بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام على نبيّنا الأكرم المبعوث رحمةً للعالمين محمد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين.
إنَّ من المسائل المهمة التي شغلت حَيزاً واسعاً في الفكر الإسلامي ولم تزل ، هي مسألة ( أفعال الإنسان ) ، وبيان نسبة الفعل الصادر عنه ؛ إليه تارةً ، وإلى الله عزّ وجل تارةً ، وإلى الله عزّ وجل والإنسان معاً تارةً اُخرى. والإنسان بحكم ما يمتلكه من عقلٍ وتفكير امتاز بهما عن سائر المخلوقات لا يخلو من أن يفكر ـ حال صدور الفعل عنه ـ في نسبته اليه أو إلى غيره.
تُرى ، هل هو الذي هيّأ مقدماتِ الفعل وأسبابه ووسائله وأدواته بتصميم معين وتصور محدد ، ثم أقدم عليه برغبةٍ وعزم واختيار ؟
أو أنه لم يكن قد خطط ولا أعدّ كل هذا ، وإنّما هكذا بلا أدنى سابقة أقْدَمَ على الفعل وتحقّق منه خارجاً ؟
أو أنَّ هناك نسبة بين هذا وذاك ؟
ومن هنا اختلف المسلمون في تلك المسألة فكانت لهم ثلاثة اتجاهات :
فاعتقد بعضهم أنَّ التفسير المناسب لأفعال الإنسان هو القول ( بالجبر ) وذلك لأجل التحفظ على أُمور في غاية الخطورة لاتصالها بعقيدة المسلم ،
كقدرة الله المطلقة وسلطانه العظيم الواسع ، وكونه عزّ وجل الخالق لكلِّ شيء ولا خالق سواه. مستفيدين هذا بزعمهم من بعض الظواهر القرآنية كقوله تعالى( واللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) وقوله تعالى :( اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ ) وغيرها.
وعلى هذا الأساس فالجبرُ يعني نفي أية نسبة بين الإنسان وفعله ، لأنه يكون مسلوب الاختيار في أفعاله ، وإنّ أيّ فعل منه لا يُعدُّ انعكاساً لرغباته وميوله واتجاهاته وما يمتلكه من شخصيةٍ أو ملكات ، إذ ليس له أدنى تأثير في صدور الفعل عنه ، فهو آلة لا غير.
واعتقد آخرون بنقيض ذلك تماماً ، ورأوا أنَّ الحقّ في المسألة هو القول بالاختيار ، وذلك لأجل التحفظ على أمور أُخرى لا تقل خطورةً عن التي تحفّظ عليها الجبريون ، وهو العدل الالهي ، إذ ليس من العدل أن يُؤاخذ العبد على فعلٍ كان مجبوراً عليه ولا طاقة له في تركه.
فهم يرون أنَّ الله عزّ وجل خلقَ العباد وأوجد فيهم القدرة على الأفعال وفوّض إليهم الاختيار فيما يشاؤون أو يدعون من أفعال ، وهذا يعني استقلال العبد في إيجاد الفعل على وفق ما أودع فيه من قدرةٍ وإرادة ، وإنّه ليس لله سبحانه أي أثر في فعل العبد الصادر عنه ، إذ لولا استقلاله بالفعل على سبيل الاختيار لَبطُل التكليف ولكان الثواب والعقاب ظلماً. وقد حاول أصحاب هذا الاتجاه الاِفادة من ظواهر القرآن أيضاً كقوله تعالى :( وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُم ورَسُولُهُ والمُؤمِنُونَ ) وقوله تعالى :( فَمَن يَعملْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ *وَمَن يَعمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) .
وذهب اتّجاه ثالث إلى أنّ في آيات القرآن الكريم ما يُضاد القول بالجبر صراحةً ، كقوله تعالى :( كُلُّ امرىءٍ بما كَسَبَ رَهِينٌ ) وقوله تعالى :( إنّا هَدَيناهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِراً وإمَّا كَفُوراً ) وقوله تعالى :( إنّ هذهِ تَذكِرةٌ فَمَن شَآءَ اتَّخذَ إلى رَبّهِ سَبِيلاً ) .
وفي آيات اُخرى ما يبطل الاختيار ، كقوله تعالى :( فَهَزمُوهُم بإذْنِ اللهِ ) وقوله تعالى :( وَمَا كانَ لِنفسٍ أن تُؤمِنَ إلاَّ بإذنِ اللهِ ) .
ولهذا ، فقد اعتقد أصحاب هذا الاتجاه بقول ثالث وسط بين الجبر والاختيار ، وهو ما يعرف ـ أخذاً من كلمات أئمة أهل البيتعليهمالسلام الذين هم الأصل فيه ـ ب( الأمر بين الأمرين ) ، وهو في الوقت نفسه لا يمس قضاء الله تعالى وقدره وسلطانه وعدله ، كما يحافظ أيضاً على نسبة الفعل الصادر عن الإنسان إلى الله تعالى وإلى الإنسان أيضاً ، وأفادوا من بعض الآيات الكريمة كقوله تعالى :( ما أصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِن اللهِ وَمَا أصَابَكَ مَنْ سَيّئةٍ فَمِنْ نَّفسِكَ ) ، فلو لم تكن هناك صلة بين الخالق وفعل العبد لما صح معنى نسبة الحسنة الصادرة من العبد إلى الله عزّ وجلّ.
وعن الإمامين الباقر والصادقعليهماالسلام : « إنّ الله أرحم بخلقه من أنْ يجبر خلقه على الذنوب ثم يعذبهم عليها ، والله أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون ».
وعن الإمام الصادقعليهالسلام : « لا جبر ولا تفويض بل أمرٌ بين أمرين ».
وعن الإمام الرضاعليهالسلام وقد سمع في مجلسه كلاماً حول الجبر والتفويض فقال : « إنّ الله عزّ وجل لم يطع بإكراه ، ولم يعصَ بغلبة ، ولم يُهمِل العباد في ملكه ، وهو المالك لما ملّكهم ، والقادر على ما أقدرهم عليه ،
فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن الله عنها صادّاً ، ولا منها مانعاً ، وإن ائتمروا بمعصية فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل ، وإن لم يَحُل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه ».
وهذا الكتاب الماثل بين يديك ـ عزيزي القارئ ـ يعالج هذه المسألة بعرض اتّجاهاتها الثلاثة ذاكراً أدلتها ، مناقشاً لها في ضوء النصوص القرآنية والسُنّة المطهّرة ودليل العقل ، ووفق منهج علمي حديث في الموازنة ، حتى ينتهي إلى نتائج علمية.
وإذ يُقدِّم مركز الرسالة هذا الكتاب إلى القرّاء الاعزاء يأمل أن يكون قد أسهم في تقديم الحل المناسب لهذه المسألة المعقدة.
والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم
مركز الرسالة
منذ أن وعى الإنسان القدرة الخلاّقة التي أبدعت الكون بموجوداته المتنوعة ، ثم ارتبط بالمطلق ( الخالق الأحد ) بدأ يفكر ، وتقفز إلى ذهنه أسئلة متعددة : هل أني أستطيع التحرك والتصرف بعيداً عن سلطان ( الخالق ) ؟ وإلى أي حدٍّ أمتلك حريةً واختياراً فيما أفعل أو أدَعْ من الأشياء ؟ هل إني مسيّر مقهور لا أمتلك إرادة الفعل والترك ، أم أنَّ هناك هامشاً معيناً من حرية الإرادة والاختيار ؟
وإذا كنتُ أمتلكُ قدراً من تلك الحرية والاختيار ، فهل أنَّ ذلك على نحو الاستقلال ، بحيث أستطيع أن أقول : إنّه لا شأن للخالق القادر ولا دخلَ له بما أفعل أو أترك ؟
وإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يستقيم ذلك مع الاعتقاد بهيمنة الخالق وسلطانه وقدرته وعلمه ؟
كانت هذه الأسئلة وأمثالها تثارُ من قبل الإنسان سواء كان معتنقاً لدين من الأديان أم لم يكن.
وعلى مرّ التاريخ الفكري للإنسان كانت هناك إجابات متنوعة :
فالفلاسفة حاولوا أن يَحلّوا هذه الاِشكاليات وفق مبانيهم ونظرياتهم الفلسفية.
والنصوص الدينية قدّمت إجابات ، بعضها جاء محدداً واضحاً ( مُحكماً ) وبعضها جاء من قبيل ( المتشابه ) حثّاً للإنسان ؛ لكي يفكر ويتأمل ويحصل على قناعةٍ وجدانية ، شريطة أن لا تتعارض مع ما هو ( محكم ) لا يقبل التأويل.
وأدلى ( أهل الكلام ) والمهتمون بالعقائد بوجهات نظرهم ، فَبَعضُهم استند إلى ظواهر بعض النصوص ، وأفادَ من الدرس الفلسفي ومن المنطق الشكلي ، فذهب إلى القول بالجبر. فالإنسان ـ في نظره ـ كريشةٍ في مهب الريح ، ليس له إرادة ولا قدرة ولا اختيار في الفعل أو الترك ف( الله خالق كلّ شيء ) .
وبعضهم حاول تلطيف هذه الفكرة وجعلها أكثر قبولاً بابتداع نظرية الكسب. فالإنسان يكسب الفعل ، والله هو الخالق( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) مع الاختلاف الشاسع في تفسير عملية الكسب !
وذهب قومٌ إلى حرية الإرادة والاختيار على نحوٍ يشبه الاستقلالية في الفعل أو الترك( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) .
وتميّزت مدرسة أهل البيتعليهمالسلام بالقول الوسط المعتدل بين هذه الآراء ـ التي اتّجهت إما إلى اقصى اليمين ( نظرية الجبر ) ، أو إلى أقصى اليسار ( الاختيار المطلق = التفويض ) ـ واشتهرت كلمتهم « لا جبرَ ولا تفويض بل أمرٌ بين أمرين » في هذه المسألة الشائكة.
وشرح أتباع مدرسة أهل البيت هذا الأثر ، وتوسعوا فيه وبرهنوا على صحته ، مستفيدين بذلك من النصوص الدينية قرآناً وسُنّة ، ومن تطور الدرس الفلسفي والمعطيات العلمية للحالة الإدراكية والشعورية للإنسان.
نعم ، إنّ الإنسان ليشعر شعوراً قوياً لا يعتريه ريبٌ بأنّه ليس مجرد آلة لا يملك زمامَ نفسه. وهذا الشعور يصاحبه إدراك لهذا المعنى لا يقلُّ في وضوحه وتجلّيه عن درجة الوضوح في ذلك الشعور ، ومع ذلك الشعور يمكن أن يُقال بأنه لا يملك الحرية المطلقة في تصميم مسيرته الحياتية ، سواء في المواقف التي يتخذها أم في إدارته لشؤونه العامة والخاصة ، إذ يدرك الإنسان بهذا القدر أو ذاك أنَّ كثيراً من الأمور تفلت من زمام قيادته ، أو تحدث بخلاف رغبته وإرادته.
وهذا الكتاب يتبنّى بسط وجهات النظر المتباينة في هذا الموضوع المثير ، ومناقشتها ، آخذاً بنظر الاعتبار تبسيط العبارة ، واختصار الطريق إلى تحصيل المعاني الواضحة ، مُعتمِداً أهم المصادر وأوثقها.
وقد تقسم البحث على فصول أربعة : تناول في أولها الحتمية التاريخية والحتمية الكونية.
وتناول في الثاني موقف القرآن الكريم من مسألة ( الحتمية ) و ( استقلال الإنسان ).
وفي الثالث تناول مذهب أهل البيت ( الأمر بين الامرين ) متعرضاً إلى جهات الصراع العقيدي في الموضوع.
وفي الرابع والأخير تناول دور أهل البيتعليهمالسلام في موقع الدفاع عن التوحيد والعدل.
وانتهى الكتاب بخاتمة مناسبة.
ومنه تعالى نستمد العون والتوفيق
الفصل الأول
الحتمية التاريخية والحتمية الكونية
في التاريخ العقلي الفلسفي نلتقي نظريتين تنطلقان من منطلق الحتمية.
إحداهما : تخص السلوك الانساني ، الفردي والاجتماعي خصوصاً.
والأخرى : تتعلّق بالنظام الكوني عموماً.
فتتجه النظرية الأولى إلى الإيمان بحتمية السلوك الانساني وتعطيل إرادة الإنسان ، وسلب أي دور لارادته في سلوكه.
وتتجه النظرية الثانية إلى تثبيت الحتمية في النظام الكوني بشكل عام ، وتذهب إلى أن الكون كلّه يتحرك ضمن نظام دقيق بموجب قانون العلّية. وهذا النظام يجري ضمن حلقات متسلسلة ، كلّ حلقة منها ترتبط بالحلقة السابقة واللاحقة. ضمن نظام حتمي لا يمكن أن يتغير ولا يمكن أن يتخلف ، ولا يمكن ان تتدخل إرادة أحد ـ مهما كان ـ في تغييره. ولو افترضنا أنّنا اطلعنا على رؤوس هذه الحلقات في النظام الكوني العام ، وأمكننا قراءة التسلسل النظامي لحلقات هذا النظام ، أمكننا التنبؤ بكل ما يجري في الكون من الأحداث إلى أن ينتهي أمد هذا الكون.
وهاتان النظريتان تجريان في كل من الاتجاهين الفكريين المعروفين ؛ الاتجاه الإلهي ، والاتجاه المادي على نحو سواء.
فإنّ طائفة من الذين يؤمنون بالحتمية في سلوك الإنسان وتاريخه يؤمنون بالله تعالى ، ويذهبون إلى أنّ مصدر هذه الحتمية هو الله تعالى. بينما يذهب آخرون من الاتجاه المعاكس ( الاتجاه المادي ) إلى نفس النتيجة من منطلق قانون العلّية أو النظام الفكري الديالكتيكي.
فيذهب كل من هذين الاتجاهين إلى الحتمية في سلوك الإنسان وتاريخه على نحو سواء.
وكذلك الحتمية الثانية ( الحتمية الكونية ) لا تختص بهذا الاتجاه أو بذلك الاتجاه. فمن الممكن أن يذهب إلى هذه الحتمية أصحاب الاتجاه المادي أو الإلهيون.
واليهود من ( الإلهيين ) الذين يذهبون إلى هذا الاتجاه في الحتمية الكونية. يقول تعالى :( وقالت اليهود يَدُ الله مغلولة غُلَّت أيديهم ولُعِنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ) ( المائدة ٥ : ٦٤ ).
كما أنّ في المسلمين طائفة واسعة وكبيرة وهم ( الأشاعرة ) يذهبون إلى هذه الحتمية في سلوك الانسان.
والماركسيون من الاتجاه المادي يذهبون إلى هذه الحتمية في تاريخ الإنسان.
هاتان الحتميتان تؤديان إلى نتائج سلبية في التاريخ العقلي للانسان ، كما تؤديان إلى نتائج سلبية في التاريخ السياسي للانسان. فإنّ النتيجة التي تؤدي إليها هاتان الحتميتان بالضرورة هي افتراض وجود نظام قاهر في الكون، يمتنع على كلّ تعديل وتغيير وتبديل ، وهو بمعنى تعطيل سلطان إرادة الله تعالى ، وعدم الاعتراف بنفوذ سلطانه تعالى على النظام الكوني. هذا في الحتمية الكونية.
والنتيجة الضرورية التي تؤدي إليها الحتمية السلوكية والتاريخية للانسان هي الإيمان بتعطيل ارادة الانسان.
وهاتان نتيجتان خطيرتان تترتبان بالضرورة على هاتين الحتميتين.
وقد وقع كل من هاتين الحتميتين في موضع الاستغلال السياسي من قبل الحكام والأنظمة بشكل واسع.
فإنّ الإيمان بالحتمية التاريخية والسلوكية يعطّل دور الإنسان الفاعل وإرادته في تغيير ظروفه المعيشية وتاريخه السياسي ، ويحولّه من عنصر فاعل ومؤثر في تغيير حركة التاريخ ، وتغيير ظروفه الاجتماعية والمعيشية إلى عنصر عائم في تيار التاريخ والحياة ، يجري حيث يجري التيار.
وهذا النوع من التفكير ينفع الأنظمة السياسية الاستبدادية عادة.
فلا تكاد تبرز معارضة ظاهرة للنظام السياسي ، في وسط اجتماعي
يؤمن بالتقدير والحتمية والجبر بهذه الصورة.
ولهذا السبب تلقى النظرية الحتمية في التاريخ تأييداً ودعماً من الأنظمة المعروفة بالاستبداد السياسي غالباً. ويشجع الحكام هذا التوجه الفكري في مسألة القضاء والقدر ليأمنوا من غضب الناس وثورتهم واعتراضهم.
فلا مجال للغضب والسخط والاعتراض لأحد ، إذا كان ما يجري من الظلم وسفك الدماء يجري بقضاء الله وقدره ، ولم يكن لأحد من الناس قدرة في تغييره وتعديله.
والمعروف أنّ بني أُميّة كانوا يتبنّون الاتجاه الجبري في تفسير التاريخ والسلوك ويوجهون مايمارسونه من ظلم وتعسف واضطهاد وسلب لبيت المال وحقوقه بأنّ ذلك من قضاء الله تعالى الذي لا رادَّ لقضائه ولا يحق لأحد أن يعترض عليه ، ولا يملك أحد أن يصد عنه.
وكان الحسن البصري يميل إلى مخالفة بني أُميّة في مسألة ( القدر ) ويرى أنّ الناس أحرار في تقرير مصيرهم ، وليس عليهم قضاء حتم من الله تعالى ، وكان يجاهر برأيه هذا أحياناً ، فخوّفه بعضهم بالسلطان.
روى ابن سعد في الطبقات عن أيوب قال : نازلت الحسن في القدر غير مرة ، حتى خوفته من السلطان ، فقال : لا أعود(١) .
__________________
(١) طبقات ابن سعد ٧ : ١٦٧.
والسلطان الذي كان يحكم الناس في عهد الحسن البصري هو سلطان بني أُميّة. ومن هذه الرواية التاريخية يظهر أنّ بني أُميّة كانوا يتبنون مذهب الحتمية التاريخية والسلوكية إلى حدود الارهاب والتعسف.
ومن عجب أنّ أئمّة الشرك كانوا يوجّهون شركهم بالله وعبادتهم للأوثان ودعوتهم إليها بمثل هذه الحتمية.
يقول تعالى عن لسانهم :( وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلاّ يخرصون ) ( الزخرف ٤٣ : ٢٠ ).
وكما كان للسياسة دور في استغلال دور الحتمية الاُولى ، كذلك استغلت الحتمية الثانية استغلالاً واسعاً فإنّ الحتميّة الكونيّة تؤدي بشكل قهري إلى عزل سلطان الارادة الإلهية عن الكون. ولا ينافي ذلك الإيمان بأنّ الله تعالى هو خالق هذا الكون ، فقد كان اليهود يؤمنون بالله تعالى ويؤمنون بأن الله تعالى هو خالق هذا الكون. الا أنـّهم كانوا يعتقدون أنّ هذا الكون يجري ويتحرك بعد أن خلقه الله تعالى ضمن نظام قهري قائم على أساس الأسباب والمسببات ، دون أن يكون لله تعالى أيّ دور في تدبير وادارة الكون ، وبتعبير آخر كانوا يؤمنون بأن الله تعالى هو خالق هذا الكون دون أن يكون له دور في تدبير الكون ، ودون أن يكون مهيمناً عليه ، بينما يؤكد القرآن على صفة الخلق ، والهيمنة ، والتدبير لله تعالى جميعاً ، وفي وقت واحد.
وبقدر ما يضعف في نظر الانسان ، سلطان الله ونفوذه وتأثيره الفعلي
في الكون تضعف علاقته وارتباطه بالله.
وبقدر ما يضعف إيمان الإنسان بسلطان الله ونفوذه وتأثيره المباشر الفعلي في الكون ، تضعف علاقته بالله ، وبقدر ما تضعف علاقته وارتباطه بالله يضعف هو ، ويضعف حوله وقوته ومقاومته.
وبالعكس ، كلّما يزداد إيمانه بالله تعالى وبتأثيره وهيمنته وسلطانه الفعلي على الكون يزداد ارتباطه بالله وتتوثق علاقته به تعالى. وكلّما توثقت علاقته بالله يزداد قوة وحولاً ، حيث يتصل حوله وقوته بحول الله وقوته ، وتزداد مقاومته وأمله.
وهذا أمر يهم الحكام والأنظمة التي تحكم الناس بالارهاب والاستبداد بطبيعة الحال. هذا أوّلاً.
وثانياً : هذا التصور للحتمية الكونية يعمّق الاحساس بدور المادة والأسباب المادية في نفس الإنسان وعقله أكثر من قيمتها الحقيقية. ويُضعف دور الغيب في نفس الإنسان ووعيه ، ويسطّح الايمان بالغيب في نفس الإنسان دون قيمته الحقيقية ودوره الحقيقي ، بعكس ما يصنعه القرآن.
ففي القرآن نجد اهتماماً كبيراً بالإيمان بالغيب ومحاولة تعميق هذا الايمان وتثبيته وترسيخه في النفس ، في الوقت الذي لا ينتقص القرآن دور المادة وحجمها في الكون ، في طائفة واسعة من الآيات.
