الإهداء.
إلى حامل راية الإمامة :
الإمام الثاني عشر المهديّ المنتظر
يـا أيها العـزيز مسّنا وأهلنا الضرّ وجئنـا ببضاعةٍ مـزجاة فأوف لنا الكيل وتصدّق علينا إنّ الله يجزي المتصدّقين. |
*الطرائف على شرح المواقف.
*المراصد على شرح المقاصد.
*رسالة في صلاة أبي بكر.
*رسالة في حديث الأقتداء بالشيخين.
*رسالة في المتعتين.
*رسالة في حديث سيّدا كهول أهل الجنّة.
*رسالة في حديث أصحابي كالنجوم.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام
على سيّدنا محمد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين
* الحركة العلمية في القرنين السابع والثامن. * علم الكلام. * الإمامة. * هذا الكتاب. |
(١)
الحركة العلمية في القرنين السّابع والثّامن
لقد امتاز القرنان السّابع والثامن ـ وعلى أثر التقلبّات والحوادث السياسية والاجتماعيّة في بلاد الاسلام ـ بحركةٍ علميّة واسعةٍ ، في مختلف العلوم والفنون الاسلامية
وفي خصوص علم الكلام تشكّلت في تلك الفترة ثلاثة مدارس ، أنجبت علماء كباراً في هذا العلم ، أصبحوا قدوةً للأجيال اللاحقة ، وتركوا آثاراً جليلةً فيه كانت وما زالت محطّ الأَفكار والأَنظار
ولكنّ التناقضات الفكرية بين هذه المدارس أدّت إلى وقوع المواجهات والصراعات العقيدية فيما بينها على صعيد المؤلّفات والمناظرات. فكانت منذ اليوم الأّوّل الردود والنقود ثم تلتها ردود ونقود أخرى وهكذا إلى يومنا هذا
فلنعّرفها ولنشر إلى بعض ذلك :
ففي العراق ـ وفي مدينة الحلّة بالذات ـ أقام المحقّق العظيم الشيخ نصير الدين الطوسي المتوفى سنة ٦٧٢ ، مدرسة أنجب فيها تلامذةً عظاماً اشتهروا في الآفاق ، كالشيخ حسن بن المطّهر الحلي المعروف بالعلاّمة ، المتوفى سنة ٧٢٦ ، وأمثاله من كبار علماء الطائفة الشيعية الاثني عشريّة ، الذين كان لهم الدور البارز في نشر المذهب الشيعي وترويجه في العالم.
وكان كتاب ( تجريد الاعتقاد ) أو ( تجريد الكلام ) تأليف المحقق النصير
الطوسي من أشهر المتون الكلاميّة ، التي امتازت بين الكتب الاعتقادية عند الشيعة الامامية ، لجمعه بين الدقة والرّصانة والايجاز ، ولذا تناوله العلماء ـ من الشيعة والسنة ـ بالشرح والتعليق ، وكان أول من تناوله بالشرح والايضاح تلميذه العلاّمة الحلي المذكور.
قال في كشف الظّنون : « تجريد الكلام ، للعلامة المحقق ، نصير الدين أبي جعفر محمد بن محمد الطوسي ، المتوفى سنة ٦٧٢. وهو كتاب مشهور ، اعتنى عليه الفحول وتكلّموا فيه بالردّ والقبول ، له شروح كثيرة وحواش عليها. فأوّل من شرحه : جمال الدين حسن بن يوسف بن مطهر الحلي شيخ الشيعة ، المتوفى سنة ٧٢٦ وشرحه شمس الدين محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الاصفهاني ، المتوفى سنة ٧٤٦ وقد اشتهر هذا الشرح بين الطلاّب بالشرح القديم ، وعليه حاشية عظيمة للعلاّمة المحقق السيّد الشريف » ثم ذكر الحواشي على حاشية الشريف ثم قال :
« ثم شرح المولى المحقق علاء الدين علي بن محمد الشهير بقوشجي المتوفى سنة ٨٧٩ شرحاً لطيفاً ممزوجاً ، وقد اشتهر هذا الشرح بالشرح الجديد. قال في ديباجته بعد مدح الفن والمصنف :
إنّ كتاب التجريد الذي صنفه المولى الأعظم ، قدوة العلماء الراسخين ، أسوة الحكماء المتألّهين ، نصير الحق والملة والدين ، تصنيف مخزون بالعجائب ، وتأليف مشحون بالغرائب ، فهو وإن كان صغير الحجم ، وجيز النظم ، فهو كثير العلم ، جليل الشأن ، حسن النظام مقبول الأئمة العظام ، لم يظفر بمثله علماء الأعصار ، مشتمل على إشارات إلى مطالب هي الأمّهات ، مملوء بجواهر كلّها كالفصوص ، متضّمن لبيانات معجزة في عباراتٍ موجزة ، وهو في الاشتهار كالشمس في رابعة النهار ، تداولته أيدي النظّار.
ثم إنّ كثيراً من الفضلاء وجّهوا نظرهم إلى شرح هذا الكتاب ونشر معانيه ، ومن تلك الشروح وألطفها مسلكاً هو الذي صنّفه : العالم الربّاني ،
مولانا شمس الدين الاصبهاني ، فإنه بقدر طاقته حام حول مقاصده ، وتلقّاه الفضلاء بحسن القبول ، حتى أن السيد الفاضل قد علّق عليه حواشي ، تشتمل على تحقيقات رائقة وتدقيقات شائقة ، تنفجر من ينابيع تحريراته أنهار الحقائق ، وتنحدر من علوّ تقريراته سيول الدقائق.
ومع ذلك كان كثير من مخفيّات رموز الكتاب باقياً على حاله ، بل كان الكتاب على ما كان كونه كنزاً مخفّياً وسرّاً مطوّياً ، كدرّة لم تثقب ، لأنه كتاب غريب في صنعته ، يضاهي الألغاز لغاية ايجازه ، ويحاكي الإعجاز في إظهار المقصود وإبرازه.
وإني بعد أن صرفت في الكشف عن حقائق هذا العلم شطراً من عمري ، ووقفت على الفحص عن دقائقه قدراً من دهري ، فما من كتاب في هذا العلم إلاّ تصفّحت سينه وشينه ، أبت نفسي أن تبقى تلك البدائع تحت غطاء من الإبهام ، فرأيت أن أشرحه شرحاً يذلّل صعابه ، ويكشف نقابه ، وأضيف إليه فوائد إلتقطتها من سائر الكتب ، وزوائد استبطتها بفكري القاصر ، فتصدّيت بما عنيت.
فجاء بحمد الله تعالى كما يحبّه الأودّاء لا مطوّلاً فيمل ولا مختصراً فيخل ، مع تقرير لقواعده ، وتحرير لمعاقده ، وتفسير لمقاصد. انتهى ملخصاً.
وإنّما أوردته ليعلم قدر المتن والماتن ، وفضل الشّرح والشّارح(١) .
ثم ذكر كاشف الظّنون الحواشي والتعاليق على الشرحين القديم والجديد ، ثمّ الحواشي على تلك الحواشي بما لا حاجة الى ذكره اكتفاءً بما تقدّم(٢) .
وفي إيران أسّس القاضي عضد الدين الايجي مدرسةً ، أنجب فيها
__________________
(١) ونحن أيضاً أوردناه بطوله لنفس الغرض ، وليعلم ـ بالمقارنة بينه وبين ما سننقله عن التفتازاني في المتن والماتن ـ مَنْ الحاقد المتعصّب!
(٢) كشف الظنون ١/٣٤٦ ـ ٣٥١.
عدةً من الأعلام المشهورين ، وعلى رأسهم سعد الدين التفتازاني. فألّف الايجي كتاب ( المواقف ) وألّف التفتازاني كتاب ( المقاصد ).
وهذان الكتابان ينظران في بحوثهما إلى ( التجريد ) كما لا يخفى على من قارن بينه وبين الكتابين ، لكنّهما لم يصرّحا بذلك. لكنّا نرى التفتازاني عندما لم يتمالك نفسه ، فيضطّر الى ذكر ( التجريد ) ومؤلّفه ، يذكرهما بسوء أدبٍ ، ممّا يدل على مدى تغيّظه ويكشف عن حقده ، فيقول :
« ومن العجائب أن بعض المتأخرين من المتشغّبين ، الذين لم يروا أحداً من المحدّثين ، ولا رووا حديثاً في أمر الدين ، ملأوا كتبهم من أمثال هذه الأخبار والمطاعن في الصّحابة الأخيار ، وإن شئت فانظر في كتاب التجريد المنسوب إلى الحكيم نصير الطوسي ، كيف نصر الأباطيل وقرّر الأكاذيب؟ والعظماء من عترة النبي وأولاد الوصي الموسومون بالدراية ، المعصومون في الرواية ، لم يكن معهم هذه الأحقاد والتعصّبات »(١) .
وفي الشام أسّس أحمد بن عبد الحليم الحراني المعروف بابن تيميّة المتوفى سنة ٧٢٨ مدرسته المشتهرة باسمه ، والتي أنجبت ثلّةً من العلماء وعلى رأسهم : محمد بن أبي بكر الدمشقي المعروف بابن قيّم الجوزيّة المتوفى سنة ٧٥١.
وقد اشتهر من كتب ابن تيميّة كتابه الذي أسماه ( منهاج السنّة ) ألّفه رداً على كتاب ( منهاج الكرامة ) للعلامة الحلّي المذكور آنفاً فتجاوز فيه جميع الحدود الشرعيّة والآداب الاسلامية ، ولم يخل منه ورقة من أنواع السبّ والشّتم ، للحلّي وشيخه الطّوسي ، حتى قال في موضعٍ من كتابه :
« إنّ هذا الرّجل قد اشتهر عند الخاص والعام أنّه كان وزير الملاحدة
__________________
(١) شرح المقاصد ٥/٢٦٧.
الباطنّية الاسماعيليّة. ثم لمّا قدم الترك المشركون هلاكو أشار عليه بقتل الخليفة وبقتل أهل العلم والدين ، واستبقاء أهل الصناعات والتجارات ، الذين ينفعونه في الدنيا ، وأنّه استولى على الوقف الذي للمسلمين ، وكان يعطي منه ما شاء الله لعلماء المشركين وشيوخهم السّحرة وأمثالهم ، وأنه لما بنى الرصد الذي بمراغة على طريقة الصابئة المشركين كان أخس الناس نصيباً منه من كان إلى أهل الملل أقرب ، وأوفرهم نصيباً من كان أبعدهم عن الملل ، مثل الصابئة المشركين ، ومثل المعطّلة وسائر المشركين ، وإن ارتزقوا بالنجوم والطب ونحو ذلك.
ومن المشهور عنه وعن أتباعه الاستهتار بواجبات الاسلام ومحرّماته ، ولا يحافظون على الفرائض كالصلاة ، ولا ينزعون عن محارم الله من الخمر والفواحش وغير ذلك من المنكرات ، حتى أنهم في شهر رمضان يذكر عنهم من إضاعة الصلاة وارتكاب الفواحش وفعل ما يعرفه أهل الخبرة بهم ، ولم يكن لهم قوّة وظهور إلاّ مع المشركين ، الذين دينهم شر من دين اليهود والنصارى
وبالجملة ، فأمر هذا الطوسي وأتباعه في المسلمين أشهر وأعرف من أن يوصف.
ومع هذا ، فقد قيل : إنه كان في آخر عمره يحافظ على الصلوات ، ويشتغل بتفسير البغوي والفقه ونحو ذلك ، فإن كان قد تاب من الإلحاد فالله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئّات »(١) .
وهذه الكلمات إن دلّت على شيء فإنّما تدل على سخافة عقل ابن تيمية ، وبذاءة لسانه ، وقلّة دينه وورعه أمّا الامام نصير الدين الطّوسي فقد ترجم له بكلّ إكبارٍ وتبجيلٍ وتعظيم علماء القرن الثامن قبل غيرهم ، ففي ( فوات
__________________
(١) منهاج السنة ٢/٩٩ ـ ١٠٠.
الوفيات ) لابن شاكر الكتبي المؤرخ الشهير المتوفي سنة ٧٦٤ :
« نصير الدين الطوسي : محمد بن محمد بن الحسن ، نصير الدين الطوسي الفيلسوف صاحب علم الرياضي ، كان رأساً في علم الأوائل ، لا سيّما في الأَرصاد والمجسطي ، فإنه فاق الكبار ، وكان ذا حرمة وافرة ومنزلة عالية عند هولاكو » ثم ذكر بعض قضاياه وأحواله مع هولاكو ، الدالة على دهائه ، ثم ذكر أسماء مصنفّاته وقال : « وكان للمسلمين به نفع ، خصُوصاً الشيعة والعلويين والحكماء وغيرهم ، وكان يبّرهم ويقضي أشغالهم ويحمي أوقافهم ، وكان مع هذا كلّه فيه تواضع وحسن ملتفى » قال : « وكان يعمل الوزارة لهولاكو من غير أن يدخل يده في الأموال »(١) .
وقال ابن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ : « النصير الطوسي ، محمد بن عبدالله الطوسي ، كان يقال له : المولى نصير الدين ، ويقال : الخواجا نصير الدين. اشتغل في شبيبته وحصّل علم الأوائل جيداً ، وصنف في ذلك في علم الكلام ، وشرح الاشارات لابن سينا ، ووزر لأصحاب قلاع الأَلموت من الاسماعيلية ، ثم وزر لهولاكو ، وكان معه في واقعة بغداد. ومن الناس ( يعني ابن تيمية ) من يزعم أنه أشار على هولاكو خان بقتل الخليفة. فالله اعلم. وعندي أن هذا لا يصدر من عاقل ولا فاضل ، وقد ذكره بعض البغاددة فأثنى عليه وقال : كان عاقلاً فاضلاً كريم الأخلاق ، ودفن في مشهد موسى بن جعفر »(٢) .
وقال أبو الفداء المتوفى سنة ٧٣٢ : « الشيخ العلاّمة نصير الدين الطوسي ، واسمه محمد بن محمد بن الحسين ، الامام المشهور ، وله مصنّفات عديدة كلّها نفيسة ، ودفن في مشهد موسى والجواد(٣) .
وقال الذهبي المؤرخ المتوفى سنة ٧٤٨ : « خواجا نصير الدين الطوسي ، أبو
__________________
(١) فوات الوفيات ٣/٢٤٦.
(٢) البداية والنهاية ١٣/٢٦٧.
(٣) المختصر في أخبار البشر ٤/٨.
عبدالله محمد بن محمد بن حسن. مات في ذي الحجة ببغداد ، وقد نيّف على الثمانين ، وكان رأساً في علم الأوائل ، ذا منزلة من هؤلاكو »(١) .
لكنّ ابن تيميّة معروف بالتهجّم على الكل ، فلم يسلم منه أحد من أئمة المذاهب والفرق ، ولذلك ولعقائده الفاسدة وآرائه الباطلة ، أفتى كبار أئمة أهل السّنة بضلالته ووجوب حبسه ، حتى يتوب ، فبقي في السجن حتى مات.
فلاحظ ترجمته في الدرر الكامنة لابن حجر العسقلاني ٢/٢٤٧ ، والبدر الطالع للشوكاني ٢/٢٦٠ وغيرهما.
ففي الدرر الكامنة : « نودي عليه بدمشق : من اعتقد عقيدة ابن تيمية حلّ دمّه وماله ».
وفي البدر الطّالع : « صرّح محمد البخاري الحنفي المتوفى سنة ٨٤١ بتبديعه ثم تكفيره ، ثم صار يصرّح في مجلسه : أن من أطلق القول على ابن تيمية أنه شيخ الاسلام فهو بهذا الاطلاق كافر ».
وقال ابن حجر المكي صاحب الصّواعق في فتاواه :
« ابن تيمية عبد خذله الله وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذلّه ، وبذلك صرّح الأئمة الذين بيّنوا فساد أحواله ، وكذب أقواله. ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الامام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد إبي الحسن السبكي ، وولده التاج ، والشيخ الامام العز ابن جماعة ، وأهل عصرهم وغيرهم ، من الشافعية المالكية والحنفيّة ، ولم يقصر اعتراضه على متأخرّي الصوفية ، بل اعترض على مثل عمر بن الخطّاب وعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنهما ـ.
__________________
(١) العبر ٣/٣٢٦.
والحاصل : انه لا يقام لكلامه وزن ، بل يرمى في كلّ وعرٍ وحزن ، ويعتقد فيه أنّه مبتدع ضال مضل غال ، عامله الله بعدله ، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله. آمين »(١) .
* * *
__________________
(١) الفتاوى الحديثية : ٨٦
(٢)
علم الكلام
الظاهر أنْ لا اختلاف كبير في تعريف علم الكلام وفائدته والغرض من وضعه ، فقد قال الايجي : « الكلام علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينيّة بإيراد الحجج ودفع الشبه ».
قال : « فائدته : أمور :
الأول : الترقي من حضيض التقليد الى ذروة الايقان
الثاني : إرشاد المسترشدين بإيضاح المحجّة ، وإلزام المعاندين بإقامة الحجة.
الثالث : حفظ قواعد الدين عن أن تزلزلها شبه المبطلين.
الرابع : أنْ يبنى عليه العلوم الشرعيّة فإنّه أساسها
الخامس : صحة النّية والاعتقاد ، إذ بها يرجى قبول العمل ».
قال : « وغاية ذلك كلّه الفوز بسعادة الدارين ».
وقال التفتازاني : « الكلام هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلّة اليقينية » قال : « وغايته : تحلية الايمان بالايقان ، ومنفعته : الفوز بنظام المعاش ونجاة المعاد ».
والفيّاض اللاهيجي شارح التجريد ذكر كلا التعريفين في كتابه ( شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام ).
فالغرض الذي من أجله وضع علم الكلام من قبل علماء الاسلام هو
معرفة أصول الدين عن طريق الاستدلال بالعقل والنقل ، ليكون أبناء الدين على علم بالأسس التي بنيت عليها عقائدهم ، إذ التقليد في الأصول غير جائز عند اكثر العلماء ـ إن لم يكن كلّهم ـ وأنّه لا بد على كلّ مكلّف من النظر فيها.
فهذا هو الهدف الأول من وضع هذا العلم وتدوينه والتأليف فيه ، فهو من العلوم الضرورية للأمة ، لأنه العلم المتكفّل لبيان ما على المكلّفين الالتزام به من الناحية الاعتقادية ، كما أن علم الفقه يتكفّل بيان ما يجوز وما لا يجوز لهم من الناحية العملية مع جواز التقليد فيه.
وكما أن علم الفقه هو السبب في بقاء الشريعة في أحكامها الفرعية ، كذلك علم الكلام في الحفاظ على الأصول الاعتقاديّة.
على أن من الطبيعي أنّه إذا استوعب الإنسان الأدلّة والبراهين ، تمكّن من الدّفاع عن معتقداته ، والاجابة عن الشبهات المتوجهة اليه ، بل ودعوة الآخرين إليها بقلمه ولسانه.
ومن هنا كثر اهتمام العلماء بهذا العلم ، وكثرت الكتب المؤلّفة فيه من مختلف المذاهب الاسلاميّة.
تبيّن أن موضوع علم الكلام هو أصول الدين ، من التوحيد وصفات الباري ، والنبوة وشئونها والنّبي وصفاته ، والمعاد وغير ذلك وأن الغرض منه معرفة هذه الأصول ودعوة الآخرين إليها بالحكمة والموعظة الحسنة فكيف يكون من أسباب هزائم المسلمين أمام أعداء الاسلام؟
إنّه طالما بنيت الأصول الإعتقادية على الحق ، وقصد بالبحث عنها الوصول الى الحقيقة والواقع ، والتزم الباحث ـ لا سيّما في مرحلة إقامة الحجة على الغير ـ بالعدل والانصاف ، والاخلاق الكريمة ، والقواعد المقرّرة للمناقشة والمناظرة كان علم الكلام من خير أسباب صمودنا أمام الأعداء. ووحدتنا فيما بيننا
أمّا إذا كان الغرض من علم الكلام هو التغلّب على الخصم ولو بالسبّ والشتم ، فلا شك في أن هذا الأسلوب فاشل ، وأنّه سيودّي الى تمزّق المسلمين وتفرّق صفوفهم ، وإلى الهزيمة أمام الأعداء
فالقول بأنّ « أسلوب علم الكلام فشل حتى الآن » وأنه « أحد أسباب هزائمنا » على اطلاقه ليس بصحيح
وعلى الجملة ، فإنّ علم الكلام لم يكن في يومٍ من الأيام من أسباب ضعف المسلمين ، وهزيمتهم ، بل كان ـ متى ما استخدم على حقيقته واتّبعت أساليبه الصحيحة ، وطبقّت قواعده الرّصينة ـ من أسباب وحدة كلمة المسلمين ورصّ صفوفهم وصمودهم أمام الخصوم ولا ننكر أن بعض المتكلّمين اتّخذوه وسيلةً لتوجيه عقائدهم الباطلة وأفكارهم الفاسدة ، إلاّ أنّ هذا لا يختص بعلم الكلام ، فقد اتخذ غيره من العلوم الاسلامية وسيلةً للأهداف والأغراض المخالفة للحق والدين وهذا لا يسوّغ إتهام « العلم » بل على النّاس أن يفرّقوا بين المتكلّمين ، فيعرفوا المحق فيتبّعوه ، ويعرفوا المغرض فيحذروه
* * *
(٣)
الإمامة
وانصبّ اكثر اهتمام علماء الكلام من الفرق المختلفة بموضوع « الامامة » ، لأنّ « الإمامة » كما عرّفت في كتب الشيعة والسنة : « نيابة عن النبي في أمور الدين والدنيا » ولأنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال ـ في الحديث المتفق عليه ـ « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ». فتكون الشئون الدينية والدنيوية منوطة كلها بالامام ، وتكون معرفته ثم طاعته واجبةً في جميع المجالات.
أمّا الشيعة فالإمامة عندهم ـ للحديث المذكور وغيره من الأدلة النقلية والعقلية ـ من أصول الدين ، فيشملها موضوع علم الكلام وأما. السّنّة فإنّهم ـ وان اضطربوا وتذبذبوا ـ بحثوا عنها في هذا العلم بالتفصيل.
وعلى كلّ حالٍ فقد أصبح موضوع الامامة يشكل أحد الأبواب الواسعة في الكتب الكلاميّة ، ولا يزال يشغل بال جلّ علماء الكلام ، حتّى ألّفوا فيه كتباً مفردةّ لا تحصى
واختلف المسلمون في هذه المسألة ، فقيل : الامام بعد النبيصلىاللهعليهوآله هو « علي بن أبي طالب » للنصوص الكثيرة الدالّة على ذلك ، المتفق عليها بين المسلمين وقد عرف القائلون بهذا القول بـ « الشيعة ».
وقيل : الإمام بعد النبي هو « أبو بكر بن أبي قحافة » وقد عرف القائلون بهذا القول بـ « السنة » لكنّهم يعترفون بأن لا نص على إمامة أبي بكر فضلاً عن أن يكون متفّقاً عليه فإذا طولبوا بالدليل ـ بعد الاعتراف بما ذكر ـ قالوا : الدليل إجماع الصّحابة في حين يعترفون بأنّ إمامة أبي بكر إنما انعقدت ببيعة « عمر بن الخطّاب » و « أبي عبيدة ابن الجراح » وأن كثيرين من أعلام الصّحابة امتنعوا عن البيعة ، وعلى رأسهم «علي بن أبي طالب » و « الزهراء بضعة الرسول ».
ولا ريب في أنهما كانا على رأس الذين أبوا عن البيعة مع أبي بكر ، ففي كتابي البخاري ومسلم :
« كان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة ، فلمّا توفيّت فاطمة انصرفت وجوه الناس عنه عند ذلك.
قال : معمر : قلت للزهري : كم مكثت فاطمة بعد النبي « ص »؟
قال : ستة أشهر.
فقال رجل للزهري : فلم يبايعه علي ـ رضي الله عنه ـ حتى ماتت فاطمة رضي الله عنها؟
قال : ولا أحد من بني هاشم ».
قال البيهقي :
« رواه البخاري في الصحيح من وجهين عن معمر.
ورواه مسلم عن إسحاق بن راهويه وغيره عن عبدالرزاق »(١) .
وعن عائشة :
« إن فاطمة ـعليهاالسلام ـ ابنة رسول الله ـ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلم
__________________
(١) السنن الكبرى ٦/٣٠٠.
ـ سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله ـ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلم : أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله ممّا أفاء الله عليه. فقال لها أبوبكر : إنّ رسول الله قال : لا نورّث ما تركناه صدقة.
فغضبت فاطمة بنت رسول الله فهجرت أبا بكر.
فلم تزل مهاجرته حتى توفّيت.
وعاشت بعد رسول الله ستة أشهر »(١) .
فقال التفتازاني :
« وأمّا توقّف علي ـ رضي الله عنه ـ في بيعة أبي بكر رضي الله عنه فيحمل على أنه لما أصابه من الكآبة من الحزن بفقد رسول الله ، صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم لم يتفرّغ للنظر والاجتهاد ، فلمّا نظر وظهر له الحق دخل فيما دخل فيه الجماعة ».
ولا أظنّ التفتازاني نفسه يرتضي هذا الحمل ، ولكنه من « ضيق الخناق »!
إنّه يقول هذا بالنسبة إلى « علي ». أمّا بالنسبة إلى غيره فيقول :
إنّهم اشتغلوا بأمر الإمامة عن دفن الرّسول »!!
ولا يعرّض التفتازاني ـ ولا غيره ـ إلى الجواب عن إباء الزهراء الصدّيقة وامتناعها من البيعة لأبي بكر ، حتى أنّها توفّيت ولم تبايعه ، ولم يحملها بعلها على البيعة ، وهما يعلمان بأنّ « من مان ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة »!
والزهراء ـ كما يعلم الجميع ـ بضعة الرّسول وروحه التي بين جنبيه ، من أغضبها فقد أغضبه ، كما في الأحاديث المتفق عليها ، والتي لأجلها قال غير واحدٍ من أعلام السنّة بكونها أفضل من الشيخين(٢) .
ومن هنا يظهر الجواب عمّا جاء في كلام العضد وشارحه والتفتازاني وغيرهم
__________________
(١) صحيح البخاري. كتاب الخمس ، وفي باب غزوة خيبر. أخرجه هو ومسلم في باب قوله « ص » : لا نورّث.
(٢) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير ٤/٤٢١.
من : أنهعليهالسلام لو كان هو المنصوص عليه بالإمامة لما ترك محاجّة القوم ومخاصمتهم ، وإظهار النص عليه والتمسّك به(١) .
لكنّ أهل السّنة ـ إذا أمعنت النظر وأنصفت ـ لا أساس لما يقولون به في مسألة الامامة ، بل إنّ غاية ما يحاولونه توجيه ما فعله القوم ، وتبرير ما هو الواقع تاريخياً ، أمّا أنّ الحق ما هو؟ وما الذّي أراده الله ورسوله منهم؟
كما أنهم يحاولون الردّ على الأدلة العقلية والنصوص المتفق عليها لكنّهم في هذه المرحلة عيال على متكلّمي المعتزلة ، فإنّ مباحث الامامة في ( المواقف ) و ( المقاصد ) ـ وهما أهّم كتب القوم في الكلام ـ مأخوذة ـ في الأغلب ـ من الفخر الرازي ، وهو في أغلب بحوثه عيال على المعتزلة.
فالشبهات التي طرحوها حول « العصمة » مأخوذة من كتاب ( المغني ) للقاضي عبدالجبار بن أحمد المعتزلي المتوفى سنة ٤١٥ ، الذي ردّ عليه الشريف المرتضى المتوفى سنة ٤٣٦ بكتاب ( الشافي )(٢) .
وكذا إنكار ظهور المعجزة على يد الإمام وعلمه بالمغيّبات(٣) .
وكذا حملهم نصوص إمامة أمير المؤمنين على زمن ما بعد عثمان(٤) .
وكذا دعوى التفتازاني أنّ النصّ الجلي على أمير المؤمنين ممّا وضعه هشام بن الحكم ونصره فلان وفلان(٥) .
وهكذا غيرها كما لا يخفى على المتتبّع.
__________________
(١) شرح المواقف ٨/٣٥٤ ، شرح المقاصد ٥/٣٦٠.
(٢) الشافي ١ : ١٣٧ ، ٣٠٠.
(٣) الشافي ٢/٢٦.
(٤) الشافي ٢/٣٠٥.
(٥) الشافي ٢/١١٩.
ووجدنا في أهل السنة المعاصرين من يخالف أسلافه في إنكار النص ، إنما يصحّح خلافة من تقدّم على علي بدعوى تنازل الإمام عن الامامة ، وهو في هذا تبع للمعتزلة وسيأتي كلامه.
قد ثبت أنّه بايع بعد وفاة الزهراء ، وبعد انصراف وجوه الناس عنه كما في نصّ الحديث وكانت المدّة ستة أشهر وتفيد الأحاديث : أنّ الزهراء لو بقيت أضعاف هذه المدّة لما بايعت ولما بايع علي ولكنّها لحقت بأبيها ، وبقي على وحده ، فاضطّر إلى البيعة ، قال :
« فنظرت فإذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي ، فضننت بهم عن الموت وأغضيت على القذى ، وشربت على الشجا ، وصبرت على أخذ الكظم ، وعلى أمرّ من طعم العلقم »(١) .
وقال : « اللّهم إني استعديك على قريش ومن أعانهم ، فإنّهم قد قطعوا رحمي ، وأكفؤوا إنائي ، وأجمعوا على منازعتي حقاً كنت أولى به من غيري ، وقالوا : ألا إنّ في الحق أن تأخذه ، وفي الحق أن تمنعه ، فاصبر مغموماً ، أو مت متأسّفاً. فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد ، إلاّ أهل بيتي ، فضننت بهم عن المنيّة ، فأغضيت على القذى ، وجرعت ريقي على الشجا ، وصبرت من كاظم الغيظ على أمرّ من العلقم ، وآلم للقلب من وخز الشغار »(٢) .
وقال في كتابٍ له إلى معاوية :
« وزعمت أني لكلّ الخلفاء حسدت ، وعلى كلّهم بغيت ، فإن يكن ذلك
__________________
(١) نهج البلاغة ط صبحي الصالح : ٦٨.
(٢) نهج البلاغة ط صبحي الصالح : ٣٣٦.
كذلك فليست الجناية عليك فيكون العذر اليك : وتلك شكاة ظاهر عنك عارها.
وقلت : إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع.
ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت ، وأن تفضح فافتضحت! وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوماً ما لم يكن شاكّاً في دينه ، ولا مرتاباً بيقينه! وهذه حجتّي إلى غيرك قصدها ، ولكنّي أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها »(١) .
هذا كلّه ، مضافاً إلى الخطبة الشقشقية المشهورة ، وغيرها من كلماته المعروفة في خطبة وكتبه.
وفي الشّورى طالبعليهالسلام بحقّه ، وصرّح بحرصه عليه منذ اليوم الأول ، ففي خطبةٍ له :
« وقد قال قائل : إنّك على هذا الأمر ـ يا ابن أبي طالب ـ لحريص!
فقلت : بل أنتم ـ والله ـ لأحرص وأبعد ، وأنا أخصّ وأقرب ، وإنّما طلبت حقّاً لي ، وأنتم تحولون بيني وبينه ، وتضربون وجهي دونه.
فلمّا قرعته بالحجّة في الملأ الحاضرين هبّ كأنّه بهت لا يدري ما يجيبني به.
أللهم إني استعديك على قريش ومن أعانهم ، فإنّهم قطعوا رحمي ، وصغّروا عظيم منزلتي ، وأجمعوا على منازعتي أمرأ هو لي ، ثم قالوا : ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه ، وفي الحق أن تتركه »(٢) .
« ومن خطبةٍ لهعليهالسلام : لّما عزموا على بيعة عثمان : لقد علمتم أني
__________________
(١) نهج البلاغة ط صبحي الصالح : ٣٨٧.
(٢) نهج البلاغة ط صبحي الصالح : ٢٤٦.
أحق بها من غيري ، ووالله لأسلّمنَّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلاّ عليّ خاصّة ، إلتماساً لأَجر ذلك وفضله ، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه »(١) .
فهوعليهالسلام في هذا الكلام أيضاً يصرّح بأنه أحقّ بالامامة من غيره مطلقاً ، ويقول للقوم بأنّكم عالمون بذلك ، ولم يقل قوله : « والله لأَسلمنّ » إلاّ بعد أن ناشد القوم بحقّه ، وبعد أن هدّدوه بالقتل إن لم يبايع :
يقول ابن أبي الحديد : « ونحن نذكر ـ في هذا الموضع ـ ما استفاض من الروايات من مناشدته أصحاب الشورى ، وتعديده فضائله وخصائصه ، التي بان بها منهم ومن غيرهم. وقد روى الناس ذلك فأكثروا ، والذي صحّ عندنا أنه لم يكن الأمر كما روي من تلك التعديدات الطويلة ، ولكنه قال لهم ، بعد أن بايع عبدالرحمن والحاضرون عثمان ، وتلكّأ هوعليهالسلام عن البيعة :
إنّ لنا حقّاً إن نعطه نأخذه ، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل وإن طال السرى ـ في كلام ذكره أهل السيرة ، وقد أوردنا بعضه فيما تقدم ـ ثم قال لهم :
أنشدكم الله ، أفيكم أحد آخى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بينه وبين نفسه حيث آخى بين المسلمين وبعضٍ ، غيري؟
فقالوا : لا.
فقال : أفيكم أحد قال له رسول الله : من كنت مولاه فهذا مولاه ، غيري؟
فقالوا : لا.
فقال : أفيكم أحد قال له رسول الله : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي ، غيري؟
قالوا : لا.
__________________
(١) نهج البلاغة صبحي الصالح : ١٠٢.
قال : أفيكم من أوتمن على سورة براءة وقال له رسول الله : إنّه لا يؤدي عني إلاّ أنا أو رجل مني ، غيري؟
قالوا : لا.
قال : أتعلمون أنّ أصحاب رسول الله فرّوا عنه في مأقط الحرب في غير موطن ، وما فررت قط؟
قالوا : بلى.
قال : أتعلمون أني أول الناس إسلاماً؟
قالوا : بلى.
قال : فأيّنا أقرب إلى رسول الله نسباً؟
قالوا : أنت.
فقطع عليه عبد الرحمن بن عوف كلامه وقال : يا علي : قد أبى الناس إلاّ على عثمان ، فلا تجعلن على نفسك سبيلاً.
ثم قال : يا أبا طلحة ، ما الذي أمرك به عمر؟
قال : أن أقتل من شق عصا الجماعة.
فقال عبد الرحمن لعلي : بايع إذن ، وإلاّ كنت متّبعاً غير سبيل المؤمنين ، وأنفذنا فيك ما أمرنا به.
فقال : لقد علمتم أني أحق بها من غيري ، ووالله لأَسلمنّ
ثم مدّ يده فبايع »(١) .
فهذا واقع الحال في الشوري وقبلها
__________________
(١) شرح نهج البلاغة ٦/١٦٧.
وبما ذكرنا يظهر رأي الامامعليهالسلام في خلافة من تقدّمه وموقفه منهم وأنه ما كان بإمكانه من أن يتخّذ موقفاً تجاههم فقول بعض أهل السنة المعاصرين(١) :
« لو أنّ علياً ـ كرّم الله وجهه ـ اتخذ يوم السقيفة موقفاً مستقلاً ، اتخذ يوم استخلاف أبي بكر لعمر موقفاً مستقلاً ، أو يوم الشورى التي بويع على أعقابها لعثمان موقفاً مستقلاً ، إذن لتركنا كلّ نهج ، واتّبعنا نهج علي. آية هذا الاعتقاد : إن علياً لمّا اتخذ موقفاً صريحاً أمام أيام الفتنة من معاوية اتّجه جمهور المسلمين إلى ما اتّجه إليه علي ».
تجاهل عن الواقع وقد سبقه إلى هذا القول جماعة من أعلام المعتزلة
يقول ابن أبي الحديد : « وقد صرّح شيخنا أبو القاسم البلخي بهذا ، وصرّح به تلامذته وقالوا : لو نازع عقيب وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وسلّ سيفه لحكمنا بهلاك كلّ من خالفه وتقدّم عليه ، كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه ، ولكنه مالك الأمر وصاحب الخلافة ، إذا طلبها وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها ، وإذا أمسك عنها وجب علينا القول بعدالة من أغضى له عليها » قال ابن أبي الحديد : « وهذا المذهب هو أعدل المذاهب عندي وبه أقول »(٢) .
وهذا عجيب للغاية!
يقولون : « لو نازع »
__________________
(١) هو الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي الشامي.
(٢) شرح نهج البلاغة ٢/٢٩٦.
وتقول الأحاديث الصحيحة : كان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة ، فلمّا توفّيت انصرفت وجوه الناس عنه ، وعند ذاك بايع أبا بكر!
ويقول هو : « وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر » ويقول : « فنظرت فإذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي ، فضننت بهم عن الموت ».
ويقولون : أمسك!
يقول : صبرت
ويقولون : ضحّى ، تنازل ، أغضى ...!
وأمّا موقف الامامعليهالسلام من معاوية فقد اختلف تماماً ، لأن ظروفه أختلفت ، فما كان يشكو منه سابقاً ـ وهو عدم المعين إلاّ أهل بيته ـ منتفٍ الآن لقد وجد الآن من يعينه على أمره ، لقد بايعه المسلمون وعلى رأسهم المهاجرون والأنصار ، وأعلنوا الوقوف معه ضد كلّ من يبغي عليه ، وهم يعرفون معاوية واسلافه وفئته الباغية لكنّ الامامعليهالسلام لم ينابذه الحرب الاّ بعد أن أرسل إليه الرّسل والكتب ، وأتّم عليه الحجج وقد كان ممّا قال له :
« إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر عمر وعثمان على ما بايعوهم عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يرد ، وإنّما الشورى للمهاجرين والإنصار ، فإن اجتمعوا على رجلٍ وسمّوه إماماً كان ذلك الله رضىً ، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على أتباعه غير سبيل المؤمنين ، وولاّه الله ما تولّى »(١) .
وقد جاء هذا المعنى في خطبةٍ لهعليهالسلام :
« أيها الناس ، إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله
__________________
(١) نهج البلاغة ط صبحي الصالح : ٣٦٦.
فيه ، فإن شغب شاغب استعتب ، فإن أبي قوتل ، ولعمرى ، لئن كانت الامامة لا تنعقد حتى يحضرها عامّة الناس ، فما الى ذلك سبيل ، ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ، ثم ليس للشاهد أن يرجع ، ولا الغائب أن يختار. ألا وإني أقاتل رجلين ، رجلاً ادعى ما ليس له ، وآخر منع الذي عليه »(١) .
إذن ، يعتبر في الامام النص والأفضلية ، كالنصوص والفضائل التي ناشد به أصحاب الشورى ، والمقصود هم والذين سبقوهم ، وكالأعلّمية التي ذكرها في الخطبة المذكورة هذه فإن بايع المهاجرون والأنصار كان « أقواهم عليه » وكان على الآخرين المتابعة والطّاعة.
وقد توهّم بعض المتكلّمين من أهل السنة ، كالشيخ عبدالعزيز الدهلوي صاحب ( التحفة الاثنا عشريّة ) فتمسّك بما جاء في كتاب الامامعليهالسلام الى معاوية وجعله معارضاً لحديث الثقلين المتواتر بين الفريقين غافلاً عن أنّ احتجاج الامامعليهالسلام بما ذكره إنّما هو لإلزام معاوية ، لكونه يرى صحّة امامة أبي بكر وعمر وعثمان لبيعة المهاجرين والأنصار فيقول له الإمامعليهالسلام : لو كانت الإمامة تنعقد ببيعة المهاجرين والأنصار فقد بايعوني كلّهم ولو أنّهم جميعهم اجتمعوا على أمرٍ كان لله فيه رضىً ، لأنّه حينئذٍ يكون فيهم المعصوم الذي فعله حجة لكنّ الواقع عدم تحقّق هكذا اجماعٍ على واحد من الثلاثة فما ذكره الامام لمعاوية ليس إلاً للالزام.
وكما ذكرنا من قبل فإنّ الاستدلال إن كان منطقياً والبحث سليماً ، وكانت الأدلة على أسس رصينةٍ وقواعد متينة فلا شك في تأثيره في القلوب الطالبة للحق ، المحبّة للخير والفلاح
__________________
(١) نهج البلاغة ط صبحي الصالح : ٢٤٧.
وبالفعل فقد كان لعلم الكلام وأساليبه الصحيحة المستندة الى الكتاب والسنة والعقل السليم الاثر البالغ في تقدم مذهب الامامية وتشيّع الأمم
ويكفينا ـ في هذا المجال ـ ذكر سبب تشيع أهالي جبل عامل(١) عن أحد كبار علماء تلك المنطقة :
« روي أنّه لمّا مات رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لم يكن من شيعة عليعليهالسلام إلاّ أربعة مخلصون : سلمان ، والمقداد ، وأبو ذر ، وعمّار. ثم يتبّعهم جماعة قليلون اثنا عشر ، وكانوا يزيدون ويكثرون بالتدريج ، حتى بلغوا ألفاً وأكثر ، ثم في زمن عثمان لمّا أخرج أبا ذر إلى الشام بقي أيّاماً ، فتشّيع جماعة كثيرة ، ثم أخرجه معاوية إلى القرى ، فوقع في جبل عامل ، فتشيّعوا من ذلك اليوم فظهر أنه لم يسبق أهل جبل عامل في التشيّع إلاّ جماعة محصورون من أهل المدينة ، وقد كان أيضاً في مكة والطائف واليمن والعراق والعجم شيعة قليلون. وكان أكثر الشيعة في ذلك الوقت أهل جبل عامل(٢) .
ومن هنا قال السيد الصّدر العاملي ـ في فصل علم الكلام ـ : « وأمّا أوّل من ناظر في التشيّع هو المولى الأعظم والإمام الأقدم ، صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أبوذر الغفاري ، رضي الله تعالى عنه » ثم ذكر الكلام السّابق وغيره وتشيع أهالي جبل عامل على يده(٣) .
__________________
(١) إنما اخترنا هذا المورد للاستشهاد تنبيهاً على كلمةٍ لأحد علماء هذه المنطقة يقول فيما وهو يتهجّم على علم الكلام : « لم يتشيّع سنيّ إلاّ على مستوى الأفراد والقناعات ».
(٢) أمل الآمل في علماء جبل عامل ١/١٣.
(٣) تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام : ٣٥١.
(٤)
هذا الكتاب
وكتابنا هذا يضّم بين دفّتيه مباحث «الامامة » في « أهم الكتب الكلاميّة » إنه يشتمل :
على مباحث الامامة في كتاب ( شرح المواقف ) للسيد الجرجاني ، و ( المواقف ) للقاضي عضد الدين الايجي مع تعليقتنا : ( الطرائف على شرح المواقف ).
وعلى مباحث الامامة في كتاب ( شرح المقاصد ) للسّعد التفتازاني ، مع تعليقتنا عليه : ( المراصد على شرح المقاصد ).
وقد تعرضنا في خلال ( الطرائف ) و ( المراصد ) لبعض الكتب الكلامية الأخرى ، من قبيل ( الصواعق المحرقة ) لابن حجر المكي ، و ( إبطال الباطل ) لابن روزبهان الخنجي ، و ( التحفة الاثنا عشرية ) لعبد العزيز الدهلوي.
إنّه بحث مقارن حول ( الامامة ) من جميع جوانبها وسيرى القارئ الكريم أنّا في جميع بحوثنا وتعاليقنا على الكلمات ، لم ننقل إلاّ عن كتب السنّة ، إذ لا تردّ كلماتهم إلاّ بكتبهم وروياتهم ، لأنّ كتب الشيعة ليست بحجةٍ إلاّ على الشيعة أنفسهم ، أما إذا إجبنا عن كلام للسنّة من كتبهم فقد جاء الجواب متفّقاً عليه بين الطّرفين ، ولا مناص من الأخذ به والتسليم له
ويشتمل أيضاً :
على رسائل تحقيقّية كتبتها حول أحاديث استندوا إليها في هذه الكتب ، فجاءت بحوثاً علميّة تعالج قضايا من تاريخ الاسلام وتبيّن الواقع والحقيقة في أشياء منسوبة في كتب القوم إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
وقد جاء وصفنا للكتابين ( شرح المواقف ) و ( شرح المقاصد ) بـ « أهم الكتب الكلاميّة » وبالنظر إلى كلمات العلماء من السنة في وصف ( المواقف ) و ( شرحه ) و ( شرح المقاصد ) وفي الثناء على مؤلّفي هذه الكتب ، وأيضاً بالنّظر إلى الشروح والحواشي الموضوعة عليها
أمّا ( كتاب المواقف في علم الكلام ) فقد قال الإيجي في مقدّمته :
« وإني قد طالعت ما وقع إليّ من الكتب المصنفة في هذا الفن ، فلم أر فيها ما فيه شفاء لعليل أو رواء لغليل ، سيّما والهمم قاصرة ، والرغبات فاترة ، والدواعي قليلة والصوارف متكاثرة إلى أنْ كتب هذا كتاباً مقتصداً لا مطوّلاً ممّلاً ولا مختصراً مخلاً أودعته لبّ الألباب وميزّت فيه القشر من اللباب ، ولم آل جهداً في تحرير المطالب وتقرير المذاهب وتركت الحجج تتبختر اتضاحاً والشبه تتضاءل افتضاحاً ، ونبّهت في النقد والتزييف والهدم والترصيف على نكتٍ هي ينابيع التحقيق ، وفقر تهدي إلى مظانّ التدقيق ».
وقال الشريف في وصفه : « وممّا صنف فيه من الكتب المنقّحة المعتبرة ، وألّف فيه من الزبر المهذبة المحررة ، كتاب المواقف الذي احتوى من أصوله وقواعده على أهمّها وأولاها ، ومن شعبه وفوائده على ألطفها وأسناها ، ومن دلائله العقلية على أعمدها وأجلاها ، ومن شواهده النقليّة على أفيدها وأجداها ، كيف لا ، وقد انطوا على خلاصة أبكار الأفكار ، وزبدة نهاية العقول والأنظار ، ومحصّل ما لخّصه لسان التحقيق ، وملخّص ما حرّره بنان التدقيق ، في ضمن عباراتٍ رائقة معجزة ، واشارات شائقة موجزة ، فصار بذلك في الاشتهار كالشمس في رابعة النهار ، واستمال بصائر أولي الأبصار ، من أذكياء الأمصار والأقطار ».
وقال الشوكاني بترجمة الايجي : « له المواقف في علم الكلام ومقدّماته ، وهو كتاب يقصر عنه الوصف ، لا يستغني عنه من رام تحقيق الفن ».
وقد ترجم للقاضي الايجي علماء عصره والمتأخّرون عنه ووصفوه بقاضي قضاة الشرق وشيخ العلماء وشيخ الشافعية في بلاده. قالوا : « كان إماماً في المعقولات محققاً مدّققاً قائماً بالأصول والمعاني والعربيّة ، ومشاركاً في الفقه وغيره من الفنون » ونصوّا على أنه « أنجب تلاميذ اشتهروا في الآفاق » وذكروا فيهم التفتازاني.
الدرر الكامنة ٢/٣٢٣ ، البدر الطالع ١/٣٢٦ ، شذرات الذهب ٦/١٧٤ طبقات الشافعية للأسنوي ٢/١٧٩ ، بغية الوعاة : ٢٩٦. وغيرها.
وكذا ترجموا للسيّد الجرجاني المتوفى في أواخر القرن السابع أو أوائل القرن الثامن ، ووصفوه بـ « عالم بلاد الشرق ، كان علاّمة دهره » « صار إماماً في جميع العلوم العقلية وغيرها ، ومتفرّداً بها مصنّفاً في جميع أنواعها ، متبّحراً في دقيقها وجليلها ، وطار صيته في الآفاق ، وانتفع الناس بمصنفاته في جميع البلاد ، وهي مشهورة في كلّ فن ، يحتج بها أكابر العلماء وينقلون منها ، ويوردون ويصدرون عنها » ثم ذكروا من مصنفاته المشهورة : ( شرح المواقف ). وأضاف الشوكاني : « تصدى للإقراء والإفتاء ، وأخذ عنه الأكابر وبالغوا في تعظيمه ، لا سيّما علماء العجم والروم ، فإنهم جعلوه هو والسعد التفتازاني حجةً في علومهما ».
الضوء اللامع ٥/٣٢٨ ، البدر الطالع ١/٤٨٨ ، الفوائد البهية : ١٢٥ ، بغية الوعاة : ٣٥١ مفتاح السعادة ١/١٦٧.
وفي كشف الظنون : « المواقف في علم الكلام. وهو كتاب جليل القدر ، رفيع الشأن ، اعتنى به الفضلاء ، فشرحه السيد الشريف ، وشرحه شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني
وكتب على شرح الشريف جماعة ، تعرّض كل منهم لحلّ مغلقاته »
ثم ذكر الشروح والحواشي على المتن والشرح ، وهي كثيرة جداً(١) .
وأما ( شرح المقاصد ) فيقول التفتازاني عنه : « أخذت في تصنيف مختصر موسوم بالمقاصد ، منظوم فيها غرر الفوائد ودرر الفرائد ، وشرح له يتضّمن بسط موجزه وحل ملغزه ، وتفصيل مجمله وتبيين معضله ، مع تحقيق للمقاصد وفق ما يرتاد ، وتدقيق للمعاقد فوق ما يعتاد ».
وقال كاشف الظنون : « المقاصد في علم الكلام وله عليه شرح جامع » ثم ذكر عدّة من الحواشي المكتوبة عليه(٢) .
وهكذا تجد كلماتهم بترجمة التفتازاني المتوفى سنة ٧٩١ تقريباً ، فقد وصفه الحافظ ابن حجر بـ « الامام العلامة ، عالم بالنحو والتصريف والمعاني والبيان والأَصلين والمنطق وغيرها. أخذ عن القطب والعضد ، وتقدم في الفنون ، واشتهر
__________________
(١) كشف الظنون ٢/١٨٩١
(٢) كشف الظنون ٢/١٧٨٠.
ذكره وطار صيته ، وانتفع الناس بتصانيفه ، وكان في لسانه لكنة ، وانتهت إليه معرفة العلم بالمشرق » وكذا قال السيوطي وابن العماد والشوكاني وأضاف : « وبالجملة فصاحب الترجمة متفرد بعلومه في القرن الثامن ، لم يكن له في أهله نظير فيها ، وله من الحظ والشهرة والصيّت في أهل عصره فمن بعدهم ما لا يلحق به غيره ، ومصنفاته قد طارت في حياته إلى جميع البلدان ، وتنافس الناس في تحصيلها ».
الدرر الكامنة ٤/٣٥٠ ، بغية الوعاة : ٣٩١ ، شذرات الذهب ٦/٣١٩ ، البدر الطالع ٢/٣٠٣ ، مفتاح السعادة ١/١٦٥.
هذا ، وأرجو الله سبحانه أن ينفع بهذا الكتاب كلّ باحثٍ حرٍّ ، يريد الوقوف على موارد الخلاف بين الشيعة والسنة في مباحث الامامة ، وينظر اليها بعين الانصاف خالياً عن التعصّب والاعتساف ، فيتّبع أحسنه وأقربه إلى الكتاب والسّنة والعقل ، فيفوز بنظام المعاش ونجاة المعاد
والله هو الهادي ، وهو الموفق لما فيه الخير والرشاد.
* * *
الطّرائف
على شرح المواقف
المرصد الرّابع
في الإمامة ومباحثها
( ليست من اصول الديانات والعقائد ، خلافاً للشيعة ، بل هي عندنا من الفروع المتعلقة بأفعال المكلفين ، إذ نصب الامام عندنا واجب على الأمّة سمعاً ).
أقول :
أما أن نصب الامام واجب على الله كما هو الحق أو على الأمة كما يقولون؟ فسيأتي البحث عنه قريباً.
وأما أن الإمامة من أصول الديانات والعقائد أو هي من الفروع؟ فالحق : أنها من الأصول كالنّبوة ، وممّا يدلّ على ذلك الحديث الصحيح المتّفق عليه الصريح في أنّ « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهليةً » وقد روي بألفاظ مختلفة والمعنى واحد وهو ما ذكرناه ، فهو باللفظ المذكور في عدة من الكتب كشرح المقاصد ٥/٢٣٩ ، وبلفظ « من مات بغير إمام مات ميتةً جاهلية » في مسند أحمد
٤/٩٦ وغيره. وبلفظ : « من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية » في سنن البيهقي ٨/١٥٦ وغيره ، وله ألفاظ أخرى.
فإنّه دليل صريح على وجوب معرفة الإمام والإعتقاد بولايته الإلهيّة ووجوب طاعته والإنقياد له ، وأن الجاهل به أو الجاحد له يموت على الكفر كما هو الحال بالنسبة إلى نبوّة النبي ـصلىاللهعليهوآله ـ وبما ذكرناه غنىً وكفاية عن غيره من الأدلة.
وعن جماعة من الأشاعرة كالقاضي البيضاوي موافقة الإمامية في أن الإمامة أصل من أصول الدين ، وعن بعضهم كالتفتازاني أنها بعلم الفروع أليق!
قوله(٣٤٥) :
( ولابدّ من تعريفها أولاً ) .
أقول :
إن « الإمام » هو المؤتّم به ، أي المتبّع والمقتدى قال تعالى لإبراهيمعليهالسلام :( إنّي جاعلك للناس إماماً ) وأما تعريف الإمامة فالظاهر أن لا خلاف فيه.
قال العلامة الحليرحمهالله بتعريف الإمامة : « الإمامة رياسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخصٍ من الأشخاص نيابةً عن النبيصلىاللهعليهوآله ». وقال المقداد السيّوريرحمهالله بشرحه : « الإمامة رياسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخصٍ انساني. فالرياسة جنس قريب ، والجنس البعيد هو النسبة ، وكونها عامة فصل يفصلها عن ولاية القضاة والنواب ، وفي أمور الدين والدنيا بيان لمتعلّقها ، فإنّها كما تكون في الدين فكذا في الدنيا ، وكونها لشخص إنساني فيه إشارة إلى أمرين :
أحدهما : أن مستحقّها يكون شخصاً معيّناً معهوداً من الله تعالى ورسوله ،
لا أيّ شخص إتفق.
وثانيهما : إنه لا يجوز أن يكون مستحقّها أكثر من واحد في عصر واحد.
وزاد بعض الفضلاء في التعريف بحقّ الأصالة ، وقال في تعريفها : الإمامة رياسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص إنساني بحق الأصالة ، واحترز بهذا عن نائب يفوّض إليه الإمام عموم الولاية ، فإنّ رياسته عامة لكن ليست بالاصالة. والحق : أن ذلك يخرج بقيد العموم ، فإنّ النائب المذكور لا رياسة له على إمامه ، فلا يكون رياسته عامة.
ومع ذلك كلّه فالتعريف ينطبق على النبوة ، فحينئذٍ يزاد فيه : بحق النيابة عن النبيصلىاللهعليهوآله أو بواسطة بشر »(١) .
قوله(٣٤٥) :
( نصب الإمام عندنا واجب علينا سمعاً وقالت الإمامية والإسماعيلية : لا يجب نصب الإمام علينا ، بل على الله سبحانه ، إلاّ أنّ الإمامية أوجبوه عليه لحفظ قوانين الشرع عن التّغيير بالزيادة والنقصان
لنا في إثبات مذهبنا أن نقول : أمّا عدم وجوبه على الله أصلاً وعدم وجوبه علينا عقلاً فقد مر ، لما تبين من أنه لا وجوب عليه تعالى ولا حكم للعقل في مثل ذلك ).
وقوله (٣٤٨) :
( إحتج الموجب النصب للإمام على الله بأنّه لطف ، لكون العبد معه أقرب إلى الطاعة وأبعد عن المعصية ، واللطف واجب عليه تعالى.
والجواب بعد منع وجوب اللطف : أن اللطف الذي ذكرتموه إنما يحصل
__________________
(١)النافع يوم الحشر ـ شرح الباب الحادي عشر : ٤٤ :
بإمام ظاهر قاهر ) .
أقول :
قد عرفت أنّ « الإمامة » نيابة عن النبيصلىاللهعليهوآله وخلافة عنه في كلّ ما لأجله بعث ، فهي من توابع « النبوة » وفروعها ، فكلّ دليل قام على وجوب بعث النبي وإرسال الرسول فهو دال على وجوب نصب الإمام النائب عنه والقائم مقامه في وظائفه
ومن ذلك قاعدة اللّطف ، وهو : ما يقرّب العبد إلى الطاعة ويبعّده عن المعصية ، ولا حظّ له في التمكين ، ولا يبلغ الإلجاء ، لتوقّف غرض الّلطف عليه ، فإنّ المريد لفعل من غيره إذا علم أنّه لا يفعله إلاّ بفعل المريد من غير مشقة لو لم يفعله لكان ناقضاً لغرضه ، وهو قبيح عقلاً(١) .
ولا ريب في أن « الإمام » كذلك مثل « النبي ».
فنصب الإمام واجب على الله كبعث النبي ، لتكون( لله الحجة البالغة ) (٢) و( لئلاّ يكون الناس على الله حجّة ) (٣) و( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بيّنة ) (٤) .
وحينئذ لا يقال : « أنه لا وجوب عليه تعالى ، ولا حكم للعقل في مثل ذلك » لأنّ معنى هذا الوجوب العقلي درك العقل حسن إرسال ونصب الإمام ، إذا بذلك يعرف الله ويعبد ، وهذا هو الغرض من الخلقة حيث قال سبحانه :( وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون ) (٥) ، ولو تركه لكان ناقضاً لغرضه.
فسقط منع وجوب اللّطف ، ولعلّ منشأ المنع هو الغفلة عن حقيقة
__________________
(١) الباب الحادي عشر : ٣٥.
(٢) سورة الأنعام : ١٤٩.
(٣) سورة النساء : ١٦٥.
(٤) سورة الأنفال : ٤٢.
(٥) سورة الذاريات : ٥٦.
الإستدلال.
وسقط أيضاً النقض بالإمام المعصوم الغائب ، ولعل منشأه الغفلة عن حقيقة الإمامة ، وتوهّم كونها السلطنة الظاهرية فحسب وقد عرفت أنها منصب إلهي كالنبوة ، فكما أن النبوة قد تجتمع مع السلطنة الدنيوية والحكومة الظاهرية وقد تفترق عنها والنبوة باقية ، كذلك الإمامة و « البعث » و « النصب » من الله في جميع الأحوال على حاله ، و « النبي » و « الامام » باقيان على النبّوة والإمامة وعلى الناس الإنقياد لهما والتسليم لأوامرهما ونواهيهما ولا إلجاء من الله كما عرفت ، فإن فعلوا إجتمعت الرئاستان وتمّ اللطف ، وإلاً افترقتا ولم تبطل النبوة والإمامة ، بل خسرت الأمة فوائد بسط اليد ونفوذ الكلمة منهما على أنّ وجود النبي أو الإمام الفاقد للسلطنة الظاهرية ينطوي على بركات وآثار ، حتى ولو كان غائباً عن الأبصار
هذا موجز الكلام في بيان الإستدلال بقاعدة اللطف ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب الكلامية لأصحابنا الإمامية ، كالذخيرة والشّافي وتلخيصه وتجريد الإعتقاد وشرحه وغيره من كتب العلامة الحلّي وشروحها وغير ذلك
واستدل أيضاً : بأنه قد ثبت أن شريعة نبيّنا عليه وآله السلام مؤبدة ، وأن المصلحة لها ثابتة إلى قيام الساعة لجميع المكلّفين. وإذا ثبت هذا فلا بدّ لها من حافظ ، لأنّ تركها بغير حافظ إهمال لها ، وتعبّد للمكلّفين بما لا يطيقونه ويتعذّر عليهم الوصول اليه.
وليس يخلو الحافظ لها من أن يكون جميع الأمّة أو بعضها.
وليس يجوز أن يكون الحافظ لها الأمة ، لأن الأمّة يجوز عليها السّهو والنسيان وارتكاب الفساد والعدول عمّا علمته.
فإذن ، لا بدّ لها من حافظ معصوم يؤمن من جهته التغيير والتبديل والسهو ، ليتمكّن المكلّفون من المصير إلى قوله.
وهذا الامام الذي نذهب إليه(١) .
وقد أشير في الكتاب إلى هذا الإستدلال وترك بلا جواب.
واستدل أيضاً بانّه : قد ثبت أنه ليس كل ما تمسّ الحاجة إليه من الشريعة على حجّة قاطعة من تواتر أو أجماع أو ما جرى مجراهما ، بل الأدلة في كثير من ذلك كالمتكافئة ، ولولا ما ذكرناه ما فزع خصومنا إلى غلبة الظن والإستحسان وإجتهاد الراي ، وإذا ثبت ذلك ، وكنّا مكلَّفين بعلم الشريعة والعمل بها ، وجب أن يكون لنا مفزع نصل من جهته إلى ما اختلف أقوال الأمة فيه.
وهو الإمام الذي نقوله.
وهذا دليل آخر على وجوب إمام معصوم في كلّ زمان
وهناك غير ما ذكر من الأدلة.
فهذا جملة من الأدلة العقلية على أنّ نصب الإمام بيد الله لابيد الأنام وفي الكتاب والسنة أدلّة عديدة على أن لا دخل للناس في نصب الإمام وتعيينه ، من ذلك قوله تعالى :( وربّك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ) (٢) .
ومن ذلك ما ثبت عن النبيصلىاللهعليهوآله من أنّه لما عرض نفسه على بعض القبائل ودعاهم إلى الإسلام قال له رجل منهم :
« أرأيت ان نحن بايعناك على أمرك ثم أظفرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك؟
قالصلىاللهعليهوآله : الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء »(٣) .
قوله(٣٤٩) :
__________________
(١) تلخيص الشافي ١/١٣٣ ، شرح التجريد : ٢٨٥.
(٢) سورة القصص : ٦٨.
(٣) السيرة النبوية لابن هشام ٢/٦٦ ، السيرة الحلبية ٢/١٥٤.
( الجمهور على أن أهل الإمامة ومستحقها من هو مجتهد في الأصول والفروع ).
لم يتعرّض في هذه الشروط التي نسبها إلى « الجمهور » لمذهب أصحابنا فنقول : إن مذهب أصحابنا أنّ الإمامة منصب إلهي كالنبوة ، وطريق تعيين الإمام هو النصّ أو ما يقوم مقامه لا غير ، فكلّ ما يعتبر في النبوة معتبر في الإمامة ، وكلّما ليس بمعتبر في النبوة فليس معتبراً في الإمامة ، وكما أن النبي ليس بمجتهد بل هو مبلّغ لما أمره الله تعالى بإبلاغه بالوحي كذلك الإمام فهو مبلّغ لما أخذه وتعلّمه من النبي
قوله(٣٥٠ ـ ٣٥١)
( وههنا صفات أخرى في أشتراطها خلاف :
الأولى : أن يكون قرشياً
الثانية : أن يكون هاشمياً ، شرطه الشيعة.
الثالثة : أن يكون عالماً بجميع مسائل الدين ، وقد شرطه الإمامية.
الرابعة : ظهور المعجزة على يده ، إذ به يعلم صدقه في دعوى الإمامة والعصمة ، وبه قال الغلاة.
ويبطل هذه الثلاثة أنا ندل على خلافة أبي بكر ، ولا يجب له شيء مما ذكر.
الخامسة : أن يكون معصوماً ، شرطها الإمامية والإسماعيلية.
ويبطله أن أبابكر لا عصمة له إتفاقاً ).
أقول :
أما الأول ـ وهي أن يكون قرشياً ـ فلم يتعرّض لرأي أصحابنا فيها مع أنّهم قائلون بإشتراطها ، وحديث « الأئمة من قريش » ، لم يثبت عندنا إستدلال الصحابة به بل الثابت عن عمر القول بخلافه.
وأمّا دليل القول الآخر : وهو مارووه عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه
قال : « وعليكم بالسّمع والطاعة ولو عبداً حبشياً » فحديث باطل مختلق ، لكن القوم قائلون بصحّته ، ولذا حمل في الكتاب وغيره على بعض الوجوه *.
وأما الثلاثة التي بعدها فقد أبطلها بدليله على خلافة أبي بكر وكونه إماماً ، مع أنه لم يكن هاشمياً ، ولم يكن عالماً بمسائل الدين ، ولم تظهر على يده معجزة ولا كرامة
وفي هذا الكلام ـ مع الإعتراف بجهل أبي بكر بمسائل الّدين ، وهو الواقع كما لا يخفى على من له إلمام بالأخبار والسّير والتواريخ ، والاعتراف بعدم ظهور شيء مما يقتضي أن يكون له كرامة عنه الله على يديه ـ دلالة على أنه إذا بطل دليل خلافته ثبت اعتبار تلك الصفات.
هذا ، ولا يخفى أنه قد نسب الثانية والثالثة إلى « الشيعة » ونسب الرابعة إلى « الغلاة » ولسنا ندري من يعني من « الغلاة »؟ ولماذا هذا التفريق؟ مع أنّ الرابعة منصوص عليها في كتب أصحابنا في طريق تعيين الإمام ، قال الشيخ أبو جعفر الطوسي : « فصل في إيجاب النص على الإمام أو ما يقوم مقامه من المعجز الدالّ على إمامته »(١) .
وقال العلاّمة الحلّي : « الإمام يجب أن يكون منصوصاً عليه ، لأنّ العصمة من الأمور الباطنة التي لا يعلمها إلاّ الله تعالى ، فلا بدّ من نص من يعلم عصمته عليه أو ظهور معجزة على يده تدل على صدقه »(٢) .
لكن العمدة في الصفات المعتبرة ـ كما اعترف في الكتاب : ٣٥٢ ـ العصمة
__________________
* وقد أخرج هذا الحديث في بعض الصّحاح عن العرباض بن سارية عن النبيصلىاللهعليهوآله في وصيّة له وموعظة للمسلمين فيها الأمر باتّباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده واطاعة من تولّى أمورهم ولو كان عبداً حبشيّاً ، وهو حديث باطل ساقط بجميع طرقه فراجع رسالتنا الخاصّة به وهي مطبوعة في مجلة « تراثنا » العدد : ٢٦.
(١) تلخيص الشافي ١/٢٧٥.
(٢) الباب الحادي عشر بشرح المقداد ٤٨.
والأعلميّة وقد نصّ على عدمهما في أبي بكر أما إعتبار العصمة فقد تعرض لبعض حجج أصحابنا عليه كما ستعرف ، وأما عتبار الأعلمية فسكت عن ذكر وجهه.
قوله (٣٥١) :
( احتجوا على إشتراط العصمة بوجهين :
الأول : إن الحاجة إلى الإمام إمّا للتعليم الجواب : منع كون الحاجة اليه لأحدهما ، بل لما تقدم من دفع الضرر المظنون.
الثاني من الوجهين قوله تعالى :( لا ينال عهدي الظالمين ) في جواب إبراهيم عليهالسلام حين طلب الإمامة لذريته ، وغير المعصوم ظالم فلا ينال عهد الإمامة. الجواب : لا نسلم أن الظالم من ليس بمعصوم بل من ارتكب معصيةً مسقطةً للعدالة مع عدم التوبة والإصلاح ).
أقول :
ليس إحتجاج أصحابنا على اشتراط العصمة منحصراً بالوجهين المذكورين فلقد احتجوا بوجوه من العقل والكتاب والسنة :
أما من العقل فقد عرفت أنّ « الإمامة » خلافة النبّيصلىاللهعليهوآله وأنه يعتبر في « الإمام » كل ما يعتبر في « النبي » إلاّ الوحي و « العصمة » معتبرة في النبّي بالإتفاق فهي معتبرة في الإمام كذلك.
وأيضاً : قد عرفت أن الغرض من نصب الإمام حفظ الشريعة وإقامة الدين وردع الظالم عن ظلمه والإنتصاف للمظلوم منه ، فلو جاز أن يكون غير معصوم يجوز منه الخطأ والغلظ والسهو والنسيان لكان ذلك نقضاً للغرض من نصبه.
وأيضاً : لو صدرت من الإمام معصية فإن أطيع كانت إطاعته معصيةً لله ، وإن أنكر عليه وقعت الفتنة والضرر العظيم ، وهذا نقض للغرض من نصبه.
وما ذكره من أن الحاجة إلى إلامام ليس لما تقدّم ، بل لدفع الضرّر المظنون
فيه : أنه إنما يدفع الضرر المظنون به إذا كان معصوماً ، والعصمة لا يعلمها إلا الله ، ولذا قلنا بوجوب نصب الإمام على الله ووجوب النصّ عليه منه ، وأما تفويض النصب إلى الخلق فإنه يوجب الإختلاف ويؤدي إلى الضرّر المطلوب زواله.
وأما الكتاب فقد قال تعالى :( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتّمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريّتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) (١) .
أمّا « الظالم » فهو « عنه أهل اللغة وكثير من العلماء : واضح الشيء في غير موضعه »(٢) . وغير المعصوم كذلك كما هو واضح ، وأما « العهد » فالمراد منه ـ كما ذكر المفسّرون(٣) ـ هو « الإمامة » فمعنى الآية : أنّ غير المعصوم لا يناله الإمامة.
فأين الجواب الذي ذكره عن هذا الإستدلال؟
وأمّا السنّة فأحاديث كثيرة :
منها : حديث الثقلين المتواتر بين الفريقين فإنه نص في وجوب متابعة الأئمة من عترة النبيصلىاللهعليهوآله وأهل بيته لكونهم معصومين فهو يدلّ على وجوب عصمة الإمام وهذا هو الحديث كما أخرجه مسلم بسنده عن زيد بن أرقم قال :
« قال رسول الله يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خّماً بين مكة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر ثم قال : أما بعد ، ألا يا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين ، أوّلهما : كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه ، ثمّ قال : وأهل بيتي ، أذكّركم الله في أهل بيتي ، أذكّركم الله في أهل بيتي ، أذكّركم الله في أهل بيتي »(٤) .
__________________
(١) سورة البقرة ١٢٤.
(٢) قاله الراغب في المفردات : ٣١٥.
(٣) الرازي ٣/٤٠ ، البيضاوي : ٢٦ ، أبو السعود ١/١٥٦.
(٤) صحيح مسلم ٧/١٢٢ باب فضل علي. وهذا الحديث تجده في سائر المسانيد والسنن وجوامع
ومنها : قوله :صلىاللهعليهوآله :
« عليّ مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض »(١) فإنه يفيد ثلاثة أمور :
أحدها : معنى العصمة ، وهوعدم التخطّي عن القرآن.
والثاني : إشتراط هذا المعنى في الإمام.
والثالث : وجوده في عليعليهالسلام .
ومنها : قولهصلىاللهعليهوآله « علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار »(٢) فإنّه كسابقه في إفادة الأمور المذكورة.
قوله(٣٥١) :
( وتثبت أيضاً ببيعة أهل الحلّ والعقد خلافاً للشيعة ).
أقول :
مذهب أصحابنا الإثني عشرية عدم الثبوت بذلك ، وذلك لأنّه قد عرفت أنّ عمدة الشروط المعتبرة في « الإمامة » هي « العصمة » و « الأعلميّة » ، ولما كانت « العصمة » من الأمور الباطنة التي لا يعلمها إلا الله ورسوله ، فلا بدّ من النصّ الكاشف عنها منهما أو المعجز القائم مقام النص ، ولذا كان نصب الإمام واجباً على الله سبحانه ، ولم يفوّض إلى الناس.
وأمّا « الأعلمية » فكذلك ، ولو فرض أن يمكن لبعض الناس الإطلاع عليها فإنّ الإختلاف بينهم في تعيين الواجد لها غير مأمون ، وفي ذلك نقض
__________________
الحديث ، فإن شئت الوقوف على طرقه وأسانيده فراجع كتابنا ( خلاصة عبقات الأنوار ).
(١) المستدرك ٣/١٢٤ وتلخيصه للذهبي ، وقد صحّحه كلاهما.
(٢) هذا الحديث بهذا اللفظ ونحوه في سنن الترمذي ٢/٢٩٨ والمستدرك ٣/١٢٤ وقال : هو صحيح على شرط مسلم ، وفي غيرهما.
للغرض الذي من أجله يحتاج إلى الإمام.
وبهذا يظهر أنّ « الإمامة » لا تكون بالبيعة ولا بالشورى
ومن العجب أنهم يقولون بتفويض أمر الإمامة إلى « الامة » (٣٤٥) ثم يقولون بأنها « تثبت ببيعة أهل الحلّ والعقد » (٣٥١) ثم يقولون بأن « الواحد والإثنين من أهل الحلّ والعقد كاف »! « كعقد عمر لأبي بكر ، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان » (٣٥٣) فكيف يحلّ لمن يؤمن بالله واليوم الآخر ، إيجاب إتباع من لم ينص الله تعالى عليه ولا رسوله ولا إجتمعت الأمة عليه ، على جميع الخلق في شرق الدنيا وغربها ، لأجل مبايعة واحد أو إثنين!!
قوله(٣٥٤) :
( وهو عندنا أبوبكر وعند الشيعة علي
لنا وجهان :
الأول : إنّ طريقه إمّا النص أو الإجماع بالبيعة ، أما النص فلم يوجد لما سيأتي. وأما الاجماع فلم يوجد على غير أبي بكر إتفاقاً من الأمة.
الثاني : الإجماع منعقد على حقّية إمامة أحد الثلاثة : أبي بكر وعلي والعباس ، ثم إنهما لم ينازعا أبابكر ).
أقول :
أما الوجه الأوّل ففيه :
أولاً : إنّ الطريق منحصر في النصّ أو ما يقوم مقامه كما عرفت.
وثانياً : إنّ النص موجود كما سيأتي.
وثالثاً : الإجماع غير منعقد على أبي بكر ، ودعوى إتفاق الأمة على تحقّقة باطلة وكيف يدّعى إنعقاد الإجماع عليه ولم يبايعه زعيم الخزرج سعد بن عبادة وولده وذووه إلى أن مات أبوبكر ، ولم تبايعه بضعة الرّسول وسيدة نساء
العالمين فاطمة الزهراء حتى فارقت الحياة ، ولم يبايعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مدة حياتها ، والزبير ، لم يبايعة إلاّ بعد أن كسروا سيفه وأخذوه قهراً ، والمقداد لم يبايعه إلاّ بعد ما ضربوه ، وكذلك سلمان وأبوذر وعمّار وحذيفة وبريدة وأتباعهم ، وكثير من سائر المسلمين؟!
وأمّا الوجه الثاني ففيه :
إنه إن أريد ثبوت الإجماع على حقيّة أحد الثلاثة بعد النبيصلىاللهعليهوآله وقبل بيعة أبي بكر فهو ممنوع ، لأنّ المسلمين أو أهل الحلّ والعقد منهم لم يجتمعوا حتى تعرف آراؤهم ، ومن اجتمع منهم في السقيفة كان بعضهم يرى أنّ سعد بن عبادة حقيق بها ، فكيف يدعي وقوع الإجماع حينئذ على حقيّة أحد الثلاثة المذكورين؟ على أنّا لم نسمع أن أحداً ذكر العباس حينئذ.
وإن أريد ثبوت الإجماع المذكور بعد بيعة أبي بكر فهو ينافي ما زعموه من الإجماع على بيعة أبي بكر خاصة إن اتفق زمن الإجماعين ، وإلاّ بطل الاجماع على حقيّة أحد الثّلاثة سواء تقدّم أم تأخّر ، لأ ، الإجماع على تعيين واحد هو الذي يجب اتّباعه ، فيكون الحق مختصاً بأبي بكر ولم يصح جعل الإجماع على حقيّة أحد الثلاثة دليلاً ثانياً. ويحتمل بطلان الإجماع المتقدّم وصحة المتأخّر مطلقاً ، وهو الأقرب.
قوله : « إنّهما لم ينازعا أبابكر ولو لم يكن على الحق لنازعاه كما نازع علي معاوية ، لأنّ العادة تقضي بالمنازعة في مثل ذلك ».
فيه : إن أريد من المنازعة خصوص المحاربة فإنّه لم يكن له ناصر إلاّ أقلّ القليل ، وقد صرّح بقلّة ناصريه في غير واحد من خطبه وكلماته ، ومن أشهرها الخطبة الشقشقية حيث قال : « فطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء ».
وقوله : « وفاطمة مع علوّ منصبها زوجته والحسن والحسين » عجيب جداً ، فإنّ فاطمةعليهاالسلام لم يصدّقها أبو بكر في مطابتها بفدك ، وردّ شهادة الحسنينعليهماالسلام ، فكيف يقدم على المحاربة إعتماداً على أنّ هذه زوجته وهما
ولداه ، فضلاً عن الإعتماد على غيرهم كالذين ذكرهم؟
وإن أريد من المنازعة مخالفة أبي بكر والمطالبة بحقّه فهذا ما قد فعله ، فقد إمتنع مدة حياة فاطمةعليهاالسلام عن البيعة ، كما لم يأمرها بالبيعة حتى توفيت ، مع علمه بأنّ « من بات وليس في عنقه بيعة أمام فمات مات ميتة جاهلية » بل إنه حملها ـ والحسنين ـ مستنصراً وجوه المسلمين فلم ينصروه ، كما رواه غير واحد من المؤرخين(١) وذكره معاوية في كتاب له إلى أمير المؤمنين.
هذا ، ولا يخفى ما في عبارة الكتاب من التناقض ، فهو في الوقت الذي يدعي الإجماع على خلافة أبي بكر يعترف بكون فاطمة وولديها والعباس والزّبير وأبي سفيان والأنصار مع أمير المؤمنينعليهالسلام !! اللهم إلاّ أن يريد من « الإجماع » عمر بن الخطاب الذي انعقدت ببيعته خلافته!!
وممّا يشهد بوجود المخالفين والكارهين خلافة أبي بكر تفسير بعض المحشّين على الكتاب قول عمر : « كانت بيعة أبي بكر فلتةّ وقى الله شرّها » بأن « معنى وقى الله شرّها : شرّ الخلاف الذي كان يظهر من المهاجرين والأنصار »(٢) .
ومما يشهد بعدم إنعقاد الإجماع على إمامته لجوء بعضهم تارةً إلى دعوى النص عليه واخرى إلى دعوى العصمة له.
فتلخص أنْ لا نص ّ على أبي بكر كما اعترف وال اجماع كما عرفت ، وليس غيرهما طريق كما قال!
قوله(٣٥٤) :
( وكلام الشيعة في إثبات إمامة علي يدور على أمور ، أحدها : أن الإمام يجب أن يكون معصوماً لما مر ، وأبوبكر لم يكن معصوماً إتفاقاً والواجب منع وجوب العصمة ، وقد تقدّم ).
__________________
(١) الإمامة والسياسة : ١٣ ، شرح نهج البلاغة عن الجوهري.
(٢) لاحظ هامش : ٣٥٨.
أقول :
قد تقدّم إجمالاً وجوب عصمة الإمام بدلالة الكتاب والسنة والعقل.
ودعوى إبن تيمية في مقام نفي عصمة أمير المؤمنينعليهالسلام : « إنه لم يكن بأولى في العصمة من أبي بكر وعمر وعثمان »(١) .
مردودة بالإجماع المصرّح به في الكتاب وغيره ، وبإعتراف أبي بكر نفسه ، وبدلالة كتب السّير والتواريخ ، لكن هذه الدعوى من شواهد صحة ما ذهب إليه أصحابنا من إعتبار العصمة ، ولعلّ الوجه في دعواه ذلك هو التنبّه إلى عدم تحقق الإجماع على خلافته مع عدم وجود النصّ عليه.
قوله(٣٥٥) :
( ثانيها : البيعة لا تصلح طريقاً إلى إثبات الإمامة ، وإمامة أبي بكر إنما تستند إليها إتفاقاً ، الجواب مر ).
أقول :
إنّ الطريق الصحيح إلى إثبات الإمامة وتعيين الإمام هو النصّ لما عرفت ، على أنّ الإجماع لم ينعقد على إمامة أبي بكر ، ودعوى الإتفاق على ذلك إن أراد منها ـ كما هوالظاهر ـ الإتفاق بين الإمامية ومخالفيهم كاذبة ، إلاّ أنْ يريد الإتفاق على إستنادها إليها على فرض ثبوتها لعدم النصّ عليه بالإتفاق ، لكن الثابت عدمها.
قوله(٣٥٥) :
( وثالثها : علي أفضل الخلائق بعد رسول الله عليهالسلام ، ولا يجوز إمامة المفضول مع وجود الفاضل. وسيأتي ذلك تقريراً وجواباً ).
أقول :
__________________
(١) منهاج السنة : ٢/١٦٨.
أمّا أنّ علياً هو الأفضل أو أبوبكر فقد ذكر أدلّة الطرفين من (٣٦٥) إلى (٣٧٢) ثم قال :( وأعلم أنّ مسألة الأفضلية لا مطمع فيها في الجزم واليقين والنصوص المذكورة من الطّرفين بعد تعارضها لا تفيد القطع على ما لا يخفى على منصف ، لكنّا وجدنا السلف قالوا بأن الأفضل أبوبكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. وحسن ظنّنا بهم يقضي بأنهم لو لم يعرفوا ذلك ما أطبقوا عليه ، فوجب علينا اتّباعهم في ذلك ، وتفويض ما هو الحق فيه إلى الله ).
هذا كلام الماتن هناك وتبعه الشارح فأين الجواب؟
وأمّا أنّه لا يجوز إمامة المفضول مع وجود الفاضل فقد تعرّض له في (٣٧٣) وهذه عبارته :( منعه قوم لأنه قبيح عقلاً وجوّزه الأكثرون إذ لعلّه أصلح للإمامة وفصّل قوم ) فهو ليس إلا ناقلاً للأقوال ، فأين الجواب؟
ونحن إذا أجبنا عن أدلة أفضلية أبي بكر إجمالاً وتفصيلاً ، وبقيت أدلة افضلية عليعليهالسلام بلا معارض ، ثم ذكرنا كلمات من بعض أكابر القوم في قبح إمامة المفضول مع وجود الأفضل ثبت ما ذهب إليه أصحابنا في الصغرى والكبرى ، ولم يبق مجوّز لأتباع السّلف فيما ذهبوا إليه في مسألة التفضيل لو كانوا مطبقين عليه كما زعم فكيف وهم مختلفون؟
قوله (٣٥٥) :
( ورابعها : نفي أهلية الإمامة عن أبي بكر لوجوه ).
أقول :
أولاّ : هذه بعض الوجوه لا كلّها.
وثانياً : إنما يستدل بها بعد التنزل عن إعتبار النصّ.
قوله :
( شرائط الإمامة ما تقدم وكان أبوبكر مستجمعاً لها ، يدل عليه كتب السير والتواريخ ).
أقول :
إن الشرائط التي ذكرها وادعى الإجماع عليها (٣٤٩) هي أن يكون الإمام :
١ ـ مجتهداً في الأصول والفروع ، متمكّناً من إقامة الحجج وحلّ الشبه في العقائد الدينية ، مستقلاً بالفتوى في النوازل
٢ ـ ذل رأي وبصارة بتدبير الحرب والسلم
٣ ـ شجاعاً قويّ القلب.
٤ ـ عدلاً في الظاهر ، لئلاّ يجور.
٥ ـ عاقلاً ، ليصلح للتصرّفات.
٦ ـ بالغاً ، لقصور عقل الصبّي.
٧ ـ ذكراً ، إذ النساء ناقصات عقل ودين.
٨ ـ حرّاً ، لئلا يشغله خدمة السّيد عن وظائف الإمامة
قال :
( فهذه الصفات شروط معتبرة في الإمامة بالإجماع ).
ثم قال : (٣٥٠).
( وههنا صفات أخرى في اشتراطها خلاف ) فذكر خمسة شروط هي :
١ ـ أن يكون قرشياً.
٢ ـ أن يكون هاشمياً.
٣ ـ أن يكون عالماً بجميع مسائل الدين.
٤ ـ ظهور المعجزة على يده.
٥ ـ أن يكون معصوماً.
ثم قال بالنسبة إلى الثاني والثالث والرابع من هذه الشروط( ويبطل هذه الثلاثة أنا ندل على خلافة أبي بكر ولا يجب له شيء مما ذكر ).
وبالنسبة إلى الخامس منها :( ويبطله أن أبابكر لا تجب عصمته إتفاقاً ).
أقول :
إذن لم يتوفر في أبي بكر من هذه الشروط المختلف فيها إلاّ الأول وهو كونه قرشياً.
وأما الشروط المدّعى عليها الإجماع ، فالذي كان متوفّراً منها فيه بلا خلاف هي الأربعة التالية.
الحريّة ، الذكورة ، البلوغ ، العقل.
فالصّفات التي كان مستجمعاً لها هي هذه الأربعة والقرشيّة ولكنْ لا حاجة إلى الإستدلال لها بكتب السير والتواريخ.
وأما الأربعة الأولى وهي :
الإجتهاد ، البصيرة ، الشّجاعة ، العدالة. فكتب السير والتواريخ تشهد بعدم توفّرها فيه
ولو سلّمنا توفّر الثمانية كلّها فيه والقرشية فقد استجمع هذه الصفات غير واحد من الصحابة فما الذي رجّح أبابكر على المستجمعين لها منهم؟
على أنّك قد عرفت أن عمدة الشرائط العصمة والأفضلية والأعلمية ، وأنّ طريق تعيين الإمام هو النصّ أو ما يقوم مقامه
قوله ٣٥٥ :
( ولا نسلّم كونه ظالماً ).
أقول :
قد ذكرنا معنى قوله تعالى :( ولا ينال عهدي الظالمين ) .
قوله ٣٥٥.
( قولهم : خلاف الآية في منع الإرث : قلنا : لمعارضتها بقوله عليهالسلام : نحن معاشر الأنبياء لا نوّرث ).
أقول :
١ ـ ليس في استدلال أصحابنا أن الزهراءعليهاالسلام كانت مستحقة للنصف ، بل إن البنت الواحدة ترث كلّ ما تركه مورثّها بالفرض والرد.
٢ ـ إن الزهراءعليهاالسلام لن تطالب بنصف فدك بل كلّه.
٣ ـ إنّ صريح الأخبار الآتي بعضها هو أن « فدك » غير « خيبر » فليس قريةً بخيبر كما ذكر.
٤ ـ إنّ مطالبتها في خصوص فدك لم يكن إرثاً ، بل إنّها كانت تطالب برفع إستيلاء القوم على ذلك الملك الحاصل لها نحلةً من والدها رسول الله ـصلىاللهعليهوآله ـ منذ عام خيبر.
أمّا أن رسول الله ـصلىاللهعليهوآله ـ أعطاها فدكاً فذاك ما رواه كبار الحفّاظ عن غير واحد من الأصحاب(١) .
وأمّا أنّ أبابكر تعرّض لفدك واستولى عليه بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله فذاك أمر ثابت لا خلاف فيه ، وفي عبارة ابن حجر المكي : « إن أبابكر انتزع من فاطمة فدكاً »(٢) .
وعلى الجملة فلا ريب في أن فدكاً كان بيد الزهراء من قبل وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأبوبكر كان يعلم بذلك ، فهل انتزعه منها لكون يدها عدوانيةً؟
وهلاّ طلب منها قبل الإنتزاع إقامة البيّنة لو فرض أنّه كان يرى بإجتهاده!! توقف استمرار يدها على ذلك.
وإذ طلب منها الشهود ـ وهو يعلم بكون فدك بيدها بالحق ـ فلما ذا ردّ شهادة أمير المؤمنين؟ أكان يراه كاذباً أو كان اجتهاده! على عدم كفاية الشاهد الواحد وإن علم بصدقة؟ أمّا الأول فلا نظنّهم يلتزمون به وعلي من عرفه الكل. وأمّا الثّاني فيردّه حكم رسول اللهصلىاللهعليهوآله بشهادة خزيمة بن
__________________
(١) الدر المنثور : ٤/١٧٧.
(٢) الصواعق المحرقة : ٣١.
ثابت ، فلهذا لقّب بذي الشّهادتين(١) .
ولو سلّم حصول الشك له فهلاّ طلب اليمين من فاطمة فيكون قد قضى بيمين وشاهد ، وهو ما نزل به جبرئيل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله (٢) وقضى به رسول الله كما في الصحيح(٣) .
لكن في الكتاب : « لعله!! لم ير الحكم بشاهد ويمين »!!
سلّمنا ، أليس كان عليه أن يحلف حينئذ؟ فلماذا لم يحلف والزهراء ما زالت مطالبةً؟
هذا كلّه بغض النظر عن عصمة علي والزهراء والحسنين ، وفضلاً عن شهادة أن أم أيمن وهي المشهود لها بالجنة(٤) .
٥ ـ ثم إنّها طالبت أبابكر بإرثها من رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقد شمل طلبها هذا فدكاً بعد أن ردّ طلبها بترك التعرض له ، لكون هذه الأرض ممّا لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، فكان ملكاً خاصّاً لرسول اللهصلىاللهعليهوآله .
أخرج البخاري عن عائشة قالت : « إنّ فاطمةعليهاالسلام بنت النبي أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر.
فقال أبو بكر : إن رسول الله قال : لا نورث ما تركنا صدقة ، إنما يأكل آل محمد في هذا المال ، وإني والله لا أغيرّ شيئاً من صدقة رسول الله عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله ، ولأعملنّ فيها بما عمل بها رسول الله.
فأبى أبوبكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً.
__________________
(١) سنن أبي داود ٣/٤١٨.
(٢) كنز العمال ـ كتاب الخلافة ٥/٥٠٨.
(٣) صحيح مسلم كتاب الأقضية ، سنن أبي داود ٣/٤١٩.
(٤) كما في ترجمتها في طبقات ابن سعد والإصابة وغيرهما.
فوجدت فاطمة على أبي بكر ، فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت.
وعاشت بعد النبي ستة أشهر.
فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يوذن بها أبابكر ، وصلّى عليها.
وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة »(١) .
٦ ـ لكنّ الكلام في الحديث الذي ذكره ، فإنّ القوم لم يتمكّنوا من إثبات تماميّته سنداً ودلالةً فقد جاء في الكتاب ما نصّه.
( حجية خبر الواحد والترجيح ممّا لا حاجة لنا إليه ههنا ، لأنه كان حاكماً بما سمعه من رسول الله ، فلا اشتباه عنده في سنده ).
وهذا ـ مضافاً إلى أنّ أبابكر لم يكن حاكماً في القضية بل كان خصماً ـ فرار عن البحث ، لأن غاية هذا الكلام حسن الظن بأبي بكر ، فلما ذا لم يحسن الظن بعلي وفاطمة والعباس وأزواج النبي الذين طالبوا بارثهم من رسول اللهصلىاللهعليهوآله منكرين لهذا الحديث الذي انفرد أبوبكر بروايته!! ولا أقلّ من حسن الظن بكلا الطرفين ، فلم يثبت المخصّص لعمومات الإرث.
هذا ، وقد وجدنا في حفّاظ أهل السّنة من تجرّأ فقال الحق وتحمّل في هذا السّبيل الطّعن والطّرد ، فصرّح ببطلان هذا الحديث ألا وهو الحافظ أبو محمد عبدالرحمن بن يوسف المعروف بابن خراش ، البغدادي ، المتوفي سنة ٢٨٣ ، قال ابن المديني : « كان من المعدودين المذكورين بالحفظ والفهم للحديث والرجال » وقال الخطيب : « كان أحد الرّحالين في الحديث إلى الأمصار وممّن يوصف بالحفظ والمعرفة » وقال أبو نعيم : « ما رأيت أحفظ منه » وقال السّيوطي : « ابن خراش الحافظ البارع الناقد » إلى غير ذلك من كلماتهم في تكريمه وتجليله ، وقد رووا عن عبدان أنه قال « قلت لابن خراش : حديث لا نورّث ما تركنا صدقة. قال باطل. قلت : من تتهّم به؟ قال : مالك بن أوس » ولهذا رموه بالتشيع ، وتهجّم
__________________
(١) صحيح البخاري : باب غزوة خيبر. صحيح مسلم كتاب الجهاد والسيّر.
عليه الذهبي وابن حجر. لاحظ : تذكره الحفاظ ٢/٦٨٤ وميزان الاعتدال ٢/٦٠٠ ولسان الميزان ٣/٤٤٤ وطبقات الحفاظ : ٢٩٧.
فالحديث باطل سواء كان من أبي بكر أو مالك بن أوس.
وممّا يؤكد ذلك عمل عمر وعثمان وعمر بن عبدالعزيز خامس الخلفاء الراشدين عندهم وسائر أمراء المسلمين في عقيدتهم في فدك ، فهم جميعاً مكذّبون عملاً للحديث المذكور.
هذا في ناحية السند.
وكذا كلامه في ناحية المتن والدلالة حيث قال : (وعلم أيضاً دلالته على ما حمله من المعنى ، لانتفاء الاحتمالات التي يمكن تطرّقها اليه بقرينة الحال ، فصار عنده دليلاً قطعيّاً مخصّصاً للعمومات الواردة في باب الإرث ).
فهلاً احتمل ـ في أقل تقدير ـ أن يكون أبوبكر قد أخطأ في دلالة هذا الحديث وقد صرّح سابقاً بعدم عصمته؟
إن الحديث ذو وجهين :
أحدهما : أن يكون كلمة « صدقة » مرفوعةً على الاخبار به عن « ما » الموصولة في « ما تركناه ».
والآخر : أن يكون « ما » منصوبةً محلاً على المفعولية لـ « تركناه » وتكون « صدقة » حالاً من « ما ».
وإثبات الأول ليتم الإحتجاج به في غاية الإشكال ـ بل يبعّده ، بل يبطله ـ عدم علم أمير المؤمنين علي وفاطمة وأهل البيتعليهمالسلام والعباس وأزواج النبي وسائر المسلمين بهذا الذي ذكره أبوبكر بل إنّ هذا الحديث لم يسمع من أبي بكر قبل ذلك اليوم!! بل إنّ كلامه في آخر حياته حيث كان يتمنى لو سأل النبيصلىاللهعليهوآله عن حقّ أهل البيت في الخلافة ـ وإن كان في نفسه تضليلاً ـ دليل على ندمه على تصدّي الأمر وما ترتّب عليه من أفعال وتروك.
قال : إني لا آسى على شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهنّ ووددت أني تركتهنّ ، وثلاث تركتهنّ وددت أني فعلتهنّ ، وثلاث وددت أني سألت عنهنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله . فأما الثلاث اللأّتي وددت أني تركتهن : فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة وإن كانوا قد غلّقوه على الحرب ، ووددت أني لم أكن حرّقت الفجأة السلمي وإني كنت قتلته سريحاً أو خلّيته نجيحاً ، ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين ـ يريد عمر وأبا عبيدة ـ فكان أحدهما أميراً وكنت وزيراً ووددت أني سألت رسول الله : لمن هذا الأمر؟ فلا ينازعه أحد ، ووددت أني كنت سألته هل للأنصار في هذا لاأمر نصيب؟ ووددت أني كنت سألته عن ميراث ابنة الآخ والعمة فإن في نفسي منهما شيئاً »(١) .
قوله (٣٥٥) :
( قولهم : فاطمة معصومة. قلنا : ممنوع ، لأن أهل البيت يتناول أزواجه وأقربائه كما رواه الضحّاك ، فإنّه نقل بإسناده عن النبي عليهالسلام أنه قال حين سألته عائشة عن أهل بيته وقوله عليهالسلام : بضعة مني مجاز قطعاً ).
أقول :
ليس دليل عصمةالزهراء محصوراً بالآية والحديث المذكورين.
أمّا الآية المباركة فقد تواتر النقل عن الفريقين أن أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً فيها إنما هم : النبي وعلي وفاطمة والحسنان عليهم الصلاة والسلام ، وكفاك في هذا المقام الحديث الذي رواه أعلام الأئمة الحفّاظ وصحّحوه عن السيدة أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها التي على يدها دار الحديث وفي بيتها نزلت الآية
__________________
(١) تاريخ الطبري ٤/٥٢ وغيره.
فقد أخرج الترمذي وصحّحه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت : في بيتي نزلت :( إنما يريد ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) وفي البيت : فاطمة وعلي والحسن والحسين ، فجلّلهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكساء كان عليه ثم قال : هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً(١) .
