إرشاد القلوب (المجلّد الثاني) .

( من أعلام القرن الثامن )

تأليف : الحسن بن أبي الحسن محمّد الديلمي .

تحقيق : سيد هاشم الميلاني .

الناشر : دار الأسوة للطباعة والنشر (التابعة لمنظّمة الأوقاف والشؤون الخيرية) .

المطبعة والتجليد : الأسوة .

الطبعة : الثانية .

تاريخ النشر : ١٤٢٤ هـ ق .

عدد المطبوع : ٢٠٠٠ نسخة .

 ( دورة ) ٢ ـ ٤٢ ـ ٨٠٧٣ ـ ٩٦٤ ISBN

( ج ٢ ) ٩ ـ ٤٤ ـ ٨٠٧٣ ـ ٩٦٤ ISBN


 [ المقدّمة ](١)

للهِ تـحتَ قـبابِ العرشِ طائفةٌ

أخفاهُمُ عن عيونِ الناسِ إجلالا

همُ السلاطينُ في أطمارِ مسكنة

جـرّوا على الفلك الدوّار أذيالا

هذي المكارمُ لا ثوبان من عدن

خـيطا قميصاً فعادا بعدُ اسمالا

هذي المكارم لا قـعبان من لبن

شيـبا بـماء فـعادا بعد أبوالا

مرفوعاً إلى أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : يا ابن رسول الله ، هل تعرف مودّتي لكم ، وانقطاعي إليكم ، وموالاتي إيّاكم؟ قال: فقال:نعم ، قال: فقلت: إنّي أسألك عن مسألة تجيبني فيها ، فإنّي مكفوف البصر ، قليل المشي ، ولا أستطيع زيارتكم كلّ حين قال:هات حاجتك ، قلت: أخبرني بدينك الذي تدين به أنت وأهل بيتك لأدين الله به ، قال:إن كنت اقتصرت الخطبة فقد أعظمت المسألة والله لأعطينّك

ـــــــــــــــــ

(١) ليست هذه المقدّمة ـ على الظاهر ـ من أصل الكتاب ، لأنّها أوّلاً: لم ترد في نسخة "ج" ، وثانياً: فيها أبيات للحافظ رجب البرسي ، وهو من علماء المائة التاسعة ، فيكون متأخّراً عن المؤلّف رحمه الله ، والظاهر أنّها من إضافة النسّاخ ، والله العالم .


ديني ودين آبائي تدين الله به: "شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً رسول الله ، والإقرار بما جاء من عند الله ، والولاية لوليّنا ، والبراءة من عدوّنا ، والتسليم لأمرنا ، وانتظار قائمنا ، والاجتهاد والورع" (١) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :إنّا نجد الرجل يحدّث ، فلا يخطئ بلام ولا واو ، خطيباً مصعقاً ، وقلبه أشدّ ظلمةً من الليل المظلم ونجد الرجل لا يستطيع يعدّ عمّا في قلبه بلسانه ، وقلبه يزهر كما يزهر المصباح .

مرفوعاً إلى يحيى بن زكريّا الأنصاري ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال: من سرّه أن يستكمل الإيمان كلّه فليقل: القول منّي في جميع الأشياء قول آل محمد في جميع ما أسرّوا ، وفيما أعلنوا ، وفيما بلغني عنهم ، وفيما لم يبلغني (٢) .

مرفوعاً إلى جابر قال: قال أبو جعفر عليه‌السلام : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حديث آل محمد صعب مستصعب ، لا يؤمن به إلاّ ملك مقرّب ، أو نبيّ مرسل ، أو عبد امتحن الله قلبه للايمان فما ورد عليكم من حديث آل محمد فلانت له قلوبكم ، وعرفتموه فاقبلوه وما اشمأزّت منه قلوبكم وأنكرتموه ، فردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى القائم من آل محمد وإنّما الهلاك أن يحدّث أحدكم بشيء فلا يحتمله ، فيقول: والله ما كان هذا ، والله ما كان هذا ، والإنكار هو الكفر (٣) .

مرفوعاً إلى بعض أصحابنا قال: كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر عليه‌السلام : جعلت فداك ما معنى قول الصادق عليه‌السلام "حديثنا لا يحتمله ملك مقرّب ، ولا نبيّ مرسل ، ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان" .

فجاء الجواب: إنّما معنى قول الصادق عليه‌السلام : أي لا يحتمله ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ولا مؤمن إنّ الملك لا يحتمله حتّى يخرجه إلى ملك غيره ، والنبي

ـــــــــــــــــ

(١) الكافي ٢: ٢١ ح١٠; عنه البحار ٦٩: ١٤ ح١٥ .

(٢) مختصر بصائر الدرجات: ٩٣; عنه البحار ٢٥: ٣٦٤ ح٢ .

(٣) الكافي ١: ٤٠١ ح١; وبصائر الدرجات: ٤٠ ح١ باب ١١; عنه البحار ٢: ١٨٩ ح٢١ .


لا يحتمله حتّى يخرجه إلى نبيّ غيره ، والمؤمن لا يحتمله حتّى يخرجه إلى مؤمن غيره ، فهذا معنى قول جدّي عليه‌السلام (١) .

شعراً لبعضهم:

أينشقُ قيصومُ الحجازِ وشيخُه

فتىً لم يكن قد من فيه ينادي

ومن لم يجد يوماً سعاد وحسنها

فيعذر وإن لم يهو حسن سعاد

شعراً لمولانا رجب (رحمه الله) :

همُ القومُ آثار النبوّة منهم

تلوح وأعلام الإمامة تلمع

مهابطُ وحي الله خزّانُ علمه

وعندهم غيب المهيمن مودع

إذا جلسوا للحكم فالكلّ أبكم

وإن نطقوا فالدهر أذن ومسمع

وإن ذكروا فالكون ندّ ومندكّ

له أرج من طيبهم يتضوّع

وإن بادروا فالدهر يخفق قلبه

لسطوتهم والأسد في الغاب تجزع

وإن ذُكِر المعروف والجود في الورى

فبحر نداهم زاخر يتدفّع

أبوهم سماء المجد والأمّ شمسه

نجوم لها برج الجلالة مطلع

وجدّهم خير البريّة أحمد

نبيّ الهدى الطهر الشفيع المشفّع

فيا نسب كالشمس أبيض واضح

ويا شرف من هامة النجم أرفع

فمن مثلهم إن عُدّ في الناس مفخر

أعِدْ نظراً يا صاح إن كنت تسمع

ميامين قوّامون عزّ نظيرهم

ولاة هداة للرسالة منبع

فلا فضل إلاّ حين يذكر فضلهم

ولا علم إلاّ عنهم حين يرفع

ولا عمل ينجي غداً غير حبّهم

إذا قام يوم البعث للخلق مجمع

فيا عترة المختار يا راية الهدى

إليكم غداً في موقفي أتطلّع

مددت يدي بالذلّ في باب عزّكم

فحاشاكم أن تدفعوها وتمنعوا

ـــــــــــــــــ

(١) معاني الأخبار: ١٨٨ ح١; عنه البحار ٢: ١٨٤ ح٦ نحوه .


أتيتكم مستردفاً من نوالكم

بحقّكم يا ساداتي لا تضيّعوا

ووحدة لحدي آنسوها بنوركم

فعبدكم من ظلمة القبر يجزع

ولو أنّ عبداً جاء في الله جاهداً

بغير ولاء آل العبا ليس ينفع

خذوا بيد الأبدال عبد ولائكم

فمَن غيركم يوم القيامة يشفع

جعلتكم يا آل طه وسيلتي

فنعم معاذ في المعاد ومفزع

وكربة موتي فاحضروها وامنعوا

عدوّي أن يغتالني أو يروّع

وإن خفّ ميزاني فإنّي بحبّكم

بني الوحي في رجح الموازين أطمع

عليكم سلام الله يا راية الهدى

فويل لعبد غيرها جاء يتبع

لأبي نواس:

لا تحسبيني هويت الطهر حيدرة

لفضله وعلاه في ذوي النسب

ولا شجاعته في يوم معركة

ولا التلذّد في الجنّات من أرب

ولا البراءة من نار الجحيم ولا

رجوت أنّ ليوم الحشر يشفع بي

لكن عرفت هو السرّ الخفيّ فإنْ

أذعته حلّلوا قتلي وكُفّر بي

يصدّهم عنه داء لا دواء له

كالمسك يعرض عنه صاحب الكلب

وقيل فيه أيضاً:

لا تلمني في ترك مدح عليّ

أنا أدرى بالحال منك وأخبره

رجل ما عرفه إن رمت إلاّ الله

والمصطفى قل الله أكبر

إنَّ أهل السماء والأرض في العجز

سواء عن حصر أوصاف قنبر(١)

ـــــــــــــــــ

(١) إلى هنا تمّت المقدّمة ، والتي نقلناها من "ألف" و "ب" .


[ باب : في فضائلهعليه‌السلام ]

بسم الله الرحمن الرحيم

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: لأخي عليّ بن أبي طالب فضائل لا تحصى كثرة ، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرّاً بها ، غفر الله له ما تقدّم من ذنوبه (١) وما تأخّر ومن كتب فضيلة من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لذلك الكتاب رسم ومن استمع إلى فضيلة من فضائله غفرت له ذنوبه التي اكتسبها بالسماع ، ومن نظر إلى فضيلة من فضائله غفرت له ذنوبه التي اكتسبها بالنظر (٢) .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حبّ عليّ عبادة ، والنظر إلى عليّ عبادة ، ولا يقبل الله إيمان عبد إلاّ بولايته والبراءة من أعدائه (٣) .

وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو أنّ الغِيَاض (٤) أقلام ، والبحر مداد ،

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": ذنبه .

(٢) المناقب للخوارزمي: ٣٢ ح٢; عنه كشف الغمة ١: ١٠٩; وفي أمالي الصدوق: ١١٩ ح٩ مجلس ٢٨; عنه البحار ٣٨: ١٩٦ ح٤; وأيضاً في مائة منقبة: ١٥٤ رقم ١٠٠; ونهج الحق: ٢٣١ .

(٣) المناقب للخوارزمي: ٣٢ ذيل حديث ٢; عنه كشف الغمة ١: ١٠٩ .

(٤) الغِيَاض: جمع غَيْضة ، وهي الشجر الملتفّ (لسان العرب) .


والجنّ حُسّاب ، والإنس كُتّاب ، ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام (١) .

ولا شك أنّ فضائله وحاله في الشرف والكمال ، لا يعرفه إلاّ الله سبحانه ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : "ما عرفك يا علي حقّ معرفتك إلاّ الله وأنا" ؛ ولهذا السبب سمّي النبيّ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام بالخمسة الأشباح ، لأنّ الناس لا يعرفون ماهيّتهم وصفاتهم لجلال شأنهم ، وارتفاع منازلهم ، كالشبح الذي لا تُعرف حقيقته .

وقال بعض الفضلاء ـ وقد سئل عن علي عليه‌السلام ـ فقال: ما أقول في شخص أخفى فضائله أعداؤه حسداً له ، وأخفى أولياؤه فضائله خوفاً وحذراً على أنفسهم ، وظهر فيما بين هذين فضائل طبقت الشرق والغرب ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (٢) .

وقد اشتهرت فضائله (عليه الصلاة والسلام) حتّى رواها المخالف والمؤالف (٣) ، وقد أحببت أن أورد هذه الفضائل من طريقهم مع أنّها مشهورة من طريقنا ، لتأكيد الحجّة عليهم ، وكما قال:

ومليحة شهدت بها ضرّاتها

والحسنُ ما شهدت به الضرّات (٤)

ـــــــــــــــــ

(١) المناقب للخوارزمي: ٣٢ ح١; عنه كشف الغمة ١: ١٠٩; وفي كنز الفوائد: ١٢٨ و١٢٩; عنه البحار ٤٠: ٧٠ ح١٠٥; وابن شاذان في المائة منقبة: ١٥٣ رقم ٩٩ .

(٢) التوبة: ٣٢ .

(٣) ولنعم ما قيل:

ما زلتَ في درجات المجد مرتقياً

تسمو وينمي بك الفرعان من مضرا

حتّى بهرت فلا تخفى على أحد

إلاّ على أحد لا يبصر القمرا

وكما قيل:

أعد ذكر نعمان لنا إنَّ ذكره

هو المسك ما كرّرته يتضوّع

(٤)

هو الفتى إن تصف أدنى خلائقه

فيا لها قصة في شرحها طول


[ومناقب شهد العدو بفضلها

والفضل ما شهدت به الأعداء](١)

وقد روي عن أخطب خوارزم ـ وهو من أعظم مشايخ أهل السنّة ـ عن عبد الله بن مسعود ، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لمّا خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه من روحه عطس فقال: الحمد لله ، فأوحى الله تعالى: حمدني عبدي ، وعزّتي وجلالي لولا عبدان أُريد أن أخلقهما في دار الدنيا ما خلقتك قال: إلهي فيكونان منّي ؟ قال: نعم يا آدم ، ارفع رأسك وانظر فرفع رأسه فإذا مكتوب على العرش: "لا إله إلاّ الله ، محمد نبيّ الرحمة ، وعليّ مقيم الحجة ، من عرف حق عليّ زكى وطاب ، ومن أنكر حقّه لُعن وخاب أقسمت بعزّتي وجلالي أن أُُدخل الجنّة من أطاعه وإن عصاني ، وأقسمت بعزّتي وجلالي أن أُدخل النار من عصاه وإن أطاعني" (٢) .

وروي أيضاً عن أخطب خوارزم ، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عبد الله أتاني ملك فقال : يا محمد ، سل من أرسلنا قبلك من رسلنا على ما بعثوا ، قال: قلت : على ما بعثوا ؟ قال: على ولايتك وولاية عليّ بن أبي طالب (٣) .

وروى أيضاً بإسناده إلى ابن عباس قال: سئل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه ، قال: سأله بحقّ محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلاّ تبت عليّ ، فتاب عليه (٤) .

ومن كتاب المناقب لأهل السنّة قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كنت أنا وعليّ نوراً بين يدي الله (عَزَّ وجَلَّ) من قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) المناقب للخوارزمي: ٣١٨ ح٣٢٠; عنه كشف اليقين: ٧; وفي البحار ٢٧: ١٠ ح٢٢ .

(٣) المناقب للخوارزمي: ٣١٢ ح٣١٢; عنه كشف اليقين: ٦; وفي البحار ٢٦: ٣٠٧ ح٧٠ .

(٤) عنه كشف اليقين: ١٤; ومناقب ابن المغازلي: ٦٣ ح٨٩; وفي البحار ٢٤: ١٨٣ ح٢٠; ينابيع المودّة: ٢٨٣ .


سنة ، فلمّا خلق الله آدم سلك ذلك النور في صلبه ، فلم يزل الله (عَزَّ وجَلَّ) ينقله من صلب إلى صلب حتّى أقرّه في صلب عبد المطلب ، ثمّ أخرجه من صلب عبد المطلب وقسّمه قسمين ، قسم في صلب عبد الله وقسم في صلب أبي طالب فعليّ منّي وأنا منه ، لحمه لحمي ، ودمه دمي ، فمن أحبّه فيحبّني ، ومن أبغضه فيبغضني وأبغضه (١) .

وروى صاحب كتاب بشائر المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، عن يزيد (٢) بن قعنب ، قال: كنت جالساً مع العباس بن عبد المطلب ، وفريق من بني عبد العزى بإزاء بيت الله الحرام ، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وكانت حاملاً به تسعة أشهر ، فأخذها الطلق ، فقالت: يا ربّ إنّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب ، وإنّي مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم الخليل عليه‌السلام ، وإنّه بنى البيت العتيق ، فبحقّ الذي بنى هذا البيت ، والمولود الذي في بطني إلاّ ما يسّرت عليّ ولادتي قال يزيد بن قعنب: فرأيت البيت قد انشقّ من ظهره ، فدخلت وغابت عن أبصارنا ، وعاد إلى حاله ، فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح ، فعلمنا أنّ ذلك من أمر الله تعالى ثمّ خرجت في اليوم الرابع وعلى يدها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، ثمّ قالت : إنّي فُضّلت على من تقدمني من النساء ؛ لأنّ آسية بنت مزاحم عبدت الله سرّاً في موضع لا يحب الله أن يُعبد فيه إلاّ اضطراراً ، وإنّ مريم بنت عمران هزّت النخلة اليابسة بيدها حتّى أكلت منها رطباً جنيّاً ، وإنّي دخلت بيت

ـــــــــــــــــ

(١) المناقب للخوارزمي: ١٤٥ ح١٧٠; عنه كشف اليقين: ١١; ونحوه كفاية الطالب: ٣١٥; وفي البحار ٣٥: ٣٣ ح٣٠ .

(٢) هكذا في المصادر ونسخة "ج" ، وفي "ألف" و "ب": زيد .


الله الحرام ، فأكلت من ثمار الجنّة وأرزاقها ، فلمّا أردت أن أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة ، سمّيه عليّاً ، فهو عليّ والله العليّ الأعلى يقول: شققت اسمه من اسمي ، وأدّبته بأدبي ، وأوقفته على غامض علمي ، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي ، ويؤذّن فوق ظهر بيتي ، ويقدّسني ويمجّدني ، فطوبى لمن أحبّه وأطاعه ، وويل لمن أبغضه وعصاه (١) .

قال: فولدت عليّاً عليه‌السلام يوم الجمعة الثالث عشر من رجب ، سنة ثلاثين من عام الفيل ، ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواه ، إكراماً له من الله عزّ اسمه ، وإجلالاً لمحلّه في التعظيم .

وكان يومئذٍ لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من العمر ثلاثين سنة ، فأحبّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حبّاً شديداً ، وقال لها: اجعلي مهده بقرب فراشي ، وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتولّى أكثر تربيته ، وكان يطهّر عليّاً في وقت غسله ، ويوجره اللبن عند شربه ، ويحرّك مهده عند نومه ، ويناغيه في يقظته ، ويحمله على صدره ، ويقول: هذا أخي ووليّي وناصري وصفيّي وخليفتي وكهفي وظهري ووصيّي وزوج كريمتي ، وأميني على وصيّتي ، وكان يحمله على كتفه دائماً ، ويطوف به جبال مكة وشعابها وأوديتها .

واعلم أنّ هذه الفضائل التي حصلت له قبل الولادة وحين الولادة وأمّا الفضائل التي حصلت له بعد ولادته إلى حين وفاته ، فلا يمكن حصرها ولا التعبير عنها ؛ لأنّها غير متناهية ، فلابد أن نذكر منها شيئاً يسيراً ، وتقرير ذلك أن نقول:

قد ثبت عند العلماء أن أصول الفضائل أربعة: العلم ، والعفّة ، والشجاعة ، والعدالة وأمير المؤمنين عليه‌السلام بلغ في هذه الأصول الغاية ، وتجاوز النهاية :

ـــــــــــــــــ

(١) بشارة المصطفى: ٧و٨; عنه كشف اليقين: ١٨; وكشف الغمة ١: ٦١; ونحوه في روضة الواعظين: ٧٦; ومعاني الأخبار: ٦٢ ح١; وأمالي الصدوق: ١١٤ ح٩ مجلس ٢٧; عنه البحار ٣٥: ٨ ح١١ .


أمّا العلم : فوصل إليه حيث قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا مدينة العلم وعليّ بابها (١) .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قسّمت الحكمة عشرة أجزاء ، فأعطي عليّ تسعة والناس جزءاً واحداً (٢) .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أقضاكم عليّ (٣) . والقضاء يستدعي العلم .

وقال أمير المؤمنين عليه‌السلام في حقّ نفسه: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً (٤) .

وقال عليه‌السلام : اندمجت على مكنون علم لو بُحت به لاضطربتم اضطراب الأرْشِيَة في الطوى (٥) البعيدة (٦) .

وقال عليه‌السلام : والله لو كسرت (٧) لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم ، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم ، وبين أهل الزبور بزبورهم ، وبين أهل الفرقان بفرقانهم (٨) .

وهذا يدلّ على أنّه بلغ في كمال العلم إلى أقصى ما تبلغ إليه القوّة البشرية ، واختصاصه بعلوم ليس في قوى غيره من الصحابة الوصول إليها ، وقوله عليه‌السلام : إنّ هاهنا لعلماً جمّاً لا أجد له حملة وهذا يدلّ على وصوله في العلم إلى مرتبة لا يمكن لأحد من المخلوقات من

ـــــــــــــــــ

(١) اُنظر صحيح الترمذي ٥: ٦٣٧ ح٣٧٢٣; وكفاية الطالب: ٢٢٠; وكنز العمال ١١: ٦١٤ ح٣٢٩٧٨; وكشف الغمة ١: ١١١ .

(٢) المناقب للخوارزمي: ٨٢ ح٦٧; عنه كشف الغمة ١: ١١١ .

(٣) المناقب للخوارزمي: ٨١ ح٦٦; عنه كشف الغمة ١: ١١٠ .

(٤) المناقب لابن شهرآشوب ٢: ٣٨; والبحار ٤٠: ١٥٣ ح٥٤ .

(٥) الأرشية: جمع رشاء بمعنى الحبل ، والطوى: جمع طويّة وهي البئر ، والبئر البعيدة: العميقة .

(٦) نهج البلاغة: الخطبة رقم ٥ .

(٧) في "ج": ثنيت .

(٨) راجع البحار ٣٥: ٣٩١ ح١٤ .


الملائكة والبشر الوصول إليها سوى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لكونه نفسه بآية المباهلة ، فإنّ الله تعالى جعل فيها نفس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفس عليّ عليه‌السلام حيث قال: ( وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) (١) ، والمراد به نفس عليّ عليه‌السلام كما نقله جمهور المفسّرين .

وليس المراد الحقيقة ؛ لأنّ الاتحاد محال ، فيحمل على أقرب المعاني ، وهو المواساة له في جميع الوجوه الممكنة وثبت له عليه‌السلام حينئذٍ جميع ما ثبت للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الفضائل العلمية والعملية ما خلا النبوّة ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : "لا نبيّ بعدي" ، وكفى بهذه الآية دليلاً واضحاً ، وبرهاناً لائحاً على فضائله عليه‌السلام .

وقد روى المخالف والمؤالف ما ظهر عنه عليه‌السلام من الفتاوى المشكلة ، والقضايا الصعبة التي عجز عنها كلّ من عاصره ، وراجعوه في أكثر الأحكام ، وقضوا بقوله ، وعملوا بفتواه .

فمن ذلك أن عمر أتي بامرأة قد زنت وهي حامل فأمر برجمها ، فقال له عليّ عليه‌السلام : إن كان لك عليها سلطان فليس لك سلطان على ما في بطنها ، فأمر بتركها وقال: لولا عليّ لهلك عمر (٢) .

ومنها أنّه أتي بامرأة قد زنت وهي مجنونة فأمر برجمها ، فقال له علي عليه‌السلام : رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتّى يفيق ، والنائم حتّى يستيقظ ، والغلام حتّى يحتلم ، فقال: لولا عليّ لهلك عمر (٣) .

ومنها أنّه أرسل إلى امرأة فخافت منه فأجهضت ، فاستفتى الناس فكلّ قال له: ليس عليك بأس ، فسأل علياً عليه‌السلام فقال: أرى أنّ الدية على عاقلتك ،

ـــــــــــــــــ

(١) آل عمران: ٦١ .

(٢) كشف الغمة ١: ١١٠ نحوه .

(٣) مناقب الخوارزمي: ٨٠ ح٦٤; عنه كشف الغمة ١: ١١٠; والبحار ٣٠: ٦٨١ نحوه .


فقبل فعمل بقوله (١) .

ومنها أنّه أتي بامرأة قد ولدت لستّة أشهر فأمر برجمها ، فنهاه عليه‌السلام وتلا قوله تعالى: ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً ) (٢) مع قوله تعالى: ( وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) (٣) فأمر بتخليتها (٤) .

ومنها أنّه لم يعرفوا حدّ المسكر حتّى قال هو عليه‌السلام : إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، وإذا افترى فاجلدوه حد المفتري ، فجلدوه ثمانين جلدة وتعديد قضاياه العجيبة ، وفتاويه الصعبة الغريبة أكثر من أن تحصى .

ولا شك أنّ أهل العلم كافة ينسبون إليه : أمّا علم الكلام فأصله أبو هاشم بن محمد بن الحنفية الذي استفاده منه عليه‌السلام وأمّا علم الأدب فهو الذي قسّم الكلام إلى ثلاثة أضرب ، وأمر أبا الأسود بوضعه بعد أن نبّهه على أصله وأمّا علم التفسير فأصله ابن عباس تلميذ عليّ عليه‌السلام وأمّا علم الفصاحة ، فهو عليه‌السلام علّم الناس الخطب والكلام الفصيح وأمّا الفقه ، فانتساب الشيعة إليه ظاهر ، وأبو حنيفة كان تلميذ الصادق عليه‌السلام ، والشافعي قرأ على محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة ، وأحمد تلميذ الكاظم عليه‌السلام ، ومالك قرأ على ربيعة الرأي ، وربيعة الرأي قرأ على عكرمة ، وعكرمة قرأ على ابن عباس تلميذ عليّ عليه‌السلام .

فقد روى المخالف والمؤالف والخاص والعام قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

ـــــــــــــــــ

(١) البحار ٤٠: ٢٥٠ ح٢٥ باختلاف .

(٢) الأحقاف: ١٥ .

(٣) لقمان: ١٤ .

(٤) المناقب لابن شهرآشوب ٢: ٣٦٥; عنه البحار ٤٠: ٢٣٢ ح١٢ نحوه ، وتوضيح ذلك: أن أقلّ الحمل أربعون يوماً وهو زمن انعقاد النطفة ، وأقلّه لخروج الولد حيّاً ستّة أشهر ، وذلك لأنّ النطفة تبقى في الرحم أربعين يوماً ، ثمّ تصير علقة أربعين يوماً ، ثمّ تصير مضغة أربعين يوماً ، ثمّ تتصوّر في أربعين يوماً ، وتلجها الروح في عشرين يوماً ، فذلك ستة أشهر ، فيكون الفطام في أربعة وشهراً ، فيكون الحمل في ستة أشهر .


"أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبيّ بعدي" فإنّه يدلّ على أنّه كلّما كان لرسول الله من الفضائل والكمالات فإنّها ثابتة لعليّ عليه‌السلام سوى درجة النبوّة ، وهذا كلّه دليل على إمامته لقوله تعالى: ( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (١) .

وأمّا العفّة : فقد كان فيها الآية الكبرى ، والمنزلة العظمى ، ويكفيه في التنبيه على حاله مطالعة كلامه في نهج البلاغة ، نحو كتابه إلى عثمان بن حنيف الأنصاري عامله بالبصرة ، وقد بلغه أنّه دُعي إلى وليمة قوم فأجاب إليها ، وقوله فيه:

"فانظر يا ابن حنيف إلى ما تقضمه (٢) من هذا المطعم (٣) ، فما اشتبه عليك علمه فالفظه ، وما أيقنت بطيب وجهه فنل (٤) منه ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه ، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه (٥) ، ومن مطعمه بقرصيه ، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفّة وسداد (٦) .

وقوله عليه‌السلام : ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القزّ (٧) ، ولكن هيهات هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشبع ، أأقنع [من نفسي] (٨) بأن يقال: أمير المؤمنين ،

ـــــــــــــــــ

(١) الزمر: ٩ .

(٢) قَضِمَ ـ كسمع ـ: أكل بطرف أسنانه ، والمراد الأكل مطلقاً .

(٣) في المصدر: المقضم ، وهو المأكل .

(٤) في "ب": فكل .

(٥) الطِمر ـ بالكسر ـ: الثوب الخلق البالي .

(٦) نهج البلاغة: الكتاب ٤٥; عنه البحار ٤٠: ٣٤٠ ح٢٧ .

(٧) القزّ: الحرير .

(٨) أثبتناه من المصدر .


ولا أشاركهم في مكاره الدهر ، وجشوبة (١) العيش (٢) .

وقوله عليه‌السلام فيه: وأيم الله يميناً أستثني فيها بمشيّة الله لأُروضنّ نفسي رياضة تهش معها إلى القرص مطعوماً ، وتقنع بالملح مأدوماً (٣) إلى غير ذلك من كلامه عليه‌السلام .

ولا شك أنّه عليه‌السلام كان أزهد الناس ، لم يشبع من طعام قط ، وكان يلبس الخشن ، ويأكل جريش الشعير ، وإذا ائتدم فبالملح ، فإن ترقّى فبنبات الأرض ، فإن ترقّى فباللبن روي عن سويد بن غفلة ، قال: دخلت على عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، فوجدته جالساً وبين يديه إناء فيه لبن أجد ريح حموضته ، وفي يديه رغيف أرى قشار الشعير في وجهه ، وهو يكسره بيده ويطرحه فيه ، فقال: اُدن فأصب من طعامنا ، فقلت: إنّي صائم فقال عليه‌السلام : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: من منعه الصيام من طعام يشتهيه كان حقّاً على الله تعالى أن يطعمه من طعام الجنّة ، ويسقيه من شرابها قال: فقلت لفضّة وهي قريب منه قائمة: ويحك يا فضة ألا تتّقين الله في هذا الشيخ بنخل (٤) هذا الطعام من نخاله التي فيه قالت: قد تقدّم إلينا أن لا ننخل له طعام ، قال: ما قلت لها؟ فأخبرته ، فقال: بأبي وأمي من لم ينخل له طعام ولم يشبع من خبز البر ثلاثة أيام حتّى قبضه الله تعالى (٥) .

وروي عن عدي بن ثابت قال: أوتي أمير المؤمنين عليه‌السلام بفالوذج ،

ـــــــــــــــــ

(١) في المصدر: أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش ، والجشوبة: الخشونة .

(٢) نهج البلاغة: كتاب ٤٥; عنه البحار ٤٠: ٣٤٠ ح٢٧ .

(٣) المصدر نفسه .

(٤) في "ج": ألا تنخلين .

(٥) المناقب للخوارزمي: ١١٧ ح١٢٩; عنه كشف الغمة ١: ١٦٢; وفي البحار ٤٠: ٣٣٠ ح١٣ .


فأبى أن يأكل منه وقال: شيء لم يأكل منه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا أحبُّ أن آكل منه (١) .

وكان عليه‌السلام يجعل جريش الشعير في وعاء ويختم عليه ، فقيل له في ذلك ، فقال عليه‌السلام : أخاف هذين الولدين أن يجعلا فيه شيئاً من زيت أو سمن (٢) .

فانظر أيّها المنصف إلى شدّة زهده وقناعته ، فإنّ إيراده الحديث وقوله: "من منع نفسه من طعام يشتهيه" دليل على رضاه بمطعمه ، وكونه عنده طعاماً مشتهى يرغب فيه من يراه ، وقد طلّق الدنيا ثلاثاً وقال لها: غرّي غيري لا حاجة لي فيك ، قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك (٣) فدلّ ذلك على أنّه أزهد الناس بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإذا كان أزهد الناس كان أفضلهم ، فدلّ ذلك أيضاً على أنّه هو الإمام ، لقبح تقديم المفضول على الفاضل .

وأمّا الشجاعة : فإنّه لا خلاف بين المسلمين وغيرهم أنّ علياً عليه‌السلام كان أشجع الناس بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأعظمهم بلاء في الحروب ، تعجَّبت من حملاته ملائكة السماء ، وبسبب جهاده ثبتت قواعد الإسلام ، وجعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضربته لعمرو بن عبدود العامري يوم الخندق أفضل من أعمال أمته إلى يوم القيامة (٤) .

ونزل جبرئيل عليه‌السلام يوم بدر وسمعه المسلمون كافة وهو يقول: "لا سيف إلاّ ذو الفقار ، ولا فتى إلاّ علي" ، ووقائعه مشهورة عند الخاص والعام في زمن

ـــــــــــــــــ

(١) المناقب للخوارزمي: ١١٩ ح١٣١; عنه كشف الغمة ١: ١٦٣ .

(٢) عنه البحار ٦٦: ٣٢٢ ضمن حديث ١ .

لها أحاديث من ذكراك يشغلها

عن الشراب ويلهيها عن الزاد

(٣) نهج البلاغة: قصار الحكم ٧٧; عنه البحار ٤٠: ٣٤٥ ح٢٨ .

(٤) قال ابن شهر آشوب في المناقب ٢: ٢٩٨ ، تحت عنوان "معجزاته في نفسه": ويروى وثبته أربعون ذراعاً إلى عمرو ، ورجوعه إلى خلف عشرون ذراعاً ، وذلك خارج عن العادة .


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعده في حرب الجمل وصفين والنهروان .

روى الخوارزمي قال: كان أبطال المشركين إذا نظروا إلى عليّ عليه‌السلام في الحرب عهد بعضهم إلى بعض (١) .

وبالجملة فشجاعته مشهورة عند جميع الناس حتّى صارت تضرب بها الأمثال ، وإذا كان أشجع الناس كان أفضلهم لقوله تعالى: ( وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ) (٢) فيكون هو الإمام لقبح تقديم المفضول على الفاضل .

وأمّا العدالة : فقد بلغ فيها الغاية القصوى ، ويكفيك في التنبيه عليها كلامه في نهج البلاغة أيضاً لأخيه عقيل الذي لم يكن عنده أحد أحبّ إليه منه ، وهو قوله عليه‌السلام : والله ، لئن أبيت على حَسَك السعدان مسهّداً (٣) ، واُجَرُّ في الأغلال مصفّداً (٤) ، أحبّ إليّ من أن ألقى الله ورسوله ظالماً لبعض العباد ، أو غاصباً لشيء من الحطام ، وكيف أظلم أحداً لنفس تسرع إلى البلاء قفولها ، ويطول في الثرى حلولها والله ، لقد رأيت عقيلا ً وقد أملق (٥) حتّى استماحني من برّكم صاعاً ، ورأيت صبيانه شعث الألوان من فقرهم كأنّما سوّدت وجوههم بالعِظلم (٦) ، وعاودني مؤكّداً ، وكرّر عليّ مردداً ، فأصغيت إليه سمعي ، فظنّ أني أبيعه ديني ، وأتبع قياده مفارقاً طريقتي .

ـــــــــــــــــ

(١) عنه كشف اليقين: ٨٤; وفي المناقب لابن المغازلي: ٧٢ ح١٠٦; وقال الراغب في محاضرات الأدباء (٣: ١٣٨) : قيل: كانت قريش إذا رأت أمير المؤمنين في كتيبة تواصت خوفاً منه .

(٢) النساء: ٩٥ .

(٣) كأنّهعليه‌السلام يريد من الحسك الشوك ، والسعدان: نبت ترعاه الإبل له شوك تشبّه به حلمة الثدي ، والمسهّد ـ من سهّده ـ: إذا أسهره .

(٤) المصفّد: المقيّد .

(٥) أملق: افتقر أشدّ الفقر .

(٦) العِظْلِم: سواد يُصبغ به .


فأحميت له حديدة ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر ، فضجّ ضجيج ذي دنفٍ من ألمها ، وكاد أن يحترق من ميسمها ، فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل ، أتئنّ من حديدة أحماها إنسانها للعبه ، وتجرّني إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه ، أتئنّ من الأذى ولا أئنّ من لظى .

وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها (١) ، ومعجونة قد شنئتُها (٢) كأنّها عجنت بريق حيّة أو قيئها ، فقلت: أصلة أم زكاة أم صدقة ، فذلك محرّم علينا أهل البيت ، قال: لا ذا ولا ذا ، ولكنّها هدية .

فقلت: هبلتك الهوابل (٣) ، أعن دين الله أتيتني لتخدعني ، أمختبط أنت ، أم ذي جنّة ، أم تهجر والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته ، وإنّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ما لعليّ ونعيم يفنى ، ولذّة لا تبقى ، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل ، وبه نستعين (٤) .

فهذه أصول الفضائل وأمّا فروع الفضائل التي له عليه‌السلام ، فغير متناهية روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في تقواه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى موسى في هيبته ، وإلى عيسى في عبادته فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب (٥) فأثبت له ما تفرّق فيهم من الفضل والكمال الذي هو المراد من كلّ واحد منهم ، وروى ذلك البيهقي أيضاً في كتابه بإسناده عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،

ـــــــــــــــــ

(١) الملفوفة: نوع من الحلواء ، أهداها الأشعث بن قيس إلى عليعليه‌السلام .

(٢) شنئتها: كرهتها .

(٣) في المصدر و "ج": الهبول .

(٤) نهج البلاغة: الخطبة ٢٢٤; عنه البحار ٤١: ١٦٢ ح٥٧ .

(٥) كشف الغمة ١: ١١١ عن فضائل الصحابة للبيهقي; ومناقب الخوارزمي: ٨٣ ح٧٠ .


فجلّ من أنعم عليه بالعلم والخلق والعُلى ، وجميع ما تشتت في الورى .

ليس من الله بمستنكر

أن يجمع العالم في واحد

فصل : [في عبادته وزهده]

واعلم انّه إذا نظرت إلى العبادة وجدته أعبد الناس بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، منه تعلّم الناس صلاة الليل والتهجّد والأدعية المأثورة ، ولقد كان يُفرش له بين الصفَّين والسهام تتساقط حوله ، وهو لا يلتفت عن ربّه ولا يغيّر عادته [ولا يفتر عن عبادته] (١) .

وكان إذا توجّه إلى الله تعالى توجّه بكلّيته ، وانقطع من الدنيا نظره وما فيها حتّى لا يبقى يدرك الألم ، لأنّهم كانوا إذا أرادوا إخراج الحديد والنشاب من جسده الشريف تركوه حتّى يصلّي ، فإذا اشتغل بالصلاة وأقبل على الله تعالى أخرجوا الحديد من جسده ولم يحسّ به ، فإذا فرغ من صلاته يرى ذلك فيقول لولده الحسن عليه‌السلام : إن هي إلاّ فعلتك يا حسن .

ولم يترك صلاة الليل قط حتّى في ليلة الهرير ، وكان عليه‌السلام يوماً في حرب صفّين مشتغلاً بالحرب والقتال وهو مع ذلك بين الصفَّين يراقب الشمس ، فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين ما هذا الفعل؟ قال (عليه الصلاة والسلام) : أنظر إلى الزوال حتّى نصلّي (٢) فقال له ابن عباس : وهل هذا وقت صلاة؟ إنّ عندنا لشغلاً بالقتال عن الصلاة ، فقال عليه‌السلام : على ما نقاتلهم؟ إنّما نقاتلهم على

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) في "ب": اُصلّي .


الصلاة (١) .

وبالجملة إن العبادات الخمس: الصلاة والزكاة والصوم والحجّ والجهاد ، فقد أتى بها جميعاً ، وبلغ الغاية في كلّ واحد منها ، ومقاماته العظيمة في التهجّد والخشوع والخوف من الله تعالى لم يسبقه إليها سوى رسول الله (٢) ، حتّى إنّه عليه‌السلام قال:

ـــــــــــــــــ

(١) عنه البحار ٨٣: ٢٣ ح٤٣ .

ولله درّ القائل:

يسقي ويشرب لا تلهيه نشوته

عن النديم ولا يلهو عن الكأس

أطاعه سكره حتّى تمكّن من

فعل الصحاة فهذا أفضل الناس

(٢) روى المجلسي في البحار ٤١: ١١ ح١ ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير قال: كنّا جلوساً في مجلس في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فتذاكرنا أعمال أهل بدر وبيعة الرضوان ، فقال أبو الدرداء: يا قوم ، ألا أخبركم بأقلّ القوم مالاً ، وأكثرهم ورعاً ، وأشدّهم اجتهاداً في العبادة؟ فقالوا: من؟ قال: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام قال: فوالله إن كان في جماعة أهل المجلس إلاّ معرض عنه بوجهه ، ثمّ انتدب له رجل من الأنصار فقال له: يا عويمر لقد تكلّمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها ، فقال أبو الدرداء: يا قوم إنّي قائل ما رأيت وليقل كلّ قوم منكم ما رأوا : شهدت عليّ بن أبي طالب بشويحطات النجار وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممّن يليه ، واستتر بمغيلات النخل ، فافتقدته وبَعُدَ عليّ مكانه ، فقلت: لحق بمنزله ، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجيّ وهو يقول: "إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي ، فما أنا مؤمّل غير غفرانك ، ولا أنا براج غير رضوانك" فشغلني الصوت واقتفيت الأثر ، فإذا هو عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام بعينه ، فاستترت له وأخملت الحركة ، فركع ركعات في جوف الليل الغابر ، ثمّ فرغ إلى الدعاء والبكاء والبثّ والشكوى ، فكان ممّا به الله ناجاه أن قال: "إلهي أفكر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي ، ثمّ أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليّ بليّتي" ، ثمّ قال: "آه إن أنا قرأت في الصحف سيّئة أنا ناسيها وأنت محصيها فتقول: خذوه ، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ، ولا تنفعه قبيلته ، يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء" ثمّ قال: "آه من نار تنضج الأكباد والكلى ، آه من نار نزّاعة للشوى ، آه من غمرة ملهبات لظى" .

قال: ثمّ أنعم في البكاء ، فلم أسمع له حسّاً ولا حركة ، فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر ، أوقظه لصلاة الفجر ، قال أبو الدرداء: فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحرّكته فلم يتحرّك ، وزويته فلم ينزو ، فقلت: "إنّا لله وإنّا إليه راجعون" مات والله عليّ بن أبي طالب ، قال: فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم ، فقالت فاطمةعليها‌السلام : يا أبا الدرداء ، ما كان من شأنه ومن قصّته؟ فأخبرتها الخبر ، فقالت: هي والله يا أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله ثمّ أتوه بماء فنضحوه على وجهه حتّى أفاق ونظر إليّ وأنا أبكي ، فقال: ممّا بكاؤك يا أبا الدرداء؟ فقلت: ممّا أراه تنزله بنفسك ، فقال: يا أبا الدرداء ، فكيف لو رأيتني ودُعي بي إلى الحساب ، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب ، واحتوشتني ملائكة غلاظ ، وزبانية فظاظ ، فوقفت بين يدي الملك الجبّار ، قد أسلمني الأحبّاء ، ورحمني أهل الدنيا ، لكنت أشدّ رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية ، فقال أبو الدرداء: فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


الجلسة في الجامع خير لي من الجلسة في الجنّة ، فإنّ الجنّة فيها رضى نفسي والجامع فيه رضى ربي .

أفلا تنظروا إلى ما وصفه ضرار بن ضمرة الليثي من مقاماته عليه‌السلام حيث (١) دخل على معاوية فقال له: صف لي عليّاً ، فقال: أولا تعفيني من ذلك؟ فقال: لا أعفيك ، فقال: كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلاً ، ويحكم عدلاً يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنطق (٢) الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل ووحشته كان والله غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفّه ، ويحاسب (٣) نفسه ، ويناجي ربّه يعجبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعام ما جشب كان والله فينا كأحدنا ، يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه وكنّا مع دنوّه منّا وقربنا منه لا نكلّمه لهيبته ، ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته فإن تبسّم فعن (٤) مثل اللؤلؤ المنظوم يعظم أهل الدين ، ويحبّ المساكين لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله (٥) ، وغارت نجومه ، وهو قائم في محرابه ، قابض على لحيته ، يتململ تململ السليم (٦) ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأنّي الآن أسمعه وهو يقول: يا دنيا دنية ، أبِيَ تعرّضت؟ أم بي تشوّقت؟ هيهات هيهات غرّي غيري ، لا حاجة لي فيك ، قد

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": حين .

(٢) في "ج": تنطلق .

(٣) في "ج": يخاطب .

(٤) في "ج": ظهر أسنانه .

(٥) السدول جمع السدل ، شبّه ظلم الليل بالأستار المسدولة .

(٦) تململ: تقلّب ، والسليم: من لدغته الحيّة .


بنتك (١) ثلاثاً لا رجعة لي فيها فعمرك قصير ، وخطرك يسير ، وأملك حقير آه آه من قلّة الزاد ، وبُعد السفر ، ووحشة الطريق ، وعظم المورد .

فوكفت دموع معاوية على لحيته ، فنشفها بكمّه ، واختنق القوم بالبكاء ، ثمّ قال: كان والله أبو الحسن كذلك ، فكيف صبرك عنه يا ضرار؟ قال: صبر من ذبح واحدها (٢) على صدرها ، فهي لا ترقئ عبرتها ، ولا تسكن حرارتها ثمّ قام فخرج وهو باك ، فقال معاوية: أمَا إنكم لو فقدتموني لما كان فيكم من يثني عليّ مثل هذا الثناء ، فقال بعض من كان حاضراً: الصاحب على قدر صاحبه (٣) .

وروي أنّه عليه‌السلام لمّا كان يفرغ من الجهاد يتفرّغ لتعليم الناس والقضاء بينهم ، فإذا تفرّغ من ذلك اشتغل في حائط له يعمل فيه بيده ، وهو مع ذلك ذاكراً لله تعالى جلّ جلاله (٤) .

وروى الحكم بن مروان ، عن جبير بن حبيب قال: نزل بعمر بن الخطاب نازلة قام لها وقعد وترنح وتقطر ، ثمّ قال: معاشر المهاجرين ما عندكم فيها؟ قالوا: يا عمر ! أنت المفزع والمهرع ، فغضب ثمّ قال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ) (٥) أما والله أنا وإيّاكم لنعرف أين نجدتها والخبير بها قالوا: كأنّك أردت ابن أبي طالب؟ قال: وأنّى يعدل بي عنه ، وهل لقحت حرّة بمثله ، قالوا: فلو بعثت إليه ، قال: هيهات ، هناك [شيخ من بني] (٦) هاشم ولحمة من الرسول وأثرة من علم يؤتى لها ولا تأتي ، امضوا إليه فأفضوا إليه وهو في حائط له عليه ثياب ، يتوكّأ على مسحاته وهو يقول:

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" و "ج": طلّقتك .

(٢) في "ج": ولدها .

(٣) عنه البحار ٤١: ١٢٠ ح٢٨; ونحوه كنز الفوائد: ٢٧٠ .

(٤) عنه مستدرك الوسائل ١٣: ٢٥ ح١٤٦٣٦ .

(٥) الأحزاب: ٧٠ .

(٦) أثبتناه من "ج" .


( أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ) (١) ودموعه تهمل على خدّيه ، فأجهش القوم لبكائه ، ثمّ سكن وسكنوا وسأله عمر عن مسألته ، فأصدر جوابها ، فلوى عمر يديه ثمّ قال: أما والله لقد أرادك الحق ولكن أبى قومك ، فقال له: (يا أبا حفص ، عليك من هنا ومن هنا (٢) ( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً ) ) . فانصرف وقد أظلم وجهه ، كأنّما ينظر من ليل (٣) .

وقد عرفت قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لمبارزة عليّ بن أبي طالب عمر بن عبدود العامري أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة (٤) .

ولقد نقل المؤرّخون أن مبارزاته كانت اثنين وسبعين مبارزة ، فإذا فكّر العاقل أنّ قسماً واحداً من أصل اثنين وسبعين قسماً من أصل خمسة أقسام ، وهي العبادات الخمس ، من أصل قسمين ، وهي العمل والعلم لأنّ العلم أيضاً عمل نفساني ، أفضل من عمل الأمة إلى يوم القيامة عرف من ذلك أنّه مجهول القدر ، وإذا كان أعبد الناس كان أفضلهم ، فتعيّن أن يكون هو الإمام بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فصل : [في حلمه وجوده وحسن خلقه وأخباره بالغيب وإجابة دعائه]

ومن فضائله عليه‌السلام الحلم ، والكرم ، والجود ، والسخاء ، وحسن الخلق ، وإخباره بالغيب ، وإجابة دعائه بسرعة ، فجلّ مَن أنعم عليه بالفضل الجسيم ، والرتبة العالية ، والمنزلة العظيمة ( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ) .

ـــــــــــــــــ

(١) القيامة: ٣٦ـ٣٨ .

(٢) في "ب": هاهنا .

(٣) البحار ٤٠: ١٢٢ ح١٢; عن الفضائل لابن شاذان: ١٣٦ .

(٤) راجع البحار ٣٦: ١٦٥ ح١٤٧ .


وأمّا الحلم : فكان عليه‌السلام من أكثر الناس حلماً ، لم يقابل مسيئاً بإساءته ، ولقد عفى عن أهل البصرة بعد أن ضربوا وجهه بالسيف ، وقتلوا أصحابه وردّ عائشة إلى المدينة ، وأطلق عبد الله بن الزبير بعد الظفر به على عداوته وتأليبه (١) عليه وشتمه له على رءوس الخلائق ، وصفح عن مروان بن الحكم يوم الجمل مع شدّة عداوته .

وأمّا الكرم : فقد بلغ فيه الغاية القصوى التي لم تحصل لغيره (صلوات الله عليه) روى الثعلبي في تفسيره عن أبي ذر الغفاري قال ، وذكر في أوّل الحديث من طريقنا أن عبد الله بن عباس كان على شفير زمزم وهو يقول: سمعت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول ـ وهو يكرّر الأحاديث ـ إذ أقبل رجل معتمّ بعمامة وقد غطّى أكثر وجهه بها ، وكان ابن عباس لا يقول: "قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " إلاّ قال ذلك الرجل: "قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " .

فقال له ابن عباس: بالله عليك من أنت ؟! فكشف العمامة عن وجهه وقال: أيّها الناس من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة أبو ذر الغفاري ، سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهاتين وإلاّ صُمّتا (يعني أذنيه) ، ورأيته بهاتين (يعني عينيه) وإلاّ عميتا ، يقول: "عليّ قائد البررة ، عليّ قاتل الكفرة منصورٌ من نَصَرَه ، مخذولٌ من خَذَلَه ، ملعونٌ من جَحَدَ ولايته" أما إنّي صلّيت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلاة الظهر ، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئاً ، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللّهمّ اشهد إنّي سألت في مسجد رسول الله فلم يُعطني أحد شيئاً وكان أمير المؤمنين عليه‌السلام راكعاً ، فأومأ إليه بخنصره اليمنى ـ وكان يتختّم فيها ـ فأقبل السائل حتّى أخذ الخاتم من خنصره ، والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": تألّبه .


يشاهد فلمّا فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: "اللّهمّ إنّ موسى سألك فقال: ( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) ، اللّهمّ فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً: ( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا ) (١) اللّهمّ فأنا محمد نبيّك وصفيّك ، اللّهمّ فاشرح لي صدري ، ويسّر لي أمري ، واجعل لي وزيراً من أهلي ، عليّاً أخي ، اُشدد به ظهري" .

قال: فما استتمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى نزل جبرئيل عليه‌السلام من عند الله تعالى وقال: يا محمد اقرأ ، قال: وما أقرأ؟ قال: اقرأ ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (٢) (٣) .

وروي أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام دخل مكّة في بعض حوائجه ، فوجد أعرابياً متعلّقاً بأستار الكعبة وهو يقول: يا من لا يحويه مكان ، ولا يخلو منه مكان ، بلا كيفية كان ، اُرزق الأعرابي أربعة آلاف درهم قال: فتقدّم إليه أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال: ما تقول يا أعرابي ؟ فقال الأعرابي: مَن أنت؟ قال: عليّ بن أبي طالب ، قال: أنت والله حاجتي ، قال (عليه الصلاة والسلام) : سل يا أعرابي ، قال: أريد ألف درهم للصداق ، وألف درهم أقضي بها ديني ، وألف درهم أشتري بها داراً ، وألف درهم أتعيّش بها ، قال عليه‌السلام : أنصفت يا أعرابي ، إذا خرجت من مكّة فسل عن داري بمدينة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ـــــــــــــــــ

(١) القصص: ٣٥ .

(٢) المائدة: ٥٥ .

(٣) راجع الطرائف: ٤٧ ح٣٩; والعمدة: ١١٩ ح١٥٨; وكشف الغمة ١: ٣١٧ عن تفسير الثعلبي .


فأقام الأعرابي أسبوعاً بمكّة ، وخرج في طلب أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى المدينة ، ونادى: من يدلّني على دار أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فلقيه الحسين عليه‌السلام (١) فقال : أنا أدلّك على دار أمير المؤمنين فقال له الأعرابي : من أبوك ؟ قال: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، قال : من أمك ؟ قال : فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين ، قال : من جدّك ؟ قال : رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطّلب ، قال: من جدّتك ؟ قال: خديجة بنت خويلد ، قال : من أخوك ؟ قال : الحسن بن عليّ (٢) ، قال : قد أخذت الدنيا بطرفيها ، امش (٣) إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام فقل له: إن الأعرابي صاحب الضمان بمكّة على الباب.

فدخل الحسين عليه‌السلام وقال: يا أبت ، أعرابي بالباب يزعم أنّه صاحب ضمان بمكّة ، قال : فخرج عليه‌السلام وطلب سلمان الفارسي رحمه‌الله وقال له : يا سلمان اُعرض الحديقة التي غرسها لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على التجار ، فدخل سلمان السوق وعرض الحديقة ، فباعها باثني عشر ألف درهم ، وأحضر المال وأحضر الأعرابي ، فأعطاه أربعة آلاف درهم وأربعون درهم للنفقة .

ووقع الخبر إلى فقراء المدينة ، فاجتمعوا إليه والدراهم مصبوبة بين يديه ، فجعل عليه‌السلام يقبض قبضة فيعطي رجلاً رجلاً حتّى لم يبق له درهم واحد منها ، ودخل منزله فقالت فاطمة عليها‌السلام : يا ابن عم ، بعت الحديقة التي غرسها لك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والدي ؟ قال: نعم ، بخير منها عاجلاً وآجلاً . قالت له : جزاك الله في ممشاك ، ثمّ قالت: أنا جائعة وابناي جائعان ولا شك

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": الحسنعليه‌السلام .

(٢) في "ج": الحسين بن علي بن أبي طالب .

(٣) في "ب": امض .


أنّك مثلنا ، فخرج عليّ عليه‌السلام ليقترض شيئاً يخرجه على عياله ، فجاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: يا فاطمة أين ابن عمّي ؟ فقالت له: خرج يا رسول الله ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هاك هذه الدراهم فإذا جاء ابن عمّي فقولي له يبتاع لكم بها طعاماً .

وخرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فجاء عليّ عليه‌السلام وقال: جاء ابن عمّي فإنّي أجد رائحة طيبة؟ قالت: نعم ، وناولته الدراهم وكانت سبعة دراهم سود هجرية ، وذكرت له ما قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: يا حسن ، قم معي فأتيا السوق فإذا هما برجل واقف وهو يقول: من يقرض الوفي المليّ؟ فقال: يا بني أعطيه الدراهم ، فقال: بلى والله يا أبت ، فأعطاه عليه‌السلام الدراهم ومضى إلى باب رجل يستقرض منه شيئاً ، فلقيه أعرابي ومعه ناقة ، قال: اشتر منّي هذه الناقة ، قال: ليس معي ثمنها ، قال: فإنّي أنظرك بها ، قال: بكم يا أعرابي ؟ قال: بمئة درهم ، قال عليه‌السلام : خذها يا حسن فأخذها ومضيا عليهما‌السلام ، فلقيه أعرابي آخر فقال: يا علي أتبيع الناقة ؟ قال عليه‌السلام : وما تصنع بها ؟ قال: أغزو عليها أوّل غزوة يغزوها ابن عمّك ، قال له عليه‌السلام : إن قبلتها فهي لك بلا ثمن ، قال: معي ثمنها ، فبكم اشتريتها؟ قال: بمئة درهم ، قال الأعرابي: فلك سبعون ومائة درهم ، فقال عليه‌السلام : خذها يا حسن وسلّم الناقة إليه ، والمئة للأعرابي الذي باعنا الناقة ، والسبعون لنا نأخذ منها شيئاً .

فأخذ الحسن عليه‌السلام الدراهم وسلّم الناقة ، قال عليه‌السلام : فمضيت أطلب الأعرابي الذي ابتعت منه الناقة لأعطيه الثمن ، فرأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مكان لم أره فيه قبل ذلك على قارعة الطريق ، فلمّا نظر إليّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تبسّم وقال: يا أبا الحسن أتطلب الأعرابي الذي باعك الناقة لتوفّيه


ثمنها؟

فقلت: إي والله فداك أبي وأمي ، فقال: يا أبا الحسن الذي باعك الناقة جبرئيل ، والذي اشتراها منك ميكائيل ، والناقة من نوق الجنّة ، والدراهم من عند ربّ العالمين المليّ الوفيّ (١) .

وروى الثعلبي وغيره من المفسّرين: أن الحسن والحسين مرضا ، فعادهما جدّهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعادهما عامة العرب ، فقالوا: يا أبا الحسن ، لو نذرت لولديك نذراً ، فقال عليه‌السلام : إن برئ ولداي ممّا بهما صمت ثلاثة أيّام شكراً لله تعالى ، وقالت فاطمة عليها‌السلام مثل ذلك ، وقالت جاريتها فضّة: إن برئ سيّداي ممّا بهما صمت ثلاثة أيّام شكراً لله (عَزَّ وجَلَّ) .

فأُلبسا العافية وليس عند آل محمد لا قليل ولا كثير ، فآجر عليّ عليه‌السلام نفسه ليلة إلى الصبح يسقي نخلاً بشيء من شعير ، وأتى به لمنزله ، فقامت (٢) فاطمة عليها‌السلام إلى ثلثه ، فطحنته واختبزت منه خمسة أقراص لكلّ واحد منهم قرصاً وصلّى أمير المؤمنين عليه‌السلام صلاة المغرب مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه ، فجاء مسكين فوقف بالباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد ، مسكين من مساكين المسلمين ، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة ، فسمعه عليّ عليه‌السلام فقال: أطعموه حصّتي ، فقالت فاطمة عليها‌السلام والباقون كذلك ، فأعطوه (٣) الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا إلاّ الماء القراح .

فلمّا كان اليوم الثاني طحنت فاطمة عليها‌السلام ثلثاً آخر واختبزته ، وأتى

ـــــــــــــــــ

(١) أمالي الصدوق: ٣٧٧ ح١٠ مجلس ٧١; عنه البحار ٤١: ٤٤ ح١ باختلاف قليل .

(٢) في "ج": فقسّمت .

(٣) في "ج": فأطعموه .


أمير المؤمنين عليه‌السلام من صلاة المغرب مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووضع الطعام بين يديه ، فأتى يتيم من أيتام المهاجرين وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد ، يتيم من أيتام المهاجرين ، استشهد والدي يوم العقبة ، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة ، فسمعه عليّ وفاطمة عليهما‌السلام [والباقون] (١) فأعطوه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا إلاّ الماء القراح .

فلمّا كان اليوم الثالث قامت فاطمة عليها‌السلام إلى الثلث الباقي وطحنته واختبزته ، وصلّى عليّ عليه‌السلام مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المغرب ثمّ أتى المنزل ، فوضع الطعام بين يديه فجاء أسير فوقف بالباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد ، تأسرونا ولا تطعمونا ، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة ، فإنّي أسير محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسمعه عليّ عليه‌السلام فآثره وآثروه معه ومكثوا ثلاثة أيّام بلياليها لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء .

فلمّا كان اليوم الرابع وقد وفوا بنذرهم أخذ أمير المؤمنين عليه‌السلام الحسن بيده اليمنى والحسين بيده اليسرى وأقبل نحو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع ، فلمّا بصر بهما النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: يا أبا الحسن ، ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم ، انطلقوا بنا إلى ابنتي فاطمة .

فانطلقوا إليها وهي في محرابها تصلّي ، وقد لصق بطنها بظهرها من شدّة الجوع ، فلمّا رآها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: وا غوثاه ، بالله يا أهل بيت محمد تموتون جوعاً ، فهبط جبرئيل عليه‌السلام وقال: خذ يا محمد هنّأك الله تعالى في أهل بيتك ، قال: وما آخذ يا جبرئيل؟ قال: فاقرأ: ( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ) السورة (٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) راجع الطرائف: ١٠٧ ح١٦٠ عن تفسير الثعلبي ، وفي شواهد التنزيل ٢: ٣٩٤ ح١٠٤٢; والمناقب للخوارزمي: ٢٦٧ ح٢٥٠; عنه كشف الغمة ١: ٣٠٧; وتفسير فرات: ٥١٩ ح٦٧٦; عنه البحار ٣٥: ٢٤٩ ح٧; وكفاية الطالب: ٣٤٥; والكشّاف ٤: ٦٧٠; ومصادر أخر .


ومن كان أكرم الناس كان أفضل ، فيكون هو الإمام دون غيره .

وأمّا الجود والسخاء : فقد بلغ فيه ما لم يبلغه أحد ، جاد بنفسه والجود بالنفس أقصى غاية الجود .

روى أبو سعيد الخدري قال: لمّا خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الغار أوحى الله (عَزَّ وجَلَّ) إلى جبرئيل وميكائيل: إنّي قد آخيت بينكما ، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر ، فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فكلاهما اختار وأحبّ الحياة ، فأوحى الله (عَزَّ وجَلَّ) إليهما: أفلا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب ، آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يقيه بنفسه ، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه .

وكان جبرئيل عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ، وجبرئيل ينادي: من مثلك؟ بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب؟! يباهي الله بك الملائكة ، وأنزل الله (عَزَّ وجَلَّ) في حقّه: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (٢) ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون هو الإمام دون غيره .

وأمّا حسن الخلق : فقد بلغ فيه الغاية القصوى حتّى نسبه أعداؤه إلى الدعابة ، وممّا يدلّ على ذلك مساواته للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا النبوّة ، وقد مدح سبحانه نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله: ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (١) فكذا يجب أن يكون علياً عليه‌السلام لمساواته له صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأمّا إخباره بالغيب : فكثير ، وهي معجزة عظيمة دالّة على إمامته عليه‌السلام ، لأنّها لم تتيسّر لأحد من أمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير عليّ عليه‌السلام .

ـــــــــــــــــ

(١) اُنظر كفاية الطالب: ٢٣٩; والعمدة: ٢٣٩ ح٣٦٧; والطرائف: ٣٧ ح٢٧ عن الثعلبي; وأيضاً كشف الغمة ١: ٣١٦; ونور الأبصار: ١٧٥; والبحار ١٩: ٣٨ ح٦; والآية في سورة البقرة: ٢٠٧ .

(٢) القلم: ٤ .


منها : أنّه لمّا بويع بذي قار قال: يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا ينقصون رجلاً ولا يزيدون رجلاً ، يبايعون على الموت ، آخرهم أُويس القرني ، قال ابن عباس: فأحصيت المقبلين فنقصوا واحداً ، فبينما أنا أفكر إذ أقبل أويس القرني (١) .

و منها : أن رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّي مررت بوادي القري فرأيت خالد بن عرفطة قد مات فاستغفر له ، فقال عليه‌السلام : إنّه لم يمت ولا يموت حتّى يقود جيش ضلالة ، صاحب لوائه حبيب بن جماز ، فقام رجل من تحت المنبر فقال: يا أمير المؤمنين إنّي لك شيعة وإنّي لك محبّ ، قال: ومن أنت؟ قال: أنا حبيب بن جماز فقال عليه‌السلام : إيّاك أن تحملها ! ولتحملنّها ! فتدخل بها من هذا الباب ، وأومئ بيده إلى باب الفيل فلمّا مضى أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ومضى الحسن ابنه عليه‌السلام من بعده ، وكان من أمر الحسين عليه‌السلام ما كان ، بعث ابن زياد بعمر بن سعد إلى الحسين عليه‌السلام ، وجعل خالد بن عرفطة على مقدمته ، وحبيب بن جماز صاحب رايته ، فسار بها حتّى دخل المسجد من باب الفيل (٢) .

و منها : إخباره عن قتل نفسه الشريفة (صلوات الله عليه) ، وقال : والله لتخضبنّ هذه من هذه ، ووضع يده على رأسه ولحيته (٣) .

و منها : إخباره بصلب ميثم التمار وطعنه بحربة عاشر عشرة على باب دار عمرو بن حريث ، وأراه النخلة التي يُصلب على جذعها ، وكان ميثم يأتيها ويصلّي عندها ويقول لعمرو بن حريث: إنّي مجاورك فأحسن جواري ، فصلبه عبيد الله بن

ـــــــــــــــــ

(١) الإرشاد: ١٦٦; عنه البحار ٤٢: ١٤٧ ح٧ .

(٢) الإرشاد: ١٧٣; ومناقب ابن شهر آشوب ٢: ٢٧٠ في إخباره بالبلايا والمنايا; عنه البحار ٤١: ٣١٣ ح٣٩; وكشف اليقين: ٧٩; وشرح نهج البلاغة ٢: ٢٨٧ .

(٣) الإرشاد: ١٦٨; عنه البحار ٤٢: ١٩٢ ح٦ .


زياد وطعنه بحربة (١) .

و منها : أنّه قال لأصحابه لما رفع معاوية المصاحف: إنّهم لم يريدوا القرآن فاتّقوا الله وامضوا على بصائركم ، فإن لم تفعلوا تفرّقت بكم السبل وندمتم حيث لا ينفعكم الندامة ، وكان كما أخبر (٢٤) .

و منها : أنّه أخبر بقتل ذي الثدية ، فلم يُر بين القتلى ، فقال: والله ما كذبت وما كُذبت فاختبروا القتلى ، فاختبروهم فوجدوه في النهر ، وشقّ عن ثوبه فوجد سلعة على كتفه كثدي المرأة ، ينجذب كتفه إذا جذبت ، ويرجع إذا تركت (٣) .

و منها : أنّه أُخبر عن الخوارج بعبور النهر فقال: والله ما عبروا ، ثمّ أخبر ثانية وثالثة فقال: والله ما عبروا وما يعبرون حتّى يقتل منهم بعدد هذه الأجمة ، قال جندب بن عبد الله الأزدي: والله لئن كانوا قد عبروا وإلاّ أكون أوّل من يقاتله ، فلمّا وصلوا إليهم لم يجدوهم عبروا ، فقال: يا أخا الأزد أتبيّن لك الأمر ، فلمّا قتل الخوارج قطعوا الأجمة وتركوا على كلّ قتيل قصبة فلم تزد عليهم ولا نقصت عنهم (٤) .

و منها : أنّه خرج ذات ليلة من مسجد الكوفة متوجّهاً إلى داره قد مضى هزيع (٥) من الليل ومعه كميل بن زياد ـ وكان من خيار شيعته ومحبّيه ـ فوصل في الطريق إلى باب رجل يتلو القرآن في ذلك الوقت ، ويقرأ قوله تعالى: ( أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (٦) بصوت شجيّ حزين .

ـــــــــــــــــ

(١) الإرشاد: ١٧٠; عنه البحار ٤٢: ١٢٤ ح٧; شرح النهج لابن أبي الحديد ١: ٢١٠ .

(٢) الإرشاد: ١٦٧; عنه البحار ٣٣: ٣١١ ح٥٦١ .

(٣) البحار ٤١: ٣٣٩ ح٥٩; عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢: ٢٧٥ .

(٤) الإرشاد: ١٦٧; عنه البحار ٤١: ٢٨٤ ح٣ .

(٥) في "ج": ربع .

(٦) الزمر: ٩ .


فاستحسن كميل ذلك في باطنه ، وأعجبه حال الرجل من غير أن يقول شيئاً ، فالتفت (صلوات الله عليه) إليه وقال: يا كميل ، لا يعجبك طنطنة الرجل ! إنّه من أهل النار ، سأنبئك فيما بعد .

فتحيّر كميل لمكاشفته له على ما في باطنه ، ولشهادته لدخول النار (١) مع كونه في هذا الأمر وتلك الحالة الحسنة ظاهراً في ذلك الوقت ، فسكت كميل متعجباً متفكّراً في هذا الأمر ، ومضى مدّة متطاولة إلى أن آل حال الخوارج إلى ما آل ، وقاتلهم أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وكانوا يحفظون القرآن كما أنزل فالتفت أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى كميل بن زياد وهو واقف بين يديه والسيف في يده يقطر دماً ، ورءوس أولئك الكفرة الفجرة محلّقة على الأرض ، فوضع رأس السيف على رأس من تلك الرءوس وقال: يا كميل ( أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ ) ، أي هو ذلك الشخص الذي كان يقرأ في تلك الليلة فأعجبك حاله ، فقبّل كميل قدميه واستغفر الله (٢) ، فصلّى الله على مجهول القدر .

و منها : انّه لما اشترى عليه‌السلام ميثم التمار من امرأة أخبره بأنّ اسمه سالم ، فقال عليه‌السلام : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخبرني بأنّ أباك سماك ميثماً فارجع إليه ، فقال ميثم: صدقت [يا مولاي] ، ثمّ أخبره بأنّ عبيد الله بن زياد يصلبه ، كما تقدّم الحديث (٣) .

و أخبر رشيد الهجري بقطع يديه ورجليه وصلبه ، ففعل به ذلك زياد بن النضر (٤) ، وأخبر عليه‌السلام مزروع بن عبد الله بأنّه يصلب بين شرفتين من

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" شهادته للرجل بالنار .

(٢) عنه البحار ٣٣: ٣٩٩ ح٦٢٠ .

(٣) الإرشاد: ١٧٠; والبحار ٤١: ٣٤٣; عن شرح نهج البلاغة ١: ٢١٠ .

(٤) الإرشاد: ١٧١; نهج الحق: ٢٤٢; وشرح نهج البلاغة ١: ٢١١ .


شرف المسجد فصلب هناك (١) ، وأخبر بأنّ الحجاج يقتل كميل بن زياد (٢) .

و أخبر قنبراً بذبحه فذبحه الحجاج (٣) ، وقال للبراء بن عازب: إن ولدي الحسين يقتل وأنت حيّ لا تنصره ، فقتل وهو حيّ ولم ينصره ، وكان يظهر الندم على ذلك (٤) .

أخبر بقتل الحسين عليه‌السلام ومصرعه وقبره لمّا توجّه إلى صفين ، وكان كما قال (٥) .

و أخبر عليه‌السلام بأنّه يعرض على أصحابه سبّه ، فأباحه لهم دون البراءة منه فوقع ما أخبر به (٦) .

و أخبر بقطع يد جويرية بن مسهر ورجله وصلبه على جذع ، ففعل به ذلك في أيام معاوية وزياد بن أبيه (٧) .

و أخبر بعمارة بغداد (٨) ، وملك بني العباس وذكر أحوالهم وأخذ المغول الملك منهم (٩) .

وإخباره بالغيب كثير يطول بذكره الكتاب ، وهذا مما يدلّ على علوّ شأنه ، وارتفاع محلّه ، واتّصال نفسه الشريفة الطاهرة بعالم الغيب .

وأمّا إجابة دعائه : فكثير ، منها : أنه دعا فردّت عليه الشمس مرّتين ، إحداهما في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم روت أم سلمة ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وأبي سعيد الخدري ، وجماعة من الصحابة بأنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان ذات يوم في منزله وعليّ عليه‌السلام بين يديه إذ جاءه جبرئيل عليه‌السلام يناجيه عن الله تعالى فلمّا تغشّاه الوحي

ـــــــــــــــــ

(١) الإرشاد: ١٧٢; عنه البحار ٤١: ٢٨٥ ح٥; مناقب ابن شهر آشوب ٢: ٢٧٢ .

(٢) الإرشاد: ١٧٢ .

(٣) الإرشاد: ١٧٣; نهج الحق: ٢٤٢ .

(٤) الإرشاد: ١٧٤; ومناقب ابن شهر آشوب ٢: ٢٧٠; عنه البحار ٤١: ٣١٥ ح٤٠ .

(٥) الإرشاد: ١٧٥; عنه البحار ٤١: ٢٨٦ ح٦ .

(٦) الإرشاد: ١٦٩ .

(٧) البحار ٤١: ٣٠١ ح٣١ عن الخرائج; وفي نهج الحق: ٢٤٢ .

(٨) البحار ٤١: ١٢٥ عن مناقب ابن شهر آشوب ؛ ونهج الحق: ٢٤٣ .

(٩) شرح نهج البلاغة ٢: ١٢٥ و٢٤١; نهج الحق: ٢٤٣ .


توسّد فخذ أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فلم يرفع رأسه حتّى غابت الشمس ، ولم يتمكّن أمير المؤمنين عليه‌السلام من صلاة العصر ، فاضطرّ عليه‌السلام لأجل ذلك أن صلّى العصر جالساً ، يومئ لركوعه وسجوده إيماءً فلمّا أفاق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تغشّيه (١) قال لأمير المؤمنين عليه‌السلام : فاتتك صلاة العصر؟ فقال: لم أستطع أن أصليها قائماً لمكانك يا رسول الله ، والحالة التي كنت عليها في استماع الوحي .

فقال له صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أُدع الله ليرد عليك الشمس حتّى تصلّيها قائماً في وقتها ، فإنّ الله تعالى يجيبك لطاعتك لله ولرسوله وسأل أمير المؤمنين عليه‌السلام الله تعالى في ردّ الشمس ، فردّت عليه حتّى صارت في موضعها من السماء وقت العصر ، فصلّى أمير المؤمنين عليه‌السلام ثمّ غربت (٢) .

وأمّا الثانية بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا رجع من صفين ، وأراد عبور الفرات ببابل ، واشتغل جمع من أصحابه بتعبير دوابهم ورحالهم ، وصلّى عليه‌السلام بنفسه في طائفة معه العصر ، فلم يفرغ الناس من عبورهم الماء حتّى غربت الشمس ، ففاتت الصلاة كثيراً منهم ، وفات الجمهور فضل الجماعة معه ، فتكلّموا في ذلك فلمّا سمع كلامهم فيه سأل الله تعالى بردّ الشمس عليه ليجتمع كافة أصحابه على صلاة العصر في وقتها ، فأجابه الله سبحانه إلى ردّها عليه ، فهال الناس ذلك وأكثروا التسبيح والتهليل والاستغفار (٣) (٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": غشيته .

(٢) كشف الغمة ١: ٢٨٥; كشف اليقين: ١١١; إرشاد المفيد: ١٨٢; ونحوه مناقب الخوارزمي: ٣٠٦ ح٣٠١; ومناقب ابن شهر آشوب ٢: ٣١٦; عنه البحار ٤١: ١٧٤ ح١٠; كفاية الطالب: ٣٨٥ .

(٣) كشف الغمة ١: ٢٨٦; وكشف اليقين: ١١٣; وإرشاد المفيد: ١٨٢; ومناقب ابن شهر آشوب ٢: ٣١٨; عنه البحار ٤١: ١٧٤ ح١٠ .

(٤) قال العلامة رحمه الله في كتاب "كشف اليقين" : كان بعض الزهّاد يعظ الناس ، فوعظ في بعض الأيام وأخذ يمدح علياًعليه‌السلام ، فقاربت الشمس الغروب وأظلم الأفق ، فقال مخاطباً للشمس:

لا تغربي يا شمس حتّى ينقضي

مدحي لصنو المصطفى ولنجله

واثني عنانك إذ عزمتُ ثناءه

أنسيت يومك إذ رُددت لأجله

إن كان للمولى وقوفك فليكن

هذا الوقوف لخيله ولرجله

فوقفت الشمس وأضاء الأفق حتّى انقضى المدح ، وكان ذلك بمحضر جماعة كثيرة تبلغ حدّ التواتر ، واشتهرت هذه القصة عند الخواص والعوام .


و منها : لما زاد ماء الكوفة وخاف أهلها الغرق وفزعوا إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فركب بغلة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخرج والناس معه حتّى أتى شاطئ الفرات ، فنزل عليه‌السلام وأسبغ الوضوء وصلّى منفرداً بنفسه والناس يرونه ، ثمّ دعا الله سبحانه بدعوات سمعها أكثرهم ثمّ تقدّم إلى الفرات متوكئاً على قضيب بيده وضرب صفحة الماء وقال: انقص بإذن الله تعالى ومشيئته ، فغاض الماء حتّى بدت الحيتان في قعر الفرات ، فنطق كثير منها بالسلام عليه بإمرة المؤمنين ، ولم ينطق منها أصناف من السموك ، وهي الجري والمارماهي والزمار ، فتعجّب الناس من ذلك وسألوه عن علّة ما نطق منها وصموت ما صمت ، فقال عليه‌السلام : أنطق الله ما طهر من السموك ، وأصمت عنّي ما حرّمه ونجّسه وبعّده (١) .

و منها : أنّه قال على منبر الكوفة: أيّها الناس من حضر قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : "من كنت مولاه فعليّ مولاه" فليقم وليشهد ، فقام جماعة وأنس بن مالك جالس لم يقم ، فقال له: يا أنس ما منعك أن تشهد ولقد سمعت ما سمعوا ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ، كبرت ونسيت ، فقال عليه‌السلام : اللّهمّ إن كان كاذباً فارمه ببياض لا تواريها العمامة ، فصار أبرص (٢) .

و منها : أنّه دعا على بسر بن أرطاة فقال: اللّهمّ إنّ بسراً باع آخرته بدنياه

ـــــــــــــــــ

(١) إرشاد المفيد: ١٨٣; وكشف اليقين: ١١٣; ومناقب ابن شهر آشوب ٢: ٣٣٠; عنه البحار ٤١: ٢٦٨ ح٢٢ .

(٢) الإرشاد للمفيد: ١٨٥; مناقب ابن شهر آشوب ٢: ٢٧٩; عنهما البحار ٤١: ٢٠٤ ح١٩ .


فاسلبه عقله ، ولا تبق له من دينه ما يستوجب به رحمتك ، فاختلط عقله (١) .

و منها : أنّه اتُّهم المغيرة (٢) أنّه يرفع أخباره إلى معاوية ، فأنكر ذلك فقال له: إن كنت كاذباً فأعمى الله بصرك ، فما دارت عليه جمعة حتّى عمي (٣) .

وهذا أيضاً كثير فلنقتصر منه على اليسير ، ولا شك أن إجابة الدعاء بسرعة من الفضائل التي لا تتيسّر لكلّ أحد ، فصلّى الله على مجهول القدر ، ومن بولايته والبراءة من أعدائه يُقبل العمل ، ويحصل الأجر .

روى الخوارزمي في مناقبه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: يا عليّ ، لو أنّ عابداً عبد الله (عَزَّ وجَلَّ) مثل ما قام نوح في قومه ، وكان له مثل جبل أُحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله تعالى ، وحجّ ألف عام على قدميه ، ثمّ قُتل بين الصفا والمروة مظلوماً ، ولم يوالك يا عليّ لم يشمّ رائحة الجنّة ولم يدخلها (٤) .

وتصديق هذا قوله تعالى: ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ) (٥) ، وقوله تعالى: ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) (٦) ، وقوله تعالى: ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ ) (٧) فصلّى الله على مَن بولايته يحصل الإيمان ، وبمحبّته والبراءة من أعدائه يقبل العمل بالأركان .

ـــــــــــــــــ

(١) مناقب ابن شهر آشوب ٢: ٢٨٠; عنه البحار ٤١: ٢٠٤ ح١٩ .

(٢) كذا في "ج" ، وفي "الف" و "ب" كلمة مبهمة ، لعلّها "اتّهم العين" ، وفي بعض المصادر: رجل يقال له: الغيزار .

(٣) مناقب ابن شهر آشوب ٢: ٢٧٩; إرشاد المفيد: ١٨٤; وفي البحار ٤١: ١٩٨ ح١١; كشف اليقين: ١١١; نهج الحق: ٢٤٦ .

(٤) المناقب للخوارزمي: ٦٧ ح٤٠; عنه كشف الغمة ١: ١٠٠; والبحار ٢٧: ١٩٤ ح٥٣ .

(٥) الفرقان: ٢٣ .

(٦) الفرقان: ٢٣ .

(٧) الغاشية ٢ـ٥ .


فصل : [في كسر الأصنام ، وأنّهعليه‌السلام أوّل من صلّى]

ومن فضائله أنّه نشأ وربا في الإيمان ، ولم يُدنس بدنس الجاهلية بخلاف غيره من سائر الصحابة ، فإنّ المسلمين أجمعوا على أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما أشرك بالله طرفة عين ، ولم يسجد لصنم قط ، بل هو الذي تولّى كسر الأصنام لمّا صعد على كتف النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

روى أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي مريم ، عن عليّ عليه‌السلام قال: انطلقت أنا والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى أتينا الكعبة ، فقال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اجلس حتّى أصعد على منكبك ، فذهبت لأنهض فرأى منّي ضعفاً ، فنزل وجلس لي نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: اصعد على منكبي فصعدت على منكبه ونهض بي ، فرأيت أني لو شئت لنلت أفق السماء حتّى صعدت على البيت وعليه صنم كبير من صفر ، فجعلت أزاوله عن يمينه وشماله وبين يديه ومن خلفه حتّى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اقذف به ، فقذفت به فتكسّر كما تتكسر القوارير ثمّ نزلت وانطلقنا أنا ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نستبق حتّى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس (١) .

وقال بعض الشعراء في هذا المعنى ، وقد قيل له امدح عليّاً:

قيل لي قل في عليّ مدحة

ذكره يخمد(٢) ناراً مؤصدة

قلت هل أمدح من في فضله

حار ذو اللب إلى أن عبده

ـــــــــــــــــ

(١) مسند أحمد ١: ٨٤ ح٦٤٥; عنه كشف الغمة ١: ٧٩; وكشف اليقين: ٢٤; ومثله مناقب الخوارزمي: ١٢٥ ح١٤٠; ومناقب ابن المغازلي: ٢٠٢ ح٢٤٠; عنه العمدة: ٣٦٤; وكفاية الطالب: ٢٥٧ .

(٢) في "ب": فانتضا يطفئ .


والنبي المصطفى قال لنا

ليلة المعراج لمّا صعده

وضع الله على ظهري يداً

فأراني القلب أن قد برده

وعليّ واضع رجليه لي (١)

في مكان وضع الله يده

فانظر أيّها المنصف الفطن إلى حال هذا الرجل المجهول القدر ، فعند المسلمين ما ذكرناه من عدم إشراكه بالله طرفة عين ، وارتقائه فوق كتف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعند غيرهم من العقلاء والأذكياء من أمّة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قلناه من غلوّهم فيه حتّى عبدوه ، وقالوا بأُلوهيّته من عظم ما شاهدوا منه من الآثار والأفعال التي لم تصدر من بشر ، فجلّ من أعطاه هذه المرتبة ، وحباه بهذه المنزلة .

[كم بين شك في هدايته

وبين من قيل : إنّه الله](٢)

ومن كتاب مسند ابن حنبل أيضاً عن عفيف الكندي قال: كنت تاجراً فقدمت الحج ، فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه شيئاً ـ وكان تاجراً ـ فوالله إنّي لعنده بمنى إذ خرج رجل من خباء قريب منه فنظر إلى الشمس ، فلمّا رآها قد زالت قام يصلّي ، ثمّ خرجت امرأة من الخباء الذي خرج الرجل منه ، فقامت خلفه فصلّت ، ثمّ خرج غلام حيّن (٣) راهق الحلم من ذلك الخباء الذي خرج الرجل منه ، فقام معه فصلّى .

فقلت للعباس: من هذا يا عباس؟ قال: هذا محمد بن عبد الله ابن أخي ، فقلت: من هذه المرأة؟ قال: امرأته خديجة بنت خويلد ، فقلت: من هذا الفتى؟ فقال: عليّ بن أبي طالب ابن عمّه ، فقلت: وما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلّي وهو

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": أقدامه .

(٢) أثبتناه من "ب" .

(٣) في "ج": حسن الوجه .


يزعم أنّه نبيّ ، ولم يتبعه على أمره إلاّ امرأته وابن عمّه هذا الفتى (١) .

فصل : [في مؤاخاته وقربه من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ]

ومن فضائله عليه‌السلام أنه واجب المودّة ، لكونه من ذوي القربى وهاشميّاً ، ولا شك أن النسب والقرب من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فضيلة عظيمة ومرتبة عالية أمّا دنياً فظاهر ، وأمّا الآخرة فقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : "كلّ نسب منقطع يوم القيامة إلاّ نسبي" (٢) وكلّ من كان أقرب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان أعظم قدراً ، وأشرف ذكراً ، وأكبر فخراً ممّن ليس له ذلك .

فكفى بنا فضلاً على مَنْ غيرنا = قرب النبي محمد إيّانا

وأمير المؤمنين عليه‌السلام كان ابن عمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبيه وأمه ، لأنّه عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، فعبد المطلب جدّهما وفيه يجتمعان (صلّى الله عليهما) ، وأبو طالب وعبد الله أخوان لا غير من أب وأم واحدة ، فلم يكن أحد حينئذٍ أقرب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أمير المؤمنين (عليه أفضل الصلاة والسلام) .

ومن فضائله مؤاخاته النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، روى أحمد بن حنبل في مسنده أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آخا بين الصحابة ولم يؤاخِ بين عليّ وأحد منهم ، فضاق صدر عليّ عليه‌السلام حيث لم يؤاخ بينه وبين أحد .

فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما أخّرتك إلاّ لنفسي ، فأنت منّي

ـــــــــــــــــ

(١) مسند أحمد ١: ٢٠٩ ح١٧٩٠; عنه كشف الغمة ١: ٨٢; وكشف اليقين: ٣٣; ونحوه في العمدة: ٦٣ ح٧٥; وكفاية الطالب: ١٢٨; والعدد القوية: ٢٤٦ ح٣٨ .

(٢) مناقب ابن المغازلي: ١٠٨ ح١٥٠; كفاية الطالب: ٣٨٠ .


بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ، وأنت أخي ووارثي ، وأنت معي في قصري في الجنّة ثمّ تلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ) (١) (٢) .

وروى حذيفة بن اليمان: وآخى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين المهاجرين والأنصار وكان يؤاخي بين الرجل ونظيره ، ثمّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام فقال: هذا أخي (٣) .

ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سيد ولد آدم ، كما قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا سيّد ولد آدم ولا فخر (٤) ، وعليّ عليه‌السلام أخوه ووزيره وشبيهه ونظيره ، وهذه منزلة شريفة ، ومقام عظيم لم يحصل لأحد سواه .

قال الشاعر:

لو رأى مثلك النبي لآخاه

وإلاّ فأخطأ الانتقادا (٥)

فصل : [في حبّه والتوعّد على بغضه وفضائل فاطمةعليها‌السلام ]

ومن فضائله عليه‌السلام أنّه كان أحبّ الخلق إلى الله تعالى ، والدليل على ذلك خبر الطائر المشوي (٦) ، والمحبة من الله تعالى زيادة الثواب .

ـــــــــــــــــ

(١) الحجر: ٤٧ .

(٢) مناقب أحمد بن حنبل: ٤٢; عنه كشف الغمة ١: ٣٣٣; وكشف اليقين: ٢٠٠; ونحوه في مناقب ابن المغازلي: ٣٧; وكفاية الطالب: ١٩٤ .

(٣) مناقب ابن المغازلي: ٣٨ ح٦٠; عنه كشف اليقين: ٢٠٨; وأمالي الطوسي: ٥٨٧ ح١١١٥; عنه البحار ٣٨: ٣٣٣ ح٥ .

(٤) راجع البحار ١٦: ٣٢٥ ح٢١ .

(٥) في "ب": الانتفاء .

(٦) راجع المناقب لابن المغازلي: ١٥٦; وكفاية الطالب: ١٤٤ .


و منها : فضيلة المباهلة ، وهي تدلّ على فضل تام وورع كامل لمولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام ولولديه ولزوجته (صلّى الله عليهم) ، حيث استعان بهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الدعاء إلى الله تعالى ، والتأمين على دعائه لتحصل له الإجابة (١) .

و منها : أنّه خُصّ بتزويج فاطمة عليها‌السلام التي قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقّها: فاطمة بضعة منّي ، من آذاها فقد آذاني ، يرضى الله لرضاها ، ويغضب لغضبها ، وهي سيدة نساء العالمين (٢) .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّما سمّيت ابنتي فاطمة لأنّ الله (عَزَّ وجَلَّ) فطمها وفطم من أحبّها من النار (٣) .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا كان يوم القيامة نادى مناد تحت الحجب: يا أهل الجمع ، غُضّوا أبصاركم ونكّسوا رءوسكم فهذه فاطمة بنت محمد تريد أن تمرّ على الصراط (٤) .

قال ابن عباس: خطب جماعة من الأكابر والأشراف فاطمة عليها‌السلام ، فكان لا يذكر أحد عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ أعرض عنه وقال: أتوقّع الأمر من السماء فإنّ أمرها إلى الله تعالى .

قال سعد بن معاذ الأنصاري لعليّ عليه‌السلام : خَاطِبْ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أمر فاطمة ، فوالله إنّي ما أرى أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يريد لها غيرك

ـــــــــــــــــ

(١) راجع المناقب لابن المغازلي: ٢٦٣ ح٣١٠; وكشف اليقين: ٢١٣; والبحار ٣٥: ٢٥٧ .

(٢) كفاية الطالب: ٣٦٤ و٣٦٥; ومناقب ابن المغازلي: ٣٥١ نحوه; وقال الكنجي في كفاية الطالب ص٣٧٠: إن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهما حينئذٍ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر ، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: لا نورث ما تركناه صدقة ، قال : فغضبت فاطمة وهجرته ولم تكلّمه حتّى ماتت فدفنها ليلاً ولم يؤذن أبا بكر .

(٣) مناقب ابن المغازلي: ٦٥ ح٩٢; والبحار ٤٣: ١٢ ح٤ .

(٤) كفاية الطالب: ٣٦٤; وكشف الغمة ٢: ٧٨; وفي البحار ٣٧: ٧٠ ح٣٨ .


فجاء أمير المؤمنين إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتعرّض لذلك ، فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كأنّ لك حاجة يا عليّ ؟ فقال: أجل يا رسول الله ، قال: هات قال: جئت خاطباً إلى الله وإلى رسوله فاطمة بنت محمد ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مرحباً وحبّاً . وزوّجه بها فلمّا دخل البيت دعا فاطمة وقال لها: قد زوّجتكِ يا فاطمة سيداً في الدنيا ( وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) ابن عمّك عليّ بن أبي طالب .

فبكت فاطمة عليها‌السلام حياءً ولفراق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال لها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما زوّجتك من نفسي ، بل الله تعالى تولّى تزويجك في السماء ، وكان جبرئيل عليه‌السلام الخاطب والله تعالى الولي ، وأمر شجرة طوبى فنثرت الدر والياقوت والحلي والحلل ، وأمر الحور العين فاجتمعن ولقطن ، فهنّ يتهادينه إلى يوم القيامة ويقلن: هذا نثار فاطمة [الزهراء] (١) .

ولما كان ليلة زفافها إلى عليّ عليه‌السلام كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قدّامها ، وجبرئيل عن يمينها ، وميكائيل عن يسارها ، وسبعون ألف ملك خلفها يسبّحون الله تعالى ويقدّسونه إلى طلوع الفجر (٢) .

و منها : أن أولاده عليهم‌السلام هم الأئمّة المعصومون الذين أوجب الله تعالى طاعتهم على جميع العباد ، وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، فأوّلهم الإمام المعصوم أبو محمد الحسن بن عليّ الزكي ، وآخرهم الإمام القائم المهدي (صلوات الله عليهم أجمعين) ، وكلّ واحد منهم هو إمام زمانه ، وأفضل أهل عصره وأوانه ، وكمالهم وفضلهم أشهر من الأمس وأظهر من الشمس ، واتّباعهم والتزامهم هو السعادة والهداية ، وتركهم والتخلّف عنهم هو الشقاوة والغواية .

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ب" .

(٢) كشف اليقين: ١٩٥ .


روى الخوارزمي في مناقبه ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك (١) .

وفي الجمع بين الصحيحين عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: يكون من بعدي اثنا عشر أميراً كلّهم من قريش (٢) .

ومن مسند أحمد بن حنبل عن مسروق قال: كنّا جلوساً في المسجد مع عبد الله بن مسعود فأتاه رجل وقال: يا ابن مسعود هل حدّثكم نبيّكم كم يكون من بعده خليفة؟ قال: نعم ، كـ (عدة نقباء بني إسرائيل) (٣) .

وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للحسين عليه‌السلام : هذا ابني إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة ، تاسعهم قائمهم والأخبار في فضائلهم وكمالاتهم أكثر من أن تُحصى .

و منها : من كتاب كفاية الطالب للحافظ الشافعي ، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مررت ليلة أسري بي إلى السماء وإذا بملك جالس على منبر من نور والملائكة تحدق به ، فقلت: يا جبرئيل ، من هذا الملك ؟ فقال: أُدن منه وسلّم عليه فدنوت منه وسلّمت عليه ، فإذا أنا بأخي وابن عمّي عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، فقلت: يا جبرئيل ، سبقني عليّ بن أبي طالب إلى السماء الرابعة ؟ فقال: لا يا محمد ، ولكن الملائكة شكت حبّها لعلي ، فخلق الله هذا الملك من نور على صورة عليّ ، فالملائكة تزوره في كلّ ليلة جمعة ويوم جمعة سبعين ألف مرّة ، يسبّحون الله تعالى ويقدّسونه ويهدون ثوابه لمحبّ عليّ عليه‌السلام (٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) مناقب ابن المغازلي: ١٣٢ ح١٧٣; والطرائف: ١٣٢ ح٢٠٦; عنه البحار ٢٣: ١٢٣ ح٤٩; ولم نجده في مناقب الخوارزمي .

(٢) العمدة: ٤١٩ ح٨٧١ عن الجمع بين الصحيحين; والطرائف: ١٧٠ ح٢٦٠ عن البخاري ومسلم .

(٣) مسند أحمد ١: ٣٩٨ ح٣٧٧٢ .

(٤) كفاية الطالب: ١٣٣; عنه كشف الغمة ١: ١٣٧; والبحار ١٨: ٣٨٦ ح٩٤ .


و منها : من كتاب المناقب للخوارزمي عن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد سئل : بأيّ لغة خاطبك ربّك ليلة المعراج؟ فقال: خاطبني بلغة عليّ بن أبي طالب ، فألهمني أن قلت: يا ربّ خاطبتني أم عليّ؟

فقال: يا أحمد ، أنا شيء ليس كالأشياء ، ولا أقاس بالناس ، ولا أوصف بالأشياء خلقتك من نوري وخلقت علياً من نورك ، فاطلعت على سرائر قلبك فلم أجد إلى قلبك بأحبّ من عليّ بن أبي طالب ، فخاطبتك بلسانه كيما يطمئنّ قلبك (١) .

و منها : ما روي في محبته والتوعّد على بغضه ، وهو كثير :

منها : ما رواه صاحب كتاب الفردوس عن معاذ ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: حبّ عليّ بن أبي طالب حسنة لا يضرّ معها سيّئة ، وبغضه (٢) سيّئة لا ينفع معها حسنة (٣) .

وروى الخوارزمي أيضاً في مناقبه ذلك (٤) .

ومن كتاب الفردوس أيضاً عن ابن عباس أنّه قال: نظر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ بن أبي طالب عليه‌السلام فقال له: أنت سيّد في الدنيا وسيّد في الآخرة ، من أحبّك فقد أحبّني وحبيبي حبيب الله ، ومن أبغضك فقد أبغضني ومبغضي مبغض الله ، فالويل لمن أبغضك بعدي (٥) .

ومن الفردوس عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ليلة عُرج بي إلى السماء رأيت على باب الجنّة مكتوب: "لا إله إلاّ الله ، محمد رسول الله ، عليّ حبيب الله ، الحسن والحسين صفوة الله ، فاطمة أمة الله ، على باغضهم لعنة

ـــــــــــــــــ

(١) المناقب للخوارزمي: ٧٨ ح٦١; عنه البحار ١٨: ٣٨٦ ح٩٤ .

(٢) في "ج": بغض عليّ .

(٣) الفردوس ٢: ١٤٢ ح٢٧٢٥; عنه كشف الغمة ١: ٩٢; والبحار ٣٩: ٢٤٨ ح١٠ .

(٤) المناقب: ٧٥ ح٥٦ .

(٥) الفردوس ٥: ٣٢٤ ح٨٣٢٥; وكشف الغمة ١: ٩٣ .


الله" (١) .

ومن كتاب المناقب عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو اجتمع الناس على حبّ عليّ بن أبي طالب لما خلق الله (عَزَّ وجَلَّ) النار (٢) .

ومن كتاب اليواقيت لأبي عمر الزاهد أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث علياً في سريّة ـ قال الراوي ـ : فرأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رافعاً يديه وهو يقول: اللّهمّ لا تمتني حتّى تريني علياً (٣) .

ومن كتاب المناقب للخوارزمي عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو في بيتي لما حضره الموت قال: ادعوا لي حبيبي ، فدعوت أبا بكر ، فنظر إليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووضع رأسه ، ثمّ قال: ادعوا لي حبيبي ، قلت: ويلكم ادعوا له عليّ بن أبي طالب فوالله لا يريد غيره فلمّا رآه فرج الثوب الذي كان عليه ثمّ أدخله فيه ، فلم يزل يحتضنه صلوات الله عليه حتّى قبض ويده عليه (٤) .

و منه عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خلق الله تعالى من نور وجه عليّ بن أبي طالب سبعون ألف ملك يستغفرون له ولمحبّيه إلى يوم القيامة (٥) .

و منه عن الحسن البصري أنه قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا كان يوم القيامة يجلس عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام على الفردوس ، وهو جبل

ـــــــــــــــــ

(١) راجع كشف الغمة ١: ٩٣; ومناقب الخوارزمي: ٣٠٢ ح٢٩٧ .

(٢) المناقب للخوارزمي: ٦٧ ح٣٩; عنه كشف الغمة ١: ٩٨; والبحار ٣٩: ٢٤٨ ح١٠; وفي الفردوس ٣: ٣٧٣ ح٥١٣٥ .

(٣) راجع مناقب ابن المغازلي: ١٢٢ ح١٦٠; ومناقب الخوارزمي: ٧٠ ح٤٦; وكشف الغمة ١: ١٠١; وكنز الفوائد: ١٣٦ .

(٤) المناقب للخوارزمي: ٦٨ ح٤١; عنه كشف الغمة ١: ١٠٠; عنه البحار ٣٨: ٣٠٧ ح٩; وكفاية الطالب: ٢٦٢.

(٤) المناقب للخوارزمي: ٧١ ح٤٧; عنه كشف الغمة ١: ١٠١; ومائة منقبة: ٦٦ ح١٩; والبحار ٣٩: ٢٧٥ ح٥٢.


قد علا على الجنّة ، وفوقه عرش ربّ العالمين ، ومن سفحه تتفجّر أنهار الجنّة وتتفرّق في الجنّة ، وعليّ عليه‌السلام على كرسي من نور يجري بين يديه التسنيم (١) ، لا يجوز أحد على الصراط إلاّ معه براءة بولايته وولاية أهل بيته ، يشرف على الجنّة فيدخل محبّيه الجنّة ومبغضيه النار (٢) .

و منه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أوّل من اتّخذ عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام أخاً من أهل السماء إسرافيل ، ثمّ ميكائيل ، ثمّ جبرئيل ، وأوّل من أحبّه من أهل السماء حملة العرش ، ثمّ رضوان خازن الجنّة ، ثمّ ملك الموت وإنّ ملك الموت يترحّم على محبّ عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام كما يترحّم على الأنبياء عليهم‌السلام (٣) .

و منه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أحبّ علياً قبل الله صلاته وصيامه وقيامه ، واستجاب دعاءه ، ألا ومن أحبّ علياً أعطاه الله بكلّ عرق في بدنه مدينة في الجنّة ألا ومن أحبّ آل محمد أمن من الحساب والميزان والصراط ، ألا ومن مات على حب آل محمد فأنا كفيله بالجنة مع الأنبياء ، ألا ومن أبغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله تعالى (٤) .

ومن مناقب ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: أقبلت ذات يوم قاصداً إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا أبا سعيد ، قلت: لبيك يا رسول الله ، قال: إن لله عموداً تحت العرش يضيء لأهل الجنّة كما تضيء الشمس لأهل الدنيا ، لا يناله إلاّ عليّ ومحبّوه (٥) .

ـــــــــــــــــ

(١) التسنيم ماء في الجنّة ، سمّى بذلك لأنّه يجري فوق الغرف والقصور ، يقال: تسنّمه إذا علاه .

(٢) المناقب للخوارزمي: ٧١ ح٤٨; عنه كشف الغمة ١: ١٠١; ومائة منقبة: ١٠٧ ح٥٢; والبحار ٣٩: ٢٠٢ .

(٣) المناقب للخوارزمي: ٧١ ح٤٩; عنه كشف الغمة ١: ١٠١; ومائة منقبة: ١١٩ ح٦٤; والبحار ٣٩: ١١٠ ح١٧ .

(٤) المناقب للخوارزمي: ٧٢ ح٥١; عنه كشف الغمة ١: ١٠٢; ومائة منقبة: ١٤٩ ح٩٥; والبحار ٦٨: ٤٠ ح٨٣ .

(٥) راجع البحار ٣٩: ٢٦٩ ح٤٣ عن مناقب ابن مردويه .


وروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما‌السلام أنه قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطان العرش: أين خليفة الله في أرضه ، فيقوم داود النبي عليه‌السلام ، فيأتي النداء من عند الله: لسنا إيّاك أردنا وإن كنت لله تعالى خليفة .

ثمّ ينادي: أين خليفة الله في أرضه ، فيقوم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، فيأتي النداء من قبل الله (عَزَّ وجَلَّ) : يا معشر الخلائق ، هذا عليّ بن أبي طالب خليفة الله في أرضه وحجّته على العباد ، فمن تعلّق بحبله في دار الدنيا فليتعلّق بحبله في هذا اليوم ، يستضيء بنوره ، وليتبعه إلى درجات العلى من الجنان .

قال: فيقوم أناس قد تعلّقوا بحبله في الدنيا فيتبعونه إلى الجنّة ، ثمّ يأتي النداء من عند الله جلّ جلاله : من إئتمّ بإمام فليتبعه إلى حيث يذهب به ، فحينئذٍ ( تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ) (١) .

ومن مناقب الخوارزمي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن الله (عَزَّ وجَلَّ) منع بني إسرائيل قطر السماء بسوء رأيهم في أنبيائهم ، واختلافهم في دينهم ، وإنّه أخذ هذه الأمة بالسنين ، ومنعهم قطر السماء ببغضهم عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام (٢) .

و منه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن لله خلقاً ليسوا من ولد آدم يلعنون مبغض عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، قال: من هم يا رسول الله قال: هم القنابر ، ينادون في السحر على رءوس الشجر: ألا لعنة الله على مبغض عليّ بن أبي طالب ، بسم الله الرحمن الرحيم ، ( وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ) (٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) أمالي الطوسي: ٦٣ ح١ مجلس ٣; عنه البحار ٨: ١٠ ح٣; وكشف الغمة ١: ١٣٩ .

(٢) مناقب ابن المغازلي: ١٤١ ح١٨٦; والبحار ٣٩: ٣٠٩ ح١٢٥; ولم نجده في المصدر .

(٣) مناقب ابن المغازلي: ١٤٢ ح١٨٧; والعمدة: ٣٥٨ ح٦٩٢; ولم نجده في المصدر .


و منه عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من ناصب (١) علياً الخلافة بعدي فهو كافر وقد حارب الله ورسوله ، ومن شك في عليّ فهو كافر (٢) .

و منه عن معاوية بن وحيد القشيري (٣) قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لعليّ عليه‌السلام : يا عليّ ، لا يبالي من مات وهو يبغضك مات يهودياً أو نصرانياً (٤) .

ومن المناقب أيضاً عن أبي سعيد الخدري ، عن سلمان قال : قلت : يا رسول الله لكلّ نبي وصي ، فمن وصيّك؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من وصيّ موسى ؟ قلت: يوشع بن نون ، قال: لِمَ ؟ قلت: لأنّه أعلمهم ، قال: فوصيّي وموضع سرّي وخير من أتركه بعدي ، ينجز عدّتي ويقضي ديني : عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام (٥) .

ومن كتاب الأربعين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا وعليّ حجة الله على عباده (٦) .

ومن كتاب المناقب للخوارزمي و مناقب ابن مردويه أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان في صحن الدار ورأسه في حجر دحية الكلبي ، فدخل عليّ عليه‌السلام ، فلمّا رآه دحية الكلبي سلّم عليه ، فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : [السلام عليك] (٧) كيف أصبح رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فقال: بخير يا أخا رسول الله ، فقال له عليّ عليه‌السلام : جزاك الله عنّا أهل البيت خيراً .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": غصب .

(٢) مناقب ابن المغازلي: ٤٥ ح٦٨; والطرائف: ٢٣ ح١٨; ولم نجده في المصدر .

(٣) في "الف": القرشي ، وفي المناقب لابن المغازلي: معاوية بن حَيْدة .

(٤) مناقب ابن المغازلي: ٥٠ ح٧٤; والبحار ٢٧: ٧٩ ح١٦; ولم نجده في المصدر .

(٥) كشف الغمة ١: ١٥٥; والبحار ٣٨: ١١ ح١٧; ولم نجده في المصدر .

(٦) كشف الغمة ١: ١٦١; عنه البحار ٣٨: ١٣٨ ح٩٨; عن الأربعين للحافظ أبي بكر محمد بن أبي نصر اللفتواني .

(٧) أثبتناه من "ب" و "ج" .


فقال له دحية: إنّي أحبّك ، وإنّ لك عندي مدحة أزفها إليك ، أنت أمير المؤمنين ، لواء الحمد بيدك يوم القيامة ، تزف أنت وشيعتك إلى الجنان ، أفلح من تولاّك وخسر من تخلاّك (١) ، أدن منّي يا صفوة الله وخذ رأس ابن عمك فأنت أحقّ به منّي .

فأخذ عليّ عليه‌السلام رأس النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوضعه في حجره ، فانتبه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: ما هذه الهمهمة ؟ فأخبره عليّ عليه‌السلام ، فقال له صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لم يكن دحية الكلبي ، وإنّما هو جبرئيل ، يا علي سمّاك باسم سمّاك الله به (٢) .

ومن المناقب قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لما أسري بي إلى السماء ثمّ من السماء إلى سدرة المنتهى وقفت بين يدي الله (عَزَّ وجَلَّ) ، فقال: يا محمد ، فقلت: لبيك وسعديك ، قال: قد بلوت خلقي فأيّهم رأيت أطوع لك؟ قلت: يا ربّ ، علياً ، قال: صدقت يا محمد ، فهل اتّخذت لنفسك خليفة يؤدّي عنك ، ويعلّم عبادي من كتابي ما لا يعلمون؟

قال: قلت: ربّي اختر لي فإنّ خيرتك خيرتي ، قال: قد اخترت لك علياً فاتّخذه لنفسك خليفة ووصياً ، ونحلته علمي وحلمي ، وهو أمير المؤمنين حقّاً ، لم ينلها (٣) أحد قبله وليست لأحد بعده ، يا محمد عليّ راية الهدى ، وإمام من أطاعني ، ونور أوليائي ، وهو الكلمة التي ألزمتها المتّقين من أحبّه فقد أحبّني ، ومن أبغضه فقد أبغضني لولا عليّ لم يكونوا (٤) حزبي ولا أوليائي (٥) .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" و "ج": عاداك .

(٢) مناقب الخوارزمي: ٣٢٢ ح٣٢٩; عنه كشف الغمة ١: ٣٥٠; والبحار ٣٩: ٩٦ ح٨ .

(٣) في "ج": لم يبلغها .

(٤) في "ج": لم يعرف .

(٥) مناقب الخوارزمي: ٣٠٣ ح٢٩٩; عنه كشف الغمة ١: ٣٥٥; والبحار ٤٠: ١٣ ح٢٨ .


فصل : [في جهادهعليه‌السلام ]

ومن فضائله عليه‌السلام انّه كان قويّ البأس ، رابط الجأش ، سيف الله وكاشف الكرب عن وجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تعجبت الملائكة من حملاته على المشركين ، ابتلى بجهاد الكفّار والمارقين والقاسطين والناكثين .

وروى أحمد بن حنبل في مسنده قال : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبعثه بالراية ، جبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن شماله ، لا ينصرفا حتّى يُفتح له (١) .

ونقل الواقدي (٢) قال: إن علياً عليه‌السلام وطلحة والعباس افتخروا ، فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفاتيحه ، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ، فقال عليّ عليه‌السلام : (لا أدري ما تقولان ، لقد صلّيت ستّة أشهر قبل الناس ، وأنا صاحب الجهاد) ، فأنزل الله تعالى عليهم: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ) إلى قوله: ( أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (٣) (٤) .

فصدّق الله علياً عليه‌السلام في دعواه ، وشهد له بالإيمان والمهاجرة والجهاد والزكاة ، ورفع قدره بما نزل فيه وأعلاه ، وكم له من المزايا التي لم يبلغها أحد سواه .

وأمّا مواقف جهاده ، ومواطن جدّه واجتهاده فمنها ما كان مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومنها ما تولاّه على انفراده ، أمّا الأولى وهي الغزوات التي كانت أيّام

ـــــــــــــــــ

(١) مسند أحمد ١: ١٩٩ ح١٧٢١; عنه كشف الغمة ١: ١٧٨; وكشف اليقين: ١٢٣ .

(٢) لعلّه الواحدي .

