فقام إليه عمر بن الخطّاب فدعاه ثمّ دعانا ، فقال : ما أبكاكم ؟

قلنا : بكينا لبكائك .

قال : إنّ القبر الذي جلست عنده قبر آمنة ، وإنّي استأذنت ربّي في زيارتها فأذن لي ، وإنّي استأذنت ربّي في الدعاء لها ، فلم يأذن لي وأنزل علَيّ :

( مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى ‏ ) ، فأخذني ما يأخذ الولد للوالد ، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها فإنّها تذكّر الآخرة .

حديث آخر في معناه : قال الطبراني : حدّثنا محمّد بن علي المروزي ، حدّثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب ، حدّثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان ، عن أبيه ، عن عكرمة ، عن ابن عبّاس : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا أقبل من غزوة تبوك واعتمر ، فلمّا هبط من ثنية عسفان ، أمر أصحابه أن يستندوا إلى العقبة حتّى يرجع إليهم ، فذهب فنزل على قبر أُمّه ، فناجا ربّه طويلاً ، ثمّ إنّه بكى ، فاشتدّ بكاؤه وبكى هؤلاء لبكائه ، وقالوا : ما بكى نبيّ الله هذا البكاء إلاّ وقد أُحدث في أُمّته شيءٌ لا يطيقه ، فلمّا بكى هؤلاء قام فرجع إليهم ، فقال : ما يبكيكم ؟

فقالوا : يا نبيّ الله ! بكينا لبكائك ، قلنا : لعلّه أُحدث في أمّتك شيءٌ لا تطيقه

قال : لا ، وقد كان بعضه .

ولكن نزلت على قبر أُمّي ، فدعوت الله أن يأذن لي في شفاعتها يوم القيامة ، فأبى الله أن يأذن لي ، فرحمتها وهي أُمّي فبكيت ، ثمّ جاءني جبرئيل فقال :

( مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى‏ ) فتبرّأ أنت من أُمّك ، كما تبرّأ إبراهيم من أبيه ، فرحمتها وهي أُمّي .

ودعوت ربّي أن يرفع عن أُمّتي أربعاً ، فرفع عنهم اثنين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين ، دعوت ربّي أن يرفع عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض ، وأن لا يلبسهم شيعاً ، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض ، فرفع عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض ، وأبى الله أن يرفع عنهم القتل والهرج .


وإنّما عدل إلى قبر أُمّه ؛ لأنّها كانت مدفونة تحت كدي ، وكانت عسفان لهم .

وهذا حديث غريب وسياق عجيب .

وأغرب منه وأشدّ نكارة :

ما رواه الخطيب البغدادي في كتاب السابق واللاّحق ، بسند مجهول ، عن عائشة ، في حديث فيه قصّة : أنّ الله أحيا أُمّه فآمنت ثمّ عادت .

وكذلك ما رواه السهيلي في الرّوض ، بسندٍ فيه جماعة مجهولون : أنّ الله أحيا له اباه وأُمه فآمنا به

وقد قال الحافظ ابن دحية : هذا الحديث موضوع ، يردّه القرآن والإجماع ، قال الله تعالى :( وَلاَ الّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ ) .

وقد مال أبو عبد الله القرطبي إلى هذا الحديث ، وردّ على ابن دحية في هذا الإستدلال ما حاصله : إنّ هذه حياة جديدة ، كما رجعت الشمس بعد غيبوبتها فصلّي عليّ العصر

قال الطحاوي : وهو حديث ثابت يعني حديث الشمس

قال القرطبي : فليس إحياؤهما بممتنع عقلاً ولا شرعاً

قال : وقد سمعت أنّ الله أحيى عمّه أبا طالب فآمن به .

قلت : وهذا كلّه يتوقّف على صحّة الحديث ، فإذا صحّ فلا مانع منه والله أعلم .

وقال العوفي عن ابن عبّاس في قوله :( مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) الآية ، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد أن يستغفر لأُمّه فنهاه الله عن ذلك ، فقال : إنّ إبراهيم خليل الله قد استغفر لأبيه ، فأنزل الله :

( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاّ عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيّاهُ ) الآية .

وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في هذه الآية : كانوا يستغفرون لهم حتّى نزلت هذه الآية ، فلمّا أُنزلت أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ، ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتّى يموتوا ، ثمّ أنزل الله :( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ ) الآية .

وقال قتادة في هذه الآية : ذكر لنا أنّ رجالاً من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالوا : يا نبيّ الله ! إنّ من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الأرحام ، ويفكّ العاني ويوفي بالذمم ، أفلا نستغفر لهم ؟


قال : فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بلى والله ، إنّي لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه ، فأنزل الله :

( مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) حتّى بلغ الجحيم ، ثمّ عذر الله إبراهيم ( عليه الصلاة والسلام ) فقال :

( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إلاّ عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أَنّهُ عَدُوّ للّهِ‏ِ تَبَرّأَ مِنْهُ ) (١) .

والذهبي

والذهبي أيضاً كذّب الحديث المذكور ، حيث قال في (ميزان الإعتدال ) :

( عبد الوهّاب بن موسى ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، بحديث : إنّ الله أحيا لي أُمّي فآمنت بي .

ـــــــــــــــــ

(١) تفسير ابن كثير ٤ : ٢٢١ ـ ٢٢٤ والآية في سورة التوبة : ١١٣ .


الحديث كذب ، مخالف لِما صحَّ أنّهعليه‌السلام استأذن ربّه في الاستغفار لهما فلم يؤذن له )(١) .

وفي (لسان الميزان ) عن جماعةٍ أنّهم كذّبوا الحديث كذلك(٢) .

القائلون بالحقّ وأدلّتهم

لكنّ جماعةً من أعلامهم دافعوا عن الحق ، وأبطلوا هذه الأقاويل الفاسدة .

فالحافظ السيوطي ـ مثلاً ـ ألّف رسائل عديدة في إثبات نجاة آباء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتّى أنّه قال بكفر من يقول بكفر والديّ النبي ، ففي رسالته التي أسماها : (الدرج المنيفة في الآباء الشريفة ) :

( نقلت من مجموع بخطّ الشيخ كمال الدين الشمني ، والد شيخنا الإمام تقي الدين (رحمه‌الله ) ما نصّه : سُئل القاضي أبوبكر ابن العربي عن رجلٍ قال : إنّ آباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في النار ، فأجاب بأنّه ملعون ؛ لأنّ الله تعالى قال :

( إِنّ الّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدّ لَهُمْ عَذَاباً مّهِيناً ) ، قال : ولا أذى أعظم من أن يقال عن أبيه : إنّه في النّار )(٣) .

وقال في رسالته (الدوران الفلكي على ابن الكركي ) في بيان الأُمور المستهجنة التي ذكر صدورها من السخاوي :

( الثاني : إنّه تكلّم في حق والدي المصطفى بما لا يحلّ لمسلمٍ ذكره ، ولا

ـــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ٤ : ٤٣٧/٥٣٣٢ ترجمة عبد الوهّاب بن موسى .

(٢) لسان الميزان ٤ : ٥١٢/٥٤١٦ ترجمة عبد الوهّاب بن موسى .

(٣) الدرج المنيفة في الآباء الشريفة ( ضمن الرسائل العشر ) : ٤٢ .


يسوغ أن يجزم عليه فكره ، فوجب علَيّ أنْ أقوم عليه بالإنكار ، وأنْ أستعمل في تنزيه هذا المقام الشريف الأقلام والأفكار ، فألّفت في ذلك ستّ مؤلّفاتٍ شحنتها بالفوائد ، وهي في الحقيقة أبكار ، ومن ذا الذي يستطيع أنْ ينكر علّيّ قيامي في ذلك ، أو يلقي نفسه في هذه المهالك ، من أنكر ذلك أكاد أقول بكفره وأستغرق العمر في هجره ) .

وقال السهيلي في (الروض الأنف ) :

( وذكر قاسم بن ثابت في الحديث : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زار قبر أُمّه بالأبواء في ألف مقنّعٍ ، فبكى وأبكى : وهذا حديثٌ صحيح .

وفي الصحيح ـ أيضاً ـ أنّه قال : استأذنت ربّي في زيارة قبر أُمّي فأذن لي ، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي .

وفي مسند البزّار من حديث بريدة : إنّهعليه‌السلام حين أراد أن يستغفر لأُمّه ، ضرب جبرئيل في صدره ، وقال : لا تستغفر لمن مات مشركاً ، فرجع حزيناً .

وفي الحديث زيادة في غير الصحيح : إنّه سُئل عن بكائه ، فقال : ذكرت ضعفها وشدّة عذاب الله ، إن كان صحَّ هذا .

وفي حديثٍ آخر ما يصحّحه ، وهو أنّ رجلاً قال له : يا رسول الله ، أين أبي ؟

فقال : في النار ، فلمّا ولّى الرجل ، قالعليه‌السلام له : إنّ أبي وأباك في النّار .

وليس لنا أنْ نقول هذا في أبويهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات ، والله عزّ وجلّ يقول :( إِنّ الّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ ) (١) .

والواقع : إنّ السهيلي متذبذب مضطربٌ في هذا المقام ، ويزيد ذلك وضوحاً قوله بعد ذلك :

( وإنّما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لذلك الرجل هذه المقالة ؛ لأنّه وجد في نفسه ، وقد قيل : إنّه قال : أين أبوك أنت ، فحينئذٍ قال ذلك .

وقد روى معمر بن راشد بغير هذا اللفظ ، فلم يذكر أنّه قال له : إنّ أبي وأباك في النّار ، ولكن ذكر أنّه قال له : إذا مررت بقبر كافرٍ فبشّره بالنّار .

ـــــــــــــــــ

(١) الروض الأنف ٢ : ١٨٥ ـ ١٨٦ بتفاوتٍ يسير .


وروي في حديثٍ غريب لعلّه أن يصحّ ـ وجدته بخطّ جدّي أبي عمرو ـ : إنّ أحمد بن أبي الحسن القاضي (رحمه‌الله ) ـ بسندٍ فيه مجهولون ـ ذكر أنّه نقله من كتاب انتسخ من كتاب معوذ بن داود بن معوذ الزاهد ، يرفعه إلى أبي الزناد ، عن عروة ، عن عائشة : أُخبرت أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سأل ربّه أن يحيي أبويه ، فأحياهما له وآمنا به ثمّ ماتا .

والله قادر على كلّ شيء ، وليس تعجز رحمته وقدرته عن شيء ، ونبيّه أهل أن يخصّه بما شاء من فضله ، وينعم عليه بما شاء من كرامته ،صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

بل رجع إلى قول أسلافه الموجب للّعن ووافق عليه ، في موضعٍ آخر من كتابه ، حيث قال في غزوة أُحد :

( ووقع في هذه الغزوة : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جمع لسعدٍ أبويه ، فقال له : إرم فداك أبي وأُمّي

وروى الترمذي من طريق علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه قال : ما سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لأحدٍ فداك أبي وأُمّي إلاّ لسعد

وقال في روايةٍ أُخرى عنه : ما جمع رسول الله أبويه إلاّ لسعد .

والرواية الأُولى أصحّ والله أعلم ؛ لأنّه أخبر فيها أنّه لم يسمع ، وقد روى الزبير بن العوام أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جمع له أيضاً أبويه وقال له كما قال لسعد ، ورواه ابنه عبد الله بن الزبير ، وأسنده في كتاب أنساب قريش الزبير ابن أبي بكر .

وفقه هذا الحديث أنّه جائز هذا الكلام لمن كان أبواه غير مؤمنين ، وأمّا من كان أبواه مؤمنين فلا ؛ لأنّه كالعقوق لهما

كذلك سمعت شيخنا أبابكر يقول في هذه المسألة ) .

ـــــــــــــــــ

(١) الروض الأنف ٢ : ١٨٧ .


ومن الذين قالوا بالحقّ ودافعوا عنه ، ابن حجر المكّي ، حتّى أنّه اعترض على قول أبي حيّان الأندلسي بانحصار القول بإيمان آباء النبي بالإماميّة ، فقد ذكر القسطلاني في (المواهب اللدنيّة ) :

( نقل الإمام أبو حيان في البحر عند تفسير قوله تعالى :( وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) إنّ الرافضة هم القائلون إنّ آباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانوا مؤمنين ، مستدلّين بقوله تعالى : ( وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) وبقولهعليه‌السلام : لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين ، الحديث )(١) .

قال شارحه الشبراملسي في (تيسير المطالب السنيّة ) :

( قوله : ونقل الإمام أبو حيّان ...

قال الشهاب ابن حجر في كتابه : النعمة الكبرى على العالم بمولد سيّد بني آدم : وقول بعضهم : ونقل أبو حيان سوء تصرّف منه ؛ لأنّه ـ أعني ناقل هذا الكلام عن أبي حيّان ـ لو كان له أدنى مسكة من علمٍ أو فهم لتعقّب ما قاله أبو حيان أنّ الرافضة هم القائلون وقال له : هذا الحصر باطل منك ، أيّها النحوي البعيد عن مدارك الأُصول والفروع كيف ؟ وأئمّة الأشاعرة من الشافعيّة وغيرهم ـ على ما مرّ التصريح به ـ في نجاة سائر آبائهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كبقيّة أهل الفترة ، فلو كنت ذا إلمامٍ بذلك لما حصرت نقل ذلك عن الرافضة وزعمت أنّهم المستدلّون عليه بالآية والحديث

وهذا الفخر الرازي من أكابر أئمّة أهل السنّة ، قد استدلّ بهما ونقل ذلك عن غيره ، فليتك أيّها الناقل عن أبي حيّان سكتَّ عن ذلك ، ووقيت عرضك وعرضه من رشق سهام الصواب فيهما ) .

وهذا كلام ابن حجر المكّي في ( المنح المكيّة ـ شرح القصيدة الهمزيّة ) :

( وقول أبي حيان : إنّ الرافضة هم القائلون بأنّ آباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مؤمنون غير معذَّبين ، مستدلّين بقوله تعالى :( وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) .

ـــــــــــــــــ

(١) المواهب اللدنيّة بالمنح المحمّديّة ١ : ٩٢ .


فلك ردّه : بأنّ مثل أبي حيّان إنّما يرجع إليه في علم النحو وما يتعلّق بذلك ، وأمّا المسائل الأُصوليّة فهو عنها بمعزل ، كيف والأشاعرة ومن ذكر معهم ـ فيما مرّ آنفاً ـ على أنّهم مؤمنون ، فنسبة ذلك للرافضة وحدهم ـ مع أنّ هؤلاء الذين هم أئمّة أهل السنّة قائلون به ـ قصور وأيّ قصور، تساهل وأيّ تساهل )(١) .

فثبت ـ والحمد لله ـ أنّ القائلين بالقول الحقّ هم أهل الحقّ ، وأنّ كثيراً من غيرهم ـ أيضاً ـ يشاركونهم في هذا القول

وقال السيوطي في (الدرج المنيفة في الآباء الشريفة ) :

( الدرجة الثالثة : أنّهما كانا على التوحيد ودين إبراهيمعليه‌السلام ، كما كان على ذلك طائفة من العرب ، كزيد بن نفيل وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل وعمير ابن حبيب الجهني وعمر بن عنبسة ، في جماعةٍ آخرين ، وهذه طريقة الإمام فخر الدين الرازي ، وزاد : إن آباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّهم إلى آدم على التوحيد ودين إبراهيم ، لم يكن فيهم شرك .

قال : ممّا يدلّ على أنّ آباءهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما كانوا مشركين : قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لم أزل أُنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ، وقال تعالى :( إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) فوجب أن لا يكون أحدٌ من أجداده مشركاً .

قال : ومن ذلك قوله تعالى :( الّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) معناه أنّه ينقل نوره من ساجد إلى ساجد .

قال : وبهذا التقرير ، فالآية دالّة على أنّ جميع آباء محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانوا مسلمين .

قال : وحينئذٍ يجب القطع بأنّ والد إبراهيم ما كان من الكافرين ، إنّما كان ذاك عمّه ، أقصى ما في الباب أن يحمل قوله تعالى( وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) على وجوهٍ أُخرى ، وإذا وردت الروايات بالكلّ ولا منافاة بينهما ، وجب حمل الآية على الكلّ ، وبذلك يثبت أنّ والد إبراهيم ما كان من عبدة الأوثان ، وإنّ آزر لم يكن والده بل كان عمّه ، انتهى ملخّصاً وقد وافقه على الاستدلال بالآية الإمام الماوردي صاحب الحاوي الكبير ، من أئمّة أصحابنا .

ـــــــــــــــــ

(١) المنح المكيّة ـ شرح القصيدة الهمزيّة : ٢٧ .


وقد وجدت ما يعضد هذه المقالة من الأدلّة ما بين مجمل ومفصّل ؛ فالمجمل : دليلٌ مركّب من مقدّمتين :

إحداهما : أنّ الأحاديث الصحيحة دلّت على أنّ كلّ أصلٍ من أُصولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أبيه إلى آدم ، خير أهل زمانه

والثانية : إنّ الأحاديث والآثار دلّت على أنّ الله لم يخل الأرض من عهد نوح إلى بعثة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ناسٍ على الفطرة ، يعبدون الله ويوحّدونه ويصلّون له وبهم يحفظ الأرض ، ولولاهم لهلكت الأرض ومن عليها .

ومن أدلّة المقدّمة الأُولى حديث البخاري : بعثت من خير قرن بني آدم ، قرناً فقرناً ، حتّى بعثت من القرن الذي كنت فيه .

وحديث البيهقي : ما افترقت الناس فرقتين إلاّ جعلني الله في خيرهما ، فأُخرجت من بين أبويّ فلم يصبني شيءٌ من عهد الجاهليّة ، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح ، من لدن آدم حتّى انتهيت إلى أبي وأُمّي ؛ فأنا خيركم نفساً وخيركم أباً .

وحديث أبي نعيم وغيره : لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيّبة إلى الأرحام الطاهرة مصفّى مهذّباً ، لا يتشعّب شعبتان إلاّ كنت في خيرهما .

في أحاديث كثيرة .

ومن أدلّة المقدّمة الثانية : ما أخرجه عبد الرزاق في المصنّف ، وابن المنذر في تفسيره ـ بسندٍ صحيح على شرط الشيخين ـ عن علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه قال : لم يزل على وجه الأرض من يعبد الله عليها .

وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في الزهد ، والخلاّل في كرامات الأولياء ـ بسندٍ صحيحٍ على شرط الشيخين ـ عن ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه : ما خلت الأرض من بعد نوح من شعبة يدفع الله بهم عن أهل الأرض .

في آثار أُخر .


وإذا قرنت بين هاتين المقدّمتين ، أُنتج منهما قطعاً : أنّ آباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن فيهم شرك ؛ لأنّه قد ثبت في كلٍّ منهم أنّه خير قرنه ، فإن كان الناس الذين هم على الفطرة هم آباؤه ، فهو المدّعى ، وإن كان غيرهم وهم على الشرك ، لزم أحد الأمرين : إمّا أن يكون المشرك خيراً من المسلم ، وهو باطل بنصّ القرآن والإجماع ، وإمّا يكون غيرهم خيراً منهم ، وهو باطل ، لمخالفته الأحاديث الصحيحة .

فوجب قطعاً أن لا يكون فيهم مشرك ؛ ليكونوا خير أهل الأرض ، كلّ في قرنه )(١) .

وقال ابن حجر بشرح :

لم تزل في ضمائر الكون

تختار لك الأُمّهات والآباء

قال ما نصّه : ( تنبيه : لك أن تأخذ من كلام الناظم ، الذي علمت أنّ الأحاديث مصرّحة به لفظاً في أكثره ، ومعنى في كلّه : أنّ آباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ غير الأنبياء ـ وأُمّهاته إلى آدم وحوّاء ليس فيهم كافر ؛ لأنّ الكافر لا يقال في حقّه أنّه مختار ولا كريم ولا طاهر بل نجس كما في آية( إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) .

وقد صرّحت الأحاديث السابقة بأنّهم مختارون ، وأنّ الآباء كرام ، وأنّ الأُمّهات طاهرات وأيضاً : فهم إلى إسماعيل كانوا من أهل الفترة ، وهم في حكم المسلمين

بنصّ الآية الآتية ، وكذا من بين كلّ رسولين .

وأيضاً : قال تعالى :( وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) على أحد التفاسير فيه : أنّ المراد ينقل نوره من ساجدٍ إلى ساجد

وحينئذٍ ، فهذا صريح في أنّ أبويّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ آمنة وعبد الله ـ من أهل الجنّة ؛ لأنّهما أقرب المختارين لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وهذا هو الحقّ ، بل في حديثٍ ـ صحّحه غير واحدٍ من الحفّاظ ولم يلتفتوا لمن طعن فيه ـ : أنّ الله تعالى أحياهما فآمنا به خصوصيّةً لهما وكرامةً لهعليه‌السلام .

فقول ابن دحية يردّه القرآن والإجماع ، ليس في محلّه ؛ لأنّ ذلك ممكن شرعاً وعقلاً ، على جهة الكرامة والخصوصيّة ، فلا يردّه قرآن ولا إجماع .

ـــــــــــــــــ

(١) الدرج المنيفة في الآباء الشريفة ( ضمن الرسائل العشر ) ٣٢ ـ ٣٤ .


وقد صحّ أنّهعليه‌السلام ردّت عليه الشمس بعد مغيبها فعاد الوقت حتّى صلّى عليّ العصر أداءً ، كرامةً لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكذا هنا ، وطعن بعضهم في صحّة هذا بما لا يجدي أيضاً .

وخبر أنّه تعالى لم يأذن لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الاستغفار لأبويه ، إمّا كان قبل إحيائهما له وإيمانهما به ، أو أنّ المصلحة اقتضت تأخير الاستغفار لهما عن ذلك الوقت ، فلم يؤذن له فيه حينئذٍ .

فإن قلت : إذا قرّرتم أنّهما من أهل الفترة ، وأنّهم لا يعذّبون ، فما فائدة الإحياء ؟

قلت : فائدته إتحافهما بكمالٍ لم يحصل لأهل الفترة ؛ لأنّ غاية أمرهم أنّهم أُلحقوا بالمسلمين في مجرّد السلامة من العقاب ، وأمّا مراتب الثواب العليّة فهم بمعزلٍ عنها ، فأُتحفا بمرتبة الإيمان زيادةً في شرف كمالهما لحصول تلك المراتب لهما

وفي هذا مزيد ذكرته في الفتاوى .

ولا يرد على الناظم آزر ، فإنه كافر مع أنّ الله تعالى ذكر في كتابه العزيز أنّه أبو إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه ؛ وذلك لأنّ أهل الكتابين أجمعوا على أنّه لم يكن أباً حقيقة وإنّما كان عمّه ، والعرب تسمّي العمّ أباً ، بل في القرآن ذلك ، قال تعالى :

( وَإِلهَ آبائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ) مع أنّه كان عمّ يعقوب ، بل لو لم يجمعوا على ذلك وجب تأويله بهذا جمعاً بين الأحاديث ، وأمّا من أخذ بظاهره ـ كالبيضاوي وغيره ـ فقد تساهل واستروح )(١) .

هذا ، والأعجب من ذلك كلّه : قدح جماعةٍ من أئمّتهم في نسب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بدعوى أنّ كنانة زوجة خزيمة قد مكَّنت أباها من نفسها ، فكان النضر بن كنانة ، وهو من أجدادهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

أعاذنا الله من الافتراء والبهتان والارتباك في العمى والخذلان

وتفصيل هذه القصّة الشنيعة في (الروض الأنف ) و (المعارف ) وغيرهما من كتب القوم(٢) .

ــــــــــــــ

(١) المنح المكيّة ـ شرح القصيدة الهمزيّة : ٢٥ ـ ٢٦ .

(٢) الروض الأنف ٢ : ٣٥٦ ـ ٣٥٧ ، المعارف لابن قتيبة : ١٣٠ .


تنبيه حول رأي الرازي

قد تقدَّم في كلام السيوطي وابن حجر المكي : أنّ الفخر الرازي من القائلين بإسلام آباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّ السيوطي والقسطلاني نقلا ذلك عنه في كتابه (أسرار التنزيل ) ، فاقتضى ذلك مراجعة الكتاب المذكور ، ومراجعة (التفسير الكبير ) .

أمّا في (التفسير الكبير ) فقد وجدنا الرازي ـ وللأسف الشديد ـ يحاول إثبات القول المخالف للحق ، فكان من الضروري الوقوف على كلامه في (أسرار التنزيل ) لمعرفة مدى صحّة ما نسبوا إليه ، حتّى عثرنا عليه فوجدناه كذلك ، فإنّه ينقل القول الحقّ الصحيح ثمّ يردّ عليه بزعمه ، غير أنّه في (التفسير الكبير ) ينسب القول الحق والاستدلال عليه إلى الإماميّة بصراحةٍ ، أمّا في (أسرار التنزيل ) فيذكر في والد سيّدنا إبراهيمعليه‌السلام قولين ـ بلا نسبةٍ لأحد ـ

أحدهما : كون آزر والده ،والآخر : أنّه لم يكن والده فأورد للاستدلال على هذا القول ما نقله السيوطي وغيره عنه ثمّ جعل يردّ عليه وكأنّ السيوطي لم يلحظ آخر كلامه ، فنسب إليه القول بالحق ، والحال أنّه ليس كذلك .

وإليك نصّ كلامه في (التفسير الكبير ) :

( قالت الشيعة : أنّ أحداً من آباء الرسول وأجداده ما كان كافراً ، وأنكروا أن يقال أنّ والد إبراهيم كان كافراً ، وذكروا أنّ آزر كان عمّ إبراهيمعليه‌السلام وما كان والداً له ، واحتجّوا على قولهم بوجوه :

الحجّة الأُولى : إنّ آباء الأنبياء ما كانوا كفّاراً ، ويدلّ عليه وجوه : منها قوله تعالى :( الّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) (١)

قيل : معناه أنّه كان ينقل روحه من ساجدٍ إلى ساجد ، وبهذا التقرير فالآية دالّة على أنّ جميع آباء محمّدعليه‌السلام كانوا مسلمين ، وحينئذٍ ، يجب القطع بأنّ والد إبراهيم كان مسلماً .

فإن قيل :( وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) يحتمل وجوهاً أُخرى :

ـــــــــــــــــ

(١) سورة الشعراء ٢٦ : ٢١٨ ـ ٢١٩ .


أحدها : أنّه لمّا نسخ فرض قيام اللّيل ، طاف الرسولعليه‌السلام تلك اللّيلة على بيوت أصحابه لينظر ماذا يصنعون ، لشدّة حرصه على ما يظهر منهم من الطاعات ، فوجدها كبيوت الزنابير ، لكثرة ما يسمع من أصوات قراءتهم وتسبيحهم وتهليلهم ، فالمراد من قوله( وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) طوافه ( صلوات الله عليه ) تلك اللّيلة على الساجدين .

وثانيها : المراد أنّهعليه‌السلام كان يصلّي بالجماعة ، فتقلّبه في الساجدين معناه : كونه فيما بينهم ومختلطاً بهم حال القيام والركوع والسجود .

وثالثها : أن يكون المراد أنّه لا يخفى حالك على الله كلّما قمت وتقلّبت مع الساجدين في الاشتغال بأُمور الدين .

ورابعها : المراد تقلّب بصره فيمن يصلّي خلفه ، والدليل عليه قولهعليه‌السلام : أتمّوا الركوع والسجود فإنّي أراكم من وراء ظهري .

فهذه الوجوه الأربعة ممّا يحتملها ظاهر الآية ، فسقط ما ذكرتم .

والجواب : لفظ الآية محتمل للكلّ ، وليس حمل الآية على البعض أولى من حملها على الباقي ، فوجب أن نحملها على الكلّ ، وحينئذٍ حصل المقصود .

وممّا يدلّ ـ أيضاً ـ على أنّ أحداً من آباء محمدٍعليه‌السلام ما كان من المشركين : قولهعليه‌السلام :

( لم أزل أُنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ) ، وقال تعالى :( إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) (١)

وذلك يوجب أن يقال : إنّ أحداً من أجداده ما كان من المشركين .

إذا ثبت هذا فنقول : ثبت بما ذكرنا أنّ والد إبراهيمعليه‌السلام ما كان

ـــــــــــــــــ

(١) سورة التوبة ٩ : ٢٨ .


مشركاً ، وثبت أنّ آزر كان مشركاً ، فوجب القطع بأنّ والد إبراهيم كان إنساناً آخر غير آزر .

وأمّا أصحابنا ، فقد زعموا أنّ والد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان كافراً ، وذكروا أنّ نصّ الكتاب في هذه الآية يدلّ على أنّ آزر كان كافراً ، وكان والد إبراهيمعليه‌السلام ، وأيضاً : قوله تعالى :( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيه ) (١) إلى قوله( فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أَنّهُ عَدُوّ للّهِ‏ِ تَبَرّأَ مِنْهُ ) (٢) وذلك يدلّ على قولنا

وأمّا قوله( وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) قلنا : قد بيّنّا أنّ هذه الآية تحتمل سائر الوجوه ، قوله : تحمل هذه الآية على الكل ، قلنا : هذا محال ؛ لأنّ حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه لا يجوز ، وأيضاً : حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معاً لا يجوز .

وأمّا قولهعليه‌السلام : لم أزل أُنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ، فذلك محمول على أنّه ما وقع في نسبه ما كان )(٣) .

وقال في (أسرار التنزيل ) :

( أمّا قوله تعالى :( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ ) (٤) ففيه مسائل :

المسألة الأُولى : في آزر قولان :

الأوّل : إنّه والد إبراهيمعليه‌السلام : ولهم في ذلك دلائل :

الحجّة الأُولى : ظاهر لفظ القرآن في هذه الأية يدلّ على ذلك ، ثمّ إنّ ظاهر هذه الآية متأكّد بآيات أُخرى ، منها : قوله تعالى في سورة مريم :

( إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ) (٥)

ـــــــــــــــــ

(١ و٢) سورة التوبة ٩ : ١١٤ .

(٣) تفسير الرازي ١٣ : ٣٨ ـ ٤٠ .

(٤) سورة الأنعام ٦ : ٧٤ .

(٥) سورة مريم ١٩: ٤٢.


وقال أيضاً :ر مَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ ) إلى قوله :( فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أَنّهُ عَدُوّ للّهِ‏ِ تَبَرّأَ مِنْهُ ) ، فكلّ هذه الآيات تدلّ على أنّ أبا إبراهيم كان كافراً عابداً للوثن .

الحجّة الثانية : إنّ العرب سمعوا هذه الآية ، وقد كانوا أحرص الناس على تكذيب الرسول وأعظمهم رغبة في براءة شجرة النسب عن كلّ عيب ، فلو لم يكن آزر والد إبراهيم لتسارعوا إلى تكذيبه ، ولوجدوا ذلك غنيمة عظيمة في الطعن فيه .

الحجّة الثالثة : إنّه تعالى ذكر قصّة إبراهيمعليه‌السلام مع أبيه في آياتٍ كثيرة ، ولم يذكر اسم العمّ في القرآن ، فيتعذّر حمل لفظ الأب في هذه الآية على العم .

القول الثاني :

إنّ آزر لم يكن والد إبراهيمعليه‌السلام

واحتجّوا عليه بوجوه :

الأوّل : إنّ آباء الأنبياء ما كانوا كفّاراً ، ويدلّ عليه وجوه :

منها : قوله تعالى :( الّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) قيل : معناه أنّه كان ينتقل روحه من ساجد إلى ساجد ، وبهذا التقرير ، فالآية دالّة على أنّ جميع آباء محمّدعليه‌السلام كانوا مسلمين ، وحينئذٍ يجب القطع بأنّ والد إبراهيم ما كان من الكافرين ، أقصى ما في الباب أن يحمل قوله تعالى( وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) على وجوه :

منها : إنّه لمّا نسخ فرض قيام الليل طاف الرسولعليه‌السلام تلك الليلة على بيوت أصحابه لينظر ماذا يصنعون ؛ لشدّة حرصه على ما يظهر منهم من الطاعات ، فوجدها كبيوت الزنابير لكثرة ما يسمع من دندنتهم بذكر الله ، فالمراد من قوله :( وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) طوفهعليه‌السلام على الساجدين في تلك الليلة .

ومنها : المراد يراك حين تقوم للصّلاة بالناس جماعة ، وتقلّبه في الساجدين : كونه فيما بينهم بقيامه وركوعه وسجوده ؛ لأنّه كان إماماً .

ومنها : أنّه لا يخفى على الله حالك كلّما قمت وتقلّبت مع الساجدين ، في الاشتغال بأمر الدين .

ومنها : المراد تقلّب بصره فيمن يصلّي خلفه من قوله : أتمّوا الركوع والسجود فإنّي أراكم من ورائي وخلفي .


فهذه الآية وإن كانت تحتمل هذه الوجوه الأربعة ، إلاّ أنّ الوجه الذي ذكرناه الآن أيضاً محتمل ، والروايات وردت بالكلّ ، ولا منافاة بين هذه الوجوه ، فوجب حمل الآية على الكلّ ، ومتى صحّ ذلك ثبت أنّ والد إبراهيم ما كان من عبدة الأوثان .

وممّا يدلّ على أنّ آباء محمّدعليه‌السلام ما كانوا من المشركين : قولهعليه‌السلام : لم أزل أُنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ، وقال تعالى :( إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) ، فوجب أن لا يكون أحد من آبائه مشركاً .

