شيء عن الردّة

(الجحاف السلمي)

أحمد عبد الله


« المقدّمة »

هذا حديث قد يؤذي البعض وقد يثير البعض، والله يشهد أني لم أرد شيئاً من ذاك. لم أقصد أن أؤذي أحداً ولا أن أثير أحداً. فليس بيني وبين القارئ إلاّ ما يكون بين الكاتب وقارئه من احترام وتقدير. وهذا الاحترام هو الّذي دفعني إلى الكتابة في موضوع زُوّر كثيراً وشوّه كثيراً، هو موضوع الردّة.

ولم يكن أمامي، وأنا أحاول البحث فيه ودراسته إلاّ أحد خيارين: أن أكتب فأعيد ما كتبه أو زوّره الآخرون. وفي ذلك من خيانة الأمانة والازدراء بالقارئ واللعب بحقائق التاريخ، ما لا أريده لنفسي ولا للقارئ. وما أظن تأريخ أمة من الأمم، قد زُوّر كما زوّر تأريخنا، فهو ليس في حاجة إلى مزيد.

وأمّا أن أكتب إرضاءً للحق واحتراماً للقارئ وفي هذا ما لم يعهد ولم يألف، وخمسة عشر قرناً من التزوير قد عملت في النفوس حتى جعلت مهمّة الكاتب والقارئ معاً، أمراً شديد الصعوبة بالغ العسر.

كيف يستطيع الكاتب أن يصل إلى حقيقة ما، في طريق طويل شائك مظلم، فهو يسير حذراً بطيئاً، يردّه طول الطريق وشوكه وظلامه، ويدفعه فيه لذّة اكتشاف الحقيقة وبلوغها. وكيف يستطيع القارئ أن يسيغ حقيقة جديدة، وقد نشأ ونشأت قبله أجيال وأجيال، وهي لا تعرف ولا تقرأ ولا تتحدّث إلاّ ما كتبه مزوّرو الحقائق ممّن نسمّيهم مؤرّخين.

وهكذا وجدتني بين عاملين. يردّني أوّلهما ويدفعني الآخر، حتى انتهيت إلى قرار بأن أمضي في الطريق، على طوله وشوكه وظلامه.

وكان هذا الكتاب الّذي بين يديك حول (الردّة).

والردّة ـ وليكن هكذا اسمها الآن ـ هي إحدى أهم القضايا الّتي واجهها المسلمون بعد وفاة النبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأسالت الكثير من الدم وأثارت، وما تزال، الكثير من النقاش.

لقد كان فيها امتحان للسلطة من جهة، وامتحان لجماهير المسلمين من جهة. امتهنت فيها كرامات واستبيحت أعراض وسفكت دماء، ولم يكن قد مرّ على غياب نبيّهم غير أيام تستطيع أن تعد ساعاتها إن شئت.


ولا أظنني أبعد عن الحق إذا قلت: إن الدم الّذي سال ظلماً في وقائع الردّة، قد أسال دماً أكثر بعدها، وسهّل على الحكّام طريق الدم الّذي يسلكونه لأيّة شبهة أو خلاف، لا يردعهم عن ذلك ما للإنسان من حرمة لم يجعل الإسلام لها ما يساويها.

والحديث عن الردّة هو، في الوقت ذاته، حديث عن محنة هذا التأريخ العربي الإسلامي الّذي هو أسير عدد من المزوّرين والمتعصّبين والحمقى، يقودهم كذّاب اسمه سيف بن عمر يتصرّف به كما يشاء. ثم هو محنة هؤلاء القرّاء والدارسين الّذين هم أيضاً، أسرى هذا الشخص يوجّههم حيث يشاء، وقد روى عنه واستند إليه كبير المؤرّخين الطبري. فأنت لا تستطيع أن تتناول موضوعاً ممّا يخص تأريخنا، خصوصاً الردة، دون الرجوع إليه واعتماد رأيه، من خلال الطبري أو من جاء بعده ونقل عنه وتأثّر به. وليس هناك من الّذين جاؤوا بعده من لم ينقل عنه أو يتأثّر به.

ومن هنا كان علينا أن نبحث موضوع الردّة بنظرة جديدة وروح جديدة، بعيدة عن تعصّب الماضين وتحاملهم وتلقّي بعضهم عن بعض، وذلك لا لمجرد اللذّة يحسها الكاتب أو القارئ في الكشف عن حقيقة طال السكوت عليها وكتمانها، بل دفعاً لظلم امتد قروناً كان من ضحاياه مسلمون أبرياء، شوّهت سيرتهم أحياء فاستحقوا القتل، وشوّهت صورتهم أمواتاً فاستحقّوا اللعن.

على أني لا أريد أن أصادر رأي القارئ في الردّة وفي أحداثها. ولا أن أمنعه من رأي لا يوافقني عليه فيها، فلم أكتب إلاّ انتصاراً لحرية الرأي الّذي صادرته، على امتداد عصور طويلة، سلطات تتبارى في حجره والتضييق عليه، حتى أصبح الإعراب عن رأي مخالف لرأيها بدعة أو زندقة أو كفراً، ما أكثر ما أطار من رؤوس.

وفي هذا البحث، لن أتناول كل ما سمّاه المؤرّخون ردّة ولا كل من سمّوهم مرتدين، فذلك بحث لا أنوي الخوض فيه هنا، دون أن يساورني شك في أحداثه ودوافعه وأشخاصه.


سأقصر حديثي في الردّة على ما سمّي بردّة مالك بن نويرة. فعلى كثرة القتلى من المسلمين وممّن سُمّوا مرتدين، وعلى كثرة القتلى من فرسان العرب ورجالهم الّذين كانوا يرون الموت بغير القتل عاراً. فإن مأساة مالك تبقى واحدة من تلك المآسي الإنسانية الّتي تتجاوز حدودها الفردية، لتمثّل صورة لهذا الظلم الّذي تعرّض له المسلمون ولما يمض على وفاة نبيّهم إلاّ أيّام كما قلت.

وكم تمنّيت أن أملك ريشة مصوّر فنّان لأكون أقدر على تقديم هذه الصورة بما ينبغي لها، غير مبالٍ بأن تشوّه صورتي أنا، عند الّذين لا يرون الخير والجمال إلاّ في قتلهما.

وهذه مشكلة واجهها عدد كبير قبلي، ممّن حاولوا أن يناقشوا بعض قضايا تأريخنا، فاجتهدوا رأياً لا يتفق مع ما ثبت من رأي فيها، تداولته الأجيال وساعدت عليه السلطة وقبض ثمنه المؤلّفون. فإذا بالقيامة تكاد تقوم، وإذا بالمعاهد والمؤسّسات هنا وهناك تتسابق إلى تكفير صاحب الرأي، مستعينة بكل ما لديها ولدى السلطة من قوّة ونفوذ. وكأن الإسلام كلّه قد أوشك أن ينهد وتتداعى أركانه للاجتهاد الجديد في هذه القضية أو تلك من قضايا التأريخ.

ثم نتساءل بعد ذلك عن أسباب انحطاطنا وتخلّفنا، و نحن نخلق، والخوف معنا، يجري في دمائنا. فأنت لا تستطيع أن تبحث أو تعالج قضية إن استطعت، إلاّ بحذر كبير ومن مسافة بعيدة وبإشارات أو رموز أقرب إلى رموز المنطق والرياضيات. لا لسبب إلاّ لأنّ هذا البحث يمسّ قضيّة ترفض السلطة أو الجهات الدينية الخوض فيها أو الاقتراب منها، بعد أن صارت لطول الوقت، مصدر قوّة لتلك ورزق لهذه. لا يهم من بعد أن يزوّر التأريخ ويظلم الناس أمواتاً أو أحياء، ما دام ذلك يخدم المصلحة المشتركة للطرفين.

أظنني استطردت أكثر ممّا يجب وأكثر ممّا عليّ أن أحذر. ولكن حرية الرأي لا تنتهي معاركها التي قد تكون ـ وما أحسبني مصيباً في استعمال (قد) هنا ـ أكبر من كل المعارك الأخرى الّتي تخوضها الجيوش.

وأنا على استعداد أن أكون واحداً من جنودها، وأن أخوض معركتها وأتحمّل نتائجها. ولكني أيضاً على يقين أن أحرار الفكر سيخوضونها معي، فهي معركتهم؛ لأنها معركة الفكر.


وأعود إلى مالك، أحاول الكشف عن مأساته أو تقريبها، من خلال النصوص المتيسّرة لدينا، ما أسعفتنا النصوص، أو اعتماداً على الاستنتاج، إذا قصرت النصوص فلم تفصح أو تعمّدت ألاّ تفصح.

وسيرى القارئ ـ ولا بد أن أعترف ـ أن البحث وهو يعالج مأساة مالك ربما تناول أو مسّ بعض الشخصيات من كبار الصحابة الّذين يحتلّون المنزلة الرفيعة في نفوس المسلمين، وربما رأى ما لا يعجبه في الحديث ومناقشة مواقفهم من قضية مالك. وقد يصدمه ذلك ويؤذيه.

وإلى هذا القارئ أقول: إن الشخصيات الّذين سيتناولهم البحث يحتلّون عندي نفس المنزلة الرفيعة الّتي يحتلّونها عنده وعند غيره من المسلمين. وربما تجاوزت فقلت إن منزلتهم عندي أعلى منها عندهم. لكن هذه المنزلة لا يحط منها في نظري أو يضعفها موقف في قضية، كان هناك ما هو أفضل منه لمعالجتها. فأنا مع احترامي الشديد لكل الّذين سترد أسماؤهم من كبار الصحابة، وحتى من الراشدين، لست ممن يعتقد عصمتهم من الخطأ، والعصمة لله وحده. ولا يعني رأيي في موقف لهم، أني أريد الإساءة إليهم أو الانتقاص منهم.

معاذ الله أن أكون إلى هذا قصدت من الكتابة عن مالك بن نويرة.


الباب الأول

الفصل الأول

(موقف المسلمين بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله )


الفصل الأول

(موقف المسلمين بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله )

كانت وفاة النبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله صدمة للمسلمين عاطفية، فقد ذهب الموت بأعزّ الناس عليهم وأحبّهم إليهم وأملكهم لقلوبهم وأقربهم إلى نفوسهم يصبحون عليه حين يصبحون فلا يفارقونه حتى يفارقهم هو، للراحة أو للنوم أو للوحي.

وسياسية إذ كان النبي هو الّذي يتولّى حلّ المشاكل والخلافات الّتي تعرض لهم يوميّاً، في السلم والحرب، وفي سائر شؤون الحياة، وما تفرض من اتصال وعلاقات دائمة لا تخلو ممّا يشوب ويكدر أحياناً.

وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ملاذاً وموئلاً يرجعون إليه في كل ذلك. يحكم فلا يتّهم في حكمه، ويرى فيمضي رأيه في غير حرج ولا إكراه. فهو رسول الله وصاحب الوحي، قوله وفعله سنّة، وفيه اجتمع الدّين والدّنيا.

وكانت تثور بين المسلمين، مهاجرين وأنصاراً، في المدينة بعض الخلافات الّتي استطاع النبيّ بحكمته، أن يلطّف من حدّتها ويحصرها في أضيق دائرة يمكن أن تحصر فيها، رغم اختلاف النسب وقوّة العصبية، ثم ما تولّده المعيشة المشتركة بين أصحاب الدار (المدينة) من الأنصار وبين المهاجرين إليها، من أسباب جديدة للنزاع الدائم، مهما بالغنا في تنزيه المسلمين بطرفيهم ورفعناهم إلى فوق مستوى الناس.

وبين المهاجرين أنفسهم كان وجود النبي مانعاً لظهور خلافاتهم، وقد أقول كتلهم بشكل سافر، وإن كنت لا تعدم حتى مع وجوده بعض ما يشعرك بها.

ولكي تكون صورة ما جرى بعد وفاة النبي واضحة؛ أرى من الضروري أن أعود إلى الوراء: إلى الفترة الّتي تمّ فيها فتح مكّة. فقد كان هذا حدثاً كبيراً بالنسبة للمسلمين ولقريش في نفس الوقت. فإذا كان فتح مكّة يمثّل بداية عهد جديد للإسلام في قوّته وسيره وانتشاره، فأنّه على العكس كان يحمل نذير شر لقريش بانقضاء أملها في التصدّي للإسلام ووقف اندفاعه. وبهزيمتها المؤكّدة في أيّة مواجهة مقبلة معه، إن هي أقدمت على هذه المواجهة أو فكّرت فيها.


وقبل الفتح كانت قد مرّت ثمان سنوات على هجرة النبي من مكّة، ذاق فيها المسلمون حلاوة النصر ومرارة الهزيمة، لكنّهم كانوا مع كل يوم يمر يزدادون عدداً وقوّة وثقة بالنصر وانتظاراً له. وهاهم بعد طول انتظار يدخلون مكّة فاتحين منتصرين. وها هي قريش، بكل جبروتها وكبريائها، تقف مذهولة كسيرة وهي ترى هؤلاء المستضعفين الّذين أخرجتهم وشرّدتهم من مكّة، بعد أن أذاقتهم ألوان الذل والعذاب، يعودون إليها تخفق فوق رؤوسهم ألوية النصر. ولو شاءوا الثأر منها واستئصالها لما ردّهم عن ذلك شيء.

ولم تكن السنوات الّتي سبقت الفتح فترة توقّف أو ضعف للإسلام، ولا فترة سلم مع قريش وحلفائها.

كانت وفود العرب قد بدأت تتسارع إلى الدخول في الدين الجديد. وكانت قريش نفسها قد بدأ يساورها القلق من دخول من دخل منها، أو من تشير الدلائل إلى قرب دخوله فيه. وقد فقدت الكثير من سطوتها وسيطرتها حتى على أبنائها.

كل شيء إذن يشير إلى اختلاف موازين القوى لصالح الإسلام ورجحان كفّة المسلمين الّذين أصبح لهم في المدينة عاصمة ومركز ينطلقون منه ويستقبلون القادمين إليه آمنين مطمئنين.

وبدا واضحاً أن قريشاً قد خسرت المعركة، وأن انتصار الإسلام بشكله النهائي الحاسم لم يعد إلاّ مسألة وقت لن يدوم طويلاً، وهو ما يحزن هؤلاء السادة من شيوخ قريش وقادتها، لكنه يحزن أكثر هؤلاء الشباب من أبنائهم ويحيّرهم، فإذا كان الآباء يمنعهم كبر السن وقد بلغوا منه، وتمكّن العصبية وشدّة التمسّك بالماضي، من الالتحاق بالإسلام ومحمد، حتّى الّذين كانوا يرون بحسّهم وخبرتهم قرب انتصاره وزوال سلطان قريش. فإن هؤلاء الشباب كانوا يفكّرون بأسلوب آخر، لقد كانوا أشدّ إحساساً بالخطر واهتماماً بالمستقبل وفي ما ينتظرون أو ينتظرهم فيه.

لقد أصبح الإسلام واقعاً جديداً، إن كان فرض نفسه حتّى الآن على المدينة وما جاورها من بلاد العرب، فإنّه لن يلبث حتى يفرض نفسه على كل بلاد العرب وربّما غير بلاد العرب.


قد لا يكونون أقل عداءً لمحمّد من آبائهم، لكنّ إصرارهم على موقفهم منه وبقاءهم في الصف المعادي، سيحول بينهم وبين ما يطمحون إليه ويرجونه في هذا الواقع الّذي يكادون يلمسونه، وهم يرون ويسمعون كلّ يوم عن انتصارات جديدة يحقّقها الإسلام هنا وهناك، وهم في هذا، يختلفون عن آبائهم الّذين أمضوا أطول الشطرين من حياتهم في الجاهلية، والّذين لن يحقق لهم الإسلام شيئاً ممّا يمكن أن يحقّقه لهؤلاء الأبناء الّذين ما يزال العمر طويلاً أمامهم.

ثمان سنين وهم يحاربون محمّداً ودينه. لم يتركوا وسيلة لمحاربته وصدّ الناس عنه إلاّ سلكوها، على قربه منهم ومساس رحمه بهم وبدء الدعوة فيهم. وقبلها سنون في مكّة فعلوا معه ما لا زيادة فيه، حتى حاولوا قتله، دون أن يبلغوا منه ما يريدون أو بعض ما يريدون. وهو في كلّ ذلك لا يزداد إلاّ قوّة وعلو شأن وكثرة أتباع.

هنا كان لا بدّ من وقفة تفكير بعيدة عن الهوى قريبة من العقل، تنزع إلى الإفلات من الماضي الّذي أصبح قيداً ثقيلاً على مستقبلهم وحركتهم وطموحهم وآمالهم. وقفة لا شأن لها بما يشدّ الآباء الّذين انتهى طموحهم، وهم يستقبلون انتصارات الإسلام شيوخاً قد تجاوزوا سنّ الطموح.

كان عليهم أن يقرّروا، إذ حان وقت القرار، ولن يكون قرارهم غير أن يسارعوا إلى إعلان إسلامهم طوعاً، بعد أن تأخّروا فيه طويلاً حتّى الآن، لعلّهم يجدون مكاناً لهم وقد تقدّمهم وسبقهم بفضل الإسلام، من كان تابعاً لهم ومن كان لا يقاس بهم. أو أن ينتظروا ما ستأتي به الأيام، وهو على كلّ حال لن يكون خيراً لهم ولا لقريش.

وبادر خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما من شباب قريش فأعلنوا إسلامهم قبل الفتح ببضعة أشهر فقط هي المدّة بين صفر ورمضان من عام ٨ هجرية.

وتخلّف معاوية بن أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما فلم يسلموا إلاّ بعد الفتح.

ولأترك الّذين أسلموا كرهاً بعد الفتح، لأقف قليلاً عند من سبقوهم: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص ومن أسلم معهما من شباب قريش. فما الّذي جدّ في نظر هؤلاء بعد كل هذه السنين الطويلة، ودفعهم إلى إعلان إسلامهم واللحاق بركب المسلمين؟!


أتراهم كانوا يحاربون الإسلام واحداً وعشرين عاماً، لا يتركون وسيلة إلاّ ركبوها للقضاء عليه، وإبعاد المسلمين عنه، بإرهابهم واستعمال كلّ ضروب العنف والقهر والأذى ضدّهم، وملاحقتهم في أي بقعة يستطيعون أن ينالوهم فيها، حتى وهم بعيدون عنهم في أرض الحبشة وتحت حماية النجاشي.

هل كانوا يفعلون كلّ هذا، وهم لا يعرفون الإسلام ولا محمّداً ولا ما يأمر به وينهى عنه ولا ما يدعو إليه؟!

أكانوا سيسلمون لو شعروا أنّ الإسلام قد ضعف، أو لو قدروا على الانتصار عليه في حرب أو سلم؟

أمّا أنا فلا أريد أن أكون غبياً ولا أن أتغابى فأقبل أن إسلام خالد وعمرو وغيرهما ممّن أسلم معهما بعد واحد وعشرين عاماً من الحرب المتصلة الّتي لم تعرف رفقاً ولا انقطاعاً، جاء عن اقتناع بالإسلام وإيمان بمحمّد واعتقاداً برسالته. بل عن اقتناع بعجزهم عن محاربة محمّد ودينه ورسالته، وبأنّ الأرض بدأت تتسع له وتضيق بهم، وأنّه لن يلبث حتّى يبسط سيطرته على كلّ الأرض العربية، وهي قناعة فرضت عليهم وعلى أمثالهم إعادة النظر في حساباتهم كما يقال في لغة العصر.

أدركوا أن بقاءهم خارج الإسلام وفي الصف المعادي له، مع كلّ هذه الانتصارات الّتي تتوالى، يعرضهم لنفس ما تعرّض له المسلمون الأوائل في بداية الدعوة من أذى وقهر وإذلال، وصورة أولئك المسلمين المعذَّبين المستذلّين أمامهم، قد شاركوا هم فيها وساهموا في رسمها، وربما كان هذا هو الحد الأدنى الّذي يتوقعونه، ثم إن أي تأخير في الإعلان عن إسلامهم سيجرّده من أيّة قيمة ويحرمهم من أي دور في هذا المجتمع الجديد الّذي احتلّت واجهته أسماء لم تكن لتبرز لولا سبقها إلى الإسلام وجهادها فيه. سيعيشون إذن على هامش الحياة التي كانوا هم عمادها.

فكّروا في هذا وذاك فأرادوا أن يحتاطوا لأنفسهم ما دام الوقت لم يفت نهائياً وما دامت هناك فرصة يمكن الإفادة منها.

وهكذا أقبل خالد وعمرو وعثمان بن طلحة يعلنون إسلامهم، وهم يحملون طموحهم وكبرياءهم و(قرشيتهم) وحساب المستقبل، وذلك قبل فتح مكّة بأشهر كما ذكرت.


ثم جاء الفتح في رمضان وجاء معه إسلام معاوية بن أبي سفيان وإسلام أبيه وعكرمة ابن أبي جهل وصفوان بن أمية وغيرهم من مسلمة الفتح كما يطلق عليهم. وأظن في هذا الاسم من الدلالة على طبيعة إسلامهم ما لا يحتاج إلى إيضاح.

وكانت المدينة عاصمة الإسلام ومقصد المسلمين لزيارة النبي وإعلان إسلامهم على يديه والإقامة بجواره.

وفي المدينة كنت تستطيع أن تميّز بشكل أساسي ثلاثة اتجاهات يقرب بين أفراد كل منها بعض الخصائص المشتركة الّتي قد لا تلقاها في الاتجاه الآخر.

وأول هذه الاتجاهات ما يمثّله الأنصار، الّذين يتألّفون من قبيلتي الأوس والخزرج، وهم كتلة قويّة لو اتحدت كلمتها، ولو لم تمزّقها منافسات من بقايا الجاهلية وآثارها الّتي لم يستطع الإسلام أن يقضي عليها بصورة نهائية، فظلّت تثور بين الحين والحين كلما وجد ما يثيرها من قول أو فعل.

ويبدو أنّ قريشاً كانت أميل للأوس منها للخزرج. فلم يكن في الأوس من يحلم بالإمارة أو يطمح إليها كعبد الله بن أُبي أو كسعد بن عبادة الّذي ستقتله الجن في حوران لأسباب لم تعلنها حتّى الآن، مع أن المؤرّخين لم يذكروا، وهم يتحدّثون عن أيام العرب في الجاهلية، أنّ قتالاً قد دار بين الخزرج رهط سعد، وبين واحدة من قبائل الجن، يستوجب حقد الجن على سعد والثأر منه وملاحقته حتى ظفرت به في حوران، فرمته بسهمين لم يخطئا فؤاده كما يفخر بذلك واحد من شعراء الجن لا أعرف اسمه.

ولا أدري ما الّذي منع علي بن منصور(١) وهو يطوف في نواحي الجنّة كما ينقل شيخ المعرّة، أن يمر على سيد الخزرج وهو يستحق زيارة، أو يسأل بني الشيصبان من قبائل الجن عن أسباب مقتل سعد، وقد مرّ على الكثيرين منهم وسألهم عن أخبارهم، ولم يكن ابن عبادة دونهم قدراً ومنزلة، فلعلّ لديه أو لدى هؤلاء الجن، ما يفسّر عداءهم لسعد وقتلهم له.

__________________

(١) المعروف بابن القارح صاحب المعرّي في رسالة الغفران.


ويبدو أن حديث الجن وحسن استعمالهم للسلاح قد استهواني وبعد بي، لولا أن أنتبه لنفسي فأترك حديث الجن، وأعود إلى الأوس والخزرج الّذين يمثّلون كتلة كان يفترض أن يكون لها شأن أكبر بكثير مما كان لها، خصوصاً وهي في (مدينتها) وعلى أرضها. لكن حسد كل منهما للأخرى، والخوف أن تستأثر إحداهما بالسلطة، وحدّة المنافسة بين زعماء القبيلتين، كلّ ذاك أدّى إلى إضعاف هذه الكتلة الّتي انضمّ أحد شطريها (الأوس) إلى الكتلة القرشية في السقيفة تاركين الخزرج وحدهم. ثم اختلف الخزرج فيما بينهم بعد ذلك فضعف أمر الاثنين، وفاتتهم الإمارة والوزارة بعد أن قيل لهم (منّا الأمراء ومنكم الوزراء).

والاتجاه الثاني هو الّذي يمكن تسميته بالاتجاه القرشي، إذ كان يتألّف في غالبيته ممّن ينتمون إلى قريش ومن حلفائهم وأتباعهم. وهذا الاتجاه هو الّذي سيكون له الحكم والسلطان والسطوة.

وثالث الاتجاهات هو الّذي يضم عليّاً وبني هاشم وأنصارهم وأكثرية غير قرشية، من هؤلاء السائرين على خط علي ونهجه.

على أنّ هذا لا يعني أنّ جميع المسلمين كانوا موزّعين بين هذه الاتجاهات الثلاثة، يحمل كلّ منهم هوية مختومة تبيّن انتماءه لأيٍّ منها، فالخلاف بقي محصوراً خصوصاً في عهد النبي ومع وجوده، في حدود ما هو طبيعي ممّا يحصل بين شخص وشخص ورأي، لم يبلغ حد القطيعة والعداء. ثم إن العديد من المسلمين أفراداً وجماعات لم يلتزموا خطّاً واحداً في علاقاتهم بهذه الاتجاهات أو الكتل.

وأسلم المتأخّرون من رجال قريش، سواء الّذين أسلموا قبل الفتح بأشهر كخالد وعمرو أو الّذين أسلموا بعد الفتح كمعاوية وعكرمة، أسلموا حين لم يكن لديهم خيار غيره. وكان أمامهم هذه الكتل الثلاث فإلى أيّ منها سينضمّون؟

لن ينضمّوا طبعاً إلى كتلة الأنصار، فهم ليسوا منها وليست منهم، وحميّة الجاهلية وكبرياء قريش ودماء بدر وأُحد تمنعهم من ذاك. وهي أقوى لديهم من أن يمحوها الإسلام، ويعفو آثارها. وكان الأنصار، وهم يحاربون في صفّ النبي، قد وتروا هؤلاء بأب أو أخ أو قريب. وكثير عليهم أن يسكتوا عن الأنصار ويتركوهم فلا يطالبونهم بمن نالوا منهم.


وأبغض إليهم وأشد عداء من هؤلاء الأنصار، علي وكتلته، فهو جزّار قريش كما يسمّونه، وميتّم أولادهم ومرمّل نسائهم. هل ينسون ما لقوا على يديه ويدي عمّه الحمزة؟!

ولو تجاوزوا عن كل ذلك ونسوه أو تناسوه. فماذا سيجدون عند ابن أبي طالب؟! إنهم يعرفونه جيداً، وغاية ما يأملونه منه أن يساويهم بأي واحد من هؤلاء المسلمين الّذين أحبّهم وأحبّوه وألفهم وألفوه، فلا ميزة ولا فضل لأيٍّ منهم على أيٍّ من هؤلاء. وهو ما لا يتصوّره ابن الوليد بن المغيرة ولا ابن أبي سفيان بن حرب ولا ابن أُمية بن خلف ولا غيرهم من أصحابهم، ممّن هم في منزلتهم ومكانتهم.

وهكذا كان الأمر محسوماً. فمع إسلامهم أو قبل إسلامهم حدّدوا الجهة التي سيتعاونون معها وينضمّون إليها.

وانضمّوا لكتلة قريش يسندونها ويستندون إليها وينصرونها وينتصرون بها. ومع الأيام أصبحت هذه الكتلة هي الكتلة المسيطرة، وبدأ الإسلام يأخذ وجهاً قرشياً وتحوّلت العلاقة بين هذه الكتلة القرشية وبين المسلمين والعرب الآخرين إلى علاقة من نوع آخر، غير ما عرف المسلمون في أيامهم الأولى.

وصحب هذه العلاقة الجديدة ونتج عنها طبعاً، شعور بالقوّة وشعور أوضح بالاستعلاء، لم يرض المسلمين الأوّلين لتعارضه مع قيم الإسلام. ولم يرض العرب من غير هؤلاء لتعارضه مع قيمهم، وهم ليسوا بعيدي عهد بالجاهلية. وكان من الممكن أن يقود هذا الوضع إلى بعض العواقب غير المحمودة، لولا شخصية الرسول النافذة الّتي استطاعت، بما لها من جلال النبوّة وسموّ المنزلة والاحترام المطلق، أن تحجب أي أثر سيّئ قد ينتج عن ذلك في حياته.

وكان الأنصار من أوائل من أحسّ بهذا الوضع الجديد وما ينتظرهم منه بعد وفاة النبي، وهو ما سيحصل يوماً ما، والأنصار هم أهل المدينة وسكّانها. وليس بعيداً ما كان بينهم وبين قريش الّتي بدأت تمسك بخيوط السلطة. وكانت قريش من جانبها وهي تعد للمستقبل، قد مدّت جسوراً مع عدد من الأنصار، سيّما الأوسيين، للإفادة منهم عند الحاجة. واستجاب بعض هؤلاء وتعاونوا مع قريش طمعاً وأملاً أو غيرة وحسداً لأبناء عمومتهم الخزرج.


ومرض النبي وثقل عليه المرض. وبدأ كأنّه لن يبرأ من مرضه وأنه ملاق ربّه بعد أيام.

واشتدّ الحزن بالمسلمين. ومع الحزن كان هناك خوف وقلق ممّا ستأتي به الأيام بعد وفاة النبي.

وتهيّأت كتلتا قريش والأنصار للعمل... قريش لتسلّم السلطة، والأنصار للدفاع عن أنفسهم ضد سلطة قريش، ورفضهم أن تكون لها السيادة عليهم وهم في بلدهم، وبهم نصر الله نبيّه ورسالته.

وافترض أنّ اجتماعات على مستوى الأفراد والقادة والزعماء من القبيلتين (الأوس والخزرج) قد تمّت بينهم للبحث في مستقبلهم رغم خلافاتهم. فليس من المعقول أن يتمّ اجتماع السقيفة، ويسارع إليه كل قادة وزعماء وشيوخ الأنصار، لا يتخلّف منهم أحد بمجرّد سماعهم خبر موت النبي، دون تفكير سابق ودون اتفاق سابق، حتّى على مكان الاجتماع الّذي هرعوا إليه، وإلاّ لكان بعضهم على الأقل قد ذهب إلى حيث يرقد النبي لتوديعه وإلقاء النظرة الأخيرة عليه. أيعقل أن يموت رسول الله على أمتار من بيوت الأنصار الّذين آووه وأحبّوه وآثروه وآثروا أصحابه على أنفسهم، فلا يحضر موته أحد منهم، ليشاركوا كلّهم في اجتماع سقيفة بني ساعدة ويتركوه؟! ولو كان الميت واحداً من المهاجرين أو الأنصار، لا رسول الله، لذهبوا أو بعضهم، يساعدون أو يشيّعون أو يعزّون.

وإذا كان الأنصار قد فكّروا واجمعوا واجتمعوا، فلم تكن قريش غافلة عمّا يفعلون، وعيونها وأصدقاؤها بينهم. فما أن اجتمعوا حتّى فاجأهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة الّذين وردتهم أنباء اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، تاركين هم ـ أيضاً ـ محمّداً وجنازته ودفنه، لما هو أهمّ في نظرهم.

وقبل أن يصل زعماء قريش الثلاثة إلى السقيفة، كان الأنصار قد احتشدوا هناك للبحث والاتفاق على مرشّح يقلّدونه أمرهم، لمواجهة أيام غير ما عرفوا: أيام بلا محمّد.

وكانت الدلائل تشير إلى أن هذا المرشّح هو سعد بن عبادة الخزرجي، لا مرشّح لهم سواه.


ولكن علينا أن نكون هنا حذرين، ونحن نعالج موقف الأنصار من تولية سعد. لقد كان سعد حقاً سيّداً كريماً مهيباً، لكنه لم يعدم حاسداً منافساً، أو في كل الأحوال مخالفاً له في الرأي، ومن قبيلته الخزرج، ذلك هو بشير بن سعد والد النعمان بن بشير ومعه عدد من آله.

ثم هناك الأوس (الجناح الثاني للأنصار) الّذين يتردّد موقفهم بين عاملين: المصلحة المشتركة للأنصار من الأوس والخزرج، وما يجمعهما من روابط النسب والدم والسكن في قبال قريش وسلطتها، والخوف أن تستأثر الخزرج ـ إذا ولي سعد الأمر ـ وتستبدّ به دونهم. وهو خوف عبّر عنه الأوسيّون في حوارهم مع بعضهم إثر مبايعة بشير بن سعد الأنصاري الخزرجي أبا بكر. وهو ما أظنّه كان يدور في نفوسهم أو نفوس بعضهم، حتّى قبل مبايعة بشير وربما قبل اجتماعهم في السقيفة.

ولكن ما الّذي دفع الأنصار إلى هذا الاجتماع؟ ما الّذي كانوا يريدونه ويفكّرون فيه وهم يجتمعون في السقيفة ويرشّحون سعداً أو غير سعد؟ هل يريدونه أن يكون خليفة لمحمّد في نبوّته؟ طبعاً لا وقد ختمت النبوات والأنبياء بمحمّد، وهم حين آمنوا به آمنوا بألاّ نبيّ بعده.

ماذا كانوا يريدون إذن؟

كان التكتّل القرشي كما ذكرنا قد بدأ يبرز بقوّة ويفرض نفسه، يقرّب من شاء ويبعد من شاء. وكان بين عناصر هذا التكتّل من لا يمكن للأنصار أن يطمئنّوا إليه أو يثقوا به، لا ديانة فقط، بل لهذا ولما بينهم وبينه من أوتار ودماء وقتلى ليس من السهل نسيانها، لقد حاربوهم حتى وقت قريب على الإسلام، ويرونهم اليوم وهم من قادة الإسلام ورجاله وذوي الرأي والنفوذ فيه.

وقد توفّي محمّد. فما الّذي يحول بين هؤلاء ـ إذا استأثروا بالسلطة بعده ـ وبين تصفية حسابات ليست قديمة، أقل ما تنتهي إليه وتقف عنده أن تستبعد الأنصار وتحطّ منهم وتنزل بهم وبمكانتهم.

إذن كيف سيواجهون مستقبلاً هذا أهون ما يحمله لهم؟

لم يكن أمامهم إلاّ أن يفكّروا ويجتمعوا ويقرّروا ويتناسوا صراعاً ماضياً، ليواجهوا صراعاً قادماً. ولم يكن هذا ممكناً ما لم يتّفقوا على شخص يولّونه أمرهم، يلتفّون حوله ويلفّون معهم من تبعهم من القبائل الّتي تشعر شعورهم وتناصرهم.

وكان ترشيح سعد.


ولكن عدداً من الأنصار، خصوصاً من ذوي السابقة والجهاد في الإسلام، إن كانوا لا يرضون ابن العاص ويخشون ابن الوليد بن المغيرة أو ابن أبي سفيان، فإنهم كانوا يخشون بنفس الدرجة أو أكثر، أن يكون في ترشيح واحد من جانبهم ما قد يضعف الإسلام ويشق وحدة المسلمين ويجعل منهم فريقين، بعد أن كانوا فريقاً واحداً هم المسلمون، فضلاً عن عوامل الغيرة والحسد الّتي أشرنا إليها.

