استخراج المرام من استقصاء الإفحام- الجزء 3
التجميع مناظرات وردود
الکاتب السيد علي الحسيني الميلاني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

استخراج المرام مِن استقصاء الإفحام

للعَلَم الحجّة آية الله

السيد حامد حسين اللكهنوي

بحوث ورُدُودٌ

تأليف السيد علي الحسيني الميلاني

القسم الثَّالِثُ ـ أئمَّةُ المذاهب


بسم الله الرحمن الرحيم

صحيحُ أبي داود

الذي يصلح لأن يسمّى ( زبور أهل السنّة والجماعة ) ؛ لأنّهم قد شبّهوا مصنّفه بداودعليه‌السلام فقالوا : ( أُلين له الحديث كما أُلين لداود الحديد ) ، لكنّهم جعلوا سُننه كـ ( المصحف ) كما في ( فيض القدير ) قال : ( أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني الشافعي أخذ عن أحمد وخَلْق ، وعنه الترمذي ومَن لا يحصى ، وُلد سنة ٢٠٢ ومات سنة ٢٧٥هـ ، قالوا : أُلين له الحديث كما أُلين لداود الحديد وقال بعض الأعلام : سُننه أُمّ الأحكام ، ولمّا صنّفه صار لأهل الحديث كالمصحف )(١) ... وعليه فهو أجلّ مِن أن يلقّب بـ ( الزبور ) !!

وترجم له النووي ، فأورد كلماتهم في مدحه والثناء على كتابه ، قال :

( أبو داود السجستاني صاحب السُنن... روى عنه : الترمذي والنسائي وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني... واتّفق العلماء على الثناء على أبي داود ، ووصفه بالحفظ التام والعلم الوافي والإتقان والورع والدين والفهم الثاقب في الحديث وغيره .

رَوَينا عن الحافظ أحمد بن محمد بن ياسين الهروي ، قال : كان أبو داود أحد حفّاظ الإسلام لحديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلمه وعِلَلَه وسنده في أعلى درجة النُسك والعفاف والورع ، ومِن فرسان الحديث .

_______________________

(١) فيض القدير في شرح الجامع الصغير ١ : ٢٤ ـ ٢٥ .


وقال الحاكم أبو عبد الله : كان أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة .

قال علاّن بن عبد الصمد : كان أبو داود مِن فرسان هذا الشأن .

رَوَينا عن موسى بن هارون قال : خُلِق أبو داود في الدنيا للحديث ، وفي الآخرة للجنّة .

وقال أبو حاتم ابن حبّان : أبو داود أحد أئمّة الدنيا فقهاً وعلماً وحفظاً ونُسكاً وإتقاناً ، جمع وصنّف وذبّ عن السُنن .

ورَوَينا عن إبراهيم الحربي قال : لمّا صنّف أبو داود هذا الكتاب ـ يعني كتاب السُنن ـ : أُلين لأبي داود الحديث كما أُلين لداود الحديد .

ورَوَينا عن أبي عبد الله محمّد بن مخلد قال : كان أبو داود يفي بمذاكرة ألف حديث ، فلمّا صنّف كتاب السُنن وقرأه على الناس ، صار كتابه لأصحاب الحديث كالمصحف يتبعونه ولا يخالفونه ، وأقرّ له أهلُ زمانه بالحفظ والتقدّم فيه .

ورَوَينا عن الإمام أبي سُليمان الحربي قال : سمعت أبا سعيد ابن الأعرابي ـ ونحن نسمع منه كتاب السُنن لأبي داود ، وأشار إلى النسخة وهي بين يديه ـ يقول : لو أنّ رجلاً لم يكن عنده مِن العِلم إلاّ المصحف ثمّ هذا الكتاب ، لم يحتج معهما إلى شيء مِن العلم ألبتّة قال الخطّابي : وهذا كما قال...

قال الخطّابي : واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنّ كتاب السُنن لأبي داود كتاب شريف لم يُصنَّف في حكم الدين كتاب مثله ، وقد رُزق القبول مِن الناس كافّة ، فصار حكماً بين فِرَق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم ، وعليه معوَّل أهلِ العراق ومصر والمغرب وكثير مِن أقطار الأرض...


ومناقب أبي داود وكتابه كثيرة مشهورة وفيما أشرتُ إليه كفاية .

وُلِد أبو داود سنة ٢٠٢هـ .

وتُوفي بالبصرة لأربع عشرة بقيت مِن شوال ، سنة ٢٧٥هـ )(١) .

وقال ابن الأثير : ( قال أبو سليمان الخطّابي : كتاب السُنن لأبي داود كتاب شريف ، لم يصنَّف في علم الدين كتاب مثله ، وقد رُزق القبول مِن كافّة الناس على اختلاف مذاهبهم ، فصار حكماً بين فِرق العلماء وطبقات الفقهاء ، فلكلٍّ فيه ورد ومنه شرب وعليه معوَّل أهلِ العراق ومصر وبلاد الغرب ، وكثير مِن مدن أقطار الأرض... وحلّ هذا الكتاب عند أئمّة الحديث وعلماء الحديث محلّ العَجَب ، فضربت إليه أكباد الإبل ودامت إليه الرحل .

قال إبراهيم الحربي لمّا صنّف أبو داود هذا الكتاب : أُلين لأبي داود الحديث كما أُلين لداودعليه‌السلام الحديد وقال ابن الأعرابي عن كتاب أبي داود : ولو أنّ رجلاً لم يكن عنده مِن العلم إلاّ المصحف الذي فيه كتاب الله عزّ وجلّ ثمّ هذا الكتاب، لم يحتج معهما إلى شيء مِن العلم ألبتّة )(٢) .

قدح العلماء في أحاديث سُنن أبي داود

ومع هذا كلّه ، فقد طعن علماء القوم في كثيرٍ مِن أحاديث كتاب أبي داود :

قال الذهبيّ في ( الميزان ) :

( جعفر بن سعد بن سمرة عن أبيه ، وعنه سليمان بن موسى وغيره ، له

_______________________

(١) تهذيب الأسماء واللغات ٢ : ٢٢٤ ـ ٢٢٧ .

(٢) جامع الأُصول ١ : ١٩٢ .


حديث في الزكاة عن ابن عمٍّ له ، ردّه ابن حزم فقال : هما مجهولان .

قلت : ابن عمّه هو حبيب بن سليمان بن سمرة يُجهل حاله عن أبيه ، قال القطّان : ما مِن هؤلاء مَن يعرف حاله ، وقد جَهِد المحدّثون فيهم جهدهم وهو إسناد يروي به جماعة ، قد ذكر البزّار منها نحو المائة وقال عبد الحق الأزدي : حبيب ضعيف ، وليس جعفر ممّن يعتمد عليه .

قلت : فمِمّا ورد بهذا السَند : أمرعليه‌السلام ببناء المساجد وتُصلح ضعفُها ، وحديث : أمرَنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن نُخرج الزكاة مِن الذي نُعدّه للبيع ، وقالعليه‌السلام : مَن يكتم ـ فإنّه مثله .

ففي سُنن أبي داود مِن ذلك ستّة أحاديث بسند وهو : حدّثنا محمّد بن داود ، ثنا يحيى بن حسّان ، عن سليمان بن موسى ، عن جعفر ، عن ابن عمّه حبيب عن أبيه عن جدّه فسليمان هذا زهري مِن أهل الكوفة ليس بالمشهور ، وبكلّ حال ، هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم )(١) .

وقال : ( أبو عبد الرحمن الخراساني إسحاق ، مرّ ، ومِن مناكيره في سُنن أبي داود ، حدّثنا عطاء الخراساني : إنّ نافعاً حدّثه عن ابن عمر قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر وتركتم الجهاد ، سلّط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم .

فهذا هو إسحاق بن أُسَيد ـ سكن مصر ـ روى عنه هذا الخبر حيوة بن شريح قال ابن أبي حاتم : ليس هو بالمشهور وقال أبو حاتم : لا يشتغل به )(٢) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٢ : ١٣٥ / ١٥٠٦ .

(٢) ميزان الاعتدال ٧ : ٣٩٣ / ١٠٣٨٦ .


الموضوعات في سُنن أبي داود

وإلى جانب تلك الأحاديث المقدوح فيها ، أحاديثٌ حَكم العلماء عليها بالوضع :

(منها ) : قال : ( حدّثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوريّ ، ثنا موسى بن عبد العزيز ، ثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عبّاس : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال للعبّاس بن عبد المطلّب : يا عبّاس يا عم ألا أُعطيك ، ألا أمنحك ، ألا أحبوك ، ألا أفعل بك عشر خصال ، إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوّله وآخره ، قديمه وحديثه ، خطأه وعمده ، صغيره وكبيره ، سِرّه وعلانيته ؟ عشر خصالك : أن تصلّي أربع ركعات ، تقرأ في كلّ ركعة فاتحة الكتاب وسورة ، فإذا فرغت مِن القراءة في أوّل ركعة وأنت قائم قلت : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ، خمس عشرة مرّة ، ثمّ تركع وتقولها وأنت راكع عشر مرّات ، ثمّ ترفع رأسك مِن الركوع فتقولها عشراً ، ثمّ تهوي ساجداً فتقولها وأنت ساجد عشراً ، ثمّ ترفع رأسك مِن السجود فتقولها عشراً ، ثمّ تسجد فتقولها عشراً ، ثمّ ترفع رأسك فتقولها عشراً ، فذلك خمس وسبعون ، في كلّ ركعةٍ تفعل ذلك في أربع ركعات ، إن استطعت أن تصلّيها في كلّ يومٍ مرّة فافعل ، فإن لم تفعل ففي كلّ جمعةٍ مرّةً ، فإن لم تفعل ففي كلّ شهرٍ مرّةً ، فإن لم تفعل ففي كلّ سنةٍ مرّة ، فإن لم تفعل ففي عمرك مرّة )(١) .

_______________________

(١) سُنن أبي داود ، كتاب الصلاة ، صلاة التسبيح ٢ : ٤٦ ـ ٤٧ / ١٢٩٧ .


وهذا الحديث أدرجه ابن الجوزيّ في ( كتاب الموضوعات ) ، لأنّ موسى ابن عبد العزيز مجهول(١) .

وقد ترجم الذهبيّ هذا الرجل في ( الميزان ) قال :

( دق ، موسى بن عبد العزيز، أبو شعيب العدني القنباريّ ، ما أعلمه روى عن غير الحَكَم بن أبان ، فذكر صلاة التسبيح ، روى عنه بشر بن الحَكَم وابنه عبد الرحمن بن بشر وإسحاق بن أبي إسرائيل وغيرهم لم يذكره أحد في كُتُب الضعفاء أبداً ، ولكن ما هو الحجّة ؟ قال ابن معين : لا أرى به بأساً ، وقال النسائي : ليس به بأس ، وقال ابن حبّان ، ربّما أخطأ ، وقال أبو الفضل السليماني : مُنكَر الحديث ، وقال ابن المديني : ضعيف .

قلت : حديثه مِن المنكرات ، لا سيّما والحَكَم بن أبان ليس أيضاً بالثَبْت )(٢) .

(ومنها ) قال : ( حدّثنا موسى بن إسماعيل قال : أخبرني أبو بكرة بكّار بن عبد العزيز قال : أخبرَتني عمّتي كيسة بنت أبي بكرة : إنّ أباها كان ينهى أهله عن الحِجامة يوم الثلاثاء ، ويزعم عن رسول الله : أنّ يوم الثلاثاء يوم الدم... )(٣) .

وهذا الحديث أيضاً ، أورده ابن الجوزيّ في ( الموضوعات )(٤) .

(ومنها ) قال : ( حدّثنا سعيد بن منصور ، نا أبو معشر عن هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تقطعوا

_______________________

(١) كتاب الموضوعات ٢ : ١٤٣ .

(٢) ميزان الاعتدال ٦ : ٥٥٠ / ٨٩٠٠ .

(٣) سُنن أبي داود ٤ : ١٢٨ / ٣٨٦٢ .

(٤) كتاب الموضوعات ٣ : ٢١٣ .


اللّحم بالسكّين فإنّه مِن صُنع الأعاجم ، وانهشوه نهشاً فإنّه أهنأ وأمْرَء )(١) .

قال ابن القيّم : ( وأمّا حديث عائشة الذي رواه أبو داود مرفوعاً : لا تقطعوا اللّحم بالسكّين فإنّه مِن صنيع الأعاجم ، وانهشوه نهشاً فإنّه أهنأ وأمرء فردّه الإمام أحمد بِمَ صحّ عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن قَطعِه بالسكّين في حديثين ، وقد تقدّما )(٢) .

وقد أورده ابن الجوزيّ في ( الموضوعات )(٣) .

(ومنها ) قال : ( حدّثنا موسى بن إسماعيل ، نا عبد العزيز بن أبي حازم ، حدّثني ـ بمنى ـ عن أبيه ، عن ابن عمر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : القدريّة مجوس هذه الأُمة... )(٤) .

وقد أورده ابن الجوزيّ في ( الموضوعات ) فقال :

( أخبرنا ابن السمرقنديّ قال : أخبرنا ابن مسعدة قال : أخبرنا حمزة قال : حدّثنا ابن عدي قال : أنبأ أحمد بن جعفر بن محمّد البغدادي قال : حدّثنا سوار ابن عبد الله القاضي قال : جدّثنا معتمر بن سليمان قال : حدّثنا أبو الحسن ـ يعني يزيد بن هارون ، كذا كنّاه ـ عن جعفر بن الحارث عن يزيد بن ميسرة عن عطاء الخراساني عن مكحول عن أبي هريرة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

إنّ لكلّ أُمّة مجوساً وإنّ مجوس هذه الأُمّة القدريّة ؛ فلا تعودوهم إذا مرضوا ، ولا تُصلّوا عليهم إذا ماتوا .

_______________________

(١) سُنن أبي داود ٤ : ٩٤ / ٣٧٧٨ .

(٢) زاد المعاد في هدْيِ خير العباد ٤ : ٣٠٤ .

(٣) كتاب الموضوعات ٢ : ٣٠٣ .

(٤) سُنن أبي داود ٥ : ٤٥ / ٤٦٩١ .


قال المصنّف : وهذا لا يصحّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : يحيى بن جعفر بن الحارث ليس بشيء .

وقد روى عتبان بن ناقد عن أبي الأشهب النخعي ، عن الأعمش ، وعن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نحوه قال أبو حاتم الرازي : عتبان مجهول ، وهذا الحديث حديث باطل .

طريق آخر : أخبرنا علي بن عبد الواحد الدينوري قال : أنبأ علي بن عمران القزويني قال : حدّثنا محمّد بن علي بن سويد قال : ثنا أحمد بن محمّد العسكري قال : ثنا أبو الوليد عبد الملك بن يحيى بن عبد الله بن بكير قال : ثنا أبي قال : حدّثني الحسن بن عبد الله بن أبي عون الثقفي ، عن رجا بن الحارث ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يكونون قدريّة ، ثمّ يكونون زنادقة ، ثمّ يكونون مجوساً ، وإنّ لكلّ أُمّة مجوساً ، وإنّ مجوس أُمّتي المكذّبة بالقَدَر؛ فإن مرضوا فلا تعودوهم ، وإن ماتوا فلا يُتبع لهم جنازة .

قال المصنّف : هذا حديث لا يصحّ وفيه مجاهيل قال أبو عبد الرحمن النسائي : هذا الحديث باطل كذب )(١) .

(ومنها ) قال : ( حدّثنا هارون بن عبد الله ، نا ابن أبي فديك عن الضحّاك ـ يعني ابن عثمان ـ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة إنّها قالت : أرسل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأُمّ سَلَمة ليلة النَحْر ، فرَمَتْ الجمرة قبل الفجر ، ثمّ مضت فأفاضت فكان ذلك اليوم ، اليوم الذي يكون رسول الله تعني عندها )(٢) .

_______________________

(١) كتاب الموضوعات ١ : ٢٧٤ ـ ٢٧٥ .

(٢) سُنن أبي داود ٢ : ٣٢٩ / ١٩٤٢ .


قال ابن القيّم : ( وأمّا حديث عائشة : أرسل رسول الله... رواه أبو داود ، فحديث مُنكَر أنكره الإمام أحمد وغيره وممّا يدلّ على إنكاره أنّ فيه : إنّ رسول الله أمرها أن تُوافي صلاة الصبح يوم النَحْر بمكة ، وفي رواية : تُوافيه ، وكان يومها فأحبّ أن تُوافيه ، وهذا مِن المحال قطعاً قال الأثرم : قال لي أبو عبد الله : ثنا أبو معاوية عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أُمّ سَلَمَة ، إنّ النبيّ أمرها أن تُوافيه يوم النَحْر بمكّة لم يسنده غيره ، وهو خطأ وقال وكيع عن أبيه مرسله : إنّ النبيّ أمرها أن تُوافيه صلاة الصبح يوم النَحْر بمكّة أو نحو هذا ، وهذا عَجَب أيضاً ، النبيّ يوم النَحْر وقت صلاة الصبح ما يصنع بمكّة ؟ يُنكر ذلك )(١) .

(ومنها ) قال : ( حدّثنا عثمان بن أبي شيبة ، نا حمّاد بن خالد ، نا محمّد ابن عمرو ، عن محمّد بن عبد الله ، عن عمّه عبد الله بن زيد قال : أراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الأذان أشياء لم يُصنع منها شيئاً ، قال : فأُري عبد الله بن زيد الأذان في المنام ، فأتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبره فقال : ألقه على بلال فألقاه عليه ، فأذّن بلال ، فقال عبد الله : أنا أُريته وأنا كنت أُريده ، قال : فأقم أنت )(٢) .

وهذا الحديث كذّبه محمّد بن الحنفيّة كما في ( السيرة الحلبيّة ) :

( عن أبي العلاء قال : قلت لمحمّد بن الحنفيّة : إنّا لنتحدّث أنّ بدء هذا الأذان كان رؤيا رآها رجل مِن الأنصار في منامه ، قال : ففزِع له محمّد بن الحنفيّة فزعاً شديداً وقال : عمدتّم إلى ما هو الأصل في شرائع الإسلام ومعالم

_______________________

(١) زاد المعاد ٢ : ٢٤٩ .

(٢) سُنن أبي داود ١ : ٢٥٠ / ٥١٢ .


دينكم ، فزعمتّم أنّه إنّما كان مِن رؤيا رآها رجل مِن الأنصار في منامه تحتمل الصدق والكذب ، وقد تكون أضغاث أحلام .

فقلت له : هذا الحديث قد استفاض في الناس .

قال : هذا ـ والله ـ هو الباطل ، ثمّ قال :

وإنّما أخبرني أبي : أنّ جبرئيلعليه‌السلام أذّن في بيت المقدس ليلة الإسراء وأقام ، ثمّ أعاد جبرئيلعليه‌السلام الأذان لمّا عُرج بالنبيّ إلى السماء ، فسمعه عبد الله بن زيد وعمر بن الخطّاب وفي رواية عنه : إنّه لمّا انتهى إلى مكانٍ في السماء وقف به وبعث الله ملَكاً فقيل له : علِّمه الأذان ، فقال الملَك : الله أكبر ، فقال الله : صدق عبدي أنا الله الأكبر ، إلى أن قال : قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة... )(١) .

وقد كذّب هذا أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام أيضاً ، ففي ( المستدرك ) مثلاً :

( حدّثني نصر بن محمّد ، ثنا أحمد بن محمّد بن سعيد الحافظ ، ثنا أحمد بن يحيى البجلي ، ثنا محمّد بن إسحاق البلخي ، ثنا نوح بن درّاج عن الأجلح عن الشعبي عن سفيان بن ليلى قال : لمّا كان مِن أمْر الحسن بن علي ومعاوية ما كان قِدمته على المدينة وهو جالس في أصحابه ـ فذكر الحديث بطوله ـ قال : فتذاكرنا عنده الأذان فقال بعضنا : إنّما كان بدء الأذان رؤيا عبد الله ابن زيد بن عاصم ، فقال له الحسن بن علي :إنّ شأن الأذان أعظم مِن ذاك أذّن جبرئيل ( عليه الصلاة والسلام ) في السماء مثنىً مثنىً ، وعلّمه رسولَ الله وأقام

_______________________

(١) السيرة الحلبية ٢ : ٩٦ .


مرّةً مرّةً ، فعلّمه رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(١) .

(ومنها ) الأحاديث التي كذّبها السرّاج القزويني(٢) ، وحَكَمَ بوضعها ، وهي في سُنن أبي داود ، ونقلها البغوي في المصابيح ، ومنها :

( عن عائشة قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم .

حدّثنا ابن بشّار أبو عامر وأبو داود قال : حدّثنا زهير بن محمّد حدّثني موسى بن وردان ، عن أبي هريرة ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : الرجل على دين خليله ، فلينظر أحدكم مَن يخالل ) .

( حدّثنا محمد بن كثير ، أنا سفيان ثنا مصعب بن محمّد بن شرحبيل ، حدّثني يعلى بن أبي يحيى ، عن فاطمة بنت حسين ، عن حسين بن علي قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : للسائل حقّ وإن جاء على فرس ) .

( حدّثنا حمّاد عن محمّد بن عمرو عن أبي سَلَمَة عن أبي هريرة ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأى رجلاً يتبع حمامة فقال : شيطان يتبع شيطانه ) .

( حدّثنا نصر بن علي : أخبرني أبو أحمد ، ثنا سفيان ، عن الحجّاج بن فراقِصَة عن رجل ، عن أبي سَلَمَة ، وثنا محمّد بن المتوكّل العسقلاني ، ثنا عبد الرزاق ، أنا بشر بن رافع ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سَلَمَة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : المؤمن غرّ كريم ، والفاجر خبّ لئيم ) .

_______________________

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٧١ .

(٢) وهو : سراج الدين أبو حفص عمر بن عبد الرحمن القزويني ، المتوفى سنة ٧٤٥هـ .


وأمّا حُكم سراج الدين بوضع هذه الأحاديث ، فقد قال حسن بن محمود بن عبد المجدي الدجاني في ( رسالته )(١) ، التي ذكر فيها الأحاديث التي انتقدها سراج الدين على المصابيح ما هذا لفظه بنصّه :

( أخبرني الشيخ العالم سراج الملّة والدين أبو حفص عمر بن علي بن عمر القزويني ، المُقرئ عليّ ، حين قراءتي كتاب المصابيح عليه قال : وقد وقع في هذا الكتاب ـ يعني كتاب المصابيح ـ أحاديث موضوعة .

فمِن ذلك : في باب الإيمان بالقدر : صنفان مِن أُمّتي ليس لهما في الإسلام نصيب : المُرجئة والقدريّة ، والقدريّة مجوس هذه الأُمّة إلى آخر الحديث .

وفي باب الأذان : اجعل بين أذانك وإقامتك قَدْرَ ما يفرغ الآكل مِن أكله إلى آخره وأمّا صدر هذا الحديث ، وهو قوله ( عليه الصلاة والسلام ) لبلال : إذا أذّنت فترَسَّل ، وإذا أقمْتَ فاحدر ، فليس بموضوع .

وفي باب التطوّع : صلاة التسبيح موضوع ، نقله الشيخ سراج الدين عن الإمام أحمد بن حنبل ، وكثير مِن الأئمّة

وفي باب البكاء على الميّت : مَن عزّى مصاباً ؛ فله مثل أجره .

وفي باب فضائل القرآن : حديثان موضوعان ، أحدهما : مَن شغله القرآن عن ذكري ، والثاني : ألا إنّها ستكون فتنة .

وفي باب الإجارة : أُعطوا السائل ، وإن جاء على فرس وأمّا صدر هذا الحديث : أُعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه، فليس بموضوع .

وفي كتاب الحدود : أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ، إلاّ الحدود .

_______________________

(١) ذكر السيّد (رحمه الله) ، أنّ عنده نسخةً مِن هذه الرسالة وينقل عنها مباشرةً .


وفي باب الترجّل : يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بهذا السواد كحواصل الحمام ، لا يجدون رائحةَ الجنّة .

وفي باب التصاوير: رأى رجلاً يتبع حمامة فقال : شيطانٌ يتبع شيطاناً .

وفي كتاب الآداب : إذا كتب أحدكم كتاباً ، فليُزيّنه ؛ فإنّه أنجح للحاجة .

وفي باب حفظ اللّسان والغيبة : لا تُظهر الشماتة لأخيك ، فيرحمه الله ويبتليك .

وفي باب المفاخرة والعصبية : حبّك الشيء يعمي ويصم .

وفي باب الحبّ في الله ومِن الله : المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم مَن يخالل .

وفي باب الحذر والتأنّي في الأُمور : لا حليم إلاّ ذو عثرة ، ولا حكيم إلاّ ذو تجربة .

وفي باب الرفق والحياء : الحياء حسن الخلق ، والمؤمن غِرّ كريم ، والمنافق خبّ لئيم ) .

صحيحُ النسائي

هذا الكتاب الذي أَطلق عليه اسم الصحيح جمعٌ كبير مِن الأئمّة ، كأبي علي النيسابوري وابن عدي والدارقطني والخطيب وغيرهم ، ووصفه الأكابر بأوصاف جليلة... ففي كتاب ( زهر الربى على المجتبى ) للحافظ السيوطي بعد كلام نقله عن الحافظ ابن حجر :

( قال الحافظ ابن حجر : وإذا تقرّر ذلك ، ظهر أنّ الذي يتبادر إلى الذهن مِن أنّ مذهب النسائي في الرجال مذهب متّسع ، ليس كذلك ، فكم مِن رجلٍ أخرج له أبو داود والترمذي تجنّب النسائي إخراج حديثه ، كما تجنّب النسائي إخراج حديث جماعةٍ مِن رجال الصحيحَين فحكى أبو الفضل ابن طاهر قال : سُئل سعد بن علي الزنجاني عن رجلٍ فوثّقه ، فقلت له : إنّ النسائي لم يحتج ، فقال : يا بنيّ إنّ لأبي عبد الرحمن شرطاً في الرجال أشدّ مِن شرط البخاري ومسلم .

وقال أحمد بن محبوب الرملي : سمعت النسائي يقول : لمّا عزمت على جمع السُنن ، استخرتُ الله في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء ، فوقعتْ الخيرة على تركهم ، فتنزّلت في جملة مِن الحديث كنت أعلو فيها عنهم .

قال الحافظ أبو طالب أحمد بن نصر شيخ الدارقطني : مَن يصبر على ما يصبر عليه النسائي ؟! كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمةً ترجمة ، فما حدّث منها بشيء .


قال الحافظ ابن حجر : وكان عنده عالياً عن قتيبة عنه ولم يحدّث به ، لا في السُنن ولا في غيرها.

وقال أبو جعفر ابن الزبير : أولى ما أُرشِد إليه ، ما اتّفق المسلمون على اعتماده وذلك : الكتب الخمسة ، والموطّأ الذي تقدّمها وضعاً ولم يتأخّر عنها رتبةً ، وقد اختلف العلماء فيها ، وللصحيحَين فيها شفوف ، وللبخاري لمَن أراد التفقّه مقاصد جميلة ، ولأبي داود في حصر أحاديث الأحكام واستيعابها ما ليس لغيره ، وللترمذي في فنون الصناعة الحديثيّة ما لم يشاركه غيره ، وقد سلك النسائي أغمض تلك المسالك وأجلّها .

وقال أبو الحسن المعافري : إذا نظرت إلى ما يُخرجه أهل الحديث ، فما خرّجه النسائي أقرب إلى الصحّة ممّا أخرجه غيره.

وقال الإمام أبو عبد الله ابن رشيد : كتاب النسائي أبدع الكتب المصنّفة في السُنن تصنيفاً وأحسنها ترصيفاً ، وكان كتابه جامعاً بين طريقي البخاري ومسلم ، مع حظّ كثير مِن بيان العلل .

وفي الجملة ، فكتاب السُنن أقلّ الكتب بعد الصحيحَين حديثاً ضعيفاً ورجلاً مجروحاً ، ويقاربه كتاب أبي داود وكتاب الترمذي ) .

( وقال محمّد بن معاوية الأحمر الراوي عن النسائي : قال النسائي : كتاب السُنن كلّه صحيح ، وبعضه معلول إلاّ أنّه يبيّن علّته ، والمنتخب المسمّى بالمجتبى صحيح كلّه .

وذكر بعضهم : أنّ النسائي لمّا صنّف السُنن الكبرى أهداه إلى أمير الرملة فقال له الأمير : أَكلُّ ما في هذا صحيح ؟ قال : لا. قال : فجرِّد الصحيح منه فصنّف له المجتبى ، وهو بالباء الموحّدة قال الزركشي في تخريج الرافعي :


ويقال بالنون أيضاً .

وقال القاضي تاج الدين السبكي : سُنن النسائي التي هي أحد الكتب الستّة هي الصغرى لا الكبرى ، وهي التي يخرّجون عليها الرجال ويعلّمون الأطراف .

وقال الحافظ أبو الفضل ابن حجر : قد أطلق اسم الصحّة على كتاب النسائي ، أبو علي النيسابوري ، وأحمد ابن عدي ، وأبو الحسن الدارقطني ، وأبو عبد الله الحاكم ، وابن مندة ، وعبد الغنيّ بن سعيد ، وأبو يعلى الخليلي ، وأبو علي الخليلي ، وأبو علي ابن السكن ، وأبو بكر الخطيب وغيرهم .

وقال الخليلي في الإرشاد ، في ترجمة بعض الرواة الدينوريين : سمع مِن أبي بكر ابن السني صحيح أبي عبد الرحمن النسائي .

وقال أبو عبد الله ابن مندة : الذين أخرجوا الصحيح أربعة : البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي .

وقال السلفي : الكتب الخمسة اتّفق على صحّتها علماء المشرق والمغرب قال النووي : مراده أنّ معظم كُتب الثلاثة سوى الصحيحَين يُحتجّ به ) .


القدح في النسائي وكتابه

لكنّ الأئمّة الأعلام تكلّموا ـ مع هذا كلّه ـ في النسائي وكتابه وحطّوا عليه ، في مواضع كثيرة:

(منها ) : عندما تكلّم في أحمد بن صالح المصري ، فإنّهم بعدما ذكروا سبب تكلّمه فيه ، عادوا فتكلّموا في النسائي نفسه ؛ لأنّه بعد العلم بسبب ذلك ـ كما ذكروا ـ يظهر قلّة ديانة النسائي ، ومتابعته للهوى في الجرح والتعديل ، وسقوط كلماته في الرجال :

قال السبكي : ( قال الحافظ أبو يعلى في كتاب الإرشاد : ابن صالح ثقة حافظ ، واتّفق الحفّاظ على أنّ كلام النسائي فيه تحامل ، ولا يقدح كلام أمثاله فيه ، وقد نَقِم على النسائي كلامه فيه وقال ابن العربي في كتاب الأحوذي : إمامٌ ثقة مِن أئمّة المسلمين لا يؤثّر فيه تجريح ، وإنّ هذا القول ليحط مِن النسائي أكثر ممّا حطّ مِن ابن صالح ، وكذا قال الباجي )(١) .

قال : ( لا يُلتفت إلى كلام ابن أبي ذئب في مالك ، وابن معين في الشافعي ، والنسائي في أحمد بن صالح ، لأنّ هؤلاء أئمّةٌ مشهورون ، صار الجارح لهم كالآتي بخبرٍ غريب لو صحّ ؛ لتوفّرت الدواعي على ما نقله ، فكان القاطع قائماً على كذبه فيما قاله )(٢) .

_______________________

(١) طبقات السبكي ٢ : ٨ .

(٢) طبقات السبكي ٢ : ١٢ .


وقال العراقي : ( ثمّ إنّ الجارح ، وإن كان إماماً معتمداً في ذلك فربّما أخطأ فيه ، كما جرح النسائي أحمد بن صالح المصري بقوله : غيرُ ثقة ولا مأمون ، وهو ثقةٌ إمامٌ حافظ ، احتجّ به البخاري في صحيحه وقال ثقة ، ما رأيت أحداً يتكلّم فيه بحجّة ، وكذا وثّقه أبو حاتم الرازي والعجلي وآخرون ، وقد قال أبو يعلى الخليلي : اتّفق الحفّاظ على أنّ كلام النسائي فيه تحامل ، ولا يقدح كلام أمثاله فيه ، وقد بيّن ابن عدي سبب كلام النسائي فيه فقال : سمعت محمّد بن هارون البرقي يقول : حضر مجلس أحمد فطرده مِن مجلسه ، فحمله ذلك على أن تكلّم فيه قال الذهبي : آذى النسائي نفسه بكلامه فيه )(١) .

وقال الذهبي بترجمة أحمد بن صالح نقلاً عن ابن عدي : ( وأمّا سوء ثناء النسائي عليه ـ أي على أحمد بن صالح ـ فسمعت محمّد بن هارون البرقي يقول : هذا الخراساني يتكلّم في أحمد بن صالح ، حضر مجلس أحمد ابن صالح فطرده مِن مجلسه ، فحمله ذاك على أن يتكلّم فيه )(٢) .

وقال أيضاً بترجمة أحمد بن صالح : ( وقال ابن عدي : كان النسائي سيّئ الرأي فيه ـ أي أحمد بن صالح ـ وأنكر عليه أحاديث ، فسمعت محمّد بن هارون البرقي يقول : هذا الخراساني يتكلّم في أحمد بن صالح ، لقد حضرت مجلس أحمد بن صالح فطرده مِن مجلسه ، فحمله ذلك على أن يتكلّم فيه ـ إلى أن قال ابن عدي ـ ولولا أنّي شرطتُّ أن أذكر في كتابي كلّ مَن تكلّم فيه لكنتُ أجلّ أحمد بن صالح أن أذكره )(٣) .

_______________________

(١) شرْح الألفيّة في الحديث .

(٢) تذهيب التهذيب ، تهذيب التهذيب ١ : ٣٥ .

(٣) ميزان الاعتدال ١ : ٢٤٢ .


هذا ، ومِن الأحاديث التي أبطلوها في كتابه حديث أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طاف في حجّة الوداع طواف الزيارة بالليل ، فقد قال ابن قيّم الجوزيّة ما نصّه :

( الطائفة الثالثة الذين قالوا أخّر طواف الزيارة إلى الليل : وهم طاوس ، ومجاهد ، وعروة ، ففي سُنن أبي داود والنسائي وابن ماجة ، مِن حديث ابن الزبير المكّي عن عائشة وجابر ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخّر طواف يوم النحر إلى الليل. وفي لفظ طواف الزيارة قال الترمذي : حديثٌ حَسَن .

وهذا الحديث غلطٌ بيّن ، خلاف المعلوم مِن فِعْلِهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي لا يشكّ فيه أهل العلم بحَجّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونحن نذكر كلام الناس فيه :

قال الترمذي في كتاب العلل له : سألتُ محمّد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث وقلت له : سمع ابن الزبير مِن عائشة وابن عبّاس ؟ قال : أمّا مِن ابن عبّاس فنعم ، وإنّ في سماعه مِن عائشة نظراً.

وقال أبو الحسن ابن القطّان : عندي أنّ هذا الحديث ليس بصحيح ، إنّما طاف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يومئذٍ نهاراً ، وإنّما اختلفوا هل صلّى الظهر بمكّة ، أو رجع إلى مِنى فصلّى الظهر بعد أن فرغ مِن طوافه ؟ فابن عمر يقول : إنّه رجع إلى مِنى فصلّى الظهر بها ، وجابر يقول : إنّه صلّى الظهر بمكّة ، وهو ظاهر حديث عائشة مِن غير رواية أبي الزبير هذه التي فيها أنّه أخّر الطواف إلى الليل ، وهذا شيء لم يُرْوَ إلاّ مِن هذه الطريق .

وأبو الزبير مدلّس ولم يذكر هاهنا سماعاً مِن عائشة ، وقد عُهِد يروي عنها بواسطة ، ولا أيضاً مِن ابن عبّاس فقد عُهد كذلك يروي عنه بواسطة وإن


كان قد سمع منه ، فيجب التوقّف فيما يرويه أبو الزبير عن عائشة وابن عبّاس ممّا لا يذكر فيه سماعاً منهما ، لِما عُرف به مِن التدليس ولو عُرف سماعه منهما لغير هذا ، فأمّا ولم يصحّ لنا أنّه سمع مِن عائشة فالأمر بيّن في وجوب التوقّف فيه ، وإنّما تختلف العلماء في قبول حديث المدلّس ؛ إذا كان عمّن قد علم لقاؤه له وسماعه منه ، هاهنا يقول قوم يُقبل ويقول آخرون يُردّ ما يعنعنه عنهم حتّى يُبيّن في حديثٍ حديث ، وأمّا ما يعنعنه المدلّس عمّن لم يعلم لقاؤه له ولا سماعه منه ، فلا أعلم الخلاف فيه بأنّه لا يُقبل ، ولو كنّا نقول بقولِ مسلم أنّ معنعن المتعاصرين محمول على الاتصال ولو لم يعلم التقاؤهما ، فإنّما ذلك في غير المدلّسين .

وأيضاً ، فما قدّمناه مِن صحّة طواف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يومئذٍ نهاراً ، والخلاف في ردّ حديث المدلّسين حتّى يعلم اتّصاله أو قبوله حتّى تعلم اتّصاله ، إنّما هو إذا لم يعارضه ما لا شكّ في صحّته ، وهذا فقد عارضه ما لا شكّ في صحّته انتهى كلامه .

ويدلّ على غلطه على عائشة : أنّ أبا سَلَمَة بن عبد الرحمن روى عن عائشة أنّها قالت : حَجَجْنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأفَضْنا يوم النَحْر .

وروى محمّد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أَذِنَ لأصحابه فزاروا البيت يوم النَحْر ظهيرةً ، وزار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع نسائه ليلاً ، وهذا غلط أيضاً قال البيهقي : وأصحّ هذه الروايات حديث نافع عن ابن عمر ، وحديث جابر وحديث أبي سَلَمَة عن عائشة ، يعني أنّه طاف نهاراً .

قلت : وإنّما نشأ الغلط مِن تسمية الطواف ، فإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم


أخّر طواف الوداع إلى الليل ، كما ثبت في الصحيحَين مِن حديث عائشة قالت : خرجنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فذكرَتْ الحديث ـ إلى أن قالت ـ فنزلنا المحصّب ، فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال : اُخرج بأُختك مِن الحرم ، ثمّ افرغا مِن طوافكما ثمّ تأتيانّي هاهنا بالمحصّب قالت : فقضى الله العمرة وفرغنا مِن طوافنا مِن جَوْف الليل فأتيناه بالمحصّب فقال : فرغتما ؟ قلنا : نعم فأذّن بالناس بالرحيل ، فمرّ بالبيت فطاف به ثمّ ارتحل متوجّهاً إلى المدينة .

فهذا هو الطّواف الذي أخّره إلى الليل بلا ريب ، فغلط أبو الزبير أو مَن حدّ به وقال طواف الزيارة ، والله الموفّق )(١) .

ومن ذلك : حديث جواز فسخ الحج بعمرة لخصوص أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذه عبارته :

( أنا إسحاق بن إبراهيم ، أنا عبد العزيز ـ وهو الدراوردي ـ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن الحارث بن بلال ، عن أبيه ، قال : قلت : يا رسول الله فَسْخ الحج لنا خاصّةً أم للناس عامّة ؟ قال : بل لنا خاصّةً )(٢) .

فهذا الحديث باطل ويخالفه ما أخرجه البخاري ومسلم ، بل النسائي نفسه قال : ( عن سُراقة بن مالك بن جعشم أنّه قال : يا رسول الله : أرأيت عُمْرَتَنا هذه لعامنا أم للأبد ؟ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : للأبد )(٣) .

وقد أطنب الكلام ابن القيّم في ردّ هذه الأحاديث ، فقال بعد إبطال ما رُوي عن أبي ذر في تخصيص متعة الحجّ بالأصحاب : ( وأمّا حديثه المرفوع ،

_______________________

(١) زاد المعاد في هدْيِ خير العباد ٢ : ٢٧٥ ـ ٢٧٦ .

(٢) سُنن النسائي ٢ : ٣٦٧ / ٣٧٩٠ .

(٣) سُنن النسائي ٢ : ٣٦٦ / ٣٧٨٨ .


حديث بلال بن الحارث ، فحديث لا يثبت ، ولا يعارض بمثله تلك الأساطين الثابتة .

قال عبد الله بن أحمد : كان أبي يرى المهلّ بالحجّ أن يفسخ حجّه إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وقال في المتعة : هو آخر الأمرين مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اجعلوا حجّكم عمرةً قال عبد الله : فقلت لأبي : فحديث بلال بن الحارث في فسخ الحجّ ، يعني قوله : لنا خاصّة ؟ قال : لا أقول به ، لا يعرف هذا الرجل ، هذا حديث ليس إسناده بالمعروف ، وليس حديث بلال بن الحارث عندي بثَبْت هذا لفظه .

قلت : وممّا يدلّ على صحّة قول الإمام أحمد ، وأنّ هذا الحديث لا يصحّ : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخبر عن تلك المتعة التي أمرهم أن يفسخوا حجّهم إليها ، أنّها للأبد ، فكيف يثبت عنه بعد هذا أنّها لهم خاصّة ، هذا مِن أمحل المحال ، وكيف يأمرهم بالفسخ ويقول : دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة ، ثمّ يثبت عنه أنّ ذلك مختصّ بالصحابة دون مَن بعدهم ؟!

فنحن نشهد بالله أنّ حديث بلال بن الحارث هذا ، لا يصحّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو غلط عليه .

وكيف تقدّم رواية بلال بن الحارث على روايات الثقات الأثبات حملة العلم ، الذين رَوَوْا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خلاف روايته ؟! ثمّ كيف يكون هذا ثابتاً عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وابن عباس يفتي بمخالفه ويناظر عليه طول عمره بمشهد مِن الخاصّ والعام ، وأصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متوافرون ، ولا يقول له رجل واحد منهم هذا كان مختصّاً بنا ليس لغيرنا ، حتّى يظهر بعد موت الصحابة أنّ أباذر كان يروي ويروي


اختصاص ذلك لهم )(١) .

ومِن ذلك : الحديث في ميقات أهل العراق ، وقد أنكره أحمد بن حنبل ، قال ولي الدين أبو زرعة في ( شرح الأحكام الصغرى ) :

( روى أبو داود والنسائي بإسناد صحيح ـ كما قال النووي ـ عن عائشة ( رضي الله عنها ) : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقّت لأهل العراق ذات عرق ، وذكر ابن عدي عن يحيى بن محمّد بن صاعد : أنّ الإمام أحمد كان يُنكر على أفلح بن حميد هذا الحديث ، قال ابن عدي : قد حدّث عنه ثقات الناس وهو عندي صالح ، وأحاديثه أرجو أن تكون مستقيمةً كلّها وهذا الحديث تفرّد به معافى بن عمران عنه ، وإنكار أحمد قوله : ولأهل العراق ذات عرق ، ولم يُنكر الباقي مِن إسناده ) .

ومِن ذلك : الحديث : ( إنّ الشمس انخسفت ، فصلّى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ركعتين ركعتين حتّى انجلت ، ثمّ قال : إنّ الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ، ولكنّهما خلقان مِن خلقه ، وإنّ الله يُحدث في خلقه ما يشاء ، وإنّ الله عزّ وجلّ إذا تجلّى لشيءٍ مِن خلقه يخشع له )(٢) .

قال أبو حامد الغزالي : ( فإن قيل : فقد رُوي في الحديث : ولكنّ الله إذا تجلّى لشيءٍ خشع ، فيدلّ على أنّ الكسوف خشوع بسبب التجلّي .

قلنا : هذه الزيادة لم يصحّ نقلها ، فيجب تكذيب ناقلها )(٣) .

وأورد ابن القيّم كلامه مرتضياً له في كتاب ( مفتاح السعادة ) .

_______________________

(١) زاد المعاد في هدْيِ خير العباد ٢ : ١٩٢ ـ ١٩٣ .

(٢) سُنن النسائي ١ : ٥٧٧ .

(٣) تهافت الفلاسفة : ٤٢ .


سُنن ابن ماجة

هذا الكتاب الذي فضّله أبو زرعة الرازي على كتاب مسلم وسائر جوامع الحديث ، واستشهد صاحب ( الإمتاع ) بكلامه لترجيح هذا الكتاب على كتاب مسلم كما سمعت سابقاً... وقال ابن خلكان بترجمة ابن ماجة :

( أبو عبد الله محمّد بن يزيد بن ماجة الربعي بالولاء ، القزويني ، المشهور ، مصنّف كتاب السُنن في الحديث ، كان إماماً في الحديث ، عارفاً بعلومه وجميع ما يتعلّق به ، ارتحل إلى العراق والبصرة والكوفة وبغداد ومكة والشام ومصر والري لكَتْب الحديث ، وله تفسير القرآن الكريم وتاريخ مليح ، وكتابه في الحديث أحد الصِحاح الستّة ، وكانت ولادته سنة ٢٠٩هـ وتُوفي يوم الاثنين ، ودُفن يوم الثلاثاء لثمان بقين مِن شهر رمضان سنة ٢٧٣هـ )(١) .

وقال الشيخ عبد الحقّ الدهلوي : ( ابن ماجة ـ هو أبو عبد الله محمّد بن يزيد بن ماجة القزويني الربعي ، مولاهم ، أحد الأئمّة الحفّاظ ، صاحب السُنن ذو التصانيف النافعة والرحلة الواسعة ، سمع بخراسان والعراق والحجاز ومصر والشام وغيرها مِن البلاد ، سمع أصحاب مالك والليث ، وروى عنه أبو الحسن القطان وطائفة ، وكتابه أحد الكُتُب الإسلاميّة المشهورة بالأُصول الستّة والكتب الستّة وبالصحاح الستّة ، ثقة كبير... )(٢) .

_______________________

(١) وفيات الأعيان ٤ : ٢٧٩ .

(٢) رجال المشكاة : تحصيل الكمال في أسماء الرجال ، ترجمة ابن ماجة القزويني .


الموضوعات في سُنن ابن ماجة

ومع هذا كلّه ، فقد نصّوا على أنّ فيه أحاديث مُنكَرة وموضوعة :

قال الصلاح الصفدي بترجمته : ( قال الشيخ شمس الدين : إنّما نقص رتبة كتابه بروايته أحاديث منكرة فيه )(١) .

وقال الذهبي بترجمة داود بن المحبر بن قحدم ، بعد حديث ستفتح مدينة يقال لها قزوين... ( فلقد شان ابن ماجة سُننه بإدخاله هذا الحديث الموضوع فيها )(٢) .

وقال الدهلوي في ( رجال المشكاة ) : ( وروى في فضل قزوين حديثاً في سُننه وطعنوا وعابوا عليه مِن هذه الجهة ؛ لأنّه مُنكَر بل موضوع ، وجاءت في فضل قزوين أحاديث كلّها موضوعة عند المحدّثين ، وضعها ميْسرَة أحد الوضّاعين ) .

هذا ، وقد أدرج ابن الجوزي في ( الموضوعات ) كثيراً مِن أحاديث ( سُنن ابن ماجة ) :

(منها ) : ( حدّثنا محمّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، نا أبو عاصم العباداني ، نا الفضل الرقاشي ، عن محمّد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ( رضي الله عنهما ) قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بينا أهل الجنّة في

_______________________

(١) الوافي بالوفيات ٥ : ٢٢٠ .

(٢) ميزان الاعتدال ٣ : ٣٣ ـ ٣٤ / ٢٦٤٩ .


نعميهم ، إذْ سطع لهم نور ، فرفعوا رؤسهم ، فإذا الربّ قد أشرف عليهم مِن فوقهم فقال : السلام عليكم يا أهل الجنّة ، قال : وذلك قول الله تعالى :( سلامٌ قَوْلاً مِن رَبٍّ رَّحِيمٍ ) قال : فينظر إليهم وينظرون إليه ، فلا يلتفتون إلى شيء مِن النعيم ما داموا ينظرون إليه حتّى يحتجب عنهم ، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم )(١) .

فهذا الحديث أورده ابن الجوزي في ( الموضوعات ) وذكر له السيوطي في ( اللآلي المصنوعة ) طريقاً آخر ، فرواه عن غير الفضل الرقاشي ، لكنّه غير صحيح كذلك ، قال :

( ثنا أحمد بن محمّد بن عبد الخالق ، ثنا الحسين بن علي الصدائي ، ثنا عبد الله بن أبي بكر المقدمي ، ثنا عبد الله بن عبيد الله القرشي ، عن الفضل الرقاشي عن محمّد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بينا أهل الجنّة في نعيمهم ، إذ سطع لهم نور ، فنظروا فإذا الربّ قد أشرف عليهم مِن فوقهم فقال : السلام عليكم يا أهل الجنّة ، فذلك قوله :( سلامٌ قَوْلاً مِن ربٍّ رَّحِيمٍ ) قال : فينظر إليهم وينظرون إليه ، فلا يزالون كذلك حتّى يحتجب فيبقى نوره وبركته عليهم وفي دارهم .

موضوع ، الفضل رجل سوء قال العقيلي : هذا الحديث لا يُعرف إلاّ بعبد الله بن عبيد الله ، ولا يتابع عليه .

قلت : أخرجه ابن ماجة في سُننه : ثنا محمّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، ثنا أبو عاصم العباداني ـ وهو عبد الله بن عبيد الله ـ ثنا الفضل الرقاشي به .

_______________________

(١) سُنن ابن ماجة ١ : ١١٦ / ١٨٤ .


وورد مِن حديث أبي هريرة ، أخرجه ابن النجار في تاريخه قال : كتب إليّ أبو عبد الله محمّد بن حمد الأرتاحي : أنّ أبا الحسن علي بن الحسين بن عمر الفراء أخبره ، أنا أبو الحسين نصر بن عبد العزيز بن أحمد المقري الشيرازي ، ثنا أبو الحسين محمد بن يزيد القصري ، ثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني ، ثنا بكر بن سهل الدمياطي ، ثنا عمرو بن هاشم البيروتي ، ثنا سليمان بن أبي كريمة ، عن ابن جريج عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بينا أهل الجنّة في مجلس لهم ، إذ لمع لهم نور غلب على نور الجنّة فرفعوا رؤوسهم ، فإذا الربّ تبارك وتعالى قد أشرف عليهم ، فقال سبحانه : سلوني فقالوا نسألك الرضى فقال رضاي أحلّكم داري وأنالكم كرامتي وهذا أوانها ، فشكّوا فيقولون : نسألك الزيارة إليك ، فيُؤتَوْن بنجائب مِن نور ، تضع حوافرها عند منقمي طرفها وتقودهم الملائكة بأزمّتها ، فتنتهي بهم إلى دار السرور ، فينصبغون بنور الرحمن ويسمعون قوله مرحباً بأحبابي وأهل طاعتي ، فرجعوا بالتُحف إلى منازلهم ، ثمّ تلا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذه الآية( نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ) .

سليمان بن أبي كريمة ، قال ابن عدي : عامّة أحاديثه مناكير ، ولم أر للمتقدّمين فيه كلاماً ، والله أعلم )(١) .

أقول :

و( الفضل الرقّاشي ) ـ وإنْ أوجز ابن الجوزي الكلام فيه على ما نقل عنه السيوطي ـ فيه طعن كثير ، قال ابن حجر بترجمته :

( ق ـ الفضل بن عيسى بن أبان الرقّاشي ، أبو عيسى البصري الواعظ ،

_______________________

(١) اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ٢ : ٤٦٠ .


روى عن : عمّه يزيد بن أبان الرقّاشي وعن أنس وأبي عثمان النهدي ومحمّد ابن المنكدر والحسن البصري وأبي الحكم البجلي روى عنه : ابن أخيه المعتمر بن سليمان وأبو عاصم العباداني وأبو عاصم النبيل والحكم بن أبان العبدي وعلي بن عاصم الواسطي وآخرون .

قال سلاّم بن أبي مطيع عن أيّوب : لو أنّ فضلاً ولد أخرس لكان خيراً له .

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه : ضعيف .

وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين : كان قاصّاً وكان رجل سوء قلت: كيف حديثه ؟ قال : لا تسأل عن القدري الخبيث .

وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين : سُئل عنه ابن عُيَيْنة فقال : لا شيء .

وقال أبو زرعة : منكر الحديث .

وقال أبو حاتم : مُنكَر الحديث في حديثه بعض الوهن ، ليس بقوي .

وقال الآجري : قلت لأبي داود : أكتب حديث الفضل الرقّاشي قال : لا ولا كرامة وقال مرّة : سَلْ مالكاً وقال مرّة : حدّث حمّاد بن عدي ، عن الفضل ابن عيسى وكان مِن أخبث الناس قولاً ، وقال مرّة : حدّثنا سليمان بن حرب ، حدّثنا حمّاد بن زيد، عن فضل الرقّاشي ، عن ابن المنكدر عن جابر رفعه : ينادي رجل يوم القيامة : واعطشاه ، الحديث فقال أبو داود : هذا حديث نسبه فضل الرقّاشي .

وقال النسائي : ضعيف ، وقال في موضع آخر : ليس بثقة .

وقال ابن عدي : الضعف بيّن على ما يرويه .

قلت : وقال البخاري في الأوسط عن ابن عُيَيْنة : كان يرى القدر وكان


أهلاً أن لا يُروى عنه .

وقال الساجي : كان ضعيف الحديث قدريّاً قال : وسمعت ابن مثنّى يقول : كان يحيى وعبد الرحمن لا يُحدّثان عنه ، وكان يشبّهه بأبان بن أبي عيّاش وأمثاله .

وكذا رواه العقيلي في الضعفاء عن الساجي ، ونقل كثيراً ممّا تقدّم .

وقال يعقوب بن سفيان : مُفترٍ ضعيف الحديث .

وقال ابن حبّان في الثقات : الفضل بن عيسى روى عن أنس ، إن كان هو الرقّاشي فليس بفضل )(١) .

وقال الذهبي : ( الفضل بن عيسى الرقّاشي ابن أخي يزيد الرقّاشي ، يروي عن أنس وغيره ، ضعّفوه ، وهو بصريّ خالٌ للمعتمر بن سليمان .

قال أحمد : ضعيف وقال البخاري : يروي عن عمّه يزيد والحسن قال ابن عُيَيْنة كان يرى القدر .

وقال سلاّم بن أبي مطيع : لو أنّ فضلاً الرقّاشي ولد أخرس كان خيراً له...

قال أحمد بن زهير : سألت ابن معين عن الفضل الرقّاشي فقال : كان قاصّاً ، رجل سوء قلت : فحديثه ؟ قال : لا تسأل عن القدريّ الخبيث .

وقال أبو سَلَمَة التبوذكي : لم يكن أحد ممّن يتكلّم في القدر أخبث قولاً مِن الفضل الرقّاشي ، وهو خالُ المعتمر )(٢) .

وأيضاً قال : ( الفضل بن عيسى بن أبان الرقّاشي الواعظ ، عن أنس وأبي

_______________________

(١) تهذيب التهذيب ٨ : ٢٥٤ ـ ٢٥٥ .

(٢) ميزان الاعتدال ٥ : ٤٣١ .


عثمان النهدي ، وعنه أبو عصام وعلي بن عاصم وجمع ساقط )(١) .

وأمّا ( سليمان بن أبي كريمة ) الراوي في الطريق الآخر ، ففي ( الميزان ) :

( سليمان بن أبي كريمة شامي ، عن هشام بن عروة... ضعّفه أبو حاتم ، وقال ابن عدي : عامّة أحاديثه مناكير ولم أر للمتقدمين فيه كلاماً )(٢) .

(ومنها ) : ( حدّثنا إسماعيل بن محمّد الطلحي ، ثنا ثابت بن موسى أبو يزيد عن شريك عن الأعمش ، عن أبي سفيان عن جابر قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مَن كثُرت صلاته بالليل ، حَسُن وجهه بالنهار )(٣) .

قال السيوطي في ( مصباح الزجاجة ) :

( قال العقيلي : هذا الحديث باطل ليس له أصل ولا يتابع ثابتاً عليه ثقة .

وأورده ابن الجوزي في الموضوعات وقال : هذا الحديث لا يعرف إلاّ بثابت ، وهو رجل صالح ، وكان دخل على شريك وهو يُملي ويقول : ثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبيّ فلمّا رأى ثابتاً قال : مَن كَثُرت صلاته بالليل حَسُن وجهه بالنهار ـ وقصد به ثابتاً ـ فظنّ أنّه متن الإسناد ، وسرقه منه جماعة ضعفاء انتهى .

وأخرج البيهقي في الشعب عن محمّد بن عبد الرحمن بن كامل بن الأصبغ قال : قلت لمحمّد بن نمير : ما تقول في ثابت بن موسى ؟ قال : شيخ له فضل وإسلام ودين وصلاح وعبادة قلت : ما تقول في هذا الحديث ؟ قال : غلط مِن الشيخ ، وأمّا غير ذلك فلا يُتوهّم عليه .

_______________________

(١) الكاشف ٢ : ٣٦٩ / ٤٥٢٥ .

(٢) ميزان الاعتدال ٣ : ٣١٢ / ٣٥٠٥ .

(٣) سُنن ابن ماجة ٢ : ١٤٤ / ١٣٣٣ .


وقد تواردت أقوال الأئمّة أنّ هذا الحديث مِن الموضوع على سبيل الغلط لا التعمّد ، وخالفهم القضاعي في مسند الشهاب فمال إلى ثبوته ، وقد سقتُ كلامه في اللآلي المصنوعة ) .

فانظر إلى أيّ مرتبةٍ تنزل روايات سُنن ابن ماجة ؟! ومع ذلك يجعلون هذا الكتاب مِن الصحاح الستّة ؟!

(ومنها ) : ( حدّثنا عمرو بن رافع قال : نا علي بن عاصم ، عن محمّد بن سوقة عن إبراهيم عن الأسود ، عن عبد الله قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مَن عزّى مصاباً فله مثل أجره )(١) .

وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ، وتكلّم فيه غيره قال السيوطي :

( هذا الحديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات وقال : تفرّد به علي ابن عاصم عن محمّد بن سوقة ، وقد كذّبه شعبة ويزيد بن هارون ويحيى بن معين .

وقال الترمذي بعد إخراجه : يقال : أكثر ما ابتُليَ به علي بن عاصم هذا الحديث ، نقموه عليه .

وقال البيهقي : تفرّد به علي بن عاصم وهو أحد ما أنكر عليه ، قال : وقد رُوي أيضاً عن غيره .

وقال الخطيب : هذا الحديث ممّا أنكره الناس على علي بن عاصم ، وكان أكثر كلامهم فيه بسببه ) .

(ومنها ) : ( حدّثنا أحمد بن يوسف قال : حدّثنا عبد الرزاق قال : أنا ابن جريج .

_______________________

(١) سُنن ابن ماجة ٢ : ٢٨٤ / ١٦٠٢ .


ح ونا أبو عبيدة بن أبي السفر قال : حدّثنا حجّاج بن محمّد قال ، قال ابن جريج : أخبرني إبراهيم بن محمّد بن أبي يحيى ، عن موسى بن وردان ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مَن مات مريضاً مات شهيداً ووُقّي فتنة القبر ، وغُدي وريحَ عليه برزقه مِن الجنّة )(١) .

قال السيوطي : ( هذا الحديث رواه ابن الجوزي في الموضوعات ، وأعلّه بإبراهيم بن محمّد بن أبي يحي الأسلمي ، فإنّه متروك .

قال : وقال أحمد بن حنبل : إنّما هو مَن مات مرابطاً .

وقال الدارقطني : ثنا ابن مخلد ، ثنا أحمد بن علي الأبار ، ثنا ابن أبي سكينة الحلبي سمعت إبراهيم بن أبي يحيى يقول : حدّثت ابن جريج بهذا الحديث : مَن مات مرابطاً ، فروى عنّي : مَن مات مريضاً وما هكذا حدّثته... ) .

وقال بعد أن رواه مِن طريق عبد الرزاق : ( لا يصحّ ، ومداره على إبراهيم ابن محمّد بن أبي يحيى... )(٢) .

(ومنها ) : ( حدّثنا الحسن بن علي الخلاّل ، ثنا بشر بن ثابت البزار ، نا نصر بن القاسم ، عن عبد الرحيم بن داود ، عن صالح بن صهيب عن أبيه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ثلاث فيهنّ البركة ، البيع إلى أجل ، والمقارضة، وإخلاص البُر بالشعير للبيت لا للبيع )(٣) .

قال ابن الجوزي : موضوع... قال السيوطي : ( قلت : أخرجه ابن ماجة في سُننه مِن طريق عبد الرحمن وقال الذهبي : إنّه حديث واه )(٤) .

_______________________

(١) سُنن ابن ماجة ٢ : ٢٩١ / ١٦١٥ .

(٢) اللآلي المصنوعة ٢ : ٤١٣ .

(٣) سُنن ابن ماجة ٣ : ٨٨ / ٢٢٨٩ .

(٤) اللآلي المصنوعة ٢ : ١٥٢ .


 (ومنها ) : ( حدّثنا محمّد بن إسماعيل بن سمرة ، حدّثني محمد بن يعلى السلمي ، ثنا عمر بن صبح ، عن عبد الرحمن بن عمرو ، عن مكحول عن أُبي ابن كعب قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لرباط يوم في الله مِن وراء عورة المسلمين محتسباً مِن غير شهر رمضان ، أعظم مِن عبادة مائة سنة صيامها وقيامها ، ورباط يوم في سبيل الله مِن وراء عورة المسلمين محتسباً مِن شهر رمضان ، أفضل عند الله وأعظم أجراً أراه قال : مِن عبادة ألف سنة... )(١) .

قال السيوطي : ( قال الحافظ زكي الدين المنذري في الترغيب : آثار الوضع لائحةٌ على هذا الحديث ، ولا عجب وراويه عمر بن صبح .

وقال الحافظ عماد الدين ابن كثير في جامع المسانيد : خليق بهذا الحديث أن يكون موضوعاً ، لِما فيه مِن المجازفة ، ولأنّ راويه عمر بن صبح أحد الكذّابين المعروفين بوضع الحديث ) .

(ومنها ) : ( حدّثنا إسماعيل بن أسد ، ثنا داود بن المحبر ، أنا الربيع بن صبيح عن يزيد بن أبان عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ستُفتح عليكم الآفاق ، وستُفتح عليكم مدينة يقال لها قزوين ، مَن رابط فيها أربعين يوماً... )(٢) .

قال السيوطي : ( والحديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات مِن طريق ابن ماجة وقال : موضوع ، دواد وضّاع وهو المتّهم به والربيع ضعيف ، ويزيد متروك .

وقال المزّي في التهذيب : هو حديث مُنكَر لا يُعرف إلاّ مِن رواية دواد ) .

_______________________

(١) سُنن ابن ماجة ٣ : ٣٤٨ / ٢٧٦٨ .

(٢) سُنن ابن ماجة ٣ : ٣٥٤ / ٢٧٨٠ .


 (ومنها ) : ( حدّثنا هشام بن عمّار ، نا عبد الملك بن محمّد الصنعاني ، نا أبو سَلَمة العاملي ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لأكثم بن الجون الخزاعي : يا أكثم ، أُغزُ مع غير قومك ، يَحسن خلقك وتُكرم على رفقائك ، يا أكثم ، خير الرفقاء أربعة وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ، ولن يُغلب اثنا عشر ألفاً مِن قلّة )(١) .

قال السيوطي : ( قال ابن أبي حاتم : سمعت أبي يقول : العاملي متروك والحديث باطل ) .

وقال الذهبي : ( الحكم بن عبد الله بن خطّاف أبو سَلَمة قال أبو حاتم : كذّاب ، وقال الدارقطني : كان يضع الحديث روى عن الزهري عن ابن المسيّيب نسخةً نحو خمسين حديثاً لا أصل لها ، وقال ابن معين وغيره : ليس بثقة )(٢) .

( ومنها ) : ( حدّثنا عبد الوهّاب بن الضحاك ، نا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو قال ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله اتّخذني خليلاً كما اتّخذ إبراهيم خليلاً ، فمنزلي ومنزل إبراهيم في الجنّة يوم القيامة تجاهين ، والعبّاس بيننا مؤمن بين خليلين )(٣) .

وهذا الحديث قلبه الوضّاعون مِن أمير المؤمنين إلى العبّاس ، وقد حكم الحفّاظ بوضعه :

قال السيوطي ـ نقلاً عن ابن الجوزي ـ : ( موضوع .

_______________________

(١) سُنن ابن ماجة ٣ : ٣٧٧ / ٢٨٢٧ .

(٢) ميزان الاعتدال ٢ : ٣٣٧ / ٢١٨٢ .

(٣) سُنن ابن ماجة ١ : ٩٧ / ١٤١ .


قال العقيلي : عبد الوهّاب متروك الحديث ، وليس لهذا الحديث أصل عن ثقة ولا يتابعه إلاّ مَن هو دونه أو مثله .

وقال ابن عدي : هذا الحديث يعرف بعبد الوهّاب وسرقه منه الباهلي ، وكان يسرق الحديث ويحدّث عن الثقات بالأباطيل )(١) .

وقد ترجم ابن حجر ( عبد الوهّاب ) هذا فقال :

( قال البخاري : عنده عجائب .

وقال أبو داود : كان يضع الحديث قد رأيته .

وقال النسائي : ليس بثقة ، متروك .

وقال العقيلي والدارقطني والبيهقي : متروك .

وقال صالح بن محمّد الحافظ : مُنكَر الحديث ، عامّة حديثه كذب .

وقال بن أبي حاتم : سمع منه ابن أبي سَلَمة وترك حديثه والرواية عنه .

وقال محمّد بن عون : قيل لي إنّه كان يأخذ فوائد ابن اليمان يحدّث بها عن إسماعيل بن عيّاش ، وحدّث بأحاديث كثيرة موضوعة قال : فرُحتُ إليه فقلت : ألا تخاف الله تعالى ، فضَمِنَ لي أن لا يُحدّث بها ، فحدّث بها بعد ذلك .

وقال ابن عدي : وأظنّ قال عبدان كان البغداديّون يلعنونه فمنعتُهم .

قلت : وقال الدارقطني في موضع آخر : له عن إسماعيل بن عيّاش وغيره مقلوبات وبواطيل .

وقال الآجري : عن أبي دواد غير ثقة ولا مأمون .

وقال ابن حبّان : كان يسرق الحديث لا يحلّ الاحتجاج به .

_______________________

(١) اللآلي المصنوعة ١ : ٤٣٠ .


وقال الحاكم : روى أحاديث موضوعة )(١) .

وقال الذهبي : ( ق ـ عبد الوهاب بن الضحّاك الحمصي العرضي عن إسماعيل بن عيّاش وبقيّة ، كذّبه أبو حاتم .

وقال النسائي وغيره : متروك .

وقال الدارقطني : مُنكَر الحديث .

وقال البخاري : عنده عجائب ثمّ قال : حدّثني عبد الله ، ثنا عبد الوهّاب بن الضحّاك ، ثنا ابن عيّاش ، عن هشام ، عن أبيه، عن عائشة ، قال لنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ويحكِ ، فجزعتُ منها ، فقال يا حُمَيْراء : لا تجزعي منها ، فإنّ وَيْسَك وويحك رحمة ، لكن اجزعي مِن الوَيْل .

ثمّ قال البخاري : يوسف بن موسى ، ثنا عبد الوهّاب ، ثنا إسماعيل بن عيّاش عن صفوان بن عمرو عن عبد الله بن بُسَر عن أبي أُمامة مرفوعاً : حبّبوا الله إلى الناس يحبّكم الله ومِن بلاياه روايته عن إسماعيل ، عن صفون بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن كثير بن مرّة ، عن عبد الله بن عمرو حديث : إنّ الله اتّخذني خليلاً ، ومنزلي ومنزل إبراهيم في الجنّة تجاهين والعبّاس بيننا مؤمن بين خليلين .

وقال ابن حبّان : يُكنى أبا الحرث السلمي ، كان ممّن يسرق الحديث حدّثنا عنه جماعة ثمّ ذكر ابن حبّان ، أنّ الحديث المذكور حدّثه عنه به عمر بن سنان وأبو عروبة وغيرهما )(٢) .

_______________________

(١) تهذيب التهذيب ٦ : ٣٩٣ ـ ٣٩٤ / ٨٢٩ .

(٢) ميزان الاعتدال ٤ : ٤٣٣ / ٥٣٢١ .


وقال أيضاً : ( عبد الوهّاب بن الضحّاك السلمي العرضي ثمّ الحمصي نزيل سلمية عن : عبد العزيز أبي حازم وإسماعيل بن عيّاش وعنه : ق والحسن بن سفيان وأبو عروبة قال : ويضع الحديث ، مات ٢٤٥هـ )(١) .

ثمّ إنّ السيوطي قد ذكر الحديث الحقّ الوارد في الباب ، وذلك أنّه قال بعد الكلمات المتقدّمة في حديث عبد الوهاب : ( وله طريق آخر : قال الحاكم... ) وهذا نصّ عبارته كاملةً :

( العقيلي : ثنا أحمد بن داود القومسي ، ثنا عبد الوهّاب بن الضحّاك ، ثنا إسماعيل بن عيّاش ، عن صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن كثير بن مرّة عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله عزّ وجلّ اتّخذني خليلاً كما اتّخذ إبراهيم خليلاً ، ومنزلي ومنزل إبراهيم يوم القيامة في الجنّة تجاهين والعبّاس بيننا مؤمن بين خليلين .

ابن عدي : ثنا محمّد بن عبدة بن حرب ، ثنا أحمد بن معاوية الباهلي ، ثنا إسماعيل بن عيّاش به موضوع .

قال العقيلي : عبد الوهّاب متروك الحديث وليس لهذا الحديث أصل عن ثقة ، ولا يتابعه إلاّ مَن هو دونه أو مثله

وقال ابن عدي : هذا الحديث يعرف بعبد الوهّاب ، وسرقه منه الباهلي ، وكان يسرق الحديث ويحدّث عن الثقات بالأباطيل .

قلت : أخرجه ابن ماجة : ثنا عبد الوهّاب به .

وله طريق آخر : قال الحاكم في تاريخه : ثنا أبو حبيب المصاحفي ، ثنا أبي ، ثنا أحمد بن أبي الوجيه الجوزجاني ، ثنا أبو معقل يزيد بن معقل عن

_______________________

(١) الكاشف ٢ : ٢١٣ / ٣٥٥ .


موسى بن عقبة عن سالم عن حذيفة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ الله اتّخذني خليلاً كما اتّخذ إبراهيم خليلاً ، فقصري في الجنّة وقصر إبراهيم في الجنّة متقابلان ، وقصر عليٍّ بين قصري وقصر إبراهيم ، فيا له مِن حبيب بين خليلين ) (١) .

فهذا هو الحديث الصحيح الحقّ ، وقوله ( وله طريق آخر... ) غلط واضح .

وقد أخرج حديث حذيفة سائر الحفّاظ أيضاً ، قال المحبّ الطبري ـ في فضائل عليعليه‌السلام ـ : ( ذكر قصره وقبّته في الجنّة : عن حذيفة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ الله اتّخذني خليلاً ، وإنّ قصري في الجنّة وقصر إبراهيم في الجنّة متقابلان ، وقصر علي بن أبي طالب بين قصري وقصر إبراهيم ، فياله مِن حبيب بين خليلين أخرجه أبو الخير الحاكمي ) (٢) .

(ومنها ) : ( حدّثنا إسماعيل بن محمّد الطلحي ، أنا دواد بن عطا المديني ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيّب ، عن أُبَي بن كعب قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أوّل مَن يصافحه الحقّ عمر ، وأوّل مَن يسلّم عليه ، وأوّل مَن يأخذ بيده فيدخله الجنّة )(٣) .

قال السيوطي : ( قال الحافظ عماد الدين ابن كثير في جامع المسانيد : هذا الحديث مُنكَر جدّاً ، وما أُبعد أن يكون موضوعاً، والآفة فيه داود بن عطا ) .

_______________________

(١) اللآلي المصنوعة ١ : ٤٣ ورواه عن الحاكم بالإسناد والمتن الحافظ أبو الخير أحمد بن إسماعيل الحاكمي الطالقاني القزويني ، المتوفى سنة ٥٩٠هـ في كتاب (الأربعين المنتقى مِن مناقب علي المرتضى) ، الباب ٣٠ ، الحديث ٣٧ .

(٢) الرياض النضرة ٣ : ١٨٥ .

(٣) سُنن ابن ماجة ١ : ٨٢ / ١٠٤ .


وقال الذهبي بترجمة داود هذا : ( داود بن عطا المدني ، أبو سليمان ، مِن موالي الزبير ، ويُقال فيه : داود بن أبي عطا ، عن زيد بن أسلم وصالح بن كيسان ، وعنه : الأوزاعي شيخه وإبراهيم بن المنذر وعبد الله بن محمّد الآذري قال أحمد : ليس بشيء ، قد رأيته وقال البخاري : مُنكَر الحديث .

قال ابن أبي عاصم في كتاب السُنّة : ثنا إسماعيل بن محمّد بن إسماعيل ابن محمّد بن يحيى بن زكريّا بن طلحة بن عبيد الله ، ثنا داود بن عطا عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيّب ، عن أُبي بن كعب قال : قال رسول الله : أوّل مَن يصافحه الحقّ عمر وأوّل مَن يأخذه بيد فيدخله الجنّة هذا مُنكَر جدّاً )(١) .

(ومنها ) : ( حدّثنا يونس بن عبد الأعلى ، ثنا محمّد بن إدريس الشافعي حدّثني محمّد بن خالد الجندي ، عن أبان بن صالح ، عن الحسن ، عن أنس ابن مالك قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يزداد الأمر إلاّ شدّة ، ولا الدنيا إلاّ إدباراً ، ولا الناس إلاّ شحّاً ، ولا تقوم الساعة إلاّ على شرار الناس ، ولا مهدي إلاّ عيسى بن مريم )(٢) .

قال السيوطي : ( هذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وقال : إنّه يُعدّ في أفراد الشافعي .

وقال الذهبي في الميزان : هذا خبر مُنكَر تفرّد به يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي .

ووقع في جزء مِن حديث يونس بن عبد الأعلى قال : حُدِّثتُ عن

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ١٩ / ٢٦٣٤ .

(٢) سُنن ابن ماجة ٤ : ٤٢٠ / ٤٠٣٩ .


الشافعي ، فهو على هذا منقطع ، على أنّ جماعة روَوْه عن يونس قال : حدّثنا الشافعي ، والصحيح أنّه لم يسمعه منه .

ومحمّد بن خالد ، قال الأزدي : مُنكَر الحديث وقال الحاكم : مجهول ، وكذا قال ابن الصلاح في أماليه ، وقد وثّقه يحيى بن معين ، وروى عنه ثلاثة رجال سوى الشافعي ، وأبان بن صالح صدوق ما علمت به بأساً ، لكن قيل إنّه لم يسمع مِن الحسن ، ذكره ابن الصلاح .

وللحديث علّة أُخرى : قال البيهقي : أنا الحاكم ، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن يزداذ المذكور في كتابه ، ثنا عبد الرحمن بن أحمد بن محمّد بن الحجّاج بن رشدين ، حدّثنا المفضّل بن محمّد الجندي ، ثنا صامت بن معاذ قال : عدلت إلى الجند ، فدخلت على محدّث لهم ، فوجدت عنده ، عن محمّد ابن خالد الجندي ، عن أبان بن أبي عيّاش ، عن الحسن ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال الذهبي : فانكشف ووهى .

وقال الحافظ جمال الدين المزي في التهذيب : قال أبو بكر ابن زياد : هذا حديث غريب وقال أبو الحسن محمّد بن حسين الآبري الحافظ في مناقب الشافعي : قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المهدي ، وأنّه مِن أهل البيت ، وأنّه يملك سبع سنين ، ويملأ الأرض عدلاً ، وأنّه يخرج مع عيسى بن مريم فيساعده على قتل الدجّال بباب اللّد بأرض فلسطين ، وأنّه يؤمّ هذه الأمّة وعيسىعليه‌السلام يصلّي خلفه في طول قصّته وأمره .

ومحمّد بن خالد الجندي وإن كان يذكر عن يحيى بن معين أنّه وثّقه ، فإنّه غير معروف عند أهل الصناعة مِن أهل العلم والنقل وقال البيهقي : هذا


حديث تفرّد به محمد بن خالد الجندي ، قال أبو عبد الله الحافظ ، وهو رجل مجهول واختلفوا عليه في إسناده : فرواه صامت بن معاذ ، ثنا يحيى ابن السكن ، ثنا محمّد بن خالد الجندي ، عن أبان بن صالح ، عن الحسن عن النبيّ قال صامت بن معاذ : عدلت إلى الجند ، فدخلت على محدّث لهم ، وطلبت هذا الحديث فوجدته عنده عن محمّد بن خالد الجندي ، عن أبان بن أبي عيّاش ، عن الحسن ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال البيهقي : فرجع الحديث إلى رواية محمّد بن خالد الجندي وهو مجهول ، عن أبان بن أبي عيّاش وهو متروك ، عن الحسن ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

(ومنها ) : ( حدّثنا الحسن بن علي الخلال ، ثنا عون بن عمارة ، ثنا عبد الله ابن المثنى بن ثمامة بن أنس بن مالك ، عن أبيه ، عن جدّه عن أنس بن مالك ، عن أبي قتادة قال : قال رسول الله : الآيات بعد المائتين )(٢) .

وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات(٣) .

وقال القرطبي في ( التذكرة في أحوال الموتى وأُمور الآخرة ) : ( وفي عموم إنذارالنبيّ بفساد الزمان وتغيير الدين وذهاب الأمانة ما يغني عن ذِكر التفاصيل الباطلة والأحاديث الكاذبة في أشراط الساعة ، مِن ذلك : حديث روَوْه عن قتادة عن أنس بن مالك عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّ في سنة مائتين يكون كذا وكذا ، وفي العشر والمائتين يكون كذا وكذا ، وفي العشر

_______________________

(١) راجع : تهذيب الكمال ٢٥ : ١٤٧ ـ ١٥٠ .

(٢) سُنن ابن ماجة ٤ : ٤٣١ / ٤٠٥٧ .

(٣) كتاب الموضوعات ٣ : ١٩٨ .


والمائتين كذا ، وفي العشرين كذا ، وفي الثلاثين كذا ، وفي الأربعين كذا ، وفي الخمسين كذا ، وفي الستين والمائتين تعتكف الشمس ساعة فيموت نصف الجنّ والإنس ، فهل كان هكذا وقد مضت هذه المدّة ، وهذا شيء يعمّ ، وسائر الأُمور التي ذكرت قد تكون في بلدة وتخلو منه أُخرى ، فهذا عكوف الشمس لا يخلو منه أحد في شرق وفي غرب ، فإن كان المائتان مِن الهجرة فقد مضت وإن كانت مِن موت النبيّ فقد مضت ، وأيضاً دلالة أُخرى على أنّه مفتعل : أنّ التاريخ لم يكن على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنّما وضعوه على عهد عمر ، فكيف يجوز هذا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقال في سنة عشرين ومائتين ولم يكن وضع شيء مِن التاريخ )(١) .

وقال الحكيم الترمذي في ( نوادر الأصول ) : ( ومِن الحديث الذي تنكره القلوب : حديث روَوْه عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّ في سنة مائتين يكون كذا وكذا ، وفي العشر والمائتين كذا ، وفي العشرين كذا ، وفي الثلاثين كذا ، وفي الخمسين كذا ، وفي الستين والمائتين تعتكف الشمس ساعة فيموت نصف الجنّ والإنس ، فهل كان كذا وكذا وقد مضت هذه المدّة وهذا شيء يعمّ ، وسائر الأُمور التي ذكرت قد تكون في بلدة وتخلو منها أُخرى ، فهذا عكوف الشمس لا يخلو منها أحد في شرق وغرب ، فإن كان المائتان مِن الهجرة فقد مضت ، وإن كانت مِن موت الرسول فقد مضت ، وأيضاً دلالة أُخرى على أنّه مفتعل : أنّ التاريخ لم يكن على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنّما وضعوه على عهد عمر ، فكيف

_______________________

(١) التذكرة في أُمور الآخرة : ٧١٢ .


يجوز هذا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقال في سنة مائتين وسنة عشر ومائتين ، ولم يكن وضع شيء مِن التاريخ )(١) .

هذا... ولا يخفى أنّ اعتمادنا هنا على أقوال ابن الجوزي إنّما هو بالنظر إلى استناد العلماء إلى أقواله وآرائه في الأحاديث والرجال ، كاحتجاج الدهلوي في ( التحفة ) برأيه في ردّ حديث ( أنا مدينة وعلي بابها ) وغيره مِن مناقب الأئمّة الطاهرين مِن أهل بيت سيّد المرسلين ، وكاحتجاج ابن روزبهان بكلماته في مواضع مِن ردّه على العلاّمة الحلّي ، وكاحتجاج ابن تيميّة واستناده إلى ابن الجوزي في كتابه ( منهاج السنّة ) وهكذا...

فإن كان الاحتجاج بأقوال ابن الجوزي غير صحيح ، فكلّ احتجاجات القوم بأقواله غير صحيحة... وهذا ما ينفعنا ولا يضرّنا ألبتّة...

أمّا نحن فغير مُلزَمين بأقواله وآرائه ، لكونه غير معتمَد عندنا ، وأقواله ليست بحجّةٍ علينا ، حتّى لو كان مقبولاً عندهم جميعاً ، فكيف وقد تكلّم جماعة منهم على كتبه وآرائه في موارد كثيرة ؟

_______________________

(١) لم نجده في كتاب (نوادر الأصول) وكأنّه قد اُسقط منه لكونه ممّا ((تُنكره القلوب)) كما قال .


تذييلاتٌ

* الكبار الكذّابون

* الكذّابون في الصحاح الستّة

* مِن تحريفات الصحابة للأحاديث النبويّة

* مِن تصحيفات النسّاخ للأحاديث النبويّة وغيرها

١ الكبار الكذّابون

وقد اتّهم كثير مِن كبار القوم وأئمّتهم في الفقه والحديث وغير ذلك بالكذب... في الكتب الرجاليّة...


نكتفي بذِكر عدّةٍ منهم :

١ ـ أبو مطيع البلخي

الفقيه الكبير ، صاحب أبي حنيفة قال الذهبي بترجمته :

( الحكم بن عبد الله ، أبو مطيع البلخي ، الفقيه ، صاحب أبي حنيفة... تفقّه به أهل تلك الدّيار ، وكان بصيراً بالرأي ، علاّمةً ، كبير الشأن ، ولكنّه واهٍ في ضبط الأثر ، وكان ابن المبارك يعظّمه ويُجلّه لدينه وعلمه... )(١) .

ومع هذا... فقد تكلَّم فيه الأئمّة وضعّفوه وتركوا حديثه حتّى :

قال أبو حاتم : مُرجئ كذّاب .

وقال الجوزقاني : كان يضع الحديث(٢) .

وقال ابن الجوزي ـ بعد حديثٍ في أنّ الإيمان يزيد وينقص :

( هذا حديث موضوع بلا شك ، وهو مِن وضْع أبي مطيع ، واسمه الحَكَم ابن عبد الله ، قال أحمد بن حنبل : لا ينبغي أن يُروى عنه شيء وقال يحيى :

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ١ : ٥٧٤ .

(٢) تنزيه الشريعة الغرّاء ١ : ٥٤ .


ليس بشيء وقال أبو حاتم الرازي : كان أبو مطيع مُرجئاً كاذباً )(١) .

وقال الذهبي : ( قال ابن معين : ليس بشيء وقال مرّةً : ضعيف .

وقال البخاري : ضعيف صاحب رأي .

وقال النسائي : ضعيف .

وقال ابن الجوزي ، في الضعفاء : الحَكَم بن عبد الله بن سَلَمة ، أبو مطيع الخراساني القاضي ، يروي عن إبراهيم بن طهمان وأبي حنيفة ومالك .

وقال أحمد : لا ينبغي أن يُروى عنه شيء ، قال : وتركوا حديثه وكان جهميّاً .

وقال ابن عدي : هو بيّن الضَعْف ، عامّة ما يرويه لا يتابع عليه .

وقال ابن حبّان : كان مِن رؤساء المرجئة ممّن يُبغض السُنن وينتحلها .

وقال العقيلي : حدّثنا عبد الله بن أحمد : سألت أبي عن أبي مطيع البلخي فقال : لا ينبغي أن يروى عنه : حكَوْا عنه أنّه يقول : الجنّة والنار خُلقتا فسيفنيان ، وهذا كلام جهم )(٢) .

٢ ـ ثوبان بن إبراهيم وهو ـ كما قال الجوزقاني ـ ذو النون المصري

مِن كبار الأولياء العِظام الذين يُعتقدَون ويُقتدَون بهم ، وقد تُرجم له في غير واحدٍ مِن كُتُب التراجم :

قال ابن خلّكان : ( كان أوحد وقته علماً وورعاً وحالاً وأدباً ، وهو معدود في جملة مَن روى الموطّأ عن الإمام مالكرضي‌الله‌عنه ... ) ثم ذكى له مناقب

_______________________

(١) كتاب الموضوعات ١ : ١٣٠ .

(٢) ميزان الاعتدال ٢ : ٣٣٩ .


قال : ( ومحاسن الشيخ ذي النون كثيرة )(١) .

لكن في ( تنزيه الشريعة الغرّاء ) : ( ثوبان بن إبراهيم المصري اتّهمه ابن الجوزي بالوضع ، وهو ذو النون المصري ، الصوفي المشهور كما قاله الجوزقاني .

قال الحافظ ابن حجر : ورأيت على هامش كتاب الجوزقاني : الصواب ثوبان أخو ذي النون )(٢) .

٣ ـ أحمد بن صالح المصري

مِن كبار الحفّاظ وأعلام الحديث ، وثّقه البخاري وغيره ووصفوه بأعظم الصفات ولقّبوه بأعلى الألقاب(٣) ، ومع ذلك ، فقد كذّبه بعض الأئمّة وتكلّم فيه آخر ، وهذه عبارة الذهبي المشتملة على ذلك كلّه :

( أحمد بن صالح ، أبو جعفر ، المصري ، الحافظ الثبت ، أحد الأعلام ، آذى النسائي نفسه بكلامٍ فيه وُلد سنة ١٧٠هـ وحدّث عن ابن عيينة وابن وهب وخَلْق ، وآخر مَن حدّث عنه ابن داود .

قال ابن نمير : قال أبو نعيم : ما قَدِم علينا أحد أعلم بحديث أهل الحجاز مِن هذا الفتى ، يريد أحمد بن صالح .

وقال أبو زرعة الدمشقي : سألني أحمد بن حنبل : مَن خلَّفت بمصر ؟ فقلت : أحمد بن صالح فسُرَّ بذكره ودعا له .

_______________________

(١) وفيات الأعيان ١ : ٢٨٠ رقم ١٢٦ .

(٢) تنزيه الشريعة الغرّاء ١ : ٤٣ .

(٣) اُنظر: سِيَر أعلام النبلاء ١٢ : ١٦٠ / ٥٩ .


وقال الفسوي : كتبتُ عن ألْفِ شيخٍ ، وكثيرٌ مّا أحد منهم أتّخذه عند الله حجّة ، إلاّ أحمد بن صالح وأحمد بن حنبل .

وقال البخاري : أحمد بن صالح ثقة ، ما رأيت أحداً يتكلّم فيه بحجّة .

وقال ابن وارة : أحمد بن صالح بمصر ، وأحمد بن حنبل ببغداد ، ومحمّد بن عبد الله بن نمير بالكوفة ، والنفيلي بحرّان ، هؤلاء أركان الدين .

وقال أبو حاتم والعجلي وجماعة : ثقة .

وقال أبو داود : كان يقوّم كلّ لحنٍ في الحديث .

وقال النسائي : ليس بثقة ولا مأمون .

وقال أبو سعيد ابن يونس : لم يكن عندنا ـ بحمد الله ـ كما قال النسائي ، لم يكن له آفة غير الكِبْر .

وقال النسائي أيضاً : تركه محمّد بن يحيى .

ورماه يحيى بن معين بالكذب .

وقال ابن عدي : كان النسائي سيّئ الرأي فيه وأنكر عليه أحاديث ، فسمعت محمّد بن هارون البرقي قال : هذا الخراساني يتكلّم في أحمد بن صالح ! لقد حضر مجلس أحمد بن حنبل فطرده مِن مجلسه ، فحمله ذلك على أن يتكلّم فيه... ولولا أنّي شرطت أنْ أذكر في كتابي كلَّ مَن تُكلّم فيه لكنت أُجلّ أحمد بن صالح أنْ أذكره .

وقال معاوية بن صالح عن ابن معين : أحمد بن صالح كذّاب )(١) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ١ : ٢٤١ / ٤٠٥ .


٤ ـ محمّد بن عمر الواقدي

مِن أعلام القوم في الحديث والمغازي ، حتّى وصفه بعضهم بأمير المؤمنين في الحديث ! قال الذهبي:

( قال محمّد بن سلام الجمحي : هو عالم دهره .

وقال إبراهيم الحربي : الواقدي أمين الناس على الإسلام ، وكان أعلم الناس بأمر الإسلام ، فأمّا الجاهليّة فلم يعلم فيها شيئاً .

وقال مصعب الزبيري : والله ما رأينا مثل الواقدي قط .

وعن الدراوردي قال : الواقدي أمير المؤمنين في الحديث .

وقال ابن سعد : قال الواقدي : ما مِن أحدٍ إلاّ وكُتبه أكثر مِن حفظه ، وحفظي أكثر مِن كتبي .

وقال يعقوب بن شيبة : لمّا تحوّل الواقدي مِن الجانب الغربي يقال إنّه حمل كُتُبه على عشرين ومائة وقر ، وقيل : كان له ستمائة قمطر كتب .

وقد وثّقه جماعة ، فقال محمّد بن إسحاق الصنعاني : والله لولا أنّه عندي ثقة ما حدّثت عنه .

وقال مصعب : ثقة مأمون .

وسُئل معن القزّاز عنه فقال : أنا أُسأل عن الواقدي !

وقال جابر بن كردي : سمعت يزيد بن هارون يقول : الواقدي ثقة .

وكذا وثّقه أبو عبيد .

وقال إبراهيم الحربي : مَن قال إنّ مسائل مالك وابن أبي ذئب تؤخذ عن أصدق مِن الواقدي فلا يُصدّق .


قال الخطيب في تاريخه : قَدِم الواقدي بغداد ووُلي قضاء الجانب الشرقي منها قال : وهو ممّن طبّق الأرض شرقها وغربها ذكرُه ، ولم يخف على أحدٍ عرف أخبار الناس أمره ، وسارت الركبان بكُتُبه في فنون العلم مِن المغازي والسِيَر والطبقات وأخبار النبيّ والأحداث الكائنة في وقته وبعد وفاته ، وكتب الفقه واختلاف الناس في الحديث وغير ذلك... وكان جواداً مشهوراً بالسخاء ) .

( قال مجاهد بن موسى : ما كتبت عن أحد أحفظ مِن الواقدي .

قلت : صدق كان إلى حفظه المنتهى في السِيَر والأخبار والمغازي والحوادث وأيّام الناس والفقه وغير ذلك )(١) .

هذا ، وقد جعل بعض المتكلّمين عدم رواية الواقدي حديث الغدير ؛ مِن أدلّة ضَعْف هذا الحديث واستندوا إلى ذلك في مقام الجواب عن استدلال الإماميّة به ، كما في شرح المقاصد للتفتازاني وغيره.

ومع ذلك كلّه ، فقد طعن في الرجل جماعة مِن الأئمّة ، حتّى رماه بعضهم بوضع الحديث ، فقد قال الخوارزمي في ( جامع مسانيد أبي حنيفة ) بعد حديث أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعطى المقداد سهمَيْن :

( فقد ذكره الواقدي كذلك في المغازي ، وقد طعنوا فيه :

فقال يحيى بن معين : وضع الواقدي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عشرين ألف حديث .

وقال أحمد بن حنبل : الواقدي يُرَكِّب الأسانيد .

وقال ابن المديني : لا يُكتب حديثه .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٦ : ٢٧٣ / ٧٩٩٩ .


وقال الشافعي : كتب الواقدي كذب... ) .

وفي ( ميزان الاعتدال ) : ( قال أبو غالب ابن بنت معاوية بن عمرو : سمعت ابن المديني يقول : الواقدي يضع الحديث ) .

( قال ابن راهويه : هو عندي ممّن يضع الحديث )(١) .

٥ ـ محمّد بن إسحاق صاحب السيرة

الذي أثنى عليه الأئمّة كالزهري والشافعي وغيرهما ، ولقّبه بعضهم بأمير المؤمنين في الحديث(٢) :

( قال سليمان التيمي : كذّاب .

وقال وهيب : سمعت هشام بن عروة يقول : كذّاب .

وقال وهيب : سألت مالكاً عن ابن إسحاق فاتّهمه .

وقال عبد الرحمن بن مهدي : كان يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك يجرحان ابن إسحاق .

وقال يحيى بن آدم : ثنا ابن إدريس قال : كنت عند مالك فقيل له : إنّ ابن إسحاق يقول : أعرضوا عليَّ عِلم مالك فإنّي بيطاره فقال مالك : أُنظروا إلى دجّالٍ مِن الدجاجلة )(٣) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٦ : ٢٧٣ / ٧٩٩٩ .

(٢) سِيَر أعلام النبلاء ٧ : ٣٣ .

(٣) ميزان الاعتدال ٦ : ٥٧ / ٧٢٠٣ .


٦ ـ نعيم بن حمّاد

أثنى عليه أكابر الأئمّة الثناء الجميل ، وهو مِن رجال البخاري وأبي داود والترمذي وابن ماجة(١) .

لكنّه رُمي بالوضع على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والكذب على أبي حنيفة :

قال الذهبي : ( قال الأزدي : كان نعيم يضع الحديث في تقوية السُنّة وحكايات مزوّرة في ثلب النعمان كلّها كذب )(٢) .

وفي ( حاشية الكاشف ) : ( قال ابن عدي : كان يضع الحديث في تقوية السنّة ، وحكايات عن العلماء في ثلب أبي حنيفة كلّها كذب وقال ابن عدي : وقال هذا ابن حمّاد أبو بشر محمّد بن أحمد الدولابي .

وقال ابن يونس : روى أحاديث مناكير عن الثقات .

وذكره ابن حبّان في الثقات وقال : ربّما أخطأ ووهِم .

ونسبه جماعة إلى الوضع ) .

٧ ـ محمّد بن عثمان بن أبي شيبة

الحافظ الجليل والمحدّث الكبير ، كما بتراجمه ، ففي ( الأنساب ) مثلاً :

( أبو جعفر ، محمّد بن عثمان بن محمّد بن أبي شيبة إبراهيم ابن العبسي مولاهم ، مِن أهل الكوفة سكن بغداد ، كان كثير الحديث ، واسع الرواية ، ذا

_______________________

(١) سِيَر أعلام النبلاء ١٠ : ٥٩٥ .

(٢) ميزان الاعتدال ٧ : ٤٤ / ٩١٠٩ .


مروّة وفهم وإدراك ، وله تاريخ كبير في معرفة الرّجال...

روى عنه : أبو بكر محمّد بن محمّد ابن الباغندي ، ويحيى بن محمّد بن صاعد ، والقاضي المحاملي ، ومحمّد بن مخلد ، وأبو عمرو ابن السماك ، وأبو بكر الشافعي ، وأبو علي الصواف ، وغيرهم .

وثّقه صالح جزرة الحافظ )(١) .

وإليك الكلمات في ذمّ هذا الحافظ العظيم !:

( وأمّا عبد الله بن أحمد بن حنبل فقال : كذّاب .

وقال ابن خراش : كان يضع الحديث .

قال ابن عقدة : سمعت عبد الله بن أُسامة الكلبي وإبراهيم بن إسحاق الصوّاف وداود بن يحيى يقولون : محمّد بن عثمان كذّاب زادنا داود : قد وضع أشياء على قومٍ ما حدّثوا بها قط .

ثمّ حكى ابن عقدة نحو هذا عن طائفةٍ في حقّ محمّد )(٢) .

٨ ـ الزبير بن بكّار

الإمام في الأنساب... قال الخطيب بترجمته :

( الزبير بن بكّار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوّام ، المديني ، العلاّمة ، كان ثقةً عالماً بالنسب ، عارفاً بأخبار المتقدّمين ومآثر الماضين قال جحظة : كنت بحضرة الأمير محمّد بن عبد الله بن طاهر

_______________________

(١) الأنساب ٤ : ١٤١ ، وانظر : سِيَر أعلام النبلاء ١٤ : ٢١ ، تاريخ بغداد ٣ : ٤٢ ، مرآة الجنان ٢ : ٢٣٠ وغيرها .

(٢) ميزان الاعتدال ٦ : ٢٥٥ .


فاستؤذن عليه للزبير بن بكار حين قَدِم مِن الحجاز ، فلمّا دخل عليه أكرمه وعظّمه وقال له : لئن باعدَتْ بيننا الأنساب لقد قرّبت بيننا الآداب ، وإنّ أمير المؤمنين ذكَرَك واختارك لتأديب ولده ، وأمر لك بعشرة آلاف درهم وعشر تخوت مِن الثياب، وعشرة أبغل تحمل عليها رحلك إلى حضرته بسرّ مَن رأى فشكر ذلك وقَبِلَه )(١) .

وترجم له ابن خلكان واليافعي واللّفظ للأخير :

( أبو عبد الله الزبير المعروف بابن بكّار القرشي الأسدي الزبيري كان مِن أعيان العلماء ، تولّى قضاء مكّة ، وصنّف الكُتب النافعة ، منها : كتاب أنساب قريش ، جمع فيه شيئاً كثيراً ، وعليه اعتماد الناس في معرفة أنساب القرشيّين ، وله مصنّفات غيره دلّت على فضله واطّلاعه .

روى عن : ابن عُيينة ومَن في طبقته وروى عنه : ابن ماجة القزويني وابن أبي الدنيا وغيرهما )(٢) .

وقال الذهبي : ( قال الخطيب : كان ثقةً ثبتاً ، عالماً بالنَسَب ، عارفاً بأخبار المتقدّمين ومآثر الماضين ، وله الكتاب المصنّف في مآثر قريش وأخبارها رحمه الله )(٣) .

وتوجد ترجمته أيضاً في :

تذكرة الحفاظ ٢ : ٥٢٨ ، سِيَر أعلام النبلاء ١٢ : ٣١١ ، الكاشف عن أسماء رجال الكُتُب الستّة ١ : ٣١٨ ، العبر ٢ : ١٢ ، تهذيب الكمال في أسماء الرجال

_______________________

(١) تاريخ بغداد ٨ : ٤٦٧ ملخّصاً .

(٢) مرآة الجنان ٢ : ١٢٤ ، وفيات الأعيان ٢ : ٣١١ .

(٣) تذهيب التهذيب ، تهذيب التهذيب ٣ : ٢٦٩ .

٩ : ٢٩٣ ، البداية والنهاية ١١ : ٢٤ ، تهذيب التهذيب ٣ : ٣١٢ ، تاريخ بغداد ٨ : ٤٦٧ .

وغيرها مِن كتب الرجال والتراجم...


ولكنّ السليماني ـ وهو الحافظ الكبير(١) ـ ذكره في عداد مَن يضع الحديث(٢) .

٩ ـ ابن قتيبة

عبد الله بن مسلم بن قتيبة بن محمّد ، صاحب كتاب المعارف وغيره مِن المصنّفات ، والمترجم له بكلّ إطراء وثناء وتوثيق في :

وفيات الأعيان

والأنساب ٤ : ٤٣١ .

والمنتظم ٥ : ١٠٢ .

وتاريخ بغداد ١٠ : ١٧٠ .

والبداية والنهاية ١١ : ٤٨ .

وبغية الوعاة في طبقات اللغويّين والنحاة ٢ : ٦٣ .

قال ابن خلّكان : ( أبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ، وقيل : المروزي ، النحوي اللغوي ، وصاحب كتاب المعارف وأدب الكاتب... كان فاضلاً ثقة ، سكن بغداد وحدّث بها... وتصانيفه كلّها مفيدة... )(٣) .

لكنّ بعض الأعلام تكلّم فيه ، بل ادّعى الحاكم النيسابوري الإجماع على

_______________________

(١) أحمد بن علي البخاري ، المتوفى سنة ٤٠٤هـ ، توجد ترجمته في سِيَر أعلام النبلاء ١٧ : ٢٠٠ .

(٢) ميزان الاعتدال ٣ : ٩٨ .

(٣) وفيات الأعيان ٣ : ٤٢ ـ ٤٤ .


أنّه كذّاب... وهذه عبارة الذهبي :

( عبد الله بن مسلم بن قتيبة بن محمّد ، صاحب التصانيف ، صدوق ، قليل الرواية روى عن إسحاق بن راهويه وجماعة .

قال الخطيب : كان ثقة ديّناً فاضلاً .

وقال الحاكم : اجتمعت الأُمّة على أنّ القتيبي كذّاب .

قلت : هذه مجازفة قبيحة وكلام مَن لم يخف الله .

ورأيت في مرآة الزمان أنّ الدارقطني قال : كان ابن قتيبة يميل إلى التشبيه ، منحرف عن العترة ، وكلامه يدلّ عليه .

وقال البيهقي : كان يرى رأي الكراميّة .

وقال ابن المنادي : مات في رجب سنة ٢٧٦هـ مِن هريسةٍ بلعها سخنة فأهلكته )(١) .

١٠ ـ أسد بن عمرو

مِن أعلام الفقهاء وأكابر أصحاب أبي حنيفة ، ومِن مشايخ أحمد وأمثاله مِن الأئمّة... كما قال السمعاني بترجمته :

( روى عنه : أحمد بن حنبل ومحمّد بن بكار بن الريّان وأحمد بن منيع والحسن بن محمّد الزعفراني وُليَ القضاء ببغداد وواسط ، كان عنده حديث كثير ، وهو ثقة إن شاء الله هكذا قال أبو بكر الخطيب ، ومات سنة ١٨٨هـ وقيل : ١٩٠هـ )(٢) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٤ : ١٩٨ ـ ١٩٩ / ٤٦٠٦ .

(٢) الأنساب ٤ : ٤٧٦ (القسري) .


وإليك عبارة الذهبي المشتملة على كلماتهم في الطعن عليه :

( أسد بن عمرو ، أبو المنذر البجلي ، قاضي واسط ، عن ربيعة الرأي ومطرف .

قال يزيد بن هارون : لا يحلّ الأخذ عنه .

وقال يحيى : كذوب ليس بشيء .

وقال البخاري : ضعيف .

وقال ابن حبّان : كان يسوّي الحديث على مذهب أبي حنيفة .

وقال أحمد بن حنبل : صدوق ، وقال مرّةً : صالح الحديث كان مِن أصحاب الرأي .

وما قدّمناه مِن قول ابن معين ، إنّما رواه أحمد بن سعيد بن أبي مريم ، وقد روي عن يحيى بن محمّد العبسي أنّه قال : لا بأس به وقال عبّاس : سمعت يحيى يقول : هو أوثق مِن نوح بن درّاج ولم يكن به بأس ، وقد سمع مِن ربيعة الرأي وغيره ، وقال : ولمّا أنكر بصره ترك القضاء رحمه الله .

وقال ابن عمّار الموصلي : لا بأس به .

قلت : صَحِب الإمام أبا حنيفة وتفقّه عليه كان مِن أهل الكوفة ، فقَدِم بغداد ووُلِيَ قضاء الشرقيّة بعد القاضي العوفي .

وضعّفه الفلاّس .

وقال النسائي : ليس بقوي .

وقال الدراقطني : يعتبر به .

وقال ابن سعد : مات سنة ١٩٠هـ .

وقال ابن عدي لم أر له شيئاً مُنكراً وأرجو أنّه لا بأس به .


ومات سنة ١٩٠هـ قاله ابن حبّان )(١) .

١١ ـ محمّد بن عبد الله بن عبد الحكم

تلميذ الشافعي ، وقال ابن خزيمة ، ما رأيت في فقهاء الإسلام أعرف بأقاويل الصحابة والتابعين منه... إلى غير ذلك ممّا قيل في مدحه .

لكنّ ابن الجوزي أدرجه في الضعفاء وقال : ( كذّبه الربيع بن سليمان ) .

قال الذهبي : ( محمّد بن عبد الله بن الحكم ، فقيه أهل مصر ، روى عن ابن وهب والشافعي وتفقّه به ، وأنس بن عياض ، أكثر عنه الأصم وغيره .

وقال ابن الجوزي في الضعفاء : روى عن مالك .

وهذا خطأ ظاهر مِن أبي الفرج ، ما أدرك مالكاً .

ثمّ قال ابن الجوزي : كذّبه الربيع بن سليمان .

قلت : بل هو صدوق قال النسائي : هو أظرف مِن أن يكذب .

قد احتجّ به النسائي وكان ثقة وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم : صدوق ثقة وقال ابن خزيمة : ما رأيت في فقهاء الإسلام أعرف بأقاويل الصحابة والتابعين منه وكان أعلم مَن رأيت بمذهب مالك أمّا الإسناد فلم يكن يحفظه )(٢) .

والألطف مِن ذلك : كذبه على شيخه الشافعي في مسألة وطي المرأة في الدّبر ، إذ نسب إليه القول بالجواز ، وهو عندهم مِن القبائح الشنيعة :

قال الذهبي : ( أخبرتْنا خديجة بنت الرضي ، أخبرنا أحمد بن عبد الواحد ، أنا عبد المنعم الفراوي ، أنا عبد الغفّار بن محمّد ، أنا أبو سعيد الصيرفي ، ثنا

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ١ : ٣٦٣ / ٨١٥ .

(٢) ميزان الاعتدال ٦ : ٢١٩ ـ ٢٢٠ / ٧٨٢١ .


أبو العبّاس الأصم : سمعت محمّد بن عبد الله ، سمعت الشافعي يقول : ليس فيه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في التحليل والتحريم حديث ثابت ، والقياس أنّه حلال .

قلت : هذا مُنكر مِن القول ، بل القياس التحريم ، يعني الوطئ في دُبر المرأة وقد صحّ الحديث فيه وقال الشافعي : إذا صحَّ الحديث فاضربوا بقولي على الحائط قال ابن الصبّاغ في الشامل عقيب هذه الحكاية : قال الربيع : والله لقد كذب على الشافعي ، فإنّ الشافعي ذكر تحريم هذا في ستّة كتبٍ مِن كتبه )(١) .

١٢ ـ الحسن بن علي بن شبيب المعمري

مِن أعلام الحفّاظ الأجلاّء ، وأكابر المحدّثين النبلاء ، كما لا يخفى على مِن يراجع تراجمه في : كتاب الأنساب للسمعاني ، وتذكرة الحفّاظ للذهبي ، وغيرهما مِن معاجم الرجال .

قال السمعاني : ( أبو علي الحسن بن علي بن شبيب المعمري الحافظ ، إنّما اشتهر بهذه النِسبة لأنّه عَنيَ بجمع حديث معمر، وقيل : إنّ أُمّه بنت سفيان ابن أبي سفيان صاحب معمر بن راشد فأُنسب إليها ، وكان جليل القدر ، كثير السماع ، صاحب كتاب اليوم والليلة ، كثرت الرواية عنه ، وسمعتُ جزءً مِن هذا الكتاب بواسط عن قاضيها أبي عبد الله الجلابي ، وروى الكتاب كلّه محمّد بن إدريس الجرجرائي الحافظ عن أبي بكر محمّد بن أحمد المعيد عنه ، سمع هدبة بن خالد وعبيد الله بن معاذ العنبري وعلي بن المديني ويحيى بن معين

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٦ : ٢١٩ ـ ٢٢٠ / ٧٨٢١ .


وداود بن عمرو الضبّي ودحيم بن اليتيم وأحمد بن عمرو بن السرح وخَلْقاً يطول ذكرهم .

روى عنه : يحيى بن صاعد ومحمّد بن مخلد وأبو بكر ابن النجاد وأبو سهل ابن زياد )(١) .

ومع هذا ، فقد اتّهمه غير واحدٍ مِن الأعلام :

قال الذهبي : ( الحسن بن علي بن شبيب المعمري الحافظ ، واسع العلم والرحلة ، سمع علي بن المديني وشيبان وطبقته ، وله غرائب يرفعها .

قال الدارقطني : صدوق حافظ .

وقال ابن عبدان : ما رأيت في الدنيا صاحب حديثٍ مثله .

وقال البردعي : ليس بعجيب أن يتفرّد المعمري بعشرين أو ثلاثين حديثاً في كثرة ما كَتَب .

قال عبدان : سمعت فضلك الراوي وجعفر بن الجنيد يقولان : المعمري كذّاب قال عبدان : حسداه ؛ لأنّه كان رفيقهما ، فكان إذا كتب حديثاً غريباً لا يفيدهما .

وقال ابن عدي : سمعت أبا يعلى يقول : كتب إليّ موسى بن هارون : أنّ المعمري حدّث عن العبّاس البرسي عن يحيى القطّان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر يحدّث : لعن الله الواصلة فزاد فيه : ونهى عن النَوْح ، فاكتب إلينا بصحّته ، فإنّ النسخة عندك عند العبّاس فكتب إليه : ما فيه هذا )(٢) .