وللاِيمان بالغيب تأثير كبير في طريقة تفكير الانسان ، ومنهج حركته ، وفي طموحاته وآماله ، وبالتالي في تحركه وقدرته على تحمل ومواجهة
الصعاب والمتاعب والتحديات.
وإضعاف الإيمان بالغيب وتسطيحه وترسيخ الإيمان بالمادة وتعميقها بأكثر من قيمتها الحقيقية يضعف دور الإنسان وفاعليته وحركته ، ويؤثّر بصورة مباشرة على طريقة تفكيره.
ويحكي القرآن الكريم عن اليهود الايمان بالحتمية الكونية بهذه الصورة المطلقة ، وسلب كل نفوذ وسلطان لارادة الله تعالى في تغيير مسلسل الأحداث الكونية والتاريخية بالشكل الذي تفرضه الحلقات المتقدمة لهذا المسلسل. يقول تعالى :( وقالت اليهود يد الله مغلولة غُلَّت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) ( المائدة ٥ : ٦٤ ).
وهاتان الحتميتان وإن كانتا مختلفتين في الشكل والمضمون إلا أنـّهما تلتقيان وتصبّان في تعطيل دور الإنسان التغييري والقيادي للنظام السياسي والاجتماعي.
فإنّ التغيير يعتمد على أمرين اثنين وهما :
١ ـ إيمان الإنسان بالله تعالى وحوله وقوته وسلطانه ، وتوكّله على الله تعالى ، وثقته به. فإنّ الإنسان إذا أوصل حبله بحبل الله ، وحوله بحول الله ، وقوته بقوة الله تعالى ، إستمد من الله تعالى حولاً وقوةً عظيمين ، واكتسب أملاً وثقة لاحدّ لهما.
ومن دون أن يصل الإنسان حبله بحبل الله لا يمكن أن يملك هذا
الأمل وهذه الثقة مهما كانت قوته وسلطانه وكفاءته. وإذا فقد الإنسان الأمل والثقة بالله سبحانه وانقطع حبله عن حبل الله ، ضعف إلى حد بعيد عن المواجهة ، ولن يملك في ساحة العمل والحركة ومواجهة التحديات إلاّ حوله وقوته ، وهو حول ضعيف وقوة محدودة.
والايمان بالحتمية الكونية وسلب سلطان الله تعالى في التأثير والنفوذ في مسلسل أحداث الكون ـ على الطريقة اليهودية ـ يفقد الإنسان هذا الارتباط النفسي بالله تعالى ، ويسلب الإنسان الثقة والأمل بالإمداد الغيبي من جانب الله تعالى في حركته وعمله.
٢ ـ إيمان الإنسان بحرية إرادته وقدرته على تغيير مسلسل ( التاريخ ) وتقرير مصيره ومصير التاريخ.
وهذا الايمان يمكّن الإنسان من التحرك والعمل والتغيير ، وبعكس ذلك يفقد الإنسان القدرة النفسية على التحرك والتغيير إذا فقد هذا الإيمان وآمن بأنّ تاريخه ومصيره قد كُتب من قبل بصورة حتمية ، ولا سبيل لتغييره وتبديله ، وإنّه عجلة ضمن جهاز كبير يتحرك ويعمل دون أن يملك من أمر حركته وعمله ومن أمر تاريخه ومصيره شيئاً.
وبهذا يتّضح أنّ الايمان بهاتين الحتميتين ، يحجب الإنسان عن الله تعالى وعن نفسه وإمكاناته ، ويسلبه ( الأمل ) و ( الحرية ) في الحركة والقرار.
وبذلك يتحول الإنسان إلى خشبة عائمة في مجرى الأحداث والتاريخ.
وهذا وذاك أمر يطلبه الحكام والأنظمة التي تحكم الناس بالاستبداد والارهاب.
وموقف القرآن من هاتين الحتميتين موقف واضح. ففي الحتمية ( التاريخية ) و ( السلوكية ) يقرّر القرآن الكريم بشكل صريح حرية إرادة الإنسان ومسؤوليته عن أعماله. يقول تعالى :
( إنّا هَدَيناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِراً وإمّا كَفُوراً ) ( الانسان ٧٦ : ٣ ).
( إنّ اللهَ لا يَظلِمُ النَّاسَ شَيئاً وَلكِنّ النَّاسَ أنفُسَهُم يَظلِمُونَ ) ( يونس ١٠ : ٤٤ ).
( قُل يا أيُّها النَّاسُ قَد جَآءكُمُ الحَقُّ مِن رَّبِّكُم فَمَنِ اهتَدَى فَإنَّمَا يَهتَدِي لِنَفسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا ) ( يونس ١٠ : ١٠٨).
( فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ) ( الانسان ٧٦ : ٢٩ ).
وفي نفس الوقت يقرر القرآن بشكل واضح مبدأ سلطان إرادة الله تعالى في حياة الإنسان وتاريخه ، دون أن يلغي ذلك حرية إرادة الانسان.
يقول تعالى :( وَمَا تَشَآءُونَ إلاّ أن يَشَآءَ اللهُ إنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ) ( الانسان ٧٦ : ٣٠ ).
( وَمَا تَشَآءُونَ إلاّ أن يَشَآءَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ ) ( التكوير ٨١ : ٢٩ ).
( قُل إنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهدِي إليهِ مَن أنَابَ ) ( الرعد ١٣ : ٢٧ ).
( يَهدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ) ( النور ٢٤ : ٣٥ ).
( وَلَو شَآءَ رَبُّكَ لاَمَنَ مَن في الأرض كُلُّهُم جَمِيعاً أفَأنتَ تُكرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤمِنِينَ *وَمَا كَانَ لِنَفسٍ أن تُؤمِنَ إلاّ بإذنِ اللهِ وَيَجعَلُ الرِّجسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعقِلُونَ ) ( يونس ١٠ : ٩٩ ـ ١٠٠ ).
وهذا التأثير المباشر لسلطان إرادة الله تعالى في حياة الانسان ، وتاريخه إلى جانب حرية إرادة الانسان ، وقراره ، هو المبدأ المعروف ب ( الأمر بين الأمرين ) الوارد عن أهل البيتعليهمالسلام .
وهو مبدأ وسط بين مذهب الجبر الذي يتبناه الأشاعرة من المسلمين وبين مبدأ التفويض الذي يتبناه المفوّضة.
وسوف نقدم لذلك شرحاً أكثر فيما يلي من أبحاث هذه الرسالة.
وعن الحتمية الثانية يقرر القرآن الكريم بشكل واضح مبدأ نفوذ سلطان إرادة الله تعالى في الكون ، وهمينة الله تعالى الدائمة والمستمرة على الكون.
يقول تعالى :( وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغلُولَةٌ غُلَّت أيدِيهِم وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَل يَدَاهُ مَبسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيفَ يَشَآءُ ) ( المائدة ٥ : ٦٤ ).
ويقول تعالى :( يَمحُو اللهُ مَايَشَآءُ وَيُثبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتابِ ) ( الرعد١٣ : ٣٩ ).
دون أن يكون معنى هذا المبدأ الذي يقرّه القرآن إلغاء أو تعطيل مبدأ العلّية والحتمية ، وكل القوانين والأصول العقلية الناشئة من العلّية. ونحن نجد في القرآن الكريم إلى جانب هذه الآيات طائفة واسعة من كتاب الله
تقرُّ بمبدأ العلّية بشكل واضح ودقيق.
واجه أهل البيتعليهمالسلام عبر التاريخ الإسلامي انحرافاً فكرياً ، عقائدياً ، لدى طائفة من المذاهب الإسلامية في فهم حركة التاريخ والكون ، وذلك بتبنّي مذهب الحتمية والجبر في تاريخ الإنسان وسلوكه ، وتبنّي مبدأ الحتمية في حركة الكون. وكان لرأي الحكام في العصرين ، الأموي والعباسي ، اللذين عاصرهما أهل البيتعليهمالسلام عليهما تأثير في هذا وذاك.
فوقف أهل البيتعليهمالسلام موقفاً قوياً ضد هذا الاتجاه وذاك ، وأعلنوا عن رأيهم في حرية إرادة الإنسان وقراره ، دون أن يعطّلوا دور إرادة الله تعالى في حياة الإنسان ، وهو ما عبّر عنه أهل البيتعليهمالسلام ب ( الأمر بين الأمرين ).
روي أنّ الفضل بن سهل سأل الرّضاعليهالسلام بين يدي المأمون ، فقال : يا أبا الحسن الخلق مجبورون ؟ فقالعليهالسلام : «الله أعدل من أن يجبر خلقه ثمّ يعذبهم ». قال : فمطلقون ؟ قالعليهالسلام : «الله أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه »(١) .
وروى الصدوق عن مفضل بن عمر عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين الأمرين »(٢) .
كما أعلن أهل البيتعليهمالسلام عن عقيدتهم في الحتمية الثانية : عن محمد
__________________
(١) بحار الأنوار ٥ : ٥٦ / ١٢٠.
(٢) التوحيد : ٣٦٢ / ٨ باب نفي الجبر والتفويض.
ابن مسلم عن أبي عبد الله الصادقعليهالسلام يقول : « ما بعث الله نبياً حتى يأخذ عليه ثلاث خصال : الإقرار له بالعبودية ، وخلع الانداد ، وأنَّ الله يقدّم ما يشاءَ ويؤخّر ما يشاء »(١) .
وقد اشتهر نفي هذه الحتمية وتلك عن أهل البيتعليهمالسلام بصورة متواترة ، وعرف قولهم في نفي الحتمية السلوكية والتاريخية ب ( الأمر بين الأمرين ) وعرف قولهم في رفض الحتمية الكونية ب ( البداء ).
ومهما يكن من أمر فسوف ندخل بإذن الله تعالى في تفاصيل هذا البحث في ضوء القرآن الكريم في هذه الدراسة إن شاء الله تعالى.
الحتمية الأولى تتعلق بسلوك الإنسان الفردي ، وبتاريخ الأمم والجماعات البشرية.
والنظريات الحتمية تعم هذا وذاك، أو تختص بالسلوك الفردي حيناً ، وبتاريخ الإنسان حيناً آخر.
وهذه النظريات تعتمد أحياناً الإيمان بالله أساساً ومصدراً للحتمية ، وهي النظريات الحتمية الإلهية.
وتعتمد أحياناً عوامل أُخرى أساساً ومصدراً للحتمية في السلوك الفردي وفي حركة التاريخ ، ويمكن تسمية هذه الطائفة من النظريات بنظريات الحتمية المادية.
__________________
(١) الكافي ١ : ١٤٧ / ٣ باب البداء ـ كتاب التوحيد.
والنظريات التي تعتمد ( الحتمية ) أساساً في فهم سلوك الإنسان وتاريخه وتفكيره وتطوره ، عريقة وقديمة في تاريخ الثقافة الانسانية. وتتداخل عوامل كثيرة : دينية وفلسفية وسياسية ، في صياغة هذه النظريات ، ومن الصعب جداً فهم النظريات الحتمية في إطار العلم والفكر فقط دون أن نأخذ بنظر الاعتبار العوامل السياسية والدينية التي ساهمت في بلورة الصيغة الفلسفية لهذه النظريات.
النظريات الحتمية عند الإلهيين تتعلق غالباً بالسلوك الفردي للانسان وتتجه إلى نفي إرادة الإنسان في سلوكه وفعله ، ونفي أي دور أو سلطان للانسان على أفعاله. وهذه النظرية هي المعروفة ب ( الجبر ).
وأشهر المذاهب الإسلامية التي تؤمن بالجبر هو مذهب الأشاعرة ، أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ( المتوفى سنة ٣٣٠ ه ) وهذا المذهب لا ينفي إرادة الإنسان وقدرته رأساً ، ولكنّه يرى أنّ فعل الانسان ليس ناشئاً من إرادة الإنسان وقدرته ، وإنّما هو مخلوق لله تعالى.
وليس للانسان دور في إيجاد العمل وإبداعه ، وإنّما يقتصر دوره على كسب العمل فقط لا إيجاده.
وبذلك يحاول الشيخ الأشعري أن يجمع في هذه النظرية بين أصلين أساسيين هما : ( التوحيد ) و ( العدل ).
فهو يرى : أوّلاً : أنّ كلّ عمل للانسان مخلوق لله تعالى ، وليس للانسان أي دور في إيجاد العمل وإبداعه وإحداثه ، فإنّ الله تعالى يقول :( والله
خلقكم وما تعملون ) (١) ( الصافات ٧٣ : ٦٩ ). وليس للعباد شأن فى أعمالهم وإبداعها ، فإنّ الإيجاد يختص بالله تعالى في الأعمال والأعيان على نحو سواء ، وهذا هو مقتضى أصل ( عموم التوحيد ) على رأي الشيخ الأشعري.
فهو في الحقيقة يؤمن بمبدأ العلّية ، ولا ينفي أصل العلّية ، ولكنّه يؤمن بأنّ الله تعالى هو علّة لكلّ شيء مباشرةً ، وليس على نحو التسبيب ، فَيُحلّ علّة واحدة محل العلل الكثيرة التي تتطلبها المخلوقات الكثيرة. ويرى أنّ الاعتقاد بأنّ لإرادة الإنسان وقدرته دوراً في إيجاد العمل من الشرك الذي تنفيه الآية الكريمة( والله خلقكم وما تعملون ) ( الصافات ٣٧ : ٩٦ ).
وهذا هو الأصل الأول لدى الشيخ الأشعري. والأصل الثاني لدى الشيخ الأشعري هو أصل ( الكسب ) والتزم به الأشعري لئلاّ ينتهي به الأمر إلى ( الجبر ) وإبطال الثواب والعقاب وارتفاع المسؤولية عن الانسان ، وبالتالي لئلاّ يضطر إلى نفي صفة ( العدل ) عن الله تعالى(٤) .
فإنّ افتراض نفي كل سلطان ودور للانسان في أفعاله يؤدي بالتالي إلى إبطال الثواب والعقاب معه ، وليس من العدل عقاب العبد على فعل لم
__________________
(١) هذه الآية الكريمة لا علاقة لها بما يُريد الأشاعرة فهي تتعلق بالحوار الذي جرى بين إبراهيمعليهالسلام والمشركين من قومه. فقال لهم مستنكراً :( أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون ) يعني إنّ الله خلقكم والأحجار التي تنحتونها أصناماً ( وما تعملون ).
(٢) وإن كانوا لا يصرحون بهذا التوجيه الأخير.
يكن له دور وسلطان في إيجاده بأي شكل.
وقد اختلفت كلمات الأشاعرة في توجيه وتفسير ( الكسب ). ومن أفضل من حاول توجيه الكسب من متكلّمي الأشاعرة هو أبو بكر الباقلاني ، المتكلم المعروف.
وخلاصة رأي الباقلاني في تفسير ( الكسب ) : إنّ لكل فعل جهتين : جهة الإيجاد ، وجهة الخصوصية والعنوان الذي جعله الله تعالى مناطاً للثواب والعقاب.
وهاتان جهتان مختلفتان ، ونسبة كل واحدة منهما تختلف عن نسبة الأخرى.
فالجهة الأولى : هي ( الإيجاد ) وتنتسب إلى الله تعالى ، ونسبة الإيجاد إلى غير الله تعالى من الشرك بالله.
والجهة الثانية : هي العنوان الذي يكتسب به العبد الثواب أو العقاب نحو ( الصلاة ) و ( الصيام ) و ( الحج ) و ( الغيبة ) و ( الكذب ) ...
وكما لا يجوز نسبة الأولى إلى العبد ، لا يجوز نسبة الثانية إلى الله تعالى. وقدرة الإنسان وإرادته تتعلقان بالثانية فقط دون الأولى ، وهي مناط الثواب والعقاب.
وبذلك يتم لهذه المدرسة ـ كما يعتقدون ـ الجمع بين ( أصل التوحيد ) و ( أصل العدل ) أو ( استحقاق الثواب والعقاب ).
إذن ، للفعل الواحد جهتان اثنتان وليس جهة واحدة. وهاتان الجهتان
متعلقتان لقدرتين مختلفتين ، قدرة الله تعالى وقدرة العبد. ولا ضير في ذلك ، فإنّ اختلاف الجهة يبرّر تعدد القدرة التي يتعلق بها الفعل.
ولعلّنا لا نستطيع أن نصل إلى أمر محصل واضح عن ( الكسب ) ، فإنّ هذه العناوين التي يكسبها المكلف هي عين ( الإيجاد ) الذي تنسبه الأشعرية إلى الله تعالى. فلا معنى لإقامة الصلاة ، وإتيان الحج ، إلاّ إيجاد هذه الأعمال والحركات التي إذا اجتمعت تعنونت بعنوان الصلاة والحج.
والأعمال التي هي من قبيل الصوم والتي تتقوم بعدم تناول الأكل والشرب وسائر المفطرات فحقيقتها ( الكف ) وهو فعل من أفعال النفس ، شأنها شأن سائر أفعال الجوانح.
و ( النية ) التي يحاول أن يوجّه بها الشيخ الباقلاني مسألة الكسب ، مدعياً أنّ العمل الواحد يختلف حاله من نية إلى نية أخرى ، فالقتل بنيّة العدوان جريمة ، ونفس العمل بعنوان القصاص والحد تكليف شرعي ، يثيب الله تعالى به العبد ونفس الفعل من جانب الله ، ولكن النية التي يوجه بها الإنسان العمل الصادر عنه هي من جانب الإنسان ، والثواب والعقاب ليس على أصل القتل فلا علاقة له به ، ولكن على النية التي نواها في القتل فهذه هي وحدها التي يتحمل مسؤوليتها والتي يقوم بها.
نقول : إذا صحَّ هذا الكلام ، فإنّ النية أيضاً عمل من أعمال الجوانح ، ولا يختلف عمل عن عمل ، ولا أعلم لماذا تصح نسبة النية إلى الإنسان ولا تصح نسبة أصل العمل. فالعمل عمل ، سواء كان من أعمال الجوارح أو من أعمال الجوانح. وإذا صححنا نسبة النية إلى الإنسان نفسه ، فلا بأس
علينا بنفس الملاك والتبرير أن ننسب إلى الإنسان كل عمل يقوم به ، سواء كان من أعمال الجوارح كالصلاة والحج ، أو من أعمال الجوانح كالكف في الصيام بنية الصيام.
ومهما يكن من أمر فلا نريد أن نستسهل مناقشة نظرية كلامية أخذت وقتاً طويلاً وجهداً كثيراً من متكلّمي الإسلام بهذه الطريقة إلاّ أنـّنا نريد أن نطلّ على هذا الموضوع إطلالة ، ونحيل القارئ إذا أراد التفصيل إلى مكان هذه الدراسة من الموسوعات الكلامية من قبيل شروح المقاصد والمواقف(١) .
ولا نقصد من النظريات المادية النظريات القائمة على أساس رفض الإيمان بالله تعالى. وإنّما نقصد بذلك ما يقابل الحتمية الإلهية التي يتبناها الأشاعرة من نسبة كل فعل إلى الله تعالى في حياة الأفراد وفي حركة التاريخ. وهي التي تنسب الحتمية في سلوك الأفراد والجماعات إلى مصادر أخرى غير الله تعالى.
ومن رواد هذه النظرية في الغرب ( منتسكيو ) في كتابه ( روح القوانين ) ، و ( اشبنكلر ) في كتابه ( تدهور الحضارة الغربية ) ، و ( دور كهايم ) العالم الاجتماعي الفرنسي الشهير. ويذهب هذا الأخير إلى أنّ الحياة الاجتماعية تتقرر بصورة منفصلة عن إرادة الأفراد ورغباتهم. وتتصف العلاقات والشؤون الاجتماعية من الأخلاق والمعارف والثقافة
__________________
(١) شرح المقاصد ، للتفتازاني ـ وشرح المواقف ، للجرجاني.
الاجتماعية ، واليسر والعسر بثلاث خصال لا تنفك عنها ، وهي : ( الخارجية ) و ( الحتمية ) و ( التعميم ).
فإنّ الشؤون الاجتماعية بكل تفاصيلها نابعة من عوامل خارجية ، وليست نابعة من داخل الأفراد ورغباتهم وإرادتهم ، والفرد يقع تحت ضغط الحياة الاجتماعية بصورة قهرية ، كما أنّ الحياة الاجتماعية تقع تحت ضغط العوامل القهرية الموجبة لها وهذه هي ( الخارجية ) وطبيعة هذه العلاقة بين الأسباب والمسببات في حركة التاريخ ، وحركة المجتمع ( حتمية ) لا يمكن أن تتخلف المسببات عن أسبابها ، ولو أنّنا تمكّنا أن نقرأ الأحداث في حلقات عللها وأسبابها لكنّا نتنبأ بها من دون ترديد وهذه هي ( الحتمية ).
والخصلة الثالثة هي ( التعميم ) فما يحدث في مكان وزمان لابد أن يحدث في كل مكان وزمان إذا توفرت الأسباب والشروط نفسها.
ومن أشهر الحتميات المادية المعاصرة هي نظرية كارل ماركس ـ فردريك انجلز ، التي تحاول تقنين حركة التاريخ وترحيلها ضمن خمس مراحل عبر عامل الصراع الطبقي بين الطبقة المستثمِرة ، والطبقة المستثمَرة.