الحجّة الثانية على أنّ آزر ما كان والد إبراهيمعليه‌السلام : إنّ هذه الآية دالّة على أنّ إبراهيم شافه آزر بالغلظة ، ومشافهة الأب بالغلظة لا تجوز ، وذلك يدلّ على أنّ آزر ما كان والد إبراهيم

أمّا أنّ إبراهيم شافه آزر بالغلظة ، فلوجهين :

الأوّل : إنّه قرئ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ ) بضمّ آزر ، وهذا يكون محمولاً على النداء ، ومخاطبة الأب ونداؤه بالاسم من أعظم أنواع الجفاء .

الثاني : إنّه قال لآزر :( إِنّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) وهو من أعظم أنواع الإيذاء .

فثبت أنّه شافه آزر بالغلظة .

وإنّما قلنا إنّ مشافهة الأب بالغلظة لا يجوز ، لوجوه :

الأوّل : قوله تعالى :

( وَقَضَى‏ رَبّكَ ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إِيّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) وهذا عام في حقّ الكافر والمسلم

وقال تعالى :( فَلا تَقُل لَهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ) وهذا ـ أيضاً ـ عام .

الثاني : إنّه تعالى لمّا بعث موسى إلى فرعون أمره بالرفق معه ، قال تعالى :( فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لّيّناً ) والسبب في ذلك أن يصير هذا رعاية لحقّ تربية فرعون ، فهاهنا الوالد أولى بالرفق .

الثالث : إنّ الدعوة مع الرفق أكثر تأثيراً في القلب ، وأمّا التغليظ فإنّه ينفّر السامع عن القبول ، ولهذا قال تعالى لمحمّدعليه‌السلام :( وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ، فكيف يليق بإبراهيم هذه الخشونة مع أبيه في وقت الدعوة .


الرابع : إنّه تعالى حكى عن إبراهيمعليه‌السلام الرفق الشديد مع هذا المسمّى بالأب ، وهو قوله :

( يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً ) ، ثمّ إنّ ذلك الإنسان غلظ معه في القول ، فقال :( لَئِن لّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنّكَ ) ، ثمّ إنّ إبراهيمعليه‌السلام ما ترك الرفق معه بل قال :( سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبّي ) ، فإذا كان عادة إبراهيم في الرفق والقول الحسن هذا ، فكيف يليق أن يظهر الخشونة والغلظة مع أبيه ؟

فثبت بهذه الحجّة أنّ آزر ما كان والد إبراهيم .

الحجّة الثالثة : إنّه جاء في كتب التواريخ : أنّ اسم والد إبراهيمعليه‌السلام تارخ ، وأمّا آزر فهو كان عمّ إبراهيم .

ثمّ إنّ القائلين بهذا القول أجابوا عن دلائل أصحاب القول الأوّل ، فقالوا :

القرآن وإن دلّ على تسمية آزر بالأب ، إلاّ أنّ هذا لا يدلّ على القطع بكونه والداً له ؛ وذلك لأنّ لفظة الأب فقد تطلق على العمّ ، قال تعالى حكاية عن أولاد يعقوب :( نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ) فسمّوا إسماعيل أباً ليعقوب ، مع أنّ إسماعيل كان عمّاً ليعقوب ، وقال رسولناعليه‌السلام : ردّوا علَيّ أبي يعني العبّاس

وأيضاً : يحتمل أن يكونَ آزر كان أب أُم إبراهيم ، وهذا قد يقال له الأب ، قال تعالى :( وَمِن ذُرّيّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ ) إلى قوله :( وعيسى ) ، فجعل عيسى من ذرّيّة إبراهيم مع أنّه كان جدّه من قبل الأُمّ ، وبهذا ظهر الجواب عن الحجّة الثانية ؛ وذلك لأنّ تسمية العم بالأب مشهور في اللغة العربيّة ، فلهذا السبب في هذه الآية ما كذّبوه .

هذا تمام هذا الكلام في نصرة هذا القول .

واعلم أنّ القول الأوّل أولى ؛ وذلك لأنّ ظاهر لفظ الأب يدلّ على الوالد .

أمّا التمسّك بقوله تعالى :( وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) فهو محمول على سائر الوجوه ، ولا نحمله على أنّ روحه كانت تنتقل من ساجدٍ إلى ساجد ، محافظة على ظاهر الآية التي تمسّكنا بها ، وهو قوله( لأبيه آزر ) .


وأمّا الحجّة الثانية فجوابها : إنّكم تمسّكتم بعمومات دالّة على أنّه لا يجوز إظهار الخشونة مع الأب ، فنقول :

إن قلنا بما ذكرتم ، سَلِمَتْ تلك العمومات عن هذا التخصيص ، إلاّ أنّه وجب حمل لفظ الأب على المجاز ، وإن أجرينا لفظ الأب على حقيقته ، لزمنا إدخال التخصيص في تلك العمومات ، لكنّا بيّنّا في أُصول الفقه : إنّه مهما وقع التعارض بين المجاز والتخصيص ، كان التزام التخصيص أولى ، فكان الترجيح معنا )(١) .

أقول :

وأمّا تشكيكات الرازي ـ المعروف بإمام المشكّكين ـ في استدلال أهل الحق بالآية :( وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) والحديث المذكور ، فركيكة جدّاً .

أمّا في الآية ، فغاية ما قال : إنّ حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه غير جائز ، كحمل اللفظ الواحد على كلا معنييه الحقيقي والمجازي ، وفيه :

أوّلاً : إنّه متى ورد بتفسير الآية المباركة رواية من أهل السنّة تثبت قول أهل الحق ، صحّ الاستدلال بها ، لمطابقتها روايات أهل البيتعليهم‌السلام واعتضادها بالأدلّة السديدة الأُخرى ، وحينئذٍ ، لا يلتفت إلى الأقوال والتفاسير الأُخرى للآية ، ولا تكون قادحةً في هذا الاستدلال .

وقد عرفت من كلام السيوطي احتجاج الماوردي صاحب كتاب ( الحاوي ) بالآية على إسلام آباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكفى بذلك ردعاً للشبهات ودفعاً للتوهّمات .

وثانياً : إنّ إرادة المعاني المتعدّدة من اللفظ المشترك جائز عند الشافعي وهو إمام الفخر الرازي ، بل لقد قال بوجوبه عند عدم المخصّص وقد ذكر الرازي نفسه هذا القول عن الشافعي في كتابه الذي ألّفه في ترجيح مذهبه ـ أي الشافعي ـ على سائر المذاهب ، ودافع عنه ونصّ على موافقة أجلّة الأُصوليّين معه ، وهذا نصّ عبارة الرازي :

( المسألة الرابعة : عابوا عليه قوله : اللفظ المشترك محمول على جميع

ـــــــــــــــــ

(١) أسرار التنزيل للفخر الرازي : ٢٩٦ ـ ٢٧٢ ، الباب الثاني ، الفصل الأوّل .


معانيه عند عدم المختصص

قالوا : والدليل على أنّه غير جائز : أنّ الواضع وضعه لأحد المعنيين فقط ، فاستعماله فيهما يكون مخالفةً للّغة .

وأقول : إنّ كثيراً من الأُصوليّين المحقّقين وافقوه عليه ، كالقاضي أبي بكر الباقلاني والقاضي عبد الجبار بن أحمد ، ووجه قوله فيه ظاهر ، وهو أنّه لمّا تعذَّر التعطيل والترجيح لم يبق إلاّ الجمع

وإنّما قلنا : إنّه تعذّر التعطيل ؛ لأنّه تعالى إنّما ذكره للبيان والفائدة ، والقول بالتعطيل إخراج له عن كونه بياناً ، وإنّما قلنا : إنّه تعذّر الترجيح ، لأنّه يقتضي ترجيح الممكن من غير مرجح وهو محال

ولمّا بطل القسمان لم يبق إلاّ الجمع

وهذا وجه قويّ حسن في المسألة، وإنْ كنّا لا نقول به )(١) .

فظهر : إنّ هذا القول قول إمامه الشافعي ، وغير واحدٍ من الأئمّة موافقون له ، والرازي يدافع عنه بوجهٍ قوي حسن .

وإذا كان الرازي لا يوافق عليه في (التفسير الكبير ) ، فهو موافق له في (أسرار التنزيل ) حيث يقول :

( أمّا التمسّك بقوله تعالى :( وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) فهو محمول على سائر الوجوه ، ولا نحمله على أنّ روحه كانت تنتقل من ساجدٍ إلى ساجد )(٢) .

فإنّ معنى الحمل على سائر الوجوه هو الحمل على المعاني المتعدّدة .

وأمّا في الحديث ـ وهو قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لم أزل أُنقل من أصلاب الطاهرين ـ فحاصل استدلال أهل الحق هو : إنّ الله تعالى وصف المشركين بالنجاسة وهي ضدّ الطهارة ، فلو كان آباؤهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ـــــــــــــــــ

(١) رسالة الرازي في ترجيح مذهب الشافعي ـ المسألة الرّابعة .

(٢) أسرار التنزيل : ٢٧٢ ، الباب الثاني ، الفصل الأوّل .


مشركين لما وصفهم بالطهارة ، وإلاّ لزم اجتماع الضدّين .

ولم يتعرَّض الفخر الرازي للجواب عن هذا الاستدلال ، والحديث منقول بطرق متعدّدة ، فحاول تأويله بما لم يرتضه هو في (أسرار التنزيل ) حيث لم يذكره أصلاً ، وإنّما قال :

( وأمّا الحديث ، فهو خبر واحد فلا يعارض القرآن ) .

ولا يخفى وهن هذا الكلام وكم من موردٍ قد رفعوا اليد فيه عن ظاهر القرآن بخبرٍ واحد !!

ثمّ إنّ عدم كون آزر والداً لسيّدنا إبراهيمعليه‌السلام ليس قول أهل الحق وحدهم ، فقد وافقهم غير واحدٍ من أئمّة المفسّرين ، كما ذكر السيوطي في (الدرج المنيفة ) .

هذا ، ويعجبني في هذا المقام كلام شارح (مسلّم الثبوت ) ، فإنّه مع مراءه التام وتعصّبه الشديد الشائع بين الخاص والعام ، أتى بما يجلو صدأ الأفهام ويزيح ظلمة الشكوك والأوهام ، حيث قال في (فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ) :

( وأمّا الواقع ، فالمتوارث من لدن آدمعليه‌السلام أبي البشر إلى نبيّنا ومولانا أفضل الرسل وأشرف الخلق محمّد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّه لم يبعث نبيّ قطّ أشرك بالله طرفة عين ، وعليه نصّ الإمام أبو حنيفة (رحمه‌الله ) في الفقه الأكبر ، وفي بعض المعتبرات : أنّ الأنبياءعليهم‌السلام معصومون عن حقيقة الكفر وعن حكمه بتبعيّة آبائهم ، وعلى هذا ، فلابدّ من أن يكون تولّد الأنبياء بين أبوين مسلمين أو يكون موتهما قبل تولّدهم ، لكن الشقّ الثاني قلّما يوجد في الآباء ولا يمكن في الأُمّهات ، ومن هاهنا بطل ما نسب بعضهم من الكفر إلى أُمّ سيّد العالم مفخر بني آدم ، صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلامه ؛ وذلك لأنّه حينئذٍ يلزم نسبة الكفر بالتبع ، وهو خلاف الإجماع ، بل الحقّ الراجح هو الأوّل .

وأمّا الأحاديث الواردة في أبَوَي سيّد العالم صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلامه ، متعارضة مرويّة آحاداً ، فلا تعويل عليها في الاعتقاديّات .


وأمّا آزر ، فالصحيح أنّه لم يكن أبا إبراهيمعليه‌السلام بل أبوه تارخ ، كذا صحّح في بعض التواريخ ، وإنّما كان آزر عمّ إبراهيمعليه‌السلام وربّاه الله تعالى في حجره ، والعرب تُسمّي العم الذي ولي تربية ابن أخيه أباً له ، وعلى هذا التأويل قوله تعالى :( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ ) ، وهو المراد بما روي في بعض الصحاح : أنّه نزل في أبي سيّد العالم ( صلوات الله عليه ) :

( مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى‏ مِن بَعْدِ مَاتَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) ، فإنّ المراد بالأب العم ، كيف لا ؟ وقد وقع صريحاً في صحيح البخاري أنّه نزل في أبي طالب هذا .

وينبغي أن يعتقد أنّ آباء سيّد العالم ـ صلّى الله عليه وآله وأصحابه وسلَّم ـ من لدن أبيه إلى آدم كلّهم مؤمنون ، وقد بيّن السيوطي بوجهٍ أتم )(١) انتهى .

ـــــــــــــــــ

(١) فواتح الرحموت ـ شرح مسلّم الثبوت ـ على هامش المستصفى ٢ : ٩٨ .


الصَّلاة على غير النبي

قال الرازي في (التفسير الكبير ) :

( إنّ أصحابنا يمنعون من ذكر ( صلوات الله عليه ) وعليه‌السلام إلاّ في حق الرسول

والشّيعة يذكرونه في عليّ وأولاده

واحتجّوا عليه : بأنّ نصّ القرآن دلّ على أنّ هذا الذكر جائز في حقّ من يؤدّي الزكاة ، فكيف يمنع ذكره في حقّ عليّ والحسن والحسين ؟

ورأيت بعضهم يقول : أليس إنّ الرجل إذا قال : سلام عليكم ، فقيل له : وعليكم السلام ، فدلّ هذا على أنّ ذكر هذا اللفظ جائز في حقّ جمهور المسلمين ، فكيف يمنع ذكره في حقّ أهل بيت الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ؟ ) .

الصّلاة على غير النبي من بدع الشيعة ؟

بل ذكر بعضهم أنّ هذا ، أي الصّلاة على غير الأنبياء ، من بدع الشيعة ، فتجب مخالفتهم ، قال القاضي عياض :

( والذي ذهب إليه المحقّقون ـ وأميل إليه ـ ما قاله مالك وسفيان ـ رحمهما الله ـ وروي عن ابن عبّاس ، واختاره غير واحدٍ من الفقهاء والمتكلّمين : إنّه لا يصلّى على غير الأنبياء عند ذكرهم ، بل هو شيء يختصّ به الأنبياء توقيراً لهم وتعزيزاً ، كما يخصّ الله عند ذكره بالتنزيه والتقديس والتعظيم ، ولا يشاركه فيه غيره ، وكذلك يجب تخصيص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسائر الأنبياء بالصلاة والتسليم ، ولا يشارك فيه سواهم ، كما أمر الله به بقوله تعالى :( صَلّوا عَلَيْهِ وَسَلّمُوا تَسْلِيماً ) ، ويذكر من سواهم من الأئمّة وغيرهم بالغفران والرضا ، كما قال تعالى :

( يَقُولُونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ ) وقال :( وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ ) .

وأيضاً : فهو أمر لم يكن معروفاً في الصدر الأوّل ، كما قال أبو عمران ، وإنّما أحدثته الرافضة والمتشيّعة في بعض الأئمّة ، فشاركوهم عند الذكر لهم بالصّلاة ، وساووهم بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك .


وأيضاً ، فإنّ التشبّه بأهل البدع منهيّ عنه ، فتجب مخالفتهم فيما التزموه )(١) .

أقول :

الأحاديث المتفق عليها في أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالصّلاة على أهل بيته مع الصّلاة عليه ، ونهيه عن الصّلاة البتراء كثيرة ...(٢) ، بل مقتضى قوله تعالى :( وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) هو جواز الصلاة ـ بمعنى طلب الرحمة ـ لسائر المسلمين المستحقّين لذلك ، والذين هم أهل للدعاء لهم ...

لكنّ من نفس هذه الكلمات يظهر أنْ ليس هذا المنع منهم إلاّ تعصّباً وعناداً لأهل البيت وشيعتهم وإلاّ فأيّ معنى للصّلاة على الجارية المليحة وعلى كلّ مليح كما عن إمامهم يحيى بن معين !!

ـــــــــــــــــ

(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢ : ١٩١ ـ ١٩٢ .

(٢) أخرجها البخاري ومسلم وسائر أرباب السنن والمسانيد والمفسّرون بتفسير الآية :( إِنّ اللّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلّونَ عَلَى النّبِيّ ) ولعلّ أجمعها ( الدر المنثور ٥ : ٢١٥ ـ ٢١٩ ) وفي ( الصواعق ) بذيل الآية : ويروى : لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء ، فقالوا : وما الصلاة البتراء ؟

قال تقولون : اللهمّ صلّ على محمّد ، وتمسكون ، بل قولوا : اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد .


ويحيى بن معين يقول في جاريةٍ : صلّى الله عليك !

قال ابن الجوزي في (تلبيس إبليس ) :

( وجاء محمّد بن طاهر المقدسي فصنّف لهم ـ أي للصوفيّة ـ صفة التصوّف ، فذكر فيه أشياء يستحيي العاقل من ذكرها ، وسنذكر منها ما يصلح ذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى

وكان شيخنا أبوالفضل ابن ناصر الحافظ يقول : كان ابن طاهر يذهب مذهب الإباحة ، قال : وقد صنّف كتاباً في جواز النظر إلى المرد ، وأورد فيه حكايةً عن يحيى بن معين : رأيت جاريةً بمصر مليحة صلّى الله عليها ، فقيل له : تصلّي عليها ؟! فقال : صلّى الله عليها وعلى كلّ مليح )(١) .

لكنّ محمّد بن طاهر المقدسي عندهم من كبار الحفّاظ ، وقد أثنوا عليه بالغ الثناء ...(٢) ، فلماذا هذا التناقض ؟

على أنّ صلاة يحيى بن معين هذه رواها سائر الأكابر أيضاً ، ففي (تهذيب الكمال ) :

( قال الحسين بن محمّد : سمعت يحيى بن معين ، وذكر عنده حسن الجواري ، قال : كنت بمصر ، فرأيت جاريةً بيعت بألف دينار ما رأيت أحسن منها صلّى الله عليها

فقلت : يا أبا زكريا ! مثلك يقول هذا ؟

قال : نعم ، صلّى الله عليها وعلى كلّ مليح )(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) تلبيس إبليس : ١٩٠ .

(٢) انظر : سِيَر أعلام النبلاء ١٩/٣٦١ ومصادر ترجمته في الهامش .

(٣) تهذيب الكمال في أسماء الرجال : ٥٦١/٦٩٢٦ .


وقال بعضهم في يزيد : عليه السلام !!!

والعجب أنّهم يقولون ليزيد بن معاويةعليه‌السلام ويجعلون إنكار ذلك دليلاً على الترفّض !!

قال الصفدي بترجمة إبراهيم بن أبي بكر بن عبد العزيز من (الوافي بالوفيات ) :

( وكان يترفَّض قيل : إنّه جاء إليه إنسان في بعض الأيّام ، وقال له : هل عندك كتاب فضائل يزيدعليه‌السلام ؟

فقال : نعم ، ودخل إلى داخل الدكّان وخرج وفي يده جراب عتيق وجعل يضربه على رأسه ، ويقول : العجب كم لك ما قلتصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويكرّرها )(١) .

الأقوال والأدلّة كما ذكر ابن حجر

لكنّ القوم في حكم المسألة مختلفون ، فعندهم قول بالجواز مطلقاً ، وهو المحكي عن أحمد وأبي حنيفة وجماعة قال ابن حجر في (فتح الباري ) :

( وأمّا المؤمنون فاختلف فيه :

فقيل : لا يجوز إلاّ على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خاصّة ؛ حكي عن مالك كما تقدّم .

وقالت طائفة : لا يجوز مطلقاً استقلالاً ويجوز تبعاً فيما ورد به النصّ أو أُلحق به ؛ لقوله تعالى :( لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً ) ؛ ولأنّه لمّا علّمهم السلام ، قال : السلام علينا وعلى عباده الصالحين ، ولمّا علّمهم الصلاة قصّر عليه وعلى أهل بيته ؛ وهذا القول اختاره القرطبي في المفهم وأبو المعالي من الحنابلة ، وقد تقدّم في تفسير سورة الأحزاب ، وهو اختيار ابن تيميّة من المتأخّرين .

ـــــــــــــــــ

(١) الوافي بالوفيات ٥ : ٣٣٩/٢٤٠٧ .


وقال طائفة : يجوز مطلقاً ، وهو مقتضى صنيع البخاري ، فإنّه صدّر بالآية وهو قوله تعالى :( وَصَلِّ عليهم ) ، ثمّ علّق الحديث الدالّ على الجواز مطلقاً ، وعقّبه بالحديث الدالّ على الجواز تبعاً :

فأمّا الأوّل ، وهو حديث عبد الله بن أبي أوفى ، فتقدّم شرحه في كتاب الزكاة ، ووقع مثله عن قيس بن سعد بن عبادة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رفع يديه وهو يقول : اللّهمّ اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة ؛ أخرجه أبو داود والنسائي ، وسنده جيّد .

وفي حديث جابر : إنّ امرأته قالت للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : صلّ علَيّ وعلى زوجي ، ففعل أخرجه أحمد مطوّلاً ومختصراً ، وصحّحه ابن حبّان .

وهذا القول جاء عن الحسن ومجاهد ، ونصّ عليه أحمد في رواية أبي داود ، وبه قال إسحاق وأبو ثور وداود والطبري ، واحتجّوا بقوله تعالى :( هُوَ الّذِي يُصَلّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ ) .

وفي صحيح مسلم ، من حديث أبي هريرة مرفوعاً : إنّ الملائكة تقول لروح المؤمن : صلّى الله عليك وعلى جسدك .

وأجاب المانعون عن ذلك كلّه : بأنّ ذلك صدر من الله ورسوله ، ولهما أن يخصّا من شاءا بما شاءا ، وليس ذلك لأحد غيرهما .

وقال البيهقي : يحمل قول ابن عبّاس بالمنع إذا كان على وجه التعظيم ، لا ما إذا كان على وجه الدعاء بالرحمة والبركة .

وقال ابن القيّم : المختار أن يصلّى على الأنبياء والملائكة وأزواج النبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وآله وذرّيّته وأهل الطاعة ، على سبيل الإجمال ، ويكره ـ في غير الأنبياء ـ لشخص مفرد بحيث يصير شعاراً ، ولا سيّما إذا ترك في حقّ مثله أو أفضل منه كما يفعله الرافضة ، فلو اتّفق وقوع ذلك منفرداً في بعض الأحايين ، من غير أن يتّخذ شعاراً ، لم يكن به بأس ، ولهذا لم يرد في حقّ غير من أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقول ذلك لهم ، وهم من أدّى زكاته إلاّ نادراً ، كما في قصّة زوجة جابر وآل سعد بن عبادة )(١) .

ـــــــــــــــــ

(١) فتح الباري في شرح البخاري ١١ : ١٤٢/ باب هل يُصلّى على غير النبي ؟


بل لقد وضعوا في ذلك حديثاً ، رواه المحبّ الطبري في (الرياض النضرة ) :

( عن يخامر السكسكي : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : اللّهمّ صلّ على أبي بكر ؛ فإنّه يحبّك ويحبّ رسولك ، اللّهمّ صلّ على عمر ؛ فإنّه يحبّك ويحبُّ رسولك ، اللّهمّ صلّ على عثمان ؛ فإنّه يحبّك ويحبّ رسولك ، اللّهمّ صلّ على أبي عبيدة بن الجرّاح ؛ فإنّه يحبّك ويحبّ رسولك ، اللّهمّ صلّ على عمرو بن العاص ؛ فإنّه يحبّك ويحبّ رسولك أخرجه الخلعي )(١) .

وهو حديث موضوع قطعاً ، لوجوه :

منها : عدم ذكر أمير المؤمنينعليه‌السلام فيه .

ومنها : ما ثبت من كون ( عمرو بن عاص ) مطعوناً في دينه ، حتّى اعترف بذلك الدهلوي في (التحفة ) وكان ملعوناً على لسان النبي الأُمّي :

قال الحافظ أبو يعلى في (مسنده ) :

( ثنا علي بن المنذر ، ثنا ابن فضيل ، ثنا يزيد بن أبي زياد ، عن سليمان ابن عمرو بن الأحوص ، عن أبي برزة ، قال : كنّا مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسمع صوت غناء ، فقال : أُنظروا ما هذا ؟

ـــــــــــــــــ

(١) الرياض النضرة ١ : ٢٢٩ ـ ٢٣٠/٥٩ الباب الثالث .


فصعدت فنظرت ، فإذا معاوية وعمرو بن العاص يغنّيان ، فجئت فأخبرت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : اللّهمّ أركسهما في الفتنة ركساً ، اللّهمّ دعّهما إلى النّار دعّاً )(١) .

وأخرجه أحمد في (مسنده ) عن عبد الله بن محمّد عن أبي فضيل ...(٢) .

وقال الطبراني في (المعجم الكبير ) :

( ثنا أحمد بن علي بن الجارود الأصبهاني ، ثنا عبد الله بن سعيد الكندي ، ثنا عيسى بن الأسود النخعي ، عن ليث بن طاووس ، عن ابن عبّاس قال : سمع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صوت رجلين يغنّيان وهما يقولان ...

فسأل عنهما فقيل له : معاوية وعمرو بن العاص .

فقال : اللّهمّ أركسهما في الفتنة ركساً ودعّهما إلى النّار دعّاً )(٣) .

هذا ، مع ماله من المطاعن الكثيرة ، ككونه من المؤلّيين على عثمان(٤) وكمواقفه من أمير المؤمنينعليه‌السلام في صفّين .

وهو أيضاً مطعون في نسبه .

فالحديث المذكور موضوع قطعا ً...

وكذلك سائر الأحاديث الأخرى الواردة في كتبهم في مدحه(٥) .

ـــــــــــــــــ

(١) مسند أبي يعلى ١٣: ٤٢٩ ـ ٤٣٠ ـ ٧٤٣٦ ، وفيه : ( فلان وفلان ) !!

(٢) مسند أحمد بن حنبل ٥ : ٥٨٠/١٩٢٨١ ، وفيه : ( فلان وفلان ) !!

(٣) المعجم الكبير ١١ : ٣٨/١٠٩٧٠ ، وفيه التصريح باسمهما .

(٤) الاستيعاب، بترجمته ٣ : ١١٨٧ ، وانظر ترجمة محمد بن أبي حذيفة ، وعبدالله بن أبي سرح .

(٥) كنز العمّال ١٣ : ٥٤٨ .


الجبر والاختيار

هل أفعال العباد واقعة بقدرة الباري وحدها ؟

قد نسب هذه العقيدة إلى الأشاعرة علماء أهل السنّة ، وانتقدها بعضهم :

قال الشيخ كمال الدين السهالي ـ من كبار علماء الهند ـ في كتاب (العروة الوثقى ) في مسألة الجبر والاختيار :

( فاعلم إنّ هاهنا مذاهب :

الأوّل : مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري من الشافعيّة : إنّ أفعال العباد واقعة بقدرته تعالى وحدها ، وليس لهم تأثير ، بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يخلقها في العبد عندما كسبها ، والمعنيّ بكسب العبد لفعله مقارنته لقدرته وإرادته ، وإنّما قدرته وإرادته منه تعالى كسائر مخلوقاته ، فرجع قولهم إلى وجود القدرة الوهميّة مع الفعل ، ولا مدخل للعبد في فعله إلاّ كونه محلاًّ له ؛ فالفعل مخلوق الله تعالى إبداعاً ، وإحداثاً مكسوب العبد فقط .

الثاني : مذهب أبي منصور الماتريدي من الحنفيّة ، وهو بعينه مذهب الأشعري ، إلاّ أنّهم قالوا : الكسب صرف القدرة إلى العزم المصمّم للفعل ، فقالوا : إنّ للقدرة الكاسبة تأثيراً في العزم المذكور ، ويخلق الله تعالى الفعل عقيبه بالعادة .

فقال بعضهم : العزم من الأحوال وليس بموجود ، فإحداثه ليس بخلق والإحداث أهون من الخلق ، فحينئذٍ ، لا حاجة إلى تخصيص النصوص الدالّة على عموم الخلق منه تعالى ، نحو( اللّهُ خَالِقُ كُلّ شَيْ‏ءٍ ) و ( خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) .

وقال بعضهم : بل موجود ، فيجب التخصيص بالعقل ؛ لأنّه أدنى ما يتحقّق به فائدة خلق القدرة ، ويصحّ اتّجاه التكليف شرطاً .

الثالث : مذهب المعتزلة ، وهو أنّها واقعة بقدرة العبد وحدها على الاستقلال .

والرابع : ما قال جماعة أنّها بالقدرتين معاً .

والخامس : مذهب الحكماء وإمام الحرمين وأبي الحسين : أنّها واقعة على سبيل الوجوب ، بقدرة يخلقها الله تعالى في العبد إذا قارنت الشرائط وارتفعت الموانع ، وليس ببعيد ، لكنّه راجع بالآخرة إلى مذهب المعتزلة كما يظهر بالتأمّل .


وهاهنا مذهب سادس ، وهو مذهب الجهميّة ، وهو : أنّه لا قدرة للعبد ولا دخل له أصلاً ، بل هو كالجماد ، فمع أنّه سفسطة يلزم عدم اتجاه التكاليف الشرعيّة ، فإنّ العقل يقطع بامتناع تعلّق العقاب بالفعل الواجب أو الممتنع من الفاعل ، بل يلزم نسبة الظلم إليه ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً و ( أَنّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ ) و( لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إلاّ وُسْعَهَا ) .

والمذهب الرابع يوجب توارد المؤثّرين المتلازمين على أثر واحد ، إن أرادوا أنّ القدرتين مستقلّتان في التأثير ، وإن أرادوا أنّ إحداهما مستقلّة بالفاعليّة والأُخرى من الشرائط ، فيرجع إلى مذهب المعتزلة أو أحد الأوّلين .

احتجت المعتزلة : تارةً بالنصوص الدالّة على عموم نسبة الخلق إليه تعالى وقد مرّ ، وتارةً : بأنّه لو لا استقلال العبد في أفاعيله ، لبطل التكليف بالأمر والنهي ، ولم يصحّ الثواب والعقاب والمدح والذم ، بل ينتفي فائدة البعثة ؛ لأنّ العبد حينئذٍ إمّا لا دخل له أصلاً ، فيرجع إلى مذهب الجبريّة ، وإمّا له دخل ناقص باعتبار أنّه محلّ القدرة الغير المؤثّرة التي خلق الله تعالى الفعل فيه مقارناً إيّاها ، فمناط ذلك الفعل وموجده وخالقه ليس إلاّ هو ، فإنّما عاقب على ما خلقه ، فذلك أيضاً يوجب تلك النسبة الباطلة .

والحلّ عنها على طريق الحنفيّة : إنّ العبد لمّا كان كاسباً لفعله ، كما عرفت وسيجيء تحقيقه كما هو ، وأجرى الله عادته أن يخلق الفعل عقيبه ولا يخلق عند عدم كسبه ، فذلك مناط العقاب ، ولا يلزم إذاً فساد اتّجاه التكليف ، ومن هاهنا صحّ انتساب أفعال العباد إليهم ؛ وذلك هو المناط في اللّغة والعرف ، لا يوجب أن يكون الفاعل خالقاً لفعله ، نعم ، يلزم الأشاعرة القائلين بالقدرة الوهميّة تلك النسبة الباطلة ، ولذلك قيل إنّها كفؤ للجبر ) .

فقد صرّح بلزوم الظلم على مذهب الأشاعرة .


وقال أيضاً :

( ولابدّ هاهنا من تمهيد مقدّمات :

منها : إنّ حسن الأفعال وقبحها عقلي ، على المذهب المنصور ، وهو مذهب أبي منصور الماتريدي، بناءً على بطلان الترجيح بلا مرجّح ، فإن جعل بعض الأفعال مناطاً للثواب والمدح ، والبعض الآخر مناطاً للعقاب والذم بلا موجب مرجّح من ذاتها ، مستحيل قطعاً ، والصانع الحكيم لا يرجّح المرجوح بل المساوي

وبالجملة : حكمة الأمر قاضية بأنّ تخصيصات الأفعال بثمراتها لابدّ لها من مرجّح من ذواتها ، وقد بيّن في موضعه ، وما أحسن ما قال الشيخ الأكبر محي الدين بن علي العربي في بعض مصنّفاته : لو لم يكن للأفعال خصوصيّة داعية إلى ثمراتها المخصوصة بها ، ويكون الأفعال التي على هوى النفس ، والتي على خلاف هواها سواسية في تعلّق ثمراتها بها ، يلزم نسبة الظلم إليه ، تعالى الله عن ذلك ، فإنّ الطّاعات الواجبة كلّها على خلاف هوى النفس ، ولذا قالعليه‌السلام :( أفضل العبادات أحمزها ) ، بل الفعل خلاف الهوى عين الطاعة ، والمعاصي كلّها على وفاق هواها ، بل وفاق الهوى نفس المعصية ، وإذا كانت الطاعات متساوية النسبة في الواقع ، بجعلها مناطاً للثواب والعقاب ، وكذا المعاصي بجعلها مناطاً لها ، فتحريم المعاصي بكفّ النفس عن الشهوات في الدنيا ، وإيجاب الطاعات بقهر النفس فيها بلا ضرورة باعثةٍ ظلم ؛ لأنّه حبس النفس عن الشهوات وإقحامها في القهر في الدنيا بلا فائدة ، ولو عكس الله الأمر لفاز العبد بالراحتين في الأُولى والآخرة ) .