وهذا ما يفسّر ضعف الصف الّذي يقف وراء سعد وعدم تماسكه وسرعة تخلّيه عنه؛ لأنه لم يكن في الأصل قوياً ولم يكن في الأصل متماسكاً. كان هناك ما يجمعهم، ولكن كان هناك أيضاً ما يفرّقهم.

وإلاّ فما عسى أن يصنع ثلاثة حتّى لو كانوا أبا بكر وعمر وأبا عبيدة، في هذا الجمع الكثيف لو كان الأنصار قد اتفقوا وحزموا أمرهم وأجمعوا: أوسهم وخزرجهم، على ترشيح سعد.

وعلى كلٍّ فقد ذهب أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، ودار بين الجانبين حوار طويل. لكن الغريب أن هذا الحوار على طوله وتعدّد أطرافه، لم يتناول الولاية (الخلافة) كوظيفة دينيّة ـ لأنها فعلاً لم تكن كذلك ـ بل انصبّ الحوار كلّه على السلطة والإمرة والإمارة والوزارة. فهذا أبو بكر يقول وهو يخاطب الأنصار استرضاء وتطميناً لهم: (نحن الأمراء وأنتم الوزراء). وهذا عمر يقول: (من ذا ينازعنا سلطان محمّد وإمارته). ويقول: (لا ترضى العرب أن يؤمّروكم ونبيّها من غيركم)(١) .

_________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٢٠ و ابن الأثير ج ٢ ص ١٩٢ - ١٩٣. ويبدو أن معاشر الأنبياء يورّثون حتى ما لا يقبل الإرث بطبيعته وما يخرج عنه ولا يصلح له كالحكم والسيادة والسلطان. ولكنهم، على العكس، لا يورّثون ما يقبل الإرث بطبيعته ويخضع له كالأموال والضياع. وما أحسبك نسيت حديث (نحن معاشر الأنبياء لا نورّث...). هذا من جهة. ومن جهة ثانية فإن موقف عمر هنا يختلف عن موقفه الّذي سنراه فيما بعد، عند ترشيحه الستّة وحصره الخلافة في واحد منهم. فإذا كان عمر في السقيفة يصرّ على أن تكون الخلافة في قريش (لأن العرب لا ترضى أن تؤمّر من كان نبيّها من غيرهم) فإنه يصرّح بعد ذاك، وهو يرشّح الستّة، أن لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لاستخلفه.

وأظنك تعلم أن سالماً هذا لم يكن قرشياً ولم يكن عربياً، وإنما مولى لأبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة.

وما أظن سالماً هذا كان أفضل من الستّة الذين رشّحهم عمر سابقة وبلاء. ولم يكن من العشرة المبشّرين بالجنّة الذين بينهم الستّة المرشّحون.


فالموضوع في نظر ممثّلي قريش لا يتجاوز الإمرة والسلطان، وهو موضوع بعيد عن الدين، قريب من الحكم والسياسة، بل هو الحكم والسياسة ولا شيء غيرهما.

وهذا الموضوع البعيد عن الدين القريب من الحكم والسياسة، هو الّذي كان في ذهن الأنصار أيضاً، وهم يتحاورون مع ممثّلي قريش أو مع بعضهم. فاستمع إلى الحبّاب بن المنذر وهو يحضّ الأنصار ويحرّضهم على الثبات في موقفهم وعدم الإنصات إلى مقالة عمر قائلاً: (ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر). وما أحسب في الدين أنصبة يذهب بها من يشاء عندما يشاء، وإنما هي الإمارة والحكم والسلطان.

ثم استمع إليه وهو يخاطب بمرارة بشير بن سعد، بعد أن يسرع لمبايعة أبي بكر، وبشير هذا هو أول من بايع ونقض ما اجتمع عليه الأنصار من بيعة سعد بن عبادة (أنفست على ابن عمّك الإمارة).

فهل في كل ما سمعنا ممّا دار بين الطرفين، إلاّ حديث عن السلطة والإمارة والوزارة لمن تكون: لقريش أم للأنصار أم شركة بينهما.

وهزم سعد وهزم الأنصار. وبويع أبو بكر وانتصرت كتلة قريش، وتسلّمت الحكم لتبقى فيه أو يبقى فيها جيلاً بعد جيل.

لكن ما حصل في السقيفة من خلاف ـ ولا أقول صراع لكي لا أغضب من لا يرضيهم حديثي مهما خفّفت من حدّة ما حصل ومهما احتلت في تلطيفه ـ لم يكن ليخفى على العرب، حاضرهم وباديهم، وقد دار علنا وبين المئات وفي قلب المدينة. فسرعان ما انتشرت أنباؤه بينهم، وعرف الجميع أن الموضوع لا يتعدّى الإمارة ومن يتولاّها بعد النبي. وليست قريش أولى وأحق بها من غيرها، والنبي نبي المسلمين، والدين لهم جميعاً والأمر من بعده لا يختص به بعضهم دون بعض ولا يستأثر بفضله بعضهم على بعض. وإذا كان هذا الأمر مما تورّث، فإن بين الآخرين من قريش ـ وعلى رأسهم علي وما عرف به من فضل وجهاد وسابقة ودين ـ أولى ممّن يطالبون به وأحق منهم. وإذا كان في قريش الّتي تولّت الحكم، من سبق إلى الإسلام وجاهد فيه، وقد شاركهم فيه من لم يكن من قريش،


فإن في قريش أيضاً من كاد الإسلام وآذى نبيّه وحاربه مدّة طويلة، ولم يدخل في دينه إلاّ بعد اليأس من الانتصار عليه. وهؤلاء الآن هم الّذين يشاركون في حكم المسلمين ويتولّون شؤونهم ويديرونها برأيهم. ولم يكن هؤلاء رضا للمسلمين ولا موضع اطمئنانهم.

وبدأ حكم قريش، وفي نفوس العرب والمسلمين منه ومن الأسلوب الّذي اتبع فيه، شيء كبير. وكان بين العرب والمسلمين: الساخط والساكت على مضض، والساخط المعلن عن سخطه، والرافض للحكم، ومن هو بين هؤلاء وهؤلاء.

وبدلاً من أن يتجه الحكم إلى معالجة هذا الوضع بالحكمة وإعادة الثقة إلى النفوس وتهدئة الخواطر وتبديد الشكوك حول ما جرى وإزالة آثاره، والرفق بالمسلمين الّذين فجعوا منذ أيام بنبيّهم، ففقدوا فيه الأب والأخ والمرشد العاطف، وهم لا يزالون يعيشون الصدمة بفقده.

بدلاً من كل ذلك اتجه الحكم منذ البداية إلى الشدّة والعنف، تخويفاً وتحذيراً لكل الساخطين والرافضين والمتمرّدين. فصورة ما حصل في السقيفة والخوف ممّا يمكن أن يحصل بعد السقيفة وربما بسببها، تقلق الحكم ولا تريحه. وكانت الزكاة أقرب ما يحقّق له هدفه، فأمسك بها وأخذ الممتنعين عن دفعها والّذين لهم رأي فيه بكل أسباب القسوة والبطش، وكأنه يعلن بذلك عن سياسته الّتي سينتهجها إزاء الآخرين ممن وصفنا من المسلمين. وإلاّ فأيّة جريمة في أن يقوم المسلمون بتوزيع الزكاة على فقرائهم ـ وما أكثرهم ـ وعدم إرسالها إلى المدينة، حتى لو أخطئوا في ذلك. وهذا معاذ بن جبل، يوصيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حين بعثه إلى اليمن في حديث يحمل الرقم ١٤٥٨ (... فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وتردّ على فقرائهم... وتوقّ كرائم أموال الناس). وهو ما تجده في الحديث ٧٣٧٢.

وهو ما تجده أيضاً في الحديث ١٣٩٥ (... أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) والأحاديث الثلاثة من أحاديث صحيح البخاري.

فما دامت هذه الأموال سترد على فقرائهم، وهم طبعاً أعرف بهم من غيرهم. فأيّة خطورة في أن يتولّوا هم لا سواهم، توزيعها على هؤلاء الفقراء؟!


ولأفترض أنهم أخطأوا في اجتهادهم هذا، بعدم إرسال الأموال إلى المدينة، مخالفين ما كانت تراه السلطة هناك. فهل يمكن أن يبرّر هذا الخطأ ـ وهو في جميع الأحوال لا يتجاوز هذا الوصف ـ ما جرى لهؤلاء المسلمين، وكأنهم بتأخير إرسال الزكاة أو بتوزيعها بين فقرائهم، قد تحوّلوا مشركين وعادوا إلى عبادة الأصنام، مع أن أشد ما يمكن أن يوجّه إليهم، بل وأشد ما وجّه إليهم فعلاً من قبل أكثر المؤلّفين تعصّباً ضدّهم وبغضاً لهم، أنهم امتنعوا عن إرسال الزكاة إلى المدينة.

وأرسلت الجيوش إلى هؤلاء (المرتدّين) يقتلونهم ويحرقونهم ويسبون نساءهم وذراريهم، وهو ما لم يفعلوه مع المشركين والكفّار.

هذا هو حديث ما حصل قبل السقيفة. وما حصل بعد السقيفة وربّما بسببها، حاول المؤرّخون لأسباب عديدة، أن يشوّهوه ويزوّروه، كما عوّدونا في الكثير من قضايا تأريخنا.

ولكن أرى من الضروري قبل أن أنهيه، أن أشير إلى ملاحظة تبدو لي في غاية الخطورة وذات علاقة وثيقة بما جرى، وبما سيجري بعد السقيفة من أسلوب في حكم المسلمين والتعامل معهم، لا يتفق مع طبيعة الإسلام وما يقوم عليه من مُثُل وقيم عالية.

فيروي ابن قتيبة واليعقوبي، وهما يتحدّثان عن بيعة أبي بكر وتأخّر بني هاشم وعدد من كبار الصحابة، أن أبا بكر أرسل إلى عمر وأبي عبيدة والمغيرة بن شعبة يستشيرهم في الموقف الواجب اتخاذه فقالوا: (الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب فتجعل له في هذا الأمر نصيباً يكون له ولعقبه من بعده فتقطعون به ناحية علي ابن أبي طالب، حجّة لكم على علي إذا مال معكم. فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح والمغيرة حتى دخلوا على العباس ليلاً. فحمد أبو بكر الله وأثنى عليه ثم قال... ولقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيباً يكون لك ويكون لمن بعدك من عقبك...)(١) .

_________________

(١) تاريخ الخلفاء الراشدين ودولة بني أمية لابن قتيبة ج١ ص ١٤ - ١٥ ط١ المكتبة التجارية الكبرى. وتأريخ اليعقوبي، ج ٢ ص ١٠٣ – ١٠٤. وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ـ تحقيق الشيخ حسن تميم ـ دار مكتبة الحياة ١٩٦٣ ج ١ ص ١٨٣.


وانظر هنا أن لقاء العباس تمّ ليلاً، وأنهم لم يكتفوا بأن يجعلوا للعباس وحده نصيباً فربما يرفض ذلك لأسباب كثيرة، قد يكون من بينها كبر سنّه وكبر مقامه، وهما ما قد يمنعانه من قبول العرض أو عدم الإسراع إلى قبوله. فحاولوا إغراءه بأن هذا العرض لن يقتصر عليه، وإنما يشمل عقبه من بعده، فذلك أولى أن يدفعه إلى الرضا بما جاؤوا به ابتداء، أو تحت ضغط عقبه أو بعضهم ممن سيتناولهم (النصيب) وهم بعد شباب يستهويهم العرض، لا كأبيهم الشيخ عمّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وعميد الهاشميين.

وأظنك تلاحظ أن القوم، وهم يتبرّعون للعباس ولعقب العباس بعد أبيهم، بهذا النصيب من الأمر ويمنحونه لهم، يتصرّفون تصرّف المالكين في ما يملكون، فضلاً عن أن هذا النصيب المتوارث في ذرّية العباس يمثّل مذهباً غريباً في النظر إلى الحكم، وبداية لما عرفه المسلمون من نظام ولاية العهد واستمراره فيما بعد.

ويروي الطبري أن أبا سفيان قال لما استخلف أبو بكر: (ما لنا ولأبي فصيل، إنما هي بنو عبد مناف ! قال فقيل له: إنه قد ولّى ابنك، قال: وصلته رحم)(١) .

وسترى أنهم تركوا لأبي سفيان ما بيده من زكاة فلم يطالبوه بتسليمها، استرضاءً له وتقريباً، وهم الّذين حاربوا المسلمين أعنف حرب باسم (الردّة) عن الإسلام؛ لأنهم لم يرسلوا زكاتهم إلى المدينة.

فإذا كانت الخلافة الراشدة قد بدأت عهدها باستمالة ـ ولا أسمح لنفسي بالقول: رشوة ـ ذوي الجاه والنفوذ من قريش ومنحهم ما لا حق لهم فيه: بجعل نصيب (في هذا الأمر) للعباس ولعقبه من بعده. وبتولية ابن أبي سفيان، استرضاءً، لهذين الزعيمين ومحاولة لكسبهما إلى جانبها. أو على الأقل، ضمان سكوتهما عنها.

فما أظنك ستستغرب أي سلوك، تواجهه بعد ذاك في العهدين الأموي والعبّاسي، و حتى يومنا هذا.

_________________

(١) تأريخ الطبري ج ٣ ص ٢٠٩.


الفصل الثاني

(موقف العرب بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله )


الفصل الثاني

(موقف العرب بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله )

إذا كانت أول مشكلة واجهت المسلمين بعد وفاة نبيّهم هي مشكلة الخلافة، فإن أول مشكلة واجهت أبا بكر بعد الخلافة، هي ما أصطلح المؤرّخون على تسميته بالردّة، إمعاناً في الطعن على المتّهمين بها، وتبريراً لما نزل بهم من ظلم بلغ حدّ السبي والقتل والنهب دون سبب مقبول، أو على الأقل، دون سبب يتناسب مع ما نزل بهم.

فكيف يعرض المؤرّخون هذه المشكلة وكيف يصوّرون موقف القبائل العربية بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟.

يقول الطبري في ص ٢٢٥ من الجزء الثالث من تاريخه وهو يبحث الموضوع نقلاً عن سيف بن عمر(١) أشهر وأكثر رواته فيه (لما بويع أبو بكر (رض)... وقد ارتدّت العرب إمّا عامّة وإمّا خاصّة في كل قبيلة ونجم النفاق واشرأبّت اليهود والنصارى والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيّهمصلى‌الله‌عليه‌وآله وقلّتهم وكثرة عدوّهم...).

وفي صفحة ٢٤٢ عن سيف أيضاً (لما فصل أسامة ـ وكان النبي قد بعثه على رأس جيش من المسلمين إلى مؤته حيث قتل أبوه ـ كفرت الأرض وتضرّمت وارتدّت من كل قبيلة عامّة أو خاصّة إلاّ قريشاً وثقيفاً).

وفي نفس الصفحة، والنقل ما يزال عن سيف (لما مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وفصل أسامة ارتدّت العرب عوامّ أو خواص وتوحّى مسيلمة وطليحة فاستغلظ أمرهما...).

وفي ص ٢٤٣ ودائماً عن سيف (... فلم يلبثوا أن قدمت كتب أمراء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من كل مكان بانتقاض عامّة أو خاصّة... وكان أوّل من صادم عبس وذبيان عاجلوه ت يعني أبا بكر ـ فقاتلهم قبل رجوع أسامة).

____________________

(١) التميمي توفّي عام ٢٠٠ هـ وأحداث الردّة وقعت عام ١١ هـ أي أن سيفاً هذا لم يحضرها ولم ينقل عمّن حضرها وإنّما ينقل أحداثها عبر سلسلة طويلة من الرواة إلى أن انتهت أخبارها إليه، ثم سلسلة أخرى طويلة من الرواة لكي تصل روايته لها إلى الطبري المتوفّى عام ٣١٠ هـ.


وفي ص ٢٤٤ وعن سيف طبعاً فيبدو أن ليس لدى الطبري غير سيف الّذي نحن مدينون له بحفظ تاريخنا !! (مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واجتمعت أسد وغطفان وطيء على طليحة إلاّ ما كان من خواص أو عوام في القبائل الثلاث... فلم تحملهم الأرض ـ لكثرة أصحاب طليحة ـ فافترقوا فرقتين...).

ويذهب ابن الأثير مذهب الطبري في حديثه عن موقف القبائل بعد وفاة النبي محمد فهو يقول في صفحة ٢٠٥ من الجزء الثاني من تاريخه (ارتدّت العرب وتضرّمت الأرض ناراً وارتدّت كل قبيلة عامّة أو خاصّة إلاّ قريشاً وثقيفاً واستغلظ أمر مسليمة وطليحة واجتمع على طليحة عوام طيء وأسد وارتدّت غطفان تبعاً لعيينة بن حصن...).

وفي ص ٢٠٦ (وتبعه ـ يعني طليحة ـ كثير من العرب عصبية فلهذا كان أتباعه من أسد وغطفان وطيء...).

وأظنك ترى أن ابن الأثير يستعمل هنا نفس الألفاظ والتعابير التي استعملها الطبري وهو يتناول نفس الموضوع.

أمّا المسعودي فإنّه لا يعرض لحديث الردّة في مروج الذهب، لكنّه يؤكّدها في التنبيه والإشراف حين يقول في ذكر (خلافة أبي بكر الصديق (رض)) (وارتدّ أكثر العرب بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ) دون أن يتعدّى ذلك إلى التفاصيل التي رأيناها عند الطبري(١) .

ويتجاوز صاحب البدء والتاريخ الجميع حين يقول في ص ١٥١ الجزء ٥ (وارتدّت العرب قاطبة إلاّ ثلاثة مساجد: المدينة ومكّة والبحرين وناساً من نخع وكِندة) وحين يقول في ص ١٥٢ (... ورمتهم العرب ـ يقصد المسلمين ـ عن قوس واحدة...).

هكذا إذن يصوّر المؤرّخون المسلمون موقف الكثير من الزعماء والغالبية العظمى من القبائل العربية بعد وفاة النبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، متّهمين إيّاهم بالارتداد عن الإسلام ليبرّروا موقف السلطة منهم وتجريدها الجيوش لقتلهم وسبي ذراريهم وانتهاك حرماتهم.

____________________

(١) التنبيه والإشراف ـ دار الصاوي للطبع والنشر والتأليف ١٩٣٨ ص ١٤٧.


لكن هؤلاء المؤرّخين لم يدركوا كما يبدو أنهم، وهم يجهدون في تبرير عمل السلطة والذبّ عمّا ارتكبته في حق أولئك العرب المسلمين، قد شوّهوا صورة الإسلام وطعنوا في سيرة النبي وحطّوا من شأن العرب.

فماذا سيجيبون لو طرح عليهم السؤال، ولِمَ ارتدّ هؤلاء العرب بعد محمّد؟

ليس أمامي أو بالأحرى ليس أمامهم إلاّ أحد جوابين: إمّا أن يكون العرب أو الغالبية التي ارتدّت منهم قد دخلوا في الإسلام كرهاً عن غير اقتناع ولا رغبة وإنّما خوف القتل وهرباً منه فهم ينتظرون الفرصة ليرجعوا إلى ما كانوا فيه من دين. وقد جاءتهم الفرصة، أو هكذا تصوّروا، بموت محمد فتركوا دينه الّذي فرضه عليهم بحدّ السيف.

وما أظن هذا ممّا يقبله مسلم لدينه ونبيّه ولا عربي لقومه.

وإمّا ألاّ يكونوا قد آمنوا مطلقاً ولم يعرفوا الإسلام ولم يدينوا به، ومات النبي وهم على ذلك. وفي هذا الفرض ليس هناك مجال للحديث عن ردّة ومرتدّين. وهو ما يتضمّن بالضرورة سبق الدخول في الإسلام والإيمان به.

فإذا استبعدنا هذين الفرضين، ومن الأفضل استبعادهما. فلا يبقى أمامنا إلاّ خيار واحد يبدو أقرب إلى طبيعة الأشياء وأحرى أن يحافظ على روعة الإسلام ونقائه ويصونه عمّا يمكن أن يلحقه من مطاعن وعيوب. وهو أنّ ما حصل بعد وفاة النبي لم يكن في عمومه ردّة عن الإسلام ولا إنكاراً لنبوّة محمّد ولا طعناً فيه أو فيها، وإنّما موقف من الخليفة بعده واجتهاداً في أسلوب التطبيق لمسألة من مسائل الدين هي الزكاة.

وفرق كبير بين موقف من الإسلام وبين موقف من الخليفة الّذي لا يعدو أن يكون ـ مع التسليم بفضله وهو ما لا نشك فيه ـ رجلاً يخطئ ويصيب لا عصمة له ولا لغيره.

وفرق كبير أيضاً بين موقف من الزكاة الّتي هي فريضة من فرائض الإسلام وركن من أركانه، وبين اجتهاد ـ وإن اعتبر مخطئاً ـ في كيفيّة إجراء هذه الفريضة، وهو أمر ما كان أيسر تلافيه حينذاك.


على أنّي لو صدّقت هؤلاء المؤرّخين فيما يذهبون إليه وأريد أن أصدّقهم، وأقبل مثلاً ما يرويه الطبري عن ردّة العرب وكفرهم وتحوّل المسلمين إلى ما يشبه الغنم في الليلة المطيرة الشاتية لقلّتهم وكثرة عدوّهم كما مرّ بنا.

فكيف سأقبل رواية الطبري أنّ أشباه الغنم هؤلاء قد انتصروا على غطفان يقودهم خارجة بن حصن(١) ومنظور بن زبان(٢) .

وغطفان كما نعرف من أقوى قبائل العرب وأحد جناحي قيس، وتضم فيما تضم عبساً وذبيان، وفي فزارة من ذبيان بيت قيس في الجاهلية(٣) .

ولأنقل لك نص الطبري في هذا (... وكان نوفل بن معاوية الديلي بعثه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلقيه خارجة بن حصن بالشرية فأخذ ما في يديه فردّه على بني فزارة فرجع نوفل إلى أبي بكر بالمدينة قبل قدوم أسامة على أبي بكر فأوّل حرب كانت في الردّة بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله هي حرب العنسي وقد كانت حرب العنسي باليمن ثم حرب خارجة بن حصن ومنظور ابن زبان بن سيار في غطفان والمسلمون غارّون فانحاز أبو بكر إلى أجمة فاستتر بها ثم هزم الله المشركين)(٤) .

فالنص لا يكتفي بالإشارة إلى انتصار أشباه الغنم على غطفان القوية الكبيرة، بل يهمّه أن يحدّد أنّ هذا الانتصار قد تحقّق وأشباه الغنم غارّون أي غافلون. ولا أدري ماذا كانوا سيفعلون بغطفان لو أنّهم لم يكونوا غافلين عنهم وأنّهم قد تهيّئوا للقائهم.

____________________

(١) ابن حذيفة بن بدر، جدّه حذيفة كان يدعى (رب معد) لجلالة قدره وعلوّ منزلته وهو صاحب داحس والغبراء. وأبوه حصن بن حذيفة الّذي قال زهير بن أبي سلمى في مديحه حياً ورثائه ميتاً ما يعتبر بحق من أروع شعره. وأخوه عيينة بن حصن أحد المؤلّفة قلوبهم وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يدعوه (الأحمق المطاع)، وابنه وحفيده أسماء بن خارجة ومالك بن أسماء من أشراف قيس ورؤسائهم في العهد الأموي.

(٢) ابن سيار الفزاري أحد سادات فزارة في الجاهلية والإسلام، تزوّج عبد الله بن الزبير ابنته.

(٣) وبيوت العرب (التي تتسلسل فيها الرئاسة بثلاثة آباء متتالين) أربعة. ثلاثة في عدنان هي آل زرارة بن عدس من دارم بيت تميم، وآل بدر بن عمرو من فزارة بيت قيس، وآل ذي الجدين من شيبان بيت ربيعة، وواحد في قحطان آل عبد المدان من بني الحارث بن كعب.

(٤) تأريخ الطبري ج ٣ ص ٢٧٦.


كل هذا وجيش أسامة لم يعد بعد. ولم أجد حديثاً عن الملائكة لأقول إنّ الملائكة كانت تحارب مع المسلمين أو بدلاً عنهم. وإن كانت عبارة الطبري الأخيرة قد توحي بشيء من هذا.

اسمعه يقول (فانحاز أبو بكر إلى أجمة فاستتر بها ثم هزم الله المشركين) فهو لا يتحدّث عن قتال جرى بين الطرفين ولا عن قتلى سقطوا بينهم. وإنّما عن انحياز أبي بكر إلى أجمة واستتاره بها. ثم فجأة وخلافاً لما يتوقّعه القارئ بعد هذا، تنهزم غطفان. هزمهم الله دون أن تسيل قطرة دم من كلا الطرفين. وكأن غطفان ما جاءوا إلاّ لينهزموا.

ومع ذلك فسأترك غطفان وهزيمتها، وأترك معها الغنم وأشباه الغنم، لأتوقّف عند نقطة أخرى أولى أن تثير الانتباه.

فإذا كان العرب قد ارتدّوا وكفروا ولم يبق على الإسلام غير قريش وثقيف وخواص أو عوام هنا وهناك. فكيف استطاع أبو بكر أن يجند أحد عشر جيشاً عليهم أحد عشر أميراً ويوجّههم لقتال من ارتدّ من العرب.

يحاربون غطفان وينتصرون عليها كما رأينا.

ويحاربون غطفان وأسداً وطيئاً وينتصرون عليها كما سنرى.

ويحاربون تميماً وينتصرون عليها.

ويحاربون حنيفة وينتصرون عليها.

ويحاربون جيوش العنسي وينتصرون عليها.

ويحاربون اليمن وحضرموت وعمان ومهرة والبحرين و و و وينتصرون عليها.

فمن أين جاء هؤلاء الّذين يحاربون وينتصرون، وليس في العرب كما يذكر الطبري نفسه، من ثبت على إسلامه غير قريش وثقيف وخواص أو عوام من قبائل العرب؟!

سؤال سأحاول الإجابة عليه في فصل ثان.


ولكن قبل ذلك أود أن أسأل عن موقف قبائل عربية أهمل المؤرّخون، وهم يصنّفون العرب إلى مرتدّين وغير مرتدّين، أمرها فلم يشيروا إليها عمداً أو سهواً. وقبائل عربية أخرى بدت وكأنها مرتدّة حيناً وثابتة على إسلامها حيناً آخر. أو لكي أكون دقيقاً، بدا المؤرّخون متناقضين في الحديث عنها وعن مواقفها بين الردّة وبين البقاء على الإسلام. فأنت لا تدري مع من ستصنّفها، وإن كان المؤرّخون رحمهم الله قد أصدروا حكمهم على جميع القبائل العربية بالردّة بعدما حصروا الالتزام بالإسلام والإقامة عليه بقريش وثقيف فقط وخواص أو عوام من هذه القبيلة أو تلك.

ولأبدأ بالأنصار: ألم يخطر ببالك يا سيدي أن تسأل عن الأنصار بأوسهم وخزرجهم: هؤلاء الذين آووا وآزروا ونصروا وضحّوا بالأموال والأنفس دفاعاً عن الإسلام وتمكيناً له وتحمّلوا في ذلك ما تحمّلوا.

هؤلاء الأنصار. هل كانوا هم أيضاً بين القبائل المرتدّة أم من الّذين أقاموا على الإسلام فساووا قريشاً وثقيفاً وخواصّاً وعواماً من القبائل الأخرى. ذلك أن الطبري، يتبعه ابن الأثير، لم يعرض لهم بكلمة ولم يحدّد موقفهم من الردّة، مع ثقل الأنصار وخطورة شأنهم وهم أهل المدينة وذوو العدد والبأس وفي الذروة بين قبائل العرب في تلك الجهة.

لكن سكوت الطبري ومن تبعه من المؤرّخين لم يمنعهم من الاعتراف بدور الأنصار وحسن بلائهم فيما خاض المسلمون من حروب (الردّة) رغم أن موقف الأنصار في تلك الحروب لم يكن ليخلو من شك وحيرة وعدم اقتناع بما هم مشاركون فيه.

فيروي لنا الطبري وهو يسوق حديث ما سمّي بردّة مالك بن نويرة (... وقد تردّدت الأنصار على خالد وتخلّفت عنه...)(١) .

ويعود إلى الأنصار ودورهم في حرب اليمامة فيذكر أنّه (... لما قدم خالد على أبي بكر من البطاح رضي أبو بكر عن خالد ووجّهه إلى مسيلمة وأوعب معه الناس وعلى الأنصار ثابت بن قيس والبراء بن فلان...)(٢) .

____________________

(١) المصدر السابق ج ٣ ص ٢٨١.

(٢) المصدر السابق ج ٣ ص ٢٨٨.


ثم يعود مرة أخرى ليؤكّد هذا الدور حين يقول (... وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس وكانت العرب على راياتها...)(١) .

ولا يختلف ابن الأثير إلاّ في يسير لفظ عمّا أورده الطبري بشأن موقف الأنصار وبلائهم في حروب الردّة(٢) .

كل هذا والطبري وابن الأثير يصرّان على أن قريشاً وثقيفاً أقامتا وحدهما على الإسلام دون ذكر للأنصار على الأقل.

وبعد الأنصار تستوقفنا قبيلة عربية أخرى يتردّد اسمها في أحداث الردّة هي طئ. فما هو موقف هذه القبيلة التي يختلف النظر إليها لا بين مؤرّخ وآخر، وهو اختلاف قد يكون مقبولاً أحياناً رغم خطورة النتائج التي تترتّب عليه، ولكن عند المؤرّخ الواحد نفسه.

فهذا الطبري مثلاً يتحدّث عن هذه القبيلة باعتبارها من القبائل المرتدّة طوراً والمحاربة للردّة والمرتدّين طوراً.

ويكفي لذلك أن ترجع إلى نص الحوار بين عدي بن حاتم وبين قبيلته طيء المنقول لنا في ص ٢٥٣ من ج ٣ من تاريخ الطبري. ثم ما أورده الطبري نفسه في ص ٢٥٥ وص ٢٦٤ وص ٢٧٦.

يقول النص الأول (وقدم عليهم ـ أي طيء ـ عدي فدعاهم فقالوا لا نبايع أبا الفصيل أبداً ـ يعنون أبا بكر ـ فقال لقد أتاكم قوم ليبيحنّ حريمكم ولتكنّونه بالفحل الأكبر فشأنكم به...).

____________________

(١) تاريخ ابن الأثير ج ٢ ص ٢١٦ و ٢١٩ و ٢٢٠.

(٢) و انظر ما يؤكّد ردّة طيء أيضاً وانضمامها إلى أسد وغطفان ص ٢٦٢ من ج ٣ من تاريخ الطبري ففيها (وأقبلت بنو عامر بعد هزيمة أهل بزاخة يقولون: ندخل فيما خرجنا منه فبايعهم ـ يعني خالداً ـ على ما بايع عليه أهل بزاخة من أسد وغطفان وطيء..) وكذلك ص ٢٦٤ وفيها (فتجمع إليها ـ يعني أم زمل سلمى بنت مالك بن حذيفة بن بدر ـ كل فل ومضيق عليه من تلك الأحياء من غطفان وهوازن وسليم وأسد وطيء..) وكذلك ص ٢٧٦ وقد جاء فيها (لما أراد خالد السير خرج من ظفر وقد استبرأ أسد وغطفان وطيئاً وهوازن فسار يريد البطاح..). وكل هذا يؤكّد أنّ موقف طيء لم يكن مختلفاً عن موقف أسد وغطفان وهوازن المرتدّة.


وهذا نص واضح الدلالة كما ترى على أن طيّاً كانت بين القبائل المرتدّة(١) .

ولكن الطبري يعود إلى طيء بعد صفحتين فقط من حديثه عن ردّتها ليؤكّد أنها بقيت على إسلامها ولم تعرف الردّة ولم تكن بين القبائل المرتدّة.

ولنسمع ما يقوله في هذا (... أنّ خالداً لما رأى ما بأصحابه من الجزع عند مقتل ثابت وعكاشة قال لهم هل لكم إلى أن أميل بكم إلى حيٍّ من أحياء العرب كثير عددهم شديدة شوكتهم لم يرتد منهم عن الإسلام أحد فقال له الناس ومن هذا الحي قال لهم طيء فقالوا وفّقك الله نعم الرأي رأيت. فانصرف بهم حتى نزل بالجيش في طيء).

ثم يضيف إلى هذا النص نصّاً آخر لا يقل عن سابقه دلالة على إسلام طيء وثباتها إذ يروي (أن خيل طيء كانت تلقى خيل بني أسد وفزارة قبل قدوم خالد عليهم فيتشامون ولا يقتتلون فتقول أسد وفزارة لا والله لا نبايع أبا الفصيل أبداً فتقول لهم خيل طيء: اشهد ليقاتلنّكم حتى تكنّوه أبا الفحل الأكبر).

فطيء الصفحة المائتين والثلاث والخمسين من تاريخ الطبري مرتدّة ترفض أن تبايع أبا الفصيل(٢) .

أمّا طيء الصفحة المائتين والخمس والخمسين فثابتة على إسلامها لم يرتد منها أحد، بل وكانت تحذّر أسداً وفزارة من قتل آت لا يجدون معه إلاّ أن يكنّوا أبا الفصيل أبا الفحل الأكبر.

ولكن ماذا كنت تسمع من طيء (المرتدّة) وهي تحاور عدي بن حاتم. ومن أسد وفزارة (المرتدّتين) أيضاً، وهم يردّون على طيء (المسلمة) أو ترد عليهم؟

هل غير حديث عن رفض البيعة لأبي بكر ـ أبي الفصيل كما كانوا يسمّونه ـ وهل ورد في كل ما نقله الطبري عنهم شيء ممّا يخصّ الزكاة أو غير الزكاة من فروض الدين وأركان الإسلام، وممّا يعتبر إنكاره أو الشك فيه ارتداداً وخروجاً عليه. وهو ما سبق أن لاحظناه، وهو ما سنلاحظه بشكل أوضح فيما يأتي من حديث (الردّة).

____________________

(١) وانظر ابن الأثير ج ٢ ص ٢٠٥ و ٢٠٦ و ٢١١.

(٢) تاريخ الطبري ج٢


وعلى كلٍّ فهذه النصوص المتعارضة لا تقرؤها عند مؤرّخين مختلفين ولو قرأتها عندهم لتحيّرت وتساءلت أيّها الصحيح وبأيّها تأخذ وأنت تريد أن تحدّد موقف قبيلة واحدة في مناسبة واحدة. فكيف وأنت تواجه هذا التعارض عند نفس المؤرّخ، خصوصاً وأن هذا المؤرّخ هو شيخ المؤرّخين ومعتمدهم.

وإذا كنت قد عرضت للموقف من الأنصار وطئ، فهذا لا يعني مطلقاً أن موقف المؤرّخين من القبائل العربية الأخرى كان واضحاً لا يشوبه الغموض ولا يبعث على الشك ولو شئت السير في هذا الطريق لتعبت وأتعبت. لكنني أردت أن أنبّه القارئ ليكون على حذر وحيطة ولا يستسلم بسهولة لما يقرأ. فقد طالما تعرّضت إلى ما أنبّه عليه الآن، وربّما كانت تجربة غيري ممّن عالجوا بعض مواضيع التاريخ العربي أقسى وأشد من تجربتي.

كان الله في عوننا وعون القارئ.