_______________________

(١) الأنساب ٥ : ٢٣٢ (المعمري) .

(٢) ميزان الاعتدال ٢ : ٢٥٣ / ١٨٩٧ .


٢ الكذّابون في الصّحاح الستّة

وفي رجال صحاح القوم أيضاً عدّة كبيرة مِن الرواة اُتّهموا في الكُتُب الرجاليّة بالكذب والوضع ، رأينا مِن المناسب ذكر بعضهم في هذه الرسالة ، فمنهم :

١ ـ إبراهيم بن بشار

أخرج عنه أبو داود والترمذي .

قال الذهبي : ( إبراهيم بن بشار الرمادي ، صاحب سفيان بن عُيينة ، مِن أهل جرجرايا ، ليس بالمتقن ، وله مناكير .

قال يحيى بن معين : رأيته ينظر في كتاب وابن عُيينة يقرأ ولا يغيّر شيئاً ، ليس معه ألواح ولا دواة.

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سألت أبي عنه ، فلم يُعجبه وقال : كان يكون عند سفيان فيقوم ويجيئون إليه الخراسانية فيُملي عليهم ما لم يقل ابن عُيينة ، فقلت له : أما تتّقي الله ؟ أما تراقب الله ، أو كما قال )(١) .

( قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سمعت أبي يقول : كان سفيان الذي يروي عنه إبراهيم بن بشار ليس هو ابن عُيينة ، كان إبراهيم يحضر معنا عند ابن عُيينة فكان يُملي على الناس ما يسمعونه مِن سفيان ، وكان ربّما يُملي عليهم ما لم يسمعوا ، فقلت له يوماً : ألا تتقي الله ، ويحك تُملي عليهم ما لم

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ١ : ١٤١ .


يسمعوا ؟ ولم يحمده أبي في ذلك ، وذمّه ذمّاً شديداً .

وقال ابن معين : لم يكن بشيء )(١)

٢ ـ إبراهيم بن محمّد الأسلمي

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( قال يحيى القطّان : سألت مالكاً : أكان ثقة ؟ قال : لا ولا ثقة في دينه .

وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه : كان قدريّاً معتزليّاً جهميّاً ، كلّ بلاء فيه .

قال أبو طالب عن أحمد بن حنبل : ترك الناس حديثه ، وكان يأخذ أحاديث الناس فيضعها في كتبه .

وقال يحيى القطّان : كذّاب .

وقال البخاري: جهمي ، تركه ابن المبارك والناس .

وقال عبّاس عن ابن معين : ليس بثقة .

وقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم : قلت ليحيى بن معين : فابن أبي يحيى ؟ قال : كذّاب وكان قدريّاً رافضيّاً ، قال لي نعيم بن حمّاد : أنفقتُ على كُتُبه خمسين ديناراً ، ثمّ أخرج إلينا يوماً كتاباً فيه القدر وكتاباً فيه رأي جهم ، فقرأته فعرفته ، فقلت : هذا رأيك ؟ قال : نعم ، فحرقت بعض كُتُبه وطرحتها .

وقال النسائي : لا يُكتب حديثه )(٢) .

وقال : ( إبراهيم بن أبي يحيى ، هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن أبي

_______________________

(١) تذهيب التهذيب ، تهذيب التهذيب ١ : ٩٤ .

(٢) تذهيب التهذيب ، تهذيب التهذيب ١ : ١٣٧ .


يحيى الأسلمي المدني ، أحد الضعفاء .

قال إبراهيم بن عرعرة : سمعت يحيى بن سعيد يقول : سألت مالكاً عنه أكان ثقة في الحديث ؟ فقال : لا ولا في دينه .

قال يحيى بن معين : سمعت القطّان يقول : إبراهيم بن أبي يحيى كذّاب .

وروى أبو طالب عن أحمد بن حنبل قال : تركوا حديثه ، قدريّ معتزليّ يروي أحاديث ليس لها أصل .

وقال البخاري : تركه ابن المبارك والناس .

وقال البخاري أيضاً : كان يرى القدر وكان جهميّاً .

وروى عبد الله بن أحمد عن أبيه قال : قدريّ جهميّ ، كلّ بلاءٍ فيه ، ترك الناس حديثه .

وروى عبّاس عن ابن معين : كذّاب رافضيّ .

وقال محمّد بن عثمان بن أبي شيبة : سمعت عليّاً يقول : إبراهيم بن أبي يحيى كذّاب ، وكان يقول بالقدر ) .

( قال ابن حبّان : كان يرى القدر ، ويذهب إلى كلام جهم ، ويكذب مع ذلك في الحديث ) .

( وقال أبو محمّد الدارمي : سمعت يزيد بن هارون يكذّب إبراهيم بن أبي يحيى )

هذا ، والعجيب جدّاً أن يروي الشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى ، مع علمه بحاله ، ويدلّسه !!

قال الذهبي عن ابن حبّان : ( فإنّه كان يُجالس إبراهيم في حداثته ويحفظ عنه حِفْظ الصبي ، والحفظ في الصِغَر كالنقش في الحجر ، فلمّا دخل مصر في


آخر عمره وأخذ يصنّف الكُتُب المبسوطة ، احتاج إلى الأخبار ولم يكن معه كُتُبه ، فأكثر ما أودع الكُتب مِن حفظه ، وربّما كنّى عنه ولا يسمّيه في كُتُبه )(١) .

٣ ـ أحمد بن إسماعيل ، أبو حذافة السهمي

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( قال ابن عدي : حدّث عن مالك وغيره بالبواطيل ، وامتنع ابن صاعد مِن التحديث عنه مدّةً... إلى أن قال بعد ذكر حديث : ولم ينقم على أبي حذافة متنه بل إسناده ولم يكن ممّن يتعمّد قال أبو العبّاس السرّاج : سمعت الفضل بن سهل الأعرج ذكر أبا حذافة صاحب مالك فكذّبه )(٢) .

٤ ـ أحمد بن عبد الرحمن بن وهب

أخرج عنه مسلم بن الحجّاج .

قال الذهبي : ( أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، أبو عبيد الله البصري ، ويعرف ببحشل .

قال ابن عدي : رأيت شيوخ مصر مُجْمعين على ضعفه ، والغرباء لا يمتنعون عن الأخذ عنه ، أبو زرعة وأبو حاتم فمَن دونهما...

وقال النسائي في الضعفاء له : كذّاب .

وقال ابن يونس : لا تقوم به حجّة )(٣) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ١ : ١٨٢ / ١٨٨.

(٢) ميزان الاعتدال ١ : ٢١٥ / ٢٩٨ .

(٣) ميزان الاعتدال ١ : ٢٥٣ / ٤٤٣ .


٥ ـ أحمد بن محمّد بن أيّوب صاحب المغازي

أخرج عنه أبو داود .

قال الذهبي : ( روى إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين قال : كذّاب )(١) .

٦ ـ أبو الوليد أحمد بن عبد الرحمن البسري

أخرج عنه الترمذي والنسائي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( أحمد بن عبد الرحمن البسري ، أبو الوليد ، دمشقي ، صدوق ، روى عن الوليد بن مسلم .

قال إسماعيل بن عبد الله السكري القاضي : لم يسمع أبو الوليد مِن ابن مسلم شيئاً ، ولو شهد عندي ما قبلته ، وإنّما كان محلّلاً يحلّل النساء ، يُعطى الشيء فيطلّق ، وكان سيّئ الحال بدمشق ، فاتّقوا الله وإيّاكم والسّماع مِن الكذّابين )(٢) .

٧ ـ إسماعيل بن أبي أويس

أخرج عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( إسماعيل بن أبي أويس ، عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي ، أبو عبد الله المدني ، محدّث مُكثر ، فيه لين .

روى عن خاله مالك وأخيه عبد الحميد وأبيه ، وأقدم مَن لقي عبد العزيز

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ١ : ٢٧٧ / ٥٣٥ .

(٢) ميزان الاعتدال ١ : ٢٥٥ / ٤٤٤ .


الماجشون وسَلَمة بن وردان وعنه : صاحبا الصحيح وإسماعيل القاضي والكبار .

قال أحمد : لا بأس به .

وقال ابن عدي : قال أحمد بن أبي يحيى ، سمعت ابن معين يقول : هو وأبوه يسرقان الحديث .

وقال الدولابي في الضعفاء : سمعت النضر بن سَلَمة المروزي يقول : كذّاب ، كان يحدّث عن مالك بمسائل ابن وهب .

روى عنه البخاري كثيراً )(١) .

وفي ( حاشية الكاشف ) :

( قال ابن معين : صدوق ضعيف العقل ليس بذاك وقال مرّةً : هو وأبوه يسرقان الحديث وقال مرّةً : هما ضعيفان ، يعني : هو وأبوه وقال مرّةً : مخلّط يكذب ليس بشيء ) .

٨ ـ أيّوب بن جابر بن سيّار

أخرج عنه أبو داود والترمذي .

قال الذهبي : ( أيّوب بن جابر بن سيّار اليمامي ، عن سماك بن حرب وغيره .

قال يحيى : ليس بشيء .

وقال ابن المديني : يضع حديثه .

وقال أبو زرعة وغيره : واه .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ١ : ٣٧٩ / ٨٥٤ ملخّصاً .


وقال النسائي : ضعيف )(١) .

٩ ـ ثابت بن موسى الضبّي

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( ثابت بن موسى الضبّي الكوفي الضرير العابد ، عن شريك والثوري .

قال يحيى : كذّاب .

وقال أبو حاتم وغيره : ضعيف .

وقال أبو حاتم : لا يجوز الاحتجاج بأخباره...

قال ابن معين الرازي : سمعت يحيى بن معين يقول : ثابت أبو يزيد كذّاب )(٢) .

١٠ ـ جبارة بن المغلس

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( جبارة بن المغلس الحماني الكوفي : عن كثير بن سليم وشبيب بن شيبة وعنه : ابن ماجة ومطين وأبو يعلى وعفان .

قال ابن نمير : صدوق ، وما هو ممّن يكذب .

وقال البخاري : حديثه مضطرب .

وقال أبو حاتم : هو على يدي عدل .

وروى أبو معين الحسين بن الحسن عن يحيى بن معين : كذّاب .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ١ : ٤٥٤ / ١٠٧٠ .

(٢) ميزان الاعتدال ٢ : ٨٨ / ١٣٧٧ .


وقال ابن نمير : يوضع له الحديث فيرويه ولا يدري )(١) .

( قال الحسين بن الحسن الرازي عن ابن معين : كذّاب )(٢) .

١١ ـ جعفر بن الزبير

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( جعفر بن الزبير ، عن القاسم أبي عبد الرحمن وجماعة ، وعنه : وكيع ويزيد بن هارون وعدّة .

كذّبه شعبة ، فقال غندر : رأيت شعبة راكباً على حمار فقال : أذهب فاستعدي على جعفر بن الزبير ، وضع على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربعمائة حديث .

وقال ابن معين : ليس بثقة .

وقال البخاري : تركوه .

وقال ابن عدي : الضعف على حديثه بيّن .

وقال القطّان : لو شئت أن أكتب عنه ألفاً كتبت عنه )(٣) .

وقال : ( قال أحمد بن سعيد الدارمي عن يزيد بن هارون قال : كان جعفر ابن الزبير وعمران بن جدير في مسجدٍ واحد ، وكان الزحام على جعفر بن الزبير ، وليس عند عمران أحد ، وكان شعبة يمرّ بهما فيقول : يا عجباً للناس ، اجتمعوا على أكذب الناس وتركوا أصدق الناس ، يعني عمران ، فما أتى علينا

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٢ : ١١١ / ١٤٣٥ .

(٢) تذهيب التهذيب ، تهذيب التهذيب ٢ : ٥٠ .

(٣) ميزان الاعتدال ٢ : ١٣٣ / ١٥٠٤ .


إلاّ القليل حتّى رأيت ذلك الزحام على عمران وتركوا جعفراً وليس عنده أحد .

وقال غندر : رأيت شعبة راكباً على حمار فقال : أذهب فاستعدي على هذا ، يعني جعفر بن الزبير ، وضع على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربعمائة حديث .

وقال ابن معين : ليس بثقة .

وقال البخاري : تركوه .

وقال ابن عدي : الضعف على حديثه بيّن .

وقال الدارقطني : متروك )(١) .

ثمّ إنّ الذهبي أورد في ( التذهيب ) بعد تلك المثالب والقوادح منقبةً له ، وهذا عجيبٌ جدّاً...

١٢ ـ الحارث بن عمران

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( الحارث بن عمران الجعفري ، عن محمّد بن سوقة وهشام ابن عروة وعنه : علي بن حرب وأحمد بن سليمان .

قال ابن حبان : كان يضع الحديث على الثقات .

قال ابن عدي : الضعف على رواياته بيّن .

وقال أبو حاتم : ليس بالقويّ .

وقال أبو زرعة : واهي الحديث )(٢) .

_______________________

(١) تذهيب التهذيب ، تهذيب التهذيب ٢ : ٧٨ .

(٢) ميزان الاعتدال ٢ : ١٧٥ / ١٦٣٩ .


١٣ ـ حبيب بن أبي حبيب المصري كاتب مالك بن أنس

قال الذهبي : ( حبيب بن أبي حبيب ، واسم أبيه رزيق ، وقيل : مرزوق ، أبو محمّد المصري وقيل : المدني ، كاتب مالك روى عن مالك وأبي العصّ ثابت وابن أبي ذئب وعنه : أحمد بن الأزهر وأحمد بن سعيد بن أبي مريم ومقدام بن داود الرعيني .

قال أحمد : ليس بثقة .

وقال ابن معين : كان يقرأ على مالك ويتصفّح ورقتين وثلاثة ، فسألوني عنه بمصر فقلت : ليس بشيء .

وقال أبو داود : كان مِن أكذب الناس .

وقال أبو حاتم : روى عن ابن أخي الزهري أحاديث موضوعة .

وقال ابن عدي : أحاديثه كلّها موضوعة .

وقال ابن حبّان : كان يورق بالمدينة على الشيوخ ويروي عن الثقات الموضوعات ، كان يدخل عليهم ما ليس عندهم )(١) .

١٤ ـ الحارث بن عمير البصري

أخرج عنه البخاري في التفسير والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( الحارث بن عمير البصري ، نزيل مكّة ، عن أيّوب وأبي طوالة وعدّة وعنه : ابنه حمزة وعبد الرحمن بن مهدي ولوين وطائفة .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٢ : ١٩٠ / ١٦٩٧ .


روى عن الأثبات الأشياء الموضوعات .

وقال الحاكم : روى عن حميد وجعفر الصادق أحاديث موضوعة )(١) .

وقال : ( ذكره ابن حبّان في كتاب الضعفاء وقال : روى عن الأثبات الأشياء الموضوعات .

وقال أبو عبد الله الحاكم : روى عن حميد الطويل وجعفر الصادق أحاديث موضوعة )(٢) .

١٥ ـ الحسن بن عمارة الكوفي

أخرج عنه البخاري في التفسير والترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( الحسن بن عمارة الكوفي ، الفقيه ، مولى بجيلة ، عن ابن أبي مليكة وعمرو بن مرّة وخَلْق وعنه : السفيانان ويحيى القطّان وشبابة وعبد الرزاق...

قال شعبة : روى الحسن بن عمارة أحاديث عن الحَكَم ، فسألنا الحَكَم عنها فقال : ما سمعت منها شيئاً .

وروى أبو داود عن شعبة قال : يكذب .

وقال أحمد : متروك .

وقال ابن معين : ليس حديثه بشيء .

وقال ابن المديني : ما أحتاج إلى شعبة فيه ، أمره أبْيَن مِن ذلك ، قيل : أكان يغلط ؟ قال: إيش الغلط ، وذهب إلى أنّه كان يضع الحديث .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ١ : ١٧٦ / ١٦٤٠ مختصراً .

(٢) تذهيب التهذيب ، تهذيب التهذيب ٢ : ١٣٢ .


وقال الجوزجاني : ساقط .

وقال أبو حاتم ومسلم والدارقطني وجماعة : متروك )(١) .

وفي ( حاشية الكاشف ) : ( قال شعبة : يكذب .

وقال عيسى بن يونس : شيخ صالح تكلّم فيه شعبة وأعانه عليه سفيان .

وقال أحمد : متروك الحديث .

وقال ابن معين : ليس بشيء .

وقال ابن المديني : ما أحتاج فيه إلى شعبة ، أمره أبْيَن مِن ذلك ، قيل : أكان يغلط ؟ قال : إيش الغلط ، وذهب إلى أنّه كان يضع الحديث .

وقال الدارقطني والنسائي : متروك الحديث .

وكذلك قال مسلم وأبو حاتم .

وقال زكريا الساجي : متروك أجمع أهل الحديث على ضعفه ) .

وفي ( التذهيب ) : ( قال أبو داود عن شعبة: يكذب ، فقلت له : ما علامة ذلك ؟ قال: يروي عن الحَكَم أشياء لم نجد لها أصلاً )(٢) .

١٦ ـ الحسن بن مدرك الطحّان

أخرج عنه البخاري والنسائي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( الحسن بن مدرك البصري الطحّان ، أبو علي ، الحافظ ، عن يحيى بن حمّاد ومحمود بن الحسن وعنه : البخاري والنسائي وابن ماجة وابن صاعد وجماعة .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ١ : ٢٦٥ / ١٩٢١ .

(٢) تذهيب التهذيب ، تهذيب التهذيب ٢ : ١٣٢ .


وكذّبه أبو داود ، وقد وثّقه غيره فقال أحمد بن الحسين الصوفي الصغير : كان ثقة .

وروى أبو عبيدة عن أبي داود قال : الحسن بن مدرك كذّاب ، كان يأخذ أحاديث فهد بن عوف فيقلبها على يحيى بن حمّاد )(١) .

١٧ ـ حصين بن عمر الأحمسي

أخرج عنه الترمذي .

قال الذهبي : ( حصين بن عمر الأحمسي ، عن إسماعيل بن أبي خالد وأبي الزبير وعنه : منجاب بن الحارث ومحمّد بن مقاتل وجماعة .

وقال البخاري : مُنكَر الحديث ضعّفه أحمد .

وقال ابن معين : ليس بشيء .

وقال أبو حاتم : واه جدّاً ، واتّهمه بعضهم .

وقال ابن عدي : عامّة أحاديثه معاضيل ، يتفرّد عن كلّ مَن روى عنه )(٢) .

١٨ ـ حمزة بن أبي حمزة الجزري

أخرج عنه الترمذي .

قال الذهبي : ( حمزة بن أبي حمزة الجزري النصيبي ، عن ابن أبي مليكة ومكحول وطائفة وعنه : علي بن ثابت وشبابة وجماعة .

قال ابن معين : لا يساوي فلساً .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ١ : ٢٧٤ / ١٩٥٢ .

(٢) ميزان الاعتدال ١ : ٣١٢ / ٨٠٩٠ .


وقال البخاري : مُنكَر الحديث .

وقال الدارقطني : متروك .

وقال ابن عدي : عامّة رواياته موضوعة...)(١) .

وقال ابن حجر : ( متروك ، متّهم بالوضع )(٢) .

١٩ ـ خارجة بن مصعب

أخرج عنه الترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( خارجة بن مصعب بن الحجّاج السرخسي ، الفقيه ، عن بكير بن الأشج وزيد بن أسلم وأيّوب وطائفة وعنه : ابن مهدي ويحيى بن يحيى وطائفة .

وهّاه أحمد .

وقال ابن معين : ليس بثقة .

وقال أيضاً : كذّاب .

وقال البخاري : تركه ابن المبارك ووكيع .

وقال الدارقطني وغيره : ضعيف )(٣) .

٢٠ ـ خال بن عمرو القرشي

أخرج عنه أبو داود وابن ماجة .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ١ : ٣٧٩ / ٢٣٠٢ .

(٢) تقريب التهذيب ١ : ٣٢٢ / ١٥١٩ .

(٣) ميزان الاعتدال ١ : ٤٠٣ / ٢٤٠٠ .


قال الذهبي : ( خالد بن عمرو القرشي الأموي السعيدي ، مِن وُلد سعيد ابن العاص ، الكوفي ، عن مالك بن مغول وهشام الدستوائي وجماعة وعنه : الحسن الحلواني والرمادي وجماعة .

قال أحمد : ليس بثقة

وقال البخاري : مُنكَر الحديث .

وقال صالح جزرة : يضع الحديث .

وضرب أبو زرعة على حديثه...

وقال ابن عدي : له عن الليث وغيره مناكير :

أبو نعيم الحلبي ، ثنا خالد بن عمرو ، عن الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي قنبل ، عن أبي هريرة وابن عمر قالا : ابتاع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن أعرابي قلائص إلى أجلٍ ، فقال : أرأيت إن أتى عليك أمر الله ؟ قال : أبو بكر يقضي ديني وينجز موعدي قال : فإن قبض ؟ قال : عمر يحذوه يقوم مقامه لا تأخذه في الله لومة لائم ، فإن أتى على عمر أجله فإن استطعت أن تموت فمُت.

... قال ابن عدي : عندي أنّه وضع هذه الأحاديث... )(١) .

٢١ ـ خالد بن يزيد الدمشقي

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الدمشقي... وهّاه ابن معين .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ١ : ٤١٩ / ٢٤٥٠ .


وقال أحمد : ليس بشيء .

وقال النسائي : ليس بثقة .

وقال الدارقطني : ضعيف .

وقال ابن عدي عن ابن أبي عصمة عن أحمد بن يحيى : سمعت أحمد ابن حنبل يقول : خالد بن أبي مالك ليس بشيء .

وقال ابن أبي الجواري : سمعت ابن معين يقول : بالعراق كتاب ينبغي أن يُدفن : تفسير الكلبي عن أبي صالح ، وبالشام كتاب ينبغي أن يُدفن : كتاب الديّات لخالد بن يزيد بن أبي مالك ، لم يرض أن يكذب على أبيه حتّى كذب على الصحابة... )(١) .

٢٢ ـ داود الزبرقاني الرقّاشي

أخرج عنه الترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( داود الزبرقاني الرقاشي ، بصري نزل بغداد ، عن : ثابت وزيد بن أسلم وخَلْق وعنه : ابن أبي عروبة وشعبة ـ وهما مِن شيوخه ـ وأحمد بن منيع وابن عرفة .

قال البخاري : حديثه مقارب .

وقال ابن معين : ليس بشيء .

وقال أبو زرعة : متروك .

وقال أبو داود : ضعيف تُرك حديثه .

وقال الجوزجاني : كذّاب .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ١ : ٤٣١ / ٢٤٧٨ .


وقد ذكره ابن عدي وساق له بضعة عشر حديثاً استنكرها وقال : عامّة ما يرويه لا يتابع عليه .

قلت : مات في حدود نيف وثمانين ومائة وقال ابن المديني: كتبتُ عنه ورميتُ به وقال النسائي : ليس بثقة )(١) .

٢٣ ـ داود بن المحبر

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( داود بن المحبر بن قحذم ، أبو سليمان البصري ، صاحب كتاب العقل ـ وليته لم يصنّفه ـ روى عن شعبة وهمام وجماعة وعن مقاتل بن سليمان وعنه : أبو أُميّة والحارث بن أبي أُسامة وجماعة .

قال أحمد : كان لا يدري ما الحديث .

وقال ابن المديني : ذاهب حديثه .

وقال أبو زرعة وغيره : ضعيف .

قال أبو حاتم : ذاهب الحديث غير ثقة .

وقال الدارقطني : متروك .

وأمّا عبّاس ، فروى عن ابن معين قال : ما زال معروفاً بالحديث ، ثمّ تركه وصَحِب قوماً مِن المعتزلة فأفسدوه ، وهو ثقة .

وقل أبو داود : شبه الضعيف .

وروى عبد الغني بن سعيد ، عن الدارقطني قال : كتاب العقل وضعه ميسرة بن عبد ربّه ، ثمّ سرقه منه داود بن المحبّر ، فركّبه بأسانيد غير أسانيد

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ١١ / ٢٦٠٩ .


ميسرة )(١) .

وقال الذهبي : ( قال صالح جزرة : يكذب ويضع )(٢) .

٢٤ ـ السرّي بن إسماعيل الكوفي

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( السرّي بن إسماعيل الكوفي ، صاحب الشعبي .

قال يحيى بن سعيد القطّان : استبان لي كذبه في مجلسٍ واحدٍ .

وقال النسائي : متروك .

وقال غيره : ليس بشيء .

وقال أحمد : ترك الناس حديثه .

وروى عبّاس الدوري عن يحيى : ليس بشيء )(٣) .

٢٥ ـ سعد بن طريف الإسكاف

أخرج عنه أبو داود وابن ماجة .

قال الذهبي : ( سعد بن طريف الإسكاف الحنظلي الكوفي ، عن عكرمة وأبي وائل .

قال ابن معين : لا يحلّ لأحدٍ أن يروي عنه .

وقال أحمد وأبو حاتم : ضعيف الحديث .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٣٣ / ٢٦٤٩ .

(٢) ميزان الاعتدال ٣ : ١٧٣ / ٣٠٩٠ .

(٣) ميزان الاعتدال ٣ : ١٧٣ / ٣٠٩٠ .


وقال النسائي والدارقطني : متروك .

وقال ابن حبّان : كان يضع الحديث على الفور )(١) .

٢٦ ـ سعيد بن سنان الحمصي

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( سعيد بن سنان ، أبو مهدي ، الحمصي .

ضعّفه أحمد .

قال يحيى : ليس بثقة .

وقال مرّةً : ليس بشيء .

وقال الجوزجاني : أخاف أن تكون أحاديثه موضوعة .

وقال البخاري : مُنكَر الحديث .

وقال النسائي : متروك )(٢) .

وقال ابن حجر : ( متروك ورماه الدارقطني وغيره بالوضع )(٣)

٢٧ ـ سعيد بن عبد الجبّار الزبيدي

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( سعيد بن عبد الجبّار الزبيدي الحمصي ، عن روح بن جناح .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ١٨١ / ٣١٢١ .

(٢) ميزان الاعتدال ٣ : ٢١٠ ـ ٢١١ / ٣٢١١ .

(٣) تقريب التهذيب ٢ : ٣٣ / ٢٣٣٣ .


قال النسائي : ليس بثقة .

وقال ابن عدي : سكن البصرة ، يكنّى أبا عثمان .

وقال ابن المديني : لم يكن بشيء .

وقال قتيبة : رأيته بالبصرة وكان جرير يكذّبه )(١) .

وقال ابن حجر : ( ضعيف كان جرير يكذّبه )(٢) .

٢٨ ـ سلم بن إبراهيم الورّاق

أخرج عنه أبو داود وابن ماجة .

قال الذهبي : ( سلم بن إبراهيم الورّاق عن مبارك بن فضالة .

ضعّفه ابن معين بل قال : كذّاب )(٣) .

٢٩ ـ سلم بن عبد الرحمن النخعي

أخرج عنه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( سلم بن عبد الرحمن النخعي عن أبي زرعة البجلي .

قوّاه ابن معين واتّهمه بعض الحفّاظ وقال إبراهيم النخعي : هو كذّاب )(٤) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٢١٤ ـ ٢١٥ / ٣٢٢٦ .

(٢) تقريب التهذيب ٢ : ٣٥ / ٢٣٤٣ .

(٣) ميزان الاعتدال ٣ : ٢٦٢ / ٣٣٦٩ .

(٤) ميزان الاعتدال ٣ : ٢٦٤ / ٣٣٧٧ .


٣٠ ـ سيف بن محمّد الكوفي

أخرج عنه الترمذي .

قال الذهبي : ( سيف بن محمّد الكوفي ، ابن أُخت سفيان الثوري ، روى عن عاصم الأحول والأعمش وطائفة وعنه : محمود بن خداش وأحمد بن أبي شريح وطائفة .

روى عبد الله بن أحمد عن أبيه : كذّاب .

روى عثمان بن سعيد عن يحيى : كذّاب خبيث كان هاهنا .

وقال أبو حاتم : لا يُكتب حديثه .

وعن ابن معين : كذّاب وأخوه عمّار ثقة .

وقال النسائي : ضعيف وقال مرّةً : متروك ليس بثقة .

وقال الدارقطني وغيره : متروك .

وقال الجوزجاني : سيف وعمّار ابنا أُخت الثوري ليسا بالقويَّيْن )(١) .

وفي ( حاشية الكاشف ) : ( وقال أبو داود : كذّاب .

وقال النسائي : ضعيف وقال في موضع آخر : ليس بثقة ولا مأمون ، متروك .

وقال زكريّا بن يحيى الساجي : يضع الحديث ) .

وقال ابن حجر : ( كذّبوه )(٢) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٣٥٤ / ٣٦٤٤ .

(٢) تقريب التهذيب ٢ : ١٠١ / ٢٧٢٦ .


٣١ ـ سيف بن هارون البرجمي

أخرج عنه الترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( سيف بن هارون البرجمي ، عن إسماعيل بن أبي خالد وسليمان التيمي .

قال يحيى : ليس بشيء وقال مرّةً : ليس بذاك .

وقال النسائي والدارقطني : ضعيف .

وقال ابن حبّان : يروي عن الأثبات الموضوعات )(١) .

٣٢ ـ صالح بن أبي الأخضر

أخرج عنه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( صالح بن أبي الأخضر البصري صالح الحديث .

ضعّفه يحيى بن معين والنسائي والبخاري .

وروى عبّاس وعثمان عن ابن معين : ليس بشيء .

وقال ابن حبّان : هو مولى هشام بن عبد الملك الأموي ، بالحريّ أن لا يُحتجّ به .

وقال العجلي : يكتب حديثه وليس بالقويّ .

وقال الجوزجاني : اُتّهم في أحاديثه .

وقال أبو زرعة : ضعيف الحديث .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٣٥٦ / ٣٦٤٨ .


وقال الترمذي : يضعَّف في الحديث ، ضعّفه يحيى القطّان وغيره )(١) .

٣٣ ـ صبّاح بن محمّد البجلي

أخرج عنه الترمذي .

قال الذهبي : ( صبّاح بن محمّد البجلي عن مرّة الطبيب عن ابن مسعود ، فرفع حديثَيْن هما مِن قول عبد الله .

قال ابن حبّان : يروي الموضوعات .

وقد ذكره ابن أبي حاتم فقال : روى عنه أبان بن إسحاق الأسدي ، لم يزد ، فلا تعرّض له بجرحٍ وتعديل )(٢) .

٣٤ ـ ضرار بن صرد

أخرج عنه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( ضرار بن صرد ، أبو نعيم الطحّان...

قال أبو عبد الله البخاري وغيره : متروك .

وقال يحيى بن معين : كذّابان بالكوفة، هذا وأبو نعيم النخعي )(٣) .

٣٥ ـ طلحة بن زيد

أخرج عنه ابن ماجة .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٣٩٥ / ٣٧٧٤ .

(٢) ميزان الاعتدال ٣ : ٤٢٠ / ٣٨٥٣ .

(٣) ميزان الاعتدال ٣ : ٤٤٩ / ٣٩٥٥


قال الذهبي : ( طلحة بن زيد الرقي ، وقيل : الكوفي ، وقيل : الشامي ، نزيل واسط يقال : إنّه قرشي ، والظاهر أنّه الأوّل ، لكن فرّق بينهما ابن أبي حاتم .

روى عن هشام بن عروة وإبراهيم بن أبي عبلة والأوزاعي وعدّة .

وعنه أحمد بن يونس وجماعة .

قال البخاري : مُنكَر الحديث ، وقال النسائي : متروك وقال ابن حبّان : مُنكَر الحديث جدّاً ، لا يحلّ الاحتجاج بخبره .

أبو يعلى : ثنا حسين بن الحسن السليماني ، ثنا وضّاح بن حسان الأنباري ، ثنا طلحة بن زيد ، عن عبيدة بن حسان ، عن عطاء ، عن جابر أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعمر : أنت وليّي في الدنيا ووليّي في الآخرة رواه ابن عدي عنه .

وقال ابن حبّان : ثنا أبو يعلى : ثنا شيبان ، ثنا طلحة بن زيد الدمشقي ، عن عبيدة بن حسان ، عن عطا الكيخاواني ، عن جابر قال : بينا نحن مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نفر مِن المهاجرين ـ فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وابن عوف وسعد ـ فقال : لينهض كلّ رجل إلى كفوه ، ونهض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى عثمان فاعتنقه ثمّ قال : أنت وليّي في الدنيا والآخرة .

ابن عدي عن ثقتَيْن عن أبي فروة الرهاوي ، عن أبيه ، عن طلحة بن زيد ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أنس مرفوعاً : مَن تكلّم بالفارسيّة زادت في خبّه ونقصت مِن مروّته .

وبالإسناد فذكر ستّة أحاديث موضوعة .


محمّد بن شعيب وصدقة بن عبد الله ، عن طلحة بن زيد ، عن موسى بن عبيدة ، عن سعيد بن أبي هند ، عن أبي موسى مرفوعاً : يبعث الله العلماء فيقول : إنّي لم أضع عِلمي فيكم إلاّ لعِلمي بكم ، ولم أضع عِلمي فيكم لأُعذّبكم ، انطلقوا فقد غفرت لكم. وهذا باطل ؛ قاله ابن عدي محمّد بن هامان ، ثنا طلحة بن زيد ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة مرفوعاً ، لا يبرمنّ أحدٌ منكم أمراً حتّى يشاور وهذا باطل عن عقيل .

قال ابن المديني : كان طلحة بن زيد يضع الحديث .

وقال صالح جزرة : لا يُكتب حديثه )(١) .

٣٦ ـ عامر بن صالح بن عبد الله

أخرج عنه الترمذي .

قال الذهبي : ( عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير بن العوام .

واهٍ ، لعلّ ما روى أحمد بن حنبل عن أحدٍ أوهى مِن هذا ، ثمّ سُئل عنه فقال : ثقة لم يكن يكذب .

وقال ابن معين : كذّاب .

وقال الدارقطني : يُترك .

وقال النسائي : ليس بثقة وقال : سمعت يحيى بن معين يقول : جُنّ أحمد ؟! يُحدّث عن عامر بن صالح ؟!

وقال ابن معين أيضاً : ليس بشيء ، يروي عن هشام عن أبيه عن عائشة :

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٤٦٣ / ٤٠٠٥ .


أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إيّاكم والزنج فإنّه خَلْقٌ مشوّه .

وروى أحمد بن محمّد بن محرز عن ابن معين قال : كذّاب خبيث عدوّ الله )(١) .

٣٧ ـ عبّاد بن راشد البصري

أخرج عنه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( عبّاد بن راشد ، بصري ، صدوق...

أخرج له البخاري مقروناً بغيره ، لكنّه ذكره في كتاب الضعفاء !

وقال ابن عدي : له أحاديث كما لأبيه أحاديث ، وما يرويانه لا يُتابعان عليه .

وقال أبو حاتم : صالح الحديث .

وقال النسائي : ليس بالقويّ .

وأمّا ابن حبّان فاتّهمه)(٢) .

٣٨ ـ عبّاد بن كثير الثقفي

أخرج عنه أبو داود وابن ماجة .

قال ابن حجر : ( عبّاد بن كثير الثقفي البصري .

متروك قال أحمد : روى أحاديث كَذِب )(٣) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٤ : ١٧ .

(٢) ميزان الاعتدال ٤ : ٢٦ / ٤١١٨ .

(٣) تقريب التهذيب ٢ : ١٧٩ / ٣١٣٩ .


وقال الذهبي : ( تركوه )(١) .

٣٩ ـ عبد الله بن إبراهيم الغفاري

أخرج عنه أبو داود والترمذي .

قال الذهبي : ( عبد الله بن إبراهيم الغفاري ، وهو عبد الله بن أبي عمرو ، يدلّسونه لوهنه .

ونَسَبه ابن حبّان إلى أنّه يضع الحديث .

وقال ابن عدي : عامّة ما يرويه لا يتابع عليه .

وقال الدارقطني : حديثه مُنكَر .

وذكر له ابن عدي الحديثَيْن اللذين في جزء ابن عرفة في فضل أبي بكر وعمر ، وهما باطلان )(٢) .

وقال ابن حجر : ( متروك ، نَسَبه ابن حبّان إلى الوضع )(٣) .

٤٠ ـ عبد الله بن خراش

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( عبد الله بن خراش بن حوشب ، عن عمّه العوام بن حوشب .

ضعّفه الدارقطني وغيره .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٤ : ٣٥ / ٤١٣٩ .

(٢) ميزان الاعتدال ٤ : ٥٦ / ٤١٩٥ .

(٣) تقريب التهذيب ٢ : ١٩٠ / ٣١٩٩ .


وقال أبو زرعة : ليس بشيء .

وقال أبو حاتم : ذاهب الحديث ، وهو أخو شهاب .

قال البخاري : مُنكَر الحديث )(١) .

وقال ابن حجر : ( ضعيف ، وأطلق عليه أبو عمّار الكَذِب )(٢) .

٤١ ـ عبد الله بن زياد المخزومي

أخرج عنه أبو داود في المراسيل وابن ماجة .

قال الذهبي : ( عبد الله بن زياد بن سمعان ، المدني ، الفقيه .

تركوه يُكَنّى أبا عبد الرحمن ، مولى أُمّ سَلَمة .

قال البخاري : سكتوا عنه وقال ابن معين : ليس بثقة ، وقال مرّةً : ضعيف ، وقال مرّةً : ليس حديثه بشيء .

وقال أحمد : سمعت إبراهيم بن سعد يحلف أنّ ابن سمعان يكذب .

وقال الجوزجاني : ذاهب الحديث .

وروى ابن القاسم عن مالك : كذّاب )(٣) .

وقال ابن حجر : ( متروك اتّهمه بالكذب أبو داود وغيره )(٤) .

أقول : فكيف روى عنه في مراسيله ؟

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٤ : ٨٨ / ٤٢٩٢ .

(٢) تقريب التهذيب ٢ : ٢٠٤ / ٣٢٩٣ .

(٣) ميزان الاعتدال ٤ : ١٠١ .

(٤) تقريب التهذيب ٢ : ٢١٠ / ٣٣٢٦ .


٤٢ ـ عبد الله بن سعيد المقبري

أخرج عنه الترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري ، عن أبيه .

واهٍ بمرّة يُكَنّى أبا عباد .

قال ابن معين : ليس بشيء ، وقال مرّةً : ليس بثقة ، وقال الفلاس : مُنكَر الحديث متروك .

وقال يحيى بن سعيد : استبان لي كذبه في مجلس .

وقال الدراقطني : متروك ذاهب الحديث .

وقال أحمد مرّةً : ليس بذاك ، ومرّةً قال : متروك )(١) .

٤٣ ـ عبد الله بن شريك العامري

أخرج عنه النسائي .

قال الذهبي : ( عبد الله بن شريك العامري حدّث عن ابن عمر وجماعة .

وكان في أوّل أمره مِن أصحاب المختار ولكنّه تاب وثّقه أحمد وابن معين وغيرهما .

وليّنه النسائي .

وقال الجوزجاني : كذّاب )(٢) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٤ : ١٠٨ / ٤٣٥٨ .

(٢) ميزان الاعتدال ٤ : ١١٩ / ٤٣٨٤ .


٤٤ ـ عبد الله بن صالح أبو صالح كاتب الليث

أخرج عنه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( قال صالح جزرة : كان ابن معين يوثّقه ، وهو عندي يكذب في الحديث .

وقال النسائي : ليس بثقة ، يحيى بن بكير أحبّ إلينا منه .

وقال ابن المديني : لا أروي عنه شيئاً )(١) .

٤٥ ـ عبد الله بن محمّد العدوي

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( عبد الله بن محمّد العدوي ، أبو الحباب ، التيمي ، عن ابن عقيل والزهري .

قال البخاري : مُنكَر الحديث .

وقال وكيع : يضع الحديث .

وقال ابن حبّان : لا يجوز الاحتجاج بخبره )(٢) .

٤٦ ـ عبد الله بن معاذ الصنعاني

أخرج عنه الترمذي وابن ماجة .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٤ : ١١٩ / ٤٣٨٣ .

(٢) ميزان الاعتدال ٤ : ١٧٦ / ٤٥٤٣ .


قال الذهبي : ( كان عبد الرزاق يكذّبه )(١) .

٤٧ ـ عبد الله بن أبي أُوَيس

أخرج عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( وثّقه يحيى بن معين وغيره .

وأمّا الأزدي فقال : كان يضع الحديث ) .

٤٨ ـ عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص العمري المدني عن أبيه .

هالك .

قال يحيى بن معين : سمعت منه مجلساً وهو ضعيف .

وقال أحمد : ليس يسوى حديثه شيئاً ، سمعت منه ثمّ تركناه ، وكان وُلِيَ قضاء المدينة ، أحاديثه مناكير ، وكان كذّاباً ، فمزّقتُ حديثه .

وقال البخاري : هو وأخوه القاسم يتكلَّمون فيهما .

وذكر البخاري عبد الرحمن في موضعٍ آخر فقال : سكتوا عنه .

وقال النسائي : متروك )(٢) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٤ : ٢٠٢ / ٤٧٢٠ .

(٢) ميزان الاعتدال ٤ : ٢٩٥ / ٤٩٠٥ .


٤٩ ـ عبد الرّحمن بن قيس الضبّي

أخرج عنه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( عبد الرحمن بن قيس ، أبو معاوية الزعفراني البصري...

كذّبه ابن مهدي وأبو زرعة .

وقال البخاري : ذاهبٌ حديثه .

وقال أحمد : لم يكن بشيء )(١) .

وقال ابن حجر : ( متروك كذّبه أبو زرعة وغيره )(٢) .

٥٠ ـ عبد الرحمن بن هاني

أخرج عنه أبو داود وابن ماجة .

قال الذهبي : ( عبد الرحمن بن هاني ، أبو نعيم النخعي ، عن سفيان الثوري .

قال أحمد : ليس بشيء .

ورماه يحيى بالكذب .

وقال ابن عدي : عامّة ما يرويه لا يتابع عليه )(٣) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٤ : ٣٠٩ / ٤٩٤٩ .

(٢) تقريب التهذيب ٢ : ٣٤٤ / ٣٩٨٩ .

(٣) ميزان الاعتدال ٤ : ٣٢٤ / ٤٩٩٩ .


٥١ ـ عبد الرحيم بن زيد العميّ

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( عبد الرحيم بن زيد بن الحواري العميّ عن أبيه وغيره .

قال البخاري : تركوه .

وقال يحيى : كذّاب وقال مرّةً : ليس بشيء .

وقال الجوزجاني : غير ثقة .

وقال أبو حاتم : تُرك حديثه .

وقال أبو زرعة : واه .

وقال أبوداود : ضعيف )(١) .

وقال ابن حجر : ( كذّبه ابن معين )(٢) .

٥٢ ـ عبد الرحيم بن هارون الغسّاني

أخرج عنه الترمذي .

قال الذهبي : ( عبد الرحيم بن هارون الغسّاني الواسطي ، أبو هشام ، عن شعبة وعبد العزيز بن أبي رواد .

قال الدارقطني : متروك الحديث ، يكذب .

وروى عنه الدقيقي وإسحاق بن وهب ، وقد ساق له ابن عدي عدّة

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٤ : ٣٣٦ / ٥٠٣٥ .

(٢) تقريب التهذيب ٢ : ٣٥٩ / ٤٠٥٥ .


أحاديث استنكرها )(١) .

٥٣ ـ عبد العزيز بن أبان

أخرج عنه الترمذي .

قال الذهبي : ( عبد العزيز بن أبان ، أبو خالد ، الأمويّ الكوفي .

أحد المتروكين...

قال أحمد بن حنبل : لمّا حدّث بحديث المواقيت تركتُه .

قال يحيى : كذّاب خبيث ، حدّث بأحاديث موضوعة .

وقال أبو حاتم : لا يُكتب حديثه .

وقال البخاري : تركوه )(٢) .

وقال ابن حجر : ( متروك كذّبه ابن معين وغيره )(٣) .

٥٤ ـ بعد الملك الأصمعي

أخرج عنه أبو داود والترمذي .

قال الذهبي : ( قد روى الحسين الكوكبي عن أحمد بن عبيد أنّه سُئل أبو زيد الأنصاري عن أبي عبيدة والأصمعي فقال : كذّابان وسُئلا عنه فقالا : ما شئت مِن عفاف وتقوى )(٤) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٤ : ٣٣٩ / ٥٠٤٤ .

(٢) ميزان الاعتدال ٤ : ٣٥٧ / ٥٠٨٧ .

(٣) تقريب التهذيب ٢ : ٣٦٤ / ٤٠٨٣

(٤) ميزان الاعتدال ٤ : ٤٠٨ / ٥٢٤٥ .


٥٥ ـ عبد الوهّاب بن الضحّاك

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( كذّبه أبو حاتم وقال النسائي وغيره : متروك وقال الدارقطني : مُنكَر الحديث وقال البخاري : عنده عجائب )(١) .

وقال ابن حجر : ( متروك ، كذّبه أبو حاتم )(٢) .

٥٦ ـ عبد الوهّاب بن مجاهد

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( عبد الوهّاب بن مجاهد بن جبر المكّي ، عن أبيه...

عن يحيى قال : ليس يُكتب حديثه .

وروى عثمان بن سعيد عن يحيى : ليس بشيء .

وقال أحمد : ليس بشيء ، ضعيف .

وقال البخاري : قال وكيع : يقولون لم يسمع مِن أبيه .

وقال ابن عدي : عامّة ما يرويه لا يتابع عليه )(٣) .

وقال ابن حجر : ( متروك وكذّبه الثوري )(٤) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٤ : ٤٣٢ / ٥٣٢١ .

(٢) تقريب التهذيب ٢ : ٣٩٧ / ٤٢٥٧ .

(٣) ميزان الاعتدال ٤ : ٤٣٦ / ٥٣٢٩ .

(٤) تقريب التهذيب ٢ : ٣٩٨ / ٤٢٦٣ .


٥٧ ـ عبيد الله بن زجر

أخرج عنه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد بن حنبل وغيرهم .

قال الذهبي : ( روى عنه الكبار...

روى عثمان بن سعيد عن يحيى قال : حديثه عندي ضعيف .

وروى عبّاس عن يحيى : ليس بشيء .

وقال ابن المديني : مُنكَر الحديث .

وقال الدارقطني : ليس بالقويّ وشيخه علي متروك .

وقال ابن حبّان : يروي الموضوعات عن الأثبات ، وإذا روى عن علي ابن زيد أتى بالطامّات ، وإذا اجتمع في إسناد خبر، عبيد الله وعلي بن زيد والقاسم أبو عبد الرحمن لم يكن ذلك الخبر إلاّ ما عملته أيديهم .

قلت : أخرج له أرباب السُنن وأحمد في مُسنده )(١) .

٥٨ ـ عبيد بن القاسم الأسدي

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( عبيد بن القاسم بن هشام بن عروة .

ليس بثقةٍ ، قد حدّث عنه أحمد ويحيى وأحمد بن المقدام .

وقال البخاري : ليس بشيء .

وقال يحيى : ليس بثقة ، وقال مرّةً : كذّاب .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٥ : ٩ / ٥٣٦٤


وقال أبو حاتم : ذاهبُ الحديث .

وقال أبو زرعة : لا ينبغي أن يُحدَّث عنه .

وقال ابن حبّان : روى عن هشام نسخةً موضوعة .

قال الدراقطني : ضعيف .

وقال صالح جزرة : كذّاب يضع الحديث .

وقال أبو داود : كان يضع الحديث .

وقال النسائي : متروك الحديث )(١) .

٥٩ ـ عثمان بن عبد الرحمن

أخرج عنه الترمذي .

قال ابن حجر : ( عثمان بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن أبي وقّاص...

متروك وكذّبه ابن معين )(٢) .

وقال الذهبي : ( قال البخاري : تركوه...

قال ابن معين : ليس بشيء ، وقال مرّةً : يكذب .

وضعّفه علي جدّاً قال النسائي والدارقطني : متروك )(٣) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٥ : ٢٨ / ٥٤٤١

(٢) تقريب التهذيب ٢ : ٤٤١ / ٤٤٩٣ .

(٣) ميزان الاعتدال ٥ : ٥٦ ـ ٥٧ / ٥٥٣٧ .


٦٠ ـ عثمان بن فائد

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( عثمان بن فائد ، عن جعفر بن يرقان .

قال ابن حبّان : لا يُحتجّ به ) .

ثمّ ساق أحاديث فنقل عن البخاري أنّها موضوعة والمتّهم بوضعها عثمان(١) .

٦١ ـ عطاء بن عجلان

أخرج عنه الترمذي .

قال الذهبي : ( عطاء بن عجلان الحنفي البصري ، عن أنس وأبي عثمان النهدي ، وعنه : حمّاد بن سَلَمة وسعد بن أبي الصّلت .

قال ابن معين : ليس بشيء ، كذّاب وقال مرّةً : كان يضع الحديث فيُحدِّث به .

وقال الفلاّس : كذّاب .

وقال البخاري : مُنكَر الحديث .

وقال أبو حاتم والنسائي : متروك .

وقال الدارقطني : ضعيف يعتبر به ، وقال مرّةً : متروك )(٢) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٥ : ٦٥ / ٥٥٥٨ .

(٢) ميزان الاعتدال ٥ : ٩٥ / ٥٦٥٠ .


بل أطلق عليه ابن معين والفلاّس وغيرهما : الكذّاب )(١) .

٦٢ ـ عطيّة بن سفيان الثقفي

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( عطيّة بن سفيان الثقفي ، تفرّد عنه عيسى بن عبد الله بن مالك كذّاب )(٢) .

٦٣ ـ عكرمة البربري

أخرج عنه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة .

وقد تقدّم في الكتاب أنّ عدّةً مِن الكبار كذّبوه ، كيحيى بن سعيد ، وعلي ابن عبد الله بن العبّاس ، وسعيد بن المسيّب ، وعبد الله بن عمر ، وابن سيرين وغيرهم .

٦٤ ـ العلاء بن خالد الواسطي

أخرج عنه الترمذي .

وقال الذهبي : ( العلاء بن خالد الواسطي ، مولى قريش عن قتادة ، ورأى الحسن وعنه : مسدّد وهدبة .

قوّاه ابن حبّان .

_______________________

(١) تقريب التهذيب ٣ : ١٥ / ٤٥٩٤ .

(٢) ميزان الاعتدال ٥ : ١٠١ / ٥٦٧٤ .


وكذّبه أبو سَلَمة )(١) .

وقال ابن حجر : ( ضعيف رماه أبو سَلَمة بالكذب ، وتناقض ابن حبّان )(٢) .

٦٥ ـ العلاء بن زيد الثقفي

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( العلاء بن زيد الثقفي ، عن أنس بن مالك ، يكنّى أبا محمّد ، بصري .

قال ابن المديني : كان يضع الحديث .

وقال أبو حاتم والدارقطني : متروك الحديث .

وقال البخاري وغيره : مُنكَر الحديث .

وقال ابن حبّان : روى عن أنس نسخةً موضوعة )(٣) .

وقال ابن حجر : ( متروك ، رماه أبو الوليد بالكذب )(٤) .

٦٦ ـ العلاء بن مسلمة بن عثمان

أخرج عنه الترمذي .

قال الذهبي : ( العلاء بن مسلمة الرواس : حدّث ببغداد ، عن ضمرة بن ربيعة وجماعة وعنه ، الترمذي ويحيى بن صاعد.

قال الأزدي : لا تحلّ الرواية عنه ، كان لا يبالي ما روى .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٥ : ١٢٢ / ٥٧٣٢ .

(٢) تقريب التهذيب ٣ : ١٢٨ / ٥٢٣٤ .

(٣) ميزان الاعتدال ٥ : ١٢٣ / ٥٧٣٦ .

(٤) تقريب التهذيب ٣ : ١٢٨ / ٥٢٣٩ .


وقال ابن طاهر : كان يضع الحديث .

وقال ابن حبّان : يروي الموضوعات عن الثقات )(١) .

وقال ابن حجر : ( متروك ، رماه ابن حبّان بالوضع )(٢) .

٦٧ ـ علي بن المجاهد الكابلي

أخرج عنه الترمذي .

قال الذهبي : ( علي بن مجاهد الكابلي .

كذّبه يحيى بن الضريس ، ومشّاه غيره ووثّق .

وقال ابن معين : كان يضع الحديث .

وقال السليماني : فيه نظر )(٣) .

٦٨ ـ عمارة بن جوين العبدي

أخرج عنه الترمذي وابن ماجة والبخاري في أفعال العباد .

قال الذهبي : ( عمارة بن جوين ، أبو هارون ، العبدي ، تابعي .

ليّن بمرّة .

كذّبه حمّاد بن زيد .

وقال شعبة : لإن أُقدَّم فتُضرب عُنُقي أحبّ إليّ مِن أن أُحدِّث عن أبي هارون .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٥ : ١٣٠ / ٥٧٤٩ .

(٢) تقريب التهذيب ٣ : ١٣١ / ٥٢٥٦ .

(٣) ميزان الاعتدال ٥ : ١٨٤ / ٥٩٢٥ .


وقال أحمد : ليس بشيء .

وقال ابن معين : ضعيف لا يُصَدّق في حديثه .

وقال النسائي : متروك الحديث .

وقال الدارقطني : يتلوّن ، خارجي وشيعي ، فيعتبر بما روى عنه الثوري .

وقال ابن حبّان : كان يروي عن أبي سعيد ما ليس مِن حديثه .

وروى معاوية بن صالح عن يحيى : ضعيف .

يحيى القطّان قال ، قال شعبة : كنت أتلقّى الركبان أسأل عن أبي هارون العبدي ، فقَدِم ، فرأيت عنده كتاباً فيه أشياء مُنكَرة في عليّرضي‌الله‌عنه ، فقلت : ما هذا الكتاب ؟ قال : هذا الكتاب حقّ .

قال القطّان : لم يزل ابن عون يروي عن أبي هارون حتّى قال الجوزجاني : أبو هارون كذّاب مفتر .

ابن عدي : ثنا الحسن بن سفيان ، حدّثني عبد العزيز بن سلام ، حدّثني علي بن مهران ، سمعت بهز بن أسد ، سمعت شعبة يقول : أتيت أبا هارون ، فقلت : أَخرج إليَّ ما سمعته مِن أبي سعيد ، فأخرج إليَّ كتاباً ، فإذا فيه : ثنا أبو سعيد : إنّ عثمان أُدخل حفرته وإنّه لكافر بالله فدفعت الكتاب في يده وقمت .

الأثرم : ثنا أحمد ، ثنا يحيى بن آدم ، ثنا معلى بن خالد قال لي شعبة : لو شئت أن يحدّثني أبو هارون العبدي عن أبي سعيد بكلّ شيء رأى أهل واسط يصنعونه باللّيل ، لفعلت .

وقال ابن معين قال لي شعبة : كان عند أبي هارون العبدي صحيفة يقول : هذه صحيفة الوصي.


قال السليماني : سمعت أبا بكر ابن خليد يقول : سمعت صالح بن محمّد أبا علي ـ وسُئل عن أبي هارون العبدي ـ فقال : أكذب مِن فرعون )(١) .

وقال ابن حجر : ( متروك ، ومتّهم ، بيّن كذبه )(٢) .

٦٩ ـ عمر بن صبح الخراساني

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( ليس بثقة ولا مأمون .

قال ابن حبّان : كان ممّن يضع الحديث...

قال الدارقطني وغيره : متروك .

وقال الأزدي : كذّاب .

قال أحمد بن علي السليماني : عمر بن الصبح الذي وضع آخر خطبة النبيّ )(٣) .

وفي ( حاشية الكاشف ) :

( قال أبو حاتم ابن حبّان : يضع الحديث على الثقات ، لا يحلّ كُتُب حديثه إلاّ على وجه التعجّب .

وقال أبو الفتح الأزدي : كذّاب .

وقال الدارقطني : متروك .

وقال إسحاق بن راهويه : ثلاثة لم يكن لهم في الدنيا نظير ـ يعني في

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٥ : ٢٠٩ / ٦٠٢٤ .

(٢) تقريب التهذيب ٣ : ٦٢ / ٤٨٤٠ .

(٣) ميزان الاعتدال ٥ : ٢٤٨ / ٦١٥٣ ملخّصاً .


البدعة والكذب ـ جهم بن صفوان وعمر بن الصبح ومقاتل بن سليمان ) .

وقال ابن حجر : ( متروك كذّبه ابن راهويه )(١) .

٧٠ ـ عمر بن هارون البلخي

أخرج عنه الترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( عمر بن هارون البلخي ، أبو حفص ، مولى ثقيف عن جعفر بن محمّد وابن جريج وعنه : قتيبة وأحمد ونصر بن علي وخَلْق وقد تزوَّج ابن جريج بأُخته وجاور عنده ، وكان مِن أوعية العلم على ضعفه وقال قتيبة : كان شديداً على المُرجئة ، مِن أعلم الناس بالقراءات.

وقال ابن مهدي وأحمد والنسائي : متروك الحديث .

وقال يحيى : كذّاب خبيث .

وقال أبو داود : غير ثقة .

وقال الدارقطني : ضعيف جدّاً .

وقال ابن المديني : ضعيف جدّاً .

وقال صالح جزرة : كذّاب .

وقال زكريّا الساجي : فيه ضعف .

وقال أبو علي النيسابوري : متروك )(٢) .

_______________________

(١) تقريب التهذيب ٣ : ٧٦ / ٤٩٢٢ .

(٢) ميزان الاعتدال ٥ : ٢٧٥ / ٦٢٤٣ .


٧١ ـ عمرو بن جابر أبو زرعة الحضرمي

أخرج عنه الترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( هالك .

قال سعيد بن أبي مريم : سمعت ابن لهيعة يقول : عمرو بن جابر خفيف العقل ، كان يقول : عليّ في السحاب ، كان يجلس معنا فيبصر سحابةً فيقول : هذا قد مرّ في السحاب ، كان شيخاً أحمق .

وقال أحمد : روى عن جابر مناكير ، وبلغني أنّه كان يكذب )(١) .

وفي ( حاشية الكاشف ) : ( قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني : غير ثقة على جهلٍ وحمق وقال أبو حاتم ابن حبان : لا يُحتجّ بخبره وقال أبو الفتح الأزدي : كذّاب ) .

٧٢ ـ عمرو بن خالد القرشي

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( عمرو بن خالد القرشي ، كوفي ، أبو خالد ، تحوّل إلى واسط .

قال وكيع : كان في جوارنا ، يضع الحديث ، فلمّا فُطِن له تحوّل إلى واسط ) .

( روى عبّاس عن يحيى قال : كذّاب غير ثقة .

حدّث عنه الأبّار وغيره ، فروى عن زيد بن علي عن آبائه .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٥ : ٣٠٣ / ٦٣٤٧ .


روى عثمان بن سعيد عن يحيى قال : عمرو بن خالد الذي يروي عنه الأبّار كذّاب .

روى أحمد بن ثابت عن أحمد بن حنبل قال : عمرو بن خالد الواسطي كذّاب .

وقال النسائي : روى عن حبيب بن أبي ثابت ، كوفي ، ليس بثقة .

وقال الدراقطني : كذّاب )(١) .

وفي ( حاشية الكاشف ) : ( قال إسحاق وأبو زرعة : كان يضع الحديث .

وقال أبو حاتم : متروك الحديث ، ذاهبُ الحديث ، لا يُشتغل به ، وقال : كذّاب ) .

٧٣ ـ عمرو بن واقد الدمشقي

أخرج عنه الترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( قال أبو مسهر : ليس بشيء .

وقال البخاري : مُنكَر الحديث .

وقال ابن عدي : يكتب حديثه مع ضعفه .

وقال الدارقطني : متروك .

وروى الفسوي عن دحيم قال : لم يكن شيوخنا يحدّثون عنه ، وقال لم نشك أنّه كان يكذب .

وكذّبه مروان بن محمّد )(٢) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٥ : ٣١١ / ٦٣٦٥ .

(٢) ميزان الاعتدال ٥ : ٣٤٩ / ٦٤٧١ .


٧٤ ـ عنبسة بن عبد الرحمن

أخرج عنه الترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( عنبسة بن عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص القرشي الأموي عن الحسن وغيره .

قال البخاري : تركوه .

روى الترمذي عن البخاري : ذاهب الحديث .

وقال أبو حاتم : كان يضع الحديث )(١) .

٧٥ ـ قاسم بن عبد الله بن عمر

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( القاسم بن عبد الله بن عمر العمري المدني ، عن ابن المنكدر وعبد الله بن دينار .

قال أحمد : ليس بشيء ، كان يكذب ويضع الحديث .

وقال يحيى : ليس بشيء ، وقال مرّةً : كذّاب .

وقال أبو حاتم والنسائي : متروك .

وقال الدارقطني : ضعيف .

وقال البخاري : سكتوا عنه )(٢) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٥ : ٣٦٢ / ٦٥١٨ .

(٢) ميزان الاعتدال ٥ : ٤٥١ / ٦٨١٨ .


٧٦ ـ كثير بن عبد الله بن عمرو

أخرج عنه أبو داود والترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( قال ابن معين : ليس بشيء .

وقال الشافعي وأبو داود : ركن مِن أركان الكذب .

وضرب أحمد على حديثه .

وقال الدارقطني وغيره : متروك .

وقال أبو حاتم : ليس بالمبيّن .

وقال النسائي : ليس بثقة .

وقال مطرف بن عبد الله المدني : رأيته كان كثير الخصومة ، لم يكن أحد مِن أصحابنا يأخذ عنه ، قال له عمران القاضي : يا كثير ، أنت رجل بطّال ، تُخاصم فيما لا تعرف وتدّعي فيما ليس لك ، ومالك بيّنة ، فلا تقربني إلاّ أنْ تراني تفرّغت لأهل البطالة .

وقال ابن حبّان : له عن أبيه عن جدّه نسخة موضوعة )(١) .

٧٧ ـ محمّد بن حسن بن زبالة

أخرج عنه أبو داود .

قال الذهبي : ( محمّد بن الحسن بن زبالة المخزومي ، المدني ، عن مالك وذويه .

قال أبو داود : كذّاب !!

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٥ : ٤٩٢ / ٦٩٤٩ .


وقال يحيى : ليس بثقة .

وقال النسائي والأزدي : متروك الحديث .

وقال أبو حاتم : واهي الحديث .

وقال الدارقطني وغيره : مُنكَر الحديث )(١) .

وقال ابن حجر : ( كذّبوه )(٢) .

٧٨ ـ محمّد بن عبد الرحمن القشيري

أخرج عنه ابن ماجة .

قال ابن حجر : ( كذّبوه )(٣) .

٧٩ ـ محمّد بن الفرات

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( محمّد بن الفرات ، أبو علي التيمي ، كوفي ، عن أبي إسحاق ومحارب بن دثار .

كذّبه أحمد وأبو بكر ابن أبي شيبة .

وقال أبو داود : روى عن محارب أحاديث موضوعة .

وقال البخاري : مُنكَر الحديث .

وقال الدراقطني : ليس بالقويّ .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٦ : ١٠٨ / ٧٣٨٦ .

(٢) تقريب التهذيب ٣ : ٢٢٨ / ٥٨١٥ .

(٣) تقريب التهذيب ٣ : ٢٨٢ / ٦٠٩٠ .


وقال ابن معين : ليس بشيء... )(١) .

وقال ابن حجر : ( كذّبوه )(٢) .

٨٠ ـ محمّد بن إسحاق بن عكاشة

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( قال البخاري : مُنكَر الحديث .

وقال ابن معين : كذّاب .

وقال الدراقطني : يضع الحديث )(٣) .

٨١ ـ محمّد بن بشّار ـ بندار

أخرج عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( كذّبه الفلاّس ) .

( وقال عبد الله ابن الدورقي : كنّا عند يحيى بن معين : فجرى ذكر بندار ، فرأيت يحيى لا يعبأ به ويستضعفه ، ورأيت القواريري لا يرضاه وقال : كان صاحب حمام .

قلت : احتجّ به أصحاب الصِحاح كلّهم ، وهو حجّة بلا ريب )(٤) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٦ : ٢٩٣ / ٨٠٥٣ .

(٢) تقريب التهذيب ٣ : ٣٠٤ / ٦٢١٧ .

(٣) ميزان الاعتدال ٦ : ٦٣ / ٧٢٠٨ .

(٤) ميزان الاعتدال ٦ : ٧٩ / ٧٢٧٥ .


٨٢ ـ مبارك بن حسان

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( مبارك بن حسان عن عطا .

قال الأزدي : يُرمى بالكذب .

وقال ابن معين : ثقة .

ذكره البخاري فما ذكر فيه جرحاً .

وقال أبو داود : مُنكَر الحديث .

وقال النسائي : ليس بالقويّ )(١) .

٨٣ ـ محمّد بن الحسن الهمداني

أخرج عنه الترمذي .

قال الذهبي : ( محمّد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني الكوفي .

قال ابن معين : قد سمعنا منه ولم يكن بثقة ، وقال مرّةً : كان يكذب .

وقال أحمد : ما أراه يسوى شيئاً .

وقال النسائي : متروك .

وقال أبو داود : ضعيف ، وقال مرّةً : كذّاب .

وقال أبو حاتم : ليس بالقويّ )(٢) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٦ : ١٣ / ٧٠٤٤ .

(٢) ميزان الاعتدال ٦ : ١٠٩ / ٧٣٨٨ .


٨٤ ـ محمّد بن حميد بن حبّان الرازي

أخرج عنه الترمذي وأبو داود وابن ماجة .

قال الذهبي : ( مِن بحور العلم وهو ضعيف .

قال يعقوب بن شيبة : كثير المناكير .

وقال البخاري : فيه نظر .

وكذّبه أبو زرعة .

وقال فضلك الرازي : عندي عن ابن حميد خمسون ألف حديث ، ولا أُحدّث عنه بحرف .

وعن الكوسج قال : أشهد أنّه كذّاب .

وقال صالح جزرة : كنّا نتّهم ابن حميد في كلّ شيء يحدّثنا ، ما رأيت أجرأ على الله منه ، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضه على بعض .

قال ابن خراش : ثنا ابن حميد ، وكان ـ والله ـ يكذب .

وجاء عن غير واحدٍ : إنّ ابن حميد كان يسرق الحديث .

وقال النسائي : ليس بثقة .

وقال صالح جزرة : ما رأيت أحذق بالكذب مِن ابن حميد )(١) .

٨٥ ـ محمّد بن خالد الواسطي

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( محمّد بن خالد بن عبد الله الواسطي الطحّان ، عن أبيه .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٦ : ١٢٦ / ٧٤٥٩ ملخّصاً .


قال يحيى : كان رجل سوء وقال مرّةً : لا شيء .

وقال ابن عدي : أشدّ ما أنكر عليه أحمد ويحيى رواية له عن أبيه عن الأعمش ، ثمّ له مناكير غير ذلك .

وقال أبو زرعة : ضعيف ، توفي سنة ٢٤٠هـ .

وقال ابن عدي : سمعت محمّد بن سعد ، سمعت ابن الجنيد أو صالح جزرة يقول : سمعت يحيى بن معين يقول : محمّد بن خالد بن عبد الله كذّاب ، إنْ لقيتموه فأضعفوه ، وقد لحقه عبدان وكاسر عن السماع منه )(١) .

٨٦ ـ محمّد بن سعيد المصلوب

أخرج عنه الترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( محمّد بن سعيد المصلوب الشامي ، مِن أهل دمشق ، أُتّهم بالزندقة فصُلب ، والله أعلم ، وكان مِن أصحاب مكحول...

قال أبو أحمد الحاكم : كان يضع الحديث .

وقال أبو زرعة الدمشقي : حدّثنا محمود بن خالد عن أبيه سمعت محمّد ابن سعيد يقول : لا بأس إذا كان كلاماً حسَناً أنْ تضع له إسناداً .

وروى عيسى بن يونس عن الثوري قال : كذّاب .

وروى أبو زرعة الدمشقي عن أحمد بن حنبل : كان كذّاباً )(٢) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٦ : ١٣٠ / ٧٤٧٣ .

(٢) ميزان الاعتدال ٦ : ١٦٤ / ٧٥٩٨ .


٨٧ ـ محمّد بن عبد الله بن أبي سبره

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( محمّد بن عبد الله بن أبي سبره ، أبو بكر المدني ، شيخ الواقدي ، معروف بكُنْيَتِه .

قال أحمد بن حنبل : كان يضع الحديث )(١) .

٨٨ ـ محمّد بن الفضل بن عطيّة المروزي

أخرج عنه الترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( محمّد بن الفضل بن عطيّة المروزي ، وقيل : الكوفي ، أبو عبد الله ، مولى بني عبس ، نزيل بخارا روى عن أبيه وزياد بن علاقة ومنصور وعنه : يحيى بن يحيى ، وعنه : عباد الرواجني ومحمّد بن عيسى بن حيّان المدايني ، وهو آخر أصحابه موتاً .

قال أحمد : حديثه حديث أهل الكذب .

وقال يحيى : لا يُكتب حديثه .

وقال غير واحد : متروك .

ويقال حجَّ بضعاً وثلاثين حجّة .

وعنه قال : وأنا ابن خمس سنين حيث كان يذهب بي أبي إلى العلماء .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٢٠٤ / ٧٧٥٧ .


وقال البخاري : سكتوا عنه ، سكن بخارا .

رماه ابن أبي شيبة بالكذب .

وقال الفلاّس : كذّاب )(١) .

وقال ابن حجر : ( كذّبوه )(٢) .

٨٩ ـ مبشّر بن عبيد الحمصي

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( مبشّر بن عبيد الحمصي ، عن الزهري .

قال أحمد : كان يضع الحديث .

وقال البخاري : عنه : بقيّة مُنكَر الحديث .

وقد طوّل ابن عدي ترجمته بالواهيات وقال : أصله كوفي )(٣) .

٩٠ ـ معلّى بن عبد الرحمن الواسطي

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( معلّى بن عبد الرحمن الواسطي ، عن جرير بن حازم وعبد الحميد بن جعفر ، وعنه : كردوس ومحمّد بن عبد الملك الدقيقي .

قال الدراقطني : ضعيف كذّاب .

وقال أبو حاتم : متروك .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٦ : ٢٩٦ / ٨٠٦٢ .

(٢) تقريب التهذيب ٣ : ٣٠٦ / ٦٢٢٥ .

(٣) ميزان الاعتدال ٦ : ١٧ / ٧٠٥٨ .


وذهب ابن المديني إلى أنّه كان يضع الحديث .

وقال أبو زرعة : ذاهبُ الحديث )(١) .

٩١ ـ مقاتل بن سليمان

أخرج عنه أبو داود .

قال ابن حجر : ( كذّبوه وهجروه ، ورُميَ بالتجسيم )(٢) .

٩٢ ـ مينا بن أبي مينا

أخرج عنه الترمذي .

قال الذهبي : ( ما حدّث عنه سوى همام الصنعاني والد عبد الرزاق .

قال أبو حاتم : يكذب )(٣) .

٩٣ ـ نصر بن حمّاد الورّاق

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( نصر بن حمّاد الورّاق ، أبو الحارث ، حدّث ببغداد ، عن شعبة وغيره .

قال النسائي وغيره : ليس بثقة .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٦ : ٤٧٤ / ٨٦٧٩ .

(٢) تقريب التهذيب ٣ : ٤١٣ / ٦٨٦٨ .

(٣) ميزان الاعتدال ٦ : ٥٨٢ / ٨٩٨٨ .


وقال البخاري : يتكلّمون فيه .

وذكر له ابن عدي مناكير منها...

وقال فيه مسلم : ذاهب الحديث .

وقال صالح جزرة : لا يُكتب حديثه .

وقال عبد الله بن أحمد عن ابن معين : كذّاب)(١) .

٩٤ ـ نضر بن كثير، أبو سهل البصري

أخرج عنه أبوداود والنسائي .

قال الذهبي : ( النضر بن كثير ، أبو سهل البصري ، عن ابن طاوس .

قال أبو حاتم : فيه نظر .

وقال ابن حبّان : يروي الموضوعات عن الثقات على قلّة روايته .

وقال البخاري : عنده مناكير )(٢) .

٩٥ ـ نفيع بن الحارث النخعي ، أبو داود الأعمى

أخرج عنه الترمذي وابن ماجة .

قال ابن حجر : ( متروك وقد كذّبه ابن معين )(٣) .

وقال الذهبي : ( قال العقيلي : كان يغلو في الرفض .

وقال البخاري : يتكلّمون فيه .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٧ : ٢٠ / ٩٠٣٦ .

(٢) ميزان الاعتدال ٧ : ٣٣ / ٩٠٨٨ .

(٣) تقريب التهذيب ٤ : ٢٣ / ٧١٨١ .


وقال يحيى بن معين : ليس بشيء .

وقال النسائي : متروك .

ويقال لأبي داود هذا : السبيعي ، لأنّهم مواليه ، وقد دلّسه بعض الرواة فقال : نافع بن أبي نافع.

كذّبه قتادة .

وقال الدارقطني وغيره : متروك الحديث .

وقال أبو زرعة : لم يكن بشيء .

وقال ابن حبّان : لا تجوز الرواية عنه... )(١) .

٩٦ ـ نهشل بن سعيد الورداني

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( نهشل بن سعيد البصري ، عن الضحّاك بن مزاحم وغيره .

قال إسحاق بن راهويه : كان كذّاباً .

وقال أبو حاتم وأبو داود والنسائي : متروك .

وقال يحيى والدارقطني : ضعيف )(٢) .

وقال ابن حجر : ( متروك ، كذّبه إسحاق بن راهويه )(٣) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٧ : ٤٦ / ٩١٢٢ .

(٢) ميزان الاعتدال ٧ : ٥٠ / ٩١٣٤ .

(٣) تقريب التهذيب ٤ : ٢٥ / ٧١٩٨ .


٩٧ ـ نوح بن أبي مريم

أخرج عنه الترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( نوح بن أبي مريم يزيد بن عبد الله ، أبو عصمة ، المروزي ، عالم أهل مرو ، وهو نوح الجامع... وليَ قضاء مرو في خلافة المنصور واقتدت حياته .

قال نعيم : سُئل ابن المبارك عنه فقال : لا إله إلاّ الله .

وقال أحمد : لم يكن بذاك في الحديث ، وكان شديداً على الجهميّة .

وقال مسلم وغيره : متروك الحديث .

وقال الحاكم : وضع أبو عصمة حديث فضائل القرآن الطويل .

وقال البخاري : مُنكَر الحديث )(١) .

وقال ابن حجر : ( كذّبوه في الحديث ، وقال ابن المبارك : كان يضع )(٢) .

٩٨ ـ هارون بن هارون

أخرج عنه ابن ماجة .

قال الذهبي : ( هارون بن هارون بن عبد الله بن محرر بن الهدير ، التيمي المدني ، عن مجاهد والأعرج وابن المنكدر وغيرهم ، وهو أخو محرر بن هارون .

قال البخاري : لا يتابع في حديثه .

وقال النسائي : ضعيف .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٧ : ٥٥ / ٩١٥٠ .

(٢) تقريب التهذيب ٤ : ٢٧ / ٧٢١٠ .


وقال ابن حبّان : يروي الموضوعات عن الأثبات ، لا يجوز الاحتجاج به )(١) .

٩٩ ـ الوليد بن عبد الله الهمداني

أخرج عنه أبو داود والترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( ضعّفه أحمد وصالح جزرة وغيرهما ، ولم يترك .

مات سنة ١٧٢هـ .

وقال فيه محمّد بن عبد الله بن نمير : ليس بشيء ، كذّاب .

وقال ابن معين :

وقال أبو حاتم : يُكتب حديثه ولا يحتجّ به .

وقال أبو زرعة : مُنكَر الحديث ، يهم كثيراً وقال مرّةً : في حديثه وهاء .

وساق له ابن عدي أحاديث مقاربة تحمل ومتونها قويّة )(٢) .

١٠٠ ـ الوليد بن محمّد الموقري صاحب الزهري

أخرج عنه الترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( قال أبو حاتم : ضعيف الحديث .

وقال ابن المديني : لا يُكتب حديثه .

وقال ابن خزيمة : لا أحتجّ به .

وكذّبه يحيى بن معين .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٧ : ٦٦ / ٩١٨٤ .

(٢) ميزان الاعتدال ٧ : ١٣٣ / ٩٣٨٥ .


وقال أبو زرعة الدمشقي : لم يزل حديثه مقارباً ، يقال توفي سنة ١٨١هـ .

وقال النسائي : متروك الحديث )(١) .

وفي ( حاشية الكاشف ) :

( قال ابن حبّان : روى عن الزهري أشياء موضوعة لم يروها الزهري قط ، ويرفع المراسيل ويسند الموقوف ، لا يجوز الاحتجاج به بحال ) .

١٠١ ـ يحيى بن عمرو بن مالك النكري

أخرج عنه الترمذي .

قال الذهبي : ( ضعّفه أبو داود وغيره .

ورماه حمّاد بن زيد بالكذب )(٢) .

١٠٢ ـ يحيى بن العلاء البجلّي

أخرج عنه أبو داود وابن ماجة .

قال الذهبي : ( كان فصيحاً مفوّهاً ، مِن النبلاء .

قال أبو حاتم : ليس بالقويّ .

وضعّفه ابن معين وجماعة .

وقال الدارقطني : متروك .

وقال أحمد بن حنبل : كذّاب يضع الحديث )(٣) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٧ : ١٣٩ / ٩٤٠٨ .

(٢) ميزان الاعتدال ٧ : ٢٠٨ / ٩٦٠٣ .

(٣) ميزان الاعتدال ٧ : ٢٠٥ / ٩٥٩٩ .


١٠٣ ـ يزيد بن عياض

أخرج عنه الترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( يزيد بن عياض بن يزيد بن جعدية الليثي ، حجازي ، حدّث بالبصرةعن نافع وابن شهاب والمقبري وعنه : علي بن الجعد وشيبان وعدّة .

قال البخاري وغيره : مُنكَر الحديث .

وقال يحيى : ليس بثقة .

وقال علي : ضعيف .

ورماه مالك بالكذب .

وقال النسائي وغيره : متروك .

وقال الدارقطني : ضعيف .

وقال عبّاس عن يحيى : ليس بشيء ، ضعيف .

وروى يزيد بن الهيثم عن ابن معين : كان يكذب .

وروى أحمد بن أبي مريم عن ابن معين : ليس بشيء ، لا يُكتب حديثه )(١) .

١٠٤ ـ يعقوب بن الوليد

أخرج عنه الترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( قال أحمد : حرّق حديثه .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٧ : ٢٥٨ / ٩٧٤٨ .


وكذّبه أبو حاتم ويحيى .

وقال أبو داود : غير ثقة .

وقال الدارقطني : ضعيف .

وقال أحمد أيضاً : كان مِن الكذّابين الكبار ، يضع الحديث )(١) .

١٠٥ ـ يوسف بن إبراهيم التميمي

أخرج عنه الترمذي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( قال ابن حبّان : يروي عن أنس ماليس مِن حديثه ، لا يحلّ الرواية عنه .

وقال أبوحاتم : ضعيف ، عنه عجائب )(٢)

١٠٦ ـ يونس بن حباب الأسدي

أخرج عنه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة .

قال الذهبي : ( كان رافضياً ، قال لعبّاد بن عبّاد : عثمان قَتَل بنتي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلت له : قتل واحدةً ، فلِمَ أنكَحَه الأُخرى ؟

قال يحيى بن سعيد : كان كذّاباً .

وقال ابن معين : رجل سوء ، ضعيف .

وقال ابن حبّان : لا تحلّ الرواية عنه .

وقال النسائي : ضعيف .

وقال الدارقطني : رجل سوء فيه شيعيّة مُفرطة .

وقال البخاري : مُنكَر الحديث )(٣) .

_______________________

(١) ميزان الاعتدال ٧ : ٢٨٢ / ٩٨٣٧ .

(٢) ميزان الاعتدال ٧ : ٢٩١ / ٩٨٦٣ .

(٣) ميزان الاعتدال ٧ : ٣١٤ / ٩٩١١ .


٣ مِن تحريفات الصحابة

للأحاديث النبويّة

وفي كُتُب القوم ـ مِن الصحاح وغيرها ـ أحاديث يرويها بعض الصحابة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بصورة محرّفة ، وإنّ البعض الآخر منهم يردّ عليه ويبيّن له ويذكّره باللفظ الذي قاله النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ...

ونحن نكتفي هنا بعددٍ مِن تلك الأحاديث :

١ ـ الحديث في البكاء على الميّت

لقد نسب عمر بن الخطّاب وولده عبد الله إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال بأنّ الميّت يُعذّب ببكاء أهله عليه ، فنبّهت عائشة على أنّ ما يرويانه تحريفٌ لكلامه ، ثمّ ذكرت حقيقة الأمر كما قال عليه وآله الصلاة والسلام .

أخرج البخاري : ( حدّثناعبدان قال : أخبرناعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال : توفّيت بنت لعثمان بمكّة ، وجئنا لنشهدها ، وحضرها ابن عمر وابن عبّاس وإنّي لجالس بينهما ـ أو قال : جلست إلى أحدهما ثمّ جاء الآخر فجلس إلى جنبي ـ فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان :

ألا تنهى عن البكاء ؟ فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إنّ الميّت ليعذّب ببكاء أهله عليه !


فقال ابن عبّاس : قد كان عمر يقول بعض ذلك ، ثمّ حدَّث قال : صدرتُ مع عمر مِن مكّة ، حتى إذا كنّا بالبيداء إذا هو بركبٍ تحت ظلّ سمرة فقال : اذهب فانظر مَن هؤلاء الركْب ، قال : فنظرت فإذا صهيب ، فأخبرته ، فقال : ادعه لي ، فرجعت إلى صهيب فقلت : ارتحل فالحَقْ أمير المؤمنين ، فلمّا أُصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول : وا أخاه واصاحباه ! فقال له عمر : يا صهيب أتبكي عليَّ وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الميّت يُعذّب ببعض بكاء أهله عليه .

قال ابن عبّاس : فلمّا مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت :

يرحم الله عمر ، والله ما حدّث رسول الله أنّ الله ليُعذِّب المؤمن ببكاء أهله عليه ، ولكنّ رسول الله قال : إنّ الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه .

قالت : حسبكم القرآن ( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) .

قال ابن عبّاس عند ذلك : والله هو أضحك وأبكى .

قال ابن أبي مليكة: والله ما قال ابن عمر شيئاً )(١) .

فانظر كيف حرّف عمر وولده كلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وما استحْيَت عائشة مِن تكذيبهما...؟

وفي ( الإنصاف في بيان سبب الاختلاف ) ما نصّه :

( ومنها : اختلاف الضبط مثاله : ما رُوي عن ابن عمر عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن أنّ الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه.

نقضت عائشة بأنّه لم يأخذ الحديث على وجهه : مرّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على يهوديّة يبكي عليها أهلها ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّهم

_______________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ١٧٣ .


يبكون عليها وإنّها تعذَّب في قبرها .

وظنّ العذاب معلولاً بالبكاء ، وظنّ الحُكْم عامّاً على كلّ ميّت ) .

أقول:

وهذا الذي ذكره وليّ الله الدهلوي موجود في صحيح مسلم وغيره(١) .

ثمّ لا يخفى أنّ التحريف في الألفاظ النبويّة مِن عبد الله بن عمر كثير ، ممّا يُظهر أنّ التحريف والتصرّف في الأحاديث كان سجيّةً له .

٢ ـ الحديث في موت الفجأة

ومِن ذلك : الحديث في موت الفجأة ، فانظر ما هو أصل الحديث ـ كما ترويه عائشة ـ وكيف حرّفه عبد الله بن عمر :

أخرج الطبراني في ( الأوسط ) عن موسى بن طلحة قال :

( بلغ عائشة أنّ ابن عمر يقول : إنّ موت الفجأة سخطة على المؤمنين .

فقالت : يغفر الله لابن عمر ! إنّما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : موت الفجأة تخفيف على المؤمنين وسخطة على الكافرين )(٢) .

٣ ـ حديث خطاب النبيّ لأهل قليب بدر

وحرّف عبد الله بن عمر كلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مخاطباً أهل قليب بدر ، فقد أخرج عنه البخاري قال:

_______________________

(١) صحيح مسلم ٣ : ٤١ ، كتاب الجنائز ، باب الميّت يُعذّب ببكاء أهله عليه .

(٢) المعجم الأوسط ٤ : ١٠٤ رقم ٣١٥٣ .


( وقف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على قليب بدر فقال : هل وجدتّم ما وعدكم ربّكم حقّاً ؟ ثمّ قال : إنّهم الآن يسمعون ما أقول .

فذكر ذلك لعائشة فقالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّهم لَيعلمون الآن ما كنتُ أقول لهم حقّ )(١) .

٤ ـ حديث الأذان

وحرّف عبد الله بن عمر كلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جواز الأكل والشرب بعد أذان ابن أُم مكتوم ، وترْكهما بعد أذان بلال ، إذ قد عكس الكلام تماماً ، فروى عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الإذن في الأكل والشرب بعد أذان بلال والامتناع عنهما بعد أذان ابن أُم مكتوم .

فنبّهت عائشة على هذا التحريف ، كما ذكر ابن حجر العسقلاني وغيره(٢) .

أقول:

وقد وقع نظائر ذلك مِن غير عمر وابنه مِن الصحابة ، كأبي هريرة .

٥ ـ حديث اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ

وهذا مِن غرائب التحريفات والتصرّفات منهم ...!

قال البخاري : ( حدّثنا محمّد بن المثنّى قال : حدّثنا الفضل بن مساور ـ خِتْن أبي عوانة ـ قال : حدّثنا أبو عوانة ، عن الأعمش : عن أبي سفيان ، عن جابر :

_______________________

(١) صحيح البخاري ٥ : ١٨٧ .

(٢) فتح الباري ـ شرح صحيح البخاري ٢ : ٤٣ .


سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : اهتزّ العرش لموت سعد بن معاذ .

وعن الأعمش : حدّثنا أبو صالح عن جابر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثله .

فقال رجلٌ لجابر : فإنّ البراء يقول : اهتزّ السرير .

فقال : إنّه كان بين هذين الحيّين ضغائن ، سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : اهتزّ عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ )(١) .

فانظر كيف تصرّف الصحابي في الحديث النبويّ بسبب بغضه وعدائه لسعد بن معاذ...

والأعجب مِن ذلك ما نقلوه عن عبد الله بن عمر ، مِن تأويل حديث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتغيير معناه إلى ما ذكره البراء بن عازب فقد قال الحكيم الترمذي في ( نوادر الأصول ) :

( حدّثنا الحسين بن علي العجلي قال : حدّثنا عمرو ابن محمّد العبقري قال : حدّثنا عبد الله بن إدريس ، عن عبيد الله بن عمرو ، عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله : اهتزّ العرش لموت سعد بن معاذ .

حدّثنا سفيان بن وكيع ، حدّثنا يزيد بن هارون ، عن محمّد بن عمرو ، عن أبيه عن جدّه ، عن عائشة ، عن أُسَيْد بن حُصَيْن قال قال رسول الله : اهتزّ العرش لوفاة سعد بن معاذ .

قال أبو عبد الله : فتأوّل ناس في هذا الحديث وقالوا : العرش سريره الذي حُمِل عليه ، واحتجّوا بحديث روَوْه عن ابن عمر أنّه تأوّله هكذا :

_______________________

(١) صحيح البخاري ٥ : ١١٦ .


حدّثنا الجارود قال : جرير ، عن عطاء بن السائب ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : ذُكِر يوماً عنده حديث سعد : إنّ العرش يهتزّ بحبّ الله لقاء سعد قال ابن عمر : إنّ العرش ليس يهتزّ لموت أحد ، ولكنّه سريره الذي حُمِل عليه .

قال : فهذا مبلغ ابن عمر ـ رحمه الله ـ مِن علم ما ألقى الله مِن ذلك ، وفوق كلّ ذي علمٍ عليم ) .

أقول:

فهذه نماذج مِن تحريفات الصحابة .

وأمّا تحريفات الرواة مِن غير الصحابة فلا يُمكن حصرها ، وقد أورد الحافظ القاضي عياض بعضها في كتاب ( مشارق الأنوار ) .

وأمّا أكاذيبهم ومختلقاتهم في خصوص المناقب والفضائل... فكذلك ، كما لا يخفى على مَن راجع كتاب ( عبقات الأنوار ) و( شوارق النصوص ) وأمثالهما .


وأمّا التصحيفات في ألفاظ الروايات وأسماء الرواة وغير ذلك ـ كما ذكر علماؤهم الأعلام ـ ، فلا يمكن استقصاؤها وحصرها في كتابٍ ، وقد رأينا الاكتفاء بجملةٍ منها في هذا المقام :

ـ ١ ـ

قال العراقي في ( التقييد والإيضاح ) :

( قوله حكاية عن عبد الرحمن بن مهدي أنّه قال : الثقة شعبة وسفيان .

وقد اعترض عليه : بأنّ الذي في كتاب الخطيب وغيره : الثقة شعبة ومسعر ، لم يذكر سفيان جملة .

والجواب : إنّ المصنّف لم يحك ذلك عن الخطيب ، وعلى تقدير كونه في كتاب الخطيب هكذا فيُحتمل أنّه مِن النسّاخ ، فليس غلط المصنّف بأولى مِن تغليطهم )(١) .

ـ ٢ ـ

قال سبط ابن الجوزي ، في مدّة حياة الصدّيقة الزهراءعليها‌السلام بعد أبيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

_______________________

(١) التقييد والإيضاح لما أطلق أو أغلق مِن كتاب ابن الصلاح : ١٥٣ .


 ( وأقامت مع عليّ بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبعين يوماً وفي روايةٍ : أربعين يوماً ، وتُوفّيت وهي بنت ثمان عشرة سنة .

قلت : وليست هذه الرواية بشيء ، لإجماع المؤرّخين على أنّها وُلدت قبل الهجرة النبويّة بخمس سنين على ما ذكرناه ، ويُحتمل أنّ الغلط مِن الناسخ ، أراد أنْ يكتب ثمان وعشرين ، فكتب ثمان عشرة )(١) .

ـ ٣ ـ

قال الحلبي ، في ذِكر غزوة تبوك :

( ووقع في البخاري : أنّها كانت بعد حجّة الوداع قيل : وهو مِن غلط النسّاخ )(٢) .

ـ ٤ ـ

وقال المزّي بترجمة عيّاش بن الأزرق :

( قال أبو بكر ابن أبي عاصم : مات سنة ٢٢٧هـ وفي ذلك نظر ، فإنّ جعفر ابن محمّد الفريابي قد سمع منه ، وإنّما كانت رحلته بعد الثلاثين ، فلعلّه يكون سنة سبع وثلاثين )(٣) .

_______________________

(١) تذكرة الخواص مِن الأُمّة : ٢٨٨ .

(٢) السيرة الحلبيّة ٣ : ١٢٩ .

(٣) تهذيب الكمال ٢٢ : ٥٥٣ .


ـ ٥ ـ

وقال العيني بترجمة مالك بن عامر وهو والد أنس بن مالك :

( قال محمّد بن سرور المقدسي : قال الواقدي : توفي سنة ١١٢هـ وهو ابن سبعين أو اثنين وسبعين سنة وكذا حكى عنه محمّد بن طاهر المقدسي وأبو نصر الكلاباذي وقال الحافظ زكيّ الدين المنذري : كيف يصحّ سماعه عن طلحة مع أنّه توفّي سنة ١١٢هـ وهو ابن سبعين أو اثنين وسبعين ؟ فعلى هذا يكون مولده سنة ٤٠ مِن الهجرة ، ولا خلاف أنّ طلحة قُتل يوم الجمل سنة ٣٦ مِن الهجرة والإسناد صحيح أخرجه الأئمّة وفيه أنّه سمع طلحة بن عبيد الله قلت : فلعلّ السبعين صوابها التسعين وتصحّفت بها )(١) .

ـ ٦ ـ

وقال السيوطي في ( مرقاة الصعود ) بشرح ما أخرجه أبو داود قال :

( حدّثني شعبة ، حدّثني عبد ربّه بن سعيد ، عن أنس بن أبي أنس ، عن عبد الله بن نافع ، عن عبد الله بن الحارث بن عبد المطّلب عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الصلاة مثنى... الحديث ) .

قال : ( قال الخطّابي : أصحاب الحديث يغلّطون شعبة في رواية هذا الحديث قال البخاري : أخطأ شعبة في هذا الحديث في مواضع : قال : عن أنس بن أبي أنس وإنّما هو عمران بن أبي أنس وقال : عن عبد الله بن الحارث ، وإنّما هو : عن عبد الله بن نافع ، عن ربيعة بن الحارث ، وربيعة بن

_______________________

(١) عمدة القاري في شرح البخاري ١ : ٢١٨ باب علامات المنافق .


الحارث هو ابن المطّلب فقال هو: عن المطّلب والحديث عن الفضل ابن عبّاس ، ولم يذكر فيه الفضل .

قال : ورواه اللّيث بن سعد ، عن عبد ربّه بن سعيد ، عن عمران بن أبي أنس ، عن عبد الله بن نافع ، عن ربيعة بن الحارث ، عن الفضل بن عبّاس ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو الصحيح .

وقال يعقوب بن سفيان في هذا الحديث مثل قول البخاري ، وخطّأ شعبة وصوّب الليث وكذا قال محمّد بن إسحاق بن خزيمة انتهى كلام الخطّابي )(١) .

ـ ٧ ـ

وقال التوربشتي بشرح الحديث في أنّ المسيح الدجّال أعور عين اليمنى ، كأنّ عينه غلبة طافية .

( وفي الأحاديث التي وردت في وصف الدجّال وما يكون منه كلمات متنافرة يَشْكُل التوفيق بينها ، ونحن نسأل الله التوفيق في التوفيق بينها ، وسنبيّن كلاًّ منها على حدته في الحديث الذي ذكر فيه أو تعلّق به .

ففي هذا الحديث إنّها ( طافية ) على ما ذكرناه ، وفي آخر : إنّه جاحظ العين كأنّها كوكب ، وفي آخر إنّها ليست بناتية ولا جحراء والسبيل في التوفيق بينهما أن نقول : إنّما اختلف الوصفان بحسب اختلاف العينَيْن وذلك يؤيّد ما في حديث ابن عمر هذا أنّه أعور عين اليمنى وفي حديث حُذيْفة أنّه ممسوح العين عليها ظفرة غليظة ، وفي حديث أيضاً : أعور عين اليسرى ووجه الجمع بين هذه الأوصاف المتنافرة : أنْ نقدّر فيها أنّ إحدى عينيه ذاهبة

_______________________

(١) وانظر معالم السُنن ١ : ٢٤١ كتاب الصلاة ، باب صلاة النهار .


والأُخرى معيبة ، فيصحّ أن يقال لكلّ واحدة عوراء ، لأنّ الأصل في العوَر العَيْب هذا

وليس بمستبعد أن يكون سمعُ بعض الرواة قد أخطأ في اليمنى واليسرى ، فإنّهم ليسوا بمعصومين عن الخطأ ، وهذا قول لا يملّ المحدّث مِن فرضه وسمعه ، ونحن نرى نفي الإحالة عن كلام مَن تكفّل الله له بالعصمة أحقّ وأولى مِن الذبّ عمّن لا يلزمنا القول بعصمته ، بل لا نرى له العصمة وقلّما يسلم الإنسان مِن سهوٍ أو نسيان ، والقلم عن عثرةٍ أو طغيان )(١) .

ـ ٨ ـ

وقال التوربشتي بشرح حديث ابن مسعود : ( لمّا أُسري رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اُنتهي به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة... ) قال :

( لا خفاء بأنّ بعض الرواة وهَمَ في السادسة وإنّما الصواب : في السابعة )(٢) .

ـ ٩ ـ

إدخال بعضهم تفسير القرآن في القرآن .

وهذا مِن ألطف الأُمور !!

قال السيوطي في قول الله تعالى :( وَإِنْ مِنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ) عن ابن الأنباري :

_______________________

(١) شرح المصابيح ـ مخطوط .

(٢) شرح المصابيح ـ مخطوط .


 ( أخرج عن الحسن أنّه كان يقرأ : وإن منكم إلاّ واردها الورود الدخول قال ابن الأنباري : قوله : الورود الدخول تفسير مِن الحسن لمعنى الورود ، وغلط فيه بعض الرواة وألحقه بالقرآن )(١)

ـ ١٠ ـ

قال ابن القيّم ـ بعد ذِكر سريّة الخبط وكانت في رجب سنة ثمان :

( فصل ـ في فقه هذه القصّة ، ففيها جواز القتال في الشهر الحرام إنْ كان ذكر التاريخ فيها برجب محفوظاً ، والظاهر ـ والله أعلم ـ أنّه وهْمٌ غير محفوظ ، إذ لم يُحفظ عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه غزا في الشهر الحرام ولا أغار فيه ولا بعث فيه سريّة )(٢) .

ـ ١١ ـ

وقال ابن القيّم :

( وأمّا قول ابن عبّاس : إنّ النبيّ تزوّج ميمونة وهو مُحرِم وبنى بها وهو حلال ، ممّا استدرك عليه وعُدّ مِن وهْمِه قال سعيد بن المسيّب : وَهَلَ ابن عبّاس وإنْ كانت خالته ، ما تزوّجها إلاّ بعد ما حلّ ذكره البخاري )(٣) .

_______________________

(١) عن الإتقان في علوم القرآن ولم نجده فيه !

(٢) زاد المعاد في هدْي خير العباد ٢ : ١٥٨ .

(٣) زاد المعاد في هدْي خير العباد ١ : ١١٣ .


ـ ١٢ ـ

وقال ابن القيّم :

( وممّا وقع في حديث الإفك أنّ في بعض طرق البخاري عن أبي وائل عن مسروق قال : سألت أمَّ رومان عن حديث الإفك فحدّثتني قال غير واحدٍ : وهذا غلط ظاهر ، فإنّ أمّ رومان ماتت على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قبرها وقال : مَن سرّه أن ينظر إلى امرأة مِن الحور فلينظر إلى هذه قالوا : ولو كان مسروق قَدِم المدينة في حياتها وسألها للقِيَ رسول الله وسمع منه ، ومسروق إنّما قَدِم المدينة بعد موت رسول الله قالوا : وقد روى مسروق عن أُمّ رومان حديثاً غير هذا ، فأرسل الرواية عنها ، فظنّ الرواة أنّه سمع منها ، فحُمِل هذا الحديث على السماع )(١) .

ـ ١٣ ـ

وقال ابن القيّم في الأوهام في أخبار حجّة الوداع :

( فصلٌ في الأوهام : فمنها وهْمٌ لأبي محمّد بن حزم في حجّة الوداع حيث قال : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعْلَمَ الناس وقت خروجه إنّ عمرةً في رمضان تعدل حجّة ، وهذا وهْمٌ ظاهر ، فإنّه إنّما قال ذلك بعد رجوعه إلى المدينة مِن حجّته ، وهذا وهْمٌ ظاهر ، فإنّه إنّما قال ذلك بعد رجوعه إلى المدينة مِن حجّته ، قال لأمّ سنان الأنصاريّة : ما منعك أن تكوني حجَجْتِ معنا ؟ قالت : لم يكن لنا إلاّ ناضحان ، فحجّ أبو وُلدي وابني على ناضح ، وترك

_______________________

(١) زاد المعاد في هدْي خير العباد ٣ : ٢٦٦ .


لنا ناضحاً ننضح عليه فقال : فإذا جاء رمضان فاعتمري ، فإنّ عمرةً في رمضان تقضي حجّة هكذا رواه مسلم في صحيحه .

وكذلك قال أيضاً هذا لأمّ معقل بعد رجوعه إلى المدينة ، كما رواه أبو داود مِن حديث يوسف بن عبد الله بن سلام عن جدّته أُمّ معقل قالت : لمّا حجّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حجّة الوداع ، وكان لنا جمل ، فجعله أبو معقل في سبيل الله ، فأصابنا مرض فهلك أبو معقل ، وخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلمّا فَرِغ جئتُه فقال : ما منعك أن تخرجي معنا ؟ فقالت : لقد تهيّأنا فهلك أبو معقل ، وكان لنا جمل هو الذي يحجّ عليه ، فأوصى به أبو معقل في سبيل الله قال : فهلاّ خرجتِ عليه ، فإنّ الحجّ من سبيل الله ، فإذ فاتتكِ هذه الحجّة معنا فاعتمري في رمضان فإنّه حجّة .

فصلٌ : ومنها وهْمٌ آخر ، أنّ خروجه كان يوم الخميس لستّ بقين مِن ذي القعدة وقد تقدّم أنّه خرج لخمس ، وأنّ خروجه كان يوم السبت .

فصلٌ : ومنها وهْمٌ آخر لبعضهم ، ذكره الطبري في حجّة الوداع أنّه خرج يوم الجمعة بعد الصلاة ، والذي حمله على هذا الوهْم القبيح قوله في الحديث : خرج لستّ بقين ، فظنّ أنّ هذا لا يمكن إلاّ أن يكون الخروج يوم الجمعة ، إذ تمام الستّ يوم الأربعاء وأوّل ذي الحجّة كان الخميس بلا رَيْب ، هذا خطأٌ فاحش ، فإنّه مِن المعلوم الذي لا ريب فيه : أنّه صلّى الظهر يوم خروجه بالمدينة الأربعاء والعصر بذي الحليفة ركعتين ، ثبت ذلك في الصحيحَيْن .

وحكى الطبري في حجّته قولاً ثالثاً ، أنّ خروجه كان يوم السبت وهو اختيار الواقدي ، وهو القول الذي رجّحناه أوّلاً ، لكنّ الواقدي وهَمَ في ذلك


ثلاثة أوهام : أحدها : أنّه زعم أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خروجه الظهر بذي الحليفة ركعتين

الوهم الثاني : أنّه أحرَمَ ذلك اليوم عقيب صلاة الظهر ، وإنّما أحرَمَ مِن الغد بعد أن بات بذي الحليفة .

والوهم الثالث : أنّ الوقفة كانت يوم السبت ، وهذا لم يقله غيره ، وهذا وهْمٌ بيّن .

فصلٌ : ومنها وهْمٌ للقاضي عياض وغيره : أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تطيّب هناك قبل غُسله ، ثمّ غسل الطيب عنه لمّا اغتسل ، ومنشأ هذا الوهْم مِن سياق وقع في صحيح مسلم في حديث عائشة أنّها قالت : طيّبتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ طاف على نسائه بعد ذلك ، ثمّ اغتسل ثمّ أصبح مُحرماً ، والذي يردّ هذا الوهْم قولُها : طيّبتُ رسول الله لإحرامه ، وقولها : كأنّي أنظر إلى وبيص الطيب ، أي بريقه في مفارق رسول الله وهو مُحرِم ، وفي لفظ : وهو يُلَبّي بعد ثلاثة مِن إحرامه ، وفي لفظ : كان رسول الله إذا أراد أن يُحرِم ، تطيَّب بأطْيب ما يجد ثمّ أرى وبيص الطيب في رأسه ولحيته بعد ذلك وكلّ هذه الألفاظ ألفاظ الصحيح .

وأمّا الحديث الذي اُحتجّ به ، فهو حديث إبراهيم بن محمّد بن المنتشر عن أبيه عنها : كنت أُطَيِّب رسول الله ثمّ يطوف على نسائه ثمّ يُصبح مُحرِماً ، وهذا ليس فيه ما يمنع الطيب الثاني عند إحرامه .

فصلٌ : ومنها وهْمٌ آخر لأبي محمّد ابن حزم : أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أَحْرَمَ قبل الظهر ، وهو وهْمٌ ظاهر ، لم يُنقل في شيءٍ مِن الأحاديث ، وإنّما أهلّ عقيب صلاة الظهر في موضع مصلاّه ، ثمّ رَكِب ناقته واستوتْ به على البيداء وهو يهلّ ، وهذا يقيناً كان بعد صلاة الظهر .

فصلٌ : وهمٌ آخر له وهو قوله : وساق الهدْيَ مع نفسه وكان هدْيَ تطوّع ،


وهذا بناء منه على أصله الذي انفرد به عن الأئمّة أنّ القارن لا يلزمه هدْي ، وإنّما يلزم المتمتّع ، وقد تقدّم بطلان هذا القول .

فصلٌ : ومنها وهْمٌ آخر لمَن قال لم يعيّن في إحرامه نُسكاً بل أطلقه ووهْمُ مَن قال إنّه عيّن عمرةً مفردةً كان متمتّعاً بها ، كما قاله القاضي أبو يعلى وصاحب المغني وغيرهما ووهْمُ مَن قال إنّه عيّن أفراداً مجردّاً لم يعتمر معه ووهْمُ مَن قال عيّن عمرةً ثمّ أدخل عليها الحجّ ووهْمُ مَن قال : عيّن حجّاً مفرداً ثمّ أدخل عليه العمرة بعد ذلك وكان مِن خصائصه ، وقد تقدّم بيان مستند ذلك ووجه الصواب فيه .

فصلٌ : ومنها وهْمٌ لأحمد بن عبد الله الطبري في حجّة الوداع له ، أنّهم لمّا كانوا ببعض الطريق صاد أبو قتادة حماراً وحشيّاً ولم يكن مُحرِماً ، فأكل منه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهذا إنّما كان في عمرة الحديبيّة كما رواه البخاري .

فصلٌ : ومنها وهْمٌ آخر لبعضهم حكاه الطبري عنه أنّه دخل مكّة يوم الثلاثاء ، وهو غلط ، فإنّما دخلها يوم الأحد الرابع مِن ذي الحجّة .

فصلٌ : ومنها وهْمُ مَن قال : أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حلّ بعد طوافه وسَعْيِه كما قاله القاضي وأصحابه ، وقد بيّنّا أنّ مستند هذا الوهْم وهْمُ معاوية ـ أو مَن روى عنه ـ أنّه قصّر عن رسول الله بمشقص على المروة في حجّته .

فصلٌ : ومنها وهْمُ مَن زعم أنّه كان يُقبِّل الركن اليماني في طوافه ، وإنّما ذلك الحجر الأسود وسمّاه اليماني ، لأنّه يُطْلَق عليه وعلى الآخر باليمانيّين ، فعبّر بعض الرواة عنه باليماني مفرداً .

فصلٌ : ومنها وهْمٌ فاحش لأبي محمّد ابن حزم : أنّه رَمَل في السعي ثلاثة


أشواط ومشى أربعة ، وأعجب مِن هذا الوهْم ، وهْمُه في حكاية الاتّفاق على هذا القول الذي لم يَقُلْه سواه .

فصلٌ : ومنها وهْمُ مَن زعم أنّه طاف بين الصّفا والمروة أربعة عشر شوطاً ، وكان ذهابُه وسعيُه مرّةً واحدة ، وقد تقدّم بيان بطلانه .

فصلٌ : ومنها وهْمُ مَن زعم أنّه صلّى الصبح يوم النَحْر قبل الوقت ، ومستند هذا الوهْم حديث ابن مسعود أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلّى الفجر يوم النَحْر قبل ميقاتها ، وهذا إنّما أراد به قبل ميقاتها الذي كانت عادته أن يصلّيها فيه ، فجعلها عليه يومئذٍ ، ولا بدّ مِن هذا التأويل ، وحديث ابن مسعود إنّما يدلّ على هذا ، فإنّه في صحيح البخاري عنه أيضاً قال : هما صلاتان تحوّلان عن وقتها ، صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة ، والفجر حين ينزع الفجر وقال جابر في حجّة الوداع : فصلّى الصبح حين تبيّن له الصبح بأذان وإقامة .

فصلٌ : ومنها وهْمُ مَن وَهمَ في أنّه صلّى الظهر والعصر يوم عرفة ، والمغرب والعشاء تلك الليلة بأذانين وإقامتَيْن ، ووهْمُ مَن قال صلاّهما بإقامتَيْن بلا أذان أصلاً ، ووهْمُ مَن قال جمع بينهما بإقامةٍ واحدةٍ والصحيح أنّه صلاّهما بأذان واحد وإقامة لكلّ صلاة .

فصلٌ : ومنها وهْمُ مَن زعم أنّه خطب بعرَفة خطبتَيْن جلس بينهما ، ثمّ أذّن المؤذّن فلمّا فرِغ أخذ في الخطبة الثانية ، فلمّا فَرِغ منها أقام الصلاة ، وهذا لم يجيء في شيء مِن الأحاديث البتّة ، وحديث جابر صريح في أنّه لمّا أكمل الخطبة أذّن بلال وأقام ، فصلّى الظهر بعد الخطبة .

فصلٌ : ومنها وهْمٌ لأبي ثور ، أنّه لمّا صعد أذّن المؤذّن ، فلمّا فَرِغ قام


فخطب ، وهذا وهْمٌ ظاهر ، فإنّ الأذان إنّما كان بعد الخطبة .

ومنها : وهْمُ مَن روى أنّه قدّم أُمَّ سَلَمَة ليلة النَحْر وأمرها أن تُوافيه صلاة الصبح بمكّة ، وقد تقدّم بيانه .