إلاّ أنّ هذه النظرية انتكست في بداية ظهورها انتكاسات قوية في مرحلة التطبيق ، وأثبت الواقع خلاف ذلك ، وبقيت هذه النظرية تدرس على الصعيد النظري فقط.
ومهما يكن من أمر هذه الحتميات المادية في تفسير التاريخ ، فإنّ منها ما هو حق ومنها ما هو باطل ، بغض النظر عن التفاصيل الدقيقة الواردة في النظرية.
أمّا الحق فهو ربط التاريخ بالقوانين العلمية والعلل والأسباب التي تستوجب حركة التاريخ.
والحدث التاريخي ـ كأي ظاهرة أخرى في الكون ـ يخضع للأسباب والعلل الموجبة له. إذن قانون العلّية يحكم الحدث التاريخي كما يحكم الظاهرة الفيزيائية والكيميائية والميكانيكية بشكل دقيق في كل أصولها العقلية المعروفة كالحتمية والسنخية وغير ذلك.
وهذا هو الحق ولا يمكن التشكيك فيه ، عدا النظرية الماركسية التي تنفي قانون العلّية رأساً وتضع محلها النظرية المادية الديالكتيكية التي اقتبستها من ( هيگل ).
أمّا الباطل في هذه النظريات فهو نفي الإنسان وقراره المستقل في صناعة التاريخ ، واعتبار الإنسان خشبة عائمة على أمواج التاريخ القهرية ، وتقرير مصير واحد للتاريخ والانسان ، لا يتعدد ، ولا يختلف. وهذا باطل بالتأكيد ، فإنّ الإنسان ( الفرد ، والمجتمع ، والتاريخ ) لا يقع على طريق علة واحدة فقط ، وإنّما على مفترق طرق غالباً، واختيار نوع الطريق يرتبط بارادته ووعيه وثقافته وقراره إلى حد كبير جداً ، فإذا سلك أحد هذه الطرق بموجب إرادته وقراره ورأيه لم يكن له أن يتخلص من الآثار القهرية
المترتبة عليه بموجب قانون العلية.
ولنضرب على ذلك مثالين ، أحدهما : عن الفرد ، والآخر : عن المجتمع.
أمّا التمثيل بالفرد : فإنّ الإنسان الفرد إذا تحرك ونشط وتعلم يشق طريقه إلى الحياة ، وإذا خمل وكسل وركن إلى الجهل والكسل ، يبقى ضعيفاً مغموراً لا شأن له ، ولا قوة في الحياة.
وكل من هاتين النتيجتين تتصف بالقطعية والحتمية إذا اختار الإنسان الطريق المناسب لها. إلاّ أنّ ذلك لا يعني أنّ الإنسان يواجه قضاءً وقدراً ذا بعدٍ واحد في حياته لا يمكنه أن يحيد عنه.
وأمّا التمثيل بالمجتمع ، فالمجتمع الذي يقاوم ويضحّي ويتحمل عذاب المواجهة وقسوة المقاومة يسلم من الظلم والاستبداد السياسي والارهاب.
والمجتمع الذي ينقاد ويستسلم ولا يقاوم يبتلى بأبشع أنواع الاستبداد السياسي والارهاب.
وهذا وذاك حكمان حتميان لا سبيل للتخلص منهما في حياة الأمم. ولكن المجتمع يقف على مفترق طريقين في حياته السياسية ، فإذا اختار الطريق الأول كانت النتيجة الأولى قطعية ، وإذا اختار الطريق الثاني كانت النتيجة الثانية قطعية.
وإختيار هذا الطريق أو ذاك يدخل في حيز إرادة الإنسان وإختياره ولا يقع تحت نظام الحتمية.
وسوف نعود إلى دراسة هذه النقطة مرة أخرى في سياق هذا البحث.
وأكثر النتائج السلبية المترتبة على الإيمان بهذه الحتميات ، تعطّل دور الانسان وحركته في بناء التاريخ ، وتعطل دوره في تقرير مصيره. فإنّ الانسان إذا آمن بأنّ حركته وفعله يخضع لسلسلة من العوامل الحتمية الخارجة عن إرادته وإختياره يشعر بأنّه عنصر فاقد التأثير ، لا دور له في صناعة مصيره ومصير مجتمعه ، ومع هذا الإيمان وهذه القناعة لا يمكن أن يكون الإنسان مصدراً للتحرك والتغيير في حياته الفردية والاجتماعية.
ولذلك ، فإنّ الإيمان بالحتمية ( التاريخية والفردية ) كان موضع تبنّي الأنظمة الاستبدادية في تاريخ الإسلام.
فإنّ هذا الإيمان يطوّع الناس للاستسلام السياسي ويروّضهم لقبول الظلم.
وقد كان بنو أُميّة يتبنون نظرية الجبر. يقول أبو هلال العسكري : إنّ معاوية أوّل من زعم أنّ الله يريد أفعال العباد كلّها(١) ولما اعترض عبدالله ابن عمر على معاوية في تنصيب ابنه يزيد خليفة من بعده. قال له معاوية : ( إنّي أحذرك أن تشق عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملأهم ، وأن تسفك دماءهم ، وإنّ أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء، وليس للعباد خيرة من أمرهم )(٢) .
__________________
(١) الأوائل ، لأبي هلال العسكري ٢ : ١٢٥.
(٢) الإمامة والسياسة ، لابن قتيبة ١ : ٢١٠ تحقيق شيري ـ بيروت ١٩٩٠ م.
وبنفس المنطق واجه معاوية عائشة لما اعترضت عليه في أمر تنصيب يزيد خليفة على المسلمين من بعده. قال لها : ( إنّ أمر يزيد قضاء من القضاء ، وليس للعباد الخيرة من أمرهم )(١) .
وقد نهض بعض العلماء لمواجهة تيار الجبر الذي تبناه بنو أُميّة ، وكان أشهر هؤلاء معبد الجهني من العراق ، وغيلان الدمشقي من الشام. عُرف عنهم القول بالاختيار وحرية الإرادة والدعوة إلى هذا الرأي.
وقد خرج معبد على الأمويين مع ابن الاَشعث فقتله الحجاج. وأمّا غيلان فقد أحضره هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي واستنطقه فصلبه بعد أن قطع يديه ورجليه.
وكان الحسن البصري فيما يظهر على هذا الرأي ـ الاختيار ـ.
يقول المقريزي : إنّ عطاء بن يسار ومعبد الجهني دخلا على الحسن البصري ، فقالا له : إنّ هؤلاء ( حكام بني أُميّة ) يسفكون الدماء ، ويقولون : إنّما تجري أعمالنا على قدر الله ! قال : كذب أعداء الله. فطعن عليه بهذا(٢) وكان الحسن البصري يجاهر برأيه المعارض لسلطان بني أُميّة هنا وهناك ، فلمّا خوفوه من سطوة السلطان امتنع عن ذلك.
يقول ابن سعد في الطبقات عن أيوب ، قال : نازلت الحسن في القدر
__________________
(١) الإمامة والسياسة ، لابن قتيبة ١ : ٢١٠ تحقيق شيري ـ بيروت ١٩٩٠ م.
(٢) الخطط ، للمقريزي ٢ : ٣٥٦.
غير مرّة حتى خوفته من السلطان ، فقال : لا أعود بعد اليوم(١) .
أمّا بنو العباس فلم يشذّوا عن سياسة بني أُميّة في تبنّي القدر على رأي الأشاعرة ، غير أنّ المأمون والمعتصم اختلفا عنهم في هذا الرأي ، وتبنّوا رأي المعتزلة في الاختيار والتفويض ، فلمّا تولّى المتوكل الحكم تبنّى رأي الأشاعرة في الجبر ، وكان يحاسب ويعاقب عليه ، وتبعه الخلفاء من بعده على هذا الرأي.
يسود في التاريخ الإسلامي في مسألة الحتمية والاختيار في سلوك الانسان الفردي رأيان متقابلان :
وهما : الجبر والتفويض.
أمّا المذهب الأول : فيتبناه الأشاعرة ، وأمّا المذهب الثاني : فيتبناه المعتزلة.
ومذهب المعتزلة في التفويض : أنّ الله تعالى فوّض إلى الإنسان اختيار ما يعمل ، والانسان مستقل استقلالاً كاملاً فيما يصنعه.
وهذا المذهب يأتي في مقابل المذهب الأول تماماً.
ولئن كان التبرير الفلسفي والعقائدي للمذهب الأول هو الاحتفاظ ب ( أصل التوحيد ) وإرجاع كل شيء في هذا الكون من الأعيان والأعمال إلى الله تعالى( والله خلقكم وما تعملون ) ( الصافات ٣٧ : ٩٦ ). فإنّ
__________________
(١) طبقات ابن سعد ٧ : ١٦٧ ط بيروت.
التبرير العقائدي لهذا الاتجاه هو تنزيه ساحة الله تعالى من أن يكلّف الإنسان بما لا يقدر عليه ، فيما كان قضاء الله تعالى وقدره بعكس ما يأمر به وينهى عنه ، وتنزيه الله سبحانه من أن يخلق السيئات والمعاصي والكفر والشرك والظلم والعدوان في سلوك العباد.
يقول عبد القادر البغدادي في ( الفرق بين الفرق ) في بيان آراء المعتزلة : ( ومنها قولهم جميعاً إنّ الله تعالى غير خالق لأكساب الناس ولا لشيء من أعمال الحيوانات ، وقد زعموا أنّ الناس هم الذين يقدّرون أكسابهم ، وأنّه ليس لله عزّ وجلّ في أكسابهم ولا في أعمال سائر الحيوانات صنع ولا تقدير )(١) .
وقال السيد الشريف في ( شرح المواقف ) : ( إن المعتزلة استدلّوا بوجوه كثيرة مرجعها إلى أمر واحد ، وهو أنّه لولا استقلال العبد بالفعل على سبيل الاختيار لبطل التكليف وبطل التأديب الذي ورد به الشرع وارتفع المدح والذم ).
وروى زهدي جارالله عن ( المعتزلة ) : إجماعهم على أنّ العباد خالقون لأفعالهم مخترعون لها ، وأنّ الله تعالى ليس له في أفعال العباد المكتسبة صنع ولا تقدير(٢) .
ويقول صدر المتألهينرحمهالله : ( ذهبت جماعة كالمعتزلة ومن يحذو حذوهم إلى أنّ الله تعالى أوجد العباد وقدّرهم على تلك الأعمال وفوض إليهم الاختيار. فهم مستقلون بايجاد تلك الأفعال على وفق مشيئتهم
__________________
(١) الفرق بين الفرق : ٩٤ ، دار الآفاق الجديدة ببيروت.
(٢) المعتزلة : ٩٢ ، وبنفس المضمون في الملل والنحل للشهرستاني ١ : ٩١.
وطبق قدرتهم ، وقالوا : إنّه أراد منهم الإيمان والطاعة وكره منهم الكفر والمعصية. وقالوا : على هذا يظهر أُمور ، الأول : فائدة التكليف بالأوامر والنواهي وفائدة الوعد والوعيد. والثاني : استحقاق الثواب والعقاب. والثالث : تنزيه الله سبحانه عن القبائح والشرور وأنواع الكفر والمعاصي والمساوي )(١) .
ويذهب الشهرستاني في ( الملل والنحل ) إلى إجماع المعتزلة على اعتبار العباد خالقين لأفعالهم مخترعين لها ، وأنّ الله تعالى ليس له في أفعال العباد المكتسبة صنع ولا تقدير(٢) .
والمعتزلة لجأوا إلى القول بالتفويض واستقلال الإنسان في أفعاله هروباً ممّا وقع فيه الأشاعرة من القول باستحقاق الإنسان للعقاب من جانب الله تعالى دون أن يكون له دور أو سلطان فيما صدر منه من ذنب وإجرام ، ومن القول بتكليف الله تعالى للانسان فيما لا قدرة له عليه ، فيما كان القضاء والقدر بخلاف ذلك.
ولكي ينزّهوا الله تعالى من هذا وذاك ، سبحانه وتعالى عن كل ذلك ، لجأوا إلى القول بالتفويض ، والإيمان بأنّ الله تعالى قد فوّض الإنسان أُموره ومنحه القدرة الكاملة على الاستقلال في كلّ أفعاله وتصرفاته وبذلك وقعوا فيما هو أبشع ممّا وقع فيه الأشاعرة ، وذلك هو الشرك بالله تعالى ، وفصل فعل الإنسان وعمله بشكل كامل عن إرادة الله تعالى وإذنه ومشيئته وخلقه ، وهو بحدّ الشرك إن لم يكن هو من الشرك فعلاً.
__________________
(١) الأسفار ٦ : ٣٦٩ ـ ٣٧٠.
(٢) الملل والنحل ، للشهرستاني ١ : ٩١.
وفرق واضح بين نظرية التفويض الإلهي واستقلال الإنسان في عمله مستقلاً عن إرادة الله تعالى وإذنه ومشيئته وبين مبدأ حرية الاختيار.
وسوف يأتي توضيح لهذا الأمر فيما يأتي من هذا البحث.
الفصل الثاني
موقف القرآن من مسألة : ( الحتمية ) و ( استقلال الانسان )
ونحاول الآن أن نعرف موقف القرآن من مسأله الحتمية. إنّ قراءة أولية للقرآن تظهرنا على نقطتين هامتين وهما :
ـ إنّ القرآن ينفي مبدأ الحتمية بالطريقة التي يطرحها الأشاعرة.
ـ وينفي مبدأ التفويض بالطريقة التي يقررها المعتزلة.
في النقطة الأولى يقرر مبدأ حرية الإرادة بشكل واضح ويقرر في النقطة الثانية مبدأ عدم استقلال الفرد في الإرادة واتخاذ القرار.
وهاتان النقطتان لا تتناقضان وإنّما تتكاملان ، ومنهما نكتشف مذهباً ثالثاً لا هو بالاتجاه الأول ، ولا هو بالاتجاه الثاني. وإلى هذا المذهب يذهب أهل البيتعليهمالسلام وسوف نوضح ذلك فيما بعد.
والآن ننتقل إلى قراءة هاتين الطائفتين من آيات القرآن.
وفيما يلي نعرض من كتاب الله الآيات التي تقرر مبدأ حرية الاختيار
في حياة الانسان. وهي إضبارة من آيات القرآن الكريم اخترناها من مجموعة واسعة من الآيات في كتاب الله.
يقرر القرآن أوّلاً : مبدأ التكليف بشكل واضح وصريح ، ولا معنى للتكليف من دون الاقرار بمبدأ الاختيار :
يقول تعالى :( ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا ) ( آل عمران ٣ : ٩٧ ).
( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) ( البقرة ٢ : ١٨٣ ).
( يا أيّها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ) ( الجمعة ٦٢ : ٩ ).
ويقرر القرآن ثانياً : أنّ الله تعالى لم يكلّف عباده إلاّ بعد أن منحهم العقل والوعي والتمييز :
يقول تعالى :( ألم نجعل له عينين *ولساناً وشفتين *وهديناه النجدين ) ( البلد ٩٠ : ٨ ـ ١٠ ).
( إنّا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفورا ) ( الانسان ٧٦ : ٣ ).
ويقرر القرآن ثالثاً : أنّ الله تعالى لا يكلّف عباده إلاّ بعد أن يتمّ عليهم الحجة بالبلاغ وإرسال الأنبياء مبشرين ومنذرين :
يقول تعالى :( وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولا ) ( الإسراء ١٧ : ١٥ ).
( قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ) ( الأنعام ٦ : ١٠٤ ).
( وما كان ربّك مهلك القرى حتى يبعث في أمّها رسولاً يتلوا عليهم آياتنا وما كنّا مهلكي القرى إلاّ وأهلها ظالمون ) ( القصص ٢٨ : ٥٩ ).
ويقرر القرآن رابعاً : أنّ الله تعالى لا يكلّف عباده فيما لا يستطيعون ولا يكلّفهم إلاّ بقدر وسعهم :
يقول تعالى :( لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) ( البقرة ٢ : ٢٨٦ ).
ولا يصح كلّ هذا التأكيد على أنّ التكليف من جانب الله لا يكون إلاّ بعد أن يمنح الله عباده التمييز ، وبعد أن يبعث إليهم الأنبياء مبشرين ومنذرين ، ولا يكلّفهم فيما لا يستطيعون ، لا يصح كلّ ذلك إلاّ إذا كان التكليف يستتبع تقرير مبدأ حرية الاختيار.
وينسب القرآن خامساً : الأعمال التي تصدر عن الإنسان إلى الإنسان نفسه، وإنّها ما كسبت وجنت يداه ، ولا يصح ذلك لولا أنّ الإنسان يختار بنفسه ما يفعل بإرادته ، وليس هو موضعاً وظرفاً للفعل الصادر منه ، كما يقول القائلون بالجبر :
يقول تعالى :( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ) ( الشورى ٤٢ : ٣٠ ).
( فويل لهم ممّا كتبت أيديهم وويل لهم ممّا يكسبون ) ( البقرة ٢ : ٧٩ ).
( بلى من كسب سيّئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ( البقرة ٢ : ٨١ ).
ويقرر القرآن سادساً : مبدأ ارتباط الإنسان بعمله ، وعودة العمل إلى الانسان ، خيراً كان أو شراً. واعتبار الجزاء نحو من أنحاء عودة العمل إلى صاحبه وهو من الجزاء التكويني الذي نظّمه الله تعالى في دورة الكون ، ولا يصح ذلك إلاّ عندما يتحمل الإنسان مسؤولية عمله ، والمسؤولية دائماً تتبع حرية الاختيار :
( قد جاءكم بصائر من ربّكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ) ( الأنعام ٦ : ١٠٤ ).
( يا أيّها الناس قد جاءكم الحقّ من ربّكم فمن اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنّما يضلّ عليها ) ( يونس ١٠ : ١٠٨ ).
( لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) ( البقرة ٢ : ٢٨٦ ).
ويقرر القرآن سابعاً : مبدأ الجزاء في الدنيا قبل الآخرة. والجزاء دائماً يتبع المسؤولية ، والمسؤولية تتبع حرية الاختيار :
يقول تعالى :( وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كلّ مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) ( النحل ١٦ : ١١٢ ).
( فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون ) ( البقرة ٢ : ٥٩ ).
( ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس ) ( الروم ٣٠ : ٤١ ).
ويقرر القرآن ثامناً : مبدأ الجزاء في الآخرة في الصالحات والسيئات ، وقد ذكر آنفاً أن الجزاء لاينفك عن الاختيار ولا يصح الجزاء إلاّ في حالة الاختيار :
( ووفيت كلّ نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون ) ( الزمر ٣٩ : ٧٠ ).
ويقرر القرآن تاسعاً : أنّ الله تعالى يجزي كلّ واحد بفعله ولا يعاقب أحداً بسيئة غيره :
يقول تعالى :( ولا تزرُ وازرة وزر أخرى ) ( الأنعام ٦ : ١٦٤ ).
ويقرر القرآن عاشراً : ندامة الإنسان يوم القيامة على ما فرط منه من سيئات الأعمال في الدنيا.
والندامة من آثار وأمارات الاختيارات ، ولا ندامة على ماليس للإنسان فيه اختيار :
( يا أيّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) ( الحجرات ٤٩ : ٦ ).
( وأسرّوا الندامة لما رأوا العذاب وقُضي بينهم بالقسط وهم لا يُظلمون ) ( يونس ١٠ : ٥٤ ).
والحادي عشر يقرر القرآن : أنّ عمل الإنسان هو الذي يقرر مصير الإنسان فيفلحه أو يخيبه :
يقول تعالى :( ونفس وما سوّيها *فألهمها فجورها وتقويها *قد
أفلح من زكّيـها *وقد خاب من دسّيـها ) ( الشمس ٩١ : ٧ ـ ١٠ ).
والثاني عشر : أنّ التغيير الذي يحدثه الله تعالى في حياة الناس والأمم من إغناء وإثراء أو إهلاك أو استدراج أو عذاب أو مكر إنّما هو نتيجة أعمالهم. وليس يصح ذلك إلاّ إذا كان الإنسان يتمتع بكامل حريته :
يقول تعالى :( إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ) ( الرعد ١٣ : ١١ ).
( ذلك بأنّ الله لم يك مغيّراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ) ( الأنفال ٨ : ٥٣ ).
والثالث عشر : أنّ الله تعالى يعطي عباده من الدنيا والآخرة بعض أو كلّما يطلبون بأعمالهم كما يريد سبحانه. وإذا كان العطاء من الله تعالى وبإرادته ومشيئته فإنّ الطلب من الانسان. والعطاء من الله إجابة لطلب الانسان. ولا معنى لكل ذلك إلاّ إذا كان الإنسان حراً مختاراً فيما يطلب :
( من كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنّم يصلاها مذموماً مدحوراً *ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً *كلاً نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربّك وما كان عطاء ربّك محظورا ) ( الإسراء ١٧ : ١٨ ـ ٢٠ ).