(٣) التوبة: ١٩ـ٢٢ .

(٤) راجع أسباب النزول: ١٣٩; عنه نور الأبصار: ١٥٧; وكشف الغمة ١: ١٧٩; وكشف اليقين: ١٢٣; والطرائف: ٥٠; والعمدة: ١٩٣; ومناقب ابن شهر آشوب ٢: ٦٩ .


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكثير يطول بذكرها الكتاب ، ولنذكر منها خمس غزوات من مشاهرها وأعلاها ، ومن أعظمها وأقواها .

الأولى : غزاة بدر .

وبدر اسم موضع بين مكة وبين المدينة ، وكانت الواقعة عنده ، وهذه الغزاة هي الداهية العظمى التي هدّت قوى الشرك ، وقذفت طواغيته في قليب الهلكة ، ودوّخت مردة الكفّار ، وسقتهم كاسات البوار ، وهي أوّل حرب كان به الامتحان ، وأراد فريق من المسلمين التأخّر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لخوفهم وكراهيتهم لها على ما نطق به القرآن ، حيث يقول جلّ اسمه: ( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ) (١) .

فيومها اليوم الذي لم يأت الدهر بمثله ، وكان فضل الله فيه من أحسن فضله ، إذ أنزل فيه الملائكة الكرام لنصر رسوله تفضيلاً له على جميع رسله ، وعليّ عليه‌السلام فارس تلك الملحمة ، فما تعد الأسد الغضاب (٢) بشسع نعله ، ويسعر تلك الحروب العوان ، ينصب على الأعداء انصباب السحاب ووبله ، ونار سطوته تتسعّر تسعّر النار في دقيق الغضا وجزله .

وهذه الغزاة كانت على رأس ثمانية عشر شهراً من قدومه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة ، وعمر عليّ عليه‌السلام سبع وعشرين سنة ، وكان من جملة خبرها أن المشركين حضروا بدراً مصرّين على القتال ، مشتهرين بكثرة الأموال والأبطال والعدد والرجال ، والمسلمون إذ ذاك نفر يسير ضعيف ، كما قال تعالى: ( وَلَقَدْ

ـــــــــــــــــ

(١) الأنفال: ٥ـ٦ .

(٢) في "ب": الغضبان .


نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ) (١) .

قال بعضهم : سمعت علياً عليه‌السلام يقول : لقد حضرنا بدراً وما فينا فارس إلاّ المقداد بن الأسود الكندي ، لقد كنّا ليلة بدر وما فينا إلاّ من نام سوى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّه كان في أصل شجرة يدعو ويصلّي إلى الصباح (٢) .

وروي أنّه لما أصبح الناس يوم بدر اصطفّت قريش ، أمامها عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد ، فنادى عتبة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا محمد اخرج لنا أكفّاءنا من قريش ، فبدر إليهم ثلاثة من شبّان الأنصار ، فمنعهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال لهم: إنّ القوم دعوا الأكفّاء منهم .

ثمّ أمر علياً عليه‌السلام بالبراز إليهم ، وبعث معه حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحرث رحمهما الله ، فلمّا اصطفّوا قال مشركوا قريش: من أنتم؟ فانتسبوا إليهم ، ونشبت بينهم الحرب ، فوقف عليّ عليه‌السلام للمبارزة (٣) ، فبارزه الوليد بن عتبة وكان شجاعاً جريئاً ، فاختلفا بينهما ضربتين ، فأخطأت ضربة الوليد ، واتّقى بيده اليسرى ضربة (٤) أمير المؤمنين عليه‌السلام فأبانها .

وروي أنّه عليه‌السلام كان يذكر بدراً وقتله الوليد ، فقال في حديثه: كأنّي أنظر إلى وميض خاتمه في شماله ، ثمّ ضربته أخرى فصرعته وسلبته ، فرأيت به درعاً من خلوق ، فعلمت أنّه قريب عهد بعرس (٥) .

ثمّ بارزه العاص بن سعيد بن العاص بعد أن أحجم عنه الناس ، لأنّه كان

ـــــــــــــــــ

(١) آل عمران: ١٢٣ .

(٢) كشف الغمة ١: ١٨٤; وارشاد المفيد: ٤٠; عنه البحار ١٩: ٢٧٩ ح١٧ .

(٣) في "ب": للمحاربة .

(٤) في "ج": فضربه .

(٥) كشف الغمة ١: ١٨٥; ونور الأبصار: ١٧٦; والبحار ١٩: ٢٧٩ .


هولاً عظيماً فقتله ، وقال عمر بن الخطاب: مررت بالعاص بن سعيد يوم بدر فرأيته يبحث برجله للقتال كما يبحث الثور بقرنه ، وإذا شدقاه قد أزبدا كالوزغ ، فهبته ورعت (١) عنه ، فقال لي: إلى أين يا ابن الخطّاب؟ فقال له عليّ عليه‌السلام : دعه وخذني إليك يا ابن العاص ، قال عمر: فاختلفا ضرباً فما برحت من مكاني حتّى قتله عليّ عليه‌السلام (٢) .

إذا اشتبكت دموع في خدود

تبيّن من بكى ممّن تباكى

ثمّ برز إليه حنظلة بن أبي سفيان ، فلمّا دنا منه ضربه أمير المؤمنين عليه‌السلام ضربة بالسيف أسالت عينيه ، ولزم الأرض قتيلاً .

ثمّ برز إليه طعمة بن عدي فقتله ، ثمّ برز إليه نوفل بن خويلد وكان من شياطين قريش ، وكانت تعظّمه وتقدّمه وتطيعه ، وكان قد قرن أبا بكر وطلحة قبل الهجرة بمكّة في قرن واحد ، وأوثقهما بحبل وعذّبهما يوماً إلى الليل حتّى سئل في أمرهما فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما عرف بحضور نوفل بدراً: اللّهمّ اكفني نوفلاً ، فقصده أمير المؤمنين عليه‌السلام ثمّ ضربه بالسيف ، فنشب في بيضته ، فانتزعه ثمّ ضرب به ساقه وكانت درعه مشمرّة فقطعها ، ثمّ أجهز عليه فقتله ، فلمّا عاد إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سمعه يقول: من له علم بنوفل ؟ فقال علي عليه‌السلام : أنا قتلته يا رسول الله ، فكبّر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: الحمد لله الذي أجاب دعوتي (٣) .

ولم يزل عليّ عليه‌السلام يقتل واحداً بعد واحد من أبطال المشركين حتّى قتل بانفراده نصف المقتولين ، وقتل المسلمون كافة وثلاثة آلاف من الملائكة

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب": رغبت .

(٢) كشف الغمة ١: ١٨٦; وإرشاد المفيد: ٤٢; عنه البحار ١٩: ٢٨١ ح١٨ .

(٣) كشف الغمة ١: ١٨٦; وكشف اليقين: ١٢٥; وإرشاد المفيد: ٤٢; عنه البحار ١٩: ٢٨١ ح١٨ .


مسوّمين النصف الآخر ، وشاركهم عليّ عليه‌السلام فيه أيضاً ، ثمّ رمى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باقي القوم بكفّ من الحصى وقال: شاهت الوجوه ، فانهزموا جميعاً .

فهذه الغزاة العظمى على ما شرحناه كانت عبارة عنهعليه‌السلام ، وما أحقّه بقول القائل:

لك خلّتان(١) مسالماً ومحارباً

بالعدل منك وسيفك المخضوب

فرّقت ما بين الذوائب والطلا

وجمعت ما بين الطلا والذيب

الثانية : غزاة أُحد .

وكانت في شوال ، ولم يبلغ عمر أمير المؤمنين عليه‌السلام تسعاً وعشرين سنة ، وأحد جبل عظيم قريب من المدينة ، وكانت هذه الغزاة عنده ، وسببها أنّ قريشاً لمّا كسروا يوم بدر ، وقُتل بعضهم وأُسر بعضهم ، جزعوا لقتل رؤسائهم فتجمّعوا وبذلوا الأموال وجيّشوا الجيوش ، وتولّى ذلك أبو سفيان ، وقصدوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمؤمنين بالمدينة .

فخرج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمسلمين ، ودخل النفاق والشك والريب بين جماعة منهم ، فرجع قريب من ثلثهم إلى المدينة ، وبقى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سبعمئة من المسلمين ، كما حكاه الله سبحانه وتعالى: ( وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (٢) الآيات .

وصفّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المسلمين صفّاً طويلاً ، وجعل على الشعب خمسين رجلاً من الأنصار ، وأمّر عليهم رجلاً منهم وقال لهم: لا تبرحوا من

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": حالتان .

(٢) آل عمران: ١٢١ .


مكانكم وإن قُتلنا عن آخرنا ، فإنّما نؤتى من موضعكم .

واشتدّت الحرب ودارت رحاها ولواء المسلمين بيد عليّ عليه‌السلام ، وهو قدّام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يضربهم بسيفه بين يديه ، ولواء الكفّار بيد طلحة بن أبي طلحة العبدي من بني عبد الدار ، وكان يُسمّى كبش الكتيبة ، فتلاقى هو وعلي عليه‌السلام وتقاربا ، واختلفت بينهما ضربتان ، فضربه عليّ عليه‌السلام على مقدّم رأسه فبدرت عينه وصاح صيحة عظيمة ، وسقط اللواء من يده ، وأخذه آخر من بني عبد الدار فقتله .

ولم يزل عليه‌السلام يقتل واحداً بعد واحد حتّى قتل منهم سبعة ، ثمّ أخذ اللواء عبدٌ لهم اسمه صواب ، وكان من أشدّ الناس ، فضرب عليّ عليه‌السلام يده [اليمنى] (١) فقطعها ، فأخذ اللواء بيده اليسرى فضربه عليها فقطعها ، فأخذ اللواء على صدره وجمع ساعديه عليه ويداه مقطوعتان ، فضربه عليّ عليه‌السلام على رأسه فسقط صريعاً وانهزم القوم ، وأكبّ المسلمون على الغنائم .

ورأى أصحاب الشعب الناس يغتنمون ، فخافوا فوات الغنيمة ، فاستأذنوا رئيسهم في أخذ الغنائم فقال: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمرني أن لا أبرح من موضعي (٢) هذا ، فقالوا: إنّما قال ذلك وهو لا يدري أن الأمر يبلغ ما ترى ، ومالوا إلى الغنائم وتركوه .

فحمل عليه خالد بن الوليد فقتله ، وجاء من ظهر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنظر إليه وقد حفّ به أصحابه ، فقال لمن معه: دونكم هذا الذي تطلبون ، فحملوا عليه حملة رجل واحد ضرباً بالسيوف ، وطعناً بالرماح ، ورمياً بالنبال ، ورضخاً بالحجارة .

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) في "ج": مكاني .


وجعل أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقاتلون عنه حتّى قُتل منهم سبعون رجلاً ، وانهزم الباقون ، وبقي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما زال من موضعه شبراً واحداً ، وباشر القتال بنفسه ، ورمىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى فنيت نباله ، وكان تارة يرمي بقوسه وتارة يرمي بالحجارة .

وأصاب عتبة بن أبي وقاص بشفتيه ورباعيته ، وضرب ابن قميّة على كريمته الشريفة ، فلم يصنع سيفه شيئاً إلاّ وهن الضربة بثقل السيف ، ثمّ وقع صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حفرة مغشيّاً عليه وحجب الله أبصار المشركين عنه ، وصاح صائح بالمدينة: قُتل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فاختلفت (١) القلوب وخرجت فاطمة (صلوات الله وسلامه عليها) صارخة .

قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : لمّا انهزم الناس عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لحقني من الجزع ما لم أملك نفسي ، وكنت أمامه أضرب بسيفي المشركين ، فرجعت أطلبه فلم أره ، فقلت: ما كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليفر ، وما رأيته في القتلى وأظنّه رفع من بيننا إلى السماء فكسرت جفن سيفي وقلت: لأُقاتلنّ به حتّى أُقتل ، وحملت على القوم فأفرجوا ، فإذا أنا برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد وقع مغشيّاً عليه ، فنظر إليّ وقال: ما فعل الناس يا عليّ ؟ فقلت: كفروا يا رسول الله وولّوا الدبر وأسلموك إلى عدوّك ، فنظر إلى كتيبة قد أقبلت فقال: ردهم عنّي ، فحملت عليهم أضربهم يميناً وشمالاً حتّى قتلت منهم هشام بن أمية المخزومي وانهزم الباقون وأقبلت كتيبة أخرى فقال لي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : احمل على هذه ، فحملت عليهم وقتلت منهم عمر بن عبد الله الجمحي وانهزموا أيضاً ، وجاءت أخرى فحملت عليها وقتلت منها بشر بن مالك العامري وانهزموا .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": فانخلعت .


ولم يزل عليه‌السلام يُقاتل في ذلك اليوم ويفرّق جموع القوم عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى أصابه في رأسه ووجهه وبدنه سبعون جراحة وهو قائم وحده بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يغفل عنه طرفة عين ، فقال له صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عليّ أما تسمع مديحك في السماء ، إنّ ملكاً اسمه رضوان ينادي بين الملائكة :

لا سيف إلاّ ذو الفقار

ولا فتى إلاّ عليّ (١)

ورجع الناس إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان جبرئيل عليه‌السلام يعرج إلى السماء في ذلك اليوم وهو يقول: "لا سيف إلاّ ذو الفقار ، ولا فتى إلاّ عليّ" وسمعه الناس كلّهم ، وقال جبرئيل عليه‌السلام : يا رسول الله ، قد عجبت الملائكة من حسن مواساة أمير المؤمنين عليّ لك بنفسه ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وما يمنعه من ذلك وهو منّي وأنا منه ، فقال جبرئيل عليه‌السلام : وأنا منكما (٢) .

وذكر أهل السير قتلى أحد من المشركين ، فكان جمهورهم مقتولين بسيف أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وكان الفتح له وسلامة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المشركين بسببه (٣) ، ورجوع الناس إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمقامه وثباته يذبّ عنه بسيفه دونهم ، ويبذل نفسه العزيزة في نصرته ، وتوجّه العتاب من الله تعالى إلى جميعهم لموضع الهزيمة ، والملائكة في السماء مشغولون بمدحه ، متعجّبون من مقامه وثباته وسطوته ، فصلّى الله على مجهول القدر .

الثالثة : غزاة الأحزاب .

وهي غزاة الخندق ، وبيانها: أن جماعة من اليهود جاءوا إلى أبي سفيان

ـــــــــــــــــ

(١) إرشاد المفيد: ٤٦; عنه البحار ٢٠: ٨٦ ح١٧; ونحوه كشف الغمة ١: ١٩٤ .

(٢) إرشاد المفيد: ٤٦; عنه البحار ٢٠: ٨٥ ح١٧ .

(٣) في "ج": بسبب سيفه .


لعلمهم بعداوته للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسألوه المعونة ، فأجابهم وجمع لهم قريشاً وأتباعها من كنانة وتهامة وغطفان وأتباعها من أهل نجد ، واتّفق المشركون مع اليهود ، وأقبلوا بجمع عظيم ، ونزلوا من فوق المسلمين ومن أسفلهم ، كما قال الله تعالى: ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) (١) .

فاشتدّ الأمر على المسلمين ، وكان سلمان (رضي الله عنه) قد أشار بحفر الخندق ، فَحُفِرَ وخرج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمسلمين وهم ثلاثة آلاف والمشركون مع اليهود يزيدون على عشرين ألفاً ، وجعلوا الخندق بينهم وبين المسلمين .

وركب عمرو بن عبدود ومعه فوارس من قريش وأقبلوا حتّى وقفوا على أضيق مكان في الخندق ، ثمّ ضربوا خيلهم فاقتحمته وصاروا بين الخندق والمسلمين ، فخرج إليهم عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام فقال عمرو: هل من مبارز ؟ فقال عليّ عليه‌السلام : أنا له يا رسول الله ، فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّه عمرو ، فسكت .

فقال عمرو: هل من مبارز؟ فقال عليّ عليه‌السلام : أنا له يا رسول الله ، فقال: إنّه عمرو ، فسكت ، ونادى عمرو ثالثة فقال علي عليه‌السلام : أنا له يا رسول الله ، فقال: إنّه عمرو ، فسكت ، وكلّ ذلك يقوم عليّ عليه‌السلام فيأمره النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالثبات انتظاراً لحركة غيره من المسلمين ، وكأنّ على رؤوسهم الطير لخوفهم من عمرو .

وطال نداء عمرو بطلب المبارزة ، وتتابع قيام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فلمّا لم يقدم أحد من الصحابة قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أُدن منّي يا عليّ ، فدنا منه ، فنزع عمامته من رأسه وعمّمه بها وأعطاه سيفه وقال: امض لشأنك ، ودعا له ثمّ

ـــــــــــــــــ

(١) الأحزاب: ١٠ .


قال: برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه .

فسعى عليّ عليه‌السلام نحو عمرو حتّى انتهى إليه ، فقال له: يا عمرو إنّك كنت تقول: لا يدعوني أحد إلى ثلاث إلاّ قبلتها أو واحدة منها ، قال: أجل ، قال عليه‌السلام : إنّي أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، وأن تسلم لربّ العالمين .

قال: يا ابن أخي أخّر هذا عنّي ، فقال عليه‌السلام : أما أنّها خير لك لو أخذتها ، ثمّ قال عليه‌السلام : هاهنا أخرى ، قال: وما هي؟ قال عليه‌السلام : ترجع من حيث أتيت ، قال: لا ، تحدّث (١) نساء قريش عنّي بذلك أبداً ، قال عليه‌السلام : فهاهنا أخرى ، قال: وما هي؟ قال عليه‌السلام : أبارزك وتبارزني .

فضحك عمرو وقال: إنّ هذه الخصلة ما كنت أظنّ أحداً من العرب يطلبها منّي ، وأنا أكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك ، وقد كان أبوك نديماً لي ، فقال عليه‌السلام : وأنا كذلك ، ولكنّي أحب أن أقتلك ما دمت أبيّاً للحق .

فحمى عمرو ونزل عن فرسه وضرب وجهه حتّى نفر ، وأقبل على أمير المؤمنين عليه‌السلام مصلتاً سيفه وبدره بضربة ، فنشب السيف في ترس عليّ عليه‌السلام ، فضربه أمير المؤمنين عليه‌السلام (٢) .

قال جابر الأنصاري رحمه‌الله : وتجاولا وثارت بينهما فترة ، وبقيا ساعة طويلة لم أرهما ولا سمعت (٣) لهما صوتاً ، ثمّ سمعنا التكبير فعلمنا أنّ علياً عليه‌السلام قد قتله ، وسرّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سروراً عظيماً لما سمع صوت أمير المؤمنين عليه‌السلام بالتكبير ، وكبّر وسجد لله تعالى شكراً ، وانكشف الغبار وعبر أصحاب عمرو الخندق ، وانهزم عكرمة بن أبي جهل وباقي المشركين ، فكانوا كما

ـــــــــــــــــ

(١) في بعض المصادر: إذاً تتحدّث ، وفي بعضها الاخر: لا تتحدّث .

(٢) كشف اليقين: ١٣٣; وكشف الغمة ١: ٢٠٣; وارشاد المفيد: ٥٣ و٥٤; عنه البحار ٢٠: ٢٥٥ ح١٩ .

(٣) في "ج": لم نرهما ولا سمعنا لهما .


قال الله تعالى: ( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً ) (١) .

ولما قتله عليّ عليه‌السلام احتزّ رأسه وأقبل نحو النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووجهه يتهلل ، فألقى الرأس بين يدي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقبّل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأس عليّ عليه‌السلام ووجهه ، وقام أكابر الصحابة فقبّلوا أقدامه عليه‌السلام ، وقال له عمر بن الخطاب: هلاّ سلبته درعه فما لأحد درع مثلها؟ فقال: إنّي استحييت أن أكشف سوءة ابن عمّي (٢) ، وكان ابن مسعود يقرأ من ذلك اليوم كذا : ( وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ (بعلي) وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً ) .

وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك اليوم في حقّه عليه‌السلام : لمبارزة عليّ عمرو بن عبد ود العامري أفضل من عبادة أمتي إلى يوم القيامة .

وقال ربيعة السعدي: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت: يا أبا عبد الله ، أنا لنتحدّث عن عليّ عليه‌السلام ومناقبه ، فيقول لنا أهل البصرة: إنّكم تفرطون في عليّ ، فهل أنت محدّثي (٣) بحديث؟ فقال حذيفة: يا ربيعة ، وما تسألني عن عليّ عليه‌السلام ، والذي نفسي بيده لو وضع جميع أعمال اُمّة (٤) محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كفّة ميزان منذ بُعث محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى يوم يقوم الناس ، ووضع عمل عليّ عليه‌السلام في الكفّة الأخرى (٥) لرجح عمل عليّ على جميع أعمالهم .

فقال ربيعة: هذا الذي لا يُقام له ولا يُقعد له ، فقال حذيفة: يا لكع ! وأين كان أبو بكر وعمر وحذيفة وجميع أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم عمرو بن

ـــــــــــــــــ

(١) الأحزاب: ٢٥ .

(٢) ارشاد المفيد: ٥٥; عنه البحار ٢٠: ٢٥٧ ح١٩; وكشف الغمة ١: ٢٠٥ .

(٣) في "ب" و "ج": تحدّثني .

(٤) في "ج": أصحاب .

(٥) في "ج": الثانية .


عبدود وقد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلّهم ما خلا علياً عليه‌السلام ، فإنّه برز إليه فقتله والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من عمل أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى يوم القيامة (١) .

وقالت أخت عمرو ـ وقد نُعي إليها أخوها ـ : من ذا الذي اجترأ عليه؟ فقالوا: عليّ بن أبي طالب ، فقالت: لم يعد يومه (٢) إلاّ على يد كفو كريم ، لا رقأت دمعتي إن هرقتها عليه ، قتل الأبطال ، وبارز الأقران ، وكانت منيّته على يد كريم قومه ، وما سمعت أفخر من هذا يا بني عامر ، وأنشدت:

لو كان قاتل عمرو غير قاتله

لكنت أبكي عليه دائم الأبد

لكنَّ قاتله من لا نظير له

وكان يُدعى قديماً بيضة البلد(٣)

الرابعة : غزاة خيبر .

وكان الفتح فيها بأمير المؤمنين عليه‌السلام أيضاً ، لأنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حاصر اليهود بخيبر بضعاً وعشرين ليلة ، ففي بعض الأيّام فتحوا الباب وكان قد خندقوا على أنفسهم خندقاً ، وخرج مرحب بأصحابه يتعرّض للحرب .

فدعا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا بكر وأعطاه الراية في جمع من المسلمين والمهاجرين فانهزم فلمّا كان من الغد أعطاها عمر ، فسار بها غير بعيد ، فأقبل عليه مرحب ثمّ انهزم ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : آتوني بعليّ ، فقيل: إنّه أرمد العين ، قال: أرونيه تروني رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، كرّار غير فرّار (٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) الإرشاد للمفيد: ٥٤; عنه البحار ٢٠: ٢٥٦ ح١٩; وكشف الغمة ١: ٢٠٤ .

(٢) في "ب" و "ج": موته .

(٣) الإرشاد للمفيد: ٥٧; عنه البحار ٢٠: ٢٦٠ ح١٩; وكشف الغمة ١: ٢٠٦ .

(٤) قال حسّان بن ثابت في ذلك:

وكان عليّ أرمد العين يبتغي

دواءً فلمّا لم يحسّ مداويا

شفاه رسول الله منه بتفلة

بورك مرقيّاً وبورك راقيا

وقال سأعطي الراية اليوم صارماً

كميّاً محبّاً للرسول مواليا

يحبّ إلهي والإله يحبّه

به يفتح الله الحصون الأوابيا

فأصفى بها دون البريّة كلّها

عليّاً وسمّاه الوزير المواخيا


فجاءه عليّ عليه‌السلام فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما تشتكي يا عليّ؟ قال: رمد ما أُبصر معه وصداع برأسي ، فقال: اجلس وضَعْ رأسك على فخذي ، ثمّ تفل صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في يده ومسح بها عينيه ورأسه ودعا له ، ففتحت عيناه وسكن الصداع وأعطاه الراية وقال له: امض بها ، جبرئيل معك والنصر أمامك .

فمضى عليّ عليه‌السلام حتّى أتى الحصن ، فخرج مرحب وعليه درع ومغفر وحجر قد نقبه (١) مثل البيضة على رأسه ، فاختلفا ضربتين ، فضربه عليّ عليه‌السلام فقدّ الحجر والمغفر ورأسه حتّى وقع السيف على أضراسه وخرّ صريعاً ، وانهزم من كان مع مرحب وأغلقوا باب الحصن ، وعالجه جماعة كثيرة من المسلمين فلم يتمكّنوا من فتحه فجاء أمير المؤمنين عليه‌السلام فقلعه وأخذه وجعله (٢) جسراً على الخندق حتّى عبر المسلمون عليه ، فظفروا بالحصن وأخذوا الغنائم ولما انصرفوا دحا به (٣) بيمناه سبعين ذراعاً ، وكان يغلقه عشرون رجلاً ورام المسلمون حمل ذلك فلم ينقله (٤) إلاّ سبعون رجلاً ، وقال عليه‌السلام : والله ما قلعت باب خيبر بقوّة جسمانيّة ، ولكن بقوّة ربّانيّة (٥) .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": ثقبه .

(٢) في "ج": اتخذه .

(٣) في "ج": رمى باب الحصن بيمناه .

(٤) في "ج": فلم يستطع قلبه .

(٥) راجع البحار ١٠٢: ١٣٨ .


الخامسة : غزاة [ذات] السلسلة .

وخبر هذه الغزاة أنّه جاء أعرابي إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا رسول الله ، إنّ جماعة من العرب اجتمعوا بوادي الرمل على أن يبيّتوك بالمدينة ، فأمر بالصلاة جامعة فاجتمعوا وعرّفهم وقال: من لهم ؟ فابتدرت جماعة من أهل الصفة وغيرهم عدّتهم ثمانون وقالوا: نحن ، فَوَلِّ (١) علينا من شئت .

فاستدعى أبا بكر [وقال: امض] (٢) فمضى وتبعه القوم ، فهزموه وقتلوا جمْعاً كثيراً من المسلمين ، وانهزم أبو بكر وجاء إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فبعث عمر فهزموه أيضاً ، فساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك ، فقال عمرو بن العاص: ابعثني يا رسول الله فإنّ الحرب خدعة ولعلّي أخدعهم ، فأنفذه مع جماعة فلمّا صاروا (٣) إلى الوادي خرجوا إليه ، فهزموه وقتلوا من أصحابه جماعة .

ثمّ دعا أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ثمّ بعثه إليهم ودعا له وخرج معه مشيّعاً له إلى مسجد الأحزاب ، وأنفذ معه جماعة منهم أبو بكر وعمر وعمرو بن العاص ، فسار بهم نحو العراق منكبّاً عن الطريق حتّى ظنّوا أنّه يريد بهم غير ذلك الوجه ، ثمّ أخذهم (٤) على طريق غامضة ، واستقبل الوادي من فمه .

وكان عليه‌السلام يسير الليل ويكمن النهار فلمّا قرب من الوادي أمر أصحابه أن يخفوا حسّهم (٥) ، وأوقفهم مكاناً وتقدّم أمامهم ناحية فلمّا رأى عمرو بن العاص فعله لم يشك في كون الفتح له ، فخوّف أبا بكر وقال: إنّ هذه أرض ذات ضباع وذئاب ، كثيرة الحجارة ، وهي أشد علينا من بني سليم ، والمصلحة أن نعلوا

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": أمّر .

(٢) أثبتناه من "ج" .

(٣) في "ب": صعدوا .

(٤) في "ج": اتّجه بهم .

(٥) في "ج": يخفوا أصواتهم .


الوادي ، وأراد فساد الحال على أمير المؤمنينعليه‌السلام حسداً له وبغضاً ، وأمره أن يقول ذلك لأمير المؤمنينعليه‌السلام .

فقال له أبو بكر فلم يجبه أمير المؤمنين عليه‌السلام بحرف واحد ، فرجع أبو بكر وقال: والله ما أجابني بحرف واحد ، فقال عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب: امض أنت إليه فخاطبه ، ففعل فلم يجبه أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فقال عمرو: أنضيّع أنفسنا؟! انطلقوا بنا نعلوا الوادي ، فقال المسلمون: إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمرنا أن لا نخالف علياً ، فكيف نخالفه ونسمع قولك؟ .

ما زالوا حتّى طلع الصبح (١) ، فكبس القوم وهم غافلون ، فأمكنه الله منهم ونزل جبرئيل عليه‌السلام على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسورة ( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً ) (٢) السورة ، قسماً منه تعالى بخيل أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وعرّفه الحال .

ففرح النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبشّر أصحابه بالفتح وأمرهم باستقبال أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فخرجوا والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقدمهم ، فلمّا رأى أمير المؤمنين عليه‌السلام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ترجّل عن فرسه ، فوقف بين يديه وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لولا أنني أشفق أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في المسيح لقلت اليوم فيك مقالاً لا تمرّ بملأ منهم إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك [للبركة] (٣) ، اركب فإنّ الله ورسوله عنك راضيان (٤) .

وسمّيت هذه الغزاة (ذات السلاسل) لأنّه أسّر منهم وقتل منهم ، وأتى بالأسارى منهم مكتفين بالحبال كأنّهم في السلاسل .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": الفجر .

(٢) سورة العاديات .

(٣) أثبتناه من "ج" .

(٤) إرشاد المفيد: ٨٦; عنه البحار ٢١: ٧٧ و٧٩ ح٥; وكشف الغمة ١: ٢٣٠ .


وأمّا الثاني : وهو مواطن جهاده بعد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّه ابتلى وامتحن بحرب الناكثين والمارقين والقاسطين كما أمره (١) النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وبيان هذه الحروب على سبيل الاختصار : أنّه بعد أن آل الأمر إليه (صلوات الله عليه) وبايعه المسلمون ، نهض طلحة والزبير ونكثا بيعته وانحازا (٢) إلى عائشة ، واجتمعوا إلى قتاله وتوجّهوا إلى البصرة ، وانضمّ إليهم منها خلق كثير وخرجوا ليحاربوه .

فخرج عليه‌السلام وردعهم فلم يرتدعوا ، ووعظهم فلم ينزجروا (٣) ، بل أصرّوا على القتال ، فقاتلهم حينئذٍ حتّى قتل منهم ستة عشر ألف وسبعمئة وتسعين ، وكانوا ثلاثين ألفاً ، وقُتل من أصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام ألف وسبعون رجلاً وكانوا عشرين ألفاً ، وهذه الواقعة تُسمّى (واقعة الجمل) ، وهي حربه للناكثين ، وبعد ذلك اشتغل بوقعة صفين وحربه مع معاوية ، وهي (جهاد القاسطين) .

وهذه الحروب من الوقائع العظام التي يكاد أن يضطرب لها فؤاد الجليد (٤) ، ويشيب منها رأس اللبيب (٥) ، وبقي عليه‌السلام يكابد هذه الواقعة ثمانية عشر شهراً ، وقتل فيها من الفريقين على أقلّ الروايات مئة ألف وخمسة وسبعون ألفاً من أهل الشام ، وعشرون ألفاً (٦) من أهل العراق .

وفي ليلة الهرير من هذه الوقعة ـ وهي أشدّ أوقاتها ـ قُتل من الفريقين ستّة وثلاثون ألفاً ، وقتل عليه‌السلام بانفراده خمسمئة وثلاثة وعشرون فارساً (٧) ، لأنّه

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": أخبره .

(٢) في "ب": صارا .

(٣) في "ب" و "ج": فلم يتّعظوا .

(٤) في "ج": الجنين .

(٥) في "ج": الوليد .

(٦) في "ج": خمسة وعشرون ألفاً .

(٧) في "ب": قتيلاً .


كانعليه‌السلام كلّما قتل فارساً أعلن بالتكبير ، فأحصيت تكبيراته في تلك الليلة فكانت خمسمئة وثلاث وعشرين تكبيرة ، بخمسمئة وثلاثة وعشرين قتيلا ، وعرفوا قتلاه نهاراً بضرباته فإنّها كانت على وتيرة واحدة ، إن ضرب طولا قدّ أو عرضاً قطّ ، وكانت كلّها مكواة .

وروي أنّه عليه‌السلام في تلك الليلة فتق درعه لثقل ما كان يسيل من الدم على ذراعه (١) ، وفي صبيحة هذه الليلة انتظم أمر أصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام ولاحت لهم إمارات الظفر ولاحت لهم علامات النصر ، وزحف مالك الأشتر حتّى ألجأهم إلى معسكرهم ، ولم يبق إلاّ أخذهم وقبض معاوية فلما رأى عمرو بن العاص الحال على هذه قال لمعاوية: نرفع المصاحف وندعوهم إلى كتاب الله ، فقال: أصبت ، فرفعوها فرجع القرّاء من أصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام عن القتال ، وأقبلوا إليه وهم أربعة آلاف فارس كأنّهم السد من الحديد ، وقالوا: ابعث ردّ الأشتر عن قتال هؤلاء .

فقال لهم: إنّها خديعة ابن العاص وشيطنته وهؤلاء ليسوا من رجال القرآن ، فلم يقبلوا وقالوا: لابدّ أن تردّ الأشتر وإلاّ قتلناك أو سلّمناك إليهم ، فأنفذ عليه‌السلام يطلب الأشتر ، فقال : قد أشرفت على الفتح وليس هذا وقت طلبي ، فعرّفه اختلال أصحابه ، فرجع وعنّف القرّاء وسبّهم وسبّوه ، وضرب وجه دوابهم فلم يرجعوا .

ووضعت الحرب أوزارها ، فبعث إليهم أمير المؤمنين عليه‌السلام وقال لهم: لماذا رفعتم المصاحف؟ قالوا: للدعاء إلى العمل بمضمونها ، وأن نقيم حَكَماً وتقيموا حَكَماً ينظران في هذا الأمر ، ويقرّان الحق مقرّه ، فتبسّم أمير المؤمنين عليه‌السلام تعجباً وقال: يا ابن أبي سفيان أنت تدعوني إلى العمل بكتاب الله ، وأنا كتاب الله (٢)

ـــــــــــــــــ

(١) لاحظ كشف الغمة ١: ٢٥٥ .

(٢) في "ج": كتابه .


الناطق ، إنّ هذا لهو العجب العجيب والأمر الغريب .

ثمّ قال لأولئك القرّاء: إنّها حيلة وخديعة فعلها ابن العاص لمعاوية ، فلم يسمعوا وألزموه بالتحكيم ، فعيّن معاوية عمرو بن العاص وعيّن أمير المؤمنين عبد الله بن العباس ، فلم يوافقوا ، قال: فالأشتر ، فأبوا واختاروا أبا موسى الأشعري ، فقال عليه‌السلام : أبو موسى ضعيف العقل وهواه مع غيرنا ، فقالوا: لابدّ منه وحكّموه .

فخدع أبو موسى وحمله على خلع أمير المؤمنين عليه‌السلام وأنّه يخلع معاوية ، وأمره بالتقدّم حيث هو أكبر سنّاً ، فصعد أبو موسى المنبر وخطب ونزع أمير المؤمنين عليه‌السلام من الخلافة ، ثمّ قال: قم يا عمرو فافعل كذلك .

فقام وصعد المنبر وخطب وأقرّ الخلافة في معاوية ، فشتمه أبو موسى وتلاعنا ، فقال علي عليه‌السلام لأصحابه القرّاء العبّاد الذين غلبوا على رأيه بالتحكيم: ألم أقل لكم إنها حيلة فلا تنخدعوا بها ، فلم تقبلوا؟ قالوا لعنهم الله: ما كان ينبغي لك أن تقبل منّا ، فأنت قد عصيت الله بقبولك منّا ولا طاعة لمن عصى الله .

وخرجوا من الكوفة مصرّين على قتاله ، وأمّروا عليهم عبد الله بن وهب وذا الثدية وقالوا: ما نريد بقتالك إلاّ وجه الله والدار الآخرة ، فقرأ عليه‌السلام : ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) (١) .

ثمّ التحم القتال ، فحمل عليهم أمير المؤمنين عليه‌السلام حملة واحدة ، فلم يكن (٢) إلاّ ساعة حتّى قتلوا بأجمعهم سوى تسعة أنفس فإنّهم هربوا ، وقتل من أصحاب عليّ عليه‌السلام تسعة ، عدد مَنْ سلم من الخوارج ، وكان عليه‌السلام قد

ـــــــــــــــــ

(١) الكهف: ١٠٣ و ١٠٤ .

(٢) في "ج": فلم تمض .


أخبر من قبل القتال بأنّا نقتلهم (١) ولا يُقتل منّا عشرة ولا يسلم منهم عشرة .

فهذه (وقعة النهروان) وهو قتاله عليه‌السلام للخوارج المارقين الذين قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقّهم: إنّهم شرّ الخلق والخليقة ، يقتلهم خير الخلق والخليقة ، وأعظمهم عند الله يوم القيامة وسيلة (٢) .

[الجمع بين الفضائل المتضادّات]

ومن فضائله (صلوات الله عليه) التي انفرد بها من المشاركة فيها ، أنّه جمع بين الفضائل المتضادّات ، وألّف بين الكمالات المتباينات (٣) فإنّه كان يصوم النهار ويقوم الليل مع هذه المجاهدات التي ذكرناها ، ويفطر على اليسير من جريش الشعير بغير إدام كما قلناه في صفة زهده ، ومن يكون بهذه الحال يكون ضعيف القوّة ، وأمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) كان مع ذلك أشدّ الناس قوّة ، وأنّه قلع باب خيبر وقد عجز عن حملها سبعون نفراً من المسلمين ، ورمى بها (٤) أذرعاً كثيرة ثمّ أعادها إلى مكانها بعد أن وضعها على الخندق جسراً .

وكان أكثر الوقت في الحروب يباشر قتل النفوس ، ومَنْ هذا حاله يكون شديد اللقاء عبوس الوجه ، وأمير المؤمنين عليه‌السلام كان مع ذلك رحيماً رقيق القلب ، حسن الأخلاق ، طلق الوجه ، حتّى نسبه بعض المنافقين إلى الدعابة لشرف

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب": نقاتلهم .

(٢) راجع البحار ٣٣: ٣٣١ ح٥٧٧; عن كشف الغمة ١: ١٥٨ .

(٣) قال صفيّ الدين الحلي المتوفى في المئة الثامنة:

جُمعت في صفاتك الأضداد

ولهذا عزّت لك الأنداد

زاهد حاكم حليم شجاع

فاتك ناسك فقير جواد

شيم ما جمعن في بشر قط

ولا حاز مثلهنّ العباد

خُلُق يخجل النسيم من اللطف

وبأس يذوب منه الجماد

جلّ معناك أن يحيط به

الشعر ويحصي صفاتك النقاد

(٤) في "ب": دحا بها .


أخلاقه صلوات الله عليه .

وهذه الفضائل قد وردت من طريق الخصم ولم يمكنه إخفاؤها لشهرتها من طريقهم وطريقنا (١) ، وجميعها يدلّ على إمامته فكيف من طريق أهل البيت عليهم‌السلام .

إنّ علماء الشيعة (رضوان الله عليهم) قد ألّفوا في فضائله والأدلّة على إمامته كتباً كثيرة لا تُحصى ، من جملتها كتاب واحد من جملة تصانيف الشيخ الأعظم ، والبحر الخضم ، ينبوع الفضائل والحكم ، جمال الإسلام والمسلمين ، الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلي قدّس الله نفسه الزكية ، سمّاه بكتاب "الألفين" فيه ألف دليل من الكتاب العزيز الذي ( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ) كما قال سبحانه وتعالى ، وألف دليل من سنّة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على إمامة عليّ بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه) .

ولو لم يكن من الدلائل على إمامته سوى العصمة والنص من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكان كافياً ، وذلك لأنّ الإمام إذا لم يكن معصوماً لجاز عليه الخطأ ، فيحتاج إلى إمام آخر يردّه عن خطئه ، ويلزم التسلسل وهو محال ؛ لأنّ السبب المحوج إلى الإمام جوازُ الخطأ على الأمة ، فلا يجوز أن يكون الإمام كذلك وإلاّ لانتفت الفائدة من إمامته .

ولأنّ الإمام حافظ للشرع ، فلو لم يكن معصوماً لجاز عليه الإخلال بشيء من الشرع والزيادة فيه ، فلا يكون الشرع محفوظاً .

ـــــــــــــــــ

(١) قال الشاعر:

صفات أمير المؤمنين مَنِ اقْتفى

مدارجها أقنته ثوب ثوابه

صفات جلال ما اغتدى بلبانها

سواه ولا حلّت بغير جنابه

تفوّقها طفلاً وكهلاً فأينعت

معاني المعالي فهي ملء إهابه

مناقب من قامت به شهدت له

بإزلافه من ربّه واقترابه

مناقب لطف الله أنزلها له

وشرّف ذكراه بها في كتابه


ولأنّ الإمام مع جواز المعصية عليه إما أن يتّبع أو لا ، فإن اتّبع لزم التعاون على الإثم المنفي بقوله تعالى: ( وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوان‏ ) (١) ، أو لا يتّبع فلا يكون إماماً لعدم الفائدة ومع هذا فالإمامة لطف من الله تعالى ، والله تعالى حكيم فلا يختار إلاّ المعصوم ، فحينئذٍ يجب أن يكون الإمام بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلا فصل عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام للإجماع على عصمته عليه‌السلام دون غيره .

وأمّا النصّ فكثير تواترت به الشيعة خلفاً عن سلف أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نصّ عليه بالخلافة نصّاً جليّاً ، كقوله: أنت الخليفة من بعدي ، سلّموا عليه بإمرة المؤمنين ، اسمعوا له وأطيعوا إلى غير ذلك من الأخبار .

وأمّا الدلائل على إمامته كقوله تعالى: ( يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقينَ ) (٢) أي المعلوم منهم الصدق ، ولا يعلم الصدق إلاّ من المعصوم ، ولا معصوم ممّن قيل بإمامته إلاّ هو ، فتعيّن للإمامة .

ومنها : أن أبا بكر والعباس كانا كافرين فلا يصلحان للإمامة لقوله تعالى: ( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمين‏ ) (٣) فتعيّن هو لها .

ومنها : أن غيره ظالماً لكونه كافراً ، والركون إلى الظالم منهيّ عنه لقوله تعالى: ( وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (٤) فتعيّن هو لها .

ومنها : قوله تعالى: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (٥) والولي هو الأولى بالتصرّف ، كقولهم: لا نكاح إلاّ بولي ، والسلطان وليّ من لا وليّ له ، فلا يخلو إما أن يكون المراد بـ ( الَّذِينَ

ـــــــــــــــــ

(١) المائدة: ٢ .

(٢) التوبة: ١١٩ .

(٣) البقرة: ١٢٤ .

(٤) هود: ١١٣ .

(٥) المائدة: ٥٥ .


آَمَنُوا ) الجمع أو البعض ، والأوّل باطل وإلاّ لكان الولي والمولّى عليه واحداً ، ولأنّه قيّده بإيتاء الزكاة حال الركوع وهو وصف له لم يحصل للكل ، فتعيّن أن يكون المراد البعض ، وحينئذٍ يكون هو علياً عليه‌السلام .

لأنّ كلّ من قال المراد بالآية البعض قال إنّه عليّعليه‌السلام ، فلو قيل غيره مع أن المراد به البعض كان خرقاً للإجماع ولأنّ علياًعليه‌السلام مراد بالإجماع ، أما على قول من يقول المراد به الجميع فدخوله ظاهر لأنّه سيّدهم ، وأمّا على قول الآخر فظاهر .

ومنها : خبر الغدير المشهور وسيأتي .

ومنها : قوله تعالى: ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (١) وليس المراد بذلك الجميع وإلاّ لكان المطاع والمطيع واحداً ، فتعيّن أن يكون البعض وهو المعصوم لاستحالة الترجيح من غير مرجح ، ولا معصوم سواه فيكون هو المطاع .

ومن أعجب الأشياء أن علياً عليه‌السلام ما زال في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أميراً والياً مستخلفاً مطاعاً ، وولاّه المدينة ، واستقضاه على اليمن ، وأخذ (٢) الراية واللواء في جميع الحروب ، ولم يكن في عسكر غاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنه إلاّ كان هو الأمير عليه ، واستخلفه حين هاجر في مكة في قضاء ديونه ، وردّ ودائعه ، وحمل نسائه وأهله وبات على فراشه ، وبذل نفسه وقاية له مع أن غيره لم يستصلح لشيء من ذلك في حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع كونه ظهيراً له ، وعزل عن تبليغ براءة ولم يستصلح لها ، ولما استخلفته عائشة في الصلاة سأل من المصلّي؟ فقيل له: أبو بكر ، فخرج متّكئاً على عليّ والفضل بن العباس فزحزحه وصلّى ، وكان أسامة أميراً

ـــــــــــــــــ

(١) النساء: ٥٩ .

(٢) في "ج": وأعطاه .


عليه وعلى عمر وعثمان ، ولم يكن عليّ فيه .

فليت شعري كيف يفوّض إليه أمر الأمة مع أنّه لم يصلح لتفويض البعض اليسير ، ويترك من استصلحه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأكثر الأمور وشدائد الوقائع؟ ( إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ) ، أعاذنا الله وإيّاكم من اتّباع الهوى ، والاغترار بالأباطيل والمنى بمحمد وآله الطاهرين .

فصل : يذكر فيه طرف من فضائلهعليه‌السلام من طرق أهل البيتعليهم‌السلام

روي عن ابن عباس قال: سأل رجل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن عمل يدخل به الجنّة ، قال: صلّ المكتوبات ، وصم شهر رمضان ، واغتسل من الجنابة ، وأحب عليّاً وأولاده ، وادخل الجنّة من أيّ باب شئت فوالذي بعثني بالحقّ لو صلّيت ألف عام ، وصمت ألف عام ، وحججت ألف حجة ، وغزوت ألف غزوة ، وعتقت ألف رقبة ، وقرأت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، ولقيت الأنبياء كلّهم ، وعبدت الله مع كلّ نبيّ ألف عام ، وجاهدت معهم ألف غزوة ، وحججت مع كلّ نبيّ ألف حجّة ، ثمّ مت ولم يكن في قلبك حبّ علي وأولاده أدخلك [الله] النار مع المنافقين ألا فليبلغ الشاهد الغائب قولي في عليّ عليه‌السلام ، فإنّي لم أقل في عليّ إلاّ بأمر جبرئيل عليه‌السلام ، وجبرئيل لا يخبرني إلاّ عن الله (عَزَّ وجَلَّ) ، وإنّ جبرئيل عليه‌السلام لم يتّخذ أخاً في الدنيا إلاّ عليّاً ، ألا من شاء فليحبّ ومن شاء فليبغض ، فإنّ الله سبحانه اتّخذ (١) على نفسه أن لا يخرج مبغض عليّ بن أبي طالب من النار أبداً .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": حتم .


وروي عن الصادق عليه‌السلام يقول: من أحبّنا لله وأحبّ محبّنا لا لغرض دنيا يصيبه منه ، وعادى عدوّنا لا لإحنّة كانت بينه وبينه ، ثمّ جاء يوم القيامة وعليه من الذنوب مثل رمل عالج وزبد البحر غفرها الله تعالى له (١) .

وعنه عليه‌السلام : أن الله تعالى ضمن للمؤمن (٢) ضماناً ، قال : قلت : وما هو؟ قال: ضمن له إنْ أقرّ لله بالربوبيّة ، ولمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالنبوّة ، ولعليّ عليه‌السلام بالإمامة ، وأدّى ما افترض الله عليه ، أن يسكنه في جواره ، قال: قلت: والله هذه الكرامة التي لا تشبهها كرامة الآدميين ، ثمّ قال أبو عبد الله عليه‌السلام : اعملوا قليلاً تنعموا كثيراً (٣) .

وبإسناده عن الرضا عليّ بن موسى ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن آبائه عليهم‌السلام قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حبّنا أهل البيت يكفّر الذنوب ، ويضاعف الحسنات ، والله تعالى ليتحمّل عن محبّينا أهل البيت ما عليهم من مظالم العباد إلاّ من كان منهم على إصرار وظلم للمؤمنين ، فيقول للسيّئات: كوني حسنات (٤) .

وروي عن الحسين بن عليّ عليهما‌السلام قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ألزموا مودّتنا أهل البيت فإنّه من لقى الله يوم القيامة وهو يودّنا دخل الجنّة بشفاعتنا والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلاّ بمعرفته حقّنا (٥) .

وروي بإسناده إلى ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ـــــــــــــــــ

(١) أمالي الطوسي: ١٥٦ ح٢٥٩; عنه البحار ٢٧: ٥٤ ح٧ .

(٢) في "ب" و "ج": للمؤمنين .

(٣) أمالي الطوسي: ١٥٠ ح٢٦٦; عنه البحار ٦٧: ١٤٦ ح٢ .

(٤) أمالي الطوسي: ١٦٤ ح٢٧٤; عنه البحار ٦٨: ١٠٠ ح٥ .

(٥) أمالي الطوسي: ١٨٦ ح٣١٤; عنه البحار ٢٧: ١٧٠ ح١٠; ونحوه في المحاسن ١: ١٣٤ ح١١٨ .


يقول: أعطاني الله خمساً وأعطى علياً خمساً ، أعطاني جوامع الكلم وأعطى علياً جوامع العلم ، وجعلني نبيّاً وجعل عليّاً وصيّاً ، وأعطاني الكوثر وأعطى عليّاً السلسبيل ، وأعطاني الوحي وأعطى علياً الإلهام ، وأسرى بي إليه وفتح له أبواب السماء حتّى رأى ما رأيت ونظر ما نظرت إليه .

ثمّ قال: يا ابن عباس ، من خالف علياً فلا تكوننّ ظهيراً له ولا وليّاً ، فوالذي بعثني بالحق ما يخالفه أحد إلاّ غيّر الله ما به من نعمة ، وشوّه خلقه قبل إدخاله النار يا ابن عباس ، لا تشك في عليّ فإنّ الشك فيه كفر يُخرج عن الإيمان ، ويوجب الخلود في النار (١) .

وروي عن جابر بن عبد الله قال: أتيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت: يا رسول الله من وصيّك؟ قال: فأمسك عنّي عشراً لا يجيبني ، ثمّ قال: يا جابر ، ألا أخبرك عمّا سألتني؟ فقلت: بأبي وأمي أنت [يا رسول الله] (٢) والله لقد سكتّ عنّي حتّى ظننت إنّك وجدت عليَّ فقال: ما وجدت عليك يا جابر ولكن كنت أنتظر ما يأتيني من السماء ، فأتاني جبرئيل فقال: يا محمد ، ربّك يقول لك: "إنّ عليّ بن أبي طالب وصيّك وخليفتك على أهلك وأمتك ، [وأمينك] (٣) والذائد عن حوضك ، وهو صاحب لوائك يقدمك إلى الجنّة" فقلت: يا نبيّ الله ، أرأيت من لا يؤمن بهذا أقتله؟ قال: نعم يا جابر ، ما وضع هذا الموضع إلاّ ليتابع عليه ، فمن تابعه كان معي غداً ، ومن خالفه لم يرد عليّ الحوض أبداً (٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) أمالي الطوسي: ١٨٨ ح٣١٧; عنه البحار ١٦: ٣٢٢ ح١٢; ونحوه الخصال: ٢٩٣ ح٥٧ باب الخمسة .

(٢) أثبتناه من "ج" .

(٣) أثبتناه من "ج" .

(٤) أمالي الطوسي: ١٩٠ ح٣٢١; عنه البحار ٣٨: ١١٤ ح٥٢; وأمالي المفيد: ١٠٨ المجلس الحادي والعشرون .


وروى أبو ذر رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد ضرب كتف عليّ عليه‌السلام بيده وقال: يا عليّ من أحبّنا فهو العربي ومن أبغضنا فهو العلج ، فشيعتنا أهل البيوت والمعادن والشرف وما كان مولده صحيحاً ، وما على ملّة ابراهيم إلاّ نحن وشيعتنا وسائر الناس منها برآء ، وإنّ الله وملائكته يهدمون سيّئات شيعتنا كما يهدم القوم البنيان (١) .

وروي عن الصادق عليه‌السلام قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لما أُسري بي إلى السماء وانتهيت إلى سدرة المنتهى ، نوديت: يا محمد ، استوص بعليّ خيراً ، فإنّه سيد المسلمين ، وإمام المتّقين ، وقائد الغرّ المحجّلين (٢) .

وعن الباقر عليه‌السلام قال: قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام على منبر الكوفة: أيّها الناس! إنّه كان لي من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عشر خصال إحداهن أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس ، قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عليّ ، أنت أخي في الدنيا والآخرة ، وأنت أقرب الخلق إليّ يوم القيامة في الموقف بين يدي الجبّار ، ومنزلك في الجنّة مواجه منزلي كما يتواجه منزل الإخوان في الله (عَزَّ وجَلَّ) وأنت الوارث منّي ، وأنت الوصيّ من بعدي في عدّتي وأسرتي ، وأنت الحافظ لي في أهلي عند غيبتي ، وأنت الإمام لأمتي ، والقائم بالقسط في رعيّتي ، وأنت وليّي ووليّي وليّ الله ، وعدوّك عدوّي وعدوّي عدوّ الله (٣) .

وعن زيد بن علي ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم‌السلام قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عليّ ، إن الله أمرني أن أتّخذك أخاً ووصيّاً ، فأنت أخي ووصيّي وخليفتي على أهلي في حياتي وبعد موتي ، من تبعك فقد تبعني ، ومن تخلّف

ـــــــــــــــــ

(١) أمالي الطوسي: ١٩٠ ح٣٢٢; عنه البحار ٦٨: ٢٣ ح٤١; وأمالي المفيد: ١٠٨ المجلس الحادي والعشرون .

(٢) أمالي الطوسي: ١٩٣ ح٣٢٨; عنه البحار ١٨: ٤٠٩ ح١١٩; وأمالي المفيد: ١١١ المجلس الثاني والعشرون .

(٣) أمالي الطوسي: ١٩٣ ح٣٢٩; عنه البحار ٣٨: ١٥٥ ح١٣٠; وأمالي المفيد: ١١١ المجلس الثاني والعشرون .


عنك فقد تخلّف عنّي ، ومن كفر بك فقد كفر بي ، ومن ظلمك فقد ظلمني [ومن خادعك فقد خادعني] (١) . يا عليّ أنت منّي وأنا منك ، يا عليّ لولا أنت ما قاتل أهل النهر أحداً ، قال: فقلت له: يا رسول الله ومن أهل النهر؟ قال: قوم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية (٢) .

وقال الصادق عليه‌السلام : ما جاء عن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام يؤخذ به ، وما نهى عنه ينتهى عنه ، جرى له من الفضل (٣) ما جرى لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولرسوله الفضل على جميع من خلق الله ، العائب على أمير المؤمنين عليه‌السلام في شيء كالعائب على الله وعلى رسوله ، والراد عليه في صغير أو كبير على حدّ الشرك بالله .

كان أمير المؤمنين عليه‌السلام باب الله الذي لا يؤتى إلاّ منه ، وسبيله الذي من تمسّك بغيره هلك ، وكذلك جرى حكم الأئمة عليهم‌السلام من بعده واحد بعد واحد ، جعلهم الله أركان الأرض ، وهم الحجة البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى .

أما علمت انّ أمير المؤمنين عليه‌السلام كان يقول: أنا قسيم بين الجنّة والنار ، وأنا الفاروق الأكبر ، وأنا صاحب العصى والميسم ، ولقد أقرّ لي جميع الملائكة والروح مثل ما أقرّوا لمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولقد حملت مثل حمولة محمد وهي حمولة الربّ سبحانه .

وأنّ محمداً يُدعى فيكسى ويُستنطق فينطق ، وأُدعى فأُكسى وأُستنطق فأنطق ، ولقد أعطيت خصالاً لم يعطها أحد قبلي ، علمت المنايا والبلايا والقضايا

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ب" .

(٢) أمالي الطوسي: ٢٠٠ ح٣٤١; عنه البحار ٣٣: ٣٢٥ ح٥٧٠ .

(٣) في "ب" و "ج": الفضائل .


والأنساب وفصل الخطاب ، ولقد نظرت في الملكوت بإذن ربّي فما غاب عنّي ما كان قبلي ولا ما يأتي بعدي ، وإنّ بولايتي أكمل الله لهذه الأمة دينهم (١) .

وروي عن الباقر عليه‌السلام قال: أحبب حبيب آل محمد وإن كان فاسقاً زانياً (٢) ، وابغض مبغض آل محمد وإن كان صوّاماً قوّاماً ، فإنّي سمعت عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: ( الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (٣) ثمّ التفت إلى عليّ عليه‌السلام فقال: والله أنت وشيعتك يا علي ، وميعادك وميعادهم الحوض غداً ، غرّاً محجلين مكحلين متوّجين ، فقال أبو جعفر عليه‌السلام : هكذا هو عياناً في كتاب عليّ عليه‌السلام (٤) .

وعن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال: إذا كان يوم القيامة وكّلنا الله بحساب شيعتنا ، فما كان لله سألنا الله أن يهبه لنا فهو لهم ، وما كان لنا فهو لهم ثمّ قرأ أبو عبد الله عليه‌السلام : ( إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ) (٥) (٦) .

وعن أبي عبد الله عليه‌السلام قال: إن الله (عَزَّ وجَلَّ) جعل عليّاً علماً بينه وبين خلقه ليس بينهم علم غيره ، فمن أقرّ بولايته كان مؤمناً ، ومن جحدها كان كافراً ، ومن جهله كان ضالاًّ ، ومن نصب معه كان مشركاً ، ومن جاء بولايته دخل الجنّة ، ومن أنكرها دخل النار (٧) .

وروي عن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إذا حُشر الناس يوم القيامة نادى مناد: يا رسول الله إن الله جلّ

ـــــــــــــــــ

(١) أمالي الطوسي: ٢٠٣ ح٣٥٢; عنه البحار ٢٥: ٣٥٢ ح١; ونحوه الكافي ١: ١٩٦ ح١ .

(٢) في "ج": جانياً .

(٣) البيّنة: ٧ .

(٤) أمالي الطوسي: ٤٠٥ ح٩٠٩; عنه البحار ٢٧: ٢٢٠ ح٥ .

(٥) الغاشية: ٢٥ و ٢٦ .

(٦) أمالي الطوسي: ٤٠٦ ح٩١١; عنه البحار ٧: ٢٦٤ ح١٩ .

(٧) أمالي الطوسي: ٤١٠ ح٩٢٢; عنه البحار ٣٨: ١١٧ ح٥٩ .


اسمه أمكنك من مجازات محبّيك ومحبّي أهل بيتك الموالين لهم فيك [والمعادين لهم فيك] فكافهم بما شئت ، فأقول: يا ربّ الجنّة ، فأنادى (١) : بوّئهم منها حيث شئت فلك المقام المحمود الذي وعدت به (٢) .

وعن الصادق عليه‌السلام قال: شيعتنا جزء منّا ، خلقوا من فضل طينتنا ، يسوؤهم ما يسوؤنا ويسرّهم ما يسرّنا ، فإذا أرادنا أحد فليقصدهم فإنّهم الباب الذي يوصل منه إلينا (٣) .

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أول من اتّخذ عليّ بن أبي طالب أخاً من أهل السماء حملة العرش ثمّ جبرئيل ثمّ ميكائيل ثمّ رضوان خازن الجنان ثمّ ملك الموت وإنّ ملك الموت يترحّم على محبّي عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام كما يترحّم على الأنبياء ، ولو أنّ عبداً عبد الله ألف عام من بعد ألف عام بين الركن والمقام ثمّ لقى الله مبغضاً لعليّ لأكبّه الله يوم القيامة على منخريه في النار (٤) .

وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من صافح علياً كأنّما صافحني ، ومن صافحني فكأنّما صافح أركان العرش ، ومن عانقه فكأنّما عانق الأنبياء كلّهم ، ومن صافح محبّاً لعليّ غفر الله ذنوبه وأدخله الجنّة بغير حساب (٥) .

وقال عليه‌السلام : مكتوب على العرش: لا إله إلاّ الله ، محمد نبيّ الرحمة ، وعليّ مقيم الحجة ، ومن عرف حق علي زكى وطاب ، ومن أنكر حقه لعن وخاب أقسمت (٦) بعزّتي وجلالي أن اُدخل الجنة من أطاعه وإن عصاني ، وأقسمت

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب": فأنا الذي أبوّئهم منها .

(٢) أمالي الطوسي: ٢٩٨ ح٥٨٦; عنه البحار ٨: ٣٩ ح٢٠ .

(٣) أمالي الطوسي: ٢١٩ ح٥٨٨; عنه البحار ٦٨: ٢٤ ح٤٣ .

(٤) مائة منقبة: ١١٩ ح٩٤; كشف الغمة ١: ١٠١; عنه البحار ٣٩: ١١٠ ح١٧; المناقب للخوارزمي: ٧١ ح٤٩ .

(٥) راجع البحار ٢٧: ١١٥ ح٩٠; عن مناقب ابن شاذان: ٩٢ ح٣٩ .

(٦) زاد في "ج": وفي الحديث القدسي قال:أقسمت ... .


بعزّتي وجلالي أن أدخل النار من عصاه وإن أطاعني (١) .

وقال عليه‌السلام : إذا كان يوم القيامة ينادون عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام بسبعة أسماء: يا صديق ، يا دالّ ، يا عابد ، يا هادي ، يا مهديّ ، يا فتى ، يا عليّ ، أدخل أنت وشيعتك إلى الجنة بغير حساب .

وقال عليه‌السلام : إذا كان يوم القيامة أقام الله (عَزَّ وجَلَّ) جبرئيل ومحمداً عليهما‌السلام على الصراط ، لا يجوز أحد إلاّ من كان معه براءة من عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام (٢) .

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يحشر الشاك في عليّ من قبره في عنقه طوق من نار ، فيه ثلاثمئة شعلة ، على كلّ شعلة شيطان يلطم وجهه حتّى يوقف موقف الحساب (٣) .

وقال عليّ عليه‌السلام : تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، اثنتان وسبعون فرقة في النار وواحدة في الجنّة ، وهم الذين قال الله تعالى: ( وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) (٤) أنا وشيعتي (٥) .

وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يقول الله لي ولعليّ بن أبي طالب: أدخلا الجنّة من أحبّكما وأدخلا النار من أبغضكما ، وذلك قوله تعالى: ( أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ) (٦) .

وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عليّ إن الله (عَزَّ وجَلَّ) قد غفر لك

ـــــــــــــــــ

(١) البحار ٢٧: ١٠ ح٣; عن مناقب ابن شاذان: ١٠٦ ح٥٠ .

(٢) راجع البحار ٣٩: ٢٠٨ ح٢٧ .

(٣) أمالي المفيد: ٩٤ مجلس ١٨; والبحار ٣٩: ٣٠٤ ح١٢٠ .

(٤) الأعراف: ١٨١ .

(٥) راجع البحار ٢٤: ١٤٦ ح١٨ .

(٦) أمالي الطوسي: ٢٩٠ ح٥٦٣; عنه البحار ٧: ٣٣٨ ح٢٧; والآية في سورة ق: ٢٤ .


ولشيعتك ومحبّي شيعتك ومحبّي محبّي شيعتك ، أبشر فإنّك الأنزع البطين ، منزوع من الشرك ، بطين من العلم (١) .

وبإسناده عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: يا عليّ خلقني الله وأنت من نوره حين خلق آدم ، فافرغ ذلك النور في صلبه ، فأفضى به إلى عبد المطلب ثمّ افترقا من عبد المطلب ، فأنا في عبد الله وأنت في أبي طالب ، لا تصلح النبوّة إلاّ لي ، ولا تصلح الوصيّة إلاّ لك ، فمن جحد وصيّتك فقد جحد نبوّتي ، ومن جحد نبوّتي أكبّه الله على منخريه في النار (٢) .

وبإسناده قال: دخل سماعة بن مهران على الصادق عليه‌السلام فقال له: يا سماعة من أشرّ الناس؟ فقال: نحن يا ابن رسول الله ، قال: فغضب حتّى احمرّت وجنتاه ، ثمّ استوى جالساً ـ وكان متّكئاً ـ فقال: يا سماعة من أشرّ الناس عند الناس؟ فقلت: والله ما كذبتك يا ابن رسول الله ، نحن أشرّ الناس عند الناس ، لأنّهم سمّونا كفّاراً ورافضة .

فنظر إليّ ثمّ قال: كيف بكم إذا سيق بكم إلى الجنّة وسيق بهم إلى النار ، فينظرون إليكم فيقولون: ( مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ ) (٣) . يا ابن مهران إنّه من أساء منكم إساءة مشينا إلى الله تعالى يوم القيامة بأقدامنا ونشفع فيه فنشفّع ، والله لا يدخل النار منكم عشرة رجال ، والله لا يدخل النار منكم خمسة رجال ، والله لا يدخل النار منكم ثلاثة رجال ، والله لا يدخل النار منكم رجل واحد ، فتنافسوا في الدرجات ، واكمدوا عدوّكم بالورع (٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) أمالي الطوسي: ٢٩٣ ح٥٧٠; عنه البحار ٦٨: ١٠١ ح٩ .

(٢) أمالي الطوسي: ٢٩٤ ح٥٧٧; عنه البحار ١٥: ١٢ ح١٥ .

(٣) ص: ٦٢ .

(٤) أمالي الطوسي: ٢٩٥ ح٥٨١; عنه البحار ٦٨: ١١٧ ح٤١ .


 [في احتجاجهعليه‌السلام يوم الشورى]

وروي عن أبي المفضل بإسناده عن أبي ذر رضي الله عنه أن علياً عليه‌السلام وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص أمرهم عمر بن الخطاب أن يدخلوا بيتاً ويغلقوا عليهم بابه ويتشاوروا في أمرهم ، وأجّلهم ثلاثة أيام ، فإن توافق خمسة على قول واحد وأبى رجل منهم قتل ذلك الرجل ، وإن توافق أربعة وأبى اثنان قتل الاثنان .

فلمّا توافقوا جميعاً على رأي واحد قال لهم عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام : إنّي أحب أن تسمعوا منّي ما أقول لكم ، فإن يكن حقّاً فاقبلوه ، وإن يكن باطلاً فأنكروه ، قالوا: قل ، قال: أنشدكم بالله ـ أو قال: أسألكم بالله ـ الذي يعلم سرائركم ويعلم صدقكم إن صدقتم ويعلم كذبكم إن كذبتم ، هل فيكم أحد آمن قبلي بالله ورسوله ، وصلّى القبلتين قبلي؟ قالوا: اللّهمّ لا .

قال: هل فيكم أحد من يقول الله (عَزَّ وجَلَّ) فيه: (يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم) (١) سواي؟ قالوا: اللّهمّ لا ، قال: فهل فيكم أحد نصر أبوه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكفله غيري؟ (٢) قالوا: اللّهمّ لا .

[قال: فهل فيكم أحد أخوه ذي الجناحين في الجنّة ، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا ،] (٣) قال: فهل فيكم أحد وحّد الله قبلي ولم يشرك به شيئاً؟ قالوا: اللّهمّ لا ، قال: فهل فيكم أحد عمّه حمزة سيّد الشهداء غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا ، قال: فهل فيكم أحد زوجته سيدة نساء أهل الجنة ، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا .

قال: فهل فيكم أحد ابناه سيدا شباب أهل الجنة ، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا ،

ـــــــــــــــــ

(١) النساء: ٥٩ .

(٢) في "ج": غير أبي .

(٣) أثبتناه من البحار .


قال: فهل فيكم أحد أعلم بناسخ القرآن ومنسوخه والسنّة منّي؟ قالوا: اللّهمّ لا ، قال: فهل فيكم أحد سمّاه الله (عَزَّ وجَلَّ) في عشر آيات من القرآن مؤمناً ، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا ، قال: فهل فيكم أحد ناجى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عشر مرّات يقدّم بين يدي نجواه صدقة ، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا .

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه ، ليبلغ الشاهد الغائب ذلك ، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا ، قال: فهل فيكم رجل قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لأعطينّ الراية غداً رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، كرّار غير فرّار ، لا يولّي الدبر ، يفتح الله على يديه ، وذلك حيث رجع أبو بكر وعمر منهزمين فدعاني وأنا أرمد ، فتفل في عيني وقال: اللّهمّ أذهب عنه الحرّ والبرد ، فما وجدت بعدها حرّاً ولا برداً يؤذياني ، ثمّ أعطاني الراية فخرجت بها ففتح الله على يدي خيبر ، فقتلت مقاتلهم وفيهم مرحب ، وسبيت ذراريهم ، فهل كان ذلك غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا .

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك وإليّ وأشدّهم لي ولك حبّاً ، يأكل معي من هذا الطائر ، فأتيت فأكلت معه ، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا ، قال: فهل فيكم أحد قال فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لتنتهينّ يا بني وليعة أو لأبعثنّ عليكم رجلاً نفسه كنفسي وطاعته كطاعتي ومعصيته معصيتي ، يعصاكم أو يقصعكم (١) بالسيف ، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا .

قال: فهل فيكم أحد قال فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كذب من زعم انّه يحبّني ويبغض علياً ، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا ، قال: فهل فيكم من سلّم عليه في ساعة واحدة ثلاثة آلاف من الملائكة وفيهم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ليلة القليب لما جئت بالماء إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، غيري؟ قالوا: لا .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": يقطعكم .


قال: فهل فيكم أحد قال له جبرئيل: هذه هي المساواة ، وذلك يوم أحد فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : [وما يمنعه من ذلك] (١) إنّه منّي وأنا منه ، فقال جبرئيل عليه‌السلام : وأنا منكما ، غيري؟ قالوا: لا .

قال: فهل فيكم أحد نودي به من السماء "لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ عليّ" غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم من يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين على لسان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي قاتلت على تنزيل القرآن وستقاتل أنت يا عليّ على تأويله ، غيري؟ قالوا: لا .

قال: فهل فيكم أحد غسّل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع الملائكة المقرّبين بالروح والريحان تقلّبه لي الملائكة وأنا أسمع قولهم وهم يقولون: استروا عورة نبيّكم ستركم الله ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم من كفّن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووضعه في حفرته ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد بعث الله (عَزَّ وجَلَّ) إليه بالتعزية حيث قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفاطمة عليها‌السلام تبكيه إذ سمعنا حسّاً على الباب وقائلاً يقول نسمع صوته ولا نرى شخصه وهو يقول: "السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ، ربّكم (عَزَّ وجَلَّ) يقرئكم السلام ويقول لكم: إن في الله خلفاً من كلّ مصيبة ، وعزاء من كلّ هالك ، ودركاً من كلّ فوت ، فتعزّوا بعزاء الله واعلموا أن أهل الأرض يموتون ، وأنّ أهل السماء لا يبقون ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته" وأنا في البيت وفاطمة والحسن والحسين أربعة لا خامس لنا سوى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مسجّى بيننا ، غيرنا؟ قالوا: لا .

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .


قال: فهل فيكم أحد ردّت له الشمس بعدما غربت أو كادت تغيب حتّى صلّى العصر في وقتها ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد أمره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يأخذ براءة من أبي بكر بعدما انطلق أبو بكر بها ، فقبضتها منه فقال أبو بكر بعدما رجع: يا رسول الله أنزل فيّ شيء؟ فقال: إنّه لا يؤدّي عنّي إلاّ عليّ ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم من قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ، ولو كان بعدي نبيّ لكنته يا عليّ ، غيري؟ قالوا: لا .

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : انّه لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ كافر ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: أتعلمون أنّه أمر بسد أبوابكم وفتح بابي فقلتم في ذلك ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما أنا سددت أبوابكم ولا فتحت بابه بل الله سدّ أبوابكم وفتح بابه؟ قالوا: نعم .

قال: أتعلمون أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ناجاني يوم الطائف دون الناس فأطال ذلك ، فقال بعضكم: يا رسول الله انتجيت علياً دوننا ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما أنا انتجيته بل الله (عَزَّ وجَلَّ) انتجاه؟ قالوا: نعم ، قال: أتعلمون أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: الحقّ بعدي مع عليّ وعليّ مع الحق يدور الحق معه حيث ما دار؟ قالوا: نعم .

قال: فهل تعلمون أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، وإنّكم لن تضلّوا ما اتّبعتموهما واستمسكتم بهما؟ قالوا: نعم .

قال: فهل فيكم أحد وقى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنفسه ، وردّ به مكر المشركين ، واضطجع في مضجعه ، وشرى بذلك من الله نفسه ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد حيث آخى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين أصحابه وكان له


أخ ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد ذكره الله (عَزَّ وجَلَّ) بما ذكرني ، إذ قال: ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) (١) غيري؟ فهل سبقني أحد إلى الله ورسوله؟ قالوا: لا .

قال: فهل فيكم أحد آتى الزكاة وهو راكع ، فنزلت فيه: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (٢) غيري ؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد برز لعمرو بن عبدود حيث عبر خندقكم ودعا جميعكم إلى البراز فنكصتم عنه وخرجت إليه فقتلته ، وفتّ (٣) الله بذلك في أعضاد المشركين والأحزاب ، غيري؟ قالوا: لا .

قال: فهل فيكم أحد ترك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بابه مفتوحاً في المسجد يحلّ له ما يحلّ لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويحرم عليه ما يحرم على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد أنزل الله فيه آية التطهير حيث يقول تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٤) غيري وغير زوجتي وابنيّ؟ قالوا: لا .

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا سيد ولد آدم وعليّ سيد العرب ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما سألت الله (عَزَّ وجَلَّ) شيئاً إلاّ سألت لك مثله ، غيري؟ قالوا: لا .

قال: فهل فيكم أحد ناول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبضته من تراب من تحت قدميه فرمى به وجه الكفّار فانهزموا ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد قضى دين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنجز عداته ، غيري؟ قالوا: لا .

ـــــــــــــــــ

(١) الواقعة: ١٠ـ١١ .

(٢) المائدة: ٥٥ .

(٣) فتّ الشيء أي كسره ، يقال: فتّ عضدي ، وهدّ ركني .

(٤) الأحزاب: ٣٣ .


قال: فهل فيكم أحد اشتاقت الملائكة إلى رؤيته فاستأذنت الله في زيارته ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد ورث سلاح رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآدابه (١) ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد استخلفه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعل أمر أزواجه إليه من بعده ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد حمله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على كتفه حتّى كسر الأصنام التي كانت على الكعبة ، غيري؟ قالوا: لا .

قال: فهل فيكم أحد اضطجع هو ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في لحاف واحد إذ كفلني ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد كان صاحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المواطن كلّها ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنت صاحب رايتي ولوائي في الدنيا والآخرة ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد كان أوّل وارد (٢) على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآخر خارج من عنده ولا يحجب عنه ، غيري؟ قالوا: لا .

قال: فهل فيكم أحد نزلت فيه وفي زوجته وولديه: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ) (٣) إلى سائر ما اقتص (٤) الله تعالى من ذكرنا في هذه السورة ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) (٥) غيري؟ قالوا: لا .

قال: فهل فيكم أحد أنزل الله تعالى فيه: ( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": ودوابه ، وفي البحار: وأداته .

(٢) في "ألف": داخل .

(٣) الإنسان: ٨ .

(٤) في "ج": قصّ .

(٥) في "ج": قصّ .


يَسْتَوُونَ ) (١) إلى آخر ما اقتصّ الله تعالى به من خبر المؤمنين ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد أنزل الله فيه وفي زوجته وولديه آية المباهلة ، وجعل الله (عَزَّ وجَلَّ) نفسه نفس رسوله ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ) (٢) لما وقيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة الفراش ، غيري؟ قالوا: لا .

قال: فهل فيكم أحد سقى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المهراس (٣) لما اشتدّ ظمأه واحجم عن ذلك أصحابه ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّهمّ إنّي أقول كما قال عبدك موسى ( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ) إلى آخر دعوة موسى عليه‌السلام إلاّ النبوّة ، غيري؟ قالوا: لا .

قال: فهل فيكم أحد أدنى الخلائق برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم القيامة وأقرب إليه منّي ، كما أخبركم بذلك صلوات الله عليه وآله ، غيري؟ قالوا: لا ، [قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن من شيعتك رجلاً يدخل في شفاعته الجنّة مثل ربيعة ومضر ، غيري؟ قالوا: لا] (٤) قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنت وشيعتك الفائزون ، تردون يوم القيامة روّآء مرويّين ويرد أعداءكم ظماء مقمحين (٥) ، غيري؟ قالوا: لا .

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أحبّ هذه

ـــــــــــــــــ

(١) السجدة: ١٨ .

(٢) البقرة: ٢٠٧ .

(٣) قال في لسان العرب بعد ذكر مجيء عليّعليه‌السلام بالماء من المهراس: المهراس صخرة منقورة تَسَعُ كثيراً من الماء وقد يعمل منه حياض للماء ، وقيل: المهراس في هذا الحديث اسم ماء بأحد .

(٤) أثبتناه من البحار .

(٥) في "ب": مقبحين .


الشعرات فقد أحبّني ومن أحبّني فقد أحبّ الله تعالى ، ومن أبغضها وآذاها فقد آذاني وأبغضني ، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى ، ومن آذى الله تعالى لعنه وأعدّ له جهنّم وساءت مصيراً ، فقال أصحابه: وما شعراتك هذه يا رسول الله؟ قال: عليّ وفاطمة والحسن والحسين ، غيري؟ قالوا: لا .

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنت يعسوب الدين ، والمال يعسوب الظالمين ، وأنت الصدّيق الأكبر ، وأنت الفاروق الأعظم الذي يفرق بين الحقّ والباطل ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد طرح عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثوبه وأنا تحت الثوب وفاطمة والحسن والحسين ثمّ قال: اللّهمّ أنا وأهل بيتي هؤلاء إليك لا إلى النار ، غيري؟ قالوا: لا .

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالجحفة بالشجيرات من خم: (من أطاعك فقد أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاك فقد عصاني ومن عصاني فقد عصى الله تعالى) غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بينه وبين زوجته ، وجلس بين رسول الله وزوجته ، وقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لا ستر دونك يا عليّ) غيري؟ قالوا: لا .

قال: فهل فيكم أحد احتمل باب خيبر يوم فتحت حصنها ثمّ مشى به ساعة ثمّ ألقاه ، فعالجه بعد ذلك أربعون رجلاً فلم يقلّوه (١) من الأرض ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنت معي في قصري ومنزلك تجاه منزلي في الجنّة ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أنت أولى الناس بأمتي من بعدي ، والى الله من والاك ، وعادى الله من عاداك ، وقاتل من قاتلك بعدي) غيري؟ قالوا: لا .

ـــــــــــــــــ

(١) أقلّ الشيء واستقلّه: حمله ورفعه ، وفي "ب": يقلبوه ، وفي "ج": ينقلوه .


قال: فهل فيكم أحد صلّى مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل الناس سنين وأشهر ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّك عن يمين العرش يكسوك الله (عَزَّ وجَلَّ) بردين أحدهما أحمر والآخر أخضر ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد أطعمه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من فاكهة الجنّة لما هبط بها جبرئيل عليه‌السلام وقال: لا ينبغي أن يأكله في الدنيا إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ ، غيري؟ قالوا: لا .

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنت أقومهم بأمر الله ، وأوفاهم بعهد الله ، وأعلمهم بالقضيّة ، وأقسمهم بالسويّة ، وأرأفهم بالرعيّة ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنت قسيم النار تخرج منها من آمن وأقرّ ، وتدع فيها من كفر (١) ، غيري؟ قالوا: لا .

قال: فهل فيكم أحد قال للعين ـ وقد غاضت ـ: انفجري ، فانفجرت فشرب منها القوم ، وأقبل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمسلمون معه فشرب وشربوا ، وشربت خيلهم وملؤوا رواياهم ، غيري؟ قالوا: لا ، قال: فهل فيكم أحد أعطاه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حنوطاً من حنوط الجنّة فقال: اقسم هذا ثلاثاً ، ثلثاً حنّطني به ، وثلثاً لابنتي ، وثلثاً لك ، غيري؟ قالوا: لا .

قال: فما زال يناشدهم ويذكرهم ما أكرمه الله تعالى وأنعم عليه به حتّى قام قائم الظهيرة ودنت الصلاة ، ثمّ أقبل عليهم وقال: أمّا إذا أقررتم على أنفسكم ، وبان لكم من سببي الذي ذكرت فعليكم بتقوى الله وحده ، وأنهاكم عن سخط الله فلا تعرضوا له وتضيّعوا أمري ، وردّوا الحقّ إلى أهله ، واتّبعوا سنّة نبيّكم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسنّتي من بعده فإنّكم إن خالفتموني خالفتم نبيّكم ، فقد سمع الله ذلك من جميعكم ، وسلّموها

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": كفر واغتر .


إلى من هو لها وهي له أهل أما والله ما أنا بالراغب في دنياكم ولا قلت ما قلت لكم افتخاراً ولا تزكية لنفسي ، ولكن حدّثت بنعمة ربّي وأخذت عليكم بالحجة . ثمّ نهض إلى الصلاة .

قال: فتآمر القوم بينهم وتشاوروا فقالوا: قد فضّل الله عليّ بن أبي طالب بما ذكر لكم ، ولكنّه رجل لا يفضّل أحداً على أحد ، ويجعلكم ومواليكم سواء ، وإن ولّيتموه إيّاها ساوى بين أسودكم وأبيضكم ووضع السيف على عاتقه ، ولكن ولّوها عثمان فهو أقدمكم ميلاداً ، وألينكم عريكة ، وأجدر أن يتّبع مسرّتكم (١) ، والله رؤوف رحيم (٢) .

[في قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي بكر في مسجد قبا]

وروي عن الصادق عليه‌السلام : أن أبا بكر لقى أمير المؤمنين عليه‌السلام في سكة [ من سكك ] (٣) بني النجار ، فسلّم عليه وصافحه وقال له: يا أبا الحسن ، أفي نفسك شيء من استخلاف الناس إيّاي ، وما كان من يوم السقيفة وكراهيتك للبيعة ، والله ما كان ذلك من إرادتي إلاّ أن المسلمين أجمعوا على أمر لم يكن لي أن أخالف عليهم فيه ، لأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا تجتمع أمتي على الضلال .

فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : يا أبا بكر ، أمته الذين أطاعوه في عهده من بعده ، وأخذوا بهداه ، وأوفوا بما عاهدوا الله عليه ، ولم يبدّلوا ولم يغيّروا قال له أبو بكر: والله يا عليّ لو شهد عندي الساعة من أثق به إنّك أحق بهذا الأمر سلّمته إليك رضى من رضى ، وسخط من سخط .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": بسيرتكم .

(٢) عنه البحار ٣١: ٣٧٢ ح٢٤ (كتاب الفتن والمحن); ونحوه في أمالي الطوسي: ٥٤٥ ح١١٦٨ مجلس العشرون .

(٣) أثبتناه من "ج" .


فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : يا أبا بكر فهل تعلم أحداً أوثق من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد أخذ بيعتي عليك في أربعة مواطن ، وعلى جماعة معك وفيهم عمر وعثمان ، في يوم الدار ، وفي بيعة الرضوان تحت الشجرة ، ويوم جلوسه في بيت أم سلمة ، ويوم الغدير بعد رجوعه من حجة الوداع ، فقلتم بأجمعكم : سمعنا وأطعنا لله ولرسوله .

فقال لكم : الله ورسوله عليكم من الشاهدين؟ فقلتم بأجمعكم : الله ورسوله علينا من الشاهدين ، فقال لكم : فليشهد بعضكم على بعض وليبلغ شاهدكم غائبكم ، ومن سمع منكم فليسمع من لم يسمع ، فقلتم : نعم يا رسول الله ، وقمتم بأجمعكم تهنّون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتهنّوني بكرامة الله لنا ، فدنى عمر وضرب على كتفي وقال بحضرتكم : بخٍ بخٍ يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي (١) ومولى المؤمنين .

فقال أبو بكر : لقد ذكّرتني أمراً يا أبا الحسن لو يكون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شاهداً فأسمع منه ، فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : الله ورسوله عليك من الشاهدين يا أبا بكر ، إن رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيّاً يقول لك إنّك ظالم لي في أخذ حقّي الذي جعله الله ورسوله لي دونك ودون المسلمين ، أن تسلّم هذا الأمر لي ، وتخلع نفسك منه؟ .

فقال أبو بكر : يا أبا الحسن ، وهذا يكون أن أرى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيّاً بعد موته ويقول لي ذلك؟ فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : نعم يا أبا بكر ، قال : فأرني ذلك إن كان حقّاً ، فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : والله ورسوله عليك من الشاهدين إنّك تفي بما قلت؟ قال أبو بكر : نعم .

فضرب أمير المؤمنين عليه‌السلام على يده وقال : تسعى معي نحو قبا فلمّا

ـــــــــــــــــ

(١) في "ألف" : مولانا .


ورداه تقدّم أمير المؤمنين عليه‌السلام فدخل المسجد وأبو بكر من ورائه ، فإذا هم برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جالس في قبلة المسجد ، فلمّا رآه أبو بكر سقط لوجهه كالمغشيّ عليه ، فناداه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ارفع رأسك أيّها الضليل المفتون ، فرفع أبو بكر رأسه وقال : لبيك يا رسول الله ، أحياة بعد الموت يا رسول الله؟ .

فقال له : ويلك يا أبا بكر إنّ الذي أحياها لمحيي الموتى إنّه على كلّ شيء قدير ، قال : فسكت أبو بكر وشخصت عيناه نحو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : ويلك يا أبا بكر أنسيت ما عاهدت الله ورسوله عليه في المواطن الأربعة لعليّ عليه‌السلام ؟ فقال : ما أنساها (١) يا رسول الله .

فقال : ما بالك اليوم تناشد عليّاً فيها ويذكرك فتقول : نسيت ؟! وقصّ عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما جرى بينه وبين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام إلى آخره ، فما نقص منه كلمة ولا زاد فيه كلمة ، فقال أبو بكر : يا رسول الله فهل من توبة؟ وهل يعفو الله عنّي إذا سلّمت هذا الأمر إلى أمير المؤمنين؟ قال : نعم يا أبا بكر ، وأنا الضامن لك على الله ذلك إن وفيت .

قال : وغاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنهما ، فتشبّث أبو بكر بأمير المؤمنين عليه‌السلام وقال : الله الله فيّ يا عليّ ، سر معي إلى منبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى أعلو المنبر فأقص على الناس ما شاهدت ورأيت من أمر رسول الله ، وما قال لي وما قلت له وما أمرني به ، وأخلع نفسي من هذا الأمر وأسلّمه إليك .

فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : أنا معك إن تركك شيطانك ، فقال أبو بكر : إن لم يتركني تركته وعصيته ، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : إذن تطيعه ولا تعصيه ، وإنّما رأيت ما رأيت لتأكيد الحجة عليك .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : ما نسيتها .


وأخذ بيده وخرجا من مسجد قبا يريدان مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأبو بكر يخفق بعضه بعضاً ويتلوّن ألواناً ، والناس ينظرون إليه ولا يدرون ما الذي كان حتّى لقيه عمر ، فقال له : يا خليفة رسول الله ما شأنك ، وما الذي دهاك؟ فقال أبو بكر : خلّ عنّي يا عمر ، فوالله لا سمعت لك قولاً ، فقال له عمر : وأين تريد يا خليفة رسول الله؟ فقال أبو بكر : أريد المسجد والمنبر .

فقال : هذا ليس وقت صلاة ومنبر ، قال : خلّ عنّي فلا حاجة لي في كلامك ، فقال عمر : يا خليفة رسول الله أفلا تدخل قبل المسجد منزلك فتسبغ الوضوء؟ قال : بلى ، ثمّ التفت أبو بكر إلى عليّعليه‌السلام فقال : يا أبا الحسن تجلس إلى جانب المنبر حتّى أخرج إليك ، فتبسّم أمير المؤمنينعليه‌السلام ثمّ قال له : يا أبا بكر قد قلت لك انّ شيطانك لا يدعك أو يرديك ، ومضى أمير المؤمنينعليه‌السلام وجلس بجانب المنبر .

فدخل أبو بكر منزله ومعه عمر ، فقال له : يا خليفة رسول الله لم لا تنبئني أمرك ، وتحدّثني بما دهاك به عليّ بن أبي طالب؟ فقال أبو بكر : ويحك يا عمر يرجع رسول الله بعد موته حيّاً فيخاطبني في ظلمي لعليّ وبردّ حقّه عليه وخلع نفسي من هذا الأمر ، فقال له عمر : قص عليّ قصّتك من أوّلها إلى آخرها ، فقال له أبو بكر : ويحك يا عمر والله قد قال لي عليّ إنّك لا تدعني أخرج من هذه المظلمة ، وإنّك شيطاني فدعني عنك .

فلم يزل يرقبه (١) إلى أن حدّثه بحديثه كلّه ، فقال له : يا أبا بكر أنسيت شعرك من أوّل شهر رمضان فرض علينا صيامه ، حيث جاءك حذيفة بن اليمان ، وسهل بن حنيف ، ونعمان الأزدي ، وخزيمة بن ثابت في يوم جمعة إلى دارك ليقضيك (٢) ديناً

ـــــــــــــــــ

(١) رقبه : انتظره (القاموس)

(٢) في "ج" : ليتقاضونك .


عليك ؟ فلمّا انتهوا إلى باب الدار سمعوا لك صلصلة في الدار ، فوقفوا بالباب ولم يستأذنوا عليك ، فسمعوا أم بكر زوجتك تناشدك وتقول : قد عمل حرّ الشمس بين كتفيك ، قم إلى داخل البيت وأبعد عن الباب لا يسمعك بعض أصحاب محمد فيهدر دمك ، فقد علمت أن محمداً قد أهدر دم من أفطر يوماً من شهر رمضان من غير سفر ولا مرض خلافاً على الله وعلى محمد .

فقلت لها : هات لا أم لك فضل طعامي من الليل ، وأترعي (١) الكأس من الخمر وحذيفة ومن معه بالباب يسمعون محاورتكما ، فجاءت بصحفة (٢) فيها طعام من الليل وقعب مملوء خمراً ، فأكلتَ من الصحفة وكرعتَ الخمر في ضحى النهار وقلتَ لزوجتك هذا الشعر :

ذريني أصطبح(٣) يا أم بكر

فإنّ الموت نقب عن هشام

إلى أن انتهيت في شعرك :

يقول لنا ابن كبشة سوف نُحيى

وكيف حياة أشلاء(٤) وهام

ولكن باطل قد قال هذا

وإفك من زخاريف الكلام

ألا هل مبلغ الرحمن عنّي

بانّي تارك شهر الصيام

وتارك كلّما أوحى إلينا

محمد من أساطير الكلام

فقل لله يمنعني شرابي

وقل لله يمنعني طعامي

ولكن الحكيم رأى حميراً

فألجمها فتاهت في اللجام

فلمّا سمعك حذيفة ومن معه تهجو محمداً قمحوا عليك في دارك ، فوجدوك وقعب الخمر في يدك وأنت تكرعها ، فقالوا لك : يا عدوّ الله خالفت الله ورسوله ،

ـــــــــــــــــ

(١) أترعه : ملأه (القاموس)

(٢) في "ألف" و "ب" : صحيفة .

(٣) اصطَبَحَ : أسرج وشرب الصبوح (القاموس)

(٤) أشلاء الإنسان : أعضاؤه بعد البلى والتفرّق .


وحملوك كهيأتك إلى مجمع الناس بباب رسول الله ، وقصّوا عليه قصّتك ، وأعادوا شعرك .

فدنوت منك وشاورتك وقلت لك في ضجيج الناس : قل إنّي شربت الخمر ليلاً فثملتُ(١) فزال عقلي فأتيت ما أتيته نهاراً ولا علم لي بذلك ، فعسى أن يدرأ عنك الحدّ ، وخرج محمد فنظر إليك فقال : استيقضوه ، فقلت : رأيناه وهو ثمل يا رسول الله لا يعقل ، فقال : ويحكم الخمر يزيل العقل ، تعلمون هذا من أنفسكم فأنتم تشربونها ، فقلنا : نعم يا رسول الله ، وقد قال فيها امرؤ القيس الشاعر :

شربت الخمر حتّى زال عقلي

كذاك الإثم(٢) يفعل بالعقول

ثمّ قال محمد : اُنظروا إلى إفاقته من سكرته ، فأمهلوك حتّى أريتهم أنّك قد صحوت ، فساءلك محمد فأخبرته بما أوعزتُه إليك من شربك لها بالليل ، فما بالك اليوم تؤمن بمحمد وما جاء به وهو عندنا ساحر كذّاب؟

فقال : ويحك (٣) يا أبا حفص لا شكّ عندي فيما قصصته عليّ ، فاخرج إلى ابن أبي طالب فاصرفه عن المنبر .

قال : فخرج عمر وأمير المؤمنين عليه‌السلام جالس بجنب المنبر ، فقال : ما بالك يا عليّ قد تصدّيت لها ، هيهات هيهات دون والله ما تروم من علوّ هذا المنبر خرط القتاد ، فتبسّم أمير المؤمنين عليه‌السلام حتّى بدت نواجذه ثمّ قال : ويلك منها والله يا عمر إذا أفضت إليك ، والويل للأمة من بلائك .

فقال عمر : هذه بشرى يا ابن أبي طالب صدقت ظنونك وحقّ قولك ، وانصرف أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى منزله وكان هذا من دلائله عليه

ـــــــــــــــــ

(١) الثمل : السكر (القاموس)

(٢) في "ب" و "ج" : الخمر .

(٣) في "ج" : ويلك .


السلام (١) .

[في حديث البساط وأصحاب الكهف]

روي عن سلمان الفارسي رحمه الله قال : دخل أبو بكر وعمر وعثمان على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا : ما بالك يا رسول الله تفضّل علينا عليّاً في كلّ حال؟ فقال : ما أنا فضّلته بل الله تعالى فضّله ، فقالوا : وما الدليل؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا لم تقبلوا منّي فليس من الموتى عندكم أصدق من أهل الكهف ، وأنا أبعثكم وعليّاً ، وأجعل سلماناً شاهداً عليكم إلى أصحاب الكهف حتّى تسلّموا عليهم ، فمن أحياهم الله له وأجابوه كان الأفضل ، قالوا : رضينا .

فأمر فبسط بساطاً له ودعا بعليّ عليه‌السلام فأجلسه وسط البساط ، وأجلس كلّ واحد منهم على قرنة من البساط ، وأجلس سلماناً على القرنة الرابعة ، ثمّ قال : يا ريح أحمليهم إلى أصحاب الكهف وردّيهم إليّ .

قال سلمان : فدخلت الريح تحت البساط وسارت بنا وإذا نحن بكهف عظيم ، فحطتنا عليه ، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : يا سلمان هذا الكهف والرقيم ، فقل للقوم يتقدّمون أو نتقدّم ، فقالوا : نحن نتقدّم ، فقام كلّ واحد منهم فصلّى ودعا وقال : السلام عليكم يا أصحاب الكهف ، فلم يجبهم أحد .

فقام أمير المؤمنين عليه‌السلام بعدهم فصلّى ركعتين ودعا ونادى : (يا أصحاب الكهف) ، فصاح الكهف وصاح القوم من داخله بالتلبية ، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : السلام عليكم أيّها الفتية الذين آمنوا بربّهم فزادهم (٢)

ـــــــــــــــــ

(١) عنه البحار ٢٩ : ٣٥ ح١٨; ومدينة المعاجز ٣ : ١٤ ح٦٩٣; وفي هداية الحضيني : ١٠٢; وقال العلاّمة المجلسي ذيل الحديث : أقول : أوردت هذا الخبر ـ ولا أعتمد عليه كلّ الاعتماد ـ لموافقته في بعض المضامين لسائر الآثار ، والله أعلم بحقائق الأمور .

(٢) في "ج" : فزدناهم .


هدى ، فقالوا : وعليك السلام يا أخا رسول الله ووصيّه وأمير المؤمنين ، لقد أخذ الله علينا العهد بإيماننا (١) بالله وبرسوله محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبالولاية بأمير المؤمنين عليه‌السلام (٢) إلى يوم القيامة يوم الدين .

فسقط القوم على وجوههم وقالوا لسلمان : يا أبا عبد الله ردّنا ، فقال : ما ذاك إليّ ، فقالوا : يا أبا الحسن ردّنا ، فقال عليه‌السلام : يا ريح ردّينا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فحملتنا فإذا نحن بين يديه ، فقصّ عليهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّما جرى وقال : هذا حبيبي جبرئيل عليه‌السلام أخبرني به ، فقالوا : الآن علمنا فضل عليّ علينا من عند الله (عَزَّ وجَلَّ) لا منك (٣) .

[في نزول سورة والنجم وتكلّم الشمس معه]

وروى بإسناده إلى الباقر عليه‌السلام قال : لمّا كثر قول المنافقين وحسّاد أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) فيما يظهره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من فضل عليّ عليه‌السلام وينصّ عليه ويأمر بطاعته ، ويأخذ البيعة له على كبرائهم ومن لا يؤمن غدره ، ويأمرهم بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين ويقول لهم : إنّه وصيّي وخليفتي وقاضي ديني ومنجز عداتي والحجة لله على خلقه من بعدي ، من أطاعه سعد ومن خالفه ضلّ وشقى .

قال المنافقون : لقد ضلّ محمد في ابن عمّه عليّ وغوى وجنّ والله ، وما أفتنه فيه وحبّبه إليه إلاّ قتل الشجعان والأقران والفرسان يوم بدر وغيرها من قريش وسائر العرب واليهود ، وإنّ كلّما يأتينا به ويظهر في عليّ من هواه .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : بعد إيماننا .

(٢) في "ج" : لك يا أمير المؤمنين بالولاء .

(٣) عنه البحار ٣٩ : ١٤٤ ح١٠; وفي مدينة المعاجز ٣ : ١٥٩ ح٨١٣; عن الهداية للحضيني : ١١١ .


وكلّ ذلك يبلغ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى اجتمعت التسعة المفسدون في الأرض في دار الأقرع بن حابس التميمي ، وكان يسكنها في ذلك الوقت صهيب الرومي ، وهم التسعة الذين إذا عُدّ أمير المؤمنين عليه‌السلام معهم كان عدّتهم عشرة ، وهم أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وسعد ، وسعيد ، وعبد الرحمن بن عوف الزهري ، وأبو عبيدة بن الجراح .

فقالوا : لقد أكثر محمد في حق عليّ (١) حتّى لو أمكنه يقول لنا : اعبدوه لقال ، فقال سعد بن أبي وقاص : ليت محمداً أتانا فيه بآية من السماء كما آتاه الله في نفسه من الآيات مثل انشقاق القمر وغيره .

وباتوا ليلتهم تلك ، فنزل نجم من السماء حتّى صار في ذروة جدار أمير المؤمنين عليه‌السلام متعلّقاً ، يضيء في سائر المدينة حتّى دخل ضياؤه في البيوتات وفي الآبار (٢) وفي المفازات (٣) وفي المواضع المظلمة من بيوت الناس ، فذعر أهل المدينة ذعراً شديداً ، وخرجوا وهم لا يعلمون ذلك النجم على دار من نزل ، ولا أين هو متعلّق لكن يروه على بعض منازل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فلمّا سمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضجيج الناس خرج إلى المسجد ونادى في الناس : ما الذي أرعبكم وأخافكم ، هذا النجم على دار عليّ بن أبي طالب؟ فقالوا : نعم يا رسول الله ، قال : أفلا تقولون لمنافقيكم التسعة الذين اجتمعوا في أمسكم في دار صهيب الرومي ، فقالوا فيّ وفي أخي عليّ ما قالوه : وقال قائل منهم : ليت محمداً أتانا بآية من السماء [ في عليّ ] (٤) كما آتى بآية في نفسه من شقّ القمر وغيره ، فأنزل الله (عَزَّ وجَلَّ) هذا النجم متعلّقاً على مشربة أمير المؤمنين عليّ

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : في حق عليّ حبّاً .

(٢) في "ج" : الآثار .

(٣) في "ج" : المغارات .

(٤) أثبتناه من "ب" .


بن أبي طالب عليه‌السلام ، وبقي إلى أن غاب كلّ نجم من السماء .

وصلّى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلاة الفجر مغلساً ، وأقبل الناس يقولون : ما بقي نجم في السماء وهذا النجم معلّق ، فقال لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هذا حبيبي جبرئيل عليه‌السلام قد أنزل على هذا النجم قرآناً تسمعونه ، ثمّ قرأ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) (١) .

ثمّ ارتفع النجم وهم ينظرون إليه ، والشمس قد بزغت وغاب النجم في السماء ، فقال بعض المنافقين : لو شاء لأمر هذه الشمس فنادت باسم عليّ وقالت هذا ربّكم فاعبدوه ، فهبط جبرئيلعليه‌السلام فخبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما قالوه ـ وكان ذلك في ليلة الخميس وصبيحته ـ فأقبل بوجهه الكريم على الناس وقال : استدعوا لي عليّاً من منزله ، فاستدعوه .

فقال له : يا أبا الحسن إن قوماً من منافقي أمتي ما قنعوا بآية النجم حتّى قالوا : لو شاء محمد لأمر الشمس أن تنادي باسم عليّ وتقول : هذا ربّكم فاعبدوه ، فإنّك يا عليّ في غد بعد صلاتك ـ صلاة الفجر ـ تخرج معي إلى بقيع الغرقد ، فقف نحو مطلع الشمس فإذا بزغت الشمس فادع بدعوات أنا ألقّنك إيّاها ، وقل للشمس : السلام عليك يا خلق الله الجديد ، واسمع ما تقول لك وما ترد عليك وانصرف إليّ به .

فسمع الناس ما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسمع التسعة المفسدون في الأرض ، فقال بعضهم لبعض : لا تزالون تغرون محمداً بأن يظهر في ابن عمّه عليّ كلّ آية ، وليس (٢) مثل ما قال محمد في هذا اليوم ، فقال اثنان منهم ، وأقسما بالله جهد

ـــــــــــــــــ

(١) النجم : ١ـ٥ .

(٢) في "ج" : لبئس ما قال .


أيمانهما ـ وهما أبو بكر وعمر ـ أنهما لابد أن يحضرا البقيع حتّى ينظرا أو يسمعا (١) ما يكون من عليّ والشمس .

فلمّا صلّى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلاة الفجر وأمير المؤمنين عليه‌السلام معه في الصلاة ، أقبل عليه وقال : قم يا أبا الحسن إلى ما أمرك الله به ورسوله ، فأت البقيع حتّى تقول للشمس ما قلت لك ، وأسرّ إليه سرّاً كان فيه الدعوات التي علّمه إيّاها .

فخرج أمير المؤمنين عليه‌السلام يسعى إلى البقيع حتّى بزغت الشمس ، فهمهم بذلك الدعاء همهمة لم يعرفونها وقالوا : هذه الهمهمة ما علّمه محمد من سحره ، وقال للشمس : السلام عليك يا خلق الله الجديد ، فأنطقها الله بلسان عربي مبين ، فقالت : والسلام عليك يا أخا رسول الله ووصيّه ، أشهد بأنّك الأوّل والآخر والظاهر والباطن ، وانّك عبد الله وأخو رسوله حقّاً .

فأرعدوا (٢) واختلطت عقولهم وانكفّوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مسودّة وجوههم تغيظ أنفسهم ، فقالوا : يا رسول الله ، ما هذا العجب العجيب الذي لم نسمع من النبيّين ولا من المرسلين ولا من الأمم الغابرة القديمة ، كنت تقول لنا : إن علياً ليس ببشر وهو ربّكم فاعبدوه ، فقال لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمحضر من الناس في مسجده : تقولون بما قالت الشمس وتشهدون بما سمعتم .

فقالوا : يحضر عليّ فيقول فنسمع ونشهد بما قال للشمس وقالت له الشمس ، فقال لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا بل تقولون ، فقالوا : قال عليّ للشمس : السلام عليك يا خلق الله الجديد بعد أن همهم همهمة تزلزل منها البقيع ، فأجابته الشمس : وعليك السلام يا أخا رسول الله ووصيّه ، اشهد أنّك الأوّل والآخر

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : أن نحضر البقيع حتّى ننظر ونسمع .

(٢) في "ب" و "ج" : فارتعدوا .


والظاهر والباطن ، وانّك عبد الله وأخو رسوله حقّاً .

فقال لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الحمد لله الذي خصّنا بما تجهلون ، وأعطانا ما لا تعلمون ، قال : قد تعلمون (١) أني آخيت علياً دونكم ، وأشهدتكم أنّه وصيّي فماذا أنكرتم؟ عساكم تقولون (٢) ما قالت له الشمس : انّك الأوّل والآخر والظاهر والباطن ، قالوا : نعم يا رسول الله لأنّك أخبرتنا بأنّ الله هو الأوّل والآخر في كتابه المنزل عليك .

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ويحكم وأنّى لكم بعلم ما قالت له الشمس ، أمّا قولها : "إنّك الأوّل" فصدقت ، إنّه أوّل من آمن بالله ورسوله ممّن دعوته إلى الإيمان من الرجال وخديجة من النساء ، وأمّا قولها : "الآخر" فإنّه آخر الأوصياء وأنا خاتم (٣) الأنبياء وخاتم الرسل .

وأمّا قولها : "الظاهر" فإنّه ظهر على كلّ ما أعطاني الله من علمه ، فما علمه معي غيره ولا يعلمه بعدي سواه ، ومَن ارتضاه بسرّه من ولده .

وأمّا قولها : "الباطن" فهو والله باطن علم الأوّلين والآخرين وسائر الكتب المنزلة على النبيّين والمرسلين ، وما زادني الله تعالى به من علم ما لم تعلموه وفضل ما لم تعطوه ، فماذا تنكرون؟

فقالوا بأجمعهم : نحن نستغفر الله يا رسول الله ، لو علمنا ما تعلم لسقط الإقرار بالفضل لك ولعليّ ، فاستغفر الله لنا ، فأنزل الله سبحانه : ( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (٤) وهذا في سورة المنافقين ، فهذه من دلائله عليه‌السلام (٥) .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : علمتم .

(٢) في "ج" : فماذا أنكرتم عليه لم تقولوا ما قالت .

(٣) في "ج" : آخر .

(٤) المنافقون : ٦ .

(٥) عنه البحار ٣٥ : ٢٧٦ ح٥; ومدينة المعاجز ٣ : ١٦١ ح٨١٤; عن الهداية للحضيني : ١١٦ .


 [في قولهعليه‌السلام لرجل إخسأ]

وبإسناده إلى أبي جعفر الباقر عليه‌السلام قال : بينما أمير المؤمنين يتجهّز إلى معاوية ويحرّض الناس على قتاله إذ اختصم إليه رجلان في فعل ، فعجّل أحدهما في الكلام وزاد فيه ، فالتفت إليه أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال له : إخسأ ، فإذا رأسه رأس كلب ، فبهت مَنْ حوله وأقبل الرجل بإصبعه المسبّحة يتضرّع إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام ويسأله الإقالة .

فنظر إليه وحرّك شفتيه ، فعاد كما كان خلقاً سويّاً ، فوثب إليه بعض أصحابه فقال له : يا أمير المؤمنين هذه القدرة لك كما رأينا ، وأنت تجهز إلى معاوية ، فما لك لا تكفيناه ببعض ما أعطاك الله من هذه القدرة؟

فأطرق قليلاً ورفع رأسه إليهم فقال : والذي فلق الحبّة وبرئ النسمة لو شئت أن أضرب برجلي هذه القصيرة في طول هذه الفيافي والفلوات والجبال والأودية حتّى أضرب صدر معاوية على سريره ، فأقلبه على رأسه لفعلت ، ولو أقسمت على الله (عَزَّ وجَلَّ) أن أوتي به قبل أن أقوم من مجلسي هذا ، وقبل أن يرتد إلى أحد منكم طرفه لفعلت ، ولكنّها كما وصف الله (عَزَّ وجَلَّ) في قوله : ( عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (١) فكان هذا من دلائله عليه‌السلام (٢) .

[إغارة خيل معاوية على الشيعة وضربهعليه‌السلام معاوية برجله]

وروى بإسناده إلى ميثم التمّار قال : خطبنا (٣) أمير المؤمنين عليه‌السلام في

ـــــــــــــــــ

(١) الأنبياء : ٢٦ و ٢٧ .

(٢) عنه البحار ٣٣ : ٢٨٠ ح٥٤٥; ونحو الثاقب في المناقب : ٢٤٢ ح٢٠٦; عنه مدينة المعاجز ٢ : ٢٩٧ ح٥٦٠; وأيضاً في ٣ : ١٧٣ ح٨١٧; عن الهداية للحضيني : ١٢٤ .

(٣) في "ب" و "ج" : خطب لنا .


جامع الكوفة ، فأطال خطبته وأعجب الناس تطويلها وحسن وعظها وترغيبها وترهيبها ، إذ دخل نذير (١) من ناحية الأنبار مستغيثاً يقول : الله الله يا أمير المؤمنين في رعيّتك وشيعتك ، هذه خيل معاوية قد شنّت علينا الغارة في سواد الفرات ما بين هيت (٢) والأنبار (٣) .