فصلٌ : ومنها وهْمُ مَن زعم أنّه أخّر طواف الزيارة يوم النَحْر إلى الليل ، وقد تقدّم بيان ذلك ، وأنّ الذي أخّره إلى الليل طواف الوداع ومستند هذا الوَهم ـ والله أعلم ـ أنّ عائشة قالت : أفاض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن آخر يومه كذلك ، قال عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها ، فحمل عنها على المعنى وقيل آخر طواف الزيارة إلى الليل .

فصلٌ : ومنها وهْمُ مَن وَهمَ وقال إنّه أفاض مرّتين : مرّة بالنهار ومرّة نسائه بالليل ، ومستند هذا الوَهم ما رواه عمرو بن قيس عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أذِن لأصحابه فزاروا البيت يوم النَحْر ظهيرةً ، وزار رسول الله مع نسائه ليلاً ، وهذا غلط ، والصحيح عن عائشة خلاف هذا ، إنّه أفاض نهاراً إفاضةً بعد أن بالغ في الردّ على مَن رام دفْع هذا الوَهم .

فصلٌ : ومنها : وهْمُ مَن زعم أنّه طاف للقدوم يوم النَحْر ثمّ طاف بعده للزيارة وقد تقدّم مستند ذلك وبطلانه .

ومنها : وهْمُ مَن زعم أنّه يومئذٍ سعى مع هذا الطواف ، واحتجّ بذلك على أنّ القارن يحتاج إلى سعيَيْن ، وقد تقدّم بطلان ذلك عنه ، وأنّه لم يسْعَ إلاّ سعياً واحداً كما قالت عائشة وجابر .

فصلٌ : ومنها ـ على القول الراجح ـ وهْمُ مَن قال إنّه صلّى الظهر يوم النَحْر بمكّة ، وفي الصحيح أنّه صلاّها بمِنى كما تقدّم .


ومنها : وهْمُ مَن زعم أنّه لم يُسرع في وادي محسِّر حين أفاض مِن جمع إلى مِنى ، أنّ ذلك إنّما هو مِن فِعْلِ الأعراب ومستند هذا الوَهم قول ابن عبّاس إنّما كان بدء الإيضاع مِن أهل البادية ، كانوا يقِفون جانبَي الناس قد علّقوا العقاب والعصا فإذا أفاضوا تقعقوا فانفرت بالناس ، فلقد رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنّ ذفرى ناقته لتمسّ حاركها وهو يقول : يا أيّها الناس عليكم بالسكينة ، وفي لفظ : أنّ البرّ ليس بإيجاف الخيل والإبل ، فعليكم بالسكينة ، فما رأيتها رافعة يديها حتّى أتى منه ، رواه أبو داود ولذلك أنكره طاوس والشعبي .

وقال الشعبي : حدّثني أُسامة بن زياد أنّه أفاض مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن عرَفة ، فلم ترفع راحلته رجليها عادية حتّى بلغ جمْعاً قال : وحدّثني الفضل بن عبّاس أنّه كان رديف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن جَمْع ، فلم ترفع راحلته رجليها عادية حتّى رمى الجمرة .

وقال عطا : إنّما أحدثَ هؤلاء الإسراع يريدون أن يفوتوا الغبار ، ومنشأ هذا الوَهم اشتباه الإيضاع وقت الرفْعِ مِن عرَفة الذي تفعله الأعراب وجُفاة الناس بالإيضاع في وادي محسّر ، فإنّ الإيضاع هناك بدعة لم يفعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بل نهى عنه ، والإيضاع في وادي محسّر سُنّة نقلها عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جابر وعليّ بن أبي طالب والعبّاس بن عبد المطّلب وفعله عمر بن الخطّاب ، وكان ابن الزبير يوضِع أشدّ الإيضاع ، وفعلته عائشة وغيرهم مِن الصحابة، والقول في هذا قول مَن أثبت لا قول مَن نفى ، والله أعلم .

فصلٌ : ومنها ، وهْمُ طاوس وغيره أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان


يفيض كلّ ليلة مِن ليالي مِنى إلى البيت وقال البخاري في صحيحه : ويُذكر عن أبي حسّان عن ابن عبّاس أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يزور البيت أيّام مِنى ، ورواه ابن عروة قال : دفع إلينا معاذ بن هشام كتاباً قال : سمعته عن أبي ولم يقرأه. قال : وكان فيه عن أبي حسّان عن ابن عبّاس أنّ نبيّ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يزور البيت كلّ ليلة ما دام بمِنى. قال : وما رأيت أحداً واطأه عليه انتهى رواه الثوري في جامعه عن ابن طاوس عن أبيه مُرسلاً ، وهو وهْمٌ ، فإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يرجع إلى مكّة بعد أن طاف للإفاضة ورجع إلى منى إلى حين الوداع ، والله أعلم .

فصلٌ : ومنها ، وهْمُ مَن قال إنّه ودّع مرّتين ، ووَهْمُ مَن قال : إنّه جعل مكّة دائرة في دخوله وخروجه ، فبات بذي طوى ثمّ دخل مِن أعلاها ثمّ خرج مِن أسفلها ، ثم رجع إلى المحصّب عن يمين مكّة ، فكمُلَتْ الدائرة .

ومنها : وهْمُ مَن زعم أنّه انتقل مِن المحصّب إلى ظَهر العقَبة .

فهذه كلّها الأوهام نبّهنا عليها مفصّلاً ومجملاً وبالله التوفيق )(١) .

ـ ١٤ ـ

وقال القاضي عياض والنووي في حديث أخرجه مسلم في صحيحه :

( فيه تصحيف ) .

قال القاضي عياض : ( قوله في كتاب مسلم : نحن نجيء يوم القيامة على كذا وكذا ، اُنظر أي : ذلك فوق الناس .

كذا في جميع النُسَخ وفيه تغيير كثير أوجبه تحرّي مسلم في بعض

_______________________

(١) زاد المعاد في هدْي خير العباد ١ : ٢٤٢ ـ ٢٤٥ .


ألفاظه ، فأشكلت على مَن بعده ، وأدخل بينهما لفظة ( اُنظر ) التي نبّه بها على الإشكال ، وظنّ أنها مِن الحديث .

والحديث إنّما هو : نحن يوم القيامة على كوم فوق الناس .

فتغيّرتْ لفظة ( كوم ) على مسلم أو راويه له أو عنه ، فعبّر عنها بـ ( كذا وكذا ) ثم نبّه بقوله ( انظر ) أي : فوق الناس ، أو كان عنده فوق الناس ، على ما في بعض الحديث فجاء مَن لم يفهم الغرض وظنّه كلّه مِن الحديث ، فضمّ بعضه إلى بعض... )(١) .

وقال النووي بشرحه :

( هكذا وقع هذا اللفظ في جميع الأُصول مِن صحيح مسلم ، واتّفق المتقدّمون والمتأخّرون على أنّه تصحيف وتغيير واختلاط في اللفظ... )(٢) .

_______________________

(١) مشارق الأنوار على صِحاح الآثار ١ : ٤٢٤ .

(٢) المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجّاج ٣ : ٤٧ .


الباب الرابع : أئمّة المذاهب الأربعة

وبعد الفراغ مِن البحث والتّحقيق عن التفسير والمفسِّرين ، وعن الصِحاح الستّة وأصحابها ، تصل النوبة إلى دراسةٍ موجزة عن الأئمّة الأربعة : مالك ومُوطّئِه ، وأبي حنيفة وفقهه ، والشافعي ، وأحمد ومسنده... على ضوء أقوال كبار علماء القوم ، كما في أشهر كُتُبِهم :

مالك بن أَنَسْ

فقد تكلّم غير واحدٍ مِن الأئمّة... في مالك... وذكروا لذلك عدّة أسباب :

إطلاق لسانه في الصالحين

منها : إنّه قد أطلق لسانه في قومٍ معروفين بالصلاح والثقة ، فقد قال المزّي :

( قال الحافظ أبو بكر الخطيب : قد ذكر بعض العلماء أنّ مالكاً عابه جماعة مِن أهل العِلم في زمانه بإطلاق لسانه في قومٍ معروفين بالصلاح والديانة والثقة والأمانة ، واحتجّ بما أخبرني الرمّاني قال : حدّثني محمّد بن أحمد بن محمّد بن عبد الملك الآدمي قال : حدّثنا محمّد بن علي الأيادي قال : ثنا زكريّا بن يحيى الساجي قال : حدّثني أحمد بن محمّد البغدادي قال : حدّثنا إبراهيم بن المنذر قال : حدّثنا محمّد بن فليح قال : قال لي مالك بن أنس : هشام بن عروة كذّاب.... )(١) .

ولا يخفى : أنّ إطلاق اللسان في الصالحين ذنبٌ عظيم وفسقٌ كبير ، وقد ذكر ابن الجوزي أنّ مِن تلبيس إبليس على أصحاب الحديث قدح بعضهم في

_______________________

(١) تهذيب الكمال ٢٤ : ٤١٥ / ٥٠٥٧ .


بعض طلباً للتشفّي...(١) .

وهشام بن عروة مِن أكابر الثقات عند القوم ، قال الذهبي : ( هشام بن عروة أبو المنذر ، وقيل : أبو عبد الله ، القرشي ، أحد الأعلام ، سمع عمّه ابن الزبير ، وعنه : شعبة ومالك والقطّان ، تُوفيَ سنة ١٤٦هـ قال أبو حاتم : ثقة إمام في الحديث )(٢) .

وكما تكلّم في ( هشام بن عروة ) بلا دليل فقد تكلّم في ( محمّد بن إسحاق ) ، فقد قال سبط ابن الجوزي بعد حديثٍ : ( فإن قيل : الحديث ضعيف ، في إسناده ابن إسحاق ، كذّبه مالك ، وفيه أيضاً : علي بن عاصم متروك...

والجواب : قد أخرجه أحمد في الفضائل وأمّا ابن إسحاق فقد قال أحمد : يُقبل قوله في المغازي والسِيَر ، وأثنى عليه جماعة مِن العلماء وكان إماماً كبيراً ، وإنّما طعن عليه مالك ؛ لأنّه لمّا صنّف الموطّأ قال أروني إيّاه فأنا بيطاره ، فبلغ ذلك مالكاً فشقّ عليه وقال : ذاك دجّال مِن الدجاجلة وقد أخذوا على مالك في هذا ، فإنّه لا يُقال مِن الدجاجلة بل مِن الدجّالين )(٣) .

وقد قال الذهبي : ( محمّد بن إسحاق بن يسار أبو بكر ويُقال : أبو عبد الله ، المطّلبي مولاهم ، المدني ، الإمام ، رأى أَنَساً وروى عن عطاء والزهري ، وعنه : شعبة والحمّادان والسفيانان ويونس بن بُكَيْر وأحمد بن خالد كان صدوقاً ، مِن بحور العِلم... )(٤) .

وقال اليافعي : ( الإمام محمّد بن إسحاق بن يسار المطّلبي ، مولاهم ،

_______________________

(١) تلبيس إبليس : ١٣٥ .

(٢) الكاشف ٣ : ٢١١ / ٦٠٥١ .

(٣) تذكرة خواص الأُمّة ٣ : ٧ / ٤٧٦٨ .

(٤) الكاشف ٣ : ٧ / ٤٧٦٨ .


المدني صاحب السيرة ، وكان بحراً مِن بحور العلم ، ذكيّاً حافظاً ، طلاّبةً للعِلم ، أخبارياً نسّابةً ثَبْتاً في الحديث عند أكثر العلماء .

وأمّا في المغازي والسِيَر فلا يُجهل إمامته قال ابن شهاب الزهري : مَن أراد المغازي فعليه بابن إسحاق وذكر البخاري في تاريخه ، ورُوي عن الشافعي أنّه قال : مَن أراد أن يتبحّر في المغازي فهو عِيال على ابن إسحاق ، وقال سفيان بن عُيَيْنة : ما أدركت أحداً يتّهم ابن إسحاق في حديثه ، وقال شعبة بن الحجّاج : محمّد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث )(١) .

تكلّم جماعة مِن الأئمّة فيه

مِن لطائف الأُمور : أنّ ابن أبي ذئب وعبد العزيز بن ماجشون وابن أبي حازم ومحمّد بن إسحاق ، وهم أئمّةٌ ثقات مِن الأعلام ، تكلّموا في مالك وجرحوه .

قال المزّي : ( قال إبراهيم بن المنذر : حدّثني عبد الله بن نافع قال : كان ابن أبي ذئب وعبد العزيز بن ماجشون وابن أبي حازم ومحمّد بن إسحاق يتكلّمون في مالك بن أنس ، وكان أشدّهم فيه كلاماً محمّد بن إسحاق ، كان يقول : ايتوني ببعض كُتُبه حتّى أُبيّن عيوبه ، أنا بيطار كُتُبه )(٢) .

هذا ، ولا بأس بذكر طَرَفٍ مِن كلماتهم في الثناء على هؤلاء الأشخاص :

_______________________

(١) مرآة الجنان ١ : ٢٤٤ .

(٢) تهذيب الكمال ٢٤ : ٤١٥ / ٥٠٥٧ .


ترجمة ابن أبي ذئب

قال الذهبي بترجمة ابن أبي ذئب : ( ع ـ محمّد بن عبد الرحمن بن المغيرة ابن أبي ذئب ، أبو الحرث العامري ، أحد الأعلام ، عن عكرمة ونافع والزهري ، وعنه : معمر وابن المبارك وابن وهب والقطّان وعلي بن الجعد ، وكان كبير الشأن ، ثقة )(١) .

وقال ابن حجر : ( ثقة فقيه فاضل )(٢) .

ترجمة عبد العزيز بن ماجشون

وقال اليافعي بترجمة ابن ماجشون : ( عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سَلَمَة الماجشون ، المدني ، الفقيه ، كان إماماً مُفتياً صاحب حلقة )(٣) .

وقال السمعاني : ( عبد العزيز بن عبد الله... عنه : الليث بن سعد وبشر بن المفضّل ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي ويزيد بن هارون وعلي بن الجعد وأبو نعيم الفضل بن دكين وغيرهم وكان عالماً فقيهاً ، قَدِم بغداد وحدّث بها إلى حين وفاته ، وحجّ أبو جعفر المنصور فشيّعه المهدي ، فلمّا أراد الوداع قال : يا بُني استهد لي ، قال : استهديك رجلاً عاقلاً ، فأهدى له عبد العزيز الماجشون )(٤) .

_______________________

(١) الكاشف ٣ : ٥٢ / ٥٠٥٦ .

(٢) تقريب التهذيب ٢ : ١٩٤ / ٦٨٤٦ .

(٣) مرآة الجنان ١ : ٢٧٣ .

(٤) الأنساب ٥ : ١٥٧ .


وابن حجر : ( ثقة فقيه مصنّف )(١) .

وقال الذهبي : ( كان إماماً معظّماً قال أبو الوليد : كان يصلح للوزارة )(٢) .

ترجمة ابن أبي حازم

وقال الذهبي بترجمة ابن أبي حازم :

( عبد العزيز بن أبي حازم المديني ، عن أبيه وسهيل والعلاء وابن الهاد ، وعنه : أبو مصعب وقتيبة وابن حجر قال أحمد : لم يكن يُعرف بطلب الحديث ولم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه ، ويُقال : إنّ كُتُب سليمان بن بلال وقعت إليه ولم يسمعها ، وقال ابن معين : ثقة )(٣) .

وقال ابن حجر : ( صدوق فقيه )(٤) .

وقال اليافعي : ( فقيه المدينة عبد العزيز بن أبي حازم )(٥) .

هذا ، وفي ( طبقات السبكي ) : ذكر ابن عبد البرّ كلام ابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد في مالك بن أنس وقال : ( قد تكلّم أيضاً في مالك : عبد العزيز بن أبي سَلَمَة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ومحمّد بن إسحاق وابن أبي يحيى وابن أبي الزناد ، وعابوا أشياء مِن مذهبه وقد برّأ الله عزّ وجلّ مالكاً عمّا قالوا ، وكان عند الله وجيهاً )(٦) .

_______________________

(١) تقريب التهذيب ١ : ٤٧٢ / ٤٦٠٢ .

(٢) الكاشف ٢ : ١٩٣ / ٣٤٣٢ .

(٣) الكاشف ٢ : ١٩١ / ٣٤١٧ .

(٤) تقريب التهذيب ١ : ٤٧١ / ٤٥٨٣ .

(٥) مرآة الجنان ١ : ٣٠٦ .

(٦) طبقات الشافعية ٢ : ١٠ .


تكلّم الشافعي فيه لقدحه في عكرمة وروايته عنه !

ومِن دلائل ضلال مالك ومتابعته للهوى : قدحه في عكرمة البربري وروايته عنه في كتابه ! الأمر الذي حمل الشافعي على الطعن فيه ، وذلك ما حكاه الفخر الرازي في ( مناقب الشافعي ) حيث قال في عداد اعتراضات الشافعي على مالك :

( ومنها : أخبرنا مالك ، عن أبي الزبير ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عبّاس أنّه : سُئل عن رجلٍ واقَعَ أهله وهو مُحرِم بمِنى قبل أنْ يفيض ، فأمره أن ينحر بُدْنَة قال الشافعي : وبه نأخذ وقال مالك : عليه عمرة وحجّة تامّة وبُدْنَة ، ورواه عن ربيعة ، وعن ثور بن زيد عن عكرمة يظنّه عن ابن عبّاس ، فإن كان قد ترك قول ابن عبّاس لرأي ربيعة فهو خطأ ، وإنْ ترك لرأي عكرمة فهو يُسيء القول في عكرمة ، ولا يرى لأحدٍ أنْ يقبل حديثه وهو يروي بيقين عن عطاء عن ابن عبّاس خلافه ، وعطاء ثقة عنده وعند الناس .

قال الشافعي : والعجب أنّه يقول في عكرمة ما يقول ثمّ يحتاج إلى شيء مِن عِلمه يوافق قوله ، فيسمّيه مرّة ويسكت عنه أُخرى ، ويروي عن ثور بن زيد عن ابن عبّاس في الرضاع وذبائح نصارى العرب وغيره ويسكت عن ذكر عكرمة ، وإنّما يحدّثه ثور عن عكرمة ، وهذا مِن الأُمور التي ينبغي لأهل العِلم أنْ يتحفّظوا فيها ) .

وعلى الجملة ، فإنّ قدْحَه في عكرمة والرواية عنه مع ذلك ! يوجب الطعن فيه ، وهذا ما نصّ عليه الفخر الرازي أيضاً على تقدير صحّته إذ قال : ( وأمّا الاعتراض الثاني وهو : أنّ مالكاً كان إذا احتاج إلى التمسّك بقول عكرمة


ذكره وإذا لم يحتج إليه تركه ، فهذا إنْ صحّ مِن مالك أورث ذلك طعْناً في روايته وفي ديانته ، ولو كان الأمر كذلك ، فكيف جاز للشافعي أنْ يتمسّك بروايات مالك ؟ وكيف يجوز أنْ يقول : إذا ذكرت الأئمّة فمالك النجم ؟ ) .

لكنّ المقدّم ـ وهو قدح مالك في عكرمة وروايته عنه ـ ثابت بنقل الرازي نفسه عن الشافعي ، فالتالي ـ وهو إيراث ذلك الطعن في روايته وديانته ـ ثابت... وتشكيك الرازي باطل مردود ؛ وإلاّ لتوجّه الطعن إلى الشافعي ، وقد وضع الرازي كتابه للإشادة بفضله وترجيح مذهبه على المذاهب ، وإقامة الحجّة على ذلك كقوله :

تكلّم أحمد بن حنبل فيه

( الحجّة الثالثة : إنّ أكابر علماء الحديث أقرّوا له بالفضل والقوّة في هذا العِلم ، رُويَ أنّ أحمد بن حنبل سُئل هل كان الشافعي صاحب حديث ؟ فقال : إي والله كان صاحب حديث وكرّرها ثلاثاً ورَوَيْنا أنّه سمع الموطّأ عليه وقال : إنّه ثَبْتٌ فيه. وسُئل أحمد بن حنبل عن مالك فقال : حديثٌ صحيح ورأيٌ ضعيف ، وسُئل عن الأوزاعي فقال كذلك ، وسُئل عن الشافعي فقال : حديثٌ صحيح ورأيٌ قويّ ، وسُئل عن أبي فلان فقال : لا رأي ولا حديث .

قال البيهقي : وإنّما قال أحمد عن مالك ذلك ، لأنّه كان يترك الحديث الصحيح لعمل أهل المدينة ، وإنّما قال عن الأوزاعي ذلك ، لأنّه كان يحتجّ بالمقاطيع والمراسيل في بعض المسائل ثمّ يقيس عليها ، وإنّما قال في الشافعي ذلك ، لأنّه كان لا يرى الاحتجاج إلاّ بالحديث الصحيح ثمّ يقيس الفروع عليها ، وإنّما قال في أبي فلان ذلك ، لأنّه كان يقبل المجاهيل والمقاطيع


والمراسيل وماوقع إليه مِن حديثِ بَلَدِه وإنْ كان ضعيفاً يترك القياس لأجله ، وما رُفع إليه مِن أحاديث سائر البلاد وإنْ كان صحيحاً لم يقبله بل عَدَلَ إلى الاستحسان والقياس ) .

ففي هذا النقل توهينٌ مِن أحمد بن حنبل لمالك بن أنس والأوزاعي وأبي حنيفة ، ومدح وتفضيلٌ للشافعي عليهم .

وأيضاً : فإنّ الفخر الرازي يرى أنّ تخطئة الشافعي في شيء إيذاء لله وللرسول ، إذ قال في الرسالة المذكورة في حُجَج ترجيح الشافعي على غيره مِن المجتهدين : ( الحجّة السادسة : القول بأنّ قول الشافعي أخطأ في مسألة كذا ، إهانة للشافعي القرشي ، وإهانةُ قرشيّ غير جائز .

إنّما قلنا إنّ تخطئته إهانة ، لأنّ اختيار الخطأ إن كان للجهل ، فنسبة الجهل إلى الإنسان إهانة ، وإن كان مع العلم فإنّ مخالفة الحقّ مع العِلم بكونه حقّاً مِن أعظم أنواع المعاصي ، وكانت نسبة الإنسان إليه إهانة له ، وإنّما قلنا إنّ إهانة القرشيّ غير جائزة ، لِما روى الحافظ بإسناده عن سعد بن أبي وقّاص أنّه قال : سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : مَن يُرِد هوان قريش أهانه الله .

وروى أيضاً بإسناده عن أبي هريرة : أنّ سبيعة بنت أبي لهب جاءت إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالت : يا رسول الله ، إنّ الناس يصيحون بي ويقولون إنّك ابنة حمّالة حطب النار ، فقامعليه‌السلام ـ وهو مغضب شديد الغضب ـ فقال : ما بال أقوام يؤذونني في قرابتي ، ألا مَن آذى قرابتي فقد آذاني ومَن آذاني فقد آذى الله ، ومَن آذى الله كان ملعوناً لقوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) .

فإذن ظهر وجه الاستدلال ظهوراً لا يرتاب فيه عاقل .


وكان الحاكم أبوعبد الله الحافظ يقول : يجب على الرجل أن يعذر مِن معاندة الشافعي وبغضه وعداوته ، لئلاّ يدخل تحت هذا الوعيد ) .

وإذا كان كذلك فلا معنى لتشكيكه في كلام الشافعي في مالك بقوله : ( لو كان الأمر كذلك فكيف جاز للشافعي... ) وأمثال ذلك...

وعلى الجملة ، فقضيّة عكرمة مورد مِن موارد تكلّم الشافعي في مالك .

تكلّم الشافعي فيه بسبب ردّه الأحاديث الصحيحة

وأيضاً : فقد تكلّم فيه بسبب ردّه للأحاديث الصحيحة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعدم عمله بها... قال الرازي ـ بعد نقل قاعدةٍ في الأحاديث عن الشافعي ـ :

( ولمّا قرّر الشافعي هذه القاعدة ، ذكر أنّ مالكاً اعتبر هذه القاعدة في بعض المواضع دون البعض ، ثمّ ذكر المسائل التي ترك الأخبار الصحيحة فيها لقول واحدٍ مِن الصحابة أو لقول بعض التابعين أو لرأي نفسه ، ثم ذكر ما ترك فيه مِن أقاويل الصحابة لرأي بعض التابعين أو لرأي نفسه ، وذلك أنّه ربّما يدّعي الإجماع وهو مختلَفٌ فيه ، ثمّ بيّن الشافعي أنّ ادّعاء أنّ إجماع أهل المدينة حجّة قولٌ ضعيف .

وذكر مِن هذا الباب أمثلة :

منها : إنّ مالكاً قال ، أقول : أجمع الناس على أنّ سجود القرآن إحدى عشرة سجدة وليس في المفصّل منها شيء ثمّ قال الشافعي : قد روى هو عن أبي هريرة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه سجد في( إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ ) ، وإنّ عمر بن الخطّاب سجد في النّجم ، فقد روى السجود في المفصل عن النبيّعليه‌السلام وعن عمر وعن أبي هريرة رضي الله عنهما ، فليت شعري مَن الناس الذين أجمعوا على أنّه لا


سجدة في المفصّل ، ثمّ بيّن أنّ أكثر الفقهاء ذهبوا إلى أنّ في المفصّل سجوداً .

ومنها : إنّ مالكاً زعم أنّ الناس أجمعوا على أنّه لا سجدة في الحجّ إلاّ مرّةً واحدة ، وهو يروي عن عمر وابن عمر أنّهما سجدا في الحجّ سجدتين ثمّ قال الشافعي : وليت شعري مَن هؤلاء المُجْمعون الذين لا يُسَمَّوْن ، فإنّا لا نعرفهم ، ولا يكلِّف الله أحداً أن يأخذ دينه عمّن لا يعرفه )(١) .

وقال أيضاً بعد كلام الشافعي في عكرمة : ( ولقائلٍ أن يقول : حاصل هذه الاعتراضات يرجع إلى أمرَيْن :

الاعتراض الأوّل : إنّ مالكاً يروي الحديث ثمّ إنّه يترك العمل به ؛ لأجل أنّ أهل المدينة تركوا العمل به ، وهذا يقتضي تقديم عمل علماء المدينة على قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنّه لا يجوز .

ولمالك أن يُجيب عنه فيقول : هذه الأحاديث ما وصلت إلينا إلاّ برواية علماء المدينة ، فهؤلاء إمّا أن يكونوا مِن العدول أو لا يكونوا مِن العدول ؛ فإن كانوا مِن العدول وجب أن يعتقدوا أنّهم إنّما تركوا العمل بهذا الحديث لاطّلاعهم على ضعفٍ فيه ، إمّا لأجل ضعفٍ في الرواية أو لأجل أنّه وُجد ناسخ أو مخصّص ، وعلى جميع التقديرات فترْك العمل به واجب .

فإن قالوا : فلعلّهم اعتقدوا في هذا الحديث تأويلاً خاطئاً ؛ فلأجل ذلك التأويل الخاطئ تركوا العمل به ، وعلى هذا التقدير لا يلزم مِن ترْكِهم العمل بالحديث حصول ضعفٍ فيه .

قلنا : إنّ علماء المدينة الذين كانوا قبل مالك كانوا أقرب الناس إلى زمان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأشدّهم مخالطة للصحابة وأقواهم رغبة في الدين ، وأبعدهم عن المَيْل إلى الباطل ، فيبعد اتّفاق

_______________________

(١) مناقب الإمام الشافعي : ٥٣ .


جمهور علماء المدينة على تأويلٍ فاسد .

وأمّا إن قلنا : إنّ علماء المدينة ليسوا بعدول ، كان الطعن فيهم يوجِب الطعن في الخبر .

فثَبَتَ بهذا الطريق أنّ الدليل الذي ذكرناه يقتضي ترجيح عمل علماء المدينة على ظاهر خبر الواحد ، وليس هذا قولاً بأنّ إجماعهم حجّة ، بل هو قول بأنّ عملهم إذا كان على خلاف ظاهر الحديث أورث ذلك قدحاً وطعناً في الحديث... )(١) .

أقول :

وما ذكره الرازي حمايةً لمالك ومذهبه ركيك جدّاً ؛ لأنّه تخطئة للشافعي ، وقد اعترف هو بأنّه إيذاء لله ورسوله وموجب للّعن والعذاب ؛ ولأنّ القول بوجوب ترك العمل بالأحاديث الصحيحة بسبب عمل أهل المدينة على خلافها .

وكذا ما قاله في الجواب عن احتمال الخطأ في التأويل... مِن غرائب الهفوات ، ويكفي للردّ على دعوى حجّيّة إجماع أهل المدينة كلام وليّ الدين العراقي ، حيث قال في مقام بيان تأويلات حديث خيار المجلس الذي أخذ به المالكيّة والحنفيّة :

( أحدها ـ ما تقدّم مِن مخالفته لإجماع أهل المدينة ، وتقدّم ردّه بأنّهم لم يُجمعوا على مخالفته ، وأيضاً فإجماعهم ليس بحجّة، وقال الشيخ تقيّ الدين في شرح العمدة : الحقّ الذي لا شكّ فيه أنّ إجماعهم لا يكون حجّة فيما طريقه الاجتهاد والنظر ؛ لأنّ الدليل العاصم للأُمّة مِن الخطأ في الاجتهاد لا

_______________________

(١) مناقب الإمام الشافعي : ٥٤ ـ ٥٥ .


يتناول بعضهم ، ولا مستند للعصمة سواه .

وكيف يُمكن أن يقال : إنّ مَن كان بالمدينة مِن الصحابة يقبل خلافه ما دام مُقيماً بها فإذا خرج منها لم يقبل خلافه ، هذا محال فإنّ قبول قوله باعتبار صفاتٍ قائمةٍ به حيث حلّ ، وقد خرج منها عليٌّ وهو أفضل أهل زمانه بإجماع أهل السُنّة ، وقال أقوالاً بالعراق كيف يمكن أن تُهدَر إذا خالفها أهل المدينة وهو كان رأسهم ، وكذلك ابن مسعود... )(١) .

تكلّم الشافعي فيه لروايته حديث خيار المجلس ومخالفته له

وأيضاً : فقد تكلّم الشافعي في مالك بسبب مخالفته لحديث خيار المجلس مع إيراده إيّاه في الموطّأ ، فقال كلمةً موجزةً لكنّ معناها عظيم ، قال : ( ما أدري أتّهم مالكاً نفسه أو نافعاً )؟!

قال وليُّ الدين العراقي في ( شرح الأحكام الصغرى ) :

( وذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى إنكار خيار المجلس وقالوا : إنّه يلزم البيع بنفس الإيجاب والقبول ، و به قال إبراهيم النخعي واختلف في ذلك عن ربيعة وسفيان الثوري قال ابن حزم الظاهري : ما نعلم لهم مِن التابعين سلفاً إلاّ إبراهيم وحده ، ورواية مكذوبة عن شريح ، والصحيح عنه موافقة الحقّ ، وكذا قال ابن عبد البرّ : لا أعلم أحداً ردّه غير هذين الاثنين إلاّ ما رُوي عن إبراهيم النخعي ، انتهى .

وقال مالك في الموطّأ لمّا روى هذا الحديث : وليس هذا عندنا حدّ معروف ولا أمر معمول به .

_______________________

(١) شرح الأحكام الصغرى ـ مبحث خيار المجلس .


قال ابن عبد البرّ : واختلف المتأخّرون مِن المالكيّين في تخريج قول مالك هذا ، فقال بعضهم : دفعه بإجماع أهل المدينة على ترْك العمل به ، وإجماعهم حجّة .

وقال بعضهم : لا يصحّ دعوى إجماعهم في هذه المسألة ؛ لأنّ سعيد بن المسيّب وابن شهاب ـ وهما أجلّ فقهاء أهل المدينة ـ رُويَ عنهما منصوصاً العمل به ، ولم يُروَ عن أحدٍ مِن أهل المدينة ترْك العمل به نصّاً إلاّ عن مالك وربيعة ، وقد اختلف فيه على ربيعة وكان ابن أبي ذئب ـ وهو مِن فقهاء أهل المدينة في عصر مالك ـ يُنكِر على مالك اختياره ترْك العمل به ، حتّى جرى منه لذلك في مالك قولٌ خشن .

قال : وإنّما أراد مالك بهذا إنكار القول بأنّ خيار الشرط لا يكون إلاّ ثلاثة أيّام ، فإنّه عند مالك وأهل المدينة يكون ثلاثاً وأكثر وأقل بحسب المبيع .

وقال : وأمّا خيار المجلس فإنّما ردّه اعتباراً أو نظراً مال فيه إلى رأي بعض أهل بلده ، انتهى .

وحكى ابن العربي حمل كلام مالك هذا على دفْع الحديث بعمل أهل المدينة عمّن لا تحصيل له مِن أصحابهم قال : وقد توهّم ذلك عليه ابن الجويني ـ يعني إمام الحرمَيْن ـ ، فقال : يروي الحديث عن نافع عن ابن عمر عن فَلْق في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم يتركه لعمل أهل المدينة قال : ولم يفهم ابن الجويني عنه .

ثمّ ذكر ابن العربي ما حاصله ، أنّ مقصود مالك ردّ الحديث بأنّ وقت التفريق غير معلوم ، فالتحق ببيوع الغرر ، كالملامسة والمنابذة ، وسنحكي عبارته في ذلك .

وسبق إمام الحرمين إلى إنكار ذلك على مالك الشافعي فقال : ما أدري


أتّهمُ مالكاً نفسه أو نافعاً ، وأُعظِم عبد الله بن عمر أن أذكره إجلالاً له )(١) .

ولا يخفى أنّ ما قاله الشافعي في مالكٍ يتوجّه على أبي حنيفة أيضاً ، فإنّه قد خالف كلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كذلك ، حتى قال ابن المديني : ( إنّ الله سائله عمّا قال ) ، ذكر ذلك وليّ الدين العراقي حيث قال :

( روى البيهقي في سُننه عن علي بن المديني عن سفيان بن عُييْنة أنّه حدّث الكوفيّين بحديث ابن عمر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أنّ البيّعين بالخيار ما لم يتفرّقا ، قال : فحدّثوا به أبا حنيفة فقال : ليس هذا بشيء ، أرأيت إن كانا في سفينة ! قال علي : إنّ الله سائله عمّا قال )(٢) .

كما أنّ المالكيّة والحنفيّة قد خالفوا الحديث عن النبيّ تقليداً لإماميهما ، وجعلوا يؤوّلونه بتأويلاتٍ سخيفة ردّ عليها وليّ الدين أبو زرعة ، وقد بلغت في الضعف والركّة حدّاً اضطرّ ابن عبد البرّ ـ وهو مِن أئمّة المالكيّة ـ لأنْ يعترف بسقوطها ، قال أبو زرعة بعد الردّ على التأويلات :

( وقد ظهر بما بسطناه أنّه ليس لهم متعلّق صحيح في ردّ هذا الحديث ؛ فلذلك قال ابن عبد البرّ : أكثر المتأخّرين مِن المالكيّين والحنفيّين مِن الاحتجاج لمذهبنا في ردّ هذا الحديث بما يطول ذكره ، وأكثره تشغيب لا يحصل منه على شيء لازم لا مدفع له .

وقال النووي في شرح مسلم : الأحاديث الصحيحة ترِدُ عليهم ، وليس لهم عنها جواب صحيح ، فالصواب ثبوته كما قاله الجمهور ) .

_______________________

(١) شرح الأحكام الصغرى ـ مبحث خيار المجلس ، بشرح الحديث : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرّقا .

(٢) شرح الأحكام الصغرى ـ مبحث خيار المجلس .


هذا ، وقد تعرّض أبو زرعة لكلام ابن العربي المالكي في الانتصار والدفاع عن مذهب المالكيّة ، وأجاب عنه بالتفصيل .

تكلّم أحمد وغيره فيه لمخالفته أخبار التبكير إلى الجمعة

ومِن موارد التكلّم في مالك والطعن عليه ، مخالفته لأخبار التبكير إلى الجمعة ، إذْ تكلّم فيه بهذه المناسبة أحمد بن حنبل ، وكذا ابن حبيب ـ وهو مِن أصحاب مالك ـ ذكر ذلك وليّ الدين أبو زرعة ، حيث قال بشرح الحديث الثالث مِن أحاديث باب صلاة الجمعة : ( عن سعيد عن أبي هريرة يبلغ به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا كان يوم الجمعة كان على كلّ باب مِن أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأوّل فالأوّل ، فإذا خرج الإمام طُويَت الصحف وعنه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : المهجر إلى الجمعة كالمُهدي بُدْنة ، والذي يليه كالمُهدي كبشاً حتّى ذكر الدجاجة والبيضة ) .

قال أبو زرعة : ( وقال القاضي عياض : وأقوى معتمَد مالك في كراهيّة البكور إليها ، عملُ أهل المدينة المتّصل بترْك ذلك وسعْيِهم إليها قُرْب صلاتها ، وهذا نقل معلوم غير مُنكَر عندهم ولا معمول بغيره ، وما كان أهل عصر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومِن بعدهم ممّن يترك الأفضل إلى غيره ويتمالؤن على العمل بأقلّ الدرجات .

وذكر ابن عبد البرّ أيضاً أنّ عمل أهل المدينة يُشهد له ، انتهى .

وما أدري أين العمل الذي يُشهد له ، وعمر يُنكِر على عثمان رضي الله عنهما التخلّف ، والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يندب إلى التبكير ، في أحاديث كثيرة منها حديث أوس بن أوس : مَن بكَّر وابتكر ، وفي آخره كان له بكلّ


خطوة أجْر عمل سنة صيامها وقيامها ، وهو في السُنن الأربعة وصحيحَيْ ابن حبّان والحاكم .

وقد أنكر غير واحد مِن الأئمّة على مالك ـ رحمه الله ـ في هذه المسالة فقال الأثرم : قيل لأحمد : كان مالك يقول : لا ينبغي التهجير يوم الجمعة فقال : هذا خلاف حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : سبحان الله إلى أيّ شيء ذهب في هذا والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : كالمُهدي جزوراً ؟! .

وأنكر على مالك أيضاً ابن حبيب إنكاراً بليغاً فقال : هذا تحريف في تأويل الحديث ومحال مِن وجوه ؛ لأنّه لا يكون ساعات في ساعة واحدة ، فشرْحُ الحديث بيّن في لفظه ، ولكنّه حُرِف عن موضعه وشُرِح بالخُلف مِن القول وزهد فيما رغب فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن التهجير في أوّل النهار ، وزعم أنّ ذلك كلّه إنّما يجتمع في ساعة واحدة قُرْب زوال الشمس ، حكاه عنه ابن عبد البرّ وقال : هذا منه تحامل على مالك ) .

حُكْمُه على السائل عن خَلْقِ القرآن بالزندقة !

ومِن غرائب مالك الموبقة : حكمه على مَن سأل عن أنّ القرآن مخلوق أو غير مخلوق ، بأنّه زنديق ، ثمّ أمْره بقتله ، فقد أسند أبو نعيم في ( الحُلية ) إلى يحيى بن خلف بن الربيع الطرطوسي ـ قال : وكان مِن ثقات المسلمين وعبّادهم ـ أنّه قال : ( كنت عند مالك بن أنس ودخل عليه رجل فقال : يا أبا عبد الله ، ما تقول فيمَن يقول : القرآن مخلوق ؟ فقال مالك : هذا زنديق فاقتلوه فقال : يا أبا عبد الله ، إنّما أحكي كلاماً سمعته ، فقال مالك : لمْ أسمعه أنا مِن أحدٍ إنّما سمعته منك ، وعظّم هذا القول تعظيماً كبيراً )(١) .

_______________________

(١) حُلية الأولياء ٦ : ٣٢٥ .


هذا ، وقد أخرج البخاري : ( عن أبي ذرّ أنّه سمع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلاّ ارتدَّت عليه ، إن لم يكن صاحبه كذلك ) .(١)

بل لقد أخرج مالك نفسه في الموطّأ : ( عن عبد الله بن دينار عن عبد الله ابن عمر : أنّ رسول الله قال : مَن قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما )(٢) .

قوله لِمَن سأله عن الاستواء : أظنّك صاحب بدعة

ومِن ذلك : قوله لِمَن سأله عن الاستواء : ( أظنّك صاحب بدعة )! والحال أنّ مجرّد السؤال لا يجوّز الهتك للسائل وإساءة الظنّ به ، وقد جاء الخبر في ( حُلية الأولياء ) حيث أسند أبو نعيم إلى جعفر بن عبد الله قال : ( كنّا عند مالك ابن أنس ، فجاءه رجل فقال : يا أبا عبد الله ،( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) كيف استوى ؟ فما وجد مالك مِن شيء ما وجد مِن مسألته ، فنظر إلى الأرض وجعل ينكت بعودٍ في يده حتّى علاه الرحضاء ـ يعني العَرَق ـ ثمّ رفع رأسه ورمى العود فقال : الكيف منه غير معقول ، والاستواء منه غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال منه بدعة ، وأظنّك صاحب بدعة ، وأمَرَ به فأُخرج )(٣) .

_______________________

(١) صحيح البخاري ٨ : ٢٧ / ٦٠٤٥ .

(٢) الموطّأ ٢ : ٩٨٤ / ٥٦ .

(٣) حلية الأولياء ٦ : ٣٢٥ ـ ٣٢٦ .


ترْكُه للجمعة والجماعة وهو خروج مِن الإيمان

ومِن ذلك : ما ذكروا مِن أنّ مالكاً لم يكن يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة ، وقد جاء هذا في غير واحدٍ مِن الكُتُب :

قال ابن قتيبة : ( قال الواقدي : كان مالك يأتي المسجد ويشهد الصلاة والجمعة والجنائز ويعود المرضى ويقضي الحقوق ويجلس في المسجد ويجمع أصحابه ، ثمّ ترَك الجلوس في المسجد ، وكان يُصلّي ثمّ ينصرف إلى منزله ، وترَك حضور الجنائز فكان يأتي أصحابها ويعزّيهم ، ثمّ ترَك ذلك كلّه فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة ولا يأتي أحداً يعزّيه ولا يقضي له حقّاً ، واحتمل الناس له ذلك حتّى مات عليه ، وكان ربّما كُلِّم في ذلك فيقول : ليس كلّ الناس يقدر أن يتكلّم بعذره )(١) .

وقال الغزالي : ( قيل : كان مالك بن أنس يشهد الجنازة ويعود المرضى ويُعطي الإخوان حقوقهم ، فترَك ذلك واحداً واحداً حتّى تركها كلّها ، وكان يقول : لا يتهيّأ للمرء أن يخبر بكلّ عذرٍ له... )(٢) .

وقال ابن خلّكان : ( قال الواقدي : كان مالك يأتي المسجد ، ويشهد الصلوات والجمعة والجنائز ، ويعود المرضى ويقضي الحقوق ، ويجلس في المسجد ويجتمع إليه أصحابه ، ثمّ ترك الجلوس في المسجد ، فكان يصلّي وينصرف إلى مجلسه ، وترك حضور الجنائز فكان يأت أهلها فيعزّيهم ، ثمّ ترك ذلك كلّه فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة ولا يأتي أحداً

_______________________

(١) كتاب المعارف : ٤٩٨ ـ ٤٩٩ .

(٢) إحياء علوم الدين ٢ : ٢٢٢ كتاب العزلة .


يعزّيه ولا يقضي له حقّاً ، واحتمل الناس له ذلك حتّى مات عليه وكان ربّما قيل له في ذلك فيقول : ليس كلّ الناس يقدر أن يتكلّم بعذره )(١) .

هذا ، وقد ذكر يوسف الأعور الواسطي في مطاعنه على الإماميّة : ( ومنها : تسمية أنفسهم مؤمنين ، ومِن أين جاءهم الإيمان ولم يكن عندهم شيء مِن شروطه ، الأوّل : قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ) وهم تاركون لمسجد الجمعة ) .

تكلّمه في أمير المؤمنين بسبب حروبه

ومِن قوادحه العظيمة وبراهين نُصْبِه لمولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام : أنّه كان يُفضِّل عثمان ويقول : لا أجعل مَن خاض في الدماء كمَن لم يخضْ فيها ، مع أنّ حروب الإمامعليه‌السلام كانت بأمرٍ مِن الله ورسوله ، فهي شرفٌ جليل وفخرٌ عظيم ، فكيف تكون منقصةً له وعيباً حتّى يُقال له مثل هذا الكلام ؟ إنّ هذا الكلام ـ في الحقيقة ـ ردٌّ على الله ورسوله... وقد أورده ابن تيميّة متبجّحاً به مرتضياً إيّاه حيث قال :

( أمّا جمهور الناس ، ففضّلوا عثمان ، وعليه استقرار أهل السنّة ، وهو مذهب أهل الحديث ومشايخ الزهد والتصوّف وأئمّة الفقهاء ، كالشافعي وأصحابه وأحمد وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه ، وهو إحدى الروايتين عن مالك وعليها أصحابه ، قال مالك : لا أجعل مَن خاض في الدماء كمَن لم يخض فيها ، وقال الشافعي وغيره : إنّه بهذا السبب قصد والي المدينة الهاشمي ضَرْبَ مالك ، وجعل طلاق المكرَه سبباً ظاهراً ، وهو أيضاً مذهب جماهير أهل

_______________________

(١) وفيات الأعيان ٤ : ١٣٦ .


الكلام : الكرامية والكلابية والأشعرية والمعتزلة ، وقال أيوب السختياني : مَن لم يُقدِّم عثمان على عليّ فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار ، وهكذا قال أحمد بن حنبل وأبو الحسن الدارقطني وغيرهما أنّهم اتّفقوا على تقديم عثمان ، ولهذا تنازعوا فيمَن لم يقدّم عثمان هل يعدّ مبتدعاً ؟ على قولَيْن هما روايتان عن أحمد ، فإذا قام الدليل على تقديم عثمان كان ما سواه أوكد )(١) .

وعلى الجملة ، فإنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أفضل الصحابة قاطبةً ، بل هو أفضل مِن سائر الأنبياء عدا سيّد المرسلين ، وجهاده في سبيل الله ومقاتلاته لأعداء الله مِن أشهر مناقبه وأفضل مقاماته ومنازله ، وقد قال علماء القوم بأنّ حروبه كلّها كانت على الحقّ وكان الحقّ معه فيها ، وحتّى أنّ الدهلوي ينصّ على أنّ مَن اعترض على أمير المؤمنينعليه‌السلام في شيء مِن آرائه وأقواله فهو جاهل أحمق(٢) .

ويقول الدهلوي أيضاً في كلامٍ له حول الحديث ( قال لعلي :إنّك تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلتَ على تنزيله ) : ( ولا دلالة في هذا الحديث على أنّ الأمير إمام بلا فصل ، إذ لا ملازمة بين المقاتلة على تأويل القرآن والإمامة بلا فصل بوجه مِن الوجوه ، بل لو اُستدلّ به على مذهب أهل السُنّة لأمكن ؛ لأنّه يُفهم منه بالصراحة أنّ الأمير قد يكون إماماً في عصرٍ يقاتل فيه على تأويل القرآن ووقت قتاله معلوم متى كان ، وهو مِن دلائل أهل السُنّة على أنّ الحقّ كان في جانب الأمير وكان مقاتلوه على الخطأ ، حيث لم يفهموا معنى القرآن وأخطأوا في اجتهادهم ، وإنكار تأويل القرآن ليس بكفر إجماعاً وإنْ أنكر أحد

_______________________

(١) منهاج السُنّة ٨ : ٢٢٥ .

(٢) التحفة الاثني عشرية : ٣٠٢ ـ ٣٠٣ ، جواب المطعن الحادي عشر مِن مطاعن عمر .


معنى القرآن الظاهر بسوء فَهْمِه ففي كُفْرِه تأمّل... )(١) .

لكنّ مالكاً لم يكتف في الطعْن بأمير المؤمنين بالكلمة الخبيثة المذكورة ، بل قال أكثر مِن ذلك وأشدّ ، قال ابن تيمية : ( وعليّ لم يخصْ أحداً مِن أقاربه بعطاء ، لكن ابتدء بالقتال لِمَن لم يكن مبتدئاً له بالقتال ، حتّى قتل بينهما أُلوف مؤلّفة مِن المسلمين ، وإن كان ما فعله هو متأوّل فيه تأويلاً وافقه عليه طائفة مِن العلماء وقالوا : إنّ هؤلاء بُغاة والله تعالى أمَرَ بقتال البُغاة بقوله تعالى :( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) ، لكن نازعه أكثر العلماء كما نازع عثمان أكثرهم وقالوا : إنّ الله تعالى قال :( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) قالوا : فلم يأمر الله بقتال البغاة ابتداءاً ، بل إذا وقع قتال بين طائفتين مِن المؤمنين فقد أمر الله بالإصلاح بينهما ، وحينئذ فإن بَغَتْ إحداهما على الأُخرى قوتلت ، ولم يقع الأمر كذلك ، ولهذا قالت عائشة : ترَك الناس العمل بهذه الآية ؛ رواه مالك بإسناده المعروف عنها .

ومذهب أكثر العلماء أنّ قتال البُغاة لا يجوز ، إلاّ أن يبتدؤا الإمام بالقتال ، كما فعلَتْ الخوارج مع عليّ ، فإنّ قتاله الخوارج متّفق عليه بين العلماء ثابت بالأحاديث الصحيحة عن النبيّ ، بخلاف قتال صفين ، فإنّ أولئك لم يبتدؤا بقتال بل امتنعوا عن مبايعته ، ولهذا كان أئمّة السُنّه كمالك وأحمد وغيرهما يقولون أنّ قتاله للخوارج مأمور به .

أمّا قتال الجَمَل وصفّين فهو قتالُ فتنة ، فلو قال قوم نحن نقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ولا ندفع زكاتنا إلى الإمام ونقوم

_______________________

(١) مختصر التحفة الاثني عشرية : ١٩٦ ، الحديث الحادي عشر مِن باب الإمامة .


عليّ ، عن أبيهما ، عن عليّ بن أبي طالب : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسيّة )(١) .

وهو حديث باطل لوجوه :

الأوّل : لقد نصّ علماء القوم على بطلان القول بتحريم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المتعة يوم خيبر ، وقد تقدّم الإيماء إلى قول صاحب ( التحفة ) بأنّ هذه الدعوى تشهد بجهل وحمق مدّعيه(٢) .

الثاني : إنّ أمير المؤمِنينعليه‌السلام كان على رأس القائلين بحليّة المتعة ، قال الرازي : ( أمّا أمير المؤمِنين عليّ بن أبي طالب ، فالشيعة يَرْوون عنه إباحة المتعة ، وروى محمّد بن جرير الطبري في تفسيره عن عليّرضي‌الله‌عنه أنّه قال : لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنا إلاّ شقيّ )(٣) .

وفي ( الدر المِنثور ) بتفسير( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم... ) الآية : ( أخرج عبد الرزاق وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن الحُكم أنّه سُئل عن هذه الآية مِنسوخة ؟ قال : لا وقال عليّ : لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنا إلاّ شقيّ ) (٤) .

ورواه المتّقي كذلك عن الثلاثة(٥) .

الثالث : إنّ فتوى مالك نفسه بإباحة المتعة تكذّب هذا الحديث ، وقد ذُكرِت فتواه هذه في كُتب القوم ، نذكر بعضها :

قال المرغيناني : ( ونكاح المتعة باطل ، وهو أنْ يقول لامرأة : أتمتّع بك

_______________________

(١) الموطّأ ٢ : ٥٤٢ / ٤١ .

(٢) التحفة الاثني عشرية : ٣٠٣ .

(٣) تفسير الرازي ١٠ : ٥٠ .

(٤) الدرّ المِنثور ٢ : ٤٨٦ .

(٥) كنز العمّال ١٦ : ٥٢٢ / ٤٥٧٢٨ .


كذا مدّة بكذا مِن المال وقال مالك رحمه الله : هو جائز ، لأنّه كان مباحاً فيبقى إلى أنْ يظهر ناسخه )(١) .

وقال أبو البركات النسفي في ( كنز الدقائق ) : ( ويبطل نكاح المتعة ، خلافاً لمالك ، صورة المتعة أنْ يقول الرجل لامرأة : خذي هذه العشرة لأتمتّع بك أيّاماً وقال مالك رحمه الله : هو جائز ) .

قال الزيلعي بشرحه : ( وقال مالك هو جائز ، لأنّه كان مشروعاً ، فيبقى إلى أنْ يظهر ناسخه واشتهر عن ابن عبّاس تحليلها ، وتبعه على ذلك أكثر أصحابه مِن أهل اليمِن ومكّة ) .

وقال العيني بشرحه : ( وقال مالك هو جائز ، لأنّه كان مشروعاً ، واشتهر عن ابن عبّاس تحليله ) .

وقال أكمل الدين البابرتي بشرح الهداية :

( قال : ونكاح المتعة باطل صورة المتعة ما ذكره في الكتاب أن يقول الرجل لامرأة : أتمتّع بك كذا مدّة بكذا مِن المال ، أو يقول : خذي مِني هذه العشرة لأتمتّع بك أيّاماً ، أو متّعيني نفسك أيّاماً أو عشرة أيام ، أو لم يقل أيّاماً وهذا عندنا باطل وقال مالك رحمه الله : هو جائز ، وهو الظاهر مِن قول ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه لأنّه كان مباحاً بالاتّفاق فيبقى إلى أنْ يظهر ناسخه...

وقيل : في نسبة جواز المتعة إلى مالك نظر ، لأنّه روى الحديث في الموطّأ عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن ابني محمّد بن عليّ عن أبيهما عن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسيّة وقال في المدوّنة : ولا

_______________________

(١) الهداية في الفقه ١ : ١٩٥ .


يجوز النكاح إلى أجل قريب أو بعيد وإنْ سُمّيَ صداقاً ، وهذه المتعة .

وأقول : يجوز أن يكون شمس الأئمّة الذي أخذ مِنه المصنّف ، قد اطّلع على قولٍ له على خلاف ما في المدوّنة ، وليس كلّ مِن يروي حديثاً يكون واجب العمل ، لجواز أن يكون عنده ما يعارضه أو يرجّح عليه )(١) .

_______________________

(١) العناية في شرح الهداية ٣ : ١٤٩ ـ ١٥٠ ط على هامش فتح القدير لابن الهمام .


أبو حنيفة النعمان بن ثابت

رسالة إمام الحرَمَيْن

لقد ألَّف إمام الحرمين الجويني(١) رسالةً في ذمّ أبي حنيفة والطعن على أقواله وفتاواه ، وأسماها ( مغيث الخَلْق في اختيار الحقّ ) وقد تركتْ هذه الرسالة أثراً بالغاً في نفوس الناس ، وتحيّر الحنفيّة في علاج الأمر ، ولم يجد بعضهم بدّاً مِن إنكار الرسالة ونفي كونها لإمام الحرمين وزعم أنّها موضوعة عليه ، كالشيخ ملاّ عليّ القاري ، فإنّه كتب جواباً عنها وقال في خطبته :

( يقول أفقر عباد الله الغنيّ الباري عليّ بن سلطان الهروي القاري : رأيت رسالة مصنوعةً في ذمّ مذهب السّادة الحنفيّة ـ الذين هم قادة الأُمّة الحنفيّة وأكثر أهل الملّة الإسلاميّة ـ وموضوعة ، فيها أشياء مِن أعجب العجاب التي تشير إلى أنّ قائلها جاهل أو كذّاب ، وهي مِنسوبة إلى أبي المعالي عبد الملك ابن عبد الله بن يوسف الجويني المشهور بإمام الحرمين ، مِن أكابر علماء مذهب الشافعي ، وحسن ظنّي به أنّ أحداً مِن الخوارج أو الرافضة ـ الحاسدين لاجتماع أهل السنّة والجماعة على طريقة واحدة مشتملة على المستنبَط مِن

_______________________

(١) وهو : أبو المعالي عبد الملك الشافعي ، المتوفى سنة ٤٧٨هـ ، توجد ترجمته في : طبقات الشافعية للسبكي ٥ : ١٦٥، وفيات الأعيان ٣ : ١٦٧ ، المِنتظم ٩ : ١٨ ، سِيَر أعلام النبلاء ١٨ : ٤٦٨ .


الكتاب والسنّة وإجماع الأُمّة والقياس المعتبر عند الأئمّة ـ كَتَبَ هذه الرسالة ونسبها إليه ، ليكون سبباً لرواج بضاعته المزجاة لديه ، ووسيلة إلى مهابة العوام والجهلة في الردّ عليه ، كما يدلّ على ما قلنا ركاكة ألفاظه... ) .

إلاّ أنّ القاري تنبّه في آخر الرسالة إلى غفلته والتفت إلى سوء ظنّه وفساد توهّمه فقال :

( ثمّ أعلم أني كنت أظنّ أنّ الرسالة المصنوعة إنّما يكون على إمام الحرمين موضوعة ، لكن رأيت في بعض الكُتُب أنّه ذكرها اليافعي في كتابه مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمِن وتقلّب أحوال الإنسان ) .

أقول : وهذه نصوص ألفاظ ما جاء في ( مرآة الجنان ) في ذلك :

( وممّا ذكروا عن السلطان محمود ما هو مشهود ، ومِن فضل مذهب الشافعي معدود : ما سيأتي الآن ذكره ويعلم مِنه فضل المذهب المذكور وفخره ، قصّة عجيبة مشتملة على نادرة غريبة ، وهي ما ذكر إمام الحرمين ، فحل الفروع والأصلين ، أبو المعالي عبد الملك ابن الشيخ الإمام أبي محمّد الجويني ، في كتابه الموسوم بـ ( مغيث الخلق في اختيار الحقّ ) : إنّ السلطان محمود المذكور كان على مذهب أبي حنيفةرضي‌الله‌عنه ، وكان مولعاً بعِلم الحديث ، وكان الناس ـ أو قال : الفقهاء ـ يسمعون الحديث مِن الشيوخ بين يديه... )(١) .

قضيّة صلاة القفّال

هذا ، وقد جاء في الرسالة المذكورة بعد الكلام على فضائح أبي حنيفة

_______________________

(١) مرآة الجنان وعبرة اليقظان ٣ : ١٩ .


في مسائل الطهارة :

( جئنا إلى الصّلاة ، فوافق الشافعي الأصل الذي عليه بناء الصّلاة مِن الدعاء والخضوع والخشوع وقال : المعنى المطلوب مِن الصّلاة الخضوع والخشوع واستكانة النفس ، ومحادثة القلب بالموعظة الحسنة والحكمة البالغة ، والفكر في معاني القرآن والابتهال إلى الله سبحانه ، وأبو حنيفة لا يلزم الأصل ويخالفه حتّى طرح أركانها وشرائطها ، حتّى رجع حاصل الصّلاة إلى نقرات كنقرات الديك.

وإذا عَرَض ـ مثلاً ـ صلاته على كلّ عامّي جلف امتنع عن اتّباعه ، فإنّ مِن غمس في مستنقع نبيذ ، ولبس جلد كلب مدبوغ ، وأحرم بالصّلاة مبدّلاً بصيغة التكبير ترجمته تركياً كان أو هندياً ، ويقتصر في قراءة القرآن على ترجمة قوله( مُدْهَامَّتَانِ) ثمّ يترك الركوع فينقر نقرتين ، لا قعود بينهما ولا يقرأ التشهّد ، ثمّ يُحْدث عمداً في آخر صلاته بدل التسليم ، ولو اتّفق مِنه أن سبقه الحَدَث يعيد الوضوء في أثناء الصلاة ويُحْدث ، فإنّه إن لم يكن قاصداً لحَدَثِه الأوّل لم يتحلّل عن صلاته على الصحّة .

والذي ينبغي أن يَقطع به كلُّ ذي دين : أنّ مثل هذه الصّلاة لم يبعث الله به نبيّاً ، ولا بعث محمّد بن عبد الله المصطفى ( صلوات الله وسلامه عليه ) لدعاء الناس إليه ، وهي قطب الإسلام وعماد الدين ، وقد زعم أنّ هذا القدر أقلّ الواجب ، وهي الصّلاة التي بعث بها النبيّ ( عليه الصّلاة والسلام ) ، وما عداها آداب وسُنن .

ويحكى أنّ السلطان يمين الدولة وأمين الملّة أبا القاسم محمود بن سبكتكين ، كان على مذهب أبي حنيفة ، وكان مولعاً بعلم الحديث ، وكان ندماؤه وجلساؤه يسمعون الحديث مِن الشيوخ بين يديه وهو يسمع ، وكان


يستفسر الأحاديث ، فوجد الأحاديث أكثرها موافقاً لمذهب الشافعي ، فوقع في خَلَدِه حبّه ، فجمع الفقهاء مِن الفريقين في المرو والتمس مِنهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر، فوقع الاتّفاق على أن يصلّوا بين يديه ركعتين على مذهب الشافعي وركعتين على مذهب أبي حنيفة ، لينظر فيه السلطان ويتفكر فيه ويختار ما هو أحسن .

فصلّى القفّال المروزي مِن أصحاب الشافعي بطهارة مسبغة وشرائط معتبرة مِن الطهارة والسَتر واستقبال القبلة ، وأتى بالأركان والهيئات والسُنن والآداب والفرائض على وجه الكمال والتمام ، وكان صلاة لا يجوّز الشافعي دونها .

ثمّ صلّى ركعتين على ما يجوّز أبو حنيفة ، فلبس جلد كلب مدبوغ ولطخ ربعه بالنجاسة ، وتوضّأ بنبيذ التمر ، وكان في صميم الصيف بالمفازة ، فاجتمع عليه الذباب والبعوض ، وكان وضوءه معكوساً مِنكوساً ، ثمّ استقبل القبلة وأحرم بالصلاة مِن غير نيّة ، وأتى بالتكبير بالفارسيّة ، ثمّ قرأ آية بالفارسيّة ( دو برك سبز ) ثمّ نقر نقرتين كنقرات الديك ، مِن غير فصلٍ ومِن غير ركوع ، وتشهّد وضرط في آخره مِن غير سلام .

وقال : أيّها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة .

فقال السلطان : إن لم تكن هذه صلاة أبي حنيفة لقتلتك ؛ لأنّ مثل هذه الصلاة لا يجوّزها ذو دين .

وأنكرت الحنفيّة أن يكون هذه صلاة أبي حنيفة .

وأمر القفّال بإحضار كُتُب العراقيّين .

وأمر السلطان نصرانيّاً كاتباً يقرأ المذهبين جميعاً .


فوجدت الصّلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفّال

فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة وتمسّك بمذهب الشافعيّ .

ولو عرضت الصلاة التي جوّزها أبو حنفية على العاميّ لامتنع مِن قبولها ) .

وكذلك جاء في كتاب ( السيف المسلول في ضَرْب القتال والمقفول) ، فإنّه وإنْ حاول صاحبه في بدء الأمر تكذيب القصّة ، لكنّه اضطرّ إلى الإقرار بثبوتها ، وهذه عباراته :

( يقول أضعف عباد الله القويّ علم الله بن عبد الرزاق الحنفي أصلح الله حاله وحقّق آماله : كنت أسمع مِن أفواه الرجال قصّة المروزي القفّال مع السلطان محمود الغزنوي المغتال ، في تحويله بالشعبذة والاحتيال وتنقيله عمّا كان عليه مِن سنيّ الأحوال ، مِن مذهب الإمام أبي حنيفة الأعظم إلى مذهب الإمام محمّد بن إدريس المحترم ، ولمّا كانت القصّة مشتملة على قبايح شنيعة وشنائع فظيعة لا تليق به ، بل يستحيل أن تصدر عمِن له حظّ قليل مِن الأخلاق الرضيّة والآداب المرضيّة ، بل مِن له أدنى رائحة مِن طيب الإسلام فضلاً عمِن يعدّه جمع مِن العلماء الأعلام ، كنتُ كذّبتها وما صدّقتها وخطّأتها وما صوّبتها

وقلت : حاشاه حاشاه ! أين هذا وأين علمه وتقواه ، مطهّر جنابه مِن هذه الأنجاس ، مِنزّه لسانه عن لوث هذه الأدناس ، شأنه أجلّ مِن أن يكون معروفاً بهذي الفضائح ومشهوراً بتلك القبائح ، مِن البطالات المزخرفة والخرافات المستطرفة ، وأُضحوكات المضحكة ومهملات المتمسخرة ، وتكلّمات المجانين وحكايات المغمورين ، وخطابات المسحورين وهذيانات المحمومين ، هزل لا فصل ، جهل لا فضل ، وكنت على ذلك برهة مِن الزمِن


ومدّة مِن الأكوان ) .

ثمّ قال بعد هذا كلّه :

( حتّى وقفت على تاريخ اليافعي مِن أعيان مقلّدي الشافعي ، فرأيته قد ذكر القصّة على ما شاعت في الخافقين ، نقلاً عن الكتاب المسمّى بمغيث الخلْق لإمام الحرمين ، فظهر أنّ القصّة واقعة وأنّ الحكاية على ما هي شائعة ، ليس في صدقها ريب ولا فيها مِن الافتراء شَوْب ، فلمّا عرفت أنّ هذا اليقين لا يُستراب زدتُّ تحيّراً وقلت : إنّ هذا لشيءٌ عجابٌ ، وأعجب مِن هذا ، أنّ هؤلاء الذين عدّوا أجلاّء الشافعيّة عظماء ، ذكروا القصّة تبجّحاً وافتخاراً ، وأوردوا الحكاية تبهّجاً وابتشاراً، كما يدلّ على ذلك عباراتهم ويجلو ما هنالك إشاراتهم ) .

ترجمة القفّال المروزي

هذا ، وإليك طرفاً مِن ترجمة أبي بكر القفّال ، المتوفى سنة ٤١٧هـ ، وفضائله ومحامده في كُتب تراجم الرجال والتاريخ : فقد قال ابن خلّكان في ( وفيات الأعيان) :

( أبو بكر عبد الله بن أحمد بن عبد الله الفقيه الشافعي المعروف بالقفّال المروزي ، كان وحيد زمِنه فقهاً وحفظاً ، وورعاً وزهداً ، له في مذهب الإمام الشافعي مِن الآثار ما ليس لغيره مِن أبناء عصره ، وتخاريجه كلّها جيّدة وإلزاماته لازمة ، واشتغل عليه خلْق كثير وانتفعوا به ، مِنهم الشيخ أبو عليّ السبخي والقاضي حسين بن محمّد ـ وقد تقدّم ذكرهما ـ والشّيخ أبو محمّد الجويني والد إمام الحرمين ، وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى وغيرهم ، وكلّ واحد مِن


هؤلاء صار إماماً يشار إليه ، ولهم التصانيف النافعة ونشروا علمه في البلاد ، وأخذ عنهم أئمّة كبار أيضاً )(١) .

وقال ابن جماعة في ( طبقات فقهاء الشافعية ) :

( عبد الله بن أحمد بن عبد الله المروزي ، الإمام الجليل ، أبو بكر القفّال الصغير ، شيخ طريقة خراسان ، وإنّما قيل له القفّال لأنّه كان يعمل الأقفال في ابتداء أمره ، وبرع في صناعتها حتّى صنع قفلاً بالآلة ومفتاحه وزن أربع حبّات ، فلمّا كان ابن ثلاثين سنة أحسّ مِن نفسه ذكاء فأقبل على الفقه ، فاشتغل به على الشيخ أبي زيد وغيره ، فصار إماما يُقتدى به فيه ، وتفقّه عليه خلْق مِن أهل خراسان ، وسمع الحديث ، وحدّث وأملى .

قال الفقيه ناصر العمري : لم يكن في زمِن أبي بكرالقفّال أفقه مِنه ، ولا يكون بعده مثله ، وكنّا نقول : إنّه مَلَك في صورة إنسان .

وقال الحافظ أبو بكر السمعاني في أماليه : أبو بكر القفّال وحيد زمِنه فقهاً وحفظاً وورعاً وزهداً ، وله في المذاهب مِن الآثار ما ليس لغيره مِن أهل عصره ، وطريقته المهذّبة في مذهب الشافعي التي حملها عنه أصحابه أمتن طريقة وأكثرها تحقيقاً، رحل إليه الفقهاء مِن البلاد وتخرّج به أئمّة )(٢) .

وقال اليافعي في ( مرآة الجنان ) :

( الإمام أبو بكر القفّال المروزي ، عبد الله بن أحمد شيخ الشافعية بخراسان ، حذق في صنعته حتّى عمل قفلاً بمفتاحه وزن أربع حبّات ، فلمّا صار ابن ثلاثين سنة ، أحسّ بنفسه ذكاءً وحبّب الله إليه الفقه ، فاشتغل به فشرع

_______________________

(١) وفيات الأعيان ٣ : ٤٦ / ٣٣١ .

(٢) طبقات الشافعية لابن جماعة ، وانظر : لابن قاضي شهبة ١ : ١٨٦ برقم ١٤٤ .


فيه ، وهو صاحب طريقة الخراسانيّين في الفقه ، عاش تسعين سنة .

قال ناصر العمري : لم يكن في زمِنه أفقه مِنه ولا يكون بعده ، كنّا نقول : إنّه مَلَك في صورة آدمي .

قلت : وهو القفّال المتقدّم ذكره مع السلطان محمود الملقّب بيمين الدولة وأمين الملّة ابن ناصر الدين سبكتكين ، وله ذِكر في صلاته على مذهب الشافعي فقهاً والمجزية على مذهب أبي حنيفة القصّة المتقدّم ذكرها في سنة عشرة وأربعمائة .

قالوا : وكان وحيد زمِنه فقهاً وحفظاً وورعاً وزهداً ، واشتغل عليه خلْق كثير مِنهم الأئمّة الكبار : القاري حسين والشيخ أبو محمّد الجويني وابنه إمام الحرمين والشيخ أبو عليّ السنجي وغيرهم ، وكلّ واحد مِن هؤلاء صار إماماً يشار إليه ، ولهم التصانيف النافعة ، وأخذ عنهم أئمّة كبار أيضاً )(١) .

وإليك كلمات الشيخ عليّ القاري في الطعن والذم لهذا الفقيه الكبير...

( ثمّ رأيت بعض أصحابنا إنّه أفاد في هذه الحكاية ما أجاد حيث قال : وما أقبح صلاة هذا المصلّي وأشنعها وما أسوء ضرطته وأفظعها ، لقد لبس ثوب الخلاعة وارتدى برداء الشناعة ، وأصمّ بضرطته الأسماع ، وأتى بما تنفر عنه الطباع ، وفَعَل فِعْل السفلة الخفاف ، واستخفّ بالدين غاية الاستخفاف ، فضلّ به عن سواء الصراط ، والتحق بالأراذل والأسقاط بصلاته هذه وختمها بالضراط .

لقد ساعدته أُسْتُه كلّ المساعدة ، وباعدته عن الحياء والدين كلّ المباعدة ؛ أمّا عن الدين فظاهر لأرباب اليقين ، لأنّه تعمّد الحدَث في حال

_______________________

(١) مرآة الجنان وعبرة اليقظان ٣ : ٢٤ حوادث السنة ٤١٧ هـ .


مِناجاته لربّ العالمين ، وأمّا عن الحياء فذلك شيء لا ينكره أحد مِن العقلاء ، فواعجباه ! كيف أقْدَم هذا الذي يُنسب إلى العِلم على هذا الفعل القبيح بحضرة جماعة مِنهم السلطان ، فصيّر نفسه ضحكة لأهل الزمِن بأمر الشيطان .

ثمّ مع هذا ظنّ أنّ ضرطته هذه لله نافعة وإنّما هي له عن رتبة العقلاء واضعة ، إذ لو فعل مثل ذلك أحد مِن العوام لقيل إنّه ملحد مستخفّ بالإسلام ، بل مِن ترك الصلاة رأساً أهون في مقام القبائح مِن هذه السيّئة المشتملة على الفضائح ، إذ هي الشناعة العظمى والداهية الدهياء .

وإنّما حمله على ذلك اتّباع الهوى لأجل أغراض الدنيا ، فليته حين مات مات فعله هذا معه ولم يُذكر ، ولم يُكتب في الدفاتر ولم يُسطر ، لكنّه أُثبت في التواريخ واُشتهر ، وتشدّق به مِن لا خَلاق له وافتخر ، فلو عرفوا ما فيه مِن أنّ الشناعة راجعة إليهم لما ذكروا مثل هذا فيما لديهم ، ولكن كما قال سبحانه:( أَفَمِن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مِن يَشَاءُ ويَهْدي مِن يَشاء ) فنعوذ بالله مِن شرور أنفسنا ومِن سيّئات أعمالنا ، ونستغفره مِن زللٍ في أقلمِنا وخطْلٍ في أقوالنا ) .

ثمّ إنّ فتاوى أبي حنيفة في أحكام الصّلاة هذه التي حكاها القفّال ، مذكورة في سائر الكُتب أيضاً ، فالسيوطي مثلاً يقول في رسالته ( جزيل المواهب في اختلاف المذاهب) في بيان فضائل مذهب الشافعي :

( ومِنها : كثرة الاحتياط في مذهبه وقلّته في مذهب غيره ، فمِن ذلك الاحتياط في العبادات وأعظمها شأناً الصلاة ، ومِن أدّى صلاته على مذهب الشافعي كان على يقين مِن صحّتها ، ومِن أدّاها على مذهب مخالفه وقع الخلاف في صحّة صلاته مِن وجوه : إجازتهم الوضوء بنبيذ التمر ، وتطهير


البدن والثوب عن النجاسات بالمايعات ، وأجازوا الصلاة في جلد الكلب المذبوح مِن غير دِباغ ، وأجازوا الوضوء بغير نيّة ولا ترتيب وأسقطوه في مسّ الفرج والملامسة ، وأجازوا الصّلاة على ذَرْق الحَمام ومع قدر الدرهم مِن النجاسات الجامدة ، وتلطّخ ربع الثوب مِن البول ومع كشف بعض العورة ، وأبطلوا تعيين التكبير والقراءة ، وأجازوا القرآن مِنكوساً ، وبالفارسيّة ، وأسقطوا وجوب الطّمِنينة في الركوع والسجود والاعتدال مِن الركوع والقعود بين السجدتين ، والتشهّد والصلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الصلاة ، مع الخروج عنها بالحَدَث .

وأبطلنا نحن الصّلاة في هذه الوجوه ، وأوجبنا الإعادة على مِن صلّى خلف واحد مِن هؤلاء ) .

وابن تيمية الذي له الباع الطويل في تكذيب الحقائق وإنكار الثوابت ، قد نصَّ على صحّة ما نُسب إلى أبي حنيفة ، وأنّ هذه الصلاة يُنكرها جمهور أهل السُنّة ، ففي ( مِنهاج السنة ) :

( وأمّا ما ذكره مِن الصلاة التي يُجيزُها أبو حنيفة وفعلها عند بعض الملوك حتّى رجع عن مذهبه ، فليس بحجّة على فساد مذهب أهل السُنّة ؛ لأنّ أهل السُنّة يقولون إنّ الحقّ لا يخرج عنهم ، لا يقولون إنّه لا يخطي أحد مِنهم ، وهذه الصّلاة يُنكرها جمهور أهل السنّة ، كمالك والشافعي وأحمد ، والملك الذي ذكره هو محمود بن سبكتكين ، وإنّما رجع إلى ما ظهر عنده أنّه مِن سُنّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان مِن خيار الملوك وأعدلهم ، وكان مِن أشدّ الناس قياماً على أهل البدع لا سيّما الرافضة )(١) .

_______________________

(١) مِنهاج السُنّة ٣ : ٤٣٠ .


بين الشافعي وتلامذة أبي حنيفة

ولو أنّ أحداً مِن الحنفيّة جوّز لنفسه الطعن والتشنيع على هؤلاء الأئمّة والتكذيب لهم ، فليس له أن يُقدِم على تكذيب الشافعيّ نفسه ، لأنّه أحد أركان الدين عند أهل السنّة كلّهم ، وقد جاء في غير واحدٍ مِن الكُتب طعن الشافعي على أبي حنيفة وأصحابه وفتاواه ، فالسبكي يروي في ( طبقات الشافعية ) عن إمامه الشافعي أنّه قال :

 ( كَتب مطرف بن مازن إلى هارون الرشيد : إنّ أردت اليمِن لا يفسد عليك ولا يخرج مِن يديك ، فأخرج عنه محمّد بن إدريس ـ وذكر أقواماً مِن الطالبيّين ـ قال : فبعث إليَّ حمّاد البربري ، فأُوثِقْتُ بالحديد حتّى قَدِمِنا على هارون بالرقّة قال : دخلت على هارون قال : فأُخرجت مِن عنده قال : وقدمتُ ومعي خمسون ديناراً قال : ومحمّد بن الحسن يومئذ بالرقّة قال : فأنفقت تلك الخمسين ديناراً على كُتبهم قال : فوجدت مَثَلهم ومَثَل كتبهم مَثَل رجل كان عندنا يقال له فروخ وكان يحمل الدهن في زقّ له ، فكان إذا قيل له عندك فرستان ؟ قال : نعم فإن قيل عندك زنبق ؟ قال : نعم ، فإذا قيل له : أرني ـ وللزقّ رؤوس كثيرة ـ فيخرج مِن تلك الرؤوس وإنّما هي مِن واحدة ، وكذلك وجدت كتاب أبي حنيفة ، إنّما يقولون كتاب الله وسنّة نبيّهعليه‌السلام ، وإنّما هم مخالفون له )(١) .

قال السبكي :

( قال ـ أي الشافعي ـ : فسمعت ما لاأُحصيه محمّد بن الحسن يقول : إن

_______________________

(١) طبقات الشافعية ٢ : ١٢١ ـ ١٢٢ مع اختلافٍ يسير .


بواجبات الإسلام ، لم يجُزْ للإمام قتالهم عند أكثر العلماء كأبي حنيفة وأحمد ، وأبو بكر الصدّيق إنّما قاتل مانعي الزكاة لأنّهم امتنعوا مِن أدائها مطلقاً ، وإلاّ فلو قالوا نحن نؤتيها بأيدينا ولا ندفعها إلى أبي بكر ، لم يجُزْ قتالهم عند الأكثرين كأبي حنيفة .

ولهذا كان علماء الأمصار على أنّ القتال كان قتال فتنة ، وكان مَن قعد عنه أفضل ممّن قاتل فيه ، وهذا مذهب مالك وأحمد بن حنبل والأوزاعي بل الثوري ، وكذلك نُقل عن أبي حنيفة ومَن لا يُحصى عدده )(١) .

وقال ابن تيمية : ( اضطرب الناس في خلافة عليّ على أقوال :

فقالت طائفة : إنّه إمام وإنّ معاوية إمام ، وإنّه يجوز نصب إمامين في وقت إذا لم يكن الاجتماع على إمامٍ واحد ، وهذا يُحكى عن الكرامية وغيرهم .

وقالت طائفة : لم يكن في ذلك الزمان إمام بل كان زمان فتنة ، وهذا قول طائفة مِن أهل الحديث البصريّين وغيرهم ، ولهذا لمّا أظهر الإمام أحمد التربيع بعليٍّ في الخلافة وقال : مَن لم يربّع بعليٍّ في الخلافة فهو أضلّ مِن حمار أهله ، أنكر ذلك طائفة مِن هؤلاء وقالوا : قد أنكر خلافته مَن لا يقال هو أضلّ مِن حمار أهله ، يريدون مَن تخلّف عنها مِن الصحابة ، واحتجّ أحمد وغيره على خلافة عليّ بحديث سفينة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : تكون خلافة النبوّة ثلاثين سنة ثمّ تصير مِلكاً ، وهذا الحديث قد رواه أهل السُنن كأبي داود وغيره .

وقالت طائفة ثالثة : بل هو الإمام ، وهو مصيب في قتاله لمَن قاتله ،

_______________________

(١) منهاج السُنّة ٤ : ٤٣٦ ـ ٤٣٧ .


وكذلك مَن قاتله مِن الصحابة كطلحة والزبير ، كلّهم مجتهدون ومصيبون ، وهذا قول مَن يقول كلّ مجتهدٍ مصيب ، كقول البصريّين مِن المعتزلة ، أبي الهذيل وأبي علي وأبي هاشم ومَن وافقهم مِن الأشعريّة كالقاضي أبي بكر وأبي حامد وهو المشهور عن أبي الحسن الأشعري ، وهؤلاء أيضاً يجعلون معاوية مجتهداً مصيباً في قتاله كما أنّ عليّاً مصيب .

وهذا قول طائفة مِن الفقهاء مِن أصحاب أحمد وغيرهم ، ذكره أبو عبد الله ابن حامد ، ذكر لأصحاب أحمد في المقاتلين يوم الجمل وصفّين ثلاثة أوجه : أحدهما : كِلاهما مصيب ، والثاني : المصيب واحد لا بعينه ، والثالث : أنّ عليّاً هو المصيب ومَن خالفه مخطئ .

والمنصوص عن أحمد وأئمّة السُنّة أنّه لا يذمّ أحد منهم ، وأنّ عليّاً أولى بالحقّ مِن غيره ، أمّا تصويب القتال فليس هو قول أئمّة السنّة ، بل هو يقولون إنّ ترْكه كان أولى .

وطائفة رابعة : تجعل عليّاً هو الإمام ، وكان مجتهداً مصيباً في القتال ، ومَن قاتله كانوا مجتهدين مخطئين ، وهذا قول كثير مِن أهل الكلام والرأي مِن أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم .

وطائفة خامسة تقول : إنّ عليّاً مع كونه خليفة وهو أقرب إلى الحقّ مِن معاوية ، فكان تَرْك القتال أَوْلى وينبغي الإمساك عن القتال لهؤلاء وهؤلاء ، فإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ستكون فتنة ، القاعد فيها خيرٌ مِن القائم ، والقائم خير مِن الساعي ، وقد ثبت أنّه قال للحسن : إنّ ابني هذا سيّد وسيُصلح الله به بين فئتين عظيمتين مِن المؤمنين ، فأثنى على الحسن بالإصلاح ، ولو كان القتال واجباً أو مستحبّاً لما مدح تاركه قالوا : وقتال البغاة لم يأمر الله به ولم يأمر بقتال باغٍ بل قال :


( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) فأمر إذا اقْتَتَل المسلمون ؛ بالإصلاح بينهم فإن بغت إحداهما قوتلت قالوا : ولهذا لم يحصل بالقتال مصلحة ، والأمر الذي يأمر الله به لابدّ أن يكون مصلحة راجحة على مفسدته .

وفي سُنن أبي داود : حدّثنا الحسن بن علي ، ثنا يزيد ، ثنا هشام عن محمّد ـ يعني ابن سيرين ـ قال : قال حذيفة : ما أحد مِن الناس تُدركه الفتنة إلاّ أنا أخافها عليه إلاّ محمّد بن مسلمة ، فإنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : لا تضرّك الفتنة .

قال أبو داود : حدّثنا عمرو بن مرزوق ، ثنا شعبة عن الأعمش بن سليم ، عن أبي بردة عن ثعلبة بن ضبيعة قال : دخلت على حذيفة فقال : إنّي أعرف رجلاً لا تضرّه الفتن شيئاً ، فخرجنا فإذا فسطاط مضروب فإذا فيه محمّد بن مسلمة ، فسألناه عن ذلك ، فقال : ما أُريد أن يشتمل علي شيء مِن أمصاركم حتّى تنجلي عمّا انجلت .

فهذا الحديث يُبيّن أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخبر أنّ محمّد بن مسلمة لا تضرّه الفتنة ، وهو ممّن اعتزل في القتال فلم يقاتل لا مع عليٍّ ولا مع معاوية ، كما اعتزل سعد بن أبي وقّاص وأُسامة بن زيد وعبد الله بن عمر وأبو بكرة وعمران بن حُصَيْن وأكثر السابقين الأوّلين ، وهذا يدلّ على أنّه ليس هناك قتال واجب ولا مستحب .

إذ لو كان كذلك لم يكن ترْك ذلك ممّا يُمدح به الرجل بل كان مِن فِعْل الواجب ، وفاعل الواجب أفضل ممّن تركه ، ودلّ ذلك على أنّ القتال قتال فتنة كما ثبت في الصحيح عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : ستكون فتنة القاعد فيها خيرٌ مِن القائم ، والقائم فيها خيرٌ مِن


الماشي ، والماشي خيرٌ مِن الساعي ، والساعي خيرٌ مِن المرضع ، وأمثال ذلك مِن الأحاديث الصحيحة تبيّن أنّ ترك القتال كان خيراً مِن فعله مِن الجانبين .

وعلى هذا جمهور أئمّة أهل الحديث والسُنّة ، وهو مذهب مالك والثوري وأحمد وغيرهم ، وهذه أقوال مَن يُحسن القول في عليّ وطلحة والزبير ومعاوية )(١) .

فأيّ ريبٍ وشك يبقى في ضلال مالك وهلاكه بعد هذا ؟ لا سيّما بالنظر إلى كلام الفخر الرازي في أنّ مَن تكلّم في الشّافعي فقد آذى الله ورسوله واستحقّ اللّعن ، وذلك ليس إلاّ لكونه قرشيّاً ، فكيف بمَن تكلّم في عليٍّ أمير المؤمنين ، الذي هو بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سيّد قريش وبني هاشم ، وهو سيّد الوصيّين ؟!

أللّهمّ إلاّ أنْ يكون ابن تيميّة كاذباً في نسبة تلك الأقوال إلى مالك !!

كان لا يروي عن الإمام الصادق حتّى يضمّه إلى أحد !

ومِن ذلك : ما ذكره الذهبي قال : ( قال مصعب بن عبد الله عن الدراوردي قال : لم يَرْوِ مالك عن جعفر حتّى ظهر أمْرُ بني العبّاس قال مصعب بن عبد الله : كان مالك لا يروي عن جعفر حتّى يضمّه إلى أحد )(٢) .

وكفى طعناً في مالك وكتابه ورواياته أن يكون هذا رأيه في الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام ؟ وكيف يكون القادح في الإمام الصادق ، ثقةً ؟

وعلى الجملة ، فهذا حال مالك وديانته وثقته وأمانته !!

_______________________

 (١) منهاج السنّة ٤ : ٤٣٧ .

(٢) ميزان الاعتدال ٢ : ١٤٤ / ١٥٢١ .


مِن الأباطيل والموضوعات في المُوَطّأ

وكيف يُطمئنّ بروايات مَن هذا حاله وبكتابه ؟! وكيف يُقال بصحّة كتابٍ رُبع رواياته ـ تقريباً ـ عن هشام بن عروة الذي قال مالك عنه : ( كذّاب ) كما تقدّم ؟!

بل لقد ذكر الغزالي أنّه ( كان أحمد بن حنبل يُنْكِر على مالك في تصنيفه الموَطّأ ويقول : ابتدع ما لم يفعلْه الصحابة )(١) .

وفي هذا الكتاب أباطيل وموضوعات كثيرة ، نكتفي بإيراد بعضها :

حديث لا نورّث

( فمنها ) حديثه : ( عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة : ( إنّ أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين تُوفيَ رسول الله أردْنَ أن يبعثْنَ عثمان ابن عفّان إلى أبي بكر الصدّيق فيسألْنَه ميراثهنّ مِن رسول الله فقالت لهنّ عائشة : أليس قد قال رسول الله : لانوّرث ما تركناه صدقة )(٢) .

فقد تقدّم سابقاً : أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام كذّب هذا الحديث ، وكيف يُصدّق ما كذّبه عليّ ؟

على أنّ أبا بكرٍ نفسه أيضاً يُكذّبه ، فقد جاء في الأحاديث الصحيحة

_______________________

 (١) إحياء علوم الدين ١ : ٧٩ .

(٢) الموطّأ ٢ : ٩٩٣ / ٢٧ .


تصريحه بأنّ الوارث لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أهلُه وليس غيرهم :

أخرج أحمد بإسناده عن أبي الطفيل قال : (لمّا قُبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أرسلَتْ فاطمة إلى أبي بكر : أنت ورِثْتَ رسول الله أم أهله ؟ قال : فقال : لا بل أهله قالت : فأين سهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال : فقال أبو بكر : إنّي سمعت رسول الله... )(١) .

وقد رواه المتّقي عن جماعة مِن الأئمّة : أحمد في المسند ، وأبي داود ، وابن جرير والبيهقي(٢) .

والمحبّ الطبري تحت عنوان ( ذكر اقتفائه آثار النبوّة واتّباعه إيّاها )(٣) .

فهذا الحديث صريحٌ في أنّه كان يرى أنّ لرسول الله إرثاً ووارثاً .

بل لقد رُوي أنّه لمّا قالت له ذلك نزل عن المنبر وكتب لها كتاباً بفَدَك...

قال سبط ابن الجوزي : ( قال علي بن الحسين ( رضي الله عنهما ) : جاءت فاطمة بنت رسول الله إلى أبي بكر ـ وهو على المنبر ـ فقالت : يا أبا بكر ، أفي كتاب الله أن تَرِثُك ابنتك ولا أرِثُ أبي ؟ فاستعبر أبو بكر باكياً ثمّ قال : يا بأبي أنتِ ، ثمّ نزل فكتب لها بفَدَك ودخل عليه عمر فقال : ما هذا ؟ فقال : كتاب كتبتُه لفاطمة ميراثها مِن أبيها قال : فماذا تُنْفِق على المسلمين وقد حاربَتْك العرب كما ترى ؟ ثمّ أخذ عمر الكتاب فشقّه )(٤) .

فظهر أنّ الحديث المذكور كِذْبٌ مفترى .

_______________________

 (١) مسند أحمد ١ : ٩ / ١٥ .

(٢) كنز العمّال ٥ : ٦٠٤ / ١٤٠٦٩، وورد بنحوه في مواضع عدّة .

(٣) الرياض النضرة ١ : ١٩٠ .

(٤) مرآة الزمان ، ورواه عن سبط ابن الجوزي : نور الدين الحلبي في السّيرة النبوية ٣ : ٤٨٨ : باب يذكر فيه مدّة مرضه وما وقع فيه ووفاته .


حديث ولاء بريرة

( ومنها ) الحديث : ( مالك : عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة زَوْج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّها قالت : جاءت بريرة فقالت : إنّي كاتبْتُ أهلي على تسع أواق في كلّ عام أوقيّة فأعينيني ،فقالت عائشة : إن أحبَّ أهلكِ أن أُعدُّها لهم عنك عددتها ، ويكون لي ولاؤك ، فعلتُ فذهبت بريرة إلى أهلها ، فقالت ذلك لهم ، فأبَوْا عليها ، فجاءت مِن عند أهلها ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جالس ، فقالت لعائشة : إنّي قد عرضتُ عليهم ذلك فأبَوْا عليّ ، إلاّ أنْ يكون الولاء لهم ، فسمع ذلك رسول الله ، فسألها فأخبرَتْه عائشة ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خُذيها واشترطي لهم الولاء ، فإنّما الولاء لمَن أعتق... )(١) .

وقد أنكر هذا الحديث بعض العلماء :

منهم : قاضي قُضاتهم يحيى بن أكثم ، فقد جاء بشرحه في ( عمدة القاري ) : ( الموضع الثاني : قوله عليه الصلاة والسلام : اشتريها... إلى آخره مُشكِل ، مِن حيث الشراء وشرط الولاء لهم ، وإفساد البيع بهذا الشرط ومخادعة البايعين ، وشرط ما لا يصحّ لهم ولا يحصل لهم ، وكيفيّة الإذن لعائشة ولهذا الإشكال ؛ أنْكَر بعض العلماء هذا الحديث بجملته ، وهذا منقول عن يحيى بن أكثم... )(٢) .

ومنهم : الشافعي ، قال ابن حجر في ( الفتح ) : ( واستشكل صدور الإذن

_______________________

 (١) الموطّأ ٢ : ٧٨٠ / ١٧ .

(٢) عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ١٣ : ١٢٢ .


منه في البيع على شرط فاسد واختلف العلماء في ذلك ، فمنهم مَن أنكر الشرط في الحديث ، فروى الخطّابي في المعالم بسنده إلى يحيى بن أكثم أنّه أنكر ذلك ، وعن الشافعي في الأُم الإشارة إلى تضعيف رواية هشام المصرّحة بالاشتراط ؛ لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه ، وروايات غيره قابلة للتأويل... )(١) .

حديث انتقاض الوضوء بمسّ الذَكَر

( ومنها ) حديثه في انتقاض الوضوء بمسّ الذَكَر ، الذي أبطله كبار علماء القوم ، وهو : ( مالك : عن عبد الله بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم : أنّه سمع عروة بن الزبير يقول : دخلت على مروان بن الحكم ، فتذاكرنا ما يكون منه الوضوء ، فقال مروان : ومَن مسّ الذَكَر الوضوء فقال عروة : ما علمتُ هذا ، فقال مروان : أخبرتني بسرة بنت صفوان أنّها سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : إذا مسّ أحدُكم ذَكَره فليتوضّأ )(٢) .

فهذا الحديث ردّوه بوجوه عقلية ونقليّة كثيرة ، وأقاموا البراهين الجليّة على كذبه وبطلانه ، بل لم يستدل به القائلون بهذا القول أيضاً ، لكون راويه مروان بن الحكم الفاسق الفاجر .

وقال الشيخ عبد العليّ الأنصاري في ( الأركان الأربعة ) :

(ولا ينقض مسُّ الذَكَرِ الوضوءَ عندنا ، وقال الإمام الشافعي : وإن مسّ بلا حائل ينقض ، وكذا عند الإمام مالك وقال الإمام أحمد في رواية : ينقض مسّ

_______________________

 (١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٥ : ١٤٤ ـ ١٤٥ .

(٢) الموطّأ ١ : ٤٢ / ٥٨ .


الرجل ذَكَرَه ودُبُرَه ومسّ المرأة فَرْجَها .

وحجّتهم ما روى الإمام الشافعي عن أبي هريرة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذَكَره ليس بينه وبينها حجاب فليتوضّأ قال في فتح القدير : إسناده مضعّف .

وبما روى النسائي عن بسرة بنت صفوان أنّها قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مَن مسّ ذَكَره فليتوضّأ .

وتحقيق حال هذا الحديث : قال مشايخنا في أُصول الفقه : إنّ مسّ الذَكَر ممّا يتكرّر به البلوى ويبتلي به كلّ أحد مِن الرجال، ولم يطّلع عليه أحد مِن الرجال مع حاجتهم إلى معرفة حُكْم مسّ الذَكَر ، واطّلعت عليه امرأة غير محتاجة إلى معرفة حُكْم مسّ الذَكر ، وهذا في غاية البعد .

وقد قال الطحاوي : ولا نعلم أحداً مِن الصحابة أفتى بوجوب الوضوء مِن مسّ الذَكر إلاّ ابن عمر ، ولم يتمسّك هو أيضاً بهذا الحديث .

وقال في فتح القدير : وقد ثبت عن أمير المؤمنين عليّ وعمّار وابن مسعود وحذيفة وعمران بن الحصين وأبي الدرداء وسعد بن أبي وقاص رضوان الله عليهم ، أنّهم لا يرون النقض منه ، ولو كان هذا الحديث ثابتاً لكان لهم معرفة بذلك ؛ والقائلون بنقض الوضوء مِن مسّ الذَكر لم يستدلّوا بذاك الحديث .

ولم يقل أحد إنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وروى مَن روى عن بسرة ، ويبعد كلّ البعد أن يُلقي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حُكْماً إلى مَن لا يحتاج إليه ولا يُلقي إلى مَن يحتاج إليه ، فعلم أنّ فيه انقطاعاً باطناً والحديث غير صحيح .

ثمّ يُنظر في سنده ، فروى الإمام مالك في الموطّأ عن محمّد بن عمرو


ابن حزم قال : سمعت عروة يقول : دخلت على مروان فتذاكرنا ما يكون فيه الوضوء فقال مروان : مَن مسّ الذَكر فليتوضّأ فقال عروة : ما علمت هذا فقال : أخبرتْني بسرة بنت صفوان أنّها سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : إذا مسّ أحدُكم ذكَره فليتوضّأ .

وأخرج أبو داود والترمذي رواية الموطّأ وللنسائي نحوه وفيه : وقال عروة ولم أزلْ أُماري مروان حتّى دعى رجلاً مِن حرسه ، فأرسل إلى بسرة وسألها عمّا حدّثت مِن ذلك ، فأرسلت إليه بسرة مثل الذي حدّثني عنها مروان ، كذا في جامع الأُصول .

فقد علم مِن ذلك أنّ عروة لم يسمع مِن بسرة ، إنّما سمع مِن شرطي مروان ، والشرطي مجهول لا يقوم روايته حجّة .

وأمّا مروان ، وإن قبله جماعة مِن المحدّثين وكتبوا روايته في صحاحهم ومسانيدهم ، لكن مروان ـ في الإنصاف ـ لم يكن قابلاً لقبول شهادته وروايته ، وقد تواتر عنه أفعال أعاذنا الله عنها وجميع المسلمين ، وإنّه قد احتال حِيَلاً ومكراً عظيماً في خلافة أمير المؤمنين عثمان وهو غير شاعر ، حتّى انجرّ إلى أنّ الأشقياء قتلوه ، فقتل شهيداً مظلوماً .

ثمّ هو كان شريكاً للذين جاءوا لتخريب المدينة في زمان يزيد الشقيّ ، حتّى أعانهم وغدر هو وغدروا بأهل المدينة وفعلوا ما فعلوا ، فإن كان عنده هذا الصُنع حراماً ـ كما هو في الواقع ـ فهو فاسق معلن ؛ فلا تُقبل روايته بل لا يُكتب حديثه ، وإن كان يزعم هذا الصُنع مباحاً لشبهة عرضت له كشبهة الخوارج ؛ فهو مِن أهل الأهواء ، ثمّ كان هو داعياً إلى هذا الصُنع فهو مبتدع داع إلى بدعته ، ورواية المبتدع الداعي إلى بدعته غير مقبول ولا صالح للكتابة


بالإجماع ، ثمّ ملاحظة هذه القصّة في التواريخ المعتبرة يحكم أنّه قد ارتكب كذباً ، والمبتدع الكاذب ـ وإن كان مستحلاًّ للكذب ـ لا يقبل روايته بالإجماع .

ثمّ كان هو يسبُّ أمير المؤمنين عليّاً في المجالس بل على المنبر ، والمبتدع المُظهر سبّ السَلَف مردود الشهادة والرواية باتّفاق الأُمّة ، بخلاف الكاتم ، فإنّه يقبل شهادته عندنا إن كان مجتنباً عن الكبائر في زعمه وعن الكذب ، ويُقبل روايته أيضاً عند أكثر أهل الحديث بذلك الشرط ، وعند محقّقي أصحابنا لا تُقبل روايته أصلاً وهو الحقّ ، وقد بيّنّا في فواتح الرحموت شرحنا للمسلّم .

وإذ قد علمت أنّ هذا الحديث المروي عن بسرة غير صحيح ألبتّة ، وحديث أبي هريرة أيضاً ضعيف ، فلم يدلّ دليل على نقض مسّ الذَكَر ، فيبقى على أصله غير ناقض كمسّ سائر الأعضاء ).

وقال الزرقاني المالكي : ( هو على شرط البخاري ، وإنْ كان المخالف يقول : إنّه مِن رواية مروان ، ولا صحبة له ولا كان مِن التابعين بإحسان... وزعم الحنفيّة أنّ مسّ الذَكَر في حديث بسرة كناية عمّا يخرج منه... وقالوا أيضاً : إنّ خبر الواحد لا يُعمل به فيما يعمّ به البلوى... )(١) .

هذا ، وسيأتي في فصل ( مسائل فقهيّة ) البحث عن هذه المسألة ، وفي الكلام على حديث مروان ، وطعن يحيى بن معين فيه .

حديث تحريم المتعة يوم خيبر

( ومنها ) حديثه : ( عن ابن شهاب ، عن عبد الله والحسن ابني محمّد بن

_______________________

 (١) شرح الموطّأ ١ : ١٥٢ كتاب الطهارة ، باب الوضوء من مسّ الفرج .


عليّ ، عن أبيهما ، عن عليّ بن أبي طالب : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسيّة )(١) .

وهو حديث باطل لوجوه :

الأوّل : لقد نصّ علماء القوم على بطلان القول بتحريم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المتعة يوم خيبر ، وقد تقدّم الإيماء إلى قول صاحب ( التحفة ) بأنّ هذه الدعوى تشهد بجهل وحمق مدّعيه(٢) .

الثاني : إنّ أمير المؤمِنينعليه‌السلام كان على رأس القائلين بحليّة المتعة ، قال الرازي : ( أمّا أمير المؤمِنين عليّ بن أبي طالب ، فالشيعة يَرْوون عنه إباحة المتعة ، وروى محمّد بن جرير الطبري في تفسيره عن عليّرضي‌الله‌عنه أنّه قال : لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنا إلاّ شقيّ )(٣) .

وفي ( الدر المنثور ) بتفسير( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم... ) الآية : ( أخرج عبد الرزاق وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن الحُكم أنّه سُئل عن هذه الآية منسوخة ؟ قال : لا وقال عليّ : لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنا إلاّ شقيّ ) (٤) .

ورواه المتّقي كذلك عن الثلاثة(٥) .

الثالث : إنّ فتوى مالك نفسه بإباحة المتعة تكذّب هذا الحديث ، وقد ذُكرِت فتواه هذه في كُتب القوم ، نذكر بعضها :

قال المرغيناني : ( ونكاح المتعة باطل ، وهو أنْ يقول لامرأة : أتمتّع بك

_______________________

(١) الموطّأ ٢ : ٥٤٢ / ٤١ .

(٢) التحفة الاثني عشرية : ٣٠٣ .

(٣) تفسير الرازي ١٠ : ٥٠ .

(٤) الدرّ المنثور ٢ : ٤٨٦ .

(٥) كنز العمّال ١٦ : ٥٢٢ / ٤٥٧٢٨ .


كذا مدّة بكذا مِن المال وقال مالك رحمه الله : هو جائز ، لأنّه كان مباحاً فيبقى إلى أنْ يظهر ناسخه )(١) .

وقال أبو البركات النسفي في ( كنز الدقائق ) : ( ويبطل نكاح المتعة ، خلافاً لمالك ، صورة المتعة أنْ يقول الرجل لامرأة : خذي هذه العشرة لأتمتّع بك أيّاماً وقال مالك رحمه الله : هو جائز ) .

قال الزيلعي بشرحه : ( وقال مالك هو جائز ، لأنّه كان مشروعاً ، فيبقى إلى أنْ يظهر ناسخه واشتهر عن ابن عبّاس تحليلها ، وتبعه على ذلك أكثر أصحابه مِن أهل اليمن ومكّة ) .

وقال العيني بشرحه : ( وقال مالك هو جائز ، لأنّه كان مشروعاً ، واشتهر عن ابن عبّاس تحليله ) .

وقال أكمل الدين البابرتي بشرح الهداية :

( قال : ونكاح المتعة باطل صورة المتعة ما ذكره في الكتاب أن يقول الرجل لامرأة : أتمتّع بك كذا مدّة بكذا مِن المال ، أو يقول : خذي مِني هذه العشرة لأتمتّع بك أيّاماً ، أو متّعيني نفسك أيّاماً أو عشرة أيام ، أو لم يقل أيّاماً وهذا عندنا باطل وقال مالك رحمه الله : هو جائز ، وهو الظاهر مِن قول ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه لأنّه كان مباحاً بالاتّفاق فيبقى إلى أنْ يظهر ناسخه...

وقيل : في نسبة جواز المتعة إلى مالك نظر ، لأنّه روى الحديث في الموطّأ عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن ابني محمّد بن عليّ عن أبيهما عن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسيّة وقال في المدوّنة : ولا

_______________________

(١) الهداية في الفقه ١ : ١٩٥ .


يجوز النكاح إلى أجل قريب أو بعيد وإنْ سُمّيَ صداقاً ، وهذه المتعة .

وأقول : يجوز أن يكون شمس الأئمّة الذي أخذ مِنه المصنّف ، قد اطّلع على قولٍ له على خلاف ما في المدوّنة ، وليس كلّ مَن يروي حديثاً يكون واجب العمل ، لجواز أن يكون عنده ما يعارضه أو يرجّح عليه )(١) .

_______________________

(١) العناية في شرح الهداية ٣ : ١٤٩ ـ ١٥٠ ط على هامش فتح القدير لابن الهمام .


أبو حنيفة النعمان بن ثابت

رسالة إمام الحرَمَيْن

لقد ألَّف إمام الحرمين الجويني(١) رسالةً في ذمّ أبي حنيفة والطعن على أقواله وفتاواه ، وأسماها ( مغيث الخَلْق في اختيار الحقّ ) وقد تركتْ هذه الرسالة أثراً بالغاً في نفوس الناس ، وتحيّر الحنفيّة في علاج الأمر ، ولم يجد بعضهم بدّاً مِن إنكار الرسالة ونفي كونها لإمام الحرمين وزعم أنّها موضوعة عليه ، كالشيخ ملاّ عليّ القاري ، فإنّه كتب جواباً عنها وقال في خطبته :

( يقول أفقر عباد الله الغنيّ الباري عليّ بن سلطان الهروي القاري : رأيت رسالة مصنوعةً في ذمّ مذهب السّادة الحنفيّة ـ الذين هم قادة الأُمّة الحنفيّة وأكثر أهل الملّة الإسلاميّة ـ وموضوعة ، فيها أشياء مِن أعجب العجاب التي تشير إلى أنّ قائلها جاهل أو كذّاب ، وهي منسوبة إلى أبي المعالي عبد الملك ابن عبد الله بن يوسف الجويني المشهور بإمام الحرمين ، مِن أكابر علماء مذهب الشافعي ، وحسن ظنّي به أنّ أحداً مِن الخوارج أو الرافضة ـ الحاسدين لاجتماع أهل السنّة والجماعة على طريقة واحدة مشتملة على المستنبَط مِن

_______________________

(١) وهو : أبو المعالي عبد الملك الشافعي ، المتوفى سنة ٤٧٨هـ ، توجد ترجمته في : طبقات الشافعية للسبكي ٥ : ١٦٥، وفيات الأعيان ٣ : ١٦٧ ، المِنتظم ٩ : ١٨ ، سِيَر أعلام النبلاء ١٨ : ٤٦٨ .


الكتاب والسنّة وإجماع الأُمّة والقياس المعتبر عند الأئمّة ـ كَتَبَ هذه الرسالة ونسبها إليه ، ليكون سبباً لرواج بضاعته المزجاة لديه ، ووسيلة إلى مهابة العوام والجهلة في الردّ عليه ، كما يدلّ على ما قلنا ركاكة ألفاظه... ) .

إلاّ أنّ القاري تنبّه في آخر الرسالة إلى غفلته والتفت إلى سوء ظنّه وفساد توهّمه فقال :

( ثمّ أعلم أني كنت أظنّ أنّ الرسالة المصنوعة إنّما يكون على إمام الحرمين موضوعة ، لكن رأيت في بعض الكُتُب أنّه ذكرها اليافعي في كتابه مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان وتقلّب أحوال الإنسان ) .

أقول : وهذه نصوص ألفاظ ما جاء في ( مرآة الجنان ) في ذلك :

( وممّا ذكروا عن السلطان محمود ما هو مشهود ، ومِن فضل مذهب الشافعي معدود : ما سيأتي الآن ذكره ويعلم مِنه فضل المذهب المذكور وفخره ، قصّة عجيبة مشتملة على نادرة غريبة ، وهي ما ذكر إمام الحرمين ، فحل الفروع والأصلين ، أبو المعالي عبد الملك ابن الشيخ الإمام أبي محمّد الجويني ، في كتابه الموسوم بـ ( مغيث الخلق في اختيار الحقّ ) : إنّ السلطان محمود المذكور كان على مذهب أبي حنيفةرضي‌الله‌عنه ، وكان مولعاً بعِلم الحديث ، وكان الناس ـ أو قال : الفقهاء ـ يسمعون الحديث مِن الشيوخ بين يديه... )(١) .

قضيّة صلاة القفّال

هذا ، وقد جاء في الرسالة المذكورة بعد الكلام على فضائح أبي حنيفة

_______________________

(١) مرآة الجنان وعبرة اليقظان ٣ : ١٩ .


في مسائل الطهارة :

( جئنا إلى الصّلاة ، فوافق الشافعي الأصل الذي عليه بناء الصّلاة مِن الدعاء والخضوع والخشوع وقال : المعنى المطلوب مِن الصّلاة الخضوع والخشوع واستكانة النفس ، ومحادثة القلب بالموعظة الحسنة والحكمة البالغة ، والفكر في معاني القرآن والابتهال إلى الله سبحانه ، وأبو حنيفة لا يلزم الأصل ويخالفه حتّى طرح أركانها وشرائطها ، حتّى رجع حاصل الصّلاة إلى نقرات كنقرات الديك .