وهكذا قال صاحب (مسلّم الثبوت ) وشارحه ، وهما من أعاظم المحقّقين ، فقد جاء في (فواتح الرحموت ) ما نصّه :

( وعند أهل الحق ، أصحاب العناية ، الذين هم أهل السنّة ، الباذلون أنفسهم في سبيل الله بالجهاد الأكبر ، له قدرة كاسبة فقط لا خالقة ، لكن عند الأشعريّة من الشافعيّة ليس معنى ذلك الكسب إلاّ وجود قدرة متوهّمة يتخيّلها الشخص قدرةً مع الفعل بلا مدخليّة لها أصلاً في شيء ، فعندهم إذا أراد الله تعالى أن يخلق في العبد فعلاً ، يخلق أوّلاً صفةً يتوهّم أوّل الأمر أنّها قدرة على شيء ، ثمّ يوجّه الله تعالى إلى الفعل ثمّ يوجد الفعل ، فنسبة الفعل إليه كنسبة الكتابة إلى القلم


قالوا: ذلك كافٍ في صحّة التكليف .

والحقّ : أنّه كفؤ للجبر ، وهو ظاهر ، فإنّه متى لم يكن في العبد قدرة حقيقة ، فأيّ فرق بينه وبين الجماد )(١) .

مذهب الأشعريّة عين مذهب الجهميّة

فهذا الكلام صريح في أنّ مذهب الأشعرية عين مذهب الجهميّة ، وهو الجبر ، وهذا عين السفسطة كما صرّح في (فواتح الرحموت ) :

( عند الجهميّة الذين هم الجبريّة حقّاً ، لا قدرة للعبد أصلاً على الكسب ولا على الإيجاد ، بل هو كالجماد الذي لا يقدر على شيء ، وهذا سفسطة ، فإنّ كلّ عاقلٍ يعلم من وجدانه أنّ له نحواً من القدرة ، والذي شجّعهم على هذه السفسطة رواية نصوص خلق الأعمال ، ولم يتعمّقوا فيها )(٢) .

وقال نظام الدين في (شرح مسلّم الثبوت ) :

( وعند أهل الحق له ، أي للعبد ، قدرة كاسبة ، لكن عند الأشعريّة ليس معنى ذلك ، أي وجود القدرة الكاسبة له ، إلاّ وجود قدرة متوهّمة مع الفاعل بلا مدخليّة للعبد أصلاً ،وحاصله : أنّ العبد ليس له قدرة ولا لا قدرة ولا دخل ، بل بين الفعل والعبد ليس علاقة إلاّ علاقة المحليّة والحاليّة ، كالسواد القائم بجسم غير مقتض له .

قالوا أي الأشعريّة : إنّ ذلك ، أي وجود قدرة متوهّمة ، كافٍ في التكليف .

والحقّ : إنّه كفؤ للجبر عند التحقيق ، فهم وإن احترزوا عن الجبر لفظاً ، لكن قلوبهم به مؤمنة ، إذ ليس نسبة الفعل إلى العبد نسبة الفاعليّة ولا نسبة الشرطيّة ، فلا علاقة بينهما ، فالعبد كالسكين لله تعالى ، وهذا هو الجبر حقيقة

ثمّ اكتفاؤهم بهذه القدرة التي اخترعوها في التكليف ـ أيضاً ـ غير معقول ، لكن يتأتّى على أصلهم ، فإنّ تكليف العاجز جائز عندهم ، ثمّ إنّهم وإن قالوا بجواز

ـــــــــــــــــ

(١) فواتح الرحموت ـ شرح مسلّم الثبوت ١ : ٤١ .

(٢) فواتح الرحموت ١ : ٤٠ .


تكليف الإنسان بما لا يطيقه لكن منعوا وقوعه ، ولم يدروا أنّ كلّ تكليفٍ فإنّه تكليفٌ بالمحال ؛ فإنّه لا فرق بين إيجاب الحركة على المرتعش وبين إيجابه على غيره ، وكذا النهي للأعمى عن البصر ونهي الكفّار عن الكفر ، ولا يعرّج عليه عاقل ، واعتذر عنه بما لا ينفع ) .

كلمات ابن تيميّة في المسألة

ومن جملة من حطّ على مذهب الأشاعرة ، وردّ عليه بشدّةٍ ، هو : ابن تيميّة الحرّاني ، إذ قال في جواب العلاّمة الحلّي (رحمه‌الله ) :

( جمهور أهل السنّة المثبتة للقدر من جميع الطوائف يقولون : إنّ العبد فاعلٌ حقيقة ، وإنّ له قدرة حقيقة ، واستطاعة حقيقة ، وهم لا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعيّة ، بل يقرّون بما دلّ عليه العقل ، من أنّ الله تعالى يخلق السحاب بالرياح وينزل الماء من السحاب ، وينبت النبات بالماء ، ولا يقولون أنّ قوى الطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها ، بل يقرّون أنّ لها تأثيراً لفظاً ومعنى ، حتّى جاء لفظ الأثر في مثل قوله تعالى :( وَنَكْتُبُ مَا قَدّمُوا وَآثَارَهُمْ ) ، وإن كان التأثير أعمّ منه في الآية ، لكن يقولون هذا التأثير هو تأثير الأسباب في مسبّباتها ، والله تعالى خالق السبب والمسبّب ، ومع أنّه خالق السبب فلابدّ له من سبب آخر يشاركه ، ولابدّ له من معارض يمانعه ، فلا يتمّ أثره إلاّ مع خلق الله له لا به ، بأن يخلق الله تعالى السبب الآخر ويزيل الموانع .

ولكنّ هذا القول الذي حكاه هو قول بعض المثبتة للقدر ، كالأشعري ومَن وافقه من الفقهاء ، من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ؛ حيث لا يثبتون في المخلوقات قوى الطبائع ، ويقولون إنّ الله تعالى فعل عندها لا بها ، ويقولون إنّ قدرة العبد لا تأثير لها في الفعل

وأبلغ من ذلك قول الأشعري : إنّ الله فاعل فعل العبد ، وإنّ عمل العبد ليس فعلاً للعبد بل كسباً له ، وإنّما هو فعل الله تعالى فقط ، وجمهور الناس من أهل السنّة من جميع الطوائف على خلاف ذلك ، وإنّ العبد فاعل لفعله حقيقة ، والله أعلم )(١) .

ـــــــــــــــــ

(١) منهاج السنّة ١ : ٣٨٢ ـ ٣٨٣ .


 ( وأمّا قوله : وإنّ الله تعالى يريد المعاصي من الكافر ولا يريد منه الطاعة

فهذا قول طائفة منهم ، وهم الذين يوافقون القدريّة ، فيجعلون المشيّة والإرادة والمحبّة والرضا نوعاً واحداً ، ويجعلون المحبّة والرضا والغضب بمعنى الإرادة ، كما يقول ذلك الأشعري في المشهور عنه وأكثر أصحابه ، وطائفة ممّن يوافقهم من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد .

وأمّا جمهور أهل السنّة من جميع الطوائف وكثير من أصحاب الأشعري ، فيفرّقون بين الإرادة والمحبّة والرضا ، فيقولون إنّه وإن كان يريد المعاصي فهو سبحانه لا يحبّها ولا يرضاها ، بل يبغضها ويسخطها وينهى عنها ، وهؤلاء يفرّقون بين مشيّة الله تعالى وبين محبّته ، وهذا قول السلف قاطبة ، وقد ذكر أبو المعالي الجويني أنّ هذا قول القدماء من أهل السنّة ، وأنّ الأشعري خالفهم ، فجعل الإرادة هي المحبّة فيقولون ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، فكلّما شاءه فقد خلقه )(١) .

وإذا كان الله ـ والعياذ بالله ـ يرضى بأنواع المعاصي ، وأقسام الظلم والضلال ، فلا ريب في نسبة الظلم إليه سبحانه وتعالى ...

وفي (منهاج السنّة ) أيضاً :

( والقول الثاني : إنّ الظلم مقدور والله تعالى منزّه عنه ، وهذا قول الجمهور من المثبتين للقدر ونفاته ، وهو قول كثير من النظّار المثبتة للقدر ، كالكراميّة وغيرهم ، وكثير من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم ، وهو قول القاضي أبي حازم ابن القاضي أبي يعلى وغيره ، وهذا كتعذيب الإنسان بذنب غيره ، كما قال الله تعالى :( فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يخاف ظلماً ولا هضماً ) ، وهؤلاء يقولون : الفرق بين تعذيب الإنسان على فعله الاختياري وغير فعله الاختياري مستقر في فطر العقول ، فإنّ الإنسان لو كان له في جسمه برص أو عيب خلق فيه ، لم

ـــــــــــــــــ

(١) منهاج السنّة ١ : ٣٨٣ ـ ٣٨٤ .


يستحسن ذمّه ولا عقابه على ذلك ، ولو ظلم ابنه أحد يحسن عقابه على ذلك ، ويقولون : الاحتجاج بالقدر على الذنوب ممّا يعلم بطلانه بضرورة العقل ، فإنّ الظالم لغيره لو احتج بالقدر لاحتجّ ظالمه أيضاً بالقدر ، فإن كان القدر حجّة لهذا فهو حجّة لهذا وإلاّ فلا ، والأوّلون ـ أيضاً ـ يمنعون الاحتجاج بالقدر ، فإنّ الاحتجاج به باطل باتفّاق أهل الملل وذوي العقول ، وإنّما يحتجّ به على القبائح والمظالم من هو متناقض القول ، متّبعٌ لهواه ، كما قال بعض العلماء : أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري مذهب وافق هؤلاء تمذهبت به ، ولو كان القدر حجّة لفاعل الفواحش والمظالم ، لم يحسن أن يلوم أحدٌ أحداً ، ولا يعاقب أحدٌ أحداً ، وكان للإنسان أن يفعل في دم غيره وماله وأهله ما يشتهيه من المظالم والقبائح ، ويحتجّ بأنّ ذلك مقدّرٌ عليه )(١) .

وقال ابن تيمية :

( بقي الخلاف بين القدريّة الذين يقولون : إنّ الداعي يحصل في قلب العبد بلا مشيّة من الله ولا قدرة ، وبين الجهميّة المجبّرة الذين يقولون : إنّ الداعي قدرة العبد ولا تأثير لها في فعله بوجهٍ من الوجوه ، وإنّ العبد ليس فاعلاً لفعله ، كما يقول ذلك جهم بن صفوان ، إمام المجبّرة ومَن اتّبعه ، وإن أثبت أحدهم كسباً لا يعقل ، كما أثبته الأشعري ومن وافقه ، وإذا كان هذا النزاع في هذا الأصل بين القدريّة النفاة لكون الله يعين المؤمنين على الطاعة ، ويجعل فيهم داعياً إليها ويخصّهم بذلك دون الكافر ، وبين المجبّرة الغلاة الذين يقولون : إنّ العباد لا يفعلون شيئاً ولا قدرة لهم على شيء ، أو لهم قدرة لا يفعلون بها شيئاً ولا تأثير لها في شيء ، فكلا القولين باطل ) .

ثمّ قال بعد كلامٍ له :

( وهذا حقيقة مذهب أهل السنّة الذين يقولون : إنّ الله خالق الأشياء بالأسباب ، والله خلق العبد وقدرة يكون بها فعله ، فإنّ العبد فاعل لفعله حقيقة ، فقولهم في خلق فعل العبد بإرادة وقدرة كقولهم في خلق سائر الحوادث بأسبابها ، ولكن ليس هذا قول من ينكر الأسباب والقوى التي في الأجسام ، وينكر تأثير القدرة التي بها يكون الفعل ، ويقول : إنّه لا أثر لقدرة العبد أصلاً في فعله ، كما يقول ذلك من يقول بقول جهم وأتباعه

ـــــــــــــــــ

(١) منهاج السنّة ١ : ٣٨٧ .


والأشعري ومن وافقه ، وليس قول هؤلاء قول أئمّة السنّة ولا جمهورهم ، بل أصل هذا القول هو قول جهم بن صفوان ، فإنّه كان يثبت مشيّة الله تعالى وينكر أن يكون له حكمة أو رحمة ، وينكر أن يكون للعبد فعل أو قدرة مؤثّرة ، وحكي عنه أنّه كان يخرج إلى الجذماء ، ويقول : أرحم الراحمين يفعل هذا ؟ إنكاراً لأن تكون له رحمة يتّصف بها ، وزعماً منه أنّه ليس إلاّ مشيّة محضة لا اختصاص لها بحكمة ، بل يرجّح أحد المتماثلين بلا مرجّح ، وهذا قول طائفة من المتأخّرين ، وهؤلاء يقولون أنّه لم يخلق لحكمة ولم يأمر لحكمة ، وأنّه ليس في القرآن لام كي لا في خلق الله ولا في أمره ، وهؤلاء الجهميّة المجبّرة هم والمعتزلة والقدريّة في طرفين متقابلين ، وقول سلف الأُمّة وأئمّة السنّة وجمهورها ليس قول هؤلاء ، وإن كان كثير من المثبتين للقدر يقول بقول جهم )(١) .

وقال :

( ومن وافق جهم بن صفوان من المثبتين للقدر على أنّ الله لا يفعل شيئاً لحكمة ولا لسبب ، وأنّه لا فرق بالنسبة إلى الله بين المأمور والمحظور ، ولا يحب بعض الأفعال ولا يبغض بعضها ، فقوله فاسد ، مخالف للكتاب والسنّة واتّفاق السلف ، وهؤلاء قد يعجزون عن بيان امتناع كثير من النقائص عليه ، لا سيّما إذا قال من قال منهم أنّ تـنزيهه عن النقص لم يُعلم بالعقل بل بالسمع ، فإذا قيل لهم : لم قلتم إنّ الكذب ممتنع عليه ؟

قالوا : لأنّه نقص والنقص عليه محال ، فيقال لهم : عندكم أنّ تنزيهه عن النقص لم يُعلم بالعقل بل بالسمع ، فإذا قيل لهم : لم قلتم إنّ الكذب ممتنع عليه ؟

قالوا : لأنّه نقصٌ والنقص عليه محال ، فيقال لهم : عندكم أنّ تنزيهه عن النقص لم يُعلم إلاّ بالإجماع ، ومعلوم أنّ الإجماع منعقد على تنزيهه عن الكذب ، فإن صحّ الاحتجاج على هذا بالإجماع ، فلا حاجة إلى هذا التطويل .

وأيضاً : فالكلام إنّما هو في العبارة الدالّة على هذا المعنى ، وهذا كما قاله بعضهم : إنّه لا يجوز أن يتكلّم ولا يعني به شيئاً وقال خلافاً للحشويّة ، ومعلومٌ أنّ هذا القول لم

ـــــــــــــــــ

(١) منهاج السنّة ١ : ٣٩١ .


يقله أحدٌ من المسلمين ، وإنّما النزاع في أنّه هل يجوز أن ينزّل كلاماً لا يعلم العباد معناه ، لا أنّه هو في نفسه لا يعني به شيئاً ، ثمّ بتقدير أن يكون في هذا نزاع ، فإنّه احتجّ على ذلك بأنّه عيب والعيب على الله ممتنع ، وهذا المحتجّ يجوّز على الله فعل كلّ شيء ، لا ينزّهه عن فعل هذا

وأمثاله من تناقض الموافقين لقول الجهميّة الجبريّة في القدر كثير ، لكن ليس هذا قول أئمّة السنّة ولا جمهورهم ) .

وذكر ابن تيمية في الجواب عن لزوم عدم الرضا بقضاء الله ـ بناءً على قول أهل السنّة ـ ثلاثة وجوه ، ثمّ قال :

( وقد أجاب بعضهم بجواب آخر ، وهو : إنّا لا نرضى بالقضاء لا بالمقضي ، وقد أجاب بعضهم بجوابٍ آخر : إنّا نرضى بها من جهة كونها خلقاً ، ونسخطها من جهة كونها كسباً ، وهذا يرجع إلى الجواب الثالث ، لكن في إثبات الكسب إذا لم يجعل العبد فاعلاً فيه كلام قد ذكر في غير هذا الموضع ، فالذين جعلوا العبد كاسباً غير فاعل ـ من أتباع جهم بن صفوان وحسين النجار ، كأبي الحسن وغيره ـ كلامهم متناقض ، ولهذا لم يمكنهم أن يذكروا في بيان هذا الكسب والفرق بينه وبين الفعل كلاماً معقولاً ، بل تارةً يقولون : هو المقدور بالقدرة الحادثة ، وتارةً يقولون : ما قام بمحلّ القدرة أو بمحلّ القدرة الحادثة ، وإذا قيل لهم : ما القدرة الحادثة ؟

قالوا : ما قامت بمحلّ الكسب ونحو ذلك من العبارات التي تستلزم الدور ، ثمّ يقولون : معلوم بالاضطرار الفرق بين حركة المختار وحركة المرتعش ، وهذا كلامٌ صحيح ، لكنّه حجّةٌ عليهم لا لهم )(١) .

وقال بعد كلامٍ له :

( والمقصود هنا التنبيه على أصل القدريّة ، فإنّ حقيقة قولهم أنّ أفعال الحيوان تحدث بلا فاعل ، كما أنّ أصل قول الدهريّة الفلاسفة أنّ حركة الفلك وجميع الحوادث تحدث بلا سببٍ محدث ، وكذلك قول من وافق القدريّة من أهل الإثبات على أنّ الربّ تعالى لا يقوم به الأفعال ، وقال : إنّ الفعل هو

ـــــــــــــــــ

(١) منهاج السنّة ٢ : ٥٩ ـ ٦٠ .


المفعول والخلق هو المخلوق ، كما يقول الأشعري ومَن وافقه ، فإنّه يلزمه في فعل الذم ما لزم القدريّة ، ولهذا عامّة شناعات هذا القدري الرافضي على هؤلاء ، وهؤلاء طائفة من المثبتين لخلافة أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ وقد وافقهم في ذلك كثير من الشيعة الزيديّة والإماميّة وغيرهم ، وقولهم ـ على كلّ حال ـ أقلّ من قول القدريّة ، بل أصل خطئهم موافقتهم للقدريّة في بعض خطئهم ، وأئمّة السنّة لا يقولون بشيءٍ من هذا الخطأ .

ولذلك ، جماهير أهل السنّة من أهل الحديث والفقه والتفسير والتصوّف ، لا يقولون بهذه الأقوال المتضمّنة الخطأ )(١) .

وقال في الجواب عن لزوم عدم الفرق بين الأفعال الاختيارية والاضطرارية بناءً على مذهبهم :

( والجواب : إنّ هذا إنّما يلزم من يقول أنّ العبد لا قدرة له على أفعاله الاختيارية ، وليس هذا قول إمام معروف ولا طائفة معروفة من الطوائف من أهل السنّة ، بل ولا من طوائف المثبتين للقدر ، إلاّ ما يحكى عن جهم بن صفوان وغلاة المثبتة أنّهم سلبوا العبد قدرته ، قال : إنّ حركته كحركة الأشجار بالرياح ، إن صحّ النقل عنهم .

وأشدّ الطوائف قرباً من هؤلاء هو الأشعري ومن وافقه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ، وهو مع هذا يثبت للعبد قدرة محدثة واختياراً ويقول : إنّ الفعل كسب للعبد لكنّه يقول : لا تأثير لقدرة العبد في إيجاد المقدور ، فلهذا قال مَن قال : إنّ هذا الكسب الذي أثبته الأشعري غير معقول .

وجمهور أهل الإثبات على أنّ العبد فاعلٌ لفعله حقيقةً ، وله قدرة واختيار ، وقدرته مؤثّرة في مقدورها ، كما تؤثّر القوى والطبائع وغير ذلك من الشروط والأسباب ، فما ذكره لا يلزم جمهور أهل السنّة .

ـــــــــــــــــ

(١) منهاج السنة ٢ : ٣١ .


وقد قلنا غير مرّة : نحن لا ننكر أن يكون في بعض أهل السنّة من يقول الخطأ ، لكن لا يتّفقون على خطأ )(١) .

وقال ابن تيميّة ـ بعد ذكر آياتٍ عديدة في ثبوت القدرة والإرادة للعبد :

( وقد أخبر أنّ العباد يفعلون ويصنعون ويعملون ، ويؤمنون ويكفرون ، ويتّقون ويفسقون ، ويصدقون ويكذبون ، ونحو ذلك في مواضع ، وأخبر أنّ لهم استطاعة وقوّة في غير موضع ، وأئمّة أهل السنّة وجمهورهم يقولون : إنّ الله خالق هذا كلّه ، والخلق عندهم ليس هو المخلوق ، فيفرّقون بين كون أفعال العباد مخلوقة مفعولة للرب ، وبين أن يكون نفس فعله الذي هو مصدر فعل يفعل فعلاً فإنّها فعل للعباد بمعنى المصدر ، وليست فعلاً للربّ تعالى بهذا الاعتبار ، بل هي مفعولة له ، والرب تعالى لا يتّصف بمفعولاته .

ولكن هذه الشناعات لزمت من لا يفرّق بين فعل الربّ ومفعوله ، ويقول مع ذلك أنّ أفعال العباد فعل الله ، كما يقول ذلك جهم بن صفوان وموافقوه ، والأشعري وأتباعه ومَن وافقهم من أتباع الأئمّة ، ولهذا ضاق بهؤلاء البحث في هذا الموضع ، كما قد بسط في موضعه .

وكذلك ـ أيضاً ـ لزمت من لا يثبت في المخلوقات أسباباً وقوىً وطبائع ، ويقولون : إنّ الله يفعل عندها لا بها ، فيلزم أن لا يكون فرق بين القادر والعاجز .

وإن أثبت قدرة ويقول : إنّها مقترنة بالكسب قيل له : لم تثبت فرقاً معقولاً بين ما تثبته من الكسب ونفيت من الفعل ، ولا بين القادر والعاجز إذا كان مجرّد الاقتران لا اختصاص له بالقدرة ، فإنّ فعل العبد يقارن جهله وعلمه وإرادته وغير ذلك من صفاته ، فإذا لم يكن للقدرة تأثير إلاّ مجرّد الاقتران ، فلا فرق بين القدرة وغيرها .

وكذلك قول من قال : القدرة مؤثّرة في صفة الفعل لا في أصله ، كما يقول القاضي أبوبكر ومَن وافقه ، فإنّه إذا ثبت تأثير بدون خلق الربّ ، لزم أن يكون بعض الحوادث لم يخلقه الله ، وإن جعل ذلك معلّقاً بخلق الربّ ، فلا فرق بين الأصل والصّفة .

ـــــــــــــــــ

(١) منهاج السنّة ٢ : ٢٤ .


وأمّا أئمّة السنّة وجمهورهم فيقولون : ما دلّ عليه الشرع والعقل )(١) .

كلمات ابن القيّم في المسألة

وقد تبع ابن القيّم شيخه في الردّ والتشنيع على مذهب الأشاعرة ، فقال بتفسير قوله تعالى :( وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ ) ما نصّه :

( قد فسّر هذا الظنّ الذي لا يليق بالله ـ عزّ وجلّ ـ بأنّه سبحانه لا ينصر رسوله ، وأنّ أمره سيضمحلّ وأنّه يسلّمه للقتل

وفسّر بعضهم أنّ ما أصابهم لم يكن بقضاء الله وقدره ولا حكمة له فيه ، ففسّر بإنكار الحكمة وإنكار القدر، وإنكار أن يتمّ أمر رسوله ويظهره على الدين كلّه ، وهذا هو ظنّ السوء الذي ظنّه المنافقون والمشركون به ـ سبحانه ـ في سورة الفتح ، حيث يقول :

( وَيُعَذّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظّانّينَ بِاللّهِ ظَنّ السّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السّوْءِ وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدّ لَهُمْ جَهَنّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً)

، وإنّما كان هذا ظنّ السوء وظنّ الجاهليّة ، وهو الظنّ المنسوب إلى أهل الجهل وظنّ غير الحقّ ؛ لأنّه ظنّ غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وذاته المبرّأة والإلهيّة ، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه ، وبكلمته التي سبقت لرسله أنّه ينصرهم ولا يخذلهم ، ولجنده بأنّهم هم الغالبون ، فمن ظنّ به أنّه لا ينصر رسوله ولا يتمّ أمره ولا يؤيّده ولا يؤيّد حزبه ويعليهم ويظفرهم بأعدائهم ويظهرهم عليهم ، وأنّه لا ينصر دينه وكتابه ، وأنّه يديل الشرك على التوحيد والباطل على الحقّ ، إدالة مستقرّة ، يضمحلّ معها التوحيد والحقّ اضمحلالاً لا يقوم بعده أبداً ، فقد ظنّ السوء ، ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته ، فإنّ حمده وعزّته وحكمته وإلهيّته تأبى ذلك ، وتأبى أن يذلّ حزبه وجنده ، وأن يكون النصرة المستقرّة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به ، فمن ظنّ به ذلك فما عرفه ولا عرف أسمائه وصفاته وكماله .

ـــــــــــــــــ

(١) منهاج السنّة ٢ : ٢٥ .


وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره ، فما عرفه ولا عرف ربوبيّته وملكه وعظمته ، وكذلك من أنكر أن يكون قدّر ما قدّره من ذلك وغيره ، لحكمةٍ بالغة وغايةٍ محمودة يستحقّ الحمد عليها ، وإنّ ذلك إنّما صدر عن مشيّةٍ مجرّدة عن الحكمة وغاية مطلوبة هي أحبّ إليه من فوتها ، وإنّ تلك الأسباب المكروهة ، المفضية إليها ، لا يخرج تقديرها عن الحكمة ؛ لانضمامها إلى ما يحبّ وإن كانت مكروهة له ، فما قدّرها سدىً ولا شاءها عبثاً ولا خلقها باطلاً( ذلِكَ ظَنّ الّذِين كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ ) ، وأكثر النّاس يظنّون بالله غير الحقّ ، ظنّ السَوء فيما يختصّ بهم وفيما يفعله بغيرهم ، ولا يسلم من ذلك إلاّ من عرف الله وعرف أسمائه وصفاته وعرف موجب حمده وحكمته .

فمن قنط من رحمته وأيس من روحه ، فقد ظنّ به ظنّ السوء ، ومن جوّز عليه أن يعذّب أوليائه مع إحسانهم وإخلاصهم ويسوّي بينهم وبين أعدائه ، فقد ظنّ به ظنّ السَوء ، ومن ظنّ أنّه يترك خلقه سدىً معطّلين عن الأمر والنهي ، ولا يرسل إليهم رسله ولا ينزل عليهم كتبه بل يتركه هملاً كالأنعام ، فقد ظنّ به ظنّ السوء ، ومن ظنّ أنّه لا يجمعهم بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازي المحسن فيها بإحسانه ، والمسيء بإساءته ، ويبيّن لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه ، ويظهر للعالمين كلّهم صدقه وصدق رسله ، وأنّ أعدائه كانوا هم الكاذبين ، فقد ظنّ به ظنّ السوء .

ومن ظنّ أنّه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصاً لوجهه الكريم ، على امتثال أمره ، ويبطله عليه بلا سبب من العبد ، أو أنّه يعاقبه بما لا صنع له فيه ولا اختيار له ولا قدرة له ولا إرادة في حصوله ، بل يعاقبه على فعله هو سبحانه به ، أو ظنّ به أنّه يجوز عليه أن يؤيّد أعدائه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيّد بها أنبيائه ورسله ويجريها على أيديهم يضلّون بها عباده ، وأنّه يحسن منه كلّ شيءٍ حتّى تعذيب من أفنى عمره بطاعته فيخلده في الجحيم أسفل السافلين ، وينعم من استنفد عمره في عداوته وعداوة رسله ودينه فيرفع إلى أعلى عليّين ، وكلا الأمرين في الحسن سواء عنده ، ولا عرف امتناع أحدهما ووقوع الآخر إلاّ بخبرٍ صادق ، وإلاّ فالعقل لا يقتضي قبح أحدهما وحسن الآخر ، فقد ظنّ به ظنّ السوء )(١) .

وقال صاحب (فواتح الرحموت ) :

ـــــــــــــــــ

(١) زاد المعاد في هدي خير العباد ٣ : ٢٢٨ ـ ٢٣٠ .


 ( الشمعونيّة قالوا :

أوّلاً : إن كان النسخ لحكمة ظهرت للنّاسخ الآن ولم تكن ظاهرة من قبل فبداء ، أي فالنسخ بداء وجهل بعواقب الأُمور ، وإلاّ يكن لحكمة ظهرت فعبث ، أي فهو عبث من غير فائدة

قلنا : المصلحة قد تتجدّد بتجدّد الأحوال، والحاكم كان يعلم في الأزل أنّ المصلحة تتجدّد ، فإنّ الكلام فيما ليس بحسن ولا قبيح لذاته ، وأمّا ما هو حسن لذاته وقبيح كذلك ، فلا يقبل النسخ عندنا أيضاً ، فلا بداء ، فإن أريد بالظهور الظهور للحاكم بعد الجهل به ، فنختار أنّه لم يظهر الآن بل كان ظاهراً له من الأزل ، ولا يلزم العبث ، فالملازمة الثانية ممنوعة ، وإن أُريد به الوجود في الفعل واتصافه به فلزوم البداء ممنوع ، كيف ؟ وإنّه كان يعلم من الأزل أنّه تتجدّد مصلحة فيه ، على أنّ الأشاعرة التابعين للشيخ أبي الحسن الأشعري يختارون الشق الثّاني ويلتزمون عبثاً ، فإنّهم لا يرون اشتمال أحكامه على المصالح ؛ لأنّ الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد )(١) .

وقال أيضاً :

( مسألة : لا يجوز عند الحنفيّة والمعتزلة نسخ حكم فعل لا يقبل حسنه أو قبحه السقوط ، كوجوب الإيمان وحرمة الكفر وسائر العقائد الباطلة ، وقد مرّ من قبل .

إنْ قلت : الكلّ عند المعتزلة غير الجبّائية كذلك ؛ لأنّ حسن كلّ فعل وقبحه عندهم لذات الفعل ، وما بالذّات لا يتخلّف .

قلت : ما لغيره قد يغلب على ما بذاته فيتخلّف عنه ما لذاته ، كما في برودة الماء ، وقد مرّ في المبادي الأحكاميّة .

ـــــــــــــــــ

(١) فواتح الرحموت ٢ : ٥٦ .


ويجوز نسخ وجوب الإيمان وحرمة الكفر عند الأشاعرة التابعين للشيخ أبي الحسن الأشعري ومنهم الشافعيّة ، إذ لا حسن ولا قبح عندهم إلاّ شرعاً ، فالإيمان والكفر سيّان عندهم ، وما أوجب الشرع فهو حسن ، وما حرّم فهو حرام ، ومن ثمّة جوّزوا نسخ جميع التكاليف عقلاً ، إلاّ الإمام حجّة الإسلام الغزالي ( قدّس الله سرّه ) قال : يجب معرفة النسخ والناسخ وهو تكليف

قيل في جوابه : سلّمنا أنّه لابدّ من تلك المعرفة ، ولا يجب على المكلّف تحصيل تلك المعرفة ، بل يجب على الله تعالى ـ عقلاً على أُصول أهل الاعتزال ، أو عادة على ما يقتضيه أُصول أهل السنّة القامعين للبدعة كثّرهم الله تعالى ـ تعريف الناسخ للعباد ، تفضّلاً منه تعالى على عباده ، وإذا لم يجب على المكلّف فلا تكليف به .

أقول : يجب على المكلّف اعتقاد أنّ الناسخ خطاب من الله تعالى ، وإلاّ أي وإن لم يجب ، فهو يعمل بالمنسوخ ، ولو عمل به لأثم قطعاً ، فإنّ العمل بالمنسوخ حرام ، فهذا العقد مطلوب منه وهو تكليف ، فتدبّر .

واعترض عليه مطلع الأسرار الإلهيّة والدي ( قدّس سرّه ) :

أمّا أوّلاً : فلأنّه لمّا فرض وجوب إعلام الله تعالى انتساخ الحكم فلا يقرب إلى العمل به فلا يأثم ، وإن عمل به مع هذا العلم فلا ينفع الوجوب عليه دفعاً لهذا الإثم

وأمّا ثانياً : فلأنّ الغرض انتفاء التكاليف رأساً ، لا بالإيجاب ولا بالتحريم ، فلو فرض انتفاء هذه المعرفة والعمل بالمنسوخ لا يلزم الإثم ، كيف ؟ وصار حال هذه الأحوال حال انتفاء البعثة ، فالأفعال كلّها على الإباحة ، فالعمل بالمنسوخ والناسخ سيّان فلا إثم نعم ، لو لم تكن هذه المعرفة وقع في تعب العمل بالأحكام المنسوخة من غير فائدة ، فيلزم العبث ، لكن لا يلزم منه وجوب هذه المعرفة ، إذ لا استحالة عند الأشعريّة في إيقاع الله تعالى عبيده في العبث فافهم )(١) .

ـــــــــــــــــ

(١) فواتح الرحموت ٢ : ٦٧ ـ ٦٨ .


قال الرازي : يجوز إدخال الله العُبّاد في النار والكفّار في الجنّة

هذا ، وقد نصَّ الفخر الرازي على جواز إدخال الله الزهّاد والعبّاد في النار ، وهذه عبارته بتفسير قوله تعالى :( إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) :

( مذهبنا أنّه يجوز من الله تعالى أن يدخل الكفّار في الجنّة ، وأن يدخل الزهّاد والعبّاد في النّار ؛ لأنّ الملك ملكه ، والملك يفعل في ملكه ما شاء ، لا اعتراض لأحدٍ عليه ، فذكر عيسى هذا الكلام ، ومقصوده منه تفويض الأُمور كلّها إلى الله ، وترك التعريض والاعتراض بالكليّة ، ولذلك ختم الكلام بقوله :( فَإِنّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (١) يعني أنت قادرٌ على ما تريد ، حكيم في كلّ ما تفعل لا اعتراض لأحدٍ عليك ، فمَن أنا والخوض في أحوال الربوبيّة )(٢) .