فقطع أمير المؤمنين عليه‌السلام الخطبة وقال : ويحك بعض خيل معاوية قد دخل الدسكرة (٤) التي تلي جدران الأنبار ، فقتلوا فيها سبع نسوة وسبعة من الأطفال ذكراناً وسبعة إناثاً ، وشهروا بهم ووطؤوهم بحوافر خيلهم ، وقالوا : هذه مراغمة أبي تراب ، فقام إبراهيم بن الحسن الأزدي بين يدي المنبر فقال : يا أمير المؤمنين ، هذه القدرة التي رأيت بها وأنت على منبرك أن في دارك خيل معاوية ابن آكلة الأكباد ، وما فعل بشيعتك ولم يعلم بها هذا ، فلم تقصر (٥) عن معاوية؟

فقال له : ويحك يا إبراهيم ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) (٦) ، فصاح الناس من جوانب المسجد : يا أمير المؤمنين فإلى متى يهلك (٧) من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة وشيعتك تهلك؟ قال لهم عليه‌السلام :

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : بريده .

(٢) هِيت ـ بالكسر وآخره تاء مثناة : قال ابن السكّيت : سميت هيتُ هيتَ لأنّها في هوّة من الأرض ، . وهي بلدة على الفرات من نواحي بغداد فوق الأنبار ، ذات نخل كثير وخيرات واسعة وهي مجاورة للبريّة ، طولها من جهة المغرب تسع وتسعون درجة ، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة ونصف ربع ، وهي في الإقليم الثالث (معجم البلدان ٥ : ٤٢٠)

(٣) الأنبار : مدينة على الفرات في غربي بغداد بينهما عشرة فراسخ ، . قال أبو القاسم : الأنبار حدّ بابل ، سمّيت به لأنّه كان يُجمع بها أنابير الحنطة والشعير والقتّ والتبن ، وكانت الأكاسرة ترزق أصحابها منها ، وكان يقال لها : الأهراء ، فلمّا دخلتها العرب عرّبتها فقالت : الأنبار (معجم البلدان ١ : ٢٥٧)

(٤) الدسكرة ـ فتح أوّله وسكون ثانيه وفتح كافه : قرية كبيرة ذات منبر بنواحي نهر الملك من غربي بغداد ، والدسكرة في اللغة : الأرض المستوية (معجم البلدان ٢ : ٤٥٥)

(٥) في "ج" : تقصيرك .

(٦) الأنفال : ٤٢ .

(٧) في "ج" : فإلى متى تمثلك ليهلك .


( لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً ) (١) .

فصاح زيد بن كثير المرادي وقال : يا أمير المؤمنين ، تقول بالأمس وأنت متجهّز إلى معاوية وتحرّضنا على قتاله ، ويحتكم إليك الرجلان في الفعل فيعجل عليك أحدهما في الكلام ، فتجعل رأسه رأس الكلب ، فيستجير بك فتردّه بشراً سويّاً ، ونقول لك (٢) : ما بال هذه القدرة لا تبلغ معاوية فتكفينا شرّه ، فتقول لنا : وفالق الحبّة وبارئ النسمة لو شئت أن أضرب برجلي هذه القصيرة صدر معاوية وأقلبه على أم رأسه لفعلت ، فما بالك لا تفعل ما تريد ، إلاّ أن تضعف نفساً (٣) فتشكّ فيك فتدخل النار .

فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : لأفعلنّ ذلك ولأعجلنّه على ابن هند ، فمدّ رجله على منبره فخرجت عن أبواب المسجد وردّها إلى فخذه ، وقال : معاشر الناس أقيموا تاريخ الوقت واعلموه ، فقد ضربت برجلي هذه الساعة صدر معاوية فقلبته عن سريره على أم رأسه ، فظنّ أنّه قد أحيط به ، فصاح : يا أمير المؤمنين فأين النظرة ، فرددت رجلي عنه .

وتوقّع الناس ورود الخبر من الشام وعلموا أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه لا يقول إلاّ حقّاً ، فوردت الأخبار والكتب بتاريخ تلك الساعة بعينها [من ذلك اليوم] (٤) أن رِجْلاً جاءت من ناحية الكوفة ممدودة متّصلة ، فدخلت من ديوان معاوية والناس ينظرون حتّى ضربت صدره ، فقلبته عن سريره على أم رأسه ، فصاح : يا أمير المؤمنين فأين النظرة؟ وردّت تلك الرجل عنه ، وعلم الناس ما قال أمير المؤمنين عليه‌السلام حقّاً ، فكان هذا من دلائله عليه‌السلام (٥) .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : فإلى متى تمثلك ليهلك .

(٢) في "ج" : ويقول لك بعض أصحابك .

(٣) في "ب" : نفوسنا .

(٤) أثبتناه من "ب" و "ج" .

(٥) عنه البحار ٣٣ : ٢٨١ ح٥٤٦; وهداية الحضيني : ١٢٥ .


قصّة اليهودي وافتقاده حميره

وبالإسناد إلى أبي حمزة الثمالي ، عن أبي اسحاق السبيعي قال: دخلت المسجد الأعظم بالكوفة فإذا أنا بشيخ أبيض الرأس واللحية لا أعرفه ، مستنداً إلى أسطوانة وهو يبكي ودموعه تسيل على خدّيه ، فقلت له: يا شيخ ما يبكيك ؟ فقال: إنّه أتت عليّ نيف ومئة سنة لم أر فيها عدلاً ولا حقّاً ولا علماً ظاهراً إلاّ ساعتين من نهار ، وأنا أبكي لذلك .

فقلت: وما تلك الساعة والليلة واليوم الذي رأيت فيه العدل ؟ فقال: إنّي رجل من اليهود ، وكان لي ضيعة بناحية سوراء (١) ، وكان لنا جار في الضيعة من أهل الكوفة يقال له: الحارث الأعور الهمداني ، وكان رجلاً مصاب العين ، وكان لي صديقاً وخليطاً ، وإنّي دخلت الكوفة يوماً من الأيّام ومعي طعام على أحمرة لي أريد بيعه بالكوفة .

فبينما أنا أسوق الأحمرة وقد صرت في سبخة الكوفة ، وذلك بعد عشاء الآخرة ، فافتقدت حميري ، فكأنّ الأرض ابتلعتها أو السماء تناولتها ، أو كأنّ الجنّ اختطفتها ، وطلبتها يميناً وشمالاً فلم أجدها ، فأتيت منزل الحارث الهمداني من ساعتي أشكو إليه ما أصابني وأخبرته الخبر ، فقال: انطلق بنا إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام حتّى نخبره .

فانطلقنا إليه فأخبرته (٢) الخبر ، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام للحارث: انصرف إلى منزلك وخلّني واليهودي ، فأنا ضامن لحميره وطعامه حتّى أردّها له ، فمضى الحارث إلى منزله وأخذ أمير المؤمنين عليه‌السلام بيدي حتّى أتينا الموضع

ـــــــــــــــــ

(١) سوراء ـ بضمّ أوّله وسكون ثانيه ثمّ راء وألف ممدودة ـ: موضع يقال هو إلى جانب بغداد ، وقيل: هو بغداد نفسها ، ويُروى بالقصر (معجم البلدان ٣: ٢٧٨)

(٢) في "ج": فأخبرناه .


الذي افتقدت فيه حميري وطعامي ، فحوّل وجهه عنّي وحرّك شفتيه ولسانه بكلام لم أفهمه ، ثمّ رفع رأسه فسمعته يقول: والله ما على هذا بايعتموني وعاهدتموني يا معشر الجنّ ، وأيم الله لئن لم تردّوا على اليهودي حميره وطعامه لأنقضنّ عهدكم ولأجاهدنّكم في الله حقّ جهاده .

قال: فوالله ما فرغ أمير المؤمنين عليه‌السلام من كلامه حتّى رأيت حميري وطعامي بين يديّ ، ثمّ قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : اختر يا يهودي إحدى خصلتين ، إما أن تسوق حميرك وأحثّها عليك ، أو أسوقها (١) أنا وتحثّها عليّ .

قال: قلت: بل أسوقها (٢) وأنا أقوى على حثّها ، وتقدّم أنت يا أمير المؤمنين أمامها ، واتّبعته بالحمير حتّى انتهى بنا إلى الرحبة ، فقال: يا يهودي إنّ عليك بقية الليل فأحْفِظُ حميرك حتّى تصبح وحط أنت عنها ، أو أحط عنها وتحفظ أنت حتّى تصبح ، فقلت: يا أمير المؤمنين ، أنا أقوى على حطّها وأنت على حفظها حتّى يطلع الفجر ، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : خلّني وإيّاها ونم أنت حتّى يطلع الفجر .

فلمّا طلع الفجر انتبهت وقال: قم قد طلع الفجر فاحفظ حميرك وليس عليك بأس ، ولا تغفل عنها حتّى أعود إليك إن شاء الله تعالى ، ثمّ انطلق أمير المؤمنين عليه‌السلام فصلّى بالناس الصبح ، فلمّا طلعت الشمس أتاني وقال: افتح برّك على بركة الله وسعّر طعامك ، ففعلت .

ثمّ قال: اختر منّي خصلة من خصلتين ، إما أن أبيع أنا وتستوفي أنت الثمن ، أو تبيع أنت وأستوفي أنا لك الثمن ؟ فقلت: بل أبيع أنا وتستوفي أنت الثمن ، فقال: أفعل ، فلمّا فرغت من بيعي سلّم إليّ الثمن وقال: ألك حاجة ؟ فقلت: نعم ، أريد أدخل في شراء حوائج لي ، قال: فانطلق حتّى أعينك فإنّك ذمّي .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب": أسبقها أنا .

(٢) في "ب": بل أسبقها وأنا أقوى .


فلم يزل معي حتّى فرغت من حوائجي ، ثمّ ودّعني ، فقلت له عند الفراق:
أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمداً رسول الله
صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عبده ورسوله ، وأشهد أنّك عالم هذه الأمة ، وخليفة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الجنّ والإنس ، فجزاك الله عن الإسلام خيراً ثمّ انطلقت إلى ضيعتي ، فأقمت بها شهوراً ونحو ذلك ، فاشتقت إلى رؤية أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فقدمت وسألت عنه ، فقيل لي: قد قُتل أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فاسترجعت وصلّيت صلاة كثيرة وقلت عند فراغي: ذهب العلم ، وكان أوّل عدل رأيت منه تلك الليلة ، وآخر عدل رأيته منه في ذلك اليوم ، فما لي لا أبكي ؟ وكان هذا من دلائله عليه‌السلام (١) .

[خبر الذين بايعوا الضبّ]

روي مرفوعاً إلى أبي حمزة الثمالي ، عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام قال: لما أراد أمير المؤمنين عليه‌السلام يسير إلى الخوارج بالنهروان ، واستنفر أهل الكوفة وأمرهم أن يعسكروا بالمدائن ، فتخلّف عنه شبث بن ربعي ، والأشعث بن قيس الكندي ، وجرير بن عبد الله البجلي ، وعمرو بن حريث .

فقالوا: يا أمير المؤمنين ، تأذن لنا أيّاماً نقضي حوائجنا ، ونصنع ما نريد ثمّ نلحق بك ، فقال لهم: فعلتموها سوءة لكم من مشايخ والله ما لكم حاجة تتخلّفون عليها ولكنّكم تتّخذون سفرة ، وتخرجون إلى النزهة ، وتجلسون وتنظرون في منظر تتنحّون عن الجادة ، وتبسط سفرتكم بين أيديكم ، فتأكلون من طعامكم ، ويمرّ ضبّ فتأمرون غلمانكم فيصطادوه لكم ويأتوكم به فتخلعوني وتبايعون الضبّ وتجعلونه إمامكم .

ـــــــــــــــــ

(١) عنه البحار ٣٩: ١٨٩ ح٢٦; وفي هداية الحضيني: ١٢٦ .


وتعلموا أن أخي (١) رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ليخلوا كلّ قوم بما كانوا يأتمّون به في الحياة الدنيا ، فمن أقبح وجوهاً منكم وأنتم تخلعون أخا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وابن عمّه وصهره ، وتنقضون ميثاقه الذي أخذه الله ورسوله عليكم ، وتحشرون يوم القيامة وإمامكم ضبّ ، وهو قول الله (عَزَّ وجَلَّ): ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) (٢) .

فقالوا: والله يا أمير المؤمنين ما نريد إلاّ أن نقضي حوائجنا ونلحق بك ، فولّى عنهم وهو يقول: عليكم الدمار [ والبوار ] (٣) ، والله ما يكون إلاّ ما قلت لكم وما قلت إلاّ حقّاً ، ومضى أمير المؤمنين عليه‌السلام حتّى إذا صار بالمدائن خرج القوم إلى الخورنق ، وهيّأوا طعاماً في سفرة وبسطوها في الموضع ، وجلسوا يأكلون ويشربون الخمر .

فمرّ بهم ضبّ فأمروا غلمانهم فصادوه وأتوهم به ، فخلعوا أمير المؤمنين عليه‌السلام وبايعوا له ، وبسط لهم الضبّ يده فقالوا: أنت والله إمامنا ما بيعتنا لك ولعليّ بن أبي طالب إلاّ واحدة ، وإنّك لأحبّ إلينا منه ، فكان كما قال أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وكان القوم كما قال الله (عَزَّ وجَلَّ): ( بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ) (٤) .

ثمّ لحقوا به فقال لهم لما وردوا عليه: فعلتم يا أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء أمير المؤمنين ما أخبرتكم به ، فقالوا: لا يا أمير المؤمنين ما فعلنا ، فقال: والله ليبعثنّكم الله مع إمامكم ، فقالوا: قد فلحنا يا أمير المؤمنين إذا بعثنا الله معك ، قال: كيف تكونون معي وقد خلعتموني وبايعتم الضبّ ؟ والله لكأنّي أنظر إليكم يوم القيامة والضبّ يسوقكم إلى النار .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": اعلموا انّي سمعت أخي .

(٢) الاسراء: ٧١ .

(٣) أثبتناه من "ب" و "ج" .

(٤) الكهف: ٥٠ .


فحلفوا له بالله إنّا ما فعلنا ولا خلعناك ولا بايعنا الضبّ ، فلمّا رأوه يكذّبهم ولا يقبل منهم أقرّوا له وقالوا: اغفر لنا ذنوبنا ، قال: والله لا غفرت لكم ذنوبكم قد اخترتم مسخاً مسخه الله وجعله آية للظالمين (١) ، وكذبتم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحدّثني بحديثكم عن جبرئيل عن الله سبحانه ، فبُعداً لكم وسحقاً .

ثمّ قال: لئن كان مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منافقون فإنّ معي منافقون وأنتم هم أما والله يا شبث بن ربعي ، وأنت يا عمرو بن حريث ومحمد ابنك ، وأنت يا أشعث بن قيس لتقتلنّ ابني الحسين ، هكذا حدّثني حبيبي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فالويل لمن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خصمه ، وفاطمة بنت محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فلمّا قتل الحسين عليه‌السلام كان شبث بن ربعي ، وعمرو بن حريث ، ومحمد بن الأشعث فيمن سار إليه من الكوفة وقاتلوه بكربلاء حتّى قتلوه ، وكان هذا من دلائله عليه‌السلام (٢) .

[في إعطائه عليه‌السلام الأمان لمروان ، وتكلّمه مع الأسد والأفعى]

وروي بإسناده إلى حنان بن سدير الصيرفي ، عن رجل من مراد يقال له: رباب بن رياح ، قال: كنت قائماً على رأس أمير المؤمنين عليه‌السلام بالبصرة بعد الفراغ من أصحاب الجمل إذ أتى عبد الله بن عباس فقال: يا أمير المؤمنين لي إليك حاجة ، فقال عليه‌السلام : ما أعرفني بحاجتك قبل أن تذكرها ، جئت تطلب منّي الأمان لمروان بن الحكم .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": للعالمين .

(٢) راجع مدينة المعاجز ٣: ١٦٨ ح٨١٥; عن الهداية للحضيني: ١٣٤; ونحوه في الخرائج ١: ٢٢٥ ح٧٠; عنه البحار ٣٣: ٣٨٤ ح٦١٤ .


فقال: يا أمير المؤمنين أحب أن تؤمنه ، فقال: قد آمنته (١) ، لكن اذهب فجئني به يبايعني ولا تجئني به إلاّ رديفاً صاغراً ، قال: فما لبثت إلاّ قليلا حتّى أقبل ابن عباس وخلفه مروان بن الحكم رديفاً ، فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : هلمّ أبايعك .

قال مروان: على انّ النفس فيها ما فيها ، قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : لست أبايعك على ما في نفسك ، إنّما أنا أبايعك على الظاهر ، قال: فمدّ يده فبايع أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فلمّا بايعه قال: هبه يا ابن الحكم فلكنت تخاف أن يقع رأسك في هذه البقعة ، كلاّ أبى الله أن يكون ذلك حتّى يخرج من صلبك طواغيت يملكون هذه الرعية ، يسومونهم خسفاً (٢) وظلماً وجوراً ، يسقونهم كأساً مرّاً .

قال مروان لمن يثق به: والله ما كان منّي إلاّ ما أخبرني به عليّ عليه‌السلام ، ثمّ هرب فلحق بمعاوية فكان ما قال أمير المؤمنين عليه‌السلام حقّاً ، فكان هذا من دلائله عليه‌السلام (٣) .

وروي بإسناده إلى الحارث الأعور الهمداني قال: كنّا مع أمير المؤمنين عليه‌السلام بالكناس إذ أقبل أسد يهوي من البر ، فتضعضعنا له وانتهى إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام وطرح نفسه بين يديه خاضعاً ذليلاً ، فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : ارجع ولا تدخلنّ دار هجرتي وبلّغ ذلك عنّي جميع السباع ما أطاعوني ، فإذا عصوا الله فيّ وخلعوا طاعتي فقد حكمتكم (٤) فيهم .

قال: فلم تزل جميع السباع تتجافى الكوفة وجميع ما حولها إلى أن قُبض أمير المؤمنين عليه‌السلام وتقلّدها زياد بن أبيه ، دعيُّ أبي سفيان ، فلمّا دخلها سلّطت

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": قد آمنته لك .

(٢) في "ب": عسفاً .

(٣) نحوه باختلاف في الخرائج ١: ١٩٧ ح٣٥ عنه البحار ٤١: ٢٩٨ ح٢٦ والهداية: ١٦١ .

(٤) حكمتك (خ ل) .


السباع على الكوفة وما حولها حتّى أفنت أكثر الناس ، فكان هذا من دلائله عليه‌السلام (١) .

وعن الحارث الأعور الهمداني قال: بينما أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام يخطب للناس يوم الجمعة في مسجد الكوفة إذ أقبل أفعى من ناحية باب الفيل ، رأسه أعظم من رأس البعير ، يهوي نحو المنبر ، فانفرق الناس فرقتين في جانب المسجد خوفاً .

فجاء حتّى صعد المنبر ، ثمّ تطاول إلى أُذن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ، فأصغى إليه بأذنه وأقبل عليه يسارّه مليّاً ثمّ نزل ، فلمّا بلغ باب أمير المؤمنين الذي يسمّونه "باب الفيل" انقطع أثره وغاب ، فلم يبق مؤمن ولا مؤمنة إلاّ قال: هذا من عجائب أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ولم يبق منافق إلاّ قال: هذا من سحره .

فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : أيّها الناس لست بساحر ، وهذا الذي رأيتموه وصيّ محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الجنّ وأنا وصيّه على الجنّ والإنس ، وهذا يطيعني أكثر ممّا تطيعوني ، وهو خليفتي فيهم ، وقد وقع بين الجنّ ملحمة تهادروا فيها الدماء ، لا يعلمون ما الخروج عنها ولا ما الحكم فيها ، وقد أتاني سائلاً عن الجواب في ذلك ، فأجبته عنه بالحق ، وهذا المثال الذي تمثّل لكم به أراد أن يريكم فضلي عليكم الذي هو أعلم به منكم ، وكان هذا من دلائله عليه‌السلام (٢) .

وعنه بهذا الإسناد قال: خرجنا مع أمير المؤمنين عليه‌السلام حتّى انتهينا إلى العاقول بالكوفة على شاطئ الفرات ، فإذا نحن بأصل شجرة وقد وقع أوراقها وبقي عودها يابساً ، فضربها بيده المباركة وقال لها: ارجعي بإذن الله خضراء ذات ثمر ، فإذا هي تهتزّ (١) بأغصانها مثمرة مورقة وحملها الكمّثرى الذي لم يُر مثله في

ـــــــــــــــــ

(١) الثاقب في المناقب: ٢٥٠ ح١ والخرائج ١: ١٩١ ح٢٧ عنه البحار ٤١: ٢٣١ ح٢ والهداية: ٢٨ (الحجرية) .

(٢) مدينة المعاجز ٣: ١٧١ ح٨١٦ عن الهداية للحضيني: ١٥٢ وفي الثاقب: ٢٤٨ ح٢١٣ .

(٣) في "ج": تخضرّ .


فواكه الدنيا ، وطعمنا منها وتزوّدنا وحملنا ، فلمّا كان بعد أيّام عُدنا إليها فإذا بها خضراء وفيها الكمّثرى ، وكان هذا من دلائله عليه‌السلام (١) .

[في قضاء ديون النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقصّة الأعرابي]

وروي مرفوعاً إلى جابر الجعفي عن الباقر عليه‌السلام قال: لمّا أراد أمير المؤمنين عليه‌السلام قضاء ديون النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وانجاز عِداته ، أمر منادياً ينادي: من كان له على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دين أو عدة فليقل إلينا (٢) .

وكان يأتي (٣) الرجل وأمير المؤمنين عليه‌السلام كان لا يملك شيئاً ، فقال: اللّهمّ اقض عن نبيّك (صلوات الله عليه) ، فيصيب ما وعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحت البساط لا يزيد درهماً ولا ينقص درهماً .

فقال أبو بكر لعمر: هذا يصيب ما وعد النبي تحت البساط ونخشى أن تميل الناس إليه ، فقال: ينادي مناديك أيضاً فإنّك ستقضي كما قضى ، فنادى مناديه: ألا من كان له عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دين أو عدة فليقل (٤) ، فسلّط الله عليه أعرابياً ، فقال: إنّ لي عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عدة ثمانون ناقة حمراء (٥) سود المقل بأزمتها ورحالها .

فقال أبو بكر: يا أعرابي ، تحضر عندنا في غد ، فمضى الأعرابي ، فقال أبو بكر لعمر: ألا ترى إلى هذا الأمر ؟ إنّك لتلقيني في كلّ أذيّة ، ويحك من أين في الدنيا

ـــــــــــــــــ

(١) مدينة المعاجز ٣: ١٧٥ ح٨١٨; عن الهداية للحضيني: ٢٨ (الحجرية); وفي الثاقب: ٢٤٦ ح٢١١; والبحار ٤١: ٢٤٨ ح١ .

(٢) في "ج": فليأت إلينا .

(٣) في "ج": يُقبل .

(٤) في "ج": فليُقبل .

(٥) في "ج": حمر الوبر .


عشرون ناقة بهذه الصفة ، ما تريد إلاّ أن تجعلنا كذّابين عند الناس ، فقال عمر: يا أبا بكر ، إن هنا حيلة تخلّصك منه ، فقال: وما هي ؟ فقال: تقول : احضرنا (١) بيّنتك على رسول الله بهذا الذي ذكرته حتّى نوفّيك إيّاه ، فإنّ رسول الله لا تقوم عليه بيّنة في دين ولا عدة .

فلمّا كان من الغد حضر الأعرابي فقال: قد جئت للوعد ، فقال له أبو بكر وعمر: يا أعرابي ، أحضرنا بيّنتك على رسول الله حتّى نوفيك ، فقال الأعرابي: أترك رجلاً يعطيني بلا بيّنة وأجيء إلى قوم لا يعطوني إلاّ ببيّنة ، وما أرى إلاّ وقد انقطعت بكم الأسباب ، أو تزعمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان كذّاباً ، لآتينّ أبا الحسن علياً فإن قال لي مثل ما قلتم لأرتدّنّ عن الإسلام .

فجاء إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال له: إنّ لي عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عدة ثمانون ناقة حمراء (٢) سود المقل ، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : اجلس يا أعرابي فإنّ الله تعالى سيقضي عن نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ قال عليه‌السلام : يا حسن يا حسين تعاليا فاذهبا إلى وادي فلان ، وناديا عند شفير الوادي بأنّا رسولا وصيّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليكم وحبيباه ، وأنّ لأعرابي عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمانون ناقة حمراء (٣) سود المقل [فمضيا وناديا] (٤) .

فأجابهما مجيب من الوادي: نشهد أنّكما حبيبا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووصيّاه ، فانتظرا حتّى نجمعها بيننا ، فما جلسا إلاّ قليلاً فظهرت ثمانون ناقة حمراء سود المقل ، وأنّ الحسن والحسين عليهما‌السلام ساقاهما إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب": احضر لنا .

(٢) في "ج": حمر الوبر .

(٣) في "ج": حمر الوبر .

(٤) أثبتناه من "ج" .


فدفعها إلى الأعرابي ، وكان هذا من دلائله عليه‌السلام (١) .

[في بيان أحوال عمرو بن الحمق الخزاعي]

وبإسناده إلى أبي حمزة الثمالي ، عن جابر بن عبد الله بن عمر بن حزام (٢) الأنصاري قال: أرسل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سرية فقال: إنكم تصلون ساعة كذا وكذا من الليل أرضاً لا تهتدون فيها مسيراً ، فإذا وصلتم إليها فخذوا ذات الشمال ، فإنّكم تمرّون برجل فاضل خير في شأنه ، فاسترشدوه فيأبى أن يرشدكم حتّى تأكلوا من طعامه ، ويذبح لكم كبشاً فيطعمكم ، ثمّ يقوم معكم فيرشدكم الطريق ، فاقرؤوه منّي السلام وأعلموه أني قد ظهرت بالمدينة .

فمضوا فلمّا وصلوا في ذلك الوقت إلى الموضع المسمّى ضلّوا ، قال قائل منهم: ألم يقل لكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خذوا بذات الشمال ؟ [فأخذوا ذات الشمال] (٣) فمرّوا بالرجل الذي وصفه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهم ، فاسترشدوه الطريق ، فقال: لا أرشدكم حتّى تأكلوا من طعامي ، وذبح لهم كبشاً ، فأكلوا من طعامه وقام معهم فأرشدهم الطريق وقال لهم: أَظَهَرَ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمدينة ؟ قالوا: نعم ، وأبلغوه سلامه .

فخلّف في شأنه (٤) من خلّف ومضى إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو عمرو بن الحمق الخزاعي بن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القين بن درّاج بن

ـــــــــــــــــ

(١) مدينة المعاجز ٣: ١٧٥ ح٨١٥; عن الهداية للحضيني: ١٥٣; وفي الخرائج ١: ١٧٥ ح٨; عنه البحار ٤١: ١٩٢ ح٤; ونحوه الثاقب في المناقب: ١٢٧ ح٤; والخصائص للرضي: ٤٩ .

(٢) في بعض المصادر: حرام .

(٣) أثبتناه من "ج" .

(٤) في "ب": في بستانه .


عمرو بن سعد بن كعب (١) .

فلبث معه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما شاء الله ، ثمّ قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ارجع إلى الموضع الذي هاجرت إليّ منه ، فإذا جاء أخي عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام الكوفة وجعلها دار هجرته فآته (٢) ، فانصرف عمرو بن الحمق إلى شأنه حتّى إذا نزل أمير المؤمنين عليه‌السلام الكوفة أتاه فأقام معه [بالكوفة] (٣) فبينما أمير المؤمنين عليه‌السلام جالس وعمرو بين يديه فقال له: يا عمرو ، ألك دار ؟ قال: نعم .

قال: بعها واجعلها في الأزد ، فإنّي في غد لو غبت عنكم لطلبت فتتبعك الأزد (٤) حتّى تخرج من الكوفة متوجّهاً نحو الموصل ، فتمرّ برجل نصرانيّ فتقعد عنده وتستسقيه الماء ، فيسقيك ويسألك عن شأنك فتخبره فتصادفه مقعداً ، فادعه إلى الإسلام فإنّه يسلم ، فإذا أسلم فمر يدك على ركبتيه فإنّه ينهض صحيحاً سليماً ويتبعك .

وتمرّ برجل محجوب جالس على الجادة ، فتستسقيه الماء فيسقيك ويسألك عن قضيّتك (٥) وما الذي أخافك وممّ تتوقّى ، فحدّثه بأنّ معاوية طلبك ليقتلك

ـــــــــــــــــ

(١) قال الشيخ عباس القمي (رحمه الله) في منتهى الآمال ١: ٤٠٠: عمرو بن الحمق الخزاعي ، العبد الصالح الإلهي ، من حواري باب علم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولقد وصل إلى المقام الأسنى بخدمته لأمير المؤمنينعليه‌السلام وأدرك حضوره ، وقد شارك في جميع حروبه (الجمل وصفين والنهروان) وسكن الكوفة ، وساعد حجر بن عديّ بعد استشهاد عليّعليه‌السلام في منع بني أمية عن سبّه ، وكتب الإمام الحسينعليه‌السلام في رسالته إلى معاوية:

(أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، العبد الصالح الذي أَبْلَتْهُ العبادة فنحل جسمه ، وصفر لونه بعد ما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً نزل عليك من رأس الجبل ، ثمّ قتلته جرأةً على ربّك واستخفافاً بذلك العهد ...) (البحار ٤٤: ٢١٣) .

(٢) في "ج": تنزل معه .

(٣) أثبتناه من "ج" .

(٤) في "ج": لطلبت منك الأزد .

(٥) في "ب" و "ج": قصّتك .


ويمثّل بك بإيمانك بالله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وطاعتك وإخلاصك في ولايتي ، ونصحك لله تعالى في دينك ، وادعه إلى الإسلام فإنّه يسلم ، ومرّ يدك على عينيه فإنّه يرجع بصيراً بإذن الله تعالى ، فيتابعك ويكونان معك ، وهما اللذان يواريان جسدك في الأرض .

ثمّ تصير إلى دير على نهر يُدعى بالدجلة فإنّ فيه صدّيقاً عنده من علم المسيحعليه‌السلام ، فاتّخذه لك أعون الأعوان على سرّك ، وما ذاك إلاّ ليهديه الله بك ، فإذا أحسّ بك شرطة ابن أم حكم ـ وهو خليفة معاوية بالجزيرة ، ويكون مسكنه بالموصل ـ فاقصد إلى الصدّيق الذي في الدير في أعلى الموصل .

فناده فإنّه يمتنع عليك ، فاذكر اسم الله الذي علّمتك إيّاه فإنّ الدير يتواضع لك حتّى تصير في ذروته ، فإذا رآك ذاك الراهب الصدّيق قال لتلميذ معه: ليس هذا من أوان المسيح ، هذا شخص كريم ، ومحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد توفّاه الله ووصيّه قد استشهد بالكوفة ، وهذا من حواريه .

ثمّ يأتيك ذليلاً خاشعاً فيقول لك: أيّها الشخص العظيم لقد أهلتني بما لم أستحقّه ، فبم تأمرني ؟ فتقول له: استر تلميذيَّ هذين عندك ، وتشرف على ديرك هذا فانظر ماذا ترى ، فإذا قال لك : إنّي أرى خيلاً عابرة نحونا ، فخلّف تلميذيك عنده وانزل واركب فرسك ، واقصد نحو غار على شاطئ الدجلة فاستتر فيه ، فإنّه لابد أن يسترك ، وفيه فسقة من الجنّ والإنس .

فإذا استترت فيه عرفك فاسق من مردة الجنّ ، يظهر لك بصورة تنين أسود ، فينهشك نهشاً يبالغ في إضعافك ويفرّ فرسك ، فيبتدر بك الخيل فيقولون: هذا فرس عمرو ويقصون أثره ، فإذا أحسست بهم دون الغار فابرز إليهم بين الدجلة والجادة ، فقف لهم في تلك البقعة فإنّ الله تعالى جعلها حفرتك وحرمك ، فألقهم بسيفك فاقتل منهم من استطعت حتّى يأتيك أمر الله ، فإذا غلبوك جزّوا رأسك


وشهروه على قناة إلى معاوية ، ورأسك أوّل رأس يُشهر في الإسلام من بلد إلى بلد .

وبكى أمير المؤمنين عليه‌السلام وقال: بنفسي ريحانة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثمرة فؤاده وقرّة عينه ولدي الحسين ، فإنّي رأيته يسير وذراريه (١) بعدك يا عمرو من كربلاء بغربيّ (٢) الفرات إلى يزيد بن معاوية .

ثمّ ينزل صاحبك المحجوب والمقعد فيواريان جسدك في موضع مصرعك ، وهو من الدير والموصل على مئة وخمسين خطوة ، فكان كما ذكره أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وكان هذا من دلائله عليه‌السلام (٣) .

[في خبر رميلة ، وأنهمعليهم‌السلام يمرضون لمرض شيعتهم ويحزنون لحزنهم]

وروي مرفوعاً إلى حمران بن أعين ، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر ، عن رميلة ـ وكان رجلاً من خواص أمير المؤمنين عليه‌السلام ـ قال رميلة : وعكت وعكاً شديداً في زمان أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ثمّ وجدت منه خفّاً في نفسي في يوم الجمعة ، فقلت: لا أعمل شيئاً أفضل من أن أفيض عليّ الماء وآتي المسجد وأصلّي خلف أمير المؤمنين عليه‌السلام .

ففعلت ذلك فلمّا علا المنبر في جامع الكوفة عاودني الوعك ، فلمّا خرج أمير المؤمنين عليه‌السلام من المسجد تبعته ، فالتفت إليّ وقال: ما أراك إلاّ مشتكياً (٤) بعضك في بعض ، قد علمت ما بك من الوعك ، وما قلت إنّك لا تعمل شيئاً أفضل من غسلك لصلاة الجمعة خلفي ، وإنّك كنت وجدت خفّاً فلمّا صلّيت وعلوتُ المنبر

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب": يسيّروا ذراريه .

(٢) في "ج": بقرب .

(٣) مدينة المعاجز ٣: ١٧٩ ح٨٢٠; عن الهداية للحضيني: ١٥٤ .

(٤) في "ج": مشتبكاً .


عاد عليك الوعك [ثانياً] (١) .

قال رميلة : فقلت : والله يا أمير المؤمنين ، ما زدت في قصّتي ولا نقصت حرفاً ، فقال لي: يا رميلة ، ما من مؤمن ولا مؤمنة يمرض مرضاً إلاّ مرضنا لمرضه ، ولا يحزن حزناً إلاّ حزنّا لحزنه ، ولا دعا إلاّ أمّنّا على دعائه ، ولا يسكت إلاّ دعونا له .

فقلت: هذا يا أمير المؤمنين لمن كان معك في هذا المصر ، فمن كان في أطراف الأرض منزله فكيف ؟ فقال: يا رميلة ، ليس يغيب عنّا مؤمن ولا مؤمنة في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ وهو معنا ونحن معه ، وكان هذا من دلائله عليه‌السلام (٢) .

[في إنطاق المسوخ لهعليه‌السلام ]

وروي مرفوعاً إلى الأصبغ بن نباتة قال: جاء نفر إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام فقالوا له: إن المعتمد يزعم أنّك تقول هذا الجري مسخ ، فقال: مكانكم حتّى أخرج إليكم ، فتناول ثوبه ثمّ خرج إليهم ، فمضى حتّى انتهى إلى الفرات بالكوفة ، فصاح: يا جري ، فأجابه: لبّيك لبّيك .

قال: من أنا ؟ قال: أنت إمام المتّقين ، وأمير المؤمنين ، فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : فمن أنت ؟ قال: أنا ممّن عرضت عليه ولايتك فجحدتها ولم أقبلها فَمُسِخْتُ جرياً ، وبعض هؤلاء الذين معك يمسخون جرياً ، فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : فبيّن قصّتك وممّن كنت ، ومن مُسِخَ معك .

قال: نعم يا أمير المؤمنين ، كنّا أربعاً وعشرين طائفة من بني إسرائيل قد تمرّدنا وطغينا واستكبرنا وتركنا المدن لا نسكنها أبداً ، وسكنّا المفاوز رغبة منّا في البُعد عن المياه فأتانا آت ـ أنت والله أعرف به منّا ـ في ضحى النهار ، فصرخ

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ب" و "ج" .

(٢) نحوه بصائر الدرجات: ٢٧٩ ح١ باب١٦; عنه البحار ٢٦: ١٤٠ ح١١; ومدينة المعاجز ٢: ١٧٥ ح٤٧٩; واختيار معرفة الرجال ١: ٣١٩ ح١٦٢; والهداية: ١٥٦ .


صرخة فجعلنا في مجمع واحد ، وكنّا منبثّين (١) في تلك المفاوز والقفار ، فقال لنا: ما لكم هربتم من المدن والأنهار والمياه وسكنتم هذه المفاوز؟

فأردنا أن نقول لأنّا فوق العالم ـ تعزّزاً وتكبّراً ـ فقال: قد علمت ما في أنفسكم ، فعلى الله تتعزّزون وتتكبّرون ؟ فقلنا له : لا ، فقال : أليس قد أخذ عليكم العهد أن تؤمنوا بمحمد بن عبد الله المكّي ؟ فقلنا : بلى ، قال : وأخذ عليكم العهد بولاية وصيّه وخليفته من بعده أمير المؤمنين [عليّ بن أبي طالب] (٢) ؟

فسكتنا ، فلم نجب إلاّ بألسنتنا ، وقلوبنا ونيّاتنا لم تقبلها ولا تقرّ بها ، فقال: أو تقولون بألسنتكم خاصّة ؟ ثمّ صاح بنا صيحة وقال لنا: كونوا بإذن الله مسوخاً كلّ طائفة جنساً ، ثمّ قال: أيّتها القفار كوني بإذن الله أنهاراً تسكنك هذه المسوخ ، واتّصلي ببحار الدنيا وبأنهارها حتّى لا يكون ماء إلاّ كانوا فيه .

فمسخنا ونحن أربعة وعشرون طائفة ، فمنّا من قال : أيّها المقتدر علينا بقدرة الله تعالى فبحقّه عليك إلاّ ما أغنيتنا عن الماء ، واجعلنا (٣) على وجه الأرض كيف شئت ، قال: قد فعلت ، قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : يا جري ، فبيّن لنا ما كانت أجناس المسوخ البريّة والبحريّة .

فقال: أمّا البحريّة فنحن الجري ، والرق (٤) ، والسلاحف ، والمارماهي (٥) ، والزمار (٦) ، والسراطين ، وكلاب الماء ، والضفادع ، وبنت هرس ، والعرصان (٧) ،

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": مقيمين .

(٢) أثبتناه من "ب" و "ج" .

(٣) في "ج": وجعلتنا .

(٤) الرق: نوع من دواب الماء شبه التمساح ، وقيل: هو العظيم من السلاحف (لسان العرب)

(٥) المارماهي: معرب أصله حيّة السمك (مجمع البحرين)

(٦) الزمار: سمكة جسمها ممدود شديد الانضغاط من الجانبين ، مقدمها طويل أحدب ، وجسمها أملس لا تغطّيه الشعور .

(٧) في "ب": صرصاف .


والكوسج ، والتمساح .

قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : وأمّا البريّة ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين ، الوزغ ، والخفاش ، والكلب ، والدب ، والقرد ، والخنازير ، والضبّ ، والحرباء ، والأوز ، والخنافس ، والأرنب ، والضبع ، قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : صدقت أيّها الجري ، فما فيكم من طبع الإنسانية وخلقها ؟

قال الجري: أفواهنا والبعض لكلّ صورة ، وكلّنا تحيض منّا الإناث ، قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : صدقت أيّها الجري ، فقال الجري: يا أمير المؤمنين ، فهل من توبة ؟ فقال عليه‌السلام : الأجل هو يوم القيامة وهو اليوم المعلوم ، والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين .

قال الأصبغ: فسمعنا والله ما قال ذلك الجري ووعيناه ، وكتبناه وعرضناه على أمير المؤمنين عليه‌السلام (١) .

[في إحياء ميّت]

وبإسناده إلى الصادق عليه‌السلام قال: إن أمير المؤمنين عليه‌السلام كانت له خؤولة من جهة الأبوة في بني مخزوم ، وإنّ شابّاً منهم أتاه فقال له: يا خالي إن صاحبتي (٢) ورائي ، وإنّ أخي مات ضالاًّ وإنّي عليه حزين ، قال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : أفتحبّ أن تراه ؟ قال: نعم .

فلبس بردة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخرج معه حتّى انتهى إلى قبره ، فركض (٣) برجله القبر فخرج من قبره وهو يقول: ويته ويته (٤) سلان ، فقال له

ـــــــــــــــــ

(١) مدينة المعاجز ٣: ١٨٣ ح٨٢١; ومستدرك الوسائل ١٦: ١٧٠ ح١٩٤٨٠; عن الهداية للحضيني: ١٥٧; وباختصار في البحار ٢٧: ٢٧١ ح٢٤ .

(٢) في "ج": صاحبي .

(٣) في "ج": فوكز .

(٤) في "ج": ويه ويه .


أخوه المخزومي: أولم تمت وأنت رجل من العرب ؟ قال: كنّا على سنّة أبي بكر وعمر في العربيّة ، ونحن اليوم على سنّة الفرس ، فليست ألسنتنا على دين الله بالفارسيّة ، فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : ارجع إلى مضجعك ، وانصرف المخزومي معه ، وكانت هذه من دلائله عليه‌السلام (١) .

[في إخباره عن القائم عليه‌السلام ]

وروي عن الأصبغ بن نباتة قال: خرجنا (٢) مع أمير المؤمنين عليه‌السلام وهو يطوف بالسوق فيأمرهم بوفاء الكيل والميزان حتّى انتصف النهار ، فمرّ برجل جالس ، فقام إليه وقال: يا أمير المؤمنين ، مر معي فادخل بيتي وتغدّى عندي ، وادع الله لي فإنّك ما تغدّيت اليوم .

فقال عليه‌السلام : على شرط أشرطه عليك ، قال: لك شرطك ، قال: على أن لا تدخر ما في بيتك (٣) ولا تتكلّف ما وراء بابك ثمّ دخل ودخلنا معه ، فأكلنا خلاًّ وزيتاً وتمراً ، ثمّ خرج يمشي حتّى انتهى إلى باب قصر الإمارة بالكوفة ، فركض (٤) برجله فتزلزلت الأرض .

ثمّ قال: أما والله لو علمتم ما هاهنا ، أما والله لو قد قام قائمنا لأخرج من هذا الموضع اثني عشر ألف درع ، واثني عشر ألف بيضة لها وجهان ، ثمّ ألبسها اثني عشر ألف رجل من ولد العجم ، ثمّ ليأمرهم أن يقتلوا كلّ من كان على خلاف ما هم عليه ، وإنّي لأعلم ذلك وأراه كما أعلم هذا اليوم وأراه ، وكان هذا من دلائله (٥) .

ـــــــــــــــــ

(١) الكافي ١: ٤٥٦ ح٧; والبصائر: ٢٩٣ ح٣ باب ٤; عنه البحار ٤١: ١٩٥ ح٨; والثاقب في المناقب: ٢٢٨ ح٤; ومدينة المعاجز ١: ٢٣٢ ح١٤٦; والخرائج ١: ١٧٣ ح٥; والهداية: ١٥٩ .

(٢) في "ج": كنّا .

(٣) في "ج": على أن لا تدخلنّ في بيتك .

(٤) في "ج": فوكز رجله .

(٥) الهداية الكبرى: ٣١ (الحجرية) .


 [في شفائهعليه‌السلام للمكفوف والزمن والأبرص]

وروي مرفوعاً إلى مالك الأشتر قال: دخلت على أمير المؤمنين عليه‌السلام في ليلة مظلمة فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، فقال: وعليك السلام ، ما الذي أدخلك عليّ في هذه الساعة يا مالك ؟ قلت: حبّك (١) يا أمير المؤمنين وشوقي إليك ، فقال: صدقت والله يا مالك ، فهل رأيت أحداً ببابي هذه الليلة المظلمة ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين رأيت ثلاثة نفر .

فقام أمير المؤمنين عليه‌السلام فخرج فخرجنا معه ، فإذا بالباب رجل مكفوف ورجل زمن ورجل أبرص ، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : ما تصنعون ببابي في هذا الوقت ؟ قالوا: جئناك يا أمير المؤمنين تشفينا ممّا بنا ، فمسح عليه‌السلام عليهم جميعاً ، فقاموا من غير عمى ولا زمانة ولا برص ، فكان هذا من دلائله عليه‌السلام (٢) .

[في إخباره عليه‌السلام بقتل عمر ، وحوادث آخر الزمان]

وبإسناده إلى هارون بن سعيد قال: سمعت أمير المؤمنين عليه‌السلام يقول لعمر: من علّمك الجهالة يا مغرور ؟ أما والله لو كنت بصيراً ، وكنت بما أمرك به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خبيراً ، وكنت في دينك تاجراً نحريراً لركبت العقر ، ولفرشت القصب ، ولما أحببت أن تتمثّل لك الرجال قياماً ، ولما ظلمت عترة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بفعل القبيح (٣) ، غير أنّي أراك في الدنيا قتيلاً بجراحة من عبد أم معمر ، تحكم عليه جوراً فيقتلك ، وذلك توفيقاً يدخل والله به الجنان على الرغم منك .

ـــــــــــــــــ

(١) في "الف": جئتك .

(٢) الهداية للحضيني: ١٥٩; والثاقب في المناقب: ٢٠٤ ح١٨١; والخرائج ١: ١٩٦ ح٣٤; عنه البحار ٤١: ١٩٥ ح٧; ومدينة المعاجز ٢: ٧٤ ح٤٠٧ .

(٣) في "ج": بقبيح الفعل .


ولو كنت من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سامعاً مطيعاً لما وضعت سيفك على عاتقك ولما خطبت على المنبر ، وكأنّي أراك وقد دعيت فأجبت ونودي باسمك فأحجمت ، وإنّ لك [بعد القتل] (١) لهتك ستر وصلباً ، ولصاحبك الذي اختارك وقمت مقامه من بعده .

فقال له عمر: يا أبا الحسن ، أما تستحي لنفسك من هذا [التهكّن] (٢) ؟ فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : والله ما قلت إلاّ ما سمعت ، ولا نطقت إلاّ بما علمت ، قال: فمتى يكون هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال: إذا خرجت جيفتكما عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قبريكما الذين لم ترقدا فيهما نهاراً ، كيلا يشك أحد فيكما إذ نبشتما ، ولو دفنتما بين المسلمين لشك شاك وارتاب مرتاب .

وصلبتما على أغصان دوحات شجرة يابسة ، فتورق تلك الدوحات بكما وتفرع وتخضر ، فتكون فتنة لمن أحبّكما ورضى بفعالكما ، ليميز الله الخبيث من الطيب ، وكأنّي أنظر إليكما والناس يسألون العافية ممّا قد بُليتما به ، فقال: فمن يفعل ذلك يا أبا الحسن؟

قال: عصابة قد فرقت بين السيوف وأغمادها ، وارتضاهم الله لنصرة دينه ، فما تأخذهم في الله لومة لائم ، ولكأنّي أنظر إليكما وقد أخرجتما من قبريكما ، غضّين طريّين رطبين حتّى تصلبا على الدوحات ، فيكون ذلك فتنة لمن أحبّكما ، ثمّ يؤتى بالنار التي أضرمت لإبراهيم عليه‌السلام ، ويجيء جرجيس ودانيال وكلّ نبيّ وصدّيق ومؤمن ، ثمّ يؤمر بالنار التي أضرمتموها على باب داري لتحرقوني وفاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وابني الحسن والحسين ، وابنتي زينب وأم كلثوم ، فتحرقا بها .

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) أثبتناه من "ج" .


ويرسل الله عليكما ريحاً مرّة فتنسفكما في اليمّ نسفاً بعد أن يأخذ السيف ما كان منكما ، ويصير مصيركما جميعاً إلى النار ، وتخرجان إلى البيداء إلى موضع الخسف الذي قال الله (عَزَّ وجَلَّ): ( وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ) (١) يعني من تحت أقدامكم .

قال: يا أبا الحسن ، يفرق بيننا وبين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال: نعم ، قال: يا أبا الحسن ، إنّك سمعت هذا وإنّه حق ؟ قال: فحلف أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه سمعه من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فبكى عمر وقال: إنّي أعوذ بالله ممّا تقول ، فهل لذلك علامة ؟ قال: نعم ، قتل فضيع ، وموت سريع ، وطاعون شنيع ولا يبقى من الناس في ذلك الوقت إلاّ ثلثهم ، وينادي مناد من السماء باسم رجل من ولدي ، وتكثر الآيات حتّى تتمنّى الأحياء الموت ممّا يرون من الآيات ، فمن هلك استراح ومن كان له عند الله خير نجا .

ثمّ يظهر رجل من ولدي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً ، يأتيه الله ببقايا (٢) قوم موسى ويحيى ، له أصحاب الكهف ، ويؤيّده الله بالملائكة والجنّ وشيعتنا المخلصين ، وينزل من السماء قطرها ، وتخرج الأرض نباتها ، فقال له: يا أبا الحسن ، أمّا إنّي أعلم أنّك لا تحلف إلاّ على الحقّ ، فوالله لا تذوق أنت ولا أحد من ولدك حلاوة الخلافة أبداً .

فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : إنّكم لا تزدادون لي ولولدي إلاّ عداوة ، فلمّا حضرت عمر الوفاة أرسل إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال له: يا أبا الحسن ، اعلم أن أصحابي هؤلاء قد أحلّوني ممّا وليت من أمورهم فإن رأيت أن تحلّني ، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : أرأيت لو أحللتك أنا فهل لك بتحليل من قد

ـــــــــــــــــ

(١) سبأ: ٥١ .

(٢) في "ج": ببقيا .


مضى ، رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وابنته ، ثمّ ولّى وهو يقول: ( وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ) (١) فهذا كان من دلائله عليه‌السلام (٢) .

[في حديث الجام]

وبإسناده مرفوعاً إلى الصادق عليه‌السلام قال: جلس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في رحبة مسجده بالمدينة ، وطائفة من المهاجرين والأنصار حوله ، وأمير المؤمنين عن يمينه ، وأبو بكر وعمر عن يساره إذ أظلّته غمامة لها زجل وحفيف ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أبا الحسن ، قد أوتينا بهدية من عند الله .

ثمّ مدّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يده إلى الغمامة ، فنزلت (٣) ودنت من يده ، فبدا منها جام يلمع حتّى غشى أبصار من في المسجد ، وله روائح زالت من طيبها عقول الناس ، والجام يسبّح لله تعالى ويقدّسه ويمجّده بلسان عربى مبين ، حتّى نزل في بطن راحة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اليمنى وهو يقول:

"السلام عليك يا حبيب الله وصفوته ورسوله المختار من ربّ العالمين ، والمفضل على أهل ملك الله أجمعين من الأوّلين والآخرين ، وعلى وصيّك خير الوصيّين ، وأخيك خير المؤاخين ، وخليفتك خير المستخلفين ، وإمام المتّقين ، وأمير المؤمنين ، ونور المستنيرين ، وسراج المقتدين ، وعلى زوجته ابنتك فاطمة خير نساء العالمين ، الزهراء في الزاهرين ، البتول أم الأئمّة الراشدين المعصومين ، وعلى سبطيك ، ونوريك ، وريحانتيك ، وقرّتي عينيك الحسن والحسين" .

فسمع ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنين والحسن والحسين

ـــــــــــــــــ

(١) يونس: ٥٤ .

(٢) عنه مدينة المعاجز ٢: ٢٤٣ ح٥٢٨; ونحوه الهداية الكبرى: ١٦٢ .

(٣) في "ج": فتدلّت .


  عليهم‌السلام وجميع من حضر يسمعون ما يقول الجام ، ويغضّون أبصارهم عن تلألؤ نوره ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكثر من حمد الله وشكره حتّى قال الجام وهو في كفّه: يا رسول الله ، إن الله بعثني إليك وإلى أخيك عليّ وابنتك فاطمة وإلى الحسن والحسين ، فردني يا رسول الله إلى كفّ عليّ .

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خذه يا أبا الحسن تحفة الله إليك ، فمدّ يده اليمنى وصار في بطن راحته ، فقبّله (١) واشتمّه وقال: مرحباً بزلفة الله لرسوله وأهل بيته ، وأكثر من حمد الله والثناء عليه ، والجام يكبّر الله ويهلّله ويقول لرسول الله : قل لعليّ يردني إلى فاطمة والحسن والحسين كما أمرني الله (عَزَّ وجَلَّ) ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قم يا أبا الحسن فاردده في كفّ فاطمة وكفّ حبيبيّ الحسن والحسين .

فقام أمير المؤمنين عليه‌السلام فحمل الجام ونوره يزيد على نور الشمس ، ورائحته قد أذهبت العقول طيباً حتّى دخل على فاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام وردّه في أيديهم ، فحيوا به وقبّلوه وأكثروا من ذكر الله وحمده وشكره والثناء عليه ، ثمّ ردّوه إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فلمّا صار في كفّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام عمر على قدميه وقال : يا رسول الله ما بالك تستأثر بكلّ ما أتاك من عند الله من تحيّة وهديّة أنت وعليّ وفاطمة والحسن والحسين ؟ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ويحك يا عمر ما أجرأك! أما سمعت ما قال الجام ؟ تسألني أن أعطيك ما ليس لك ، فقال: يا رسول الله أفتأذن بأخذه واشتمامه وتقبيله؟

فقال: ويحك يا عمر ، والله ما ذاك لك ولا لغيرك من الناس أجمعين غيرنا ، فقال: يا رسول الله ، أفتأذن لي أن أمسّه بيدي ؟ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

ـــــــــــــــــ

(١) في "الف": فقلّبه .


ما أشدّ إلحاحك ، قم فإن نلته فما محمد (١) رسول الله حقّ ولا جاء بحقّ من عند الله ، فمدّ عمر يده نحو الجام فلم تصل إليه ، فانصاع الجام وارتفع نحو الغمام وهو يقول: يا رسول الله هكذا يفعل المزور بالزائر؟

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ويلك يا عمر ! من جرأتك (٢) على الله ورسوله ، قم يا أبا الحسن على قدميك وامدد يدك إلى الغمام فخذ الجام وقل له: ماذا أمرك الله أن تؤدّيه ، فقام إلى الجام فأخذه وقال له: رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لك ماذا أمرك الله أن تقوله فأنسيته (٣) .

قال الجام: نعم يا أخا رسول الله ، أمرني أن أقول لكم: إني قد أوقفني الله على نفس كلّ مؤمن ومؤمنة من شيعتكم ، وأمرني بحضور وفاته حتّى لا يستوحش بالموت فيستأنس بالنظر إليّ ، وأن أنزل على صدره وأسكره بروائح طيبي ، فتفيض نفسه وهو لا يشعر .

فقال عمر لأبي بكر: يا ليت مضى الجام بالحديث الأوّل ولم يذكر شيئاً ، فكان هذا من فضل الله على رسوله وعلى أمير المؤمنين عليهما‌السلام ودلائلهما (٤) .

[خبر حبابة الوالبيّة]

روي مرفوعاً إلى رشيد الهجري قال: كنت وأبو عبد الله سلمان ، وأبو عبد الرحمن قيس بن ورقاء ، وأبو القاسم مالك بن التيهان ، وسهل بن حنيف بين يدي أمير المؤمنين عليه‌السلام بالمدينة إذ دخلت حبابة الوالبيّة وعلى رأسها كوز (٥)

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب": فما أنا محمد .

(٢) في "ج": ما أجرأك .

(٣) في "ج": فنسيته .

(٤) الهداية للحضيني: ١٦٤; عنه مدينة المعاجز ١: ١٥٥ ح٩٢ .

(٥) في "ج": مجمرة .


شبه المنسف وعليها أسمار (١) سابغة ، وهي متقلّدة بمصحف وبين أناملها سبحة من حصى ونوى .

فسلّمت وبكت كثيراً وقالت: يا أمير المؤمنين آه من فقدك ، ووا أسفاه من غيبتك ، ووا حسرتاه على ما يفوت من الغنيمة منك ، لا نلهو ولا نرغب عنك (٢) ، وإنني من أمري لعلى يقين وبيان حقيقة ، وإنّي لقيتك وأنت تعلم ما أريد ، فمدّ يده اليُمنى وأخذ منها حصاة بيضاء تلمع من صفائها ، وأخذ خاتمه من يده وطبع به الحصاة وقال لها : يا حبابة ، هذا كان مرادك منّي؟

فقالت: إي والله يا أمير المؤمنين ، هذا أريد لما سمعناه من تفرّق شيعتك واختلافهم من بعدك ، فأردت هذا البرهان ليكون معي إن عمّرت بعدك ـ ولا عمّرت ـ ويا ليتني وأهلي وقومي لك الفداء ، وإذا وقعت الإشارة وأرسلت (٣) الشيعة إلى من يقوم مقامك أتيته بهذه الحصاة ، فإذا فعل بها ما فعلتَ علمتُ انّه الخلف من بعدك ، وأرجو أن لا أؤجّل لذلك .

فقال لها: بلى والله يا حبابة ، لتلقين بهذه الحصاة الحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمد بن عليّ وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعليّ بن موسى الرضا ، وكلّ إذا أتيتيه استدعى الحصاة منك وطبعها بهذا الخاتم لك ، فعند عليّ بن موسى ترين في نفسك برهاناً عظيماً منه ، وتختارين الموت ، فتموتين ويتولّى أمرك ويقوم على حفرتك ويصلّي عليك ، وأنا مبشّرك بأنّك مع المكرورات [من المؤمنات] (٤) مع المهدي من ذرّيتي إذا أظهر الله أمره .

فبكت حبابة وقالت: يا أمير المؤمنين ، من أين هذا لأمتك الضعيفة اليقين ،

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": أثمار .

(٢) في "الف": لا تلهو ولا ترغب عنك .

(٣) في "ج": أو شكّت .

(٤) أثبتناه من "ج" .


القليلة العمل لولا فضل الله وفضل رسوله وفضلك يا أمير المؤمنين ، فبكم نلت هذه المنزلة وأنا والله بما قلته موقنة كيقيني إنّك أمير المؤمنين حقّاً لا سواك ، فادعُ لي يا أمير المؤمنين بالثبات على ما هداني الله عليه ، لا أُسلبه ولا أفتن فيه ولا أضلّ عنه ، فدعا لها أمير المؤمنين عليه‌السلام وأصحبها خيراً .

قالت حبابة: فلمّا قبض أمير المؤمنين عليه‌السلام بضربة عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله في مسجد الكوفة أتيت مولاي الحسن عليه‌السلام ، فقال لي: أهلاً وسهلاً يا حبابة هاتي الحصاة ، وطبعها كما طبعها أمير المؤمنين عليه‌السلام وأخرج الخاتم بعينه ، فلمّا مضى الحسن عليه‌السلام بالسمّ أتيت الحسين عليه‌السلام ، فلمّا رآني قال: مرحباً يا حبابة هاتي الحصاة ، فأخذها وختمها بذلك الخاتم .

فلمّا استشهد عليه‌السلام مضيت إلى عليّ بن الحسين عليه‌السلام وقد شكّ الناس فيه ، ومالت شيعة الحجاز إلى محمد بن الحنفية ، وصار إليّ من كبارهم جمع فقالوا: يا حبابة ، الله الله فينا ، اقصدي عليّ بن الحسين بالحصاة حتّى يتبيّن الحق ، فصرت إليه فلمّا رآني رحّب بي وقرّبني ومدّ يده وقال: هاتي الحصاة ، فأخذها وطبعها بذلك الخاتم .

ثمّ صرت بعده إلى محمد بن عليّ ، وإلى جعفر بن محمد ، وإلى موسى بن جعفر ، وإلى عليّ بن موسى الرضا ، فكلّ يفعل مثل أمير المؤمنين والحسن والحسين (صلوات الله عليهم أجمعين) ، ثمّ علت سنّي ، ورقّ جلدي ، ودقّ عظمي ، وحال سواد شعري ، وكنت بكثرة نظري إليهم صحيحة البصر والعقل والفهم والسمع .

فلمّا صرت بحال استولى الكبر فيه قلت لمولاي عليّ بن موسى الرضا عليه‌السلام : لا تغفل عنّي ، تحضر جنازتي وتصلّي عليّ كما وعدني جدّك أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فقال: نعم أبشري (١) فإنّك معنا .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": إلتزمي .


فكان من أمرها أنها ذات ليلة نائمة على فراشها إذ نزل بها الحمام المحتوم ، فأيقضوها فإذا هي قد سلّمت ، فلمّا كان من الغد وإذا برسول عليّ بن موسى الرضا عليه‌السلام عندهم وعنده كفن وحنوط ، ثمّ قاموا في جهازها ، فصلّى عليها الرضا عليه‌السلام ولقّنها ثمّ قام على قبرها يبكي [عليها] (١) ثمّ قال: أبلغي آبائي عنّي السلام (٢) .

[خبر اللوح الذي كان عند جابر]

وفي حديث [جابر بن عبد الله] (٣) عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال: قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاري: إن لي إليك حاجة فمتى يخفّ عليك أن أخلو بك فأسألك عنها ؟ فقال له جابر: في أيّ الأوقات أحببت .

فخلا به أبي في بعض الأوقات ، فقال له: يا جابر [بحقّي عليك](٤) أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وما أخبرك به أبي ما كان في اللوح مكتوباً (٥) ، فقال جابر: أشهد بالله أني دخلت على أمك فاطمة في حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أهنئها بولادة الحسين ، ورأيت في يدها لوحاً أخضر ظننت أنّه زمردة خضراء ، ورأيت فيه كتاباً أبيض شبه (٦) نور الشمس ، فقلت لها: بأبي أنت وأمي يا بنت رسول الله ما هذا اللوح؟

فقالت: هذا اللوح أهداه الله إلى رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيه اسم أبي

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ب" .

(٢) هداية الحضيني: ١٦٧; عنه مدينة المعاجز ٣: ١٩٠ ح٨٢٤ .

(٣) أثبتناه من "ج" .

(٤) أثبتناه من "ب" .

(٥) في "ج": ما أخبرتك اُمّي انّه في ذلك اللوح مكتوب .

(٦) في "ب" و "ج": شبيه .


واسم بعلي واسم ابني واسم الأوصياء من ولدي ، فأعطانيه أبي ليسرّني بذلك .

قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة فقرأته واستنسخته ، فقال: هل لك يا جابر أن تعرضه عليّ ؟ قال: نعم ، فمشى معه أبي حتّى انتهى إلى منزل جابر ، فأخرج إلى أبي صحيفة من رق (١) ، [فقال: يا جابر اُنظر في كتابك لأقرأ عليك ، فنظر جابر في نسخته فقرأه أبي فما خالف حرف حرفاً] (٢) .

قال جابر: أشهد بالله هكذا رأيته في اللوح: "بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من عند الله العزيز الحكيم لمحمّد [بن عبد الله نبيّه] (٣) ونوره وسفيره وحجابه ، نزل به الروح الأمين من عند ربّ العالمين ، عظّم يا محمد أسمائي ، واشكر نعمائي ، ولا تجحد آلائي ، إني أنا الله لا إله إلاّ أنا ، قاصم الجبّارين ، ومذلّ الظالمين ، وديّان الدين .

إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا وحدي ، فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذّبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ، وإيّاي فاعبد وعليَّ فتوكّل ، إنّي لم أبعث نبيّاً وأكملت أيّامه وأنقصت مدّته إلاّ جعلت له وصيّاً ، وإنّي فضّلتك على الأنبياء ، وفضّلت وصيّك على الأوصياء (٤) ، وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسناً وحسيناً ، فجعلت حسناً معدن [حلمي و] (٥) علمي بعد انقضاء مدّة أبيه ، وجعلت حسيناً خازن وحيي ، وأكرمته بالشهادة ، فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة .

جعلت كلمتي التامّة معه ، والحجّة البالغة عنده ، بعترته أثيب وأعاقب ، أوّلهم عليّ سيّد العابدين وزين أوليائي الماضين ، وابنه شبيه جدّه المحمود محمد الباقر

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" و "ج": ورق .

(٢) أثبتناه من "ج" .

(٣) أثبتناه من "ج" .

(٤) في "ألف": الأولياء .

(٥) أثبتناه من "ج" .


لعلمي والمعدن لحكمتي ، سيهلك المرتابون في جعفر ، الراد عليه كالراد عليَّ ، حقّ القول منّي لأكرمنّ مثوى جعفر ، ولأبشرنّه في أشياعه وأنصاره وأوليائه .

انتجبت بعده موسى ، فتنة عمياء حندس ، لأنّ خطط فرضي لا تنقطع وحجّتي لا تخفى ، وأنّ أوليائي لا يشقون ، ألا ومن جحد واحداً منهم فقد جحد نعمتي ، ومَن غيّر آية من كتابي فقد افترى عليّ ، وويل للمغيّرين (١) الجاحدين عند انقضاء مدّة عبدي موسى وحبيبي وخيرتي .

إن المكذّب بالباقي (٢) مكذّب بكلّ أوليائي ، وعلي وليّي وناصري ومن أضع عليه أعباء النبوّة ، وأمنحه القيام بالاطلاع بها (٣) ، يقتله عفريت مستكبر ، يدفن بالمدينة التي بناها عبد صالح إلى جنب شرّ خلقي .

قد حقّ القول منّي لأقرّنّ عينه بمحمد ابنه وخليفته من بعده ووارث علمه ، فهو معدن علمي ، وموضع سرّي ، وحجّتي على خلقي ، جعلت الجنّة مثواه ، وشفّعته في سبعة (٤) من أهل بيته كلّهم قد استوجبوا النار ، وأختم بالسعادة لابنه عليّ وليّي وناصري ، والشاهد في خلقي ، وأميني على وحيي .

أخرج منه الداعي إلى سبيلي ، والخازن العلمي الحسن ، ثمّ أكمل ذلك بابنه رحمة للعالمين ، عليه كمال وبهاء عيسى وصبر أيّوب ، سيد الأولياء في زمانه .

ويتهادون رؤوسهم كما تهادى رؤوس الترك والديلم ، فيقتلون ويحرقون ويكونون خائفين مرعوبين وجلين ، تصبغ الأرض بدمائهم ، ويفشو الويل والرنين في نسائهم ، أولئك أوليائي حقّاً ، بهم أرفع (٥) كلّ فتنة عمياء حندس ، وبهم أكشف

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": للمفترين .

(٢) في "ج": بالثامن .

(٣) في "ج": وامتحنه بالاضطلاع بها .

(٤) في "ج": سبعين .

(٥) في "ج": أدفع .


الزلازل ، وأرفع الآصار والأغلال ، أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة وأولئك هم المهتدون" .

قال عبد الرحمن بن سليم (١) : قال أبو بصير: لو لم تعرف في دهرك إلاّ هذا الحديث لكفاك قصة (٢) إلاّ عن أهله (٣) .

[أحاديث في فضائل أهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم]

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا كان يوم القيامة يأتيني جبرئيل عليه‌السلام ومعه لواء الحمد وله سبعون شقة ، الشقة منه أوسع من الشمس والقمر ، وأنا على كرسي من كراسي الرضوان فوق منبر من منابر القدس ، فآخذه وأدفعه إلى عليّ بن أبي طالب .

قال: فوثب عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ، وكيف يطيق عليّ حمل اللواء وقد ذكرت أنّه سبعون شقّة ؟ فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عمر ، إذا كان يوم القيامة يعطي الله عليّاً من القوّة مثل قوّة جبرئيل ، ومن النور مثل نور آدم ، ومن الحلم مثل حلم رضوان ، ومن الجمال مثل جمال يوسف ، ومن الصوت ما يداني صوت داود ، [ولولا أن يكون] (٤) داود خطيباً في الجنان لاُعطي مثل صوته .

وإنّ علياً أوّل من يشرب من السلسبيل والزنجبيل ، لا تزلّ لعليّ عليه‌السلام قدم على الصراط إلاّ وثبت له مكانها أخرى ، وإنّ لعليّ وشيعته من الله مكاناً يغبط به الأوّلون والآخرون (٥) .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": سالم .

(٢) في "ج": فطنة .

(٣) كمال الدين: ٣٠٨ ح١ باب ٢٨; عنه البحار ٣٦: ١٩٥ ح٣; ونحوه في الاختصاص: ٢١٠; والكافي ١: ٥٢٧ ح٣; وأمالي الطوسي: ٢٩١ ح٥٦٦ .

(٤) أثبتناه من "ج" .

(٥) الخصال: ٥٨٢ ح٧ أبواب السبعين; عنه البحار ٨: ٣ ح٣ .


وعن أبي عبد الله عليه‌السلام قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يخرج يوم القيامة قوم من قبورهم بيضٌ وجوههم (١) كبياض الثلج ، عليهم ثياب بياضها كبياض اللبن ، عليهم نعال من ذهب شراكها من زبرجد ، فيؤتون بنوق من نور عليها رحائل من ذهب ، أزمّتها من زبرجد ، فيركبون حتّى ينتهون إلى الرحمن والناس في المحاسبة يغتمّون ويهتمّون ، وهؤلاء يأكلون ويشربون .

فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : من هؤلاء يا رسول الله ، فضرب بيده على منكب عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ثمّ قال: هو لشيعتك (٢) وأنت إمامهم ، وهو قول الله (عَزَّ وجَلَّ): ( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً ) (٣) (٤) .

وعن أبي عبد الله عليه‌السلام ، عن أبيه ، عن جدّه عليهم‌السلام قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لقد مثّلت لي أمتي في الطين حتّى رأيت كبيرهم وصغيرهم ، أرواحاً قبل أن يخلق الأجساد ، وإنّي مررت بك وشيعتك فاستغفرت لكم .

فقال عليّ عليه‌السلام : يا نبيّ الله ، زدني منهم ، قال: نعم ، تخرج أنت يا عليّ وشيعتك من قبورهم ووجوههم (٥) كالقمر ليلة البدر وقد فرجت عنكم الشدائد ، وذهبت عنكم الأحزان ، تستظلّون تحت العرش ، يخاف الناس ولا تخافون ، وتوضع لكم مائدة والناس في المحاسبة (٦) .

وعن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إن للشمس وجهين ; وجه يضيء لأهل السماء ووجه يضي لأهل الأرض وعلى

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج": بياض وجوههم .

(٢) في "ب" و "ج": هؤلاء شيعتك .

(٣) مريم: ٨٥ .

(٤) المحاسن ١: ٢٨٦ ح٥٦٥; عنه البحار ٧: ١٨٥ ح٣٧ .

(٥) في "ب" و "ج": من قبوركم ووجوهكم .

(٦) فضائل الشيعة: ٣٢ ح٢٧; عنه البحار ٧: ١٨٠ ح٢٠; ونحوه بصائر الدرجات: ١٠٤ ح٥ باب ١٤ .


الوجهين كتابة ، ثمّ قال: أتدرون ما تلك الكتابة ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم ، قال: الكتابة التي تلي أهل السماء: "الله نور السماوات والأرض" وأمّا الكتابة التي تلي أهل الأرض: "عليّ نور الأرضين" (١) .

عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: معاشر المسلمين اعلموا أن لله تعالى باباً مَن دخلها أمن من النار ومن الفزع الأكبر ، فقام إليه أبو سعيد الخدري فقال: يا رسول الله اهدنا إلى هذا الباب حتّى نعرفه .

قال: هو عليّ بن أبي طالب سيّد الوصيّين ، وأمير المؤمنين ، وأخو رسول ربّ العالمين ، وخليفته على الخلق أجمعين ، معاشر الناس من أحبّ أن يستمسك (٢) بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها فليستمسك بولاية عليّ بن أبي طالب ، فإنّ ولايته ولايتي ، وطاعته طاعتي معاشر الناس ، من أحبّ أن يعرف الحجّة بعدي فليعرف عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام معاشر الناس ، من سرّه أن يتوالى بولاية الله فليتقلّد (٣) بعليّ بن أبي طالب عليه‌السلام فإنّه خزانة علمي [معاشر الناس ، من أحبّ أن يلقى الله وهو عنه راض فليوال عدّة الأئمة] (٤) .

فقام جابر بن عبد الله فقال: وما عدّة الأئمة ؟ فقال: يا جابر ، سألتني ـ يرحمك الله ـ عن الإسلام بأجمعه ، عدّتهم عدّة الشهور وهي عند الله اثني عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض ، وعدّتهم عدّة العيون التي انفجرت لموسى بن عمران عليه‌السلام حين ضرب بعصاه البحر (٥) فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ، وعدّتهم عدّة نقباء بني إسرائيل .

ـــــــــــــــــ

(١) مائة منقبة: ١٠٠ ح٤٥; عنه البحار ٢٧: ٩ ح٢١; مدينة المعاجز ٢: ٤٠٦ ح٦٣١ .

(٢) في "ج": يتمسّك .

(٣) في "ب" و "ج": فليقتد .

(٤) أثبتناه من "ج" .

(٥) في "ب": الحجر .


قال الله تعالى : ( وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ) (١) ، والأئمة يا جابر اثنا عشر ، أوّلهم عليّ بن أبي طالب وآخرهم القائم صلوات الله عليهم أجمعين (٢) .

وعن سلمان الفارسي رحمه الله قال : قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا سلمان ، من أحبّ فاطمة فهو في الجنّة معي ، ومن أبغضها فهو في النار يا سلمان ، حُبّ فاطمة ينفع في مئة من المواطن أيسر تلك المواطن الموت ، والقبر ، والميزان ، والحشر ، والصراط ، والمحاسبة ، فمن رضيت عنه ابنتي رضيت عنه ، ومن رضيت عنه رضى الله عنه ، ومن غضبت عليه فاطمة غضبت عليه ، ومن غضبت عليه غضب الله عليه ، وويل لمن يظلمها ويظلم بعلها أمير المؤمنين عليّ ، وويل لمن يظلم ذرّيتها وشيعتها (٣) .

وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خلق الله من نور وجه عليّ بن أبي طالب سبعون ألف ملك يستغفرون له ولمحبّيه إلى يوم القيامة (٤) .

وفي رواية عن جابر ، عنه عليه‌السلام أنّه قال : إذا كان يوم القيامة يجمع الله الأوّلين والآخرين لفصل الخطاب ، ودعي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودعي بأمير المؤمنين عليه‌السلام ، فيكسا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حلّة خضراء يضيء لها ما بين المشرق والمغرب ، ويكسا عليّ مثلها ، ثمّ يُدعى بنا فيدفع إلينا حساب الناس ، فنحن والله نُدخل أهل الجنّة الجنّة ، ونُدخل أهل النار النار .

ـــــــــــــــــ

(١) المائدة : ١٢ .

(٢) مائة منقبة : ٩٤ ح٤١; وفي البحار ٣٦ : ٢٦٣ ح٨٤ عن كشف اليقين .

(٣) مائة منقبة : ١١٦ ح٦١; عنه البحار ٢٧ : ١١٦ ح٩٤; ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي : ٦٠ .

(٤) مناقب الخوارزمي : ٧١ ح٤٧; عنه كشف الغمة ١ : ١٠١; عنه البحار ٣٩ : ٢٧٥ ح٥٢; ومائة منقبة : ٦٦ ح١٩; ومدينة المعاجز ٣ : ٣٥ ح٦٩٩ و٧٠٠ .


ثمّ يُدعى بالنبيّين عليهم‌السلام فيُقامون صفّين عند عرش الله عَزَّ وجَلَّ حتّى يفرغ من حساب الناس ، فإذا دخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار بعث الله ربّ العزّة تبارك وتعالى عليّاً فأنزلهم منازلهم في الجنّة وزوّجهم ، فعليّ والله يزوّج أهل الجنّة في الجنّة ، وما ذاك إلى أحد غيره كرامة من الله عزّ ذكره ، وفضلا فضّله به ومَنّ به عليه ، وهو والله يدخل أهل النار النار ، وهو الذي يغلق على أهل الجنّة إذا دخلوا فيها أبوابها ، لأنّ أبواب الجنّة إليه وأبواب النار إليه (١) .

وذكر الشيخ ابن بابويه في أماليه يرفع مسنداً إلى ابن عمر قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا كان يوم القيامة يزيّن عرش ربّ العالمين بكلّ زينة ، ثمّ يؤتى بمنبرين من نور طولهما مئة ميل ، فيوضع أحدهما عن يمين العرش والآخر عن يساره (٢) ، ثمّ يؤتى بالحسن والحسين عليهما‌السلام ، فيقوم الحسن على أحدهما والحسين على الآخر ، يزيّن الربّ تبارك وتعالى بهما عرشه كما يزيّن المرأة قرطاها (٣) .

وفي أماليه يرفعه إلى ابن عباس في خبر طويل فيه فضائل شتّى أخذنا منه بعضها ، قال : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان جالساً ذات يوم إذ أقبل الحسن عليه‌السلام ، فلمّا رآه بكى ثمّ قال : إليّ إليّ يا بني ، فما زال يدنيه حتّى أجلسه على فخذه اليمنى ، ثمّ أقبل الحسين عليه‌السلام ، فلمّا رآه بكى ثمّ قال : إليّ إليّ يا بني ، فما زال يدنيه حتّى أجلسه على فخذه اليسرى .

ثمّ أقبلت فاطمة عليها‌السلام فلمّا رآها بكى ثمّ قال : إليّ إليّ يا بنيّة ، فأجلسها بين يديه ، ثمّ أقبل أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فلمّا رآه بكى ثمّ قال : إليّ إليّ

ـــــــــــــــــ

(١) الكافي ٨ : ١٥٩ ح١٥٤; عنه البحار ٧ : ٣٣٧ ح٢٤ .

(٢) في "ج" : عن يسار العرش .

(٣) أمالي الصدوق : ٩٨ ح١ مجلس ٢٤; عنه البحار ٤٣ : ٢٦١ ح٣ .


يا أخي فما زال يدنيه حتّى أجلسه إلى جانبه الأيمن ، فقال له أصحابه : يا رسول الله ، ما ترى واحداً من هؤلاء إلاّ بكيت ، أما فيهم من تسرّ برؤيته؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : والذي بعثني بالحقّ واصطفاني على جميع البريّة إنّي وإيّاهم لأكرم الخلق على الله عَزَّ وجَلَّ ، وما على وجه الأرض نسمة أحبّ إليّ منهم ، أمّا عليّ بن أبي طالب فهو أخي وشقيقي ، وصاحب الأمر من بعدي ، وصاحب لوائي في الدنيا والآخرة ، وصاحب حوضي وشفاعتي ، وهو إمام كلّ مؤمن [ ومؤمنة ] (١) ، وقائد كلّ تقيّ ، بولايته صارت أمتي مرحومة ، وبعداوته صارت المخالفة ملعونة ، وإنّي بكيت حين أقبل لأني ذكرت غدر الأمة به بعدي .

وأمّا ابنتي فاطمة فإنّها سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين ، وهي بضعة منّي ، ونور عيني ، وثمرة فؤادي ، إذا قامت في محرابها زهر (٢) نورها للملائكة ، فيقول الله عَزَّ وجَلَّ : يا ملائكتي اُنظروا إلى أَمتي فاطمة سيّدة إمائي قائمة بين يدي ، ترتعد فرائصها من خيفتي ، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي ، أشهدكم إني قد آمنت شيعتها من النار ، وإنّي لمّا رأيتها ذكرت ما يُصنع بها بعدي ، وكأنّي بها وقد دخل الذلّ بيتها ، وغُصب حقّها ، وكسر جنبها ، وأسقطت جنينها (٣) ، وهي تنادي : "يا محمّداه" فلا تُجاب ، وتستغيث فلا تُغاث .

وأمّا الحسن فهو منّي وولدي ، وقرّة عيني ، وضياء قلبي ، وثمرة فؤادي ، وهو سيّد شباب أهل الجنّة ، وحجّة الله على الأمة ، أمره أمري ، وقوله قولي ، ومن تبع قوله فهو منّي ، ومن عصاه فليس منّي ، وإنّي لمّا نظرت إليه فذكرت ما يجري عليه

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) في "ج" : ظهر .

(٣) روى الشيخ الصدوق في معاني الأخبار ص٢٠٥ ، عن عليعليه‌السلام عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : يا عليّ ، إنّ لك كنزاً في الجنّة وأنت ذو قرنيها ، ثمّ قال الشيخ الصدوق رحمه الله : وقد سمعت بعض المشايخ يذكر أن هذا الكنز هو ولده محسن عليه‌السلام ، وهو السقط الذي ألقته فاطمة لما ضُغطت بين البابين .


من الذل بعدي ، فلا يزال بالأمر حتّى يُقتل بالسم عدواناً وظلماً .

وأمّا الحسين فهو منّي ، وهو ابني وولدي وخير الخلق بعد أبيه (١) ، وهو إمام المسلمين ، ومولى المؤمنين ، وخليفة ربّ العالمين ، وحجّة الله على خلقه أجمعين ، وسيّد شباب أهل الجنّة ، وباب نجاة الأُمة ، أمره أمري ، وطاعته طاعتي ، وإنّي لمّا رأيته تذكّرت ما يُصنع به بعدي ، كأنّي به وقد استجار بحرمي وقبرى فلا يُجار ، فأضمّه في منامه إلى صدري ، وآمره بالرحلة عن دار هجرتي ، وأُبشّره بالشهادة .

فيرتحل عنها إلى أرض مقتله ، وموضع مصرعه ، أرض كرب وبلاء ، تنصره عصابة من المسلمين ، أولئك سادة شهداء أُمّتي يوم القيامة ، ثمّ بكى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبكى من حوله ، وارتفعت أصواتهم بالضجيج ، ثمّ قام عليه‌السلام وهو يقول : اللّهمّ إنّي أشكو إليك ما يلقى أهل بيتي بعدي ، ودخل منزله (٢) .

[في خبر الحارث الهمداني]

وروى الشيخ المفيد عن الأصبغ بن نباتة قال : دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام في نفر من الشيعة وكنت فيهم ، فجعل ـ يعني الحارث ـ يتأوّد في مشيته ويخطّ الأرض بمحجنه (٣) وكان مريضاً ، فأقبل على أمير المؤمنين عليه‌السلام وكان له منه منزلة ، فقال : كيف تجدك يا حارث؟

فقال : نال الدهر منّي يا أمير المؤمنين ، وزادني أواراً (٤) وغليلاً اختصام شيعتك ببابك ، فقال : وفيم خصومتهم ؟ قال : في شأنك والبليّة من قبلك ، فمن مفرط

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : بعد أخيه .

(٢) أمالي الصدوق : ٩٩ ح٢ مجلس ٢٤ .

(٣) المحجن كالصولجان .

(٤) الأوارُ ـ بالضم : شدّة حرّ الشمس ، ولفح النار ، ووهجها ، والعطش (لسان العرب)


غال ومقتصد قال ، ومن متردّد مرتاب لا يدري يقدم أم يحجم .

قال : فحسبك يا أخا همدان ، ألا إن خير شيعتي النمط الأوسط ، إليهم يرجع الغالي وبهم يلحق القالي ، قال : لو كشفت فداك أبي وأُمّي الريب عن قلوبنا ، وجعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا ، قال : أفإنك (١) أمر ملبوس عليك ؟ إن دين الله لا يُعرف بالرجال بل بآية الحق ، فاعرف الحقّ تعرف أهله .

يا حارث إن الحق أحسن الحديث ، والصادع به مجاهد ، وبالحقّ أخبرك فأعرني سمعك ، ثمّ خبّرته (٢) من كان له حظاة من أصحابك .

ألا إنّي عبد الله وأخو رسوله وصدّيقه الأوّل ، صدّقته وآدم بين الروح والجسد ، ثمّ صدقّته [ في أُمتكم ] (٣) حقّاً ، فنحن الأوّلون ونحن الآخرون ، ألا وأنا خاصّته باختصاصه يا حارث ، وخالصته محمد نبيّه ، وأنا وصيّه ووليّه وصاحب نجواه وسرّه ، أُوتيت فهم الكتاب وفصل الخطاب وعلم القرون والأسباب (٤) ، استودعت ألف مفتاح يفتح كلّ مفتاح ألف باب ، يقضي كلّ باب ألف ألف عهد .

وأُيّدت ـ أو قال : وأُمددت ـ بثلاثة ، وإنّ ذلك ليجري لي ولمن استحفظ من ذرّيتي ما جرى الليل والنهار حتّى يرث الله الأرض ومن عليها ، وأبشرك يا حارث ليعرفني والذي فلق الحبّة وبرئ النسمة وليّي وعدوّي في مواطن : ليعرفني عند الممات ، وعند الصراط ، وعند المقاسمة ، قال : وما المقاسمة يا مولاي ؟ قال : مقاسمة النار ، أُقاسمها قسمة صحاحاً ، أقول : هذا وليّي وهذا عدوّي .

ثمّ أخذ أمير المؤمنين عليه‌السلام بيد الحارث ثمّ قال : يا حارث ، أخذت بيدك كما أخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيدي فقال لي ـ واشتكيْت إليه حينئذٍٍ

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : فإنّه .

(٢) في "ب" و "ج" : خبّر به .

(٣) أثبتناه من "ج" ، وفي "ألف" و "ب" كلمة غير مفهومة .

(٤) في "ب" : الأنساب .


قريشاً والمنافقين ـ [ فقال لي ] (١) : إنّه إذا كان يوم القيامة أخذت بحبل أو بحجزة (٢) ـ يعني عصمة ـ من ذي العرش تعالى ، وأخَذْتَ أنت يا عليّ بحجزتي ، وأخذَ ذرّيتك بحجزتك ، وأخذ شيعتكم بحجزتكم ، فماذا يصنع الله بنبيّه ، ومايصنع نبيّه بوصيّه؟! (٣)

خذها إليك قصيرة من طويلة ، أنت مع من أحببت ولك ما احتسبت ـ أو قال : اكتسبت ـ قالها ثلاثاً ، ثمّ قام الحارث يجرّ رداءه جذلاً وقال : ما أبالي وربّي بعد هذا متى لقيت الموت أو لقيني (٤) .

[في تأويل ما نزل فيهم عليهم‌السلام من الآيات]

وروى الشيخ الصدوق عن أبي جعفر محمد بن عليّ عليه‌السلام أن سائلاً سأله عن قول الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ب" و "ج" .

(٢) في "ج" : بحبل الله أو بحجزته .

(٣) روى المحدث القمي رحمه الله في منتهى الآمال ٢ : ٢٨٣ قال : حُكي أن أبا عبد اللهعليه‌السلام كان عنده غلام يمسك بغلته إذا هو دخل المسجد ، فبينا هو جالس ومعه بغلة إذ أقبلت رفقة من خراسان ، فقال له رجل من الرفقة : هل لك يا غلام أن تسأله أن يجعلني مكانك وأكون له مملوكاً وأجعل لك مالي كلّه ؟ فإنّي كثير المال من جميع الصنوف ، اذهب فاقبضه وأنا أقيم معه مكانك فقال : أسأله ذلك ، فدخل على أبي عبد الله عليه‌السلام فقال : جعلت فداك تعرف خدمتي وطول صحبتي فإن ساق الله إليّ خيراً تمنعنيه؟

قال : أعطيك من عندي وأمنعك من غيري! فحكى له قول الرجل ، فقال : إن زهدت في خدمتنا ورغب الرجل فينا قبلناه وأرسلناك ، فلمّا ولّى عنه دعاه فقال له : أنصحك لطول الصحبة ولك الخيار ، إذا كان يوم القيامة كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متعلّقاً بنور الله ، وكان أمير المؤمنين عليه‌السلام متعلّقاً بنور رسول الله ، وكان الأئمة متعلّقين بأمير المؤمنين ، وكان شيعتنا متعلّقين بنا يدخلون مدخلنا ويردون موردنا ، فقال له الغلام : بل أقيم في خدمتك وأؤثر الآخرة على الدنيا .

وقال رحمه الله مخاطباً أئمة الهدى ومصابيح الدجى :

عن حماكم كيف أنصرف

وهواكم لي به شرف

سيدي لا عشت يوم أرى

في سوى أبوابكم أقف

(٤) أمالي المفيد : ١٠; وأمالي الطوسي : ٦٢٥ ح١٢٩٢; عنه البحار ٣٩ : ٢٣٩ ح٢٨; ونحوه بشارة المصطفى : ٤; ومعالم الزلفى : ٦٩ .


الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (١) وكان جوابه أن قال (٢) : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلاً ) (٣) أئمة الضلال والدعاة إلى النار هؤلاء أهدى من آل محمد سبيلاً ؟! ( أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ) (٤) يعني الإمامة والخلافة ( فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً ) (٥) نحن الناس الذين عنى الله هاهنا . والنقير : النقطة التي رأيت في وسط النواة ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه ) نحن هؤلاء الناس المحسودون على ما آتانا الله من الإمامة دون خلق الله جميعاً ( فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيماً ) أي جعلنا منهم الرسل والأنبياء والأئمة ( فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ) (٦) .

قال : وكذلك قوله تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (٧) قال : نحن الأُمة الوسط ، ونحن شهداء الله على خلقه وحجّته في أرضه .

قال : فقوله تعالى في آل إبراهيم : ( وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيماً ) إذ جعل فيهم أئمة من أطاعهم أطاع الله ، ومن عصاهم عصى الله ، وهذا الملك العظيم (٨) .

وعن الشيخ الصدوق ، عن الباقر عليه‌السلام أنّه قال في قول الله تعالى :

ـــــــــــــــــ

(١) النساء : ٥٩ .

(٢) في "ج" : فكان جواب قومه أن قالوا .

(٣) النساء : ٥٩ .

(٤) النساء : ٥٢ـ٥٣ .

(٥) النساء : ٥٣ .

(٦) النساء : ٥٤ـ٥٥ .

(٧) البقرة : ١٤٣ .

(٨) نحوه تفسير العياشي ١ : ٢٤٦ ح١٥٣; عنه البحار ٢٣ : ٢٨٩ ح١٧ .


( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ) (١) قال : نحن أولو الأمر الذين أمر الله بالردّ إلينا .

وعن الشيخ المذكور (٢) عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعليّ بن أبي طالب عليه‌السلام : يا عليّ ، أنت والأوصياء من ولدك أعراف الله بين الجنّة والنار ، لا يدخلها إلاّ من عرفكم وعرفتموه ، ولا يدخل النار إلاّ من أنكرتموه (٣) .

[خبر النصراني الذي كان من ولد حواري عيسى عليه‌السلام ]

يرفعه الشيخ المفيد رحمه الله إلى سليم بن قيس الهلالي قال : لمّا أقبلنا من صفين مع أمير المؤمنين عليه‌السلام نزل (٤) قريباً من دير نصراني إذ خرج علينا شيخ من الدير جميل الوجه ، حسن الهيئة والسمت ، ومعه كتاب في يده حتّى أتى إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام فسلّم عليه [بالخلافة] (٥) ، ثمّ قال : إنّي رجل من ولد حواري عيسى بن مريم ، وكان أبي أفضل حواري عيسى عليه‌السلام الاثني عشر ، وأحبّهم إليه وآثرهم عنده .

وإنّ عيسى أوصى إليه ودفع إليه كتبه وحكمته ، فلم يزل أهل هذا البيت على دينه ، متمسّكين بمنزلته ، لم يكفروا ولم يرتدّوا ولم يغيّروا (٦) ، وتلك الكتب عندي بإملاء عيسى عليه‌السلام وخطّ أبينا بيده ، فيها كلّ شيء تفعل الناس من بعده ، واسم كلّ ملك منهم .

ـــــــــــــــــ

(١) النساء : ٨٣ .

(٢) في "ج" : يرفعه الشيخ المفيد رحمه الله إلى سليم بن قيس الهلالي .

(٣) نحوه البحار ٣٩ : ٢٢٥ ضمن حديث ١; عن مناقب ابن شهر آشوب; وفي دعائم الإسلام ١ : ٢٥ .

(٤) في "ج" : نزلنا .

(٥) أثبتناه من "ج" .

(٦) في "ج" : لم يفتروا .


وإنّ الله يبعث رجلاً من العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الله من أرض يقال لها : "تهامة" ، من قرية يقال لها : "مكة" ، يقال له : أحمد ، له اثنا عشر اسماً ، وذكر مبعثه ومولده وهجرته ، ومن يُقاتله ، ومن ينصره ، ومن يعاديه ، وما يعيش ، وما تلقى أُمّته من بعده إلى أن ينزل عيسى بن مريم عليه‌السلام [من السماء] (١) .

وفي ذلك الكتاب ثلاثة عشر رجلاً من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الله تعالى من خير خلق الله تعالى ، الله وليٌّ لمن والاهم وعدوٌّ لمن عاداهم ، من أطاعهم اهتدى ومن عصاهم ضلّ وغوى ، وطاعتهم لله طاعة ومعصيتهم لله معصية ، مكتوبة أسماؤهم وأنسابهم ونعوتهم ، وكم يعيش كلّ رجل منهم واحداً بعد واحد ، وكم رجل منهم يستتر بدينه ويكتمه من قومه ، ومن الذي يُظهر منهم لدينه وتُقاد له الناس حتّى ينزل عيسى بن مريم عليه‌السلام على آخرهم ، فيصلّي عيسى خلفه ويقول له : إنّكم أئمة لا ينبغي لأحد أن يتقدّمكم ، فيتقدّم ويصلّي بالناس وعيسى خلفه في صف أوّلهم وأفضلهم وخيرهم ، وله مثل أجورهم وأجور من أطاعهم واهتدى بهم (٢) .

[حكاية الجاثليق الأوّل]

بسم الله الرحمن الرحيم ، بحذف الإسناد مرفوعاً إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه (٣) قال : كان من البلاء العظيم الذي ابتلى الله عَزَّ وجَلَّ به قريشاً بعد نبيّها

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ب" و "ج" .

(٢) راجع كتاب سليم : ١١٥; عنه مدينة المعاجز ١ : ٤٩٩ ح٣٢٥; وفضائل ابن شاذان : ١٤٢; عنه البحار ٣٨ : ٥١ ح٨; وغيبة النعماني : ٧٤ ح٩; عنه البحار ٣٦ : ٢١٠ ح١٣ .

(٣) قال العلامة المجلسي في البحار ٣٠/٨٤ : إن المحدّثين فرّقوا أجزاءه [أي أجزاء هذا الحديث] على الأبواب ، وهي مرويّة في الأصول المعتبرة ، وهذا ممّا يدلّ على صحّتها ، ويؤيّده أيضاً أنّه قال الشيخ قدّس الله روحه في فهرسته : سلمان الفارسيرحمه‌الله روى خبر الجاثليق الرومي الذي بعثه ملك الروم بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . .


صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليعرّفها أنفسها ، ويخرج شهاداتها عمّا ادّعته (١) على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته ، ودحض حجّتها وكشف غطاء ما أسرّت في قلوبها ، وأخرجت ضغائنها لآل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أزالتهم عن إمامتهم وميراث كتاب الله فيهم ، ما عظمت خطيئته ، وشملت فضيحته (٢) ، ووضحت هداية الله فيه لأهل دعوته وورثة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنار قلوب أوليائهم ، وعمّهم نفعه ، وأصابهم بركاته (٣) : أنَّ ملك الروم لما بلغه خبر وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخبر أُمّته واختلافهم في الاختيار عليهم ، وتركهم سبيل هدايتهم ، وادّعائهم على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه لم يوص إلى أحد بعد وفاته ، وإهماله إيّاهم يختاروا لأنفسهم ، وتوليتهم الأمر بعدهم الأباعد من قومه ، وصرف ذلك عن أهل بيته وورثته وقرابته (٤) ، دعا علماء بلده واستفتاهم (٥) ، فناظرهم في الأمر الذي ادّعته قريش بعد نبيّها صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفيما جاء به محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فأجابوه بجوابات من حججهم على أنّه محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسأل أهل مدينته أن يوجههم إلى المدينة لمناظرتهم والاحتجاج عليهم ، فأمر الجاثليق أن يختار من أصحابه وأساقفته ، فاختار منهم مئة رجل ، فخرجوا يقدمهم الجاثليق لهم ، قد أقرّت العلماء له جميعاً بالفضل والعلم ، متبحّراً في علمه ، يخرج الكلام

ـــــــــــــــــ

(١) قال العلامة المجلسي في البحار ٣٠/٨٤ : انّ المحدّثين فرّقوا أجزاءه [أي أجزاء هذا الحديث] على الأبواب ، وهي مرويّة في الاُصول المعتبرة ، وهذا ممّا يدلّ على صحّتها ، ويؤيّده أيضاً انّه قال الشيخ قدّس الله روحه في فهرسته : سلمان الفارسيرحمه‌الله . روى خبر الجاثليق الرومي الذي بعثه ملك الروم بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . .

(٢) في "ج" : قضيّة .

(٣) في "ج" : أضاء به برهانه .

(٤) في "ج" : ذرّيته وأقربائه .

(٥) في "ج" : وأساقفتهم .


من تأويله ، ويرد كلّ فرع إلى أصله ، ليس بالخرق ولا بالنزق (١) ، ولا البليد ولا الرعديد (٢) ، ولا النكل ولا الفشل ينصت لمن يتكلّم (٣) ، ويجيب إذا سئل ويصبر إذا مُنع .

فقدم المدينة بمن معه من أخيار قومه وأصحابه حتّى نزل القوم عن رواحلهم ، فسأل أهل المدينة عمّن أوصى إليه محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن قام مقامه ، فدلّوه على أبي بكر ، فأتوا مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدخلوا على أبي بكر وهو في حشدة من قريش ، فيهم عمر بن الخطاب ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وخالد بن الوليد ، وعثمان بن عفان ، وأنا في القوم فوقفوا عليه ، فقال زعيم القوم : السلام عليكم ، فردّوا عليه‌السلام ، فقال : أرشدونا إلى القائم مقام نبيّكم فإنّا قوم من الروم ، فإنّا على دين المسيح عيسى بن مريم عليه‌السلام ، فقدمنا لمّا بلغنا وفاة نبيّكم واختلافكم ، نسأل عن صحّة نبوّته ونسترشد لديننا ونتعرّض لدينكم ، فإن كان أفضل من ديننا دخلنا فيه وسلّمنا وقبلنا الرشد منكم طوعاً ، وأجبناكم إلى دعوة نبيّكم ، وإن يكن خلاف ما جاءت به الرسل وجاء به عيسى رجعنا إلى دين المسيح ، فإنّ عنده من عهد ربّنا (٤) في أنبيائه ورسله دلالة ونوراً واضحاً ، فأيّكم صاحب الأمر بعد نبيّكم ؟

فقال عمر بن الخطاب : هذا صاحبنا ووليّ الأمر بعد نبيّنا ، قال الجاثليق : هو هذا الشيخ ؟ فقال : نعم ، فقال : أيّها الشيخ أنت القائم الوصيّ لمحمّد في أُمّته ، وأنت العالم المستغني بعلمك ممّا علّمك نبيّك من أمر الأمة وما تحتاج إليه ؟

قال أبو بكر : لا ما أنا بوصيّ ، قال له : فما أنت ؟ قال عمر : هذا خليفة رسول

ـــــــــــــــــ

(١) النزق : الخفّة والطيش .

(٢) الرعديد ـ بالكسر : الجبان .

(٣) في "ج" : لم يتكلّم .

(٤) في "ألف" : رأينا .


الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال النصراني : أنت خليفة رسول الله استخلفك في أُمته ؟ قال أبو بكر : لا ، قال : فما هذا الاسم الذي ابتدعتموه وادّعيتموه بعد نبيّكم ؟ وإنّا قد قرأنا كتب الأنبياء صلوات الله عليهم فوجدنا الخلافة لا تصلح إلاّ لنبيّ من أنبياء الله ، لأنّ الله عَزَّ وجَلَّ جعل آدم خليفة في الأرض ، فَرَضَ طاعته على أهل السماء والأرض ، ونوّه باسم داود عليه‌السلام فقال : ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ) (١) فكيف تسمّيت (٢) بهذا الاسم ، ومن سمّاك به ؟ أنبيّك سمّاك به ؟ قال : لا ولكن تراضوا الناس فولّوني واستخلفوني .

فقال : أنت خليفة قومك لا خليفة نبيّك وقد قلت إن النبي لم يوص إليك ، وقد وجدنا في كتب من سنن الأنبياء أن الله لم يبعث نبيّاً إلاّ وله وصيّ يوصي إليه ، وتحتاج الناس كلّهم إلى علمه ، وهو مستغن عنهم ، وقد زعمت أنّه لم يوصّ كما أوصت الأنبياء ، وادّعيت أشياء لست بأهلها ، وما أراكم إلاّ وقد دفعتم نبوّة محمد ، وقد أبطلتم سنن الأنبياء في قومهم .

قال : فالتفت الجاثليق إلى أصحابه وقال : إنّ هؤلاء يقولون إن محمداً لم يأتهم بالنبوّة وإنّما كان أمره بالغلبة ، ولو كان نبيّاً لأوصى كما أوصت الأنبياء ، وخلّف فيهم كما خلّفت الأنبياء من الميراث والعلم ، ولسنا نجد عند القوم أثر ذلك .

ثمّ التفت كالأسد فقال : يا شيخ ، أما أنت فقد أقررت أن محمداً النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يوص إليك ، ولا استخلفك وإنّما تراضوا الناس بك ، ولو رضى الله عَزَّ وجَلَّ برضى الخلق ، واتّباعهم لهواهم ، واختيارهم لأنفسهم ، ما بعث الله النبيّين مبشّرين ومنذرين ، وآتاهم الكتاب والحكمة (٣) ليبيّنوا للناس ما يأتون ويذرون

ـــــــــــــــــ

(١) ص : ٢٦ .

(٢) في "ألف" : تسمّيتم .

(٣) في "ب" : والحكم والنبوّة .


وما فيه يختلفون ، ولئلاّ يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل .

فقد دفعتم النبيّين عن رسالاتهم ، واستغنيتم بالجهل من اختيار الناس عن اختيار الله عَزَّ وجَلَّ الرسل للعباد ، واختيار الرسل لأُمّتهم ، ونراكم تعظمون بذلك الفرية على الله عَزَّ وجَلَّ وعلى نبيّكم ، ولا ترضون إلاّ أن تتسمون بعد ذلك بالخلافة ، وهذا لا يحلّ إلاّ لنبي أو وصي نبي ، وإنّما تصحّ الحجّة لكم بتأكيدكم النبوّة لنبيّكم وأخذكم بسنن الأنبياء في هداهم ، وقد تغلّبتم فلابد لنا أن نحتجّ عليكم فيما ادّعيتم حتّى نعرف سبيل ما تدّعون إليه ، ونعرف الحق فيكم بعد نبيّكم أصواب فعلتم بإيمان أم بجهل أو كفرتم .

ثمّ قال : يا شيخ أجب ، قال : فالتفت أبو بكر إلى أبي عبيدة ليجيب عنه ، فلم يحر (١) جواباً ، ثمّ التفت الجاثليق إلى أصحابه فقال : بناء القوم على غير أساس ولا أرى لهم حجّة ، أفهمتم ؟ قالوا : بلى ، ثمّ قال لأبي بكر : يا شيخ أسألك ؟ قال : سل ، قال : أخبرني عنّي وعنك ، ما أنت عند الله وما أنا [عنده] (٢) ؟

قال : فأمّا أنا فعند نفسي مؤمن وما أدري ما أنا عند الله فيما بعد ، وأمّا أنت فعندي كافر ولا أدري ما أنت عند الله ، قال الجاثليق : أمّا أنت فقد منيت نفسك الكفر بعد الإيمان ، وجهلت مقامك في إيمانك أمحقّ أنت فيه أم مبطل ، وأمّا أنا فقد منيتني الإيمان بعد الكفر ، فما أحسن حالي وأسوء حالك عند نفسك إذ كنتَ لا توقن بما لك عند الله ، فقد شهدت لي بالفوز والنجاة ، وشهدت لنفسك بالهلاك والكفر .

ثمّ التفت إلى أصحابه فقال : طيبوا نفساً فقد شهد لكم بالنجاة بعد الكفر ، ثمّ التفت إلى أبي بكر فقال : يا شيخ ، أين مكانك الساعة من الجنّة إذا ادّعيت الإيمان ، وأين مكاني من النار ؟ قال : فالتفت أبو بكر إلى عمر وأبي عبيدة مرّة أخرى ليجيبا

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : يجد .

(٢) أثبتناه من "ب" .


عنه ، فلم ينطق أحد منهما .

قال : ثمّ قال : ما أدري أين مكاني وما حالي عند الله ، قال الجاثليق : يا هذا أخبرني كيف استجزت لنفسك أن تجلس في هذا المجلس وأنت محتاج إلى علم غيرك ، فهل في اُمّة نبيّك من هو أعلم منك ؟ قال : نعم .

قال : ما أعلمك وإيّاهم ، إلاّ وقد حملوك أمراً عظيماً ، وسفهوا بتقديمهم إيّاك على من هو أعلم منك ، فإن كان الذي هو أعلم منك يعجز عمّا سألتك كعجزك فأنت وهو واحد في دعواكم ، فأرى نبيّكم ـ إن كان نبيّاً ـ فقد ضيّع علم الله عَزَّ وجَلَّ وعهده وميثاقه الذي أخذه على النبيّين من قبله فيكم في إقامة الأوصياء لاُمّتهم ليفزعوا إليه فيما يتنازعون في أمر دينكم ، فدلّوني على هذا الذي هو أعلم منكم فعساه في العلم أكثر (١) منكم في محاورة وجواب وبيان ما يحتاج إليه من أثر النبوّة وسنن الأنبياء ، ولقد ظلمك قومك وظلموا أنفسهم فيك .

قال سلمان رضي الله عنه : فلمّا رأيت ما نزل بالقوم من البهت والحيرة والذلّ والصغار ، وما حلّ بدين محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وما نزل بالقوم من الحزن نهضت لا أعقل أين أضع قدمي إلى باب أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فدققت عليه الباب فخرج وهو يقول : ما دهاك يا سلمان؟

قال : قلت : هلك دين الله وهلك الإسلام بعد محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وظهر أهل الكفر على دينه وأصحابه بالحجّة ، فأدرك يا أمير المؤمنين دين محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والقوم قد ورد عليهم ما لا طاقة لهم به ولا بدّ ولا حيلة ، فأنت اليوم مفرج كربها ، وكاشف بلواها ، وصاحب ميسمها ، وتاجها ، ومصباح ظلمها ، وفتاح (٢) مبهمها .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : أقلّ .

(٢) في "ب" و "ج" : مفتاح .


قال : فقال عليّ عليه‌السلام : ما ذاك ؟ قال : قلت : قد قدم قوم [لهم قوّة] (١) من ملك الروم في مئة رجل من أشراف قومهم يقدمهم جاثليق ، لم أر مثله يورد الكلام على معانيه ويصرفه على تأويله ، ويؤكّد حجّته ، ويحكم ابتداءه ، لم أسمع مثل حججه ولا سرعة جوابه من كنوز علمه .

فأتى أبا بكر ـ وهو في جماعة ـ فسأله عن مقامه ووصيّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأبطل دعواهم بالخلافة ، وغلبهم بادّعائهم تخليفهم مقامه ، فأورد على أبي بكر مسألة أخرجه بها عن إيمانه وألزمه الكفر والشكّ في دينه ، فعلتهم لذلك ذلّة وخضوع وحيرة ، فأدرك يا أمير المؤمنين دين محمد فقد ورد عليهم ما لا طاقة لهم به .

فنهض أمير المؤمنين صلوات الله عليه معي حتّى أتينا القوم وقد أُلبسوا الذلّة والمهانة والصغار والحيرة ، فسلّم عليّ عليه‌السلام ثمّ جلس فقال : يا نصراني ، أقبل عليّ بوجهك واقصدني بمسألتك (٢) ، فعندي جواب ما تحتاج الناس إليه فيما يأتون ويذرون ، وبالله التوفيق .

قال : فتحوّل النصراني إليه فقال : يا شاب ! إنّا وجدنا في كتب الأنبياء إنّ الله عَزَّ وجَلَّ لم يبعث نبيّاً قطّ إلاّ كان له وصيّ يقوم مقامه ، وقد بلغنا اختلاف عن أُمّة محمد في مقام نبوّته ، وادّعاء قريش على الأنصار ، وادّعاء الأنصار على قريش واختيارهم لأنفسهم ، فأقدمنا ملِكُنا وفداً وقد اختارنا لنبحث عن دين محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونعرف سنن الأنبياء فيه ، والاستماع من قومه الذين ادّعوا مقامه ، أحقّ ذلك أم باطل ؟ قد كذّبوا عليه كما كذّبت الأمم بعد أنبيائها على نبيّها ، ودفعت الأوصياء عن حقّها .

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) في "ج" : بحاجتك .