وإذا عَرَض ـ مثلاً ـ صلاته على كلّ عامّي جلف امتنع عن اتّباعه ، فإنّ مَن غمس في مستنقع نبيذ ، ولبس جلد كلب مدبوغ ، وأحرم بالصّلاة مبدّلاً بصيغة التكبير ترجمته تركياً كان أو هندياً ، ويقتصر في قراءة القرآن على ترجمة قوله( مُدْهَامَّتَانِ ) ثمّ يترك الركوع فينقر نقرتين ، لا قعود بينهما ولا يقرأ التشهّد ، ثمّ يُحْدث عمداً في آخر صلاته بدل التسليم ، ولو اتّفق مِنه أن سبقه الحَدَث يعيد الوضوء في أثناء الصلاة ويُحْدث ، فإنّه إن لم يكن قاصداً لحَدَثِه الأوّل لم يتحلّل عن صلاته على الصحّة .

والذي ينبغي أن يَقطع به كلُّ ذي دين : أنّ مثل هذه الصّلاة لم يبعث الله به نبيّاً ، ولا بعث محمّد بن عبد الله المصطفى ( صلوات الله وسلامه عليه ) لدعاء الناس إليه ، وهي قطب الإسلام وعماد الدين ، وقد زعم أنّ هذا القدر أقلّ الواجب ، وهي الصّلاة التي بعث بها النبيّ ( عليه الصّلاة والسلام ) ، وما عداها آداب وسُنن .

ويحكى أنّ السلطان يمين الدولة وأمين الملّة أبا القاسم محمود بن سبكتكين ، كان على مذهب أبي حنيفة ، وكان مولعاً بعلم الحديث ، وكان ندماؤه وجلساؤه يسمعون الحديث مِن الشيوخ بين يديه وهو يسمع ، وكان


يستفسر الأحاديث ، فوجد الأحاديث أكثرها موافقاً لمذهب الشافعي ، فوقع في خَلَدِه حبّه ، فجمع الفقهاء مِن الفريقين في المرو والتمس مِنهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر، فوقع الاتّفاق على أن يصلّوا بين يديه ركعتين على مذهب الشافعي وركعتين على مذهب أبي حنيفة ، لينظر فيه السلطان ويتفكر فيه ويختار ما هو أحسن .

فصلّى القفّال المروزي مِن أصحاب الشافعي بطهارة مسبغة وشرائط معتبرة مِن الطهارة والسَتر واستقبال القبلة ، وأتى بالأركان والهيئات والسُنن والآداب والفرائض على وجه الكمال والتمام ، وكان صلاة لا يجوّز الشافعي دونها .

ثمّ صلّى ركعتين على ما يجوّز أبو حنيفة ، فلبس جلد كلب مدبوغ ولطخ ربعه بالنجاسة ، وتوضّأ بنبيذ التمر ، وكان في صميم الصيف بالمفازة ، فاجتمع عليه الذباب والبعوض ، وكان وضوءه معكوساً منكوساً ، ثمّ استقبل القبلة وأحرم بالصلاة مِن غير نيّة ، وأتى بالتكبير بالفارسيّة ، ثمّ قرأ آية بالفارسيّة ( دو برك سبز ) ثمّ نقر نقرتين كنقرات الديك ، مِن غير فصلٍ ومِن غير ركوع ، وتشهّد وضرط في آخره مِن غير سلام .

وقال : أيّها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة .

فقال السلطان : إن لم تكن هذه صلاة أبي حنيفة لقتلتك ؛ لأنّ مثل هذه الصلاة لا يجوّزها ذو دين .

وأنكرت الحنفيّة أن يكون هذه صلاة أبي حنيفة .

وأمر القفّال بإحضار كُتُب العراقيّين .

وأمر السلطان نصرانيّاً كاتباً يقرأ المذهبين جميعاً .


فوجدت الصّلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفّال

فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة وتمسّك بمذهب الشافعيّ .

ولو عرضت الصلاة التي جوّزها أبو حنفية على العاميّ لامتنع مِن قبولها ) .

وكذلك جاء في كتاب ( السيف المسلول في ضَرْب القتال والمقفول) ، فإنّه وإنْ حاول صاحبه في بدء الأمر تكذيب القصّة ، لكنّه اضطرّ إلى الإقرار بثبوتها ، وهذه عباراته :

( يقول أضعف عباد الله القويّ علم الله بن عبد الرزاق الحنفي أصلح الله حاله وحقّق آماله : كنت أسمع مِن أفواه الرجال قصّة المروزي القفّال مع السلطان محمود الغزنوي المغتال ، في تحويله بالشعبذة والاحتيال وتنقيله عمّا كان عليه مِن سنيّ الأحوال ، مِن مذهب الإمام أبي حنيفة الأعظم إلى مذهب الإمام محمّد بن إدريس المحترم ، ولمّا كانت القصّة مشتملة على قبايح شنيعة وشنائع فظيعة لا تليق به ، بل يستحيل أن تصدر عمّن له حظّ قليل مِن الأخلاق الرضيّة والآداب المرضيّة ، بل مَن له أدنى رائحة مِن طيب الإسلام فضلاً عمّن يعدّه جمع مِن العلماء الأعلام ، كنتُ كذّبتها وما صدّقتها وخطّأتها وما صوّبتها

وقلت : حاشاه حاشاه ! أين هذا وأين علمه وتقواه ، مطهّر جنابه مِن هذه الأنجاس ، منزّه لسانه عن لوث هذه الأدناس ، شأنه أجلّ مِن أن يكون معروفاً بهذي الفضائح ومشهوراً بتلك القبائح ، مِن البطالات المزخرفة والخرافات المستطرفة ، وأُضحوكات المضحكة ومهملات المتمسخرة ، وتكلّمات المجانين وحكايات المغمورين ، وخطابات المسحورين وهذيانات المحمومين ، هزل لا فصل ، جهل لا فضل ، وكنت على ذلك برهة مِن الزمان


ومدّة مِن الأكوان ) .

ثمّ قال بعد هذا كلّه :

( حتّى وقفت على تاريخ اليافعي مِن أعيان مقلّدي الشافعي ، فرأيته قد ذكر القصّة على ما شاعت في الخافقين ، نقلاً عن الكتاب المسمّى بمغيث الخلْق لإمام الحرمين ، فظهر أنّ القصّة واقعة وأنّ الحكاية على ما هي شائعة ، ليس في صدقها ريب ولا فيها مِن الافتراء شَوْب ، فلمّا عرفت أنّ هذا اليقين لا يُستراب زدتُّ تحيّراً وقلت : إنّ هذا لشيءٌ عجابٌ ، وأعجب مِن هذا ، أنّ هؤلاء الذين عدّوا أجلاّء الشافعيّة عظماء ، ذكروا القصّة تبجّحاً وافتخاراً ، وأوردوا الحكاية تبهّجاً وابتشاراً، كما يدلّ على ذلك عباراتهم ويجلو ما هنالك إشاراتهم ) .

ترجمة القفّال المروزي

هذا ، وإليك طرفاً مِن ترجمة أبي بكر القفّال ، المتوفى سنة ٤١٧هـ ، وفضائله ومحامده في كُتب تراجم الرجال والتاريخ : فقد قال ابن خلّكان في ( وفيات الأعيان) :

( أبو بكر عبد الله بن أحمد بن عبد الله الفقيه الشافعي المعروف بالقفّال المروزي ، كان وحيد زمانه فقهاً وحفظاً ، وورعاً وزهداً ، له في مذهب الإمام الشافعي مِن الآثار ما ليس لغيره مِن أبناء عصره ، وتخاريجه كلّها جيّدة وإلزاماته لازمة ، واشتغل عليه خلْق كثير وانتفعوا به ، مِنهم الشيخ أبو عليّ السبخي والقاضي حسين بن محمّد ـ وقد تقدّم ذكرهما ـ والشّيخ أبو محمّد الجويني والد إمام الحرمين ، وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى وغيرهم ، وكلّ واحد مِن


هؤلاء صار إماماً يشار إليه ، ولهم التصانيف النافعة ونشروا علمه في البلاد ، وأخذ عنهم أئمّة كبار أيضاً )(١) .

وقال ابن جماعة في ( طبقات فقهاء الشافعية ) :

( عبد الله بن أحمد بن عبد الله المروزي ، الإمام الجليل ، أبو بكر القفّال الصغير ، شيخ طريقة خراسان ، وإنّما قيل له القفّال لأنّه كان يعمل الأقفال في ابتداء أمره ، وبرع في صناعتها حتّى صنع قفلاً بالآلة ومفتاحه وزن أربع حبّات ، فلمّا كان ابن ثلاثين سنة أحسّ مِن نفسه ذكاء فأقبل على الفقه ، فاشتغل به على الشيخ أبي زيد وغيره ، فصار إماما يُقتدى به فيه ، وتفقّه عليه خلْق مِن أهل خراسان ، وسمع الحديث ، وحدّث وأملى .

قال الفقيه ناصر العمري : لم يكن في زمان أبي بكرالقفّال أفقه مِنه ، ولا يكون بعده مثله ، وكنّا نقول : إنّه مَلَك في صورة إنسان .

وقال الحافظ أبو بكر السمعاني في أماليه : أبو بكر القفّال وحيد زمانه فقهاً وحفظاً وورعاً وزهداً ، وله في المذاهب مِن الآثار ما ليس لغيره مِن أهل عصره ، وطريقته المهذّبة في مذهب الشافعي التي حملها عنه أصحابه أمتن طريقة وأكثرها تحقيقاً، رحل إليه الفقهاء مِن البلاد وتخرّج به أئمّة )(٢) .

وقال اليافعي في ( مرآة الجنان ) :

( الإمام أبو بكر القفّال المروزي ، عبد الله بن أحمد شيخ الشافعية بخراسان ، حذق في صنعته حتّى عمل قفلاً بمفتاحه وزن أربع حبّات ، فلمّا صار ابن ثلاثين سنة ، أحسّ بنفسه ذكاءً وحبّب الله إليه الفقه ، فاشتغل به فشرع

_______________________

(١) وفيات الأعيان ٣ : ٤٦ / ٣٣١ .

(٢) طبقات الشافعية لابن جماعة ، وانظر : لابن قاضي شهبة ١ : ١٨٦ برقم ١٤٤ .


فيه ، وهو صاحب طريقة الخراسانيّين في الفقه ، عاش تسعين سنة .

قال ناصر العمري : لم يكن في زمانه أفقه مِنه ولا يكون بعده ، كنّا نقول : إنّه مَلَك في صورة آدمي .

قلت : وهو القفّال المتقدّم ذكره مع السلطان محمود الملقّب بيمين الدولة وأمين الملّة ابن ناصر الدين سبكتكين ، وله ذِكر في صلاته على مذهب الشافعي فقهاً والمجزية على مذهب أبي حنيفة القصّة المتقدّم ذكرها في سنة عشرة وأربعمائة .

قالوا : وكان وحيد زمانه فقهاً وحفظاً وورعاً وزهداً ، واشتغل عليه خلْق كثير مِنهم الأئمّة الكبار : القاري حسين والشيخ أبو محمّد الجويني وابنه إمام الحرمين والشيخ أبو عليّ السنجي وغيرهم ، وكلّ واحد مِن هؤلاء صار إماماً يشار إليه ، ولهم التصانيف النافعة ، وأخذ عنهم أئمّة كبار أيضاً )(١) .

وإليك كلمات الشيخ عليّ القاري في الطعن والذم لهذا الفقيه الكبير...

( ثمّ رأيت بعض أصحابنا إنّه أفاد في هذه الحكاية ما أجاد حيث قال : وما أقبح صلاة هذا المصلّي وأشنعها وما أسوء ضرطته وأفظعها ، لقد لبس ثوب الخلاعة وارتدى برداء الشناعة ، وأصمّ بضرطته الأسماع ، وأتى بما تنفر عنه الطباع ، وفَعَل فِعْل السفلة الخفاف ، واستخفّ بالدين غاية الاستخفاف ، فضلّ به عن سواء الصراط ، والتحق بالأراذل والأسقاط بصلاته هذه وختمها بالضراط .

لقد ساعدته أُسْتُه كلّ المساعدة ، وباعدته عن الحياء والدين كلّ المباعدة ؛ أمّا عن الدين فظاهر لأرباب اليقين ، لأنّه تعمّد الحدَث في حال

_______________________

(١) مرآة الجنان وعبرة اليقظان ٣ : ٢٤ حوادث السنة ٤١٧ هـ .


مِناجاته لربّ العالمين ، وأمّا عن الحياء فذلك شيء لا ينكره أحد مِن العقلاء ، فواعجباه ! كيف أقْدَم هذا الذي يُنسب إلى العِلم على هذا الفعل القبيح بحضرة جماعة مِنهم السلطان ، فصيّر نفسه ضحكة لأهل الزمان بأمر الشيطان .

ثمّ مع هذا ظنّ أنّ ضرطته هذه لله نافعة وإنّما هي له عن رتبة العقلاء واضعة ، إذ لو فعل مثل ذلك أحد مِن العوام لقيل إنّه ملحد مستخفّ بالإسلام ، بل مَن ترك الصلاة رأساً أهون في مقام القبائح مِن هذه السيّئة المشتملة على الفضائح ، إذ هي الشناعة العظمى والداهية الدهياء .

وإنّما حمله على ذلك اتّباع الهوى لأجل أغراض الدنيا ، فليته حين مات مات فعله هذا معه ولم يُذكر ، ولم يُكتب في الدفاتر ولم يُسطر ، لكنّه أُثبت في التواريخ واُشتهر ، وتشدّق به مَن لا خَلاق له وافتخر ، فلو عرفوا ما فيه مِن أنّ الشناعة راجعة إليهم لما ذكروا مثل هذا فيما لديهم ، ولكن كما قال سبحانه:( أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ ويَهْدي مَن يَشاء ) فنعوذ بالله مِن شرور أنفسنا ومِن سيّئات أعمالنا ، ونستغفره مِن زللٍ في أقلامنا وخطْلٍ في أقوالنا ) .

ثمّ إنّ فتاوى أبي حنيفة في أحكام الصّلاة هذه التي حكاها القفّال ، مذكورة في سائر الكُتب أيضاً ، فالسيوطي مثلاً يقول في رسالته ( جزيل المواهب في اختلاف المذاهب) في بيان فضائل مذهب الشافعي :

( ومِنها : كثرة الاحتياط في مذهبه وقلّته في مذهب غيره ، فمِن ذلك الاحتياط في العبادات وأعظمها شأناً الصلاة ، ومَن أدّى صلاته على مذهب الشافعي كان على يقين مِن صحّتها ، ومَن أدّاها على مذهب مخالفه وقع الخلاف في صحّة صلاته مِن وجوه : إجازتهم الوضوء بنبيذ التمر ، وتطهير


البدن والثوب عن النجاسات بالمايعات ، وأجازوا الصلاة في جلد الكلب المذبوح مِن غير دِباغ ، وأجازوا الوضوء بغير نيّة ولا ترتيب وأسقطوه في مسّ الفرج والملامسة ، وأجازوا الصّلاة على ذَرْق الحَمام ومع قدر الدرهم مِن النجاسات الجامدة ، وتلطّخ ربع الثوب مِن البول ومع كشف بعض العورة ، وأبطلوا تعيين التكبير والقراءة ، وأجازوا القرآن مِنكوساً ، وبالفارسيّة ، وأسقطوا وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود والاعتدال مِن الركوع والقعود بين السجدتين ، والتشهّد والصلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الصلاة ، مع الخروج عنها بالحَدَث .

وأبطلنا نحن الصّلاة في هذه الوجوه ، وأوجبنا الإعادة على مَن صلّى خلف واحد مِن هؤلاء ) .

وابن تيمية الذي له الباع الطويل في تكذيب الحقائق وإنكار الثوابت ، قد نصَّ على صحّة ما نُسب إلى أبي حنيفة ، وأنّ هذه الصلاة يُنكرها جمهور أهل السُنّة ، ففي ( مِنهاج السنة ) :

( وأمّا ما ذكره مِن الصلاة التي يُجيزُها أبو حنيفة وفعلها عند بعض الملوك حتّى رجع عن مذهبه ، فليس بحجّة على فساد مذهب أهل السُنّة ؛ لأنّ أهل السُنّة يقولون إنّ الحقّ لا يخرج عنهم ، لا يقولون إنّه لا يخطي أحد مِنهم ، وهذه الصّلاة يُنكرها جمهور أهل السنّة ، كمالك والشافعي وأحمد ، والملك الذي ذكره هو محمود بن سبكتكين ، وإنّما رجع إلى ما ظهر عنده أنّه مِن سُنّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان مِن خيار الملوك وأعدلهم ، وكان مِن أشدّ الناس قياماً على أهل البدع لا سيّما الرافضة )(١) .

_______________________

(١) مِنهاج السُنّة ٣ : ٤٣٠ .


بين الشافعي وتلامذة أبي حنيفة

ولو أنّ أحداً مِن الحنفيّة جوّز لنفسه الطعن والتشنيع على هؤلاء الأئمّة والتكذيب لهم ، فليس له أن يُقدِم على تكذيب الشافعيّ نفسه ؛ لأنّه أحد أركان الدين عند أهل السنّة كلّهم ، وقد جاء في غير واحدٍ مِن الكُتب طعن الشافعي على أبي حنيفة وأصحابه وفتاواه ، فالسبكي يروي في ( طبقات الشافعية ) عن إمامه الشافعي أنّه قال :

( كَتب مطرف بن مازن إلى هارون الرشيد : إنّ أردت اليمن لا يفسد عليك ولا يخرج مِن يديك ، فأخرج عنه محمّد بن إدريس ـ وذكر أقواماً مِن الطالبيّين ـ قال : فبعث إليَّ حمّاد البربري ، فأُوثِقْتُ بالحديد حتّى قَدِمنا على هارون بالرقّة قال : دخلت على هارون قال : فأُخرجت مِن عنده قال : وقدمتُ ومعي خمسون ديناراً قال : ومحمّد بن الحسن يومئذ بالرقّة قال : فأنفقت تلك الخمسين ديناراً على كُتبهم قال : فوجدت مَثَلهم ومَثَل كتبهم مَثَل رجل كان عندنا يقال له فروخ وكان يحمل الدهن في زقّ له ، فكان إذا قيل له عندك فرستان ؟ قال : نعم فإن قيل عندك زنبق ؟ قال : نعم ، فإذا قيل له : أرني ـ وللزقّ رؤوس كثيرة ـ فيخرج مِن تلك الرؤوس وإنّما هي مِن واحدة ، وكذلك وجدت كتاب أبي حنيفة ، إنّما يقولون كتاب الله وسنّة نبيّهعليه‌السلام ، وإنّما هم مخالفون له )(١) .

قال السبكي :

( قال ـ أي الشافعي ـ : فسمعت ما لاأُحصيه محمّد بن الحسن يقول : إن

_______________________

(١) طبقات الشافعية ٢ : ١٢١ ـ ١٢٢ مع اختلافٍ يسير .


بايعكم الشافعي ، فما عليكم مِن حجازي كلفة بعده ، فجئت يوماً فجلست إليه وأنا مِن أشدّ النّاس همّاً وغمّاً مِن سخط أمير المؤمِنين ، وزادي قد نفد .

قال : فلمّا أن جلست إليه ، أقبل محمّد بن الحسن يطعن على أهل دار الهجرة .

فقلت : على مَن تطعن ، على البلد أم على أهله ؟ والله لئن طعنت على أهله ، إنّما تطعن على أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار ، وإن طعنت على البلدة ، فإنّها بلدتهم التي دعا لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبارك لهم في صاعهم ومُدِّهم ، وحرّمها كما حرّم إبراهيم مكّة لايقصد صيدها ، فعلى أيّهم تطعن ؟

فقال : معاذ الله أن أطعن على أحدٍ مِنهم أو على بلدته ، وإنّما أطعن على حُكْمٍ مِن أحكامه .

فقلت له : وما هو ؟

قال : اليمين مع الشاهد .

فقلت له : ولِمَ طعنت ؟

قال : فإنّه مخالف لكتاب الله .

فقلت له : فكلّ خبر يأتيك مخالفاً لكتاب الله أيسقط ؟

قال : فقال لي : كذا يجب .

فقلت له : ما تقول في الوصيّة للوالدين ؟ فتفكّر ساعة .

فقلت له : أجب ؟

فقال : لا يجوز .

قال : فقلت له : فهذا مخالف لكتاب الله ؟ لِمَ قلت إنّه لا يجوز ؟


بايعكم الشافعي ، فما عليكم مِن حجازي كلفة بعده ، فجئت يوماً فجلست إليه وأنا مِن أشدّ النّاس همّاً وغمّاً مِن سخط أمير المؤمِنين ، وزادي قد نفد .

قال : فلمّا أن جلست إليه ، أقبل محمّد بن الحسن يطعن على أهل دار الهجرة .

فقلت : على مِن تطعن ، على البلد أم على أهله ؟ والله لئن طعنت على أهله ، إنّما تطعن على أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار ، وإن طعنت على البلدة ، فإنّها بلدتهم التي دعا لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبارك لهم في صاعهم ومُدِّهم ، وحرّمها كما حرّم إبراهيم مكّة لايقصد صيدها ، فعلى أيّهم تطعن ؟

فقال : معاذ الله أن أطعن على أحدٍ مِنهم أو على بلدته ، وإنّما أطعن على حُكْمٍ مِن أحكامه .

فقلت له : وما هو ؟

قال : اليمين مع الشاهد .

فقلت له : ولِمَ طعنت ؟

قال : فإنّه مخالف لكتاب الله .

فقلت له : فكلّ خبر يأتيك مخالفاً لكتاب الله أيسقط ؟

قال : فقال لي : كذا يجب .

فقلت له : ما تقول في الوصيّة للوالدين ؟ فتفكّر ساعة .

فقلت له : أجب ؟

فقال : لا يجوز .

قال : فقلت له : فهذا مخالف لكتاب الله ؟ لِمَ قلت إنّه لا يجوز ؟


قال : فقال : لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : لا وصيّة للوالدين .

قال : فقلت له : أخبرني عن شاهدين حتم مِن الله لا غيره ؟

قال: فماذا تريد مِن ذا ؟

قال : فقلت له : لئن زعمت أنّ الشاهدين حتم مِن الله لا غيره ، كان ينبغي لك أن تقول إذا زنا زان فشهد عليه شاهدان ؛ إن كان محصناً رجمته وإن كان غير محصن جلدته .

قال : فإن قلت لك ليس هو حتم مِن الله ؟

قال : قلت له إذا لم يكن حتماً مِن الله فتنزل كلّ الأحكام مِنازله ، في الزنا أربعاً وفي غيره شاهدين ، وفي غيره رجلاً وامرأتين ، وإنّما أعني في القتل لا يجوز إلاّ شاهدين ، فلما رأيت قتلاً وقتلاً أعني بشهادة الزنا وأعني بشهادة القتل ، فكان هذا قتلاً وهذا قتلاً ، غير أنّ أحكامهما مختلفة ، فكذلك كلّ حكم تنزله حيث أنزله الله مِنها بأربع ، ومِنها بشاهدين ، ومِنها برجل وامرأتين ، ومِنها بشاهد واليمين ، فرأيتك تحكم بدون هذا .

قال : وما أحكم بدون هذا ؟

قال : فقلت له : ما تقول في الرجل والمرأة إذا اختلفا في متاع البيت ؟

فقال : أصحابي يقولون فيه ما كان للرجال فهو للرجال ، وما كان للنساء فهو للنساء .

قال : فقلت : أبكتاب الله هذا أم بسنّة رسول الله ؟

قال : فقلت له : فما تقول في الرجُلَيْن إذا اختلفا في الحائط ؟

فقال : في قول أصحابنا إذا لم يكن لهم بيّنة يُنظر إلى العقد مِن أين هو فأحكم لصاحبه .

قال : فقلت له : أبكتاب الله هذا أم بسنّة رسول الله ؟


فقلت : ما تقول في رجلين بينهما خصومة فيختلفان ، لمِن تحكم إذا لم يكن لهم بيّنة ؟

قال : أنظر إلى معاقده مِن أيّ وجه هو فأحكم له .

قلت له : بكتاب الله تعالى قلتَ هذا أم بسنّة رسول الله ؟

قال : فقلت له : فما تقول في ولادة المرأة إذا لم يكن يحضرها إلاّ امرأة واحدة وهي القابلة ولم يكن غيرها ؟

قال : فقال : الشهادة جائزة بشهادة القابلة وحدها نقبلها .

قال : فقلت له : قلتَ هذا بكتاب الله أم بسنّة رسول الله ؟

قال : ثمّ قلت له : مِن كانت هذه أحكامه فلا يطعن على غيره .

قال : ثمّ قلت له : أَتَعْجب مِن حكْمٍ حكَمَ به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحكم به أبو بكر وعمر ، وحكم به عليّ بن أبي طالب بالعراق ، وقضى به شريح ؟

ورجل مِن ورائي يكتب ألفاظي وأنا لا أعلم .

قال : فأدخل على هارون وقرأه عليه .

قال فقال لي هرثمة بن أعين : كان متّكياً فاستوى جالساً وقال : اقرءه عليَّ ثانياً .

قال : فأنشأ هارون يقول : صدق الله ورسوله ، صدق الله ورسوله ، صدق الله ورسوله ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : تعلّموا مِن قريش ولا تعلّموها ، قدّموا قريشاً ولا تؤخّروها ، ما أنكر أن يكون محمّد بن إدريس أعلم مِن محمّد بن الحسن )(١) .

_______________________

(١) طبقات الشافعية ٢ : ١٢٢ ـ ١٢٤ .


وقد روى ياقوت الحموي هذه المِناظرة في ( معجم الأدباء ) وجاء في نقله أنْ قال الشافعي لمحمّد :

( وأمّا كتابك الذي ذكرت أنّك وضعته على أهل المدينة ، فكتابك مِن بعد بسم الله الرحمِن الرحيم خطأ إلى آخره ، قلت في شهادة القابلة كذا وكذا وهو خطأ ، وقلت في مسألة الحامل كذا وكذا وهو خطأ ، وقلت في مسألة كذا كذا وكذا وهو خطأ ، فاصفرّ محمّد بن الحسن ولم يُحِر جواباً )(١) .

وأورد الفخر الرازي هذه المِناظرة في ( رسالته ) في ترجيح مذهب الشافعي(٢) .

وحكى شاه وليّ الله طرفاً مِنها في رسالته ( الإنصاف) قال :

( مثاله ما بلغنا أنّه دخل ـ أي الشافعي ـ على محمّد بن الحسن وهو يطعن على أهل المدينة في قضائهم بالشاهد الواحد مع اليمين ويقول : هذا زيادة على كتاب الله .

فقال الشافعي : أثبت عندك إنّه لا تجوز الزيادة على كتاب الله بخبر الواحد ؟

قال : نعم .

قال : فلِمَ قلت إنّ الوصيّة للوارث لا تجوز لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ألا لا وصيّة لوارث وقد قال الله تعالى:( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ) الآية .

_______________________

(١) معجم الأدباء ٥ : ١٩٥ .

(٢) مِناقب الإمام الشافعي : ٨٨ ـ ٩١ .


وأورد عليه أشياء مِن هذا القبيل فانقطع كلام محمّد بن الحسن )(١) .

وفي كتاب ( معدن اليواقيت الملتمعة في مِناقب الأئمّة الأربعة ) :

( قال الشافعي : لمّا حُبِستُ في دار العامّة ، ضاق قلبي في الحبس ، وكنت لا أرى أحداً أستأنس به إلاّ محمّد بن الحسن ، وكنت أميل إليه لفقهه ، وآمل أن يشفع لي عند السلطان ، فحضر يوماً وأقبل يذمّ المدينة ويضع مِن أهلها ويعظّم أصحابه ويرفع مِن أقدارهم ، وذكر أنّه وضع على أهل المدينة كتاباً ، وزعم أنّه لو وجد أحداً في الدنيا ينقض مِنه حرفاً أو يردّ عليه مِنه شيئاً ـ تبلّغني إليه الإبل ـ لسرت إليه وناظرته .

قال الشافعي : فرأيت وجوه أولاد المهاجرين والأنصار إنّها تسوّد لما سمعوا مِن ذمّ المدينة وأهلها ، ورأيت أصحاب محمّد بن الحسن وإنّ وجوههم لتشرق ببياض ممّا سمعا مِن مدح أصحابهم قال : فبقيت بين أمرين : بين أن أُجيب عن كلامه وأُبيّض وجوه أولاد المهاجرين والأنصار ويزداد به علَيَّ غضب السلطان ، وبين أن أسكت عن ذلك رجاء أن يكون محمد بن الحسن شفيعاً لي عند السلطان ، فاخترت رضا الله عزّ وجلّ في ذلك الموضع ، فجثوت بين يديه ثمّ قلت :

يا أبا عبد الله ! أراك أصبحت تهجو المدينة وتذمّ أهلها ، فإن كنت أردتها ، فإنّها حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودار هجرته ، وبها نزل الوحي ، ومِنها خلق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبه طابت ، وبها روضة مِن رياض الجنّة ، وقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : المدينة لا يدخلها الدّجال والطاعون ، والمدينة على كلّ ثقب مِن أثقابها مَلَك شاهر سيفه ولئن كنت أردت أهلها ،

_______________________

(١) الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف : ٤١ ـ ٤٢ .


فهم أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصهاره وأنصاره الذين مَهَّدوا الإيمان وحفظوا الوحي وجمعوا السُنن وإن كنت أردت مَن بعدهم فهم أبناؤهم والتابعون بعدهم ، وهم الأخيار مِن هذه الأمّة ولئن كنت أردت مِن القوم رجلاً واحداً وهو مالك بن أنس فما عليك لو سمّيت مَن أردت ، ولم تذكر المدينة كما ذكرت .

فقال : ما أردت إلاّ مالك بن أنس .

قال : فقلت : قد نظرت في كتابك هذا ، فإذا ـ بعد بسم الله الرحمن الرحيم ـ خطأ كلّه .

قال : فما ذاك ؟

قلت له : قلتَ فيه : قال أهل المدينة ولست تخلو في قولك قال أهل المدينة : مِن أن يكون أردت جميع علماء أهل المدينة ، أو تكون أردت بقولك قال أهل المدينة مالك بن أنس وأردت انفراده ؛ فإن كنت أردت بقولك قال أهل المدينة جميع أهل المدينة فقد أخطأت ؛ لأنّ علماء أهل المدينة لم يقفوا على ما حكيت عنهم ، وإن كنت أردت به مالك بن أنس على انفراده وجعلته أهل المدينة ، فقد أخطأت ؛ لأنّ بالمدينة مِن علمائها مَن يرى استتابة مالك فيما خالفه فيه ، فأيّ الأمرين قصدت له فقد أخطأت .

قال : قصدت ذمّ القائلين بالشاهد مع اليمين ؛ لأنّهم قالوا بخلاف كتاب الله عزّ وجلّ .

قال : فقلت له : وأين خالف الكتاب ؟

فقال : قال الله تعالى :( وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ) وقال سبحانه :( ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ ) ، فقالوا : شاهداً واحداً .


فقال : فقلت له : أخبرني عن قوله عزّ وجلّ :( وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ) أحتم ، ولا يجوز أقلّ مِن شاهدين أم ذلك ليس بحَتْم ؟

قال : بل هو حتم ، ولا يجوز أقلّ مِن شاهدين .

فقلت : إن كان ما قلت كما قلت ، فقد خالفت أنت وصاحبك الكتاب .

قال : وأين خالفنا الكتاب ؟

فقلت له : ما تقول في شهادة القابلة وحدها على انفرادا على الولادة ؟

فقال : شهادتها وحدها جائزة .

فقلت له : قد أجزت شهادة امرأة واحدة لا شاهد معها ، قد خالفت الكتاب .

وقلت في رجلين تداعيا جداراً ولا بيّنة لهما : إنّ الجدار مَن يليه أنصاف اللبن ومعاقد القمط .

وقلت في متاع البيت يدّعيه الزوجان : ما كان يصلح للرجال فهو للرجل ، وما كان يصلح للنساء فهو للمرأة .

وقلت في الزقوق إذا ادّعاها صاحب الحانوت وساكنه : إن كانت منفصلة غير مستمرّة فهي للساكن ، وإن كانت متّصلة مستمرّة فهي لربّ الحانوت .

فقضيت للمدّعي في هذه الصور بغير بيّنة ولا يمين ، ثمّ أنكرت علينا الشاهد واليمين وهو سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقول عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، وقول الحكّام عندنا بالحجاز ، وأنت تقول هذا برأيك وتردّ علينا السُنّة .

قال : وذكرت أشياء ممّا خالفنا وترك السُنن وقلت له : خالفت أنت في كتابك هذا في سبعين موضعاً كتاب الله تعالى على قولك ، ثمّ حكيتها له قولاً


قولاً ، مِنها كذا ومِنها كذا .

قال : فتغيّر وجه محمّد بن الحسن وانقطع ، فتبيّن لأهل المجلس ذلك وأسرّ به أكثر مَن حَضَرَنا مِن أهل الحجاز ، وابيضّت وجوه أولاد المهاجرين والأنصار بما سمعوا في دار الهجرة مِن نصرة الحقّ ، وكان على الدار يومئذ هرثمة ، فكتب الخبر وبعث به إلى هارون .

قال الشافعي : وتوقّعت البلاء ، فلمّا قُرىء الخبر على هارون الرشيد قال : وما ينكر لرجل مِن بني عبد مناف أن يقطع محمّد بن الحسن .

قال : فبعث إليّ هارون الرشيد بألف دينار ، وبعث إليّ المأمون بخمسمائة دينار وقال : أحبّ أن تجعل انقطاعك إليّ .

قال : فجاءني هرثمة وأخبرني برضا أمير المؤمِنين ، وأقرأ علَيَّ مِنه السلام ووضع المال الذي أمر به هارون بين يديّ ثمّ قال : لولا أنّ الخليفة لايُساوى ؛ لأمرت لك بمثلها وقد أمرت لك بأربعمائة دينار .

قال الشافعي : جزاك الله عنّا خيراً ، لولا أنّي لا أقبل جائزة إلاّ لمَن هو فوقي لقبلت جائزتك .

فردّ الشافعي جائزة هرثمة وقبل جائزة هارون الرشيد ، ثمّ جعل يصرّه صرّة فيُقسّمه في أهل مكّة والقرشيّين الذين بالحضرة، فما انصرف إلى منزله إلاّ بأقلّ مِن مائة ) .

وقال الرازي في تلك الرسالة :

( المسألة السادسة : قال الشافعي : قلت لمحمّد بن الحسن : زعمتم أنّه لا يجوز أن يدعو الرجل في صلاته إلاّ بما في القرآن إمّا مجملاً وإمّا مفصّلاً ، ثمّ رأينا أنّ طلب جميع الخيرات في الدنيا والآخرة والإستعاذة مِن جميع شرور


الدنيا والآخرة مذكورة في لقرآن ، فما معنى قولكم لا يدعو الرجل إلاّ بما في القرآن ؟ ألا ترى أنّ إبراهيمعليه‌السلام قال :( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ ) وقال :( وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِن الثَّمَرَاتِ مَن آمَنَ مِنهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) فطلب خيرات الدنيا والآخرة ، وقال موسىعليه‌السلام :( رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) وقال زكريّاعليه‌السلام :( فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً ) وقال سليمانعليه‌السلام :( هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِن بَعْدِي ) وقال نوحعليه‌السلام لقومه :( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً ) وقال تعالى :( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِن النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِن الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ) وقال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ ) الآية .

فقال الشافعي : لو أنّ الرجل قال : اللهمّ هب لي خيلاً أركبها وفاكهة آكلها وامرأة أتزوّج بها ، فكلّ ذلك مذكور في القرآن ، فما معنى قولكم لا يجوز أن يدعو إلاّ بما في القرآن ؟

قال : فسكت محمّد ولم يذكر جواباً .

قلت : والذي يؤكّد هذا الكلام ، أنّهم جوّزوا قراءة الفاتحة بالفارسيّة وقالوا : المقصود هو المعنى وذلك لايختلف فكذا ههناك ، المقصود مِن الدعاء طلب هذه الأشياء ولا يتفاوت ذلك بأن يذكر بالعربية أو بالفارسية وكذا ههنا المقصود مِن ههنا طلب هذه الأشياء ، طلب أعيانها ومنافعها ، وإذا كانت بأسرها مذكورة في قوله تعالى :( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً


وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) فالقول بأنّ طلب هذه الأشياء لا يجوز مع القول بجواز قراءة الفاتحة بالمعنى كالمتناقض .

ثمّ قال الشافعي : وقد دعا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقوم وسمّاهم بأسمائهم ونسبهم إلى قبائلهم ، وهذا كلّه يدلّ على أنّ المحرّم مِن الكلام إنّما هو كلام الناس بعضهم بعضاً في حوائجهم ، فأمّا إذا دعا ربّه وسأله حاجته فهذا لا أعلم أحداً مِن أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اختلف فيه ، وقد صحّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : وأمّا السجود فاجتهدوا فيه مِن الدعاء ، فإنّه قمن أن يستجاب لكم ولم يخصّ رسول الله دعاءً دون دعاء )(١) .

وفيها أيضاً :

( المسألة الخامسة : روى الربيع أنّه جرت مِناظرة بين الشافعي وبين محمّد بن الحسن في باب الماء ، فقال : زعمت أنّ فارةً إن وقعت في بئر فماتت ، نزح مِنها عشرون دلواً ويطهر البئر ، أرأيت شيئاً قط ينجس كلّه فيخرج بعضه فتذهب النجاسة عن الباقي ؟

فقال : إنّما أخذنا بهذا المذهب لورود الأثر فيه قلنا : ههنا تركتم هذا القياس اليقيني بسبب هذا الأثر ، ثم تركتم النصّ الصريح في مسألة المصراة بسبب قياس ضعيفٍ ! وذلك عجيبٌ جدّاً حيث يُترك القياس اليقيني بسبب أثر ضعيف اتّفق المحدّثون على ضعفه ، ويترك النصّ الصريح الذي أجمع المحدّثون على صحّته بسبب قياس ضعيف .

ثمّ قال الشافعي لمحمّد بن الحسن : وزعمت أنّك إذا أدخلت يدك في

_______________________

(١) مناقب الإمام الشافعي : ٢٧٦ ـ ٢٧٨ .


بئر لتتوضّأ بها ، إنّ ماء البئر ينجس كلّه ولا يطهر البئر حتّى ينزح الماء بالكليّة ، وإنْ سقطت فيه نجاسة ميتة ، طَهُرَ بعشرين دلواً أو ثلاثين دلواً ، فهل يعقل أنْ يقال إنّ البئر ينجس بدخول اليد التي لا نجاسة عليها أكثر ممّا ينجس بسبب وقوع النجاسة فيه؟

قلت : والإلزام أظهر فيما إذا فرضنا أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان محدثاً ، فأدخل يده المباركة في البئر أنه ينجس ماء البئر عندهم بالكليّة ، ولا يطهر إلاّ بأن ينزح الماء بالكليّة ، وتمام التقرير معلوم )(١) .

وفيها أيضاً :

( المسألة الثانية عشرة : رُوي أنّ محمّد بن الحسن قال للشافعي يوماً : بلغني أنّك تخالفنا في مسائل الغصب .

قال الشافعي : فقلت له : أصلحك الله ، إنّما هو شيء أتكلّم به في المناظرة .

قال : فناظرني.

قلت : إنّي أُجلّك عن المناظرة .

فقال : لا بدّ مِنه .

ثم قال : ما تقول في رجل غصب ساجةً ، وبنى عليها جداراً وأنفق عليه ألف دينار ، فجاء صاحب الساجة وأقام شاهدين على أنّها ملكه ؟

فقال الشافعي : قلت : أقول لصاحب الساجة ترضى أن نأّخذ قيمتها ؟ فإن رضي وإلاّ قلعت البناء ودفعت ساجته إليه .

قال محمّد بن الحسن : فما تقول في رجل غصب لوحاً مِن خشب

_______________________

(١) مناقب الإمام الشافعي : ٢٧٥ ـ ٢٧٦ .


فأدخله في سفينة ، ووصلت السفينة إلى لجّة البحر ، فأتى صاحب اللّوح بشاهدين عدلين أنّها ملكه ، أكنت تنزع اللّوح مِن السفينة ؟

قلت : لا .

قال : الله أكبر ، تركت قولك .

ثمّ قال : ما تقول في رجل غصب خيطاً مِن إبريسم ، فمُزّق بطنه وخاط بذلك الإبريسم تلك الجراحة ، فجاء صاحب الخيط بشاهدين عدلين أنّ هذا الخيط مغصوب مِنه ، أكنت تنزع الخيط مِن بطنه ؟

قلت : لا .

قال : الله أكبر تركت قولك وقال أصحابه : تركت قولك .

قال الشافعي : فقلت : لا تعجلوا ، أرأيت لو كان اللّوح لوح نفسه ، ثمّ أراد أن ينزع ذلك اللّوح مِن السفينة حال كونها في لجّة البحر ، أيباح له ذلك أم محرّم ؟

قال : بل يحرم .

قلت : أفرأيت لو كان الخيط خيط نفسه ، وأراد أن ينزعه مِن بطنه ويقتل نفسه ، أمباح له ذلك أم محرّم ؟

قال : بل محرّم .

قلت : أرأيت لو جاء مالك الساجة وأراد أن يهدم البناء وينزعها ، أمحرّم له ذلك أم مباح ؟

قال : بل مباح .

قال الشافعي : يرحمك الله ، فكيف تقيس مباحاً على محرّم ؟!

فقال محمّد : فكيف تصنع بصاحب السفينة ؟


فقلت له : آمره أن يُسَيّرها إلى أقرب السواحل ، ثمّ أقول له : انزع اللّوح وادفعه إليه .

فقال محمّد بن الحسن : قد قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا ضرر ولا ضرار في الإسلام .

قال الشافعي : ومَن ضرّه ؟ هو الذي ضرّ نفسه .

ثمّ قال الشافعي : ما تقول في رجل مِن الأشراف غصب جارية لرجل مِن الزنج في غاية الرذالة ، ثمّ أولدها عشرة كلّهم قضاة سادات أشراف خطباء ، فأتى صاحب الجارية بشاهدين عدلين على أنّ هذه الجارية التي هي أُمّ هؤلاء الأولاد كانت مملوكة له ، ماذا تعمل ؟

فقال محمّد بن الحسن : أحكم بأنّ أولئك الأولاد مماليك لذلك الرجل .

فقال الشافعي : فقلت : أنشدك الله ، أيّ هذين أعظم ضرراً ، أن تقلع الساجة وتردّها إلى مالكها ، أو تحكم بردّ الجارية إلى مولاها وتحكم برقّ هؤلاء الأولاد ؟

فانقطع محمّد بن الحسن )(١) .

وفيها أيضاً :

( المسألة الثالثة عشرة : قال محمّد بن الحسن للشافعي في مسألة العارية : أنتم لا تعرفون معنى حديث صفوان ، وذلك لأنّ العارية هناك إنّما صارت مضمونة ؛ لأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : عارية مضمونة .

قال الشافعي : فقلت : مَن استعار الساعة عارية وبشرط أن يضمنها ، هل يضمن ؟

قال محمّد : لا .

_______________________

(١) مناقب الإمام الشافعي : ٢٨٤ ـ ٢٨٦ .


قال الشافعي : فقلت : إنّما أنت تسخر مِن هؤلاء الذين عندك وفي رواية أخرى : ما تقول في الشيء الذي لا يكون مضموناً لو ضمنه هل يصير مضموناً عليه قال محمد : لا قال الشافعي : فقلت له : إنّما تخدع هؤلاء ! والحاصل أنّ ما لا يكون مضموناً في الأصل لا يصير مضموناً بشرط الضمان ، كالوديعة وغيرها مِن الأمانات )(١) .

وفيها أيضاً :

( وحكى الشافعي عن أبي يوسف أنّه قال لأرمينّ الليلة أهل المدينة بقاصمة الظهر في اليمين والشاهد ، فقال رجل : وماذا تقول ؟

قال أبو يوسف : أتمسّك بقوله تعالى : ( وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ) .

فقال الرجل : لو سألوك عن الشاهدين اللذين أمر الله تعلى بقبول شهادتهما ؟

فقال أبو يوسف : هما عدلان مسلمان .

قال الشافعي : فقلت : لو قالوا لكم فأجزت شهادة أهل الذمّة في الحقوق وقد قال الله تعالى :( مِن رِّجَالِكُمْ ) وقال :( مِمَّن تَرْضَوْنَ مِن الشُّهَدَاء ) ؟

قال : فتفكّر ساعة ثمّ قال : هم في الحماقة أشدّ مِن أن يهتدوا إلى ذلك .

فقلت : أنت إنّما تحتجّ على ضعفاء الناس )(٢) .

أقول :

فهذه موارد مِن ردود الشافعي على فتاوى أبي حنيفة ، ونماذج مِن

_______________________

(١) مناقب الإمام الشافعي : ٢٨٦ ـ ٢٨٧ .

(٢) مناقب الإمام الشافعي : ٢٩٣ .


مناظراته مع تلامذته... ومَن أراد التوسّع في هذا الباب فليرجع إلى ( كتاب الردّ على محمّد بن الحسن ) مِن مصنّفات الشافعي ، كما ذكروه له بتراجمه كما في ( معجم الأدباء ) وغيره .

الغزالي وأبو حنيفة

ومِن الأعلام الذين ردّوا وشنّعوا على أبي حنيفة في فقهه وفتاواه هو : أبو حامد الغزالي ، الذي يكفي في الوقوف على مقامه ومعرفة شأنه ومنزلته عند القوم : مباهاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم به ، فيما رواه الدميري في ( حياة الحيوان ) بالسند الصحيح عن الشيخ الإمام العارف بالله أبي الحسن الشاذلي أنّه قال : ( رأيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام وقد باهى موسى وعيسى : في أُمّتكما حبر هكذا ـ وأشار إلى الغزالي ـ .

وقال الشيخ الإمام العارف بالله الأستاذ ركن الشريعة والحقيقة أبو العبّاس المرسي ـ وقد ذكر الغزالي فشهد له بالصدّيقيّة العظمى ـ : وحسبك مَن باهى النبيّ به موسى وعيسى ، وشهد له الصدّيقون بالصدّيقيّة العظمى )(١) .

فمِن ذلك قوله في ( المنخول ) في كتاب الفتوى :

( الفصل الرابع : في التنصيص على مشاهير المجتهدين مِن الصحابة والتابعين وغيرهم ، ولا خفاء بأمر الخلفاء الراشدين، إذ لا يصلح للإمامة إلاّ مُفْت ، وكذا كلّ مَن أفتى في زمنهم ، كالعبادلة وزيد بن ثابت ، ومعاوية قلّده الشافعي في مسألة ، وأصحاب الشورى قيل إنّهم كانوا مفتين ؛ لأنّ عمر جعل الأمر فيما بينهم ، فدلّ على صلاح كلّ واحد له .

_______________________

(١) حياة الحيوان للدميري ١ : ٣٧٠ .


قال القاضي : وهذا فيه نظر ، إذ ما مِن واحد إلاّ وشبّب عمر فيه بشيء لمّا أن عُرض عليه ؛ فقال في طلحة : صاحب ختر وأَنْهٍ واستكبارٍ ، وفي الزبير : إنّه صاحب المُدّ والصاع ، وفي سعدٍ : إنّه صاحب مقنب ، وفي عليّ : إنّ فيه دعابة ، وفي عثمان : إنّه كلف بأقاربه .

فلا يتلقّى حكم اجتهادهم مِن هذا المأخذ .

وأبو هريرة لم يكن مفتياً فيما قاله القاضي ، وكان مِن الرواة .

والضابط عندنا فيه أنّ كلّ مَن عَلِمْنا قطعاً أنّه يتصدّى للفتوى في أعصارهم ولم يمنع عنه ، فهو مِن المجتهدين ، ولمَن لم يتصدّ له قطعاً فلا ، ومَن تردّدنا في ذلك في حقّه تردّدنا في صفته ، وقد انقسمت الصحابة إلى متنسّكين لا يعتنون بالعلم وإلى معتنين به ، وأصحاب العمل مِنهم لم يكن لهم مرتبة الفتوى ، والذين يعلمون وأفتوا فهم المُفْتون ، ولا مطمع في عدّ آحادهم بعد ذكر الضابط ، وهو الضابط أيضاً في التابعين ، وللشافعي في الحسن البصري كلام .

وأمّا مالك ، فكان مِن المجتهدين ، نعم له زلل في الاسترسال على المصالح ، وتقديم عمل علماء المدينة ، وله وجه كما ذكرناه مِن قبل .

وأمّا أبو حنيفة ، فلم يكن مجتهداً ، لأنّه كان لا يعرف اللغة ، وعليه يدلّ قوله : لو رماه بأبو قبيس ، وكان لا يعرف الأحاديث ؛ ولهذا عزي بقبول الأحاديث الضعيفة وردّ الصحيح مِنها ، ولم يكن فقيه النفس بل كان يتكايس لا في محلّه على مناقضة مآخذ الأُصول )(١) .

وذكر في ( المنخول ) في كتاب الترجيح :

_______________________

(١) المنخول في علم الأصول : ٤٦٩ ـ ٤٧١ .


( الباب الثاني : في ترجيح بعض الأقيسة المتعارضة على البعض ، وممّا لابدّ مِن تقديمه على الخوض في ترجيح المقاييس، فصل ذكره القاضي في ترتيب النظر في قواعد الأقيسة ، فقال : النظر فيها ينقسم إلى ما لا يتفاوت في نفسه وإلى المتفاوت في نفسه وإلى المتفاوت ؛ وعنى بالمتفاوت ما يتفاوت فيه نظر النظّار ويتعارض فيه الخواطر .

قال : والنظر الذي لا يتفاوت ينقسم إلى ما يقع في مرتبة البديهي ، كعلمِنا أنّ المخنق والقتال بالمثقل عامد للقتل ، ومَن أضمر خلافه يُسَفَّهُ في عقله ، وإلى ما يقع في مرتبة النظري ، كعلمِنا بوجوب القصاص عليه ، فإنّ مَن عَلِم مقصود الشارع مِن القصاص في الحقن والعصمة استبان بأدنى نظر على القطع إيجاب القصاص ، ولا ينبغي أن يتمارى فيه .

وكذلك علمنا بأنّ العقوبات الرادعة عن الفواحش شُرِّعت زجراً عنها ، وإذا تجمّعت أسبابها مِن ارتكاب الفاحشة مع تمحّض التحريم ومسيس الحاجة إلى الزجر فلا بدّ مِنه ، كعلمِنا بأنّ العدول إذا شهدوا على الزنا فلا يسقط الحدّ بقول المشهود عليه : صدقوا ، كما قاله أبو حنيفة ، وكعلمِنا بأنّ الحدّ لا يتعلّق إلاّ بفاحشة ، ولكن الشرع تولّى بيانه فإنّا لا ندركه بأفهامنا ، وقد خصّصها بتغييب الحشفة واستثنى مقدّماته مِن معانقة وتقبيل ومماسّة مِنها ، وعلمنا بأنّ أقلّ مراتب موجب العقوبة أن يتمحّض تحريمه ، فالوطئ بالشبهة لا يوجب الحدّ ، وإشارته إلى الذي صادف امرأة على فراشه ظنّها حليلته القديمة .

قال : فهذه جهة لا يتفاوت فيها نظر العقلاء ، ولا اكتراث بمخالفة أبي حنيفة ، فإنّي أقطع بخطائه في تسعة أعشار مذاهبه التي خالف فيها خصومه ، فإنّه أتى فيها بالزلل في قواعد أُصوليّة يترقّى القول فيها عن مظانّ الظنون ، كتقديمه القياس على الخبر ورجوعه إلى الاستحسان الذي لا مستند له،


وزعمه أنّ الزيادة على النصّ نسخ في مسائل ذكرناه ، وتمسّكه بمسائل شاذّه في خَرْم القواعد ، فليس الكلام معه فيها مظنّة النظر في المظنونات ، والعشر الباقي يستوي فيه قدمه وقدم خصومه ولعلّهم يرجّحون عليه )(١) .

وفي ( المنخول ) أيضاً :

( قال الشافعي : مَن استحسن فقد شرّع ، ولابدّ أوّلاً مِن بيان حقيقة الاستحسان ، وقد قال قائلون مِن أصحاب أبي حنيفة : الاستحسان مذهب لا دليل عليه .

وهذا كفر مِن قائله وممّن يجوّز التمسّك به بلا حاجة فيه إلى دليل )(٢) .

وفيه :

( قال أبو حنيفة : لا يجري القياس في الحدود و...... والمقدّرات والرخص ، ثمّ أفحش القياس في درء الحدود في السرقة والقصاص حتّى أبطل قاعدة الشرع ، وفي إثباتها حتّى أوجب الحدّ في شهود الزوايا ، وأوجب قطع السرقة بشهادة شاهدين يشهد أحدهما على أنّه سرق بقرة بيضاء ويشهد الآخر على بقرة سوداء ، لاحتمال أنّ البقرة كانت ملمعة .

وقاس غير الجماع على الجماع في الصوم في إيجاب الكفّارة .

والخطاء في قتل الصيد على العمد في إيجاب الجزاء مع اختصاص النصّ بالعمد .

وقدّر نزح ماء البئر عند نجاسته بثلاثين دلواً قياساً .

ولا ينفعهم قولهم إنّا قلّدنا الأوزاعي ، فإنّهم أبَوْا عن تقليد الصحابة في مسائل فكيف قلّدوه ؟ وقدّروا العفو عن النجاسة بربع الثوب ، والمسح على الرأس بربعه ، وقاسوا في الرخص سائر النجاسات على

_______________________

(١) المنخول مِن علم الأصول : ٤٣٨ ـ ٤٣٩ .

(٢) المنخول : ٣٧٤ ـ ٣٧٥ .


مقدار ما عُفيَ عنه على محلّ النَّجْو رخصة ، فقد خبطوا هذه الأُصول )(١) .

وجاء في آخر كتاب ( المنخول ) :

( إنّ أبا حنيفة نزق حمام ذهنه في تصوير المسائل وتقرير المذاهب ، فكثر خبطه لذلك ؛ ولهذا استنكف أبو يوسف ومحمّد عن اتّباعه في ثلثي مذهبه ، لِما رَأَيا فيه مِن كثرة الخبط والخلط والتورّط في المتناقضات ، وصرف الشافعي ذهنه إلى انتخاب المذاهب وتقديم الأظهر فالأظهر ، وأقدم عليه بقريحة وقّادة وفطنة منقادة وعقل ثاقب ورأي صائب ، بعد الاستظهار بعلم الأُصول والاستمداد مِن جملة أركان النظر في المعقول والمنقول ، فيُستبان على القطع أنّه أبعد عن الزلل والخطأ ممّن اشتغل بالتمهيد ، وتشوّش الأمر عليه في روم التأسيس والتقعيد .

وعلى الجملة ، إذا قُدّم مذهب أبي حنيفة على مذهب أبي بكر لتأخّره وشدّة اعتنائه بالنخل ، فاعتبار التأخّر في نسبة الشافعي إلى أبي حنيفة ومَن قبله أبْيَن وأوضح )(٢) .

ثمّ قال :

( المسلك الثالث أن نستقري مذاهب الأئمّة ، ليتبيّن تقديم الشافعي على القطع :

فأمّا مالك ، فقد استرسل على المصالح استرسالاً جرّه ذلك إلى قَتْل ثلث الأمّة لاستصلاح ثلثيها ، وإلى القتل في التعزير والضرب بمجرّد التّهم ، إلى غيره ممّا أومأنا إليه في أثناء الكتاب...

_______________________

(١) المنخول : ٣٨٥ ـ ٣٨٦ .

(٢) المنخول : ٤٩٦ .


وأمّا أبو حنيفة ، فقد قلّب الشريعة ظهراً لبطن وشوّش مسلكها وغيّر نظامها )(١) .

إلى أن قال :

( ولا يخفى فساد مذهبه في تفاصيل الصلاة ، والقول في تفاصيلها يطول ، وثمرة خبطه بيّن فيما عاد إليه أقلّ الصلاة عنده، وإذا عرض أقلّ صلاته على كلّ عاميّ جلف كاعٍّ امتنع عن اتّباعه ، فإنّ مَن انغمس في مستنقع نبيذ ، وخرج في جلد كلب مدبوغ ، ولم ينْوِ ، وأحرم للصلاة مبدّلاً صيغة التكبير بترجمته تركيّاً كان أو هنديّاً ، ويقتصر في قراءة القرآن ، على ترجمة قوله( مُدْهَامَّتَانِ ) ثم يترك الركوع وينقر نقرتين لا قعود بينهما ، ولا يقرأ التشهّد ، ثمّ يُحدث عمداً في آخر صلاته بدلاً عن التسليم ، ولو انفلت مِنه أو سبقت له حَدَث يعيد الوضوء في أثناء صلاته ، ويُحْدِث بعده عمداً فإنّه لم يكن قاصداً في حَدَثه الأوّل، تحلّل عن صلاته على الصحّة .

والذي ينبغي أن يقطع به كلّ ذي دين : أنّ مثل هذه الصلاة لا يبعث الله بها نبيّاً ، وما بعث محمّد بن عبد الله ( صلوات الله عليه ) بدعاء الناس إليه ، وهي قطب الإسلام وعماد الدين ، وقد زعم أنّ هذا القدَر أقلّ الواجب فهي الصلاة التي بعث بها النبيّ وما عداها آداب وسُنن .

وأمّا الصوم ، فقد استأصل ركنه وردّه إلى نصفه ، حيث لم يشترط تقديم النيّة .

وأمّا الزكاة ، فقد قضى أنّها على التراخي ، فيجوز تأخيرها وإن كانت الحاجة ماسّة ،وأَعْيُن المساكين إليها ممتدّة ، ثمّ زعم أنّها تسقط بموته قبل

_______________________

(١) المنخول : ٤٩٩ ـ ٥٠٠ .


أدائها ، وكان قد جاز له التأخير ، وهل هذا إلاّ إبطال غرض الشارع مِن مراعاة حقّ المساكين .

ثمّ عكس هذا في الحجّ الذي لا ترتبط به حاجة مسلم ، وزعم أنّه على الفور .

فهذا صنيعه في العبادات .

وأمّا العقوبات ، فقد أبطل مقاصدها وخرم أصولها وقواعدها ، فإنّ ممّا رام الشرع عصمة الدماء والفروج والأموال ، وقد هدم قاعدة القصاص بالقتل بالمثقل ، فمهّد التخنيق والتغريق والقتل بأنواع المثقلات ذريعة إلى درء القصاص ، ثمّ زاد عليه حتّى ناكر الحسّ والبديهة وقال : لم يقصد قتله وهو شبه عمد .

وليت شعري كيف يجد العاقل مِن نفسه أن يعتقد مثل ذلك تقليداً ، لولا فرط الغباوة وشدّة الخذلان ؟!

وأمّا الفروج ، فإنّه مهّد ذرائع أسقط الحدّ بها ، مثل الإجارة ونكاح الأُمّهات ، وزعم أنّها دارئة للحدّ ، ومَن يبغ البغاء بمؤمِنة كيف يعجز عن استيجارها ، ومَن عذيرنا مِن ذلك ؟

ثمّ دقّق نظره منعكساً في إيجاب الحدّ في مسألة شهود الزوايا ، زاعماً أنّي تفطّنت لدقيقة وهي انزحافهم في زنية واحدة على الزوايا ، ثمّ قال : لو شهد عليه أربعة عدول بالزنا فأقرّ مرّة واحدة سقط الحدّ عنه ، ثمّ أوجب الحدّ في الوطي بالشبهة إذا صادف أجنبيّة على فراشه فظنّ أنّها حليلته القديمة ، وأقلّ موجبات العقوبات ما تمحّض تحريمه ، والذاهل المخطي لا يوصف فعْلُه بالتحريم .

وأمّا الأموال ، فإنّه زعم أنّ الغصب فيها مع أدنى تغيير مزيل مِلك المالك عنها ، كطحن الحنطة وشيّ الشاة )(١) .

_______________________

(١) المنخول : ٥٠٠ ـ ٥٠٢ .


إلى أن قال :

( ثمّ أردف جميع قواعد الشريعة بأصل هَدَم به شرع محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قطعاً حيث قال : شهود الزور إذا شهدوا كاذبين على نكاح زوجة الغير وقضى به القاضي بخطأ ، حلّت الزوجة للمشهود له وإن كان عالماً بالتزوير ، وحرمت على الأوّل بينه وبين الله تعالى )(١) .

قال :

( ولولا شدّة الغباوة وقلّة الدراية وتدرّب القلوب على اتّباع التقليد والمألوف ، لما اتّبع مثل هذا المتصرّف في الشرع مَن سلم حسّه فضلاً عمّن يشتدّ نظره ، ولهذا اشتدّ المطعن والملعن مِن سلف الأئمّة فيه ، إلى أن اتّهموه برومه خرم الشرع ، وهو الذي قطع به القاضي أبو بكر في قوله في مسألة المثقل قال : مَن زعم أنّ القاتل لم يتعمّد القتل به إن لم يعلم نقيضه فليس مِن العقلاء وإن علمه فقد رام خرم الدين )(٢) .

أقول :

هكذا يتكلّم الغزالي في أبي حنيفة ، ثمّ بالتالي يلعنه بصراحةٍ ، وإذا علِمنا أنّ الغزالي يمنع مِن لعْن المسلم ، بل لا يجوّز لعن يزيد بن معاوية ، عرفنا حال أبي حنيفة عنده ! وهذه عباراته على ما في ( تاريخ ابن خلّكان ) وغيره مِن كتب أكابرهم الأعيان :

( لا يجوز لَعْن المسلم أصلاً ، ومَن لَعَن مسلماً فهو الملعون ، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : المسلم ليس بلعّان ، وكيف يجوز لَعْن المسلم

_______________________

(١) المنخول : ٥٠٣ .

(٢) المنخول : ٥٠٣ ـ ٥٠٤ .


ولا يجوز لعن البهائم وقد ورد النهي عن ذلك ؟ وحرمة المسلم أعظم مِن حرمة الكعبة بنصّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويزيد صحّ إسلامه وما صحّ قتله الحسينرضي‌الله‌عنه ولا أمره ولا رضاه بذلك ، ومهما لم يصحّ ذلك مِنه لا يجوز أن يظنّ ذلك به ، فإنّ إساءة الظنّ أيضاً بالمسلم حرام وقد قال الله تعالى :( اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِن الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) وقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله تعالى حرّم مِن المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظنّ به ظنّ السوء .

ومَن زعم أنّ يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به فينبغي أن يعلم به غاية حماقته ، فإنّ مَن قُتِلَ مِن الأكابر والوزراء والسلاطين في عصره لو أراد أن يعلم حقيقة مَن الذي أمر بقتله ومَن الذي رضي به ومَن الذي كرهه ، لم يقدر على ذلك وإن كان قد قُتِل في جواره وزمانه وهو يشاهده ، فكيف لو كان في بلد بعيد وفي زمن بعيد وقد انقضى عليه قريب مِن أربع مائة سنة في مكان بعيد ، وقد تطرّق التقصير في الواقعة فكثرت فيها الأحاديث مِن الجوانب ؟ فهذا أمر لا يعرف حقيقته أصلاً ، وإذا لم يعرف ؛ وجب إحسان الظنّ بكلّ مسلم .

ومع هذا ، فلو ثبت على مسلم أنّه قتل مسلماً فمذهب أهل الحقّ أنّه ليس بكافر ، والقتل ليس بكفر ، بل هو معصية ، وربّما مات بعد التوبة ، والكافر لو تاب مِن كفره لم يجز لعنته فكيف مَن تاب عن قتل ، وبم يعرف أنّ قاتل الحسينرضي‌الله‌عنه مات قبل التوبة( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) .

فإذاً لا يجوز لعن أحد ممّن مات مِن المسلمين ، ومَن لعنه كان فاسقاً عاصياً لله تعالى ، ولو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصياً بالإجماع ، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له في القيامة لِمَ لم تلعن إبليس ويقال للاّعن : لمَن لعنت ؟ ومِن أين عرفت أنّه مطرود ملعون ؟ والملعون هو المُبعَد مِن الله


تعالى ، وذلك غيب لا يُعرف إلاّ في مَن مات كافراً ، فإنّ ذلك عُلِم بالشرع ، وأمّا الترحّم عليه فهو جائز ، بل مستحب ، بل هو داخل في قولنا في كلّ صلاة : اللّهمّ اغفر للمؤمِنين والمؤمِنات فإنّه مؤمِناً والله أعلم )(١) .

كتاب المنخول للغزالي

ثم إنّ بعضهم لمّا رأى هذا الطعن والذمّ الشديد مِن إمامهم الغزالي في أبي حنيفة في كتاب المنخول ، ولم يتمكّن مِن تكذيب الغزالي ، اضطرّ إلى نفي نسبة الكتاب المذكور إليه ، فقال بأنّه ليس مِن تصانيف الغزالي صاحب إحياء العلوم ، بل هو تأليف محمود الغزالي المعتزلي .

ولكنّ هذه المحاولة أيضاً للدفاع والحماية عن أبي حنيفة لا تجدي نفعاً ، فالكتاب للغزالي قطعاً... وقد ذكره له كبار العلماء والمؤرّخين المشاهير ، كابن خلّكان ، واليافعي ، بترجمة الغزالي في عداد مصنّفاته(٢) .

كما اعترف الملاّ عليّ القاري بذلك في كتابه المؤلَّف ردّاً على إمام الحرمين فقال :

( ثم رأيت الإمام الكردري صنّف تصنيفاً في الردّ على الغزالي فيما نقل عنه أنّه ذكر في كتابه المنخول طعناً في أبي حنيفة وأصحابه الفحول ، ولعلّه كان في أيّام جهالته وزمان حيرته ومبدأ ضلالته ، قبل أن يدخل في طريق الأولياء وتصنيفه الإحياء ، على ما تدلّ عليه ترجمته للإمام الأعظم مع سائر العلماء ) .

_______________________

(١) وفيات الأعيان ٣ : ٢٨٨ ـ ٢٨٩ .

(٢) وفيات الأعيان ٤ : ٢١٨ ، مرآة الجنان ٣ : ١٣٧ .


وقال الحافظ الزين العراقي في ( شرح ألفيّة الحديث ) :

( اختلف في التعديل والجرح هل يقبلان أو أحدهما مِن غير ذكر أسبابهما أم لا يقبلان إلاّ مفسَّراً ، على أربعة أقوال ؟ ) ثمّ قال :

( القول الثاني عكس القول الأوّل : إنّه يجب بيان سبب العدالة ولا يجب بيان سبب الجرح ؛ لأنّ أسباب العدالة يكثر التصنّع فيها ، فيبني المعدّلون على الظاهر حكاه صاحب المحصول وغيره ، ونقله إمام الحرمين في البرهان والغزالي في المنخول تبعاً له عن القاضي أبي بكر ) ثمّ قال بعد ذكر القول الثالث :

( والقول الرابع عكسه ، إنّه لا يجب ذكر سبب واحدٍ مِنهما ، إذا كان الجارح أو المعدّل عالماً بصيراً ، وهو اختيار القاضي أبي بكر ونقله عن الجمهور فقال : قال الجمهور مِن أهل العلم : إذا جرح مَن لا يعرف الجرح ، يجب الكشف عن ذلك، ولم يوجبوا ذلك على أهل العلم بهذا الشأن .

قال : والذي يقوى عندنا ترك الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالماً ، كما لا يجب استفسار المعدّل عمّا به صار عنده المزكّى عدلاً إلى آخر كلامه .

وممّن حكاه عن القاضي أبي بكر الغزالي في المستصفى خلاف ما حكاه عنه في المنخول )(١) .

وذكر ابن جماعة كتاب المنخول بترجمة الغزالي في عداد مصنّفاته(٢) ، وحكى بترجمة القاضي الحسين بن الحسن السعدي المقدسي الأصل

_______________________

(١) شرح ألفيّة الحديث .

(٢) طبقات الشافعية لابن جماعة ـ ترجمة الغزالي .


الدمياطي ، عن الحافظ الدمياطي أنّه قرأ عليه المنخول للغزالي(١) .

ونقل الحافظ السيوطي في رسالته في الاجتهاد ـ ( جزيل المواهب ) ـ كلاماً عن الغزالي في المنخول قائلاً : ( قال الغزالي في المنخول: الاجتهاد ركن عظيم في الشريعة... ) .

هذا ، وإنّ عدّةً مِن الأعلام يروون بالأسانيد كتاب ( المنخول ) للغزالي ، فقد قال الشيخ تاج الدين الدهان المكّي الحنفي في كتاب ( كفاية المتطلع لِما ظهر وخفي مِن غالب مرويّات شيخنا العلاّمة الحسن بن عليّ العجيمي ) ما نصّه :

( كتاب المستصفى والمنخول ، للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمّد بن محمّد بن محمّد الغزالي الشافعي : أخبر بهما عن الشيخ صفيّ الدين أحمد بن محمّد القشاشي والشهاب أحمد بن محمّد الخفاجي ، عن العلاّمة شمس الدين محمّد بن أحمد الرملي ، عن أبي الفضائل عبد الحق بن محمّد السنباطي ، عن الشيخ الزاهد شرف الدين أبي الفتح محمّد بن الزين أبي بكر ابن الحسين المراغي قال : أخبرنا بهما جماعة أعلاهم الحافظ بهاء الدين عبد الله بن محمّد بن خليل العثماني المكّي إذناً ، عن الرضيّ إبراهيم بن محمّد الطبري المكّي قال : أخبرنا أبو الحسن عليّ ابن المقيّر البغدادي إذناً قال : أخبرنا أبو العبّاس أحمد بن طاهر الميهني قالا : أخبرنا بهما مؤلّفهما الإمام حجّة الإسلام أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي الطوسي فذكرهم )(٢) .

ثمّ إنّه ممّا يبطل دعوى كون ( المنخول ) لمحمود المعتزلي وجود الردود

_______________________

(١) طبقات الشافعية لابن جماعة ـ ترجمة القاضي حسين بن الحسن الدمياطي ـ .

(٢) كفاية المتطّلع ـ مخطوط ـ .


الكثيرة على المعتزلة فيه :

فقد جاء في ( المنخول ) :

( مسألة : لايُستدرك حُسن الأفعال وقبحها بمسالك العقول ، بل يتوقف دركها على الشرع المنقول ، إذ الحسن عندنا ما حسّنه الشرع بالحثّ عليه ، والقبيح ما قبّح بالزجر عنه والذمّ عليه ، وقد خالف في ذلك المعتزلة والكراميّة والرافضة... )(١) .

وفيه :

( مسألة : صيغة النفي إذا اتّصل بالجنس لم يقتض الإجمال كقوله : لا عمل إلاّ بالنيّة ولا صيام ولا صلاة ، وزعمت المعتزلة أنّها مجملة مِن حيث أنّه يتردّد بين نفي العمل حسّاً وبين نفيه حُكماً وهذه جهالة... )(٢) .

وفيه :

( الأمر قسم مِن أقسام الكلام ، وأصل الكلام ممّا أنكره المعتزلة ، فلا بدّ مِن تقديمه ، والكلام فيه في ثلاثة فصول : الفصل الأوّل في إثباته عليهم ، فالكلام عندنا معنى قائم بالنفس على حقيقة وخاصيّة يتميّز بها عمّا عداها ، وأمّا العبارات فإنّها تسمّى كلاماً مجازاً أو حقيقة ؟ تردّد فيه شيخنا أبو الحسن وهو متلقّى مِن اللغة ، وأنكرت المعتزلة جنس الكلام وزعمت أنّه فعل حركات مخصوصة وأصوات مقطوعة ، وزعموا أنّ الباري سبحانه متكلّم بمعنى أنّه فاعل للكلام ، والدليل على إثباته ثلاثة مسالك... )(٣) .

_______________________

(١) المنخول : ٨ .

(٢) المنخول : ٧٧ .

(٣) المنخول : ٩٨ ـ ٩٩ .


وفيه:

( مسألة : عند المعتزلة المأمور يخرج عن كونه مأموراً حالة الامتثال وحدوث الفعل المطلوب ؛ لأنّ الأمر طلب والكائن لا يطلب ، كما قالوا يخرج عن كونه مقدوراً ، لأنّ القدرة لا تتعلّق بالموجود ، وخالفهم أصحابنا في مسألتين وبنوا الأمر على القدرة )(١) .

وفيه :

( قال شيخنا أبو الحسن : المعدوم مأمور على تقدير الوجود ، إذ عنده ثبت الكلام القديم وثبت كون الباري آمراً أزلاً ، وأبى المعتزلة وقالوا : الأمر طلب فكيف يتوجه على المعدوم ...)(٢) .

وفيه :

( قالت المعتزلة : لا يخصّص عموم القرآن بأخبار الآحاد ، فإنّ الخبر لا يقطع بأصله بخلاف القرآن وقال الفقهاء : يخصّص به ـ إلى أن قال ـ والمختار أنّه يخصّص ، لعلمِنا أنّ الصحابة كانوا يقبلون حديثاً نصّاً ينقل لهم الصدّيق في تخصيص عموم القرآن... )(٣) .

وفيه:

( القول في أفعال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا يتوصّل إلى ذلك إلاّ بذكر مقدّمة في عصمة الأنبياء عن المعاصي ، وهي منقسمة إلى الصغائر والكبائر ، وقد تقرّر بمسلك النقل كونهم معصومين عن الكبائر ، وأمّا الصغائر ،

_______________________

(١) المنخول : ١٢٢ ـ ١٢٣ .

(٢) المنخول : ١٢٤ .

(٣) المنخول : ١٧٤ .


ففيه تردّد العلماء ، والغالب على الظنّ وقوعه ، وإليه يشير بعض الآثار والحكايات ، هذا كلام في وقوعه ، أمّا جوازه فقد أطبقت المعتزلة على وجوب عصمتهعليه‌السلام عقلاً عن الكبائر ، تعويلاً على أنّه يورث التنفير وهو مناقض لغرض النبوّة ، وهذا يبطل بكون الحرب سجالاً بينه وبين الكفّار ، وبه اعتصم بعض اليهود في تكذيبه .

والمختار ما ذكره القاضي وهو أنّه لا يجب عقلاً عصمتهم ، إذ لا يستبان استحالة وقوعه بضرورة العقل ولا بنظر ، وليس مناقضاً لمدلول المعجزة ، فإنّ مدلوله صدق اللهجة فيما يخبر عن الله تعالى ، فلا جرم لا يجوز وقوع الكذب فيما يخبر به عن الله تعالى ؛ لا عمداً ولا سهواً ، ومعنى التنفير باطل ، فإنّا نجوّز أن ينبّئ الله تعالى كافراً ويؤيّده بالمعجزة ، والمعتزلة يأبون ذلك أيضاً )(١) .

أقول :

وإذ وقفْتَ على كلمات الشّافعي وغيره في أبي حنيفة ، فهلمّ لننظر إلى كلمات سائر الأئمّة فيه ، وقد أوردها الحافظ الخطيب البغدادي بترجمته مِن ( تاريخ بغداد )(٢) .

أبو حنيفة في تاريخ الخطيب

وقد قال الخطيب بعد أن أورد عن جماعةٍ مِن الأئمّة المدح لأبي حنيفة :

( والمحفوظ عند نقلة الحديث مِن الأئمّة المتقدمين ـ وهؤلاء المذكورون مِنهم ـ في أبي حنيفة خلاف ذلك ، وكلامهم فيه كثير ؛ لأُمور شنيعةٍ

_______________________

(١) المنخول : ١٢٣ ـ ١٢٤ .

(٢) ترجمة أبي حنيفة في تاريخ بغداد ١٣ : ٣٢٣ ـ ٤٥٤ .


حفظت عليه ، متعلّق بعضها بأُصول الديانات وبعضها بالفروع ، ونحن ذاكروها بمشية الله عزّ وجل ، ومعتذرون إلى مَن وقف عليها وكره سماعها ، بأنّ أبا حنيفة عندنا مع جلالة قدره أُسوة غيره مِن العلماء الذين دوّنّا ذكرهم في هذا الكتاب ، وأوردنا أخبارهم وحكينا أقوال الناس فيهم على تباينها ، والله الموفّق للصواب )(١) .

أقول :

وهذه أسماء الأئمّة الذين ذكر الخطيب آرائهم في أبي حنيفة ، فهم :

ابن عيينة ، وابن المبارك ، وأبو يحيى الحماني ، وابن عيّاش ، وأحمد الخزاعي ، والقاسم بن معن ، ومالك بن أنس ، ومحمّد بن إدريس الشافعي ، والأوزاعي ، ومسعر بن كدام ، وإسرائيل ، ومعمر ، والفضيل بن عياض ، وأبو يوسف ، وأيّوب، وسفيان ، وأبو مطيع الحكم بن عبد الله ، ويزيد بن هارون ، وأبو عاصم النبيل ، وعبد الله بن داود الخريبي ، وعبد الله بن يزيد المقري ، وشداد بن حكيم ، ومكي بن إبراهيم ، ووكيع ، والنضر بن شميل ، ويحيى بن سعيد القطان ، وأبو عبيد ، والحسن بن عثمان العاضي ، ويزيد بن ذريع ، وجعفر بن ربيع ، وإبراهيم بن عكرمة القزويني ، وعلي بن عاصم ، والحكم بن هشام ، وعبد الرزاق ، والحسن بن محمّد الليثي ، ويحيى بن أيّوب ، وحفص بن عبد الرحمن ، وزافر بن سليمان ، وأسد بن عمرو ، والحسن بن عمارة ، ويحيى ابن فضيل ، وأبو الجويرية ، وزائدة ، ويزيد الكميت ، وعلي بن حفص البزاز ، ومليح بن وكيع ، ومحمّد بن عبد الرحمن المسعودي ، ويوسف السمتي ،

_______________________

(١) تاريخ بغداد ١٣ : ٣٧٠ .


وخارجة بن مصعب ، وقيس بن الربيع ، وحجر بن عبد الجبّار ، وحفص بن حمزة القرشي ، والحسن بن زياد ، وجعفر بن عون العمري ، وعبد الله بن رجا الغداني ، ومحمّد بن عبد الله الأنصاري ، وعبد الله بن عباب ، وحجر بن عبد الله الحضرمي ، وابن وهب العابد ، وابن عائشة ).

قال الخطيب :

( ذكر القوم الذين ردّوا على أبي حنيفة : أيّوب السختياني ، وجرير بن حازم ، وهمام بن يحيى ، وفلان وفلان فعدّد خمسة وثلاثين رجلاً ، العجب أنّ فيهم عبد الله بن المبارك وحفص بن غياث ، وهذان مِن أصحاب أبي حنيفة ؛ أمّا عبد الله بن المبارك فأخذ العلم عنه واشتهر بذلك ، وأمّا حفص بن غياث فمِن مشهوري أصحابه والآخذين عن أصحابه )(١) .

ثمّ إنّ الخطيب جعل يروي بالأسانيد كلمات القوم في أبي حنيفة ، كروايته عن الحميدي قال : ( حدّثنا حمزة بن الحارث بن عمير عن أبيه قال : سمعت رجلاً يسأل أبا حنيفة في المسجد الحرام :

عن رجل قال : أشهد أنّ الكعبة حقّ ، ولكن لا أدري هل هي هذه التي بمكّة أم لا ؟ فقال : مؤمِن حقّاً وسأله عن رجل قال : أشهد أنّ محمّد بن عبد الله نبيّ ، ولكن لا أدري هو الذي قبره بالمدينة أم لا ؟ فقال : مؤمِن حقّاً وقال الحميدي : ومَن قال هذا فقد كفر )(٢) .

وروى بإسناده عن يحيى بن حمزة ـ وسعيد يسمع ـ : ( أنّ أبا حنيفة قال : لو أنّ رجلاً عبد هذه النعل يتقرّب بها إلى الله لم أر بذلك بأساً فقال

_______________________

(١) تاريخ بغداد ١٣ : ٣٧٠ .

(٢) تاريخ بغداد ١٣ : ٣٧٢ .


سعيد : هذا الكفر صراحاً )(١) .

وجاء في ( تاريخ بغداد ) قول الخطيب في أبي حنيفة :

( إنّه كان مذهبه مذهب جهم )(٢) .

وقوله :

( وأمّا القول بخَلْق القرآن فقد قيل : إنّ أبا حنيفة لم يكن يذهب إليه ، المشهور إنّه كان يقوله واستتيب مِنه )(٣) .

وذكر الروايات في مَن حكى عن أبي حنيفة القول بخلق القرآن وأطال ، فروى أشياء مِنها : ( كان أبو حنيفة في مجلس عيسى بن موسى فقال : القرآن مخلوق فقال : أخرجوه فإن تاب وإلاّ فاضربوا عنقه )(٤) .

والقول بخلْق القرآن كفرٌ ، كما هو في أسفارهم مذكور وعلى ألسنتهم مشهور...

وروى بإسناده عن شريك بن عبد الله ـ قاضي الكوفة ـ : ( إنّ أبا حنيفة استتيب مِن الزندقة مرّتين ) .

وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل ـ إجازةً ـ حدّثني أبو معمر قال : قيل لشريك : ( مِمّ استتبتم أبا حنيفة ؟ قال : مِن الكفر) .

وعن معاذ بن معاذ ويحيى بن سعيد : سمعنا سفيان يقول : ( استتيب أبو

_______________________

(١) تاريخ بغداد ١٣ : ٣٧٤ .

(٢) تاريخ بغداد ١٣ : ٣٨١ .

(٣) تاريخ بغداد ١٣ : ٣٨٣ .

(٤) تاريخ بغداد ١٣ : ٣٨٦ .


حنيفة مِن الكفر مرتين وقال يعقوب : مراراً ) .

وعن أبي بكر ابن أبي داود السجستاني أنّه قال يوماً لأصحابه : ( ما تقولون في مسألة اتّفق عليها مالك وأصحابه ، والشافعي وأصحابه ، والأوزاعي وأصحابه ، والحسن بن صالح وأصحابه ، وسفيان الثوري وأصحابه ، وأحمد بن حنبل وأصحابه ؟

فقالوا له : يا أبا بكر ، لا تكن مسألة أصحّ مِن هذه .

فقال : هؤلاء كلّهم اتّفقوا على تضليل أبي حنيفة )(١) .

أقول :

ومِن هنا ترى أنّ عارفهم الرّباني الشيخ عبد القادر الجيلاني يقول في كتابه ( غنية الطالبين ) : إنّ أبا حنيفة مُرْجئ والحنفيّة مُرْجئة ، فيخرجهم عن الإسلام بمقتضى الحديث في صحيح الترمذي ، وهذا كلامه :

( عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة كلّها في النّار إلاّ فرقة واحدة ، وستفترق أُمّتي على ثلاثة وسبعين فرقة كلّها في النّار إلاّ واحدة قالوا : يا رسول الله ! وما تلك الواحدة ؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مَن كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي ) .

فقال :

( فأصل ثلاث وسبعين فرقة ؛ عشر : أهل السنّة والخوارج والشيعة والمعتزلة والمرجئة والمشبّهة والجهميّة والضراريّة والجاريّة والكلابيّة ، فأهل

_______________________

(١) تاريخ بغداد ١٣ : ٣٩٤ .


السنّة طائفة واحدة ) .

ثمّ قال :

( أمّا المرجئة ، ففرقها اثنا عشر فرقة : الجهمية والصالحيّة والشمريّة واليونسيّة واليونانيّة والنجاريّة والغيلانيّة والشبيهيّة والحنفيّة والعاذيّة والمريسيّة والكرامية ) .

ثمّ قال :

( أمّا الحنفيّة ، فهم أصحاب أبي حنيفة نعمان بن ثابت ، زعم أنّ الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله ورسوله ربّما جاء به مِن عنده جملة ، على ما ذكره البرهوقي في كتاب الشجرة ) .

وقد تألّم الشيخ عليّ القاري مِن هذا الكلام بشدّةٍ فقال في ( شرح الفقه الأكبر ) :

( وأمّا ما وقع في الغنية للشيخ عبد القادر الجيلانيرضي‌الله‌عنه ، عند ذكر الفِرق الغير الناجية حيث قال : ومِنهم القدريّة، وذكر أصنافاً مِنهم ثمّ قال : ومِنهم الحنفيّة وهم أصحاب أبي حنيفة نعمان بن ثابت ، زعم أنّ الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله ورسوله وبما جاء مِن عنده جملة على ما ذكره البرهوقي في كتاب الشجرة ، فهو اعتقاد فاسد وقول كاسد ، مخالف لاعتقاده في الفقه الأكبر... )(١) .

أما ابن قتيبة ، فقد ذكر في عداد المرجئة القاضي أبا يوسف وأستاذه أبا حنيفة وأستاذ أستاذه أعني حماداً ، وكذا رفيقه أعني محمّداً ، وذلك في ( كتاب المعارف ) حيث قال :

_______________________

(١) شرح الفقه الأكبر للقاري : ١١٩ .


( أسماء المرجئة : إبراهيم التيمي ، عمرو بن مرّة ، أبو ذر الهمداني ، طلق بن حبيب ، حمّاد بن أبي سليمان ، أبو حنيفة الفقيه ، عبد العزيز بن أبي رواد ، ابنه عبد الحميد ، خارجة بن مصعب ، عمر بن قيس الماصر ، أبو معاوية الضرير ، يحيى بن زكريا ، ابن أبي زائدة ، أبو يوسف صاحب الرأي ، محمّد بن الحسن ، محمّد بن السائب ، مسعر بن كدام )(١) .

وعن السليماني القول بكون أبي حنيفة مِن المرجئة كما في كتاب ( ميزان الاعتدال ) :

( أمّا مسعر بن كدام فحجّة إمام ، ولا عبرة بقول السليماني : كان مِن المرجئة مسعر وحمّاد بن أبي سليمان والنعمان وعمرو بن مرّة وعبد العزيز بن أبي رواد وأبو معاوية وعمر بن ذر ، وسرد جماعة قلت : الإرجاء مذهب لعدّة مِن جلّة مِن العلماء لا ينبغي التحامل على قائله )(٢) .

وقال ابن الجوزي في ( تلبيس إبليس ) عن المرجئة :

( قالت المرجئة : إنّ مَن أقرّ بالشهادتين وأتى بكلّ المعاصي لم يدخل النّار أصلاً ، وخالفوا الأحاديث الصحاح في إخراج الموحّدين مِن النّار .

قال ابن عقيل : ما أشبه أن يكون واضع الإرجاء زنديقاً ، فإنّ صلاح العالَم بإثبات الوعيد واعتقاد الجزاء ، والمرجئة لمّا لم يمكنهم جحد الصانع ـ لما فيه مِن نفور الناس ومخالفتهم ـ أسقطوا فائدة الإثبات وهي الحسبة والمراقبة ، وهدموا سياسة الشرع ، فهم شرّ طائفة على الإسلام )(٣) .

_______________________

(١) المعارف لابن قتيبة : ٦٢٥ .

(٢) ميزان الاعتدال ٦ : ٤٠٩ / ٨٤٧٦ .

(٣) تلبيس إبليس : ٩٧ .


والأفظع مِن ذلك كلّه ما رواه الحافظ الخطيب البغدادي مسنداً إلى أبي إسحاق الفزاري أنّه قال : ( كنت آتي أبا حنيفة أسأله عن الشيء مِن أمر الغزو ، فسألته عن مسألة فأجاب فيها .

فقلت له : إنّه يروى عن النبيّ كذا وكذا .

قال : دعنا مِن هذا .

وقال : وسألته يوماً آخر عن مسألة فأجاب فيها .

فقلت له : إنّ هذا يروى عن النبيّ فيه كذا وكذا .

فقال : حُكّ هذا بذَنَبِ خنزير )(١) .

ولهذه الأمور وغيرها ، فقد أطال الخطيب البغدادي الكلام بترجمة أبي حنيفة ، فذكر :

( ما قاله العلماء في أمر رأيه والتحذير عنه ) وبدأ بالطعن على مِن قال بالرأي ، وما ورد مِن الأخبار فيه ، وأورد السباب، وأنّه دجّال ، وأنّه ما وُلِد في الإسلام مولود أضرّ منه .

وهكذا سعى الخطيب في ذِكْرِ عيوب أبي حنيفة والحطّ عليه والطعن فيه... بما لا يمكن تأويله وتوجيهه وحمله ، وقد اعتذر قبل أن يشرع في ذلك بأن قال : ( قد سقنا عن أيّوب السنحتياني وسفيان الثوري وابن عيينة وأبي بكر ابن عيّاش وغيرهم مِن الأئمّة أخباراً كثيرة تتضمن تقريظ أبي حنيفة والمدح له والثناء عليه .

والمحفوظ عند نقَلَة الحديث مِن الأئمّة المتقدّمين وهؤلاء المذكورين منهم في أبي حنيفة خلاف ذلك وكلامهم فيه كثير ، لأُمور شنيعةٍ حُفظت عليه ) .

_______________________

(١) تاريخ بغداد ١٣ : ٤٠١ .


وقال الشيخ عبد الحقّ الدهلوي في ( تحصيل الكمال ) في ترجمة أبي حنيفة في ذكر مسنده الذي جمعه أبو المؤيّد الخوارزمي : ( ورتّبه على أبواب الفقه وذبّ عنه ما تكلّم فيه بعض الناس ، خصوصاً الخطيب البغدادي المتعصّب المكابر مع هذا الإمام العظيم الشأن ، ولقد ناقض هذا الرجل المكابر نفسه في ما ذكر مِن المطاعن والعيوب ، وتهافت كلامه في ذلك وتساقط مِن القلوب ) .

بين أبي حنيفة وسفيان الثوري

إلاّ أنّ هذا لا يجدي نفعاً ، وقد ذكر البخاري في ( التاريخ الصغير ) :

( حدّثنا نعيم بن حمّاد قال : حدّثنا الفزاري قال : كنت عند سفيان ، فنُعي النعمان فقال : الحمد لله كان ينقض الإسلام عروة عروة ، ما وُلد في الإسلام أشأم منه )(١) .

واضطرّ بعض الأعلام لأنْ ينصحوا الناس بعدم الإصغاء لمثل هذه القضايا ، فيقول السبكي :

( فإيّاك ثمّ إيّاك أن تصغي إلى ما اتّفق بين أبي حنيفة وسفيان الثوري ، أو بين مالك وابن أبي ذئب ، أو بين أحمد بن صالح والنسائي ، أو بين أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي ، وهلمّ جرّاً إلى زمان الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام والشيخ تقيّ الدين ابن الصلاح .

فإنّك إن اشتغلت بذلك خشيت عليّك الهلاك )(٢) .

_______________________

(١) التاريخ الصغير للبخاري ٢ : ٩٣ .

(٢) طبقات الشافعية للسبكي ٢ : ٢٧٨ ترجمة الحارث بن أسد المحاسبي .


لكن ليس بين سفيان وأبي حنيفة فحسب ، فهذا الحميدي شيخ البخاري يقول فيه كما نقل البخاري حيث قال :

( قال أبو حنيفة : قدمت مكّة فأخذت مِن الحجّام ثلاث سُنن : لمّا قعدت بين يديه قال لي : استقبل الكعبة ، فبدأ بشقّ رأسي الأيمن ، وبلغ إلى العظمين .

قال الحميدي : فرجلٌ ليس عنده سُنن مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه في المناسك وغيرها ، كيف يُقلّد في أحكام الله في المواريث والفرائض والزكاة والصلاة وأُمور الإسلام )(١) .

ذَكَرَه البخاريّ في الضعفاء

والبخاري نفسه... ذكر أبا حنيفة في الضعفاء... قال الرازي في ( رسالته ) :

( وأمّا البخاري ، فقد ذكر الشافعي في تاريخه الكبير فقال في باب الميم : محمّد بن إدريس الشافعي القرشي ، مات سنة أربع ومائتين ، ثمّ إنّه ما ذكره في باب الضعفاء ، مع علمه بأنّه كان قد روى شيئاً كثيراً مِن الحديث .

ولو كان مِن الضعفاء في هذا الباب لذكره ، كما ذكر أبا حنيفة في هذا الباب ) .

أبو حنيفة في كتاب المنتظم لابن الجوزي

وابن الجوزي أيضاً أورد كلمات الأئمّة في ذمّ أبي حنيفة ، ففي( المنتظم ) :

_______________________

(١) التاريخ الصغير للبخاري ٢ : ٤١ .


بإسناده المتّصل إلى سعيد بن أبي مريم ، إنّه قال : سألت يحيى بن معين عن أبي حنيفة قال : لا يُكتب حديثه .

وإلى عبد الله بن عليّ بن عبد الله المديني قال : سألت أبي عن أبي حنيفة فضعّفه جدّاً وقال : روى خمسين حديثاً أخطأ فيها .

وإلى أبي حفص عمرو بن عليّ قال : أبو حنيفة ليس بحافظ ، مضطرب الحديث ، واهي الحديث.

وقال أبو بكر ابن أبي داود : جميع ما روى أبو حنيفة مِن الحديث مائة وخمسون حديثاً أخطأ ـ أو قال غلط ـ في نصفها(١) .

وتكلّم في أبي حنيفة جماعة آخرون مِن الأئمّة ، قال الذهبي في ( ميزان الاعتدال ) :

( النعمان بن ثابت بن زوطي ، أبو حنيفة الكوفي ، إمامُ أهل الرأي ، ضعّفه النسائي مِن جهة حفظه وابن عدي وآخرون ، وترجم له الخطيب في فصلين مِن تاريخه ، واستنوع كلام الفريقين معدّليه ومضعّفيه )(٢) .

وفي ( الميزان ) أيضاً :

( إسماعيل بن حمّاد بن النعمان بن ثابت الكوفي ، عن أبيه عن جدّه ، قال ابن عدي ثلاثتهم ضعفاء )(٣) .

وقال المناوي بشرح حديث ( إذا طلعت الثريا أمن الزرع مِن العاهة ) في ( فيض القدير ) :

_______________________

(١) المنتظم في تاريخ الأمم ٨ : ١٣٤ ـ ١٣٥ .

(٢) ميزان الاعتدال ٧ : ٣٧ ـ ٣٨ / ٩٠٩٩ .

(٣) ميزان الاعتدال ١ : ٣٨٢ / ٨٦٧ .


 ( وفيه شعيب بن أيّوب الصريفني ، أورده الذهبي في الضعفاء ، وقال أبو داود : أخاف الله في الرواية عنه والنعمان بن ثابت الإمام ، أورده الذهبي في الضعفاء وقال : قال ابن عدي : عامّة ما يرويه غلط وتصحيف وزيادات ، وله أحاديث صالحة )(١) .

تكلّم أحمد في أبي حنيفة

وأحمد بن حنبل أيضاً تكلّم في أبي حنيفة ، وأوضح ذلك البيهقي ، قال الرازي في الثناء على الشافعي :

( الحجّة الثالثة : إنّ أكابر علماء الحديث أقرّوا له بالفضل والقوّة في هذا العِلم رُوي أنّ أحمد بن حنبل سُئل : هل كان الشافعي صاحب حديث ؟ فقال : إي والله كان صاحب حديث ، وكرّرها ثلاثاً .

وروينا أنّه سمع الموطّأ عليه وقال : إنّه ثبْتٌ فيه .

وسئل أحمد بن حنبل عن مالك فقال : حديث صحيح ورأي ضعيف .

وسئل عن الأوزاعي فقال كذلك .

وسئل عن الشافعي فقال : حديث صحيح ورأي قويّ .

وسئل عن أبي فلان ، فقال : لا رأي ولا حديث .

قال البيهقي : وإنّما قال أحمد عن مالك ذلك ؛ لأنّه كان يترك الحديث الصحيح لعمل أهل المدينة .

وإنّما قال عن الأوزاعي ذلك ؛ لأنّه كان يحتجّ بالمقاطيع والمراسيل في بعض المسائل ثمّ يقيس عليها .

_______________________

(١) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير ١ : ٣٩٩ .


وإنّما قال في الشافعي ذلك ؛ لأنّه كان لا يرى الاحتجاج إلاّ بالحديث الصحيح ثمّ يقيس الفروع عليها .

وإنّما قال في أبي فلان ذلك ، لأنّه كان يقبل المجاهيل والمقاطيع والمراسيل وما وقع إليه مِن حديث بلده وإن كان ضعيفاً يترك القياس لأجله ، وما رفع إليه مِن أحاديث سائر البلاد وإن كان صحيحاً لم يقبله بل عدل إلى الاستحسان والقياس ) .

جَهْلُه بعِلْم الحديث وطلبه الرئاسة

والسبب في ذلك كلّه جهله بعلم الحديث وأصوله وقواعده ، وطلبه لعلم الفقه حبّاً للدنيا وطلباً للرياسة والشهرة ، كما ذُكر فيما رُوي بالإسناد عن أبي يوسف قال :

( قال أبو حنيفة : لمّا أردت طلب العلم جعلت أتخيّر العلوم وأسأل عن عواقبها .

فقيل لي : تعلّم القرآن .

فقلت : إذا تعلّمت القرآن وحفظته فما يكون آخره ؟

قالوا : تجلس في المجلس بالمسجد ويقرأ عليك الصبيان والأحداث ، ثمّ لا تلبث أن يخرج فيهم مَن هو أحْفَظ منك أو يساويك في الحِفظ فيذهب رياستك .

قلت : فإن سمعت الحديث وكتبته حتّى لم يكن في الدنيا أحفظ منّي ؟

قالوا : إذا كبرت وضعفت حدّثْتَ واجتمع عليك الأحداث والصبيان ، ثمّ لايأمَن أن تغلط فيرموك بالكذب ، فيصير عاراً عليك في عَقِبِك .

فقلت : لا حاجة لي في هذا .


ثمّ قلت : أتعلّم النحو ، فقلت : إذا حفظت النحو والعربيّة ما يكون آخر أمري ؟

قالوا : تقعد مُعلِّماً فأكبر رزقك ديناران أو ثلاثة .

قلت : وهذا لا عاقبة له .

قلت : فإن نظرت في الشِعْر ، فلم يكن أحد أشعر منّي ما يكون أمري ؟

قالوا : تمدح هذا ، فيهب لك أو يحملك على دابّة ويخلع عليك خلعة ، وإن حرمك هجوته فصرتَ تقذف المحصنات .

فقلت : لا حاجة لي في هذا .

قلت : فإن نظرت في الكلام ما يكون آخره ؟

قالوا : لا يسلم مَن نظر في الكلام مِن مشنّعات الكلام ، فيُرمى بالزندقة ، فإمّا أن يؤخذ فيقتل وإمّا أن يسلم فيكون مذموماً ملوماً .

قلت : فإن تعلّمت الفقه ؟

قالوا : تُسأل وتُفتي الناس وتُطلب للقضاء وإن كنت شابّاً .

قلت : ليس في العلوم شيء أنفع مِن هذا فلزمت الفقه وتعلّمته )(١) .

فظهر أنّ الرجل لم يتعلّم القرآن والحديث والكلام ، ولو صرفنا النظر عن علم الكلام واعتذرنا له بترك غيره مِن علمائهم هذا العلم أيضاً ، كالشافعي الذي ذمّ الكلام بشدّةٍ ، فما العذر في ترك القرآن والحديث ؟

فضل علم الحديث

قال الكرماني في ( شرح البخاري ) :

_______________________

(١) تاريخ بغداد ١٣ : ٣٣١ .


 ( أمّا بعد ؛ فإنّ علم الحديث بعد القرآن هو أفضل العلوم وأعلاها وأجلّ المعارف وأسناها ، مِن حيث إنّه به يعلم مراد الله تعالى مِن كلامه ، ومنه يظهر المقاصد مِن أحكامه ؛ لأنّ أحكام القرآن جلّها بل كلّها كليّات ، والمعلوم منه ليس إلاّ أُمور إجماليّات ، كقوله : ( أَقِيمُواْ الصلاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ) .

فإنّ السُنّة هي المُعرِّفة بجزئيّاتها ، كمقادير أوقات الصلاة وأعداد ركعاتها وكميّاتها وكيفيّاتها وفرائضها ونوافلها وهيئاتها وآدابها وأوضاعها وصفاتها ، وهي الموضّحة لمعضلاتها كأقدار نُصُب الزكاة وأنواع ما يجب فيها وأوقات الأداء ، ومَن وجبت عليه وما وجب منها وهلمّ جرّاً .

ولذلك كان أعلى العلماء قدراً وأنورهم بدراً وأفخمهم خطراً وأنبلهم شأناً وأعظمهم عند الله منزلةً ومنزلاً وأكرمهم مكانةً ومكاناً : حملة السُنّة النبويّة وناقلوا أخبارها وحفظة الأحاديث وعاقلوا أسرارها ومحقّقوا ألفاظها وأرباب رواياتها ومدقّقوا معانيها وأصحاب درايتها ، وهم الطائفة المنصورة المشيّدة لمباني الحقّ والمسالك ، ولن يزالوا ظاهرين عليه حتّى يأتي أمر الله وهم على ذلك )(١) .

وما أكثر الأحاديث في فضل رواية الحديث ، وقد روى في ( كنز العمال ) :

( اللهم ارحم خلفائي الذين يأتون مِن بعدي ، يَرْوون أحاديثي وسنّتي ويعلّمونها الناس طس عن عليّ .

رحمة الله على خلفائي قيل : ومَن خلفاؤك يا رسول الله ؟ قال الذين يحيون سنّتي ويُعلّمونها الناس أبو نصر السجزي في الإبانة وابن عساكر عن

_______________________

(١) الكواكب الدراري في شرح البخاري ـ مقدمة الكتاب


الحسن بن عليّ )(١) .

ذمّ طلب الشهرة

وما أكثر الأحاديث أيضاً في ذمّ طلب الشهرة والرياسة روى في ( كنز العمال ) :

( احذروا الشهوة الخفيّة : العالِم يُحبّ أن يُجلَس إليه فر عن أبي هريرة .

مَن ابتغى العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يُقبَل أفئدة الناس إليه ، فإلى النار ك هب عن كعب بن مالك .

مَن تعلّم علماً ممّا يُبتغى به وجه الله ، لا يتعلّمه إلاّ ليصيب عَرَضاً مِن الدنيا ، لم يجد عُرْف الجنّة يوم القيامة حم ده ك عن أبي هريرة .

مَن تعلّم العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه ، أدخله الله جهنّم ه عن أبي هريرة .

مَن تعلّم صَرْف الكلام ليسبي به قلوب الناس ، لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولاعدلاً د عن أبي هريرة .

لا تعلّموا العلم لتباهوا به العلماء أو لتماروا به السفهاء أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم ، فمَن فعل ذلك فهو في النار ه عن حذيفة .

لا تعلّموا العلم لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء ولا لتحبروا به المجالس ، فمَن فعل ذلك فالنّار النّار. ه حب ك عن جابر .

مَن تعلّم العلم لغير الله فليتبوّأ مقعده مِن النّار ت عن ابن عمر .

مَن تعلّم العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء أو يصرف به

_______________________

(١) كنز العمال ١٠ : ٢٢١ / ٢٩١٦٧ و ١٠ : ٢٢٩ / ٢٩٢٠٩ .


وجوه الناس إليه ، أدخله الله النّار. ت عن كعب بن مالك .

مَن طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء في المجالس ، لم يُرح رائحة الجنّة طب عن معاذ .

مَن طلب العلم ليماري به السفهاء أو يكاثر به العلماء أو يصرف وجوه الناس ، فليتبوّأ مقعده مِن النّار أبو نعيم في المعرفة كر عن أنس .

مَن طلب علماً ليباهي به الناس فهو في النّار ابن عساكر عن أمّ سَلَمة )(١) .

ذمّ حبّ الرئاسة

هذا ، وقد حمل أبا حنيفة حبُّ الجاه وخدمة السلطان الجائر ؛ مِن أجل الوصول إلى الأغراض الدنيوية الدنيئة ، على أن يحاول إفحام الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام في مسائل ، لكي يسقط مِن أعين الناس ، وقد حكى هو الخبر عن ذلك كما في كتاب ( جامع مسانيد أبي حنيفة ) لقاضي القضاة الخوارزمي حيث جاء فيه :

( أبو حنيفة ، قال : جعفر بن محمّد أفقه مَن رأيت ، ولقد بعث إليّ أبو جعفر المنصور أنّ النّاس قد فُتنوا بجعفر بن محمّد ، فهيّئ له مسائل شداداً ، فلخّصت أربعين مسألة وبعثت بها إلى المنصور بالحيرة ، ثمّ أبرد إليّ ، فوافيته على سريره وجعفر بن محمّد عن يمينه ، فوجدت مِن جعفر هيبة لم أجدها مِن المنصور ، فأجلسني .

_______________________

(١) كنز العمال ١٠ : ١٨٥ ـ ٢٠٢ الأحاديث : ٢٨٩٦٥ ، ٢٩٠١٥ ، ٢٩٠٢٠ ، ٢٩٠٢١ ، ٢٩٠٢٢ ، ٢٩٠٣٢ ، ٢٩٠٣٣ ، ٢٩٠٣٥ ، ٢٩٠٣٦ ، ٢٩٠٥٦ ، ٢٩٠٥٧ .


ثمّ التفت إلى جعفر قائلاً : يا أبا عبد الله ! هذا أبو حنيفة .

فقال : نعم أعرفه .

ثمّ قال المنصور : سله ما بدا لك يا أبا حنيفة .

فجعلت أسأله ويجيب الإجابة الحسنة ، ويفحم ، حتّى أجاب عن أربعين مسألة ، فرأيته أعلم النّاس باختلاف الفقهاء ؛ فلذلك أحْكُم أنّه أفقه مَن رأيت .

أخرجه الحافظ طلحة ، عن أبي العبّاس أحمد بن محمّد ، عن جعفر بن محمّد بن الحسين ، عن أبي نجيح إبراهيم بن محمّد، عن الحسن بن زياد ، عن أبي حنيفة )(١) .

رأي الفيروزآبادي في أبي حنيفة

وفي المتأخرين مِن العلماء أيضاً مَن يطعن في أبي حنيفة بشدّة بل يكفّره بصراحة ، كالفيروزآبادي صاحب القاموس ، وهذا ما حمل الشيخ عليّ القاري على أن يقول في ( رسالته ) :

( وقد أبدع صاحب القاموس ، حيث ترك المروة والناموس ، وأطنب في وصف ابن عربي إلى حدٍّ يعتقد الجاهل أنّه أفضل الخلائق ، وطعن في إمام الأئمّة ومقتدى الأُمّة مولانا أبي حنيفة بل قيل : وكفّره ، لكنّه أنكره ، مع علمه بأنّ علم الإمام ملأ الخافقين ، وعلمه وزهده اشتهر بين الثقلين ، ومِن المعلوم عند صاحب الدين على وجه اليقين أنّ قلامة ظفر الإمام خير مَن ملأ الأرض مِن مثل ابن عربي فيما بين الأنام .

ولم ينكر على ابن عربي في : أنّه يبيح المكث للجُنُب والحائض في

_______________________

(١) جامع مسانيد أبي حنيفة ١ : ٢٢٢ ـ ٢٢٣ .


المسجد ، مصادمةً لقولهعليه‌السلام : لا أُحلّ المسجد لجُنُب ولا حائض ، وفي قوله : الرياضة إذا كملت اختلط ناسوت صاحبها باللاهوت ، مع أنّه عين مذهب النصارى .

وفي قوله : مات فرعون طاهراً مطهّراً ، مع كونه معارضاً للآيات والأحاديث الواضحات كما بيّنتُه في رسالة مستقلّة ، وقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مَن ترك الصلاة ثلاثة أيّام عامداً متعمّداً دخل النّار خالداً مخلّداً ، وحُشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي خلف ، على مارواه الإمام أحمد وغيره .

ونقل الجزري وابن عبد السلام والسبكي عنه إنّه يقول بقِدَم العالم ، وبتحليل كلّ فرج مِن بني آدم ، وأمثال ذلك ممّا هو كفر صريح وليس له تأويل صحيح ).


محمّد بن إدريس الشافعي

وقد عدّوا في الطبقة الثالثة مسند الشّافعي ، ولم يجعلوه مِن الصحاح الستّة ؛ لكونه يجمع بين الصحيح والسقيم ، والصدق والكذب ، والغثّ والسمين...

وقد أخرج مسلم وغيره عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : مَن روى حديثاً يرى أنّه كذب فهو أحد الكاذبين(١) .

وعليه ، فلا اعتبار بكتاب الشافعي ورواياته وفتاواه عند القوم ، وإنّه ليشمله كلّ ما ذُكر في كتبهم مِن الذمّ لرواية الأخبار المكذوبة ، مِن الأحاديث وكلمات العلماء ، كابن الجوزي في ( تلبيس إبليس ) .

مضافاً إلى تكلّم ابن معين في الشافعي وجرحه بصراحة ، قال الذهبي ـ فيمَن لا يضرّه قدح القادحين ـ :

( ومنهم محمّد بن إدريس الشافعي ، الإمام الذي سارت الركبان بفضائله ومعارفه ، فهو حافظ ثبْتٌ نادر الغلط ، حتّى أنّ أبا زرعة قال : ما عند الشافعي حديث غلط فيه وقال أبو داود : ما أعلم للشافعي قط حديثاً أخطأ فيه وقد رُوي أنّ ابن معين قال فيه : ليس بثقة... )(٢) .

_______________________

(١) صحيح مسلم ١ : ١٠ .

(٢) ميزان الاعتدال ، سِيَر أعلام النبلاء ١٠ : ٤٧ ـ ٤٨ .