والرابع عشر : إنّ الله تعالى لا يظلم عباده وإنّما الناس هم الذين يظلمون أنفسهم : والآيات التي تشير إلى هذه الحقيقة تقرب من ثمانين آية في كتاب الله. وهذه الآيات جميعاً تقرر بوضوح مبدأ الاختيار في الإنسان. فإنّ معاقبة العبد بأشد العقاب والعذاب على شيء لا إرادة له
فيه، من الظلم الذي يتنزه عنه سبحانه وتعالى :
يقول تعالى :( وما ربّك بظلام للعبيد ) ( فصلت ٤١ : ٤٦ ).
( فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) ( التوبة ٩ : ٧٠ ).
( ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلاّ مثلها وهم لا يظلمون ) ( الأنعام ٦ : ١٦٠ ).
( وتوفّى كلّ نفس ما عملت وهم لا يظلمون ) ( النحل ١٦ : ١١١ ).
( وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ) ( هود ١١ : ١٠١ ).
( وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) ( النحل ١٦ : ١١٨ ).
( وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ) ( الزخرف ٤٣ : ٧٦ ).
كما ينفي القرآن بشكل قاطع الحتمية في سلوك الإنسان الفردي والاجتماعي ، كذلك ينفي بشكل قطعي أيضاً استقلال الإنسان في سلوكه عن الله ، وتفويض أموره وحركته إليه من جانب الله تعالى كما يقول المفوضة من المعتزلة ، وفيما يلي نستعرض من كتاب الله تسع طوائف عن آيات القرآن تنفي بشكل واضح مبدأ التفويض واستقلال الإنسان في أفعاله من الله تعالى. وإليك الطوائف التسع من كتاب الله :
الطائفة الأولى : الآيات التي تقرر حاجة الإنسان وفقره الدائم إلى الله تعالى. كقوله تعالى :
١ ـ( يا أيّها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنيّ الحميد ) ( فاطر ٣٥ : ١٥ ).
الطائفة الثانية : الآيات التي تقرر سلطان الله تعالى المطلق على الإنسان من دون قيد أو استثناء. كقوله تعالى :
٢ ـ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إنّ الله على كلّ شيء قدير ) ( البقرة ٢ : ٢٠ ).
٣ ـ( وإن يمسسك الله بضرّ فلا كاشف له إلاّ هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ) ( الأنعام ٦ : ١٧ ).
٤ ـ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مُرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ) ( فاطر ٣٥ : ٢ ).
٥ ـ( قُلْ لا أملك لنفسي ضرّاً ولا نفعاً إلاّ ماشاء الله ) ( يونس ١٠ : ٤٩ ).
٦ ـ( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ) ( يس ٣٦ : ٦٦ ).
٧ ـ( ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم ) ( يس ٣٦ : ٦٧ ).
الطائفة الثالثة : الآيات التي تقرر بأنّ الإيمان لا يتم ولا يتحقق في حياة الناس إلاّ بإذن الله ومشيئته نحو قوله تعالى :
٨ ـ( وما كان لنفس أن تؤمن إلاّ بإذن الله ) (يونس ١٠ : ١٠٠).
الطائفة الرابعة : تعليق الإضرار بإذن الله فيما علَّم الشياطين الناس من
السحر ممّا أُنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وغيره ، وكانوا بهذا السحر يفرقون بين المرء وزوجه ويضرّون الناس. إلاّ أنّ القرآن يقرر أنّهم لم يكونوا قادرين على إضرار أحد بهذا السحر إلاّ بإذن الله. يقول تعالى :
٩ ـ( وما هم بضارّين به من أحد إلاّ بإذن الله ) ( البقرة ٢ : ١٠٢ ).
الطائفة الخامسة : الآيات التي تدل على أنّ الله تعالى قادر على أن يحول بينهم وبين ما يفعلون. يقول تعالى :
١٠ ـ( ولو شاء الله ما فعلوه ) ( الأنعام ٦ : ١٣٧ ).
١١ ـ( ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكنّ الله يفعل ما يُريد ) ( البقرة ٢ : ٢٥٣ ).
الطائفة السادسة : الآيات التي تدل على أنّ النصر والهزيمة بإذن الله.
١٢ ـ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) ( البقرة ٢ : ٢٤٩ ).
١٣ ـ( فهزموهم بإذن الله ) ( البقرة ٢ : ٢٥١ ).
الطائفة السابعة : الآيات التي تدل على أنّ مشيئة الإنسان بمشيئة الله ، فلا يشاء الإنسان إلاّ بمشيئة الله. يقول تعالى :
١٤ ـ( وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله إنّ الله كان عليماً حكيماً ) ( الإنسان ٧٦ : ٣٠ ).
١٥ ـ( وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله ربُّ العالمين ) ( التكوير ٨١ : ٢٩ ).
الطائفة الثامنة : الأمر بتعليق إرادتنا ومشيئتنا وأعمالنا على مشيئة الله تعالى.
١٦ ـ( ولا تقولنّ لشيء إنّي فاعل ذلك غداً *إلاّ أن يشاء الله ) ( الكهف ١٨ : ٢٣ ـ ٢٤ ).
الطائفة التاسعة : تعليق الأعمال والخصال والأحوال جميعاً على مشيئة الله تعالى.
١٧ ـ( ستجدني إن شاء الله من الصالحين ) ( القصص ٢٨ : ٢٧ ).
١٨ ـ( ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) ( الصافات ٣٧ : ١٠٢ ).
١٩ ـ( لتدخُلُنَّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلّقين رؤوسكم ) ( الفتح ٤٨ : ٢٧ ).
هذه تسع طوائف من آيات كتاب الله تدل بصورة واضحة على نفي التفويض واستقلال الإنسان في أفعاله وإرادته ، وهي واضحة وصريحة في ذلك كما كانت المجموعة الأولى من الآيات واضحة في نفي الحتمية والجبر في سلوك الفرد.
فإن الناس في كل شؤونهم فقراء إلى الله ، ومن يكون فقيراً في كل شأن من شؤونه وفي كل حال من أحواله كيف يستقل عن الله تعالى في فعاله أو خصاله وهو خاضع لسلطان الله تعالى ، إن شاء أخذه ، وإن شاء مسخه ، وإن شاء ذهب بسمعه وبصره ، وإن شاء طمس على عينيه ، ولا يملك الإنسان من دونه تعالى لنفسه ضراً ولا نفعاً ، فكيف يتأتّى له أن يستقل عن الله مع هذا السلطان الإلهي الواسع على حياته وأعماله وجوارحه وجوانحه ؟!
ولا يؤمن أحدٌ إلاّ بإذن الله ..
ولا يضر أحدٌ أحداً إلاّ بإذن الله ..
ولا يقاتل أحدٌ أحداً إلاّ بإذن الله ..
ولا ينتصر المنتصر إلاّ بإذن الله ..
ولا يهزم أحدٌ أحداً إلاّ بإذن الله ..
بل ولا يشاء أحدٌ شيئاً إلاّ بمشيئة الله ..
ولا يصح منّا أن نعزم على شيء إلاّ بمشيئة الله وإذنه ، ولا يصبر الصابرون ، ولا يفلح المفلحون ، ولا يصلح الصالحون إلاّ بإذن الله بصريح القرآن ومحكمه.
ومع هذا التأكيد العجيب في القرآن على ارتباط الإنسان بالله تعالى في كل شيء وفي كل حال فكيف يصح دعوى استقلال الإنسان عن الله ؟ ودعوى تفويض الأمر إليه والقول بأنّ الله تعالى خلق الإنسان ماشاء ، ومنحه من المواهب ، ثمّ أوكل أمره إليه ، وفوّض إليه أموره بشكل مطلق ؟
إنّ من يقرأ ما تقدّم من آيات القرآن الكريم يقطع بأنّ القرآن لا يقرّ للانسان بهذه الاستقلالية والتفويض.
الفصل الثالث
مذهب أهل البيت: : ( الأمر بين الأمرين )
لا نحتاج إلى كثير من التفكير والتأمل لنقول إنّ المذهب القرآني في هذه المسألة الحساسة والخطيرة في حياة الإنسان لا هو بالمذهب الأول ولا هو بالمذهب الثاني ، وفيما استعرضنا من آيات القرآن قبل قليل ما يكفي لاثبات هذه الحقيقة.
إذن ، المذهب الذي يختاره القرآن هو مذهب ثالث بين المذهبين المعروفين.
وهذا المذهب الثالث هو الذي تبنّاه أهل البيتعليهمالسلام ونسبوه إلى القرآن وعُرف عنهم ب ( الأمر بين الأمرين ).
أي المذهب الوسط الذي يقع بين المذهبين.
وهو مذهب ثالث حقاً يقع وسطاً بين المذهبين المتطرفين المتصارعين في التاريخ العقلي الإسلامي. وأهل البيت هم روّاد هذا المذهب القرآني وأوّل من كشف للناس هذا المذهب الفكري للقرآن.
ومن العجب أن هذا التفسير الوسط لمذهب القرآن في مسألة أفعال الإنسان وسلوكه على وضوحه ، ظل مختفياً في العصور الإسلامية الأولى عن الحوار العقلي الذي كان يجري بين علماء المسلمين في مذهب القرآن من هذه المسألة.
وحتى بعد أن أعلن أهل البيتعليهمالسلام هذا الرأي واشتهر عنهم ، ظل هذا الرأي مجهولاً غير معروف في الحوار العقلي الذي كان يجري يوم ذاك في العصر العباسي وما بعده ، وهو أمر مثير للسؤال فعلاً. كيف انشطر علماء المسلمين من غير مدرسة أهل البيت إلى هذين المذهبين رغم صراحة القرآن ووضوحه في نفي كل منهما.
إنّ السبب في ذلك ـ كما يبدو ـ أنّ المعتزلة أرادوا بمسألة استقلالية الإنسان في الاختيار والإرادة التخلص من تبعة إلقاء مسؤولية الظلم الذي يرتكبه العباد على الله تعالى وتنزيه الله تعالى من كل ظلم يرتكبه الناس. وهذا هو السبب الذي دعى المعتزلة إلى أن يختلفوا مع الأشاعرة وينسبوا الفعل إلى الإنسان نفسه ، ولا ينسبوه إلى الله تعالى ، ولنفس السبب أصرّوا على استقلال الإنسان في الاختيار ونفوا أن تكون لله تعالى إرادة واختيار وسلطان على الإنسان في اختياره وفعله ، إلاّ أنّه تعالى خلقه ومنحه المواهب التي تمكنه من الاختيار ثمّ أوكله إلى نفسه في الإرادة والاختيار.
ولا ينافي الخلق والابداع استقلال الإنسان في الاختيار فإنّ حاجة
الممكن إلى الواجب ( حسب هذه النظرية ) في مرحلة الحدوث فقط ، فإذا حدث، استقلّ عن الواجب وكان مستقلاً في كل فعله واختياره عن الله تعالى ، ويعتقدون أنـّنا إذا سلبنا الاستقلال من الإنسان في الاختيار وجعلنا اختيار الإنسان في طول اختيار الله وجعلنا إرادة الإنسان في طول إرادة الله وجعلنا لله تعالى سلطاناً على فعل الإنسان واختياره ، وقعنا في نفس المشكلة التي وقع فيها الأشاعرة من قبل وهي نسبة الظلم والسيئات إلى الله تعالى.
أمّا حينما يكون الإنسان مستقلاً في إرادته وفعله عن الله تعالى فلا ينسب شيء من فعله إلى الله تعالى.
وبهذه الطريقة يحاول المعتزلة أن يحافظوا على ( العدل الإلهي ) إلاّ أنّهم يسلبون من حيث يعلمون أو لا يعلمون سلطان الله تعالى الدائم على عباده ، ومشيئته المستمرة في خلقه وهي نقاط حساسة تمسّ التوحيد بالذات.
وإذا كان المذهب الذي يذهب إليه الأشاعرة يمسّ ( عدل الله ) فإنّ المذهب الذي يذهب إليه ( المعتزلة ) يمسّ ( توحيد الله ) بشكل واضح وصريح ، وقد وجدنا في ما سبق أنّ تأكيد القرآن على سلطان الله الدائم على خلقه ونفي استقلال الإنسان في شأن من شؤونه ، لا يقل عن تأكيد القرآن على حرية الإنسان في الاختيار.
وهذه العقدة ـ كما يبدو ـ هي التي ألجأت علماء المسلمين من غير مدرسة أهل البيت إلى الالتزام بأحد المحذورين ، ولولا ذلك لا نجد توجيهاً للغفلة عن كل هذه الآيات التي ذكرناها آنفاً من كتاب الله بمالها من
دلالة واضحة وصريحة على نفي الجبر والتفويض ونفي استقلال الإنسان في إرادته وفعله.
ولابدّ أن نشير قبل أن ننتقل إلى البحث عن المنهاج الذي تخلّص به علماء مدرسة أهل البيت من نسبة الظلم إلى الله تعالى في الوقت الذي لم يفرّطوا في القول باتصال سلطان الله تعالى ونفوذه المستمر على فعل الإنسان واختياره قبل الدخول في هذا البحث ننبّه إلى أنّ الاختيار لا يساوق الاستقلال ، وليس السبب في انصراف علماء المسلمين من غير مدرسة أهل البيت عن الأمر بين الأمرين تصوّر أنّ الاختيار بمعنى الاستقلال وأنّ مذهب ( الأمر بين الأمرين ) يسلب الإنسان الاستقلال في الاختيار ، وبالتالي يسلبه الاختيار ، ومرّة أُخرى يؤدي بنا ( الأمر بين الأمرين ) إلى مذهب الحتمية الذي حاولنا أن نتخلّص من تبعاته نقول : هذه الشبهة لا تستحق إطالة الكلام ، فليس من شروط الاختيار أن تكون القدرة مطلقة غير معلّقة على اختيار آخر أو فعل آخر ، وليس من بأس أن يكون عمل واحد تحت اختيار طرفين لكل منهما اختيار وفعل ، ولا يتم لأي منهما الاختيار والفعل إلاّ مع اختيار وفعل الطرف الآخر. أو يكون اختيار الثاني معلّقاً على اختيار الأول وفعله دون العكس وهذا واضح ، ولذلك فلا نحتاج إلى توقف كثير عند هذه النقطة لنثبت أنّ ( الاختيار ) ليس بمعنى ( الاستقلال ).
فلنعد إلى أصل المسألة.
والآن نحاول أن نعرف كيف تخلّص علماء مدرسة أهل البيت من هذه المشكلة وجمعوا بين الأخذ بما ورد في القرآن بالصراحة من اتصال سلطان الله ونفوذه على اختيار عباده وأفعالهم ، وبين تنزيه الله سبحانه من كل ظلم وسوء ، وكلاهما صرّح به القرآن ، وقد رأينا من قبل أنّ الأشاعرة أخذوا بالأولى وفرطوا بالثانية ، والمعتزلة أخذوا بالثانية وفرطوا بالأولى.
فيما سبق تحدّثنا عن المذهب القرآني في ارتباط الإنسان بالله واستمرار هذا الاتصال والحاجة والفقر إلى الله حدوثاً وبقاءً. وقد رأينا أنّ القرآن يزيل في ذلك كل غشاوة ويثبت بما لا مزيد عليه ، أنّ الإنسان يبقى فقيراً إلى الله تعالى في كل شؤونه وحاجاته وفي كل مراحله ، ولا ينقطع سلطان الله وإرادته وهيمنته وتدبيره عن الإنسان واختياره وفعله في لحظة من اللحظات والآن نشير إلى التنظير الفلسفي لهذه المسألة :
١ ـ إستمرار حاجة المعلول إلى العلة في مرحلتي الحدوث والبقاء :
إنّ المفوّضة يبنون رأيهم في استقلال الإنسان عن الله تعالى في الاختيار والفعل على أساس رأي فلسفي في استغناء المعلول عن العلة في مرحلة البقاء ، واقتصار الحاجة إلى العلة في مرحلة الحدوث فقط.
وهذا رأي يذهب إليه بعض المتكلّمين ، ويعتمد هذا الرأي بعض المشاهدات غير العلمية كاستمرار الحركة في الجسم المتحرك بعد انفصال القوّة المحركة عنه ، وبقاء الحرارة في الجسم الذي امتص الحرارة
من مصدرها بعد انفصال مصدر الحرارة عنه ، وبقاء البناء بعد أن يكمله البنّاء وذهابه لشأنه ، وما يشبه ذلك.
وإلى هذا الرأى يشير الشيخ ابن سينا في الاشارات : ( وقد يقولون : إنّه إذا وجد فقد زالت الحاجة إلى الفاعل حتى إنّه لو فقد الفاعل جاز أن يبقى المفعول موجوداً كما يشاهدونه من فقدان البنّاء وقوام البناء ، وحتى أنّ كثيراً منهم لا يتحاشا أن يقول : لو جاز على الباري تعالى العدم لما ضرَّ عدمه وجود العالم ، لأنّ العالم عندهم إنّما احتاج إلى الباري تعالى في أن أوجده ، حتى كان بذلك فاعلاً ، فإذا جُعل وحصل له الوجود من العدم فكيف يخرج بعد ذلك الوجود إلى العدم حتى يحتاج إلى الفاعل )(١) والمفوضة ، بناء على هذا التنظير الفلسفي يذهبون إلى أنّ الانسان يستقل عن الله تعالى بعد أن يخلقه ، ولذلك فهو مستقل في اختياره وفعله عن الله تعالى تماماً.
وهذا رأي باطل لا يقاوم الأدلّة العقلية القطعية التي تقرر بأنّ حاجة المعلول إلى العلة ليس في مرحلة الحدوث فقط بل في الحدوث والبقاء على نحو سواء ، وإذا زالت العلّة زال المعلول تماماً ، فإنّ المعلول قائم بالعلّة وبزوال العلّة يرتفع المعلول إذ ليس للمعلول وجود مستقل غير ما تفيض العلّة على المعلول ( وهو علاقة العلّة بالمعلول ) ومتى انقطعت هذه العلاقة وانتهت هذه الافاضة ينتهي المعلول بطبيعة الحال.
وما يتراءى لنا من النظرة الساذجة الأولى من استمرار وجود المعلول
__________________
(١) البيان في تفسير القرآن ـ المدخل إلى التفسير ، لآية الله السيد أبو القاسم الخوئي : ١٠٢.
رغم انفصال العلّة وزوالها مشاهد ابتدائية ساذجة ، لا علاقة لها بحديث العلّة والمعلول وقانون العلّية.
ولا نتوقف هنا أكثر من ذلك في تقرير هذه المسألة ومن يطلب المزيد فيها ففي الاَبحاث الفلسفية إفاضة وسعة في تناول هذه المسألة من الناحية العقلية.
في ضوء ما سبق لا مجال للتردد في سقوط نظرية التفويض المعتزلية من الناحية القرآنية والناحية العقلية على نحو سواء.
والآن كيف السبيل إلى تقرير نظرية ( الأمر بين الأمرين ) التي تنفي الحتمية في سلوك الإنسان في الوقت الذي تنفي فيه استقلال الإنسان وتفويض أموره إليه ؟
فإنّ نفي استقلال الإنسان ونفي التفويض كما ذكرنا يؤدي بنا ـ بعد التمحيص والتدقيق ـ إلى الالتزام بنسبة المظالم والسيئات إلى الله تعالى ، وهو ما حاول المعتزلة أن يتخلصوا منه.
وليس الاعتراف ب ( الأمر بين الأمرين ) مع إصرار القرآن عليه ممّا يشق على هؤلاء العلماء ، ولكن الذي يشق عليهم هو أنّ يجدوا من خلال هذه النظرية القرآنية التي أعلنها وكشف عنها أهل البيتعليهمالسلام طريقاً يسلمون فيه من نسبة الظلم إلى الله تعالى كما سلموا من نسبة الشرك.
وهذا ما حاول علماء مدرسة أهل البيتعليهمالسلام أن يهتدوا إليه من خلال
النصوص الواردة عن أهل البيتعليهمالسلام في تفسير وتوجيه وتقرير هذه النظرية.
ولدينا مجموعة من المناهج لكنّنا نأخذ من هذه المناهج أشهرها وأوضحها وإليكم شرحاً لهذا المنهج.
التفسير الشهير عند علماء مدرسة أهل البيت يعتمد الأصل الذي شرحنا في ارتباط الوجود كله بالله تعالى بصورة متصلة ومستمرة ، والانسان في هذا الكون ، يرتبط بالله تعالى بالفقر والحاجة ويرتبط به تعالى بالإفاضة والإيجاد. وهذه الإفاضة متصلة ومستمرة ولو أنّها انقطعت لحظة واحدة عن الإنسان لانتهى الإنسان وما بيده وماله ، وإرادة الإنسان ومشيئته وفعله من ذلك. فلولا هذه الإفاضة المتصلة لم يكن للانسان أن يكون أو يريد شيئاً أو يفعل شيئاً ولكن الإنسان هو الذي يريد ويختار. ولولا ذلك لم يفرض عليه الله عملاً. بلى لو أنّ الله قطع عنه فيض الوجود وإمداد القوة والعزم والعقل والوعي والبصيرة والمشيئة والاختيار لم يكن له أن يختار أو يفعل شيئاً ، إلاّ أنّه على كل حال هو الذي يريد ويختار ويفعل وليس يصّح لذلك أن ينسب فعله إلى غيره فهو المسؤول عن فعله.
( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ) ( البقرة ٢ : ٢٠ ).
( ولو شاء الله ما فعلوه ) ( الأنعام ٦ : ١٣٧ ).