وإنّا وجدنا قوم موسى عليه‌السلام بعده عكفوا على العجل (١) ، ودفعوا هارون عن وصيّته ، واختاروا ما أنتم عليه ، وكذلك سنّة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنّة الله تبديلاً ، فقدمنا فأُرشدنا إلى هذا الشيخ ، فادّعى مقامه والأمر له من بعده ، فسألناه عن الوصيّة إليه عن نبيّه فلم يعرفها ، وسألته عن قرابته منه إذا كانت الدعوة من إبراهيم عليه‌السلام فيما سبقت في الذرية (٢) في إمامته أنّه لا ينالها إلاّ ذريّة بعضها من بعض ، ولا ينالها إلاّ مصطفى مطهّر ، فأردنا أن نتبيّن (٣) السنّة من محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما جاء به النبيّون صلوات الله عليهم ، واختلاف الأمة على الوصي كما اختلفت على من مضى من الأوصياء ، ومعرفة العترة فيهم فإن وجدنا لهذا الرسول وصيّاً قائماً بعده وعنده علم ما يحتاج إليه الناس ، ويجيب بجوابات نبيّه ، ويخبر عن أسباب البلايا والمنايا وفصل الخطاب والأنساب ، وما يهبط من العلم ليلة القدر في كلّ سنة ، وما تنزل به الملائكة والروح إلى الأوصياء صدّقنا بنبوّته ، وأجبنا دعوته ، واقتدينا بوصيّته ، وآمنّا به (٤) وبكتابه وما جاءت به الرسل من قبله ، وإن يكن غير ذلك رجعنا إلى ديننا ، وعلمنا أن أحمد لم يُبعث .

وقد سألنا هذا الشيخ فلم نجد عنده تصحيح بنبوّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنّما ادّعوا له وكان جبّاراً غلب على قومه بالقهر وملكهم ، ولم يكن عنده أثر النبوّة ، ولا ما جاءت به الأنبياء قبله ، وإنّه مضى وتركهم بهماً يغلب بعضهم بعضاً ، وردّهم جاهلية جهلاء مثل ما كانوا يختارون بآرائهم لأنفسهم أيّ دين أحبّوا ، وأيّ ملك

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : السامري .

(٢) زاد في "ج" بعد قوله في الذرية :( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) وأنّ الإمامة لا ينالها .

(٣) في "ج" : يتبيّن لنا .

(٤) في "ج" : اقتدينا بوصيّه وأمنائه .


أرادوا .

فأخرجوا محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من سبيل الأنبياء ، وجهلوه في رسالته ، ودفعوا وصيّته ، وزعموا أن الجاهل يقوم مقام العالم ، وفي ذلك هلاك الحرث والنسل ، وظهور الفساد في الأرض والبرّ والبحر ، وحاشا لله عَزَّ وجَلَّ أن يبعث نبيّاً إلاّ مطهّراً مسدّداً مصطفى على العالمين ، وإنّ العالم أمير على الجاهل أبداً إلى يوم القيامة .

فسألته عن اسمه فقال الذي إلى جنبه : هذا خليفة رسول الله ، فقلت : إنّ هذا الاسم لا نعرفه لأحد بعد النبي إلاّ أن يكون لغة من لغات العرب فأمّا الخلافة ، فلا تصلح إلاّ لآدم وداود عليهما‌السلام ، والسنّة فيها للأنبياء والأوصياء ، وإنّكم لتعظمون الفرية على الله وعلى رسوله ، فانتفى من العلم واعتذر من الاسم وقال : إنّما تراضوا الناس بي فسمّوني خليفة ، وفي الأُمّة من هو أعلم منّي ، فاكتفينا بما حكم على نفسه وعلى من اختاره ، وقدمت مسترشداً وباحثاً عن الحقّ ، فإن وضح لي اتّبعته ولم تأخذني في الله عَزَّ وجَلَّ لومة لائم ، فهل عندك أيّها الشاب شفاء لما في صدورنا ؟

قال عليّ عليه‌السلام : بلى عندي شفاء لصدوركم ، وضياء لقلوبكم ، وشرح لما أنتم عليه ، وبيان لا يختلجكم الشك معه ، وإخبار من أموركم ، وبرهان لدلالتكم ، فأقبل إليّ بوجهك ، وفرّغ لي مسامع قلبك ، وأحضرني ذهنك ، وعِ ما أقول لك ، إن الله بمنّه وطوله وفضله ـ له الحمد كثيراً دائماً ـ قد صدق وعده ، وأعزّ دينه ، ونصر محمداً عبده ورسوله ، وهزم الأحزاب وحده ، فله الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير ، تبارك وتعالى .

اختصّ محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واصطفاه وهداه وانتجبه لرسالته إلى الناس كافّة برحمته ، وإلى الثقلين برأفته ، وفرض طاعته على أهل السماء وأهل


الأرض ، وجعله إماماً لمن قبله من الرسل ، وخاتماً لمن بعده من الخلق ، وورّثه مواريث الأنبياء ، وأعطاه مقاليد الدنيا والآخرة ، واتّخذه نبيّاً ورسولا وحبيباً وإماماً ، ورفعه إليه فقرّبه عن يمين عرشه بحيث لا يبلغه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل .

فأوحى الله إليه في وحيه : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) (١) وأنزل علاماته على الأنبياء ، وأخذ ميثاقهم : ( لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ) (٢) ثمّ قال : ( أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) (٣) . وقال : ( يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (٤) فما مضى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى أتمّ الله عَزَّ وجَلَّ مقامه ، وأعطاه وسيلته ، ورفع له درجته ، فلن يذكر الله عَزَّ وجَلَّ إلاّ كان معه مقروناً ، وفرض دينه ، ووصل طاعته بطاعته ، فقال : ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) (٥) وقال : ( وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (٦) فأبلغ عن الله عَزَّ وجَلَّ رسالته ، وأوضح برهان ولايته ، وأحكم آياته ، وشرع شرائعه وأحكامه ، ودلّهم على سبيل نجاتهم ، وباب هدايته وحكمته ، وكذلك بشّر به النبيّون عليهم‌السلام قبله ، وبشّر به عيسى روح الله وكلمته ، إذ يقول في الإنجيل : أحمد العربي الأمي ، صاحب الجمل الأحمر والقضيب .

ـــــــــــــــــ

(١) النجم : ١١ .

(٢) آل عمران : ٨١ .

(٣) آل عمران : ٨١ .

(٤) الأعراف : ١٥٧ .

(٥) النساء : ٨٠ .

(٦) الحشر : ٧ .


وأقام لأُمّته وصيّه فيهم ، وعيبة علمه ، وموضع سرّه ، ومحكم آيات كتابه ، وتاليه حقّ تلاوته وتأويله ، وباب حِطّتِهِ ، ووارث كتابه ، وخلّفه مع كتاب الله فيهم ، وأخذ فيهم الحجّة فقال : قد خلّفت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا (١) ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وهما الثقلان كتاب الله الثقل الأكبر ، حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، سبب بأيديكم وسبب بيد الله عَزَّ وجَلَّ ، وإنّهما لم يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فلا تقدموهم فتمرقوا ، ولا تأخذوا عن غيرهم فتعطبوا ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم .

وأنا وصيّه ، والقائم بتأويل كتابه ، والعارف بحلاله وحرامه ، وبمحكمه ومتشابهه ، وناسخه ومنسوخه ، وأمثاله وعبره وتصاريفه ، وعندي علم ما تحتاج إليه أُمّته من بعده وكلّ قائم وملتوي ، وعندي علم البلايا والمنايا والوصايا والأنساب ، وفصل الخطاب ، ومولد الإسلام ، ومولد الكفر ، وصاحب الكرّات ، ودولة الدول .

فاسألني عمّا يكون إلى يوم القيامة ، وعمّا كان على عهد عيسى عليه‌السلام منذ بعثه الله تبارك وتعالى ، وعن كلّ وصيّ ، وكلّ فئة تضلّ مئة وتهدي مئة ، وعن سائقها وقائدها وناعقها إلى يوم القيامة ، وكلّ آية نزلت في كتاب الله ، في ليل نزلت أم نهار ، وعن التوراة والإنجيل والقرآن العظيم ، فإنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكتمني شيئاً من علمه ولا شيئاً تحتاج إليه الأمم من أهل التوراة والإنجيل ، وأصناف الملحدين ، وأحوال المخالفين ، وأديان المختلفين .

وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خاتم النبيّين بعدهم ، وعليهم فرضت طاعته والإيمان به والنصر له (٢) ، تجدون ذلك مكتوباً في التوراة والإنجيل والزبور ، وفي

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : لن تضلّوا أبداً .

(٢) في "ج" : النصرة له .


الصحف الأُولى صحف إبراهيم وموسى ، ولم يكن ليضيّع عهد الله عَزَّ وجَلَّ في خلقه ويترك الأُمة تائهين بعده ، وكيف يكون ذلك وقد وصفه الله بالرأفة والرحمة والعفو والأمر بالمعروف [ والنهي عن المنكر ] (١) وإقامة القسطاس المستقيم .

وإنّ الله عَزَّ وجَلَّ أوحى إليه كما أوحى إلى نوح والنبيّين من بعده ، وكما أوحى إلى موسى وعيسى عليهما‌السلام ، فصدّق الله ، وبلّغ رسالته ، وأنا على ذلك من الشاهدين ، وقد قال الله تبارك وتعالى : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً ) (٢) ، وقال : ( قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (٣) .

وقد صدّقه الله وأعطاه الوسيلة إليه وإلى الله عَزَّ وجَلَّ فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (٤) فنحن الصادقون ، وأنا أخوه في الدنيا والآخرة ، والشاهد منه عليهم بعده ، وأنا وسيلته بينه وبين أُمّته ، وأنا وولْدي ورثته ، وأنا وهم كسفينة نوح في قومه ، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق .

وأنا وهم كباب حطّة في بني إسرائيل ، وأنا بمنزلة هارون من موسى إلاّ إنّه لا نبيّ بعده ، وأنا الشاهد منه في الدنيا والآخرة ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على بيّنة من ربّه ، وتعرض طاعتي ومحبّتي بين أهل الإيمان (٥) وأهل الكفر وأهل النفاق ، فمن أحبّني كان مؤمناً ، ومن أبغضني كان كافراً ، والله ما كذبت ولا كُذّبت ولا ضللت ولا ضلّ بي ، وإنّي لعلى بيّنة بيّنها ربّي عَزَّ وجَلَّ لنبيّه محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فبيّنها لي ، فاسألوني عمّا كان وعمّا هو كائن إلى يوم القيامة.

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) النساء : ٤١ .

(٣) الرعد : ٤٣ .

(٤) التوبة : ١١٩ .

(٥) في "ب" و "ج" : وفرض . على أهل الإيمان .


قال : والتفت الجاثليق إلى أصحابه فقال : هذا هو والله الناطق بالعلم والقدرة ، الفاتق الراتق ، ونرجوا [من الله] (١) أن يكون قد صادفنا حظّنا ، ونور هدايتنا ، وهذه والله حجج الأوصياء من الأنبياء على قومهم .

قال : ثمّ التفت إلى عليّ عليه‌السلام فقال : كيف عدل بك القوم عن قصدهم إيّاك ، وادّعوا ما أنت أولى به منهم ؟ ألا وقد وقع القول عليهم فضرّوا أنفسهم ، وما ضرّ ذلك الأوصياء مع ما أغناهم الله عَزَّ وجَلَّ به من العلم ، واستحقاق مقامات رسله ، فأخبرني أيّها العالم الحكيم عنّي وأنت ، ما أنت عند الله وما أنا عنده ؟

قال عليّ عليه‌السلام : أمّا أنا فعند الله عَزَّ وجَلَّ مؤمن وعند نفسي مؤمن ، مستيقن بفضله ورحمته وهدايته ونعمته عليّ ، وكذلك أخذ الله جلّ جلاله ميثاقي على الإيمان ، وهداني لمعرفته ، ولا أشك في ذلك ولا أرتاب ، لم أزل على ما أخذه الله عليّ من الميثاق ، ولم أُبدّل ولم أُغيّر ، وذلك بمنّ الله ورحمته وصنعه ، أنا في الجنّة لا أشك في ذلك ولا أرتاب ، لم أزل على ما أخذ الله عَزَّ وجَلَّ عليّ من الميثاق ، فإنّ الشك شرك لما أعطاني الله من اليقين والبيّنة .

وأمّا أنت فعند الله كافر بجحودك الميثاق والإقرار الذي أخذ الله عليك بعد خروجك من بطن أُمّك ، وبلوغك العقل ، ومعرفة التمييز للجيّد والرديء ، والخير والشر ، وإقرارك بالرسل ، وجحودك لما أنزل الله في الإنجيل من أخبار النبيّين عليهم‌السلام ما دمت على هذه الحال كنت في النار لا محالة .

قال : فأخبرني عن مكاني من النار ومكانك من الجنّة ، فقال علي عليه‌السلام : فلم أدخلها فأعرف مكاني من الجنّة ومكانك من النار ، ولكن أعرف (٢) ذلك من كتاب الله عَزَّ وجَلَّ ، إن الله جلّ جلاله بعث محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ب" و "ج" .

(٢) في "ب" : أعرفك .


بالحق ، وأنزل عليه كتاباً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، أحكم فيه جميع علمه .

وأخبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الجنّة بدرجاتها ومنازلها ، وقسّم الله جلّ جلاله الجنان بين خلقه لكلّ عامل منهم ثواباً منها ، وأحلّهم على قدر فضائلهم في الأعمال والإيمان ، فصدّقنا الله وعرفنا منازل الأبرار ، وكذلك منازل الفجّار وما أعدّ لهم من العذاب في النار وقال : ( لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) (١) فمن مات على كفره وفسوقه وشركه ونفاقه وظلمه فلكلّ باب منهم جزء مقسوم ، وقد قال عَزَّ وجَلَّ : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) (٢) وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو المتوسّم ، وأنا والأئمة من ذرّيتي المتوسّمون إلى يوم القيامة .

قال : فالتفت الجاثليق إلى أصحابه وقال : قد أصبتم إرادتكم وأرجو أن تظفروا بالحقّ الذي طلبنا ، إلاّ إنّه (٣) قد نصبت له مسائل فإن أجابنا عنها نظرنا في أمرنا وقبلت منه .

قال عليّ عليه‌السلام : فإن أجبتك عمّا سألتني عنه ـ وفيه تبيان وبرهان واضح لا تجد له مدفعاً ، ولا من قبوله بدّاً ـ أن تدخل في ديننا ؟ قال : نعم ، فقال عليّ عليه‌السلام : الله عليك راع كفيل إذا أوضح لك الحق وعرفت الهدى أن تدخل في ديننا أنت وأصحابك ؟ قال الجاثليق : نعم ، لك الله عليّ راع كفيل إني أفعل ذلك .

فقال عليه‌السلام : فخذ على أصحابك الوفاء ، قال : فأخذ عليهم العهد ، ثمّ قال عليّ عليه‌السلام : سل عمّا أحببت ، قال : أخبرني عن الله عَزَّ وجَلَّ أحمل العرش

ـــــــــــــــــ

(١) الحجر : ٤٤ .

(٢) الحجر : ٧٥ .

(٣) في "ج" : إلاّ إنّي .


أم العرش يحمله؟

قال عليه‌السلام : الله حامل العرش ، والسماوات والأرض وما فيهما وما بينهما ، وذلك قول الله عَزَّ وجَلَّ : ( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُوراً ) (١) .

قال : فأخبرني عن قوله عَزَّ وجَلَّ : ( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) (٢) فكيف ذلك وقلت : إنّه يحمل العرش والسماوات والأرض ؟

قال عليّ عليه‌السلام : إن العرش خلقه الله تبارك وتعالى من أنوار أربعة : نور أحمر احمرّت منه الحمرة ، ونور أخضر اخضرّت منه الخضرة ، ونور أصفر اصفرّت منه الصفرة ، ونور أبيض ابيضّ منه البياض ، وهو العلم الذي حمله الله الحملة ، وذلك نور من عظمته ، فبعظمته ونوره ابيضّت قلوب المؤمنين ، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون ، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والأرض من جميع خلائقه .

إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة ، والأديان المنشئة (٣) ، وكلّ محمول يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته لا يستطيع لنفسه نفعاً ولا ضرّاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً ، وكلّ شيء محمل والله عَزَّ وجَلَّ الممسك لها أن تزولا ، والمحيط بها وبما فيها من شيء ، وهو حياة كلّ شيء ، ونور كلّ شيء ، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً .

قال : فأخبرني عن الله عَزَّ وجَلَّ أين هو ؟

قال عليه‌السلام : هو هاهنا وهاهنا ، وهاهنا وهاهنا ، وهو فوق وتحت ومحيط بنا ومعنا ، وهو قوله تعالى : ( مَا

ـــــــــــــــــ

(١) فاطر : ٤١ .

(٢) الحاقة : ١٧ .

(٣) في "ب" و "ج" : المتشتّتة .


يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (١) والكرسي محيط بالسماوات والأرض ، ولا يؤده حفظهما وهو العليّ العظيم فالذين يحملون العرش هم العلماء ، هم الذين حملهم الله علمه ، وليس يخرج عن هذه الأربعة شيء خلق الله (٢) عَزَّ وجَلَّ في ملكوته ، وهو الملكوت الذي أراه الله أصفياءه ، وأراه الله عَزَّ وجَلَّ خليله عليه‌السلام ، قال : ( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) فكيف يحمل العرش الله وبحياته حييت قلوبهم ، وبنوره اهتدوا إلى معرفته [ وانقادوا ] (٣) ؟

قال : فالتفت الجاثليق إلى أصحابه فقال : هذا والله الحقّ من عند الله عَزَّ وجَلَّ على لسان المسيح والنبيّين والأوصياء عليهم‌السلام ، قال : أخبرني عن الجنّة ، في الدنيا هي أم في الآخرة ؟ وأين الآخرة والدنيا ؟ .

قال عليه‌السلام : الدنيا في الآخرة ، والآخرة محيطة بالدنيا ، إذا كانت النقلة عن الحياة إلى الموت ظاهرة ، وكانت الآخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون ، وذلك أنّ الدنيا نقلة والآخرة حياة ، ومقام مثل ذلك النائم ، وذلك أن الجسم ينام والروح لا تنام ، والبدن يموت والروح لا تموت ، قال الله عَزَّ وجَلَّ : ( وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (٤) . والدنيا رسم الآخرة ، والآخرة رسم الدنيا ، وليس الدنيا الآخرة ولا الآخرة الدنيا ، إذا فارق الروح الجسم يرجع كلّ واحد منهما إلى ما منه بدأ وما منه خلق ، وكذلك الجنّة والنار في الدنيا موجودة وفي الآخرة موجودة ، لأنّ العبد إذا مات

ـــــــــــــــــ

(١) المجادلة : ٧ ; وزاد في "ج" : ( إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) وهو تمام الآية .

(٢) في البحار : خلقه الله عَزَّ وجَلَّ .

(٣) أثبتناه من البحار .

(٤) العنكبوت : ٦٤ .


صار في دار من الأرض ، إمّا روحة في روضة من رياض الجنّة ، وإمّا بقعة من بقاع النار ، وروحه إلى أحد دارين : إما في دار نعيم مقيم لا موت فيها ، وإما في دار عذاب أليم لا موت فيها ، والرسم لمن عقل موجود واضح ، وقد قال الله عَزَّ وجَلَّ : ( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) (١) ، وعنى الكفّار فقال : ( كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ) (٢) ولو علم الإنسان علم ما هو فيه مات حيّاً (٣) ما من الموت ، ومن نجا فبفضل اليقين .

قال : فأخبرني عن قوله عَزَّ وجَلَّ : ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (٤) فإذا طويت السماء وقبضت الأرض فأين تكون الجنّة والنار ، وهما فيهما ؟

قال : فدعا بدواة وقرطاس ثمّ كتب فيه الجنّة والنار ، ثمّ درج القرطاس ودفعه إلى النصراني وقال له : أليس قد طويت هذا القرطاس ؟ قال : نعم ، قال : فافتحه ، قال : ففتحه ، قال : هل ترى آية النار وآية الجنّة أمحاهما [ طيّ ] (٥) القرطاس ؟ قال : لا ، قال : فهكذا في قدرة الله تعالى إذا طويت السماوات وقبضت الأرض لم تبطل الجنّة والنار كما لا يبطل طيّ هذا الكتاب آية الجنّة وآية النار .

قال : فأخبرني عن قول الله عَزَّ وجَلَّ : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) (٦) ما هذا الوجه ؟ وكيف هو ؟ وأين يؤتى (٧) ؟ وما دليلنا عليه ؟

قال عليّ عليه‌السلام : يا غلام

ـــــــــــــــــ

(١) الكهف : ١٠١ .

(٢) الكهف : ١٠١ .

(٣) في "ج" : خوفاً .

(٤) الزمر : ٦٧ .

(٥) أثبتناه من "ج" والبحار .

(٦) القصص : ٨٨ .

(٧) في "ب" : وأين هو .


عليّ بحطب ونار ، فأتى بحطب ونار ، فأمر أن تُضرم ، فلمّا استوقدت واشتعلت قال له : يا نصراني ، هل تجد لهذه النار وجهاً دون وجه ؟ قال : لا [بل] (١) حيثما أتيتها (٢) فهو وجه قال عليه‌السلام : فإذا كانت هذه النار المخلوقة المدبَّرة في صنعها (٣) وسرعة زوالها لا تجد لها وجهاً ، فكيف من خلق هذه النار وجميع ما في ملكوته من شيء أجابه ؟ كيف يوصف بوجه ، أو بحدّ يُحدّ ، أو يُدرك ببصر ، أو يُحيط به عقل ، أو يضبطه وهم ، وقال الله تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (٤) ؟!

قال الجاثليق : صدقت أيّها الوصيّ العليم الحكيم الرفيق الهادي ، أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً ، وإنّك وصيّه وصديقه ودليله ، وموضع سرّه ، وأمينه على أهل بيته ، ووليّ المؤمنين من بعده ، من أحبّك وتولاّك هديته ونوّرت عينه وقلبه ، وأعنته وكفيته وشفيته ، ومن تولّى عنك ، وعدل عن سبيلك غبن عن حظّه ، واتّبع هواه بغير هدى من الله ورسوله ، وكفى هداك ونورك هادياً وكافياً وشافياً .

قال : ثمّ التفت إلى القوم فقال : يا هؤلاء قد أصبتم أمنيتكم وأخطأتم سنّة نبيّكم ، فاتّبعوه تهتدوا وترشدوا ، فما دعاكم إلى ما فعلتم ؟ ما أعرف لكم عذراً بعد آيات الله والحجّة عليكم ، أشهد أنها سنّة في الذين خلوا من قبلكم ولا تبديل لكلمات الله ، وقد قضى عَزَّ وجَلَّ الاختلاف على الأمم والاستبدال بأوصيائهم بعد أنبيائهم ، وما العجب إلاّ منكم بعدما شاهدتم ، فما هذه القلوب القاسية ، والحسد الظاهر ، والضغن والإفك المبين؟!

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) في "ج" : لقيتها .

(٣) في "ب" و "ج" : ضعفها .

(٤) الشورى : ١١ .


قال : وأسلم النصراني ومن معه ، وشهدوا لعليّ عليه‌السلام بالوصيّة ، ولمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالحق والمروة (١) ، وإنّه الموصوف المنعوت في التوراة والإنجيل ، ثمّ خرجوا منصرفين إلى ملكهم ليردّدوا إليه (٢) ما عاينوا وما سمعوا .

فقال عليّ عليه‌السلام : الحمد لله الذي أوضح برهان محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأعزّ دينه ونصره ، وصدّق رسوله وأظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون ، والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وآله .

قال : فتباشر القوم بحجج عليّ عليه‌السلام وبيان ما أخرجه إليهم وانكشفت (٣) عنهم الذلة ، وقالوا : أحسن الله جزاك (٤) يا أبا الحسن في مقامك بحقّ نبيّك ، ثمّ تفرّقوا وكأنّ الحاضرين لم يسمعوا شيئاً ممّا فهمه القوم الذين هم عندهم أبداً ، وقد نسوا ما ذكّروا به ، والحمد لله ربّ العالمين .

قال سلمان الخير : فلمّا خرجوا من المسجد وتفرّق الناس وأرادوا الرحيل أتوا عليّاً عليه‌السلام مسلّمين عليه ، ويدعون الله له (٥) ، واستأذنوا فخرج إليهم عليّ عليه‌السلام فجلسوا ، فقال الجاثليق : يا وصيّ محمد وأبا ذرّيته ما نرى الأمة إلاّ هالكة كهلاك من مضى من بني إسرائيل من قوم موسى ، وتَرْكهم هارون وعكوفهم على أمر السامري ، وإنّا وجدنا لكلّ نبيّ بعثه الله عدوّاً شياطين الإنس والجن يفسدان على النبي دينه ، ويهلكان أمته ، ويدفعان وصيّه ، ويدعيان الأمر بعده (٦) .

ـــــــــــــــــ

(١) في البحار : النبوّة .

(٢) في البحار : ليردّوا عليه .

(٣) في "ج" : كشف .

(٤) في "ب" : جزاك الله .

(٥) في "ج" : مودّعين له .

(٦) في "ب" : إن الأمر بعده .


وقد أرانا الله عَزَّ وجَلَّ ما وعد الصادقين من المعرفة بهلاك هؤلاء القوم ، وبيّن سبيلك وسبيلهم ، وبصرنا ما أعماهم عنه ، ونحن أولياؤك ، وعلى دينك ، وعلى طاعتك ، فمرنا بأمرك إن أحببت أقمنا معك ونصرناك على عدوّك ، وإن أمرتنا بالمسير سرنا وإلى ما صرفتنا إليه صرنا ، وقد نرى صبرك على ما ارتكب منك ، وكذلك سيماء الأوصياء وسنّتهم بعد نبيّهم ، فهل عندك من نبيّكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما أنت فيه وهم؟

قال علي عليه‌السلام : نعم والله عندي لعهداً من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّا هم صائرون إليه وما هم عاملون ، وكيف يُخفي عليّ أمر أمته وأنا منه بمنزلة هارون من موسى ، ومنزلة شمعون من عيسى؟! أو ما تعلمون أن وصيّ عيسى شمعون بن حمّون الصفا ـ ابن خاله ـ اختلفت عليه أُمّة عيسى عليه‌السلام ، وافترقوا أربع فرق ، فافترقت الأربع على اثنين وسبعين فرقة كلّها هالكة إلاّ فرقة ، وكذلك أُمّة موسى عليه‌السلام افترقت على إحدى وسبعين فرقة كلّها هالكة إلاّ فرقة .

وقد عهد إليّ محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أُمّته يفترقون على ثلاث وسبعين فرقة ، ثلاث عشرة فرقة تدّعي مودّتنا ، كلّها هالكة إلاّ فرقة واحدة ، وإنّي لعلى بيّنة من ربّي ، وإنّي عالم بما يصير القوم له ، ولهم مدّة وأجل معدود لأنّ الله عَزَّ وجَلَّ يقول : ( وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) (١) .

وقد صبر (٢) عليهم القليل لما هو بالغ أمره وقدره المحتوم فيهم ، وذكر نفاقهم وحسدهم انّه سيخرج أضغانهم ، ويبيّن مرض قلوبهم بعد فراق نبيّهم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال تعالى : ( يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ

ـــــــــــــــــ

(١) الأنبياء : ١١١ .

(٢) في "ج" : صبرت .


قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ ) [أي تعلمون] (١) ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) (٢) .

فقد عفا عن القليل من هؤلاء ، ووعدني أن يظهرني على أهل الفتنة ، ويردّ الأمر إليّ ولو كره المبطلون ، وعندكم كتاب من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المصالحة والمهادنة على أن لا تحدثوا ولا تأووا محدثاً ، فلكم الوفاء بما وفيتم ، ولكم العهد والذمّة ما أقمتم على الوفاء بعهدكم ، وعلينا مثل ذلك لكم .

وليس هذا أوان نصرنا ، ولا يسلّ سيف ، ولا يقام عليهم بحق ما لم يقبلوا أو يعطوني طاعتهم إذ كنت فريضة من الله عَزَّ وجَلَّ ومن رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مثل الحج والزكاة والصلاة والصيام ، فهل يقام بهذه الحدود إلاّ بعالم قائم يهدي إلى الحق وهو أحقّ أن يتّبع ، ولقد أنزل الله سبحانه :( قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (٣) .

فأنا ـ رحمك الله ـ فريضة من الله ومن رسوله عليكم ، بل أفضل الفرائض وأعلاها وأجمعها للحق وأحكمها لدعائم الإيمان وشرائع الإسلام ، وما يحتاج إليه الخلق لصلاحهم ولفسادهم ولأمر دنياهم وآخرتهم ، فقد تولّوا عنّي ودفعوا فضلي ، وفَرَضَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إمامتي وسلوك سبيلي ، فقد رأيتم ما شملهم من الذل والصغار من بعض الحجة .

وكيف أثبت الله عَزَّ وجَلَّ عليهم الحجة وقد نسوا ما ذكّروا به من عهد نبيّهم ، وما أكّد عليهم من طاعتي ، وأخبرهم من مقامي ، وبلغهم من رسالة الله عَزَّ وجَلَّ في

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ب" .

(٢) التوبة : ٦٤ و٦٦ .

(٣) يونس : ٣٥ .


فقرهم إلى علمي ، وغنائي عنهم وعن جميع الأمة ممّا أعطاني الله عَزَّ وجَلَّ ، فكيف آسى على من صدّ(١) عن الحق بعدما تبيّن له ، واتّخذ إلهه هواه ، وأضلّه الله على علم ، وختم على سمعه وقلبه ، وجعل على بصره غشاوة ، فمن يهديه من بعد الله .

إنّ هداه للهدى ، وهما السبيلان : سبيل الجنّة وسبيل النار والدنيا والآخرة ، فقد ترى ما نزل بالقوم من استحقاق العذاب الذي عذّب به من كان قبلهم من الأمم ، وكيف بدّلوا كلام الله ، وكيف جرت السنّة من الذين خلوا من قبلهم ، فعليكم بالتمسّك بحبل الله وعروته ، وكونوا حزب الله (٢) ورسوله ، وألزموا عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وميثاقه عليكم ، فإنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً .

وكونوا في أهل ملّتكم كأصحاب الكهف ، وإيّاكم أن تفشوا أمركم إلى أهل أو ولد أو حميم أو قريب ، فإنّه دين الله عَزَّ وجَلَّ الذي أوجب له التقيّة ولأوليائه فيقتلكم قومكم ، وإن أصبتم من الملك فرصة ألقيتم على قدر ما ترون من قبوله ، وانّه باب الله وحصن الإيمان لا يدخله إلاّ من أخذ الله ميثاقه ، ونوّر له في قلبه (٣) ، وأعانه على نفسه ، انصرفوا إلى بلادكم على عهدكم الذي عاهدتموني عليه ، فإنّه سيأتي على الناس برهة من دهرهم ملوك بعدي وبعد هؤلاء يغيّرون دين الله عَزَّ وجَلَّ ، ويحرّفون كلامه ، ويقتلون أولياء الله ، ويعزّون أعداء الله .

وتكثر البدع ، وتدرس السنن حتّى تملأ الأرض جوراً وعدواناً وبدعاً ، ثمّ يكشف الله بنا أهل البيت جميع البلاء عن أهل دعوة الله بعد شدّة من البلاء العظيم حتّى تملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً .

ألا وقد عهد إليّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن الأمر صائر إليّ بعد الثلاثين من وفاته وظهور الفتن ، واختلاف الأُمة عليّ ، ومروقهم من دين الله

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : ضلّ .

(٢) في "ب" : من حزب الله .

(٣) في "ألف" : في قبره .


عَزَّ وجَلَّ ، وأمرني بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين ، فمن أدرك منكم ذلك الزمان وتلك الأمور وأراد أن يأخذ بحظّه من الجهاد معي فليفعل ، فإنّه والله الجهاد الصافي ، صفّاه لنا كتاب الله وسنّة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكونوا رحمكم الله من أجلاس (١) بيوتكم إلى أوان ظهور أمرنا ، فمن مات منكم كان من المظلومين ، ومن عاش منكم أدرك ما تقرّ به عينه إن شاء الله تعالى .

ألا وإنّي أخبركم انّه سيحملون على خطّة [ من ] (٢) جهلهم ، وينقضون علينا عهد نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقلّة علمهم بما يأتون ويذرون ، وسيكون منهم ملوك يدرس عندهم العهد ، وينسوا ما ذكّروا به ، ويحلّ بهم ما يحلّ بالأمم حتّى يصيروا إلى الهرج والاعتداء وفساد العهد (٣) ، وذلك لطول المدّة وشدّة المحنة التي أمرت بالصبر عليها ، وسلّمت لأمر الله في محنة عظيمة يكدح فيها المؤمن حتّى يلقى الله ربّه .

واهاً للمتمسّكين بالثقلين وما يعمل بهم ، وواهاً لفرج آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من خليفة مستخلف عريف مترف (٤) يقتل خلفي وخلف الخلف ، بلى اللّهمّ لا تخلو الأرض من قائم بحجّة إما ظاهراً مشهوراً أو باطناً مستوراً ، لئلاّ تبطل حجج الله وبيّناته ، ويكون نحلة لمن اتّبعه واقتدى به .

وأين أولئك ؟ وكم أولئك ؟ أولئك الأقلّون عدداً ، الأعظمون عند الله خطراً ، بهم يحفظ الله دينه وعلمه حتّى يزرعها في صدور أشباههم ويودعها أمثالهم ، هجم بهم العلم على حقيقة الإيمان ، واستروحوا روح اليقين ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، واستلانوا ما استوعر منه المترفون ، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها

ـــــــــــــــــ

(١) في البحار : أحلاس .

(٢) أثبتناه من "ج" .

(٣) في "ب" : العهود .

(٤) في البحار : عتريف .


معلّقة بالمحلّ الأعلى ، أولئك حجج الله في أرضه وأمناؤه على خلقه ، هاه شوقاً إليهم (١) وإلى رؤيتهم ، وواهاً على صبرهم على عدوّهم ، وسيجمعنا الله وإيّاهم في جنّات عدن ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرّياتهم .

ثمّ قال : ثمّ بكى وبكى القوم معه ، ثمّ ودّعوه وقالوا : نشهد لك بالوصيّة والإمامة والأخوة ، وإنّ عندنا لصفتك وصورتك ، وسيقدم وفد بعد هذا الرجل من قريش على الملك ، ولنخرجنّ إليهم صورة الأنبياء ، وصورة نبيّك وصورتك ، وصورة ابنيك الحسن والحسين ، وصورة فاطمة زوجتك سيّدة نساء العالمين بعد مريم الكبرى البتول ، وإنّ ذلك لمأثور عندنا ومحفوظ ، ونحن راجعون إلى الملك ومخبروه بما أودعتنا من نور هدايتك وبرهانك وكرامتك وصبرك على ما أنت فيه ، ونحن المرابطون لدولتك ، الراعون (٢) لك ولأمرك ، فما أعظم هذا البلاء ، وما أطول هذه المدّة ، ونسأل الله التوفيق والثبات ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (٣) .

[في إجابته عليه‌السلام سؤال يهودي]

بحذف الإسناد قيل : لمّا كان بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دخل يهودي المسجد فقال : أين وصيّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأشاروا إلى أبي بكر ، فوقف عليه وقال : إني أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ ، قال أبو بكر : سل عمّا بدا لك ، فقال اليهودي : أخبرني عمّا ليس لله ، وعمّا ليس عند الله ، وعمّا لا يعلمه الله .

فقال أبو بكر : هذه مسائل الزنادقة يا يهودي ، أو في السماء [والأرض] (٤)

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : فوا شوقاه .

(٢) في "ب" و "ج" : الداعون .

(٣) عنه البحار ٣٠ : ٥٣ ح١; ونحوه في أمالي الطوسي : ٢١٨ ح٣٨٢; عنه البحار ١٠ : ٥٤ ح٢ .

(٤) أثبتناه من "ج" .


شيء لا يعلمه الله وليس لله ، وهمّ به المسلمون ، وكان في القوم ابن عباس فقال : ما أنصفتم الرجل ، قال أبو بكر : أو ما سمعت ما تكلّم به ؟ فقال ابن عباس : إن كان عندكم جواب وإلاّ فاذهبوا به إلى من يجيبه ، فإنّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لعليّ بن أبي طالب : اللّهمّ اهد قلبه ، وثبّت لسانه .

قال : فقام أبو بكر ومن حضر من المهاجرين والأنصار حتّى أتوا علياً عليه‌السلام واستأذنوا عليه فدخلوا ، فقال أبو بكر : يا أبا الحسن إن هذا اليهودي سألني مسائل الزنادقة ، فقال عليّ عليه‌السلام لليهودي : ما تقول يا يهودي ؟ قال : إنّي أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ ، فقال عليه‌السلام : سل يا يهودي فأُنبئك به ، قال : أخبرني عمّا ليس لله ، وعمّا ليس عند الله ، وعمّا لا يعلمه الله .

فقال [عليّ عليه‌السلام ] (١) : أمّا قولك أخبرني عمّا ليس لله فليس لله شريك ، وأمّا قولك عمّا ليس عند الله فليس عند الله ظلم للعباد ، وأمّا قولك عمّا لا يعلمه الله فذلك قولكم إنّ عزير ابن الله والله لا يعلم أنّ له ولداً ، فقال اليهودي : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً رسول الله ، وأنّك وصيّه ، فقام أبو بكر ومن معه فقبّلوا رأس عليّ عليه‌السلام وقالوا : يا مفرّج الكرب (٢) .

[في جوابه عليه‌السلام عن مسائل اليهوديين]

وبحذف الإسناد أيضاً مرفوع إلى ابن عباس قال : قدم يهوديان أخوان من رؤوس (٣) اليهود ، فقالا : يا قوم [إن] (٤) نبيّنا حدّثنا أنّه يظهر بتهامة رجل يمحي

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) عنه البحار ٣٠ : ٨٥ ح٢; ونحوه الفضائل لابن شاذان : ١٣٢; والاحتجاج ١ : ٤٨٤ ح١١٨; عنه البحار ١٠ : ٥٢ ح١ .

(٣) في "ج" : رؤساء .

(٤) أثبتناه من "ج" .


بسيفه أحلام اليهود ويطعن في دينهم ، ونحن نخاف أن يزيلنا عمّا كانت عليه آباؤنا ، فأيّكم هذا النبي ؟ فإن كان المبشّر به داود آمنّا به واتّبعناه ، وإن كان يورد الكلام على إبلاغه (١) ويورد الشعر ويقهرنا (٢) جاهدناه بأنفسنا وأموالنا ، فأيّكم هذا النبي؟

فقال المهاجرون والأنصار : إن نبيّنا قُبض ، فقالا : الحمد الله ، فأيّكم وصيّه ، فما بعث (٣) الله نبيّاً إلى قوم إلاّ وله وصيّ يؤدّي من بعده ، ويحكي ما أمره به ربّه فأومأ المهاجرون والأنصار إلى أبي بكر ، فقالوا : هو وصيّه ، فقالا : إنّا نلقي عليك من المسائل ما يلقى على الأوصياء ، ونسألك ما تُسأل الأوصياء عنه ، فقال أبو بكر : ألقيا سأخبركما عنه (٤) إن شاء الله تعالى .

فقال له أحدهما : ما أنا وأنت عند الله ؟ وما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا قرابة ؟ وما قبر سار بصاحبه ؟ ومن أين تطلع الشمس وأين تغرب ؟ وأين سقطت (٥) الشمس ولم تسقط (٦) في ذلك الموضع ؟ وأين تكون الجنّة وأين تكون النار ؟ وربّك يَحمل أو يُحمل ؟ وأين يكون وجه ربّك ؟ وما اثنان شاهدان ؟ وما اثنان غائبان ؟ وما اثنان متباغضان ؟ وما الواحد وما الاثنان ، وما الثلاثة ، وما الأربعة ، وما الخمسة ، وما الستّة ، وما السبعة ، وما الثمانية ، وما التسعة ، وما العشرة ، وما الإحدى عشر ، وما الاثنى عشر ، وما العشرون ، وما الثلاثون ، وما الأربعون ، وما الخمسون ، وما الستّون ، وما السبعون ، وما الثمانون ، وما التسعون ، وما المئة؟

قال ابن عباس : فبقى أبو بكر لا يردّ جواباً ، وتخوّفنا أن يرتدّ القوم عن الإسلام ، فأتيت منزل عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : بالبلاغة .

(٢) في "ج" : يقهرنا بلسانه .

(٣) في "ج" : أرسل .

(٤) في "ج" : مسائلكما .

(٥) في "ج" : طلعت .

(٦) في "ج" : لم تطلع فيه بعد ذلك .


فقلت له : يا عليّ ، إن رؤساء اليهود (١) قد قدموا المدينة وألقوا على أبي بكر مسائل وقد بقي لا يردّ جواباً .

فتبسّم عليّ عليه‌السلام ضاحكاً ثمّ قال : هو الذي وعدني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وأخذ يمشي أمامي ، فما أخطأت مشيته مشية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى قعد في الموضع الذي كان يقعد فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ التفت إلى اليهوديين فقال : يا يهوديان اُدنوا منّي وألقيا ما ألقيتما على الشيخ ، فقالا : من أنت ؟ فقال : أنا عليّ بن أبي طالب ، أخو النبي ، وزوج فاطمة ، وأبو الحسن والحسين ، ووصيّه في خلافته (٢) كلّها ، وصاحب كل نفيسة (٣) وغزاة ، وموضع سرّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فقال اليهودي (٤) : ما أنا وأنت عند الله ؟

قال : أنا مؤمن منذ عرفت نفسي وأنت كافر منذ عرفت نفسك ، وما أدري ما يحدث الله فيك يا يهودي بعد ذلك

قال اليهودي : فما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا قرابة ؟

قال : يونس عليه‌السلام في بطن الحوت .

قال : فما قبر سار بصاحبه ؟قال : يونس حين طاف به الحوت في سبعة أبحر .

قال له : فالشمس من أين تطلع ؟

قال : من قرن (٥) الشيطان .

قال : فأين تغيب (٦) ؟

قال : في عين حمئة وقال لي حبيبي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تصلّي في إقبالها ولا في إدبارها حتّى تصير في مقدار رمح أو رمحين .

قال : فأين سقطت الشمس ولم تسقط (٧) في ذلك الموضع ؟

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : رؤوساً من اليهود .

(٢) في "ج" : في حالاته .

(٣) في "ج" : منقبة .

(٤) في "ج" : فقال له أحد اليهوديين .

(٥) في "ج" : قرني .

(٦) في "ج" : في أين تغرب .

(٧) في "ج" : طلعت الشمس ثمّ لم تطلع .


قال : البحر حين فرقه الله تعالى لقوم موسى عليه‌السلام .

قال له : ربّك يَحمل أو يُحمل ؟

قال : ربّي يحمل كلّ شيء ولا يحمله شيء .

قال : فكيف قوله : ( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) (١) ؟

قال : يا يهودي ، ألم تعلم أن الله له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما ، وما تحت الثرى ، وكلّ شيء على الثرى ، والثرى على القدرة ، والقدرة عند ربّي .

فقال : فأين تكون الجنّة ؟ وأين تكون النار ؟

قال : الجنّة في السماء ، والنار في الأرض .

قال : فأين يكون وجه ربّك ؟

فقال عليّ عليه‌السلام لابن عباس : ائتني بنار وحطب فأضرمها ، فقال : يا يهودي أين وجه هذه النار ؟ قال : لا أقف لها على وجه ، قال : كذلك ربّي ( أَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) .

قال : فما اثنان شاهدان (٢) ؟

قال : السماء والأرض لا يغيبان .

قال : فما اثنان غائبان ؟

قال : الموت والحياة لا نقف عليهما .

قال : فما اثنان متباغضان ؟

قال : الليل والنهار .

قال : فما نصف الشيء ؟

قال : المؤمن .

قال : فما لا شيء ؟

قال : يهودي مثلك لا يعرف ربّه .

قال : فما الواحد ؟

قال : الله عَزَّ وجَلَّ .

ـــــــــــــــــ

(١) الحاقة : ١٧ .

(٢) زاد في "ج" : لا يغيبان .


قال : فما الاثنان ؟

قال : آدم وحواء .

قال : فما الثلاثة ؟

قال : كذبت النصارى على الله عَزَّ وجَلَّ وقالوا عيسى بن مريم ابن الله ، والله لم يتّخذ صاحبة ولا ولداً .
قال : فما الأربعة ؟

قال : التوراة والإنجيل والزبور والفرقان (١) العظيم .

قال : فما الخمسة ؟

[ قال : ] خمس صلوات مفروضات .

قال : فما الستّة ؟

قال : خلق الله السماوات والأرض في ستّة أيّام ثمّ استوى على العرش .

قال : فما السبعة ؟

قال : سبعة أبواب النار متطابقات .

قال : فما الثمانية ؟

قال : ثمانية أبواب الجنّة .

قال : فما التسعة ؟

قال : تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون .

قال : فما العشرة ؟

قال : عشرة أيّام من العشر .

قال : فما الأحد عشر ؟

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : القرآن .


قال : قول يوسف لأبيه : ( إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ) (١) .

قال : فما الاثنى عشر ؟قال : شهور السنة .

قال : فما العشرون ؟قال : بيع يوسف بعشرين درهماً .

قال : فما الثلاثون ؟قال : ثلاثون ليلة (٢) من شهر رمضان صيامه فرض واجب على كلّ مؤمن ، إلاّ من كان مريضاً أو على سفر قال : فما الأربعون ؟

قال : كان ميقات موسى ثلاثين ليلة قضاها والعشرة كانت تمامها .

قال : فما الخمسون ؟قال : دعا نوح [ قومه ] (٣) ألف سنة إلاّ خمسين عاماً .

قال : فما الستّون ؟

قال : قال الله عَزَّ وجَلَّ : ( فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ) أو ( صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) (٤) .

قال : فما السبعون ؟قال : اختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقات ربّه .

قال : فما الثمانون ؟

قال : قرية بالجزيرة يقال لها "ثمانين" [ منها ] (٥) قعد نوح في السفينة واستوت على الجودي وغرّق (٦) الله القوم قال : فما التسعون ؟

قال : الفلك المشحون اتّخذ [ نوح فيه تسعين ] (٧) بيتاً للبهائم .

قال : فما المئة ؟

قال : كان لداود عليه‌السلام ستّون سنة وهب له آدم أربعين [ سنة من عمره ] (٨) ، فلمّا حضر آدم الوفاة جحد ، فجحد ذرّيته .

ـــــــــــــــــ

(١) يوسف : ٤ .

(٢) في "ج" يوماً .

(٣) أثبتناه من البحار .

(٤) تلفيق من سورة المجادلة آية : ٤ .

(٥) أثبتناه من "ج" .

(٦) في "ج" : أغرق .

(٧) أثبتناه من "ج" ، وفي البحار : اتّخذ يوماً فيها بيتاً للبهائم .

(٨) أثبتناه من "ج" .


فقال : يا شاب ، صف لي محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كأنّي أنظر إليه حتّى أؤمن به الساعة ، فبكى عليّ عليه‌السلام ثمّ قال : يا يهودي هيّجت أحزاني ، كان حبيبي [ رسول الله ] (١) صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلب (٢) الجبين ، مقرون الحاجبين ، أدعج (٣) العينين ، سهل الخدّين ، أقنى (٤) الأنف ، دقيق المسربة (٥) ، كثّ اللحية ، براق الثنايا ، كأنّ عنقه إبريق فضّة كان له شعرات من لبته (٦) إلى سرّته متفرّقة كأنّها قضيب كافور لم يكن بالطويل الذاهب ، ولا القصير النزر كان إذا مشى مع الناس غمرهم (٧) ، كان إذا مشى كأنّه ينقطع من صخرة أو ينحدر من صبب ، كان مبدول (٨) الكعبين ، لطيف القدمين ، دقيق الخصر ، عمامته السحاب ، سيفه ذو الفقار ، بغلته دلدل ، حماره اليعفور ، ناقته العضباء ، فرسه المبدول (٩) ، قضيبه الممشوق ، كان أشفق الناس على الناس ، وأرأف الناس بالناس ، كان بين كتفيه خاتم النبوّة ، مكتوب على الخاتم سطران ، أوّل سطر "لا إله إلاّ الله" والثاني "محمد رسول الله" هذه صفته يا يهودي .

فقال اليهوديان : نشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، وأنّك وصيّ محمّد حقّاً ، وأسلما وحسن إسلامهما ولزما أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فكانا معه حتّى كان من أمر الجمل ما كان ، فخرجا معه إلى البصرة ، فقتل أحدهما في وقعة

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ب" .

(٢) في "ج" والبحار : صلت .

(٣) الدعج والدعجة : السواد في العين وغيرها .

(٤) القنا في الأنف : طوله ودقّة أرنبته مع حدب في وسطه .

(٥) المسربة : ما دقّ من شعر الصدر مائلاً إلى الجوف .

(٦) اللبة : المنحر ، والجمع اللبات .

(٧) في "ج" : غمرهم نوره .

(٨) في "ج" : مدوّر .

(٩) في "ج" : لزار .


الجمل وبقى الآخر حتّى خرج معه إلى صفين فقُتل (١) .

[في جوابه عليه‌السلام عن مسألة يهودي آخر]

وبحذف الإسناد مرفوعاً إلى الصادق عليه‌السلام قال : لمّا بايع الناس عمر بعد وفاة أبي بكر أتاه رجل من شبّان اليهود وهو في المسجد ، فسلّم عليه والناس حوله فقال : يا عمر (٢) دلّني على أعلمكم بالله وبرسوله وبكتابه وسنّته ، فأومأ إلى عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام فقال : هذا .

فتحوّل الرجل إلى عليّ عليه‌السلام فسأله : أنت كذلك ؟ فقال : نعم ، فقال : إني أسألك عن ثلاث وثلاث وواحدة ، قال : أفلا قلت عن سبع ؟ قال اليهودي : لا ، إنّما أسألك عن ثلاث فإن أصبت (٣) فيهنّ سألتك عن ثلاث بعدها ، وإن لم تصب لم أسألك ، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : أخبرني إذا أجبتك بالصواب والحقّ تعرف ذلك ؟ وكان الفتى من علماء اليهود وأحبارها ، يروون (٤) إنّه من ولد هارون أخي موسى بن عمران ، فقال : نعم .

قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : بالله الذي لا إله إلاّ هو لئن أجبتك بالصواب والحق لتسلمنّ وتدع اليهودية ؟ فحلف له وقال : ما جئتك إلاّ مرتاداً أريد الإسلام ، فقال : يا هاروني ، سل عمّا بدا لك تخبر إن شاء الله تعالى .

[قال اليهودي] (٥) : فأخبرني عن أوّل شجرة نبتت على وجه الأرض ، وعن أوّل عين نبعت في الأرض ، وعن أوّل حجر وضع على وجه الأرض ، فقال أمير

ـــــــــــــــــ

(١) عنه البحار ٣٠ : ٨٦ ح٣ .

(٢) في "ألف" : يا أمير المؤمنين .

(٣) في "ب" : أجبت .

(٤) في "ج" : يرون .

(٥) أثبتناه من "ج" .


المؤمنين عليه‌السلام : أمّا أوّل شجرة نبتت على وجه الأرض فإنّ أهل الأرض يزعمون أنها الزيتونة ، وكذبوا ، إنّها هي النخلة وهي العجوة ، هبط بها آدم من الجنّة فغرسها ، وأصل النخل كلّه منها .

وأمّا أوّل عين نبعت على وجه الأرض فإنّ اليهود يزعمون أنها العين التي في بيت المقدس تحت الحجر ، وكذبوا ، بل هي عين الحياة التي انتهى موسى وفتاه إليها ، فغسلا فيها السمكة (١) فحييت ، وليس من ميّت يصيبه ذلك الماء إلاّ حيي ، وكان الخضر عليه‌السلام شرب منها ولم يجدها ذو القرنين .

وأمّا أوّل حجر وضع على وجه الأرض فإنّ اليهود يزعمون أنّه الحجر الذي في بيت المقدس ، وكذبوا ، إنّما هو الحجر الأسود هبط به آدم من الجنّة ، فوضعه على الركن والناس يستلمونه ، وكان أشدّ بياضاً من الثلج فاسودّ من خطايا بني آدم .

قال : فأخبرني كم لهذه الأُمة من إمام هدى ، هادين مهديّين ، لا يضرّهم خذلان من خذلهم ؟ وأين منزل محمد من الجنّة ؟ ومن معه من أُمته في الجنّة ؟

قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : أمّا قولك كم لهذه الأُمة من إمام هدى ، وأين منزل محمد من الجنّة ، ومن معه من أُمّته في الجنّة ، فإنّ أئمة الهدى اثنا عشر ، أما منزل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ففي أشرف الجنان وأفضلها وجنّة عدن ، وأمّا الذين معه فهؤلاء الأئمة الاثني عشر أئمة الهدى .

قال الفتى : صدقت ، فوالله الذي لا إله إلاّ هو إنّه لمكتوب عندي بإملاء موسى وخطّ هارون بيده ، قال : فأخبرني كم يعيش وصيّ محمد بعده ، وهل يموت موتاً أو يُقتل قتلاً ؟ قال له : ويحك أنا وصيّ محمد ، أعيش بعده ثلاثين لا يزيد يوماً ولا ينقص يوماً (٢) ، ثمّ يبعث أشقاها شقيق عاقر ناقة صالح ، فيضربني ضربة في قرني

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : السمكة المالحة .

(٢) قال العلامة المجلسي رحمه الله في ذيل الحديث : أقول : ليس هذا في أكثر الروايات ، ويشكل تصحيحه لعدم اتحاد يومي وفاتهما صلوات الله عليهما ، ويمكن أن يقال بناء الثلاثين على التقريب وقولهعليه‌السلام : "لا يزيد" استئناف لبيان أن الموعد الذي وعدت لك لا يتخلّف وأعلمه بحيث لا يزيد يوماً ولا ينقص يوماً ، وقيل : الضمير راجع إلى كتاب هارون ، وربّما يُقرأ تزيد وتنقص على صيغة الخطاب [أقول : كما هو في نسخة "ب" ] أي : إنّك رأيت في كتاب أبيك هارون ثلاثين سنة فتتوهّم أنّه لا كسر فيها ، وليس ذلك ، بل هو مبني على إتمام الكسر ، ولا يخفى بعدها .


فتخضب منه لحيتي ، ثمّ بكى عليّ عليه‌السلام بكاءً شديداً ، قال : فصرخ الفتى وقطع سبحته (١) وقال : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأشهد أنّ محمداً رسول الله ، [وأنّك وصيّه وخليفته ، وهادي الأُمة ، ومحيي السنّة من بعده] (٢) والحمد لله ربّ العالمين (٣) .

[خبر حذيفة بن اليمان رحمه الله من تآمر القوم ونكثهم البيعة وتخلّفهم عن جيش أسامة]

بحذف الإسناد قال : لمّا استخلف عثمان بن عفّان آوى إليه عمّه الحكم بن العاص وولده مروان والحارث بن الحكم ، ووجّه عمّاله في الأمصار ، وكان فيمن وجّه عمر بن سفيان بن المغيرة بن أبي العاص بن أُمية إلى مشكان ، والحارث بن الحكم إلى المدائن ، فأقام بها مدّة يتعسّف أهلها ويسيء معاملتهم .

فوفد منهم إلى عثمان وفد يشكوه ، وأعلموه بسوء ما يعاملهم به ، وأغلظوا عليه في القول ، فولّى حذيفة بن اليمان عليهم ـ وذلك في آخر أيّامه ـ فلم ينصرف حذيفة بن اليمان عن المدائن إلى أن قتل عثمان واستخلف عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، فأقام حذيفة عليها وكتب إليه :

ـــــــــــــــــ

(١) في البحار : كستيجه ، وهو خيط غليظ يشدّه الذمّي فوق ثيابه دون الزنّار ، معرّب كُسْتي .

(٢) أثبتناه من "ج" .

(٣) عنه البحار ٣٠ : ٩٥ ح٤; ونحوه في كمال الدين : ٢٩٧ ح٥ باب ٢٦; عنه البحار ٣٦ : ٣٧٤ ح٥; والخصال : ٤٧٦ ح٤٠ أبواب الاثنى عشر ، والاحتجاج ١ : ٥٣٧ ح١٢٨; والكافي ١ : ٥٣١ ح٨; وغيبة النعماني : ٩٧ ح٢٩ .


"بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى حذيفة بن اليمان ، سلام عليك ، أمّا بعد ، فإنّي قد ولّيتك ما كنت عليه (١) لمن كان قبلي من حرف المدائن ، وقد جعلت إليك أعمال الخراج والرستاق وجباية أهل الذمّة ، فاجمع إليك ثقاتك ومن أحببت ممّن ترضى دينه وأمانته ، واستعن بهم على أعمالك فإنّ ذلك أعزّ لك ولوليّك وأكبت لعدوّك وإنّي آمرك بتقوى الله وطاعته في السرّ والعلانية ، وأحذّرك عقابه في المغيب والمشهد ، وأتقدّم إليك بالإحسان إلى المحسن ، والشدّة على المعاند ، وآمرك بالرفق في أمورك ، واللين والعدل على رعيّتك ، فإنّك مسؤول عن ذلك ، وإنصاف المظلوم ، والعفو عن الناس ، وحسن السيرة ما استطعت ، فالله يجزي المحسنين .

وآمرك أن تجبي خراج الأرضين على الحق والنصفة ، ولا تتجاوز ما تقدّمت به إليك ، ولا تدع منه شيئاً ، ولا تبتدع فيه أمراً ، ثمّ اقسمه بين أهله بالسويّة والعدل ، واخفض لرعيّتك جناحك ، وواس بينهم في مجلسك ، وليكن القريب والبعيد عندك في الحق سواء ، واحكم بين الناس بالحق ، وأقم فيهم بالقسط ، ولا تتّبع الهوى ، ولا تخف في الله لومة لائم ، فإنّ الله مع الذين اتّقوا والذين هم محسنون .

ولقد وجّهت إليك كتاباً لتقرأه على أهل مملكتك ليعلموا رأينا فيهم وفي جميع المسلمين ، فأحضرهم واقرأه عليهم ، وخذ البيعة لنا على الصغير والكبير منهم إن شاء الله تعالى" .

قال : فلمّا وصل عهد أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى حذيفة جمع الناس فصلّى بهم ، ثمّ أمر بالكتاب فقرئ عليهم وهو :

"بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المسلمين ، سلام عليكم ، فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو ، وأسأله أن

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : ما كنت تليه .


يصلّي على محمد وآله ، فأمّا بعد ، فإنّ الله تعالى اختار الإسلام ديناً لنفسه وملائكته ورُسله إحكاماً لصنعه ، وحسن تدبيره ، ونظر الله (١) لعباده ، وخصّ (٢) به من أحبّ من خلقه ، فبعث إليهم محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعلّمهم الكتاب والحكمة إكراماً وتفضيلاً لهذه الأُمّة ، وأدّبهم لكي يهتدوا ، وجمعهم لئلاّ يتفرّقوا ، وفقّههم لئلاّ يجوروا فلمّا قضى ما كان عليه من ذلك مضى إلى رحمة الله حميداً محموداً ، ثمّ إن بعض المسلمين أقاموا بعده رجلين رضوا بهداهما وسيرتهما ، فأقاما ما شاء الله ثمّ توفّاهما الله عَزَّ وجَلَّ ، ثمّ ولّوا بعدهما الثالث ، فأحدث أحداثاً ، ووجدت الأُمة عليه فعالاً ، فاتّفقوا عليه ثمّ نقموا منه فغيّروا ، ثمّ جاءوني كتتابع الخيل فبايعوني ، فإنّي أستهدي الله بهداه وأستعينه على التقوى .

ألا وإنّ لكم علينا العمل بكتاب الله وسنّة نبيّه ، والقيام عليكم بحقّه ، وإحياء سنّته ، والنصح لكم بالمغيب والمشهد ، وبالله نستعين على ذلك وهو حسبنا ونعم الوكيل .

وقد ولّيت أموركم حذيفة بن اليمان ، وهو ممّن ارتضى بهداه وأرجو صلاحه ، وقد أمرته بالإحسان إلى محسنكم ، والشدّة على مريبكم ، والرفق بجميعكم ، أسأل الله لنا ولكم حسن الخيرة والإحسان ورحمته الواسعة في الدنيا والآخرة ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته" .

ثمّ إن حذيفة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي وآله ثمّ قال : الحمد لله الذي أحيى الحق ، وأمات الباطل ، وجاء بالعدل ، ودحض الجور ، وكبت الظالمين (٣) ، أيّها الناس! إنّما وليّكم ـ واللهِ (٤) ـ أمير المؤمنين حقّاً حقّاً ، وخير من نعلمه بعد نبيّنا عليه وآله السلام ، وأولى الناس بالناس ، وأحقّهم بالأمر ، وأقربهم إلى

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : نظراً منه لعباده .

(٢) في "ج" : اختصّ .

(٣) في "ب" : الباطل .

(٤) في "ب" و "ج" : وليّكم الله ورسوله وأمير المؤمنين .


الصدق ، وأرشدهم إلى العدل ، وأهداهم سبيلاً ، وأدناهم إلى الله وسيلة ، وأمسّهم (١) برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رحماً .

أنيبوا إلى طاعة أوّل الناس سلماً ، وأكثرهم علماً ، وأقصدهم طريقاً ، وأسبقهم إيماناً ، وأحسنهم يقيناً ، وأكثرهم معروفاً ، وأقدمهم جهاداً ، وأعزّهم مقاماً ، أخي رسول الله وابن عمّه ، وأبي الحسن والحسين ، وزوج الزهراء البتول سيّدة نساء العالمين ، فقوموا أيّها الناس فبايعوا على كتاب الله وسنّة نبيّه ، فإنّ لله في ذلك رضى ، ولكم مقنع وصلاح ، والسلام .

فقام الناس [بأجمعهم] (٢) فبايعوا أمير المؤمنين عليه‌السلام أحسن بيعة وأجمعها ، فلمّا استتمّت البيعة قام إليه فتى من أبناء العجم وولاة الأنصار لمحمد بن عمارة بن التيهان أخو أبي الهيثم بن التيهان ، يقال له : "مسلم" متقلّداً سيفاً ، فناداه من أقصى الناس : أيّها الأمير! إنّا سمعناك تقول [في أوّل كلامك : إنّما] (٣) وليّكم الله [ورسوله و] (٤) أمير المؤمنين حقّاً حقّاً ، تعرض (٥) لمن كان قبله من الخلفاء إنّهم لم يكونوا أمراء المؤمنين حقّاً ، فعرّفنا ذلك أيّها الأمير رحمك الله ولا تكتمنا ، فإنّك ممّن شهد وعاين (٦) ، ونحن مقلّدون ذلك أعناقكم ، والله شاهد عليكم فيما تأتون به من النصيحة لأُمّتكم ، وصدق الخبر عن نبيّكم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال حذيفة : أيّها الرجل ، أمّا إذا سألت وفحصت هكذا ، فاسمع وافهم ما اخبر به ، أمّا من تقدّم من الخلفاء قبل عليّ بن أبي طالب ممّن تسمّى بأمير المؤمنين ، فإنّهم تسمّوا بذلك وسمّاهم الناس به ، وأمّا عليّ بن أبي طالب فإنّ جبرئيل عليه

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : أقربهم .

(٢) أثبتناه من "ج" .

(٣) أثبتناه من "ج" .

(٤) أثبتناه من "ج" .

(٥) في "ج" : تعريضاً ممّن .

(٦) في "ج" : وغبنا .


السلام سمّاه بهذا الاسم عن الله تعالى ، وشهد له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن سلام جبرئيل له بإمرة المؤمنين ، وكان أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدعونه في حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإمرة المؤمنين (١) .

قال الفتى : خبّرنا كيف كان ذلك يرحمك الله ؟

قال حذيفة : إن الناس كانوا يدخلون على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل الحجاب إذا شاءوا ، فنهاهم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يدخل أحد إليه وعنده دحية بن خليفة الكلبي ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يراسل قيصراً ملك الروم وبني حنيفة وبني غسّان (٢) على يده ، وكان جبرئيل عليه‌السلام يهبط عليه في صورته ، ولذلك نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يدخل المسلمون عليه إذا كان عنده دحية .

قال حذيفة : وإنّي أقبلت يوماً لبعض أموري إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مهجراً رجاء أن ألقاه خالياً ، فلمّا صرت بالباب نظرت فإذا أنا بشملة قد سدلت على الباب ، فرفعتها وهممت بالدخول ـ وكذلك كنّا نصنع ـ فإذا أنا بدحية قاعد عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والنبي نائم ورأسه في حجر دحية ، فلمّا رأيته انصرفت .

فلقيني عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام في بعض الطريق ، فقال : يا ابن اليمان ، من أين أقبلت ؟ قلت : من عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : وماذا صنعت عنده ؟ قلت : أردت الدخول عليه في كذا وكذا ـ وذكرتُ الأمر الذي جئت له ـ فلم يتهيّأ لي ذلك ، قال : ولِمَ ؟ قلت : كان عنده دحية الكلبي ، وسألت عليّاً عليه‌السلام

ـــــــــــــــــ

(١) روى صاحب الفردوس عن حذيفة قال : لو علم الناس متى سمّي عليّ أمير المؤمنين ما أنكروا فضله ، سمّي أمير المؤمنين وآدم بين الروح والجسد ، قال الله عَزَّ وجَلَّ :( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) قالت الملائكة : بلى ، قال تبارك وتعالى : أنا ربّكم ، ومحمد نبيّكم ، وعليّ أميركم (الفردوس ٣ : ٣٥٤ ح٥٠٦٦)

(٢) في "ج" : ملوك بني غسّان .


معونتي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك الأمر .

قال : فارجع معي ، فرجعت معه ، فلمّا صرنا إلى باب الدار جلست بالباب ورفع عليّ عليه‌السلام الشملة ودخل فسلّم ، فسمعت دحية يقول : وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، ثمّ قال له : اجلس فَخُذْ رأسَ أخيك وابن عمّك من حجري فأنت أولى الناس به ، فجلس عليّ عليه‌السلام وأخذ رأس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجعله في حجره ، وخرج دحية من البيت ، فقال عليّ عليه‌السلام : اُدخل يا حذيفة .

فدخلت وجلست فما كان بأسرع أن انتبه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فضحك في وجه عليّ عليه‌السلام ثمّ قال : يا أبا الحسن مِنْ حجر مَنْ أخذت رأسي ؟ قال : من حجر دحية الكلبي ، فقال : ذلك جبرئيل عليه‌السلام ، فما قلت له حين دخلت وما قال لك؟

قال : دخلت فسلّمت فقال لي : وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عليّ ، سلّمت عليك ملائكة الله وسكّان سماواته بإمرة المؤمنين من قبل أن تسلّم عليك أهل الأرض ، يا عليّ إنّ جبرئيل عليه‌السلام فعل ذلك عن أمر الله عَزَّ وجَلَّ ، وقد أوحى إليّ عن ربّي عَزَّ وجَلَّ من قبل دخولك أن أفرض ذلك على الناس ، وأنا فاعل ذلك إن شاء الله .

فلمّا كان من الغد بعثني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى ناحية فدك في حاجة ، فلبثت أيّاماً ثمّ قدمت ، فوجدت الناس يتحدّثون أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر الناس أن يسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين ، وأنّ جبرئيل عليه‌السلام أتاه بذلك عن الله عَزَّ وجَلَّ .

فقلت : صدق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا فقد سمعت جبرئيل عليه‌السلام يسلّم على عليّ عليه‌السلام بإمرة المؤمنين ـ وحدّثتهم الحديث ـ فسمعني


عمر بن الخطاب وأنا أُحدّث الناس في المسجد ، فقال لي : أنت رأيت جبرئيل وسمعته ، اتق القول فقد قلت قولاً عظيماً ، وقد خولط بك ، فقلت : نعم ، أنا رأيت ذلك وسمعته ، فأرغم الله أنف من رغم ، فقال : يا أبا عبد الله ، لقد رأيت وسمعت عجباً .

قال حذيفة : فسمعني بريدة بن الحصيب الأسلمي وأنا أُحدّث ببعض ما رأيت وسمعت ، فقال لي : والله يا ابن اليمان لقد أمرهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالسلام على عليّ بإمرة المؤمنين ، فاستجابت له طائفة يسيرة من الناس ، وردّ ذلك عليه وأباه كثير من الناس ، فقلت : يا بريدة ، أكنت شاهداً ذلك اليوم ؟ فقال : نعم ، من أوّله إلى آخره ، فقلت له : حدّثني به رحمك الله فإنّي كنت عن ذلك اليوم غائباً .

فقال بريدة : كنت أنا وعمّار أخي مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نخيل بني النجار ، فدخل علينا عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام فسلّم ، فردّ عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورددنا ، ثمّ قال له : يا عليّ اجلس هناك فجلس ، فدخل رجال فأمرهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالسلام على عليّ بإمرة المؤمنين ، فسلّموا وما كادوا ، ثمّ دخل أبو بكر وعمر فسلّما فقال لهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سلّما على عليّ بإمرة المؤمنين ، فقالا : الأمر (١) من الله ورسوله ؟ فقال : نعم .

ثمّ دخل طلحة وسعد بن مالك فسلّما ، فقال لهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سلّما على عليّ بإمرة المؤمنين ، فقالا : عن الله ورسوله ؟ فقال : نعم ، قالا : سمعنا وأطعنا ، ثمّ دخل سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري رضي الله عنهما فسلّما ، فردّ عليهما‌السلام ثمّ قال : سلّما على عليّ بإمرة المؤمنين ، فسلّما ولم يقولا شيئاً ، ثمّ دخل خزيمة بن ثابت وأبو الهيثم بن التيهان فسلّما ، فردّ عليهما‌السلام ثمّ قال : سلّما على عليّ بإمرة المؤمنين ، ففعلا ولم يقولا شيئاً .

ثمّ دخل عمّار والمقداد فسلّما ، فردّ عليهما‌السلام فقال : سلّما على عليّ بإمرة

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : الامرة .


المؤمنين ، ففعلا ولم يقولا شيئاً ، ثمّ دخل عثمان وأبو عبيدة فسلّما ، فردّ عليهما‌السلام وقال : سلّما على عليّ بإمرة المؤمنين ، قالا : عن الله ورسوله ؟ قال : نعم ، [فسلّما] (١) .

ثمّ دخل فلان وفلان ـ وعدّ جماعة من المهاجرين والأنصار ـ كلّ ذلك يقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين ، فبعض سلّم ولا يقول شيئاً ، وبعض يقول للنبي : عن الله ورسوله ؟ فيقول : نعم ، حتّى غصّ المجلس بأهله ، وامتلأت الحجرة ، وجلس بعض على الباب وفي الطريق ، وكانوا يدخلون فيسلّمون ويخرجون ، ثمّ قال لي ولأخي : قم يا بريدة ، أنت وأخوك فسلّما على عليّ بإمرة المؤمنين ، فقمنا وسلّمنا ثمّ عُدنا إلى مواضعنا فجلسنا .

قال : ثمّ أقبل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم جميعاً فقال : اسمعوا وعوا ، إنّي أمرتكم أن تسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين ، وإنّ رجالاً سألوني : أذلك عن أمر الله وأمر رسوله ؟ وما كان لمحمّد أن يأتي أمراً من تلقاء نفسه بل بوحي ربّه وأمره ، أفرأيتم والذي نفسي بيده لئن أبيتم ونقضتموه لتكفرون ولتفارقون ما بعثني به ربّي ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .

قال بريدة : فلمّا خرجنا سمعت بعض أولئك الذين أمروا بالسلام على عليّ بإمرة المؤمنين [من قريش] (٢) يقول لصاحبه ـ وقد التفّت بهما طائفة من الجفاء البطاء من الإسلام من قريش : أما رأيت ما صنع محمد بابن عمّه من علوّ المنزلة والمكان ؟ ولو يستطيع والله لجعله نبيّاً من بعده ، فقال له صاحبه : أمسك ولا يكبرنّ عليك هذا ، فإنّا لو فقدنا محمداً لكان هذا فعله تحت أقدامنا .

قال حذيفة : ومضى (٣) بريدة إلى بعض طريق الشام ورجع وقد قُبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبايع الناس أبا بكر ، فأقبل بريدة فدخل المسجد

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) أثبتناه من "ج" .

(٣) في "ج" : ثمّ خرج .


وأبو بكر على المنبر وعمر دونه بمرقاة ، فناداهما من ناحية المسجد : يا أبا بكر ويا عمر ، فقالا : وما لك يا بريدة أجننت ؟ فقال لهما : والله ما جننت ولكن أين سلامكما بالأمس على عليّ بإمرة المؤمنين؟

فقال له أبو بكر : يا بريدة ، الأمر يحدث بعده الأمر ، وإنّك غبت وشهدنا والشاهد يرى ما لا يرى الغائب ، فقال لهما : رأيتما ما لم يره الله ولا رسوله ، وفى لك صاحبك (١) بقوله : ولو فقدنا محمداً لكان هذا قوله تحت أقدامنا ، ألا إن المدينة حرام عليّ أن أسكنها أبداً حتّى أموت .

فخرج بريدة بأهله وولده ، فنزل بين قومه بني أسلم ، فكان يطلع في الوقت دون الوقت ، فلمّا قضى الأمر إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام سار إليه وكان معه حتّى قدم العراق ، فلمّا أصيب أمير المؤمنين عليه‌السلام صار إلى خراسان ، فنزلها ولبث هناك إلى أن مات رحمه الله .

قال حذيفة : فهذا أنباء ما سألتني عنه ، فقال الفتى : لا جزى الله الذين شهدوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمعوه يقول هذا القول في عليّ خيراً ، فقد خانوا الله ورسوله ، أزالوا الأمر عمّن رضيه الله ورسوله ، وأقرّوه فيمن لم يره الله ولا رسوله لذلك أهلاً ، لا جرم والله لن يفلحوا بعدها أبداً .

فنزل حذيفة عن منبره فقال : يا أخا الأنصار ، إنّ الأمر كان أعظم ممّا تظنّ ، إنّه عزب والله البصر ، وذهب اليقين ، وكثر المخالف ، وقلّ الناصر لأهل الحق ، فقال له الفتى : فهلاّ انتضيتم أسيافكم ووضعتموها على رقابكم ، وضربتم بها الزائلين عن الحق قدماً حتّى تموتوا أو تدركوا الأمر الذي تحبّونه من طاعة الله عَزَّ وجَلَّ وطاعة رسوله ؟ فقال : يا أيّها الفتى ، إنّه أخذوا (٢) بأسماعنا وأبصارنا ، وكرهنا الموت ،

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : ولكن هذا وفاء صاحبك .

(٢) في "ج" : أُخذ والله بأسماعنا .


وزيّنت عندنا الحياة ، سبق عند (١) الله بإمرة الظالمين ، ونحن نسأل الله التغمّد (٢) لذنوبنا ، والعصمة فيما بقى من آجالنا ، فإنّه مالك رحيم ، ثمّ انصرف حذيفة إلى منزله وتفرّق الناس .

قال عبد الله بن سلمة : فبينا أنا ذات يوم عند حذيفة أعوده في مرضه الذي مات فيه ، وقد كان يوم قدمت فيه من الكوفة وذلك من قبل قدوم عليّ عليه‌السلام إلى العراق ، فبينا أنا عنده إذ جاء الفتى الأنصاري فدخل على حذيفة ، فرحّب به فأدناه (٣) وقرب مجلسه ، وخرج من كان عند حذيفة من عوّاده ، وأقبل عليه الفتى فقال : يا أبا عبد الله ، سمعتك يوماً تحدّث عن بريدة بن الخصيب الأسلمي أنّه سمع بعض القوم الذين أمرهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يسلّموا على عليّ عليه‌السلام بإمرة المؤمنين يقول لصاحبه : أما رأيت اليوم ما صنع محمد بابن عمّه من التشريف وعلوّ المنزلة حتّى لو قدر أن يجعله نبيّاً لفعل ، فأجابه صاحبه فقال : لا يكبرنّ عليك ، فلو قد فقدنا محمداً لكان قوله تحت أقدامنا ، وقد ظننت نداء بريدة لهما وهما على المنبر أنّهما صاحبا القول .

قال حذيفة : أجل ، القائل عمر والمجيب أبو بكر ، فقال الفتى : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، هلك والله القوم وبطلت أعمالهم ، قال حذيفة : ولم يزل القوم على ذلك الارتداد وما يعلم الله منهم أكثر ، فقال الفتى : قد كنت أحبّ أن أتعرّف هذا الأمر مِنْ فعلهم ولكنّي أجدك مريضاً ، وأنا أكره أن أُملّك بحديثي ومسألتي ، وقام لينصرف .

فقال حذيفة : لا بل اجلس يا ابن أخي ، وتلقّ منّي حديثهم وإن كربني ذلك ، فلا أحسبني إلاّ مفارقكم ، إني لا أحب أن يغتر بمنزلتهما في الناس ، فهذا ما أقدر عليه

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : علم الله .

(٢) في "ج" : الصفح .

(٣) في "ج" : فرحّب به وأقبل به وأدناه .


من النصيحة لك ، ولأمير المؤمنين عليه‌السلام من الطاعة له ولرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذكر منزلته ، فقال : يا أبا عبد الله ، حدّثني بما عندك من أمورهم لأكون على بصيرة من ذلك .

فقال حذيفة : إذاً والله لأخبرنك بخبر سمعته ورأيته ، ولقد والله دلّنا ذلك من فعلهم على أنهم والله ما آمنوا بالله ولا رسوله طرفة عين ، وأخبرك أن الله تعالى أمر رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سنة عشر من مهاجرته من مكة إلى المدينة أن يحجّ هو ويحجّ الناس معه ، فأوحى إليه بذلك : ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) (١) .

فأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المؤذّنين فأذّنوا في أهل السافلة والعالية : ألا إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد عزم على الحجّ في عامه هذا ليفهم (٢) الناس حجّهم ، ويعلّمهم مناسكهم ، فيكون سنّة لهم إلى آخر الدهر .

قال : فلم يبق أحد ممّن دخل في الإسلام إلاّ حجّ مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سنة عشر ليشهدوا منافع لهم ويعلّمهم حجّهم ويعرّفهم مناسكهم ، وخرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالناس وخرج بنسائه معه وهي حجة الوداع ، فلمّا استتمّ حجّهم ، وقضوا مناسكهم ، وعرف الناس جميع ما احتاجوا إليه ، وأعلمهم أنّه قد أقام لهم ملّة إبراهيم عليه‌السلام ، وقد أزال عنهم جميع ما أحدثه المشركون بعده ، وردّ الحج إلى حالته الأُولى ، ودخل مكة فأقام بها يوماً واحداً ، فهبط عليه جبرئيل الأمين عليه‌السلام بأوّل سورة العنكبوت ، فقال : يا محمد اقرأ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ

ـــــــــــــــــ

(١) الحج : ٢٧ .

(٢) في "ب" : ليعلّم .


يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) (١) .

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا جبرئيل وما هذه الفتنة ؟ فقال : يا محمد ، إنّ الله يقرئك السلام ويقول لك : إنّي ما أرسلت نبيّاً قبلك إلاّ أمرته عند انقضاء أجله أن يستخلف على أُمّته من بعده من يقوم مقامه ، ويحيى لهم سنّته وأحكامه ، فالمطيعون لله فيما يأمرهم به رسوله هم الصادقون ، والمخالفون عليه أمره هم الكاذبون ، وقد دنا يا محمد مصيرك إلى ربّك وجنّته ، وهو يأمرك أن تنصب لأُمّتك من بعدك عليّ بن أبي طالب وتعهد إليه ، فهو الخليفة القائم برعيّتك وأُمّتك ، إن أطاعوه [ أسلموا ] (٢) وإن عصوه [ كفروا ] (٣) ، وسيفعلون ذلك وهي الفتنة التي تلوت عليه الآي فيها وإنّ الله عَزَّ وجَلَّ يأمرك أن تعلّمه جميع ما علّمك ، وتستحفظه جميع ما حفظك (٤) واستودعك ، فإنّه الأمين المؤتمن يا محمد ، إنّي اخترتك من عبادي نبيّاً ، واخترته لك وصيّاً .

قال : فدعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاً فخلا به يومه ذلك وليلته ، واستودعه العلم والحكمة التي آتاه الله إيّاها ، وعرّفه ما قال جبرئيل عليه‌السلام ، وكان ذلك في يوم عائشة بنت أبي بكر ، فقالت : يا رسول الله لقد طال استخلاؤك بعليّ منذ اليوم ؟ قال : فأعرض عنها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقالت : لم تعرض عنّي يا رسول الله بأمر لعلّه يكون لي صلاحاً ؟ فقال : صدقت ، وأيم الله لأمر صلاح لمن أسعده الله بقبوله والإيمان به ، وقد أمرت بدعاء الناس جميعاً إليه وستعلمين ذلك إذا أنا قمت به في الناس .

ـــــــــــــــــ

(١) العنكبوت : ١ـ٤ .

(٢) أثبتناه من "ب" و "ج" .

(٣) أثبتناه من "ب" و "ج" .

(٤) في "ج" : استحفظك .


قالت : يا رسول الله ، ولم لا تخبرني به الآن لأتقدّم بالعمل به والأخذ بما فيه الصلاح ؟ قال : سأخبرك به فاحفظيه إلى أن أؤمر بالقيام به في الناس جميعاً ، فإنّك إن حفظتيه حفظك الله في العاجلة والآجلة جميعاً ، وكانت لك الفضيلة بسبقه والمسارعة إلى الإيمان بالله ورسوله ، وإن أضعتيه وتركت رعاية ما ألقي إليك منه كفرت بربّك ، وحبط أجرك ، وبرئت منكِ ذمّة الله وذمّة رسوله ، وكنتِ من الخاسرين ، ولم يضرّ الله ذلك ولا رسوله .

فضمنت له حفظه والإيمان به ورعايته ، فقال : إنّ الله تعالى أخبرني أن عمري قد انقضى ، وأمرني أن أنصب علياً للناس علماً ، وأجعله فيهم إماماً ، وأستخلفه كما استخلف الأنبياء من قبلي أوصياءها ، وأنا صائر إلى أمر ربّي وآخذ فيه بأمره ، فليكن هذا الأمر منك تحت سويداء قلبك إلى أن يأذن الله بالقيام به ، فضمنت له ذلك ، وقد اطلع الله نبيّه على ما يكون منها فيه ومن صاحبتها حفصة وأبويهما ، فلم تلبث أن أخبرت حفصة ، وأخبرت كلّ واحدة منهما أباها .

فاجتمعا فأرسلا إلى جماعة الطلقاء والمنافقين فخبراهم بالأمر ، فأقبل بعضهم على بعض وقالوا : إن محمّداً يريد أن يجعل هذا الأمر في أهل بيته كسنّة كسرى وقيصر إلى آخر الدهر ، ولا والله ما لكم في الحياة من حظّ إن أفضى هذا الأمر إلى عليّ بن أبي طالب ، وإنّ محمداً عاملكم على ظاهركم وإنّ علياً يعاملكم على ما يجد في نفسه منكم ، فأحسنوا النظر لأنفسكم في ذلك وقدّموا رأيكم فيه .

ودار الكلام فيما بينهم وأعادوا الخطاب وأحالوا الرأي ، فاتّفقوا على أن ينفروا بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ناقته على عقبة هرشى (١) ، وقد كانوا صنعوا مثل ذلك في غزاة تبوك فصرف الله الشرّ عن نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واجتمعوا في أمر

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : الهريش ، وهو ـ بالفتح ثمّ السكون والقصر : ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة ترى من البحر ، ولها طريقان فكل من سلك واحداً منها أفضى به إلى موضع واحد .


رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من القتل والاغتيال وإسقاء السمّ على غير وجه ، وقد كان اجتمع أعداء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الطلقاء من قريش والمنافقين من الأنصار ، ومن كان في قلبه الارتداد من العرب في المدينة وما حولها ، فتعاقدوا وتحالفوا على أن ينفروا به ناقته ، وكانوا أربعة عشر رجلاً ، وكان من عزم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقيم علياً عليه‌السلام وينصبه للناس بالمدينة إذا قدمها .

فسار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يومين وليلتين ، فلمّا كان في اليوم الثالث أتاه جبرئيل عليه‌السلام بآخر سورة الحجر فقال : اقرأ : ( لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) (١) .

قال : ورحل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأغذّ السير (٢) مسرعاً إلى دخول المدينة لينصب علياً علماً للناس ، فلمّا كانت الليلة الرابعة هبط جبرئيل عليه‌السلام في آخر الليل فقرأ عليه : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (٣) وهم الذين همّوا برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أما تراني يا جبرئيل أغذّ السير مجدّاً فيه لأدخل المدينة فأفرض ولايته على الشاهد والغائب ، قال له جبرئيل عليه‌السلام : إنّ الله يأمرك أن تفرض (٤) ولايته غداً إذا نزلت منزلك ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : نعم يا جبرئيل ، غداً أفعل ذلك إن شاء الله .

وأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالرحيل من وقته وسار الناس معه حتّى نزل بغدير خم ، وصلّى بالناس وأمرهم أن يجتمعوا إليه ، ودعا عليّاً عليه‌السلام

ـــــــــــــــــ

(١) الحجر : ٩٢ـ٩٥ .

(٢) أي أسرع ، وفي "ب" : أعدّ ، وفي "ج" : أغدق .

(٣) المائدة : ٦٧ .

(٤) في "ب" : تعرض .


ورفع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يد عليّ اليسرى بيده اليمنى ، ورفع صوته بالولاء لعليّ على الناس أجمعين ، وفرض طاعته عليهم ، وأمرهم أن لا يختلفوا عليه بعده ، وخبّرهم أن ذلك عن أمر الله عَزَّ وجَلَّ .

وقال لهم : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : فمن كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللّهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، ثمّ أمر الناس أن يبايعوه ، فبايعه الناس جميعاً ولم يتكلّم منهم أحد ، وقد كان أبو بكر وعمر تقدّما إلى الجحفة ، فبعث وردّهما ثمّ قال لهما النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متهجّماً : يا ابن أبي قحافة ويا عمر بايعا عليّاً بالولاية من بعدي ، فقالا : أمر من الله ومن رسوله ؟ فقال : وهل يكون مثل هذا عن غير أمر الله (١) ؟! نعم ، أمر من الله ومن رسوله ، فبايعا ثمّ انصرفا .

وسار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باقي يومه وليلته حتّى إذا دنوا من عقبة هرشى تقدّمه القوم فتواروا في ثنية العقبة ، وقد حملوا معهم دباباً وطرحوا فيها الحصى .

فقال حذيفة : فدعاني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودعا عمّار بن ياسر ، وأمره أن يسوقها وأنا أقودها حتّى إذا صرنا في رأس العقبة ثار القوم من ورائنا ، ودحرجوا الدباب بين قوائم الناقة ، فذعرت وكادت تنفر برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فصاح بها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اُسكني وليس عليك بأس ، فأنطقها الله بقول عربي فصيح فقالت : والله يا رسول الله لا أزلت يداً عن مستقر يد ، ولا رجل عن موضع رجل وأنت على ظهري .

فتقدّم القوم إلى الناقة ليدفعوها ، فأقبلت أنا وعمّار نضرب وجوههم

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" و "ج" : من غير أمر الله ورسوله .


بأسيافنا ـ وكانت ليلة مظلمة ـ فزالوا عنّا وأيسوا ممّا ظنّوا وقدروا (١) ، فقلت : يا رسول الله ، من هؤلاء القوم الذين يريدون (٢) ما ترى ؟ فقال : يا حذيفة ، هؤلاء المنافقون في الدنيا والآخرة ، فقلت : ألا تبعث إليهم يا رسول الله رهطاً فيأتوا برؤوسهم ؟ فقال : إن الله أمرني أن أعرض عنهم ، وأكره أن تقول الناس إنّه دعا أناساً من قومه وأصحابه إلى دينه فاستجابوا له ، فقاتل بهم حتّى ظهر على عدوّه ثمّ أقبل إليهم فقتلهم ، ولكن دعهم يا حذيفة فإنّ الله لهم بالمرصاد ، وسيمهلهم قليلاً ثمّ يضطرّهم إلى عذاب غليظ .

فقلت : من هؤلاء المنافقون يا رسول الله ، أمن المهاجرين أم من الأنصار ؟ فسماهم لي رجلاً رجلاً حتّى فرغ منهم ، وقد كان فيهم أناس [كنت] (٣) كاره أن يكونوا فيهم ، فأمسكت عند ذلك ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا حذيفة ، كأنّك شاك في بعض من سمّيت لك ، ارفع رأسك إليهم ، فرفعت طرفي إلى القوم وهم وقوف على الثنية ، فبرقت برقة فأضاءت جميع ما حولنا ، وثبتت البرقة حتّى خلتها شمساً طالعةً ، فنظرت والله إلى القوم فعرفتهم رجلاً رجلاً ، فإذا هم كما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعدد القوم أربعة عشر رجلاً ، تسعة من قريش وخمسة من سائر الناس .

فقال له الفتى : سمّهم لنا يرحمك الله ، فقال حذيفة : هم والله : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وطلحة ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقّاص ، وأبو عبيدة بن الجرّاح ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وعمرو بن عاص ، هؤلاء من قريش وأمّا الخمسة الأخر : فأبو موسى الأشعري ، والمغيرة بن شعبة الثقفي ، وأوس بن الحدثان البصري ، وأبو هريرة ، وأبو طلحة الأنصاري .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : دبروا .

(٢) في "ج" : من هؤلاء القوم وما يريدون .

(٣) أثبتناه من "ب" .


قال حذيفة : ثمّ انحدرنا من العقبة وقد طلع الفجر ، فنزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتوضّأ وانتظر أصحابه ، فانحدروا من العقبة واجتمعوا ، فرأيت القوم بأجمعهم وقد دخلوا مع الناس وصلّوا خلف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فلمّا انصرف من صلاته ، التفت فنظر إلى أبي بكر وعمر وأبي عبيدة يتناجون ، فأمر منادياً فنادى في الناس : لا يجتمع ثلاثة نفر من الناس فيما بينهم بسرّ .

وارتحل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالناس منزل العقبة ، فلمّا نزل المنزل الآخر رأى سالم مولى أبي حذيفة أبا بكر وعمر وأبا عبيدة يسارّ بعضهم بعضاً ، فوقف عليهم وقال : أليس قد أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن لا يجتمع ثلاثة نفر من الناس على سرّ ؟ والله لتخبروني فيما أنتم وإلاّ أتيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُخبره بذلك منكم .

فقال أبو بكر : يا سالم ، عليك عهد الله وميثاقه لئن نحن خبرناك بالذي نحن فيه وبما اجتمعنا له ، إن أحببت أن تدخل معنا فيه دخلت وكنت رجلاً منّا ، وإن كرهت ذلك كتمته علينا ؟ فقال سالم : لكم ذلك (١) ، وأعطاهم بذلك عهده وميثاقه ـ وكان سالم شديد البغض والعداوة لعليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، وعرفوا ذلك منه ـ فقالوا له : إنّا قد اجتمعنا على أن نتحالف ونتعاقد على أن لا نطيع محمداً فيما فرض علينا من ولاية عليّ بن أبي طالب بعده .

فقال لهم سالم : عليكم عهد الله وميثاقه إنّ في هذا الأمر كنتم تخوضون وتتناجون ؟ قالوا : أجل ، علينا عهد الله وميثاقه إنّا إنما كنّا في هذا الأمر بعينه لا في شيء سواه ، قال سالم : وأنا والله أوّل من يعاقدكم على هذا الأمر ولا يخالفكم عليه ، إنّه والله ما طلعت الشمس على أهل بيت أبغض لي من بني هاشم ، ولا في بني هاشم أبغض لي ولا أمقت من عليّ بن أبي طالب ، فاصنعوا في هذا ما بدا لكم فإنّي واحد

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : ذلك لكم منّي .


منكم .

فتعاقدوا من وقتهم على هذا الأمر ثمّ تفرّقوا ، فلمّا أراد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المسير أتوه فقال لهم : فيما كنتم تتناجون في يومكم هذا وقد نهيتكم عن النجوى ؟ فقالوا : يا رسول الله ما التقينا غير وقتنا هذا ، فنظر إليهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مليّاً ، ثمّ قال لهم : أنتم أعلم أم الله ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (١) .

ثمّ سار حتّى دخل المدينة واجتمع القوم جميعاً وكتبوا صحيفة بينهم على ذكر ما تعاهدوا (٢) عليه في هذا الأمر ، وكان أوّل ما في الصحيفة النكث لولاية عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، وأنّ الأمر لأبي بكر وعمر وأبي عبيدة وسالم معهم ليس بخارج منهم ، وشهد بذلك أربعة وثلاثون رجلاً ، هؤلاء أصحاب العقبة ، وعشرون رجلاً آخر ، واستودعوا الصحيفة أبا عبيدة بن الجراح ، وجعلوه أمينهم عليها .

قال : فقال الفتى : يا أبا عبد الله ، يرحمك الله ! هبنا نقول إن هؤلاء القوم رضوا أبا بكر وعمر وأبا عبيدة لأنّهم من مشيخة قريش [ومن المهاجرين الأوّلين] (٣) ، فما بالهم رضوا بسالم وليس هو من قريش ولا من المهاجرين ولا من الأنصار ؟ وإنّما هو عبد لامرأة من الأنصار .

قال حذيفة : يا فتى إن القوم أجمع تعاقدوا على إزالة هذا الأمر عن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام حسداً منهم له وكراهة لأمره ، واجتمع لهم مع ذلك ما كان في قلوب قريش عليه من سفك الدماء ، وكان خاصّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكانوا يطلبون الثأر الذي أوقعه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهم عند عليّ من بني هاشم ، فإنّما كان العقد على إزالة الأمر عن عليّ بن أبي طالب على هؤلاء الأربعة

ـــــــــــــــــ

(١) البقرة : ١٤٠ .

(٢) في "ج" : تعاقدوا .

(٣) أثبتناه من "ج" .


عشر ، وكانوا يرون أن سالماً رجل منهم .

قال الفتى : فخبرني يرحمك الله عمّا كتب جميعهم في الصحيفة لأعرفه ، فقال حذيفة : حدّثتني (١) بذلك أسماء بنت عميس الخثعميّة امرأة أبي بكر ، أن القوم اجتمعوا في منزل أبي بكر فتآمروا في ذلك ـ وأسماء تسمعهم وتسمع جميع ما يدبرونه في ذلك ـ حتّى اجتمع رأيهم على ذلك ، فأمروا سعيد بن العاص الأموي فكتب لهم الصحيفة باتّفاق منهم ، وكانت نسخة الصحيفة :

"بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما اتّفق عليه الملأ من أصحاب محمد رسول الله من المهاجرين والأنصار الذين مدحهم الله في كتابه على لسان نبيّه ، اتّفقوا جميعاً بعد أن اجتهدوا في رأيهم ، وتشاوروا في أمرهم (٢) ، وكتبوا هذه الصحيفة نظراً منهم إلى الإسلام وأهله على غابر الأيام وباقي الدهور ، ليقتدي بهم من يأتي من بعدهم من المسلمين .

أمّا بعد ، فإنّ الله بمنّه وكرمه بعث محمداً رسولاً إلى الناس كافة بدينه الذي ارتضاه لعباده ، فأدّى من ذلك وبلغ ما أمره الله به ، وأوجب علينا القيام بجميعه حتّى إذا أكمل الدين ، وفرض الفرائض ، وأحكم السنن ، واختار الله له ما عنده ، فقبضه إليه مكرماً محبوراً من غير أن يستخلف أحداً من بعده ، وجعل الاختيار إلى المسلمين يختارون لأنفسهم مَنْ وثقوا برأيه ونصحه وإنّ للمسلمين في رسول الله أسوة حسنة ، قال الله عَزَّ وجَلَّ : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ ) (٣) وإنّ رسول الله لم يستخلف أحداً لئلاّ يجري ذلك في أهل بيت واحد فيكون إرثاً دون سائر

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : حدّثني .

(٢) في "ج" : أمورهم .

(٣) الأحزاب : ٢١ .


المسلمين ، ولئلاّ يكون دولة بين الأغنياء منهم ، ولئلاّ يقول المستخلَف إن هذا الأمر باق في عقبه من والد إلى ولد إلى يوم القيامة .

والذي يجب على المسلمين عند مضيّ خليفة من الخلفاء أن يجتمع ذوو الرأي والصلاح منهم فيتشاوروا في أمورهم ، فمن رأوه مستحقّاً لها ولّوه أمورهم ، وجعلوه القيّم عليهم ، فإنّه لا يخفى على أهل كلّ زمان من يصلح منهم للخلافة ، فإن ادّعى مدّع من الناس جميعاً أن رسول الله استخلف رجلاً بعينه ، نصبه للناس ونصّ عليه باسمه ونسبه ، فقد أبطل في قوله ، وأتى بخلاف ما يعرفه أصحاب رسول الله ، وخالف على جماعة من المسلمين .

وإن ادّعى مدّع أن خلافة رسول الله أرث وأنّ رسول الله يورث ، فقد أحال في قوله ، لأنّ رسول الله قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة .

وان ادّعى مدّع أن الخلافة لا تصلح إلاّ لرجل واحد من بين الناس جميعاً وأنها مقصورة فيه ولا تنبغي لغيره لأنّها تتلو النبوّة ، فقد كذب لأنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم (١) .

وإن ادّعى مدّع أنّه مستحق الخلافة والإمامة بقربه من رسول الله ثمّ هي مقصورة عليه وعلى عقبه ، يرثها الولد منهم عن والده ، ثم هي كذلك في كل عصر وزمان لا تصلح لغيرهم ولا تنبغي أن تكون لأحد سواهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فليس له ولا لولده وإن دنا من النبي نسبه لأنّ الله يقول ـ وقوله القاضي على كلّ أحد : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) .

ـــــــــــــــــ

(١) قال الشيخ المفيد رحمه الله في كتابه "الإفصاح" ص٤٩ ذيل هذا الحديث : هذه أحاديث آحاد ، وهي مضطربة الطريق والإسناد ، والخلل ظاهر في معانيها والفساد ، وما كان بهذه الصورة لم يعارض الإجماع ولا يقابل حجج الله تعالى وبيّناته الواضحات ، مع أنّه قد عارضها من الأخبار التي جاءت بالصحيح من الإسناد ، ورواها الثقات عند أصحاب الآثار ، وأطبق على نقلها الفريقان من الشيعة والناصبة على الاتّفاق ، ما ضمن خلاف ما انطوت عليه فأبطلها على البيان [ثمّ ذكر الشيخ رحمه الله عدّة أحاديث في الردّ على هذا الحديث ، فليراجع] .


وقال رسول الله : إنّ ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ، وكلّهم يد على من سواهم فمن آمن بكتاب الله وأقرّ بسنّة رسول الله فقد استقام وأناب وأخذ بالصواب ، ومن كره ذلك من فعلهم فقد خالف الحق والكتاب ، وفارق جماعة المسلمين فاقتلوه فإنّ قتله صلاح للأُمة ، وقد قال رسول الله : من جاء إلى أُمّتي وهم جميع ففرّق بينهم فاقتلوه واقتلوا الفرد كائناً من كان من الناس ، فإنّ الاجتماع رحمة والفرقة عذاب ، ولا تجتمع أُمّتي على ضلال أبداً ، وإنّ المسلمين يد واحدة على من سواهم ، فإنّه لا يخرج من جماعة المسلمين إلاّ مفارق معاند لهم مظاهر عليهم أعداءهم ، فقد أباح الله ورسوله دمه وأحلّ قتله .

وكتب سعيد بن العاص باتّفاق ممّن اثبت اسمه وشهادته آخر هذه الصحيفة في المحرّم سنة عشر من الهجرة ، والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمد النبي وآله وسلّم" .

ثمّ دفعت الصحيفة إلى أبي عبيدة بن الجراح فوجّه بها إلى مكة ، فلم تزل الصحيفة في الكعبة مدفونة إلى أن ولى عمر بن الخطاب ، فاستخرجها من موضعها وهي الصحيفة التي تمنّى أمير المؤمنين عليه‌السلام لمّا توفّى عمر فوقف به وهو مسجّى بثوبه ، قال : ما أحبّ إليّ أن ألقى الله بصحيفة هذا المسجّى .

ثمّ انصرفوا وصلّى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالناس صلاة الفجر ، ثمّ جلس في مجلسه يذكر الله عَزَّ وجَلَّ حتّى طلعت الشمس ، فالتفت إلى أبي عبيدة بن الجراح ، فقال له : بخ بخ من مثلك قد أصبحت أمين هذه الأُمّة ، ثمّ تلا : ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) (١) لقد أشبه هؤلاء رجال في هذه الأُمة : ( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ

ـــــــــــــــــ

(١) البقرة : ٧٩ .


الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ) (١) .

ثمّ قال : لقد أصبح في هذه الأمة في يومي هذا [ قوم ] (٢) ضاهوهم (٣) في صحيفتهم التي كتبوها علينا في الجاهلية وعلّقوها في الكعبة ، وإنّ الله تعالى يعذّبهم غداً ليبتليهم (٤) ويبتلي من [ يأتي ] (٥) بعدهم ، تفرقة بين الخبيث والطيب ، ولولا إنّه سبحانه أمرني بالإعراض عنهم للأمر الذي هو بالغه لقدمتهم فضربت أعناقهم .

قال حذيفة : فوالله لقد رأينا هؤلاء النفر عند قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهم هذه المقالة وقد أخذتهم الرعدة ، فما يملك أحد منهم من نفسه شيئاً ، ولم يخف على أحد ممّن حضر مجلس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك اليوم أن رسول الله إيّاهم عنى بقوله ، ولهم ضرب تلك الأمثال بما تلا من القرآن .

قال : ولما قدم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من سفره ذلك نزل بمنزل أُم سلمة رضي الله عنها زوجته ، فأقام به شهراً لا ينزل منزلاً سواه من منازل أزواجه كما كان يفعل قبل ذلك ، قال : فشكت عائشة وحفصة ذلك إلى أبويهما ، فقالا لهما : إنّا نعلم لِمَ صنع ذلك ولأيّ شيء هو ، امضيا إليه فلاطفاه في الكلام وخادعاه عن نفسه ، فإنّكما تجدانه حيّياً كريماً ، فلعلّكما تسلاّن ما في قلبه وتستخرجان سخيمته .

قال : فمضت عائشة وحدها إليه ، فأصابته في منزل أم سلمة وعنده عليّ بن أبي طالب ، فقال لها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما جاء بك يا حميراء ؟ قالت : يا رسول الله ، أنكرتُ تخلّفك عن منزلك هذه المدّة ، وأنا أعوذ بالله من سخطك يا رسول الله ، فقال : لو كان الأمر كما تقولين لما أظهرت بسرٍّ وصّيتك بكتمانه ، لقد هلكتِ وأهلكتِ

ـــــــــــــــــ

(١) النساء : ١٠٨ .

(٢) أثبتناه من "ب" و "ج" .

(٣) في "ج" : شابهوهم .

(٤) في البحار : يمتعهم ليبتليهم .

(٥) أثبتناه من "ج" .


أُمّة من الناس .

قال : ثمّ أمر خادمة لأُمّ سلمة فقال : اجمعي لي هؤلاء ، يعني نساءه ، فجمعتهنّ له في منزل أم سلمة فقال لهنّ : اسمعن ما أقول لكنّ ـ وأشار بيده إلى عليّ بن أبي طالب فقال لهنّ : هذا أخي ووصيّي ووارثي والقائم فيكنّ وفي الأمة من بعدي ، فأطعنه فيما يأمركنّ به ولا تعصينّه فتهلكن بمعصيته ، ثمّ قال : يا عليّ أُوصيك بهنّ فأمسكهنّ ما أطعن الله ورسوله وأطعنك ، وأنفق عليهنّ من مالك ، ومرهنّ بأمرك ، وانههنّ عمّا يريبك ، وخلّ سبيلهنّ إن عصينك .

فقال عليّ عليه‌السلام : يا رسول الله ، إنّهنّ نساء ومنهنّ الوهن وضعف الرأي ، فقال : ارفق بهنّ ما كان الرفق أمثل ، فمن عصاك منهنّ فطلّقها طلاقاً يبرأ الله ورسوله منها ، قال : وكلّ نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد صمتن فما يقلن شيئاً ، فتكلّمت عائشة فقالت : يا رسول الله ما كنّا لتأمرنا بشيء فنخالفه إلى ما سواه .

فقال لها : بلى يا حميراء ، قد خالفت أمري أشدّ خلاف ، وايم الله لتخالفين قولي هذا ولتعصينه بعدي ، ولتخرجين من البيت الذي أخلّفك فيه متبرّجة ، قد حفّ بك فئام (١) من الناس ، فتخالفينه ظالمة له عاصية لربّك ، ولتنبحنّك في طريقك كلاب حوأب ، ألا إن ذلك لكائن ، ثمّ قال : قمن فانصرفن إلى منازلكنّ ، قال : فقمن فانصرفن .

قال : ثمّ إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جمع أولئك النفر ومن مالأهم (٢) على عليّ عليه‌السلام ، وطابقهم على عدواته ، ومن كان من الطلقاء والمنافقين ـ وكانوا زهاء أربعة آلاف رجل ـ فجعلهم تحت يدي أسامة بن زيد مولاه ، وأمّره عليهم وأمره بالخروج إلى ناحية من الشام ، فقالوا : يا رسول الله ، إنّا قد قدمنا من

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : فئات .

(٢) في "ج" : ومن والاهم .


سفرنا الذي كنّا فيه معك ، ونحن نسألك أن تأذن لنا في المقام لنصلح من شأننا ما يُصلحنا في سفرنا .

قال : فأمرهم أن يكونوا في المدينة ريث اصلاح ما يحتاجون إليه ، وأمر أسامة بن زيد فعسكر بهم على أميال من المدينة ، فأقام بمكانه الذي حدّ له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منتظراً للقوم أن يوافوه إذا فرغوا من أمورهم وقضاء حوائجهم ، وإنّما أراد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما صنع من ذلك أن تخلوا المدينة منهم ولا يبقى بها أحد من المنافقين .

قال : فهم على ذلك من شأنهم ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دائب يحثّهم ويأمرهم بالخروج والتعجيل إلى الوجه الذي ندبهم إليه ، إذ مرض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرضه الذي توفي فيه ، فلمّا رأوا ذلك تباطئوا عمّا أمرهم رسول الله من الخروج ، فأمر قيس بن سعد بن عبادة ـ وكان سيّاف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ والحباب بن المنذر في جماعة من الأنصار أن يرحلوا بهم إلى عسكرهم ، فأخرجهم قيس بن سعد والحباب بن المنذر حتّى ألحقاهم بمعسكرهم وقالا لأسامة : أن رسول الله لم يرخص لك في التخلّف ، فسر من وقتك هذا ليعلم رسول الله ذلك ، فارتحل أسامة وانصرف قيس والحباب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأعلماه برحلة (١) القوم ، فقال لهم : إن القوم غير سائرين [من مكانهم] (٢) .

قال : وخلا أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بأسامة وجماعة من أصحابه فقالوا : إلى أين ننطلق ونخلّي المدينة ، ونحن أحوج ما كنّا إليها وإلى المقام بها ؟ فقال لهم : وما ذاك ؟ قالوا : إن رسول الله قد نزل به الموت ، والله لئن خلّينا المدينة ليحدثنّ بها أمور لا يمكن إصلاحها ، ننظر ما يكون من أمر رسول الله ثمّ المسير بين أيدينا .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : برحيل .

(٢) أثبتناه من "ج" .


قال : فرجع القوم إلى المعسكر الأوّل ، فأقاموا به وبعثوا لهم رسولا يتعرّف لهم [بالخبر من] (١) أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأتى الرسول عائشة فسألها عن ذلك سرّاً ، فقالت : امض إلى أبي بكر وعمر ومن معهما فقل لهما : إنّ رسول الله قد ثقل فلا يبرحنّ أحد منكم ، وأنا أعلمكم بالخبر وقتاً بعد وقت ، واشتدّت علّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدعت (٢) عائشة صهيباً فقالت : امض إلى أبي بكر وعمر وأعلمه أن محمداً في حال لا يُرجى ، فهلمّ (٣) إلينا أنت وعمر وأبو عبيدة ومن رأيتم أن يدخل معكم ، وليكن دخولكم في الليل سرّاً .

قال : فأتاهم الخبر فأخذوا صهيب فأدخلوه إلى أسامة بن زيد ، فأخبروه الخبر وقالوا له : كيف ينبغي لنا أن نتخلّف عن مشاهدة رسول الله ؟ واستأذنوه في الدخول فأذن لهم وأمرهم أن لا يعلم بدخولهم أحد ، وإن عوفي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رجعتم إلى عسكركم ، وإن حدث حادث الموت عرّفونا ذلك لنكون في جماعة الناس .

فدخل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ليلاً المدينة ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد ثقل ، قال : فأفاق بعض الإفاقة فقال : لقد طرق ليلتنا هذه المدينة شرّ عظيم ، فقيل له : وما هو يا رسول الله ؟ فقال : إنّ الذين كانوا في جيش أسامة قد رجع منهم نفر مخالفون على أمري ، ألا إنّي إلى الله منهم بريء ، ويحكم نفّذوا جيش أسامة ، فلم يزل يقول ذلك حتّى قالها مرّات كثيرة .