تكلّم ابن معين فيه

وقد ذكر السبكي تكلُّم ابن معين في الشافعي في كلامٍ له في تكلّم الأئمّة بعضهم في بعض... كما تقدّم نصّه سابقاً .

وقال القاضي أبو اليمن في ( مختار تاريخ بغداد ) بعد ذِكر اعتذار الخطيب مِن إيراد مطاعن أبي حنيفة : ( ما اتّفق قول الخطيب في هذا الفصل وفعله ، بل اختلفا وتباينا ، فإنّه قال : نحن معتذرون بأنّ أبا حنيفة... ولِمَ لم يذكر عند ذكره أخبار محمّد بن إدريس الشافعي في هذا الكتاب بعض ما قاله فيه الناس ، هل أورد الحسن ولم يورد القبيح ؟! ولا حكى عن يحيى بن معين ما قاله فيه ممّا لا نستجيز نحن ـ بحمد الله ـ تسطيره ، ونِعْم ما فعل الخطيب في ذلك الإمام الجليل القدر أعني الشافعي... ) .

فمِن هذا الكلام يظهر أنّ ابن معين قال القبيح في حقّ الشافعي .

ثمّ إنّ ابن معين ينصّ على أنّ كلّ مَن تكلّم هو فيه فهو كذّاب... فقد ( قال هارون بن بشير الرازي : رأيت يحيى بن معين استقبل القبلة رافعاً يديه يقول : اللّهمّ إن كنتُ تكلّمت في رجلٍ ليس هو عندي كذّاباً فلا تغفر لي )(١) .

ومِن هذا الكلام يُفهم أنّه ما تكلّم في أحدٍ وكذّبه إلاّ بعد ثبوت ذلك عنده .

ترجمة ابن معين

وكما يفهم مِن هذا الكلام شدّة ورعه وقوّة علمه ، كذلك تجد

_______________________

(١) تهذيب الأسماء واللغات ٢ : ١٥٧ .


التصريحات بحقّه مِن سائر العلماء الأعلام :

قال النووي :

( هو إمام الحديث في زمانه والمعوَّل عليه فيه...

روى عنه : أحمد بن حنبل وزهير بن حرب ومحمّد بن يحيى الذهلي ومحمّد بن سعد وأبو زرعة الرازي والدمشقي وأبو حاتم والبخاري ومسلم وأبو داود... وخلائق لا يُحْصَون .

وأجمعوا على إمامته وتوثيقه وحفظه وجلالته وتقدّمه في هذا الشأن واضطلاعه فيه .

قال الخطيب : كان إماماً ربّانيّاً عالماً حافظاً ثبتاً متقناً .

قال أحمد بن حنبل : السماع مِن يحيى بن معين شفاء لما في الصدور .

وقال عليّ بن المديني : ما رأيتُ في الناس مثله .

وقال أحمد بن حنبل : يحيى بن معين رجل خلقه الله لهذا الشأن ، يُظهر كذب الكذّابين ، وكلّ حديث لا يعرفه يحيى ليس بحديث .

وقال عبّاس الدوري : رأيت أحمد بن حنبل في مجلس روح بن عبادة يسأل يحيى بن معين عن أشياء ، يقول له : يا أبا زكريا ، كيف حديث كذا وكذا ؟ كيف حديث كذا وكذا ؟ يستثبته في أحاديث سمعوها ، فكلّ ما قال يحيى كتبه أحمد .

وقال هارون بن بشير الرازي : رأيت يحيى بن معين استقبل القبلة رافعاً يده يقول : اللّهمّ إن كنتُ تكلّمت في رجل ليس هو عندي كذّاباً فلا تغفر لي .

وقال يحيى : لو لم نكتب الحديث مِن ثلاثين وجهاً ما علّقناه .

وروينا عن أحمد بن عقبة قال : سمعت يحيى بن معين يقول : كتبت


بيدي هذه ستمائة ألف حديث قال ابن عقبة : وأظنّ المحدّثين كتبوا له ستمائة ألف وستمائة ألف .

وقال محمّد بن عبد الله : خلّف يحيى مِن الكتب مائة قمطراً وأربعة عشر قمطراً وأربعة حباب مملوءة كتباً .

وقال عليّ بن المديني : ما أعلم أحداً كتب مِن الحديث ما كتب يحيى ابن معين...

وذكر ابن أبي حاتم ـ في أوّل كتابه الجرح والتعديل ـ بإسناده عن أبي عبيد القاسم بن سلاّم قال : انتهى العلم إلى أربعة : أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ـ وهو أكتبهم ـ وعليّ بن المديني وأبي بكر ابن أبي شيبة...

وأحواله وفضائله ـرضي‌الله‌عنه ـ غير منحصرة واتّفقوا على أنّه توفّي بمدينة رسول الله وغُسّل على السرير الذي غسّل عليه رسول الله ، وحُمل على السرير الذي حمل عليه رسول الله ونودي عليه : هذه جنازة يحيى بن معين ذابّ الكذب عن رسول الله ، والناس يبكون ، واجتمعوا في جنازته خلْق لا يُحْصَون ، ودفن بالبقيع )(١) .

وقال السمعاني :

( كان إماماً ربانيّاً عالماً حافظاً ثبتاً متقناً مرجوعاً إليه في الجرح والتعديل...

روى عنه مِن رفقائه : أحمد بن حنبل وأبو خيثمة ومحمّد بن إسحاق الصّغاني ومحمّد بن إسماعيل البخاري وأبو داود السجستاني وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهم .

_______________________

(١) تهذيب الأسماء واللغات ٢ / ١٥٦ ـ ١٥٩ .


وانتهى علمُ العلماء إليه حتّى قال أحمد بن حنبل : هاهنا رجل خلقه الله لهذا الشأن ، يُظهر كذب الكذّابين ـ يعني : يحيى بن معين .

وقال عليّ بن المديني : لا نعلم أحداً مِن لدن آدم كتب مِن الحديث ما كتب يحيى بن معين .

قال أبو حاتم الرازي : إذا رأيت البغدادي يحبّ أحمد بن حنبل فاعلم أنّه صاحب سنّة ، وإذا رأيته يبغض يحيى بن معين فاعلم أنّه كذّاب .

... مات لسبع ليالٍ بقين مِن ذي الحجّة سنة ٢٣٣ه )(١) .

وقال الذهبي :

( هو الإمام الحافظ الجهبذ شيخ المحدّثين... أحد الأعلام...

قال عبد الرحمن بن أبي حاتم : سُئل أبي عن يحيى فقال : إمام .

وقال النسائي : أبو زكريا أحد الأئمّة في الحديث ثقة مأمون .

وقال محمّد بن هارون الفلاّس : إذا رأيت الرجل يقع في يحيى بن معين فاعلم أنّه كذّاب يصنع الحديث ، وإنّما يبغضه لما يبيّن مِن أمر الكذّابين .

قال حنبل : سمعت أبا عبد الله يقول : كان أعلمنا بالرجال يحيى بن معين... )(٢) .

هذا ، وتوجد ترجمة يحيى بن معين في الكتب التالية أيضاً :

١ ـ الطبقات الكبرى ٧ : ٣٥٤ .

٢ ـ تاريخ بغداد ١٤ : ١٧٧ .

٣ ـ وفيات الأعيان ٦ : ١٣٩ .

٤ ـ تهذيب الكمال ٣١ : ٥٤٣ .

٥ ـ تذكرة الحفّاظ ٢ : ٤٢٩ .

٦ ـ تهذيب التهذيب ١١ : ٢٨٠ .

٧ ـ النجوم الزاهرة ٢ : ٢٧٣ .

_______________________

(١) الأنساب ٥ : ١٥٤ .

(٢) سِيَر أعلام النبلاء ١١ : ٧١ ـ ٩٦ .


أحمد بن حنبل

قال السبكي في وصف مسند أحمد بترجمته :

( وألّف مسنده ، وهو أصل مِن أُصول هذه الأُمّة .

قال الإمام الحافظ أبو موسى محمّد بن أبي بكر المدينيرضي‌الله‌عنه : هذا الكتاب ـ يعني مسند الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمّد بن حنبل الشيباني قدّس الله روحه ـ أصل كبير ومرجع وثيق لأصحاب الحديث ، اُنتقيَ مِن حديث كثير ومسموعات وافرة ، فجُعل إماماً ومعقداً وعند التنازع ملجأً مسنداً ، على ما أخبرنا والدي وغيره : أنا المبارك بن عبد الجبار ، أنا الحسين كتب إليهما مِن بغداد قال : أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي قراءة عليه ، أنا أبو عبد الله ابن محمّد بن محمّد بن حمدان بن عمر ابن بطّة قراءةً عليه ، ثنا أبو حفص عمير بن محمّد محمد بن رجاء ، ثنا موسى بن حمدون البزّار قال : قال لنا حنبل بن إسحاق : جَمَعَنا عمّي يعني الإمام أحمد لي ولصالح ولعبد الله وقرأ علينا المسند وما سمعه منه ـ يعني تامّاً ـ غيرنا ، وقال لنا :

إنّ هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته مِن أكثر مِن سبعمائة وخمسين ألفاً ، فما اختلف فيه المسلمون مِن حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فارجعوا إليه ، فإن كان فيه وإلاّ ليس بحجّة .

وقال عبد الله بن أحمد : كتب أبي عشرة ألف ألف حديث ، لم يكتب


سواداً في بياض إلاّ حفظه .

وقال عبد الله أيضاً : قلت لأبي : لِمَ كرهتَ وضع الكتب وقد عملت المسند ؟ فقال : عملت هذا الكتاب إماماً إذا اختلف الناس في سنّة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرجع إليه .

وقال أيضاً : خرّج أبي المسند مِن سبعمائة ألف حديث .

قال أبو موسى المديني : ولم يخرج إلاّ عمّن ثبت عنده صدقه وديانته ، دون مَن طُعن في أمانته ، ثمّ ذكر بإسناده إلى عبد الله بن الإمام أحمد قال : سألت أبي عن عبد العزيز بن أبان فقال : لم أُخرج عنه في المسند شيئاً ، لمّا حدّث بحديث المواقيت تركته )(١) .

( قال أبو موسى : ومِن الدليل على أنّ ما أودعه الإمام أحمد مسنده قد احتاط فيه إسناداً ومتناً ، ولم يورد فيه إلاّ ما صحّ سنده : ما أخبرنا أبو عليّ الحدّاد قال : أنا أبو نعيم قال : أنا ابن الحسين وأنا ابن المذهب قالا : أنا القطيعي ثنا عبد الله قال : حدّثني أبي ، ثنا محمّد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن أبي التيّاح قال : سمعت أبا زرعة يحدّث عن أبي هريرة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

إنّه يهلك أُمّتي هذا الحيّ مِن قريش .

قالوا : فما تأمرنا يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

قال : لو أنّ الناس اعتزلوهم .

قال عبد الله : قال لي أبي ـ في مرضه الذي مات فيه ـ : اضرب على هذا الحديث ، فإنّه خلاف الأحاديث عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يعني قوله :

_______________________

(١) طبقات الشافعية ٢ : ٣١ .


اسمعوا وأطيعوا .

وهذا مع ثقة رجال إسناده حيث شذّ لفظه مِن الأحاديث المشاهير أمر بالضرب عليه ، فكان دليلاً على ما قلناه )(١) .

وفي كتاب ( مناقب أحمد ) للنهرواني المدني : ( قال ابن عساكر ( أمّا بعد ، فإنّ حديث المصطفى به يعرف سُبُل الإسلام والهدى ، ويبنى عليه أكثر الأحكام ، ويؤخذ منه معرفة الحلال والحرام ، وقد دوّن جماعة مِن الأيمّة ما وقع إليهم مِن حديثهعليه‌السلام .

فكان أكبر الكتب التي جمعت فيه هو المسند عظيم الشأن والقدر ، مسند الإمام أحمد وهو كتاب نفيس يرغب في سماعه وتحصيله ويُرحل إليه ، إذ كان مصنّفه الإمام أحمد ، المقدّم في معرفة هذا الشأن ، والكتاب كبير القدر والحجم مشهور عند أرباب العلم ، يبلغ أحاديثه ثلاثين ألفاً سوى المعاد وسوى ما ألحق به ابنه عبد الله مِن أعالي الإسناد ، وكان مقصود الإمام في جمعه أن يرجع إليه في الاعتبار مَن بلغه أو رواه .

وقال ابن الجوزي : صحّ عند الإمام أحمد مِن الأحاديث سبع مائة ألف وخمسين ألفاً ـ والمراد بهذه الأعداد الطرق ـ أخرج منها مسنده المشهور الذي تلقّته الأُمّة بالقبول والتكريم وجعله حجّة يرجع إليه ويعوّل عند الاختلاف عليه .

قال حنبل بن إسحاق : جَمَعَنا عمّي لي ولصالح ولعبد الله وقرأ علينا المسند وما سمعه منه تامّاً غيرنا ثمّ قال لنا :

هذا الكتاب قد جمعته وانتخبته مِن أكثر مِن سبع مائة ألف وخمسين

_______________________

(١) طبقات الشافعية ٢ : ٣٢ .


ألفاً ، فما اختلف المسلمون فيه مِن حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فارجعوا إليه ، فإن وجدتموه فيه فذاك وإلاّ فليس بحجّة .

وكان يكره وضع الكتب فقيل له في ذلك ، فقال : قد عملت هذا المسند إماماً إذا اختلف الناس في سنّةٍ مِن سُنن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رجعوا إليه ) .

وعلى أساس هذه المدائح يتّضح صحّة احتجاج أهل الحقّ بالأحاديث المخرجة في ( مسند أحمد بن حنبل ) وإلزام القوم بها...

القول بأنّ في مسنده موضوعات

لكن بعض العلماء ذهب إلى أنّ في مسند أحمد أحاديث موضوعة ، قال المناوي :

( وقال العراقي : وجود الضعيف في مسند أحمد محقّق ، بل فيه أحاديث موضوعة ، فجمعتُها في جزء )(١) .

فوضع ابن حجر في ردّه كتاب ( القول المسدّد في الذبّ عن المسند ) .

قول أحمد بأنّ قتال صفّين فتنة

وأحمد نفسه عندنا مطعون فيه ؛ لأنّ القول بأنّ قتال أمير المؤمنينعليه‌السلام الفئة الباغية قتال فتنة ، تخطئة للإمامعليه‌السلام في جهاده وردّ عليه ، وهذا نُصْبٌ للعداء وعناد صريح له ، وقد حكى ذلك عنه ابن تيميّة حيث قال :

_______________________

(١) فيض القدير في شرح الجامع الصغير ١ : ٢٦ .


 ( ومذهب أكثر العلماء إنّ قتال البغاة لا يجوز ، إلاّ أنْ يبتدؤا الإمام بالقتال ، كما فعلَتْ الخوارج مع عليّ ، فإنّ قتاله الخوارج متّفق عليه بين العلماء ثابت بالأحاديث الصحيحة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخلاف قتال صفّين ، فإنّ أولئك لم يبتدؤا بالقتال ، بل امتنعوا عن مبايعته ؛ ولهذا كان أئمّة السنّة كمالك وأحمد وغيرهما يقولون : إنّ قتاله للخوارج مأمور به ، وأمّا قتال الجَمَل وصفّين فهو قتال فتنة .

فلو قال قوم : نحن نقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ولا ندفع زكاتنا إلى الإمام ونقوم بواجبات الإسلام ، لم يجز للإمام قتالهم عند أكثر العلماء ، كأبي حنيفة وأحمد .

وأبو بكر الصدّيق إنّما قاتل مانعي الزكاة ؛ لأنّهم امتنعوا مِن أدائها مطلقاً ، وإلاّ فلو قالوا : نحن نؤدّيها بأيدينا ولا ندفعها إلى أبي بكر لم يجز قتالهم عند الأكثرين كأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهما ؛ ولهذا كان علماء الأمصار على أنّ القتال كان قتال فتنة ، وكان مَن قعد عنه أفضل ممّن قاتل فيه ، وهذا مذهب مالك وأحمد بن حنبل والأوزاعي بل والثوري... )(١) .

يقول هذا ، والحال أنّ الشيخ عبد العزيز الدهلوي صاحب كتاب ( التحفة ) ينصّ ـ وتبعاً لغيره مِن أكابر القوم ـ على أنّ مذهب أهل السنّة هو ، أنّ الإمامعليه‌السلام كان في حروبه على الحقّ وكان مصيباً فيها .

وأيضاً ، فقد نصّ غير واحدٍ منهم على وجوب متابعة أهل البيتعليهم‌السلام وإطاعتهم ، وأنّ الفلاح والنجاح في الآخرة منوط بالاهتداء بهدْيِهِم والتمسّك بهم ، وأنّ مَن تخلّف عنهم فهو هالك خاسر... وهذه الكلمات تقتضي الحكم على أحمد بن حنبل بالخروج عن أهل السنّة والوقوع في دركات الهلاك والضلال .

_______________________

(١) منهاج السنّة ٤ : ٤٣٦ ـ ٤٣٧ .


وأيضاً : فإنّ القول المذكور ردّ على الله والرسول ، للأحاديث المستفيضة الدالّة عل كون الإمامعليه‌السلام مأموراً بتلك الحروب...

وإنّ واحداً مِن هذه الوجوه ليكفي لسقوط آراء أحمد وفتاواه عن الاعتبار ، وبطلان القول بإمامته في الفقه والحديث... نعم ، لقد نصّ أبو جعفر ابن جرير الطبري وصرّح بهذه الحقيقة ، فيما نقل عنه ياقوت الحموي حيث قال :

( فلمّا قدِم ـ يعني الطبري ـ إلى بغداد مِن طبرستان بعد رجوعه إليها ، تعصّب عليه أبو عبد الله ابن الجصّاص وجعفر بن عرفة والبياضي ، وقصده الحنابلة ، فسألوه عن أحمد بن حنبل في الجامع يوم الجمعة ، وعن حديث الجلوس على العرش ، فقال أبو جعفر : أمّا أحمد بن حنبل فلا يُعدّ خلافه ، فقالوا له : فقد ذكره العلماء في الاختلاف : فقال : ما رأيته روي عنه ، ولا رأيت له أصحاباً يعوَّل عليهم وأمّا حديث الجلوس على العرش فمحال .

سبحان مَن ليس له أنيس

ولا له في عرشه جليس (١)

وكذا الخطيب البغدادي ، فيما نقل عنه أبو المؤيّد الخوارزمي ، فإنّه بعد أنْ حكى عن أحمد ( إنّه سُئل عن النظر في كتب أبي حنيفة أيجوز ؟ فقال : ل ) جعل يردّ عليه بوجوه ، فقال :

( الثالث : إنّ الخطيب قد طعن في أحمد أكثر مِن هذا فقال : قد وثّق أحمد ابن حنبل حريز بن عثمان فقال : هو ثقة ثقة ، وحريز كان يبغض أمير المؤمنين عليّاً ، ولا فرق بينه وبين مَن يبغض أبا بكر وعمر ثمّ قال الخطيب : وكان حريز كذّاباً فاسقاً ، وروى عنه ابن عيّاش أنّه قال : هذا الذي يروى عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

_______________________

(١) معجم الأُدباء ٥ : ٢٥٣ .


لعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام : أنت منّي بمنزلة هارون مِن موسى خطأ قال ابن عيّاش : قلت : فما هو ؟ قال : سمعت الوليد بن عبد الملك يرويه على المنبر فيقول : عليّ منّي بمنزلة قارون بن موسى .

ثمّ أكّد الخطيب هذه الشناعة على أحمد فقال : بلغني عن يزيد بن هارون أنّه قال : رأيت ربّ العزّة في النوم فقال : يا يزيد، تكتب عن حريز بن عثمان ؟ فقلت : يا ربّ ما علمت عليه إلاّ خيراً ، فقال : لا تكتب عنه فإنّه يسبّ عليّاً .

وهذه حكايته عن أحمد أنّه طعن في أمير المؤمنين ، وقصد الخطيب به تنفير القلوب عنه ، فلذلك جاز أن يكون مقصوده في حكايته الطعن عليه في أبي حنيفة تنفير قلوب أصحابه عنه )(١) .

وكذا أبو عليّ الكرابيسي ، فقد ذكر السبكي بترجمته : ( الحسين بن عليّ ابن يزيد ، أبوعليّ الكرابيسي ، كان إماماً جليلاً جامعاً بين الفقه والحديث ، تفقّه أوّلاً على مذهب أهل الرأي ، ثمّ تفقّه للشافعي وسمع منه الحديث ومِن يزيد بن هارون وإسحاق الأزرق ويعقوب بن إبراهيم وغيرهم...

قال الخطيب : حديث الكرابيسي يعزّ جدّاً ، وذلك أنّ أحمد بن حنبل كان يتكلّم فيه بسبب مسألة اللفظ ، وهو أيضاً يتكلّم في أحمد ، فتجنّب الناس الأخذ عنه لهذا السبب .

قلت : كان أبو عليّ الكرابيسي مِن متكلّمي أهل السنّة ، أُستاذاً في علم الكلام ، كما هو أُستاذ في الحديث والفقه وله كتاب المقالات قال ابن الخطيب الإمام فخر الدين في كتاب غاية المرام : على كتابه في المقالات معوّل المتكلّمين في معرفة الخوارج وسائر أهل الأهواء )(٢) .

_______________________

(١) جامع مسانيد أبي حنيفة ١ : ٦٧ ـ ٦٨ .

(٢) طبقات الشافعية ٢ : ١١٧ ـ ١١٨ .


الملحقات

* مسائل فقهيّة

* القياس

* الاستحسان

* تكفير بعضهم لبعض

١ مسائل فقهيّة

حاول البعض التشنيع على الإماميّة لِما يرْوونه ويذهبون إليه في عدّةٍ مِن الأحكام الشرعيّة ، ونحن نذكر تلك المسائل ونتكلَّم حولها على ضوء روايات الفريقين :

حكم الشطرنج

فمن ذلك : أنّه طعن في مذهب أهل البيتعليهم‌السلام وفقه الإماميّة ، لذهابهم إلى حرمة الشّطرنج ، وكأنّه يزعم أنّ جوازه مِن ضروريّات الإسلام !!

والحال أنّ الأحاديث المرويّة بطرق أهل السنّة في ذمّ الشطرنج ، ولَعْن مَن لعب الشطرنج ، كثيرة:

روى الشيخ عليّ المتقي في ( كنز العمّال ) :

( ملعون مَن لعب الشطرنج ، والناظر إليها كالآكل للحم الخنزير عبدان وأبو موسى وابن حزم ، عن حبة بن مسلم ) .

( ملعون مَن لعب بالشطرنج الديلمي عن أنس ) .

( إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بهذه الأزلام والشطرنج والنرد وما كان مِن هذه ، فلا تسلّموا عليهم ، وإن سلّموا عليكم فلا تردّوا عليهم الديلمي عن أبي هريرة ) .

( ألا إنّ أصحاب الشاه في النار ، الذين يقولون : قتلت والله شاهك .


الديلمي عن ابن عبّاس ) .

( إنّ لله تعالى في كلّ يوم ثلاثمائة وستّين نظرة لا ينظر فيها إلى صاحب الشاه يعني الشطرنج الديلمي عن واثلة ) .

( لله تبارك وتعالى لوح ينظر فيه في كلّ يوم ثلاثمائة وستّين نظرة يرحم بها عباده ليس لأهل الشاه فيها نصيب الخرائطي في مساوي الأخلاق ، عن واثلة عن عليّ ) .

( النرد والشطرنج مِن الميسر ش وابن المنذر وابن أبي حاتم ق ) .

( عن عليّ أنّه مرّ على قوم يلعبون الشطرنج فقال : ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ، لإن يمسّ أحدكم جمراً حتّى يطفئ خير له مِن أن يمسّها ش وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذمّ الملاهي وابن المنذر وابن أبي حاتم ق ) .

( يأتي على الناس زمان يلعبون بها ، ولا يلعب بها إلاّ كلّ جبّار ، والجبّار في النّار يعني الشطرنج ، ولا يوقّر فيه الكبير ولا يرحم فيه الصغير ، يقتل بعضهم بعضاً على الدنيا ، قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب ، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً ، يمشي الصالح فيهم مستخفياً ، أولئك شرار خلق الله ، لا ينظر الله إليهم يوم القيامة الديلمي عن عليّ )(١) .

فمَن قال بجواز الشطرنج مِن أهل السنّة ، فقد خالف الحكم الإلهي وعارض الأحاديث النبويّة المتّفق عليها بين المسلمين...

وهل تظنّ أنّ للشافعي وأتباعه القائلين بجواز الشطرنج حجّة يتمسّكون بها أو دليلاً يتشبّثون به ؟ لا والله ، بل لقد أفْتَوا بذلك بمحض الرأي والتخمين ،

_______________________

(١) كنز العمّال ١٥ : ٢١٥ ـ ٢١٨ / ٤٠٦٣٦ ، ٤٠٦٥٢ ـ ٤٠٦٥٧ .


تلاعباً بالدين وتخريباً لشريعة سيّد المرسلين...

ومِن العجب أنّهم يَرْوون عن عمر بن الخطّاب الذمّ الشديد لأصحاب الرأي ، فياليتهم ـ إذ خالفوا أهل البيت النبويّ ـ أطاعوا في هذه المسألة خليفتهم ، ففي ( إزالة الخف ) عن سعيد بن المسيّب قال :

( قام عمر بن الخطّاب في الناس فقال : أيّها الناس ، ألا إنّ أصحاب الرأي أعداء السنّة ، أعْيَتْهم الأحاديث أنْ يحفظوها وتفلّتت منهم أن يعوها ، واستحيوا إذا سألهم الناس أنْ يقولوا لا ندري ، فعاندوا السُنن برأيهم ، فضلّوا وأضلّوا كثيراً... ).

حُكم العَبَث في الصلاة

وقالت الإماميّة بجواز العبث في الصلاة ، وأنّ مسّ الذَكَر غير ناقض للوضوء وغير مبطلٍ لها ، وبذلك أخبار عن الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام (١) .

وقد شنّع بعض المخالفين على هذه الفتوى ، وجَعَل يستهزأ بفقهاء الطائفة المُحقّة ويطعن في كتبها وأخبارها ورواتها...

ولم يظهر لتشنيعهم وجه أصلاً ؛ وذلك لأنّه :

إن كان المراد : كون لمس الذَكَر والعبث به في أثناء الصلاة فعلاً مخلاًّ بها ، فبطلان هذا التوهّم وفساده واضح جدّاً ، على أنّ القوم قالوا بعدم منافاة الأكثر مِن ذلك مِن الأفعال للصلاة..

وإن كان المراد : منافاة هذا الفعل للخضوع والخشوع ، فإنّ الخضوع والخشوع ، ليس مِن الواجبات في الصلاة ، وقد نصَّ في ( الأشباه والنظائر )

_______________________

(١) وسائل الشيعة ، كتاب الطهارة ، الباب ٩ مِن أبواب نواقض الوضوء .


على أنّه ( لا يستحبّ إعادتها ـ أي الصلاة ـ لترك الخشوع )(١) وقال شارحه الحموي : ( إذ لا شكَّ في عدم بطلانها مع عدم الخشوع )(٢) .

وإن كان المراد : أنّ الطهارة تنتقض بمسّ الذَكَر ، فتفسد الصلاة لذلك ، فهذا مندفع : بأنّ المرويّ عندهم عن أمير المؤمنين وجماعة مِن الأصحاب ، وهو قول إمامهم الأعظم وأتباعه وجماعة مِن الفقهاء : عدم انتقاض الوضوء بمسّ الذَكَر .

روى في ( كنز العمّال ) :

( عن قيس بن السكن : أنّ عليّاً وابن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبا هريرة ، لا يرون مِن مسّ الذَكَر وضوء وقالوا : لا بأس به ( عب )

عن ابن عبّاس : أنّه كان لا يرى في مسّ الذَكَر وضوء ( ص )

عن حذيفة قال : ما أُبالي مسستُ ذَكَري أو طرف أنفي .

عن أبي الدرداء : أنّه سُئل عن مسّ الذَكَر ، فقال : إنّما هو بضعة منك ( ص )

عن إبراهيم : أنّه سُئل عن مسّ الذَكَر ، فقال : كان يكره أن يقال إنّ في المؤمن عضواً نجساً ( ص )

عن ابن مسعود : أنّه سُئل عن مسّ الذَكَر ، فقال : إنّما هو بضعة منك ( ص )

عن ابن مسعود : قال : ما أُبالي أذكري أمسست أو أُذني ( ص )

عن عليّ قال : ما أُبالي أمسستُ ذَكَري أو طرف أُذني ( ص ) )(٣) .

وفي ( مصنّف ابن أبي شيبة ) في مَن كان لا يرى في مسّ الذَكَر وضوء :

_______________________

(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم : ١٦٩ .

(٢) شرح الأشباه والنظائر للحموي ٢ : ٣٥ / ٤٨ كتاب الصلاة ، الفنّ الثاني ، في الفوائد .

(٣) كنز العمّال ٩ : ٥٠٠ ـ ٥٠٨ / ٢٧١٤٩ ، ٢٧١٨٠ ، ٢٧١٨١ ، ٢٧١٨٣ ، ٢٧١٨٤ ، ٢٧١٨٥ ، ٢٧١٨٦ .


 ( ثنا وكيع عن سفيان عن أبي قبيس عن هذيل : أنّ أخاه ابن شرحبيل سأل ابن مسعود فقال : إنّي أحكّ فأُفضي بيدي إلى فرجي فقال ابن مسعود : إن علمت أنّ منك بضعة نجسة فاقطعها .

ثنا وكيع عن إسماعيل عن قيس قال : سأل رجل سعداً عن مسّ الذَكَر ، فقال : إن علمت أنّ منك بضعة نجسة فاقطعها .

ثنا ابن فضيل عن حسين عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن عن حذيفة بن اليمان أنّه قال : ما أُبالي مسستُ ذَكَري أو أُذني .

ثنا ابن فضيل عن الأعمش عن المنهال عن قيس بن سكن قال : قال عبد الله : ما أُبالي مسست ذكري أو أُذني أو إبهامي أو أنفي .

ثنا ابن الفضيل عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله )(١) .

وفي ( المصنّف ) أيضاً :

( ثنا محمّد بن عدي عن حميد عن الحسن أنّ عمران بن حصين قال : ما أُبالي إيّاه مسست أو بطن فخذي يعني ذَكَره .

ثنا جرير ، عن قابوس ، عن أبيه قال : سُئل عليّ عن الرجل يمسّ ذَكَره قال : لا بأس به )(٢) .

( ثنا ابن عليّة ، عن أبي حمزة ، عن إبراهيم قال : قال حذيفة : ما أُبالي مسسته أو طرف أنفي .

_______________________

(١) المصنّف لابن أبي شيبة ١ : ١٦٤ مَن كان لا يرى فيه وضوء .

(٢) المصنّف لابن أبي شيبة ١ : ١٦٤ ـ ١٦٥ .


وقال عليّ : ما أُبالي مسسته أم طرف أُذني )(١) .

( ثنا وكيع ، عن جعف بن الزبير ، عن القاسم ، عن أبي أُمامة : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سُئل عن مسّ الذَكَر فقال : هل هو إلاّ خدرة .

ثنا حسين بن عليّ ، ثنا زائدة ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن عبد الرحمن ابن علقمة ، عن عبد الله : أنّه سئل عن مسّ الذَكَر فقال : لا بأس به )(٢) .

بل في ( البحر الرائق ) :

( وفي شح الآثار للطحاوي : لا نعلم أحداً مِن الصحابة أفتى بالوضوء مِن مسّ الذَكَر إلاّ ابن عمر ، وقد خالفه في ذلك أكثرهم ، وأسند عن ابن عيينة أنّه عدّ جماعة لم يكونوا يعرفون الحديث ـ يعني حديث بسرة ـ ومَن رأيناه يحدّث به عنهم سخرنا منه )(٣) .

وفي ( كتاب الآثار ) لمحمّد بن حسن تلميذ أبي حنيفة :

( باب الوضوء مِن مسّ الذَكَر : محمّد قال : أخبرنا أبو حنيفة ، عن حمّاد ، عن إبراهيم ، عن عليّ بن أبي طالب في مسّ الذَكَر أنّه قال : ما أبالي أَمَسستُه أو طرف أنفي .

قال محمّد : وهو قول أبي حنيفة وبه نأخذ .

محمّد قال : أخبرنا أبو حنيفة ، عن حمّاد ، عن إبراهيم أنّ ابن مسعود سُئل عن الوضوء مِن مسّ الذَكَر فقال : إن كان نجساً فاقطعه يعني إنّه لا بأس به )(٤) .

وقال ابن عبد البرّ في ( الاستذكار ) لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمّنه

_______________________

(١) المصنّف لابن أبي شيبة ١ : ١٦٥ .

(٢) المصنّف لابن أبي شيبة ١ : ١٦٥ .

(٣) البحر الرائق في شرح كنز الدقائق ١ : ٤٤ .

(٤) كتاب الآثار لمحمّد بن حسن الشيباني ١ : ٣٥ ـ ٣٦ / ٢٢ ـ ٢٣ .


الموطّأ مِن معاني الرأي والآثار :

( أمّا أهل العراق ، فجمهور علمائهم على أن لا وضوء في مسّ الذَكَر ، وعلى ذلك مضى أسلافهم بالكوفة والبصرة ، روي ذلك عن عليّ بن أبي طالب وعبد الله ابن مسعود وعمّار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عبّاس وأبي الدرداء وعمران بن الحصين ، لم يختلف عن هؤلاء في ذلك .

واختلف في ذلك عن أبي هريرة وسعد بن أبي وقّاص ، فروي عنهما القولان جميعاً ، وبإسقاط الوضوء منه قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن وسفيان الثوري وشريك والحسن بن حي وأبو حنيفة وأصحابه وعبد الله بن الحسن .

ذكر عبد الرزاق عن الثوري قال : دعاني وابن جريج بعض أُمرائهم فسأَلَنا عن مسّ الذَكَر ، فقال ابن جريج : يتوضّأ مِن مسّ الذَكَر وقلت أنا : لا وضوء على مَن مسّ ذَكَره ، فلمّا اختلفنا قلت لابن جريج : أرأيت لو أنّ رجلاً وضع يده في منيّ ؟ قال : يغسل يده قلت : فأيّما أنجس المنيّ أم الذَكَر ؟ قال : المنيّ قلت : وكيف هذا ؟ قال : ما ألقاها على لسانك إلاّ شيطان .

قال أبو عمرو : يقول الثوري : إذا لم يجب الوضوء مِن مسّ المنيّ فأحرى أن لا يجب مِن مسّ الذَكَر ، وإذا لم يجب مِن النجس فأحرى أن لا يجب مِن الطاهر .

وإنّما ساغت المناظرة وجازت المعارضة عنده في هذه المسألة ، لاختلاف الأثر فيها عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واختلاف الصحابة رحمهم الله ومَن بعدهم في ذلك ، ولو كان فيها أثر لا معارض له ولا مطعن له ، لسلّم الجميع له وقالوا به .

ومن ذهب مذهب العراقيّين في مسّ الذَكَر مِن أهل الحديث ضعّف الأحاديث الواردة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في إيجاب


الوضوء منه ، وعلّلها ولم يثبت شيئاً منها .

وقد حكى عن أبي زرعة عن ابن معين أنّه قال : أيّ إسناد رواية مالك في حديث بسرة ، لولا أن قاتل طلحة في الطريق .

قال أبو عمرو : المسقط للوضوء مِن مسّ الذَكَر أحسن أسانيده : ما رواه مسدد وغيره ، عن ملازم بن عمرو ، عن عبد الله بن بدر ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه طلق بن عليّ قال :

قدمنا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فجاء رجل كأنّه بدوي فقال : يا رسول الله ! ما ترى في مسّ الرجل ذَكَره بعد ما يتوضّأ ؟ فقال : وهل هو إلاّ بضعة منك .

ورواه أيّوب بن عتبة قاضي اليمامة ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ورواه هشام بن حسان وشعبة والثوري وابن عيينة وجرير الرازي عن محمّد بن جابر اليماني عن قيس بن طلق عن أبيه مثله )(١) .

وإنْ كان المراد : أنّ العبث بالذَكَر يحرّك الشهوة ويسبّب الإنعاظ في الصلاة ، فهو ممّا يضحك عليه الثكلان ، إذ لا يدلّ على هذا الزعم لفظٌ مِن ألفاظ الحديث ، ومَن ادّعى فعليه البيان ، بل إنّ لفظ ( العبث ) يدلّ على عدم وقوع الفعل لحصول غرضٍ مقصود ؛ لأنّ العبث هو الفعل الذي لا لذّة فيه ، كما نصّ عليه في ( السراج الوهّاج ) حيث قال :

( العبث هو كلّ لعبٍ لا لذّة فيه ، فأمّا الذي فيه لذّة فهو لعب ) .

_______________________

(١) الاستذكار الجامع لمذاهب علماء الأقطار ٣ : ٣٧ ـ ٣٩ / ٢٥٨٠ ـ ٢٥٩١ ، كتاب الطهارة ، باب الوضوء مِن مسّ الفرج .


هذا ، ولكن الأمر فوق ذلك ، كما نصّ عليه النووي في ( شرح مسلم ) فإنّه قال :

( لو صار المنيّ في وسط الذَكَر وهو في صلاة ، فأمسك بيده على ذَكَره فوق حائل ، فلم يخرج المنيّ حتّى سلّم مِن صلاته ، صحّت صلاته ، فإنّه ما زال متطهّراً حتّى خرج )(١) .

وبعد هذا كلّه فلو كان للتشنيع وجه ، لتوجّه إلى أعاظم أئمّة القوم وأكابر شيوخهم وحفّاظهم ، كعبد الرزاق وابن أبي شيبة ومحمّد بن الحسن الشيباني والدارقطني والنسائي وأبي داود والطحاوي وعليّ بن المديني والفلاّس وأحمد بن حنبل وابن حبان وسعيد بن منصور وابن مندة وأبي نعيم وابن الأثير والسيوطي والمتّقي والقاري وزين الدين الحنفي وغيرهم...

وإلى كبار التابعين : كسعيد بن جبير وإبراهيم...

وإلى أجلّة الصحابة ، كسعد وعمّار .

وإلى شخص رسول الله... والعياذ بالله .

وذلك... لأنّ أكابر المحدّثين يَرْوون بأسانيدهم عن التابعين عن الصحابة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جواز مسّ الذَكَر في الصلاة :

فقد أخرج ابن أبي شيبة :

( ثنا ملازم بن عمرو ، عن عبد الله بن بدر ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه طلق بن عليّ قال : خرجنا وفداً حتّى قدمنا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فبايعناه فصلّينا معه ، فجاء رجل فقال : يا رسول الله ! ما ترى في مسّ

_______________________

(١) المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجّاج ٣ : ٢٢٠ .


الذَكَر في الصلاة ؟ فقال : وهل هو إلاّ بضعة ـ أو مضغة ـ منك )(١) .

وأخرج أيضاً :

( ثنا ابن فضيل ووكيع ، عن مسعر ، عن عمير بن سعد : كنت جالساً في مجلس فيه عمّار بن ياسر ، فسُئل عن مسّ الذَكَر في الصلاة فقال : ما هو إلاّ بضعة منك ، وإنّ لِكَفِّك موضعاً غيره )(٢) .

وأخرج :

( ثنا عبد الوهّاب الثقفي ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن جبير قال : سألته عن مسّ الذَكَر في الصلاة ، فقال : ما أُبالي مسسته أو أنفي .

ثنا ابن فضيل ، عن مغيرة ، عن إبراهيم قال : لا بأس أن يمسّ الرجل ذَكَره في الصلاة )(٣) .

وأخرج النسائي :

( أخبرنا هناد ، عن ملازم بن عمرو قال : نا عبد الله بن بدر ، عن قيس بن طلق بن عليّ عن أبيه قال : خرجنا وفداً حتّى قدمنا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فبايعناه وصلّينا معه ، فلمّا قضى الصلاة جاء رجل كأنّه بدوي فقال : يا رسول الله ! ما ترى في رجل مسّ ذَكَره في الصلاة ؟ قال : وهل هو إلاّ مضغة منك ـ أو بضعة ـ منك )(٤) .

وأخرج الدارقطني :

( حدّثنا عبد الله بن محمّد بن عبد العزيز قال : نا محمّد بن زياد بن فروة

_______________________

(١) المصنّف لابن أبي شيبة ١ : ١٦٥ .

(٢) المصدر ١ : ١٦٤ .

(٣) المصنّف ١ : ١٦٥ .

(٤) سُنن النسائي ١ : ١٠١ باب ترك الوضوء مِن ذلك .


البلدي أبو روح قال : نا ملازم بن عمرو قال : نا عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه طلق بن عليّ قال : خرجنا وفداً إلى نبيّ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى قدمنا عليه فبايعناه وصلّينا معه ، فجاء رجل كأنّه بدويّ قال : فقال : يا رسول الله ! ما ترى في مسّ الرجل ذَكَره في الصلاة ؟ فقال : وهل هي إلاّ بضعة منه أو بعضه. كذا قال أبو روح )(١) .

وأخرج أحمد :

( حدّثنا بشر بن موسى ، ثنا أبو زكريّا السلحيني ، ثنا محمّد بن جابر ، عن قيس بن طلق عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله ! إنّي أكون في الصلاة فأمسّ ذَكَري بيدي فقال : إنّما هو بضعة منك .

حدّثنا إبراهيم بن عليّ ، ثنا يحيى بن يحيى ، أنا محمّد بن جابر ، عن قيس ابن طلق عن أبيه قال : كنت قاعداً عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسأله رجل فذكر مثله ) .

وأخرج :

( حدّثنا الحسين بن الكميت ، ثنا معلى بن مهدي ، أنا أيّوب بن جابر ، حدّثني أخي محمّد بن جابر ، عن قيس بن طلق عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله ! الرجل يمسّ ذَكَره في الصلاة ؟ قال : لا بأس به إنّما هو بضعة منك ) .

( حدّثنا موسى بن داود قال : ثنا محمّد بن جابر ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه قال : كنت جالساً عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسأله رجل فقال : مسست ذَكَري أو الرجل يمسّ ذَكَره في الصلاة عليه الوضوء ؟ قال : لا ، إنّما

_______________________

(١) سُنن الدارقطني ١ : ١٤٩ / ١٧ كتاب الطهارة ، باب ما روي في لمس القُبُل...


هو بضعة منك )(١) .

( حدّثنا قران بن تمّام ، عن محمّد بن جابر ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه قال : قال رجل : يا رسول الله ! أيتوضّأ أحدنا إذا مسّ ذَكَره في الصلاة ؟ قال : هل هو إلاّ منك أو بضعة منك )(٢) .

وفي ( أُسد الغابة ) :

( جري الحنفي ، روى حديثه حكيم بن سَلَمة فقال : عن رجل مِن بني حنيفة يقال له جري أنّ رجلاً أتى النبيّ فقال : يا رسول الله ! إنّي ربّما أكون في الصلاة فيقع يدي على فَرْجي ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّما ربّما كان ذلك ، امض في صلاتك أخرجه ابن مندة وأبو نعيم )(٣) .

وروى في ( كنز العمال ) :

( مسند طلق بن عليّ : خرجنا وفداً حتّى قدمنا على نبيّ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فبايعناه فصلّينا معه ، فجاء رجل فقال : يا رسول الله ! ما ترى في مسّ الذَكَر في الصلاة ؟ فقال : وهل هو إلاّ بضعة منك عب ش ) أي رواه عبد الرزاق في الجامع وابن أبي شيبة في المصنّف .

وأيضاً فيه :

( وهل هو إلاّ بضعة منك حب ) أي رواه ابن حبّان في صحيحه .

( عن طلق : إنّ رجلاً قال : يا رسول الله ! إنّ أحدنا يكون في صلاة ، فيحتكّ فتصيب يده ذَكَره قال : فذَكَره لا بأس به إنّه كبعض جسدك حب ) أي

_______________________

(١) مسند أحمد بن حنبل ٤ : ٦٠٠ / ١٥٨٥٧ .

(٢) مسند أحمد بن حنبل ٤ : ٦٠١ / ١٥٨٦٠ .

(٣) أُسد الغابة في معرفة الصحابة ١ : ٣٣٤ / ٧٣٢ .


رواه ابن حبان في صحيحه عن طلق .

( لا بأس ، إنّما هوجذبة منك عبد الرزاق عن أبي أُمامة ) .

( إنّ رجلاً قال : يا رسول الله ، مسست ذَكَري وأنا أُصلّي ؟ قال : فذكره )(١) .

وفي ( كنز العمال ) أيضاً :

( مسند عليّ بن قيس بن أبي حازم قال : قال رجل لسعد : إنّه مسّ ذَكَره وهو في الصلاة قال : إنّما هو بضعة منك ص ش )(٢) أي رواه سعيد بن منصور في سُننه وابن أبي شيبة في المصنّف .

إزاحة وَهْم

هذا ، ولايتوهمنّ أحد عدم صحّة هذا الحديث ، فقد أخرجه ابن حبّان في ( صحيحه ) وقد ذكر الحافظ السيوطي في أوائل كتابه ( جمع الجوامع ) : ( ورمزت للبخاري خ ولمسلم م ولابن حبّان حب وللحاكم في المستدرك ك وللضياء المقدسي في المختارة ض وجميع ما في هذه الكتب الخمسة صحيح ، فالعزو إليها معلَّم بالصحّة ، سوى ما في المستدرك مِن المتعقّب فأُنبّه عليه )(٣) .

وأيضاً ، فهو مِن أحاديث ( مسند أحمد ) الذي يعدّونه أصلاً مِن أُصول الإسلام ، وقد أخرجه فيه بعدّة طرق كلّها صحيح على أُصولهم يقيناً .

_______________________

(١) كنز العمّال ٩ : ٥٠٧ / ٢٧١٨٢ و ٩ : ٣٣٩ / ٢٦٣٣١ و ٩ : ٤٨٢ / ٢٦٣٣٣ .

(٢) كنز العمّال ٩ : ٥٠٧ / ٢٧١٧٨ .

(٣) جمع الجوامع ـ مقدّمة الكتاب .


وأيضاً ، فقد أخرجه الترمذي باختصار في ( صحيحه ) وصرّح بأنّه أحسن شيء يروى في هذا الباب ، وهذه عبارته :

( باب تَرْك الوضوء مِن مسّ الذَكَر :

حدّثنا هنّاد ، نا ملازم بن عمرو ، عن عبد الله بن بدر ، عن قيس بن طلق ابن عليّ الحنفي عن أبيه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : وهل هو إلاّ مضغة منه أو بضعة .

وفي الباب عن أبي أمامة .

قال أبو عيسى : وقد روي مِن غير واحدٍ مِن أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعض التابعين أنّهم لم يُروَ الوضوء مِن مسّ الذَكَر ، وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب .

وقد روى هذا الحديث أيّوب بن عتبة ومحمّد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه وقد تكلّم بعض أهل الحديث في محمّد بن جابر وأيّوب بن عتبة ، وحديث ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر أصح وأحسن )(١) .

ولايتوهمنَّ أحد كذلك : أنّ الحديث غير معمول به ، لأنّ كلّ حديث صحيح فهو ـ باعتراف النووي في ( شرح مسلم ) وابن حجر العسقلاني في ( شرح النخبة ) ـ واجب العمل بالإجماع(٢) .

على أنّ الظاهر مِن ( الصواقع ) و ( التحفة ) هو التشنيع على الإماميّة بمجرَّد روايتهم الخبر في جواز المسّ ونسبتهم ذلك إلى أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ... فيندفع ذلك : بأنّ القوم أنفسهم يَرْوون ذلك في أُمّهات كتبهم

_______________________

(١) صحيح الترمذي ١ : ١٣١ / ٨٥ ، كتاب الطهارة باب ٦٢ .

(٢) شرح نخبة الفكر : ٤٧ ، خبر الواحد في الاصطلاح .


ويصحّحونه ، سواء عملوا به أو لا .

على أنّ هذا الحديث معمول به ومفتىً به عندهم يقيناً ، كما لا يخفى على مَن راجع كتب الحنفيّة في الفقه والأُصول.. وهذا نصّ كلام زين الدين الحنفي المصري في كتاب ( البحر الرائق ) :

( قوله : ومسُّ ذَكَر بالرفع عطف على المنفي ، أي لا ينقض الوضوء مسّ الذَكَر ، وكذا مسّ الدُبُر والفَرْج مطلقاً ، خلافاً للشافعي ، فإنّ المسّ لواحد مِن الثلاثة ناقض للوضوء إذا كان بباطن الأصابع .

واستدلّ النووي له في شرح المهذّب بما رَوَت بسرة بنت صفوان أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إذا مسّ أحدكم ذَكَره فليتوضّأ هذا حديث حسن ، رواه مالك في الموطّأ وأبو داود والترمذي وابن ماجة بأسانيد صحيحة .

ولنا : ما رواه الجماعة ، أصحاب السُنن ـ إلاّ ابن ماجة ـ عن ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق بن عليّ عن أبيه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّه سُئل عن الرجل يمسّ ذَكَره في الصلاة ، فقال : هل هو إلاّ بضعة منك .

وقد رواه ابن حبّان في صحيحه .

قال الترمذي : هذا الحديث أحسن شيء يروى في هذا الباب وأصحّ .

ورواه الطحاوي أيضاً وقال : هذا حديث مستقيم الإسناد غير مضطرب في إسناده ومتنه .

فهذا حديث صحيح معارض لحديث بسرة بنت صفوان .

ويرجّح حديث طلق على حديث بسرة بأنّ حديث الرجال أقوى ؛ لأنّهم أحفظ للعلم وأضبط ، ولهذا جعلت شهادة امرأتين بشهادة رجل ، وقد


أسند الطحاوي إلى ابن المديني أنّه قال : حديث ملازم بن عمرو أحسن مِن حديث بسرة ، وعن عمرو بن عليّ الفلاّس أنّه قال : حديث طلق عندنا أثبت مِن حديث بسرة بنت صفوان .

وقول النووي في شرح المهذّب : إنّ حديث طلق اتّفق الحفّاظ على ضعفه ، لا يخفى ما فيه ؛ إذ قد عَلِمتَ ما قاله الترمذي وغيره : إنّ حديث بسرة ضعّفه جماعة حتّى قال يحيى بن معين : ثلاثة أحاديث لم تصحّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منها حديث مسّ الذَكَر .

وقول النووي أيضاً ـ ترجيحاً لحديث بسرة ـ بأنّ حديث طلق منسوخ ؛ لأنّ قدومه على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان في السنة الأُولى مِن الهجرة ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبني مسجده ، وراوي حديث بسرة أبو هريرة ، وإنّما قدم أبو هريرة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سنة سبع مِن الهجرة ، فغير لازم ؛ لأنّ ورود طلق إذ ذاك ثمّ رجوعه لا ينفي عوده بعد ذلك ، وهم قد رَوَوا عنه حديثاً ضعيفاً : مَن مسّ ذكره فليتوضّأ

وقالوا : سمع مِن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الناسخ والمنسوخ ؛ ولأنّ حديث طلق غير قابل للنسخ ؛ لأنّه صدر على سبيل التعليل ، فإنّه ( عليه الصلاة والسلام ) ذكر أنّ الذَكَر قطعة لحم فلا تأثير لمسّه في الانتقاض ، وهذا المعنى لا يقبل النسخ، كذا في معراج الدراية .

وقول النووي أيضاً : إنّ حديث طلق محمول على المسّ فوق حائل ؛ لأنّه قال : سألت عن مسّ الذَكَر في الصلاة ، والظاهر أنّ الإنسان لا يمسّ ذَكَره في الصلاة بلا حائل : مردود ، بأنّ تعليلهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله هل هو إلاّ بضعة منك يأبى الحمل ، والبَضعة بفتح الموحّدة القطعة مِن اللّحم )(١) .

_______________________

(١) البحر الرائق في شرح كنز الدقائق ١ : ٤٣ ـ ٤٤ .


وفي ( كشف الأسرار ) :

( وعن يحيى بن معين أنّه قال : ثلاثة مِن الأخبار لا تصحّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خبر مسّ الذَكَر ، ووقعت هذه المسألة في زمن عبد الملك بن مروان فشاور الصحابة ، فأجمع مَن بقيَ منهم على أنّه لا وضوء فيه وقالوا : ندع كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت ؟ يعنون بسرة بنت صفوان .

ومعنى قولهم كتاب ربّنا : إنّ الله تعالى بيّن الأحداث وما كانت نجسة مِن دم حيض وغايط ومنيّ ، وشرّع الاستنجاء بالماء بقوله( فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ) والاستنجاء بالماء لا يتصوّر إلاّ بمسّ الفرجين ، فلمّا ثبت بالنصّ أنّه مِن التطهير لم يجز أنْ يجعل حدثاً بمثل هذا الخبر .

وأمّا السنّة : فما روي عن قيس بن طلق عن أبيه أنّه قال : يا رسول الله ! أفي مسّ الذَكَر وضوء ؟ فقال : لا .

وروت عائشة رضي الله عنها أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سُئل عن مسّ الذَكَر ، فقال : ما أُبالي مسستُه أم مسستُ أنفي .

فنبّه على العلّة وهو أنّه عضو طاهر .

وعن أبي أيّوب الأنصاريرضي‌الله‌عنه : سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت : مسستُ ذَكَري وأنا في الصلاة، فقال : لا بأس به )(١) .

وقال الشيخ عليّ القاري في ( شرح الوقاية) :

( ولنا : ما رواه الجماعة ـ إلاّ ابن ماجة ـ عن قيس بن طلق عن أبيه عن

_______________________

(١) كشف الأسرار في شرح أصول البزدوي ٢ : ٥٦٩ ـ ٥٧٠ باب تقسيم الراوي الذي جعل خبره حجةً .


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّه سُئل عن الرجل يمسّ ذَكَره في الصلاة ، فقال : هل هو إلاّ بضعة منك قال الترمذي : هذا الحديث أحسن شيء يروى في الباب ، وأُجيب : بأنّ المراد به المسّ بحائل ، ورُدَّ : بأنّ تعليله ( عليه الصلاة والسلام ) يأبى ذلك ، والبَضعة بفتح الموحّدة القطعة مِن اللحم ) .

وقال عبد العليّ الأنصاري في ( فواتح الرحموت ) بشرح ( خبر الواحد فيما يتكرّر ويعمّ البلوى كخبر ابن مسعود في مسّ الذَكَر لا يثبت الوجوب... ) قال :

( خبر الواحد فيما يتكرّر وقوعه ويعمّ البلوى ، كخبر ابن مسعود في مسّ الذَكَر أنّه ينقض الوضوء رواه مالك وأحمد ، ورواه بسرة أيضاً بلفظ : إذا مسّ أحدهم ذَكَره فليتوضّأ ، ورواه أبو هريرة أيضاً بلفظ : إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذَكَره ليس بينه وبينها حجاب فليتوضّأ ، رواه الشافعي والدارقطني ، وممّن يرى مِن الصحابة الانتقاض بالمسّ : عبد الله بن عمر وأبو أيّوب الأنصاري وزيد بن خالد وأبو هريرة وأمير المؤمنين عمر ، على ما هو المشهور ، فعلى هذا في كونه مِن الباب نظر .

فإنْ قلت : فما يصنع الحنفيّة في حكمهم بعدم الانتقاض ؟

قلت : إنّ الرواية عن أبي هريرة لم تصحّ ، فإنّ في سنده يزيد بن عبد الملك ، وهو مُضعّف كذا في فتح القدير .

ولم يصحّ الرواية عن ابن مسعود كما قال الشيخ عبد الحقّ .

وأمّا حديث بسرة ـ مع كونه مضعّفاً أيضاً عند بعض أهل الحديث ـ ففي سنده عن عروة عن بسرة ، ولم يلاقِ عروة بسرة فهو منقطع ، فلا يعارض ما رواه أبو داود والنسائي وابن حبان والترمذي ـ وقال أحسن شيء يروى في


هذا الباب ـ عن طلق عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّه سُئل عن الرجل يمسّ ذَكَره في الصلاة فقال : هل هو إلاّ قطعة منك .

وقد تأيّد قولنا بعدم الانتقاض بما ثبت عن أمير المؤمنين عليّ وعمّار وابن مسعود وحذيفة بن اليمان وعمران بن الحصين وأبي الدرداء وسعد بن أبي وقّاص ، فإنّهم لا يَرَون النقض منه كذا في فتح القدير )(١) .

فإنْ لم يَكْفِ ما نقلناه عن هؤلاء الأعلام في الفقه والأُصول مِن الحنفيّة ، ذكرنا كلام إمامهم محمّد بن الحسن الشيباني في كتابه ( الموطّأ ) بشرح الشيخ عليّ القاري ، وهذا نصّه :

( باب الوضوء مِن مسّ الذَكَر، أي باب ما ورد في إثباته ونفيه :

أخبرنا مالك ، حدّثنا إسماعيل بن محمّد بن سعد بن أبي وقّاص ، عن مصعب بن سعد ، زاد يحيى بن وقّاص ومصعب هذا سمع أباه وعليّاً وابن عمر ، وروى عنه سماك بن حرب وغيره قال : كنت أمسك المصحف ( أي آخذه ) على سعد ( أي لأجل قرائته غيباً أو نظراً ، وهو ابن وقّاص ) فاحتككت ( أي ما تحت إزاري ) فقال : لعلّك مسست ( بكسر السين الأُولى وتفتح أي لمست ) بكفّ يدك ذَكَرك ( أي مِن غير حائل ) ؟ فقلت : نعم ، فقال : قم فتوضّأ قال: فقمت فتوضّأت ثمّ رجعت .

وفيه : أنّه يُحتمل أن يراد به الوضوء اللغوي وهو غسل اليد ، دفعاً لشبهة ملاقاة النجاسة .

أخبرنا مالك ، أخبرني ( أي وحدي ) ابن شهاب ( أي الزهري ) عن سالم ابن عبد الله ( هو القرشي العدوي المدني أحد فقهاء المدينة ، مِن سادات

_______________________

(١) فواتح الرحموت ـ شرح مسلّم الثبوت ـ ط مع المستصفى ٢: ١٢٨


التابعين وعلمائهم وثقاتهم ، مات بالمدينة سنة ست ومائة ) عن أبيه ( أي عبد الله ابن عمر ابن الخطّاب ، شهد الخندق وما بعدها مِن المشاهد ، وكان مِن أهل العلم والورع والزهد .

قال جابر بن عبد الله : ما مِنّا أحد إلاّ مالت به الدنيا ومال بها إلاّ عمر وابنه عبد الله .

وقال نافع ، ما مات ابن عمر حتّى أعتق ألف إنسان أو زاد ) روى عنه خَلْقٌ كثير أنّه كان يغتسل ثمّ يتوضّأ ، فقال له ( أي قال سالم ابنه ) : أما يجزيك الغُسل ( أي ما يكفيك ) لا سيّما مع سبق الوضوء الذي هو السنّة ، مِن الوضوء ( أي الكائن بعد الغُسل ) فإنّ الجزء يندرج في الكل ؟ قال : بلى ( أي يجزي ) ولكنّي أحياناً أمسّ ذَكَري ونحوه ، فإنّه إذا غسله حال الاستنجاء يجوز به الاكتفاء ) فأتوضّأ ( أي لذلك المسّ ) .

قال محمّد : لا وضوء ( أي لازم ) في مسّ الذَكَر ( أي على أيّ وجه كان ) وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ( أي خلافاً للشافعي ، فإنّه يقول : ينتقض بالمسّ بباطن كفّه دون ظاهره مِن غير حائل سواء كان بشهوة أم بغيرها ) وهو المشهور ( عن أحمد ) ، والراجح ( مِن مذهب مالك إن مسّه بشهوة انتقض وإلاّ فلا ، وأقوى أدلّتهم ) ما رواه مالك ( وأخذه الأربعة ) والحاكم عن بسرة بنت صفوان مرفوعاً : مَن مسّ ذَكَره فليتوضّأ وفي ذلك ( أي في دفعه ) آثار كثيرة ( أي أخبار شهيرة ) مرفوعة وموقوفة وبها نأخذ لقوّتها وكثرتها فإنّها بلغت ستّة عشر حديثاً :

مِنها : قال محمّد : أخبرنا أيّوب بن عتبة التميمي قاضي اليمامة ( وهو عزيز الحجاز ) ، عن قيس بن طلق ( وهو طلق بن علي يكنى أبا علي الحنفي اليماني ويقال له طلق بن تمامة ) ، روى عنه ابنه قيس أنّ أباه ( وهو مِن الصحابة ) حدّثه أنّ رجلاً سأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن رجل مسّ ذَكَره


أيتوضّأ ؟ قال ( أي له ) : هل هو ( أي ذكرك ) إلاّ بضعة ( بفتح الموحّدة أي قطعة ) مِن جسدك ( أي فحكمه حكم سائر الأعضاء حيث لم ينتقض الوضوء شيء مِن الأجزاء ) .

قال محمّد : أخبرنا طلحة بن عمر والمكّي ، أخبرنا عطاء بن رباح ( بفتح الراء فموحّدة ، مِن أجلّ الفقهاء تابعي مكّي قال الأوزاعي : مات يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس وقال أحمد بن حنبل : العلم خزائن يقسّمه الله لمَن أحبّ لو كان يخصّ بالعلم أحداً لكان بنسب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولى ، كان عطاء حبشيّاً ، انتهى وكان جعد الشعر أسود أفطس أشلّ أعور ثمّ عمي ، مات سنة عشرة ومائة وله ثمان وثمانون سنة سمع ابن عبّاس وأبا هريرة وغيرهما مِن الصحابة وروى عنه جماعة ) عن ابن عبّاس قال في مسّ الذَكَر إن كانت ( خطاب عام ) في الصلاة ( والجملة حالية والمعنى ) قال ( في جواب هذا السؤال وأعاد قال لطول المقال ) ما أُبالي مسسته ( في نسخة أمسسته أي ذَكَري ) أو مسست أنفي ( حيث لا تفاوت بينهما لا في الصلاة ولا في غيرها ) .

قال محمّد : أخبرنا إبراهيم بن محمّد المدني ( وفي نسخة : محمّد بن المَدَني وهو بفتحتين منسوب إلى المدينة السكينة ) أخبرنا صالح مولى التَوْئمة ( بفتح فسكون فهمزة ) عن ابن عبّاس قال : قال : ليس في مسّ الذَكَر وضوء واجب أو نقض وضوء.

قال : أخبرنا إبراهيم بن محمّد المَدَني ، أخبرنا الحارث بن أبي ذُباب ( بضمّ الذال المعجمة وبالموحّدتين ) أنّه سمع سعيد بن المسيّب ( بفتح الياء أشهر مِن كسرها ، وهو مِن سادات التابعين ، جمع بين الفقه والحديث والزهد


والورع والعبادة ) يقول : ليس في مسّ الذَكَر وضوء .

قال : أخبرنا أبو العوّام ( بتشديد الواو ) البصري ( بكسر الباء أفصح مِن فتحها في النسخة عكس العلم ) قال : سأل رجل عطاء بن أبي رباح قال : يابا محمّد ! ( لا تكتب الهمزة وتقرأ ، هذه كنية لعطاء بن أبي رباح ) رجل مسّ فَرْجه ( أي ذَكَره ) أو دُبره بعد ما توضّأ ( وكذا إذا اغتسل ) ؟ قال رجل مِن القوم ( أي قبل جواب عطاء ) : إنّ ابن عبّاس كان يقول : إن كنت تستنجسه ( أي تعتقد نجاسة ذاته ) فاقطعه فإنّه لا يجوز لك الصلاة مع وجوده قال عطاء بن رباح : هذا والله قول ابن عبّاس ( أي بلا شكّ ولا شبهة فهذا مِن باب المطابقة في الجواب إذا كان على وجه الصواب ) .

قال محمّد : أخبرنا أبو حنيفة رحمه الله عن حمّاد ( أي ابن أبي سليمان ، كوفيّ يُعدّ مِن التابعين ، سمع جماعة مِن الصحابة، روى عنه شعبة والثوري وغيرهما ، وكان أعلم الناس برأي إبراهيم النخعي ، مات سنة عشرين ومائة ) عن إبراهيم النَخَعي ( بفتح النون والخاء المعجمة وهو مِن أجلاّء التابعين ) عن عليّ بن أبي طالب في مسّ الذَكَر قال : ما أُبالي مسسته أو طرف أنفي ( أي حيث هما عضوان طاهران وفي حقّ المسّ مستويان ) .

قال محمّد : أخبرنا أبو حنيفة رحمه الله عن حمّاد عن إبراهيم أنّ ابن مسعود سُئل عن الوضوء ( أي عن تجديده ) مِن مسّ الذَكَر ( أي ذَكَره ) ؟ فقال : إن كان ( أي ذَكَرك ) في زعمك نجساً ( بفتح الجيم هو المشهور عند الفقهاء ويراد عين النجاسة بخلاف كسرها فإنّه المتنجّس عندهم وهما مصدران في أصل اللّغة ) فاقطعه ( أي لا تترك له وجوداً ) .

قال محمّد : أخبرنا مِحْلّ (بكسر الميم والحاء المهملة كسحل اسم


جماعة مِن المحدّثين ) الضبّي ( بتشديد الموحّدة ) عن إبراهيم النخعي في مسّ الذَكَر في الصلاة هل يبطلها بسبب نقض الوضوء مِنه ؟ قال : إنّما هو بضعة مِنك ( أي قطعة مِنك كسائر أعضائك ) .

قال محمّد : أخبرنا سلاّم ( بتشديد اللام ) بن سُلَيْم ( بالتصغير ) الحنفي ( منسوب إلى أبي حنيفة رحمه الله بحذف الزوائد كالفرضي ) عن منصور بن المعتمِر ( بكسر الميم الثانية ) عن أبي قيس عن أرقم بن شُرَحْبيل ( بضمّ ففتح فسكون فكسر موحّدة فسكون تحتيّة ) قال : قلت لعبد الله بن مسعود : إنّي أحكّ جسدي ( أي أحياناً ) وأنا في الصلاة فأمَسّ ( بفتح الميم أي فألمس ) ذَكَري ( أي بعذر بي ) فهل يُنقض وضوئي ؟ فقال : إنّما هو بضعة مِنك ( أي كما سبق في الحديث مرفوعاً ) .

قال محمّد : أخبرنا سلاّم بن سليم عن المنصور بن المعتمر عن السدوسي ( بفتح فضمّ ، نسبة إلى سدوس بن شيبان ، وبضمّتين إلى سدوس بن أصبع بن أبي عبيد بن ربيعة بن نضر بن سعد بن نبهان الطائي ، وليس في العرب سدوس بالضم غيره ، ذكره السيوطي ) عن البراء بن قيس قال : سألت حذيفة بن اليمان ( بكسر النون مِن غير ياء في آخره ، وهو صاحب سرّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، روى عنه عمر وعليّرضي‌الله‌عنه وغيرهما مِن الصحابة والتابعين ، مات بالمدائن وبها قبره ، سنة خمس وثلاثين بعد قتل عثمان بأربعين ليلة ) عن الرجل مسّ الذَكَر ؟ فقال : إنّما هو ( أي مسّه ذَكَره ) كمسّه رأسه .

قال محمّد : أخبرنا مِسْعَرْ ( بكسر الميم وفتح العين ) بن كدام ( بكسر الكاف ) عن عمير بن سعد النخعي قال : كنت في مجلس ( أي في أهل


مجلس ) فيه عمّار بن ياسر ( وهو عنسي مولى بني مخزوم ، وكان مِن المهاجرين الأوّلين وشهد المشاهد كلّها ، قُتل بصفّين وكان مع عليّ سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث وتسعين سنة ، روى عنه جماعة مِنهم عليرضي‌الله‌عنه ) فذُكر ( بصيغة المجهول أي فذكر بعض أهل ذلك المجلس ) مسّ الذَكَر ( أي هل ينقض الوضوء أم لا ) فقال ( أي للسائل ) : إنّما هو بضعة مِنك وإنّ لكفّك لموضعاً غيره دلّ على أنّ الاحتياط في عدم مسّه .

قال محمّد : أخبرنا مِسعر بن كدام ، عن إياد ( بكسر الهمزة ) ابن لَقيط ( بفتح فكسر ) عن البراء بن قيس قال : قال حذيفة بن اليمان في مسّ الذَكَر مثل أنفك فعنه روايتان في الحكم يتّفقان .

قال محمّد : أخبرنا مِسعر بن كدام حدّثنا قابوس عن أبي ظبيان ( بفتح الظاء المعجمة ) عن عليّ بن أبي طالب قال : ما أُبالي إيّاه ( أي الذَكَر ) مسستُ أو أنفي أو أذني .

قال محمّد : أخبرنا أبو كُدَينة ( بضمّ الكاف وفتح الدال المهملة ) يحيى ابن المهلّب ( بتشديد اللام المفتوحة ) عن أبي إسحاق الشيباني عن أبي قبيس ابن عبد الرحمن بن ثروان ( بفتح المثلّثة وسكون الراء ) عن علقمة ( وهو ابن أبي علقمة بلال مولى عائشة أُمّ المؤمِنين ، روى عن أنس بن مالك وعن أُمّه وعنه مالك بن أنس وغيره ) عن قيس قال : جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود قال : إنّي مسست ذَكَري وأنا في الصلاة قال عبد الله : أفلا قطعته إن كنت تزعم أنّه نجس العين ؛ فإنّ وجوده مانع لصحّة الصلاة ثمّ قال ( أي عبد الله ) : وهل ذَكَرك إلاّ كسائر جسدك ( أي عضو مِن أعضائك فلا تتفاوت في مسّ أجزائك ) .


قال محمّد : أخبرنا يحيى بن المهلّب ، عن إسماعيل بن خالد ، عن قيس ابن أبي حازم قال : جاء رجل إلى سعد بن أبي وقّاص ( أحد العشرة المبشّرة ) قال : أيحلّ لي أن أمسّ ذَكَري وأنا في الصلاة ؟ فقال : إن علمت أنّ مِنك ( أي مِن جملة أعضائك ) بضعة نجسة فاقطعها .

قال : أخبرنا إسماعيل بن عياش قال : حدّثني جرير بن عثمان ، عن حبيب ابن عبيد ، عن أبي الدرداء ( أي أحد أكابر الصحابة وزهّادهم ) أنّه سُئل عن مسّ الذَكَر فقال : إنّما هو بضعة مِنك )(١) .

ولايتوهمنَّ أحد الفرق بين ( العبث بالذَكَر في الصّلاة ) الوارد في أخبار القوم و( مسّ الذَكَر في الصلاة ) الوارد في ( الاستبصار ) مِن كتبنا ، فإنّ ( العبث ) هو اللعب والعمل بلا فائدة ، كما في ( المصباح المنير ) وغيره مِن كتب اللغة... بل ليس مراد السائل مِن ( المسّ ) إلاّ ( العبث ) وممّا يشهد بذلك الخبر التالي في ( تهذيب الأحكام ) مِن كتب أصحابنا الإماميّة :

( محمّد بن علي بن محبوب ، عن العبّاس بن معروف ، عن عبد الله بن مغيرة قال : حدّثني أبو القاسم معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قلت له : الرجل يعبث بذَكَره في الصلاة المكتوبة قال : وما له فَعَل ؟ قلت : عبث به حتّى مسّ بيده قال: لا بأس ) (٢) .

_______________________

(١) شرح موطّأ محمّد بن الحسن الشيباني للشيخ علي القاري ـ باب الوضوء مِن مسّ الذَكَر .

(٢) تهذيب الأحكام للشيخ أبي جعفر الطوسي ٢ : ٣٣٣ / ١٣٧٣ ، كتاب الصلاة ، باب كيفيّة الصلاة...


حُكم الرجل يضمّ الجارية إليه في الصلاة

وشنَّع بعضهم على الإماميّة روايتهم عدم البأس بأنْ يضمّ الرجل الجارية إليه في الصلاة ، وذكر الخبر التالي :

( في الوافي ، نقلاً مِن الأُصول ، عن مسمع قال :سألت أبا الحسن عليه‌السلام فقلت : أكون أُصلّي فتمرّ بي الجارية ، فربّما ضممتها إليَّ قال : لا بأس... ) (١) .

أقول :

وهذا التشنيع أيضاً في غير محلّه ، وإنّما نشأ مِن الغلط في فهم الرواية ؛ لأنّه قد ظنّ أنّ ( الجارية ) هي المرأة أو خصوص ( الأمة ) الكبيرة ، وأنّ ( الضمّ ) المذكور في الرواية بمعنى ( المعانقة والتقبيل ) وغير ذلك ممّا يفعله الرجل مع حليلته... وليس المقصود ذلك قطعاً...

أمّا ( الجارية ) ففي الصحاح ) و( مجمع البحار ) وغيرهما مِن كتب اللغة : ( الصبيّة ومَن لم تبلغ الحُلُم مِن النساء )(٢) .

وأمّا ( ضمّ الجارية ) فالمراد مِنه حملها في أثناء الصلاة ، وبذلك باب في كتاب البخاري ، حيث قال : ( باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة ) فأخرج فيه الحديث أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يصلّي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله...(٣) .

_______________________

 (١) الوافي للشيخ محمّد محسن الكاشاني ٨ : ٨٩٢ / ٧٣٢٩ ـ ٦ ، كتاب الصلاة ، باب الضحك والعبث .

(٢) صحاح اللغة ٦ : ٢٣٩٨ مادّة صبا .

(٣) صحيح البخاري ١ : ١٣٧ ، باب ١٠٦ : إذا حمل جارية صغيرة...


وأخرجه مسلم في كتابه كذلك(١) .

وكذا تجد هذا الحديث وما بمعناه في سائر الكتب ، كمسند أحمد ، وموطّأ مالك ، وفي السُنن لأبي داود والنسائي ، وفي المصابيح والمشكاة وغيرها... وقد رواه صاحب ( جامع الأُصول ) عن أكثرها حيث قال :

( أبو قتادة : إنّ رسول الله كان يصلّي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس ، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها .

وفي رواية : رأيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يؤمّ الناس وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه ، فإذا ركع وضعها وإذا رفع مِن السجود أعادها أخرجه البخاري ومسلم .

وأخرج الموطّأ وأبو داود والنسائي الأُولى .

وفي أُخرى لأبي داود ومسلم : بينا نحن جلوس في المسجد إذ خرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع ، وأُمّها زينب بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ وهي صبيّة ـ على عنقه ، فصلّى رسول الله وهي على عاتقه ، يضعها إذا ركع ويعيدها إذا قام حتّى قضى صلاته ، يفعل ذلك بها .

وفي أُخرى له قال : بينا نحن ننتظر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الظهر والعصر وقد دعاه بلال إلى الصلاة ، إذ خرج إلينا وأمامة بنت أبي العاص بنت بنته على عنقه ، فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مصلاّه وقمنا خلفه ، وهي في مكانها الذي هي فيه قال : فكبّر فكبّرنا ، حتّى إذا أراد رسول

_______________________

(١) صحيح مسلم ١ : ٣٨٥ / ٥٤٣ ، كتاب المساجد ، الباب ٩ .


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يركع أخذها فوضعها ، ثمّ ركع وسجد حتّى إذا فرغ مِن سجوده وقام أخذها فردّها في مكانها، فما زال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصنع بها ذلك في كلّ ركعة حتّى فرغ مِن صلاته .

وأخرج النسائي أيضاً الرواية التي لأبي داود قبل هذه )(١) .

وقد أجاب الحفّاظ عن التوهّمات التي تعترض هذا الحديث والحكم به :

قال النووي بشرحه : ( قوله : رأيت النبيّ...

هذا يدلّ لمذهب الشافعي ومَن وافقه أنه يجوز حمل الصبي والصبيّة وغيرهما مِن الحيوان الطاهر في صلاة الفرض وصلاة النفل ، ويجوز ذلك للإمام والمأموم والمنفرد .

وحمله أصحاب مالك على النافلة ومنعوا جواز ذلك في الفريضة .

وهذا التأويل فاسد ؛ لأنّ قوله يؤمّ الناس صريح أو كالصريح في أنّه كان في الفريضة .

وادّعى بعض المالكيّة أنّه منسوخ ، وبعضهم أنّه خاصّ بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبعضهم أنّه كان لضرورة.

وكلّ هذه الدعاوي باطلة مردودة ، فإنّه لادليل عليها و لاضرورة إليها ، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع ؛ لأنّ الآدمي طاهر وما في جوفه مِن النجاسة معفوّ عنه لكونه في معدته ، وثياب الأطفال وأجسادهم على الطهارة ، ودلائل الشرع متظاهرة على هذا ، والأفعال في الصلاة لاتبطلها إذا قلّت أو تفرّقت ، وفِعْل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا بياناً للجواز وتنبيهاً به على هذه القواعد التي ذكرها .

_______________________

(١) جامع الأصول ٥ : ٥٢٤ ـ ٥٢٥ / ٣٧٤٩ ، الفرع الثامن .


وهذا يرد ماادّعاه الإمام أبو سليمان الخطّابي أنّ هذا الفعل يشبه أن يكون كان بغير تعمّد لحملها في الصلاة ، لكنّها كانت تتعلّق بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يدفعها ، وإذا قام بقيت معه قال : ولا يتوهّم أنّه حملها أو وضعها مرّة بعد أُخرى عمداً ؛ لأنّه عمَلْ كثير وشغل القلب وإذا كان علم الخميصة شغله فكيف لا يشغله ، هذا كلام الخطّابي .

وهو باطل ودعوى مجرّدة ، وممّا يردّه قوله في صحيح مسلم : فإذا قام حملها وقوله : فإذا رفع مِن السجود أعادها وقوله في رواية غير مسلم : خرج علينا حاملاً أمامة فصلّى ، وذكر الحديث .

وأمّا قضيّة الخميصة ؛ فلأنّها تشغل القلب بلا فائدة ، وحمْلُ أمامة لا يسلّم أنّه يشغل القلب ، وإن شغله فتترتّب عليه فوائد وبيان قواعد ممّا ذكرنا وغيره ، فاحتمل ذلك الشغل لهذه الفوائد بخلاف الخميصة .

فالصواب الذي لا مَعْدَل عنه : أنّ الحديث كان لبيان الجواز والتنبيه على هذه القواعد فهو جائز لنا وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين ، والله أعلم )(١) .

وابن حجر العسقلاني اقتفى أثر النووي ، فقال في ( فتح الباري ) :

( قوله : فإذا سجد وضعها كذا لمالك أيضاً ، ورواه مسلم مِن طريق عثمان ابن أبي سليمان ومحمّد بن عجلان ، والنسائي مِن طريق الزبيدي ، وأحمد من طريق ابن جريج ، وابن حبّان من طريق أبي العميس ، كلّهم عن عامر بن عبد الله شيخ مالك فقالوا : إذا ركع وضعها ، ولأبي داود مِن طريق المقبري عن عمرو بن سليم : حتّى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها ثمّ ركع وسجد ، حتّى إذا فرغ مِن سجوده وقام أخذها فردّها في مكانها .

_______________________

(١) شرح صحيح مسلم ٥ : ٣٢- ٣٣ ، كتاب المساجد ، باب جواز حمل الصبيان في الصلاة .


وهذا صريح في أنّ فِعْل الحمل والوضع كان مِنه لا مِنها .

بخلاف ما أوّله الخطّابي حيث قال : يشبه أن تكون الصبيّة كانت قد أَلِفَتْه فإذا سجد تعلّقت بأطرافه والتزمته فينهض مِن سجوده فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع فيرسلها قال : هذا وجهه عندي .

وقال ابن دقيق العيد : مِن المعلوم أنّ لفظ حمل لا يساوي لفظ وضع في اقتضاء فعل الفاعل ؛ لأنّا نقول فلان حَمَل كذا ولو كان غيره حمله بخلاف وضع ، فعلى هذا فالفعل الصادر مِنه هو الوضع لا الرفع فيقلّ العمل قال : وقد كنت أحسب هذا حسناً، إلى أن رأيت في بعض طُرُقه الصحيحة ، فإذا أقام أعادها .

قلت : وهي رواية لمسلم ، ورواية أبي داود التي قدّمناها أصرح في ذلك هي : ثمّ أخذها فردّها في مكانها ولأحمد مِن طريق ابن جريج : وإذا قام حملها فوضعها على رقبته .

قال القرطبي : اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث ، والذي أحوجهم إلى ذلك أنّه عمل كُثر ، فروى ابن القاسم عن مالك أنّه كان في النافلة ، وهو تأويل بعيد ، فإنّ ظاهر الأحاديث أنّه كان في فريضة ، وسبقه إلى استبعاد ذلك المازري وعياض ، لما ثبت في مسلم : رأيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يؤمّ الناس وأمامة على عاتقه .

قال المازري : إمامته بالناس في النافلة ليست بمعهودة ) .

ثمّ قال ابن حجر :

( قال القرطبي : وروى عبد الله بن يوسف التنيسي عن مالك أنّ الحديث منسوخ .

قلت : روى ذلك الإسماعيلي عقب روايته للحديث مِن طريقه ، لكنّه غير صريح ولفظه : قال التنيسي : قال مالك ، مِن حديث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ناسخ ومنسوخ وليس العمل على هذا .


وقال ابن عبد الله : لعلّه نُسخ بتحريم العمل في الصلاة ، وتعقّب بأنّ النسخ لا يثبت بالاحتمال ، وبأنّ هذه القصّة كانت بعد قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ في الصلاة لشغلاً ؛ لأنّ ذلك كان قبل الهجرة ، وهذه القصّة كانت بعد الهجرة قطعاً بمدّة مديدة .

وذكر عياض عن بعضهم : أنّ ذلك كان مِن خصائصهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لكونه كان معصوماً مِن أن تبول وهو حاملها ، ورُدّ : بأنّ الأصل عدم الاختصاص ، وبأنّه لا يلزم مِن ثبوت الاختصاص في أمر ثبوته في غيره بغير دليل ، ولا مدخل للقياس في مثل ذلك )(١) .

مِن فتاوى القوم في الباب

لكنّ العجيب أنّ للقوم فتاوى بجواز تقبيل المرأة في حال الصلاة وعدم فسادها به ، وكذا النظر إلى فرجها بشهوةٍ... فقد جاء في ( فتح القدير ) :

( ولو قبّلت المصلّي ولم يشتهها لم تفسد ـ أي الصلاة ـ كذا في الخلاصة )(٢) .

وفي ( السراج الوهّاج ) :

( عن أبي يوسف : إذا كانت هي تصلّي فقبّلها رجل لا تفسد صلاتها لعدم الفعل منها ) .

_______________________

(١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ١ : ٤٦٩ ، باب إذا حمل جاريةً صغيرة...

(٢) فتح القدير لابن الهمام ١ : ٣٥١ .


وفي ( البحر الرائق ) :

( وأمّا قولهم ـ كما في الخانية والخلاصة ـ لو كانت المرأة هي المصلّية دونه ، فقبّلها فسدت بشهوةٍ أو بغير شهوة ولو كان هو المصلّي فقبّلته ولم يشتهها ، فصلاته تامّة فمشكل .

إذ ليس مِن المصلّي فعل في الصورتين ، فمقتضاه عدم الفساد فيهما وإن جعلنا تمكينه مِن الفعل بمِنزلة فعله اقتضى الفساد فيهما ، وهو الظاهر على اعتبار أنّ العمل الكثير ما لو نظر إليه الناظر لتيقّن أنّه ليس في الصّلاة أو ما استفحشه المصلّي )(١)

وفي ( فتح القدير ) :

( ولو رأى فرج المطلّقة رجعياً بشهوةٍ يصير مراجعاً ولا تفسد في رواية ، وهو المختار )(٢) .

بل في ( البحر الرائق ) :

( لو جامعها فيما دون الفَرْج مِن غير إنزال ، بخلاف النظر إلى فرجها بشهوة فإنّه لا يفسد على المختار كما في الخلاصة )(٣) .

وفي ( السراج الوهّاج ) :

( وإنْ قبّلت المصلّي امرأتُه ولم يقبّلها هو فصلاته تامّة ، وإنْ قبّلها هو بشهوةٍ أو بغير شهوةٍ ، فسدت صلاته وفي الفتاوى : لا تفسد إلاّ إذا قبّلها بشهوة ) .

_______________________

(١) البحر الرائق ٢ : ١٢ ـ ١٣ .

(٢) فتح القدير لابن الهمام ١ : ٣٥١ .

(٣) البحر الرائق ٢ : ١٢ .


٢ القياس

أوّل مَن قاس إبليس

قال الشعراني في كتاب ( لواقح الأنوار ) بترجمة الإمام أبي عبد الله جعفر ابن محمّد الصادقعليه‌السلام :

( ودخل عليه أبو حنيفة فقال له :ياأبا حنيفة ، بلغني أنّك تقيس ، لا تفعل ، فإنّ أوّل مَن قاس إبليس ) (١) .

وقال الفخر الرازي في ( مناقب الشافعي ) :

( والعجب أنّ أبا حنيفة رحمة الله عليه كان تعويله على القياس ، وخصومه كانوا يذمّونه بسبب كثرة القياسات ونقل أنّ جعفر بن محمّد الصادق عليهما السلام أورد عليه الدلائل الكثيرة في إبطال القياس ، ثمّ إنّه رحمه الله مع أنّه أفنى عمره في العمل بالقياس ، وكان ممتحناً فيما بين الناس بهذا السبب ، لم ينقل عنه ولا عن أحدٍ مِن أصحابه أنّه صنّف في إثبات القياس ورقّة ، ولا أنّه ذكر في تقريره شبهة فضلاً عن حجّة ، ولا أنّه أجاب عن دليل لخصومه في إنكار القياس )(٢) .

وقال شاه وليّ الله الدهلوي في ( الإنصاف ) :

( عن ابن سيرين قال : أوّل مَن قاس إبليس ، وما عُبدَتْ الشمس والقمر

_______________________

(١) لواقح الأنوار في طبقات الأخيار ـ ترجمة الإمام أبي عبد الله جعفر الصادقعليه‌السلام .

(٢) مناقب الإمام الشافعي : ١٥٨ .


إلاّ بالمقاييس .

وعن الحسن أنّه تلا هذه الآية :( خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) وقال : قاس إبليس وهو أوّل مَن قاس .

وعن الشعبي قال : والله لئن أخذتم بالمقاييس لتحرِّمنّ الحلال ولتحلنّ الحرام )(١) .

وقال السيوطي في ( الدرّ المنثور ) :

( أخرج أبو نعيم في الحُليّة والديلمي عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه ،أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : أوّل مَن قاس أمر الدين برأيه إبليس ، قال الله له : أُسجد لآدم ، فقال : ( أَنَا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) قال جعفر : فمَن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس لأنّه تبعه بالقياس ) (٢) .

وفي ( كتاب الوسائل إلى مسامرة الأوائل ) :

( وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال : أوّل مَن قاس إبليس ، وما عُبدَتْ الشمس والقمر إلاّ بالمقاييس )(٣) .

وروى المتّقي في ( كنز العمّال ) :

(مَن قال في الدين برأيه فقد اتّهمني أبو نعيم عن جابر .

لا تقيسوا الدين فإنّ الدين لا يقاس ، وأوّل مَن قاس إبليس الديلمي عن علي )(٤) .

_______________________

(١) حجّة الله البالغة ١ : ١٢١ .

(٢) الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ٣ : ٤٢٥ والآية في سورة الأعراف : ١٢ .

(٣) الوسائل إلى مسامرة الأوائل : ١١٦ .

(٤) كنز العمّال ١ : ٢٠٨ / ١٠٤٨ ـ ١٠٤٩ .


وفيه :

( تعمل هذه الأُمّة برهة بكتاب الله ، ثمّ تعمل برهة بسنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ تعمل بالرأي ، فإذا عملوا بالرأي فقد ضلّوا وأضلّوا عن أبي هريرة )(١) .

مِن الأخبار والآثار في ذمّ القياس

وأخرج البخاري :

( باب ما يذكر مِن ذمّ الرأي وتكلّف القياس وقول الله( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) .

حدّثنا سعيد بن تليد قال : حدّثني ابن وهب قال : حدّثني عبد الرحمان ابن شريح وغيره عن أبي الأسود عن عروة قال : حجّ علينا عبد الله بن عمرو فسمعته يقول : سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : إنّ الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعاً ، ولكن ينزعه عنهم مع قبض العلماء بعلمهم ، فيبقى ناس جهّال يُسْتفْتَون فيفتون برأيهم فيضلّون ويضلّون .

فحدّثتُ عائشة زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ عبد الله بن عمرو حجّ بعد فقالت : يا ابن أُختي انطلق إلى عبد الله فاستثبت لي مِنه الذي حدّثتَني عنه ، فجئته فسألته فحدّثني به كنحو ما حدّثني ، فأتيت عائشة فأخبرتها ، فعَجِبَتْ فقالت : والله لقد حفظ عبد الله بن عمرو )(٢) .

وأخرج ابن ماجة :

_______________________

(١) كنز العمّال ١ : ١٨٠ / ٩١٥ .

(٢) صحيح البخاري ٩ : ١٢٣ ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة...


 ( حدّثنا سويد بن سعيد ، ثنا ابن أبي الرجال ، عن عبد الرحمان بن عمرو الأوزاعي ، عن عبده ابن أبي لبابة عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، رضي الله عنهما قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلاً حتّى نشأ فيهم المولودون وأبناء سبايا الأُمم فقالوا بالرأي ، فضلّوا وأضلّو )(١) .

كلام الفخر الرازي في ذمّ القياس

ولقد أطال الفخر الرازي الكلام في ذمّ الرأي والقياس بنقل الروايات ، وحَكَم بكون الحنفية مِن الضالّين والمضلّين ، فقال في ( مناقب الشافعي ) :

( الفصل الرابع : في بيان أنّ تلقيب الإنسان بأنّه مِن أصحاب الرأي ليس مِن ألقاب الشرف والمدح ، ويدلّ عليه القرآن والأخبار والآثار المقبولة :

ـ أمّا القرآن فقوله تعالى :( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِن الْحَقِّ شَيْئاً ) وقوله :( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) وقوله :( لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) .

الثاني : قوله تعالى :( لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ) قدّم السمع على الرأي في كونه سبباً للخلاص عن السعير .

فإن قالوا : هذا معارض بقوله :( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ ) فقدّم القلب الذي هو معدن الفهم والرأي على السمع .

قلنا : المراد هاهنا العقل الذي هو شرط التكليف .

الثالث : قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) أطيعوا الله إشارة للكتاب ، والرسول إشارة للسنّة ، وأُولي

_______________________

(١) سُنن ابن ماجة ١ : ٢١ / ٥٦ المقدّمة باب اجتناب الرأي والقياس .


الأمر إشارة للإجماع ثم قال :( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ ) إشارة إلى القياس .

فالله تعالى أخبر عن جميع الدلائل ، وجعل جواز التمسّك به مشروطاً بعدم وجدان سائر الدلائل على ما بيّنّا ذلك في كتاب التفسير الكبير ، وهذا يدلّ على أنّ أصحاب الحديث أعلى شأناً مِن أصحاب الرأي .

ويقرب مِنه قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن : بِمَ تحكم ؟ قال : بكتاب الله قال : فإن لم تجد ؟ قال : بسنّة رسول الله قال : فإن لم تجد ؟ قال : أجتهد برأيي فقال : الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرتضيه رسول الله .

والاستدلال به عين ما تقدّم .

ـ وأمّا الأخبار والأحاديث الكثيرة فناطقة بذلك :

أحدها : ما روي عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مَن قال في ديننا برأيه فاقتلوه .

وثانيها : ما روي أنّ عمر قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله لا ينزع العلم انتزاعاً مِن أهله ولكن ينزعه بقبض العلماء ، فإذا لم يبق عالم اتّخذ الناس رؤساء جهّالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا .

وجه الاستدلال به أنّ الفتوى بغير علم هي الجواب بالرأي .

وثالثها : ما روى عوف بن مالك قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : تفترق أُمّتي على بضع وسبعين فرقة ، أعظمها فتنة على أُمّتي قوم يفتون الناس برأيهم .

ورابعها : روى أبو هريرة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : يعمل


هذه الأُمّة برهة بالرأي ، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلّوا .

وخامسها : روى جابر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : مَن تكلّم في الدين برأيه فقد اتّهمني .

ـ وأمّا الآثار فكثير مِنها ناطق بذلك :

قال عمر بن الخطّاب : اتّهموا الرأي في الدين ، فإنّ الرأي المأخوذ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّما كان صواباً؛ لأنّ الله تعالى كان يريه إيّاه ، ودعُوا ما تُكلّف وظُنّ ، فإنّ الظنّ لا يغني مِن الحقّ شيئاً .

وعنه : إيّاكم ومجالسة أصحاب الرأي فإنّهم أعداء الدين ، قالوا برأيهم فضلّوا وأضلّوا كثيراً .

وقال ابن عبّاس : إيّاكم والرأي ، فإنّ الله تعالى ردّ الرأي على الملائكة إذ قالوا :( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ) قال تعالى :( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) يعني لا اطّلاع لكم على أسرار أفعالي وأحكامي ، فاتركوا الأقيسة .

وقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ ) ولم يقل بما رأيت .

وسُئل عن نبيّ فقال : لا أدري ، فقال الرجل : قل فيها برأيك فقال : إنّي أخاف أن أقول برأيي فتزلّ قدم بعد ثبوتها .

وقال ابن مسعود : يذهب خياركم ولا تجدون مِنهم خلفاً ، ثمّ يجيء قوم يفتّشون الأُمور برأيهم فينهدم الإسلام .

وعن عمر بن عبد العزيز ، إنّه كتب إلى النّاس لا رأي لأحد مع سنّة سنّها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وكان الشعبي يقول في أصحاب الرأي : ما قالوا برأيهم فبُل عليه ، وما


حدّثوك عمّن كان قبلهم مِن أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخذ به .

وروي : أنّ أبا سَلَمة بن عبد الرحمن والحسين البصري التقيا ، فقال أبو سَلَمة : يا حسين ! قيل لي أنّك تحدّث النّاس برأيك، اتّق الله واتّق رأيك .

وعن جعفر الصادق ابن محمّد الباقر أنّه قال : مَن وُكّل إلى نفسه أخذ برأيه .

وقد روي : مَن أخذ برأيه وُكّل إلى نفسه .

وعن الحسن البصري : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إنّ المؤمِن مَن أخذ دينه عن الله تعالى ، وإنّ المنافق يصيب رأياً فيأخذ دينه عنه .

وقال ابن المبارك : أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه قال : ما زال أمر بني إسرائيل مستقيماً حتّى كثرت فيهم أبناء السبايا ، فوضعوا فيهم الرأي فأهلكوهم .

وقال الليث بن سعد : جئت ابن شهاب يوماً بشيء مِن الرأي ، فقبض وجهه كالكاره ، ثمّ جئته يوماً آخر بأحاديث مِن السنن فتهلّل وجهه وقال : إذا جئتني ائتني بهذا .

وقال الشعبي : إنّما هلكتم لأنّكم تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس .

وقال ابن سيرين : أوّل مَن قاس إبليس ، وما عُبدَتْ الشمس والقمر إلاّ بالمقاييس .

وقال أيضاً : ما حدّثوك مِن أصحاب محمّد فاقبله ، وما حدّثوك عن رأيهم فألقه في الحش .

وكان الثوري يقول : مَن قال برأيه فقل رأيي مثل رأيكم ، إنّما العلم بالآثار .


وذُكر عند عبد الرحمن بن مهدي قوم مِن أهل البدع ، فقال : لا يقبل الله إلاّ ما كان مبنيّاً عل الأثر والسنّة ، ثم قرأ :( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ) .

واعلم : إنّ أقوال الصحابة والتابعين في ذمّ الرأي كثيرة ، ولنكتف بهذا القدر مِن الروايات ، ونحن ننقلها مِن كتاب الانتصار لأصحاب الحديث ، مِن تصانيف الشيخ أبي المظفّر السمعاني .

فإن قيل : هذه الروايات معارضة بروايات أُخر عن الصحابة ، تدلّ على أنّهم كانوا قائلين بالرأي:

قال أبو بكر الصدّيق : أقول في الكلالة برأيي .

وقال ابن مسعود في المفوّضة : أقول فيها برأيي

والجواب : إنّ الصدّيق إنّما قال في الكلالة برأيه ثمّ قال بعده : فإن يك صواباً فمِن الله ، وإن يك خطأ فمنّي ومِن الشيطان ، وهذا يدلّ على أنّه كان كالخائف مِن الرأي .

ونحن نفرّق بين هذه الروايات فنقول : الروايات التي ذكرناها تدلّ على أنّه يجب الحذر عن الرأي ، والتي ذكرتموها تدلّ على أنّه يجوز استعمال الرأي عند الضرورة الشديدة ، بشرط الحذر والاحتراز عن مخالفة النصوص ، وعلى جميع التقديرات ، فإنّه يخرج مِنه أنّ كون الإنسان صاحباً للحديث خير مِن أن يكون صاحب الرأي .

ـ وأمّا الوجوه العقليّة في بيان تقديم النصّ على القياس والرأي ، فكثيرة :

أحدها : إنّ التمسّك بالنصّ محمود عند جميع الطوائف ، وأمّا التمسّك بالقياس فمذموم عند البعض دون البعض ، والشيء الذي يكون محموداً عند


الكلّ خير مِن الذي أقصى درجاته أن لا يكون مذموماً .

وثانيها : أنّ الحديث أصل والرأي فرع ، والأصل خير مِن الفرع وأيضاً الحديث بمنزلة الماء في الطهارات والرأي بمِنزلة التراب ، فكما كان الماء مقدّماً على التراب في طهوريّة الظواهر ، كان الحديث مقدّماً على الرأي في طهوريّة البواطن ، ومَثلُ مَن قدّم الرأي على الحديث كمَثَل مَن قدّم التراب على الماء .

وثالثها : قال بعض العلماء : الماء نوعان : ما نزل مِن السماء وما نبع مِن الأرض ؛ فالماء النازل مِن السماء يكون في طعم واحد مِن اللذة والطيب ، وعلى لون واحد مِن الصفاء والنقاء ، وجوهر واحد في الطهارة والنظافة ، فكذا العلم النازل مِن السماء يكون طاهراً نقيّاً عن شوائب الشُبُهات وممازجة الكدورات والظلمات .

وأمّا الذي نبع مِن الأرض فإنّه يختلف لونه وطعمه ورائحته وطبعه بحسب اختلاف المعادن ، تارة يكون طيّباً وتارة يكون مُنتناً ، وتارة يكون لطيفاً وأُخرى يكون كثيفاً ، وكذا العلم الذي يظهر مِن القياس والرأي ، تارة يكون فاسداً باطلاً وتارة يكون نافعاً ، لكن كيف كان فإنّ النفع فيه قليل ) .

وكان غرض الرازي مِن كلّ ذلك ذمّ الحنفيّة وتقديم الشافعيّة ؛ لأنّه قد قال مِن قبل :

( إعلم أنّ أتباع الشافعي ملقّبون عند جمهور الخَلَف بأنّهم أصحاب الحديث ، وأتباع أبي حنيفة ملقّبون عند جمهور الخَلَف بأنّهم أصحاب الرأي ؛ وذلك يوجب رجحان مذهب الشافعي .

بيان المقام الأوّل مِن وجوه ، الأوّل : إنّ جميع الفِرَق لو حضروا في


محفل واحد ، ثمّ قام إنسان وذكر أصحاب الحديث بمدح أو بذمّ ، فإنّه يتسارع إلى فهم كلّ أحد أنّ المراد بذلك الكلام أصحاب الشافعي ، وذلك يدلّ على اتّفاق الكلّ على أنّهم هم المختصّون بهذا اللقب ، وأمّا أصحاب أبي حنيفة فإنّهم المختصّون بأنّهم أصحاب الرأي ، والدليل عليه ماذكرناه بعينه .

ثمّ نقول : إنّهم معترفون بأنّهم هم المخصوصون بهذا اللقب بل يفتخرون به .

وبيان أنّ الأمر كذلك كالمعلوم بالضرورة فلا حاجة فيه إلى الاستدلال ) .

وذكر الرازي في بيان عدم صدق لقب أصحاب الحديث على الحنفيّة :

( أمّا أصحاب أبي حنيفة ، فهم في غاية البعد عن هذا اللقب ؛ لأنّهم لمّا كان مذهبهم أنّ القياس مقدّم على الخبر ، فكيف يليق بهم هذا اللقب ، لقولهم إنّا نقبل المراسيل والمجاهيل ، بل نقول هذا الكلام بالعكس أولى ؛ لأنّ صاحب الشيء هو الذي يكون مشفقاً عليه كثير الاجتهاد في صلاحه ، والمشفق على الأخبار النبويّة هو الراغب في صَوْنها عن الآفات والأخطار ، فإنّ الشافعي إنّما لم يقبل المراسيل والمجاهيل لغاية حرصه على صَوْن الأخبار عن الأكاذيب ، وذلك مِن أدلّ الدلائل على أنّه بهذا اللقب الشريف أولى .

والعجب أنّ أبا حنيفة قَبِل روايات المجاهيل وقَبِل المراسيل ثمّ قال : لا أقبل الحديث الصحيح إذا كان مخالفاً للقياس ، ولا أقبل الحديث الصحيح في الواقعة التي يعمّ بها البلوى ، ولا أقبل الحديث الصحيح الذي يكون راوي الفرع قاطعاً بصحّته وراوي الأصل غير حافظ للرواية عنه .

فليت شعري ـ إذن ـ أكان هذا الخبر أولى أم خبر مجهول لا يعرف حاله ولا صفته ) .


كلام ابن الجوزي في ذمّ القياس

هذا ، وقد ذكر ابن الجوزي تلبيس إبليس على الفقهاء بالأخذ بالقياس وغيره ، حيث قال في كلامٍ طويل :

( ذكر تلبيسه على الفقهاء : كان الفقهاء في قديم الزمان هم أهل القرآن والحديث ، فما زال الأمر يتناقص حتّى قال المتأخّرون : يكفينا أن نعرف آيات الأحكام مِن القرآن ، وأن نعتمد على الكتب المشهورة في الحديث كسُنن أبي داود ونحوها ، ثمّ أهْوَنوا بهذا الأمر أيضاً وصار أحدهم يحتجّ بآية لا يعرف معناها وبحديث لا يدري أصحيح هو أم لا ، وربّما اعتمد على قياس يعارضه حديث صحيح ولا يعلم ، وإنّما الفقه استخراج مِن الكتاب والسنّة فكيف يستخرج مِن شيء لا يعرف ، ومِن القبيح تعليق حكم على حديث لا يدرى أصحيح هو أم لا ؟

ولقد كانت معرفة هذا تصعب ، ويحتاج الإنسان إلى السفر الطويل والتعب الكثير حتّى يعرف ، فيصنّف الكتب ويقرّر السُنن ويعرف الصحيح مِن السقيم ، ولكن غلب المتأخرين الكسلُ بمرّة عن أن يطالعوا علم الحديث .

حتّى إنّني رأيت بعض الأكابر مِن الفقهاء يقول في تصنيفه عن ألفاظ الصحاح : لا يجوز أن يكون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال هذا ، ورأيته يحتجّ في مسألة فيقول : دليلنا : ما روى بعضهم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال كذا ، ويجعل الجواب عن حديث صحيح قد احتجّ به خصمه أن يقول : هذا الحديث لا يُعرف .

وهذا كلّه خيانة على الإسلام .


ومِن تلبيس إبليس على الفقهاء : أنّ جلّ اعتمادهم على تحصيل علم الجدل يطلبون بزعمهم تصحيح الدليل على الحكم والاستنباط لدقائق الشرع وعِلَل المذاهب ، ولو صحّت هذه الدعوى منهم لتشاغلوا بجميع المسائل ، وإنّما يتشاغلون بالمسائل الكبار ليتّسع فيها الكلام ، فيقدّم المناظر بذلك عند الناس في خصام النظر فيهم أحدهم بترتيب المجادلة والتفتيش عن المِناقضات طلباً للمفاخرة والمباهلة ، وربّما لم يعرف الحُكم في مسألة صغيرة يعمّ بها البلوى .

ومِن تلبيسه عليهم : إدخالهم في الجدل كلامَ الفلاسفة ، واعتمادهم على تلك الأوضاع .

ومِن ذلك : إيثارهم للقياس على الحديث المستدلّ به في المسألة ؛ ليتّسع لهم المجال في النظر ، وإن استدلّ أحدهم بالحديث هُجن ، ومِن الأدب تقديم الاستدلال بالحديث .

ومِن ذلك : أنّهم جعلوه جلّ اشتغالهم ولم يمزجوه بما يرقّق القلوب مِن قراءة القرآن وسماع الحديث وسيرة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه ، ومعلوم أنّ القلوب لا تخشع بتكرار إزالة النجاسة والماء المتغيّر ، وهي محتاجة إلى التذكار والمواعظ لتنهض لطلب الآخرة ، ومسائل الخلاف وإن كانت في علوم الشرع إلاّ أنّها لا تنهض بكلّ المطلوب ، ومَن لم يطّلع على أسرار سِيَر السَلَف وحال الذي تمذهب له ، لم يمكنه سلوك طريقهم .

وينبغي أن يعلم أنّ الطبع لصّ ، فإذا ترك مع أهل هذا الزمان سرق مِن طباعهم فصار مثهلم ، وإذا نظر في سِيَر القدماء فزاحمهم وتأدّب بأخلاقهم وقد كان بعض السَلَف يقول : حديث يرقّ له قلبي أحبّ إليّ مِن مائة قضيّة مِن


قضايا شُريح ، وإنّما قال هذا ، لأنّ رقّة القلب مقصودة ولها أسباب .

ومِن ذلك : أنّهم اقتصروا على علم المناظرة ، وأعرضوا عن حفظ المذهب وباقي علوم الشرع ، فترى الفقيه المفتي يُسأل عن آية أو حديث لا يدري ، وهذا عين التقصير ، فأين الفقه مِن التقصير .

ومِن ذلك : أنّ المجادلة إنّما وُضعت لتبيين الصواب ، وقد كان مقصود السَلَف المناصحة بإظهار الحق ، وقد كانوا ينتقلون مِن دليل إلى دليل ، وإذا خفيَ على أحدهم شيء نبّهه الآخر ؛ لأنّ المقصود كان إظهار الحقّ ، فصار هؤلاء إذا قاس الفقيه على أصل لفقيه بعلّة يظنّها فقيل له : ما الدليل على أنّ الحكم في الأصل معلّل بهذه العلّة ؟ فقال : هذا الذي يظهر لي ، فإن ظهر لكم ما هو أولى مِن ذلك فاذكروه قال المعترض : لايلزمني ذلك ، ولقد صدق في أنّه لا يلزمه ، ولكن فيما ابتدع مِن الجدل ، بل في باب النصح وإظهار الحقّ يلزمه .

ومِن ذلك : أنّ أحدهم يتبيّن له الصواب مع خصمه ولا يرجع ويضيق صدره كيف ظهر الحقّ مع خصمه ، وربّما اجتهد في ردّه مع علمه أنّه الحقّ ، وهذا مِن أقبح القبيح ؛ لأنّ المِناظرة إنّما وُضعت لبيان الحقّ ، وقد قال الشافعي : ما ناظرتُ أحداً فباليتُ مع مَن كانت الحجّة ؛ إن كانت معه صِرتُ إليه .

ومِن ذلك : إنّ طلبهم الرياسة بالمِناظرة يثير الكامن في النفس مِن حبّ الرياسة ، فإذا رأى أحدهم في كلامه ضعفاً يوجب قَهْرَ خصمه له خرج إلى المكابرة ، وإن رأى خصمه قد استطال عليه بلفظةٍ ظهرت حميّة الكِبر ، فقابل ذلك بالسبّ ، فصارت المجادلة مجالدة .


ومِن ذلك : ترخّصهم في الغيبة بحجّة الحكاية عن المناظر ، فيقول أحدهم : تكلّمت مع فلان فما قال شيئاً ، ويتكلّم بما يوجب التشفّي مِن غرض خصمه بتلك الحجّة .

ومِن ذلك : أنّ إبليس لبّس عليهم بأنّ الفقه هو وحده علم الشرع ليس ثَمّ غيره ، فإن ذُكِر لهم محدّث قالوا : ذاك لا يفهم شيئاً، وينسون أنّ الحديث هو الأصل ، فإن ذُكر لهم كلام يَلين به القلب قالوا : ذا كلام الوعّاظ .

ومِن ذلك : إقدامهم على الفتوى وما بلغوا مرتبتها ، وربّما أفتوا بالمخالف للمنصوص ، ولو توقّفوا في المشكلات كان أولى ، وفي الحديث مرفوعاً إلى عبد الرحمان بن أبي ليلى قال : أدركت عشرين ومائة مِن أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما مِنهم مَن يحدّث حديثاً إلاّ ودّ أنّ أخاه كفاه الحديث ، ولا يسأل عن فُتيا إلاّ ودَّ أنّ أخاه كفاه الفتيا .