وفي حديث آخر رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عنها : قالت أم سلمة رضي الله عنها فأدخلت رأسي في الستر فقلت : يا رسول الله وأنا معكم؟ فقال : إنك إلى خير ـ مرتين »(٢) .
وفي آخر : « قالت أم سلمة فرفعت الكساء لأدخل معهم ، فجذبه من يدي وقال : إنك على خير »(٣) .
وأما الحديث الذي ذكر في الكتاب عن الضحّاك ففيه أولاً : إنّه لم يعلم من راويه وما سنده؟
وثانياً : ( الضحّاك بن مزاحم ) كان يروي عمّن لم يلقه ، وكان شعبة لا يحدّث عنه ، وقال يحيى بن سعيد ، كان الضحّاك عندنا ضعيفاً. وقال البخاري بعد أن روى عنه حديثاً عن ابن عمر : لا أعلم أحداً قال سمعت ابن عمر إلاً أبو نعيم(٤) .
وثالثاً : إنّ الحديث عن عائشة ، وهي في هكذا موضع بالخصوص متّهمة في النقل.
ورابعاً : إنّ الحديث يعارضه ما رواه القوم عن أم سلمة وجماعة من الصحابة وهو المشهور روايةً والمعتبر سنداً.
وخامساً : إنّ الحديث معارض بحديث آخر من عائشة نفسها ـ ومن رواته
__________________
(١) الدر المنثور ٥/١٩٨.
(٢ و ٣) الدر المنثور ٥/١٩٨.
(٤) تهذيب التهذيب ٤/٣٩٨.
مسلم بن الحجاج ـ قال الحافظ السيوطي : « وأخرج ابن أبي شيبه وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة قالت : خرج رسول الله غداة وعليه مرط مرجّل من شعر أسود فجاء الحسن والحسين فأدخلهما معه ثم جاء علي فأدخله معه ثم قال : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً »(١) .
ثم إن الآية الكريمة تدل على عصمة الخمسة ، لأن الرجس فيها كما نص عليه الزمخشري(٢) وغيره هو « الذنوب » وقد تصدرت الآية بأداة الحصر ، فدلّت على أنّ إرادة الله تعالى في حقهم مقصورة على إذهاب الذنوب كلّها عنهم ، وهذا واقع العصمة.
وأيضاً : فقد ذكر أصحابنا هذه الآية المباركة في أدلة إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام . لأنه قد إدّعى الخلافة لنفسه ، وإدّعاها له فاطمة والحسنان ، وهم لا يكونون كاذبين ، لأنّ الكذب من الرجس الذي أذهبه الله عنهم.
وأمّا الحديث الشّريف : « فاطمة بضعة منّي » فهو أيضاً من الأحاديث الصحيحة المتفق عليها ، وممّن أخرجه : أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة والحاكم وهو يدلّ على عصمتها صدراً وذيلاً.
وأما صدراً فلكلمة « بضعة » ، قوله : « مجاز قطعاً » منه : أنّ الأصل هو الحقيقة فلابدّ من حمل الكلام عليها ، ثم من أين يحصل القطع بكونه مجازاً؟ وممّا يشهد بحمله على الحقيقة فهم كبار الحفاظ من ذلك بشرحه كالحافظ أبي القاسم السهيلي شارح السيرة النبوية فقد قال المناوي بشرح الحديث : « إستدل به السّهيلي على أنّ من سبّها كفر لأنه يغضبه وأنها أفضل من الشيخين »(٣) .
فإنّ دلالته على الأفضلية منهما لا يكون إلاّ بلحاظ كون الزهراء « بضعة »
__________________
(١) الدر المنثور ٥/١٩٩.
(٢) الكشاف ٣/٥٣٨ وكذا في غيره من التفاسير.
(٣) فيض القدير ٤/٤٢١.
من النبي وهو أفضل الخلائق أجمعين.
وكالحافظ السمهودي فإنّه قال : « ومعلوم أنّ أولادها بضعة منها فيكونون بواسطتها بضعة منه »(١) فإنّ هذا لا يتم إلاّ بحمل « البضعة » على الحقيقة كما هو مقتضى الأصل. فتأمّل.
ومتى تعذّر حمل الكلام على الحقيقة فأقرب المجازات هو المتعيّن كما تقرّر في موضعه ، وهو أيضاً كافٍ لاثبات المطلوب كما لا يخفى.
ويشهد بما ذكرنا أن الكلمة جاءت في بعض الروايات بلفظ « مضغة »(٢) وبلفظ « شجنة »(٣) .
وأما ذيلاً فإنّ في ذيل الحديث : « فمن أغضبها أغضبني »(٤) وفي لفظ : يقبضني ما يقبضها وبيسطني ما ويبسطها »(٥) وفي ثالث « يؤذيني ما آذاها »(٦) .
وكيف تنكر عصمة من يكون رضا النبي وغضبه دائراً مدار رضاه وغضبه؟
قوله(٣٥٦) :
( الثاني من الوجوه الدّالة على نفي أهليته للإمامة أنه لم يولّه النبي عليهالسلام شيئاً في حال حياته قلنا : لا نسلّم أنه لم يؤلّه شيئاً بل أمّره على الحجيج سنة تسع وأمره بالصلاة بالناس في مرضه ).
أقول :
إنّه لم يذكر إلاّ قضية إبلاغ سورة براءة ، وقضية الصلاة ، ومعنى ذلك أنه
__________________
(١) فيض القدير ٤/٤٢١.
(٢) صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل فاطمة بنت النبي.
(٣) المستدرك ٣/١٥٤ ، مسند أحمد ٤/٣٢٢.
(٤) صحيح البخاري باب مناقب قرابة رسول الله.
(٥) مسند أحمد ٤/٣٣٢ ، المستدرك ٣/١٥٨.
(٦) صحيح مسلم باب فضائل فاطمة من فضائل الصحابة.
إذا تبيّن واقع الحال في القضيتين فهو مضطرّ إلى التلسيم بأنّ النبيصلىاللهعليهوآله لم يؤلّه شيئاً فنقول :
أمّا قضيّة إبلاغ سورة براءة :
فيقول القوم إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعث أبابكر إلى مكة أميراً للحاج ، وأمره أن يقرأ الآيات من سورة البراءة على المشركين في الموسم ، فلمّا خرج أبوبكر بدا لرسول الله في أمر تبليغ الآيات ، فبعث علياً لتبليغها ، وبقيت أمارة الحج لأبي بكر ، فيكون قد ولاّهصلىاللهعليهوآله شيئاً من الأمور في حياته
قالوا : وإنما أتبع النبي علياً أبابكر ليأخذ منه الآيات فيبلّغها ، لأنّ الآيات كانت مشتملة على نبذ العهود التي كان بينهصلىاللهعليهوآله وبين المشركين ، ومن عادة العرب في أخذ العهود ونبذها أن يتولاّه الرجل بنفسه أو أحد من بني عمه.
فكلامهم يشتمل على أمور ثلاثة :
الأول : الإقرار بأن علياًعليهالسلام هو الذي أبلغ الآيات بعد أن كان المأمور بتبليغها أبوبكر.
والثاني : دعوى أنّ أبابكر دخل مكة وكانت إمارة الحاج في تلك السنة معه.
والثالث : السبب في تبليغ علي الآيات دون أبي بكر.
فنقول :
من الأفضل أن نذكر أولاً نصوصاً من الخبر عن عدة من الكتب المعتبرة عند القوم حتى تتضح حقيقة الحال ، ويتبين أن أصحابنا لا يتكلّمون إلاّ إستناداً إلى أخبارهم :
١ ـ أخرج أحمد بإسناده عن أبي بكر : « إنّ النبي بعثه ببراءة لأهل مكة ، لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنّة إلاّ نفس مسلمة ، من كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى مدّته والله بريء من المشركين
ورسوله. قال : فسار بها ثلاثاً ثم قال لعلي : إلحقه فردَّ عليّ أبابكر وبلّغها أنت. ففعل ، فلمّا قدم على النبي أبوبكر بكى قال : يا رسول الله حدث فيّ شيء؟ قال : ما حدث فيك إلاّ خير ، ولكن أمرت أن لا يبلّغه إلاّ أنا أو رجل مني »(١) .
٢ ـ أخرج أحمد بإسناده عن عليعليهالسلام قال : « لمّا نزلت عشر آيات من سورة براءة على النبي ، دعا النبي أبابكر فبعثه بها ، ثم دعاني النبي فقال لي : أدرك أبابكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب به إلى مكة فاقرأه عليهم ، فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه ورجع أبوبكر إلى النبي فقال : يا رسول الله نزل فيّ شيء؟ قال : لا ولكن جبرئيل جاءني فقال : لن يؤدي عنك إلاّ أنت أو رجل منك »(٢) .
٣ ـ أخرج أحمد بإسناده عن النبي : « إن رسول الله بعث ببراءة مع أبي بكر إلى أهل مكة. قال : ثم دعاه فبعث بها علياً »(٣) .
٤ ـ أخرج الترمذي عن زيد بن يثبع قال : « سألنا علياً بأي شيء بعثت في الحجة؟ قال : بعثت بأربع : أن لا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين النبي عهد فهو إلى مدّته ، ومن لم يكن له عهد فأجله إلى أربعة أشهر ، ولا يدخل الجنّة إلاّ نفس مؤمنة ، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا »(٤) .
٥ ـ أخرج الحاكم بأسناده عن ابن عمر في حديث قال : « ان رسول الله بعث أبابكر وعمر ببراءة إلى أهل مكة. فانطلقا فاذا هما براكب ، فقال : من هذا؟ قال : أنا علي يا أبابكر ، هات الكتاب الذي معك ، فأخذ علي الكتاب فذهب به
__________________
(١) مسند أحمد ٢ |١.
(٢) مسند أحمد ١/١٥١ ، الخصائص : ٢٠ ، المستدرك ٢/٥١ ، تفسير ابن كثير ٢/٣٣٣ ، الدر المنثور ٣/٢٠٩.
(٣) مسند أحمد ٣/٢٨٣ ، وكذا الحديث عن أنس عند الترمذي تفسير سورة التوبة ، الخصائص : ٢٠ ، البداية والنهاية ٥/٣٨ ، إرشاد الساري ٧/١٣٦ روح المعاني ٣/٢٦٨.
(٤) صحيح الترمذي تفسير سورة التوبة.
ورجع أبوبكر وعمر إلى المدينة فقالا : ما لنا يا رسول الله؟ قال : ما لكما إلاّ خير ، ولكن قيل لي : لا يبلّغ عنك إلاّ أنت أو رجل منك(١) .
فنقول :
أمّا الإقرار ببعث أمير المؤمنين خلف أبي بكر وأخذه الآيات منه فلم يكن لهم مناص منه
وأمّا الدعوى بأنّ النّبيصلىاللهعليهوآله أمر أبابكر على الحجيج ولم يعزله عمّا ولاّه فليس لها شاهد في الأحاديث المذكورة ونحوها ، بل كلّ ما هنالك أنه بعثه « ببراءة لأهل مكة » ثمّ بيّن البراءة في الحديث الأول بقوله : « بعثه ببراءة لأهل مكة : لا يحجّ » ويفيد الحديث الثاني أنّ هذه الأمور هي مفاد « عشر آيات في سورة براءة » وذلك ما أخذه منه عليعليهالسلام وبلّغه كما هو مفاد الأحاديث الأول والثاني والرّابع فأبن إمارة الحج؟
ثم إنّ هذه الأحاديث وغيرها صريحة في أنّ علياً لحق أبابكر ـ أو هو وعمر ـ في الطريق ، وردّ أبابكر من حيث أدركه ، وفي بعضها أنه لحقه « بالجحفة ورجع أبوبكر إلى المدينة » فأين أمارة الحج؟
إنه لم يكن في الواقع إلاذ أنهصلىاللهعليهوآله بعث أبابكر بإبلاغ أهل مكة : « أن لا يطوف بالبيت عريان...» وهي مفاد الآيات من سورة البراءة ، ثم أمر علياًعليهالسلام أن يدركه في بعض الطريق فياخذ منه الكتاب ويبلّغه أهل مكة بنفسه ويرجع أبوبكر إلى المدينة
أمّا أن السبب في ذلك فليس في الأحاديث إلاّ أن النبيصلىاللهعليهوآله نزل عليه جبرائيل فقال : « لن يؤدي عنك إلاّ أنت أو رجل منك » كما هو نص الحديث الثاني وغيره فقولهم : « لأنّ عادة العرب » لا دليل عليه ، بل في الأحاديث قرائن عديدة على أن السبب ليس ما ذكروه ، ومنها :
__________________
(١) المستدرك ٣/٥١.
أولاً : إنّه لو كان عادة العرب في ذلك ما ذكر فلماذا خالفها النبيصلىاللهعليهوآله بإرسال أبي بكر؟ أكان جاهلاً بتلك العادة أم كان عالماً بها فخالفها عمداً تساهلاً بتنفيذ حكم الله عزّ وجلّ؟
وثانياً : لو كان السبب ذلك ، فلماذا جاء أبوبكر يبكي مخالفة أن يكون قد نزل فيه شيء؟ أكان جاهلاً بتلك العادة أم ماذا؟
فتلخص : إنه لم يكن بعث أبي بكر لإمارة الحج ، وإنما لإبلاغ البراءة ، والنبي أرسل علياًعليهالسلام خلفه بأمر من الله ، ليأخذ ذلك منه ، فيكون قائماً مقام النبيصلىاللهعليهوآله في أداء تلك الوظيفة فيظهر أنّه الصالح لذلك
ولذا كانت هذا القضية خصيصة من خصائصه الدالة على إمامته وخلافته ، وعن بعض أكابر الصحابة أنّهم كانوا يتمنّون أن تكون لهم هذه المنقبة العظيمة والخصيصة الرفيعة ، فهذا سعد بن أبي وقاص قال الحارث بن مالك : « خرجت إلى مكة فلقيت سعد بن مالك فقلت له : هل سمعت لعلي منقبة؟ قال : شهدت له أربعاً لئن يكون لي إحداهنّ أحبّ إلي من الدنيا ، أعمّر فيها ما عمّر نوح : إنّ رسول الله بعث أبابكر ببراءة من مشركي قريش فسار بها يوماً وليلة ثم قال لعلي : إلحق أبابكر فخذها منه فبلّغها وردّ عليّ أبابكر ، فرجع أبوبكر فقال : يا رسول الله هل نزل فيّ شيء؟ »(١) .
ويظهر أيضاً : أنّ أبابكر غير صالح للقيام مقام النبي في ذلك ، ومن لم يصلح للقيام مقامه لأداء آيات كيف يصلح للقيام مقامه في الرياسة العامة الإلهية
__________________
(١) كنز العمال : ٢/٤١٧.
وأمّا قضية الصّلاة بالناس وأنهصلىاللهعليهوآله « أمره بالصلاة بالناس في مرضه الذي توفي فيه » وأنّ « قولهم عزله عن الصلاة كذب وما نقلوه فيه مختلق » فكأنها أقوى أدلة الكتاب على المدعى ، ولذا أطنب الشارح في هذا المقام
لكنّ الحق الواقع الذي يتوصل إليه المحقّق المنقّلب :
أولاً : إنّ النبيصلىاللهعليهوآله لم يأمره بالصلاة.
وثانياً : إنّه لمّا علم بخروجه إلى الصلاة في موضعه خرج معتمداً على أمير المؤمنين ورجل آخر ، وصلّى تلك الصلاة بنفسه.
وثالثاً : إنّ النّبيصلىاللهعليهوآله لم يقتد بأحدٍ أبداً.
ورابعاً : إنه على فرض كلّ ذلك فقد أمرصلىاللهعليهوآله غير أبي بكر بالصّلاة بالناس في مواضع عديدة ، ولم يكن ذلك دليلاً على شيء.
وبيان ذلك بإيجاز هو : إنهم وإن رووا عن عائشة وعدّة من الصحابة أن رسول الله عليه وآله وسلّم أم بأن يصلي أبوبكر بالنّاس في مرضه. لكن أسانيد تلك الأخبار كلّها ساقطة بضعف رجالها ، على أنها جميعاً تنتهي إلى عائشة ، وهي في مثل هذا الأمر ـ لكونها بنت أبي بكر ومناوئةً لعليعليهالسلام ـ متهمة ، فلا يعتمد على خبرها هذا.
هذا من حيث السند.
وأمّا من حيث الدلالة فإنها وإن اشتملت على أمرهصلىاللهعليهوآله أبابكر بالصلاة في موضعه لكنها جميعاً مشتملة على خروجه إلى المحراب وصلاته بالناس بنفسه الشريفة(١) .
__________________
(١) لاحظ البخاري بشرح ابن حجر ٢/١٣٢ ، ١٣٧ ، ١٦٢ ، مسلم بشرح النووي ـ هامش إرشاد الساري ٣/٥٤ ، ٦١.
فهذا ما جاء في نفس تلك ألاخبار المخرجة في الصحاح وغيرها المستدل بها على أمره أبابكر بالصّلاة بالناس ، وليست أخباراً أخرى ، وخروجه للصّلاة بنفسه ـ بعد أمره أبابكر بالصلاة ـ عزل له عن ذلك.
فمن قال بأنه « عزله عن الصلاة » فإنما أراد هذا المعنى ، ولم يرد ورود حديث في مصادر أهل السنة مشتمل على لفظ العزل حتى يقال بأن هذا القول كذب « وما نقلوه فيه مختلق »!
هذا ولم يتعرض الماتن إلى دعوى صلاة النبيصلىاللهعليهوآله خلف أبي بكر ، ولعله لعدم ورود شيء يفيد ذلك في شيء من الصحاح والسنن ، ومن المعلوم أن مجرد صلاة أحد في مكان النبي لا يدل على استحقاقه للخلافة من بعده ، وإلاّ لزم استحقاق كلّ من أمرهصلىاللهعليهوآله بذلك من الصحابة ، حتى ابن أم مكتوم الأعمى ، فاستدلاله باطل على فرض ثبوت أصل الخبر.
أمّا الشّارح فكأنّه إلتفت ـ كغيره ـ إلى سقوط هذا الإستدلال فأضاف دعوى أنّ النبيصلىاللهعليهوآله خرج إلى المسجد وصلّى خلف أبي بكر ، وزعم أن ما روى البخاري مما دلّ على عزله عن المحراب « فهو إنما كان في وقت آخر ».
لكنّ مستند هذه الدعوى بعض الأخبار الضعيفة التي أعرض عنها البخاري ومسلم وكبار أئمة الحديث ، وممّن نصّ على عدم الاعتداد بهذه الأخبار وسقوطها عن الإعتبار الحافظ ابن الجوزي والحافظ ابن عبد البر والحافظ النووي(١) وأما الجمع بين هذه الأخبار وما دلّ في الصحاح على عزله بتعدد الواقعة فهو :
أولاً : فرع على صحة هذه الأخبار المزعومة.
__________________
(١) لاحظ : فتح الباري ٢/١٢٠ ، عمدة القاري ٥/١٩١ ، المنهاج في شرح مسلم ٣/٥٢.
وثانياً : على تكرار صلاة أبي بكر بالناس حتى يكون في مرةٍ إماماً للنبي وفي أخرى مأموماً له ، لكن الذي عليه الأئمة أنّ صلاته بالناس لم تكن إلاّ مرةً واحدة ، وهي التي حضر فيها النبي فكان الإمام(١) .
ثم إنه يؤكد كذب أصل خبر أمر النبيصلىاللهعليهوآله : كون أبي بكر في ذلك الوقت في جيش أسامة في خارج المدينة(٢) الذي لعن من تخلف عنه(٣) فإنهصلىاللهعليهوآله لا يعود ـ والحال هذه ـ فيأمره بالصلاة بالناس.
وأيضاً فالنبّي كان ملتزماً بالحضور للصلاة بنفسه ، فقد صلّى بالناس في مرضه الأخير إلاّ في الصلاة الأخيرة من عمره الشريف حيث اشتد حاله فلم يحضر(٤) ، وهذه هي التي خرج إليها معتمداً على رجلين أحدهما عليعليهالسلام (٥) ، فصلّى تلك الصلاة أيضاً بنفسه ، لأنّه لم يكن قد أمره بذلك.
والذي يؤكّد كذب ما روي من صلاة النبيصلىاللهعليهوآله خلفه أنّ الله تعالى قد نهى المؤمنين عن التقدم على رسول الله حيث قال :( يا أيّها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) (٦) ، وقد استدل بهذه الآية وأدلة أخرى مالك بن أنس وأتباعه وجماعة آخرون فذهبوا إلى أنه لا يصح التقدّم بين يديه لا في الصّلاة ولا في غيرها ، ولا لعذر ولا لغيره(٧) .
هذا موجز الكلام على هذه القضية ، ولنا فيها رسالة مستقلة *.
قوله (٣٥٧).
__________________
(١) لاحظ : فتح الباري ٢/١٣٨.
(٢) لاحظ : فتح الباري ٨/١٢٤.
(٣) الملل والنحل ١/٢٩ وهو في الكتاب عن الآمدي ٨/٣٧٦.
(٤) صحيح البخاري بشرح ابن حجر ٣/١٣٧ ، صحيح مسلم بشرح النووي ٣/٥٤.
(٥) فتح الباري ٢/١٢٣ وغيره.
(٦) سورة الحجرات : ٢.
(٧) لاحظ : نيل الأوطار ٣/١٩٥ ، السيرة الحلبية ٣/٣٦٥ ، فتح الباري ٣/١٣٩.
* لاحظ الرّسالة في هذه المجموعة.
( الثالث من تلك الوجوه : شرط الامام أن يكون أعلم الأمة بل عالماً بجميع الأحكام كما مر ، ولم يكن أبو بكر كذلك قلنا : الأصل ممنوع ).
أقول :
كيف يمنع اشتراط كون الامام أعلم الأمة ، وقد دلّت عليه آيات الكتاب والسنة العتبرة ونصّ عليه كبار العلماء ، بل هو مذهب أكثر أهل السنة؟
قال التفتازاني في ( شرح المقاصد ) : « ذهب معظم أهل السنة وكثير من الفرق إلى أنّه يتعيّن للامامة أفضل أهل العصر ، وقد طابق الكتاب والسنة والإجماع على أنّ الفضل بالعلم والتقوى.
قال الله تعالى :( ان أكرمكم عند الله أتقاكم ) .
وقال :( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) .
وقال الله تعالى :( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) .
وقال القاضي البيضاوي بتفسير :( إنّي جاعل في الأرض خليفة ...) :
إعلم أنّ هذه الآيات تدل على شرف الإنسان ومزية العلم وفضله على العبادة ، وأنه شرط في الخلافة ، بل العمدة فيها(١) .
أقول :
ومن أوضح آيات الكتاب دلالة في هذا الباب قوله عزّ وجلّ :( أفمن يهدي إلى الحق أحق ان يتبع أمن لا يهدّي الا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ) (٢) . فإنّه
__________________
(١) تفسير البيضاوي : ٢٥.
(٢) سورة يونس : ٣٥.
إشارة إلى أمر عقلي مركوز في أذهان العقلاء ، وهو في نفس الوقت دليل آخر على اعتبار العصمة في الشخص المتصدي أم هداية الخلق إلى الحق.
وعلى هذا الغرار جاءت الأحاديث النبوية المتفق عليها ، يكفي منها ما أخرجه مسلم وغيره عنهصلىاللهعليهوآله أنه قال : « من استعمل عاملاً من المسلمين وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنّة نبيّه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين ».
وأمّا أن أبابكر لم يكن كذلك فهذا ما لا خلاف فيه لأحد ، وتدل عليه كتب السير والتاريخ ، وابوبكر نفسه معترف به
لكن عليّاًعليهالسلام ادعى الأعلمية ـ وهو الصادق المصدق ـ واعترف له بذلك كبار الصحابة ، ورجوعهم اليه في المعضلات والمشكلات ، واعترافهم أمامه بالجهل ، مشهور فيكون هو الامام.
قوله(٣٥٧) :
(لأنه أحرق فجاءة المازني بالنار وكان يقول أنا مسلم ).
فأجاب بقوله :إحراق فجاءة إنما كان باجتهاده ، وعدم قبول توبته لأنّه زنديق ، ولا تقبل توبة الزنديق في الأصح ).
أقول :
ظاهر قوله : « لأنه » أنّ ما يذكره أصحابنا من المطاعن في هذا الباب ينحصر بهذه الموارد الثلاثة التي ذكرها ، والحال أنه ليس كذلك ففي التجريد مثلاً : « ولم يكن عارفاً بالأحكام ، حتى قطع يسار سارقه ، وأحرق بالنار فجاءة السلمي ، ولم يعرف الكلالة ، ولا ميراث الجدة ، واضطرب في أحكامه ، ولم يحد خالداً ولا اقتص منه »(١) .
__________________
(١) التجريد وشرحه : ٢٩٦.
أمّا إحراق فجاءة فقد اضطربت الكلمات في توجيهه فمنهم من أجاب كما في الكتاب ، وتبعه صاحب ( الصواعق ) بقوله : « وإذا ثبت أنّه مجتهد فلا عتب عليه في التحريق ، لأن ذلك الرجل كان زنديقاً ، وفي قبول توبته خلاف ، وأما النهي عن التحريق فيحتمل أنه لم يبلغه وتأوّله على غير نحو الزنديق »(١) .
لكنْ لا تعرض في الكتاب لنهي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عن الإحراق ، كما في صحيح البخاري(٢) أما في ( الصواعق ) فقد نبّه على أن اجتهاد أبي بكر مخالف للنص فأجاب باحتمال أنه « له يبلغه » لكن هذا قدح في أبي بكر فاستدركه بأنّه يحتمل أنه بلغه لكن « تأوّله ».
ثم إنّ هذا كلّه مبني على أن يكون الرجل زنديقاً ، لكنه لم يكن زنديقاً ، وكان يقول : « أنا مسلم » كما ذكر في الكتاب ، بل قيل إنه كان يلهج بالشهادتين حتى احترق وصار فحمةً ، وغاية ما هناك أنّه قطع الطرق ونهب أموال المسلمين كما ذكر المؤرخون كالطبري ، ومثله لا يكون زنديقاً
ولذا عدل بعض المعتزلة المدافعين عن أبي بكر كابن أبي الحديد إلى التوجيه بأسلوب آخر فقال : « والجواب : إن الفجاءة جاء إلى أبي بكر ـ كما ذكر أصحاب التواريخ ـ فطلب منه سلاحاً يتقوى به على الجهاد في أهل الردة ، فأعطاه ، فلما خرج قطع الطرق ونهب أموال المسلمين وأهل الردة جميعاً وقتل كل من وجد ـ كما فعلت الخوارج حيث خرجت ـ فلمّا ظفر به أبوبكر حرٌقه بالنار إرهاباً لأمثاله من أهل الفساد ونحوه ، وللإمام أن يخص النصّ العام بالقياس الجلي عندنا ».
فتراه لم يدع زندقة الرجل ، بل ذكر له توجيهاً ثبت في محلّة بطلانه جداً
وحيث رأى بعض المتكلّمين الأشاعرة سقوط هذا التوجيه كغيره اضطر إلى أن يقول :
__________________
(١) الصواعق المحرقة : ٣٢.
(٢) صحيح البخاري ٦/١١٣ بشرح ابن حجر.
« أحراقه فجاءة السلمي بالنار من غلطه في اجتهاده ، فكم مثله للمجتهدين »(١) .
لكن الإعتراف بغلط أبي بكر في الإجتهاد لا يبرء ساحته ، ولا يكون له عذراً يوم القيامة ، مع وجود النص الصّريح الصّحيح في حرمة التحريق بالنار ، فهو قادح في عدالة أبي بكر وخلافته ، ولذا اضطّر بعضهم كالشيخ عبدالعزيز الدهلوي في كتابه ( التحفة الاثنا عشرية )(٢) إلى إنكار أصل القضيّة ، ودعوى أنها من افتراءات الشيعة. فإنكار أصل القضيّة يشهد بأن لا توجيه صحيح له ، لكن الإنكار لا يجدي فالقضية من المسلّمات ، والمصادر الناقلة لها كثيرة معتبرة ، وإلاّ لم احتاج الآخرون إلى تلك التوجيهات الفاسدة الباردة
وفوق ذلك كلّه كلام أبي بكر في آخر حياته الدالّ على ثبوت القضيّة وسقوط كلّ التوجيهات : « وددت أني لم أكن حرّقت الفجاءة السلمي ».
قوله(٣٥٧) :
( وأمّا قطع البيسار فلعلّه من غلط الجلاّد ، أو رآه في المرة الثالثة من السرقة ، وهو رأي الأكثر من العلماء ).
أقول :
في هذه العبارة اعترف بأمرين أحدهما : وقوع أصل القضية. والآخر : كون العمل خلاف الشرع ، وهل يكفي في الدفاع أن يقال : « ليت » و « لعلّ »؟!
أمّا قوله : « فلعلّه من غلط الجلاّد » فاحتمال سخيف لا يصغى إليه
__________________
(١) شرح التجريد للقوشجي : ٣٧٩.
(٢) التحفة الإثنا عشرية : ٢٨٣.
وكذلك إحتمال أنّه « رآه في المراة الثالثة من السرقة وهو رأي الاكثر من العلماء لعدم الدليل على هذا الإحتمال ، على فرضه فلا فائدة في موافقة أكثر العلماء ، لأنّ الذي يعترض على أبي بكر لا يعتني بموافقة الأكثر له لو كان؟
ومن هنا كان هذا الموضع من المواضع التي اضطراب فيها القوم فذكروا توجيهاتٍ كلّها احتمالات عارية عن الدليل(١)
فكان الأولى لهم الإعراض عن هذه التوجيهات بعد الإعتراف بأن ما وقع خلاف الشرع ، ولذا قال بعض محقّقيهم : « وقد قطع يسار السارق وهو خلاف الشرع ، والظاهر أن القضاء بغير علمٍ ذنب ، وما كان هو معصوماً »(٢) .
قوله (٣٥٧) :
( ووقوفه في مسألة الجدّة ورجوعه إلى الصحابة في ذلك ، لأنّه غير بدع من المجتهد البحث عن مدارك الأحكام ).
أقول :
قد روى خبر جهله بهذه المسألة أكابر محدّثيهم مثل مالك بن أنس في الموطأ ١| ٣٣٥ وأبي داود في السنن ٢| ١٧ وإبن ماجة في السنن ٣/١٦٣ وأحمد في المسند ٤/٢٢٤ واعترف بذلك كبار علمائهم في العقائد والكلام كما في الكتاب
ولا يخفى أن غرض المستدلّ هو ذكر بعض الموارد المثبتة لجهل الرجل بأحكام الشريعة الإسلامية
ومن الطريف أنّه قد وجد العلم بذلك عند المغيرة بن شعبة ، واضطر إلى الأخذ بقول هذا الفاسق اللّعين!!
__________________
(١) انظر الصواعق المحرقة : ٣٣.
(٢) تعليقة على شرح الخطابي للعقائد النسفية ، لإسماعيل القرماني المعروف بقرّه كمال المتوفى سنة ٩٢٠ ترجمته في معجم المؤلّفين ٢/٢٨٧.
قوله (٣٥٧) :
( الرابع من الوجوه النافية لصلوحه للإمامة : عمر مع أنه حميمه وناصره وله العهد من قبله قد ذمّه ، حيث شفع إليه عبدالرحمن بن أبي بكر في الحطيئة الشاعر فقال : دويبة سوء وهو خير من أبيه قلنا : نسبه الذمّ اليه من الأكاذيب الباردة ).
أقول :
هذا الخبر رواه الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي البغدادي المتوفى سنة ٤٣٦ باسناده في كتاب ( الشافي في الإمامة )(١) الذي ألّفه ردّاً على كتاب ( المغني في الإمامة ) للقاضي عبدالجبار بن أحمد المعتزلي ومن المقطوع به أنّ الشريف المرتضى هذا الرجل العظيم الجامع بين العلوم النقلية والعقليّة والمرجوع إليه فيها لا يروي ـ لا سيّما في كتابٍ وضعه لإثبات الحق ودحض أقاويل المخالفين ـ إلاّ الأخبار الثابتة الواصلة إليه بطرقٍ معتبرة
قوله(٣٥٨) :
( وإنكار عدم قتل خالد أي عدم قتله من إنكار المجتهدين بعضهم على بعض فيما أدّ إليه أجتهادهم ).
أقول :
هذا من جملة مطاعن أبي بكر العظيمة التي لا يجد الباحث عنها جواباً بعد الإلمام بمجمل الواقعة سواء كان عمر موافقاً لأبي بكر في موقفه أو كان مخالفاً له ومنكراً عليه ، وإنما يستشهد بإنكار عمر عليه للدّلالة على فظاعة ما كان
__________________
(١) الشافي ٢/١٢٦.
وشناعته وإنّ من غير الجائز شرعاً وعقلاً أنْ يتجاوز الإنسان هذه القضيّة ـ المشتملة على قتل المسلمين صبراً وسبي النساء المسلمات واستباحة الفروج والأموال ، ثم تعطيل الحدود الإلهية ، فيقول (٣٥٧) مجيباً عن إنكار عمر : «وإنكار عدم قتل خالد من إنكار المجتهدين بعضهم على بعض فيما أدى إليه اجتهاهم ، فإنه نقل : إنّ خالداً انما قتل مالكاً لأنّه ارتد ، وردّ على قومه صدقاتهم لمّا بلغ وفاة رسول الله ، وخاطب خالداً بأنّه مات صاحبك ، فعلم خالد قصده إنّه ليس صاحباً له فتيقّن ردّته وأما تزوجه امرأته فلعلّها كانت مطلقة قد انقضت عدتها إلاّ أنها كانت محبوسة عنده ».
فنقول : لقد أطبق المؤرّخون على أن مالك بن نويرة قدم على النبيصلىاللهعليهوآله فيمن قدم من العرب ، وأسلم وأسلم بنو يربوع بإسلامه ، وولاّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله على صدقات قومه ثقةً به(١) وكان رجلاً سريّاً نبيلاً يردف الملوك ـ والمرادفة موضعان أحدهما : أن يردفه الملك على دابته في صيدٍ أو غيره من مواضع الانس ، والموضع الثاني أنبل وهو : أنْ يخلف الملك إذا قام عن مجلس الحكم فينظر بين الناس بعده ـ وهو الذي يضرب به المثل فيقال : مرعى ولا كالسعدان وماء ولا كصدّاء وفتىً ولا كمالك ، وكان فارساً ، شاعراً ، مطاعاً في قومه ، وكان فيه خيلاء وتقدم ، وكان ذا لمة كبيرة(٢) .
فمالك كان مسلماّ وعاملاً لرسول الله على صدقات قومه.
وبقي مالك مسلماً حتى آخر لحظة من حياته ، روى المتقي عن إبن أبي عون وغيره : « ان خالد بن الوليد ادعى أن مالك بن نويرة ارتد بكلام بلغه عنه فأنكر مالك ذلك وقال : أنا على الإسلام ما غيّرت ولا بدّلت ، وشهد له أبو قتادة وعبدالله ابن عمر ، فقدّمه خالد وأمر ضرار بن الأزور الأسدي فضرب عنقه ، وقبض خالد امرأته أم متمّم فتزوجها. فبلغ عمر بن الخطّاب قتله لمالك بن نويرة وتزوّجه امرأته
__________________
(١) وفيات الأعيان ٥/٦٦ ، الإستيعاب ٣/١٣٦٢ ، الإصابة ٣/٣٥٧.
(٢) وفيات الأعيان ٥/٦٦ ، وانظر الإصابة ٣/٣٥٧.
فقال لأبي بكر : انه قد زنا فارجمه. فقال أبوبكر : ما كنت لأرجمه ، تأول فأخطأ. وقال : أنه قد قتل مسلماً فاقتله قال : ما كنت لأقتله ، تأول فأخطأ قال : فاعزله. قال : ما كنت لأشيم سيفاً سله الله عليهم أبداً. إبن سعد »(١) .
وقد روى الطبري بإسناده عن أبي قتادة كيفية قتله ببعض التفصيل قال :
« وكان ممن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الحارث بن ربعي أخو سلمة ، وقد كان عاهد الله ألاّ يشهد مع خالد حرباً أبدأ بعدها ، وكان يحدّث أنهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح ، قال : فقلنا : إنا المسلمون. فقالوا : ونحن المسلمون. قلنا : فما بال السلاح معكم؟ قالوا لنا : فما بال السلاح معكم. فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح. قال : فوضعوها ثم صلّينا وصلّوا. وكان خالد يعتذر في قتله أنه قال وهو يراجعه ما أخال صاحبكم إلاّ وقد كان يقول كذا وكذا. قال : أو ما تعدّه لك صاحباً؟ ثم قدّمه فضرب عنقه وأعناق أصحابه.
فلمّا بلغ قتلهم عمر بن الخطاب تكلّم فيه عند أبي بكر فأكثر فقال : عدوّ الله عدا امرئ مسلم فقتله ثم نزا على امرأته.
وأقبل خالد بن الوليد قافلاً حتى دخل المسجد وعليه قباء له عليه صداء الحديد معتجراً بعمامة له قد غرز في عمامته أسهماً ، فلما دخل إليه وأتى إلى المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطّمها ثم قال : إربأ ، قتلت امرءً مسلماً ثم نزوت على أمرأته. والله لأرجمنّك بأحجارك ، وخالد لا يكلّمه »(٢) .
وعلى الجملة فالمصادر متفقة على إسلام مالك وحينئذٍ فيتوجّه أوّلاً على أبي بكر تسييره خالداً ومن معه لقتال مالك بن نويرة وقومه فاضطرب القوم في الدفاع عن أبي بكر وتوجيه ما فعله خالد
أمّا في قتل مالك يقولون : إرتد عن الإسلام لكن كيف؟
__________________
(١) كنز العمال للمتفي الهندي ، وانظر تاريخ الطبري ٢٤٢ ، وفيات الأعيان ٥/٦٦.
(٢) تاريخ الطبري ٣/٣٤٣.
فتارةً يقولون : بأنّه لم يؤدّ الزكاة إلى أبي بكرو فرّق ما كان بيده من الزكاة على قومه ، لكنّهم يعلمون بأن مالكاً كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد ولاّه على صدقات قومه ، وأيّ حرجٍ عليه لو دفعها إلى الفقراء بمقتضى ولايته؟
قال ابن حجر : « وكان النبيصلىاللهعليهوآله استعمله على صدقات قومه ، فلمّا بلغه وفاة النبي أمسك عن الصدقة وفرّقها في قومه وقال في ذلك :
فقلت : خذوا أموالكم غـير خائف |
ولا نـاظـر فيما يجيء من الغـد |
|
فإن قام بالدين المحقـق قـائــم |
أطعنا وقلنا الدين ديـن محمّد »(١) |
بل إنّ ذلك كان هو المفروض عليه ، إذ الزكاة لا تنقل من بلدٍ إلى آخر إلاً إذا لم يكن في ذلك البلد من هو مستحق لها
وهل عدم تسليم الزكاة إلى أبي بكر جرم يستوجب أن يرسل إليه من يقتله ويستبيح حريمه ويقع في قومه سبياً وتقتيلاً؟!
وهل نزلت في جواز ذلك آية أو سمعوا من رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيه رواية؟
ليت أبابكر تذرّع في المسألة بحديث زعم أنّه سمعه من النبي ، ولم يسمعه غيره!! ـ كما كان في قضيتة مع الزهراء!
لكن عمر يقول ـ فيما روى عنه أكابر الحفاظ ـ : « لئن أكون سألت النبي عن ثلاث أحب إليّ من حمر النعم : عن الخليفة بعده ، وعن قومٍ قالوا : نقرّ بالزكاة من أموالنا ولا نؤدّيها إليك أيحل قتالهم؟ وعن الكلالة »(٢) .
وعلى الجملة فإنّ مالكاً لم يرتد وما في الكتاب وغيره من أنّه « ردّ على
__________________
(١) الإصابة ٣/٣٥٧.
(٢) الدر المنثور ٢/٢٤٩ عن جماعة من أعلام الحديث.
قومه صدقاتهم لمّا بلغه وفاة رسول الله » تحريف بل الواقع ما عرفته.
وأخرى : يقولون بأنّه كان إذا ذكر النبّي قال : « صاحبكم » فقد جاء في الطبري عن أبي قتادة : « وكان خالد يعتذر في قتله أنه قال ـ وهو يراجعه ـ ما أخال صاحبكم إلاّ وقد كان يقول كذا وكذا ، قال : أو ما تعدّه لك صاحباً؟! فقدّمه خالد وأمر ضرار بن الأزور الأسدي فضرب عنقه »(١) .
وفي الوفيات : « فقال مالك : قد كان صاحبك يقول ذلك. قال خالد. وما تراه لك صاحباً؟ والله لقد هممت أن أضرب عنقك. ثم تجاولا بالكلام طويلاً ، فقال له خالد : إني قاتلك. قال : أو بذلك أمرك صاحبك؟(٢) قال : وهذه بعد تلك ، والله لأقتلنّك »(٣) .
وفي الإصابة : « وكان خالد يقول إنه إنما أمر بقتل مالك لأنه كان إذا ذكر النبيصلىاللهعليهوآله قال : ما أخال صاحبكم إلاّ قال كذا وكذا ، فقال له : أو ما تعدّه لك صاحباً »(٤) .
فنقول : أولاً : إنّا لم نر في المصادر الّتي بأيدينا قول مالك لخالد « مات صاحبك ».
وثانياً : إنه ليس التعبير كذلك عن النبيصلىاللهعليهوآله إرتداداً عن الإسلام وقد قال مالك : « أنا على الإسلام ما غيّرت ولا بدّلت »(٥) و « شهد له أبو قتادة وعبادالله بن عمر »(٦) و « كانا حاضرين ، فكلّما خالداً في أمره فكره كلامهما »(٧) ثم ذلك الإعتراض الشديد من عمر ومطالبته بالقصاص
__________________
(١) تاريخ الطبري ٣/٢٤٤.
(٢) الظاهر أن مراده هذه المرة أبوبكر ، فلا وجه لقول خالد « هذه بعد تلك ».
(٣) وفيات الأعيان ٥/٦٦.
(٤) الإصابة ٣/٣٥٧.
(٥) كنز العمال وغيره.
(٦) كنز العمال وغيره.
(٧) وفيات الأعيان ٥/٦٦.
لقد كان التعبير كذلك متعارفاً بينهم كما لا يخفى على من تتبّع أخبارهم ومن ذلك ما أخرجه البخاري عن أبي وائل قال : « جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة فقال : لقد جلس هذا المجلس عمر فقال : لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلاّ قسّمته. قلت : إنّ صاحبيك لم يفعلاه. فقال : هما المرءان أقتدي بهما ».
وما رواه المتقي عن علي أنه قال لعثمان : « إنّ سرّك أن تلحق بصاحبيك فأقصر الأمل وكل دون الشّبع ».
إذن ليس هذا التعبير دليلاً على الإرتداد قطعاً عند الجميع ولذا اضطربت كلماتهم :
ففي الكتاب : « تيقّن ردّته » وفي الإستيعاب : « فقتل خالد بن الوليد مالكاً يظن أنه ارتد ، وأراه ـ والله أعلم ـ قتله خطأ »(١) .
وفي المغني : « كان الأولى أن لا يستعجل وأن يكشف الأمر عن ردته حتى يتّضح »(٢) .
وكأنّ بعضهم ـ لمّا رأى أن لا فائدة له في ذلك ـ إلتجأ إلى إنكار أصل القضية فقال أحدهم : « وقد قيل إنّ خالداً لم يقتل مالكاً بل قتله بعض أصحابه خطأ لظنّه أنه ارتد »(٣) .
وقال آخر : « وقيل أيضاً : إنّ خالداً لم يقتل مالكاً وإنما قتله بعض قومه خطأ لأنّهم أسروا على ظن أنّهم ارتدّوا وكانت ليلةً باردة ، فقال خالد : ادفنوا أساراكم أو لفظاً غيره معناه معنى أدفئوا ، وكان ذلك اللفظ في لغة المخاطب بمعنى اقتلوهم ، فظنّ ذلك الشخص أنه أمره بقتل الأسارى فقتل مالكاً »(٤) .
__________________
(١) الإستيعاب ٣/١٣٦٢.
(٢) المغني للقاضي عبدالجبار كما في الشافي.
(٣) شرح القوشجي على التجريد ٣٨٩.
(٤) حاشية الكتاب ٣٥٨.
قلت : فانظر كيف يحاولون الدفاع عن أبي بكر وخالد ، ومن المحتمل أنهم يريدون إلقاء الذنب على بعض أصحاب مالك نفسه ، فتأمّل فإنّه غير بعيدٍ من هؤلاء القوم!!
هذا وأبوبكر كان يقول : « تأوّل فأخطأ »(١) .
قلت : لماذا لم يستجب لطلب مالك بإرساله إلى أبي بكر قال ابن خلكان : « فقال مالك : يا خالد إبعثنا إلى أبي بكر فيكون هوالذي يحكم فينا ، فقد بعثت إليه غيرنا ممن جرمه أكبر من جرمنا ، فقال خالد لا أقالني الله إن لم أقتلك ».
ولماذا قتل الناس الآخرين من قومه واستباح أموالهم وسبى ذراريهم ونسائهم؟
هذا كلّه في قتل مالك.
وأمّا تزوج خالد بزوجة مالك من ليلة قلته ومضاجعته لها فلا خلاف في أنه يوجب الرّجم ومن هنا قال له عمر كما تقدم عن ( تاريخ الطبري ) : « قتلت امرءاً مسلماً ثم نزوت على أمرأته! والله لأرجمنّك بأحجارك » وقال لأبي بكر كما عن ( وفيات الأعيان ) وغيره : « إنه قد زنا فارجمه. فقال أبوبكر : ما كنت لأرجمه ، تأوّل فأخطأ » وعن ( مرآة الزمان ) : « دخل خالد المدينة ومعه ليلى بنت سنان زوجة مالك ، فقام عمر فدخل على علي فقال : إنّ من حق الله أن يقاد من هذا لمالك ، قتله وكان مسلماً ونزا على أمرأته على ما ينزو الحرام. ثم قاما فدخلا على سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيدالله فتابعوا على ذلك ودخلوا على أبي بكر وقالوا : لابدّ من ذلك فقال أبوبكر : لا أغمد سيفاً سلّه الله ».
وقد اضطرب القوم في توجيه ما فعله خالد وامتناع أبي بكر من رجمه ، ففي الكتاب : « وأما تزوجه امرأته فلعلّها كانت قد انقضت عدتها إلاّ أنها كانت محبوسة
__________________
(١) وفيات الأعيان ٥/٦٦.
عنده » وقال القوشجي : « لا نسلّم أنه وجب على خالد الحد والقصاص ، لأنه قد قيل إن خالداً إنما قتل مالكاً لأنه تحقق منه الردّة وتزوّج بامرأته في دار الحرب ، لأنه من المسائل المجتهد فيها بين أهل العلم. وقد قيل : إن خالداً لم يقتل مالكاً بل قتله بعض أصحابه خطأ لطنه أنه ارتد وكانت زوجته مطلقةً منه وقد انقضت عدتها »(١) وقال ابن حجر : « وتزوجه امرأته لعلّه لأنقضاء عدتها بالوضع عقيب موته أو يحتمل أنها كانت محبوسةً عنده بعد انقضاء عدّتها عن الإزدواج على عادة الجاهلية ، وعلى كل حالٍ فخالد أتقى لله من أن يظنّ به مثل هذه الرذالة التي لا تصدر من أدنى المؤمنين فكيف بسيف الله المسلول على أعدائه »(٢) وقال ابن خلكان : « وقبض خالد امرأته ، فقيل : إنه اشتراها من الفيء وتزوج بها. وقيل : إنها اعتدت بثلاث حيض ثم خطبها إلى نفس فأجابته ، فقال لابن عمر وأبي قتادة يحضران النكاح فأبيا ، وقال له ابن عمر : تكتب إلى أبي بكر وتذكر له أمرها فأبي وتزوّجها ولما بلغ الخبر أبابكر وعمر قال عمر لأبي بكر : إن خالداً قد زنى فارجمه. قال : ما كنت لأرجمه فإنه تأوّل فأخطأ »(٣) .
وقال ابن حجر العسقلاني : « وكان فيه تقدم على أبي بكر يفعل أشياء لا يراها أبوبكر ، أقدم على قتل مالك بن نويرة ونكح امرأته ، فكره ذلك أبوبكر وعرض الدية على متمم بن نويرة وأمر خالداً بطلاق امرأة مالك ولم ير أن يعزله ، وكان عمر ينكر هذا وشبهه على خالد »(٤) .
وإنه ليكفي في سقوط جميعها إصرار عمر على أنه « زنا فارجمه » وقول أبو بكر تأوّل فأخطأ » ثم عرضه الدية وأمره خالداً بطلاق المرأة كما ذكر ابن حجر العسقلاني.
__________________
(١) شرح التجريد ٣٨٩.
(٢) الصواعق المحرقة ٣٤.
(٣) وفيات الأعيان ٥/٦٦ ـ ٦٧.
(٤) الإصابة ١/٤١٤ ترجمة خالد.
هذه طائفة من كلمات القوم في المقام وتلك هي الوجوه التي ذكروها لتوجيه فعلة خالد وموقف أبي بكر منها وهي كما ترى متضاربة وكلّها « لعّل » و « يحتمل » و « قيل »
إلا أن ابن حجر المكي يصرّح بالباعث على كلّ هذه المحاولات فيقول : « وعلى كلّ حال فخالد أتقى لله من أن يظن به مثل هذه الرذالة التي لا تصدر من أدنى المؤمنين فكيف بسيف الله المسلول على أعدائه »! لكن الذي نسب إلى خالدٍ هذه الرذالة عمر بن الخطاب وجماعة من أكابر الصحابة ، فماذا نفعل؟
فظهر أن لا جدوى لتلك التعليلات والإحتمالات ، ولعلّه من هنا اضطرّ صاحب ( التحفة الإثنى عشرية ) إلى إنكار أصل القضيّة!!(١) .
هذا موجز الكلام على قصة خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة وزوجته وقومه فاقض ما أنت قاض
قوله(٣٥٨) :
( وأما قوله في بيعة أبي بكر فمعناه : إن الإقدام على مثله بلا مشاورة الغير وتحصيل الإتفاق منه مظنة للفتنة العظيمة فلا يقدمنّ عليه أحد ، على أني أقدمت عليه فسلمت وتيسر الأمر بلا تبعة ).
أقول :
لم يناقش في الكتاب في أصل ثبوت قول عمر : « إن بيعة أبي بكر كانت فلتةً وقى الله شرها » لكونه مروياً في أوثق كتبهم في الحديث والتاريخ والسير
ومعنى لفظة « الفلتة » بفتح الفاء « الفتنة » كما في الكتاب وغيره.
أو « البغتة والفجأة » كما عن بعض شرّاح البخاري.
__________________
(١) التحفة الإثنا عشريّة : ٢٦٣.
أو « ما يندم عليه » كما عن أشهب وغيره.
وهي ـ بأيّ معنى كانت ـ تفيد الذمّ ، ويؤكّد ذلك قوله : « وقي الله شرّها » فلو لم تكن ذات شرّ لم يقل ذلك وأمّا أنّ الله « وقى » شرّها أو أنه « بقي » فهذا أمر يجب أن ينظر فيه!
هذا ويشهد بكون الكلام على كل حالٍ ذماً لأبي بكر وخلافته إنكار بعضهم كابن روزبهان أصل الخبر!!
بقي الكلام في :
١ ـ قوله(٣٥٨) :
( نسبة الذم إليه من الأكاذيب الباردة ، فإنّ عمر مع كمال عقله كيف يتصوّر منه ذلك؟ ).
أقول :
كيف لا يتصوّر ذلك ممّن صدر منه ما صدر بالنسبة إلى نفس النبيصلىاللهعليهوآله كما هو ثابت ولا حاجة إلى ذكره هنا.
٢ ـ قوله(٣٥٨) :
( ثم إنك خبير بأنّ أمثال هذه الوجوه لا تعارض الإجماع على إمامته ).
أقول :
أين الإجماع على إمامة أبي بكر؟ بل إنّ هذه الوجوه المشتملة على ذمّ أمير المؤمنين علي وعمر وكبار الصحابة وإنكارهم على أبي بكر في قضية خالد بن الوليد وغيرها من جملة الأدلة على عدم اعتقاد القوم بخلافته!
قوله(٣٥٨ ـ ٣٥٩) :
( وخامسها : إدعاء النصّ على إمامة علي إجمالاً وتفصيلاً. أما إجمالاً
فقالوا والجواب : إنه لمّا علم النبيعليهالسلام أن الصحابة يقومون بذلك ولا يخلّون به لم بفعل ذلك لعدم الحاجة إليه ).
أقول :
قد عرفت أنّ الشروط المعبترة في الإمام من العصمة والأعلمية ـ المستلزمة للأفضلية ـ وعدم المعصية سابقاً على ما تقدّم منتفية عن أبي بكر وهي موجودة في أمير المؤمنينعليهالسلام ، فهو المتعيّن لأن يكون الإمام
وأيضاَ : يجب أن يكون الإمام منصوصاً عليه ، وأبوبكر ليس بمنصوصٍ عليه كما اعترف في الكتاب فلا يكون إماماً ، بل الإمام هو عليعليهالسلام .
والنصوص الدالة على إمامته كتاباً وسنةً كثيرة
وأمّا ما ذكر من الوجهين للنص عليه إجمالاً فلم يخدش في شيء من مقدّماتهما ولا في النتيجة المطلوبة منهما وهي وقوع النصّ على أمير المؤمنينعليهالسلام ، غير أنه قال في الجواب ما حاصله : إيكال النبّيصلىاللهعليهوآله أمر تعيين الإمام إلى الصحابة ، لكن فيه :
أوّلاً : إنه إذا تمّت مقدمات الإستدلال وسلّمت ، فالإلتزام بالنتيجة المترتبة عليها ضروري ، وإلاً لزم الخلف.
وثانيا : إنّ إيكال الأمر إلى الصحابة يستلزم أحد الأمرين : إمّا الإخلال بالواجب وإمّا الجهل بحال الأصحاب ، وكلاهما محال. بيان الإستلزام : إنّه إن كان عالماً بما سيقع بين الأصحاب والأمة من الإفتراق والإختلاف والإرتياب ، فأوكل إليهم تعيين الإمام من بعده ، فهذا من أظهر مصاديق الإخلال بالواجب ، وهو محال في حقه. وإن كان جاهلاً بأحوالهم وتشتّت أهوائهم واختلاف آرائهم فهذا نقص لا يجوز نسبته إليه أبداً ، مضافاً إلى أنّهصلىاللهعليهوآله قال : « ستفترق أمّتي من بعدي إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة ، واحدة في الجنّة والباقي في النار »(١) .
__________________
(١) هذا الحديث من الأخبار الثابتة ، وقد ذكر في الكتاب واستند اليه في ٣٧٦.
فمن كان على علم بما سيكون من بعده ، وهو أشفق الناس على أمّته وشريعته كيف يترك الامّة بلا راع والشريعة بلا حافظ؟
ولو سلّمنا أنّه لم يفعل ذلك إيكالاً إلى الصحابة فالمفروض قيام الصحابة بأمر التعيين ، لكنّ الواقع غير ما قصده النبيصلىاللهعليهوآله بحسب الفرض.
قوله(٣٥٩) :
( ثم عدم النص الجليّ معلوم قطعاً ، لأنه لو وجد لتواتر ولم يكن سترة عادةً إذ هو ما تتوفّر الدواعي إلى نقله ، وأيضاً : لو وجد نص جلي على إمامة علي لمنع به غيره ثم لا يحتج علي عليهم بذلك النص الجليّ )
أقول :
إنّ النص الجلي على إمامة عليعليهالسلام معلوم قطعاً ، أمّا عن طريق أئمة أهل البيتعليهالسلام وأتباعهم فواضح ، وأمّا ع طريق المخالفين ، فكذلك كما ستعرف بعضه بالرغم م كثرة الدواعي على إخفائه وتوفّر الموانع عن نقله ونشره.
أمّا أنه لو وجد لمنع به علي غيره من الإمامة به على الصحابة
فالجواب : إنه لم يكن حاضراً في السقيفة حتى يمنع أو يحتج ، لاشتغاله بأمر النبيصلىاللهعليهوآله ، ولم يفرغ من ذلك إلاّ وقد نودي بالإمامة لأبي بكر وحمل الناس على بيعته ، فلم يبق له ـ والحال هذه ـ طريق إلى « منع غيره عن الإمامة والإحتجاج عليه ».
فلو سلّم عدم احتجاجه عليهم هذه المدة فالسبب عدم إتاحة فرصة له بذلك ، ولذا تراه يحتج كلّما سنحت له الفرصة ، ومن مواقف احتجاجه المشهورة يوم الشورى ، حيث كان احتجاجه المعروف المروي في كتب الفريقين(١) ، والدال
__________________
(١) المناشدة يوم الشورى معروفة ، رواها : كبار العلماء من الفريقين فهي متفق عليها ، وممن رواها من
على وجود النصوص الكثيرة على إمامته منذ اليوم الأول ، لا في رايه فقط ، بل باعتراف كبار الصحابة وإقرارهم المستفاد من سكوتهم
هذا مضافاً إلى ما جاء في إحتجاجات الصدّيقة الطاهرةعليهاالسلام وبعض الأصحاب الذين عرفوا منذ حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالتشيّع والولاء لعليعليهالسلام على إمامته بجملة من النصوص ، مما هو مذكور في التواريخ والسير
لكنّ الباعث الأصلي إلى إنكار النصّ وغير ذلك مما قال هو حسن الظنّ بالصحابة ، حتى أنه يقول : « كيف يتصوّر ...؟ » إلاّ أنّ حسن الظنّ واستبعاد معصية القوم يزول بالنظر إلى الكتاب والسنّة ، وبالتأمل في أخبارهم وسيرهم الواصلة إلينا بالأسانيد المعتبرة ، وسنشير إلى موارد من ذلك في بحثٍ حول الصحابة.
قوله(٣٥٩) :
( وأمّا تفصيلاً فالكتاب والسنّة ، أمّا الكتاب فمن وجهين ).
أقول :
ظاهره انحصار استدلال أصحابنا لإمامة أمير المؤمنينعليهالسلام بآيتين من الكتاب ، وهذا باطل كما لا يخفى على من راجع كتبهم ، نذكر منها على سبيل التمثيل أنّ العلاّمة الحلّي استدل في كتابه ( منهاج الكرامة ) بأربعين آية ، وفي كتابه ( نهج الحق ) بأربع وثمانين آية ، معتمداً على الأحاديث الثابتة عند الفريقين
قوله تعالى : ( وآولوا الأرحام )
__________________
أهل السنة : الدار قطني ، الخوارزمي ، ابن عبدالبر ، الذهبي ، الحمويني ، الكنجي ، ابن حجر المكي ، ابن المغازلي ، فهم رووها بكاملها أو جملاً منها.
قوله(٣٥٩) :
( الأول قوله تعالى : ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) والآية عامة في الأمور كلّها والجواب منع العموم ).
أقول :
الآية هي :( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين ) (١) . إذ اعتبر فيها الأولوية لمن جمع ثلاثة قيودٍ هي : كونه ذا رحم ، وكونه مؤمناً ، وكونه مهاجراً. فمن جمعها كان أولى من غيره ، وهذه الأولوية عامة للمال وللولاية ، بل كونها للولاية أوضح ، لكون سياقها سياق الآية الآخرى الواردة في خصوص الولاية وهي قوله تعالى :( النبّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمّهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعضِ في كتاب الله ) (٢) . فهي ثابتة لأمير المؤمنينعليهالسلام لكونه الجامع لها دون أبي بكر ، لأنه لو سلّم كونه من المؤمنين والمهاجرين فليس بذي رحمٍ لرسول اللهصلىاللهعليهوآله .
ومن هنا يشترط في الإمامة والولاية الاقربية من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولذا احتجّ المهاجرون على الأنصار بالقرابة منه ، فلمّا بلغ عليّاًعليهالسلام ذلك قال :
« وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم |
فغيـرك أولـى بـالنبي وأقرب »(٢) |
ولقد أذعن المنصور العبّاسي والفخر الرازي باستدلال محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنينعليهالسلام ـ في كتاب له إلى المنصور ـ بالآية المباركة على أولوية ذي الرحم قائلاً : « وليس في الآية شيء معيّن في ثبوت هذه الأولوية فوجب حمله على الكل إلاّ ما خصّه الدليل وحينئذٍ يندرج فيه الإمامة » لكنه أجاب
__________________
(١) سورة الأحزاب : ٦.
(٢) سورة الأنفال : ٧٥.
(٣) نهج البلاغة : ٥٠٣ ط صبحي الصالح.
بأن.
« العباس أولى بالإمامة ، لأنه كان أقرب إلى رسول الله من علي »(١) .
قلت : لو سلّمنا أقربية العباس من علي لكن القيود المأخوذة في الآية منها الهجرة ، والعباس لم يكن من المهاجرين ، إذ لا هجرة بعد الفتح.
وبما ذكرنا يظهر سقوط ما جاء في الكتاب في الجواب عن الإستدال بالآية الشريفة.
قوله تعالى :( إنما وليكم الله )
قوله(٣٥٩ ـ ٣٦٠) :
( الثاني : قوله تعالى : ( إنما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الّذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) (٢) والجواب ).
أقول :
إنه يعترف بنزول الآية المباركة في شأن عليعليهالسلام ، ويعترف أيضاً بأنّ من معاني « الولي » هو « الأولى بالتصرّف » وظاهره تمامية الإستدلال بالآية على الوجه المذكور لولا المانع وهو أمران : لزوم إمامتهعليهالسلام حال حياة الرسول ، ولا شبهة في بطلانه ، وتكرر صيغ الجمع في الآية ، وهذا كيف يحمل على الواحد؟ فلا بدّ من أن يكون المراد من « الولي » هو « الناصر » لا « الأولى بالتصرّف » والقرينة على كون المراد هو الناصر دون غيره هو ما قبل الآية وما بعدها ، فوجب أن يحمل ما بينهما على النصرة لتتلائم أجزاء الكلام.
وحاصل ذلك تمامية المقتضي لولا المانع وهو الأمران المزبوران ، فاللازم رفعه ، من دون احتياج إلى إيراد ما ذكره أصحابنا في بيان وجه الإستدلال وإن كان أتمّ وأوضح ممّا ذكر في الكتاب عن لسانهم ، ومن دون بحث حول « الولي » وأنّه مشترك لفظي أو معنوي ، وإن كان الإستدلال على الثاني أبين
__________________
(١) الكامل للمبرّد ٢/٢٨٣ ، تفسير الرازي ٤/٣٩٥.
(٢) سورة المائدة : ٥٨.
وأمتن فنقول :
أمّا الأمر الاوّل فجوابه ـ كما عرفت سابقاً ـ أنّ التصرّف من شؤون صاحب الولاية سواء كان نبياً أو وصي نبي ، فقد يكون حاصلاً له بالفعل وقد لا يكون ، والمقصود بالإستدلال هنا إثبات الولاية لأمير المؤمنينعليهالسلام .
وأمّا تصرّفه في الأمور فمن الواضح كونه موقوفاً على ما بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله ، وهذا كما يثبت بالوصية استحقاقها للوصي وإنْ منعه وجود الموصي من اتصرف ، وكذلك جعل النبّي في حياته الولاية لعليّ كما في غير واحد من الأحاديث ، وتنزيله إياه من نفسه بمنزلة هارون من موسى كما في حديث المنزلة.
وأمّا الأمر الثاني فجوابه ظاهر جدّاً بعد تصريح الأحاديث عند الفريقين بانّ المراد شخص « علىعليهالسلام » وبأنّ « وهم راكعون » جملة حالية ، فهو الذي تصدّق بخاتمة راكعاً فنزلت الآية فظهر سقوط ما ذكره الماتن إذ ليس إلاّ استبعاداً ، مع ان نظائر الآية في القرآن المجيد كثيرة ، واندفاع ما ذكره الشارح ، لعدم اشتراك غيرهعليهالسلام معه في تلك الصفة.
فارتفع ـ بما ذكرنا ـ المانع عن أن يكون المراد من « الولي » في الآية هو « الأولى » ، وبقي الكلام حول ما ذكر قرينةً لحمله على « الناصر » وهو ما قبل الآية ، قال : « وهو قوله :( يا أيّها الذين آمنوا لا تتّخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ) فإن الأولياء ههنا بمعنى الأنصار لا بمعنى الأحقين بالتصرّف » وما بعد الآية « وهو قوله :( ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون ) فإنّ التولي ههنا بمعنى المحبة والنصرة دون التصرّف ».
فنقول : ـ بعد التسليم بقرينية السياق مطلقاً ـ أمّا الآية التي ذكرها فليست قبل قوله تعالى :( إنما وليّكم الله ...) بل هي مفصولة عن هذه الآية بآياتٍ عديدةٍ أجنبيّة عنها ، فلا تصلح التي ذكرها قرينة لحمل « الولي » على « الناصر ». وأمّا التي بعدها فهي مناسبة لكون المراد « الأولوية » بكلّ وضوح ، لأنّ المراد بتولّي
الله ورسوله والذين أموا هو اتخاذهم أولياء والقول بولايتهم بالمعنى الذي أريد من الولي في( إنما وليكم الله ... ) فكيف لا تحصل المناسبة؟
فظهر أنّ الآية الكريمة ـ وبالنظر إلى أحاديث الفريقين الواردة في شأن نزولها ـ نصّ في إمامة أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، بعد النبيصلىاللهعليهوآله بلا فصل.
قوله(٣٦٠) :
( أمّا السنة فمن وجوه ).
أقول :
الوجوه التي ذكرها هي قليل من كثير لا يخفى على من لاحظ كتب أصحابنا ، فلا يتوهّم الإنحصار بما أورد في الكتاب.
قوله(٣٦٠) :
( الأول خبر الغدير والجواب )
أقول :
لقد أوجز الكلام في بيان كيفيّة الإستدلال بحديث الغدير ، فليراجع في ذلك كتب أصحابنا ، ثم ناقش فيه سنداً ومتناً ودلالةً ، ونحن نتكلّم على ما قال في كلّ جهة بقدر الضرورة.
أمّا سنداً فذكر :( منع صحة الحديث ، ودعوى الضرورة في العلم بصحته لكونه متواتراً مكابرة ) .
وفيه : إنّ هذا الحديث متواتر قطعاً ـ فضلاً عن الصحّة ـ عند أهل البيت وأتباعهم ، وأمّا أهل السنة فإنّما يستشهد أصحابنا بأخبارهم وأقوالهم إثباتاً للإتفاق على المطلب وإلزاماً لمن تعصّب ولذا يكفي إقرار بعض من يحتجّ بقوله منهم بالصحّة فضلاً عن الإذعان بالتواتر وحينئذٍ نقول : لقد نصَّ على صحة
الغدير جماعة من أعلام أهل السنة ، منهم :
١ ـ الترمذي المتوفى سنة ٢٧٩ ، فإنّه قال بعد أن أخرجه : « هذا حديث حسن صحيح »(١) .
٢ ـ الطحاوي المتوفى سنة ٢٧٩ بعد أن رواه : « فهذا الحديث صحيح الإسناد ولا طعن لأحدٍ في رواته »(٢) .
٣ ـ الحاكم المتوفى سنة ٤٠٥ حيث أخرجه بعدة طرقٍ وصحّحها(٣) .
٤ ـ ابن عبدالبر المتوفى سنة ٣٦٤ حيث قال بعد أحاديث في فضل أمير المؤمنينعليهالسلام منها حديث الغدير : « هذه كلها آثار ثابتة »(٤) .
٥ ـ الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨حيث أنه وافق الحاكم على تصحيحة في تلخيص المستدرك(٥) .
٦ ـ إبن كثير الدمشقي المتوفى سنة ٧٧٤ حيث ذكر الحديث ثم عقبه بقوله : « قال شيخنا أبو عبدالله الذهبي : هذا حديث صحيح »(٦) .
٧ ـ إبن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ حيث قال : « وأما حديث من كنت مولاه فعليّ مولاه فقد أخرجه الترمذي والنسائي ، وهو كثير الطرق جداً ، وقد استوعبها ابن عقدة في كتابٍ مفرد ، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان »(٧) .
٨ ـ إبن حجر المكي المتوفى سنة ٩٧٤ : « إنه حديث صحيح لا مرية فيه وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد ، فطرقه كثيرة جداً ، ومن ثمّ رواه ستة
__________________
(١) صحيح الترمذي ٥/٥٩١ ، باب فضائل أمير المؤمنينعليهالسلام .
(٢) مشكل الآثار ٢/٣٠٨.
(٣) المستدرك على الصحيحين ٣/١١٠ وغيره.
(٤) الإستيعاب ترجمة الإمامعليهالسلام ٣/١٠٩٠.
(٥) تلخيص المستدرك ـ المطبوع بذيله ـ ٣/١١٠.
(٦) تاريخ ابن كثير ٥/٢٠٩.
(٧) فتح الباري ٧/٦١.
عشر صحابياً ، وفي رواية لأحمد : إنه سمعه من النبي ثلاثون صحابياً وشهدوا به لعلي لمّا نوزع أيام خلافته كما مرّ وسيأتي ، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان ، ولا التفات لمن قدح في صحّته ولا لمن ردّه بأنّ علياً كان باليمن لثبوت رجوعه منها »(١) .
٩ ـ علي القاري المتوفّى سنة ١٠١٤ فإنه قال بعد أن رواه : « والحاصل إن هذا حديث صحيح لا مرية فيه بل بعض الحفاظ عدّه متواتراً فلا التفات لمن قدح في ثبوت هذا الحديث ، وأبعد من ردّه بأن عليّاً كان باليمن »(٢) .
١٠ ـ المناوي المتوفى سنة ١٠١٣ حيث قال : « قال ابن حجر : حديث كثير الطّرق جدّاً ، قد استوعبها ابن عقيدة في كتابٍ مفرد ، منها صحاح ومنها حسان »(٣) .
هؤلاء جماعة من أكابر القوم نصوا على صحّة الحديث ، ولو شئنا أن نذكر غيرهم لذكرنا ولنذكر جماعةً نصّوا على تواتره فمنهم :
١ ـ شمس الدين الذهبي.
٢ ـ ابن كثير الدمشقي ، حيث قال : « وقد قال شيخنا الحافظ أبو عبدالله الذهبي الحديث متواتر أتيقّن أن رسول الله قاله »(٤) .
٣ ـ ابن الجزري التوفى سنة ٨٣٣ : « صحيح عن وجوه كثيرةٍ متواتر عن أمير المؤمنين علي وهو متواتر أيضاً عن النبي ، رواه الجم الغفير عن الجم الغفير ، ولا عبرة بمن حاول تضعيفه ممّن لا اطلاع له في هذا العلم وصح عن جماعة ممّن يحصل القطع بخبرهم »(٥) .
__________________
(١) الصواعق المحرقة : ٢٥.
(٢) المرقاة في شرح المشكاة ٥/٥٦٨.
(٣) فيض القدير في شرح الجامع الصغير ٦/٢١٨.
(٤) تاريخ ابن كثير ٥/٢١٣.
(٥) أسنى المطالب ٣ ـ ٤.
٤ ـ السيوطي المتوفّي سنة ٩١٠.
٥ ـ المنّاوي حيث قال شرح الحديث ناقلاً عن السيوطي : « قال : حديث متواتر »(١) .
فظهر :
أولاً : إنّ الحديث صحيح ، وإنّ من حاول تضعيفه لا أطّلاع له في هذا العلم ، فكيف يصغى إلى من طعن فيه؟
وثانياً : إنّ الحديث متواتر وقوله « دعوى الضرورة مكابرة » مكابرة.
وثالثاُ : إنّ الحديث طرقه كثيرة ورواته كثيرون وقوله : « لم ينقله أكثر أصحاب الحديث » باطل.
وأمّا متناً فقد ذكر « إن علياً لم يكن يوم الغدير مع النبي فإنّه كان اليمن ».
وهذا كذب ، فقد ثبت قدوم عليعليهالسلام على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأخرجه أرباب الصحاح كلّهم ، ففي الحديث الذي اتفقوا على إخراجه : « عن أنس بن مالك قال : قدم علي النبي من اليمن ، فقال : بم أحللت »(٢) .
كما نصّ على حضورهعليهالسلام يوم الغدير مع الاستنكار على من نفي ذلك جماعة من أعلام القوم ، كالطحاوي وابن حجر المكي والقاري
وكأنّ الشارح التفت إلى بطلان هذه الدعوى فحاول إصلاحها بقوله : « وردّ هذا بأنّ غيبته لا تنافي صحة الحديث ».
وأمّا دلالةً
فالعمدة في كلامه قوله :( لأن مفعل بمعنى أفعل لم يذكره أحد من أئمة
__________________
(١) التيسير في شرح الجامع الصغير ٢/٤٤٢.
(٢) صحيح البخاري ٢/١٧٢ ، صحيح مسلم ٤/٤٠ ، سنن الترمذي ٢/٢١٦ ، سنن أبي داود ٢/١٥٨ ، سنن النسائي ٥/١٥٧ ، سنن ابن ماجة ٢/١٠٢٤.
العربية ، وقوله تعالى :( ومأويكم النار هي مولاكم ) أي مقركم وما إليه مالكم وعاقبتكم ، ولهذا قال الله تعالى : ( وبئس المصير ... ) ).
فنقول : إذا ثبت مجيء « مفعل » بمعنى « أفعل » بنصّ أئمة العربية من أهل السنّة ، كان اللاّزم الإذعان بتمامية الإستدلال ، ورفع اليد عن الشبهات المترتّبة على إنكار مجيء الكلمة بالمعنى المذكور
لقد نصّ على مجيء « مفعل » بمعنى « أفعل » أكابر أئمة العربية ومشاهير المفسّرين ولنذكر منهم طائفةً :
١ ـ محمد بن السّائب الكلبي.
٢ ـ يحيى بن زياد الفراء.
٣ ـ أبو إسحاق الزجّاج.
٤ ـ أبو عبيدة معمر بن المثنى.
قال الرازي بتفسير : « هي مولاكم » : « قال الكلبي : يعني : أولى بكم. وهو قول الزجاج والفرّاء وأبي عبيدة »(١) .
٥ ـ أبو العباس ثعلب. قال الزوزني بشرح شعر من المعلّقات : « وقال ثعلب : إن المولى في هذا البيت بمعنى الأولى بالشيء كقوله تعالى :( مأواكم النار هي مولاكم ) أي هي الأولى بكم »(٢) .
٦ ـ أبو نصر الجوهري ، فقد نص عليه بشرح شعر لبيد(٣) .
٧ ـ الحسين بن مسعود الفراء البغوي بتفسير الآية :( مأواكم النار هي مولاكم ) : « صاحبتكم وأولى بكم لما اسلفتم من الذنوب »(٤) .
٨ ـ جار الله الزمخشري : « ومولاي : سيدي وعبدي ، ومولى بين الولاية
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٩/٢٢٧.
(٢) شرح المعلقات للزوزني ٩١.
(٣) صحاح اللغة « ولي ».
(٤) معالم التنزيل ٨/٢٩.
ناصر وهو أولى به »(١) .
٩ ـ ابن الجوزي بتفسير الآية : « قوله : مولاكم ، قال أبو عبيدة : أي أولى بكم »(٢) .
١٠ ـ البيضاوي : « مولاكم : هي أولى بكم »(٣) .
وإن شئت المزيد فراجع بتفسير الآية : الكشاف ، غرائب القرآن ، البحر الحيط ، مدارك التنزيل ، تفسير الجلالين ، تفسير أبي السعود وغيرها من التفاسير المعتمدة عند القوم.
بل اعترف بذلك التفتازاني في ( شرح المقاصد ) والقوشجي في ( شرح التجريد ) فلاحظ.
بل إنّ « المولى » يجيء بمعنى « المتصرّف في الأمر » فتكون دلالة الحديث على المطلوب أوضح ، وقد نصّ على ذلك غير واحدٍ من المفسرين والمحدثين(٤) .
فهل هذا القدر كاف؟!
فظهر :
١ ـ إنّ الحديث صحيح بل متواتر قطعي الصدور.
٢ ـ وإنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان حاضراً يوم الغدير.
٣ ـ وإنّ « المولى » فيه بمعنى « الأولى ».
بقي الكلام في قوله :( وإن سلّم ان هذا الحديث صحيح فرواته لم يرووا مقدّمة الحديث ، وهي : ألست أولى بكم من أنفسكم. فلا يمكن أن يتمسّك بها في أنّ المولى بمعنى الأولى ).
فالماتن ينكر أن يكون رواة الحديث قد رووا مقدّمته ، لكن الشارح يلتفت
__________________
(١) أساس البلاغة « ولي ».
(٢) زاد المسير في علم التفسير ٨/١٦٧.
(٣) تفسير البيضاوي ٧١٦.
(٤) تفسير الرازي ١٣/١٧ ، ٢٣/٧٤ ، المرقاة في شرح المشكاة ٥/٥٦٨.
إلى كذب هذه الدعوى فيستدرك قوله( فرواته ) الظاهر في الكلّ بقوله( أي أكثرهم ) ولو سلّمنا أن الأكثر لم يرووا ففي رواية الأقل كفاية لكنّ الواقع رواية الاكثر للمقدّمة وهم أمثال : معمر بن راشد ، عبدالله بن نمير ، أبي نعيم فضل بن دكين ، عفان بن مسلم ، ابن أبي شيبة ، قتيبة بن سعيد الثقفي ، أحمد ابن حنبل ، ابن ماجة ، أبي بكر البزّار ، النسائي ، أبي يعلى الموصلي ، محمد بن جرير الطبري ، أبي حاتم البستي ، الطبراني ، الدار قطني ، أبي موسى المديني ، ابن كثير الدمشقي وغيرهم فارجع إلى : مسند أحمد ٤/٣٧٢ ، ٥/٣٤٧ ، كنز العمال ١٣/١٣١ ، ١٣٤/١٥٨ ، الخصائص : ٩٥ ، سنن إبن ماجة ١/٤٣ ، الرياض النضرة ٢/٢٢٣ ، تاريخ ابن كثير ٧/٣٤٨ ـ ٣٤٩ ...
قوله (٣٦٢) :
( الثاني : قوله عليهالسلام : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي والجواب ).
أقول :
قد ذكر للإستدلال بهذا الحديث وجهين ، فأجاب عنهما على تقدير صحته سنداً ، فالكلام يقع في جهتين :
الجهة الأولى في سند الحديث
قوله :( الجواب : منع صحة الحديث » قال الشارح :« كما منعه الآمدي ، وعند المحدثين : أنّه صحيح وإن كان من قبيل الآحاد ).
وفيه : كيف يمنع صحة الحديث وهو في كتابي البخاري ومسلم(١) وهما
__________________
(١) صحيح البخاري ، كتاب المغازي ، غزوة تبوك. صحيح مسلم ، الترمذي ، ابن ماجة ، أبي داود لاحظ جامع الأصول ٩/٤٦٩.
أصحّ الكتب عندهم بعدالقرآن؟ وكيف يقال بأنه « من قبيل الآحاد » وقد اشتهر بينهم قطعيّة صدور أحاديث الكتابين؟(١) كيف وقد نصّ على ثبوت هذا الحديث وكثرة طرقه بل وتواتره غير واحدٍ من أكابر القوم؟ قال ابن عبدالبر : « هو من أثبت الأخبار وأصحّها ، رواه عن النبي : سعد بن أبي وقاص ـ وطريق حديث سعد فيه كثيرة جداً ، قد ذكره إبن أبي خيثمة وغيره ـ ورواه ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأم سلمة وأسماء بنت عميس وجابر بن عبدالله ، وجماعة يطول ذكرهم »(٢) .
وقد كان على الماتن والشارح أن يجلاً أنفسهما عن متابعة مثل الآمدي الّذي كان عند الذهبي وغيره من المبتدعة ، وقد نفي من دمشق لسوء اعتقاده ، وصحّ عنه أنه كان يترك الصلاة(٣) .
الجهة الثانية في دلالة الحديث
قوله (٣٦٣): ( أو نقول على تقدير صحته لا عموم له في المنازل ، بل المراد استخلافه على قومه في قوله : اخلفني في قومي لا ستخلافه على المدينة كيف والظاهر متروك ، أي : وإنْ فرض أنّ الحديث يعمّ المنازل كلّها كان عامّاً مخصوصاً ، لأن من منازل هارون كونه أخاً نسبيّاً ونبيّاً ، والعام المخصوص ليس حجة في الباقي أو حجّيته ضعيفة ).
أقول : إنّ طريقة أصحابنا إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام من هذا الحديث إثبات عموم أفراد المنزلة لهارون ، ثم إثبات أن الإمامة من منازلة عن طريق استخلافه على بني إسرائيل وعدم العزل عن الخلافة تارةً ، وعن طريق شركته
__________________
(١) لاحظ : كلام الحافظ ابن القيسراني المقدسي في كتاب الجمع بين رجال الصحيحين وكلام النووي وشارحه السيوطي في تدريب الراوي ، وغيرهما.
(٢) الإستيعاب ترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام ٣/١٠٩٠.
(٣) ميزان الاعتدال للذهبي ، لسان الميزان لإبن حجر العسقلاني ٣/١٣٤.
لموسىعليهالسلام في افتراض الطاعة تارةً أخرى.
فإنكار دلالة الحديث على عموم المنزلة عمدة الشبه المتعلّقة بهذا الإستدال ، فإذا ما اندفعت لم يبق لهم شيء يصغى إليه ، ولعلّ القوم على علم باندفاعها فيلجأون إلى تقليد الآمدي في الطّعن في سند الحديث ، مع بنائهم على عدم الطعن في شيءٍ أخرج في الصحيحين!!
أمّا العموم فالدالّ عليه قوله « بمنزلة هارون » فإنّه اسم جنس مضاف ، وهو من ألفاظ العموم كما نصّ عليه الماتن نفسه في ( شرح مختصر الأصول ) وكذا غيره من أئمة علم الأصول والعربية ، كما لا يخفى على من راجع مباحث العموم والخصوص في شروح ( منهاج الأصول ) للبيضاوي ، وشروح ( تلخيص مفتاح العلوم ) للسكاكي ، وشروح ( الكافية في النحو ) لابن الحاجب.
ويشهد بدلالة الحديث على عموم المنزلة استثناء النبوّة ، فإنّ صحة الإستثناء معيار العموم كما نصّ عليه البيضاوي في ( منهاج الأصول ) وشرّاحه كغيرهم من المحقّقين.
هذا ولايخفى أنه لم ينكر في الكتاب ظهور الحديث في العموم ، وإنما جاء فيه :( المراد من الحديث إنّ علياً خليفة منه على المدينة في غزوة تبوك ، كما أنّ هارون كان خليفة لموسى في قومه حال غيبته ، ولا يلزم دوامه بل التبادر استخلافه مدة غيبته ) فهما يقولان بأن « المراد » كذا ، وغاية ذلك دعوى أنّ قول موسى « أخلفني » لدى خروجه إلى الطور قرينة على إرادة خصوص مدة غيبته من العموم ، وكذلك كلام النبيصلىاللهعليهوآله لأنّه قاله عند ما خرج إلى تبوك لكن يكفي في دفع هذا التوهّم ثبوت ورود حديث المنزلة في مواقع متعدّدة ـ كما لا يخفى على المطّلع بألفاظه وطرقه ـ فالحديث باقٍ على عمومه ، نذكر منها مورداً واحداً إتماماً للحجّة ونكتفي برواية أحمد بن حنبل :
قال المتقي : « مسند زيد بن أبي أوفى : لمّا آخى النبي صلّى الله عليه وسلّم بين أصحابه فقال علي : لقد ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت
بأصحابك ما فعلت ، غيري. فإن كان هذا من سخطّ عليَّ فلك العتبى والكرامة. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : والذي بعثني بالحق ، ما أخّرتك إلاّ لنفسي ، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبّي بعدي. وأنت أخي ووارثي. قال : وما أرث منك يا رسول الله؟ قال : ما ورثت الأنبياء من قبلي. قال : وما ورثت الأنبياء من قبلك؟ قال : كتاب ربّهم وسنّة نبيهم. وأنت معي في قصري في الجنة مع فاطمة ابنتي ، وأنت أخي ورفيقي.
حم. في كتاب مناقب علي »(١) .
فهذا الحديث الذي رواه إمامهم أحمد بن حنبل وارد في مورد المواخاة ، وهو يدلّ على افضلية أمير المؤمنين وأعلميته وعصمته كما لا يخفى وكلّ ذلك مستلزم للإمامة والخلافة بلا فصل
فظهر : أن الحديث على عمومه المعترف به ، ولا موجب لرفع اليد عن ذلك
وأمّا رفع اليد عن ظهوره في العموم من جهة أن من منازل هارون كونه نبياً وكونه أخاً نسبياً ، وعلىعليهالسلام لم يكن نبيّاً ولم يكن أخاً نسبيّاً لرسول الله ، ففيه :
أمّا أوّلاً : لقد ذكر التفتازاني في ( شرح المقاصد ) إشكال انتفاء الأخوة على الإستدلال وأجاب عنه بنفسه وهذه عبارته : « ليس الإستثناء المذكور إخراجاً لبعض أفراد المنزلة ، بمنزلة قولك : إلاّ النبوة ، بل هو منقطع ، بمعنى لكن ، فلا يدل على العموم كما لا يخفى على أهل العربية ، كيف؟ ومن منازله الاخوة في النسب ولم تثبت لعلي رضي الله عنه. اللّهمّ إلاّ أن يقال : إنها بمنزلة المستثنى لظهور إنتفائها ».
وتبعه القوشجي في ( شرح التجريد ).
__________________
(١) كنز العمال ، كتاب الفضائل ، فضائل الخلفاء ، فضل عليعليهالسلام .
والحاصل عدم قدح انتفاء الأخوة النسبية بين علي والرسولعليهماالسلام في عموم الحديث ، لكون الأخوة بمنزلة المستثنى لظهور انتفائها بينهما.
وأمّا ثانياً : فإنّ الإشكال بانتفاء النبّوة عن عليعليهالسلام في غير محلّه لأنّ صريح الحديث استثناؤها ، ولذا لم يستشكل أحد بذلك ، وقال الشارح :( ولو ترك قوله ( ونبيّاً ) لكان أولى ).
وأمّا ثالثاً : فإنّ العام المخصوص حجّة في الباقي بإجماع الصحابة والسلف ، وإنكار ذلك مكابرة ، نصّ على ذلك علماء الأصول ، قال البزدوي في أصوله : « إجماع السلف على الإحتجاج بالعموم » قال شارحه البخاري في ( كشف الأسرار ) : « أي : بالعام الذي خص منه الإحتجاج بالعمومات المخصوص منها مشهور بين الصحابة ومن بعدهم ، بحيث يعد إنكاره من المكابرة ، فكان إجماعاً ».
فظهر عموم الحديث ، فيثبت لعليعليهالسلام كلّ ما ثبت لهارونعليهالسلام من المنازل من الخلافة والعصمة والأفضلية وفرض الطاعة وغيرها إلاّ النبّوة.
هذا ، ولايخفى أن الماتن يعترف بظهور الحديث في العموم ، إلاّ أنه يدعي ترك هذا الظهور ، لكنّ الشارح يغيّر معنى كلام الماتن فيقول بشرح :( كيف والظاهر متروك. أي : وإنْ فرض أنّ الحديث يعمّ ) وهذا تعسّف واضح.
وأمّا الإشكال على دلالة الحديث على فرض الطاعة ـ كما في ثاني وجهي الإستدلال ـ وقوله (٣٦٣) :
( ونفاذ أمر هارون بعد وفاة موسى لنبوّته لا للخلافة عن موسى ).
فعجيب جداً ، لأنّ هارون كان خليفةً لموسى بنص القرآن الكريم إذ قال له( اخلفني في قومي ) أي : « كن خليفتي في قومي ونافذ أمرك فيهم » كما ذكر المفسّرون بأجمعهم كالرّازي والزمخشري والبيضاوي والنّيسابوري والنسفي وابن كثير والخازن وهذا لا ينافي كونه نبيّاً.
وإذا كان من جملة المنازل الثابتة لهارون بخلافته فرض طاعته على الأمّة ، فعليّعليهالسلام المنزّل منزلة هارون مفترض الطاعة على الأمة كذلك ، فلو صرّح النبيصلىاللهعليهوآله بهذا المعنى وقال : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى في فرض الطاعة على أمتي وإنْ لم تكن شريكي في النبوة » لكان كلاماً مستقيماً لا تنافي فيه أصلاً.
ويؤكّد ذلك أمر النبيصلىاللهعليهوآله في غير واحد من الأحاديث المعتبرة ـ بإطاعة علي ، وأن من أطاع علياً فقد أطاعه ومن أطاعه فقد أطاع الله نكتفي هنا بحديثٍ واحد منها أخرجه الحاكم بسنده عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع علياً فقد أطاعني ، ومن عصى عليّاً فقد عصاني. هذا حديث صحيح الإسناد »(١) .
هذا ولولا دلالة حديث المنزلة على حصول تلك المنازل لعليعليهالسلام لم يقل عمر بن الخطاب ـ فيما رواه جماعة منهم الحاكم وإبن النجّار كما في ( كنز العمال ) ـ « كفّوا عن ذكر علي بن أبي طالب ، فإني سمعت رسول الله يقول في علي ثلاث خصالٍ لئن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس : كنت أنا وأبوبكر وأبو عبيدة الجراح ونفر من أصحاب رسول الله ، والنبي متكئ على علي ابن أبي طالب ، حتى ضرب بيده على منكبه ثم قال : وأنت يا علي أول المؤمنين إيماناً وأوّلهم إسلاماً ثم قال : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى. وكذب عليّ من زعم أنّه يحبّني ويبغضك ».
ولم يقل مثله سعد بن أبي وقاص كما رواه إبن ماجة في ( سننه ) وغيره.
ولم يحتج به كبار الصحابة في موطن مختلفة ، وأمير المؤمنينعليهالسلام نفسه في احتجاجه على أهل الشورى.
__________________
(١) المستدرك على الصحيحين ٣/١٢١.
قوله(٣٦٣) :
( الثالث من وجوه السنة : قوله عليهالسلام : سلّموا على علي بإمرة المؤمنين. الجواب منع صحة الحديث للقاطع المتقدّم الدالّ عدم النصّ الجلّي. وكذا قوله : أنت أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي وقاضي ديني. وقوله : إنّه سيد المسلمين وإمام المتّقين وقائد الغر المحجّلين ).
أقول :
هذه أحاديث رواها علماء طائفته في كتبهم بأسانيدهم المعتبرة ودلالاتها واضحة جدّاً ، وإذْ لم يقدح في أسانيدها فلا حاجة إلى ذكر مصادرها. وأمّا منعه صحّتها لِما ذكره فقد تقدم أنه مبني على حسن الظن بالصحابة ، وقد عرفت جوابه ، كما أنّ لنا بحثاً حول الصحابة في آخر الكتاب فانتظر.
قوله(٣٦٣) :
( وبعد الأجوبة المفصلة على الوجوه المذكورة نقول : هذه النصوص التي تمسّكوا بها في إمامة علي رضي الله عنه معارضة بالنصوص الدالة على إمامة أبي بكر ).
أقول :
فيه : أوّلاً : لقد اعترف سابقاً ـ كغيره ـ بعدم النص الدال على إمامة أبي بكر ، فما دل على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام لا معارض له.
وثانياً : إنّ ما ذكره بعضهم نصّاً على إمامة أبي بكر فإنما استند إلى أخبار طائفته ، ومن المعلوم عدم جواز الإحتجاج والمعارضة بما اختصّوا بروايته لعدم كونه حجةً عند الإمامية.
و ثالثاً : مقتضى ما ذكره أنّه إذا أجيب عمّا جعل معارضاً لنصوص أمامة أمير المؤمنينعليهالسلام وسقط الإستدلال به هو التسليم بتلك النصوص والإلتزام بمفادها.
ورابعاً : إنّ جميع ما استدل به باطل كما سيتّضح.
قوله(٣٦٣ ـ ٣٦٤) :
( الأوّل : قوله تعالى : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) ) (١) .
أقول : أوّلاً : لو كانت هذه الآية دالةً على خلافة أبي بكر لكانت خلافته مستندة إلى الله لقوله : « ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف » لكن خلافة أبي بكر لم تكن بنصبٍ من الله ، بل الخلافة عند القوم ليست بنصبٍ منه بل من الناس ، فالآية ليست دليلاً على خلافته ، بل المراد غيره وغير أتباعه.
وثانياً : إنّه لو كان المراد من الآية أبوبكر لما طعن عليه علي كما سيأتي تسمية نفسه « خليفة رسول الله » لكونه كذباً على رسول الله ، لأنّه لم يستخلفه ، بل أنّ مذهب القوم أنّهصلىاللهعليهوآله مات ولم يستخلف أحداً ، وهذا ما نص عليه عمر أيضاً فيما رووه عنه(٢) .
وثالثاً : لقد قام الإجماع من أهل البيتعليهمالسلام كما في ( مجمع البيان ) وغيره من التفاسير ـ على أنّ المراد من الآية هو الإمام المهديعليهالسلام وأنصاره وأتباعه ، وأجماع أهل البيت حجة بالأدلة القاطعة.
قوله(٣٦٤) :
( الثاني : قوله تعالى : ( قل للمخلّفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون ) ) (٣) .
__________________
(١) سورة النور : ٥٥.
(٢) الملل والنحل ١/٢٣ ، السيرة الحلبية ٢/٢٠٧ ، وغيرهما من المصادر.
(٣) سورة الفتح : ١٦.
أقول :
قد تعرّض شيخنا أبو جعفر الطوسي المتوفى سنة ٤٦٠ لاستدلال القوم بهذه الآية وأجاب عنه بالتفضيل ، فليت الماتن لاحظ كلامه ولم يكرّر الإستدلال. قال شيخنا رحمة الله بتفسير الآية : « واستدل جماعة من المخالفين بهذه الآية على إمامة أبي بكر ، من حيث أن أبابكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم ، وكانوا قد حرموا القتال مع النبيصلىاللهعليهوآله بدليل قوله( لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدوًاً ) .
وهذا الذي ذكروه غير صحيح من وجهين ، أحدهما : إنه غلط في التاريخ ووقت نزول الآية. والثاني إنه غلط في التأويل. ونحن نبيّن فساد ذلك أجمع. ولنا في الكلام في تأويل الآية وجهان : أحدهما : أن يُنازع في اقتضائها داعياً يدعو هؤلاء المخلّفين غير النبي ، ويبيّن أن الداعي لهم فيما بعد كان النبي على ما حكيناه عن قتادة وسعيد بن جبير في أن الآية نزلت في أهل خيبر وكان النبي هو الداعي إلى ذلك. والآخر : أن يسلّم ان الداعي غيره ويبيّن أنه لم يكن أبابكر ولا عمر ، بل كان أمير المؤمنين »(١) هذا أوّلاً.
وثانياً : إنه يمكن تسليم أن الداعي أبوبكر وعمر ، وأن يقال : ليس في الآية ما يدل على مدح الداعي ولا على إمامته(٢) .
وثالثاً : إنه يكشف عن عدم دلالة هذه الآية على ما قالوا : استدلال المحصّلين من علمائهم لإمامة أبي بكر من جهة الأخبار ، لا من جهة الآية ، وعمدتهم حديث الإقتداء الآتي.
ورابعاً : إنّ أحاديث القوم أنفسهم في تفسير الآية مختلفة ، وكذا أقوال مفسّريهم كما لا يخفى على من راجع(٣) .
__________________
(١) التبيان في تفسير القرآن ٩/٣٢٤ ـ ٣٢٦.
(٢) التبيان في تفسير القرآن ٩/٣٢٦.
(٣) لاحظ الدر المنثور ٦/٧٢.
وخامساً : إنّ الذي فسّر الآية بأبي بكر وأن القوم المذكورين بنو حنيفة أصحاب مسيلمة هو محمد بن شهاب الزهري. وهذا الرجل مقدوح جدّاً وقد كان من المبغضين لأمير المؤمنين عليعليهالسلام ، فلا يعتمد على قوله. لا سيّما في مثل المقام.