قال : وكان بلال مؤذّن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يؤذّن بالصلاة في كلّ وقت صلاة ، فإن قدر على الخروج تحامل وخرج وصلّى بالناس ، وإن هو لم يقدر

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) في "ج" : فدفعت .

(٣) في "ج" : فهلمّوا .


على الخروج أمّ عليّ بن أبي طالب فصلّى بالناس ، وكان عليّ بن أبي طالب والفضل بن العباس لا يزايلانه في مرضه ذلك .

فلمّا أصبح رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ليلته تلك التي قدم فيها القوم الذين كانوا تحت يد أسامة ، أذّن بلال ثمّ أتاه يخبره كعادته ، فوجده قد ثقل فمنع من الدخول إليه ، فأمرت عائشة صهيباً أن يمضي إلى أبيها فيعلمه أن رسول الله قد ثقل (١) وليس يطيق النهوض إلى المسجد ، وعليّ بن أبي طالب قد شغل به وبمشاهدته عن الصلاة بالناس ، فاخرج أنت إلى المسجد فصلّ بالناس ، فإنّها حالة تهنئك (٢) وحجة لك بعد اليوم .

قال : فلم يشعر الناس وهم في المسجد ينتظرون رسول الله أو عليّاً يصلّي بهم كعادته التي عرفوها في مرضه إذ دخل أبو بكر المسجد وقال : إن رسول الله ثقل وقد أمرني أن أصلي بالناس ، فقال له رجل من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وأنّى لك ذلك وأنت في جيش أسامة ، ولا والله ما أعلم أحد بعث إليك ولا أمرك بالصلاة ، ثمّ نادى الناس بلالاً فقال : على رسلكم رحمكم الله لأستأذِن رسول الله في ذلك .

ثمّ أسرع حتّى أتى الباب فدقّه دقّاً شديداً ، فسمعه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : ما هذا الدقّ العنيف ؟! فانظروا ما هو ، قال : فخرج الفضل بن العباس ففتح الباب فإذا بلال ، فقال : ما وراؤك يا بلال ؟ فقال : إن أبا بكر دخل المسجد وتقدّم حتّى وقف في مقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وزعم أن رسول الله أمره بذلك ، فقال : أوليس أبا بكر مع أسامة في الجيش ؟ هذا والله هو الشرّ العظيم الذي طرق البارحة المدينة ، لقد أخبرنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : قد ثقل في مرضه .

(٢) في "ج" : تهيّئك .


ودخل الفضل وأدخل بلالاً معه فقال : ما وراؤك يا بلال ، فأخبر رسول الله الخبر ، فقال : أقيموني أقيموني أخرجوني إلى المسجد ، والذي نفسي بيده قد نزلت بالإسلام نازلة وفتنة عظيمة من الفتن ، ثمّ خرج صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معصوب الرأس ، يتمادى بين عليّ والفضل بن العباس رضي الله عنهما ورجلاه يجرّان في الأرض حتّى دخل المسجد ، وأبو بكر قائم في مقام رسول الله ، وقد طاف به عمر وأبو عبيدة وسالم وصهيب والنفر الذين دخلوا ، وأكثر الناس قد وقفوا عن الصلاة ينتظرون ما يأتي به بلال ، فلمّا رأى الناس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد دخل المسجد وهو بتلك الحالة العظيمة من المرض أعظموا ذلك .

وتقدّم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجذب أبا بكر من ورائه فنحّاه عن المحراب ، وأقبل أبو بكر والنفر الذين كانوا معه فتواروا خلف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأقبل الناس فصلّوا خلف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو جالس وبلال يسمع الناس التكبير حتّى قضى صلاته ، ثمّ التفت فلم ير أبا بكر فقال : يا أيّها الناس لا تعجبوا من ابن أبي قحافة وأصحابه الذين أنفذتهم وجعلتهم تحت يدي أسامة ، وأمرتهم بالمسير إلى الوجه الذي وجهوا إليه ، فخالفوا ذلك ورجعوا إلى المدينة ابتغاء الفتنة ، ألا وإنّ الله قد أركسهم فيها ، اعرجوا بي المنبر .

فقام وهو مربوط حتّى قعد على أدنى مرقاة ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أيّها الناس ، إنّه قد جاءني من أمر ربّي ما الناس إليه صائرون ، وإنّي قد تركتكم على الحجّة الواضحة ليلها كنهارها ، فلا تختلفوا من بعدي كما اختلف من كان قبلكم من بني إسرائيل أيّها الناس ، إنّه لا أُحلّ لكم إلاّ ما أحلّه القرآن ، ولا أُحرّم عليكم إلاّ ما حرّم القرآن ، وإنّي مخلّف فيكم ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا ولن تزلّوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وهما الخليفتان فيكم ، وإنهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ،


فأُسائلكم بماذا أخلفتموني فيهما ، ولأذيدنّ (١) يومئذٍ رجالاً عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل ، فيقول رجلان : أنا فلان وأنا فلان ، فأقول : أمّا الأسماء فقد عرفت ولكنّكم ارتددتم من بعدي ، فسحقاً لكم سحقاً .

ثمّ نزل عن المنبر وعاد إلى حجرته ، ولم يظهر أبو بكر ولا أصحابه حتّى قُبض صلوات الله عليه ، وكان من الأنصار وسعد [وغيرهم] (٢) من السقيفة ما كان ، فمنعوا أهل بيت نبيّهم حقوقهم التي جعلها الله عَزَّ وجَلَّ لهم ، وأمّا كتاب الله فمزّقوه كلّ ممزّق ، وفيما أخبرتك يا أخا الأنصار من خطب معتبر لمن أحبّ الله هدايته .

فقال الفتى : سمّ لي القوم الآخرين الذين حضروا الصحيفة وشهدوا فيها ، فقال حذيفة : أبو سفيان ، وعكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية بن خلف ، وسعيد بن العاص ، وخالد بن الوليد ، وعياش بن أبي ربيعة ، وبشر بن سعد ، وسهيل بن عمر ، وحكيم بن حزام ، وصهيب بن سنان ، وأبو الأعور الأسلمي ، ومطيع بن الأسود المدري ، وجماعة من هؤلاء ممّن سقط عنّي إحصاء عددهم .

فقال الفتى : يا أبا عبد الله ، ما هؤلاء في أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى قد انقلب الناس أجمعون بسببهم ؟ فقال حذيفة : إنّ في هؤلاء رؤوس القبائل ، وما من رجل من هؤلاء إلاّ ومعه من الناس خلق عظيم يسمع له ويطيع (٣) ، وأُشربوا في قلوبهم من أبي بكر كما شرب قلوب بني إسرائيل من حبّ العجل والسامري حتّى تركوا هارون واستضعفوه .

قال الفتى : فإنّي أُقسم بالله حقّاً حقّاً إنّي لا أزال لهم مبغضاً ، وإلى الله منهم ومن أفعالهم متبرّئاً ، ولا زلت لأمير المؤمنين عليه‌السلام متوالياً ، ولأعدائه معادياً ، ولألحقنّ به وإنّي لأؤمل أن أُرزق الشهادة معه وشيكاً إن شاء الله ، ثمّ وّدع

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : ليذدادون .

(٢) أثبتناه من "ج" .

(٣) في "ج" : يسمعون له ويطيعون .


حذيفة وقال : هذا وجهي (١) إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام .

فخرج إلى المدينة ، واستقبله (٢) وقد شخص من المدينة يريد العراق فسار معه إلى البصرة ، فلمّا التقى أمير المؤمنين عليه‌السلام مع أصحاب الجمل كان ذلك الفتى أوّل من قُتل من أصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وذلك لمّا صاف القوم واجتمعوا على الحرب ، أحب أمير المؤمنين عليه‌السلام أن يستظهر عليهم بدعائهم إلى القرآن وحكمه ، فدعا بمصحف وقال : من يأخذ هذا المصحف يعرضه عليهم ويدعوهم إلى ما فيه ، فيحيى ما أحياه ويميت ما أماته ؟ قال : وقد شرعت الرماح في العسكرين حتّى لو أراد امرؤ أن يمشي عليها لمشى .

قال : فقال الفتى : يا أمير المؤمنين ، أنا آخذه وأعرضه عليهم وأدعوهم إلى ما فيه ، قال : فأعرض عنه أمير المؤمنين عليه‌السلام ثمّ نادى الثانية : من يأخذ هذا المصحف فيعرضه عليهم ويدعوهم إلى ما فيه ؟ فلم يقم إليه أحد ، فقام الفتى وقال : يا أمير المؤمنين ، أنا آخذه وأعرضه عليهم وأدعوهم إلى ما فيه ، قال : فأعرض عنه أمير المؤمنين عليه‌السلام ثمّ نادى الثالثة فلم يقم أحد من الناس إلاّ الفتى ، فقال : أنا آخذه وأعرضه عليهم وأدعوهم إلى ما فيه .

فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : إنّك إن فعلت ذلك فأنت مقتول ، فقال : والله يا أمير المؤمنين ما شيء أحبّ إليّ من أن أرزق الشهادة بين يديك وأن أقتل في طاعتك ، فأعطاه أمير المؤمنين المصحف فتوجّه به نحو عسكرهم ، فنظر إليه أمير المؤمنين عليه‌السلام وقال : إن الفتى ممّن حشى الله قلبه نوراً وإيماناً وهو مقتول ، ولقد أشفقت عليه من ذلك ، ولن يفلح القوم بعد قتلهم إيّاه .

فمضى الفتى بالمصحف حتّى وقف بإزاء عسكر عائشة ، وطلحة والزبير

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : وتوجّه إلى . .

(٢) في "ج" : واستقبله عليّ .


حينئذٍ عن يمين الهودج وشماله ـ وكان له صوت ـ فنادى بأعلى صوته : معاشر الناس هذا كتاب الله وإنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام يدعوكم إلى كتاب الله والحكم بما أنزل الله فيه ، فأنيبوا إلى طاعة الله والعمل بكتابه .

قال : وكانت عائشة وطلحة والزبير يسمعون قوله فأمسكوا (١) ، فلمّا رأى ذلك أهل عسكرهم بادروا إلى الفتى والمصحف في يمينه فقطعوا يده اليمنى ، فتناول المصحف بيده اليسرى وناداهم بأعلى صوته مثل ندائه أوّل مرّة ، فبادروا إليه وقطعوا يده اليسرى ، فتناول المصحف واحتضنه ودماؤه تجري عليه وناداهم مثل ذلك ، فشدّوا عليه فقتلوه ووقع ميّتاً فقطّعوه إرباً إرباً ، ولقد رأينا شحم بطنه أصفر .

قال : وأمير المؤمنين عليه‌السلام واقف يراهم ، فأقبل على أصحابه وقال : إنّي والله ما كنت في شك ولا لبس من ضلالة القوم وباطلهم ، ولكن أحببت أن يتبيّن لكم جميعاً ذلك من بعد قتلهم الرجل الصالح حكيم بن جبلة العبدي في رجال صالحين معه ، و [ تضاعف ] (٢) ذنوبهم بهذا الفتى ، وهو يدعوهم إلى كتاب الله والحكم به والعمل بموجبه ، فثاروا إليه فقتلوه ولا يرتاب بقتلهم مسلم ، ووقدت (٣) الحرب واشتدّت ، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : احملوا عليهم ، بسم الله حم لا ينصرون ، وحمل هو بنفسه والحسنان وأصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فغاص في القوم بنفسه ، فوالله ما كانت إلاّ ساعة من نهار حتّى رأينا القوم شلايا يميناً وشمالاً صرعى تحت سنابك الخيل ، ورجع أمير المؤمنين عليه‌السلام مؤيداً منصوراً وفتح الله عليه ومنحه أكتافهم ، وأمر بذلك الفتى وجمع (٤) من قتل

ـــــــــــــــــ

(١) قال الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب الجمل : ٣٣٩ : "فأقبل الغلام حتّى وقف بإزاء الصفوف ونشر المصحف وقال : هذا كتاب الله عَزَّ وجَلَّ وأمير المؤمنينعليه‌السلام يدعوكم إلى ما فيه ، فقالت عائشة : اشجروه بالرماح قبّحه الله ، فتبادروا إليه بالرماح فطعنوه من كلّ جانب ..." .

(٢) أثبتناه من البحار ، وفي "ج" : ووثوبهم بهذا الفتى .

(٣) في "ب" : وقعت .

(٤) في "ج" : جميع .


معه ، فلفّوا في ثيابهم بدمائهم لم تُنزع عنهم ثيابهم ، وصلّى عليهم ودفنهم ، وأمرهم أن لا يجهزوا على جريح ولا يتبعوا لهم مدبراً ، وأمر بما حوى العسكر فجمع له فقسّمه بين أصحابه ، وأمر محمد بن أبي بكر أن يدخل أخته إلى البصرة ، فيقيم أيّاماً ثمّ يرحلها (١) إلى منزلها بالمدينة .

قال عبد الله بن سلمة : كنت ممّن شهد حرب أهل الجمل ، فلمّا وضعت الحرب أوزارها رأيت أم ذلك الفتى واقفة عليه ، فجعلت تبكي عليه وتقبّله ، ثمّ أنشأت تقول :

يا ربّ إنّ مسلماً أتاهم

يتلو كتاب الله لا يخشاهم

يأمرهم بالأمر من مولاهم

فخضّبوا من دمه قناهم

وأمهم(٢) قائمة تراهم

تأمرهم بالغيّ لا تنهاهم(٣)

 [مكالمته عليه‌السلام مع رأس اليهود]

بحذف الإسناد مرفوعاً إلى الباقر عليه‌السلام قال : قال محمد بن الحنفية : أتى رأس اليهود إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام عند منصرفه من وقعة النهروان وهو جالس في مسجد الكوفة ، فقال : يا أمير المؤمنين أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ ، قال : سل عمّا بدا لك يا أخا اليهود قال : إنّا نجد في الكتاب أن الله عَزَّ وجَلَّ إذا بعث نبيّاً أوحى إليه أن يتّخذ من (٤) أهل بيته من يقوم [ مقامه ] (٥) في أمته من بعده ، وأن يعهد إليهم فيه عهداً

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : يرتحل بها .

(٢) أي عائشة .

(٣) عنه البحار ٢٨ : ٨٦ ح٣ .

(٤) في "ج" : يخلف في . .

(٥) أثبتناه من "ج" .


يحتذى عليه ويعمل به في أمته من بعده ، قال : نعم ، ثمّ قال : وإنّ الله عَزَّ وجَلَّ يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء ويمتحنهم بعد وفاتهم ، فأخبرنا كم يمتحن الله الأوصياء في حياة الأنبياء (١) من مرّة ، وكم يمتحنهم بعد وفاتهم ، وإلى من يصير أمر الأوصياء إذا رضى بمحنتهم؟

قال له عليّ عليه‌السلام : تحلف بالله الذي لا إله إلاّ هو الذي فلق البحر لموسى ، وأنزل عليه التوراة لئن خبرتك بحق عمّا سألتني عنه لتؤمننّ به ؟ قال : نعم ، قال عليّ عليه‌السلام : [ إن الله تعالى يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء في ] (٢) سبعة مواطن ليبتلي طاعتهم ، فإذا رضى طاعتهم ومحنتهم أمر الأنبياء أن يتّخذوهم أولياء في حياتهم وأوصياء بعد وفاتهم ، فتصير طاعة الأوصياء في أعناق الأمم موصولة بطاعة الأنبياء ، ثمّ يمتحن الأوصياء بعد وفاة الأنبياء في سبعة مواطن ليبتلي صبرهم ، فإن رضى محنتهم ختم لهم بالسعادة .

قال له رأس اليهود : صدقت يا أمير المؤمنين ، فأخبرني كم امتحنك الله في حياة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من مرّة ؟ وكم امتحنك بعد وفاته من مرّة ؟ وإلى ما يصير آخر أمرك ؟ فأخذ أمير المؤمنين عليه‌السلام بيده وقال : انهض معي لأنبئك بذلك يا أخا اليهود ، فقام إليه جماعة من أصحابه وقالوا : يا أمير المؤمنين أنبئنا بذلك معه ، قال : إنّي أخاف أن لا تحتمله قلوبكم ، قالوا : ولِمَ ذلك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لأمور بدت لي من كثير منكم .

فقام إليه الأشتر فقال : يا أمير المؤمنين أنبئنا بذلك فوالله إنا لنعلم إنّه ما على ظهر الأرض وصيّ نبيّ سواك ، وإنا لنعلم أن الله عَزَّ وجَلَّ لا يبعث بعد نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبيّاً سواه ، وأنّ طاعتك في أعناقنا موصولة بطاعة نبيّنا ، فجلس عليّ عليه‌السلام

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : في حياتهم .

(٢) أثبتناه من "ج" .


وأقبل على اليهودي فقال : يا أخا اليهود ، إن الله عَزَّ وجَلَّ امتحنني في حياة نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سبعة مواطن فوجدني فيهنّ ـ من غير تزكية لنفسي بنعمة الله ـ له مطيعاً ، قال : فيم وفيم يا أمير المؤمنين ، قال :

أمّا أوّلهنّ فإنّ الله تعالى أوحى إلى نبيّنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحمّله الرسالة ، وأنا أحدث أهل بيته سنّاً ، أخدمه في بيته ، وأسعى بين يديه في أمره ، فدعا صغير بني عبد المطّلب وكبيرهم إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً (١) رسول الله ، فامتنعوا من ذلك وأنكروه عليه ، وهجروه ونابذوه واعتزلوه واجتنبوه ، وسائر الناس مقصية له مخالفة عليه لما ورد عليهم (٢) ما لا يحتمله قلوبهم ، ولم تدركه عقولهم .

فأجبت رسول الله وحدي إلى ما دعاني إليه مسرعاً مطيعاً موقناً ، لم يختلجني في ذلك الأخاليج (٣) ، فمكثنا بذلك ثلاث حجج ليس على ظهر الأرض خلق يصلّي لله ويشهد لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما آتاه الله غيري وغير ابنة خويلد رحمها الله ـ وقد فعل ، ثمّ أقبل على أصحابه فقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .

وأمّا الثانية يا أخا اليهود فإنّ قريشاً لم تزل تخيل الآراء وتعمل الحيل في قتل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى إذا كان آخر ما اجتمعت في ذلك الدار ـ دار الندوة ـ وإبليس الملعون حاضر في صورة أعور ثقيف ، فلم تزل تضرب أمرها ظهراً لبطن حتّى اجتمعت آراؤها على أن ينتدب من كلّ فخذ من قريش رجلاً ، ثمّ يأخذ كلّ رجل منهم سيفه ، ثمّ يأتي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو نائم على فراشه ، فيضربوه

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : وأنّه .

(٢) في "ج" : مبغضون له ومخالفون عليه قد استعظموا ما أورده عليهم .

(٣) في "ج" : في ذلك شك .


بأسيافهم جميعاً ضربة رجل واحد فيقتلوه ، فإذا قتلوه منعت قريش رجالها فلم تسلّمه ، ويمضي (١) دمه هدراً .

فهبط جبرئيل عليه‌السلام على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأنبأه بذلك ، وخبره بالليلة التي يجتمعون فيها والساعة التي يأتون فراشه فيها ، وأمره بالخروج في الوقت الذي خرج فيه إلى الغار ، فأنبأني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالخبر ، وأمرني أن أضطجع في مضجعه وأقيه بنفسي ، فأسرعت في ذلك مطيعاً مسروراً به نفسي لأقتل دونه .

فمضى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لوجهه واضطجعت في مضجعه ، ثمّ أقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها بقتل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا استوى بي وبهم البيت الذي أنا فيه ناهضتهم بسيفي ، ودفعتهم عن نفسي بما علمه الله والناس منّي ، ثمّ أقبل على أصحابه وقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .

وأمّا الثالثة يا أخا اليهود فإنّ ابني ربيعة وابني عتبة كانوا فرسان قريش ، ودعوا إلى البراز يوم بدر ، فلم يبرز لهم خلق من قريش ، فأنهضني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع صاحبيّ رضي الله عنهما ـ يريد بصاحبيه (٢) حمزة بن عبد المطلب ، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ـ وقد فعل ، وأنا أحدث أصحابي سنّاً وأقلّهم بالحرب تجربة ، فقتل الله بيدي وليداً وشيبة سوى من قتلته من جحاجحة قريش في ذلك اليوم وسوى من أسرت ، وكان منّي أكثر ممّا كان من أصحابي ، واستشهد ابن عمّي في ذلك اليوم رحمه الله ، ثمّ التفت إلى أصحابه وقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .

وأمّا الرابعة يا أخا اليهود فإنّ أهل مكة أقبلوا إلينا عن بكرة أبيهم ، قد

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : مضى .

(٢) في "ج" : بهما .


استجاشوا مَنْ يليهم من قبائل العرب (١) وقريش طالبي بثأر مشركي قريش في بدر ، فهبط جبرئيل عليه‌السلام على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأنبأه بذلك ، فتأهّب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعسكر بأصحابه في سد سفح اُحد ، وأقبل المشركون فحملوا علينا حملة رجل واحد ، فاستشهد من المسلمين من استشهد ، وكان ممّن بقي ما كان من الهزيمة ، وبقيت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومضى المهاجرون والأنصار إلى منازلهم من المدينة ، كلّ يقول : قُتل رسول الله وقُتل أصحابه .

ثمّ ضرب الله عَزَّ وجَلَّ وجوه المشركين ، وقد جرحت بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نيف وسبعين جراحة ، منها هذه وهذه ـ ثمّ ألقى رداءه وأمرّ يده على جراحاته ـ وكان منّي في ذلك ما على الله ثوابه إن شاء الله ، ثمّ التفت إلى أصحابه وقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .

وأمّا الخامسة يا أخا اليهود فإنّ قريشاً والعرب تجمّعت وعقدت بينها عقداً وميثاقاً لا ترجع من وجهها حتّى تقتل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتقتلنا معه معاشر بني عبد المطلب ، ثمّ أقبلت بحدّها وحديدها حتّى أناخت علينا بالمدينة وأيقنت لأنفسها (٢) بالظفر فيما توجّهت له ، فهبط جبرئيل عليه‌السلام على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأنبأه بذلك ، فخندق على نفسه ومن معه من المهاجرين والأنصار ، فَقَدمتْ قريش فأقامت على الخندق محاصرة لنا ترى في أنفسها القوّة وفينا الضعف ، تبرق وترعد ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدعوها إلى الله ويناشدها بالقرابة والرحم فتأبى ولا يزيدها ذلك إلاّ عتوّاً .

وفارسها فارس العرب يومئذ عمرو بن عبدود ، يهدر كالبعير المغتلم يدعو إلى البراز ويرتجز ويخطر برمحه مرّة وبسيفه أخرى ، لا يقدم عليه مقدم ، ولا يطمع

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : من قبائلهم من العرب .

(٢) في "ج" : واثقة في أنفسها .


له (١) طامع ، لا حمية تهيّجه ولا بصيرة تنجعه (٢) ، فأنهضني إليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعمّمني بيده ، وأعطاني سيفه هذا ـ وضرب بيده إلى ذي الفقار ـ فخرجت إليه ونساء أهل المدينة (٣) بواكي إشفاقاً عليّ من ابن عبدود ، فقتله الله بيدي والعرب لا تعد لها فارساً غيره ، وضربني هذه الضربة ـ وأومأ بيده إلى هامته ـ فهزم الله قريشاً والعرب بذلك وبما كان منّي فيهم من النكاية ، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .

وأمّا السادسة يا أخا اليهود فإنّا وردنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مدينة أصحابك خيبر على رجال اليهود وفرسانها من قريش وغيرها ، فتلقونا بأمثال الجبال من الخيل والرجال والسلاح ، وهم في أمنع دار وأكثر عدد ، كلّ ينادي للبراز وينادي (٤) للقتال ، فلم يبرز لهم من أصحابي أحد إلاّ قتل حتّى إذا احمرّ الحدق ، ودعيت إلى البراز ، وأهمت كلّ امرئ نفسه ، والتفت بعض أصحابي إلى بعض وكلّ يقول : يا أبا الحسن ، يا أبا الحسن انهض .

فأنهضني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى دارهم ، فلم يبرز إليّ منهم أحد إلاّ قتلته ، ولا ثبت لي فارس إلاّ طعنته (٥) ، ثمّ شددت عليهم شدّة الليث على فريسته حتّى أدخلتهم مدينتهم مشدّداً عليهم ، واقتلعت باب حصنهم بيدي ، ثمّ دخلت عليهم مدينتهم وحدي أقتل من يظهر فيها من رجالها ، وأسبي من أجد من نسائها حتّى افتتحتها وحدي ، ولم يكن لي فيها معاون إلاّ الله وحده ، ثمّ التفت إلى أصحابه وقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" و "ج" : لا يطمع فيه .

(٢) في "ج" : تشجعه .

(٣) في "ج" : أهل البلد .

(٤) في "ج" : ويدعو .

(٥) في "ج" : ولا يثب لي فارس إلاّ طحنته .


وأمّا السابعة يا أخا اليهود فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا توجّه لفتح مكة أحبّ أن يعذر إليهم ويدعوهم إلى الله عَزَّ وجَلَّ آخراً كما دعاهم أوّلاً ، فكتب إليهم كتاباً يحذّرهم فيه وينذرهم عذاب ربّهم ، ويعدهم الصفح عنهم ويمنّيهم مغفرة ربّهم ، ونسخ لهم فيه آخر (١) سورة براءة لتقرأ عليهم ، ثمّ عرض على أصحابه المضيّ به إليهم ، فكلّهم يرى التثاقل فيه ، فلمّا رأى ذلك ندب منهم رجلا يوجه به ، فأتاه جبرئيل عليه‌السلام فقال : يا محمد إنّه لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك .

فأنبأني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك ، ووجّهني بكتابه ورسالته إلى أهل مكة ، فأتيت مكة وأهلها من قد عرفتم ليس منهم أحد إلاّ ولو قدر أن يضع على كلّ جبل منّي إرباً لفعل ، ولو بذل في ذلك نفسه وأهله وماله وولده ، فبلّغتهم رسالة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقرأت عليهم كتابه ، فكلّ (٢) تلقّاني بالتهدّد والوعيد ، ويبدي لي البغضاء ، ويظهر لي الشحناء من رجالهم ونسائهم ، فكان منّي في ذلك ما قد رأيتم ، ثمّ التفت إلى أصحابه وقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .

قال : يا أخا اليهود هذه المواطن السبعة التي امتحنني ربّي مع نبيّه فوجدني فيها كلّها بمنّه مطيعاً ، ليس لأحد فيها مثل الذي لي ، ولو شئت لوصفت ذلك ولكنّ الله تعالى نهى عن التزكية .

فقالوا (٣) : والله يا أمير المؤمنين لقد صدقت ، فوالله لقد أعطاك الله عَزَّ وجَلَّ الفضيلة بالقرابة من نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأسعدك بأن جعلك أخاه تنزل منه بمنزلة هارون من موسى ، وفضّلك بالمواقف التي باشرتها والأهوال التي ركبتها ،

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : نسخ لهم في آخره .

(٢) في "ج" : فكلّهم .

(٣) في "الف" و "ب" : قال اليهودي .


وذكر (١) لك الذي ذكرت وأكثر منه ممّا لم تذكره ، وممّا ليس لأحد من المسلمين مثله ، يقول ذلك من شهدك منّا مع نبيّنا ومن شهدك بعده فأخبرنا يا أمير المؤمنين بما امتحنك الله به بعد نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاحتملته وصبرت عليه ، فلو شئت (٢) أن نصف نحن ذلك لوصفناه علماً منّا به ، وظهور منّا عليه ، إلاّ إنا نحبّ أن نسمع ذلك منك كما سمعنا منك ما امتحنك الله به في حياته فأطعته فيه .

قال عليه‌السلام : يا أخا اليهود إن الله عَزَّ وجَلَّ امتحنني بعد وفاة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سبعة مواطن ، فوجدني فيهنّ من غير تزكية لنفسي بمنّه ونعمته صبوراً .

أمّا أوّلهنّ يا أخا اليهود فإنّه لم يكن لي خاصة دون المسلمين عامة أحد آنس به ، ولا أستقيم إليه ، ولا أعتمد عليه ، ولا أتقرّب به غير رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، هو ربّاني صغيراً ، وبوّأني كبيراً ، وكفاني العيلة ، وجبرني من اليتم ، وأغناني عن الطلب ، ووقاني التكسّب ، وعالني في النفس والأهل والولد ، هذا في تصاريف أمور الدنيا مع ما خصّني به من الدرجات التي قادتني إلى معالي الحظوة عند الله عَزَّ وجَلَّ .

فنزل بي من وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما لم يكن (٣) أظنّ أن الجبال لو حملته كانت تنهض به ، فرأيت الناس من أهل بيتي من بين جازع لا يملك جزعه ، ولا يضبط نفسه ، ولا يقوى على حمل فادح ما نزل به حتّى قد أذهب الجزع صبره ، وأذهل عقله ، وحال بينه وبين الفهم والإفهام والقول والاستماع ، وسائر الناس من غير بني عبد المطلب بين معزى يأمر بالصبر ، وبين مساعد على البكاء جازعين

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : ذخر .

(٢) في "ج" : ولو شئنا .

(٣) في "ج" : أكن .


لجزعي (١) .

فحملت نفسي على الصبر بعد وفاته ، ولزمت (٢) الصمت والاشتغال بما أمرني به من تجهيزه وتغسيله وتحنيطه وتكفينه ، والصلاة عليه ، ووضعه في حفرته ، وجمع كتاب الله وعهده إلى خلقه ، لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة ، ولا هائج زفرة ، ولا لاذع حرقة ، ولا جليل مصيبة حتّى أدّيت في ذلك الحقّ الواجب لله عَزَّ وجَلَّ عليّ لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبلغت فيه الذي أمرني به ، فاحتملته صابراً محتسباً ، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .

أمّا الثانية يا أخا اليهود ، فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمّرني في حياته على جميع أمته ، وأخذ على جميع من أحضره منهم البيعة لي بالسمع والطاعة ، وأمرهم أن يبلغ الشاهد منهم الغائب في ذلك ، فكنت المؤدّي إليهم عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمره إذا حضرته ، والأمير على من حضرني منهم إذا فارقته ، لا يختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لي في شيء من الأمر في حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا بعد وفاته .

ثمّ أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتوجيه الجيش الذي وجهه مع أسامة بن زيد عندما أحدث الله به من المرض الذي توفّاه فيه ، فلم يدع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحد من قبائل (٣) العرب ولا الأوس ولا الخزرج وغيرهم من سائر الناس ممّن يخاف على نقضه أو منازعته ، ولا أحد ممّن يراني بعين البغضاء ممّن قد وترته بقتل أبيه أو أخيه أو حميمه إلاّ وجّهه في ذلك الجيش ، ولا من المهاجرين والأنصار والمسلمين وغيرهم من المؤلّفة قلوبهم والمنافقين ، لتصفوا قلوب من يبقى معي بحضرته ، ولئلاّ يقول قائل شيئاً ممّا أكره ، ولا يدفعني دافع عن الولاية والقيام

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : باك لبكائهم جازع لجزعهم .

(٢) في "ج" : بلزوم .

(٣) في "ج" : أفناء .


بأمور رعيّته وأمته من بعده .

ثمّ كان آخر ما تكلّم به في شيء من أمر أمته أن يمضي جيش أسامة ولا يتخلّف عنه أحد ممّن أنهض معه ، وتقدّم في ذلك أشدّ التقدّم ، وأوعز فيه أبلغ الإيعاز ، وأكّد فيه أكثر التأكيد ، فلم أشعر بعد أن قُبض النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ برجال ممّن بعث مع أسامة بن زيد وأهل عسكره قد تركوا مراكزهم ، وأخلوا بمواضعهم ، وخالفوا أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما أنهضهم له وأمرهم به وتقدّم إليهم (١) من ملازمة أميرهم ، والمسير معه تحت لوائه حتّى ينفذ لوجهه الذي وجّهه إليه (٢) .

فخلّفوا أميرهم مقيماً في عسكره ، وأقبلوا يتبادرون على الخيل ركضاً إلى حل عقدة عقدها الله عَزَّ وجَلَّ ورسوله لي في أعناقهم ، فحلّوها ونكثوها وعقدوا لأنفسهم عقداً ضجّت به أصواتهم ، واختصّت به آراؤهم من غير مناظرة لأحد منّا من بني عبد المطلب ، أو مشاركة في رأي ، أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتي .

فعملوا ذلك وأنا برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مشغول بتجهيزه عن سائر الأشياء ، فإنّه كان أهمّها وأحقّ ما بُدئ منها ، وكان هذا يا أخا اليهود أفدح (٣) ما ورد على قلبي مع الذي أنا فيه من عظيم الرزية ، وفاجع المصيبة ، وفقد من لا خلف منه إلاّ الله عَزَّ وجَلَّ ، فصبرت عليها إذ أتت بعد أختها على تقاربها وسرعة اتّصالها ، ثمّ التفت إلى أصحابه وقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .

أمّا الثالثة يا أخا اليهود ، فإنّ القائم بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يلقاني معتذراً في كلّ أيّامه ويلزم غيره ما ارتكبه من أخذ حقّي ونقض بيعتي ، ويسألني

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : تقيدهم .

(٢) في "ج" : أنفذه إليه .

(٣) في "ج" : أقرح .


تحليله ، فكنت أقول : تنقضي أيّامه ثمّ أرجع إلى (١) حقّي الذي جعله الله عَزَّ وجَلَّ لي عفواً هنيئاً من غير أن أحدث في الإسلام مع حدوثه وقرب عهده بالجاهلية حدثاً في طلب حقّي بمنازعة ، لعلّ فلاناً يقول فيها : نعم ، وفلاناً يقول : لا ، فيؤول ذلك من القول إلى الفعل .

وجماعة من خواص أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم [ ممّن ] (٢) أعرفهم بالنصح لله ولرسوله ولكتابه ولدينه والإسلام يأتوني عوداً وبدواً (٣) وعلانية وسرّاً فيدعوني إلى أخذ حقّي ، ويبذلون أنفسهم في نصرتي ليؤدّوا (٤) إليّ بذلك بيعتي في أعناقهم ، وأقول : رويداً وصبراً قليلاً لعلّ الله أن يأتيني بذلك عفواً بلا منازعة ولا إراقة الدماء ، فقد ارتاب كثير من الناس بعد وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وطمع في الأمر بعده من ليس له بأهل ، فقال كلّ قوم : منّا أمير [ ومنكم أمير ] (٥) ، وما طمع القائلون في ذلك إلاّ لتناول الأمر غيري .

فلمّا قربت وفاة القائم وانقضت أيّامه صيّر الأمر من بعده لصاحبه ، فكانت هذه أخت أختها ، ومحلّها منّي مثل محلّها ، وأخذا منّي ما جعله الله عَزَّ وجَلَّ لي ، فاجتمع إليّ نفر من أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّن مضى رحمه الله ومن بقى ممّن أخّره الله من اجتمع ، فقالوا لي فيها مثل الذي قالوا لي في أختها .

فلم يعد قولي الثاني قولي الأوّل صبراً واحتساباً ويقيناً ، إشفاقاً من أن تفنى عصبة تألّفهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باللين مرّة وبالشدة أخرى ، وبالبذل مرّة وبالسيف أخرى ، حتّى لقد كان من تألّفه لهم أن كان الناس في الكن والقرار

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : يرجع إليّ .

(٢) أثبتناه من "ج" .

(٣) في "ب" : غدوّاً وجدّاً .

(٤) في "ألف" : ليروا .

(٥) أثبتناه من "ب" و "ج" .


والشبع والري واللباس والوطأة والدثار ، ونحن أهل بيت محمد لا سقوف لبيوتنا ولا أبواب ولا ستور إلاّ الجرائد وما أشبهها ، ولا وطاء لنا ، ولا دثار علينا ، يتناول الثوب الواحد في الصلاة أكثرنا ، ونطوي الأيّام والليالي جوعاً مشاعاً (١) ، وربّما أتانا الشيء ممّا أفاء الله علينا وصيّره لنا خاصة دون غيرنا ، ونحن على ما وصفت من حالنا ، فيؤثر به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصحاب (٢) النعم والأموال تألّفاً لهم .

فكنت أحق من لم يفرق هذه العصبة التي ألّفها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يحملها على الخطيئة التي لا خلاص لها منها دون بلوغها أو فناء آجالها ، لأنّي لو نصبت نفسي بدعوتي (٣) إلى نصرتي كانوا في أمري على أحد منزلتين ، إما متّبع مقاتل وإما مقتول إن لم يتبع الجميع ، وإما خاذل يكفر بخذلانه إن قصّر في نصرتي أو أمسك عن طاعتي ، وقد علم إني منه بمنزلة هارون من موسى ، يحلّ بهم في مخالفتي والإمساك عن نصرتي ما أحلّ قوم موسى بأنفسهم في مخالفة هارون وترك طاعته .

ورأيت تجرّع الغصص ، وردّ أنفاس الصعداء ، ولزوم الصبر حتّى يفتح الله عَزَّ وجَلَّ أو يقضي بما أحبّ أن يُدان في حقّي ، وأرفق بالعصابة التي وصفت (٤) أمرهم ، وكان أمر الله قدراً مقدوراً ، ولو لم اتق هذه الحال يا أخا اليهود ثم طلبت حقّي لكنت أولى ممّن طلبه ، لعلم من مضى من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن بحضرتك منهم ، فإنّي كنت أكثر عدداً ، وأعزّ عشيرة ، وأمنع رجالاً ، وأطوع أمراً ، وأوضح حجّة ، وأكثر في هذا الدين مناقباً وآثاراً لسوابقي وقرابتي

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : جوعاً عامتنا .

(٢) في "ج" : أرباب .

(٣) في "ب" و "ج" : فدعوتهم .

(٤) في "الف" : وضعت .


ووراثتي ، فضلاً عن استحقاقي ذلك بالوصية التي لا مخرج للعباد منها ، والبيعة المقدمة في أعناقهم ممّن تناولها .

ولقد قُبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنّ ولاية الإمامة في يده وفي بيته لا في يد الذي تناولوها ولا في بيوتهم ، وإنّ أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس أهل البيت وطهّرهم تطهيراً أولى بالأمر بعده من غيرهم في جميع الخصال ، ثمّ التفت إلى أصحابه وقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .

وأمّا الرابعة يا أخا اليهود ، فإنّ القائم بعد صاحبه كان يشاورني في موارد الأمور فيصدرها عن أمري ، ويناظرني في غوامضها فيمضيها عن رأيي لا أُعلم أحداً ولا يعلمه أصحابي ، ولا يناظره في ذلك غيري ، ولا يطمع في الأمر بعده سواي ، فلمّا أتته منيّته على فجأة بلا مرض كان قبله ، ولا أمر كان أمضاه في صحّة من بدنه ، لم أشك أن قد استرجعت حقّي في عافية بالمنزلة التي كنت أطلبها ، والعافية (١) التي كنت ألتمسها ، وإنّ الله عَزَّ وجَلَّ يأتي بذلك على أحسن ما رجوت ، وأفضل ما أمّلت .

فكان من فعله أن أختم أمره بأن سمّى قوماً أنا سادسهم ، ولم يساوني بواحد منهم ، ولا ذكر لي حالاً (٢) في وراثة الرسول ، ولا قرابة ولا صهراً ولا نسباً ، ولا كان لواحد منهم سابقة من سوابقي ، ولا أثر من آثاري ، فصيّرها شورى بيننا وصيّر ابنه حاكماً علينا ، وأمره أن يضرب أعناق الستة الذين صيّر الأمر فيهم إن لم ينفذوا أمره ، وكفى بالصبر على هذا يا أخا اليهود صبراً .

فمكث القوم أيّامهم كلّ يخطبها لنفسه وأنا ممسك ، قد سألوني عن أمري فناظرتهم في أيّامي وأيّامهم وآثاري وآثارهم ، وأوضحت لهم ما لم يجهلوه من

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" و "ج" : العاقبة .

(٢) في "ج" : حقاً .


وجوه استحقاقي لها دونهم ، وذكّرتهم عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليهم وتأكيد ما أكّده لي من البيعة في أعناقهم ، دعاهم حبّ الإمارة ، وبسط الأيدي والألسن في الأمر والنهي ، والركون إلى الدنيا ، والاقتداء بالماضين قبلهم إلى تناول ما لم يجعل الله عَزَّ وجَلَّ لهم ، فإذا خلوت بالواحد منهم ذكّرته أيّام الله ، وحذّرته ما هو قادم عليه وصائر إليه ، التمس منّي شرطاً أن أُصيّرها له بعدي .

فلما لم يجدوا عنّي إلاّ المحجّة البيضاء ، والحمل على كتاب الله عَزَّ وجَلَّ ، ووصيّة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من إعطاء كلّ امرئ منهم ما جعله الله له ، ومَنْعِهِ ما لم يجعل الله له أزواها (١) عنّي إلى ابن عفان طمعاً في التبحبح معه فيها ، وابن عفان رجل لم يستويه بواحد ممّن حضره حال قط فضلاً عمّن دونهم ، لا ببدر التي هي سنام فخرهم ، ولا غيرها من المآثر التي أكرم الله عَزَّ وجَلَّ بها رسوله ومن اختصّه معه من أهل بيته .

ثمّ لم أعلم القوم أمسوا من يومهم حتّى ظهرت ندامتهم ، ونكصوا على أعقابهم ، وأحال بعضهم على بعض ، كلّ يلوم نفسه ويلوم صاحبه ، ثمّ لم تطل الأيام بالمستبد بالأمر ابن عفان حتّى كفروه وتبرّؤوا منه ، ومشى إلى أصحابه خاصة وسائر أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستقيلهم من بيعته ، ويتوب إلى الله عَزَّ وجَلَّ من فلتته ، فكانت هذه يا أخا اليهود أكبر من أختها وأقطع (٢) وأحرى أن لا يُصبر عليها ، فنالني منها الذي وصفه ما لم يجد فيه ، ولم يكن عندي إلاّ الصبر على ما أمض وأبلغ منها .

ولقد أتاني الباقون من الستة من يومهم كلّ راجع عمّا كان ركب منّي يسألني خلع ابن عفان والوثوب عليه وأخذ حقّي ، ويعطيني صفقته وبيعته على الموت تحت

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : زووها .

(٢) في "ب" : أعظم ، وفي "ج" : أفظع .


رايتي أو يردّ الله عَزَّ وجَلَّ عليّ حقّي ، فوالله يا أخا اليهود ما منعني منها إلاّ الذي منعني من أختيها قبلها ، ورأيت الإبقاء على من بقى من الطائفة أبهج لي وآنس لقلبي من فنائها ، وعلمت أني إن حملتها على دعوة الموت ركبته ، فأما نفسي فقد علم من حضر ممّن ترى ومن غاب من أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن الموت عندي بمنزلة شربة الباردة في اليوم الشديد الحر من ذي العطش الصدي .

ولقد كنت عاهدت الله عَزَّ وجَلَّ ورسوله أنا ، وعمّي حمزة ، وأخي جعفر ، وابن عمّي عبيدة على أمر وفينا به لله عَزَّ وجَلَّ ولرسوله ، فتقدّمني أصحابي وخلفت بعدهم لما أراد الله عَزَّ وجَلَّ ، فأنزل عَزَّ وجَلَّ فينا : ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (١) حمزة وعبيدة وجعفر [ قضوا نحبهم ] (٢) ، وأنا والله المنتظر يا أخا اليهود وما بدّلت تبديلاً .

وما سكتني عن ابن عفان وحثّني على الإمساك إلاّ أني عرفت من أخلاقه فيما اختبرت منه ما لن يدعه حتّى يستدعي الأباعد إلى قتله وخلعه فضلاً عن الأقارب وأنا في عزلة ، فتصبّرت حتّى كان ذلك لم أنطق فيه بحرف من لا ولا نعم ، ثمّ أتاني القوم وأنا يعلم الله كاره لمعرفتي بما تطامعوا به من اعتقال الأموال ، والمرح في الأرض ، وعلمهم بأنّ تلك ليست لهم عندي ، وشديد عادة منتزعة ، فلما لم يجدوها عندي تعلّلوا الأعاليل ، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .

وأمّا الخامسة يا أخا اليهود ، فإنّ المبايعين لي لمّا لم يطمعوا في ذلك منّي وثبوا بالمرأة عليّ ـ وأنا وليّ أمرها والوصيّ عليها ـ فحملوها على الجمل ، وشدّوها على

ـــــــــــــــــ

(١) الأحزاب : ٢٣ .

(٢) أثبتناه من "ج" .


الرحال ، وأقبلوا بها تخبط الفيافي (١) ، وتقطع البراري ، وتنبح عليها كلاب الحوأب ، وتظهر لهم علامات الندم في كلّ ساعة وعلى كلّ حال ، في عصبة قد بايعوني ثانية بعد بيعتهم الأولى في حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى أتت أهل بلدة قصيرة أيديهم ، طويلة لحاهم ، قليلة عقولهم ، عارية آراؤهم ، وهم جيران بدو ووراء بحر .

فأخرجتهم يخبطون بسيوفهم بغير علم ، ويرمون بسهامهم بغير فهم ، فوقفت من أمرهم على اثنتين كلتاهما في محلّة المكروه ممّن إن كففت لم يرجعوا ولم يقلعوا ، وإن أقدمت (٢) كنت قد صرت إلى الذي كرهت ، فقدّمت الحجّة بالأعذار والإنذار ودعوت المرأة إلى الرجوع إلى بيتها ، والقوم الذين حملوها إلى الوفاء ببيعتهم لي ، والترك لنقضهم عهد الله عَزَّ وجَلَّ فيّ ، وأعطيتهم من نفسي كلّ الذي قدرت عليه ، وناظرت بعضهم [ فرجع ] (٣) وذكرته فذكر ، ثمّ أقبلت على الناس بمثل ذلك فلم يزدادوا إلاّ جهلاً وتمادياً وغيّاً .

فلمّا أبوا إلاّ هي ركبتها منهم ، وكانت عليهم الدائرة ، وبهم الهزيمة ، ولهم الحسرة ، وفيهم الفناء والقتل ، وحملت نفسي على التي لم أجد منها بدّاً ، ولم يسعني إذ فعلت ذلك وأظهرته آخراً مثل الذي وسعني منه أوّلاً من الإغضاء والإمساك ، ورأيت أني إن أمسكت كنت معيناً لهم عليّ بإمساكي فيما صاروا إليه وطمعوا فيه من تناول الأطراف ، وسفك الدماء ، وقتل الرعية ، وتحكيم النساء النواقص العقول والحظوظ على كلّ حال ، كعادة بني الأصفر ومن مضى من ملوك سبأ والأمم الخالية ، فأصير إلى ما كرهت أوّلاً وآخراً .

وقد أهملت المرأة وجندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من الناس ولم

ـــــــــــــــــ

(١) الفيف والفيفاة : المفازة التي لا ماء فيها ، وجمعها الفيافي (لسان العرب)

(٢) في "ج" : أقمت .

(٣) أثبتناه من "ج" .


أهجم على الأمر إلاّ بعدما قدّمت وأخّرت وتأنّيت وراجعت وراسلت (١) وشافهت وأعذرت وأنذرت وأعطيت القوم كلّ شيء التمسوه ، بعد أن عرضت عليهم كلّ شيء لم يلتمسوه ، فلمّا أبوا إلاّ تلك أقدمت عليها ، فبلغ الله عَزَّ وجَلَّ بي وبهم منهم ما أراد (٢) ، وكان منّي عليهم بما كان منّي إليهم شهيداً ، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .

وأمّا السادسة يا أخا اليهود ، فتحكيمهم الحكمين ومحاربة ابن آكلة الأكباد وهو طليق ابن طليق ، معاند لله عَزَّ وجَلَّ ولرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وللمؤمنين منذ بعث الله محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أن فتح الله عَزَّ وجَلَّ عليه مكة عنوة ، فأخذت بيعته وبيعة أبيه لي معه في ذلك اليوم وفي ثلاثة مواطن بعده ، وأبوه بالأمس أوّل من سلّم عليّ بإمرة المؤمنين ، وجعل يحضّني على النهوض بأخذ حقّي من الماضين قبلي ، يجدّد لي بيعته كلّما أتاني .

وأعجب العجب أنّه لما رأى ربّي تبارك وتعالى قد ردّ لي حقّي وأقرّه في معدنه ، وانقطع طمعه في دين الله (٣) وفي أمانة حمّلناها حاكماً ، كرّ على العاصي ابن العاص فاستماله فمال إليه ، ثمّ أقبل به بعد أن أطمعه مصر ـ وحرام عليه أن يأخذ من الفيء فوق قسمته درهماً ، وحرام على الراعي إيصال درهم إليه فوق حقّه ـ فأقبل يخبط البلاد بالظلم ويطأهم بالغشم ، فمن تابعه أرضاه ومن خالفه ناواه ، ثمّ توجّه إليّ ناكثاً علينا ، مغيراً في البلاد شرقاً وغرباً ويميناً وشمالاً ، والأنباء تأتيني والأخبار ترد عليّ بذلك .

فأتاني أعور ثقيف فأشار أن أولّيه البلاد الذي هو بها لأداريه (٤) بما أولّيه

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : أرسلت .

(٢) في "ب" : على ما أرادوا .

(٣) في "ج" : انقطع طمعه أن يصير في دين الله رابعاً .

(٤) في "ب" : لأدرأه .


منها ، وفي الذي أشار به الرأي في أمر الدنيا ، ولو وجدت عند الله في توليته لي مخرجاً ، وأصبت لنفسي في ذلك عذراً فأعملت الرأي في ذلك ، وشاورت من أثق بنصيحته لله عَزَّ وجَلَّ ولرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولي وللمؤمنين ، فكان رأيه في ابن آكلة الأكباد كرأيي ، ينهاني عن توليته ويحذّرني أن أدخل في المسلمين يده ، ولم يكن الله يراني أن أتّخذ المضلّين عضداً .

فوجّهت إليه أخا بجيلة مرّة وأخا الأشعر أخرى وكلاهما ركن إلى الدنيا وتابع (١) هواه فيما أرضاه ، فلمّا لم أره يزداد فيما انتهك في محارم الله إلاّ تمادياً شاورت من معي من أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم البدريين ، والذين ارتضى الله عَزَّ وجَلَّ أمرهم ورضى عنهم بيعتهم ، وغيرهم من صلحاء المسلمين والتابعين ، فكلّ يوافق رأيه رأيي في غزوه ومحاربته ومنعه ممّا نالت يده .

وإنّي أنهضت إليه أصحابي ، أنفذ إليه من كلّ موضع كتبي ، وأوجه إليه رسلي أدعوه إلى الرجوع عمّا هو فيه والدخول فيما فيه الناس معي ، فكتب يتحكّم عليّ ويتمنّى عليّ الأماني ، ويشترط عليّ شروطاً لا يرضاها الله عَزَّ وجَلَّ ولا رسوله ولا المسلمون ولا المؤمنون ، ويشترط في بعضها أن أدفع إليه أقواماً (٢) من أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبراراً فيهم عمّار بن ياسر ـ وأين مثل عمّار ، والله لقد رأيتنا مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما يعد (٣) منّا خمسة إلاّ كان سادسهم ، ولا أربعة إلاّ كان خامسهم ـ اشترط دفعهم إليه ليقتلهم ويصلبهم .

وانتحل دم عثمان ، ولعمر الله ما ألّب على عثمان ولا جمع الناس على قتله إلاّ هو وأشباهه من أهل بيته ، أغصان الشجرة الملعونة في القرآن ، فلمّا لم أجب إلى ما

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : اتّبع .

(٢) في "ج" : أدفع إليه أصحابي وهم أقواماً . .

(٣) في "ج" : وما تقدم .


اشترط كرّ مستعلياً في نفسه بطغيانه وبغيه بحمير لا عقول لهم ولا بصائر (١) ، فموّه لهم أمراً فاتّبعوه وأعطاهم من الدنيا ما أمالهم (٢) به إليه ، فناجزناهم وحاكمناهم إلى الله عَزَّ وجَلَّ بعد الإعذار والإنذار .

فلمّا لم يزده ذلك إلاّ تمادياً وبغياً لقيناه بعادة الله التي عوّدنا من النصر على أعدائه وعدوّنا ، وراية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأيدينا لم يزل الله تعالى يقتل حزب الشيطان بها حتّى يقضي الموت عليه ، وهو معلم راية أبيه التي لم أزل أقاتلها مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تلك المواطن ، فلم يجد من الموت منجا إلاّ الهرب فركب فرسه وقلب رايته لا يدري كيف يحتال ، فاستعان برأي ابن العاص فأشار عليه بإظهار المصاحف ورفعها على الأعلام والدعاء إلى ما فيها ، فقال له : إن ابن أبي طالب وحزبه أهل بصائر ورحمة وفقهاً (٣) ، وقد دعوك إلى كتاب الله أوّلا وهم مجيبوك إليه آخراً ، فأطاعه فيما أشار به عليه إذ رأى أن لا منجا له من القتل أو الهرب غيره .

فرفع المصاحف يدعو إلى ما فيها بزعمه ، فمالت إلى المصاحف قلوب من بقى من أصحابي بعد فناء خيارهم ، وجهدهم في جهاد أعداء الله وأعدائهم على بصائرهم ، وظنّوا أن ابن آكلة الأكباد له الوفاء بما دعا إليه ، فأصغوا إلى دعوتهم ، وأقبلوا بأجمعهم في إجابته ، فأعلمتهم أن ذلك منه مكر ومن ابن العاص معه ، وأنهما إلى النكث أقرب منهما إلى الوفاء ، فلم يقبلوا قولي ولم يطيعوا أمري ، وأبوا إلاّ إجابته كرهت أم هويت ، شئت أم أبيت ، حتّى بعضهم يقول لبعض : إن لم يفعل فألحقوه بابن عفان أو ادفعوه إلى ابن هند يرميه (٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : بصيرة .

(٢) في "ب" : أمالوا .

(٣) في "ب" و "ج" : فقهاء .

(٤) في "ب" و "ج" : برمته .


فجهدت علم الله جهدي ، ولم أدع علّة في نفسي إلاّ بلّغتها في أن يخلّوني ورأيي فلم يفعلوا ، وراودتهم على الصبر على مقدار فواق الناقة أو ركضة الفرس ، فلم يجيبوا ما خلا هذا الشيخ ـ وأومأ بيده إلى الأشتر ـ وعصبة من أهل بيتي ، فوالله ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلاّ مخافة أن يقتل هذان ـ وأومأ بيده (١) إلى الحسن والحسين عليهما‌السلام ـ فيقطع نسل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذرّيته من أمته ، ومخافة أن يقتل هذا وهذا ـ وأومأ بيده إلى عبد الله بن جعفر ، ومحمد بن الحنفية ـ فإنّي أعلم لولا مكاني لم يقفا ذلك الموقف ، فلذلك صبرت على ما أراد القوم مع ما سبق فيه من علم الله عَزَّ وجَلَّ .

فلمّا رفعنا عن القوم سيوفنا تحكّموا في الأمور وتخيّروا الأحكام ، وما كنت بالذي أحكّم في دين الله أحداً إذ كان التحكيم في ذلك الخطأ الذي لا شك فيه ولا امتراء ، فلمّا أبوا إلاّ ذلك أردت أُحكّم رجلاً من أهل بيتي أو رجلاً ممّن أرضى رأيه وعقله ، وأثق بنصيحته ومودّته ودينه ، وأقبلت لا أُسمّي أحداً إلاّ امتنع منه ابن هند ، ولا أدعوه إلى شيء من الحقّ إلاّ أدبر عنه ، وأقبل ابن هند يسومنا عسفاً ، وما ذلك إلاّ باتّباع أصحابي له على ذلك .

فلمّا أبوا إلاّ غلبتي على التحكيم برئت إلى الله عَزَّ وجَلَّ منهم وفوّضت ذلك إليهم ، فقلّده (٢) أمراً فخدعه ابن العاص خديعة ظهرت في شرق الأرض وغربها وأظهر المخدوع عليه ندماً ، ثمّ أقبل عليه‌السلام على أصحابه فقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .

أمّا السابعة يا أخا اليهود فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عهد إليّ أن أقاتل في آخر الزمان من أيّامي قوماً من أصحابي ، يصومون النهار ويقومون

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : وأشار إلى .

(٢) في "ج" : فقلّدوه .


الليل ، ويتلون الكتاب ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فمنهم ذو الثدية ، يُختم لي بقتلهم بالسعادة ، فلمّا انصرفت إلى موضعي هذا ـ يعني بعد الحكمين ـ أقبل بعض القوم على بعض باللاّئمة فيما صاروا إليه من تحكيم الحكمين ، فلم يجدوا لأنفسهم مخرجاً إلاّ أن قالوا : كان ينبغي لأمير المؤمنين أنّه لا يتابع من أخطأ ، وأن يقضي بحقيقة رأيه على قتل نفسه وقتل من خالفه منّا ، فقد كفر بمتابعته إيّانا وطاعته لنا في الخطأ ، وأُحلّ لنا بذلك قتله وسفك دمه .

فجمعوا على ذلك وخرجوا راكبين رؤوسهم ينادون بأعلى أصواتهم : لا حكم إلاّ لله ، ثمّ تفرّقوا فرقة بالنخيلة والأخرى (١) بحروراء ، [ وأخرى ] (٢) راكبة رأسها تخبط (٣) الأرض شرقاً حتّى عبرت دجلة ، فلم تمرّ بمسلم إلاّ امتحنته ، فمن تابعها استحثّته (٤) ومن خالفها قتلته ، فخرجتُ إلى الأولتين واحدة بعد أخرى أدعوهم إلى طاعة الله عَزَّ وجَلَّ والرجوع إليه ، فأبيا إلاّ السيف لا يقنعها غير ذلك .

فلمّا أعييتُ الحيلة فيهما حاكمتهما إلى الله عَزَّ وجَلَّ ، فقتل الله (٥) هذه وهذه ، وكانوا ـ يا أخا اليهود ـ لولا ما فعلوا لكانوا ركناً قويّاً وسدّاً منيعاً ، فأبى الله إلاّ ما صاروا إليه ، ثمّ كتبت إلى الفرقة الثالثة ووجّهت رسلي تترى ، وكانوا من جملة أصحابي وأهل التعبّد والزهد في الدنيا ، فأبت إلاّ اتّباع أختيها والاحتذاء على مثالهما ، وأسْرَعَتْ في قتل من خالفها من المسلمين .

وتتابعت إليّ الأخبار بفعلهم ، فخرجت حتّى قطعت إليهم دجلة وأوجه إليهم السفراء والنصحاء ، وأطلب العتبى بجهدي بهذا مرّة وبهذا مرّة وبهذا مرّة ـ وأومأ

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : وفرقة .

(٢) أثبتناه من "ج" .

(٣) في "ب" : تخط .

(٤) في "ج" : تركته .

(٥) في "ج" : فقتلت .


بيده إلى الأشتر ، والأحنف بن قيس ، وسعيد بن قيس الأرحبي ، والأشعث بن قيس الكندي ـ فلمّا أبوا إلاّ تلك ركبتها منهم فقتلهم الله يا أخا اليهود عن آخرهم ـ وهم أربعة آلاف أو يزيدون ـ حتّى لم يفلت منهم مخبر ، فاستخرجت ذا الثدية من قتلاهم بحضرة من ترى ، له ثدي كثدي المرأة ، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال : أليس كذلك ؟ فقالوا : بلى يا أمير المؤمنين .

فقال عليه‌السلام : قد وفيت سبعاً وسبعاً يا أخا اليهود ، وبقيت أخرى وأوشك بها فكأنّ قد قربتْ ، فبكى أصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام وبكى رأس اليهود وقال : أخبرنا الأخرى ، فقال : الأخرى أن تخضب هذه من هذه ـ وأومأ بيده إلى لحيته وأومأ بيده إلى هامته .

قال : فارتفعت أصوات القوم في المسجد الجامع بالضجة والبكاء حتّى لم يبق بالكوفة دار إلاّ خرج أهلها فزعاً (١) ، وأسلم رأس اليهود على يد عليّ عليه‌السلام من ساعته ، ولم يزل مقيماً حتّى قُتل أمير المؤمنين عليه‌السلام وأُخذ ابن ملجم (لعنة الله عليه) ، فأقبل رأس اليهود حتّى وقف على الحسن عليه‌السلام والناس حوله وابن ملجم (لعنه الله) بين يديه ، فقال له : يا أبا محمد ، اقتله قتله الله ، فإنّي رأيت في الكتب التي أنزلت على موسى بن عمران عليه‌السلام أن هذا أعظم جرماً عند الله من ابن آدم قاتل أخيه ، ومن القدار عاقر ناقة ثمود (٢) .

تمّ الحديث والحمد لله وحده وصلّى الله على سيّدنا محمد النبي وآله الطاهرين وسلّم تسليماً كثيراً (٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : جزعاً .

(٢) في "ج" : صالح .

(٣) الخصال : ٣٦٤ ح٥٨ باب السبعة; عنه البحار ٣٨ : ١٦٧ ح١; وفي الاختصاص : ١٦٣ .


 [جوابهعليه‌السلام عن مسائل أحبار اليهود ، وفيه خبر أصحاب الكهف]

بحذف الإسناد مرفوعاً إلى ابن عباس قال : لمّا ولى عمر بن الخطاب الخلافة أتاه أقوام من أحبار اليهود فقالوا : يا عمر ، أنت وليّ الأمر بعد محمد ؟ قال : نعم ، قالوا : نريد أن نسألك عن خصال إن أخبرتنا بها دخلنا في الإسلام ، وعلمنا أن دين الإسلام حق ، وأنّ محمداً كان نبيّاً ، وإن لم تخبرنا بها علمنا أن دين الإسلام باطل ، وأنّ محمداً لم يكن نبيّاً ، قال عمر : سلوا عمّا بدا لكم ولا قوّة إلاّ بالله .

قالوا : أخبرنا عن أقفال السماوات ما هي ، وأخبرنا عن مفاتيح هذه الأقفال ما هي ، و[أخبرنا عن قبر سار بصاحبه ما هو] (١) ، وأخبرنا عمّن أنذر قومه لا من الجنّ ولا من الإنس ، وأخبرنا عن خمسة أشياء مشت على الأرض لم تخلق في الأرحام ، وأخبرنا ما يقول الدراج في صياحه ، وما يقول الديك في صدحه ، وما يقول الفرس في صهيله ، وما يقول الحمار في نهيقه ، وما يقول الضفدع في نقيقه ، وما يقول القبّر (٢) في أنيقه .

قال : فنكس عمر رأسه في الأرض ، ثمّ رفع رأسه إلى عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام فقال : يا أبا الحسن ، ما أرى جوابهم إلاّ عندك ، فإن كان لها جواب فأجب ، فقال لهم عليّ عليه‌السلام : سلوا عمّا بدا لكم ولي عليكم شريطة ، قالوا : فما شريطتك ؟ قال عليه‌السلام : إذا أخبرتكم بما في التوراة دخلتم في ديننا ، قالوا : نعم ، قال عليه‌السلام : سلوني عن خصلة خصلة .

فقالوا : أخبرنا عن أقفال السماوات ما هي ؟ قال عليه‌السلام : أمّا أقفال السماوات فهو (٣) الشرك بالله ، فإنّ العبد والأمة إذا كانا مشركين لم يرتفع لهما إلى الله

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) في "ج" : القنبرة .

(٣) في "ب" : فهي .


عَزَّ وجَلَّ عمل ، فهذه أقفال السماوات ، قالوا : أخبرنا عن مفاتيح هذه الأقفال ، قال عليه‌السلام : مفاتيحها شهادة (١) أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً عبده ورسوله .

قالوا : أخبرنا عن قبر سار بصاحبه ، قال : ذلك الحوت حين ابتلع يونس بن متّى فدار به في البحار السبعة ، قالوا : فأخبرنا عمّن أنذر قومه لا من الجن ولا من الإنس ، قال : تلك نملة سليمان إذ قالت : يا أيّها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان وجنوده ، قالوا : أخبرنا عن خمسة أشياء مشوا على الأرض لم يُخلقوا في الأرحام ، قال عليه‌السلام : ذاك آدم ، وحوّاء ، وناقة صالح ، وكبش إبراهيم ، وعصى موسى عليه‌السلام .

قالوا : أخبرنا ما يقول الدرّاج في صياحه ، قال : يقول : الرحمن على العرش استوى ، قالوا : أخبرنا ما يقول الديك في صدحه ، قال : فإنّه يقول : اذكروا الله يا غافلين ، قالوا : أخبرنا ما يقول الفرس في صهيله ، قال : يقول : اللّهمّ انصر عبادك المؤمنين على عبادك الكافرين ، قالوا : أخبرنا ما يقول الحمار في نهيقه ، قال : الحمار يلعن العشار (٢) وينهق في أعين الشياطين .

قالوا : أخبرنا ما يقول الضفدع في نقيقه ، قال : الضفدع يقول : سبحان ربّي المعبود المسبَّح في لجج البحار ، قالوا : فأخبرنا ما يقول القبّر (٣) في أنيقه ، قال : يقول : اللّهمّ العن مبغض محمد ومبغض آل محمد ومبغض أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال : وكانت الأحبار ثلاثة فوثب اثنان وقالا : نشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً عبده ورسوله ، قال : فوقف الحبر الآخر (٤) فقال : يا عليّ ، لقد وقع في قلبي ما

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : أشهد .

(٢) في "ج" : العشارين .

(٣) في "ج" : القنبرة .

(٤) في "ب" : الثالث .


وقع في قلوب أصحابي ولكن بقيت خصلة ، أخبرني عن قوم كانوا في أوّل الزمان ، فماتوا ثلاثمئة سنة وتسع سنين ثمّ أحياهم الله ، ما كانت قصّتهم؟

فابتدأ عليه‌السلام فقال : بسم الله الرحمن الرحيم ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ) ، أراد أن يقرأ سورة الكهف فقال اليهودي : ما أكثر ما سمعنا قراءتكم (١) ، فإن كنت فاعلاً (٢) فأخبرنا بقصّة هؤلاء وبأسمائهم وعددهم ، واسم كلبهم ، واسم كهفهم ، واسم ملكهم ، واسم مدينتهم .

فقال عليّ عليه‌السلام : لا حول ولا قوّة إلاّ بالله ! يا أخا اليهود ، حدّثني حبيبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه كان بأرض الروم مدينة يقال لها : "أُقْسوس" ، وكان لها ملك صالح ، فمات ملكهم وتشتّت أمرهم (٣) واختلفت كلمتهم ، فسمع بهم ملك من ملوك فارس يقال له : "دقيانوس" فأقبل في مئة ألف حتّى دخل مدينة "أُقْسوس" فاتّخذها دار مملكته ، واتّخذ فيها قصراً طوله فرسخ في عرض فرسخ ، واتّخذ في ذلك القصر مجلساً طوله ألف ذراع في عرض ذلك من الزجاج الممرّد .

واتّخذ في المجلس أربعة آلاف أُسطوانة من ذهب ، واتّخذ ألف قنديل من ذهب لها سلاسل من اللجين تسرج بأطيب الأدهان ، واتّخذ في شرقي المجلس ثمانين كوّة وفي غربيّه ثمانين كوّة ، وكانت الشمس إذا طلعت تدور في المجلس كيف ما دارت ، واتّخذ سريراً من ذهب [ طوله ثمانون ذراعاً في أربعين ذراعاً ] (٤) له قوائم من فضة مرصّعة بالجواهر وعلاه بالنمارق ، واتّخذ عن يمين السرير ثمانين كرسياً من الذهب مرصعة بالزبرجد الأخضر فأجلس عليها بطارقته ، واتّخذ عن يسار السرير ثمانين كرسياً من الفضة مرصّعة بالياقوت الأحمر فأجلس عليها هراقلته ،

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : من قرآنكم .

(٢) في "ج" : عالماً .

(٣) في "ج" : تشتّتت اُمورهم .

(٤) أثبتناه من "ج" .


ثمّ جلس على السرير فوضع التاج على رأسه .

قال : فوثب اليهودي فقال : يا أمير المؤمنين ممّ كان تاجه ؟ فقال عليه‌السلام : لا حول ولا قوّة إلاّ بالله ، كان تاجه من الذهب المشبّك له شبه سبعة أركان ، على كلّ ركن لؤلؤة بيضاء [ تضيء ] (١) كضوء المصباح في الليلة الظلماء ، واتّخذ خمسين غلاماً من أولاد الهراقلة فقرطقهم بقراطق (٢) الديباج الأحمر ، وسرولهم سراويلات من الفرند الأخضر ، وتوّجهم ودملجهم وخلخلهم وأعطاهم أعمدة من الذهب وأوقفهم على رأسه ، واتّخذ ستّة أغلمة (٣) من أولاد العلماء واتّخذهم وزراءه ، فأقام ثلاثة عن يمينه وثلاثة عن يساره .

قال اليهودي : ما كان أسماء الثلاثة الذين عن يمينه والثلاثة الذين عن يساره ؟ فقال عليه‌السلام : أمّا الثلاثة الذين كانوا عن يمينه فكان أسماؤهم : تمليخا ومكسلمينا ومحسمينا (٤) ، وأمّا الثلاثة الذين كانوا عن يساره فكانت أسماؤهم : مرطوس وكينطوس وسارينوس (٥) ، وكان يستشيرهم في جميع أموره .

قال : وكان يجلس كلّ يوم في صحن داره والبطارقة عن يمينه والهراقلة عن يساره ، قال : ويدخل ثلاثة أغلمة في يد أحدهم جام من ذهب مملوء من المسك المشرق (٦) ، وفي يد الآخر جام من فضّة مملوء من ماء الورد ، وفي يد الآخر طائر أبيض له منقار أحمر .

قال : فإذا نظر إلى ذلك الطائر صفر به ، فيطير الطير (٧) حتّى يقع في جام ماء

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) في "ج" : فقرطهم بقراط .

(٣) في "ج" : غلمان .

(٤) في "ج" : مجسلينا .

(٥) في "ب" : مرطوس وكسطوس وسارسوس وفي "ج" : مرنوس وديرنوس وشاذرنوس .

(٦) في "ج" : المسحوق .

(٧) في "ج" : الطائر .


الورد ، فيتمرّغ فيه فيحمل ما في الجام بريشه وجناحيه ، ثمّ يصفر به الثانية ، فيطير الطائر حتّى يقع في جام المسك ، فيحمل ما في الجام بريشه وجناحيه ، ثمّ يصفر به الثالثة فيطير الطائر على تاج الملك فينفض ريشه وجناحيه على رأس الملك .

فلمّا نظر (١) الملك إلى ذلك عتا (٢) وتجبّر وادّعى الربوبية من دون الله عَزَّ وجَلَّ ، قال : فدعا إلى ذلك وجوه قومه ، فكلّ من أطاعه على ذلك أعطاه وحباه وكساه ، وكلّ من لم يتابعه قتله ، فاستجاب له أناس فاتّخذ لهم عيداً في كلّ سنة مرّة (٣) ، فبينما هم ذات يوم في عيدهم والبطارقة عن يمينه والهراقلة عن شماله إذا ببطريق من بطارقته قد أخبره أن عساكر الفرس قد غشيته ، فاغتمّ لذلك غمّاً شديداً حتّى سقط التاج عن ناصيته (٤) .فنظر إليه أحد الفتية الثلاثة الذين كانوا عن يمينه يقال له "تمليخا" فقال في نفسه : لو كان دقيانوس إلهاً كما يزعم ما كان يغتمّ ولا كان يفزع ، ولا كان يبول ولا يتغوّط ، ولا كان ينام ولا كان يستيقظ ، وليس هذا من فعل الآلهة .

قال : وكان الفتية الستّة كلّ يوم عند أحدهم يأكلون ويشربون ، وكان ذلك اليوم يوم (٥) تمليخا ، فاتّخذ لهم من أطيب الطعام وأعذب الشراب ، فطعموا وشربوا ثمّ قال : يا أخوتاه ، قد وقع في نفسي شيء قد منعني الطعام والشراب والمنام ، قالوا : وما ذلك يا تمليخا ؟ قال : أطلت فكري في هذه السماء فقلت : من رفع سقفها محفوظاً بلا علاقة من فوقها ولا دعائم من تحتها ؟ ومن أجرى فيها شمساً وقمراً نيّران مضيئان (٦) ؟ ومن زيّنها بالنجوم؟

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : رأى .

(٢) في "ب" و "ج" : طغى .

(٣) في "ب" : مرّتين .

(٤) في "ج" : رأسه .

(٥) في "ج" : وكانوا في ذلك اليوم عند تمليخا .

(٦) في "ج" : آيتين مبصرتين .


ثمّ أطلت الفكر في هذه الأرض فقلت : من سطحها على صميم الماء الزاخر ؟ ومن حبسها بالجبال أن تميد على كلّ شيء ، وأطلت فكري في نفسي فقلت : من أخرجني جنيناً من بطن أمي ؟ ومن غذّاني ؟ ومن ربّاني في بطنها ؟ إن لهذا صانعاً ومدبراً غير دقيانوس الملك ، وما هو إلاّ ملك الملوك وجبّار السماوات .

فأكبّت (١) الفتية على رجليه يقبّلوهما ويقولون له : قد هدانا الله من الضلالة إلى الهدى بك فأشر علينا ، قال : فوثب تمليخا فباع تمراً من حائط له بثلاثة دراهم (٢) وصرّها في كمّه وركبوا على خيولهم وخرجوا من المدينة ، فلمّا ساروا ثلاثة أميال قال تمليخا : يا أخوتاه ، ذهب ملك الدنيا وزال أمرها انزلوا عن خيولكم ، وامشوا على أرجلكم [ لعلّ الله يجعل لكم من أمركم فرجاً ومخرجاً ، فنزلوا عن خيولهم ] (٣) ، ومشوا سبع فراسخ في ذلك اليوم ، فجعلت أرجلهم تقطر دماً .

قال : فاستقبلهم راع فقالوا : يا أيّها الراعي ، هل من شربة لبن ؟ هل من شربة ماء ؟ فقال الراعي : عندي ما تحبّون ولكن أرى وجوهكم وجوه الملوك ، وما أظنّكم إلاّ هراباً من دقيانوس الملك ، فقالوا : يا أيّها الراعي ، لا يحلّ لنا الكذب ، أفينجينا معك الصدق ؟ قال : نعم ، فأخبروه بقصّتهم ، فأكبّ الراعي على أرجلهم يقبّلها وقال : يا قوم ! لقد وقع في قلبي ما وقع في قلوبكم ، ولكن أمهلوني حتّى أردّ الأغنام على أربابها وألحق بكم ، فوقفوا له فردّ الأغنام وأقبل يسعى يتبعه كلب له .

فقال اليهودي : يا عليّ ، ما كان اسم الكلب وما لونه ؟ قال عليّ عليه‌السلام : يا أخا اليهود ، أمّا لون الكلب فكان أبلق بسواد ، وأمّا اسمه فكان قطمير ، فلمّا نظر الفتية إلى الكلب قال بعضهم لبعض : إنّا نخاف أن يفضحنا هذا الكلب بنباحه ،

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : قال : فانكبّت .

(٢) في "ج" : بثلاثة آلاف درهم .

(٣) أثبتناه من "ج" .


فألحّوا عليه بالحجارة ، فلمّا نظر الكلب إليهم قد ألحّوا عليه بالطرد أقعى على ذنبه وتمطى ، ونطق بلسان طلق ذلق وهو ينادي : يا قوم لِمَ تطردوني (١) وأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ؟ ذروني أحرسكم عن عدوّكم ، قال : فجعلوا يبتدرونه فحملوه على أعناقهم .

قال : فلم يزل الراعي يسير بهم حتّى علا بهم جبلاً ، فانحطّ بهم على كهف يقال له "الوصيد" فإذا بإزاء الكهف عين وأشجار مثمرة ، فأكلوا من الثمرة وشربوا من الماء ، وجنّهم الليل فآووا إلى الكهف ، فأوحى الله جلّ جلاله إلى ملك الموت أن يقبض أرواحهم ، ووكّل الله عَزَّ وجَلَّ بكلّ رجل منهم ملكين يقلبانهم ذات اليمين إلى ذات الشمال ومن ذات الشمال إلى ذات اليمين ، فأوحى الله إلى خزّان الشمس وكانت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وتقرضهم ذات الشمال .

فلمّا رجع دقيانوس من عيده سأل عن الفتية فأُخبر أنهم خرجوا هراباً ، فركب في ثمانين ألف حصان ، فلم يزل يقفو أثرهم حتّى علا الجبل وانحطّ إلى الكهف ، فلمّا نظر إليهم إذا هم نيام ، فقال الملك : لو أردت أن أعاقبهم بشيء ما عاقبتهم بأكثر ما عاقبوا به أنفسهم ولكن ائتوني بالبنائين ، وسدّ باب الكهف بالكلس (٢) والحجارة ، ثمّ قال لأصحابه : قولوا لهم يقولون لإلههم الذي في السماء يذهب بهم (٣) إن كانوا صادقين أن يخرجهم من هذا الموضع .

ثمّ قال عليّ عليه‌السلام : يا أخا اليهود ، فمكثوا ثلاثمئة سنة وتسع سنين ، فلمّا أراد الله أن يحييهم أمر إسرافيل الملك أن ينفخ فيهم الروح ، قال : فنفخ فقاموا من رقدتهم ، فلمّا أن بزغت الشمس قال بعضهم لبعض : قد غفلنا هذه الليلة عن عبادة

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : أتطردوني .

(٢) الكِلْسُ : مثل الصاروج يُبنى به ، وقيل : الكلس ما طُلي به حائط أو باطن قصر شبه الجِصّ من غير آجر (لسان العرب)

(٣) في "ج" : لينجيهم ممّا بهم .


إله السماوات ، فقاموا فإذا العين قد غارت والأشجار قد جفّت ، فقال بعضهم لبعض : إنّ في أمرنا لعجباً ، مثل تلك العين الغزيرة قد غارت في ليلة واحدة ، ومثل تلك الأشجار قد جفّت في ليلة .

قال : ومسّهم الجوع فقالوا : ابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيّها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه ، وليتلطّف ولا يشعرنّ بكم أحداً ، فقال لهم تمليخا : لا يذهب في حوائجكم غيري ، ولكن ادفع إليّ أيّها الراعي ثيابك ، قال : فدفع الراعي ثيابه إليه ومضى إلى المدينة ، فجعل يرى مواضع لا يعرفها وطرقاً هو منكرها حتّى أتى باب المدينة ، وإذا عليه علم أخضر مكتوب عليه بصفرة : "لا إله إلاّ الله عيسى رسول الله [ وروحه ] (١) " .

قال : فجعل ينظر إلى العلم ويمسح عينيه ويقول : كأنّي نائم ، ثمّ دخل المدينة حتّى أتى السوق ، فإذا رجل خبّاز فقال : أيّها الخبّاز ما اسم مدينتكم هذه ؟ قال : أُقْسوس ، قال : وما اسم ملككم ؟ قال : عبد الرحمن ، قال : يا هذا حرّكني كأنّي نائم ، فقال الخبّاز : أتهزأ بي ؟ تكلّمني وأنت نائم ، فقال تمليخا للخبّاز : فادفع إليّ بهذا الورق طعاماً .

قال : فتعجّب الخبّاز من ثقل الدرهم ومن كبره ، قال : فوثب اليهودي وقال : يا عليّ ، وما كان وزن كلّ درهم ؟ قال عليّ عليه‌السلام : يا أخا اليهود ، كان وزن كلّ درهم منها عشرة دراهم وثلثي درهم ، فقال له الخباز : يا هذا إنّك أصبت كنزاً ؟ فقال تمليخا : ما هذه إلاّ ثمن تمرة بعتها منذ ثلاث ، وخرجت من هذه المدينة وتركت الناس يعبدون دقيانوس الملك ، فغضب وقال : ألا تعطيني بعضها وتنجو ، تذكر رجلاً خمّاراً (٢) كان يدّعي الربوبية قد مات أكثر من ثلاثمئة سنة .

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) في "ب" : جبّاراً .


قال : فتثبت بتمليخا حتّى أدخله على الملك فقال : ما شأن هذا الفتى ؟ قال الخباز : هذا الرجل أصاب كنزاً ، قال له الملك : يا فتى ، لا تخف فإنّ نبيّنا عيسى بن مريم عليه‌السلام أمرنا أن لا نأخذ من الكنوز إلاّ خمسها ، فأعطني خمسها وامض سالماً .

قال تمليخا : انظر أيّها الملك في أمري ما أصبت كنزاً ، أنا من أهل هذه المدينة ، فقال له الملك : أنت من أهلها ؟ قال : نعم ، قال : فهل تعرف بها أحداً ؟ قال : نعم ، قال : فسمّ ، قال : فسمّى تمليخا نحواً من ألف رجل لا يعرف منهم رجل واحد ، قال (١) : ما هذه الأسماء أسماء أهل زماننا ، قال : فهل لك في هذه المدينة دار ؟ قال : نعم ، اركب أيّها الملك معي .

قال : فركب الناس معه فأتى بهم أرفع باب دار بالمدينة ، فقال تمليخا : هذه الدار داري ، فقرع الباب فخرج إليهم شيخ كبير قد وقع حاجباه على عينيه من الكبر فقال : ما شأنكم ؟ فقال له الملك : أتينا بالعجب ، هذا الغلام يزعم أن هذه الدار داره ، فقال له الشيخ : من أنت ؟ فقال : أنا تمليخا قسطيطين (٢) .

قال : فأكبّ الشيخ على رجليه يقبّلها ويقول : هذا جدّي وربّ الكعبة ، فقال : أيّها الملك هؤلاء الستّة الذين خرجوا هرابا من دقيانوس الملك ، قال : فنزل الملك عن فرسه وحمله على عاتقه ، وجعل الناس يقبّلون يديه ورجليه ، فقال : يا تمليخا ما فعل أصحابك ؟ فأخبرهم أنهم في الكهف ـ وكان يومئذٍ بالمدينة واليها ملكان : ملك مسلم وملك نصراني ـ فركبا أصحابهما .

فلمّا صاروا قريباً من الكهف قال لهم تمليخا : يا قوم ، إنّي أخاف أن يسمع أصحابي أصوات حوافر الخيل فيظنّوا أنّ دقيانوس الملك قد جاء في طلبهم ، ولكن

ـــــــــــــــــ

(١) زاد في "ج" : قال : ما اسمك ؟ قال : اسمي تمليخا ، قال : .

(٢) في "ج" : تمليخا بن قسطين .


أمهلوني حتّى أتقدّم فاُخبرهم ، قال : فوقف الناس وأقبل تمليخا حتّى دخل الكهف ، فلمّا نظروا إليه اعتنقوه وقالوا : الحمد لله الذي نجّاك من دقيانوس .

قال تمليخا : دعوني عنكم وعن دقيانوس ، كم لبثتم ؟ قالوا : لبثنا يوماً أو بعض يوم ، قال تمليخا : بل لبثتم ثلاثمئة وتسع سنين ، وقد مات دقيانوس وذهب قرن بعد قرن ، وبعث الله عَزَّ وجَلَّ نبيّاً يقال له المسيح عيسى بن مريم ، ورفعه الله عَزَّ وجَلَّ إليه ، وقد أقبل إلينا الملك والناس معه ، قالوا : يا تمليخا ، أتريد أن تجعلنا فتنة للعالمين ؟ قال تمليخا : فما تريدون ؟ قالوا : تدعو (١) الله وندعوه معك أن يقبض أرواحنا ، ويجعل عشانا عنده في الجنّة .

قال : فرفعوا أيديهم وقالوا : إلهنا بحقّ ما أُتينا (٢) من الدين فمر بقبض أرواحنا ، فأمر الله عَزَّ وجَلَّ بقبض أرواحهم ، وطمس الله عَزَّ وجَلَّ على باب الكهف عن الناس ، وأقبل الملكان يطوفان على باب الكهف سبعة أيّام لا يجدان للكهف باباً ، فقال الملك المسلم : ماتوا على ديننا أبني على باب الكهف مسجداً ، قال النصراني : لا بل ماتوا على ديني ابني على باب الكهف ديراً ، فاقتتلا فغلب المسلم النصراني وبنى على باب الكهف مسجداً .

ثمّ قال عليّ عليه‌السلام : سألتك بالله يا يهودي أيوافق ما في توراتكم ؟ فقال اليهودي : والله ما زدت حرفاً ولا نقصت حرفاً ، وأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، وأنّك يا أمير المؤمنين وصيّ رسول الله ، فأسلم ، وهذا ما انتهى إلينا من حديث أهل الكهف ، والحمد لله حقّ حمده وصلّى الله على محمد وآله (٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : اُدع .

(٢) في "ج" : آتيناه .

(٣) راجع عرائس المجالس : ٣٧١; وكشف اليقين : ٤٣١; وقصص الأنبياء للراوندي : ٢٥٥ ح٣٠٠; عنه البحار ١٤ : ٤١١ ح١; وتفسير البرهان ٢ : ٤٦٠ ح٢; والتحصين : ٦٤٢ باب ٢٧ .


 [في إجابتهعليه‌السلام عن مسائل قيصر]

بحذف الإسناد قال : لمّا جلس عمر في الخلافة جرى بين رجل من أصحابه يقال له الحارث بن سنان الأزدي وبين رجل من الأنصار كلام ومنازعة ، فلم ينتصف له عمر فلحق الحارث بن سنان بقيصر وارتدّ عن الإسلام ، ونسى القرآن كلّه إلاّ قوله عَزَّ وجَلَّ : ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (١) .

فسمع قيصر هذا الكلام قال : سأكتب إلى ملك العرب بمسائل فإن أخبرني بتفسيرها (٢) أطلقت مَنْ عندي مِن الأُسارى ، وإن لم يخبرني بتفسير مسائلي عهدت إلى الأُسارى فعرضت عليهم النصرانية ، فمن قبل منهم استعبدته ومن لم يقبل قتلته .

وكتب إلى عمر بن الخطاب بمسائل أحدها سؤاله عن تفسير الفاتحة ، وعن الماء الذي ليس من الأرض ولا من السماء ، وعمّا يتنفّس ولا روح فيه ، وعن عصى موسى ممّ كانت وما اسمها وما طولها ، وعن جارية بكر لأخوين في الدنيا وفي الآخرة لواحد ، فلمّا وردت هذه المسائل على عمر لم يعرف تفسيرها ففزع في ذلك إلى عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، فكتب إلى قيصر :

(من عليّ بن أبي طالب صهر محمد ، ووارث علمه ، وأقرب الخلق إليه ، ووزيره ، ومن حقّت له الولاية ، وأمر الخلق بالبراءة من أعدائه ، قرّة عين رسول الله ، وزوج ابنته وأبو ولده (٣) إلى قيصر ملك الروم ، أمّا بعد فإنّي أحمد الله الذي لا إله إلاّ هو ، عالم الخفيّات ، ومنزل البركات ، من يهدي الله فلا مضلّ له ، ومن يضلل الله

ـــــــــــــــــ

(١) آل عمران : ٨٥ .

(٢) في "ج" : عنها .

(٣) في "ب" : ولديه .


فلا هادي له .

ورد كتابك وأقرأنيه عمر بن الخطاب ، فأمّا سؤالك عن اسم الله فإنّه اسم فيه شفاء من كلّ داء وعون على كلّ دواء .

وأمّا (الرَّحْمَنِ) ، فهو عون لكلّ من آمن به ، وهو اسم لم يتسمّ به غير الرحمن تبارك وتعالى (١) .

وأمّا ( الرَّحِيمِ ) ، فرحيم (٢) من عصى وتاب وآمن وعمل صالحاً .

وأمّا قوله : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ، فذلك ثناء منّا على ربّنا تبارك وتعالى بما أنعم علينا .

وأمّا قوله : (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، فإنّه يملك نواصي الخلق يوم القيامة ، وكلّ من كان في الدنيا شاكّاً أو جبّاراً أدخله النار ، ولا يمتنع من عذاب الله عَزَّ وجَلَّ شاك ولا جبّار ، وكلّ من كان في الدنيا طائعاً مديماً محا خطاياه وأدخله الجنّة برحمته .

وأمّا قوله : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) ، فإنّا نعبد الله ولا نشرك به شيئاً .

وأمّا قوله : ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، فإنّا نستعين بالله عَزَّ وجَلَّ على الشيطان لا يضلّنا كما أضلّكم .

وأمّا قوله : (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) ، فذلك الطريق الواضح من عمل في الدنيا عملا صالحاً فإنّه يسلك على الصراط إلى الجنّة .

وأمّا قوله : ( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ، فتلك النعمة التي أنعمها الله عَزَّ وجَلَّ على من كان قبلنا من النبيّين والصدّيقين ، فنسأل الله ربّنا أن ينعم علينا كما أنعم عليهم .

وأمّا قوله عَزَّ وجَلَّ : (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) ، فأولئك اليهود بدّلوا نعمة الله كفراً فغضب عليهم ، فجعل منهم القردة والخنازير ، فنسأل الله ربّنا أن لا يغضب علينا كما غضب عليهم .

وأمّا قوله : ( وَلَا الضَّالِّينَ ) ، فأنت وأمثالك يا عابد الصليب الخبيث ضللتم من بعد عيسى بن مريم ، نسأل الله ربّنا أن لا يضلّنا كما ضللتم .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : غيره هو الله تبارك وتعالى .

(٢) في "ب" : فرحم .


و أمّا سؤالك عن الماء الذي ليس من الأرض ولا من السماء ، فذلك الذي بعثه بلقيس إلى سليمان بن داود عليه‌السلام ، وهو عرق الخيل إذا جرت في الحروب .

وأمّا سؤالك عمّا يتنفّس ولا روح له ، فذلك الصبح إذا تنفّس .

وأمّا سؤالك عن عصى موسى ممّا كانت وما طولها وما اسمها وما هي ، فإنّها كان يقال لها : البرنية ، وتفسير البرنية : الزائدة (١) ، وكان إذا كانت فيها الروح زادت وإذا خرجت منها الروح نقصت ، وكانت من عوسج ، وكانت عشرة أذرع ، وكانت من الجنّة أنزلها جبرئيل عليه‌السلام على شعيب عليه‌السلام .

وأمّا سؤالك عن جارية تكون في الدنيا لأخوين وفي الآخرة لواحد ، فتلك النخلة هي في الدنيا لمؤمن مثلي ولكافر مثلك ونحن من ولد آدم ، وفي الآخرة للمسلم دون المشرك وهي في الجنّة ليست في النار ، وذلك قوله عَزَّ وجَلَّ : ( فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ) (٢) ) .

ثمّ طوى الكتاب وأنفذه ، فلمّا قرأه قيصر عمد إلى الأُسارى واختارهم ودعا أهل مملكته إلى الإسلام والإيمان بمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فاجتمعت عليه النصارى وهمّوا بقتله ، فجاء بهم (٣) فقال : يا قوم ، إنّي أردت أن أجرّبكم ، وإنّما أظهرت منه ما أظهرت لأنظر كيف تكونون ، فقد حمدت الآن أمركم عند الاختبار ، فسكنوا (٤) واطمأنّوا فقالوا : كذلك الظنّ بك .

وكتم قيصر إسلامه حتّى مات وهو يقول لخواص أصحابه ومن يثق به : إنّ عيسى عليه‌السلام عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبيّ بعد عيسى ، وأنّ عيسى بشّر أصحابه بمحمد صلى الله عليه

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : الزابدة .

(٢) الرحمن : ٦٨ .

(٣) في "ج" : فأجابهم .

(٤) في "ج" : فسكتوا .


وآله ويقول : من أدركه منكم فليقرأه منّي السلام ، فإنّه أخي وعبد الله ورسوله .

ومات قيصر على القول مسلماً ، فلمّا مات وتولّى بعده هرقل أخبروه بذلك ، قال : اكتموا هذا وأنكروه ولا تقرّوا فإنّه إن ظهر طمع ملك العرب ، وفي ذلك فسادنا وهلاكنا ، فمن كان من خواص قيصر وخدمه وأهله على هذا الرأي كتموه ، وهرقل أظهر النصرانية وقوى أمره ، والحمد لله وحده وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وسلّم (١) .

[خبر الراهب مع خالد بن الوليد]

بحذف الإسناد قال سهل بن حنيف الأنصاري : أقبلنا مع خالد بن الوليد فانتهينا (٢) إلى دير فيه ديراني فيما بين الشام والعراق ، فأشرف علينا وقال : من أنتم ؟ قلنا : نحن المسلمون ، أمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنزل إلينا فقال : أين صاحبكم ؟ فأتينا به خالداً ، فسلّم على خالد فردّ عليه‌السلام ، قال : وإذا بشيخ كبير ، فقال له خالد : كم أتى (٣) عليك ؟ قال : مئتا سنة وثلاثون سنة قال : منذ كم سكنت ديرك هذا ؟ قال : سكنته منذ نحو ستّين سنة ، قال : هل لقيت أحداً لقى عيسى بن مريم عليه‌السلام ؟ قال : نعم ، لقيت رجلين ، قال : وما قالا لك ؟ قال : قال لي أحدهما : إن عيسى عبد الله ورسوله وروح الله وكلمته ألقاها إلى مريم أمته ، وإنّ عيسى مخلوق غير خالق ، فقبلت منه وصدّقته ، وقال لي الآخر : إنّ عيسى هو ربّه ، فكذبّته ولعنته .

قال خالد : إن ذا لعجب ، كيف يختلفا (٤) وقد لقيا عيسى عليه‌السلام ؟ قال

ـــــــــــــــــ

(١) عنه البحار ١٠ : ٦٠ ح٤ .

(٢) في "ج" : فأتينا .

(٣) في "ج" : مضى .

(٤) في "ب" : مختلفان ، وفي "ج" : اختلفا .


الديراني : اتّبع هذا هواه وزيّن له الشيطان سوء عمله ، واتّبع ذلك الحق وهداه الله عَزَّ وجَلَّ ، قال : هل قرأت الإنجيل ؟ قال : نعم ، قال : فالتوراة ؟ قال : نعم ، قال : فآمنت بموسى ؟ قال : نعم ، قال : فهل لك في الإسلام أن تشهد أنّ محمداً رسول الله ، وتؤمن به وبما جاء به ؟ قال : آمنت به قبل أن تؤمن به وإن كنت لم أسمعه ولم أره .

قال : فأنت الساعة تؤمن بمحمد وبما جاء به ؟ قال : وكيف لا أؤمن به وقد قرأته في التوراة والإنجيل ، وبشّرني به موسى وعيسى عليهما‌السلام ، قال : فما مقامك في هذا الدير ؟ قال : فأين أذهب وأنا شيخ كبير ، ولم يكن لي أمر (١) انهض به ، وبلغني مجيئكم فكنت أنتظر أن ألقاكم وأُلقي إليكم إسلامي (٢) وأخبركم أني على ملّتكم ، فما فعل نبيّكم ؟ قالوا : توفّى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : فأنت وصيّه ؟ قال : لا ، ولكن رجل من عشيرته وممّن صحبه ، قال : فمن بعثك إلى هاهنا ؟ وصيّه ؟ قال : لا ولكن خليفته ، قال : غير وصيّه ؟ قال : نعم ، قال : فوصيّه حيّ ؟ قال : نعم ، قال : فكيف ذلك ؟ قال : اجتمع الناس على هذا الرجل ، وهو رجل من عشيرته ومن صالح الصحابة ، قال : فما أراك إلاّ أعجب من الرجلين اللذين اختلفا في عيسى وقد لقياه وسمعا به ، وهو ذا أنتم قد خالفتم نبيّكم وفعلتم مثل ما فعل ذلك الرجل .

قال : فالتفت خالد إلى من يليه وقال : هو والله ذلك ، اتّبعنا هوانا والله وجعلنا رجلاً مكان رجل ، ولولا ما كان بيني وبين عليّ من الخشونة على عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما مالأت (٣) عليه أحداً ، فقال له الأشتر النخعي ـ مالك بن الحارث : ولِمَ كان ذلك بينك وبين عليّ ما كان ؟

ـــــــــــــــــ

(١) في البحار : لم يكن لي عمر .

(٢) في "ج" : سلامي .

(٣) في "ج" : ما واليت .


قال خالد : نافسته في الشجاعة ونافسني فيها ، وكان له من السوابق والقرابة ما لم يكن لي ، فداخلني حمية قريش فكان ذلك ، ولقد عاتبتني في ذلك أم سلمة زوجة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي لي ناصحة فلم أقبل منها ثمّ عطف على الديراني فقال : هلم (١) حديثك وما تخبر (٢) ، قال : أخبرك إني كنت من أهل دين كان جديداً فخلق حتّى لم يبق منهم من أهل الحق إلاّ الرجلان أو الثلاثة ، ويخلق دينكم حتّى لا يبقى منه إلاّ الرجلان أو الثلاثة .

واعلموا أن بموت نبيّكم قد تركتم من الإسلام درجة ، وستتركون بموت وصيّ نبيّكم من الإسلام درجة أخرى ؛ إذ لم يبق أحد رأى نبيّكم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو صحبه ، وسيخلق دينكم حتّى تفسد صلاتكم وحجّكم وغزوكم وصومكم ، وترتفع الأمانة والزكاة منكم ، ولن تزال فيكم بقية ما بقي كتاب ربّكم عَزَّ وجَلَّ فيكم ، وما بقي فيكم أحد من أهل بيت نبيّكم ، فإذا رفع هذان منكم لم يبق من دينكم إلاّ الشهادتان : شهادة التوحيد وشهادة أن محمّداً رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فعند ذلك تقوم قيامتكم وقيامة غيركم ، ويأتيكم ما توعدون ، ولم تقم الساعة إلاّ عليكم لأنّكم آخر الأمم ، بكم تختم الدنيا وعليكم تقوم الساعة .

قال له خالد : قد أخبرنا بذلك نبيّنا ، فأخبرنا بأعجب شيء رأيته منذ سكنت ديرك هذا وقبل أن تسكنه ، قال : لقد رأيت ما لا أُحصي من العجب ، وأفنيت ما لا أُحصي من الخلق ، قال : فحدّثنا ببعض ما تذكره ، قال : نعم ، كنت أخرج بين الليالي إلى غدير كان في سفح الجبل أتوضّأ منه وأتزوّد من الماء ما أصعد به معي إلى ديري ، وكنت أستريح إلى النزول فيه بين العشائين ، فأنا عنده ذات ليلة إذا أنا برجل قد أقبل ، فسلّم فرددت عليه‌السلام ، فقال : هل مرّ بك قوم معهم غنم

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : هات .

(٢) في "ب" : وما الخبر .


وراعي أو حسستهم ؟ قلت : لا .

قال : إنّ قوماً من العرب مرّوا بغنم وفيها مملوك لي يرعاها ، فاستاقوها وذهبوا بالعبد معها ، قلت : وممّن أنت ؟ قال : أنا رجل من بني إسرائيل (١) ، قال : فما دينك ؟ قلت : أنت فما دينك ؟ قال : ديني اليهوديّة ، فقلت : أنا ديني النصرانيّة ، وأعرضت عنه بوجهي ، قال لي : ما لك فإنّكم أنتم ركبتم الخطأ ودخلتم فيه وتركتم الصواب ، فلم يزل يحاورني فقلت له : هل لك أن نرفع أيدينا فنبتهل ؟ فأيّنا كان على الباطل دعونا الله عليه أن ينزل عليه ناراً تحرقه من السماء .

فرفعنا أيدينا فما استتمّ الكلام حتّى نظرت إليه يلتهب وما تحته من الأرض ، فلم ألبث أن أقبل رجل فسلّم ، فرددت عليه فقال : هل رأيت رجلاً من صفته كيت وكيت ؟ قلت : نعم وحدّثته ، قال : كذبت ولكنّك قتلت أخي يا عدوّ الله ـ وكان مسلماً ـ فجعل يسبّني فجعلت أردّه عنّي بالحجارة ، وأقبل يشتمني ويشتم المسيح ومن هو على دين المسيح ، فبينما هو كذلك إذ نظرت إليه يحترق وقد أخذته النار التي أخذت أخاه ، ثمّ هوت به النار في الأرض .

فبينما أنا كذلك قائماً أتعجّب إذ أقبل رجل ثالث : فسلّم فرددت عليه‌السلام ، فقال : هل رأيت رجلين من حالهما وصفتهما كيت وكيت ؟ قلت : نعم وكرهت أن أُخبره كما أخبرت أخاه فيقاتلني ، فقلت له : هلمّ أُريك أخويك ، فانتهيت به إلى موضعهما ، فنظر إلى الأرض يخرج منها الدخّان ، فقال : ما هذه ؟ فأخبرته ، فقال : والله لئن أجابني أخواي بتصديقك لأتّبعك (٢) في دينك ، ولئن كان غير ذلك لأقتلنّك أو تقتلني .

فصاح به : يا دانيال أحق ما يقول هذا الرجل ، قال : نعم يا هارون ، فصدّقه

ـــــــــــــــــ

(١) هكذا في "ألف" والبحار ، لكن زاد في "ب" و "ج" : فمن أنت ؟ قلت : أنا رجل من بني إسرائيل .

(٢) في "ب" : لاتّبعتك .


فقال : أشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته وعبده ورسوله ، قلت : الحمد لله الذي قد هداك ، قال : فإنّي أجبتك (١) في الله وأنّ لي أهلاً وولداً وغنماً ولولاهم لسحت في الأرض ، ولكن بقياي (٢) عليهم شديدة ، وأرجو أن أكون في القيامة بهم مأجوراً ، ولعلّي أنطلق فآتي بهم فأكون بالقرب معك .

فانطلق فغاب عنّي ليالي ثمّ إنّه أتاني فهتف بي ليلة من الليالي ، فإذا هو قد جاء ومعه أهله وغنمه ، فضرب له خيمة هاهنا بالقرب منّي ، فلم أزل أنزل إليه في آناء الليل وأتعاهده وألاقيه [وأقعد عنده] (٣) ، وكان لي أخ صدق في الله ، فقال لي ذات ليلة : يا هذا ، إنّي قرأت في التوراة فإذا فيها صفة محمد النبيّ الأمين (٤) ، فقلت : وأنا قرأت صفته في التوراة والإنجيل فآمنت به ، وعلمته من الإنجيل وأخبرته بصفته في الإنجيل ، فآمنّا به ـ أنا وهو ـ وأحببناه وتمنّينا لقاءه .

قال : فمكث كذلك زماناً وكان من أفضل ما رأيت وكنت أستأنس إليه ، وكان من فضله انّه يخرج بغنمه يرعاها ، فينزل بالمكان المجدب (٥) فيصير ما حوله أخضر من البقل ، وكان إذا جاء المطر جمع غنمه حوله فيصير حول غنمه وخيمته مثل الإكليل من أثر المطر ولم يصب خيمته ولا غنمه منه شيء ، وإذا كان الصيف كان على رأسه أينما توجّه سحابة ، وكان بيّن الفضل كثير الصوم والصلاة .

قال : فحضرته الوفاة فدعيت إليه فقلت له : ما كان سبب مرضك ولم أعلم به ؟ قال : إني ذكرت خطيئة فارقتها في حداثتي فغشي عليّ ثمّ أفقت ، ثمّ ذكرت خطيئة أخرى فغشي عليّ فأورثني ذلك مرضاً ، فلست أدري ما حالي ، ثمّ قال : فإن

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : أحببتك في الله ، وفي البحار : فإنّي أُواخيك في الله .

(٢) في "ج" : محنتي بقيامي ، وفي البحار : مفارقتي .

(٣) أثبتناه من "ج" .

(٤) في البحار : النبيّ الأمي .

(٥) المِجْدابُ : الأرض التي لا تكاد تُخْصِبُ (القاموس)


لقيت (١) محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبيّ الرحمة فاقرأه منّي السلام ، وإن لم تلقه ولقيت وصيّه فاقرأه منّي السلام ، وهي حاجتي إليك ووصيّتي ، قال الديراني : وإنّي مودعكم إلى وصيّ أحمد منّي ومن صاحبي السلام .

قال سهل بن حنيف : فلمّا رجعنا إلى المدينة لقيت علياً عليه‌السلام فأخبرته خبر الديراني وخبر خالد ، وما أودعنا إليه الديراني من السلام منه ومن صاحبه ، قال : فسمعته يقول : وعليهما وعلى من مثلهما السلام ، وعليك يا سهل بن حنيف السلام ، وما رأيته اكترث بما أخبرته من خالد بن الوليد وما قال ، وما ردّ عليّ شيئاً غير أنّه قال : يا سهل بن حنيف ، إن الله تبارك وتعالى بعث محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يبق في الأرض شيء إلاّ علم أنّه رسول الله إلاّ أشقى الثقلين وعصاتهما ، قال سهل : وما في الأرض من شيء داحره (٢) إلاّ شقيّ الثقلين وعصاتهما .

قال سهل : فعبرنا (٣) زماناً ونسيت ذلك ، فلمّا كان من أمر عليّ ما كان توجّهنا معه ، فلمّا رجعنا من صفين نزلنا أرضاً قفراء ليس بها ماء فشكونا ذلك إلى عليّ ، فانطلق يمشي على قدميه حتّى انتهى إلى موضع كأنّه يعرفه ، فقال : احفروا هاهنا ، فحفرنا فإذا صخرة صماء عظيمة ، قال : اقلعوها ، قال : فجهدنا أن نقلعها فما استطعنا ، قال : فتبسّم أمير المؤمنين عليه‌السلام من عجزنا عنها ، ثمّ أهوى بيديه جميعاً كأنّما كانت في يده كرة فإذا تحتها عين بيضاء كأنّها من شدّة بياضها اللجين المجلو ، قال : دونكم فاشربوا واسقوا وتزوّدوا ثمّ آذنوني بها .

قال : ففعلنا ثمّ أتينا ، فأقبل يمشي إليها بغير رداء ولا حذاء ، فتناول الصخرة بيده ثمّ دحا بها في فم العين فألقمها إيّاها ، ثمّ حثا بيده التراب عليها ، وكان ذلك بعين

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : رأيت .

(٢) دَحَرَهُ يَدْحَرُهُ دَحْراً ودُحُوراً : دفعه وأبعده (لسان العرب) وجاء في "ج" : (ما في الأرض من شيء ذي حسرة) ، وفي البحار : ( من شيء فاخره) .

(٣) في "ج" : فعمرنا .


الديراني ، وكان بالقرب منها ومنّا يرانا ويسمع كلامنا .

قال : فنزل فقال : أين صاحبكم ؟ فانطلقنا به إلى عليّ عليه‌السلام ، فقال : أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله وأنّك وصيّ محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولقد كنت أرسلت بالسلام عنّي وعن صاحب لي مات ـ كان أوصاني بذلك ـ مع جيش لكم منذ كذا وكذا من السنين ، قال سهل : فقلت : يا أمير المؤمنين ، هذا الديراني الذي كنت أبلغتك عنه وعن صاحبه السلام ، قال : وذكر الحديث يوم مررنا مع خالد ، فقال له عليّ عليه‌السلام : وكيف علمت أني وصيّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

قال : أخبرني أبي ـ وكان قد أتى عليه العمر مثل ما أتى عليّ ـ عن أبيه ، عن جدّه ، عمّن قاتل مع يوشع بن نون وصيّ موسى عليه‌السلام حين توجّه فقاتل الجبّارين بعد موسى بأربعين سنة ، أنّه مرّوا بهذا المكان وأنّ أصحابه عطشوا ، فشكوا إليه العطش فقال : أما أن بقربكم عيناً نزلت من الجنّة استخرجها آدم عليه‌السلام ، فقام إليها يوشع بن نون فنزع عنها الصخرة ، ثمّ شرب وشرب أصحابه وسقوا ، ثمّ قلب الصخرة وقال لأصحابه : لا يقلبها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ .

قال : فتخلّف نفر من أصحاب يوشع بعدما مضى فجهدوا الجهد على أن يجدوا موضعها فلم يجدوه ، وإنّما بني هذا الدير على هذه العين وعلى بركتها وطلبتها ، فعلمت حين استخرجتها أنّك وصيّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي كنت أطلب ، وقد أحببت الجهاد معك ، قال : فحمله على فرس وأعطاه سلاحاً ، فخرج مع الناس وكان ممّن استشهد يوم النهر (١) .

قال : وفرح أصحاب عليّ بحديث الديراني فرحاً شديداً ، قال : وتخلّف قوم بعدما رحل العسكر وطلبوا العين فلم يدروا أين موضعها فلحقوا بالناس قال

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : النهروان .


صعصعة بن صوحان : وأنا رأيت الديراني يوم نزل إلينا حين قلب [عليّ عليه‌السلام الصخرة عن] (١) العين وشرب منها الناس وسمعت حديثه لعليّ ، وحدّثني ذلك اليوم سهل بن حنيف بهذا الحديث حين مرّوا مع خالد (٢) .

تمّ الحديث والحمد لله وحده ، وصلّى الله على سيّدنا محمد النبي وآله وسلّم .

عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم‌السلام قال : قام عمر بن الخطاب إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : إنّك لا تزال تقول لعليّ : (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبيّ بعدي) وقد ذكر الله هارون في القرآن ولم يذكر علياً ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عمر (٣) يا غليظ! أما سمعت قول الله عَزَّ وجَلَّ : (هَذَا صِرَاطٌ عَلَيّ مُسْتَقِيمٌ) (٤) (٥) .