وقد روينا عن إبراهيم النخعي : أنّ رجلاً سأله عن مسألة ، فقال: ما وجدتَ مَن تسأله غيري ؟

وعن مالك بن أنس أنّه قال : ما أفتيتُ حتّى سألت سبعين شيخاً هل يرَون لي أن أُفتي ؟ فقالوا : نعم فقيل له : لو نهوك ؟ قال : لو نهوني انتهيت .

وقال رجل لأحمد بن حنبل : إنّي حلفتُ ولا أدري كيف حلفت ؟ فقال : ليتك إذا دريتَ كيف حلفتَ دريتُ كيف أفتيك .

وإنّما كانت هذه سجيّة السَلَف ، لخشْيتهم الله عزّ وجلّ وخوفهم مِنه ، ومَن نظر في سيرتهم تأدّب .

ومِن تلبيس إبليس على الفقهاء : مخالطتهم للأُمراء والسلاطين ومداهنتهم وتَرْك الإنكار عليهم مع القدرة على ذلك ، وربّما رخّصوا لهم ما لا رخصة فيه


لينالوا مِن دنياهم ، فيقع بذلك الفساد لثلاثة :

الأوّل : الأمير ، فيقول : لولا أنّي على صواب لأنكر علَيّ الفقيه ، وكيف لا أكون مصيباً وهو يأكل مِن مالي .

والثاني : العامّي ، فإنّه يقول : لا بأس بهذا الأمير ولا بماله ولا بأفعاله ، فإنّ فلاناً الفقيه لا يزال عنده .

والثالث : الفقيه ، يفسد دينه بذلك .

وقد لبّس إبليس عليهم في الدخول على السلطان فيقول : إنّما تدخل لتشفع في مسلم ، وينكشف هذا التلبيس بأنّه لو دخل غيره يشفع لَما أعجبه ذلك ، ولربّما قدح في ذلك الشخص لينفرد بالسلطان ، ويلبّس عليه إبليس في أخْذ أموالهم فيقول : لك فيه حقّ ، ومعلوم أنّها إن كانت حراماً لم يحل له مِنها شيء ، وإن كانت مِن شبهة فترْكها أولى ، وإن كانت مِن مباحٍ جاز له الأخذ بمقدار مكانه مِن الدين ، لا على وجه إنفاقه في مقام الرعونة ، وربّما اقتدى العوام بظاهر فِعلِه واستباحوا ما لا يُستباح .

وقد تلبّس إبليس على قوم مِن العلماء ، فيقطعون عن السلطان إقبالاً على التعبّد والدين ، فزيّن لهم غِيبة مَن يدخل على السلطان مِن العلماء ، فيجتمع اثنان : غِيبة الناس ومدح النفس .

وفي الجملة ، الدخول على السلطان خطر عظيم ؛ لأنّ النيّة قد تَحْسُن في أوّل الدخول ، ثمّ تتغيّر بإكرامهم وإنعامهم أو بالطمع فيهم ، ولا يتماسك عن مداهنتهم وترْك الإنكار عليهم ، وقد كان سفيان الثوري يقول : ما أخاف مِن إهانتهم لي ، إنّما أخاف مِن إكرامهم فيميل قلبي إليهم .

وقد كان علماء السَلَف يبعدون عن الأُمراء ، لِما يظهر مِن جورهم ،


فيطلبهم الأُمراء لحاجتهم إليهم في الفتاوى والولايات ، فنشأ أقوام قَوِيَت رغبتهم في الدنيا فتعلّموا العلوم التي تصلح للأُمراء وحملوها إليهم لينالوا مِن دنياهم ، ويدلّك على أنّهم قصدوا بالعلوم الأُمراء : أنّ الأُمراء كانوا قديماً يميلون إلى سماع الحُجج في الأُصول ، فأظهر النّاس علم الكلام ، ثمّ مال بعض الأُمراء إلى المِناظرة في الفقه ، فمال الناس إلى الجدل ، ثمّ مال بعض الأُمراء إلى المواعظ ، فمال خلْقٌ كثير مِن المتعلّمين إليها ، ولمّا كان جمهور العوام يميلون إلى القصص كَثُر القصّاص وقلّ الفقهاء.

ومِن تلبيس إبليس على الفقهاء : أنّ أحدهم يأكل مِن وَقْف المدرسة المبنيّة على المتشاغلين بالعلم ، فيمكث فيها سنين فلا يتشاغل ويقنع بما قد عَرف أو ينتهي في العلم ، فلا يبقى له في الوَقْف حظّ ؛ لأنّه إنّما جُعل لمَن يتعلّم ، إلاّ أن يكون ذلك الشخص معيداً أو مدرّساً فإنّ شغله دائم .

ومِن ذلك ما يُحكى عن بعض عوام المتفقّهة مِن الانبساط في المنهيّات ؛ فبعضهم يلبس الحرير ويتختّم بالذهب ويُحال على المكس فيأخذ ، إلى غير ذلك مِن المعاصي .

وسبب انبساط هؤلاء يختلف : فمِنهم مَن يكون فاسد العقيدة في أصل الدين ، فهو يتفقه فيشهر نفسه أو ليأخذ مِن الوَقْف أو ليرؤس أو ليناظر ، ومِنهم مَن عقيدته صحيحة لكن يغلبه الهوى وحبّ الشهوات وليس عنده صارف عن ذلك ؛ لأنّ نفس الجدل والمناظرة تتحرّك إلى الكِبر والعُجب .

وإنّما يتقوّم الإنسان بالرياضة ومطالعة سِيَر السَلَف ، وأكثر القوم في بعد عن هذا ، وليس عندهم إلاّ ما يُعين الطبع على سموحه ، فحينئذ يسرح الهوى بلا رادّ .

ومِنهم مَن يُلبّس عليه إبليس : بأنّك عالم وفقيه ومُفتٍ ، والعلم يدفع عن


أربابه وهيهات ، فإنّ العلم أولى أن يحاجّه ويضاعف عذابه كما ذكرنا في حقّ القرّاء ، وقد قال البصري : إنّما الفقيه مَن يخشى الله عزّ وجلّ .

قال ابن عقيل : رأيت فقيهاً خراسانيّاً عليه حرير وخواتيم ذهب ، فقلت له : ما هذا ؟ فقال : خلع السلطان وكمد الأعداء فقلت : بل هو شماتة الأعداء بك إن كنت مسلماً ؛ لأنّ إبليس عدوّك ، فإذا بلغ مِنك مبلغاً ألبسك ما يُسخط الشرع فقد أشمتّه بنفسك ، وهل خِلَع السلطان إلاّ سائقة لنهي الرحمان يا مسكين ! خَلَع عليك السلطان فانخلعت به مِن الإيمان ، وقد كان ينبغي أن يخلع عنك السلطان لباس الفسق ويلبسك لباس التقوى ، رماكم الله بخزْيِه حيث هوّنتم أمره ، ليتك قلت : هذه رعونات الطبع والهوى ، والآن تمّت محنتك ، لأنّ عذرك دليل على فساد باطنك .

ومِن تلبيسه عليهم : أن يُحسّن لهم ازدراء الوعّاظ ويمنعهم مِن الحضور عندهم ، فيقولون : مَن هؤلاء ؟ هؤلاء قُصّاص ، ومراد الشيطان أن لا يحضروا في موضع يلين فيه القلب ويخشع .

والقصّاص لايُذَمَّون مِن حيث هذا الاسم ؛ لأنّ الله تعالى قال :( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) وقال :( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ ) وإنّما ذُمّ القُصّاص ؛ لأنّ الغالب مِنهم الاقتناع مِنهم بذِكْر القصص دون ذِكْر العلم المفيد ، ثمّ غالبهم يخلط فيما يورده ، وربّما اعتمد على ما أكثره محال ، فأمّا إذا كان القصص صدقاً ويوجب وعظاً فهو ممدوح ، وقد كان أحمد بن حنبل يقول : ما أحوج الناس إلى قاصّ صدوق )(١) .

فهذه حالات علماء القوم وفقهائهم ، العاملين بالرأي والقياس وغيرهم .

_______________________

 (١) تلبيس إبليس : ١٣٧ ـ ١٤٢ .


كلام ابن عربي في ذمّ القياس

وتكلّم غوثهم الأعظم ابن عربي في الأخذ بالرأي والعمل بالقياس ، حيث قال في ( الفتوحات ) :

( قال الله تعالى لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ ) ولم يقل : بما رأيت ، بل عتبه سبحانه وتعالى لمّا حرّم على نفسه باليمين في قضيّة عائشة وحفصة ، فقال تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ) فكان هذا ممّا أرته نفسه ، فهذا يدلّك أنّ قوله تعالى :( بِمَا أَرَاكَ اللّهُ ) أنّه ما يوحي به إليه لا ما يراه في رأيه ، فلو كان الدين بالرأي لكان رأي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولى مِن رأي كلّ ذي رأي ، فإذا كان هذا حال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما أرته نفسه ، فكيف رأي مَن ليس بمعصوم ومِن الخطأ أقرب إليه مِن الإصابة ؟ .

فدلّ أنّ الاجتهاد الذي ذكره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّما هو في طلب الدليل على تعيين الحكم في المسألة الواقعة لا في تشريع حكم في النازلة ، فإنّ ذلك شرع لم يأذن به الله .

ولقد أخبرني القاضي عبد الوهّاب الأزدي الإسكندري بمكّة سنة تسع وتسعين وخمسمائة قال : رأيت رجلاً مِن الصالحين بعد موته في المنام فسألته : ما رأيت ؟ فذكر أشياء مِنها قال : ولقد أُريت كتباً موضوعة وكتباً مرفوعة ، فسألت : ما هذه الكتب المرفوعة ؟ فقيل لي : هذه كتب الحديث فقلت : وما هذه الكتب الموضوعة ؟ فقيل لي : هذه كتب الرأي ، حتّى يُسأل عنها أصحابها ، فرأيت الأمر فيه شدّة .

اعلم ـ وفّقك الله ـ إنّ الشريعة هي المحجّة البيضاء ، محجّة السعداء


وطريق السعادة ، مَن مشى عليها نجا ومَن تركها هلك ، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا نزل عليه قوله تعالى :( وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ) خطّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الأرض خطّاً وخطّ خطوطاً عن جانبَي الخطّ يميناً وشمالاً ثم وضع إصبعه على الخطّ وقال تالياً :( وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ ) وأشار إلى تلك الخطوط التي خطّها عن يمين الخطّ ويساره( فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ) وأشار إلى الخطّ المستقيم .

ولقد أخبرني بمدينة سلا ـ مدينة بالمغرب على شاطئ البحر المحيط يقال لها منقطع التراب وليس وراءها أرض ـ رجل مِن الصالحين الأكابر مِن عامّة النّاس قال : رأيت في النوم محجّة بيضاء مستوية عليها نور سهلة ، ورأيت عن يمين تلك المحجّة وشمالها خنادق وشعاباً وأودية كلّها شوك ، لا تنسلك لضيقها وتوعّر مسالكها وكثرة شوكها والظلمة التي فيها ، ورأيت جميع الناس يخبطون فيها عشوا ويتركون المحجّة البيضاء السهلة ، وعلى المحجّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونَفَر قليل معه يسير وهو ينظر إلى مَن خلفه ، وإذا في الجماعة ـ متأخّر عنها لكنّه عليها ـ الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن قرقور المحدّث ـ كان سيّداً فاضلاً في الحديث ، اجتمعتُ بابنه ـ فكان يفهم عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه يقول له : ناد في النّاس بالرجوع إلى الطريق ، فكان ابن قرقور يرفع صوته ويقول في ندائه ولا مِن داع ولا مِن مستدع : هلمّوا إلى الطريق هلمّوا قال : فلا يجيبه أحد ولا يرجع إلى الطريق أحد .

واعلم : إنّه لمّا غلبت الأهواء على النفوس وطلبت العلماء المراتب عند الملوك ، تركوا المحجّة البيضاء ، وجنحوا إلى التأويلات البعيدة ليُمَشّوا أغراض الملوك فيما لهم فيه هوى نفس ، ليستندوا في ذلك إلى أمْرٍ شرعي ، مع كون


الفقيه ربّما لا يعتقد ذلك ويفتي به ، وقد رأينا مِنهم جماعة على هذا مِن قضاتهم وفقهائهم .

ولقد أخبرني الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ، وقد وقع بيني وبينه في مثل هذا كلام ، فنادى بمملوك وقال : جئني بالحرمدان فقلت له : ما شأن الحرمدان ؟ قال: أنت تُنكر على ما يجري في بلدي ومملكتي مِن المنكرات والظلم ، وأنا ـ والله ـ أعتقد مثل ما تعتقد أنت فيه مِن أنّ ذلك كلّه مُنكَر ، ولكن والله ـ يا سيّدي ـ ما مِنه منكَر إلاّ بفتوى فقيه ، وخطّ يده عندي بجواز ذلك ، فعليهم لعنة الله ، ولقد أفتاني فقيه هو فلان ـ وعَيَّن لي أفضل فقيه عنده في بلده في الدين والتقشّف ـ بأنّه لا يجب علَيّ صوم شهر رمضان هذا بعينه ، بل الواجب علَيّ شهر في السنة ، والاختيار لي فيه أيّ شهر شئت مِن شهور السنة قال السلطان : فلعنتُه في باطني ولم أُظهر له ذلك وهو فلان وسمّاه لي ، رحم الله جميعهم .

فلتعلم : أنّ الشيطان قد مكّنه الله مِن حضرة الخيال وجعل له سلطاناً فيها ، فإذا رأى الفقيه يميل إلى هوى يعرف أنّه يُردي عند الله زيّن له سوء عمله بتأويل غريب يمهّد له فيه وجهاً يحسّنه في نظره ويقول له : إنّ الصدر الأوّل قد دانوا الله بالرأي ، وقاس العلماء في الأحكام واستنبطوا العلل للأشياء وطردوها ، وحكموا في المسكوت عنه بما حكموها به في المنصوص عليه للعلّة الجامعة بينهما ، والعلّة مِن استنباطه .

فإذا مهّد له هذا السبيل جنح إلى نيل هواه وشهوته بوجه شرعيّ في زعمه ، فلا يزال هكذا فِعْلُه في كلّ ما له أو لسلطانه فيه هوى نفس ، ويردّ الأحاديث النبويّة ويقول : لو أنّ هذا الحديث يكون صحيحاً ، وإن كان صحيحاً يقول : لو لم يكن له خبر آخر يعارضه وهو


ناسخ له لقال به الشافعي ، إن كان هذا الفقيه شافعياً ، أو لقال به أبو حنيفة إن كان هذا الرجل حنفيّاً ، وهكذا قول أتباع هؤلاء الأئمّة كلّهم ، ويرَون أنّ الحديث والأخذ به مضلّة ، وأنّ الواجب تقليد هؤلاء الأئمّة وأمثالهم فيما حكموا وإن عارضت أقوالهم الأخبار النبويّة ، فالأَوْلى الرجوع إلى أقاويلهم وترك الأخذ بالأخبار والكتاب والسنة .

فإذا قلتَ لهم : قد روينا عن الشافعي ـرضي‌الله‌عنه ـ أنّه قال : إذا أتاكم الحديث يعارض قولي فاضربوا بقولي الحائط وخذوا بالحديث فإنّ مذهبي الحديث ، وقد روينا عن أبي حنيفة أنّه قال لأصحابه : حرام على كلّ مَن أفتى بكلامي ما لم يعرف دليلي ، وما روينا شيئاً مِن هذا عن أبي حنيفة إلاّ مِن طريق الحنفيّين ، ولا عن الشافعي إلاّ مِن طريق الشافعيّة ، وكذلك المالكيّة والحنابلة ، فإذا جادلتهم في مجال الكلام هربوا وسكتوا .

وقد جرى لنا هذا معهم هذا مراراً بالمغرب وبالمشرق ، فما مِنهم أحد على مذهب مَن يزعم أنّه على مذهبه .

فقد انتسخت الشريعة بالأهواء وإن كانت الأخبار موجودة مُسطرة في الكتب الصحاح ، وكتب التواريخ بالتجريح والتعديل موجودة ، والأسانيد محفوظة مصونة مِن التغيير والتبديل ، ولكن إذا تُرك العمل بها واشتغل الناس بالرأي ودانوا أنفسهم بفتاوى المتقدّمين مع معارضة الأخبار الصحاح لها ، فلا فرق بين عدمها ووجودها إذا لم يبق لها حُكْمٌ عندهم ، وأيّ نسخ أعظم مِن هذا.

وإذا قلتَ لأحدهم في ذلك شيئاً يقول لك : هذا هو المذهب ، وهو ـ والله ـ كاذب ، فإنّ صاحب المذهب قال له إذا عارض الخبر كلامي فخذ بالحديث واترك كلامي في الحش ، فإنّ مذهبي الحديث ، فلو أنصف لكان على مذهب


الشافعي مِن ترْك كلام الشافعي للحديث المعارض ، فالله يأخذ بيد الجميع )(١) .

كلام وليّ الله الدهلوي في ذمّ القياس

وقال شاه وليّ الله الدهلوي في ( الإنصاف ) :

( ولا ينبغي أن يُردّ حديثاً أو أثراً تطابق عليه كلام القوم ، لقاعدة استخرجها هو أو أصحابه ، كردّ حديث المصراة وكإسقاط سهم ذوي القربى ، فإنّ رعاية الحديث أوجب مِن رعاية تلك القاعدة المخرجة ، وإلى هذا المعنى أشار الشافعي حيث قال :

مهما قلتُ مِن قول أو أصّلتُ مِن أصل فبلغكم عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خلاف ما قلت ، فالقول ما قالهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ومِن شواهد ما نحن فيه ما صدّر به الإمام أبو سليمان الخطّابي كتابه ( معالم السُنن ) ، حيث قال : رأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين وانقسموا إلى فرقتين : أصحاب حديث وأثر ، وأهل فقه ونظر ، وكلّ واحدة مِنهما لا تتميّز عن أُختها في الحاجة ولا تستغني عنها في دَرْك ما تنحوه مِن البُغية والإرادة ؛ لأنّ الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل ، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع ، وكلّ بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار ، وكلّ أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخراب .

ووجدت هذين الفريقين ـ على ما بينهم مِن التداني في المحلّين والتقارب في المنزلتين ، وعموم الحاجة مِن بعضهم إلى بعض ، وشمول الفاقة اللاّزمة لكلّ مِنهم إلى صاحبه ـ إخواناً متهاجرين ، وعلى سبيل الحقّ بلزوم

_______________________

(١) الفتوحات المكية ٥ : ١٠٠ ـ ١٠٢ .


التناصر والتعاون غير متظاهرين .

فأمّا هذه الطبقة الذين هم أهل الحديث والأثر ، فإنّ الأكثرين إنّما وكدهم الروايات وجمع الطرق وطلب الغريب والشاذّ مِن الحديث الذي أكثره موضوع أو مقلوب ؛ لا يراعون المتون ولا يتفهّمون المعاني ولا يستنبطون سرّها ولا يستخرجون ركازها وفقهها ، وربّما عابوا الفقهاء وتناولوهم بالطعن وادّعوا عليهم مخالفة السُنن ، ولا يعلمون أنّهم عن مبلغ ما أُوتوه مِن العلم قاصرون وبسوء القول فيهم آثمون .

وأمّا الطبقة الأُخرى وهم أهل الفقه والنظر ، فإنّ أكثرهم لا يُعرّجون مِن الحديث إلاّ على أقلّه ، ولا يكادون يميّزون صحيحه مِن سقيمه ، ولا يعرفون جيّده مِن رديّه ، ولا يعبئون بما بلغهم مِنه أن يحتجّوا به على خصومهم ، إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها ووافق آرائهم التي يعتقدونها ، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف والحديث المنقطع إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم وتعاورته الألسن فيما بينهم ، مِن غير ثَبْتٍ فيه أو يقينِ علمٍ به ، فكان ذلك ضلّةً مِن الرأي وغبنا فيه .

وهؤلاء ـ وفّقنا الله وإيّاهم ـ لو حُكيَ لهم عن واحدٍ مِن رؤساء مذاهبهم وزعماء نِحَلِهم قول يقوله باجتهاده مِن قِبَل نفسه ، طلبوا فيه الثقة واستبرؤا له العهدة .

فتجد أصحاب مالك لا يعتمدون مِن مذهبه إلاّ ما كان مِن رواية ابن القاسم وأشهب وضربائهما مِن تلاد أي قدماء أصحابه ، فإذا جاءت رواية عبد الله بن عبد الحَكَم وأضرابه لم يكن عندهم طائلاً.

وترى أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يقبلون مِن الرواية عنه إلاّ


ما حكاه أبو يوسف ومحمّد بن الحسن والعليّة مِن أصحابه والأجلّة مِن تلامذته ، فإن جاءهم عن الحسن بن زياد اللؤلؤي وذويه رواية قول بخلافه ، لم يقبلوه ولم يعتمدوه .

وكذلك نجد أصحاب الشافعي ، إنّما يعوّلون في مذهبه على رواية المزني والربيع بن سليمان المرادي ، فإذا جاءت رواية حرملة والجيزي وأمثالهما ، لم يلتفتوا إليها ولم يعتدّوا بها في أقاويله .

وعلى هذا عادة كلّ فرقة مِن العلماء في أحكام مذاهب أئمّتهم وأُستاذتهم .

فإذا كان هذا دأبهم وكانوا لا يقنعون في أمر هذه الفروع ورواياتها عن هؤلاء الشيوخ إلاّ بالوثيقة والتثّبت ، فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا في الأمر الأهم والخَطْب الأعظم ، وأن يتواكلوا في الرواية والنقل عن إمام الأئمّة ورسول ربّ العزّة الواجب حكمه، اللازمة طاعته ، الذي يجب علينا التسليم لحكمه والانقياد لأمره ، مِن حيث لا نجد في أنفسنا حرجاً ممّا قضاه ولا في صدورنا غلاًّ مِن شيءٍ أبرمه وأمضاه ؟!

أرأيتم إذا كان الرجل يتساهل في أمر نفسه ويسامح غرمائه في حقّه ، فيأخذ مِنهم الزَيْف ويغضي لهم عن العيب ، هل يجوز له أن يفعل ذلك في حقّ غيره إذا كان نائباً عنه ، كوليّ الضعيف ووصيّ اليتيم ووكيل الغائب ؟

وهل يكون ذلك مِنه إذا فعله إلاّ خيانة للعهد وإخفاراً للذمّة ؟

فهذا هو ذاك إمّا عيان حسّ وإمّا عيان مثل .

ولكن أقواماً عساهم استوعروا طريق الحقّ واستطالوا المدّة في درك الخطّ وأحبّوا عُجالة النَيْل ، فاختصروا طريق العلم واقتصروا على نُتَف


وحروف منتزعة مِن معاني أُصول الفقه سمّوها عِللاً ، وجعلوها شعاراً لأنفسهم في الترسّم برسم العِلم ، واتخذوها جُنّة عند لقاء خصومهم ، ونصبوها دريئة للخوض والجدال يتناظرون بها ويتلاطمون عليها وعند التصادر عنها قد حكم للغالب بالحذق والتبريز ، فهو الفقيه المذكور في عصره والرئيس المعظّم في بلده ومصره .

هذا ، وقد دسّ لهم الشيطان حيلة لطيفة وبلغ مِنهم مكيدة بليغة فقال لهم : هذا الذي في أيديكم عِلْمٌ قصير وبضاعة مزجاة لا تفي بمبلغ الحاجة والكفاية ، فاستعينوا عليه بالكلام وصِلُوه بمقطّعات مِنه واستظهروا بأُصول المتكلّمين ، يتّسع لكم مذهب الخوض ومجال النظر ، فصدّق عليم إبليس ظنّه وأطاعه كثير مِنهم واتّبعوه إلاّ فريقاً مِن المؤمِنين ، فيا للرجال والعقول ، أين يُذهب وأنّى يخدعهم الشيطان عن حظّهم وموضع رشدهم ، والله المستعان انتهى كلام الخطّابي )(١) .

وقال شاه وليّ الله الدهلوي في رسالته ( عقد الجِيد في الاجتهاد والتقليد ) أيضاً :

( فما ذهب إليه ابن حزم حيث قال : التقليد حرام ولا يحلّ لأحد أن يأخذ قول أحد غير رسول للهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلا برهان ـ ونقل كلاماً طويلاً عنه ثمّ قال ـ : إنّما يتمّ فيمَن له ضربٌ مِن الاجتهاد ولو في مسألة واحدة ، وفيمَن ظهر عليه ظهوراً بيّناً أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمَرَ بكذا ونهى عن هذا وأنّه ليس بمنسوخ ، إمّا بأن يتتبّع الأحاديث وأقوال المخالف والموافق في المسألة فلا يجد لها نَسْخاً ، أو بأن يرى جمّاً غفيراً مِن المتبحّرين

_______________________

(١) الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف : ٦٣ ـ ٦٧ .


في العلم يذهبون إليه ، ويرى المخالف له لا يحتجّ إلاّ بقياس أو استنباط أو نحو ذلك ، فحينئذٍ لا سبب لمخالفة حديث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ نفاق خفيّ أو حمق جليّ .

وهذا هو الذي أشار إليه الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام حيث قال : ومِن عجب العجيب : أنّ الفقهاء المقلِّدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعاً ، وهو مع ذلك يقلّده فيه ويترك مَن شهد الكتاب والسنّة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم ، جموداً على تقليد إمامه ، بل يتحيّل لدفع ظاهر الكتاب والسنّة ويتأوّلهما بالتأويلات البعيدة الباطلة ) .

وذكر شاه وليّ الله في ( الإنصاف ) أيضاً ما نصّه :

( وممّن نظم البلقيني في سلك المجتهدين المطلقين المنتسبين ، تلميذه االوليّ أبو زرعة ، فقال : قلت مرّة لشيخنا الإمام البلقيني : ما تقصير بالشيخ تقيّ الدين السبكي عن الاجتهاد وقد استكمل إليه ؟ وكيف يُقلِّد ؟ قال : ولم أذْكُرُه هو ـ أي شيخه البلقيني ـ استحياءاً مِنه ؛ لِما أردت أن أُرتّب على ذلك فسكت فقلت : فما عندي أنّ الامتناع مِن ذلك إلاّ للوظائف التي قُدّرت للفقهاء على المذاهب الأربعة ، وإنّ مَن خرج عن ذلك واجتهد لم ينله شيء مِن ذلك ، وحُرِم ولاية القضاء وامتنع الناس مِن استفتائه ونُسِب إليه البدعة .

فتبسّم ووافقني على ذلك ، انتهى .

قلت : أمّا أنا فلا أعتقد أنّ المانع لهم مِن الاجتهاد ما أشار إليه ، حاشا منصبهم العليّ على ذلك ، وأن يتركوا الاجتهاد مع قدرتهم عليه لغرض القضاء والأسباب ، هذا ما لا يجوز لأحدٍ أن يعتقده فيهم ، وقد تقدّم أنّ الراجح عند الجمهور وجوب الاجتهاد في مثل ذلك .


كيف ساغ للوليّ نسبتهم إلى ذلك ونسبة البلقيني إلى موافقته على ذلك )(١) .

كلام ابن دحية في ذمّ القياس

وقال ذو النَسَبَين ابن دحية في كتاب ( شرح أسماء النبيّ ) :

( وقد كره الآن جماعة مِن أهل الرأي والمتصرّفة حبس الشَعَر وقالوا : لأنّه علامة للجند ، وكذلك كره جماعة مِنهم التختّم في اليمين لمّا تختّمت الروافض في اليمين .

وهذا ليس بشيء ؛ لأنّه ردّ للسنّة الثابتة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد جاء الوجهان عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهما تختّم في اليمين وفي الشمال ، فقولهم فيه أنّهم تنزّهوا عنه بسبب الروافض ، وفي الشَعَر لئلاّ يتشبّه بالجند، فهذا تغيير للسنّة الثابتة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدون دليل يرجع إليه ، وهو باطل بالإجماع ، ولا يدّعون قياساً، إذ لا أصل لهم في ذلك يختصّ بما نحن فيه ، ولو كان لبطل أيضاً ، فإنّ القياس في مقابل السنّة الثابتة باطل ، وإنّما يرجع إليه عند عدمها ، هل هذا إلاّ محض العناد والتقليد المخالف للسنّة الثابتة والقرآن المجيد ؟!

قال مالك : لا يُحلِّف القاضي المدّعى عليه إلاّ أن يُثْبِت المدّعي مخالطةً بينه وبين المدّعى عليه .

وقال ابن أبي رقد : ولا يمين حتّى تثبت الخلطة وبذلك قضى حكّام المدينة .

_______________________

(١) الإنصاف في بيان سبب الاختلاف : ٧٣ ـ ٧٤ .


فاعجبوا ـ رحمكم الله ـ لهذا الكلام المخالف لسيّد الأنام ، ثبت باتّفاق في الصحيحين مِن حديث علقمة بن وائل عن أبيه قال : جاء رجل مِن حضرموت ورجل مِن كندة إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال الحضرمي : يا رسول الله ! إنّ هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي ، فقال الكندي : هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حقّ فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للحضرمي : ألَكَ بيّنة ؟ قال : لا قال : فلَكَ يمينه قال : يا رسول الله ! إنّ الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورّع مِن شيء فقال : ليس لك مِنه إلاّ ذلك ، الحديث بطوله .

وفي حديث منصور عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : شاهداك أو يمينه .

مقتضى هذا الحديث الصحيح يدلّ دلالة ظاهرة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سمع هذه الدعوى ولم يشترط على المدّعي فيها شرطاً ، ولو أنّ مدّعياً في هذا العصر حضر إلى قاضٍ مِن مقلّدي المذاهب ، وأمره على أن لا يدّعي إلاّ هكذا ، لأخرج مِن بين يديه وقيل له حرّر دعواك : أين موضع هذه الأرض ؟ وكم مساحتها طولاً وعرضاً ؟ مع ما يشترطون مِن الشرائط ، أترى الشارعصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسامح في الأحكام أم وكَّلَ الخلق بعده إلى مَن ينقّح شرعه مِن الأنام ؟

وهذه واحدة ينبغي لذوي العقول أن يعلموا مِنها أنّ كلّ أحد يؤثر أن يسمع ما يقول ولا يردّ حوادث الفروع إلى الأُصول .

وأُخرى : إنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يقل : هل بينكما خلطة أو معاشرة ، أم أنت مِن البادية وهو مِن الحاضرة.


ولو أنّ بعض المقلِّدين حكم بمذهب مِن مذاهب الماضين لأخرج هذا المدّعي بغير حقّ ، إلاّ أن يثبت الخلطة بين المتداعيين وقال : هذا خبرٌ واحدٌ خرج عن ظاهره لأجل الاستصلاح والاستحسان ، وهما عند الصحابة والتابعين مهجوران .

ولم يمت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى ترك الشريعة بيضاء نقيّة ولم يُبْقِ مِنها لخالف بعده بقيّة ، وأكمل الله الدين ثمّ توفّى محمّداً سيّد المهتدين ، ولكن طال الأُمّة فترك ما ينبغي أن يكون عليه المعتمد .

فالله تعالى يُرشد سلاطين المسلمين أن يتمسّكوا بكتاب ربّ العالمين وبالسنّة الثابتة عن سيّد المرسلين ويعضّوا عليها بالنواجذ ، ولا يمكّنوا أن يأخذ بخلافهما أحد ، هذا ما وجب ذكره مِن النصيحة في الدين ، والحمد لله ربّ العالمين .

فحكم أهل الرأي بخلاف ما حكم به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد قال الله جلّ وعلا :( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن ولا مُؤْمِنةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِن أَمْرِهِمْ ) وذكر البخاري في صحيحه في كتاب الحِيَل ، باب إذا غصب جارية فزعم أنّها ماتت فقضى بقيمة الجارية الميّتة ثمّ وجدها صاحبها فهي له ويرد القيمة ولا تكون القيمة ثمناً :

وقال بعض الناس ـ وهو أبو حنيفة ـ : الجارية للغاصب لأخذه القيمة .

وفي هذا احتيال لمَن اشتهى جارية رجل لا يبيعها فغصبها واعتلّ بأنّها ماتت حتّى يأخذ ربّها قيمتها فيطيب للغاصب جارية غيره ، وقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أموالكم عليكم حرام ، ولكلّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة .

حدّثنا أبو نعيم قال : ثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سَلَمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تنكح الأيّم حتّى تُستأمر ،


ولا تنكح البِكْر حتّى تُستأذن قالوا : كيف إذنها ؟ قال : تسكت .

وقال بعض الناس ـ يعني أبا حنيفة ـ إن احتال إنسان بشاهدَي زورٍ على تزويج امرأة ثيّب بأمرها فأثبت القاضي نكاحها إيّاه والزوج يعلم أنّه لم يتزوّجها قط ، فإنّه يسعه هذا النكاح ولا بأس بالمقام له معها .

حدّثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ذكوان عن عائشة قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : البِكْر تُستأذن قلت : إنّ البكر تستحي فقال : إذنها صماتها .

وقال بعض الناس : إن هوى إنسان جارية ثيّبة أو بكراً فاحتال فجاء بشاهدَي زورٍ على أنّه تزوّجها فرضيت الثيّبة فقبِل القاضي شهادة الزور ، والزوج يعلم بطلان ذلك ، حلّ له الوطء .

... ولو تتبّعنا أقوال أهل الرأي والفروع لخرجنا عن غرضنا في هذا المجموع .

فلنرجع إلى حديث مَن أُيِّد بالوحي والتنزيل وعُصم مِن التغيير والتبديل ، فليس لأحد مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قول .

قال عبد الله بن عبّاس صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وابن عمّه : هي سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكتاب الله عزّ وجلّ ، فمَن قال بعد برأيه فلا أدري أمِن حسناته أم سيّئاته .

وقال أبو عمرو الشعبي ـ وقد أدرك مِن أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكثر مِن خمس مائة ، فيما ذكره أبو بكر ابن أبي خيثمة ـ : ما حدّثوك عن أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخذ به ، وما حدّثوك برأيهم فبل عليه )(١) .

_______________________

(١) المستكفى في شرح أسماء النبيّ المصطفى ـ مخطوط .


كلام الغزالي في ذمّ القياس

وللغزالي أيضاً كلمات في ذمّ علماء أهل السنّة العاملين بالآراء والتابعين للأهواء ، ففي كتاب العلم مِن ( إحياء العلوم ) :

( الباب الرابع : في سبب إقبال الخَلْق على علم الخلاف ، وتفصيل آفات المناظرة والجدل وشرّ إباحتها :

اعلم أنّ الخلافة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تولاّها الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم ، وكانوا أئمّة وعلماء بالله، فقهاء في أحكامه وكانوا مستقلّين بالفتاوى في الأقضية ، وكانوا لا يستعينون بالفقهاء إلاّ نادراً في وقايع لا يُستغنى فيها عن المشاورة ، فتفرّع العلماء لعلم الآخرة وتجرّدوا لها ، وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلّق بأحكام الخَلْق مِن الدنيا ، وأقبلوا على الله تعالى بكنه اجتهادهم كما نُقل مِن سِيَرهم .

فلمّا أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام تولّوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام ، اضطرّوا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في مجاري أحكامهم ، وكان قد بقيَ مِن علماء التابعين مَن هو مستمرّ على الطراز الأوّل وملازم صَفْو الدين ومواظب على سمت علماء السَلَف ، فكانوا إذا طُلِبوا هربوا وأعرضوا ، واضطرّ الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات .

فرأى أهل تلك الأعصار عِزّ عن العلماء وإقبال الأئمّة والولاة عليهم مع إعراضهم عنهم ، فاشرأبوا لطلب العلم توصّلاً إلى نَيْل العزّ ودَرْك الجاه مِن قِبَل الولاة ، فأكبّوا على علم الفتاوى وعَرَضوا أنفسهم على الولاة وتعرّفوا إليهم ، وطلبوا الولايات والصّلات مِنهم ،


فمِنهم مَن حُرِم ومِنهم مَن أُنجح ، والمُنجَح لم يخل عن ذُلّ الطلب ومهانة الابتذال فأصبح الفقهاء ـ بعد أن كانوا مطلوبين ـ طالبين ، وبعد أن كانوا أعزّة بالإعراض عن السلاطين ، أذلّة بالإقبال عليهم ، إلاّ مَن وفّقه الله تعالى في كلّ عصر مِن علماء دينه ، وقد كان أكثر الإقبال في تلك الأعصار على علم الفتاوى والأقضية ، لشدّة الحاجة إليها في الولايات والحكومات .

ثمّ ظهر بعدهم مِن الصدور والأُمراء مَن يسمع مقالات النّاس في قواعد العقائد ، ومالت نفسه إلى سماع الحجج فيها ، فعلم رغبته إلى المناظرة والمجادلة في الكلام ، فأكبّ النّاس على علم الكلام وأكثروا فيه التصانيف ، ورتّبوا فيه طرق المجادلات واستخرجوا فنون المناقضات في المقالات ، وزعموا أنّ غرضهم الذبّ عن دين الله تعالى والنضال عن السنّة وقَمْع المبتدعة ، كما زعم مَن قبلهم أنّ غرضهم الاستقلال بفتاوى الدين وتقلّد أحكام المسلمين ، إشفاقاً على خلق الله ونصيحة لهم .

ثمّ ظهر بعد ذلك مِن الصدور مَن لم يستصوب الخوض في الكلام ولا فَتْح باب المناظرة فيه ، لِما كان قد تولّد مِن فتح بابه مِن التعصّبات الفاحشة والخصومات الفاشية المفضية إلى إهراق الدماء وتخرّب البلاد ، ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأَوْلى مِن مذاهب الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما على الخصوص .

فترك الناس الكلام وفنون العلم وأقبلوا على المسائل الخلافيّة بين الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما على الخصوص ، وتساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد بن حنبل وغيرهم ، وزعموا أنّ غرضهم استنباط دقائق الشرع وتقرير عِلَل المذهب وتمهيد أُصول الفتاوي ، وأكثروا فيها التصنيفات والاستنباطات ، ورتّبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات ، وهم


مستمرّون عليه إلى الآن ، ولسنا ندري ما الذي يُحدث الله تعالى فيما بعدنا مِن الأعصار .

فهذا هو الباعث على الإكباب على الخلافيّات والمناظرات لا غير ، ولو مالت نفوس أرباب الدنيا إلى الخلاف مع إمام آخر مِن الأئمّة ، أو إلى عِلْم آخر مِن العلوم ، لمالوا أيضاً معهم ، ولم يسكتوا عن التعلّل بأنّ ما اشتغلوا به علم الدين ، وزعموا أن لا مطلب لهم سوى التقرّب إلى ربّ العالمين ، والله أعلم )(١) .


الكلام في حديث معاذ

هذا ، وقد نصّ الأئمّة على بطلان ما رووه عن معاذ بن جبل في الاجتهاد والعمل بالرأي .

قال الذهبي في ( الميزان ) :

( الحارث بن عمرو الثقفي ، ابن أخي المغيرة ، عن رجال ، عن معاذ ، بحديث الاجتهاد ، قال البخاري : لا يصحّ حديثه.

قلت : تفرّد به أبو عون محمّد بن عبيد الله الثقفي عنه ، وما روى عن الحارث غير أبي عون ، فهو مجهول .

وقال الترمذي : ليس إسناده عندي بمتّصل )(٢) .

وفي كتاب ( المغني ) :

( الحارث بن عمرو ، عن رجال ، عن معاذ قال البخاري : لا يصحّ

_______________________

(١) إحياء علوم الدين ١ : ٤١ ـ ٤٢ ، كتاب العلم ، الباب الرابع .

(٢) ميزان الاعتدال ٢ : ١٧٥ / ١٦٣٧ .


حديثه )(١) .

وفي ( مرقاة الصعود ) للسيوطي في شرح هذا الحديث :

( قال الحافظ جمال الدين المزي : الحارث بن عمرو لا يُعرف إلاّ بهذا الحديث .

قال البخاري : لا يصحّ حديثه ولا يعرف ) .

وفي ( تذهيب التهذيب ) :

( الحارث بن عمرو الثقفي ابن أخي المغيرة بن شعبة ، عن أُناس مِن أهل حمص عن معاذ ، وعنه أبو عون محمّد بن عبيد الله الثقفي : حديث أجتهد رأيي قال البخاري : لا يصحّ )(٢) .

وفي ( الكاشف ) :

( الحارث بن عمرو ابن أخ للمغيرة بن شعبة عن أُناس مِن أهل حمص ، عن معاذ ، وعنه أبو عون محمّد الثقفي في الاجتهاد قال البخاري : لا يصحّ )(٣) .

وفي ( التقريب ) :

( الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة الثقفي ، ويقال ابن عون مجهول مِن السادسة )(٤) .

وهذا نصّ كلام الترمذي :

( باب ما جاء في القاضي كيف يقضي : حدّثنا هناد ، ثنا وكيع ، عن شعبة ،

_______________________

(١) المغني في الضعفاء ١ : ٢٢٥ / ١٢٤٢ .

(٢) تذهيب التهذيب ، تهذيب التهذيب ٢ : ١٣٢ .

(٣) الكاشف عن أسماء رجال الكتب الستّة ١ : ١٥٠ / ٨٧٥ .

(٤) تقريب التهذيب ١ : ١٤٣ .


عن أبي عون ، عن الحارث بن عمرو ، عن رجال مِن أصحاب معاذ ، عن معاذ : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث معاذ إلى اليمن فقال : كيف تقضي ؟ فقال : أقضي بما في كتاب الله قال : فإن لم يكن في كتاب الله ؟ قال : فبسنّة رسول الله قال : إن لم يكن في سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال : أجتهد رأيي قال : الحمد لله الذي وفّق لرسول رسول الله .

حدّثنا محمّد بن بشار ، ثنا محمّد بن جعفر وعبد الرحمان بن مهدي قالا : ثنا شعبة ، عن أبي عون ، عن الحارث بن عمرو ابن أخ للمغيرة بن شعبة ، عن أُناس مِن أهل حمص ، عن معاذ عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنحوه .

هذا حديث لا نعرفه إلاّ مِن هذا الوجه ، وليس إسناده عندي بمتّصل ، وأبو عون الثقفي اسمه محمّد بن عبيد الله )(١) .

وقال ابن حزم ـ وهو شيخ الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين ـ في ( المحلّى ) :

( وحديث معاذ الذي فيه : أجتهد برأيي ولا آلو ، لا يصحّ ؛ لأنّه لم يَرْوه إلاّ الحارث بن عمرو ، وهو مجهول الحال لا يُدرى مَن هو ، عن رجال مِن أهل حمص لم يسمّهم ، عن معاذ )(٢) .

بل في ( مرقاة الصعود ) عن الجوزقاني :

( هذا حديث باطل ، رواه جماعة عن شعبة ، وقد تصفّحت عن هذا الحديث في المسانيد الكبار والصغار ، وسألت مَن لقيته مِن أهل العلم بالنقل

_______________________

(١) صحيح الترمذي ٣ : ٦١٦ ـ ٦١٧ / ١٣٢٧ ـ ١٣٢٨ كتاب الأحكام ، باب ما جاء في القاضي كيف يقضي .

(٢) المحلّى في الفقه ١ : ٦٢ .


عنه ، فلم أجد له طريقاً غير هذا ، والحارث بن عمرو هذا مجهول ، وأصحاب معاذ مِن حمص لا يعرفون ، ومثل هذا الإسناد لا يُعتمد عليه في أصل مِن أُصول الشريعة .

فإن قيل : إنّ الفقهاء قاطبة أوردوه في كتبهم واعتمدوا عليه !

قيل : هذا طريقه ، والخلَف قلّد فيه السَلَف ، فإن أظهروا طريقاً غير هذا ممّا يَثْبت عند أهل النقل رجعنا إلى قولهم ، وهذا ممّا لا يمكنهم البتّة ) .

وإليك كلمة شاه وليّ الله في ( حجّة الله البالغة ) بعد كلامٍ له :

( وإذا تحقّقت هذه المقدّمة ، اتّضح عندك أنّ أكثر المقاييس التي يفتخر بها القوم ، ويتطاولون لأجلها على معشر أهل الحديث ، يعود وبالاً عليهم مِن حيث لا يعلمون )(١) .

إنكار الإمام الصادق على أبي حنيفة برواية ابن شبرمة

وروى كمال الدين الدميري ، إنكار الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام على أبي حنيفة العمل بالقياس ، قال :

( قال ابن شبرمة : دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمّد الصادقرضي‌الله‌عنه .

فقلت : هذا رجل فيه مِن أهل العراق .

فقال :لعلّه الذي يقيس الدين برأيه ، أهو نعمان بن ثابت ، ولم أعرف

_______________________

(١) حجّة الله البالغة ١ : ١٣١ .


اسمه إلاّ ذلك اليوم ؟

فقال له أبو حنيفة : نعم أنا ذاك ، أصلحك الله .

فقال له جعفر :اتّق الله ولا تقس الدين برأيك ، فإنّ أوّل مَن قاس برأيه إبليس ، إذ قال أنا خيرٌ مِنه خلقتني مِن نار وخلقته مِن طين ، فأخطأ بقياسه وضلّ .

ثمّ قال له :أتُحْسن أن تقيس رأسك مِن جسدك ؟

قال : لا .

قال جعفررضي‌الله‌عنه :فأخبرني لِما جعل الله الملوحة في العينين والمرارة في الأُذنين والماء في المِنخرين والعذوبة في الشفتين ؟ لأيّ شيء جعل الله ذلك ؟

قال : لا أدري .

قال جعفررضي‌الله‌عنه :إنّ الله خلق العينين فجعلهما شحمتين ، وخلق الملوحة فيهما مَنّاً مِنه على ابن آدم ، ولولا ذلك لذابتا فذهبتا ، وجعل المرارة في الأُذنين منّاً مِنه عليه ، ولولا ذلك لهجمت الدوابّ فأكلت دماغه ، وجعل الماء في المِنخرين ليصعد مِنه النَفَس وينزل ويجد مِنه الرائحة الطيّبة مِن الرائحة الرديّة ، وجعل العذوبة في الشفتين ليجد ابن آدم لذّة المطعم والمشرب .

ثمّ قال لأبي حنيفة :أخبرني عن كلمة أوّلها شرك وآخرها إيمان ما هي ؟

قال : لا أدري .

قال جعفررضي‌الله‌عنه :كلمة لا إله إلاّ الله ، فلو قال : لا إله ثمّ سكت كان شركاً .


ثمّ قال :ويحك ! أيّما أعظم عند الله إثماً : قَتْل النَفْس التي حرّم الله عزّ وجلّ بغير حقّ أو الزنا ؟

قال : بل قتل النفس .

فقال جعفررضي‌الله‌عنه :إنّ الله تعالى قَبِل في قتل النفس شهادة شاهدين ولم يقبل في الزنا إلاّ أربعة ، فأنّى يقوم لك القياس .

ثمّ قال :أيّما أعظم عند الله : الصوم أو الصلاة ؟

قال : الصلاة .

قال :فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟

اتّق الله يا عبد الله ولا تقس الدين برأيك ، فإنّا نقف غداً ومَن خالفنا بين يدي الله فنقول : قال الله تعالى وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتقول أنت وأصحابك ، سمعنا ورأينا ، فيفعل الله تعالى بنا وبكم ما شاء ) (١) .

ترجمة ابن شبرمة

هذا ، ولا بأس بالتعرّض لترجمة ابن شبرمة بإيجاز :

قال النووي في ( تهذيب الأسماء واللغات ) :

( عبد الله بن شبرمة ، التابعي ، مذكور في المهذّب في أوّل نكاح المشرك هو :

أبو شبرمة ، عبد الله بن شبرمة بن الطفيل بن حسان المنذر بن ضرار بن عمرو بن مالك بن زيد بن كعب بن بجالة بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد ابن ضبة الضبي ، الكوفي التابعي ، فقيه أهل الكوفة ، روى عن الشعبي

_______________________

(١) حياة الحيوان ٢ : ٤ .


وابن سيرين وآخرين .

روى عنه : السفيانان وشعبة ووهيب وغيرهم .

اتّفقوا على توثيقه والثناء عليه بالجلالة ، وكان قاضياً لأبي جعفر المنصور على سواد الكوفة .

وقال الثوري : مُفتينا ابن أبي ليلى وابن شبرمة وقال : وكان ابن شبرمة عفيفاً عاقلاً فقيهاً يشبه النسّاك ، ثقة في الحديث ، شاعراً حَسَن الخُلُق ، جواداً .

توفّي سنة أربع وأربعين ومائة )(١) .

وقال الذهبي في ( الكاشف ) :

( عبد الله بن شبرمة الضبي ، قاضي الكوفة وفقيهها ، عن أنس بن مالك وأبي الطفيل وأبي وائل .

وعنه : عبد الله بن المبارك وعبد الوارث التنوري وطائفة .

وثّقه أحمد وأبو حاتم ، توفي ١٤٤ )(٢) .

وفي حاشية الكاشف : ( قال أبو معمر بن عبد الوارث : ما رأيت أحداً أسرع جواباً مِن ابن شبرمة ، ما كان الرجل يتمّ المسألة حتّى يرميه بالجواب قال الثوري : جالس ابن سيرين بواسط ، استشهد به البخاري في الصحيح ، ويروي عنه في الأدب ) .

وقال اليافعي في وفيات سنة ١٤٤ :

( وفيها توفّي فقيه الكوفة : أبو شبرمة عبد الله بن شبرمة الضبي القاضي ، روى عن أنس والتابعين ، وكان عفيفاً عارفاً عاقلاً ، يشبه النسّاك ، شاعراً

_______________________

(١) تهذيب الأسماء واللغات ١ : ٢٧١ / ٣٠٧ .

(٢) الكاشف عن أسماء رجال الكتب الستّة ٢ : ٩١ / ٢٧٩٧ .


جواداً )(١) .

وقال ابن حجر :

( عبد الله بن شُبْرُمة ـ بضمّ المعجمة وسكون الموحّدة وضمّ الراء ـ ابن الطفيل بن حسان الضبي ، أبو شبرمة الكوفي القاضي ، ثقة ، فقيه ، مِن الخامسة ، مات سنة أربع وأربعين )(٢) .

هذا ، ولا يتوهّم أنّ الدميري يخدش في صحّة الخبر ، بل إنّ محاولته للجواب بزعمه عن أسئلة الإمام مثبتة له ولبلادة أبي حنيفة ، فيقول الدميري :

( والجواب في أنّ الزناء لا يقبل فيه الأربعة طلباً للستر ، وفي الحائض لا تقضي الصّلاة دفعاً للمشقّة ؛ لأنّ الصّلاة تتكرّر في اليوم واللّيلة خمس مرّات ، بخلاف الصوم فإنّه في السنة مرّة ، والله أعلم )(٣) .

فمقصود الدميري ـ كالرازي في رسالة ( مناقب الشافعي ) ـ ليس إلاّ إظهار عجز أبي حنيفة عن الجواب ، ويشهد بذلك ما حكاه عن ابن خلكان تأييداً لرواية ابن شبرمة قبلها في هذا الباب حيث قال :

( وذكر ابن خلكان في ترجمة جعفر الصادق أنّه سأل أبا حنيفة : ما تقول في مُحْرِم كسر رباعية ظبي ؟

فقال : يا ابن بنت رسول الله ! لا أعلم ما فيه .

فقال : إنّ الظبي لا يكون رباعياً وهي ثني أبداً .

كذا حكاه كشاجم في كتاب المصائد والمطارد .

_______________________

(١) مرآة الجنان ١ : ٢٣٣ ، وفيات السنة ١٤٤ .

(٢) تقريب التهذيب ١ : ٤٢٢ / ٣٧٢ .

(٣) حياة الحيوان ٢ : ٤ .


وقال الجوهري في مادة سنن في قول الشاعر في وصف الإبل :

فجاءت كسن الظبي لم أر مثلها

سناء فتيل أو حلوبة جائع

أي هي ثنيات ؛ لأنّ الثني هو الذي يلقي ثنية ، والظبي لا رباعيّة له فهو ثني أبداً .

وقال ابن شبرمة... )(١) .

وهذا أصل ألفاظ ابن خلكان :

( وحكى كشاجم في كتاب المصائد والمطارد : أنّ جعفر المذكور سأل أبا حنيفة فقال : ما تقول في مُحْرِم كسر رباعية ظبي؟

فقال : يا ابن رسول الله ! ما أعلم فيه .

فقال له : أنت تتداهى ولا تعلم أنّ الظبي لا يكون له رباعية ، وهي ثني أبداً )(٢) .

ورواه اليافعي أيضاً :

( وذكر بعض المؤرخين أنّه ـ يعني جعفر الصادقعليه‌السلام ـ سأل أبا حنيفة فقال : ما تقول في مُحْرِم كسر رباعيّة ظبي ؟

فقال: يا ابن رسول الله ! ما أعلم ما فيه ؟

فقال له : أنت تتداهى ولا تعلم أنّ الظبي لا يكون له رباعية وهو ثني أبداً ؛ يعني مِن الدهاء : قوّة الفهم وجَوْدة النظر )(٣) .

_______________________

(١) حياة الحيوان ٢ : ٤ .

(٢) وفيات الأعيان ١ : ٣٢٨ / ١٣١ .

(٣) مرآة الجنان ١ : ٣٢٨ .


تحريم أهل البيت العمل بالقياس

وكما عُلِم مِن الكلمات السابقة إنكار الإمام الصادقعليه‌السلام وتحريمه القياس في الشريعة ، فقد صرّح غير واحدٍ مِنهم باشتهار هذا المعنى عن أهل البيت كلّهمعليهم‌السلام ، وممّن نصّ على ذلك : العبري الفرغاني بشرح قول القاضي البيضاوي : ( نَقَلَ الإماميّة إنكاره ـ أي القياس ـ عن العترة قلنا : معارض بنقل الزيديّة ) فإنّه قال :

( والحقّ أنّه قد اشتهر مِن أهل البيت كالباقر والصادق وغيرهما مِن الأئمّة ـ رضوان الله عليهم ـ إنكار القياس ، كما اشتهر مِن أبي حنيفة والشافعي ومالك القول بوجوب العمل به )(١) .

وأمّا عمل الحنفيّة بالقياس وبُعدهم عن الحديث ، فمشهور جدّاً ولا ينكره أحد أبداً :

قال الفخر الرازي في ( رسالته ) في ترجيح مذهب الشافعي : ( وأمّا أصحاب الرأي ، فإنّ أمرهم في باب الخبر والقياس عجيب ، فتارة يرجّحون القياس على الخبر وتارة بالعكس ؛ أمّا الأوّل ، فهو أنّ مذهبنا أنّ التصرية سبب مُثْبِت للردّ وعندهم ليس كذلك ، ودليلنا : ما أُخرج في الصحيحين عن أبي هريرة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : لا تُصرّوا الإبل والغنم ، فمَن ابتاعها فهو يُخَيّر النظرين بعد أن يحلبها ثلاثاً ، إن رضيَها أمسكها وإن سخطها ردّها ، وردّ معها صاعاً مِن تمر .

واعلم : أنّ الخصوم لمّا لم يجدوا لهذا الخبر تأويلاً البتّة ، بسبب أنّه

_______________________

(١) شرح المِنهاج في الأصول للعبري الفرغاني ـ مخطوط ، وانظر شرح شمس الدين الأصفهاني ٢ : ٦٥٤ ـ ٦٥٥ .


مفسّر في محلّ الخلاف ، اضطرّوا إلى أن يطعنوا في أبي هريرة وقالوا : إنّه كان متساهلاً في الرواية وما كان فقيهاً ، والقياس على خلاف هذا الخبر ؛ لأنّه يقتضي تقدير خيار العيب بالثلث ، ويقتضي تقويم اللّبن بصاع مِن تمر مِن غير زيادة ولا نقصان ، ويقتضي إثبات عِوَض في مقابلة لبن حادث بعد العقد ، وهذه الأحكام مخالفة للأصول ، فوجب ردّ ذلك الخبر لأجل القياس .

هذا كلامهم في ترجيح القياس على الخبر ، أمّا كلامهم في ترجيح الخبر على القياس الجليّ فهو مِن وجوه :

أحدها : إنّ انتقاض الطهارة بسبب القهقهة في الصلاة أمر يأباه القياس الظاهر ، ثمّ إنّهم أثبتوا ذلك بسبب خبر ضعيف ما قبله أحد مِن علماء الحديث .

وثانيها : وهو أعجب مِن الأوّل ، إنّهم يقدّمون عمل الصحابة على القياس الجليّ ، بل على الدليل المستفاد مِن نصّ القرآن .

أمّا الأوّل : فلأنّه إذا وقعت عصفورة في بئر وتفسّخت قالوا ينزح مِنها عشرة أدل ويصير الباقي طاهراً ، وصريح العقل يشهد بدفع هذا الحكم ؛ لأنّ ماء البئر شيء متشابه الأجزاء ، فكيف يعقل أن يكون نزح بعض ذلك الماء سبباً لصيرورة الباقي طاهراً ، فعند هذا قالوا إنّما حكَمْنا بذلك لأنّه نُقل هذا المذهب عن بعض الصحابة .

وأمّا الثاني : فإنّ البائنة في مرض الموت ، صريح كتاب الله يقتضي أنّها ليست زوجة له ؛ لأنّها لو كانت زوجة لكان إذا ماتت يجب أن يرث عنها لقوله تعالى :( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ ) الآية ، وبالإجماع الزوج لا يرث مِنها ، فثبت أنّها ليست زوجة له ، وإذا ثبت هذا وجب أن لا ترث هي مِنه ؛ لأنّ الربع


نصيب الزوجات ، فمنع أن يكون شيء مِنه نصيباً لهذه البائنة ، لدليل ظاهر مِن كتاب الله تعالى في هذه المسألة .

ثم إنّهم قالوا إنّها ترث بدليل أنّ عثمان بن عفّان قضى بذلك في حقّ تماضر زوجة عبد الرحمن بن عوف ، والعجب أنّ ابن عوف وابن الزبير كانا مخالفين لعثمان في هذه الفتوى ، ثمّ إنّهم قدّموا فتوى عثمان في هذه المسألة على ظاهر كتاب الله تعالى .

فثبت أنّهم تارة يقدّمون القياس على الخبر ، وتارة يقدّمون عمل بعض الصحابة على الكتاب ، وتارة يعكسون الأمر في هذه الأبواب ، وذلك يدلّ على أنّ طريقتهم غير مبنيّة على قانون مستقيم ، أنشد بعضهم :

ديـن الـنبيّ مـحمّد آثـار

نـعم الـمطيّة للفتى الأخبار

ولربّما غلط الفتى سبل الهدى

والـشمس واضحة لها أنوار

لا تـغفلنّ عن الحديث وأهله

فـالرأي ليل والحديث نهار

العبري مِن الحنفية

هذا ، والعبري الفرغاني مِن علماء الحنفيّة ، وقال بعضهم : كان مدرّساً متقناً لمذهب الحنفي والشافعي كليهما ، قال اليافعي بترجمته :

( سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة ، فيها توفّي الإمام العلاّمة قاضي القضاة عُبَيد الله بن محمّد العبيدي الفرغاني ، الحنفي ، البارع العلاّمة المناظر ، يُضرب بذكائه ومناظراته المَثَل ، كان إماماً بارعاً متقناً خرج به الأصحاب ، يعرف المذهبَيْن الحنفي والشافعي ، أقرأهما وصنّف فيهما ، وأمّا الأُصول والمعقول فتفرّد فيهما بالإمامة ، وله تصانيف مِنها شرح الغاية في الفقه في مذهب الشافعي ، وشرح الطوالع ، وشرح المصباح ، وشرح المِنهاج للبيضاوي ، وغير


ذلك مِن التصانيف والأمالي والتعاليق ، ووُلِيَ تبريز وأعمالها إلى أن توفّي ، وكان أُستاذ الأُستاذين في وقته )(١) .

وقال ابن حجر :

( عبيد الله بن محمّد الهاشمي الحسيني الفرغاني الشريفي المعروف بالعِبْري ـ بكسر المهملة وسكون الموحّدة ـ كان عارفاً بالأصلين ، وشرح مصنّفات القاضي ناصر الدين البيضاوي المِنهاج والمطالع والغاية في الفقه والمصباح ، وسكن سلطانيّة ثمّ تبريز ووُلِيَ قضاءها .

ذكره الأسنوي في طبقات الشافعيّة ويقال : إنّه كان يقرأ المذهبين وكان أوّلاً حنفيّاً وذكره الذهبي في المشتبه في العبري فقال : عالم كبير في وقتنا وتصانيفه سائرة .

ومات في شهر رجب سنة ٦٤٣ هـ .

قلت : رأيت بخطّ بعض فضلاء العجم أنه مات في غرّة ذي الحجّة مِنها ـ وهو أثبت ـ ووصفه فقال :

هو الشريف المرتضى قاضي القضاة ، كان مطاعاً عند السلاطين ، مشهوراً في الآفاق ، مشاراً إليه في جميع الفنون ، ملاذاً للضعفاء ، كثير التواضع والإنصاف ، ومال في أواخر عمره إلى الاشتغال في العلوم الدينيّة ، وشرح كتاب المصابيح في المسجد الجامع بحضرة الخاص والعام ، بعبارات عذبة فصيحة قريبة مِن الأفهام ، وكانت وفاته بتبريز )(٢) .

وقال ابن جماعة في ( طبقات الشافعية ) :

( عبيد الله بن محمّد الشريف برهان الدين الحسيني الفرغاني المعروف

_______________________

(١) مرآة الجنان ٤ : ٢٣٠ .

(٢) الدرر الكامنة بأعيان المائة الثامنة ٢ : ٤٣٣ / ٢٥٦٠ .


بالعبري ، قاضي تبريز ، كان جامعاً لعلوم شتّى مِن الأصلين والمعقولات ، وله تصانيف مشهورة ، وسكن السلطانيّة مدّة ثمّ انتقل إلى تبريز ، وشرح كتب البيضاوي : المِنهاج والغاية القصوى والمصباح والمطالع .

ذكره الأسنوي في طبقاته ، لكن قال الحافظ الزين العراقي في ذيل العبر : كان حنفيّاً يقرأ مذهب أبي حنيفة والشافعي ، وصنّف فيهما وقال الذهبي في المشتبه : النبيل العبري عالم كبير في وقتنا ، توفي بتبريز في رجب سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة ، والعِبْري ـ بكسر العين المهملة وسكون الباء الموحّدة ـ لا أدري نسبة إلى ماذا ) .

وقال ابن قاضي شهبة :

( عبيد الله بن محمد بن الشريف برهان الدين الحسيني الفرغاني ، المعروف بالعبري ، قاضي تبريز ، كان جامعاً لعلومٍ شتّى مِن الأصلين والمعقولات ، وله تصانيف مشهورة وسكن السلطانيّة مدةً ، ثم انتقل إلى تبريز ، وشرح كتب البيضاوي : المِنهاج ، والغاية القصوى ، والمصباح ، والطوالع .

ذكره الإسنوي في طبقاته .

لكنْ قال الحافظ زين الدين العراقي في ذيل العبر : كان حنفيّاً ، يُقرىء مذهب أبي حنيفة والشافعي ، وصنّف فيهما... توفي سنة ٧٤٣ هـ )(١) .

وأمّا الإماميّة فيتّبعون السنّة المكرَّمة ، فإنّ أحكام الشّريعة المطهّرة عندهم متّخذة مِن الأخبار الواصلة إليهم مِن أئمّة العترة المعصومين ، ومِن هنا قال ابن تيميّة مشنّعاً عليهم :

_______________________

(١) طبقات الشافعيّة ٣ : ١٨٣ برقم ٥٩٧ .


 ( وأمّا الفقه ، فهم مِن أبعد النّاس عن الفقه ، وأصل دينهم في الشريعة هي مسائل ينقلونها عن بعض علماء أهل البيت ، كعليّ بن الحسين وابنه أبي جعفر وابنه جعفر بن محمّد ، وهؤلاء رضي الله عنهم مِن أئمّة الدين وسادات المسلمين ، لكن لا ينظرون في الإسناد إليهم هل يثبت النقل إليهم أم لا ؟ فإنّه لا معرفة لهم بصناعة الحديث والأسناد .

ثمّ إنّ الواحد مِن هؤلاء إذا قال قولاً لا يطلب دليله مِن الكتاب والسنّة ولا ما يعارضه ، ولايردّون ما تنازع فيه المسلمون إلى الله والرسول كما أمر الله به ورسوله ، بل قد أصّلوا لهم ثلاثة أُصول : أحدها : أنّ هؤلاء معصومون والثاني : أنّ كلّما يقولون فإنّه نقل عن النبيّ والثالث : إنّ إجماع العترة حجّة وهؤلاء هم العترة ، فصاروا لذلك لا ينظرون إلى دليل ولا تعليل... وإنْ كانت المسألة ممّا انفردوا بها اعتمدوا على الأُصول الثلاثة التي فيها مِن الجهل والضلال ما لا يخفى )(١) .

فتاوى تُوُهّم كونها قياساً

ثمّ إنّ بعض أهل السنّة توهّم استناد الإماميّة في بعض الفتاوى الفقهيّة إلى القياس... ولكنْ لا علاقة لشيء مِنها بالقياس أصلاً، وما ذكره بهذه المِناسبة كلّه سخيف موهون :

فإنّ الحكم بتطهير الأرض لخشبة الأقطع وأسفل العصا وأسفل الرمح ونحوها ، ليس مِن قبيل القياس الذي هو دأب أهل الخلاف والوسواس ، بل منشأ هذا الحكم كما لا يخفى على الممارس للأخبار المتفحّص للآثار ، هو

_______________________

(١) مِنهاج السُنّة ٦ : ٣٨٠ .


الأحاديث المأثورة عن الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام ، الدالّة بالعموم والإطلاق على تطهير الأرض للمتنجّسات بالأقذار :

فمِنها : ما عن المعلّى بن خنيس قال :( سألت الصادق عليه‌السلام عن الخنزير يخرج مِن الماء فيمرّ على الطريق فيسيل مِنه الماء ، أمرُّ عليه حافياً ؟ فقال : أليس ورائه شيء جاف ؟ قلت : بلى قال : لا بأس ، إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضاً ) (١) .

وعن محمّد الحلبي في الموثّق قال : ( نزلنا في مكان بيننا وبين المسجد زقاق قذر ، فدخلت على الصادقعليه‌السلام ، فقال :أين نزلتم ؟ فقلت : نزلنا في دار فلان فقال : إنّ بينكم وبين المسجد زقاقاً قذراً ، أو قلنا له : إنّ بيننا وبين المسجد زقاقاً قذراً ، فقال : لا بأس ، الأرض يطهّر بعضها بعضاً ) (٢) .

ومِنها : ما في مستطرفات السرائر نقلاً عن نوادر أحمد بن أبي نصر عن المفضّل بن عمر ، عن محمّد بن علي الحلبي ، عن الصادقعليه‌السلام قال : ( قلت له :إنّ طريقي إلى المسجد في زقاق يُبال فيه ، فربّما مررت فيه وليس علَيّ حذاء فيلصق برجلي مِن نداوته ، فقال : أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة ؟ فقلت : بلى قال : لا بأس ، إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضاً قلت : فأطأ على الروث الرطب ؟! قال : لا بأس ، أنا والله ربّما وطأت عليه ثمّ أُصلّي ولا أغسله ) (٣) .

وفي الحسن أو الصحيح عن محمّد بن مسلم قال : ( كنت مع الباقرعليه‌السلام

_______________________

(١) الكافي ٣ : ٣٩ / ٥ ، كتاب الطهارة ، باب : الرجل يطأ على العَذَرة...

(٢) المصدر نفسه ٣ : ٣٨ / ٣ .

(٣) كتاب السرائر في الفقه المستطرفات ٣ : ٥٥٥ .


، إذ مرّ على عَذَرةٍ يابسة فوطأ عليه فأصاب ثوبه ، فقلتُ : جُعِلْتُ فداك ! وطأتَ على عَذَرة فأصابت ثوبك فقالعليه‌السلام :أليست يابسة ؟ فقلت : بلى قال : لا بأس ، إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضاً ) (١) .

فما تكرّر مِن قولهمعليهم‌السلام في هذه الأخبار إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضاً ، معناه على ما أفاده الأعلام : أنّ بعضها يطهّر ما تنجّس ببعض ، وإنّما أُسند إلى البعض مجازاً كما يقال الماء مطهّر للبول أي لنجاسة البول ، فالمطهَّر ـ بصيغة اسم المفعول ـ ما يُنجَّس بالبعض لا نفس البعض ، وهذا بالإطلاق يدلّ على تطهير الأرض لكلّ ما ينجس ، خر مِنه ما أخرجه الدليل وبقي الباقي على حاله .

وأمّا التعميم لكلّ ما يوطأ به مِن الخفّ والنعل وخشبة الأقطع ، فمع قطع النظر عن دلالة هذا القول عليه ، يدل عليه إطلاق صحيحة الأحول أيضاً :

روى ثقة الإسلام في الصحيح عن الأحول عن الصادقعليه‌السلام قال : ( في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثمّ يطأ بعده مكاناً نظيفاً ؟ قال :لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعاً ونحو ذلك ) (٢) .

وهكذا إطلاق موثّقة الحلبي السابقة .

فإنّ هذين الخبرين يدلاّن على طهارة ما يوطأ به ، أعمّ مِن أن يكون أسفل القدم أو غيره ، وهذا الفقيه الكبير الشيخ يوسف البحراني ـ الذي لا يختلف في جلالة فضله وعظمة شأنه مِن الأخباريّة اثنان، وتصفه بفضائل ومدائح عظيمة الشأن باهرة البرهان ـ قد أقرّ بإمكان استفادة هذا الحُكُم مِن

_______________________

(١) الكافي ٣ : ٣٨ / ٢ .

(٢) الكافي ٣ : ٣٨ / ١ .


الأحاديث ، حيث قال في ( الحدائق ) مشيراً إلى صحيحة الأحول وموثّقة الحلبي :

( والظاهر أنّه إلى إطلاق هذين الخبرين استند مَن عمّم الحكم في كلّ ما يوطأ به مِن خفّ أو نعل ولو مِن خشب مثل خشبة الأقطع ) .

وقال أيضاً : ( ربّما أمكن شمول الحكم لها ـ أي خشبة الأقطع ـ مِن حيث قولهعليه‌السلام في جملة مِن الأخبار المتقدّمة :إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضاً ، بل ربّما استفيد مِنه تطهير أسفل العصا والرمح... )(١) .

فهيهات ثمّ هيهات أن يُطعن في مثل هذه الأحكام المستندة إلى أحاديث المعصومين الكرام بأنها مبنيّة على الرأي والقياس ، ويُرمى الأمر الواضح الجليّ بالارتياب والالتباس ، ولكن حبّ المماراة يحدو على هذه العظائم ، والاستبداد بالرأي يوقع في هذه المقاحم .

وهكذا الحكم بطهارة ما لا يُنقل ولا يُحوَّل ، نحو الأبواب والأخشاب والأوتاد والأشجار والثمار التي على الشجر ، بتجفيف الشمس إيّاها ، وجهه أوضح مِن الشمس وليس بقياس ، ولا يقول بكونه قياساً إلاّ مَن لا يعرف معنى القياس ، ولم يجتن مِن شجرة التحقيق ثمراً ، ولم يُصِب مِن التدقيق عيناً ولا أثراً ، فإنّ هذا الحكم مستند إلى عموم الأحاديث الواردة في هذا الباب ، الشاملة لنحو الأخشاب والأبواب .

قال في ( الحدائق ) ـ بعد ذِكْر رواية أبي بكر الحضرمي عن الباقرعليه‌السلام قال :يا أبا بكر! ما أشرقت عليه الشمس فقد طَهُر ـ ما هذا لفظه :

( وهي ـ كما ترى ـ ظاهرة في القول المشهور مِن طهارة الأرض والحُصَر

_______________________

(١) الحدائق الناضرة في فقه العترة الطاهرة ٥ : ٤٥٥ .


والبواري وما لا ينقل ولا يحوّل ، وهي وإن كانت مطلقة بالنسبة إلى ما زاد على ذلك ، إلاّ أنّه لا بدّ مِن تقييدها بما ذكروه ، وأنّ ما ينقل ويحوّل لا بدّ مِن غسله بالأدلّة الكثيرة ، وكذلك بالنسبة إلى النجاسة بجميع النجاسات .

وبالجملة ، فإنّها ظاهرة الدلالة على القول المشهور ، وإن أمكن تطرّق المناقشة إلى الطهارة فيها بالتأويل المتقدّم ، إلاّ أنّه خلاف الظاهر ) .

وقال بعد كلام : ( ويعضد هذه الرواية أيضاً ما في الفقه الرضوي حيث قالعليه‌السلام :ما وقعت عليه الشمس مِن الأماكن التي أصابها شيء مِن النجاسات مثل البول وغيره طَهُر مِنها ، وأمّا الثياب فإنّها لا تطهر إلاّ بالغَسْل ، وهي ظاهرة تمام الظهور في القول المشهور )(١) .

ولقد وضح الصبح لذي عينين ولم يبق مجال لرواج البهت والمين ، حيث أسفر الحقّ إسفاراً ووضح الأمر جهاراً ، فكيف يمكن للمنصف الذي لم يردعه رمص التعصّب عن إدراك الحقيقة ، والبصير الناقد الذي لم يعتره رَيْب في الأُمور الواضحة التي هي بالإذعان حقيقة ، أن يقول إنّ هذا الحكم الذي يدلّ عليه الأحاديث بالظهور ويشير إليه روايات أهل العصمة مِن غير حجاب مستور ؛ مبنيٌّ على القياس الممنوع والدليل الفاسد المردوع .

ولعمري ، إنّ مَن يرمي هذا الحكم بالقياس مع اندراجه في عموم الأحاديث المأثورة عن هداة الناس ، ورعاتهم وحفّاظهم عن وسواس الخنّاس ، كيف لا يتوقّى مِن اتّساع الخرق عليه بلزوم الحكم بالقياس على جلّ الجزئيّات التي حكم عليها الأصحاب لانسلاكها في الإطلاقات والعمومات .

وأعجب مِن ذلك كلّه زعْمُ هذا القائل وادّعاء هذا المجادل : أنّ منع

_______________________

(١) الحدائق الناضرة ٥ : ٤٣٨ ـ ٤٣٩ .


العلاّمة الحلّي مِن إخراج الرواشن والأجنحة إلى الطُرُق النافذة إذا استلزمت الإشراف على جاره وضرّ به وإن لم تضرّ بالمارّة، مِن باب القياس ، وهذا أعجب مِن كلّ عجيب وأغرب مِن كلّ غريب .

وليت شعري أيّة مناسبة ومشابهة للقياس بذلك ، إنّما هو مستنِد إلى الأحاديث الدالّة على عدم جواز التصرّف في ملك الغير بغير إذنه ، والطريق يصير ملكاً للمسلمين كلّهم بإحيائهم إيّاه وكذا قراره وهواؤه ، فالمنع مِن التصرّف فيه بإخراج الرواشن والأجنحة كيف يكون مِن القياس الموجب للجُناح ؟ وهذا واضح بيّن صِراح .

وأمّا تصريح العلاّمة بأنّه لا يعرف نصّاً مِن الخاصّة والعامّة في هذا الباب ، وإنّما أفتى بما عن الاجتهاد ، فمعناه واضح صحيح كما لا يخفى على أهل السداد ؛ لأنّ مراده قدّس الله روحه ـ كما ينادي به ألفاظه جهاراً ـ أنّه لم يجد نصّاً على هذه المسألة بخصوصها مِن العامّة والخاصّة ، لا أنّه لم يجد عليها دليلاً مِن الكتاب والسنّة أصلاً وقاله بمحض الرأي والتشهّي .

وكيف يظنّ به ذلك ـ العياذ بالله مِنه ـ مع أنّه يصرّح بأنّه إنّما صار إلى ما أفتى به عن الاجتهاد ، والاجتهاد ـ كما فسّره هو وغيره مِن العلماء ـ هو استنباط الأحكام مِن القرآن والسنّة الغرّاء ، فقد ظهر أنّه ادّعى العلاّمة أنّ هذا الحكم مستنبط مِن الكتاب والسنّة ، وإنّما نفى كونه وارداً في النصوص بالخصوص .

وكيف يظنّ بالعلاّمة الحلّي رحمه الله أنّه عمل بالقياس أو حكم بمحض الرأي ، مع أنّه قد صرّح رحمه الله في كتبه ومصنّفاته بتحريم ذلك وعدم جوازه وثبت تحريمه بضرورة دين الإماميّة ، ولم يختلف في عدم جوازه مِنهم اثنان ، والله الهادي والمستعان والعاصم مِن المجازفة والعدوان .


وأمّا مسألة العوَض في الخلع إذا كان معيّناً ثمّ ظهر معيباً ، فما قال فيها العالم الربّاني ذو النور الشعشعاني والمجد الصمداني الشهيد الثاني ، فوجهه غير خفيّ على القاصي والداني ، فإنّ استحسانه ـ رحمه الله ـ تعيّن أخْذ الأرش في صورة فوات الوصف ، نشأ نظراً إلى الحديث المشهور والنصّ المأثور من أنّه لاضرر ولاضرار ، وغيره مِن الأحاديث الدالّة على عدم جواز التسلّط على ملك الغَيْر المأثورة عن المعصومين الأخيار ، خرج مِنها ما أخرجه الدليل وبقي الباقي على حاله .

وأيضاً يؤيّده أصل عدم التسلّط وعدم ثبوت اختيار المطالبة بالمثل والقيمة ، أمّا أخذ الأرش فصار إليه لمكان الدليل عليه ، ولم يزد عليه مِن المطالبة بالقيمة أو المثل لعدم ثبوت ذلك عنده .

وأمّا حكم المحقّق الحلّي بإجزاء أذان المنفرد إذا أراد الجماعة ، فذلك أيضاً غير مبنيّ على القياس المذموم والرأي الملوم ، فإنّ القياس هو تعدية الحكم مِن جزئيّ إلى جزئيّ آخر .

والأمر هاهنا ليس كذلك ، بل مبنى هذا الحكم في الواقع هو أصل عدم لزوم الإعادة ، والحكم بصحّة الأفعال الواقعة على نهج الشرع واعتبارها ، حتّى يظهر دليل على عدم اعتبارها ، فإنّ المنفرد الذي أذّن لنفسه ثمّ أراد الجماعة ، قد وقع مِنه الأذان صحيحاً ، فعدم اعتبار ذلك الأذان والحكم بإعادته يحتاج إلى دليل يدلّ عليه .

وكون إرادة الجماعة موجبة للإعادة ، غير ثابت عند مَن يقول بعدم لزوم الإعادة لأنّ الرواية الواردة بذلك ضعيفة السند ، وقد عارضها خبر أبي مريم الأنصاري قال : صلّى بنا أبو جعفرعليه‌السلام في قميص بلا إزار ولا رداء ولا إقامة فقال :إنّ قميصي كثيف فهو يُجزي أن لا يكون علَيّ إزار ولا رداء ،وإنّي مررت بجعفر وهو يؤذّن ويُقيم فلم أتكلّم فأجزأني ذلك ، انتهى وظاهره


ترتّب الإجزاء عل مجرّد سماع الأذان مِن غير مدخليّة لما عدا ذلك كما أفيد .

وأمّا الاستدلال بالأولويّة ، فهو تأييد لذلك الدليل الدالّ على الاجتزاء ، مع أنّه لو بنينا الحكم على هذا أيضاً لم يكن فيه شنعة؛ لأنّ الاستدلال بالأولويّة ممّا قد ثبت حجيّته بالدلائل القاطعة والبراهين الصادعة ، وهو ليس مِن القياس المذموم في شيء .

وأمّا المسألة الأخيرة التي نقلها البعض عن الذكرى ، فالمنقول مِنها في غاية السقم والغلط ، حيث ترك فيه صورة المسألة ونقل الحكم فقط وقطع العبارة مِن غير موضع القطع ، فكان كمَن ألغى الأصل وأخذ بالفرع ، ونحن ننقل أوّلاً عبارة الذكرى وبعد ذلك نبيّن بطلان توهّم كونه مبنيّاً على القياس .

قال في ( الذكرى ) : لو أحسّ في أثناء القراءة بداخل ، لم يستحبّ له تطويل القراءة لحصول الغرض بإدراكه في الركوع ، ولو قلنا باشتراط إدراك تكبير الركوع فلا بأس بتطويل القراءة بل يستحبّ ، وهل يُكره تطويلها على القول بإدراكه راكعاً ؟ قال الفاضل : لا يكره ، لِما رُويَ عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :إنّي أحياناً أكون في الصلاة فأفتتح السورة أُريد أن أتمّها فأسمع بكاء صبيّ فأتجوّز في صلاتي مخافة أن تفتتن أُمّه . فإذا جاز الاختصار رعاية لحقّ الطفل ، جازت الزيادة رعاية لحقّ اللاّحق ، ويتأكّد زوال الكراهة لعلمه أنّه لا يلحق بتطويل الركوع ، بل يستحب هنا تطويل القراءة(١) .

وهذا الحكم مستند حقيقةً إلى ظهور عدم دليل على كراهة التطويل ، وأما الاستدلال بالحديث فتأييد لذلك ، مع أنّه يرجع عند التحقيق والتأمّل إلى تنقيح المناط ، وهو غير القياس الذي جوّزته العامّة الراكبة متن الاختباط الناكبة

_______________________

(١) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة ٤ : ٤٥٣ .


عن سويّ الصراط .

ثمّ نقول لهذا المعترض : إنّ هذه المسألة حكم بها العلاّمة الحلّي ؛ لأنّ المراد بالفاضل هو رحمه الله تعالى .

وهو مِن أشهر علماء أهل الحقّ الذين منعوا العمل بالظنّ وبالغوا في حظره وتحريمه والتشنيع على مجوّزيه .

فلزم عليك أن ترجع عمّا كنت فيه مِن الاتّهام على الأعلام ، لقصور الفهم وقلّة التدرّب وتتوب عنه ، وتُشمّر عن ساق الجدّ في إبطال ما تفوهتّ به وسطّرته .

هذا ما سطرناه في توجيه هذه المسائل والإشارة والتلميح إلى الدلائل ، وليس المقصود اختيارها وترجيحها جزماً ، ونصرتها وتصحيحها حتماً ، فإنّها مسائل خلافيّة بعضها للنظر فيه مجال ، لكن الغرض إبطال قول مَن قال إنّها مبنيّة على القياس والرأي والضلال ، العياذ بالله المتعال مِن التفوّه بهذه الأقوال .

رجوع ابن الجُنَيْد عن القول بالقياس

وتلخّص : إنّ مذهب الإماميّة الإثني عشريّة هو حرمة القياس وعدم جواز استعماله في الدين .

نعم، كان أبو علي الإسكافي ـ المعروف بابن الجُنَيْد ـ يقول بالقياس في أوّل الأمر ، ثمّ رجع عنه وتركه ، كما نصَّ على ذلك كبار علماء الطائفة :

قال الشيخ والد الشيخ بهاء الدين العاملي : ( ابن الجُنَيْد كان يعمل بالقياس ثمّ رجع عنه )(١) .

_______________________

(١) هداية الأبرار : ٣٠٦ .


وقال الشيخ محمّد حسين صاحب ( الفصول ) : ( وإنْ ظنّ غلبة العلّة بحدس وشبهه فهو مستنبط العلّة ، وقد أطبق أصحابنا على عدم حجيّته ، إلاّ ابن الجُنَيْد ، فإنّه قال بحجيّته على ما حُكي عنه في أوائل الأمر ثمّ رجع عنه ، وبطلانه في مثل زماننا يعدّ مِن ضروريّات المذهب عند المحصّلين )(١) .

وقال السّد الطباطبائي : ( اختلف علماء الإسلام في حجيّة ما عدا القياس المستنبط بالطريق الأولى ، والقياس المنصوص العلّة في الأحكام الشرعيّة الفرعيّة ، وهو القياس المستنبط علّته ، على قولين ، الأوّل : إنّه حجّة كظاهر الكتاب وهو لمعظم العامّة ، وحكي أيضاً عن ابن الجُنَيْد مِن قدماء الإماميّة الثاني : ليس بحجّة ، وهو للذريعة والعدّة والغنية والمعارج ويب ونهج الحقّ ويه ودي وشرحه والمنية والزبدة والمعالم وغاية المأمول والوافية وبالجملة ، عليه معظم الإماميّة كلّهم إذ حكي عن ابن الجُنَيْد الرجوع عمّا كان عليه ، وهو المعتمد )(٢) .

وقال الشيخ أبو القاسم القمّي في كتاب ( قوانين الأصول ) : ( وأمّا الأوّل ، فذهب الأصحاب كافة عدا ابن الجُنَيْد مِن قدمائنا في أوّل أمره وبعض العامّة إلى حرمة العمل به ، وذهب الآخرون إلى جوازه ) .

وهْمٌ ودفع

ثمّ إنّه ذكر المولوي عبد العزيز الدهلوي في كتاب ( التحفة ) اسم ( أبو نصر هبة الله بن الحسين ) وزعم أنّه مِن علماء الإماميّة ، ونسب إليه القول

_______________________

(١) الفصول الغرويّة في الأُصول الفقهيّة (حجري) : ٣٨٢ ـ ٣٨٣ .

(٢) مفاتيح الأُصول : ٦٥٩ (حجري) .


بالقياس ، ثمّ أضاف في هامش كتابه في هذا الموضع ما نصّه :

( هبة الله بن الحسين بن هبة الله بن رطبة السواري ظهير الدين ، كان مِن علماء الإماميّة ، أخذ عن أبيه وسمع مِن محمّد القمّي وأبي جعفر بن أبي القاسم الطبري روى عن عليّ بن يحيى ، كان على رأس الستمائة ذكره ابن أبي طي ، وهو مِن محدّثي الشيعة وصاحب رجالهم لسان الميزان ) .

وتحقق المطلب هو : إنّه لا يوجد بين علماء الإماميّة مَن اسمه ( هبة الله ابن الحسين ) وكنيته ( أبو نصر ) فضلاً عن أن يقول بالقياس أو لا يقول به ، ودعوى اتّحاده مع الذي نقله في الهامش عن لسان الميزان لابن حجر العسقلاني باطلة جدّاً... على أنّ جملة ( وهو مِن محدّثي الشيعة وصاحب رجالهم ) غير موجودة في لسان الميزان ، وهذا نصّ عبارته :

( هبة الله بن الحسين بن هبة الله بن رطبة السواري ظهير الدين أبو طاهر كان مِن علماء الإماميّة أخذ عن أبيه وسمع عن محمّد بن علي القمّي وأبي جعفر بن أبي القاسم الطبري وغيرهما روى عنه عليّ بن يحيى بن عليّ الحلّي والحسن ابن صبيح الحائري وآخرون وكان على رأس الستمائة ذكره ابن أبي طي )(١) .

فأين الكنية ( أبو نصر ) ؟

وأين الجملة : ( وهو مِن محدِّثي الشيعة وصاحب رجالهم ) ؟

بين المُثْبتين والمنكِرين مِن أهل السنّة

ثمّ إنّ المثبتين للقياس مِن أهل السنّة يشنّعون على المنكرين له

_______________________

(١) لسان الميزان ٧ : ٢٥٢ / ٨٩٨٣ .


ويذمّونهم الذمّ الشديد ، حتّى جاء في ( شرح البخاري ) لابن الملقّن أنّه : ( قال المزني : فوجدنا بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أئمّة الدين فهموا عن الله تعالى وما أُنزل إليهم وعن الرسول ما أوجب عليهم ، ثمّ الفقهاء إلى اليوم هلمّ جرّاً استعملوا المقاييس والنظائر في أمر دينهم ، فإذا ورد ما لم يُنصّ عليه نظروا ، فإنْ وجدوه مشبّهاً لِما سبق الحكم فيه مِن الشارع أجْرَوا حكمه عليه ، وإنْ كان مخالفاً له فرّقوا بينه وبينه ، فكيف يجوز لأحدٍ إنكار القياس ؟ ولا يُنكِر ذلك إلاّ مَن أعمى الله قلبه وحبّب إليه مخالفة الجماعة ) .

وإذا كان هذا حال المنكِرين للقياس ، فهلمّ معي لنرى مَن هم المنكِرون له ؟

قال الحافظ ابن حجر في ( شرح البخاري ) نقلاً عن ابن بطّال :

( أوّل مَن أنكر القياس إبراهيم النظّام وتبعه بعض المعتزلة ، وممّن ينسب إلى الفقه داود بن عليّ ، وما اتّفق عليه الجماعة هو الحجّة ، فقد قاس الصحابة ومِن بعدهم مِن التابعين وفقهاء الأمصار ، وبالله التوفيق )(١) .

ثمّ قال ابن حجر :

( وتعقّب بعضهم الأوليّة التي ادّعاها ابن بطّال : بأنّ إنكار القياس ثبت عن ابن مسعود مِن الصحابة ، ومِن التابعين عن عامر الشعبي مِن فقهاء الكوفة ، وعن محمّد بن سيرين والحسن مِن فقهاء البصرة ، وذلك مشهور عنهم ، نقله ابن عبد البرّ ، ومِن قبله الدارمي وغيره عنهم وعن غيرهم )(٢) .

_______________________

(١) فتح الباري في شرح البخاري ١٣ : ٢٥٣ .

(٢) المصدر نفسه ١٣ : ٢٥٣ .


ومِن المنكرين للقياس : أبو بكر أحمد بن أبي عاصم النبيل ، قال ابن حجر في ( لسان الميزان ) :

( أبو بكر ابن أبي عاصم ، عن عبد الجبّار بن العلاء العطّار ، وعنه عبد الله ابن محمّد بن جعفر شيخ أبي نعيم قال ابن القطّان : لا أعرفه ، كذا قال ، وهو إمام ثقة حافظ مصنّف لا يجهل مثله انتهى كلام شيخنا .

وهو : أحمد بن عمر وبن أبي عاصم النبيل ، واسم أبي عاصم الضحّاك ابن مخلد الشيباني...

وله الرحلة الواسعة والتصانيف الكثيرة في الأبواب .

روى عنه : محمّد بن حسان ، وأبو أحمد الغسّاني وأحمد بن بندار الشعار وأحمد بن المفيد السمسار ، وآخرون .

قال أبو سعد ابن الأعرابي في طبقات النسّاك : سمعت أنّه كان يذكر أنّه يحفظ لشقيق البلخي ألف مسألة ، وكان مِن حفّاظ الحديث والفقه ، وكان يذهب إلى القول للقول بترك القياس .

قال أبو نعيم الحافظ : كان ظاهري المذهب ، وُلِيَ القضاء بعد صالح بن أحمد ، وترجم له موسى ، ومات في ربيع الآخر سنة ٢٨٧ هـ )(١) .

ومِنهم : داود الظاهري كما عرفت ، وهو مِن كبار الأئمّة ، فقد قال السبكي في ( الطبقات ) بترجمته :

( داود بن عليّ بن خلف بن سليمان البغدادي الإصبهاني ، إمام أهل الظاهر ، ولد سنة مائتين وقيل سنة اثنتين ومائتين ، وكان أحد أئمّة المسلمين وهداتهم ، وله في فضل الشافعي رحمه الله مصنّفات ، سمع سليمان بن حرب

_______________________

(١) لسان الميزان ٧ : ٥٩٢ ـ ٥٩٣ / ٩٦٦٩ وفي ط ٧ : ٢٠ .


والقعنبي وعمرو ابن مرزوق ومحمّد بن كثير العبدي ومسدداً وأبا ثور وإسحاق ابن راهويه ، رحل إليه إلى نيسابور ، فسمع مِنه المسند والتفسير ، وجالس الأئمّة وصنّف الكتب .

قال أبو بكر الخطيب : كان إماماً ورعاً ناسكاً زاهداً... )(١) .

وقال ابن خلّكان :

( أبو سليمان داود بن عليّ بن خلف الإصبهاني ، الإمام المشهور المعروف بالظاهري ، كان زاهداً متقلّلاً كثير الورع ، أخذ العلم عن إسحاق بن راهويه وأبي ثور ، كان مِن أكثر الناس تعصّباً للإمام الشافعيرضي‌الله‌عنه ، وصنّف في فضائله والثناء عليه كتابين ، وكان صاحب مذهب مستقلّ ، وتبعه جمع كثير يُعرَفون بالظاهريّة ، وكان ولده أبو بكر محمّد على مذهبه ، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ، وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد وقيل : إنّه كان يحضر مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان أخضر )(٢) .

ومِنهم : ابن حزم الأندلسي ، الذي قال ابن خلكان بترجمته :

( كان حافظاً عالماً بعلوم الحديث وفقهه ، مستنبطاً للأحكام مِن الكتاب والسنّة ، بعد أن كان شافعيّ المذهب ، فانتقل إلى أهل الظاهر ، وكان متقناً في علوم جمّة ، عاملاً بعلمه زاهداً في الدنيا بعد الرياسة التي كانت له ولأبيه مِن قبله في الوزارة وتدبير الملك ، متواضعاً ذا فضائل وتواليف كثيرة...

قال ابن بشكوال في حقّه : كان أبو محمّد أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم أهل الإسلام وأوسعهم معرفة ، مع توسّعه في علم اللسان ووفور حظّه

_______________________

(١) طبقات الشافعي الكبرى ٢ : ٢٨٤ / ٦٦ .

(٢) وفيات الأعيان ٢ : ٢٥٥ / ٢٢٣ .


مِن البلاغة والشعر والمعرفة بالسِيَر والأخبار ، أخبر ولده أبو رافع الفضل إنّه اجتمع عنده بخطّ أبيه مِن تواليفه نحو أربعمائة مجلّد يشتمل على قريب مِن ثمانين ألف ورقة .

وقل الحافظ أبو عبد الله محمّد بن فتوح : ما رأيت مثله فيما اجتمع له مِن الذكاء وسرعة الحفظ وكرم النفس والتدّين )(١) .

_______________________

(١) وفيات الأعيان ٣ : ٣٢٥ / ٤٤٨ .


٣ الاستحسان

حقيقة الاستحسان

لا يخفى أنّ موارد فتاوى القوم على خلاف الكتاب والسنّة ، بل اتّباعاًً للهوى ، كثيرة لا تحصى...

ومع ذلك ، فإنّ مِن جملة أدلّتهم هو ( الاستحسان ) وهو ليس إلاّ الحكم بما تهواه الأنفس ولا شاهد عليه مِن الكتاب والسنّة ، ومِن هنا قال الشافعي بأنّ الاستحسان تشريع محض كما حكاه شارح ( مختصر الأصول ) :

( الاستحسان : قال الحنفيّة والحنابلة يكون دليلاً ، وأنكره غيرهم .

قال الشافعي : مَن استحسن فقد شرّع ، يعني مَن أثبت حكماً بأنّه مُسْتحْسَنٌ عنده مِن غير دليل مِن قِبل الشارع فهو الشارع لذلك الحكم ؛ لأنّه لم يأخذه مِن الشارع ، وهو كُفْرٌ أو كبيرةٌ )(١) .

فقال الكرماني في حاشيته ( النقود والردود ) :

( قوله : فهو الشارع ، أي الواضع ، وإثبات الحكم مِن تلقاء نفسه بلا دليل كفرٌ إن اعتقد جوازه له ، أو كبيرة إن لم يعتقد الجواز ) .

وقال الدهلوي في ( الإنصاف ) في بيان موارد مخالفة الشافعي :

( ومِنها : إنّه رأى قوماً مِن الفقهاء يخلطون الرأي الذي لم يسوّغه الشرع بالقياس الذي أثبته ، فلا يميّزون واحداً مِنهما مِن الآخر ، ويسمّونه تارة

_______________________

(١) شرح مختصر الأصول ٢ : ٤٥٩ .


بالاستحسان ، وأعني بالرأي أن ينصب مظنّةَ حرج أو مصلحة علّة لحكم ، وإنّما القياس أن تخرج العلّة مِن الحكم المنصوص ويدار عليها الحكم ، فأبطل هذا النوع أتمّ إبطال وقال : مَن استحسن فأنّه أراد أن يكون شارعاً ؛ حكاه ابن الحاجب في مختصر الأُصول .

مثاله : رُشْد اليتيم أمر خفي ، فأقاموا مظنّة الرشد ـ وهو بلوغ خمس وعشرين سنة ـ مقامه وقالوا : إذا بلغ اليتيم هذا العمر سُلّم إليه ماله ، قالوا : هذا استحسان ، والقياس أن لا يُسلّم إليه .

وبالجملة ، فلمّا رأى الشافعي في صنيع الأوائل مثل هذه الأُمور أخذ الفقه مِن الرأس ، فأسّس الأُصول وفرّع الفروع ، وصنّف الكتب ، فأجاد وأفاد واجتمع عليها الفقهاء )(١) .

أقول :

فبمثل هذه الكلمات يعرف حال أبي حنيفة وغيره ممّن يستعمل الاستحسان في الدين !

وكذلك قال الدهلوي في كتابه ( حجّة الله البالغة ) .

فتأمّل حتّى يأتيك اليقين ، ولاتكن ممّن يضلّ عن الدين بتسويلات الشياطين ، والله الموفّق والمعين.

الاستحسان مِن أسباب تحريف الدين

وهذه عبارة الدهلوي في بيان أسباب تحريف الدين :

_______________________

(١) الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف : ٤٤ ـ ٤٥ .


 ( ومِنها : الاستحسان ، وحقيقته أن يرى رجل الشارع يضرب لكلّ حكمة مظنّة مناسبة ، ويراه يعقد التشريع ، فيختلس بعض ما ذكرنا مِن أسرار التشريع ، فيُشرّع للنّاس حسبما عقل مِن المصلحة.

كما أنّ اليهود رأوا أنّ الشارع إنّما أمر بالحدود زجراً عن المعاصي للإصلاح ، ورأوا أنّ الرجم يورث اختلافاً وتقاتلاً بحيث يكون في ذلك أشدّ الفساد ، واستحسنوا تحميم الوجه والجِلْد ، فبيّن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه تحريف ونبذ لحكم الله المنصوص في التوراة بآرائهم )(١) .

وقال الغزالي في ( المنخول ) في كتاب القياس :

( الباب السادس في الاستحسان : قال الشافعيّ : مَن استحسن فقد شرّع .

ولا بدّ أوّلاً مِن بيان حقيقة الاستحسان ، وقد قال قائلون مِن أصحاب أبي حنيفة : الاستحسان مذهب لا دليل عليه ، وهذا كفرٌ مِن قائله وممّن يجوّز التمسّك به ، فلا حاجة فيه إلى دليل .

وقال قائلون : هو معنى خفي مقيس لا عبارة عنه ، وهذا أيضاً هوَس ، فإنّ معاني الشرع إذا لاحت في العقول انطلقت الألسن بالتعبير عنها ، فما لا عبارة عنه لا يُعقل .

والصحيح في ضبط الاستحسان ما ذكره الكرخي ، وقد قسّمه أربعة أقسام :

مِنها : اتّباع الحديث وترك القياس ، كما فعلوا في مسألة القهقهة ونبيذ التمر .

ومِنها : اتّباع قول الصحابي على خلاف القياس ، كما قالوا في تقدير

_______________________

(١) حجّة الله البالغة ١ : ١٢١ .


أُجرة ردّ العبد الآبق بأربعين درهماً ، اتّباعاً لابن عبّاس ، وتقدير ما يحطّ عن قيمة العبد إذا ساوى ديّة الحرّ أو زاد بعشرة، اتّباعاً لابن مسعود .

ومِنها : اتّباع عادات النّاس وما يطّرد به عُرْفهم ، كمصيرهم إلى أنّ المعاطاة صحيحة ؛ لأنّ الأعصار لا تنفك عنه ، ويغلب على الظنّ جريانه في عصر الرسول .

ومِنها : اتّباع معنى خفي هو أخصّ بالمقصود وأمسّ له مِن المعنى الجلي .

فنقول : أمّا اتّباع الخبر تقديماً له على القياس فواجب عندنا ، وأبو حنيفة لم يُفْتِ به في مسألة المصراة والعرايا وخيار المتبايعين ، فلم يستحسنوا اتّباع هذه الأحاديث مع اتّفاق أئمّة الحديث على صحّتها وضعف حديث القهقهة .

وأمّا قول الصحابي إذا خالف القياس ، فهو متّبع عندنا ، وخالف أبو حنيفة في مسألة تغليظ الديّة مع ما نقل فيه مِن الصحابة.

وتقدير ابن عبّاس أُجرة الآبق بأربعين يحتمل أن يكون بحكم مصالحة أو مصلحة اقتضاها نزاع في تلك الحال .

وقول ابن مسعود في قيمة العبد يلتفت إلى قياس الديّة ومراعاتها ، وتقديره في الحطّ ملاحظة لنصاب السرقة فإنّه عظيم في الشرع يظهر التفاوت به فلذلك لم نتّبعه .

وأمّا دعواه بأنّ عمل النّاس متّبع في المعطاة ؛ لأنّ الأعصار فيه تتقارب ، تحكّم ؛ فإنّا نعلم أنّ العقود الفاسدة والربويّات في عصرنا أكثر مِنه في ابتداء الإسلام وصفوته ، وعوام الناس لا مبالاة بإجماعهم حتّى يُتمسّك بعملهم .

وأمّا اتّباع المعنى الخفيّ إذا كان أخصّ ، فهو متّبع ؛ لأنّ الجليّ الذي لا يمسّ المقصود باطل معه إذ هو مقدّم عليه ، ولكن أبا حنيفة لم يُفْتِ بموجبه


حتّى أتى بالعجائب والآيات وسمّاه استحساناً فقال : يجب الحدّ على مَن شهد عليه أربعة بالزناء في أربع زوايا كلّ واحد يشهد عل زاوية .

وقال : لعلّه كان ينزحف في زنية واحدة في الزوايا ، وأيّ استحسان في سفك دم مسلم بمثل هذا الخيال ، مع أنّه لو خصّص كلّ واحد شهادته بزمان وتقاربت الأزمِنة واحتمل استدامة الزنا في مثلها لا حدّ ، وذلك أغلب في العُرف مِن شغل زوايا البيت بزناء واحد ، فهذا وأمثاله مِن الاستحسانات باطلة ، وما استند إلى مأخذ ممّا ذكرناه صحيح فهو مقول به )(١) .

_______________________

(١) المنخول للغزالي : ٣٧٤ ـ ٣٧٧ .


٤ تكفير بعضهم بعضاً

* قد عرفت آنفاً أنّ أكابر الأساطين مِن أهل السنّة يكفّرون أبا حنيفة النعمان ، فقد نقل ذلك الحافظ الخطيب عن الحميدي ـ شيخ البخاري ـ وعن سعيد بن المسيّب وغيرهما...

* وأنّ الشيخ عبد القادر الجيلاني قال بضلال الحنفيّة ، وأنّهم مِن الفِرَق الهالكة في النّار...

* وأنّ الغزالي قال في ( المنخول ) بكفر أبي حنيفة وضلالته...

* وأنّ القاضي العضد والكرماني صرّحا بأنّ القول بالاستحسان مِن الكبائر أو مِن أسباب الكفر ، وأنّ الشافعي قال : مَن استحسن فقد شرّع...

* وأنّ الثوري قال : بأنّ أبا حنيفة قد نقض الإسلام عروةً عروة ، وأنّه لم يولد في الإسلام أشأم مِنه...

* وأنّ قصّة صلاة القفال أيضاً تشتمل على تكفير أبي حنيفة وأتباعه ، فكان حكاية ذلك سبباً لتكفير عليم الله بن عبد الرزاق المكّي الحنفي في كتابه ( السيف المسلول ) الغزاليَّ وإمام الحرمين ، إذ قال في جواب اليافعي : ( وأمّا رابعاً : فلأنّكم حكمتم بمقتضى قولكم هذه الصلاة لا يجوّزها ذو دين : أنّ الإمام لا دين له ، وأنّ ما ذهب إليه باطل وفي هذا إنكار الإجماع وهو كفر ) .

* وقال القاري في كتابه في جواب رسالة إمام الحرمين : ( ثمّ اعلم أنّي كنت أظنّ أنّ الرسالة المصنوعة إنّما تكون على إمام الحرمين موضوعة ، لكنْ


رأيت في بعض الكتب أنّه ذكرها اليافعي في كتابه ( مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان وتقلّب أحوال الإنسان ) إلاّ أنّ ما حسبوه شراباً كسرابٍ بِقيعةٍ يحسبه الضمآن ماءً ، أو كدواء لا يزيد العليل إلاّ داء ، وقد قال الله عزّ وجل( وَبَدَا لَهُم مِن اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) وقال عزّ وجلّ :( لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) وقال سبحانه :( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) .

* وكلام القاري في جواب صلاة القفال صريح في تكفير القفال...

* وقال الفخر الرازي في رسالته في ترجيح مذهب الشافعي في ذكر فتاوى الحنفيّة : ( مسألة : يجوز عندهم الخروج مِن الصلاة بالضراط وسائر الأحداث ، والدليل على بطلانه ما ذكرنا مِن أنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يفعل ذلك ، فوجب أنْ يجب علينا أنْ لا نفعله ، لقوله تعالى :( فاتَّبِعُوه ) . ثمّ نقول : إنّ أحداً مِن فسّاق المسلمين لا يفعل ذلك ، ولو فعل أحد ذلك لقالوا إنّه ملحد قد استخفّ بالدين والشرع ، بل عندهم أنّ ترك الصلاة أهوَن بكثير مِن الصلاة المشتملة على هذه الفضائح ) .

* وابن قتيبة عدّ أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمّد بن الحسن في المُرجئة(١) ، والمرجئة ـ كما في الأحاديث الكثيرة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ زنادقة ملحدون .

* وقد صرّح الذهبي بكون حمّادٍ مِن المرجئة(٢) .

* وقال يحيى بن معين في محمّد بن الحسن : جهميّ كذّاب ومبطل

_______________________

(١) كتاب المعارف : ٦٢٥ .

(٢) ميزان الاعتدال ٢ : ٣٦٤ ـ ٣٦٥ / ٢٢٥٦ .


مرتاب(١) .

* وقال أبو المؤيّد الخوارزمي بضلال سفيان الثوري ومحمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وشريك والحسن بن صالح ، ونسبهم إلى مذهب الخوارج(٢) .

* وذُكِر في كتاب ( الدرّ المختار ) أشعارٌ لابن المبارك في مدح أبي حنيفة مِنها قوله :

( فلعنة ربِّنا أعداد رملٍ

على مَن ردّ قول أبي حنيفة ) (٣)

وهذه اللعنة تتوجّه إلى الشافعي وأتباعه... بل إنّها تشمل محمّد بن الحسن والقاضي أبا يوسف أيضاً ، لأنّهما ردّا على كثيرٍ مِن أقوال أبي حنيفة .

* وكفّر الفضلي ـ وهو مِن الأئمّة المشاهير ـ الشافعيّة ، على ما نقل عنه شمس الدين القهستاني في كتاب ( جامع الرموز ) فقد جاء فيه : ( [ولا] للمسلم نكاح امرأة [كافرة غير كتابية] كالوثنيّة والمجوسيّة والمرتدّة ، كما أشار إليه ، فلا يجوز به الوطي كما بملك اليمين .

وفيه إشارة إلى أنّه يصحّ نكاح صابئية ، قوم مِن النصارى يعظّمون الكواكب كتعظيم المسلمين الكعبة ، وإلى أنّه لا يصحّ نكاح كتابيّة ، قوم يعبدونها كعبادة الكافرين الأوثان ، والأوّل قوله والثاني قولهما ، فالخلاف بينهما لفظيّ كما ترى ، وإلى أنّه لا يصحّ نكاح المعتزلة ؛ لأنّها كافرة عندنا ، وإلى أنّه لا يصحّ نكاح الشافعيّة ، لأنّها صارت كافرة بالاستثناء ، على ما رُويَ عن الفضلي ، ومِنهم مَن قال نتزوّج بناتهم ، الكلّ في

_______________________

(١) اُنظر الضعفاء الكبير للعقيلي ٤ : ٥٢ / ١٦٠٦ ، الكامل في ضعفاء الرجال ٦ : ٢١٨٣ .

(٢) جامع مسانيد أبي حنيفة .

(٣) الدرّ المختار ١ : ٦٨ .


المحيط ولعلّ ترك التعرّض بمثله أَوْلى ، فإنّهم متأوّلون في ذلك كما بُيّن في محلّه ) .

* وقال أبو شكر السَلَمي الحنفي بكفر الأشاعرة ، وأخرجهم مِن أهل السنّة والجماعة عندما قال في ( التمهيد في بيان التوحيد ) : ( قال أهل السنّة والجماعة : إنّ الله تعالى لم يزل خالقاً موصوفاً بهذه الصفة وسائر الصفات مِن صفات الفعل ، وقالت الأشعريّة والكراميّة : ما لم يخلق الخَلْق لم يكن خالقاً ، وهذا كفر ) .