قوله(٣٦٤) :
( الثالث : لو كانت إمامة أبي بكر باطلة لما كان أبوبكر معظّماً ممدوحاً عند الله ).
أقول :
وفيه : إنه أوّل الكلام.
قوله(٣٦٤) :
( الرابع : كانت الصّحابة وعلي يقولون : يا خليفة رسول الله ).
أقول :
أولاً : لا حجّية في قول الصحابة وفعلهم غير علي لعدم العصمة فيهم.
وثانياً : إنّ علياًعليهالسلام لم يكن يرى أبابكر خليفةً ، ولذا لم يبايع مدّة حياة فاطمة الزهراءعليهاالسلام وهي ستة أشهر ، ولا حملها على البيعة وقد ماتت ولم تبايع أبابكر ، وهو يعلم بأن « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ».
وثالثاً : لا نسلّم أنّ علياًعليهالسلام كان يخاطب أبابكر كذلك ، بل لقد روى المؤرخون كابن قتيبة أنه لما أرسل أبوبكر قتفداً مولاه إلى عليعليهالسلام يدعوه « قال له علي : ما حاجتك؟ فقال : يدعوك خليفة رسول الله ، فقال علي : لسريع ما كذبتم على رسول الله!!».
ورابعاً : سلّمنا لكن هذا الخطاب ليس بأعلى من البيعة عن تقية ، فإنّهعليهالسلام لمّا ماتت فاطمة الزهراء وانصرفت وجوه الناس عنه اضطر إلى البيعة ، ولو بقيت فاطمة لما بايع ولا بايعت.
قوله(٣٦٤) :
( الخامس : لو كانت الإمامة حق علي ولم تعنه الأمّة عليه كما تزعمون لكانوا شرّ الأمم لكنّهم خير أمّة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كما دلّ عليه نصّ القرآن ).
أقول :
لقد دلّ حديث المنزلة على تنزيل عليعليهالسلام بمنزلة هارونعليهالسلام إلاّ في النبوّة ، ولا شك في أن هارونعليهالسلام قد استضعفه القوم وكادوا يقتلونه كما دل عليه نصّ القرآن ، فكذلك عليعليهالسلام ، ومن هنا خاطب رسول اللهصلىاللهعليهوآله أهل بيته قائلاً : « أنتم المستضعفون بعدي »(١) وقالت أروى بنت الحارث بن عبدالمطلب لمعاوية في كلام لها معه لمّا وفدت عليه : « فوثبت علينا بعده بنو تيم وعدي وأمية ، فابتزونا حقّنا ووليّتم علينا ، فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون ، وكان علي بن أبي طالب بعد نبيّنا بمنزلة هارون من موسى »(٢) .
وأمّا أنّ الأمّة لم تعنه عليه فنعم ، لا بل غدرت به ، وقد أخبره النبيصلىاللهعليهوآله بذلك من قبل ، فقد روي عنه أنه قال : « إن ممّا عهد إليّ النبي أنّ الأمّة ستغدر بي بعده » قال الحاكم بعد ما أخرجه : « هذا حديث صحيح الإسناد »(٣) .
وحينئذٍ ، فلابدّ أن يكون معنى الآية الكريمة غير ما ذكر في الكتاب ، فراجع التفاسير.
قوله(٣٦٤) :
* ( السادس : قوله عليهالسلام : إقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر وأقل مراتب الأمر الجواز. قالت الشيعة : هذا خبر واحد. قلنا : ليس أقل من
__________________
(١) مسند أحمد بن حنبل ٦/٣٣٩.
(٢) تاريخ أبي الفداء ١/١٨٨ وغيره من التواريخ ، في أخبار معاوية.
(٣) المستدرك ٣/١٤٠ ، ١٤٢ ورواه غيره أيضاً.
خبر الطير المنزلة ).
أقول :
يعدّ هذا أقوى أدلّتهم دلالةً ، ولذا تراهم يهتمون به كثيراً ويستندون إليه قديماً وحديثاً ، حتى قال الحاكم النيسابوري : « هذا حديث من أجلّ ما روي في فضائل الشيخين »(١) ولكن ماذا نفعل وكبار أئمتهم المحققين ينصّون على أنّه « باطل » و « لا يصحّ » و « منكر » و « موضوع »؟
ذكر العلامة المناوي بشرحه : « أعلّه أبو حاتم ، وقال البزار كابن حزم : لا يصح »(٢) .
وقال الترمذي بعد أنْ أخرجه : « هذا حديث غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود ، لا نعرفه إلاّ من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل ، ويحيى بن سلمة يضعّف في الحديث(٣) .
وقال أبو جعفر العقيلي : « حديث منكر لا أصل له من حديث مالك »(٤) .
وقال أبوبكر النقاش : « هو واه »(٥) .
وقال الدار قطني : « لا يثبت »(٦) .
وقال العبري الفرغاني : « إن الحديث موضوع »(٧) .
وقال الذهبي ـ بعد أن أخرجه ـ مرةً « هذا غلط »(٨) وأخرى : « قال أبوبكر
__________________
(١) المستدرك ٣/٧٥.
(٢) فيض القدير ٢/٥٦.
(٣) صحيح الترمذي ٥/٦٧٢.
(٤) الضعفاء الكبير ٤/٩٥.
(٥) ميزان الإعتدال للذهبي ١/١٤٢.
(٦) لسان الميزان لابن حجر ٥/٣٣٧.
(٧) شرح المنهاج للبيضاوي ـ مخطوط.
(٨) ميزان الاعتدال ١/١٠٥.
النقاش : هو واه »(١) وثالثةً : « سنده واه جداً »(٢) .
وقال الهيثمي : « فيه من لم أعرفهم »(٣) .
وقال ابن حجر العسقلاني بكلّ ما قال الذهبي(٤) .
وقال الشيخ الإسلام الهروي : « باطل »(٥) .
وأورد ابن درويش الحوت كلمات القوم ووافقهم(٦) .
هذه طائفة من كلمات هؤلاء الأعلام الأثبات المرجوع إليهم عندهم في الجرح والتعديل حكموا كلّهم بسقوط هذا الحديث والحق معهم فأنّ جميع اسانيده وطرقه ساقطة وقد حققت ذلك في رسالة مفردة(*) .
إذن ، لا نقول في الجواب : خبر واحد ، بل نقول : موضوع باطل ، وأما خبر الطّير والمنزلة ، فإنّهما معتبران باعتراف علماء أهل السنّة.
قوله(٣٦٥) :
* ( السابع قوله عليهالسلام : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثمّ تصير ملكاً عضوضاً وذلك دليل ظاهر على صحة خلافة الخلفاء الأربعة ).
أقول :
وهذا أيضاً من أدّلتهم المعتمدة عندهم وهو حديث غير معتبر وغير مشهور كما نصّ على ذلك غير واحدٍ منهم كابن تيميّة(٧) وذلك لأنّه لم يروه إلاّ سفينة ولم
__________________
(١) ميزان الاعتدال ١/١٤.
(٢) تلخيص المستدرك ٣/٧٥.
(٣) مجمع الزوائد ٩/٥٣.
(٤) لسان الميزان ١/١٨٨ ، ١/٢٧٢ ، ٥/٣٣٧.
(٥) الدر النضيد : ٩٧.
(٦) أسنى المطالب : ٤٨.
* وهي مطبوعة في هذه المجموعة.
(٧) منهاج السنة ٢/٢٢٣.
يخرجه إلاّ الترمذي وأبا داود(١) وأحمد(٢) وليس الراوي عنه إلاّ « سعيد بن جمهان ».
والكلام عليه أمّا سنداً فإنّ سعيداً مقدوح مجروح ، قال أبو حاتم : « يكتب حديثه ولا يحتج به » وعن أحمد « أنه سئل عنه فلم يرضه فقال باطل وغضب » وقال الساجي : « لا يتابع على حديثه » وقال ابن معين : « روى عن سفينة أحاديث لا يرويها غيره » وقال البخاري : « في حديثه عجائب »(٣) .
وأمّا دلالةً فانّها تختلف في الكتاب التي ورد فيها ، لأنّ لفظه مختلف ولذا اختلف كلمات الشرّاح حوله.
ثم إنّه ظاهر في أن الخلافة تصير بعد الثلاثين ملكاً عضوضاً إلى الأبد ، إلاً أنهم يروون عن حذيفة أنها تصير بعد الملك العاض ملكاً جبرية ثم تعود خلافةً على منهاج النبوّة ، وقد طبّق بعضهم هذا على عمر بن عبدالعزيز(٤) .
وهذا الحديث الأخير يدل على كون الخلفاء الراشدين عندهم خمسة! لكنّ حديث سفينة الذي عند أبي داود فيه أنّ بعضهم كان لا يرى عليّاً من الخلفاء الراشدين!
وعلى الجملة فأحاديثهم في هذا الباب مختلفة إلاّ أن الذي يهوّن الخطب إعراض البخاري ومسلم عنها ، بل الذي أخرجاه هما وسائر أصحاب السنن والمسانيد هو « حديث الإثنا عشر خليفة » وهذا هوالمعتمد والمعتضد بالأحاديث الكثيرة المعتبرة ، وهو لا ينطبق إلاّ على ما نذهب إليه من القول بالأئمة الإثنى عشر عليهم الصلاة ، أوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وآخرهم المهدي ، ومن هنا أورد أبو داود هذا الحديث في كتاب المهدي من سننه جاعلاً إيّاه
__________________
(١) لاحظ : جامع الأصول ٤/٤٤٠.
(٢) مسند أحمد ٥/٢٢٠ ، ٢٢١.
(٣) لاحظ : تهذيب التهذيب ٤/١٣.
(٤) مسند أحمد ٤/٢٧٣.
أوّل حديثٍ من احاديثه.
ولمّا كان هذا الحديث معتبراً سنداً وتاماً دلالةً على الحق الذي نذهب إليه فقد حار الشرّاح في كيفيّة تطبيقه وبيان معناه ، ولم يتوصّلوا إلى معنى يلتئم مع ما يذهبون إليه ، فاضطرّوا إلى الإعتراف بالعجز ، ومنهم : القاضي عياض ، وابن الجوزي ، وابن العربي المالكي ، وابن حجر العسقلاني
نعم إلتجأ بعضهم إلى المعارضة بينه وبين حديث سفينة. لكن عرفت عدم تمامية حديث سفينة ، لا سنداً ولا دلالةً ، والمعارضة فرع الحجّية.
وبالجملة : فحديث سفينة ساقط. والمعتمد ما اتفق الشيخان وغيرهما على إخراجه(١) .
قوله(٣٦٥) :
( الثامن : إنه صلّى الله عليه وسلّم استخلف أبابكر في الصلاة )
أقول :
قد عرفت واقع الحال في هذ الصلاة. ولا يخفى أن الماتن لم يدع إلاّ إلإستخلاف ، لكن الشارح أضاف بعده « واقتدى به » وهذا أكذب من ذاك ، وقد بيّنا ذلك كلّه سابقاً ببعض التفصيل ولنا في المسألة رسالة مفردة مطبوعة *.
قوله(٣٦٥) :
( إمامة الأئمة الثلاثة تعلم ما يثبت منها ببعض الوجوه المذكورة وطريقه في
__________________
(١) صحيح البخاري كتاب الأحكام ـ باب الإستخلاف ، صحيح مسلم كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش ، صحيح الترمذي باب ما جاء في الخلفاء ، سنن أبي داود كتاب المهدي ، مسند أحمد ٥/٨٦ ، ٨٩ ، ١٠٦ ، ١٠٨ ، وغير ذلك جامع الأصول ٤/٤٤٠ ـ ٤٤٢ ، المستدرك على الصحيحين ٣/٦١٨ معرفة الصحابة.
* تجدها أيضاً في هذه المجموعة.
حق عمر نص أبي بكر. وفي عثمان وعلي البيعة ).
أقول : قد عرفت أن لا دليل على خلافة أبي بكر لا كتاباً ولا سنةً ، وهذا ما اعترف به سابقاً ، وزعم أنّ الدليل هو البيعة وقد عرفت ما فيها
وإذْ لا دليل على خلافة أبي بكر فلا اعتبار بنصّه على عمر ، بغضّ النظر عن كلّ ما هنالك من بحثٍ وكلام ، فإنّ اعتمادهم في استخلاف أبي بكر على النصّ ـ وهو الّذي أنكروه في استخلاف النبّيصلىاللهعليهوآله ـ له مغزىً يعلمه أهله ، وبيانه بايجاز هو : انهم يعترفون بعدم النص على أبي بكر ، فلمّا رأو كثرته على أمير المؤمنين أنكروه ، فلجأوا الى دعوى الاجماع على خلافة أبي بكر وهم يعلمون بعدم تحققه. وفي خلافة عمر لا يدّعون الاجماع لثبوت مخالفة كبار الأصحاب في رواياتهم ، وحيث لم يمكنهم إنكار ذلك ودعوى الاجماع ولا دعوى شيء من الفضائل المؤهله للخلافة ، لجأوا إلى النص.
وأمّا خلافة عثمان فكانت مترتبةً على جعل عمر الأمر شورى بين جماعةٍ ، ثم انها كانت ببيعة عبدالرحمن بن عوف كما اعترف بذلك في الكتاب سابقاً.
أما جعل عمر الأمر شورى فموقوف على إمامته وولايته ، وقد عرفت ما فيها باختصار. وأمّا تحقق « البيعة » بمبايعة عبدالرحمن بن عوف وحده فقول باطل.
هذا بغض النظر عن قضايا الشورى وكيفية تعيين رجالها ، وما دار بينهم واحتجاج عليعليهالسلام في ذلك اليوم
وأما خلافة عليعليهالسلام فكانت ثابتة بالنص منذ اليوم الأول كما عرفت.
قوله(٣٦٥) :
( هو عندنا وأكثر قدماء المعتزلة أبوبكر ، وعند الشيعة وأكثر متاخّري المعتزلة علي ).
أقول :
إنّه لم يذكر « الأفضليّة » في الشروط المعتبرة في الإمام المذكورة سابقاً ، ولا يقول بقبح تقديم المفضول كما سيأتي ، فلماذا يتعب نفسه بإيراد أشياء لو تمّت فانّها من طريق أبناء طائفته وليست بحجة عند المناظرة؟ مع أن كلامه في نهاية البحث كالصريح في عدم جزمه بأفضلية أبي بكر ، بل إنّ قولهم بعدم قبح تقديم المفضول يشهد بعدم أفضليته وعدم تمامية ما استدل به لإثباتها ...! لكن أصحابنا إنما يستدلّون بالأحاديث الصحيحة المتفق عليها بين الفريقين ـ كما هو القانون المتّبع في البحث والمناظرة ـ على أفضلية علي ويقولون بقبح تقدّم المفضول.
ثمّ إنّ أئمة أهل البيت مجمعون على أنّ علياًعليهالسلام أفضل الناس بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله وإجماعهم حجّة ، وعلى ذلك أيضاً جماعة كبيرة من أعلام الصحابة كما ذكر ابن عبدالبر بترجمة الإمامعليهالسلام من ( الإستيعاب ). فلننظر فيما أورده دليلاً على أفضلية أبي بكر :
قوله(٣٦٦) :
( الأوّل : قوله تعالى : ( وسيجنّبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى ) قال أكثر المفسرين واعتمد عليه العلماء : إنما نزلت في أبي بكر ).
أقول :
الإستدلال بهذه الآية كذلك مذكور في بعض كتب المتقدّمين ، وقد أصرّ عليه في تفسير الرازي ، لكنّه موقوف على نزول الآية في شأن أبي بكر.
قوله : « قال أكثر المفسّرين » دالّ على عدم الإتفاق عليه فيما بينهم. هذا أوّلاً.
وثانياً : أنه ليس هذا القول إلاّ لآل الزبير ، وانحرافهم عن أمير المؤمنينعليهالسلام معروف.
مضافاً إلى أن سند الخبر غير معتبر ، قال الحافظ الهيثمي : « وعن عبدالله بن
الزبير قال : نزلت في أبي بكر الصديق : وما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تجزى إلاّ ابتغاء وجه ربّه الأعلى ولسوف يرضى. رواه الطبراني وفيه : مصعب بن ثابت وفيه ضعف »(١) .
ومنهم من حمل الآية على العموم ، ومنهم من قال بنزولها في قصّة أبي الدحداح وصاحب النخلة(٢) .
وثالثاً : لو سلّم أنه قول أكثر المفسّرين من أهل السنة فإنّه ليس بحجةٍ علينا.
ورابعاً : انه منقوض بأنّ الأكرم عندالله هو أمير المؤمنين عليّعليهالسلام لما فيه من العصمة وعدم السجود للصنم ، وأنه أول من أنفق ماله في سبيل الله فنزلت فيه الآية :( إنما وليكم الله ) وسورة هل أتى وغير ذلك من الآيات.
وقوله بأنّ « وما لأحدٍ عنده من نعمة تجزى ، يصرفه عن الحمل على علي ، إذ عنده التربية ، فإنّ النبي ربّي علياً وهي نعمة تجزي ».
فيه : انه خلط في المعنى ، فإنّ الضمير في « عنده » يرجع إلى المنعم ، والمعنى : إن « الاتقى » موصوف بكونه ليس لأحدٍ من المنعمين عليهم عند. المنعم يد النعمة يكون الإنعام منه من باب الجزاء. فعليعليهالسلام كان في تصدّقه بخاتمة على السائل في حال الركوع كذلك ، وكذلك في إطعام اليتيم والمسكين والأسير ، فلم تكن لهم عليه يد النعمة. وأين هذا من المعنى الذي ذكر؟
قوله(٣٦٦) :
( الثاني : قوله عليهالسلام : اقتدوا باللذين من بعدي )
أقول :
قد سبق أن هذا الحديث باطل سنداً ودلالةً كما نصّ عليه كبار علماء أهل السنة
__________________
(١) مجمع الزوائد ٩/٥٠.
(٢) لاحظ : الدر المنثور ٦/٣٥٨.
قوله(٣٦٦) :
( الثالث : قوله عليهالسلام لأبي الدرداء : والله ما طلعت شمس ولا غربت بعد النبيّين والمرسلين على رجل أفضل من أبي بكر ).
أقول :
هذا الحديث ـ حتى لو كان صحيحاً عندهم ـ ليس بحجةٍ علينا لكونه من طرقهم فقط ، فكيف ورواته كذّابون مدلّسون بشهادة كبار علمائهم؟ وهذه عبارة واحدٍ منهم :
قال الحافظ نور الدين الهيثمي المتوفى سنة ٨٠٧ : « عن جابر بن عبدالله قال : رأي رسول الله أبا الدرداء يمشي بين يدي أبي بكر. فقال : يا أبا الدرداء تمشي قدام رجل لم تطلع الشمس بعد النبيّين على رجلٍ أفضل منه ، فما رؤي أبو الدرداء بعد يمشي إلاّ خلف أبي بكر. رواه الطبراني في الأوسط. وفيه : إسماعيل ابن يحيى التيمي وهو كذّاب.
وعن أبي الدرداء قال : رآني رسول الله وأنا أمشي أمام أبي بكر فقال : لا تمش أمام من هو خير منك ، إنّ أبابكر خير من طلعت عليه الشمس أو غربت. رواه الطبراني. وفيه بقية وهو مدّلس »(١) .
قلت : ولو شئت لذكرت كلمات علماء القوم في ذم « إسماعيل بن يحيى » و « بقية » ولكن المقصود هوالإختصار.
قوله(٣٦٦) :
( الرابع : قوله عليهالسلام لأبي بكر وعمر : هما سيّدا كهول أهل الجنة ما خلا النبيّين والمرسلين ).
أقول :
وهذا الحديث كسابقه ، وقد حققنا حاله في بحثٍ لنا منفرد * ، ونكتفي هنا
____________
(١) مجمع الزوائد ٩/٤٤.
* تجده في هذا الكتاب.
بما قال الحافظ الهيثمي فإنّه من ائمة صناعة الحديث والرجال عندهم :
« عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله لأبي بكر وعمر : هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين. رواه البزار والطبراني في الأوسط وفيه : علي بن عباس وهو ضعيف ».
« وعن ابن عمر قال : إن النبيصلىاللهعليهوآله قال : أبوبكر وعمر سيدا كهول الجنة من الأولين والآخرين إلاّ النبييّن والمرسلين. رواه البزار وقال : لا نعلم رواه عن عبيدالله بن عمر إلاّ عبدالرحمن بن مالك بن مغول. قلت : وهو متروك »(٢) .
قوله (٣٦٦) :
( الخامس : قوله عليهالسلام : ما ينبغي لقوم فيهم أبوبكر أن يتقدم عليه غيره ).
أقول :
لفظ هذا الحديث هو : « لا ينبغي لقوم فيهم أبوبكر أن يؤمّهم غيره » وهو حديث مكذوب موضوع على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، نصّ على ذلك غير واحدٍ من علمائهم الأعلام ، نذكر من ذلك عبارة الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ ، فإنّه أورده في الموضوعات فقال بعد أن رواه بسنده : « هذا حديث موضوع على رسول الله »(١) .
فالعجب من هؤلاء ، كيف يستدلّون بالأحاديث الموضوعة الباطلة باعتراف علمائهم ، ويعارضون بها الأحاديث الصحيحة الثابتة باعتراف علمائهم كذلك؟
قوله(٣٦٦) :
( السادس : تقديمه في الصّلاة مع أنها أفضل العبادات وقوله : يأبى الله
__________________
(١) مجمع الزوائد ٩/٥٣.
(٢) كتاب الموضوعات ١/٣١٨.
ورسوله إلاّ أبابكر ، وفي معناه قوله : يأبي الله والمسلمون إلاّ أبابكر ، وذلك أنّ بلالاً أذّن بالصلاة ).
أقول :
أمّا حديث تقديمه للصلاة فقد عرفت حاله.
وأمّا قوله : يأبي الله ورسوله إلاّ أبابكر. فرواية عائشة وعبدالرحمن بن أبي بكر وهما لا سيّما في مثل هذا الحديث متّهمان.
وأمّا الحديث الذي أورده الشارح ففيه ـ مضافاً إلى ما ذكرنا ـ أنّ أمارات الكذب لائحة عليه ، وذلك :
أوّلاً : إنّه إذا كان النبي أمر عبدالله بن زمعة بأن يقول لأبي بكر يصلي بالناس ، فلماذا قال لعمر؟
وثانياً : إنّه إذ لم يجد أبابكر فإنّ عمر بن الخطاب أيضاً كان مع أبي بكر في جيش أسامة كما نص عليه إبن حجر العسقلاني في شرح البخاري(١) . وثالثاً : إنّ الأخبار في صلاة عمر متنافية ، ففي هذا الخبر أن ابن زمعة هو الذي قال لعمر « صلّى بالناس » وفي آخر إن القائل له هو أبوبكر نفسه ، فإنه لمّا أبلغ أمر النبيّ قدم عمر. وفي ثالث : إن النبي قال لإبن زمعة : « مر الناس فليصلّوا ، فلقي عمر بن الخطاب فقال له : يا عمر صلّ بالناس »(٢) ومن هنا وقع الإضطراب بين شراح الحديث واختلفوا في كيفية الجمع بين هذه الأخبار المتضاربة(٣) .
ورابعاً : إنّ الذي يهوّن الخطب كون راوي الخبر عن عبدالله بن زمعة هو « محمد بن شهاب الزهري » المعروف المشهور بانحرافه عن علي علي السلام.
قوله(٣٦٧) :
( السّابع : قوله عليهالسلام : خير أمتي أبوبكر ثم عمر ).
__________________
(١) فتح الباري ٨/١٢٤.
(٢) مسند أحمد ٦/٣٤.
(٣) لاحظ فتح الباري ١/١٢٣ ، الكواكب الدراري ٥/٧٠.
أقول :
هذا الحديث له ذيل يدلّ على افضليّة أمير المؤمنينعليهالسلام ، رووه عن عائشة قالت : « قلت : يا رسول الله من خير الناس بعدك ، قال : أبوبكر. قلت : ثم من؟ قال : عمر.
قالت فاطمة : يا رسول الله لم تقل في علي شيئاً!
قال : يا فاطمة ، علي نفسي ، فمن رأيتيه يقول في نفسه شيئاً ».
ولهذا فقد تكلّم في سنده بعضهم(١) لكنّ الماتن والشارح اسقطا ذيله ليتم لهما الإستدلال!!
قوله(٣٦٧) :
( الثامن : قوله عليهالسلام : لو كنت متخذاً خليلاً دون ربّي لا تخذت أبابكر خليلاً ، ولكن هو شريكي في ديني وصاحبي الذي أوجبت له صحبتي في الغار وخليفتي في أمّتي ).
أقول :
قد أجاب أصحابنا عن هذا الحديث سنداً ودلالةً فراجع(٢) على أنه في هذا الحديث يقول « لو كنت متخذاً » أمّا في حديث آخر جعل عثمان هو الخليل وهذا نصّه : « إنّ لكلّ نبّي خليلاً من أمّته وإنّ خليلي عثمان بن عفان » لكنه حديث باطل كذلك كما نصّ عليه غير واحد(٣) .
قوله(٣٦٧) :
( التّاسع : قوله عليهالسلام وقد ذكر عنده أبوبكر : وأين مثل أبي بكر؟ كذّبني الناس وصدّقني. وآمن بي ، وزوّجني إبنته ، وجهّزني بماله ، وواساني بنفسه ، وجاهد معي ساعة الخوف ).
__________________
(١) لاحظ تنزيه الشريعة ١/٣٦٧.
(٢) تلخيص الشافي ٣/٢١٧.
(٣) لاحظ : تنزيه الشريعة الغرّاء ١/٣٩٢.
أقول :
هذا الحديث باطل حتى لو رووه بسندٍ معتبر ، لأنّ ظاهره أن أبابكر أول من أسلم وقد ثبت أنّ أول من اسلم أمير المؤمنين عليعليهالسلام والمنكر مكابر ، ولذا اضطر إلى الإعترف بذلك كبار علماء القوم كما لا يخفى على من راجع أخبارهم وأقوالهم في ( الإستيعاب ) بترجمتهعليهالسلام وغيره من المصادر المعتبرة.
ولأنّ ظاهره أنّ أبابكر كان ينفق على النبيصلىاللهعليهوآله وهذا كذب ، ولذا اضطرّ مثل ابن تيمية إلى تأويله فقال : « إن انفاق أبي بكر لم يكن نفقة على النبي في طعامه وكسوته ، فإنّ الله قد أغنى رسوله عن مال الخلق أجمعين ، بل كان معونةً له على إقامة الدين ، فكان إنفاقه فيما يحبّه الله ورسوله ، لا نفقةً على نفس الرسول »(١) وحينئذٍ فلا فرق بين أبي بكر وسائر الصحاب الذين كانوا نفقون أموالهم كذلك فأين الأفضلية؟
هذا ، ولقد أورده الحافظ ابن عرّاق المتوفى سنة ٩٦٣ في الأحاديث الشنيعة الموضوعة(٢) والسيوطي في الأحاديث الموضوعة(٣) .
قوله(٣٦٧) :
( العاشر : قول علي رضي الله عنه : خير الناس بعد النّبيين أبوبكر ثم عمر ثم الله أعلم. وقوله ـ إذ قيل له ما توصي؟ ـ : ما أوصى رسول الله حتى أوصي ).
أقول :
ولهذا الحديث نظائر موضوعة على لسانهعليهالسلام !! أما هذا الحديث فآيات الكذب عليه لائحة وواضحة جداً ، عمدتها ما جاء فيه من أنه مات بلا وصية كما أن النبيصلىاللهعليهوآله مات بلا وصية فإنّ هذا كذب
__________________
(١) منهاج السنة ٤/٢٨٩.
(٢) تنزيه الشريعة المرفوعة عن الاخبار الشنيعة الموضوعة ١/٣٤٤.
(٣) اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ١/٢٩٥.
في الطرفين ، أما النبيصلىاللهعليهوآله فتلك وصاياه موجودة في الأحاديث المتفق عليها كحديث الثقلين الذي أخرجه مسلم وكبار المحدثين ، وأما علي علي السلام فقد أوصى إلى ولده الحسن السبط الأكبرعليهالسلام
هذا ، وأنت تجد الجواب عن هذا الحديث وأمثاله في كتب أصحابنا بالتفصيل(١) .
وبعد هذا كله فإن الجواب الإجمالي المغني عن التفصيل هو :
١ ـ إنّ هذه الأحاديث باطلة سنداً ودلالةً.
٢ ـ إنّها لو تمت فهم منفردون بها ، وليست حجة علينا.
٣ ـ إنّها لو كانت عن رسول الله حقاً ـ لا من موضوعات حكومة بني أمية ـ فلماذا لم يحتج بها أبوبكر نفسه ولا غيره في السقيفة وغيرها من المواقف التي كانت بين الصحابة؟
٤ ـ إنّها لو كانت ثابتة فلماذا قول أبي بكر عند موته : « وددت أنّي سألت رسول الله لمن هذا الأمر من بعده؟ » وأمثال ذلك من كلماته كقوله : « أقيلوني فلست بخيركم »؟
٥ ـ إنّها لو كانت ثابتة عن رسول الله فلماذا قال جماعة كبيرة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بأفضلية عليعليهالسلام ؟(٢) .
قوله :
( لهم أي للشيعة ومن وافقهم فيه أي في بيان أفضلية علي مسلكان : الأول : ما يدلّ عليه إجمالاً وهو من وجوه ).
__________________
(١) تلخيص الشافي ٣/٢٢٤.
(٢) لا حظ مثلاً : الإستيعاب ، بترجمة عليعليهالسلام : ٣/١٠٩٠.
أقول :
هذا بحسب ما يذكره وهو في كيفية الإستدلال ووجوهه ، وإلاّ فإنّ مقتضى القاعدة أن يورد نصوص عبارات أصحابنا عن كتبهم في الدليل وتقرير الإستدلال به ثم يناقشه.
قوله(٣٦٧) :
( الأول : آية المباهلة (١) وقد يمنع أن المراد بأنفسنا علي وحده ، بل جميع قراباته وخدمه داخلون فيه ).
أقول :
لقد أجمعوا على أن المراد بالأنفس هو عليعليهالسلام والأحاديث بذلك صحيحة صريحة(٢) ، ولقد جاءصلىاللهعليهوآله بمن لو سألوا أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله(٣) ولذا قال لهم « إذا دعوت فأمّنوا »(٤) فكان المقصود حضور هكذا أفرادٍ لهم كرامة عنه الله ، وإلاّ فاقرباؤه كالعباس وبنيه وسائر بني هاشم كثيرون فمن أولئك الذين زعم أنهم « داخلون فيه »؟
وكأنّ الماتن نفسه ملتفت إلى تعسف كلامه ، ولذا يقول « وقد يمنع ».
وكذا الشارح ولذا أراد دعم هذا الزعم بقوله :( تدل عليه صيغة الجمع ) لكنه أيضاً يعلم بأن مجيء صيغة الجمع للمفرد في القرآن كثير فهي محاولة يائسة.
فظهر دلالة الآية على أفضلية الأربعة ، لا سيما أمير المؤمنين ، لأنها جعلته
__________________
(١) سورة آل عمران : ٦١.
(٢) لاحظ : الدر المنثور ٢/٣٨ ـ ٣٩.
(٣) لاحظ التفاسير بذيل الاية ، كالكشاف والرازي والبيضاوي.
(٤) الدر المنثور ٢/٣٨.
نفس النبي صلوات الله عليهم أجمعين ...
قوله(٣٦٧) :
( الثاني : خبر الطير وأجيب : بأنه لا يفيد كونه أحبّ إليه في كل شيء ).
أقول :
كلامه ظاهر كل الظهور في أن لا شبهة في سند هذا الحديث ولا في دلالته إلاّ من الناحية التي ذكرها ، فلا يدل على الأفضلية مطلقاً ، وإذا زالت الشبهة المزبورة انقطع الكلام ، لكنها في غاية السقوط عند أهل العلم ، فإن العام أو المطلق مع عدم القرينة على التخصيص أو التقييد يفيد العموم أو الإطلاق ، ولذا كانت كلمة الشهادة دالةً على التوحيد ، مع أنها بالنظر إلى الشبهة المذكورة ـ لإمكان الاستفصال بأنه لا إله إلاّ الله في السماء أو في الأرض مثلاً ـ غير مفيدة لنفي الشريك مطلقاً ـ وهذا لا يقوله مسلم.
على أنه لو كان النبيصلىاللهعليهوآله أراد الأحبّ في شيء دون شيء لجاء مع عليعليهالسلام أناس آخرون يكونون أحب إليه في بعض الأمور ، بل لا يكون لدعائه فائدة ، لأنّ حال علي حينئذ كسائر المؤمنين الذين يحبهم الله في بعض أعمالهم ، ففي أيّ شيء كان تأثير دعائهصلىاللهعليهوآله المستجاب قطعاً؟
مضافاً إلى أن الحديث في بعض ألفاظه نص في الأفضلية من الكلّ من جميع الجهات ، ففي رواية الفقيه ابن المغازلي الشافعي بسنده : « فقال : اللهم أدخل عليّ أحبّ الخلق من الأولين وألآخرين يأكل معي من هذا الطائر »(١) .
__________________
(١) مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي : ١٥٦.
وأيضاً ، فلو كان عليعليهالسلام أحبّ اليه في بعض الأشياء كان غيره أحب إليه في البعض الآخر ، وحينئذٍ لم يكن وجه لأن يردّ أنس علياًعليهالسلام في كلّ مرة يأتي إلى الباب قائلاً : « رسول الله على حاجة » ثم يعتذر بأنه كان يرجو أن يكون الدعاء لرجل من قومه الأنصار!
وبعد ، فلو كان يتطرّق هذه الشبهة فلماذا استدل بالكتاب باطلاق (الأتقى ) في قوله تعالى( سيجنّبها الأتقى ) ؟ ولماذا استدل باطلاق ما نسبه إلى النبي من قوله : « خير أمتي »؟
فظهر أن علياًعليهالسلام ـ حسب دلالة هذا الحديث ـ أحب جميع الخلق إلى الله ورسوله ، وكلّ من كان أحب الخلق إلى الله ورسوله فهو أفضل من جميعهم عندهما ، وكلّ من كان كذلك فهو متعين للخلافة عندهما ، فعليعليهالسلام متعين لها عندهما.
قوله(٣٦٨) :
( الثالث : قوله عليهالسلام في ذي الثدية ، يقتله خير الخلق ، وفي رواية : خير هذه الأمة ، وقد قتله علي. وأجيب : بأنه ما باشر قتله ).
أقول :
لا يخفى قبولهما الحديث سنداً ، واضطرابهما في الجواب عنه دلالة ، فالماتن ذكر وجهين :
أحدهما : بأنه ما باشر قتله فيكون من باشره من أصحابه خيراً منه ، وجوابه ما في كلام الشارح من أن الصواب أن علياً قتله ، والعجب من الماتن كيف يحمل الكلام هنا على المباشرة ولا يحمله فيما ادّعاه لأبي بكر عليها؟
وثانيهما : دعوى أن عموم الحديث مخصوص بالنبي ، فيضعف حينئذٍ عمومه للباقي. وفيه ـ مضافاً إلى عدم ارتضاء الشارح له ـ إن الكلام غير شامل
للنبيصلىاللهعليهوآله ، وعلى فرضه فالعام المخصوص حجة في الباقي بالإجماع كما عرفت فيما سبق.
والشارح أعرض عن كلا الوجهين فذكر وجهاً ثالثاً وهو : إن علياً حين قتله كان أفضل الخلق لكنه تأويل في غاية السقوط ، ولعلّه لذا نسبه إلى القيل.
ثم العجب أنهما لم يتفوها في الحديث بما تفوّها به في سابقه مع أنه مثله!!
قوله(٣٦٨) :
( الرابع : قوله عليهالسلام : أخي ووزيري وخير من أتركه بعدي يقضي ديني وينجز وعدي علي بن أبي طالب. وأجيب بأنه : لا دلالة للأخوة والوزارة على الأفضلية. وأما باقي الكلام فإنه يدلّ على ).
أقول :
أمّا قوله : « أخي » فيدل على الأفضلية كما استعرف في حديث المؤاخاة.
وأمّا قوله « وزيري » فهو إشارة إلى قول موسىعليهالسلام ( واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي ) فالوزارة من جملة مناصب هارون التي نزّل فيها علي منزلته في حديث المنزلة ، الدال على أفضليته من جهات عديدة.
وأمّا باقي الكلام فما ذكره فيه تأويل بلا دليل.
فاندفع الإشكال في الدلالة ، وهو سنداً حديث متفق عليه بين الفريقين.
قوله(٣٦٨) :
( الخامس : قوله عليهالسلام لفاطمة : أما ترضين أني زوّجتك من خير أمتي. وأجيب : بأنه لا يلزم كونه خيراً من كل وجه ، ولعلّ المراد خيرهم لها ).
أقول :
أمّا الوجه الأول فقد عرفت جوابه مما سبق في نظيره.
وأمّا الثاني فكذلك ، لأنه تأويل للكلام وتقييد بلادليل ، فأي مانع منعه من أن يقول لها : « زوجتك من خير أمتي لك »؟ سلمنا : لكن ثبت أن الشيخين خطبا الزهراءعليهاالسلام فردّهما رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فيكونعليهالسلام خيراً منهما ، لانهصلىاللهعليهوآله زوجها منه ، وقد كان زواجها منه بأمر من الله سبحانه لا للإعتبارات الدنيوية!!
قوله(٣٦٨) :
( السادس : قوله عليهالسلام : خير من أتركه بعدي علي وأجيب بما مر ).
أقول :
وهو مندفع بما مر.
قوله(٣٦٨) :
( السابع : قوله عليهالسلام : أنا سيد العالمين وعلي سيد العرب أجيب : بأن السيادة الارتفاع لا الأفضلية ).
أقول :
هذا عجيب جداً ، فإنّ الإرتفاع على وجه الاطلاق هو الأفضلية. على أن السيادة إن لم تدل على الأفضلية فقوله « أنا سيد العالمين » غير دالٍ عليها وهو باطل قطعاً فالمقدم مثله ، ولعلّة التفت إلى سقوط هذا الوجه فقال « وإن سلّم فهو كالخبر لا عموم له » لكنه تأويل بلا دليل.
قوله(٣٦٨) :
( الثامن : قوله عليهالسلام لفاطمة وأجيب ).
أقول :
وفيه ما عرفت من أنه تقييد بلا وجه وتأويل بلا دليل ، وإنه بالنظر إلى ردّ الشيخين دليل الافضلية منهما.
قوله (٣٦٨) :
( التاسع : أنه عليهالسلام لمّا آخى بين الصحابة قيل : لا دلالة لاتّخاذه أخاً على أفضليته ، إذْ لعل ).
أقول :
لقد كان الغرض من مؤاخاة النبيصلىاللهعليهوآله لعليعليهالسلام تعريف منزلته وبيان فضله على غيره ، لأنه كان يؤاخي بين الرجل ونظيره ، فيكون علي هو النظير لرسول الله ، ولذا تعرضصلىاللهعليهوآله لدى المؤاخاة بينه وبين علي إلى أنه بمنزلة هارون من موسى ـ كما في الحديث المتقدم ـ ولذا أيضاً احتج أمير المؤمنين بهذه المؤاخاة على أهل الشورى.
روى الحافظ ابن عبدالبر المتوفى سنة ٤٦٣ : « لما احتضر عمر جعلها شورى بين علي وعثمان وطلحة والزبير وعبدالرحمن وسعد. فقال لهم : أنشدكم الله هل فيكم أحد آخى رسول الله بينه وبينه ، إذ آخى بين المسلمين غيري؟ قالوا : اللهم لا ».
قال : « وروينا من وجوه عن علي أنه كان يقول : أنا عبدالله وأخو رسوله ، لا يقولها أحد غيري إلاّ كذّاب ».
قال : « آخى رسول الله بين المهاجرين ثم آخى بين المهاجرين والأنصار ، وقال في كلٍّ منهما لعلي : أنت أخي في الدنيا والآخرة ، وآخى بينه وبين نفسه ، فلذلك كان هذا القول وما أشبهه من علي »(١) .
فهل يبقى مجال للإحتمال الذي أبداه بقوله : « لعلّ »؟ ولعله يعلم بسقوطه ولذا قال « قيل »!
على أنه استدل للخلّة المفروضة على أفضلية أبي بكر ، فكيف لا تكون الأخوة المتحققة دليلاً على أفضلية علي ، والأخوة فوق الخلة؟
قوله(٣٦٩) :
( العاشر : قوله عليهالسلام بعد ما بعث أبابكر وعمر إلى خيبر فقيل : نفي هذا المجموع لا يجب أن يكون بنفي كلّ جزء منه ، بل يجوز أن يكون بنفي كونه كرّاراً غير فرار ، ولا يلزم حينئذٍ الافضلّية مطلقاً ، بل في كونه كراراً غير فرار ).
أقول :
هذا من المواضع التي اضطربت فيها أفكار القوم وتضاربت كلماتهم ، فمنهم من ينكر أن يكون الشيخان قد أخذا الراية من قبل ورجعا منهزمين ، ومنهم من ينكر قوله في وصف علي : « كراراً غير فرار » لما فيه من المنقصة للشيخين ، ومنهم من لا يجد بداً من الاعتراف بأن هذا الحديث مما يدل على أفضليّة أمير المؤمنين ، ومن هؤلاء : ابن روزبهان الخنجي الشيرازي صاحب الرد على العلامة الحلي.
وعلى الجملة فإنّ الحديث يشتمل على ثلاث فقر :
أحدها : ما دلّ على انهزام الشيخين.
__________________
(١) الإستيعاب في معرفة الأصحاب ٣/١٠٩٨.
والثانية : ما دلّ على أنّ علياً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.
والثالثة : قوله في وصفه : « كراراً غير فرار » وقد خلت جملة من ألفاظه من الفقرة الأخيرة. أما الثّانية فلا يخلو منها حديث ، وهو كاف في الإستدلال ، ولعل نسبة الجواب إلى « القيل » إشارة إلى ضعفه.
ومما يؤكّد دلالة الحديث على الأفضلية المطلقة اعتراف عمر بذلك حيث كان يقول : « لقد أعطي علي ثلاث خصال لئن تكون لي خصلة منها أحب إليّ من أن أعطى حمر النعم ، فسئل ما هي؟ قال : تزويجه ابنته فاطمة وسكناه في المسجد لا يحل لي فيه ما يحل له ، والراية يوم خيبر »(١) .
قوله(٣٦٩) :
( الحادي عشر : قوله تعالى في حق النبي ( فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ) (٢) والمراد بصالح المؤمنين : علي فقيل : معارض بما عليه الأكثر من العموم ، وقوم من أن المراد ابوبكر وعمر ).
أقول :
لقد اعترف بأن ما نقله كثير من المفسرين هو أن المراد عليعليهالسلام وهذا هو الذي عليه إجماع أصحابنا تبعاً لأئمة أهل البيتعليهمالسلام ، فيكون هذا هو المتفق عليه ، ولا ريب في تقدم المتفق عليه على غيره.
مضافاً إلى أنه يتقدّم على الأول من القولين الآخرين تقدم الخاص على العام ، لا سيمّا وأن غير واحد من حفاظ القوم يروون عن غير واحد من الصحابة
__________________
(١) الصواعق المحرقة ٨٧ ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ٦٦ ، منتخب كنز العمال ـ هامش مسند أحمد ٥/٣٩.
(٢) سورة التحريم : ٤.
عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قوله : « هو علي بن أبي طالب »(١) .
وعلى الثاني منهما من جهة أن لفظ « صالح المؤمنين » مفرد ، فكيف يحمله على الأكثر من الواحد من يمنع عن ذلك في المواضع الأخرى؟
قوله(٣٦٩) :
( الثاني عشر : قوله عليهالسلام : من أراد أن ينظر الى آدم وأجيب : بأنه تشبيه ولا يدل على المساواة والاجماع على أن الأنبياء أفضل من الأولياء ).
أقول :
لقد جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث فهم أبي بكر المساواة وإقراره بذلك ، فقد روى جماعة منهم الحافظ الخطيب الخوارزمي المتوفى سنة ٥٦٨ بسنده : « إنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان في جمعٍ من أصحابه فقال : أريكم آدم في علمه ونوحاً في فهمه وإبراهيم في حكمته. فلم يكن بأسرع من أن طلع علي. فقال أبوبكر : يا رسول الله أقست رجلاً بثلاثة من الرسل!! بخ بخ لهذا الرجل ، من هو يا رسول الله؟ قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : ألا تعرفه يا أبابكر؟ قال : الله ورسوله أعلم. قال أبو الحسن علي بن أبي طالب. قال أبوبكر : بخ بخ لك يا أبا الحسن ، وأين مثلك؟ » ولذا ورد عن أبي بكر التصريح بأفضلية أمير المؤمنينعليهالسلام منه مطلقاً في غير موضع.
منها : قوله في بدء الأمر : « أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم ».
ومنها : ما عن الشعبي قال : « بينما أبوبكر جالس اذ طلع علي فلما رآه قال : من سرّه أن ينظر إلى أعظم الناس منزلةً وأفضلهم حالةً وأعظمهم حقاً عند رسول الله فلينظر إلى هذا الطالع »(٢) .
__________________
(١) الدرّ المنثور ٦/٢٤٢.
(٢) الصواعق المحرقة : ١٠٩.
وأيضاً : فالإجماع قائم على أفضلية النبيصلىاللهعليهوآله عند الله من جميع الأنبياء ، وقد قالصلىاللهعليهوآله ـ فيما رواه أبوبكر كذلك أيضا عنه ـ : « علي مني كمنزلتي من ربّي »(١) .
إلى غير ذلك من الأدلة كتاباً وسنةً على أفضلية أمير المؤمنينعليهالسلام من جميع الأنبياء ، ومنها حديث التشبيه الدال على المساواة بينه وبينهم ، لكونه جامعاً ما تفرق فيهم من الصفات وقد اعترف إبن روزبهان بدلالة الحديث على ذلك. فاضطرّ إلى الطّعن في سنده. لكن لا قدح فيه في الكتاب لا في المتن ولا في الشرح.
وبما ذكرنا من الحديث وإقرار أبي بكر بأفضلية علي ، وكذا ما رواه القوم عن الإمام الحسن السبطعليهالسلام أنه خطب بعد وفاة علي فقال : « لقد فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه الأولون بعلم ولا يدركه الآخرون »(٢) يظهر أن أئمة أهل البيتعليهمالسلام وأئمة السنة متفقون على أفضلية أمير المؤمنينعليهالسلام من جميع الانبياء ، فأين الإجماع الذي ادعي في الكتاب ولم يدّعه إبن روزبهان وغيره؟
قوله(٣٧٠) :
( فلا يعارضه نحو : أفرضكم زيد وأقرؤكم أبي ، فإنّهما يدلاّن على التفضيل في علم الفرائض وعلم القراءة فقط ).
أقول :
تفضيل زيد بن ثابت في علم الفرائض واُبي بن كعب في علم القراءة على
__________________
(١) الصواعق المحرقة : ١٠٩.
(٢) مسند أحمد بن حنبل ١/١٩٩.
مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام موقوف على ثبوت الكلامين عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إلاّ إنّهما قطعة من حديثٍ طويل نصّ علماء الحديث منهم على ضعفه بل رجّح بعضهم وضعه ، ولو شئت لنظرت في رجاله ، وذكرت كلمات القوم ، وفصّلت الكلام عليه ، لكنّ ذلك يخرجنا عن وضع الكتاب ، ويكفيك أن تراجع ( الجامع الصغير وشرحه )(١) .
قوله(٣٧٠) :
( فقال عمر في كلّ واحدةٍ من القضيّتين : لو لا علي لهلك عمر ).
أقول :
بل في عشراتٍ من القضايا مثلهما فبالله عليك! لو نصب لك شخص لترجع اليه في المسائل الشرعية التي تبتلي بها يوميّاً لتعمل على طبق قوله ، فسألته يوماً عن مسألة فقال لا أدري ، ثم سألته في اليوم الثاني عن أخرى فقال : لا أدري ، ثم سألته بعد ذلك عن ثالثة فقال : لا أدري ألا تعترض على من نصبه وتقول : أيّ عالمٍ هذا؟ وما الفرق بيني وبينه ، وما الّذي رجّحه على غيره؟
لقد قال عمر ـ غير مرة ـ : « كلّ النّاس أفقه من عمر حتّى المخّدرات »!!
هذا ، والأعلمية من شرائط الامامة ، وبها تتحقق الأفضلية كما نصّ عليه كبار العلماء كالتفتازاني ، فالمتصّدي للخلافة والنيابة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يجب أن يكون أعلم الامة بجميع ما يحتاج إليه ، وعلى ذلك دلّ الكتاب والسنّة والعقل ، وأمير المؤمنين أعلم الامة في جميع العلوم ويكفي للدّلاة على ذلك مطلقاً حديث ( أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها ).
وقولهعليهالسلام : « لو كسرت لي الوسادة » وإنْ دل على إحاطة علمه بما في الكتب ، لكنّ المقصود ليس هذا ، بل إثبات إمامته وخلافته بعد النبيصلىاللهعليهوآله بلا فصل ، وأنّه لو أطاعته الأمة ومكّنته لاستفادت الأمم كلّها
__________________
(١) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير ١/٤٦٠.
من علومه ، لا كالذي ولّوه فلم يعرف « الأب » و « الكلالة » ...!! وأين هذا المعنى من اعتراض أبي هاشم ودفاع الشّارح (٣٧٠)!!
أقول :
لا خلاف في أنّ امير المؤمنينعليهالسلام أزهد الأمة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله في ذلك الزمان ومن كان أزهد الناس كان أفضل ، فتعبير الكتاب ناقص.
علي عليهالسلام أسخى الناس
قوله(٣٧١) :
( الثالث الكرم )
أقول :
لا ، بل كان أكرم الناس ، أي أسخاهم ، فلقد جاد بنفسه في سبيل الله فأنزل الله فيه الآيات ، وتصدّق بجميع ماله عدة مرّات وبخاتمه في الصلاة فأنزل الله فيه الآية :( إنما وليّكم الله ... ) وجاد بقوته ثلاثة أيام فنزلت سورة هل أتى
وهذه الصفة تستلزم الأفضلية ...
قوله(٣٧١) :
( الرابع : الشجاعة ).
أقول :
من فضائله البدنية جهاده في الحروب ، وهل تشيّدت مباني الدّين وتثبتت
قواعده وظهرت معالمه إلاّ بسيفه؟ أليس كان بإمكانه أن ينهزم يوم أحد كما انهزم غيره؟ أليس كان بإمكانه أن يجلس في الخندق كما جلس غيره؟ ألم يكن الفتح يوم خيبر على يده بعد أن رجع غيره يجبّن قومه ويجبنّونه؟
قوله(٣٧١) :
( الخامس : حسن الخلق وقد قال عليهالسلام حسن الخلق من الإيمان ).
أقول :
نعم حسن الخلق من الإيمان ، فمن لن يسجد لصنم قط ، بل كان أول من أسلم ، بل هو الذي كسر الاصنام الما صعد على منكب النبيصلىاللهعليهوآله لابد أن يكون أحسن خلقاً ممن قضى شطراً من عمره في عبادة الاوثان فكان فظاً غليظ القلب
وكانعليهالسلام أيضاً : أحلم الناس كما شهد له بذلك النبيصلىاللهعليهوآله في قوله لفاطمة : « زوّجتك من أقدم الناس سلماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً »(١) .
قوله(٣٧١) :
( السادس : مزيد قوّته حتى قلع باب خيبر بيده ).
أقول :
أي بعد أن عجز عنه المسلمون كما روى الخطيب(٢) وغيره.
__________________
(١) مسند أحمد بن حنبل ٥/٢٦.
(٢) تاريخ بغداد ١١/٣٢٤.
قوله(٣٧١) :
( السابع : نسبة وقربه ).
أقول :
هذا من فضائله الخارجية ، فإن أحداً لم يلحقه في شرف النسب والقرب الذي طالما تمنّاه عمر بن الخطاب فكانعليهالسلام أقرب الناس إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله كما اعترف بذلك أبوبكر أيضاً كما في الحديث المتقدم وهي تستلزم الإمامة والخلافة كما تقدم سابقاً.
قوله(٣٧١ ـ ٣٧٢) :
( الثامن : اختصاصه بصاحبة كفاطمة وولدين ).
أقول :
فضائل فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين وولديها الحسن والحسينعليهمالسلام لا تعد ولا تحصى ، وهي ليست بفضائل تميّزوا بها في هذه الأمة فقط ، بل إنها أوجبت أفضليتهم حتى من الأنبياء
ثم إن الأئمة من ولد الحسين السّبط الشهيدعليهالسلام كذلك مفضّلون على جميع الأنبياء بالأدلة العامة والخاصّة الواردة في كلّ واحد منهم بحيث لا يعدّ كون فلان سقاءً في داره وكون فلان بوّاباً لداره شيئاً في قبالها
خلاصة الكلام في هذا المقام :
أنه قد عرفت أن أمير المؤمنينعليهالسلام لا يقاس به أحد من الأولين والآخرين عدا رسول رب العالمينصلىاللهعليهوآله فإنّه كان معصوماً جامعاً لجميع صفات الكمال النفسانية والبدنية والخارجية وعلى
رأسها العلم والتقوى ، إذ كان أعلم الأمة وأتقالها بلا خلاف بين المسلمين وأما كمالاته وصفاته البدنية فقد استخدمها في تثبت الدين والدعوة اليه والدفاع عنه وعن رسوله ، فما خذل النبيصلىاللهعليهوآله في يوم من الأيام ، وما ادّخر جهداً في حفظه وفي النكاية من عدوه وفي أعلاء كلمة الإسلام
وكل ذلك ـ بغض النظر عن النصوص ـ مستلزم لأن يكون الإمام بعد النبيعليهالسلام ليستمر الأمر على يده كما كان في عهده.
وأما أبوبكر فما كان له شيء من تلك الصفات كما يعترف بذلك العلماء من أتباعه ، كما يعترفون بعدم النص عليه من الله ورسوله نعم هناك في بعض كتبهم : إن أبابكر لمّا أسلم إشتغل بالدعوة إلى الإسلام فأسلم على يده فلان وفلان وهذا لو ثبت لم يدل على شيء له ، إذ كان هذا شأن كل واحد من الصحابة ثم إن جهود كلّهم لو وضعت في كفة ووضعت جهود علي في كفة لرجحت كفته ، بل إن « ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين » كما في الحديث الصحيح الثابت المعترف به في الكتاب أيضاً.
فظهر أن أفضلية أمير المؤمنينعليهالسلام بعد النبيصلىاللهعليهوآله أمر ثابت ، وليس لغيره فضيلة ثابتة سنداً تامة دلالة كي يتوهم وقوع التعارض.
وعلى هذا يسقط قوله : ٣٧٢.
( والجواب عن الكلّ : إنّه يدلّ على الفضيلة وأمّا الأفضلية فلا ).
وقوله :
( واعلم أن مسألة الأفضلية لا مطمح فيها في الجزم واليقين ).
فإن الأفضلية ثابتة بالقطع واليقين ولا أثر بعد عين ...!
وقوله :
( وليست هذه المسألة يتعلق بها عمل فيكتفى فيها بالظن ، بل هي مسألة علمية يطلب فيها اليقين )
فإن اليقين حاصل.
وقوله :
( والنصوص المذكورة من الطرفين بعد التعارض لا تفيد القطع ).
فإن التعارض فرع الحجية ، ولم يتم شيء من أدلة القول بأفضلية أبي بكر وإمامته « كما لا يخفى على المنصف » ، فدعوى التعارض ساقطة ، والتشكيك في إفادة أدلة إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام للقطع مردود ، فإنه حتى الآحاد منها تفيد القطع لأنها أحاديث متفق عليها بين الفريقين فأمير المؤمنينعليهالسلام هو أفضل الأمة ، والأفضل هو المتعين للإمامة كما ستعرف.
قوله :( ولكنا وجدنا السلف قالوا ).
أقول :
أولاً : السلف لم يقولوا كذلك ، فإنهم اختلفوا ، منهم من فضّل أمير المؤمنينعليهالسلام على أبي بكر وعمر وعثمان ، ومنهم من فضّله على عثمان ، ومنهم من توقف فلاحظ كتب تراجم الصحابة وفضائلهم ، ولو سّلمنا أن السلف قالوا كذلك فما الدليل على حجية قولهم؟
نعم يبقى شيء واحد ، وهو قوله :
( وحسن ظنّنا بهم )
وفيه أولاً : لا دليل على حسن الظن هذا.
وثانياً : سلمنا ، لكن ترفع اليد عنه إذا قام الدليل على خلافه.
وقوله :
( وتفويض ما هو الحق فيه إلى الله ).
ظاهر في عدم جزمه بالمطلب وكذلك بعض كلماته السابقة على هذه الجملة
وكذلك الشارح ولعلة لذا اضطر إلى زيادة وجه آخر معتمداً فيه على الآمدي الذي عرفته سابقاً!!
المقصد السادس
قوله(٣٧٣) :
( منعه قوم لأنه قبيح عقلاً وجوّزه الأكثرون وفصّل قوم ).
أقول :
الأدلة على عدم جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل كثيرة مذكورة في الكتب المفصّلة وقد ذكرنا بعضها سابقاً ، لا حاجة إلى إيرادها هاهنا بعد أن قال الشارح ٣٦٥ في توجيه جعل الشورى بين الستة :
« وانما جعلها شورى بينهم لأنّه رآهم أفضل ممّن عداهم وأنه لا يصلح للإمامة غيرهم ».
وقال ابن تيمية :
« تولية المفضول مع وجود الأفضل ظلم عظيم »(١) .
وقال محبّ الدّين الطبري : « قولنا : لا ينعقد ولاية المفضول عند وجود الأفضل »(٢) .
وكذا قال غيرهم.
فظهر أن القول بمنع إمامة المفضول متفق عليه بين الإمامية وغيرهم ، فيكون إمامته باطلةً بالكتاب والسنة والعقل والإجماع.
وحيث أن ظاهر الماتن والشارح هنا هو التوقف عن تجويز إمامة المفضول ، وقد كانا غير جازمين بأفضلية أبي بكر ، كان اللازم عليهما عدم الجزم بحقية خلافة
__________________
(١) منهاج السنّة ٣/٢٧٧.
(٢) الرياض النضرة ـ باب خلافة أبي بكر.
أبي بكر.
أما أصحابنا فقد أثبتوا من الكتاب والسنة المتفق عليها أفضلية أمير المؤمنين ن وقد ثبت عدم جواز إمامة المفضول مع وجود الافضل ، فتكون النتيجة إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام .
المقصد السابع
قوله(٣٧٣) :
( يجب تعظيم الصحابة كلهم والكف عن القدح فيهم ، لأن الله عظّمهم وأثنى عليهم في غير موضع من كتابه ، والرسول قد أحبهم وأثنى عليهم في أحاديث كثيرة ).
أقول :
لابدّ أولاً من تعريف الصّحابي ، فقد اختلفت كلماتهم في تعريفه ، والذي يهمّنا الآن رأي الماتن والشارح ، لنبني البحوث اللاحقة :
قال ابن الحاجب : « الصّحابي من رأى النبي عليه الصلاة والسلام وإن لم يرو ولم تطل ».
فقال الماتن في شرحه : « قد اختلف في الصحابي ، فقيل من رأى الرسول عليه الصلاة والسلام وإن لم يرو عنه حديثاً ولم تطل صحبته له ، وقيل : إن طالت الصحبة ، وقيل : إن اجتمعا أي طول الصحبة والرواية.
والحق : أنْ المسألة لفظية وإن ابتني عليها ما تقدم من عدالة الصحابة. لنا : إنّ الصحبة فعل يقبل التقييد بالقليل والكثير ».
فهو إذن موافق لابن الحاجب في أنه « من رأى النبي » فقط.
ووافقهما الشارح التفتازاني مع إضافة قوله : وإن كان أعمى ، وهذه عبارته : « قوله : الصحابي من رآهصلىاللهعليهوآله أي : مسلم رأي النبي يعني
صحبه ولو أعمى ، وفي بعض الشروح : أي رآه النبي عليه الصلاة والسلام »(١) .
فالصحابي : « من رأى النبي أو رآه النبي ».
هذا هو الموضوع الذّي اختاره هناك.
والحكم الذي اختاره هنا هو : « يجب تعظيم الصحابة كلهم والكف عن القدح فيهم ».
فيكون الحاصل : يجب تعظيم كل من رأى النبي أو رآه النبي والكف عن القدح فيه
وهل يرضى بهذا أحد؟ وما الدليل عليه؟
ثم ما معنى « تعظيم الصّحابة كلهم والكف عن القدح فيهم »؟
أما « الكف عن القدح فيهم » فلا يختص بالصحابة ، لأنّه ان أريد من الكف عن القدح عدم الإتهام والرمي بالقوادح ، فالمسلم لا يجوز رميه والإفتراء عليه مطلقاً ، وإن أريد منه عدم ذكر المساوي والقوادح الموجودة فيهم ، فكلذ مسلم يجب الكف عن إشاعة معايبه والسّتر على نقائصه ، إلاّ إذا اقتضت الضرورة ، كما في أبواب الإخبارات والشهادات ، ومن هنا كان وضع علم الرجال والجرح والتعديل لهم.
وأما « تعظيمهم » فإنْ أريد منه حفظ حرمتهم ، فهذا لا يختص بهم بل يعمّ المسلمين جميعاً ، وإنْ أريد القول بعدالتهم كلّهم فهذا مختلف فيه ، والأولى أن نذكر عبارة الماتن في شرح المختصر :
قال ابن الحاجب : « مسألة : الأكثر على عدالة الصحابة ، وقيل كغيرهم ، وقيل : إلى حين الفتن فلا يقبل الداخلون لأن الفاسق غير معيّن. وقالت المعتزلة عدول إلاّ من قاتل علياً. لنا : والذين معه. أصحابي كالنجوم ، وما تحقق بالتواتر عنهم من الجد في الامتثال ، وأمّا الفتن فتحمل على اجتهادهم ، ولا إشكال بعد
__________________
(١) شرح مختضر الأصول ٢| ٦٧.
ذلك على قول المصوبة وغيرهم ».
قال الماتن بشرحه : « أقول : أكثر الناس على أن الصحابة كلهم عدول وقيل : هم كغيرهم فيهم العدل وغير العدل فيحتاج إلى التعديل ، وقيل : هم كغيرهم إلى ظهور الفتن أعني بين علي ومعاوية ، وأمّا بعدها فلا يقبل الداخلون فيها مطلقاً ، أي من الطرفين ، وذلك لأن الفاسق من الفريقين غير معيّن فكلاهما مجهول العدالة فلا يقبل. وأما الخارجون عنها فكغيرهم. وقالت المعتزلة : هم عدول إلا من علم أنه قاتل علياً فإنه مردود.
لنا ما يدلّ على عدالتهم من الآيات نحو قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ) أي عدولاً ، وقوله :( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) وقوله :( والذين معه أشدّاء على الكفار رحماء بينهم ) .
ومن الحديث نحو قوله : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. وقوله : خير القرون قرني ثم من بعدهم الأقرب فالأقرب. وقوله في حقهم : لو أنفق أحد مثل الأرض ذهباً لما نال مدّ أحدهم. ولنا أيضاً ما تحقق عنهم بالتواتر من الجد في أمتثالهم الأوامر والنواهي وبذلهم الأموال الأنفس ، وذلك ينافي عدم العدالة ، وأما ما ذكروه من الفتن فيحمل على الإجتهاد(١) ».
أقول :
فالماتن يقول هناك بعدالة الصحابة كلّهم ، ويستدل لهذا القول بنفس الأدلة التي يستدل بها أو نحوها في هذا الكتاب على « وجوب تعظيم الصحابة كلّهم والكف عن القدح فيهم » فلماذا غيّر العبارة من العدالة إلى هذا القول؟
لا يبعد عدوله عن ذلك الرأي ، ولأنّ غاية ما تدل عليه تلك الأدلة ـ إنْ تمت سنداً ودلالة ـ هو وجوب إكرامهم وإحترامهم وعدم إشاعة قوادحهم ومطاعنهم ، فيكون حالهم كحال غيرهم من المسلمين ، « فيهم العدل وغير
__________________
(١) شرح المختصر في الأصول ٢/٦٧.
العدل ، فيحتاج إلى التعديل ».
كما أنه يجوز ـ بل قد يجب ـ ذكر ما صدر منهم مما يوجب الفسق إذا احتيج إلى ذلك فضلاً عن حمل ذلك على الإجتهاد أو غيره من المحامل وهذا هوالقول الثاني من الأقوال المذكورة ، وهو الحق.
فظهر أن غاية مدلول ما استدل به في الكتاب كتاباً وسنةً ، هو المدح فلو فرض تمامية تلك الأدلة سنداً ودلالةً فإنها تكون مخصّصةً بالأدلة الدالة على جواز ـ وأحياناً وجوب ـ الذم والطعن والقدح والجرح ، لئلا يقتدي أحد بهكذا أناس في عقائده وأفعاله ، ولا يرتّب الأثر على رواياتهم وأقوالهم وشهاداتهم.
نعم حديث « أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم » الذي استدل به الماتن تبعاً لابن الحاجب يدل على عدالة الصحابة جميعاً وجواز الاقتداء بكل واحد منهم في أقواله وأفعاله لكنه حديث « باطل » ، « منكر » ، « موضوع » كما نص على ذلك كبار الأئمة والحفاظ أمثال : أحمد بن حنبل ، البزار ، ابن عدي ، الدار قطني ، ابن حزم ، البيهقي ، ابن عبدالبر ، ابن عساكر ، ابن الجوزي ، ابن دحية ، الذهبي ، الزين العراقي ، ابن حجر العسقلاني ، السخاوي ، السيوطي ، المتقي ، القاري ، *.
فالعجب من الماتن كيف استدل به هناك ، ولقد أحسن إذ لم يستدل به هنا؟!
وكيف يكون كلّهم عدولاً؟ وفي القرآن المجيد آيات بنفاق بعضهم ، وفي السنّة الصحيحة تصريح بأن أكثرهم يذادون عن الحوض يوم القيام؟ ومن تأمل في سيرتهم ووقف على أحوالهم في الكتب الموثوق بها وجد كثيراً منهم( لما يدخل الايمان في قلوبهم ) .
فكما أن فيهم أناساً ثبت « جدّهم في الدين وبذلهم أموالهم وأنفسهم في
__________________
* تجد كلمات هؤلاء وغيرهم في رسالتنا حول الحديث ، وهي مطبوعة في هذه المجموعة.
نصرة الله ورسوله » كذلك فيهم أناس ثبت ارتكابهم الكبائر الموبقة الموجبة للقصاص والحدود كما لا يخفى على من راجع السير المعتبرة والتواريخ المتقنة ، « نحن لا نلوّث كتابنا بأمثال ذلك ، وهي مذكورة في المطولات ، وقد ذكرنا بعضها تبعاً للكتاب ».
فمن يليق بالتعظيم وبالإقتداء منهم القسم الأول ، وهم الذين بقوا بعد الرسولصلىاللهعليهوآله على هدية وسنته ، حافظين لشريعته ووصيته وهي :
« إني يوشك أن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي ، وإنهم لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ».
أللهم اجعلنا من الثابتين على التوحيد وشريعة خاتم النبيّين ، ومن المتمسكين بالكتاب والعترة الطاهرين ، والحمد الله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله المعصومين.
المراصد
على شرح المقاصد
الإمامة
قال(٢٣٤) :
( والإمامة رياسة عامة في أمر الدّين والدنيا خلافةً عن النبي )
أقول :
لا خلاف ظاهراً في تعريف الإمامة.
والإمام هو المؤتمّ به ، أي المقتدى والمتّبع ، قال الله سبحانه لإبراهيمعليهالسلام :( إنّي جاعلك للناس إماماً ) (١) .
وقال العلاّمة الحلّى رحمة الله بتعريف الإمامة : « الإمامة رياسة عامة في أمور الدّين والدنيا لشخصٍ من الأشخاص نيابةً عن النبيصلىاللهعليهوآله ».
وقال المقداد السيوري رحمة الله بشرحه : « الإمامة رياسة عامة في أمور الدّين والدنيا لشخص إنساني. فالرياسة جنس قريب ، والجنس البعيد هو
__________________
(١) سورة البقرة : ١١٨.
النسبة ، وكونها عامة فصل يفصلها عن ولاية القضاة والنواب ، وفي أمور الدين والدنيا بيان لمتعلّقها فإنّها كما تكون في الدين فكذا في الدنيا ، وكونها لشخص إنساني فيه إشارة إلى أمرين :
أحدهما : أنّ مستحقّها يكون شخصاً معيّناً معهوداً من الله تعالى ورسوله ، لا أيّ شخص إتفق. وثانيهما : إنّه لا يجوز أن يكون مستحقها أكثر من واحد في عصر واحد.
وزاد بعض الفضلاء في التّعريف : بحقّ الأصالة ، وقال في تعريفها : الإمامة رياسة عامة في أمور الدّين والدنيا لشخص إنساني بحق الأصالة. واحترز بهذا عن نائب يفوّض إليه الإمام عموم الولاية ، فإنّ رياسه عامة لكن ليست بالأصالة.
والحق : إنّ ذلك يخرج بقيد العموم ، فإنّ النائب المذكور لا رياسة له على إمامه ، فلا تكون رياسته عامة. ومع ذلك كلّه : فالتّعريف ينطبق على النّبوة ، فحينئذٍ يزاد فيه : بحق النيابة عن النّبيصلىاللهعليهوآله أو بواسطة بشر »(١) .
قال :
( فإن قيل : الخلافة عن النبي إنّما تكون فيمن استخلفه النبي ، ولا يصدق التعريف على إمامة البيعة ونحوها قلنا : لو سلّم ، فالاستخلاف أعم من أن يكون بوسط أو بدونه ).
أقول :
لا نزاع في أنّ موضوع البحث هو الإمامة الحقّة التي وصفت في القرآن الكريم بعهد الله(٢) دون السلطنة والملوكيّة ، وهذه الإمامة لا تكون إلاّ لمن
__________________
(١) النافع يوم الحشر ـ شرح الباب الحادي عشر : ٤٤.
(٢) سورة البقرة : ١١٨.
استخلفه النّبيصلىاللهعليهوآله ، وهو لا يفعل إلاّ بأمر من الله ، فمن ناله هذا العهد كان له الرئاسة العامة في أمور الناس الدّينيّة والدنيويّة نيابة عن النبيصلىاللهعليهوآله .
ومن هنا يظهر أنّه لا بدّ من النصّ على الإمام ، فمن كان إماماً بالبيعة أو الشورى أو القهر والغلبة فتلك السّلطنة لا الولاية الإلهيّة
وقد التفت السّعد إلى هذا فأجاب بأنّ الاستخلاف( أعم من أن يكون بوسط أو بدونه ).
فإنْ أراد مطلق الاستخلاف فهو صحيح لكنّ الكلام ليس فيه ، وإنْ أراد خصوص استخلاف النبيصلىاللهعليهوآله ـ كم هو الظّاهر ـ توقّف الأمر على معرفة ( الوسط ) وثبوت الاذن منهصلىاللهعليهوآله في توسّطه ، فلا يجوز وصف ( إمامة البيعة ) بـ ( الخلافة عن النبي ) ما لم يقم الدليل المعتبر عنه في ذلك ، بحيث يكون الامام بالبيعة كالإمام المنصوص عليه من قبله مباشرة. وعلى فرض ثبوت ذلك بالنسبة إلى خصوص ( البيعة ) فهل أنّ ( القهر والغلبة ) أيضاَ ( وسط ) يتحقّق به استخلاف النبي؟ وهل يجوز تسمية من استولى بالقهر والغلبة بـ ( خليفة رسول الله ) و ( أمير المؤمنين ) كما عليه القوم؟
قال(٢٣٢) :
( لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق ).
أقول :
لا نزاع ـ كما عرفت ـ في أنّ الإمامة خلافة عن النبيصلىاللهعليهوآله ، وهي لا تكون إلاّ لمن استخلفه ، فهي من توابع ( النبوّة ) وفروعها ، فهي
إذنْ من الأصول لا الفروع.
وأيضاَ : ففي الأحاديث المتفق عليها ما يدل على أنّ الإمامة من أصول الدين ، منها قولهصلىاللهعليهوآله : « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية » هذا الحديث الذي أرسل بهذا اللفظ في الكتاب ٢٣٩ إرسال المسلّمات ، وأخرجه أحمد وغيره مسنداً بلفظ : « من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية »(١) والبيهقي وغيره بلفظ : « من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية »(٢) . وروي أيضاً بألفاظ أخرى.
وهذا هو الحق الذي عليه أصحابنا.
وأمّا القوم فالمشهور بينهم أنّها من الفروع ، بل ادّعى عليه القاضي العضد الاجماع في المواقف(٣) لكن عبارة السّعد : أنّ البحث عنها بالفروع أليق ، وعن القاضي البيضاوي القول بكونها من الأصول.
قال(٢٣٥) :
( واجب على الخلق سمعاً عندنا عامة المعتزلة ، وعقلاً عند بعضهم ، وعلى الله عند الشيعة لنا وجوه ).
أقول :
قد وقع الانفاق بيننا وبين القوم على وجوب نصب الإمام. خلافاً لمن نفاه مطلقاً أو في بعض الحالات لكنهم يقولون بوجوب نصبه على الخلق ، وقد استدل في الكتاب بوجوه.
__________________
(١) مسند أحمد ٤/٩٦.
(٢) سنن البيهقي ٨/١٥٦.
(٣) المواقف في علم الكلام ٨/٣٤٤.
قال(٢٣٦) :
( الأول وهو العمدة : إجماع الصّحابة ، حتى جعلوا ذلك أهم الواجبات ، واشتغلوا به عن دفن الرسول )
أقول :
نعم ، ترك أبوبكر وعمر ومن تابعهما جنازة رسول اللهصلىاللهعليهوآله على الأرض وأسرعوا إلى سقيفة بني ساعدة حيث اجتمع الأنصار للنّظر في أمر الخلافة وهي عندهم من فروع الدين! ثم أقبلوا على بني هاشم وأتباعهم الذين بقوا حول الجنازة يطالبونهم البيعة لأبي بكر ...!
يقول السّعد ٢٣٦ :( روي أنّه لمّا توفي النّبي خطب أبوبكر فقال : أيها الناس ).
فالذين « جعلوا ذلك أهم الواجبات » « حتّى قدّموه على دفن النبي » هم طائفة من الصحابة لا كلّهم ، بل تلك الطائفة أيضاً لم يتحقق بينها الاجماع ـ بعد الصّياح والنزاع ـ بل بقي رئيس الخزرج وأتباعه مقاطعين لأبي بكر وعمر إلى أن مات ، فأين الاجماع؟
هذا حال الاجماع المدعى في المقام « وهو العمدة » فلا حاجة إلى الكلام حول الوجوه الأخرى
وأمّا خطبة أبي بكر التي أوردها ٢٣٦ فلا ذكر لها في كتب الحديث والسير ، ولا ندري من الرّاوي لها ، وفي أيّ كتاب؟ ومن الذين خاطبهم بقوله : « فانظروا وهاتوا آراءكم رحمكم الله ، فتبادروا من كلّ جانب »؟ وأين؟ في السقيفة أو خارجها؟ وكأنّ السعد أيضاً لا يدري شيئاً من ذلك ولذا يقول : « روي »!.
ثم إنّه يرد على القول بوجوب نصبه على الخلق إشكال مبني على ما رووه عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « الخلافة بعدي ثلاثون سنة » وعلى ما ذهبوا من أنّ الأمة لا تجتمع على ضلالة ، وذلك أنه لو وجب نصب الإمام على الأمة لزم إطباقها في أكثر الأعصار على ترك الواجب ، لأنهم لم ينصبوا الإمام
المتصف بما يجب من الصّفات بعد عليعليهالسلام ، أي منذ ثلاثين سنة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتى اليوم ، لكن الأمة لا تجتمع على الضلالة ، فالنصب غيرواجب عليها.
وقد تعرّض السّعد لهذا الإشكال فأجاب ٢٣٩ عن لزوم اجتماع الأمة على الضّلالة بأنه( إنما يلزم الضلالة لو تركوه عن قدرة وأختيار لا عجز واضطرار ) وأما عن الحديث فبأنه :( من باب آحاد ) و( يحتمل الصرف إلى الخلافة على وجه الكمال ).
قلت : لكن فيه :
أولاً : إنه يقتضي تقييد وجوب النصب على الخلق بحال القدرة والاختيار ، والحال أنّ كلماتهم مطلقة ، فراجع المواقف وغيره من كتبهم.
وثانياً : إنه لم يتّفق في تاريخ الاسلام إجتماع الأمة على الامام الحق فاضطروا إلى متابعة غيره ، بل إنهم غدروا الحق وخذلوه كما كان في قوم موسى وغيره من الأنبياء ، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في الحديث المتفق عليه : « لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبراً بشبر »(١) .
وثالثاً : إذا اجتمعت الأمة على إمامة الامام غير الحق فهل هذه ضلالة أو لا؟ لازم كلامه وجوب إطاعة هذا الامام وكونهم على حق!! بل صريح كلامهم في غير موضع إمامة الفاقد للشرائط بل إمامة من صار إماماً بالقهر الغلبة. ففي الكتاب ٢٥٧( ومن صار إماماً بالقهر والغلبة ينعزل بأن يقهره آخر ويغلبه ) فهل يريدون من هذه الإمامة ، نفس ما هو موضوع البحث ، أعني ( الخلافة عن النبي )؟ وهل يجعلون هكذا شخص مصداقاً لقوله تعالى :( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ولقولهصلىاللهعليهوآله : « من مات ولم يعرف
__________________
(١) هذا الحديث بهذا اللفظ ونحوه متفق عليه بين المسلمين ، ومن رواته من أهل السنة : أحمد والبخاري والترمذي أنظر : فيض القدير شرح الجامع الصغير ٥/٢٦١.
إمام زمانه مات ميتةً جاهلية » فيوجبون معرفته وطاعته؟
إن قالوا : لا بل نريد من إمامته الملوكية والسلطنة ، بل هو صريح الكتاب ٢٤٥ حيث قال :( مبنى ما ذكر في باب الإمامة على الاختيار الإقتدار ، وأما عند العجز والإضطرار والستيلاء الظلمة والكفّار والفجّار وتسلّط الجبابرة الأشرار فقد صارت الرياسة الدنيوية تغلبيّة ، وبنيت عليها الأحكام الدينية المنوطة بالامام ضرورة ، ولم يعبأ بعدم العلم والعدالة وسائر الشرائط ، والضرورات تبيح المخظورات ، وإلى الله المشتكى في النائبات ، وهو المرتحبى لكشف الملمات ).
قلنا : فذلك خارج عن البحث ، فلماذا يدخل فيه؟ ولماذا يستدل لوجوب معرفته وإطاعته بالآية والحديث كما في الكتاب ٣٢٩؟
وإن قالوا : نعم. قلنا : فما الفرق بين هذا الامام الفاقد للعلم والعدالة وغيرها من الصفات المعتبرة وبين الواجد لها؟ وأيّ ثمرة لذكر صفات الامام والقول باعتبارها؟
وأمًا الحديث فيردّ جوابه عنه بأنّه خبر واحد : استدلاله هو به تبعاً لشيخه العضد على إمامة أبي بكر ومن بعده ٢٦٦ ويردّ احتمال صرفه : أنه تأويل بلا دليل ، ولذا عبّر بالإحتمال
وأمّا أصحابنا فلا يتخطّون عن التّعريف فالإمامة نيابة عن النبيصلىاللهعليهوآله وخلافة عنه في كلّ ما لأجله بعث ، فهي من توابع النبوة وفروعها ، وكلّ دليل قام على وجوب بعث النبي وإرسال الرسول فهو دال على وجوب نصب الامام النائب عنه والقائم مقامه في وظائفه واستدلّوا على ذلك بأدلةٍ كثيرة من الكتاب والسنة والعقل لم تذكر في الكتاب
أمّا في الكتاب فآيات منها قوله تعالى :( وربّك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ... ) (١) .
__________________
(١) سورة القصص : ٦٨.
وأمّا من السنّة فأخبار منها : ما ثبت عنهصلىاللهعليهوآله أنّه لمّا عرض نفسه على بعض القبائل ، ودعاهم إلى الله والاسلام ، قال له رجل منهم : « أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟
قالصلىاللهعليهوآله : الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء »(١) .
وأمّا من العقل فوجوه :
منها : الوجوه الدالة على اعتبار العصمة والأفضلية في الامام ، لأن العصمة حالة خفية لا يطّلع عليها إلاّ الله سبحانه ، وكذا الأفضلية ، فيجب أن يكون النصب من قبله.
ومنها : قاعدة اللطف ، ولم يذكر في الكتاب إلاّ هذا الوجه ، وكذلك فعل القاضي العضد في المواقف ليوهم أن لا دليل لأصحابنا غيره ثم منع ـ تبعاً له ـ وجوب اللطف على الله ٢٤١.
أقول : اللطف عندنا : ما يقرّب العبد إلى الطاعة ويبّعده عن المعصية ولا حظّ له في التمكين ولا يبلغ الإلجاء ، لتوقف غرض المكلّف عليه ، وإنّ المريد لفعل من غيره إذا علم أنّه لا يفعله إلاّ بفعل يفعله المريد من غير مشقة لو لم يفعله لكان ناقضاً لغرضه ، وهو قبيح عقلاً(٢) .
ولا ريب في أنّ ( الامام ) كذلك ، مثل ( النبي ).
فنصب الامام واجب على الله كبعث النبي ، لتكون( الله الحجّة البالغة ) (٣) و( لئلا يكون الناس على الله حجة ) (٤) و( ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من
__________________
(١) السّيرة النبوية لابن هشام ٢/٦٦ ، السيّرة الحلبية ٢/١٥٤.
(٢) الباب الحادي عشر للعلامة الحلي : ٣٥.
(٣) سورة الأنعام : ١٤٩.
(٤) سورة النساء : ١٦٤.
حي عن بيّنة ) (١) .
وحينئذٍ لا يقال بأن لا وجوب على الله ، ولا حكم للعقل في مثل ذلك ، لأنّ معنى هذا الوجوب العقلي درك العقل حسن إرسال الرسول ونصب الإمام ، إذ بذلك يعرف الله ويعبد ، وهذا هو الغرض من الخلقة حيث قال تعالى :( وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون ) (٢) .
فسقط منع وجوب اللّطف وتفصيل الكلام في كتب علمائنا الأعلام ، كالذخيرة والشافي وتلخيصه وتجريد الإعتقاد وشرحه وغيره من كتب العلامة الحلي وشروحها وغير ذلك.
ثم إنّ القاضي العضد لم يشكل في الاستدلال بهذا الوجه ـ بعد منع وجوب اللّطف ـ إلاّ بأنّ اللّطف الذي ذكرتموه إنّما يحصل بإمام ظاهر قاهرٍ(٣) وتبعه السّعد فأورده وتكلّم عليه ، وليته اقتدى بشيخه فلم يذكر غيره من الايرادات الباردة السخيفة ، كقوله ٢٤١.
( إنّ أداء الواجب وترك القبيح مع عدم الإمام أكثر ثواباً لكونهما أشق وأقرب إلى الإخلاص ، لاحتمال انتفاء كونهما من خوف الامام. وأيضاً : فإنّما يجب لو لم يقم لطف آخر مقامه كالعصمة مثلاً ، فلم لا يجوز أن يكون زمان يكون الناس فيه معصومين مستغنين عن الامام؟ ).
فإنّ الأوّل منهما مستلزم لرفع اليد عن أصل الوجوب ، لكنّ أصحابنا ذكروا في اللّطف أن لا يبلغ حدّ الإلجاء والثاني منهما محال ، وعلى فرضه فخروج عن البحث ، لأنّ الكلام في نصب الإمام ليقتدي به الأنام ، وإذا كان جميع الناس معصومين كانوا جميعاً أئمّة فمن المأموم؟
__________________
(١) سورة الأنفال : ٤٢.
(٢) سورة الذاريات : ٥٦.
(٣) المواقف في علم الكلام ٨/٣٤٨.
وأمّا الاشكال بالنقض بالامام الغائب عن الأبصار فقال ٢٤١.
( وأيضاً : إنّما يكون منفعة ولطفا واجباً إذا كان ظاهراً قاهراً زاجراً عن القبائح ، قادراً على تنفيذ الأحكام وإعلاء لواء الاسلام وهذا ليس بلازم عندكم ، فالإمام الذي ادّعيتم وجوبه ليس بلطف ، والذي هو لطف ليس بواجب.
وأجاب الشيعة : بأن وجود الإمام لطف سواء تصرّف أو لم يتصرّف
وردّ : بأنّا لا نسلّم أن وجوده بدون التصرف لطف وثانياً : لأنه ينبغي أن يظهر لأوليائه ).
أقول :
ولا يخفي سقوط الوجهين :
أمّا الأول فإنّ منشأه توهّم أنّ الإمامة هي السلطنة الظاهريّة فحسب ، لكنّه عرّفها بأنّها رياسة في الدين والدّنيا وكذلك عرّفها غيره ، وقد عرفت أن لا خلاف هنا فهي منصب إلهي كالنبوة ، فكما أنّ النبوة قد تجتمع مع السلطة الدينوية والحكومة الظاهرية وقد تفترق عنها والنبوة باقية ، كذلك مع السلطة الدنيوية والحكومة الظاهرية وقد تفترق عنها والنبوة باقية ، كذلك الامامة ، و ( البعث ) و ( النصب ) من الله في جميع الأحال على حاله ، و ( النبي ) و ( الامام ) باقيان على النبوة والامامة. وعلى الناس الانقياد لهما والتسليم لأوامرهما ونواهيهما ، ولا إلجاء من الله كما عرفت. فإنْ فعلوا اجتمع الرياستان وتمّ اللطف ، وإلاّ افتراقتا ولم تبطل النبوة والامامة ، بل خسرت الأمة فوائد بسط اليد ونفوذ الكلمة منهما. على أن وجود النبي أو الامام الفاقد للسطنة الظاهرية ينطوي على بركاتٍ وآثار يفهمها أهلها ، حتى ولو كان غائباً عن الأبصار.
وأمّا الثاني : فإن ظهوره لأوليائه واقع ، وتلك كتبهم المؤلّفة في هذا الباب من السابقين والـلاّحقين ، فيها حكايات وقصص يروونها عن طريق الثقات المعتمدين ، فكم من مسألة علميّةٍ أجاب عنها ، ومشكلةٍ عامةٍ أو خاصةٍ حلّها ، وحاجةٍ مهمّةٍ قضاها لكنّه في أكثر الأحيان لا يعرف ، ولا يعرّف نفسه إلاّ لخواص أوليائه من عباد الله الصالحين ، الذين لا تخلو منهم الأرض في كلّ عصر وزمان
قال(٢٢٤) :
( يشترط في الإمام أن يكون : مكلفاً ، حراً ، ذكراً ، عدلاً وزاد الجمهور : إشتراط أن يكون شجاعاً مجتهداً ذا رأي واتفقت الأمة على اشتراط كونه قرشياً ، أي : من أولاد نضر بن كنانة ، خلافاً للخوارج وأكثر المعتزلة. لنا : السنّة والاجماع ).
أقول :
قد عرفت في التعريف أن ( الامام ) إنّما هو ( خليفة النّبي ) والقوم لم يشترطوا فيه بالاتفاق إلاّ :
التكليف والحريّة والذّكورة والعدالة.
واختلفوا في شروط هي :
الشجاعة والاجتهاد والرأي
قال :
( واتفقت الأمة على اشتراط كونه قرشياً ) فادّعى الاتّفاق ، لكن قال :
( خلافاً للخوارج وأكثر المعتزلة )!!
ثمّ استدل لإشتراط القرشيّة بالكتاب والسنة وأصرّ عليها إصراراً
أقول :
أمّا التكليف والحريّة والذكورة فالواجدون لها من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله بالآلاف ، وكذا ( العدالة ) لا سيّما بناء على المشهور بينهم من أصالة العدالة في الصّحابة ، وكذا ( الشجاعة ) و ( الرأي ) فإنهما ـ على القول باعتبارهما ـ كانا في كثير من الصحابة ، وكذا ( الاجتهاد في الأصول والفروع ) عند القوم ، وبه يوجّهون المخالفات الصريحة من الصّحابة فما الذي رجّح أبابكر وعمر وعثمان على غيرهم من الصّحابة فكانوا خلفاء لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
وسلّم دونهم؟
بل في الصّحابة من هو خير منهم في ما عدا الصفات الثلاثة الأولى ، ولذا وقع الاختلاف بين القوم في اشتراط ما عداها!!
ثم إنّ الواجدين لهذه الصفات كلّها في قرش جمع غفير فما الذي ميّز الثلاثة عن غيرهم؟
على أنّ اعتبار القرشيّة ينافي مذهب عمر بن الخطّاب فإنّه تمنى حياة بعض الموالي ليجعل فيه الخلافة من بعده! فقد قال : « لو كان سالم حيّاً ما جعلتها شورى ) يعنى : سالم بن معقل مولى أبي حذيفة وكان من أهل فارس من اصطخر ، وقيل : إنّه من عجم الفرس من كرمد ، ذكر ذلك ابن عبدالبرّ ، وقال : كان من فضلاء الموالي ، ثمّ حمل كلام عمر على أنّه كان يصدر فيها عن رأيه(١) ولا يخفى بعده عن الكلام كلّ البعد ، وقد رووا كلامه بلفظ : « لو كان سالم حيّاً ما تخالجني فيه شك » وعنه « لو استخلفت سالماً مولى أبي حذيفة فسألني عنه ربي ما حملك على ذلك لقلت ربي سمعت نبيّكصلىاللهعليهوآله وهو يقول إنّه يجبّ الله تعالى حقاً من قبله »(٢) .
بل رووا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما ينافي اعتبار القرشية بصراحة ، فقد أخرج أحمد بسنده عن عائشة قالت : « ما بعث رسول الله زيد بن حارثة في جيش قط إلاّ أمرّه عليهم ولو بقى بعده استخلفه »(٣) .
والواقع أنّهم يسعون في تقليل شرائط الإمامة وتهوينها كي يتمكنوا من إثبات إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وإلاً فقد عرفت أنّ ( الامامة ) إنّما هي ( خلافة عن النبي ) فيعتبر في الإمام أن يكون كالنّبي ، أي إنّ الله ما نصب للإمامة أحداً إلاّ كان واجداً لصفات من نصبه نبياً ، بأن كان أفضل الناس
__________________
(١) الاستيعاب ٢/٥٦٧.
(٢) حلية الأولياء ١/١٧٧.
(٣) المسند ٦/٢٢٦.
وأعلمهم ، معصوماً من الخطأ والنسيان مطلقاً فما كان للقاضي العضد من جواب عن هذا إلاّ أن قال : « إنا ندلّ على خلافة أبي بكر ولا يجب له شيء ممّا ذكر » و « إنّ أبابكر لا تجب عصمته إتفاقاً »(١) .
قال(٢٤٦) :
( واشترط الشيّعة أن يكون هاشمياً بل علوياً ، وعالماً بكلّ أمر حتى المغيّبات ، قولاً بلا حجة ، مع مخالفة الاجماع. وأن يكون أفضل أهل زمانه ، لأنّ تقديم المفضول قبيح عقلاً ، ونقل عن الأشعري ، تحصيلاً لغرض نصبه وقياساً على النبوة. وردّ بالقدح في قاعدة القبح وأن يكون معصوماً ).
أقول :
مذهب أصحابنا أن الصّفات المعتبرة في الإمام ، والتي لأجلها يكون النصب من الحكيم العلاّم ، لم تتوفّر إلاّ في أمير المؤمنين وأبنائه الأحد عشر عليهم الصلاة والسّلام ، فكانوا هو الأئمّة ، دون غيرهم من أفراد الأمة فإن أراد من قوله :( اشترطت الشيعة أن يكون هاشمياً بل علويّاً ) هذا المعنى فهو صحيح.
وأمّا كونه( عالماً بكلّ أمر حتى المغيّبات ).
فهو لازم مقام الامامة التي هي النيابة عن النّبيصلىاللهعليهوآله والوراثة له في كلّ شيء إلاّ الوحي ، فان النّبيصلىاللهعليهوآله كان عالماً بكلّ أمرٍ حتّى المغيّبات ، كما هو صريح القرآن الكريم في غير واحدة من الآيات.
بل لقد ادّعى القوم العلم بالغيب لبعض الصحابة ، من ذلك ما رووه في صحاحهم في حذيفة بن اليمان أنّه : « أعلمه رسول الله بما كان وما يكون إلى يوم القيامة »(٢)
__________________
(١) المواقف في علم الكلام ٨/٣٥٠.
(٢) مسند أحمد ٥/٣٨٦ ، صحيح مسلم ـ كتاب الفتن ، الاصابة ١/٢١٨.
وبعد :
فإنّ الأئمّة الأثني عشرعليهمالسلام كانوا كذلك ، وتلك خطب أمير المؤمنينعليهالسلام الدالّة على إحاطة علمه موجودة في الكتب ، وقد أذعن بها القاضي العضد والشريف الجرجاني(١) وبذلك تعرف ما في قول السّعد : « وهذه جهالة تفرد بها بعضهم ».
وأمّا كونهم أفضل أهل زمانهم فسيذكر بعض الأدلة على ذلك وتقديم المفضول قبيح عندنا وعند الأشعري وأتباعه ن بل جاء في الكتاب ٢٩٠ :( ذهب معظم أهل السنّه وكثير من الفرقّ إلى أنه يتعيّن للامامة أفضل أهل العصر ).
ومن هذه العبارة يظهر ما في نسبة صاحب المواقف وشارحها القول بجواز تقديم المفضول إلى الأكثرين(٢) .
ومنها ومن قول ابن تيمية : « تولية المفضول مع وجود الأفضل ظلم عظيم »(٣) يظهر أيضاً ما في ردّ بعضهم( بالقدح في قاعدة القبح ).
هذا ، وإنّ عمدة الصّفات المستلزمة للأفضلية هي ( الأعلميّة ) و ( التقوى ) فقد قال الله تعالى :( إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم ) (٤) وقال :( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) (٥) وكذا دلّت الأحاديث النّبوية ، ودلّ عليه العقل وقام الإجماع كما نص في الكتاب ٣٠١ وسيذكر بعض الأدلة على أنّ عليّاًعليهالسلام أعلم الأمة وأتقاها بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وعلى الجملة فإنّ الإمام منصوب من العليم الحكيم ، كما أنّ النبي مبعوث منه ، وكما يدلّ اختياره للنبوة على الأفضلية قطعاً كما نص عليه في الكتاب ٢٤٧
__________________
(١) شرح المواقف ٨/٣٧٠.
(٢) شرح المواقف ٨/٣٧٣.
(٣) منهاج السنة ٣/٢٧٧.
(٤) سورة الحجرات : ١٣.
(٥) سورة الزمر : ٩.
كذلك يدل اختياره للإمامة على الأفضلية ، ومن هنا أجاب في الكتاب عن وجوه القول بجواز تقديم المفضول بقوله ٢٤٧ : بأنّها لا تصلح للاحتجاج على الشيعة( فإن الإمام عندهم منصوب من قبل الحق لا من قبل الخلق ).
وأمّا العصمة فلا حاجة إلى إقامة الدليل على اشتراطها في الامام ، بعد أن عرفت أنّ ( الامامة ) إنّما هي ( خلافة عن النبي ) فيعتبر في الامام كلّ ما يعتبر في ( النبّي ) إلاّ النبوة ، ومنه العصمة ، وأنّه لمّا كانت العصمة أمراً خفيّاً لا يطّلع عليه أحد كان النص من الله تعالى هو الطّريق إلى معرفة الإمام وتعيينه ، بل كان على الخصم إقامة الدّليل على عدم وجوب العصمة ، فلذا جاء في الكتاب ٢٤٩ :
( إحتجّ أصحابنا على عدم وجوب العصمة بالاجماع على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان مع الإجماع على أنهم لم تجب عصمتهم...وقد يحتج كثير بأن العصمة ممّا لا سبيل للعباد إلى الإطّلاع عليه ، فإيجاب نصب إمامٍ معصوم يعود إلى تكليف ما ليس في الوسع ).