الفصل الثالث

(في معنى الردّة)

يبدو أنني تأخّرت كثيراً في تحديد المقصود بالردّة مع أنها تؤلّف عنوان الكتاب وعليها يدور الحديث فيه.

الردّة اسم من الارتداد والردّة عن الإسلام تعني اصطلاحاً الرجوع عنه. وارتدّ فلان إذا ترك الإسلام إلى غيره.

وهذا المعنى اتفق عليه أهل اللغة والفقهاء والمفسّرون وأصحاب الحديث(١) .

وحكم الردّة لو ثبتت قتل المرتد بعد استتابته.

ولكن متى يعتبر المسلم مرتدّاً ومستحقّاً القتل بذلك؟ وهو السؤال الّذي سيتوقّف عليه الحكم فيما سمّي بالردّة وأصحابها بالمرتدّين.

تكاد تجمع المذاهب الإسلامية ـ إذا تجاوزنا بعض التفاصيل التي يختص بها مذهب دون آخر ـ على أن الردّة بالمعنى الّذي عرفنا يمكن أن يتحقّق بالقول بلفظ الكفر أو إنكار ما علم من أحكام الإسلام ضرورة كالصلاة والصوم والزكاة، كما يمكن أن تتحقّق بالفعل ممّا يقتضي الكفر ويقود إليه كإلقاء المصحف في قذارة قصداً(٢) .

فالردّة كما ترى مفهوم يرتبط بالإسلام ويدور معه، ولا يجوز بالتالي التوسّع فيها وإدخال ما هو خارج عنها برأي أو اجتهاد لا يقتضيه معناها.

والآن وفي ضوء ما ذكرنا فهل كان المؤرّخون المسلمون منصفين في الحديث عن العرب ووصفهم بالمرتدّين بعد وفاة النبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله كما تقدّم؟

أكان العرب المسلمون قد أعلنوا الكفر حقّاً وأنكروا شريعة محمّد أو فرضاً من فروضها؟

سأرجئ الجواب على هذا السؤال إلى ما بعد.

____________________

(١) نصوص الردّة في تاريخ الطبري للشيخ محمد حسن آل ياسين ـ نشر مكتبة النهضة ببغداد ط أولى ١٩٧٣ ص ٤٣ ـ ٤٤.

(٢) المصدر السابق ص ٤٥ ـ ٤٧.


لكن ملاحظة خطرت لي، وأنا أتابع ما كتب المؤرّخون عن ردّة الأسود العنسي التي لا أنوي الحديث عنها هنا؛ لأن العنسي قتل وانتهى أمره في حياة النبي وقبل استخلاف أبي بكر وردّة العرب. ولأني حاولت أن أقتصر من حديث الردّة، على ردّة مالك كما ذكرت. على أن هذا لا يمنع من تسجيل الملاحظة التي أشرت إليها آنفاً، ليعرف القارئ أيّة ثقة يمكن أن يمنحها، وأي حذر يجب أن يلتزمه وهو يتابع لدى المؤرّخين أخبار نبي عنس أو غيره، وهم يختلفون فيما لا يقع الاختلاف فيه عادة وهو لقب هذا (النبي) الّذي بسط سلطانه على أرض اليمن كلّها وتجاوزها. إذ يسمّيه بعضهم (ذا الحمار) بالحاء المهملة ويسمّيه آخرون (ذا الخمار) بالخاء المعجمة بواحدة من فوق.

ثم يعلّل كل فريق التسمية الّتي اختارها لنبي اليمن. فالمسعودي مثلاً يقول إنه (كان يدعى ذا الحمار لحمار كان معه وقد راضه وعلّمه يقول له اسجد فيسجد ويقول له اجث فيجثو)(١) .

أمّا ابن الأثير فيذهب إلى أنه كان يلقّب (ذا الخمار) بالمعجمة لأنه معتمّ متخمّر أبداً(٢) .

وإذا كنّا قد اعتدنا الاختلاف بين المؤلّفين عندنا في مسائل التاريخ وأحداثه، وهو أمر مؤسف يسد منافذ الرؤية الصحيحة أمامنا. وقد شاركت فيه أسباب كثيرة ليس هنا محل الحديث عنها، فإن ما يلفت النظر في هذا الاختلاف الجديد بين الحمار المروّض كما يقول المسعودي، وبين الخمار الملازم كما يذهب ابن الأثير، هو دلالته الواضحة على قلّة اكتراث مؤرّخينا وعدم تحرّيهم عن صحّة ما يروونه في كتبهم. وإن نقطة وردت خطأ لدى ناسخ أو هكذا أظن استطاعت ان تبدل تاريخاً وتجعل صاحب الحمار صاحب خمار أو بالعكس، ثم تدفع كل مؤلّف أن يخترع واقعة يبرّر بها الوجه الّذي ذهب إليه في التسمية تبعاً لوجود أو عدم وجود هذه النقطة كما تصوّر. مع أن ذا الحمار أو ذا الخمار هذا، كان من خطورة الشأن بحيث فرض سيطرته على أجزاء كبيرة من اليمن.

____________________

(١) التنبيه والإشراف ص ٢٤٠.

(٢) تاريخ ابن الأثير ج ٢ ص ٢٠١ وهو كذلك عند الطبري ج ٣ ص ٢٣١.


و لا أستبعد أن أجد يوماً مؤرّخاً يلقّب الأسود العنسي بـ (ذي الجمار) بالجيم المعجمة بواحدة من تحت مبرّراً ذلك وما أسهله، بالجمر أو مشتقّاته، أو بأيّ لفظ يتألّف من الجيم والميم والراء أو حتى بغير الجيم والميم والراء، ما دامت كتابة التاريخ تجري عندنا ـ وربّما حتى اليوم ـ بالأسلوب الّذي رأينا.


الباب الثاني

(حرب طليحة)


الباب الثاني

(حرب طليحة)

كانت أولى الحروب التي خاضتها جيوش الخلافة ضدّ من يسمّون بالمرتدّين هي الحرب ضد طليحة.

ولن أدخل في تفاصيل المعارك التي دارت والخطط التي اتبعت في هذه الحرب، فليس كتابي هذا كتاب سياسة أو حرب لتكون تلك التفاصيل ضمن ما يتناوله.

لكنّي سأقتصر في بحثي على نقطة واحدة هي التي تتعلّق بالردّة. وهل كانت الحرب ضد طليحة حرباً ضد مرتدّين كفروا بمحمد وجحدوا دينه.

هذا ما سأحاول بحثه والوصول إلى نتيجة مقنعة إن استطعت، في هذه الحرب وفيما تلاها من حروب أخرى، ضد القبائل العربية المتّهمة بالردّة والتي سنتناولها تباعاً.

وطليحة كما يقول النسّابون هو ابن خويلد بن نوفل من بني فقعس من قعين بالتصغير أهمّ بطون أسد بن خزيمة وأكثرها عدداً.

وكانت بداية أمره أنه قدم على النبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله في وفد بني أسد عام (٩) للهجرة ولكنّه ارتدّ بعد ذلك وادّعى النبوة، والنبي بعد حيٌّ فوجّه إليه ضرار بن الأزور وأمره أن يشتدّ بمن نهض معه من بني أسد على من ارتدّ، فضعف أمر طليحة ولم يبق إلاّ أخذه فضربه ضرار بسيف معه لم يصنع فيه شيئاً. فشاع ذلك في الناس وقالوا إنّ السلاح لا يحيك فيه فكثر جمعه واستغلظ أمره.

هذه قصّة طليحة ونبوّته، كما تجدها في الطبري وفي غير الطبري ممّن عرضوا لموضوع الردّة(١) .

وقد ضحكت كثيراً وأنا اقرأها، وعجبت من أمر هؤلاء المؤرّخين، و رثيت في نفس الوقت لهذا التاريخ الذي كتبه هؤلاء، ولو قدر له أن يتكلّم لسخر منهم وضحك كما ضحكت.

فلأفترض أنّ سيف ضرار نبا بيده فلم يصنع شيئاً، وطليحة كما تقول الرواية في أضعف حالاته حتى (لم يبق أحد إلاّ أخذه)(٢) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٤٤ - ٢٤٨ و ٢٥٣ - ٢٦١ وابن الأثير ج ٢ ص ٢٠٦ - ٢١٠.

(٢) تاريخ الطبري ج ٢ ذكر بقية الخبر عن غطفان حين انضمت إلى طليحة وما آل إليه أمر طليحة.


أفكان صعباً على ضرار أن يجد سيفاً آخر أو شخصاً آخر ممّن كانوا معه ـ ولا بدّ أنه لم يكن وحده ـ يتولّى ذلك عنه، وأصحابه وسيوفهم معهم؟ أكان صعباً عليهم أن يقتلوه بها أو بغيرها إن نبت هي أيضاً؟ فلم يكن قتله بالسيف شرطاً عليهم، وكانوا يستطيعونه بأيّة وسيلة، وما أكثر وسائل القتل عندهم وعند غيرهم.

هذا إذا لم يريدوا أخذه حيّاً. وهو ـ كما تقول الرواية ـ في أضعف حالاته حتى لم يبق إلاّ أخذه.

ثم أكان ضرار وحده من بين جميع العرب ينبو سيفه بيده فلا يصنع شيئاً؟.

كم من واحد غير ضرار ضربوا فنبت سيوفهم ولم تصنع شيئاً فيمن ضربوا. فهل كان كل هؤلاء أنبياء أو مدّعي نبوّة؟!.

لقد ضرب حر بن الحارث العبسي حذيفة بن بدر سيّد فزارة في بعض وقائع داحس والغبراء فلم يصنع شيئاً ولم يدّع حذيفة النبوّة.

وضرب ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي خالد بن جعفر الكلابي يوم النقراوات فلم يغن شيئاً. ولم يتنبّأ خالد.

وضرب الفرزدق روميّاً أسيراً في مجلس عبد الملك بن مروان فلم يحك السيف فيه وما سمعت أنّ الرومي ادّعى النبوّة وما سمعت أنّ أحداً من المسلمين ترك دينه لذلك. لكنّي سمعت بيتاً لجرير في هجاء الفرزدق، وآخر للفرزدق يردّ فيه على جرير ويعتذر عن نبو سيفه.

ولقد قال العرب في مأثور كلامهم (لكل سيف نبوة) وما ذاك إلاّ لأنّ تجربةً طويلة علّمتهم أنّ السيف قد ينبو ولو كان صاحبه من أبطال الرجال وفرسانهم. ولو أنّ كل من نبا عنه السيف ادّعى النبوّة، لكان لدينا من الأنبياء الجدد أكثر ممّا لدينا من الأنبياء المعروفين. فما أكثر معارك العرب، وما أكثر من ينبو عنهم السيف فيها.


ولأترك السيف والفرسان وابن الأزور لأعود إلى التاريخ والمؤرّخين فأرى الطبري يقول في ص ٢٥٨ من تاريخه (فلما أجمعت غطفان على المطابقة لطليحة... وقدمت عليه ـ يعني أبا بكر ـ وفود بني أسد وغطفان وهوازن وطيء... فاجتمعوا في المدينة فنزلوا على وجوه المسلمين لعاشر من متوفّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فعرضوا الصلاة على أن يعفوا من الزكاة وأجمع ملأ من أنزلهم على قبول ذلك حتى يبلغوا ما يريدون فلم يبق من وجوه المسلمين أحدٌ إلاّ أنزل منهم نازلاً إلاّ العباس ثم أتوا أبا بكر فأخبروه خبرهم وما أجمع عليه ملؤهم إلاّ ما كان من أبي بكر فإنه أبى إلاّ ما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يأخذ وأبوا...)(١) .

وفي هذا النص يؤكّد الطبري ما سبق أن أورده بتفصيل أقل في ص ٢٤٤ وإن كان يضيف هناك إلى جمع طليحة بعض بطون كنانة التي لا يشير إليها هنا، وفي ص ٢٤١ حيث يقول (وقد جاءته ـ يعني أبا بكر ـ وفود العرب مرتدّين يقرّون بالصلاة ويمنعون الزكاة فلم يقبل ذلك منهم وردّهم).

فماذا ستلاحظ وأنت تقرأ نصّ الطبري هذا أو نصوصه الأخرى التي يشاركه قليلاً أو كثيراً فيها بقية المؤرّخين.

أول ما نلاحظ أنّ وفود غطفان وأسد وطئ وغيرها من القبائل التي تؤلّف جمع طليحة، قد جاءت المدينة طوعاً واختياراً، وقبل نشوب القتال بين الطرفين أو بالأحرى، قبل اضطرارهم لهذا القتال.

وأنهم جاءوا كمسلمين، لا مرتدّين ولا منكرين ولا متستّرين. جاؤوا إلى المدينة كأيّ جماعة من المسلمين لهم مطالب يريدون عرضها على أولي الشأن هناك، وكانوا في ذلك موضع الحفاوة والترحيب من قبل إخوانهم المسلمين الّذين بلغ من إكرامهم لهم أن أنزلوهم عندهم في دورهم دون أن يحسّوا في ذلك حرجاً أو مأثماً، ولا فيما جاؤوا مطالبين به تعارضاً مع الدّين وأحكامه.

____________________

(١) ودون الدخول في التفاصيل التي نجدها عند الطبري، يذكر ابن الأثير ص ٢٠٦ من ج ٢ من تاريخه أنّ أصحاب طليحة (... أرسلوا إلى المدينة يبذلون الصلاة ويمنعون الزكاة) وهو ما نجده أيضاً عند خليفة بن خياط في تاريخه ص ٦٥ - ٦٦.


وإلاّ فلو كان هناك ارتدادٌ عن الإسلام أو إنكارٌ لنبوّة محمد أو جحدٌ لفريضة من فرائض الدّين، لما جاءت الوفود ولما استقبلهم وجوه المسلمين إلاّ بما يستقبل به المرتد. وحكم الشريعة فيه واضح ومعروفٌ.

كيف يستقبلهم وجوه المسلمون وخيارهم، وربّما كان بينهم عمر وعلي وغيرهما من كبار الصحابة؟! فنصّ الطبري لا يستثني منهم إلاّ العبّاس بن عبد المطلب.

كيف يستقبل هؤلاء وفود المرتدّين وينزلونهم عندهم وينهضون معهم فيما جاؤوا له، ويتقدّمون إلى أبي بكر بإجابتهم إلى ما طلبوا، لو كانوا مرتدّين وكان ما يطلبونه ويدعون إليه ارتداداً بأيّ وجه من الوجوه.

ثم لنفترض أنّ طليحة كان مرتدّاً وأنّ وفوده التي قصدت المدينة كانت مرتدةً طبعاً؛ فماذا جاءت تفعل هناك؟ وعلى ماذا تتفاوض؟ أكانوا يطمعون في أن يردّوا عليّاً وعمر ووجوه الصحابة عن الإسلام لينضمّوا إلى طليحة ويدينوا بدينه.

ما هو إذن الأمر الّذي قدّمت وفود طليحة للتباحث فيه والمطالبة بتحقيقه؟ ولا بد أن يكون هناك أمرٌ مّا، ولا بدّ أن يكون هذا الأمر بعيداً عن الردّة لا صلة له بها أساساً ليمكن التباحث فيه.

لقد تولّى الطبري نفسه الإجابة على هذا السؤال حين قال (.. على أن يعفوا ـ يعني طليحة وأتباعه ـ من الزكاة وأجمع ملأ من أنزلهم على قبول ذلك) وحين قال (يقرّون بالصلاة ويمنعون ـ ولم يقل ينكرون ـ الزكاة).

فبتحديد واضح لا غموض فيه ولا لبس يعرض الطبري مطلب هذه الوفود، أي مطلب طليحة وأصحابه. وهو إعفاؤهم من إرسال مال الزكاة إلى المدينة، واتّفاق وجوه الصحابة معهم في هذا.

فالوفود لم تأت منكرةً للزكاة كفريضة من فرائض الإسلام، وهذا واضحٌ في نصوص الطبري وغيره، وإلاّ لأصبحوا مرتدّين ولما (أجمع ملأ من أنزلهم ـ وهم جلّة الصحابة ـ على قبول ذلك) منهم. وإنّما أتت طالبةً إعفاءها من إرسال أموال الزكاة إلى المدينة والقبول بتوزيعها على الفقراء والمعوزين من قبائلهم.


وكأنّي بهم وقد رأوا المسلم يستطيع أن يؤدّي الصلاة وهي أهم من الزكاة وتقبل منه في أيّ مكان ما دام متّجهاً إلى الكعبة. فما الّذي يمنعه من أداء الزكاة وتوزيع مبالغها بين المستحقّين من قومه وعشيرته في منازلهم وهم أولى بها، وليس من نص يفرض توزيعها في مكان بعينه.

فالموضوع كلّه لما ترى يتعلّق بأسلوب توزيع الزكاة، لا بوجوبها أو عدم وجوبها، وهذا ما لا نقاش فيه إذ هو الارتداد نفسه.

والإسلام دينٌ يقوم على الشهادتين من نطق بهما كان واحداً من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، وأوّل ما له هو حقن دمه إلاّ بالحق. ولم يكن من بين الأسباب التي يحلّ بها دم المسلم حبس مال الزكاة لدى صاحبه لتوزيعه على فقراء قومه المسلمين.

وأظن هذا ما كان يفكّر فيه طليحة وأصحابه وهم يرسلون وفودهم إلى المدينة يعرضون الصلاة ويمنعون الزكاة، خصوصاً وأنّ فكرة الدولة بما تتضمّنه من سلطة مركزية وموارد مالية لم تكن قد ألّفها العرب بعد مع قرب عهدهم بالجاهلية.

وحديث قرّة بن هبيرة القشيري مع عمرو بن العاص قد يوضح ذلك.

يقول الطبري (نزل عمرو بن العاص منصرفه من عمّان بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بقرّة بن هبيرة بن سلمة بن قشير وحوله عسكرٌ من بني عامر من إفنائهم فذبح له وأكرم مثواه فلما أراد الرحلة خلا به قرّة فقال يا هذا إنّ العرب لا تطيب لكم نفساً بالإتاوة فإن أنتم أعفيتموها من أخذ أموالها فستسمع لكم وتطيع وإن أبيتم فلا أرى أن تجتمع عليكم...)(١) .

ثم إنّ الخليفة ـ حتى لو كان أبا بكر في سابقته وفضله ـ ليس رسول الله صاحب الوحي والمفترض الطاعة في أوامره ونواهيه. بل يبقى رجلاً من قريش. ولأمرٍ ما تصوّر العرب أنّ الخلافة بعد وفاة النبي قد تحوّلت إلى حكم لقريش، وما أحسبهم كانوا مغالين في هذا التصوّر.

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٥٩ وابن الأثير ج ٢ ص ٢١٢.


وربّما كان في سابقة أبي بكر مع أبي سفيان بعض العذر لأصحاب طليحة وغيرهم من العرب، في موقفهم وحبس زكاتهم في أيديهم وعدم إرسالها إلى المدينة، وهم يرون أموال الزكاة قد تركت لأبي سفيان فلم يصل منها شيء إلى هناك. فيروي ابن عبد ربّه أنّ أبا سفيان لما قدم المدينة بعد وفاة النبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله واستخلاف أبي بكر، (جعل يطوف في أزقّتها ويقول:

بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم

ولا سيّما تيم بن مرة أو عدي

فما الأمر إلاّ فيكم وإليكم

وليس لها إلاّ أبو حسن علي

فقال عمر لأبي بكر إنّ هذا قد قدم وهو فاعلٌ شرّاً. وقد كان النبي يتآلفه على الإسلام، فدع له ما بيده من الصدقة ففعل، فرضي أبو سفيان وبايعه(١) .

فأنت ترى أنّ الخليفة أبا بكر (رض)، لأسباب هو أعرف بها طبعاً، قد ترك لأبي سفيان ما في يديه من صدقات قوم غير قومه، على ثرائه وسابق عدائه للإسلام. ولا بد أنّ العرب قد سمعوا بهذا وعلموه وإلاّ لما وصل إلينا خبره. وأظنهم رأوا أنّ ما سمح به الخليفة لأبي سفيان وأجازه أولى أن ينفّذ بحقّهم ويسري عليهم والصدقات صدقاتهم والمستحقّون لها ، هم من فقرائهم، وليس فيما يطالبون به ويفعلونه شيء يزيد على ما سبق للخليفة نفسه أن فعله مع من لا يستحقّه مثلهم(٢) .

الآن وقد أوشكت أن أنتهي من حديث طليحة وأصحاب طليحة والمؤمنين به. يبقى سؤالٌ أريد أن أختم به حديثه، وهو سؤالٌ لا يمكن أن يغفله الّذين كتبوا عن (النبي) طليحة ولا يمكن أن يغفله قبلهم الّذين آمنوا به ولا يمكن أخيراً أن تغفله أنت يا سيّدي كما أظن.

أيكون نبي بلا معجزة ولا حجّة ولا دليل، ولا شيء دون ذلك يؤكّد نبوّته ويصدّقه فيما يدّعي ويقول؟ إذن لجاز لكل أحد أن يدّعي النبوّة، ولما كان طليحة أولى بها من غيره. ولرأيت صفوف (الأنبياء) وهي تتدافع طولاً وعرضاً أكثر بكثير من الّذين يؤمنون بهم.

____________________

(١) انظر ص ١٠ من ج ٥ من العقد الفريد - تحقيق محمد سعيد العريان نشر دار الفكر.

(٢) لم أسمع أنّ واحدةً من قبائل قريش الكثيرة، على وفرة مالها، قد أرسلت زكاتها إلى المدينة، وأنها تعرّضت بسبب هذا لبعض ما تعرّضت له القبائل الفقيرة والمحتاجة من غزو وسبي واتهام بالردّة عن الإسلام.


لقد تنبّأ طليحة، ومحمد حيٌّ بعد يملأ بشخصيته الجبّارة القوية القلوب والنفوس والعقول حبّاً وإجلالاً واحتراماً. والقرآن هذه المعجزة الخالدة، يتلى ليل نهار قد أعجز العرب لا ببلاغته فحسب وهم أهل البلاغة، بل وبما جاء به من أحكام شملت أمور الدين والدنيا، ما تزال حتى اليوم، وحتى يأذن الله بنهاية هذه الحياة، تشدّ إليها عالماً كاملاً.

فما الّذي جاء به طليحة دليلاً وحجّة على نبوّته؟ وأين هي معجزته ـ ولأقبل بحدّها الأدنى وبما هو دونه أيضاً ـ التي يستطيع أن يفرض صدقه بها ويغري المسلمين ويدفعهم إلى الارتداد عن دينهم والانضمام إليه والإيمان بدينه.

بم يستطيع أن يتجاوز أو يساوي عظمة محمد وعظمة معجزته.

أبقوله (والحمام واليمام والصرد الصوام قد صمن قبلكم بأعوام ليبلغن ملكنا العراق والشام)(١) .

أم بقوله (أمرت أن تصنعوا رحى ذات عرى يرمي بها الله من رمى يهوى عليها من هوى)(٢) .

أم بقوله (ابعثوا فارسين على فرسين أدهمين من بني نصر بن قعين يأتيانكم بعين)(٣) .

وهو كل ما نقله المؤرّخون ممّا أوحى إليه من السماء.

أيكون هذا ممّا يعارض به القرآن أم صاحبه ممّن يوازن به محمّد؟!

لقد ضحكت وأنا أقرأ ما كتبه المؤرّخون عن نبوّة طليحة؛ لأنّ سيف ضرار لم يغن فيه شيئاً.

ولكني ضحكت أكثر وأنا أقرأ ما أوردوه من قرآن طليحة.

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٦٠ وابن الأثير ج ٢ ص ٢١٠.

(٢) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٦٠.

(٣) المصدر السابق ص ٢٦٠ - ٢٦١.


الباب الثالث

(مأساة مالك بن نويرة)


الباب الثالث

(مأساة مالك بن نويرة)

كنت قد نويت في الأصل أن يقتصر حديثي عن الردّة على ردّة أو مأساة مالك بن نويرة كما يظهر ذلك من مقدّمة الكتاب. لكن وجدتني مسوقاً، ربما بحكم اتّصال أحداث الردّة وعدم إمكان الفصل التام بينها دون تشويهها، إلى التعرّض لردّة طليحة التي تقدّمت في الفصل السابق.

وحاولت أن أعود إلى مقدّمة الكتاب لأعيد النظر فيها بما ينسجم والوضع الجديد الّذي تجاوز ردة مالك، لولا أنني ما كدت أبدأ حتّى رأيت المسافة إلى اليمامة من القرب بحيث حالت بيني وبين ما كنت أريد. ورأيت جموع (المرتدّين) من بني حنيفة وهم ينتظرون ـ شأن سابقيهم من أصحاب طليحة ـ من يذكرهم بكلمة إنصاف بعد قرون من ظلم المؤرّخين لهم واتهامهم بالارتداد عن الإسلام.

وفي الطريق بين مالك ومسيلمة، صادفت امرأةً شاحبة الوجه مذهولة قالت، عندما سألتها عن اسمها وشأنها، أنها تدعى سجاح، وقد رفعت إلى السماء كفين بدت عروقهما، داعيةً على من اسمه سيف بن عمر، وعلى المؤرّخين الّذين نقلوا عنه، ما لوّث سيرتها واتهمها في دينها وشرفها. واستطعت أن أخفف عنها وأزيل بعض همّها، حين أخبرتها أنّ سيفاً هذا قد لوّث وزوّر تأريخاً كاملاً ما نزال نقرأه ونعتمده حتّى الآن، وأنها ليست إلاّ واحدةً من ضحاياه.

وبعيداً عن سجاح ومالك ومسيلمة. كانت تدور على أرض اليمن رحى حرب أخرى بسبب ناقة أراد صاحبها ارتدادها، فكانت إحدى حروب الردّة.

وتركت المقدّمة كما هي دون تعديل تدور حول مالك الّذي يبقى موضوعاً لمأساة، أعجب ألاّ يكون بين الأدباء والشعراء حتّى الآن من تناولها. وهي مأساة ما تزال تثير في النفس أعمق عواطف الحزن والألم والشعور العميق بالظلم يتعرّض له من لا يستحقّه فتوّةً وشجاعة وكبرياء.


وإذا كانت الحرب ضد طليحة قد وجد المؤرّخون سبباً لها فيما سمّوه ارتداداً. فإنّ هؤلاء المؤرّخين يضطربون ويتناقضون كلما تعرّضوا لمالك. وتحسّ بضعفهم وحيرتهم وهم يحاولون أن يجدوا ما يبرّرون به قتله.

وقبل أن أناقش موقف هؤلاء المؤرّخين من مأساة مالك. أرى أن أقدّم له بتعريف مختصر عن بطل المأساة، فذلك أحرى أن يساعد على فهمه.

من هو مالك بن نويرة:

إلى يربوع من تميم القبيلة العربية الكبيرة يرجع مالك بن نويرة فهو كما يذكر النسّابون مالك بن نويرة بن جمرة بن شدّاد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع.

وبنو يربوع من أشدّ بطون تميم وأقواها بأساً وهي إحدى جمرات العرب كما تذكر الأخبار.

وبين أفخاذ يربوع هناك فخذان يتمتّعان بمكان خاص هما ثعلبة بن يربوع رهط مالك ورياح بن يربوع.

وكان جرير لا يجد ما يعارض به الفرزدق في مهاجاته الطويلة له إلاّ هذين الفخذين يعتد بهما عليه. متجاوزاً قومه بني كليب (بن يربوع) فهو يقول مثلاً في إحدى قصائده:

أثعلبة الفوارس أم رياحاً

عدلت بهم طهية والخشابا

ونجد ثعلبة ورياحاً يتردّدان في شعر جرير كلما أراد الفخر والرد على خصمه الفرزدق الّذي ينحدر من فخذ الرئاسة في تميم (دارم) وله من آبائه وأسرته ما لا يجد جرير بعضه ولا شيئاً منه.

هذا مالك في قبيلته ورهطه الأدنين. أمّا مالك في نفسه فيكفي أن تعرف أنّ فيه قيل المثل المشهور (فتىً ولا كمالك) عند الحديث عمّن فيه فضلٌ لكن غيره أفضل منه.

وقد كان مالك من أرداف الملوك في الجاهلية. والردف هو من يجلس عن يمين الملك ويخلفه إذا غاب.

وهو من الفرسان الّذين لخيلهم أسماء، فكان اسم فرسه ذا الخمار. ويعرف مالك دائماً بفارس ذي الخمار. وليس عبثاً أن يحزن عليه أخوه متمّم فيطيل الحزن ويبكي فيديم البكاء.

وما أظن صلة الأخوّة وحدها هي التي ألهمت متمّماً أخاه أن يقول فيه ما يعتبر حتى الآن من أروع وأصدق شعر الرثاء في الأدب العربي.


بل إن تسمية النبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله لمالك عاملاً على صدقات بني حنظلة التي منها بنو يربوع توضّح منزلة مالك، وقد تشير في نفس الوقت إلى حسن إسلامه.

وأكتفي من التعريف بمالك بهذه الأسطر القليلة وأعتذر للقارئ وأعتذر لمالك أيضاً إذا قصّرت في إيضاح صورته كما يجب، واكتفيت من فارس ذي الخمار بهذه الملامح العامّة. فأنا لا أقصد في كتابي هذا أن أترجم مالكاً، ولم أعرض لمنزلته ولأخلاقه إلاّ بقدر ما يساعد ذلك على فهم الأحداث التي جرت له فيما سمي بـ (ردّة) مالك.

التهم والروايات:

رغم أنّ مأساة مالك ترتبط إلى حدٍّ بعيد بردّة سجاح. والحديث عنها سيجرّ، بما يصعب معه الفصل، إلى الحديث عن سجاح إذ أنّ (ردّة) مالك تبدأ عند المؤرّخين مع وصول سجاح أرض بني تميم واتصالها به.

إلاّ أنّي سأحاول قدر ما أستطيع أن أتجاوز سجاح الآن، لأعود إليها بعد الفراغ من مالك.

فما الّذي فعله ابن نويرة وبرّر قتله، وما هي التهم التي استحلّوا بها دمه؟ وهو لم يحارب المسلمين ولم يحمل السلاح في وجوههم ولا قاتلهم ولا قتل منهم. ولم ينكر نبوّة محمد ولم يجحد فريضةً من فرائض الإسلام.

وقد نجا وعفى عمّن هو أخطر شأناً منه وأبعد أثراً: من ادّعى النبوّة وأشعل الحرب وأوقع في المسلمين وأمعن في قتالهم وأثخن فيهم.

نجا طليحة (النبي) فلم يقتل وعفي عنه.

ونجت سجاح (النبيّة) فلم تقتل وعفي عنها.

ونجا عيينة بن حصن فلم يقتل وعفي عنه، وكان على رأس سبعمائة من فزارة يقاتلون المسلمين مع طليحة.

ونجا الأشعث بن قيس رئيس كِندة فلم يقتل وعفي عنه رغم ارتداده. ثم كوفئ بإرجاع أم فروة أخت الخليفة أبي بكر إليه.


ونجا عمرو بن معدي فلم يقتل وعفي عنه بعد ارتداده.

ونجا قيس بن مكشوح فلم يقتل وعفي عنه رغم ارتداده مرّتين.

ونجا شبت بن ربعي مؤذّن سجاح فلم يقتل وعفي عنه.

وغيرهم وغيرهم.

وكلهم أشدّ جرماً من مالك وأسوأ أثراً في الحرب ضد المسلمين، فأيّة تهمة أو تهم ارتكبها مالك وكانت الأخطر والأعظم ممّا ارتكبه هؤلاء جميعاً ليستحق عليها القتل دونهم؟!

لقد أرادت سجاح أن تغزو أبا بكر في المدينة فردها مالك وثناها وصرفها عن المضي في عزمها كما يتّفق في ذلك الطبري وابن الأثير وابن خلدون(١) .

فهل كانت هذه هي التهمة عند من يتّهمون مالك بالردّة. وأنّه كان عليه لنفيها عنه، أن يحرّض سجاح على غزو أبي بكر والمدينة وأن ينظم إليها ويقاتل في صفّها؟!

وحين قدم خالد بن الوليد البطاح قاصداً قتال مالك، كان هذا قد فرق بني يربوع ونهاهم عن الاجتماع وخذلهم عن القتال وطلب إليهم الدخول فيما دخل فيه المسلمون.

وإليك نص ما أورده الطبري في ذلك وهو نصّ يشاركه فيه مع اختلاف يسير ابن الأثير في تاريخه.

يقول الطبري عن مالك (يا بني يربوع إنا قد كنّا عصينا أمراءنا إذ دعونا إلى هذا الدين وبطّأنا الناس عنه فلم نفلح ولم ننجح وقد نظرت في هذا الأمر فوجدت الأمر يتأتّى لهم بغير سياسة وإذا الأمر لا يسوسه الناس فإيّاكم ومناوأة قوم صنع لهم فتفرّقوا في دياركم وأدخلوا في هذا الأمر. فتفرّقوا على ذلك إلى أموالهم وخرج مالك حتى رجع إلى منزله)(٢) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٦٩ و ابن الأثير ج ٢ ص ٢١٤ وابن خلدون بقية ج ٢ ص ٧٢.

(٢) تأريخ الطبري ج ٣ ص ٢٧٧ وابن الأثير ج ٢ ص ٢١٦ - ٢١٧ وانظر في نهي مالك قومه عن قتال المسلمين تاريخ ابن خلدون - بقية ج ٢ منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت ١٩٧١ ص ٧٣.


أيستطيع أحدٌ ـ ما لم يكن قد أصدر حكمه على مالك ـ أن يطمع منه في موقف أفضل وهو لا يكتفي بأن يفرق قومه ويخذلهم وينهاهم عن الاجتماع وما يمكن أن يؤدّي إليه من قتال. بل ويدعوهم إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون.

أهذا عمل من أرتدّ أو نوى الارتداد أو عزم عليه؟! وكيف سيكون موقف غير المرتد وبِمَ سيختلف عن موقف مالك؟!

بعد هذا ما هي إذن التّهم التي يسوقها المؤرّخون ويبرّرون بها مقتل مالك؟

من استعراض النصوص الخاصّة بذلك يبدو أننا أمام أكثر من رواية من أشهرها وأكثرها تداولاً هي التي أنقل نصّها عن ابن الأثير ويشاركه فيها بنفس الألفاظ التي يوردها أو بألفاظ قريبة منها غالبية الّذين كتبوا عن مالك.

يقول النص (لما قدم خالد البطاح بثّ السرايا وأمرهم بداعية الإسلام وأن يأتوه بكل من لم يجب وإنّ من استعراض النصوص الخاصّة بذلك يبدو أننا أمام أكثر من رواية، من أشهرها وأكثرها تداولاً، هي التي أنقل نصّها عن ابن الأثير ويشاركه فيها بنفس الألفاظ التي يوردها أو بألفاظ قريبة منها غالبية الّذين كتبوا عن مالك.