هل يجوز التكليف بما لا يطاق ؟

وأمّا عبد العزيز البخاري فقد قال في (كشف الأسرار ) :

( واعلم أنّ الأئمّة قد اختلفوا في جواز التكليف بالممتنع ، وهو المسمّى بتكليف ما لا يطاق ؛ فقال أصحابنا ( رحمهم الله ) : لا يجوز ذلك عقلاً ، ولهذا لم يقع شرعاً

وقالت الأشعريّة : إنّه جائز عقلاً ، واختلفوا في وقوعه والأصحّ عدم الوقوع ـ إلى أن قال ـ

ـــــــــــــــــ

(١) فواتح الرحموت ٢ : ٦٧ ـ ٦٨ .

(٢) سورة المائدة ٥ : ١١٨ .

(٣) تفسير الرازي ١٢ : ١٣٦ .


وتمسّك أصحابنا بأنّ تكليف العاجز عن الفعل بالفعل يعدّ سفهاً في الشاهد ، كتكليف الأعمى بالنظر ، فلا يجوز نسبته إلى الحكيم جلّ جلاله

تحقيقه : أنّ حكمة التكليف هو الإبتلاء عندنا ، وإنّما يتحقّق ذلك فيما يفعله العبد باختياره فيثاب عليه ، أو يتركه باختياره فيعاقب عليه، فإذا كان بحال لا يمكن وجود الفعل منه، كان مجبوراً على ترك الفعل، فيكون معذوراً في الإمتناع، فلا يتحقّق معنى الإبتلاء. ويعرف باقي الكلام في علم الكلام)(١) .

تصريح الرازي بعقيدة الجبر

ونصّ الفخر الرازي على عقيدة الجبر ، قال بصحّتها ودافع عنها ، بتفسير قوله تعالى :( لَهُمْ قُلُوبٌ لاَيَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَيُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَيَسْمَعُونَ بِهَا ) قال :

( احتجّ أصحابنا بهذه الآية على صحّة قولهم في خلق الأعمال ، فقالوا : لا شكّ أنّ أولئك الكفّار كانت لهم قلوب يفقهون بها مصالحهم المتعلّقة بالدنيا ، ولا شكّ أنّه كانت لهم أعين يبصرون بها المرئيّات ، وآذانٌ يسمعون بها الكلمات ، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية تقييدها بما يرجع إلى الدين ، وهو أنّهم ما كانوا يفقهون بقلوبهم ما يرجع إلى مصالح الدين ، وما كانوا يبصرون ويسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين ، وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت أنّه تعالى كلّفهم بتحصيل الدين ، مع أنّ قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم ما كانت صالحة لذلك ، وهو يجري مجرى المنع عن الشيء والصدّ عنه مع الأمر به ، وذلك هو المطلوب .

قالت المعتزلة : لو كانوا كذلك لقبح من الله تكليفهم ؛ لأنّ تكليف من لا قدرة له على الفعل قبيح غير لائق بالحكيم ، فوجب حمل الآية على أنّ المراد منه : أنّهم ـ لكثرة الإعراض عن الدلائل وعدم الإلتفات إليها ـ صاروا مشبّهين بمن لا يكون له قلب فاهم ولا عين باصرة ولا أُذن سامعة .

ـــــــــــــــــ

(١) كشف الأسرار ١ : ١٩١ ـ ١٩٢ .


والجواب : إنّ الإنسان إذا تأكّدت نفرته عن شيء ، صارت تلك النفرة المتأكّدة الراسخة مانعة له عن فهم الكلام الدالّ على صحّة الشيء ، ومانعة عن إبصار محاسنه ، ومانعة له عن سماع محاسنه وفضائله ، وهذه حالة وجدانيّة ضروريّة يجدها كلّ عاقلٍ من نفسه ، ولهذا السبب قالوا في المثل المشهور : حبّك الشيء يعمي ويصمّ

وإذا ثبت هذا ، فنقول : إنّ أقواماً من الكفّار بلغوا في عداوة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي بغضه وفي شدّة النفرة عن قبول دينه والاعتراف برسالته ، هذا المبلغ وأقوى منه ، والعلم الضروري حاصل بأنّ حصول الحبّ والبغض في القلب ليس باختيار الإنسان ، بل هو حالة حاصلة في القلب ، شاءه الإنسان أم كرهه .

إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنّ حصول هذه العداوة والنفرة في القلب ليس باختيار العبد ، وثبت أنّه متى حصلت هذه النفرة والعداوة في القلب ، فإنّ الإنسان لا يمكنه ـ مع تلك النفرة الراسخة الشديدة ـ تحصيل الفهم والعلم ، وإذا ثبت هذا ثبت القول بالجبر لزوماً لا محيص عنه

ونُقل عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه خطبةً في تقرير هذا المعنى ، وهو في غاية الحسن :

روى الشيخ أحمد البيهقي في كتاب مناقب الشافعي ( رحمة الله عليه ) عن عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه أنّه خطب الناس فقال :

( وأعجب ما في الإنسان قلبه ، فيه موادّ من الحكمة وأضدادها ، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع ، وإن هاج له الطمع أهلكه الحرص ، وإن ملكه اليأس قتله الأسف ، وإن عرض له الغضب اشتدّ به الغيظ ، وإن أسعد بالرضى نسي التحفّظ ، وإن ناله الخوف شغله الحزن ، وإن أصابته المصيبة قتله الجزع ، وإن وجد مالاً أطغاه الغنى ، وإن عضّته فاقة شغله البلاء ، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف ، فكلّ تقصير به مضرّ ، وكلّ إفراط له مهلك ) .

وأقول : هذا الفصل في غاية الجلالة والشرف ، وهو كالمطلع على سرّ مسألة القضاء والقدر ؛ لأنّ أعمال الجوارح مربوطة بأعمال القلوب ، وكلّ حالةٍ من أحوال القلب فإنّها مستندة إلى حالةٍ أُخرى حصلت ، وإذا وقف الإنسان على هذه الحالة علم أنّه لا خلاص من الاعتراف بالجبر .


وذكر الشيخ الغزالي (رحمه‌الله ) في كتاب الإحياء فصلاً في تقرير مذهب الجبر )(١) .

قال ابن تيميّة : الرازي من الجبريّة

هذا ، وقد جاء في كلام ابن تيمية التصريح بكون الرازي والآمدي من الجبريّة ، حيث قال :

( ثمّ المثبتون للصّفات ، منهم من يثبت الصفات المعلومة بالسّمع ، كما يثبت الصفات المعلومة بالعقل ، وهذا قول أهل السنّة الخاصّة ، أهل الحديث ومن وافقهم ، وهو قول أئمّة الفقهاء وقول أئمّة الكلام من أهل الإثبات ، كأبي محمّد بن كلاب ، وأبي العبّاس القلانسي ، وأبي الحسن الأشعري ، وأبي عبد الله ابن مجاهد ، وأبي الحسن الطبري ، والقاضي أبي بكر ابن الباقلاني ، ولم يختلف في ذلك قول الأشعري وقدماء أصحابه ، لكن المتأخّرين من أتباعه ـ كأبي المعالي وغيره ـ لا يثبتون إلاّ الصفات العقليّة ، وأمّا الجبريّة ، فمنهم من ينفيها ومنهم من يتوقّف فيها : كالرازي والآمدي وغيرهما ) .

حديث الطينة ومعناه

ولا يتوهّم دلالة حديث الطينة المروي في كتب أصحابنا على الجبر ، فيكون منافياً لما ذهبوا إليه من قواعد العدل ؛ لأنّ رواية الحديث الموهم لما تقرّر في المذهب خلافه ، لا تجوّز نسبة مؤدّاها إلى الطائفة ، وهذا القرآن الكريم ، والآيات الموهمة للتجسيم والتشبيه وغير ذلك كثيرة فيه ، فلو صحّ نسبة الإماميّة إلى الجبر لمجرّد خبر الطينة ، صحّ نسبة التجسيم وغيره من المذاهب الفاسدة إلى أهل الإسلام .

ـــــــــــــــــ

(١) تفسير الرازي ١٥ : ٦٣ ـ ٦٤ .


وعلى الجملة ، فإنّ مجرَّد رواية مثل هذا الحديث لا يصحّح نسبة الجبر إلى الأصحاب ، بخلاف الأشاعرة الذين هم أئمّة أهل السنّة ومشايخهم ، القائلين بنفي اختيار العباد وقدرتهم بكلّ صراحةٍ كالإمام الرازي وأمثاله .

وإنّ حديث الطينة المتضمّن ردّ حسنات المخالفين إلى الشيعة ، وردّ سيئات الشيعة إلى المخالفين فيه جهتان :

أمّا عدم ترتّب الأجر والثواب للمخالف على أعماله الصالحة ؛ فلأنّ قبول الأعمال منوط بالإيمان ، ولمّا كان مخالفاً فاقداً للإيمان فلا أجر له

وأمّا ردّ الثواب والحسنة إلى أهل الحقّ ؛ فذاك بفضل الله سبحانه وإحسانه ...

وأمّا ردّ معاصي الشيعة إلى المخالفين ، فلعلّه لأنّ المخالفين ـ لمنعهم من ظهور بركات أهل البيتعليهم‌السلام في الناس ، ومساعدتهم لأهل الظلم والجور والبغي ، للاستيلاء والسلطة ـ كانوا هم السبب الحقيقي لصدور المعاصي من الشيعة ، فالله سبحانه يجعل في يوم القيامة السيّئات الصادرة من الشيعة في صحائف المخالفين ويعذّبهم عليها ...

وليس في شيءٍ من ذلك مخالفة لأيّ قاعدةٍ من قواعد العدل :

قال مولانا المجلسي ـ بعد حديث أبي إسحاق الليثي عن الإمام الهمام أبي جعفر محمّد بن علي الباقرعليهما‌السلام :

( اعلم أنّ هذا الخبر وأمثاله ممّا يصعب على القلوب فهمه وعلى العقول إدراكه ، ويمكن أن يكون كنايةً عمّا علم الله تعالى وقدّره من اختلاط المؤمن والكافر في الدنيا ، واستيلاء أئمّة الجور وأتباعهم على أئمّة الحقّ وأتباعهم ، واعلم أنّ المؤمنين إنّما يرتكبون الآثام لاستيلاء أهل الباطل عليهم ، وعدم تولّي أئمّة الحقّ لسياستهم ، فيعذرهم بذلك ويعفو عنهم ، ويعذّب أئمّة الجور وأتباعهم ، بتسبيبهم لجرائم من خالطهم ، مع ما يستحقّون من جرائم أنفسهم ، والله يعلم وحججه صلوات الله عليهم ) (١) .

وهذا وجه صحيح لحلّ هذه الرواية .

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار ٥ : ٢٣٤/ الباب ١٠ ، الطينة والميثاق .


ولهذه الرواية في كتب القوم نظائر ، فقد أخرج الحاكم في ( المستدرك ) :

(حدّثني علي بن جمشاد العدل ، ثنا محمّد بن بشر بن مطر، ثنا عبيد الله بن عمر القواريري ، ثنا حرمي بن عمارة بن أبي حفصة ، ثنا شداد بن سعيد أبو طلحة الراسبي ، عن غيلان بن جرير ، عن أبي بردة ، عن أبي موسىرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ليجيئنّ أقوام من أُمّتي بمثل الجبال ذنوباً فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى

هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

وقد روى الحجّاج بن نصير عن أبي طلحة بزيادات في متنه ، حدّثـنيه علي بن جمشاد ، ثنا أبو مسلم ومحمّد بن غالب ، قالا : ثنا حجّاج بن نصير ، ثنا شدّاد بن سعيد عن غيلان بن جرير ، عن أبي بردة ، عن أبيهرضي‌الله‌عنه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : تحشر هذه الأُمّة على ثلاثة أصناف : صنف يدخلون الجنّة بغير حساب ، وصنف يحاسبون حساباً يسيراً ، وصنف يجرّون على ظهورهم أمثال الجبال الراسيات ، فيسأل الله عن ذنوبهم وهو أعلم بهم فيقول : ما هؤلاء ؟ فيقولون : هؤلاء عبيد من عبادك

فيقول : حطّوها عنهم واجعلوها على اليهود والنصارى ، وأدخلوهم برحمتي الجنّة )(١) .

وفي (كنز العمال ) :

( أُمّتي ثلاثة أثلاث : فثلث يدخلون الجنّة بغير حسابٍ ولا عقاب ، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً ثمّ يدخلون الجنّة ، وثلث يمحّصون ثمّ تأتي الملائكة فيقولون : وجدناهم يقولون لا إله إلاّ الله وحده ، ويقول الله : صدقوا لا إله إلاّ أنا ، أدخلوهم الجنّة بقول لا إله إلاّ الله ، واحملوا خطاياهم على أهل التكذيب ، فهي التي قال الله :( وَلَيَحْمِلُنّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ ) . ابن أبي حاتم ، طب ـ عن عوف بن مالك .

ـــــــــــــــــ

(١) المستدرك على الصحيحين ٥: ٣٥٩/٧٧١٩ ـ ٧٧٢٠ كتاب التوبة والإنابة .


تحشر هذه الأُمّة يوم القيامة على ثلاثة أصناف : صنف يدخلون الجنّة بغير حساب ، وصنف يحاسبون حساباً يسيراً ويدخلون الجنّة ، وصنف يجيئون على حمائلهم بأمثال الجبال الراسيات ذنوباً ، فيقول الله عزّ وجلّ لملائكته وهو أعلم بهم : من هؤلاء ؟

فيقولون : ربّنا ، عبيد من عبيدك ، وكانوا يعبدوك ولا يشركون بك شيئاً

فيقول : حطّوها وضعوها على اليهود والنصارى ، وأدخلوهم الجنّة برحمتي طب ، ك ـ عن أبي موسى )(١) .

وفيه :

( ليجيئنّ أقوام من أُمّتي بمثل الجبال ذنوباً ، فيغفر الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى ك عن أبي موسى )(٢) .

وقد عقد السيوطي لهذه الأحاديث باباً في كتابه (البدور السافرة ) :

( بابٌ : أخرج الطبراني والحاكم وصحّحه عن أبي موسى ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : تحشر هذه الأُمّة يوم القيامة على ثلاثة أصناف : فصنف يدخلون الجنّة بغير حساب ، وصنف يحاسبون حساباً يسيراً ، وصنف يجيئون على حمائلهم كأمثال الجبال الراسيات ، فيقول الله تبارك وتعالى للملائكة ـ وهو أعلم بهم ـ : من هؤلاء ؟

فيقولون : ربّنا ، عبيد من عبيدك ، كانوا يعبدونك ولا يشركون بك شيئاً ، وعلى ظهورهم الخطايا والذنوب

فيقول : حطّوها عنهم وضعوها على اليهود والنصارى ، وأدخلوهم الجنّة برحمتي .

وأخرج ابن ماجة والطبراني عن أبي موسى ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة ، أذن لأُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالسجود ، فيسجدون له طويلاً ، ثمّ يقال لهم : ارفعوا رؤوسكم ، قد جعلنا عدّتكم فداءً لكم من النار .

وأخرج ابن ماجة والبيهقي عن أنس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ هذه أُمّة مرحومة ، عذابها بأيديها ، فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كلّ رجل من المسلمين رجل من المشركين ، فيقال : هذا فداؤك من النّار .

ـــــــــــــــــ

(١) كنز العمّال ١٢ : ١٦٩/٣٤٥٢٢ الباب السابع ـ في فضائل هذه الأمّة المرحومة .

(٢) كنز العمّال ١٢ : ١٧١/٣٤٥٢٩ الباب السابع ـ في فضائل هذه الأمّة المرحومة .


وأخرج مسلم عن أبي موسى رفعه : يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوبٍ أمثال الجبال ، يغفرها الله لهم ، ويضعها على اليهود والنصارى .

وأخرج ـ أيضاً ـ من وجهٍ آخر ، بلفظ : إذا كان يوم القيامة ، دفع الله إلى كلّ مسلم يهودياً أو نصرانياً ، فيقول : هذا فداؤك من النار .

قال القرطبي :

قال علماؤنا ( رحمهم الله ) : هذه الأحاديث ليست على عمومها ، وإنّما هي في أُناسٍ مذنبين ، يتفضّل الله تعالى عليهم برحمته ، فأعطى كلّ واحدٍ منهم فكاكاً من النّار من الكفّار )(١) .

وربّما حاول بعض علمائهم تأويل الحديث :

قال القرطبي بعد العبارة السابقة :

( وأمّا معنى قوله يضعها على اليهود والنصارى : أنّه يضاعف عليهم عذاب كفرهم وذنوبهم ، حتّى يكون عذابهم بقدر جرمهم وجرم مذنبي المسلمين لو أُخذوا بذلك ؛ لأنّه تعالى لا يؤاخذ أحداً بذنب أحد ، كما قال :( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) ، وله أن يضاعف لمن يشاء العذاب ويخفّف عمَّن يشاء ، بحكم إرادته ومشيّته .

قال : وقوله في الرواية الأُخرى : لا يموت رجل منكم إلاّ أدخل الله مكانه يهوديّاً أو نصرانيّاً ، معناه : أنّ المسلم المذنب لمّا كان يستحقّ مكاناً من النّار بسبب ذنوبه ، وعفا الله عنه وبقي مكانه خالياً منه ، أضاف الله تعالى ذلك المكان إلى يهودي أو نصراني ، ليعذّب فيه زيادةً على تعذيب مكانه الذي يستحقّه بحسب كفره ، وقد جاءت أحاديث دالّة على أنّ لكلّ مسلمٍ مذنبٍ كان

ـــــــــــــــــ

(١) البدور السافرة عن أُمور الآخرة : ٢١٢ ـ ٢١٤ .


أوّلاً منزلين : منزلاً في الجنّة ومنزلاً في النّار، وكذا الكافر، وذلك معنى قوله :( أُولئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ) أي يرث المؤمنون منازل الكفّار من الجنّة والكفّار منازل المؤمنين في النّار ، إلاّ أنّ هذه الوراثة تختلف : فمنهم من يرث بلا حساب ، ومنهم من يرث بحساب ومناقشة وبعد الخروج من النّار .

وقال البيهقي : يحتمل أن يكون الفداء في قومٍ كانت ذنوبهم كُفّرت عنهم في حياتهم ، أو في مَن أُخرج من النّار ، يقال لهم ذلك بعد الخروج .

وقال غيره : يحتمل أن يكون الفداء مجازاً ، عن وراثة المنزل التي تقدّمت الإشارة إليها ، هذا ما رجّحه النووي وغيره .

وقيل : المراد بالذنوب التي توضع على الكفّار ، ذنوب كان الكفّار سبباً فيها بأن سنّوها ، فلمّا غفرت سيّئات المؤمنين ، بقيت سيّئات الذي سنّ تلك السنّة السيّئة باقية على أربابها الكفرة ؛ لأن الكفّار لا يغفر لهم ، فيكون الوضع كنايةً عن إبقاء الذنب الذي لحق الكافر بما سنّه من عمله السيّئ الذي عمل به المؤمن قال ابن حجر : وهذا أقوى )(١) .

وقال النووي في (شرح صحيح مسلم ) :

( بابٌ في سعة رحمة الله المؤمنين ، وفداء كلّ مسلمٍ بكافرٍ من النّار : قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا كان يوم القيامة دفع الله تعالى إلى كلّ مسلم يهوديّاً أو نصرانيّاً فيقول : هذا فكاكك من النّار

وفي رواية : لا يموت رجل مسلم إلاّ أدخل الله مكانه النّار يهوديّاً أو نصرانيّاً

وفي رواية : يجيء يوم القيامة ناسٌ من المسلمين بذنوب أمثال الجبال ، فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى .

ـــــــــــــ

(١) البدور السافرة عن أُمور الآخرة : ٢١٤ .


الفكاك ـ بفتح الفاء وكسرها ، الفتح أفصح وأشهر ـ وهو الخلاص والفداء ، ومعنى هذا الحديث ما جاء في حديث أبي هريرة : لكلّ أحدٍ منزل في الجنّة ومنزل في النّار ، والمؤمن إذا دخل الجنّة خلفه الكافر في النّار ؛ لاستحقاقه ذلك بكفره ، ومعنى فكاكك من النّار : كنت تتعرّض لدخول النّار وهذا فكاكك ؛ لأنّ الله قدّر لها عدداً يملؤها ، فإذا دخلها الكفّار بكفرهم وذنوبهم ، صاروا في معنى الفكاك للمسلمين .

وأمّا رواية يجيء يوم القيامة ناسٌ من المسلمين بذنوبٍ فمعناه : أنّ الله تعالى يغفر الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم ، ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم ، فيدخلهم النّار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين ، ولابدّ من هذا التأويل ؛ لقوله تعالى :( ولا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) .

وقوله : ويضعها مجاز ، والمراد يضع عليهم مثلها بذنوبهم كما ذكرنا ، لكن لمّا أسقط سبحانه وتعالى عن المسلمين سيّئاتهم وأبقى على الكفّار سيّئاتهم ، صاروا في معنى من حمل إثم الفريقين ؛ لكونهم حملوا الإثم الباقي وهو إثمهم ، ويحتمل أن يكون المراد آثاماً كان للكفّار سبب فيها بأن سنّوها ، فتسقط عن المسلمين بعفو الله تعالى ، ويوضع على الكفّار مثلها ؛ لكونهم سنّوها ، ومن سنّ سنّة سيّئة كان عليه مثل وزر كلّ من عمل بها والله أعلم )(١) .

هذا ، وقد انتقد القرطبي في كتاب (التذكرة ) إنكار من أنكر هذه الأحاديث ، فقال ما نصّه :

( أنكر بعض المتغفّلة ، الذين اتّبعوا أهوائهم بغير هدىً من الله ، إعجاباً برأيهم وتحكّماً على كتاب الله وسنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بعقولٍ

ـــــــــــــــــ

(١) المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجّاج ١٧ : ٨٥ .


ضعيفة وأفهام سخيفة فقالوا : لا يجوز في حكم الله وعدله أن يضع سيّئات من اكتسبها على من لم يكتسبها ، ويؤخذ حسنات من عملها وتؤتى من لم يعملها ، وزعموا هذا جوراً ...

والجواب : إنّ الله سبحانه لم يبن أُمور الدنيا على عقول العباد ، ولم يعد ولم يوعد على ما تحتمله عقولهم ويدركونها بأفهامهم ، بل وعد وأوعد بمشيّته وإرادته ، وأمر ونهى بحكمته ، ولو كان كلّما لا تدركه العقول مردوداً ، كان أكثر الشرائع مستحيلاً على موضوع عقول العباد ؛ وذلك أنّ الله أوجب الغسل بخروج المني الذي هو طاهر عند بعض الصحابة وكثير من الأُمّة ، وأوجب غسل الأطراف من الغائط الذي لا خلاف بين الأُمّة وسائر من يقول بالعقل وغيرهما في نجاسته وقذارته ونتنه ، وأوجب بريحٍ يخرج من موضع الحدث ما أوجب بخروج الغائط الكثير المتفاحش ، فبأيّ عقلٍ يستقيم هذا ؟

أو بأيّ رأيٍ يجب مساواة ريحٍ ليس لها عينٌ قائمة بما يقوم عينه ويزيد على الريح نتناً وقذراً ؟

وقد أوجب الله قطع يمين مؤمن لعشرة دراهم ، وعند بعض الفقهاء بثلاثة دراهم ودون ذلك ، ثمّ سوّى بين هذا القدر من المال وبين مائة ألف دينار فيكون القطع فيها سواء ، وأعطى الأُم من ولدها الثلث ، ثمّ إن كان للمتوفّى إخوة جعل لها السدس من غير أن يرث الإخوة من ذلك شيئاً ؟

فبأيّ عقلٍ يدرك هذا ؟ إلاّ تسليماً وانقياداً من صاحب الشرع ، إلى غير ذلك .

وكذلك القصاص بالحسنات والسيّئات ) (١) .

وأخرج مسلم :

ـــــــــــــــــ

(١) التذكرة في أحوال الموتى وأُمور الآخرة : ٣١٠ ـ ٣١١/ باب القصاص يوم القيامة ممّن استطال في حقوق الناس .


 (حدّثنا أبوبكر ابن أبي شيبة ، ثنا أبو أُسامة ، عن طلحة بن يحيى ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كلّ مسلم يهوديّاً أو نصرانيّاً ، فيقول : هذا فكاكك من النّار .

وحدّثنا أبوبكر ابن أبي شيبة ، ثنا عفّان بن مسلم ، ثنا همام ، ثنا قتادة : أنّ عوناً وسعيد بن أبي بردة حدّثاه أنّهما شهدا أبا بردة يحدّث عمر بن عبد العزيز ، عن أبيه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : لا يموت رجل مسلم إلاّ أدخل الله مكانه النّار يهوديّاً أو نصرانيّاً

قال : فاستحلفه عمر بن عبد العزيز بالله الذي لا إله إلاّ هو ـ ثلاث مرّات ـ أنّ أباه حدّثه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : فحلف له

قال : فلم يحدّثني سعيد أنّه استحلفه ، ولم ينكر على عون قوله .

حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن مثنّى جميعاً ، عن عبد الصّمد بن عبد الوارث ، أخبرنا همام ، ثنا قتادة بهذا الإسناد نحو حديث عفّان ، وقال : عون ابن عتبة )(١) .

وأخرج في ( مسند أحمد ) :

( حدّثنا عبد الله ، حدّثني أبي ، ثنا أبو المغيرة ـ وهو النضر بن إسماعيل يعني القاضي ـ ثنا يزيد ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا كان يوم القيامة لم يبق مؤمن إلاّ أُتي بيهوديّ أو نصرانيّ ، حتّى يدفع إليه ، فيقال له : هذا فداؤك من النّار

قال أبو بردة : فاستحلفني عمر بن عبد العزيز بالله الذي لا إله إلاّ هو ، أسمعت أبا موسى يذكره

ـــــــــــــــــ

(١) صحيح مسلم ٤: ٢١١٩/٢٧٦٧ كتاب التوبة ـ باب (٨) قبول توبة القائل وإن كثر قتله .


عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

قال : قلت : نعم ، فسُرَّ بذلك )(١) .

وأخرج :

( حدّثنا عبد الله ، حدّثني أبي ، ثنا عبد الصمد ، ثنا همام ، ثنا قتادة ، عن سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى الأشعري ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يموت مسلم إلاّ أدخل الله مكانه النّار يهوديّاً أو نصرانيّاً .

حدّثنا عبد الله ، حدّثني أبي ، ثنا عبد الصمد ، ثنا همام ، ثنا قتادة ، عن سعيد بن أبي بردة وعون بن عتبة حدّثاه : أنّهما شهدا أبا بردة يحدّث عمر بن عبد العزيز بهذا الحديث ، فاستحلفه بالله الذي لا إله إلاّ هو ، أنّ أباه حدّثه أنّه سمع من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلم ينكر ذلك سعيد على عون أنّه استحلفه )(٢) .

وأخرج ابن ماجة :

( حدّثنا جبارة بن المغلس ، حدّثنا عبد الأعلى بن أبي المساور ، عن أبي بردة عن أبيه ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة ، أذن لأُمّة محمّدٍ في السجود ، فيسجدون له طويلاً ، ثمّ يقول : ارفعوا رؤوسكم قد جعلنا عدّتكم فداءكم من النّار .

حدّثنا جبارة بن المغلس ، حدّثنا كثير بن سليم ، عن أنس بن مالكرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ هذه الأُمّة مرحومة ، عذابها بأيديها ، فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كلّ رجل من المسلمين رجلاً من

ـــــــــــــــــ

(١) مسند أحمد ٥ : ٥٤٩/١٩١٠٣ .

(٢) مسند أحمد ٥ : ٥٣١/١٨٩٩١ ـ ١٨٩٩٢ .


المشركين فيقال : هذا فداؤك من النّار )(١) .

وفي (جامع الأُصول ) :

( إنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال : لا يموت مسلم إلاّ أدخل الله مكانه النّار يهوديّاً أو نصرانيّاً

قال : فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلاّ هو ـ ثلاث مرّات ـ أنّ أباه حدّثه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : فحلف له )(٢) .

هل يدخل ولد الزنا الجنّة ؟

رأي الإماميّة في المسألة

ذهب بعض الإماميّة إلى أنّ ولد الزنا لا يكون مؤمناً ، بمعنى : أنّه يختار الكفر عن اختيار ، وإنْ أظهر الإيمان في الظاهر ولا مخالفة لهذا القول لقواعد العدل

قال في (الفصول المهمّة ) :

( والقول بأنّ ولد الزنا كافر وإنْ أظهر الإسلام ، ليس له دليل يُعتدّ به ، وأكثر الإماميّة على خلافه

ـــــــــــــــــ

(١) سنن ابن ماجة ٢ : ١٤٣٤/٤٢٩١ ـ ٤٢٩٢ كتاب الزهد ـ الباب (٣٤) باب صفة أمّة محمّد .

(٢) جامع الأصول ٩ : ١٩٤/٦٧٥٨ الباب الخامس من كتاب الفضائل والمناقب في فضل هذه الأمّة الإسلاميّة ـ النوع السادس .


ووجه ما مرّ ممّا يوهم ذلك : إنّ خبث أصله سبب لميله إلى أفعال المعاصي غالباً باختياره ، ولا يخفى أنّ تلك الأسباب لا تنتهي إلى حدّ الجبر والإلجاء قطعاً ، للأدلّة العقليّة والنقليّة على امتناع الظلم على الله )(١) .

فالأخبار الواردة في هذا المعنى هي في الحقيقة إخبار عن سوء حال ولد الزنا ، بمعنى أنّ أكثر أولاد الزنا تصدر منهم الأفعال القبيحة والأعمال الشنيعة المانعة من الدخول في الجنّة ، وهذا لا ينافي فلاح بعضهم ، وقد اشتهر أنّه ( ما من عامٍ إلاّ قد خُصَّ ) ولا كلام في جواز تخصيص العمومات وتقييد المطلقات ، الواردة في الكتاب والسنّة ...

فالأخبار المذكورة ـ بعد فهم معناها وحملها على الغالب ـ سالمة من الإشكال .

والحمل على الغالب شائع وذائع في الأخبار ، كحملهم عليه الحديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( أعمار أُمّتي مابين الستّين إلى السبعين ) ، إذ قال المناوي بشرحه :

( قال الطيبي : هذا محمول على الغالب ، بدليل شهادة الحال ، فإنّ منهم من لم يبلغ ستين )(٢) .

فما ذكره الشيخ الحرّ العاملي في تأويل أخبار ولد الزنا في (الفصول المهمّة ) من الحمل على الغالب صحيح .

وعليه الزمخشري والرازي

وهو موافق لما ذكره الزمخشري والرازي في تفسيريهما ، بتفسير قوله تعالى :( لاَ تُطِعْ كُلّ حَلاّفٍ مَهِينٍ * هَمّازٍ ) .

قال في (التفسير الكبير ) :

( هذا يدلّ على أنّ هذين الوصفين ـ وهو كونه عتلاًّ زنيماً ـ معائبه ؛ لأنّه إذا كان جافياً غليظ الطبع ، قسا قلبه واجترأ على كلّ معصية ؛ ولأنّ الغالب أنّ النطفة إذا خبثت خبث الولد ، ولهذا قالعليه‌السلام : لا يدخل الجنّة ولد الزنا ولا ولده ولا ولد ولده )(٣) .

ـــــــــــــ

(١) الفصول المهمّة في أصول الأئمّة ٣ : ٢٦٨/ الباب الأوّل من أبواب نوادر الكليّات .

(٢) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير ٢ : ١١ .

(٣) تفسير الرازي ٣٠ : ٨٥ .


وفي (الكشّاف ) :

( وكان الوليد دعيّاً في قريش ، ليس من سنخهم ، ادّعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده

وقيل : بغت أُمّه ولم يعرف حتّى نزلت هذه الآية

جعل جفاءه ودعوته أشدّ معائبه ؛ لأنّه إذا جفا وغلظ طبعه قسا قلبه واجترأ على كلّ معصية ؛ ولأنّ الغالب أنّ النطفة إذا خبثت خبث الناشيء منها ، ومن ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يدخل الجنّة ولد الزنا ولا ولده ولا ولد ولده )(١) .

هذا ، وللقوم في تأويل هذه الأحاديث أقوال أُخرى :

الأقوال في تأويل خبر : ولد الزنا لا يدخل الجنّة

قال السيوطي في (اللآلئ المصنوعة ) :

( قال الرافعي في تاريخ قزوين : رأيت بخط الإمام أبي الخير أحمد بن إسماعيل الطالقاني : سألني بعض الفقهاء في المدرسة النظامية ببغداد في جمادى الأُولى سنة ٥٧٦ عمّا ورد في الخبر أنّ ولد الزنا لا يدخل الجنّة ، وهناك جمع من الفقهاء ، فقال بعضهم : هذا لا يصحّ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) وذكر أنّ بعضهم قال في معناه : إنّه إذا عمل عمل أصليه وارتكب الفاحشة لا يدخل الجنّة ، وزُيّف ذلك بأنّ ذلك لا يختصّ بولد الزنا بل حال ولد الرشيدة مثله

ثمّ فتح الله علَيّ جواباً شافياً لا أدري هل سبقت إليه ، فقلت : معناه أنّه لا يدخل الجنّة بعمل أصليه ، بخلاف ولد الرشيدة ، فإنّه إذا مات طفلاً وأبواه مؤمنان أُلحق بهما وبلغ درجتهما بصلاحهما ، على ما قال تعالى :( وَالّذِينَ آمَنُوا وَاتّبَعَتْهُمْ ذُرّيّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ ) وولد الزنا لا يدخل الجنّة بعمل أبويه

أمّا الزاني فنسبه منقطع ، وأمّا الزانية فشؤم زناها ـ وإنْ صلحت ـ يمنع من وصول بركة صلاحها إليه )(٢) .