أرأيت لو أنّ المهندس المسؤول عن مركز انتاج الطاقة الكهربائية فتح
التيار الكهربائي على بيت وأبقاه مفتوحاً ليستخدمه فيما ينفعه فلو أنّ صاحب البيت أساء استعمال الطاقة الكهربائية وانتحر أو قتل بالتيار الكهربائي شخصاً أو أضرّ به فلا ينسب الفعل إلاّ إليه ، وإن كان هو لا يقدر على شيء من ذلك لو أنّ المهندس المسؤول عن مركز الطاقة الكهربائية قطع التّيار عنه ، أو لم يبقه مفتوحاً على بيته ، إلاّ أنـّه يبقى هو وحده الّذي ينسب إليه الفعل وهو المسؤول عن فعله ، فلا يقال إنّ المهندس المسؤول هو الّذي قتل صاحب البيت ( إذا انتحر ) ولا يكون المهندس المسؤول عن المركز مسؤولاً عن انتحاره. ولعل من أفضل الأمثلة الّتي تذكر في هذا المجال من حيث الدقة العلمية هو المثل الّذي ضربه آية الله المحقّق السيد الخوئيرحمهالله .
لنفرض إنساناً كانت يده شلاّء لا يستطيع تحريكها بنفسه ، وقد استطاع الطبيب أن يوجد فيها حركة إرادية وقتية بواسطة قوّة الكهرباء ، بحيث أصبح الرجل يستطيع تحريك يده بنفسه متى وصلها الطبيب بسلك الكهرباء ، وإذا انفصلت عن مصدر القوّة لم يمكنه تحريكها أصلاً ، فإذا وصل الطبيب هذه اليد المريضة بالسلك للتجربة مثلاً ، وابتدأ ذلك الرجل المريض بتحريك يده ، ومباشرة الأعمال بها ، والطبيب يمده بالقوّة في كل آن ، فلا شبهة في أنّ تحريك الرجل ليده في هذه الحال من الأمر بين الأمرين ، فلا يستند إلى الرجل مستقلاً ، لأنه موقوف إلى إيصال القوّة إلى يده ، وقد فرضنا أنّها بفعل الطبيب ولا يستند إلى الطبيب مستقلاً ، لأنّ التحريك قد أصدره الرجل بإرادته ، فالفاعل لم يجبر على فعله لأنه مريد ،
ولم يفوّض إليه الفعل بجميع مبادئه ، لأنّ المدد من غيره ، والأفعال الصادرة من الفاعلين المختارين كلّها من هذا النوع.
فالفعل صادر بمشيئة العبد ولا يشاء العبد شيئاً إلاّ بمشيئة الله. والآيات القرآنية كلّها تشير إلى هذا الغرض ، فهي تبطل الجبر ـ الّذي يقول به أكثر أهل السُنّة ـ لأنّها تثبت الاختيار ، وتبطل التفويض المحض ـ الّذي يقول به بعضهم ـ لأنّها تسند الفعل إلى الله.
( وسنتعرّض إن شاء الله تعالى للبحث تفصيلاً ، ولإبطال هذين القولين حين تتعرّض الآيات لذلك ).
وهذا الّذي ذكرناه مأخوذ عن إرشادات أهل البيتعليهمالسلام (١) .
ورأي الشيخ المفيد أبي عبد الله محمّد بن محمد بن النعمانرحمهالله يقع في هذا الاتجاه من الرأي في تفسير ( الأمر بين الأمرين ).
ويمكننا أن نلّخص رأي الشيخرحمهالله ضمن نقطتين أساسيتين هما ركنا مسألة الأمر بين الأمرين وهما :
النقطة الأولى : إنّ أفعال الناس ترجع إلى الناس أنفسهم وليست هذه
__________________
(١) شرح عقائد الصدوق أو ( تصحيح الاعتقاد ) بتعاليق : السيد هبة الدين الشهرستاني : ١٩٧ ـ ٢٠٠ ( المطبعة الحيدرية النجف ١٣٩٣ ه ).
الأفعال من خلق الله، وهذه النقطة هي المفترق بين مدرسة أهل البيت والمدرسة الجبرية المعروفة في التاريخ الإسلامي.
فقد كانوا يرون أنّ ما يصدر عن الإنسان من الأفعال صادر عن الله تعالى في الحقيقة ومخلوق له، وليس الإنسان إلاّ ظرفاً لهذه الأفعال ولا شأن له بها غير ذلك ، وإنّما كانوا يصرّون على ذلك للاحتفاظ بأصل التوحيد ونفي وجود مصادر متعددة في الكون للأشياء وللأفعال ، وهذه المدرسة لا تنفي ( أصل العلّية ) رأساً ، ولكنّها لا تعرف للكون غير علّة واحدة وهو الله تعالى ، وينسب كلّ شيء وكلّ فعل إلى الله تعالى مباشرة ، ويواجه المفيدرحمهالله هذا الاتجاه من الرأي بعنف ، ويرده من غير رفق.
استدلال الشيخ المفيد بالنصوص الواردة من أهل البيت على رفض النسبة :
يقولرحمهالله : ( الصحيح عن آل محمّدصلىاللهعليهوآله أنّ أفعال العباد غير مخلوقة لله ).
وقد روي عن أبي الحسن الثالث ( الإمام الهاديعليهالسلام ) أنّه سئل عن أفعال العباد. فقيل له هل هي مخلوقة لله تعالى ؟ فقالعليهالسلام : « لو كان خالقاً لها لما تبرأ منها وقد قال سبحانه :( إنّ الله بريء من المشركين ورسوله ) ( التوبة ٩ : ٣ ) ولم يُرد البراءة من خلق ذواتهم ، وإنّما تبرأ من شركهم وقبائحهم ».
وسأل أبو حنيفة أبا الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام عن أفعال العباد ممّن هي ؟
فقال أبو الحسنعليهالسلام : «إنّ أفعال العباد لا تخلو من ثلاثة منازل :
إمّا أن تكون من الله تعالى خاصّة ، أو منه ومن العبد على وجه الاشتراك فيها ، أو من العبد خاصّة.
فلو كانت من الله تعالى خاصّة لكان أولى بالحمد على حسنها والذمّ على قبحها ، ولم يتعلّق بغيره حمد ولا لوم فيها.
ولو كانت من الله ومن العبد ، لكان الحمد لهما معاً فيها والذمّ عليهما جميعاً فيها. وإذا بطل هذان الوجهان ثبت أنّها من الخلق. فإن عاقبهم الله على جنايتهم بها فله ذلك ، وإن عفى عنهم فهو أهل التقوى وأهل المغفرة ».
وفي أمثال ما ذكرناه من الأخبار ومعانيها ممّا يطول به الكلام.
استدلال الشيخ المفيد بالقرآن على رفض النسبة :
ويستدل الشيخ المفيد بالقرآن على رفض نسبة أفعال الناس إلى الله.
يقولرحمهالله : ( وكتاب الله مقدّم على الأحاديث والروايات ، وإليه يتقاضى في صحيح الأخبار وسقيمها ، فما قضى به فهو الحقّ دون ما سواه ).
قال الله تعالى :( الّذي أحسن كلّ شيء خلقه وبدأ خلق الانسان من طين ) ( السجدة ٣٢ : ٧ ). فخبر بأنّ كلّ شيء خلقه فهو حسن غير قبيح ، فلو كانت القبائح من خلقه لما حكم بحسنها.
وفي حكم الله تعالى بحسن جميع ما خلق شاهد ببطلان قول من زعم أنّه خلق قبيحاً )(١) .
__________________
(١) تصحيح الاعتقاد ، للشيخ المفيد : ٢٠٠ ( المطبعة الحيدرية النجف ١٣٩٣ ه ).
ويعلّق السيّد هبة الدين الشهرستانيرحمهالله على كلمة الشيخ المفيدرحمهالله ، فيقول : ليس هذه الآية وحدها شاهد الفئة العدلية لإسناد أفعال العباد إلى أنفسهم ، إذ كلّ آية نزّهت ربّنا سبحانه عن الشرور وخلق الآثام تؤيده(١) .
مناقشة استدلالهم بالآيات على النسبة :
ويفتح الشيخ المفيدرحمهالله باباً واسعاً لمناقشة أدلّة الّذين يستدلّون بالقرآن على صحة نسبة أفعال الناس إلى الله تعالى.
ومن ذلك استدلالهم بقوله تعالى :( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً ) ( الأنعام ٦ : ١٢٥ ).
حيث نسبت الآية الكريمة الاضلال إلى الله تعالى. وقوله تعالى :( ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً ) ( يونس ١٠ : ٩٩ ).
حيثُ استفادوا منها صحّة نسبة الاضلال في غير المؤمنين إلى الله تعالى لأنه لو شاء لآمنوا جميعاً.
وقد ناقش الشيخ المفيد هذه الأدلّة بتفصيل نذكر نماذج منه :
يقولرحمهالله : ( فأمّا ما تعلقوا به من قوله تعالى :( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً ) ( الانعام ٦ : ١٢٥ ) فليس للمجبرة به تعلّق ولا فيه حجّة ، والمعنى فيه : أنّ من أراد الله تعالى أن ينعّمه ويثيبه جزاءً على طاعته شرح صدره
__________________
(١) تصحيح الاعتقاد ، للشيخ المفيد : ٢٠٠.
للإسلام بالألطاف الّتي يَحْبُوهُ بها فييسّر له بها استدامة أعمال الطاعات. والهداية في هذا الموضع هي : النعيم.
قال الله تعالى فيما خبّر به عن أهل الجنّة :( الحمد لله الّذي هدانا لهذا ) ( الأعراف ٧ : ٤٣ ) أي نعمنا به وأثابنا إيّاه. والضلال في هذه الآية هو : العذاب ، قال الله تعالى :( إنّ المجرمين في ضلال وسُعُر ) ( القمر ٥٤ : ٤٧ ) فسمى العذاب ضلالاً والنعيم هداية ، والأصل في ذلك أنّ الضلال هو الهلاك والهداية هي النجاة.
قال الله تعالى حكاية عن العرب :( أإذا ضللنا في الأرض أإنّا لفي خلق جديد ) ( السجدة ٣٢ : ١٠ ) يعنون إذا هلكنا فيها ، وكان المعنى في قوله :( فمن يرد الله أن يهديه ) ما قدّمناه وبيّناه ومن يرد أن يضلّه ما وصفناه ، والمعنى في قوله :( يجعل صدره ضيّقاً حرجاً ) يريد سلبه التوفيق عقوبة له على عصيانه ومنعه الألطاف جزاء له على إساءته ، فشرح الصدر ثواب الطاعة بالتوفيق ، وتضييقه عقاب المعصية بمنع التوفيق ، وليس في هذه الآية على ما بيّناه شبهة لاَهل الخلاف فيما ادّعوه من أنّ الله تعالى يضلّ عن الإيمان ويصدّ عن الإسلام ويريد الكفر ويشاء الضلال.
وأمّا قوله تعالى :( ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلّهم جميعاً ) ( يونس ١٠ : ٩٩ ) ، فالمراد به الاخبار عن قدرته ، وأنّه لو شاء أن يلجئهم إلى الإيمان ويحملهم عليه بالإكراه والإضطرار لكان على ذلك قادراً ، لكنّه شاء تعالى منهم الإيمان على الطوع والاختيار ، وآخر الآية يدلّ على ما ذكرناه وهو قوله تعالى :( أفأنت تكره النّاس حتّى يكونوا مؤمنين ) ( يونس ١٠ : ٩٩ ) يريد أنّه قادر على إكراههم على الإيمان لكنّه لا يفعل
ذلك ولو شاء لتيسّر عليه ، وكلّما يتعلقون به من أمثال هذه الآية فالقول فيه ما ذكرناه أو نحوه على ما بيّناه ، وفرار المجبرة عن إطلاق القول بأنّ الله يريد أن يُعصى ويُكفر به ويُقتل أولياؤه ويُشتم أحبّاؤه إلى القول بأنّه يريد أن يكون ما علم كما علم ويريد أن تكون معاصيه قبائح منهياً عنها ، وقوع فيما هربوا منه وتورّط فيما كرهوه ، وذلك أنـّه إذا كان ما علم من القبيح كما علم وكان تعالى مريداً لأن يكون ما علم من القبيح كما علم فقد أراد القبيح وأراد أن يكون قبيحاً ، فما معنى فرارهم من شيء إلى نفسه وهربهم من معنى إلى عينه ، فكيف يتم لهم ذلك مع أهل العقول ، هل قولهم هذا إلاّ كقول إنسان : أنا لا أسب زيداً لكنّي أسبّ أبا عمرو. وأبو عمرو هو زيد، أو كقول اليهود إذ قالوا سخرية بأنفسهم : نحن لا نكفر بمحمّدصلىاللهعليهوآله لكنّا نكفر بأحمد ، فهذا رعونة وجهل ممّن صار إليه وعناء وضعف عمل ممّن اعتمد عليه ).
النقطة الثانية في كلام الشيخ المفيدرحمهالله هي نفي استقلال الإنسان في فعله ، يقولرحمهالله في تصوير القول الوسط بين القولين ( الجبر والتفويض ) : ( والواسطة بين هذين القولين : أنّ الله تعالى أقدر الخلق على أفعالهم ومكّنهم من أعمالهم ، وحدّ لهم الحدود فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبراً لهم عليها ، ولم يفوّض إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها ووضع الحدود لهم فيها )(١) .
__________________
(١) تصحيح الاعتقاد : ٢٠٢.
استنطاق النصوص :
عندما نقرأ النصوص الواردة عن أهل البيتعليهمالسلام في مجرى الصراع العقائدي والحوار الدائر بين أطراف هذا الصراع نلتقي صورة حيّة عن حقيقة الصراع وعن حقيقة موقف أهل البيتعليهمالسلام تختلف عن الصورة الّتي تعكسها الدراسات الكلامية بعض الاختلاف.
فقد دخل أهل البيتعليهمالسلام في الفترتين السياسيتين الأموية والعبّاسية صراعاً عقائدياً قوياً في هذه المسألة ...
ولم يكن هذا الصراع صراعاً عقائدياً كلامياً خالصاً كما ذكرت من قبل، بل تداخلت فيه العوامل السياسية إلى جانب العامل العقلي في البحث الكلامي العقائدي. وكان طرف هذا الصراع حيناً النظام الحاكم ومتبنيات النظام العقائدية ، وحيناً آخر المعارضة السياسية للنظام. فقد كان المعتزلة يقعون أحياناً في طرف المعارضة السياسية ، أو أنّ المعارضة السياسية كانت تكتسب منهم دعماً سياسياً وشعبياً.
ومهما يكن من أمر ، فقد كان هذا الصراع من أعمق الصراعات العقائدية التي خاضها أهل البيتعليهمالسلام وأكثرها حسّاسية وخطورة ، فقد كانت السلطة تتبنّى وجهة نظر الجبر بشكل واضح وصارخ ، حتّى أنّ غيلان الدمشقي قُتل على يد هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي ـ بتلك الطريقة الفظيعة الّتي يرويها المؤرخون ـ بجريمة الإيمان ب ( الأختيار ) و ( التفويض ).
وكان لكلّ من هذين المذهبين آثاراً سلبية واسعة على العقلية
الإسلامية كما كان لهما آثاراً على الحالة السياسية في العالم الإسلامي.
وكان أهل البيتعليهمالسلام يقفون ضد هذا التيار تارة وضد ذلك التيار تارة في جبهتين مختلفتين.
الجبهة الأولى من جبهات الصراع العقلي :
وأولى هاتين الجبهتين هي الجبهة الكلامية الرسمية أو شبه الرسمية التي كانت تلتزم مبدأ ( الحتمية ) بشكل سافر ، وتؤمن بتدخّل الإرادة الإلهية بصورة مباشرة في كلّ فعل للإنسان ، وهي جبهة ( الأشاعرة ) فقد كان الأشاعرة ينفون علاقة السبب والعلّية بين الأشياء ، ولا يرون علاقة بين شيء وآخر في هذا الكون ، ولا يرون في هذا الكون مؤثّراً مباشراً إلاّ الله تعالى.
فإذا تعوّمت خشبة على الماء ، ولم تتعوّم حجارة ، فليس لسبب في الخشبة يقتضي التعويم لا يوجد في الحجارة ، وإنّما لأنّ الله تعالى شاء أن تتعوّم الخشبة ولا تتعوّم الحجارة ، وجرت عادته على ذلك.
وليس في هذا الكون قانون ولا علّة ولا سبب غير عادة الله ( وهذا هو القانون ) وسلطان الله وإرادته وهذا هو ( السبب ).
وأفعال الإنسان ليس بدعاً عن سائر ما يجري في هذا الكون فهي من خلق الله تعالى وليس للانسان فيه دور وسلطان.
وهذا التصور على مافيه من فجاجة ظاهرة كان هو التصوّر الرسمي لطائفة واسعة من علماء المسلمين ، وكان جهاز الخلافة الأموية ثمّ العبّاسية ـ عدا فترة قصيرة ـ يتبنّى ذلك ويحاسب ويعاقب عليه.
وقد وجد أهل البيتعليهمالسلام في هذا الاتجاه الفكري خطراً على العقلية الإسلامية ، وعلى حياتهم السياسية ، وعلى فهمهم للقرآن والسنّة.
فإنّ هذا التصور يلغي قانون العلّية ويسمح بأن يكلف الله تعالى الإنسان على ما لا يقدر عليه.
ويسمح بعقوبة الإنسان من جانب الله تعالى على ما لا سلطان له فيه ، وما لا قدرة له عليه ، ويقرّ نسبة الظلم والتعسف إلى الله تعالى.
ويحوّل الإنسان إلى خشبة عائمة في مجرى التاريخ ، لا سلطان له ، ولا فعل ولا تأثير في تقرير مصيره.
ويطلق أيدي السلطة الحاكمة في الاستبداد والإرهاب وسلب حقوق الناس والفتك والبطش بهم.
وبعض هذه التبعات والآثار السلبية تكفي لضرورة الوقوف في وجه هذا التيار.
وكانت هذه هي المواجهة الأولى في الصراع الفكري الذي خاضته مدرسة أهل البيتعليهمالسلام .
الجبهة الثانية للصراع الفكري :
وفي مقابل هذا الاتجاه ظهرت المعتزلة كرد فعل للاتجاه الأشعري وتطرّف المعتزلة في فهم الكون والانسان ـ كأي رد فعل آخر ـ وذهبوا إلى أنّ الله تعالى خلق الكون وانقطع بعد ذلك مابينه وبين هذا الكون من صلة ، ويجري هذا الكون ضمن أنظمة وقوانين ثابتة ، منفصلة في مرحلة الاستمرار عن إرادة الله تعالى ، كما لو أنّ مهندساً أنشأ معملاً كاملاً وأودعه
لدى المهندسين المكلفين بتشغيله وانصرف هو لشأنه، فإنّ هذا المعمل يجري ويعمل ضمن أنظمة ثابتة حتى مع غياب المهندس الذي أنشأ هذا المعمل كذلك تتصور المعتزلة علاقة الله تعالى بهذا الكون ، علاقة في مرحلة الحدوث فقط ، والانسان بعد ذلك يعمل باختياره وإرادته في الأرض ، وقد فوّض الله تعالى إليه أمره كلّه ولم يكن بينه تعالى وبين الإنسان من علاقة إلاّ ما كان من أمر الإيجاد والابداع والخلق والتكوين في مرحلة الحدوث.
وهذا التصور يسلم عن نسبة الظلم إلى الله تعالى ، ولكنّه يسلب سلطان الله عن الكون والإنسان ، ويحصر سلطان الله تعالى على الكون في مرحلة واحدة ، ويقطع ـ نظرياً ـ إمداد الله تعالى وتوفيقه وفضله عن حياة الإنسان، ويذهب إلى أنّ الله تعالى خلق الإنسان ومنحه ما وهبه من المواهب ثمّ تركه وأوكله إلى نفسه يواجه مصيره ومسؤولياته لوحده.
وأخطر ما في هذا الاتجاه ، بعد الجانب العقائدي والناحية العقلية ، أو قبلهما ، أنّه يقطع أو يضعف علاقة الإنسان بالله تعالى في حياته اليومية وعمله وتحركه.
فإنّ أكثر اتصال الإنسان بالله تعالى ليس من خلال ( العقيدة ) و ( العبادة ) فقط وإنّما من خلال حاجاته اليومية في حركته وعمله إلى الله تعالى ، وتأييده وإسناده وإمداده ، في السوق والبيت ، والعمل السياسي ، ومشاكله ومتاعبه.
وهذه المشاكل والمتاعب التي تواجه الإنسان هي التي تلجئه إلى الله تعالى وتربط ما بينه وبين الله تعالى.
وهي سر ابتلاء الله تعالى لعباده الصالحين.
يقول تعالى :( فأخذناهم بالبأساء والضرّاء لعلّهم يتضرّعون ) ( الأنعام ٦ : ٤٢ ).