* ونقل شهاب الدين الكازروني في ( رسالة علم الباري ) عن الغزالي أنّه قال : ( الكفر تكذيب الرسول في شيء ممّا جاء به ضرورةً ، فالأشعري يكفّر الحنبلي بإثباته الفوق واليد والاستواء ؛ لأنّه تكذيب( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) والحنبلي الأشعريَّ بنفيها ؛ لأنّه تكذيب صريح للنصوص ) .

* وتكلّم ابن حجر المكّي في ( شرح الشمائل ) في ابن تيميّة وابن القيّم ، وجعلهما مِن الظالمين والجاحدين ، وصرّح بأنّهما يُثبتان الجهة والجسميّة للباري تعالى ، ووصفهما بسوء الاعتقاد وقول الزور والكذب ، وبالضلال والبهتان ثمّ قال في حقّهما : ( قبّحهما الله وقبّح مَن قال بقولهم ) وأيضاً ، فقد نصَّ على أنّ اعتقادهما كفر عند الأكثرين .

* وقول ابن تيميّه بقِدَم العرش ـ وهو كفر محض ـ مذكور في ( شرح العقائد ) للدواني .

* وفي ( تاريخ اليافعي ) أنّه قد نودي في دمشق وغيره أنّ مَن كان على عقيدة ابن تيميّة فدمه وماله حلال(١) .

_______________________

(١) مرآة الجنان ٤ : ١٨٠ .


* وقال ابن حجر العسقلاني في ( الدرر الكامنة ) إنّهم قالوا في ابن تيميّة : زنديق ، ومنافق(١) .

* وقد تناول ابن حجر المكّي ابنَ تيميّة بالتضليل في سائر مؤلَّفاته ، ففي ( الجوهر المنظَّم في زيارة القبر المعظّم ) :

( فإن قلت : كيف تحكي الإجماع السابق على مشروعيّة الزيارة والسفر إليها وطلبهما ، وابن تيميّة مِن متأخّري الحنابلة مُنكِر لمشروعيّة ذلك كلّه ، كما رواه السبكي في حطّه ، وأطال ـ أعني ابن تيميّة ـ في الاستدلال لذلك بما تمجّه الأسماع وتنفر عنه الطباع ، بل زعم حرمة السفر لها إجماعاً ، وأنّه لا تُقصر فيه الصلاة ، وأنّ جميع الأحاديث الواردة فيها موضوعة ، وتبعه بعض مَن تأخّر عنه مِن أهل مذهبه .

قلت : مَن ابن تيميّة حتّى يُنظر إليه أو يعوّل في شيء مِن أُمور الدين عليه ؟ وهل هو إلاّ كما قال جماعة مِن الأئمّة ـ الذين تعقّبوا كلماته الفاسدة وحججه الكاسدة ، حتّى أظهروا عوار سقطاته وقبائح أوهامه وغلطاته كالعزّ ابن جماعة ـ : عبدٌ أضلّه الله وأغواه وألبسه رداء الخزي وأرداه ، وبوّأه مِن قوّة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان وأوجب له الحرمان ؟!

ولقد تصدّى شيخ الإسلام وعالم الأنام المجمع على جلالته واجتهاده وصلاحه وإمامته التقي السبكي ـ قدّس الله روحه ونورّ ضريحه ـ للردّ عليه في تصنيفٍ مستقل ، أفاد فيه وأجاد فأصاب وأوضح بباهر حججه طريق الثواب ، فشكر الله مسعاه وأفاض عليه شآبيب رحمته ورضاه .

ومِن عجائب الوجود ما تجاسر عليه بعض الحنابلة ، فغبر في وجوه

_______________________

(١) الدرر الكامنة ١ : ١٥٥ .


مخدّراته الحِسان التي لم يطمثهنَّ إنس قبله ولا جانّ ، وأتى بما دلّ على جهله وأظهر به عوار غباوته وعدم فضله ، فليته إذا جهل استحيى مِن ربّه وعساه إذا فرّط وأفرط رجع إلى لبّه ، لكن إذا غلبت الشقاوة واستحكمت الغباوة فعياذاً بك اللّهمّ مِن ذلك ، وضرعة إليك في أن تديم لنا سلوك أعظم المسالك .

هذا ، وما وقع مِن ابن تيميّة ممّا ذكر ـ وإن كان عثرة لا تقال أبداً ، ومصيبة يستمرّ عليه شؤمها دواماً وسرمداً ـ ليس بعجيب ، فإنّه سوّلت له نفسه وهواه وشيطانه أنّه ضرب مع المجتهدين بسهم صائب ، وما درى المحروم أنّه أتى بأقبح المعائب، إذ خالف إجماعهم في مسائل كثيرة ، وتدارك على أئمّتهم ـ سيّما الخلفاء الراشدين ـ باعتراضات سخيفة شهيرة ، وأتى مِن نحو هذه الخرافات بما يمجّه الأسماع وتنفر عنه الطباع .

حتّى تجاوز إلى الجناب الأقدس المنزّه عن كلّ نقص ، والمستحقّ لكلّ كمالٍ أنْفَس ، فنسب إليه العظائم والكبائر ، وخرق سياج عظمته وكبرياء جلالته بما أظهره للعامّة على المنابر ، مِن دعوى الجهة والتجسيم وتضليل مَن لم يعتقد ذلك مِن المتقدّمين والمتأخرين ، حتّى قام عليه علماء عصره ، وألزموا السلطان بقتله أو حبسه وقهره ، فحبسه إلى أن مات وخمدت تلك البدع ، فزالت تلك الظلمات ، ثمّ انتصر له أتباع لم يرفع الله لهم رأساً ، ولم يظهر لهم جاهاً ولا بأساً ، بل( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤوا بِغَضَبٍ مِن اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ) .

* وكفَّر بعض فقهاء اليمن فقهاء زبيد ، كما ذكر اليافعي في ( مرآة الجنان ) :

( وفقهاء جبال اليمن مخالفون لفقهاء تهامتها ، كما ذكر ابن سمرة أنّه وقع


في زمان صاحب البيان تكفير مِن بعض فقهاء الجبال لفقهاء زبيد ، هذا كلّه لانطوائهم على الجمود ، وعدولهم عن الطريق المحمود )(١) .

* وقال الحنفيّة بكفر البخاري ، كما في كتاب ( فصول الإحكام في أصول الأحكام ) :

( ذكر أبو سهل بن عبد الله ، وهو أبو سهل الكبير ، عن كثير مِن السلف رحمهم الله أنّ مَن قال القرآن مخلوق فهو كافر ، ومَن قال الإيمان مخلوق فهو كافر وحكي أنّه وقعت هذه المسألة بفرغانة ، فأُتي بمحضر مِنها إلى أئمّة بخارا فكتب فيه الشيخ الإمام أبو بكر بن حامد والشيخ الإمام أبو حفص الزاهد والشيخ الإمام أبو بكر الإسماعيلي رحمهم الله : أنّ الإيمان غير مخلوق، ومَن قال بخلقه فهو كافر ، وقد خرج كثير مِن الناس مِن بخارا مِنهم محمّد بن إسماعيل صاحب الجامع بسبب قولهم الإيمان مخلوق ) .

* ومضر وكهمس وأحمد الهجيمي ، كفّرهم القوم ، لِما ذهبوا إليه واعتقدوه مِن العقائد الفاسدة.

* وكذلك مقاتل بن سليمان .

* ونعيم بن حمّاد .

وهو مِن كبار علماء القوم ومِن مشايخ البخاري وأبي داود والترمذي وابن ماجة ، مِن مشاهير المُجسِّمة ، وقد حكى الحافظ ابن الجوزي عنه القول بإثبات الوجه والأعضاء للباري عزّ وجلّ(٢) .

* وابن مِندة أيضاً مِن القائلين بالجهة ، بل لقد ردّ اليافعي شهادة الذهبي

_______________________

(١) مرآة الجنان ٣ : ٢٤٩ ـ ٢٥٠ .

(٢) دفع شُبَه التشبيه : ١٥٢ تحقيق حسن السقّاف .


ببراءته مِن التجسيم وقال بأنّها شهادة على أمرٍ باطل .

* وصرّح اليافعي بأنّ مذهب المتأخّرين مِن الحنابلة هو القول بالجهة وبالصوت والحروف في كلامه تعالى ، فقد ذكر اليافعي بعد ما أورده عن ابن سمرة أنّ يحيى بن أبي الخير صاحب كتاب البيان ـ وهو شافعيّ المذهب ـ كان ينتصر للحنابلة:

( أمّا ما ذكر مِن كون عقيدته حنبليّة ، فصحيح بالنسبة إلى الحنابلة المتأخرين ، حاشى الإمام أحمد والمتقدّمين مِنهم ، وقد أوضحت ذلك وأشبعت الكلام فيه في كتاب المرهم ، وإليه أشرت بقولي :

وفي حشوٍ مات كسوفان أظلما

هما جهة وأحرف حاشا ابن حنبل

أعني : أنّ ذلك مذهب الحشويّة بعد أن استقرّت البدور لأئمّة كلّ مذهب ، وذكرت أنّ بدور المذاهب الثلاثة أنارت ، وأنّه حصل في بدور مذهب كسوفان مظلمان ، وهما ما ذكرت مِن القول بالجهة والحرف والصوت في كلام الله تعالى .

أمّا ما ذكرت مِن كون الإمام أحمد والمتقدّمين مِن أصحابه براء ممّا ادّعاه المتأخّرون مِنهم ، فممّن نصّ على ذلك بعض الحنابلة وهو الإمام أبو الفرج ابن الجوزي ، حتّى ذكر أنّهم صاروا سُبَّةً على المذهب باعتقادهم الذي يتوهّم غيرهم أنّه مذهب أحمد ، وليس العجب مِن حنابلة الفروع وإنّما العجب مِن شافعيّة الفروع كصاحب البيان المذكور ، ومَن تابعه مِن أهل الجبال )(١) .

أقول : القول بجِسميّة الباري وإثبات الجهة والمكان له ، وإنكار صفاته

_______________________

(١) مرآة الجنان وعبرة اليقظان ٣ : ٢٤٧ .


الأزلية ، موجب للكفر بالإجماع كما في ( التحفة الاثنا عشرية )(١) .

وكما قال الحنابلة بقِدَم الحرف والصوت ، فقد قالوا بقِدَم جِلْد كلام الله أيضاً كما في ( المواقف ) :

( ثمّ قال الحنابلة كلامه تعالى حرف وصوت يقومان بذاته وإنّه قديم ، وقد بالغوا فيه حتّى قال بعضهم جهلاً : الجِلْد والغلاف قديمان )(٢) .

* وابن حبّان ، وهو مِن كبار أئمّة القوم في الفقه والحديث والجرح والتعديل ، قالوا بكفره ، لبعض عقائده(٣) .

* وكذا الحكيم الترمذي ، قال المناوي في ( فيض القدير ) :

( قال السلمي : نفوه مِن ترمذ وشهدوا عليه بالكفر ، بسبب تفضيله الولاية على النبوّة ، وإنّما مراده ولاية النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(٤) .

وفي ( مفتاح كنز الدراية ) :

( قال السلمي : نفوه مِن ترمذ بسبب تأليفه كتاب خَتْم الولاية وكتاب عِلَل الشريعة وقالوا : زعم أنّ للأولياء خاتماً وأنّه يفضّل الولاية على النبوّة ، واحتجّ بقولهعليه‌السلام : يغبطهم النبيّون والشهداء ، وقال : لو لم يكونوا أفضل مِنهم لم يغبطوهم... )(٥) .

وفي ( لسان الميزان ) :

( وممّا أُنكِر عليه أنّه كان يفضّل الولاية على النبوّة ، ويحتجّ بحديث :

_______________________

(١) التحفة الاثنا عشرية : ١٤١ ـ ١٤٢ .

(٢) شرح المواقف في علم الكلام ٣ : ١٢٨ .

(٣) ميزان الاعتدال ٦ : ٩٩ / ٧٣٥٢ ، لسان الميزان ٦ : ٩ / ٧٢٣٣ ترجمة ابن حبّان .

(٤) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير ١ : ١١٦ .

(٥) مفتاح كنز دراية المجموع ـ مخطوط .


يغبطهم النبيّون ، قال : لو لم يكونوا أفضل لَما غبطوهم )(١) .

* وصاحب ( قوت القلوب ) كفّروه ونقلوا عنه قوله :

( ليس على المخلوقين أضرّ مِن الخالق ) ففي ( ميزان الاعتدال ) :

( محمّد بن عليّ بن عطيّة ، أبو طالب المكّي ، الزاهد الواعظ ، صاحب القوت حدّث عن عليّ بن أحمد المصيصي والمفيد ، وكان مجتهداً في العبادة ، وحدّث عنه عبد العزيز الأزجي وغيره .

قال الخطيب : ذكر في القوت أشياء مُنكَرة في الصفات ، وكان مِن أهل الجبل ونشأ بمكّة ، قال لي أبو طالب العلاّف : إنّ أبا طالب وعظ ببغداد وخلط في كلامه وحفظ عنه أنّه قال : ليس على المخلوقين أضرّ مِن الخالق ، فبدّعوه وهجروه ، فبطل الوعظ ، مات سنة ست وسبعين وثلاثمائة )(٢) .

* وفي القوم جماعة ـ كالسهيلي وابن قتيبة وغيرهما ـ يقولون بوجود السّفاح في نسب نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد قال عدّة مِن الأعلام ـ كالحافظ مغلطاي والقطب الحلبي ومحمد بن يوسف الشامي ـ بأنّ مَن يقول هذا فهو كافر وخارج مِن جماعة المسلمين .

* ومِنهم مَن يقول بكفر مجوّز المتعة ، كما في كتاب ( التمهيد في بيان التوحيد ) :

( وأمّا المتعة ، فكانت مباحة ثمّ نُسخت بآية النكاح ، واجتمعت الأُمّة على نسخها ، ومَن أباح يصير كافر ) .

* والشيخ عليّ القاري قال في ( شرح الشمائل ) بكفر مَن قرأ الشعر

_______________________

(١) لسان الميزان ٦ : ٣٩٣ / ٧٨٨٨ .

(٢) ميزان الاعتدال ٦ : ٢٦٦ ـ ٢٦٧ / ٧٩٨٢ .


المتضمِّن أنّ هجرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت فراراً ، فقد ذكر بعد نقل قول سلمة بن الأكوع ( مررت على رسول الله منهزماً ) :

( فقال العلماء : قوله ( منهزماً ) حال مِن ابن الأكوع كما صّح الخبر بانهزامه ، ولم يرد أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انهزم، إذ لم يقل أحد مِن الصحابة أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انهزم في موطن مِن المواطن ، ومِن ثمّ أجمع المسلمون على أنّه لا يجوز عليه الانهزام .

فمَن زعم أنّه انهزم في موطن مِن مواطن الحرب ، أُدّب تأديباً عظيماً لائقاً بعُظْم جريمته ، إلاّ أن يقوله على جهة التنقيص ، فإنّه يكفر فيُقتل ، ما لم يتب عل الأصح عندنا ومطلقاً عند مالك وجماعة مِن أصحابنا ، وبالغ بعضهم فنقل فيه الإجماع ، بل لو أطلق ذلك قُتل عندهم ، على ما أشار إليه بعض محقّقيهم ، انتهى .

فما وقع لبعض سلاطين ما وراء النهر ـ وهو عبيد الله خان ـ في بيته المشهور المنسوب إلى الملاّ جامي ، حيث جعل هجرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن مكّة إلى المدينة فراراً ، أقبح مِن ذلك كلّه ، فالحذر الحذر مِن التلفّظ ببيته على وجه الاستحسان ، فإنّه كفر صريح عند العلماء الأعيان العارفين بالمعاني والبيان ) .

وفي ( الشفاء ) عن القاضي أبي عبد الله بن مرابط المالكي :

( مَن قال إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هُزم ، يستتاب ، فإن تاب وإلاّ فيُقتل ؛ لأنّه تنقّص إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصّته ، إذ هو على بصيرة مِن أمره ويقين مِن عصمته )(١) .

_______________________

(١) الشفا في بيان حقوق المصطفى ٢ : ٤٨٢ ـ ٤٨٣


الخاتمة

* حديث الحوض

* ممّا ورد عن أئمّة أهل البيت في الصحابة

* مِن نوادر الأخبار في أمر الخلافة

حديث الحوض

حديث الحوض وضرورة الاعتقاد به

قال العلاّمة الحلّي رحمه الله :

(المطلب الخامس ، فيما رواه الجمهور في حقّ الصحابة .

روى الحميدي ، في الجمع بين الصحيحين ، في مسند سهل بن سعد ، في الحديث الثمِن والعشرين ، مِن المتّفق عليه ، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :أنا فرطكم على الحوض ، مَن ورد شرب ومَن شرب لم يظمأ أبداً ، ولَيَرِدَنَّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ، ثمّ يُحال بيني وبينهم .

قال أبو حازم : فسمع النعمان بن أبي عياش ـ وأنا أُحدّثهم ـ هذا الحديث فقال : هكذا سمعت سهلاً يقول ؟ قال : فقلت : نعم. قال : أشهد على أبي سعيد الخدري سمعته يزيد :إنّهم مِن أُمّتي ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً لِمَن بدّل بعدي ) (١) .

قال :

( وروى الحميدي ، في الجمع بين الصحيحين ، مِن المتّفق عليه ، في الحديث الستّين ، مِن مسند عبد الله بن عبّاس قال : إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :ألا وإنّه سيجاء برجال مِن أُمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا ربّ أصحابي ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد

_______________________

(١) نهج الحقّ وكشف الصدق : ٣١٤ .


الصالح ( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ* إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ) فيقال لي : فإنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم ) .

وفي الجمع بين الصحيحين أيضاً ، في الحديث السابع والستّين بعد المأتين مِن المتّفق عليه ، في مسند أبي هريرة ، مِن عدّة طرق ، قال قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :بينا أنا قائم ، إذا زمرة ، حتّى إذا عرفتهم ، خرج رجل بيني وبينهم فقال : هلمّوا ، فقلت : إلى أين ؟ فقال : إلى النار والله قلت : ما شأنهم ؟ قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أراه يخلص مِنهم إلاّ مثل همل النعم ) .

وقال الشيخ الصدوق رحمه الله :

( اعتقادنا في الحوض :

إنّه حقّ ، وأنّ عرضه ما بين أيلة وصنعاء ، وهو للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّ فيه مِن الأباريق عدد نجوم السماء ، وأنّ الساقي عليه أمير المؤمِنين عليّ بن أبي طالب ، يسقي مِنه أوليائه ويذود عنه أعدائه ، مَن شرب مِنه شربة لا يظمأ بعدها أبداً وقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ليختلج قوم مِن أصحابي دوني وأنا على الحوض فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأُنادي يا رب أصحابي أصحابي ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ) .

وفي تفسير الشيخ عليّ بن إبراهيم القمّي ، في قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ... ) :

( قال : نزلت هذه الآية في منصرَف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن حجّة الوداع ، وحجّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حجّة الوداع لتمام عشر حجج مِن مقدمه المدينة ، وكان مِن قوله بمِنى أن حَمَد الله وأثنى عليه ثمّ قال :

أيّها الناس اسمعوا قولي فاعقلوه عنّي ، فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا .

ثمّ قال :هل تعلمون أيّ يوم أعظم حرمة ؟

قال الناس : هذا اليوم .

قال :فأيّ شهر ؟

قال الناس : شهرنا هذا .

قال :وأيّ بلد أعظم حرمة ؟

قالوا : بلدنا هذا .


قال :فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربّكم فيسألكم عن أعمالكم ، ألا هل بلّغت أيّها النّاس ؟

قالوا : نعم .

قال :اللهمّ اشهد .

ثمّ قال :ألا وكلّ مأثرةٍ أو بِدَعٍ كانت في الجاهليّة ، أو دم أو مال فهو تحت قدميّ هاتين ، ليس أحد أكرم مِن أحد إلاّ بالتقوى، ألا هل بلّغت ؟

قالوا : نعم .

قال :اللهمّ اشهد .

ثمّ قال :ألا وكلّ ربا في الجاهليّة فهو موضوع ، وأوّل موضوع مِنه ربا للعبّاس بن عبد المطّلب ، ألا وكلّ دم كان في الجاهليّة فهو موضوع وأوّل دم موضوع مِنه دم ربيعة ، ألا هل بلّغت ؟

قالوا : نعم .

ثمّ قال :ألا وإنّ الشيطان قد يئس أن يُعبد بأرضكم هذه ولكنّه راض بما تحتقرون مِن أعمالكم ، ألا وإنّه إذا أُطيع فقد عُبد ، ألا أيّها النّاس ، إنّ المسلم أخو المسلم حقّاً ، ولا يحلّ لامرئ مسلم دم امرئ مسلم وماله إلاّ ما أعطى بطيبة نفس مِنه ، وإنّي أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله ، فإذا قالوها فقد عُصموا مِني دماءهم وأموالهم لا بحقّها وحسابهم على الله ، ألا هل بلّغت أيّها الناس ؟

قالوا : نعم .

قال :اللهمّ اشهد .

ثمّ قال :أيّها الناس ، احفضوا قولي لتنتفعوا به بعدي وافهموه تنتعشوا ، ألا لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف على الدنيا ، فإن أنتم فعلتم ذلك ولتفعلنّ ، لتجدوني في كثيبة بين جبرئيل وميكائيل أضرب وجوهكم بالسيف ، ثمّ التفتَ عن يمينه فسكت ساعة ثمّ قال : إن شاء الله أو عليّ بن أبي طالب .

ثمّ قال :ألا وإنّي قد تركت فيكم أمرين إن أخذتم بها لن تضلّوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فإنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتّى يردا

عليّ الحوض ، ألا فمَن اعتصم بهما فقد نجا ، ومَن خالفهما فقد هلك ، ألا هل بلّغت ؟

قالوا : نعم .


قال :اللهمّ اشهد .

ثمّ قال :ألا ، والله سيَرِد على الحوض مِنكم رجال فيُدَعَّوْن عنّي ، فأقول ربّ أصحابي ، فيقال : يا محمّد إنّهم قد أحدثوا بعدك وغيّروا سنّتك ، فأقول : سحقاً سحقاً... ) (١) .

الكلام في فقه الحديث

ويقع البحث في معنى الحديث ، والمراد مِن ( الارتداد ) ، ومَن هم ( المرتدّون ) ؟

إنّ للارتداد معنيين ، عامّ وخاصّ ، أمّا العام فهو المعنى اللّغوي ، أي الإعراض عن الشيء والرجوع عنه ، وهو يشمل جميع أنواع الارتداد ، سواء كان الارتداد عن الإسلام أو الارتداد عن الإيمان أو الارتداد عن الأخلاق الحسنة والعادات الجميلة وأمثال ذلك .

وأمّا الارتداد الخاص ، فهو الارتداد الشرعي ، أي : الرجوع عن الإسلام واختيار الكفر ، الموجب لجريان أحكام الكفّار في دار الدنيا على الشخص .

وحَمْلُ حديث الحوض ـ لكونه مقيّداً بقوله ( على أعقابهم ) ـ على الارتداد الشرعي غير جائز ، فهو محمول ـ لا محالة ـ على المعنى العام ، الشامل للارتداد الشّرعي وغيره ، فهو بهذا المعنى يجتمع مع الإسلام الظاهري

_______________________

(١) تفسير القمّي ١ : ١٧٢ .


ولا منافاة بينهما .

ولمّا كان الواقع مِن أكثر الصّحابة هو الارتداد الشرعي ، والارتداد عمّا كانا عليه على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أمكن حمل حديث الحوض على كِلا المعنيَيْن .

فمتى أُطلق عنوان الارتداد على أهل السقيفة وشاركهم غيرهم مِن المرتدّين ممّن لم يصل إلى حدّ الكفر ، فالمراد الرجوع عن أصل الدين وواقعه ، الذي يجتمع مع الإسلام الظاهري ، ومتى أُطلق عليهم أو على مَن يماثلهم فقط ، احتمل إرادة المعنى الخاص واحتمل إرادة المعنى العام .

وإرادة الارتداد الشرعي مِن لفظ ( المرتدّين ) في ( حديث الحوض ) لا تستلزم كونه نصّاً في هذا المعنى ؛ لأنّ جعل هذا اللّفظ نصّاً في كفر أصحاب هذا الحديث أمر ، وتطبيقه عليهم أمر آخر ، ولا ملازمة بين الأمرين .

وبما ذكرنا ظهر : عدم جواز حمل الارتداد في حديث الحوض على خصوص الارتداد الشرعي ـ فلا يدخل في المراد مِنه مَن لم يصل إلى هذا الحدّ ـ وجواز حمله على المعنى العام الشامل للمعنى الخاص ، فيكون لفظ ( الارتداد ) في الحديث المذكور نظير لفظ ( الدابّة ) مثلاً ، فإنّه موضوع في الأصل لـ ( ما يدبّ على الأرض ) والمنقول في العرف إلى ( ما له ظهر يُركب مِن الحيوانات ) فكان مستعملاً في كِلا المعنيَيْن .

لكنْ لم يجز حمله في بعض الموارد إلاّ على المعنى العام وإن كان المعنى الخاص داخلاً فيه ، كما في قولهم : ( الدابّة ما يدبّ على الأرض ) فإنّه لا يصحّ أن يراد مِنه خصوص ( ما يركب مِن الحيوانات ) بل المراد هو المعنى العام ، وإنْ كان شاملاً للمعنى الخاص ويثبت له مِن الحكم ما ثبت للعام .

ولفظ ( الارتداد ) في حديث الحوض كذلك ، فإنّه وإن لم يجز حمله على المعنى الخاص ، وتجب إرادة المعنى العام مِنه ، لكنّ المعنى الخاص داخل في المعنى العام .

وإذا تبيّن معنى ( الارتداد ) المراد في حديث الحوض ، تبيّن مَن ( المرتدّون ) فيه...

فإنّ المراد مِنهم كلّ الذين رجعوا عن الإسلام وأنكروا الشهادتين أو إحداهما ، وكلّ الذين نقضوا ما عاهدوا عليه الله ورسوله وإن كانوا يشهدون الشهادتين بألسنتهم .


نقد تمحّلات القوم في معنى الحديث .

* فلا وجه لأن يُحمل الحديث على خصوص الذين ارتدّوا عن الإسلام وأنكروا رسالة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما في كلام بعضهم كابن روزبهان ، حيث قال :

( ما روي مِن الجمع بين الصحيحين : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقال له : لا تدري ما أحدثا بعدك فاتّفق العلماء أنّ هذا في أهل الردّة الذين ارتدّوا بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومَن كانوا أصحابه في حياته ثمّ ارتدّوا بعده ويدلّ عليه الأحاديث والأخبار التي سنذكر بعد هذا .

ولا شكّ أنّ هذا لم يرِد في شأن جميع أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالإجماع ؛ لأنّ فيهم مَن لم يتغيّر ولم يبدّل بعده بلا خلاف ، فهو مِن أهل النجاة بلا نزاع .

فإنْ أُريد به مَن بدّل بعض التبديل ولم يبلغ الارتداد ، فليس في الأصحاب إلاّ مَن بدّل بعض التبديل ، فيرجع الوعيد إلى الأكثر ، فلزم أن لا يهتدي بمحمّدٍصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ نفر معدود في كلّ عصرٍ مِن الأعصار ، وهذا ينافي ما ذكره رسول الله مِن كثرة أُمّته يوم القيامة ، وإنّه يباهي بهم الأمم ، كما ورد في صحاح الأحاديث .

وإنْ أُريد به التبديل إلى حدّ الكفر فهو عين المدّعى .

فلزم مِن هذه المقدّمات أنّ هذا الحديث وأمثاله في هذا الباب واردة في شأن أهل الردّة كما قاله العلماء )(١) .

فكما أنّ أحداً مِن علماء الإماميّة لا يقول بأنّ المراد مِن حديث الحوض خصوص أهل السقيفة وأتباعهم ، كذلك لا يجوز حمل الحديث وتنزيله على خصوص المرتدّين عن الإسلام كمُسَيْلَمة وأصحابه ، بل الحديث عامّ ينطبق على هؤلاء وهؤلاء ، وأنّ جميعهم يستحقّون النار مخلَّدون في الجحيم والعذاب الأليم .

* هذا ، وربّما قال بعض أهل السنّة بأنّ في بعض ألفاظ الحديث أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( فأقول : أُصيحابي أُصيحابي ، فيقال : إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم ، فأقول كما قال العبد الصالح عيسى :( كُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ـ إلى قوله ـالْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ) .

_______________________

(١) إبطال نهج الحقّ ط ضمن : دلائل الصدق ٣ : ٤٠٠ ـ ٤٠١ .


 ( قال ) : وتعبيره بـ ( أُصيحابي أُصيحابي ) ثمّ تلاوته الآية المباركة ، يتضمّن معنى الشّفاعة لأصحابه .

( قال ) : واللّفظ المذكور وارد مِن طرق الإماميّة أيضاً ، فهم مُلْزَمون بذلك .

ويردّه :

أوّلاً : هذا اللفظ غير واردٍ في طرق أصحابنا الإماميّة أصلاً .

وثانياً : إنّ الاستدلال إنّما هو بما جاء في صحاح القوم خالياً مِن ذكر تلك الآية المباركة .

وثالثاً : إنّه لو فُرض وجود الآية المباركة في رواية أصحابنا ، فالآية غير مفيدة لمطلوب القوم ، ولا يتمّ لهم إلزامنا ، لِما ذكره علماؤنا في تفسيرها :

قال أبو عليّ الطبرسي :

( في هذا تسليم الأمر إلى مالكه وتفويضه إلى مدبّره وتبرٍّ مِن أن يكون إليه شيء مِن أمور قومه ، كما يقول الواحد منّا إذا تبرّء مِن تدبير أمر مِن الأمور ويريد تفويضه إلى غيره : هذا الأمر لا مدخل لي فيه ، فإنْ شئت فافعله وإنْ شئت فاتركه ، مع علمه وقطعه على أنّ أحد الأمرين لا يكون مِنه )(١) .

وقال السيّد المرتضى عَلَم الهدى :

(مسألة : فإن قيل : فما معنى قوله تعالى حاكياً عن عيسىعليه‌السلام ( إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ؟ وكيف يجو هذا القول مع علمهعليه‌السلام بأنّه لا يغفر للكفّار ؟

الجواب : قلنا المعني بهذا الكلام تفويض الأمر إلى مالكه وتسليمه إلى مدبّره والتبرّي مِن أن يكون إليه شيء مِن أمور قومه، وعلى هذا يقول أحدنا إذا أراد أن يتبرّء مِن تدبير أمر مِن الأُمور ويسلم مِنه ويفوّض أمره إلى غيره : هذا الأمر لا مدخل لي فيه، فإنْ شئت أن تفعله وإن شئت أن تتركه ، مع علمه وقطعه على أن أحد الأمرين لا بدّ أن يكون مِنه ، وإنّما حسن مِنه ذلك لما

_______________________

(١) مجمع البيان في تفسير القرآن ٣ : ٥٣٩ .


أخرج كلامه مخرج التفويض والتسليم )(١) .

وعلى الجملة ، فإنّ أصحابنا يستدلّون بهذه الأحاديث على ارتداد الصّحابة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمعنى العام ، وأنّهم في الآخرة مِن أصحاب النار وبئس المصير ، فهي تدلّ على بطلان ما أسّسه القوم مِن عدالة الصحابة أجمعين... ومِن هنا ، فقد ذكرها العلاّمة تحت عنوان ( ما رواه الجمهور في حقّ الصّحابة ) كما تقدّم .

وروى الشيخ محمّد باقر المجلسي رحمه الله في كتاب ( بحار الأنوار ) عن كتاب الكافي :

(عن أبان عن الفُضَيْل عن زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام قال :إنّ الناس لمّا صنعوا ما صنعوا ، إذ بايعوا أبا بكر، لم يمنع أمير المؤمِنين مِن أن يدعو إلى نفسه إلاّ نظراً للناس وتخوّفاً عليهم أن يرتدّوا عن الإسلام ، فيعبدوا الأوثان ولا يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله وكان الأحبّ إليه أن يُقرّهم على ما صنعوا مِن أن يرتدّوا عن الإسلام ، وإنّما هلك الذين ركِبوا ما ركِبوا ، فأمّا مَن لم يصنع ذلك ودخل فيما دخل فيه الناس على غير علم ولا عداوة لأمير المؤمِنين ، فإنّ ذلك لا يُكَفِّره ولا يخرجه مِن الإسلام ، فلذلك كتم على أمره وبايع مُكْرَهاً حيث لم يجد أعوان ) (٢) .

ثمّ قال :

(بيان ـ قولهعليه‌السلام : مِن أن يرتدّوا عن الإسلام أي عن ظاهره والتكلّم بالشهادتين ، فإبقاؤهم على ظاهر الإسلام كان صلاحاً للأُمّة ، ليكون أو

_______________________

(١) تنزيه الأنبياء والأئمّة : ١٠٤ .

(٢) الكافي ٨ : ٢٩٥ / ٤٥٤ .


لأولادهم طريق إلى قبول الحقّ وإلى الدخول في الإيمان في كرور الأزمان ، وهذا لا ينافي ما مرّ وسيأتي أنّ الناس ارتدّوا إلاّ ثلاثة ؛ لأنّ المراد فيها ارتدادهم عن الدين واقعاً ، وهذا محمول على بقائهم على صورة الإسلام وظاهره ، وإن كانوا في أكثر الأحكام الواقعيّة في حكم الكفّار .

وخصّ هذا بمَن لم يسمع النصّ على أمير المؤمِنينعليه‌السلام ولم يُبْغضْه ولم يُعادِه ، فإن مَن فعل شيئاً مِن ذلك فقد أنكر قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكفر ظاهراً أيضاً ، ولم يبق له شيء مِن أحكام الإسلام ووجب قتله )(١) .

فكلامه ـ رحمه الله ـ صريحٌ في دلالة الحديث على ارتداد عموم الصحابة بالمعنى العام للارتداد كما تقدَّم ،...

* ثمّ إنّ بعض المتعصّبين مِن القوم ذكر وجوهاً حاول بها تنزيل حديث الحوض على الصحابة الذين هم شيعة أمير المؤمِنينعليه‌السلام ، أعني : المقداد بن الأسود الكندي ، وأبي ذرّ الغفاري ، وسلمان الفارسي ، وأمثالهم... ولمّا كانت هذه الدعوى في غاية الغرابة والسخافة ، كان مِن اللاّزم إيراد تلك الوجوه والنظر فيها بالتفصيل :

الوجه الأوّل

عن كتاب سُلَيم بن قيس الهلالي ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( ليجيئنّ قوم مِن أصحابي... ) (٢) وهذا اللفظ آبٍ عن التطبيق على أهل الردّة ؛ لأنّ المراد مِن ( الأصحاب ) إمّا المعنى اللغوي ، المفهوم عند العُرف العام

_______________________

(١) بحار الأنوار ٢٨ : ٢٥٥ .

(٢) كتاب سُلَيم بن قيس : ١٦٣ .


وهو المصاحب الملازم ، أو المعنى الشرعي المشروط بالموت على الإسلام .

أمّا بالمعنى الأوّل فلا يصحّ إطلاقه على أهل الردّة ؛ لأنّهم كانوا مِن أهل الخلاف والشقاق ومِن أرباب العداوة والنفاق ، وما كانوا يجالسون رسول الله فضلاً عن أن يصاحبوه ، بل كانوا يكيدون له المكائد ، وقد قصدوا قتله غير مرّة ، كما في مفتريات الإماميّة ، ففي تفسير العيّاشي عن عبد الصمد بن بشير عن الصادقعليه‌السلام : ( قال :تدرون مات النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو قتل ؟ إنّ الله يقول ( أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) فسُمَّ قبل الموت ، أنّهما سَقَتاه قبل الموت .

فقلنا : إنّهما وأبوهما شرّ مَن خَلَق الله .

وعن الحسين بن المنذر ، قال :

( سألتُ أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله( أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) القتل أم الموت ؟ فقال :يعني أصحابه الذين فعلوا ما فعلوا ) (١) .

وكما يروُونه في قضيّة العَقَبة عند عودتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن تبوك ، كرواية الطبرسي إذ قال :

( وفي كتاب دلائل النبوّة للشيخ أبي بكر أحمد البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ـ وذكر الإسناد مرفوعاً إلى أبي الأسود ـ عن عروة قال : لمّا رجع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قافلاً مِن تبوك إلى المدينة ، حتى إذا كان ببعض الطريق ، مكر به ناس مِن أصحابه ، فتآمروا أن يطرحوه مِن عقبة في الطريق أرادوا أنْ يسلكوها معه ، فأُخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خبرهم فقال :مَن شاء مِنكم أنّ يأخذ بطن الوادي فإنّه أوسع لكم .

_______________________

(١) تفسير العيّاشي ١ : ٢٠٠ .


فأخذ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العقَبَة ، وأخذ الناس بطن الوادي ، إلاّ النفر الذين أرادوا المكر به ، استعدّوا وتلَثّموا ، وأمر رسول الله حذيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر ، فمشيا معه مشياً ، وأمر عمّاراً أنْ يأخذ بزمام الناقة وأخذ حذيفة يسوقها ، فبينا هم يسيرون إذ سمعوا ركزة القوم مِن ورائهم قد غَشَوْه ، فغضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأمر حذيفة أنْ يردّهم ، فرجع ومعه مِحْجَن ، فاستقبل وجوه رواحلهم وضربها ضَرْباً بالمِحْجَن ، وأبصر القوم وهم متلثّمون ، فرعّبهم الله حين أبصروا حذيفة ، وظنّوا أنّ مكرهم قد ظهر عليه ، فأسرعوا حتى خالطوا الناس ، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله ، فلمّا أدركه قال :اضرب الراحلة يا حذيفة ، وامش أنت يا عمّار .

فأسرعوا وخرجوا مِن العقَبَة ينتظرون الناس ، فقال النبيّ :يا حذيفة ، هل عرفت مِن هؤلاء الرهط ـ أو الركب ـ أحداً ؟ فقال حذيفة : عرفت راحلة فلان وفلان ، وكانت ظلمة الليل غشيتهم وهم متلثّمون فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :هل علمتم ما شأن الركب وما أرادوا ؟ فقالا : لا يا رسول الله قال :فإنّهم مكروا ليسيروا معي ، حتّى إذا أظلمّت بي العقبة طرحوني مِنها. قالا: أفلا تأمر بهم ـ يا رسول الله ـ إذا جاءك الناس فتضرب أعناقهم ؟ قال :أكره أنْ يتحدّث الناس ويقولون : إنّ محمداً قد وضع يده في أصحابه . فسمّاهم لهما وقال :أكتماهم .

وفي كتاب أبان بن عثمان : قال الأعمش : وكانوا اثني عشر ، سبعة مِن قريش )(١) .

_______________________

(١) مجمع البيان ٥ : ٦٨ بتفسير الآية ٧٤ مِن سورة التوبة ، عن الزجّاج والواقدي والكلبي والقصّة مشروحة في كتاب الواقدي ، إعلام الورى بأعلام الهدى ١ : ٢٤٥ ـ ٢٤٦ ط مؤسسة آل البيت ، دلائل النبوّة للبيهقي ٥ : ٢٥٩ ، البداية والنهاية ٥ : ٢٠ .


ورواية شيخ مشايخهم الصدوق بالإسناد :

( عن حذيفة بن اليمان أنّه قال : الذين نفّروا برسول الله ناقته في منصرفه مِن تبوك أربعة عشر : أبو الشرور ، وأبو الدواهي ، وأبو المعازف ، وأبوه ، وطلحة ، وسعد بن أبي وقّاص ، وأبو عبيدة ، وأبو الأعور ، والمغيرة ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وخالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وأبو موسى الأشعري ، وعبد الرحمن بن عوف وهم الذين أنزل الله عزّ وجلّ فيهم( وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنالُوا ) )(١) .

وما في تفسير الإمام الحسن العسكري وغيره مِن كتبهم ، ممّا أورده صاحب البحار ، وترجمه إلى الفارسيّة في كتابه حياة القلوب .

وعلى الجملة ، فإنّ الحديث المذكور لا يشمل هؤلاء ، بناءً على الأُصول الموضوعة عند الإماميّة .

وأمّا بالمعنى الثاني ، فمِن البديهي أيضاً أن لا يكون المقصود هم الأصحاب بالمعنى الثاني ، فإنّه غير صادق على المرتدّين الذين حرّقوا بيت بنت سيّد المرسلين ، وحرّقوا آيات القرآن المبين ، وبدّلوا شعائر الدين وسلكوا مسلك إبليس اللّعين .

وإذا كان ( الأصحاب ) في الحديث لا يراد مِنهم المعنى الأوّل ولا المعنى الثاني ، فلا محالة يكون المراد مِن ( الأصحاب ) الجماعة المتّصفون بالإحداث ، وهم المشهورون عند الإماميّة بالمناقب والمحامد ، مثل صدّيق الإماميّة أعني أبا ذر ، وأخوهم الأكبر أعني سلمان المحمّدي ، وعمّار ، وحذيفة ، وابن مسعود ، وخزيمة ذي الشهادتين ، وعامر بن واثلة ، وسعد بن عبادة ، والعبّاس

_______________________

(١) الخصال : ٤٧٠ ، باب الأربعة عشر .


عمّ أشرف الناسصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبنائه...

فهؤلاء هم المقصودون بالحديث ، لا الذين توهّم المجلسي وأمثاله .

نَقْد الوجه الأوّل

إنّ حصر مفهوم ( الأصحاب ) في المعنيَيْن المذكورين هو : إمّا على أُصول الإماميّة ، وإمّا على أُصول جمهور العامّة .

فإن كان على أُصول الإماميّة ، فما الدليل على قولهم بذلك ؟ إنّهم لا يقولون بانحصار معنى هذه الكلمة في المعنيَيْن ، بل إنّ كلمة ( الصاحب ) لا تدلّ إطلاقاً على مدح أبداً ، وهذا هو العمدة ، ولذا صحّ إطلاقها عندهم على أهل الردّة وسائر أهل النّار مِن أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومِن هنا تراهم يناقشون في دلالة آية الغار على حُسْن حال أبي بكر مِن جهة وصفه بـ ( الصاحب ) ، وقد أخذوا ذلك مِن المعصومعليه‌السلام كما في بعض الأخبار(١) .

وإنْ كان دعوى حصر مفهوم ( الصاحب ) في المعنيَيْن بناءً على أُصول أهل السنّة ، فذِكْر مبناهم أمام الإماميّة في مقام الإلزام دليل على قلّة الفهم !! فإنّه إذا كانت الكلمة منحصرةً في المعنيَيْن ، ولا شيء مِنهما بصادقٍ على الشَيْخَيْن ، فما الملزم للإماميّة بأنْ لا يقولوا بانطباق الحديث عليهما ؟

وعلى الجملة ، فإنّ الإماميّة لا يرون انحصار معنى الكلمة في المعنيَيْن المزبورين ، فلا يكون حديث الحوض آبياً عن الانطباق على الخلفاء وعلى المرتدّين ، بل يصدق على هؤلاء وهؤلاء ويطابق أحوالهم جميعاً ، والمراد مِن

_______________________

(١) انظر : البرهان في تفسير القرآن ٢ : ٧٧٧ ط مؤسّسة البعثة .


( الأصحاب ) هنا مطلق المصاحبين ، ولا دلالة لمجرّد الصحبة على الشرف والفضيلة الدينيّة... فإنّ كلّ مَن كان يصاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويجالسه في الظاهر يصدق عليه عنوان ( الصاحب ) ؛ كافراً كان أو مسلماً ، مؤمِناً كان أو منافقاً ، معادياً كان أو مخلصاً ، فلا منافاة بين( الصحبة ) و ( الرِدّة ) ، ولا منافاة بين( الصحبة ) و ( المكر والخديعة والدسيسة لقتل رسول الله ) في( العقبة ) وغيرها .

ثمّ إنّ ما زعمه مِن كون الأخبار في سعي القوم في قتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ ولا سيّما قصّة( العقبة ) ـ أخباراً مفتريات ، فالأصل فيه قولهم بأنّ الخلفاء وأتباعهم كانوا مِن الصحابة المخلصين لرسول الله ، الواصلين إلى أقصى مدارج الإيمان والتقوى والعرفان ، ممّا هو أوّل الكلام عند الإماميّة ، ومِن الطبيعي أنْ لا يقول الخصم بصحّة ما يدلّ على بطلان مذهبه !!

الوجه الثاني

إنّ حديث الحوض يشتمل على قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( يا ربّ أصحابي ) مرّة أو مرّتين ، وهذا ظاهر في الشفاعة لهم ، ومِن الواضح أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سوف لا يشفع في القيامة للظالمين والغاصبين والكفرة والمرتدّين ، فلا يعمّ حديث الحوض أهل السّقيفة وأتباعهم .

نَقْد هذا الوجه

ويرد

عليه بعد التسليم بدلالة ذلك على الشفاعة ، إنّ الشّفاعة الممنوعة في حقّ الظالمين والغاصبين والمرتدّين ، هي الشفاعة التي تُرتجى فيها الإجابة ، والغرض مِنها تخليص المشفوع له مِن العذاب وإنقاذه مِن الهلكة ، وهكذا شفاعة في حقّ أصحاب حديث الحوض غير ثابتة ، بل الشفاعة ـ المفروض صدورها مِنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقّ هؤلاء ـ الغرض مِنها تفضيحهم على رؤوس الأشهاد وإظهار شناعة حالهم لأهل القيامة والمعاد .


إنّ مَن له أدنى إلمام بالأحاديث النبويّة وأقلّ تأمّل في الآيات القرآنيّة ، لَيعلم بأنّ الأنبياء والأوصياء قد تصدر مِنهم أُمور تُوهم عدم اطّلاعهم على الأُمور الواقعيّة والحقائق كما هي .

لكنّ الغرض مِن ذلك شيء آخر ، ويترتّب عليه مصلحة عظمى ، كما في سؤال موسىعليه‌السلام مِن الله أن ينظر إليه ، فإنّه كان يعلم باستحالة ذلك ، لكنّه أراد أن يُسمع الناس الاستحالة مِن الله ، كما قال السيّد المرتضى في كتاب ( تنزيه الأنبياء ) إذ جاء فيه الكلام على قوله تعالى :( وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ) قال :

( أولى ما أُجيب به عن هذه الآية أنْ يكون موسىعليه‌السلام لم يسأل الرؤية لنفسه وإنّما سألها لقومه ، فقد روي أن قومه طلبوا ذلك مِنه ، فأجابهم بأنّ الرؤية لا تجوز عليه تعالى ، فلجّوا به وألحّوا عليه في أن يسأل الله تعالى أن يريهم نفسه ، وغلب في ظنّه أنّ الجواب إذا ورد مِن جهته جلّت عظمته كانت أحسم للشبهة وأنفى لها ، واختار السبعين الذين حضروا الميقات ليكون المسألة بمحضر مِنهم فيعرفوا ما يرد مِن الجواب ، فسألهعليه‌السلام على ما نطق به القرآن ، وأُجيب بما يدلّ على أنّ الرؤية لا تجوز عليه عزّ وجلّ )(١) .

وكما في قول الله عزّ وجلّ لإبراهيمعليه‌السلام ـ لمّا طلب مِنه أن يُرِيَه كيف يُحْيي الموتى ـ :( أَوَلَمْ تُؤْمِن ) مع أنّهعليه‌السلام كان أفضل أهل

_______________________

(١) تنزيه الأنبياء والأئمّة : ٧٥ .


الإيمان ، والله أعلم بحاله ، لكنّ الغرض مِن طلبه ، ومِن سؤاله تعالى مِنه عن إيمانه ، شيء آخر أُريد بيانه للناس ، وقد نبّه على ذلك المفسّرون بتفسير الآية المباركة... قال البيضاوي :

( قال له ذلك وقد علم أنّه أعْرَق الناس في الإيمان ؛ ليجيب بما أجاب فيعلم السامعون غرضه )(١) .

هذا ، وإنّ بعض ألفاظ حديث الحوض ظاهر فيما ذكرناه ، ومِن ذلك : ما أخرجه مسلم :

( حدّثنا يونس بن عبد الأعلى الصّدفي : أخبرنا عبد الله بن وهب ، أخبرني عمرو ـ وهو ابن الحارث ـ أنّ بكيراً حدّثه عن القاسم بن عبّاس الهاشمي ، عن عبد الله بن رافع مولى أُمّ سَلَمة عن أُمّ سلمة زوج النبيّ أنّها قالت : كنت أسمع الناس يذكرون الحوض ولم أسمع ذلك مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا كان يوماً مِن ذلك والجارية تمشّطني ، فسمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :أيّها الناس ، فقلت للجارية : استأخري عنّي ، قالت : إنّما دعا الرجال ولم يَدْعُ النساء، فقلت : إنّي مِن الناس ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّي لكم فُرْط على الحوض ، فإيّاي لا يأتينّ أحدكم فيُذبّ عنّي كما يُذبّ البعير الضالّ ، فأقول : فبِمَ هذا ؟ فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سُحْقاً ) (٢) .

فإنّ السؤال في هذا الحديث غير محمول على الاستفهام الحقيقي قطعاً ، وإنّما يُحمل على إظهار إحداث القوم مِن بعده ، وأنّ ذلك سبب ذَوْدِهم عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وذلك :

أوّلاً : لأنّ ذبَّ القوم عن رسول الله وسَوْقهم إلى جهنّم يكون بأمرٍ مِن الله تعالى ، فلا وجه لسؤاله عن السبب إلاّ تفضيح القوم وهتك أستارهم .

وثانياً : لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان على عِلمٍ بسبب ذَودِ القوم عنه ، كما هو مفاد هذا الحديث أيضاً ، فلا يكون سؤاله عن السبب إلاّ لمصلحةٍ ، وإلاّ لزم اللّغو ، وتلك المصلحة ليست إلاّ إظهار ارتداد القوم وإحداثهم الموجب للدخول في النار .

_______________________

(١) تفسير البيضاوي ١ : ١٣٦ .

(٢) صحيح مسلم ٤ : ١٧٩٥ / ٢٢٩٥ .


وعلى هذا أيضاً يُحمل قوله ـ في بعض الألفاظ ـ ( أصحابي أصحابي ) .

وممّا يشهد بما ذكرناه ـ مِن عدم استحقاق القوم للشفاعة الحقيقيّة ، وأنّ قول رسول الله ذلك إنّما هو لتفضيحهم في يوم القيامة ـ أخبارٌ مرويّة في كتب أهل السنّة :

مِنها : ما رواه السمهودي في ( جواهر العقدَين ) قال :

( أخبرني الشيخ الإمام العلاّمة المحقّق شيخ المالكيّة في زمنها شهاب الدين أحمد بن يونس القسطنطيني المغربي ، نزيل الحرمين الشريفين ـ في مجاورته بالمدينة النبويّة سنة خمس وسبعين وثمانمأة ـ أنّ بعض مشائخه الأثبات ممّن يثق به أخبره : أنّ شخصاً مِن أعيان المغاربة عزم على التوجّه مِن بلاده إلى الحجّ قال : فأحضر إليه شخص مِن أهل الثروة مبلغاً ـ أظنّه قال إنّه مائة دينار ـ وقال له : إذا وصلت إلى المدينة النبويّة ، فاسأل عن شخص مِن الأشراف يكون صحيح النَسَب فتدفع إليه ذلك، عسى أن يكون لي بذلك وُصلة بجدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال : فلمّا رجع إليهم ذلك المغربي أخبر : أنّه قَدِم المدينة وسأل عن أشرافها .

فقيل : إنّ نَسَبَهم صحيح غير أنّهم مِن الشيعة الذين يسبّون .

قال : فكرهت دَفْع ذلك لأحدٍ مِنهم .

قال : ثمّ جلس إلى واحد مِنهم وقال : جلست إليه فسألت عن مذهبه .

فقال : شيعي .

فقلت له : لو كنتَ مِن أهل السنّة لدفعت إليك مبلغاً عندي .

قال : فشكى فاقةً وشدّة حاجة ، يسألني شيئاً مِنه .

فقلت له : لا سبيل إلى أن أعطيك شيئاً مِنه. فذهب عنّي .

قال : فلمّا نمت تلك الليلة ، رأيت أنّ القيامة قامت والناس يجوزون على الصراط ، فأردت أن أجوز ، فأمَرَتْ فاطمة رضي الله عنها بمنعي ، فصرت أستغيث فلا أجد مغيثاً ، حتّى أقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاستغثت به وقلت :

يا رسول الله ، فاطمة تمنعني الجواز على الصراط .


فالتفت إليهاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : لم منعتِ هذا ؟

فقالت : لأنّه منع وَلَدي رزقه .

قال : فالتفت وقال : قد قالت إنّك منعتَ ولدها رزقه ؟

فقلت : والله يا رسول الله ، ما منعتُه إلاّ أنّه يسبّ الشَيْخَين رضي الله عنهما !

فالتفتت فاطمة رضي الله عنها إلى الشيخين وقالت لهما : أتؤاخذان ولدي بذلك ؟

فقالا : لا بل سامحناه بذلك .

قال : فالتفتت إليّ وقالت : فما أدخلك بين ولدي وبين الشيخين ؟

فانتبهت فزعاً ، فأخذت المبلغ وجئت به إلى ذلك الشريف فدفعت له... )(١) .

وذكر أبو العبّاس القرطبي في ( شرح صحيح مسلم ) بشرح حديث صلاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على عبد الله بن أبي سلول : أنّ الاستغفار على قسمين ، فمِنه حقيقي ، ومِنه غير حقيقي وإنّما يكون لغرضٍ آخر ، قال :

( وقولهعليه‌السلام : إنّي خُيّرت ، مشكل ، مع قوله تعالى :( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى ) الآية ، نزلت بعد موت أبي طالب حين قالعليه‌السلام : والله لأستغفرنّ لك ما لم أُنْهَ عنك ، وهذا يفهم مِنه النهي عن الاستغفار لمَن مات كافراً ، وهو متقدّم على الآية التي فهم مِنها التخيير .

والجواب عن الإشكال : إنّ المنهي عنه في هذه الآية استغفار مرجوّ الإجابة ، حتّى يكون مقصوده تحصيل المغفرة لهم كما فعل بأبي طالب ، فإنّه إنّما استغفر له كما استغفر إبراهيم لأبيه على جهة أن يجيبهما الله فيغفر للمدعوّ لهما ، وفي هذا الاستغفار استأذن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ربّه في أن يأذن له فيه لأُمّه فلم يؤذن له فيه ، فهذا النوع هو الذي تناوله منْع الله تعالى ونهيه .

وأمّا الاستغفار لأولئك المنافقين الذين خُيّر فيه استغفار لساني ، عَلِم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه لا يقع ولا ينفع وغايته لو وقع تطييب قلوب بعض الأحياء مِن قرابات المستغفر لهم ، فانفصل المنهي عنه مِن المخيّر فيه وارتفع الإشكال والحمد لله )(٢) .

_______________________

(١) جواهر العقْدَين ١ : ٢٦٩ / ق٢ .

(٢) المفهم ـ شرح صحيح مسلم ٢ : ٦٤١ .


وقوله : إنّه لو كان أهل السقيفة وأتباعهم كفّاراً مخلَّدين في النّار ، فلا يشفعُ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهم ، لعدم جواز الشفاعة للكفّار ، لكنّه سيشفع لهم ، فليسوا بكفّار...

كلامٌ ساقط ، إذ قد عرفت أنّ الحديث لو دلَّ على الشفاعة فالغرض مِنها تفضيح القوم لا الشفاعة الواقعيّة .

على أنّ هذا الكلام يدلُّ على جهل هذا القائل بروايات قومه ، الصّريحة في شفاعة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للكفّار يوم القيامة ، إلاّ أنّها لا تُقبل :

( أخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن ميمون : أنّ كعباًرضي‌الله‌عنه دخل يوماً على عمر بن الخطّاب ، فقال له عمر : حدّثني إلى ما ينتهي شفاعة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم القيامة ، فقال كعبرضي‌الله‌عنه : قد أخبرك الله في القرآن إنّ الله يقول :( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ) إلى قوله( الْمُصَلِّينَ ) قال كعبرضي‌الله‌عنه : فيشفع يومئذٍ حتّى يبلغ مَن لم يُصلّ صلاةً قط ، ولم يُطعِم مسكيناً قط ، ولم يؤمِن ببعث قط ، فإذا بلغت هؤلاء لم يبق أحد فيه خير )(١) .

وكذلك رَوَوا عن سائر الأنبياء... ففي البخاري :

( عن أبي هريرة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ ، فيقول له إبراهيم : ألم أقل لك لا تعصِني ؟ فيقول أبوه : فاليوم لا أعصيك ، فيقول : يا ربّ ، إنّك وعدتني أنْ لا تخزيني يوم يُبعَثون ؟ فأيّ خِزيٍ أخزى مِن أبي الأبعد ، فيقول الله : إنّي حرّمت

_______________________

(١) الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ٨ : ٣٣٧ .


الجنّة على الكافرين )(١) .

وإذا كان القوم يرْوون في صحاحهم مثل هذا الحديث الدالّ على شفاعة النبيّ لكافرٍ حقيقي بزعمهم ، ولا بدّ وأن يكون لمصلحة ، فأيّ مانع مِن أن يشفع لأصحابه بقوله ( أصحابي أصحابي ) لمصلحةٍ تقتضي ذلك ؟

على أنّ غير واحدٍ مِن أعلام القوم قالوا ـ في مقام الجواب عن استدلال أصحابنا بحديث الحوض على سوء حال الصحابة في الآخرة ـ بأنّ حديث الحوض وارد بحقّ الكفّار والمرتدّين ، فإذا كان يدلّ على الشفاعة ، فستكون للكفّار والمرتدّين... فكيف يقال بأنّها محرّمة في حقّ الكفّار والمرتدّين؟

والحاصل : إنّ هذه الشفاعة إن كانت حقيقيّة فلا تكون للكفّار وأهل الردّة ، وإنْ كانت ظاهريّة ـ ولمصلحةٍ أُخرى ـ فلا يأبى حديث الحوض عن الشمول لأهل السقيفة وأنصارهم...

الوجه الثالث

إنّ تصغير لفظ ( أصحابي ) ـ كما ورد في كتاب سُلَيم وبعض كتب الإماميّة ـ لمّا لم يكن مِن أجل تقليل عدد الأصحاب يقيناً ، فالمراد مِنه الإشفاق والاستعطاف ، نظير قولهم : يا بُنيّ ، وأمثاله... فالشيخان وأحزابهما يقعون في القيامة موقع الاستعطاف... فكيف يروي الإماميّة مثل هذا الحديث ، ثمّ يقولون بخلود الشيخَين وأتباعهما في النار ؟

وإذا كانوا يَرْوون عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ شفاعته لا تنال مَن آذى أهل بيته وذرّيّته... فإنّ مقتضى اللّفظ المذكور في حديث الحوض أنّ

_______________________

(١) صحيح البخاري ٤ : ٢٧٧ .


القوم لم يكونوا قد آذَوا أهل بيته ، فيبطل كلّ ما يَرْوونه ويزعمونه في باب إيذاء الصحابة لأهل بيت النبيّ .

نَقْد الوجه الثالث

إنّ أساس هذا الوجه ورود لفظ ( أُصيحابي ) في رواية أصحابنا الإماميّة ، وهذا افتراء محض ، فاللّفظ المذكور غير وارد في شيء مِن رواياتنا ، ودعوى وجوده في خبر كتاب سُلَيم كاذبة ، فنسخة كتاب سُلَيم الموجودة عندنا ـ وهي نسخة قديمة جدّاً ـ هي بلفظ ( أصحابي ) وكذا الخبر في كتاب ( البحار ) نقلاً عن كتاب سُلَيم لكنّ القوم مِن عادتهم الكذب والافتراء ، وقد تقدّم في الكتاب التنبيه على موارد مِن هذا القبيل كثيرة .

وعلى فرض وجود لفظ ( أُصيحابي ) في روايات أهل الحقّ ، فغاية ما يدّعى هو دلالة هذا اللّفظ على الشفقة والعطف مِن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالنسبة إلى القوم ، فيكون مآل هذا الوجه إلى الوجه السابق ، وقد عرفت أنْ لا مانع مِن ذلك ؛ لكونه لمصلحة تفضيح القوم وظهور سوء حالهم وعدم شمول الشفاعة لهم .

هذا ، وقد تكرّر مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تفضيح المشايخ على رؤوس الأشهاد في الدنيا ، وكان ذلك مِنه في مواطن عديدة معهم ، مِن أشهرها قضيّة إبلاغ سورة براءة ، هذه القضيّة التي رواها أئمّة القوم وكبار حفّاظهم أمثال :

الترمذي ، وأحمد ، وعبد الله بن أحمد ، والطبري ، والبغوي ، والنيسابوري ، والنسائي ، والسهيلي ، والثعلبي ، والحاكم ، وابن مردويه ، وابن أبي شيبة ، وابن حبّان ، وعبد الرزاق ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي عوانة ، والطبراني ، والدارقطني ، والبيهقي، وابن حجر العسقلاني ، والقسطلاني ، والعيني ، وابن كثير وغيرهم ...


وهذا أحد ألفاظه كما أخرجه النسائي قال :

( أخبرنا العبّاس بن محمّد الدوري ، قال : حدّثنا أبو نوح قراءةً ، عن يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق ، عن زيد بن بثيع ، عن عليّرضي‌الله‌عنه : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث ببراءة إلى أهل مكّة مع أبي بكر ، ثمّ أتبعه بعليّ ، فقال له : خذ الكتاب فامض به إلى مكّة ، قال : فلحقته فأخذت الكتاب مِنه ، فانصرف أبو بكر ـ وهو كئيب ـ فقال : يا رسول الله ، أَنَزَل فيَّ شيء ؟ قال : لا ، إلاّ أنّي أُمرت أن أُبلّغه أنا أو رجل مِن أهل بيتي .

أخبرنا زكريّا بن يحيى قال : حدّثنا عبد الله بن عمر قال : حدّثنا أسباط ، عن فطر ، عن عبد الله بن شريك ، عن عبد الله بن رقيم ، عن سعد ، قال : بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا بكر ببراءة ، حتّى إذا كان ببعض الطريق ، أرسل عليّاً فأخذها مِنه ، ثمّ سار بها ، فوجد أبو بكر في نفسه فقال : قال رسول الله : إنّه لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجل مِني )(١) .

وتلخَّص : أنْ لا منافاة بين إظهار الشفقة ، وطلب الرحمة ، لمصلحة الإعلان عن خسران القوم وخلودهم في العذاب الأليم... وما ذكره مِن أنّ الشفاعة لا تكون للمخلَّدين في الجحيم ، مردود بما جاء في شرح الحديث مِن كتب أصحابه ، فإنّهم لمّا ادّعوا أنّ المراد مِن حديث الحوض هم المرتدّون الذين حاربهم أبو بكر ، نصّوا عل موت هؤلاء المرتدّين على الكفر قال ابن حجر :

_______________________

(١) خصائص عليّ : ١١٤ / ٧٧ .


( هم الذين ارتدّوا على عهد أبي بكر ، فقاتلهم أبو بكر حتّى قتلوا وماتوا على الكفر )(١) .

وقال الكرماني :( سحقاً ، أي بعداً ، وكرّر للتأكيد ، وهو نَصْبٌ على المصدر ، وهذا مشعر بأنّهم مرتدّون عن الدين ؛ لأنّه يشفع للعصاة ويهتمّ بأمرهم ولا يقول لهم مثل ذلك )(٢) .

الوجه الرابع

كلمة ( لا تدري ) ـ في حديث الحوض ـ نصٌّ في نفي علم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإحداث الأصحاب في الدين مِن بعده ، ولا أحد مِن المسلمين يجوّز الكذب على الله ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً ، لكنّ عدم علم النبيّ ينافي ما ثبت بالضرورة مِن مذهب الإماميّة مِن أنّه كان عالماً بأحوال الغاصبين ـ الكليّة والجزئيّة ـ وأنّه قد أخبر أهل بيته الطاهرين بجميع تلك الحقائق .

فلو كان المراد مِن ( الأصحاب ) في ( حديث الحوض ) هم ( أهل السقيفة ) عاد المحذور ، واللاّزم باطل عند جميع المليّين، فالملزوم مثله .

والروايات الموضوعة في كتبهم لإثبات الدعوى المذكورة ، كثيرة جدّاً .

نَقْد هذه الوجه

أوّلاً : مذهب الإماميّة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعلم جميع ما في هذا العالم وأحوال أهله مطلقاً ، وفي كتب أهل السنّة أيضاً تصريحاتٌ

_______________________

(١) فتح الباري في شرح البخاري ١١ : ٣٢٤ ، كتاب الرقاق ، باب الحشر .

(٢) الكواكب الدراري في شرح البخاري ٢٣ : ٦٧ ، كتاب الرقاق ، باب الحوض .


بهذا الاعتقاد .

ففي ( حاشية شرح عقائد العضدي ) للشيخ محسن الكشميري :

( واعلم أنّ المراد الرؤية في عالم التكليف ، فلا يشكل بما روي أنّهعليه‌السلام رأى ليلة المعراج جميع الأمّة في عالم الأرواح والمثال ، ولا بأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قبره حيّ يرى جميع الأُمّة )(١) .

وفي ( المواهب اللدنيّة ) :

( قد روى ابن المبارك عن سعيد بن المسيّب : ليس يوم إلاّ ويُعْرَض على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعمال أُمّته غُدْوةً وعشيّةً ، فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم ، فلذلك يشهد عليهم )(٢) .

وفي ( جامع مسانيد أبي حنيفة ) بعد أنْ أورد ما حكاه الخطيب عن أحمد ابن الحسن الترمذي أنّه قال :

( رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام فقلت له : يا رسول الله ، ما ترى ما فيه الناس مِن الاختلاف ؟ قال : في أيّ شيء ؟ قلت : فيما بين أبي حنيفة ومالك والشافعي فقال : أمّا أبو حنيفة فلا أعرفه ، وأما مالك فكتب العِلْم ، وأمّا الشافعي فمنّي وإليّ ) .

قال الخوارزمي :

( صحّ في الحديث أنّه يُعْرَض على رسول الله أعمال أُمّته يوم الاثنين والخميس فكيف لا يعرفه ؟ وإنّهعليه‌السلام يعرف كلّ برٍّ وفاجر تُعْرَض

_______________________

(١) الحاشية على شرح العقائد ـ تعريف الصحابي .

(٢) شرح المواهب اللدنيّة بالمِنَح المحمّدية ٥ : ٣٣٧ ، القسم الرابع : ما اختصّ (ص) به مِن الفضائل والكرامات .


أعماله عليه ، فكيف لا يعرف أبا حنيفة وأعمال أكثر أُمّته على مذهبه ؟... )(١) .

وثانياً : إنّ ما ذكره معارَض بأنّه إذا كان نفي عِلْم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ارتداد القوم ، دليلاً على عدم انطباق الحديث على أهل السقيفة وأصحابهم ، فإنّه يكون دليلاً كذلك على عدم انطباقه على سلمان وأبي ذر وعمّار وغيرهم أيضاً ؛ لأنّ أعمال هؤلاء أيضاً معروضة عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهو عالم بأحوالهم ، فيلزم الكذب في ( إنّك لا تدري ) .

بل إنّ مقتضى أحاديث عَرْض أعمال الأُمّة عليه ، عدم انطباق حديث الحوض على أحدٍ مِن أفرادها مطلقاً ، وإلاّ لزم الكذب في حديث الحوض...

وثالثاً : إنّ الصحيح رفع اليد عن ظهور ( لا تدري ) في نفي العلم ، وحمله على ظاهره غير صحيح قطعاً ، لدلالة نفس حديث الحوض على علمهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ارتداد القوم مِن بعده ؛ فلا يأخذ بظاهر كلمة ( لا تدري ) إلاّ الجاهل الغبي ، أو المتعصّب المفتري !

ورابعاً : إنّ المعاني المحتملة في لفظ ( لا تدري ) في ( حديث الحوض ) عديدة :

مِنها : أنْ يكون الاستفهام في ( إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ) إنكاريّاً ، أي : ألا تعلم بارتداد هؤلاء وما أحدثوا في الدين مِن بعدك ؟ فهؤلاء لا يستحقّون الشفاعة مِنك ، بل هم في العذاب خالدون .

ومِنها : أنْ يكون المراد نفي درايته بحسب الظاهر ، أي : إنّ ظواهر الأحوال تقتضي أنْ لا تعلم بما كان مِنهم ، لخروجك مِن هذا العالم قبل وقوع تلك الأُمور .

_______________________

(١) جامع مسانيد أبي حنيفة ١ : ٦٤ .


ومِنها : أنْ يكون المراد نفي الدراية بالإدراك الظاهري ، أي : إنّك لم تَرَ بعينك ما صنعوا ، وإنْ كنت عالماً به بإعلام الله تعالى .

ومِنها : أن يكون المراد سلب دراية النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك بحسب مُعْتقَد بعض الحاضرين ، كما عليه جماعة أهل السنّة المنكِرين لعِلْم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالأُمور تفصيلاً ، فيسلب دراية النبيّ بذلك حسب معتَقدهم تقبيحاً لهذا الاعتقاد .

ومِنها : حمْل سلْب الدراية ونفي العلم على المبالغة ، أي : إنّك تشفع لهؤلاء القوم وكأنّك لا تدري بأحوالهم مِن بعدك ؟

ومِنها : أنْ يكون المعنى : إنّك لا تدري كما ندري ، إذ لا ريب في أنّ علم الله تعالى أوسع وأفضل مِن علم مَن سِواه حتّى الأنبياء .

وبعد ورود هذه الاحتمالات كيف يكون الكلام نصّاً في جهل النبيّ ؟

وكيف يكون الحديث نصّاً في جهله بما سيكون مِن بعده وهو دليلٌ على علمه بذلك ؟

وإذا كان نصّاً في جهله مع ذلك ، لزوم تجويز الكذب على الله ، وهذا ما لا يتفوّه به مسلم كما قال ، فافهم !!

لكنّ أهل السنّة يجوّزون جميع القبائح على الله ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً... فيكون صدور الكذب جائزاً عليه...

مضافاً إلى تصريح بعضهم بجواز الكذب عليه... فقد جاء في ( شرح العقائد العضديّة ) للدواني ما نصّه :

( واعلم أنّ بعض العلماء ذهب إلى أنّ الخُلف في الوعيد جائز على الله تعالى ، وممّن صرّح به الواحدي في التفسير الوسيط في قوله تعالى في سورةالنساء : ( ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ ) الآية حيث قال : والأصل في هذا أنّ الله تعالى يجوز أن يُخْلِف في الوعيد، وإن كان لا يجوز أن يُخْلِف في الوعد ، وبهذا أُوردت السنّة مِن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمّد الأصفهاني السنجري ، حدّثنا عبد الله بن محمّد الأصفهاني وزكريّا بن يحيى الساجي وأبو حفص جعفر السلمي وأبو يعلى الموصلي قالوا : حدّثنا هدية بنت خالد ، حدّثنا سهيل بن أبي حرم ، حدّثنا ثابت البناني ، عن أنس بن مالك أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : مَن وعده الله تعالى على عمله ثواباً فهو منجز له ومَن أوعده على عمله عقاباً فهو بالخيار .


وأخبرنا أبو بكر ، ثنا محمّد بن عبد الله بن حمزة ، حدّثنا أحمد بن الخليل ، حدّثنا الأصمعي قال : جاء عمرو بن عبيد إلى عمرو بن العلاء قال : يا أبا عمرو ، أيُخلف الله ما وعده ؟ قال : لا قال : أفرأيت مَن أوعده الله تعالى على عمله عقاباً أنّه يُخْلِف الله تعالى وعيده فيه ؟ فقال أبو عمرو : مِن العجمة أتيت أبا عثمان ، إنّ الوعد غير الوعيد ، إنّ العرب لا تعدّ عيباً ولا خُلْفاً أن تعد شرّاً ثمّ لا تفعل ، بل ترى ذلك كرماً وفضلاً ، وإنّما الخُلف المحال أن تعد خيراً ثمّ لا تفعله قال : فوجد هذا في العرب ؟ قال : نعم ، أما سمعت قول الشاعر :

وإنّي إذا أوْعـدتُه أو وعدتُه

لَمُخلِفٌ ميعادي ومنجز موعدي

والذي ذكره أبو عمرو مذهب الكرام ، ومستحسن عند كلّ أحد خُلف الوعيد كما قال السري الموصلي :

إذا وعد السرّاء أنجز وعده

وإن أوعد الضرّاء فالعفو مانعه

وأحسن يحيى بن معاذ في هذا المعنى حيث قال : الوعد والوعيد حقّ ؛

فالوعد حقّ العباد على الله تعالى ، إذ ضمِن لهم إذا فعلوا ذلك أن يعطيهم كذا ، ومَن أولى بالوفاء مِن الله تعالى ؟ والوعيد حقّه على العباد إذ قال لا تفعلوا كذا فإنّي أُعذّبكم ، ففعلوا ، فإن شاء عفا وإن شاء أخذ لأنّه حقّه ، وأَوْلاهما العفو والكرامة لأنّه غفور رحيم )(١) .

_______________________

(١) شرح العقائد العضديّة .


ممّا ورد عن أهل البيت

في الصحابة

الحديث الأوّل

في قوله تعالى :( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ... ) (١) :

قال علي بن إبراهيم : ( حدّثني أبي ، عن النضر بن سويد ، عن القاسم بن سليمان ، عن المعلّى بن خنيس ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام :إنّ هذا المثل ضربه الله لأمير المؤمِنين عليّ بن أبي طالب ؛ فالبعوضة أمير المؤمِنين وما فوقها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والدليل على ذلك قوله :( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ) يعني أمير المؤمِنين كما أخذ رسول الله الميثاق عليهم ( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ) فردّ الله عليهم فقال : ( وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) في عليّ ( وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ) يعني مِن صلة أمير المؤمِنين والأئمّة عليهم‌السلام ( وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) )(٢) .

الحديث الثاني

في قوله تعالى :( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ... ) (٣) :

قال علي بن إبراهيم :

( وأمّا قوله :( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ) الآية .

_______________________

(١) سورة البقرة ، الآية ٢٥ .

(٢) تفسير علي بن إبراهيم القمّي ١ : ٣٥ .

(٣) سورة البقرة ، الآية ٦٣ .


( كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ) فقال عثمان : يا أبا ذر إنّك شيخ قد خَرِفت وذهب عقلك ، ولولا صحبتك لرسول الله لقتلتُك ، فقال : كذبت يا عثمان أخبرني حبيبي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال :لا يفتنونك يا أبا ذر ولا يقتلونك ، وأما عقلي فقد بقي مِنه ما أحفظه حديثاً سمعته مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيك وفي قومك ، فقال : وما سمعتَ مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيَّ وفي قومي ؟ قال : سمعت يقولإذا بلغ آل أبي العاص ثلاثون رجلاً صيّروا مال الله دوَلاً ، وكتاب الله دخَلاً وعباده خِوَلاً والفاسقين حزباً والصالحين حرباً ، فقال عثمان : يا معشر أصحاب محمّد ، هل سمع أحد مِنكم هذا مِن رسول الله ؟ فقالوا : لا ما سمعنا هذا مِن رسول الله .

فقال عثمان : أدع علياً فجاء أمير المؤمِنينعليه‌السلام فقال له عثمان : يا أبا الحسن انظر ما يقول هذا الشيخ الكذّاب فقال أمير المؤمِنين :مه يا عثمان ، لا تقل كذّاب فإني سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق مِن أبي ذر . فقال أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : صدق أبو ذر وقد سمعنا هذا مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فبكى أبو ذر عند ذلك فقال : ويلكم ، كلّكم قد مدّ عنقه إلى هذا المال ، ظننتم أنّي أكذب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم نظر إليهم فقال : مَن خيركم ؟ فقالوا : مَن خيرنا ؟ فقال : أنا فقالوا : أنت تقول إنّك خيرنا ؟ قال : نعم خلّفتُ حبيبي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذه الجبة وهو عن راض ، وأنتم قد أحدثْتُم أحداثاً كثيرة والله سائلكم عن ذلك ولا يسألني .

فقال عثمان : يا أبا ذر أسألك بحقّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ ما أخبرتني عن شيء أسألك عنه فقال أبو ذر : والله لو لم تسألني بحقّ محمّد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً لأخبرتك .

فقال : أيّ البلاد أحبّ إليك أن تكون فيها ؟ فقال : مكّة حرم الله وحرم رسول الله ، أعبد الله فيها حتى يأتيني الموت .


فقال : لا ولا كرامة لك .

قال : المدينة حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال : لا ولا كرامة لك .

فسكت أبو ذر .

فقال عثمان : أيّ البلاد أبغض إليك أن تكون فيها ؟ قال: الرَبَذة التي كنت فيها على غير دين الإسلام .

فقال عثمان : سِرْ إليها .

فقال أبو ذر : قد سألتني فصدقتك ، وأنا أسألك فاصدقني .

قال : نعم .

قال أخْبِرني لو بعَثْتَني في بَعْثٍ مِن أصحابك إلى المشركين فأسروني فقالوا : لا نفديه إلاّ بثلث ما تملك .

قال : كنت أفديك .

قال : فإن قالوا لا نفديه إلاّ بنصف ما تملك .

قال : كنت أفديك .

قال : فإن قالوا لا نفديه إلاّ بكلّ ما تملك .

قال : كنت أفديك .

قال أبو ذر : الله أكبر قال حبيبي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً :يا أبا ذر وكيف أنت إذا قيل لك أي البلاد أحبّ إليك أن تكون فيها ؟ فتقول : مكّة حرم الله وحرم رسوله أعبد الله فيها حتى يأتيني الموت فيقال لك : لا ولا كرامة لك فتقول : فالمدينة حرم رسول الله فيقال لك : لا ولا كرامة لك ثم يقال لك : فأيّ البلاد أبغض إليك أن تكون فيها ؟ فتقول : الرَبَذة التي كنت فيها على غير دين الإسلام فيقال لك : سِرْ إليها فقلت : وإنّ هذا لكائن ؟ فقال : إي والذي نفسي بيده إنّه لكائن فقلت : يا رسول الله أفلا أضع سيفي هذا على عاتقي فأضرب به قُدْماً قدماً ؟ قال : لا اِسمع واُسكت ولو لعبدٍ حبشي وقد أنزل الله فيك وفي عثمان آية فقلت : وما هي يا رسول الله قال : قوله تعالى ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ* ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنكُم مِن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ


أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) )(١) .

الحديث الثالث

في قوله تعالى :( وَمِن النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا... ) (٢) .

قال عليّ بن إبراهيم :( نزلت في الثاني ويقال : في معاوية ) .

والعيّاشي عن الصادق : ( فلان وفلان ) .

وفي ( الصافي ) : ( تشمل عامّة المنافقين وإنْ نزلت خاصّة )(٣) .

الحديث الرابع

في قوله تعالى :( فمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ... ) (٤) .

قال القمّي : ( هم الذين غصبوا آل محمّد حقّهم )(٥) .

_______________________

(١) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي ١ : ٥٢ ـ ٥٤ .

(٢) سورة البقرة ، الآية ٢٠٤ .

(٣) الصّافي في تفسير القرآن ١ : ٢٢٠ .

(٤) سورة البقرة ، الآية ٢٥٦ .

(٥) تفسير القمّي ، عنه الصافي ١ : ٢٦١ .


الحديث الخامس

في قوله تعالى :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ... ) (١) .

قال عليّ بن إبراهيم : ( هم الذين سمّوا أنفسهم بالصدّيق والفاروق وذي النورين... )(٢) .

الحديث السادس

في قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ... ) (٣) .

قال القمّي : ( هم الذين أقرّوا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنكروا أمير المؤمِنينعليه‌السلام )(٤) .

الحديث السابع

في قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُواْ .... ) (٥) .

القمّي : ( نزلت في الذين آمنوا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إقراراً لا تصديقاً ، ثمّ كفروا لمّا كتبوا الكتاب فيما بينهم أن لا يردّوا الأمرَ في أهل بيته أبداً ، فلمّا نزلت الولاية وأخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الميثاق عليهم لأمير المؤمِنينعليه‌السلام آمنوا إقراراً لا تصديقاً ، فلمّا قضى رسول الله كفروا فازدادوا كفراً .

_______________________

(١) سورة النساء ، الآية ٤٩ .

(٢) الصافي ١ : ٤٢٤ .

(٣) سورة النساء ، الآية ١٥٠ .

(٤) الصافي ١ : ٤٧٧ .

(٥) سورة النساء ، الآية ١٣٧ .


والعيّاشي عن الباقرعليه‌السلام قال :هما والثالث والرابع وعبد الرحمن وطلحة ، وكانوا سبعة ( الحديث ) وذكر فيه مراتب إيمانهم وكفرهم .

وعن الصادقعليه‌السلام :نزلت في فلان وفلان وفلان ، آمنوا برسول الله في أوّل الأمر ، ثم كفروا حين عُرِضَت عليهم الولاية ، حيث قال : مَن كنت مولاه فعليّ مولاه ، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمِنين عليه‌السلام ، حيث قالوا له بأمر الله وأمر رسوله فبايعوه ، ثم كفروا حيث مضى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلم يُقرّوا بالبيعة ، ثم ازدادوا كفراً بأخذهم مَن بايعوه بالبيعة لهم ، فهؤلاء لم يبق فيهم مِن الإيمان شيء )(١) .

الحديث الثامن

في قوله تعالى :( فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء... ) (٢) .

قال عليّ بن إبراهيم : ( يعني أصحابه وقريش ومَن أنكروا بيعة أمير المؤمِنينعليه‌السلام( فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ) يعني شيعة أمير المؤمِنينعليه‌السلام )(٣) .

الحديث التاسع

في قوله تعالى :( لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ... ) (٤) .

_______________________

(١) تفسير الصافي ١ : ٤٧٣ .

(٢) سورة الأنعام ، الآية ٨٩ .

(٣) تفسير القمّي ١ : ٢٠٩ ـ ٢١٠ .

(٤) سورة الإسراء ، الآية ٤ .


قال في ( الصافي ) : ( وفي الكافي والعيّاشي عن الصّادقعليه‌السلام أنّه فسّر الإفسادتينبقتل عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام وطعْن الحسن عليه‌السلام ، والعلوّ الكبير بقتل الحسين عليه‌السلام ، والعباد أولي بأس ، بقومٍ يبعثهم الله قبل خروج القائم ، فلا يَدَعون وِتْراً لآل محمّد إلاّ قتلوه ، ووعد الله بخروج القائم عليه‌السلام وردّ الكرّة عليهم بخروج الحسين عليه‌السلام في سبعين مِن أصحابه عليهم البِيض المذهَّب ، حين كان الحجّة القائم بين أظهرهم .

وزاد العيّاشي :ثمّ يملكهم الحسين عليه‌السلام حتّى بلغ حاجباه إلى عينيه .

والعيّاشي عنهعليه‌السلام :أوّل مَن يكرّ إلى الدنيا الحسين بن عليّ ويزيد بن معاوية وأصحابه ، فيقتلهم حَذْو القِذّةِ بالقذّة ثمّ تلا هذه الآية( ثُمَّ رَدَدْنَا... ) .

وفي روايةٍ أخرى للعيّاشي عن الباقرعليه‌السلام :إنّ العباد أُولي بأس هم القائم وأصحابه عليهم‌السلام .

والقمّي :( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ ) أي أعلمناهم ثم انقطعت مخاطبة بني إسرائيل ، وخاطب الله أُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال :( لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ) يعني فلاناً وفلاناً ولأصحابهما ونقضهم العهد( وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً ) ما ادّعوه مِن الخلافة( فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا ) يعني يوم الجَمَل( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) يعني أمير المؤمِنينعليه‌السلام وأصحابه... )(١) .

_______________________

(١) تفسير الصافي ٣ : ١٧٩ .


الحديث العاشر

في قوله تعالى :( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ... ) (١) :

( قال :الفلق جبٌّ في جهنّم يتعوّذ أهل النار مِن شدّة حرّه ، فسأل الله أن يأذن له أنْ يتنفّس ، فأذن له فتنفّس فأحرق جهنّم .

قال :وفي ذلك الجبّ صندوق مِن نارٍ يتعوّذ أهل الجبّ مِن حرّ ذلك الصندوق ، وهو التابوت ، وفي ذلك التابوت ستّة مِن الأوّلين وستّة مِن الآخِرين .

فأمّا الستّة مِن الأوّلين : فابن آدم الذي قتل أخاه ، ونمرود إبراهيم الذي ألقى إبراهيم في النار ، وفرعون موسى ، والسامريّ الذي اتّخذ العجل ، والذي هوّد اليهود ، والذي نصّر النصارى .

وأمّا الستّة مِن الآخِرين ، فهو الأوّل والثاني والثالث والرابع وصاحب الخوارج وابن ملجم ) (٢) .

الحديث الحادي عشر

في قوله تعالى :( أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ... ) (٣) .

في ( تفسير الصافي ) : ( وفي الكافي عن الصادقعليه‌السلام :( أَوْ كَظُلُمَاتٍ ) قال : الأوّل وصاحبه ( يَغْشَاهُ مَوْجٌ ) الثالث ( مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ ) الثاني ( بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ) معاوية لعنه الله ، وفِتَن بني أُميّة ( إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ )

_______________________

(١) سورة الفلق ، الآية ١ .

(٢) تفسير القمّي ٢ : ٤٤٩ .

(٣) سورة النور ، الآية ٤٠ .


المؤمِن في ظلمة فتنتهم ( لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ومَنْ لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً ) إماماً مِن وُلْد فاطمة عليها‌السلام ( فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ) يوم القيامة .

والقمّي عنهعليه‌السلام :( أَوْ كَظُلُمَاتٍ ) فلان وفلان ( فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ ) يعني نعثل ( مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ ) طلحة والزبير ( بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ) معاوية ويزيد لعنهم الله وفِتَن بني أُميّة ( إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ ) في ظلمة فتنتهم ( لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ومَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً ) يعني إماماً مِن ولد فاطمة عليها‌السلام ( فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ) فما له مِن إمام يمشي بنوره كما في قوله تعالى :( يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ... ) )(١) .

الحديث الثاني عشر

في ( البحار ) عن ( الأمالي ) قال :

( ابن موسى ، عن الأسدي ، عن النخعي ، عن النوفلي ، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير .

عن ابن عبّاس قال :إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان جالساً ذات يوم ، إذ أقبل الحسن ، فلمّا رآه بكى ثمّ قال : إليَّ إليَّ يا بني ، فما زال يُدنيه حتّى أجلسه على فخذه اليمنى ، ثمّ أقبل الحسين ، فلمّا رآه بكى ثمّ قال : إليَّ إليَّ يا بني ، فمازال يُدنيه حتّى أجلسه على فخذه اليسرى ، ثمّ أقبلت فاطمة ، فلمّا رآها بكى ، ثمّ قال : إليَّ إليَّ يا بنيّة ، فأجلسها بين يديه ، ثمّ أقبل أمير المؤمِنين عليه‌السلام ، فلمّا رآه بكى ثمّ قال : إليَّ إليَّ يا أخي ، فما زال يُدنيه حتّى أجلسه إلى جنبه الأيمن .

_______________________

(١) تفسير الصافي ٣ : ٤٣٨ .


فقال له الصحابة : يا رسول الله ، ما ترى واحداً مِن هؤلاء إلاّ بكيت ، أو ما فيهم مَن تسترّ برؤيته ؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :والذي بعثني بالنبوّة واصطفاني على جميع البريّة : إنّي وإيّاهم لأكرم الخَلْق على الله عزّ وجلّ ، وما على وجه الأرض نَسَمَة أحبّ إليّ مِنهم :

أمّا عليّ بن أبي طالب ، فإنّه أخي وشقيقي وصاحب الأمر بعدي وصاحب لوائي في الدنيا والآخرة ، وصاحب حوضي وشفاعتي ، وهو مولى كلّ مسلم ، وإمام كلّ مؤمِن وقائد كلّ تقيّ ، وهو وصيّي وخليفتي على أهلي وأُمّتي ؛ في حياتي وبعد موتي ، محبّه محبّي ومبغضه مبغضي ، وبولايته صارت أُمّتي مرحومة وبعداوته صارت المخالفة له مِنها ملعونة ، وإنّي بكيت حين أقبل لأنّي ذكرت غدر الأُمّة به بعدي ، حتّى إنّه ليزال عن مقعدي وقد جعله الله له بعدي ، ثمّ لا يزال الأمر به حتّى يضرب على قرنه ضربة تخضب مِنها لحيته في أفضل الشهور، شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن وهدى للناس وبيّنات مِن الهدى والفرقان .

وأمّا ابنتي فاطمة ، فإنّها سيّدة نساء العالمين مِن الأوّلين والآخِرين ، وهي بضعة منّي ، وهي نور عيني ، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبيّ ، وهي الحوراء الإنسيّة ، متى قامت في محرابها بين يدي ربّها جلّ جلاله زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض ، ويقول الله عزّ وجلّ لملائكته : يا ملائكتي اُنظروا إلى أَمَتي فاطمة سيّدة إمائي قائمة بين يديّ ترتعد فرائصها مِن خيفتي وقد أقبلت بقلبها على عبادتي ، أُشهدكم أنّي قد أمِنتُ شيعتها مِن النار ، وإنّي لمّا رأيتها ذكرتُ ما يُصنع بها بعدي ؛ كأنّي بها


قد دخل الذلّ بيتها وانتُهكت حرمتها وغصبت حقّها ومُنعت إرثها وكُسر جنبها وأُسقط جنينها وهي تنادي : يا محمّداه فلا تُجاب وتستغيث فلا تُغاث ، فلا تزال محزونة مكروبة باكية تتذكّر انقطاع الوحي عن بيتها مرّة وتتذكّر فِراقي أُخرى ، وتستوحش إذا جنّها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجّدتُ بالقرآن ، ثمّ ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيّام أبيها عزيزة ، فعند ذلك يؤنسها الله تعالى ذِكْرُه بالملائكة ، فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران فتقول : يا فاطمة إنّ الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين ، يا فاطمة اقنتي لربّك واسجدي واركعي مع الراكعين ، ثمّ يبتدئ بها الوجع فتمرض ، فيبعث الله عزّ وجلّ إليها مريم بنت عمران تمرّضها وتؤنسها في علّتها ، فتقول عند ذلك :

يا ربّ ، إنّي قد سئمت الحياة ، وتبرّمت بأهل الدنيا ، فألحقني بأبي .

فيلحقها الله عزّ وجلّ بي ، فتكون أوّل مَن يلحقني مِن أهل بيتي ، فتقدم عليَّ محزونة مكروبةً مغمومة مغصوبةً مقتولةً ، فأقول عند ذلك : اللّهمّ العن مَن ظلمها وعاقب مَن غصبها وذلّل مَن أذلّها وخلّد في نارك مَن ضرب جنبها حتّى ألقت ولدها ، فتقول الملائكة عند ذلك : آمين )(١) .

الحديث الثالث عشر

الطوسي في ( الأمالي ) بإسناده :

عن ابن عباس قال : (لمّا حضرت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الوفاة بكى حتّى بلّت دموعه لحيته ، فقيل : يا رسول الله ، ما يبكيك ؟ فقال :

_______________________

(١) بحار الأنوار ٤٣ : ١٧٢ ـ ١٧٣ و ٢٨ : ٣٧ ـ ٤٠ .


أبكي لذرّيّتي وما يصنع بهم شرار أُمّتي مِن بعدي ، كأنّي بفاطمة بنتي وقد ظُلمت بعدي وهي تنادي : يا أبتاه يا أبتاه ، فلا يعينها أحد مِن أُمّتي ، فسمعت ذلك فاطمة عليها‌السلام فبكت ، فقال لها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تبكينّ يا بنيّة ، فقالت : لست أبكي لما يُصنع بي بعدك ، ولكنّي أبكي لفراقك يا رسول الله ، فقال لها : أبشري يا بنت محمّد بسرعة اللّحاق ، فإنّك أوّل مَن يلحق بي مِن أهل بيتي )(١) .

الحديث الرابع عشر

في ( البحار ) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال :

قال أبي : دفع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الراية يوم خيبر إلى عليّ ابن أبي طالبعليه‌السلام ، ففتح الله عليه، وأوقفه يوم غدير خم فأعلم الناس أنّه مولى كلّ مؤمِن ومؤمِنة وقالعليه‌السلام له :أنت منّي وأنا مِنك ، وقال له : تقاتل على التأويل كما قاتلتُ على التنزيل ، وقال له : أنت منّي بمنزلة هارون مِن موسى وقال له : أنا سِلْمٌ لمَن سالمت وحرب لمَن حاربت ، وقال له : أنت العروة الوثقى ، وقال له : أنت تبيّن لهم ما اشتبه عليهم بعدي ، وقال له : أنت إمام كلّ مؤمِن ومؤمِنةٍ بعدي ، وقال له : أنت الذي أنزل فيه ( وَأَذَانٌ مِن اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ ) ، وقال له : أنت الآخذ بسنّتي والذابُّ عن ملّتي ، وقال له : أنا أوّل مَن تنشقّ عنه الأرض وأنت معي ، وقال له : أنا عند الحوض وأنت معي ، وقال له : أنا أوّل مَن يدخل الجنّة وأنت بعدي تدخلها والحسن والحسين وفاطمة وقال له : إنّ الله أوحى إليَّ بأن أقوم بفضلك فقمتُ

_______________________

(١) الأمالي للشيخ الطوسي : ١٨٨ / ٣١٦ .


به في الناس وبلّغتهم ما أمرني الله بتبليغه ، وقال له : اتّق الضغائن التي في صدور مَن لا يظهرها إلاّ بعد موتي... )(١) .

الحديث الخامس عشر

في ( البحار ) : ( عن أبي سعيد الخدري قال : أخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاًعليه‌السلام بما يلقى بعده ، فبكى عليّعليه‌السلام وقال : يا رسول الله ، أسألك بحقّي عليكم وحقّ قرابتي وحقّ صحبتي لَما دعوت الله عزّ وجلّ أنْ يقبضني إليه ، فقال رسول الله : أتسألني أنْ أدعو ربّي لأجلٍ مؤجّل ؟ قال : فعلى ما أُقاتلهم ؟ قال : على الإحداث في الدين ) (٢) .

الحديث السادس عشر

الصدوق في كتاب ( الأمالي ) :

عن عليّ قال : (بينا أنا وفاطمة والحسن والحسين عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذ التفت إلينا فبكى .

فقلت : ما يبكيك يا رسول الله ؟

فقال : أبكي ممّا يصنع بكم بعدي .

فقلت : وما ذاك يا رسول الله ؟

قال : أبكي مِن ضربتك على القرن ، ولطم فاطمة خدّها ، وطعنة الحسن في الفخذ والسمّ الذي يُسقى ، وقتل الحسين .

قال : فبكى أهل البيت جميعاً .

_______________________

(١) بحار الأنوار ٢٨ : ٤٥ و ٣٧ : ١٩٢ .

(٢) بحار الأنوار ٢٨ : ٤٧ و ٣٤ : ٣٣٤ .


فقلت : يا رسول الله ، ما خَلَقَنا ربّنا إلاّ للبلاء .

قال : أبشر يا عليّ ، فإنّ الله عزّ وجلّ قد عهد إليّ أنّه لا يحبّك إلاّ مؤمِن ولا يبغضك إلاّ منافق )(١) .

الحديث السابع عشر

رواه الشيخ الطوسي في ( الأمالي ) عن قيس بن سعد بن عبادة قال :

( سمعت عليّ بن أبي طالب يقول :أنا أوّل مَن يجثو بين يدي الله عزّ وجلّ يوم القيامة للخصومة )(٢) .

الحديث الثامن عشر

في ( كتاب سُلَيم بن قيس ) قال : ( سمعت سلمان الفارسي قال :

( لمّا أن قُبض النبيّ وصنع الناس ما صنعوا ، جاءهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجرّاح فخاصموا الأنصار فخصموهم بحجّة عليّ فقالوا : يا معشر الأنصار ، قريش أحقّ بالأمر مِنكم ؛ لأنّ رسول الله مِن قريش ، والمهاجرون خير مِنكم ؛ لأنّ الله بدأ بهم في كتابه وفضَّلهم وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الأئمّة مِن قريش .

قال سلمان : فأتيت عليّاًعليه‌السلام وهو يُغسِّل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد كان رسول الله أوصى عليّاً أن لا يلي غُسلَه غيره ، فقال :يا رسول الله ، فمَن يعينني على ذلك ؟ فقال : جبرائيل فكان عليّ لا يريد عضواً

_______________________

(١) كتاب الأمالي للشيخ الصدوق : ١٩٧٥ ، المجلس ٢٨ رقم ٢ .

(٢) كتاب الأمالي للشيخ الطوسي : ٨٥ المجلس ٣ رقم ١٢٨ .


إلاّ قُلِّب له .

لما غسَّله وحنَّطه وكفَّنه أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام ، فتقدَّم عليّعليه‌السلام وصفَفْنا خلفه وصلّى عليه ، وعائشة في الحجرة لا تعلم قد أخذ الله ببصرها .

ثم أدخل عشرة مِن المهاجرين وعشرة مِن الأنصار ؛ فكانوا يدخلون ويدعون ويخرجون ، حتى لم يبق أحد شهد مِن المهاجرين والأنصار إلاّ صلّى عليه .

قال سلمان الفارسي : فأخبرت عليّاًعليه‌السلام ـ وهو يغسِّل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ بما صنع القوم ، وقلت : إنّ أبا بكر الساعة لعَلى مِنبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ما يرضون يبايعونه بيد واحدة وإنّهم ليبايعونه بيديه جميعاً ، بيمينه وشماله !

فقال عليّعليه‌السلام :يا سلمان ، وهل تدري مَن أوّل مَن بايعه على مِنبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قلت : لا ، إلاّ أنّي رأيته في ظلّة بني ساعدة حين خصمت الأنصار ، وكان أوّل مَن بايعه المغيرة بن شعبة ، ثمّ بشير بن سعيد ثمّ أبو عبيدة الجرّاح ، ثم عمر بن الخطّاب ، ثم سالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل .

قالعليه‌السلام :لست أسألك عن هؤلاء ، ولكن هل تدري مَن أوّل مَن بايعه حين صعد المِنبر ؟ قلت : لا ، ولكنّي رأيت شيخاً كبيراً يتوكَّأ على عصاه ، بين عينيه سجّادة شديدة التشمير ، صعد المِنبر أوّل مَن صعد وخرَّ وهو يبكي ويقول : الحمد لله الذي لم يمتني حتّى رأيتك في هذا المكان ، ابسط يدك فبسط يده فبايعه ، ثمّ قال : يوم كيوم آدم ! ثم نزل فخرج مِن المسجد.

فقال عليّعليه‌السلام :يا سلمان ، أتدري مَن هو ؟ قلت : لا ، لقد ساءتني مقالته كأنّه شامت بموت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


قال عليّعليه‌السلام :فإنّ ذلك إبليس لعنه الله .

أخبرني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ إبليس ورؤساء أصحابه شهدوا نصب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إياي يوم غدير خم بأمر الله ، وأخبرهم بأنّي أولى بهم مِن أنفسهم وأمرهم أن يُبلغ الشاهد الغائب فأقبل إلى إبليس أبالسته ومردة أصحابه فقالوا : إنّ هذه الأمّة أمّة مرحومة معصومة ، فمالك ولا لنا عليهم سبيل ، وقد أُعلموا مفزعهم وإمامهم بعد نبيِّهم .

فانطلق إبليس كئيباً حزيناً .

قال أمير المؤمِنينعليه‌السلام :أخبرني رسول الله ( صلّى الله عيه وآله ) بعد ذلك وقال : يبايع الناس أبا بكر في ظلّة بني ساعدة بعد تخاصمهم بحقّنا وحجّتنا ثم يأتون المسجد فيكون أوّل مَن يبايعه على مِنبري إبليس في صورة شيخ كبير مشمَّر يقول كذا وكذا ثمّ يخرج فيجمع أصحابه وشياطينه وأبالسته فيخرّون سجَّداً فيقولون : يا سيِّدنا ، يا كبيرنا ، أنت الذي أخرجت آدم مِن الجنّة فيقول : أيَّ أمة لن تضلَّ بعد نبيّها ؟ كلاّ ، زعمتم أن ليس لي عليهم سلطان ولا سبيل ؟ فكيف رأيتموني صنعت بهم حين تركوا ما أمرهم الله به مِن طاعته وأمرهم به رسول الله ، وذلك قوله تعالى :( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إلاّ فَرِيقاً مِن الْمُؤْمِنينَ ) (١) .

_______________________

(١) كتاب سُلَيم بن قيس : ١٤٣ ـ ١٤٥ ، الطبعة المحقّقة في مجلَّد واحد .


الحديث التاسع عشر

في ( تفسير الإمام الحسن العسكري ) في حديثٍ طويل : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

(يا عليّ ، إنّ أصحاب موسى اتّخذوا بعده عِجلاً وخالفوا خليفته ، وستتّخذ أُمّتي بعدي عِجلاً ثمّ عِجلاً ثمّ عِجلاً ويخالفونك ، وأنت خليفتي على هؤلاء يضاهون أولئك في اتّخاذهم العجل ، ألا فمَن وافقك وأطاعك فهو معنا في الرفيع الأعلى ، ومَن اتّخذ العجل بعدي وخالفك ولم يتب ، فأُولئك مع الذين اتّخذوا العجل زمان موسى عليه‌السلام ولم يتوبوا ، في نار جهنّم خالدين مخلَّدين )(١) .

الحديث العشرون

في ( كشف الغمّة ) عن جابر بن عبد الله الأنصاري :

(قال : دخلت فاطمةعليها‌السلام على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ وهو في سَكَرات الموت ـ فانكبّت عليه تبكي ، ففتح عينه وأفاق ثمّ قال :يا بنيّة ، أنت المظلومة بعدي وأنت المستضعفة بعدي ، فمَن آذاك فقد آذاني ، ومَن غاضك فقد غاضني ، ومَن سرّك فقد سرّني ، ومَن تركك فقد تركني ، ومَن جفاك فقد جفاني ، ومَن وصلك فقد وصلني ، ومَن قطعك فقد قطعني ، ومَن أنصفك فقد أنصفني ، ومَن ظلمك فقد ظلمني ؛ لأنّك منّي وأنا مِنك ، وأنت بضعة منّي وروحي التي بين جنبيّ .

ثمّ قال : إلى الله أشكو ظالميك مِن أُمّتي .

_______________________

(١) تفسير الإمام العسكريعليه‌السلام : ٤٠٩ .


ثمّ دخل الحسن والحسين ، فانكبّا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهما يبكيان ويقولان :أنفسنا لنفسك الفداء يا رسول الله فذهب عليّ ليُنحّيهما عنه ، فرفع رأسه إليه ثمّ قال : دعهما ـ يا أخي ـ يشمّاني وأشمّهما ، ويتزوّدان وأتزوّد مِنهما، فإنّهما مقتولان بعدي ظلماً وعدواناً فلعن الله على مَن يقتلهما .

ثمّ قال :يا عليّ ، أنت المظلوم بعدي ، وأنا خصم لمَن أنت خصمه يوم القيامة )(١) .

الحديث الحادي والعشرون

في كتاب ( المحتضر ) للحسن بن سليمان ، بإسناده إلى سعيد بن جبير :

عن ابن عبّاس قال : ( كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذات يوم جالساً ، إذ أقبل الحسن ،فلمّا رآه بكى ثمّ قال : إليَّ يا بنيّ ، فما زال يدنيه حتّى أجلسه على فخذه اليسرى ، ثمّ أقبلت فاطمة ، فلمّا رآها بكى ثمّ قال : إليّ يا بنيّة ، فما زال يدنيها حتّى أجلسها بين يديه ، ثمّ أقبل أمير المؤمِنين علي بن أبي طالب ، فلمّا رآه بكى ، ثمّ قال : إليّ يا أخي ، فما زال يدنيه حتّى أجلسه إلى جنبه الأيمن .

فقال له أصحابه : يا رسول الله ، ما ترى أحداً مِن هؤلاء إلاّ بكيت ؟

قال :يا ابن عبّاس : لو أنّ الملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين اجتمعوا على بغضه ولن يفعلوا ، يعذّبهم الله بالنار .

قلت : يا رسول الله ، هل يبغضه أحد ؟

_______________________

(١) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة ١ : ٤٩٧ .


فقال :يا ابن عبّاس ، نعم يبغضه قوم ، يذكرون أنّهم مِن أُمّتي ، لم يجعل الله لهم في الإسلام نصيباً .

يا ابن عبّاس : إنّ مِن علامة بغضهم له تفضيل مَن هو دونه عليه ، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً ، ما خلق الله نبيّاً أكرم عليه منّي ، وما خلق وصيّاً أكرم عليه مِن وصيّي عليّ .

قال ابن عبّاس : فلم أزل له كما أمرني رسول الله ووصّاني بمودّته ، وإنّه لأكبر عمل عنده .

قال ابن عبّاس ، ثمّ قضى مِن الزمان ، وحضرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الوفاة ، فحضرته فقلت له : فداك أبي وأُمّي يا رسول الله ، قد دنا أجلك ، فما تأمرني ؟

فقال :يا ابن عبّاس ، خالف مَن خالف عليّاً ولا تكوننّ له ظهيراً ولا وليّاً .

قلت : يا رسول الله ، فَلِمَ لا تأمر الناس بترك مخالفته ؟

قال :فبكى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى أُغمي عليه .

ثمّ قال :يا ابن عبّاس ، سبق الكتاب فيهم وعلم ربّي ، والذي بعثني بالحق نبيّاً ، لا يخرج أحد ممّن خالفه وأنكر حقّه مِن الدنيا حتّى يغيّر الله ما به مِن نعمة .

يا ابن عبّاس : إن أردت وجه الله ولقائه وهو عنك راض فاسلك طريق عليّ بن أبي طالب ، ومل معه حيثما مال ، وارض به إماماً ، وعاد مَن عاداه ووال مَن والاه .

يا ابن عبّاس : احذر أن يدخلك شكّ فيه ، فإن الشكّ في عليّ كفر )(١) .

_______________________

(١) المحتضر : ١٣٠ .


الحديث الثاني والعشرون

روى في ( الكافي ) بإسناده عن عيسى بن المستفاد أبي موسى الضرير ، قال :

( حدّثني موسى بن جعفرعليهما‌السلام قال : قلت لأبي عبد الله : أليس كان أمير المؤمِنين عليه‌السلام كاتب الوصيّة ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المملي عليه وجبرئيل والملائكة المقرَّبون عليهم‌السلام شهودٌ ؟ قال : فأطرق طويلاً ثمّ قال : يا أبا الحسن قد كان ما قلت ، ولكن حين نزل برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأمر ، نزلت الوصيّة مِن عند الله كتاباً مسجّلاً ، نزل به جبرئيل مع أمناء الله تبارك وتعالى مِن الملائكة ، فقال جبرئيل : يا محمّد مُرْ بإخراج مَن عندك إلاّ وصيّك ، ليقبضها منّا وتشهدنا بدفعك إيّاها إليه ضامناً لها ـ يعني عليّاً عليه‌السلام ـ فأمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإخراج مَن كان في البيت ما خلا عليّاً عليه‌السلام ؛ وفاطمة فيما بين الستر والباب .

فقال جبرئيل : يا محمّد ، ربّك يقرئك السلام ويقول : هذا كتاب ما كنت عهدت إليك وشرطت عليك وشهدت به عليك وأشهدت به عليك ملائكتي وكفى بي يا محمّد شهيداً ، قال : فارتعدت مفاصل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : يا جبرئيل ربّي هو السلام ومِنه السلام وإليه يعود السلام صدق عزَّ وجلَّ وبرَّ ، هات الكتاب ، فدفعه إليه وأمره بدفعه إلى أمير المؤمِنينعليه‌السلام فقال له : اقرأه ، فقرأه حرفاً حرفاً ، فقال : يا عليُّ ! هذا عهد ربّي تبارك وتعالى إليَّ وشرطه عليَّ وأمانته ، وقد بلّغت ونصحت وأدَّيت ، فقال عليٌّعليه‌السلام وأنا أشهد لك [بأبي وأمّي أنت] بالبلاغ والنصيحة والتصديق على ما قلت ويشهد لك به


سمعي وبصري ولحمي ودمي ، فقال جبرئيلعليه‌السلام : أنا لكما على ذلك مِن الشاهدين ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عليٌّ أخذت وصيّتي وعرفتها وضمِنت لله ولي الوفاء بما فيها ؟ فقال عليٌّعليه‌السلام : نعم بأبي أنت وأُمّي ، عليَّ ضمانها وعلى الله عَوْني وتوفيقي على أدائها ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عليٌّ إنّي أُريد أن أُشهد عليك بموافاتي بها يوم القيامة ، فقال عليٌّعليه‌السلام نعم أَشهِد ، فقال النبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنَّ جبرئيل وميكائيل فيما بيني وبينك الآن وهما حاضران معهما الملائكة المقرَّبون لأُشهدهم عليك ، فقال : نعم ليشهدوا وأنا ـ بأبي أنت وأُمّي ـ أُشهدهم ، فأشهدهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وكان فيما اشترط عليه النبيُّ بأمر جبرئيلعليه‌السلام فيما أمر الله عزَّ وجلَّ أن قال له : يا عليُّ ، تفي بما فيها مِن موالاة مَن والى الله ورسوله والبراءة والعداوة لمَن عادى الله ورسوله والبراءة مِنهم ، على الصبر مِنك [و] على كظم الغيظ وعلى ذهاب حقّي وغصب خمسك وانتهاك حرمتك ؟ فقال : نعم يا رسول الله .