يقول النص (لما قدم خالد البطاح بثّ السرايا وأمرهم بداعية الإسلام وأن يأتوه بكل من لم يجب، وإن امتنع، أن يقتلوه وكان قد أوصاهم أبو بكر أن يؤذّنوا إذا نزلوا منزلاً فإن أذّن القوم فكفّوا عنهم وإن لم يؤذّنوا فاقتلوا وانهبوا وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم عن الزكاة فإن أقرّوا فاقبلوا منهم وإن أبوا فقاتلوهم قال فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع فاختلفت السرية فيهم وكان فيهم أبو قتادة فكان فيمن شهد أنّهم قد أذنّوا وأقاموا وصلّوا فلما اختلفوا أمر بهم فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء فأمر خالد منادياً فنادى (دافئوا أسراكم) وهي في لغة كنانة القتل فظنّ القوم أنّه أراد القتل ولم يرد إلاّ الدفء فقتلوهم فقتل ضرار بن الأزور مالكاً وسمع خالد الواعية فخرج وقد فرغوا منهم فقال إذا أراد الله أمراً أصابه)(١) .

____________________

(١) الطبري ج ٣ ص ٢٧٨ وابن الأثير ج ٢ ص ٢١٧، والإصابة لابن حجر طبعة دار الكتب العلمية - بيروت ترجمة مالك بن نويرة رقم ٧٦٩٠ مع بعض الاختصار، والأغاني طبعة دار الكتب المصرية ج ١٥ ص ٣٠١.


هذه كما قلت هي إحدى أشهر الروايات في مقتل مالك فما من مؤرّخ يعرض له إلاّ ويذكرها أو يشير إليها.

وضحكت كما لم أضحك في حياتي

وضحكت، وما أكثر ما يضحك الإنسان، وهو يقرأ تاريخنا!

وبكيت، وما أكثر ما يبكي الإنسان، وهو يقرأ هذا التاريخ!

لكنه ضحك هو البكاء، وليس كالبكاء. وبكاء هو الضحك، وليس كالضحك بـ(كاف) التشبيه، كما يقول سيّد شعراء العربية: المتنبّي، والشر كل الشر حين يكون الضحك بكاء، والبكاء ضحكا. وشرٌّمنه حين يكون الضحك أشد إيلاماً وأقوى تعبيراً من البكاء.

ضحكت، أو بكيت، لا فرق، وأنا اقرأ أنّ مشكلة مالك وقتله كانت بسبب (لغة) كنانة التي لم يفهمها حرّاس مالك. لم يكن بينهم من يفهم ولا من يترجم لهم هذه اللغة.

إذن هي مشكلة لغوية، كان من الممكن تلافيها لو وجد في جيش خالد مترجمٌ يحسن اللغتين: العربية والكنانيّة!

ما أروع ما اكتشف المؤرّخون، العرب المسلمون ! أيّة عبقرية هذه التي لا يمتلكها إلاّ من تفضّل الله عليه بلطف ورحمة وفضل واسع منه، وقلّة هم، أي فتح فكري كبير اهتدوا له بعد نصب وجهد طويل؟!

هل تعرف يا عزيزي القارئ، وأنت تعرف، أن كنانة: أبا القبيلة التي تحتاج إلى من يترجم لغتها إلى لغة قريش، هو أبو قريش أو جدّه المباشر. فقريق ـ وهذا لقبه ـ هو النضر بن كنانة، أو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. هذا يا يجمع عليه النسّابة العرب كلهم، لا يشذّ منهم أحد، و قلّما يجمعون. فهو في كلا الحالين، ابن أو حفيد كنانة. قريش فرع من كنانة وبطن من بطونها، كما أن هاشماً أو أميّة أو مخزوماً، فرع من قريش وبطن من بطونها. فهل سمعت أن هاشمياً أو أموياً أو مخزومياً واجه مشكلة في اللغة أدّت إلى قتله، وهو يتحدّث إلى قريش آخر من بطون قريش الأخرى؟! وهل نحتاج نحن الآن، على بعد الزمان والمكان، وكل شيء غير الزمان والمكان، إلى من يترجم لنا لغة قريش أو غير قريش من قبائل العرب؟! وهل احتاج المؤرّخون العرب أنفسهم، وهم يكتبون عن كنانة، إلى من يترجم لهم نصوص لغتها، كما يحتاج المؤرّخون، وهم يبحثون أمراً ممّا يخصّ اللغة السومرية أو الصينية مثلاً؟!


أتلومني إذا أثقلت عليك بحديث الضحك والبكاء حتى كرهت الاثنين؟!

ولأعد إلى الجد في هذا الموضوع. أريد أن أتحدّى مرة واحدة في حياتي، على كرهي للتحدّي. مرة واحدة فقط. هل يستطيع كل هؤلاء المؤرّخين، ومن تبعهم ومن صدّقهم، أن يأتوا بشاهد واحد، نعم واحد، في كل لغة كنانة، وفي كل لغة قريش، وفي كل لغة العرب، أينما تكلمها العرب، شعرا أو نثراً أو حديثاً، يشير إلى كلمة (الدفء) بمعنى (القتل) و(دفئوا) بمعنى (اقتلوا)، ولو على سبيل الاستثناء، ولو على سبيل الخطأ، أم أن الدفء تحوّل إلى القتل، هنا فقط، في هذه الحادثة فقط، مع خالد بن الوليد ومالك بن نويرة فقط؟!

سيكفيني شاهد واحد، وسأحني رأسي لهم معترفاً بأنهم كانوا على حق، وأني كنت المخطئ.

أأسهل من هذا التحدّي وأيسر؟! وسأعذر خالداً وضراراً وكل القتلة والمجرمين والكاذبين والمزوّرين على امتداد تاريخنا العربي الطويل وأريد أن أفترض العكس: أفترض أن هذا المنادي قد نادى (اقتلوا أسراكم)، فهل سيبادر ضرار بن الأزور إلى زيادة الغطاء والإكثار من الحطب لتوفير الدفء لأسراه ـ مالك وأصحابه ـ ما دام الدفء يساوي القتل في لغة كنانة، أم سيسرع إلى قتلهم، وستعود لغة كنانة لغة عربية أخرى، لا يعني القتل فيها الدفء ولا شيئاً قريباً منه سيعود القتل قتلاً، كما يفهمه العرب، جميع العرب بمن فيهم كنانة وقريش.

ولأسلّم بأن (دفئوا) تعني (اقتلوا) في لغة كنانة، فلم اختيرت هذه اللغة دون غيرها، والآمر ليس كنانياً وإنّما قرشي، والمطلوب دفؤه أو قتله، ليس كنانياً وإنّما تميمي، ومتولّي القتل ليس كنانياً وإنّما أسدي: خالد بن الوليد ومالك بن نويرة وضرار بن الأزور.

ثم ألم يخطر ببال واحدٍ من كل هذه الأطراف خصوصاً المطلوب قتله، أن يحاول مراجعة الآمر لمعرفة ما إذا كان يقصد الدفء الحقيقي من البرد أو القتل في لغة هذه القبيلة الروميّة أو الفارسيّة التي اسمها كنانة، ولم يكن الآمر في بلد آخر ولا بعيداً بل على خطوات منه وممّن تولّى قتله!!!.


لعلّي أطلت في هذا الجانب من الرواية ولعلّ ما أوردته يكفي لدحضها وردّ المدافعين عنها والآخذين بها من المؤلّفين وغيرهم.

لكنّ هؤلاء، وهم مشغولون بكنانة ولغتها ودفئها والليلة الباردة التي لا يقوم لها شيءٌ، لم يلتفتوا إلى أنّ مقتل مالك لم يكن في الشتاء ولا في وقت قريب منه ليحتاجوا إلى كل ما أتعبوا أنفسهم به وإلى كل ما زوّروه على كنانة وأضافوه إليها.

لقد حصل الحادث في الصيف أو في وقت غير بعيد عنه. وليس هذا اجتهاداً أو اختياراً نابعاً من رغبة في الطعن على القدماء من المؤلّفين وإنمّا هو الرأي الّذي تؤكّده الوقائع.

فرغم أنّ هؤلاء المؤلّفين لا يحدّدون تأريخاً في غير القضايا المهمّة في نظرهم، وليس بينها مقتل مالك طبعاً، وهو نقصٌ عانينا منه ومن غيره الكثير.

إلاّ أننا نستطيع أن نتجاوز ذلك إذا قابلنا بين الأشهر القمرية الهجرية التي يذكرها المؤلّفون لبعض أحداث الردّة والتي لا ترتبط بفصول السنة من صيف وشتاء، وبين الأشهر الميلاديّة التي ترتبط بفصول السنة صيفها وشتائها فيما يخصّ نفس الأحداث.

وفي قضيّة مالك، يقول المؤلّفون إنّ أبا بكر قد خرج إلى ذي القصة، موضع قرب المدينة، لعشر من جمادى الأولى أو النصف من جمادى الآخرة (ما يقابل تمّوز أو آب من عام ٦٣٢ ميلادية) وذلك لتعبئة الجيوش الموجّهة لقتال أهل الردّة. ومن هناك سار خالد ومن معه لحرب طليحة وجموعه في براخة. وبعد انتصاره عليهم اتجّه مباشرةً إلى البطاح حيث قتل مالك(١) .

فمقتل مالك إذن لا يمكن في أيّة حالٍ أن يكون قد جرى في الشتاء و(في ليلة باردةٍ لا يقوم لها شيءٌ وجعلت تزداد برداً) وما أظن المؤلّفين لجؤوا إلى هذه الليلة إلاّ ليكون لحديثهم عن (أدفئوا) أسراكم ما يبرّره ويقنع القارئ به.

____________________

(١) تأريخ خليفة بن خياط ج ١ ص ٦٦، وتأريخ الطبري ج ٣ ص ٢٤١، وتأريخ الخلفاء للسيوطي تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ص ٧٥.


وحتى الآن لم ننته من هذه الرواية التي لا أدري كيف سوّقها ـ كما يقول أهل الاقتصاد ـ المؤلّفون بين القرّاء وإن كنت أدري كيف قبلها القرّاء، وقد رواها مؤرّخون كبار كالطبري وابن الأثير وغيرهما من أعلام المؤرّخين.

وتقول خاتمة الرواية أنّ خالد سمع الواعية فخرج (وقد فرغوا منهم فقال إذا أراد الله أمراً أصابه).

وما أظنّك تجهل أنّ الواعية لغةً تعني الصراخ أو الصراخ على الميّت خاصّة.

إذن كان خالد في الليلة التي قتل فيها مالك وأصحابه من القرب منهم بحيث يسمع الصراخ الصادر من المكان الّذي حبسوا فيه.

ولا بد أنّ هذا الصراخ وما صحبه من استغاثة ومحاولة لتفادي القتل ودفعه من جانب الضحايا وهو أمرٌ طبيعي جداً، قد امتدّ وقتاً مّا، خصوصاً وأنّ المطلوب قتلهم يتجاوزون الأربعين رجلاً(١) .

لكنّ خالداً كما تذكر الرواية دون إشارةٍ للأسباب، لم يسأل ولم يخرج إلاّ بعد أن فرغوا منهم.

ثم صراخ من هذا الّذي أخرج خالداً؟ أهو صراخ الضحايا الّذين حصدهم السيف وحوّلهم إلى أشلاء تعدم الصراخ وما هو دونه، ولا تملك إلاّ الصمت إذا جاز للميّت أن يملك شيئاً؟!!

أم صراخ الّذين تولّوا قتلهم وما أحسب هناك ما يدعوهم إلى الصراخ، وقد أنهوا مهمّتهم على أفضل وجه يمكن أن ينهوها عليه!!

____________________

(١) في خزانة الأدب نشر مكتبة الخانجي بمصر ج ٢ ص ٢٦ أن عدد من أصيب مع مالك كان خمسة وأربعين رجلاً.


ومع ذلك فلو كنت يا سيّدي على استعداد أن تستغني عن عقلك فترةً قصيرةً، وأظننا في هذه البلاد نستطيع أن نستغني عن عقولنا طويلاً دون أن نخسر شيئاً، وتقبل أنّ كل الّذي حصل لمالك وأصحابه كان مجرّد خطأ بسبب الدفء ولغة كنانة فيه، غفر الله لكنانة. فكيف ستفسّر أن يجعل رأس مالك ورؤوس القتلى ممّن أخذ معه أثافيّ للقدور التي يطبخ فيها طعام الجيش المسلم بعلم خالد أو بأمرٍ منه(١) ؟!

والغريب أنّ المؤرّخين يروون هذا، لا مستنكرين الجريمة التي تعكس وحشيّةً غيرمتناهية وحقداً ولؤماً بلا حدود. بل متعجّبين أن تكون كل رؤوس أصحاب مالك قد وصلت النار إلى بشرتها فأحرقتها عدا رأس مالك فإنّ القدر نضجت قبل أن تبلغ النار بشرته من كثرة الشعر الّذي غطّاها ومنع النار أن تصل إليها(٢) .

ولعلّ هذه تهمةٌ أخرى توجّه إلى مالك وتضاف إلى تهمة الردّة. فقد كان عليه أن يرفق بالطّباخين ولا يتعبهم بكثرة شعر رأسه!!

تلك كانت كما ذكرت في بداية هذا الحديث إحدى أكثر الروايات تداولاً. ولكنها ليست الوحيدة في مقتل مالك. فهناك روايات أخرى لا تقل عنها تداولاً وشيوعاً.

فمن هذه الروايات ما ينقله لنا ابن الأثير بعد المقدّمة التي يشترك فيها أغلب الروايات والرّاوين عن السرايا الّتي بثّها خالد حين وصل البطاح، وأمره لهم بأن يأتوه بكل من لم يجب داعية الإسلام وقتل من امتنع عن ذلك.

____________________

(١) تأريخ الطبري ج ٣ ص ٢٧٩ ووفيات الأعيان لابن خلكان تحقيق الدكتور إحسان عباس ج ٦ ص ١٤ والأغاني - ط دار الكتب ج ١٥ ص ٣٠٢ و ٣٠٣ وفيه أن خالداً هو الّذي أمر برأس مالك فجعل أثفيةً لقدر. وتأريخ ابن الوردي - دار الكتب العلمية ط أولى ١٩٩٦ بيروت ج ١ ص ١٢٥ والأخبار الموفقيات للزبير بن بكار ٢٥٦ هجرية تحقيق الدكتور سامي مكي العاني ص ٥٠٢.

وهذا ما نجده أيضاً في الإصابة لابن حجر ج ٦ ص ٣٧ حيث يذكر أنّ خالداً هو الّذي (أمر برأسه - يعني رأس مالك - فنصب أثفية لقدر فتح ما فيها قبل أن تخلص النار إلى شؤون رأسه. وأظن ما قصده ابن حجر (نضج) ما فيها لا (فتح) ما فيها. وهو أيضاً ما نراه في البداية والنهاية لابن كثير - مطبعة السعادة ١٩٣٢ ج ٦ ص ٣٢٢ إذ ورد فيه (... فضربت عنقه وأمر برأسه - يعني رأس مالك طبعاً - فجعل مع حجرين وطبخ على الثلاثة قدرٌ فأكل منها خالد تلك الليلة...).

(٢) تأريخ الطبري ج ٣ ص ٢٦٩ ووفيات الأعيان لابن خلكان تحقيق الدكتور إحسان عباس ج ٦ ص ١٤، والأغاني ج ١٥ ص ٣٠٢، والإصابة ج ٦ ص ٣٧، وتأريخ الإسلام للذهبي - عهد الخلفاء الراشدين - ص ٣٤، والبداية والنهاية لابن كثير ج ٦ ص ٣٢٢.


يقول ابن الأثير (إن المسلمين لما غشوا مالكاً وأصحابه ليلاً أخذوا السلاح فقالوا نحن المسلمون فقال أصحاب مالك ونحن المسلمون قالوا لهم ضعوا السلاح فوضعوه ثم صلّوا وكان خالد يعتذر في قتله ـ يعني مالك بن نويرة ـ أنّه قال ما أخال صاحبكم إلاّ قال كذا وكذا فقال له أو ما تعدّه لك صاحباً ثم ضرب عنقه)(١) .

وهذه الرواية تجدها بنصّها تقريباً في تأريخ الطبري والأغاني(٢) .

وألاحظ ابتداء أنّ هذا النص كما يبدو، مبتور ولا يخلو من قطع أو على الأقل، أنّ ما يخص اعتذار خالد عن قتله مالكاً لقوله (صاحبكم) قد أقحم في النص إقحاماً. إذ لم يمهّد له بشيء ولم يسبقه شيءٌ يسمح بالانتقال من الصلاة ووضع السلاح إلى قتل مالك والاعتذار عنه.

ولو أعدت قراءته لتأكّدت من ذلك. فالنصّ يمضي طبيعيّاً ومتّسقاً إلى (قالوا لهم ضعوا السلاح فوضعوه ثم صلّوا).

إلى هنا ولا شيء في النص يلفت الانتباه. لكن انظر إليه كيف ينتقل بعد ذاك مباشرةً ودون أيّة مقدمات إلى (وكان خالد يعتذر في قتله أنّه قال ما أخال صاحبكم).

فهل تقدم شيء عن خالد في النص لكي تأتي عبارة (وكان خالد... الخ) في مكانها الطبيعي منه.

إنك تستطيع أن تتصوّر بعد قول النص (ثم صلّوا) أيّة عبارةٍ وأيّ موضوع إلاّ العبارة التي جاء بها النص (وكان خالد يعتذر...).

وقد يؤكّد هذا أنك لا تجد حديث (صاحبكم) في تأريخ خليفة بن خياط ولا في الفتوح لابن أعثم رغم وجود هذه الرواية فيهما.

وعلى كلٍّ فالطبري وابن الأثير وأبو الفرج وخليفة وابن أعثم يتفقون في أنّ مالكاً وأصحابه قد أقرّوا حين سئلوا، بأنهم مسلمون وقد وضعوا السلاح حين طلب منهم أن يضعوه ثم صلّوا.

____________________

(١) ابن الأثير ج ٢ ص ٢١٧ - ٢١٨.

(٢) تأريخ الطبري ج ٣ ص ٢٨٠، والأغاني ج ١٥ ص ٣٠٤، وانظر أيضاً تأريخ ابن خلدون بقية ج ٢ ص ٧٤.


فعلوا ذلك اطمئناناً إلى أنهم مسلمون لن يتعرّضوا لمكروهٍ، وثقةً بأنّ الّذين طرقوهم ليلاً لن يؤذوهم ما داموا مسلمين مثلهم. بل إن سلاحهم لم يكن عليهم حين غشيهم جيش المسلمين. وهم لم يفزعوا إلى السلاح إلاّ بعد ما فوجئوا بالجيش ليلاً ثم وضعوه. فلو كان مالك وأصحابه مرتدّين ويعرفون ما سيجري لهم لما وضعوا السلاح حين طلب إليهم ذلك ولما أخذوا بالسهولة التي أخذوا بها، ولما كانوا أصلاً بهذه القلّة من العدد(١) ولكان لهم في جميع الأحوال موقفٌ آخر غير الّذي كان وهم ذوو الشوكة والعدد والبأس.

لو كان مالك يفكّر في ردّة، لفكّر في حربٍ. ولو فكّر في حربٍ لما كان هذا شأنه ولما نزع سلاحه وفرّق أصحابه، وليس بعيداً عنه ما حصل لطليحة وجموعه.

بِمَ كان سيختلف موقف أيّ مسلمٍ عن موقف مالك لو وجد في مثل ظروفه؟ وهل يطالب بأكثر مما فعل لإثبات إسلامه، وهو الّذي كان يدعو أصحابه للدخول فيما دخل فيه المسلمون.

ماذا يريدون أن يكون موقف مالك، هؤلاء الّذين يصرّون على اتّهامه واتهام أصحابه بالردّة والخروج عن الإسلام لتبرير قتلهم؟! مسلمون يسألهم مسلمون عمّا يكونون فيصدقونهم القول بأنهم مسلمون ويصدقونهم الفعل بالصلاة ووضع السلاح.

أذنبهم أنهم مسلمون وأنهم يقرّون بذلك.

وماذا إذن بعد الإسلام والإقرار به ما يحقن الدم ويصون العرض والمال في دين محمد؟!

لكن ذلك لم ينفع مالكاً. لم ينفعه إقراره بالإسلام ودعوة أصحابه لعدم محاربة المسلمين والدخول فيما دخلوا فيه. ولا صلاته مع المسلمين ووضعه سلاحه حين طلب إليه أن يضعه.

لماذا؟ لأن هناك من يريد القتل ومن يريد السبي والغنائم وربما كان هناك من يريد شيئاً غير القتل والسبي والغنائم.

وسأنتقل إلى تكملة هذه الرواية عند الطبري وابن الأثير وأبي الفرج بالجزء الخاص بـ(صاحبكم) الّذي يؤلّف روايةً مستقلّة عند صاحب البدء والتأريخ وابن خلكان وأبي الفدا والذهبي وابن العماد.

____________________

(١) في البدء والتأريخ ج ٥ ص ١٥٩ (بيوتات مالك بن نويرة وهم مسلمون) وفي الفتوح لابن أعثم ج ١ ص ٢١ (فوقفت سرية من تلك السرايا على مالك بن نويرة فإذا هو في حائط له ومعه امرأته وجماعة من بني عمه).


ويتفّق الأربعة الأخيرون على أنّ مالكاً قال لخالد بعدما أتى به (أني آتي بالصلاة دون الزكاة فقال له خالد أما علمت أنّ الصلاة والزكاة معاً لا تقبل واحدةٌ دون الأخرى فقال مالك قد كان صاحبك يقول ذلك قال خالد وما تراه لك صاحباً والله لقد هممت أن أضرب عنقك ثم تجادلا في الكلام طويلاً فقال له خالد إني قاتلك قال أو بذلك أمرك صاحبك قال وهذه بعد تلك والله لأقتلنك وكان عبد الله بن عمر (رض) وأبو قتادة (رض) حاضرين فكلّما خالداً في أمره فكره كلامهما فقال مالك يا خالد ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الّذي يحكم فينا فقد بعثت إليه غيرنا ممّن جرمه أكبر من جرمنا فقال خالد لا أقالني الله إن أقلتك وتقدم إلى ضرار بن الأزور الأسدي بضرب عنقه فالتفت مالك إلى زوجته أم تميم وقال لخالد هذه التي قتلتني وكانت في غاية الجمال فقال له خالد بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام فقال مالك أنا على الإسلام فقال خالد يا ضرار اضرب عنقه فضرب عنقه...)(١) .

فـ(صاحبكم) إذن هو الّذي قتل مالكاً عند هؤلاء المؤرّخين. ومن الصحبة ما قتل.

وابتداء أودّ أن أسأل عن مصدر هذه الرواية، وهل هناك بين المؤرّخين من حقّق أصلها وعرف مصدرها. ذاك أنّ الطبري وأبا الفرج وابن الأثير، لا ينقلونها وهم ينقلونها، إلاّ مباشرةً عن خالد نفسه (وكان ـ خالد ـ يعتذر في قتله أنه قال...).

وخالد بإجماعٍ هو الآمر بالقتل. أي طرف فيه، وما أظنه من المقبول الاقتصار عليه وحده والاكتفاء بقوله في إهدار دم واحدٍ من المسلمين. فهل عند غير الطبري وأبي الفرج وابن الأثير ممّن جاء قبلهم أو بعدهم ـ ولم أره عند واحدٍ قبلهم ـ من يروي حديث (صاحبكم) عن غير طريق خالد.

ولأفترض أنّ واحداً قد تبرّع بروايته. ولن أقول بإضافته واختلاقه، فهل يكفي هذا الواحد لتصحيح الرواية واعتمادها واتّخاذها أساساً مقبولاً لتحليل دم مالك.

____________________

(١) وفيات الأعيان لابن خلكان ج ٦ ص ١٤، وباختلاف يسير في بعض الألفاظ تجد النص في تأريخ أبي الفدا ج ١ ص ١٥٧ - ١٥٨ وتأريخ الإسلام للذهبي - عهد الخلفاء الراشدين - ص ٣٣ وشذرات الذهب لابن العماد نشر مكتبة القدسي ١٣٥٠ ه- ج ١ ص ١٥.


ولأفترض أيضاً أنّ مالكاً قال لخالد (صاحبكم) تبعاً للرواية وأنه قصد بقوله ذاك النبي محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله نفسه وليس أبا بكر.

فمن أين فهم خالد أنّ هذا اللفظ يعني التنكّر للنبي والطعن فيه والكفر بنبوّته ونفي الصحبة عنه حتى يستحلّ به دمه.

لقد جرى العرب على استعمال هذا اللفظ في كلامهم دون أن يقصد به قائله، ودون أن يفهم منه سامعه، ما يشير الى ذمٍّ أو انتقاص أو سوء نيّةٍ أو انتفاء من صحبة.

هذا العبّاس بن عبد المطلب يقول عن النبي وقد توفّي وحلّ أوان دفنه (... فادفنوا صاحبكم..)(١) يعني النبي محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله .

أفكان العبّاس يريد بـ(صاحبكم) أنّ النبي لم يكن له بصاحب ولا نبيّ؟!

وهذا شيبة ـ أظنه ابن عثمان بن أبي طلحة ـ يقول لعمر في حديث يسوقه البخاري (... ما أنت بفاعل قال ـ يعني عمر ـ لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك ـ يقصد النبي وأبا بكر  ـ ...)(٢) .

فهل كان النبي وأبو بكر صاحبي عمر وحده دون شيبة ودون باقي المسلمين؟!

وعلي بن أبي طالب يخاطب عثمان قائلاً (ولقد عهدت نبيّكصلى‌الله‌عليه‌وآله وبأنه يتبع نبيّاً غيره. وما أحسب خالداً كان أتقى وأفضل وأغير على الإسلام من علي وعثمان(٣) .

واسمع أم المؤمنين السيّدة عائشة لا مالك بن نويرة تقول للنبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله لا لخالد ابن الوليد (ما أرى ربك إلاّ يسارع في هواك).

والكلام هنا لا يمكن صرفه لشخص آخر كاحتمال صرف كلام مالك إلى أبي بكر بدلاً من النبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله . ذلك أن الحديث كان يدور بين السيدة عائشة وبين النبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله الّذي يسارع ربه في هواه.

____________________

(١) طبقات ابن سعد ج ٢ ص ٢٦٧ دار صادر بيروت، وتأريخ الخميس ج ٢ ص ١٦٧.

(٢) صحيح البخاري حديث رقم ٧٢٧٥.

(٣) تأريخ الطبري ج ٤ أحداث سنة ٢٩ ص ٢٦٧.


أترى عائشة كانت ترفض أن يكون رب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ربّاً لها، وهي تقول للنبي (ما أرى ربك..).

ما الّذي منع النبي أن يجيبها بما أجاب به خالد مالكاً فيقول لها: أو ما ترينه ربّاً لك، والله أكبر من النبي كما أظن! أم كان خالد أحرص على الإسلام وأعرف بما يجوز وما لا يجوز فيه من محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يسمع كلام عائشة(١) .

أترى عليّاً والعبّاس وعائشة كانوا لا يفهمون العربيّة أم أنّهم ارتدّوا كذلك حين قالوا (صاحبك) عن محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، و(ربك) عمن هو أكبر من محمد، ولو تمكّن منهم خالد لأمر ابن الأزور فيهم بما أمره في مالك.

ولو أردت أن أورد ما جاء في كلام العرب والمسلمين من لفظ (صاحبك) و(نبيّك) و(ربّك) الّذي يقسم به دائماً، لأمللت القارئ وأضجرته فيما لا حاجة إليه وهو يستطيع أن يرجع إلى كتب الأدب والتأريخ والحديث ليرى كثرة استعمال اللفظ(٢) .

ومع ذاك فإنّ مالكاً لم يستعمل هذا اللفظ ـ الجريمة ولم يقله حتى عن أبي بكر وهو يطلب إلى خالد أن يبعث به إليه فيكون هو الّذي يحكم فيه.

أفيعقل أن يقول عن النبي ما لم يقله عن أبي بكر مع فرق ما بين النبوّة والخلافة وبين النبي والخليفة.

وحتى لو قبلت أنّ مالكاً (أخطأ) فقال عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في أول حواره مع خالد (صاحبك) وأنّ خالداً هدّده بضرب عنقه بسبب قوله ذاك وكان جادّاً واضحاً فيه كأقوى وأشدّ ما يكون الجدّ والوضوح. فكيف عاد مالك إلى (صاحبك) مرّةً أخرى في حواره كما تذكر الرواية، والسيف في يد ضرار، وما بينه وبين أن يذهب برأسه إلاّ إشارةٌ من خالد، ما لم يكن أحمق لا يعرف مواضع كلامه. ولم ينسب مالك إلى شيءٍ من ذلك جاهليةً أو إسلاماً.

____________________

(١) صحيح البخاري حديث رقم ٤٧٨٨ ورقم ٥١١٣.

(٢) وعلى سبيل المثال أذكر بعض ما ورد في صحيح البخاري فقط من أحاديث تحمل لفظ (صاحبك) أو (نبيك) أو (ربك) وهي:

رقم ١٣٢٢، ٤٨٠٧، ٤٩٢٠، ٧٠٦٨، ٧١٠٠، ٧٥٣٨.


كيف يصرّ على كلمةٍ يعلم أنها ستذهب بحياته، وهو الّذي يطلب من خالد أن يبعث به إلى أبي بكر في المدينة ليرى رأيه فيه.

فلِمَ هذا الطلب إذن؟ ما دام مالك نفسه هو الّذي يدفع خالداً دفعاً إلى قتله بكلمةٍ ما كان أسهل عليه أن يتجنّبها ولا ينطق بها.

أظنك تشاركني فيما أذهب إليه من شك يكاد يصل حدّ القطع بعدم صحّة ما ينقله الرواة عن (صاحبك) التي لا يمكن أن تصدر عن مالك بعد كل ما سبق قوله. وهذا ما يفسّر طلب مالك أن يبعث بهم خالد إلى أبي بكر قائلاً (ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الّذي يحكم فينا فقد بعثت إليه غيرنا ممّن جرمه أكبر من جرمنا..).

فمالك على يقين بأنه لم يصنع شيئاً يستحق عليه القتل. ولن يكون في كل الأحوال أسوأ مصيراً من عيينة بن حصن الّذي منع هو أيضاً الزكاة وقاتل المسلمين مع طليحة على رأس سبعمائة من قومه فأرسله خالد إلى أبي بكر الّذي عفا عنه وأخلى سبيله.

فلِمَ لا يطلب من خالد إرساله إلى أبي بكر؟ ولِمَ يرفض خالد أن يستجيب لطلبه، وليس هناك ما يمنع من تحقيقه، خصوصاً وأنّه لم يحمل السلاح ولم يقاتل المسلمين، كما فعل عيينة.

وغاية ما اتّهم به أنه امتنع عن إرسال الزكاة إلى المدينة. وربما كان له عذرٌ في ذلك. وربما استطاع أن يقنع أبا بكر بعذره فيعفو عنه كما عفا عن غيره ممّن هم ليسوا أقل جرماً من جرمه، إن لم يزيد عليه بكثير، وإلاّ فالقتل في المدينة وبسيف غير سيف ضرار لن يختلف عن القتل في البطاح وبسيف ضرار. ففيم العجلة يا أبا سليمان(١) ؟!

هذا فيما يتعلّق بمالك. ولكن ألا تحس يا سيّدي من جانب خالد إصراره المسبق على القتل. وهو إصرارٌ أكّده في حواره مع مالك أكثر من مرّةٍ، ويتجاوز بكل وضوح تهمة مالك، وقد تسامح خالد مع من هم أكبر جرماً منه فلم يقتلهم واكتفى بإرسالهم إلى أبي بكر.

____________________

(١) هي كنية خالد بن الوليد.


ألا تحس وأنت تسمع أصوات القتل تتردّد متلاحقة من فم خالد، بأنّ الرجل قد اتخذ قراره بشأن مالك. وأنّ هذا مقتول مهما دافع عن نفسه ومهما احتجّ لبراءته. بل إنّ قتله لا علاقة له بتهمةٍ أو براءة. وإنما بموقفه من مالك لن يتغيّر بقوّة الدفاع ولا بظهور البراءة.

لنستمع إليه وهو يخاطب مالكاً ولأبدأ من (صاحبك) التي تمثّل التهمة (... فقال مالك قد كان صاحبك يقول ذلك قال خالد وما تراه لك صاحباً والله لقد هممت أن أضرب عنقك ثم تجادلا في الكلام طويلاً فقال له خالد إني قاتلك ـ فالأمر كما ترى محسومٌ وليس دفاع مالك عن نفسه إلاّ عبثاً لا طائل من ورائه ـ قال أو بذلك أمرك صاحبك قال وهذه بعد تلك والله لأقتلنك وكان عبد الله بن عمر (رض) وأبو قتادة (رض) حاضرين فكلّما خالداً في أمره فكره كلامهما فقال مالك يا خالد ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الّذي يحكم فينا فقد بعثت إليه غيرنا ممّن جرمه أكبر من جرمنا فقال خالد لا أقالني الله إن أقلتك وتقدّم إلى ضرار بن الأزور الأسدي بضرب عنقه...)(١) .

وما كان على خالد لو سمع كلام ابن عمر وأبي قتادة؟! حتى لو قبلنا رفضه سماع مالك وإرساله إلى أبي بكر كما طلب.

ما الّذي منعه أن يصغي إلى صحابييّن جليلين ليسا من تميم ولا من يربوع رهط مالك، ولا يمكن أن يتّهما في دينهما لحساب كافر مرتد؟! أكان خالد سيكره كلامهما ويرفض سماعه لو علم أنّ فيه إدانة لمالك.

ولكن ما لنا ولهذه الفروض التي يبدو أن لا محلّ لها هنا على الإطلاق. فالعبارة التي ختم بها خالد حواره مع مالك (لا أقالني الله إن أقلتك) تنبئ عن قرار لا رجوع فيه، بقتل مالك. وما أظن مالكاً، بعد أن سمعها إلاّ وقد كفّ عن محاولة الاعتذار لنفسه. وما أظن ابن الأزور إلاّ وقد شدّ يده على مقبض سيفه وهو يستعجل رأس فارس يربوع وفتاها.

وأنتقل إلى رواية المقدسي التي تلتقي مع سابقتها في (صاحبك) ولكنها تختلف في تفاصيل كثيرة أخرى، وهو ما رجّح عندي إفرادها بمكان خاص وعدم بحثها ضمن تلك الرواية.

____________________

(١) سبقت الإشارة إلى مصادر هذه الرواية في هامش ص ٥٥.


يقول ابن مطهر في البدء والتأريخ أنّ خالداً سار (حتى أحاط بيوتات مالك بن نويرة وهم مسلمون وكانت لمالك امرأةٌ وسيمةٌ فمال إليها خالد وأمر بقتل مالك فنهاه عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري فأحضر خالد مالكاً وقال ألست القائل:

ألا عللاني قبل جيش أبي بكر

لعل المنايا قد دنون وما ندري

فقال مالك ما قلت ذاك ولو سمعني صاحبكم أقوله ما قتلني. فقال خالد تقول لرسول الله (صاحبكم) وليس بصاحبك اضربوا عنقه. فالتفت مالك إلى امرأته وقال يا خالد هذه قتلتني...)(١) .

وقد أغنانا المقدسي في نصّه هذا عن مناقشة كثير من القضايا التي اضطررت لمناقشتها عند غيره.

فهو يعترف بأنّ مالكاً كان في بيوتات لا في جيش ولا جمع ولا عشيرة.

وما أظنك بحاجةٍ إلى معرفة الأسباب وقد فصّلناها سابقاً. فما حاجة مالك (المسلم) إلى الجيش والجمع والعشيرة، وله من إسلامه ما يحرم دمه ويحمي ماله وعرضه ولم يكن عند نفسه في شكٍّ من ذلك.