ونظرية استقلال الإنسان في الاختيار والفعل تقع في النقطة المقابلة لهذا الاتجاه تماماً، وتقطع ما بين الإنسان وبين الله تعالى من صلة في حركته اليومية ، فإنّ الاتجاه المعتزلي يعمّق في مقابل الاتجاه الأشعري حالة استقلال الإنسان في الاختيار واتخاذ القرار والفعل والحركة ، ويؤكد أنّ الله تعالى خوّل للانسان هذه المهام ومنحه كل متطلبات ذلك ، ومنحه الاستقلال في القرار والاختيار والفعل.
وهو ما يؤكد القرآن خلافه ، ويعمّق في النفس إحساساً مخالفاً له.
والذي يقرأ القرآن لا يشك أنّ هذا الكتاب يحاول ويعمل على أن يشدّ إحساسنا ، وعقولنا ، وقلوبنا ، بالله تعالى من خلال هذه النقطة بالذات ، بعكس الاتجاه المعتزلي تماماً.
يقول زهدي جارالله في كتابه عن ( المعتزلة ) :
( وكأنّ المعتزلة في دفاعهم عن مبدأ الوحدانية راحوا يحاربون كلّ شيء يتعارض مع هذا المبدأ ويفندونه وقالوا : إنّه تعالى ساوى في النعم الدينية ، ولم يخص الأنبياء والملائكة بشيء من التوفيق والعصمة ولا بشيء من نعم الدين ، دون سائر المكلفين.
ثمّ إنّ المعتزلة أنكروا الشفاعة في الذنوب يوم القيامة لأنّها تتضمن معنى المحاباة.
وإذا وردت في القرآن آيات كثيرة تحمل معنى الهداية من الله لخلقه والتوفيق والاضلال والخذلان والختم والطبع على القلوب اعتقدوا أنّ مثل هذه الآيات مناقضة لمبدأ العدل الإلهي ، ولفكرة ( الحرية الفردية ) فإنّهم شددوا في وجوب تأويلها جميعاً فقالوا في الهداية : إنّها على معنى التسمية والحكم والارشاد وإبانة الحقّ ، وليس له تعالى من هداية القلوب شيء.
وقالوا في التوفيق : إنّه توفيق عام ، يكون باظهار الآيات وإرسال الرسل وإنزال الكتب.
أمّا الاضلال : فقد أوّلوه على معنيين أحدهما :
أنّ الله تعالى أضلّ ، بمعنى : أسماه ضالاً ، أو أخبر أنّه ضالّ.
والثاني : على معنى أنّه جازاه على ضلالته ، وكذلك الخذلان معناه التسمية أو الحكم بأنّهم مخذولون ، وليس الاضلال والاغواء والصد عن الباب ...
وكان ( الفوطي ) وتلميذه عباد بن سليمان أكثر المعتزلة تشدداً في هذا الأمر ، فإنّ الفوطي كان يمنع إضافة بعض الأفعال إلى الله تعالى ، ولو ورد بها التنزيل ، فلا يجب أن نقول أنّه تعالى يؤلّف بين قلوب المؤمنين ، بل هم المؤتلفون باختيارهم ، ولا أنّه تعالى يحبّب إليهم الإيمان ، ويزيّنه في قلوبهم ، ولا أنّه يضلّ الفاسقين(١) .
وإذا كان التصور الأول يمسّ ( عدل ) الله تعالى فإنّ هذا التصور يمسّ
__________________
(١) المعتزلة ، لزهدي جارالله : ١٠٠ ـ ١٠٢.
( توحيد ) الله وعلاقة الإنسان بالله ، وقد وجد أهل البيتعليهمالسلام أنفسهم أمام جبهة ثانية للصراع لا تقل خطورة وأهمية عن الجبهة الأولى.
وإذا كانوا في الجبهة الأولى في موقع الدفاع عن ( العدل ) فإنّهم في الجبهة الثانية كانوا في موقع الدفاع عن ( التوحيد ).
لقد واجه أهل البيتعليهمالسلام هذا الركام الهائل من الأخطاء والانحرافات في اُصول التصور الإسلامي التي تمسّ العدل والتوحيد في الصميم ، وكانت أصابع السياسة تمتد إلى هذه الاُصول والأفكار بوضوح فلننظر كيف واجه أهل البيتعليهمالسلام هذه الحالة وكيف عالجوها.
الفصل الرابع
أهل البيت: في موقع الدفاع عن ( التوحيد ) و ( العدل )
وفي ما يلي نحاول أن نجمع ونصنف الاُصول الفكرية التي طرحها أئمة أهل البيتعليهمالسلام لإزالة هذه الغشاوة والالتباس عن التصور الإسلامي وهذه الاُصول عشرة نقدمها واحداً بعد آخر.
النظام الحاكم على هذا الكون نظام ( ضروري حتمي ) و ( متقن ودقيق ) ولا يمكن أن يحدث في نفس الظروف والعوامل إلاّ ما حدث. وهذا النظام قائم على أساس نظام العلّية والمعلوليّة الساري في كلّ الكون ولا يختص هذا النظام بالعالم المادي الفيزياوي وإنّما يشمل عالم ماوراء المادة والفيزياء ( الميتافيزيقي ) كذلك.
ونظام (العلّية) هو نظام القضاء والقدر. فإنّ من اُصول العلّية ( حتمية ) وجود المعلول عند وجود العلّة و ( تشخّص ) المعلول من حيث الكم والكيف. فإنّ احتكاك عود الثقاب بالغشاء الكبريتي يُولد الحرارة والنار بالضرورة ( لولا الموانع ) وبشكل حتمي وقطعي كما أنّ كمية الحرارة المنبعثة من هذا الاحتكاك كمية محدودة معروفة مشخّصة تناسب عود
الثقاب ودرجة الاحتكاك والغشاء الكبريتي ، وحتمية حدوث المعلول هي ( القضاء ) ، وتشخّص المعلول من حيث النوع والكم والكيف هي ( القدر ). فإنّ ( القضاء ) بمعنى الحتم والحكم الالزامي ، و ( القدر ) بمعنى التقدير والمقدار.
روى الكليني عن يونس بن عبد الرحمن ، عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام قال : «يا يونس فتعلم ما القدر » ؟ قلت : لا. قالعليهالسلام : «هي الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء ».
ثمّ قال : «والقضاء هو الإبرام ... »(١) .
إذن هذا الكون مجموعة منظمة مرتبة من حلقات متسلسلة والقانون العام الذي يجري في هذا الكون هو الحتمية والضرورة والتقدير والتحديد.
وحياة الإنسان الفردية والاجتماعية ليست بدعاً ولا استثناءً في هذا الكون. وإنّما يعمه ما يعم الكون ، من الاُصول والقوانين ، فيدخل الإنسان وفعله وحركته الفردية والاجتماعية في دائرة القضاء والقدر. فإذا نَصَرَ الله وأعطى وضحّى نصره الله ، قال تعالى :( إن تنصروا الله ينصركم ) ( محمّد ٤٧ : ٧ ) ، وإذا تخاذل وتهاون أوكله الله إلى نفسه ، وإذا تحرّك ونشط وعمل أغناه الله ، وإن كسل وضعف أوكله الله إلى ضعفه وكسله ، وإذا صدق وفّقه الله وأعانه ، وإذا كذب وتحايل أوكله الله إلى كذبه وتحايله ومكره وخداعه. وكل ذلك من سنن الله وقضائه وقدره. والإنسان
__________________
(١) اُصول الكافي ١ : ١٢١ / ٤ باب الجبر والقدر ، والأمر بين الأمرين ـ كتاب التوحيد ، منشورات المكتبة الإسلامية ١٣٨٨ ه.
يعيش في دائرة قضاء الله وقدره بشكل كامل ، بما للقضاء والقدر من حتمية ونظام وتقدير.
روى محمّد بن يعقوب الكليني مرفوعاً قال: كان أميرالمؤمنينعليهالسلام جالساً بالكوفة بعد منصرفه من صفين إذ أقبل شيخ فجثى بين يديه وقال : يا أمير المؤمنين ، أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام أبقضاء من الله وقدر ؟ فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : «أجل يا شيخ ، ما علوتم تلعة ولاهبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من الله وقدر ». فقال له الشيخ : عند الله أحتسب عنائي يا أميرالمؤمنين. فقال له : «مَه يا شيخ ، فو الله لقد عظّم الله لكم الأجر في مسيركم وأنتم سائرون ، وفي مقامكم وأنتم قائمون (١) ، وفي من وأنتم منصرفون ، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليه مضطرين ». فقال له الشيخ : وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا ؟
فقالعليهالسلام : «وتظنُّ أنّه كان قضاء حتماً وقدراً لازماً ؟! إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي ، والزجر من الله ، وسقط معنى الوعد والوعيد ، فلم تكن لائمة للمذنب ولا محمدة للمحسن ، ولكان المذنب حسن أولى بالاحسان من المحسن ، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب ، تلك مقالة إخوان عبدة الاَوثان ، وخصماء الرحمن ، وحزب الشيطان ، وقدرية هذه الاُمّة ومجوسها ، إنّ الله تبارك وتعالى كلّف تخييراً ، ونهى تحذيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يُعصَ مغلوباً ، ولم يُطعْ مكرهاً ، ولم يُمّلك مفوّضاً ، ولم يخلق السموات والأرض وما بينهماباطلاً ،
__________________
(١) في نسخة : مقيمون.
ولم يبعث النبيين مبشرين ومنذرين عبثاً ، ذلك ظنُّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ». قال : فنهض الشيخ وهو يقول :
أنت الإمام الّذي نرجو بطاعته |
يوم النجاة من الرحمن غفراناً |
|
أوضحت من أمرنا ما كان ملتبساً |
جزاك ربّك بالإحسان إحساناً(١) |
والشطر الأول من النص هنا ظاهر في عموم القضاء والقدر ، وشموله لكل فعاليات الإنسان وحركته وهو قولهعليهالسلام : «أجل يا شيخ ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من الله وقدر ».
هذا النظام بكل تفاصيله من خلق الله تعالى وإبداعه. وهو تجسيد لإرادة الله ومشيئته. وما نجد في الكون كله وفي حياة الإنسان من فعل وإنفعال وحركة وولادة وهلاك ونمو وضعف إنّما يجري بموجب إرادة الله تعالى ومشيئته في دائرة القضاء والقدر. ونظام السببية الساري في الكون. ومن العجب أن بعض الناس يبحثون دائماً عن الله تعالى وفعله في اختراق هذا النظام الكوني فقط وليس في أصل النظام وكأن هذا النظام يجري من جانب آخر غير جانب الله تعالى ، وفعل الله تعالى في هذا النظام هو اختراقه وإيقافه وتبديله. يقول صدر المتألهينرحمهالله في مناقشة فخرالدين الرازي : ( وأعجب الأمور أنّ هؤلاء القوم متى حاولوا إثبات أصل من اُصول الدين ، كإثبات قدرة الصانع ، أو إثبات النبوّة والمعاد ، اضطروا إلى إبطال خاصية الطبائع ونفي الرابطة العقلية بين الأشياء والترتيب الذاتي
__________________
(١) اُصول الكافي ١ : ١١٩ ـ ١٢٠ / ١ باب الجبر والقدر ، والأمر بين الأمرين ـ كتاب التوحيد ، المكتبة الإسلامية ١٣٨٨ ه. والتوحيد ، للصدوق : ٣٨٠ / ٢٨ مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم.
الوجودي والنظام اللائق الضروري بين الموجودات التي جرت سنّة الله عليها ولا تبديل لها ).
وهذه عادتهم في إثبات أكثر الاُصول الاعتقادية ، كما فعله هذا الرجل إمام أهل البحث والكلام ( أي الرازي صاحب التفسير الكبير ).
والإيمان بأنّ كلّ ما يجري في الكون وفي حياة الإنسان من خير وشر من قضاء الله تعالى وقدره ولا يجري في الكون شيء إلاّ بقضاء من الله وقدره من الإيمان الذي لابدّ منه في عقيدة الإنسان المسلم.
روى الصدوق عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : « لا يؤمن أحدكم حتّى يؤمن بالقدر خيره وشرّه وحلوه ومرّه »(١) .
وروى الكليني في الكافي عن أبي عبد الله الصادقعليهالسلام : كان أميرالمؤمنينعليهالسلام يقول : « لا يجد عبد طعم الإيمان حتّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وأنّ الضارّ النافع هو الله عزّ وجلّ »(٢) .
وعن الصدوق في التوحيد عن علي بن موسى الرّضاعليهالسلام عن أبيه عن آبائه عن علي بن أبي طالبعليهالسلام قال : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : «قال الله جلّ جلاله من لم يرض بقضائي ولم يؤمن بقدري فليلتمس إلهاً غيري »(٣) .
__________________
(١) التوحيد ، للصدوق : ٣٨٠ / ٢٧ ( مؤسسة النشر الإسلامي قم ).
(٢) الكافي ٢ : ٥٨ / ٧ باب فضل اليقين.
(٣) التوحيد ، للصدوق : ٣٧١ / ١١ باب القضاء والقدر.
قد يتصور البعض أنّ الله تعالى أبدع نظام القضاء والقدر في الكون ، وفي حياة الإنسان وانفصل عنه بعد ذلك ويجري ويتحرك هذا النظام في الكون والمجتمع كما يتحرك ويعمل المعمل الذي أنشأه المهندس الذي صمّمه وصنعه من دون حاجة إلى حضوره هو في تشغيله وحركته. والكون كذلك يجري بموجب نظام القضاء والقدر الذي أبدعه الله تعالى غير أنّ ارتباط هذا النظام كان بالله تعالى في مرحلة الحدوث ثمّ انفصل عنه تعالى بعد ذلك واستقل.
وكذلك الإنسان يختار ويعمل في دائرة نظام القضاء والقدر مستقلاً عن إرادة الله تعالى ومشيئته ، وإن كان هذا النظام من إرادة الله ومشيئته في حال حدوثه وخلقه وهو تصور قديم لليهود في انقطاع سلطان الله ونفوذه في الكون بعد أن خلق الكون( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) ( المائدة ٥ : ٦٤ ).
والتصور القرآني يختلف اختلافاً جوهرياً عن التصور المتقدّم ويتلخصّ هذا التصور : في قوله تعالى :( بل يداه مبسوطتان ) ، وفي أنّ الله هو الحي القيّوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ولا تنقطع قيمومته عن هذا الكون إطلاقاً. إذن هذا النظام يجري في الكون والمجتمع بإرادة الله تعالى ومشيئته ، ولا ينفصل الإنسان ولا الكون عن إرادة الله ومشيئته لحظة واحدة.
حتى أنّ مشيئة الإنسان تجري بمشيئة الله. يقول تعالى( وما تشاءون
إلاّ أن يشاء الله ربّ العالمين ) ( التكوير ٨١ : ٢٩ ).
( وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله إنّ الله كان عليماً حكيماً ) ( الانسان ٧٦ : ٣٠ ).
روى الصدوق عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « عن الله أروي حديثي : إنّ الله تبارك وتعالى يقول : يابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء ، وبإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد ، وبفضل نعمتي عليك قويت على معصيتي ، وبعصمتي وعوني أديت إليّ فرائضي الخ »(١) .
وفي حديث لاَمير المؤمنين إلى الشيخ الّذي سألهعليهالسلام عن مسيرهم إلى صفّين « ولم يملّك مفوّضاً » بمعنى أنّ الله تعالى لم يفوّض أحداً في ملكه وسلطانه ، بل هو قائم عليه قيم به ، وهو الحي القيّوم ، والّذي يتصور أنّ الله تعالى فوّض إليه أمره ، ورفع عنه قيمومته واستقل عن الله تعالى في فعله واختياره ، فقد أوهن الله عزّ وجلّ في سلطانه كما ورد في النص.
عن الصدوق عن حريز بن عبد الله عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال : «إنّ الناس في القدر على ثلاثة أوجه : رجل يزعم أنّ الله عزّ وجلّ أجبر الناس على المعاصي ، فهذا قد ظلم الله في حكمه ، فهو كافر ، ورجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليه ، فهذا قد أوهن الله عزّ وجلّ في سلطانه ، فهو كافر ، ورجل يزعم أنّ الله كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلّفهم مالايطيقون ، وإذا أحسن
__________________
(١) التوحيد ، للصدوق : ٣٤٠ / ١٠ ، ٣٣٨ / ٦ ، ط ١٣٩٨ ه. وانظر اُصول الكافي ١ : ١٤٢ / ٦ باب المشيئة والارادة ـ كتاب التوحيد ، ط ١٣٨٨ ه. وبحار الأنوار ٥ : ٥٧ / ١٠٤.
حمد الله ، وإذا أساء استغفر الله ، فهذا مسلم بالغ »(١) .
فلا يوجد في هذا الكون ولا في حياة الإنسان قبض وبسط وسعة وضيق ويسر وعسر إلاّ بحكم الله ومشيئته.
عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : «ما من قبض ولا بسط إلاّ ولله فيه مشيئة وقضاء وابتلاء »(٢) .
إذن لله تعالى الحضور الدائم المتّصل في هذا الكون كلّه ، وفي كلّ مساحة القضاء والقدر ، لا يغيب عنه شيء ، ولا يجري في هذه المساحة بشيء من دون حضوره ، وله قيمومة دائمة على كلّ الكون وهو الحيّ القيّوم( الله لا إله إلاّ هو الحيُّ القيُّوم لا تأخذه سِنةُ ولا نوم ) ( البقرة ٢ : ٢٥٥ ).
وإذا كان كلّما يجري في هذا الكون وفي حياة الإنسان يجري بقضاء وقدر. وإذا كان ما يجري من القضاء والقدر بإرادة الله ومشيئته ، فلا محالة تجري أفعال الإنسان جميعاً من خير وشرّ ، وطاعة ومعصية بإذنه وإرادته ، ولا يمكن أن يقع من الإنسان عصيان أو ذنب خارج دائرة سلطانه وقضاءه وقدره وإذنه. يقول تعالى :( وما هم بضارّين به من أحد إلاّ بإذن الله ) ( البقرة ٢ : ١٠٢ ).
( ولو شاء الله ما فعلوه ) ( الأنعام ٦ : ١٣٧ ).
__________________
(١) بحار الأنوار ٥ : ٩ ـ ١٠ / ١٤ عن الخصال للصدوق.
(٢) الكافي ١ : ١٥٢ / ١ باب الابتلاء والاختيار ـ كتاب التوحيد.
( ولو شاء الله ما اقتتلوا ) ( البقرة ٢ : ٢٥٣ ).
( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ) ( البقرة ٢ : ٢٠ ).
فإذا عصى الإنسان ربّه عزّ وجلّ فإنّما يعصيه بما آتاه من سلطان وحول وقوة ، ولو أنّ الله تعالى سلب عنه حوله وقوّته لم يتمكّن من معصية الله ، وهي حقيقة يقرّها القرآن ولابدّ من الاعتراف بها. رغم مناقشات الأشاعرة الطويلة حول هذا الموضوع.
روى الكلينيرحمهالله عن حمزة بن حمران قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الاستطاعة فلم يجيبني ، فدخلت عليه دخلة أُخرى فقلت : أصلحك الله، إنّي أقول : إنّ الله تبارك وتعالى لم يكلّف العباد مالايستطيعون ، ولم يكلّفهم إلاّ ما يطيقون ، وإنّهم لا يصنعون شيئاً من ذلك إلاّ بإرادة الله ومشيئته وقضائه وقدره.
قال : فقالعليهالسلام : « هذا دين الله الّذي أنا عليه وآبائي »(١) .
وروى علي بن إبراهيم الهاشمي قال : سمعت أبا الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام يقول : «لا يكون شيء إلاّ ما شاء الله ، وأراد وقدّر وقضى »(٢) .
وروى الصدوق في التوحيد باسناده عن علي بن يقطين عن أبي إبراهيمعليهالسلام قال : «مرّ أميرالمؤمنين عليهالسلام على جماعة بالكوفة وهم يختصمون في القدر ، فقال لمتكلّمهم : أبالله تستطيع أم مع الله ، أم من دون الله تستطيع ؟ فلم يدر ما يردّ عليه ، فقال له أميرالمؤمنين عليهالسلام : إنّك إن
__________________
(١) أُصول الكافي ١ : ١٢٤ / ٤ باب الاستطاعة ـ كتاب التوحيد. والتوحيد ، للصدوق : ٣٤٦ / ٣.
(٢) اُصول الكافي ١ : ١٥٠ / ١ باب المشيئة والارادة ـ كتاب التوحيد.
زعمت أنّك بالله تستطيع فليس لك من الأمر شيء ، وإن زعمت أنّك مع الله تستطيع ، فقد زعمت أنّك شريك معه في ملكه ، وإن زعمت أنّك من دون الله تستطيع فقد ادّعيت الربوبية من دون الله عزّ وجلّ »(١) .