أقول :
ولا يخفى سقوط الوجهين ، أمّا الأول فالاجماع على إمامة القوم غير واقع. وأمّا الثاني ، فالأنّه موقوف على أن يكون النصب بيد الخلق وهوباطل ولذا اضطر السّعد إلى أن يقول ٢٤٩ :
( وفي انتهاض الوجهين على الشيعة نظر ).
ومع ذلك فقد استدل أصحابنا لا شتراط العصمة بوجوهٍ من الكتاب والسنة والعقل وقد ذكر بعضها :
قال(٢٤٩) :
( احتجّوا بوجوه : الأوّل : القياس على النبّوة وردّ بأنّ النبّي مبعوث من الله ، مقرون دعواه بالمعجزات الباهرة الدالة على عصمته ولا كذلك الإمام فإنّ نصبه مفوّض إلى العباد الذين لا سيبل لهم إلى معرفة عصمته ).
أقول :
ليس أمر الامامة مقيساً على النبوة ، بل هي من توابع النبوة وشئونها كما عرفت ، وكما أنّ النبي مبعوث من الله فكذلك الامام منصوب منه. وكما أنّ دعوى النّبي مقرونة بالمعجزات ، فكذلك الامام تظهر المعجزة على يده متى اقتضت المصلحة ، ولذا كان ظهور المعجزة على يده قائماً مقام النص ، كما نص عليه علماؤنا(١) والعجب من السّعد كيف يقول : « فإنّ نصبه مفوّض إلى العباد الذين لا سبيل لهم إلى معرفة عصمته » فانّه ليس إلاّ مصادرة ، مع أنّه يناقض كلامه السابق حيث اعترض على الاحتجاج بجواز تقديم المفضول بأنّ ( الأفضليّة أمر خفي ) قائلاً : بأنّ( هذا وأمثاله لا يصلح للاحتجاج على الشيعة ، فإنّ الامام عندهم منصوب من قبل الحق لا من قبل الخلق )!!
قال :(٢٥٠) :
( الثّاني : إنّ الامام واجب الطاعة. قال الله : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) (٢) والجواب : إنّ وجوب طاعته إنّما هو فيما لا يخالف الشّرع ) .
أقول :
إن الأمر المطلق بالإطاعة المطلقة دليل العصمة ، لا سيّما في هذه الآية حيث عطف ( أولي الأمر ) على ( الرّسول ) ، ولذا اعترف إمامهم الفخر الرازي بدلالة الآية على العصمة(٣) وأمّا حمله ( أولي الأمر ) على غير ( الإمام ) فيردّه عدم إنكار السّعد الاستدلال من هذه الناحية.
قال :(٢٥٠) :
( الثالث : إنّ غير المعصوم ظالم والجواب ).
__________________
(١) تلخيص الشافي ١/٢٧٤ ، الباب الحادي عشر : ٤٨.
(٢) سورة النساء : ٥٩.
(٣) تفسير الفخر الرازي ١٠/١٤٤.
أقول :
قال تعالى :( وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمهنّ قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) (١) .
وإذا عرفنا ( الظالم ) و ( العهد ) ظهر وجه الاستدلال.
فأمّا ( الظالم ) فهو عند أهل اللغة وكثير من العلماء : واضع الشيء في غير موضعه(٢) وغير المعصوم كذلك كما هو واضح.
وأمّا ( العهد ) فالمراد منه ـ كما ذكر المفسّرون ـ(٣) هو ( الامامة ).
فمعنى الآية : إن غير المعصوم لايناله الإمامة.
هذا وجه الاستدلال ، ولا يخفى الإضطراب في كلمات السّعد لدى الجواب.
قال( ٢٥١) :
( الرّابع : إنّ الأمة إنما يحتاجون إلى الإمام لجواز الخطأ عليهم في العلم والعمل ، ولذلك يكون الإمام لطفاً لهم والجواب : إنّ وجوب الإمام شرعي ، بمعنى أنه أوجب علينا نصبه )
أقول :
وفيه ، إنّه مصادرة وهذا أيضاً منه تناقض ظاهر.
قال :(٢٥١) :
( الخامس : إنه حافظ للشّريعة ، فلو جاز الخطأ عليه لكان ناقضاً لها والجواب : إنه ليس حافظاً لها بذاته ، بل بالكتاب والسنّة وإجماع الامة واجتهاده الصحيح ، فإن أخطأ في إجتهاده أو ارتكب معصية فالمجتهدون يردّون
__________________
(١) سورة البقرة : ١١٨.
(٢) قاله الراغب في المفردات ٣١٥.
(٣) الرازي ٣/٤٠ ، البيضاوي ٢٦ ، أبو السعود العمادي ١/١٥٦.
والآمرون بالمعروف يصدّون ).
أقول :
إنه حافظ للشريعة ـ أي ما في الكتاب والسنة ـ بذاته ، بأنْ يعلّمها المؤمنين بها ، ويدعو الآخرين إليها ، وينفي تحريفات المبطلين عنها كما أنّ النّبيصلىاللهعليهوآله كذلك. وأمّا الكتاب والسنّة فلا يخفظان الشّريعة لأنّهما محتاجان إلى الإمام المبيّن لهما.
ثم إنّ الإمام ليس مجتهداً ، بل شأنه شأن النبي ووظيفته وظيفته كما ذكرنا ، فلا يجوز عليه الخطأ ألبتة فضلاً عن المعصية حتى يردّه المجتهدون ويصدّه الآمرون بالمعروف.
ثم من أين يؤمن المجتهدون والآمرون عن الخطأ والمعصية؟ ومن يكون الرّاد والصادّ لهم عن ذلك؟ وانْ كانوا لا يخطأون ولا يعصون كانوا هو الآئمّة ووجب على الإمام إطاعتهم!
قال(٢٥٢) :
( السادس : إنه لو أقدم على المعصية فإمّا أن يجب الإنكار عليه ، وهو مضاد لوجوب إطاعته والجواب : إن وجوب الطاعة إنما هو فيما لا يخالف الشّرع ).
أقول :
ومن المشخّص للمخالف للشّرع عن غير المخالف؟ إنْ كان غير معصوم فهو كالأول ، وإنْ كان معصوماً فهو الإمام.
قال :(٢٥٢) :
( السّابع : إنّه لابدّ للشرّيعة من ناقل ، ولا يوجد في كلّ حكمٍ حكم أهل التواتر معنعناً إلى إنقراض العصر ، فلم يبق إلاّ أن يكون إماماً معصوماً عن الخطأ. والجواب : إنّ الظنّ كافٍ في البعض...وأمّا القطعي فإلى أهل التواتر أو جميع الأمة ، وهم أهل عصمة عن الخطأ فلا حاجة إلى معصوم بالمعنى الذي
قصد. ثمّ ـ وليت شعري ـ بأيّ طريق نقلت الشّريعة إلى الشيعة من الإمام الذي لا يوجد منه إلاّ الاسم ).
أقول :
لو سلّمنا كفاية الظن في البعض ، فالرجوع في القطعي إلى أهل التواتر مع احتمال السّهو عليهم لا يفيد ، سلّمنا أنه لا يجوز عليهم السّهو فما المانع من عدولهم من النقل تعمّداً لبعض الأغراض والدواعي؟ وكذا الكلام في الرجوع إلى جميع الأمة ، ودعوى عصمتهم عن الخطأ ممنوعة ، لانّ ما جاز على آحاد الأمة جائز على جميعها.
وأمّا الشّريعة فقد انتقلت إلى الشّيعة عن الأئمّة السابقين على الغائبعليهالسلام ، وهو حي موجود ينتفع به كالانتفاع بالشمس خلف السحاب.
هذا ، واعلم أنّ جميع هذه الشبهات التي طرحها السّعد حول هذه الأدلة إنّما هي مأخوذة من كتاب ( المغني في الإمامة ) للقاضي عبدالجبار بن أحمد المعتزلي ، فالقوم في الردّ على الشّيعة عيال على المعتزلة ، لكن أصحابنا أجابوا عنها بأجوبة كافية شافية ، كما لا يخفى على من راجع ( الشافي ) و ( تلخيصه ) وغيرهما.
ثم إنّه يدل على اعتبار العصمة في الإمام من السنّة أحاديث ، منها : حديث الثقلين المتواتر بين الفريقين ، وحديث : « علي مع القرآن والقرآن مع علي ، لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض »(١) فإنّه يفيد ثلاثة أمور : أحدها : معنى العصمة وهو عدم التخطّي عن القرآن. والثاني : اشتراط هذا المعنى في الامام. والثالث : وجوده في عليعليهالسلام .
قال(٢٥٢) :
( وأمّا اشتراط المعجزة والعلم بالمغيّبات فمن الخرافات ).
أقول :
__________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/١٢٤ والذهبي في تلخيصه وصحّحاه.
دعوى أنّ ذلك كله خرافات لا دليل عليها ، والأصل في إنكار ظهور المعجزة على يد الامام هو القاضي عبدالجبار المعتزلي أيضاً ، وقد أجاب عنه الشريف المرتضى الموسوي في كتاب ( الشّافي ) فليت السّعد لاحظ كلامه
وممّا قالرحمهالله : « إنّ المعجزة هو الدال على صدق من يظهر على يده فيما يدّعيه ، أو يكون كالمدعي له ، لأنّه يقع موقع التصديق ، ويجري مجرى قول الله تعالى له : صدقت فيما تدّعيه عليّ. وإذا كان هذا هو حكم المعجز لم يمتنع أن يظهره الله تعالى على يد من يدّعي الإمامة ليدّل به على عصمته ووجوب طاعته والانقياد له ، كما لا يمتنع أن يظهره على يد من يدّعي نبوّته »(١) .
وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي : « فصل في إيجاب النص على الامام أو ما يقوم مقامه من المعجز الدال على إمامته »(٢) .
وقال العلامة الحلّي : « الامام يجب أن يكون منصوصاً عليه ، لأن العصمة من الأمور الباطنة التي لا يعلمها إلاّ الله تعالى ، فلابدّ من نصّ من يعلم عصمته عليه أو ظهور معجزة على يده تدل على صدقه »(٣) .
وأمّا أحاطة علمه فلم ينكره القاضي العضد والشريف الجرجاني.
وأمّا علمه باللّغات وغير ذلك فلا دليل على منعه ، بل الدليل على ثبوته كما هو الحال في النّبيصلىاللهعليهوآله .
مذهب أصحابنا أن لا طريق إلى ثبوت الإمامة إلاّ النّص أو ما يقوم مقامه وهو ظهور المعجز على يد المدّعي لها ، وذهب القوم إلى ثبوتها بالنصّ والبيعة.
__________________
(١) الشافي في الإمامة ١/١٩٦.
(٢) تلخيص الشافي ١/٢٧٥.
(٣) الباب الحادي عشر : ٤٨.
قال(٢٥٥) :
( لنا على كون البيعة والاختيار طريقاً : إنّ الطريق إمّا النص وإما الاختيار ، والنص منتف في حق أبي بكر مع كونه إماماً بالاجماع ، وكذا في حق علي على التحقيق. وأيضاً : إشتغل الصّحابة بعد وفاة النبي فكان إجماعاً على كونه طريقاً ، ولا عبرة بمخالفة الشيعة بعد ذلك ).
أقول :
لقد أقرّ بانتفاء النص في حق أبي بكر.
وكونه إماماً دعوى تحتاج إلى إثبات ، والاجماع غير متحقق.
ونفي النص في حق عليعليهالسلام لا يسمع ، لأنّ المثبت مقدّم على النافي.
ولا يخفى إختلاف تعبيره بين النّفيين.
هذا في الوجه الأول.
وفي الثاني : إنّ اشتغال ( الصحابة ) بعد وفاتهصلىاللهعليهوآله غير حاصل ، بل المشتغلون بعضهم ، والاجماع بين هذا البعض غير حاصل فكيف بالكلّ؟ وإذ لم يتحقق الإجماع فلا عبرة بقوله( لا عبرة بمخالفة الشيعة بعد ذلك ) .
هذا كلّه بغضّ النّظر عن المفاسد المترتبة على الإختيار ، وبغض النظر عن عدم الدليل على اعتبار إجماع الصحابة بل الأمة ما لم يكن بينهم معصوم.
ومن العجب أنهم يقولون بتفويض أمر الإمامة إلى ( الأمّة ) ويزعمون أن إمامة أبي بكر كانت بالاجماع ، ثم يقولون بأنّه يتحقق( باختيار أهل الحلّ والعقد وبيعتهم ) و( من غير أن يشترط إجماعهم على ذلك ) ٢٥٤ ، ثم يقولون بأنّه( ينعقد بعقد واحد منهم ) ٢٥٤!
فانظر كيف نزلوا من ( الخلق ) و ( الأمة ) و ( الإجماع ) إلى ( أهل الحلّ والعقد ) إلى ( الواحد )!
وكيف يحلّ لمن يؤمن بالله واليوم الآخر إيجاب إتباع من لم ينص الله عليه ولا
رسوله ، ولا اجتمعت الأمة عليه ، على جميع الخلق ، في شرق الدّنيا وغربها ، لأجل مبايعة واحد؟!
قال(٢٥٥) :
( احتجت الشيعة بوجوه :
الأول : إنّ الإمام يجب أن يكون معصوماً أفضل من رعيّته وردّ بمنع المقدمتين ).
أقول :
قد ثبت تماميّة المقدّمتين ، وتقدّم أنّه لولا العصمة والأفضلية بالأعلمية وأمثالها من الصّفات لم يبق فرق بين الإمام والمأموم ، فالأمران معتبران في الإمام ، ولا سبيل إلى معرفة ذلك بالاختيار ، فانحصر الطريق في النص.
قال(٢٥٥) :
( الثاني : إنّ أهل البيعة لا يقدرون على تولية مثل القضاء وردّ بمنع الصغرى ولو سلّم فذلك لوجود من إليه التّولية وهو الإمام ).
أقول :
أمّا ما ذكره أوّلاً فلا يخفى ما فيه ، إذ لا ولاية لقاضي التحكيم وللشاهد على القاضي.
وأمّا ما ذكره ثانياً ـ ولعلّه إنّما ذكره لالتفاته إلى المغالطة في كلامه ـ ففيه : أنه خروج عن الكلام ، فإنّه في طريق تعيين الإمام
قال(٢٥٥) :
( الثالث : إنّ الإمامة لإزالة الفتن ، وإثباتها بالبيعة مظنّة إثارة الفتن ، لاختلاف الآراء وردّ بأنّه لا فتنة عند الانقياد للحق ).
أقول :
ولكنّ المشخّص للحق ما هو؟ هل البيعة أو النصّ؟ إن كان الأول ففيه المحذور ، فلا مناص من الثاني.
وقوله :( نزاع معاوية لم يكن في إمامة علي بل في أنه هل يجب عليه بيعته قبل الاقتصاص من قتلة عثمان؟ ) باطل جداً :
أمّا أوّلاً : فلأنّه أخذ البيعة من أهل الشام لنفسه بالامامة.
وأما ثانياً : فلأنّه وصف هو وأتباعه بالفئة الباغية ، فلو كان توقفه عن البيعة للإمامعليهالسلام لما ذكره لما وصفوا بذلك.
وأمّا ثالثاً : فلأنّ الإمامعليهالسلام بايعه فضلاء الصحابة وعظماء المسلمين من غير منازعة في شيء ، ومَن معاوية لينفرد بمنازعة الامامعليهالسلام بما ذكر؟
لقد كان الأولى بالسّعد أن يجلّ نفسه عن الدفاع عن البغاة!!
وكذا قوله( ولو سلّم فالكلام فيما إذا لم يوجد النص ) لأنّ الكلام في طريق ثبوت الإمامة ، وهو إمّا النص كما هو الحق وإمّا الاختيار كما يقولون ، وإذ كان الاختيار منشأ المفاسد فالرجوع إلى النصّ هو المتعيّن ، وفرض عدمه أوّل الكلام
قال(٢٥٦) :
( الرابع : إنّ الإمامة خلافة الله ورسوله وردّ بأنّه لمّا قام الدليل من قبل الشارع ـ وهو الاجماع ـ على انّ من اختاره الأمة خليفة الله ورسوله كان خليفة سقط ما ذكرتم ).
أقول :
أولاّ : إنّه لم تتحقّق صغرى هذا الإجماع.
وثانياً : لو سلّمنا تحقّقه ، فأين قول النبيصلىاللهعليهوآله التام سنداً ودلالةً عنه الكلّ على أنّ الأمّة إذا أجمعت على اختيار شخص خليفة لله ورسوله كان خليفة؟
وثالثاً : لو سلّمنا وجود هكذا قول فقد عاد الأمر إلى النص.
ورابعاً : لو سلّمنا قيام الاجماع المذكور وكفايته عن النص فهو قائم ـ
بالفرض على أنّ من اختاره ( الأمة ) لا من اختاره ( الواحد ).
وهذا من موارد تناقضاتهم
قال( ٢٥٦) :
( الخامس : إنّ القول بالاختيار يؤدّي إلى خلوّ الزمان عن الإمام وردّ بأنّه ).
أقول :
نعم إنّ القول بالاختيار يؤدّى إلى خلوّ الزمان عن الامام ، فيتسلّط الجبابرة الأشرار ويستولي الظلمة والكفّار ولمّا كانت هذه المفسدة مترتبة على الاختيار فانّه يسقط عن الطريقية ويتعيّن النّص. وهنا يلتجأ القوم إلى تقييد الاختيار بحال ( الاقتدار ) ويقولون بوجوب إطاعة الكفّار والفجّار عند ( العجز والاضطرار ) ولم يعبأ حينئذٍ بعدم العلم والعدالة وسائر الشرائط ٢٤٥ ...!
وهذا كلّه للفرار عن الرجوع إلى النّص والإنكار له!!
قال(٢٥٦) :
( السّادس : إنّ سيرة النبّي وطريقته على أنّه كان لا يترك الاستخلاف على المدينة فكيف يترك الاستخلاف في غيبة الوفاة ...؟ والجواب : إنّ ذلك مجرّد استبعاد. على أن التفويض إلى اختيار أهل الحلّ والعقد واجتهاد أرباب الألباب نوع استخلاف ).
أقول :
هل إنّ ذلك مجرّد استبعاد حقاً؟ ليته لم يقله واكتفى بما ادّعاه من التفويض لكن فيه :
أولاً : أين الدليل التام المقبول على هذا التفويض؟
وثانياً : على فرض ثبوته فإنّه إلى ( إختيار أهل الحلّ والعقد ) كما ذكر ، لا إلى ( واحد ) منهم إن كان منهم.
وثالثاً : إنّ تفويض الأمر إلى الأصحاب محال ، لأنّه لا يخلو صلّى الله عليه
وآله وسلّم من أن يكون عالماً بما سيقع بين الأصحاب وسائر الأمة من الافتراق الاختلاف أو يكون جاهلاً بذلك ، فإن كان عالماً ففوّض الأمر إليهم مع ذلك فقد خان الله والاسلام والمسلمين ـ والعياذ بالله من ذلك ، وإن كان جاهلاً بما سيكون فهذا نقص كبير والعياذ بالله من نسبته إليه وإذا كان اللازم من الخيانة والجهل محالاً فالملزوم وهو التفويض محال.
قال( ٢٥٧) :
( السابع : إنّ النبي كان لأمّته بمنزلة الأب الشفيق لأولاده الصّغار وهو لا يترك الوصيّة في الأولاد إلى واحد يصلح لذلك ، فكذا النبي في حق الأمة.
الثامن : قوله تعالى :( اليوم أكملت لكم دينكم ) (١) . ولا خفاء في أنّ الإمامة من معظمات أمر الدين ، فيكون قد بيّنها وأكملها
والجواب عنهما بمثل ما سبق ).
أقول :
توضيح الوجه السّابع هو : إن نسبة عدم الوصيّة إلى النّبيصلىاللهعليهوآله خطيئة كبيرة لا تغفر أبداً ، فالوصيّة ممّا ندب إليه الكتاب والسنة والعقل والاجماع ، قال الله تعالى :( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصيّة ) (٢) وقال رسول الله : « ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلاّ ووصيّته مكتوبة عنده »(٣) .
وإذا كان هذا حكم الرّجل بالنسبة إلى أولاده ، وأمواله ، فالنّبيصلىاللهعليهوآله الذي يريد مفارقة أمّته وهو بالنسبة إليهم كالأب الشفيق كذلك بل أولى.
وهل هذا مجرّد استبعاد؟
__________________
(١) سورة المائدة : ٣.
(٢) سورة البقرة : ١٧٦.
(٣) راجع صحيحي البخاري ومسلم في كتاب الوصايا.
وتوضيح الوجه الثامن هو : إنّ هذه الآية نزلت في يوم غدير خم ، بعد أن خطب النبيصلىاللهعليهوآله ونصّ فيها على إمامة أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، وأوصى الأمة بالتمسّك بالثقلين وهما الكتاب والعترة وقد روى ذلك كبار الحفّاظ وأئمة الحديث والتفسير من أهل السنة في كتبهم فالنبيصلىاللهعليهوآله ما مات بلا وصية ، بل أوصى ، وكانت وصيته بالكتاب وعترته أهل بيته(١) وكان النص ولا تفويض إلى الإختيار
قال(٢٥٧) :
( خاتمة ـ عقد الإمامة ينحلّ بما يخلّ بمقصودها كالرّدة ).
أقول :
هذه أحكام إمامة البيعة والاختيار ولا يخفى أنهم يقولون بانحلاله في حال ( الاقتدار ) وأما في حال ( الاضطرار ) فيقولون بإمامة ( المرتد ) ولكن ما هو ملاك ( الاقتدار ) و ( الاضطرار )؟ ومن المرجع في تشخيصه؟ ومن العجب أنّهم يشترطون في الامامة ( العدالة ) كما عرفت ، ثم يختلفون في انعزاله بالقسق ، قال :( والأكثرون على أنّه ينعزل ، وهو المختار من مذهب الشّافعي وأبي حنيفة ، وعن محمد روايتان. ويستحق العزل بالاتفاق ).
وأيضاً : يشترطون العقل ثم يجوّزون إمامة المجنون غير المطبق كما هو مفاد التقييد بالمطبق.
ثم إنّ المتسلّط بالقهر والغلبة إمام عندهم ولذا ذكروا حكمه( ومن صار إماماً بالقهر والغلبة ينعزل بأن يقهره آخر ويغلبه ) . ولكن هل المراد من هذه الإمامة ( الخلافة عن النّبي )؟
__________________
(١) ذكر حديث الغدير وحديث الثقلين في الكتاب وتوضيح الاستدلال بكلّ منهما في موضعه. وأما نزول الآية المباركة يوم الغدير فرواه من أئمّة أهل السنة جماعة كما ستعلم.
أقول :
قد عرفت أن نصب الإمام بيد الله لا بيد الأنام
والطريق إلى العلم بنصبه منحصر في النّص عليه أو إظهار المعجز على يده
فلا بدّ من أن يوجد النّص عليه في الكتاب أو السنة المعتبرة أو كليهما فيجب النظر في الكتاب والسنّة المعتبرة.
أمّا النّص على أبي بكر فقد نصّ السّعد ٢٥٥ كالقاضي العضد(١) وغيره على أنه منتف في حق أبي بكر وامّا على عليعليهالسلام فموجود في الكتاب والسنّة المعتبرة كليهما.
أمّا السنّة النبوية المعتبرة عن طريق أهل البيتعليهمالسلام فلا تعدّ وتحصى أخبارها في هذا الباب كما لا يخفى على من راجع كتب أصحابنا وبها الكفاية عندنا لكنّا لا نستدلّ في مقام البحث بتلك الأخبار بل نرجع إلى كتب أهل السنّة القائلين بإمامة أبي بكر فإنّ أدلّة مذهبنا موجودة في كتبهم أيضاً في التفسير والحديث والسّيرة ، فبها نستدلّ عليهم وبها نلزمهم وقد أورد السّعد في الكتاب شيئاً يسيراً من تلك النصوص والأدلة وتكلّم عليها ونحن نكتفي بدفع شبهاته عنها وإثبات دليليّتها ودلالتها والله المستعان.
قال(٢٥٩) :
( ذهب جمهور أصحابنا والمعتزلة والخوارج إلى أنّ النبي لم ينص على إمام بعده. وقيل : نص على أبي بكر وقيل : نص على علي وهو مذهب الشيعة )
__________________
(١) شرح المواقف ٨/٣٥٤.
أقول :
قد عرفت تنصيصه على أنّ النّص منتف في حقّ أبي بكر ، أمّا هنا فلم ينص على ذلك ، ولعلّه لئلاً يورد عليه في استدلاله ببعض النّصوص المزعومة في أبي بكر.
وهذه النصوص التي قد يستدلّ بها على إمامة أبي بكر هي من موضوعات شرذمةٍ من الناس عرفوا بـ ( البكرية ) ، وضعوا أحاديث في فضل أبي بكر نصّ على وضعها علماء أهل السنّة حتى المتعصّب منهم كابن الجوزي في كتابه ( الموضوعات ).
لكن لا يخفى أنها حتى لو تمّت سنداً ودلالةً لا تكون حجة على أصحابنا ، لانفراد أولئك بنقلها بخلاف اصحابنا فإنّهم لا يستدلّون إلاّ بما جاء في كتب أهل السنّة ، بالاضافة إلى وجوده عندنا بطرقنا.
وعلى الجملة فالقوم معترفون بعدم النّص على أبي بكر ، لكنهم يستدلّون لعدم النصّ من النّبيصلىاللهعليهوآله مطلقاً بعمل الأصحاب بناء على حسن الظّن بهم.
قال( ٢٥٩) :
( ثمّ استدلّ أهل الحق بطريقين :
أحدهما : ـ إنّه لو كان نص جلّي ظاهر المراد في مثل هذا الأمر الخطير المتعلّق بمصالح الدين والدنيا لعامّة الخلق لتواتر واشتهر فيما بين الصّحابة فإن قيل : علموا ذلك وكتموه لأغراضٍ لهم في ذلك كحبّ الرياسة والحقد على علي لقتله آباءهم وعشائرهم وحسدهم إيّاه. وترك علي المحاجّة به تقيةً وخوفاً قلنا : من كان له حظ من الديانة والإنصاف علم قطعاً براءة أصحاب رسول الله وجلالة أقدارهم عن مخالفة أمره في مثل هذا الخطب الجليل ، ومتابعة الهوى وترك الدّليل
الثاني : ـ روايات وأمارات تفيد باجتماعها القطع بعدم النص ، وهي كثيرة
جدّاً ، كقول العبّاس لعلي : أمدد يدك أبايعك ).
أقول :
النصّ الجلي الظّاهر المراد في مثل هذا الأمر الخطير موجود ، وقد رواه الرواة الثقات والعلماء الاثبات من القوم أنفسهم كما ستعلم ، حتى أنّ ظاهر السّعد نفسه الإقرار بالدلالة وعدم تمامية ما قيل في الجواب في بعض الموارد لو لا حسن الظن بالصّحابة ، فيقول في موضع مثلاً :( ثم لا عبرة بالآحاد في مقابلة الاجماع ، وترك عظماء الصّحابة الاحتجاج بهما آية عدم الدلالة ، والحمل على العناد غاية الغواية ) ٢٧٢.
ويقول في آخر :( لو كانت في الآية دلالة على إمامة علي لما خفيت على الصّحابه عامّة وعلى عليّ خاصة ، ولما تركوا الانقياد لها والاحتجاج بها ) ٢٧٢
ويقول في ثالث :( لو صحّت لما خفيت على الصحابة والتابعين ) ٢٧٦.
لكن في الكتاب والسنّة الصحيحة وأخبار الصّحابة الموثوق بها وكلمات العلماء الكبار ما يدعو ـ في الأقل ـ إلى عدم حسن الظنّ بالصحابة ونحن نكتفي هنا بآيات من كلام الله وببعض الأحاديث الثابتة عن رسول الله ، وبكلمات بعض الأصحاب ، وبعبارة السّعد التفتازاني نفسه
قال الله تعالى :
( ومنهم الذين يؤذون النّبي ... ) (١) .
( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ... ) (٢) .
( منكم من يريد الدنيا ... ) (٣) .
( واذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضّوا إليها وتركوك قائماً ...) (٤) .
__________________
(١) سورة التوبة : ٦١.
(٢) سورة الاحزاب : ٥٣.
(٣) سورة آل عمران : ١٣٦.
(٤) سورة الجمعة : ١١.
( ومنهم من يلمزك في الصدقات ... ) (١) .
( ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم ... ) (٢) .
( وما محمد إلاّ رسول الله قد خلت من قبله الرسل أفإنْ مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ... ) (٣) .
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
« أنا فرطكم على الحوض وليرفعنّ رجال منكم ثمّ ليختلجنّ دوني فأقول : يا رب أصحابي : فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك »(٤) .
وقال :
« إنّي فرطكم على الحوض ، من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً ، ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم. قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال : هكذا سمعت من سهل؟ فقلت : نعم ، فقال : أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها : فأقول إنهم مني. فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول : سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي »(٥) .
وقال :
« يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي ، فيحلّون عن الحوض ، فأقول : يا رب ، أصحابي. فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى »(٦) .
وقال :
__________________
(١) سورة التوبة : ٥٨.
(٢) سورة التوبة : ١٠٢.
(٣) سورة آل عمران : ١٣٨.
(٤) صحيح البخاري باب الحوض ٤/٩٦.
(٥) صحيح البخاري ـ باب الحوض ٤/٩٦.
(٦) صحيح البخاري ـ باب الحوض ٤/٩٧.
« بينا أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلمّ. فقلت : أين؟ قال : إلى النار والله. قلت : وما شأنهم؟ قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى. ثمّ إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلّم. قلت : أين؟ قال : إلى النار والله. قلت : وما شأنهم؟ قال : ارتدّوا على أدبارهم القهقرى ، فلا أراه يخلص فيهم إلاّ مثل همل النعم »(١) .
وقال :
« إنّي فرط لكم وأنا شهيد عليكم ، وإنّي والله لأنظر إلى حوضي الآن ، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض ، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها »(٢) .
وعن العلاء بن المسيب عن أبيه قال :
« لقيت البراء بن عازب فقلت : طوبي لك ، صحبت رسول الله وبايعته تحت الشجرة. فقال : يا ابن أخي إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده »(٣) .
وعن عائشة أنّها أوصت أن تدفن بالبقيع ، فقيل لها :
« ندفنك عند رسول الله؟
فقالت :
إنّي قد أحدثت بعده ، فادفنوني مع أخواتي.
فدفنت بالبقيع »(٤) .
وقال السّعد : ٣١٠.
( إنّ ما وقع بين الصّحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور
__________________
(١) صحيح البخاري ـ باب الحوض ٤| ٩٧.
(٢) صحيح البخاري ٤/٩٧.
(٣) صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الحديبيّة ٣/٢٠.
(٤) المعارف لابن قتيبة : ٨٠ وغيره.
في كتب التواريخ ، والمذكور على ألسنة الثقات ، يدلّ بظاهره على أن بعضهم قد حاد عن طريق الحق ، وبلّغ حدّ الظلم والفسق ، وكان الباعث له الحقد والعناد ، والحسد واللّداد ، وطلب الملك والرياسة ولميل إلى اللذات والشهوات ، إذ ليس كلّ صحابي معصوماً ، ولا كلّ من لقي النّبي بالخير موسوماً ).
فظهر أن حسن الظنّ بالصّحابة لا يكفي جواباً عمّا إنْ قيل :
( علموا ذلك وكتموه لأغراض لهم في ذلك ، كحبّ الرياسة والحقد على عليّ وحسدهم إيّاه ).
وإنّ دعوى القطع ببراءة الصّحابة عن حبّ الرياسة والحقد والحسد ومتابعة الهوى عارية عن الدليل ، بل الدليل على خلافها
وتلخص : إنّ النص موجود ، وقد علمه القوم ، لكنهم أعرضوا عنه وتركوه وكتموه( وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد وطلب الملك والرياسة ) كما قال ولعلّ ذلك هو « الإحداث » الذي أخبر عنه النّبيصلىاللهعليهوآله واعترف به غير واحد من الأصحاب كعائشة بنت أبي بكر فهذا جواب حسن الظن بالصحابة وما ذكره في مدحهم
وإذا كان أكثرهم كذلك حتى أنه لم يخلص منهم « إلاّ مثل همل النعم » كما في الحديث ، كان من الطبيعي ترك عليعليهالسلام المحاجّة معهم بالنص تقيةً وخوفاً على نفسه بل لقد هدّد بتحريق داره عليه وعلى أهله وبقتله بمجرّد تخلّفه عن البيعة كما هو مسطور في كتب التاريخ المعتبرة عند القوم(١) .
ثم إنّه وقومه وأتباعه كانوا مشغولين بأمر النّبيصلىاللهعليهوآله ، ولم يكن حاضراً في السقيفة حتى يمنع أو يحتج بالنّص على الصّحابة ، ولم يفرغ من
__________________
(١) تاريخ الطبري ٢/٤٤٣ ، الإمامة والسياسة ١/١٣ ، تاريخ اليعقوبي ٢/١١٥ ، العقد الفريد ٣/٦٣ ، مروج الذهب ٢/٣٠٨.
ذلك إلاّ وقد فوجئ بخبر البيعة لأبي بكر ، فقال العبّاس : « فعلوها وربّ الكعبة »(١) .
وأيّ محاجّة أبلغ من عدم البيعة مع كلّ ذلك الإرعاب والإرهاب فلم يبايع هو ولا الصدّيقة الطّاهرة بضعة الرسول ، ولا أحد من بني هاشم ، مدة حياة الزّهراء بعد الرسول وهي ستة أشهر ، فما بايعت ولا حملها عليّ على البيعة حتى توفّيت(٢) .
بل لقد حاججعليهالسلام في كلّ فرصة سنحت له ، من ذلك قوله لقنفذ لمّا قال له : « يدعوك خليفة رسول الله » قال : « لسريع ما كذبتم على رسول الله » فرجع قنفذ إلى أبي بكر وأبلغه بما قال(٣) ومن ذلك خطبته المشهورة المعروفة في الشورى ، واحتجاجه على القوم ، الصريح في إمامته منذ أول يوم ، وقد قابله كلّهم بالسّكوت الدالّ على التسليم والقبول(٤) .
هذا ، مضافاً إلى احتجاجات الزّهراء الطاهرة وبعض الأصحاب الذين عرفوا منذ حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالتشيّع والولاء لهعليهالسلام وثبتوا على ذلك ، في مناسبات مختلفة
وهذا جواب ما ذكره من أن( مثل عليّ مع صلابته في الدين وبسالته ، وشدّة شكيمته وقوة عزيمته وعلّو شأنه وكثرة أعوانه وكون أكثر المهاجرين والأنصار والرؤساء الكبار معه قد ترك حقّه ، وسلّم الأمر لمن لا يستحقه ، من شيخ بني
__________________
(١) تاريخ اليعقوبي ٢/١١٥.
(٢) صحيح البخاري ـ كتاب المغازي. باب غزوة خيبر صحيح كتاب الجهاد ، باب قول النبي لا نورّث. تاريخ الطبري ٢/٤٤٨ الكامل لابن الأثير ٢/٢٢٤.
(٣) تاريخ الطبري ٢/٤٤٤ تاريخ أبي الفداء ١/١٦٥ الامامة والسياسة ١/١٣.
(٤) الاحتجاج في الشورى رواه علماء الفريقين بكامله أو قطع منه ، ومن رواته من أهل السنّة : الدار قطني ، الخوارزمي ، ابن عساكر ، الحمويني ، الكنجي ، ابن حجر المكي ، ابن المغازلي ، المتقي ، وأشار إليه السّعد في الكتاب ٢٧٣.
تيم ـ ضعيف الحال عديم المال قليل الاتباع والأشياع ـ ولم يقم بأمره وطلب حقه ) ٢٦٠.
مع ما فيه من أباطيل وأكاذيب ، فإنّ الإمامعليهالسلام لم يكن معه أكثر المهاجرين والأنصار والرؤساء الكبار ، ولم يكن أبوبكر قليل الأتباع والأشياع وإلاّ فما معنى قول النبيصلىاللهعليهوآله لأهل بيته : « أنتم المستضعفون بعدي »(١) وما معنى قول علي : « إنّ مما عهد إليّ النّبي أنّ الأمّة ستغدر بي بعده »(٢) ؟
وبه يظهر الجواب عن النقص بقيامه بأمره في مقابل معاوية
ومن العجب التناقضات الموجودة في كلماته :
فهو في هذا المقام يصف علياً بكثرة الأعوان وكون أكثر المهاجرين والأنصار والرؤساء الكبار معه ، وفي مقام الإستدلال على خلافة أبي بكر يدّعي الإجماع على خلافة!
وأيضاً : يصف أبابكر بضعف الحال وعدم المال وفي مقام تفضيله ينسب إلى الجمهور نزول آية :( سيجنّبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى ) في أبي بكر ، ويستدل بالحديث الباطل : « وأين مثل أبي بكر جهّزني بماله وواساني بنفسه وجاهد معي ساعة الخوف » ٢٩٢.
وأيضاً : يجعل من الأمارات على عدم النّص قول أبي بكر عند موته « وددت أني سألت النبي عن هذا الأمر فيمن هو » ويرسله إرسال المسلّم ، لكن حيث يستدل بهذا الكلام على شكّه في استحقاقه الإمامة هو صريح فيه يقول في الجواب :( إنّ هذا على تقدير صحته لا يدلّ على الشك ) ٢٨٠.
وأما الأمارات الأخرى فلا يخفى ما فيها :
فقول العباس لعلي( أمدد يدك أبايعك ) يدلّ على اعتقاده خلافة أمير
__________________
(١) مسند أحمد ٦/٣٣٩.
(٢) المستدرك على الصحيحين ٣/١٤٠ ، ١٤٢ ، ورواه غيره أيضاً.
المؤمنينعليهالسلام دون غيره ، ولذا كان من المتخلّفين معه عن البيعة ، وإنّه لمّا سمع دعوى القوم البيعة لأبي بكر قال : « فعلوها وربّ الكعبة ».
و( قول عمر لأبي عبيدة : أمدد يدك أبايعك » لا دلالة فيه على عدم النص ، على أنّه ليس بحجة
و( قبول علي الشورى ) إنّما كان للاحتجاج على القوم والمطالبة بحقه
و( احتجاجه على معاوية بالبيعة له دون النص ) كان من باب الالزام ، وإلاّ فمعاوية باغ طاغ يريد الأمر لنفسه
و( معاضدته لأبي بكر وعمر في الأمور ) كانت خدمةً للاسلام ، ولا دلالة فيها على عدم النّص عليهعليهالسلام .
ودعوى( سكوته عن النصّ عليه في خطبه وكتبه ) كاذبة.
وكذا دعوى( إنكار زيد بن علي وكثير من عظماء أهل البيت ) وإلاً لذكر إنكاره وأسماءهم وما قالوه عن المصادر المعبترة
وأمّا( تسمية الصّحابة أبابكر مدة حياته بخليفة رسول الله ) فقد عرفت إنكار عليعليهالسلام لها ، أمّا ما عن غيره فليس بحجة.
وأمّا( إتّهام ابن جرير الطبري بالتشيّع ) ودعوى أنّ( دعوى النصّ الجلّي ممّا وضعه هشام بن الحكم ونصره فلان وفلان ) والاستشهاد بقول المأمون العبّاسي : « وجدت الكذب في الرافضة » فكلّ ذلك من العجز كما لا يخفى على المحصّلين ولا يليق بنا مقابلته بالمثل على أنه في ذلك تبع للقاضي عبدالجبار في ( المغني ) ، وليته لاحظ الجواب عنه في ( الشافي )(١) .
__________________
(١) الشافي في الامامة ٨/٨١ فما بعد.
قال(٣٦٤) :
( الامام الحق بعد رسول الله عندنا وعند المعتزلة وأكثر الفرق : أبوبكر. وعند الشيعة عليّ. ولا عبرة بقول الروندية ـ أتباع القاسم بن روند ـ إنه العباس.
لنا وجوه : الأول : وهو العمدة : إجماع أهل الحلّ والعقد على ذلك ، وإن كان من البعض بعض تردّد وتوقّف ).
أقول :
نعم ، هذا عمدة أدلّتهم ، إذ النصَّ على إمامة أبي بكر مفقود باعترافهم ، لكنْ فيه:
أولاً : إنّ إمامة أبي بكر انعقدت ببيعة عمر كما نصّ عليه هو وغيره كشيخه العضد ، فإنْ كان الشرط إجماع أهل الحل والعقد فهذا غير حاصل ، وإنْ كان يكفي بيعة الواحد فلماذا دعوى الاجماع؟
و ثانياً : قد أشرنا سابقاً إلى خلاف الواقع في السقيفة بين أهلها ، والخلاف الواقف بين أهلها ومن كان في خارجها فأين الاجماع؟
وثالثاً : إنّه لا خلاف في وفاة الصّديقة البتول وبضعة الرّسول من غير بيعة لأبي بكر ، فلابدّ وأن تكون قد بايعت عليّاً بالإمامة والخلافة ، وإلاّ فقد ماتت ميتة جاهلية والعياذ بالله ، وفاطمة الزّهراءعليهاالسلام ، معصومة بالكتاب والسنة المعتبرة ، وهي وبعلها أحبّ الناس إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
ورابعاً : إنّه لا سبيل إلى إنكار وجود الخلاف بين أهل الحلّ والعقد حول إمامته ، وحتّى السّعد يعترف بذلك وهو في مقام دعوى الإجماع منهم ، فيقول :
( وإنْ كان من البعض تردّد وتوقّف ) فأورد كلام أنصار ، وخلاف أبي سفيان ، وتخلّف علي والزبير والمقداد وسلمان وأبي ذر وأشار إلى ما أخرج في البخاري وغيره من الكتب الصحيحة من أنّ بيعة علي(١) عليهالسلام كانت بعد وفاة الزهراء لستّة أشهر من وفاة النّبي ـ وانصراف وجوه الناس عنه وقد أشرت إلى موجز نصّ الحديث في بيعته قريباً.
قال(٢٦٥) :
( الثاني : إنّ المهاجرين والأنصار اتّفقوا على أنّ الإمامة لا تعدو أبابكر وعليّاً والعبّاس ، ثمّ إنّ عليّاً والعبّاس بايعا أبابكر وسلّما له الأمر ، فلو لم يكن على الحق لنازعاه فتعيّن أبوبكر ، للاتفاق على أنّها ليست لغيرهم ).
أقول :
هذا هو الوجه الثاني الذي استدل به في المتن ، أمّا في الشرح فقد جعل الأوّل هو العمدة ، وظاهره عدم الاعتماد على هذا الثاني الذي ذكره أيضاً شيخه القاضي العضد في ( المواقف ) وقد قلنا في جوابه :
إنّه إنْ أريد ثبوت الاتفاق على إمامة أحد الثلاثة بعد موت النبيصلىاللهعليهوآله وقبل بيعة أبي بكر ، فهذا ممنوع ، لأن المسلمين أو أهل الحلّ والعقد منهم لم يجتمعوا حتى تعرف آراؤهم ، ومن اجتمع منهم في السقيفة كان بعضهم يرى أن سعد بن عبادة هو الحقيق بها ، فكيف يدعى وقوع الاجماع حينئذٍ على حقية أحد الثلاثة المذكورين؟
على أنا لم نسمع أنّ أحداً ذكر العباس حينئذٍ.
وإنْ أُريد ثبوت الإتفاق المذكور بعد بيعة أبي بكر ، فهو ينافي ما زعموه ـ في
__________________
(١) قد قطع الكلام هنا ولم يذكر الحديث ، فجاء في النسخ : « وقع في هذا الموضع من المصنف بياض مقدار ما يسع فيه كلمتان » ولا ندري هل البياض من المصنف حقاً أو من غيره؟ وكيف كان فأنا وأنت ندري سبب الحذف!
الوجه الأوّل وجعلوه العمدة ـ من الاجماع على بيعة أبي بكر خاصة ، إن اتفق زمن الأجماعين ، وإلاّ بطل الاجماع على حقيّة أحدهم سواء تقدم أم تأخّر ، لأنّ الاجماع على تعيين واحد هوالذي يجب اتباعه ، فيكون الحق مختصاً بأبي بكر ، ولم يصح جعل الاجماع على حقيّة أحد الثلاثة وجهاً ثانياً. ويحتمل بطلان الاجماع المتقدم وصحّة المتأخر مطلقاً ، وهو الأقرب.
قوله :( ثمّ عليّاً والعبّاس بايعاً أبابكر وسلّما له الأمر ) .
قلت : قد أشرت إلى أنه متى بايع علي؟ وكيف بايع؟
قوله :( فلو لم يكن على الحقّ لنازعاه ) .
قلت :
إن اُريد من المنازعة خصوص المحاربة ، فإنّه لم يكن له ناصر إلاّ أقل القليل ، وقد صرّح بقلّة ناصريه في غير واحد من خطبه وكلماته ورسائله ، وناهيك بالخطبة الشقشقية. وما ذكر السّعد من كثرة أعوانه وكون أكثر المهاجرين والأنصار والرؤساء معه مخالف للواقع كما عرفت. وإن أريد من المنازعة المعارضة بغير حرب فهذا ما قد فعله ، بل يكفي الامتناع عن البيعة منه ومن أهله وذويه وأتباعه تبعاً له ، بل توفّيت الزهراء الطاهرة ولم تبايعه ، وهي وعلي يعلمان بأنّ « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية » بل إنّه حملها ـ والحسنين ـ إلى وجوه الاصحاب مستنصراً فلم ينصروه ، كما رواه غير واحد من المؤرخين(١) وهذا ما ذكره معاوية في كتاب له معيّراً إيّاه به.
قوله :( لأنّ ترك المنازعة يكون مخلاً بالعصمة ).
قلت : ترك المنازعة إنما يكون مخلاً بالعصمة مع الاقتدار ، ولذا قام بالواجب أمام معاوية وما سكت عنه.
ثم لو سلّمنا أنّ الإمامعليهالسلام ترك المنازعة مطلقاً في الأشهر الستة
__________________
(١) الامامة والسياسة ١٣ ، شرح نهج البلاغة عن الجوهري.
وبعدها فأيّ دلالة لذلك على تعيّن أبي بكر إماماً على الحق إذا لم يكن إماماً على الحق؟ وهل هذا إلاّ تهافت؟
لقد التفت السّعد إلى هذا الاعتراض وما كان جوابه إلاّ مصادرة.
هذا ، وممّا يؤكّد سقوط الوجهين المذكورين لجوء القوم إلى الاستدلال ببعض النصوص الموضوعة من قبل البكرية ، مع اعترافهم بعدم النص على إمامة أبى بكر مطلقاً ، وقد ذكرنا سابقاً أنها حتى لو تمت سنداً ودلالةً لا تكون حجة علينا.
قال(٢٦٥) :
( الثالث : قوله تعالى :( وعدالله الذين آمنوا ... ) (١) ).
أقول :
أولاً : لقد قام الاجماع من أهل البيتعليهمالسلام على أنّ المراد بهذه الآية هو الامام المهديعليهالسلام وأنصاره وأتباعه(٢) وإجماع أهل البيت حجة بالأدلة القاطعة.
وثالثاً : لو كانت هذه الآية دالة على خلافة أبي بكر لكانت خلافته مستندة إلى الله ، لكنّ خلافته ليست بنصب من الله بالإجماع. أما عندنا فواضح ، وأمّا عندهم فلأنّ الخلافة عندهم ليست بنصب من الله بل من الناس.
و ثالثاً : لو كانت هذه الآية دالة على خلافة أبي بكر ، لما عارض معارض ، لا من المهاجرين ولا من الأنصار ، مع أن الزّهراء توفيت ولم تبايعه ، وما أبوبكر ولم يبايعه سعد ومن معه ، وعليعليهالسلام طعن في تسميته « خليفة رسول الله » لكونه كذباً على الله ورسوله ، لأنّهما لم يستخلفاه ، بل إنّ مذهب القوم أنّهصلىاللهعليهوآله ولم يستخلف أحداً ، وهذا ما نصّ عليه عمر أيضاً فيما رووه
__________________
(١) سورة النور : ٥٥.
(٢) مجمع البيان في تفسير القرآن ٧/١٥٢.
عنه(١) فليس أبوبكر وعمر وعثمان المراد بقوله تعالى :( ليستخلفنّهم ) .
قال(٢٦٦) :
( الرابع : قوله تعالى : ( قل للمخلّفين من الأعراب ) (٢) جعل الداعي مفترض الطاعة ، والمراد به عند أكثر المفسّرين : أبوبكر ).
أقول :
الاستدلال منهم بهذه الآية قديم جدّاً ، فقد تعرّض له شيخنا أبو جعفر الطوسي المتوفى سنة ٤٦٠ وأجاب عنه بالتفصيل ، فليت السّعد لاحظ كلامه ولم يكرّر الاستدلال بها ، وحاصل كلامةرحمهالله : إن هذا الذي ذكروه غير صحيح من وجهين : أحدهما : إنّه غلط في التاريخ ووقت نزول الآية. والثاني : إنه غلط في التأويل(٣) هذا أولاً.
وثانياً : إنّ أحاديث القوم أنفسهم في تفسير الآية مختلفة ، وكذا أقوال المفسرين ، وإن بعضهم كقتادة وسعيد بن جبير على أنّ الآية نزلت من أهل خيبر وكان النبيصلىاللهعليهوآله هو الداعي فراجع(٤) .
وثالثاً : إنّ الذي فسّر الآية بأبي بكر وأن القوم بنو حنيفة أصحاب مسيلمة هو « محمد بن شهاب الزّهري » وهذا الرجل مقدوح وانحرافه عن عليعليهالسلام معروف.
ورابعاً : إنه يمكن أنْ يقال ـ بناء على تفسيرها بأبي بكر وعمر ـ بعدم وجود ما يدل على مدح للداعي ولاعلى إمامته فيها(٥) .
وخامساً : إن الحق كون الداعي هو الامام أمير المؤمنينعليهالسلام
__________________
(١) الملل والنحل ١/٢٣ ، السيرة الحلبية ٣/٢٠٧ وغيرهما من المصادر.
(٢) سورة الفتح : ١٦.
(٣) التبيان في تفسير القرآن ٩/٣٢٤/٣٢٦.
(٤) الدر المنثور في التفسير المأثور ٦/٧٢.
(٥) راجع : التبيان في تفسير القرآن ٩/٣٢٦.
كما ذكر شيخنا أبو جعفر(١) .
قال(٢٦٦) :
* ( الخامس : قوله صلّى الله عليه وسلّم : إقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر ).
أقول :
إستدلال السّعد وغيره بهذا الحديث دليل على أنّهم لم يروا أحداً من المحدثين ، ولا رووا حديثاً من أمر الدين لأنّه وإنْ كان أجلّ ما رووه في فضائل الشيخين ـ كما نص عليه الحاكم النيسابوري(٢) ـ إلاّ أنّ كبار أئمّتهم والذين عليهم اعتمادهم في الجرح والتعديل ومعرفة الحديث ينصّون على أنه « باطل » ، « منكر » ، « موضوع » ، « غلط ».
فقد « أعلّه أبو حاتم ، وقال البزّار كابن حزم : لا يصح »(٣) .
وقال الترمذي : « حديث غريب ، لا نعرفه إلاّ من حديث يحيى بن سلمة ابن كهيل ، ويحيى بن سلمة يضعف في الحديث »(٤) .
وقال العقيلي : « حديث منكر لا أصل له من حديث مالك »(٥) .
وقال النقاش : « هو واه »(٦) .
وقال الذهبي مرة « هذا غلط » وأخرى : « واه » وثالثة : « واه جداً »(٧) .
وقال الهيثمي : « فيه من لم أعرفهم »(٨) .
__________________
(١) راجع : التبيان في تفسير القرآن ٦/٣٢٥.
(٢) المستدرك ٣/٧٥.
(٣) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير ٢/٥٦.
(٤) صحيح الترمذي ٥/٦٧٢.
(٥) الضعفاء الكبير ٤/٩٥.
(٦) ميزان الاعتدال في نقد الرجال ٢/١٤٢.
(٧) ميزان الاعتدال ١/١٠٥ ، ١٤١ تلخيص المستدرك ٣/٧٥.
(٨) مجمع الزوائد ٩/٥٣.
وقال العبري الفرغاني : « موضوع »(١) .
وقال شيخ الاسلام الهروي : « باطل »(٢) .
هذه كلمات أكابر القوم ومثلها عن غير من ذكر تجد ذلك كلّه في رسالة لنا مفردة في هذا الحديث مطبوعة *.
قال(٢٦٦) :
( السّادس : قول النبي : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ).
أقول :
وهذا الحديث كسابقه فإنّهم لم يرووه عن أحد من الصّحابة المشهورين وإنّما هو عن ( سفينة ) وهو أحد الموالي ، قيل : كان مولى رسول الله ، وقيل : مولى أم سلمة وهو مجهول حتى اسمه لم يعرف ، لأن سفيتة لقب له ، فقيل اسمه : مهران ، وقيل : رومان ، وقيل : نجران ، وقيل غير ذلك.
ثم إنّه لم يروه عنه إلاّ : « سعيد بن جمهان » الذي نصّ أكابرهم على أنّه لا يحتجّ به. فعن أبي حاتم « يكتب حديثه ولا يحتجّ به » وعن أحمد : « إنه سئل عنه ، فلم يرضه » وعن الساجي : « لا يتابع على حديثه » وعن البخاري : « في حديثه عجائب » وعن ابن معين : « روى عن سفينة أحاديث لا يرويه غيره »(٣) . قلت : وهذا منها.
ثم إنّ هذا الحديث ممّا أعرض عنه البخاري ومسلم وغيرهما ، ولم يخرجه سوى الترمذي وأبي داود بالسند المذكور.
ويعارضه ما رووه عن حذيفة : « إن الخلافة تصير ملكاً عاضاً ثم ملكاً
__________________
(١) شرح المنهاج للبيضاوي. مخطوط.
(٢) الدر النضيد ٩٧.
* وهي أيضاً مطبوعة في هذه المجموعة.
(٣) لاحظ : تهذيب التهذيب ٤/١٣.
جبرية ثم تعود خلافة على منهاج النبوة ». وقد طبّق بعضهم هذه الخلافة الجديدة على منهاج النبوة على عمر بن عبدالعزيز ولمّا أبلغ بذلك سرّ به(١) ولذلك قال بعضهم بأن الخلفاء الراشدين خمسة(٢) . إلاّ أنّ في حديث سعيد بن جمهان عن سفينة ـ عند أبي داود ـ أنّ بعضهم كان لا يرى علياً من الخلفاء الراشدين(٣) !
وعلى الجملة فأحاديثهم وأقاويلهم في هذا الباب مختلفة إلاّ أنّ الذي يهوّن الخطب إعراض البخاري ومسلم وأمثالهما عنها بل الذي أخرجاه هما وسائر أصحاب السنن والمسانيد فاتفقوا عليه وهو الحق عندنا حديث « الاثنا عشر خليفة » المعتضد بالأحاديث الكثيرة الصحيحة وهذا الحديث ـ مهما حاول القوم تأويله وصرفه ـ يدل على ما نذهب إليه من القول بالأئمّة الاثني عشر بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فهم خلفاؤه الراشدون ، وإن خلافتهم باقية إلى يوم يبعثون أوّلهم علي بن أبي طالب وآخرهم المهدي من ولد الحسين بن علي ومن هنا أورد أبو داود هذا الحديث في كتاب المهدي من ( سننه ) وجعله أول حديثٍ من أحاديثه.
نعم ، حاول الكثير منهم صرفه عن الدلالة على ذلك لكن المحقّقين منهم كالقاضي عياض وابن الجوزي وابن العربي المالكي وابن حجر العسقلاني يعترفون بالعجز عن تطبيقه على مذهبهم وتفسيره بمعنى يلتئم مع ما يقولون به
فظهر سقوط حديث سفينة وأن المعتمد في الباب ما أخرجه الشيخان وغيرهما(٤) .
__________________
(١) مسند أحمد ٤/٢٧٣.
(٢) سنن أبي داود ٢/٢٦٣ كتاب السنّة.
(٣) سنن أبي داود ٢/٢٩٤ كتاب السنّتة.
(٤) صحيح البخاري ـ كتاب الاحكام باب استخلاف. صحيح مسلم كتاب الامارة باب الناس تبع لقريش. صحيح الترمذي باب ما جاء في الخلفاء. سنن ابي داود كتاب المهدي. مسند أحمد
قال(٢٦٦) :
( السّابع : قوله في مرضه الذي توفي فيه : ائتوني بكتاب وقرطاس أكتب لكم كتاباً لا يختلف فيه إثنان. ثم قال : يأبي الله والمسلمون إلاّ أبابكر ).
أقول :
أخرج أحمد ومسلم عن يزيد بن هارون عن إبراهيم بن سعد عن صالح ابن كيسان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : « قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآله في مرضه : أدعي لي أبابكر أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً ، فإنّي أخاف أن يتمنّى متمّنٍ ويقول قائل : أنا أولى ، ويأبي الله والمؤمنون إلاّ أبابكر »(١) .
هذا هوالحديث بسنده ومتنه.
أمّا سنداً فلم يروه البخاري ولا غيره من أرباب الصّحاح غير مسلم ، هذا أوّلاً.
وثانياً : فيه ( الزهري ) من مشاهير المنحرفين عن أمير المؤمنين ، ومن كبار المروّجين للأكاذيب ومقاصد السّلاطين.
وثالثاً : فيه ( عروة بن الزبير ) من أعلام أعداء آل الرّسول ، والمشيّدين لحكومة الغاصبين الفاسقين.
ورابعاً : إنّه لا يروى إلاّ عن عائشة ، وهي في مثل هذا الحديث متهمة
فالحديث موضوع قطعاً.
ومتنه أيضاً يدل على وضعه لوجوه :
الأول : إنّ أبابكر ممّن أمره رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالخروج مع
__________________
٥| ٨٦ ، ٨٩ ، ١٠٦ ، ١٠٨ ، وغير ذلك. جامع الأصول ٤/٤٤٠ ـ ٤٤٢ المستدرك على الصحيحين ٣/٦٠٨ معرفة الصّحابة.
(١) صحيح مسلم ٧/١١٠ ، مسند أحمد ٦/١٤٤.
أسامة ، كما روى ذلك عن الواقدي وابن سعد وابن إسحاق وابن الجوزي وابن عساكر(١) وقد لعن المتخلّف عنه(٢) فكيف يدعوه مع أنّ كتابة الكتاب لم تكن موقوفة على حضوره؟
والثّاني : إنّ أبابكر حضر عنده فأمره بالانصراف ولم يكتب شيئاً روى ذلك أبو جعفر الطبري وغيره عن ابن عباس حيث سئل : « أوصى رسول الله؟ قال : لا. قلت : فكيف كان ذلك؟ قال قال رسول الله : إبعثوا إلى عليّ فادعوه. فقالت عائشة : لو بعثت إلى أبي بكر ، وقالت حفصة : لو بعثت إلى عمر. فاجتمعوا عنده جميعاً فقال رسول الله : إنصرفوا فإن تك لي حاجة أبعث إليكم فانصرفوا »(٣) فانّه طلب عليّاًعليهالسلام ليوصي اليه ، لكنّهم بعثوا إلى الرجلين ، فصرفهما
والثالث : إنّ هذا الحديث وضع ليقابل به حديث القرطاس الذي منع عمر ابن الخطّاب فيه عن كتابة الكتاب وقال كلمته المشهورة ، فلو صحّ فإنّ حديث القرطاس يتقدّم عليه الأمرين ، أحدهما : كونه متفقاً عليه. والآخر : أنّ النّبي إنما لم يكتب هناك في حق علي شيئاً لمنع عمر ، وفي هذا الحديث لم يكتب شيئاً في حق أبي بكر مع أنه ما منعه مانع!
قال(٢٦٦) :
( التّاسع : إنّ النبي صلىاللهعليهوآله استخلفه في الصلاة التي هي أساس الشريعة ولم يعزله. ورواية العزل افتراء من الروافض ).
أقول :
أمّا أن النّبيصلىاللهعليهوآله استخلف أبابكر في الصّلاة ، فدعوى
__________________
(١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٨/١٢٤.
(٢) الملل النحل ١/٢٩ ، شرح المواقف ٨/٣٧٦.
(٣) تاريخ الطبري ٢/٤٣٩.
لا دليل عليها إلاّ من أحاديثهم وعن أسانيدهم خاصة ، ولا وجه لالزامنا بها هذا أولاً. وثانياً : فإنّ أسانيد هذا الحديث كلّها ساقطة عن الاعتبار بضعف رجالها ، مضافاً الى أنها جميعاً تنتهي إلى عائشه ، وهي في مثل هذه القضية ـ لكونها بنت أبي بكر ، ومناوئة لعليعليهالسلام ـ متهمة في النقل.
هذا من حيث السند.
وأمّا من حيث الدلالة ، فإنّها وان اشتملت على أمرهصلىاللهعليهوآله إيّاه بالصلاة بالناس في موضعه ، لكنها جميعاً مشتملة على خروجه إلى المحراب وإمامته في تلك الصلاة بنفسه الشريفة.
فهذا ما جاء في نفس الأخبار المستدل بها على الاستخلاف ، وليست أخباراً أخرى ، كما ليست الصلاة صلاة أخرى ولا ريب في أنّ خروجه للصلاة بنفسه ـ بعد أمره أبابكر بالصلاة كما هو المفروض ـ عزل له عن ذلك.
فمن قال بأنّهصلىاللهعليهوآله عزله عن الصلاة فإنّما أراد هذا المعنى ، ولم يرد ورود رواية في كتابٍ لأهل السنة مشتملة على لفظ العزل حتى يقال :( ورواية العزل افتراء من الروافض ).
وكأنّ السّعد قد تبع في هذا القول شيخه العضد حيث قال : « وما نقلوه فيه مختلق » ولم يشر أحد منهما ولا غيرهما تلك الرواية ومن رواها؟
هذا ، ولم يتعرّض السّعد إلى دعوى صلاة النبيصلىاللهعليهوآله خلف أبي بكر ، وظاهره القول بعدم صحة ذلك ، وفاقاً لكبار الحفاظ المحققين أمثال : ابن الجوزي وابن عبدالبر والنووي وهو ظاهر شيخه القاضي العضد وهذا هو الحلق فإنّ النّبي لا يصلي خلف أحدٍ من أفراد أمته ، وهو المستفاد من قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله ) (١) وهو المصرّح به في كلام عدة من كبار الفقهاء كمالك بن أنس وأتباعه وآخرين ،
__________________
(١) سورة الحجرات : ١.
قالوا : بأنّه لا يصح التقدّم بين يديه لا في الصلاة ولا في غيرها ، لا لعذرٍ ولا لغيره(١) .
وممّا يؤكّد كذب أصل خبر أمره أبابكر بالصلاة : كون أبي بكر(٢) في ذلك الوقت في جيش أسامة في خارج المدينة ، الذي أصرّصلىاللهعليهوآله على الخروج معه ولعن من تخلّف عنه(٣) فإنّهصلىاللهعليهوآله لا يعود ـ والحال هذه ـ فيستخلفه في الصّلاة.
وأيضاً : فإنهصلىاللهعليهوآله كان ملتزماً بالحضور للصّلاة بنفسه ، فقد صلّى بالنّاس حتى آخر يوم من حياته ، وفي مرضه إلاّ الصّلاة الأخيرة من عمره الشّريف ، حيث اشتدّ حاله فلم يحضر(٤) ، وهذه هي الصلاة التي جاء أبوبكر ليصلّيها بالناس ، فلمّا علم النّبيصلىاللهعليهوآله بذلك خرج مع شدة حالته ، معتمداً على رجلين أحدهما عليعليهالسلام (٥) . فصلّى تلك الصلاة أيضاً بنفسه لأنّه لم يكن قد أمره بذلك
ولو فرض أنها كانت بأمره فقد عزله
ولو فرض أنّه أمره ولم يعزله فليس أبوبكر وحده الذي يكون قد صلّى بالناس بأمرٍ منه ، فقد استخلف رسول الله عليه وآله وسلّم في الصلاة بالناس حتى ابن ام مكتوم الأعمى ولم يدّع الخلافة ولا ادّعاها أحد له لذلك.
ولذا ترى بعضهم ـ كشارح المواقف ـ يضيف إلى دعوى الاستخلاف دعوى صلاتهصلىاللهعليهوآله خلفه لكنها دعوى باطلة ليس لها مستند معتبر
__________________
(١) فتح الباري : ٣/١٣٩ ، نيل الأوطار ٣/١٩٥ ، السيرة الحلبيّة ٣/٣٦٥.
(٢) فتح الباري ٨/١٢٤.
(٣) الملل والنحل ١/٢٩ ، شرح المواقف ٨/٣٧٦.
(٤) صحيح البخاري ـ بشرح ابن حجر ـ ٢/١٣٧ باب : إنّما جعل الامام ليؤتّم به.
(٥) عمدة القاري ٥/١٨٧ ، فتح الباري ٢/١٢٣ ، الكواكب الدراري ٥/٥٢.
وأمّا خبر أنّ عليّاًعليهالسلام قال لأبي بكر : « قدّمك رسول الله فلا نؤخرك ، رضيك لديننا فرضيناك لدنيانا » فليس في الكتب المعتبرة حتى عند أهل السنة نعم رواه بعضهم عن الحسن البصري مرسلاً(١) .
والخبر المرسل لا يحتج به ، لا سيّما والمرسل هو الحسن البصري المدّلس الكثير الإرسال المنحرف عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، مضافاً إلى تكذيب أخبار التواريخ والسّير هذا الخبر ونحوه ممّا وضعوه على لسان الامامعليهالسلام .
هذا موجز الكلام في هذه القضية ، ولنا فيها رسالة مفردة حققناها فيها من جميع جوانبها ، فليرجع اليها من شاء *.
قال(٢٦٧) :
( العاشر : لو كانت الإمامة حقاً لعلي غصبها أبوبكر ورضيت الجماعة بذلك ).
أقول :
هذا ليس إلاّ مجّرد استبعاد ، والأصل فيه هو حسن الظنّ بالأصحاب ، وقد عرفت أن السّعد نفسه يصرّح بأنّ كثيراً منهم قد حاد عن طريق الحق ، وبلغ حدّ الظلم والفسق ، وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد ولقد كان في عليعليهالسلام ما يبعثهم على الحقد ، فإنّه قد قتل آباءهم وأقرباءهم في الحروب والغزوات ، وما يبعثهم على الحسد ، فإنّه كان أقرب الناس إلى رسول الله وافضلهم عنده وأحبّهم لديه
قال(٢٦٧) :
( وهذه الوجوه وإن كانت ظنّيات ).
أقول :
قد عرفت من كلامه أنّ العمدة عندهم هوالاجماع. وأنّه لا نصّ على
__________________
(١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣/٩٧١.
* في هذه المجموعة.
خلافة أبي بكر مطلقاً لكنه مع ذلك يملأ كتابه بأشياء باطلة باعترافهم وأخرى غير ثابتة حتى عندهم ثم يقول : « إنّها باجتماعها ربما تفيد القطع لبعض المنصفين »!! وهذا ـ إن دلّ على شيء ـ فإنّما يدل على اضطراب القوم وتزلزلهم في اعتقادهم :
ثم يقول :( ولو سلّم فلا أقل من صلوحها سنداً للاجماع وتأييداً ) ، لكنك عرفت حال الاجماع وعرفت حال ما اتّخذ سنداً!.
أقول : إنّ الأدلة العقليّة على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام والنصوص الدالة عليها من الكتاب والسنّة كثيرة جداً وقد أوردها أصحابنا الإمامية في كتبهم الكلاميّة عن الفريقين وإن الذي تعرّض له السّعد في كتابه لشيء يسير منها ، وقد يكون بعض ما لم يذكر أقوى سنداً ودلالة من بعض ما ذكر وعلى كلّ حال فإنّنا نتكلّم على ما جاء به في الجواب عن كلّ واحد من الوجوه التي تعرّض لها ، مقتصرين على كلامه ، مستندين إلى كتب أعلام مذهبه في إبطال مرامه
وقد ذكر قبل الورود في البحث أمرين :
أحدهما : إنّ الشيعة باثباتهم إمامة عليعليهالسلام يقدحون فيمن عداه من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لأنّ معنى ذلك أن يكون قد خفيت تلك الأدلة على الكبار من الأنصار والمهاجرين.
والثاني : إنّ الشيعة يدّعون في كثير من الأخبار الواردة في هذا الباب التواتر.
ثم قال :( ومن العجائب أنّ بعض المتأخّرين من المتشغبين الذين لم يروا أحداً من المحدّثين ، ولا رووا حديثاً في أمر الدّين ملأوا كتبهم من أمثال هذه الأخبار والمطاعن ، في الصحابة الأخيار ، وإنْ شئت فانظر في كتاب التجريد
المنسوب إلى الحكيم نصير الطوسي ، كيف نصر الأباطيل ، وقرّر الأكاذيب ).
أقول :
أمّا القدح والطّعن في الصّحابة فنحن لسنا بصدد ذلك ، لكنّ البحث ـ لأجل إثبات أمر أو دفعه ـ قد ينجّر إلى ذكر أمور تؤدّي إلى الطعن والقدح ، لا في كلّ الصّحابة وإنّما في بعضهم ولذا اضطّر السّعد نفسه في أواخر الكتاب إلى الإشارة إلى بعض ما كان من الصّحابة ثم الاعتراف بأنّه :( ليس كلّ صحابي معصوماً ولا كلّ من لقي النبي بالخير موسوماً ) ٣١١.
نحن قد أوردنا سابقاً عن حال الصّحابة جملاً عن الكتاب والسنّة.
وأمّا الأخبار الواردة في هذا الباب فإنّها متواترةً قطعاً ، لا سيّما الوارد منها من طرقنا وتلك كتبنا تشهد بذلك ، بل لقد أقرّ غير واحد من علماء طائفته بتواتر بعض ما يحتجّ به أصحابنا ـ كما سترى ـ لكنّ السّعد يجهل ذلك كلّه أو يتجاهله
وأمّا ذكره المحقق العظيم الجامع بين العلوم العقلية والنقلية نصير الدين الطوسي وكتابه ( تجريد الاعتقاد ) بما ذكره فعدول عن النظر والحجاج إلى القذف والسباب والافتراء ، أو استعمال طريقة جهّال العامّة في التشنيع على المذاهب وسبّ أهلها ، وقلّما يستعمل ذلك إلاّ عند نفاد الحجة وقلّة الحيلة وكذلك حال السّعد في هذا الكتاب ، كما سترى أجوبته عمّا ذكره من الدليل والنص في هذا الباب.
قال(٢٦٨) :
( الأول : ـ إنّ بعد رسول الله إماماً ، وليس غير عليّ ، لأنّ الإمام يجب أن يكون معصوماً ومنصوصا عليه وأفضل أهل زمانه. ولا يوجد شيء من ذلك في باقي الصّحابة ، أمّا العصمة والنص فبالإتفاق ، وأمّا الأفضلية فلما سيأتي.
والجواب : أوّلاً : منع الأشتراط : وثانياً : منع انتفاء الشرائط في أبي بكر ).
أقول :
أمّا الجواب الأوّل فممنوع ، بالأدلّة القائمة على اشتراط العصمة والنص والأفضلية في الامام.
وأمّا الجواب الثاني : فيكفي في ردّة اعترافه غير مرة بانتفاء العصمة والنص في أبي بكر ، وكذا تقريره الاتفاق على نفيها في غير عليعليهالسلام من الصّحابة. وأمّا الافضلية فسيأتي الكلام عليها.
قال :( ويمكن أن تجعل الأدّلة بحسب الشروط ).
أقول : فَلِمَ جعلها وجهاً واحداً؟ وكذلك فعل بالنسبة إلى حديثي الغدير والمنزلة كما سياتي ، وقد كثّر عدد الوجوه التي زعمها على إمامة أبي بكر؟
قال :
( وربما يورد في صورة القلب فيقال وأمّا ما يقال فحمل نظر ).
أقول :
فهلاّ أوضح وجه النّظر!!
قال( ٢٦٩) :
( الثاني : قوله تعالى :( إنّما وليّكم الله ... (١) والجواب ).
أقول :
لم يمكنه إنكار نزول الآية باتفاق المفسّرين في أمير المؤمنين ، ولا إنكار أنّ من معاني « الولي » هو « المتصرف » وإنّما اعترض على الاستدلال بوجوه :
والعمدة ـ بدليل تقديمه على غيره ، وعدم ذكر بعضهم كابن روزبهان غيره ـ
__________________
(١) سورة المائدة : ٥٥.
هو الأخذ بسياق الآية فقال بعد بيان ذلك :( وبالجملة ، لا يخفى على من تأمّل في سياق الآية وكان له معرفة بأساليب الكلام أن ليس المراد بالولي فيها ما يقتضي الإمامة ، بل الموالاة والنصرة والمحبّة ).
وهذا الاعترض موجود في ( المواقف ) وهذه عبارته : « ولأنّ ذلك غير مناسب لما قبلها وهو قوله :( يأ أيّها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ) وما بعدها وهو قوله :( ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون ) قال الشارح : « فإنّ التولي ههنا بمعنى المحبة والنصرة دون التصرف ، فوجب أن يحمل ما بينهما على النصرة أيضاً ليتلائم أجزاء الكلام »(١) .
ولكن يجاب عنه ـ بعد التسليم بقرينيّة السّياق مطلقاً ـ إنّ الآية التي ذكروها ليست قبل هذه الآية ، بل مفصولة عنها بآيات عديدة أجنبية عنها ، ولنذكر الآيات كلّها :
( يا أيها الذين أمنوا لا تنخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين *فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسرّوا في أنفسهم نادمين *ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين *يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقومٍ يحبّهم ويحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم *إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون *ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون ) .
__________________
(١) شرح المواقف ٨/٣٦٠.
فظهر أن لا قرينيّة للآية :( يا أيّها الذين آمنوا لا تتخذوا ) بالنسبة إلى الآية :( إنما وليّكم الله ...) وأمّا الآية التي بعدها وهي :( ومن يتولّ الله ورسوله ... ) فهي مناسبة لكون المراد هو « الأولوية بالتصرّف » بكلّ وضوح ، لأنّ المراد بتولي الله ورسوله والذين آمنوا هو اتخاذهم أولياء والقول بولايتهم بالمعنى الذي أريد من « الولي » في قوله :( انما وليّكم الله ) فكيف لا تحصل المناسبة؟
وإذا ارتفعت هذه الشبهة والآية نازلة في أمير المؤمنين باتفاق المفسرين ـ لم يعبأ باحتمال كون « الواو » في « وهم راكعون » عاطفة لا حاليّة إذ المراد هو الامام عليعليهالسلام الذي تصدّق بخاتمة وهو راكع.
نعم هنا اشكال أنّ( ( الذين آمنوا ) صيغة جمع فلا يصرف إلى الواحد إلاّ بدليل ).
والجواب : إنّ الدليل هو إتفاق المفسّرين الذي اعترفوا به ، ونظائره في القرآن كثيرة
وإلى هنا ظهر تماميّة الاستدلال بالآية المباركة ويبقى ما ذكره بقوله : ـ( إنّ ظاهر الآية ثبوت الولاية بالفعل وفي الحال ).
وقد أخذه من شيخه العضد حيث قال : « المراد هو الناصر وإلاّ دلّ على إمامته حال حياة الرّسول »(١) .
وقد ذكرنا في جوابه : إنّ التصرّف من شؤون صاحب الولاية ، سواء كان نبياً أو وصي نبي ، فقد يكون حاصلاً له بالفعل وقد لا يكون وقد لا يحصل كما وقع بالنسبة إلى كثير من الأنبياء والأوصياء فالمقصود بالاستدلال إثبات الولاية لأمير المؤمنينعليهالسلام ، وأمّا فعليّة التصرّف فقد يقال بحصولها له في حياة النبي أيضاً ونفوذه إلاّ حيثما لا يرضى النّبي ، وهو لا يفعل ما لا يرضاه قطعاً.
__________________
(١) شرح المواقف ٨/٣٦٠.
وقد يقال بتوقّف تصرّفه على وفاة النبيصلىاللهعليهوآله ، وهذا كما في الوصية ، حيث يثبت استحقاقها للوصي ، لكنه يمنع من التّصرف مادام الوصيّ موجوداً ، ولعلّه لوضوح الجواب عن هذا الوجه أعرض ابن روزبهان عن ذكره.
ولعله لذلك أيضاً كان معتمد الفخر الرازي وجهاً آخر ذكره السّعد ، لكن أجاب عنه.
وأمّا ما ذكره السّعد من أنه( لو كانت في الآية دلالة على إمامة على لما خفيت على الصّحابة ) فهذا أولاً : استبعاد محض ، وقد تقدم ما يقتضي رفعه. وثانياً : منقوض بما استدلّوا به على إمامة أبي بكر ، مع معارضة الأنصار والمهاجرين له.
هذا تمام الكلام على ما ذكره حول الآية المباركة. وقد عرفت أنّها مجرّد شبهات واهية تبعثها التعصّبات الباردة
قال(٢٧٢) :
( والجواب منع تواتر الخبر ، فإنّ ذلك من مكابرات الشيعة ، كيف؟ وقد قدح في صحته كثير من أهل الحديث ، ولم ينقله المحققون منهم وأكثر من رواه يرووا المقدّمة وبعد صحّة الرواية فموخّر الخبر ).
أقول :
لا يخفى أنّه لا يناقش إلاّ في سند الحديث ودلالته ، أمّا شيخه العضد فأضاف ـ تبعاً للرازيّ ـ إنكار وجود الإمامعليهالسلام مع النبي ـصلىاللهعليهوآله ـ يوم الغدير.
وأيضاً إنّه لم يصرّح بعدم صحته سنداً ، خلافاً لشيخه حيث منع صحته. فالكلام معه في جهتين :
إنّ حديث الغدير متواتر عند أصحابنا بطرقهم وأسانيدهم ، كما لا يخفى على من راجع كتبهم ، ويكفي لكون الحديث متفقاً بين الفريقين ، قابلاً للاحتجاج به لإثبات إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام تنصيص بعض علماء المخالفين على صحّته إلاّ أنّ الواقع فوق ذلك ، فقد نصّ غير واحد منهم على تواتره
فممّن نصّ على صحته من أئمّة الحديث عند القوم :
١ ـ أبو عيسى الترمذي صاحب الصحيح المتوفى سنة ٢٧٩ فإنّه قال بعد أن أخرجه : « هذا الحديث حسن صحيح »(١) .
٢ ـ أبو جعفر الطحاوي المتوفى سنة ٢٧٩ فإنّه قال بعد أن رواه : « فهذا الحديث صحيح الإسناد ولا طعن لأحدٍ في رواته »(٢) .
٣ ـ ابن عبدالبرّ القربطبي المتوفى سنة ٣٦٤ فإنه قال بعد أحاديث منها حديث الغدير : « هذه كلّها آثار ثابتة »(٣) .
٤ ـ الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ حيث أخرجه بعدّة طرق وصحّحها(٤) .
٥ ـ الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨. فإنّه وافق الحاكم على تصحيحه في تلخيصه(٥) كما نقل عنه ابن كثير ذلك واعتمده.
٦ ـ ابن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ فقد ذكر الحديث ثم قال : « قال شيخنا أبو
__________________
(١) صحيح الترمذي : ٢/٢٩٨.
(٢) مشكل الآثار : ٢/٣٠٨.
(٣) الاستيعاب ٢/٢٧٣.
(٤) المستدرك على الصحيحين ٣/١٠٩.
(٥) تلخيص المستدرك ٣/١٠٩.
عبدالله الذهبي : هذا حديث صحيح »(١) .
٧ ـ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ حيث قال : « وأمّا حديث من كنت مولاه فعلي مولاه ، فقد أخرجه الترمذي والنسائي ، وهو كثير الطرق جداً ، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد ، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان »(٢) .
٨ ـ ابن حجر المكي المتوفى سنة ٩٧٤ : « إنّه حديث صحيح لا مرية فيه ، وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد ، فطرقه كثيرة جداً ، ومن ثمّ رواه ستة عشر صحابياً. وفي رواية لأحمد : إنّه سمعه من النبي ثلاثون صحابياً وشهدوا به لعلي لما نوزع أيام خلافته كما مر وسيأتي ، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان ، ولا التفات لمن قدح في صحته ، ولا لمن قدح صحته ، ولا لمن ردّه بأن علياً كان باليمن ، لثبوت رجوعه منها »(٣) .
٩ ـ علي القاري المتوفى سنة ١٠١٤ فإنّه قال بعد أن رواه : « والحاصل : إن هذا حديث صحيح لا مرية فيه ، بل بعض الحفاظ عدّه متواتراً فلا التفات لمن قدح في ثبوت هذا الحديث ، وأبعد من ردّه بأنّ عليّاً كان باليمن »(٤) .
١٠ ـ المناوي المتوفى سنة ١٠١٣ حيث قال : « قال ابن حجر : حديث كثير الطرق جداً ، قد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد ، منها صحاح ومنها حسان »(٥) .
أقول : في هذه الكلمات :
أولاً : هذا الأثر ثابت.
__________________
(١) تاريخ ابن كثير ٥/٢٠٩.
(٢) فتح الباري ٧/٦١.
(٣) الصواعق المحرقة : ٢٥.
(٤) المرقاة في شرح المشكاة ٥/٥٦٨.
(٥) فيض القدير ٦/٢١٨.
وثانياً : إنّه صحيح.
وثالثاً : إنّه كثير الطرق جداً.
ورابعاً : إنّه لا التفات لمن قدح في صحته.
وخامساً : إنّه متواتر عند بعض الحفّاظ.
ومع ذلك نذكر جماعة ممّن نص على تواتره وهم :
١ ـ شمس الدين أبو عبدالله الذهبي.
٢ ـ ابن كثير الدمشقي. قال ابن كثير : « قال شيخنا الحافظ أبو عبدالله الذهبي : الحديث متواتر ، أتيقّن أن رسول الله قاله »(١) .
٣ ـ ابن الجزري المتوفى سنة ٨٣٣ ، قال : « صحيح عن وجوه كثيرة ، متواتر عن أمير المؤمنين علي ، وهو متواتر أيضاً عن النبي ، رواه الجم الغفير عن الجم الغفير ، ولا عبرة بمن حاول تضعيفه ممّن لا اطلاع له في هذا العلم وصحّ عن جماعة ممن يحصل القطع بخبرهم »(٢) .
٤ ـ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١٠.
٥ ـ المنّاوي حيث قال بشرح الحديث نقلاً عن السيوطي : « قال حديث متواتر »(٣) .
وبعد ، فما تقول في قول السّعد :( والجواب منع تواتر الخبر فإنّ ذلك من مكابرات الشّيعة ، كيف وقد قدح في صحته كثير من أهل الحديث )؟
ثم في قوله :( ولم ينقله المحققون منهم كالبخاري ومسلم والواقدي )؟
على أنّ عدم النقل لا يدلّ على القدح ، وهو يعلم بذلك ، فلذا غيّر العبارة ، ولو أردنا التكلّم في البخاري ومسلم وكتابيهما لطال بنا المقام ، وإن شئت فراجع
__________________
(١) تاريخ ابن كثير ٥/٢٠٩.
(٢) أسنى المطالب : ٤٨.
(٣) فيض القدير : ٦/٢١٨
كتابنا ( التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشّريف ).
وأمّا قوله :( وأكثر من رواه لم يرووا المقدمة التي جعلت دليلاً على أن المراد بالمولى الأولى ).
فكأقواله السّابقة وذلك لأنّ الأكثر رووا المقدمة أيضاً ، ولو سلّم ففي رواية الأقل غنى وكفاية وممّن روى المقدمة أيضاً :
معمر بن راشد.
عبدالله بن نمير.
أبو نعيم الفضل بن دكين.
عفان بن مسلم.
أبوبكر ابن أبي شيبة.
قتيبة بن سعيد الثقفي.
أحمد بن حنبل.
ابن ماجة القزويني.
أبوبكر البزّار.
أحمد بن شعيب النسائي.
أبويعلى الموصلي.
محمد بن حرير الطبري.
أبو الحسن الدار قطني.
أبو موسى المديني.
ابن كثير الدمشقي.
راجع : مسند أحمد ٤/٣٧٢ ، ٥/٣٤٧ ، الخصائص : ٩٥ سنن ابن ماجة ١/٤٣ ، تاريخ ابن كثير ٧/٣٤٨ ـ ٣٤٩ ، الرياض النضرة ٢/٢٢٣ ، كنز العمال ١٣/١٣١ ، ١٣٤ ، ١٥٨ ، وغيرها من المصادر المعتبرة ...
هذا كلّه في الكلام على سند حديث الغدير بايجاز ، فانظر وأنصف من « المكابر »؟
قال : ( وبعد صحة الرواية :
فموخّر الخبر ـ أعني قوله : اللهّم وال من والاه ـ يشعر بأن المراد هو الناصر والمحب ، بل مجرد احتمال ذلك كاف في دفع الاستدلال.
ولو سلّم فغايته الدلالة على استحقاق الإمامة وثبوتها في المآل ، لكن من أين يلزم نفي إمامة الأئمّة قبله
وإذا تأمّلت فما يدعون من تواتر الخبر حجة عليهم لا لهم )
أقول :
هذا غالية ما أمكنه الاعتراض به على الاستدلال بحديث الغدير ولا يخفى أنّ هذا الموضع من المواضع التي خالف فيها السّعد مشايخه المتقدمين عليه كالقاضي العضد والفخر الرازي فإنّ أولئك أنكروا أن يكون ( المولى ) يجيء بمعنى ( الأولى ) ثم ذكروا شبهات لهم بناء على ذلك آخذين كلّ ما هنا لك من مشايخ المعتزلة أمّا السّعد فلم ينكر مجئ كلمة ( المولى ) بمعنى ( الأولى ) بل ظاهره الإقرار ، فكان الكلام معه أخصر وطريق الإفحام أقصر.
لقد دلّ قولهصلىاللهعليهوآله : « ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا : بلى. قال : فمن كنت مولاه فعلي مولاه » على الأولوية ، وأكّدت ذلك الدلائل والقرائن الكثيرة الثابتة في رواية الفريقين :
من وجوه دلالة حديث الغدير
منها : نزول الآيات من القرآن الكريم في ذلك اليوم :
قوله تعالى :( يا أيّها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك وانْ لم تفعل
فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس ) نزلت قبل خطبة النّبيصلىاللهعليهوآله (١) .
وقوله تعالى :( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً ) نزلت بعد الخطبة الشريفة(٢) .
وقوله تعالى :( سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع ) . نزلت في قضية الرجل الذي جاء إلى النّبي بعد الخطبة قائلاً : « يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إلاّ الله وأنك رسول الله ، فقبلناه منك. وأمرتنا أن نصلّي خمساً ، فقبلناه منك. وأمرتنا بالزكاة فقبلناه. وأمرتنا أن نصوم شهر رمضان فقبلناه منك ، وأمرتنا بالحج فقبلناه. ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمّك ففضّلته علينا وقلت : من كنت مولاه فعليّ مولاه؟ فهذا شيء منك أم من الله عزّ وجلّ؟ فقالصلىاللهعليهوآله : والذي لا إله إلاّ هو إن هذا من الله.
فولّى الرّجل قائلاً : اللهم ان كان ما يقوله محمد حقاً فامطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليم.
فما وصل إلى راحلته حتى رماه الله بحجرٍ فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله.
فأنزل الله تعالى ذلك »(٣) .
ومنها : شعر حسان بن ثابت في ذلك اليوم بإذنٍ من النّبي ومشهدٍ من الصّحابة وفيه :
__________________
(١) روى نزولها : ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر وأبو نعيم والثعلبي والواحدي والعيني والسيوطي وغيرهم ، لاحظ : الدر المنثور ٢/٢٩٨ ، أسباب النزول : ١١٥ ، الفخر الرازي ١٢/٤٩ وغيرها.
(٢) روى نزولها : ابن مردويه وأبو نعيم وابن المغازلي والخطيب الخوارزمي و
(٣) روى ذلك : الثعلبي والسمهودي والمنّاوي والحلبي وجماعة آخرون.
« فقال له قم يا علي فانني رضيتك من بعدي إماماً وهادياً »(١) .
ومنها : مناشدة الامام أمير الؤمنينعليهالسلام الناس عن حديث الغدير(٢) .
ومنها : مناشدة الزهراءعليهاالسلام واحتجاجها بالحديث(٣) .
ومنها : بعض ألفاظ الحديث : كقوله :
« يا أيها الناس من وليّكم؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ـ ثلاثاً.
ثم أخذ بيد علي فقال : من كان وليّه فهذا وليه ، أللهم وال من والاه وعاد من عاداه »(٤) .
فلو كان المراد من « المولى » هو « المحب والناصر » لما قال الأصحاب في الجواب : « الله ورسوله أعلم ».
وكقوله : « إنّ الله ولييّ وأنا ولي كلّ مؤمنٍ ، من كنت مولاه فعلي مولاه »(٥) .
وكقوله : « أيّها الناس إني ولّيكم. قالوا : صدقت ، فرفع يد علي فقال : هذا وليّي المؤدّي عنّي ، وإنّ الله موال من والاه ومعاد من عاداه »(٦) فإنّ « المؤدّي عنّي » قرينة على أنّ « الولاية » هي الأولوية ، وعلى أنّ الدعاء جاء في حقّ من قبل ولايته وأطاعه فيما يؤديه ، وعلى من لم يقبل ولايته ولم يطع أوامره ونواهيه الالهية
وكقوله : « من كنت أولى به من نفسه فعليّ وليّه ، أللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه »(٧) .
__________________
(١) روى ذلك : ابن مردويه وأبو نعيم والخوارزمي وسبط ابن الجوزي والسيوطي وآخرون.
(٢) روى ذلك من أكابر الحفاظ : عبدالرزاق وأحمد والبزار والنسائي وأبو يعلى والطبراني والخطيب وابن الأثير وابن كثير والسيوطي وغيرهم.
(٣) أسنى المطالب للحافظ ابن الجزري.
(٤) الخصائص : ١٠١.
(٥) كنز العمال : ١٢/٢٠٧.
(٦) الخصائص ١٠٠ ، تاريخ ابن كثير ٥/٢١٢.
(٧) المعجم الكبير ٥/١٨٦.
ومنها : شهادة صحابة مشهورين بولاية أمير المؤمنينعليهاالسلام وإمامته إستناداً إلى حديث الغدير فإنّهم دخلوا عليه فقالوا : « السلام عليك يا مولانا. قال : وكيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا : سمعنا رسول الله يقول : من كنت مولاه فهذا مولاه »(١) .
ومنها : تهنئة الشيخين وسائر الصحابة أمير المؤمنينعليهالسلام قائلين « أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة »(٢) .
ومنها : إستنكار بعض الصحابة هذا الكلام(٣) فلو كان بمعنى « الناصر والمحب » لما استنكر.
ومنها : تمنّي بعض الصحابة ورود هذا الكلام في حقّه(٤) .
إلى غير ذلك من الوجوه
فهل يبقى مجال بالنظر إلى كل ذلك لاحتمال ـ أو دعوى ـ إشعار مؤخر الحديث بأنّ المراد بالمولى هو الناصر والمحب؟ وهل يعقل أن يكون ذلك الاهتمام الذي كان من النبيصلىاللهعليهوآله لمجرّد بيان كون عليعليهالسلام محبّاً وناصراً لمن كان النّبي محبّاً وناصراً له؟
ثم أي منافاة بين هذه الجملة وجملة « من كنت مولاه » لتكون مشعرة بما يدعيه السّعد؟ بل إنها أيضاً من مؤكّدات الدلالة على الأولوية ، لأنّه لو كانصلىاللهعليهوآله قد قال : « من كانت طاعتي مفترضة عليه فطاعة علي عليه مفترضة ، أللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه » لكان كلاماً صحيحاً لا تهافت فيه.
ومن هنا ترى أن بعض حفّاظهم المحققين ـ كمحب الدين الطبري المتوفى
__________________
(١) مسند أحمد ٥/٤١٩ ، الرياض النضرة ٢/٢٢٢ ، تاريخ ابن كثير ٧/٣٤٧ ، المرقاة في شرح المشكاة ٥/٥٧٤.
(٢) رواه جماعة من كبار المحدثين ، منهم أبوبكر ابن أبي شيبة ، كنز العمال ١٣/١٣٤.
(٣) مسند أحمد ٤/٣٧٠ ، الخصائص ١٠٠ ، ابن كثير ٧/٣٤٦.
(٤) رواه ابن ماجة ١/٤٥ عن سعد بن أبي وقاص.
سنة ٦٩٤ ـ يستبعد ما ادّعاه السعّد من المعنى(١) بل إنّ بعض مؤلّفيهم المتعصّبين يكذبّ مؤخر الحديث فيقول : « إن هذا اللفظ وهو قوله : أللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث » قال : « إن دعاء النبي مجاب ، وهذا الدعاء ليس بمجاب ، فعلم أنه ليس من دعاء النبي »(٢) .
وأمّا :( ولو سلّم فغايته الدلالة على الامامة ، وهو جواب لم يذكره القوم ) ففيه : أنّه قد ذكره القوم قبله بقرون ، سواء أراد من « القوم » قومه أو أصحابنا ، فقد ذكر شيخنا أبوجعفر الطوسي المتوفى سنة ٤٦٠ « فأمّا الجواب عمّا قالوه من ثبوت الإمامة بعد عثمان. فهو : ما تقدّم عند كلامنا في النص الجلي ، وهو : إن الأمة مجمعة على أنّ إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام بعد قتل عثمان لم تحصل له بنص من الرسولصلىاللهعليهوآله تناول تلك الحال واختص بها دون ما تقدّمها. ويبطله أيضاً : إنّ كلّ من أثبت لأمير المؤمنينعليهالسلام النص على الامامة بخبر الغدير أثبته على استقبال وفاة الرسول من غير تراخ عنها »(٣) .
أقول :
ويبطله أيضاً : أنه كانت ولاية النبيصلىاللهعليهوآله عامة كما يدلّ عليه كلمة « من » الموصولة ، فكذا علي. فيجب أنْ يكون علي هو الولي لأبي بكر دون العكس.
ويبطله أيضاً : انّه بعد التسليم بدلالة حديث الغدير على إمامة الأمير والاعتراف بعدم النصّ على خلافة من تقدمه ، يكون تقييد إمامتهعليهالسلام بالزمان المتأخر عن زمانهم تقييداً بلا دليل.
__________________
(١) الرياض النضرة ١/٢٠٥.
(٢) منهاج السنة ٤/١٦.
(٣) تلخيص الشافي ٢/٢٠٠.
أقول : بل ورد النّص عنهصلىاللهعليهوآله في عدم استخلافه أحداً ممّن تقدّم عليه ، وقوله في علي : « أما والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلّن الجنّة أجمعون » رواه غير واحد من محدثيهم بأسانيدهم عن ابن مسعود عن النّبي.
وأمّا قوله :( وإذا تأمّلت فما يدّعون من تواتر الخبر حجة عليهم لا لهم ، لأنّه لو كان مسوقاً لثبوت الامامة دالاً عليه لما خفي على عظماء الصحابة ).
فتكرار لما سبق
فتلخّص ـ أن الحديث متواتر سنداً ، نصّ دلالةً والحمد الله على ذلك.
قال(٢٧٥) :
( وأما حديث المنزلة والجواب : منع التواتر ، بل هو خبر واحد في مقابلة الاجماع. ومنع عموم المنازل ولو سلّم العموم فليس من منازل هارون الخلافة والتصرّف بطريق النيابة على ما هو مقتضى الامامة ، لأنه شريك له في النبوّة ، وقوله : أخلفني ليس استخلافاً بل مبالغة وتأكيداً في القيام بأمر القوم. ولو سلّم فلا دلالة على بقاءها بعد الموت ).
أقول :
أمّا الكلام في السند فإنّ السّعد لم يمنع صحة الحديث كما فعل شيخه في ( المواقف ) ـ تبعاً للآمدي الزّنديق بنصّ الذّهبي ـ وإنّما منع التواتر قال :( بل هو خبر واحد في مقابلة الاجماع ).