بل إنّ ما بلغناه استنتاجاً فيما مضى جاء المقدسي الآن ليقوله صراحةً.

اسمع إليه وهو يتكلّم عن (بيوتات مالك بن نويرة) التي لا يكتفي بإبراز قلتها بالتعبير (بيوتات) وإنما يضيف إلى قلّة العدد تأكيد الدّين بأنهم (مسلمون) وهو لا يرسل هذا الوصف بصيغة ضعيفةٍ تدلّ على الشك وعدم اليقين. بل على العكس بعبارةٍ واضحةٍ لا مجال للشك فيها (وهم مسلمون)(٢) ثم ينتقل بعد ذاك إلى الحديث عن زوجة مالك الوسيمة، فيربط بشكل واضحٍ بين ميل خالد إليها وبين أمره بقتل مالك زوجها إذ يقول (فمال إليها خالد وأمر بقتل مالك)(٣) .

____________________

(١) البدء والتأريخ ج ٥ ص ١٥٩ - ١٦٠.

(٢) وهو ما يؤكّده ابن الأثير في أسد الغابة في ترجمة مالك حيث يصرّح بإسلامه ونفي أي ارتداد عنه. أسد الغابة - بيروت ١٩٩٤ ج ٥ ترجمة مالك بن نويرة.

(٣) وهو ما نجده أيضاً في تأريخ اليعقوبي ج ٢ ص ١١٠.

ويلاحظ أن جميع المؤرّخين الذين يتناولون الموضوع يشيرون إلى زوجة مالك الجميلة وميل خالد إليها ويجعلون منها جزءاً من رواياتهم عن مقتل مالك. لكنهم مع ذاك يتجنبون الربط بين جمال هذه الزوجة وميل خالد لها وزواجه بها في نفس اليوم الّذي قتل فيه مالك زوجها، وبين مقتل مالك نفسه.


فالأمر عند المقدسي واضحٌ لا يحتمل شكّاً. ومقتل خالد عنده لم يكن إلاّ بسبب زوجته الوسيمة وميل خالد إليها. وهذا ما سنتناوله فيما بعد.

وحين يرى عبد الله بن عمر وأبو قتادة ما يجري لمسلم، كل ذنبه أنّ زوجته وسيمةٌ، وأنّ أمير الجيش يريد التخلّص من زوجها ليسهّل الطريق إليها، فإنهما ينهيان خالداً وينكران عليه. وما أظنهما كانا قادرين على أكثر من ذلك. فالآمر هو الأمير ولن يستطيعا منع ما يجري أو وقفه. ولم يكن خالد الّذي اتخذ قراره بقتل مالك، بالّذي يصغي لنهي أو إنكار حتى لو صدرا من أشخاص كابن عمر وأبي قتادة. فلابد من قتل مالك ولن يعدم عذراً فيه.

وها هو يبعث على مالك ليسأله عن هذا البيت من الشعر إن كان هو قائله:

ألا عللاني قبل جيش أبي بكر

لعل المنايا قد دنون وما ندري

فينكر مالك نسبته إليه ويضيف (ولو سمعني صاحبكم أقوله ما قتلني فقال خالد تقول لرسول الله (صاحبكم) وليس بصاحبك اضربوا عنقه..).

وليس في جواب مالك ما يحلّ دمه، فهو ينفي أن يكون صاحب البيت رغم أنّ البيت لا يتضمّن ردّةً ولا كفراً.

ماذا كان على مالك أن يفعل ليثبت ألاّ علاقة له بهذا البيت من الشعر؟ أكان أمامه أو أمام أيّ شخص يقف موقفه وسيلة أخرى يثبت بها براءته من بيتٍ لم يقله؟ لقد لزمته التّهمة وهو ينفي صدوره عنه، فهل كان عليه أن يؤكّد نسبة البيت إليه لينفي التهمة عنه؟!

ثم إنّ لفظة (صاحبكم) التي توسّل بها خالد لاستحلال دم ابن نويرة، لا يمكن أن تنصرف للنبّي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله بأيّ حالٍ من الأحوال. فالنبي توفّي قبل (ردّة) مالك الّذي كان على صدقات بني حنظلة في زمانه.

وأقصى مداها أنها تتوجّه إلى الخليفة أبي بكر (رض)، فالجيش المذكور في البيت جيشه كما يصرّح البيت نفسه. وهو الّذي سيقتل أو لا يقتل مالكاً لو سمعه، لا النبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ليجوز أن يصرف اللفظ إليه.

وما أحسب أنّ من بين الأسباب التي يكفّر بها المسلم ويستحل دمه أن يقول عن أبي بكر أو غير أبي بكر (صاحبكم) على افتراض قول مالك لها، وقد بلغ الأمر بالصحابة حدّ الاقتتال حتى بين المبشّرين بالجنة منهم ولم يكفّروا.


وما أحسب مالكاً إلاّ صادقاً حين قال لو سمعني صاحبكم أقوله ما قتلني. فما كان أبو بكر مع دينه وفضله، ليقتل مسلماً أن يقول أو ينشد بيتاً من الشعر لا قطع فيه على ردّة قائله أو منشده.

وحده خالد بن الوليد فهم من (صاحبكم) أنه النبي لا أبو بكر.

ووحده خالد بن الوليد فهم أنّ (صاحبكم) تعني أنه ليس بصاحب لمن قالها.

ووحده خالد بن الوليد حكم أنّ قائل (صاحبكم) قد ارتدّ عن الإسلام بقوله هذا.

ووحده خالد بن الوليد يأمر بالقتل ويستعجل فيه وينفّذه. لا يستشير من كان معه من كبار الصحابة بل ويرفض رأيهم، مخالفاً بذلك حكم الإسلام حتى مع التسليم بارتداد مالك. إذ الحكم أن يستتاب المرتد ثلاثاً إذا ثبتت عليه الردّة. ومالك لم يستتب ثواني ولم تثبت عليه ردّة.

ليس بيت الشعر ما قتل مالكاً، وليس (صاحبكم) ما قتله. ولو لم يكن هذا أو ذاك لكان هناك من الأسباب ما يكفي لقتله وقتل ألفٍ معه لو كان معه ألف.

لقد كان مالك أدرى بالّذي قتله حين قال (هذه قتلتني).

ففارس بني يربوع كان قتيل امرأةٍ!!

بقيت رواية واحدةٌ أرجو القارئ الكريم، وقد أطلت عليه وأثقلت، أن يسمح لي بعرضها استكمالاً لموضوع قلما بحث بحياد ونزاهةٍ. وإن كانت قليلةً في تأريخنا، المواضيع التي بحثت بحياد ونزاهةٍ، بعيداً عن مخلّفات أفكار وعقائد ليس فيها إلاّ تعصّب وجهل وأحكام لا تقبل مراجعة ولا تغييراً قد جمد عليها أصحابها فهم لا يناقشونها ولا يقبلون أن يناقشوا فيها.

وعلى كلٍّ فلنرجع إلى هذه الرواية التي يقدّمها لنا صاحب خزانة الأدب(١) . ولكن قبلها أودّ أن أقف قليلاً عند عبارةٍ أوردها عبد القادر بن عمر البغدادي وهو يمهّد لروايته تلك.

____________________

(١) خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب لعبد القادر بن عمر البغدادي تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون نشر مكتبة الخانجي بمصر ج ٢ ص ٢٥ - ٢٦.


تقول العبارة (... فأقبل خالد بن الوليد حتى هبط جو البعوضة وبه بنو يربوع فبات عندهم ولا يخافونه...) فبنو يربوع قد أمنوا واطمأنّوا إلى خالد الّذي بات مع جيشه وسلاحه عندهم، ولم يجدوا ما يدعوهم إلى الحذر والخوف منه ومن جيشه وسلاحه.

وما أظن بني يربوع من الحمق بحيث يطمئنّون إلى جيشٍ وسلاح يبيت عندهم فيأمنون إلاّ إذا كان هناك سببٌ قوي يدفعهم إلى الاطمئنان والأمن. وليس هذا السبب سوى أنهم مسلمون كالذين باتوا عندهم. فلِم إذن يخشون مسلمين مثلهم ويحذّرونهم؟

بل ما أظن هذا الجيش وأميره نفسه يأمن أن يبيت عند بني يربوع، لو لم يعرف أنهم مسلمون لن يقاتلوه ولن يغدروا به وهو عندهم.

أليس هذا هو تفسير عبارة البغدادي؟

وأعود إلى روايته وهذا هو نصّها (... ثم إنّ خالد بن الوليد قال يا ابن نويرة هلم إلى الإسلام قال مالك وتعطيني ماذا قال ذمّة الله وذمّة رسوله وذمّة أبي بكر وذمّة خالد بن الوليد فأقبل مالك وأعطاه بيديه وعلى خالد تلك العزمة من أبي بكر قال يا مالك إني قاتلك قال لا تقتلني قال لا أستطيع غير ذلك قال فأت ما لا تستطيع إلاّ إيّاه فقدّمه إلى الناس فتهيّبوا قتله وقال المهاجرون أتقتل رجلاً مسلماً؟ غير ضرار بن الأزور الأسدي من بني كوز فأنه قام فقتله...).

وسأترك ذمّة خالد بن الوليد فهو حرٌّ أن يتصرّف فيها: يحترمها أو لا يحترمها. فذلك شأنه. ولكن كيف سأعمل بما أعطاه ابن الوليد من ذمّة الله وذمّة رسوله ثم ذمّة الخليفة أبي بكر؟!

أكانت ذمّة الله وذمّة رسوله من الهوان عند خالد، بحيث لا يتحرّج من اللعب بهما واتخاذهما وسيلة غدرٍ وحيلة يعطيهما ويخفرهما كما يشاء.

وبِمَ يثق المسلم، إذا لم يثق بذمّة الله وذمّة رسوله وذمّة الخليفة، يعطيها من يستطيع أن يفي بها؟! ماذا كنت ستفعل لو أعطاك خالد أو من هو مثله ذمّة الله وذمّة رسوله، غير ما فعله مالك؟!

أكان أحدٌ سيلومك أنك وثقت بما أعطيت. أم اللّوم على من لم يحترم الله ولا رسوله واستهان بهما وخفر ذمّتهما؟! وأحسب متمّماً كان على علم بما جرى مع أخيه حين قال:

أدعوته بالله ثم قتلته

لو هو دعاك بذمّة لم يغدر


أيقتل ابن الوليد مالكاً بحجّة أنه قال (صاحبكم) مع ما يحتمله اللفظ من وجوهٍ، ولا يبالي أن يخفر ذمّة الله وذمّة رسوله. ولا وجه آخر لهما يمكن أن يحملا عليه؟!

ثم هل تهيب الناس قتل مالك، وهل واجه المهاجرون خالداً مستنكرين (أتقتل رجلاً مسلماً) لو لم يكن مالك رجلاً مسلماً حقّاً.

ومع ذلك فأنت مضطر أن تتهم مالكاً بالردّة وبما هو أكثر من الردّة، لو كان هناك ما هو أكثر، إرضاءً لخالد والخالدييّن. وإلاّ فإنّ سيف الله سيكون مسلولاً عليك هذه المرّة.

إلى هنا أنتهي من الروايات التي تناولت حديث مالك أو مأساته.

لكنّ هذه الروايات تبقى قاصرةً عن إعطاء صورة كاملة للمأساة. فهي لا تعرض للأسباب أو للسبب الحقيقي الّذي كان وراء مقتل مالك، مكتفيةً من ذلك بأسباب لا أدري إن كان أصحابها، وهم يروونها مقتنعين بها. وإن كنت أرى وأحسّ مدى اضطرابهم، وهم يحاولون أن يبرّروا ما جرى لمالك ويقنعوك به.

ويبقى السؤال الكبير: ما الّذي قتل مالكاً إذن؟ وهو السؤال الّذي أحاول أن أجيب عليه، لا بروايةٍ جديدة أضيفها إلى الروايات السابقة. بل بالرجوع إلى تلك الروايات التي وقفت عند رموز وإشارات لا تريد أن تتخطّاها إلى التصريح بالسبب الحقيقي الّذي تحوم حوله وتقترب منه، ثم تترك لك أن تصل إليه بنفسك، وكأنما أخذ على أصحابها عهدٌ بالوقوف عند ذاك. مع أنّ تلك الرموز والإشارات كافيةٌ في ذاتها للكشف عن هذا السبب.

وسأعيد قراءة الروايات.

يقول صاحب البدء والتأريخ (وكانت لمالك امرأةٌ وسيمةٌ فمال إليها خالد وأمر بقتل مالك...)(١) .

ويقول الطبري (وتزوّج خالد أم تميم ابنة المنهال) وهو يقصد زوجة مالك(٢) .

ويروي ابن خلّكان (فالتفت مالك إلى زوجته أم متمّم ـ واسمها أم تميم كما هو المتفق عليه ـ وقال لخالد هذه التي قتلتني وكانت في غاية الجمال وقبض خالد امرأته...)(٣) .

____________________

(١) البدء والتأريخ ج ٥ ص ١٥٩.

(٢) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢١٨.

(٣) وفيات الأعيان ج ٦ ص ١٤.


ويذكر المرزباني (فقتله ضرار بن الأزور الأسديّ بأمر خالد بن الوليد بالبطاح صبراً وخلف على زوجته وكانت جميلةً...)(١) .

ويحكي ابن الأثير (... وتزوّج خالد أم تميم امرأة مالك...)(٢) .

ويروي أبو الفرج (... يا أبا عبد الله أما سمعت بساقي أم تميم؟ يعني زوجة مالك التي تزوّجها خالد لما قتله، وكان يقال إنه لم ير أحسن من ساقيها...)(٣) .

ويقول ابن أعثم (... فالتفت مالك بن نويرة إلى امرأته فنظر إليها ثم قال يا خالد بهذه قتلتني... فيقال إنّ خالد بن الوليد تزوّج بامرأة مالك ودخل بها وعلى ذلك أجمع أهل العلم...)(٤) .

وينقل أبو الفدا (... فالتفت مالك إلى زوجته وقال لخالد هذه التي قتلتني وكانت في غاية الجمال وقبض خالد امرأته...)(٥) .

ويذكر ابن شاكر الكتبي (... وكان خالد قد تزوّج بزوجة مالك... وعنّفه ـ يعني الخليفة أبا بكر ـ بالتزويج وقيل إنّ خالداً كان يهوى امرأة مالك في الجاهلية(٦) .

ويتحدّث ابن عساكر (... وإنما كان عمر ـ يقصد الخليفة عمر بن الخطاب ـ وجِدَ عليه لأجل ما صنع بمالك بن نويرة وقتله إيّاه وتزوّجه بامرأته... ولما قدِم أبو قتادة على أبي بكر وأخبره بقتل مالك وأصحابه جزع جزعاً شديداً...)(٧) .

وينقل اليعقوبي (... فأتاه مالك بن نويرة يناظره ـ يعني خالد بن الوليد ـ واتبعته امرأته فلما رآها خالد أعجبته فقال والله لا نلت ما في مثابتك حتى أقتلك فنظر مالكاً فضرب عنقه وتزوّج امرأته...)(٨) .

____________________

(١) معجم الشعراء ص ٣٦٠ - ٣٦١.

(٢) تاريخ ابن الأثير ج ٢ ص ٢١٧.

(٣) الأغاني ج ١٥ ص ٣٠٦.

(٤) الفتوح ج ١ ص ٢٢ - ٢٣.

(٥) تاريخ أبي الفدا ج ١ ص ١٥٨.

(٦) فوات الوفيات تحقيق الدكتور إحسان عباس - دار صادر بيروت - ص ٢٣٤.

(٧) تاريخ ابن عساكر ج ٥ ص ١٠٤.

(٨) تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ١١٠.


ويقول ابن الوردي في تأريخه ط دار الكتب العلمية ج ١ بيروت ص ١٢٥ ، ١٩٩٦ ط أولى (.. هذه التي قتلتني.. وكانت في غاية الجمال...).

وروى ثابت بن قاسم في الدلائل أنّ خالداً رأى امرأة مالك وكانت فائقةً في الجمال فقال مالك بعد ذلك لامرأته قتلتني يعني سأقتل من أجلك...)(١) .

ويروي الذهبي (... فالتفت مالك إلى زوجته وقال هذه التي قتلتني وكانت في غاية الجمال...)(٢) .

ويحكي ابن العماد (... واشترى ـ يعني خالداً ـ زوجته من الفيء وتزوّجها...)(٣) .

وينقل ابن كثير (... واصطفى خالد امرأة مالك بن نويرة وهي أم تميم ابنة المنهال وكانت جميلةً...)(٤) .

وأظنه استوقفك كما استوقفني هذا الاهتمام بزوجة مالك والتركيز عليها وطول الحديث عن جمالها وهوى خالد لها والتأكيد على قول مالك زوجها (أنت التي قتلتني) أو قوله لخالد (هذه التي قتلتني).

وأظنك تساءلت كما تساءلت أنا، إن كان مالك هو المتزوّج الوحيد بين الذين قاتلهم خالد في الردّة أو في غير الردّة. فهل سمعت حديثاً أو روايةً عن واحدةٍ من زوجات هؤلاء ووصف جمالها حتى وصل الأمر إلى ساقيها وكأنّهم يدفعون بك إلى نهاية طريق واحدٍ ليس أمامك غيره: أن يكون ميل خالد لامرأة مالك الجميلة وحرصه على الزواج منها، السبب في مقتل مالك، تخلّصاً منه، وتحقيقاً لرغبة خالد في الزواج من امرأته.

صحيحٌ أنّ المؤرّخين لم يقولوا صراحةً أنّ مقتل مالك كان بسبب زوجته وتعلّق خالد بها ورغبته فيها.

ولكن أكنّا في حاجةٍ إلى صراحتهم هذه بعد كل الّذي قالوه؟ ثم بعدما اعتادوا أن يختموا الحديث عن مالك، بزواج خالد من زوجته أمّ تميم.

____________________

(١) الإصابة ج ٦ ص ٣٦ - ٣٧.

(٢) تاريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين ص ٣٤.

(٣) شذرات الذهب في أخبار من ذهب ج ١ ص ١٦.

(٤) البداية والنهاية ج ٦ ص ٣٢٢.


ما أظننا في حاجة، ولا أظنهم.

ومع ذلك فلنكمل ما لم يقولوه صراحةً، بما قاله صراحةً من هو أوثق منهم وأصدق حديثاً.

ولنعد إلى تلك الروايات مرّةً أخرى لنرى موقف الخليفتين عمر وأبي بكر ـ ووضع الاسمين هنا باعتبار تسلسل الحديث ـ ومواقف آخرين لهم بمأساة مالك صلة وثيقة.

يروي الطبري (... وقال عمر لأبي بكر إنّ في سيف خالد رهقاً فإن لم يكن هذا حقّاً حق عليه أن تقيّده وأكثر عليه في ذلك ـ وكان أبو بكر لا يقيّد من عمّاله ولا وزعته ـ فقال هيه يا عمر تأوّل فأخطأ فارفع لسانك عن خالد وودّى مالكاً وكتب إلى خالد أن يقدم عليه ففعل فأخبره خبره فعذره وقبل منه وعنّفه في التزويج...)(١) .

وفي موضع آخر (... وألحّ عليه عمر في خالد أن يعزله وقال: إنّ في سيفه رهقاً...)(٢) .

وفي موضعٍ ثالثٍ (... فلما بلغ قتلهم ـ يعني مالكاً وأصحابه ـ عمر بن الخطاب، تكلّم فيه عند أبي بكر فأكثر وقال: عدّو الله عدا على امرئ مسلم فقتله ثم نزا على امرأته)(٣) .

وبعده (وأقبل خالد بن الوليد قافلاً حتى دخل المسجد وعليه قباءٌ له عليه صدأ الحديد معتجراً بعمامةٍ وقد غرز في عمامته أسهماً فلما أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطّمها ثم قال: أرئاءً قتلت امرءاً مسلماً ثم نزوت على امرأته والله لأرجمنّك بأحجارك...)(٤) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٧٨.

(٢) المصدر السابق ص ٢٧٩.

(٣) نفس المصدر ص ٢٨٠.

(٤) نفس المصدر والصفحة.


وفي ابن الأثير (... و تزوّج خالد أم تميم امرأة مالك فقال عمر لأبي بكر إنّ سيف خالد فيه رهقٌ وأكثر عليه في ذلك فقال هيه يا عمر تأوّل فأخطأ... ودخل المسجد ـ يعني خالداً ـ وعليه قباء له عليه صدأ الحديد وقد غرز في عمامته أسهماً فقام إليه عمر فنزعها وحطّمها وقال له أرئاءً قتلت امرءاً مسلماً ثم نزوت على امرأته والله لأرجمنك بأحجارك... وعنّفه ـ يعني أبا بكر خالداً ـ في التزويج...)(١) .

وبعده (... فأمر أبو بكر بردّ السبي وودّى مالكاً من بيت المال...)(٢) .

وفي الأغاني (وقد كان تزوّج خالد أم تميم بنت المنهال...)(٣) .

وفي موضعٍ آخر (... فقال عمر لأبي بكر إنّ في سيف خالد رهقاً وحقٌّ عليه أن تقيده وأكثر عليه في ذلك وكان أبو بكر لا يقيد من عمّاله ولا من وزعته فقال هيه يا عمر تأوّل فأخطأ فارفع لسانك عن خالد وودّى مالكاً... وعنّفه بالتزويج...)(٤) .

ولا أدري لِم لا يقيّد أبو بكر من عمّاله ووزعته إذا فعلوا ما يستحقّون عليه ذلك؟

ما الّذي يمنعهم إذن ويحول بينهم وبين ظلمهم الناس والعدوان عليهم، ويحمي هؤلاء منهم، إذا كان الخليفة قد أعطى ولاته وعمّاله، الضوء الأخضر كما يقال الآن، يعملون ما يريدون دون خوف من حساب أو عقاب.

إلى أين سيتّجه المظلوم لرفع ظلامته واستعادة حقّه ممّن ظلمه واعتدى عليه، ونحن بعد في بداية ما يسمّى بعهد الراشدين؟!

وماذا سيبقى من قول أبي بكر من أوّل خطبة له بعد استخلافه كما يروون (... والقوي ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف قوي حتى آخذ الحق له...).

ماذا سيبقى غير هذا الشيطان الّذي يعتريه، كما يعبّر هو، لا أنا، في نفس خطبته تلك، ويطلب من المسلمين أن يتجنّبوه إذا اعتراه الشيطان فغضب(٥) .

____________________

(١) تاريخ ابن الأثير ج ٢ ص ٢١٧.

(٢) تاريخ ابن الأثير ج ٢ ص ٢١٨.

(٣) الأغاني ج ٥ ص ٣٠١. (ذكر متمّم وأخباره وخبر مالك ومقتله).

(٤) انظر نص خطبته في الأخبار الموفقيات للزبير بن بكار من إحضار عبد الله بن الزبير ت ٢٥٦ ص ٤٦٤ تحقيق الدكتور سامي مكي العاني - دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع بيروت ١٩٩٦ ط ثانية.

(٥) نفس المصدر والصفحة.


وما أظن أمّة تفلح وخليفتها يعتريه الشيطان فلا يعرف ما يفعل إذا غضب...

ولم تفلح.

أرأيت إلى أين أوصلنا خالد والمدافعون عنه والمبررّون لفعله؟!

لقد أرادوا تبرئة خالد فاتّهموا أبا بكر!

ونعود إلى موضوعنا نستأنف الحديث فيه، فقد تعبنا من هؤلاء الذين يسمّونهم مؤرّخين، وما هم في الواقع إلاّ مزوّرون وأغبياء ومتعصّبون.

وبعده (... وألحّ عليه عمر في خالد أن يعزله وقال إنّ في سيفه لرهقاً...)(١) .

وفي موضع آخر (... فلما بلغ قتلهم ـ يعني مالكاً وأصحابه ـ عمر بن الخطاب تكلّم فيه عند أبي بكر (رض) وقال عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله ثم نزا على امرأته وأقبل خالد قافلاً حتى دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد معتجراً بعمامة وقد غرز فيها أسهماً فلما أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطّمها ثم قال قتلت امرءاً مسلماً ثم نزوت على امرأته والله لأرجمنّك بأحجارك...)(٢) .

وفي البدء والتأريخ (... ولما قدم خالد قال عمر (رض) لأبي بكر اقتله فإنه قتل وزنا قال تأوّل فأخطأ...)(٣) .

وفي وفيات الأعيان (ولما بلغ الخبر أبا بكر وعمر (رض) قال عمر لأبي بكر (رض) إنّ خالداً قد زنى فارجمه قال ما كنت لأرجمه فإنّه تأوّل فأخطأ قال فإنه قتل مسلماً فاقتله به قال ما كنت لأقتله به إنه تأوّل فأخطأ(٤) .

ويقول أبو الفدا: (... ولما بلغ ذلك أبا بكر وعمر قال عمر لأبي بكر إنّ خالداً قد زنى فارجمه قال ما كنت أرجمه فإنه تأوّل فأخطأ قال فإنّه قتل مسلماً فاقتله قال ما كنت أقتله فإنّه تأوّل فأخطأ(٥) .

____________________

(١) نفس المصدر ص ٣٠٢.

(٢) نفس المصدر ص ٣٠٤.

(٣) البدء والتأريخ ج ٥ ص ١٦٠.

(٤) وفيات الأعيان لابن خلكان ج ٦ ص ١٥.

(٥) تاريخ أبي الفدا ج ١ ص ١٥٨.


وينقل الذهبي (... قدِم أبو قتادة الأنصاري على أبي بكر (رض) فأخبره بقتل مالك ابن نويرة وأصحابه فجزع لذلك ثم ودّى مالكاً وردّ السبي والمال)(١) .

وفي موضعٍ آخر (... فلما قدم خالد قال عمر: يا عدو الله قتلت امرءاً مسلماً ثم نزوت على امرأته لأرجمنك)(٢) .

وبعده (... فقام عمر فقال: يا أبا بكر إنّ في سيف خالد رهقاً وإنّ هذا لم يكن حقّاً فإنّ حقّاً عليك أن تقيده فسكت أبو بكر)(٣) .

وبعده (... وقال لعمر ـ يعني أبا بكر ـ وهو يناشد في القيود ليس على خالد ما تقول هبه تأوّل فأخطأ)(٤) .

وفي تأريخ اليعقوبي (... فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر: يا خليفة رسول الله إنّ خالداً قتل رجلاً مسلماً وتزوّج امرأته من يومها...)(٥) .

ويروي خليفة بن خياط (... قدم أبو قتادة على أبي بكر فأخبره بمقتل مالك وأصحابه فجزع من ذلك جزعاً شديداً فكتب أبو بكر إلى خالد فقدم عليه فقال أبو بكر هل يزيد خالد على أن يكون تأوّل فأخطأ وردّ أبو بكر خالداً وودّى مالك بن نويرة وردّ السبي والمال)(٦) .

ويقول صاحب الخزانة (... ودخلها ـ دخول خالد المدينة ـ وقد غرز سهمين في عمامته فكأنّ عمر غضب حين رأى السهمين فقام فأتى عليّاً فقال إنّ في حق الله أن يقاد هذا بمالك. قتل رجلاً مسلماً ثم نزا على امرأته كما ينزو الحمار ثم قاما فأتيا طلحة فتتابعوا على ذلك...)(٧) .

____________________

(١) تاريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين - ص ٣٣.

(٢) المصدر السابق ص ٣٦.

(٣) نفس المصدر ص ٣٧.

(٤) نفس المصدر والصفحة.

(٥) تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ١١٠.

(٦) تاريخ خليفة بن خياط ج ١ ص ٧٠.

(٧) خزانة الأدب ج ٢ ص ٢٧.


فأين تلك الروايات التي تحجم فلا تفصح، من صراحة عمر وهو يعلن غير شاك ولا مرتاب أنّ خالداً قتل امرءاً مسلماً وزنى بامرأته ويطالب بإنفاذ حكم الله فيه: القتل والرجم.

وهل كان ابن الخطاب يتّهم خالداً أو غير خالد من عامّة المسلمين، بهذا الشكل الحاسم القاطع ويمضي فيه لو لم يثبت عنده قتل خالد لمالك ظلماً، دون أن يصدر منه ما يستوجب قتله من ردّة أو ما دونها. ولو لم يثبت عنده وبنفس الدرجة من القوّة أيضاً أنّ خالداً تجاوز حدود الله بالزنا ـ وهو ما كان يصر عليه الخليفة عمر دون أيّة تسمية أخرى ـ بامرأة مالك ويطالب برجمه كما تقضي الشريعة.

أمّا أنا فلا أحسبني في حاجةٍ إلى ما أضيفه بعد قول ابن الخطاب ولا أجد شهادةً ببراءة مالك ممّا اتهم به بعد شهادته ولا إدانةً لخالد بعد إدانته.

وليس موقف أبي بكر بأقلّ إدانةً لخالد من موقف عمر وإن كان أقلّ صراحةً.

فالمؤرّخون ينقلون أنّ أبا بكر جزع أو جزع جزعاً شديداً، لما علم بمقتل مالك وأصحابه(١) .

وما أحسب أبا بكر قد جزع أو جزع جزعاً شديداً لو كان المقتول مرتدّاً، وهو الّذي أرسل خالداً وغير خالد لقتال المرتدّين. فجزعه لم يكن إذن إلاّ لعلمه أنّ خالداً قتل مسلماً ثابتاً على إسلامه.

وبغير هذا لا أجد تفسيراً لجزعه، أو جزعه الشديد.

كما ينقل المؤرّخون أنّ أبا بكر ودّى مالكاً وردّ السبي والمال(٢) . ولم يكن هذا فعله مع المرتدّين. وهو أيضاً ما لا يمكن تفسيره بغير ما ذكرناه من إسلام مالك وعدم ارتداده.

بل إنّ اعتذار أبي بكر عن خالد بقوله (تأوّل فأخطأ) حين اشتدّ عمر في أمره وطلب بأن يقتل ويرجم.

____________________

(١) تاريخ الإسلام للذهبي - عهد الخلفاء الراشدين - ص ٣٣ وتاريخ خليفة بن خياط ج ١ ص ٧٠.

(٢) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢١٨ والأغاني ج ١٥ ص ٣٠١ والذهبي تاريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين - ص ٣٣ وتاريخ ابن الأثير ج ٢ ص ٢١٨.


هذا الاعتذار يؤكّد بوضوحٍ لا لبس فيه، أنّ خالداً قتل خطأ أي أنه قتل مسلماً غير مرتد. وإلاّ فأيّ خطأ في أن يقتل خالد واحداً من المرتدّين. وهو الّذي ما جاء إلاّ لقتالهم وبأمرٍ من أبي بكر نفسه.

فاعتذار أبي بكر إن كان ينفي بوضوح تهمة الردّة عن مالك، فإنه لا ينفي خطأ خالد في قتله مسلماً لم يرتكب جرماً. هذا إذا قبلنا أنّ قتل مالك كان مجرّد خطأ من خالد وهو ما لا نجد سبيلاً لقبوله بعد كل الّذي تقدّم.

وأبو بكر لا يقف عند هذا الحد. فالمؤرّخون يضيفون أنّه عنّف خالداً بزواجه من أمّ تميم امرأة مالك. وما كان أبو بكر ليعنف شخصاً في زواجه، لو لم يكن في هذا الزواج ما يدعو إلى التعنيف بمخالفته للسنن الشرعيّة وخروجه عليها.

وما أظننا في حاجةٍ للعودة إلى زواج خالد من أم تميم، ولم يجف دم زوجها، بعد أحجار ابن الخطاب التي يرمي بها الزناة كما أشرنا، وبعد ما تغنّى الناس بأبيات أبي زهير السعدي التي يقول فيها:

قضى خالد بغياً عليه لعرسه

وكان له فيها هوى قبل ذلك

فأمضى هواه خالد غير عاطف

عنان الهوى عنها ولا متمالك

ولا بدّ أن نتوقّف قليلاً عند اثنين من خيار الصحابة من الّذين كان لهم موقفٌ في هذه المأساة: هما عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري. وقد شهد الاثنان بإسلام مالك وكلّما خالداً في أمره، لو كان إسلامه نافعاً له ومانعاً عنه القتل، ولو كانت زوجته واحدة أخرى غير ذات الساقين اللذين لم ير أحسن منهما.

وقد بلغ من غضب أبي قتادة على خالد لقتله مالكاً أن (عاهد الله ألاّ يشهد مع خالد بن الوليد حرباً أبداً بعدها)(١) .

وأظن من قلّة الوفاء وقد أوشكنا على الانتهاء من حديث مالك، أن ننسى أخاه الّذي كان مضرب المثل في الوفاء لأخيه. ذلك هو متمّم بن نويرة، الّذي ظل يبكي مالكاً حتى دمعت عينه العوراء، وحتى هجرته زوجته لانشغاله عنها بالحزن على أخيه والّذي كان يبكي كل قبر يراه؛ لأنه يذكّره بقبر أخيه مالك.

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٨٠ والأغاني ج ١٥ ص ٣٠٣ وتاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ١١٠ وطبقات فحول الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي سفر أول ص ٢٠٨.


متمّم هذا يمثّل فصلاً من فصول هذه المأساة التي بدأت في البطاح لتنتهي في المدينة. وهو فصلٌ لا تستطيع أن تغفله وأنت تريد الخروج بصورةٍ كاملة لمأساة مالك.

فيذكر المؤرّخون أنّ متمّماً جاء إلى المدينة، يحمل حزنه على أخيه مالك، ومع حزنه ظلامته التي يحاول أن يعرضها على المسلمين هناك لعل فيهم من ينصفه وينصف أخاه، أو من يشاركه فيها ويواسيه.

وهؤلاء المؤرّخون يروون أنّ متمّماً صلّى الصبح مع أبي بكر ثم أنشده قوله:

نعم القتيل إذا الرياح تناوحت

خلف البيوت قتلت يا ابن الأزور

أدعوته بالله ثم قتلته

لو هو دعاك بذمّة لم يغدر

فقال أبو بكر والله ما دعوته ولا قتلته.

ومن حق أبي بكر أن يقول ذلك. فهو لم يدعه ولم يقتله، وهو أفضل وأتقى لله أن يدعوه ثم ينكث ويغدر به.

ولكن ألا تحس معي أنّ في جواب الخليفة شيئاً آخر أكثر من مجرّد البراءة من قتل مالك والغدر به، وهو ما لا يلحق أبا بكر ولا يتعلّق به من قريب ولا من بعيد.

ألا تحس في هذا الجواب لا ما يبرئ أبا بكر وهو غير متّهم طبعاً، ولكن ما يبرئ مالكاً ممّا اتهم به من ردّة ورجوعٍ عن الإسلام.

ألم يكن أسهل على أبي بكر أن يقول لمتمّم إنّ الذي قتل أخاه هو ردّته، فلا يقطع بذلك متمّماً وحده، وإنما كل الذين قد يشاركون متمّماً ويعطفون على قضيّته.

ما الّذي منع أبا بكر من هذا الجواب أو مثله، لو كان مالك قتل على الردّة.