والآية الكريمة في نسخة اللآلي كما نقلت :

ـــــــــــــــــ

(١) الكشّاف ٦ : ١٨٣ .

(٢) اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ٢ : ١٩٤ .


أقول :

لكنّ تأويل أبي الخير الطالقاني ـ أيضاً ـ لا يخلو من ضعف ؛ لأنّ صريح تلك الأحاديث أنّ ولد الزنا لا يدخل الجنّة ، وأنّه محروم منها ، كما يدلّ عليه ـ أيضاً ـ تشريكه مع العصاة والمجرمين ، وكما يدلّ على ذلك عدم دخول ولد الزنا الجنّة ولا ولده ولا ولد ولده إلى ثلاثة بل إلى خمسة بل إلى سبعة ، فالقول بأنّه لا يدخل الجنّة بعمل أصليه ، إنْ أُريد منه أنّ عملهما هو السبب في عدم دخوله الجنّة فالإشكال باقٍ على حاله ، وإنْ أُريد منه أنّه غير محروم من الجنّة ، بل يدخلها لكنْ لا بعمل أبويه ، فهو مخالفٌ لصريح الأحاديث .

ثمّ إنّ هذا التأويل لا يفيد في حديث أبي هريرة : إنّ ولد الزنا شرّ الثلاثة

وكذا بالنظر إلى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وكلام سعيد بن جبير من أنّه مخلوق للنّار ، بل يردّه حديث ميمونة ، العام الصريح في سلب الخير من والد الزنا وكذا فتوى أبي حنيفة بأنّ خبث الولادة عيب في المبيع .

ومنهم من تأوّل هذه الأحاديث : بأنّ المراد من ولد الزنا فيها ، هو من واظب على الزنا والتزم به ، كما يقال للشجعان : بنو الحرب ، ولأولاد المسلمين : بنو الإسلام ...

ذكره عبد الحق الدهلوي في ( شرح سفر السّعادة ) عن بعض العلماء .

وهو ضعيف لوجوه ، منها : أنه لا يمكن أن يحمل عليه ما ورد من تلك الأحاديث بلفظ : لا يدخل الجنّة ولد الزنا ولا ولده ولا ولد ولده ، وفي بعضها : ولا شيء من نسله إلى سبعة آباء .

ومنهم من تأوَّل حديث : ولد الزنا شرّ الثلاثة ، بقوله : ( لأنّ الحدّ قد يقام عليها فتكون العقوبة لهما ، وهذا في علم الله لا يدرى ما يصنع به وما يفعل في ذنوبه ) .

أورده السيوطي في (مرقاة الصعود ـ حاشية سنن أبي داود ) عن بعضهم .

وفيه ضعف من وجوه كثيرة :

منها : احتمال أن يتوب ولد الزنا ولا يتوب والداه ، فيكون خيراً منهما .

ومنها : إنّ مجرّد عدم العلم بما يفعله الله فيه لا يقتضي كونه شرّاً منهما .

ومنها : إنّه لا يجري في سائر الأحاديث الواردة في عدم دخول ولد الزنا الجنّة .


ولمّا أُشكل الأمر على بعضهم ، ولم يتمكّن من فهم هذه الأحاديث ، عمد إلى تكذيبها ، كما في كلام القاري ، حيث قال : ( حديث : ولد الزنا لا يدخل الجنّة ، لا أصل له )(١) .

لكن القول بأنّه ( لا أصل له ) لا يستلزم عدم تخريج أحد من المحدّثين للحديث ، ولو تمّ الاستلزام المذكور لزم تكذيب جميع العلماء الذين صرّحوا بوقوع الاختلاف في الأحاديث ، والحال أنّ وقوع الإختلاف في الأحاديث أمر واضح كالشمس في رابعة النهار ، كما لا يخفى على من راجع كتب الحديث ، لاسيّما شروح الصحاح وأمثالها من الأسفار وما أكثر الأحاديث التي قيل بأنْ لا أصل لها ، مع وجود روايات القوم لها بأسانيدهم كما لا يخفى على من راجع (اللآلي المصنوعة ) وأمثاله ، بل قلّما تجد حديثاً ممّا أدرجه ابن الجوزي في (الموضوعات ) لم يروه إمام كبيرٌ من أئمّة الحديث عندهم .

إنّ الاختلاف بينهم في الأحاديث التي يروونها ممّا يعلمه أقلّ الطلبة ...

حتّى أنّه ليعلم وقوع الاختلاف في أحاديث كتابي البخاري ومسلم المعروفين بالصحيحين أيضاً فإنّ ذلك مذكور في سائر الكتب ، وحتّى في الكتب الدرسيّة مثل (فواتح الرحموت في شرح مسلّم الثبوت ) فإنّه قال :

( فرع ـ ابن الصلاح وطائفة من الملقَّبين بأهل الحديث زعموا أنَّ رواية الشيخين محمّد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجّاج صاحبي الصحيحين يفيد العلم النظري ، للإجماع على أنّ للصحيحين مزيّةً على غيرهما ، وتلقّت الأُمّة بقبولهما ، والإجماع قطعي .

وهذا بهت ، فإنّ من رجع إلى وجدانه يعلم بالضرورة أنّ مجرّد روايتهما لا يوجب اليقين ألبتّة ، وقد روي فيهما أخبار متناقضة ، فلو أفاد روايتهما علماً لزم تحقق النقيضين في الواقع .

ــــــــــــــ

(١) الأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة : ٣٦٢/٥٧٥ .


وهذا ـ أي ما ذهب إليه ابن الصلاح وأتباعه ـ بخلاف ما قاله الجمهور من الفقهاء والمحدّثين ؛ لأنّ انعقاد الإجماع على المزيّة على غيرهما من مرويّات ثقات آخرين ممنوع ، والإجماع على مزيّتهما في أنفسهما لا يفيد ؛ ولأنّ جلالة شأنهما وتلقّي الأُمّة بكتابيهما ـ لو سلّم ـ لا يستلزم ذلك القطع والعلم ، فإن القدر المسلّم المتلقّى بين الأُمة ليس إلاّ أنّ رجال مرويّاتهما جامعة للشروط التي اشترطها الجمهور لقبول روايتهم ، وهذا لا يفيد إلاّ الظن، وأمّا أن مرويّاتهما ثابتة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا إجماع عليه أصلاً ، كيف ؟ ولا إجماع على صحّة جميع ما في كتابيهما ؛ لأنّ رواتهما منهم قدريّون وغيرهم من أهل البدع ، وقبول رواية أهل البدع مختلف فيه ، فأين الإجماع على صحّة مرويّات القدريّة ، غاية ما يلزم أنّ أحاديثهما أصحّ الصحيح ، يعني إنّها مشتملة على الشروط المعتبرة عند الجمهور على الكمال ، وهذا لا يفيد إلاّ الظن القوي هذا هو الحق المتّبع )(١) .

أسماء الأئمّة الرواة للخبر المذكور

ونحن نذكر أسماء الأئمّة الأعلام من أهل السنّة ، الرواة لأحاديث عدم دخول ولد الزنا الجنّة ليكون دليلاً على ما ذكرنا ، وليتّضح أنّ لهذه الأحاديث أصلاً في كتب القوم ، فلا يغترَّ بكلام القاري أحد ، وهؤلاء هم :

١ ـ أحمد بن حنبل .

٢ ـ ابن أبي شيبة .

٣ ـ عبد بن حميد الكشي .

٤ ـ سفيان بن سعيد الثوري .

٥ ـ عبد الرزاق بن همام .

٦ ـ أبو عيسى الترمذي .

٧ ـ أبو عبد الرحمان النسائي .

٨ ـ أبو داود السجستاني .

٩ ـ ابن ماجة القزويني .

ـــــــــــــــــ

(١) فواتح الرحموت ـ شرح مسلم الثبوت ٢ : ١٢٣ .


١٠ ـ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري .

١١ ـ أبو حاتم ابن حبّان .

١٢ ـ أبو الحسن الدارقطني .

١٣ ـ أبوبكر البيهقي .

١٤ ـ أبو نعيم الأصبهاني .

١٥ ـ أبو الطاهر الحسن بن أحمد بن فيل(١) .

١٦ ـ أبو العباس أحمد بن جعفر الخرائطي(٢) .

١٧ ـ عبد الرحمان بن أبي حاتم الرازي .

١٨ ـ أبو الشيخ الأصبهاني .

١٩ ـ أبو سليمان الخطابي .

٢٠ ـ أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري .

٢١ ـ أبو القاسم الطبراني .

٢٢ ـ أبو يعلى الموصلي .

٢٣ ـ أبو بكر الخطيب البغدادي .

٢٤ ـ أبو بكر ابن مردويه .

٢٥ ـ محب الدين ابن النجار البغدادي .

٢٦ ـ أبو الخير الطالقاني .

٢٧ ـ أبو القاسم الرافعي .

٢٨ ـ زكي الدين عبد العظيم المنذري .

٢٩ ـ أبو إسحاق الثعلبي .

٣٠ ـ جار الله الزمخشري .

٣١ ـ أبو السعادات ابن الأثير ، صاحب جامع الأُصول .

٣٢ ـ أبو الحسن ابن الأثير ، صاحب أُسد الغابة .

٣٣ ـ محمّد بن إسحاق بن منده .

ـــــــــــــــــ

(١) توجد ترجمته في الأنساب ( البالسي ) .

(٢) توجد ترجمته في الأنساب ( الخرائطي ) وفي مرآة الجنان حوادث ٣٢٧ .


٣٤ ـ أبو علي ابن السكن .

٣٥ ـ أبو العبّاس نجم الدين القمولي .

٣٦ ـ عبد العزيز البخاري صاحب ( كشف الأسرار ـ شرح أُصول البزدوي ) .

٣٧ ـ مسعود بن عمر التفتازاني .

٣٨ ـ شمس الدين ابن خلكان .

٣٩ ـ ابن حجر العسقلاني .

٤٠ ـ جلال الدين السيوطي .

٤١ ـ الملاّ علي المتقي .

٤٢ ـ أبو الخير السخاوي .

٤٣ ـ شمس الدين العلقمي .

٤٤ ـ عبد الرؤوف المناوي .

٤٥ ـ ابن العرّاق .

٤٦ ـ الشيخ رحمة الله السندي .

٤٧ ـ ابن روزبهان الخنجي .

٤٨ ـ ابن الجزري الدمشقي .

٤٩ ـ شهاب الدين الخفاجي .

٥٠ ـ الشيخ عبد الحق الدهلوي .

تنبيه

ذكر السيوطي في (اللآلي المصنوعة ) تكلُّم ابن الجوزي في بعض طرق الحديث ، كقوله في أحدها : ( عبد الكريم متروك ) .


أقول :

إن كان المراد ( عبد الكريم بن مالك الجزري ) فهو ثقة من رجال الكتب الستّة ، كما في (تقريب التهذيب )(١) .

وإنْ كان المراد ( عبد الكريم بن أبي المخارق ) فهو من أعيان التابعين ، ومن رجال الترمذي والنسائي وابن ماجة والبخاري ومسلم في التعاليق ، كما في (الكاشف )(٢) .

وتكلّم ابن الجوزي في رواية الدار قطني بأنّ ( أبو إسرائيل الملائي ) ضعيف .

وفيه : إنّه من رجال الترمذي وابن ماجة ، كما في (الكاشف )(٣) و (التقريب ) وقال ابن حجر : ( صدوق )(٤)

وقد كان أبو إسرائيل مؤكّداً على ثبوت الحديث ، كما في (اللآلي المصنوعة ) .

وتكلّم في رواية عبد بن حميد بسبب ( إبراهيم بن مهاجر ) .

وفيه : إنّه من رجال الترمذي وابن ماجة وأبي داود والنسائي ، بل ومسلم كما في (الكاشف ) و (التقريب ) بل نصَّ ابن حجر على أنّه ( صدوق )(٥) .

وتكلّم في رواية عبد الرزاق لكون ( جابان ) في طريقه .

وفيه : إنّه قد وثّقه ابن حبّان ، وقال ابن حجر : ( مقبول )(٦) .

ـــــــــــــــــ

(١) تقريب التهذيب ١ : ٥١٦ .

(٢) الكاشف للذهبي ٢ : ٢٠٠ .

(٣) الكاشف ١ : ٧٦ .

(٤) تقريب التهذيب ١ : ٦٩ .

(٥) الكاشف ١ : ٥٠ ، تقريب التهذيب ١ : ٤٤ .

(٦) تقريب التهذيب ١ : ١٢٢ .


حول كتاب سليم بن قيس الهلالي

قال الفيض آبادي ما محصّله معرّباً :

كنّا نعتقد منذ القديم ، وعلى أثر التتبع والنظر في أُصول وقواعد مذهب الشيعة ، أنّ أصحّ الكتب عندهم قبل القرآن ، هو : كتاب الكافي لأبي جعفر الكليني ، وقد أرسل إليّ في هذه الأيّام بعض الأصدقاء كتاب التفسير لأهل البيت الطاهرين ، لجامعه شيخ مشايخ الإماميّة علي بن إبراهيم القمّي أُستاذ الكليني ، ومجلَّد كتاب الفتن من بحار الأنوار للشيخ محمّد باقر مع ترجمته لمجتهد العصر وعلاّمة الدهر ، فوجدت الشيخ المذكور ـ أعني أفضل متكلّمي الشيعة المتأخّرين الشيخ المجلسي ـ ينصّ على أنّ كتاب سليم بن قيس هو الأقدم والأفضل .

ولديَّ من كتاب سليم نسخة ، أوّلها :

قال : حدّثني أبوطالب محمّد بن صبيح بن رجاء بدمشق سنة ٣٣٤ ، قال : أخبرني أبو عمر عصمة بن أبي عصمة البخاري ، قال : حدّثنا أبوبكر أحمد بن المنذر بن أحمد الصنعاني بصنعاء ـ شيخ صالح مأمون ، جار إسحاق بن إبراهيم الدميري ـ قال : حدّثنا أبوبكر عبد الرزاق بن همام بن النافع الصنعاني الحميري ، قال : حدّثنا أبو عروة معمر بن راشد البصري ، قال : دعاني أبان بن أبي عيّاش ، قبل موته بنحو شهر ...

ونقل المجلسي عن النعماني أنّه وصف الكتاب المذكور بأنّه أصل من الأُصول التي رواها أهل العلم وحملة حديث أهل البيتعليهم‌السلام ، وهو أقدمها ؛ لأنّ جميع ما اشتمل عليه هذا الكتاب هو عن رسول الله ( صلَّى الله عليه وآله ) وأمير المؤمنين والمقداد وسلمان الفارسي وأبي ذر ، ومن جرى مجراهم ممّن شهد رسول الله وأمير المؤمنين وسمع منهما ، وهو من الأُصول التي ترجع الشيعة إليها وتعوّل عليها .

وجلالة قدر هذا الكتاب ظاهرة ـ أيضاً ـ من كتب الشيخين عند تلك الطائفة .

وقد وصف البرقي مؤلّفه بأنّه من الأولياء الكاملين من أصحاب أمير المؤمنين .

وجعله الميرزا محمّد الأسترابادي في منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال ـ تبعاً لأسلافه ـ من المعدّلين والمعتمدين .


وكيف لا يكون كذلك ، وقد عدَّه الإمام الأعظم الحلّي في خلاصة الأقوال والشيخ محمّد تقي والد الفاضل المجلسي في رجال روضة المتّقين ، من خُلّص أصحاب المرتضى .

بل إنّه ـ كما قال بعض الأجلّة ـ إنّما صنّف الكتاب المذكور بأمرٍ من أمير المؤمنين.

وفي البحار ، من طريق عمر بن أُذينة ، عن أبان : إنّ سليماً قد احتاط في هذا الكتاب إلى حدٍّ ـ والعياذ بالله ـ لم يثق بما رواه عن أمير المؤمنين وحده ، وكذا كلّ من أصحابه الثلاثة ، يعني سلمان وأبا ذر والمقداد ، حتّى يسمع الخبر من البقيّة ، فإذا اجتمعوا على شيءٍ كتبه ، وهذا هو صريح كلامه ، حيث قال :

( أخذتها من أهل الحق والفقه والصدق والبرّ ، عن عليّ بن أبي طالب وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري والمقداد بن الأسود ، ليس منها حديث أسمعه من أحدهم إلاّ سألت عنه الآخر ، حتّى اجتمعوا عليه جميعاً ) .

وقد جاء في آخر النسخة : أنّه قد عرض الكتاب كلّه على سيّد الساجدين وكان في مجلسه أبو الطفيل صحابي رسول الله ، وعمر بن أبي سلمة ابن أُم المؤمنين أُم سلمة ( رضي الله عنها ) ، فأقرّوه كلّهم .

وفي البحار : ( قال أبان : فحججت من عامي ذلك ، فدخلت على عليّ ابن الحسين وعنده أبو الطفيل عامر بن واثلة صاحب رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان من خيار أصحاب عليّعليه‌السلام ، ولقيت عنده عمر بن أبي سلمة ابن أُم سلمة زوجة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فعرضته عليه وعرضت على علي بن الحسين ذلك أجمع ، ثلاثة أيام ، كلّ يومٍ إلى اللّيل ، ويغدو عليه عمر وعامر ، فقرأته عليه ثلاثة أيام فقال لي : صدق سليمرحمه‌الله ، هذا حديثنا كلّه نعرفه ، وقال أبو الطفيل وعمر بن أبي سلمة : ما فيه حديث إلاّ وقد سمعته من علي ومن سلمان وأبي ذر ومن المقداد ) .

والإمام محمّد الباقرعليه‌السلام ، بعد أنْ استمع إلى قصّة الكتاب ومؤلّفه ، جعل يمدحه بالصدق والسداد والرشد والرشاد .

ولا يخفى على أحد : أنّ يعقوباً الكليني الذي استفاد كثيراً من سليم وأمثاله ، لم يصل إلى هذه المراتب العالية ، وكتابه الذي شحنه بروايات الملحدين في الآفاق ، من أمثال زرارة وشيطان الطاق ، لا يصل إلى هذه المراتب القصوى .


ورواة كتاب سليم من أجلاّء أصحاب سيّد الأنبياءصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمثالهم ، الذين هم ـ كما وصفهم الإمام الرضا ـ كالنجوم في السماء ، وهو كتابٌ مقبولٌ عند أئمّة الهدى ، من أوّله إلى آخره ، ويعدُّ جامعه فيمن لازم أمير المؤمنين وكان من كمّل أصحابه الأطياب ، بالإضافة إلى الوقائع الكثيرة التي شاهدها سليم منذ زمن إمامته إلى زمان إمامة الإمام الباقر .

أمّا الكليني فقد سمع ذلك عن لسان الآخرين .

ولمزيد الاعتماد ودفع الاشتباه وتحقيق الأُمور ، رجع سليم إلى الحسنينعليهما‌السلام أيضاً ، كما في اعتقادات صدوق المتشيّعين وصحيفة المتّقين وليس الخبر كالمعاينة .

وبالنظر إلى هذه الوجوه اليقينيّة ، فلو حلف أحد على صحّة كتاب سليم ما كان حانثاً .

نقد الكلام المذكور

أقول :

وفي هذا الكلام افتراءات وخرافات وأغلاط ، نتعرّض فيما يلي لبعضها :

أوّلاً : ما ذكره من أنّا نقول بأنّ الكافي أصحّ من القرآن الكريم ، من أقبح الافتراءات وأشنع الأكاذيب وأفظع التّهم حاشا أهل الحق من ترجيح كلامٍ أو كتابٍ على كتاب الله العظيم ...

وثانياً : نسبة ترجمة كتاب بحار الأنوار إلى سلطان العلماء قدّس سرّه ، لا أساس لها من الصحّة .

وثالثاً : ما عزاه إلى صاحب البحار من القول بتفضيل كتاب سليم على كتاب الكافي ، باطل كذلك ، إذ لا دلالة لكلامه على هذا بوجهٍ من الوجوه ، بل المستفاد من كلامه ترجيحه سائر الأُصول المعتبرة على كتاب سليم ، حيث قال : ( والحقّ أنّ بمثل هذا ـ أي اشتماله على قصّة محمّد بن أبي بكر الآتي تفصيلها


ـ لا يمكن القدح في كتابٍ معروفٍ بين المحدّثين ، اعتمد عليه الكليني والصّدوق وغيرهما من القدماء ، وأكثر أخباره مطابقة لما روي بالأسانيد الصحيحة في الأُصول المعتبرة )(١) ، إذ تراه يستدل لاعتبار كتاب سليم باعتماد الكليني وغيره من المحدّثين عليه ، وبمطابقة أخباره لما في الأُصول المعتبرة ، فكان مطابقة أخباره لذلك دليلاً على اعتباره ...

وبالجملة ، فإنّ دعوى أفضليّة كتاب سليم من كتاب الكليني ممنوعة جدّاً ، ولا دليل عليها في كلام الشيخ المجلسي أصلاً .

وما حكاه عن النعماني فظاهره أنّ كتاب سليم أصل من أفضل الأُصول ومن أقدمها ، فلا دلالة فيه على كونه أفضل الأُصول كلّها ...

ورابعاً : إنّ كنية ( عصمة بن أبي عصمة ) هي ( أبو عمرو ) لا ( أبو عمر ) فما ذكره خطأ .

وخامساً : إنّ نسبة إسحاق بن إبراهيم إلى ( الدير ) فهو ( الديري ) وقوله ( الدميري ) خطأ وترجمته مذكورة في الكتب الرجالية ، وليته رجع إليها ، وقد وثّقه غير واحدٍ من الأعلام .

تنبيه على خطأٍ لصاحب التحفة

هذا ، وقد توهّم الدهلوي صاحب (التحفة ) أنّ لسليم بن قيس كتابين لا كتاب واحد ، وقد نشأ هذا التوهّم لديه عندما أراد ترجمة عبارة كتاب (الصواقع ) ـ لكون (التحفة ) منحولةً منه ـ التي هذا نصّها :

( الرواية السادسة :

إنّه روى سليم بن قيس الهلالي في كتابه ، من

ـــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار ٣٠ : ١٣٤ ، الباب ١٩ .


احتجاجات الأشعث بن قيس ، في خبرٍ طويل ، أنّ أمير المؤمنين ، قال : لمّا قُبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومال النّاس إلى أبي بكر فبايعوه ، حملت فاطمة وأخذت بيد الحسن والحسين ، ولم أدع أحداً من أهل بدر وأهل السّابقة من المهاجرين والأنصار ، إلاّ ناشدتهم الله حقّي ودعوتهم إلى نصرتي ، فلم يستجب لي من جميع الناس إلاّ أربع رهط : الزبير وسلمان وأبو ذر ومقداد

وهو دالّ على أنّه لم يجب عليه التقيّة ؛ لأنّه لو وجبت لم يظهر أمره لمن بايع أبا بكر ، فإنّ التقيّة تنافي الإظهار .

الرواية السابعة :

روى سليم بن قيس في كتابه الآخر المشهور لدى الشيعة بكتاب أبان بن أبي عيّاش الذي يرويه عن سليم : أنّ أبا بكر بعث قنفذاً إلى علي حين بايعه الناس ولم يبايعه علي ، وقال له : انطلق إلى علي وقل له : أجب خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فانطلق فبلّغه ) .

فقال في الوجه السادس : ( ذكر سليم بن قيس الهلالي في كتابه ) ثمّ قال في السابع : ( ذكر سليم بن قيس في كتابه الذي رواه عنه أبان ) ، فتوهّم الدهلوي من اختلاف التعبير تعدّد الكتاب ، كما لا يخفى على من راجع (التحفة )(١) وما هو إلاّ تفنّن في العبارة ؛ لأنّ كتاب سليم ليس إلاّ ما رواه أبان لكنّ الدهلوي غفل عن ذلك .

وسادساً : إنّ الذي يجده الناظر في رجال البرقي هو كون سليم بن قيس من أولياء أمير المؤمنين

وأمّا كلمة ( الكاملين ) فإضافة من الفيض آبادي .

وسابعاً : وما حكاه عن العلاّمة الحلي ـ أيضاً ـ غير خالٍ من التحريف والتصحيف ؛ لأنّ المذكور في (خلاصة الأقوال ) بالنص هو : ( وقال السيّد علي

ـــــــــــــــــ

(١) التحفة الاثنى عشريّة : ٣٦٥ ـ ٣٦٦ .


بن أحمد العقيقي : كان سليم بن قيس من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، طلبه الحجّاج )(١) وليس فيه ( من خُلّص أصحاب ) ، فكانت كلمة ( خُلّص ) إضافةً من الفيض آبادي .

وثامناً : وأمّا أن ( سليماً ) صنَّف هذا الكتاب بأمرٍ من الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام فلا ندري من أين جاء به ؟ وممّن سمعه ؟ ولماذا لم يذكر اسم بعض الأجلّة الذي عزا إليه هذه الدعوى ؟

وتاسعاً : وكبرت كلمة تخرج من فيّ هذا الرجل ، إذ نسب إلى سليم أنّه كان إذا سمع شيئاً من أمير المؤمنينعليه‌السلام وحده لم يكتبه حتّى يسمعه من سلمان ـ أيضاً ـ مثلاً وكيف يمكنه إرجاع الضمير في ( أحدهم ) إلى كلّ من ذكر ليشمل الإمامعليه‌السلام أيضاً بل ظاهر كلام سليم أنّه متى ما سمع شيئاً من أحد الثلاثة منفرداً لم يكتبه ( حتّى اجتمعوا عليه جميعاً ) ، فلا يعمّ الكلام الإمامعليه‌السلام ...

لا يقال : إنّ هذا أيضاً غير جائز ؛ لأنّه طعن في الثلاثة .

لأنّا نقول : ليس الأمر كذلك ، وإنّما كان ذلك احتياطاً من سليم ، كما صرّح هو في حديثٍ سمعه من أبي ذر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ قال : ( يا أبا الحسن ، وأنت يا سلمان ، وأنت يا مقداد ، تقولون كما قال أبوذر ؟

قالوا : نعم ، صدق

قلت : أربعة عدول ، ولو لم يخبرني منكم غير واحدٍ ما شككت في صدقه ، ولكنْ أربعتكم أشدّ لنفسي وبصيرتي )(٢) .

هذا ، ولا مانع من عود الضمير في ( أحدهم ) إلى جميع الأربعة ؛ لجواز

ـــــــــــــــــ

(١) خلاصة الأقوال رجال العلاّمة الحلّي : ٨٣ ترجمة سليم بن قيس الهلالي .

(٢) كتاب سليم بن قيس ٢ : ٧٢٦/ الحديث ١٩ .


أن يكون مقصد سليم هو الاحتجاج بالخبر على المخالفين لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، فكان يأخذ الخبر من غيره من الصحابة ـ أيضاً ـ ليتمّ الاحتجاج به عليهم ، كما هو دأب المصنّفين من أهل الحق ، إذ لا يكتفون بما يروونه عن الأئمّة الأطهار في مقام إلزام الخصوم وحتّى الإمام نفسهعليه‌السلام قد اضطرّ إلى مناشدة الأصحاب غير مرّة ، كما هو معلوم ...

وعاشراً : لقد نقل عن الإمام السجّادعليه‌السلام تصديقه كتاب سليم ، لكنَّ السند ضعيف ، ففي (منتهى المقال ) :

( وفي كش ـ بسندٍ ضعيف ـ في جملة حديث : وزعم أبان أنّه قرأه على عليّ بن الحسينعليه‌السلام قال : صدق سليم رحمة الله عليه ، هذا حديث نعرفه )(١) .

وقد كان على الفيض آبادي التنبيه على هذا !

والحادي عشر : إنّه ليس في شيءٍ من الكتب الرجالية ما يدلّ على تصديق الإمامعليه‌السلام وتأييده لكتاب سليم ومن ادّعى فعليه البيان .

نعم هناك رواية فيها تصديق الإمامعليه‌السلام لخبرٍ رواه سليم بن قيس في سبب اختلاف الناس في الحديث ، رواها الكشي في كتابه ، وهذا نصّها :

( محمّد بن الحسن ، قال : حدّثنا الحسن بن علي بن كيسان ، عن إسحاق ابن إبراهيم ، عن ابن أُذينة ، عن أبان بن أبي عيّاش ، عن سليم بن قيس الهلالي ، قال :

قلت لأمير المؤمنينعليه‌السلام : إنّي سمعت من سلمان ومقداد ومن أبي ذر أشياء في تفسير القرآن ومن الرواية عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسمعت منك تصديق ما سمعت منهم ، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي اللهعليه‌السلام أنتم تخالفونه ـ وذكر الحديث بطوله .

ـــــــــــــــــ

(١) منتهى المقال في الرجال ٣ : ٣٧٦/١٣٥٦ ترجمة سليم بن قيس .


قال أبان : فقدّر لي بعد موت علي بن الحسين أنّي حججت ، فلقيت أبا جعفر محمّد بن علي ، فحدّثته بهذا الحديث كلّه ، لم أخط منه حرفاً ، فاغرورقت عيناه ، ثمّ قال :

صدق سليم ، قد أتى أبي بعد قتل جدّي الحسين وأنا قاعد عنده ، فحدّثه بهذا الحديث بعينه ، فقال له أبي : صدقت ، قد حدّثني أبي وعمّي الحسن ـعليهما‌السلام ـ بهذا الحديث عن أمير المؤمنينعليه‌السلام الحديث )(١) .

وبهذا ظهر تدليس الفيض آبادي .

والثاني عشر : قد طعن في الكافي ، وشتم زرارة ومؤمن الطاق ، ولقّبه بـ ( شيطان الطاق ) ، وقد نقل بعض أهل السنّة أنّ أوّل من لقّبه بذلك هو إمامهم الأعظم ( أبو حنيفة ) ؛ لكثرة إلزامات مؤمن الطاق وإفحاماته للخصوم في مختلف المسائل والمناظرات ، فلا عجب من أنْ يتّبعه على ذلك المقلّدون له ، عناداً للحقّ وعداوةً لأهل البيتعليهم‌السلام ، لا سيّما وأنّ الإمام الصادقعليه‌السلام كان يقدّمه ويثني عليه وقد صرَّح بكلّ هذا الحافظ ابن حجر ، حيث ترجم لمؤمن الطاق ، قائلاً :

( محمّد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي الكوفي ، أبو جعفر الملقَّب بشيطان الطاق ، نُسب إلى سوقٍ في طاق المحامل بالكوفة ، كان يجلس للصرف بها ، فيقال : إنّه اختصم مع صيرفيٍّ آخر في درهمٍ زائف فغلب ، فقال : أنت شيطان الطاق .

وقيل : إنّ هشام بن الحكم شيخ الرافضة لمّا بلغه أنّهم لقّبوه شيطان الطاق ، سمّاه هو : مؤمن الطاق .

ويقال : إنّ أوّل من لقّبه بشيطان الطاق أبو حنيفة ، في مناظرةٍ جرت بحضرته بينه وبين بعض الحروريّة .

ــــــــــــ

(١) رجال الكشي : ١٠٤ ـ ١٠٥/١٦٧ بترجمة سليم بن قيس الهلالي .


ويقال : إنّ جعفراً الصّادق كان يقدّمه ويثني عليه )(١) .

والثالث عشر : إنّه زعم اعتراف الإمام الرضاعليه‌السلام بكون أصحاب النبي كالنجوم ، مشيراً إلى حديث : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم ...

لكن المراد من ( الأصحاب ) في ( حديث النجوم ) عند أهل الحق هم ( أهل البيت ) خاصّةً ، وهم يروون ذلك عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالأسانيد ، ومن ذلك : ما رواه الشيخ الصدوق في (معاني الأخبار ) قال :

( حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رحمه‌الله ) قال : حدّثنا محمّد بن الحسن الصفّار ، عن الحسن بن موسى الخشّاب ، عن غياث بن كلوب ، عن إسحاق بن عمّار ، عن جعفر بن محمّد ، عن آبائهعليهم‌السلام ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( ما وجدتم في كتاب الله عزّ وجلّ ، فالعمل لكم به لا عذر لكم في تركه ، وما لم يكن في كتاب الله عزّ وجلّ وكانت فيه السنّة منّي ، فلا عذر لكم في ترك سنّتي ، وما لم يكن فيه سنّة منّي ، فما قال أصحابي فقولوا به ، إنّما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم ، بأيّها أُخذ أُهتدي ، بأيّ أقاويل أصحابي أخذتم

اهتديتم ، واختلاف أصحابي لكم رحمة .

فقيل : يا رسول الله ، من أصحابك ؟

قال : أهل بيتي ) .

قال محمّد بن علي مؤلّف هذا الكتاب : إنّ أهل البيتعليهم‌السلام لا يختلفون ، ولكن يفتون للشيعة بمرّ الحق ، وربّما أفتوهم بالتقية ، فما يختلف من قولهم فهو للتقيّة ، والتقيّة رحمة للشيعة )(٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) لسان الميزان ٦ : ٣٧٨/٧٨٧٢ .