والجواب : إن حديث المنزلة مخرّج في كتابي البخاري ومسلم(١) اللذين هما
__________________
(١) صحيح البخاري ، كتاب المغازي ، غزوة تبوك. صحيح مسلم ، الترمذي ، ابن ماجة ، أبو داود
أصحّ الكتب عندهم بعد القرآن ، واشتهر بينهم قطعيّة صدور أحاديثهما(١) ، مضافاً إلى تصريح غير واحد من كبار محدّثيهم بتواتره ، قال ابن عبدالبرّ : « هو من أثبت الأخبار وأصحّها ، رواه عن النبي سعد بن أبي وقاص ـ وطريق سعد فيه كثيرة جدّاً ، قد ذكر ابن أبي خيثمة وغيره ـ ورواه : ابن عباس وأبو سعيد الخدري ، وأم سلمة وأسماء بنت عميس وجابر بن عبدالله ، وجماعة يطول ذكرهم »(٢) .
ثمّ إن ظاهر قوله( خبر واحد في مقابلة الاجماع ) هو أن الموجب لأن يكون حديث المنزلة خبراً واحداً هو الاجماع المدّعى على خلافة أبي بكر ، لكنّ الاجماع المذكور لو سلّم لا يوجب أن يكون الخبر الثابت يقيناً خبراً واحداً مفيداً للظن ، وإنّما يوجب رفع اليد عن ظهور الخبر المتواتر في مدلوله المنافي للاجماع. وعلى الجملة فإنّ المقابلة للاجماع إنّما تؤثّر في دلالة الخبر وان كان متواتراً ، ولا تؤثر في سند الخبر المتواتر بأن تجعله ظنيّاً ومن هنا يفهم أن السّعد يرى الحديث متواتراً سنداً ، وأنّه تام الدلالة على إمامة عليعليهالسلام ، إلاّ أنّ الاجماع هو المانع من الإذعان بذلك!
لكنك قد عرفت حال الاجماع المزعوم حتى من كلام السّعد نفسه
وأما الكلام في الدّلالة فالجواب عن الشبهة الأولى ـ وهي عمدة ما في المقام ـ هو أن معيار العموم جواز الإستثناء كما نصّ عليه الأصوليّون قاطبة ، كما لا يخفى على من لاحظ مباحث العموم في ( المنهاج للبيضاوي ) وشروحه ، وفي ( مسلّم الثبوت للبهاري ) وشرحه ، وغيرها من كتب الأصول ، ومن الواضح جداً أنّ اسم
__________________
... لاحظ جامع الأصول ٩/٤٦٨.
(١) لاحظ كلام الحافظ ابن القيسراني المقدسي في كتاب الجمع بين رجال الصحيحين وكلام النووي وشارحه السيوطي في تدريب الراوي. وغيرهما.
(٢) الاستيعاب ، ترجمة أمير المؤمنين ٣/١٠٩٠.
الجنس المضاف من ألفاظ العموم كما نص عليه جميعهم كذلك ، منهم السّعد نفسه في شرح شرح مختصر الأصول ، تبعاً لابن الحاجب والقاضي العضد ، فقد جاء في ( شرح المختصر ) ما نصه : « ثمّ الصيغة الموضوعة له ، أي للعموم ، عند المحققين هي هذه : فمنها : أسماء الشرط والاستفهام نحو : من وما ومهما وأينما ، ومنها : الموصولات نحو : من وما والذي ، ومنها : الجموع المعرفة تعريف جنس لا عهد ، والمجموع المضافة نحو العلماء وعلماء بغداد ، ومنها : اسم الجنس كذلك أي معرفّاً تعريف جنس أو مضافاً »(١) .
وفي ( شرح المنهاج ) : « المسألة الثانية فيما يفيد العموم وأما الجمع المضاف سواء كان جمع كثرة نحو قوله تعالى :( يا عبادي ) الآية : أو جمع قلة نحو قولهعليهالسلام : أولادنا أكبادنا. وكذا اسم الجنس يكون عاماً إذا كان محلّىً بالألف واللام نحو قوله :( يا أيّها النّاس اعبدوا ) أو مضافاً نحو قوله تعالى :( عن أمره ) ».
وفي ( فواتح الرحموت ) : « إنّ المفرد المضاف أيضاً من صيغ العموم ، كيف ويصح الاستثناء وهو معيار العموم ».
وكما تجد هذه القاعدة في الكتب الأصولية ، كذلك تجدها في الكتب الأدبية ، وفي كلام السّعد نفسه ، فقد ذكر السّعد في ( شرحه المختصر على تلخيص المفتاح ) بتعريف علم البلاغة : « فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب للحال والمقام. يعني إذا علم أن ليس ارتفاع شأن الكلام الفصيح في الحسن الذاتي إلاّ بمطابقته للاعتبار المناسب على ما يفيده إضافة المصدر ، ومعلوم أنه إنما يرتفع بالبلاغة فليتأمل » قال الخطائي في حاشية :
« قوله : على ما يفيد إضافة المصدر. لأنّها تفيد الحصر كما ذكروا في ضربي زيداً قائماً أنه يفيد انحصار جميع الضربات في حال القيام. وفيه تأمّل. لأن إضافة
__________________
(١) شرح مختصر الأصول ٢/١٠٢.
المصدر إنما تفيد العموم لأنّ اسم الجنس المضاف من أدوات العموم ، والانحصار في المثال المذكور إنما هو من جهة أنّ العموم فيه يستلزم الحصر ».
وفي حاشية الجلبي على ( شرحه المطوّل ) : « قوله : واستغراق المفرد أشمل. قد سبق تصريح الشارح بأنّ اضافة المصدر تفيد الحصر وحقق هناك أن مبناه كون المصدر المضاف من صيغ العموم ، فهذه القضية كلية ».
هذا ، ولو أردنا أيراد كلماتهم لطال بنا المقام فالعجب من السّعد كيف ينسى في هذا الموضع ما قرّره هو وغيره من الأعلام؟
فظهر سقوط قوله :( منع عموم المنازل ).
وكذا قوله :( بل غاية الاسم المفرد المضاف إلى العلم الإطلاق ، وربما يدعى كونه معهوداً معيّناً كغلام زيد ).
فإنّ تبادر العهد من « غلام زيد » بسبب القرينة لا يستلزم عدم العموم في كلّ اسمٍ مضاف ، لانّ اسم الجنس المعرّف باللام والجمع باللام أو المضاف الدالة على العموم ـ كما صرّح بذلك علماء الأصول ـ تحمل على العهد أينما تحقّق العهد ، وهذا لا ينفي كونها للعموم حيث لا عهد ، فكذا في اسم الجنس المضاف ، قال الجلال المحلّي في ( شرح جمع الجوامع ) : « والجمع المعرّف باللاّم نحو : قد أفلح المؤمنون ، أو الاضافة نحو : يوصيكم الله في أولادكم للعموم ما لم يتحقق عهد لتبادره إلى الذّهن ».
وكيف يقول : ( غاية الاسم الاطلاق )؟ والحال أنّه حيث لا يتحقق العهد يكون الأستثناء صحيحاً ، وقد عرفت أن صحّته دليل العموم ، كما عرفت أن اسم الجنس المضاف من صيغ العموم.
سلّمنا أن غايته الإطلاق ، فإنّ الاطلاق أيضاً كاف لإثبات دلالة الحديث على إمامة أمير المؤمنينعليهالسلام ، لانّ المتكلّم الحكيم إذا جاء بلفظ مطلق ولم ينصب قرينة على التقييد أفاد العموم وإلاّ لزم الإهمال ، بل لقد نصّ السّعد نفسه في ( شرح التوضيح ) على أنّه لابدّ من حمل صيغ العموم على الكلّ احترازاً عن
ترجيح البعض بلا مرجّح ، فكذلك الأمر في عموم المطلق وشموله لجميع أفراده.
إذنْ ، لا سبيل إلى إنكار دلالة الحديث على العموم ، ومن هنا اعترف شيخه القاضي العضد بذلك(١) إلاّ أنّه ادعى العهد ، لكنّ السّعد يقول :( وربما يدعى كونه معهوداً كغلام زيد ) فهو غير جازم بالعهد ، وذلك لأنّه يدري أنّ العهد المدعى ليس إلاّ قرينيّة زمان صدور الحديث ، وهو وقت الخروج عن المدينة إلى تبوك كما نصّ عليه شارح المواقف وهو موقوف على كون المورد مخصّصاً وهو باطل ، ولذا قال :( وأمّا الجواب : بأنّ النبي لمّا خرج فربّما يدفع بأنّ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، بل ربما يحتجّ ) .
هذا أولاً :
وثانياً : إنّ ورود الحديث غير مختص بهذا المورد ، فقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله هذا الكلام لعليعليهالسلام في مواضع عديدة ، منها عند المؤاخاة ، وقد أوردنا الخبر في ذلك في ( الطّرائف ) عن أحمد بن حنبل كما في ( كنز العمّال ) ، وسيأتي خبر آخر فيه قريباً.
وأمّا قوله :( وليس الاستثناء المذكور إخراجاً بل منقطع ).
فهذا الإشكال ذكره شيخه القاضي العضد فأنصف السّعد وأجاد في دفعه بقوله :( اللهمّ إلاّ أن يقال : إنها بمنزلة المستثنى ، لظهور انتفائها ).
إلى هنا تمّ دلالة الحديث على العموم
قال :( ولو سلّم العموم فليس من منازل هارون الخلافة والتصرّف وقوله : اخلفني ليس استخلافاً ).
ويردّه تصريح كبار المفسّرين منهم بتفسير قوله : (اخلفني ) بأنّ المعنى « كن خليفتي ونافذ أمرك فيهم » فلاحظ تفاسير : ( الكشاف ) و ( الرازي ) و ( البيضاوي ) و ( النيسابوري ) و ( النسفي ) و ( ابن كثير ) و ( الخازن )
__________________
(١) المواقف في علم الكلام ٨/٣٦٣.
وإذا كان من جملة المنازل الثابتة لهارون بخلافته : فرض طاعته ونفوذ أمره في الأمّة ، فعليعليهالسلام المنزّل منزلة هارون كذلك ، ولو صرّح النبي بهذا المعنى وقال : أنت مني بمنزلة هارون من موسى في فرض الطّاعة ونفوذ الأمر وإن لم تكن شريكي في النبّوة ، لكان كلاماً مستقيماً لا تنافي فيه أصلاً.
ويؤكّد ذلك أمرهصلىاللهعليهوآله في غير واحد من الأخبار المعتبرة بإطاعة علي إطاعةً مطلقة ، وأنّ من أطاع علياً فقد أطاعه ومن أطاعه فقد أطاع الله ، منها : ما أخرجه الحاكم بسنده عن أبي ذررحمهالله قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع علياً فقد أطاعني ومن عصى علياً فقد عصاني. هذا الحديث صحيح الإسناد »(١) .
هذا ، ولولا دلالة هذا الحديث على حصول تلك المنازل لعليعليهالسلام لم يقل عمر بن الخطّاب ـ فيما رواه جماعة منهم الحاكم وابن النجّار كما في ( كنز العمال ) ـ « كفّوا عن ذكر علي بن أبي طالب ، فإنّي سمعت رسول الله يقول في علي ثلاث خصالٍ لئن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس : كنت أنا وأبوبكر وأبو عبيدة بن الجرّاح ونفر من أصحاب رسول الله والنّبي متكئ على علي بن أبي طالب ، حتى ضرب بيده على منكبه ثم قال : وأنت يا علي أوّل المؤمنين إيماناً وأوّلهم إسلاماً ثم قال : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى. وكذب عليّ من زعم أنّه يحبّني ويبغضك ».
ولم يقل مثله سعد بن أبي وقاص كما رواه ابن ماجة في ( سننه ) وغيره.
ولم يحتج به كبار الصحابة في مواطن مختلفة ، وأمير المؤمنين نفسه في احتجاجه على أهل الشورى.
__________________
(١) المستدرك على الصحيحين ٣/١٢١.
قال ( ٢٧٦) :
( الرابع النصوص الجليّة والجواب : ما مرّ أنّها أخبار آحاد في مقابلة الاجماع ، وأنّها لو صحّت لما خفيت على الصحابة والتّابعين ولو سلّم فغايته إثبات خلافته لا نفي خلافة الآخرين ).
أقول :
لم يمنع السّعد بصراحةٍ أسانيد هذه الأحاديث تبعاً لشيخه العضد ، وإنّما أجاب عنها بكونها آحاداً في مقابلة الاجماع ، وقد عرفت ما فيه.
وأمّا دلالة فكلامه تكرار لما سبق ، وقد عرفت جوابه أيضاً. وأمّا قوله :( ولو سلّم ).
ففيه : أوّلاً : أنّه خلاف ظاهر هذه الأحاديث ، خصوصاً المشتمل منها على كلمة من بعدي : وثانياً : أنّه موقوف على ثبوت خلافة الآخرين وهي لا تثبت إلاّ بالنصّ أو الإجماع ، أمّا الأول فمفقود وأمّا الثاني فغير حاصل. وثالثاً : إن كان الذين من قبله مؤمنين متّقين فهو وليّهم وأميرهم وإمامهم ، وإن لم يكونوا مؤمنين متّقين فهو وليّهم وأميرهم وإمامهم بالأولوية القطعية.
وأمّا ضبط كلمة « ديني » بـ « كسر الدال » فلم نفهم وجهه لا سيّما وفي بعض الألفاظ : « يقضي ديني »(١) فإنّه بفتح الدال قطعاً ، ولا بأس بنقل الحديث كاملاً عن ( مجمع الزوائد ).
« عن سلمان رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله إنّ لكلّ نبيّ وصيّاً فمن وصيّك؟ فسكت عني. فلمّا كان بعد أن رآني قال : يا سلمان فأسرعت إليه قلت : لبّيك. قال : تعلم من وصيّ موسى؟ قال : نعم ، يوشع بن نون. قال : لم؟ قلت :
__________________
(١) مجمع الزوائد ٩/١١٣ ، الرياض النضرة ٢/٢٧٩ منتخب كنز العمال ـ هامش أحمد ـ ٥/٣٢.
لأنّه كان أعلمهم يومئذ. قال : فإنّ وصيّي وموضع سرّي وخير من أترك بعدي ينجز عدتي ويقضي ديني علي بن أبي طالب ».
قلت : ومن عمدة ما في الباب الحديث : « إنّ عليّاً مني وأنا من علي وهو ولي كلّ مؤمن من بعدي » الذي أخرجه أبو داود الطيّالسي وأحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم والطبري وابن حجر العسقلاني وغيرهم.
قال (٢٧٨) :
( الخامس : القدح في إمامة الآخرين أمّا إجمالاً فلظلمهم لسبق كفرهم ، لقوله تعالى : ( والكافرون هم الظّالمون ) والظالم لا يكون إماماً لفوله : ( لا ينال عهدي الظالمين ) والجواب ).
أقول :
قد تقدّم تقرير الاستدلال بالآية وأن العهد هو الإمامة حتّى عند المفسرّين من أهل السّنة...
قال ( ٢٧٨) :
( وأمّا تفصيلاً فممّا يقدح في إمامة أبي بكر أنه خالف كتاب الله تعالى في منع إرث النّبي بخبرٍ رواه ومنها أنّه منع فاطمة فدك والجواب ).
أقول :
لا يخفى الفرق الكبير والاختلاف الكثير بين ما ذكره السّعد وما ذكره شيخه العضد ، تقريراً وجواباً فراجع ، والملاحظ :
١ ـ إنّ السّعد لم ينكر تفرّد أبي بكر بما نسبه إلى النّبيصلىاللهعليهوآله أنه قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة.
٢ ـ إنّه لم ينكر أنّ النّبيصلىاللهعليهوآله وهب فاطمةعليهاالسلام فدكاً.
٣ ـ إنّه لم ينكر تصديق أبي بكر أزواج النبيصلىاللهعليهوآله في ادّعاء الحجرة لهنّ من غير شاهد ، ولم يجب عن هذا النقض بشيء أصلاً.
٤ ـ إنّه لم ينكر كون فدك بيد الزهراءعليهاالسلام منذ حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، بل أثبت ذلك بقوله : « ثمّ ردّها عمر بن عبدالعزيز أيّام خلافته إلى ما كانت عليه ».
وخلاصة كلام أصحابنا في هذا المقام هو :
إنّ أبابكر انتزع من فاطمة فدكاً(١) ـ وهي غير خيبر وليست قرية منها ـ فطالبت فاطمةعليهاالسلام منه رفع الاستيلاء على هذا الملك الحاصل لها هبةً من والدها رسول اللهصلىاللهعليهوآله (٢) واذا كان السّعد لا ينكرها هاتين المقدّمتين فلماذا لا يعترف بالحقّ صراحة؟ وإن كان منكراً لكلتيهما أو إحداهما فلماذا لم يصرّح بالانكار ولم يدافع عن أبي بكر؟ إنّ الشيء الذي قاله هو :
( والجواب : إنّه لو سلّم صحة ما ذكر فليس على الحاكم أن يحكم بشهادة رجل وامرأة وإنْ فرض عصمة المدعي والشاهد ، وله الحكم بما علمه يقيناً وانْ لم يشهد به شاهد ).
لكن فيه :
أوّلاً : إنّ أبابكر لم يكن حاكماً في القضية بل كان خصماً.
وثانياً : إنّ الزهراءعليهاالسلام كانت صاحبة اليد فلم يكن له أن يطالبها بالشهود ، بل كا عليه إقامة البيّنة ليجوز له الاستيلاء على ملكها.
وثالثاً : إذا أقام المدعي البيّنة وجب على الحاكم أن ينظر فيها ، فإن وجدها
__________________
(١) لاحظ : الدر المنثور ٤/١٧٧.
(٢) الصواعق المحرقة : ٣١.
معتبرة ولا معارض وجب عليه الحكم على طبقها ، وليس له الحكم بعلمه حتى النبي ، فإنّهصلىاللهعليهوآله يصرّح بذلك حيث يقول في الحديث المتفق عليه : « إنّما أنا بشر وإنّكم تختصمون إليّ ، ولعلّ بعضكم ألحن بحجّته من بعض ، فاقضي نحو ما أسمع ، فمن قضيت له بحقّ أخيه فإنّما أقطع له قطعةً من النار »(١) .
ورابعاً : إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قضى باليمين مع الشاهد الواحد(٢) فهلاّ طلب أبوبكر من الزهراء اليمين وقد شهد لها عليعليهالسلام ؟
وخامساً : إنّ النبيصلىاللهعليهوآله قضى بالشاهد الواحد وهو عبدالله بن عمر(٣) ، فهلاّ قضى أبوبكر بأمير المؤمنينعليهالسلام وحده؟ وهل كان عنده أقل من عبدالله بن عمر؟!
وسادساً : هذا كلّه بغض النظر عن عصمة الزهراءعليهاالسلام ، وعصمة أمير المؤمنين والحسنين ( ولم يذكرهما السّعد ) وبغض النظر عن كون أم أيمن مشهوداً لها بالجنة كما في ترجمتها من ( الإصابة ) وغيرها.
ثم إنّها سلام الله عليها ـ بعد أنْ لم يصدّق أبوبكر علياً والحسنين وأم أيمن ، مع أنّه صدّق أزواج النبي في ادّعائهنّ من غير شاهد ـ جاءت تطالب بفدك وغير فدك من إرثها من رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
أخرج البخاري ومسلم عن عائشة واللفظ للأوّل قالت : « إنّ فاطمةعليهاالسلام بنت النبي أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر. فقال أبوبكر : إنّ رسول الله قال : لا نورّث ما تركنا صدقة ، إنّما يأكل آل محمد في هذا المال ، وإنّي والله لا أغيّر شيئاً من صدقة رسول الله عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله ، ولأعملنّ فيها بما عمل
__________________
(١) جامع الأصول ١٠/٥٥٣ أخرجه البخاري ومسلم ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي.
(٢) جامع الأصول ١٠/٥٥٥ أخرجه مالك ومسلم وأبو داود والترمذي
(٣) جامع الأصول ١٠/٥٥٧ أخرجه البخاري.
به رسول الله ، فأبي أبوبكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً.
فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيت.
وعاشت بعد النبي ستة أشهر.
فلمّا توفّيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبابكر وصلّى عليها.
وكان لعليّ من الناس وجه حياة فاطمة »(١) .
لكنّ الكلام في الحديث الذي ادّعاه ، فإنّ القوم لم يتمكنوا من إثبات تماميته سنداً ودلالة ، أمّا سنداً فإنّ ما ذكره السّعد في الجواب من( أن الخبر المسموع من فم رسول الله إن لم يكن فوق التواتر فلا خفاء في كونه بمنزلته ، فيجوز للسامع المجتهد أن يخصص به عام الكتاب ) مشتمل على ثلاثة دعاو :
١ ـ إنّ أبابكر سمع الحديث من فم رسول الله
٢ ـ إنّ أبابكر مجتهد
٣ ـ إنّ للسامع المجتهد أن يخصّص به عام الكتاب.
وهذه الدعاوى لابدّ لها من إثبات ، فإنّها أوّل الكلام ، ولو أنّا تيقّنا بأنّ أبابكر سمع الحديث من فم رسول اللهصلىاللهعليهوآله لما كان كلّ هذا البحث لكنّ أبابكر متهم في هذا الموضع فهو خصم لا حكم ، واطلاعه هو وحده بهذا الحديث ، بحيث لم يسمعه من النبيصلىاللهعليهوآله أحد من أهله وذويه ، يورث الشك في روايته ، بل لم يسمع أحد من أبي بكر هذا الحديث عن النبي حتى تلك الساعة ، بل ادعاء الأزواج إرثهنّ من رسول الله تكذيب له كما كان تصديقه لهنّ في ادعّاء الحجرة يكشف عن غرض له في نفسه مع الزهراء وأهل البيت!
هذا كلّه بناءً على ثبوت دعوى أبي بكر سماع ذلك من رسول اللهصلىاللهعليهوآله . وأمّا بناءً على وضع هذا الحديث بعد ذلك تبريراً وتوجيهاً لمنع أبي
__________________
(١) صحيح البخاري : باب غزوة خيبر. صحيح مسلم : كتاب الجهاد والسير.
بكر فاطمةعليهاالسلام حقّها ، كما عليه الحافظ البارع الناقد ابن خراش البغدادي المتوفى سنة ٢٨٣(١) . سقوط تلك الدّعاوى والتوجيهات في غاية الوضوح. وعلى كلّ تقدير فالحديث باطل.
وأمّا دلالة ففي الحديث المزعوم احتمالات كما ذكر العضد(٢) ولم يشر إلى ذلك السّعد ، والحاصل أنّه كما يحتمل أن تكون كلمة « صدقة » مرفوعة على الإخبار به عن « ما » الموصولة في « ما تركناه » كذلك يتحمل أن يكون « ما » منصوبةً محلاً على المفعولية لـ « تركناه » وتكون « صدقة » حالاً من « ما » فما المثبت للاحتمال الأوّل؟ بل المتعيّن ـ إن صح الحديث ـ هو الثاني لتكذيب علي والزهراء والحسنين وأهل البيت والعبّاس وأزواج النبي وسائر المسلمين هذا الحديث أو عدم سماعهم إيّاه من رسول الله بل إنّ ردّ عمر بن عبدالعزيز فدكاً إلى أولاد فاطمة ـ وهو عند جماعة من أعلامهم خامس الخلفاء الراشدين ـ تكذيب صريح ، بل إنّ أبابكر كذّب نفسه في أواخر حياته ، حيث تمنّى أن كان قد سأل النبّي(٣) عن حقّ أهل البيت في الخلافة ، فإنّ هذا ـ وإن تضليلاً ـ دليل على ندمه على تصدّي الأمر وما ترتّب عليه من أفعال وتروك.
وبعد فإنّ السّعد لم يجب عن هذه القضية جواباً ، وإنّما قال كلاماً أساسه حسن الظنّ بأبي بكر والتعصّب على الشيعة ثمّ إنه صرّح بهذا بقوله :
( ولعمري إنّ قصّة فدك على ما يرويه الروافض من بيّن الشواهد على أنهماكهم في الضلالة وافترائهم على الصحابة ) إلى آخر ما قال ممّا لا يليق بنا الجواب عنه
__________________
(١) لاحظ : تذكرة الحفاظ ٢/٦٧٤ ، ميزان الاعتدال ٢/٦٠٠ ، لسان الميزان ٣/٤٤٤ ، طبقات الحفاظ : ٢٩٧ وقد ذكرنا تفصيل ذلك في ( الطرائف )
(٢) شرح المواقف في علم الكلام ٨/٣٥٥.
(٣) تاريخ الطبري ٤/٥٢ وغيره.
قال(٢٧٩) :
( ومنها : إنّه خالف رسول الله في الاستخلاف والجواب : إنّا لا نسلم أنّه لم يستخلف أحداً بل أستخلف إجماعاً ، أما عندنا فأبابكر وأما عندكم فعليّاً ).
أقول :
إن اراد من استخلافهصلىاللهعليهوآله أبابكر النصّ عليه ، فهو مع كونه خلاف الواقع خلاف ما نصّ عليه سابقاً ولا حقاً. وإنْ أراد أن بيعة عمر لأبي بكر ثم متابعة أكثر الناس في ذلك استخلاف من النبيصلىاللهعليهوآله فهذا افتراء على الله ورسوله
وقوله :( لا نسلّم أنّه عزل عمر بل انقضى توليته ) تأويل بلا دليل.
وقول :( ولا نسلّم أن مجرّد فعل ما لم يفعله النبي مخالفة له وترك لاتّباعه ) مغالطة ، لأنّ المفروض عندهم أنهصلىاللهعليهوآله لم يستخلف ، مع كونه أعرف بالمصالح والمفاسد وأوفر شفقة على الأمّة فكانت المصلحة والشفقة في عدم الاستخلاف ، فيكون الاستخلاف مخالفةً له وتركاً لاتّباعه فيكون قادحاً في استحقاق الإمامة.
قال(٢٨٠) :
( ومنها : إنّه لم يكن عارفاً بالأحكام حتى قطع يد سارق من الكوع لا يمينه ، وقال لجدةٍ سألته عن ارثها ولم يعرف الكلالة ).
أقول :
هذه من موارد جهل أبي بكر بأوضح الأحكام الشرعيّة والألفاظ القرآنية
وسيأتي كلام الغزالي الذي أورده السّعد في أن الفضل للعلم والتقوى
وهو لم يجب عن هذه الموارد إلاّ أنْ قال :
( والجواب ـ بعد التسليم ـ إنّ هذا لا يقدح في الاجتهاد ، فكم مثله للمجتهدين ).
أمّا قوله « من التسليم » فلم نفهم وجهه؟ إنْ كان يشكّك في ثبوتها فلماذا لم يصرّح ولم يبيّن؟ إنّه لا حاجة إلى إيراد أخبار تلك الموارد بعد إذعان الكلّ بها حتّى شيخه العضد ، فإنّه بعد أن ذكر قضية إحراق الفجائة ، وقطع يسار السارق ، والجهل بميراث الجدّة(١) لم يناقش في ثبوتها
وأمّا قوله( إنّ هذا لا يقدح في الاجتهاد فكم مثله للمجتهدين ) . ففيه : أيّ اجتهاد هذا؟ إن قلنا : كيف طرح نصّ الكتاب بخبر واحد مفروض اختص به؟ قالوا : اجتهد. وإنْ قلنا : كيف خالف الشرع في قطع يد السارق؟ قالوا : اجتهد وإنْ قلنا : كيف يكون إماماً وهو يجهل حكم الإرث ومعنى لفظ الأب؟ قالوا : انه مجتهد ، والجهل لا يقدح في الاجتهاد ، فكم مثله للمجتهدين؟
ولو سلّم أنّ « الجهل » غير قادح ، فهلاّ توقف عن الحكم في قطع يد السّارق ـ كما توقف عن الجواب عن الارث حتى وجد الحكم عند المغيرة بن شعبة اللّعين ، وعن معنى الأب ـ فلم يقطع حتى يسأل؟ وهل الاجتهاد عذر؟ لو كان عذراً فلماذا أوقع الذنب على الجلاّد؟ أو وجّهوا الحكم بـ « لعلّه ولعلّه » كما لا يخفى على من راجع ( المواقف ) و ( الصواعق )؟ حتى اضطرّ بعضهم في ( حواشيه على شرح العقائد النسفيّة ) إلى أن يقول : « قد قطع يسار السارق وهو خلاف الشرع ، والظاهر أنّ القضاء بغير علم ذنب ، وما كان هو معصوماً »!
لكنّ عليّاًعليهالسلام ما خالف الكتاب والسنة في مورد ، وما جهل بحكم ولا لفظ ، بل ادعى الأعلميّة ـ وهو الصادق المصدّق ـ واعترف له بذلك كبار
__________________
(١) شرح المواقف ٨/٣٥٧.
الصحابة ، ورجوعهم إليه في المعضلات والمشكلات ، واعترافهم أمامه بالجهل مشهور فيكون هو الامام دون غيره وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « من استعمل عاملاً من المسلمين وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنّة نبيّه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين »(١) .
قال(٢٨٠) :
( ومنها : إنه شك عند موته والجواب : إن هذا على تقدير صحّته لا يدلّ على الشك بل على عدم النّص ).
أقول :
هذا الخبر وراه سعيد بن منصور والطبري وأبو عبيد وابن قتيبة والعقيلي والطبراني وابن عساكر وابن عبد ربّه وغيرهم(٢) فإن كان هؤلاء كلّهم ـ وهم من كبار الأئمّة الحفّاظ منهم ـ كاذبين على أبي بكر فما ذنبنا؟
وهو يدل على الشك ، سلّمنا أنه يدلّ على عدم النّص فهل كان يرى ضرورة النصّ في الإمامة؟ إنْ قالوا : نعم بطلت خلافته واستخلافه لعمر لعدم النصّ ، وإنْ قالوا : لا بل كان يرى إمامته حقاً لأنها « كانت بالبيعة والاختيار » فلماذا تمنّى النّص؟
قال(٢٨٠) :
( ومنها : إن عمر مع كونه وليّه وناصره قال : كانت بيعة والجواب :
__________________
(١) مجمع الزوائد ٥/٢١١.
(٢) تاريخ الطبري ٤/٥٢ ، العقد الفريد ٣/٦٨ كنز العمّال ٣/١٣٥.
إن المعنى كانت فجأةً وبغتة ).
أقول :
لا يخفى أنّه لم يذكر إلاّ هذا المورد ، أمّا شيخه العضد فقد ذكر خالد ابن الوليد مع مالك بن نويرة ، وغيرها كما لا يخفى أنّه لم يناقش في ثبوت هذا الكلام عن عمر
ومعنى لفظة « الفلته » بفتح الفاء : « الفتنة » كما في ( المواقف ) وغيرها. أو « الفجأة والبغتة » كما في الكتاب ، أو « ما يندم عليه » كما عن بعض المحدّثين واللغويين.
وهي ـ بأيّ معنى كانت ـ تفيد الذمّ ، ويؤكّد ذلك قوله : « وقى الله شرّها » فلولم تكن ذات شر لم يقل ذلك ، وأمّا أنّ الله وقى شرها أو بقي فهذا أمر آخر يجب أن ينظر فيه.
هذا ، ويشهد بدلالة الكلام على ذم أبي بكر وخلافته إنكار بعضهم كابن روزبهان الخبر من أصله.
ويشهد به أيضاً قول السّعد :( وكيف يتصوّر منه القدح في امامة أبي بكر ) فلولا دلالة الكلام عليه لما احتاج إلى هذه الكلمات المشتملة على الأباطيل والافتراءات على أنّ عمر بن الخطاب قد صدر منه ما هو فوق ذلك بالنسبة إلى شخص النبيصلىاللهعليهوآله فكيف لا يمكن صدور هذا منه في أبي بكر وخلافته؟!
قال(٢٨١) :
( قدحوا في امامة عمر بوجوه : منها ـ أنه لم يكن عارفاً بالأحكام والجواب ـ بعد تسليم القصة ).
أقول :
أما قوله : « بعد تسليم القصة » فتشكيك في البديهيّات ، فإنّ خبريّ أمره برجم الحامل والمجنونة موجودان في كتبهم المعتبرة المشهورة ، فراجع : ( صحيح البخاري ) باب لا يرجم المجنون والمجنونة من كتاب المحاربين ، و ( المستدرك على الصحيحين ٤/٣٨٩ ) كتاب الحدود حيث صحّحه وأقرّه الذهبي على ذلك ، و ( الاستيعاب ) بترجمة أمير المؤمنين ، و ( كنز العمّال ) في كتاب المحاربين عن : عبد الرزاق الصنعاني وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي وهو في السنن لأبي داود وابن ماجة
وخبر نهيه عن المغالاة في الصّداق رواه المفسّرون كالقرطبي والزمخشري وابن كثير والسيوطي والنيسابوري والخازن وغيرهم بتفسير الآية المباركة( وآتيتم احداهن قنطارا ) (١) وهو في كتب الحديث والمعتبرة ، فقد رواه : عبدالرزاق وسعيد ابن منصور وأبو يعلى الموصلي وابن المنذر وعبد بن حميد كما في ( الدر المنثور )(٢) وأحمد والطّبراني وابن حبان كما في ( الدرر المنتثرة ) ورواه البيهقي(٣) والحاكم(٤) والقسطلاني(٥) والمتّقي الهندي عن جماعة(٦) .
وكذا التشكيك في علمه بالحمل والجنون ، فإنّه غير مجد بل مضرّ ، لأنّه حينئذٍ يدلّ على تجرّيه وعدم مبالاته بأحكام الله ونفوس المسلمين
وكذا التشكيك في ظهور كلامه في التّحريم فالذي أخرجه البيهقي هو : « خطب عمر بن الخطّاب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال : ألا لا تغلوا في صداق النّساء فإنّه لا يبلغني عن أحدٍ ساق أكثر من شىء ساقه رسول الله أو سيق
__________________
(١) سورة النساء : ٢٠.
(٢) الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٢/١٣٣.
(٣) السنن الكبرى ٧/٢٣٣.
(٤) المستدرك على الصحيحين ٢/١٧٧.
(٥) إرشاد الساري ٨/٥٧.
(٦) كنز العمّال ٨/٢٩٨.
إليه إلاّ جعلت فضل ذلك في بيت المال ثم نزل ، عرضت له امرأة من قريش فقالت : يا أمير المؤمنين أكتاب الله تعالى أحقّ أن يتّبع أو قولك؟ قال : بل كتاب الله تعالى ، فما ذاك؟ قالت : نهيت الناس آنفاً أن يغالوا في صداق النّساء ، والله تعالى يقول فيه كتابه : وآتيتم إحداهنّ قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً ، فقال عمر رضي الله عنه ، كل أحدٍ أفقه من عمر ـ مرّتين أو ثلاثاً ـ » فأيّ معنى لجعل المهر في بيت المال إن لم يكن المقصود هو المنع التحريمي؟
وأمّا قوله :( إنّ الخطأ في مسألةٍ أكثر لا ينافي الاجتهاد ولا يقدح في الامامة ) ففيه : إن من شئون مقام الإمامة ووظائفها حفظ الشّريعة وتعليمها للناس بالفعل والبيان ، فكيف لا يكون الجهل قادحاً؟ وأيّ وقع في النفوس لامام تذكّره النساء أولى الأحكام الشرعيّة وأوضح الآيات القرآنية؟ وهل كان جهل عمر بمسألةٍ أو مسألتين أو عشرات من المسائل؟
وأمّا قوله :( والاعتراف بالنقصان هضم للنفس ودليل على الكمال ) فاعتراف بنقصانه من الكلّ « حتّى المخدّرات » ، ومن كان كذلك كيف يليق لإمامة الكلّ؟
قال(٢٨٢) :
( ومنها : إنّه لم يكن عالماً بالقرآن حتى شك في موت النبي فالجواب : إنّ ذلك كان ).
أقول :
لابدّ للسّعد ـ كغيره ـ من الاعتذار له بكلّ وجه ، فتراه يذكر له عذرين بينهما بعد المشرقين ، لأنّ حاصل الأوّل كون السبب لإنكاره موت النبي ـ خروجه عن حال الفهم والمعرفة لتشوّش باله واضطراب حاله. وحاصل الثاني : كون إنكاره لذلك عن فهمٍ للقرآن وتأمّلٍ في آياته! لكن كليهما بارد باطل.
أمّا الأوّل فلأنّه لو كان تشوش باله واضطراب حاله بمجرّد سماع قولهم مات النبي ، للزم يزول عقله بالكليّة لمّا تحقّق عنده موت النّبي بقول أبي بكر ، لكنه بادر إلى السقيفة مرتاح البال ، وجعل يزوّر في نفسه كلاماً ليقوله للأنصار فيخصمهم به ، ثم حضرها وفعل هناك ثم خارجها ما فعل حتّى أتمّ الأمر لأبي بكر.
ثمّ إنّ السّعد لم يذكر السبب « لتشوش البال واضطراب الحال والذّهول عن جليّات الأحوال » فإنْ كان السبب محبّة النّبيصلىاللهعليهوآله والتألّم من فقده ، كان اللازم أنْ يكون من جملة الذين تولّوا تجهيز النّبي ودفنه ، لا المعرضين عن ذلك ، الغاصبين لتراثه
وأيضاً : لو كان السبب في الإنكار ما ذكر لما جعل القوم كلام أبي بكر له دليلاً على أعلميته كما في كلام الكرماني في شرح الحديث في ( الكواكب الدراري ) : « وفيه فضيلة عظيمة لأبي بكر ورجحان علمه على عمر وغيره ».
وأيضاً : لو كان ما ذكر هو السبب فلماذا لم يكذّب خبر موتهصلىاللهعليهوآله يوم أحد؟ قال السّيوطي : « أخرج ابن جرير عن القاسم بن عبدالرحمن ابن رافع أخي بني عدي بني النجار قال : إنتهى أنس بن النصر عم أنس بن مالك إلى عمر وطلحة بن عبيدالله في رجالٍ من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا ما بأيديهم فقال : ما يجلسكم؟ قالوا : قتل محمد رسول الله. قال : فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ، واستقبل القوم فقائل حتى قتل »(١) .
وأمّا الثاني فلأنّ المعنى الذي يزعم أنّه فهمه من الآيات لا ينافيه الآية :( انّك ميّت وانّهم ميّتون ) فلماذا سكن حين تلاها أبوبكر عليه ولم يقل له : لا دلالة في الآية على من جوّز بالآيات الموت عليهصلىاللهعليهوآله في المستقبل وأنكره في هذه الحال؟
__________________
(١) الدر المنثور ٢/٨١.
قال(٢٨٢) :
( ومنها : إنّه تصرّف في بيت المال بغير حق والجواب ).
أقول :
إنّ الإشكال هو : تصرّفه في بيت المال بغير الحق وإعطاؤه منه ما لا يجوز وما ذكر من إطائه كذا وكذا ، ومن تفضيله لبعض الناس على بعض ، جملة من موارد تلك التصرّفات وقد عكس الأمر بالنسبة إلى أهل البيت حتّى منعهم خمسهم الذي هو ذوي القربى ، ومنع فاطمةعليهاالسلام إرثها ونحلتها التي وهبها رسول الله لها.
وقد جعل السّعد « التفضيل » في مقابل « التصرّف » ثم أوجز الكلام في الجواب فقال :
( إنّ حديث التصّرف في الأموال محض افتراء ).
فإنْ أراد حديث إعطاء عائشة وحفصة فهذا ما رواه الحاكم(١) والطبري(٢) وابن الأثير(٣) وغيرهم من محدّثين ومؤرّخين فإن كانوا مفترين فما ذنبنا؟ وإنْ أراد حديث استقراضه من بيت المال ، فهو في كتب الحديث والتاريخ أيضاً(٤) فإنْ كانوا مفترين عليه فما ذنبنا؟
وقال :( وأمّا التفضيل فله ذلك بحسب ما يرى من المصلحة ) فجوّز التفضيل في العطاء من بيت المال لبعض الناس على البعض الآخر « بحسب ما يرى من المصلحة » ولم يبيّن المراد من المصلحة ، فهل المراد منها مصلحة الإسلام
__________________
(١) المستدرك ٤/٨.
(٢) تاريخ الطبري ٤/١٦٢.
(٣) الكامل في التاريخ ٢/٢٤٧.
(٤) تاريخ الطبري ٥/٢٢ ، الكامل ٣/٢٩ ، كنز العمّال ٦/٣٦٢ ـ ٣٦٣.
والمسلمين؟ أو مصلحته الشّخصيّة؟
وأجاب عن منع أهل البيت خمسهم بما حاصله « أنّه اجتهد ».
فيقال له : أيّ اجتهادٍ هذا يؤدّي إلى مخالفة حكم الكتاب بمنع أهل البيت حقّهم ، في الوقت الذي يؤدّي إلى إعطاء كلٍ من عائشة وحفصة عشرات الآلاف من أموال المسلمين.
قال (٢٨٣) :
( ومنها : إنه منع متعة النكاح ومتعة الحج والجواب ).
أقول :
لم ينكر أصل تحريم المتعتين كما فعل بعضهم مكابرةً قال عمر : « متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما » رواه : الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣٧٤ ، والبيهقي في سننه ٧/٢٠٦ ، وابن رشد في البداية ١/٣٤٦ والرازي في تفسيره ٢/١٦٧ وابن حزم في المحلّى ٧/١٠٧ والجصّاص في أحكام القرآن ١/٢٧٩ والقرطبي في تفسيره ٢/٣٧٠ وابن قدامة في المغني ٧/٥٢٧ وابن القيّم في زاد المعاد ٢/٢٠٥ والسرخسي في المبسوط ٥/١٥٣ وابن خلكان في الوفيات ٥/١٩٧ والسيّوطي في الدرّ المنثور ٢/١٤١ والمتقي في كنز العمّال ٨/٢٩٣.
فعمر ينسب التحريم إلى نفسه ويتوعّد المخالف ، فلا يدّعي النّسخ في حياة النبي ، ولا قيام الدليل عنده على ذلك ، فهو ليس إلاّ بدعة أو اجتهاداً في مقابل النصّ ، وكلاهما محرّم قطعاً ، فهذا جواب قوله :( إن هذه مسائل اجتهادية ) وقوله :ومعنى أحرمهنّ : أحكم بحرمتهنّ وأعتقد ذلك لقيام الدليل كما يقال : حرّم المثلّث الشّافعي وأباحه أبو حنيفة ).
وأمّا قوله :( وقد ثبت نسخ إباحة متعة النساء بالآثار المشهورة ، إجماعاً من الصّحابة على ما روى محمد بن الحنفية عن علي : إن منادي رسول الله نادى يوم
خيبر ) ففيه :
أوّلاً :
ثبوت النسخ موقوف على دليل قاطع وهو غير موجود ولا أثر مشهور بذلك عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولو كان لما كان الإختلاف بين الصحابة وعامة المسلمين حتّى اليوم.
وثانياً : قد اشتهر القول بحلّية المتعة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن أمير المؤمنينعليهالسلام وأهل البيت وابن عباس ، وجماعة من الصحابة ، منهم : ابن مسعود وجابر بن عبدالله وأبو سعيد الخدري وسلمة بن أمية ومعبد بن أميّة وعمرو بن حريث ومعاوية وأسماء بنت أبي بكر ، ورواه جابر عن جميع الصحابة مدة رسول الله ومدّة أبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر. وعليه من التابعين : طاووس وعطاء وسعيد بن جبير وسائر فقهاء مكة أعزّها الله(١) وذكر القرطبي من الصّحابة عمران بن حصين وأضاف عن ابن عبدالبر : « أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلّهم يرون المتعة حلالاً على مذهب ابن عباس »(٢) ومن أشهرهم الامام ابن جريج المكي المتوفى سنة ١٤٩ وهو فقيه كبير ومحدّث ثقة من رجال الصحيحين ، فقد ذكروا بترجمته أنه تزوّج من تسعين امرأة بنكاح المتعة.
وثالثاً : الخبر الذي ذكره عن محمد بن الحنفية عن أبيه كذب من وجوه :
الأول : إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان على رأس المنكرين لتحريم نكاح المتعة.
والثاني : إنّه معارض بما وضعوه على لسانه بنفس السند وأنّ التحريم كان
__________________
(١) المحلّى ٩/٥١٩.
(٢) تفسير القرطبي ٥/١٣٣.
يوم حنين(١) وآخر أنّه كان في غزوة تبوك(٢) وثالث أنّه كان في حجّة الوداع(٣) .
والثالث : إنه قد روي هذا الحديث بنفس السند ولم يذكر فيه إلاّ تحريم الحمر الإنسية في يوم خيبر(٤) .
والرابع : إن تحريم متعة النساء يوم خيبر « شيء لا يعرفه أحد من أهل السّير ورواة الأثر » كما نصّ عليه كبار الأئمّة كالسهيلي وابن عبدالبر والبيهقي وابن حجر والقسطلاني وابن القيّم والعيني وابن كثير(٥) .
والخامس : إنّ الرّاوي للخبر عن « محمد بن الحنفية » هو « محمد بن شهاب الزهري » وهو من الوضّاعين على أهل البيت.
وأمّا دعوى رجوع ابن عباس عن قوله في المتعة فمن أعاجيب الأكاذيب أيضاً. فقد عرفت مذهب ابن عباس وأنّ فقهاء مكة واليمن على مذهبه ، بل في صحيح مسلم باب نكاح المتعة : إنه كان يفتي بها في حكومة عبدالله بن الزبير بمكة وأن ابن الزبير هدّده بالرّجم وقال ابن حجر العسقلاني : « روي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة »(٦) وقال ابن كثير : « ما رجع ابن عباس عمّا كان يذهب اليه من إباحتها »(٧) .
فالعجب من السّعد؟ إنْ كان روى حديثاً ورآى محدّثاً فما هذه الأباطيل؟ وإلاّ فلماذا الدخول في هذه التفاصيل؟
__________________
(١) سنن النسائي ٦/١٢٦.
(٢) المنهاج في شرح مسلم هامش القسطلاني ٦/١٣٠.
(٣) مجمع الزوائد ٤/٢٦٥.
(٤) عمدة القاري شرح البخاري ـ كتاب المتعة.
(٥) لاحظ : زاد المعاد ٢/١٨٤ تاريخ ابن كثير ٤/١٩٣ فتح الباري ٩/١٣٨ عمدة القاري ١٧/٢٤٦ إرشاد الساري ٦/٥٣٦.
(٦) فتح الباري ٩/١٣٩.
(٧) تاريخ ابن كثير ٤/١٩٣.
هذا وقد حققنا الموضوع في رسالة منفردة مطبوعة *
قال(٢٨٤) :
( ومنها : إنه جعل الخلافة شورى بين ستة والجواب ).
أقول :
قال العلامة الحليرحمهالله :
« ومنها : قصّة الشورى ، وقد أبدع فيها أموراً ، فإنّه خرج بها عن الاختيار والنصّ جميعاً وحصرها في ستة ، وذمّ كلّ واحد منهم بأن ذكر فيه طعناً لا يصلح معه للامامة ثم أهّله بعد أن طعن فيه ، وجعل الأمر إلى ستّة ثم إلى أربعة ثم إلى واحد وصفه بالضّعف والقصور ، وقال : إنْ اجتمع علي وعثمان فالقول ما قالاه ، وإنْ صاروا ثلاثة وثلاثة فالقول للّذين فيهم عبدالرحمن ، وذلك لعلمه ، بأنّ علياً وعثمان لا يجتمعان ، وأن عبدالرحمن لا يكاد يعدل بالأمر عن ختنه وابن عمه ، وأنه أمر بضرب أعناقهم إن تأخّروا عن البيعة فوق ثلاثة أيام ، وأنه أمر بقتل من يخالف الأربعة منهم أو الذين ليس فيهم عبدالرحمن.
وروى الجمهور إنّ عمر لمّا نظر إليهم قال : قد جاءني كلّ واحد منهم يهزّ عفريته يرجو أن يكون خليفة.
وأمّا أنت يا طلحة أفلست القائل : إنْ قبض النبي للنكحنّ أزواجه من بعده ، فما جعل الله محمداً أحق ببنات أعمامنا ، فأنزل الله فيك :( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً ) .
وأمّا أنت يا زبير فوالله ما لان قلبك يوماً ولا ليلة وما زلت جلفاً جافياً مؤمن الرّضا كافر الغضب ، يوماً شيطان ويوماً رحمان ، شحيح.
__________________
* وتجدها أيضاً في هذه المجموعة.
وأمّا أنت يا عثمان لروثة خير منك ، ولئن وليّتها لتحملنّ بني أبي معيط على رقاب الناس ولئن فعلتها لتقتلنّ ، ثلاث مرات.
وأما أنت يا عبدالرحمن فإنّك رجل عاجز تحب قومك جميعاً.
وأمّا أنت يا سعد فصاحب عصبيّة ومقنب وقتال ، لا تقوم بقربة لو حملت أمرها.
وأمر أنت يا علي فوالله لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحهم.
فقام علي مولياً يخرج ، فقال عمر : والله إنّي لأعلم مكان الرجل ، لو وليّتموه أمركم حملكم على المحجة البيضاء ، قالوا : من هو؟ قال : هذا المولى عنكم ، إنْ ولّوها الأجلح سلك بكم الطريق المستقيم. قالوا : فما يمنعك من ذلك؟ قال : ليس إلى ذلك سبيل. قال له ابنه عبدالله : فما يمنعك منه؟ قال : أكره أن أتحمّلها حياً وميّتاً ، وفي رواية : لا أجمع لبني هاشم بين النبوة والخلافة.
وكيف وصف كلّ واحد بوصف قبيح كما ترى زعم أنه يمنع من الامامة ، ثم جعل الأمر فيمن له تلك الأوصاف ، وأيّ تقليد أعظم من الحصر في ستة ثم تعيين من أختاره عبدالرحمن ، والأمر بضرب رقاب من يخالف منهم؟
وكيف أمر بضرب أعناقهم أن تأخّروا عن البيعة أكثر من ثلاثة أيّام؟ ومن المعلوم أنّهم لا يستحقّون ذلك ، لأنّهم إن كلّفوا أن يجتهدوا آراءهم في اختيار الامام ، فربما طال زمان الاجتهاد وربما نقص ، بحسب ما يعرض فيه من العوارض ، فكيف يسوغ الأمر والقتل إذا تجاوزت الثلاثة؟ ثم أم بقتل من يخالف الأربعة ، ومن يخالف الذي العدد فيه عبدالرحمن وكل ذلك ممّا لا يستحق به القتل.
ومن العجب اعتذار قاضي القضاء بأنّ المراد القتل إذا تأخّروا على طريق شق العصى وطلبوا الأمر من غير وجهه ، فإنّ هذا مناف لظاهر الخبر ، لأنّهم إذا شقّوا العصى وطلبوا الأمر من غير وجهه أول الأمر وجب قتالهم »(١) .
__________________
(١) نهج الحق وكشف الصدق : ٢٨٥ ـ ٢٨٨.
فكم فرق بين هذا وما ذكره السّعد عن لسان أصحابنا؟ وأيّ جواب يكون له أو لغيره عن هذا الذي ذكره العلامة الحلّي مستنداً إلى أخبار القوم ورواياتهم؟
وأمّا ما أرسله هنا من « أنّه لو كان بعد النبي لكان عمر » و« لو لو يبعث فينا نبياً لبعث عمر » فسيأتي الكلام على ذلك...
قال(٢٨٥) :
( من مطاعنهم في عثمان : إنّه ولّى أمور المسلمين من ظهر منهم الفسق والفساد وأنه صرف أموال بيت المال إلى أقاربه وأنه حمى لنفسه وأنه أحرق مصحف ابن مسعود وضربه وضرب عماراً وضرب أباذر ونفاه إلى الربذة ، وأنه ردّ الحكم وأنه أسقط القود عن عبيدالله بن عمر والجواب ).
أقول :
لم يذكر ممّا نقم على عثمان إلاّ موارد ، وقد قسّم ما ذكره إلى أقسام :
فبعضها : ما لم يكذّبه إلا أنّه أجاب عنه بأنّه( لا يقدح في إمامته ، كظهور الفسق والفساد من ولاة بعض البلاد ، إذ لا إطلاع له على السرائر ، وإنّما عليه الأخذ بالظاهر والعزل عند تحقّق الفسق ).
أقول : فيه اعتراف بظهور الفسق والفساد من ولاة بعض البلاد ، ولمّا كان بعضهم من الصحابة ، فقد أذعن بوجود الفسّاق والمفسدين فيهم ، وهذا إبطال لقول من قال بعدالة الصحابة كلّهم
وقوله :( لا اطّلاع له على السرائر وإنما عليه الأخذ بالظاهر والعزل عند تحقق الفسق ) مردود بوجهين :
فأوّلاً : إنّ منهم من كان قد ظهر منه الفسق والفساد سابقاً فالوليد بن عقبة هو الذي وصفه الله سبحانه في كتابه بالفاسق في قوله عزّ وجلّ :( أفمن كان
مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون ) (١) فالمؤمن علي والفاسق هو الوليد بن عقبة كما رواه ابن اسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم والواقدي وابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر من طرق(٢) .
ومن المعلوم أن تولية الفاسق قادح في الامامة.
وثانياً : إنّه ـ وإن كان لا اطلاع له على السرائر وإنّما عليه « الأخذ بالظاهر » لكن عليه « العزل عند تحقّق الفسق » كما ذكر إلاّ أن عثمان لم يعزل من تحقّقّ عنده الفسق منهم ، وهذا قادح في الامامة. فسعيد بن العاص مثلاً لم يعزله باختياره عن الكوفة بعد أنْ أبلغ بأفعاله ، بل ردّه أميراً على الكوفة وأمره بالتضييق على أهلها ، فلمّا جاء ليدخل الكوفة خرج عليه بالسّلاح فتلّقوه فردّوه ، وكتبوا إلى عثمان : « لا حاجة لنا في سعيدك ولا وليدك »(٣) .
وبعضها : ما كذّبه قائلاً :( وبعضها افتراء محصْ كصرف ذلك القدر من بين المال إلى أقاربه ، واخذ الحمى لنفسه ، وضرب الصحابة إلى الحدّ المذكور ).
أقول :
أمّا إنكاره صرف الأموال من بيت المال فلم يعلم أنه ينكر أصل الصرّف أو كونه من بيت المال فيدّعي كونه من ماله الخاص كما زعم ابن روزبهان؟ وكيف كان ففي رواية المؤرخين المعتمدين عندهم أنه صرفها من بيت المال فلاحظ : تاريخ الطبري ٥/٤٩ ، ١١٣ والكامل ٣/٤٣ ، والمعارف لابن قتيبة : ٨٤ وتاريخ ابن كثير ٧/١٥٢ ، وتاريخ أبي الفداء ١/١٦٨ والعقد الفريد ٣/٧٧ والسيرة الحلبيّة ٢/٨٢ فإنْ كانوا مفترين عليه فما ذنبنا؟
وأمّا إنكاره أخذ الحمى فيردّه تسليم ابن حجر المكي في ( الصواعق )
__________________
(١) سورة السجدة : ١٨.
(٢) الدر المنثور ٥/١٧٧ ـ ١٧٨.
(٣) تاريخ الطبري ٥/٩٤ ، الكامل في التاريخ ٣/٧٣ ، الاستيعاب ترجمة سعيد بن العاص ٢/٦٢١.
والحلبي في ( سيرته ) وغيرهما صحّة ذلك الخبر المروي في كتبهم
وأمّا إنكاره ضرب الصّحابة إلى الحدّ المذكور فتقييده بـ( إلى الحدّ المذكور ) يفهم قبوله أصل المطلب ، هذا كاف ، لكن ضرب ابن مسعود إلى حدّ كسر أضلاعه موجود في أخبار القوم وكتبهم ، ولذا قال بعض المتكلّمين بأنّ ضربه كان للتأديب وللإمام ذلك ، وقال آخر : ضربه بعض غلمان عثمان لمّا رأوه يقع فيه ، وكذا ضرب عمّار إلى حدّ الفتق فقد ذكره غير واحد منهم ، بل في رواية ابن عبدالبرّ ذلك مع إضافة حيث قال : « حتى انفتق له فتق في بطنه وكسروا ضلعاً من اضلاعه » بل ظاهر الخبر أنه كان مشرفاً على الموت ففيه : « فاجتمعت بنو مخزوم وقالوا : والله لئن مات لاقتلنا به أحداً غير عثمان »(١) .
وبعضها : ما لم يكذّبه ولم ينكر قدحه في الامامة فاضطرّ إلى الجواب بقوله :( وبعضها أجتهاديّات مفوّضة إلى رأى الامام حسب ما يراه من المصلحة كالتأديب والتعزير ، ودرء الحدود والقصاص بالشبهات والتأويلات ).
أقول :
هل كان مما فوّض إلى رأيه ضرب مثل أبي ذر ونفيه إلى الرّبذة؟ وهل يسمّى مثل هذا تأديباً وتعزيراً؟ ولماذا؟
روى البلاذري وغيره : « لمّا أعطى عثمان مروان بن الحكم ما أعطاه ، وأعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم ، وأعطى زيد بن ثابت الأنصاري مائة ألف درهم ، جعل أبوذر يقول : بشّر الكانزين بعذابٍ أليم ، ويتلو قول الله عزّ وجلّ( والذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم ) .
فرفع ذلك مروان بن الحكم إلى عثمان ، فأرسل إلى أبي ذر ناتلاً مولاه أن أنته عمّا يبلغني عنك. فقال : أينهاني عثمان عن قرائة كتاب الله وعيب من ترك أمر
__________________
(١) الاستيعاب ـ ترجمة عمّار ٣/١١٣٥.
الله؟!
وبنى معاوية الخضراء بدمشق فقال : يا معاوية ، إنْ كانت هذا الدار من مال الله فهي الخيانة ، وإنْ كانت من مالك ، فهذا الإسراف. فسكت معاوية ».
وأخرج البخاري في صحيحه من حديث زيد بن وهب قال : « مررت بالربذة فقلت لأبي ذر : ما أنزلك هذا؟ قال : كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذا الآية :( الذين يكنزون الذهب والفضّة ) فقال : نزلت في أهل الكتاب فقلت : فينا وفيهم ، فكتب يشكوني إلى عثمان ، فكتب عثمان : أقدم المدينة فقدمت ، فكثر الناس عليّ كأنّهم لم يروني قبل ذلك. فذكر ذلك لعثمان فقال : إنْ شئت تنحيّت فكنت قريباً. فذلك الذي أنزلني هذا المنزل ».
قال ابن حجر بشرحه : « وفي رواية الطبري : إنهم كثروا عليه يسألونه عن سبب خروجه الشام ، فخشي عثمان على أهل المدينة ما خشيه معاوية على أهل الشام وفي رواية الطبري : تنحّ قريباً. قال : والله لن أدع ما كنت أقوله. ولابن مردويه : لا أدع ما قلت ».
وفي حوادث سنة ثلاثين من تاريخي الطبري وابن الأثير : كان ما ذكر في أمر أبي ذر وإشخاص معاوية إيّاه من الشام إلى المدينة ، وقد ذكر في سبب ذلك امور كثيرة ، من سبّ معاوية إيّاه وتهديده بالقتل وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها ».
وعلى الجملة فإنّ نكير سيدنا أبي ذر رضي الله عنه كان موجّهاً إلى معاوية ومروان وعبدالرحمن بن عوف وزيد بن ثابت وطلحة بن عبيد الله وأمثالهم الذين خضموا على عهد عثمان مال الله خضمة الإبل نبتة الرّبيع إلى أنْ أسكنه عثمان الربذة فمات بها وقد نصّ على تسيير عثمان أباذر قهراً جمهور المؤرّخين والمحدّثين ، حتى أرسله غير واحد منهم كالشهرستاني في ( الملل والنحل ) والحلبي في ( سيرته ) وابن حجر المكي في ( صواعقه ) ولم ينكره السّعد في الكتاب.
هذا قضية أبي ذر وعلى هذه فقس ما سواها
وهل كان ممّا فوّض إلى رأي الامام تعطيل القصاص؟ وهل يسمّى تعطيله درء له بالشبهة؟ وما هي الشبهة في قضية عبيدالله بن عمرو والهرمزان؟
لقد قتل عبيدالله بن عمر الهرمزان وجفينة وبنت أبي لؤلؤة وهما مسلمان بلا ذنب أتيا به ، بل أراد ألاّ يترك سبياً بالمدينة إلاّ قتله وأمسك عثمان عن القصاص ، وهذا ممّا أكثر الناس فيه وأعظموه حتى قال أمير المؤمنينعليهالسلام له : يا فاسق لئن ظفرت بك يوما لأقتلنّك.
راجع : الطبري ٥/٤٢ ، الإصابة ٣/٦١٩ ، سنن البيهقي ٨/٦١ ، طبقات ابن سعد ٥/٨ ، الكامل ٣/٣٢
فلو كان في القضية شبهة دارئة لما كان ذلك الموقف من المسلمين ومن أمير المؤمنينعليهالسلام ، حتّى أنّه لّما ولي الأمر تطلّب عبيدالله ليقتله فهرب منه إلى معاوية بالشام ، وقتل بصفّين كما في الاستيعاب.
ولو كان في القضية شبهة دارئة لما افتعل القوم له المعاذير المختلفة كما لا يخفى على من راجع كتب الحديث والكلام
هذه قضيّة عبيدالله بن عمر وعلى هذه فقس ما سواها.
وبعضها : ما زعم كونه بإذن النبيّصلىاللهعليهوآله قال :( وبعضها كان بإذن النبيّ ، كردّ الحكم بن أبي العاص ، على ما روي أنّه ذكر ذلك لأبي بكر وعمر فقالا : إنك شاهد واحد ، فلمّا آل الأمر إليه حكم بعلمه ).
أقول : لا خلاف في أنّ النبيصلىاللهعليهوآله لعن الحكم وولده وأنه طردهم عن المدينة المنوّرة وهذان الأمران موجودان في كافّة المصادر
كما أنّ من الثابت أنهم لم يزالوا طرداء حتّى ردّهم عثمان هذان الأمران أيضاً موجودان في كافة المصادر وفي غير واحد منها : إنه آواه وأعطاه مائة ألف.
كما أنّ المصادر كلّها متّفقة على أنّ ردّ الحكم كان مما نقم على عثمان راجع الأنساب ٥/٢٨ ، والمعارف ٨٤ ومرآة الجنان ١/٨٥ والعقد الفريد
٢/٢٦١ وغيرها.
بقي أن نعرف إذن النّبيصلىاللهعليهوآله لعثمان بردّ الحكم وإيوائه ، فأين الخبر في ذلك؟ ومن الذي رواه؟ يقول السّعد :( على ما روي ) وهو أيضاً لا علم له بالرواية! بل أخذ هذا الجواب ـ مثل كثير من المواضع ـ من عبد الجبار المعتزلي حيث قال في ( المغني ) : « قد نقل أن عثمان لمّا عوتب على ذلك أنه استأذن رسول الله » لكن المعتزلي أيضاً يقول : « قد نقل ». وقد اعترضه السيّد المرتضى في ( الشافي ) بأنّ هذا لم يسمع من أحد ولا نقل في كتاب ، ولا نعلم من أين نقله؟ وفي أبي كتاب وجده؟ فإنّ الناس كلّهم رووا خلافه!
ثم إن أبابكر وعمر لم يردّا عثمان لكونه شاهداً واحداً ، وإنّما ردّاه لأنّهما لم يصدّقاه ، حتى قال له عمر : « ويحك يا عثمان!! » وهذا نصّ الخبر كما رواه الحلبي ، قال : « كان يقال له : طريد رسول الله ولعينه وقد كان طرده إلى الطائف ومكث به مدة رسول الله ومدّة أبي بكر بعد أنْ سأله عثمان في إدخاله المدينة ، فأبي فقال له عثمان : عمي ، فقال : عمّك إلى النار ، هيهات هيهات أن أغيّر شيئاً فعله رسول الله ، والله لا رددته أبداً ، فلمّا توفي أبوبكر وولي عمر كلّمه عثمان في ذلك فقال له : ويحك يا عثمان! تتكلّم في لعين رسول الله وطريده وعدّو الله وعدوّ رسوله ، فلمّا وليّ عثمان ردّه إلى المدينة ، فاشتدّ ذلك على المهاجرين والأنصار ، فأنكر ذلك عليه أعيان الصحابة ، فكان ذلك من أكبر الأسباب على القيام عليه »(١) .
فلو كان هناك إذن من رسول الله حقّاً لعلمه أبوبكر وعمر وأعيان الصحابة من المهاجرين والأنصار ولما قال له : « يحك يا عثمان »؟ ولو كان عنده شهادة لما قالوا له : تتكلّم في لعين رسول الله وطريده ».
على أنّه قد روي عن عثمان الاعتذار بالقرابة ، قال ابن عبد ربه في ( العقد الفريد ) : « لمّا ردّ عثمان الحكم طريد أبي بكر وعمر إلى المدينة تكلّم
__________________
(١) السيرة الحلبية ٢/٨٥.
الناس في ذلك ، فقال عثمان : ما ينقم الناس منّي؟ إني وصلت رحماً وقريّت عيناً ».
وبعد فهنا مطالب :
الأوّل : إنه من هذه المطالب ونظائرها المستندة إلى كتب أهل السنة وأخبارها يظهر أنّ السّبب في قيام النّاس على عثمان هو مخالفاته للكتاب والسنّة.
والثاني : إن الذين قاموا عليه كانوا من أعيان الصّحابة من المهاجرين والأنصار ، بعد أن نصحوه وذكّروه فلم تنفعه النصيحة ولم يرتدع عن أفعاله القبيحة.
والثالث : إنه لا مجال لحسن الظن بعد هذه التفاصيل ، وكيف يحسن الظن بالصّحابة والحال أنّه لم يكن فيما بينهم أنفسهم حسن الظن؟
قال(٢٨٧) :
( فتشاور الصحابة وجعل الخلافة لعمر وقال لعثمان : أكتب وعرضت الصحيفة على جملة الصحابة فانعقدت له الامامة بنصّ الامام الحق وإجماع أهل الحل والعقد ).
أقول :
أولاً : ليس في المصادر المعتبرة أن أبابكر استشار الصحابة في جعل الخلافة لعمر.
وثانياً : استخلاف عمر كان ممّا كتبه عثمان من عند نفسه ولم يكن بأمر من أبي بكر وهذا ما يذكره المؤرخون قاطبة ، فراجع منهم الطبري ٢/٦١٨ ، نعم ، أقرّ كتابته بعد إفاقته
وثالثاً : لم يكن أبوبكر الامام الحق ليعتبر تنصيصه على من بعده.
ورابعاً : لم يتحقق إجماع أهل الحلّ والعقد على إمامة عمر ، فإنّ دخول بعضهم على أبي بكر وقوله له : « ماذا تقول لربّك وقد ولّيت علينا فظاً غليظاً؟ »
مشهور. فقد روى ابن سعد عن عائشة قالت : « لمّا حضرت أبابكر الوفاة استخلف عمر ، فدخل عليه علي وطلحة فقالا : من استخلفت؟ قال عمر ، قالا : فماذا أنت قائل لربّك؟ »(١) ورواه ابن أبي شيبة في ( المصنف ) وأبو يوسف في ( الخراج ) واللفظ : « فقال الناس » وفي رواية جماعةٍ عن أبي بكر أنّ ذلك كان قول المهاجرين كلّهم(٢) .
ولو سلّم فلا عبرة به ، إذ الإمامة لا تنعقد إلاّ بنصّ من الله ورسوله.
قال(٢٨٨) :
أقول :
نعم قد عرف عمر حقّ عثمان عليه بكتابة اسمه في الكتاب كما أشرنا فعقد الخلافة له من بعده بصورة غير مباشرة ، وذلك قول الامام عليعليهالسلام لمّا سمع بذلك للعبّاس : « عدلت عنا ، فقال : ما أعلمك؟ قال : قرن بي عثمان وقال : كونوا مع الأكثر ، فإن رضي رجلان رجلاً ورجلان رجلاً فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف. فسعد لا يخالف ابن عمه عبدالرحمن وعبدالرحمن صهر عثمان لا يختلفون ، فيولّيها عبدالرحمن عثمان او يولّيها عثمان عبدالرحمن ، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني »(٣) .
فأنت ترى كيف عقد عمر لأبي بكر ، وعقد أبوبكر لعمر والكاتب عثمان وعقد عمر لعثمان؟!
لكن بلغت مفاسد عثمان حدّاً حتّى قاطعه عبدالرحمن بن عوف الذي كان
__________________
(١) الطبقات الكبرى ٣/٢٧٤.
(٢) أنظر : تاريخ الطبري ٢/٦١٧ ، العقد الفريد ٤/٢٦٧ ، اعجاز القرآن للباقلاني ١٨٤ هامش الانقان ، الفائق للزمخشري ١/٤٥.
(٣) تاريخ الطبري ٣/٢٩٤.
عقد الخلافة له على يده(١) وقام عليه المهاجرون والأنصار حتّى كان ما كان.
قال(٢٨٨) :
( ثم اجتمع الناس بعد ثلاثة أيام على علي ).
أقول :
قد عرفت أنهعليهالسلام إمام معصوم منصوص عليه ، فإن انقادت له الناس حصل لهم لطف تصرّفه نعم إنّما يحتجّ بالاجماع عليه إلزاماً لمن يرى تحقق الإمامة به أمّا أنّ طلحة والزبير « قد صحت توبتهما عن مخالفته »؟ وأنّ فلاناً وفلاناً بايعوه « إلاّ أنّهم استعفوا عن القتال » فهذه أمور ليس للبحث عنها كثير فائدة والمهمّ :
١ ـ اعترافه بالاجماع على إمامته.
٢ ـ إعترافه بأنّ المخالفين له باغون ، ولا سيّما للحديث : « يا عمّار تقتلك الفئة الباغية »(٢) .
٣ ـ إعترافه بالحديث : « إنّك تقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين »(٣) .
قال(٢٨٩) :
( إنّ الإمامية يزعمون أنّ الإمام الحق بعد رسول الله علي ثم ابنه الحسن ثم أخوه الحسين ».
أقول :
قد عرفت أنّ الإمامة رياسة دينية ودنيوية نيابة عن النّبيصلىاللهعليهوآله وأنّه لابدّ للمسلمين من إمام يقتدون به في جميع أمورهم الدينية والدنيوية في كل زمان ، ليصح قوله صلّى الله وآله : « من مات ولم يعرف إمام
__________________
(١) المعارف : ٣٠٦.
(٢) حديث متفق عليه.
(٣) حيدث متفق عليه.
زمانه مات ميتة جاهليّة » ، فمن أئمة القوم الذين يقتدون بهم ويأخذون منهم معالم ؛ دينهم بعد الخلفاء الأربعة؟
أمّا الاماميّة فالأئمة عندهم كما ذكر ، ونصّ كلٍ من السابقين على من بعده ثابت بالتواتر عندهم كما لا يخفى على من راجع كتبهم ، لا سيّما المؤلفة منها في ذلك بالخصوص ، مثل ( كفاية الأثر في النص على الأئمّة الاثني عشر ) و ( إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات ) و ( الإشراف على النص على الأئمّة الأشراف ) وهي روايات مروية بالأسانيد المعتبرة عن العترة الطّاهرة ، فقول السّعد :( والعاقل يتعجب من هذه الروايات والمتواترات التي لا أثر لها في القرون السابقة من أسلافهم. ولا رواية عن العترة الطاهرة ، ومن يوثق بهم من الرواة المحدثين ) جهل أو تجاهل كما أن رمي زيد بن علي ـ رضي الله عنه ـ بـ « دعوى الخلافة » افتراء محض
ويكفينا من الأخبار الموثوقة عن طريق أهل السنة : حديث : « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية » فإن من مات في زمن يزيد بن معاوية أو بني مروان أو بني العباس أو سائر الملوك ولم يعرف ملك زمانه ولم يعتقد بامامته فلا يحكم بموته ميتة جاهلية ، فتعيّن أن يكون المراد غيرهم ، وليس إلاّ أئمّه أهل البيت. وحديث « الاثنا عشر خليفة » المتّفق عليه فإنّه لا ينطبق إلاّ على ما نذهب إليه وان حاولوا صرفه عن ذلك. وحديث : إنهصلىاللهعليهوآله قال للحسينعليهالسلام : « إبني هذا إمام إبن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم » والأحاديث الأخرى الواردة في هذا المعنى ، روى ذلك أبو نعيم الاصفهاني في أربعينه في المهدي والحمويني في فرائد السمطين والخوارزمي في مقتل الحسين ١/١٤٥ ومحبّ الدين الطبري في ذخائر العقبى : ١٣٦ والكنجي الشافعي في البيان في أخبار الزمان : ٩٠ والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة : ٤٤٢ وغيرهم من السابقين واللاّحقين.
ويكفينا من الأدلة الأخرى أن العصمة والأفضلية من شروط الامامة ، وهما
مفقودان في غير هؤلاء الأئمّة.
هذا ، ولا يخفى أنّ السّعد قد أراح نفسه هنا من جهتين إحداهما : بيان الأئمّة من بعد الخلفاء الأربعة عند أهل السنة. والثّانية : الكلام مع الامامية فيما يذهبون إليه ، بل اكتفى بقوله :( والعاقل يتعجب ).
قال(٢٩١) :
( لمّا ذهب معظم أهل السنة وكثير من الفرق إلى أنّه يتعيّن للإمامة أفضل العصر إلاّ إذا كان في نصبه مرج وهيجان فتن احتاجوا إلى بحث الأفضلية ، فقال أهل السنة : الأفضل أبوبكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، وقد مال البعض منهم إلى تفضيل علي على عثمان ).
أقول :
قد اضطربت كلمات القوم في كبرى هذا المقام وصغراه لأنهم إنْ أنكروا الكبرى فقد أنكروا الكتاب والسنّة ودلالة العقل ، وإن التزموا بها ـ ولابدّ من ذلك ـ وقعوا في حيص بيص من ناحية الصغرى لاستحالة إثبات أفضلية أبي بكر ـ فضلاَ ، عمن بعده ـ على أمير المؤمنينعليهالسلام . وفي الصّغرى اختلفوا في التفضيل بين علي وعثمان على ثلاثة أقوال أشار إليها السّعد ولم يذكر القول الرّابع ، قول الموافقين لأهل الحق في أفضلية أمير المؤمنينعليهالسلام من أبي بكر ومن بعده وسنذكره.
وكذلك السّعد اضطربت كلماته ، ففي المتن يقول :( الأفضلية عندنا بترتيب الخلافة مع تردد فيما بني عثمان وعلي ) ويقول في الشرح :( لا قاطع شاهد من العقل على تفضيل بعض الأئمّة على البعض والأخبار الواردة على فضائلهم متعارضة ، لكن الغالب على الظن أن أبابكر أفضل ثم عمر ، ثم تتعارض الظنون في عثمان وعلي ) والفرق بين العبارتين واضح جداً.
ثمّ إنّ التّعارض فرع الحجيّة ، ولا حجّية لأخبارهم التي ينفردون ، بها على أصحابنا ، بخلاف الأدلة التي يقيمها أصحابنا على أفضلية أمير المؤمنينعليهالسلام ، فإنّها أحاديث متّفق عليها بين الطّرفين كما سنرى على أنّه لم نجد في أدلّتهم حديثاً واحداً يجوز الاستدلال به حتّى على أصولهم ...
قال(٢٩١) :
( لنا : إجمالاً : أن جمهور عظماء الملّة وعلماء الأمة أطبقوا على ذلك ، وحسن الظنّ بهم يقضي بأنّهم لو لم يعرفوه بدلائل وأمارات لما أطبقوا عليه ).
أقول :
و فيه : أوّلاً : إنّه لو سلّم إطباق الجمهور ، ففي القرآن الكريم ذمّ الأكثر في موارد كثيرة.
وثانياً : إنّ القائلين بالخلاف وانْ كانوا أقل عدداً لكنّهم رجال عظماء قد وردت في حقّهم الأحاديث المعتبرة المتّفق عليها كما ستعرفهم.
و ثالثاً : إنّ مبني اعتبار قول الجمهور ليس إلاّ حسن الظنّ بهم كما ذكر ، فإذا وجدناهم في كثيرٍ من الأمور على ضلالة وهم لا يعقلون زال حسن الظن
و رابعاً : لو سلّم أنّ حسن الظن بهم يقضي بأنهم لو لم يعرفوه بدلائل وأمارات فإنّ الدلائل والأمارات المزعومة أو المتوهمّة ليست إلاّ ما سيذكره هو تفصيلاً ، وإذا عرفنا سقوطها عن الدليليّة وعن كونها أمارة لم يبق مجال للاعتماد على إطباقهم
فننظر في تلك الدلائل والأمارات :
قال(٢٩١) :
( وتفصيلاً : الكتاب والسنة والأثر والأمارات.أمّا الكتاب فقوله تعالى : ( وسيجنّبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى ) ).
أقول :
لم يذكر من الكتاب دليلاً على أفضليّة أبي بكر إلاّ هذه الآية ، ولو كان غيرها لذكر وتماميّة الاستدلال هذا موقوف على صحة القول بنزولها في أبي بكر ، وفيه :
أ وّلاً : إنّه محلّ خلاف بين أهل السنّة أنفسهم ، فمنهم من حمل الآية على العموم ، ومنهم من قال بنزولها في قصة أبي الدّحداح وصاحب النخلة(١) ومن هنا نسب القول بذلك في ( المواقف ) إلى أكثر المفسرين. وثانياً : إنّ القول بنزول الآية في أبي بكر إنما هو منقول عن آل الزبير ، وانحراف هؤلاء عن أمير المؤمنينعليهالسلام معروف. وثالثاً : إنّ سند الخبر عن ابن الزبير غير معتبر قال الحافظ الهيثمي : « وعن عبدالله بن الزبير قال : نزلت في أبي بكر الصّديق( وما لأحد عنده من نعمة تجزى الاّ ابتغاء وجه ربه الاعلى ولسوف يرضى ) رواه الطبراني وفيه : مصعب بن ثابت. وفيه ضعف »(٢) .
و قوله :( وليس المراد به علياً ) قد تبع فيه شيخه العضد وهو ـ كما قلنا في جوابه ـ خلط في المعنى ، فإنّ الضمير في « عنده » يرجع إلى المنعم ، والمعنى : إنّ « الأتقى » موصوف بكونه ليس لأحدٍ من المنعمين عليهم عند المنعم يد النعمة ، يكون الإنعام منه من باب الجزاء ، فعليعليهالسلام كان في تصدّقه بخاتمه على السائل في حال الركوع وكذلك في إطعام اليتيم والمسكين والأسير حيث تزلت سورة هل أتى ، فلم تكن لهم عليه يد النعمة. وأين هذا من المعنى الذي ذكر؟
قال(٢٩٢) :
( وأمّا السنّة فقولهعليهالسلام : إقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ).
__________________
(١) الدر المنثور : ٦/٣٥٨.
(٢) مجمع الزوائد : ٩/٥٠.
أقول :
قد سبق أنّ هذا الحديث باطل سنداً ودلالة ، كما نصّ عليه كبار علمائهم *
قال(٢٩٢) :
(وقوله لأبي بكر وعمر : هما سيّدا كهول أهل الجنة ما خلا النّبيين والمرسلين ).
أقول :
هذا الحديث ـ حتى لو كان صحيحاً عندهم ـ ليس بحجة علينا لكونه من طرقهم فقط ، فكيف ورواته ضعفاء متروكون بشهادة كبار علمائهم؟ وهذه عبارة واحد منهم :
قال الحافظ الهيثمي : « عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله لأبي بكر وعمر : هذان سيّدا كهول أهل الجنّة من الأولين والآخرين. رواه البزار والطبراني في الأوسط. وفيه : علي بن عابس وهو ضعيف ».
وعن ابن عمر قال : إن النبي قال : أبوبكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة من الأولين والآخرين إلاّ النّبيين والمرسلين. رواه البزار وقال : لا نعلم رواه عن عبيدالله بن عمر إلاّ عبدالرحمن بن مالك بن مغول. قلت : وهو متروك »(١) **
قال(٢٩٢) :
(وقوله عليهالسلام : خير أمتي أبوبكر ثم عمر ).
أقول :
هذا الحديث مذيّل بذيل يدلّ على أفضلية أمير المؤمنينعليهالسلام ، رووه عن عائشة قالت : « قلت : يا رسول الله ، من خير الناس بعدك؟ قال : أبوبكر.
__________________
* راجع الرّسالة المؤلّفة حوله ـ في هذه المجموعة.
* راجع البحث التفصيلي عن هذا الحديث في هذه المجموعة.
(١) مجمع الزوائد : ٩/٥٣.
قلت : ثم من؟ قال : عمر.
قالت فاطمة : يا رسول الله لم تقل في عليّ شيئاً!
قال : يا فاطمة ، علي نفسي ، فمن رأيتيه يقول في نفسه شيئاً؟ »
ولهذا فقد تكلّم في سنده بعض علمائهم(١) لكن السّعد أسقط الذيل تبعاً لشيخه العضد ليتم الاستدلال!
قال(٢٩٢) :
( وقوله عليهالسلام : ما ينبغي لقوم فيهم أبوبكر أن يتقدّم عليه غيره ).
أقول :
لفظ هذا الحديث : « لا ينبغي لقوم فيهم أبوبكر أن يؤمّهم غيره » وهو حديث مكذوب موضوع على رسول اللهصلىاللهعليهوآله . نصّ على ذلك غير واحد من أكابر أئمّة الحديث ، كالحافظ ابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ فإنّه أورده في كتابه في الموضوعات وقال بعد روايته : « هذا حديث موضوع على رسول الله »(٢) .
ومن المضحك فهم ابن الجوزي من الحديث أن المراد هو تقديم من اسمه « أبوبكر » في الصلاة والنّهي عن التقدّم عليه فيها ، فإنه ذكر في أبواب الصّلاة : « باب تقديم من اسمه أبوبكر » ثمّ ذكر الحديث ثم قال : « هذا حديث موضوع »(٣) .
قال السّيوطي : هذا فهم عجيب! إنّما المراد أبوبكر خاصّة(٤) .
فالعجب من قؤلاء؟ كيف يستدلّون بالأحاديث الموضوعة باعتراف علمائهم ، ويعارضون بها الأحاديث الصحيحة الثابتة باعتراف علمائهم كذلك؟
__________________
(١) راجع : تنزيه الشريعة ١/٣٦٧.
(٢) الموضوعات ١/٣١٨.
(٣) الموضوعات ٢/١٠٠.
(٤) اللآلي المصنوعة ١/٢٩٩.
قال(٢٩٢) :
( وقوله : لو كنت متّخذاً خليلاً ) .
أقول :
قد أجاب أصحابنا عن هذا الحديث سنداً ودلالة(١) وهو في رواية البخاري قطعة من حديث يشتمل على جمل عديدة تعدّ كلّ واحدة منها فضيلة مستقلة من فضائل أبي بكر فهو أقواها سنداً وأدلّها دلالة ، لكنّ راويه هو : « اسماعيل بن عبدالله بن أبي أويس » ابن أخت مالك بن أنس ونسيبه وروايته ، وهذه طائفة من الكلمات فيه :
قال ابن معين : هو وأبوه يسرقان الحديث. وقال : مخلّط ، يكذب ، ليس بشيء.
وقال النسائي : ضعيف. وقال مرة أخرى : غير ثقة.
وقال ابن عدي : يروي عن خاله أحاديث غرائب لا يتابعه عليها أحد.
وذكره الدولابي في الضعفاء وقال : سمعت النصر بن سلمة المروزي يقول : ابن أبي أويس كذّاب
وقال الدار قطني : لا اختاره في الصحيح.
وذكره الاسماعيلي في المدخل فقال : كان ينسب في الخفة والطيش إلى ما أكره ذكره.
وقال بعضهم : جانبناه السنة.
وقال ابن حزم في المحلى : قال أبو الفتح الأزدي حدثني سيف بن محمد : أن ابن أبي أويس كان يضع الحديث.
وأخرج النسائي من طريق سلمة بن شبيب أنّه قال : سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول : ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما
__________________
(١) تلخيص الشافي ٣/٢١٧.
بينهم(١) .
ثم إنه معارض بأحاديث موضوعة تنصّ على أنّه قد أتّخذه خليلاً مثل : « لكلّ نبي خليل في أمته وإنّ خليلي أبوبكر »(٢) وبآخر ينصّ على أنّه اتّخذ عثمان خليلاً ، وهذا لفظه : « إنّ لكلّ نبي خليلاً من أمته وإنّ خليلي عثمان بن عفان ».
لكنها كلّها موضوعات ، وقد نصّ على وضع الأخير منها غير واحد(٣) .
قال(٢٩٣) :
( وقوله : وأين مثل أبي بكر ) .
أقول :
هذا الحديث كسابقه ، وممّا يؤكد بطلانه اشتماله على أن أبابكر أوّل من أسلم ، وهذا كذب ، فإنّ أول من أسلم أمير المؤمنين عليعليهالسلام كما نصّ عليه غير واحد ودلّت عليه الأخبار والآثار.
أيضاً : إشتماله على أنه كان ذا مال. وقد نصّ السّعد على كونه( عديم المال ) ٢٦٠.
وأيضاً : اشتماله على أنه كان ينفق على النبي بماله ، فإنّ هذا كذب قطعاً ، ولذا اضطرّ مثل ابن تيمية إلى تأويله فقال : « إنّ إنفاق أبي بكر لم يكن نفقةً على النبي في طعامه وكسوته ، فإنّ الله قد أغنى رسوله عن مال الخلق أجمعين ، بل كان معونة له على إقامة الدين ، فكان إنفاقه فيما يحبّه الله ورسوله ، لا نفقة على نفس الرسول »(٤) ولو تمّ هذا التأويل لم يبق فرق بين أبي بكر وسائر الصحابة الذين كانوا ينفقون أموالهم في سبيل إقامة الدين ، فأين الأفضلية؟
وقبل هذا كله ، فالحديث قد أورده الحافظ ابن عرّاق المتوفى سنة ٩٦٣ في
__________________
(١) لاحظ الكلمات بترجمته من تهذيب التهذيب ١/٣١٢.
(٢) كنز العمال ٦/١٤٠.
(٣) تنزيه الشريعة ١/٣٩٢.
(٤) منهاج السنة ٤/٢٨٩.
الأخبار الشنيعة الموضوعة(١) والحافظ السيوطي في الأحاديث الموضوعة(٢) .
قال(٢٩٣) :
( وقوله لأبي الدرداء حين كان يمشي أمام أبي بكر ).
أقول :
هذا الحديث ـ حتى لو كان صحيحاً عندهم ـ ليس بحجّة علينا ، لكونه ـ كغيره ـ من طرقهم فقط ، فكيف ورواته كذّابون مدلّسون بشهادة كبار علمائهم؟ وهذه عبارة الحافظ الهيثمي المتوفى سنة ٨٠٧ :
« عن جابر بن عبدالله قال : رأي رسول الله أبا الدرداء يمشي بين يدي أبي بكر. فقال : يا أبا الدرداء تمشي قدّام رجلٍ لم تطلع الشمس بعد النّبيين على رجل أفضل منه ، فما رؤي أبو الدرداء بعدُ يمشي إلاّ خلف أبي بكر. رواه الطبراني في الأوسط وفيه : إسماعيل بن يحيى التيمي وهو كذّاب.
وعن أبي الدرداء قال : رآني رسول الله وأنا أمشي أمام أبوبكر فقال : لا تمش أمام من هو خير منك ، إنّ أبابكر خير من طلعت عليه الشمس ، أو غربت. رواه الطبراني وفيه : بقية ، وهو مدلّس »(٣) .
وإذا بطل الحديث من أصله فلا موضوع لما ذكره السّعد في معناه.
قال : ٢٩٣
( وعن عمرو بن العاص قلت لرسول الله ).
أقول :
هذا الحديث في البخاري بهذا السند : « حدثنا معلى بن أسد حدثنا عبدالعزيز بن المختار قال خالد لحذّاء حدّثنا عن أبي عثمان قال حدّثني عمرو بن
__________________
(١) تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة ١/٣٤٤.
(٢) اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ١/٢٩٥.
(٣) مجمع الزوائد ٩/٤٤.
العاص »(١) .
في هذا السند :
١ ـ عبدالعزيز بن المختار ، وهو لم يتّفقوا على وثاقته ، فعن ابن معين : ليس بشيء(٢) .
٢ ـ خالد بن مهران الحذّاء وهو مقدوح جداً :
أ ـ كان قد استعمل على العشور بالبصرة(٣) .
ب ـ كان مدلّساً(٤) .
ج ـ تكلّم فيه جماعة كأبي حاتم حيث قال : يكتب حيدثه ولا يحتجّ به. وحماد بن زيد قال : قدم علينا قدمة من الشام ، فكأنّا أنكرنا حفظه. وأراد شعبة التكلّم فيه علناً فهدّد وسكت. ولم يلتفت إليه إبن عليّه وضعّف أمره. وقال ابن حجر : « والظاهر أن كلام هؤلاء فيه من أجل ما أشار إليه حماد بن زيد من تغيّر حفظه بآخره ، أو من أجل دخوله في عمل السلطان. والله أعلم »(٥) .
٣ ـ عمرو بن العاص. ابن النابغة ، أحد المصاديق الحقيقية لما قاله السّعد نفسه حول الصّحابة.
أقول : أليس من الجزاف والقول الزور الاستدلال بحديثٍ هذا سنده في أصحّ الكتب عندهم بعد القرآن فضلاً عن غيره من الكتب؟
قال(٢٩٣) :
( وقال النّبي : لو كان بعدي نبي لكان عمر ) .
أٌقول :
__________________
(١) صحيح البخاري ٥/٦٤ كتاب فضائل أصحاب النبي.
(٢) تهذيب التهذيب ٦/٣١٧.
(٣) تهذيب التهذيب ٣/١٠٥.
(٤) تهذيب التهذيب ٣/١٠٥.
(٥) تهذيب التهذيب ٣/١٠٤ ـ ١٠٥.
عجباً للسّعد كيف يرتضي هذا الحديث ويستدلّ به وهو يرى أفضلية أبي بكر من عمر؟ إنّ هذا الحديث معناه أن عمر صالح لنيل النبوة على تقدير عدم ختمها ، ولازمه أن يكون أفضل من أبي بكر ، كما هو واضح.
ثم كيف يصلح للنّبوة من قضى شطراً من عمره في الكفر.
ولننظر في سنده :
إنّ هذا الحديث لا يعرف إلاّ من حديث مشرح بن هاعان كما نصّ عليه الترمذي بعد أن أخرجه وهذه عبارته كاملة :
« حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا المقرئ عن حيوة بن شريح عن بكر بن عمرو عن شرح بن هاعان عن عقبة بن عامر قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطّاب. هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلاّ من حديث مشرح بن هاعان »(١) .
وهذه طائفة من كلمات أئمّة القوم لتعرف مشرح بن هاعان :
قال ابن الجوزي : « قال ابن حبان : انقلبت على مشرح صحائفه فبطل الاحتجاج به »(٢) .
وقال الذهبي : « قال ابن حبان : يكنى أبا مصعب ، يروي عن عقبة مناكير لا يتابع عليها فالصواب ترك ما انفرد به. وذكره العقيلي فما زاد في ترجمته من أنْ قيل أنه جاء مع الحجّاج إلى مكة ونصب المنجنيق على الكعبة »(٣) .
فتلخص :
١ ـ قدح جماعة من الأئمّة فيه :
٢ ـ إنه جاء مع الحجاج إلى مكة ونصب المنجنيق على الكعبة.
٣ ـ إنّه روى عن عقبة أحاديث لا يتابع عليها. ولا ريب أن هذا الحديث
__________________
(١) صحيح الترمذي ٥/٥٧٨ باب مناقب عمر.
(٢) الموضوعات. باب مناقب عمر ١/٣٢٠.
(٣) ميزان الاعتدال ـ ترجمة مشرح بن هاعان ٤/١١٧.
منها ، إذ لم يعرف إلاّ منه كما عرفت من عبارة الترمذي.
ثم إنّ الراوي عنه هو : بكر بن عمرو ، وقد قال الدار قطني والحاكم : « ينظر في أمره »(١) بل قال ابن القطّان : « لا نعلم عدالته »(٢) .
وفي ( مقدمة فتح الباري ) في الفصل التاسع ، في أسماء من طعن فيه من رجال البخاري : « بكر بن عمرو المعافري المصري ».
ثمّ إنّ بعض الوضّاعين قلب لفظ هذا الحديث المفترى إلى لفظ : « لو لم أبعث فيكم لبعث عمر » وقد رواه ابن الجوزي بنفس سند اللفظ الأوّل في ( الموضوعات ) ونصّ على أنّه لا يصح(٣) كما نصّ الذهبي على كونه مقلوباً منكراً(٤) .
وبعضهم وضعه بلفظ : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعمر بن الخطّاب : لو كان بعدي نبي لكنته » رواه المتقي قال : رواه الخطيب وابن عساكر وقالا : منكر(٥) .
قال (٢٩٣) :
( وعن عبدالله بن حنطب : إن النبي رأى أبابكر وعمر فقال : هذان السمع والبصر ).
أقول :
« هذان السّمع والبصر » من أيّ شيء؟
قد وضعوا هذا الحديث تارة بلفظ : إنهما السمع والبصر من الدين أو الاسلام ، وأخرى إنهما السمع والبصر من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
__________________
(١) تهذيب التهذيب ١/٤٢٦ ، ميزان الاعتدال ١/٣٤٧.
(٢) تهذيب التهذيب ١/٤٢٦.
(٣) الموضوعات ١/٣٢٠.
(٤) ميزان الاعتدال ـ ترجمة رشدين بن سعد المهري ٢/٤٩.
(٥) كنز العمال ١٢/٥٩٧.
وسلّم وهو بجميع ألفاظه ساقط عن درجة الاعتبار ، وإليك البيان باختصار :
أخرج الحاكم بسنده عن حذيفة عن النبي في حديث : « إنّهما من الدين كالسّمع والبصر » قال الذهبي في تلخيصه : « هو واه »(١) .
وروى المقدسي : « إنّ أبابكر وعمر من الاسلام بمنزلة السّمع والبصر » ثم قال : « من موضوعات الوليد بن الفضل الوضّاع »(٢) .
والحديث الذي استدل به السّعد مرسل ، لأنّ عبدالله لم يدرك النبي(٣) لكن ابن عبد البر وراه بسنده عن المغيرة بن عبدالرحمن عن المطلب بن عبدالله بن حنطب عن أبيه عن جدّه ثم قال : « ليس له غير هذا إسناد ، والمغيرة بن عبدالرحمن هذا هو الحزامي ضعيف ، وليس بالمخزومي الفقيه صاحب الرأي »(٤) وقال أيضاً : « حديث مضطرب الأسناد لا يثبت »(٥) وتبعه ابن حجر فقال : « قال أبو عمر : حديث مضطرب لا يثبت »(٦) .
قال(٢٩٤) :
( وأمّا الأثر فعن ابن عمر ) .
أقول :
لقد عرفت أن لا شيء مّا استدل به من السنة بتامّ سنداً ، ومالا دليل عليه من الكتاب والنسة باطل بالاجماع ، فأيّ قيمةٍ لقول زيد أو عمرو؟ وأيّ فائدة لقول مثل ابن عمر؟
قال(٢٩٤) :
( وعن محمد بن الحنفية وعن علي وعنه لمّا قيل له : ما توصي؟ ).
__________________
(١) المستدرك ٣/٧٤.
(٢) تذكرة الموضوعات : ١٤٨.
(٣) الاصابة ٢/٢٩٩.
(٤) الاستيعاب ١/١٤٦.
(٥) الاستيعاب ١/٣٤٧.
(٦) الاصابة ٢/٢٩٩.
أقول :
إنّ الذين لا يخافون الله والدّار الآخرة فيضعون على رسول الله عليه وآله وسلّم ما لم يقله ، لا وازع لهم عن الوضع على علي أمير المؤمنينعليهالسلام وليس الذي وضعوه على لسانه ما ذكره السّعد فقط ، بل الموضوعات عليه في هذا الباب يبلغ العشرات ، بل وضعوا على لسان أئمّة العترة ورجالات أهل البيت ما لا يعدّ ولا يحصى
قال(٢٩٤) :
( وأمّا الأمارات ).
أقول :
وإذْ لا دليل من الكتاب والسنّة ولا اجماع فما فائدة الأمارات؟
قال(٢٩٤) :
( وتشرّفه بقوله عليهالسلام : عثمان أخي ورفيقي في الجنة ) .