بل كيف يجرؤ متمّم على المجيء إلى المدينة، باكياً أخاه راثياً له والتعرّض لأبي بكر وعمر ووجوه المسلمين، واستعدائهم على قاتل أخيه وسكوت كل هؤلاء عنه وسماعهم منه، لو لم يكن متمّم واثقاً من أمره وممسكاً منه بسبب أكيد.

رحم الله مالكاً وغفر لخالد.

لقد كنت أعجب كيف قتل الحسين بعد خمسين سنة من وفاة النبي.

وقد زال عجبي وأنا أرى ما حلّ بالمسلمين بعد خمسين يوماً من وفاة النبي.


الباب الرابع

( سجاح )


الباب الرابع

( سجاح )

وأراني وصلت إليك يا ابنة عقفان. فمن أنت وما خطبك؟ هل صحيحٌ أنك ادّعيت النبوّة كما يقول المؤرّخون؟ وهل صحيحٌ ما حصل لك في خيمة مسيلمة كما يقول هؤلاء أيضاً؟

لقد جعلوا منك نبيّاً. ثم قاربوا أن يجعلوا منك بغيّاً. وأظن الفرق كبيراً بينهما. وما أحسبهم صدقوا في الأولى ولا في الثانية.

ولا أكتمك أنّ الحديث عن (الأنبياء) يستهويني. وقد سبق أن تحدّثت عن صاحب لك من بني أسد، هو طليحة بن خويلد منحه المؤرّخون رتبة (النبوّة) وسأتحدّث عن صاحب آخرٍ لك، من أخوالك ربيعة، يشاركك المرتبة نفسها، هو مسيلمة بن حبيب الحنفي.

ثم إنّ عندي من حديث المؤرّخين عنك وعن غيرك شكّاً كبيراً. ولهذا جئتك ببعض الأسئلة، عسى أن أستطيع الدفاع وتصحيح ما يرويه المؤرّخون عنك، دون أن أقتضيك ثمناً لهذا الدفاع. فما أزال أذكر أنّه كان عندنا بالعراق في العهد المسمّى بـ(البائد) أو (المباد) وقبل قيام (الثورات)، لجنة تدعى لجنة الدفاع عن العدالة، مهمّتها الدفاع عن المتّهمين أمثالك، ممّن لا يملكون وسائل الدفاع عن أنفسهم. وكنت واحداً من أعضائها. وقد انتهت هذه اللجنة بعد سقوط العهد المباد وقيام عهد الثورات في العراق، إذ لم يعد المتّهمون في حاجةٍ إلى محامين!!

ربّما أثقلت عليك بهذا الاستطراد وأنت تنتظرين الأسئلة التي حملتها معي، وعذري أنّ الحديث مع أهل الدار الآخرة فيه من الرهبة والخوف ما يوجب التمهيد له والتلّطف في تناوله.

وعذري ثانياً أنكم في الآخرة لستم مثلنا في عجلةٍ من أموركم، وقد كفيتم أمور المعيشة التي تضغط علينا في هذه الأرض وتسلب وقتنا وفكرنا.


وسأبدأ الحديث بسؤال عن حياتك قبل الردّة والنبوّة، وقبل الزواج من مسيلمة. فالمؤرّخون يقولون إنك ابنة الحارث بن سويد بن عقفان، من بني غدانة بن يربوع، عدا صاحب جمهرة أنساب العرب: محمد بن حزم فله في أسماء آبائك رأيٌ يخالف الآخرين(١) .

ولم أكن لأقف عند هذا السؤال. ولم أكن لأطرحه عليك، لولا ما يوليه العربي لنسبه من منزلةٍ رفيعة واعتزازٍ بآبائه وعشيرته حتى أنّه ليقبل راضياً أن يذمّ ويهجي إذا مدح أبوه وأجداده. ويفضّل أن يكون ماضياً بلا حاضر على أن يكون حاضراً بلا ماض، وإن ضعف هذا الآن وأصبح المرء قادراً على أن يشتري بماله ما يشاء: آباءً وأجداداً، وأن يضيف إليهم ما يشاء ، إن قصر به هؤلاء الآباء والأجداد: لكل سعرٌ محدّد معلوم.

ويقولون أيضاً إنك من بيت كان نقيلاً في بني تغلب، كما كانت البسوس التي ثارت بسببها الحرب بين بكر وتغلب، وهي تميميّةٌ مثلك، نقيلة في نفس القبيلة: تغلب.

هذا كل ما يذكره المؤرّخون عن نشأتك، ليس لديّ ما أضيفه إليه، وبيني وبينك هذا الزمن الطويل.

وسأنتقل إلى سؤال آخرٍ ما يزال المؤرّخون يبحثونه ويثيرونه كلّما عرضوا لموضوع الردّة التي يتّهمونكِ بها.

فالطبري، وما أخالك سمعت به وقد جاء بعدك بحوالي الثلاثة قرون، يذكر في تأريخه، ويشاركه في ذلك بقيّة المؤرّخين، أنك تنبّأتِ بعد وفاة النبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله بالجزيرة في أخوالك بني تغلب. وأنّك جئت تقودين قبائل ربيعة، وقد عزمت على غزو أبي بكر في المدينة.

وحتى أبعد عن نفسي ما قد تتهمينني به من المبالغة أو عدم الدّقة في النقل، فسأثبت نص ما قاله شيخ المؤرّخين عندنا (بينا الناس في بلاد تميم على ذلك قد شغل بعضهم بعضاً فمسلمهم بإزاء من قدم رجلاً وأخر أخرى وتربص وبإزاء من ارتاب فجاءتهم سجاح بنت الحارث قد أقبلت من الجزيرة وكانت رهطها في بني تغلب تقود أفناء ربيعة. معها الهذيل بن عمران في بني تغلب وعقّة بن هلال في النمر وتاد بن فلان في إياد والسليل بن قيس في شيبان...

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٦٩ أحداث سنة ١١، وتاريخ ابن الأثير ج ٢ ص ٢١٤ أحداث نفس السنة.


وكانت سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان هي وبنو أبيه عقفان في بني تغلب فتنبّت بعد موت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالجزيرة في بني تغلب فاستجاب لها الهذيل وترك التنّصر وهؤلاء الرؤساء الّذين أقبلوا معها لتغزو بهم أبا بكر...)(١) .

هذا هو نص الطبري كما ترين. وأظنك تشكّين في الكثير مما ورد فيه كما شككت، لو أنّ أهل الآخرة يذكرون شيئاً من أمور دنياهم.

فما الّذي جعل ربيعة تتبع نبيّةً من تميم على ما بين القبيلتين من عداء قلما عرف بين حييّن من العرب. بدأ جاهليّةً واتّصل إسلاماً حتى كانت ربيعة تحالف الأزد من اليمن ضد تميم التي تشاركها (العدنانية).

وماذا لدى هذه المرأة مما يدفع ربيعة إلى الإيمان بها والانقياد لها وقد قيل (ما زالت ربيعة غاضبة على الله منذ بعث نبيّه من مضر)(٢) . على عظمة هذا النبي وعظمة دينه وقرآنه. فأين منه سجاح وغير سجاح مع (مضريّتها).

ثم إنّ ربيعة كان لها نبيٌّ (ذكر) من نفسها، هو مسيلمة بن حبيب الحنفي الربعي. فكيف تركته وتولّت امرأةً من تميم. وليست سجاح بأفضل من مسيلمة ولا أصدق منه. ولا مسيلمة بأسوأ من سجاح ولا أكذب منها، إذا أخذنا بما يقوله المؤرّخون عنهما.

ومن الحق ألاّ أتهم ربيعة وحدها بهذه العصبيّة (النبوّية) فالمؤرّخون يذكرون أنّ عيينة ابن حصن الفزاري كان يقول في ردّته واتباعه طليحة (والله لإن نتبع نبيّاً من الحليفين ـ يعني غطفان الّتي هو منها وأسداً التي منها طليحة ـ أحبّ إلينا من أن نتبّع نبيّاً من قريش...)(٣) .

____________________

(١) هكذا أحفظها. وقد وردت على لسان عبدالله بن خازم السلمي أمير خراسان في الفتنة ثم من قبل عبدالله بن الزبير بالصيغة التالية (أنّ ربيعة لم تزل غضاباً على ربها منذ بعث الله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من مضر. ولا أدري إن كان ابن خازم هو أول من قالها أم أنّ الذي قالها غيره وتمثّل هو بها، وهذا ما أظن - الطبري ج ٥ أحداث سنه ٦٤ ص ٥٤٨.

(٢) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٥٧ وابن الأثير ج ٢ ص ٢٠٥.

(٣) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٧٢ أحداث سنة ١١.


وعلى كلٍّ فبين قبائل ربيعة المتّهمة عند المؤرّخين بالردّة واتباع سجاح، تغلب التي بدأت منها دعوة سجاح أو نبوّتها. وتغلب هذه كما نعرف من القبائل التي غلبت عليها النصرانية واستمرّت كذلك حتى عهد متأخّر. ويكفي أن الأخطل التغلبي وهو شاعر الخلافة الأمويّة، كان نصرانياً ولا يتحرّج أن يعلن نصرانيّته، وأمر هذه القبيلة مستفيض معروفٌ يمكن لمن يشاء أن يرجع إليه في مصادره من كتب التاريخ والأنساب والأدب.

بل لماذا أبعد عليك بمراجعة المصادر من كتب التاريخ والأنساب والأدب، والطبري نفسه يقول في هذا النص الّذي ننقل عنه (... فاستجاب لها ـ سجاح ـ الهذيل ـ يعني ابن عمران زعيم تغلب ـ وترك التنصّر...).

تغلب النصرانيّة هذه، كيف يمكن أن تضاف إلى القبائل المرتدّة وتبحث معها، مع تصريح المؤرّخين بنصرانيّتها.

والهذيل بن عمران زعيمها. ما الّذي دعاه أن يترك التنصّر كما يقول الطبري؟ ليسلم؟ وهو لم يسلم. أليقاتل المسلمين؟ وهو لم يكن في حاجةٍ إلى ترك دينه، ليقاتلهم. أم ليدين بدين سجاح؟ ونحن لا نعرف من هذا الدّين شيئاً، حتى اسمه. وما أظن الهذيل عرف منه شيئاً؛ لأنه لم يكن فيه ما يستحق أن يعرف ولا ما لا يستحق، كحمام طليحة وضفدعة مسيلمة.

هذا عن تغلب ورأسها الهذيل.

لكن ما هو أهمّ منه، أنّ سجاح نفسها لم تكن مسلمةً ليصح اتهامها بالارتداد، فضلاً عن ادّعائها النبوّة وقيادتها المرتدّين. فالطبري يصفها بأنها (كانت راسخة في النصرانيّة وقد علمت من علم نصارى تغلب)(١) .

ولا أدري يا ابنة عقفان، إن كنتِ راسخةً حقّاً في النصرانيّة كما يصفكِ الطبري، وقد نشأت عند أخوالك النصارى من تغلب. ولكن ما أدريه وأعلمه أنّ الارتداد لا يطبّق عليكِ؛ لأنه لا يطبّق على غير المسلمين، من نصارى وسواهم. يستوي في ذلك الراسخون وغير الراسخين في ديانتهم تلك.

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٧٠ أحداث سنة ١١.


وهذا ما يدفع إلى الاستغراب، أن يكون مؤرّخ كابن جرير ينعتكِ في وقت واحد، بالنصرانية وبالارتداد الّذي يعني الارتداد عن الإسلام، وهو ما يعزّز شكوكي التي بدأت بها حديثي معك، لا فيما يخصّك وحدك، ولا فيما يخصّ الردّة وحدها، ولكن فيما يتعلّق بتأريخنا كله. وأظنني تناولت هذا الموضوع في أكثر من موضع هنا، وفي أكثر من كتاب.

ويذكر الطبري بين أفناء ربيعة التي قدمت معك قبيلة إياد بقيادة تاد بن فلان.

وإياد كما يجمع علماء الأنساب، ليست من ربيعة وإنما هي قبيلة تقابل ربيعة. والنسّابون يذكرون أنّ أبناء نزار بن معد بن عدنان أربعة، هم ربيعة ومضر وإياد وأنمار.

فإياد ليست من ربيعة، ولا أقرب إليها منها إلى مضر. وهي ليست من القبائل الكبيرة القوية، ولم تشارك في بناء تاريخ العرب، لا جاهلية ولا إسلاماً ولم تعرف لها أيام كأيامهم ولا بيوت وزعامات كبيوتهم وزعاماتهم. ولولا قيس بن ساعدة ولقيط بن يعمر وأبو دؤاد في الجاهلية، وابن أبي دؤاد في الإسلام، لما سمع أحدٌ باسمها من غير أصحاب الاختصاص.

بعد هذا ما الذي جاء بك وإفناء ربيعة إلى بلاد تميم، وأنتم تريدون غزو أبي بكر في المدينة؟! هل كان الطريق إلى المدينة يمّر ببني تميم أم قصدتم غزو تميم أيضاً، وهم قومك وقبيلتك وليس الأمر سهلاً معهم كما تعلمين. وقد جرّبت ربيعة قتالهم في الجاهلية قبل ذاك. وأفترض أنك وأصحابك على علم به.

أم لدعوتهم إلى الدخول في دينك وترك دين محمد؟ وكان أقبل عند قومك لو قصدتهم وحدك في غير ما يشبه هيئة الغزو، إن استطعت أن تجدي بينهم من يتبعك عليه. وسأعود إلى الحديث عن هذا الدين فيما بعد، فالمؤرّخون لا يكتفون منك بالردّة عن الإسلام كما يفعلون مع الآخرين، وإنما يجعلون منك نبيّاً. ولا بد أن يكون لك، ككل نبي دينٌ أو ما يشبهه أو يقرب منه.

لعلّي أضجرتكِ بحديث عمره أربعة عشر قرناً أو تزيد، ربما لم تعودي تذكرين منه الآن شيئاً.


لكن عذري أنني أحاول ـ كما فعلت مع غيرك ـ أن أنصفك قدر ما أستطيع، مما رماكِ به المؤرّخون، وأصحّح الأخبار التي رافقت ما يسمّونه ردّة سجاح، وقد خبطوا فيها وتجنّوا وأسفّوا.

ولهذا رأيت أن أستفهمك عن بعض تلك الأخبار، ومنها مثلاً موقف زعماء بني تميم منك، وعلى وجه الخصوص عطارد بن حاجب والزبرقان بن بدر.

وأنت تعرفين أنّ عطارد هو سيّد قومك وابن سيّدهم، فأبوه حاجب بن زرارة الّذي رهن قوسه عند كسرى في قصّة معروفةٍ، وصاحب أغلى فداء عرفته العرب بعد أسره يوم شعب جبلة.

والزبرقان بن بدر صاحب الحطيئة الّذي انقلب عليه وهجاه في سينيته التي منها البيت المشهور:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها

واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

هل كان عطارد والزبرقان ومعهما رؤوس بني تميم معك أم ضدّك؟ فلقد تعبت مع هؤلاء المؤرّخين الّذين يجعلونهم معك وضدّك في بضع صفحات فقط.

فهذا الطبري يقول في ص ٢٦٩ من تأريخه (فأرسلت ـ يعني سجاح التي هي أنتِ ـ إلى بني مالك بن حنظلة تدعوهم إلى الموادعة، فخرج عطارد بن حاجب وسروات بني مالك حتى نزلوا في بني العنبر على سبرة بن عمرو هرابا...).

فهو يثبت هنا هرب عطارد وخلافه عليك وكرهه لمقابلتك. لكنه يعود إلى عطارد في ص ٢٧٤ فيقول (... وكان من أصحابها الزبرقان بن بدر وعطارد بن حاجب ونظراؤهم).

ثم يؤكّد هذا بعد سطرين من نفس الصفحة (... فانصرفت ومعها أصحابها فيهم الزبرقان وعطارد... فقال عطارد بن حاجب:

أمست نبيّتنا أنثى نطوف بها

وأصبحت أنبياء الله ذكرانا


وإن كنت لا أرى في هذا البيت المنسوب لعطارد ما يشير إلى تأييده لك أو اقتناعه بك. بل أجده، على العكس، يعبر عن روح ساخرة منك ومن أتباعك. لا يهم الضمير (نا) في (نبيّتنا) الّذي يشير فيه كما أرى، إلى قبيلته تميم. وأظنك تحسّين معي هذه السخريّة من المقابلة بين شطري البيت. فهو لا يقصد أن يقرّر حقيقة معروفة أن نبيّتهم أنثى وأنبياء غيرهم من الناس ذكور، وإنما يريد أن يسخر من هؤلاء الذين تبعوا نبيّةً أنثى، مخالفين في ذلك، كل الناس الذين عرفهم أو سمع عنهم، والذين لم يكن أنبياؤهم إلاّ من بين الذكور، حتى الّذين تنبّئوا في وقته. فهو بروحه القبليّة يسوؤه أن يكون نبي بني أسد ذكراً، ونبي بني حنيفة ذكراً، ونبي اليمن (الأسود العنسي) ذكراً، فلِمَ يكون نبي بني تميم من دون أولئك جميعاً أنثى؟ وكيف قبلت تميم ذلك ورضيت به؟ وماذا ستقول عنها قبائل العرب الأخرى، وبينها أعداء لها؟ سيجدون ولا شك في اتّباع تميم لامرأة يطيفون بها ويركضون وراءها موضعاً للطعن في هذه القبيلة.

أمّا الزبرقان بن بدر الّذي يذكر الطبري هنا أنّه كان من أصحابك ومرتدّاً معك فقد سبق للطبري أن قال عنه في ص ٢٤٧ إنه كان من أوائل الّذين جاؤا أبا بكر في المدينة بصدقاتهم. وإليك نص ما قاله في ذلك:

(... وطرقت المدينة صدقات نفر: صفوان، الزبرقان، عدي، صفوان ثم الزبرقان ثم عدي، صفوان في أول الليل والثاني في وسطه والثالث في آخره... والذي بشّر بالزبرقان عبد الرحمن بن عوف...).

وفي ص ٢٦٨ (فعزم قيس ـ ابن عاصم ـ على قسمها ـ الصدقات ـ في المقاعس والبطون ففعل وعزم الزبرقان على الوفاء فأتبع صفوان بصدقات الرباب وعوف والأبناء حتى قدم بها المدينة وهو يقول ويعرّض بقيس:

وفيت بأذواد الرسول وقد أبت

سعاة فلم يردد بعيراً مجيرها

فهل أستطيع أن أفهم غير ما تحمله النصوص من معنى؟! هناك كان الزبرقان مع سجاح، وهنا لم يكن الزبرقان مع سجاح. فهل ألام بعد، إذا ما شككت فيما يسمّونه تأريخاً ومؤرّخين.


وسؤال آخرٌ يخصّ قومك أيضاً، فالمؤرّخون يتحدّثون عن بطنين من تميم يسمّونهما خضم وبهدى. كانتا كما يبدو من بين الذين لم يستجيبوا لك من بطون تميم. وقد فكرت، ومعك مالك ووكيع في شنّ الحرب عليهما خلال اجتماع ضمنكم أنتم الثلاثة كما قيل، لكنك سجعت لصاحبيك بأن يتّجه القتال أولاً نحو الرباب. وهكذا كان(١) .

ويظهر أنّ اجتماعكم الثلاثي الّذي افترض أنه كان سرّياً لا يعلم أحدٌ بما دار فيه، لم يكن سرّياً كما افترضت. وإلاّ فكيف اتّصلت أخباره بالمؤرّخين الذين نقلوا لنا تفاصيله بعد قرون، ولم يكن معكم غيركم، ولم تسجّل محاضره ـ كما يفعلون في عصرنا هذا ـ لما دار فيه فتقع في أيدي الناقلين.

وأعود إلى خضم وبهدى، فالناس ـ كما تعلمين أو لا تعلمين ـ لا يعرفون في عصرنا هذا من أمرهما شيئاً. وقد تعبت حتى عرفت أنّ خضم هم بنو العنبر أو بل عنبر من تميم. ولكني لا أعرف حتى الآن، بهدى في بطون تميم وأفخاذها، ولم أسمع بها ولم أجد ذكراً لها عند المؤرّخين أو أصحاب النسب، على طول بحثي واستقصائي.

ودعينا من حديث النسب، فأظنك لا تعلمين أنّ الأنساب عندنا في هذه الأيام، لا حرمة لها كما كانت في أيامكم، بل تحوّلت تجارةً من أربح التجارات. فأنا أستطيع مثلاً أن أجعلك ابنة حاجب بن زرارة: سيّد تميم، أو أنفيك من تميم كلّها، ومن العرب كلّهم، تبعاً للمبلغ الذي تدفعين.

ولكن خبّريني كيف خطرت لك فكرة غزو مسيلمة، وجيشك كما يؤكّد المؤرّخون، يتألّف من قبائل ربيعة. ومسيلمة الذي تنوين غزوه من بني حنيفة، إحدى قبائل ربيعة. وأستبعد أن تقاتل ربيعة لصالح نبيّة من تميم... يمنعها من ذلك ما بين القبيلتين من عداء طويل أشرت إليه قبل الآن. وكان أولى بربيعة، وهي تفتّش عن نبي تبدّله بمحمّد، أن تتبع نبيّاً منها: مسيلمة، لا نبيّةً من تميم.

____________________

(١) تردّدت طويلاً في إثبات هذه الأبيات الفاحشة ولكن رأيت المؤرخين الذين أحيل إليهم، وعلى رأسهم الطبري، قد أثبتوها. فضلاً عن أنّ كل الذين درسوا الردّة أو كتبوا فيها أو قرؤوا عنها واجهوا هذه الأبيات وحفظوها. ثم إنّ مناقشة ما ورد في الرواية يقتضي إثباتها.


ثم إنّ جيشك كما يؤكّد هؤلاء المؤرّخون أيضاً، كان من الضعف بحيث هزم في قتال ضبّة. وعجز عن قتال بعض بني عمرو من تميم، حين أغار عليكم أوس بن خزيمة الهجيمي. فليس من المعقول أن يخافه مسيلمة في أربعين ألف مقاتل من بني حنيفة متحصّنين في اليمامة، وقد حاربوا جيوش المسلمين فكادوا أن يظهروا عليهم ويهزموهم لولا أن يتدراكهم الله بنصرهِ أخيراً.

كيف إذن سجعت بحرب مسيلمة، على ما بينكما من اختلاف ظروف ليس فيها إلاّ ما هو لمسيلمة عليك؟!

وحتى لو امتلكت من القوّة ما تستطيعين أن تغزي به مسيلمة أو غير مسيلمة وتنتصري عليه. فلماذا تختارين لقتالك مرتدّاً مثلك قد فارق الإسلام وشاركك في مناهضته، وتتركين أعداءك وأعداء مسيلمة من المسلمين؟!

بئسما نظرت لنفسك ولأصحابك ولدينك، حين تقاتلين من هو مثلك فتضعفين بذلك جبهة المرتدّين التي هي جبهتك، لو صحّ ما يقوله المؤرّخون عنك.

وأردت أن أنهي حديثي مع سجاح، لكني تذكرت سؤالاً ما يزال يتلجلج في صدري منذ سنين، دون أن أجد فيه غير ما يتلقّاه الرواة بعضهم عن بعض، ونتلقّاه نحن عنهم.

وقلت في نفسي: هذا هو الوقت. ماذا لو ألقيت السؤال على أم صادر وسمعت منها جوابه. فهي أعرف بحقيقته وليس مثلها من يقدر أن يوضحه لي. ثمّ هي نبيّةٌ، ولا بد أن تكون واسعة الصدر، ولن تضيق بسؤال مهما كانت طبيعته، وقد تعرّضت، خصوصاً في فترة نبوّتها، لمختلف الأسئلة كما أظن.

ودنوت منها، وقلت بصوت لا يكاد يسمع: سيّدتي النبيّة، هل تسمحين بسؤال أخيرٍ ما يزال يشغلني، وأتحرّج أن ألقيه عليك فقد أغضبك به وأنا لا أتحمّل غضب الأنبياء، لولا مرض ملازم لنا نحن أهل الأرض، اسمه الفضول، قد برئتم منه أهل الآخرة بما شغلتم به من نعيم الجنة أو عذاب الجحيم، باختلاف منازلكم فيها.

وليس هذا السؤال مما يخص القتال أو الحرب، بل أبعد ما يكون عن القتال والحرب والمقاتلين والمحاربين. سؤال عن زواجك بمسيلمة وما يخوض فيه المؤرّخون من أمركما في الخيمة.


وتغيّرت ملامح المرأة فجأةً فبدت غير ما أعرف، وكأنها لم تكن نبيّة قبل لحظات.

وحاولت أن أعتذر عن السؤال الذي قد يفسد علاقتنا ويمنعني من العودة إليها إن احتجتها يوماً.

ولكنها سرعان ما عادت إلى طبيعتها (النبويّة) وأشارت لي بطرح السؤال.

قلت: يا سيّدتي ما حقيقة ما جرى لك مع مسيلمة؟ هل ذهبت لغزوه أم للزواج منه؟ فالمؤرّخون يخوضون في ذلك بما أوجب عليّ السماع مباشرةً منك.

وسأروي لك ما نتداوله في هذا الشأن، ممّا نجده في كتب التأريخ عندنا، لعلّه يذكّرك بعض الذي نسيت ممّا أريد السؤال عنه.

والرواية الأكثر شيوعاً هي التي أثبت نصّها فيما يلي « أنّ مسيلمة لما نزلت به سجاح ـ التي هي أنت طبعاً ـ أغلق الحصن دونها فقالت له سجاح أنزل قال فنحّي عنك أصحابك ففعلت فقال مسيلمة: اضربوا لها قبّة وجمّروها لعلّها تذكر الباه. ففعلوا فلما دخلت القبّة نزل مسيلمة فقال: ليقف ها هنا عشرة وها هنا عشرة ثم دارسها فقال: ما أوحي إليك؟ فقالت: هل تكون النساء يبتدئن ولكن أنت قل ما أوحي إليك قال « ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشى » قالت: وماذا أيضاً قال: أوحي إليّ « أن الله خلق النساء أفراجا وجعل الرجال لهن أزواجا فنولج فيهن قعساً إيلاجا ثم نخرجها إذا نشاء إخراجا فينتجن لنا سخالاً إنتاجا » قالت: أشهد أنك نبي قال: هل لك أن أتزوّجك فآكل بقومي قومك العرب قالت: نعم قال:

ألا قومي الى النيك

فقد هيّء لك المضجع

وإن شئت ففي البيت

وإن شئت ففي المخدع

وإن شئت سلقناك

وإن شئت على أربع

وإن شئت بثلثيه

وإن شئت به أجمع


قالت: بل به أجمع قال: بذلك أوحي إليّ. فأقامت عنده ثلاثاً ثم انصرف إلى قومها فقالوا: ما عندك؟ قالت: كان على الحق فاتبعته فتزوجته قالوا: فهل أصدقك شيئاً؟ قالت: لا قالوا: ارجعي إليه فقبيح بمثلك أن ترجع بغير صداق فرجعت فلما رآها مسيلمة أغلق الحصن وقال مالكِ؟ قالت: أصدقني صداقاً قال: من مؤذّنك؟ قالت: شبث بن ربعي الرياحي قال: عليّ به فجاء فقال: نادِ في أصحابك أنّ مسيلمة بن حبيب رسول الله قد وضع عنكم صلاتين ممّا أتاكم به محمد: صلاة العشاء الآخرة وصلاة الفجر... »(١) .

هذه الرواية نكاد نجدها لدى جميع المؤرّخين الذين تحدّثوا عنك.

وأصدقكِ القول. لقد كنت وما أزال في شكٍّ مما ألصقوه بك.

فالمؤرّخون كما سمعت، يروون أنّ مسيلمة قد طلب من أصحابه أن يضربوا لك قبّةً ويجمّروها، لعلّك تذكرين الباه. ثم تلا ما أوحي إليه بالمناسبة من إيلاج وإخراج، وكأنه يريد أن يشغلك بأمور الجنس عن أمور النبوّة والسياسة والقتال، كما هو شأن الأنبياء.

ويبدو ـ كما يذكر أولئك المؤرّخون ـ أنّ ذلك قد أعجبك واستخفّك أكثر ممّا تصوّر مسيلمة، فلم يكفك أن تشهدي له بصحّة النبوّة بل تجاوزت بعيداً كأيّ بغيٍّ محترفة، وأنت تسمعين ما يدعوك إليه ويطلبه منك فلا تنكرين ولا ترفضين.

ثم وأنت تستزيدين ممّا يدعوك إليه ويطلبه منك، لا تكنين عن ذلك ولا تلحنين. وهو ما ترفضه أيّة امرأةٍ تملك شيئاً من كرامة النساء وتمنّعهن، في البداية وأمام الناس على الأقل. وربّما رفضته البغيّ في موقف مثل موقفك، فضلاً عن نبيّةٍ وقائدة وصاحبة رسالة!!

هذا ما يرويه المؤرّخون أو ما تقود إليه روايتهم. أمّا أنا فأشكّ كثيراً فيما يروون رغم اتفاقهم عليه وسأبسط لك أسباب شكّي، لا دفاعاً عنك وعن مسيلمة، فمهمّة الدفاع عن الأنبياء صعبة لا أطيقها، ولكن دفاعاً عمّا أتصوّره حقّاً، وإن شئت، دفاعاً عن العقل أو الحد الأدنى منه.

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٧٣ - ٢٧٤ ومع اختلاف يسير في اللفظ تاريخ ابن الأثير ج ٢ ص ٢١٥ والبدء والتأريخ ج ٥ ص ١٦٤ - ١٦٥ وتأريخ أبي الفدا ج ١ ص ١٥٧.


فالحوار الذي يزعم المؤرّخون حصوله بينك وبين زوجك (النبي) مسيلمة لا يمكن، على افتراض حصوله، أن يتجاوزكما إلى هؤلاء المؤرّخين لينقلوه عنكما. لا لأن ما يحصل بين الزوج وبين زوجته من أمور لها طابع الجنس، يبقى محصوراً بينهما، وهذا وحده كافٍ لإثارة شكّي، بل لأنّ ما تضمّنه هذا الحوار من البذاءة والفحش والانحطاط الذي تعدّى كل حدّ، لا يشرّف من قاله ولا من قيل له أو رضي به، حتى لو لم يكن من صنف الأنبياء مثلكما. فأنا لم أعرف قبل زواجكما، أنّ زوجاً في ليلة زفافه يخاطب زوجته أمام الحاضرين من المهنئين بما خاطبك به زوجك مسيلمة، ولا زوجة رضيت بذاك وقبلته كما رضيت به وقبلته، إلاّ إذا كان الزواج بين الأنبياء يجري على هذا النحو ولم نعلم.

أكان في (السلق) و(الثلثين) و(الأربع) ما يثبت نبوّته أو نبوّتك، ويشد الأتباع والأنصار إليكما.

لقد كان العرب يضربون المثل بأم خارجة التي لا بد أنك سمعت بها، فيقولون أسرع من نكاح أم خارجة، وأخالهم لو عرفوك قبلها لتركوا هذه المسكينة التي لم تكن نبيّة يوحى إليها كما أوحي إليك بـ(به أجمع) مفضّلة له على (ثلثيه) اللذين خيّرك بينهما مسيلمة.

فهل قنعت من منزلة النبوّة وقيادة الجيوش وغزو أبي بكر في المدينة، بمنزلة تترفّع عنها أم خارجة كما يريد المؤرّخون أن يصوّروك.

ويبدو أنّ زواجك ممّا يروق المؤرّخين الحديث عنه ومتابعة تفاصيله. وربما كانوا يرون فيه، من خلال الطعن والسخرية من اثنين من قادة ما يسمّونه الردّة، مدخلاً للطعن والسخرية من الردّة نفسها. فهم لم يكتفوا بما سمعت مما نقلت عن التجمير والباه والشعر الذي استقبلك به مسيلمة في الخيمة ليلة زواجك. بل يزيدون بأنّ هذا الزواج لم يدم أكثر من ثلاثة أيام عدت بعدها إلى الجزيرة، تاركةً الزوج والتجمير والشعر.

فما الذي دعاكِ أو دعاكما إلى اختصار مدّة الزواج وجعلها ثلاثة أيام فقط، وكأنّما التقيتما في سفر يعود بعده كلٌّ إلى بلده وأهله.

أليس من تمام الزواج أن تكون الزوجة في بيت زوجها وأن يكون الزوج قريباً من زوجته مادام الزواج قائماً. ولم يخبرنا المؤرّخون بطلاقكما.


وماذا عن الصداق الذي أصدقك إياه مسيلمة ما دمنا بعد في حديث الزواج، وهو من لوازمه كما تعلمين؟ هل صحيح أنّ مسيلمة قد وضع عن أتباعك صلاتين ممّا أتى به محمد: العشاء الآخرة والفجر صداقاً لك.

ولكن ما معنى أن يضع عنهم صلاتين، وهم أصلاً لا يصلّون لارتدادهم ورجوعهم عن الإسلام وإنكارهم نبوّة محمد وما أتى به من فرائض وأحكام، من بينها الصلاة كما يقول المؤرّخون، وإلاّ فلِمَ كانت نبوّة مسيلمة ونبوّة سجاح إذا هما أبقيا على الصلاة كما كانت وهي من أهم شعائر الإسلام: دين محمد.

أليس في ذلك ما يتعارض وما يذكره المؤرّخون عنك وعن زوجك، وما يضعفهم فيما ينقلون عنكما لو انتبهوا.

أيكون الذي أثار المؤرّخين ضدّكما ودفعهم إلى اتهامك أنت ومسيلمة بالردّة، أنكما لم ترسلا الصدقات إلى المدينة ككثير غيركما من العرب الذين امتنعوا عن إرسال صدقاتهم إلى هناك مفضّلين توزيعها بين فقراء قومهم؟

وبعد كل ذاك، فإنّ المؤرّخين، وهم في سورة الغضب، متسابقين لإلصاق التهم بك وبمسيلمة، قد نسوا كما يبدو أنك كنت متزّوجة عند توجّهك إلى اليمامة واجتماعك بمسيلمة(١) .

وإذا كنت أعرف أنّ للعربي قبل الإسلام وبعده أن يتزوّج بأكثر من امرأةٍ، فإني لم أعرف أنه كان جائزاً عندكم أن تتزوّج المرأة بأكثر من رجلٍ في وقتٍ واحد، قبل أن يحدّثنا المؤرّخون عن زواجك بمسيلمة مع سبق زواجك من غيره(٢) .

____________________

(١) انظر ص ١٦٤ من ج ٥ من البدء والتأريخ فهي فيه أم صادر وزوجها هو أبو كحيلة. ويكتفي صاحب فتوح البلدان ص ١٠٨ وصاحب جمهرة أنساب العرب ص ٢٢٦ بأن يكنّياها أم صادر.

(٢) جاء في البدء والتاريخ ج ٥ ص ١٦٥ بأن سجاح أباحت للمرأة أن تتزوج - في وقت واحد طبعاً - بزوجين (على النصف مما للرجل).


أرأيت يا أخت بني غدانة، لِمَ شككت فيما رواه المؤرّخون، وهو شك لم أقصد من ورائه الدفاع عنك كما قلت في بداية هذا الحديث، وأنت تستحقينه، ولكن قصدت قبل ذاك، الدفاع عن العقل في حدّه الأدنى، رغم ما سيجرّه عليّ ذلك مما أعرف وتعرفين، وقد كنت هدفاً له قبل أربعة عشر قرناً خلت.