[إخبارهعليه‌السلام بما يقول الناقوس]

بحذف الإسناد عن الحارث الأعور قال : بينما أنا أسير مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام في الحيرة إذا نحن بديراني يضرب الناقوس ، قال عليّ عليه‌السلام : يا حارث ، أتدري ما يقول هذا الناقوس ؟ قلت : الله ورسوله وابن عمّ رسوله أعلم .

قال : إنّه يضرب مثل الدنيا وخرابها ويقول : لا إله إلاّ الله حقّاً حقّاً ، صدقاً صدقاً إن الدنيا قد غرّتنا وشغلتنا واستهوتنا واستغوتنا يا ابن الدنيا مهلاً مهلاً ، يا

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ب" و "ج" .

(٢) عنه البحار ١٠ : ٦٢ ح٥ .

(٣) في "ج" : يا أعرابي .

(٤) الحجر : ٤١ .

(٥) مناقب ابن شهر آشوب ٣ : ١٠٧; فصل في تسميته بعلي والمرتضى . ; عنه البحار ٣٥ : ٥٨; مائة منقبة لابن شاذان : ١٣٩ ح٨٥; وفي فرايد السمطين ٢ : ٢٥٨; وشواهد التنزيل ١ : ٦٠ قطعة منه .


ابن الدنيا دقّاً دقّاً ، يا ابن الدنيا جمعاً جمعاً ، تفنى الدنيا قرناً قرناً ، ما من يوم يمضي عنّا إلاّ أوهن منّا ركناً ، قد ضيّعنا داراً تبقى واستوطنّا داراً تفنى ، لسنا ندري ما فرّطنا فيها إلاّ لو قَدِمْنا (١) .

قال الحارث : يا أمير المؤمنين ، النصارى يعلمون ذلك ؟ قال : لو علموا ذلك ما اتّخذوا المسيح إلهاً دون الله ، قال : فذهبت إلى الديراني فقلت له : بحقّ المسيح لما ضربت بالناقوس على الجهة التي تضربها ، قال : فأخذ يضرب وأنا أقول حرفاً حرفاً حتّى بلغ إلى موضع "إلاّ لو قدمنا" .

قال : بحقّ نبيّكم من أخبركم بهذا؟ قلت : هذا الرجل الذي كان معي أمس ، قال : فهل بينه وبين نبيّكم قرابة ؟ قلت : هو ابن عمّه ، قال : بحقّ نبيّكم أسَمع هذا من نبيّكم ؟ قال : قلت : نعم ، قال : فأسلم ثمّ قال : إنّي وجدت في التوراة أنّه يكون في آخر الأنبياء نبيّ وهو يفسّر ما يقول الناقوس (٢) .

 [خبر ذعلب ، وقول عليّ عليه‌السلام : سلوني قبل أن تفقدوني]

بحذف الإسناد مرفوعاً إلى الأصبغ بن نباتة قال : لما جلس عليّ عليه‌السلام في الخلافة وبايعه الناس خرج إلى المسجد (٣) متعمّماً بعمامة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لابساً بردة رسول الله ، منتعلاً بنعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، متقلّداً سيف رسول الله ، فصعد المنبر فجلس عليه‌السلام [عليه] (٤) متّكئاً (٥) ، ثمّ

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : لو قد مِتنا .

(٢) أمالي الصدوق : ١٨٧ ح٣ مجلس ٤٠; ومعاني الأخبار : ٢٣٠; عنهما البحار ١٤ : ٣٣٤ ح١; وفي مناقب ابن شهر آشوب ٢ : ٥٦ .

(٣) هكذا في النسخ ، وفي "إلف" : إلى المدينة .

(٤) أثبتناه من البحار .

(٥) في "ج" : والبحار : متمكّناً .


شبّك بين أصابعه فوضعها على بطنه وقال :

معاشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني ، هذا سفط العلم ، هذا لعاب رسول الله ، هذا ما زقّني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زقّاً زقّاً ، سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين والآخرين أما والله ، لو ثنّيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم ، وأهل التوراة بتوراتهم (١) ، حتّى ينطق التوراة والإنجيل فيقولا : صدق عليّ ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل الله عَزَّ وجَلَّ فينا ، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتّى ينطق القرآن فيقول : صدق عليّ ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ ، ولولا آية من كتاب الله لأخبرتكم بما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة ، وهي قوله تعالى : ( يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (٢) .

ثمّ قال : سلوني قبل أن تفقدوني ، فوالذي فلق الحبّة وبرئ النسمة لو سألتموني عن آية آية في ليل نزلت أم في نهار ، مكّيها ومدنيّها ، سفرها وحضرها ، ناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وتأويلها وتنزيلها لأخبرتكم .

فقام إليه رجل يقال له : "ذعلب" ـ وكان ذرب اللسان ، بليغاً في الخطب ، شجاع القلب ـ قال : لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة ، لأخجلنّه اليوم لكم بمسألتي إيّاه ، فقال : يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك؟ قال : ويلك يا ذعلب لم أكن أعبد ربّاً لم أره ، قال : فكيف رأيته ؟ صفه لنا قال : ويلك لم تره العيون بمشاهدة الأبصار (٣) ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان .

ويلك يا ذعلب إن ربّي لا يوصف بالبعد [ ولا بالقرب ] (٤) ولا بالحركة ولا بالسكون ، ولا بقيام فيقال : انتصب ، ولا بجيئة ولا بذهاب ، لطيف اللطف لا يوصف

ـــــــــــــــــ

(١) زاد في "ج" : وأهل الزبور بزبورهم .

(٢) الرعد : ٣٩ .

(٣) في "ب" : الأعيان .

(٤) أثبتناه من "ج" .


باللطف ، عظيم العظمة لا يوصف بالغلظ ، رؤوف الرحمة (١) لا يوصف بالرقة ، مؤمن لا بعبادة ، مدرك لا بحاسّة ، قائل لا بلفظ ، هو في الأشياء على غير ممازجة ، خارج منها على غير مباينة ، فوق كلّ شيء ولا يقال شيء فوقه ، وأمام كلّ شيء ولا يقال له أمام ، داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل ، خارج منها لا كشيء من شيء خارج ، فخرّ ذعلب مغشيّاً عليه ، ثمّ قال : بالله ما سمعت بمثل هذا الجواب ، والله لا عُدت إلى مثلها .

ثمّ قال عليه‌السلام : سلوني قبل أن تفقدوني .

فقام إليه الأشعث بن قيس فقال : يا أمير المؤمنين كيف يؤخذ (٢) من المجوس الجزية ولم يُبعث إليهم نبي ولم ينزل عليهم كتاب .

قال : بلى يا أشعث قد أنزل الله عليهم كتاباً ، وبعث إليهم نبيّاً حتّى كان لهم ملك سكر ذات ليلة ، فدعا إليه ابنته إلى فراشه فارتكبها ، فلمّا أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا على بابه فقالوا : أيّها الملك دنست علينا ديننا وأهلكته ، فاخرج نطهّرك ونقيم عليك الحد فقال : اجتمعوا واسمعوا كلامي فإن لم يكن لي مخرج ممّا ارتكبت وإلاّ فشأنكم ، فاجتمعوا فقال لهم : هل علمتم أن الله لم يخلق خلقاً أكرم عليه من أبينا آدم وأمنا حوّاء ؟ قالوا : صدقت أيّها الملك ، قال : أوليس قد زوّج بنيه ببناته وبناته من بنيه ؟ قالوا : صدقت هذا هو الدين ، فتعاقدوا على ذلك ، فمحا الله ما في صدورهم من العلم ، ورفع عنهم الكتاب ، فهم الكفرة يدخلون النار بغير حساب ، والمنافقون أشدّ عذاباً منهم .

فقال الأشعث بن قيس : والله ما سمعت بمثل هذا الجواب ، والله لا عُدت إلى مثلها أبداً .

ثمّ قال : سلوني قبل أن تفقدوني .

فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكّئاً

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : وذو الرحمة .٢ـ في "ج" : تأخذ .


على عصاه ، فلم يزل يتخطّى الناس حتّى دنا منه فقال : يا أمير المؤمنين ، دلّني على عمل إذا أنا عملته نجّاني الله عَزَّ وجَلَّ من النار .

فقال له : اسمع يا هذا ثمّ افهم ثمّ استيقن ، قامت الدنيا بثلاث : عالم ناطق مستعمل لعلمه ، وبغنيّ لا يبخل بماله على أهل دينه ، وبفقير صابر ، فإذا كتم العالم علمه ، وبخل الغني ، ولم يصبر الفقير فعندها الويل والثبور ، وعندها يعرف العارفون بالله إن الدار قد رجعت إلى بدئها ، أيْ الكفر بعد الإيمان .

أيّها السائل فلا تغترنّ بكثرة المساجد وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة وقلوبهم شتّى ، إنّما (١) الناس ثلاثة : زاهد ، وراغب ، وصابر ، فأمّا الزاهد فلا يفرح بشيء من الدنيا أتاه ولا يحزن على شيء منها فاته ، وأمّا الصابر فيتمنّاها بقلبه فإذا أدرك منها شيئاً صرف عنها نفسه لما يعلم من شرّ عاقبتها ، وأمّا الراغب فلا يبالي من حلٍّ أصابها أم من حرام .

قال : يا أمير المؤمنين ، فما علامة المؤمن في ذلك الزمان؟ قال : ينظر إلى ما أوجب الله عليه من حقّ يتولاّه ، وينظر إلى ما خالفه فيبرأ منه وإن كان حميماً قريباً ، قال : صدقت والله يا أمير المؤمنين ، ثمّ غاب الرجل فلم نره ، فطلبه الناس فلم يجدوه ، قال : فتبسّم عليّ عليه‌السلام .

ثمّ قال : سلوني قبل أن تفقدوني فلم يقم إليه أحد ، ثمّ قال للحسن عليه‌السلام : قم فاصعد المنبر فتكلّم بكلام لا تجهلك قريش من بعدي فيقولون : إن الحسن لا يحسن شيئاً ، فقال : يا أبت كيف أصعد وأتكلّم وأنت في الدنيا تسمع وترى ؟! قال : بأبي وأمي أواري نفسي عنك وأسمع يا ولدي ولا تراني .

فصعد الحسن عليه‌السلام المنبر فحمد الله بمحامد شريفة بليغة ، وصلّى على النبيّ وآله صلاة موجزة ، ثمّ قال : أيّها الناس سمعت جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : أيّها السائل الناس . .


يقول : أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، وهل يدخل المدينة إلاّ من بابها ؟! ثمّ نزل فوثب إليه عليّ عليه‌السلام فحمله وضمّه إلى صدره ، ثمّ قال للحسين عليه‌السلام : يا بني ، قم فاصعد المنبر فتكلّم بكلام لا تجهلك قريش من بعدي فيقولون الحسين بن عليّ لا يبصر (١) شيئاً ، وليكن كلامك تبعاً لكلام أخيك .

فصعد الحسين عليه‌السلام المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على نبيّه صلاة موجزة ، ثمّ قال : يا معشر الناس ، سمعت جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : إنّ عليّاً هو مدينة الهدى ، فمن دخلها نجا ومن تخلّف عنها هلك ، فوثب عليّ عليه‌السلام فضمّه إلى صدره فقبّله ، ثمّ قال : معاشر الناس ، اشهدوا إنهما فرخا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووديعته التي استودعنيها ، وأنا أستودعكموها أيّها الناس ، إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سائلكم عنها (٢) .

 [قوله عليه‌السلام : سلوني قبل أن تفقدوني ]

وبحذف الإسناد روي أنّ قوماً حضروا (٣) عند أمير المؤمنين عليه‌السلام وهو يخطب بالكوفة ويقول : سلوني قبل أن تفقدوني فأنا لا أُسأل عن شيء دون العرش إلاّ أجبت فيه ، لا يقولها بعدي إلاّ مدّع أو كذّاب مفتر (٤) ، فقام إليه رجل من جنب مجلسه في عنقه كتاب كالمصحف ـ وهو رجل أدم ضرب طوال جعد الشعر كأنّه من يهود العرب ـ فقال رافعاً صوته لعليّ عليه‌السلام : يا أيّها الداعي لما

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : لا يحسن شيئاً .

(٢) التوحيد للصدوق : ٣٠٤ ح١ باب ٤٢; وأمالي الصدوق : ٢٨٠ ح١ مجلس ٥٥; عنهما البحار ١٠ : ١١٧ ح١; والاختصاص : ٢٣٥ .

(٣) في "ج" : انّ يوماً حضر الناس .

(٤) قال المحدّث القمي رحمه الله في منتهى الآمال ١ : ٢٨٨ : ومن الغرائب أن مَن تفوّه بهذه الجملة بعدهعليه‌السلام انفضح أمره وذلّ عند الناس ، كما وقع هذا الأمر لابن الجوزي ، ومقاتل بن سليمان ، والواعظ البغدادي في عهد الناصر لدين الله العباسي فمن أراد المزيد فليراجع الكتاب المذكور .


لا يعلم ، والمتقدّم لما لا يفهم ، أنا سائلك فأجب .

قال : فوثب به أصحابه وشيعته من كلّ ناحية وهمّوا به ، فنهرهم عليّ عليه‌السلام وقال : دعوه ولا تعجلوه فإنّ الطيش (١) لا تقوم به حجج الله ، ولا بإعجال السائل تظهر براهين الله عَزَّ وجَلَّ ، ثم التفت إلى السائل فقال : سل بكلّ لسانك ومبلغ علمك أجبك إن شاء الله بعلم لا تختلج فيه الشكوك ، ولا يهيجنّه دنس ريب الزيغ ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله .

قال الرجل : كم بين المشرق والمغرب؟ قال عليّ عليه‌السلام : مسافة الهوى ، قال الرجل : وما مسافة الهوى؟ قال عليه‌السلام : دوران الفلك ، قال الرجل : وما دوران الفلك؟ قال عليّ عليه‌السلام : مسيرة يوم للشمس ، قال : صدقت ، فمتى القيامة؟ قال عليّ عليه‌السلام : عند حضور المنيّة وبلوغ الأجل .

قال الرجل : صدقت ، فكم عمر الدنيا؟ قال عليّ عليه‌السلام : يقال سبعة (٢) ثمّ لا تحديد ، قال الرجل : صدقت ، فأين بكّة من مكّة؟ قال عليه‌السلام : مكة أكناف الحرم وبكّة موضع البيت ، قال الرجل : صدقت ، فلم سمّيت مكة؟ قال عليه‌السلام : لأنّ الله عَزَّ وجَلَّ مدّ الأرض من تحتها ، قال صدقت ، فلم سمّيت بكة؟ قال عليّ عليه‌السلام : لأنّها بكّت رقاب الجبّارين وعنوق المذنبين .

قال : صدقت ، فأين كان الله قبل أن يخلق عرشه؟ قال عليه‌السلام : سبحان من [ لا تدركه الأبصار و ] (٣) لا تدرك كنه صفته حملة العرش على قرب ربواتهم من كرسي كرامته ، ولا الملائكة [ المقرّبون من أنوار ] (٤) سبحات جلاله ، ويحك لا يقال : الله أين ، ولا فيم ، ولا أي ، ولا كيف .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" و "ج" : فإنّ العجلة والبطش والطيش .

(٢) في البحار : سبعة آلاف .

(٣) أثبتناه من "ج" .

(٤) أثبتناه من البحار ، وفي "ج" : من زاخر رشحات جلاله .


قال الرجل : صدقت ، فكم مقدار ما لبث عرشه على الماء من قبل أن يخلق الأرض والسماء؟ قال عليه‌السلام : أتحسن تحسب؟ قال الرجل : نعم ، قال للرجل : لعلّك لا تحسن أن تحسب ، قال الرجل : بلى إنّي لأحسن أن أحسب ، قال عليه‌السلام : أرأيت إن صبّ خردل في الأرض حتّى سدّ الهواء وما بين الأرض والسماء ، ثمّ اُذن لك على ضعفك بنقله حبّة حبّة من مقدار المشرق إلى المغرب ، ومُدّ في عمرك ، وأعطيت القوّة على ذلك حتّى نقلته وأحصيته ، لكان ذلك أيسر من إحصاء عدد أعوام ما لبث عرشه على الماء من قبل أن يخلق الأرض والسماء ، وإنّما وصفت ذلك منتقص عشر عشر العشير من جزء من مائة ألف جزء ، وأستغفر الله من التقليل والتحديد .

قال : فحرّك الرجل رأسه وأنشد يقول :

أنت أصل العلم يا ذا الهدى(١)

تجلو من الشكّ الغياهبا

حُزت أقاصي علوماً(٢) فما

تبصر أن غولبت مغلوبا

تقوم إن قمت مقالاته

حولاً يعانيه وقلوبا

لا تنثني عن كلّ أُشكولة

تبدي إذا حلت أعاجيبا

لله درّ العلم من صاحب

يطلب إنساناً ومطلوباً(٣)

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إن حلقة باب الجنّة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب ، فإذا دقّت الحلقة على الصفيحة طنّت وقالت : يا عليّ (٤) .

وعن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعليّ بن أبي طالب ، وعليّ بن أبي طالب أفضل لكم من كتاب الله ،

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : أنت أهل العلم يا هادي الهدى .

(٢) في "ج" : كلّ علم .

(٣) عنه البحار ١٠ : ١٢٦ ح٦ .

(٤) أمالي الصدوق : ٤٧١ ح١٣ مجلس ٨٦; عنه البحار ٣٩ : ٢٣٥ ح١٨ .


لأنّه يترجم لكم كتاب الله (١) .

 [خبر خالد بن الوليد والطوق]

عن جابر بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن العباس قالا : كنّا جلوساً عند أبي بكر في ولايته وقد أضحى النهار وإذا بخالد بن الوليد المخزومي قد وافى في جيش قام غباره ، وكثر صواهل خيله ، وإذا بقطب رحى ملوي في عنقه قد فتل فتلاً ، فأقبل حتّى نزل عن فرسه بإزاء أبي بكر ، فرمقه الناس بأعينهم وهالهم منظره .

ثمّ قال : أعدل يا ابن أبي قحافة حيث جعلك الناس في هذا الموضع الذي ليس له أنت بأهل ، وما ارتفعت إلى هذا المكان إلاّ كما يرتفع الطافي (٢) من السمك على الماء ، وإنّما يطفو ويعلو حين لا حراك به ، ما لك ولسياسة الجيوش ، وتقويم العساكر ، وأنت بحيث أنت من لين (٣) الحسب ، ومنقوص النسب ، وضعف القوى ، وقلّة التحصيل ، لا تحمى ذماراً ، ولا تضرم ناراً ، فلا جزى الله أخا ثقيف وولد صهاك خيراً .

إنّي رجعت منكفئاً (٤) من الطائف إلى جدّة في طلب المرتدّين ، فرأيت ابن أبي طالب ومعه رهط عتاة من الدين ، حماليق شزرت أعينهم من حسدك (٥) ، وبدرت حنقاً عليك ، وقرحت آماقهم لمكانك ، منهم : ابن ياسر ، والمقداد ، وابن جنادة ، وأخو غفار ، وابن العوام ، وغلامان أعرف أحدهما بوجهه ، وغلام أسمر

ـــــــــــــــــ

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي : ٣٢; مائة منقبة لابن شاذان : ١٤٠ ح٨٦ .

(٢) الطافي : الحوت الميت الذي يعلو الماء ولا يرسب فيه ، يقال : طفى الشيء على الماء أي علاه .

(٣) في "ج" : أليم الحسب .

(٤) الانكفاء : الرجوع ، وفي "ج" : متكفياً .

(٥) في "ج" : من الذين شزرت حماليق أعينهم .


لعلّه من ولد عقيل أخوه ، فتبيّن لي المنكر في وجوههم ، والحسد في احمرار أعينهم ، وقد توشّح عليّ بدرع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولبس رداءه السحاب ، ولقد أسرج له دابته العقاب ، وقد نزل على عين ماء [اسمها : روبة] (١) .

فلمّا رآني اشمأزّ وبربر (٢) ، وأطرق موحشاً يقبض على لحيته ، فبادرته بالسلام استكفاء شرته واتقاء وحشته ، واستغنمت سعة المناخ وسهولة المنزل ، فنزلت ومن معي بحيث نزلوا اتقاء عن مراوغته ، فبدأني ابن ياسر بقبيح لفظه ومحض عداوته ، فقرعني هزواً بما تقدّمتَ به إليّ بسوء رأيك .

فالتفت إليّ الأصلع الرأس ، وقد ازدحم الكلام في حلقه كهمهمة الأسد أو كقعقعة الرعد ، فقال لي بغضب منه : أو كنت فاعلاً يا أبا سليمان؟ فقلت : والله لو أقام على رأيه لضربت الذي فيه عيناك ، فأغضبه قولي إذ صدقته ، وأخرجه إلى طبعه الذي أعرفه له عند الغضب فقال : يا ابن اللخناء! مثلك من يقدر على مثلي أن يجسر ، أو يدير اسمي في لهواته التي لا عهد لها بكلمة حكمة؟ ويلك إنّي لست من قتلاك ولا قتلى صاحبك (٣) ، وإنّي لأعرف بمنيّتي منك بنفسك .

ثمّ ضرب بيده إلى ترقوتي فنكسني عن فرسي ، وجعل يسوقني دعّاً إلى رحى للحارث بن كلدة الثقفي ، فعمد إلى القطب الغليظ فمدّ عنقي بكلتا يديه وأداره في عنقي ينفتل له كالعلك المسخن ، وأصحابي هؤلاء وقوف ما أغنوا عنّي سطوته ، ولا كفوا عنّي شرته ، فلا جزاهم الله عنّي خيراً ، فإنّهم لمّا نظروا إليه كأنّهم قد نظروا إلى ملك موتهم ، فوالذي رفع السماء بلا عمادها لقد اجتمع على فك هذا القطب مئة رجل أو يزيدون من أشدّ العرب فما قدروا على فكّه فدلّني عجز الناس عن فتحه أنّه سحر منه أو قوّة ملك قد ركبت فيه ، ففكّه الآن عنّي إن كنت فاكّه ، وخذ لي بحقّي

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) البربرة : الصوت وكلام في غضب .

(٣) في "ج" : أصحابك .


إن كنت آخذاً ، وإلاّ لحقت بدار عزّي ومستقر مكرمتي ، قد ألبسني ابن أبي طالب من العار ما صرتُ به ضحكة لأهل الديار .

فالتفت أبو بكر إلى عمر وقال : ما ترى إلى ما يخرج من هذا الرجل ؟! كأنّ ولايتي والله ثقل على كاهله أو شجاً في صدره ، فالتفت إليه عمر فقال : فيه والله دعابة لا تدعه حتّى تورده فلا تصدره ، وجهل وحسد قد استحكما في جلده (١) ، فجرى منه مجرى الدماء لا يدعانه حتّى يهينا منزله ، ويورطاه ورطة الهلكة (٢) .

ثمّ قال أبو بكر لمن بحضرته : أدعوا قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري فليس لفكّ هذا القطب غيره ، قال : [وكان قيس سيّاف النبي] (٣) وكان قيس رجل طوله ثمانية عشر شبراً في عرض خمسة أشبار ، وكان أشدّ الناس في زمانه بعد أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام ، فحضر قيس فقال له : يا قيس ، إنّك من شدّة البدن بحيث أنت ، ففك هذا القطب عن عنق أخيك .

فقال قيس : ولم لا يفكّه خالد من عنقه ؟ قال : لا يقدر عليه ، قال : فما لا يقدر عليه أبو سليمان ـ وهو نجم العسكر وسيفكم على أعدائكم ـ فكيف أقدر عليه أنا ؟! قال عمر : دعنا من هزئك وهزلك وخُذ فيما حضرت له ، فقال : أُحضرت لمسألة تسألونها [طوعاً] (٤) أو كرهاً تجبروني عليه؟

فقال له : إن كان طوعاً وإلاّ فكُرهاً ، قال قيس : يا ابن الصهاك! خذل الله من يكرهه مثلك ، إنّ بطنك لعظيمة ، وإنّ كرشك لكبيرة ، فلو فعلت أنت ذلك ما كان منك [عجب ، قال :] (٥) فخجل عمر من قيس بن سعد وجعل ينكث أسنانه بالأنملة

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : في صدره .

(٢) قال العلاّمة المجلسي : وفي رواية أخرى : فقال له [أي لعمر] أبو بكر : دعني عن تمرّدك وحديثك هذا ، فوالله لو همّ بقتلي وقتلك لقتلنا بشماله دون يمينه .

(٣) أثبتناه من البحار .

(٤) أثبتناه من "ج" .

(٥) أثبتناه من "ج" .


فقال أبو بكر : دع عنك وما بداك به اقصد لما سئلتْ ، فقال قيس : والله لو أقدر على ذلك ما فعلت ، فدونكم وحدّادين المدينة فإنّهم أقدر على ذلك منّي .

فأتوا بجماعة من الحدّادين فقالوا : لا ينفتح حتّى نحميه بالنار ، فالتفت أبو بكر إلى قيس مغضباً فقال : والله ما بك من ضعف عن فكّه ولكنّك لا تفعل فعلاً (١) يعيب عليك فيه إمامك وحبيبك أبو الحسن ، وليس هذا بأعجب من أن أباك رام الخلافة ليبتغي الإسلام عوجاً ، فحصد الله شوكته ، وأذهب نخوته ، وأعزّ الإسلام بوليّه ، وأقام دينه بأهل طاعته ، وأنت الآن في حال كيد وشقاق .

قال : فاستشاط قيس غضباً وامتلأ غيظاً ، فقال : يا ابن أبي قحافة ، إن لك عندي جواباً حمياً بلسان طلق وقلب جريء ، ولولا البيعة [التي في عنقي لسمعته منّي] (٢) والله ، لئن بايعتك يدي لم يبايعك قلبي ولا لساني ، ولا حجة في عليّ بعد يوم الغدير ، ولا كانت بيعتي لك إلاّ كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً ، أقول قولي هذا غير هائبك ولا خائف من معرتك ، ولو سمعت هذا القول منك بداء لما فتح لك منّي صلاحاً .

إن كان أبي رام الخلافة فحقيق من يرومها بعد من ذكرتُه ، لأنّه رجل لا يقعقع بالسنان (٣) ، ولا يغمز جانبه كغمز التينة (٤) ، خضم صنديد ، سمك منيف (٥) ، وعز باذخ (٦) أشوس (٧) ، فقام بخلافك والله أيّها النعجة العرجاء والديك النافش ، لا عزّ صميم ، ولا حسب كريم ، وايم الله لئن عاودتني في أبي لألجمنّك بلجام من القول يمج

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : لئلاّ .

(٢) أثبتناه من "ج" .

(٣) في "ب" : باللسان ، وفي البحار : بالشنان .

(٤) غمز التين كناية عن سرعة الانقياد ولين الجانب .

(٥) سمك البيت : سقفه ، والمنيف : المشرف المرتفع .

(٦) الباذخ : العالي .

(٧) الشوس ـ بالتحريك : النظر بمؤخر العين تكبراً وتغيظاً ، والرجل أشوس .


فوك منه دماً ، فدعنا نخوض في عمايتك ، ونتردّى في غوايتك على معرفة منّا بترك الحقّ واتّباع الباطل .

أمّا قولك إن علياً إمامي فوالله ما أنكر إمامته ، ولا أعدل عن ولايته ، وكيف أنقض وقد أعطيت الله عهداً بإمامته وولايته يسألني عنه ، فأنا إن ألقى الله بنقض بيعتك أحبّ إليّ من نقض عهده وعهد رسوله وعهد وصيّه وخليله ، وما أنت إلاّ أمير قومك ، إن شاءوا تركوك وإن شاءوا عزلوك .

فتب إلى الله ممّا اجترمته ، وتنصل (١) إليه ممّا ارتكبته ، وسلّم الأمر إلى من هو أولى منك بنفسك ، فقد ركبت عظيماً بولايتك دونه ، وجلوسك في موضعه ، وتسميتك باسمه ، وكأنّك بالقليل من دنياك وقد انقشع عنك كما ينقشع السحاب ، ويعلم أيّ الفريقين شرّ مكاناً وأضعف جنداً .

وأمّا تعييرك إيّاي بأنّه مولاي ، فهو والله مولاي ومولاك ومولى المسلمين أجمعين آهٍ آهٍ أنّى لي بثبات قدمه ، وتمكن وطأته حتّى ألفظك لفظ المنجنيق الحجرة ، ولعلّ ذلك يكون قريباً ونكتفي بالعيان عن الخبر ، ثمّ قام ونفض ثوبه ومضى ، فندم أبو بكر عمّا أسرع إليه من القول إلى قيس ، وجعل خالد يدور في المدينة والقطب في عنقه أيّاماً .

ثمّ أتى آت إلى أبي بكر فقال له : قد وافى عليّ بن أبي طالب الساعة من سفره ، وقد عرق جبينه واحمرّ وجهه ، فأنفذ إليه أبو بكر الأقرع بن سراقة الباهلي والأشوس بن الأشجع الثقفي يسألانه المضي إلى أبي بكر في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأتياه فقالا : يا أبا الحسن ، إنّ أبا بكر يدعوك لأمر قد أحزنه ، وهو يسألك أن تصير إليه في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلم يجبهما .

فقالا : يا أبا الحسن ما ترد علينا فيما جئناك به ، فقال : بئس والله الأدب

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : تبتل .


أدبكم ، أوليس يجب على القادم أن يصير إلى الناس في حوائجهم (١) إلاّ بعد دخوله في منزله؟! فإن كان لكم حاجة فأطلعاني عليها في منزلي حتّى أقضيها إن كانت ممكنة إن شاء الله تعالى .

فصارا إلى أبي بكر فأعلماه بذلك ، فقال أبو بكر : قوموا بنا إليه ، فمضى الجمع بأسره إلى منزله ، فوجدوا الحسين عليه‌السلام قائماً على الباب يقلب سيفاً ليبتاعه ، فقال له أبو بكر : يا أبا عبد الله إن رأيت أن تستأذن لنا على أبيك ، فقال : نعم ، فاستأذن للجماعة فدخلوا ومعهم خالد بن الوليد ، فبدأ به الجمع بالسلام فردّ مثل ذلك ، فلمّا نظر إلى خالد قال : نعمت صباحاً يا أبا سليمان ، نعم القلادة قلادتك .

فقال : والله يا عليّ لا نجوت منّي إن ساعدني الأجل ، فقال له عليّ عليه‌السلام : أفٍّ لك يا ابن دميمة ، إنّك ومَنْ فلق الحبّة وبرئ النسمة عندي لأهون [ شيء ] (٢) ، وما روحك في يدي لو أشاء إلاّ كذبابة وقعت في إدام حار فطفقت منه ، فاغن عن نفسك غناها ودعنا [ بحالنا ] (٣) حكماء ، وإلاّ ألحقتك بمن أنت أحقّ بالقتل منه ، ودع عنك يا أبا سليمان ما مضى وخُذ فيما بقى ، فوالله ما تجرّعت من جرار المختمة إلاّ علقمها ، والله لقد رأيت منيتي ومنيتك وروحي وروحك ، وروحي في الجنّة وروحك في النار .

قال : وحجز الجمع بينهما وسألوه قطع الكلام ، فقال أبو بكر لعليّ عليه‌السلام : إنّا ما جئناك لما تناقض منه أبا سليمان وإنّما حضرنا لغيره ، وأنت لم تزل يا أبا الحسن مقيماً على خلافي والاجتراء (٤) على أصحابي ، فقد تركناك فاتركنا ولا تردنا فيردك منّا ما يوحشك ويزيدك نبوة على نبوتك (٥) .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : في اجابتهم .

(٢) أثبتناه من "ج" .

(٣) أثبتناه من البحار .

(٤) في "ج" : الافتراء .

(٥) في البحار : تنويماً إلى تنويمك .


فقال عليّ عليه‌السلام : لقد أوحشني الله منك ومن جمعك ، وآنس (١) بي كلّ مستوحش ، وأمّا ابن الوليد الخاسر فإنّي أقصّ عليك نبأه ، إنّه لمّا رأى تكاثف جنوده وكثرة جمعه زها في نفسه ، فأراد الوضع منّي في موضع رفع ومحفل ذي جمع ليصول بذلك عند أهل الجمع ، فوضعت منه عندما خطر بباله وهمّ به ، وهو عارف بي حقّ معرفته وما كان الله ليرضى بفعله .

فقال له أبو بكر : فنضيف هذا إلى تقاعدك عن نصرة الإسلام ، وقلّة رغبتك في الجهاد ، فبهذا أمرك الله ورسوله ، أم عن نفسك تفعل هذا؟

فقال له عليّ عليه‌السلام : يا أبا بكر وعلى مثلي يتفقّه الجاهلون؟ إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمركم ببيعتي ، وفرض عليكم طاعتي ، وجعلني فيكم كبيت الله الحرام يؤتى ولا يأتي فقال : يا عليّ ، ستغدر بك أمتي من بعدي كما غدرت الأمم بعد مضيّ الأنبياء بأوصيائها إلاّ قليل ، وسيكون لك ولهم بعدي هناة وهناة فاصبر ، أنت كبيت الله من دخله كان آمناً ومن رغب عنه كان كافراً ، قال الله عَزَّ وجَلَّ : ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً ) (٢) ، وإنّي وأنت سواء إلاّ النبوّة ، فإنّي خاتم النبيّين وأنت خاتم الوصيّين .

وأعلمني عن ربّي سبحانه بأنّي لست أسلّ سيفاً إلاّ في ثلاث مواطن بعد وفاته ، فقال : تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ، ولن يقرب أوان ذلك بعد ، فقلت : فما أفعل يا رسول الله بمن ينكث بيعتي منهم ويجحد حقّي؟ قال : تصبر (٣) حتّى تلقاني وتستسلم لمحنتك حتّى تلقى ناصراً عليهم .

فقلت : أفتخاف عليّ منهم أن يقتلوني؟ فقال : تالله لا أخاف عليك منهم قتلاً ولا جراحاً ، وإنّي عارف بمنيتك وسببها وقد أعلمني ربّي ، ولكنّي خشيت أن تفنيهم

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : آنسني .

(٢) البقرة : ١٢٥ .

(٣) في "ب" : فاصبر .


بسيفك فيبطل الدين وهو حديث فيرتدّ القوم عن التوحيد ، ولولا أن ذلك كذلك ـ وقد سبق ما هو كائن ـ لكان لي فيما أنت فيه شأن من الشأن ، [ ولرويت ] (١) أسيافاً قد ظمئت إلى شيء (٢) من الدماء ، وعند قراءتك صحيفتك تعرف نبأ ما احتملت من وزر (٣) ، ونعم الخصم محمد ، والحكَم الله .

فقال أبو بكر : يا أبا الحسن ، إنّا لم نرد هذا كلّه ونحن نأمرك أن تفتح (٤) الآن عن عنق خالد هذا الحديد ، فقد آلمه بثقله وأثّر في حلقه بحمله ، ولقد شفيت غليل صدرك .

فقال عليّ عليه‌السلام : لو أردت أن أشفي غليل صدري لكان السيف أشفى للداء (٥) وأقرب للفناء ، ولو قتلته والله ما [ قدّرته ] (٦) برجل ممّن قتلتهم يوم فتح مكة وفي كرّته هذه ، وما يخالجني الشك في أن خالداً ما احتوى قلبه من الإيمان على قدر جناح بعوضة أمَّا الحديد الذي في عنقه فلعلّي لا أقدر على فكّه ، فيفكّه خالد عن نفسه أو فكّوه عنه ، فأنتم أولى به إن كان ما تدّعونه صحيحاً .

فقام إليه بريدة الأسلمي وعامر بن الأشجع فقالا : يا أبا الحسن ، والله لا يفكّه من عنقه إلاّ من حمل باب خيبر بفرد يد ودحا به وراء ظهره ، وحمله فجعله جسراً تعبر الناس عليه وهو فوق زنده (٧) ، وقام إليه عمار بن ياسر فخاطبه أيضاً فيمن خاطبه ، فلم يجب أحداً إلى أن قال له أبو بكر : سألتك بالله وبحقّ أخيك المصطفى رسول الله إلاّ ما رحمت خالداً وفككته من عنقه .

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من البحار ، وفي "ج" : لرأيت .

(٢) في البحار و "ج" : إلى شرب الدماء .

(٣) في "ب" : وزري .

(٤) في "ج" : أن تفكّ .

(٥) في "ب" : للمرء .

(٦) أثبتناه من "ب" وفي النسخ : قدته .

(٧) في "ج" : يده .


فلمّا سأله بذلك استحيى ـ وكان عليّ عليه‌السلام كثير الحياء ـ فجذب خالداً إليه وجعل يحذف (١) من الطوق قطعة قطعة ، ويفتلها في يده فتفتل كالشمع ، ثمّ ضرب بالأولى رأس خالد ثمّ الثانية فقال : آه يا أمير المؤمنين ، فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : قلتها على كره منك ولو لم تقلها لأخرجت الثالثة من أسفلك .

ولم يزل يقطع الحديد جميعه إلى أن أزاله من عنقه ، وجعل الجماعة يكبّرون لذلك ويهلّلون ويتعجّبون من القوّة التي أعطاها الله سبحانه أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وانصرفوا شاكرين [لذلك] (٢) (٣) .

 [خبر الأشجع بن مزاحم الثقفي (لقاه الله غب عمله)]

بحذف الإسناد مرفوعاً إلى جابر الجعفي قال : قلّد أبو بكر الصدقات بقرى المدينة وضياع فدك رجلاً من ثقيف يقال له : الأشجع بن مزاحم الثقفي وكان شجاعاً ، وكان له أخ قتله عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام في وقعة هوازن وثقيف ، فلمّا خرج الرجل عن المدينة جعل أوّل قصده ضيعة من ضياع أهل البيت تُعرف بـ "بانقيا" (٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : يجذب .

(٢) أثبتناه من "ج" .

(٣) عنه البحار ٢٩ : ١٦١ ح٣٧; وقطعة منه في مناقب ابن شهر آشوب ٢ : ٢٩٠ .

وقال العلاّمة المجلسي رحمه الله : وفي الرواية الأخرى زيادة ، وهي هذه : فانصرفت الجماعة شاكرين له وهم متعجبّون من ذلك ، فقال أبو بكر : لا تعجبوا من أبي الحسن ، والله لقد كنت بجنب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم قلع عليّ باب خيبر ، فرأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد ضحك حتّى بدت ثناياه ، ثمّ بكى حتّى اخضلّت لحيته ، فقلت : يا رسول الله أضحكٌ وبكاءٌ في ساعة واحدة؟ قال : نعم ، أمّا ضحكي ففرحت بقلع عليّ باب خيبر ، وأمّا بكائي فلعليّعليه‌السلام ، فإنّه ما قلعه إلاّ وهو صائم منذ ثلاثة أيّام على الماء القراح ، ولو كان فاطراً على طعام لدحا به من وراء السور .

(٤) بانقيا : رستاق على أميال من المدينة ، وهناك ناحية من نواحي الكوفة تسمّى بهذا الاسم أيضاً ، كما ذكر ذلك في معجم البلدان ١ : ٣٣١ .


فجاء بغتة واحتوى عليها وعلى صدقات كانت لعليّ عليه‌السلام ، فوكّل بها وتغطرس (١) على أهلها ، وكان الرجل زنديقاً منافقاً ، فابتدر أهل القرية إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام برسول يعلمونه ما فرط من الرجل فدعا عليّ عليه‌السلام بدابة له تسمّى السابح ـ وكان أهداه إليه ابن عمّ لسيف بن ذي يزن ـ وتعمّم بعمامة سوداء ، وتقلّد بسيفين ، وأجنب إلى دابته المرتجز ، وأصحب معه الحسين عليه‌السلام ، وعمّار بن ياسر ، والفضل بن العباس ، وعبد الله بن جعفر ، وعبد الله بن العباس حتّى وافى القرية ، فأنزله عظيم القرية في مسجد يُعرف بمسجد القضاء ، ثمّ وجّه أمير المؤمنين عليه‌السلام بالحسين عليه‌السلام يسأله المصير (٢) إليه .

فصار إليه الحسين عليه‌السلام فقال : أجب أمير المؤمنين ، فقال : ومن أمير المؤمنين ؟ فقال : عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، فقال : أمير المؤمنين أبو بكر خلّفته بالمدينة ، فقال له الحسين : فأجب عليّ بن أبي طالب ، فقال : أنا سلطان وهو من العوام والحاجة له ، فليصير هو إليّ .

قال له الحسين : ويلك أيكون مثل والدي من العوام ومثلك يكون سلطان ، فقال : أجل لأنّ والدك لم يدخل في بيعة أبي بكر إلاّ كرهاً ، وبايعناه طائعين وكنّا له غير كارهين ، فشتان بيننا وبينه .

فصار (٣) الحسين عليه‌السلام فأعلمه ما كان من قول الرجل ، فالتفت إلى عمّار فقال : يا أبا اليقظان ، صِر إليه وألطف له في القول واسأله أن يصير إلينا ، فإنّه لا يجب لوصيّ من الأوصياء أن يصير إلى أهل الضلالة ، فنحن مثل بيت الله يؤتى ولا يأتي .

فصار إليه عمّار وقال : مرحباً يا أخا ثقيف ، ما الذي أقدمك على مثل أمير

ـــــــــــــــــ

(١) الغِطريس : الظالم المتكبر .

(٢) في "ج" : المسير .

(٣) في "ب" : فسار .


المؤمنين في حيازته ، وحملك على الدخول في مساءته ، فصر إليه وأفصح عن حجّتك فانتهر عمار وأفحش له في الكلام ، وكان عمّار شديد الغضب ، فوضع حمائل سيفه في عنقه فمدّ يده إلى السيف ، فقيل لأمير المؤمنين عليه‌السلام : الحق عمّاراً فالساعة يقطّعوه .

فوجّه أمير المؤمنين بالجميع وقال لهم : لا تهابوه وصيروا به إليّ ، وكان مع الرجل ثلاثون فارساً من جياد قومه (١) ، فقالوا له : ويلك هذا عليّ بن أبي طالب قتلك والله وقتل أصحابك عنده دون النطفة (٢) ، فسكت القوم جزعاً (٣) من أمير المؤمنين ، فَسُحِبَ الأشجع إلى أمير المؤمنين على حرّ وجهه سحباً .

فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : دعوه ولا تعجلوه ، فإنّ العجلة والطيش لا يقوم بها حجج الله وبراهينه ، ثمّ قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : ويلك بما استحللت أخذ أموال أهل البيت ، وما حجّتك في ذلك؟ فقال لأمير المؤمنين : وأنت فيما استحللت قتل هذا الخلق في كلّ حق وباطل ، وإنّ مرضاة صاحبي لهي أحبّ إليّ من اتّباع موافقتك .

فقال عليّ عليه‌السلام : أيْهاً عليك ، ما أعرف من نفسي إليك ذنباً إلاّ قتل أخيك يوم هوازن ، وليس بمثل هذا الفعل تطلب الثارات ، فقبّحك الله وترحك ، فقال له الأشجع : بل قبّحك الله وبتر عمرك ـ أو قال : ترحك ـ فإنّ حسدك الخلفاء لا يزال بك حتّى يوردك موارد الهلكة والمعاطب ، وبغيك عليهم يقصر بك عن مرادك .

فغضب الفضل بن العباس من قوله ، ثمّ تمطى عليه بسيفه فحمل عنقه (٤)

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : رجلا من خيار قومه .

(٢) في "ج" : دون النقطة .

(٣) في "ج" : خوفاً .

(٤) في "ب" : فجزّ عنقه .


ورماه عن جسده بساعده اليمنى ، فاجتمع أصحابه على الفضل فسلّ أمير المؤمنين عليه‌السلام سيفه ذو الفقار ، فلمّا نظر القوم إلى بريق عيني أمير المؤمنين عليه‌السلام ولمعان ذي الفقار في كفّه (١) رموا سلاحهم وقالوا : الطاعة الطاعة .

فقال لهم أمير المؤمنين عليه‌السلام : أفٍّ لكم ! انصرفوا برأس صاحبكم هذا الأصغر إلى صاحبكم الأكبر ، فما بمثل قتلكم يطلب الثار ، ولا تنقضي الأوتار ، فانصرفوا ومعهم رأس صاحبهم حتّى ألقوه بين يدي أبي بكر ، فجمع المهاجرين والأنصار وقال : يا معاشر الناس ، إنّ أخاكم الثقفي أطاع الله ورسوله وأولي الأمر منكم ، فقلّدته صدقات المدينة وما يليها ، فغافصه (٢) ابن أبي طالب فقتله أخبث (٣) قتلة ، ومثّل به أخبث (٤) مثلة ، وقد خرج في نفر من أصحابه إلى قرى الحجاز ، فليخرج إليه من شجعانكم وليردوه عن سنته ، واستعدوا له من رباط الخيل والسلاح وما يتهيّأ لكم ، وهو من تعرفونه الداء الذي لا دواء له ، والفارس الذي لا نظير له .

قال : فسكت القوم مليّاً كأنّ الطير على رؤوسهم ، فقال : أخرس أنتم أم ذو ألسن ؟! فالتفت إليه رجل من الأعراب يقال له : الحجاج بن السخر (٥) فقال له : إن سرت إليه سرنا معك ، فأمّا لو سار إليه جيشك هذا لينحرنّهم عن آخرهم كنحر البدن ، ثمّ قام آخر فقال : أتعلم إلى من توجّهنا إليه ، إنّك توجّهنا إلى الجزّار الأعظم الذي يختطف الأرواح بسيفه خطفاً ، والله إنّ لقاء ملك الموت أسهل (٦) علينا من لقاء عليّ بن أبي طالب .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : في يده .

(٢) في "ج" : فاعترضه .

(٣) في "ج" : أشنع .

(٤) في "ج" : أعظم .

(٥) في البحار : الصخر .

(٦) في "ج" : أهون .


فقال ابن أبي قحافة : لا جزيتم قوم عن إمامكم خيراً ، إذا ذكر لكم عليّ بن أبي طالب دارت أعينكم في وجوهكم وأخذتكم سكرة الموت ، أهكذا يقال لمثلي ؟! قال : فالتفت إليه عمر بن الخطاب فقال : ليس له إلاّ خالد بن الوليد ، فالتفت إليه أبو بكر فقال : يا أبا سليمان أنت اليوم [سيف] (١) من سيوف الله وركن من أركانه ، وحتف الله على أعدائه ، وقد شق عليّ بن أبي طالب عصى هذه الأمة ، وخرج في نفر من أصحابه على ضياع الحجاز ، وقد قتل من شيعتنا ليثاً [صؤولاً] (٢) وكهفاً منيعاً ، فصر إليه في كثيف من قومك وسله أن يدخل الحضرة فقد عفونا عنه ، وإن نابذك الحرب فجئنا به أسيراً .

فخرج خالد في خمسمئة فارس من أبطال قومه قد أُشحنوا سلاحاً (٣) حتّى قدموا على أمير المؤمنين عليه‌السلام ، قال : فنظر الفضل بن العباس إلى غبرة الخيل من البُعد فقال : يا أمير المؤمنين قد وجّه إليك ابن أبي قحافة بقسطل (٤) يدقّون الأرض بحوافر الخيل دقّاً ، فقال : يا ابن العباس هوّن عليك ، فلو كانوا صناديد قريش وقبائل حنين وفرسان هوازن لما استوحشت إلاّ من ضلالتهم .

ثمّ قام أمير المؤمنين عليه‌السلام فشدّ محزم الدابة ، ثمّ استلقى نائماً على قفاه ـ تهاوناً بخالد ـ حتّى وافاه ، فانتبه لصهيل الخيل فقال : يا أبا سليمان ، ما الذي أعدل (٥) بك إليّ ؟ فقال : أعدل (٦) بي إليك ما أنت أعلم به منّي ، فقال : فأسمعنا الآن ، فقال : يا أبا الحسن ، أنت فهم غير مفهم ، وعالم غير معلم ، فما هذه اللوثة (٧) التي قد

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) أثبتناه من "ج" .

(٣) في "ج" : أثقلوا بالسلاح .

(٤) القسطل : الغبار ، وهو كناية عن الجمّ الغفير .

(٥) في "ج" : أتى .

(٦) في "ج" : أتى .

(٧) اللوثة ـ بالضم : الاسترخاء والبطء ، ومسّ الجنون .


بدرت منك ، والنبوة (١) التي قد ظهرت فيك؟!

إن كنت كرهت هذا الرجل فليس يكرهك ، ولا تكوننّ ولايته ثقلاً على كاهلك ولا شجاً في حلقك ، فليس بعد الهجرة بينك وبينه خلاف ، ودع الناس وما تولّوه ، وضلّ من ضلّ وهدي من هدي ، ولا تفرّق بين كلمة مجتمعة ، ولا تضرم النار بعد خمودها ، فإنّك إن فعلت ذلك وجدت غبّه غير محمود .

فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : تهدّدني يا خالد بنفسك وبابن أبي قحافة؟! فما بمثلك ومثله تهديد ، فدع عنك ترهاتك التي أعرفها منك ، واقصد نحو ما وجّهت (٢) له ، قال : فإنّه قد تقدّم إليّ إن رجعت عن سنتك كنت مخصوصاً بالكرامة والحبور ، وإن أقمت على ما أنت عليه من خلاف (٣) الحقّ حملتك إليه أسيراً .

فقال له عليّ عليه‌السلام : يا ابن اللخناء وأنت تعرف الحقّ من الباطل؟! ومثلك يحمل مثلي أسيراً؟! يا ابن الرادة عن الإسلام أتحسبني ـ ويلك ـ مالك بن نويرة حيث قتلته ونكحت امرأته ، يا خالد جئتني برقة عقلك ، وتغاير نحيرتك ، واكفهرار وجهك ، وتشمّخ أنفك ، والله لئن تمطيت بسيفي هذا عليك وعلى أوغادك لأشبعن من لحومكم عرج (٤) الضباع ، وطلس الذئاب ، لست ويلك ممّن تقتلني أنت ولا صاحبك ، وإنّي لأعرف قاتلي وأطلب منيّتي صباحاً ومساءً ، وما مثلك يحمل مثلي أسيراً ، ولو أردت ذلك لقتلتك في فناء هذا المسجد .

فغضب خالد وقال : توعد وعيد (٥) الأسد وتروغ روغان الثعالب ، ما أعداك في المقال ، وما مثلك إلاّ من اتبع قوله بفعله ، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : إذا كان

ـــــــــــــــــ

(١) النبوة : الرفعة .

(٢) في "ج" : وجّهك له .

(٣) في "ج" : مخالفة .

(٤) في "ب" : جوع .

(٥) في "ب" : ترعد رعيد .


هذا قولك فشأنك ، وسلّ أمير المؤمنين على خالد ذا الفقار وحقّق عليه .

فلمّا نظر خالد إلى بريق عيني أمير المؤمنين عليه‌السلام وبريق (١) ذي الفقار في يده ، وتصمّمه عليه نظر إلى الموت عياناً ، فاستحقّها (٢) خالد وقال : يا أبا الحسن لم نرد هذا ، فضربه أمير المؤمنين عليه‌السلام بقفاء رأس ذي الفقار على ظهره فنكسه عن دابته ، ولم يكن أمير المؤمنين عليه‌السلام ليردّ يده إذا بدت به (٣) لئلاّ يُنسب إلى الجبن .

فلحق أصحاب خالد من فعل أمير المؤمنين عليه‌السلام هولاً عجباً وخوفاً عنيفاً (٤) ، ثمّ قال : ما لكم لا تكافحون عن سيّدكم ، والله لو كان أمركم إليّ لتركت رؤوسكم ، وهو أخفّ على يدي من جني الهبيد (٥) على أيدي العبيد ، وعلى هذا السبيل تقضمون مال الفيء؟ أف لكم .

فقام إليه رجل من القوم يقال له المثنّى بن الصباح (٦) ، وكان عاقلاً فقال : والله ما جئناك لعداوة بيننا وبينك ، ولا عن غير معرفة بك ، وإنّا لنعرفك كبيراً وصغيراً ، وأنت أسد الله في أرضه ، وسيف نقمته على أعدائه ، وما مثلنا من جهل مثلك ونحن اتباع مأمورون ، وجند موازرون ، وأطواع غير مخالفين ، فتبّاً لمن وجّه بنا إليك ، أما كان له معرفة بيوم بدر وأحد وحنين؟!

فاستحى أمير المؤمنين عليه‌السلام من قول الرجل وترك الجميع ، وجعل أمير المؤمنين عليه‌السلام يمازح خالداً لما به من ألم الضربة (٧) وهو ساكت ، فقال له

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : لمعان .

(٢) في "ج" : فاستخفى .

(٣) في "ج" : إذا رفعها .

(٤) في "ج" : هول عجيب ورعب عنيف .

(٥) الهبيد : الحنظل أو حبّه .

(٦) في البحار : الصياح .

(٧) في "ج" : الذي كان ساكتاً لا ينطق بكلمة من ألم الضربة ، قائلا له .


أمير المؤمنين عليه‌السلام : ويلك يا خالد ما أطوعك للخائنين الناكثين ، أما كان لك بيوم الغدير مقنع إذ بدر إليك صاحبك في المسجد حتّى كان منك ما كان ، فوالذي فلق الحبّة وبرئ النسمة لو كان ما رمته أنت وصاحبك (١) ابن أبي قحافة وابن الصهاك شيء لكانا هما أوّل مقتولين بسيفي هذا وأنت معهما ، ويفعل الله ما يشاء .

ولا يزال يحملك على إفساد حالتك عندي ، فقد تركتَ الحق على معرفة وجئتني تجوب مفاوز البسابس (٢) لتحملني إلى ابن أبي قحافة أسيراً بعد معرفتك إني قاتل عمرو بن عبدود ومرحب ، وقالع باب خيبر ، وإنّي لمستحي منكم ومن قلّة عقولكم .

أَوَتزعم أنّه قد خفي عليّ ما تقدّم به إليك صاحبك حين أخرجك إليّ وأنت تذكره ما كان منّي إلى عمرو بن معدي كرب وإلى أصيد (٣) بن سلمة المخزومي ، فقال لك ابن أبي قحافة : لا تزال تذكر له ذلك ، وإنّما كان ذلك من دعاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد ذهب ذلك كلّه وهو الآن أقلّ من ذلك ، أليس كذلك يا خالد؟!

فلولا ما تقدّم به إليّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكان منّي إليهما وهما أعلم به منك يا خالد ، أين كان ابن أبي قحافة وأنت تخوض معي المنايا في لجج الموت خوضاً ، وقومك بادون في الانصراف كالنعجة القوداء والديك النافش ، فاتّق الله يا خالد ولا تكن للخائنين رفيقاً (٤) ولا للظالمين ظهيراً .

فقال خالد : يا أبا الحسن ، إنّي أعرف ما تقول ، وما عدلت العرب والجماهير عنك إلاّ طلب ذحول أيّامهم (٥) قديماً وتنكل رؤوسهم قريباً ، فراغت عنك

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : صاحباك .

(٢) البسبس : القفر الخالي .

(٣) في البحار : أسيد .

(٤) في البحار : خصمياً .

(٥) في "ج" والبحار : آبائهم .


كروغان الثعلب فيما بين الفجاج والدكادك (١) ، وصعوبة إخراج ملك من يدك ، وهرباً من سيفك ، وما دعاهم إلى بيعة أبي بكر إلاّ استلانة جانبه ، ولين عريكته ، وأمن جانبه ، وأخذهم الأموال فوق استحقاقهم ، وأقلّ ما تره اليوم (٢) يميل إلى الحق ، وأنت قد بعت الدنيا بالآخرة ، ولو اجتمعت أخلاقهم إلى أخلاقك لما خالفك خالد .

فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : والله ما أوتي خالداً إلاّ من قبل (٣) هذا الخؤون الظلوم المفتن ابن الصهاك ، فإنّه لا يزال يؤلّب على القبائل ويفزعهم منّي ويؤيسهم (٤) من عطاياهم ، ويذكرهم ما أنساهم الدهر ، وسيعلم غب أمره إذا فاضت نفسه .

فقال خالد : يا أبا الحسن ، بحقّ أخيك لما قطعت هذا من نفسك ، وصرت إلى منزلك مكرماً إذا كان القوم رضوا بالكفاف منك ، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : لا جزاهم الله عن أنفسهم ولا عن المسلمين خيراً .

قال : ثمّ دعا بدابته فاتبعه أصحابه وخالد يحدّثه ويضاحكه حتّى دخل المدينة ، فبادر خالد إلى أبي بكر فحدّثه بما كان منه ، فصار أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ صار إلى الروضة فصلّى أربع ركعات فدعا وقام يريد الانصراف إلى منزله ، وكان أبو بكر جالساً في المسجد والعباس جالساً إلى جنبه .

فأقبل أبو بكر على العباس فقال : يا أبا الفضل ، ادع لي ابن أخيك علياً لأعاتبه على ما كان منه إلى الأشجع ، فقال له العباس : أوليس قد تقدّم إليك

ـــــــــــــــــ

(١) الدكادك : الأراضي التي فيها غلظ .

(٢) في "ج" : ولقلّ اليوم من يميل .

(٣) في "ب" : جهة .

(٤) في "ج" : يواسيهم .


صاحبك خالد بترك معاتبته ، وإنّي أخاف عليك منه إن عاتبته ألاّ تنتصر منه ، فقال أبو بكر : إني أراك يا أبا الفضل تخوّفني منه ؟! دعني وإيّاه ، فأمّا ما كلّمني خالد بترك معاتبته فقد رأيته يكلّمني بكلام خلاف الذي خرج به إليه ، ولا أشك إلاّ أنّه قد كان منه إليه شيء أفزعه .

فقال له العباس : أنت وذاك يا ابن أبي قحافة ، فدعاه العباس فجاء أمير المؤمنين عليه‌السلام فجلس إلى جنب العباس ، فقال له العباس : إن أبا بكر استبطاك وهو يريد أن يسألك بما جرى ، فقال : يا عمّ لو دعاني لما أتيته ، فقال له أبو بكر : يا أبا الحسن ، ما أرضى لمثلك هذا الفعال ، قال : وأيّ فعل ؟ قال : قتلك مسلماً بغير حق ، فما تملّ من القتل قد جعلته شعارك ودثارك .

فالتفت إليه أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال : أمّا عتابك عليّ في قتل مسلم فمعاذ الله أن أقتل مسلماً بغير حق لأنّ من وجب عليه القتل رفع عنه اسم الإسلام ، وأمّا قتلي الأشجع فإن كان إسلامك كإسلامه فقد فزت فوزاً عظيماً ، أقول وما عذري إلاّ من الله ، وما قتلته إلاّ عن بيّنة من ربّي ، وما أنت أعلم بالحلال والحرام منّي ، وما كان الرجل إلاّ زنديقاً منافقاً وإنّ لفي منزله صنماً من رخام يتمسّح به ثمّ يصير إليك ، وما كان من عدل الله أن يؤاخذ بقتل عبدة الأوثان والزنادقة .

وافتتح أمير المؤمنين عليه‌السلام الكلام ، فحجز بينهما المغيرة بن شعبة وعمار بن ياسر ، وأقسموا على عليّ فسكت وعلى أبي بكر فأمسك ، ثمّ أقبل أبو بكر على الفضل بن العباس وقال : لو قيدتك بالأشجع لما فعلت مثلها ، ثمّ قال : كيف أقيّدك بمثله وأنت ابن عمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغاسله .

فالتفت إليه العباس فقال : دعونا ونحن حكماء ، بلغ من شأنك أنّك تتعرّض لولدي وابن أخي ، وأنت ابن أبي قحافة بن مرّة ، ونحن بنو عبد المطلب بن هاشم أهل بيت النبوة وأولوا الخلافة ، تسمّيتم بأسمائنا ، ووثبتم علينا في سلطاننا ، وقطعتم


أرحامنا ، ومنعتم ميراثنا ، ثمّ أنتم تزعمون أن لا إرث لنا وأنتم أحق وأولى بهذا الأمر منّا ، فبُعداً وسُحقاً لكم أنّى تؤفكون .

ثمّ انصرف القوم وأخذ العباس بيد عليّ وجعل عليّ عليه‌السلام يقول : أقسمت عليك يا عمّ لا تتكلّم ، وإن تكلّمت لا تتكلّم إلاّ بما يسرّه ، وليس لهم عندي إلاّ الصبر كما أمرني نبيّ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، دعهم ما كان لهم يا عمّ بيوم غدير مقنع ، دعهم يستضعفونا جهدهم فإنّ الله مولانا وهو خير الحاكمين .

فقال له العباس : يا ابن أخي أليس قد كفيتك ، وإن شئت حتّى أعود إليه فاعرفه [مكانه] (١) وأنزع عنه سلطانه ، فأقسم عليه عليّ عليه‌السلام فأسكته (٢) .

 [خبر وفاة أبي بكر وعمر ومعاذ بن جبل]

بحذف الإسناد مرفوعاً إلى عبد الرحمن بن غنم (٣) الأزدي حين مات ـ ختن معاذ بن جبل ـ وكانت ابنته تحت معاذ بن جبل ، وكان أفقه أهل الشام وأشدّهم اجتهاداً ، قال : مات معاذ بن جبل بالطاعون فشهدت يوم مات والناس متشاغلون بالطاعون ، فقال : وسمعته حين احتضر وليس معه في البيت غيري ـ وذلك في خلافة عمر بن الخطاب ـ فسمعته يقول : ويل لي ، فقلت في نفسي : أصحاب الطاعون يهذون ويقولون الأعاجيب ، فقلت له : أتهذي ؟ قال : لا .

قلت : [فلم] (٤) تدعو بالويل والثبور ؟ قال : لموالاتي عدوّ الله على وليّ الله ،

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) عنه البحار ٢٩ : ٤٦ ح١٩ .

وقال العلاّمة المجلسي رحمه الله في ذيل الحديث بعد تفسير بعض كلماته : ولم نبالغ في تفسير هذا الحديث وشرحه ، لعدم اعتمادنا عليه لما فيه ممّا يخالف السير وسائر الأخبار .

(٣) في "ب" : غانم .

(٤) أثبتناه من البحار .


فقلت له : من هم ؟ فقال : موالاتي عتيقاً وعمر على خليفة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووصيّه عليّ بن أبي طالب ، فقلت : إنّك لتهجر (١) .

قال : يا ابن غنم هذا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليّ بن أبي طالب يقولان لي : أبشر بالنار أنت وأصحابك ، أفليس قلتم إن مات رسول الله زوينا الخلافة عن عليّ بن أبي طالب فلن تصل إليه؟! فاجتمعت أنا وأبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسالم ، قال : قلت : متى يا معاذ؟ قال : في حجة الوداع ، قلت لهم (٢) : أكفيكم قومي الأنصار واكفوني قريشاً .

ثمّ دعوت على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى هذا الذي قلت ، فعاهدونا عليه بشر بن سعد وأسد (٣) بن حصين فبايعاني على ذلك ، فقلت : يا معاذ ، إنّك لتهجر ، فألصق خدّه بالأرض فما زال يدعو بالويل والثبور حتّى مات .

فقال ابن غنم : ما حدّثت بهذا الحديث غير قيس بن هلال أحداً إلاّ ابنتي امرأة معاذ ورجل آخر ، فإنّي فزعت ممّا رأيت وسمعت من معاذ ، قال : [فحججت] (٤) ولقيت الذي غمض أبا عبيدة وسالم ، فأخبرني أنّه حصل لهما نحو ذلك عند موتهما ولم يزد فيه حرفاً ولم ينقص حرفاً ، كأنّهما قالا مثل ما قال معاذ بن جبل .

قال سليم : فحدّثت بحديث ابن غنم هذا كلّه محمد بن أبي بكر فقال لي : اكتم عليّ وأشهد إن أبي قال عند موته مثل مقالتهم ، فقالت عائشة : إنّ أبي يهجر .

قال : ولقيت عبد الله بن عمر في خلافة عثمان وحدّثته ما سمعت من أبي عند

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : لتهجو .

(٢) زاد في البحار و "ج" : قلنا : نتظاهر على عليّ فلا ينال الخلافة ما حيينا ، فلمّا قُبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قلت لهم .

(٣) في "ج" والبحار : أسيد .

(٤) أثبتناه من "ج" والبحار .


موته ، وأخذت عليه العهد والميثاق ليكتم عليّ ، فقال لي ابن عمر : اكتم عليّ فوالله لقد قال أبي مقالة مثل ما قال أبوك ما زاد ولا نقص ، ثمّ تداركها ابن عمر بعد وتخوّف أن أخبر بذلك عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام لمّا علم من حبّي له وانقطاعي إليه ، فقال : إنّما كان يهجر .

فأتيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه فأخبرته بما سمعته من أبي وبما حدّثني به ابن عمر ، قال عليّ : قد حدّثني بذلك عن أبيك وعن أبيه وعن أبي عبيدة وسالم وعن معاذ ما هو أصدق منك ومن ابن عمر ، فقلت : ومن ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال : من حدثني ، فعرفت ما عنى ، فقلت : صدقت ، إنّما ظننت (١) إنساناً حدّثك ، وما شهد أبي وهو يقول ذلك غيري .

قال سليم : قلت لابن غنم : مات معاذ بالطاعون فبما مات أبو عبيدة؟ قال : مات بالدبيلة (٢) ، فلقيت محمد بن أبي بكر فقلت : هل شهد موت أبيك غيرك وغير أخيك عبد الرحمن وعائشة وعمر؟ قال : لا ، قلت : وسمعوا منه ما سمعت؟ قال : سمعوا منه طرفاً فبكوا وقالوا : هو يهجر ، فأمّا كلّ ما سمعت فلا ، قلت : فالذي سمعوا ما هو؟

قال : دعا بالويل والثبور (٣) ، قال عمر : يا خليفة رسول الله لِمَ تدعو بالويل والثبور؟ قال : هذا رسول الله ومعه عليّ يبشّراني بالنار ومعه الصحيفة التي تعاهدنا عليها في الكعبة وهو يقول : لقد وفيتَ بها وظاهرتَ على وليّ الله فأبشر أنت وصاحبك بالنار في أسفل السافلين .

فلمّا سمعها عمر خرج وهو يقول : إنّه ليهجر ، قال : لا والله ما أهجر أين

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : طلبت .

(٢) داء في الجوف .

(٣) في "الف" و "ب" : دعا إلى النار فادخل ، وما أثبتناه في المتن من "ج" والبحار .


تذهب؟ قال عمر : كيف لا تهجر وأنت ثاني اثنين في الغار ، قال : الآن أيضاً (١) لم أحدّثك أن محمداً ـ ولم يقل رسول الله ـ قال لي وأنا معه في الغار : إني أرى سفينة جعفر وأصحابه تعوم (٢) في البحر ، فقلت : أرنيها ، فمسح يده على وجهي فنظرت إليها ، فأضمرت عند ذلك أنّه ساحر ، وذكرت لك ذلك بالمدينة فأجمع رأيي ورأيك على أنّه ساحر .

فقال عمر : يا هؤلاء إنّ أبا بكر يهذي ، فاجتنبوه (٣) واكتموا ما تسمعون منه لئلاّ يشمت بكم أهل هذا البيت ، ثمّ خرج وخرج أخي وخرجت عائشة ليتوضَّئوا للصلاة ، فأسمعني من قوله ما لم يسمعوا ، فقلت له لمّا خلوت (٤) به : قل لا إله إلاّ الله ، قال : لا أقولها ولا أقدر عليها أبداً حتّى أرد النار فأدخل التابوت .

فلمّا ذكر التابوت ظننت أنّه يهجر ، فقلت : أيّ تابوت ؟ فقال : تابوت من نار مقفل بقفل من النار ، فيه اثنا عشر رجلاً أنا وصاحبي هذا ، قلت : عمر ؟ قال : نعم ، وعشرة في (٥) جب من جهنّم عليه صخرة ، قلت : تهذي ؟ قال : لا والله ما أهذي ، لعن الله ابن صهاك هو الذي أضلّني عن الذكر بعد إذ جاءني فبئس القرين ، ثمّ ألصق خدّه بالأرض فألصقت خدّي بالأرض ، فما زال يدعو بالويل والثبور حتّى غمّضته (٦) .

ثمّ دخل عمر عليّ فقال : هل قال (٧) بعدنا شيئاً ؟ فحدّثتهم ، فقال عمر : يرحم الله خليفة رسول الله أكتم هذا كلّه فإنّ هذا كلّه هذيان ، وأنتم أهل بيت يُعرف فيكم

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : أولم أُحدّثك .

(٢) تعوم : تسبح وتسير .

(٣) في "ب" : فخذوه .

(٤) في "ج" : انفردت به .

(٥) في "ب" : قل له عنّي .

(٦) في "ج" : غلبه النوم .

(٧) في "ج" : هل حدّث .


الهذيان في موتاكم ، قالت عائشة : صدقت ، ثمّ قال عمر : إيّاك أن يخرج منك شيئاً ممّا سمعت فيشمت به ابن أبي طالب وأهل بيته .

قال : قلت لمحمّد : من تراه حدّث أمير المؤمنين عليه‌السلام عن هؤلاء الخمسة بما قالوا ؟ فقال : رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إنّه يراه كلّ ليلة في المنام وحدّثه إيّاه في المنام مثل ما حدّثه (١) إيّاه في اليقظة والحياة ، وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من رآني في المنام فقد رآني فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي في نوم ولا يقظة ولا بأحد من أوصيائي إلى يوم القيامة .

[قال سليم :] (٢) فقلت لمحمّد : فمن حدّثك بهذا ؟ قال : عليّ ، قال : وأنا سمعته أيضاً منه ، قلت لمحمّد : فملك من الملائكة حدّثه ؟ قال : أو ذاك ، قلت : فهل تحدّث الملائكة إلاّ الأنبياء ، [قال] (٣) أما تقرأ كتاب الله عَزَّ وجَلَّ : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ) (٤) ولا محدّث .

قلت : فأمير المؤمنين عليه‌السلام محدّث ؟ قال : نعم ، وفاطمة محدّثة ولم تكن نبيّة ، ومريم محدّثة ولم تكن نبيّة ، وأم موسى كانت محدّثة ولم تكن نبيّة ، وسارة امرأة إبراهيم عليه‌السلام قد عاينت الملائكة ولم تكن نبيّة ، فبشّروها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب .

قال سليم : فلمّا قُتل محمد بن أبي بكر بمصر ونعي ، عزّيت أمير المؤمنين عليه‌السلام وخلوت به ، فحدّثته بما أخبرني (٥) به محمد بن أبي بكر وبما حدّثني به ابن غنم ، قال : صدق محمد رحمه الله ، أما إنّه شهيد حيّ مرزوق ، يا سليم إنّي وأوصيائي

ـــــــــــــــــ

(١) في البحار : مثل حديثه .

(٢) أثبتناه من "ج" والبحار .

(٣) أثبتناه من البحار .

(٤) الحج : ٥٢ .

(٥) في "ج" : بما حدّثني .


أحد عشر رجلاً من ولدي أئمّة هدىً مهديّون محدّثون ، قلت : يا أمير المؤمنين ومن هم؟

قال : ابنيَّ الحسن والحسين ، ثمّ ابني هذا ـ وأخذ بيد عليّ بن الحسين وهو رضيع ـ ثمّ ثمانية من ولده واحد بعد واحد ، وهم الذين أقسم الله بهم فقال : ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) (١) [ فالوالد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما ولد ] (٢) يعني هؤلاء الأحد عشر وصيّاً صلوات الله عليهم ، قلت : يا أمير المؤمنين يجتمع إمامان ؟ قال : لا إلاّ أحدهما صامت لا ينطق حتّى يهلك الأوّل .

تمّ حديث موتهم ، والحمد لله وحده وصلّى الله على خير خلقه محمد وآله وسلّم (٣) .

 [بيانهعليه‌السلام في سبب قعوده عن القتال]

[في الفتن عن كتاب سليم بن قيس بعد خطبة لعليّ عليه‌السلام استنفر بها القوم ووبّخهم على تقاعدهم عن الجهاد ، قال الأشعث بن قيس : فهلاّ فعلت كما فعل عثمان بن عفّان ، فأجابه وكان ممّا أجابه أن قال : إنّ هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون في النار ، وشرّها وأبعدها وأبغضها السامرة الذين يقولون لا قتال ، وكذبوا ، قد أمر الله بقتال الباغين في كتابه وسنّة نبيّه ، وكذلك المارقة .

فقال ابن قيس وقد غضب من قوله عليه‌السلام : فما منعك يا ابن أبي طالب حين بويع فلان وفلان أن تضرب بسيفك ؟ فأجابه بما يشبه هذا الكلام أو هو ،

ـــــــــــــــــ

(١) البلد : ٣ .

(٢) أثبتناه من "ج" والبحار .

(٣) عنه البحار ٣٠ : ١٢٧; ومعالم الزلفى : ٣٢٩ و٤٣٩; ومدينة المعاجز ٢ : ٨٩ ح٤١٩; وروي نحوه في كتاب سليم : ١٨٢ .


فراجع الفتن حتّى تطّلع على حقيقة الحال] (١) .

قال الأشعث بن قيس : يا أمير المؤمنين ، لم لا ضربت بسيفك وأخذت حقّك ، وأنت لم تخطب خطبة إلاّ قلت فيها : إني لأولى الناس بالناس ، وما زلت مظلوماً منذ قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فما منعك أن تضرب بسيفك دون مظلمتك؟

قال عليّ عليه‌السلام : قد قلت يا ابن قيس فاسمع ، لم يمنعني من ذلك الجبن ولا كراهية الباري ، وأن لا أكون أعلم (٢) أن ما عند الله خير من الدنيا والبقاء فيها ، بل منعني من ذلك أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونهيه إيّاي وعهده إليّ ، وأخبرني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما الأُمّة صانعة بعده .

ولم أكن حين عاينته أعلم به ولا أشدّ استيقاناً منّي به قبل ذلك ، بل أنا بقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشدّ يقيناً منّي بما عاينته وشهدته ، فقلت : يا رسول الله ، فما تعهد إليّ إذا كان ذلك؟ قال : إن وجدت أعواناً فانتدب إليهم وجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً فكفّ يدك واحقن دمك حتّى تجد على إقامة كتاب الله وسنّتي أعواناً .

وأخبرني أنّه ستخذلني الناس وتبايع (٣) غيري ، وأخبرني أني منه بمنزلة هارون من موسى ، وأنّ الأمة من بعدي سيصيرون بمنزلة هارون ومن تبعه والعجل ومن تبعه ، إذ قال له موسى : ( يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ) (٤) .

يعني أن موسى أمره حين استخلفه عليهم إن ضلّوا فوجدت أعواناً عليهم

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتنا ما بين المعقوفتين من "ج" ولم ترد في "ألف" و "ب" ، وفي كتاب سليم بعد قول الأشعث "فما منعك ..." هكذا : فما يمنعك يا ابن أبي طالب حين بويع أبو بكر أخو بني تيم ، وأخو بني عدي بن كعب ، وأخو بني أمية بعدهم أن تقاتل .

(٢) في "ج" : وأنّي لأعلم أن ما عند الله .

(٣) في "ج" : يبايعون .

(٤) طه : ٩٢ـ٩٤ .


فجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً فكف يدك واحقن دمك ولا تفرّق بينهم ، وأنّي خشيت أن يقول ذلك أخي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويقول : لم فرّقت بين الأمة ولم ترقب قولي ، وقد عهدت إليك إن لم تجد أعواناً أن تكفّ يدك وتحقن دمك ودماء أهل بيتك وشيعتك .

فلمّا قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مال الناس إلى أبي بكر فبايعوه ، واستنصرت الناس فلم ينصروني غير أربعة : سلمان والمقداد وأبو ذر والزبير بن العوام ، ولم يكن أحد من أهل بيتي أصول به ولا أقوى به ، أما حمزة فقتل يوم أُحد ، وأمّا جعفر فقتل يوم مؤتة ، وبقيت في خليفتين (١) خائفين ذليلين حقيرين قريبي عهد بالإسلام : عباس وعقيل ، فأكرهوني وقهروني ، فقلت كما قال هارون لأخيه : يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ، ولي في هارون أسوة حسنة ، ولي بقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حجّة قويّة .

قال الأشعث : كذلك فعل عثمان لما استغاث ودعا الناس إلى نصرته ، فلمّا لم يجد أعواناً كفّ يده حتّى قتل ، قال : ويلك يا ابن قيس ! إن القوم حين قهروني واستضعفوني وكادوا يقتلونني لو قالوا : نقتلك البتة لامتنعت من قتلهم إيّاي ولو لم أجد أحداً غير نفسي ، ولكنّهم قالوا : إن بايعت كففنا عنك وأكرمناك وفضّلناك وقدّمناك ، وإن لم تفعل قتلناك ، فلمّا لم أجد أعواناً بايعتهم ، وبيعتي لهم لما لاحق لهم فيه لا توجب لهم حقّاً ولا يلزمني لهم رضى .

ولو أنّ عثمان لمّا قالوا اخلعها وإلاّ نحن قاتلوك فكفّ يده حتّى قتلوه ، ولعمري خلعه إيّاها كان خيراً له لأنّه أخذها بغير حق ، فلم يكن له فيها نصيب ، لأنّه ادّعى ما ليس له وتناول حقّ غيره .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : رجلين .


يا ابن قيس ، إنّ عثمان لم يعد (١) أن يكون أحد رجلين ، إما أن يكون دعا الناس إلى نصرته فلم ينصروه ، وإما أن يكون القوم دعوه إلى نصرتي (٢) فلم يحل له أن ينهى المسلمين أن يعبدوا الله ويطيعوه بنصرة إمامهم ، وسيهدي الله الذي لم يحدث به حدثاً ، فبئس ما صنع حيث نهاهم ، وبئس ما صنعوا حيث أطاعوه .

وإما أن يكون قد بلغ من حدّته وسوء سيرته ما لم يروه أهلاً لنصرته ، وحكم بخلاف الكتاب والسنّة ، وكان وراءه من أهل بيته ومواليه وأصحابه أكثر من أربعة آلاف فارس ليمتنع بهم ، ولم ينه أصحابه عن نصرته ، ولو كنت وجدت يوم بويع أخو تيم (٣) أربعين رجلاً يطيعون لجاهدتهم (٤) فأمّا يوم بويع عمر وعثمان فلا ، لأنّي كنت بايعت ومثلي لا ينكث بيعته .

ويلك يا ابن قيس ! كيف رأيتني صنعت يوم قتل عثمان ، لو وجدت أعواناً هل رأيت منّي فشلاً أو جبناً أو تقصيراً ، وإنّك لتعرفني يوم البصرة وهم في جَمَلهم الملعون [ مَن معه ] (٥) ، والملعون مَن قُتل حوله ، والملعون مَن ينصره ، والملعون مَن ركبه ، والملعون مَن بقي بعده غير راجع ولا تائب ولا مستغفر ، قتلوا أنصاري ، ونكثوا بيعتي ، ومثّلوا بعاملي ، وبغوا عليّ ، فسعيت إليهم باثني عشر ألفاً وهم نيف وعشرون ومئة ألف ، فنصرنا الله عليهم بأيدينا وشفى صدور قوم مؤمنين .

وكيف رأيت يا ابن قيس وقعتنا بصفين ، إنّ الله قتل بأيدينا في صعيد واحد خمسين ألفاً إلى النار ، وكيف رأيتنا يوم النهروان ، لقينا المارقين وهم مستبصرون بين يدي الذين (٦) ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً ،

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : لابد .

(٢) في "ج" : دعوه أن ينصروه .

(٣) في "ج" : بويع أبو بكر بالخلافة .

(٤) في "ج" : لما قعدت عن القتال .

(٥) أثبتناه من "ج" .

(٦) في "ج" : متديّنون قد ضلّ .


قتلهم الله في صعيد واحد أربعة آلاف ، ولم يبق منهم عشرة ولم يقتلوا منّا عشرة .

يا ابن قيس ، أرأيت لي لواء ردّ أو راية رُدّت بجبن ، يا ابن قيس وأنا صاحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جميع مواطنه ومشاهده المتقدّمة ، في الشدائد بين يديه لا أفرّ ولا ألوي ولا أتنحّى ولا أمنح العدوّ دبري ، إنّه لا ينبغي لنبي ولا لوصي نبي إذا لبس لامة أو برز لعدو أن يرجع ، ولا ينثني حتّى يقتل أو يقتل بين يديه (١) .

ويلك يا ابن قيس ! هل سمعت لي بفرار أو نبوة ، يا ابن قيس أما أنا ـ والذي فلق الحبّة وبرئ النسمة ـ لو وجدت أعواناً (٢) ما كففت يدي ولناهضت القوم ، ولكن لم أجد خامساً ، [قال الأشعث : من كان هؤلاء] (٣) الأربعة؟ قال : سلمان والمقداد وأبو ذر وابن صفية ، ثمّ رجع ابن صفية بعد بيعته إيّاي بعد قتل عثمان .

أمّا بيعته التي أتاني فيها مخلوفاً فقد وفى بها ، وهي البيعة الأولى التي بويع فيها عتيق ، وذلك أنّه أتاني أربعون رجلاً من المهاجرين والأنصار فبايعوني فيهم الزبير ، أمرتهم أن يصبحون عند بابي محلقين [ رؤوسهم ] (٤) عليهم السلاح ، فما وفوا ولا صحبني منهم إلاّ أربعة ، وأمّا بيعته الأخرى فإنّه أتاني هو وصاحبه طلحة بعد قتل عثمان بن عفّان طائعين غير مكرهين ، ثم رجعا عن دينهما مرتدّين ناكثين باغين معاندين خاسرين ، فقتلهما الله إلى النار وأمّا الثلاثة ـ أبو ذر والمقداد وسلمان ـ فثبتوا على دين محمد وملّته وملّة إبراهيم حتّى لقوا الله يرحمهم الله .

فقال الأشعث : إن كان الأمر كما تقول لقد هلكت الأمة غيرك وغير شيعتك .

قال : فإنّ الحقّ والله كما أقول (٥) ، وما هلك من الأمة إلاّ الماضين (٦) المكابرين

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : أو يفتح الله له .

(٢) وزاد في "ج" : على مثل بصيرة الأربعة الذين وجدت .

(٣) أثبتناه من "ج" .

(٤) أثبتناه من "ج" .

(٥) في "ب" : كما تقول .

(٦) في "ج" : الناصبون .


الجاحدين المعاندين ، فأما من تمسّك بالتوحيد والإقرار بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يخرج من الملّة ، ولم يظاهر علينا الظلمة ، وينصب لنا العداوة ، ويشك في الخلافة ، ولم يعرف أهلها وولاتها ، ولم ينكر لنا ولاية ولم ينصب لنا عداوة ، فإنّ ذلك مسلم ضعيف يُرجى له الرحمة من ربّه ويتخوّف (١) عليه ذنوبه .

قال : فلم يبق يومئذٍ من شيعته أحد إلاّ تهلهل (٢) وفرح بمقالته إذ شرح أمير المؤمنين عليه‌السلام الأمر وباح به وكشف الغطاء وترك التقية ، ولم يبق أحد من العرب كان شاكّاً أو يكفّ ويدع البراءة منهم إلاّ استيقن واستبصر وترك الشك والوقوف ، ولم يبق أحد ممّن كان حوله ممّن بايعه على وجه ما بويع عثمان إلاّ عرف ذلك في وجهه وترك مقالته ثمّ استبصروا وذهب شكّهم .

قال أبو عبد الله (٣) سليم بن قيس : فما شهد الناس يوماً قط على [رؤوس] (٤) العامة كان أقر للأعين من ذلك اليوم لمَا كشف للناس من الغطاء ، وأجهر فيه من الحق ، وشرح فيه من الأمر ، وألقى فيه من التقيّة والكتمان ، وكثرت الشيعة من ذلك اليوم وتكلّموا ، وقد كانوا أهل عسكره وسائر الناس يقاتلون معه على غير علم بمكانه من الله ومن رسوله ، وصارت الشيعة بعد ذلك اليوم وذلك المجلس أجلّ الناس وعظماؤهم ، وذلك بعد وقعة النهروان وهو يأمرهم بالتهيّؤ والمسير معه إلى معاوية ، قال قيس : ثمّ لم يلبث أن قتله ابن ملجم عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .

قال : وأقبل عليّ عليه‌السلام على الناس ممّن كان حوله فقال : أوليس قد ظهر لكم رأيي ، وحملهم علينا أهل البيت من كلّ جانب ووجه ، لا يألون به إبعاداً

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : ولا يتخوّف .

(٢) في "ج" : تهلل وجهه .

(٣) في "ج" : قال أبان عن سليم بن قيس .

(٤) أثبتناه من "ج" .


وتقاصياً وأخذ حقوقنا ، أليس العجب بحبسه وصاحبه عنّا سهم ذي القربى الذي فرض لنا في القرآن ، وقد علم الله أنهم سيظلمونا وينزعوه منّا ، قال الله تبارك وتعالى : ( إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ) (١) .

ثمّ العجب لهدمه منزل أخي جعفر وإدخاله في المسجد ، ولم يعطني منه قليلاً ولا كثيراً ، ولم تعب عليه الناس كأنّه يأخذ منزل رجل من الديلم ، والعجب من جهله وجهل الأمناء (٢) إذ كتب إلى عمّاله : أن الجنب إذا لم يجد الماء فليس له أن يتيمّم بالصعيد حتّى يجد الماء وإن لم يجده حتّى يلقى الله ، ثمّ قبل ذلك منه الناس ورضوا به ، وقد علم الناس أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر عماراً وأبا ذر أن يتيمّما من الجنابة ، وقد شهدا به عنده وغيرهما ، فما قبل ولا رفع به رأس .

والعجب لما قد خلط أنصاباً مختلفة في الجَدّ بغير علم تعسّفاً وجهلاً ، وادّعى ما لم يعلم خبره على الله قلّة ورع ، [ وادّعى ] (٣) أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يقض للجد شيئاً ، ولم يدع أحداً يعطي للجد من الميراث ، ثمّ تابعوه على ذلك وصدّقوه ، وعتق أمهات الأولاد وأخذ الناس بقوله وتركوا أمر الله تبارك وتعالى وأمر رسوله .

والعجب لما صنع بنصر بن الحجاج وبجعدة بن سليمان وبابن زيد ، وأعجب من ذلك أنّه لمّا أتاه العبدي فقال له : إنّي طلّقت امرأتي وأنا غائب ، فوصل إليها الطلاق ثمّ راجعتها وهي في عدّتها فكتبت إليها فلم يصل إليها كتابي حتّى تزوّجت .

فكتب له : إن كان هذا الذي تزوّج بها قد دخل بها فهي امرأته ، وإن كان لم

ـــــــــــــــــ

(١) الأنفال : ٤١ .

(٢) في "ج" : الاُمّة .

(٣) أثبتناه من "ج" .


يدخل بها فهي امرأتك ، فكتب بذلك وأنا شاهد لم يشاورني ولم يسألني استغناءً بجهله ، فأردت أن أنهاه ثمّ قلت لا أبالي أن يفضحه الله ، ثمّ لم تعيبه الناس بذلك ، استحسنوا قوله واتّخذوه سنّة ورأوه صواباً ، فقضى في ذلك قضاءً لو قضى به مجنون لحمّق منه (١) .

وقضيّة المفقود زوجها أجّلها أربع سنين ثمّ تتزوّج ، فإذا جاء زوجها خيّر بين امرأته وبين الصداق ، ثمّ استحسنه الناس واتّخذوه سنّة ، وقبلوا منه جهالته بكتاب الله وقلّة بصيرة لسنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإخراجه كلّ أعجمي من المدينة وإرساله إلى عمّاله بحبل خمسة أشبار ، وأمرهم في من بلغ من الأعاجم وكان في طول مثله يضرب عنقه ، وردّه سبايا المشركين حبالى وقبله الناس .

وأعجب منه إن كذّاباً رجم بكذبه ما قبله هو وقبله كلّ جاهل ، وزعموا أن الملك ينطق على لسانه ويلقّنه ، وإعتاقه سبايا أهل اليمن ، وتخلّفه وصاحبه عن جيش أسامة ، وتسليمه عليه بالإمرة .

ثمّ أعجب من ذلك أنه قد علم وعلم الذين معه وحوله أنه الذي صدق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك ، قال : وانّه الذي قال مثل محمد في قومه كنخلة نبتت في كناسة ، ثمّ قال كما قال صاحبه : الحمد لله الذي كفانا عن قتل الرجل ، حين أمرهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتله فلم يقتلاه وتركا أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك ، فغضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ردّهما أمره وأمرني بعدما رجعا أن أقتله ، فقال في ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قال ، وأمر رسول الله صاحبه أن ينادي في الناس : أنه من مات دخل الجنّة من موحّد لا يشرك بالله شيئاً .

وردّ طاعته وطاعة رسوله ولم ينفذ أمره حتّى قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : لعيب عليه .


في ذلك ما قال ، ومساوئه ومساوئ صاحبه أكثر من أن تُحصى أو تُعد ، ولم يبغضهما (١) عند ذلك الجهلة بل هما أحبّ إلى الناس من أنفسهم ، وأنهم ليغضبون لهما ما لا يغضبون لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويتورعون عن ذكرهما ما لا يتورعون عن ذكر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢) .

 [سؤال الخضرعليه‌السلام عن ثلاث مسائل]

قيل : أقبل ذات يوم رجل حسن الهيئة فسلّم على أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فجلس وقال : يا أمير المؤمنين ، أسألك عن ثلاث مسائل إن أجبتني علمت أن القوم ركبوا (٣) من أمرك ما أقضي عليهم أنهم ليس بمأمومين (٤) في دنياهم ولا في آخرتهم ، وإن كانت الأخرى علمت أنّك وهم شرع سواء ، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : سلني عمّا بدا لك .

قال : يا أمير المؤمنين ، أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه ، وعن الرجل كيف يذكر وينسى ، وعن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام والأخوال .

فالتفت أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى ولده أبي محمد الحسن فقال : يا أبا محمد أجبه ، فقال عليه‌السلام : أمّا ما ذكرت من أمر الرجل ينام أين تذهب روحه ، فإنّ روحه متعلّقة بالروح ، والروح (٥) متعلّق بالهواء إلى وقت ما يتحرّك صاحبها لليقظة ، فإن أذن الله تعالى بردّ الروح جذبت تلك الروح الروح ، وجذب الروح الهواء فرجعت الروح فأُسكنت في بدن صاحبها ، وإن لم يأذن الله تعالى بردّ الروح

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : لم ينقصهما .

(٢) راجع كتاب سليم : ٩٠ وفيه اختلاف كثير .

(٣) في "ج" : تركوا .

(٤) في "ب" : بمؤمنين .

(٥) في "ج" : متعلّقة بالريح والريح .


جذب الهواء الروح وجذب الروح تلك الروح فلم ترد على صاحبها .

وأمّا ما ذكرت من أمر الذكر والنسيان ، فإنّ قلب الرجل في حق وعلى الحق طبق ، فإن صلَّى عند ذلك على محمد وآل محمد صلاة تامة انكشف ذلك الطبق عن ذلك الحق ، فأضاء القلب وذكر الرجل ما كان نسي ، وإن هو لم يصلّ وأنقص (١) من الصلاة عليهم انطبق ذلك الطبق على ذلك الحق ، فأُظلم القلب ونسى الرجل ما كان ذكره .

وأمّا ما ذكرته من أمر المولود الذي يشبه أعمامه وأخواله ، فإنّ الرجل إذا أتى أهله فجامعها بقلب ساكن ، وعروق هادئة ، وبدن غير مضطرب أسكنت تلك النطفة في جوف الرحم فخرج الرجل يشبه أباه ، وإن أتاها بقلب غير ساكن اضطربت النطفة فوقعت على بعض العروق ، فإن وقعت على عرق من عروق الأعمام أشبه الولد أعمامه ، وإن وقعت على عرق من عروق الأخوال أشبه أخواله .

فقال الرجل عند ذلك : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ثمّ قام فمضى ، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام لولده : أتبعه فانظر أين يقصد فخرج في أثره ، قال : فما كان إلاّ أن وضع رجله خارج المسجد فما علمت أين أخذ من أرض الله ، فأعلمت أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال : يا أبا محمد أتعرفه؟ فقلت : الله ورسوله وأمير المؤمنين أعلم ، فقال : هو الخضر عليه‌السلام (٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : أو نقص .

(٢) راجع كمال الدين : ٣١٣ ح١ باب ١٩; عنه البحار ٣٦ : ٤١٤ ح١; وفي علل الشرائع : ٩٦ ح٦; والاحتجاج ٢ : ٩ ح١٤٨ .


 [ باب : فيه بعض قضايا أمير المؤمنينعليه‌السلام ]

في أخذ الحد : روي أن رجلاً وافى (١) إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال : يا أمير المؤمنين ، خذ حدّ الله في جنبي ، فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : ماذا صنعت ؟ قال : لطت بغلام ، فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : لم توقب ، قال : بل أوقبت يا أمير المؤمنين ، فقال له : اختر من إحدى ثلاث (٢) ، ضرباً بالسيف أخذ السيف منك ما أخذ ، أم هدم جدار عليك ، أو حرقاً بالنار .

فقال الرجل : يا أمير المؤمنين ، وأيّها أشدّ تمحيصاً لذنوبي؟ فقال عليّ عليه‌السلام : الحرق بالنار ، فقال : إنّي قد اخترته ، [فنادى أمير المؤمنين بقنبر و] (٣) قال : يا قنبر اضرم له ناراً ، فأضرم له النار فقال : يا أمير المؤمنين ، أتأذن لي أن أُصلي ركعتين وأحسن؟ فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : صلّ .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : أتى .

(٢) في "ج" : واحداً من ثلاث .

(٣) أثبتناه من "ج" .


قال : فتوضّأ الغلام وأسبغ ثمّ صلَّى ركعتين وأحسن ، فلمّا فرغ من صلاته سجد سجدة الشكر ، وجعل يبكي في سجوده ويدعو ويقول : (اللّهمّ إنّي عبدك وابن عبدك وابن أمتك ، مذنب خاطئ ارتكبت من ذنبي كيت وكيت ، وقد أتيت حجّتك في أرضك وخليفتك في بلادك وكشفت له عن ذنبي ، فعرّفني أن تمحيصي في إحدى ثلاث خصال : ضرباً بالسيف ، أو هدم جدار ، أو حرقاً بالنار ، اللّهمّ وقد سألته عن أشدّها تمحيصاً لذنبي فعرّفني أن الحرق بالنار ، اللّهمّ وإنّي قد اخترته ، وصلّ على محمد وآل محمد ، واجعله تمحيصاً لي من النار) .

قال : فبكى أمير المؤمنين صلوات الله عليه ثمّ التفت إلى أصحابه وقال : من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى هذا ، ثمّ قال له : قم يا هذا الرجل فقد غفر الله لك ذنبك ، ودرأ عنك الحد ، فقال له أصحابه : يا أمير المؤمنين فحدّ الله في جنبه لا تقيمه؟ فقال : الحدّ الذي عليه لله هو للإمام ، فإن شاء أقامه وإن شاء وهبه (١) .

مرفوعاً إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : كنت جالساً عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المسجد إذ دخل العباس بن عبد المطلب ، فسلّم فردّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورحّب به ، فقال : يا رسول الله ، بما فضل علينا عليّ بن أبي طالب أهل البيت والمعادن واحدة؟

فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذن أُخبرك يا عم ، إن الله خلقني وخلق علياً ولا سماء ولا أرض ولا جنّة ولا نار ولا لوح ولا قلم ، فلمّا أراد الله عَزَّ وجَلَّ بدء خلقنا تكلّم بكلمة فكانت نوراً ، ثمّ تكلّم بكلمة ثانية فكانت روحاً ، فمزج فيما بينهما واعتدلا فخلقني وعلياً منهما ، ثمّ فتق من نوري نور العرش فأنا أجلّ من العرش ، ثمّ فتق من نور عليّ نور السماوات فعليّ أجلّ من السماوات ، ثمّ فتق من نور الحسن

ـــــــــــــــــ

(١) عنه البحار ٧٩ : ٧٣ ح٢٩ .


نور الشمس ومن نور الحسين نور القمر فهما أجلّ من نور الشمس والقمر .

وكانت الملائكة تسبّح الله وتقدّسه وتقول في تسبيحها : سبّوح قدّوس من أنوارٍ ما أكرمها على الله ، فلمّا أراد الله عَزَّ وجَلَّ أن يبلو الملائكة أرسل عليهم سحاباً من ظلمة ، وكانت الملائكة لا تنظر أوّلها من آخرها ولا آخرها من أوّلها ، فقالت الملائكة : إلهنا وسيّدنا منذ خلقتنا ما رأينا مثل ما نحن فيه ، فنسألك بحقّ هذه الأنوار إلاّ ما كشفت عنّا .

فقال الله : وعزّتي وجلالي لأفعلنّ ، فخلق الله نور فاطمة عليها‌السلام يومئذٍ كالقنديل وعلّقه في قرط العرش ، فزهرت السماوات السبع والأرضون السبع ، ومن أجل ذلك سمّيت فاطمة الزهراء ، وكانت الملائكة تسبّح الله وتقدّسه فقال الله عَزَّ وجَلَّ : وعزّتي وجلالي لأجعلنّ ثواب تسبيحكم وتقديسكم إلى يوم القيامة لمحبّي هذه المرأة وأبيها وبعلها وبنيها .

قال سلمان : فخرج العباس فلقيه عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، فضمّه إلى صدره وقبّل ما بين عينيه وقال : بأبي عترة المصطفى من أهل بيت ما أكرمكم على الله (١) .

يرفعه إلى أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : افتخر إسرافيل على جبرئيل فقال : أنا خير منك ، قال : ولم أنت خير منّي؟ قال : لأنّي صاحب الثمانية حملة العرش ، وأنا صاحب النفخة في الصور ، وأنا أقرب الملائكة إلى الله عَزَّ وجَلَّ .

قال جبرئيل : أنا خير منك ، فقال : بما أنت خير منّي؟ قال : لأنّي أمين الله على وحيه ، وأنا رسوله إلى الأنبياء والمرسلين ، وأنا صاحب الخسوف والقذوف (٢) ، وما

ـــــــــــــــــ

(١) عنه البحار ٤٣ : ١٧ ح١٦ .

(٢) في "ج" : الكسوف والخسوف .


أهلك الله أُمّة من الأمم إلاّ على يديّ ، فاختصما إلى الله تبارك وتعالى ، فأوحى الله إليهما : اسكتا ! فوعزّتي وجلالي لقد خلقت من هو خير منكما ، قالا : يا ربّ أوتخلق مَن هو خير منّا ونحن خلقتنا من نور؟

قال الله تعالى : نعم ، وأوحى (١) إلى القدرة أن انكشفي فانكشفت ، فإذا على ساق العرش الأيمن مكتوب : لا إله إلاّ الله ، محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين [ عليهم‌السلام أحبّاء الله ] (٢) ، فقال جبرئيل : يا ربّ فإنّي أسألك بحقّهم عليك إلاّ جعلتني خادمهم ، قال الله تعالى : قد فعلت ، فجبرئيل عليه‌السلام من أهل البيت وإنّه لخادمنا (٣) .

يرفعه إلى محمد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ عليه‌السلام : أنا رسول الله والمبلغ عنه ، وأنت وجه الله والمؤتمّ به ، فلا نظير لي إلاّ أنت ولا مثلك إلاّ أنا .

وبهذا الإسناد قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ عليه‌السلام : يا عليّ ، إن الله تبارك وتعالى خلقني وإيّاك من نوره الأعظم ، ثمّ رشّ من نورنا على جميع الأنوار من بعد خلقه لها ، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى إلينا ، ومن أخطأه ذلك النور ضلّ عنّا ، ثمّ قرأ : ( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ) (٤) يهتدي إلى نورنا (٥) .

وروي مسنداً إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد ، من عادانا عادى الله ، ومن والانا وائتمّ بنا وقبل منّا ما أوحى الله

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : أومأ .

(٢) أثبتناه من "ج" .

(٣) عنه البحار ١٦ : ٣٦٤ ح٦٨ .

(٤) النور : ٤٠ .

(٥) عنه البحار ٦٨ : ٤٤ ح٩٠ .


إلينا ، وعلّمنا الله إيّاه ، وأطاع الله فينا فقد وإلى الله ، ونحن خير البريّة ، وولدنا منّا ومن أنفسنا ، وشيعتنا [ معنا ] (١) ، من آذاهم آذانا ومن أكرمهم أكرمنا ، ومن أكرمنا كان من أهل الجنّة (٢) .

يرفعه إلى محمد بن زياد قال : سأل ابن مهران عبد الله بن العباس في تفسير قول الله : ( وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) (٣) .

قال : كنّا عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأقبل عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، فلمّا رآه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تبسّم في وجهه وقال : مرحباً بمن خلقه الله تعالى قبل أبيه آدم (٤) بأربعين ألف عام ، فقلت : يا رسول الله ، أكان الابن قبل الأب ؟ فقال : نعم ، انّ الله تعالى خلقني وخلق علياً قبل أن يخلق آدم بهذه المدّة ، خلق نوراً فقسّمه نصفين ، فخلقني من نصفه وخلق علياً من النصف الآخر قبل الأشياء ، فنورها من نوري ونور عليّ ثمّ جعلنا عن يمين العرش ، ثمّ خلق الملائكة فسبّحنا فسبّحت الملائكة ، وهلّلنا فهلّلت الملائكة ، وكبّرنا فكبّرت الملائكة ، وكان ذلك من تعليمي وتعليم عليّ ، وكان ذلك في علم الله السابق انّ الملائكة تتعلّم منّا التسبيح والتهليل والتكبير ، وكلّ شيء سبّح الله وكبّره وهلّله بتعليمي وتعليم عليّ .

وكان في علم الله السابق أن لا يدخل النار محبّ لي ولعليّ ، وكذا كان في علمه أن لا يدخل الجنّة مبغض لي ولعليّ ، ألا وإنّ الله عَزَّ وجَلَّ خلق ملائكة بأيديهم أباريق اللجين مملوّة من ماء الجنّة من الفردوس ، فما أحد من شيعة عليّ إلاّ وهو طاهر الوالدين تقي نقي مؤمن بالله ، فإذا أراد أبو أحدهم أن يواقع أهله جاء ملك من الملائكة الذين بأيديهم أباريق الجنّة ، فطرح من ذلك الماء في إنائه الذي يشرب

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) عنه البحار ٦٨ : ٤٥ ح٩٠ .

(٣) الصافات : ١٦٥ـ١٦٦ .

(٤) في "ج" : خلقه الله تبارك وتعالى قبل كلّ شيء ، خلقني الله وعلياً قبل أن يخلق آدم .


به فيشرب ، وذلك الماء ينبت الإيمان في قلبه كما ينبت الزرع ، فهم على بيّنة من ربّهم ، ومن نبيّهم ، ومن وصيّي عليّ ، ومن ابنتي الزهراء ، ثمّ الحسن ثمّ الحسين والأئمة من ولد الحسين صلوات الله عليهم أجمعين .

قلت : يا رسول الله ومن هم (١) ؟ قال : أحد عشر منّي أبوهم عليّ بن أبي طالب ، ثمّ قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الحمد لله الذي جعل محبّة عليّ والإيمان سببين (٢) .

مرفوعاً إلى مسعدة قال : كنت عند الصادق عليه‌السلام إذ أتاه شيخ كبير قد انحنى ظهره متّكئاً على عصاه ، فسلّم عليه فردّ عليه‌السلام ، ثمّ قال الشيخ : يا ابن رسول الله ناولني يدك لأقبلها ، فأعطاه يده فقبّلها ثمّ بكى ، فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : ما يبكيك يا شيخ؟

فقال : جعلت فداك أقمت [أنتظر] (٣) على قائمكم منذ مئة سنة ، أقول هذا الشهر وهذه السنة ، وقد كبر سنّي ، ودقّ عظمي ، واقترب أجلي ، ولا أرى فيكم ما أحبّ ، أراكم مقتولين مشرّدين ، وأرى أعداؤكم يطيرون بالأجنحة ، وكيف لا أبكي .

فدمعت عينا أبي عبد الله عليه‌السلام ثمّ قال : يا شيخ ، إن أبقاك الله حتّى ترى قائمنا كنت في السنام الأعلى ، وإن حلّت بك المنيّة جئت يوم القيامة مع ثقل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونحن ثقله فقد قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا مخلف فيكم الثقلين فتمسّكوا بهما فلن تضلّوا ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي .

فقال الشيخ : لا أبالي بعدما سمعت هذا الخبر ، ثمّ قال الشيخ : يا سيّدي

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : كم هم .

(٢) عنه البحار ٢٦ : ٣٤٥ ح١٨ .

(٣) أثبتناه من "ج" .


بعضكم أفضل من بعض؟ قال : لا نحن في الفضل سواء ولكن بعضنا أعلم من بعض ، ثمّ قال : يا شيخ ، ألا إنّ شيعتنا يقعون في فتنة وحيرة في غيبته ، هناك يثبت على هداه المخلصون ، اللّهمّ أعِنْهُم على ذلك (١) .

مرفوعاً إلى محمد بن يعقوب النهشلي قال : حدّثني الإمام عليّ بن موسى الرضا ، عن آبائه ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، عن جبرئيل ، عن ميكائيل ، عن اسرافيل ، عن الله تعالى ، قال الله : أنا الله الذي لا إله إلاّ أنا ، خالق الخلق بقدرتي ، واخترت منهم من شئت نبيّاً ، واخترت من جملتهم (٢) محمداً حبيباً وخليلاً وصفيّاً ، وبعثته رسولاً إلى سائر خلقي ، وجعلته سيّدهم وخيرهم وأحبّهم إليّ .

واصطفيت عليّاً فجعلته أخاً له ووزيراً ووصيّاً ومؤدّياً عنه بعده إلى خلقي ، وخليفته على عبادي يبيّن لهم كتابي ، ويسير فيهم بحجّتي ، وجعلته العلم الهادي من الضلالة ، وبابي الذي أوتي منه ، وبيتي الذي من دخله كان آمناً من ناري ، وحصني الذي من لجأ إليه حصنته من مكروه الدنيا والآخرة ، ووجهي الذي من توجّه به لم أصرف وجهي عنه ، وحجّتي في أهل السماوات والأرض على جميع من فيهنّ من خلقي .

لا أقبل عمل عامل منهم إلاّ بالإقرار بولايته مع نبوّة أحمد ، فهو يدي المبسوطة على عبادي ، وعيني الناظرة إلى خلقي بالرحمة ، وهو النعمة التي أنعمت بها على من أحببت من عبادي ، فمن أحبّه وتولاّه أنعمت عليه بولايته ومعرفته ، فبعزّتي حلفت وبجلالي أقسمت أنه لا يتولاّه أحد من عبادي إلاّ حرّمت عليه النار وأدخلته الجنّة ، ولا أبغضه أحد من عبادي أو عدل عن ولايته إلاّ أبغضته وأدخلته النار (٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) راجع البحار ٣٦ : ٤٠٨ ح١٧ عن كفاية الأثر .

(٢) في "ج" : جميعهم .

(٣) أمالي الصدوق : ١٨٤ ح١٠ مجلس ٣٩; عنه البحار ٣٨ : ٩٨ ح١٧ .


 [في جوابهعليه‌السلام عن حبر اليهود]

يرفعه إلى الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام قال : حدّثني أبي جعفر ، عن أبيه قال : حدّثني أبي قال : حدّثني أبي الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم‌السلام قال : بينما أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جلوس في مسجده بعد وفاته يتذاكرون فضل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ دخل علينا حبر من أحبار اليهود من أهل الشام ، قد قرأ التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم والأنبياء عليهم‌السلام ، وعرف دلائلهم ، فسلّم علينا وجلس ثمّ لبث هنيئة ثمّ قال : يا أُمّة محمد ، ما تركتم لنبيّ درجة ولا لمرسل فضيلة إلاّ وقد نحلتموها لنبيّكم ، فهل عندكم جواب إن أنا سألتكم ؟

فقال له أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام : سل يا أخا اليهود ما أحببت فإنّي أجيبك عن كلّ ما تسأل بعون الله ومشيئته (١) ، فوالله ما أعطى الله عَزَّ وجَلَّ نبيّاً ولا مرسلاً درجة ولا فضيلة إلاّ وقد جمعها لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وزاده على الأنبياء والمرسلين أضعافاً مضاعفة ، ولقد كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا ذكر لنفسه فضيلة قال : ولا فخر ، وأنا ذاكر لك اليوم من فضله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من غير إزراء على أحد من الأنبياء ما يقرّ الله به أعين المؤمنين ، شكراً لله على ما أعطى محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم [ وزاده عليهم ] (٢) الآن .

فاعلم يا أخا اليهود أنه كان من فضله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند ربّه تبارك وتعالى وشرفه ما أوجب المغفرة والعفو لمن خفض الصوت عنده ، فقال جلّ ثناؤه في كتابه : ( إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : ومَنِّه .

(٢) أثبتناه من "ج" .


قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) (١) .