أقول :
وهذا الحديث نظير ما وضعوه وافتروه في حق اللذين من قبله فقد أخرجه ابن ماجة عن : أبي مروان محمد بن عثمان الأموي العثماني عن أبيه عثمان ابن خالد حفيد عثمان بن عفان عن عبدالرحمن بن أبي الزنادعن أبيه ـ وهو مولى لعائشة بنت عثمان ـ عن الأعرج عن أبي هريرة : إن رسول الله قال : لكلّ نبي رفيق في الجنة ورفيقي فيها عثمان بن عفان(١) .
فهو حديث لآل عثمان عن أبي هريرة؟!
وقد قال شارحه السندي : « اسناده ضعيف. فيه : عثمان بن خالد وهو ضعيف باتفاقهم »(٢) .
__________________
(١) سنن ابن ماجة ١/٤٠.
(٢) سنن ابن ماجة ١/٤٠.
مضافاً إلى أن أبا مروان مقدوح وقال بعض أئمّة القوم : يروي عن ابيه المناكير(١) . وهذا منها
وأبوه عثمان بن خالد قال البخاري : عنده مناكير. وقال النسائي : ليس بثقة. وقال العقيلي : الغالب على حديثه الوهم. وقال أبو أحمد : منكر الحديث. وقال ابن عدي : أحاديثه كلّها غير محفوظة. وقال الساجي : عنده مناكير غير معروفة. وقال الحاكم وأبو نعيم : حدّث عن مالك وغيره بأحاديث موضوعة إلى غير ذلك من الكلمات(٢) فهو ضعيف باتفاقهم كما ذكر شارح ابن ماجة ، بل قال ابن الجوزي : نسب إلى الوضع(٣) .
وعبد الرحمن بن أبي الزّناد قال ابن معين : ليس ممّن يحتج به أصحاب الحديث ، ليس بشيء. وقال ابن صالح وغيره عن ابن معين : ضعيف : وقال الدوري عن ابن معين : لا يحتج بحديثه. وقال صالح بن أحمد عن أبيه : مضطرب الحديث. وعن ابن المديني : كان عند أصحابنا ضعيفاً. وقال النسائي : لا يحتج بحديثه. وقال ابن سعد : كان كثير الحديث وكان يضعّف لروايته عن أبيه(٤) .
وأمّا الحديث الآخر في حياء عثمان ، فهو من جملة عدّة أحاديث موضوعة في هذا الباب ، يكفي متنها دليلاً على وضعها فلا حاجة إلى النظر في أسانيدها
على أن هذا الحديث بالخصوص يشتمل على إهانة كبيرة للنبي الأقدسصلىاللهعليهوآله ، حيث نسب واضعه إليه الكشف عن أفخاده بحضور أصحابه فهو أراد صنع فضيلة لعثمان ـ وهي الحياء ـ ونسب إلى الرّسول عدم الحياء! مع كونه كما وصفه أبو سعيد الخدري « أشدّ حياء من العذراء في خدرها »(٥)
__________________
(١) تهذيب التهذيب ٩/٣٣٦.
(٢) تهذيب التهذيب ٧/١١٤.
(٣) العلل المتناهية ١/٢٠٦.
(٤) تهذيب التهذيب ٦/١٧١.
(٥) تجده في البخاري في باب صفة النبي ، وفي غيره من الصحاح.
لا سيّما وأن جمهور فقهائهم على أن الفخذ عورة
وأيضاً : يدل الحديث على أفضلية عثمان من أبي بكر وعمر ، فإنهما قد دخلا على النبي في تلك الحال فلم يغطّ فخذيه ، فلمّا دخل عثمان سترهما وقال هذه الكلمة؟!
قال(٢٩٥) :
أقول :
الوجوه التي ذكرها أقلّ قليل من الأدلة التي يقيمها أصحابنا على أفضليّة أمير المؤمنينعليهالسلام بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله من جميع الخلائق.
قال(٢٩٩) :
( والجواب : إنّه لا كلام في عموم مناقبه إلاّ أنه لا دليل على الأفضلية بعدما ثبت من الاتفاق والاعتراف من علي بذلك ).
أقول :
كيف لا تكون هذه الأدّلة دالّة على الأفضلية ، وهو غير منكر لنزول الآيات التي ذكرها في شأن أمير المؤمنينعليهالسلام ، ولاعتبار الأحاديث المستدل بها ، ولا لشيء من صفات الامام وكمالاته؟
إنه لا وجه لقوله : « لا يدلّ على الأفضلية » إلاّ التعصّب ، وإلاّ لأتى بالردّ. وأمّا رفع اليد عن الدلالة بالاتفاق والاعتراف فهو يعلم بأن لا اتّفاق فضلاً عن الاجماع على أفضلية أبي بكر ، ولا اعتراف من أمير المؤمنينعليهالسلام بذلك وإنّه ليكفي ردّاً على دعوى الاتفاق والاعتراف ذهاب جماعة كبيرة من أعيان الصّحابة من بني هاشم وغيرهم إلى أفضلية علي ، ذكر بعضهم ابن عبدالبرّ حيث قال : « وروى عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أوّل من أسلم وفضّله هؤلاء على
غيره »(١) .
ولايخفى أن كلّ واحد من هؤلاء الذين ذكرهم يعادل مئات الآلاف من سائر الناس ، لعظمته وجلالته وقربه من رسول الله وجهاده وجهوده في سبيل الاسلام
على أنّ الاعتراف ثابت من أبي بكر ذلك ، في مواضع عديدة ، رواها علماء القوم أنفسهم ، منها : ما رواه هو عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « علي مني بمنزلتي من ربي »(٢) . ومنها : ما رواه الشعبي قال : « بينما أبوبكر جالس إذ طلع علي فلمّا رآه قال : من سرّه أن ينظر إلى أعظم الناس منزلةً وأقربهم قرابةً وأفضلهم حالةً وأعظمهم حقاً عند رسول الله فلينظر إلى هذا الطالع »(٣) ومنها : قول أبي بكر في خطبة له : « أما بعد أيّها الناس قد وليّت أمركم ولست بخيركم »(٤) فإذا نفى عن نفسه الأفضلية فقد أثبتها لعليعليهالسلام اذ لا ثالث بالاجماع ، ويشهد به قوله : « أقيلوني فلست بخيركم »(٥) وفي بعض الكتب بعده : « وعلي فيكم ».
وكأنّ السّعد ملتفت إلى ما ذكرناه من تماميّة الأدلة على الأفضلية وعدم وجود ما يصلح للمنع عن دلالتها ولذا عاد إلى البحث في دلالة بعض الأدلة ، لكن لم يأت إلاّ باحتمالات باردة وتخيّلات سقاطة وادّعاءات فارغة
قال(٢٩٩) :
( على أنّ فيما ذكر مواضع بحث لا تخفى على المحصّل ، مثل : أنّ المراد ( بأنفسنا ) نفس النبي كما يقول : دعوت نفسي إلى كذا ).
__________________
(١) الإستيعاب ٣/١٠٩٠ ترجمة أمير المؤمنين.
(٢) الصواعق المحرقة : ١٠٩.
(٣) الصواعق المحرقة : ١٠٩.
(٤) طبقات ابن سعد ٣/١٨٢ قال ابن كثير : إسناده صحيح ٥/٢٤٨.
(٥) الإمامة والسياسة ١/١٤.
أقول :
هذا من السّعد عجيب جداً ، وأيّ معنى لأن يدعو الإنسان نفسه؟ وعلى فرض وروده في شيء من الاستعمالات الفصيحة فهو مجاز قطعاً. وقد ذكر شيخه العضد في ( المواقف ) وكذا شارحها الجرجاني وجه الاحتجاج بالآية المباركة وهذه هي العبارة : « وجه الاحتجاج : إنّ قوله تعالى : (وأنفسنا ) لم يرد به نفس النبي ، لأنّ الإنسان لا يدعو نفسه ، بل المراد به علي ، دلّت عليه الأخبار الصحيحة والروايات الثابتة » ثم ذكرا في الجواب : « وقد يمنع أن المراد بأنفسنا علي وحده ، بل جميع قراباته » فهما يسلّمان أنّ الإنسان لا يدعو نفسه ، وإنّما يمنعان أن يكون المراد علي وحده وقد أجبنا عن هذا المنع.
وعلى الجملة ، فما ذكره السّعد في غاية السخافة والسّقوط.
قال(٢٩٩) :
( وإنّ وجوب المحبة وثبوت النصرة على تقدير تحققه في حق علي فلا اختصاص به ).
أقول :
هذا إشكال في دلالة آية المودّة وآية( وصالح المؤمنين ) ولا أحد من المسلمين ينكر كون علي ممّن نزلت فيه آية المودّة ، وكون فاطمة زوجته والحسنين ولديه شركاء معه في ذلك لا يضرّ بالاستدلال كما هو واضح. وأمّا كون المراد من( صالح المؤمنين ) أمير المؤمنينعليهالسلام وحده وأنّ الآية مختصة به فذاك ما اتّفقت عليه أخبار الفريقين وأقوال علمائها(١) ولكن السعد يجهل أو يتجاهل!
قال (٢٩٩) :
( وكذا الكمالات الثابتة للمذكورين من الأنبياء ).
أقول : هذا إشارة إلى حديث : « من أراد أن ينظر » لكن هذا الحديث
__________________
(١) الدر المنثور ٦/٢٤٢.
وارد في حق علي في أحاديث الفريقين ، وغير وارد في حق غيره كذلك بل مطلقاً ، فكيف لا يكون اختصاص به؟
بل في بعض الأحاديث التي رواها القوم أيضاً أنّ أبابكر نفسه من رواه هذا الحديث عن رسول الله في حق علي ، فقد روى الحافظ الخطيب الخوارزمي المتوفى سنة ٥٦٨ بسنده : « أنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان في جمع من أصحابه فقال : أريكم آدم في علمه ونوحاً في فهمه وإبراهيم في حكمته. فلم يكن بأسرع من أنْ طلع علي. فقال أبوبكر : يا رسول الله أقست رجلاً بثلاثةٍ من الرسل؟ بخ بخ لهذا الرجل ، من هو يا رسول الله؟ قال النبيصلىاللهعليهوآله ألا تعرفه يا أبابكر؟ قال : الله ورسوله أعلم. قال : أبو الحسن علي بن أبي طالب. قال أبابكر : بخ بخ لك يا أبا الحسن ، وأين مثلك؟ ».
وبالجملة ، فإنكار دلالة هذا الحديث على اختصاص تلك الكمالات به دون غيره مكابرة واضحة ، ولذا لم يتفّوه به شيخه العضد وشارحه ، بل كان اعتراضهما بغير ذلك ، وقد أجبنا عنه في ( الطرائف ) بما لا مزيد عليه.
قال(٢٩٩) :
( وإنّ أحب خلقك يحتمل تخصيص أبي بكر وعمر منه ، عملاً بأدلة أفضليتهما ، ويحتمل أن يراد : أحب الخلق إليك في أنْ يأكل منه ).
أقول :
أمّا الإحتمال الأوّل ففيه :
أوّلاً : إنّ القرائن الحاليّة والمقالية الموجودة مع حديث الطير تفيد كونه آبياً عن أيّ تخصيص.
وثانياً : إنّ تخصيص أبي بكر وعمر منه ـ ولا يخفى أنّه لا يذكر عثمان معهما ـ موقوف على ثبوت أفضليّتهما ، وقد عرفت أنّه لا دليل عليها مطلقاً.
وثالثاً : إنّ بعض ألفاظ حديث الطير المروي في غير واحدٍ من كتبهم المعتبرة نصّ في عدم تخصيصهما ، فقد روى النسائي في ( الخصائص ) بسندٍ صحيح عن
أنس بن مالك : « إنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان عنده طائر فقال : اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر ، فجاء أبوبكر فردّه ثم جاء عمر فردّه ثم جاء علي فأذن له ».
وأمّا الاحتمال الثّاني فيردّه وجوه :
الأوّل : إنّه قد تقرّر أنّ حذف المتعلّق يدلّ على العموم ، فالحديث ظاهر في الأحبيّة من جميع الجهات ، وتخصيصه بجهةٍ دون أخرى بلا مخصّص مردود.
وثالثاً : إنّ هذه الشبهة طرحها بعض المخالفين المتقدّمين على السّعد بقرون ، وتعرّض للجواب عنها المشايخ الكبار من أصحابنا ، قال الشيخ محمد بن محمد النعمان البغدادي المعروف بالمفيد المتوفى سنة ٤١٣ قال كما في ( الفصول المختارة ) : « هذا الذي اعترضت به ساقط ، وذلك أن محبة الله تعالى ليست ميل الطّباع وانّما هي الثواب ، كما أنّ بغضه وغضبه ليست باهتياج الطّباع. وإنما هما العقاب ، ولفظ أفعل في أحب وأبغض لا يتوجّه إلاّ ومعناهما من الثواب والعقاب ، ولا معنى على هذا الأصل لقول من زعم أنّ أحبّ الخلق إلى الله يأكل مع رسول الله توجّه إلى محبة الأكل والمبالغة في ذلك بلفظ أفعل ، لأنّه يخرج اللفظ ممّا ذكرناه من الثواب إلى ميل الطباع ، وذلك محال في صفة الله تعالى ».
وثالثاً : إنّ حديث الطير ممّا احتجّ به الامامعليهالسلام في مناشدة أهل الشورى ، روى ذلك الحاكم النيسابوري ـ كما في كفاية الطالب ـ وجماعة من كبار المحدثين ، فلو كان مراد النبيصلىاللهعليهوآله الأحب في الأكل فقط لما تمّ احتجاجه ، أو لذكّره القوم بذلك وما سكتوا.
ورابعاً : لو كان النبيصلىاللهعليهوآله أراد الأحبّ في شيء دون شيء لجاء مع عليعليهالسلام أناس آخرون يكونون أحبّ اليه في بعض الأمور ، بل لا يكون لدعائه فائدة ، لأن حال علي حينئذٍ كسائر المؤمنين الذين يحبّهم الله في بعض أعمالهم ، ففي أيّ شيء كان تأثير دعائهصلىاللهعليهوآله المستجاب قطعاً؟
وخامساً : إنّه لو كان علي أحبّ إليه في بعض الاشياء كان غيره أحبّ إليه في البعض الآخر ، وحينئذٍ لم يكن وجه لأنْ يردّ أنس عليّاًعليهالسلام قائلاً في كلّ مرة يأتي « رسول الله على حاجة » ثم يعتذر بأنّه كان يرجو أنْ يكون الدعاء لرجلٍ من قومه الأنصار!
قال(٢٩٩) :
( وإنّ حكم الاخوة ثابت في حق أبي بكر وعثمان ).
أقول :
ما ذكره دليلاً على هذا المدّعى باطل ، ولو صحّ على أصولهم فليس بحجة علينا. عى أنّ حديث « أخي ورفيقي في الجنة » قد عرفت بطلانه بإقرار علمائهم.
قال(٢٩٩) :
( وأمّا حديث العلم والشّجاعة ).
أقول :
لا يخفى أنّه لم يدّع لعثمان علماً ولا شجاعة ، ولم يدّع لعمر شجاعة.
وادّعى العلم لأبي بكر وعمر لكن عبارته :( لم تقع حادثة إلاّ ولأبي بكر وعمر في رأي ) فأقول :
١ ـ هل يكون هذا الكلام جواباً عن أعلمية أمير المؤمنين ومرجعيّته في جميع العلوم المضروب بها المثل بين الأوّلين والآخرين؟
٢ ـ هناك موارد كثيرة سئل فيها الشيخان عن شيء فكانا جاهلين وتلك قضايا الأسئلة منهما مدوّنة يعلمها الكلّ ولا ينكرها أحد؟
٣ ـ على السّعد أن يذكر شيئاً من موارد إصابة رأيهما ومتابعة سائر الصّحابة لهما ، أمّا دعوى أنّه لم تقع حادثة إلاّ ولهما رأي فغير مسموعة.
وادّعى الشجاعة لأبي بكر وحده ولكن عبارته :( ولم يكن رباط الجأش وشجاعة القلب وترك الاكتراث في المهالك في أبي بكر أقل من أحد ) فأقول :
إنّ أشجعيّة أمير المؤمنينعليهالسلام يضرب بها المثل ويعترف بها الموافق والمخالف ، وما قامت للدّين الحنيف قائمة إلاّ بسيفه وتلك مواقفه في الغزوات والحروب يعرفها الجميع فمن يدانيه في شجاعته والسّعد لا يدّعي الأشجعيّة له خاصة من عليعليهالسلام ، ولم يجرء على التصريح باسمه ، بل يقول( لم يكن أقل من أحد ) .
قال(٣٠٠) :
( وأمّا حديث زهدهما في الدنيا فغنّي عن البيان ).
أقول :
هلاّ ذكر عثمان كذلك؟ وقوله : « غني من البيان » ليس إلاّ فراراً من الميدان ، وإلاّ فليأت بأدلّة وشواهد ولقد روى القوم أنفسهم عن النبيصلىاللهعليهوآله وصف الإمامعليهالسلام بالزهد فقال له : « يا علي إنّ الله تعالى قد زيّنك بزينة لم يزيّن العباد بزينةٍ أحب إلى الله منها ، هي زينة الأبرار عند الله عز وجل : الزهد في الدنيا ، فجعلك لا تزرأ من الدنيا شيئاً ولا تزرأ الدنيا منك شيئاً ، ووهب لك حبّ المساكين فجعلك ترضى بهم أتباعاً ويرضون بك إماماً »(١) .
قال (٣٠٠) :
( وأمّا السّابق إسلاماً فقيل : علي وقيل ).
أقول :
ليس غرض السّعد إلاّ إنكار هذه الفضيلة للامامعليهالسلام ، وإلاّ فإنّ حديث سبقه إلى الاسلام رواه : الترمذي وأبو حنيفة والحاكم والبيهقي والطبري والسهيلي وابن هشام وابن الأثير وابن كثير وابن عبدالبّر وابن حجر العسقلاني والخطيب وابن سعد وأبو نعيم والزمخشري والسيوطي والمناويّ عن عدّة كبيرة من الأصحاب ، بل قال ابن حجر المكي : « نقل بعضهم الاجماع عليه ومن ثمّ
__________________
(١) حلية الأولياء ١/٧١ ترجمتهعليهالسلام .
يقال كرّم الله وجهه »(١) بل أخرج الحاكم عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « أوّلكم وروداً عليّ الحوض أوّلكم إسلاماً : علي بن أبي طالب »(٢) وعن عليعليهالسلام ـ فيما أخرجه البلاذري وابن عساكر وغيرهما ـ « أنا الصّديق الأكبر آمنت قبل أن يؤمن أبوبكر وأسلمت قبل أن يسلم »(٣) .
هذا في إسلام علي.
وأمّا إسلام أبي بكر فقد روى غير واحد أنّه أسلم قبله أكثر من خمسين(٤) .
وبعد هذا كلّه فإنّ السّعد لم يذكر دليلاً على دعوى سبق أبي بكر إلى الإسلام إلاّ شعر حسّان فإنّه قال :
( وقيل : أبوبكر ، وعليه الأكثرون على ما صرّح به حسان بن ثابت في شعر أنشده ).
أقول : أين شعر حسّان؟ وما هو؟ ومن يرويه؟
ولو سلّم فهل يقاوم ما تقدّم؟
على أنّ من شعر حسان بن ثابت :
« جــــبريل نـادى معـلنـا |
والـنـقـع لـيس بمـنـجـلي |
|
والمـســلمـون قـد أحـدقـوا |
حـول الـنـّبـي المـرســل |
|
لا ســيف إلاّ ذو الــفـقــار |
ولا فــتـى الاّ عــلـي »(٥) |
ومن شعره الثابت المرويّ في كتب الفريقين شعر ، يوم غدير خم وقد تعرّضنا له سابقاً.
__________________
(١) الصواعق المحرقة : ٧٢.
(٢) المستدرك على الصحيحين ٣/١٣٦.
(٣) أنساب الاشراف ٢/١٤٦ ، تاريخ دمشق ١/٥٣ ترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام .
(٤) تاريخ الطبري ٣/٤٢٠.
(٥) رواه سبط ابن الجوزي في التذكرة : ١٦ عن أحمد في الفضائل.
قال(٣٠٠ ـ ٣٠١) :
( ما ذكر من أفضلية بعض الأفراد بحسب التعيين أمر ذهب اليه الأئمّة ، وقامت عليه الأدلّة ، قال الامام الغزالي : حقيقة الفضل ما هو عندالله ، وذلك ممّا لا يطّلع عليه إلاّ رسول الله ).
أقول :
إنّ الفضائل منها : نفسانيّة كالعصمة والأعلميّة ومنها : بدنيّة كالشجاعة ونحوها ، ومنها : خارجيّة كشرف الزوجة والأبناء مثلاً أمّا البدنيّة والخارجية فذلك ممّا يطّلع عليه جميع الناس ، وأمّا النفسانية فلا يطّلع عليها إلاّ رسول الله كما قال الغزالي وأقرّه السّعد ، ومن هنا قلنا باشتراط النصّ ، لأن من شرائط الإمامة العصمة والأعلميّة ، وهذان لا يطّلع عليهما إلاّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله فلا بدّ من النصّ.
وقد عرفت أن لا نصّ إلاّ على عليعليهالسلام
قال(٣٠١) :
( وقد ورد في الثناء عليهم أخبار كثيرة فلو لا فهم ذلك لما رتّبوا الأمر كذلك ).
أقول :
قد عرفت حال ما رووه في الثناء على المتقدّمين على عليعليهالسلام ، وأمّا ترتيب الخلافة على ما وقع فليس به آية ولا رواية ولا إجماع وقد عرفت وحسن الظنّ بالصّحابة لا يجدي بعد أن ثبت وجود الفسّاق والمنافقين فيهم بكثرة كما اعترف به السّعد وغيره.
قال(٣٠١) :
(فقد ورد النّص بأنّ فاطمة ).
أقول :
وأمّا فاطمة الزهراءعليهاالسلام فقد اعترف بأنّه « قد ثبت أنّ فاطمة
الزهراء سيدة نساء العالمين » لكن ليس هذا وحده ما ثبت من فضائلها ، فإنّ من جلائل فضائلها قول والدها فيها : « فاطمة بضعة منّي فمن آذاها آذاني ومن آذاني آذى الله » فإنّ هذا الحديث يدلّ على عصمتها فتكون بذلك أفضل الناس بعد أمير المؤمنينعليهالسلام ، وقد أنصف الحافظ أبو القاسم السهيلي حيث قال بدلالة الحديث المذكور على أفضليتها من أبي بكر وعمر ، كما نقل عنه المناوي ذلك وأقرّه بشرح الحديث في ( فيض القدير ).
قال(٣٠١) :
( وأنّ الحسن والحسين ).
أقول :
فضائل الحسنينعليهماالسلام لا تعدّ ولا تحصى ، ومن تأمّل فيها وأنصف حكم بكونهما أفضل الخلائق بعد والديهما كيف لا وهما إمامان معصومان بنصّ الكتاب والسنّة المعتبرة.
قال(٣٠١) :
( وأنّ أهل بيعة الرضوان من أهل الجنّة ).
أقول :
من شهد ذلك وقتل في سبيل الله فمن أهل الجنة بلا كلام. ومن شهدها ومات بعد ذلك في حياة الرسول فالظاهر كونه من أهل الجنّة ايضاً. ومن بقي منهم بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان حكمه حكم غيره ، فإنّه إن حفظ وصيّة رسول الله وعمل بها في اتّباع الكتاب والعترة كان من أهل الجنّة وإلاّ فلا.
وعلى الجملة فمن آمن بالله ورسوله وعمل الصالحات ومضى إلى ربه على هذه الحال فهو من أهل الجنة ، والآيات القرآنية الصريحة في هذا المعنى كثيرة جداً.
قال(٣٠١) :
( وحديث بشارة العشرة ).
أقول :
وكذلك الكلام هنا ثم إنّ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة كما في الحديث الذي اعترف به ، فمن كان من أهل الجنة كانا سيّدين له ، ومن المعلوم كونهما أفضل حينئذٍ من سائر أهل الجنّة ، وأبوهما أمير المؤمنينعليهالسلام أفضل منهما بالاجماع فهو أفضل أهل الجنّة بالأولويّة القطعيّة.
وحديث العشرة المبشرّة لا يروونه إلاّ عن عبدالرحمن بن عوف وسعيد بن زيد وكلاهما من العشرة!
قال(٣٠١) :
( تطابق الكتاب والسنّة والإجماع على أنّ الفضل للعلم والتقوى ).
أقول :
نعم الفضل للعلم والتقوى ، كتاباً وسنة وإجماعا ، ولا ريب في أنّ الأعلم والأتقى هو الأفضل ، فهو المتعيّن للإمامة والخلافة وقد ثبت أنّه الامام أمير المؤمنين عليعليهالسلام .
قال(٣٠٢) :
( فإنْ قيل : قال الله تعالى : ( انما يريد الله ...) وقال النبّي : إنّي تركت فيكم ومثل هذا يشعر بفضلهم على العالم وغيره ، قلنا : نعم ).
أقول :
قد ثبت بالأحاديث المعتبرة أنّ المراد من « أهل البيت » في قوله تعالى :( انما يريد الله ) هم الخمسة الطّاهرة ، حتى أنّ أم سلمة استأذنت في الدخول معهم فلم يأذن لها رسول الله وقال : إنّك إلى خير وإذهاب الرّجس مطلقاً دليل على العصمة ، فكان الخمسة معصومين بالآية المباركة.
ومن كان معصوماً كان أفضل ، ومن كان الأفضل كان الامام دون غيره.
وثبت أيضاً : أن المراد من « عترتي أهل بيتي » في الحديث هم الأئمة الإثنا عشر ، لأنّ الأمر المطلق بالتمسّك والإتباع والأخذ يستلزم عصمة المتبوع
والمقتدى ، كما ذكر الفخر الرازي وغيره في قوله تعالى :( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم ) ونظائر ذلك. ولأنّ الذين لا يفارقون القرآن ، بل يكونون معه ويكون معهم هم الأئمة المعصومون.
وفي هذا الحديث دلالة على بقاء الأئمة من العترة مادام القرآن باقياً ، ليكون حافظاً له من التّغيير ، مبيّناً لما احتاج منه إلى البيان والتفسير
ومن كان معصوماً كان أفضل النّاس علماً وعملاً
فظهر أنّ الآية المباركة والحديث دليلان آخران على أفضلية الأئمة من العترة الطاهرة ، والحديث المذكور أخرجه مسلم في صحيحه والترمذي وأحمد والحاكم وغيرهم من الأئمة ، بل هو من الأحاديث المتواترة المقطوع بصدورها عن النّبيصلىاللهعليهوآله .
قال(٣٠٣) :
( يجب تعظيم الصّحابة والكف عن مطاعنهم وحمل ما يوجب بظاهرة الطعن فيهم على محامل وللروافض سيّما الغلاة منهم مبالغات في بغض البعض من الصّحابة ).
أقول :
لابدّ أوّلاً من تعريف الصّحابي ، فقد اختلفت كلماتهم في تعريفه ، والذي يهمّنا هنا معرفة رأي السّعد :
قال ابن الحاجب : « الصّحابي من رأي النّبي عليه الصّلاة والسّلام وإن لم يرو ولم تطل ».
فقال العضد بشرحه : « قد اختلف في الصحابي فقيل : من رأى الرسول عليه الصلاة والسلام وإن لم يرو عنه حديثاً ولم تطل صحبته له ، وقيل »(١) .
__________________
(١) شرح المختصر ٢/٦٧.
فالمختار عند الماتن والشارح هو القول الأول.
ووافقهما السّعد في الحاشية وهذه عبارته :
« قوله : الصحابي من رآه ، أي مسلم رأى النبي ، يعني صحبه ولو أعمى ، وفي بعض الشروح ، أي راه النبي عليه الصلاة والسلام »(١) .
فالصحابي : من رأى النبي مسلماً أو رآه النبي.
هذا هو الموضوع. والحكم : وجوب تعظيم الصّحابة كلهم والكفّ عن مطاعنهم وحمل ما يوجب
فالحاصل : وجوب تعظيم كلّ مسلم رأى النبيّ أو رآه النبي ، والكف عن مطاعنه
فهل يرتضي هذا أحد؟ وما الدليل عليه؟
وكيف يقول السّعد هذا؟ وسيصرّح في ٣١٠ بالعبارة التالية :
( إنّ ما وقع بين الصّحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ ، والمذكور على ألسنة الثقات ، يدل بظاهره على أن بعضهم قد حاد عن الطريق الحق ، وبلغ حدّ الظلم والفسق ، وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد ، وطلب الملك والرياسة ، والميل إلى اللذات والشهودات ، إذ ليس كلّ صحابي معصوماً ولا كلّ من لقي النّبي بالخير موسوماً ).
كيف يقول هنا : يجب تعظيم الصحابي ـ أي كلّ من لقي النبي ـ ويقول هناك : « ليس كل صحابي معصوماً ولا كل من لقي النبي بالخير موسوماً »؟
أللهمَّ إلاّ أن يقال : كلامه هنا عام وقد خصّصه كلامه ذاك ، فيكون حكم ما ذكره هنا حكم ما ورد كتاباً وسنةً في مدح الأصحاب عموماً ، فإنّ الله تعالى والنّبيصلىاللهعليهوآله لا يأمران بحبّ من حاد عن الطريق الحق وبلغ حدّ الظلم والفسق بل الحكم الشرعي هو الاجتناب والتبرّي عن هكذا
__________________
(١) شرح المختصر ٢/٦٧.
أشخاص.
هذا مقتضى التحقيق الحقيق بالقبول والتصديق.
وعلى الجملة ، فإنّ من الأصحاب من لا يجوز تعظيمه والاقتداء به ، ومنهم من يجب تعظيمه وتكرمه ، وهذا القسم هوالذي يحمل ما يوجب بظاهره الطعن منهم على محامل وتأويلات كما هوالحال بالنّسبة إلى سائر المسلمين
قال(٣٠٥) :
( أمّا توقف عليّ في بيعة أبي بكر فيحمل على أنه لما أصابه من الكآبة والحزن بفقد رسول الله ).
أقول :
هذا حمل باطل ، فإنّهعليهالسلام قد أصابه بفقد الرسولصلىاللهعليهوآله من الكآبة والحزن ما لا يوصف ، ولكنّ ذلك ما كان بحيث يكون مانعاً له عن الحضور للبيعة مدة ستة أشهر لو كان يرى أبابكر إمام حق وهويعلم بأنّ من بات وليس في عنقه بيعة إمام فمات مات ميتة جاهلية! ولو سلّم أن المانع له ذلك فلم لم يأمر قومه وأتباعه وزوجته بالبيعة؟
إنّ هذا الحمل باطل ، بل الأدلّة والشواهد من الخطبة الشقشقيّة وغيرها دالة على خلافه وقد تقدم في الكتاب طرف من ذلك
قال(٣٠٦) :
( بل لأنّه تركهم واختيارهم من غير إلزام ).
أقول :
ما الداعي لتوجيه تخلّف الجماعة عن بيعة أمير المؤمنينعليهالسلام ؟ وكيف يلتئم هذا التوجيه مع ما ثبت عن بعضهم من الندم على التخلّف عن البيعة والقتال مع الامام؟
وهل يكون ترك الإلزام من الامامعليهالسلام عذراً لترك الواجب بحكم الاسلام؟ ثمّ لينظركم فرق بين إمامة أمير المؤمنين الذي ترك الإلزام ، وإمامة الذين
هدّدوا آل رسول الله بتحريق دارهم على من فيها؟
قال(٣٠٨) :
( وما ذهب إليه الشيعة من أن محاربي علي كفرة فمن اجتراءاتهم وجهالاتهم ).
أقول :
قال شيخنا أبو جعفر الطوسي المتوفى سنة ٤٦٠ : « فصل في أحكام محاربي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والقاعدين عن نصرتهعليهالسلام : عندنا أن من حارب أمير المؤمنين وضرب وجهه ووجه أصحابه بالسيف كافر ، والدليل المعتمد في ذلك : اجماع الفرقة المحقة من الإماميّة على ذلك ، فإنهم لايختلفون في هذه المسألة على حالٍ من الأحوال ، وقد دلّلنا على أن إجماعهم حجة فيما تقدم.
وأيضاَ : فنحن نعلم أن من حاربه كان منكراً لامامته ودافعاً لها ، ودفع الامامة كفر ، كما أنّ دفع النبوة كفر ، لأنّ الجهل بهما على حدٍ واحد ، وقد روي عن النّبي أنه قال : من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية. وميتة الجاهلية لا تكون إلاّ على كفر.
وأيضاَ : روي عنه أنه قال : حربك يا علي حربي وسلمك يا علي سلمي ، ومعلوم أنه إنما أراد أن أحكام حربك تماثل أحكام حربي ، ولم يرد أن إحدى الحربين هي الأخرى ، لأن المعلوم ضرورة خلاف ذلك ، وإذا كان حرب النّبي كفراً وجب مثل ذلك في حرب أمير المؤمنين ، لأنه جعله مثل حربه.
ويدلّ على ذلك أيضاَ : قوله أللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه ، ونحن نعلم أنه لا تجب عداوة أحد بالاطلاق إلاّ عداوة الكفار.
وأيضاً : فنحن نعلم أن من كان يقاتله يستحل دمه ويتقّرب إلى الله بذلك ، واستحلال دم امرئ مسلم كفر بالاجماع ، وهوأعظم من استحلال جرعة من الخمر الذي هو كفر بالاتفاق »(١) .
__________________
(١) تلخيص الشافي ٤/١٣١ ـ ١٣٣.
قال( ٣١٠) :
( فانْ قيل : يزعمون قلنا : مقاولتهم ومخاشنتهم في الكلام كانت محض نسبة إلى الخطأ وبالجملة فلم يقصدوا إلاّ الخير والصّلاح في الدين ).
أقول :
إذا كان يحسن الظن بأصحاب الجمل وأهل صفّين وغيرهم ، ويحمل أعمالهم ـ حتى المقاتلة فضلاً عن اللعن والتّضليل ـ على الصحة فمن البعض الذي نصّ بعد هذه العبارة على أنّه « قد حاد عن طريق الحق وبلغ حدّ الظلم والفسق ، وكان الباعث له الحقد والعناد ».
قال(٣١١) :
( فان قيل : فمن علماء المذهب من لم يجوّز اللعن على يزيد مع علمهم بأنّه يستحق ما يربو على ذلك ويزيد. قلنا : تحامياً عن أن يرتقى إلى الأعلى فالأعلى وإلاّ فمن يخفى عليه الجواز والاستحقاق؟ ).
أقول :
هذا توجيه لما ذهب إليه بعض النواصب ، لكنّ مقتضى مذهب أهل السنة القائلين بإمامة من تغلّب بالجور والقهر ، وبعدم جواز عزل الحاكم وإنْ ظلم أو فسق هو المنع من لعن يزيد
ثم إنّ الأعلى كائناً من كان إنْ كان مستحقا للّعن فهو ملعون مثل يزيد ، وانْ كان له دخل في تمكّن يزيد من رقاب المسلمين وتسلّطه على أهل بيت سيّد المرسلين ، فهو شريك في جميع ما فعله نغل معاوية اللعين فيستحق ما يستحقّه وإنّ الحق يقال على كلّ حال...
قال(٣١٢) :
( ممّا يلحق بباب الامامة بحث خروج المهدي ).
أقول :
ليس بحث المهدي وخروجه ممّا يلحق بباب الامامة ، بل إنه من صلب باب الامامة ، فإنّه الإمام الثاني عشر المنصوص عليه من النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله ، والأحاديث به متواترة والاعتقاد به من ضرورّيات الدين ، فمن أنكره عدّ من المرتدّين.
قال(٣١٣) :
( وزعمت الامامية من الشيعة أن محمّد بن الحسن العسكري اختفى عن الناس خوفاً من الأعداء ، ولا استحاله في طول عمره كنوح ولقمان والخضر عليهمالسلام .
وأنكر ذلك سائر الفرق ، لأنه ادعاء أمر يستبعد جداً ).
أقول :
المهدي من هذه الأمّة ، ومن قريش ، ومن العترة النبوية ، ومن ولد فاطمةعليهاالسلام كما في الأحاديث الكثيرة التي أورد بعضها في الكتاب
ثم إنّه من ولد الحسين بن عليعليهماالسلام كما في الأحاديث الكثيرة أيضاً المتفق عليها بين الفريقين منها أنّه لمّا أخبر به سأله سلمان : « من أيّ ولدك يا رسول الله؟ قال : من ولدي هذا. وضرب بيده على الحسين »(١) .
ثم إنّ مقتضى الأحاديث الصّحيحة المتفق عليها وجود المهديعليهالسلام ، وهي طوائف :
١ ـ ما جاء في أنّ من مات بغير إمام ما ميتة جاهليّة. وقد تقدّم ذكره في الكتاب ببعض ألفاظه ، وقد أرسله السّعد إرسال المسّلمات.
٢ ـ ما جاء في أنّ الأئمة بعد النبيصلىاللهعليهوآله أثنا عشر. وقد
__________________
(١) دخائر العقبى في مناقب ذوي القربى : ١٣٦.
تقدّم في الكتاب ذكره كذلك.
٣ ـ ما جاء في أنّ الحسينعليهالسلام إمام أخو إمام أبو أئمّة تسعة. وقد تقدّم في الكتاب إشارة إليه كذلك.
وهذا هو الحق الثابت عند أهله ، وأخبارهم وآثارهم به متواترة قطعية.
ثمّ إنّ السعد لا ينكر ولادة الامام المهدي ابن الحسن العسكريعليهالسلام ، وبولادته صرّح كثير من علماء أهل السنة من محدثين ومؤرخين وفقهاء وعرفاء ، كالحافظ أحمد بن محمّد البلاذري ، وابن الازرق المؤرخ ، والحافظ أبي بكر البيهقي ، وابن الوردي ، وصلاح الدين الصّفدي ، وكمال الدين ابن طلحة الشافعي ، وسبط ابن الجوزي الحنفي ، ونور الدين ابن الصبّاغ المالكي ، وصدر الدّين الحمويني ، وابن حجر المكي ، وابن عربي ، وعبدالوهّاب الشّعراني وغيرهم وكلمات الجميع مدوّنة في الكتب المؤلّفة في أخبار المهدي التي تعدّ بالمئات
وقد صرّح غير واحد منهم باختفائه عن الناس ، كابن حجر المكي الشافعي والقندوزي الحنفي كما في ( ينابيع المودّة ) وابن الصبّاغ المالكي في ( الفصول المهمّة )
فالمهدي ـ وهو ابن الحسن العسكري ـ مولود موجود ، والسّعد ليس من المنكرين ، وإنّما قال :
( لأنّه ادعاء أمر يستبعد جداً ).
وقال :
( ولأن اختفاء إمام هذا القدر من الأنام بحيث لا يذكر منه إلاّ الاسم بعيد جداً ).
وفيه : أولاً : إنّه ليس بحيث لا يذكر منه إلاّ الاسم ، فإنّ أوليائه بوجوده ينتفعون وبنور هدايته يستضيئون ، وما يدري السّعد! وثانياً : إنّ المراد من الاختفاء هو عدم العلم بشخصه ومكانه ، وإلاّ فإنّه يتجوّل في البلاد ويحضر
الموسم ، بخدمه وحشمه وثالثاً : إنّ الاستبعاد المجرّد لأمر يرتفع بمجرّد وقوع نظير له في الوجود ، فكيف ، والنظائر كثيرة لا تحصر؟
قال :
( ولأنّ بعثه مع هذا الاختفاء عبث ).
أقول :
هذا اعتراض على الله سبحانه ـ وإلاّ فإنّ نظائره بين الأنبياء كثيرون
قال :( ولو سلّم فكان ينبغي أن يكون ظاهراً ).
أقول :
صحيح أنّ الانتفاع الكامل به يكون إذا كان ظاهراً ، ولكن الانتفاع به حال كونه مختفياً يعلمه أهله ولكن غيرهم لا يشعرون
قال :
( فما يقال : إن عيسى يقتدي بالمهدي أو بالعكس شيء لا مستند له ، فلا ينبغي أن يعوّل عليه ).
أقول :
هذا إنكار للحديث المتفق عليه الصريح في أنّ عيسىعليهالسلام يصلّي خلفه ، ولعلّ الوجه لعدم التعويل عليه كلامه بعد ذلك :
قال :
( نعم هو وإن كان حينئذٍ من أتباع النبي ـ صلىاللهعليهوآله ـ فليس منعزلاً عن النبوة ، فلا محالة يكون أفضل من الامام ، إذ غاية علماء الأمّة الشبه بأنبياء بني إسرائيل ).
أقول :
إنّ البحث عن المهديعليهالسلام وأخباره يستوعب كتباً عديدة ، ونحن نتعرّض باختصار لبعض ما ورد في خصوص أن عيسىعليهالسلام يقتدي به في الصلاة. ليتبينّ أن ما ذكره السعد هنا جهل أو تعصّب فنقول :
أخرج البخاري ومسلم ، كلاهما في باب نزول عيسى ، عن أبي هريرة قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم ».
وأخرجه ابن ماجة عن أبي أمامة الباهلي.
والحاكم عن أبي نضرة وصححه على شرط مسلم.
وأبو نعيم عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبدالله.
وهو عند غيرهم عن غير واحدٍ من الصحابة.
والحديث بذلك متواتر كما نصّ عليه بعض الأعلام ، فلاحظ : الصواعق المحرقة ٩٩ حيث ذكر ذلك وأضاف : « إن المهدي يصلي بعيسى هو الذي دلّت عليه الأحاديث ».
وقال الحافظ السيوطي رداً على من أنكر ذلك :
« هذا من أعجب العجب ، فإنّ صلاة عيسى خلف المهدي ثابتة في عدّة أحاديث صحيحة ، بإخبار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو الصادق المصدّق الذي لا يخلف خبره » راجع : الحاوي للفتاوي ٢/١٦٧.
أللهمّ ثبّتنا على القول بإمامته وإمامة آبائه الطاهرين وشريعة جدّه سيد المرسلين ، ووفّقنا لما تحبّه وترضاه يوم الدين ، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم يا أرحم الرّاحمين ، وصلّى الله على محمّد وآله المعصومين والحمد لله ربّ العالمين.
رسالة
في صلاة أبي بكرٍ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين.
وبعد
فهذه رسالة وجيزه تناولت فيها خبر : أنّ النبيصلىاللهعليهوآله أمر في أيّام مرض موته أبابكر بالصلاة بالمسلمين ، وأنّه خرج إلى المسجد وصلّى خلفه معهم بالبحث والتحقيق ، وإنّه بذلك لحقيق :
لتعلّقه بأحوال النبّيصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيرته المباركة
ولتمسّك القائلين بخلافة أبي بكر من بعده به
وللأحكام الشرعية والمسائل الاعتقادية المستفادة منه
ولأمور غير ذلك
لقد بحثت عن الخبر من أهمّ نواحيه ، وسبرتُ ما قيل فيه ، وتوصّلت على ضوء ذلك إلى واقع الحال وحقّ المقال
فإلى أهل التحقيق والفضل هذا البحث غير المسبوق ولا المطروق من
قبل ، أرجو أن ينظروا فيه بعين الإنصاف بعيداً عن التعصّب والاعتساف وما توفيقي إلاّ بالله.
* * *
(١)
أسانيد الحديث ونصوصه
لقد أتفّق المحدّثون كلّهم على إخراج هذا الحديث ، فلم يخلُ منه ( صحيح ) ولا ( مسند ) ولا ( معجم ) لكنّا اقتصرنا هنا على ما أخرجه أرباب ( الصحّاح الستّة ) وما أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند ) لكون ما جاء في هذه الكتب هو الأتمّ لفظاً والأقوى سنداً ، فإذا عرف حاله عرف حال غيره ، ولم تكن حاجة إلى التطويل بذكره
جاء في ( الموطّأ ) : « وحدّثني عن مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم خرج في مرضه فأتى فوجد أبابكر وهو قائم يصلّى بالناس ، فاستأخر أبوبكر فأشار إليه رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أن كما أنت ؛ فجلس رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم إلى جنب أبي بكر ، فكان أبوبكر يصلّي بصلاة رسول الله عليه [ وآله ] وسلّم وهو جالس ، وكان الناس يصلّون بصلاة أبي بكر »(١) .
صحيح البخاري :
وأخرجه البخاري في مواضع كثيرة من ( صحيحة ) منها ما يلي :
١ ـ حدّثنا عمر بن حفص بن غياث ، قال : حدّثني أبي ، قال : حدّثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، قال الأسود : قال : كنّا عند عائشة فذكرنا المواظبة على الصلاة والتعظيم لها : فقالت :
__________________
(١) الموطّأ ـ بشرح السيوطي ـ ١/١٥٦ ، وفي طبعة محمّد فؤاد عبدالباقي ١/١٣٦.
« لمّا مرض رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة فأذن ، فقال : مُروا أبابكر فليصلّ بالناس. فقيل له : إنّ أبابكر رجل أسيف إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلّى بالناس ؛ وأعاد فأعادوا له ، فأعاد الثالثة ، فقال : إنّكنّ صواحب يوسف! مُروا أبابكر فليصلّ بالناس.
فخرج أبوبكر فصلّى ، فوجد النّبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم من نفسه خفّةً ، فخرج يهادي بين رجلين ، كأنّي أنظر رجليه تخطّان من الوجع ، فأراد أبوبكر أن يتأخر ، فأومأ إليه النّبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أن مكانك.
ثم أتي به حتّى جلس إلى جنبه.
قيل للأعمش : وكان النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يصلّي وأبوبكر يصلّي بصلاته والناس يصلّون بصلاة أبي بكر؟ فقال برأسه : نعم.
قيل للأعمش : وكان النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يصلّي وأبوبكر يصلّي بصلاته والناس يصلّون بصلاة أبي بكر؟ فقال برأسه : نعم.
رواه أبو داود(١) عن شعبة عن الأعمش بعضه. وزاد أبو معاوية : جلس عن يسار أبي بكر ، فكان أبوبكر يصلّي قائماً »(٢) .
٢ ـ حدّثنا يحيى بن سليمان ، قال : حدّثنا ابن وهب ، قال : حدّثني يونس ، عن ابن شهاب ، عن حمزة بن عبدالله أنّه أخبره عن أبيه ، قال : « لمّا اشتدّ برسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وجعه قيل له في الصلاة! فقال : مروا أبابكر فليصلّ بالناس.
قالت عائشة : إنّ أبابكر رجل رقيق ، إذا قرأ غلبه البكاء.
قال مروه فيصلّي. فعاودته.
قال : مروه فيصلّي ، إنّكنّ صواحب يوسف»(٣) .
٣ ـ حدّثنا زكريّا بن يحيى ، قال : حدّثنا ابن نمير ، قال : أخبرنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : قالت : « أمر رسول الله صلّى الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم
__________________
(١) هو أبو داود الطيالسي.
(٢) صحيح البخاري ـ بشرح ابن حجر ـ ٢/١٢٠ باب حدّ المريض أن يشهد الجماعة.
(٣) صحيح البخاري ـ بشرح ابن حجر ـ ٢/١٣٠ باب : أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة.
أن يصلّي بالناس في مرضه ، فكان يصلّي بهم.
قال عروة : فوجد رسول الله صلّى الله عليه و[ وآله ] وسلّم نفسه خفّةً ، فخرج فإذا أبوبكر يؤمّ الناس ، فلمّا رآه أبوبكر استأخر فأشار إليه أنْ كما أنت.
فجلس رسول الله حذاء أبي بكر إلى جنبه ، فكان أبوبكر يصلّي بصلاة رسول الله صلّى الله عليه و[ وآله ] وسلّم والناس يصلّون بصلاة أبي بكر »(١) .
٤ ـ حدّثنا إسحاق بن نصر ، قال : حدّثنا حسين ، عن زائدة ، عن عبدالملك بن عمير ، قال : حدّثني أبو بردة ، عن أبي موسى ، قال : « مرض النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم فاشتدّ مرضه فقال : مروا أبابكر فليصلّ بالناس.
قالت عائشة : إنّه رجل رقيق ، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلّى بالناس!.
قال : مروا أبابكر فليصلِّ بالناس ، فعادت.
فقال : مُري أبابكر فليصلِّ بالناس فإنّكنّ صواحب يوسف.
فأتاه الرسول فصلّى بالناس في حياة النبّي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم »(٢) .
٥ ـ حدّثنا عبدالله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أم المؤمنين أنّها قالت : « إنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال في مرضه : مروا أبابكر يصلّي بالناس.
قالت : عائشة : قلت : إنّ أبابكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء! فمُر عمر فليصلّ للناس.
فقالت عائشة : فقلت : لحفصة قولي له : إن أبابكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فَمُرْ عمر فليصلِّ للناس. ففعلت حفصة.
فقال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : صه ، إنّكنّ لأنتنّ صواحب يوسف ، مروا أبابكر فليصلّ للناس.
__________________
(١) صحيح البخاري ـ بشرح ابن حجر ـ ٢/١٣٢ باب من قام إلى جنب الإمام لعلّةٍ.
(٢) صحيح البخاري ـ بشرح ابن حجر ـ ٢/١٣٠.
فقالت : حفصة لعائشة : ما كنتَ لأُصيب منك خيراً »(١) .
٦ ـ حدّثنا أحمد بن يونس ، قال : حدّثنا زائدة ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة ، قال : « دخلت على عائشة فقلت : ألا تحدّثيني عن مرض رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم؟
قلت : بلى ، ثقل النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم فقال : أصلّى الناس؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك.
قال : ضعوا لي ماءً في المخضب ، قالت : ففعلنا فاغتسل ، فذهب لينوء فأُغمي عليه.
ثمّ أفاق ، فقال : أصلّى الناس؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله.
فقال : ضعوا لي ماءً في المخضب ، قالت فقعد فاغتسل ، ثمّ ذهب لينوء فأُغمي عليه.
ثمّ أفاق فقال : أصلّى الناس؟ فقلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله. فقال : ضعوا لي ماءً في المخضب ، فقعد فاغتسل ، ثم ذهب لينوء فأُغمي عليه.
ثم أفاق فقال : أصلّى الناس؟ فقلنا : لا ، هم ينتظونك يا رسول الله. والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم لصلاة العشاء الآخرة.
فأرسل النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم إلى أبي بكر بأن يصلّي بالناس ، فأتاه الرسول فقال : إنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يأمرك أن تصلّي بالناس. فقال أبوبكر ـ وكان رجلاً رقيقاً ـ : يا عمر ، صلّ بالناس. فقال له عمر : أنت أحقّ بذلك. فصلّى أبوبكر تلك الأيام.
ثمّ إنّ النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وجد من نفسه خفّةً ، فخرج بين
__________________
(١) صحيح البخاري ـ بشرح ابن حجر ـ ٢/١٣٠.
رجلين أحدهما العبّاس لصلاة الظهر وأبوبكر يصلّي بالناس ، فلمّا رآه أبوبكر ذهب ليتأخّر فأومأ إليه النبي صلّى الله عليه و[ وآله ] وسلّم بأن لا يتأخّر.
قال : أجلساني إلى جنبه ، فأجلساه إلى جنب أبي بكر. فجعل أبوبكر يصلّي وهو يأتمّ بصلاة النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، والناس بصلاة أبي بكر والنبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قاعد.
قال عبيدالله : فدخلت على عبدالله بن عبّاس فقلت له : ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم؟ قال : هات.
فعرضت عليه حديثها ، فما أنكر منه شيئاً ، غير أنّه قال : أسمَّتْ لك الرجل الذي كان مع العبّاس؟ قلت : لا ، قال : هو عليّ »(١) .
٧ ـ حدّثنا مسدّد ، قال : حدّثنا عبدالله بن داود ، قال : حدّثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : « لمّا مرض النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم مرضه الذي مات فيه أتاه بلال يؤذنه بالصّلاة. فقال مروا أبابكر فليصلّ.
قلت : إنّ أبابكر رجل أسيف ، إنْ يقم مقامك يبكي فلا يقدر على القراءة!.
قال : مروا أبابكر فليصلِّ.
فقلت مثله فقال في الثالثة أو الرابعة : إنّكنّ صواحب يوسف ، مروا أبابكر فليصلّ ؛ فصلّى.
وخرج النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يهادي بين رجلين كأنّي أنظر إليه يخطّ برجليه الأرض ، فلمّا رآه أبوبكر ذهب يتأخّر ، فأشار إليه أن صلّ ، فتأخّر أبو بكر وقعد النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم إلى جنبه وأبوبكر يسمع الناس
__________________
(١) صحيح البخاري ـ بشرح ابن حجر ـ ٢/١٣٧ باب إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به.
التكبير »(١) .
٨ ـ حدّثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدّثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : « لمّا ثقل رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم جاء بلال يؤذنه بالصّلاة ، فقال : مُروا أبابكر أنْ يصلّي بالناس. فقلت : يا رسول الله إنّ أبابكر رجل أسيف ، وإنّه متى ما يقم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر.
فقال : مروا أبابكر يصلّي بالناس.
فقلت لحفصة : قولي له إنّ أبابكر رجل أسيف ، وإنّه متى يقم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر.
قال : إنّكنّ لأنّتنّ صواحب يوسف ، مروا أبابكر أن يصلّي بالناس.
فلمّا دخل في الصلاة وجد رسول الله في نفسه خفّةً ، فقام يهادي بين رجلين ورجلاة تخطّان في الأرض حتّى دخل المسجد.
فلمّا سمع أبوبكر حسّه ذهب أبوبكر يتأخّر ، فأومأ إليه رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، فجاء رسول الله حتّى جلس عن يسار أبي بكر ، فكان أبوبكر يصلّي قائماً وكان رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يصلّي قاعداً ، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر »(٢) .
٩ ـ حدّثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني أنس بن مالك الأنصاري ـ وكان تبع النبي وخدمه وصحبه ـ « أنّ أبابكر كان يصلّي لهم في وجع النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم الذي توفّي فيه ، حتّى إذا كان يوم الاثنين وهم في صفوف الصلاة ، فكشف النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأنّ وجهه ورقة مصحف ، ثمّ تبسّم يضحك ، فهممنا
__________________
(١) صحيح البخاري ـ بشرح ابن حجر ـ ٢/١٦٢ باب من أسمع تكبير الإمام.
(٢) صحيح البخاري ـ بشرح ابن حجر ـ ٢/١٦٢ باب الرجل يأتمّ بالإمام ويأتمّ الناس بالمأموم.
أن نفتتن من الفرح برؤية النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم. فنكص أبوبكر على عقبيه ليصل الصفّ ، وظنّ أنّ النبي خارج إلى الصلاة ، فأشار إلينا النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أن أتمّوا صلاتكم ، وأرخى الستر ، فتوفّي من يومه »(١) .
١٠ ـ حدّثنا أبو معمر ، قال : حدّثنا عبدالوارث ، قال : حدّثنا عبدالعزيز ، عن أنس ، قال : « لم يخرج النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ثلاثاً ، فأقيمت الصلاة فذهب أبوبكر يتقدّم ، فقال نبي الله بالحجاب فرفعه ، فلمّا وضح وجه النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ما نظرنا منظراً كان أعجب إلينا من وجه النبي حين وضح لنا ، فأومأ النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم بيده أبي بكر أنْ يتقدّم ، وارخى النبي الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات »(٢) .
وأخرجه مسلم بن الحجّاج في ( صحيحه ) غير مرّة. من ذلك :
١ ـ حدّثنا أحمد بن عبدالله بن يونس ، قال : حدّثنا زائدة ، حدّثنا موسى ابن أبي عائشة ، عن عبيدالله بن عبدالله ، قال : « دخلت على عائشة فقلت لها : ألا تحدّثيني عن مرض رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم؟
قالت : بلى ، ثقل النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، فقال : أصلّى الناس؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله.
قال : ضعوا لي ماءً في المخضب » إلى آخر ما تقدّم عن البخاري(٣) .
٢ ـ حدّثني محمد بن راقع وعبد بن حميد ـ واللفظ لابن رافع ـ قال عبد : أخبرنا ، وقال ابن رافع : حدّثنا عبدالرزّاق ، أخبرنا معمر ، قال الزهري : وأخبرني حمزه بن عبدالله بن عبدالله بن عمر ، عن عائشة ، قالت : « لمّا دخل رسول الله
__________________
(١) صحيح البخاري ـ بشرح ابن حجر ـ ٢/١٣٠ باب أن أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة.
(٢) صحيح البخاري ـ بشرح ابن حجر ـ ٢/١٣٠.
(٣) صحيح مسلم ـ بشرح النووي ، هامش إرشاد الساري ـ ٣/٥٤.
صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم بيتي قال : مروا أبابكر فليصلِّ بالناس.
قالت : فقلت يا رسول الله ، إنّ أبابكر رجل رقيق ، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه! فلو أمرت غير أبي بكر. قالت : والله ما بي إلاّ كراهية أنْ يتشاءم الناس بأوّل من يقوم في مقام رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قالت : فراجعته مرّتين أو ثلاثاً. فقال : ليصلّ بالناس أبوبكر فإنّكنّ صواحب يوسف »(١) .
٣ ـ حدّثنا أبوبكر بن أبي شيبة ، قال : حدّثنا أبو معاوية ووكيع.
ح وحدّثنا يحيى بن يحيى ـ واللفظ له ـ أخبرنا معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : « لمّا ثقل رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم جاء بلال يؤذنه بالصلاة » إلى آخر ما تقدم عن البخاري(٢) .
٤ ـ حدّثنا أبوبكر بن أبي شيبة وأبو كريب ، قالا : حدّثنا ابن نمير عن هشام.
ح وحدّثنا ابن نمير ـ وألفاظهم ـ متقاربة ـ قال : حدّثنا أبي هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : « أمر رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أبابكر أنْ يصلّي بالناس في مرضه ، فكان يصلّي بهم.
قال عروة : فوجد رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم من نفسه خفّةً ، فخرج وإذا أبوبكر يؤمّ الناس ، فلمّا رآه أبوبكر استأخر ، فأشار إليه رسول الله أي كما أنت. فجلس رسول الله عليه [ وآله ] وسلّم حذاء أبي بكر إلى جنبه فكان أبوبكر يصلّي بصلاة رسول الله ، والناس يصلّون بصلاة أبي بكر »(٣) .
٥ ـ حدّثني عمرو الناقد وحسن الحلواني وعبد بن حميد ، قال عبد : أخبرني وقال الآخران : حدّثنا يعقوب ـ وهو ابن إبراهيم بن سعد ـ ، قال : حدّثنا أبي عن صالح ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني أنس بن مالك : « أنّ أبابكر كان يصلّي
__________________
(١) صحيح مسلم ـ بشرح النووي ، هامش إرشاد الساري ـ ٣/٥٩.
(٢) صحيح مسلم ـ بشرح النووي ، هامش إرشاد الساري ـ ٣/٥١.
(٣) صحيح مسلم ـ بشرح النووي ، هامش إرشاد الساري ـ ٣/٦١.
لهم في وجع رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم الذي توفّي فيه »(١) .
٦ ـ حدّثنا محمّد بن المثنّى وهارون بن عبدالله ، قالا : حدّثنا عبدالصمد ، قال : سمعت أبي يحدّث ، قال : حدّثنا عبدالعزيز ، عن أنس ، قال : « لم يخرج إلينا نبيّ الله ثلاثاً » إلى آخر ما تقدّم عن البخاري(٢) .
٧ ـ ورواه مسلم ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن أنس(٣) .
٨ ـ وعن عبدالرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أنس(٤) .
٩ ـ حدّثنا أبوبكر بن أبي شيبة ، حدّثنا حسين بن علي ، عن زائدة ، عن عبدالملك بن عمير ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : « مرض رسول الله » إلى آخر ما تقدّم عن البخاري(٥) .
وأخرجه الترمذي في ( صحيحه ) حيث قال :
« حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري ، حدّثنا معن ، حدّثنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : أنّ النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال : مروا أبابكر فليصلٍّ بالناس.
فقالت عائشة : يا رسول الله ، إنّ أبابكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء فأمر عمر فليصلّ بالناس.
قالت عائشة : فقلت لحفصة : قولي له : إنّ أبابكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء فأمر عمر فليصلِّ بالناس. ففعلت حفصة.
__________________
(١) صحيح مسلم ـ بشرح النووي ، هامش إرشاد الساري ـ ٣/٦٢.
(٢) صحيح مسلم ـ بشرح النووي ، هامش إرشاد الساري ـ ٣/٦٣.
(٣) صحيح مسلم ـ بشرح النووي ، هامش إرشاد الساري ـ ٣/٦٣.
(٤) صحيح مسلم ـ بشرح النووي ، هامش إرشاد الساري ـ ٣/٦٣.
(٥) صحيح مسلم ـ بشرح النووي ، هامش إرشاد الساري ـ ٣/٦٣.
فقال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : إنّكنّ لأنتنّ صواحبات يوسف ، مروا أبابكر فليصلِّ بالناس.
فقالت حفصة لعائشة : ما كنت لأصيب منك خيراً.
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.
وفي الباب عن : عبدالله بن مسعود وأبي موسى وابن عبّاس وسالم بن عبيد وعبدالله بن زمعة »(١) .
سنن أبي داود :
وأخرجه أبو داود في ( سننه ) بقوله :
« حدّثنا عبدالله بن محمّد النفيلي ، ثنا محمّد بن سلمة ، عن محمّد بن إسحاق ، قال : حدّثني الزهري ، حدّثني عبدالملك بن أبي بكر بن عبدالصمد بن الحرث بن هشام ، عن أبيه عن عبدالله بن زمعة ، قال : لمّا استعزّ برسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وأنا عنده في نفر من المسلمين دعاه بلال إلى الصلاة فقال : مروا من يصلّي بالناس.
فخرج عبدالله بن زمعة فإذا عمر في الناس ـ وكان أبوبكر ـ غائباً ـ فقلت : يا عمر ، قم فصلّ بالناس. فتقدّم فكبّر.
فلمّا سمع رسول الله صلّى الله [ وآله ] وسلّم صوته ، وكان عمر رجلاً مجهراً. فقال : أين أبوبكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون ، يأبى الله ذلك والمسلمون.
فبعث إلى أبي بكر ، فجاء بعد أنْ صلّى عمر تلك الصلاة فصلّى بالناس.
حدّثنا أحمد بن صالح ، ثنا ابن أبي فديك ، قال : حدّثني موسى بن يعقوب ، عن عبدالله بن إسحاق ، عن ابن شهاب ، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة : أنّ عبدالله بن زمعة أخبره بهذا الخبر قال : لمّا سمع النبي صلّى الله عليه
__________________
(١) صحيح الترمذي ٥/٥٧٣ ، باب مناقب أبي بكر.
[ وآله ] وسلّم صوت عمر ـ قال ابن زمعة ـ خرج النبي حتّى أطلع رأسه من حجرته ثم قال : لا لا لا ، ليصلّ للناس ابن أبي قحافة ؛ يقول ذلك مغضباً »(١) .
سنن النسائي :
وأخرجه النسائي في ( سننه ) :
١ ـ أخبرنا العبّاس بن عبدالعظيم العنبري ، قال : حدّثنا عبدالرحمن بن مهدي ، قال : حدّثنا زائدة ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبيدالله بن عبدالله ، قال : « دخلت على عائشة فقلت : ألا تحدّثيني » إلى آخره كما تقدّم(٢) .
٢ ـ حدّثنا محمّد بن العلاء ، قال : حدّثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : « لمّا ثقل رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم جاء بلال يؤذنه بالصلاة. فقال : مرو أبابكر فليصلّ بالناس » إلى آخره كما تقدّم(٣) .
٣ ـ أخبرنا عليّ بن حجر ، قال : حدّثنا إسماعيل ، قال : حدّثنا حميد ، عن أنس ، قال : « آخر صلاة صلاّها رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم مع القوم ، صلّى في ثوب واحدٍ متوشّحاً خلف أبي بكر »(٤) .
٤ ـ أخبرنا محمّد بن المثنّى ، قال : حدّثنا بكر بن عيسى صاحب البصري ، قال : سمعت شعبة يذكر عن نعيم بن أبي هند ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن عائشة : « أنّ أبابكر صلّى للناس ورسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم في الصفّ »(٥) .
__________________
(١) سنن أبي داود ٢/٢٦٦ باب في استخلاف أبي بكر.
(٢) سنن النسائي ٢/١٠ كتاب الإمامة من كتاب الصلاة.
(٣) سنن النسائي ٢/٩٩ كتاب الإمامة من كتاب الصلاة.
(٤) سنن النسائي ٢/٧٧ صلاة الإمام خلف رجل من رعيّته.
(٥) سنن النسائي ٢/٧٧ صلاة الإمام خلف رجل من رعيّته.
٥ ـ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم وهناد بن السري ، عن حسين بن عليّ ، عن زائدة ، عن عاصم ، عن زرّ ، عن عبدالله ، قال : « لمّا قبض رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قالت الأنصار : منّا أمير ومنكم أمير ؛ فأتاهم عمر فقال : ألستم تعلمون أنّ رسول الله قد أمر أبابكر أنْ يصلّي بالناس؟ فايّكم تطيب نفسه أن يتقدّم أبابكر؟! قالوا : نعوذ بالله أن نتقدّم أبابكر »(١) .
٦ ـ أخبرنا محمود بن غيلان ، قال : حدّثني أبو داود ، قال : أنبأنا شعبة ، عن موسى بن أبي عائشة ، قال : « سمعت عبيد الله بن عبدالله يحدّث عن عائشة : أنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أمر أبابكر أنّ يصلّي بالناس. قالت : وكان النبي بين يدي أبي بكر ، فصلّى قاعداً ، وأبوبكر يصلّي بالناس ، والناس خلف أبي بكر(٢) .
سنن ابن ماجة :
وأخرجه ابن ماجة في ( سننه ) :
١ ـ حدّثنا أبوبكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو معاوية ووكيع ، عن الأعمش.
ح وحدّثنا عليّ بن محمّد ، ثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : « لمّا مرض رسول الله عليه [ وآله ] وسلّم مرضه الذي مات فيه ـ وقال أبو معاوية : لمّا ثقل ـ جاء بلال يؤذنه بالصلاة ، فقال : مروا أبابكر فليصلّ بالناس قالت : فأرسلنا إلى أبي بكر فصلّى بالناس.
فوجد رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم من نفسه خفّةً ، فخرج إلى الصلاة فكان أبوبكر يأتمّ بالنبي ، والناس يأتمّون بأبي بكر »(٣) .
٢ ـ حدّثنا ابن أبي شيبة ، ثنا عبدالله بن نمير ، عن هشام بن عروة ، عن
__________________
(١) سنن النسائي ٢/٧٤ كتاب الإمامة من كتاب الصلاة.
(٢) سنن النسائي ٢/٨٤ كتاب الإمامة من كتاب الصلاة.
(٣) سنن ابن ماجة ١/٣٨٩ باب ما جاء في صلاة رسول الله في مرضه.
أبيه ، عن عائشة ، قالت : « أمر رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أبابكر أن يصلّي بالناس في مرضه »(١) .
٣ ـ حدّثنا نصر بن علي الجهضمي ، أنبأنا عبدالله بن داود من كتابه في بيته ، قال : سلمة بن نبيط ، أنا عن نعيم بن أبي هند ، عن نبيط بن شريط ، عن سالم بن عبيد ، قال : « أغمي على رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم في مرضه ، فلمّا أفاق قال : أحضرت الصّلاة؟ قالوا : نعم.
قال : مروا بلالاً فليؤذّن ، ومروا أبابكر فليصلّ بالناس ، ثمّ أغمي عليه فأفاق فقال ثمّ أغمي عليه فأفاق فقال فقالت عائشة : إنّ أبي رجل أسيف ، فإذا قام ذلك المقام يبكي لا يستطيع ، فلو أمرت غيره!
ثمّ أُغمي عليه فأفاق فقال : مروا بلالاً فيؤذن ، ومروا أبابكر فليصلِّ بالناس ، فإنّكنّ صواحب يوسف ـ أو صواحبات يوسف ـ.
قال : فأُمِر بلال فأذّن ، وأُمِر أبوبكر فصلّى بالناس.
ثمّ إنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وجد خفّةً فقال : أُنظروا لي من أتّكئ عليه.
فجاءت بريرة ورجل آخر فاتّكأ عليهما ، فلمّا رآه أبوبكر ذهب لينكص ، فأومأ إليه أن أثبت مكانك.
ثم جاء رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم حتّى جلس إلى جنب أبي بكر حتّى قضى أبوبكر صلاته ، ثمّ إنّ رسول الله قُبِض.
قال أبو عبدالله : هذا حديث غريب لم يحدّث به غير نصر بن علي »(٢) .
٤ ـ حدّثنا عليّ بن محمّد ، ثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق عن الأرقم بن شرحبيل ، عن ابن عباّس ، قال : « لمّا مرض رسول الله صلّى الله عليه
__________________
(١) سنن ابن ماجة١/٣٨٩ باب ما جاء في صلاة رسول الله في مرضه.
(٢) سنن ابن ماجة ١/٣٨٩ باب ما جاء في صلاة رسول الله في مرضه.
[ وآله ] وسلّم مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة فقال : أدعوا لي عليّاً.
قالت عائشة : يا رسول الله ، ندعو لك أبابكر؟ قال : ادعوه.
قالت حفصة : يا رسول الله ندعو لك عمر؟ قال : ادعوه.
قالت أُمّ الفضل : يا رسول الله ، ندعو لك العبّاس؟ قال : نعم.
فلمّا اجتمعوا رفع رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم رأسه فنظر فسكت. فقال عمر : قوموا عن رسول الله.
ثم جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال : مروا أبابكر فليصلّ بالناس. فقالت عائشة : يا رسول الله ، إنّ أبابكر رجل رقيق حصر ، ومتى لا يراك يبكي والناس يبكون ، فلو أمرت عمر يصلّى بالناس؟
فخرج أبوبكر فصلّى بالناس ، فوجد رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم من نفسه خفّةً ، فخرج يهادي بين رجلين ورجلاه تخطّان في الأرض ، فلمّا رآه الناس سبّحوا بأبي بكر ، فذهب ليستأخر فأومأ إليه النبي أي مكانك.
فجاء رسول الله فجلس عن يمينه وقام أبوبكر ، وكان أبوبكر يأتمّ بالنّبي والناس يأتمّون بأبي بكر.
قال ابن عبّاس : وأخذ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم من القراءة من حيث كان بلغ أبوبكر.
قال وكيع : وكذا السنّة.
قال : فمات رسول الله في مرضه ذلك »(١) .
وأخرج أحمد بن حنبل في ( مسنده ) أكثر من غيره بكثير ، فلنذكر طائفة من رواياته :
__________________
(١) سنن ابن ماجة ١/٣٨٩ باب ما جاء في صلاة رسول الله في مرضه.
١ ـ عبدالله ، حدّثني أبي ، ثنا يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة ، حدّثني أبي ، عن أبي إسحاق عن الأرقم بن شرحبيل ، عن ابن عبّاس ، قال : « لمّا مرض صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أمر أبابكر أنْ يصلّي بالناس ، ثمّ وجد خفّةً ، فخرج ، فلمّا أحسّ به أبوبكر أراد أن ينكص ، فأومأ إليه النبي فجلس إلى جنب أبي بكر عن يساره ، واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبوبكر »(١) .
٢ ـ عبدالله ، حدّثني أبي ، ثنا وكيع ، حدّثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أرقم بن شرحبيل ، عن ابن عبّاس ، قال : « لمّا مرض رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة فقال : ادعوا لي عليّاً.
قالت عائشة : ندعو لك أبابكر؟ قال : ادعوه.
قالت حفصة : يا رسول الله ، ندعو لك عمر؟ قال : ادعوه.
قالت أمّ الفضل : يا رسول الله ، ندعو لك العبّاس؟ قال : ادعوه.
فلمّا اجتمعوا رفع رأسه فلم ير عليّاً فسكت. فقال عمر : قوموا عن رسول الله. فجاء بلال يؤذنه بالصلاة(٢) .
٣ ـ عبدالله ، حدّثني أبي ، ثنا عبدالله بن الوليد ، ثنا سفيان ، عن حميد عن أنس بن مالك ، قال : « كان آخر صلاة صلاّها رسول الله صلّى الله [ وآله ] وسلّم عليه برد متوشّحاً به وهو قاعد »(٣) .
٤ ـ عبدالله ، حدّثني أبي ، ثنا يزيد ، أنا سفيان ـ يعني ابن حسين ـ ، عن الزهري ، عن أنس ، قال : « لمّا مرض رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم مرضه الذي توفّي فيه أتاه بلال يؤذنه بالصلاة ، فقال بعد مرّتين : يا بلال ، قد بلّغت ، فمن شاء فليصلّ ومن شاء فليدع.
فرجع إليه بلال فقال : يا رسول الله ، بأبي أنت وامي ، مَن يصلّي بالناس؟
__________________
(١) مسند أحمد ١/٢٣١.
(٢) مسند أحمد ١/٣٥٦.
(٣) مسند أحمد ٣/٢١٦.
قال : مُرْ أبابكر فليصلّ بالناس.
فلمّا أنْ تقدّم أبوبكر رفع عن رسول الله الستور قال : فنظرنا إليه كأنّه ورقة بيضاء عليه خميصة ، فذهب أبوبكر يتأخّر وظنّ أنّه يريد الخروج إلى الصلاة ، فأشار رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم إلى أبي بكر أن يقوم فيصلّي ، فصلّى أبوبكر بالناس ، فما رأيناه بعد »(١) .
٥ ـ عبدالله ، حدّثني أبي ، ثنا حسين بن عليّ ، عن زائدة ، عن عبدالملك ابن عمير ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبي موسى ، قال : « مرض رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم »(٢) .
٦ ـ عبدالله ، حدّثني أبي ، ثنا عبدالأعلى ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبيدالله وعبدالله ، عن عائشة فقالت : « لمّا مرض رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم في بيت ميمونة فاستأذن نساءه أن يمرّض في بيتي فأذِنَّ له ، فخرج رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم معتمداً على العباس وعلى رجلٍ آخر ورجلاه تخطّان في الأرض.
وقال عبيدالله : فقال ابن عبّاس : أتدري من ذلك الرجل؟ هو عليّ بن أبي طالب ، ولكن عائشة لا تطيب له نفساً.
قال الزهري : فقال النبي ـ وهو في بيت ميمونة ـ لعبدالله بن زمعة : مر الناس فليصلّوا.
فلقي عمر بن الخطّاب فقال : يا عمر صلّ بالناس ، فصلّى بهم ، فسمع رسول الله صلّى الله [ وآله ] وسلّم صوته فعرفه وكان جهير الصوت »(٣) .
٧ ـ عبدالله ، حدّثني أبي ، ثنا وكيع ، ثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود عن عائشة ، قالت : لمّا مرض رسول الله فجاء النبي حتى جلس
__________________
(١) مسند أحمد ٣/٢٠٢.
(٢) مسند أحمد ٤/٤١٢.
(٣) مسند أحمد ٦/٣٤.
إلى جنب أبي بكر ، وكان أبوبكر يأتمّ بالنبي ، والناس يأتمّون بأبي بكر »(١) .
٨ ـ عبدالله ، حدّثني أبي ، ثنا أبو معاوية ، ثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة : « فجاء النبي حتى جلس عن يسار أبي بكر ، وكان رسول الله عليه [ وآله ] وسلّم يصلّي بالناس قاعداً وأبوبكر قائماً ، يقتدي أبوبكر بصلاة رسول الله ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر »(٢) .
٩ ـ عبدالله ، حدّثني أبي ، ثنا بكر بن عيسى ، قال : سمعت شعبة بن الحجّاج يحدّث عن نعيم بن أبي هند ، عن أبي وائل عن مسروق ، عن عائشة « أنّ أبابكر صلّى بالناس ورسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم في الصفّ »(٣) .
١٠ ـ عبدالله ، حدّثني أبي ، ثنا شبابة بن سوار ، أبا شعبة ، عن نعيم بن ابي هند ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : « صلّى رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم خلف أبي بكر قاعداً في مرضه الذي مات فيه »(٤) .
١١ ـ عبدالله ، حدّثني أبي ، ثنا شبابة ، ثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، قالت : « قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم في مرضه الذي مات فيه : مروا أبابكر يصلّي بالناس وصلّى النبي خلفه قاعداً »(٥) .
١٢ ـ عبدالله ، حدّثني أبي ، ثنا عبدالصمد بن عبدالوارث ، ثنا زائدة ، ثنا عبدالملك بن عمير ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، قال : « مرض رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم فقال : مروا أبابكر يصلّي بالناس ، فقالت عائشة : يا رسول الله إنّ أبي رجل رقيق! فقال : مروا أبابكر يصلّي بالناس فإنّكنّ صواحبات يوسف.
__________________
(١) مسند أحمد ٦/٢١٠.
(٢) مسند أحمد ٦/٢٢٤.
(٣) مسند أحمد ٦/١٥٩.
(٤) مسند أحمد ٦/١٥٩.
(٥) مسند أحمد ٦/١٥٩.
فأمّ أبوبكر الناس ورسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم حيٌّ »(١) .
__________________
(١) مسند أحمد ٥/٣٦١.
(٢)
نظرات في اسانيد الحديث
لقد نقلنا الحديث بأتمّ ألفاظه وأصحّ طرقه عن الصحاح ومسند أحمد ، وكما ذكرنا من قبل فإنّ معرفة حاله بالنظر إلى هذه الأسانيد والمتون تغنينا عن النظر فيما رووه في خارج الصحاح عن غير من ذكرناه من الصحابة ، ولربّما أشرنا إلى بعض ذلك في خلال البحث
لقد كانت الأحاديث المذكورة عن :
١ ـ عائشة بنت أبي بكر.
٢ ـ عبدالله بن مسعود.
٣ ـ عبدالله بن عبّاس.
٤ ـ عبدالله بن عمر.
٥ ـ عبدالله بن زمعة.
٦ ـ أبي موسى الأشعري.
٧ ـ بريدة الأسلمي.
٨ ـ أنس بن مالك.
٩ ـ سالم بن عبيد.
فنحن ذكرنا الحديث عن تسعةٍ من الصحابة وإن لم يذكر الترمذي إلاّ ستّة ، حيث قال بعد إخراجه عن عائشة : « وفي الباب عن : عبدالله بن مسعود ، وأبي موسى ، وابن عبّاس ، وسالم بن عبيد ، وعبدالله بن زمعة »(١) .
لكن العمدة حديث عائشة بل إنّ بعض ما جاء عن غيرها من الصحابة مرسل ، وإنّها هي الواسطة كما سنرى
__________________
(١) صحيح الترمذي ٥/٥٧٣.
فلنبدأ أوّلاً بالنظر في أسانيد الحديث عن غيرها ممن ذكرناه :
أمّا الحديث المذكور عن أبي موسى الاشعري ـ والذي اتّفق عليه البخاري ومسلم ، وأخرجه أحمد ـ ففيه :
١ ـ إنّه مرسل ، نصّ عليه ابن حجر وقال : « يحتمل أن يكون تلقّاه عن عائشة »(١) .
٢ ـ إنّ الراوي عنه « أبو بردة » وهو ولده كما نصّ عليه ابن حجر(٢) وهذا الرجل فاسق أثيم ، له ضلع في قتل حجر بن عديّ ، حيث شهد عليه ـ في جماعة شهادة زورٍ أدّت إلى شهادته(٢) وروي أيضاً أنّه قال لأبي الغادية ـ قاتل عمّار ابن ياسر رضي الله تعالى عنه ـ : « أأنت قتلت عمّار بن ياسر؟ قال : نعم. قال : فناولني يدك. فقبّلها وقال : لا تمسّك النار أبداً! »(٤) .
٣ ـ والراوي عنه : « عنه الملك بن عمير » :
وهو « مدلّس » و« مضطرب الحديث جدّاً » و« ضعيف جدّاً » و«كثير الغلط » :
قال أحمد : « مضطرب الحديث جدّاً مع قلّة روايته ، ما أرى له خمسمائة حديث ، وقد غلط في كثير منها »(٥) .
وقال إسحاق بن منصور : « ضعّفه أحمد جدّاً »(٦) .
وعن أحمد : « ضعيف يغلط »(٧) .
__________________
(١) فتح الباري ٢/١٣٠.
(٢) فتح الباري ٢/١٣٠.
(٣) تاريخ الطبري ٤/١٩٩ ـ ٢٠٠.
(٤) شرح نهج البلاغة ٤/٩٩.
(٥) تهذيب التهذيب ٦/١١ وغيره.
(٦) تهذيب التهذيب ٦/٤١٢ ، ميزان الاعتدال ٢/٦٦٠.
(٧) ميزان الاعتدال ٦/٦٦٠.
وقال ابن معين : « مخلط »(١) .
وقال أبو حاتم : « ليس بحافظ ، تغيّر حفظه »(٢) . وعنه : « لم يوصف بالحفظ »(٣) .
وقال ابن خراش : « كان شعبة لا يرضاه »(٤) .
وقال الذهبي : « أمّا ابن الجوزي فذكره فحكى الجرح وما ذكر التوثيق »(٥) .
وقال السمعاني : « كان مدلّساً »(٦) .
وكذا قال ابن حجر(٧) .
وعبدالملك ـ هذا ـ هوالذي ذبح عبدالله بن يقطر أو قيس بن مسهر الصيداوي ، وهو رسول الإمام الحسينعليهالسلام إلى أهل الكوفة ، فإنّه لمّا رمي بأمر ابن زياد من فوق القصر وبه رمق أتاه عبدالملك بن عمير فذبحه ، فلمّا عيب ذلك عليه قال : « إنّما أردت أن أريحه! »(٨) .
٤ ـ ثمّ الكلام في أبي موسى الأشعري نفسه ، فإنّه من أشهر أعداء مولانا الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، فقد كان يوم الجمل يقعد بأهل الكوفة عن الجهاد مع الإمام عليعليهالسلام ، وفي صفّين هوالذي خلع الإمامعليهالسلام عن الخلافة. وقد بلغ به الحال أن كان الإمامعليهالسلام يلعنه في قنوته مع معاوية وجماعة من أتباعه.
ثمّ إنّ أحمد روى هذا الحديث في فضائل أبي بكر بسنده عن زائدة ، عن
__________________
(١) ميزان الاعتدال ٦/٦٦٠ ، المغني ٢/٤٠٧ ، تهذيب التهذيب ٦/٤١٢.
(٢) ميزان الاعتدال ٢/٦٦٠.
(٣) تهذيب التهذيب ٦/٤١٢.
(٤) ميزان الاعتدال ٢/٦٦٠.
(٥) ميزان الاعتدال ٢/٦٦٠.
(٦) الأنساب ١٠/٥٠ في « القبطي ».
(٧) تقريب التهذيب ١/٥٢١.
(٨) تلخيص الشافي ٣/٣٥ ، روضة الواعظين : ١٧٧ ، مقتل الحسين ـ للمقرّم ـ : ١٨٥.
عبدالملك بن عمير ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه كذلك(١) .
وأمّا الحديث المذكور عن عبدالله بن عمر فالظاهر كونه عن عائشة كذلك ، كما رواه مسلم ، عن عبدالرزّاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن حمزة بن عبدالله بن عمر ، عن عائشة لكنّ البخاري رواه بسنده عن الزهري ، عن حمزة ، عن أبيه ، قال : « لمّا اشتدّ برسول الله وجعة ».
وعلى كلّ حال فإنّ مدار الطريقين على :
محمّد بن شهاب الزهري وهو رجل مجروح عند يحيى بن معين(٢) وعبدالحقّ الدهلوي ، وكان من أشهر المنحرفين عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، ومن الرواة عن عمر بن سعد اللعين :
قال ابن أبي الحديد : « وكان الزهري من المنحرفين عنه ، وروى جرير بن عبدالحميد عن محمّد بن شيبة قال : شهدت مسجد المدينة ، فإذا الزهري وعروة ابن الزبير جالسان يذكران عليّاً فنالا منه. فبلغ ذلك عليّ بن الحسين فجاء حتى وقف عليهما فقال : أمّا أنت يا عروة ، فإنّ أبي حاكم أباك إلى الله فحكم لأبي على أبيك ، وأمّا أنت يا زهريّ ، فلو كنت بمكة لأريُتك كير أبيك »(٣) .
قال : « وروى عاصم بن أبي عامر البجلي ، عن يحيى بن عروة ، قال : كان أبي إذا ذكر عليّاً نال منه »(٤) .
ويؤكّد هذا سعيه وراء إنكار مناقب أمير المؤمنينعليهالسلام ـ كمنقبة سبقه
__________________
(١) فضائل الصحابة ١/١٠٦.
(٢) هو من شيوخ البخاري ومسلم ، ومن أئمّة الجرح والتعديل ، أتّفقوا على أنّه أعلم أئمّة الحديث بصحيحه وسقيمه. توفّي سنة ٣٠٢ هـ. ترجم له في : تذكره الحفّاظ ٢/٤٢٩ وغيرها.
(٣) شرح نهج البلاغة ٦/١٠٢.
(٤) شرح نهج البلاغة ٤/١٠٢.
إلى الإسلام ـ قال ابن عبدالبرّ : « وذكر معمر في جامعه عن الزهري قال : ما علمنا أحداً أسلم قبل زيد بن حارثة. قال عبدالرزّاق : وما أعلم أحداً ذكره غير الزهري »(١) .
وقال الذهبي بترجمة عمر بن سعد : « وأرسل عنه الزهري وقتادة. قال ابن معين : كيف يكون من قتل الحسين ثقة؟! »(٢) .
وقال العلاّمة الشيخ عبدالحق الدهلوي بترجمة الزهري من « رجال المشكاة » : « إنّه قد ابتلي بصحبة الأمراء وبقلّة الديانة ، وكان أقرانه من العلماء والزّهاد يأخذون عليه وينكرون ذلك منه ، وكان يقول : أنا شريك في خيرهم دون شرّهم! فيقولون : ألا ترى ما هم فيه وتسكت؟! »
وقال ابن حجر بترجمة الأعمش : « حكى الحاكم عن ابن معين أنّه قال : أجود الأسانيد : الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبدالله. فقال له إنسان : الأعمش مثل الزهري؟! فقال : تريد من الأعمش أن يكون مثل الزهري؟! الزهري يرى العرض والإجازة ويعمل لبني أُميّة ؛ والأعمش فقير ، صبور ، مجانب للسلطان ، ورع ، عالم بالقرآن »(٣) .
ولأجل كونه من عمّال بني أُميّة ومشيّدي سلطانهم كتب إليه الإمام السجّادعليهالسلام كتاباً يعظه فيه ، جاء فيه : « إنّ ما كتمت ، وأخفّ ما احتملت ، أنْ آنست وحشة الظالم ، وسهّلت له الطريق الغيّ جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم ، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم ، وسُلّماً إلى ضلالتهم ، داعياً إلى غيّهم ، سالكاً سبيلهم ، احذر ، فقد نُبِّئت ، وبادر فقد أُجِّلْت »(٤) .
__________________
(١) الاستيعاب ، ترجمة زيد بن حارثة.
(٢) الكاشف ٢/٣١١.
(٣) تهذيب التهذيب ٤/١٩٥.
(٤) ذكر الكتاب في : تحف العقول عن آل الرسول : ١٩٨ ، للشيخ ابن شعبة الحرّاني ، من أعلام الإماميّة في القرآن الرابع ، وفي إحياء علوم الدين ٢/١٤٣ بعنوان : « ولمّا خالط الزهري السلطان كتب أخ له في الدين إليه »!.
ثمّ الكلام فيعبدالله بن عمر نفسه :
فإنّه ممّن امتنع عن بيعة أمير المؤمنينعليهالسلام بعد عثمان ، وقعد عن نصرته ، وترك الخروج معه في حروبه ، ولكنّه لمّا ولي الحجّاج بن يوسف الحجاز من قبل عبدالملك جاءه ليلاً ليبايعه فقال له : ما أعجلك؟! فقال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يقول : من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية! فقال له : إنّ يدي مشغولة عنك ـ وكان يكتب فدونك رجلي ، فمسح على رجله وخرج!!
وأمّا حديث عبدالله بن زمعة فقد رواه أبو داود عنه بطريقين ، والمدار في كليهما على « الزهري » وقد عرفته.
وأمّا حديث عبدالله بن عبّاس الذي رواه ابن ماجة وأحمد ، الأوّل رواه عن : إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن الأرقم بن شرحبيل ، عن ابن عبّاس ، والثاني رواه عن يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن الأرقم ، عنه فمداره على :
أبي إسحاق ، عن الأرقم
وقد قال البخاري : « لا نذكر لأبي إسحاق سماعاً من الأرقم بن شرحبيل »(١) .
وأبو إسحاق السبيعي : « قال بعض أهل العلم : كان قد اختلط ، وإنّما
__________________
(١) ذكره في الزوائد بهامش سنن ابن ماجة ١/٣٩١.
تركوه مع ابن عيينة لاختلاطه »(١) .
وكان مدلّساً »(٢) .
وكان يروى عن عمر بن سعد قاتل الحسينعليهالسلام (٣) .
وكان يروي عن شمر بن ذي الجوشن الملعون(٤) .
وفي سند أحمد مضافاً إلى ذلك :
١ ـ سماع « ذكريّا » من « أبي إسحاق » بعد اختلاطه كما ستعرف.
٢ ـ « زكريّا بن أبي زائدة » قال أبو حاتم : « ليّن الحديث ، كان يدلّس » ورماه بالتدليس أيضاً أبو زرعة وأبو داود وابن حجر وعن أحمد : « إذا اختلف زكريّا وإسرائيل فإنّ زكريّا أحبّ إليّ في أبي إسحاق ، ثمّ قال : ما أقربهما ، وحديثهما عن أبي إسحاق ليّن سمعا منه بآخره »(٥) .
أقول : فالعجب من أحمد يقول هذا وهو مع ذلك يروي الحديث عن زكريّا عن أبي إسحاق في « المسند » كما عرفت وفي « الفضائل »(٦) .
نعم ، رواه لا عن هذا الطريق لكنّه عن ابن عبّاس عن العبّاس ، فقال مرةً : « حدّثنا يحيى بن آدم » وأخرى « حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم » عن قيس ابن الربيع ، عن عبدالله بن أبي السفر ، عن أرقم بن شرحبيل ، عن ابن عبّاس ، عن العبّاس بن عبدالمطلب : « إنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال في مرضه : « مروا أبابكر يصلّي بالناس ، فخرج أبوبكر فكبّر ووجد النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم راحته فخرج يهادي بين رجلين ، فلمّا رآه أبوبكر تأخّر ، فأشار إليه النبي مكانك ، ثمّ جلس رسول الله إلى جنب أبي بكر فاقترأ من المكان الذي
__________________
(١) ميزان الاعتدال ٣ : ٢٧٠.
(٢) تهذيب التهذيب ٨ : ٥٦.
(٣) الكاشف ، ميزان الاعتدال ، تهذيب التهذيب ٧/٣٩٦.
(٤) ميزان الاعتدال ٢ : ٧٢.
(٥) تهذيب التهذيب ٣/٢٨٥ ، الجرح والتعديل ١ : ٢/٥٩٣.
(٦) فضائل الصحابة ١/١٠٦.
بلغ أبوبكر من السورة »(١) .
لكنّ مداره على« قيس بن الربيع » الذي أورده البخاري في الضعفاء(٢) .
وكذا النسائي(٣) وابن حبّان في المجروحين(٤) وضعّفه غير واحد ، بل عن أحمد أنّه تركه الناس ، بل عن يحيى بن معين تكذيبه(٥) .
وأمّا الحديث المذكور عن ابن مسعود فأخرجه النسائي ، ورواه الهيثمي أيضاً وقال : « رواه أحمد وأبو يعلى ».
وفي سنده عند الجميع « عاصم بن أبي النجود » قال الهيثمي : « وفيه ضعف »(٦) .
قلت : وذكر الحافظ ابن حجر عن ابن سعد : « كان كثير الخطأ في حديثه » وعن يعقوب بن سفيان : « في حديثه اضطراب » وعن أبي حاتم : « ليس محلّه أن يقال هو ثقة ولم يكن بالحافظ » وقد تكلّم فيه ابن عليّه فقال : « كلّ من اسمه عاصم سيّئ الحفظ » وعن ابن خراش : « في حديثه نكرة » وعن العقيلي : « لم يكن فيه إلاّ سوء الحفظ » والدار قطني : « في حفظه شيء » والبزّار : « لم يكن بالحافظ وحمّاد بن سلمة : « خلط في آخر عمره » وقال العجلي : « كان عثمانياً »(٧) .
__________________
(١) فضائل الصحابة ١/١٠٨ ، ١٠٩.
(٢) الضعفاء ـ للبخاري ـ : ٢٧٣.
(٣) الضعفاء ـ للنسائي : ٤٠١.
(٤) كتاب المجروحين ٢/٢١٦.
(٥) تهذيب التهذيب ٨/٣٥٠ ، ميزان الاعتدال ٣/٣٩٣ ، لسان الميزان ٤/٤٧٧.
(٦) مجمع الزوائد ٥/١٨٣.
(٧) تهذيب التهذيب ٥/٣٥.
وأمّا حديث بريدة الأسلمي الذي رواه أحمد بسنده عن ابن بريدة عن أبيه ، فمع غضّ النظر عمّا قيل في رواية ابن بريدة ـ سواء كان « عبدالله »أو « سليمان » ـ عن أبيه(١) فيه :
« عبدالملك بن عمير » وقد عرفته.
وأمّا حديث سالم بن عبيد الذي أخرجه ابن ماجة :
١ ـ فقد قال فيه ابن ماجة : « هذا حديث غريب ».
٢ ـ وفي سنده نظر فإنّ « نعيم بن أبي هند » تركه مالك ولم يسمع منه ؛ لأنّه « كان يتناول عليّاً رضي الله عنه »(٢) .
و« سلمة بن نبيط » لم يرو عنه البخاري ومسلم ، قال البخاري : « اختلط بآخره »(٣) .
٣ ـ ثمّ إنّ « سالم بن عبيد » لم يرو عنه في الصحاح ، وما روى له من أصحاب السنن غير حديثين ، وفي إسناد حديثه اختلاف!
قال ابن حجر : « سالم بن عبيد الأشجعي ، من أهل الصفّة ، ثمّ نزل الكوفة وروى له من أصحاب السنن حديثين بإسناده صحيح في العطاس. وله رواية عن عمر فيما قاله وصنعه عند وفاة النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وكلام أبي بكر في ذلك. أخرجه يونس بن بكير في زياداته.
__________________
(١) تهذيب التهذيب ٥/١٣٨.
(٢) تهذيب التهذيب ١٠/٤١٨.
(٣) تهذيب التهذيب ٤/١٤٠.
روى عنه هلال بن يساف ونبيط بن شريط وخالد بن عرفطة »(١) .
وقال أيضاً : « الأربعة ـ سالم بن عبيد الأشجعي له صحبة ، وكان من أهل الصُفّة ، يعدّ في الكوفيّين. روى عن النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم في تشميت العاطس ، وعن عمر بن الخطّاب. روى عنه. خالد بن عرفجة ـ ويقال ابن عرفطة ـ وهلال بن يساف ونبيط بن شريط. وفي إسناد حديثه اختلاف »(٢) .
أقول : يظهر من عبارة ابن حجر في كتابيه ، ومن مراجعة الرواية عند الهيثمي(٣) أنّ حديث سالم بن عبيد حول صلاة أبي بكر هو الحديث الذي عن عمر « فيما قاله وصنعه عند وفاة النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم لكنّ ابن ماجة ذكر بعضه ـ كما نصّ عليه الهيثمي ـ ، وظاهر عبارة ابن حجر في « الإصابة » عدم صحّة إسناده ، ولعلّة المقصود من قوله في « تهذيب التهذيب » : « وفي إسناد حديثه اختلاف » إذ القدر المتيقّن منه ما يرويه نبيط بن شريط عنه ، وهذا الحديث من ذاك!
أمّا حديث أنس بن مالك ، فمنه ما عن الزهري عنه ، وقد أخرجه البخاري ومسلم وأحمد.
والزهري من قد عرفته.