وروى الكليني ، عن علي بن الحكم ، وعبدالله بن يزيد جميعاً ، عن رجل من أهل البصرة ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الاستطاعة ، فقالعليهالسلام : «أتستطيع أن تعمل ما لم يكوّن » ؟ قال : لا ، قالعليهالسلام : «فتستطيع أن تنتهي عمّا قد كوّن » ؟ قال : لا ، قال: فقال له أبو عبد اللهعليهالسلام : « فمتى أنت مستطيع » ؟ قال : لا أدري ، قال : أبو عبد اللهعليهالسلام : «إنّ الله خلق خلقاً فجعل فيهم آلة الاستطاعة ثمّ لم يفوّض إليهم ، فهم مستطيعون للفعل وقت الفعل مع الفعل إذا فعلوا ذلك الفعل ، فإذا لم يفعلوه في ملكه لم يكونوا مستطيعين أن يفعلوا فعلاً لم يفعلوه ، لأن الله عزّ وجلّ أعزّ من أن يضادّه في ملكه أحد » ، قال البصري : فالناس مجبورون ؟ قالعليهالسلام : «لو كانوا مجبورين كانوا معذورين » ، قال : ففوّض إليهم ؟ قالعليهالسلام : « لا » ، قال : فما هم ؟ قالعليهالسلام : «عَلِمَ منهم فعلاً فجعل فيهم آلة الفعل ، فإذا فعلوا كانوا مع الفعل مستطيعين ». قال البصري : أشهد أنّه الحقّ وأنّكم أهل بيت النبوّة والرسالة(٣) .
روى الكلينيرضياللهعنه عن محمّد بن أبي عبد الله ، عن سهل بن زياد ، وعلي ابن إبراهيم ، عن أحمد بن محمد ، ومحمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد جميعاً ، عن علي بن الحكم ، عن صالح النيلي قال : سألت أبا
__________________
(١) اُصول الكافي ١ : ١٦١ ـ ١٦٢ / ٢ باب الاستطاعة ـ كتاب التوحيد ، ط دار الاضواء ـ بيروت. التوحيد ، للصدوق : ٣٥٢ / ٢٣ ط ١٣٩٨ ه. وبحار الأنوار ٥ : ٣٩ / ٦١.
(٢) أُصول الكافي ١ : ١٢٣ / ٢ ط ١٣٨٨ ه.
عبداللهعليهالسلام : هل للعباد من الاستطاعة شيء ؟ قال : فقال ليعليهالسلام : «إذا فعلوا الفعل كانوا مستطيعين بالاستطاعة الّتي جعلها الله فيهم ». قال : قلت : وما هي ؟ قالعليهالسلام : «الآلة مثل الزاني إذا زنى كان مستطيعاً للزناً حين زنى ، ولو أنّه ترك الزنا ولم يزن كان مستطيعاً لتركه إذا ترك ـ قال : ثمّ قال ـ ليس له من الاستطاعة قبل الفعل قليل ولا كثير ، ولكن مع الفعل والترك كان مستطيعاً ». قلت : فعلى ماذا يعذّبه ؟ قالعليهالسلام : «بالحجّة البالغة والآلة التي ركّب فيهم ، إنّ الله لم يجبر أحداً على معصيته ، ولا أراد ـ إرادة حتم ـ الكفر من أحد ، ولكن حين كفر كان في إرادة الله أن يكفر ، وهم في إرادة الله وفي علمه أن لا يصيروا إلى شيء من الخير ». قلت : أراد منهم أن يكفروا ؟ قالعليهالسلام : «ليس هكذا أقول ، ولكنّي أقول : علم أنّهم سيكفرون ، فأراد الكفر لعلمه فيهم وليست هي إرادة حتم إنّما هي إرادة اختيار »(١) .
وروى الصدوق عن حفص بن قرط عن أبي عبد الله الصادقعليهالسلام قال : «قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : من زعم أنّ الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله ، ومن زعم أن الخير والشرَّ بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه ، ومن زعم أنّ المعاصي بغير قوّة الله فقد كذب على الله ، ومن كذب على الله أدخله الله النار »(٢) .
روي في الصحيح من طريق الصدوقرضياللهعنه في التوحيد والعيون أنّه
__________________
(١) اُصول الكافي ١ : ١٢٣ / ٣ باب الاستطاعة ـ كتاب التوحية ، ط ١٣٨٨ ه.
(٢) الكافي ١ : ١٥٨ / ٦ باب الجبر والقدر ، والأمر بين الأمرين ـ كتاب التوحيد. التوحيد ، للصدوق : ٣٥٩ / ٢. وبحار الأنوار ٥ : ٥٢ / ٨٥.
قال: حدّثنا أبي قال : حدّثنا سعد بن عبد الله قال : حدّثنا أحمد بن محمّد ابن خالد البرقي عن أبيه عن سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام قال : ذكر عنده الجبر والتفويض فقال : «ألا اُعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه ولا تخاصمون عليه أحد إلاّ كسرتموه » ؟ قلنا : إن رأيت ذلك. فقالعليهالسلام : «إنّ الله عزّ وجلّ لم يُطَعْ بإكراه ، ولم يُعصَ بغلبة ، ولم يهمل العباد في ملكه ، هو المالك لما ملّكهم ، والقادر على ما أقدرهم عليه ، فإنّ ائتمر العباد بطاعته لم يكن الله عنها صاداً ولا منها مانعاً ، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل ، وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الّذي أدخلهم فيه. ثمّ قال عليهالسلام : من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه »(١) .
وروى الكليني عن إسماعيل بن جابر قال : كان في مسجد المدينة رجل يتكلّم في القدر والناس مجتمعون ، قال فقلت : يا هذا أسألك ؟ قال : سل ، قلت : يكون في ملك الله تبارك وتعالى مالا يريد ؟ قال : فأطرق طويلاً ثمّ رفع رأسه إليّ فقال : يا هذا ! لئن قلت : إنّه يكون في ملكه مالا يريد ، إنّه لمقهور ، ولئن قلت : لا يكون في ملكه إلاّ ما يريد أقررت لك بالمعاصي ، قال : فقلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : سألت هذا القدري فكان من جوابه كذا وكذا ، فقالعليهالسلام : «لنفسه نظر أما لو قال غير ما قال لهلك »(٢) .
وروى الصدوق في التوحيد بإسناده عن عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام قال : «حدّثنا أبي عن آبائه عن الحسين بن علي عليهمالسلام قال : سمعت أبي عليّ
__________________
(١) التوحيد ، للصدوق : ٣٦١ / ٧. وبحار الأنوار ٥ : ١٦ / ٢٢.
(٢) الكافي ١ : ١٥٩ / ٧ باب ٣٠ كتاب التوحيد.
ابن أبي طالبعليهالسلام يقول : الأعمال على ثلاثة أحوال :
١ ـ فرائض.
٢ ـ وفضائل ( نوافل ).
٣ ـ ومعاصي.
فأمّا الفرائض : فبأمر الله عزّ وجل وبرضا الله وبقضاء الله وتقديره ومشيّته وعلمه.
وأمّا الفضائل : ـ النوافل ـ فليست بأمر الله ، ولكن برضاء الله وبقضاء الله وبقدر الله وبمشيّته وبعلمه.
وأمّا المعاصي : فليست بأمر الله ، ولكن بقضاء الله وبقدر الله وبمشيّته وبعلمه ، ثمّ يعاقب عليها »(١) .
وهذا النصّ واضح في أنّ ما يجري من الإنسان من المعاصي والذنوب هي بقضاء الله وقدره وعلمه ، وليست بأمر الله.
وإذا كان الله تعالى لا يعصى مقهوراً ، فلابدّ أن تكون المعصية بإذنه ومشيئته وإرادته. وهذه حقيقة لابد أن ننتهي إليها. وعندئذ من الحقّ أن نتسائل : كيف يريد الله معصية الله ، وهو ينهى عنها ولا يرضاها ولا يريدها ؟ وهذه ( عقدة ) كان يقف عندها غالباً الحوار الّذي يجري بين
__________________
(١) التوحيد ، للصدوق : ٣٦٩ / ٩. وبحار الأنوار ٥ : ٢٩ / ٣٦.
الأشاعرة والمعتزلة في التاريخ.
يقول ابن الخيّاط : إنّ هشام بن عبد الملك لمّا بلغه قول غيلان ( الدمشقي ) بالاختيار ، قال : ويحك يا غيلان ! لقد أكثر الناس فيك ، فنازعنا في أمرك ، فإنّ كان حقّاً اتّبعناك. فاستدعى هشام ميمون بن مروان ليكلّمه ، فقال له غيلان : أشاء الله أن يعصى ؟ فأجابه ميمون : أفعصي كارهاً ؟ فسكت غيلان ، فقطع هشام بن عبد الملك يديه ورجليه(١) .
وقيل إنّ ( غيلان الدمشقي ) الّذي كان يذهب مذهب الاختيار وقف على رأس ( ربيعة الرأي ) الذي كان يذهب مذهب ( الجبر ) في القضاء والقدر. فقال : أنت الّذي يزعم أنّ الله يحبّ أن يعصى ؟
فقال له ربيعة : أنت الّذي يزعم أنّ الله يعصى قهراً(٢) .
وتنحل هذه العقدة العجيبة بالتفكيك بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية ، وهو ما صنعه أهل البيتعليهمالسلام في حلّ هذه المشكلة ، ولربّما لاوّل مرّة في التاريخ العقلي الإسلامي. وعندئذ يكون جواب غيلان لميمون بن مروان أو لربيعة الرأي واضحاً ، ولن يطول تردّده طويلاً في الاجابة القاطعة على هذا التساؤل الغريب.
والجواب : إنّ الله لا يعصى كارهاً ولا مقهوراً ، إذا كان المقصود من الكراهية والقهر ( الإرادة التكوينية ) وإنّما يعصى بإرادته سبحانه وتعالى من دون كراهية وقهر كما بيّنا ذلك بوضوح في الفقرة السابقة.
__________________
(١) الانتصار ، للخياط : ١٧٩ ـ نقله عن منية الامل : ٣٠ ـ ٣٢.
(٢) الإنسان والقدر ، الشيخ المطهري : ٣٨.
وأمّا إن كان المقصود منها ( الإرادة التشريعية ) فليس من بأس أن يعصى الله تعالى وهو يكره المعصية ، فإنّ الناس يكثرون من معصية الله تعالى ، والله تعالى يكره معصيتهم ويمقتها ويغضب عليهم من أجلها ، وإن كانت هذه المعاصي تجري جميعاً بإرادته وإذنه ، وفي ملكه وسلطانه ، وبما أتى عباده من حول وقوّة وطول. واختلاف الإرادتين في الإذن وعدم الإذن ليس من التناقض في شيء ، إذا ميّزنا بشكل دقيق بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية ، ولسنا نعلم هل كان التفكيك بين الإرادتين والتمييز بينهما معروفاً في هذا التاريخ أم لا.
ويغلب على الظنّ أنّ هذا التفكيك لم يكن معروفاً. وإلاّ لم يتوقّف ( غيلان الدمشقي ) يومذاك عن جواب ميمون ، أو ربيعة الرأي ، إذا صحّت الرواية.
وعلى أيّ ، فلنتأمّل في النصوص الواردة عن أهل البيتعليهمالسلام في التفكيك بين هاتين الإرادتين :
روى الكليني بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سمعته يقول : «أمر الله ولم يشأ ، وشاء ولم يأمر. أمر إبليس أن يسجد لآدم ، وشاء أن لا يسجد ، ولو شاء لسجد. ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل منها ، ولو لم يشأ لم يأكل »(١) .
ومنها ما روي من طريقهرضياللهعنه أيضاً عن علي بن إبراهيم ، عن المختار بن
__________________
(١) اُصول الكافي ١ : ١١٧ / ٣ باب المشيئة والارادة ـ كتاب التوحيد ، المكتبة الإسلامية ط ١٣٨٨ ه. وبمضمونه التوحيد ، للصدوق : ٣٤٣ / ١٢ ، ط ١٣٩٨ ه.
محمّد الهمداني ومحمّد بن الحسن ، عن عبد الله بن الحسن العلوي جميعاً ، عن الفتح بن يزيد الجرجاني ، عن أبي الحسنعليهالسلام قال : « إنّ لله إرادتين ومشيئتين : إرادة حتم ، وإرادة عزم ، ينهي وهو يشاء ويأمر وهو لا يشاء ، أو ما رأيت انّه نهى آدم وزوجته أن يأكلا من الشجرة وشاء ذلك ، ولو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت مشيئتهما مشيئة الله تعالى. وأمر إبراهيم أن يذبح إسماعيل ولم يشأ أن يذبحه ، ولو شاء لما غلبت مشيئة إبراهيم مشيئة الله تعالى »(١) .
وهذه النقطة بالذات هي عقدة البحث ، فإذا انحلّت هذه النقطة واتّضحت اتضح ما قبلها وبعدها.
إنّ الإنسان يملك بصريح الوجدان والقرآن كامل حرّيته في الاختيار والفعل وإمارة حريته في الاختيار تردده في الانتخاب. ومسؤوليته عن فعله وإحساسه بالندم والراحة عند انتخاب ما يصلح وما لا يصلح. والوجدان أقوى شاهد على هذه الحقيقة. وقد رأينا في موضع سابق من هذا البحث أنّ القرآن يقرر حرّية اختيار الإنسان في طوائف كثيرة من الآيات. ولسنا بصدد إثبات هذه الحقيقة الآن أكثر من ذلك. واختيار الإنسان يقع على مفترق طرق يقف عنده الإنسان غالباً أو دائماً. ولأيّ سبيل من هذه السبل يختاره الإنسان حكم قطعي وحتمي في دائرة القضاء والقدر المحكم والمتقن الّذي شرحناه من قبل.
__________________
(١) أُصول الكافي ١ : ١١٧ / ٤ باب المشيئة والارادة ـ كتاب التوحيد.
فليس من سبيل للإنسان أن يخرج عن دائرة ( القضاء والقدر ) وحكمه القطعي المتقن والدقيق ، وهو لا محالة يعيش ويتحرّك ويعمل ويختار في هذه كما ذكرنا. ولكنه يملك مطلق الاختيار دائماً أو غالباً في اختيار سبيل من هذه السبل المختلفة الّتي يجدها أمامه عن معرفة ووعي.
المريض إذا اهتم بمرضه وراجع الطبيب واتّخذ العلاج يشفى ، وإن أهمل مرضه يتضاعف المرض عنده. والطالب إذا نشط واجتهد ينجح وإذا كسل وأهمل دروسه يفشل. والعامل إذا عمل وتحرّك في السوق ، يغنيه الله ، وإذا تهاون في البحث عن العمل يفتقر. والإنسان إذا عاشر الصالحين يصلح ويأخذ منهم الصلاح. وإذا عاشر الفاسدين يأخذ منهم الفساد.
وكلّ هذه النتائج من القضاء والقدر الحتم والمتقن الّذي لا سبيل للتشكيك فيه. فإنّ الإنسان الّذي يجتهد في طلب العلم يكون عالماً بالضرورة والحتم ، وهذا هو ( القضاء ) وتكون معرفته في الحقل الّذي اجتهد فيه ، دون غيره من الحقول ، وبمقدار اجتهاده ودراسته ، وهذا هو ( القدر ).
إنّ اختيار الإنسان في المبادئ دائماً والأحكام الفعلية الّتي قلنا إنّها من القضاء والقدر هي في النتائج دائماً.
وهذه المبادئ تستتبع هذه النتائج دائماً بصورة قطعية ومتقنة. ولا سبيل للإنسان للتخلّص من هذه النتائج القطعية ، وإن كان له مطلق الحرية في اجتناب واحد أو أكثر من هذه السبل في البدء.
ولعلّ الآية الكريمة من سورة الرعد ، لا تكون بعيدة عن هذا المعنى :
( إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم ) ( الرعد ١٣ : ١١ ) وبهذه الصورة نرى أنّ الله تعالى مكّن الإنسان أن يمارس اختياره وحرّيته في وسط نظام محكم ومتقن من القضاء والقدر في الحياة الاجتماعية وفي الكون. فلا يضرّ الاختيار بحتمية القضاء والقدر ولا يمس القضاء والقدر من حرّية الإنسان في الاختيار على الإطلاق. وإلى هذا المعنى الدقيق يشير حديث أميرالمؤمنينعليهالسلام مع الشيخ الّذي سأله عن مسيرهم إلى أهل الشام بعد منصرفه من صفّين. وقد قدّمنا هذا الحديث في النقطة الأولى من هذه النقاط. ففي بدء الحديث يقول له الإمامعليهالسلام : «أجل يا شيخ ما علوتم من تلعة ولاهبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من الله وقدر » وهذه الفقرة واضحة أنّهم في خروجهم إلى صفّين ومحاربتهم لمعاوية وعودتهم إلى الكوفة ، كانوا يتحرّكون في دائرة القضاء والقدر ولم يخرجوا من دائرة القضاء والقدر إطلاقاً.
فلمّا فهم الشيخ من كلام الإمامعليهالسلام إنّ هذه الحتمية ( القضاء ) كان في مرحلتي المبادئ والنتائج معاً ، وأنّهم لم يملكوا من أمرهم شيئاً في هذه المرحلة الطويلة ، فقال : ( عند الله أحتسب عنائي يا أميرالمؤمنين ) وضّح له الإمامعليهالسلام ما اشتبه عليه من الأمر فقال : «أتظنّ قضاءً حتماً وقدراً لازماً ؟! لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي إنّ الله تعالى كلّف تخييراً ونهى تحذيراً ».
إنّ القضاء والقدر لن يكون إلاّ حتماً ومقدّراً بصورة دقيقة ، ولكن الّذي يملك الاختيار في المبادئ يملك الاختيار في النتائج بالضرورة. فإنّ النتائج تتبع المبادئ ، فإذا مكّن الله الإنسان من المبادئ مكّنه من النتائج أيضاً ، وإن احتفظت النتائج بصفتها الحتمية والمقدّرة في ظروفها
وشروطها. وهذا هو معنى كلام الإمامعليهالسلام للشيخ السائل «أتظنّ قضاءً حتماً وقدراً لازماً ؟ لو كان كذلك لبطل الثواب ».
وتعبير القرآن عن هذا التراوح الّذي يتمّ بين الاختيار في عمل الإنسان والحتمية في النتائج المترتبة على عمله تعبير دقيق يقول تعالى :( كلّ نفس بما كسبت رهينة ) ( المدّثر ٧٤ : ٣٨ ).
فالعمل الّذي يعمله الإنسان ويكسبه لنفسه باختياره وحرّيته ، ولكنّه لايملك التخلّص من النتائج القطعية المترتبة على هذا العمل فيبقى ( رهيناً ) له.
إذن الإنسان وإن كان يعيش في وسط نظام محكم متقن ، ولكن بامكانه أن يتحوّل من قضاء إلى قضاء ، ومن قدر إلى قدر.
روى الأصبغ بن نباته أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر ، فقيل له : يا أمير المؤمنين أتفرّ من قضاء الله ؟
قالعليهالسلام : «أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله عزّ وجلّ »(١) .
وروى الصدوق باسناده عن إبي الحسن علي بن موسى الرضاعليهالسلام عن أبيه عن آبائهعليهمالسلام عن علي بن أبي طالبعليهالسلام قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «في كلّ قضاء الله خيرة للمؤمنين »(٢) .
وروى الصدوقرحمهالله في الاعتقادات : انّه سئل الصادقعليهالسلام عن الرُقى
__________________
(١) التوحيد ، للصدوق : ٣٦٩ / ٨.
(٢) التوحيد ، للصدوق : ٣٧١ / ١١.
هل ترفع من القدر شيئاً ؟ فقالعليهالسلام : «هي من القدر ».
وروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه سُئل هل يغني الدواء والرُقية من القدر ؟ فقال لمن سأله : «الدواء والرُقية من قدر الله »(١) .
الله أرحم من أن يعذّب خلقه على ما أكرههم عليه :
ولمّا كانت هذه النقطة بالذات محور الصراع والخلاف الفكري مع الأشاعرة الّذين كانوا يذهبون إلى حتمية السلوك لدى الإنسان ، ويسلبون منه الإرادة والاختيار فقد ورد التأكيد عليه كثيراً في نصوص أهل البيت ، كما ورد التأكيد كثيراً في النقطة المقابلة لها ، وهي رفض استقلال الإنسان ورفض التفويض الّذي كانت المعتزلة تذهب إليه ، وهي النقطة الثالثة من هذه المجموعة من النقاط.
روى الكليني في الكافي ، والصدوق في التوحيد عن يونس بن عبد الرحمن عن غير واحد عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام قالا : «إنّ الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليها ، والله أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون »(٢) .
وروى الكلينيرحمهالله عن الحسين بن علي الوشّاء ، عن حمّاد بن عثمان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : «من زعم أنّ الله يأمر بالفحشاء فقد كذب على الله ، ومن زعم أنّ الخير والشرّ إليه فقد كذب على الله »(٣)
__________________
(١) المختار في الجبر والاختيار ، للسيد محمد علي الصادقي : ١٢٣.
(٢) أُصول الكافي ١ : ١٢١ / ٩ باب الجبر والقدر ، والأمر بين الأمرين ـ كتاب التوحيد ، المكتبة الإسلامية ١٣٨٨ ه.
(٣) أُصول الكافي ١ : ١٢٠ / ٢ باب الجبر والقدر ، والأمر بين الأمرين ـ كتاب التوحيد ، المكتبة الإسلامية ١٣٨٨ ه.
والنقطة الأولى إشارة إلى الاتّجاه الجبري الّذي كان يتبنّاه الأشاعرة حيث ينسبون ما يأتي من الإنسان من المعاصي إلى الله تعالى مباشرة. والنقطة الثانية إشارة إلى ما يتبنّاه المفوّضة من نسبة قضاء الخير وقضاء الشرّ إلى الإنسان مباشرة.