(٢) معاني الأخبار : ١٥٦ ـ ١٥٧ .


وأمّا الخبر في (عيون الأخبار ) الذي توهّم حمل حديث النجوم فيه على الصحابة ، فهو ما رواه الصدوق بقوله :

( حدّثنا الحاكم أبو علي الحسين بن أحمد البيهقي ، قال : حدّثنا محمّد بن يحيى الصّولي ، قال : حدّثنا محمّد بن موسى بن نصر الرازي ، قال : حدّثني أبي قال : سُئل الرضاعليه‌السلام عن قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم ، وعن قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : دعوا لي أصحابي .

فقال :هذا صحيح ، يريد من لم يغيّر ولم يبدّل .

قيل : وكيف نعلم أنّهم قد غيّروا وبدّلوا ؟

قال :ما يروونه من أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال :

ليذادنّ رجال من أصحابي يوم القيامة عن حوضي ، كما تذاد غرائب الإبل عن الماء ، فأقول : يا ربّ أصحابي أصحابي

فيُقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : بُعداً لهم وسحقاً .

أفترى هذا لمن لم يغيّر ولم يبدّل ؟! )(١) .

لكنّ جواب الإمامعليه‌السلام : ( هذا صحيح ) متوجّه إلى الحديث الثاني وهو قوله : ( دعوا لي أصحابي ) وأمّا الحديث الأوّل ـ وهو حديث النجوم ـ فقد فسّره حديث (معاني الأخبار ) وبذاك المعنى يكون صحيحاً أيضاً ولابدّ من أن يكون المراد ذلك ؛ لأنّه يدلّ على العصمة ، ولا أحد يقول بعصمة الصحابة ...

إلاّ أنّ حديث أصحابي كالنجوم ، ساقط عند أئمّة القوم : كأحمد ، والبزّار ، وابن حزم ، والبيهقي ، وابن حجر ، وغيرهم ، من السابقين واللاحقين ، فمنهم من نصّ على ضعفه ، ومنهم من رماه بالوضع والكذب فراجع : (البحر المحيط في تفسير القرآن ) لأبي حيان الأندلسي ، و (المرقاة في شرح المشكاة ) للقاري ، و (العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ) لابن الجوزي ، و (فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير ) للمناوي ، و(فواتح الرحموت ـ شرح مسلَّم الثبوت ) لعبد العلي الأنصاري وغيرها من كتب القوم في العلوم المختلفة ...

ـــــــــــــــــ

(١) عيون الأخبار ٢ : ٨٧/٣٣ الباب ٣٢ .


وإن شئت التفصيل فارجع إلى الرسالة المصنَّفة في خصوص حديث النجوم(١) .

والرابع عشر : ما ذكره من أن سليماً قد حضر الوقائع في زمن إمامة الإمام الباقرعليه‌السلام ، غلط فضيح ، لِما سيأتي من أنّ سليماً قد توفي في أيام الإمام السّجادعليه‌السلام .

والخامس عشر : ما ذكره لترجيح كتاب سليم على الكافي ، من أن الكليني قد روى الوقائع والأخبار بالواسطة ، أمّا سليم ، فقد كان معاصراً لها ومشاهداً لها فيه : إنّ الكليني وإنْ لم يشهد الوقائع والقضايا ، لكنّه رواها عمّن شهدها أو سمعها من المعصوم .

هذا ، مع قطع النظر عن الإسناد إلى سليم ، ومن روى عنهم ثقة الإسلام الكليني .

وأمّا بالنظر إليه ، فالحال مختلف كما لا يخفى على أُولي الأفهام ، فإنّ أسناد بعض أحاديث الكافي فاضل على أسناد كتاب سليم ، وأسناد بعضها مفضول ، فالحكم بترجيح أحد الجانبين على الإطلاق لا يصلح للقبول .

والسادس عشر : ما ذكره من رجوع سليم إلى الحسنينعليهما‌السلام لمزيد التحقيق ، نقلاً عن اعتقادات الصدوق وصحيفة المتقين ، إنْ أراد رجوعه إليهما في جميع ما في كتابه ، فهو ممنوع ؛ لأنّ القدر الثابت أنّه رجع إليهما وذكر لهما خصوص ما سمعه من أمير المؤمنينعليه‌السلام من الخبر الطويل في سبب اختلاف الناس في الحديث ، فهذا هو الذي عرضه عليهما ، وقد صدّقاه فيه ، وأمّا سائر أخبار كتابه ، فلا دليل عليه أصلاً ...

ـــــــــــــــــ

(١) رسالة في حديث أصحابي كالنجوم إحدى ( الرسائل العشر ) المطبوعة ، للسيّد علي الحسيني الميلاني ، وقد استفيد فيها من بحوث السيّد مير حامد حسين كثيراً .


لقد جاء في كتاب سليم ، بعد أخذه الجواب من الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : ( قال سليم بن قيس : ثمّ أتيت الحسن والحسينعليهما‌السلام بالمدينة فحدّثتهما بهذا الحديث عن أبيهما قالا : صدقت ، قد حدّثك أمير المؤمنين بهذا الحديث ونحن جلوس عنده ، وقد حفظنا ذلك عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما حدّثك ، فلم تزد فيه حرفاً ولم تنقص منه حرفاً )(١) .

فلا دلالة له على عرض سائر أخباره عليهما ، كما لا يتوهّم منه عدم الاعتماد على نقل الإمامعليه‌السلام ، والعياذ بالله ، وإنّما أراد أن يعلم أنّ ما حفظه عنه مطابق للواقع بلا زيادةٍ ونقصان أو لا ...

أقول :

هذا تمام الكلام على ما ذكره الفيض آبادي في هذا الفصل من كلامه، الذي يحاول فيه إثبات أفضليّة كتاب سليم بن قيس عند أهل الحق من سائر كتبهم ، ثمّ يبدأ بفصلٍ آخر ، فيذكر المطاعن والإشكالات على الكتاب ، فيستنتج من الفصلين : أنّ الكتاب الذي أُلّف بأمر أمير المؤمنين ، وعُرض على الأئمّة الطاهرين ، وكان أفضل الكتب عند الطائفة ، يشتمل على أباطيل وأكاذيب وبذلك يريد القدح والطعن على المذهب وأئمّته وأتباعه هذا كلّ ما يريده هذا الرجل ...

وقد عرفت ما في كلماته في الفصل السابق .

وقد افتتح الفصل الثاني من كلامه بأنْ نسب إلى الشيخ المجلسي في (بحار الأنوار ) القول بأنّ بعض الأعاظم من الإماميّة يقدحون في الكتاب ويطعنون على مؤلّفه ، وذكر أنَّ الحسن بن علي بن داود ـ وهو الإمام في نقد الرجال ، وشيخ الطائفة في معرفة أحاديث الأئمّة كما قال ـ نقل عن رجال الشيخ أنّه يقال : ( ينسب إليه الكتاب المشهور ، وهو موضوع ) .

قال : والسبب في ذمّ وجرح هؤلاء الأكابر لكتاب سليم ، وكما يظهر من كلام الإمام الأعظم الحلّي وأساتذته في ( خلاصة الأقوال ) وغيره هو : اشتمال الكتاب على الافتراءات العظيمة والأكاذيب الكبيرة .

ـــــــــــــــــ

(١) كتاب سليم بن قيس ٢ : ٦٢٨/ الحديث العاشر .


أقول :

هذا كلامه قبل الورود فيما زعمه من موارد النقد والإيراد في كتاب سليم .

ولكنّ ما نقله عن المجلسي في (البحار ) من طعن بعض أعاظم الإماميّة في الكتاب ومؤلّفه ، كذب واضح ، فإنّ الشيخ المذكور لم يذكر في كتابه طعناً من أحدٍ لا تلويحاً ولا تصريحاً لا في كتاب سليم ولا في مؤلّفه ...

قضيّة محمّد بن أبي بكر مع أبيه

وإنّ أوّل ما تعرّض له هذا الرجل واهتمّ به في مقام الطعن في كتاب سليم ، هو : قضيّة أنّ محمّد بن أبي بكر قد حضر أباه عند احتضاره وكلّمه ووَعَظَه قال : وهذا من الافتراءات العظيمة ؛ لأنّ محمّداً ولد في حجّة الوداع ، وكان في وقت موت أبيه ابن ثلاث سنين ، فكيف يمكنه أن يعظ أباه ؟

إلاّ أنّ الرجل قد أضاف ـ من عنده ـ إلى القضيّة أشياء ، لا عين لها في كتاب سليم ولا أثر ، ونحن ننبّه على إضافاته المكذوبة ، ثمّ نتكلّم على أصل القضيّة :

١ ـ لقد زعم أنّ في كتاب سليم : أنَّ محمّداً ذكّر أباه الاعتقاد بالتوحيد والنبوّة وحقوق أهل البيت النبوي ...

والحال أنّ الذي في كتاب سليم إنّما هو إلقاء كلمة التوحيد فقط ، وهذه عبارته :

( فقلت له لمّا خلوت به : يا أبت قل لا إله إلاّ الله

قال : لا أقولها أبداً ، ولا أقدر عليها حتّى أدخل التابوت )(١) .

٢ ـ لقد ذكر أنّ محمّداً تكلَّم عن إمامة أمير المؤمنين وخصائصه ، من العلم بما كان وما يكون ، وتحدّثه مع الملائكة وظاهر كلامه وجود هذا في

ـــــــــــــــــ

(١) كتاب سليم بن قيس ٢ : ٨٢٢/ الحديث السابع والثلاثون .


كتاب سليم في خبر قضيّة محمّد مع أبيه ، والحال أنّه لا عين لذلك فيه ولا أثر ، كما لا يخفى على من أجال فيه النظر .

فإنْ أراد الاعتذار عن ذلك بأنّه قد نقله عن غير كتاب سليم ، فلا يُصغى إليه ؛ لأنَّ الكلام في كتاب سليم ...

٣ ـ لقد ذكر أنّ محمّداً قد استدلَّ ببعض الآيات القرآنيّة ، رفعاً لاستبعاد الناس أنّ الملائكة كانت تحدّث أمير المؤمنينعليه‌السلام .

فإنْ كان غرضه وجود هذا في كتاب سليم ، توجّه إليه السؤال : هل إنّ استدلاله كان في حال صغر سنّه وحين احتضار أبيه ، أو في الأزمنة المتأخّرة ؟

فإنْ أراد وقوع ذلك منه في الأزمنة المتأخرة ، فأيّ ربطٍ لذلك ببحثه عن حال كتاب سليم ، واشتماله على الافتراءات ؟

وإنْ أراد وقوع ذلك منه في حال صغره ووقت احتضار أبيه ، فهذا كذب على سليم وكتابه .

يقول سليم في كتابه ما نصّه : ( قلت : وهل تحدّث الملائكة إلاّ الأنبياء صلوات الله عليهم ؟

قال ـ أي محمّد بن أبي بكر ـ أما تقرأ القرآن :( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ ولا نبيّ ولا محدّث ) قلت : أمير المؤمنين محدَّث ؟

قال : نعم ، وكانت فاطمة محدَّثةً ولم تكن نبيّةً ، ومريم محدَّثة ولم تكن نبيّة ، وأمّ موسى محدَّثة ولم تكن نبيّة ، وسارة امرأة إبراهيم قد عاينت الملائكة فبشّروها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ، ولم تكن نبيّةً )(١) .

هذا ، ومن قرأ كتاب سليم ، علم أنّ لقائه مع محمّد بن أبي بكر إنّما كان بعد موت أبيه بزمنٍ طويل ؛ لأنّ لقائه كان بعد موت أبي عبيدة الجرّاح ،

ـــــــــــــــــ

(١) كتاب سليم بن قيس ٢ : ٨٢٣ ـ ٨٢٤/ الحديث السابع والثلاثون .


المتوفّى في السنة الثامنة عشرة كما في (الاستيعاب )(١) ، بل كان بعد موت معاذ ، وموته متأخر عن موت أبي عبيدة فمحمّد عند هذه المكالمة ـ في أقل تقدير ـ ابن ثمان أو عشر سنين وأيّ مانعٍ من أنْ تصدر منه تلك الاستدلالات حينئذٍ ؟

٤ ـ لقد ادّعى الإجماع على ولادة محمّد بن أبي بكر في حجّة الوداع ، وهذا منه جهلٌ أو تجاهل قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في كتاب (تحصيل الكمال في أسماء الرجال ) : ( محمّد بن أبي بكر الصديق ، هو أبو القاسم محمّد ابن أبي بكر ، ولد عام حجّة الوداع بذي الحليفة أو بالشجرة ، سنة ثمان )(٢) .

وذكر ابن الأثير في (جامع الأُصول ) بترجمته أنّه ولد بالشجرة ، أي عام ثمان(٣) .

وقال تقي الدين المكّي بترجمته من (العقد الثمين في تاريخ بلد الله الأمين ) :

( محمّد بن أبي بكر الصديق ، واسمه عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر القرشي التيمي أبو القاسم ، ولد عام حجّة الوداع أو بالشجرة )(٤) .

وكذا في (تهذيب الكمال ) و (الاستيعاب ) وغيرهما ، حيث ذكر القول بولادته في الشجرة ، أي في السنة الثامنة من الهجرة .

٥ ـ ومن العجب دعواه رواية الكليني في الكافي ولادته في حجّة الوداع .

إنّ للشيخ الكليني في الكافي روايتين في الباب ، وهذه ألفاظهما :

ـــــــــــــ

(١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٢ : ٧٩٤/١٣٣٢ بترجمة أبي عبيدة .

(٢) تحصيل الكمال في أسماء الرجال رجال المشكاة ترجمة محمّد بن أبي بكر .

(٣) جامع الأصول ٣ : ٧١/١٣٤٩ كتاب الحج ، الباب الثاني ، الفصل الأوّل .

(٤) العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين ٢ : ٢١٤/٢٢٠ .


أمّا الأُولى فهي : ( علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام : إنّ أسماء بنت عميس نفست بمحمّد بن أبي بكر ، فأمرها رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلَّم ) حين أرادت الإحرام من ذي الحليفة أن تحتشي بالكرسف والخرق وتهلّي بالحج ، فلمّا قدموا مكّة وقد نسكوا المناسك ، وقد أتى لها ثمانية عشر يوماً ، فأمرها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن تطوف بالبيت وتصلّي ، ولم ينقطع عنها الدم ففعلت ذلك )(١) .

وأمّا الثانية فهكذا : ( عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيوب ، عن عمر بن أبان الكلبي ، قال : ذكرت لأبي عبد اللهعليه‌السلام المستحاضة ، فذكر أسماء بنت عميس ، فقال : إنّ أسماء ولدت محمّد بن أبي بكر بالبيداء ، وكان في ولادتها البركة للنساء لمن ولدت منهنّ أو طمثت ، فأمرها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاستثـفرت وتنطقت بمنطقة وأحرمت )(٢) .

فهل تجد في هذين الخبرين ذكراً لحجّة الوداع ؟

٦ ـ ولم يكتف بالإسناد إلى الكافي ، بل أسند ذلك إلى الكشي أيضاً ، والحال أنّه لا أثر من ذلك في رجال الكشي ، بل ليس بكلامه بترجمة محمّد ذكر من ولادته أصلاً ، فضلاً عن كونها في حجّة الوداع وهذه ألفاظها في الكتاب المذكور :

( محمّد بن أبي بكر : حدّثني محمّد بن قولويه والحسين بن الحسن بن بندار القميّان قالا : حدّثنا سعد بن عبد الله بن أبي خلف القمي ، قال : حدّثني الحسن بن موسى الخشّاب ومحمّد بن عيسى بن عبيد ، عن علي بن أسباط ، عن عبد الله بن سنان ، قال : سمعت أبا عبداللهعليه‌السلام يقول :

ـــــــــــــــــ

(١) الكافي ٤ : ٤٤٩/١ ، كتاب الحج .

(٢) الكافي ٤ : ٤٤٤/٢ ، كتاب الحج .


كان مع أمير المؤمنينعليه‌السلام خمسة نفر من قريش ، وكانت ثلاثة عشر قبيلة مع معاوية ؛ فأمّا الخمسة : محمّد بن أبي بكر (رحمه‌الله ) ، أتته النجابة من قبل أمّه أسماء بنت عميس ، وكان معه هاشم بن عتبة بن أُبي وقّاص المرقال ، وكان معه جعدة بن هبيرة المخزومي ، وكان أمير المؤمنينعليه‌السلام خاله ، وهُوَ الذي قال له عتبة بن أبي سفيان : إنّما لك هذه الشدّة في الحرب من قبل خالك ، فقال له جعدة : لو كان خالك مثل خالي لنسيت أباك ، ومحمّد ابن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، والخامس سلف أمير المؤمنين ابن أبي العاص بن ربيعة ، وهو صهر النبيعليه‌السلام أبو الربيع .

حمدويه وإبراهيم ابنا نصير ، قالا : حدّثنا أيّوب ، عن صفوان ، عن معاوية ابن عمّار وغير واحد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : كان عمّار بن ياسر ومحمّد بن أبي بكر لا يرضيان أن يعصى الله عزّ وجلّ .

محمّد بن مسعود ، قال : حدّثني علي بن محمّد القمي قال : حدّثني أحمد ابن محمّد بن عيسى ، عن رجل ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن جميل بن دراج ، عن حمزة بن محمّد الطيّار ، قال : ذكرنا محمّد بن أبي بكر عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام :

رحمه الله وصلّى عليه ، قال لأمير المؤمنينعليه‌السلام يوماً من الأيّام : أُبسط يدك أبايعك

فقال : أوما فعلت ؟

قال : بلى

فبسط يده ، فقال : أشهد أنّك إمام مفترض الطاعة وأنّ أبي في النّار

فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام :

( كان النجابة من قبل أُمّة أسماء بنت عميس رحمة الله عليها ، لا من قبل أبيه ) .

حمدويه بن نصير ، عن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن عمر بن أُذينة ، عن زرارة بن أعين ، عن أبي جعفرعليه‌السلام : إنّ محمّد بن أبي بكر بايع عليّاًعليه‌السلام على البراءة من أبيه .


حمدويه وإبراهيم ، قالا : حدّثنا محمّد بن عبد الحميد ، قال : حدّثني أبو جميلة عن ميسر بن عبد العزيز ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال :( بايع محمّد ابن أبي بكر على البراءة من الثاني ) .

حمدويه ، حدّثني عن محمّد بن عيسى ، عن يونس بن عبد الرحمان ، عن موسى بن مصعب ، عن شعيب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سمعته يقول :

( ما من أهل بيتٍ إلاّ ومنهم نجيب من أنفسهم ، وأنجب النجباء من أهل بيت سوءٍ منهم محمّد بن أبي بكر ) (١) .

٧ ـ وأسنده إلى النجاشي أيضاً ، والحال أنْ لا ذكر لمحمّد بن أبي بكر في كتابه أصلاً ، فلا ذكره في أوائل الكتاب ، حيث عدّ جمعاً من أصحاب أمير المؤمنين ، ولا ذكره في باب المحمّدين فكيف بولادته في حجّة الوداع ؟

٨ ـ وكذا إسناد المطلب إلى رجال الغضائري ، فأمّا أصل كتابه ، فليس موجوداً ، وأمّا الرجاليّون كالعلاّمة الحلّي وابن داود والشيخ بهاء الدين اللاّهيجي والسيّد مصطفى التفرشي والميرزا الأسترابادي وأبي علي الحائري الذين ينقلون كلماته في تراجم الرجال فلم ينقلوا في كتبهم عنه في محمّد شيئاً ، فضلاً عن ذلك النقل الخاص المتعلِّق بتولّده فمن أين هذا الإسناد ؟

٩ ـ والعلاّمة الحلّي لم يقل في محمّدرضي‌الله‌عنه في (خلاصة

ـــــــــــــــــ

(١) رجال الكشي : ٦٣ ـ ٦٤/١١١ ـ ١١٦ ترجمة محمّد بن أبي بكر .


الأقوال ) إلاّ : ( محمّد بن أبي بكر ، جليل القدر ، عظيم المنزلة ، من خواصّ عليّعليه‌السلام (١) .

فبأيّ دليلٍ نسب إليه القول بولادة محمّد في حجّة الوداع ؟

حلّ الإشكال بذكر النظائر

وأمّا حلّ الإشكال ، فنقول : إنّ منشأ هذا الإشكال ليس إلاّ الاستبعاد ، ومجرّد الاستبعاد لا يكون دليلاً ، بل يرتفع إذا حَصَلَ له نظير أو نظائر في التاريخ ، ولا شكّ أنّ الله تعالى قادر على خلق أفرادٍ متميّزين في الفهم والذكاء ونحن نذكر هنا بعضهم :

استقلّ بالكتابة وعمره أربع سنين

قال في (منهج المقال ) بترجمة المولى السيّد عبد الكريم بن طاووس العلوي الحسيني : ( استقلّ بالكتابة واستغنى عن المعلّم في أربعين يوماً ، وعمره إذ ذاك أربع سنين )(٢) .

وإذا كان كذلك ، فأيّ استبعاد في أنْ يأمر الابن البالغ ثلاث سنين أو أكثر أباه بقول كلمة لا إله إلاّ الله ، وهي من أُولى الكلمات التي ينطق بها أطفال المسلمين ؟

ــــــــــــ

(١) خلاصة الأقوال رجال العلاّمة الحلّي : ١٣٨/٣ باب محمّد .

(٢) منهج المقال في علم الرجال : ١٩٦ .


حفظ القرآن وهو ابن أربع سنين

وقال الشعراني في (لواقح الأنوار ) :

( ومنهم : أبو محمّد سفيان بن عيينة ـ رضي الله عنه ـ حفظ القرآن وهو ابن أربع سنين ، وكتب الحديث وهو ابن سبع سنين )(١) .

وفي (الكواكب الدراري ) :

( وأمّا سفيان ، فهو بضمّ السين على المشهور وحكي كسرها وفتحها أيضاً ، وهو أبو محمّد ابن عيينة بن أبي عمران الهلالي الكوفي ، سكن مكّة ومات بها قال : قرأت القرآن وأنا ابن أربع سنين ، وكتبت الحديث وأنا ابن سبع سنين )(٢) .

وإذا أمكن قراءة القرآن لمن هو في سنّ أربع سنين ـ والحال أنّ عمر بن الخطّاب تعلّم سورة البقرة فقط في اثنتي عشرة سنة كما في (الدر المنثور )(٣) ـ كان من السّهل قبول تلقين كلمة لا إله إلاّ الله فقط ، ممّن هو في سنّ ثلاث سنين أو أكثر .

سمع الحديث وهو ابن أربع سنين

وأخرج مسلم بإسناده عن عبد الله بن الزبير ، قال : ( كنت أنا وعمر بن سلمة يوم الخندق مع النسوة في أطم حسان ، فكان يطأطئ لي مرّةً فأنظر وأطأطئ له مرّةً فينظر ، فكنت أعرف أبي إذا مرَّ على فرسه في السلاح إلى بني قريظة قال : وأخبرني عبد الله بن عروة عن عبد الله بن الزبير ، قال : فذكرت ذلك لأبي ، فقال : ورأيتني يا بني ؟ قلت : نعم ) .

فقال النووي بشرحه : ( وفي هذا الحديث دليل لجواز ضبط الصبي وتمييزه وهو ابن أربع سنين

فإنّ ابن الزبير ولد عام الهجرة في المدينة ، وكان الخندق سنة أربع من الهجرة على الصحيح ، فيكون في وقت ضبطه لهذه القصّة دون أربع سنين

ــــــــــــــ

(١) لواقح الأنوار في طبقات الأخيار ـ ترجمة سفيان بن عيينة .

(٢) الكواكب الدراري في شرح البخاري ١ : ١٦ .

(٣) الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ١ : ٥٤ .


وفي هذا ردّ على ما قاله جمهور المحدّثين أنّه لا يصحّ سماع الصبي حتّى يبلغ خمس سنين ، والصواب صحّته متى حصل التمييز وإنْ كان ابن أربع أو دونها

وفيه منقبة لابن الزبير لجودة ضبطه لهذه القصّة مفصّلةً في هذا السن )(١) .

* والألطف من ذلك ما جاء عن عبد الله بن محمّد بن عبد الرحمان الأصبهاني في غير واحدٍ من الكتب ، مثل : (الكفاية ) للخطيب ، و (علوم الحديث ) لابن الصلاح ، و (تدريب الراوي ) للسيوطي ، و (عمدة القاري ) للعيني وغيرها ...

قال الخطيب : ( سمعت القاضي أبا محمّد عبد الله بن محمّد بن عبد الرحمن الأصبهاني ، يقول : حفظت القرآن ولي خمس سنين ، وحملت إلى أبي بكر ابن المقري لأسمع منه ولي أربع سنين .

فقال بعض الحاضرين : لا تسمعوا له فيما قرأ فإنّه صغير .

فقال لي ابن المقري : اقرأ سورة الكافرون ، فقرأتها ولم أغلط فيها .

فقال : اقرأ سورة التكوير ، فقرأتها .

فقال لي غيره : اقرأ سورة والمرسلات ، فقرأتها ولم أغلط فيها .

فقال ابن المقري : اسمعوا له والعهدة علَيّ .

سمعت أبا صالح صاحب أبي مسعود أحمد بن الفرات يقول : العجب من إنسانٍ يقرأ والمرسلات عن ظهر قلبه ولا يغلط فيها .

ـــــــــــ

(١) شرح صحيح مسلم للنووي ١٥ : ١٨٩ ـ ١٩٠ كتاب الفضائل ، فضائل طلحة والزبير .


وحكي أنّ أبا مسعود ورد أصبهان ولم تكن كتبه معه ، فأملى كذا وكذا ألف حديث عن ظهر قلبه ، فلمّا وصلت الكتب إليه قوبلت بما أملى ، فلم تختلف إلاّ في مواضع يسيرة )(١) .

وقال العيني : ( حفظ القرآن أبو محمّد عبد الله بن محمّد الأصبهاني وله خمس سنين ، فامتحنه فيه أبو بكر ابن المقري ، وكتب له بالسماع وهو ابن أربع سنين )(٢) .

فأيّ عجبٍ من محمّد بن أبي بكر إذا أمر أباه بأنْ يقول : لا إله إلاّ الله ؟

* وماذا يقول القائل إذا سمع ما جاء في (علوم الحديث ) لابن الصّلاح وغيره من الكتب من أنّه ( قد بلغنا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري ، قال : رأيت صبيّاً ابن أربع سنين وقد حمل إلى المأمون ، وقد قرأ القرآن ونظر في الرأي ، غير أنّه إذا جاع بكى )(٣) ؟

وعلى هذا الأساس ، ذهب العلماء من الفريقين إلى أنّه يعتبر كلّ صغيرٍ بحاله ، فمتى فهم الخطاب وميّز ما يسمعه ، صحّ سماعه وإنْ كان دون خمس سنين ، كما جاء في كتاب (شرح البداية ) للشهيد الثاني من أصحابنا ، وفي (عمدة القاري ) و(المنهل الروي ) و (علوم الحديث ) وغيرها من كتب القوم .

ـــــــــــــــــ

(١) الكفاية في علم الرواية : ٦٤ ـ ٦٥/ باب ما جاء في سماع الصغير .

(٢) عمدة القاري في شرح البخاري ٢ : ٦٨ ، كتاب العلم ، باب قول النّبي : اللهمّ علّمه الكتاب .

(٣) علوم الحديث : ٧٥/ النوع الرابع والعشرون ، معرفة كيفيّة سماع الحديث ...


كان يقوم الليل وهو ابن ثلاث سنين

فإن بقي شيء من الشك والاستبعاد بعد ما تقدَّم ، أوردنا ما ذكره أعلام القوم بترجمة سهل التستري ، من أنّه كان يقوم الليل وهو ابن ثلاث سنين قال اليافعي : ( وكان سبب سلوكه للطريق خاله محمّد بن سوار ، فإنّه قال : كنت ابن ثلاث سنين ، وكنت أقوم بالليل أنظر إلى صلاة خالي محمّد بن سوار ، وكان يقوم باللّيل ، وكان يقول : يا سهل ، اذهب ونم فقد شغلت قلبي .

وقال لي يوماً خالي : ألا تذكر الله الذي خلقك ؟

فقلت : كيف أذكره ؟

فقال : قل بقلبك في الليل في فراشك ثلاث مرّات من غير أن تحرّك به لسانك : الله معي، الله ناظري ، الله شاهدي .

فقلت )(١) .

وكذا في (أحكام الدلالة على تحرير الرسالة ) للشيخ زكريا الأنصاري وغيره .

وإذا كان هذا ممكناً ممّن هو ابن ثلاث سنين ، فقول محمّد لأبيه : قل لا إله إلاّ الله أمكن ...

سمع الحديث وعمره أقل من ثلاث سنين

وإذا كان ذلك ـ أيضاً ـ لا يكفي لرفع الاستبعاد عن قضيّة محمّد ، فقد ذكر القوم سماع الصبيّ الذي سنّه أقل من ثلاث سنين للحديث من بعض الأئمّة ، وقبول ما حدّث به ، وقد جاء ذلك في (فتح الباقي ـ شرح ألفية العراقي )

للشيخ أبي يحيى زكريا الأنصاري ، حيث قال :

( وكذا يقبل عندهم صبي حمل الحديث ، ثمّ روى بعد البلوغ ما تحمّل في حال صباه .

ومنع قومٌ القبول هنا ، أي مسألة الصبي ؛ لأنّ الصبي مظنّة عدم الضبط .

ـــــــــــــــــ

(١) مرآة الجنان ٢ : ١٤٩ .


وردّ عليهم بإجماع الأُمّة على قبول حديث جماعةٍ من صغار الصحابة ، تحمّلوه في حال صغرهم ، كالسبطين الحسن والحسين ابني بنتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمة ، وكعبد الله بن الزبير والنعمان بن بشير وعبد الله بن عبّاس .

مع إحضار أهل العلم من المحدّثين وغيرهم للصّبيان مجالس التحديث ، ثمّ قبولهم منهم ما حدّثوا به من ذلك بعد الحلم أي البلوغ ، كما وقع للقاضي أبي عمرو الهاشمي ، فإنّه سمع سنن أبي داود من اللؤلؤي وله خمس سنين ، واعتدّ الناس بسماعه وحملوه عنه ، وقال يعقوب الدورقي : حدّثنا أبو عاصم ، قال : أتيت بابني إلى ابن جريج وسنّه أقل من ثلاث سنين ، فحدّثه )(١) .

توكّل في عقد الزواج وله ثلاث سنين

بل لقد تحمّل الطفل الذي له ثلاث سنين الوكالة في عقد الزواج ! وذلك ما أخرجه أحمد في (المسند ) في تزوّج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأُمّ سلمة أُم المؤمنين ، ورواه عنه ابن القيّم في (زاد المعاد ) قال :

( قال الإمام أحمد في المسند : حدّثنا عفّان بن حماد بن سلمة ، أخبرنا ثابت ، قال : حدّثني ابن عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أُمّ سلمة : أنّها لمّا انقضت عدّتها من أبي سلمة ، بعث إليها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقالت : مرحباً برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إنّي امرأة مصبية ، وليس أحد

ـــــــــــــــــ

(١) فتح الباقي ـ شرح ألفيّة العراقي ٢ : ١٥ ـ ١٨/ متى يصحّ تحمّل الحديث ...


من أوليائي حاضراً الحديث ، وفيه :

فقالت لابنها عمر : قم ، فزوّج رسول الله ، فزوّجه )(١) .

وأخرجه سائر المحدّثين بطرقٍ أُخرى .

وروى ابن الأثير في (أُسد الغابة ) قال :

( أخبرنا يعيش بن صدقة بإسناده عن أحمد بن شعيب : أخبرنا محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم ، نا يزيد، عن حمّاد بن سلمة ، عن ثابت البناني ، حدّثني ابن عمر ابن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أمّ سلمة ، قال : لمّا انقضت عدّتها من أبي سلمة ، بعث إليها أبو بكر يخطبها عليه ، فلم تزوّجه ، فبعث إليها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمر بن الخطّاب يخطبها عليه ، فقالت : أخبر رسول الله إنّي أمرأة غيرى ، وإنّي امرأة مصبية ، وليس أحد من أوليائي شاهداً

فأتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فذكر ذلك له ، فقال : ارجع إليها فقل لها :

أمّا قولك : إنّي امرأة غيرى ، فأدعو الله فيذهب غيرتك .

وأمّا قولك : إنّك امرأة مصبية ، فستكفين صبيانك .

وأمّا قولك : ليس أحد من أوليائي شاهداً ، فليس أحد من أوليائك ـ شاهد ولا غائب ـ يكره ذلك .

فقال لابنها عمر : قم فزوّج رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فزوّجه )(٢) .

هذا ، وقد كان لعمر بن أبي سلمة في ذلك الوقت ثلاث سنين أو سنتان ، إذ كان له يوم قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسع سنين بالاتفاق ، فإن كان قد وقع الزواج المذكور في شهر شوال من السنة الرابعة من الهجرة

ـــــــــــــــــ

(١) زاد المعاد في هدي خير العباد ١ : ٢٦/ فصل في أزواجه .

(٢) أُسد الغابة في معرفة الصحابة ٦ : ٣٤٢ ترجمة أُمّ سلمة ( رضي الله عنها ) .


فهو ابن ثلاث ، وإن كان قد وقع في السنة الثالثة فعمره أقل من سنتين .