مضافاً إلى أنّ الراوي عنه عند البخاري هو شعيب ، وهو : شعيب بن حمزة ، وهو كاتب الزهري وراويته(٤) .
ويروي عن شعيب : أبو اليمان ، وهو : الحكم بن نافع.
__________________
(١) الإصابة ٢/٥.
(٢) تهذيب التهذيب ٣/٣٨١.
(٣) مجمع الزوائد ٥/١٨٢.
(٤) تهذيب التهذيب ٤/٣٠٧.
وقد تكلّم العلماء في رواية أبي اليمان عن شعيب ، حتّى قيل : لم يسمع منه ولا كلمةً(١) .
والراوي عن « الزهري » عند أحمد : سفيان بن حسين ، وقد اتّفقوا على عدم الاعتماد على رواياته عن الزهري ، فقد ذكر ذلك ابن حجر عن : ابن معين وأحمد والنسائي وابن عديّ وابن حبّان
وعن يعقوب بن شيبة : « في حديثه ضعف » وعن عثمان بن أبي شيبة : « كان مضطرباً في الحديث قليلاً » وعن ابن خراش : « كان لينّ الحديث » وعن أبي حاتم : « لا يحتجّ به » وعن ابن سعد : « يخطئ في حديثه كثيراً »(٢) .
هذا ، وقد روى الهيثمي هذا الحديث فقال : « رواه أحمد وفيه : سفيان بن حسين وهو ضعيف في الزهري ، وهذا من حديثه عنه »(٣) .
ومنه ما عن حميد عن أنس ، وقد أخرجه النسائي وأحمد ، وحميد هو : حميد ابن أبي حميد الطويل ، وقد نصّوا على أنّه كان « مدلّساً » وعلى « أنّ أحاديثه عن أنس مدلّسة »(٤) وهذا الحديث من تلك الأحاديث.
مضافاً إلى أنّ الراوي عنه ـ عند أحمد ـ هو سفيان بن حسين ، وقد عرفتُه.
هذا ، وسواء صحّت الطرق عن أنس أو لم تصحّ فالكلام في أنس نفسه :
فأوّل ما فيه كذبه ، وذلك في قضيّة حديث الطائر المشويّ ، حيث كان رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قد دعا الله سبحانه أن يأتي بعليّعليهالسلام ، وكان يترقّب حضوره ، فكان كلّما يجيء عليّعليهالسلام ليدخل على النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال أنس : « إنّ رسول الله على حاجة » حتى غضب رسول الله وقال له : « يا أنس ، ما حملك على ردّه؟! »(٥) .
__________________
(١) تهذيب التهذيب ٢/٣٨٠.
(٢) تهذيب التهذيب ٤/٩٦.
(٣) مجمع الزوائد ٥/١٨١.
(٤) تهذيب التهذيب ٣/٣٤.
(٥) أخرجه غير واحد من الأئمة في كتبهم ، راجع منها المستدرك ٣/١٣٠.
ثمّ كتمه الشهادة بالحقّ ، وذلك في قضية مناشدة الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام الناس عن حديث الغدير وطلبه الشهادة منهم به ، فشهد قوم وأبي آخرون ـ ومنهم أنس ـ فدعى عليهم فأصابتهم دعوته(١) .
ومن العلوم أنّ الكاذب لا يقبل خبره ، وكتم الشهادة إثم كبير قادح في العدالة كذلك.
وأمّا حديث عائشة فقد ذكرنا أنّه هو العمدة في هذه المسألة :
لكونها صاحبة القصة.
ولأنّ حديث غيرها إمّا ينتهي إليها ، وأمّا هو حكاية عمّا قالته وفعلته.
ولأنّ روايتها أكثر طرقاً من رواية غيرها ، وأصحّ إسناداً من سائر الأسانيد ، وأتمّ لفظاً وتفصيلاً للقصّة
وقد أوردنا الأهمّ من تلك الطرق ، والأتمّ من تلك الألفاظ فأمّا البحث حول ألفاظ ومتون الحديث ـ عنها ـ فسيأتي في الفصل اللاحق مع النظر في ألفاظ حديث غيرها.
وأمّا البحث حول سند حديثها ، فيكون تارةً بالكلام على رجال الأسانيد ، وأخرى بالكلام على عائشة نفسها.
أمّا رجال الأسانيد فإنّ طرق الأحاديث المذكورة عنها تنتهي إلى :
١ ـ الأسود بن يزيد النخعي.
٢ ـ عروة بن الزبير بن العوّام.
٣ ـ عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود.
٤ ـ مسروق بن الأجدع.
__________________
(١) لاحظ : الغدير ١/١٩٢.
ولا شيء من هذه الطرق بخالٍ عن الطعن والقدح المسقط عن الاعتبار والاحتجاج :
فإنّ « الأسود » من المنحرفين عن أمير المؤمنين الإمام عليّعليهالسلام (١) .
والراوي عنه في جميع الأسانيد المذكورة هو إبراهيم بن يزيد النخعي ، وهو من أعلام المدلّسين قال أبو عبدالله الحاكم ـ في الجنس الرابع من المدلّسين : قوم دلّسوا أحاديث رووها عن المجروحين فغيّروا أساميهم وكناهم كي لا يعرفوا ـ قال : « أخبرني عبدالله بن محمّد بن حمويه الدقيقي ، قال : حدّثنا جعفر بن أبي عثمان الطيالسي ، قال : حدّثني خلف بن سالم ، قال : سمعت عدّة من مشايخ أصحابنا تذاكروا كثرة التدليس والمدلّسين ، فأخذنا في تمييز أخبارهم ، فاشتبه علينا تدليس الحسن بن أبي الحسن وإبراهيم بن يزيد النخعي ، لأنّ الحسن كثيراً ما يدخل بينه وبين الصحابة أقواماً مجهولين ، وربّما دلّس عن مثل عتي بن ضمرة وحنيف بن المنتجب ودغفل بن حنظلة وأمثالهم ؛ وإبراهيم أيضاً يدخل بينه وبين أصحاب عبدالله مثل هني بن نويرة وسهم بن منجاب وخزامة الطائي وربّما دلّس عنهم »(٢) .
والراوي عن إبراهيم هو : « سليمان بن مهران الأعمش ». و« الأعمش » معروف بالتدليس(٣) ، ذلك التدليس القبيح القادح في العدالة ، قال السيوطي ـ في بيان تدليس التسوية ـ : قال الخطيب : وكان الأعمش وسفيان الثوري يفعلون مثل هذا. قال العلائي : فهذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقاً وشرّها. قال العراقي ـ وهو قادح فيمن تعمّد فعله. وقال شيخ الإسلام : لا شكّ أنّه جرح ،
__________________
(١) شرح النهج لابن أبي الحديد ٤/٩٧.
(٢) معرفة علوم الحديث : ١٠٨.
(٣) تقريب التهذيب ١ : ٢٣١.
وإن وصف به الثوري والأعمش فلا اعتذار(١) .
قال الخطيب : « التدليس للحديث مكروه عند أهل العلم ، وقد عظّم بعضهم الشأن في ذمّه ، وتبجّج بعضهم بالبراءة منه »(٢) .
ثمّ روى عن شعبة بن الحجّاج قوله : « التدليس أخو الكذب ».
وعنه : « التدليس في الحديث أشدّ من الزنا ».
وعنه : « لإنْ أسقط من السماء أحبّ إليَّ من أنْ أدلّس ».
وعن أبي أسامة : « خرّب الله بيوت المدلّسين ، ما هم عندي إلاّ كذّابون ».
وعن ابن المبارك : لأن نخرّ من السماء أحبّ إليّ من أن ندلّس حديثاً ».
وعن وكيع : « نحن لا نستحلّ التدليس في الثياب فكيف في الحديث! ».
فإذن : يسقط هذا الحديث ، بهذا السند ، الذي اتّفقوا في الرواية به ، فلا حاجة إلى النظر في حال من قبل الأعمش من الرواة.
لكن مع ذلك نلاحظ أنّ الراوي عن الأعمش عند البخاري وأحمد ـ في إحدى طرقهما ـ وعند مسلم والنسائي هو « أبو معاوية » وهذا الرجل أيضاً من المدلّسين :
قال السيوطي : « فائدة : أردت أن أسرد أسماء من رمي ببدعةٍ ممّن أخرج لهم البخاري ومسلم أو أحدهما :
وهم : إبراهيم بن طهمان ، أيّوب بن عائذ الطائي ، ذرّ بن عبدالله المرهبي ، شبابة بن سوار ، عبدالحميد بن عبدالرحمن محمّد بن حازم أبو معاوية الضرير ورقاء بن عمر اليشكري هؤلاء رموا بالأرجاء ، وهو تأخير القول في الحكم على مرتكب الكبائر بالنار »(٣) .
__________________
(١) تدريب الراوي ١ : ٢٢٦.
(٢) الكفاية في علم الرواية ١/١٨٨.
(٣) تدريب الراوي ١/٢٧٨ ، وفي طبعة ١/٣٢٨.
وذكر ابن حجر عن غير واحد أنّه كان مرجئاً خبيثاً ، وأنّه كان يدعو إليه(١) .
والراوي عن « الأعمش » عند ابن ماجة وأحمد في طريقه الأُخرى هو : وكيع ابن الجّراح ، وفيه : أنّه كان يشرب المسكر وكان ملازماً له(٢) .
ثمّ إنّ الراوي عن أبي معاوية في إحدى طرق البخاري هو : حفص بن غياث ، وهو أيضاً من المدلّسين(٣) .
مضافاً إلى أنّه كان قاضي الكوفة من قبل هارون ، وقد ذكروا عن أحمد أنّه : « كان وكيع صديقاً لحفص بن غياث فلمّا ولّي القضاء هجره »(٤) .
فإنّ عروة بن الزبير ولد في خلافة عمر ، فالحديث مرسل ، ولابدّ أنّه يرويه عن عائشة.
وكان عروة من المشهورين بالبغض والعداء لأمير المؤمنينعليهالسلام ـ كما عرفت من خبره مع الزهري ، والخبر عن ابنه ـ وحتّى حضر يوم الجمل على صغر سنّه(٥) ، وقد كان هو والزهري يضعان الحديث في تنقيص الإمام والزهراء الطاهرةعليهماالسلام ، فقد روى الهيثمي عنه حديثاً ـ وصحّحه ـ في فضل زينب بنت رسول الله جاء فيه أنّه كان يقول : « هي خير بناتي » قال : « فبلغ ذلك عليّ بن حسين ، فانطلق إليه فقال : ما حديث بلغني عنك أنّك تحدّثه تنقص حقّ فاطمة؟! فقال : لا أحدّث به أبداً »(٦) .
__________________
(١) تهذيب التهذيب ٩/١٢١.
(٢) تذكرة الحفّاظ ١/٣٠٨ ، ميزان الاعتدال ١ : ٣٣٦.
(٣) تهذيب التهذيب ٢/٣٥٨.
(٤) تهذيب التهذيب ١١/١١١.
(٥) تهذيب التهذيب ٧/١٦٦.
(٦) مجمع الزوائد ٩/٢١٣.
والراوي عنه ولده « هشام » في رواية البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وهو أيضاً من المدلّسين ، فقد قالوا : « كان ينسب إلى أبيه ما كان يسمعه من غيره ، وقد ذكروا أنّ مالكاً كان لا يرضاه ، قال ابن خراش : بلغني أنّ مالكاً نقم عليه حديثه لأهل العراق ، قدم الكوفة ثلاث مرّات ، قدمةً كان يقول : حدّثني أبي ، قال : سمعت عائشة. وقدم الثانية فكان يقول : أخبرني أبي ، عن عائشة. وقدم الثالثة فكان يقول : أبي ، عن عائشة »(١) وهذا الحديث من تلك الأحاديث.
فإنّ الرّاوي عن « عبيدالله » عند البخاري ومسلم والنسائي هو « موسى بن أبي عائشة » وقد قال ابن أبي حاتم سمعت أبي(٢) يقول : « تريبني رواية موسى بن أبي عائشة حديث عبيدالله بن عبدالله في مرض النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم »(٣) .
وعند أبي داود وأحمد هو : الزهري ـ لكن عند الأول يرويه عن عبيدالله ، عن عبدالله بن زمعة ـ والزهري من قد عرفته سابقاً.
هذا مضافاً إلى ما في عبيدالله بن عبدالله نفسه فقد روى ابن سعد ، عن مالك بن أنس ، قال : « جاء عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب إلى عبيدالله ابن عبدالله بن عتبة بن مسعود يسأله عن بعض الشيء!! وأصحابه عنده وهو يصلّي ، فجلس حتّى فرغ من صلاته ثمّ أقبل عليه عبيدالله.
فقال أصحابه : أمتع الله بك ، جاءك هذا الرجل وهو ابن ابنة رسول الله
__________________
(١) تهذيب التهذيب ١١/٤٤.
(٢) هو : محمّد بن إدريس الرازي ، أحد كبار الأئمّة الحفّاظ المعتمدين في الجرح والتعديل. توفّي سنة ٢٠٧ هـ تقريباً. توجد ترجمته في : تذكره الحفّاظ ٢/٥٦٧ ، تاريخ بغداد ٣/٧٣ وغيرهما من المصادر الرجالية.
(٣) تهذيب التهذيب ١٠/٣١٤.
صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وفي موضعه ، يسألك عن بعض الشيء!! فلو أقبلت عليه فقضيت حاجته ثمّ أقبلت على ما أنت فيه!
فقال عبيدالله لهم : أيهات! لابدّ لمن طلب هذا الشأن من أن يتعنّى!! »(١) .
ففيه :
١ ـ « أبو وائل » وهو « شقيق بن سلمة » يرويه عن « مسروق » وقد قال عاصم ابن بهدلة : « قيل لأبي وائل : أيّهما أحبّ إليك : عليّ أو عثمان؟ قال : كان عليّ أحبّ إليّ ثم صار عثمان!! »(٢) .
٢ ـ « نعيم بن أبي هند » يرويه عن « أبي وائل » عند النسائي وأحمد بن حنبل. و« نعيم » قد عرفته سابقاً.
ثمّ إنّ في أحدى طريقي أحمد عن « نعيم » المذكور : « شبابة بن سوار » وقد ذكروا بترجمة أنّه كان يرى الإرجاء ويدعو إليه ، فتركه أحمد وكان يحمل عليه ، وقال : أبو حاتم : لا يحتجّ بحديثه(٣) وقد أورده السيوطي في الفائدة المذكورة ، وحكى ابن حجر في ترجمته ما يدلّ على بغضه لأهل بيت النبيصلىاللهعليهوآله (٤) .
هذا ، ويبقى الكلام في عائشة نفسها
فقد وجدناها تريد كلّ شأن وفضيلةٍ لنفسها وأبيها ومن تحبّ من قرابتها وذويها فكانت إذا رأت النبيصلىاللهعليهوآله يلاقي المحبّة من إحدى زوجاته ويمكث عندها تارث عليها كما فعلت مع زينب بنت
__________________
(١) طبقات ابن سعد ٥/٢١٥.
(٢) تهذيب التهذيب ٤/٣١٧.
(٣) تهذيب التهذيب ٤/٢٦٤ ، تاريخ بغداد ٩/٢٩٥.
(٤) تهذيب التهذيب ٤/٢٦٥.
جحش ، إذ تواطأت مع حفصة أن أيتهما دخل عليها النبيصلىاللهعليهوآله فلتقل : « إنّي لأجد منك ريح مغافير حتّى يمتنع عن أن يمكث عند زينب ويشرب عندها عسلاً »(١) .
وإذا رأته يذكر خديجةعليهاالسلام بخير ويثني عليها قالت : « ما أكثر ما تذكر حمراء الشدق؟! قد أبدلك الله عزّ وجلّ بها خيراً منها »(٢) .
وإذا رأته مقدماً على الزواج من إمرأةٍ حالت دون ذلك بالكذب والخيانة ، فقد حدّثت أنّهصلىاللهعليهوآله أرسلها لتطلّع على امرأةٍ من كلب قد خطبها فقال لعائشة : « كيف رأيت؟ قالت : ما رأيت طائلاً! فقال : لقد رأيت خالاً بخدّها اقشعرّ كلّ شعرةٍ منك على حدة فقالت : ما دونك من سرّ »(٣) .
ولقد ارتكبت ذلك حتّى بتوهّم زواجهصلىاللهعليهوآله فقد ذكرت : أنّ عثمان جاء النبي في نحر الظهيرة. قالت : « فظننت أنّه جاءه في أمر النساء ، فحملتني الغيرة على أن أصغيت إليه »(٤) .
أمّا بالنسبة إلى من تكرهه فكانت حرباً شعواء من تلك مواقفها من الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام فقد « جاء رجل فوقع في عليّ وفي عمّار رضي الله تعالى عنهما عند عائشة. فقالت : أمّا عليّ فلست قائلةً لك فيه شيئاً. وأمّا عمّار فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يقول : لا يخيّر بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما »(٥) .
بل كانت تضع الحديث تأييداً ودعماً لجانب المناوئين لهعليهالسلام فقد قال النعمان بن بشير : « كتب معي معاوية إلى عائشة قال : فقدمت على عائشة
__________________
(١) هذه من القضايا المشهورة فراجع كتب الحديث والتفسير بتفسير سورة التحريم.
(٢) مسند أحمد ٦/١١٧.
(٣) طبقات ابن سذعد ٨/١١٥ ، كنز العمّال ٦/٢٦٤.
(٤) مسند أحمد ٦/١١٤.
(٥) مسند أحمد ٦/١١٣.
فدفعت إليها كتاب معاوية. فقالت : يا بُني ألا أحدّثك بشيء سمعته من رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم؟
قلت : بلى.
قالت : فإنّي كنت وحفصة يوماً من ذاك عند رسول الله.
فقال : لو كان عندنا رجل يحدّثنا.
فقلت : يا رسول الله ، ألا أبعث لك إلى أبي بكر؟ فسكت.
ثمّ قال : لو كان عندنا رجل يحدّث.
فقالت : حفصة : ألا أرسل لك إلى عمر؟ فسكت.
ثمّ قال : لا. ثم دعا رجلاً فسارّه بشيء ، فما كان إلاّ أقبل عثمان ، فأقبل بوجهه وحديثه فسمعته يقول له : يا عثمان ، إنّ الله عزّ وجلّ لعلّه أن يقمصك قميصاً ، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه ، ثلاث مرار.
فقلت : يأ أُمّ المؤمنين ، فأين كنت عن هذا الحديث؟!
فقالت : يا بني ، والله لقد أُنسيته حتّى ما ظننت أنّي سمعته »(١) .
قال النعمان بن بشير : « فأخبرته معاوية بن أبي سفيان. فلم يرض بالذي أخيرته ، حتّى كتب إلى أُمّ المؤمنين أن اكتبي إليّ به. فكتبت إليه به كتاباً »(٢) .
فانظر كيف أيّدت ـ في تلك الأيّام ـ معاوية على مطالبته الكاذبة بدم عثمان! وكيف اعتذرت عن تحريضها الناس على قتل عثمان؟ولا تغفل عن كتمها اسم الرجل الذي دعاه النبيصلىاللهعليهوآله ـ بعد أن أبي عن الإرسال خلف أبي بكر وعمر ـ وهو ليس إلاّ أمير المؤمنينعليهالسلام ولكنّها لا تطيب نفساً بعليّ كما قال ابن عبّاس ، وسيأتي.
فإذا كان هذا حالها وحال رواياتها في الأيّام العادية فإنّ من الطبيعي أن تصل هذه الحالة فيها إلى أعلى درجاتها في الأيام والساعات الأخيرة من حياة
__________________
(١) مسند أحمد ٦/١٤٩.
(٢) مسند أحمد ٦/٨٧.
رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأن تكون أخبارها عن أحواله في تلك الظروف أكثر حسّاسية فتراها تقول :
« لمّا ثقل رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال رسول الله لعبد الرحمن ابن أبي بكر : إيتني بكتف ولوحٍ حتّى أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه. فلمّا ذهب عبدالرحمن ليقوم قال : أبى الله والمؤمنون أن يُختلف عليك يا أبابكر »(١) .
وتقول :
« لمّا ثقل رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم جاء بلال يؤذنه بالصلاة. فقال : مروا أبابكر فليصلِّ بالناس ».
وتقول :
« قبض رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ورأسه بين سحري ونحري »(٢) .
تقول هذا وأمثاله
لكن عندما يأمر صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم بأنْ يدعى له عليّ لا يمتثل أمره ، بل يقترح عليه أنْ يدعى أبوبكر وعمر! يقول ابن عبّاس :
« لمّا مرض رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة ، فقال : ادعوالي عليّاً. قالت عائشة : ندعو لك أبابكر؟ قال : ادعوا قالت حفصة : يا رسول الله ، ندعو لك عمر؟ قال ادعوه. قالت أُمّ الفضلّ : يا رسول الله ، ندعو لك العبّاس؟ قال : ادعوه. فلمّا اجتمعوا رفع رأسه فلم ير عليّاً فسكت. فقال عمر : قوموا عن رسول الله »(٣) .
وعندما يخرج إلى الصلاة ـ وهو يتهادى بين رجلين ـ تقول عائشة : « خرج
__________________
(١) مسند أحمد ٦/٤٧.
(٢) مسند أحمد ٦/١٢١.
(٣) مسند أحمد ١/٣٥٦.
يتهادى بين رجلين أحدهما العبّاس » فلا تذكر الآخر. فيقول ابن عبّاس :
« هو عليّ ولكن عائشة لا تقدر على أن تذكره بخير »(١) .
فإذا عرفناها تبغض عليّاً إلى حدٍ لا تقدر أن تذكره بخير ، ولا تطيب نفسها به وتحاول إبعاده عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله وتدّعي لأبيها ولنفسها ما لا أصل له بل لقد حدّثت أمّ سلمة بالأمر الواقع فقالت :
« والذي أحلف به ، إن كان عليّ لأقرب الناس عهداً برسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم. قالت : عدنا رسول الله غداة بعد غداة فكان يقول : جاء علي؟!! ـ مراراً ـ قالت : أظنّه كان بعثه في حاجة قالت : فجاء بعدُ ، فظننت أنّ له إليه حاجة ، فخرجنا من البيت ، فقعدنا عند الباب ، فكنت أدناهم إلى الباب ، فأكبَّ عليه عليُّ فجعل يسارّه ويناجيه ، ثمّ قبض رسول الله(٢) .
إذا عرفنا هذا كلّه ـ وهو قليل من كثير ـ استيقنّا أنّ خبرها في أنّ صلاة أبيها كان بأمر من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنّهصلىاللهعليهوآله خرج فصلّى خلفه ـ كما في بعض الأخبار عنها ـ من هذا القبيل وممّا يؤكّد ذلك اختلاف النقل عنها في القضية وهي واحدة كما سنرى عن قريب ...
* * *
__________________
(١) عمدة القاري ٥/١٩١.
(٢) مسند أحمد ٦/٣٠٠ ، المستدرك على الصحيحين ٣/١٣٨ ، ابن عساكر ٣/١٦ ، الخصائص : ١٣٠ وغيرها.
(٣)
تأمّلات في متن الحديث ومدلوله
قد عرفت أنّ الحديث بجميع طرقه وأسانيده المذكورة ساقط عن الإعتبار
فإنْ قلت : إنّه ممّا اتّفق عليه أرباب الصحاح والمسانيد والمعاجم وغيرهم ، ورووه عن جمع من الصحابة ، فكيف تقول بسقوطه بجميع طرقه؟
قلت : أولاً : لقد رأيت في « النظر في الأسانيد والطرق » أنّ رجال أسانيده مجروحون بأنواع الجرح ولم نكن نعتمد في « النظر » إلاّ على أشهر كتب القوم في الجرح والتعديل ، وعلى كلمات أكابر علمائهم في هذا الباب.
وثانياً : إنّ الذي عليه المحقّقون من علماء الحديث والرجال والكلام أنّ الكتب الستّة فيها الصحيح والضعيف والموضوع ، وإنّ الصحابة فيهم العدل والمنافق والفاسق وهذا ما حقّقناه في بعض بحوثنا(١) .
نعم ، المشهور عندهم القول بأصالة العدالة في الصحابة ، والقول بصحّة ما أخرج في كتابي البخاري ومسلم
أمّا بالنسبة إلى حديث « صلاة أبي بكر » فلم أجد أحداً يطعن فيه ، لكن لا لكونه في الصحاح ، بل الأصل في قبوله وتصحيحه كونه من أدلّة خلافة أبي بكر عندهم ، ولذا تراهم يستدلّون به في الكتب الكلامية وغيرها :
قال القاضي عضد الدين الايجي ـ في الأدلّة الدالّة على إمامة أبي بكر ـ :
__________________
(١) راجع الفصل الأخير من كتابنا « التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف »
« الثامن : إنّه صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم استخلف أبابكر في الصّلاة ومان عزله فيبقى إماماً فيها : فكذا في غيرها ، إذا لا قائل بالفصل ، ولذلك قال عليّ رضي الله عنه : قدّمك رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم في أمر ديننا ، أفلا نقدّمك في أمر دنيانا؟!(١) .
وقال الفخر الرازي ـ في حجج خلافة أبي بكر ـ :
« الحجّة التاسعة : إنّهعليهالسلام استخلفه على الصلاة أيّام مرض موته وما عزله عن ذلك ، فوجب أن يبقى بعد موته خليفةً له في الصلاة ، وإذا ثبت خلافته في الصلاة ثبت خلافته في سائر الأمور ، ضرورة أنّه لا قائل بالفرق »(٢) .
وقال الأصفهاني :
« الثالث : النبي استخلف أبابكر في الصلاة أيّام مرضه ، فثبت استخلافه في الصلاة بالنقل الصحيح ، وما عزل النبي أبابكر عن خلافته في الصلاة ، فبقي كون أبي بكر خليفةً في الصلاة بعد وفاته ، وإذا ثبت خلافة أبي بكر بعد وفاته في الصلاة ثبت خلافة أبي بكر بعد وفاته في غير الصلاة لعدم القائل بالفصل »(٣) .
وقال النيسابوري صاحب التفسير ، بتفسير آية الغار :
« استدلّ اهل السُنّة بالآية على أفضليّة أبي بكر وغاية اتّحاده ونهاية صحبته وموافقة باطنة وظاهره ، وإلاّ لم يعتمد عليه الرسول في مثل تلك الحاجة. وإنّه كان ثاني رسول الله في الغار ، وفي العلم لقوله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ما صبَّ في صدري شيء إلاّ وصببته في صدر أبي بكر(٤) . وفي الدعوة إلى الله ، إنّه عرض
__________________
(١) هذا كلام موضوع على أمير المؤمنينعليهالسلام قطعاً ، والذي جاء به مرسلاً كما في الاستيعاب ٣/٩٧١ هو الحسن البصري المعروف بالإرسال والتدليس والانحراف عن أمير المؤمنينعليهالسلام !!
(٢) الاربعين : ٢٨٤.
(٣) شرح طوالع الأنوار ، في علم الكلام : مخطوط.
(٤) هذا من أحاديث سلسلتنا في ( الأحاديث الموضوعة ).
الإيمان أولاّ على أبي بكر فآمن ، ثمّ عرض أبوبكر الإيمان على طلحة والزبير وعثمان ابن عفّان وجماعة أخرى من أجلّة الصحابة ، وكان لا يفارق رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم في الغزوات وفي أداء الجماعات وفي المجلاس والمحافل.
وقد أقامه في مرضه مقامه في الإمامة »(١) .
وقال الكرماني بشرح الحديث :
« فيه فضيلة لأبي بكر ، وترجيحه على جميع الصحابة ، وتنبيه على أنّه أحقّ بخلافة رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم من غيره »(٢) .
وقال العيني :
« ذكر ما يستفاد منه ، وهو على وجوه : الأول : فيه دلالة على فضل أبي بكر. الثاني : فيه أنّ أبابكر صلّى بالناس في حياة النبي ، وكانت في هذه الإمامة التي هي الصغرى دلالة على الإمامة الكبرى. الثالث : فيه أنّ الأحقّ بالإمامة هو الأعلم »(٣) .
وقال النووي :
« فيه فوائد : منها : فضيلة أبي بكر وترجيحه على جميع الصحابة وتفضيله وتنبيه على أنّه أحقّ بخلافة رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم من غيره ، وأنّ الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلّي بهم ، وإنّه لا يستخلف إلاّ أفضلهم. ومنها : فضيلة(٤) عمر بعد أبي بكر لأنّ أبابكر لم يعدل إلى غيره »(٥) .
__________________
(١) تفسير النيسابوري ، سورة التوبة.
(٢) الكواكب الدراري ـ شرح البخاري ٥/٥٢.
(٣) عمدة القاري ـ شرح البخاري ٥/١٨٧ ـ ١٨٨.
(٤) وذلك لأنّ أبابكر قال لعمر : صلّ للناس وكأنّ أقوال أبي بكر وأفعاله حجّه؟! على أنّهم وقعوا في إشكال في هذه الناحية ، كما ستعرف!
(٥) المنهاج ، شرح صحيح مسلم ، هامش ارشاد الساري ٣/٥٦.
وقال المناوي بشرحه :
« تنبيه : قال أصحابنا في الأُصول : يجوز أنْ يجمع عن قياس ، كإمامة أبي بكر هنا ، فإنّ الصحب أجمعوا على الخلافته ـ وهي الإمامة العظمى ـ ومستندهم القياس على الإمامة الصغرى ، وهي الصلاة بالناس بتعيين المصطفى »(١) .
وفي « فواتح الرحموت ـ شرح مسلَّم الثبوت » في مبحث الإجماع :
« مسألة : جاز كون المستند قياساً. خلافاً للظاهرية وابن جرير الطبري ، فبعضهم منع الجواز عقلاً ، وبعضهم منع الوقوع وإن جاز عقلاً. والآحاد أي أخبار الآحاد قيل كالقياس اختلافاً. لنا : لا مانع وقد وقع قياس الإمامة الكبرى وهي الخلافة العامة على إمامة الصلاة والحقّ أنّ أمره إيّاه بإمامة الصلاة كان إشارة إلى تقدّمه في الإمامة الكبرى على ما يقتضيه ما في صحيح مسلم »(٢) .
لكنّك قد عرفت أنّ الحديث ليس له سند معتبر في الصحاح فضلاً عن غيرها ، ومجرّد كونه فيها ـ وحتّى في كتابي البخاري ومسلم ـ لا يغني عن النظر في سنده وعلى هذا فلا أصل لجميع ما ذكروا ، ولا أساس لجميع ما بنوا في العقائد وفي الفقه وفي علم الأصول
وعلى فرض صحّة حديث أمر النبيصلىاللهعليهوآله أبابكر بالصلاة مقامه فإنّه لا دلالة لذلك على الإمامة الكبرى والخلافة العظمى لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان إذا خرج عن المدينة ترك فيها من يصلّى بالناس بل إنّه استخلف ـ فيما يروون ـ ابن أُمّ مكتوم للإمامة وهو
__________________
(١) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير ٥ ٥٢١.
(٢) فواتح الرحموت ـ شرح مسلّم الثبوت ، في علم الأُصول ٢/٢٣٩ هامش المستصفى للغزّالي.
أعمى ، وقد عقد أبو داود في ( سننه ) باباً بهذا العنوان فروى فيه هذا الخبر وهذه عبارته : « باب إمامة الأعمى حدّثنا محمّد بن عبدالرحمن العنبري أبو عبدالله ، ثنا ابن مهدي ، ثنا عمران القطّان ، عن قتادة ، عن أنس : أنّ النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم استخلف ابن أُمّ مكتوم يؤمّ الناس وهو أعمى »(١) فهل يقول أحد بإمامة ابن أُمّ مكتوم لأنّه استخلفه في الصلاة؟!
ولقد اعترف بما ذكرنا ابن تيميّة ـ الملقب بـ « شيخ الإسلام » ـ حيث قال : « الاستخلاف في الحياة نوع نيابة لابدّ لكلّ وليّ أمر ، وليس كلّ من يصلح للاستخلاف في الحياة على بعض الأمّة يصلح أنْ يستخلف بعد الموت ، فإنّ النبي استخلف غير واحد ، ومنهم من لا يصلح للخلافة بعد موته ، كما استعمل ابن أُمّ مكتوم الأعمى في حياته وهو لا يصلح للخلافة بعد موته ، وكذلك بشير بن عبدالمنذر وغيره »(٢) .
بل لقد رووا أنّهصلىاللهعليهوآله خلف عبدالرحمن بن عوف وهو ـ لو صحّ ـ لم يدلّ على استحقاقه الخلافة من بعده ، ولذا لم يدّعها أحد له لكنّه حديث باطل لمخالفته للضرورة القاضية بأنّ النبي لا يصلّي خلف أحد من أُمّته فلا حاجة إلى النظر في سنده.
وعلى الجملة ، فإنّه لا دلالة لحديث أمر أبي بكر بالصلاة ، ولا لحديث صلاتهصلىاللهعليهوآله خلفه حتّى لو تمّ الحديثان سنداً
وأمّا سائر الدلالات الاعتقادية والفقهية والأُصولية التي يذكرونها مستفيدين إياّها من حديث الأمر بالصلاة في الشروح والتعاليق فكلّها متوقفة على ثبوت أصل القضية وتماميّة الأسانيد الحاكية لها وقد عرفت أنْ لا شيء من تلك الأسانيد بصحيح ، فأمرهصلىاللهعليهوآله في مرضه أبابكر بالصلاة في موضعة غير ثابت
__________________
(١) سنن أبي داود ١/٩٨.
(٢) منهاج السنة ٤/٩١
بل الثابت عدمه وذلك لوجوه عديدةٍ يستخرجها الناظر المحقّق في القضيّة وملابساتها من خلال كتب الحديث والتاريخ والسيرة وهي وجوه قويّة معتمدة ، تفيد ـ بمجموعها ـ أنّ القضيّة مختلقة من أصلها ، وأنّ الذي أمر أبابكر بالصلاة في مقام النبيصلىاللهعليهوآله في أيّام مرضه ليس النبي بل غيره
فلنذكر تلك الوجوه باختصار :
لقد أجمعت المصادر على قضية سرية أُسامة بن زيد ، وأجمعت على أنّ النبيصلىاللهعليهوآله أمر مشايخ القوم : أبابكر وعمرو وبالخروج معه وهذا أمر ثابت محقّق وبه اعترف ابن حجر العسقلاني في ( شرح البخاري ) وأكّده بشرح « باب بعث النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أُسامة بن زيد رضي الله عنهما في مرضه الذي توفّي فيه « فقال : « كان تجهيز أسامة يوم السبت قبل موت النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم بيومين فبدأ برسول اللهصلىاللهعليهوآله وجعه في اليوم الثالث ، فعقد لأُسامة لواءً بيده ، فأخذه أسامة فدفعه إلى بريدة وعسكر بالجرف ، وكان ممّن انتدب مع اُسامة كبار المهاجرين والانصار منهم أبوبكر وعمر وأبو عبيدة وسعد وسعيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم ، فتكلّم في ذلك قوم ثمّ اشتدّ برسول الله وجعه فقال : أنفِذوا بعث أُسامة.
وقد روي ذلك عن الواقدي وابن سعيد وابن إسحاق وابن الجوزي وابن عساكر »(١) .
__________________
(١) فتح الباري ٨/١٢٤.
فالنبيصلىاللهعليهوآله أمربخروج أبي بكر مع أُسامة ، وقال في آخر لحظةٍ من حياته : « أنفِذوا بعث أُسامة » بل في بعض المصادر « لعن الله من تخلّف عن بعث أُسامة »(١) .
هذا أوّلاً :
وثانياً : لقد جاء في صريح بعض الروايات كون أبي بكر غائباً عن المدينة. ففي ( سنن أبي داود ) عن ابن زمعة : « وكان أبوبكر غائباً ، فقلت : يا عمر ، قم فصلّ بالناس ».
وثالثاً : في كثير من ألفاظ الحديث « فأرسلنا إلى أبي بكر » ونحو ذلك ، ممّا هو ظاهر في كونه غائباً.
وعلى كلّ حال فالنبي الذي بعث أُسامة ، وأكّد على بعثه ، بل لعن من تخلفّ عنه لا يعود فيأمر بعض من معه بالصلاة بالناس ، وقد عرفت أنّهصلىاللهعليهوآله كان إذا غاب أو لم يمكنه الحضور للصلاة استخلف واحداً من المسلمين وإنْ كان ابن أُمّ مكتوم الأعمى.
وكما ذكرنا فالنبيصلىاللهعليهوآله ما كان يستخلف للصلاة إلاّ في حال خروجه عن المدينة ، أو في حالٍ لم يمكنه الخروج معها إلى الصلاة وإلاّ فقد كانصلىاللهعليهوآله ملتزماً بالحضور بنفسه ويدّل عليه ما جاء في بعض الأحاديث أنّه لَمّا ثقل قال : « أصلّى الناس؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك. قال : ضعوا لي ماءً » فوضعوا له ماءً فاغتسل ، فذهب لينوء
__________________
(١) شرح المواقف ٨/٣٧٦ الملل والنحل ١/٢٩ لأبي الفتح الشهرستاني ، المتوفّى سنة ٤٥٨ هـ ، توجد ترجمته والثناء عليه في : وفيات الأعيان ١/٦١٠ ، تذكرة الحفّاظ ٤/١٠٤ طبقات الشافعية للسبكي ٤/٨٧ ، شذرات الذهب ٤/١٤٩ ، مرآة الجنان ٣/٢٨٩ وغيرها.
فأُغمي عليه(١) وهكذا إلى ثلاث مرّات وفي هذه الحالة صلّى أبوبكر بالناس ، فهل كانت بأمرٍ منه؟!
بل في بعض الأحاديث أنّه كان إذا لم يخرج لعارضٍ حضره المسلمون إلى البيت فصلّوا خلفه :
فقد أخرج مسلم عن عائشة ، قالت : « اشتكى رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه ، فصلّى رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم جالساً فصلّوا بصلاته قياماً »(٢) .
وعن جابر : « اشتكى رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم فصلّينا وراءه وهو قاعد وأبوبكر يُسمع الناس تكبيرة »(٣) .
وأخرج أحمد عن عائشة : « أنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم صلّى في مرضه وهو جالس وخلفه قوم »(٤) .
ويشهد لما ذكرنا ـ من ملازمته للحضور إلى المسجد والصلاة بالمسلمين بنفسه ـ ما جاء في كثير من أحاديث القصّة من أنّ بلالاً دعاه إلى الصلاة ، أو آذنه بالصلاة ، فهو كان يجيء متى حان وقت الصلاة إلى النبيصلىاللهعليهوآله ويعلمه بالصلاة ، فكان يخرج بأبي هو وأُمّي بنفسه ـ وفي أيّ حالٍ من الأحوال كان ـ إلى الصلاة ويصلّي بالناس.
فأبو بكر وغيره كانوا بالجرف الموضع الذي عسكر فيه أسامة خارج
__________________
(١) في أنّ النبّيصلىاللهعليهوآله يغمى عليه ـ بما للكلمة من المعنى الحقيقي ـ أو لا ، كلاماً بين العلماء لا نتعرّض له لكونه بحثاً عقائديّأ ليس هذا محلّه.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ، هامش إرشاد الساري ٣/٥١.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ، هامش إرشاد الساري ٣/٥١.
(٤) مسند أحمد ٦/٥٧.
المدينة
وهوصلىاللهعليهوآله كان يصلّي بالمسلمين وعليٌّ عنده إذ لم يذكر أحد أنّهصلىاللهعليهوآله أمره بالخروج مع أُسامة
حتى اشتدّ به الوجع ولم يمكنه الخروج فقال بلال : « يا رسول الله ، بأبي وأُمي من يصلّي بالناس؟ »(١) هنالك دعا عليّاًعليهالسلام قائلاً : « أدعوا لي عليّاً » قالت عائشة : « ندعو لك أبابكر؟ » وقالت حفصة : « ندعوا لك عمر؟ » فما دُعي عليّ ولكن القوم حضروا أو أُحضروا!! « فاجتمعوا عنده جميعاً. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : انصرفوا. فإنْ تك لي حاجة أبعث إليكم ، فانصرفوا »(٢) .
إنّه كان يريد عليّاًعليهالسلام ولا يريد أحداً من القوم ، وكيف يريدهم وقد أمرهم بالخروج مع أُسامة ، ولم يعدل عن أمره؟!
فإذْ لم يحضر عليّ ، ولم يتمكّن من الحضور للصلاة بنفسه ، والمفروض خروج المشايخ وغيرهم إلى جيش أُسامة ، أمر بأن يصلّي بالناس أحدهم وذاك ما أخرجه أبو داود عن ابن زمعة فقال :
« لما استعزّ برسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وأنا عنده في نفرٍ من المسلمين دعاه بلال إلى الصلاة. فقال : مروا من يصلّي بالناس ».
وفي حديث أخرجه ابن سعد عنه قال : « عدت رسول الله في مرضه الذي توفّي فيه ، فجاءه بلال يؤذنه بالصلاة فقال لي رسول الله : مر الناس فليصلّوا.
قال عبدالله : فخرجت فلقيت ناساً لا أكلّمهم ، فلمّا لقيت عمر بن الخطّاب
__________________
(١) مسند أحمد ٣/٢٠٢.
(٢) تاريخ الطبري ٢/٤٣٩.
لم أبغ من وراءه ، وكان أبوبكر غائباً ، فقلت له : صلِّ بالناس يا عمر. فقام عمر في المقام فقال عمر : ما كنت أظنّ حين أمرتني إلاّ أنّ رسول الله أمرك بذلك ، ولولا ذلك ما صلّيت بالناس.
فقال عبدالله : لمّا لم أر أبابكر رأيتك أحقّ من غيره بالصلاة »(١) .
وفي خبر عن سالم بن عبيد الأشجعي قال : « إنّ النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم لمّا اشتدّ مرضه أُغمي عليه ، فكان كلّما أفاق قال : مروا بلالاً فليؤذّن ، ومروا بلالاً فليصلّ بالناس »(٢) .
وقد كان من قبل قد استخلف ابن أُمّ مكتوم ـ وهو مؤذّنه ـ في الصلاة بالناس كما عرفت.
وجاء في الأحاديث أنّهصلىاللهعليهوآله قال لعائشة وحفصة : « إنّكنّ لصويحبات يوسف! » وهو يدلّ على أنّه قد وقع من المرأتين ـ مع الإلحال الشديد والحرص الأكيد ـ ما لا يرضاه النبيصلىاللهعليهوآله فما كان ذلك؟ ومتى كان؟
إنّ النبيصلىاللهعليهوآله لمّا عجز عن الحضور للصلاة بنفسه ، وطلب عليّاً فلم يُدْع له ـ بل وجد الإلحال والإصرار من المرأتين على استدعاء أبي بكر وعمر ـ ثمّ أمر من يصلّي بالناس ـ والمفروض كون المشايخ في جيش أُسامة ـ أُغمي عليه ـ كما في الحديث ـ وما أفاق إلاّ والناس في المسجد وأبوبكر يصلّي بهم
__________________
(١) الطبقات الكبرى ٢/٢٢٠.
(٢) بغية الطلب في تاريخ حلب ، مخطوط. الورقة ١٩٤ ، لكمال الدين ابن العديم الحنفي ، المتوفّى سنة ٦٦٠ هـ.
ترجم له الذهبي واليافعي وابن العماد في تواريخهم وأثنوا عليه. وقال ابن شاكر الكتبي : « كان محدّثاً فاضلاً حافظاً مؤرّخاً صادقاً فقيهاً مفتياً منشئاً بليغاً كتاباً محموداً » فوات الوفيات ٢/٢٢٠.
... فعلم أنّ المرأتين قامتا بما كانتا ملحّتين عليه فقال : « إنّكنّ لصويحبات يوسف » ثمّ بادر إلى الخروج معجّلاً معتمداً على رجلين ، ورجلاه تخطّان في الأرض كما سيأتي.
فمن تشبيه حالهنّ بحال صويحبات يوسف يعلم ما كان في ضميرهن ، ويستفاد عدم رضاهصلىاللهعليهوآله بفعلهن مضافاً إلى خروجه
فلو كان هو الذي أمر أبابكر بالصلاة لما رجع باللوم عليهنّ ، ولا بادر إلى الخروج وهو على تلك الحال
ولكن شرّاح الحديث ـ الّذين لا يريدون الاعتراف بهذه الحقيقة ـ اضطربوا في شرح الكلمة ومناسبتها للمقام :
قال ابن حجر : « إنّ عائشة أظهرت أنّ سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه ، ومرادها زيادة على ذلك هو أن لا يتشاءم الناس به ، وقد صرّحت هي فيما بعد بذلك. وبهذا التقرير يندفع إشكال من قال : إنّ صواحب يوسف لم يقع منهنّ إظهار يخالف ما في الباطن »(١) .
قلت : لكنّه كلام بارد ، وتأويل فاسد.
أمّا أوّلاً : ففيه اعتراف بأنّ قول عائشة : « إنّ أبابكر رجل أسيف فمر عمر أن يصلّي بالناس » مخالفة للنبيصلىاللهعليهوآله ، وردّ عليه منها ، بحيث لم يتحمّله النبيصلىاللهعليهوآله وقال هذا الكلام.
وأمّا ثانياً : فلأنّه لا يتناسب مع فصاحة النبيصلىاللهعليهوآله وحكمته ، إذ لم يكنصلىاللهعليهوآله يشبّه الشيء بخلافة ويمثّله بضدّه ، وإنّما كان يضع المثل في موضعه ولا ريب أنّ صويحبات يوسف إنّما عصين الله بأنْ أرادت كلّ واحدة منهنّ من يوسف ما أرادته الأُخرى وفُتنت به كما فُتنت به صاحبتها ، فلو كانت عائشة قد دفعت النبي عن أبيها ولم ترد شرف ذلك المقام
__________________
(١) فتح الباري ٢/١٢٠.
الجليل له ، ولم تفتتن بمحبّة الرئاسة وعلوّ المقام ، لكان النبي في تشبيهها بصويحبات يوسف قد وضع المثل في غير موضعه ، وهو أجلُّ من ذلك ، فإنّه نقص وحينئذٍ يثبت أنّ ما قاله النبيصلىاللهعليهوآله إنّما كان لمخالفة المرأة وتقديمها بالأمر ـ بغير إذن منهصلىاللهعليهوآله ـ لأبيها ، لأنّها مفتونة بمحبّة الاستطاعة والرغبة في تحصيل الفضيلة واختصاصها وأهلها بالمناقب كما قدّمناه في بيان طرف من أحوالها.
وأمّا ثالثاً : فقد جاء في بعض الأخبار أنّه لمّا قالت عائشة : « إنّه رجل رقيق فمر عمر » لم يجبها بتلك الكلمة بل قال : « مروا عمر »(١) ومنه يظهر أنّ السبب في قوله ذلك لم يكن قولها : « إنّه رجل أسيف ».
وقال النووي بشرح الكلمة :
« أيّ : في التظاهر على ما تردن وكثرة إلحاحكنّ في طلب ما تردنه وتِملْن إليه ، وفي مراجعة عائشة : جواز مراجعة وليّ ألأمر على سبيل العرض والمشاورة والإشارة بما يظهر أنّه مصلحة وتكون المراجعة بعبارة لطيفة ، ومثل هذه المراجعة مراجعة عمر في قوله : لا تبشّرهم فيتّكلوا. وأشباهه كثيرة مشهورة »(٢) .
قلت : وهذا أسخف من سابقه ، وجوابه يظهر ممّا ذكرنا حوله ، ومن الغريب استشهاده لعمل عائشة بعمل عمر ومعارضته لرسول اللهصلىاللهعليهوآله في مواقف كثيرة!!
وممّا يؤكّد ما ذكرناه من عدم تماميّة ما تكلّفوا به في بيان وجه المناسبة ، أنّ بعضهم ـ كابن العربي المالكي ـ التجأ إلى تحريف الحديث حتّى تتمّ المناسبة ، فإنّه على أساس تحريفه تتمّ بكلّ وضوح ، لكنّ الكلام في التحريف الذي ارتكبه وسنذكر نصّ عبارته فانتظر.
__________________
(١) تاريخ الطبري ٢/٤٣٩.
(٢) المنهاج بشرح صحيح مسلم ، هامش القسطلاني ٣/٦٠.
ثمّ إنّه جاء في بعض تلك الأحاديث المذكورة تقديم أبي بكر لعمر ـ بل ذكر ابن حجر أنّ إلحاح عائشة كان بطلبٍ من أبيها أبي بكر(١) ـ وقد وقع القول من أبي بكر ـ قوله لعمر : صلّ بالناس ـ موقع الإشكال كذلك ، لأنّه لو كان الآمر بصلاة أبي بكر هو النبيصلىاللهعليهوآله فكيف يقول أبوبكر لعمر : صلّ بالناس؟ فذكروا فيه وجوهاً :
أحدها : ما تأوّله بعضهم على أنّه قاله تواضعاً.
والثاني : ما اختاره النووي ـ بعد الردّ على الأوّل ـ وهوأنّه قاله للعذر المذكور ، أي كونه رقيق القلب كثير البكاء ، فخشي أن لا يُسمع الناس!
والثالث : ما احتمله ابن حجر ، وهو : أن يكون فهم من الإمامة الصغرى الإمامة العظمى ، وعلم ما في تحمّلها من الخطر ، وعلم قوّة عمر على ذلك فاختاره(٢) .
وهذه الوجوه ذكرها الكرماني قائلاً : « فإن قلت : كيف جاز للصدّيق مخالفة أمر الرسول ونصب الغير للإمامة؟ قلت : كأنّه فهم أنّ الأمر ليس للإيجاب. أو أنّه قال للعذر المذكور ، وهو أنّه رجل رقيق كثير البكاء لا يملك عينه. وقد تأوّله بعضهم بأنّه قال تواضعاً »(٣) .
قلت : أمّا الوجه الأوّل فتأويل ـ وهكذا أوّلوا قوله عند ما استخلفه الناس وبايعوه : « ولّيتكم ولست بخيركم »(٤) ـ لكنّه ـ كما ترى ـ تأويل لا يلتزم به ذو
__________________
(١) فتح الباري ١/١٢٣.
(٢) فتح الباري ١/١٢٣.
(٣) الكواكب الدراري ـ شرح البخاري ٥/٧٠.
(٤) طبقات ابن سعد ٣/١٨٢.
مسكة ، ولذا قال النووي : « وليس كذلك ».
وأمّا الوجه الثاني فقد عرفت ما فيه من كلام النبي.
وأمّا الوجه الثالث فأظرف الوجوه ، فإنّه احتمال أن يكون فهم أبوبكر!! الإمامة العظمى!! وعلم ما في تحمّلها من الخطر؟! علم قوة عمر على ذلك فاختاره!! ولم يعلم النبي بقوّة عمر على ذلك فلم يختره!! وإذا كان علم من عمر ذلك فعمر أفضل منه وأحقّ بالإمامة العظمى!!
لكنّ الوجه الوجيه أنّه كان يعلم بأنّ الأمر لم يكن من النبيصلىاللهعليهوآله ، وعمر كان يعلم ـ أيضاً ـ بذلك ، ولذا قال له في الجواب : « أنت أحقّ بذلك » ، وقوله لعمر : « صلّ بالناس » يشبه قوله للناس في السقيفة : « بايعوا أيّ الرجلين شئتم » يعني : عمر وأبا عبيدة
إنّه وإن لم يتعرّض في بعض ألفاظ الحديث لخروج النبي إلى الصلاة أصلاً وفي بعضها إشارة إليه ولكن بلا ذكرٍ لكيفيّة الخروج إلاّ أنّ في اللفظ المفصّل ـ وهو خبر عبيدالله عن عائشة ، حيث طلب منها أن تحدّثه عن مرض رسول اللهصلىاللهعليهوآله ـ جاء : « ثمّ إنّ النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وجد من نفسه خفّةً ، فخرج بين رجلين أحدهما العبّاس ».
وفي حديث آخر عنها : « وخرج النبي يهادي بين رجلين ، كأنّي أنظر إليه يخطّ برجليه الأرض ».
وفي ثالث : « فلمّا دخل في الصلاة وجد رسول الله في نفسه خفّةً ، فقام يهادي بين رجلين ، ورجلاه تخطّان في الأرض حتّى دخل المسجد ».
وفي رابع : « فوجد رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم من نفسه خفّةً ، فخرج وإذا أبوبكر يؤمّ الناس ».
وفي خامس : « فخرج أبوبكر فصلّى بالناس ، فوجد رسول الله من نفسه
خفّةً ، فخرج يهادى بين رجلين ورجلاه تخطّان في الأرض ».
أقول : هنا نقاط نلفت إليها الأنظار على ضوء هذه الأخبار :
إنّه خرج إليها والنبي في حال غشوةٍ ، لأنّه لمّا وجد في نفسه خفّةً خرج معتمداً على رجلين
إنّه خرج عند دخول أبي بكر في الصلاة ، فهل كانت الخفّة التي وجدها في نفسه في تلك اللحظات صدفةً ، بأنْ رأى نفسه متمكّناً من الخروج فخرج على عادته أو أنّه خرج عندما علم بصلاة أبي بكر إمّا بإخبار مخبر ، أو بسماع صوت أبي بكر؟ إنّه لا فرق بين الوجهين من حيث النتيجة ، فإنّه لو كان قد أمر أبابكر بالصلاة في مقامه لَما بادر إلى الخروج وهو على الحال التي وصفتها الأخبار!
لم يكن النبيصلىاللهعليهوآله بقادر على المشي بنفسه ، ولا كان يكفيه الرجل الواحد بل خرج معتمداً على رجلين ، بل إنّهما أيضاً لم يكفياه ، فرجلاه كانتا تخطّان في الأرض ، وإنّ خروجاً ـ كهذا ـ ليس إلاّ لأمرٍ يهمّ الإسلام والمسلمين ، وإلاّ فقد كان معذوراً عن الخروج للصلاة جماعةً ، كما هو واضح فإن كان خروج أبي بكر إلى الصلاة بأمرٍ منه فقد جاء ليعزله ، كما كان في قضيّة إبلاغ سورة التوبة حيث أمر أبابكر بذلك ثمّ أمر بعزله وذاك من القضايا الثابتة المتّفق عليها ، لكنّه لم يكن بأمرٍ منه للوجوه التي ذكرناها
واختلفت الألفاظ التي ذكرناها فيمن كان معتمداً عليه ـ مع الاتّفاق على كونهما أثنين ـ فمنها : « رجلين أحدهما العبّاس » ومنها : « رجلين » ومنها : « فقال : انظروا لي من أتّكى عليه ، فجاءت بريرة ، ورجل آخر فاتّكأ عليهما ». وهناك روايات فيها أسماء أشخاص آخرين
ومن هنا اضطربت كلمات الشرّاح
فقال النووي بشرح « فخرج بين رجلين أحدهما العبّاس » :
وفسّر ابن عبّاس الآخر بعليّ بن أبي طالب. وفي الطريق الآخر : فخرج ويد له على رجلٍ آخر ، وجاء في غير مسلم : بين رجلين أحدهما أسامة بن زيد : وطريق الجمع بين هذا كلّه : إنّهم كانوا يتناوبون الأخذ بيده الكريمة تارةً هذا وتارةً ذاك وذاك ، ويتنافسون في ذلك. وأكرموا العبّاس باختصاصه بيد واستمرارها له ، لما له من السنّ والعمومة وغيرها ، ولهذا ذكرته عائشة مسمّئ وأبهمت الرجل الآخر ، إذ لم يكن أحد الثلاثة الباقين ملازماً في جميع الطريق ولا معظمه ، بخلاف العبّاس ، والله أعلم »(١) .
وفي خبر آخر عند ابن خزيمة عن سالم بن عبيد : « فجاءوا ببريرة ورجل آخر فاعتمد علهيما ثم خرج إلى الصلاة »(٢) .
ترى أنّ « الرجل الآخر » في جميع هذه الطرق غير مذكور ، فاضطرّ النووي إلى ذكر توجيه لذلك ، بعد أن ذكر طريق الجمع بين ذلك كلّه ، لئلاً يسقط شيء منها عن الاعتبار!! بعد أن كانت القضيّة واحدة
وروى أبو حاتم أنّه خرج بين جاريتين ، فجمع بين الخبرين بأنّه « خرج بين
__________________
(١) المنهاج شرح مسلم هامش إرشاد الساري ٣/٥٧.
(٢) عمدة القاري ٥/١٨٧.
الجاريتين إلى الباب ، ومن الباب أخذه العبّاس وعليّ ، حتّى دخلا به المسجد »(١) .
لكنّ خبر خروجه بين جاريتين وهم صدر من الذهبي أيضاً(٢)
وذكر العيني الجمع الذي اختاره النووي قائلاً : « وزعم بعض الناس » ثمّ أشكل عليه بقوله : « فإن قلت : ليس بين المسجد وبيته مسافة تقتضي التناوب » فأجاب بقوله : « قلت : يحتمل أن يكون ذلك لزيادةٍ في إكرامه أو لالتماس البركة من يده »(٣) .
وأنت تستشمّ من عبارته « وزعم بعض الناس » ثمّ من الإشكال والجواب عدم ارتضائه لما قاله النووي ، وكذلك ابن حجر ردّ ـ كما ستعلم ـ على ما ذكره النووي فيما جاء في رواية معمر : « ولكنّ عائشة لا تطيب نفساً له بخير » ورواية الزهري : « ولكنّها لا تقدر على أنْ تذكره بخير ».
والتحقيق : إنّ القضيّة واحدة ، و« الرجل الآخر » هو عليّعليهالسلام « ولكن عائشة » أمّا ما ذكره النووي فقد عرفت ما فيه ، وقد أورد العيني ما في رواية معمر والزهري ثمّ قال : « وقال بعضهم : وفي هذا ردّ على من زعم أنها أبهمت الثاني لكونه لم يتعيّن في جميع المسافة ولا معظمها » قال العيني : « أشار بهذا إلى الردّ على النووي ولكنّه ما صرّح باسمه لاعتنائه به ومحاماته له »(٤) .
قلت : والعيني أيضاً لم يذكر اسم القائل وهو ابن حجر ، ولا نصّ عبارته لشدّتها ، ولنذكرها كاملةً ، فإنّه كما لم يصرّح باسم النووي كذلك لم يصرّح باسم الكرماني الذي اكتفى هنا بأنْ قال : « لم يكن تحقيراً أو عداوةً ، حاشاها من ذلك »(٥) وهي هذه بعد روايتي معمر والزهري :
__________________
(١) عمدة القاري ٥/١٨٧.
(٢) عمدة القاري ٥/١٩٠.
(٣) عمدة القاري ٥/١٨٧.
(٤) عمدة القاري ٥/١٩١.
(٥) الكواكب الدراري ٥/٥٢.
« وفي هذا ردّ على من تنطّع فقال : لا يجوز أنْ يظنّ ذلك بعائشة ، وردّ من زعم أنّها أبهمت الثاني لكونه لم يتعيّن في جميع المسافة وفي جميع ذلك الرجل الآخر هوالعبّاس ، واختصّ بذلك إكراماً له. وهذا توهّم ممّن قاله ، والواقع خلافه ، لأنّ ابن عبّاس في جميع الروايات الصحيحة جازم بأنّ المبهم عليّ فهو المعتمد »(١) .
إلاّ أنّ من القوم من حملته العصبيّة لعائشة على أن ينكر ما جاء في رواية معمر والزهري ، وقد أجاب عن ذلك ابن حجر حاملاً الإنكار على الصحّة فقال : « ولم يقف الكرماني على هذه الزيادة فعبّر عنها بعبارة شنيعة »(٢) .
وحديث أنّهصلىاللهعليهوآله أئتمّ في تلك الصلاة بأبي بكر ـ بالإضافة إلى أنّه في نفسه كذب كما سيأتي ـ دليل آخر على أنّ أصل القضية ـ أعني أمره أبابكر بالصلاة ـ كذب وبيان ذلك في الوجوه الآتية.
هذا ، وينافي حديث الأمر بالصلاة منهصلىاللهعليهوآله ما ثبت عنه من وجوب تقديم الأقرأ في الإمامة إذا استووا في القراءة ، وفي الصحاح أحاديث متعدّدة دالّة على ذلك ، وقد عقد البخاري « باب إذا استووا في القراءة فليؤمّهم أكبرهم »(٣) .
وذلك ، لأنّ أبابكر لم يكن الأقرأ بالإجماع وهذا أيضاً من المواضع
__________________
(١) فتح الباري ٢/١٢٣.
(٢) فتح الباري ٢/١٢٣.
(٣) صحيح البخاري بشرح العيني ٥/٢١٢.
المشكلة التي اضطربت فيها كلماتهم :
قال العيني : « اختلف العلماء فيمن هو أولى بالإمامة فقالت طائفة : الأفقه ، وقال آخرون : الأقرأ » فأجاب عن الإشكال بعدم التعارض : « لأنّه لا يكاد يوجد إذ ذاك قارئ إلاّ وهو فقيه : « وأجاب بعضهم بأنّ تقديم الأقرأ كان في صدر الإسلام »(١) .
قال ابن حجر بشرح عنوان البخاري المذكور :
« هذه الترجمة منتزعة من حديث أخرجه مسلم من رواية أبي مسعود الأنصاري وقد نقل ابن أبي حاتم عن أبيه أنّ شعبة كان يتوقّف في صحّة هذا الحديث. ولكن هو في الجملة يصلح للاحتجاج به عند البخاري. قيل : المراد به الأفقه. وقيل : هو على ظاهره.
وبحسب ذلك اختلف الفقهاء قال النووي قال أصحابنا : الأفقه مقدّم على الأقرأ ، ولهذا قدّم النبي أبابكر في الصلاة على الباقين ، مع أنّه صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم نصَّ على أنّ غيره أقرأ منه ـ كأنّه عنى حديث : أقرؤكم أُبي ـ قال : وأجابوا عن الحديث بأنّ الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه ».
قال ابن حجر : « قلت : وهذا الجواب يلزم منه أنّ من نصّ النبي على أنّه أقرأ من أبي بكر كان أفقه من أبي بكر ، فيفسد الاحتجاج بأنّ تقديم أبي بكر كان لأنّه الأفقه ».
قال : « ثمّ قال النووي بعد ذلك : إنّ قوله في حديث أبي مسعود : فإنْ كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنّة ، فإن كانوا في السُنّة سواء فأقدمهم في الهجرة. يدلّ على تقديم الأقرأ مطلقاً. إنتهى ».
قال ابن حجر : « وهو واضح للمغايرة »(٢) .
__________________
(١) عمدة القاري ٥/٢٠٣.
(٢) فتح الباري ٢/١٣٥.
أقول : فانظر إلى اضطراباتهم وتمحّلاتهم في الباب ، وما ذلك كلّه إلاّ دليلاً على عجزهم عن حلّ الإشكال ، وإلاّ فأيّ وجهٍ لحمل حديث تقديم الأقرأ على « صدر الإسلام » فقط؟ أو حمله على أنّ المراد هو « الأفقه »؟! وهل كان أبوبكر الأفقه حقّاً؟!
وأمّا الوجه الآخر الذي نسبه النووي إلى أصحابه فقد ردّ عليه ابن حجر وتراهم بالتالي يعترفون بوجوب تقديم الأقرأ أو يسكتون!!
إنّ المتّفق عليه في كتابي البخاري ومسلم أنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان هو الإمام في تلك الصلاة. وكذا جاء في حديث غيرهما فهذه طائفة من الأخبار صريحة في ذلك
وطائفة أُخرى فيها بعض الإجمال كالحديث عند النسائي : « وكان النبي بين يدي أبي بكر ، فصلّى قاعداً ، وأبوبكر يصلّي بالناس ، والناس خلف أبي بكر ». والآخر عند ابن ماجة : « ثمّ جاء رسول الله حتّى جلس إلى جنب أبي بكر حتّى قضى أبوبكر صلاته ».
وطائفة ثالثة ظاهرة أو صريحة في صلاته خلف أبي بكر ، كالحديث عند النسائي وأحمد : « إنّ أبابكر صلّى للناس ورسول الله في الصفّ » والحديث عند أحمد : « صلّى رسول الله خلف أبي بكر قاعداً » وعنده أيضاً « وصلّى النبي خلفه قاعداً ».
ومن هنا كان هذا الموضع من المواضع المشكلة عند الشرّاح ، حيث اضطربت كلماتهم واختلفت أقوالهم فيه قال ابن حجر : « وهو اختلاف شديد »(١) .
فابن الجوزي وجماعة اسقطوا ما أفاد صلاة رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم خلف أبي بكر عن الإعتبار ، بالنظر إلى ضعف سنده ، وإعراض البخاري
__________________
(١) فتح الباري ٢/١٢٠.
ومسلم عن إخراجه(١) قال ابن عبدالبرّ : « الآثار الصحاح على أنّ النبي هو الإمام »(٢) وقال النووي : « كان بعض العلماء زعم أنّ أبابكر كان هو الإمام والنبي مقتدٍ به ، لكنّ الصواب أنّ النبي كان هو الإمام وقد ذكره مسلم »(٣) .
لكن فيه : أنّه إن كان دليل الردّ ضعف السند ، فقد عرفت أنّ جميع ما دلّ على أمره أبابكر بالصلاة ضعيف ، وإن كان دليل الردّ إعراض الشيخين فقد ثبت لدى المحقّقين أنّ إعراضهما عن حديث لا يوهنه ، كما أنّ إخراجهما لحديث لا يوجب قبوله. نعم ، خصوم ابن الجوزي وجماعته ملتزمون بذلك.
وعبد المغيث بن زهير وجماعة قالوا : كان أبوبكر هوالإمام أخذاً بالأحاديث الصريحة في ذلك ، قال الضياء المقدسي وابن ناصر : « صحّ وثبت أنّه صلّى خلفه مقتدياً به في مرضه الذي توفّي فيه ثلاث مرّات ، ولا ينكر ذلك إلاّ جاهل لا علم له بالرواية »(٤) .
لكن فيه : أنّها أحاديث ضعيفة جدّاً ، ومن عمدتها ما رواه شبابة بن سوار المدلّس المجروح عند المحقّقين على أنّ قولهما : « ثلاث مرّات » معارض بقول بعضهم « كان مرّتين » وبه جزم ابن حبّان(٥) وأمّا رمي المنكرين بالجهل فتعصّب
والعيني وجماعة على الجمع بتعدّد الواقعة ، قال العيني : « روي حديث عائشة بطرقٍ كثيرة في الصحيحين وغيرهما ، وفيه اضطراب غير قادح.
وقال البيهقي : لا تعارض في أحاديثها ، فإنّ الصلاة التي كان فيها النبي
__________________
(١) لابن الجوزي رسالة في هذا الباب أسماها « آفة أصحاب الحديث » نشرناها لأول مرّة بمقدّمة وتعاليق هامّة سنة ١٣٩٨ هـ.
(٢) عمدة القاري ٥/١٩١.
(٣) المنهاج ، شرح صحيح مسلم ٣/٥٢.
(٤) عمدة القاري ٥/١٩١ ، لعبد المغيث رسالة في هذا الباب ، ردّ عليها ابن الجوزي برسالته المذكورة.
(٥) عمدة القاري ٥/١٩١.
إماماً هي صلاة الظهر يوم السبت أو يوم الأحد ، والتي كان فيها مأموماً هي صلاة الصبح من يوم الاثنين وهي آخر صلاهٍ صلاّها حتّى خرج من الدنيا.
وقال نعيم بن أبي هند : الأخبار التي وردت في هذه القصة كلها صحيحة وليس فيها تعارض ، فإنّ النبي صلّى في مرضه الذي مات فيه صلاتين في المسجد ، في إحداهما كان إماماً وفي الأخرى كان مأموماً »(١) .
قلت :
أوّلاً : إنّ كلام البيهقي في الجمع أيضاً مضطرب ، فهو لا يدري الصلاة التي كان فيها إماماً أهي صلاة الظهر يوم السبت أو يوم الأحد!؟ وكأنّ المهمّ عنده أن يجعل الصلاة الأخيرة ـ يوم الأثنين ـ صلاته مأموماً كي تثبت الإمامة العظمى لأبي بكر بالإمامة الصغرى!!
وثانياً : إنّ نعيم بن أبي هند ـ الذي حكم بصحّة كلّ الأخبار ، وجمع كالبيهقي بالتعدّد لكن من غير تعيين ، لجهله بواقع الأمر! ـ رجل مقدوح مجروح لا يعتمد على كلامه كما تقدّم في محلّه.
وثالثاً : إنّه اعترف بوجود الاضطراب في حديث عائشة ، وكذا اعترف بذلك ابن حجر ، ثمّ ذكر الاختلاف ، وظاهره ترك المطلب على حاله من دون اختيار ، ثمّ أضاف أنّه « اختلف النقل عن الصحابة غير عائشة ، فحديث ابن عبّاس فيه : أنّ أبابكر كان مأموماً وحديث أنس فيه : أنّ أبابكر كان إماماً. أخرجه الترمذي وغيره »(٢) .
__________________
(١) عمدة القاري ٥/١٩١.
(٢) فتح الباري ٢/١٢٠.
والتحقيق :
إنّ القصّة واحدة لا متعدّدة ، فالنبيّصلىاللهعليهوآله خرج في تلك الوقعة إلى المسجد ونحّى أبابكر عن المحراب ، وصلّى بالناس بنفسه وكان هو الإمام وصار أبوبكر ماموماً
هذا هو التحقيق بالنظر إلى الوجوه المذكورة ، وفي متون الأخبار ، وفي تناقضات القوم ، وفي ملابسات القصّة ثمّ وجدنا إمام الشافعيّة يصرّح بهذا الذي انتهينا إليه قال ابن حجر :
« صرّح الشافعي بأنّه صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم لم يصل بالناس في مرض موته في المسجد إلاّ مرّة واحدة ، وهي هذه التي صلّى فيها قاعداً ، وكان أبوبكر فيها أوّلاً إماماً ثمّ صار مأموماً يُسمع الناس التكبير »(١) .
ثمّ إنّ هذا الذي صرّح به الشافعي من أنّ أبابكر « صار مأموماً يُسمع الناس التكبير » ممّا شقّ على كثيرٍ من القوم التصريح به ، فجعلوا يتّبعون أهواءهم في رواية الخبر وحكاية الحال ، فانظر إلى الفرق بين عبارة الشافعي وما جاء مشابهاً لها في بعض الأخبار ، وعبارة من قال :
« فكان أبوبكر يصلّي بصلاة رسول الله وهو جالس ، وكان الناس يصلّون بصلاة أبي بكر ».
ومن قال :
« فكان أبوبكر يصلّي قائماً ، وكان رسول الله يصلّي قاعداً ، يقتدي أبوبكر بصلاة رسول الله ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر ».
ومن قال :
« فصلّى قاعداً وأبوبكر يصلّي بالناس ، والناس خلف أبي بكر ».
__________________
(١) فتح الباري ٢/١٣٨.
ومن قال :
« فكان أبوبكر يأتمّ بالنبي والناس يأتمون بأبي بكر ».
ومن قال :
« جاء رسول الله حتى جلس إلى جنب أبي بكر حتّى قضى أبوبكر صلاته ».
إنّهم يقولون هكذا كي يوهموا ثبوت نوع إمامة لأبي بكر!! وتكون حينئذٍ كلماتهم مضطربة مشوّشة بطبيعة الحال!! وبالفعل فقد وقع التوهمّ واختلف الشرّاح في القضيّة وتوهّم بعضهم فروعاً فقهيّة ، كقولهم بصحّة الصلاة بإمامين!! :
فقد عقد البخاري : « باب الرجل يأتمّ بالإمام ويأتمّ الناس بالمأموم » وذكر فيه الحديث عن عائشة الذي فيه : « وكان رسول الله يصلّي قاعداً ، ويقتدي أبوبكر بصلاة رسول الله ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر »(١) .
وقال العيني بعد الحديث : « قيل للأعمش : وكان النبي يصلّي وأبوبكر يصلي بصلاته والناس يصلّون بصلاة أبي بكر؟ فقال برأسه : نعم! ».
قال : « استدلّ به الشعبي على جواز ائتمام بعض المأمومين ببعضٍ وهو مختار الطبري أيضاً ، وأشار إليه البخاري ـ كما يأتي إن شاء الله تعالى ـ.
وردّ بأنّ أبابكر كان مبلّغاً ، وعلى هذا فمعنى الاقتداء اقتداؤه بصوته ، والدليل عليه أنّه صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم كان جالساً وأبوبكر كان قائماً ، فكانت بعض أفعاله تخفى على بعض المأمومين ، فلأجل ذلك كان أبوبكر كالإمام في حقهم »(٢) .
أقول : ولذا شرح السيوطي الحديث في الموطّأ بقوله :
__________________
(١) صحيح البخاري ـ بشرح العيني ـ ٥/٢٥٠.
(٢) عمدة القاري ٥/١٩٠.
« أي يتعرّفون به ما كان النبيّ يفعله لضعف صوته عن أن يسمع الناس تكبير الانتقال ، فكان أبوبكر يسمعهم ذلك »(١) .
ويشهد بذلك الحديث المتقدّم عن جابر : « اشتكى رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم فصلّينا وراءه وهو قاعد ، وأبوبكر يُسْمع الناس تكبيره ».
بل لقد عقد البخاري نفسه : « باب من أسمع الناس تكبير الإمام » أخرج الحديث تحته(٢) !!
هذا كلّه بغضّ النظر عن أنّه لا يجوز لأحد أن يتقدّم على النبيصلىاللهعليهوآله ، وأمّا بالنظر إلى هذه القاعدة المسلّمة كتاباً وسنّةً فجميع أحاديث المسألة باطلة ، ولقد نصّ على تلك القاعدة كبار الفقهاء ، منهم : إمام المالكية وأتباعه ، وعن القاضي عياض إنّه مشهور عن مالك وجماعة أصحابه ، قال : وهو أوْلى الأقاويل(٣) وقال الحلبي بعد حديث تراجع أبي بكر عن مقامه : « وهذا استدلّ به القاضي عياض على أنّه لا يجوز لأحدٍ أن يؤمّه صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، لأنّه لا يصحّ التقدّم بين يديه ، في الصلاة ولا في غيرها ، لا لعذرٍ ولا لغيره ، ولقد نهى الله المؤمنين عن ذلك ، ولا يكون أحد شافعاً له ، وقد قال : أئمّتكم شفعاؤكم. وحينئذٍ يحتاج للجواب عن صلاته خلف عبدالرحمن بن عوف ركعةً ، وسيأتي الجواب عن ذلك »(٤) .
قلت : يشير بقوله : « وقد نهى الله المؤمنين عن ذلك » إلى قوله عزّ وجلّ :
__________________
(١) تنوير الحوالك ـ شرح موطأ مالك ١/١٥٦.
(٢) فتح الباري ٢/١٦٢.
(٣) نيل الأوطار ٣/١٩٥.
(٤) السيرة الحلبية ٣/٣٦٥.
( يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله ) (١) وقد تبع في ذلك إمامه مالك بن أنس كما في فتح الباري(٢) لكن من الغريب جدّاً قول ابن العربي المالكي : « قوله تعالى( لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله ) أصلّ في ترك التعرّض لأقوال النبي ، وإيجاب أتّباعه والاقتداء به ، ولذلك قال النبي في مرضه : مروا أبابكر فليصلّ بالناس. فقالت عائشة لحفصة : قولي له : إنّ أبابكر رجل أسيف ، وإنّه متى يقم مقامك لا يسمع الناس من البكاء ، فمر عليّاً(٣) فليصلّ بالناس ، فقال النبي : إنّكنّ لأنتنّ صواحب يوسف ، مروا أبابكر فليصلّ بالناس.
يعني بقوله : صواحب يوسف الفتنة بالردّ عن الجائز إلى غير الجائز»(٤) .
أقول : إنّ الرجل يعلم جيّداً بأنّ النبيصلىاللهعليهوآله لم يتمثّل بقوله : « إنّكنّ صواحب يوسف » إلاّ لوجود فتنةٍ من المرأتين ، فحرّف الحديث من « فمر عمر » إلى « فمر عليّاً » ليتمّ تشبيه النبي المرأتين بصويحبات يوسف ، لأنّ المرأتين أرادتا الردّ عن الجائز « وهو صلاة أبي بكر! » إلى غير الجائز « وهو صلاة عليّ! ».
إذن ، جميع أحاديث المسألة باطلة.
____________
(١) سورة الحجرات ٤٩ : ١.
(٢) فتح الباري ٣/١٣٩.
(٣) فكان الحديث بثلاثة ألفاظ ١ ـ « فمر غيره » ٢ ـ « فمر عمر » ٣ ـ « فمر علّياً » وهذا من جملة التعارضات الكثيرة الموجودة بين ألفاظ هذه القضيّة الواحدة!! لكنّا نغضّ النظر عن التعرّض له خوفاً من الإطالة إلاّ أنّه لا مناص من ذكر الأمر الأغرب من هذا الرجل! وهو التناقض والتعارض الموجود بين هذا الذي نقلناه عن كتابه ( أحكام القرآن ) وبين الموجود في كتابه الآخر ( العواصم من القواصم : ١٩٢) حيث يقول في سياق ردّه وطعنه على الإماميّة!! : « ولا تستغربوا هذا من قولهم ، فهم يقولون إن النبي كان مدارياً لهم معيناً لهم على نفاقٍ وتقية وأين أنت من قول النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم حين سمع قول عائشة : مروا عمر فليصل بالناس ـ : انكن لأنتنّ صواحب يوسف ، مروا أبابكر فليصلّ بالناس ».
(٤) أحكام القرآن ٤/١٤٥.
أمّا التي دلّت على الصلاة النبي خلف أبي بكر فواضح جدّاً.
وأمّا الّتي دلّت على أنّه كان النبيصلىاللهعليهوآله هو الإمام فلاشتمالها على استمرار أبي بكر في الصلاة ، وقد صحّ عنه أنّه في صلاته بالمسلمين عندما ذهب رسول الله إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم لمّا حضر رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو في الصلاة « استأخر » ثمّ قال : « ما كان لابن أبي قحافة أن يصلّي بين يدي رسول الله »
وهذا نصّ الحديث عن سهل بن سعد الساعدي :
« إنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة ، فجاء المؤذّن إلى أبي بكر فقال : أتصلّي للناس فأقيم؟ قال : نعم. فصلّى أبوبكر. فجاء رسول الله والناس في الصلاة ، فتخلّص حتّى وقف في الصفّ ، فصفّق الناس ، وكان أبوبكر لا يلتفت في صلاته.
فلمّا أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، فأشار إليه رسول الله أن امكث مكانك. فرفع أبوبكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله من ذلك ، ثمّ استأخر أبوبكر حتى استوى في الصفّ ؛ وتقدّم رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم فصلّى.
فلمّا انصرف قال : يا أبابكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ فقال أبوبكر : ما كان لابن أبي قحافة أن يصلّي بين يدي رسول الله ».
وقد التفت ابن حجر إلى هذا التعارض فقال بشرح الحديث :
« فصلّى أبوبكر. أي : دخل في الصلاة ، ولفظ عبدالعزيز المذكور : وتقدّم أبوبكر فكبّر. وفي رواية المسعودي عن أبي حازم : فاستفتح أبو بكر الصّلاة وهي عند الطبراني.
وبهذا يجاب عن الفرق بين المقامين ، حيث امتنع أبوبكر هنا أن يستمر إماماً وحيث استمرّ في مرض موته صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم حين صلّى خلفه الركعة الثانية من الصبح كما صرّح به موسى بن عقبة في المغازي. فكأنّه لمّا أن مضى
معظم الصلاة حسن الاستمرار ، ولمّا أن لم يمض منها إلاّ اليسير لم يستمرّ»(١) .
وهذا عجيب من ابن حجر!!
فقد جاء في الأحاديث المتقدّمة : « فصلّى » كما في هذا الحديث الذي فسّره بـ « أي : دخل في الصلاة » : فانظر منها الحديث الأوّل والحديث السابع من الأحاديث المنقولة عن صحيح البخاري.
بل جاء في بعضها : « فلمّا دخل في الصلاة وجد رسول الله في نفسه خفّة » فانظر الحديث الثامن من أحاديث البخاري.
لكنّ بعض الكذّابين روى في هذا الحديث أيضاً : « فصلّى رسول الله خلف أبي بكر » قال الهيثمي : « رواه الطبراني وفي إسناده عبدالله بن جعفر بن نجيح وهو ؛ ضعيف جدّاً »(٢) .
فظهر أن لا فرق ولا يجوز لأبي بكر ولا لغيره من أفراد الأمّة التقدّم على رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا في الصلاة ولا في غيرها
ثمّ إنّهصلىاللهعليهوآله قام معتمداً على علي والفضل حتى جلس على المنبر وعليه عصابة فحمدالله وأثنى عليه وأوصاهم بالكتاب وعترته أهل بيته ونهاهم عن التفافس والتباغض وودّعهم(٣) .
__________________
(١) فتح الباري ٢/١٣٣.
(٢) مجمع الزوائد ٥/١٨١.
(٣) جواهر العقدين : ١٦٨. مخطوط.
وبعد أن لاحظنا متون الأخبار ومداليلها ، ووجدنا التعارض والتكاذب فيما بينها ، بحيث لا طريق صحيح للجمع بينها بعد كون القضيّة واحدة واستخلصنا أنّ صلاة أبي بكر في مرض النبيصلىاللهعليهوآله لم تكن بأمر منه قطعاً فلنرجع إلى مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام لنرى رأيهُ في أصل القضيّة فيكون شاهداً على ما استنتجناه ، ولنرى أيضاً أنّ صلاة أبي بكر بأمر من كانت؟؟
لقد حكى ابن أبي الحديد المعتزلي عن شيخه أبي يعقوب بن إسماعيل اللمعاني حول ما كان بين أمير المؤمنين وعائشة ، جاء فيه :
« فلمّا ثقل رسول اللهصلىاللهعليهوآله في مرضه ، أنفذ جيش أُسامة وجعل فيه أبابكر وغيره من أعلام المهاجرين والأنصار ، فكان عليّعليهالسلام حينئذٍ بوصوله إلى الأمر ـ إنْ حدث برسول الله حدث ـ أوثق ، وتغلّب على ظنّه أنّ المدينة ـ لو مات ـ لخلت من منازع ينازعه الأمر بالكليّة ، فيأخذه صفواً عفواً ، وتتمّ له البيعة فلا يتهيّأ فسخها لو رام ضدٌّ منازعته عليها. فكان من عود أبي بكر من جيش أُسامة بإرسالها إليه وإعلامه بأنّ رسول الله يموت ما كان ، ومن حديث الصلاة بالناس ما عرف.
فنسب عليّعليهالسلام إلى عائشة أنّها أمرت بلالاً ـ مولى أبيها ـ أن يأمره فليصلّ بالناس ، لأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كما روي قال : « ليصلّ بهم أحدهم » ولم يعيّن ، وكانت صلاة الصبح ، فخرج رسول الله وهو في آخر رمق يتهادي بين عليّ والفضل بن العبّاس ، حتّى قام في المحراب ـ كما ورد في الخبر ـ ثمّ دخل ، فمات ارتفاع الضحى ، فجعل يوم صلاته حجّةً في صرف الأمر إليه ، وقال : أيّكم يطيب نفساً أنْ يتقدّم قدمين قدّمهما رسول الله في الصلاة؟! ولم يحملوا خروج رسول الله إلى الصلاة لصرفه عنها ، بل لمحافظته على الصلاة مهما أمكن.
فبويع على هذه النكتة التي اتّهمها عليّعليهالسلام على إنّها ابتدأت منها.
وكان عليّ يذكر هذا لأصحابه في خلواته ويقول : إنّه لم يقلصلىاللهعليهوآله إنّكنّ لصويحبات يوسف إلاّ إنكاراً لهذه الحلال وغضباً منها ، لأنّها وحفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما ، وإنّه استدركها بخروجه وصرفه عن المحراب ، فلم يجد ذلك ولا أثّر ، مع قوّة الداعي الذي كان يدعو إلى أبي بكر ويمهّد له قاعدة الأمر تقرّر حاله في نفوس الناس ومن اتّبعه على ذلك من أعيان المهاجرين والأنصار
فقلت لهرحمهالله : أفتقول أنت : إنّ عائشة عيّنت أباها للصلاة ورسول الله لم يعيّنه؟!
فقال : أمّا أنا فلا أقول ذلك ، ولكنّ عليّاً كان يقوله ، وتكليفي غير تكليفه ، كان حاضراً ولم أكن حاضراً »(١) .
لقد استعرضنا أهمّ أحاديث القضيّة ، وأصحهّا ، ونظرنا أوّلاً في أسانيدها ، فلم نجد حديثاً منها يمكن قبوله والركون إليه في مثل هذه القضية ، فرواة الأحاديث بين « ضعيف » و« مدلّس » و« عثماني » و« خارجيّ » وكونها في الصحاح لا يجدي ، وتلقّي الكلّ إياها بالقبول لا ينفع
ثمّ نظرنا في متونها ومداليلها بغضّ النظر عن أسانيدها ، فوجدناها متناقضة متضاربةً يكذّب بعضها بعضاً بحيث لا يمكن الجمع بينها بوجه بعد أنْ كانت القضيّة واحدة ، كما نصّ عليه الشافعي ومن قال بقوله من أعلام الفقه والحديث
ثمّ رأينا أنّ الأدلّة والشواهد الخارجيّة القويمة تؤكّد على استحالة أنْ يكون
__________________
(١) شرح نهج البلاغة ٩/١٩٦ ـ ١٩٨.
النبيصلىاللهعليهوآله هو الذي أمر أبابكر بالصلاة في مقامه.
وخلاصة الأمر الواقع : أنّ النبي لمّا مرض كان أبوبكر غائباً بأمر النبيصلىاللهعليهوآله حيث كان مع أُسامة بن زيد في جيشه ، وكان النبي يصلّي بالمسلمين بنفسه ، حتّى إذا كانت الصلاة الأخيرة حيث غلبه الضعف واشتدّ به المرض طلب عليّاً فلم يُدعَ له ، فأمر بأن يصلّي بالناس أحدهم ، فلمّا التفت بأنّ المصلّي بهم أبوبكر خرج معتمداً على أمير المؤمنين ورجل آخر ـ وهو في آخر رمقٍ من حياته ـ لأن يصرفه عن المحراب ويصلّي بالمسلمين بنفسه ـ لا أن يقتدي بأبي بكر! ـ ويعلن بأنّ صلاته لم تكن بأمر منه ، بل من غيره!!.
ثمّ رأينا أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان يرى أنّ الأمر كان من عائشة و « عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ »(١) .
وصلّى الله على رسوله الأمين ، وعلى أمير المؤمنين والأئمة المعصومين ، والحمد الله ربّ العالمين.
__________________
(١) كما في الأحاديث الكثيرة المتفق عليها بين المسلمين ، أنظر من مصادر أهل السنّة العتبرة : صحيح الترمذي ٣/١٦٦ ، المستدرك ٣/١٢٤ ، جامع الأصول ٩/٢٠ ، مجمع الزوائد ٧/٢٣٣ وغيرها.
رسالة
في حديث الأقتداء بالشّيخين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين ، من الأولين والآخرين.
وبعد ، فلا يخفى أنّ السنّة النبوية هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي عند المسلمين ـ وإن وقع الخلاف بينهم في طريقها ـ فمنها ـ بعد القرآن الكريم ـ تستخرج الأحكام الإلهية ، وأصول العقائد الدينية ، والمعارف الفذّة ، والأخلاق الكريمة ، بل فيها بيان ما أجمله الكتاب ، وتفسير ما أبهمه ، وتقييد ما أطلقه ، وإيضاح ما أغلقه
فنحن مأمورون باتّباع السنّة والعمل بما ثبت منها ، ومحتاجون إليها في جميع الشؤون ومناحي الحياة ، الفردية والاجتماعيّة
إلاّ أنّ الأيدي الأثيمه تلاعبت بالسنّة الشريفة حسب أهوائها وأهدافها وهذا أمر ثابت يعترف به الكلّ
ولهذا وذاك انبرى علماء الحديث لتمييز الصحيح من السقيم ، والحقّ من الباطل فكانت كتب ( الصحاح ) وكتب ( الموضوعات )
ولكنّ الحقيقة هي تسرّب الأغراض والدوافع الباعثة إلى الاختلاق والتحريف إلى المعابير التي اتّخذوا للتمييز والتمحيص فلم تخل ( الصحاح ) من الموضوعات والأباطيل ، ولم تخل ( الموضوعات ) من الصحاح والحقائق وهذا ما دعا آخرين إلى وضع كتبٍ تكلّموا فيها على ما اخرج في الصحاح وأخرى تعقّبوا فيها ما أُدرج في الموضوعات وقد تعرّضنا لهذا في بعض بحوثنا المنشورة
وحديث : « اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » أخرجه غير واحد من أصحاب الصحاح وقال بصحّته غيرهم تبعاً لهم ومن ثمّ استندوا إليه في البحوث العلميّة.
ففي كتب العقائد في مبحث الإمامة جعلوه من أقوى الحجج على إمامة أبي بكر وعمر بعد رسول الله عليه وآله وسلّم
وفي الفقه استدلّوا به لترجيح فتوى الشيخين في المسألة إذا خالفهما غيرهما من الأصحاب
وفي الأصول في مبحث الإجماع يحتجّون به لحجّيّة اتّفاقهما وعدم جواز مخالفتهما فيما اتّفقا عليه
فهل هو حديث صحيح حقّاً؟
لقد تناولنا هذا الحديث بالنقد ، فتتبّعنا أسانيده في كتب القوم ، ودقّقنا النظر فيها على ضوء كلمات أساطينهم ، ثم عثرنا على تصريحاتٍ لجماعة من كبار أئمّتهم في شأنه ، ثم كانت لنا تأمّلات في معناه ومتنه
فإلى أهل الفضل والتحقيق هذه الصفحات اليسيرة المتضمّنة تحقيق هذا الحديث في ثلاثة فصول والله أسأل أن يهدينا إلى صراطه المستقيم ، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم إنّه خير مسؤول.
(١)
نظرات في أسانيد
حديث الاقتداء
إنّ حديث الاقتداء من الأحاديث المشهورة في فضل الشيخين ، فقد رووه عن عدّةٍ من الصحابة وبأسانيد كثيرة لكن لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما مطلقاً ، ولم يخرج في شيء من الصحاح عن غير حذيفة وعبدالله بن مسعود ، وقد ذهب غير واحدٍ من أعلام القوم إلى عدم قبول ما لم يخرجه الشيخان من المناقب ، وكثيرون منهم إلى عدم صحّة ما أعرض عنه أرباب الصحاح.
وعلى ما ذكر يسقط حديث الاقتداء ، مطلقاً أو ما كان من حديث غير ابن مسعود وحذيفة.
لكنّا ننظر في أسانيد هذا الحديث عن جميع من روي عنه من الصحابة ، إلاّ أنّا نهتمّ في الأكثر بما كان من حديث حذيفة وابن مسعود ، ونكتفي في البحث عن حديث الآخرين بقدر الضرورة فنقول :
لقد رووا هذا الحديث عن :
١ ـ حذيفة بن اليمان.
٢ ـ عبدالله بن مسعود.
٣ ـ أبي الدرداء.
٤ ـ أنس بن مالك.
٥ ـ عبدالله بن عمر.
٦ ـ جدّة عبدالله بن أبي الهذيل.
ونحن نذكر الإسناد إلى كلّ واحدٍ منهم ، وننظر في رجاله :
حديث حذيفة
رواه أحمد بن حنبل قال :
« حدّثنا سفيان بن عيينة ، عن زائدة ، عن عبدالملك بن عمير ، عن ربعي ابن حراش ، عن حذيفة : أنّ النبّي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، قال اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر »(١) .
وقال أيضاً :
« حديثا وكيع ، حدّثنا سفيان ، عن عبدالملك بن عمير ، عن مولى لربعي ابن حراش ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة ، كنّا جلوساً عند النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم فقال : إنّي لست أدري ما قدر بقائي فيكم ، فاقتدوا باللذين من بعدي ـ وأشار إلى أبي بكر وعمر ـ قال : وما حدّثكم ابن مسعود فصدّقوه »(٢) .
ورواه الترمذي حيث قال :
« حدّثنا الحسن بن الصباح البزّاز ، أخبرنا سفيان بن عيينة ، عن زائدة ، عن عبدالملك بن عمير ، عن ربعي عن حذيفة ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.
وفي الباب عن ابن مسعود.
هذا حديث حسن »
قال : « روى سفيان الثوري هذا الحديث عن عبدالملك بن عمير ، عن مولىً لربعي ، عن ربعيّ ، عن حذيفة ، عن النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ».
قال : « حدّثنا أحمد بن منيع وغير واحد ، قالوا : أخبرنا سفيان بن عيينة ،
__________________
(١) مسند أحمد ٥/٣٨٢.
(٢) مسند أحمد ٥/٣٨٥.
عن عبدالملك بن عمير ، نحوه ».
« وكان سفيان بن عيينة يدلّس في هذا الحديث فربّما ذكره عن زائدة عن عبدالملك بن عمير ، وربّما لم يذكر فيه عن زائدة ».
« وروى هذا الحديث ابراهيم بن سعد ، عن سفيان الثوري ، عن عبدالملك بن عمير ، عن هلال مولى ربعي ، عن ربعي ، عن حذيفة ، عن النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم »(١) .
وقال :
« حدّثنا محمود بن غيلان ، أخبرنا وكيع ، أخبرنا سفيان ، عن عبدالملك بن عمير ، عن مولىً لربعي ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة ، قال : كنّا جلوساً »(٢) .
ورواه ابن ماجة بسنده
« عن عبدالملك بن عمير ، عن مولىً لربعي بن حراش ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة بن اليمان ، قال : قال رسول الله صلّى الله [ وآله ] وسلّم : إنّي لا أدري ما قدر بقائي فيكم »(٣) .
ورواه الحاكم بإسناده :
« عن عبدالملك بن عمير ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة بن اليمان ، قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يقول : إقتدوا باللذين من بعدي : أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمّار ، وتمسّكوا بعهد ابن أُمّ عبد »
__________________
(١) صحيح الترمذي ـ مناقب أبي بكر وعمر.
(٢) صحيح الترمذي ـ مناقب عمّار بن ياسر.
(٣) سنن ابن ماجة ـ مناقب أبي بكر.
وعنه ، عن ربعي ، عن حذيفة ، قال :
« قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمّار ، وإذا حدّثكم ابن أُمّ عبد فصدّقوه ».
وعنه :
« عن هلال مولى ربعي ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة ، أنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله وسلّم ] قال : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ».
وبإسناده :
« عن عبدالملك بن عمير ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة بن اليمان : أنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال : إقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمّار ، وتمسّكوا بعهد ابن أُمّ عبد ».
ثمّ قال الحاكم : « هذا حديث من أجلّ ما روي في فضائل الشيخين ، وقد أقام هذا الإسناد عن الثوري ومسعر : يحيى الحمّاني ، وأقامه أيضاً عن مسعر : وكيع وحفص بن عمر الإيلي(١) ثم قصر بروايته عن ابن عيينة : الحميدي وغيره ، وأقام الإسناد عن ابن عيينة : إسحاق بن عيسى بن الطبّاع.
فثبت بما ذكرنا صحّة هذا الحديث وإنْ لم يخرجاه »(٢) .
__________________
(١) لقد اقتصرنا على الكلام حول « عبدالملك بن عمير » الذي عليه مدار هدا الحديث الذي بذل الحاكم جهداً في تصحيحه فكان أكثر حرصاً من الشيخين على رواية ما وصفه بـ « أجلّ ما روي في فضائل الشيخين » وإلاّ فإنّ « حفص بن عمر الإيلي » هذا مثلاً أدرجه العقيلي في الضعفاء وروى عنه حديث الاقتداء ثم قال : « أحاديثه كلّها إمّا منكر المتن ، أو منكر الإسناد ، وهو إلى الضعف أقرب » الضعفاء ٢/٧٩٧.
و « يحيى الحمّاني » قال الحافظ الهيثمي بعد أن روى الحديث عن الترمذي والطبراني في الأوسط : « وفيه يحيى بن عبدالحميد الحمّاني وهو ضعيف » مجمع الزوائد ٩/٢٩٥.
(٢) المستدرك ٣/٧٥.