فقال أمير المؤمِنينعليه‌السلام : والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، لقد سمعت جبرئيلعليه‌السلام يقول للنبيّ : يا محمّد عرّفه أنّه يُنتهك الحرمة وهي حرمة الله وحرمة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلى أن تُخضب لحيته مِن رأسه بدم عبيط .

قال أمير المؤمِنينعليه‌السلام : فصعقت حين فهمت الكلمة مِن الأمين جبرئيل حتّى سقطت على وجهي وقلت : نعم قبلت ورضيت ، وإن اُنتُهكت الحرمة وعُطّلت السُنن ومُزّق الكتاب وهُدّمت الكعبة وخُضبت لحيتي مِن رأسي بدم عبيط صابراً محتسباً أبداً حتّى أقدم عليك .

ثمَّ دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمة والحسن والحسين وأعلمهم

مثل ما أعلم أمير المؤمِنين ، فقالوا مثل قوله فخُتمت الوصيّة بخواتيم مِن ذهب ، لم تمسّه النار ودُفعت إلى أمير المؤمِنينعليه‌السلام .


فقلتُ لأبي الحسنعليه‌السلام : بأبي أنت وأُمّي ألا تذكر ما كان في الوصيّة ؟فقال : سنن الله وسنن رسوله ، فقلت : أكان في الوصيّة توثّبهم وخلافهم على أمير المؤمِنينعليه‌السلام ؟فقال : نعم والله شيئاً شيئاً ، وحرفاً حرفاً ، أما سمعت قول الله عزَّ وجلَّ : ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) ؟والله لقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأمير المؤمِنين وفاطمة عليهما‌السلام : أليس قد فهمتما ما تقدّمت به إليكما وقبلتماه ؟ فقالا : بلى وصبرنا على ما ساءنا وغاظنا ) (١) .

الحديث الثالث والعشرون

عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :

( لما أُخرج عليّعليه‌السلام مُلبَّباً : وقف عند قبر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال :( ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي ) ، قال : فخرجت يد مِن قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعرفون أنّها يده وصوت يعرفون أنّه صوته نحو أبي بكر : يا هذا( أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا ) )(٢) .

الحديث الرابع والعشرون

في كتاب ( كامل الزيارات ) : ( وبهذا الإسناد عن عبد الله بن بكير

_______________________

(١) الكافي ١ : ٢٨١ ـ ٢٨٣ .

(٢) كتاب الاختصاص : ٢٧٥ .


الأرجاني قال :

صحِبْتُ أبا عبد اللهعليه‌السلام في طريق مكّة إلى المدينة ، فنزلنا منزلاً يقال له عسفان ، ثمّ مررنا بجبل أسود عن يسار الطريق موحش ، فقلت له :

يا ابن رسول الله ، ما أوحش هذا الجبل ! ما رأيت في الطريق مثل هذا .

فقال لي :يا ابن بُكَيْر ، أتدري أيّ جبلٍ هذا ؟

قلت : لا .

قال :هذا جبل يقال له الكمد ، وهو على وادٍ مِن أودية جهنّم ، وفيه قَتَلَة أبيَ الحسين ، استودعهم فيه ، تجري مِن تحتهم حياة جهنّم مِن الغِسْلين والصديد والحميم ، وما يخرج مِن جبّ الجوى ، وما يخرج مِن الفلق ، وما يخرج مِن اثام ، وما يخرج مِن طينة الخبال ، وما يخرج مِن جهنّم ، وما يخرج مِن لظى ومِن الحُطَمة ، وما يخرج مِن سقر ، وما يخرج مِن الحميم ، وما يخرج مِن الهاوية ، وما يخرج مِن السعير .

وما مررت بهذا الجبل في سفري فوقفت به إلاّ رأيتهما يستغيثان إليّ ، وإني لأنظر إلى قتلة أبي وأقول لهما : هؤلاء فعلوا ما أسّستما ، لم ترحمونا إذ ولّيتم ، وقتلتمونا وحرمتمونا ، ووثبتم على حقّنا ، واستبددتم بالأمر دوننا ، فلا رحم الله مَن يرحمكما ، ذوقا وبال ما قدّمتما ، وما الله بظلاّم للعبيد ، وأشدّهما تضرّعاً واستكانة الثاني ، فربّما وقفت عليهما ليتسلّى عنّي بعض ما في قلبي ، وربّما طويتُ الجبل الذي هما فيه ، وهو جبل الكمد .

قال : قلت له : جعلت فداك ، فإذا طويت الجبل فما تسمع ؟

قال :أسمع أصواتهما يناديان : عرّج علينا نكلّمك فإنّا نتوب ، وأسمع مِن الجبل صارخاً يصرخ بي : أجبهما ، وقل لهما :( اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ )

قال : قلت له : جُعِلْتُ فداك ومَن معهم ؟

قال :كلّ فرعون عتى على الله وحكى الله عنه فعاله ، وكلّ مَن علّم العباد الكفر .

فقلت : مَن هم .

قال :نحو بولس الذي علّم اليهود أنّ يد الله مغلولة ، ونحو نسطور الذي علّم النصارى أنّ المسيح ابن الله ، وقال لهم : هم ثلاثة ، ونحو فرعون موسى الذي قال : أنا ربّكم الأعلى ، ونحو نمرود الذي قال : قهرت أهل الأرض وقتلت مَن في السماء ، وقاتل أمير المؤمِنين عليه‌السلام ، وقاتل فاطمة ومحسن ، وقاتل الحسن والحسين عليهما‌السلام ، فأمّا معاوية وعمرو فما يطمعان في الخلاص ، ومعهم كلّ مَن نصب لنا العداوة ، وأعان علينا بلسانه ويده وماله .

قلت له : جُعلتُ فداك ، فأنت تسمع ذا كلّه ولا تفزع .


قال :يابن بكير ، إنّ قلوبنا غير قلوب الناس ، إنّا مطيعون مصَفَّوْن مصطَفَوْن ، نرى ما لا يرى الناس ونسمع ما لا يسمعون ، وإنّ الملائكة تنزل علينا في رحالنا وتتقلّب في فرشنا ، وتشهد طعامنا ، وتحضر موتانا ، وتأتينا بأخبار ما يحدث قبل أن يكون ، وتصلّي معنا وتدعو لنا ، وتلقي علينا أجنحتها ، وتتقلّب على أجنحتها صبياننا ، وتمنع الدوابّ أن تصل إلينا ، وتأتينا ممّا في الأرضين مِن كلّ نبات في زمانه ، وتسقينا مِن ماء كلّ أرض نجد ذلك في آنِيَتِنا .

وما مِن يوم ولا ساعة ولا وقت صلاة إلاّ وهي تنبّهنا لها ، وما مِن ليلة تأتي علينا إلاّ وأخبار كلّ أرض عندنا وما يحدث فيها ، وأخبار الجنّ وأخبار أهل الهوى مِن الملائكة ، وما مِن مَلِك يموت في الأرض ويقوم غيره إلاّ أتانا خبره ، وكيف سيرته في الذين قِبَله ، وما مِن أرض مِن ستّة أرَضين إلى السابعة إلاّ ونحن نؤتى بخبرهم .

فقلت : جعلت فداك ، فأين منتهى هذا الجبل ؟

قال :إلى الأرض السادسة ، وفيها جهنّم ، على وادٍ مِن أوديته ، عليه حفظة أكثر مِن نجوم السماء وقَطْر المطر ، وعدد ما في البحار وعدد الثرى ، قد وكّل كلّ مَلَك مِنهم بشيء وهو مقيم عليه لا يفارقه .

قلت : جعلت فداك ، إليكم جميعاً يُلْقون الأخبار ؟

قال :لا ، إنّما يلقى ذلك إلى صاحب الأمر ، وإنّا لنحمل ما لا يقدر العباد على الحكومة فيه فنحكم فيه ، فمَن لم يقبل حكومتنا جبرته الملائكة على قولنا ، وأمرت الذين يحفظون ناحيته أن يقسروه على قولنا ، وإن كان مِن الجنّ مِن أهل الخلاف والكفر ، أوثقته وعذّبته حتّى يصير إلى ما حكمنا به .

قلت : جعلت فداك ، فهل يرى الإمام ما بين المشرق والمغرب .

فقال :يابن بكير ، فكيف يكون حجّة الله على ما بين قُطْرَيها وهو لا يراهم ولا يحكم فيهم ؟ وكيف يكون حجّة على قوم غُيَّب لا يقدر عليهم ولا يقدرون عليه ؟ وكيف يكون مؤدّياً عن الله وشاهداً على الخلق وهو لا يراهم ؟ وكيف يكون حجّة عليهم وهو محجوب عنهم ، وقد حيل بينهم وبينه أن يقوم بأمر ربّه فيهم ، والله يقول :( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ ) يعني به مَن على الأرض والحجّة مِن بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقوم مقام النبيّ .

وهو الدليل على ما تشاجرت فيه الأُمّة ، والآخذ بحقوق الناس ، والقائم بأمر الله ، والمنصف لبعضهم مِن بعض ، فإذا لم يكن معهم مَن ينفذ قوله ، وهو يقول : ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ ) ، فأيّ آية في الآفاق غيرنا أراها الله أهل الآفاق ، وقال : ( وَمَا نُرِيهِم مِن آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِن أُخْتِهَا ) ، فأيّ آية أكبر مِنّا .


والله إنّ بني هاشم وقريشاً لتعرف ما أعطانا الله ، ولكنّ الحسد أهلكهم كما أهلك إبليس ، وإنّهم ليأتوننا إذا اضطرّوا وخافوا على أنفسهم ، فيسألونا فنوضّح لهم فيقولون : نشهد أنّكم أهل العلم ، ثم يخرجون فيقولون : ما رأينا أضلّ ممّن اتّبع هؤلاء ويقبل مقالتهم .

قلت : جعلت فداك ، أخبرني عن الحسينعليه‌السلام لو نُبش كانوا يجدون في قبره شيئاً ؟

قال :يابن بكير ، ما أعظم مسائلك ! الحسين عليه‌السلام مع أبيه وأُمّه وأخيه الحسن ، في منزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يُحْبَون كما يحبي ويُرزَقون كما يرزق ، فلو نُبش في أيّامه لوُجد ، وأمّا اليوم فهو حيّ عند ربّه ينظر إلى معسكره، وينظر إلى العرش متى يؤمر أن يحمله ، وإنّه لعلى يمين العرش متعلّق ، يقول : يا ربّ أنجز لي ما وعدتني .

وإنّه لينظر إلى زوّاره ، وهو أعرف بهم وبأسماء آبائهم وبدرجاتهم وبمنزلتهم عند الله مِن أحدكم بولده وما في رحله ، وإنّه ليرى مَن يبكيه فيستغفر له رحمة له ويسأل أباه الاستغفار له ، ويقول : لو تعلم أيّها الباكي ما أُعدّ لك لفرحت أكثر ممّا جزعت ، فيستغفر له كلّ مَن سمع بكائه مِن الملائكة في السماء وفي الحائر ، وينقلب وما عليه مِن ذنب )(١) .

_______________________

(١) كامل الزيارات : ٥٣٩ ـ ٥٤٤ .


الحديث الخامس والعشرون

في كتاب ( سُلَيم بن قيس ) : ( إنّه لمّا قتل الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، بكى ابن عبّاس بكاءاً شديداً ثمّ قال : ما بقيت هذه الأُمّة بعد نبيّها ، اللّهمّ إنّي أُشهدك أنّي لعليّ بن أبي طالب ووُلْده وليّ ، ولعدوّه عدوّ ، ومِن عدوّ وُلْده بريّ ، وإنّي سِلْمٌ لأمرهم .

ولقد دخلت على ابن عمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذي قار فأخرج لي صحيفة وقال لي :يا ابن عبّاس ، هذه صحيفة أملاها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخطّي بيدي .

قال : فقلت : يا أمير المؤمِنين اقرأها عليّ .

فقرأها ، فإذا فيها كلّ شيء منذ قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكيف يُقتل الحسين ومَن يقتله ومَن ينصره ومَن يستشهد معه ، وبكى بكاء شديداً وأبكاني ، وكان فيما قرأه كيف يُصنع به ، وكيف تستشهد فاطمة ، وكيف يستشهد الحسين ، وكيف تغدر به الأُمّة ، فلمّا قرأ مقتل الحسين ومَن يقتل أكثر البكاء ، ثمّ أدرج الصحيفة وفيها ما كان وما يكون إلى يوم القيامة .

وكان فيما قرأ أمر أبي بكر وعمر وعثمان ، وكم يملك كلّ إنسان مِنهم ، وكيف يقع على عليّ بن أبي طالب ، ووقعة الجمل، ومسير عائشة وطلحة والزبير ، ووقعة صفّين ومَن يقتل بها ، ووقعة النهروان وأمر الحَكَمَين ، وملك معاوية ومَن يقتل مِن الشيعة ، وما يصنع الناس بالحسن ، وأمر يزيد بن معاوية ، حتّى انتهى إلى قتل الحسين ، فسمعت ذلك ، فكان كما قرأ ولم ينقص ، ورأيت خطّه في الصحيفة لم يتغيّر... )(١) .

_______________________

(١) كتاب سُلَيم بن قيس ٢ : ٩١٥ .


بحوثٌ حول الأحاديث المذكورة

هذه الأحاديث طرفٌ مِن الأحاديث الكثيرة جدّاً ، المرويّة بالأسانيد في كتبنا المشتهرة ، المتضمِنة علم النبيّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما سيقع مِن بعده ، وما سيصنعه أصحابه الذين كانوا مِن حوله ، وما صدر مِنهم في حقّ بضعته الطاهرة، وسائر عترته وأهل بيته الكرام ، وأنّه قد أخبرهم بذلك كلّه .

وقد اشتملت هذه الروايات على أنّ شفاعته يوم القيامة سوف لا تشمل أولئك الذين آذَوا أهل بيته وعادوهم في دار الدنيا ، فلو أنّ ( حديث الحوض ) دلَّ على شفاعتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّها سوف لا تنال مَن خالف وصيّته في أهل بيته ، ونقض العهد معه في السَير على مِنهاجه والعمل بتعاليمه .

فهذه هي عقيدة الإماميّة ، وهذه رواياتهم ...

إلاّ أنّ مضامين غير واحدٍ مِن هذه الأخبار الواردة مِن طرقنا ، موجودة في روايات أهل السنّة ، كما أنّ بعضها يشتمل على بحوثٍ وفوائد ينبغي بيانها فنقول :

معنى حديث : فالبعوضة أمير المؤمِنين ...

لقد جاء في الحديث الأوّل عن ( تفسير القمّي ) عن أبي عبد الله الصّادقعليه‌السلام ، بتفسير قوله تعالى :( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا... ) إنّ ( البعوضة ) أمير المؤمِنينعليه‌السلام ، و( ما فوقها ) هو رسول الله ،صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فما معنى هذا التفسير الذي ربّما ذكره بعض المخالفين للتعريض بالأئمّة الأطهار والروايات المرويّة عنهم ؟

إنّ معنى الحديث واضح لا سترة فيه لمَن له أدنى معرفة بفنون العربيّة .


وبيان ذلك هو : إنّ ( البعوضة ) ضرب الله المثل بها لأمير المؤمِنين ، و( ما فوقها ) ضرب الله المثل به لرسول الله ، فهذا معنى الخبر كما يدلّ عليه السياق ، ولأجل السياق اختصر الكلام ، فكانت العبارة : فالبعوضة لأمير المؤمِنين ، وما فوقها لرسول الله... ثمّ حذفت اللام الجارّة ، وكانت الجملة : فالبعوضة أمير المؤمِنين ...

وحذف اللام في مثل المقام شائع في كلام العرب ، وقد صرّح به علماء العربيّة :

قال في ( مجمع البيان ) : ( تقول العرب : لاه أبوك ، تريد لله أبوك ، قال ذو الإصبع العدواني :

لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب

عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني

أي : تسوسني .

قال سيبويه : حذفوا لام الإضافة واللام الأُخرى ، ولا ينكر بقاء عمل اللام بعد حذفها ، فقد حكى سيبويه مِن قولهم : الله لأخرجنّ ، يريدون والله ، ومثل ذا كثير )(١) .

وعلى هذا ، فإن لفظ ( أمير المؤمِنين ) في الرواية مجرور.. ، وذلك قرينة على حذف اللام ، فاستبصِر ولا تكن مِن الغافلين...

فالمعنى : إنّ الله تعالى ضرب مثلاً بالبعوضة لأمير المؤمِنين ، لا أنّ المراد مِن البعوضة هو أمير المؤمِنين ! وضرب مثلاً بما فوقها لرسول الله ، لا أنّ ما فوقها هو رسول الله !

ويدلّ على هذا المعنى قولهعليه‌السلام في الخبر : إنّ هذا المثل ضربه الله لأمير المؤمِنين ، فعليّعليه‌السلام هو الذي ضُرب له هذا المثل ، أعني مثل البعوضة ، لا أنّه المضروب به المثل في هذا الكلام .

_______________________

(١) مجمع البيان في تفسير القرآن ١ : ٢٨ .


نعم ، بناء على كون خطبة البيان مِن كلام أمير المؤمِنين ـ كما عليه المولوي عبد العزيز الدهلوي ، صاحب ( التحفة الاثني عشرية )(١) وغيره مِن علماء أهل السنّة ، حتّى أنّ بعضهم كتب عليه شرحاً سمّاه خلاصة الترجمان في تأويل خطبة البيان ـ فقد جاء فيها : ( أنا البعوضة التي ضرب الله بها المثل مَثَلاً ) ، وحينئذٍ يلزم على القائلين بأنّها مِن كلامهعليه‌السلام ؛ تفسيرها على وجهٍ صحيح مقبول .

على أنّ لهذا التمثيل نظائر في كتب القوم ، فقد رَوَوْا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه شبّه الإمام الحسن أو الإمام الحسين بالبقّة وهي البعوضة ، قال الدميري :

( وقد ذكر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم البق في حديثٍ رواه الطبراني بإسنادٍ جيّد عن أبي هريرة قال : سمعت أُذناي وأبصرت عيناي هاتان رسولَ الله وهو آخذ بيديه جميعاً حسناً أو حسيناً ، وقَدَماه على قَدَمَي رسول الله وهو يقول :

خرقة خرقة

ترقَّ عين بقّة

فيرقى الغلام ، فتقع قدَماه على صدر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

_______________________

(١) التحفة الاثني عشريّة : ٤ و ٢٢٨ .


ثمّ قال :افتح فاك ، ثمّ قبّله ثمّ قال : اللّهمّ مَن أحبّه فإنّي أُحبّه .

ورواه البزّار ببعض هذه الألفاظ .

والخرقة : الضعيف المتقارب الخطوة ، ذكر ذلك له رسول الله على سبيل المداعبة والتأنيس ، وترقّ معناه اصعد ، وعين بقّة : كناية عن صغر العين ، مرفوع على أنّه خبر مبتدأ محذوف )(١) .

ورَوَوا عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تشبيه نفسه الشريفة للحسنينعليهم‌السلام بالجَمَل ، رواه الشهاب الدولت آبادي في ( هداية السعداء ) عن كتاب ( شرف النبوّة ) قال ( قال جابر بن عبد الله : دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يمشي على أربع والحسن والحسين على ظهره وهو يقول :نِعْمَ الجَمَل جَمَلَكما ونِعمَ الراكِبان أنتما )(٢) .

وفي ( المصابيح ) :

( قال ابن عبّاس : جاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو حامل الحسن على عاتقه ، فقال رجل :نِعْمَ المَرْكَب رَكِبْتَ يا غلام ، فقال : نِعْمَ الراكب هو )(٣) .

بل لقد رَوَوْا عن الله سبحانه أنّه شبّه نفسه بالدجاجة !! قال السيوطي :

( أخرج أحمد في الزهد عن خالد بن ثابت الربعي قال : لمّا قَتَل فَجَرَةُ بني إسرائيل يحيى بن زكريّا ، أوحى الله إلى نبيّ مِن أنبيائهم أن قل لبني إسرائيل : إلى متى تجترؤن على أنْ تعصوا أمري وتقتلوا رُسُلي ، حتّى متى أضمّكم في كنفي كما تضمّ الدجاجة أولادها في كنفها فتجترؤن عليَّ ؟ اتّقوا

_______________________

(١) حياة الحيوان ١ : ٢١٧ ـ ٢١٨ .

(٢) هداية السعداء ـ مخطوط .

(٣) مصابيح السنّة ٤ : ١٩٦ / ٤٨٣٦ .


لأخذكم بكلّ دم كان بين بني آدم ويحيى بن زكريّا ، واتّقوا أنْ أضرب عنكم وجهي ، فإنّي إنْ صرفت عنكم وجهي لم أُقبل عليكم إلى يوم القيامة )(١) .

بل لقد رَوَوْا عن شيخهم الأكبر ابن عربي أنّه قال : ( رأيت ربّي على صورة فَرَس ) !! وحكاه الشيخ علاء الدين السمناني في ( أربعينه ) والشيخ الكاشفي في ( رشحاته ) !!

تكذيب الحديث الثاني لاشتماله على نَفْيِ أبي ذر

وكذَّب بعضهم الحديث الثاني ـ بسبب اشتماله على نفي عثمان أبا ذر الغفاريرضي‌الله‌عنه مِن المدينة المنوّرة ـ مدّعياً أنّ هذا مِن مفتريات الإماميّة وموضوعاتهم .

لكنّ نفْيِ أبي ذر مِن المدينة المنوّرة مِن الأمور الثابتة في التاريخ ، وإنكاره عناد محض وتعصّب ، فالواقدي روى القضيّة في ( تاريخه ) كما في ( الشافي ) وغيره ، وكذا سبط ابن الجوزي في ( تذكرته ) ، وأحمد بن عبد العزيز الجوهري روى الخبر ومكالمة أمير المؤمِنين وعقيل والحسن والحسينعليهم‌السلام معه لدى خروجه ، وروى القصّة أيضاً : جمال الدين المحدّث الشيرازي في ( روضة الأحباب ) .

وتجد الخبر في ( المعارف ) و( وفيات الأعيان ) و ( تاريخ الخميس ) و ( حياة الحيوان ) و ( شرح الجامع الصغير ) للعلقمي وغيرها .

وروى الخبر شاه وليّ الله الدهلوي والد صاحب التحفة في كتاب ( إزالة الخفا في سيرة الخُلَفا ) .

_______________________

(١) الدرّ المنثور ٥ : ٤٩٢ .


وقد أخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا ذر بذلك وهذا أيضاً موجود في روايات القوم وكتبهم المعتبرة ، أمثال ( جامع عبد الرزاق ) و ( مسند أحمد ) و ( مسند أبي يعلى ) و ( فتح الباري ) و ( جمع الجوامع ) و ( الجامع الصغير ) و ( كنز العمّال ) .

ففي ( فتح الباري ) :

( ولأحمد وأبي يعلى مِن طريق أبي الحرث عن أبي الأسود عن عمّه عن أبي ذر قال : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال له :

كيف تصنع إذا أُخرجت مِن المسجد النبوي ؟

قال : آتي الشام .

قال :كيف تصنع إذا أُخرجت مِنها ؟

قال : أعود إليه .

قال :كيف تصنع إذا أُخرجت مِنه ؟

قال : أضرب بسيفي .

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ألا أدلّك على ما هو خير لك مِن ذلك وأقرب رشداً ؟ تسمع وتطيع وتنساق لهم حيث ساقوك .

وعند أحمد أيضاً مِن طريق شهر بن حوشب ، عن أسماء بنت يزيد ، عن أبي ذر نحوه )(١) .

وفي ( مسند أحمد بن حنبل ) :

( عن عبد الرحمان بن غنم عن أبي ذر قال : كنت أخدم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ آتي المسجد إذا أنا فرغت مِن عملي فأضطجع فيه ، فأتاني النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً وأنا مضطجع فغمزني برجله فاستويت جالساً

_______________________

(١) فتح الباري ـ شرح صحيح البخاري ٣ : ٢١٣ .


فقال :

يا أبا ذر ، كيف تصنع إذا أُخرجت مِنها ؟

فقلت : أرجع إلى مسجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلى بيتي .

قال :فكيف تصنع إذا أُخرجت مِنها ؟

قال : إذاً آخذ بسيفي فأضرب به مَن يخرجني .

فجعل النبيّ يضرب يده على مِنكبه فقال :غفراً يا أبا ذر ـ ثلاثاً ـ بل تنقاد معهم حيث قادوك وتنساق معهم حيث ساقوك ولو عبداً أسود .

قال أبو ذر : فلمّا نُفِيتُ إلى الرَبَذَة وأُقيمت الصلاة فتقدّم عبد أسود كان فيها على نِعَم الصدقة... )(١) .

وفي ( كنز العمّال ) : ( عن طاووس قال : قال النبيّ لأبي ذر :مالي أراك لقّابقّا كيف بك إذا أخرجوك مِن المدينة ؟

قال : آتي الأرض المقدّسة .

قال :فكيف بك إذا أخرجوك مِنها ؟

قال : آتي المدينة .

قال :فكيف بك إذا أخرجوك مِنها ؟

قال : آخذ سيفي فأضرب به .

قال :لا ولكن اسمع وأطع وإن كان عبداً أسود .

فلمّا خرج أبو ذر إلى الرَبَذَة ، وجد بها غلاماً لعثمان أسود ، فأذّن وأقام ثمّ قال : تقدّم يا أبا ذر قال : لا ، إنّ رسول الله أمرني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً أسود .

_______________________

(١) مسند أحمد بن حنبل ٦ : ١٧٧ / ٢٠٧٨٤ .


فتقدّم فصلّى خلفه عب )(١) أي رواه عبد الرزاق في جامعه .

وفي ( شرح الجامع الصغير ) لنور الدين عليّ العزيزي :

(جندب بن جنادة الغفاري ، كنيته أبو ذر طريد أُمّتي ، أي : مطرودها ، يطردونه ، يعيش وحده ، ويموت وحده ، والله يبعثه يوم القيامة وحده )(٢) .

اضطراب القوم في تبرير صنيع عثمان

ومِن العجب دفاع بعضهم عن عثمان وتبريره صنيعه : بأنّ أبا ذر كان يستحقّ الإجلاء عن المدينة ؛ لأنّه كان يتجاسر على عثمان ، قال : ( أمّا نفي بعض الصحابة كأبي ذر ؛ فلأنّه كان يتجاسر عليه ، ويجيبه بالكلام الخشن ، وكان ذلك يؤدّي إلى ذهاب هيبته وتقليل حرمته )(٣) .

أمّا أوّلاً : فهذا الكلام دليلٌ على أنّ عثمان لم يكن له حرمة عند خلّص المؤمِنين مِن أصحاب رسول ربّ العالمين ، كأبي ذر وسلمان وعمّار وأمثالهم .

وأمّا ثانياً : فمِن أين ثبت أنّ تجاسره على عثمان وتكلّمه معه بكلامٍ خشن كان غير جائز ؟ إنّه لا بدّ مِن إثبات ذلك بالكتاب والسنّة ، حتى يجوز ما فعله عثمان !!

وأمّا ثالثاً : فإنّ القول بأنّ نفي عثمان أبا ذر كان على حقٍّ ، ردّ صريح على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل تكذيبٌ لكلامه ؛ لأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذكر طرد أبي ذر مِن المدينة في مقام المدح له ـ كما في ( الجامع

_______________________

(١) كنز العمّال ٥ : ٧٨٢ / ١٤٣٧٦ و ١٢ : ٢٥٦ / ٣٤٩٢٦ .

(٢) السراج المنير في شرح الجامع الصغير ٢ : ٤٦٤ .

(٣) تحصيل الكمال في أسماء رجال المشكاة ، لعبد الحقّ الدهلوي ترجمة أبي ذر .


الصغير ) وغيره ـ فلو كان إخراجه بحقٍّ فأين موضع المدح ؟

وهذا مِن موارد تقديم القوم خلفائهم على رسول الله !!

وأمّا رابعاً : فإنّه كيف الجمع بين هذه القصّة ، وذلك التعظيم والتجليل الذي يذكرونه للصحابة عامّةً ، ويحرّمون تحقيرهم والتنكيل فيهم والطعن عليهم ، وينفون عنهم أيّة منقصة ، ويذمّون بل يكفّرون كلّ مَن ناقش في عدالتهم ؟

فعجيب أمر هؤلاء ، إنّما إذا أرادوا تثبيت الخلافة البكريّة جعلوا يبالغون في مدح الصحابة أقصى المبالغة ، ثمّ لمّا رأوا الصّحابة يطعنون في عثمان وخلافته رموهم بالقبيح وأفْتَوْا باستحقاقهم للهتك والضرب والطّرد !!

وأفرط بعضهم ـ كالشيخ وليّ الله الدهلوي في ( إزالة الخفا ) ـ في ذمّ أبي ذر ـ دفاعاً عن عثمان ـ فاتّهمه بأنّه قد أوجد ثلمة في القواعد الشرعيّة المقرّرة ، فلذا نفاه عثمان !!

فهكذا يتّهم أبا ذر... وينسى كلّ ما يقولونه في فضل الصحابة ، وما يرويه الفريقان في فضل أبي ذر خاصّة ؟ والحال أنّهم إذا سمعوا مثل هذا الكلام مِن بعض الإماميّة ولو بحقّ معاوية وعمرو بن العاص ، أقاموا الدنيا وأقعدوها ، لكونهما مِن الصحابة!!

لكنّ البعض الآخر يجعل السبب في طرد أبي ذر ( تزهيده الناس في الدنيا ) ؟! ففي ( تاريخ الخميس ) : ( قال ابن خلّكان وغيره... نفى أبا ذر الغفاري إلى الرَبَذَة ؛ لأنّه كان يزهّد الناس في الدنيا... )(١) .

_______________________

(١) تاريخ الخميس ٢ : ٢٥٩ .


وهكذا في كتاب ( حياة الحيوان )(١) .

سبحان الله !! أصبح ( تزهيد الناس في الدنيا ) مجوّزاً للهتك وللطّرد مِن مدينة المصطفى ؟!

أفهكذا يُعتذر لخليفة المسلمين فيما أتى به مع هذا الصحابي العظيم ؟!

رواية أبي الليث السمرقندي في فضل أبي ذر الغفاري

ومِن التأييدات الإلهيّة والألطاف الربّانيّة : الرواية التالية التي يرويها الفقيه أبو الليث السمرقندي بأسانيده ، وهذا نصّها :

( حدّثني عبد الوهّاب بن محمّد الفضلاني بسمرقند بإسناده عن محمّد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أبيه قال : قال عبد الله ابن مسعودرضي‌الله‌عنه :

لمّا خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى غزوة تبوك صَحِبَه رجال مِن المنافقين ، وكانوا يتخلّفون عنه الرجل والرجلان فيقولون : يا رسول الله ، تخلّف فلان فيقولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :دعوه ؛ فمَن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله مِنه .

فقالوا : يا رسول الله ، تخلّف أبو ذر .

فقال :فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم .

وكان أبو ذر تخلّف ؛ لأنّه أبطأ بعيره فتلوّم بعيره فلمّا أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره ، ثمّ رجع يتبع أثر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ماشياً حاملاً على ظهره في شدّة الحرّ وحده .

_______________________

(١) حياة الحيوان ١ : ٧٦ .


قالوا : يا رسول الله ، أقبل إلينا رجل يمشي وحده .

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ليكن يا أبا ذر .

فلمّا تأمّله الناس قالوا : يا رسول الله ، هذا والله أبو ذر .

فدمعت عينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال :رحم الله أبا ذر ، يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده .

قال محمّد بن إسحاق : فحدّثني بريدة بن سفيان الأسلمي عن محمّد بن كعب رض الله عنهم قال : لمّا سار أبو ذررضي‌الله‌عنه إلى الرَبَذَة في عهد عثمانرضي‌الله‌عنه وأصابه بها قدره ، ولم يكن معه إلاّ امرأته وغلامه ، فأوصى إليهما أن اغسلاني وكفّناني ، ثمّ ضعاني على قارعة الطريق ، فأوّل رَكْبٍ يمرّ عليكم فقولوا : هذا أبو ذر صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأعينونا على دفنه .

فلمّا مات فَعَلا به ذلك ، ثمّ وضعاه على قارعة الطريق .

فأقبل عبد الله بن مسعودرضي‌الله‌عنه في رهط مِن العراق ، فلمّا رآهم الغلام قام إليهم فقال : هذا أبو ذر صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأعينونا على دفنه .

فأقبل ابن مسعودرضي‌الله‌عنه وهو يبكي رافعاً صوته ثمّ قال : صدق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك .

ثم وارَوْه ومَضَوْا وهو يحدّثهم بما قال رسول الله في مسيره إلى تبوك .

وعن أبان بن مسلم عن أبيه عن أبي ذر الغفاريرضي‌الله‌عنه : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :سيصيبك بعدي بلاء .

قال : قلت : في الله ؟

قال :في الله .

قلت : فمرحباً بأمر الله .

قال :يا أبا ذر ، اسمع وأطع ولو صلّيت خلف أسود .

فلمّا توفّي رسول الله واستخلف أبو بكررضي‌الله‌عنه ، دعاه فحباه وبكى فقال : قد سمعت قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيك ، فأعوذ بالله أن أكون صاحبك ـ يعني أعوذ بالله أن يصيبك البلاء بسببي أو في زماني ـ .


فلمّا توفّي أبو بكررضي‌الله‌عنه وولّي عمر ، دعاه وأثنى عليه وقال : قد سمعت قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيك ، فأعوذ بالله أن يصيبك البلاء بسببي أو في زماني .

فلمّا توفّي عمررضي‌الله‌عنه وولّي عثمانرضي‌الله‌عنه ، قال عبد الله ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه : كنت قاعداً عند عثمانرضي‌الله‌عنه فاستأذن أبو ذررضي‌الله‌عنه .

فقلت : يا أمير المؤمِنين ، هذا أبو ذر يستأذن .

قال : ائذن له إن شئت .

قال : فأذنت له .

فدخل حتّى جلس فقال له عثمان : أنت الذي تزعم أنّك خير مِن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ؟

قال : ما قلت هذا .

قال : أنا أقيم عليك البيّنة .

قال أبو ذر نضَّر الله وجهه : لا أدري ما بيّنتك ، وقد علمت كيف قلت .

قال : كيف قلت ؟

قال : قلت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ أحبّكم إليّ وأقربكم الذي يأخذ بالعهد الذي تركته عليه حتّى يلحقني ، وكلّكم قد أصاب مِن الدنيا غيري .

قال عثمانرضي‌الله‌عنه : اِلحَقْ بمعاوية ، فأخرجه إلى الشام .

فلمّا قَدِمَ إلى الشام ، أخذ يعلّم الناس ، فأبكى عيونهم وأحزن صدورهم ، وكان فيما يقول : لا يبيتنّ أحدكم وفي بيته دينار ولا درهم إلاّ شيء ينفقه في سبيل الله أو يعدّه لغريم فأبكى معاوية والناس ، فبعث إليه بألف دينار ، فأراد أن يخالف قوله فعله وسريرته علانيته ، فأخذ الألف وقسّمه كلّه فلم يبق عنده شيء .

فدعى معاوية الرسول في اليوم الثاني فقال له : اذهب إلى أبي ذر وقل له : إنّما أرسلني بالألف دينار إلى غيرك فأخطأت ، فجاءه الرسول وقال له : أنقذني مِن عذاب معاوية ، فإنّما أرسلني بالألف إلى غيرك فأخطأت به فدفعته إليك فقال للرسول : اقرأ معاوية منّي السلام وقل له : ما أصبح عندنا مِن دنانيرك شيء ، فإن أردتها فأنظرنا ثلاثة أيّام نجمعها لك .

فلمّا رأى معاوية أنّ فعله يصدّق قوله كتب إلى عثمانرضي‌الله‌عنه : إن كان لك بالشام حاجة فأرسل إلى أبي ذر واستدعه.


قال : فكتب عثمانرضي‌الله‌عنه أن اِلحَقْ بي .

قال : فقَدِمَ أبو ذر وعثمان في المسجد ، فأقبل حتّى سلّم عليه ، فردّعليه‌السلام وقال له :

كيف أنت يا أبا ذر ؟

قال : بخير .

ثمّ خرج عثمانرضي‌الله‌عنه فقال له : يا أبا ذر حدّثنا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال : نعم حدّثني حبيبيأنّ في الإبل صدقة ، وفي الزرع صدقة ، وفي الدرهم صدقة ، وفي الشاة صدقة ، ومَن بات وفي بيته دينار أو درهم لا يعدّه لغريمه أو ينفقه في سبيل الله فهو كنز يكوى به يوم القيامة .

قالوا : يا أبا ذر ، اتّق الله وانظر ما تحدّث ، فإنّ هذه الأموال قد فشت في الناس .

فقال : أما تقرؤون القرآن( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) فمكث ليلتين أو ثلاثاً .

فأرسل إليه عثمانرضي‌الله‌عنه فقال : اِلحَقْ بالرَبَذَة وهي قرية خربة .

فخرج إلى الرَبَذَة ، فوجدهم يؤمّهم أسود ، فقيل لأبي ذر : تقدّم ، فأبى وصلّى خلف الأسود وقال : صدق الله ورسوله ، قال لي :اسمع وأطع وإن صلّيت خلف الأسود .

ومكث هناك حتّى مات رحمه الله )(١) .

وفي هذه الأخبار فوائد :

مِنها : قول رسول للهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (رحم الله أبا ذر... ) فإنّه دليل على أنّ موت أبي ذر كذلك ، الواقع بأمر عثمان ، يعدّ مِن مناقبه ومآثره ، فيكون إخراجه ظلماً له وجَوْراً عليه .

ومِنها : قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي ذر : (سيصيبك بعدي... ) وقوله في الجواب : ( فمرحباً بأمر الله... ) فإنّه نصّ قاطع على مزيد جَوْر

_______________________

(١) تنبيه الغافلين لأبي الليث السمرقندي : ٥٨٥ وما بعدها .


عثمان وظلمه وعدوانه ، وكون أبي ذر على الحقّ والصواب .

ومِنها : كلام الشيخين مع أبي ذر ، واستعاذتهما بالله مِن أنْ يصيبه بلاءٌ بسببهما أو في زمانهما... مشيرين إلى كلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّه دليلٌ آخر على ثبوت الكلام المذكور عن النبيّ ، ومظلوميّة أبي ذر ، وظلم عثمان .

لقد صدر مِن عثمان ما احترز مِن وقوعه الشيخان ، فيالها مِن وقاحةٍ شديدة ، وقلّة حياءٍ ، وشدّة قسوة !!

ومِنها : صدور أنواعٍ مِن الفسق والفجور مِن معاوية بن أبي سفيان...

كلام أمير المؤمِنين في نفي أبي ذر

هذا ، وقال أمير المؤمِنينعليه‌السلام في هذه القصّة كلاماً يعرف به حال عثمان وحزبه ، فقد قال الحافظ سبط ابن الجوزي :

( روى الشّعبي عن أبي أراكة قال : لمّا نُفيَ أبو ذر إلى الربذة كتب إليه عليّرضي‌الله‌عنه :أمّا بعد ؛ يا أبا ذر ، فإنّك غضبت لله تعالى فارجُ مَن غضبت له ، إنّ القوم خافوك عل دنياهم وخفتهم على دينك فاترك لهم ما خافوك عليه واهرب مِنهم لما خفتهم عليه ، فما أحوجهم إلى ما منعتهم وما أغناك عمّا منعوك ، وستعلم مَن الرابح غداً ، فلو أنّ السماوات والأرض كانتا رتقاً على عبد ثمّ اتّقى الله لجعل له مِنها مخرجاً .

لا يؤنسنّك إلاّ الحقّ ولا يوحشنّك إلاّ الباطل .

ولو قبِلْتَ دنياهم لأحبّوك ، ولو رضيت مِنها لأحقّوك ، انتهى )(١) .

_______________________

(١) تذكرة خواصّ الأُمّة : ١٤٣ .


وما بعد ذلك الكلام الصّريح والحقّ الصّحيح المجاهر بأسرار الأشرار والهاتك لعوار أئمّة النار ، الموسع عليهم خرقهم الموهي لهم رتقهم ، المضيّق عليهم مجالهم القاطع لهم مقالهم ، مطمع لطامع ولا تمويه لمموّه ولا حيلة لمحتال ولا مناص لهارب ولا ملجأ لملتج .

أَوَ ما تراه كيف يصرّح بالتشنيع الصريح والتعنيف العنيف والتغليظ العظيم والتنديد الشديد والطعن الكبير على عثمان ؟ وكيف يُظهر رداءة فعله وبلوغه كلّ مبلغ مِن الشناعة والفظاعة وعظم المحلّ عند أهل الدين ووقعه كلّ موقع مِن القبح في نفوس أهل اليقين ؟ .

ويبدي أنّه لقد عزّ ذلك الفعل عليه ( سلام الله عليه ) وأنّ أبا ذررضي‌الله‌عنه كان في ذلك مظلوماً ملهوفاً منجوداً مكروباً بلا استحقاق ولا علّة ، بل كان الباعث على ذلك لهم هو غضبه لله تعالى ، وكان الحامل لهم على نفيه وإخراجه وتهوينه وتوهينه هو الخوف على الدنيا .

وأيضاً : يُظهر أنّ أبا ذر خاف مِن هؤلاء على دينه ، وما بعد ذلك سِتْرٌ ولا حجاب في كون عثمان مِن الخارجين عن دين الإسلام ، وكونه وأتباعه ممّن يخافهم المؤمِن على دينه ، وهذا أشنع المعائب وأفظع المثالب

وأيضاً : قولهعليه‌السلام (ستعلم مَن الرابح غدا ً ) يصرّح جهاراً وينادي رافعاً عقيرته بأنّ عثمان وأتباعه ليسوا غداً برابحين ، ولا هم في أعمالهم وأفعالهم مِن الصالحين ، فيحشرون يوم القيامة كالِحين ويساقون إلى جهنّم حايرين خاسرين كافرين طالحين .

وأيضاً : قولهعليه‌السلام (لا يوحشنّك إلاّ الباطل ) يوضح إيضاحاً ويوحي إيحاء إلى أنّ عثمان ومَن معه مِن الأعوان والخوّان هم أصحاب الباطل ، ينبغي أن يستوحش مِنهم المؤمِن الكامل وينفر مِنهم المسلم الفاضل .

وأيضاً : قولهعليه‌السلام (لو أنّ السماوات والأرض... ) صريح وأيّ صريح في أنّ أبا ذر لم يعمل إلاّ بمقتضى التقوى وما سلك إلاّ سبيل الرّشد والهدى ، وعثمان وأتباعه مِن أهل الضلال والهوى ، وهم وإن ضيّقوا عليه الأمر حتّى كأنّهم بزعمهم رتقوا عليه السماوات والأرض فلم يدعوا له مِن ملجأ ولا مناص ولم يبقوا له حيلة إلى خلاص ، لكنّ الله يجعل لأبي ذر ـ لورعه وتقواه وانقطاعه إلى الله ومتاركته لِما سواه ـ فرجاً وحيّاً ومخرجاً سريعاً ، ويخلّصه مِن الضيق إلى السِعة وينقله مِن الضنك والقشف إلى الدِعة .


وبالجملة : فقد وضح الصّبح لذي عينين وانشقّ دجى ضلال البهت والمين ، وظهر ظلم عثمان وفسقه بل كفره ونفاقه وجوره وظلمه وتعسّفه وعناده ومخالفته لله ورسوله وتهتّكه حرمة المؤمِنين والصحابة ، وعدم مراعاته الإيمان والإسلام والفضل والمدح والثناء الذي يأثرونه مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على بصير وعامِه ومهتد وتائِه .

تفسير ( العروة الوثقى ) بـ ( عليّ )

وجاء في الحديث الرابع تفسير ( العروة الوثقى ) بمولانا أمير المؤمِنين ( عليّ ) عليه الصلاة والسلام...

وقد زعم بعضهم أنّ هذا التفسير تحريف للكتاب الكريم ، في حين أنّهم يَرْوون عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توصيف الشَيْخَين بـ ( العروة الوثقى ) ، ففي ( الدرّ المنثور ) بتفسير الآية المذكورة :

( وأخرج ابن عساكر عن أبي الدرداء قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اقتدوا باللَذَين مِن بعدي أبي بكر وعمر ، فإنّهما حبل الله الممدود ، فمَن تمسّك بهما فقد تمسّك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ) (١) .

فمَن المحرّف للكتاب ؟

على أنّه قد نقلنا فيما تقدّم عن كتبهم رواياتٍ كثيرة تضَمّنَت آياتٍ قرآنيّة كثيرةٍ غير موجودة في القرآن .

_______________________

(١) الدرّ المنثور ٢ : ٢٣ .


مظلوميّة الزهراءعليها‌السلام

وما جاء في الحديث الثالث عشر مِن مظلوميّة الزهراء ( عليها الصّلاة والسلام ) ، فهو وارد في كتب القوم أيضاً ، وإنْ كانوا في الأغلب يتجنّبون مِن نقل مثل هذه الأخبار :

قال سبط ابن الجوزي بترجمة الزهراء الطاهرة مِن ( تذكرته ) :

( قال الشعبي : لمّا مُنِعت ميراثها لاثت خمارها على رأسها ـ أي عصبت ، يقال : لاث العمامة على رأسه يلوثها لَوْثاً أي عصبها ، وقيل : اللّوث الاسترخاء ؛ فعلى هذا يكون معنى لاثت أي أرخت ـ وحمدت الله وأثنت عليه ووصفت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأوصاف ، فكان ممّا قالت :

كان كلّما فغرت فاغرة مِن المشركين أو نجم قرن مِن الشيطان وطئ صماخه بأخمصه وأخمد لهيبه بسيفه وكسر قرنه بعزمته ، حتّى إذا اختار الله له دار أنبيائه ومقرّ أصفيائه وأحبّائه ، أطلعت الدنيا رأسها إليكم فوجدتكم لها مستجيبين ، ولغرورها ملاحظين ، هذا والعهد قريب والمدى غير بعيد ، والجرح لمّا يندمل ، فأنّى تؤفكون وكتاب الله بين أظهركم .

يا ابن أبي قحافة ، أتَرِث أباك ولا أرث أبي ؟ دونكها مرحولة مذمومة ، فنِعْمَ الحاكم الحقّ والموعد القيامة ( لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ثمّ أومأت إلى قبر النبيّ وقالت :

قـد كـان بعدك أنباء وهنبثة

لو كنت شاهدها لم تكبر النُوَب

إنّـا فقدناك فقد الأرض وابلها

واغتيل أهلك لمّا اغتالك الترب

وقـد رُزيـنا بما لم يرزه أحد

مِـن البريّة لا عَجَمٌ ولا عَربُ

ثمّ إنّها اعتزلت القوم ، ولم تزل تندب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى لحقت به )(١) .

حديث الضغائن في صدور الأقوام

وما جاء في الحديث الخامس عشر الذي رواه الشيخ المجلسي عن كتاب الأمالي مِن حديث الضغائن في صدور الأقوام رواه كبار أئمّة القوم بأسانيدهم في أشهر كتبهم أيضاً :

فقد أخرج أبو يعلى والبزّار بسندٍ ـ صحّحه الحاكم وابن حبان والذهبي ـ عن عليّ بن أبي طالب قال : (بينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آخذ بيدي ونحن نمشي في بعض سكك المدينة ، إذ أتَينا على حديقة .

_______________________

(١) تذكرة خواصّ الأمّة : ٣١٧ ـ ٣١٨ .


فقلت : يا رسول الله ، ما أحسنها مِن حديقة .

قال : لك في الجنّة أحسن مِنها .

ثمّ مررنا بأُخرى فقلت : يا رسول الله ما أحسنها مِن حديقة .

قال : لك في الجنّة أحسن مِنها .

ثمّ مررنا بأُخرى فقلت : يا رسول الله ما أحسنها مِن حديقة .

قال : لك في الجنّة أحسن مِنها .

حتّى مررنا بسبع حدائق ، كلّ ذلك أقول : ما أحسنها ، ويقول : لك في الجنّة أحسن مِنها .

فلمّا خلا له الطريق اعتنقني ثمّ أجهش باكياً .

قال قلت : يا رسول الله ما يبكيك ؟

قال : ضغائن في صدور أقوام لا يُبدونها لك إلاّ مِن بعدي .

قال قلت : يا رسول الله ، في سلامة مِن ديني ؟

قال : في سلامة مِن دينك )(١) .

حديث : أنا أوّل مَن يجثو بين يدي الله ...

والحديث الثامن عشر في أنّ عليّاًعليه‌السلام أوّل مَن يجثو بين يدي الله يوم القيامة للخصومة ، حديث متَّفق عليه ، فإنّ البخاري رواه في غير موضع مِن ( صحيحه ) وهذه ألفاظه في كتاب المغازي :

( حدّثني محمّد بن عبد الله الرقاشي قال : حدّثنا معتمر قال : سمعت أبي يقول : حدّثنا أبو مجلز عن قيس بن عبّاد عن عليّ بن أبي طالب أنّه قال :أنا أوّل مَن يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة )(٢) .

فكيف يزعم بعض القوم أنّ هذا المعنى مِن مفتريات الإماميّة ؟

_______________________

(١) مجمع الزوائد ٩ : ١١٨ ، وهو في المستدرك ٣ : ١٣٩ منقوصاً !

(٢) صحيح البخاري ٥ : ١٨٣ .


حديث : عليّ قسيم الجنّة والنار

ثمّ إنّ مِن المناقب الثابتة لأمير المؤمِنينعليه‌السلام أنّه قسيم الجنّة والنار ، لكنّ القوم ـ لشدّة عنادهم لأمير المؤمِنين ـ يحاولون ردّ هذه المنقبة التي تعدّ مِن خصائص الإمام .

فمِنهم : مَن يكذّب بها ، كالشيخ عبد العزيز الدهلوي صاحب ( التحفة الاثني عشرية ) .

ومِنهم : مَن يناقش في صحّتها ، بزعم المنافاة بينها وبين حديث ( أنا أوّل مَن يجثو بين يدي الله للخصومة ) .

أو يبطلها بدعوى استلزامها لأفضليّة الإمام مِن النبيّ ( عليه وآله السلام ) .

لكنّ الحديث ثابت لا ريب فيه ، والحديث المذكور لا ينافيه ، وقد رواه ثقات القوم بأسانيدهم المتّصلة عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام وغيرهم :

قال الحافظ السمهودي : ( قال الجمال الزرندي : قال المأمون لعليّ الرضا : بأي وجهٍ جدّك عليّ بن أبي طالب قسيم الجنّة والنار ؟

فقال :يا أمير المؤمِنين ، ألم تَرْوِ عن أبيك عن عبد الله بن عبّاس قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حبّ عليّ إيمان وبغضه كفر ؟ فقال : بلى قال الرضا :فقسمة الجنّة والنار على حبّه فقال المأمون : لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن ، أشهد أنّك وارث علم رسول الله .


قال أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي : فلمّا رجع الرضا إلى بيته ، قلت له : يا ابن رسول الله ، ما أحسن ما أجبت به أمير المؤمِنين ؟ فقال :يا أبا الصلت ، إنّما كلّمته مِن حيث هو ، ولقد سمعت أبي يحدّث عن أبيه عن عليّ قال قال رسول الله : أنت قسيم الجنّة والنّار ، فيوم القيامة تقول للنّار هذا لي وهذا لك )(١) .

فهل رأى هذا الحديث عن هذا الإمام المعصوم مَن يكذّب به أو يناقش فيه ؟

هذا ، ومِن رواته : أبو داود الطيالسي ، والزمخشري ، والدارقطني ، والديلمي ، وشاذان الفضلي ، والسيوطي ، وابن الأثير، والقاضي عياض ، والمناوي ، والمتّقي...

قال ابن حجر المكّي في ( الصواعق ) :

( أخرج الدارقطني : إنّ عليّاً قال للستّة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم كلاماً طويلاً مِن جملته : أُنشدكم بالله ، هل فيكم أحد قال له رسول الله : يا عليّ ، أنت قسيم النّار والجنّة يوم القيامة ، غيري ؟ قالوا : اللّهمّ لا .

ومعناه ما رواه غيره عن عليّ الرضا أنّه قال له :أنت قسيم الجنّة والنّار، فيوم القيامة تقول للنار: هذا لي وهذا لك )(٢) .

وفي ( كنز العمّال ) وهو ترتيب ( جمع الجوامع ) :

(عن عليّ :أنا قسيم النار شاذان الفضلي في ردّ الشمس )(٣) .

وفي ( كنوز الحقائق ) :

(عليّ قسيم النّار طي )(٤) أي : رواه أبو داود الطيالسي .

وفي ( الشفاء ) في فصل إخبارهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن المغيّبات :

_______________________

(١) جواهر العقْدَين ٢ ق ٢ : ٤٢٩ .

(٢) الصواعق المحرقة ٢ : ٣٦٩ .

(٣) كنز العمّال ١٣ : ١٥١ / ٣٦٤٧٥ .

(٤) كنوز الحقائق ـ حرف العين ، ط هامش الجامع الصغير .


 ( وأخبر بملك بني أُميّة ، وولاية معاوية ووصّاه ، واتّخاذ بني أُميّة مال الله دوَلاً ، وخروج وُلْد العبّاس بالرايات السود ، وملكهم أضعاف ما ملكوا ، وخروج المهدي ، وما ينال أهل بيته وتقتيلهم وتشريدهم ، وقتل عليّ ، وأنّ أشقاها الذي يخضب هذه مِن هذه ، أي لحيته مِن رأسه ، وأنّه قسيم النّار ؛ يُدخل أولياءه الجنّة وأعدائه النار )(١) .

وفي ( النهاية الأثيرية ) :

( وفي حديث عليّرضي‌الله‌عنه :أنا قسيم النار والجنّة أراد : أنّ الناس فريقان ، فريق معي فهم على هدى ، وفريق عليَّ فهم على ضلال ، فنصف معي في الجنّة ، ونصف عليَّ في النار وقسيم فعيل بمعنى فاعل ، كالجليس والسمير قيل : أراد بهم الخوارج ، وقيل : كلّ مَن قاتله )(٢) .

وفي ( الفائق ) :

( عليّ :أنا قسيم النّار أي : مقاسمها ومساهمها ، يعني : أنّ أصحابه على شطرين ، مهتدون وضالّون ، فكأنّه قاسم النّار إيّاهم ، فشطرٌ لها وشطرٌ معه في الجنّة )(٣) .

وفي ( المودّة في القربى ) :

( المودّة التاسعة : في أنّ مفاتيح الجنّة والنّار بيد عليّرضي‌الله‌عنه ، عن أبي سعيد الخدريرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ الله تعالى أعطاني مفاتيح الجنّة والنّار فقال : قل إلى عليّ قولاً تُخرج مَن تشاء وتُدخل مَن تشاء .

_______________________

(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١ : ٣٣٨ .

(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر ٤ : ٥٤ ( قسم ) .

(٣) الفائق في غريب الحديث ٣ : ١٩٥ ( قسم ) .


وعن زيد بن أسلمرضي‌الله‌عنه قال : قال رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ: يا عليّ ، بخ بخ ، مَن مثلك والملائكة تشتاق إليك والجنّة لك ، إنّه إذا كان يوم القيامة ينصب لي مِنبر مِن نور ، ولإبراهيم مِنبر مِن نور ، ولك مِنبر مِن نور فتجلس عليه ، وإذا مُنادٍ ينادي : بخ بخ مِن وصيٍّ بين حبيب وخليل ، ثمّ أُتي بمفاتيح الجنّة والنار فأدفعها إليك .

وعن ابن عبّاسرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :يا ابن عبّاس ، عليك بعليّ ، فإنّ الحقّ على لسانه ، وإنّ النفاق يجانبه ، وإنّ هذا قفل الجنّة ومفتاحها وقفل النّار ومفتاحها ؛ به يدخلون الجنّة وبه يدخلون النّار .

وعن جابررضي‌الله‌عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إذا كان يوم القيامة ، يأتيني جبرئيل وميكائيل بخزنتَين مِن المفاتيح ، خزنة مِن مفاتيح الجنّة وخزنة مِن مفاتيح النار ، على مفاتيح الجنّة أسماء المؤمِنين مِن شيعة محمّد وعليّ ، وعلى مفاتيح النّار أسماء المبغضين مِن أعدائه ، فيقولان لي : يا أحمد ، هذا مبغضك وهذا محبّك ، فأودعها إلى عليّ بن أبي طالب فيحكم فيهم بما يريد ، فوالذي قسّم الأرزاق لا يدخل مبغضه الجنّة ، ولا محبّه النار أبداً )(١) .

هذا ، ولا يخفى سقوط المعنى الذي ذكره ابن الأثير أمام كلام الإمام الرضاعليه‌السلام في المعنى الحقيقي للحديث... وكذلك في ألفاظ الحديث كما في رواية القاضي عياض وغيره .

ثمّ إنّ في بعض ألفاظ الحديث زيادةً جليلةً ، رواها العاصمي بسنده في

_______________________

(١) انظر : كتاب ينابيع المودّة : المودّة في القربى ـ المودّة التاسعة ٢ : ٣١١ / ٨٨٨ .


 ( زين الفتى ) حيث قال :

( أخبرنا الحسين بن محمّد البستي قال : حدّثنا عبد الله بن أبي منصور بن عدي قال : حدّثنا محمّد قال : حدّثنا محمّد قال : حدّثنا محمّد قال : حدّثني حميد عن أنس عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

ينادي يوم القيامة لعليّ بن أبي طالب أربعة مناد ويسمّونه بأربعة أسماء ، يا عليّ بن أبي طالب ، جعلت الميزان بيدك فرجّح مَن شئت واخفض مَن شئت ويا أسد الله ، جعلت حوض محمّد بيدك فاسق مَن شئت واحبس مَن شئت ويا سيف الله على أعدائه اذهب إلى الصراط فاحبس عليها مَن شئت وجوّز مَن شئت ويا وليّ الله اذهب إلى باب الجنّة فأدخل مَن شئت واصرف عنها مَن شئت ، فإنّه لا يدخلها إلاّ مَن أحبّك بقلبه . قلت : ومِن هذا أخذ الشاعر قوله :

قسيم النار والجنّة

عليٌّ سيّد الأُمّة ) (١)

ثمّ إنّه لا عجب مِن جهل الكابلي والدهلوي وأتباعهما بمناقب أهل البيت أو إنكارهم لها ، إذ لا ارتباط بينهم وبين الأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام ، لكنّ العجب جهلهم بمناقب مشايخهم وعدم اطّلاعهم على موضوعات أسلافهم ...

وإذا كان عنادهم لأهل البيت يحملهم على إنكار مناقبهم ، أو المناقشة في مداليلها ومعانيها ـ كقول بعضهم بأنّ حديث قسيم الجنّة والنار باطل لاستلزامه أفضليّة عليّ مِن النبيّ ـ فماذا يقولون في معنى الحديث الموضوع لمشايخهم في هذا الباب ؟

_______________________

(١) زين الفتى بتفسير سورة هل أتى ٢ : ٤٠٤ / ٥٢٧ .


فقد قال الحكيم الترمذي في ( نوادر الأُصول ) :

( حدّثنا الفضل بن محمّد قال : حدّثنا الحسن بن أيّوب الدمشقي قال : قرأت على عبد الله بن صالح المصري قال : حدّثني سليم بن عبد الله الأيلي قال : حدّثني ابن جريج ، عن عطاء عن ابن عبّاس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ لِيَقُم أهل الله ، فيقوم أبو بكر الصدّيق وعمر الفاروق وعثمان ذو النورين وعليّ بن أبي طالب .

فيقال لأبي بكر : قم على باب الجنّة فأدخل فيها مَن شئت برحمة الله وردّ مِنها مَن شئت بقدرة الله .

ويقال لعمر : قم عند الميزان فثقّل ميزان مَن شئت برحمة الله وأخفف ميزان مَن شئت بقدرة الله .

ويقال لعثمان : خذ هذه العصا فذُد بها الناس عن الحوض .

ويقال لعليّ : البس هذه الحلّة فإنّي خبّأتها لك منذ خلقت السماوات والأرض إلى اليوم .

ولذلك قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أرحم أُمّتي بأُمّتي أبو بكر ، وأقواهم في دين الله عمر ، وأصدقهم حياء عثمان بن عفّان رضي الله عنهم .

فهذا الحديث الأوّل يبيّن منازل القوم أنّهم أهل الله وخاصّته وأنّه يكشف ذلك لأهل الموقف غداً يظهره عليهم عند خلقه ، وأنّ الرحمة حظّها مِن الناس أبو بكر ، وأنّ الحقّ حظّه مِن الناس عمر ، فلذلك يقوم أبو بكر عند باب الجنّة ، ويقوم عمر عند الميزان .

بيّن هذا القول عن الرجلين أن كليهما كانا قد استويا لله وكانا في قبضته ، فلا يرحمان إلاّ مَن يرحم ولا يخيّبان إلاّ مَن يُخيِّب ، وهذا مِن الأمانة ، فإذا صار الأمين بحال يستكمل الأمانة فوّض إليه ، فيكون مشيّته قد وافقت مشيّة الله التي ائتمنه .

فهؤلاء قوم قد صاروا أمناء الله ، ووقفت قلوبهم بين يديه رافضين لمشيّتهم ، فلذلك قال أهل الله والأهل والآل بمعنى واحد يؤولون إليه أي يرجعون إليه في كلّ شيء فيبرز لأهل الموقف ، فينقادهم بقلوبهم وضمائرهم التي كانت فيما بينهم .


وبيّن الله كرامة لهم وتنويهاً بأسمائهم في ذلك الجمع ، فكان الغالب على أبي بكر الرحمة في أيّام الحياة ، والغالب على عمر القيام بالحقّ وتعزيزه ، فكأنّهما كانا ممّن هو في قبضته يستعمله ، فاستعمل هذا بالرحمة وهذا بالحقّ ، فإذا كان يوم القيامة وقف هذا عند باب الجنّة ، وهذا عند الميزان )(١) .

ولا يخفى أنّ واضعه إنّما ذكر اسم أمير المؤمِنينعليه‌السلام ليروّج باطله على عوامّ الناس ، ويخدع به المستضعفين ، إلاّ أنّه لم يذكر ما وضعه لأولئك ، فأين لَبِس الحُلّة مِن ذلك المقام الرفيع الذي وضعه لهم ؟ ومِن هنا يظهر : أنّه كما غصب القوم الخلافة مِن الإمامعليه‌السلام فسُمّوا بالخلفاء ، كذلك سعى أولياؤهم لأنْ يغصبوا مناقب الإمام وألقابه ويجعلوها لهم !!

لكنّ المحبّ الطبري أورد هذا الحديث الموضوع في ( الرياض النضرة ) فجعل فضيلة الإمامعليه‌السلام لعثمان ! وهذا نصّ روايته :

( ذكر اختصاص كلّ واحدٍ مِنهم يوم القيامة بخصوصيّة شريفة :

عن ابن عبّاس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ينادي مِنادٍ يوم القيامة مِن تحت العرش :

_______________________

(١) نوادر الأصول : ٢٠٥ .


أين أصحاب محمّد ؟

فيؤتى بأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ .

فيقال لأبي بكر : قف على باب الجنّة ، فأدخل مَن شئت برحمة الله تعالى ودع مَن شئت بعلم الله تعالى .

ويقال لعمر بن الخطّاب : قف عند الميزان فثقّل مَن شئت برحمة الله تعالى وخفّف مَن شئت بعلم الله تعالى .

ويكسى عثمان حلّتين ويقال له : البسهما فإنّي خلقتهما وادّخرتهما حين أنشأت خلق السماوات والأرض .

ويعطى عليّ بن أبي طالب عصا مِن عوسج ، مِن الشجرة التي غرسها الله تعالى بيده في الجنّة فيقال : ذُد الناس عن الحوض .

فقال بعض أهل العلم : لقد واسى الله تعالى بينهم في الفضل والكرامة .

رواه ابن غيلان )(١) .

وحاصل الكلام في هذا المقام :

إنّ حديث : أنا قسيم الجنّة والنّار ، هو مِن الأحاديث الثابتة ، ومَن أنكره فهو جاهل أو متعصّب ، ومَن ناقش فيه مِن جهة استلزامه الأفضليّة مِن رسول الله بزعمه ، فمناقشته مردودة عليه...

وأيضاً : فإنّ كلام الكابلي ، الدهلوي وأتباعهما يدلّ على كذب واختلاق ما رواه الحكيم الترمذي والمحبّ الطبري... إذ لا مناص لهم مِن الالتزام بلوازم كلامهم .

_______________________

(١) الرياض النضرة ١ : ٥٤ .


مِن نوادر

الأخبار في أمر الخلافة

قال الراغب الإصفهاني في ( المحاضرات ) :

( عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال :

كنت أسير مع عمر بن الخطّاب في ليلة ، وعمر على بغلة وأنا على فرس ، فقرأ آية فيها ذِكْرُ عليّ بن أبي طالب .

فقال : أما والله يا بني عبد المطّلب ، لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر منّي ومِن أبي بكر .

فقلت في نفسي : لا أقالني الله إنْ أقلت ، فقلت : أنت تقول ذاك يا أمير المؤمِنين ، وأنت وصاحبك اللذان وثبتما وانتزعتما منّا الأمر دون الناس ؟

فقال : إليكم يا بني عبد المطّلب ، أمّا إنّكم أصحاب عمر بن الخطّاب .

فتأخّرت وتقدّم هُنَيْئةً .

فقال : سر لا سرت .

فقال : أعد علَيَّ كلامك .

فقلت : إنّما ذكرتَ شيئاً ورددتُ عليك جوابه ، ولو سكتَّ لسكتنا .

فقال : أما والله ما فعلنا الذي فعلنا عن عداوةٍ ، ولكن استصغرناه وخشينا أنْ لا تجتمع عليه العرب ، وقريش مُواتروه .

قال : فأردت أن أقول : كان رسول الله يبعثه في الكتيبة فينطح كبشها ولم يستصغره ، فتستصغره أنت وصاحبك .


فقال : لا جرم فكيف ترى والله ما نقطع أمراً دونه ، ولا نعمل شيئاً حتّى نستأذنه )(١) .

وروى الزبير بن بكار في ( الموفّقيّات ) باللفظ الآتي :

( عن عبد الله بن عبّاس قال : إنّي لأُماشي عمر بن الخطّاب في سكّةٍ مِن سكك المدينة ، إذ قال لي :

يا ابن عبّاس ! ما أرى صاحبك إلاّ مظلوماً .

فقلت في نفسي : والله لا يسبقنّي بها ، فقلت :

يا أمير المؤمِنين ! فاردد إليه ظلامته .

فانتزع يده مِن يدي ومضى يهمهم ساعةً ، ثمّ وقف فلحقته .

فقال يا ابن عبّاس ! ما أظنّهم منعهم إلاّ أنّهم استصغروا سنّه .

فقلت في نفسي : هذه شرّ مِن الأُولى .

فقلت : والله ما استصغره الله ورسوله حين أمره أن يأخذ براءة مِن صاحبك .

فأعرض عنّي وأسرع ورجعت عنه ) .

وروى الحافظ الزرندي في ( نظم درر السمطين ) :

( عن نبيط بن شريط قال : خرجت مع عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه ومعنا عبد الله بن عبّاس ، فلمّا صرنا إلى بعض حيطان الأنصار وجدنا عمر بن الخطّاب جالساً وحده ينكت في الأرض.

فقال له عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه : ما أجلسك يا أمير المؤمِنين هاهنا وحدك ؟

_______________________

(١) محاضرات الأدباء ٢ : ٤٧٨ / عليّ بن أبي طالب ، مِن فضائله .


قال : لأمر همّني .

فقال له عليّ : أفتريد أحدنا ؟

فقال عمر : إن كان فعبد الله .

قال : فخلا معه عبد الله ، ومضيت مع عليّ وأبطأ علينا ابن عبّاس ، ثمّ لَحِق بنا .

فقال له عليّ : ما وراءك ؟

فقال : يا أبا الحسن ! أُعجوبة مِن عجائب أمير المؤمِنين أُخبرك بها واكتم علَيّ .

قال : لمّا أن وَلّيت ، لرأيت عمر ينظر إليك وإلى أثرك ويقول : آه آه .

فقلت : بم تتأوّه يا أمير المؤمِنين ؟

قال : مِن أجل صاحبك يا ابن عبّاس ، وقد أُعطيَ ما لم يُعطَ أحدٌ مِن آل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولولا ثلاث هنّ فيه ما كان لهذا الأمر يعني الخلافة أحد سواه .

قلت : يا أمير المؤمِنين ! وما هنّ ؟

قال : كثرة دعابته ، وبغض قريش له ، وصِغَر سنّه .

فقال له عليّ : فما رددت ؟

قال : داخلني ما يداخل ابن العمّ لابن عمّه .

فقلت : يا أمير المؤمِنين ! أمّا كثرة دعابته ، فقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يداعب ولا يقول إلاّ حقّاً ، ويقول للصبيّ ما يعلم أنّه يستميل به قلبه أو يسهل على قلبه وأمّا بغض قريش له ، فوالله ما يبالي ببغضهم ، بعد أن جاهدهم في الله حتّى أظهر الله دينه ، فقصم أقرانها وكسر آلهتها وأثكل نساءها في الله وأمّا صغر سنّه ، فلقد علمت أنّ الله تعالى حيث أنزل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( بَرَاءةٌ مِن اللّهِ وَرَسُولِهِ ) وجّه بها صاحبه ليُبلِّغ عنه ، فأمر الله تعالى أن لا يبلّغ عنه إلاّ رجل مِنه ، فوجّهه في أثره وأمره أن يؤذن ببراءة ، فهل استصغر الله تعالى سنّه ؟


فقال عمر : أمسك عليّ واكتم واكتم ، فإنْ سمعتها مِن غيرك لم أنم بين لابتيها )(١) .

هذا ، وفي حديث رواه بدر الدين محمّد بن عبد الله الشبلي(٢) في كتاب ( آكام المرجان ) عن عبد الله بن مسعود ما يدلُّ على عدم رضا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باستخلاف الشيخين... وهذا نصّ الحديث كما رواه الشبلي بإسناده عن طريق جمع مِن الأكابر في كلام له حيث قال :

( وقد ورد ما يدلّ على أنّ ابن مسعود حضر ليلة أُخرى بمكّة غير ليلة الحجون .

فقال أبو نعيم : حدّثنا سليمان بن أحمد ، حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي ، حدّثنا علي بن الحسين بن أبي بردة البجلي ، حدّثنا يحيى بن يعلى الأسلمي ، عن حرب بن صبيح ، حدّثنا سعيد بن مسلم ، عن أبي مرّة الصنعاني ، عن أبي عبد الله الجدلي ، عن عبد الله بن مسعود قال :

استتبعني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة الجنّ فانطلقت حتّى بلغنا أعلا مكّة ، فخطّ علَيّ خطّاً وقال :لا تبرح ، ثمّ انصاع في الجبال ، فرأيت الرجال ينحدرون عليه مِن رؤوس الجبال حتّى حالوا بيني وبينه ، فاخترطت السيف وقلت : لأضربنّ حتّى أستنقذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ ذكرت قوله : لا تبرح حتّى آتيك .

_______________________

(١) نظم درر السمطين : ١٣٢ فصل في ذكر آثارٍ عن الصحابة في حقّه .

(٢) توجد ترجمته في الدرر الكامنة ٣ : ٤٨٧ وغيرها توفي سنة ٧٦٩ .


قال : فلم أزل كذلك حتّى أضاء الفجر ، فجاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا قائم فقال :ما زلت على حالك ؟

قلت : لو مكثت شهراً ما برحت حتّى تأتيني ، ثمّ أخبرته بما أردت أن أصنع .

فقال :لو خرجت ما التقيت وأنا وأنت إلى يوم القيامة ، ثمّ شبك أصابعه في أصابعي وقال :إنّي وُعدْتُ أن تؤمِن بي الجنّ والإنس ؛ فأمّا الإنس فقد آمنت بي وأمّا الجنّ فقد رأيت ، وما أظنّ أجلي إلاّ وقد اقترب .

قلت : يا رسول الله ! ألا تستخلف أبا بكر .

فأعرض عنّي ، فرأيت أنّه لم يوافقه .

قلت : يا رسول الله ! ألا تستخلف عمر ؟

فأعرض عنّي فرأيت أنّه لم يوافقه .

قلت : يا رسول الله ! ألا تستخلف عليّاً ؟

قال :ذلك والذي لا إله غيره لو بايعتموه وأطعتموه أدخلكم الجنّة أكتعين )(١) .

ورواه الحافظ سبط ابن الجوزي في كتاب ( تذكرة خواصّ الأُمّة ) عن أحمد بن حنبل بإسناده عن عبد الله بن مسعود كذلك ، قال :

( قد روى الإمام أحمد عن عبد الرزاق عن أبيه عن مينا عن عبد الله بن مسعود قال : كنت مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة وفد الجنّ ، فتنفّس ، فقلت : يا مالك يا رسول الله ؟

قال :نُعِيَت إليَّ نفسي ، يا ابن مسعود .

_______________________

(١) آكام المرجان في أحكام الجان : ٥١ .


 ( زين الفتى ) حيث قال :

( أخبرنا الحسين بن محمّد البستي قال : حدّثنا عبد الله بن أبي منصور بن عدي قال : حدّثنا محمّد قال : حدّثنا محمّد قال : حدّثنا محمّد قال : حدّثني حميد عن أنس عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

ينادي يوم القيامة لعليّ بن أبي طالب أربعة مناد ويسمّونه بأربعة أسماء ، يا عليّ بن أبي طالب ، جعلت الميزان بيدك فرجّح مَن شئت واخفض مَن شئت ويا أسد الله ، جعلت حوض محمّد بيدك فاسق مَن شئت واحبس مَن شئت ويا سيف الله على أعدائه اذهب إلى الصراط فاحبس عليها مَن شئت وجوّز مَن شئت ويا وليّ الله اذهب إلى باب الجنّة فأدخل مَن شئت واصرف عنها مَن شئت ، فإنّه لا يدخلها إلاّ مَن أحبّك بقلبه . قلت : ومِن هذا أخذ الشاعر قوله :

قسيم النار والجنّة

عليٌّ سيّد الأُمّة (١)

ثمّ إنّه لا عجب مِن جهل الكابلي والدهلوي وأتباعهما بمناقب أهل البيت أو إنكارهم لها ، إذ لا ارتباط بينهم وبين الأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام ، لكنّ العجب جهلهم بمناقب مشايخهم وعدم اطّلاعهم على موضوعات أسلافهم ...

وإذا كان عنادهم لأهل البيت يحملهم على إنكار مناقبهم ، أو المناقشة في مداليلها ومعانيها ـ كقول بعضهم بأنّ حديث قسيم الجنّة والنار باطل لاستلزامه أفضليّة عليّ مِن النبيّ ـ فماذا يقولون في معنى الحديث الموضوع لمشايخهم في هذا الباب ؟

فقد قال الحكيم الترمذي في ( نوادر الأُصول ) :

( حدّثنا الفضل بن محمّد قال : حدّثنا الحسن بن أيّوب الدمشقي قال : قرأت على عبد الله بن صالح المصري قال : حدّثني سليم بن عبد الله الأيلي قال : حدّثني ابن جريج ، عن عطاء عن ابن عبّاس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ لِيَقُم أهل الله ، فيقوم أبو بكر الصدّيق وعمر الفاروق وعثمان ذو النورين وعليّ بن أبي طالب .

فيقال لأبي بكر : قم على باب الجنّة فأدخل فيها مَن شئت برحمة الله وردّ مِنها مَن شئت بقدرة الله .

ويقال لعمر : قم عند الميزان فثقّل ميزان مَن شئت برحمة الله وأخفف ميزان مَن شئت بقدرة الله.

ويقال لعثمان : خذ هذه العصا فذُد بها الناس عن الحوض .

_______________________

(١) زين الفتى بتفسير سورة هل أتى ٢ : ٤٠٤ / ٥٢٧ .


ويقال لعليّ : البس هذه الحلّة فإنّي خبّأتها لك منذ خلقت السماوات والأرض إلى اليوم .

ولذلك قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أرحم أُمّتي بأُمّتي أبو بكر ، وأقواهم في دين الله عمر ، وأصدقهم حياء عثمان بن عفّان رضي الله عنهم .

فهذا الحديث الأوّل يبيّن منازل القوم أنّهم أهل الله وخاصّته وأنّه يكشف ذلك لأهل الموقف غداً يظهره عليهم عند خلقه ، وأنّ الرحمة حظّها مِن الناس أبو بكر ، وأنّ الحقّ حظّه مِن الناس عمر ، فلذلك يقوم أبو بكر عند باب الجنّة ، ويقوم عمر عند الميزان .

بيّن هذا القول عن الرجلين أن كليهما كانا قد استويا لله وكانا في قبضته ، فلا يرحمان إلاّ مَن يرحم ولا يخيّبان إلاّ مَن يُخيِّب ، وهذا مِن الأمانة ، فإذا صار الأمين بحال يستكمل الأمانة فوّض إليه ، فيكون مشيّته قد وافقت مشيّة الله التي ائتمنه .

فهؤلاء قوم قد صاروا أمناء الله ، ووقفت قلوبهم بين يديه رافضين لمشيّتهم ، فلذلك قال أهل الله والأهل والآل بمعنى واحد يؤولون إليه أي يرجعون إليه في كلّ شيء فيبرز لأهل الموقف ، فينقادهم بقلوبهم وضمائرهم التي كانت فيما بينهم .

وبيّن الله كرامة لهم وتنويهاً بأسمائهم في ذلك الجمع ، فكان الغالب على أبي بكر الرحمة في أيّام الحياة ، والغالب على عمر القيام بالحقّ وتعزيزه ، فكأنّهما كانا ممّن هو في قبضته يستعمله ، فاستعمل هذا بالرحمة وهذا بالحقّ ، فإذا كان يوم القيامة وقف هذا عند باب الجنّة ، وهذا عند الميزان )(١) .

ولا يخفى أنّ واضعه إنّما ذكر اسم أمير المؤمِنينعليه‌السلام ليروّج باطله على عوامّ الناس ، ويخدع به المستضعفين ، إلاّ أنّه لم يذكر ما وضعه لأولئك ، فأين لَبِس الحُلّة مِن ذلك المقام الرفيع الذي وضعه لهم ؟ ومِن هنا يظهر : أنّه كما غصب القوم الخلافة مِن الإمامعليه‌السلام فسُمّوا بالخلفاء ، كذلك سعى أولياؤهم لأنْ يغصبوا مناقب الإمام وألقابه ويجعلوها لهم !!

لكنّ المحبّ الطبري أورد هذا الحديث الموضوع في ( الرياض النضرة ) فجعل فضيلة الإمامعليه‌السلام لعثمان ! وهذا نصّ روايته :

( ذكر اختصاص كلّ واحدٍ مِنهم يوم القيامة بخصوصيّة شريفة :

عن ابن عبّاس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ينادي مِنادٍ يوم القيامة مِن تحت العرش :

_______________________

(١) نوادر الأصول : ٢٠٥ .


أين أصحاب محمّد ؟

فيؤتى بأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ .

فيقال لأبي بكر : قف على باب الجنّة ، فأدخل مَن شئت برحمة الله تعالى ودع مَن شئت بعلم الله تعالى .

ويقال لعمر بن الخطّاب : قف عند الميزان فثقّل مَن شئت برحمة الله تعالى وخفّف مَن شئت بعلم الله تعالى .

ويكسى عثمان حلّتين ويقال له : البسهما فإنّي خلقتهما وادّخرتهما حين أنشأت خلق السماوات والأرض .

ويعطى عليّ بن أبي طالب عصا مِن عوسج ، مِن الشجرة التي غرسها الله تعالى بيده في الجنّة فيقال : ذُد الناس عن الحوض .

فقال بعض أهل العلم : لقد واسى الله تعالى بينهم في الفضل والكرامة .

رواه ابن غيلان )(١) .

وحاصل الكلام في هذا المقام :

إنّ حديث : أنا قسيم الجنّة والنّار ، هو مِن الأحاديث الثابتة ، ومَن أنكره فهو جاهل أو متعصّب ، ومَن ناقش فيه مِن جهة استلزامه الأفضليّة مِن رسول الله بزعمه ، فمناقشته مردودة عليه...

وأيضاً : فإنّ كلام الكابلي ، الدهلوي وأتباعهما يدلّ على كذب واختلاق ما رواه الحكيم الترمذي والمحبّ الطبري... إذ لا مناص لهم مِن الالتزام بلوازم كلامهم .

_______________________

(١) الرياض النضرة ١ : ٥٤ .


مِن نوادر

الأخبار في أمر الخلافة

قال الراغب الإصفهاني في ( المحاضرات ) :

( عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال :

كنت أسير مع عمر بن الخطّاب في ليلة ، وعمر على بغلة وأنا على فرس ، فقرأ آية فيها ذِكْرُ عليّ بن أبي طالب .

فقال : أما والله يا بني عبد المطّلب ، لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر منّي ومِن أبي بكر .

فقلت في نفسي : لا أقالني الله إنْ أقلت ، فقلت : أنت تقول ذاك يا أمير المؤمِنين ، وأنت وصاحبك اللذان وثبتما وانتزعتما منّا الأمر دون الناس ؟

فقال : إليكم يا بني عبد المطّلب ، أمّا إنّكم أصحاب عمر بن الخطّاب .

فتأخّرت وتقدّم هُنَيْئةً .

فقال : سر لا سرت .

فقال : أعد علَيَّ كلامك .

فقلت : إنّما ذكرتَ شيئاً ورددتُ عليك جوابه ، ولو سكتَّ لسكتنا .

فقال : أما والله ما فعلنا الذي فعلنا عن عداوةٍ ، ولكن استصغرناه وخشينا أنْ لا تجتمع عليه العرب ، وقريش مُواتروه .

قال : فأردت أن أقول : كان رسول الله يبعثه في الكتيبة فينطح كبشها ولم يستصغره ، فتستصغره أنت وصاحبك .

فقال : لا جرم فكيف ترى والله ما نقطع أمراً دونه ، ولا نعمل شيئاً حتّى نستأذنه )(١) .

وروى الزبير بن بكار في ( الموفّقيّات ) باللفظ الآتي :

( عن عبد الله بن عبّاس قال : إنّي لأُماشي عمر بن الخطّاب في سكّةٍ مِن سكك المدينة ، إذ قال لي :

يا ابن عبّاس ! ما أرى صاحبك إلاّ مظلوماً .

_______________________

(١) محاضرات الأدباء ٢ : ٤٧٨ / عليّ بن أبي طالب ، مِن فضائله .


فقلت في نفسي : والله لا يسبقنّي بها ، فقلت :

يا أمير المؤمِنين ! فاردد إليه ظلامته .

فانتزع يده مِن يدي ومضى يهمهم ساعةً ، ثمّ وقف فلحقته .

فقال يا ابن عبّاس ! ما أظنّهم منعهم إلاّ أنّهم استصغروا سنّه .

فقلت في نفسي : هذه شرّ مِن الأُولى .

فقلت : والله ما استصغره الله ورسوله حين أمره أن يأخذ براءة مِن صاحبك .

فأعرض عنّي وأسرع ورجعت عنه ) .

وروى الحافظ الزرندي في ( نظم درر السمطين ) :

( عن نبيط بن شريط قال : خرجت مع عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه ومعنا عبد الله بن عبّاس ، فلمّا صرنا إلى بعض حيطان الأنصار وجدنا عمر بن الخطّاب جالساً وحده ينكت في الأرض.

فقال له عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه : ما أجلسك يا أمير المؤمِنين هاهنا وحدك ؟

قال : لأمر همّني .

فقال له عليّ : أفتريد أحدنا ؟

فقال عمر : إن كان فعبد الله .

قال : فخلا معه عبد الله ، ومضيت مع عليّ وأبطأ علينا ابن عبّاس ، ثمّ لَحِق بنا .

فقال له عليّ : ما وراءك ؟

فقال : يا أبا الحسن ! أُعجوبة مِن عجائب أمير المؤمِنين أُخبرك بها واكتم علَيّ .

قال : لمّا أن وَلّيت ، لرأيت عمر ينظر إليك وإلى أثرك ويقول : آه آه .

فقلت : بم تتأوّه يا أمير المؤمِنين ؟

قال : مِن أجل صاحبك يا ابن عبّاس ، وقد أُعطيَ ما لم يُعطَ أحدٌ مِن آل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولولا ثلاث هنّ فيه ما كان لهذا الأمر يعني الخلافة أحد سواه .

قلت : يا أمير المؤمِنين ! وما هنّ ؟

قال : كثرة دعابته ، وبغض قريش له ، وصِغَر سنّه .


فقال له عليّ : فما رددت ؟

قال : داخلني ما يداخل ابن العمّ لابن عمّه .

فقلت : يا أمير المؤمِنين ! أمّا كثرة دعابته ، فقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يداعب ولا يقول إلاّ حقّاً ، ويقول للصبيّ ما يعلم أنّه يستميل به قلبه أو يسهل على قلبه وأمّا بغض قريش له ، فوالله ما يبالي ببغضهم ، بعد أن جاهدهم في الله حتّى أظهر الله دينه ، فقصم أقرانها وكسر آلهتها وأثكل نساءها في الله وأمّا صغر سنّه ، فلقد علمت أنّ الله تعالى حيث أنزل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( بَرَاءةٌ مِن اللّهِ وَرَسُولِهِ ) وجّه بها صاحبه ليُبلِّغ عنه ، فأمر الله تعالى أن لا يبلّغ عنه إلاّ رجل مِنه ، فوجّهه في أثره وأمره أن يؤذن ببراءة ، فهل استصغر الله تعالى سنّه ؟

فقال عمر : أمسك عليّ واكتم واكتم ، فإنْ سمعتها مِن غيرك لم أنم بين لابتيها )(١) .

هذا ، وفي حديث رواه بدر الدين محمّد بن عبد الله الشبلي(٢) في كتاب ( آكام المرجان ) عن عبد الله بن مسعود ما يدلُّ على عدم رضا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باستخلاف الشيخين... وهذا نصّ الحديث كما رواه الشبلي بإسناده عن طريق جمع مِن الأكابر في كلام له حيث قال :

( وقد ورد ما يدلّ على أنّ ابن مسعود حضر ليلة أُخرى بمكّة غير ليلة الحجون .

فقال أبو نعيم : حدّثنا سليمان بن أحمد ، حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي ، حدّثنا علي بن الحسين بن أبي بردة البجلي ، حدّثنا يحيى بن يعلى الأسلمي ، عن حرب بن صبيح ، حدّثنا سعيد بن مسلم ، عن أبي مرّة الصنعاني ، عن أبي عبد الله الجدلي ، عن عبد الله بن مسعود قال :

استتبعني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة الجنّ فانطلقت حتّى بلغنا أعلا مكّة ، فخطّ علَيّ خطّاً وقال :لا تبرح ، ثمّ انصاع في الجبال ، فرأيت الرجال ينحدرون عليه مِن رؤوس الجبال حتّى حالوا بيني وبينه ، فاخترطت السيف وقلت : لأضربنّ حتّى أستنقذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ ذكرت قوله : لا تبرح حتّى آتيك .

_______________________

(١) نظم درر السمطين : ١٣٢ فصل في ذكر آثارٍ عن الصحابة في حقّه .

(٢) توجد ترجمته في الدرر الكامنة ٣ : ٤٨٧ وغيرها توفي سنة ٧٦٩ .


قال : فلم أزل كذلك حتّى أضاء الفجر ، فجاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا قائم فقال :ما زلت على حالك ؟

قلت : لو مكثت شهراً ما برحت حتّى تأتيني ، ثمّ أخبرته بما أردت أن أصنع .

فقال :لو خرجت ما التقيت وأنا وأنت إلى يوم القيامة ، ثمّ شبك أصابعه في أصابعي وقال :إنّي وُعدْتُ أن تؤمِن بي الجنّ والإنس ؛ فأمّا الإنس فقد آمنت بي وأمّا الجنّ فقد رأيت ، وما أظنّ أجلي إلاّ وقد اقترب .

قلت : يا رسول الله ! ألا تستخلف أبا بكر .

فأعرض عنّي ، فرأيت أنّه لم يوافقه .

قلت : يا رسول الله ! ألا تستخلف عمر ؟

فأعرض عنّي فرأيت أنّه لم يوافقه .

قلت : يا رسول الله ! ألا تستخلف عليّاً ؟

قال :ذلك والذي لا إله غيره لو بايعتموه وأطعتموه أدخلكم الجنّة أكتعين )(١) .

ورواه الحافظ سبط ابن الجوزي في كتاب ( تذكرة خواصّ الأُمّة ) عن أحمد بن حنبل بإسناده عن عبد الله بن مسعود كذلك ، قال :

( قد روى الإمام أحمد عن عبد الرزاق عن أبيه عن مينا عن عبد الله بن مسعود قال : كنت مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة وفد الجنّ ، فتنفّس ، فقلت : يا مالك يا رسول الله ؟

قال :نُعِيَت إليَّ نفسي ، يا ابن مسعود .

_______________________

(١) آكام المرجان في أحكام الجان : ٥١ .


قلت : استخلف .

قال :ومَن ؟

قلت : أبو بكر .

قال : فسكت ثمّ مضى ساعة ، ثمّ تنفّس ، فقلت : ما شأنك بأبي وأُمّي يا رسول الله ؟

قال :نُعِيَت إليّ نفسي يا ابن مسعود .

قلت : استخلف .

قال :مَن ؟

قلت : عمر .

فسكت ، ثمّ مضى ساعة ثمّ تنفّس .

قلت : ما شأنك ؟

قال :نُعِيَت إليّ نفسي يا ابن مسعود .

قلت : فاستخلف .

قال :مَن ؟

قلت : عليّ .

قال :أما والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلون الجنّة أكتعين ) .

وأخرجه الطبراني وابن عساكر بإسنادهما عن مينا كذلك ـ كما في مجمع الزوائد(١) وبترجمة أمير المؤمنين مِن تاريخ دمشق ـ ، و( مينا ابن أبي مينا ) مِن التابعين ـ إن لم تكن له صحبة ـ وقد أخرج عنه الترمذي في صحيحه ، وقد اُتّهم بالتشيّع ، بل وكُذِّب ، لروايته مثل هذا الحديث .

_______________________

(١) مجمع الزوائد ٥ : ١٨٥ .


الفهرست

صحيحُ أبي داود ٢

قدح العلماء في أحاديث سُنن أبي داود ٤

الموضوعات في سُنن أبي داود ٦

صحيحُ النسائي. ١٤

القدح في النسائي وكتابه ١٧

سُنن ابن ماجة ٢٤

الموضوعات في سُنن ابن ماجة ٢٥

تذييلاتٌ.. ٤٤

* الكبار الكذّابون. ٤٤

* الكذّابون في الصحاح الستّة ٤٤

* مِن تحريفات الصحابة للأحاديث النبويّة ٤٤

* مِن تصحيفات النسّاخ للأحاديث النبويّة وغيرها ٤٤

١ الكبار الكذّابون. ٤٤

١ ـ أبو مطيع البلخي. ٤٥

٢ ـ ثوبان بن إبراهيم وهو ـ كما قال الجوزقاني ـ ذو النون المصري  ٤٦

٣ ـ أحمد بن صالح المصري. ٤٧

٤ ـ محمّد بن عمر الواقدي. ٤٩

٥ ـ محمّد بن إسحاق صاحب السيرة ٥١

٦ ـ نعيم بن حمّاد ٥٢

٧ ـ محمّد بن عثمان بن أبي شيبة ٥٢

٨ ـ الزبير بن بكّار ٥٣

٩ ـ ابن قتيبة ٥٥

١٠ ـ أسد بن عمرو. ٥٦

١١ ـ محمّد بن عبد الله بن عبد الحكم. ٥٨


١٢ ـ الحسن بن علي بن شبيب المعمري. ٥٩

٢ الكذّابون في الصّحاح الستّة ٦١

١ ـ إبراهيم بن بشار ٦١

٢ ـ إبراهيم بن محمّد الأسلمي. ٦٢

٣ ـ أحمد بن إسماعيل ، أبو حذافة السهمي. ٦٤

٤ ـ أحمد بن عبد الرحمن بن وهب.. ٦٤

٥ ـ أحمد بن محمّد بن أيّوب صاحب المغازي  ٦٥

٦ ـ أبو الوليد أحمد بن عبد الرحمن البسري. ٦٥

٧ ـ إسماعيل بن أبي أويس.. ٦٥

٨ ـ أيّوب بن جابر بن سيّار ٦٦

٩ ـ ثابت بن موسى الضبّي. ٦٧

١٠ ـ جبارة بن المغلس.. ٦٧

١١ ـ جعفر بن الزبير ٦٨

١٢ ـ الحارث بن عمران. ٦٩

١٣ ـ حبيب بن أبي حبيب المصري كاتب مالك بن أنس   ٧٠

١٤ ـ الحارث بن عمير البصري. ٧٠

١٥ ـ الحسن بن عمارة الكوفي. ٧١

١٦ ـ الحسن بن مدرك الطحّان. ٧٢

١٧ ـ حصين بن عمر الأحمسي. ٧٣

١٨ ـ حمزة بن أبي حمزة الجزري. ٧٣

١٩ ـ خارجة بن مصعب.. ٧٤

٢٠ ـ خال بن عمرو القرشي. ٧٤

٢١ ـ خالد بن يزيد الدمشقي. ٧٥

٢٢ ـ داود الزبرقاني الرقّاشي. ٧٦

٢٣ ـ داود بن المحبر ٧٧


٢٤ ـ السرّي بن إسماعيل الكوفي. ٧٨

٢٥ ـ سعد بن طريف الإسكاف.. ٧٨

٢٦ ـ سعيد بن سنان الحمصي. ٧٩

٢٧ ـ سعيد بن عبد الجبّار الزبيدي. ٧٩

٢٨ ـ سلم بن إبراهيم الورّاق. ٨٠

٢٩ ـ سلم بن عبد الرحمن النخعي. ٨٠

٣٠ ـ سيف بن محمّد الكوفي. ٨١

٣١ ـ سيف بن هارون البرجمي. ٨٢

٣٢ ـ صالح بن أبي الأخضر ٨٢

٣٣ ـ صبّاح بن محمّد البجلي. ٨٣

٣٤ ـ ضرار بن صرد ٨٣

٣٥ ـ طلحة بن زيد. ٨٣

٣٦ ـ عامر بن صالح بن عبد الله. ٨٥

٣٧ ـ عبّاد بن راشد البصري. ٨٦

٣٨ ـ عبّاد بن كثير الثقفي. ٨٦

٣٩ ـ عبد الله بن إبراهيم الغفاري. ٨٧

٤٠ ـ عبد الله بن خراش.. ٨٧

٤١ ـ عبد الله بن زياد المخزومي. ٨٨

٤٢ ـ عبد الله بن سعيد المقبري. ٨٩

٤٣ ـ عبد الله بن شريك العامري. ٨٩

٤٤ ـ عبد الله بن صالح أبو صالح كاتب الليث   ٩٠

٤٥ ـ عبد الله بن محمّد العدوي. ٩٠

٤٦ ـ عبد الله بن معاذ الصنعاني. ٩٠

٤٧ ـ عبد الله بن أبي أُوَيس.. ٩١

٤٨ ـ عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص    ٩١


٤٩ ـ عبد الرّحمن بن قيس الضبّي. ٩٢

٥٠ ـ عبد الرحمن بن هاني. ٩٢

٥١ ـ عبد الرحيم بن زيد العميّ. ٩٣

٥٢ ـ عبد الرحيم بن هارون الغسّاني. ٩٣

٥٣ ـ عبد العزيز بن أبان. ٩٤

٥٤ ـ بعد الملك الأصمعي. ٩٤

٥٥ ـ عبد الوهّاب بن الضحّاك. ٩٥

٥٦ ـ عبد الوهّاب بن مجاهد. ٩٥

٥٧ ـ عبيد الله بن زجر ٩٦

٥٨ ـ عبيد بن القاسم الأسدي. ٩٦

٥٩ ـ عثمان بن عبد الرحمن. ٩٧

٦٠ ـ عثمان بن فائد. ٩٨

٦١ ـ عطاء بن عجلان. ٩٨

٦٢ ـ عطيّة بن سفيان الثقفي. ٩٩

٦٣ ـ عكرمة البربري. ٩٩

٦٤ ـ العلاء بن خالد الواسطي. ٩٩

٦٥ ـ العلاء بن زيد الثقفي. ١٠٠

٦٦ ـ العلاء بن مسلمة بن عثمان. ١٠٠

٦٧ ـ علي بن المجاهد الكابلي. ١٠١

٦٨ ـ عمارة بن جوين العبدي. ١٠١

٦٩ ـ عمر بن صبح الخراساني. ١٠٣

٧٠ ـ عمر بن هارون البلخي. ١٠٤

٧١ ـ عمرو بن جابر أبو زرعة الحضرمي. ١٠٥

٧٢ ـ عمرو بن خالد القرشي. ١٠٥

٧٣ ـ عمرو بن واقد الدمشقي. ١٠٦


٧٤ ـ عنبسة بن عبد الرحمن. ١٠٧

٧٥ ـ قاسم بن عبد الله بن عمر ١٠٧

٧٦ ـ كثير بن عبد الله بن عمرو. ١٠٨

٧٧ ـ محمّد بن حسن بن زبالة ١٠٨

٧٨ ـ محمّد بن عبد الرحمن القشيري. ١٠٩

٧٩ ـ محمّد بن الفرات.. ١٠٩

٨٠ ـ محمّد بن إسحاق بن عكاشة ١١٠

٨١ ـ محمّد بن بشّار ـ بندار ١١٠

٨٢ ـ مبارك بن حسان. ١١١

٨٣ ـ محمّد بن الحسن الهمداني. ١١١

٨٤ ـ محمّد بن حميد بن حبّان الرازي. ١١٢

٨٥ ـ محمّد بن خالد الواسطي. ١١٢

٨٦ ـ محمّد بن سعيد المصلوب.. ١١٣

٨٧ ـ محمّد بن عبد الله بن أبي سبره ١١٤

٨٨ ـ محمّد بن الفضل بن عطيّة المروزي. ١١٤

٨٩ ـ مبشّر بن عبيد الحمصي. ١١٥

٩٠ ـ معلّى بن عبد الرحمن الواسطي. ١١٥

٩١ ـ مقاتل بن سليمان. ١١٦

٩٢ ـ مينا بن أبي مينا ١١٦

٩٣ ـ نصر بن حمّاد الورّاق. ١١٦

٩٤ ـ نضر بن كثير، أبو سهل البصري. ١١٧

٩٥ ـ نفيع بن الحارث النخعي ، أبو داود الأعمى  ١١٧

٩٦ ـ نهشل بن سعيد الورداني. ١١٨

٩٧ ـ نوح بن أبي مريم. ١١٩

٩٨ ـ هارون بن هارون. ١١٩


٩٩ ـ الوليد بن عبد الله الهمداني. ١٢٠

١٠٠ ـ الوليد بن محمّد الموقري صاحب الزهري  ١٢٠

١٠١ ـ يحيى بن عمرو بن مالك النكري. ١٢١

١٠٢ ـ يحيى بن العلاء البجلّي. ١٢١

١٠٣ ـ يزيد بن عياض.. ١٢٢

١٠٤ ـ يعقوب بن الوليد. ١٢٢

١٠٥ ـ يوسف بن إبراهيم التميمي. ١٢٣

١٠٦ ـ يونس بن حباب الأسدي. ١٢٣

٣ مِن تحريفات الصحابة ١٢٤

للأحاديث النبويّة ١٢٤

١ ـ الحديث في البكاء على الميّت.. ١٢٤

قالت : حسبكم القرآن ( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) ١٢٥

٢ ـ الحديث في موت الفجأة ١٢٦

٣ ـ حديث خطاب النبيّ لأهل قليب بدر ١٢٦

٤ ـ حديث الأذان. ١٢٧

٥ ـ حديث اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ ١٢٧

الباب الرابع : أئمّة المذاهب الأربعة ١٤٥

مالك بن أَنَسْ.. ١٤٥

إطلاق لسانه في الصالحين. ١٤٥

تكلّم جماعة مِن الأئمّة فيه ١٤٧

ترجمة ابن أبي ذئب.. ١٤٨

ترجمة عبد العزيز بن ماجشون. ١٤٨

ترجمة ابن أبي حازم ١٤٩

تكلّم الشافعي فيه لقدحه في عكرمة وروايته عنه ! ١٥٠

تكلّم أحمد بن حنبل فيه ١٥١


تكلّم الشافعي فيه بسبب ردّه الأحاديث الصحيحة ١٥٣

تكلّم الشافعي فيه لروايته حديث خيار المجلس ومخالفته له ١٥٦

تكلّم أحمد وغيره فيه لمخالفته أخبار التبكير إلى الجمعة ١٥٩

حُكْمُه على السائل عن خَلْقِ القرآن بالزندقة ! ١٦٠

قوله لِمَن سأله عن الاستواء : أظنّك صاحب بدعة ١٦١

ترْكُه للجمعة والجماعة وهو خروج مِن الإيمان. ١٦٢

تكلّمه في أمير المؤمنين بسبب حروبه ١٦٣

أبو حنيفة النعمان بن ثابت.. ١٦٩

رسالة إمام الحرَمَيْن. ١٦٩

قضيّة صلاة القفّال. ١٧٠

ترجمة القفّال المروزي. ١٧٤

بين الشافعي وتلامذة أبي حنيفة ١٧٩

كان لا يروي عن الإمام الصادق حتّى يضمّه إلى أحد ! ١٨٣

مِن الأباطيل والموضوعات في المُوَطّأ ١٨٤

حديث لا نورّث.. ١٨٤

حديث ولاء بريرة ١٨٦

حديث انتقاض الوضوء بمسّ الذَكَر ١٨٧

حديث تحريم المتعة يوم خيبر ١٩٠

أبو حنيفة النعمان بن ثابت.. ١٩٤

رسالة إمام الحرَمَيْن. ١٩٤

قضيّة صلاة القفّال. ١٩٥

ترجمة القفّال المروزي. ١٩٩

بين الشافعي وتلامذة أبي حنيفة ٢٠٤

الغزالي وأبو حنيفة ٢٢٠

كتاب المنخول للغزالي. ٢٢٩


أبو حنيفة في تاريخ الخطيب.. ٢٣٤

بين أبي حنيفة وسفيان الثوري. ٢٤٢

ذَكَرَه البخاريّ في الضعفاء ٢٤٣

أبو حنيفة في كتاب المنتظم لابن الجوزي. ٢٤٣

تكلّم أحمد في أبي حنيفة ٢٤٥

جَهْلُه بعِلْم الحديث وطلبه الرئاسة ٢٤٦

فضل علم الحديث.. ٢٤٧

ذمّ طلب الشهرة ٢٤٩

ذمّ حبّ الرئاسة ٢٥٠

رأي الفيروزآبادي في أبي حنيفة ٢٥١

محمّد بن إدريس الشافعي. ٢٥٣

تكلّم ابن معين فيه ٢٥٤

ترجمة ابن معين. ٢٥٤

أحمد بن حنبل. ٢٥٨

القول بأنّ في مسنده موضوعات.. ٢٦١

قول أحمد بأنّ قتال صفّين فتنة ٢٦١

الملحقات.. ٢٦٥

* مسائل فقهيّة ٢٦٥

* القياس.. ٢٦٥

* الاستحسان. ٢٦٥

* تكفير بعضهم لبعض.. ٢٦٥

١ مسائل فقهيّة ٢٦٥

حكم الشطرنج. ٢٦٥

حُكم العَبَث في الصلاة ٢٦٧

إزاحة وَهْم. ٢٧٧


حُكم الرجل يضمّ الجارية إليه في الصلاة ٢٩٠

مِن فتاوى القوم في الباب.. ٢٩٥

٢ القياس.. ٢٩٧

أوّل مَن قاس إبليس.. ٢٩٧

مِن الأخبار والآثار في ذمّ القياس.. ٢٩٩

كلام الفخر الرازي في ذمّ القياس.. ٣٠٠

كلام ابن الجوزي في ذمّ القياس.. ٣٠٧

كلام ابن عربي في ذمّ القياس.. ٣١٤

كلام وليّ الله الدهلوي في ذمّ القياس.. ٣١٨

كلام ابن دحية في ذمّ القياس.. ٣٢٣

كلام الغزالي في ذمّ القياس.. ٣٢٧

الكلام في حديث معاذ ٣٣٠

إنكار الإمام الصادق على أبي حنيفة برواية ابن شبرمة ٣٣٣

ترجمة ابن شبرمة ٣٣٥

تحريم أهل البيت العمل بالقياس.. ٣٣٩

العبري مِن الحنفية ٣٤١

فتاوى تُوُهّم كونها قياساً ٣٤٤

رجوع ابن الجُنَيْد عن القول بالقياس.. ٣٥٢

وهْمٌ ودفع. ٣٥٣

بين المُثْبتين والمنكِرين مِن أهل السنّة ٣٥٤

٣ الاستحسان. ٣٥٩

حقيقة الاستحسان. ٣٥٩

الاستحسان مِن أسباب تحريف الدين. ٣٦٠

٤ تكفير بعضهم بعضاً ٣٦٤

الخاتمة ٣٧٥


* حديث الحوض.. ٣٧٥

* ممّا ورد عن أئمّة أهل البيت في الصحابة ٣٧٥

* مِن نوادر الأخبار في أمر الخلافة ٣٧٥

حديث الحوض.. ٣٧٥

حديث الحوض وضرورة الاعتقاد به ٣٧٥

الكلام في فقه الحديث.. ٣٧٨

نقد تمحّلات القوم في معنى الحديث ٣٨٠

الوجه الأوّل. ٣٨٣

نَقْد الوجه الأوّل. ٣٨٧

الوجه الثاني. ٣٨٨

نَقْد هذا الوجه ٣٨٨

الوجه الثالث.. ٣٩٤

نَقْد الوجه الثالث.. ٣٩٥

الوجه الرابع. ٣٩٧

نَقْد هذه الوجه ٣٩٧

ممّا ورد عن أهل البيت.. ٤٠٢

في الصحابة ٤٠٢

الحديث الأوّل. ٤٠٢

الحديث الثاني. ٤٠٢

الحديث الثالث.. ٤٠٥

الحديث الرابع. ٤٠٥

الحديث الخامس.. ٤٠٦

الحديث السادس.. ٤٠٦

الحديث السابع. ٤٠٦

الحديث الثامن. ٤٠٧


الحديث التاسع. ٤٠٧

الحديث العاشر ٤٠٩

الحديث الحادي عشر ٤٠٩

الحديث الثاني عشر ٤١٠

الحديث الثالث عشر ٤١٢

الحديث الرابع عشر ٤١٣

الحديث الخامس عشر ٤١٤

الحديث السادس عشر ٤١٤

الحديث السابع عشر ٤١٥

الحديث الثامن عشر ٤١٥

الحديث التاسع عشر ٤١٨

الحديث العشرون. ٤١٨

الحديث الحادي والعشرون. ٤١٩

الحديث الثاني والعشرون. ٤٢١

الحديث الثالث والعشرون. ٤٢٣

الحديث الرابع والعشرون. ٤٢٣

الحديث الخامس والعشرون. ٤٢٧

بحوثٌ حول الأحاديث المذكورة ٤٢٨

معنى حديث : فالبعوضة أمير المؤمِنين ٤٢٨

تكذيب الحديث الثاني لاشتماله على نَفْيِ أبي ذر ٤٣٢

اضطراب القوم في تبرير صنيع عثمان. ٤٣٥

رواية أبي الليث السمرقندي في فضل أبي ذر الغفاري  ٤٣٧

وفي هذه الأخبار فوائد : ٤٤٠

كلام أمير المؤمِنين في نفي أبي ذر ٤٤١

تفسير ( العروة الوثقى ) بـ ( عليّ ) ٤٤٣


مظلوميّة الزهراء عليها‌السلام.... ٤٤٤

حديث الضغائن في صدور الأقوام ٤٤٤

حديث : أنا أوّل مَن يجثو بين يدي الله ٤٤٥

حديث : عليّ قسيم الجنّة والنار ٤٤٦

وحاصل الكلام في هذا المقام : ٤٥٣

مِن نوادر ٤٥٤

الأخبار في أمر الخلافة ٤٥٤

وحاصل الكلام في هذا المقام : ٤٦١

مِن نوادر ٤٦٢

الأخبار في أمر الخلافة ٤٦٢