وعلى أيّة حال فمن حقّك أن تجدي بعد هذه المدّة من يحاول إنصافك، وقد أردت أن أكون واحداً من هؤلاء، فلعلّ في ذلك بعض العزاء لك.

واكتفت سجاح بإيماءة شكر ثم غابت.


الباب الخامس

(مسيلمة)


الباب الخامس

(مسيلمة)

هل تستطيع أن تتصوّر أنّ أربعين ألفاً من بني حنيفة(١) يعرّضون أنفسهم وعوائلهم وأموالهم للقتل والنهب، دفاعاً عن واحد لا يزيد وحيه الذي يريد أن يواجه به محمداً وقرآن محمد على (يا ضفدعة ابنة ضفدع...)(٢) وكأنهم في حاجةٍ إلى وحي من السماء يعلّمهم أنّ الضفدعة هي بنت الضفدع وليست بنت الإنسان، ولا بنت حيوان آخرٍ من غير جنس الضفادع.

هذا بعض ما يقوله المؤرّخون العرب عن (نبي) اليمامة وعن وحيه و(قرآنه) والمؤمنين به، عليك أن تصدّقهم فيه. وألاّ تكذبهم أو تشك فيما ينقلون عن مسيلمة الكذّاب، وهو اسمه عندهم.

ولكن لماذا نبدأ بوحي مسيلمة وقرآنه، وكان الأولى بنا أن نبدأ بالرجل نفسه، صاحب الوحي والقرآن.

فمن هو مسيلمة هذا وما قضيّته ومتى بدأت دعوته أو نبوّته؟!

والحق أنّ محاولة من هذا النوع ليست بالأمر السهل على من يريد الكتابه عن مسيلمة بما يقنع عقله وضميره، بعد أربعة عشر قرناً من التجريح والتشويه.

فلكي أصل أو أقترب من مسيلمة الحقيقي، عليّ أولاً أن أزيل الكثير من الرتوش والألوان والصفات التي حفلت بها كتب التأريخ وتوارثها المؤرّخون وأضافوها إلى صورة مسيلمة، إمعاناً منهم في الطعن عليه والسخريّة منه وممّن اتّبعوه. وهي محاولةٌ ليست بالأمر السهل كما قلت.

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ أحداث سنة ١١ ص ٢٨١، وابن الأثير ج ٢ أحداث نفس السنة ص ٢١٩، والبداية والنهاية ج ٦ ص ٣٢٣، و ابن خلدون بقية ج ٢ ص ٧٤.

(٢) تاريخ الطبري ج ٣ أحداث سنة ١١ ص ٢٨٤، وابن الأثير ج ٢ أحداث نفس السنة ص ٢١٩ وعند ابن كثير (يا ضفدعة بنت الضفدعين!!) البداية والنهاية ج ٦ ص ٣٢٦.


وأوّل ما يلفت النظر في موضوع مسيلمة هو إصرار المؤرّخين على أنّ اسمه مسيلمة بالتصغير(١) ، مع أنني وبقدر علمي، لم أعرف عربيّاً قبله ولا بعده شاركه الاسم بالصيغة التي يوردها أولئك المؤرّخون. فهناك في الجاهلية سلمة وسالم وسلمي وسلمان ومسلمة دون تصغير. وهناك غيرها من مشتقّات السلم والسلام من الأسماء، ولكني لم أعرف جاهليّةً أو إسلاماً من اسمه مسيلمة بالتصغير.

وهذا طبعاً لا يعني انعدام أو قلّة استعمال صيغة التصغير في الأسماء العربية. فما أكثر هذه الصيغة وأيسرها. بل إنّ بعض الأسماء لم يعرف إلاّ مصغّراً كعيينة وأميّة.

أيكون مسيلمة إذن وحده من بين المولودين في الجاهلية قد اختار له أبوه هذا الاسم؟! ربما.

فإذا تركت الاسم فستجد نفسك أمام (رويجل أصيفر أخينس)(٢) وكلها بالتصغير أيضاً. وهذه صفاته التي يذكرها المؤرّخون.

ولا أعلم لماذا يكون هذا الـ(مسيلمة) رويجلاً لا رجلاً كباقي الرجال من بني حنيفة وغير حنيفة. ولا أعلم العلّة في تصغير الصفة أصفر إلى أصيفر وهل تعني أنه كان قليل الصفرة ضعيفها، أم على العكس شديد الصفرة بيّنها.

كما لا أعلم إذا كان الخنس، وهو ارتفاع طرف الأنف مما يعاب به الانسان أو في الأقل، مما يستوقف المؤرّخين من صفاته.

____________________

(١) رغم أنّ أبا الحسن البلاذري يتحدث هو أيضاً عن (مسيلمة الكذّاب) إلاّ أنه يسمّيه كما يبدو في حديثه ثمامة بن كبير بن حبيب. فهو يقول عند كلامه عن اليمامة ص ٩٧ من تأريخه (وكان فيهم مسيلمة الكذّاب ثمامة بن كبير بن جبيب) ولا ندري ما الاسم الصحيح لدى البلاذري، هل هو مسيلمة أم ثمامة، ومسيلمة أم مسيلمة مضافاً إليها الكذّاب، لقبه عنده. على أنّ صيغة التصغير هذه لا تقتصر عند المؤرّخين المسلمين على مسيلمة الكذّاب وحده إذ يشاركه فيها طليحة الأسدي كما رأينا مع أنني لم أجد في العرب إلاّ من اسمه طلحة دون التصغير.

(٢) تاريخ الطبري ج ٣ أحداث سنة ١١ ص ٢٩٥، وابن الأثير ج ٢ أحداث نفس السنة ص ٢٢٢، وتاريخ خليفة بن خياط ج ١ ص ٧٦ وفيه (أحيمش) بدل (أخينس) وعند ابن خلدون (رويجل دميم أخينس) تأريخ ابن خلدون بقية ج ٢ ص ٧٥.


ويتجاوز بعض هؤلاء المؤرّخين، وهم يتحدّثون عن مسيلمة فيضيفون إلى ما سبق من صفاته، أنه كان (قبيح الخلقة دميم الصورة)(١) .

وما أظنهم كانوا سيبخلون عليه بما هو أكثر لو وجدوا أكثر من قبح الخلقة ودمامة الصورة يضيفونها إلى هذا الرويجل الأصيفر الأخينس.

وإذا لم يكن مطلوباً في مدّعي النبوّة أن يكون في منزلة يوسف أو منزلةٍ قريبة منها، فأنا أفترض أن يتوفّر فيه الحد الأدنى من الصفات الخَلْقية والخُلُقية التي تتوفّر في أيّ شخص اعتيادي، إن لم يتميّز عنه ويفضّله؛ فذلك أملأ لعيون العرب وقلوبهم وأحرى أن يجذبهم إليه وإلى قبول (نبوّته) خصوصاً في ذلك العهد الذي ظهر فيه مسيلمة، وقد رأوا ومنهم رجال بني حنيفة وساداتهم، محمداً وكمال خَلْقه وخُلُقه.

أمّا أن يكون هذا النبي رويجلاً أصيفر أخينس قبيح الخلقة دميم الصورة، فليس في بني حنيفة ولا غيرهم حاجةٌ إلى نبيّ جمع الله فيه أسوأ ما يمكن أن يجمع في رجلٍ من خلقه.

وأحسب أنّ مثل هذا الرجل قد يصلح لإضحاك الناس ولكنه، في جميع الأحوال لا يصلح لادّعاء النبوّة وتلقّي الوحي.

على أنّ المؤرّخين لم يكتفوا من مسيلمة بكل ذاك من صفات القبح والدمامة.

وسأتركهم يكملون حديثهم عنه قبل أن يشتهر أمره ويذيع، أو بعد ما اشتهر وذاع. وسأبدأ بقدومه في وفد بني حنيفة قبيلته، إلى المدينة لإعلان إسلامهم عام ١٠ للهجرة.

والمؤرّخون يسوقون في ذلك روايتين لا أجد في أيٍّ منهما إلاّ ما يبعث على الشك أو ما يثير الضحك.

تقول أولاهما أنه لما قدم وفد بني حنيفة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عام ١٠ للهجرة في المدينة، خلّفوا مسيلمة في رحالهم. فلما أسلموا ذكروا مكانه للنبي فقالوا (يا رسول الله إنا خلّفنا صاحباً لنا في رحالنا وركابنا يحفظها لنا فأمر له رسول الله بما أمر به للقوم وقال أما أنه ليس بشرّكم مكاناً. أي لحفظه ضيعة أصحابه وذلك الذي يريد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ).

____________________

(١) تأريخ الخميس المطبعة الوهبية بالقاهرة ١٢٨٣ هـ ج ٢ ص ١٥٧، ويضيف البلاذري في تأريخه ص ١٠٠ أنه كان (قصيراً أفطس).


ثم انصرفوا عن رسول الله وجاؤوه بما أعطاه. فلما انتهوا إلى اليمامة ارتدّ مسيلمة وتنبّأ وقال إني أشركت في الأمر معه، وقال للوفد الذين كانوا معه، ألم يقل لكم حين ذكرتموني له أما أنه ليس بشرّكم مكاناً ما ذاك إلاّ لما كان يعلم أني قد أشركت في الأمر معه ثم جعل يسجع لهم الأساجيع وأحلّ لهم الخمر والزنا ووضع عنهم الصلاة وهو مع ذلك يشهد لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأنه نبي فأصفقت معه حنيفة على ذلك فالله أعلم أيّ ذلك كان).

وهذه الرواية تجدها في العديد من كتب السيرة والتأريخ(١) ، وهي رواية لا تستطيع أن تقنع أحداً. وأسهل عليك أن ترفضها من أن تحاول تبريرها وتتكلّف العذر لأصحابها.

فهي أولاً تجعل من مسيلمة مجرّد حارس لرحل الوفد من بني حنيفة، حين قدومهم المدينة ومقابلتهم النبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وليس واحداً من بين الذين قابلوه من هذا الوفد. ونحن نعلم أنّ العرب لا يخلفون وراءهم لحفظ الرحل وحراسته، إلاّ من يستغني عنه ولا يشارك فيما جاء له القوم الذين يحفظ لهم رحلهم.

وهذا لا يستقيم مع ما يذكره هؤلاء المؤرّخون أنفسهم، من ادعاء مسيلمة النبوّة بعد أيّام من رجوع الوفد إلى اليمامة واتّباع بني حنيفة له.

وما أظن من يطمح للنبوّة ويسعى لها ويستطيع أن يجنّد قبيلته خلفه، يدينون بدعوته ويقاتلون دونه، يرضى لنفسه بالبقاء حارساً لرحلهم مكتفياً بما يقوم به أيّ غلام لا شأن له ولا غناء.

كيف أقبل أن مثل هذا الغلام، وكل مهمّته أن يحرس رحل الوفد ويقوم على حفظه، سيجرؤ بعد أيّام فقط على الادّعاء أنّه نبي يوحى إليه. ثم يجد من يصدّقه ويؤمن به في دعواه ويقاتل ويقتل تأييداً له ولدعوته. وبين (المؤمنين) المقاتلين من سادات حنيفة ورجالهم، من كان في الوفد الذي كلّف مسيلمة بحراسة رحلة. أكانت النبوّة عند بني حنيفة من ضعة الشأن بحيث لا يدّعيها إلاّ حارس الرحل؟

____________________

(١) انظر سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٥٧٦ – ٥٧٧، والطبري ج ٣ ص ١٣٨، وتأريخ الإسلام للذهبي - قسم المغازي - أحداث السنة العاشرة وعيون الأثر لابن سيد الناس ج ٢ ص ٢٣٥. وفي ابن الأثير ج ٢ ص ١٦٦ (واجتمع مسيلمة برسول الله ثم عاد إلى اليمامة وتنبّأ).


وإذا كان هذا غريباً فليس أقل غرابةً منه احتجاج مسيلمة لنبوّته، وهو يحاور رؤساء بني حنيفة لإقناعهم بها.

وسأعيد عليك ما احتجّ به مسيلمة كما أوردته الرواية: قال مسيلمة (ألم يقل لكم ـ يعني النبي محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ حين ذكرتموني له أما أنه ليس بشرّكم مكاناً ما ذاك إلاّ لما كان يعلم أني قد أشركت في الأمر معه ...) (فأصفقت معه حنيفة على ذلك).

وتسأل. أية حجّة لمسيلمة في قول النبي هذا، حتى مع افتراض صدوره عنه؟!

كيف فهم مسيلمة، وكيف فهم بنو حنيفة معه، عبارة، النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (ليس بشرّكم مكاناً) على أنها إقرارٌ بنبوّة مسيلمة وتصديق لها؟!

إنني بعد أربعة عشر قرناً لا أفهم من هذه العبارة غير ما فهمه منها ابن هشام بعد قرنين من صدورها حين قال (أي لحفظه ضيعة أصحابه) وغير ما يفهمه أي سامع أو قارئ لها الآن وبعد الآن، خصوصاً وهي تأتي بعد قول الوفد (يا رسول الله إنّا خلّفنا صاحباً لنا في رحالنا وركابنا يحفظها لنا ...).

وحتى لو جرّدنا العبارة من سياقها الذي وردت فيه، فما الصلة بين (ليس بشرّكم مكاناً) وهي لا تعني في أحسن الأحوال، أكثر من أنه مساوٍ لكم في المنزلة أو في الأجر والثواب، وبين ادّعاء النبوّة؟!

أيكون مسيلمة وبنو حنيفة أقل فهماً للعربية من ابن هشام الذي فسّر محقّاً، عبارة النبي بأنها (لحفظه ضيعة أصحابه). ومن غير ابن هشام الذي لا يستطيع تفسيرها بغير ذاك؛ لأنها لا تحتمل غيره؟! وفي جميع الأحوال، فهي لا توحي بأيّة إشارةٍ للنبوّة أو لشئ قريب منها.

وتمضي الرواية ـ أو واضعوها ـ لتحدّد لنا ملامح الدين الجديد الذي بشّر به مسيلمة ودعا إليه، إذ لا بد لأيّ نبي من دينٍ. وقد رأينا سجاح تضع صلاتين عن أتباعها هما صداقها. كما أحلّت للمرأة أن تتزوّج بأكثر من رجل في وقت واحد، كما ينقل ذلك صاحب البدء والتأريخ. لكن مسيلمة ـ زوج سجاح ـ لن يقبل بأن يتساوى مع امرأته، فهو لا يكتفي بصلاتين يضعهما عن أصحابه كما فعلت زوجته من قبل، وإنّما يذهب إلى أبعد من ذاك حين يضع الصلاة كلها عنهم، ومع الصلاة يحلّ لهم الخمر والزنى.


هذا ما تقوله الرواية كما تقرؤها في غالبية المصادر التي تعرّضت لمسيلمة(١) . ولا بدّ أنه خالجك ما خالجني وأنت تعيد قراءة هذه الرواية. فلو كان مسيلمة قد وضع الصلاة حقّاً وحلّل الخمر والزنا حقّاً، إذن لرأينا ذلك في واحدة من (سور قرآنه) التي لا بدّ أن الرواة قد حرصوا على جمعها وإذاعتها تشهيراً بمسيلمة، كما حرصوا على جمع وإذاعة (سورة) الضفدعة بنت الضفدع، وليس فيها ما يتعارض وأحكام الإسلام كما في وضع الصلاة وتحليل الخمر والزنا.

ثم ماذا أبقى مسيلمة من دين محمد؟ وكيف يستمر على الاعتراف بنبوّته، كما تقول الرواية أو واضعوها، وهو يلغي ثلاثة من أهمّ ما جاء به دينه من فروض تخصّ الصلاة والخمر والزنا. وبعد هذا فهل أستطيع أن أجمع بين قول الطبري هنا بتحليل مسيلمة للزنا وبين قوله في ص ٢٧٢ ـ ٢٧٣ بأنه (كان ممّا شرع لهم مسيلمة أنّ من أصاب ولداً واحداً عقباً لا يأتي امرأة الى أن يموت ذلك الابن فيطلب الولد حتى يصيب ابناً ثم يمسك فكان قد حرم النساء على من له ولد ذكر) وهو ما تجده في ابن الأثير ج ٢ ص ٢١٥. أيحلّل الزنا من حرّم النساء على الرجل لمجرّد أن يكون له ولدٌ ذكر؟!

كم كنت أودّ لو أن هؤلاء الرواة توقّفوا قليلاً فقرؤوا ما كتبوا ليعلموا مبلغ جنايتهم على هذا الذي نسمّيه مضطرّين تأريخاً، إلاّ إذا كانوا مصرّين على ما كتبوا، وتلك هي الكارثة.

هذه إحدى الروايتين. أمّا الثانية التي تجدها في نفس المصادر التي تناولت الأولى فتقول (إنّ بني حنيفة أتت به ـ مسيلمة ـ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تستره بالثياب ورسول الله جالس في أصحابه معه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصات فلما انتهى إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهم يسترونه بالثياب كلّمه وسأله فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه)(٢) .

____________________

(١) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٥٧٧، وتأريخ الطبري ج ٣ ص ١٣٨، وعيون الأثر ج ٢ ص ٢٣٥ - ٢٣٦.

(٢) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٨٢، وابن الأثير ج ٢ ص ٢١٩.


والحق أنني ما زلت منذ قرأت هذه الرواية وحتى اليوم، لا أجد رغم طول سؤالي لنفسي ما أفسّر به صنع بني حنيفة وسترهم لمسيلمتهم هذا. أكانوا يخافون عليه العين لجماله مثلاً؟! أم على العكس، يخشون أن يظهروه لقبحه ودمامته وما يمكن أن يثيره ذلك من سخريّة بهم لدى المسلمين القادمين عليهم.

ما الذي أكرههم على المجئ به إذن، وفي رجال حنيفة غنىً عنه لو شاءوا؟ وما الذي منعهم أو منعه من الكشف عن نفسه، وهو الذي ما جاء إلاّ لإشهار إسلامه ضمن الوفد الذي قصد المدينة لهذه الغاية. لكنّنا نراه هنا يرفض أو يرفض قومه الكشف عنه ولا يتكلّم إلاّ من وراء ستار.

لا أعرف كما قلت سبباً لذلك، ولكني أعرف أنني لا أملك نفسي من الضحك كلما تصوّرت منظر هذا (النبي) وهو ملفوف بالثياب أو ربما بجريد النخل، يحمله أو يجرّه عددٌ من بني حنيفة، والمسلمون ينظرون ولا يعلمون ما هذا الذي يجرّه الحنفيّون على الأرض أو يحملونه على الرؤوس.

ثم ما الذي سأل مسيلمة النبي محمداً حين انتهى إليه؟ هل سأله النبوّة أو الشركة فيها؟ لا يمكن أن يكون ذلك. فالقوم ما جاؤوا ـ وهو فيهم ـ إلاّ لإعلان إسلامهم. ولو أرادوا غير ذلك لبقوا في منازلهم ولم يتكلّفوا الرحلة إلى المدينة والقدوم على النبي فيها، ولكان أسهل على مسيلمة إعلان نبوّته هناك، قبل ورود قومه من بني حنيفة المدينة، وقبل اتصالهم بالنبي محمد وإسلامهم على يديه. بل إنّ أحد أكبر أعوان مسيلمة ـ الرجال بن عنفوة ـ كان قد هاجر إلى النبي وقرأ القرآن وفقه في الدين، قبل أن يلحق بمسيلمة وينضمّ إلى دعوته(١) .

سأرفض إذن هذه الرواية كما رفضت سابقتها، أو بالأحرى أن إحدى الروايتين هي التي ترفض الأخرى وتستبعدها وتدعوك إلى رفضها أو رفضهما معا.

ومع ذاك فنحن لم ننته بعد من حديث المؤرّخين عن نبيّ بني حنيفة وما ألصق به وأضيف إليه.

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٨٢، و ابن الأثير ج ٢ ص ٢١٩.


ويبدو أنّ المؤرّخين لم يقنعوا منه بما قنعوا من طليحة وسجاح وغيرهما، فتجاوزوا حدود ما وقفوا عنده من أولئك. بل إنّ إفرادهم مسيلمة بوصف (الكذّاب) دون الآخرين بحيث لا يذكر اسمه إلاّ مقروناً بهذا الوصف، مع اشتراكهم جميعاً بإدعاء النبوّة وبالكذب طبعاً في هذا الادّعاء، يوحي بما لهذا الكذّاب من منزلةٍ خاصّة بين الكذّابين عند مؤرّخي المسلمين.

وسأعرض لبعض ما تحدّثوا به عنه، استكمالاً لما ورد في الروايتين السابقتين.

يقول الطبري في معرض هذا الحديث (وكان مسيلمة يصانع كل أحدٍ ويتألّفه ولا يبالي أن يطّلع الناس منه على قبيح)(١) .

وما أحسب هذا الكلام مما يقنع أحداً، حتى صاحبه أو ناقله أبا جعفر نفسه. فكيف لنا أن نتصوّر شخصاً يدّعي النبوّة ويريد أن يتآلف الناس ويدنيهم إليه ويزيّن لهم الإيمان به، ثم لا يبالي أن يطلع الناس منه على قبيح وأيّ شخص من غير مدّعي النبوّة يرفض أن يطلع الناس منه على قبيح ويعمل على ستره عنهم ما أمكنه ذلك؟

ألم يكن في ادّعاء النبوّة ما يمنع مسيلمة من إتيان القبيح، أو على الأقل من السماح للناس بالإطلاع عليه؟!

وبعد هذا الحديث يورد الطبري بعض الأفعال التي يعزوها لمسيلمة، والتي لا تتناسب ومقام هذا المؤرّخ الكبير، حتى لو أعتذر بالنقل. اسمعه يقول (وأتته امرأةٌ من بني حنيفة فقالت إنّ نخلنا لسحق وإنّ آبارنا لجرز فادع الله لمائنا ونخلنا كما دعا محمد لأهل هزمان).

ثم يستطرد الطبري في رواية الحديث الذي دار بين مسيلمة الذي يجهل ما فعله محمد بنخل أهل هزمان وآبارهم، وبين الرجال ابن عنفوة الذي يخبره به فيقول عن مسيلمة (فدعا مسيلمة بدلو من ماء فدعا لهم فيه ثم تمضمض منه ثم مجّ فيه فنقلوه فأفرغوه في آبارهم فغارت مياه تلك الآبار وخوى نخلهم وإنّما استبان ذلك بعد مهلكه)(٢) .

وعجبت كيف يسمح الطبري لنفسه بإيراد مثل هذا السخف؟ ألم يكن في ادعاه النبوّة وحده ـ لو اقتصر عليه الطبري ـ ما يكفي لبيان كذب مسيلمة والسخرية منه والزراية عليه.

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ أحداث سنة ١١ ص ٢٨٢.

(٢) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٨٤ – ٢٨٥، وابن الأثير ج ٢ ص ٢٢٠.


كيف قبل مسيلمة أن يفضح نفسه ويكشف كذبه أمام أتباعه من بني حنيفة، وهو لا شك يعرف أنه كاذب وغير نبي، وعاجز عن فعل ما فعل محمد لأهل هزمان ولا يستطيع أن يأتي بالمعجزات كما أتى.

ثم ألم يكن بين خاصّته وخلّص أتباعه من ينصحه أو من يختلق عذراً يتقدّم به إلى هؤلاء الذين طلبوا من مسيلمة ما طلب أهل هزمان من محمد؟!.

ولكن لماذا لم يستبن ذلك إلاّ بعد مهلك مسيلمة؟ فهل فاضت الآبار بالمياه في حياته كما كانت من قبل، وعاد النخل مثمراً في حياته كما كان من قبل؟ وأظن هذا سيؤكّد نبوّة مسيلمة لا ينفيها. ويكون الطبري قد جاء بما من شأنه تصديق هذه النبوّة من حيث لا يريد.

أم أنّ بني حنيفة تركوا الشرب والسقاية لهم ولأنعامهم من تلك الآبار وتعوّضوا عنها غيرها، فلم يعلموا أنها كانت غائرة ولم يعودوا إليها، إلاّ بعد مقتل مسيلمة، ليستبينوا حقيقتها.

وهذا النخل. وهو ظاهر شامخٌ فوق الأرض، لا يخفيه شئ ولا يحجبه شئ، ولم يفارقه أهله وأصحابه. فكيف خفي عليهم ولم يعلموا حاله إلاّ بعد مقتل مسيلمة؟!

وإليك روايةً أخرى لن أثقل عليك بغيرها، وإن كان أبو جعفر قد أورد الكثير من هذه الروايات، فارجع إليه إن شئت المزيد مما يخصّ نبوّة الكذّاب.

يقول الطبري (وقال له ـ يعني نهاراً لمسيلمة ـ برّك على مولودي بني حنيفة فقال له وما التبريك قال كان أهل الحجاز إذا ولد فيهم المولود أتوا به محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله فحنكه ومسح رأسه: فلم يؤت مسيلمة بصبي فحنكه ومسح رأسه إلاّ قرع ولثغ واستبان ذلك بعد مهلكه)(١) .

وكم رثيت لهؤلاء الصبية المساكين من بني حنيفة يسوقهم آباؤهم، وهم ذوو لسان وشعر إلى هذا الخبيث الكذّاب، فلا يعودون منه إلاّ وقد انعقدت ألسنتهم وقرعت رؤوسهم!!

لكن ما حيّرني وما يزال، كيف استطاع مسيلمة أن يأمر القرع بأن يختفي ولا يظهر في رؤوس الأطفال ما دام حيّاً، فيستجيب ويطيع ولا يظهر ولا يراه القرعى أو ذووهم، إلاّ بعد مقتل الكذّاب. أكان مسيلمة نبيّاً حقّاً فاستجاب له الله حين دعاه إلى وقف ظهور القرع في رؤوس أولئك الصبية ما بقي هو حيّاً؟!

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٨٥، وابن الأثير ج ٢ ص ٢٢٠.


ثم كيف أفهم أن نهاراً يسأل مسيلمة تبريك الأطفال من بني حنيفة فلا يفهم مسيلمة المقصود بالتبريك، وكأنه ليس من القوم وليست عاداته من عاداتهم فيضطر نهار أن يشرح ذلك له.

أيعرف نهار التبريك ويجهله نبيّه مسيلمة؟!

أظنني لو كنت مكان نهار لرفضت أن أتبع مثل هذا النبي الذي يجهل حتى تبريك الأطفال. أو ربّما ادّعيت أنا النبوّة ولم أتركها له.

وبعد فهل سنكتفي من مسيلمة بما رأيت وسمعت من تناقض وجهل، دون أن نعرض للرجل الذي قاد معركةً من أعنف ما شهد المسلمون في أيّامهم الأولى، بشكل موضوعي بعيد عن تعصّب المتعصّبين وجهل الجاهلين. نحاول من خلاله أن نقترب ما أمكننا ذلك منه، وأن نقول رأينا فيه بصدق وأمانه. لعلّنا نستطيع أن نسهم في إنقاذ ضحيّة من ضحايا هؤلاء الرواة وما أكثر ضحاياهم في تأريخنا.

فمن هو مسيلمة، وهل ادّعى النبوّة فعلاً كما يقول الرواة، وهل كانت بداية دعوته في حياة النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وسأبدأ بالرجل.

فأمّا عن نسبه، فقد سبق أن قلت إنه من بني حنيفة إحدى قبائل بكر بن وائل من ربيعة.

لكن نسبه الحنفي هذا لا يعني في نظري مجرّد انتماءٍ إلى قبيلة ما فليس بين العرب من لا ينتمي إلى قبيلةٍ، إنّما الأمر المهم في نسب مسيلمة كما يبدو لي، هو أنّ بني حنيفة من القبائل المتوطّنة ـ على خلاف القبائل العربية الأخرى ـ يسكنون اليمامة وهي (بلد كبير فيه قرى وحصون وعيون ونخل)(١) شأنهم في ذلك شأن قريش في مكّة والأنصار في المدينة وثقيف في الطائف.

وهذا الاستقرار يسمح لهم بأن يتجاوزا غيرهم من العرب في الأمور المتّصلة بالعقل والفكر، إذا قبلنا أن يتخلّفوا عنهم في مسائل القلب والعاطفة.

____________________

(١) مراصد الاطلاع - دار إحياء الكتب العربية. عيسى البابي الحلبي وشركائه ط أولى ١٩٥٥ ج ٣ ص ١٤٨٣ وقاموس الأمكنة والبقاع - شركة طبع الكتب العربية مطبعة التقدم ١٩٠٦.


فليس من السهل على مسيلمة، ولا من السهل على بني حنيفة، أن يقتنعوا بنبوّة مسيلمة، وقد أعلنوا إسلامهم حديثاً على يدي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في المدينة. ورأوه واتصلّوا به وسمعوا منه، بعدما سبقهم إليه عددٌ من القبائل العربيّة.

لقد جاهد محمد طويلاً وصبر طويلاً في مكّة وفي المدينة حتى استقام الإسلام وقوي وثبت وانتشر بين العرب. وكانت أخلاق محمد وقرآنه وتعاليمه وراء النجاح الذي حقّقه الإسلام.

فكيف استطاع مسيلمة في أيام، بعد عودة وفد بني حنيفة من المدينة إلى اليمامة، أن يدّعي النبوّة فيجد عند بني حنيفة الرضا به والقبول بدعوته، وكأنهم كانوا ينتظرونه وينتظرونها، وليس فيه إلاّ الرويجل الأصيفر الأخينس، وليس في قرآنه إلاّ الضفدعة بنت الضفدع أو ما هو شبيه أو قريب.

لقد كان بنو حنيفة مسلمين يؤمنون بالنبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان مسيلمة نفسه يؤمن به ظاهراً على الأقل، وأقصى ما كان يدّعيه أنّ رسول الله أشركه معه في النبوّة. فإيمان بني حنيفة بنبوّة مسيلمة إذا صدّقنا الروايات، ليس مستقلاً إذن عن إيمانهم بنبوّة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وإنّما يستمد وجوده منه. ولو كان الأمر عكس ذلك لادّعى مسيلمة النبوّة قبل ذهابه مع وفد بني حنيفة إلى المدينة، وقبل إعلان إسلامهم على يدي النبي محمد هناك، ولما احتاج إلى شهادة الرجال بن عنفوة يؤكّد بها أنّ محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله أشركه في الأمر، فكانت هذه الشهادة سبباً في أن يصدّق بنو حنيفة مسيلمة ويستجيبوا له ويصفقوا معه كما يذكر المؤرّخون(١) .

وهذا سيقودنا إلى سؤال آخر أحسبه نتيجة طبيعية لما تقدّم. فما دام الأمر كلّه ينحصر في أنّ بني حنيفة اعتقدوا بشهادة الرجال أو غيره، أنّ مسيلمة قد أشرك في النبوّة مع محمد. أكان صعباً تفنيذ هذا الاعتقاد، وإبلاغ بني حنيفة كذب مسيلمة وكذب الرجال معه في شهادته وفيما نقله عن النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

والآن ماذا بقي من نبوّة مسيلمة غير ما اعتدنا من تزييف وتعصّب وحمق، يسهم فيها كل أصحاب المصلحة في تشويه حقائق التأريخ.

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٨٢، وابن الأثير ج ٢ ص ٢١٩، وفتوح البلدان للبلاذري ص ٩٧.


ولكن إذا قد انتهينا من مسيلمة النبي، فإنّ بحثنا عنه سيبقى قاصراً إن نحن وقفنا عند ذاك ولم نحاول أن نعالج ولو بإيجاز، أسباب الحرب التي خاضها مسيلمة وبنو حنيفة كما نراها في ضوء الوقائع التي سبقت. لا كما يراها المتحكّمون بالتأريخ من خصوم العقل وأعدائه.

لقد شهدت اليمامة في نهاية عام ١١ للهجرة أقسى وأعنف حرب عرفها المسلمون حتى ذلك التأريخ. استقتل فيها بنو حنيفة وفقدوا وحدهم دون حساب قتلى المسلمين، أكثر من عشرين ألف، بينهم عددٌ من أبرز رجالهم، على رأسهم مسيلمة نفسه(١) .

ولا يمكن أن يدفع بنو حنيفة هذا العدد الكبير من خيرة رجالهم، ثمناً لنبوّة كاذبةٍ أو شهادة كاذبة جاء بها الرجال بن عنفوة الذي قتل هو أيضاً في هذه الحرب. وكان سهلاً عليه حين استحرّ القتل في قومه، أن يعلن كذب شهادته ومعها كذب مسيلمة، وينجو بنفسه وبقومه من القتل والسبي، ومن ذل وعار يلحق الأجيال من بني حنيفة ما بقي منهم أحد.

لقد كانت حرب بني حنيفة في اليمامة أقسى وأعنف بكثير مما سبقها. لكنها لم تكن لتختلف عمّا سبقها من حيث الدوافع والأسباب.

كانت حرب طليحة وغطفان كما رأينا، بسبب الزكاة التي لم يريدوا إرسالها إلى المدينة، مفضّلين إبقاءها وتوزيعها على فقرائهم، وهم كما يتصوّرون، أحقّ بها ممّن في المدينة.

وكانت الحجّة في الحملة على مالك وقومه من تميم، حبس زكاتهم وعدم إرسالها إلى المدينة.

وكانت الحرب ضد كِندة، كما سنرى، بسبب الزكاة أيضاً والاستيلاء على ناقةٍ لا زكاة عليها.

____________________

(١) تاريخ الطبري حوادث سنة ١١ ج ٣ ص ٢٩٧، وتأريخ ابن الأثير حوادث نفس السنة ج ٢ ص ٢٢٣.


وما أظن حرب بني حنيفة، كانت لها أسباب أخرى غير ما رأينا، وغير الرفض الذي يشاركهم فيه سواهم من (المرتدّين) لهذا التكتّل القرشي الذي بدأ بالظهور وفرض سيطرته على الحياة الإسلاميّة، وهو تكتّل ضمّ العديد من رجال قريش من غير ذوي السابقة في الدين، ومن أصحاب العصبيّة والجاه قبل الإسلام الذي لم يدخلوا فيه، إلاّ بعد اليأس من مقاومته والانتصار عليه، إذ كان دخولهم في الإسلام يمثّل الضمان الوحيد لاستعادة مجدهم ونفوذهم، وبلوغ السلطة التي كانوا يطمعون فيها ويخشون أن تفلت من أيديهم إلى غيرهم، ممّن سبقوهم إلى الإسلام. وقد سبق أن تحدّثنا عن هذا بتفصيل في مقدّمة الكتاب.

وإن كان هذا التكتّل قد بدأ بـ (قرشية) الخليفة فإنه لم ينته بـ(السواد، بستان قريشٍ) إذ استمرّت قرشيّة الخليفة، واستعمر معها كل سواد بستاناً للخليفة من قريش ولأهله وذويه.

على أنّ الحديث عن ردّة مسيلمة وبني حنيفة، لن يكمل، وسنشعر بالتقصير إزاء بطل حروب الردّة، إذا نحن لم نبارك له زواجه الثاني أثناء المعركة مع مسيلمة، من ابنة مجاعة بن مرارة، أحد قادة الردّة من بني حنيفة، وعلى أرض المعركة جثث ألف ومائتين من قتلى المسلمين لم تجف دماؤهم بعد.

لقد أعجبته ابنة مجاعة بن مرارة، ولم تكن ذات زوج يمنعه الزواج منها ليقتله، فغفر لأبيها ردّته وتركه حيّاً بعد أن قتل من كان معه من بني حنيفة.