وقد التفت ابن القيّم إلى هذه الأُمور عندما قال بعد رواية الحديث :

( وفي هذا نظر ، فإنّ عمر هذا ، كان سنّه لمّا توفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسع سنين ، ذكره ابن سعد ، وتزوّجها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في شوّال سنة أربع ، فيكون له من العمر حينئذٍ ثلاث سنين ، ومثل هذا لا يزوّج .

قال ذلك ابن سعد وغيره ) .

وكأنّه لذلك اضطرّ أحمد بن حنبل لأنْ ينكر صغر سنّ عمر بن أبي سلمة ، قال ابن القيّم :

( ولمّا قيل ذلك للإمام أحمد ، قال : من يقول إنّ عمر كان صغيراً ؟

قال أبو الفرج ابن الجوزي : ولعلّ أحمد قال هذا قبل أن يقف على مقدار سنّه ، فقد ذكر مقدار سنّه جماعة من المؤرخين ، ابن سعد وغيره ) .

ومن العلماء من اضطرّ لأنْ يحرّف الحديث ، فيجعل الذي زوَّج سلمة من رسول الله عمر بن الخطّاب لا ابنها عمر ، لكنّ هذا أيضاً غير مفيد ، فقد روى ابن القيّم عن الواقدي :

( إنّ رسول الله خطب أُمّ سلمة إلى ابنها عمر بن أبي سلمة ، فزوّجها من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يؤمئذٍ غلام صغير )(١) .

أجابت ابنة ابن عربي في مسألةٍ فقهيّة وهي في سنّ الرضاعة

وإنْ تعجب ، فعجبٌ قصّة ابنة ابن عربي الأندلسي صاحب (الفتوحات ) ، إذْ أجابت عن مسألةٍ فقهيّة جهلها عمر بن الخطّاب وكبار الأصحاب ، وهي في

ـــــــــــــــــ

(١) زاد المعاد في هدي خير العباد ١: ٢٦ ـ ٢٧.


سنّ الرضاعة ، نحو سنةٍ أو قريب منها !!

ذكر ذلك ابن عربي في كتابه المذكور ، والشعراني في مختصره المسمّى (لواقح الأنوار القدسيّة ) وأورده الحلبي في (سيرته ) حيث قال بعد ذكر المتكلّمين في المهد :

( ويضمّ لهؤلاء ما ذكر الشيخ محي الدين ابن عربي رحمه الله سبحانه : قلت لابنتي زينب مرّةً ـ وهي في سنّ الرضاعة ، قريباً عمرها من سنة ـ : ما تقولين في الرجل يجامع حليلته ولم ينزل ؟

فقالت : يجب عليه الغسل فتعجّب الحاضرون من ذلك .

ثمّ إنّي فارقت تلك البنت وغبت عنها سنةً في مكة ، وكنت أذنت لوالدتها في الحج ، فجاءت مع الحج الشامي ، فلمّا خرجت لملاقاتها رأتني من فوق الجمل وهي ترضع ، فقالت بصوت فصيح قبل أن تراني أُمّها: هذا أبي ، وضحكت ، ورمت بنفسها إليّ .

قال : وقد رأيت ـ أي علمت ـ من أجاب أُمّه بالتسميت وهو في بطنها حين عطست ، وسمع الحاضرون كلّهم صوته من جوفها. شهد عندي الثقات بذلك )(١) .

تكلّم محمّد مع أبيه عند موته في المصادر السنيّة

وبعد ، فلا يتوهمنّ أحدٌ بانحصار خبر تكلّم محمّد بن أبي بكر مع أبيه عند موته ، بكتاب سليم بن قيس ، فقد وجدنا في (سرّ العالمين ) وهو من

ـــــــــــــــــ

(١) السيرة الحلبيّة ١ : ٧٧ ـ ٧٨/ باب ذكر مولده ( ص ) .


مؤلفات أبي حامد الغزالي كما اعترف بذلك الذهبي في ( ميزانه )(١) أنّه ( دخل محمّد بن أبي بكر على أبيه في مرض موته فقال له : يا بني ، ائت بعمّك عمر لأُوصي له بالخلافة ، فقال : يا أبت ، كنت على حقٍّ أو باطل ؟

فقال : على حق ، فقال : وصّ بها لأولادك إن كانت حقّاً ، وإلاّ فمكّنها لسواك ثمّ خرج إلى علي ، فجرى ما جرى )(٢) .

ووجدنا هذا في (تذكرة خواص الأُمّة )(٣) لسبط ابن الجوزي ـ وهو من علماء أهل السنّة ، وقد اعتمد كبار علمائهم على كتبه ، واستندوا إلى أقواله ، ووصفوه بالإمامة والحفظ ونحو ذلك من الأوصاف الجليلة وترجم له غير واحد من المشاهير ، كمحمود بن سليمان الكفوي في كتابه المعروف الذي وضعه بتراجم علماء الحنفيّة وأسماه بـ (كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار ) إذ قال فيه :

( يوسف بن قزغلي بن عبد الله البغدادي ، سبط الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي الحنبلي ، صاحب مرآة الزمان في التاريخ ، ذكره الحافظ شرف الدين في معجم شيوخه ، كان والده مع موالي الوزير عرف الدين بن هجيرة ، ويقال في والده قزغلي بحذف القاف وبالقاف أصح .

ولد في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ببغداد ، ونشأ ببغداد وتفقّه وبرع وسمع من جدّه لأُمّه ، وكان حنبليّاً فتحنبل في صغره لتربية جدّه ، ثمّ رحل إلى الموصل ، وسمع بالموصل ، ثمّ رحل إلى دمشق وهو ابن نيف وعشرين سنة

ـــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ١ : ٥٠٠ ترجمة الحسن الصباح وانظر سِيَر أعلام النبلاء ١٩ : ٣٢٨ بترجمة الغزالي .

(٢) سرّ العالمين : ١١/ باب في ترتيب الخلافة والمملكة .

(٣) تذكرة خواص الأُمّة : ٦٢ .


وسمع بها ، وتفقّه على جمال الدين الحصيري ، وتحوّل حنفيّاً لمّا أنابه قزغلي ابن عبدالله كان على مذهب الحنفيّة .

وكان إماماً عالماً فقيهاً واعظاً جيّداً نبيهاً ، يلتقط الدرر من كلمه ، ويتناثر الجوهر من حكمه ، ويصلح المذنب عندما يلفظ ، ويتوب الفاسق العاصي حينما يعظ ، يصدع القلب بخطابه ، ويجمع العظام النخرة بجنابه ، لو استمع له الصخر لانفلق ، والكافر الجحود لآمن وصدّق ، وكان طلق الوجه ، دائم البشر ، حسن المجالسة ، مليح المحاورة ، يحكي الحكايات الحسنة وينشد الأشعار المليحة ، وكان فارساً في البحث ، عديم النظير ، مفرط الذكاء ، إذا سلك طريقاً ينقل فيها أقوالاً ويخرج أوجهاً ، وكان من وحداء الدهر بوفور فضله وجودة قريحته وغزارة علمه وحدّة ذكائه وفطنته ، وله مشاركة في العلوم ومعرفة بالتواريخ .

وكان من محاسن الزمان وتواريخ الأيّام ، وله القبول التام عند العلماء والأُمراء والخاص والعام ، وله تصانيف معتبرة مشهورة ) .

ووجدناه في رواية الحافظ السمهودي ، بلفظ : ( ودخل محمّد بن أبي بكررضي‌الله‌عنه على أبيه في مرض موته ، فقال : ائت بعمّك عمر لأُوصي له بالخلافة

فقال : يا أبة ، كنت على حقٍّ أم على باطل ؟

قال : على حق

قال : فارض لولدك ما رضيت لنفسك ) .

وهل قدح أحدٌ من أعلام الإماميّة في كتاب سليم ؟

قد عرفت أنّ ما نسبه إلى صاحب البحار من أنّ بعض أعاظم الإماميّة طعن في سليم بن قيس وكتابه ، لا أساس له من الصحّة ...

والعلاّمة الحلّي في كتاب (خلاصة الأقوال ) لا يقول بعدم اعتبار الكتاب ، ونسبة ذلك إليه كذب آخر ، وإنّما ذكر الاختلاف حوله ، ثمّ حكم بعدالة سليم ، وتوقّفه عن قبول بعض أخبار الكتاب لا يدلّ على القول بعدم اعتبار الكتاب ؛ لأنّ التوقّف في قدر معيّنٍ من الروايات يشعر بقبول ما عداه ، والتوقّف عن القبول لذلك القدر لا يعني الردّ له .


وكلمات الرجل في اسم الشيخ حسن بن داود الحلّي واسم كتابه ، مضطربة جدّاً ، ممّا يدلّ على جهله بأسماء علماء أهل الحق وأسماء كتبهم ، فكيف يريد التكلّم عن أحوالهم والحال هذه ؟ لكن لا اختصاص لهذا الجهل بهذا الرجل فقد سبقه إلى ذلك صاحب (الصواقع ) وصاحب (التحفة ) على عادته .

ثمّ إنّ هذا الشيخ وإنْ كان من كبار علماء الطائفة ، إلاّ أنّ غرض الرجل من وصفه بالإمام المقتدى وشيخ الطائفة ، الأفقه الأعرف بالأحاديث غير خافٍ على النبيه وإلاّ فإنّ أحداً من أصحابنا لم يصفه بهذه الألقاب .

والذي في كتاب ابن داود الحلّي نقلاً عن الشيخ الطوسي هو : ( ينسب إليه الكتاب المشهور ) وليس في العبارة جملة ( وهو موضوع ) !

بل إنّ الشيخ يقول في (الفهرست ) ما نصّه :

( سليم بن قيس الهلالي ، يكنّى أبا صادق ، له كتاب ، أخبرنا به ابن أبي جيد ، عن محمّد بن الحسن بن الوليد ، عن محمّد بن أبي القاسم الملقّب بماجيلويه ، عن محمّد بن علي الصيرفي ، عن حمّاد بن عيسى وعثمان بن عيسى ، عن أبان بن أبي عيّاش ، عن سليم بن قيس ورواه حمّاد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن سليم بن قيس )(١) .

هذا ، ولم ينقل أحد من الرجاليّين عن الشيخ القول بوضع كتاب سليم بن قيس أبداً ، وهذه كتبهم متوفّرة لكلّ أحد .

وبعد ؛ فلو فرض اشتمال كتاب سليم ـ الذي ليس من الكتب التي يستنبط منها أحكام الحلال والحرام في الشريعة ، وإنّما موضوعه الأحاديث والأخبار المتعلّقة بحوادث صدر الإسلام والوقائع بعد وفاة النبي عليه وآله الصلاة والسلام ـ على خبرٍ لا يرتضيه بعض علماء الطائفة ، فإنّ ذلك لا يوجب طعناً في المذهب الحق بخلاف أهل الخلاف ، فإنّ جميع معالم مذاهبهم من الأُصول والفروع متّخذة من هذه الكتب التي بأيدينا ، ممّا سمّي بالصحاح وغيرها ، والحال أنّه قد ثبت باعتراف أئمّتهم اشتمال الكتابين المشهورين بالصحيحين ـ فضلاً عن غيرهما ـ على الأباطيل والأكاذيب والموضوعات ، كما ستقف ـ بحمد الله تعالى ـ على بعض التفصيل في ذلك ، وبالله التوفيق .

ـــــــــــــــــ

(١) كتاب الفهرست للشيخ الطوسي : ١٤٣/٣٤٦ .


هل كان سليم يرى أنّ الأئمّة ثلاثة عشر ؟

ونُسب إلى سليم في كتابه القول بكون الأئمّة ثلاثة عشر لا اثني عشر ، وقد روي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال : من ادّعى أنّه إمام وليس بإمام ، يوم القيامة( تَرَى الّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدّةٌ ) قال الراوي : قلت : وإنْ كان علويّاً فاطميّاً ؟

قال : وإن كان علويّاً فاطميّاً .

وفي ( اعتقادات ) الصدوق : والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه ، فمن ادّعى الإمامة وليس بإمام فهو الظالم الملعون ، ومن وضع الإمامة في غير أهلها فهو ظالم ملعون وفي (الفصول المهمّة ) عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :

( ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم : من ادّعى الإمامة من الله وليست له ، ومن جحد إماماً من الله ، ومن زعم أنّ لهما في الإسلام نصيباً ) .

ومقتضى هذه الأخبار وأمثالها : خروج المدعي للإمامة كذباً ، وكذا القائل بإمامته ، عن الإسلام .

وكيف يجتمع هذا مع تلك المناقب الجليلة التي تذكر لسليم وكتابه ؟

أقول :

إنّه على فرض وجود هذا المعنى في كتاب سليم ، فإنّ جعل ذلك من افتراءات سليم افتراء على سليم ؛ لأنّ من يدّعي وجوده في كتاب سليم لا يقول بثبوت نسبة الكتاب إليه .

إلاّ أنّه قد تبيّن بعد النظر الدقيق والفحص التام في ألفاظ الكتاب : عدم وجود ما يدلُّ على إمامة ثلاثة عشر إمام بعد النبي ، بأنْ يكون هناك إمام آخر غير الأئمّة وأوصياء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الاثني عشر بل الأمر بالعكس ، فقد وقع التصريح في مواضع عديدة من الكتاب بكون الأئمّة اثني عشر ، وأنّ الأحد عشر منهم من أولاد أميرالمؤمنين وسيّد الوصيّين علي ابن أبي طالب :

فمنها : نقلاً عن عبد الله بن جعفر ، أنّه قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :

( ليس في جنّة عدنٍ منزل أفضل ولا أشرف ولا أقرب إلى عرش ربي من منزلي ، ومعي ثلاثة عشر من أهل بيتي ، أوّلهم عليّ


وابنتي فاطمة ، وابناي الحسن والحسين ، وتسعة من ولد الحسين ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، هداة مهتدون ، أنا المبلّغ عن الله وهم المبلّغون عنّي ، وهم حجج الله على خلقه وشهداؤه في أرضه ، وخزّانه على علمه ومعادن حكمه ، من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم فقد عصى الله ، لا تبقى الأرض طرفة عين إلاّ ببقائهم ولا تصلح إلاّ بهم ، يخبرون الأُمّة بأمر دينهم ، حلالهم وحرامهم ، يدلّونهم على رضا ربّهم وينهونهم عن سخطه ) (١) .

ومنها : عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( علي أخي ووزيري ووارثي ووصيّي وخليفتي في أُمّتي وولي كلّ مؤمنٍ بعدي ، ثمّ ابني الحسن ثمّ ابني الحسين ، ثمّ تسعة من ولد ابني الحسين ، واحد بعد واحد ، القرآن معهم وهم مع القرآن ، لا يفارقونه ولا يفارقهم حتّى يردوا علّيّ الحوض ) (٢) .

ومنها : عن عليّ (عليه السلام ) في حديث :

( فأملى عليّ ما أراد أن يكتب في الكتف ، وأشهد على ذلك ثلاثة رهط : سلمان وأبا ذر والمقداد ، وسمّى من يكون من أئمّة الهدى ، الذين أمر الله المؤمنين بطاعتهم إلى يوم القيامة ، فسمّاني أوّلهم ، ثمّ ابني هذا ـ وأدنى بيده إلى الحسن ـ ثم الحسين ، ثمّ تسعة من ولد ابني هذا ـ يعني الحسين ـ ) (٣) .

ومنها : عن عليعليه‌السلام أنّه قال :

( يا سليم ، إنّ أوصيائي أحد عشر

ـــــــــــــــــ

(١) كتاب سليم بن قيس ٢ : ٨٤٠ ، الحديث الثاني والأربعون .

(٢) المصدر نفسه ٢ : ٦٤٥ ، الحديث الحادي عشر .

(٣) المصدر نفسه ٢ : ٦٥٨ ، الحديث الحادي والعشرون .


رجلاً من ولدي ، أئمّة هداة مهديّون ) (١) .

وإذا كان سليم يروي هذه النصوص في كتابه ، فلا يعقل أنْ يروي ما يدلّ على كون الأئمّة ثلاثة عشر ، فيتناقض ويكذّب تلك النصوص المتكثّرة ، ومن هنا ، فقد قال الدهلوي في (التحفة ) أنّ من حكم العقل أنّه إذا روى الإنسان حديثاً عن بعض الأكابر أن لا يروي هو ما يكذّب ذلك الحديث .

والظاهر وقوع الإشتباه ممّن نسب إلى كتاب سليم القول بكون الأئمّة ثلاثة عشر ، وكأنّ منشأ الاشتباه ما رآه في الكتاب من الخبر في أنّه سيكون من ولد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اثنا عشر إماماً ، فتوهّم أنّ الأئمّة من بعده علي والإثنا عشر، فهم ثلاثة عشر إماماً .

لكنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام داخل في الأثني عشر ، وعدّه في أولاد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مجازاً صحيح بلا ريب ؛ لكونه بمنزلة ابنه بلا كلام قال الشيخ التقي المجلسي : ( بل فيه ـ أي في كتاب سليم ـ إنّ الأئمّة اثنا عشر من ولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو على التغليب ، مع أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام كان بمنزلة أولاد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما أنّه كان أخاه ، وأمثال هذه العبارة موجودة في الكافي وغيره )(٢) .

وقال أبو علي في (منتهى المقال ) :

( وأمّا كون الأئمّة ثلاثة عشر ، فإنّي تصفّحت الكتاب من أوّله إلى آخره ، فلم أجده فيه ، بل في مواضع عديدة إنّهم اثنا عشر ، وأحد عشر من ولد

ـــــــــــــــــ

(١) المصدر نفسه ٢ : ٨٢٤ ، الحديث السابع والثلاثون .

(٢) روضة المتّقين في شرح من لا يحضره الفقيه ١٤ : ٣٧١ .


علي )(١) .

وتلخّص :

أنّه لم يثبت عند القائلين باعتار كتاب سليم وجود إمامة غير الأئمّة الاثني عشر فيه ، كما هو في نفس الأمر كذلك ...

ووقوع الاشتباه ممّن يقدح في كتاب سليم ولا يرى اعتباره ليس بعزيز ، وما أكثر الأوهام والأغلاط الواقعة من محدّثي أهل السنّة ، وليس منهم أحد إلاّ وقد صدر منهم الوهم والغلط ، حتّى الصّحابة ، كما يظهر بالرجوع إلى (عين الإصابة في استدراك عائشة على الصحابة ) وغيره من كتب تلك العصابة .

هل لكتاب سليم راوٍ غير أبان ؟

لقد نسب إلى تصانيف الشيخين ، ومؤلفات الحسنين , وإفادات علي بن أحمد العقيقي ، وعلي بن أبي طالب القيرواني : إنّ سليماً لم يكن يظهر كتابه لأحدٍ ، حتّى إذا كان آخر عمره ويأس من الحياة ، قال ابن أبي عياش :

( فدعاني وخلابي ، وقال : يا أبان ! قد جاورتك فلم أر منك إلاّ ما أُحبّ ، وإنّ عندي كتباً سمعتها عن الثقات وكتبتها بيدي ، فيها أحاديث لا أُحبّ أن تظهر للنّاس ؛ لأنّ النّاس ينكرونها ويعظّمونها وهي حقّ ـ إلى أن قال ـ :

وإنّي هممت حين مرضت أن أحرقها ، فتأثّمت من ذلك وفظعت به ، فإن جعلت لي عهد الله وميثاقه أن لا تخبر بها أحداً ما دمت حيّاً ، ولا تحدّث بشيءٍ منها بعد موتي ، إلاّ من تثق به كثـقتك بنفسك ، وإن حدث بك حدث أن تدفعها إلى من تثق به من شيعة عليّ بن أبي طالب ، ممّن له دين وحسب .

ـــــــــــــــــ

(١) منتهى المقال ٣ : ٣٧٩/ ترجمة سليم بن قيس .


فضمنت ذلك له ، فدفعها إليّ ، وقرأها كلّها علّيّ ، فلم يلبث سليم أن هلك .

فنظرت فيها بعده ، وفظعت بها ، وأعظمتها واستصعبتها ؛ لأنّ فيها هلاك جميع أُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، من المهاجرين والأنصار والتابعين ، غير عليّ بن أبي طالب وأهل بيته ـعليهم‌السلام ـ وشيعته .

فكان أوّل من لقيت ـ بعد قدومي البصرة ـ الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو يومئذ متوار من الحجّاج، والحسن يومئذ من شيعة عليّ بن أبي طالب، من مفرطيهم، نادم متلهّف على ما فاته من نصرة عليّ والقتال معه يوم الجمل ، فخلوت به في شرقي دار أبي خليفة الحجّاج بن أبي غياث ، فعرضتها عليه ، فبكى ، ثمّ قال : ما في حديثه شيء إلاّ حقّ ، قد سمعته من الثقات من شيعة عليّ وغيرهم )(١) .

فمن مراجعة هذه الكتب يظهر انحصار رواية كتاب سليم بأبان بن أبي عياش ...

وأبان عند الإماميّة ضعيف أو كذّاب ؟

لكنّ أجلاّء هذه الطائفة ، كابن داود وغيره من أكابر فنّ التـنقيد ، يصرّحون بضعفه ، وجمع منهم قالوا : هو مفتر كذّاب ، وأنّه الذي افترى على سليم ووضع الكتاب عليه ، فاعتبروا يا أُولي الأبصار .

أقول :

أمّا قول (الشيخين ) بانحصار رواية كتاب سليم بأبان بن أبي عياش ، فإنْ أراد من (الشيخين ) : الكشّي والنجاشي ؛ ـ كما هو مصطلح العلاّمة المجلسي في أوائل البحار ـ فهما غير قائلين بالمقالة المذكورة ، كما لا يخفى على من طالع كتابيهما وهذه عبارة الكشي : ( سليم بن قيس الهلالي : حدّثني محمّد بن الحسن البراثي ، قال : حدّثنا الحسن بن علي بن كيسان ، عن إسحاق بن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن ابن أُذينة ، عن أبان بن أبي عياش ، قال : هذا نسخة كتاب سليم بن قيس العامري ثمّ الهلالي ، دفعه إليّ أبان بن أبي عياش وقرأه ، وزعم أبان أنّه قرأه على عليّ بن الحسين ( صلوات الله عليهما ) ، قال : صدق سليم ـ رحمة الله عليه ـ هذا حديث نعرفه .

ـــــــــــــــــ

(١) كتاب سليم بن قيس ٢ : ٥٥٨ ـ ٥٥٩ مقدّمة الكتاب .


محمّد بن الحسن ، قال : حدّثنا الحسن بن علي بن كيسان ، عن إسحاق ابن إبراهيم ، عن ابن أُذينة ، عن أبان بن أبي عياش ، عن سليم بن قيس الهلالي قال قلت لأمير المؤمنينعليه‌السلام : إنّي سمعت من سلمان ومن مقداد ومن أبي ذر أشياء في تفسير القرآن ومن الرواية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسمعت منك تصديق ما سمعت منهم ، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبيّ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تخالفونهم ، وذكر الحديث بطوله .

فقال أبان : فقدّر لي بعد موت علي بن الحسينعليهما‌السلام أنّي حججت ولقيت أبا جعفر محمّد بن عليّعليهما‌السلام ، فحدّثته بهذا الحديث كلّه لم أخط منه حرفاً ، فاغرورقت عيناه ، ثمّ قال : صدق سليم ، قد أتى أبي بعد قتل جدّي الحسينعليه‌السلام وأنا قاعد عنده ، فحدّثه بهذا الحديث بعينه ، فقال له أبي : صدقت ، قد حدّثني أبي وعمّي الحسن بهذا الحديث عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقالا : صدقت ، قد حدّثك بذلك ونحن شهود ، ثمّ حدّثاه أنّهما سمعا ذلك من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ ذكر الحديث بتمامه )(١) .

وعبارة النجاشي ليس فيها ذكرٌ من رواية أبان ، فضلاً عن كون الرواية منحصرة فيه ، بل صرّح برواية إبراهيم بن عمر اليماني ، وهذا نصّ كلامه :

( سليم بن قيس الهلالي ، يكنّى أبا صادق ، له كتاب ، أخبرني علي بن أحمد القمي ، قال : حدّثنا محمّد بن الحسن بن الوليد ، قال : حدّثنا محمّد بن أبي القاسم ماجيلويه ، عن محمّد بن علي الصيرفي ، عن حمّاد بن عيسى وعثمان بن عيسى ، قال حمّاد بن عيسى : وحدّثنا إبراهيم بن عمر اليماني ، عن سليم بن قيس بالكتاب )(٢) .

وإنْ أراد من ( الشيخين ) الطوسي والنجاشي ـ كما هو مصطلح التقي المجلسي في رجال روضة المتّقين ـ فقد عرفت كلام النجاشي آنفاً ، وكلام الشيخ الطوسي في (الفهرست ) سابقاً ، وقد ذكر تعدّد الطريق إلى الكتاب

ـــــــــــــــــ

(١) رجال الكشي : ١٠٤ ـ ١٠٥/١٦٧ .

(٢) رجال النجاشي : ٨/٤ .


وأمّا (كتاب الرجال ) للشيخ الطوسي ، فلم ينقل أحدٌ من العلماء الانحصار المذكور عنه ، كما لا يخفى على من تتبّع ، وكيف يدّعى ذلك وقد نصَّ في (الفهرست ) على رواية إبراهيم بن عمر اليماني ، الكتاب كذلك ؟

فظهر الكذب والافتراء على هؤلاء الأئمّة الأجلاّء .

وأمّا أنّ ( الحسنين ) ـ والمقصود منهما : العلاّمة الحلّي ، وهو الحسن بن المطهّر ، والشيخ حسن بن داود الحلّي ـ يقولان بالمقالة المذكورة ، فهذا ـ أيضاً ـ كذب ؛ لأنّ العلاّمة الحلّي ـ وإنْ أورد قصّة تسليم الكتاب إلى أبان ، نقلاً عن السيّد علي بن أحمد العقيقي ـ فإنّ ابن داود لم يذكرها ، لا بترجمة سليم ولا بترجمة أبان ، من كتابه في الرجال .

وأمّا نسبة ذلك القول إلى القيرواني ، والاحتجاج به ، فموقوفة على وثاقة القيرواني ، وكونه من علماء أهل الحق ، ثمّ التصريح باسم الكتاب المنقول عنه مع أنّه ليس من علماء الشيعة المشاهير ، وليست له ترجمة في كتب الرجال ، ولا نقل عنه في مسألتنا هذه في كتابٍ من كتبنا نعم ، له ذكر في كتب أهل السنّة ، وقد نقل عنه الحافظ السهيلي الوجه في اسم ذي القرنين في كتابه (الروض الأنف )(١) .

وأمّا السيّد العقيقي ، فقد قال العلاّمة الحلّي في (الخلاصة ) :

( قال السيّد علي بن أحمد العقيقي : كان سليم بن قيس من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، طلبه الحجاج ليقتله ، فهرب وآوى إلى أبان بن أبي عياش ، فلمّا حضرته الوفاة ، قال لأبان : إنّ لك علَيَّ حقّاً ، وقد حضرني الموت ، يا ابن أخي ، إنّه كان من الأمر بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كيت وكيت ، وأعطاه كتاباً ، فلم يرو عن سليم بن قيس أحدٌ من الناس سوى أبان )(٢) .

ومن العجيب : ما ذكره من قصد سليم إحراق الكتاب وهو يريد التعريض بسليم ؛ لأنّ سليماً إنْ كان قد قصد ذلك ولم يفعله ، فقد فعل ذلك أبوبكر بن أبي قحافة !! لرواية القوم كلّهم أنّه قد أحرق ما جمعه من الحديث

ـــــــــــــــــ

(١) الروض الانف ٣ : ١٧٨ .

(٢) خلاصة الأقوال : ٨٣ ، ترجمة سليم بن قيس .


عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

هذا كلّه فيما يتعلّق بتسليم سليم الكتاب إلى أبان بن أبي عياش .

وأمّا مسألة وثاقة أبان فإنّ أبان بن أبي عياش لا توثيق له في كتب أصحابنا أصلاً ...

أبان من مشايخ أبي حنيفة وأبي يوسف

لكنّ الرّجل من مشايخ أبي حنيفة إمامهم الأعظم ، ومن رجال مسنده ، حيث روى عنه فيه في مواضع عديدة ، كالرواية التالية :

( أبو حنيفة : عن أبان بن أبي عياش ، عن إبراهيم بن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : رمقت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الوتر ، فرأيته قنت قبل الركوع )(٢) .

وقد مدح بعض الأعلام منهم رجال مسند أبي حنيفة ، حتّى قال الشعراني في (الميزان ) :

( قد منّ الله تعالى عليّ بمطالعة مسانيد الإمام أبي حنيفة الثلاثة من نسخةٍ عليها خطوط الحفّاظ ، آخرهم الحافظ الدمياطي ، فرأيته لا يروي حديثاً إلاّ عن خيار التابعين العدول الثقاة ، الذين هم من خير القرون ، بشهادة رسول الله فكلّ الرواة الذين بينه وبين رسول الله عدول أخيار ، ليس فيهم كذّاب ولا متّهم بكذب

وناهيك ـ يا أخي ـ بعدالة من ارتضاهم الإمام أبو حنيفة ،رضي‌الله‌عنه ، لأنْ يأخذ عنهم أحكام دينه ، مع شدّة تورّعه )(٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) تذكرة الحفّاظ ١ : ٥/ ترجمة أبي بكر .

(٢) جامع مسانيد أبي حنيفة ١ : ٣١٧/ الباب الخامس ، في الصلاة ...

(٣) الميزان للشعراني ١ : ٨٢ ـ ٨٣/ فصل ، في تضعيف قول من قال : إنّ أدلّة مذهب أبي حنيفة


وأيضاً : فأبان من مشايخ القاضي أبي يوسف ، وقد أخرج عنه في كتابه (الخراج ) فقال في موضع :

( حدّثني أبان بن أبي عياش ، عن الحسن البصري ، عن أنس بن مالك ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ليس فيما دون خمسة أوسق من البرّ والذرة والتمر والزبيب صدقة ، ولا في ما دون خمسة أواقي صدقة ، ولا فيما دون خمسٍ من الإبل صدقة )(١) .

وأيضاً : فقد روى المزّي في (تهذيب الكمال ) قال :

( وقال محمّد بن موسى الحرشي وعبد الرحمان بن المبارك العيشي ، عن حماد بن زيد ، قلت لسلم العلوي : حدّثني ، قال : يا بُنيّ عليك بأبان ، فإنّي قد رأيته يكتب بالليل عند أنس بن مالك عند السراج

زاد العيشي عن حماد ، قال : فذكرت ذلك لأيّوب ، فقال : ما زال نعرفه بالخير منذ كان )(٢) .

لكنّك تجد الذمّ الشديد له في كتبهم بكثرة ، ونظائره في أئمّتهم ورواة صحاحهم كثيرون جدّاً ...

تكلّم القوم في أبان

وإليك ترجمة أبان عند الذهبي :

( أبان بن أبي عياش فيروز ، وقيل : دينار ، الزاهد ، أبو إسماعيل البصري ، أحد الضعفاء ، وهو تابعيٌّ صغير ، تحمّل عن أنس وغيره ، وهو من موالي عبد القيس .

قال شعيب بن حرب : سمعت شعبة يقول : لأن أشرب من بول حماري حتّى أروى ، أحبّ إليّ من أن أقول ثنا أبان بن أبي عياش .

وروى ابن إدريس وغيره ، عن شعبة ، قال : لأن يزني الرجل خير من أن يروي عن أبان .

قال أحمد : هو متروك الحديث .

ـــــــــــــــــ

ضعيفة غالباً .

(١) الخراج للقاضي أبي يوسف : ٥٣/ فصل ، ما ينبغي أن يعمل به في السواد .

(٢) تهذيب الكمال ٢ : ٢٠ ـ ٢١ .


كان وكيع إذا مرّ على حديثه ، يقول : رجل ، ولا يسمّيه استضعافاً له .

وقال يحيى بن معين : متروك وقال مرّة : ضعيف .

وقال أبو عوانة : كنت لا أسمع بالبصرة حديثاً إلاّ جئت به أبان ، فحدّثني به عن الحسن حتّى جمعت عنه مصحفاً ، فما استحلّ أن أروي عنه .

وقال أبو إسحاق السعدي الجوزجاني : ساقط وقال مرّة : متروك .

ثمّ ساق ابن عدي لأبان جملة أحاديث منكرة .

قال يزيد بن هارون : وقال شعبة : داري وحماري في المساكين صدقة إن لم يكن أبان بن أبي عياش يكذب في الحديث قلت له : فلم سمعت منه ؟

قال : ومن يصبر عن ذا الحديث ؟

يعني حديثه : عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، عن أُمّه ، أنّها قالت : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قنت في الوتر قبل الركوع .

ورواه خلاّد بن يحيى ، ثنا الثوري عن أبان .

وقال عبدان ، عن أبيه ، عن شعبة : لو لا الحياء من الناس ما صلّيت على أبان .

وقال يزيد بن زريع : إنّما تركت أبان ؛ لأنّه روى حديثاً عن أنس ، فقلت له : عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فقال : وهل يروي أنس إلاّ عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

قال الحسن بن الفرج : عن سليم بن حرب ، عن حمّاد بن يزيد ، قال : جاءني أبان بن أبي عياش ، فقال : أُحبّ أن تكلّم شعبة أن يكفّ عنّي

قال : فكلّمته ، فكفّ عنه أيّاماً ، فأتاني في الليل ، فقال : إنّه لا يحلّ الكفّ عنه ، إنّه يكذب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال ابن حبّان : فمن تلك الأشياء التي سمعها من الحسن فجعلها عن أنس : أنّه روى عن أنس أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : خطبنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ناقته الجدعاء ، فقال : أيّها النّاس ، كأنّ الحقّ فيها على غيرنا وجب ، وكأنّ الموت فيها على غيرنا كُتِب ، الحديث


رواه ابن أبي السري العسقلاني ، ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد ، ثنا أبان بهذا )(١) .