والنصوص عن أهل البيتعليهمالسلام كثيرة بهذا الصدد.
وهذه النقطة تتبع النقطة السابقة ، والإنسان لو كان هو الّذي يختار ( في مرحلة المبادئ ) السبيل الّذي يسلكه يتحمّل بالضرورة ، نتائج ومسؤوليات كلّ ما يترتّب على فعله من آثار ونتائج قطعية ومتقنة. والمسؤولية هي نتيجة الاختيار ، وفي نفس الوقت فإنّ الاحساس الوجداني الواضح عند الإنسان بالمسؤولية هو أمارة الاختيار والقرآن يعمّق الاحساس بالمسؤولية عند الإنسان يقول تعالى :
( وقفوهم إنّهم مسؤولون ) ( الصافّات ٣٧ : ٢٤ ).
( فلنسألنّ الّذين أُرسل اليهم ولنسألنّ المرسلين ) ( الأعراف ٧ : ٦ ).
( فوربّك لنسألنّهم أجمعين ) ( الحجر ١٥ : ٩٢ ).
( ولتسألنّ عمّا كنتم تعملون ) ( النحل ١٦ : ٩٣ ).
( ثمّ لتسألنّ يومئذ عن النعيم ) ( التكاثر ١٠٢ : ٨ ).
إذن لوجود عامل الاختيار في سلوك الإنسان تنسب أعمال الإنسان إليه ، كما يتحمّل هو مسؤولية نتائج أعماله.
روى الكليني في الكافي والصدوقرضياللهعنه في التوحيد عن الحسين بن علي الوشّاء ، عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام قال سألته : فقلت : الله فوّض الأمر إلى العباد ؟
قالعليهالسلام : « الله أعزّ من ذلك ».
قلت : فجبرهم على المعاصي ؟
قالعليهالسلام : « الله أعدل وأحكم من ذلك ».
ثمّ قالعليهالسلام : «قال الله عزّ وجلّ : يا ابن آدم ، أنا أولى بحسناتك منك ، وأنت أولى بسيّئاتك منّي. عملتَ المعاصي بقوتّي الّتي جعلتها فيك »(١) .
عرفنا من قبل أنّ نظام ( القضاء والقدر ) هو النظام الحاكم على الكون والتأريخ. وبعد ذلك عرفنا أنّ هذا النظام هو نظام ربّاني من خلق الله تعالى وإبداعه. ثمّ قلنا إنّ هذا النظام قائم بالله تعالى في كلّ لحظة ، وفي كلّ حال ، ولم ينفصل ولم يستقلّ عن الله في لحظة واحدة والله تعالى هو القيّوم والقيّم على هذا النظام ويتّصل سلطانه ونفوذه وقيمومته على الكون. هذا ما ذكرناه من قبل ، والآن نقول : إنّ علاقة الله تعالى بالكون لا تقف عند حدود القيمومة ، وحفظ النظام ولكن الله تعالى هو ( المهيمن )
__________________
(١) الكافي ١ : ١٥٧ / ٣ باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ـ كتاب التوحيد.
على الكون.
وتحتاج هذه الفقرة إلى شيء من التوضيح : أنّ نظام القضاء والقدر الحاكم في الكون ليس نظاماً ذا بعد واحد وإنّما هو نظام متعدّد الابعاد ، وكلّ بُعد منه يجري بموجب النظام بشكل قطعي ومتقن. والله تعالى مهيمن على هذه الأبعاد جميعاً. يمحو منها ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب.
إذن : نظام القضاء والقدر في الوقت الّذي لا يتخلّف ولا يتزعزع ، نظام خاضع لسلطان الله تعالى وهيمنته بالمحو والاثبات ، فيثبت منه ما يشاء ويمحو منه ما يشاء ويغيره ، وليس معنى المحو إلغاء نظام القضاء والقدر أو تعطيله ، وإنّما معناه تبديله بغيره. وهذا أمر يدخل في حيّز سلطان الله تعالى المطلق. يقول تعالى :( يمحواْ الله ما يشاء ويثبت وعنده أُمّ الكتاب ) ( الرعد ١٣ : ٣٩ ) والإنسان يتعامل مع نظام القضاء والقدر ، ويتحرّك ويعمل ، ويختار ضمن هذا النظام الخاضع لقيمومة الله تعالى وهيمنته المطلقة. فلا يمكن أن ينفصل أو يستقلّ عن إرادة الله ومشيئته في حركته وعمله في دائرة هذا النظام. كيف وهذا النظام وسيط متّصل بالله تعالى. وخاضع لقيمومته ، وهيمنته في كلّ لحظة.
روى الصدوق في ( التوحيد ) عن عبد الله بن ميمون القداح ، قال : دخل على أبي عبد الله الصادقعليهالسلام أو أبي جعفر الباقرعليهالسلام رجل من أتباع بني أميّة فخفنا عليه ، فقلنا له : لو تواريت ، وقلنا : ليس هو هـهنا. قالعليهالسلام : « بل أئذنوا له فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : إنّ الله عزّ وجلّ عند لسان كلّ قائل ويد كلّ باسط. فهذا القائل لا يستطيع أن يقول إلاّ ما شاء الله ، وهذا الباسط
لا يستطيع أن يبسط يده إلاّ بما شاء الله ». فدخل عليه فسأله عن أشياء وآمن بها وذهب(١) .
لا شكّ أنّ الله تعالى وهب أفراد الإنسان الاختيار في الفعل عند مفارق الطرق ، ووهبهم العقل والوعي والتمييز ، وأتاهم البيّنات ، كلّ ذلك صحيح. ولسنا نتصور رحمة فوق هذه الرحمة ، ولكنّ الله تعالى وهو المهيمن على الكون ، والإنسان ، يمد الإنسان عند كلّ مفترق طريق ، وكلّما يشقّ على الإنسان الاختيار ، وعند كلّ خيار صعب من خيارات الهدى يمده من عنده بالتوفيق والتأييد والتسديد إذا أراد الطاعة.
وإذا أراد المعصية لم يتركه لنفسه ، وانما يخذله عن المعصية ، ويدفعه عنها.
فإذا أصرّ وأبى وركب رأسه وعاند تخلّى عنه وأوكله إلى نفسه وأضلّه الله تعالى.
روى الصدوقرضياللهعنه في ( عيون أخبار الرضا ) عن تميم القرشي ، عن أبيه، عن أحمد بن علي الانصاري ، عن يزيد بن عمير بن معاوية الشامي، قال : دخلت على علي بن موسى الرضاعليهالسلام بمرو فقلت له : يابن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمّدعليهالسلام انّه قال : « لا جبر ولا تفويض بل أمرٌ بين أمرين » فما معناه ؟ فقالعليهالسلام : « من زعم أن الله يفعل أفعالنا ثمّ يعذّبنا عليها فقد قال بالجبر ، ومن زعم أنّ الله عزّ وجلّ
__________________
(١) التوحيد ، للصدوق : ٣٣٧ / ٣.
فوّض أمر الخلق والرزق إلى حججهعليهمالسلام فقد قال بالتفويض ، فالقائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك ». فقلت له : يابن رسول الله فما أمر بين أمرين ؟ فقالعليهالسلام : « وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به وترك ما نهوا عنه ». فقلت له : فهل لله عزّ وجلّ مشيئة وإرادة في ذلك ؟ فقالعليهالسلام : « أمّا الطاعات فارادة الله ومشيئته فيها الامر بها والرضا لها والمعاونة عليها ، وإرادته ومشيئته في المعاصي النهي عنها والسخط لها والخذلان عليها ». قلت : فللّه عزّ وجلّ فيها القضاء ؟ قالعليهالسلام : « نعم ، ما من فعل يفعله العباد من خير وشرّ إلاّ ولله فيه قضاء ». قلت : فما معنى هذا القضاء ؟ قالعليهالسلام : « الحكم عليهم بما يستحقّونه على أفعالهم من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة ، ولكن العبد إذا أصرّ على العصيان والتمرّد أحاله الله تعالى إلى نفسه ، وأوكله إليها ، وحجبه عن الايمان ».
روي من طريق الصدوقرضياللهعنه في ( العيون ) أنّه قال : حدّثنا عبد الواحد ابن محمد بن عبدوس العطاررضياللهعنه قال : حدّثنا محمّد بن علي بن قتيبة النيسابوري ، عن حمدان بن سليمان النيسابوري قال : سألت الرضاعليهالسلام عن قول الله عزّ وجلّ :( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً ) ( الانعام ٦ : ١٢٥ ) قالعليهالسلام : «من يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلى جنّته ودار كرامته يشرح صدره للتسليم لله والثقة به والسكون على ما وعده من ثوابه حتى يطمئن إليه ومن يرد أن يضله عن جنته ودار كرامته في الآخرة لكفره به وعصيانه له في الدنيا يجعل صدره ضيّقاً حرجاً ، يشكّ في كفره ، ويضطرب من اعتقاده قلبه حتى يصير كأنّما يصّعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون » ، وقد عرفت فيما مضى المراد من شرح الصدر وضيقه.
الخاتمة
والنتيجة الّتي ننتهي إليها بعد هذه الجولة في كلمات أهل البيتعليهمالسلام ، في هذه المسألة الحسّاسة : إنّ الإنسان يقع وسطاً بين ( الجبر ) و ( التفويض ) وهو ما أسماه أهل البيتعليهمالسلام ب ( الأمر بين الأمرين ) وليس الأمر بين الأمرين تلفيقاً بين الجبر والتفويض بمعنى أن في سلوك الإنسان شيء من الجبر وشيء من التفويض. بل بمعنى نفي الجبر والتفويض و ( الاستقلال ) في سلوك الإنسان.
فهو من جانب : حرٌّ في الاختيار يختار بكامل حرّيته ، ومنحه الله تعالى كلّ المواهب التي تتطلبه هذه الحرّية من العقل والتمييز والرشد.
ومن جانب آخر : يرتبط ويتعامل في اختياره وفعله مع نظام القضاء والقدر الخاضع لقيمومة الله تعالى وهيمنته ، ويقع هو واختياره وفعله وسط هذه القيمومة ، والهيمنة والرعاية الإلهية.
روى الصدوق عن حريز بن عبد الله ، عن الصادقعليهالسلام قال : « إنّ الناس في القدر على ثلاثة أوجه : رجل يزعم أنّ الله عزّ وجلّ أجبر الناس على المعاصي ، فهذا قد ظلم الله في حكمه ، فهو كافر.
ورجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليهم ، فهذا قد أوهن الله عزّ وجلّ في سلطانه ، فهو كافر.
ورجل يزعم أنّ الله كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلّفهم ما لا يطيقون ، وإذا
أحسن حمد الله واذا أساء استغفر الله ، فهذا مسلم بالغ ».
وروى الصدوق عن سليمان بن جعفر الجعفري ، عن الرضاعليهالسلام قال : ذكر عنده الجبر والتفويض ، فقالعليهالسلام : «ألا أعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه ، ولا تخاصمون عليه أحداً إلاّ كسرتموه » ؟ قلنا : إن رأيت ذلك ، قالعليهالسلام : «إنّ الله عزّ وجلّ لم يطع بإكراه ، ولم يعصَ بغلبة ، ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملّكهم ، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن الله عنها صاداً ، ولا منها مانعاً ، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل. وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الّذي أدخلهم فيه ـ ثمّ قالعليهالسلام ـمن يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه »(١) .
وروى الصدوق عن المفضل بن عمر ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين الأمرين » ، قال : فقلت وما أمر بين الأمرين ؟
قالعليهالسلام : «مثل ذلك : مثل رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته فتركته ، ففعل تلك المعصية ، فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت أنت الّذي أمرته بالمعصية »(٢) .
وقد يتصوّر الإنسان أن مساحة الأمر بين الأمرين مساحة محدودة في حياة الإنسان. وأمّا مساحة الجبر والتفويض فهي أوسع مساحة في حياته ، فإنّ الإنسان يتعامل فعلاً مع نظام القضاء والقدر بشكل مباشر من
__________________
(١) التوحيد ، للصدوق : ٣٦١ / ٧.
(٢) التوحيد ، للصدوق : ٣٦١ / ٧. وانظر اُصول الكافي ١ : ١٢٢ / ١٣ ، منشورات المكتبة الإسلامية ١٣٨٨ ه.
خلال اختياره ولا يشعر بالرعاية الإلهية وهيمنة الله تعالى على حركته وحياته إلاّ نادراً. وهو لاشكّ إحساس خاطئ ينشأ من احتجابه عن الله تعالى وألطافه الخفية ، وإلاّ فإنّ مساحة الأمر بين الأمرين هي كلّ مساحة حياة الإنسان ، وهو في كلّ شؤونه وأعماله وحركاته يتعامل مع الله تعالى ، ويأخذ من الله من حيث لا يشعر ، ولله تعالى في حياة الإنسان إمدادات غيبيّة وألطاف خفية لا يشعر بها الإنسان ، إلاّ من آتاه الله تعالى من عنده بصيرة وفقهاً ومعرفة.
روى الكلينيرحمهالله في ( الكافي ) والصدوق في ( التوحيد ) عن يونس بن عبد الرحمن ، عن غير واحد ، عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام ـ قالا : «إنّ الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليها ، والله أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون ». فسئُلا هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة ؟ قالاعليهماالسلام : «نعم ، أوسع مما بين السماء والأرض »(١) .
وفي رواية اُخرى للكلينيرحمهالله في ( الكافي ) عن يونس ، عن عدّة عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال له رجل : جعلت فداك ، أجبر الله العباد على المعاصي ؟ قالعليهالسلام : « الله أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثمّ يعذّبهم عليها ». فقال له : جُعلت فداك ، ففوّض الله إلى العباد ؟ قالعليهالسلام : « لو فوّض إليهم لم يحصرهم بالأمر والنهي ». فقال له : جعلت فداك ، فبينهما منزلة ؟ قال : فقالعليهالسلام : « نعم أوسع ما بين السماء والأرض »(٢) .
وهذه الأحاديث والنصوص تبيّن لنا حقيقة هامّة يجب أن نأخذها بنظر
__________________
(١) الكافي ١ : ١٥٩ / ٩ باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ـ كتاب التوحيد.
(٢) الكافي ١ : ١٥٩ / ١١ باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ـ كتاب التوحيد.
الاعتبار ، ونلتزم بها ، وهي أن نلمس يد الله تعالى ورعايته لنا في حياتنا ، ونستشعر معيّة الله تعالى لنا في كلّ حركة وسكون. والإنسان عندما يتجرّد عن الحوار العقائدي القائم في التأريخ العقلي الإسلامي ويعود إلى نفسه يؤمن بشكل واضح ـ ومن غير ترديد ـ إنّ الله تعالى لم يتخلّ عنه في لحظة من لحظات حياته ، ولم ينفرد الإنسان ولم يستقل عن رعاية الله ويد الله في شيء من حياته.
ولو أنّ الله تعالى تخلّى عن الكون لتلاشى الكون. ولو أنّ الله تعالى تخلّى عن الإنسان وأوكله إلى نفسه ، وإلى نظام القضاء والقدر لبلغ الإنسان منذ أمد بعيد طريقاً مسدوداً.
ولكن رعاية الله تعالى تواكب مسيرة الإنسان وحركته الفردية والتأريخية ، وترعاه عند كلّ منعطف ، وفي كلّ مشكلة ، وتسدّده ، وتهديه ، وتعينه ، وتلطف به ، وتستر عليه ، وتحفظه.
إنّ قراءة عامّة لكتاب الله تعالى تعمّق فينا هذا الاحساس بشكل واضح ، وتشعرنا أنّ القرآن يريد أن يربط مسيرتنا وحياتنا بالمعية والرعاية الإلهية ، ويربّينا على الاحساس بالستر الدائم المتّصل لله علينا ، وبحفظ الله لنا وإمداده المتّصل ، وليس في القرآن كلّه رغم حرص القرآن على تثبيت مبدأ الاختيار إشارة أو إيهام بأنّ الإنسان يستقل عن الله تعالى في الاختيار والقرار والفعل ، أو أنّ الله تعالى أوكل الإنسان إلى نفسه في الاختيار والفعل والقرار. وويل للانسان إذا أوكله الله تعالى إلى نفسه.
ومن غير الممكن في نظام الوجود وقانون العلّية والإمكان من الناحية العقلية أن يستقلّ الانسان عن الله تعالى في القرار ، والفعل والاختيار ،
ولكن لو فرضنا إمكان ذلك من الناحية العقلية واستقلّ الإنسان عن الله تعالى ، وأوكل الله أمر الإنسان إليه وإلى نظام القضاء والقدر لسقط الإنسان منذ أمد بعيد ووصل إلى طريق مسدود لاخلاص له منه في بعض هذه المآزق والأزمات.
وبعد ، فبالاستناد إلى ما تقدم نستطيع أن نجد منها ـ إن شاء الله ـ العناصر الأساسية لصياغة نظرية أهل البيتعليهمالسلام المقتبسة من القرآن في القضاء والقدر والسلوك الفردي والتأريخي للانسان.
اللّهمّ إنّنا آمنّا بك وبرحمتك وسترك وإمدادك ورعايتك لعبادك ، وطالما لمسنا هذه الرعاية والستر والحفظ والتوفيق منك ـ عزّ شأنك ـ لنا في حياتنا فاكتبنا مع المؤمنين ، واكتبنا مع الشاهدين.
مقدمة المركز................................................................ ٥
مقدِّمة الكتاب :............................................................. ٩
الفصل الأول.............................................................. ١٣
الحتمية التاريخية والحتمية الكونية........................................... ١٣
النتائج السلبية لهاتين الحتميتين :............................................ ١٥
الاستغلال السياسي للحتمية التاريخية :...................................... ١٥
بنو أُميّة والحتمية السلوكية والتاريخية :........................................ ١٦
الاستغلال السياسي للحتمية الثانية :....................................... ١٧
العلاقة بين الحتميتين :.................................................... ١٩
موقف القرآن من هاتين الحتميتين :......................................... ٢١
موقف أهل البيت من هاتين الحتميتين :..................................... ٢٣
الحتمية الأولى :........................................................ ٢٤
الحتميات الإلهية في سلوك الانسان :........................................ ٢٥
أصل الكسب :....................................................... ٢٦
مناقشة أصل الكسب :................................................ ٢٨
الحتميات المادية المعاصرة :................................................. ٢٩
نقد الحتمية التاريخية :..................................................... ٣١
الاستغلال السياسي للحتمية :............................................. ٣٣
التفويض :............................................................... ٣٥
الفصل الثاني.............................................................. ٣٩
موقف القرآن من مسألة : ( الحتمية ) و ( استقلال الانسان ) ٣٩
١ ـ مبدأ حرية الاختيار في القرآن :.......................................... ٣٩
٢ ـ نفي التفويض واستقلال الانسان في القرآن :.............................. ٤٥
الفصل الثالث............................................................. ٥١
مذهب أهل البيت : : ( الأمر بين الأمرين ).................................. ٥١
تفسير الأمر بين الأمرين :................................................. ٥٢
السبب الذي صرف العلماء عن ( الأمر بين الأمرين ) :....................... ٥٢
الاختيار ليس مساوقاً للاستقلال :.......................................... ٥٤
تفسير علماء مدرسة أهل البيت ل ( الأمر بين الأمرين ) :..................... ٥٥
التنظير الفلسفي لارتباط الانسان بالله تعالى حدوثاً وبقاءً :.................. ٥٥
مناهج علماء مدرسة أهل البيت لتفسير ( الأمر بين الأمرين ) :................ ٥٧
تقرير وشرح لنظرية ( الأمر بين الأمرين ) :................................... ٥٨
المثال الّذي استعان به المحقّق السيد الخوئي لتوضيح الأمر :..................... ٥٩
رأي الشيخ المفيد :....................................................... ٦٠
١ ـ رفض نسبة أفعال الناس إلى الله :..................................... ٦٠
٢ ـ نفي استقلال الانسان في أفعاله :..................................... ٦٥
الفصل الرابع.............................................................. ٧٣
أهل البيت : في موقع الدفاع عن ( التوحيد ) و ( العدل ).................... ٧٣
١ ـ نظام القضاء والقدر في الكون :......................................... ٧٣
٢ ـ القضاء والقدر هو النظام الإلهي في الكون وحياة الإنسان :................. ٧٦
٣ ـ القيمومة الإلهية الدائمة على نظام القضاء والقدر في الكون :................ ٧٨
٤ ـ تتّم المعاصي من الناس بقضاء الله وقدره ولا يُعصى مغلوباً :................. ٨٠
٥ ـ التفكيك بين إرادة الله التكوينية والتشريعية :.............................. ٨٥
٦ ـ حرّية الاختيار لدى الإنسان داخل الدائرة الحتمية للقضاء والقدر :........... ٨٨
٧ ـ مسؤولية الإنسان في فعله :............................................. ٩٣
٨ ـ الهيمنة الإلهية على حركة القضاء والقدر في الكون والتاريخ :................. ٩٤
٩ ـ قانون الإمداد والخذلان الإلهي في حياة الناس :............................ ٩٦
الخاتمة................................................................... ٩٩