ثمّ قرن طاعته بطاعته فقال : ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) (٢) ثمّ قرّبه من قلوب المؤمنين وحبّبه (٣) إليهم ، وكان يقول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حبّي خالط دماء أمتي ، فهم يؤثروني على الآباء والأمهات وعلى أنفسهم ، ولقد كان أقرب الناس وأرأفهم ، فقال تبارك وتعالى : ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (٤) ، وقال عَزَّ وجَلَّ : ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) (٥) .

والله لقد بلغ من فضله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الدنيا ومن فضله في الآخرة ما تقصر عنه الصفات ، ولكن أخبرك بما يحمله قلبك ولا يدفعه عقلك ، ولا تنكره بعلم إن كان عندك ، لقد بلغ من فضله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أهل النار يهتفون ويصرخون بأصواتهم ندماً أن لا يكونوا أجابوه في الدنيا ، فقال الله عَزَّ وجَلَّ : ( يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ) (٦) .

والله ، لقد ذكره الله تبارك وتعالى مع الرسل ، فبدأ به وهو آخرهم لكرامته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال جلّ ثناؤه : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ) (٧) وقال : ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ) (٨) والنبيّون قبله فبدأ به صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو آخرهم .

ـــــــــــــــــ

(١) الحجرات : ٣ .

(٢) النساء : ٨٠ .

(٣) في "ألف" : أحبّه .

(٤) التوبة : ١٢٨ .

(٥) الأحزاب : ٦ .

(٦) الأحزاب : ٦٦ .

(٧) الأحزاب : ٧ .

(٨) النساء : ١٦٣ .


والله لقد فضّله الله على جميع الأنبياء ، وفضّل أمته على جميع الأمم ، فقال عَزَّ وجَلَّ : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) (١) .

فقال اليهودي : إنّ آدمعليه‌السلام أسجد الله عَزَّ وجَلَّ له ملائكته ، فهل فضل لمحمّد مثل ذلك ؟

فقال عليّ عليه‌السلام : قد كان ذلك ، ولئن أسجد الله لآدم ملائكته فإنّ ذلك لما أودع الله عَزَّ وجَلَّ صلبه من الأنوار والشرف إذ كان هو الوعاء ، ولم يكن سجودهم عبادة له وإنّما كان سجودهم طاعة لأمر الله وتكرمة وتحيّة ، مثل السلام من الإنسان على الإنسان ، واعترافاً لآدم عليه‌السلام بالفضيلة .

وقد أعطى الله محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفضل من ذلك ، وهو أن الله عَزَّ وجَلَّ صلَّى عليه وأمر ملائكته أن يصلّوا عليه ، وتعبّد (٢) جميع خلقه بالصلاة عليه إلى يوم القيامة ، فقال جلّ ثناؤه : ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (٣) فلا يصلّي عليه أحد في حياته ولا بعد وفاته إلاّ صلَّى الله عليه بذلك عشراً ، وأعطاه من الحسنات عشراً بكلّ صلاة صلَّى عليه ، ولا أحد يصلّي عليه بعد وفاته إلاّ وهو يعلم ذلك ، ويرد على المصلّي والمسلّم مثل ذلك .

ثمّ إن الله عَزَّ وجَلَّ جعل دعاء أمته فيما يسألون ربّهم جلّ ثناؤه موقوفاً عن الإجابة حتّى يصلّوا فيه عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهذا أكبر وأعظم ممّا أعطى الله لآدم عليه‌السلام ، ولقد أنطق الله عَزَّ وجَلَّ صمّ الصخور والشجر بالسلام والتحيّة له ، وكنّا نمرّ معه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا يمرّ بشعب ولا شجرة إلاّ قالت : السلام عليك يا رسول الله ، تحيّة له وإقراراً بنبوّته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ـــــــــــــــــ

(١) آل عمران : ١١٠ .

(٢) في "ج" : أمر .

(٣) الأحزاب : ٥٦ .


وزاده الله عَزَّ وجَلَّ تكرمة بأخذ ميثاقه قبل النبيّين ، وأخذ ميثاق النبيّين بالتسليم والرضا والتصديق له ، فقال جلّ ثناؤه : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ ) (١) (أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا ) .

وقال الله عَزَّ وجَلَّ : ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) (٢) وقال تعالى : (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) (٣) فلا يرفع رافع صوته بكلمة الإخلاص بشهادة أن (لا إله إلاّ الله) ، حتّى يرفع صوته معها بأنّ (محمداً رسول الله) في الأذان ، والإقامة ، والصلوات ، والأعياد ، والجمع ، ومواقيت الحجّ ، وفي كلّ خطبة حتّى في خطب النكاح وفي الأدعية .

ثمّ ذكر اليهودي مناقب الأنبياء ، وأمير المؤمنين عليه‌السلام يثبت للنبي ما هو أعظم منها تركنا ذكرها طلباً للاختصار ، حتّى وصل إلى أن قال اليهودي : فإنّ الله عَزَّ وجَلَّ ناجى موسى على جبل طور سيناء بثلاثمئة وثلاث عشرة كلمة مع كلّ كلمة يقول له فيها : يا موسى إنّي أنا الله ، فهل فعل بمحمّد شيئاً من ذلك؟

قال عليّ صلوات الله عليه : [ لقد كان كذلك ومحمد ] (٤) ناجاه الله جلّ ثناؤه فوق سبع سماوات ، رفعه عليهنّ فناجاه في موطنين ، أحدهما عند سدرة المنتهى وكان له هناك مقام محمود ، ثمّ عرج به حتّى انتهى به إلى ساق العرش ، فقال عَزَّ وجَلَّ : ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ) (٥) ودنا ودلى له رفرفاً أخضر غشي عليه نور عظيم حتّى كان في دنوّه كقاب قوسين أو أدنى ، وهو مقدار ما بين الحاجب إلى الحاجب ، وناجاه بما ذكره الله عَزَّ وجَلَّ في كتابه ، قال الله تعالى : ( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي

ـــــــــــــــــ

(١) إلى هنا في سورة الأحزاب : ٧ .

(٢) الأحزاب : ٦ .

(٣) الشرح : ٤ .

(٤) أثبتناه من "ج" .

(٥) النجم : ٨ .


الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ) (١) .

وكانت هذه الآية قد عرضت على سائر الأمم من لدن آدم إلى مبعث محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأبوا جميعاً أن يقبلوها من ثقلها وقبلها محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمته ، فلمّا رأى الله عَزَّ وجَلَّ منه ومن أمته القبول خفّف عنه ثقلها ، فقال الله عَزَّ وجَلَّ : ( آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ) (٢) ثمّ إن الله عَزَّ وجَلَّ تكرّم على محمد ، وأشفق على أمته (٣) من تشديد الآية التي قبلها هو وأمته ، فأجاب عن نفسه وعن أمته فقال : ( وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) (٤) . فقال الله عَزَّ وجَلَّ : لهم المغفرة والجنّة إذا فعلوا ذلك .

فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) (٥) يعني المرجع في الآخرة ، فأجابه سبحانه : قد فعلت ذلك بتائبي أمتك (٦) ، قد أوجبت لهم المغفرة ، ثمّ قال الله عَزَّ وجَلَّ : أمّا إذا قبلتها أنت وأمتك وقد كانت عُرضت من قبل على الأنبياء والأمم فلم يقبلوا ، فحقّ عليّ أن أرفعها عن أمتك ، فقال الله : ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ ) من خير ( وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) (٧) من شرّ .

ثمّ ألهم الله عَزَّ وجَلَّ نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن قال : ( رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) (٨) فقال الله سبحانه : لكرامتك يا محمد عليّ أن الأمم السالفة كانوا

ـــــــــــــــــ

(١) البقرة : ٢٨٤ .

(٢) البقرة : ٢٨٥ .

(٣) في "ج" : أشفق عليه .

(٤) البقرة : ٢٨٥ .

(٥) البقرة : ٢٨٥ .

(٦) في "ج" : تباهي أمتك الأمم .

(٧) البقرة : ٢٨٦ .

(٨) البقرة : ٢٨٦ .


إذا نسوا ما ذكروا فتحت عليهم أبواب عذابي ، وقد رفعت ذلك عن أمتك ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ) (١) يعني بالآصار الشدائد التي كانت على الأمم ممّن كان قبل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال عَزَّ وجَلَّ : قد رفعت عن أمتك الآصار التي كانت على الأمم السالفة ، وذلك إنّي جعلت على الأمم أن لا أقبل فعلاً إلاّ في بقاع من الأرض اخترتها لهم وإن بعدت ، وقد جعلت الأرض لك ولأُمّتك طهوراً ومسجداً ، فهذه من الآصار وقد رفعتها عن أمتك .

وقد كانت الأمم السالفة تحمل قرابينها على أعناقها إلى البيت المقدس ، فمن قبلت ذلك منه أرسلت على قربانه ناراً تأكله ، وإن لم أقبل ذلك منه رجع به مثبوراً ، وقد جعلت قربان أمتك في بطون فقرائها ومساكينها ، فمن قبلت ذلك منه أضاعف له الثواب أضعافاً مضاعفة ، وإن لم أقبل ذلك منه رفعت به عنه عقوبات الدنيا ، وقد رفعت ذلك عن أمتك وهي من الآصار التي كانت [ على الأمم السالفة ] (٢) .

وكانت الأمم السالفة مفروضاً عليها صلواتها في كبد الليل وأنصاف النهار ، وهي الشدائد التي كانت وقد رفعتها عن أمتك ، وفرضت عليهم صلواتهم في أطراف الليل والنهار وفي أوقات نشاطهم .

وكانت الأمم السالفة مفروضاً عليهم خمسون صلاة في خمسين وقتاً ، وهي من الآصار التي كانت عليهم وقد رفعتها عن أمتك ، وكانت الأمم السالفة حسنتهم بحسنة واحدة وسيّئتهم بسيّئة واحدة ، وجعلت لأُمّتك الحسنة بعشر (٣) والسيّئة بواحدة .

وكانت الأمم السالفة إذا نوى أحدهم حسنة لم تُكتب له ، وإذا همّ بالسيّئة

ـــــــــــــــــ

(١) البقرة : ٢٨٦ .

(٢) أثبتناه من "ج" .

(٣) في "ب" : بعشرة أمثالها .


كتبتها عليه وإن لم يعملها ، وقد رفعت ذلك عن أمتك ، فإذا همّ أحدهم بسيّئة ولم يعملها لم تكتب عليه ، وإذا همّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة .

وكانت الأمم السالفة إذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم ، وجعلت توبتهم من الذنب أن أحرّم عليهم بعد التوبة أحبّ الطعام إليهم ، وكانت الأمم يتوب أحدهم من الذنب الواحد المائة سنة والمئتي سنة ، ثمّ لم أقبل توبته دون أن أعاقبه في الدنيا بعقوبة ، وقد رفعت ذلك عن أمتك ، وانّ الرجل من أمتك ليذنب المائة سنة ثمّ يتوب ويندم طرفة عين فأغفر له ذلك كلّه وأقبل توبته .

وكانت الأمم السالفة إذا أصابهم أدنى نجس قرضوه من أجسادهم ، وقد جعلت الماء طهوراً لأمّتك من جميع الأنجاس والصعيد في الأوقات ، وهذه من الآصار التي كانت عليهم ورفعتها عن أمتك .

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذ قد فعلت ذلك بي فزدني ، فألهمه الله سبحانه أن قال : ( رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ) (١) قال الله عَزَّ وجَلَّ : قد فعلت ذلك بأمتك ، وقد رفعت عنهم عظيم بلايا الأمم ، وذلك حكمي في جميع الأمم أن لا أكلّف نفساً فوق طاقتها ، قال : ( وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا ) (٢) قال الله عَزَّ وجَلَّ : قد فعلت ذلك بتائبي أمتك .

ثمّ قال : ( فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (٣) قال الله عَزَّ وجَلَّ : قد فعلت ذلك وجعلت أمتك يا أحمد كالشامة البيضاء في الثور الأسود ، هم القادرون وهم القاهرون ، يستخدمون ولا يُستخدمون لكرامتك ، وحقّ عليَّ أن أظهر دينك على الأديان حتّى لا يبقى في شرق الأرض ولا في غربها دين إلاّ دينك ، ويؤدّون إلى أهل

ـــــــــــــــــ

(١) البقرة : ٢٨٦ .

(٢) البقرة : ٢٨٦ .

(٣) البقرة : ٢٨٦ .


دينك الجزية وهم صاغرون ، ( وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) (١) .

فهذه أعظم يا أخا اليهود من مناجاته لموسى على طور سيناء ، ثمّ زاد الله محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن مثّل النبيّين فصلّى بهم وهم خلفه يقتدون به ، ولقد عاين تلك الليلة الجنّة والنار ، وعرج به إلى السماء (٢) فسلّمت عليه الملائكة ، فهذا أكثر من ذلك .

قال اليهودي : فإنّ الله عَزَّ وجَلَّ ألقى على موسى محبّة منه .

فقال له عليّ عليه‌السلام : لقد كان كذلك ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألقى عليه محبّة منه فسماه حبيباً ، وذلك أن الله جلّ ثناؤه أرى إبراهيم صورة محمّد وأمته فقال : يا ربّ ما رأيت من أمم الأنبياء أنور [ ولا أزهر ] (٣) من هذه الأمة ، فمن هذا ؟ فنودي : هذا محمد حبيبي ، لا حبيب لي من خلقي غيره ، أجريت ذكره (٤) قبل أن أخلق سمائي وأرضي ، وسمّيته نبيّاً وأبوك آدم يومئذٍ من الطين ما أجريت فيه روحاً ، ولقد ألقيت أنت معه في الذروة الأولى ، وأقسم بحياته في كتابه فقال عَزَّ وجَلَّ : ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (٥) أي وحياتك يا محمد ، وكفى بهذا رفعة وشرفاً من الله عَزَّ وجَلَّ ورتبة .

قال اليهودي : فأخبرني بما فضّل الله به أمته على سائر الأمم ؟

قال عليّ عليه‌السلام : لقد فضّل الله أمته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على سائر الأمم بأشياء كثيرة أنا أذكر لك منها قليلاً من كثير ، من ذلك : قول الله عَزَّ وجَلَّ : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ

ـــــــــــــــــ

(١) النجم : ١٣ـ١٨ .

(٢) عرج به إلى سماء سماء .

(٣) أثبتناه من "ب" .

(٤) في "ج" : أحببته .

(٥) الحجر : ٧٢ .


لِلنَّاسِ ) (١) .

ومن ذلك : أنه إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلق في صعيد ، سأل الله عَزَّ وجَلَّ النبيّين : هل بلّغتم ؟ فيقولون : نعم ، فيسأل الأمم فيقولون : ما جاءنا من بشير ولا نذير ، فيقول الله جلّ ثناؤه ـ وهو أعلم بذلك ـ للنبيّين : من شهداءكم اليوم؟ فيقولون : محمد وأمته ، فتشهد لهم أُمّة محمد بالتبليغ وتصدق شهادتهم شهادة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيؤمنون عند ذلك ، وذلك قول الله عَزَّ وجَلَّ : ( لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (٢) يقول : يكون محمد عليكم شهيداً أنكم قد بلّغتم الرسالة .

ومنها : أنه أوّل الناس حساباً ، وأسرعهم دخولاً إلى الجنّة قبل سائر الأُمم كلّها .

ومنها أيضاً : أن الله عَزَّ وجَلَّ فرض عليهم في الليل والنهار خمس صلوات في خمس أوقات ، اثنتان بالليل وثلاث بالنهار ، ثمّ جعل هذه الخمس صلوات تعدل خمسين صلاة ، وجعلها كفارة خطاياهم ، فقال عَزَّ وجَلَّ : ( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ) (٣) يقول : صلوات الخمس تكفّر الذنوب ما اجتنب العبد الكبائر .

ومنها أيضاً : أن الله تبارك وتعالى جعل لهم الحسنة الواحدة التي يهمّ بها العبد ولا يعملها حسنة واحدة يكتبها له ، فإن عملها كتب له عشر حسنات ، وأمثالها إلى سبعمئة ضعف فصاعداً .

ومنها : أن الله عَزَّ وجَلَّ يدخل الجنّة من أهل هذه الأمة سبعين ألفاً بغير حساب ، ووجوههم مثل القمر ليلة البدر ، والذين يلونهم على أحسن ما يكون الكوكب الدري في أفق السماء ، والذين [ قلوبهم ] (٤) على أشدّ كوكب في السماء

ـــــــــــــــــ

(١) آل عمران : ١١٠ .

(٢) البقرة : ١٤٣ .

(٣) هود : ١١٤ .

(٤) أثبتناه من "ب" ، وفي "ألف" : يلوهم .


إضاءة ، ولا اختلاف بينهم ولا تباغض بينهم .

ومنها : أن القاتل منهم عمداً إن شاء أولياء المقتول أن يعفوا عنه فعلوا ، وإن شاءوا قبلوا الدية ، وعلى أهل التوراة ـ وهم أهل دينك ـ يقتل القاتل ولا يُعفى عنه ولا تؤخذ منه دية ، قال الله عَزَّ وجَلَّ : ( ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ) (١) .

ومنها : أن الله عَزَّ وجَلَّ جعل فاتحة الكتاب نصفها لنفسه ، ونصفها لعبده ، قال الله تعالى : قسمت بيني وبين عبدي هذه السورة ، فإذا قال أحدهم : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) فقد حمدني ، وإذا قال : ( رَبِّ الْعَالَمِينَ ) فقد عرفني ، وإذا قال : ( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) فقد مدحني ، وإذا قال : ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) فقد أثنى عليَّ ، وإذا قال : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) فقد صدق عبدي في عبادتي بعدما سألني ، وبقيّة هذه السورة له .

ومنها : أن الله عَزَّ وجَلَّ بعث جبرئيل إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن بشّر أمتك بالزين والسناء (٢) والرفعة والكرامة والنصر .

ومنها : أن الله سبحانه أباحهم صدقاتهم يأكلونها ، ويجعلونها في بطون فقرائهم يأكلون منها ويطعمون ، وكانت صدقات من كان قبلهم من الأُمم المؤمنين (٣) يحملونها إلى مكان قصي فيحرقونها بالنار .

ومنها : أن الله عَزَّ وجَلَّ جعل الشفاعة لهم خاصة دون الأُمم ، والله تعالى متجاوز (٤) عن ذنوبهم العظام لشفاعة نبيّهم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ومنها : أنه يقال يوم القيامة : ليتقدّم الحامدون ، فتتقدّم اُمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل الأُمم ، وهو مكتوب اُمّة محمد الحامدون ، يحمدون الله عَزَّ وجَلَّ على كلّ منزلة ويكبّرونه على كلّ محل ، مناديهم في جوف السماء لهم دوي كدوي النحل .

ـــــــــــــــــ

(١) البقرة : ١٧٨ .

(٢) في "ج" : النساء .

(٣) في "ج" : الماضين .

(٤) في "ج" : يتجاوز .


ومنها : أن الله لا يهلكهم بجوع ، ولا يجمعهم على ضلالة ، ولا يسلّط عليهم عدوّاً من غيرهم ، ولا يساخ ببقيّتهم ، وجعل لهم الطاعون شهادة .

ومنها : أن الله جعل لمن صلَّى منهم على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلاة واحدة عشر حسنات ، ومحا عنه عشر سيّئات ، وردّ الله سبحانه عليه مثل صلاته على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ومنها : أنه جعلهم أزواجاً ثلاثة اُمماً ، منهم ظالم لنفسه ، ومنهم مقتصد ، ومنهم سابق بالخيرات ، والسابق بالخيرات يدخل الجنّة بغير حساب ، والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً ، والظالم لنفسه مغفوراً له إن شاء الله .

ومنها : أن الله عَزَّ وجَلَّ جعل توبتهم الندم والاستغفار والترك للإصرار ، وكانت بنو إسرائيل توبتهم قتل أنفسهم ، ومنها قول الله عَزَّ وجَلَّ لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أمتك هذه مرحومة ، عذابها في الدنيا الزلزلة والفقر .

ومنها : أن الله عَزَّ وجَلَّ يكتب للمريض الكبير من الحسنات على حسب ما كان يعمل في شبابه وصحّته من أعمال الخير ، يقول الله سبحانه للملائكة : اكتبوا لعبدي مثل حسناته قبل ذلك مادام في وثاقي .

ومنها : أن الله عَزَّ وجَلَّ ألزم أُمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلمة التقوى ، وجعل بدو الشفاعة لهم في الآخرة .

ومنها : أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأى في السماء ليلة عرج به إليها ملائكة قياماً وركوعاً منذ خلقوا ، فقال : يا جبرئيل ، هذه هي العبادة ، فقال له جبرئيل : صدقت يا محمد فسل الله ربّك أن يعطي أمتك (١) القنوت والركوع والسجود في صلاتهم ، فأعطاهم الله عَزَّ وجَلَّ ذلك ، فأمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقتدون بالملائكة الذين في السماء .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : يعطيك .


وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن اليهود يحسدونكم على صلاتكم وركوعكم وسجودكم ، فالحمد لله الذي اختصّ أمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذه الكرامة فبعث إليهم خير النبيّين ، ووفّقهم للاقتداء بالملائكة الذين في السماوات ، ونسخ بكتابهم كلّ كتاب نزل من السماء ، وجعله مهيمناً على الكتب ، وجعلهم يدخلون الجنّة قبل مؤمني الأُمم كلّها ، كرامة من الله عَزَّ وجَلَّ ورحمة اختصّهم بها (١) .

 [أحاديث في فضائل أهل البيتعليهم‌السلام ]

يرفعه الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان (قدّس الله روحه) إلى زيد الشهيد قال : دخل أحمد بن بكر على زيد بن عليّ فقال له : يا ابن رسول الله حدّثني من فضل ما أنعم الله به عليكم؟ قال : نعم ، حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن جدّه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أحبّنا أهل البيت فنحن شفعاؤه يوم القيامة .

يا ابن بكر ، من أحبّنا في الله حشر معنا وأدخلناه معنا الجنّة يا ابن بكر ، من تمسّك بنا فهو معنا في الدرجات العلى يا ابن بكر ، إن الله تعالى اصطفى محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واختارنا ذريّته ، فلولانا لم يخلق الله الدنيا والآخرة يا ابن بكر ، بنا عُرف الله ، وبنا عُبِدَ الله ، ونحن السبيل إلى الله ، ومنّا المصطفى والمرتضى ، ومنّا يكون المهدي قائم هذه الأمة .

فقلت : هذا الذي تقوله عنك أو عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال : بل عهد عهده إلينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢) .

يرفعه المفيد أيضاً إلى عبد الله بن العباس قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ـــــــــــــــــ

(١) عنه البحار ١٦ : ٣٤١ ح٣٣ ، ونحوه باختصار في الاحتجاج ١ : ٤٩٧ .

(٢) راجع البحار ٤٦ : ٢٠٢ ح٧٧ عن كفاية الأثر بتفصيل أكثر .


: إن الله تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض إطلاعة فاختارني منها فجعلني نبيّاً ، ثمّ اطلع ثانية فاختار منها عليّاً فجعله إماماً ، ثمّ أمرني أن اتّخذه أخاً ووصيّاً وخليفة ووزيراً ، فعليّ منّي وهو زوج ابنتي وأبو سبطيّ الحسن والحسين ، ألا وأنّ الله تعالى جعلني أنا وهم (١) حججاً على عباده ، وجعل من صلب الحسين أئمة يقومون بأمري ، ويحفظون وصيّتي ، التاسع منهم قائمهم (٢) .

يرفعه الشيخ المفيد إلى أنس بن مالك قال : كنت أنا ، وأبو ذر ، وسلمان ، وزيد بن ثابت ، وزيد بن أرقم عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ دخل الحسن والحسين صلوات الله عليهما ، فقبّلهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقام أبو ذر فانكبّ عليهما وقبّل أيديهما ، ثمّ رجع فقعد معنا فقلنا له سرّاً : يا أبا ذر ! أنت رجل شيخ من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تقوم إلى صبيّين من بني هاشم فتنكبّ عليهما وتقبّل أيديهما؟

فقال : نعم ، لو سمعتم ما سمعت فيهما من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لفعلتم بهما أكثر ممّا فعلت ، فقلنا : وماذا سمعت يا أبا ذر؟ قال : سمعته يقول لعليّ ولهما : يا عليّ ، والله لو أنّ رجلاً صام وصلّى حتّى يصير كالشنّ البالي ، إذن ما نفعته صلاته وصومه إلاّ بحبّك يا عليّ ، من توسّل إلى الله عَزَّ وجَلَّ بحبّكم فحقّ على الله أن لا يردّه يا عليّ ، من أحبّكم وتمسّك بكم فقد تمسّك بالعروة الوثقى .

قال : ثمّ قام أبو ذر وخرج وتقدّمنا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقلنا : يا رسول الله ، أخبرنا أبو ذر عنك بكيت وكيت ، فقال : صدق أبو ذر ، والله ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر .

ثمّ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خلقني الله تبارك وتعالى وأهل بيتي من نور واحد

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : إيّاهم .

(٢) عنه البحار ٣٦ : ٣٠١ ح١٣٩ .


قبل أن يخلق آدم بسبعة آلاف عام ، ثمّ نقلنا إلى صلب آدم ، ثمّ نقلنا من صلبه إلى أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهّرات ، قلت (١) : يا رسول الله ، فأين كنتم ، وعلى أيّ مثال كنتم ؟ قال : كنّا أشباهاً من نور تحت العرش نسبّح الله ونقدّسه ونمجّده .

ثمّ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لما عرج بي إلى السماء وبلغت سدرة المنتهى ودّعني جبرئيل عليه‌السلام ، فقلت له : جبرئيل حبيبي أفي هذا المكان تفارقني ؟ فقال : إنّي لا أجوزه فتحترق أجنحتي ، قال : ثمّ زجّ بي في النور ما شاء الله ، وأوحى الله إليّ : يا محمد إنّي اطلعت إلى الأرض إطلاعة فاخترتك منها فجعلتك نبيّاً ، ثمّ اطلعت ثانية فاخترت منها علياً وجعلته وصيّك ، ووارث علمك ، والإمام بعدك ، واُخرج من أصلابكما الذرية الطاهرة ، والأئمة المعصومين خزّان علمي ، فلولاكم ما خلقت الدنيا ولا الآخرة ولا الجنّة ولا النار .

يا محمد أتحبّ أن تراهم؟ قلت : نعم يا رب ، فنوديت : يا محمد ارفع رأسك ، فرفعت رأسي فإذا أنا بأنوار عليّ ، والحسن ، والحسين ، وعليّ بن الحسين ، ومحمد بن عليّ ، وجعفر بن محمد ، وموسى بن جعفر ، وعليّ بن موسى ، ومحمد بن عليّ ، وعليّ بن محمد ، والحسن بن عليّ ، والحجة يتلألأ من بينهم كأنّه كوكب درّي .

فقلت : يا ربّ من هؤلاء؟ ومن هذا ؟ قال : يا محمد ، هم الأئمة من بعدك المطهّرون من صلبك ، وهذا الحجّة الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، ويشفي صدور قوم مؤمنين ، فقلنا : بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله لقد قلت عجباً ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وأعجب من هذا أن قوماً يسمعون منّي هذا الكلام ثمّ يرجعون على أعقابهم بعد إذ هداهم الله ويؤذونني فيهم ، ما لهم؟ لا أنالهم الله شفاعتي (٢) .

وعنه يرفعه إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : قال لي أمير المؤمنين عليه‌السلام :

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : فقلنا .

(٢) عنه البحار ٣٦ : ٣٠١ ح١٤٠ ، ومعالم الزلفى : ٢٥٢ ، وانظر أيضاً كفاية الأثر : ٧٠ .


يا سلمان ، الويل كلّ الويل لمن لا يعرفنا حقّ معرفتنا وأنكر فضلنا يا سلمان ، أيّما أفضل محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو سليمان بن داود عليه‌السلام ؟ قال سلمان : بل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم [أفضل] (١) .

فقال : يا سلمان ، فهذا آصف بن برخيا قدر أن يحمل عرش بلقيس من فارس إلى سبأ في طرفة عين وعنده علم من الكتاب ، ولأفعل أنا أضعاف ذلك وعندي ألف كتاب ، أنزل الله على شيث بن آدم عليه‌السلام خمسين صحيفة ، وعلى إدريس النبي عليه‌السلام ثلاثين صحيفة ، وعلى إبراهيم الخليل عليه‌السلام عشرين صحيفة ، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان .

فقلت : صدقت يا سيّدي ، قال الإمام عليه‌السلام : اعلم يا سلمان إن الشاك في أمورنا وعلومنا كالممتري (٢) في معرفتنا وحقوقنا ، وقد فرض الله ولايتنا في كتابه في غير موضع ، وبيّن فيه ما وجب العمل به وهو غير مكشوف (٣) .

وعن الشيخ محمد بن يعقوب مرفوعاً إلى إسماعيل بن جابر ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام أنه كتب إلى أصحابه المؤمنين بهذه الرسالة ، من جملتها قال : من سرّه أن يلقى الله وهو مؤمن حقاً حقاً فليتولّى الله ورسوله والذين آمنوا ، وليتبرّأ إلى الله من عدوّهم (٤) ، وليسلم لما انتهى إليه من فضلهم ، لأنّ فضلهم لا يبلغه ملك مقرّب ، ولا نبيّ مرسل ، ولا من دون ذلك .

ألم تسمعوا ما ذكر (٥) من فضل اتّباع الأئمة الهداة وهم المؤمنون ، قال : ( فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) في "ب" : كالمستهزئ .

(٣) عنه البحار ٢٦ : ٢٢١ ح٤٧ .

(٤) في "ج" : من أعدائهم .

(٥) في "ج" : ما ذكر الله تعالى .


وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ) (١) فهذا وجه من وجوه فضل اتّباع الأئمة ، فكيف بهم وبفضلهم ، واعلموا أن أحداً من خلق الله لم يصب رضى الله إلاّ بطاعته ، وطاعة رسوله ، وطاعة ولاة الأمر من آل محمد صلوات الله عليهم ، ومعصيتهم من معصية الله ، ولم ينكر لهم فضلاً عظم أو صغر (٢) .

وعن أبي جعفر بن بابويه (رضي الله عنه) يرفعه إلى إبراهيم بن أبي محمود قال : قال الرضا عليه‌السلام : نحن حجج الله في أرضه ، وخلفاؤه على عباده ، وأمناؤه (٣) على سرّه ، ونحن كلمة التقوى والعروة الوثقى (٤) ، ونحن شهداء الله وأعلامه في بريّته ، بنا يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا ، وبنا ينزل الغيث وينشر الرحمة ، ولا تخلو الأرض من قائم منّا ظاهر أو خاف ، ولو خلت يوماً بغير حجّة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله (٥) .

سوى الله لم يعرفكم يا بني الهدى

وما عرف الله العلي سواكم

وما عرف الأملاك من عظم قدركم

وجبريل يعنو(٦) رفعة لعلاكم

فمن فوه مثلي أن يفوه بفضلكم

ومن للساني أن يعد علاكم

خذوا بيدي يوم المعاد(٧) واغفروا

ذنوبي فما للعبد إلاّ ولاكم

ـــــــــــــــــ

(١) النساء : ٦٩ .

(٢) الكافي ٨ : ١٠ ح١ ، عنه البحار ٧٨ : ٢١٩ ح٩٣ .

(٣) في "ج" : وأوصياؤه .

(٤) قال العلاّمة المجلسي (رحمه الله) ذيل الحديث : قولهعليه‌السلام : "نحن كلمة التقوى" إشارة إلى قوله تعالى :( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) وفسّرها المفسّرون بكلمة الشهادة وبالعقائد الحقة إذ بها يتّقى من النار ، أو هي كلمة أهل التقوى وإطلاقها عليهم إما باعتبار أنهمعليهم‌السلام كلمات الله يعبّرون عن مراد الله كما أن الكلمات تعبّر عمّا في الضمير ، أو باعتبار أن ولايتهم والقول بإمامتهم سبب للاتقاء من النار ، ففيه تقدير مضاف أي : ذو كلمة التقوى "والعروة الوثقى" إشارة إلى أنهم هم المقصودون بها في قوله تعالى :( فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ) ويحتمل هنا أيضاً حذف المضاف ، والعروة : كلّ ما يتعلّق أو يتمسّك به .

(٥) كمال الدين : ٢٠٢ ح٦ ، عنه البحار ٢٣ : ٣٥ ح٥٩ .

(٦) لعلّه بمعنى يخضع ، وفي "ج" : يعلو .

(٧) في "ج" : يوم القيامة .


فإن تغفروا فالله راضٍ وغافر

لأنّ رضى الله العليّ رضاكم

يرفعه إلى خيثمة الجعفي عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : سمعته وهو يقول : نحن جنب الله ، ونحن صفوته ، ونحن خيرته (١) ، ونحن مستودع مواريث الأنبياء ، ونحن أمناء الله عَزَّ وجَلَّ ، ونحن حجّته ، ونحن أركان الإيمان ودعائم الإسلام ، ونحن رحمة الله على خلقه ، ونحن بنا يفتح وبنا يختم .

ونحن أئمة الهدى ومصابيح الدجى ، ونحن منار الهدى ، ونحن السابقون ، ونحن الآخرون ، ونحن العلم المرفوع للخلق ، من تمسّك بنا لحق ومن تأخّر عنّا غرق ، ونحن قادة الغرّ المحجّلين ، ونحن خيرة الله ، ونحن الطريق الواضح والصراط المستقيم إلى الله عَزَّ وجَلَّ ، ونحن من نعم الله على خلقه ، ونحن المنهاج ، ونحن معدن النبوّة ، ونحن موضع الرسالة .

ونحن الدين ، ونحن النبأ ومختلف الملائكة ، ونحن السراج لمن استضاء بنا ، ونحن السبيل لمن اقتدى بنا ، ونحن الهداة إلى الجنّة ، ونحن عرى (٢) الإسلام ، ونحن الجسور والقناطر ، من مضى عليها لم يسبق ومن تخلّف عنها محق ، ونحن السنام الأعظم ، ونحن الذين ينزل الله عَزَّ وجَلَّ بنا الرحمة ، وبنا يسقون الغيث ، ونحن الذين بنا يصرف الله عنكم العذاب ، فمن عرفنا وأبصرنا وعرف حقّنا وأخذ بأمرنا فهو منّا وإلينا (٣) .

مرفوعاً إلى الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : قلت له : تكون الأرض بغير إمام؟ قال : لا ، قلت : [فيكون] (٤) إمامان في وقت واحد؟ قال :

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : خيرة الله .

(٢) في "ج" : عزّ الإسلام .

(٣) بصائر الدرجات : ٨٢ ح١٠ الجزء الثاني ، عنه البحار ٢٦ : ٢٤٨ ح١٨ ، وكمال الدين : ٢٠٥ ح٢٠ ، وانظر أمالي الطوسي : ٦٥٤ ح١٣٥٤ .

(٤) أثبتناه من "ج" .


لا ، إلاّ وأحدهما صامت ، قلت : الإمام يعرف الإمام الذي بعده؟ قال : نعم ، قلت : القائم إمام؟ قال : إمام ابن إمام ، قد ائتمّ (١) به قبل ذلك (٢) .

يرفعه إلى عليّ بن أبي حمزة عن أبيه ، عن الصادق جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حدّثني جبرئيل عن ربّ العزّة تبارك وتعالى قال : من علم انّه لا إله إلاّ أنا وحدي ، وأنّ محمداً عبدي ورسولي ، وأنّ عليّ بن أبي طالب خليفتي ، وأنّ الأئمة من ولده حججي على بريّتي ، أدخلته الجنّة ونجّيته من النار بعفوي ، وأبحت له جواري ، وأوجبت له كرامتي ، وأتممت عليه نعمتي ، وجعلته من خاصّتي وخالصتي إن ناداني لبيته ، وإن دعاني أجبته ، وإن سألني أعطيته ، وإن سكت ابتدأته ، وإن أساء رحمته ، وإن فرّ منّي دعوته ، وإن رجع إليّ قبلته ، وإن قرع بابي فتحته .

ومن لم يشهد أن لا إله إلاّ أنا وحدي ، أو شهد ولم يشهد أنّ محمداً عبدي ورسولي ، أو شهد بذلك ولم يشهد أنّ عليّ بن أبي طالب خليفتي ، أو شهد بذلك ولم يشهد أنّ الأئمة من بعده حججي ، فقد جحد نعمتي ، وصغّر عظمتي ، وكفر بآياتي وكتبي إن قصدني حجبته ، وإن سألني حرمته ، وإن ناداني لم أسمع نداءه ، وإن دعاني لم أسمع دعاءه ، وإن رجاني خيّبته ، وذلك جزاؤه منّي ، وما أنا بظلاّم للعبيد (٣) .

يرفعه إلى سلمان الفارسى رحمه الله قال : كنت جالساً بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضته التي قبض فيها فدخلت فاطمة عليها‌السلام ، فلمّا رأت ما بأبيها من الضعف بكت حتّى جرت دموعها على خدّيها ، فقال لها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما يبكيك يا فاطمة؟ قالت : يا رسول الله ، أخشى الضيعة على نفسي وولدي بعدك .

ـــــــــــــــــ

(١) في البحار : قد اوذنتم به .

(٢) كمال الدين : ٢٢٣ ح١٧ باب ٢٢ ، عنه البحار ٢٥ : ١٠٧ ح٧ .

(٣) كمال الدين : ٢٥٨ ح٣ باب٢٤ ، عنه البحار ٣٦ : ٢٥١ ح٦٨ .


فاغرورقت عينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالبكاء ثمّ قال : يا فاطمة أما علمت إنّا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ، وإنّه حتم الفناء على جميع خلقه ، وإنّ الله تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض إطلاعة فاختار منها أباك ، ثمّ اطلع إطلاعة فاختار منها زوجك ، فأوحى الله إليّ أن أزوّجك إيّاه وأن أتّخذه وليّاً ووزيراً ، وأن أجعله خليفتي في أمتي ، فأبوك خير أنبياء الله ورسله ، وبعلك خير الأوصياء ، وأنت أوّل من يلحق بي من أهلي .

ثمّ اطلع إطلاعة ثالثة فاختارك وولدك ، فأنت سيّدة نساء [ العالم و ] (١) أهل الجنّة ، وابناك حسن وحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، وأبناء (٢) بعلك أوصيائي إلى يوم القيامة كلّهم هادون مهديّون ، فالأوصياء بعدي أخي عليّ ، ثمّ حسن ، ثمّ حسين ، ثمّ تسعة من ولد الحسين في درجتي ، وليس في الجنّة درجة أقرب إلى الله عَزَّ وجَلَّ من درجتي ودرجة أبي إبراهيم أما تعلمين يا بنيّة أن من كرامة الله عَزَّ وجَلَّ إيّاك أن زوّجك خير أمتي وخير أهل بيتي ، أقدمهم سلماً ، وأعظمهم حلماً ، وأكثرهم علماً .

فاستبشرت فاطمة صلوات الله عليها وفرحت بما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ قال : يا بنيّة ، إنّ لبعلك مناقب ، إيمانه بالله ورسوله قبل كلّ أحد لم يسبقه إلى ذلك أحد من أمتي ، وعلمه بكتاب الله عَزَّ وجَلَّ وسنّتي ، وليس أحد من أُمتي يعلم جميع علمي غير عليّ ، فإنّ الله عَزَّ وجَلَّ علّمني علماً لا يعلمه غيري ، وعلّم ملائكته ورسله علماً ، فكلّ ما علّمه ملائكته ورسله فأنا أعلمه ، وأمرني عَزَّ وجَلَّ أن اُعلّمه إيّاه ففعلت ، فليس أحد من أُمتي يعلم علمي وفهمي وحكمي غيره ، وانّك يا بنيّة زوجته ، وابناه سبطاي حسن وحسين ، وهما سبطا أُمتي ، أمره

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) في "ب" : وأبناؤك وبعلك .


بالمعروف ونهيه عن المنكر ، وإن الله عَزَّ وجَلَّ آتاه الحكمة وفصل الخطاب .

يا بنيّة ، إنّا أهل بيت أعطانا الله عَزَّ وجَلَّ ست خصال لم يعطها أحداً من الأولين كان قبلكم ، ولا يعطيها أحداً من الآخرين غيرنا : نبيّنا خير الأنبياء والمرسلين وهو أبوك ، ووصيّنا خير الأوصياء وهو بعلك ، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة بن عبد المطلب عمّ أبيك قالت : يا رسول الله ، هو سيّد شهداء الذين قتلوا معه؟ قال : لا بل سيّد شهداء الأولين والآخرين ما خلا الأنبياء والأوصياء ، وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين الطائر في الجنّة مع الملائكة ، وابناي حسن وحسين سبطا أُمتي وسيّدا شباب أهل الجنّة ، ومنّا والذي نفسي بيده مهديّ هذه الأُمة ، الذي تملأ الأرض به قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً .

قالت : فأيّ هؤلاء أفضل من الذين سمّيت؟ قال : عليّ بعدي أفضل أُمتي ، وحمزة وجعفر أفضل أهل بيتي بعد عليّ وبعدك وبعد ابنيّ وسبطيّ حسن وحسين ، وبعد الأوصياء من ولد ابني هذا ـ وأشار إلى الحسين عليه‌السلام ـ منهم المهدي ، إنّا أهل بيت اختار الله عَزَّ وجَلَّ لنا الآخرة على الدنيا .

ثمّ نظر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليها وإلى بعلها وإلى ابنيها فقال : يا سلمان ، اشهد إنّي سلم لمن سالمهم وحرب لمن حاربهم ، أما إنّي معهم (١) في الجنّة ، ثمّ أقبل على عليّ عليه‌السلام فقال : يا أخي إنّك ستبقى بعدي ، وستلقى من قريش شدّة من تظاهرهم عليك وظلمهم لك ، فإن وجدت عليهم أعواناً فقاتل من خالفك بمن أطاعك ووافقك ، وإن لم تجد أعواناً فاصبر وكفّ يدك ولا تلق بها إلى التهلكة ، فإنّك منّي بمنزلة هارون من موسى ، ولك بهارون أسوة حسنة إذ استضعفه قومه وكادوا يقتلونه ، فاصبر لظلم قريش إيّاك وتظاهرهم عليك ، فإنّك بمنزلة هارون ومن تبعه وهم بمنزلة العجل ومن تبعه .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : انّهم معي وأنا معهم .


يا عليّ ، إن الله تبارك وتعالى قد قضى الفرقة والاختلاف على هذه الأمة ، ولو شاء لجمعهم على الهدى حتّى لا يختلف اثنان من هذه الأُمة ، ولا يتنازع في شيء من أمره ، ولا يجحد المفضول ذا الفضل فضله ، ولو شاء لجعل (١) النقمة وكان منه التغيير حتّى يكذب الظالم ويعلم الحق أين مصيره ، ولكنّه جعل الدنيا دار الأعمال والآخرة دار القرار ، ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، وقال عليّ عليه‌السلام : الحمد لله وشكراً على نعمائه ، وصبراً على بلائه (٢) .

يرفعه إلى الأعمش عن جعفر بن محمد عليه‌السلام قال : سألته عن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأحقّهم بالأمر ، فقال : عليّ بن أبي طالب ، إمام المتّقين ، وأمير المؤمنين ، وقائد الغرّ المحجّلين ، وأفضل الوصيّين ، وخير الخلق أجمعين بعد رسول ربّ العالمين ، وبعده الحسن ثمّ الحسين سبطا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وابنا خيرة النسوان .

ثمّ عليّ بن الحسين ، ثمّ محمد بن عليّ (٣) ، ثمّ من بعده الأئمة الهادية المهديّة (٤) صلوات الله عليهم أجمعين ، فإنّ فيهم الورع ، والعفّة ، والصدق ، والصلاح ، والاجتهاد ، وأداء الأمانة إلى البر والفاجر ، وطول السجود ، وقيام الليل ، واجتناب المحارم ، وانتظار الفرج بالصبر وحسن الصحبة ، وحسن الجوار (٥) .

يرفعه المفضل بن عمر عن الصادق عليه‌السلام قال : سألته عن قول الله عَزَّ وجَلَّ : ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ) (٦) ما هذه الكلمات؟ قال : هي الكلمات التي تلقّاها آدم عليه‌السلام من ربّه فتاب عليه ، وهو إنّه قال : يا ربّ ، أسألك بحقّ

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : لعجل .

(٢) كمال الدين : ٢٦٢ ح١٠ باب ٢٤ ، عنه البحار ٢٨ : ٥٢ ح٢١ .

(٣) زاد في "ج" : ثمّ جعفر بن محمد .

(٤) في "ج" : الهداة المهديّون .

(٥) راجع كمال الدين : ٣٣٦ ح٩ باب ٣٣ ، والخصال : ٤٧٨ ح٤٦ أبواب الاثنى عشر ، باختلاف .

(٦) البقرة : ١٢٤ .


محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلاّ تبت عليّ ، فتاب الله عليه إنّه هو التوّاب الرحيم .

فقلت : يا ابن رسول الله ، فما معنى قوله عَزَّ وجَلَّ : ( فَأَتَمَّهُنَّ ) قال : يعني فأتمهنّ إلى القائم عليه‌السلام اثنا عشر إماماً ، تسعة من ولد الحسين ، قال المفضل : فقلت له : يا ابن رسول الله ، فكيف صارت الإمامة في ولد الحسين دون الحسن ، وهما جميعاً ولدا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسبطاه وسيّدا شباب أهل الجنّة .

فقال عليه‌السلام : إنّ موسى وهارون كانا نبيّين مرسلين أخوين ، فجعل الله تبارك وتعالى النبوّة في صلب ولد هارون دون صلب موسى ، ولم يكن لأحد أن يقول لِمَ فعل الله ذلك ، وإن الإمامة خلافة من الله عَزَّ وجَلَّ ليس لأحد أن يقول لِمَ جعل الله الإمامة في صلب الحسين دون صلب الحسن ، فإنّ الله عَزَّ وجَلَّ هو الحكيم في أفعاله لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون (١) .

يرفعه إلى سعد بن عبد الله القمي قال : أعددت نيفاً وأربعين مسألة من صعاب المسائل لم أجد لها مجيباً ، فقصدت مولانا أبا محمد الحسن بن عليّ العسكري عليه‌السلام بسر من رأى ، فلمّا انتهينا إلى باب سيّدنا عليه‌السلام فاستأذنّا عليه فخرج الإذن بالدخول .

قال سعد : فما شبهت مولانا أبا محمد عليه‌السلام حين غشينا نور وجهه إلاّ ببدر قد استوفى لياليه أربعاً بعد عشر ، وعلى فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة والمنظر ، فسلّمنا عليه فألطف في الجواب وأومأ إلينا بالجلوس ، فلمّا جلسنا سألته شيعته عن أمورهم في دينهم ودنياهم (٢) ، فنظر أبو محمد الحسن عليه‌السلام

ـــــــــــــــــ

(١) كمال الدين : ٣٥٨ ح٥٥ باب ٣٣ ، عنه البحار ٢٤ : ١٧٧ ح٨ ، وانظر الخصال : ٣٠٤ ح٨٤ باب ٥ ، ومعاني الأخبار : ١٢٦ ح١ .

(٢) في "ألف" و "ج" : وهداياهم .


إلى الغلام وقال : يا بني ، أجب شيعتك ومواليك ، فأجاب كلّ واحد عمّا في نفسه وعن حاجته من قبل أن يسأله عنها في أحسن جواب ، وأوضح برهان ، حتّى حارت عقولنا من غامر علمه ، وإخباره بالغائبات .

ثمّ التفت إليّ أبو محمد عليه‌السلام وقال : ما جاء بك يا سعد؟ قلت : شوقي إلى لقاء مولانا ، فقال : المسائل التي أردت أن تسأل عنها؟ قلت : على حالها يا مولاي ، قال : فسل قرّة عيني ـ وأومأ إلى الغلام ـ عمّا بدا لك منها .

فكان من بعض ما سألته أن قلت له : يا ابن رسول الله أخبرني عن تأويل : ( كهيعص ) (١) ، قال : هذه الحروف من أنباء الغيب اطلع الله عليها عبده زكريا ثمّ قصّها على محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وذلك أن زكريا سأل الله تعالى أن يعلّمه أسماء الخمسة ، فهبط عليه جبرئيل عليه‌السلام فعلّمه إيّاها ، وكان زكريا إذا ذكر محمداً وعلياً وفاطمة والحسن سري عنه همّه وانجلى عنه كربه ، فإذا ذكر الحسين خنقته العبرة ، ووقعت عليه البهرة .

فقال ذات يوم : يا إلهي ، ما بالي إذا ذكرت أربعة منهم تسلّيت بأسمائهم من همومي ، وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي ، فأنبأه الله عَزَّ وجَلَّ عن قصّته ، فقال : ( كهيعص ) ، فالكاف اسم كربلاء ، والهاء هلاك العترة ، والياء يزيد ظالم الحسين ، والعين عطشه ، والصاد صبره .

فلمّا سمع بذلك زكريّا عليه‌السلام لم يفارق مسجده ثلاثة أيّام ، ومنع فيهنّ الناس من الدخول عليه ، وأقبل على البكاء والنحيب ، وكانت ندبته : "إلهي أتفجع خير جميع خلقك بولده ، إلهي أتنزل هذه الرزية بفنائه ، إلهي أتلبس علياً وفاطمة ثياب هذه المصيبة ، إلهي أتحلّ كربة هذه الفجيعة بساحتهما؟!" .

ثمّ قال : اللّهمّ ارزقني ولداً تقرّ به عيني على الكبر ، وتجعله وارثاً رضيّاً

ـــــــــــــــــ

(١) مريم : ١ .


يوازي محلّه منّي محلّ الحسين عليه‌السلام ، فإذا رزقتنيه فافتنّي بحبّه ثمّ افجعني به كما تفجع محمداً حبيبك ، وكان حمل يحيى ستة أشهر وكان الحسين عليه‌السلام كذلك ، وله قصة طويلة (١) .

مرفوعاً إلى ابن عباس قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ عليه‌السلام : يا عليّ شيعتك هم الفائزون يوم القيامة ، من أهان واحد منهم فقد أهانك ، ومن أهانك فقد أهانني ، ومن أهانني أدخله الله نار جهنّم خالداً فيها وبئس المصير .

يا عليّ ، أنت منّي وأنا منك ، روحك من روحي ، وطينتك من طينتي ، وشعيتك خلقوا من فضل طينتنا ، فمن أحبّهم فقد أحبّنا ، ومن أبغضهم فقد أبغضنا ، ومن عاداهم فقد عادانا ، ومن ردّهم فقد ردّنا يا عليّ ، إنّ شيعتك مغفور لهم على ما كان منهم من ذنوب وعيوب يا عليّ ، أنا الشفيع لشيعتك غداً إذا قمت المقام المحمود فبشّرهم بذلك يا عليّ ، سعد من تولاّك وشقي من عاداك يا عليّ ، لك كنز في الجنّة وأنت ذو قرنيها (٢) (٣) .

يرفعه إلى أبي عبد الله عليه‌السلام قال : حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن الحسين بن عليّ عليهم‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فاطمة بهجة (٤) قلبي ، وابناها ثمرة فؤادي ، وبعلها نور بصري ، والأئمة من ولدها أمناء ربّي ، وحبله

ـــــــــــــــــ

(١) كمال الدين : ٤٦١ ضمن حديث ٢١ ، عنه البحار ٥٢ : ٨٠ ح١ .

(٢) أمالي الصدوق : ٢٣ ح٨ مجلس ٤ ، عنه البحار ٦٨ : ٧ ح١ ، وانظر أيضاً بشارة المصطفى : ١٨ .

(٣) قال الشيخ الصدوق رحمه الله في معاني الأخبار ص٢٠٦ : وقد سمعت بعض المشايخ يذكر أن هذا الكنز هو ولده المحسنعليه‌السلام ، وهو السقط الذي ألقته فاطمةعليها‌السلام لما ضغطت بين البابين ، واحتجّ في ذلك بما روي في السقط من أنّه يكون محبنطأً على باب الجنّة ، فيقال له : اُدخل الجنّة ، فيقول : لا حتى يدخل أبواي قبلي وأمّا قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : "وأنت ذو قرنيها" فإنّ قرني الجنّة الحسن والحسين لما روي أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إنّ الله عَزَّ وجَلَّ يزيّن بهما جنّته كما تزين المرأة بقرطيها وفي خبر آخر : يزين الله بهما عرشه ، وفي وجه آخر معنى قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : "وأنت ذو قرنيها" أي إنّك صاحب قرني الدنيا وإنّك الحجّة على شرق الدنيا وغربها وصاحب الأمر فيها والنهي فيها .

٤ـ في "ألف" : مهجة .


الممدود بينه وبين خلقه ، من اعتصم بهم نجا ، ومن تخلّف عنهم هوى (١) .

وروى الشيخ المفيد رحمه الله عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه ذكر في خبر طويل من جملته قال : إن لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم القيامة قبل الحساب مقاماً يقوم فيه ، وهو المقام المحمود الذي ذكره الله عَزَّ وجَلَّ ، يقوم فيثني على الله تبارك وتعالى بما لم يثن أحد من قبله ، ثمّ تثني عليه الملائكة فلا يبقى ملك إلاّ أثنى على محمد وآل محمد .

ثمّ تثني عليهم الرسل ، ثمّ يثني عليهم كلّ مؤمن ومؤمنة ، يبدأ بالصدّيقين والشهداء والصالحين ، ثمّ تحمده أهل السماوات والأرض ، وذلك قوله تعالى : ( عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) (٢) فطوبى لمن كان له في ذلك المقام حظّ ونصيب ، وويل لمن لم يكن له فيه حظّ ولا نصيب (٣) .

يرفعه إلى أبي حمزة قال : قدم قتادة على أبي جعفر عليه‌السلام وحوله أهل خراسان وغيرهم يسألونه عن مناسك الحجّ وغيره فجلس قريباً منه ، فلمّا قضى أبو جعفر عليه‌السلام حوائج القوم وانصرفوا التفت إلى الرجل فقال له : من أنت؟ قال : أنا قتادة بن دعامة السدوسي البصري ، قال أبو جعفر عليه‌السلام : فقيه أهل البصرة؟ قال : نعم .

قال : ويحك يا قتادة إن الله تعالى خلق خلقاً من خلقه فجعلهم حججاً على عباده ، أوتاداً في أرضه ، قواماً بأمره ، نجباء في علمه ، اصطفاهم قبل خلقه أظلّة عن يمين عرشه ، قال : فسكت قتادة طويلاً ثمّ قال : أصلحك الله ، والله لقد جلست بين يدي العلماء والفقهاء وبين يدي ابن عباس ، فما اضطرب قلبي قدام أحد منهم

ـــــــــــــــــ

(١) فضائل ابن شاذان : ١٤٦ ، ومائة منقبة : ١٠٠ ح٤٤ ، عنهما البحار ٢٣ : ١٤٢ ح٩٥ .

(٢) الإسراء : ٧٩ .

(٣) انظر التوحيد للصدوق : ٢٦١ ح٥ باب ٣٦ ، عنه البحار ٧ : ١١٩ ح٥٥ ، وانظر الاحتجاج ١ : ٥٦٧ ح١٣٦ ، ولم نعثر عليه في كتب الشيخ المفيد رحمه الله .


اضطرابه قدامك .

فقال أبو جعفر : ويحك أتدري بين يدي من أنت ، أنت بين يدي ( بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ * رِجالٌ لا تُلْهيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإيتاءِ الزَّكاةِ ) ، فأنت ثمّ ونحن أولئك ، قال قتادة : صدقت والله جعلني الله فداك يابن رسول الله ، ما هي بيوت حجارة ولا بيوت طين (١) .

مرفوعاً إلى الحسين بن خالد ، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه‌السلام ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أحبّ أن يركب سفينة النجاة ، ويتمسّك بالعروة الوثقى ، ويعتصم بحبل الله المتين فليتوال علياً من بعدي ولياً ، وليعادي عدوّه ، ثمّ يتوال (٢) الأئمة الهداة من ولده ، فإنّهم خلفائي ، وأوصيائي ، وحجج الله على الخلق بعدي ، وسادة أُمتي ، وقادة الأتقياء إلى الجنّة ، حزبهم حزبي وحزبي حزب الله ، وحزب أعدائهم حزب الشيطان (٣) .

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : إن الله عَزَّ وجَلَّ يقول : يا عبادي أوليس من كان له إليكم حاجة من كبار الحوائج لا تجودون (٤) بها إلاّ إذا تحمل عليكم بأحبّ الخلق إليكم تقضونها كرامة لشفيعهم ، ألا فاعلموا أن أكرم الخلق عليّ ، وأحبّهم إليّ ، وأفضلهم لديّ محمد وأخوه عليّ من بعده والأئمة الذين هم الوسائل ، ألا فليدعني من أهمّته حاجة يريد نفعها ، أو دهمته داهية يريد كشف ضرّها (٥) بمحمد وآله الطاهرين أقضها أحسن ما

ـــــــــــــــــ

(١) الكافي ٦ : ٢٥٦ ح١ ، عنه البحار ٤٦ : ٣٥٧ ح١١ .

(٢) في "ج" : ثمّ ليأتمّ بالأئمة .

(٣) أمالي الصدوق : ٢٦ ح٥ مجلس ٥ ، عنه البحار ٣٨ : ٩٢ ح٥ .

(٤) في "ج" : لا تجدون .

(٥) في "الف" : ضررها .


يقضيها من يتشفّعون إليه بأحبّ الخلق إليه .

فقال له قوم من المنافقين والمشركين ـ وهم يستهزؤون : يا أبا عبد الله ، ما لك لا تقترح (١) على الله وتتوسّل بهم أن يجعلك أغنى أهل المدينة؟ فقال لهم سلمان رضي الله عنه : قد دعوت الله وسألته بهم ما هو أجل وأنفع وأعظم وأفضل من الدنيا بأسرها ، سألته بهم صلَّى الله عليهم أن يهب لي لساناً بحمده وثنائه ذاكراً ، وقلباً لآلائه شاكراً ، وبدناً على الدواهي الداهية لي صابراً ، وهو عَزَّ وجَلَّ قد أجابني إلى ملتمسي من ذلك ، وهو أفضل من ملك الدنيا بحذافيرها ، وما يشتمل عليه من خيراتها بمئة ألف ألف مرّة (٢) .

وعن الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام أنّه قال : حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم‌السلام : أنّ أبا ذر الغفاري جاء ذات يوم إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ وكان من خيار أصحابه ـ فقال : يا رسول الله ، إن لي غنيمات قدر ستين شاة أكره أن أبدو فيها وأفارق حضرتك وخدمتك ، وأكره أن أكلها إلى راعٍ فيظلمها ويسيء إليها في رعايتها ، فكيف أصنع؟

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ابد فيها ، فبدا فيها ، فلمّا كان اليوم السابع جاء إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أبا ذر فقال : لبّيك يا رسول الله ، فقال : ما فعلت غنمك؟ فقال : يا رسول الله ، إنّ لها قصّة عجيبة ، فقال : وما هي؟ فقال : يا رسول الله ، بينا أنا في صلاتي إذا عدا على غنمي الذئب ، فقلت في قلبي : يا ربّ صلاتي يا ربّ غنمي ، فأخطر الشيطان على بالي : يا أبا ذر ، أين أنت إن عدت الذئاب على غنمك وأنت تصلّي ، فأهلكتها جميعاً ، وما يبقى لك في الدنيا ما تعيش به .

ـــــــــــــــــ

(١) في "الف" : تقرح .

(٢) راجع البحار ٢٢ : ٣٦٩ ح٩ عن تفسير الإمام العسكريعليه‌السلام .


فقلت للشيطان : يبقى لي توحيد الله والإيمان بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وموالاة أخيه سيد الخلق بعده عليّ بن أبي طالب ، وموالاة الأئمة الطاهرين من ولده عليهم‌السلام ، ومعاداة أعدائهم وكلّ ما فات من الدنيا بعد ذلك باطل ، وأقبلت على صلاتي ، فجاء الذئب فأخذ حملاً وذهب ، وأنا أحس به إذ أقبل على الذئب أسد فقطعه نصفين واستخلص الحمل وردّه إلى القطيع ، ثمّ نادى : يا أبا ذر ، أقبل على صلاتك فإنّ الله سبحانه قد وكّلني بغنمك إلى أن تصلّي .

فأقبلت على صلاتي وقد غشيني من العجب ما لا يعلمه إلاّ الله ، فجاءني الأسد وقال لي : امض إلى محمد واقرأه عنّي السلام ، وأخبره أن الله قد أكرم صاحبك الحافظ لشريعتك ، ووكّل أسداً بغنمه يحفظها ، فسرّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعجب من كان حوله لما سمعوا ذلك (١) .

مرفوعاً إلى سماعة قال : قال لي أبو الحسن عليه‌السلام : إذا كان يا سماعة لك حاجة إلى الله فقل : "اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ محمد وعلي (٢) فإنّ لهما عندك شأناً من الشأن ، وقدراً من القدر ، فبحقّ ذلك الشأن وبحقّ ذلك القدر أن تصلّي على محمد وآل محمد ، وأن تفعل بي كذا وكذا" فإنّه إذا كان يوم القيامة لم يبق ملك مقرّب ، ولا نبي مرسل ، ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان إلاّ وهو محتاج إليهما في ذلك اليوم (٣) .

مرفوعاً إلى الحسن بن عليّ العسكري قال : إنّ الله تعالى قال : يا عبادي ، اعملوا أفضل الطاعات وأعظمها لأسامحكم إن قصّرتم فيما سواها ، واتركوا أعظم المعاصي وأقبحها لئلاّ أناقشكم في ركوب ما عداها ، إنّ أعظم الطاعات توحيدي وتصديق نبيّي ، والتسليم لمن ينصبه بعده ، وهو عليّ بن أبي طالب والأئمة الطاهرين من نسله ، وإن أعظم المعاصي عندي الكفر بي وبنبيّي ، ومنابذة وليّ محمد بعده عليّ

ـــــــــــــــــ

(١) راجع البحار ٢٢ : ٣٩٣ ح١ ، عن تفسير الإمام العسكريعليه‌السلام : ٧٣ ح٣٧ .

(٢) زاد في "ب" : وفاطمة .

(٣) دعوات الراوندي : ٥١ ح١٢٧ ، عنه البحار ٨ : ٥٩ ح٨١ .


بن أبي طالب وأوليائه من بعده .

وإن أردتم أن تكونوا عندي في المنظر الأعلى والشرف الأشرف ، فلا يكون أحد من عبادي آثر عندكم من محمد وبعده من أخيه عليّ ، وبعدهما أبناؤهما (١) القائمين بأمر عبادي بعدهما ، فإنّ من كان ذلك عقيدته جعلته من أشرف ملوك جناني .

واعلموا أن من أبغض عبادي من الخلق إليّ من تمثّل بي وادّعى ربوبيّتي ، وأبغضهم إليّ بعده من تمثّل بمحمّد ونازعه في محلّه وشرفه وادّعاهما ، وأبغض الخلق لهؤلاء المدّعون لما هم (٢) به لسخطي متعرّضون ، ومن كان لهم على ذلك من المعاونين ، وأبغض الخلق إليّ بعد هؤلاء مَنْ كان مِن الراضين وإن لم يكن لهم من المعاونين .

كذلك أحبّ الخلق إليّ القوّامون بحقّي ، وأفضلهم لديّ وأكرمهم عليّ سيّد الورى ، وأكرمهم وأفضلهم بعده عليّ أخو المصطفى المرتضى ، ثمّ من بعده القوّامون بالقسط من أئمة الحق ، وأفضل الناس بعدهم من أعانهم على حقّهم ، وأحبّ الخلق إليّ بعدهم من أحبّهم وأبغض أعداءهم وإن لم يمكنه معرفتهم (٣) .

ثمّ قال الإمام العسكري عليه‌السلام : إن رجلاً قال للصادق عليه‌السلام : يا ابن رسول الله ، إنّي عاجز ببدني عن نصرتكم ولم أملك إلاّ البراءة من أعدائكم واللعن عليهم ، فكيف حالي؟ فقال له الصادق عليه‌السلام : حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : من ضعف عن نصرتنا أهل البيت فلعن في صلاته أعداءنابلغ الله صوته جميع الأملاك من الثرى إلى العرش ، وكلّما لعن هذا الرجل أعداءنا

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" :ابناهما .

(٢) في البحار : وأبغض الخلق إليّ بعد هؤلاء المدّعين لما هم به .

(٣) إلى هنا البحار ٢٧ : ٩٦ ح٥٩ ، عن تفسير الإمام العسكريعليه‌السلام : ٤٢ ح١٩ .


ساعدوه فلعنوا من يلعنه ، ثمّ ثنّوا (١) وقالوا : اللّهمّ صلّ على عبدك هذا بَذَلَ ما في وسعه ، ولو قدر على أكثر منه لفعل ، فإذا النداء من قبل الله عَزَّ وجَلَّ : قد أجبت دعاءكم وسمعت نداءكم ، وصلّيت على روحه في الأرواح ، وجعلته عندي من المصطفين الأخيار (٢) .

وجميع هذه الأخبار تدلّ على أن آل محمد هم أشرف خلق الله تعالى ، وهم الوسائل إليه لا يقبل الله عملاً إلاّ بولايتهم والبراءة من أعدائهم ، حتّى الملائكة والأنبياء والرسل لا شرف للجميع إلاّ بهم ، وأن فضلهم عليهم‌السلام لا يحصى ، كما ورد عنهم عليهم‌السلام : انفوا عنّا الربوبيّة وقولوا ما شئتم ، ولا سيّما أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه فإنّ فضائله لا تحصيها البشر ، فلنقتصر على هذا القدر .

من رام أن يحصي فضائلكم

رام المحال وحاول التلفا

إنّي وفضل الله ليس له

عدّ وأنتم فضله وكفى

وقد ذكرنا في الكتاب ما يتضمّن حصول الفضائل له قبل وجوده وولادته ، فلنذكر أيضاً بعض ما له من الفضائل بعد مضيّه وحياته ، ونختم الكتاب بذكر شيء من صفات أعدائه بعد إيراد هذين الحديثين .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : أثنوا .

(٢) تفسير الإمام العسكريعليه‌السلام : ٤٧ ح٢١ ، عنه البحار ٢٧ : ٢٢٢ ح١١ .


 [ باب : الفضائل الثابتة لهعليه‌السلام بعد مضيّه ووفاته ]

منقول من كتاب الأربعين للشيخ القدوة ، أخطب الخطباء ، موفق الدين بن أحمد المكي ، بالإسناد عن سليمان بن مهران الأعمش رحمه الله قال : بينا أنا ذات ليلة إذ أيقظني صياح الحرس وصك الباب عليّ ، فقمت مرعوباً وناديت الغلام : ما هذا؟ فقال : رسل أبي جعفر المنصور ، فقلت : إنّا لله وإنّا إليه راجعون وفتحت الباب ، فقال الرسول : أجب أمير المؤمنين .

فدخلت لألبس ثيابي وقلت في نفسي : ما بعث إليّ هذا الظالم في هذا الوقت إلاّ ويسألني (١) عن شيء من فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام ، إن قلت ما عندي من الحق قتلني لا محالة ، وإن ملت إلى هواه تبوّأت جهنّم ، فأيست من الحياة والحرس يستحثّوني ، فلبست تحت ثيابي كفناً محنّطاً كنت قد أعددته لوفاتي ، ثمّ ودّعت أهلي وأطفالي ، وخرجت معهم ولم أعقل شيئاً حتّى أدخلت عليه ، فسلّمت سلام خائف ذاهل اللب .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : ليسألني .


فأومأ إليّ بالجلوس فلم أجلس رعباً ، ونظرت فإذا عمرو بن عبيدة عنده ، فرجع إليّ ذهني حين رأيته ثمّ سلّمت ثانياً ثمّ جلست ، فعلم إنّي رعبت (١) منه فقال لي : اُدن منّي ، فقمت ودنوت منه ، فشمّ منّي رائحة الحنوط فقال : ويلك يا ابن مهران لتصدّقني أمرك وإلاّ أمرت بك (٢) ، فقلت : سل والله لا أكذبك .

فقال : ويحك ما هذا الحنوط ، وما حدّثتك به نفسك حتّى فعلت هذا ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين الصدق أنجا ، وأخبرته بجميع ما خطر ببالي ، وما حدّثت نفسي به حتّى لبست كفني ، وودعت قومي وصيّتي (٣) ، فلمّا سمع كلامي وثبت في نفسه صدقي قال : لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم ، فلمّا سمعت حوقلته سكن روعي ، وذهب بعض ما بي لما أعرف من سطوته .

ثمّ قال : يا سليمان أخبرني كم تروي حديثاً في فضائل عليّ عليه‌السلام ، قلت : عشرة آلاف حديث ، فقال : والله لأُحدّثنّك بحديثين في فضل عليّ عليه‌السلام ، إن يكونا ممّا سمعت ورويت فعرّفني وإلاّ فاروهما عنّي ، قلت : نعم يا أمير المؤمنين .

قال : إنّي أيّام كنت هارباً من بني مروان لا تسعني منهم بلد ، ولا تحويني دار ولا ينالني قرار ، كلّما دخلت بلداً خالطت (٤) أهل ذلك البلد فيما يحبّون لأنال من نفعهم بما يطعموني ويزوّدوني إذا خرجت إلى بلد آخر ، حتّى قدمت بلاد الشام متنكراً وعليّ كساء لا يواريني غيره ، فبينا أنا أدور إذ سمعت الأذان في المسجد ، فدخلت ذلك المسجد وركعت ركعتين ، وأقيمت (٥) الصلاة فصلّيت معهم العصر ،

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : انّ بي رعباً منه .

(٢) في "ب" : بقتلك .

(٣) في "ج" : ودّعت عيالي وأطفالي ووصّيت .

(٤) في "ألف" و "ب" : خالفت .

(٥) في "ألف" و "ب" : أقمتُ .


وفي نفسي إذا قضيت الصلاة أسأل من القوم عشاء ليلتي تلك .

ولمّا سلّم الإمام وجلس إذا هو شيخ ذو وقار ونعمة ظاهرة ، فأقبل إليه صبيّان وضيئان ذوا جمال وبهجة فسلّما ، فقال الشيخ : مرحباً بكما ومن سمّيتما باسمهما ، وكان إلى جانبي فتى فقلت له : ما هذان الصبيّان مِنْ هذا الشيخ ؟ فقال : هو جدّهما ، وليس في هذه البلدة رجل يحبّ عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام غيره ، وإنّه من حبِّهِ عليّاً سمّى سبطيه بالحسن والحسين عليهما‌السلام .

فقلت في نفسي : الله أكبر ، وقمت فرحاً مسروراً ودنوت منه وقلت : أيّها الشيخ هل لك أن أحدثك بحديث تقرّ به عينك ؟ قال : نعم ، فقلت : أخبرني والدي عن أبيه عن جدّه قال : كنّا جلوساً عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ أتت فضّة جارية فاطمة عليها‌السلام فقالت ـ وهي باكية العين : إن الحسن والحسين خرجا من عند سيّدتي فاطمة آنفاً وما تدري أين ذهبا وهي باكية [حزينة] (١) .

فقام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ساعته حتّى دخل منزل فاطمة فوجدها باكية حزينة ، فقال : لا تبكي يا فاطمة ولا تحزني فوالذي نفسي بيده إن الله هو ألطف بهما منك وأرحم ، ورفع يده إلى السماء وقال : اللّهمّ إنّهما ولداي وقرّتا عيني وثمرة فؤادي ، وأنت أرحم بهما وأعلم بموضعهما ، يا لطيف بلطفك الخفي احفظهما لي ، وسلّمهما أين كانا من الأرض .

فما استتمّ كلامه ودعاءه حتّى هبط الأمين جبرئيل عليه‌السلام وقال : يا محمد ، لا تحزن ولا تغتمّ فإنّ ولديك وجيهان عند الله في الدنيا والآخرة وأبوهما خير منهما ، وهما الآن نائمان في حظيرة بني النجار ، وقد وكّل الله عَزَّ وجَلَّ بهما ملكاً يحفظهما .

فلمّا سمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك مضى ومن حضر معه حتّى انتهى

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ب" .


إليهما ، فوجدهما نائمان وهما متعانقان ، والملك الموكّل بهما قد وضع أحد جناحيه وطاءً لهما (١) والآخر قد جلّلهما به وقاية من حرّ الشمس ، فهوى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهما يقبّلهما واحداً واحداً ويمسح بيده عليهما حتّى استيقضا .

فحمل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحسن وحمل جبرئيل عليه‌السلام الحسين حتّى خرجنا من الحظيرة وهو يقول : والله لأشرفكما اليوم كما شرّفكما الله من لدنه ، وكان جبرئيل يتمثّل بدحية الكلبي دائماً ، فصادفهما أبو بكر فقال : يا رسول الله ناولني أحد الصبيّين اُخفّف عنك أو عن صاحبك ، فقال : دعهما فنعم الحاملان ونعم الراكبان وأبوهما خير منهما .

ومضيا بهما حتّى دخلا المسجد ثمّ أقبل صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على بلال فقال : هلمّ عليّ بالناس فنادِ فيهم واجمعهم ، ثمّ قام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على قدميه خطيباً ، فخطب الناس خطبة أبلغ فيها بحمد الله عَزَّ وجَلَّ والثناء عليه بما هو مستحقّه ، ثمّ قال : معاشر المسلمين هل أدلّكم على خير الناس جدّاً وجدّه ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : الحسن والحسين ، جدّهما رسول الله ، وجدّتهما خديجة سيّدة نساء أهل الجنّة ، وأوّل من سارعت إلى الإيمان بالله تعالى ، والتصديق بما أنزل الله على نبيّه .

ثمّ قال : ألا أدلّكم على خير الناس أباً وأُماً؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : الحسن والحسين أبوهما (٢) أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، وأمهما فاطمة بضعة رسول الله التي شرّفها الله عَزَّ وجَلَّ في سمائه وأرضه ، يرضى الله برضاها ويغضب لغضبها ، ثمّ قال : ألا أدلّكم على خير الناس خالاً وخالة؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : الحسن والحسين ، خالهما القاسم بن رسول الله ، وخالتهما زينب بنت رسول الله .

ثمّ قال : ألا أدلّكم على خير الناس عمّاً وعمّة؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال :

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : وظلّلهما .

(٢) زاد في "ج" : أبوهما إمام المتّقين ، ومن افترض الله طاعته على الخلائق أجمعين .


الحسن والحسين ، عمّهما جعفر الطيّار ذو الجناحين يطير مع الملائكة في الجنّة حيث يشاء ، وعمّتهما أم هاني بنت أبي طالب المقبولة الإيمان ، ثمّ قال : اللّهمّ إنّك تعلم أن الحسن والحسين في الجنّة ، وجدّهما وجدّتهما في الجنّة ، وأبوهما في الجنّة ، وأمهما في الجنّة ، وخالهما في الجنّة ، وخالتهما في الجنّة ، وعمّهما في الجنّة ، وعمّتهما في الجنّة ، ومن يحبّهما في الجنّة ، ومن يبغضهما في النار .

قال : فتهلّل وجه الشيخ وقال : أنشدك الله تعالى من أنت؟ قلت : رجل من أهل الكوفة ، فقال : عربي أم مولى ، قلت : بل عربي شريف ، قال : تحدّث بمثل هذا الحديث وتكون في مثل هذا الكساء الرث ، قلت : نعم ، أنا هارب من بني مروان على هذه الحالة ولو غيّرتها ربّما عُرفت ، فلا آمن على نفسي منهم القتل ، فقال : لا خوف عليك إن شاء الله ، وكساني خلعتين (١) وحملني على بغلته إلى منزله وقال : أقرّ الله عينك كما قررت عيني بروايتك ، ولأرشدك إلى فتى يقرّ الله به عينك .

ثمّ بعث معي رجلاً بعد أن [أكرمني و] (٢) أكرم ضيافتي ، فأتى بي ذلك الرجل إلى باب دار وقرع الباب واستأذن لي ، فخرج الخادم إليّ وأدخلني الدار ، وإذا بفتى جالس على سرير منجّد (٣) ، فسلّمت فأحسن الردّ وأخذ بيدي وأجلسني قريباً منه ، وكان صبيح الوجه حسن الخلقة ، فقال ـ وقد نظر إلى ملبوسي : قد عرفت هذه الكسوة والخلعة والبغلة ، وما كان أبو محمد ليكسوك خلعته ويحملك على مركوبه إلاّ بأنّك من محبّي أهل بيت رسول الله وعترته ، وأحب رحمك الله أن تحدّثني بشيء من فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام .

قلت : نعم ، حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : دخلت يوماً إلى فاطمة فقامت إليّ والحسن على كتفها وهي تكفكف عبرتها ،

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : حلّتين .

(٢) أثبتناه من "ج" .

(٣) المنجّد : المزيّن (أقرب الموارد)


فقلت : ما يبكيك لا أبكى الله عينك ، قالت : يا أبه سمعت إن نساء قريش قد عيّرتني في المحافل فقلن : زوجها معدوماً لا مال له .

فقال لها صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لتقرّ عينك يا فاطمة ، والله ما أنا زوّجتك ولكنّ الله عَزَّ وجَلَّ زوّجك من فوق سبع سماوات ، وأشهد جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ، وإنّ الله سبحانه اطلع إلى الأرض إطلاعة فاختار من الخلائق أباك لرسالته ، ثمّ اطلع ثانية فاختار علياً لولايته وزوّجك إيّاه فاتّخذته وصيّاً ، فعليّ منّي وأنا منه .

ألا وأنّ علياً أوفر الناس علماً ، وأعظمهم حلماً ، وأقدمهم سلماً ، والحسن والحسين ولداه سيّدا شباب أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين ، وسمّاهما الله تعالى في التوراة على لسان موسى عليه‌السلام شبّراً وشبيراً يا فاطمة ، أبشري فإنّي إذا دُعيت غداً إلى ربّ العالمين فعليّ معي ، وإذا جئت (١) فمعي عليّ ، وهو صاحب لواء الحمد في موقفي يا فاطمة ، إنّ علياً وشيعته الفائزون يوم القيامة بالجنّة يوم لا ينفع مال ولا بنون .

قال : فلمّا سمع الفتى حديثي بدت عليه البهجة وتلألأ وجهه مسرّة وقال : أنشدتك الله من تكون؟ قلت : رجل من أهل الكوفة ، فلم يزد على ذلك ، ثمّ أمر لي بثلاثين ثوباً مع عشرة آلاف درهم ، ثمّ قال : أقرّ الله عينك بما بشّرتنا ، ثمّ قال : ولي إليك حاجة ، قلت : قضيت إن شاء الله ، قال : إذا كان السحر (٢) فآت مسجد فلان لكي ترى أخي الشقي .

قال : فوالله ما بتّ ليلتي من الحرص لأن أرى أخاه ، فلمّا كان الصبح أتيت ذلك المسجد للصلاة ، فقمت في الصف الأوّل ، فلمّا قضيت أداء الفرض نظرت وإلى جانبي (٣) شاب معتم بعمامة كبيرة وقد أهوى للسجود عجلاً ، فسرحت العمامة عن

ـــــــــــــــــ

(١) في "ب" : وإذا أجبت .

(٢) في "ج" : الفجر .

(٣) في "ج" : وإذا بجانبي .


نصف رأسه وهو على هيئة رأس خنزير ، وبان صفحة وجهه وجه خنزير .

فدهشت ممّا عاينت حتّى لم أعقل في يقظة أنا أم في نوم ، وإنّ الرجل ابتدرها عجلاً فردّها على رأسه ولاحت منه التفاتة نحوي ، فاستبان منّي أني قد عاينته ، فقلت له : يا فتى ، ما هذا الذي لمحت منك؟ فأخذ بيدي وقال : أظنّك غريباً فصر معي إلى منزلي لأضيّفك وأخبرك ، وأتى بي إلى منزله وإلى جانب داره دكان خراباً ، فأومأ إليه وقال : رأيته؟ قلت : نعم .

فأدخلني الدار وجلسنا واستدعى بمأكول فأكلت ، ثمّ قلت : هل تخبرني؟ فصعد نفساً طويلاً وبكى حتّى كادت نفسه تزهق ، ثمّ قال : اعلم إني كنت أؤذِّن في المسجد على أهل هذا الدكان وأؤم في المسجد ، وكنت أشتم عليّاً عليه‌السلام عقيب كلّ أذان مئة مرّة حتّى إذا كان يوم الجمعة أذّنت وأقمت [الصلاة] (١) ولعنت بينهما ألف مرّة ، ولمّا خرجت من المسجد أتيت هذا الدكان الذي أريتك ، فجلست على طرفه متّكئاً على جانب الحائط إذ أخذتني رقدة ، فرأيت في منامي كأنّما قد فتح باب من الجنّة مقابل هذا الدكان ، فبان لي منه قبة خضراء مكلّلة بالاستبرق والديباج .

وكان النبي وعلياً والحسن والحسين عليهم‌السلام قد أقبلوا فدخلوها ، وجبرئيل عن يمين الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيده إبريق فضّة بيضاء يشرق نوره ، وعن يساره عليّ عليه‌السلام بيده كأس يتلألأ نوراً ، وكأنّما النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال للحسين : خذ الكأس واسق أباك ، فسقاه ثمّ سقى النبي ومن معه ، وكأنّما قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للحسين : اسق هذا الذي على هذا الدكان ، فدمعت عينه وقال : يا جدّاه أتأمرني أن أسقي من يلعن أبي عقيب كلّ أذان مئة مرّة في كلّ يوم ، وفي هذا يوم الجمعة قد لعنه ألف مرّة .

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ب" .


فإذا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول بأعلى صوته : ما لك عليك لعنة الله ـ قالها ثلاثاً ـ ويلك أتشتم علياً وهو منّي وأنا منه ـ قالها ثلاثاً ـ ما لك عليك غضب الله ـ قالها ثلاثاً ـ ويلك أتسبّ علياً وعليّ منّي ، ثمّ تفل في الهواء نحوي وقال : بدّل الله خلقك ، وسوّد وجهك ، وجعلك عبرة لغيرك ، قال : والله قد أحسست برأسي وكأنّه انفطر ، فانزعجت مرعوباً فإذا رأسي ووجهي على ما رأيت .

ثمّ قال المنصور : يا ابن مهران ، إن هذين الحديثين رويتهما على ما ترى ؟! (١) فقلت : لا والله يا أمير المؤمنين ، فقال : هذا من ذخائر الأحاديث ونوادره ، ثمّ قال : حبّ عليّ إيمان وبغضه نفاق ، فقلت : الأمان يا أمير المؤمنين ، فقال : لك الأمان ، قلت : ما تقول في قاتل الحسين عليه‌السلام ؟ قال : في النار أخزاه الله ، فقلت : وكذلك من قتل من ولدهم أحداً ، قال : فحرّك رأسه قليلاً ثمّ قال : ويحك يا سليمان الملك عقيم ـ قالها ثلاثاً تمّ الحديثان والحمد لله المنّان (٢) .

وأمّا الفضائل الثابتة بعد مضيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكثيرة يطول بذكرها الكتاب ، فلنذكر منها شيئاً يسيراً .

روي : أن الشاعر الببغا وفد على بعض الملوك ، وكان يفد عليه في كلّ سنة فوجده في الصيد ، فكتب وزير الملك يخبره بقدومه ، فأمره أن يسكنه في بعض دوره ، وكان على باب تلك الدار غرفة كان الببغا يبيت ليله فيها ولها مطلع إلى الدرب ، وكان على الحارس أن يخرج كلّ ليلة بعد نصف الليل فيصيح بأعلى صوته : يا غافلين اذكروا الله ، على باغض معاوية لعنة الله .

وكان الببغا الشاعر ينزعج لصوته ، فاتّفق في بعض الليالي أن الشاعر رأى في منامه أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد جاء هو وعليّ بن أبي طالب عليه‌السلام إلى

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : فيما تروي .

(٢) راجع مناقب الخوارزمي : ٢٨٤ ، ومناقب ابن المغازلي : ١٤٣ ، وفضائل ابن شاذان : ١١٦ ، وانظر أيضاً أمالي الصدوق : ٣٥٣ ح١ مجلس ٦٧ ، عنه البحار ٣٧ : ٨٨ ح٥٥ ، ولم نعثر على كتاب أربعين الخوارزمي .


ذلك الدرب ، فوجدا الحارس ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم [لعليّ بن أبي طالب] (١) : اصفعه بيدك فإنّه يسبّك ، فضربه أمير المؤمنين عليه‌السلام بين كتفيه ، وانتبه الشاعر منزعجاً من المنام .

ثمّ انتظر الصوت الذي كان يسمعه من الحارس كلّ ليلة فلم يسمعه فعجب من ذلك ، ثمّ سمع صياحاً ورأى رجالاً قد أقبلوا إلى دار الحارس ، فسألهم الخبر فقالوا : إن الحارس قد حصل له بين كتفيه ضربة بقدر الكف وهي تتشقّق وتمنعه القرار ، فلم يكن وقت الصباح حتّى مات وشاهده بذلك الحال أربعون نفساً (٢) .

وروي أيضاً : أنّه كان لأبي دلف ولد ، فتحادث أصحابه في حبّ عليّ عليه‌السلام وبغضه ، فروى بعضهم عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال : يا عليّ ، ما يحبّك إلاّ مؤمن تقيّ ، ولا يبغضك إلاّ كافر منافق شقي ولد زنية أو حيضة .

فقال ولد أبي دلف : ما تقولون في الأمير هل يؤتى في أهله ؟ فقالوا : لا ، فقال : أنا أبغض عليّاً وليس كما روى هذا الرجل ، فخرج أبوه وهم في التشاجر فقال : ما تقولون ؟ فقالوا : كذا ، وحكوا كلام ولده ، فقال : والله إن هذا الخبر حق ، وإنّه لولد زنية وحيضة معاً ، إنّي كنت مريضاً في دار أخي فتماثلت ودخلت عليّ جاريته لقضاء حاجة ، فدعتني نفسي إليها ، فأبت وقالت : إني حائض ، فكابرتها على نفسها ووطأتها ، فحملت بهذا الذي يبغض علياً فهو لزنية وحيضة (٣) .

وروي أيضاً : أنّه كان ببلد الموصل شخص يقال له حمدان بن حمدون العدوي ، وكان شديد العناد كثير البغض لمولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فأراد بعض أعيان أهل الموصل الحج ، فجاء إليه يودّعه وقال : إني قد عزمت على

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) راجع كشف اليقين : ٤٧٨ ، عنه البحار ٤٢ : ٩ ح١٢ .

(٣) كشف اليقين : ٤٨٢ ، عنه البحار ٣٩ : ٢٨٧ ح٨٠ .


الخروج إلى الحجّ ، فإن كان لك حاجة هناك فعرفني حتّى أقضيها (١) ، فقال : إنّ لي حاجة مهمّة وهي عليك سهلة ، فقال له : مرني حتّى أفعلها .

قال : إذا وردت المدينة وزرت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخاطبه عنّي وقل له : يا رسول الله ، ماذا أعجبك من عليّ بن أبي طالب حتّى زوّجته ابنتك ؟ عظم بطنه ، أم دقة ساقيه ، أم صلعة رأسه ؟! وحلّفه وعزم عليه أن يبلغ هذا الكلام .

فلمّا بلغ الرجل المدينة وقضى أمره نسى تلك الوصيّة ، فرأى أمير المؤمنين عليه‌السلام في منامه وهو يقول : لِمَ لا تبلّغ وصيّة فلان ؟ فانتبه ومضى لوقته إلى القبر المقدّس ، وخاطب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما أوصاه ذلك الرجل ، ثمّ نام فرأى أمير المؤمنين عليه‌السلام قد أخذه ومشى هو وإيّاه إلى منزل ذلك الرجل ، وفتح الأبواب وأخذ مدية (٢) فذبحه أمير المؤمنين عليه‌السلام بها ، ثمّ مسح المدية بملحفة كانت عليه ، ثمّ جاء إلى سقف باب الدار فرفعه بيده ووضع المدية تحته وخرج .

فانتبه الحاج منزعجاً من ذلك وكتب صورة المنام هو وأصحابه ، وانتهى الخبر إلى سلطان الموصل في تلك الليلة ، فأخذ الجيران والمشتبهين ورماهم في السجن ، واستعجب (٣) أهل الموصل من قتله حيث لم يجدوا نقباً ، ولا أثر تسلّق على حائط ، ولا باباً مفتوحاً .

وبقي السلطان متحيّراً في أمره ما يدري ماذا يصنع في قضيّته ، ولم يزل الجيران وغيرهم في السجن حتّى ورد الحاج من مكة ، فلقى الجيران في السجن فسأل عن سبب ذلك ، فقيل له : إن في الليلة الفلانية وجد فلان في داره مذبوحاً ولم نعرف قاتله ، فكبّر هو وأصحابه وقال لأصحابه : اخرجوا صورة المنام المكتوبة

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : حتّى نجيبها لك .

(٢) المدية : الشفرة (القاموس)

(٣) في "ج" : تعجب .


عندكم ، فأخرجوها فوجدوا ليلة المنام هي ليلة القتل .

ثمّ مضى هو وأصحابه إلى دار المقتول ، وأمرهم بإخراج الملحفة ، وأخبرهم بالدم الذي كان فيها ، فوجدوها كما قال ، ثمّ أمر برفع المردم (١) فرفع فوجدوا السكين تحته فعرفوا صدق منامه ، وأُفرج عن المسجونين (٢) ورجع أهل المقتول وكثير من أهل البلد إلى الإيمان ، وكان ذلك من لطف الله سبحانه وتعالى في حقّهم (٣) ، وهذه القصة مشهورة وهي من الغرائب ، فماذا تقول في فضل هذا الرجل وعظم شأنه ، وارتفاع منزلته ، وعلوّ مكانه تمّ الخبر .

 [في فضائل مشهده الشريفعليه‌السلام ]

ومن فضائله ما خصّ الله تعالى مشهده الشريف ، وحرمه المقدّس من الفضل والمزيّة التي ليست لمكان آخر من الأمكنة الشريفة ، وما جاء في فضل زيارتهعليه‌السلام .

الأوّل : في ذكر قبره ، وكيفية دفنهعليه‌السلام ، وما يتعلّق بذلك .

اعلم إن عمره عليه‌السلام المبارك كان ثلاثاً وستّين سنة ، وقبض بالكوفة ليلة الجمعة إحدى وعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة قتيلاً بالسيف ، قتله ابن ملجم المرادي لعنه الله في مسجد الكوفة وهو في الصلاة ، وحمل إلى الغري ودفن حيث الآن قبره ، والغري يقال بالإفراد للتخفيف ، والمسموع الغريّان ، قال الجوهري : بناءان طويلان (٤) .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : السقف .

(٢) في "ج" : فأخرج المحبوسين .

(٣) كشف اليقين : ٤٨٠ ، عنه البحار ٤٢ : ١٠ ح١٢ .

(٤) الصحاح ٤ : ٢٤٤٥ / غرا .


وأمّا كيفية دفنه ، فهو لمّا قبض عليه‌السلام وغسل وكفن ، أُخرج إلى مسجد الكوفة أربع توابيت وصلّى عليها ، ثمّ أُدخل تابوت إلى البيت ، والثلاثة الباقية منها ما بُعث إلى جهة بيت الله الحرام ، ومنها ما بعث إلى مدينة الرسول ، ومنها ما نقل إلى بيت المقدس ، وفعل ذلك لإخفائه عليه‌السلام ، ويأتي سبب ذلك .

وكان عليه‌السلام قال لولديه الحسن والحسين عليهما‌السلام عند الوفاة : إذا أنا متّ فاحملاني على سريري ، وانتظرا حتّى إذا ارتفع لكما مقدّم السرير فاحملا مؤخّره ، فلمّا مضى هزيع من الليل قام الحسن والحسين عليهما‌السلام وخواصّهما وارتفع مقدّم السرير وحملا مؤخّره .

قال من حضر من خواصّهم : كنّا حال حمل الجنازة نسمع دوي الملائكة بالتسبيح والتكبير والتهليل ، وناطقاً لنا بالتعزية يقول : أحسن الله لكم العزاء في سيّدكم وحجة الله على خلقه ، حتّى أتينا الغريين فإذا صخرة بيضاء تلمع نوراً ، فوضع المقدّم عندها فوضعنا المؤخّر ، وحفرنا الصخرة فإذا ساجة مكتوب عليها : "هذا قبر ادّخره نوح النبي لوصيّ محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل الطوفان بسبعمئة عام" فدفنّاه هناك وأُخفي قبره الشريف ، وبقي مخفيّاً إلى زمان الرشيد ، وظهر في زمانه .

و [أمّا] (١) كيفيّة ظهوره ، ما روي عن عبد الله بن حازم قال : خرجنا يوماً مع الرشيد من الكوفة وهو يتصيّد ، فصرنا إلى ناحية الغريين فرأينا ضباء ، فأرسلنا عليها الصقور والكلاب فجاولتها ساعة ، ثمّ لجأت الضباء إلى أكمة فسقطت عليها ، فتراجعت الصقور والكلاب عنها ، فتعجّب الرشيد من ذلك .

ثمّ إن الضباء هبطت من الأكمة فسقطت الطيور والكلاب عليها ، فرجعت الضباء إلى الأكمة فتراجعت الكلاب عنها مرّة ثانية ، ثمّ فعلت ذلك مرّة أخرى ،

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .


فقال الرشيد : اركضوا إلى الكوفة فأتوني بأكبرها سنّاً ، فأتي بشيخ من بني أسد فقال له الرشيد : أخبرني ما هذه الأكمة ، فقال : حدّثني أبي عن آبائه أنهم كانوا يقولون : إن هذه الأكمة قبر عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، جعله الله تعالى حرماً لا يأوي إليه شيء إلاّ أمن .

فنزل هارون الرشيد ودعا بماء وتوضّأ وصلّى عند الأكمة ، وجعل يدعو ويبكي ويمرغ عليها وجهه ، وأمر أن يبنى فيه [قبّة] (١) بأربعة أبواب ، فبني وبقي إلى أيّام السلطان عضد الدولة رحمه الله ، فجاء وأقام في ذلك الطرف قريباً من سنة هو وعساكره ، فبعث فأتي بالصنّاع والأساتذة من الأطراف ، وخرّب تلك العمارة وصرف أموالاً كثيراً جزيلة ، وعمّر عمارة جليلة حسنة ، وهي العمارة التي كانت قبل عمارة اليوم (٢) .

وأمّا الدليل الواضح والبرهان اللاّئح على أن قبره الشريفعليه‌السلام بالغري فمن وجوه :

الأوّل : تواتر الإمامية الاثنا عشرية يروونه خلفاً عن سلف .

الثاني : إجماع الشيعة والإجماع حجة .

و[الثالث] (٣) منها : ما حصل عنده من الأسرار والآيات وظهور المعجزات ، ومنها : ما ذكر في كيفية ظهوره في أيام الرشيد ، ومنها : ما حصل فيه من قيام الزمن وردّ بصر الأعمى ومنها : ما حكي عن جماعة خرجوا بليل مختفين إلى الغري لزيارة أمير المؤمنين عليه‌السلام ، قالوا : فلمّا وصلنا إلى القبر الشريف ـ وكان يومئذٍ قبراً حوله حجارة ولا بناء عنده ، وذلك بعد أن أظهره الرشيد وقبل أن يعمّره ـ فبينما نحن عنده بعضنا يقرأ وبعضنا يصلّي وبعضنا يزور ، وإذا نحن بأسد مقبل نحونا ، فلمّا قرب منّا

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ب" .

(٢) فرحة الغري : ١١٩ ، عنه البحار ٤٢ : ٣٢٩ ح١٦ .

(٣) أثبتناه من "ج" .


قدر رمح قال بعضنا لبعض : ابعدوا عن القبر لننظر ما يصنع .

فتباعدنا عن القبر الشريف ، فجاء الأسد وجعل يمرغ ذراعيه على القبر ، فمضى رجل منّا فشاهده وعاد فأعلمنا ، فزال الرعب عنّا فجئنا فأجمعنا فشاهدناه يمرغ ذراعيه على القبر وفيه جراح ، فلم يزل يمرغه ساعة ثمّ انزاح عن القبر ومضى ، وعُدنا إلى ما كنّا عليه لإتمام الزيارة والصلاة وقراءة القرآن (١) .

ومنها : ما روي عن كمال الدين بن عنان (٢) القمي قال : دخلت حضرة مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام فزرت وتحوّلت إلى المسألة ودعوت وتوسّلت بمولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ثمّ قمت فعلق مسمار من الضريح المقدّس سلام الله على مشرفه في قبائي فمزّقه ، فقلت مخاطباً لأمير المؤمنين عليه‌السلام : ما أعرف عوض هذا القباء إلاّ منك .

وكان إلى جانبي رجل رأيه غير رأيي ، فقال لي مستهزئاً : ما يعطيك عوضه إلاّ قباء وردياً (٣) ، وانفصلنا من الزيارة وجئنا إلى الحلّة ، وكان جمال الدين بن قشتم (٤) الناصري قد هيّأ لشخص يريد أن ينفذه إلى بغداد قباء وردياً (٥) ، فخرج الخادم على لسان ابن قشتم وقال : اُطلبوا كمال الدين القمي .

فجئت وأخذ بيدي ودخل الخزانة وألبسني قباء وردياً (٦) ، فخرجت ودخلت حتّى أُسلّم على ابن قشتم وأُقبّل كفّه ، فنظر نظراً شزراً عرفت الكراهية في وجهه ، والتفت إلى الخادم كالمغضب وقال له : طلبت فلان فأين هو ؟ فقال الخادم : إنّما طلبت كمال الدين القمي ، وشهد الجماعة الذين كانوا جلساء الأمير أنّه أمر

ـــــــــــــــــ

(١) فرحة الغري : ١٤١ ، عنه البحار ٤٢ : ٣١٥ ح٢ .

(٢) في "ج" : غياث .

(٣) في "ج" : قباءً ورداءً .

(٤) في "ج" : قشم ، وفي فرحة الغري : قشتمر .

(٥و٦) في "ج" : قباء ورداء .


بحضور كمال الدين القمي .

فقلت : أيّها الأمير ، ما خلعت أنت عليّ هذه الخلعة بل أمير المؤمنين عليه‌السلام خلعها عليّ ، فالتمس منّي الحكاية فحكيت له ، فخرّ ساجداً وقال : الحمد لله إذ كانت الخلعة على يدي (١) .

ومنها : ما روي عن عليّ بن يحيى بن الحسن بن الطحال المقدادي قال : أخبرني أبي ، عن أبيه ، عن جدّه ـ وكان من الملازمين للقبّة الشريفة صلوات الله على مشرفها ـ أنّه أتاه رجل مليح الصورة نقي الأثواب ودفع إليه مثقالين (٢) وقال له : اغلق عليّ باب القبّة وذرني وحدي أعبد الله .

فأخذهما منه وأغلق عليه الباب ، فنام فرأى أمير المؤمنين عليه‌السلام في منامه وهو يقول : اُقعد أخرجه عنّي فإنّه نصراني فنهض عليّ بن طحال فأخذ حبلاً فوضعه في عنق الرجل وقال له : اُخرج تخدعني بالمثقالين وأنت نصراني ، فقال : لست بنصراني ، قال : بلى إن أمير المؤمنين عليه‌السلام أتاني في المنام وأخبرني إنّك نصراني ، وقال : أخرجه عنّي .

فقال الرجل : امدد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، وأنّ علياً أمير المؤمنين خليفة الله والله ، ما علم أحد بخروجي من الشام ، ولا عرفني أحد من أهل العراق ثمّ حسن إسلامه (٣) .

ومنها : ما حكي أن عمران بن شاهين من أهل العراق عصى على السلطان عضد الدولة ، فطلبه طلباً شديداً فهرب منه إلى المشهد الشريف متخفيّاً (٤) ، وقصد أمير المؤمنين عليه‌السلام ودعا عنده وسأله السلامة .

ـــــــــــــــــ

(١) فرحة الغري : ١٤٢ ، عنه البحار ٤٢ : ٣١٦ ح٣ .

(٢) في "ج" : دينارين .

(٣) فرحة الغري : ١٤٦ ، عنه البحار ٤٢ : ٣١٩ ح٦ .

(٤) في "ج" : مستخفياً .


فرأى أمير المؤمنين عليه‌السلام في منامه وهو يقول : يا عمران ، إنّ في غد يأتي فناخسرو إلى مشهدي للزيارة ، فتقف أنت هاهنا ـ وأشار إلى زاوية من زوايا القبّة ـ وإنهم لا يرونك ، ويدخل هو إلى الضريح ويزور ويصلّي ويبتهل في الدعاء والقسم بمحمد وآله أن يظفر بك ، فادن منه وقل له : أيّها الملك ما هذا الذي قد ألجأت (١) بالقسم بمحمد وآله أن يظفرك به؟ فيقول : رجل عصاني ونازعني في سلطاني ، فقل له : ما لمن يظفرك به ؟ فيقول : إن طلب منّي العفو عنه قبلت منه ، فأعلمه بنفسك فإنّك تجد منه ما تريد .

قال : فكان ما قاله أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فقال : أنا عمران بن شاهين (٢) ، قال له : من أوقفك هاهنا؟ فقال : هذا مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام أوقفني هاهنا ، وقال لي في منامي : غداً يحضر فناخسرو إلى هاهنا ، وأعاد عليه القول ، فقال له السلطان : بحقّه عليك قال لك فناخسرو؟ قلت : إي وحقّه .

فقال عضد الدولة : إنّه لحق والله ، ما عرف أحد أن اسمي فناخسرو إلاّ أمي والقابلة وأنا ، ثمّ خلع عليه خلع الوزارة وطلع بين يديه إلى الكوفة .

وكان عمران هذا قد نذر عليه أنّه متى عفى عنه عضد الدولة أن يأتي إلى زيارة أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام حافياً حاسراً ، فلمّا جنّه الليل خرج من الكوفة وحده ، فرأى بعض من كان في الحضرة الشريفة من القوّام ـ وهو عليّ بن طحال المقدادي ـ مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين عليه‌السلام في منامه وهو يقول : اقعد وافتح لوليّي عمران بن شاهين الباب .

فقعد وفتح الباب فإذا بالرجل قد أقبل ، فلمّا وصل قال له : بسم الله يا مولانا ، فقال له : ومن أنا ؟ فقال : عمران بن شاهين ، فقال : لست بعمران بن شاهين (٣) ،

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : ألحت .

(٢) زاد في "ج" : فقال : من أنت؟ قال : أنا عمران .

(٣) في "ج" : من أين علمت انّي عمران بن شاهين .


فقال : بلى إن أمير المؤمنين عليه‌السلام أتاني في منامي فقال لي : اقعد وافتح الباب لوليّي عمران بن شاهين .

قال له : بحقّه هو قال لك ؟ فقال : إي وحقّه هو قال لي ، فوقع على العتبة الشريفة يقبّلها ويبكي ، وأحال لذلك الرجل بستّين مثقالاً ، وبنى الرواق المعروف برواق عمران في المشهدين الشريفين ـ الغروي والحائري على مشرفهما أفضل الصلاة والسلام ـ والأخبار الواردة في هذا المعنى كثيرة (١) .

وأمّا السبب الموجب لإخفاء قبره ، فهو أنّه قد تحقّق وعلم ما جرى لأمير المؤمنين عليه‌السلام من الوقائع العظيمة والحروب الكثيرة زمان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعده ، وأوجب ذلك حقد المنافقين المارقين عليه حتّى ابن ملجم لعنه الله لمّا أُخذ ليُقتل قال للحسن (٢) عليه‌السلام : إني أريد أن أُسارّك (٣) بكلمة يا ابن رسول الله ، فأبى الحسن (٤) عليه‌السلام وقال : إنّه يريد أن يعضّ أذني ، فقال ابن ملجم لعنه الله : والله لو أمكنني منها لأخذتها من صماخه (٥) .

فإذا كان هذا فعال هذا الكافر وحقده إلى هذه الغاية ، وهو على تلك الحال وقد أتي به للقتل ، فكيف يكون حال معاوية وأصحابه وبني أمية والدولة لهم والملك بيدهم ، وكانوا يبالغون في إطفاء نور أهل البيت وإخفاء آثارهم ، فلهذا السبب أوصى عليه‌السلام أن يدفن سرّاً خوفاً من بني أمية وأعوانهم ، والخوارج وأمثالهم أن يتهجّموا على قبره الشريف لو كان ظاهراً .

وأيضاً : ربّما لو نبشوه مع العلم بمكانه لحمل ذلك بني هاشم على المحاربة

ـــــــــــــــــ

(١) فرحة الغري : ١٤٧ ، عنه البحار ٤٢ : ٣١٩ ح٧ باختلاف .

(٢) في "ألف" : للحسينعليه‌السلام .

(٣) في "ب" : أشاورك .

(٤) في "ألف : للحسينعليه‌السلام .

(٥) انظر فرحة الغري : ١٩ .


والمشاقة (١) التي أغضى عنها عليه‌السلام في حال حياته فكيف لا يرضى بترك ما فيه مادة النزاع بعد وفاته ، ولمّا عرف أهل بيته عليهم‌السلام أنهم متى أظهروه لم يتوجّه له إلاّ التعظيم والتبجيل ، لا جرم أنهم دلّوا عليه وأظهروه .

الثاني : فضل مشهده الشريف الغروي على مشرفه أفضل الصلاة والسلام وما لتربته والدفن فيها من المنزلة والشرف .

روي عن أبي عبد الله (٢) عليه‌السلام أنّه قال : الغريّ قطعة من الجبل الذي كلّم الله عليه موسى تكليماً ، وقدّس عليه تقدسياً ، واتّخذ عليه إبراهيم خليلاً ، ومحمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حبيباً ، وجعله للنبيّين مسكناً (٣) .

وروي أن أمير المؤمنين عليه‌السلام نظر إلى الكوفة فقال : ما أحسن منظرك ، وأطيب قعرك ، اللّهمّ اجعل قبري بها (٤) .

ومن خواص تربته إسقاط عذاب القبر ، وترك محاسبة منكر ونكير للمدفون هناك ، كما وردت به الأخبار الصحيحة عن أهل البيت عليهم‌السلام .

وروي عن القاضي ابن بدر الهمداني الكوفي ـ وكان رجلاً صالحاً متعبّداً ـ قال : كنت في جامع الكوفة ذات ليلة وكانت ليلة مطيرة ، فدقّ باب مسلم جماعة ففتح لهم ، وذكر بعضهم أن معهم جنازة ، فأدخلوها وجعلوها على الصفة التي تجاه باب مسلم بن عقيل رضي الله عنه .

ثمّ إن أحدهم نعس فنام ، فرأى في منامه قائلاً يقول لآخر : ما نبصره (٥) حتّى نبصر هل لنا معه حساب أم لا ؟ فكشف عن وجه الميّت وقال لصاحبه : بل لنا معه

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : المناقشة .

(٢) في "ج" : ابن عباس ، والظاهر أنّه خطأ .

(٣و٤) عنه البحار ١٠٠ : ٢٣٢ .

(٥) في البحار : ما تبصره .


حساب وينبغي أن نأخذه منه معجلاً قبل أن يتعدّى الرصافة ، فما يبقى لنا معه طريق ، فانتبه وحكى لهم المنام وقال : خذوه عجلاً ، فأخذوه ومضوا به في الحال إلى المشهد الشريف صلوات الله وسلامه على مشرفه (١) .

إذا متّ فادفنّي إلى جنب حيدر

أبي شبّر أكرم به وشبير

فلستُ أخاف النار عند جواره

ولا أتّقي من منكر ونكير

فعار على حامي الحمى وهو في الحمى

إذا ضلّ(٢) في المرعى عقال بعير

وروى جماعة من صلحاء المشهد الشريف الغروي (صلَّى الله على مشرفه) أنّه رأى أنّ كلّ واحد من القبور التي في المشهد الشريف وظاهره ، قد خرج منه حبل ممتد متصل بالقبة الشريفة صلوات الله على مشرفها (٣) .

وروي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه كان إذا أراد الخلوة بنفسه أتى إلى طرف الغري ، فبينما هو ذات يوم هناك مشرف على النجف وإذا رجل قد أقبل من البرية راكباً على ناقة وقدّامه جنازة ، فحين رأى علياً عليه‌السلام قصده حتّى وصل إليه وسلّم عليه ، فردّ عليه‌السلام وقال له : من أين ؟ قال : من اليمن .

قال : وما هذه الجنازة التي معك ؟ قال : جنازة أبي أتيت لأدفنه في هذه الأرض ، فقال له عليه‌السلام : لِمَ لا دفنته في أرضكم ؟ قال : أوصى إليّ بذلك وقال : إنّه يُدفن هناك رجل يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر ، فقال له عليه‌السلام : أتعرف ذلك الرجل ؟ قال : لا ، فقال عليه‌السلام : أنا والله ذلك الرجل ، أنا والله ذلك الرجل ، أنا والله ذلك الرجل ، قم فادفن أباك ، فقام فدفنه (٤) .

ومن خواص ذلك الحرم الشريف أن جميع المؤمنين يحشرون فيه ، روي عن

ـــــــــــــــــ

(١) عنه البحار ١٠٠ : ٢٣٢ .

(٢) في "ج" : ضاع .

(٣) عنه البحار ١٠٠ : ٢٣٣ .