وقد سارع الخليفة أبو بكر فبارك قبلي الزواج الثاني لسيف الإسلام بكتاب أنقل لك بعض ما جاء فيه (لعمري يا بن أم خالد إنك لفارغ تنكح النساء وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجلٍ من المسلمين لم يجف بعد)(١) .

وقبل كتاب أبي بكر بتهنئه خالد بزواجه الجديد، كان هناك ما هو أهم وأخطر، مما يلقي الضوء على سلوك خالد فيما سُمّي بحروب الردّة.

____________________

(١) يتهم بعض المؤرخين خالد بن الوليد بأنه (كان فيه تقدم على رأي أبي بكر يفعل أشياء لا يراها أبوبكر: تقدم على قتل مالك بن نويرة وصالح أهل اليمامة ونكح ابنة مجاعة بن مرارة) = = أنظر كتاب نسب قريش لمصعب بن عبدالله الزبيري - نشر وتعليق ليفي بروفنسال - طبعة دار المعارف للطباعة ص ٣٢١ وثمار القلوب في المضاف والمنسوب لأبي منصور الثعالبي طبعة القاهرة ١٩٠٨ ص ١٨ والذي يضيف (... ونكاحة امرأته - يعني امرأة مالك بن نويرة - من غير أن ترجع عن ردتها).


كان هناك محمد بن عبدالله: رسول الله ونبي المسلمين، وهو يستقبل القبلة قائماً شاهراً يديه حتى أنه يرى بياض ما تحت منكبيه وهو يقول (اللّهمّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد)(١) يكرّرها ثلاثاً. وذلك حين أرسله إلى بني جذيمة من كنانة داعياً لا مقاتلاً، فصنع بهم ما صنعه بمالك وأصحابه فيما بعد: طلب منهم أن يضعوا السلاح (فإن الناس قد أسلموا) كما قال لهم. فلّما وضعوا السلاح ثقةً به، أمر بهم فكتفوا ثم قتل منهم من قتل.

وهي قصّة تجدها في كل كتب السيرة والتأريخ في حوادث عام ٨ للهجرة، مع تفصيل أسباب حقد خالد على بني جذيمة، منذ أن قتلوا عمّه الفاكه بن المغيرة في الجاهلية.

____________________

(١) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٤٣٠ وتأريخ الطبري ج ٣ ص ٦٧ - ٦٨ وابن الأثير ج ٢ ص ١٢٨ وعيون الأثر لابن سيد الناس ج ٢ ص ١٨٥ - ١٨٧ والمعارف لابن قتيبة ط دار الكتب ١٩٦٠ ترجة خالد بن الوليد ص ٢٦٧ وصحيح البخاري (باب رفع الأيدي بالدعاء) وحديث ٦٣٤١.


الباب السادس

( ردّة حضرموت وكِندة )


الباب السادس

( ردّة حضرموت وكِندة )

ما قرأت ما يكتبه المؤرّخون عن ردّة حضرموت وكِندة إلاّ أسرع ذهني إلى حرب البسوس.

فبسبب ناقة قامت هذه الحرب في الجاهليّة بين أكبر حييّن من ربيعة: بكر وتغلب، وقتل فيها من قتل.

وبسبب ناقة، قامت حربٌ ما يزال اسمها (الردّة) بين المسلمين من أهل اليمن وبين المسلمين من جيش السلطة وأنصارها. قتل فيها من قتل وأسر أو سبي من نجا من القتل.

وإذا كانت الحرب الأولى عرفت في التأريخ باسم صاحبة الناقة: البسوس التي أصبحت فيما بعد رمزاً للشؤم بين الناس، فما أحرى الحرب الثانية أن تعرف بحرب (شذرة) نسبة إلى اسم الناقة التي قامت بسببها هذه الحرب، وما أحرى هذه الناقة أن تكون هي الأخرى رمزاً للشؤم بين الناس فلا تستقل ناقة البسوس وحدها بذلك (الفضل).

وإليك باختصار رواية حرب شذرة أو ردّة اليمن كما يصطلح على تسميتها المؤرّخون(١) .

كان زياد بن لبيد البياضي الأنصاري قد ولّي صدقات بني عمرو بن معاوية من كِندة، فقدم عليهم وهم بالرياض(٢) . فكان أوّل من أتاه وصدّقه منهم غلام يقال له شيطان بن حجر(٣) .

فأعجبت زياداً بكرة من إبل الصدقة التي قدم بها الغلام، فدعا بها فوضع عليها الميسم الخاص بهذه الإبل. ولم تكن الناقة لشيطان بل لأخيه وليس عليه صدقةٌ. وكان شيطان قد وهم حين أخرجها ضمن إبل الصدقة وظنّها غيرها، فقال العداء ـ صاحب الناقة ـ : هذه شذرة باسمها. واعترف شيطان بصدق أخيه وبأنّها ناقته وطلب من زياد ردّها وأخذ غيرها بدلاً عنها، فرفض زياد ذلك و(اتّهمه بالكفر ومباعدة الإسلام) ومنعهما عنها.

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٣٣٢، وابن الأثير ج ٢ ص ٢٣٤.

(٢) الرياض أرض باليمن بين مهرة وحضرموت. مراصد الاطلاع ج ٢ ص ٦٤٦.

(٣) أشك أن يكون هذا هو اسمه الحقيقي فربما كان من وضع بعض المتعصّبين ضد ما دعي بردّة اليمن فاختاروا لمن ظنوه سبباً فيها بعض الأسماء الى المسلمين وأشدّها اتصالاً بالشر تنفيراً منها وتبغيضاً لمن قام بها. ويقوّي هذا الشك عندي أن (شيطان) ليس من الأسماء الشائعة عند العرب.


وترادّوا الكلام فاستصرخ العداء آل عمرو فأقبل من رؤسائهم حارثة بن سراقة وكلّم زياداً في إطلاق ناقة الرجل مقابل ما يختار من غيرها من الإبل. لكن زياداً أصرّ على الرفض فعمد حارثة إلى الناقة وأطلقها. فلم يكن من زياد إلاّ أن أمر شباباً من حضرموت والسكون فنالوه بأيديهم وكتفوه وكتفوا أصحابه وارتهنوهم واستردّوا الناقة.

وتستطيع أن تتصوّر النتيجة: غضبت بنو معاوية لحارثة وغضبت حضرموت والسكون لزياد، وتوافى جمع كثيف من الفريقين ولكن دون أن يحصل قتال بينهما حتى الآن. أمّا بنو معاوية فلمكان أسراهم عند زياد، وأما زياد وأصحابه فلأنهم لم يجدوا سبباً يتعلقّون به على بني معاوية.

وكان من الممكن أن يقف الأمر عند هذا الحد وأن تحل المشكلة بالحسنى، لولا أن يرسل زياد إلى بني معاوية يطلب منهم أن يضعوا السلاح أو يؤذنوا بحرب، دون أن يعيد إليهم أسراهم.

وردّ بنو معاوية بأنهم لن يضعوا السلاح قبل عودة أصحابهم المرتهنين عند زياد.

فماذا كان جواب الأمير إلى بني معاوية؟ قال إنهم (لا يرسلون أبداً حتى ترفضوا وأنتم صغرة قمأة يا أخابث الناس ...)(١) .

هكذا كان جواب زياد إلى بني معاوية، وهم يطالبون بعودة أسراهم الذين لم يفعلوا شيئاً يثير غضب الأمير. وهو جواب فيه الكثير ـ كما ترى ـ من الاستلاء والاستهانة ببني معاوية. ثم لم يكتف زياد بذاك فزحف إليهم ليلاً وقتل فيهم وتفرّق الباقون. وعند ذاك فقط أمر بإطلاق سراح الأسرى الثلاثة لديه.

ولما رجع هؤلاء إلى أصحابهم حرّضوهم على زياد ومن معه فاجتمع بنو معاوية على منع الصدقة.

وتتابعت المعارك بين الطرفين، وشارك الأشعث بن قيس زعيم كِندة مع قومه من بني الحارث بن معاوية فيها، حميّة وانتصاراً لقومه. وكانت آخر معاركهم معركة النجير(٢) : حصن لكِندة. لم يدع المسلمون حين اقتحموه (مقاتلاً إلاّ قتلوه وضربوا أعناقهم صبراً وأخذوا الأموال والسبي ...)(٣) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٣٣٣.

(٢) حصن لكِندة باليمن قرب حضرموت.

(٣) تاريخ الطبري ج ٣، وابن الأثير ج ٢ ص ٢٣٦.


إلى هنا أنتهي من رواية هذه الردّة.

ولا بدّ أنّ أسئلة كثيرة أثارتها لديك. وهي أسئلة حاولت أن أتجاوزها فلم أستطع. وحاولت أن أجد مخرجاً لها أو عذراً عنها فلم أستطع.

فأوّل ما يواجهك فيما يُسمّى بردّة كِندة أنّ المتّهمين بها هم الذين جاؤوا بصدقاتهم إلى زياد بن لبيد. لم يمتنعوا ولم يختلفوا، ولم يتحدّث المؤرّخون عن أيّة مشكلة أثارها بنو عمرو بن معاوية في تسليم صدقاتهم كبعض العرب الآخرين.

فأين وجه الردّة هنا، وهم لم ينكروا نبوّة محمد ولا فرضاً من الإسلام ولم يحملوا السيف ولم يثوروا ولم يحاربوا.

وإذا كان هناك بين العرب من امتنع عن إرسال الزكاة إلى المدينة مفضّلاً توزيعها على فقراء قومه واستحقّ بهذا، الاتهام بالردّة عند المؤرّخين، فإنّ بني عمر وهؤلاء جاءوا طائعين مختارين لدفع صدقاتهم إلى عامل الخليفة.

فما اصطلح المؤرّخون على تسميته ردّة أهل اليمن، لم يكن في الحقيقة إلاّ نزاعاً أثاره زياد بن لبيد نفسه، حين أصرّ على أخذ ناقةٍ ليس له الحقّ في أخذها؛ لأنها لم تكن خاضعةً أصلاً للصدقة.

أكان الله سيقبل لزياد أو لغير زياد أن يظلم الناس في جباية حقوقه فيدخل في مال الصدقة ما لا حق فيه؟

ما كان عليه لو قبل ما عرض شيطان من استبدال ناقة أخرى بناقة أخيه وجنّب المسلمين حرباً كلّفتهم الكثير!!

ولم هذا التعالي والاستهانة بالمسلمين، والإسلام هو دين المساواة والتسامح والعدل، والوالي أحقّ من يطبّق تعاليمه وأحرى أن يأخذ الناس، خصوصاً وهم حديثو عهدٍ به، بالرفق واللين فيكون بذلك المثال الطيّب للمسلم، وقد يهدي الله للإسلام، برفقه ولينه، من لا يصنع معه السيف ولا يجدي


وكيف أجزت لنفسك يا ابن لبيد أن تتّهم بالكفر ثلاثة مسلمين يشهدون أن لا إله إلا الله وأنّ محمّداً رسول الله ويؤتون فروض الله، ومنها الزكاة، طائعين مختارين. وكل ذنبهم أنّهم أرادوا إبدال ناقةٍ بناقةٍ ، لهم الحقّ في إبدالها؟!

ولم أمرت بتقييدهم وضربهم وهم بين يديك وفي عسكرك لا يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم ولا أن يهربوا من أسرهم؟!

أكانت مطالبة الأمير بشيء، حقّاً أو باطلاً تساوي في نظرك الكفر بالله وبرسوله وتعدل عندك الدماء التي سالت؟!

ولو قبلت أن تضرب حارثة الذي تجرّأ فعمد إلى إطلاق الناقة تأديباً له وتخويفاً لغيره. فأيّ ذنبٍ ارتكبه شيطان وأخوه ولم يفعل أيّ منهما ما يستحقّ عليه الضرب والتأديب.

ولم حبستهم فلم تطلق سراحهم بعد ضربهم وتأديبهم وبعد أن استرجعت الناقة التي أعجبتك، من أصحابها وأعدتها إلى مكانها من إبل الصدقة الذاهبة إلى المدينة.

ولأقبل بكل هذا، وليس القبول به أمراً سهلاً، فلماذا بيّت بني عمرو بن معاوية وشننت الغارة عليهم فقتلت وأصبت ولم ينج منهم إلاّ من أطاق الهرب في ظلام الليل؟!

ما ذنب بني عمرو غير أنهم عشيرة صاحب الناقة ورهطه. وبأيّ حق قتل من قتل وشرّد من شرّد، وهم مسلمون لم يصدر عنهم ما يخالف الإسلام؟!

أكنت ـ كما فعل خلفك زياد بن أبيه بعد أكثر من ثلاثة عقود ـ تأخذ المحسن بالمسيء والمقبل بالمدبر، حتى لو كان المقبل والمدبر كلاهما مسلمين بريئين لم يقترفا ذنباً ولم يرتكبا جرماً؟

أتلومهم أو يلومهم أحدٌ لو صحّ ما يرويه الرواة من أنهم منعوا بعد ذاك الزكاة، وقد جلب لهم الوفاء بها القتل والظلم والإهانة، وهم بعد ليسوا بعيدي عهدٍ بالجاهلية وعصبيّتها وبين أهلهم وعشائرهم.

أظنني لو كنت أحدهم لشاركتهم منع الصدقة، أو لما لمت على الأقل من شارك منهم في منعها.

تعجبك ناقة فتتهم أصحابها بالردّة وتقتلهم هم وعشيرتهم.


وتعجب صاحبك امرأة فيتهم زوجها بالردّة ويقتله هو وعشيرته.

ليس لهذا يا ابن لبيد جئت، ولا بهذا أمرك خليفة المسلمين وهو يستودعك أمورهم ويوصيك بالرفق بهم.

ولكنك محظوظ يا ابن لبيد فما يزال المؤرّخون عندنا حتى اليوم يدافعون عنك ويبرّئونك ويبرّرون فعلك، صنعهم مع صاحبك أو أصحابك. وهم على استعداد لاتّهام الألوف وعشرات الألوف ومئات الألوف من المسلمين بالردّة وباستحقاق القتل لتبرئة واحدٍ من ذوي الحظوة والسلطان أمثالك.

ويكفيك أنّهم يبحثون موضوع الناقة تحت عنوان (ردّة حضرموت وكِندة) مع أنهم حين يدخلون في أمر هذه الردّة وتفاصيل أحداثها يجعلون حضرموت والسكون، وهي إحدى بطون كِندة، من بين جندك والمحاربين إلى جانبك ضدّ (المرتدّين) حضرموت وكِندة.


الخاتمة


« الخاتمة »

وبعد فتلك كانت أهمّ حروب الردّة التي لا تعني اصطلاحاً عند الكاتب والقارئ غير الارتداد عن الإسلام وإنكار نبوّة محمد واتباع دين أو أديان جديدة ونبي أو أنبياء جدد أو العودة إلى ما كان عليه العرب قبل الإسلام.

وتعمّدت ألاّ أتحدّث عن أسود بني عنس. فالمؤرّخون يذكرون أنّ قتله كان في حياة النبي وقبل استخلاف أبي بكر، وارتداد العرب إثر ذاك بما يصوّره المؤرّخون وباءً كاد أن يقضي على الإسلام ويذهب به.

ولقد حاولت من خلال ذلك كلّه أن أجد ردّةً ورجوعاً عن الإسلام بالشكل الذي يجري الحديث عنه في كتب التأريخ فلم أفلح. دون أن يفهم من هذا أنه لم يكن هناك مرتدٌّ أو مرتدّون، كما سنعرض له فيما بعد.

ولأبدأ بالأديان الجديدة والأنبياء الجدد الذين لم يترك الرواة من هجر القول وسخفه وما يعقل وما لا يعقل إلاّ أضافوه وألصقوه بهم.

فما هي الأديان التي جاء بها من سمّاهم المؤرّخون أنبياء وهم يواجهون الإسلام بكل عظمته ديناً ونبيّاً.

ما هو دين طليحة؟ ما أركانه ما أحكامه وتعاليمه؟ أين كتابه الذي نزل به الوحي عليه وهو يدّعي النبوّة في عصر محمد وفي ظل القرآن. ولا يجمع (المؤمنين) حوله وحول أمثاله مثل دعوى الوحي والكتاب المنزل، تشبّهاً بمحمد والقرآن ومحاكاة لهما.

ولأترك ذلك كلّه. لأترك الأحكام والتعاليم والأخلاق وتنظيم العلاقات في الأسرة وفي المجتمع عموماً، ولأترك الدين: ما تعلّق بالدنيا والآخرة منه، ولأقتنع بحدٍ أدنى من حياة عربية بسيطة تمثّل كل دين طليحة. فأين بلاغة العرب في القول: هذه التي أجدها عند أيّ عربي دون مرتبة (الأنبياء) وهو يتحدّث في أي شأنٍ من شؤون قبيلته في تلك الحياة العربية البسيطة.

إنني ما أزال أطرب لحديث العرب كلما سمعته إذا تحدّثوا قبل طليحة وبعده، وأجد فيه من سحر البلاغة والبيان ما يشدّني إليه. فما لي لا أجد أيّة بلاغةٍ وأيّ بيان في قرآن طليحة، وهو المنزل ـ كما يزعم أو يزعم الرواة ـ من الله الذي أنزل القرآن على محمد.


أترى عربياً رأى محمداً أو قرأ القرآن أو سمعه سيتركه، لغير عصبيةٍ أو طمع، إلى طليحة وهو يهذي بـ(والحمام واليمام والصرد الصوام قد صمن قبلكم بأعوام ...) أو (أمرت أن تصنعوا رحا ذات عرا ...) أو (ابعثوا فارسين على فرسين أدهمين من بني نصر بن قعين يأتيانكم بعين).

وأظن هذا كل ما تضمّنه (كتابه الكريم) قبل (آية) (إنّ لك رحاً كرحاه وحديثاً لا تنساه) التي نزلت عليه آخر شيء أثناء المعركة التي انتهت بهزيمته وهربه وتنازله عن النبوّة.

ألم يكن بين أتباع طليحة من يسأله عن دينه وكتابه ووحيه أو هذيانه.

ولأفترض أنّ أتباعه غفلوا فلم يسألوا. ألم يسألهم المسلمون عن كتاب نبيّهم، هذا الذي آمنوا به، ولا بدّ أن يكون في مستوى يتناسب مع جلال (النبوّة) ورسالتها التي حملها طليحة، خصوصاً والقرآن ترتفع به أصوات المسلمين صباح مساء ليس بعيداً عن أتباع ابن خويلد.

أكان الذين قاتلوا مع طليحة مؤمنين بنبوّته وبأنّ ما يسمعونه من هذيانٍ هو كلامٌ من كلام الله نزل به الوحي على نبيّهم طليحة؟!

أهذه الأسطر الأربعة أو الخمسة التي لو نطق بها طفل لاستعجل به أهله إلى أقرب مستشفى للأمراض العقليّة، هي كل قرآن طليحة وكل دينه الذي جاء يحارب به دين محمد ويصرف العرب عنه.

لقد رفض العرب دعوة محمّدٍ وحاربوها، على عظمة محمد وعظمة دعوته فلم يقبلوا على الإسلام ولم يدخلوا فيه ولم ينتشر بينهم إلاّ بعد أكثر من عشرين عاماً، كان محمد خلالها موضع امتحانٍ طويل. فكيف استطاع طليحة بكلام غبي أحمق أن يجمع كل هذه الألوف وراءه خلال أيام، ومع وجود الإسلام.

رحم الله مؤرّخينا الذين لم يرحموا طليحة ولم يرحموا الذين يريدون أن يرفعوا طليحة.

وبعد طليحة، نأتي إلى سجاح التي لا بدّ أن جاءت بشيء ممّا يصح وصفه ولو توسّعاً بالدين، وهي ترفض دين محمد وترتد عنه وتدعو العرب إلى رفضه والارتداد عنه كما يذكر الذاكرون.


ماذا يروي الرواة عن دينها حتى لو قبلت أن يكذّبوا عليها ويضيفوا إليها ما يريدون.

بِمَ تنبّأت وهم يعدّونها بين الذين ادّعوا النبوّة بعد وفاة محمد؟ أي كتاب نزل به الوحي عليها؟

ربما كان (به أجمع) حين سألها مسيلمة ما سألها، وليس معهما في الخيمة غيرهما، هو ما نزل به الوحي عليها؟

ولكن كيف عرف الرواة هذا الوحي ونقلوه، وما أظن الزوجين (النبيّين) قد أعلناه وصرّحا به، فهو ليس جزءاً من النبوّة ولا دليلاً على صدقها، وليس ممّا يحسن بالمرء، عربيّاً كان أو غير عربي، حتى من لم يبلغ رتبة النبوّة، أن يكشف عمّا جرى بينه وبين زوجته ليلة البناء بها. والزوجة عادةً تكون أشدّ حياءً وأحرص ألاّ تبوح بشئ مما جرى في تلك الليلة. وهكذا أجدني مضطرّاً لأن أرفض هذه الرواية، وأرفض ما يورده المؤرّخون من حديث سجاح، التي يجعلون منها نبيّاً مرّةً وبغيّاً أخرى، ويجعلون من قومها وأصحابها، مجموعة حمقى ومجانين، وهم رؤوس العرب وفرسانهم.

ومن سجاح أنتقل إلى زوجها ـ لثلاث ليال فقط ـ مسيلمة الذي قاتل وقاتل معه أربعون ألف من اليمامة، قتل أكثر من نصفهم كما يذكر الرواة، لينصروا نبيّاً كان من أفضل ما نزل به الوحي عليه (يا ضفدعة ابنة ضفدع) التي تنق كما تشاء، دون أن تمنع الشارب أو تكدّر الماء.

أرأيتم أروع بياناً وأبلغ معنى من هذا الذي أتى به نبيّ بني حنيفة قومه.

أراد أن يحاكي القرآن في(أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) فماذا صنع. ترك كل الحيوانات: الخيل والأسود والنمور وما هو أملأ للعين وأدعى للرهبة فلم يختر لبني حنيفة إلا أخسّ الحيوانات: الضفدعة، ولم يكونوا هم بأخسّ القبائل.

هذا يا سيّدي حديث الذين يصرّ المؤرّخون على أن يسمّوهم أنبياء ويجعلوا منهم أصحاب رسالات وأديان جديدةٍ تمثّل تحدّياً للإسلام وبديلاً عنه. ولا أعرف حتى الآن فرقاً بين دينٍ ودين منها. بل لا أعرف فيها ديناً أو شيئاً قريباً من الدين، إذا جاز أن يكون في الدين قريبٌ أو بعيد


ولا أدري كيف احتملت جزيرة العرب كل هذه الأديان مرّةً واحدة، وهي التي لم تعرف على امتداد مئات السنين غير نبي واحد هو محمد ودينٍ واحدٍ هو الإسلام.

وعلى كلٍّ فهذا هو كلام المؤرّخين لست في حاجةٍ إلى نفيه وهو ينفي بعضه بعضاً. لكن الغريب أنه ما زال مقروءاً ومسموعاً. وهذا ما دفعني إلى ما رأيت من محاولةٍ لتصحيح بعض وقائع التأريخ التي طال تشويهها والعبث بها، وإنصاف بعض الأشخاص الذين كانوا وما يزالون، ضحايا لهؤلاء الذين امتهنوا تشويه التأريخ والعبث به.

وإذا كنت أنكر الردّة كما يصوّرها المؤرّخون، فأنا لا أنكر أنه كان بين المسلمين مرتدّون. لكنّ هؤلاء لم يكونوا بحاجةٍ إلى أنبياء جدد وأديان جدد، وكان لهم في محمد ودينه لو شاءوا، غنىً عن السخف الذي رأينا ممّا يسمّى أدياناً. لقد كانوا ضدّ كل نبيّ وكل دينٍ غير ما كانوا عليه في الجاهليّة، وهذا ما لا يحتاجون إلى من يذكّرهم به أو يدلّهم عليه.

ولم يكن ارتدادهم لأنّ نبياً أفضل من محمد قد جاء بدينٍ أفضل من الإسلام، بل لأنّ الإسلام كثورة ضخمة شملت حياة العرب بكل جوانبها، كان لا بدّ له أن يثير حفيظة العديد من أصحاب المصالح الذين تضرّرت مصالحهم ومن أصحاب البيوتات وذوي الجاه والنفوذ الذين ساوى الإسلام بينهم وبين غيرهم، أو من الأعراب الذين لم يستطيعوا الانفصال عن جاهليّتهم وقيمها وما ألفوا من حياتها. هذا إلى أنّ الذين أسلموا لم يكونوا كلّهم على درجةٍ واحدة من اليقين ورسوخ الإيمان.

لكنّ هؤلاء المرتدّين لم يكونوا من القوّة بما يمكّنهم من محاربة الإسلام والانتصار عليه بعدما ثبت وتأكّد وانتشر خلال ثلاثٍ وعشرين سنة ونشأ جيلٌ لم يعرف غيره وغير محمد ديناً ونبيّاً وما كان أولئك المرتدّون ليجهلوا هذا طبعاً.

وإذا كنت لا أستطيع أن أشخّص الذين ارتدّوا. وإذا كنت لا أتجاوز حدود الفرض في ذلك، فإنّ هذا الفرض يمثّل إحدى الحقائق الأساسية التي عليّ أن أؤمن بها. فأنا لا أنفي وجود مرتدّين، ولكني لست مطالباً بأن أعرف أسماءهم، وإن كنت لا أعطيهم أكثر من دورٍ ثانويّ في الأحداث التي أعقبت وفاة النبي محمد.


ما الذي جرى بعد وفاة النبي وما هي أسبابه؟ هل انتفض العرب وثاروا؟ وهل كانت الثورات ردّةً عن الإسلام واتّباعاً لأديان وأنبياء جدّد كما يذكر المؤرّخون؟

أمّا بالنسبة للشقّ الأوّل، فأنا أتّفق مع المؤرّخين في أنّ أحداثاً كبيرة وصلت حدّ الحروب التي ذهب ضحيّتها الألوف قد شهدتها الساحة الإسلامية بعد وفاة النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

حرب مع طليحة. وحرب مع سجاح ومالك. وحرب مع مسيلمة. وحرب مع كِندة. وحروب أخرى لم أعرض لها ولم أتناولها.

ولكني أختلف معهم فيما يذهبون إليه من أنّ الحروب كانت بسبب (الردّة) عن الإسلام كما يسمّونها في كتبهم. ولا أرى فيها أكثر من موقف من السلطة التي خلفت النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله في بعض ما ترى من شؤون، لها طابعٌ سياسيّ أو ماليّ أو قبلي، أكثر ممّا لها من طابع إيماني إسلامي، وقد يعزّز هذا الرأي، أنّ الصلاة لم تثر مشكلةً اسمها الردّة. وأنّ هذه انحصرت في الزكاة، أي في المال وإرساله الذي يمثّل دعماً للسلطة الجديدة واعترافاً بها وخضوعاً لها، وهو ما يرفضه هؤلاء (المرتدّون) من المسلمين.

فلم يكن هناك ردّة ولا خروجٌ بأيّ شكلٍ عن الإسلام، بل ضمن الإسلام وتحت خيمته، جرى ما جرى.

صحيح أنّ الخلاف بين الطرفين قد تطوّر حتى وصل حدّ الحرب، كما ذكرنا، ولكنّه يبقى خلافاً بين مسلمين تستطيع أن تصف أحد طرفيه بأيّ وصفٍ وتطلق عليه أي اسم إلاّ الكفر والردّة وإنكار نبوّة محمد.

قد يكون في بعضه إنكارٌ لخلافة أبي بكر وتفضيل غيره عليه، أو رفضٌ للأسلوب الذي اتّبع فيما أسفرت عنه سقيفة بني ساعدة، وهو رأي عددٍ من الصّحابة أو كبارهم وما يزال موضع خلافٍ حتى الآن بين المسلمين.

ولكنّ أبا بكر ـ مع التسليم بكل فضله وسابقته وجهاده ـ ليس هو الإسلام، ولا الإيمان به وبخلافته ركناً فيه ولا جزءاً منه، والخلاف معه ورفض بيعته لا يمكن أن يكون رفضاً للإسلام وارتداداً عنه، فهو واحدٌ من المسلمين حتى لو قلنا بأنه أفضلهم، وليس في نقد الأسلوب الذي وصل به إلى الخلافة أو عدم الرضا به واتخاذ موقف بشأنه، ما يستوجب الخروج عن الإسلام واتّهام الناقد لتلك التصرّفات أو الرافض لها بالردّة وشنّ الحرب عليه واستحلال دمه وماله وسبي ذريّته، وكأنّه منكرٌ لنبوّة محمدٍ رافض لدينه.


ماذا بقي إذن من فرقٍ بين محمد وبين غيره من المسلمين وقد ساوينا في الموقف منهما وجعلنا المنكر للنبوّة والطاعن فيها والمنكر للخلافة والطاعن فيها في نفس المنزلة.

ماذا ستكون عقوبة من أنكر نبوّة محمد وطعن فيها وكفر بها؟ أهناك ما هو أكثر من القتل واستحلال المال وسبي الذرّية؟

وقبل حرب (المرتدّين) من قبائل العرب خارج المدينة. أظنه كان يجب أن تشنّ الحرب أولاً على (المرتدّين) في المدينة من بعض كبار الصحابة الذين أنكروا طريقة استخلاف أبي بكر في السقيفة وطعنوا فيها ورفضوا بيعته، قبل أن تنكرها وتطعن فيها وترفضها طيء وفزارة وأسد وغيرها من قبائل العرب.

بماذا طالب طليحة وماذا كانت تهمة مالك ورهطه، غير أنهم أرادوا توزيع الزكاة على فقرائهم وما أكثرهم، ولم يروا إرسالها إلى المدينة.

إنهم لم ينكروا الزكاة كفرضٍ من فروض الإسلام ليمكن وصفهم بالكفرة والمرتدّين. وما أظنك تجرؤ على وصف من كان هذا شأنه بالكافر والمرتد، وهو يشهد ألاّ إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، لكنه يؤثر توزيعها على فقراء قومه في ظرف بذاته.

وفيم كانت الحرب مع كِندة؟! أين الردّة في أن يطالب شخصٌ بناقته التي لا زكاة عليها فتشتعل بسبب ذلك حربٌ يقتل فيها الكثيرون ويشرّد الكثيرون؟!

وقبل هذه الحروب أريد أن أقف عند حدثٍ سابقٍ لها ما أحسبه بعيداً عنها وعمّا أريق فيها من دماءٌ، بل ربّما كان من بين أهمّ أسبابها.

سأرجع إلى سقيفة بني ساعدة في المدينة التي شهدت أوّل خلافٍ علنيّ، ولا أريد أن أقول أوّل صراع، على السلطة بين المسلمين، وهو خلافٌ لم يكن ما جرى فيه سرّاً، وقد انتصرت فيه وجهة النظر القرشية وتمّت البيعة للخليفة أبي بكر (رض).

وأسأل ماذا كان سيحصل لو تمّسك الأنصار بموقفهم وأصرّوا على دعمهم سعد بن عبادة في طموحه للخلافة. أو لو رفضوا على الأقل أن يبايعوا أبا بكر.

ماذا ستسمّي الأنصار عندئذٍ ، وهم من هم في نصرهم للإسلام وذبّهم عنه. وهم الذين آووا وضحّوا بأرواحهم وأموالهم من أجله.


وقد تجيب بأنهم لم يفعلوا فكفونا عناء التفكير بالأسماء، وما تختار وما لا تختار لهم منها.

ولكن بقي سعد الذي لم يبايع وبقي الذين مع سعد وبقي ابن الجموح (جذيلها المحكك وعذيبها المرجّب ...).

فأيّ اسم ستختار لسعد ومن تابعه وبقي معه، وهم لم يمنعوا الخليفة عقالاً ممّا كانوا يعطونه لرسول الله فقط، ولم يمسكوا صدقاتهم في أيديهم لتوزيعها على فقرائهم فقط، ولم يطلبوا استبدال ناقةٍ بناقة فقط، وكل هؤلاء سمّوهم مرتدّين وكفرة واستباحوا دماءهم وأموالهم وذراريهم. وإنّما نازعوا الخليفة خلافته لرسول الله ورفضوها وطعنوا فيها وظلّوا رافضين لها طاعنين فيها.

ولولا أن يلهمهم الله المجتمعين في السقيفة الهداية والرشد، ولولا أن يستجيب الأنصار لنداء الدّين والعقل ولم يصرّوا على موقفهم، لتعرّض الإسلام لخطرٍ لا يعلمه إلاّ الله.

وكم كان بودّي أن أعرض للسقيفة وما جرى فيها وما سبقها. والعلاقة بين كل ذلك وبين حروب الردّة، لولا خشيتي من أن يخرجني الموضوع بعيداً، وتصبح الخاتمة غير خاتمة.

لقد كانت حروب (الردّة) رسالة إرهاب من قريش قوية واضحة، شديدة القوّة، بالغة الوضوح، إلى جميع العرب، بأنهم سيعرّضون أنفسهم واهلهم لما تعرّض له (المرتدّون) ولأكثر منه إن فكّروا يوماً بمنازعة الحكم الجديد أو الخلاف عليه أو عدم الخضوع والطاعة له.

يبقى الجواب عمّا سألني يوماً بعض الإخوان، وأنا في حديث الردّة: لماذا الزكاة لا غيرها. لماذا قامت تلك الحروب بسبب الزكاة لا الصلاة مثلاً وهي أهمّ من الزكاة في الاسلام وأعظم خطراً، ألأنّ المال في الزكاة وليس في الصلاة؟! ألأنّ الحكم الجديد وأنصاره ومؤيّديه والداعمين له والملتفّين حوله كانوا مستعجلين إلى المال؟!

ولم أجد ما أجيب به سوى بيتي قيس بن عاصم المنقري السعدي: للذين يمثّلان الموقف آنذاك خير تمثيل وأصدقه:

فمن مبلغ عنّي قريشاً رسالةً

إذا ما أتتها محكمات الودائع

حبوت بما صدقت في العام منقراً

وأيأست منها كل أطلس طامع

والأطلس هو الذئب. والمعنى واضح .


وأظن أي رأي لي أو لغيري، وأي تفسير أو تعليق سيكون عبثاً من القول وهما أوضح وأبين من أيّ إيضاح وبيان. وقائلهما قيس بن عاصم، سيّد أهل الوبر كما سمّاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وسكت السائل، وسكتّ لقد أغنانا بيتا قيس عن كل جوابٍ. كانا فيهما الجواب.

وإني لأعتذر أخيراً للقارئ الذي سيضطر إلى قراءة ما بين السطور وما وراءها، فأنا لم أستطع أن أحمّل السطور كل ما كنت أريد.


الفهرس

« المقدّمة ». ٢

الباب الأول. ٦

الفصل الأول: (موقف المسلمين بعد وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله) ٧

الفصل الثاني: (موقف العرب بعد وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله) ٢٢

الفصل الثالث: (في معنى الردّة) ٣١

الباب الثاني: (حرب طليحة) ٣٤

الباب الثالث: (مأساة مالك بن نويرة) ٤٢

الباب الرابع: ( سجاح ) ٧٤

الباب الخامس: (مسيلمة) ٨٩

الباب السادس: ( ردّة حضرموت وكِندة ) ١٠٤

الخاتمة ١١٠