أقول :

فانظر كيف يطعنون في مشايخ أئمّتهم ورجال مسانيدهم !

فهذا حال كتبهم ورواياتهم ...

حاصل الكلام

وحاصل الكلام حول كتاب سليم هو :

إنّ ما ذكر قدحاً في هذا الكتاب ليس بقادح ؛ لأنّه إمّا استبعاد وإمّا اشتباه .

رواية إبراهيم اليماني لكتاب سليم

وإنّ ما ادّعي من انحصار روايته بأبان بن أبي عياش غير صحيح ، فإنّ لعلمائنا الأعلام إلى هذا الكتاب طرقاً تنتهي إلى إبراهيم بن عمر اليماني ، يرويه عن سليم ، وإبراهيم ثقة:

قال العلاّمة في (خلاصة الأقوال ) في القسم الأوّل منه المختصّ بالثقات ونحوهم :

( إبراهيم بن عمر الصنعاني ، قال النجاشي ـرحمه‌الله ـ : إنّه شيخ من أصحابنا ثقة ، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله ، ذكر ذلك أبو العبّاس وغيره

وقال ابن الغضائري : إنّه ضعيفٌ جدّاً ، روى عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام ، وله كتاب ، يكنّى أبا إسحاق .

ـــــــــــــــــ

(١) ميزان الاعتدال ١ : ١٢٤ ـ ١٢٧/٢١٥٦ ، ترجمة أبان .


والأرجح عندي قبول روايته ، وإنْ حصل بعض الشك بالطعن فيه )(١) .

قال المولى التقي في (رجال روضة المتّقين ) بعد نقله :

( بل لا يحصل الشك ؛ لأنّ أُصوله معتمد الأصحاب ، بشهادة الصدوق والمفيد ، ووثّقه الثّقتان ، والجارح مجهول الحال ، ولو لم يكن كذلك لكان عليه أن يقدّم الجرح ، كما ذكره العلاّمة في كتبه الأُصوليّة )(٢) .

وعلى فرض الانحصار ، فغاية الأمر كون الكتاب مرويّاً بطريقٍ ضعيف ، وضعف الطريق لا يوجب الطعن والتشنيع ، فهناك الآلاف من الأحاديث الضعيفة مرويّة في كتب القوم ، خاصّةً في مسائل الحلال والحرام وأُصول استنباط الأحكام .

على أنّ أكثر روايات كتاب سليم معتضدة بروايات صحيحة وأحاديث معتمدة ، ولذا قال الشيخ أبو علي الحائري في (منتهى المقال ) :

( ثمّ اعلم أنّ أكثر الأحاديث الموجودة في الكتاب المذكور موجود في غيره من الكتب المعتبرة ، كالتوحيد ، وأُصول الكافي ، والروضة ، وإكمال الدين وغيرها ، بل شذّ عدم وجود شيء من أحاديثه في غيره من الأُصول المشهورة )(٣) .

وقال المجلسي : ( وأكثر أخباره مطابقة لما روي بالأسانيد الصحيحة في الأُصول المعتبرة )(٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) خلاصة الأقوال : ٦/١٥ باب إبراهيم .

(٢) رجال روضة المتّقين ١٤ : ٣٦ .

(٣) منتهى المقال ٣ : ٣٨١/١٣٥٦ ترجمة سليم .

(٤) بحار الأنوار ٣٠ : ١٣٤/ الباب ١٩ .


ملحقٌ في تحقيق حال الحسن البصري

من حيث التشيّع

قال الفيض آبادي :

ذكر أبان بن أبي عياش أنّه اجتمع بالحسن البصري ، ووصفه بالتشيّع لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، فإنْ كان كاذباً في وصفه بذلك ، فهذا من افتراءاته وأكاذيبه ، وإنْ كان صادقاً فكيف يجتمع مع رواية (الاحتجاج ) للطبرسي :

( لمّا فرغ أمير المؤمنينعليه‌السلام من قتال أهل البصرة مرّ بالحسن البصري وهو يتوضّأ .

فقال له : يا حسن ، لقد أكثرت من إراقة الماء .

فقال : لقد أكثرت من إراقة الدماء .

فقال : أسبغ وضوءك .

فقال: والله لقد قتلت بالأمس قوماً كانوا يصلّون الخمس ويسبغون الوضوء .

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : قد كان ما رأيت ، فما منعك أن تعين علينا عدوّنا ؟

فقال: والله لأصدقنّك يا أمير المؤمنين ، لقد خرجت في أوّل يوم ، فاغتسلت وتحنّطت وصببت علَيَّ سلاحي ، وأنا لا أشكّ في أنَّ التخلّف عن أُم المؤمنين عائشة هو الكفر ، فلمّا انتهيت إلى موضع نادى مناد ٍ: يا حسن ! ارجع ، فإنّ القاتل والمقتول في النار ، فرجعت ذعراً وجلست في بيتي ، فلمّا كان اليوم الثاني لم أشك أنّ التخلّف عن أُم المؤمنين هو الكفر ، فتحنّطت وصببت علَيّ سلاحي وخرجت أُريد القتال ، حتّى انتهيت إلى ذلك الموضع ، فناداني من خلفي : يا حسن ! ارجع ، فإنّ القاتل والمقتول في النار .

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : صدقت ، أتدري من ذلك المنادي ؟

قال : لا .


قال : ذاك أخوك إبليس ، وصدقك أنّ القاتل والمقتول منهم في النار )(١) .

وهذا الحديث ـ وإن كانت أمارات الوضع لائحة عليه ؛ لأنّ من المحال أنْ يمنع إبليس الحسن من أن يخرج إلى قتال الأمير الذي هو كفر بزعم الشيعة ـ يكذّب دعوى أبان تشيّع الحسن للأمير ، وإلاّ لزم القول بجواز الجمع بين التشيّع والأُخوّة لإبليس ، إلى غير ذلك من المفاسد .

أقول :

أوّلاً : كيف يجترئ هذا الرجل على تكذيب أبان ووصفه بالافتراء ، وهو يستلزم تكذيب شيخه وإمامه الأعظم أبا حنيفة ، كما عرفت ؟

وثانياً : أيّ تناقض بين كلام أبان ورواية الاحتجاج ؟

وهل ادّعى أبان كون الحسن البصري من شيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام في زمان حكومته وحروبه ؟

لقد قال أبان : ( والحسن يومئذٍ من شيعة علي بن أبي طالب ) ولا ريب أنّ الحسن كان يتظاهر بالتشيّع في تلك الأيّام الّتي التقى بها أبان ، ولم يكن الحسن كذلك وحده ، بل أمثاله ـ الذين كانوا يتظاهرون بالتشيّع وهم في الباطن منافقون ـ كثيرون ..

وثالثاً : إنّ إبليس قد يدعو في بعض الأحيان إلى أفعال الخير ، وهذا ما ينصُّ عليه كبار علماء أهل السنّة في مختلف الموارد ، فقد ذكر الشيخ عبد الوهّاب الشعراني في كتاب (اليواقيت ) عن الشيخ ابن عربي أنّ الشيطان يدخل حبّ أهل البيت في قلوب المؤمنين ! وهذه عبارته :

( وأكثر ما يظهر ذلك ـ أي الضلال ـ بسبب الأصل الصحيح في الشيعة لا سيّما في الإماميّة منهم ، فأدخلت عليهم الشياطين حبّ أهل البيت واستفراغ الحبّ فيهم ، ورأوا أنّ ذلك من أسنى القربات إلى الله تعالى ورسوله ، وكذلك هو لو وقفوا ولم يزيدوا عليه بغض الصحابة وسبّهم ) .

ـــــــــــــــــ

(١) الاحتجاج على أهل اللجاج ١ : ٤٠٢ ـ ٤٠٣ .


وفي (روضة العلماء ) :

( سمعت الشيخ الإمام أبا محمّد عبد الله بن الفضل ، يحكي عن أبي حازم ، عن الحاكم ، قال : لمّا خرج نوح ـ صلوات الله عليه ـ من السفينة واستقرّ ، وهلك قومه ، جاءه إبليس لعنه الله .

وقال : يا نوح ! إنّ لك عندي يداً عظيماً ، فاسألني ما شئت فأصدقك وأنصحك .

قال : فاهتمّ نوح ـ صلوات الله عليه ـ من كلامه ، فأوحى الله تعالى إليه أن سله ؛ فإنّ عظته حجّة عليه

قال : أخبرني بما أغويت أخلاف بني آدم على هلكتهم .

قال : على الخبير سقطت يا نوح فاسمع .

هو الكبر والبخل والحرص والحسد ، وسأُنبّئك بذلك :

ألم تر أنّ الله تعالى لمّا خلق آدم ، أمر ملائكة السماء السابعة بالسّجود له فسجدوا ، فحملني الحسد إذ فُضِّلَ علَيّ أن لا أسجد له ، فأُخرجت من جميع ملكوت السماوات ، فزجرت ، فصرت شيطاناً رجيماً ، فهذا من الحسد .

ألم تر أنّ الله تعالى لمّا خلق آدم وأسكنه الجنّة وفوّضها بجميع ما فيها إليه ونهاه عن شجرةٍ واحدةٍ أن يأكل منها ، فحمله الحرص أن يأكل منها ، فأُخرج من جميع ما فيها ، فهذا من الحرص .

ألم تر أنّ الله تعالى لمّا خلق الفردوس فنظر إليها فأعجبته ، فقال : أنت محرّمة على كلّ جبّارٍ وعلى كلّ بخيل ، فهذا في الكبر والبخل .

والله يا نوح ! ماكتمتك وما غششتك ، ولا ادّخرت عنك نصحك .

قال نوح ـ صلوات الله عليه ـ : فأخبرني باليد الذي لك عندي ، فو الله إنّك لبغيض إليّ ، فكيف أرضى باتّخاذ الأيادي عندك ؟!

قال : بلى ، إنّ قومك كانوا أُمّةً من الأُمم كثيرة لا يحصي عددهم إلاّ الله تعالى ، وكنت منهم في عناءٍ طويل ، فدعوت ربّك فأُغرقوا ، وصرت فارغاً لقومٍ آخرين ) .


وفي (الدر المنثور ) :

( أخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان عن ابن عمر ، قال : لقي إبليس موسى ، فقال : يا موسى ! أنت الذي اصطفاك الله برسالته وكلّمك تكليماً إذ تبت ، وأنا أُريد أن أتوب ، فاشفع لي إلى ربّي أن يتوب علَيّ .

قال موسى : نعم

فدعا موسى ربّه ، فقيل : يا موسى ! قد قضيت حاجتك

فلقي موسى إبليس ، وقال : قد أُمرت أن تسجد لقبر آدم ويتاب عليك

فاستكبر وغضب ، وقال : لم أسجد له حيّاً أسجد له ميّتاً ؟!

ثمّ قال إبليس : يا موسى ! إنّ لك علّيّ حقّاً بما شفعت لي إلى ربّي ، فاذكرني عند ثلاث لا أُهلكك فيهنّ : أُذكرني حين تغضب ، فإنّي أجري منك مجرى الدم ، واذكرني حين تلقى الزحف ، فإنّي آتي ابن آدم حين يلقى الزحف ، فأُذكّره ولده وزوجته حتّى يولّي ، وإيّاك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم ، فإنّي رسولها إليك ورسولك إليها )(١) .

لكن المراد من ( الخير ) هنا هو ( الشرّ الأقلّ ) إذ لا ريب أنّ اعتزال الحرب أقلّ شرّاً وضرراً من محاربة أمير المؤمنينعليه‌السلام ...

وكلّ ما يذكره القوم جواباً عن الأحاديث المذكورة وأمثالها ، فهو جوابنا عن السؤال حول رواية (الاحتجاج ) ، وأنّه كيف منع إبليس الحسن البصري من دخول الحرب ضد أمير المؤمنين ؟

ورابعاً : لكنَّ الحقيقة هي : أنّ الشيطان أراد بقاء الحسن البصري في هذا العالم ؛ لأنّه لو دخل الحرب لقتل ، فبقي كي ينفّذ إلقاءات الشيطان ، بإحداث البدع والمنكرات في الدين ، فيضلّه ويضلّل بسببه أُمماً من الناس وهذا ممّا تجده ـ أيضاً ـ في أخبار القوم وكتبهم

ـــــــــــــــــ

(١) الدر المنثور في التفسير بالمأثور ١ : ١٢٥ .


قال أبو الفرج ابن الجوزي في ( تلبيس إبليس ) :

( أخبرنا أبو محمّد ابن القاسم ، قال : أخبرنا أحمد بن أحمد ، قال : أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، قال : حدّثنا أبو محمّد ، قال : حدّثنا أحمد بن محمّد بن يعقوب ، قال: حدّثنا محمّد بن يوسف الجوهري ، قال : حدّثنا أبو غسان النهدي ، قال : سمعت الحسين بن صالح ، يقول : إنّ الشيطان ليفتح للعبد تسعةً وتسعين باباً من الخير يريد به باباً من الشرّ ) .

وخامساً : إنّه كما دعا إبليس الحسن البصري إلى اعتزال القتال ، وقال له : القاتل والمقتول في النار ، وصدّقه أمير المؤمنينعليه‌السلام ، كذلك قد علَّم إبليس أبا هريرة أن يقرأ آية الكرسي إذا آوى إلى فراشه فلمّا حكى ذلك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صدّقه وقد أخرج البخاري في (صحيحه ) ذلك ، وهذه رواية البخاري :

( عن أبي هريرة ، قال : وكّلني رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحفظ زكاة رمضان ، فأتاني آت ، فجعل يحثو من الطعام ، فأخذته وقلت : لأرفعنّك إلى اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : دعني فإنّي محتاج وعلَيّ عيال ولي حاجة شديدة

قال : فخلّيت عنه فأصبحت .

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أبا هريرة ! ما فعل أسيرك البارحة ؟

قال : قلت : يا رسول الله ! شكى حاجة شديدة وعيالاً ، فرحمته فخلّيت سبيله .

قال : أما إنّه قد كذبك وسيعود .

فرصدته ، فجعل يحثو من الطّعام فأخذته ، وقلت : لأرفعنّك إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

قال : دعني فإنّي محتاج وعلَيّ عيال ، لا أعود ، فرحمته وخلّيت سبيله فأصبحت .

فقال لي رسول الله : يا أبا هريرة ! ما فعل أسيرك ؟

قلت : يا رسول الله ! شكى حاجةً شديدةً وعيالاً ، فرحمته فخلّيت سبيله .

قال : أما إنّه قد كذبك وسيعود .

فرصدته الثالثة ، فجعل يحثو من الطعام فأخذته ، فقلت : لأرفعنّك إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا آخر ثلاث مرّات أنّك تزعم لا تعود ثمّ تعود .


قال : دعني أُعلّمك كلمات ينفعك الله بها .

قلت : ما هو ؟

قال : إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي : ( اللّهُ لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ ) حتّى تختم الآية ، فإنّك لن يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربك شيطان حتّى تصبح ، فخلّيت سبيله ، فأصبحت .

فقال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما فعل أسيرك البارحة ؟

فقلت: يا رسول الله ! زعم أنّه يعلّمني كلمات ينفعني الله بها فخلّيت سبيله .

قال : ما هي ؟

قال لي : إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أوّلها حتّى تختم الآية :( اللّهُ لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ ) وقال : لن يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربك شيطان حتّى تصبح ، وكانوا أحرص شيءٍ على الخير .

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أمّا إنّه قد صدقك وهو كذوب ، تعلم من تخاطب مذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟

قال : لا .

قال : ذاك شيطان )(١) .

والألطف من ذلك كلّه : ما رواه القوم في مناقب خليفتهم الثاني ، من تعلّمه فضل سورة البقرة من إبليس قال الشيخ إبراهيم الوصابي اليمني الشافعي في كتاب (الاكتفاء ) :

( عن ابن مسعود : إنّ رجلاً من أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقي رجلاً من الجنّ ، فصارعه صاحب محمّد ، فقال له الجنّي : عاودني ، فعاوده فصرعه ثانياً ، فقال له الصحابي : إنّي لأراك ختيلاً سخيفاً ذراعك ذراع الكلب ، أفكذلك أنتم معشر الجنّ أو أنت منهم كذا ؟

قال : لا والله إنّي منهم لضليع

ـــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٣ : ١٣٢ ـ ١٣٣/ كتاب الوكالة ، باب إذا وكّل رجلاً ...


ثمّ قال : عاودني الثالثة ، فإن صرعتني علّمتك شيئاً ينفعك ، فعاوده فصرعه ، فقال : هل تقرأ آية الكرسي ؟

قال : نعم

قال : فإنّك لا تقرؤها في بيت إلاّ خرج منه الشيطان ، ثمّ لا يدخل حتّى يصبح .

فقال رجل من القوم : من ذلك الرجل ، يا أبا عبد الرحمان ، من أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

هو عمر ؟

قال : من يكون إلاّ عمر ؟

أخرجه المحبّ الطبري في الرياض .

وفي أُخرى لهرضي‌الله‌عنه قال : لقي رجل شيطاناً في سكّةٍ من سكك المدينة ، فصارعه فصرعه الرجل ، فقال : دعني ، فإنّك إن تدعني أُخبرك بشيءٍ يعجبك

فقال : لا أدعك حتّى تخبرني ، وعَضّه في إصبعه

فقال : هل تقرأ سورة البقرة ؟

قال : نعم

قال : فإنّ الشيطان لا يسمع منها شيئاً إلاّ أدبر وله عجيج كعجيج الحمار .

فقيل لابن مسعود : من ذلك الرجل ؟

قال : ومن عسى أن يكون إلاّ عمر .

أخرجه عبد الله بن مسعود الأندلسي في كتابه الشفا )(١) .

ومن لطائف الأُمور : وضعهم الأحاديث في فضائل خلفائهم ، والدفاع عنهم عن لسان إبليس نفسه ...

ومن ذلك : ما رواه القاضي أبوبكر أحمد بن الضحّاك في (فضائل عمر ) ، والوصابي في (الاكتفاء في فضائل الخلفاء ) والمحبّ الطبري في (الرياض النضرة في فضائل العشرة ) نقلاً عن أحمد بن الضحاك ، واللفظ للأخير :

( عن الأعمش ، قال : خرجت في ليلةٍ مقمرةٍ أُريد المسجد ، فإذا أنا بشيءٍ

ــــــــــــــ

(١) الاكتفاء في مناقب الخلفاء ـ مخطوط وانظر الرياض النضرة ١ : ٣٦١ .


عارضني فاقشعرّ منه جسدي .

فقلت : من الجنّ أم من الإنس ؟

فقال : بل من الجنّ .

فقلت : مؤمنٌ أم كافر ؟

فقال : بل مؤمن .

فقلت : هل فيكم من هذه الأهواء والبدع شيء ؟

قال : نعم .

ثمّ قال : وقع بيني وبين عفريت من الجنّ اختلاف في أبي بكر وعمر ، فقال العفريت : إنّهما ظلما عليّاً واعتديا عليه .

فقلت له : بمن ترضى حكماً بيني وبينك ؟

قال : بإبليس .

فأتيناه فقصصنا عليه القصّة فضحك .

ثمّ قال : هؤلاء من شيعتي وأنصاري وأهل مودّتي .

ثمّ قال : ألا أُحدّثكم بحديث ؟

قلنا : بلى .

قال : أُعلمكم أنّي عبدت الله تعالى في السماء الدنيا ألف عام ، فسُمّيت فيها العابد ، وعبدت الله في الثالثة ألف عام فسُمّيت فيها الراغب ، ثمّ رُفعت إلى الرابعة ، فرأيت سبعين ألف صفّ من الملائكة يستغفرون لمحبّي أبي بكر وعمر ، ثمّ رُفعت إلى الخامسة ، فرأيت فيها سبعين ألف ملك يلعنون مبغضي أبي بكر وعمر .

أخرجه القاضي أبو بكر أحمد بن الضحّاك في فضائل عمر بن الخطّاب )(١) .

ـــــــــــــــــ

(١) الرياض النضرة في مناقب العشرة ١ : ٣٦١/٢٥١ .


وإذا كان الخصم يرى أنّ الشيطان لا يدعو إلاّ إلى الشر ، فهو ـ إذاً ـ يعترف بكون حبّ الشيخين شرّاً لا خير فيه أبداً وهذا من الأدلّة الإلزاميّة التي لا مفرّ لهم منها ...

وسادساً : فإنّ خبر (الاحتجاج ) قد رواه القوم في كتبهم وإنْ مختصراً ...

قال القاضي أبو جعفر محمّد بن عمر الشعبي في (الكفاية ) :

( روي في الأخبار : إنّ عليّاً مرّ على الحسن البصري وهو يتوضّأ ، فقال له : أسبغ الوضوء يا غلام

فقال الحسن لعلي : قتلت أُلوفاً ممّن كان يسبغ الوضوء .

وإنّما أراد به المحاربة التي وقعت بينه وبين معاوية ، فقتل كثير من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال له علي : أحزنك ذلك ؟

فقال : نعم ، فقال له علي : أحزنك الله تعالى ) .

وهذا الخبر يدلّ على شدّة نصب الحسن البصري وعناده لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، فكان أخاً لإبليس حقّاً ...

وقد حاول الشعبي ـ صاحب الكفاية ـ أن يذكر لدعاء الإمام على الحسن محملاً كيلا يدلّ على الذمّ له ، فقال :

( ثمّ دعاء علي ليس على وجه الغضب ، وإنّما أراد به أحزنك الله في أمر الدين ، فاستجاب الله دعاءه

فروي أنّه لم يضحك بعد ذلك أربعين سنة ) .

لكنّه تأويل سخيف ومضحك ، كما لا يخفى ...


وتلخّص

إنّ الحسن البصري لم يكن من الشيعة الإماميّة ، وإنّما كان ربّما يتظاهر بذلك في بعض الأحيان ، وأبان بن أبي عياش وصفه بالتشيع لِما رآه يتظاهر بذلك في ذلك الوقت ، وهذا لا يعارض خبر (الاحتجاج ) ولا غيره من الأخبار المذكورة في كتبنا ، ككتاب (الاثنا عشريّة ) للشيخ الحرّ العاملي (رحمه‌الله ) ، الدالّ على عدائه وناصبيّته لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، حتّى أنّ الإمامعليه‌السلام قد وصفه في روايةٍ بأنّه ( سامريّ هذه الأُمّة ) ولهذا الوصف مداليل كثيرة .

وتلخّص : أنّ ( الحسن ) ليس من الشيعة أصلاً ، لكنّ ( أبان ) لم يكذب في وصفه بالتشيّع .


الفهرست

كلمة المؤلّف.. ٢

تقديم. ٥

افتراق الأُمّة ٥

معالم الفرقة النّاجية ٥

دور الأئمّة في حفظ الدين ونشر العلم. ٧

نشر العلم والمعرفة بشتّى الطرق. ١٩

أهمُّ العلوم في المدرسة الشيعيّة ٢٤

علم الكلام ٢٤

علوم القرآن. ٢٦

علم الفقه والحديث.. ٢٧

وهنا فوائد : ٢٨

تراجم أعلام الشيعة في كتب السنّة ٣١

من تراجم علماء السنّة في كتبهم. ٤٧

كتب الردود في المكتبة الشيعيّة ٥٤

تأليف الكتب للصدّ عن التشيّع. ٥٤

في الحجاز ٥٥

في الهند. ٥٥

في العراق. ٥٧

منتهى الكلام للفيض آبادي. ٥٩

ترجمة الفيض آبادي. ٦٥

استقصاء الإفحام للسيّد حامد حسين. ٦٦

فهرس موضوعات استقصاء الإفحام ٦٨

ترجمة السيّد مير حامد حسين. ٧٠

نسبه ٧٠


أُسرته ٧١

والده السيّد محمّد قلي. ٧١

أساتذته ٧٣

كلمات العلماء في حقّه ٧٣

المكتبة الناصريّة ٧٩

تصانيفه ٨٢

أشهر مصنّفاته : ٨٤

١ ـ استقصاء الإفحام ٨٤

٢ ـ شوارق النصوص.. ٨٤

٣ ـ عبقات الأنوار ٨٤

التقاريظ على كتبه ٨٧

تقريظ سيّد الطائفة في عصره المجدّد السيّد الميرزا الشيرازي(١) ٨٨

تقريظ خاتمة المحدّثين الميرزا حسين النوري(١) ٩٠

تقريظ الفقيه الكبير الشيخ زين العابدين المازندراني الحائري(١) ٩٢

ولده السيّد ناصر حسين. ٩٣

بين السيّد حامد حسين والمولوي الفيض آبادي  ٩٥

عملنا في الكتاب.. ٩٧

الباب الأوّل : ٩٨

مسائل اعتقاديّة ٩٨

الصحيحان أصحُّ من القرآن ؟ ٩٨

الأخبار والآثار في وقوع النقص والغلط في القرآن  ١٠٠

في كتب السنّة ١٠٠

ذهب من القرآن كثير ! ١٠٠

سورة الأحزاب.. ١٠٠

سورة تشبه براءة ١٠٢


البراءة تعدل البقرة ١٠٣

سورتا الحفد والخلع. ١٠٥

آيتان لم تكتبا ١٠٧

آية أُخرى. ١٠٨

آية الرجم. ١١٢

آية الرضاع. ١١٥

آية الجهاد ١١٦

آية : لا ترغبوا عن آبائكم. ١١٧

آية حميّة الجاهليّة ١١٧

آية الصلاة على النبي. ١١٨

آية : وهو أبٌ لهم. ١١٩

آية الصلاة الوسطى. ١١٩

آية صلاة الجمعة ١٢٢

آية أُخرى. ١٢٤

آية الطلاق. ١٢٤

آية التبليغ. ١٢٥

آية : كفى الله المؤمنين. ١٢٦

عثمان : إنّ في القرآن لحناً ! ١٢٧

نقد القول بوقوع اللحن في القرآن. ١٣٠

رجال الحديث والعرفان و ولادة الإمام المهدي صاحب الزمان  ١٥٢

الشيخ عبد الوهاب الشعراني. ١٥٢

ترجمة الشعراني. ١٥٧

الشيخ المودودي. ١٥٨

الخواجه محمّد پارسا ١٦١

ترجمة خواجه پارسا ١٦٣


الشيخ عبد الرحمان الجامي. ١٦٣

ترجمة الجامي. ١٦٤

الشيخ عبد الحق الدهلوي. ١٦٤

ترجمة عبد الحق الدهلوي. ١٦٥

السيد جمال الدين الممحدّث.. ١٦٥

ترجمة الجمال المحدّث الشيرازي. ١٦٧

الشيخ أبو عبد الله الكنجي. ١٦٨

ترجمة الكنجي الشافعي. ١٦٨

سبط ابن الجوزي. ١٦٨

ترجمة سبط ابن الجوزي. ١٦٩

ابن الصبّاغ المالكي. ١٦٩

ترجمة ابن الصبّاغ المالكي. ١٧١

الشيخ كمال الدين ابن طلحة الشافعي. ١٧١

ترجمة ابن طلحة الشافعي. ١٧٩

الشيخ ولي الله الدهلوي. ١٨٠

ترجمة وليّ الله الدهلوي. ١٨١

مع الأعور الواسطي. ١٨١

مع ابن حجر المكي. ١٨١

التجسيم والمجسّمة ١٨٤

تبرئة الشهرستاني هشام بن الحكم. ١٨٤

ترجمة الشهرستاني. ١٨٥

المجسّمون من أهل السنّة ١٨٦

ابن تيميّة وابن القيّم. ١٨٦

بعض شيوخ الحديث.. ١٩٠

الذهبي. ١٩٠


أبو القاسم ابن مندة ١٩٢

جماعة من القدماء ١٩٣

أكثر المحدّثين. ١٩٤

مقاتل بن سليمان. ١٩٥

نعيم بن حمّاد ١٩٦

البـداء ١٩٩

كلام الشيخ المجلسي وسائر علمائنا الأعلام ٢٠٠

روايات السنّة في البداء ٢٠٤

من موارد وقوع البداء في أخبار القوم ٢١٢

قصّة الأبرص والأعمى والأقرع في بني إسرائيل  ٢١٢

قصّة يونس عليه‌السلام.... ٢١٣

قصّة موسى عليه‌السلام.... ٢١٥

قصّة القصّار ٢١٧

قصّة الرجل من قوم صالح عليه‌السلام.... ٢١٧

قصّة الملكين. ٢١٨

قصّة الملك الذي إذا ذكر ذكر عمر ٢٢٠

قصّة بعض الفضلاء ٢٢١

تبدّل حال الرجل. ٢٢١

قصّة أبي رومي. ٢٢٢

الميثـاق والصّـور ٢٢٤

رأي السيّد المرتضى في خبر الميثاق. ٢٢٤

التحقيق فيما نُسب إلى السيّد المرتضى. ٢٢٦

رأي الغزالي في خبر الميثاق. ٢٢٨

رأي مجاهد في آية الميثاق. ٢٣١

حول كلام الطبرسي في آية الصّور ٢٣١


حول كلام المفيد في معنى ( الصور ) ٢٣٤

عقيدة الحسن البصري وأبي عبيدة ٢٣٨

بل هو عقيدة جماعة ٢٣٩

بل هو القول المشهور بينهم. ٢٤١

وهو قول أهل اللُّغة منهم. ٢٤٢

معاجز نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم...... ٢٤٦

ردّ الشمس.. ٢٤٦

من المنكر لهذه المعجزة ٢٤٨

انشقاق القمر ٢٥٠

من المنكرين لهذه المعجزة ٢٥١

إسلام آباء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم...... ٢٥٥

أباطيل الأعور الواسطي. ٢٥٥

وابن كثير المدمشقي. ٢٥٨

والذهبي. ٢٦٢

القائلون بالحقّ وأدلّتهم. ٢٦٣

تنبيه حول رأي الرازي. ٢٧١

الصَّلاة على غير النبي. ٢٨١

الصّلاة على غير النبي من بدع الشيعة ؟ ٢٨١

ويحيى بن معين يقول في جاريةٍ : صلّى الله عليك ! ٢٨٣

وقال بعضهم في يزيد : عليه السلام !!! ٢٨٤

الأقوال والأدلّة كما ذكر ابن حجر ٢٨٤

الجبر والاختيار ٢٨٨

هل أفعال العباد واقعة بقدرة الباري وحدها ؟ ٢٨٨

مذهب الأشعريّة عين مذهب الجهميّة ٢٩١

كلمات ابن تيميّة في المسألة ٢٩٢


كلمات ابن القيّم في المسألة ٢٩٩

قال الرازي : يجوز إدخال الله العُبّاد في النار والكفّار في الجنّة ٣٠٣

هل يجوز التكليف بما لا يطاق ؟ ٣٠٣

قال ابن تيميّة : الرازي من الجبريّة ٣٠٦

حديث الطينة ومعناه ٣٠٦

هل يدخل ولد الزنا الجنّة ؟ ٣١٦

رأي الإماميّة في المسألة ٣١٦

وعليه الزمخشري والرازي. ٣١٧

الأقوال في تأويل خبر : ولد الزنا لا يدخل الجنّة ٣١٨

أسماء الأئمّة الرواة للخبر المذكور ٣٢١

حول كتاب سليم بن قيس الهلالي. ٣٢٥

قال الفيض آبادي ما محصّله معرّباً : ٣٢٥

نقد الكلام المذكور ٣٢٧

تنبيه على خطأٍ لصاحب التحفة ٣٢٨

قضيّة محمّد بن أبي بكر مع أبيه ٣٣٧

حلّ الإشكال بذكر النظائر ٣٤٣

استقلّ بالكتابة وعمره أربع سنين. ٣٤٣

حفظ القرآن وهو ابن أربع سنين. ٣٤٤

سمع الحديث وهو ابن أربع سنين. ٣٤٤

كان يقوم الليل وهو ابن ثلاث سنين. ٣٤٧

سمع الحديث وعمره أقل من ثلاث سنين. ٣٤٧

توكّل في عقد الزواج وله ثلاث سنين. ٣٤٨

أجابت ابنة ابن عربي في مسألةٍ فقهيّة وهي في سنّ الرضاعة ٣٥٠

تكلّم محمّد مع أبيه عند موته في المصادر السنيّة ٣٥١

وهل قدح أحدٌ من أعلام الإماميّة في كتاب سليم ؟ ٣٥٣


هل كان سليم يرى أنّ الأئمّة ثلاثة عشر ؟ ٣٥٥

هل لكتاب سليم راوٍ غير أبان ؟ ٣٥٨

وأبان عند الإماميّة ضعيف أو كذّاب ؟ ٣٥٩

أبان من مشايخ أبي حنيفة وأبي يوسف.. ٣٦٢

تكلّم القوم في أبان. ٣٦٣

حاصل الكلام ٣٦٥

رواية إبراهيم اليماني لكتاب سليم. ٣٦٥

ملحقٌ في تحقيق حال الحسن البصري. ٣٦٧

من حيث التشيّع. ٣٦٧

قال الفيض آبادي : ٣٦٧

وتلخّص.. ٣٧٦