(٤) عنه البحار ١٠٠ : ٢٣٣ ، ومستدرك الوسائل ٢ : ٣١٠ ح٢٠٥٦ .


أبي عبد الله عليه‌السلام أنه قال : ما من مؤمن يموت في شرق الأرض وغربها إلاّ حشر الله روحه إلى وادي السلام .

قال : ما جاء في ذلك من الأخبار والآثار : أنه (١) بين وادي النجف والكوفة ، كأنّي بهم حلق قعود يتحدّثون على منابر من نور (٢) والأخبار في هذا المعنى كثيرة .

الثالث : في فضل زيارتهعليه‌السلام وما جاء في ذلك من الأخبار والآثار .

روي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال للحسين عليه‌السلام : تزوركم طائفة من أُمتي تريد برّي وصلتي ، إذا كان يوم القيامة زرتها في الموقف ، وأخذت بأعضادها فأنجيتها من أهواله وشدائده (٣) .

وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال لعليّ عليه‌السلام : والله لتقتلنّ بأرض العراق فتدفن بها ، قلت : يا رسول الله ما لمن زار قبورنا وعمّرها وتعاهدها؟ فقال لي : يا أبا الحسن انّ الله تعالى جعل قبرك وقبر ولدك بقاعاً من بقاع الجنّة ، وعرصة من عرصاتها ، وانّ الله تعالى جعل قلوباً من خلقه وصفوة من عباده تحنّ اليكم ، وتحمل الأذى فيكم ، فيعمرون قبوركم تقرّباً منهم إلى الله ومودّة لرسوله ، اُولئك يا عليّ المخصوصون بشفاعتي ، الواردون حوضي ، وهم زوّاري غداً في الجنّة .

يا عليّ من زار قبوركم عدل ذلك له ثواب سبعين حجة بعد حجة الإسلام ، وخرج من ذنوبه حين يخرج (٤) من زيارتكم كيوم ولدته اُمّه ، فأبشر وبشّر أولياءك ومحبّيك من النعيم وقرّة العين بما لا عين رأت ، ولا اُذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، ولكن حثالة من الناس يعيّرون زوّار قبوركم بزيارتكم كما تعيّر

ـــــــــــــــــ

(١) هكذا في "ألف" و "ب" والبحار ، وفي "ج" : قيل : وأين وادي السلام؟ قال : بين وادي النجف .

(٢) عنه البحار ١٠٠ : ٢٣٣ ، ونحوه في الكافي ٣ : ٢٤٣ ح٢ ، عنه البحار ٦ : ٢٦٨ ح١١٨ .

(٣) البحار ١٠ : ٤٤١ ، ومستدرك الوسائل ١٠ : ٢٢٨ ح١١٩١٠ عن الفصول للسيد المرتضى .

(٤) في "ج" : حين يرجع .


الزانية بزناها ، اُولئك شرار أُمتي لا تنالهم شفاعتي ولا يردون حوضي (١) .

وروي عن صفوان الجمال قال : لما وافيت مع مولاي جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام الغريّ (٢) يريد أبا جعفر المنصور ، قال لي : يا صفوان ، أنخ الناقة فإنّ هذا حرم جدّي أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فأنختها فنزل واغتسل وغيّر ثوبه وتحفّى وقال لي : افعل مثل ما أفعل .

ففعلت ثمّ قال : خُذ نحو الذكوات ، وقال لي : قصّر خطاك ، وألق ذقنك (٣) الأرض ، فإنّ لك بكلّ خطوة مائة ألف حسنة ، ويمحى عنك [ مئة ] (٤) ألف سيّئة ، ويرفع لك مئة ألف درجة ، ويقضى لك مائة ألف حاجة ، ويكتب لك ثواب كلّ صدّيق وشهيد مات أو قتل .

ثمّ مشى ومشيت معه [حافياً] (٥) وعلينا السكينة والوقار ، نسبّح الله ونقدّس ونهلل إلى أن بلغنا الذكوات ، فوقف عليه ونظر يمنة ويسرة وخط بعكازه وقال لي : اطلب ، فطلبت فإذا أثر القبر في الخط ، ثمّ أرسل دمعه وقال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، ثمّ قال :

"السلام عليك أيّها الوصي البرّ التقي ، السلام عليك أيّها النبأ العظيم ، السلام عليك أيّها الصديق الشهيد ، السلام عليك أيّها الوصي (٦) الزكي ، السلام عليك يا وصيّ [ رسول ] (٧) ربّ العالمين ، السلام عليك يا خيرة الله من الخلائق أجمعين ، أشهد أنّك حبيب الله وخاصته وخالصته ، السلام عليك يا وليّ الله وموضع سرّه ،

ـــــــــــــــــ

(١) فرحة الغري : ٧٧ ، عنه البحار ١٠٠ : ١٢٠ ح٢٢ .

(٢) في "ب" : الكوفة .

(٣) في "ج" : عينيك .

(٤) أثبتناه من "ج" .

(٥) أثبتناه من "ج" .

(٦) في "ج" : الرضي .

(٧) أثبتناه من "ج" .


وعيبة علمه ، وخازن وحيه" .

ثمّ انكبّ على القبر وقال :

"بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين ، بأبي أنت وأمي يا حجّة الخصام ، بأبي أنت وأمي يا باب المقام ، بأبي أنت وأمي يا نور الله التام ، أشهد أنّك قد بلغت عن الله وعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما حمّلت ، ورعيت ما استحفظت ، وحفظت ما استودعت ، وحلّلت حلال الله ، وحرّمت حرام الله ، وأقمت أحكام الله ، ولم تتعدّ حدود الله ، وعبدت الله مخلصاً حتّى أتاك اليقين ، صلَّى الله عليك وعلى الأئمة من بعدك" .

ثمّ قام فصلّى ركعتين عند الرأس الكريم ، ثمّ قال : يا صفوان! من زار أمير المؤمنين عليه‌السلام بهذه الزيارة ، وصلّى هذه الصلاة ، رجع إلى أهله مغفوراً ذنبه ، مشكوراً سعيه ، ويكتب له ثواب كلّ من زاره من الملائكة ، وانّه ليزوره في كلّ ليلة سبعون قبيلة ، قلت : وكم القبيلة؟ قال : مائة ألف .

ثمّ خرج القهقرى وهو يقول : "يا جدّاه يا سيّداه يا طيّباه يا طاهر ، لا جعله الله آخر العهد منك (١) ورزقني العود إليك ، والمقام في حرمك ، والكون معك ومع الأبرار من ولدك ، صلَّى الله عليك وعلى الملائكة المحدقين بك" ، قلت : يا سيّدي أتأذن لي أن أُخبر أصحابنا (٢) من أهل الكوفة؟ فقال : نعم ، وأعطاني درهم فأصلحت القبر (٣) .

وقال الصادق عليه‌السلام : من ترك زيارة أمير المؤمنين عليه‌السلام لم ينظر الله إليه ، ألا تزوروا من تزوره الملائكة والنبيّون عليهم‌السلام ، وإنّ أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام أفضل من كلّ الأئمة ، وله مثل ثواب أعمالهم وعلى قدر

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : من زيارتك .

(٢) في "ج" : أصحابك .

(٣) فرحة الغري : ٩٤ ، عنه البحار ١٠٠ : ٢٧٩ ح١٥ .


أعمالهم فضّلوا (١) .

وقال عليه‌السلام : إن أبواب السماء لتفتح عند دخول الزائر لأمير المؤمنين عليه‌السلام (٢) .

وقال عليه‌السلام : إن بظاهر الكوفة قبر ما زاره مهموم إلاّ فرّج الله همّه .

وحكى بعضهم قال : كنت عند الصادق عليه‌السلام فذكر أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال : (٣) يا ابن مارد ، من زار جدّي عارفاً بحقّه كتب الله له بكلّ خطوة حجة مقبولة ، وعمرة مبرورة ، والله يا ابن مارد ما يطعم الله النار قدماً تغبّرت في زيارة أمير المؤمنين عليه‌السلام ماشياً كان أو راكباً يا ابن مارد ، اكتب هذا الحديث بماء الذهب (٤) والأخبار في هذا المعنى كثيرة .

الرابع : إيتاء ذي القربى .

وهو صلة الذرية العلوية ، فإنّ الله تعالى أكّد الوصية فيهم ، وجعل مودّتهم أجر الرسالة بقوله تعالى : ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (٥) .

وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي شافع يوم القيامة لأربعة أصناف ولو جاؤوا بذنوب أهل الأرض ، رجل نصر ذريتي (٦) ، ورجل بذل ماله لذريتي عند المضيق ، ورجل سعى في قضاء حوائج ذريتي إذا طردوا وشردوا ، ورجل أحبّ ذريتي باللسان والقلب (٧) .

ـــــــــــــــــ

(١) الخصائص للرضي : ٤٠ ، عنه مستدرك الوسائل ١٠ : ٢١٢ ح١١٨٨٣ .

(٢) عنه البحار ١٠٠ : ٢٦٢ ح١٦ .

(٣) زاد في "ج" : فقال ابن مارد لأبي عبد اللهعليه‌السلام : ما لمن زار جدّك أمير المؤمنينعليه‌السلام ؟ فقال : .

(٤) فرحة الغري : ٧٥ ، عنه البحار ١٠٠ : ٢٦٠ ح١٠ .

(٥) الشورى : ٢٣ .

(٦) في "ب" : ديني .

(٧) الكافي ٤ : ٦٠ ح٩ ، من لا يحضره الفقيه ٢ : ٦٥ ح١٧٢٦ .


وقال الصادق عليه‌السلام : إذا كان يوم القيامة نادى مناد : أيّها الخلائق انصتوا فإنّ محمّداً يكلّمكم ، فتنصت الخلائق فيقوم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقول : يا معاشر الخلائق ، من كان له عندي يداً أو منّة أو معروفاً فليقم حتّى أكافيه ، فيقولون : وأيّ يد ، وأيّ منّة ، وأيّ معروف لنا ؟! بل اليد والمنّة والمعروف لله ولرسوله على جميع الخلائق .

فيقول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من آوى أحداً من أهل بيتي ، أو برّهم ، أو كساهم من عرى ، أو أشبع جائعهم فليقم حتّى أكافيه ، فيقوم أناس قد فعلوا ذلك ، فيأتي النداء من عند الله : يا محمّد ، يا حبيبي ، قد جعلت مكافأتهم إليك ، فأسكنهم حيث شئت من الجنّة ، فيسكنهم في الوسيلة حيث لا يحجبون عن محمّد وأهل بيته صلوات الله عليهم (١) .

وذكر ابن الجوزي ـ وكان حنبلي المذهب ـ في كتاب تذكرة الخواص أن عبد الله بن المبارك كان يحجّ سنة ويغزو سنة وداوم على ذلك خمسين سنة ، فخرج في بعض سنيّ الحج وأخذ معه خمسمئة دينار إلى موقف الجمال بالكوفة ليشتري جمالاً للحج ، فرأى امرأة علويّة على بعض المزابل تنتف ريش بطة ميتة .

قال : فتقدّمت إليها فقلت : لِمَ تفعلين [هذا] (٢) ؟ فقالت : يا عبد الله ، لا تسأل عمّا لا يعنيك (٣) ، قال : فوقع من كلامها في خاطري شيء فألححت عليها ، فقالت : يا عبد الله ، قد ألجأتني أن أكشف سرّي إليك : أنا امرأة علوية ولي أربع بنات يتامى مات أبوهنّ من قريب ، وهذا اليوم الرابع ما أكلنا شيئاً وقد حلّت لنا الميتة ، فأخذت هذه البطة أصلحها وأحملها إلى بناتي ليأكلنها .

قال : فقلت في نفسي : ويحك يا ابن المبارك أين أنت من هذه الفرصة ،

ـــــــــــــــــ

(١) من لا يحضره الفقيه ٢ : ٦٥ ح١٧٢٧ ، والوسائل ١١ : ٥٥٦ ح٣ .

(٢) أثبتناه من "ج" .

(٣) زاد في "ب" : تقع في ما لا يرضيك .


 [قلت :] (١) افتحي إزارك ، فصببت الدنانير في طرف إزارها وهي مطرقة لا تلتفت ، قال : ومضيت إلى المنزل ونزع الله من قلبي شهوة الحج في ذلك العام ، ثمّ تجهّزت إلى بلادي وأقمت حتّى حجّ الناس وعادوا ، فخرجت أتلقّى جيراني وأصحابي ، فجعلت كلّ من أقول له : قبل الله حجّك وسعيك ، يقول : وأنت قبل الله حجّك وشكر سعيك ، إنّنا قد اجتمعنا بك في مكان كذا وكذا ، وأكثر عليّ الناس في هذا القول .

فبتّ متفكّراً فرأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام وهو يقول : يا عبد الله أغثت ملهوفة من ولدي ، فسألت الله عَزَّ وجَلَّ أن يخلق على صورتك ملكاً يحجّ عنك كلّ عام إلى يوم القيامة ، فإن شئت أن تحجّ وإن شئت أن لا تحج (٢) .

وذكر ابن الجوزي أيضاً قال : كان ببلخ رجل من العلويين نازلاً بها وله زوجة وبنات فتوفى ، قالت المرأة : فخرجت بالبنات إلى سمرقند خوفاً من شماتة الأعداء ، واتّفق وصولي في شدّة البرد ، فأدخلت البنات مسجداً ومضيت لأحتال في القوت .

فرأيت الناس مجتمعين على شيخ فسألت عنه فقيل : هذا شيخ البلد ، فشرحت له الحال فقال : أقيمي البيّنة إنّك علوية ولم يلتفت إليّ ، فيئست منه وعُدت إلى المسجد فرأيت في طريقي شيخاً جالساً على دكّة وحوله جماعة ، فقلت : من هذا ؟ فقيل : ضامن البلد وهو مجوسي ، فقلت : [أمضي إليه] (٣) عسى أن يكون لنا عنده فرج .

[فجئت إليه] (٤) فحدّثته حديثي وما جرى لي مع شيخ البلد ، فصاح بخادم له فخرج فقال : قل لسيّدتك تلبس ثيابها ، فدخل وخرجت امرأته ومعها جوارها ،

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من "ج" .

(٢) تذكرة الخواص : ٣٨١ ، عنه كشف اليقين : ٤٨٥ ، والبحار ٤٢ : ١١ ح١٢ ، وينابيع المودّة : ٤٦٧ .

(٣) أثبتناه من "ج" .

(٤) أثبتناه من "ج" .


فقال لها : اذهبي مع المرأة إلى المسجد الفلاني واحملي بناتها إلى الدار ، فجاءت معي وحملت البنات ، فجئنا وقد أفرد لنا مقاماً في داره وأدخلنا الحمّام وكسانا ثياباً فاخرة ، وجاءنا بألوان الطعام ، وبتنا بأطيب ليلة .

فلمّا كان نصف الليل رأى شيخ البلد المسلم في منامه كأنّ يوم القيامة قد قامت واللواء على رأس محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإذا بقصر من الزمرد الأخضر ، فقال : لمن هذا القصر؟ فقيل : لرجل مسلم موحّد ، فتقدّم إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأعرض عنه فقال : يا رسول الله ، تعرض عنّي وأنا رجل مسلم ؟! فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أقم البيّنة عندي أنّك مسلم ، فتحيّر الشيخ ، فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : نسيت قولك للعلوية ، وهذا القصر للشيخ الذي هي في داره .

فانتبه الشيخ وهو يلطم ويبكي ، وبعث غلمانه إلى البلد وخرج بنفسه يدور على العلوية ، فأُخبر أنها في دار المجوسي فجاء إليه وقال له : أين العلوية (١) ؟ قال : عندي ، قال : أريدها ، فقال : ما إلى هذا من سبيل ، قال : هذه ألف دينار وسلمهنّ (٢) إليّ ، فقال : لا والله ولا مئة ألف دينار .

فلمّا ألحّ عليه قال : المنام الذي رأيته أنت رأيته أنا أيضاً ، والقصر الذي رأيته لي أُعدّ وأنت تدلّ عليّ بإسلامك ، والله ما نمت أنا ولا أحد في داري حتّى أسلمنا على يد العلوية ، وعادت بركتها علينا ، ورأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يقول لي : القصر لك ولأهلك بما فعلت مع العلوية ، وأنت من أهل الجنّة ، خلقكم الله عَزَّ وجَلَّ مؤمنين في القدم (٣) .

والأخبار في هذا المعنى كثيرة لا نطوّل بذكرها الكتاب .

ـــــــــــــــــ

(١) في "ج" : ألك علم بالعلوية .

(٢) في "ج" : خذها وسلّمها إليّ .

(٣) تذكرة الخواص : ٣٨٣ ، عنه كشف اليقين : ٤٨٦ ، والبحار ٤٢ : ١٢ ح١٢ ، وينابيع المودّة : ٤٦٨ .


 [ باب : في صفات أعدائه ] (١)

وأمّا صفات أعدائه وما نُسب إليهم من المثالب وكثرة الخطايا والمعايب فكثيرة جداً ، مرّ بعضها في الكتاب ونذكر أيضاً منها جملة يسيرة نختم بها الكتاب .

فمنها : ما تضمّنه خبر وفاة الزهراء عليها‌السلام ، قرّة عين الرسول ، وأحبّ الناس إليه ، مريم الكبرى ، والحوراء التي أفرغت من ماء الجنّة من تفاحة من صلب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢) التي قال في حقّها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله يرضى لرضاك يا فاطمة ويغضب لغضبك (٣) ، وقال عليه وآله السلام : فاطمة

ـــــــــــــــــ

(١) إن هذا الباب حُذف من النسخة المطبوعة الموجودة في الأسواق ، وجاءت في جميع النسخ الخطية ، وكذلك أورده العلاّمة المجلسي في البحار ٣٠ : ٣٤٧ ح١٦٤ فلاحظ ، وقال في ذيل الحديث : إنّما أوردت هذا الكلام لاشتماله على بعض الأخبار الغريبة ، وإن كان في بعض ما احتجّ به وهن أو مخالفة للمشهور ، فسيتّضح لك حقيقة الأمر في الأبواب الآتية ، والله الموفّق .

(٢) ورد هذا الخبر بطرق مختلفة في عدّة مصادر ، منها : ميزان الاعتدال ٢ : ٥١٨ ، نظم درر السمطين : ١٧٧ ، ذخائر العقبى : ٣٦ ، فرائد السمطين ١ : ٥٠ تحت رقم ٣٨١ ، الدر المنثور ٤ : ١٥٣ في سورة الإسراء ، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٦٩ .

(٣) قد ورد هذا الحديث بطرق مختلفة في مصادر الشيعة والسنة ، منها : مستدرك الحاكم ٣ : ١٦٧ ح٤٧٣٠ ، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام للمغازلي : ٣٥١ ح٤٠١ ، ذخائر العقبى للمحبّ الطبري : ٣٩ ، المعجم الكبير للطبراني ٢٢ : ٤٠١ ح١٠٠١ ، وغيرها .


بضعة منّي من آذاها فقد آذاني (١) .

وروي أنّه لمّا حضرتها الوفاة قالت لأسماء بنت عميس : إذا أنا متّ فانظري إلى الدار فإذا رأيت سجفاً (٢) من سندس من الجنّة قد ضرب فسطاطاً في جانب الدار ، فاحمليني وزينب وأم كلثوم فاجعلوني من وراء السجف وخلّوني وبين نفسي (٣) .

فلمّا توفّيت عليها‌السلام وظهر السجف حملتها وجعلتها وراءه ، فغسلت وكفنت وحنطت بالحنوط ، وكان كافوراً أنزله جبرئيل عليه‌السلام من الجنّة في ثلاث صرر ، فقال : يا رسول الله ، ربّك يقرؤك السلام ويقول لك : هذا حنوطك وحنوط ابنتك وحنوط أخيك عليّ مقسوم أثلاثاً ، وإنّ أكفانها وماءها وأوانيها من الجنّة ، وإنها أكرم على الله تعالى أن يتولّى ذلك منها أحد غيرها .

وروي أنها توفّيت عليها‌السلام بعد غسلها وتكفينها وحنوطها لأنّها طاهرة لا دنس فيها ، وأنّه لم يحضرها إلاّ أمير المؤمنين عليه‌السلام ، والحسن ، والحسين ، وزينب ، وأم كلثوم ، وفضّة جاريتها ، وأسماء بنت عميس ، وأنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام أخرجها ومعه الحسن والحسين في الليل وصلّوا عليها ، ولم يعلم بها أحد ولا حضروا وفاتها ، ولا صلَّى عليها أحد من سائر الناس غيرهم ، لأنّها عليها‌السلام أوصت بذلك وقالت : لا تصلّي عليّ أمّة نقضت عهد الله وعهد أبي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أمير المؤمنين عليّ ، وظلموني حقّي ، وأخذوا

ـــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٤ : ٢١٠ باب فضائل أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الجامع الصحيح للترمذي ٥ : ٣٥٩ ح٣٩٥٩ ، المسند لأحمد بن حنبل ٤ : ٣٢٦ ، المعجم الكبير للطبراني ٢٢ : ٤٠٥ ح١٠١٤ ، مستدرك الحاكم ٣ : ١٩٥ ح١٠١٣ .

(٢) السجف : الستر .

(٣) في البحار : خلّوا بيني وبين نفسي .


ارثي ، وحرقوا صحيفتي التي كتبها إليّ أبي بملك فدك ، وكذبوا شهودي ، وهم ـ والله ـ جبرئيل وميكائيل وأمير المؤمنين وأم أيمن .

وطِفْتُ عليهم في بيوتهم وأمير المؤمنين يحملني ومعي الحسن والحسين ليلاً ونهاراً ، آتي منازلهم أُذكّرهم الله بالله وبرسوله ألاّ تظلمونا ولا تغصبونا حقّنا الذي جعله الله لنا ، فيجيبونا ليلاً ويقعدون عن نصرتنا نهاراً ثمّ ينفذون إلى دارنا قنفذاً ومعه عمر وخالد بن الوليد ليخرجوا ابن عمّي علياً إلى سقيفة بني ساعدة لبيعتهم الخاسرة ، فلا يخرج إليهم متشاغلاً بوصاة (١) رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبأزواجه وبتأليف القرآن ، وقضى ثمانين ألف درهم وصّاه بقضائها عنه عداتاً وديناً ، فجعلوا الحطب الجزل على بابنا وأتوا بالنار ليحرقونا (٢) .

فأخذت (٣) بعضادة الباب وناشدتهم بالله وبأبي عليه‌السلام أن يكفّوا عنّا وينصرفوا (٤) ، فأخذ عمر السوط من يد قنفذ مولى أبي بكر فضرب به عضدي ، فالتوى السوط على عضدي حتّى صار كالدملج ، وركل الباب برجله فردّه عليّ وأنا حامل ، فسقطت لوجهي والنار تستعر ، وسفع (٥) وجهي بيده حتّى انتثر قرطي من أذني ، فجاءني المخاض فأسقطت محسناً قتيلاً بغير جرم (٦) ، فهذه أمّة تصلّي عليّ

ـــــــــــــــــ

(١) في البحار : بما أوصاه به .

(٢) في البحار : ليحرقوه ويحرقونا .

(٣) في البحار : فوقفت .

(٤) في البحار : وينصرونا .

(٥) سَفَعَ فلانٌ فلاناً : لطمه وضربه (القاموس)

(٦) وفي ذلك كلّه يقول العلاّمة محمد حسين الأصفهاني :

لكنَّ كسر الضلع ليس ينجبر

إلا بصمصام عزيز مقتدر

إذ رضُّ تلك الأضلع الزكيّة

رزيّة لا مثلها رزيّة

ومن نبوع الدم من ثدييها

يعرب عظم ما جرى عليها

وجاوزوا الحدّ بلطم الخدّ

شلّت يد الطغيان والتعدي

فاحمرّت العين وعين المعرفة

تذرف بالدمع على تلك الصفة

ولا تزيل حمرة العين سوى

بيض السيوف يوم ينشر اللوى

وللسياط رنّة صداها

في مسمع الدهر فما أشجاها

والأثر الباقي كمثل الدملج

في عضد الزهراء أقوى الحجج

ولست أدري خبر المسمار

سل صدرها خزانة الأسرار

والباب والجدار والدماء

شهود صدق ما به خفاء


وقد تبرّأ الله ورسوله منهم وتبرّأت منهم (١) .

فعمل أمير المؤمنين عليه‌السلام بوصيّتها ولم يعلم أحداً بها ، فأصبح في البقيع ليلة دفنت فاطمة عليها‌السلام أربعون قبراً جدداً .

ثمّ إن المسلمين لمّا علموا بوفاة فاطمة عليها‌السلام ودفنها جاءوا إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام يعزّونه لها وقالوا : يا أخا رسول الله ، أمرت (٢) بتجهيزها وحفر تربتها ؟ فقال عليه‌السلام : قد ورِّيت ولحقت بأبيها صلوات الله عليه وآله ، فقالوا : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، تموت ابنة نبيّنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يخلّف فينا ولداً غيرها ولا يصلّى عليها ، إنّ هذا لشيء عظيم .

فقال عليه‌السلام : حسبكم ما جنيتم على الله وعلى رسوله في أهل بيته ، ولم أكن والله لأعصيها في وصيّتها التي أوصت بها في أن لا يصلّي عليها أحد منكم ، وما بعد العهد فأغدر ، فنفض القوم أثوابهم وقالوا : لابدّ لنا من الصلاة على ابنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومضوا من فورهم إلى البقيع فوجدوا فيه أربعين قبراً جدداً ، فاشتبه عليهم قبرها عليها‌السلام بين تلك القبور ، فضجّ الناس ولام بعضهم بعضاً وقالوا : لم تحضروا وفاة بنت نبيّكم ولا الصلاة عليها ، ولا تعرفوا

ـــــــــــــــــ

(١) إن حديث الدار والباب والضرب وإسقاط محسن وكسر الضلع ورد في كثير من مصادر الخاصة والعامة ، منها : دلائل الإمامة للطبري : ٤٥ ، وأمالي الصدوق : ١١٦ ح٢ مجلس ٢٨ ، أمالي الطوسي ١ : ١٩١ ، كامل الزيارات لابن قولويه : ٣٣٢ـ٣٣٣ ، تفسير العيّاشي ٢ : ٣٠٧ـ٣٠٨ ، إقبال الأعمال لابن طاووس : ٦٢٥ ، إثبات الوصية : ٢٣ـ٢٤ ، المناقب لابن شهر آشوب ٣ : ٣٥٨ على ما نقله عن كتاب المعارف لابن قتيبة ، الملل والنحل للشهرستانى ١ : ٥٧ ، الفرق بين الفرق للإسفرائيني : ١٠٧ ، الوافي بالوفيات ٥ : ٣٤٧ على ما نقله المحدّث القمي في سفينة البحار ، وغيرها من المصادر الكثيرة .

(٢) في البحار : لو أمرت .


قبرها فتزوروه ، فقال أبو بكر : هاتوا من ثقاة المسلمين ينبش هذه القبور حتّى تجدوا قبرها ، فنصلّي عليها ونزورها .

فبلغ ذلك أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فخرج من داره مغضباً وقد احمرّ وجهه وقامت عيناه ودرّت أوداجه ، وعلى يده قباه الأصفر الذي لم يكن يلبسه إلاّ في كلّ كريهة ، يتوكّأ على سيفه ذي الفقار حتّى ورد البقيع ، فسبق الناس النذير فقال لهم : هذا عليّ قد أقبل كما ترون ، يقسم بالله لأن بحث من هذه القبور حجر واحد لأضعنّ السيف على غابر الأُمة ، فولّى القوم هاربين قطعاً قطعاً .

ومنها : ما فعله الأوّل من التآمر على الأُمة من غير أن أباح الله له ذلك ولا رسوله ، ولا مطالبته جميعهم بالبيعة له والانقياد إلى طاعته طوعاً وكرهاً ، وكان ذلك أوّل ظلم ظهر في الإسلام بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذ كان هو وأولياؤه جميعاً مقرّين بأنّ الله عَزَّ وجَلَّ ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يولّياه ذلك ، ولا أوجبا طاعته ولا أمرا ببيعته (١) .

وطالب الناس بالخروج إليه ممّا كان يأخذه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الأخماس والصدقات والحقوق الواجبات ، ثمّ تسمّى بخلافة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد علم هو ومن معه من الخاص والعام أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يستخلفه ، فقد جمع بين الظلم والمعصية والكذب على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار (٢) .

ـــــــــــــــــ

(١) وممّا يدلّ على عدم أهليّته للخلافة قول صاحبه الثاني : "كانت بيعة أبي بكر فلتة ، وقى الله المسلمين شرّها ، فمن عاد مثلها فاقتلوه" ، ورد هذا النص أو ما يقاربه في عدّة مصادر ، منها : تاريخ الخلفاء للسيوطي : ٦٧ ؛ صحيح البخاري ، باب رجم الحبلى ٥ : ٢٠٨ ؛ السيرة الحلبية ٣ : ٣٦٣ ؛ الصواعق المحرقة ٥ : ٥ و٨ و٢١ ؛ تاريخ الطبري ٣ : ٢١٠ .

(٢) كنز العمال : ح٢٩١٦٨ .


ولمّا امتنع طائفة من الناس في دفع الزكاة إليه وقالوا : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يأمر بدفع ذلك إليك ، فسمّاهم أهل الردة وبعث إليهم خالد بن الوليد في جيش ، فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم واستباح أموالهم ، وجعل ذلك فيئاً للمسلمين ، وقتل خالد بن الوليد رئيس القوم مالك بن نويرة ، وأخذ امرأته فوطأها من ليلته تلك ، واستحلّ الباقون فروج نسائهم من غير استبراء .

وقد روى أهل الحديث جميعاً بغير خلاف عن القوم الذين كانوا مع خالد أنهم قالوا : أذّن مؤذّننا وأذّن مؤذّنهم ، وصلّينا وصلّوا وتشهّدوا ، فأي ردة هاهنا مع ما رووه جميعاً أن عمر قال لأبي بكر : كيف تقاتل قوماً يشهدون أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، وقد سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا : (لا إله إلاّ الله وأنّي محمد رسول الله) ، فإذا قالوها حقنوا دماءهم وأموالهم ؟!

فقال : لو منعوني عقالاً ممّا كانوا يدفعونه إلى رسول الله لقاتلتهم ـ أو قال لجاهدتهم ـ وكان هذا فعلاً فضيعاً في الإسلام وظلماً عظيماً ، فكفى بذلك خزياً وكفراً وجهلاً ، وإنّما أخذ عليه عمر بسبب قتل مالك بن نويرة ، لأنّه كان [بين عمر و] (١) بين مالك خلّة أوجبت العصبيّة له من عمر (٢) .

ثمّ رووا جميعاً أن عمر لما ولّي جمع من بقى من عشيرة مالك ، واسترجع ما وجد عند المسلمين من أموالهم وأولادهم ونسائهم ، وردّ ذلك جميعاً عليهم ، فإن كان فعل أبي بكر بهنّ خطأ فقد أطعم المسلمين الحرام من أموالهم ، وملكهم العبيد الأحرار من أبنائهم ، وأوطأهم فروجاً حراماً من نسائهم ، وإن كان ما فعله حقّاً

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من البحار .

(٢) راجع تاريخ الطبري ٣ : ٢٨٠ ؛ والفتوح لابن أعثم ١ : ٢٥ ؛ والصراط المستقيم للبياضي : ٢٧٩ الباب الثاني عشر ؛ والغدير ٧ : ١٥٩ ؛ والملل والنحل ١ : ٢٥ ؛ الإمامة والسياسة ١ : ٢٣ .


فقد أخذ عمر نساء قوم ملكوهنّ بحق ، فانتزعهنّ من أيديهم غصباً وظلماً ، وردّهم إلى قوم لا يستحقّونهنّ بوطئهنّ حراماً من غير مباينة وقعت ، ولا أثمان دفعت إلى من كنّ عنده في تملّكه فعلى كلا الحالين قد أخطئا جميعاً أو أحدهما ، لأنّهما أباحا للمسلمين فروجاً حراماً ، وأطعماهم طعاماً حراماً من أموال المقتولين على دفع الزكاة إليه ، وليس له ذلك على ما تقدّم ذكره .

ومنها : تكذيبه لفاطمة صلوات الله عليها في دعواها فدك (١) ، وردّ شهادة أم أيمن مع أنهم رووا جميعاً أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : أم أيمن امرأة من أهل الجنّة ، وردّ شهادة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، وقد رووا جميعاً أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : عليّ مع الحق والحق مع عليّ يدور معه حيث ما دار ، وأخبرهم أيضاً بتطهير عليّ وفاطمة من الرجس عن الله تعالى ، فمن توهّم أن علياً وفاطمة يدخلان ـ بعد هذه الأخبار عن الله عَزَّ وجَلَّ ـ في شيء من الكذب والباطل فقد كذّب الله ، ومن كذّب الله كفر بغير خلاف .

ومنها : قوله في الصلاة : لا يفعل خالد ما أمر (٢) ، فهذه بدعة يقارنها كفر ، وذلك أنّه أمر خالداً بقتل أمير المؤمنين عليه‌السلام إذا هو سلّم من صلاة الفجر ، فلمّا قام في الصلاة ندم على ذلك وخشى إن فعل خالد ما أمر به من قتل عليّ عليه‌السلام أن تهيج عليه فتنة لا يقومون لها ، فقال : لا يفعل خالد ما أمر قبل أن يسلّم ، وكان الكلام في الصلاة بدعة والأمر بقتل عليّ عليه‌السلام كفر .

ومنها : أنّهم رووا عنه بغير خلاف أنّه قال وقت وفاته : ثلاث فعلتها ووددت أني لم أفعلها ، وثلاث لم أفعلها ووددت أنّي فعلتها ، وثلاث أغفلت المسألة عنها

ـــــــــــــــــ

(١) راجع شرح النهج لابن أبي الحديد ٤ : ٨٠ و٨٢ ؛ والصواعق : ٢٢ ؛ السيرة الحلبية ٣ : ٣٦٢ ؛ على ما في نهج الحق : ٢٦٥ ؛ والصراط المستقيم : ٢٨٢ باب١٢ ؛ مجمع الزوائد للهيثمي ٩ : ٣٩ .

(٢) راجع كتاب سليم : ٢١٤ ؛ عنه البحار ٢٨ : ٣٠٥ ؛ مناقب ابن شهر آشوب ٢ : ٢٩٠ .


ووددت أني سألت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنها : أمّا الثلاث التي وددت أني لم أفعلها فبعث خالد بن الوليد إلى مالك بن نويرة وقومه المسمّين بأهل الردة ، وكشف بيت فاطمة عليها‌السلام وإن كان أغلق على حرب ، واختلف أولياؤه في باقي الخصال فأهملنا ذكرها وذكرنا ما اجتمعوا عليه (١) .

فقد دلّ قوله : إني لم أكشف بيت فاطمة بنت رسول الله ، أنّه أغضب فاطمة ، وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك ، فقد أوجب بفعله هذا غضب الله عليه بغضب فاطمة ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله عَزَّ وجَلَّ ، فقد لزمه أن يكون قد آذى الله ورسوله بما لحق فاطمة عليها‌السلام من الأذى بكشف بيتها ، وقال الله عَزَّ وجَلَّ : ( إِنَّ الَّذينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) (٢) .

وأمّا الثلاث التي ودّ أن يسأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنها فهي : الكلالة ما هي ، وعن الجد ما له من الميراث ، وعن الأمر لمن هو بعده ومن صاحبه وكفى بهذا الإقرار على نفسه خزياً وفضيحةً لأنّه شهر نفسه بالجهل بأحكام الشريعة ، ومن كان هذا حاله كان ظالماً فيما دخل فيه من الحكومة بين المسلمين بما لا يعلمه ( وَسَيَعْلَمُ الَّذينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) (٣) .

وقوله : إني وددت أني سألت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمن الأمر بعده ومن صاحبه ، فقد أقرّ وشهد على نفسه بأنّ الأمر لغيره وأنّه لا حقّ له فيه ، لأنّه لو كان له فيه حقّ لكان قد علمه من الله عَزَّ وجَلَّ ومن رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا

ـــــــــــــــــ

(١) ورد هذا الكلام بنصوص مختلفة متّحدة المعنى ، منها : تاريخ الطبري ٢ : ٣٥٣ في ذكر أسماء قضاته وكتابه ؛ تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٣٧ ؛ شرح النهج لابن أبي الحديد ٢ : ٤٥ـ٤٧ ؛ الصراط المستقيم : ٣٠١ باب١٢ ؛ الخصال : ١٧١ـ١٧٣ ح٢٨٨ باب٣ ؛ عنه البحار ٣٠ : ١٢٢ ح٢ ؛ مروج الذهب ٢ : ٣٠٢ ؛ الإمامة والسياسة : ٢٤ .

(٢) الأحزاب : ٥٧ .

(٣) الشعراء : ٢٢٧ .


لم يكن له فيه حق لم يعلم لمن هو بزعمه ، وإذا لم يكن له فيه حق ولم يعلم لمن هو فقد دخل فيما لم يكن له ، وأخذ حقاً هو لغيره ، وهذا يوجب الظلم والتعدّي وقال الله عَزَّ وجَلَّ : ( أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمينَ ) (١) ، وقال : ( وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (٢) .

ومنها : ما وافقه عليه صاحبه الثاني أنه لما أراد أن يجمع ما تهيّأ له من القرآن أمر منادياً ينادي في المدينة : من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به ، ثمّ قال : لا نقبل من أحد شيئاً إلاّ بشاهدي عدل ، وهذا منهم مخالف لكتاب الله عَزَّ وجَلَّ ، إذ يقول : ( لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيراً ) (٣) .

فإن كان الرجل وصاحبه جهلا هذا من كتاب الله ، وظنّا أنه لا يجوز (٤) لأحد من الناس أن يأتي بمثل هذا القرآن ، فذلك غاية الجهل وقلّة الفهم ، وهذا الوجه أحسن أحوالهما ، ومن حلّ هذا المحلّ لم يجز أن يكون حاكماً بين المسلمين فضلاً عن منزلة الإمامة ، وإن كانا قد علما ذلك من كتاب الله ، ولم يصدّقا أخبار الله فيه ، ولم يثقا بحكمه في ذلك ، كانت هذه حالاً توجب عليهما ما لا خفاء به على كلّ ذي فهم .

ولكن الأئمة من أهل البيت عليهم‌السلام قالوا : إنهما قصدا بذلك علياً عليه‌السلام ، فجعلا هذا سبباً لترك قبول ما كان عليّ عليه‌السلام جمعه وألّفه من القرآن في مصحفه بتمام ما أنزل الله عَزَّ وجَلَّ على رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منه ، وخشيا أن يقبلا ذلك منه فيظهر ما يفسد عليهما عند الناس ما ارتكباه من الاستيلاء على أمورهم ، ويظهر فيه فضائح المذمومين بأسمائهم ، وطهارة الفاضلين المحمودين بذكرهم ، فلذلك قالا : لا نقبل القرآن من أحد إلاّ بشاهدي عدل .

ـــــــــــــــــ

(١) هود : ١٨ .

(٢) البقرة : ٢٥٤ .

(٣) الإسراء : ٨٨ .

(٤) لعلّ الأصح : يجوز .


هذا مع ما يلزم من يتولاّهما أنهما لم يكونا عالمين بتنزيل القرآن ، لأنّهما لو كانا يعلمانه لما احتاجا أن يطلباه من غيرهما ببيّنة عادلة ، وإذا لم يعلما التنزيل كان محالاً أن يعلما التأويل ، ومن لم يعلم التنزيل ولا التأويل كان جاهلاً بأحكام الدين وبحدود ما أنزل الله على رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن كان بهذه الصفة خرج عن حدود من يصلح أن يكون حاكماً بين المسلمين أو إماماً لهم ، ومن لم يصلح لذلك ثمّ دخل فيه فقد استوجب المقت من الله عَزَّ وجَلَّ ، لأنّ من لا يعلم حدود الله يكون حاكماً بغير ما أنزل الله ، وقال سبحانه : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) (١) .

ومنها : أنّ الأُمة مجمعة على أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضمّه وصاحبه مع جماعة من المهاجرين والأنصار إلى أسامة بن زيد وولاّه عليهما ، وأمره بالمسير فيهم ، وأمرهم بالمسير تحت رايته وهو أمير عليهم إلى بلاد الشام ، ولم يزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : (لينفّذ جيش أسامة) حتّى توفّي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضه ذلك ، وأنهما لم ينفّذا وتأخّرا عن أسامة في طلب ما استوليا عليه من أمور الأمة (٢) .

فبايع الناس لأبي بكر وأسامة معسكر في مكانه على حاله خارج المدينة ، والأمة مجمعة على أن من عصى رسول الله وخالفه فقد عصى الله ، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله بنصّ الكتاب العزيز ، والأمة أيضاً مجمعة على أن معصية الرسول بعد وفاته كمعصيته في حياته ، وأنّ طاعته بعد وفاته كطاعته في حياته ، وأنهما لم يطيعاه في الحالتين وتركا أمره بالخروج ، ومن ترك أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ـــــــــــــــــ

(١) المائدة : ٤٤ .

(٢) راجع في تخلّف القوم عن جيش أسامة : الملل والنحل ١ : ٢٣ ، وفيه : "جهّزوا جيش أسامة لعن الله من تخلّف عنه" ؛ السيرة الحلبيّة ٣ : ٢٠٧ ؛ شرح النهج لابن أبي الحديد ١ : ٥٣ ؛ الكامل في التاريخ ٢ : ٢١٥ ؛ كنز العمال ٥ : ٣١٢ ؛ تاريخ اليعقوبي ٢ : ١١٣ ؛ صراط المستقيم : ٢٩٦ باب١٢ .


متعمّداً وخالفه وجب الحكم بارتداده .

ومنها : أنه لمّا حضرته الوفاة جعل ما كان اغتصبه وظلم في الاستيلاء عليه لعمر من بعده (١) ، وطالب الناس بالبيعة له والرضا به ، كره في ذلك من كره ورغب من رغب ، وقد أجمعوا في روايتهم أن الغالب كان من الناس يومئذٍ الكراهة ، فلم يفكّر في ذلك وجعله الوالي عليهم على كره منهم ، وخوّفوه من الله عَزَّ وجَلَّ في توليته فقال : بالله تخوّفوني ، إذا أنا لقيته قلت له : إنّي استخلفت عليهم خير أهلك (٢) .

فكان هذا القول جامعاً لعجائب من المنكرات الفضيعات ، أرأيت لو أجابه الله تعالى فقال : من جعل إليك ذلك ، ومن ولاّك أنت حتّى تستخلف عليهم غيرك ؟! فقد تقلّد الظلم في حياته وبعد وفاته .

ثمّ إن قوله : أتخوّفوني بالله ، إما هو دليل على الاستهانة بملاقاة الله تعالى ، أو يزعم أنه زكيّ عند الله برئ من كلّ زلّة وهفوة ، وهذا مخالفة لقوله تعالى ، فإنّه قال : ( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ) (٣) ثمّ إنّه لم يكتف بذلك حتّى شهد لعمر أنه خير القوم ، وهذا ممّا لا يصل إليه مثله ولا يعرفه .

ثمّ إنّه ختم ذلك بالطامة الكبرى أنه أمر وقت وفاته بالدفن مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيته وموضع قبره ، وجعل أيضاً بذلك سبيلاً لعمر عليه ، فإنّه فعل كما فعله وصيّرت العامة ذلك منقبة لهما بقولهم : ضجيعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن عقل وميّز وفهم على أنهما قد جنيا على أنفسهما جناية لا يستقيلانها أبداً ، وأوجبا على أنفسهما المعصية لله ولرسوله والظلم الظاهر الواضح ،

ـــــــــــــــــ

(١) وفي ذلك يقول أمير المؤمنينعليه‌السلام في خطبته الشقشقية : فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته إذ عَقَدَها لآخر بعد وفاته ـ لشدّ ما تشطّرا ضرعيها ـ فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ، ويخشن مسّها ، ويكثر العثار فيها ، والاعتذار منها .

(٢) راجع الملل والنحل ١ : ٢٥ ؛ تاريخ الطبري ٢ : ٣٥٥ .

(٣) النجم : ٣٢ .


لأنّ الله سبحانه قد نهى عن الدخول إلى بيوت النبي إلاّ بإذنه حيث يقول : ( يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ) (١) .

والحال في ذلك بعد وفاته كالحال في حياته إلاّ أن يخصّ الله عَزَّ وجَلَّ ذلك أو رسوله ، فإن كان البيت الذي فيه قبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للرسول خاصة فقد عصيا الله بدخولهما بيته بغير إذن الرسول ، وختما أعمالهما بمعصية الله في ذلك ، وإن كان البيت من جملة التركة فإما أن يكون كما زعموا أنه صدقة ، أو يكون للورثة ، فإن كان صدقة فحينئذٍ يكون لسائر المسلمين لا يجوز أن يختصّ واحد دون واحد ، ولا يجوز أيضاً شراؤه من المسلمين ولا استيهابه .

وإن كان ميراثاً فليس هما ممّن يرث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإن ادّعى جاهل ميراث ابنتيهما من الرسول فإنّ نصيبهما تسع الثمن ، لأنّ الرسول مات عن تسع نسوة وعن ولد للصلب ، فلكلّ واحدة منها تسع الثمن ، وهذا القدر لا يبلغ مفحص قطاة وبالجملة فإنّهما غصبا الموضع حتّى تقع القسمة على تركة الرسول ، ولا قسمة مع زعمهم أن ما تركه صدقة .

وأمّا ما جعل أولياءه له فضيلة في آية الغار فهو أيضاً رذيلة ، كما ذكر الشيخ المفيد ما حكاه الطبرسي في كتاب الاحتجاج ، احتجاج الشيخ السديد المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رحمه‌الله .

حدّث الشيخ أبو عليّ الحسن بن معمر الرقي بالرملة في شوال سنة ثلاث وعشرين وأربعمئة ، عن الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رضي الله عنه أنه قال : رأيت في المنام سنة من السنين كأنّي قد اجتزت في بعض الطرق ، فرأيت حلقة دائرة فيها ناس كثير ، فقلت : ما هذه ؟ قالوا : هذه حلقة فيها رجل يعظ الناس ، فقلت : من هو ؟ قالوا : عمر بن الخطاب .

ـــــــــــــــــ

(١) الأحزاب : ٥٣ .


ففرّقت الناس ودخلت الحلقة وإذا أنا برجل يتكلّم على الناس بشيء لم أحصله ، فقطعت عليه الكلام فقلت : يا شيخ ، أخبرني ما وجه الدلالة على فضل صاحبك أبي بكر عتيق بن أبي قحافة من قول الله تعالى : ( ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ ) (١) فقال : وجه الدلالة على فضل أبي بكر من هذه الآية ستة مواضع :

الأوّل : أن الله تعالى ذكر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذكر أبا بكر ثانيه ، وقال : ( ثانِيَ اثْنَيْنِ ) .

الثاني : أنه وصفهما بالاجتماع في مكان واحد بتألّفه بينهما ، فقال : ( إِذْ هُما فِي الْغار ) .

الثالث : أنه أضافه إليه بذكر الصحبة ليجمع بينهما فيما تقتضي الرتبة ، فقال : ( إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ ) .

الرابع : أنه أخبر عن شفقة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورفقه به لموضعه عنده ، فقال : ( لا تَحْزَنْ ) .

الخامس : أنه أخبر أن الله معهما على حدّ سواء ، ناصراً لهما ودافعاً عنهما ، فقال : ( إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ) .

السادس : أنه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر ، لأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم تفارقه السكينة ، فقال : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكينَتَهُ عَلَيْهِ ) ، فهذه ستّة مواضع تدلّ على فضل أبي بكر من آية الغار ، لا يمكنك ولا لغيرك الطعن فيها .

فقلت له : خبرت كلامك في الاحتجاج لصاحبك ، وإنّي بعون الله سأجعل جميع ما أتيت به ( كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ ) :

فأمّا قولك : فإنّ الله تعالى ذكر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعل أبا بكر ثانيه ، فهو إخبار عن العدد ، لعمري لقد كانا اثنين فما في ذلك من الفضل ، ونحن نعلم أن مؤمناً ومؤمناً أو كافراً ومؤمناً

ـــــــــــــــــ

(١) التوبة : ٤٠ .


اثنان ، فما أرى لك في ذكر العدد طائلاً تعتمده .

وأمّا قولك بأنّه وصفهما بالاجتماع في المكان ، فإنّه كالأوّل لأنّ المكان يجمع المؤمن والكافر كما يجمع العدد المؤمنين والكافرين ، وأيضاً فإنّ مسجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشرف من الغار ولقد جمع المؤمنين والكافرين والمنافقين ، وفي ذلك قوله عَزَّ وجَلَّ : ( فَمالِ الَّذينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعينَ * عَنِ الْيَمينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزينَ ) (١) . وأيضاً : فإنّ سفينة نوح عليه‌السلام قد جمعت النبي والشيطان والبهيمة ، والمكان لا يدلّ على ما أوجبت من الفضيلة ، فبطل وجهان .

وأمّا قولك : إنّه أضاف إليه بذكر الصحبة ، فإنّه أضعف من الفضلين الأوّلين ، لأنّ اسم الصحبة تجمع المؤمن والكافر ، والدليل على ذلك قول الله تعالى : ( قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ) (٢) . وأيضاً : فإنّ اسم الصحبة يُطلق بين العاقل وبين البهيمة ، والدليل على ذلك كلام العرب كما قيل :

إنّ الحمار مع الحمار مطية

فإذا خلوت به فبئس الصاحب

وأيضاً : فقد سمّوا الجماد مع الحي صاحباً قالوا ذلك في السيف ، فقالوا :

زرت هنداً وذاك غير اختيان

ومعي صاحب كتوم اللسان

يعني السيف ، فإذا كان اسم الصحبة تقع بين المؤمن والكافر وبين العاقل والبهيمة وبين الحيوان والجماد ، فأيّ حجّة لصاحبك فيه .

وأمّا قولك : إنه قال : ( لا تَحْزَنْ ) فإنّه وبال عليه ومنقصة له ، ودليل على خطئه ، لأنّ قوله : ( لا تَحْزَنْ ) نهي وصورة النهي قول القائل لا تفعل ، فلا يخلو إما أن يكون الحزن وقع من أبي بكر طاعة أو معصية ، فإن كان طاعة فإنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ـــــــــــــــــ

(١) المعارج : ٣٦ـ٣٧ .

(٢) الكهف : ٣٧ .


لا ينهى عن الطاعات بل يأمر بها ويدعو إليها ، وإن كان معصية فقد نهاه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنها ، وقد شهدت الآية بعصيانه بدليل أنّه نهاه .

وأمّا قولك : إنه قال ( إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ) فإنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخبر أن الله معه وعبّر عن نفسه بلفظ الجمع ، كقوله : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) (١) وقد قيل أيضاً في هذا : إنّ أبا بكر قال : يا رسول الله ، حزني على أخيك عليّ بن أبي طالب ما كان منه ، فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ) [أي] معي ومع أخي عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام .

وأمّا قولك : إن السكينة نزلت على أبي بكر فإنّه ترك للظاهر ، لأنّ الذي نزلت عليه السكينة هو الذي أيّده الله بالجنود ، وكذا يشهد ظاهر القرآن في قوله تعالى : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها ) (٢) فإن كان أبو بكر هو صاحب السكينة فهو صاحب الجنود ، وفي هذا إخراج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من النبوّة على أن هذا الموضع لو كتمته على صاحبك كان خيراً له ، لأنّ الله تعالى أنزل السكينة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في موضعين كان معه قوم مؤمنون فشركهم فيها .

فقال في أحد الموضعين : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى ) (٣) وقال في الموضع الآخر : ( ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها ) (٤) ولمّا كان في هذا الموضع خصّه وحده بالسكينة دلّ ذلك على أنه لم يكن عنده مؤمناً ، لأنّه لو كان عنده مؤمناً شركه معه بالسكينة كما شرك من كان معه من المؤمنين في الموضعين الأوّلين ، فدلّ

ـــــــــــــــــ

(١) الحجر : ٩ .

(٢) التوبة : ٤٠ .

(٣) الفتح : ٢٦ .

(٤) التوبة : ٢٦ .


إخراجه من السكينة على خروجه من الإيمان ، فلم يحر جواباً وتفرّق الناس (١) .

وأمّا صاحبه الثاني فقد حذا حذوه ، وزاد عليه فيما غيّر من حدود الله تعالى في الوضوء والأذان والإقامة والصلاة وسائر أحكام الدين .

أمّا الوضوء ، فقد قال عزّ من قائل : ( يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) (٢) فقد جعل سبحانه وتعالى للوضوء حدوداً أربعة ، حدّان منها غسل ، وحدّان منها مسح ، فلمّا قدم الثاني بعد الأوّل جعل المسح على الرجلين غسلاً وأمر الناس بذلك فاتّبعوه إلاّ فرقة الحق ، وأفسد على من اتّبعه وضوءه وصلاته لفساد الوضوء ، لأنّه على غير ما أمر الله (٣) من حدود الوضوء ، وأجاز أيضاً المسح على الخفّين من غير أمر من الله ورسوله .

وأمّا الأذان والإقامة فأسقط منهما وزاد فيهما ، أمّا الأذان فإنّه كان على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "حيّ على خير العمل" بإجماع العلماء وأهل المعرفة بالأثر والخبر (٤) ، فقال الثاني : ينبغي لنا أن نسقط "حيّ على خير العمل" من الأذان لئلاّ يتّكل الناس على الصلاة فيتركوا الجهاد ، فأسقط ذلك من الأذان والإقامة جميعاً لهذه العلّة بزعمه ، فقبلوا ذلك منه واتبعوه عليه (٥) .

فلزمهم في حقّ النظر أن يكون عمر قد أبصر من الرشد في ذلك ما لم يعلمه الله عَزَّ وجَلَّ ولا رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأنّ الله ورسوله قد أثبتا ذلك في الأذان

ـــــــــــــــــ

(١) الاحتجاج ٢ : ٦٠٧ ح٣٦١ ؛ عنه البحار ٢٧ : ٣٢٧ ح١ ؛ وأورده الكراجكي في كنز الفوائد : ٢٠٢ .

(٢) المائدة : ٦ .

(٣) في البحار : على غير ما أنزل الله به .

(٤) راجع في ذلك : سنن البيهقي ١ : ٢٥٤ـ٥٢٥ ؛ السيرة الحلبية ٢ : ١٠٥ ؛ ميزان الاعتدال ١ : ١٣٩ ؛ لسان الميزان ١ : ٢٦٨ ؛ البحار ٨٤ : ١٧٩ ح١١ ؛ عن دعائم الإسلام ١ : ١٤٥ .

(٥) راجع دعائم الإسلام ١ : ١٤٤ ؛ علل الشرائع ٢ : ٥٦ ؛ عنه البحار ٨٤ : ١٤٠ ح٣٤ ؛ الصراط المستقيم : ٢١ تتمّة الباب الثاني عشر .


والإقامة ولم يخافا على الناس ما خشيه عليهم عمر وقدّره فيهم ، ومن ظنّ ذلك وجهله لزمه الكفر ، فأفسد عليهم الأذان بذلك أيضاً لأنّه من تعمّد الزيادة أو النقيصة في فريضة أو سنّة فقد أفسدها .

ثمّ إنه بعد إسقاط ما أسقط من الأذان والإقامة من حيّ على خير العمل ، أثبت في بعض الأذان زيادة من عنده وذلك في صلاة الفجر ، زاد في الأذان "الصلاة خير من النوم" فصارت هذه البدعة عند من اتّبعه من السنن الواجبة لا يستحلّون تركها ، فبدعة الرجل عندهم معمورة متّبعة معمول بها ، يطالب من تركها بالقهر عليها ، وسنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندهم مهجورة مطرحة يضرب من استعملها ويقتل من أقامها .

وجعل أيضاً الإقامة فرادى فقال : ينبغي لنا أن نجعل بين الأذان والإقامة فرقاً بيّناً ، وكانت الإقامة على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبيلها كسبيل الأذان مثنى مثنى ، وكان فيها "حيّ على خير العمل" مثنى ، وكانت أنقص من الأذان بحرف واحد في آخرها ، لأنّ في آخر الأذان "لا إله إلاّ الله" مرّتين وفي آخر الإقامة مرّة واحدة ، وكان هذا هو الفرق فغيّره وجعل بينهما فرقاً من عنده .

فقد خالف الله ورسوله وزعم أنه قد أبصر من الرشد في ذلك ، وأضاف من الحق ما لم يعلمه الله ورسوله ، وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كلّ محدثة بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة ، وكلّ ضلالة في النار ولا شك أنه كلّ من ابتدع بدعة كان عليه وزرها ووزر العامل بها إلى يوم القيامة .

وأمّا الصلاة فقد أفسد من حدودها ما فيه الفضيحة والهتك لمذهبهم وهوانهم ، رووا أن تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم ، وأنّ الصلاة المفروضة على الحاضرين الظهر أربعاً ، والعصر أربعاً ، والمغرب ثلاثاً ، والعشاء الآخرة أربعاً لا سلام إلاّ في آخر التسليم في الرابعة ، وأجمعوا أنه من سلّم قبل التشهّد عامداً


متعمّداً فلا صلاة له وقد لزمه الإعادة ، وأنّه من سلّم في كلّ ركعتين من هذه الصلوات الأربع عامداً غير ناسٍ فقد أفسد صلاته ، وعليه الإعادة .

فاستنّ الرجل لهم التشهّد الأوّل والثاني ما أفسد صلاتهم وأبطل عليهم تشهّدهم ، فليس منهم أحد يتشهّد في صلاته قط ولا يصلّي من هذه الصلوات الأربع التي ذكرناها ، وذلك أنهم يصلّون ركعتين ثمّ يقعدون للتشهّد الأوّل ، فيقولون عوضاً عن التشهّد : "التحيّات لله ، الصلوات الطيّبات ، السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" .

فإذا قالوا ذلك فقد سلّموا أتمّ سلام وأكمله ، لأنّه إذا سلّم المصلّي على النبي وعلى نفسه وعلى عباد الله الصالحين لم يبق بعد هؤلاء من يجوز صرف التسليم إليه ، فإنّ عباد الله الصالحين في جملتهم الأوّلون والآخرون والجنّ والإنس والملائكة وأهل السماوات والأرض والأنبياء والأوصياء ، وجميع المرسلين من الأحياء والأموات ، ومن قد مضى ومن هو آت ، فحينئذٍ يكون المصلّي منهم قد قطع صلاته الأربع ركعات بسلامه هذا .

ثمّ يقول بعد التسليم : "أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله" والتشهّد هو الشهادتان ، والمصلّي منهم يأتي بالشهادتين بعد التسليم الذي ذكرناه منهم ، فلزم أنه ليس منهم أحد يتشهّد في الصلاة إذا كان التسليم موجباً للخروج من الصلاة ، ولا عبرة بالتشهّد بعد الصلاة ، فهذا بيان فضيحتهم ، وإبطال أصولهم ، وفساد مذاهبهم ، وهلاكهم وهلاك من استنّ بهم ، ومن يقتدي بهم إلى يوم القيامة .

ثمّ أتبع ذلك بقوله آمين عند الفراغ من قراءة سورة الحمد ، فصارت عند أوليائه سنّة واجبة حتّى إنّ من يتلقّن القرآن من الأعاجم وغيرهم وعوام الناس وجهالهم يلقنونهم من بعد قوله ( وَلاَ الضَّالِّينَ ) آمين ، فقد زيدوا آية في أم الكتاب ،


وصار عندهم من لم يأت بها في صلاته وغير صلاته كأنّه قد ترك آية من كتاب الله عَزَّ وجَلَّ .

وقد أجمع أهل النقل عن الأئمة عليهم‌السلام عن أهل البيت أنهم قالوا : من قال آمين في صلاته فقد أفسد صلاته وعليه الإعادة ، لأنّها عندهم كلمة سريانيّة معناها بالعربية : افعل ، كسبيل من يدعو بدعاء فيقول في آخره : اللّهمّ افعل ، ثمّ استنّ أولياؤه وأنصاره رواية متخرّصة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه كان يقول ذلك بأعلى صوته في الصلاة ، فأنكر أهل البيت ذلك ولما رأينا أهل البيت عليهم‌السلام مجمعين على إنكارها صحّ عندنا فساد أخبارهم فيها ، لأنّ الرسول صلوات الله عليه وآله حكم بالإجماع لئلاّ (١) نضلّ ما تمسّكنا بأهل بيته ، فتعيّن ضلالة من تمسّك بغيرهم .

وأمّا الدليل على خرص روايتهم أنهم مختلفون في الرواية ، فمنهم من يروي : إذا أمّن الإمام فأمّنوا ، ومنهم من يروي : إذا قال الإمام : ( وَلاَ الضَّالِّينَ ) فقولوا : آمين ، ومنهم من يروي رفع (٢) الصوت بها ، ومنهم من يروي الإخفات بها ، فكان هذا اختلافهم فيما وصفناه من هذه المعاني دليلاً واضحاً ـ لمن فهم ـ على تخرّص روايتهم .

ثمّ أتبع ذلك بفعل من أفعال اليهود ، وذلك عقد اليدين في الصدر إذا قاموا في الصلاة لأنّ اليهود تفعل في صلاتها ذلك ، فلمّا رآهم الرجل يستعملون ذلك استعمله هو أيضاً اقتداءً بهم ، وأمر الناس بفعل ذلك وقال : إن هذا تأويل قوله تعالى : ( وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتينَ ) (٣) يريد بزعمه التذلّل والتواضع .

ـــــــــــــــــ

(١) في البحار : أن لا نضلّ .

(٢) في البحار : ندب رفع الصوت .

(٣) البقرة : ٢٣٨ .


وممّا رووه عنه بلا خلاف أنه قال للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً : إنا لنسمع من اليهود أشياء فنستحسنها منهم فنكتب ذلك منهم ، فغضب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : أمتهوّدون (١) أنتم يا ابن الخطاب ؟! لو كان موسى حيّاً لم يسعه إلاّ اتّباعي (٢) .

ومن استحسن ذلك في حياة الرسول من قول اليهود فاستحسانه بعد فقد الرسول أولى ، وقد أنكر أهل البيت عليهم‌السلام ونهوا عنه نهياً مؤكّداً ، وحال أهل البيت ما شرحناه من شهادة الرسول لهم بإزالة الضلالة عنهم وعمّن تمسّك بهم .

فليس من بدعة ابتدعها هذا الرجل إلاّ أولياؤه متحفّظون بها ، مواظبون عليها وعلى العمل بها ، طاعنون على تاركها ، وكلّ تأديب الرسول الذي قد خالفه الرجل ببدعه فهو عندهم مطرح متروك مهجور ، يطعن على من استعمله وينسب عندهم إلى الأمور المنكرات .

ولقد رووا جميعاً أنّ الرسول قال : لا تبركوا في الصلاة كبرك البعير ، ولا تنقروا كنقر الديك ، ولا تقعوا كإقعاء الكلب ، ولا تلتفتوا كالتفات القرد ، فهم لأكثر ذلك فاعلون ، ولقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مخالفون ، فإذا أرادوا السجود بدءوا بركبهم فيطرحونها إلى الأرض قبل أيديهم ، وذلك منهم كبرك البعير على ركبتيه ، ويعملون (٣) ذلك جهالهم خلافاً على تأديب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا شأنهم في سائر أحكام الدين فلا نطول بذكرها الكتاب .

ولمّا أمر الله سبحانه نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسدّ أبواب الناس عن مسجد

ـــــــــــــــــ

(١) في البحار : أمتهوّكون ، والتهوّك : التحيّر .

(٢) راجع النهاية لابن الأثير ٥ : ٢٨٢ ؛ ولسان العرب ١٢ : ٤٠٠ ؛ على ما في تدوين السنّة : ٣٤٢ـ٣٤٦ .

(٣) في البحار : يعلّمون .


النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تشريفاً له وصوناً له عن النجاسة سوى باب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وباب عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، وأمره أن ينادي في الناس بذلك ، فمن أطاعه فاز وغنم ومن عصاه هلك وندم ، فأمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المنادي فنادى في الناس : الصلاة جامعة ، فأقبل الناس يهرعون .

فلمّا تكاملوا صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أيّها الناس إنّ الله سبحانه وتعالى قد أمرني بسدّ أبوابكم المفتوحة إلى المسجد ، وبعد يومي لا يدخله جنب ولا نجس فبذلك أمرني ربّي جلّ جلاله ، فلا يكن في نفس أحد منكم أمر ، ولا تقولوا : لِمَ ، وكيف ، وأنّى ذلك ، فتحبط أعمالكم وتكونوا من الخاسرين ، وإيّاكم والمخالفة والشقاق ، فإنّ الله تعالى أوحى إليّ أن أجاهد من عصاني وأنّه لا ذمّة له في الإسلام .

وقد جعلت مسجدي طاهراً من كلّ دنس ، محرماً على كلّ من يدخل إليه من هذه الصفة التي ذكرتها غير أنا ، وأخي عليّ بن أبي طالب ، وابنتي فاطمة ، وولدي الحسن والحسين ، كما كان مسجد هارون وموسى ، فإنّ الله أوحى إليهما أن اجعلا بيوتكما قبلةً لقومكما ، وإنّي قد بلّغتكم ما أمرني به ربّي وأمرتكم بذلك ، ألا فاحذروا الحسد والشقاق وأطيعوا الله طاعة يوافق فيها سرّكم علانيتكم ، واتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون .

فقال الناس بأجمعهم : سمعنا وأطعنا لله ولرسوله لا نخالف ما أُمرنا به ، ثمّ خرجوا وسدّوا أبوابهم جميعاً غير باب النبي وعليّ عليهما‌السلام ، فأظهر الناس الحسد والكلام ، فقال عمر : ما بال رسول الله يؤثر ابن عمّه عليّ بن أبي طالب علينا ، ويقول على الله الكذب ، ويخبر عن الله بما لم يقل في ابن أبي طالب ؟! وإنّما قول محمد محبّة لعليّ بن أبي طالب وإجابة إلى ما يريد ، فلو سأل الله ذلك لنا لأجابه ، وأراد عمر أن يكون له باب مفتوح إلى المسجد .


ولمّا بلغ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قول عمر وخوض القوم في الكلام أمر المنادي بالنداء إلى الصلاة جامعة ، فلمّا اجتمعوا قال لهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : معاشر الناس ، قد بلغني ما خضتم فيه وما قال قائلكم ، وإنّي أُقسم بالله العظيم أني لم أتقوّل على الله الكذب ، ولا كذبت فيما قلت ، ولا أنا سددت أبوابكم ، ولا أنا فتحت باب عليّ بن أبي طالب ، ولا أمرني في ذلك إلاّ الله عَزَّ وجَلَّ الذي خلقني وخلقكم أجمعين ، فلا تحاسدوا فتهلكوا ، ولا تحسدوا الناس على ما آتاهم الله من فضله فإنّه يقول في محكم كتابه : ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) (١) فاتّقوا الله وكونوا من الصابرين .

ثمّ صدّق الله سبحانه وتعالى رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنزول الكوكب من السماء على دار عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ـ وقد مرّ حديث النجم ـ وأنزل الله سبحانه قرآناً وأقسم فيه بالنجم تصديقاً لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (٢) الآيات كلّها ، وتلاها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يزدادوا إلاّ غضباً وحسداً ونفاقاً واستكباراً ، ثمّ تفرّقوا وفي قلوبهم من الحسد والنفاق ما لا يعلمه إلاّ الله سبحانه .

فلمّا كان بعد أيّام دخل عليه عمّه العباس فقال : يا رسول الله ، قد علمت ما بيني وبينك من القرابة والرحم الماسة ، وأنا ممّن يدين الله بطاعتك ، فاسأل الله تعالى أن يجعل لي باباً إلى المسجد أتشرّف بها على من سواي ، فقال له صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عمّ ليس إلى ذلك سبيل ، فقال : فميزاباً يكون من داري إلى المسجد أتشرّف به على القريب والبعيد .

ـــــــــــــــــ

(١) البقرة : ٢٥٣ .

(٢) النجم : ١ـ٤ .


فسكت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ وكان كثير الحياء لا يدري ما يعيد من الجواب خوفاً من الله تعالى وحياءً من عمّه العباس ـ فهبط جبرئيل عليه‌السلام في الحال على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ وقد علم الله تعالى من نبيّه إشفاقه بذلك ـ فقال : يا محمد ، إنّ الله يأمرك أن تجيب سؤال عمّك ، وأمرك أن تنصب له ميزاباً إلى المسجد كما أراد ، فقد علمت ما في نفسك ، وقد أجبتك إلى ذلك كرامةً لك ، ونعمةً منّي عليك وعلى عمّك العباس .

فكبّر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : أبى الله إلاّ إكرامكم يا بني هاشم وتفضيلكم على الخلق أجمعين ، ثمّ قام ومعه جماعة من الصحابة والعباس بين يديه حتّى صار على سطح العباس ، فنصب له ميزاباً إلى المسجد وقال : معاشر المسلمين ، إنّ الله قد شرّف عمّي العباس بهذا الميزاب فلا تؤذونني في عمّي فإنّه بقيّة الآباء والأجداد ، فلعن الله من آذاني في عمّي وبخسه حقّه أو أعان عليه .

ولم يزل الميزاب على حاله مدّة أيام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخلافة أبي بكر ، وثلاث سنين من خلافة عمر بن الخطاب ، فلمّا كان في بعض الأيام وعك العباس ومرض مرضاً شديداً ، وصعدت الجارية تغسل قميصه ، فجرى الماء من الميزاب إلى صحن المسجد ، فنال بعض الماء مرقعة الرجل ، فغضب غضباً شديداً وقال لغلامه : اصعد واقلع الميزاب ، فصعد الغلام فقلعه ورمى به إلى سطح العباس ، وقال : والله ، لإن ردّه أحد إلى مكانه لأضربنّ عنقه .

فشقّ ذلك على العباس ودعا بولديه عبد الله وعبيد الله ، ونهض يمشي متوكّئاً عليهما وهو يرتعد من شدّة المرض ، وسار حتّى دخل على أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فلمّا نظر إليه أمير المؤمنين عليه‌السلام انزعج لذلك وقال : يا عم ، ما جاء بك وأنت على هذه الحالة ؟ فقصّ عليه القصة وما فعل معه عمر من قلع الميزاب ، وتهدده من يعيده إلى مكانه وقال له : يا ابن أخي إنّه كان لي عينان أنظر بهما فمضت


إحداهما وهي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبقيت الأخرى وهي أنت يا عليّ ، وما أظنّ أني أُظلم ويزول ما شرّفني به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنت لي ، فانظر في أمري .

فقال له : يا عمّ ، ارجع إلى بيتك فسترى منّي ما يسرّك إن شاء الله تعالى ، ثمّ نادى : يا قنبر عليّ بذي الفقار ، فتقلّده ثمّ خرج إلى المسجد والناس حوله ، وقال : يا قنبر ، اصعد فردّ الميزاب إلى مكانه ، فصعد قنبر فردّه إلى موضعه ، وقال عليّ عليه‌السلام : وحقّ صاحب هذا القبر والمنبر لئن قلعه قالع لأضربنّ عنقه وعنق الآمر له بذلك ، ولأصلبنّهما في الشمس حتّى يتقدّدا .

فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فنهض ودخل المسجد ، ونظر إلى الميزاب وهو في موضعه فقال : لا يُغضِب أحد أبا الحسن فيما فعله ونكفّر عنه عن اليمين ، فلما كان من الغداة مضى أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى عمّه العباس فقال له : كيف أصبحت يا عمّ ؟ قال : بأفضل النعم ما دمت لي يا ابن أخي ، فقال : يا عم ، طب نفساً فوالله لو خاصمني أهل الأرض في الميزاب لخصمتهم ، ثمّ لقتلتهم بحول الله وقوّته ، ولا ينالك ضيم يا عمّ ، فقام العباس فقبّل بين عينيه وقال : يا ابن أخي ، ما خاب من أنت ناصره .

فكان هذا فعل عمر بالعباس عمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد قال في غير موطن وصيّة منه في أن عمّه العباس بقية الآباء والأجداد فاحفظوني فيه ، كلّ في كنفي وأنا في كنف عمّي العباس ، فمن آذاه فقد آذاني ومن عاداه فقد عاداني ، سلمه سلمي وحربه حربي وقد آذاه عمر في ثلاث مواطن ظاهرة غير خفيّة :

منها : قصة الميزاب ولولا خوفه من عليّ لم يتركه على حاله .

ومنها : أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل الهجرة خرج يوماً إلى خارج مكة ورجع طالباً منزله ، فاجتاز بمناد ينادي من بني تيم ، وكان لهم سيد يسمّى عبد الله


بن جذعان ، وكان يعدّ من سادات قريش وأشياخهم ، وكان له منادية ينادون في شعاب مكة وأوديتها : من أراد الضيافة والقرى فليأت مائدة عبد الله بن جذعان ، وكان مناديه أبو قحافة وأُجرته أربعة دوانيق ، وله مناد آخر ينادي فوق سطح داره .

فأُخبر عبد الله بن جذعان بجواز النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على بابه ، فخرج يسعى حتّى لحق به وقال : يا محمد ، بالبيت الحرام إلاّ ما شرّفتني بدخولك إلى منزلي وتحرّمك بزادي ، وأقسم عليه بربّ البيت والبطحاء وبشيبة عبد المطلب ، فأجابه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى ذلك ودخل منزله وتحرّم بزاده ، فلمّا خرج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج معه ابن جذعان مشيّعاً له ، فلمّا أراد الرجوع عنه قال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي أحب أن تكون غداً ضيفي أنت وتيم وأتباعها وحلفاؤها عند طلوع الغزالة .

ثمّ افترقا ومضى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى دار عمّه أبي طالب وجلس متفكّراً فيما وعده لعبد الله بن جذعان ، إذ دخلت عليه فاطمة بنت أسد زوجة عمّه أبي طالب ، وكانت هي مربيته وكان يسمّيها أمي ، فلمّا رأته مهموماً قالت : فداك أبي وأمي ما لي أراك مهموماً ، أعارضك أحد من أهل مكة ؟! فقال : لا ، فقالت : فبحقّي عليك إلاّ ما أخبرتني بحالك ، فقصّ عليها قصة ابن جذعان وما قال له وما وعده من الضيافة ، فقالت : يا ولدي لا يضيق صدرك مع إتيان عمّك يقوم لك بكلّ ما تريد .

فبينما هما في الحديث إذ دخل أبو طالب رضي الله عنه فقال لزوجته : فيما أنتما ؟ فأعلمته بذلك كلّه وبما قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لابن جذعان ، فضمّه إلى صدره وقبّل ما بين عينيه وقال : يا ولدي بالله عليك لا يضيق صدرك من ذلك ، في نهار غد أقوم لك بجميع ما يُحتاج إليه إن شاء الله ، وأصنع وليمة تتحدّث بها الركبان


في سائر البلدان ، وعزم على وليمة تعمّ سائر القبائل ، وقصد نحو أخيه العباس ليقترض من ماله شيئاً يضمّه إلى ماله ، فوجد بني عبد المطلب في الطريق فأقرضوه من الجمال والذهب ما يكفيه ، فرجع عن القصد إلى أخيه العباس وآثر التخفيف عنه .

فبلغ أخاه العباس ذلك وعظم عليه رجوعه عن القصد إليه ، فأقبل إلى أخيه أبي طالب وهو مغموم كئيب ، فسلّم عليه فقال له أبو طالب : ما لي أراك حزيناً كئيباً ؟ فقال : بلغني أنّك قصدتني في حاجة ثمّ بدا لك عنها فرجعت من الطريق ، فما هذا الحال؟

فقصّ عليه القصة إلى آخرها ، فقال له العباس : الأمر إليك وإنّك لم تزل أهلاً لكلّ مكرمة وموئلاً لكلّ نائبة ، ثمّ جلس عنده ساعة وقد أخذ أبو طالب فيما يحتاج إليه من آلة الطبخ وغير ذلك ، فقال له العباس : يا أخي ولي إليك حاجة ، فقال أبو طالب : هي مقضيّة فاذكرها ، فقال العباس : أقسمت عليك بحقّ البيت وبشيبة الحمد إلاّ ما قضيتها ، فقال : لك ذلك ولو سألت النفس والولد ، فقال : تهب لي هذه المكرمة تشرّفني بها ، فقال : قد أجبتك إلى ذلك مع ما أصنعه أنا .

فنحر العباس الجزر ، ونصب القدور ، وعقد الحلاوات ، وسوّى المشويّ ، وأكثر من الزاد فوق ما يراد ، ونادى في سائر الناس ، فاجتمع أهل مكة ، وبطون قريش ، وسائر العرب على اختلاف طبقاتها يهرعون من كلّ مكان حتّى كأنّه عيد الله الأكبر ، ونصب للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منصباً عالياً وزينة بالدر والياقوت والثياب الفاخرة ، وبقى الناس معجبون من حسن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووقاره وعقله وكماله ، وضوءه يعلو على ضوء الشمس ، وتفرّق الناس مسرورين قد أخذوا في الخطب والأشعار ومدح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهله وعشيرته على حسن ضيافتهم ، وكانت يد العباسرحمه‌الله عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اليد


العليا .

فلمّا تكامل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبلغ أشدّه وتزوّج خديجة ، وأوحى الله إليه ، وأنبأه وأرسله إلى سائر العرب والعجم ، وأظهره على المشركين وفتح مكة ودخلها مؤيّداً منصوراً ، وقتل من قتل وبقي من بقي ، أوحى الله إليه : يا محمد ، إنّ عمّك العباس له عليك يدٌ سابقة وجميل متقدّم ، وهو ما أنفق عليك في وليمة عبد الله بن جذعان ، وهو ستّون ألف دينار مع ما له عليك في سائر الأزمان ، وفي نفسه شهوة من سوق عكاظ فامنحه إيّاه في مدّة حياته ، ولولده بعد وفاته .

[فأعطاه ذلك] (١) ثمّ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ألا لعنة الله على من عارض عمّي العباس في سوق عكاظ أو نازعه فيه ، ومن أخذه منه فأنا بريء منه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، فلم يكترث عمر بذلك وحسد العباس على دخل سوق عكاظ ، وغصبه منه ولم يزل العباس متظلّماً منه عليه إلى حين وفاته .

ومنها : أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان جالساً في مسجده يوماً وحوله جماعة من الصحابة ، إذ دخل عليه عمّه العباس ـ وكان رجلاً صبيحاً حسناً حلو الشمائل ـ فلمّا رآه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام إليه واستقبله وقبّل ما بين عينيه ، ورحّب به وأجلسه إلى جانبه ، وجعل يفديه بأبيه وأمه ، فجعل العباس يقول :

من قبلها كنت في الظلال(٢) وفي

مستودع حين يخصف الورق

ثمّ هبطت(٣) البلاد لا بشر

أنت ولا نطفة ولا علق

بل حجة تركب السفين وقد

ألجم براً وأهله الغرق

وخضت نار الكثيب مكتتماً

تجول فيها وليس تحترق

ـــــــــــــــــ

(١) أثبتناه من البحار .

(٢) في "ألف" : الضلال .

(٣) كذا الظاهر ، وفي "ألف" و "ب" : هبطن .


من صلب طاهر إلى رحم

إذا بدا عالم به طبق

وأنت لما ولدت أشرقت الأرض

وتلألأ بنورك الأفق

ونحن في ذلك الضياء على النـ

ـور وسبيل الرشاد نحترق

فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : جزاك الله يا عمّ خيراً ومكافاتك على الله عَزَّ وجَلَّ ، ثمّ قال : معاشر الناس ، احفظوني في عمّي العباس وانصروه ولا تخذلوه ، ثمّ قال : يا عمّ ، اطلب منّي شيئاً أتحفك به على سبيل الهدية ، فقال : يا ابن أخي أريد من الشام الملعب ، ومن العراق الحيرة ، ومن هجر الخط ـ وكانت هذه المواضع كثيرة العمارة ـ فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حبّاً وكرامة .

ثمّ دعا عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام فقال : اُكتب لعمّك العباس هذه المواضع ، فكتب له أمير المؤمنين عليه‌السلام كتاباً بذلك وأملا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على عليّ ، وأشهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الجماعة الحاضرين ، وختمه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخاتمه وقال : يا عم ، إن يفتح الله لي هذه المواضع فهي لك هبة من الله ورسوله ، وإن فتحت بعد موتي فإنّي أوصي الذي ينظر بعدي في الأمة وآمر بتسليم هذه المواضع إليك .

ثمّ قال : معاشر المسلمين ، إنّ هذه المواضع المذكورة لعمّي العباس ، فعلى من يغير عليه أو يبدل أو يمنعه أو يظلمه لعنة الله ولعنة اللاّعنين ثمّ ناوله الكتاب ، فلمّا ولي عمر وفتح هذه المواضع المذكورة أقبل إليه العباس بالكتاب ، فلمّا نظر فيه دعا رجلاً من أهل الشام وسأله عن الملعب ، فقال : يزيد ارتفاعه على عشرين ألف درهم ، ثمّ سأل عن النواحي الأخر ، فذكر له أن ارتفاعها يقوم بمال كثير ، فقال : يا أبا الفضل ، إنّ هذا مال كثير لا يجوز لك أخذه من دون المسلمين ، فقال العباس : هذا كتاب رسول الله يشهد لي بذلك قليلاً أو كثيراً ، فقال عمر : لا والله إن كنت تساوي المسلمين في ذلك وإلاّ فارجع من حيث أتيت .


فجرى بينهما كلام كثير غليظ ، فغضب عمر وكان سريع الغضب ، وأخذ الكتاب من العباس ومزّقه وتفل فيه ، ورمى به وجه العباس وقال : والله لو طلبت منّي جنّة واحدة ما أعطيتك .

فأخذ العباس بقية الكتاب وعاد إلى منزله حزيناً كئيباً باكياً شاكياً إلى الله تعالى وإلى رسوله ، فصاح العباس بالمهاجرين والأنصار ، فغضبوا لذلك وقالوا : يا عمر ، تخرق كتاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتلقى به إلى الأرض ، هذا شيء لا نصبر عليه ، فخاف عمر أن ينخرم عليه الأمر فقال : قوموا بنا إلى العباس نسترضيه ونفعل معه ما يصلحه .

فنهضوا بأجمعهم إلى دار العباس ، فوجدوه موعوكاً لشدّة ما لحقه من الغبن والألم والظلم ، فقال : نحن في الغداة عائدوه إن شاء الله ومعتذرون إليه من فعلنا ، فمضى غد وبعد غد ولم يعد إليه ولا اعتذر منه ، ثمّ فرّق الأموال على المهاجرين والأنصار ، وبقى كذلك إلى أن مات .

ولو أخذنا في ذكر أفعاله لطال الكتاب ، وهذا القدر فيه عبرة لأُولي الألباب .

وأمّا صاحبهما الثالث فقد استبدّ أيضاً بأخذ الأموال ظلماً على ما تقدّم به الشرح في صاحبيه ، واختصّ بها مع أهل بيته من بني أمية دون المسلمين ، فهل يستحلّ هذا أو يستجيزه مسلم ، ثمّ إنّه ابتدع أشياء أخر :

فمنها : أنّه منع المراعي من الجبال والأودية وحماها حتّى أخذ عليها مالا باعها به من المسلمين (١) .

ومنها : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفى الحكم بن أبي العاص عمّ عثمان عن المدينة وطرده من جواره ، فلم يزل طريداً من المدينة ومعه ابنه مروان أيّام

ـــــــــــــــــ

(١) راجع السيرة الحلبية ٢ : ٧٨ ، وتاريخ الخميس ٢ : ٢٦٢ ، تاريخ الخلفاء : ١٦٤ ، شرح النهج لابن أبي الحديد ١ : ١٣٥ .


رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأيّام أبي بكر وأيّام عمر يسمّى (طريد رسول الله) ، حتّى استولى عثمان فردّه إلى المدينة وآواه ، وجعل ابنه مروان كاتبه وصاحب تدبيره في داره (١) .

فهل هذا منه إلاّ خلافاً على رسول الله ومضادة لفعله ؟ وهل يستجيز هذا الخلاف على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمضادة لأفعاله إلاّ خارج عن الدين بريء من المسلمين ؟ وهل يظنّ ذو فهم أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طرد الحكم ولعنه وهو مؤمن ، وإذا لم يكن مؤمناً فما الحال التي دعت عثمان إلى ردّه والإحسان إليه وهو رجل كافر ، لولا انّه تعصّب لرحمه ولم يفكّر في دينه ، فحقّت عليه الآية قوله تعالى : ( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) (٢) .

ومنها : أنّه جمع ما كان عند المسلمين من صحف القرآن ، وطبخه بالماء على النار وغسلها ورمى بها إلاّ ما كان عند ابن مسعود ، فإنّه امتنع من الدفع إليه ، فأتى إليه فضربه حتّى كسر منه ضلعين ، وحمل من موضعه ذلك فبقى عليلاً حتى مات .

وهذه بدعة عظيمة ، لأنّ تلك الصحف إن كان فيها زيادة عمّا في أيدي الناس وقصد لذهابه ومنع الناس منه فقد قصد إلى إبطال بعض كتاب الله ، وتعطيل بعض شريعته ، ومن قصد إلى ذلك فقد حقّ عليه قوله تعالى : ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (٣) .

هذا مع ما يلزمه أنّه لم يترك ذلك ويطرحه تعمّداً إلاّ وفيه ما قد كرهه ، ومن

ـــــــــــــــــ

(١) الإصابة ١ : ٣٤٥ ، أُسد الغابة ٢ : ٣٣ ، المعارف لابن قتيبة : ٨٣ ، تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٥٤ ، الملل والنحل للشهرستاني ١ : ٢٦ ، السيرة الحلبية ٢ : ٧٦ .

(٢) المجادلة : ٢٢ .

(٣) البقرة : ٨٥ .


كره ما أنزل الله في كتابه حبط جميع عمله ، كما قال الله تعالى : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) (١) فإن لم تكن في تلك الصحف زيادة عمّا في أيدي الناس فلا معنى لما فعله .

ومنها : أن عمار بن ياسر قام يوماً في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعثمان يخطب على المنبر ، فوبّخ عثمان بشيء من أفعاله ، فنزل عثمان إليه فركله برجله وألقاه على قفاه وجعل يدوس على بطنه ويأمر أعوانه بذلك حتّى غشي على عمّار ، وهو يفتري على عمّار ويشتمه ، وقد رووا جميعاً أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : الحق مع عمار يدور معه حيث ما دار (٢) وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا افترق الناس يميناً وشمالاً فانظروا الفرقة التي فيها عمار فاتّبعوها ، فإنّه يدور مع الحق حيث دار ، فلا يخلو حال ضربه لعمار من أمرين ، أحدهما : أنّه يزعم أن ما قال عمار وما فعل باطل ، وهذا ممّا فيه تكذيب لقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث قال : الحقّ مع عمار ، فثبت أن يكون ما قاله عمّار حقّاً كرهه عثمان فضربه عليه .

ومنها : ما فعل بأبي ذر حين نفاه عن المدينة إلى الربذة مع إجماع الأمة في الرواية أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ما أقلّت الغبراء وما أظلّت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر (٣) ورووا أنّه قال : إن الله عَزَّ وجَلَّ أوحى إليّ أنّه يحبّ أربعة من أصحابي وأمرني بحبّهم ، فقيل : من هم يا رسول الله؟ قال : عليّ سيّدهم ، وسلمان ، والمقداد ،

ـــــــــــــــــ

(١) محمد : ٩ .

(٢) الاستيعاب بهامش الإصابة ٢ : ٤٨٠ ، البحار ٤٤ : ٣٥ ح١ .

(٣) الإصابة ٤ : ٦٤ ، وفي هامشها الاستيعاب ١ : ٢١٦ ، مستدرك الحاكم ٤ : ٦٤ ، أسد الغابة ١ : ٣٠١ ، التاج الجامع للأصول ٣ : ٤٠٤ ، نهج الحق : ٣٠٠ .


وأبو ذر (١) .

فحينئذٍ ثبت أنّ أبا ذر أحبّه الله وأحبّه رسوله ، ومحال عند ذي الفهم أن يكون الله ورسوله يحبّان رجلاً وهو يجوز أن يفعل فعلاً يستوجب به النفي عن حرم الله وحرم رسوله ، ومحال أيضاً أن يشهد رسول الله لرجل أنّه ما على وجه الأرض ولا تحت السماء أصدق منه ثمّ يقول باطلاً ، فتعيّن أن يكون ما فعله وما قاله حقّاً كرهه عثمان فنفاه عن الحرمين ، ومن كره الحق ولم يحبّ الصدق فقد كره ما أنزل الله في كتابه ، لأنّه تعالى أمر بالكون مع الصادقين فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (٢) .

ومنها : أن عبد الله بن عمر بن الخطاب لمّا ضرب أبو لؤلؤة عمر الضربة التي مات فيها سمع قوماً يقولون : قتل العلج أمير المؤمنين ، فقدّر أنهم يعنون الهرمزان ـ رئيس فارس ـ وكان قد أسلم على يد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، ثمّ أعتقه من قسمه من الفيء ، فبادر إليه عبد الله بن عمر فقتله قبل أن يموت عمر ، فقيل لعمر : إن عبد الله بن عمر قد قتل الهرمزان ، فقال : أخطأ فإنّ الذي ضربني أبو لؤلؤة وما كان للهرمزان في أمري صنع ، وإن عشت احتجت أن أقيّده به ، فإنّ عليّ بن أبي طالب لا يقبل منّا الدية وهو مولاه .

فمات عمر واستولى عثمان على الناس بعده ، فقال عليّ عليه‌السلام لعثمان : إن عبد الله بن عمر قتل مولاي الهرمزان بغير حق وأنا وليّه والطالب بدمه سلّمه لأقيّده به ، فقال عثمان : بالأمس قتل عمر وأقتل ابنه أورد على آل عمر ما لا قوام لهم به ، وامتنع من تسليمه إلى عليّ شفقة منه بزعمه على آل عمر ، فلمّا رجع الأمر إلى عليّ عليه‌السلام هرب منه عبد الله بن عمر إلى الشام فصار مع معاوية ، وحضر

ـــــــــــــــــ

(١) كنز العمال ١١ : ٦٤٣ ح٣٣١٢٧ .

(٢) التوبة : ١١٩ .


يوم صفين مع معاوية محارباً لأمير المؤمنين عليه‌السلام ، فقتل في معركة الحرب ووجد متقلّداً بسيفين يومئذٍ (١) .

فانظروا يا أهل الفهم في أمر عثمان كيف عطّل حدّاً من حدود الله لا شبهة فيه شفقة منه بزعمه على آل عمر ، ولم يشفق على نفسه من عقوبة تعطيل حدود الله ومخالفته ، وأشفق على آل عمر في قتل من أوجب الله قتله ، وأمر به رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ومنها : أنّه عمد إلى صلاة الفجر فنقلها من أوّل وقتها في حين طلوع الفجر ، فجعلها بعد الإسفار وإظهار ضياء النهار ، واتبعه أكثر الناس إلى يومنا هذا ، وزعم أنّه فعله ذلك إشفاقاً منه على نفسه في خروجه إلى المسجد خوفاً أن يقتل في غلس الفجر كما قتل عمر ، وذلك أن عمر كان قد جعل لنفسه سرباً تحت الأرض من بيته إلى المسجد ، وكان يخرج من منزله في وقت الفجر في ذلك السرب إلى المسجد ، فقعد أبو لؤلؤة في السرب فضربه بخنجره في بطنه ، فلمّا ولي عثمان أخّر صلاة الفجر إلى الإسفار .

فعطّل وقت فريضة الله وحمل الناس على صلاتها في غير وقتها ، لأنّ الله سبحانه قال : ( أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ) (٢) يعني ظلمته ، ثمّ قال : ( وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ) (٣) والفجر هو أوّل ما يبدأ من المشرق في الظلمة وعنده تجب الصلاة ، فإذا علا في الأفق وانبسط الضياء وزالت الظلمة صار صبحاً وزال عن أن يكون فجراً .

ودرج على هذه البدعة أولياؤه ، ثمّ تخرّص بنو أمية بعده أحاديث أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غلس بالفجر وأسفر بها ، وقال للناس : اسفروا بها أعظم

ـــــــــــــــــ

(١) راجع في ذلك شرح النهج لابن أبي الحديد ١ : ٢٤٢ ، تاريخ الخميس ٢ : ٢٧٣ ، الإصابة ١ : ٦١٩ ، تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٥٣ ، نهج الحق : ٣٠١ .

(٢و٣) الإسراء : ٧٨ .


لأجركم ، فصار المصلّي للفجر في وقتها من طلوع الفجر عند كثير من أوليائهم مبتدعاً ، ومن ابتدع بدعة عثمان فهو على السنّة ، فما أعجب أحوالهم وأشنعها .

ثمّ ختم بدعه بأنّ أهل مصر شكوا من عامله وسألوه أن يصرفه عنهم ، أو يبعث رجلاً ناظراً بينهم وبينه ، فوقع الاختيار على محمد بن أبي بكر يكون ناظراً ، وكان محمد ممّن يشير بالحق ويأمر به وينهى عن مخالفته ، فثقل أمره على عثمان وكاده وبقي حريصاً على قتله بحيلة ، فلمّا وقع الاختيار عليه أن يكون ناظراً بين أهل مصر وعامله خرج معهم ، وكتب عثمان في عقب خروجه إلى عامله بمصر يأمره بقتل محمد بن أبي بكر إذا صار إليه ، ودفع الكتاب إلى عبد من عبيده .

فركب العبد راحلته وسار نحو مصر بالكتاب مسرعاً ليدخل مصر قبل دخول محمد بن أبي بكر ، فقيل : إنّ العبد مرّ يركض بحيث نظر إليه القوم الذين مع محمد بن أبي بكر ، فأخبروا محمداً بذلك ، فبعث خلفه خيلاً فأخذوه وارتاب به محمد ، فلمّا ردّوه إليه وجد الكتاب معه ، فقرأه وانصرف راجعاً مع القوم والعبد والراحلة معهم ، فصاروا إلى عثمان في ذلك فقال : أمّا العبد فعبدي ، والراحلة راحلتي ، وختم الكتاب ختمي ، وليس الكتاب كتابي ، ولا أمرت به .

وكان الكتاب بخطّ مروان فقيل له : إن كنت صادقاً فادفع إلينا مروان فهذا خطّه وهو كاتبك ، فامتنع عليهم فحاصروه وكان ذلك سبب قتله ، فهذه جملة يسيرة من بدع القوم ممّا يقرّ بها أولياؤهم ، فسحقاً لهم وبُعداً (١) .

ثمّ ما أغفلهم عن قوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ) (٢) .

وقال عَزَّ وجَلَّ : ( وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) (٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) عنه البحار ٣٠ : ٣٤٧ ح١٦٤ .

(٢) النحل : ٩٠ .

(٣) النحل : ٩٠ .


وقال عزّ من قائل : ( وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (١) .

وقال تعالى : ( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ) (٢) .

وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : السلطان العادل ظلّ الله في أرضه (٣) .

وقال عليه‌السلام : عدل ساعة تعدل عبادة سبعين سنة بعد أداء الفرائض (٤) .

وافتخر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بولادته في زمان أنوشيروان العادل مع كفره ، بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ولدت في زمن الملك العادل أنوشيروان ، ويكفيهم ما أعدّ الله تعالى للظالمين من النكال وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة ، فقال : ( وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) (٥) .

وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من ولّى أمور سبعة من المسلمين ولم يعدل فيهم ، جعل الله رأسه ورجليه في ثقب فأس من نار حتّى يفرغ من حساب الخلائق .

ويكفي في التنبيه على فضيلة العدل حال فرعون وموسى عليه‌السلام ، فإنّ الله عَزَّ وجَلَّ أنعم عليه بجميع أنواع النعم من الأمن والصحة والملك إلى غير ذلك من النعم ، وقابل على ذلك بأبلغ مراتب الكفر وأنهى أحوال الشرك ، وهو ادَّعى الربوبيّة مع نفيها عنه تعالى ، كما حكى عنه سبحانه وتعالى : ( مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) (٦) .

ـــــــــــــــــ

(١) الأنعام : ١٥٢ .

(٢) النحل : ٩٠ .

(٣) راجع كنز العمال ٦ : ٦ ح١٤٥٨٩ نحوه .

(٤) راجع الترغيب والترهيب ٣ : ١٦٧ ح٦ ، وفيه : عدل ساعة أفضل من عبادة ستين سنة .٥ـ البقرة : ٢٧٠ .

(٥) القصص : ٣٨ .


ثمّ بعث إليه أنبياءه ورسله الذين هم أخصّ خلقه وأقربهم إليه ليعظوه ويزجروه عن ذلك ، فغلظ عليهما في الكلام وخاطبهما بما يخاطب به العوام ، فرجعا إليه تعالى وشكيا منه ، فقال لهما الحكيم الكريم جلّ جلاله : ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) (١) وبقي موسى يدعو عليه أربعين سنة فلا يُستجاب له ، فخاطب الله تعالى في ذلك ، فقال جلّ جلاله : يا موسى ، ما دام آمناً لعبادي ، عامراً لبلادي ، لم أجب فيه دعوة منادٍ .

وقال تعالى : ( وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ) (٢) والقاسط الجائر والمقسط العادل ، يقال : أقسط إذا عدل وقسط إذا جار ، وقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : يؤتى يوم القيامة بالحاكم الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في نار جهنّم ، فيدور فيها كما تدور الرحاء ، ثمّ يرتبط في قعرها .

وقال الصادق عليه‌السلام في تفسير قوله تعالى : ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) (٣) قال : قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة (٤) .

وقال بعض الحكماء : السلطان الجائر الذي يغصب مال رعيّته كمن يأخذ التراب من أساس داره ويبني به عاليها وكان كسرى قد فتح بابه ، ورفع حجابه ، وبسط إذنه لكلّ واصل إليه ، فقال له رسول ملك الروم : لقد أقدرت عليك عدوّك بفتح بابك ورفع حجابك ، فقال : أتحصّن من عدوّي بعدلي ، إنّما انتصبت هذا المنصب وجلست هذا المجلس لقضاء الحاجات ، وإذا لم تصل الرعية إليّ فمتى أقضي الحاجة وأكشف الظلامة ؟!

وروى المظفري في تاريخه قال : لمّا حجّ المنصور في سنة أربع وأربعين ومئة

ـــــــــــــــــ

(١) طه : ٤٤ .

(٢) الجن : ١٥ .

(٣) الفجر : ١٤ .

(٤) الكافي ٢ : ٣٣١ ح ٢ ؛ عنه البحار ٧٥ : ٣٢٣ ح ٥٤ .


نزل بدار الندوة وكان يطوف ليلاً ولا يشعر به ، فإذا طلع الفجر صلَّى بالناس وراح في موكبه إلى منزله ، فبينما هو ذات ليلة يطوف إذ سمع قائلاً يقول : اللّهمّ إنّا نشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض ، وما يحول بين الحق وبين أهله من الظلم .

قال : فملأ المنصور مسامعه منه ثمّ استدعاه فقال له : ما الذي سمعته منك ؟ قال : إن أمنتني على نفسي نبأتك بالأمور من أصلها ، قال : أنت آمن على نفسك ، قال : أنت الذي دخله الطمع حتّى حال بينه وبين الحق ، وسبب حصول ما ظهر في الأرض من البغي والفساد ؛ فإنّ الله سبحانه وتعالى استرعاك أمور المسلمين فأغفلتها ، وجعلت بينك وبينهم حجاباً وحصوناً من الجص والآجر ، وأبواباً من الحديد ، وحجبة معهم السلاح ، واتّخذت وزراء ظلمة ، وأعواناً فجرة ، إن أحسنت لا يعينوك وإن أسأت لا يردّوك ، وقويتهم على ظلم الناس ولم تأمرهم بإعانة المظلوم والجائع والعاري ، فصاروا شركاؤك في سلطانك ، وصانعهم العمال بالهدايا خوفاً منهم فقالوا : هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه ، فاختزنوا الأموال وحالوا بين المتظلّم ودونك ، فامتلأت بلاد الله فساداً وبغياً وظلماً ، فما بقي الإسلام وأهله على هذا وقد كنت أسافر إلى بلاد الصين وبها ملك قد ذهب سمعه فجعل يبكي ، فقال له وزراؤه : ما يبكيك ؟ فقال : لست أبكي على ما نزل من ذهاب سمعي ، ولكن لمظلوم يصرخ بالباب ولا أسمع نداءه ، ولكن إن كان سمعي قد ذهب فبصري باق ، نادوا في الناس : لا يلبس ثوب أحمر إلاّ مظلوم ، فكان يركب الفيل في كلّ طرف نهار هل يرى مظلوماً فلا يجده هذا وهو مشرك بالله وقد غلبت رأفته بالمشركين على شحّ نفسه ، وأنت مؤمن بالله وابن عمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شحّ نفسك ، فإنّك لا تجمع المال إلاّ لواحدة من ثلاث ، إن قلت : إنّك تجمع لولدك


فقد أراك الله تعالى الطفل الصغير يخرج من بطن أمه لا مال له فيعطيه الله ، فلست بالذي تعطيه بل الله سبحانه الذي يعطي ، وإن قلت : أجمعها لتشييد سلطاني ، فقد أراك الله القدير عبراً في الذين تقدّموا ما أغنى عنهم ما جمعوا من الأموال ، ولا ما أعدّوا من السلاح ، وإن قلت : أجمعها لغاية هي أحسن من الغاية التي أنا فيها ، فوالله ما فوق ما أنت فيه منزلة إلاّ العمل الصالح يا هذا ! هل تعاقب من عصاك إلاّ بالقتل ؟! فكيف تصنع بالله الذي لا يعاقب إلاّ بأليم العذاب ، وهو يعلم منك ما أضمره قلبك وعقدت عليه جوارحك ، فماذا تقول إذا كنت بين يديه للحساب عرياناً ؟! هل يغني عنك ما كنت فيه شيئاً؟! .

قال : فبكى المنصور بكاءً شديداً وقال : يا ليتني لم أُخلق ولم أكُ شيئاً ، ثمّ قال : ما الحيلة فيما حولت ؟ قال : عليك بالأعلام العلماء الراشدين ، قال : فرّوا منّي ، قال : فرّوا منك مخافة أن تحملهم على ظهر من طريقتك ، ولكن افتح الباب ، وسهّل الحجاب ، وخُذ الشيء ممّا حلّ وطاب ، وانتصف للمظلوم من الظالم ، وأنا ضامن عمّن هرب منك أن يعود إليك فيعاونك على أمرك .

فقال المنصور : اللّهمّ وفّقني لأن أعمل بما قال هذا الرجل ، ثمّ حضر المؤذّنون وأقاموا الصلاة ، فلمّا فرغ من صلاته قال : عليّ بالرجل ، فطلبوه فلم يجدوا له أثراً ، فقيل : إنّه كان الخضر عليه‌السلام (١) .

وأمّا الإحسان فهو التفضّل والمعروف ، قال الله تبارك وتعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (٢) ، وقال جلّ جلاله : ( وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ) (٣) .

ـــــــــــــــــ

(١) عنه البحار ٧٥ : ٣٥١ ح٦٠ .

(٢) البقرة : ١٩٥ .

(٣) القصص : ٧٧ .


وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : صنائع المعروف تقي مصارع السوء (١) .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : البيوت التي يسار فيها المعروف تضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خياركم سمحاؤكم .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الخلق كلّهم عباد الله فأحبّ خلقه إليه أنفعهم لعباده .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ لله سبحانه وتعالى عباداً خلقهم لقضاء حوائج الناس ، آلى على نفسه أن لا يعذّبهم بالنار ، فإذا كان يوم القيامة وضعت لهم منابر من نور يسبّحون الله ويقدّسونه والناس في الحساب .

ومرّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيهودي يحطب ، فقال لأصحابه : إنّ هذا اليهودي يلدغه اليوم أفعى فيموت ، فلمّا كان آخر النهار رجع اليهودي والحطب على رأسه كالعادة ، فقال الجماعة : يا رسول الله ما عهدناك تخبر بما لم يكن ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وما ذلك؟ قالوا : إنّك أخبرت اليوم أن هذا اليهودي يلدغه أفعى فيموت ، وقد رجع سالماً فقال : عليّ به ، فأحضروه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال له : يا يهودي ، ضع الحطب وحلّه ، فحلّه فرأى فيه أفعى ، فقال : يا يهودي ، ما صنعت اليوم من المعروف ؟ قال : إنّي لم أصنع شيئاً منه غير أني خرجت ومعي كعكتان ، فأكلت إحداهما ثمّ سألني سائل فدفعت إليه الأخرى ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : تلك الكعكة خلّصتك من شرّ هذا الأفعى ، فأسلم على يده (٢) .

وروى إسحاق بن عمار قال : كنت بين يدي الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام

ـــــــــــــــــ

(١) الترغيب والترهيب ٢ : ٣٠ ح٤ .

(٢) الكافي ٤ : ٥ ح٣ ، عنه البحار ٤ : ١٢١ ح٦٧ .


عند مقام إبراهيم عليه‌السلام ، فقال لي : يا ابن عمار ، من طاف بهذا البيت طوافاً واحداً كتب الله له ألف حسنة ، ومحا عنه ألف سيّئة ، وأعتق عنه ألف نسمة ، وغرس له ألف شجرة في الجنّة .

قال : قلت : هذا كلّه لمن طاف طوافاً واحداً ؟ فقال : نعم ، أفلا أخبرك بأفضل منه ؟ قلت : بلى يا ابن رسول الله ، قال : قضاء حاجة المؤمن أفضل من طواف وطواف ـ حتّى عدّ عشرة (١) .

ودخل عليّ بن يقطين رحمه الله على الإمام الكاظم عليه‌السلام ـ وكان قد حجّ في تلك السنة وهو يومئذٍ وزير الرشيد ـ فقال له : يا ابن رسول الله أوصني بحاجة ، فقال له عليه‌السلام : اضمن لي واحدة أضمن لك ثلاثاً ، فقال له : يا مولاي وما هي ؟ فقال : تضمن أنّه لا يقف على باب هذا الجبّار أحد من شيعتنا أو أهل بيتنا إلاّ قضيت حاجته ، أضمن لك أن لا يظلّ رأسك سقف سجن ، ولا يصيب جسدك حدّ سيف ، ولا تمسّك النار يوم القيامة (٢) .

وأمّا إيتاء ذي القربى وقد تقدّم ذكره في مدح عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام .

يقولون لي قل في عليّ مدائحاً

فإن أنا لم أفعل يقولوا معاند

فما صنت عنه الشعر عن ضعف هاجس

ولا أنني عن مذهب الحق حائد

ولكن عن الأشعار والله صنت من

عليه بنى قرباننا والمساجد

ولو أنّ ماء السبعة الأبحر التي

خلقن مداد والسماوات كاغد

وأشجار كلّ الأرض أقلام كاتب

إذا الخطّ أفناهنّ عُدن عوائد

وكان جميع الإنس والجنّ كتباً

إذا كَلَّ منهم واحد قام واحد

ـــــــــــــــــ

(١) الكافي ٢ : ١٩٤ ح٨ ، عنه البحار ٧٤ : ٣٢٦ ح٩٧ .

(٢) راجع البحار ٤٨ : ١٣٦ ح١٠ عن كتاب حقوق المؤمنين ، نحوه .


وخطوا جميعاً منقباً بعد(١) منقب

لما خط من تلك المناقب واحد

وقال الصادق عليه‌السلام : إن القائم عليه‌السلام يمدّ في أيّام غيبته ليصرح الحقّ عند من محضه ، ويصفو الإيمان من الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة من الشيعة التي يخشي عليهم النفاق (٢) .

تمّ الكتاب بعون الله وتوفيقه ، وصلّى الله على من لا نبيّ بعده محمد وآله خير خلقه ، وسلّم تسليماً كثيراً .

ـــــــــــــــــ

(١) في "د" : اثر منقب .

(٢) كمال الدين : ٣٥٦ ضمن حديث ٥٣ ، عنه البحار ٥١ : ٢٢٢ ح٩ .


الفهرست

[ المقدّمة ] (١) ٢

[ باب : في فضائله عليه‌السلام ]. ٦

فصل : [في عبادته وزهده]. ١٩

فصل : [في حلمه وجوده وحسن خلقه وأخباره بالغيب وإجابة دعائه]  ٢٣

فصل : [في كسر الأصنام ، وأنّه عليه‌السلام أوّل من صلّى]  ٣٨

فصل : [في مؤاخاته وقربه من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ]  ٤٠

فصل : [في حبّه والتوعّد على بغضه وفضائل فاطمة عليها‌السلام]  ٤١

فصل : [في جهاده عليه‌السلام]. ٥١

فصل : يذكر فيه طرف من فضائله عليه‌السلام من طرق أهل البيت عليهم‌السلام ٧٣

[ باب : فيه بعض قضايا أمير المؤمنين عليه‌السلام ]  ٢٩١

[ باب : الفضائل الثابتة له عليه‌السلام بعد مضيّه ووفاته ]  ٣٢٨

[ باب : في صفات أعدائه ] (١) ٣٥٤

الفهرست.. ٣٩٥