نقد السند
١ ـ هذه أشهر طرق هذا الحديث عن حذيفة بن اليمان ، ويرى القارىء ، الكريم أنّها جميعاً تنتهي إلى :
( عبدالملك بن عمير ) وهو رجل مدلّس ، ضعيف جدّاً ، كثير الغلط ، مضطرب الحديث جدّاً :
قال أحمد : « مضطرب الحديث جدّاً مع قلّة روايته ، ما أرى له خمسمائة حديث ، وقد غلط في كثير منها »(١) .
وقال : إسحاق بن منصور : « ضعّفه أحمد جدّاً »(٢) .
وقال : أحمد أيضاً : « ضعيف يغلط(٣) .
أقول : فمن العجيب جدّاً رواية أحمد فن مسنده حديث الاقتداء وغيره عن هذا الرجل الذي يصفه بالضعف والغلط ، وقد جعل المسند حجّةً بينه وبين الله!!
وقال ابن معين : « مخلط »(٤) .
وقال أبو حاتم : « ليس بحافظٍ ، تغيّر حفظه »(٥) .
وقال ابن خراش : « كان شعبة لا يرضاه »(٧) .
وقال الذهبي : « وأمّا ابن الجوزي فذكره فحكى الجرح وما ذكر التوثيق »(٨) .
وقال السمعاني : « كان مدلّساً »(٩) .
__________________
(١) تهذيب التهذيب ٦/٤١١ وغيره.
(٢) تهذيب التهذيب ٦/٤١٢ ، ميزان الاعتدال ٢/٦٦٠.
(٣) ميزان الاعتدال ٦/٦٦٠.
(٤) ميزان الاعتدال ٦/٦٦٠ ، المغني ٢/٤٠٧ ، تهذيب التهذيب ٦/٤١٢.
(٥) ميزان الاعتدال ٢/٦٦٠.
(٦) تهذيب التهذيب ٦/٤١٢.
(٧) ميزان الاعتدال ٢/٦٦٠.
(٨) ميزان الاعتدال ٢/٦٦٠.
(٩) الأنساب ١٠/٥٠ في « القبطي ».
وكذا قال ابن حجر العسقلاني(١) .
وعبدالملك ـ هذا ـ هو الذي ذبح عبدالله بن يقطر أو قيس بن مسهر الصيداوي وهو رسول الحسينعليهالسلام إلى أهل الكوفة ، فإنّه لمّا رمي بأمر أبن زياد من فوق القصر وبقي به رمق أتاه عبداللملك بن عمير فذبحه ، فلمّا عيب ذلك عليه قال : إنّما أردت أن اُريحه(٢) .
٢ ـ ثمّ إنّ ( عبدالملك بن عمير ) لم يسمع هذا الحديث من ( ربعي بن حراش ) و ( ربعي ) لم يسمع من ( حذيفة بن اليمان ) ذكر ذلك المناوي حيث قال : « قال ابن حجر : اختلف فيه على عبدالملك ، وأعلّه أبو حاتم ، وقال البزّار كابن حزم : لا يصحّ لأنّ عبدالملك لم يسمعه من ربعي ، وربعي لم يسمع من حذيفة. لكن له شاهد »(٣) .
قلت : الشاهد إن كان حديث ابن مسعود كما هو صريح الحاكم والمناوي فستعرف ما فيه.
وإن كان حديث حذيفة بسندٍ أخر عن ربعي فهو ما رواه الترمذي بقوله :
« حدّثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي ، نا وكيع ، عن سالم بن العلاء المرادي ، عن عمرو بن هرم ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة ، قال : كنّا جلوساً عند النبّي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم فقال : إنّي لا أدري ما بقائي فيكم ، فاقتدوا باللّذين من بعدي ، وأشار إلى أبي بكر وعمر »(٤) .
ورواه ابن حزم بقوله :
« وأخذناه أيضاً عن بعض أصحابنا ، عن القاضي أبي الوليد بن الفرضي ، عن ابن الدَّخيل ، عن العقيلي ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا محمد بن فضيل ، ثنا
__________________
(١) تقريب التهذيب ١/٥٢١.
(٢) تلخيص الشافي ٣/٣٥ ، روضة الواعظين : ١٧٧ ، مقتل الحسين : ١٨٥.
(٣) فيض القدير ٢/٥٦.
(٤) صحيح الترمذي ـ مناقب أبي بكر وعمر.
وكيع ، ثنا سالم المرادي ، عن عمرو بن هرم ، عن ربعي بن حراش وأبي عبدالله ـ رجل من أصحاب حذيفة ـ عن حذيفة »(١) .
وفي سند هذا الحديث
١ ـ « سالم بن العلاء المرادي » وعليه مداره.
قال ابن حزم بعد أن روى الحديث كما تقدّم : « سالم ضعيف ».
وفي : « ميزان الاعتدال » : « ضعّفه ابن معين والنسائي »(٢) .
وفي « الكاشف » : « ضعّف »(٣) .
وفي « تهذيب التهذيب » : « قال الدوري عن ابن معين : ضعيف الحديث »(٤) .
وفي « لسان الميزان » : ذكره العقيلي وضعّفه ابن الجارود »(٥) .
٢ ـ « عمرو بن هرم » وقد ضعّفه القطّان(٦) .
٣ ـ « وكيع بن الجرّاح » وهو مقدوح(٧) .
ثم إنّ في مسند الحديث عن حذيفة في أكثر طرقه « مولى ربعي بن حراش » وهو مجهول كما نصَّ عليه ابن حزم.
وقد سُمّي هذا المولى في بعض الطرق بـ « هلال » وهو أيضاً مجهول ، قال ابن حزم :
__________________
(١) الإحكام في اُصول الأحكام ٢/٢٤٢.
(٢) ميزان الاعتدال ٢/١١٢.
(٣) الكاشف ١/٣٤٤.
(٤) تهذيب التهذيب ٣/٤٤٠.
(٥) لسان الميزان ٣/٧.
(٦) ميزان الاعتدال ٣/٢٩١.
(٧) ميزان الاعتدال ٤/٣١٢.
« وقد سمّى بعضهم المولى فقال : هلال مولى ربعي ، وهو مجهول لا يعرف من هو أصلاً »(١) .
حديث ابن مسعود
رواه التّرمذي حيث قال :
« حدّثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل ، حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن سلمة بن كهيل ، عن أبي الزّعراء ، عن ابن مسعود ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي : أبي بكر وعمر. واهتدوا بهدي عمّار ، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود »(٢) .
والحاكم حيث قال ـ بعد أن أخرج الحديث عن حذيفة ـ :
« وقد وجدنا له شاهداً بإسنادٍ صحيح عن عبدالله بن مسعود : حدّثنا أبوبكر ابن إسحاق ، أنبأ عبدالله بن أحمد بن حنبل ، ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل ، حدّثنا أبي ، عن أبيه ، عن أبي الزعراء ، عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : إقتدوا باللّذين من بعدي : أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمّار ، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود »(٣) .
نقد السند :
١ ـ لقد صرّح الترمذي بغرابته وقال : « لا نعرفه إلاّ من حديث يحيى بن
__________________
(١) الإحكام في اُصول الأحكام ٢/٢٤٣.
(٢) صحيح الترمذي ٥/٦٧٢.
(٣) مستدرك الحاكم ٣/٧٥.
سلمة بن كهيل » ثم ضعَّف الرجل ، وهذا نصّ كلامه :
« هذا حديث غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود ، لا نعرفه إلاّ من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل ، ويحيى بن سلمة يضعَّف في الحديث »(١) .
٢ ـ في هذا الإسناد : « يحيى بن سلمة بن كهيل » وهو رجل ضعيف ، متروك ، منكر الحديث ، ليس بشيء :
قال التّرمذي : « يضعّف في الحديث ».
وقال المقدسي : « ضعّفه ابن معين ، وقال أبو حاتم : ليس بالقويّ ؛ وقال البخاري : في حديثه مناكير ؛ وقال النسائي : ليس بثقة ؛ وقال الترمذي : ضعيف »(٢) .
وقال الذهبي : « ضعيف »(٣) .
وقال ابن حجر : « ذكره ابن حبّان أيضاً في الضعفاء فقال : منكر الحديث جدّاً ، لا يحتجّ به ، وقال النسائي في الكنى : متروك الحديث ؛ وقال ابن نمير : ليس ممّن يكتب حديثه ؛ وقال الدار قطني : متروك ، وقال مرّةً : ضعيف ؛ قال العجلي : ضعيف »(٤) .
٣ ـ وفيه : « إسماعيل بن يحيى بن سلمة » وهو رجل ضعيف متروك :
قال الدار قطني والأزدي وغيرهما : « متروك »(٥) .
٤ ـ وفيه : « إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى » وهو ليّن ، متروك ، ضعيف ، مدلّس :
قال الذهبي : « ليّنه أبو زرعة ، وتركه أبو حاتم(٦) ».
__________________
(١) صحيح الترمذي ٥/٦٧٢.
(٢) الكمال في أسماء الرجال ـ مخطوط ـ.
(٣) الكاشف ٣/٢٥١.
(٤) تهذيب التهذيب ١١/٢٢٥.
(٥) ميزان الاعتدال ١/٢٥٤ ، المغني في الضعفاء ١/٨٩ ، تهذيب التهذيب ١/٣٦٦.
(٦) ميزان الاعتدال ١/٢٠ ، المغني ١/١٠.
وقال ابن حجر : « قال ابن أبي حاتم : كتب أبي حديثه ولم يأته ولم يذهب بي إليه ولم يسمع منه زهادةً فيه ، وسألت أبا زرعة عنه فقال : يذكر عنه أنّه كان يحدِّث بأحاديث عن أبيه ثم ترك أباه ، فجعلها عن عمّه لأنّ عمّه أجلى عند الناس.
وقال العقيلي : « عن مطيّن : كان ابن نمير لا يرضاه ويضعّفه وقال : روى أحاديث مناكير.
قال العقيلي : ولم يكن إبراهيم هذا بقيّم الحديث »(١) .
ولهذا ذكر الحافظ العقيلي « يحيى بن سلمة بن كهيل » في كتابه « الضعفاء الكبير » وأورد كلمات عدّة من الأعلام في قدحه كالبخاري ويحيى بن معين والنسائي ، ثم روى الحديث عنه بنفس السند الذي في « صحيح الترمذي » وهذا نصّ عبارته :
« ثنا علي بن أحمد بن بسطام ، ثنا سهل بن عثمان ، ثنا يحيى بن زكريّا ، ثنا ابن أبي زائدة ، ثنا يحيى بن سلمة بن كهيل ، عن أبيه ، عن أبي الزعراء ، عن عبدالله بن مسعود ، عن النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا »(٢) .
وقال الحافظ الذهبي مشيراً إلى الحديث الذي حكم الحاكم بصحّته : « قلتُ : سنده واهٍ »(٣) .
وقال الحافظ السيوطي : « اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمّار ، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود ، ت غريب ضعيف. طب. ك وتعقّب. عن ابن مسعود »(٤) .
فالعجب من تصحيح الحاكم لهذا الحديث واستشهاده به ، وكذا
__________________
(١) تهذيب التهذيب ١/١٠٦.
(٢) كتاب الضعفاء الكبير ٧/٢٦٥٤.
(٣) تلخيص المستدرك ٣/٧٦.
(٤) الجامع الكبير ١/١٣٣.
المناوي(١) . والأعجب قوله : « الترمذي ـ وحسنّه ـ عن ابن مسعود »(٢) .
ولقائل أنْ يقول : فما فائدة إخراج الترمذي أيّاه مع التّنصيص على ضعفه في كتابه الموصوف بالصحّة؟!
قلت : لعلّة إنّما أخرجه ونصّ عليه بما ذكر لئلاّ يغترّ به أحد ويتوهّم صحّته بالرّغم من اشتمال كتابه ـ لا سيّما في باب المناقب ـ على موضوعات كما نص عليه الحافظ الذهبي بترجمته من « سير أعلام النبلاء ».
حديث أبي الدّرداء
رواه ابن حجر المّكي عن الطبراني حيث قال :
« الحديث الثاني والسّبعون : أخرج الطبراني عن أبي الدرداء : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ، فإنّهما حبل الله الممدود ، من تمسّك بهما فقد تمسّك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها »(٣) .
نقد السند :
١ ـ لقد روى الحافظ هذا الحديث عن الطبراني وقال : « فيه من لم أعرفهم » وهذا نصّ كلامه :
« وعن أبي الدرداء ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ، فإنّهما حبل الله الممدود ، ومن تمسّك بهما فقد تمسّك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.
__________________
(١) فيض القدير ١/٥٦.
(٢) فيض القدير ١/٥٧.
(٣) الصواعق : ٤٦.
رواه الطبراني : وفيه من لم أعرفهم »(١) .
٢ ـ إنّ معاجم الطبراني ليست من الكتب التي وصفت بالصّحة ، ولا من الكتب التي التزم فيها بالصحّة.
وعلى هذا لا يجوز التمسّك بالحديث بمجرّد كونه في أحد المعاجم الثلاثة للطبراني.
٣ ـ لقد جاء في الصحيح في مسند أبي الدرداء ما نصّه :
« قالت أمّ الدرداء : دخل عليّ أبو الدرداء وهو مغضب : فقلت : ما أغضبك؟ فقال : والله ما أعرف من أمر محمّد صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم شيئاً إلاّ أنّهم يصلّون جميعاً ».
ولو كان أبو الدرداء قد سمع قوله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : « اقتدوا » لما قال هذا ألبتّة!!
حديث أنس من مالك
قال جلال الدين السيوطي :
« اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمّار ، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود.
التّرمذي عن ابن مسعود ، الروياني عن حذيفة ، ابن عديّ في الكامل عن أنس(٢) .
نقد السند :
فأمّا حديث ابن مسعود : فإنّ التّرمذي ضعّفه بعد أن رواه كما تقدّم.
__________________
(١) مجمع الزوائد ٩/٥٣.
(٢) الجامع الصغير بشرح المناوي ١/٥٦.
وأمّا حديث حذيفة فقد ثبت ضعف جميع طرقه كما تقدَّم أيضاً.
وأمّا حديث أنس ، فقد جاء في « الكامل » لابن عديّ ما نصّه : « حمّاد بن دليل. قاضي المدائن. يكنّى أبا زيد. حدّثنا علي بن الحسين بن سليمان ، ثنا أحمد ابن محمد بن المعلّى الآدمي ، ثنا مسلم بن صالح أبو رجاء ، ثنا حمّاد بن دليل ، عن عمر بن نافع ، عن عمرو بن هرم ، قال : دخلت أنا وجابر بن زيد على أنس ابن مالك فقال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبوبكر(١) وعمر ، وتمسّكوا بعهد ابن أُمّ عبد ، واهتدوا بهدي عمّار.
ثنا محمد بن عبدالحميد الفرغاني ، ثنا صالح بن حكيم البصري ، ثنا أبو رجاء مسلم بن صالح ، ثنا أبو زيد قاضي المدائن حمّاد بن دليل ، عن عمر بن نافع ، فذكر بإسناده نحوه.
ثنا محمد بن سعيد الحراني : ثنا جعفر بن محمد بن الصباح ، ثنا مسلم بن صالح البصري ، فذكر بإسناده نحوه.
ثنا علي بن الحسن بن سليمان ، ثنا أحمد بن محمد المعلّى الآدمي ، ثنا مسلم ابن صالح ، ثنا حمّاد بن دليل ، عن عمر بن نافع ، عن عمرو بن هرم ، عن ربعي ، عن حذيفة ، عن النبي صلّى الله عليه [ وآله ] نحوه.
قال ابن عديّ : وحمّاد بن دليل هذا قليل الرّواية. وهذا الحديث قد روى له حمّاد بن دليل إسنادين. ولا يروي هذين الإسنادين غير حمّاد بن دليل ».
إنتهى بطوله(٢) .
نقد السند :
في جميع الأسانيد : مسلم بن صالح ، عن حمّاد بن دليل ، عن عمر
__________________
(١) كذا.
(٢) الكامل ٢/٦٦٦.
ابن نافع ، عن عمرو بن هرم.
أمّا « عمرو بن هرم » فقد عرفت أنّه مقدوح مطعون فيه.
وأمّا « عمر بن نافع » فعن يحيى بن معين : حديثه ليس بشيء(١) ، وعن ابن سعد : لا يحتجّ بحديثه(٢) .
وأمّا « حماد بن دليل » فقد أورده ابن عديّ في ( الكامل في الضعفاء ) والذهبي في ( المغني في الضعفاء )(٣) وفي ( ميزان الاعتدال في نقد الرجال ) واضاف : « ضعّفه أبو الفتح الأزدي وغيره »(٤) وابن الجوزي في ( الضعفاء )(٥) .
وأمّا « مسلم بن صالح » فلم أعرفه حتى الآن.
حديث عبدالله بن عمر
رواه الذهبي حيث قال :
« أحمد بن صليح ، عن ذي النّون المصري ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر بحديث اقتدوا باللذين من بعدي » ثم قال : « وهذا غلط من أحمد لا يعتمد عليه(٦) .
ورواه مرةً اخرى ، قال :
« محمد بن عبدالله بن عمر بن القاسم بن عبدالله بن عبيدالله بن عاصم
__________________
(١) الكامل ٥/١٧٠٣.
(٢) تهذيب التهذيب ٧/٤٩٩.
(٣) المغني في الضعفاء ١/١٨٩.
(٤) ميزان الاعتدال ١/٥٩٠.
(٥) انظر : هامش تهذيب الكمال ٧/٢٣٦.
(٦) ميزان الاعتدال ١/١٠٥.
ابن عمر بن الخطّاب العدوي العمري ، ذكره العقيلي وقال : لا يصحّ حديثه ولا يعرف بنقل الحديث :
نبّأه أحمد بن الخليل ، حدّثنا إبراهيم بن محمد الحلبي ، حدّثني محمد بن عبدالله بن عمر بن القاسم ، أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعاً : اقتدوا باللذين من بعدي.
فهذا لا أصل له من رواية مالك
وقال الدار قطني : العمري هذا يحدّث عن مالك بأباطيل ، وقال ابن مندة : له مناكير »(١) .
ورواه ابن حجر وقال :
« قال العقيلي بعد تخريجه : هذا حديث منكر لا أصل له.
وأخرجه الدار قطني من دراية أحمد بن الخليل البصري بسنده وساق نسبه كذلك ثم قال : لا يثبت ، والعمري هذا ضعيف(٢) .
كما أورد الذهبي وابن حجر هذا الحديث بترجمة « أحمد بن محمد بن غالب الباهلي » فبعد نقل كلماتهم في ذمّه وجرحه ، قالا :
« ومن مصائبه : قال : حدّثنا محمّد بن عبدالله العمري ، ثنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ».
ثم قالا :
__________________
(١) ميزان الاعتدال ٣/٦١٠.
(٢) لسان الميزان ٥/٢٣٧.
« فهذا ملصق بمالك ، وقال أبوبكر النقّاش : وهو واهٍ(١) ».
نقد السند :
لقد علم من كلمات الذّهبي وابن حجر وغيرهما : أنّ حديث عبدالله بن عمر هذا باطل بجميع طرقه وبذلك نكتفي عن إيراد نصوص كلمات سائر علماء الرجال في رجاله روماً للاختصار.
فالعجب من الحافظ ابن عساكر(٢) وأمثاله الّذين ملأوا كتبهم وسوّدوا صحائفهم بهذه المناكير وأشباهها!!
حديث جدّة عبدالله بن أبي الهذيل
رواه ابن حزم حيث قال :
« كما حدّثنا أحمد بن محمد بن الجسور ، ثنا أحمد بن الفضل الدينوري ، ثنا محمد بن جرير ، ثنا عبدالرحمن بن الأسود الطفاوي ، ثنا محمد بن كثير الملآئي ، ثنا المفضّل الضبيّ ، عن ضرار بن مرّة ، عن عبدالله بن أبي الهذيل ، عن جدّته ، عن النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمّار ، وتمسّكوا بعهد ابن أُمّ عبد ».
نقد السند :
ونقتصر ـ في الكلام على الحديث بهذا السند ـ على ما ذكره الحافظ ابن حزم نفسه قبل ذلك ، وهذا نصّه :
__________________
(١) ميزان الاعتدال ١/١٤٢ ، لسان الميزان ١/٢٧٣.
(٢) تاريخ دمشق ٩/٦٤٥.
« وأمّا الرّواية : اقتدوا فحديث لا يصحّ ، لأنّه مروي عن مولى لربعي مجهول ، وعن المفضّل الضبيّ وليس بحجّة ، كما حدّثنا أحمد بن محمد بن الجسور ».
(٢)
كلمات الأئمة وكبار العلماء
حول سند حديث الاقتداء
قد عرفت سقوط أسانيد هذا الحديث فيما عرف بالصحيح من الكتب فضلاً عن غيره وفي هذا الفصل نذكر نصوص عبارات أئمّتهم في الطّعن فيه إمّا على الإطلاق بكلمة : « موضوع » و« باطل » و« لم يصحّ » و« منكر » وإمّا على بعض الوجوه التي وقفنا على كلماتهم فيها فنقول :
(١)
أبو حاتم الرّازي
لقد طعن الإمام أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي في هذا الحديث فقد ذكر العلاّمة المناوي بشرحه : « وأعلّه أبو حاتم ، وقال البزّار كابن حزم : لا يصحّ ، لأنّ عبدالملك لم يسمعه من ربعي ، وربعي لم يسمعه من حذيفة ، لكن له شاهد »(١) .
ترجمته :
وابو حاتم الرازي ، المتوفّى سنة ٢٧٧ هـ ، يعدّ من أكابر الأئمة الحفّاظ المجمع على ثقتهم وجلالتهم ، بل جعلوه من أقران البخاري ومسلم
__________________
(١) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير ٢/٥٦.
قال السمعاني : « إمام عصره والمرجوع إليه في مشكلات الحديث كان من مشاهير العلماء المذكورين الموصوفين بالفضل والحفظ والرحلة وكان أوّل من كتب الحديث »(١) .
وقال ابن الأثير : « هو من أقران البخاري ومسلم »(٢) .
وقال الذّهبي : « أبو حاتم الرازي الإمام الحافظ الكبير محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي ، أحد الأعلام »(٣) .
وقال أيضاً : « الإمام الحافظ الناقد ، شيخ المحدّثين وهو من نظراء البخاري »(٤) .
وله ترجمة في :
تاريخ بغداد ٢/٧٣ ، تهذيب التهذيب ٩/٣١ ، البداية والنهاية ١١/٥٩ ، الوافي بالوفيات ٢/١٨٣ ، طبقات الحفّاظ : ٢٥٥.
(٢)
أبو عيسى الترمذي
وكذا طعن فيه أبو عيسى الترمذي صاحب « الجامع الصحيح » فإنّه قال ما نصّه : « حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل ، ثني أبي ، عن أبيه سلمة بن كهيل ، عن أبي الزعراء ، عن ابن مسعود ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر ،
__________________
(١) الأنساب ـ الحنظلي.
(٢) الكامل في التاريخ ٦/٦٧.
(٣) تذكرة الحفّاظ ٢/٥٦٧.
(٤) سير أعلام النبلاء ١٣/٢٤٧.
واهتدوا بهدي عمّار ، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود.
هذا حديث غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود ، لا نعرفه إلاّ من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل. ويحيى بن سلمة يضعَّف في الحديث. وأبو الزعراء اسمه عبدالله بن هاني ، وأبو الزعراء الذي روى عنه شعبة والثوري وابن عيينة اسمه عمرو بن عمرو ، وهو أخي أبي الأحوص صاحب ابن مسعود »(١) .
ترجمته :
والترمذي ، أبو عيسى محمد بن عيسى ، المتوفّى سنة ٢٧٩ هـ ، صاحب أحمد الصحاح الستّة غنيّ عن الترجمة والتعريف ، إذ لا كلام بينهم في جلالته وعظمته واعتبار كتابه ، وهذه أسماء بعض مواضع ترجمته :
وفيات الأعيان ٤/٢٧٨ ، تذكرة الحفّاظ ٢/٦٣٣ ، سير أعلام النبلاء ١٣/٢٧٠ ، تهذيب التهذيب ٩/٣٨٧ ، البداية والنهاية ١١/٦٦ ، الوافي بالوفيات ٤/٢٩٤ ، طبقات الحفّاظ : ٢٧٨.
(٣)
أبوبكر البزّار
وأبطله الحافظ الشهير أبوبكر أحمد بن عبدالخالق البزّار صاحب « المسند » المتوفّى سنة ٢٩٢ هـ ، كما عرفت من كلام العلاّمة المناوي الآنف الذكر.
ترجمته :
قال الذهبي : « الحافظ العلاّمة أبوبكر أحمد بن عمرو بن عبدالخالق
__________________
(١) صحيح الترمذي ٥/٦٧٢.
البصري ، صاحب المسند الكبير والمعلّل »(١) .
ووصفه الذهبي أيضاً بـ « الشيخ الإمام الحافظ الكبير »(٢) .
وهكذا وصف واثني عليه في المصادر التاريخية والرجاليّة فراجع : تاريخ بغداد ٤/٣٣٤ ، النجوم الزاهرة ٣/١٥٧ ، المنتظم ٦/٥٠ ، تذكرة الحفّاظ ٢/٦٥٣ ، الوافي بالوفيات ٧/٢٦٨ ، طبقات الحفّاظ : ٢٨٥ ، تاريخ أصفهان ١/١٠٤ ، شذرات الذهب ٢/٢٠٩.
(٤)
أبو جعفر العقيلي
وقال الحافظ الكبير أبو جعفر العقيلي ، المتوفّى سنة ٣٢٢ هـ ، في كتابه في الضعفاء : « محمد بن عبدالله بن عمر بن القاسم العمري عن مالك. ولا يصحّ حديثه ولا يعرف بنقل الحديث حدّثناه أحمد بن الخليل الخزيبي ، حدثنا إبراهيم ابن محمد بن الحلبي ، حدثني محمد بن عبدالله بن عمر بن القاسم بن عبدالله بن عبيدالله بن إبراهيم بن عمر بن الخطّاب ، قال : أخبرنا مالك ، عن منافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا بالأميرين من بعدي أبي بكر وعمر.
حديث منكر لا أصل له من حديث مالك »(٣) .
وقد أورد الحافظان الذهبي وابن حجر طعن العقيلي هذا واعتمدا عليه كما ستعرف.
وأيضاً : ترجم العقيلي « يحيى بن سلمة بن كهيل » في « الضعفاء » وأورد
__________________
(١) تذكرة الحفّاظ ٢/٢٢٨.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٣/٥٥٤.
(٣) الضعفاء الكبير ٤/٩٥.
الحديث عنه عن ابن مسعود بنفس السند الذي في « صحيح الترمذي » وقد تقدّم نصّ عبارته في الفصل الأول.
ترجمته :
وقد أثنى على العقيلي كلّ من ترجم له قال الذهبي : « الحافظ الإمام أبو جعفر قال مسلمة بن القاسم : كان العقيلي جليل القدر ، عظيم الخطر ، ما رأيت مثله وقال الحافظ أبو الحسن ابن سهل القطّان : أبو جعفر ثقة جليل القدر ، عالم بالحديث ، مقدّم في الحفظ ، توفّي سنة ٣٢٢ »(١) .
وانظر : سير أعلام النبلاء ١٥/٢٣٦ ، الوافي بالوفيات ٤/٢٩١ ، طبقات الحفّاظ : ٣٤٦ ، وغيرها.
(٥)
أبوبكر النقّاش
وطعن فيه الحافظ الكبير أبوبكر النقّاش ـ المتوفّى سنة ٣٥٤ هـ ـ فقد قال الحافظ الذهبي بعد أن رواه بترجمة أحمد بن محمّد بن غالب الباهلي : « وقال أبوبكر النقّاش : وهو واهٍ »(٢) .
ترجمته :
ترجم له الحافظ الذهبي في « سير أعلام النبلاء » ووصفه بـ « العلاّمة المفسّر شيخ القرّاء »(٣) . وهكذا ترجم له ووصفه بجلائل الأوصاف غيره من الأعلام
__________________
(١) تذكرة الحفّاظ ٣/٨٣٣.
(٢) ميزان الاعتدال ١/١٤٢.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٥/٥٧٣.
... فراجع :
تذكرة الحفّاظ ٣/٩٠٨ ، تاريخ بغداد ٢/٢٠١ ، المنتظم ٧/١٤ ، وفيات الأعيان ٤/٢٩٨ ، الوافي بالوفيات ٢/٣٤٥ ، مرآة الجنان ٢/٢٤٧ ، طبقات الحفّاظ : ٣٧١.
(٦)
ابن عديّ
وأورده الحافظ أبو أحمد ابن عدي ، المتوفّى سنة ٣٦٥ هـ ، عن أنس بن مالك بترجمة حمّاد بن دليل في « الضعفاء » وعنه السيوطي في الجامع الصغير ، ونصّ هناك على أنّ « هذا الحديث قد روى له حمّاد بن دليل إسنادين ، ولا يروي هذين الإسنادين غير حمّاد بن دليل ».
وقد تقدّم ذكر عبارته كاملةً ، حيث عرفت ما في الإسنادين المذكورين عند ابن عديّ وغيره من الأئمّة في الفصل الأول.
ترجمته :
والحافظ ابن عديّ من أعاظم أئمّة الجرح والتعديل لدى القوم
قال السمعاني بترجمته : « كان حافظ عصره ، رحل إلى الاسكندرية وسمرقند ، ودخل البلاد وأدرك الشيوخ. كان حافظاً متقناً لم يكن في زمانه مثله.
قال حمزة بن يوسف السهمي : سألت الدار قطني أنْ يصنّف كتاباً في ضعفاء المحدّثين ، قال : أليس عندك كتاب ابن عديّ؟ فقلت : نعم ، فقال : فيه كفاية لا يزاد عليه »(١) .
__________________
(١) الأنساب ـ الجرجاني.
وانظر : تذكرة الحفّاظ ٣/١٦١ ، شذرات الذهب ٣/٥١ ، مرآة الجنان ٢/٣٨١ ، وغيرها.
(٧)
أبو الحسن الدار قطني
وقال الحافظ الشهير أبو الحسن الدار قطني ـ المتوفى سنة ٣٨٥ هـ ـ بعد أن أخرج الحديث بسنده عن العمري : « لا يثبت ، والعمري هذا ضعيف »(١) .
ترجمته :
وكتب الرجال والتاريخ مشحونة بالثناء على الدار قطني
قال الذهبي : « الدار قطني ـ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي الحافظ المشهور ، صاحب التصانيف ذكره الحاكم فقال : صار أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع ، وإماماً في القرّاء والنحاة ، صادفته فوق ما وصف لي ، وله مصنّفات يطول ذكرها. وقال الخطيب : كان فريد عصره ، وفزيع دهره ، ونسيج وحده ، وإمام وقته وقال القاضي أبو الطيّب الطبري : الدار قطني أمير المؤمنين في الحديث!! »(٢) .
وقال ابن كثير : « الحافظ الكبير ، اُستاذ هذه الصناعة وقبله بمدة وبعده إلى زماننا هذا كان فريد عصره ونسيج وحده وإمام دهره وله كتابه المشهور وقال ابن الجوزي : قد اجتمع له معرفة الحديث والعلم بالقراءات والنحو والفقه والشعر ، مع الإمامة والعدالة وصحّة العقيدة »(٣) .
__________________
(١) انظر : لسان الميزان ٥/٢٣٧.
(٢) العبر ٣/٢٨.
(٣) البداية والنهاية ١١/٣١٧.
وراجع : وفيات الأعيان ٢/٤٥٩ ، تاريخ بغداد ١٢/٣٤ ، النجوم الزاهرة ٤/١٧٢ ، طبقات الشافعية ٣/٤٦٢ ، طبقات القرّاء ١/٥٥٨ ، وغيرها.
(٨)
ابن حزم الأندلسي
وقد نصّ الحافظ ابن حزم الأندلسي ، المتوفّى سنة ٤٧٥ ، هـ ، على بطلان هذا الحديث وعدم جواز الإحتجاج به فإنّه قال في رأي الشيخين ما نصّه : « أمّا الرواية : اقتدوا باللذين من بعدي. فحديث لا يصّح ، لأنّه مرويّ عن مولى لربعيّ مجهول ، وعن المفضّل الضبيّ وليس بحجّة.
كما حدّثنا أحمد بن محمد بن الجسور ، نا محمد بن كثير الملاّئي ، نا المفضّل الضبيّ ، عن ضرار بن مرّة ، عن عبدالله بن أبي الهذيل العنزي ، عن جدّته ، عن النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، قال : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمّار ، وتمسّكوا بعهد ابن أُمّ عبد.
وكما حدّثناه أحمد بن قاسم ، قال : نا أبي قاسم بن محمد بن قاسم بن أصبغ ، قال : حدّثني قاسم بن أصبغ ، نا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، نا محمد ابن كثير ، أنا سفيان الثوري ، عن عبدالملك بن عمير ، عن مولى لربعي ، عن ربعي ، عن حذيفة
وأخذناه أيضاً عن بعض أصحابنا ، عن القاضي أبي الوليد ابن الفرضي ، عن ابن الدخيل ، عن العقيلي ، نا محمد بن إسماعيل ، نا محمد بن فضيل ، نا وكيع ، نا سالم المرادي ، عن عمرو بن هرم ، عن ربعي بن حراش وأبي عبدالله ـ رجل من أصحاب حذيفة ـ عن حذيفة.
قال أبو محمد : سالم ضعيف. وقد سمّى بعضهم المولى فقال : هلال مولى
ربعيّ. وهو مجهول لا يعرف من هو أصلاً. ولو صحّ لكان عليهم لا لهم ، لأنّهم ـ نعني أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي ـ أترك الناس لأبي بكر وعمر. وقد بيّنّا أنّ أصحاب مالك خالفوا أبابكر ممّا رووا في الموطّأ خاصة في خمسة مواضع ، وخالفوا عمر في نحو ثلاثين قضية ممّا رووا في الموطّأ خاصة. قد ذكرنا أيضاً أنّ عمر وأبابكر اختلفا ، وأنّ أتّباعهما فيما اختلفا فيه متعذّر ممتنع لا يعذر عليه أحد ».
وقال في الفصل :
« قال أبو محمد : ولو أنّنا نستجيز التدليس والأمر الذي لو ظفر به خصومنا طاروا به فرحاً أو أبلسوا أسفاً ـ لاحتججنا بما روي : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.
قال أبو محمد : ولكنّه لم يصحّ ، ويعيذنا الله من الاحتجاج بما لا يصحّ »(١) .
ترجمته :
وأبو محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي ، حافظ ، فقيه ، ثقة ، له تراجم حسنة في كتبهم ، وإن كانوا ينتقدون عليه صراحته وشدّته في عباراته
قال الحافظ ابن حجر : « الفقيه الحافظ الظاهري ، صاحب التصانيف ، كان واسع الحفظ جدّاً ، إلاّ أنّه لثقة حافظته كان يهجم ، كالقول في التعديل والتجريح وتبيين أسماء الرواة ، فيقع له من ذلك أوهام شنيعة.
قال صاعد بن أحمد الربعي : كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس كلّهم لعلوم الإسلام وأشبعهم معرفة ، وله مع ذلك توسّع في علم البيان ، وحظّ من البلاغة ، ومعرفة بالسِيَر والأنساب.
قال الحميدي : كان حافظاً للحديث ، مستنبطاً للأحكام من الكتاب
__________________
(١) الإحكام في اُصول الاحكام : المجلّد ٢ الجزء ٦ ص٢٤٢ ـ ٢٤٣. الفصل في الملل والنحل ٤/٨٨.
والسُنّة ، متفنّناً في علومٍ جَمّة ، عاملاً بعلمه ، ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء وسرعة الحفظ والتديّن وكرم النفس ، وكان له في الأثر باع واسع.
قال مؤرّخ الأندلس أبو مروان ابن حبّان : كان ابن حزم حامل فنون من حديث وفقه ونسب وأدب ، مع المشاركة في أنواع التعاليم القديمة ، وكان لا يخلو في فنونه من غلط ، لجرأته في السؤال على كل فنّ »(١) .
وراجع : وفيات الأعيان ٣/١٣ ، نفح الطيب ١/٣٦٤ ، العبر في خبر من غبر ٣/٢٣٩.
(٩)
برهان الدين العبري الفرغاني
وقد نصّ العلاّمة عبيدالله بن محمد العبري الفرغاني الحنفي ـ المتوفّى سنة ٧٤٣ هـ ـ على أنّه حديث موضوع لا يجوز الاستدلال به والاستناد إليه ، وهذا نصّ كلامه : « وقيل : إجماع الشيخين حجّة لقوله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. فالرسول أمرنا بالاقتداء بهما ، والأمر للوجوب ، وحينئذٍ يكون مخالفتهما حراماً. ولا نعني بحجّيّة إجماعهما سوى ذلك.
الجواب : إنّ الحديث موضوع لما بيّنّا في شرح الطوالع »(٢) .
ترجمته :
والعبري من كبار أئمّة القوم في علم الكلام والمعقول ، وشرحه على « المنهاج » وعلى « الطوالع » للقاضي البيضاوي من أشهر كتبهم في الكلام والأُصول
__________________
(١) لسان الميزان ٤/١٩٨.
(٢) شرح المنهاج ـ مخطوط.
... وقد ترجموا له وأثنوا عليه واعترفوا بفضله.
قال الحافظ ابن حجر : « كان عارفاً بالأصلين ، وشرح مصنّفات ناصر الدين البيضاوي ذكره الذهبي في المشتبه ـ في العبري ـ فقال : عالم كبير في وقتنا وتصانيفه سائرة. ومات في شهر رجب سنة ٧٤٣. قلت : رأيت بخطّ بعض فضلاء العجم أنّه مات في غرّة ذي الحجّة منها وهوأثبت ، ووصفه فقال : هو الشريف المرتضى قاضي القضاة ، كان مطاعاً عند السلاطين ، مشهوراً في الآفاق ، مشاراً إليه في جميع الفنون ، ملاذ الضعفاء ، كثير التواضع والإنصاف »(١) .
وقال الأسنوي : « كان أحد الأعلام في علم الكلام والمعقولات ، ذا حظٍّ وافر من باقي العلوم ، وله التصانيف المشهورة »(٢) .
وقال اليافعي : « الإمام العلاّمة ، قاضي القضاة ، عبيدالله بن محمد العبري الفرغاني الحنفي ، البارع العلاّمة المناظر ، يضرب بذكائه ومناظرته المثل ، كان إماماً بارعاً ، متفنّناً ، تخرج به الأصحاب ، يعرف المذهبين الحنفي والشافعي ،. وأقرأهما وصنّف فيهما. وأمّا الأُصول والمعقول فتفرّد فيها بالإمامة ، وله تصانيف وكان اُستاذ الاُستاذين في وقته »(٣) .
(١٠)
شمس الدين الذهبي
وأبطل الحافظ الكبير الذهبي ـ المتوفّى سنة ٧٤٨ هـ ـ هذا الحديث مرّة بعد
__________________
(١) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٢/٤٣٣.
(٢) طبقات الشافعية ٢/٢٣٦.
(٣) مرآة الجنان ٤/٣٠٦.
اُخرى ، واستشهد بكلمات جهابذة فنّ الحديث والرجال وإليك ذلك :
قال : « أحمد بن صليح ، عن ذي النون المصري ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر بحديث : اقتدوا باللذين من بعدي.
وهذا غلط ، وأحمد لا يعتمد عليه »(١) .
وقال : « أحمد بن محمد بن غالب الباهلي غلام خليل ، عن إسماعيل بن أبي اويس وشيبان وقرّة بن حبيب. وعنه : ابن كامل وابن السماك وطائفة.
وكان من كبار الزّهاد ببغداد. قال ابن عديّ : سمعت أبا عبدالله النهاوندي يقول : قلت لغلام خليل : ما هذه الرقائق التي تحدّث بها؟ قال : قال وضعناها لنرقّق بها قلوب العامة.
وقال أبو داود : أخشى أن يكون دجّال بغداد.
وقال الدار قطني : متروك.
ومن مصائبه : قال : حدّثنا محمد بن عبدالله العمري ، حدّثنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.
فهذا ملصق بمالك. وقال أبوبكر النقّاش : وهو واهٍ »(٢) .
وقال : « محمد بن عبدالله بن عمر بن القاسم بن عبدالله بن عبيدالله بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العدوي ، العمري.
ذكره العقيلي وقال : لا يصحّ حديثه ، ولا يعرف بنقل الحديث ، حدّثنا أحمد ابن الخليل ، حدّثنا أحمد ابن الخليل ، حدّثنا إبراهيم بن محمد الحلبي ، حدّثني محمد بن عبدالله بن عمر بن القاسم ، أنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعاً : اقتدوا باللذين من بعدي.
فهذا لا أصل له من حديث مالك ، بل هو معروف من حديث حذيفة بن
__________________
(١) ميزان الاعتدال في نقد الرجال ١/١٠٥.
(٢) ميزان الاعتدال في نقد الرجال ١/١٤١.
اليمان.
وقال الدار قطني : العمري هذا يحدّث عن مالك بأباطيل.
وقال ابن منده : له مناكير »(١) .
وقال : « عن يحيى بن سلمة بن كهيل ، عن أبيه ، عن أبي الزعراء ، عن ابن مسعود مرفوعاً : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمّار ، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود.
قلت : سنده واهٍ جدّاً »(٢) .
ترجمته :
والذهبي أعرف من أنْ يعرّف ، فهو إمام المتأخرين في التواريخ والسيِّر ، والحجّة عندهم في الجرح والتعديل وإليك بعض مصادر ترجمته : الدرر الكامنة ٣/٣٣٦ ، الوافي بالوفيات ٢/١٦٣ ، طبقات الشافعية ٥/٢١٦ ، فوات الوفيات ٢/٣٧٠ ، البدر الطالع ٢/١١٠ ، شذرات الذهب ٦/١٥٣ ، النجوم الزاهرة ١٠/١٨٢ ، طبقات القرّاء ٢/٧١.
(١١)
نور الدّين الهيثمي
ونصّ الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي ـ المتوفّى سنة ٨٠٧ هـ ـ على سقوط الحديث عن أبي الدرداء حيث قال : « وعن أبي الدرداء ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ،
__________________
(١) ميزان الاعتدال ٣/٦١٠.
(٢) تلخيص المستدرك ٣/٧٥.
فإنّهما حبل الله الممدود ، ومن تمسّك بهما فقد تمسّك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.
رواه الطبراني : وفيه من لم أعرفهم »(١) .
وكذا عن ابن مسعود. وقد تقدّمت عبارته.
ترجمته :
والحافظ الهيثمي من أكابر حفّاظ القوم وآئمّتهم.
قال الحافظ السخاوي بعد وصفه بالحفظ : « وكان عجباً في الدين والتقوى والزهد والإقبال على العلم والعبادة والأوراد وخدمة الشيخ
قال شيخنا في معجمه : كان خيّراً ساكناً سليم الفطرة ، شديد الإنكار للمنكر ، كثير الاحتمال لشيخنا ولأولاده ، محبّاً في الحديث وأهله
وقال البرهان الحلبي : إنّه كان من محاسن القاهرة.
وقال التقيّ الفاسي : كان كثير الحفظ للمتون والآثار ، صالحاً خيّراً.
وقال الأفقهسي : كان إماماً عالماً حافظاً زاهداً
والثناء علي دينه وزهده وورعه ونحو ذلك كثير جدّاً »(٢) .
وراجع أيضاً : حسن المحاضرة ١/٣٦٢ ، طبقات الحفّاظ : ٥٤١ ، البدر الطالع ١/٤٤.
(١٢)
ابن حجر العسقلاني
واقتفى الحافظ ابن حجر العسقلاني ـ المتوفّى سنة ٨٥٢ هـ ـ أثر الحافظ
__________________
(١) مجمع الزوائد ٩/٥٣.
(٢) الضوء اللامع ٥/٢٠٠.
الذهبي ، فأبطل الحديث في غير موضع. فقال بترجمة أحمد بن صليح :
« أحمد بن صليح ، عن ذي النون المصري ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما بحديث : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. وهذا غلط. وأحمد لا يعتمد عليه »(١) .
وقال بترجمة غلام خليل بعد كلام الذهبي : « وقال الحاكم : سمعت الشيخ أبابكر ابن إسحاق يقول : أحمد بن محمد بن غالب ممّن لا أشكً في كذبه.
وقال أبو أحمد الحاكم : أحاديثه كثيرة لا تحصى كثرةً ، وهو بينّ الأمر في الضّعف.
وقال أبو داود : قد عرض عليّ من حديثه فنظرت في أربعمائة حديث أسانيدها ومتونها كذب كلّها. وروى عن جماعةٍ من الثقات أحاديث موضوعة على ما ذكره لنا القاضي أحمد بن كامل ، مع زهده وورعه. ونعوذ بالله من ورع يقيم صاحبه ذلك المقام »(٢) .
وأضاف إلى كلام الذهبي بترجمة محمد العمري : « وقال العقيلي بعد تخريجه : هذا الحديث منكر لا أصل له. وأخرجه الدار قطني من رواية أحمد الخليلي البصري بسنده وساق بسندٍ كذلك ثم قال : لا يثبت ، والعمري هذا ضعيف »(٣) .
ترجمته :
وابن حجر العسقلاني حافظهم على الإطلاق ، وشيخ الإسلام عندهم في جميع الآفاق ، إليه المرجع في التاريخ والحديث والرجال ، وعلى كتبه المعوّل في جميع العلوم قال الحافظ السيوطي :
« الإمام الحافظ في زمانه ، قاضي القضاة ، انتهت إليه الرحلة والرياسة في
__________________
(١) لسان الميزان ١/١٨٨.
(٢) لسان الميزان ١/٢٧٢.
(٣) لسان الميزان ٥/٢٣٧.
الحديث في الدنيا بأسرها ، لم يكن في عصره حافظ سواه. وألّف كتباً كثيرة كشرح البخاري ، وتغليق التعليق ، وتهذيب التهذيب ، وتقريب التهذيب ، ولسان الميزان ، والإصابة في الصحابة ، ونكت ابن الصلاح ، ورجال الأربعة وشرحها ، والألقاب »(١) .
وهكذا وصف في كلّ كتاب توجد فيه ترجمة له فراجع : البدر الطالع ١/٨٧ ، الضوء اللامع ٢/٣٦ ، شذرات الذهب ٨/٢٧٠ ، ذيل رفع الإصر : ٨٩ ، ذيل تذكرة الحفّاظ : ٣٨٠.
(١٣)
شيخ الإسلام الهروي
وقال الشيخ أحمد بن يحيى الهروي الشافعي ـ المتوفّى سنة ٩١٦ هـ ـ ما نصّه :
« من موضوعات أحمد الجرجاني :
من قال القرآن مخلوق فهو كافر. الإيمان يزيد وينقص. ليس الخبر كالمعاينة. الباذنجان شفاء من كلّ داء. دانق من حرام أفضل عندالله من سبعين حجة مبرورة. موضوع. اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر. باطل.
إن الله يتجلّى للخلائق يوم القيامة ويتجلّى لأبي بكر خاصّة. باطل »(٢) .
ترجمته :
وهذا الشيخ من فقهاء الشّافعية ، وكان شيخ الإسلام بمدينة هراة ، وهو
__________________
(١) حسن المحاضرة : ١/٣٦٣.
(٢) الدرّ النضيد : ٩٧.
حفيد السّعد التفتازاني.
قال الزركلي : « أحمد بن يحيى بن محمد بن سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني الهروي ، شيخ الإسلام ، من فقهاء الشافعية ، يكنّى سيف الدين ويعرف بـ « حفيد السعد » التفتازاني. كان قاضي هراة مدّة ثلاثين عاماً ، ولمّا دخل الشاه إسماعيل بن حيدر الصفوي كان الحفيد ممّن جلسوا لاستقباله في دار الإمارة ، ولكّن الوشاة اتّهموه عند الشاه بالتعصّب ، فأمر بقتله مع جماعةٍ من علماء هراة ، ولم يعرف له ذنب ، ونعت بالشهيد. له كتب منها : مجموعة سمّيت : الدرّ النضيد من مجموعة الحفيد ط. في العلوم الشرعية والعربيّة »(١) .
(١٤)
عبدالرؤوف المناوي
وطعن العلاّمة عبدالرؤوف بن تاج العارفين المناوي المصري ـ المتوفّى سنة ١٠٢٩ هـ ـ في سند الحديث عن حذيفة ، وتعقّبه عن ابن مسعود بكلمة الذهبي. وهذا نصّ عبارته :
« ( اقتدوا باللذين ) بفتح الذال. أي الخليفتين اللذين يقومان ( من بعدي : أبوبكر وعمر ) أمره بمطاوعتهما يتضمّن الثناء عليهما ، ليكونا أهلاً لأن يطاعا فيما يأمران به وينهيان عنه ، المؤذن بحسن سيرتهما وصدق سريرتهما ، وإيماء لكونهما الخليفتين بعده. وسبب الحثّ على الاقتداء بالسابقين الأولين ما فطروا عليه من الأخلاق المرضيّة والطبيعة القابلة للخيور السنيّة ، فكأنّهم كانوا قبل الإسلام كأرض طيّبة في نفسها ، لكنّها معطّلة عن الحرث بنحو عوسج وشجر عضاة. فلمّا
__________________
(١) الأعلام ١/٢٧٠.
اُزيل ذلك منها بظهور دولة الهدى أنبتت نباتاً حسناً ، فلذلك كانوا أفضل الناس بعد الأنبياء ، وصار أفضل الخلق بعدهم من اتّبعهم بإحسان إلى يوم الصراط والميزان.
فإن قلت : حيث أمر باتّباعهما فكيف تخلّف علي رضي الله عنه عن البيعة؟
قلت : كان لعذر ثم بايع. وقد ثبت عنه الانقياد لأوامرهما ونواهيهما وإقامة الجمع والأعياد معهما والثناء عليهما حيّين وميّتين.
فإن قلت : هذا الحديث يعارض ما عليه أهل الاُصول من أنّه لم ينصّ على خلافة أحد.
قلت : مرادهم لم ينصّ نصّاً صريحاً. وهذا كما يحتمل الخلافة يحتمل الاقتداء بهم في الرأي والمشورة والصلاة وغير ذلك.
( حم ت ) في المناقب وحسّنه (ه) من حديث عبدالملك بن عمير عن ربعي ( عن حذيفة ) بن اليمان.
قال ابن حجر : اختلف فيه على عبدالملك. وأعلّه أبو حاتم. وقال البزّار كابن حزم : لا يصحّ. لأنّ عبدالملك لم يسمعه من ربعي ، وربعي لم يسمعه من حذيفة. لكن له شاهد. وقد أحسن المصنّف حيث عقّبه بذكر شاهده فقال :
( اقتدوا باللذين ) بفتح الذال ( من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمّار ) بن ياسر ، أي سيروا واسترشدوا بإرشاده فإنّه ما عرض عليه أمران إلاّ اختار أرشدهما ، كما يأتي في حديث ( وتمسّكوا بعهد ابن مسعود ) عبدالله ، أي ما يوصيكم به.
قال التوربشتي : أشبه الأشياء بما يراد من عهده أمر الخلافة ، فإنّه أوّل من شهد بصحّتها وأشار إلى استقامتها قائلاً : ألا نرضى لدنيانا من رضيه لديننا نبينا ، كما يومئ إليه المناسبة بين مطلع الخبر وتمامه.
(ت) وحسّنه ( عن ابن مسعود. الروياني عن حذيفة ) قال : بينا نحن عند رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم إذ قال : لا أدري ما قدر بقائي فيكم ، ثم
ذكره. ( عد من أنس ).
ورواه الحاكم عن ابن مسعود باللفظ المذكور قال الذهبي : وسنده واهٍ »(١) .
ترجمته :
والمناويّ علاّمة محقّق كبير ، وكتابه ( فيض القدير ) من الكتب المفيدة وقد ترجم له وأثنى عليه العلاّمة المحبّي ووصفه بـ « الإمام الكبير الحجّة » وهذه عبارته :
« عبدالرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين ، الملقّب بزين الدين ، الحدادي ثم المناوي ، القاهري ، الشافعي.
الإمام الكبير الحجّة ، الثبت القدوة ، صاحب التصانيف السائرة ، وأجلّ أهل عصره من غير ارتياب.
وكان إماماً فاضلاً ، زاهداً ، عابداً ، قانتاً لله خاشعاً له ، كثير النفع ، وكان متقرباً بحسن العمل ، مثابراً على التسبيح والأذكار ، صابراً صادقاً ، وكان يقتصر يومه وليلته على أكلةٍ واحدةٍ من الطعام.
وقد جمع من العلوم والمعارف ـ على اختلاف أنواعها وتباين أقسامها ـ ما لم يجتمع في أحدٍ ممّن عاصره »(٢) .
(١٥)
ابن درويش الحوت
وقال العلاّمة ابن درويش الحوت ـ المتوفّى سنة ١٠٩٧ هـ ـ : « خبر ( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ).
رواه أحمد والترمذي وحسنّه. وأعلّه أبو حاتم ، وقال البزّار كابن حزم : لا
__________________
(١) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير ٢/٥٦.
(٢) خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر ٢/٤١٢ ـ ٤١٦.
يصحّ. وفي رواية للترمذي وحسّنها : واهتدوا بهدي عمّار ، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود. وقال الهيثمي : سندها واهٍ »(١) .
* * *
__________________
(١) اسنى المطالب : ٤٨.
(٣)
تأمّلات في متن ودلالة
حديث الاقتداء
قد أشرنا في المقدّمة إلى استدلال القوم بحديث الاقتداء في باب الخلافة والإمامة وفي الفقه والاُصول في مسائل مهمّة
فقد استدلّ به القاضي البيضاوي في كتابه الشهير « طوالع الأنوار في علم الكلام » وابن حجر المكّي في « الصواعق المحرقة » وابن تيميّة في « منهاج السُنّة » وولي الله الدهلوي ـ صاحب : حجّة الله البالغة ـ في كتابه « قرّة العينين في تفضيل الشيخين » ومن الطريف جدّاً أنّ هذا الأخير ينسب رواية الحديث إلى البخاري ومسلم وهذه عبارته :
« قوله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.
فعن حذيفة : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : أقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. متّفق عليه.
وعن ابن مسعود ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمّار ، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود. أخرجه الترمذي »(١) .
إذ لا يخفى أنّ النسبة كاذبة إلاّ أن يكون « متّفق عليه » اصطلاحاً خاصاً بالدهلوي ، يعني به اتّفاقهما على عدم الإخراج!!
واستدلّ به الشيخ علي القاري ووقع فيما وقع فيه الدهلوي
__________________
(١) قرة العينين : ١٨٩.
فقد جاء في « شرح الفقه الأكبر » : « مذهب عثمان وعبدالرحمن بن عوف : أنّ المجتهد يجوز له أنْ يقلِّد غيره إذا كان أعلم منه بطريق الدين ، وأنْ يترك اجتهاد نفسه ويتّبع اجتهاد غيره. وهو المروي عن أبي حنيفة ، لا سيّما وقد ورد في بعموم هذا الحديث وظاهره ».
ولعلّة يريد غير صحيحي البخاري ومسلم!! وإلاّ فقد نصّ الحاكم ـ كما عرفت ـ على أنّهما لم يخرجاه!!
وهكذا فإنّك تجد حديث الاقتداء يُذكر أو يُستدلّ به في كتب الاُصول المعتمدة فقد جاء في المختصر :
« مسألة : الإجماع لا ينعقد بأهل البيت وحدهم خلافاً للشيعة. ولا بالأئمة الأربعة عند الأكثرين خلافاً لأحمد. ولا يأبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ عند الأكثرين. قالوا : عليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين من بعدي. اقتدوا باللذين من بعدي. قلنا : يدلّ على أهلية اتّباع المقلّد ، ومعارض بمثل : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. وخذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء ».
قال شارحه العضد : « أقول : لا ينعقد الإجماع بأهل البيت وحدهم مع مخالفة غيرهم لهم ، أو عدم الموافقة والمخالفة ، خلافاً للشيعة. ولا بالأئمة الأربعة عند الأكثرين خلافاً لأحمد. ولا بأبي بكر وعمر عند الأكثرين خلافاً لبعضهم.
لنا : أنّ الأدّلة لا تتناولهم. وقد تكرّر فلم يكرّر. أمّا الشيعة فبنوا على أصلهم في العصمة ، وقد قرّر في الكلام فلم يتعرّض له. وأمّا الآخرون فقالوا : قال عليه الصلاة والسلام : عليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين من بعدي. وقال : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.
الجواب : أنّهما إنّما يدلاّن على أهلية الأربعة أو الاثنين لتقليد المقلّد لهم ، لا على حجّية قولهم على المجتهد. ثم إنّه معارض بقوله : أصحابي كالنجوم »(١) .
__________________
(١) شرح المختصر في الاصول ٢/٣٦.
وفي المنهاج وشرحه : « وذهب بعضهم إلى أنّ إجماع الشيخين وحدهما حجّة لقولهعليهالسلام : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. رواه أحمد بن حنبل وابن ماجة والترمذي وقال : حسن ، وذكره ابن حبان في صحيحه.
وأجاب الإمام وغيره عن الخبرين بالمعارضة بقوله : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. وهو حديث ضعيف. وأجاب الشيخ أبو إسحاق في ( شرح اللمع ) بأنّ ابن عبّاس خالف جميع الصحابة في خمس مسائل انفرد بها ، وابن مسعود انفرد بأربع مسائل ، ولم يحتجّ عليهما أحد بإجماع »(١) .
وفي مسلّم الثبوت وشرحه : « ولا ينعقد الإجماع بالشيخين أميريّ المؤمنين أبي بكر وعمر عند الأكثر ، خلافاً للبعض ، ولا ينعقد بالخلفاء الأربعة خلافاً لأحمد الإمام ولبعض الحنفية قالوا : كون اتّفاق الشيخين إجماعاً ، قالوا : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. رواه أحمد ، فمخالفتهما حرام قلنا : هذا خطاب باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. رواه أحمد ، فمخالفتهما حرام قلنا : هذا خطاب للمقلّدين ، فلا يكون حجّة على المجتهدين ، وبيان لأهليّة الأتّباع ، لا حصر الاتّباع فيهم ، وعلى هذا فالأمر للإباحة أو للندب ، وأحد هذين التأويلين ضروري ، لأنّ المجتهدين كانوا يخالفونهم ، والمقلّدون كانوا قد يقلّدون غيرهم ولم ينكر عليهم أحد ، لا الخلفاء أنفسهم ولا غيرهم ، فعدم حجّية قولهم كان معتقدهم. وبهذا اندفع ما قيل إنّ الإيجاب ينافي هذا التأويل »(٢) .
فهذه نماذج من إستدلال القوم بحديث الاقتداء بالشيخين في مسائل الفقه والاصول
لكنّ الذي يظهر من مجموع هذه الكلمات أنّ الأكثر على عدم حجّية أجماعهما
__________________
(١) الإبهاج في شرح المنهاج ٢/٣٦٧.
(٢) فواتح الرحموت في مسلّم الثبوت ٢/٢٣١.
وإذا ضممنا إلى ذلك أنّ الأكثر ـ أيضاً ـ على أنّ النبيصلىاللهعليهوآله لم ينصّ على خلافة أحدٍ من بعده كما جاء في المواقف وشرحها « والإمام الحقّ بعد النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : أبوبكر ثبتت إمامته بالإجماع ، وإن توقّف فيه بعضهم ولم ينصّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم على أحدٍ خلافاً للبكرية ، فإنّهم زعموا النصّ على أبي بكر ، وللشيعة فإنّهم يزعمون النصّ على ‘لي كرّم الله وجهه ، إمّا نصّاً خفيّاً ، والحقّ عند الجمهور نفيهما »(١) .
وقال المناوي بشرحه : « فإن قلت : هذا الحديث يعارض ما عليه أهل الأصول من أنّه لم ينصّ على خلافة أحدٍ.
قلت : مرادهم : لم ينصّ نصّاً صريحاً ، وهذا كما يحتمل الخلافة يحتمل الاقتداء بهم في الرأي والمشورة والصلاة ونحو ذلك(٢) .
علمنا أنّ المستدلّين بهذا الحديث في جميع المجالات ـ ابتداءً بباب الإمامة والخلافة ، وانتهاءً بباب الاجتهاد والإجماع ـ هم « البكرية » وأتباعهم
إذن فالأكثر يعرضون عن مدلول هذا الحديث ومفاده وإنّ المستدلّين به قوم متعصّبون لأبي بكر وإمامته وهذا وجه آخر من وجوه وضعه واختلاقه
قال الحافظ ابن الجوزي : « قد تعصَّب قوم لا خلاق لهم يدّعون التمسّك بالسُنّة فوضعوا لأبي بكر فضائل »(٣) .
لكن من هم؟
هم « البكرية أنفسهم!!
__________________
(١) شرح المواقف ـ مباحث الإمامة.
(٢) فيض القدير ٢/٥٦.
(٣) الموضوعات ١/٣٠٣.
قال العلاّمة المعتزلي : « فلمّا رأت البكرية ما صنعت الشيعه(١) ، وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث ، نحو : ( لو كانت متّخذاً خليلاً ) فإنّهم وضعوه في مقابلة ( حديث الإخاء ). ونحو ( سدّ الأبواب ) فإنّه كان لعليعليهالسلام ، فقلبته البكرية إلى أبي بكر. ونحو : ( إيتني بدواةٍ وبياض أكتب فيه لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه إثنان ) ثم قال : ( يأبي الله والمسلمون إلاّ أبابكر ) فإنّهم وضعوه في مقابلة الحديث المروي عنه في مرضه : ( إبتوني بدواةٍ وبياض أكتب لكم ما لا تضلّون بعده أبداً. فاختلفوا عنده وقال قوم منهم : لقد غلبه الوجع ، حسبنا كتاب الله ) ونحو حديث : ( أنا راضٍ عنك ، فهل أنت عنّي راض؟ ) ونحو ذلك »(٢) .
وبعد ، فما مدلول هذا الحديث ونحن نتكلّم هنا عن هذه الجهة وبغضّ النظر عن السند؟
يقول المناوي : « أمره بمطاوعتهما يتضمّن الثناء عليهما ، ليكونا أهلاً لأن يطاعا فيما يأمران به وينهيان عنه ».
لكنّ أوّل شيء يعترض عليه به تخلّف أمير المؤمنينعليهالسلام ومن تبعه عن البيعة مع أمرهما به ، ولذا قال :
« فإن قلت : حيث أمر باتّباعهما فكيف تخلّف علي رضي الله عنه عن البيعة؟
قلت : كان لعذر ثم بايع ، وقد ثبت عنه الانقياد لأوامرهما ونواهيهما »(٣) .
أقول : لقد وقع القوم ـ بعد إنكار النصّ وحصر دليل الخلافة في الإجماع ـ في مأزق كبير وإشكال شديد ، وذلك لأنّهم قرّروا في علم الاصول أنّه إذا خالف
__________________
(١) الذي صنعته الشيعة أنّها استدلّت بالأحاديث التي رواها أهل السنّة في فضل أمير المؤمنينعليهالسلام باعتبار أنّها نصوص جليّة أو خفيّة على امامته كما ذكر صاحب « شرح المواقف » وغيره.
(٢) شرح نهج البلاغة ١١/٤٩.
(٣) فيض القدير ٢/٥٦.
واحد من الاُمّة أو اثنان لم ينعقد الإجماع.
قال الغزّالي : « إذا خالف واحد من الاُمّة أو اثنان لم ينعقد الإجماع دونه ، فلو مات لم تصر المسألة إجماعاً ، خلافاً لبعضهم. ودليلنا : أنّ المحرّم مخالفة الاُمّة كافّة »(١) .
وفي مسلّم الثبوت وشرحه : « قيل : إجماع الأكثر مع ندرة المخالف بأنْ يكون واحداً أو أثنين إجماع والمختار أنّه ليس بإجماع لانتفاء الكلّ الذي هو مناط العصمة. ثم اختلفوا فقيل : ليس بحجّةٍ أصلاً كما أنّه ليس بإجماع ، وقيل : بل حجّة ظنّية غير الإجماع ، لأنّ الظاهر إصابة السواد الأعظم قيل : ربّما كان الحقّ مع الأقل وليس فيه بعد ».
فقال المكتفون بإجماع الأكثر : « صحّ خلافة أبي بكر مع خلاف علي وسعد ابن عبادة وسلمان ».
فأجيب : « ويدفع بأنّ الإجماع بعد رجوعهم إلى بيعته. هذا واضح في أمير المؤمنين علي ».
فلو سلّمنا ما ذكروه من بيعة أمير المؤمنينعليهالسلام ، فما الجواب عن تخلّف سعد بن عبادة »؟!
أمّا المناوي فلم يتعرّض لهذه المشكلة وتعرّض لها شارح مسلّم الثبوت فقال بعد ما تقدّم : « لكنّ رجوع سعد بن عبادة فيه خفاء ، فإنّه تخلّف ولم يبايع وخرج عن المدينة ، ولم ينصرف إلى أن مات بحوران من أرض الشام لسنتين ونصف مضتا من خلافة أمير المؤمنين عمر ، وقيل : مات سنة إحدى عشرة في خلافة أمير المؤمنين الصدّيق الأكبر. كذا في الاستيعاب وغيره. فالجواب الصحيح عن تخلّفه : أنّ تخلّفه لم يكن عن اجتهاد ، فإنّ أكثر الخزرج قالوا : منّا أمير ومنكم أمير ، لئلاّ تفوت رئاستهم ولم يبايع سعد لما كان له حبّ السيادة ، وإذا لم
__________________
(١) المستصفى ١/٢٠٣.
تكن مخالفته عن الاجتهاد فلا يضرّ الإجماع
فإن قلت : فحينئذٍ قد مات هو رضي الله عنه شاقّ عصا المسلمين مفارق الجماعة وقد قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وأصحابه وسلّم : لم يفارق الجماعة أحد ومات إلاّ مات ميتة الجاهلية. رواه البخاري. والصحابة لا سيّما مثل سعد برآء عن موت الجاهلية.
قلت : هب أنّ مخالفة الإجماع كذلك ، إلاّ أنّ سعداً شهد بدراً على ما في صحيح مسلم ، والبدريّون غير مؤاخذين بذنب ، مثلهم كمثل التائب وإن عظمت المصيبة ، لما أعطاهم الله تعالى من المنزلة الرفيعة برحمته الخاصة بهم. وأيضاً : هو عقبي ممّن بايع في العقبة ، وقد وعدهم رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وأصحابه وسلّم الجنّة والمغفرة. فإيّاك وسوء الظنّ بهذا الصنيع. فاحفظ الأدب »(١) .
ولو تنزّلنا عن قضية سعد بن عبادة ، فما الجواب عن تخلّف الصدّيقة الزهراءعليهاالسلام ؟! وهي من الصحابة ، بل بضعة الرسولصلىاللهعليهوآله .
فإذا كان الصحابة ـ لا سيّما مثل سعد ـ برآء عن موت الجاهلية ، فما ظنّك بالزهراء التي قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني »(٢) وقال : « فاطمة بضعة منّي ، يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها »(٣) . وقال : « فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة إلاّ مريم بنت عمران »(٤) هذه الأحاديث التي استدلّ بها الحافظ السهيلي وغيره من الحفّاظ على أنّها أفضل من الشيخين فضلاً عن غيرهما(٥) .
__________________
(١) فواتح الرحموت ـ شرح مسلّم الثبوت ٢/٢٢٣ ـ ٢٢٤.
(٢) فيض القدير ٤/٤٢١ عن البخاري في المناقب.
(٣) فيض القدير ٤/٤٢١.
(٤) فيض القدير ٤/٤٢١.
(٥) فيض القدير ٤/٤٢١.
... فإنّ من ضروريّات التاريخ أنّ الزهراءعليهاالسلام فارقت الدنيا ولم تبايع أبابكر وأنّ أمير المؤمنينعليهالسلام لم يأمرها بالمبادرة إلى البيعة ، وهو يعلم أنّه « لم يفارق الجماعة أحد ومات إلاّ مات ميتة الجاهليّة »!!
إذن لا يدلّ هذا الحديث علي شيء ممّا زعموه أو أرادوا له الاستدلال به فما هو واقع الحال؟
سنذكر له وجهاً على سبيل الاحتمال في نهاية المقال
ثمّ إنّ ممّا يبطل هذا الحديث من حيث الدلالة والمعنى وجوهاً اُخر.
ـ ١ ـ
إنّ أبابكر وعمر اختلفا في كثير من الأحكام ، والأفعال ، واتّباع المختلفين متعذّر غير ممكن فمثلاً : أقرّ أبوبكر جواز المتعة ومنعها عمر. وأنّ عمر منع أن يورّث أحداً من الأعاجم إلاّ واحداً ولد في العرب فبمن يكون الاقتداء؟!
ثم جاء عثمان فخالف الشيخين في كثير من أقواله وأفعاله وأحكامه وهو عندهم ثالث الخلفاء الراشدين
وكان في الصّحابة من خالف الشيخين أو الثلاثة كلّهم في الأحكام الشرعية والآداب الدينيّة وكلّ ذلك مذكور في مظانّه من الفقه والاُصول ولو كان واقع هذا الحديث كما يقتضيه لفظه لوجب الحكم بضلالة كلّ هؤلاء!!
ـ ٢ ـ
إنّ المعروف من الشيخين الجهل بكثير من المسائل الإسلاميّة ممّا يتعلّق
بالاُصول والفروع ، وحتّى في معاني بعض الألفاظ العربية في القرآن الكريم فهل يأمر النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم بالاقتداء المطلق لمن هذه حاله ويأمر بالرجوع إليه والانقياد له في أوامره نواهيه كلّها؟!
ـ ٣ ـ
إنّ هذا الحديث بهذا اللفظ يقتضي عصمة أبي بكر وعمر والمنع من جواز الخطأ عليهما ، وليس هذا بقول أحدٍ من المسلمين فيهما ، لأنّ إيجاب الاقتداء بمن ليس بمعصوم إيجاب لما لا يؤمن مِن كونه قبيحاً
ـ ٤ ـ
ولو كان هذا الحديث عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لا حتجّ به أبوبكر نفسه يوم السقيفة ولكن لم نجد في واحدٍ من كتب الحديث والتاريخ أنّه احتجّ به على القوم فلو كان لَنقل واشتهر ، كما نقل خبر السقيفة وما وقع فيها من النزاع والمغالبة
بل لم نجد احتجاجاً له به في وقتٍ من الأوقات.
ـ ٥ ـ
بل وجدناه في السقيفة يخاطب الحاضرين بقوله : « بايعوا أيَّ الرجلين شئتم » يعني : أبا عبيدة وعمر بن الخطّاب(١) .
__________________
(١) اُنظر : صحيح البخاري ـ باب فضل أبي بكر ، مسند أحمد ١/٥٦ ، تاريخ الطبري ٣/٢٠٩ ، السيرة الحلبية ٣/٣٨٦ ، وغيرها.
ويلتفت إلى أبي عبيدة الجرّاح قائلاً : « اُمدد يدك اُبايعك »(١) .
ـ ٦ ـ
ثمّ لمّا بويع بالخلافة قال :
« أقيلوني ، أقيلوني ، فلست بخيركم »(٢) .
ـ ٧ ـ
ثمّ لمّا حضرته الوفاة قال :
« وددت أنّي سألت رسول الله لمن هذا الأمر ، فلا ينازعه أحد ، وددت أني كنت سألت : هل للأنصار في هذا الأمر نصيب »(٣) .
ـ ٨ ـ
وجاء عمر يقول :
« كانت بيعة أبي بكر فلتة ، وقى المسلمين شرّها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه »(٤) .
__________________
(١) الطبقات الكبرى ٣/١٢٨ ، مسند أحمد ١/٣٥ ، السيرة الحلبية ٣/٣٨٦.
(٢) الإمامة والسياسة ١/١٤ ، الصواعق المحرفة : ٣٠ ، الرياض النضرة ١/١٧٥ ، كنز العمّال ٣/١٣٢.
(٣) تاريخ الطبري ٣/٤٣١ ، العقد الفريد ٢/٢٥٤ ، الإمامة والسياسة ١/١٨ ، مروج الذهب ٢/٣٠٢.
(٤) صحيح البخاري ٥/٢٠٨ ، الصواعق المحرقة : ٥ ، تاريخ الخلفاء : ٦٧.
وبعد :
فما هو متن الحديث؟ وما هو مدلوله؟
قد عرفتَ سقوط هذا الحديث معنىً على فرض صدوره
وعلى الفرض المذكور فلا بدّ من الالتزام بأحد أمرين : إمّا وقوع التحريف في لفظه ، وإمّا صدوره في قضيّة خاصّة
أمّا الأوّل فيشهد به : أنّه قد روي هذا الخبر بالنصب ، أي جاء بلفظ « أبابكر وعمر » بدلاً عن « أبي بكر وعمر » وجعل أبوبكر وعمر مناديين مأمورين بالاقتداء(١) .
فالنبيصلىاللهعليهوآله يأمر المسلمين عامةً بقوله « اقتدوا » ـ مع تخصيصٍ لأبي بكر وعمر بالخطاب ـ « باللذين من بعده » وهما « الكتاب والعترة » ، وهما ثقلاه اللذان طالما أمر بالاقتداء والتمسّك والاعتصام بهما(٢) .
وأمّا الثاني فهو ما قيل : من أن سبب هذا الخبر : أنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان سالكاً بعض الطرق ، وكان أبوبكر وعمر متأخّرين عنه ، جائيين على عقبه ، فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لبعض من سأله عن الطريق الذي سلكه في اتّباعه واللحوق به : « اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » وعني في سلوك الطريق دون غيره(٣) .
وعلى هذا فليس الحديث على إطلاقه ، بل كانت تحفّه قرائن تخصّه بمورده ، فأسقط الرّاوي القرائن عن عمدٍ أو سهو ، فبدا بظاهره أمراً مطلقاً بالاقتداء بالرجلين وكم لهذه القضية من نظير في الأخبار والأحاديث الفقهية والتفسيريّة
__________________
(١) تلخيص الشافي ٣/٣٥.
(٢) راجع حديث الثقلين بألفاظه وطرقه ودلالاته في الأجزاء الثلاثة الأولى من « خلاصة عبقات الأنوار في إمامة الأئمّة الأطهار » بقلم علي الحسيني الميلاني.
(٣) تلخيص الشافي ٣/٣٨.
والتاريخيّة ومن ذلك ما في ذيل « حديث الاقتداء » نفسه في بعض طرقه وهذا ما نتكلّم عليه بإيجاز ليظهر لك أنّ هذا الحديث ـ لو كان صادراً ـ ليس حديثاً واحداً ، بل أحاديث متعدّدة صدر كلّ منها في موردٍ خاصّ لا علاقة له بغيره
لقد جاء في بعض طرق هذا الحديث :
« اقتدوا باللذين
واهتدوا بهدي عمّار.
وتمسكوا بعهد ابن أُمّ عبد : أو : إذا حدّثكم ابن أُمّ عبدٍ فصدّقوه. أو : ما حدّثكم ابن مسعود فصدّقوه ».
فالحديث مشتمل على ثلاث فقرات ، الاُولى تخصّ الشيخين ، والثانية عمّار ابن ياسر ، والثالثة عبدالله بن مسعود.
أمّا الفقرة الاُولى فكانت موضوع بحثنا ، فلذا أشبعنا فيها الكلام سنداً ودلالة وظهر عدم جواز الاستدلال بها والأخذ بظاهر لفظها ، وأنّ من المحتمل قويّاً وقوع التحريف في لفظها أو لدى النقل لها بإسقاط القرائن الحافّة بها الموجب لخروج الكلام من التقييد إلى الإطلاق ، فإنّه نوع من أنواع التحريف ، بل من أقبحها وأشنعها كما هو معلوم لدى أهل العلم.
وأمّا الفقرتان الاُخريان فلا نتعرّض لهما إلاّ من ناحية المدلول والمفاد لئلا يطول بنا المقام وإن ذكرا في فضائل الرجلين ، وربّما استدلّ بهما بعضهم في مقابلة بعض فضائل أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام فنقول :
قوله : « اهتدوا بهدي عمار » معناه : « سيروا بسيرته واسترشدوا بإرشاده ».
فكيف كانت سيرة عمار؟ وما كان إرشاده؟
وهل سار القوم بسيرته واسترشدوا بإرشاده؟!!
هذه كتب السير والتواريخ بين يديك!!
وهذه نقاط من « سيرته » و « إرشاده » :
تخلّف عن بيعة أبي بكر(١) وقال لعبد الرحمن بن عوف ـ حينما قال للناس في قصة الشورى : أشيروا عليَّ ـ « إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليّاً »(٢) .
وقال : بعد أن بويع عثمان ـ : « يا معشر قريش ، أمّا إذ صدفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم هاهنا مرّةً هاهنا مرّةً ، فما أنا بآمن من أن ينزعه الله فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله »(٣) وكان مع عليعليهالسلام منذ اليوم الأول حتى استشهد معه بصفّين وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « عمار تقتله الفئة الباغية »(٤) و« من عادى عمّاراً عاداه الله »(٥) .
ثم لماذا أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالاهتداء بهدي عمّار والسير على سيرته؟ لأنّه قال له من قبل : « يا عمّار ، إن رأيت علياً قد سلك وادياً وسلك الناس كلّهم وادياً غيره فاسلك مع علي ، فإنّه لن يدليك في ردى ولن يخرجك من هدى يا عمار : إنّ طاعة علي من طاعتي ، وطاعتي من طاعة الله عزّ وجلّ(٦) .
وقوله : « وتمسّكوا بعهد ابن أُمّ عبد » أو « إذا حدّثكم ابن أُمّ عبد فصدّقوه » ما معناه؟
إن كان « الحديث » فهل يصدّق في كلّ ما حدّث؟
هذا لا يقول به أحد وقد وجدناهم على خلافه فقد منعوه من
__________________
(١) المختصر في أخبار البشر ١/١٥٦ ، تتمّة المختصر ١/١٨٧.
(٢) تاريخ الطبري ٣/٢٩٧ ، الكامل ٣/٣٧ ، العقد الفريد ٢/١٨٢.
(٣) مروج الذهب ٢/٣٤٢.
(٤) المسند ٢/١٦٤ ، تاريخ الطبري ٤/٢ و ٤/٢٨ ، طبقات ابن سعد ٣/٢٥٣ ، الخصائص : ١٣٣ ، المستدرك ٣/٣٧٨ ، عمدة القاري ٢٤/١٩٩٢ ، كنز العمّال ١٦/١٤٣.
(٥) الاستيعاب ٣/١١٣٨ ، الإصابة ٢/٥٠٦ ، كنز العمال ١٣/٢٩٨ ، إنسان العيون ٢/٢٦٥.
(٦) تاريخ بغداد ١٣/١٨٦ ، كنز العمّال ١٢/٢١٢ ، فرائد السمطين ١/١٧٨ ، المناقب ـ للخوارزمي ـ : ٥٧ و ١٢٤.
الحديث ، بل كذّبوه ، بل ضربوه فراجع ما رووه ونقلوه(١) .
وإنْ كان « العهد » فأيّ عهدٍ هذا؟
لابدّ أنْ يكون إشارةً إلى أمر خاصّ صدر في موردٍ خاصّ لم تنقله الرواة
لقد رووا في حقّ ابن مسعود حديثاً آخر ـ جعلوه من فضائله ـ بلفظ : « رضيت لكم ما رضي به ابن اُمّ عبد »(٢) ولكن ما هو؟
لابدّ أنْ يكون صادراً في موردٍ خاصّ بالنسبة إلى أمرٍ خاصّ لم ننقله الرواة
إنّه ـ فيما رواه الحاكم ـ كما يلي :
« قال النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم لعبد الله بن مسعود : إقرأ.
قال : اقرأ وعليك اُنزل؟!
قال : إنّي اُحبّ أن أسمع من غيري.
قال : فافتتح سورة النساء حتى بلغ :( فكيف إذا جئنا من كلّ امّةٍ بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ) فاستعبر رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، وكفّ عبدالله.
فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله : تكلّم.
فحمد الله في أول كلامه وأثنى على الله وصلّى على النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وشهد شهادة الحقّ. وقال :
رضينا بالله ربّاً وبالإسلام ديناً ، ورضيت لكم ما رضي الله ورسوله.
فقال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : رضيت لكم ما رضي لكم ابن أُمّ عبد.
__________________
(١) مسند الدارمي ١/٦١ ، طبقات ابن سعد ٢/٣٣٦ ، تذكرة الحفّاظ ١/٥ ـ ٨ ، المعارف : ١٩٤ ، الرياض النضرة ٢/١٦٣ ، تاريخ الخلفاء ١٥٨ ، اُسد الغابة ٣/٢٥٩.
(٢) هكذا رووه في كتب الحديث انُظر : فيض القدير ٤/٣٣.
هذا الحديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه »(١) .
فانظر كيف تلاعبوا بأقوال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وتصرّفوا في السُنّة الشريفة فضلّوا وأضلّوا ...!!
ونعود فنقول : إنّ السنّة الكريمة بحاجةٍ ماسّةٍ إلى تحقيق وتمحيص ، لا سيّما في القضايا التي لها صلة وثيقة بأساس الدين الحنيف ، تبنى عليها أُصول العقائد ، وتتفرّع منها الأحكام الشرعيّة.
والله نسأل أن يوفقنا لتحقيق الحقّ وقبول ما هو به جدير ، إنّه سميع مجيب وهو على كلّ شيء قدير.
* * *
__________________
(١) المستدرك على الصحيحين ٣/٣١٩.
رسالة
في المتعتين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين.
وبعد فإنّ البحث عن المتعتين قديم جدّاً ، وكتابات السلف والخلف عنهما من النواحي المختلفة كثيرة جدّاً أيضاً ، وهذه رسالة وجيزة كتبتها بمناسبة أحاديث رووها في أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله هو الذي حرّم متعة النساء ، وعمدتها ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام منها أنّه قال لابن عبّاس ـ وقد بلغه يقول أنّه بالمتعة ، واللفظ لمسلم ـ : « إنّك رجلّ تائه ، نهانا رسول الله عن متعة النساء يوم خيبر ، وهي. أحاديث موضوعة مختلفة ، يعترف بذلك كلّ من ينظر في أسانيدها ومداليلها وينصف ، والله هو الموفّق.
لا خلاف بين المسلمين في نزول القرآن المبين بالمتعتين
أمّا متعة الحجّ ، فقد قال عزّ وجلّ :
( فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري
المسجد الحرام ) (١) .
وأمّا متعة النساء ، فقد قال عزّ وجلّ :( فما استمتعتم به منهنَّ فآتوهنّ أُجورهنّ فريضة ) (٢) .
وكان على ذلك عمل المسلمين
حتّى قال عمر بعد شطرٍ من خلافته :
« متعتان كانتا على عهد رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما ».
فوقع الخلاف
وحار التابعون له ، الجاعلون قوله أصلاً من الأُصول ، كيف يوجِّهونه وهو صريح في : قال الله وأقول ...؟!
ومتعة الحجّ : أن ينشئ الإنسان بالمتعة إحرامه في أشهر الحجّ من الميقات ، فيأتي مكّة ، ويطوف بالبيت ، ثمّ يسعى ، ثمّ يقصرّ ، ويحلّ من إحرامه ، حتّى ينشئ في نفس تلك السفرة إحراماً آخر للحجّ من مكّة ، والأفضل من المسجد الحرام ، ويخرج إلى عرفات ، ثمّ المشعر إلى آخر أعمال الحج
فيكون متمتّعاً بالعمرة إلى الحجّ.
وإنّما سمّي بهذا الاسم لما فيه من المتعة ، أي اللذّة بإجابة محظورات الإحرام ، في تلك المدّة المتخلّلة بين الإحرامين
وهذا ما حرّمه عمر وتبعه عليه عثمان ومعاوية وغيرهما
وكان في المقابل أمير المؤمنين عليّعليهالسلام الحافظ للشريعة المطهّرة
__________________
(١) سورة البقرة ٢ : ١٩٦.
(٢) سورة النساء ٤ : ٢٤.
والذابّ عن السُنّة المكرّمة.
أخرج أحمد ومسلم عن شقيق قال ـ واللفظ للأوّل ـ : « كان عثمان ينهى عن المتعة ، وكان عليّ يأمر بها ، فقال عثمان لعليّ : إنّك كذا وكذا. ثمّ قال(١) علي : لقد علمت أنّا تمتّعنا مع رسول الله عليه [ وآله ] وسلّم؟ فقال : أجل »(٢) .
وعن سعيد بن المسيّب ، قال : « اجتمع عليٌّ وعثمان بعسفان ، فكان عثمان ينهى عن المتعة والعمرة. فقال له عليٌّ : ما تريد إلى أمرٍ فعله رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم تنهى عنه؟! فقال عثمان : دعنا عنك! فقال عليٌّ : إنّي لا أستطيع أن أدعك »(٣) .
وعن مروان بن الحكم ، قال : « شهدت عثمان وعليّاً ، وعثمان ينهى عن المتعة وأنْ يجمع بينهما. فلمّا رأى عليٌّ ذلك أهلّ بهما : لبيّك بعمرةٍ وحجّةٍ معاً ، قال : ما كنت لأدع سُنّة النبّي لقول أحد »(٤) .
وعلى ذلك كان أعلام الصحابة
*كابن عبّاس فقد أخرج أحمد أنّه قال : « تمتّع النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، فقال عروة بن الزبير : نهى أبوبكر وعمر عن المتعة ، فقال ابن عبّاس : ما يقول عُرَيّة(٥) !! قال : يقول : نهى أبوبكر وعمر عن المتعة.
فقال : ابن عبّاس : أراهم سيهلكون ، أقول : قال النبي ؛ ويقولون : نهى أبوبكر وعمر! »(٦) .
__________________
(١) لقد أبهم الرواة ما قاله خليفتهم عثمان لعليّعليهالسلام ، كما أبهموا جواب الإمامعليهالسلام على كلمات عثمان وفي بعض المصادر : « فقال عثمان لعلّي كلمة ».
(٢) مسند أحمد ١/٩٧.
(٣) مسند أحمد ١/١٣٦. ورواه البخاري ومسلم في باب التمتّع.
(٤) مسند أحمد ١/٩٥. ورواه البخاري أيضاً وجماعة.
(٥) تصغير « عروة » تحقيراً له.
(٦) مسند أحمد ١/٣٣٧.
*وسعد بن أبي وقّاص فقد أخرج الترمذي : « عن محمد بن عبدالله ابن الحارث بن نوفل أنّه سمع سعد بن أبي وقاص الضحّاك بن قيس ـ وهما يذكران التمتّع بالعمرة إلى الحجّ ـ فقال الضحّاك بن قيس : لا يصنع ذلك إلاّ من جهل أمر الله تعالى. فقال سعد : بئسما قلت يا ابن أخي. فقال الضحّاك : فإنّ عمر بن الخطّاب قد نهى ذلك. فقال سعد : قد صنعها رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وصنعناها معه.
هذا حديث صحيح »(١) .
*وأبي موسى الأشعري فقد أخرج أحمد : « أنّه كان يفتى بالمتعة فقال له رجل : رويدك ببعض فُتياك ، فإنّك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك! حتى لقيه أبو موسى بعدُ فسأله عن ذلك ، فقال عمر ، قد علمت أنّ النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قد فعله هو وأصحابه ولكن كرهت أن يظلّوا بهنّ معرّسين في الأراك ، ثم يروحون بالحج تقطر رؤوسهم »(٢) .
*وجابر بن عبدالله ...فقد أخرج مسلم وغيره عن أبي نضرة ، قال : « كان ابن عبّاس يأمر بالمتعة ، وكان ابن الزبير ينهى عنها. قال فذكرت ذلك لجابر ابن عبدالله. فقال : على يدي دار الحديث. تمتّعنا مع رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم فلمّا قام عمر(٣) قال : إنّ الله كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء وإن القرآن قد نزل منازله ، فافصلوا حجّكم من عمرتكم ، وأبتوا(٤) نكاح هذه النساء فلنْ أوتى برجلٍ نكح امرأةً إلى أجلٍ إلاّ رجمته بالحجارة »(٥) .
__________________
(١) صحيح الترمذي ٤/٣٨.
(٢) مسند أحمد ١/٥٠.
(٣) أي بأمر الخلافة.
(٤) أي : اقطعوا ، اتركوا.
(٥) صحيح مسلم ، باب جواز التمتع.
*وعبدالله بن عمر فقد أخرج الترمذي : « أنّ عبدالله بن عمر سئل عن متعة الحجّ. فقال : هي حلال. فقال له السائل : إنّ أباك قد نهى عنها. فقال : أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله أمر أبي نتّبع أم أمر رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم؟ فقال الرجل : بل أمر رسول الله. قال : فقد صنعها رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم »(١) .
*وعمران بن حصين (٢) ـ وكان شديد الإنكار لذلك حتّى في مرض موته ـ فقد أخرج مسلم : « عن مطرف قال : بعث إلى عمران بن حصين في مرضه الذي توفّي فيه فقال : إنّي محدّثك بأحاديث ، لعلّ الله أن ينفعك بها بعدي. فإن عشت فاكتم علي(٣) وإنْ متّ فحدّث بها إنْ شئت. إنّه قد سُلّم عليَّ. واعلم أنّ نبيّ الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قد جمع بين حجّ وعمرة ، ثم لم ينزل فيها كتاب الله ، ولم ينه عنها نبيّ الله. فقال رجل برأيه فيها ما شاء »(٤) .
قال النووي بشرح أخبار إنكاره : « وهذه الروايات كلّها متّفقة على أنّ مراد عمران أنّ التمتّع بالعمرة إلى الحجّ جائز ، وكذلك القِران ، وفيه التصريح بإنكاره على عمر بن الخطّاب منع التمتّع ».
وذكر شيخ إسلامهم ابن تيميّة في الدفاع عن عمر وجوهاً ، كقوله : « إنّما
__________________
(١) صحيح الترمذي ٤/٣٨.
(٢) ذكر كلّ من ابن عبدالبرّ في الاستيعاب وابن حجر في الإصابة أنّه كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم ، بل نصّ ابن القيّم في زاد المعاد على كونه أعظم من عثمان ، وذكروا أنّه كان يرى الملائكة وتسلّم عليه وهو ما أشار إليه في الحديث بقوله : « قد سُلِّم عليَّ » توفّي سنة ٥٢ بالبصرة.
(٣) لاحظ إلى أين بلغت التقيّة!!
(٤) صحيح مسلم باب جواز التمتّع. وفي الباب من صحيح البخاري وسنن ابن ماجة ، وهو عند
كان مراد عمر أن يأمر بما هو أفضل » واستشهد له بما رواه عن ابنه من أنّه « كان عبدالله بن عمر يأمر بالمتعة ، فيقولون له : إنّ أباك نهى عنها. فيقول : إنّ أبي لم يرد ما تقولون » وحاصل كلامه ما صرّح به في آخره حيث قال : « فكان نهيه عن المتعة على وجه الاختيار ، لا على وجه التحريم ، وهو لم يقل : « أنا أُحرّمهما ».
قلت : أمّا أنّ مراده كان الأمر بما هو أفضل ، فتأويل باطل ، وأمّا ما حكاه عن ابن عمر فتحريف لِما ثبت عنه في الكتب المعتبرة ، وقال ابن كثير : « كان ابنه عبدالله يخالفه فيقال له : إنّ أباك كان ينهى عنها! فيقول : خشيت أنْ يقع عليكم حجارة من السماء! قد فعل رسول الله ، أفسُنّة رسول الله نتّبع أم سُنّة عمر بن الخطّاب؟! »(١) .
والعمدة إنكاره قول عمر : « وأنا اُحرمّهما ». وسنذكر جمعاً ممّن رواه!
هذا ، وكأنّ ابن تيميّة يعلم بأن لا فائدة فيما تكلّفه في توجيه تحريم عمر والدفاع عنه ، فاضطرّ إلى أن يقول :
« أهل السُنّة متّفقون على أنّ كلّ واحدٍ من الناس يؤخذ بقوله ويترك إلاّ رسول الله ، وإنّ عمر أخطأ ، فهم لا ينزّهون عن الإقرار على الخطأ إلاّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم »(٢) .
لكنّه ليس « خطأ » من عمر ، بل هو « إحداث » كما جاء في الحديث المتقدّم عن أبي موسى الأشعري وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
« أنا فرطكم على الحوض ، وليرفعنّ رجال منكم ثم ليختلجنَّ دوني ، فأقول : يا ربّ أصحابي! فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك! »(٣) .
__________________
أحمد في المسند ٤/٤٣٤.
(١) تاريخ ابن كثير ٥/١٤١.
(٢) منهاج السنّة ٢/١٥٤.
(٣) أخرجه البخاري وغيره في باب الحوض.
ولقائل أن يقول : إنّ الغرض الأصلي من التحريم هو إحياء سُنّة الجاهليّة ، فإنّهم « كانوا يرون العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور في الأرض »(٤) .
قال البيهقي : « ما أعمر رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم عائشة في ذي الحجّة إلاّ ليقطع بذلك أمر الشرك »(١) .
ولذا صحّ عنه صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : « لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ، ولولا أنّ معي لأحللت. فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال : يا رسول الله هي لنا أو للأبد؟ فقال : لا ، بل للأبد ». أخرجه أرباب الصحاح كافّة ، وعقد له البخاري في صحيحة باباً.
وهي أن تزوجّ المرأة الحرّة الكاملة نفسها من الرجل المسلم بمهرٍ مسمّىّ إلى أجلٍ مسمّىً ، فيقبل الرجل ذلك ، فهذا نكاح المتعة ، أو الزواج الموقّت ، ويعتبر فيه جميع ما يعتبر في النكاح الدائم ، من كون العقد جامعاً لجميع شرائط الصحّة ، وعدم وجود المانع من نسبٍ أو سببٍ وغيرهما ، ويجوز فيه الوكالة كما تجوز في الدائم ، ويلحق الولد بالأب كما يلحق به فيه ، وتترتّب عليه سائر الاثار المترتّبة على النكاح الدائم ، من الحرمة والمحرمية والعدّة
إلاّ أنّ الافتراق بينهما يكون لا بالطلاق بل بانقضاء المدّة أو هبتها من قِبَل الزوج ، وأنّ العدّة ـ إن لم تكن في سنّ اليأس الشرعي ـ قرءان إن كانت تحيض ، وإلاّ خمسة وأربعون يوماً ، وأنّه لا توارث بينهما ، ولا نفقة لها عليه وهذه أحكام دلّت عليها الأدلّة الخاصّة ، ولا تقتضي أن تكون متعة النساء شيئاً في مقابل النكاح مثل ملك اليمين.
__________________
(١) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما في أبواب التمتّع والعمرة.
(٢) سنن البيهقي ٤/٣٤٥.
وقد دلّ على مشروعيّة هذا النكاح وثبوته في الإسلام :
١ ـ الكتاب ، في قوله عزّ وجلّ :( فما استمتعتم به منهنّ ) (١) وقد روي عن جماعة من كبار الصحابة والتابعين ، المرجوع إليهم في قراءة القرآن واحكامه التصريح بنزول هذه الآية المباركة في المتعة ، حتّى أنّهم كانوا يقرأونها : « فما استمتعتم به منهنّ إلى أجلّ » ، وكانوا قد كتبوها كذلك في مصاحفهم ، فهي ـ حينئذٍ ـ نصّ في المتعة ، ومن هؤلاء :
عبدالله بن عبّاس ، واُبي بن كعب ، وعبدالله بن مسعود ، وجابر بن عبدالله وأبو سعيد الخدري ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والسدّي ، وقتادة(٢) .
بل ذكروا عن ابن عبّاس قوله : « والله لأنزلها الله كذلك ـ ثلاث مرّات ».
وعنه وعن أُبي التصريح بكونها غير منسوخة.
بل نصّ القرطبي على أنّ دلالتها على نكاح المتعة هو قول الجمهور ، وهذه عبارته : « وقال الجمهور : المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الاسلام »(٣) .
٢ ـ السُنّة : وفي السُنّة أحاديث كثيرة دالّة على ذلك ، نكتفي منها بواحدٍ ممّا أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم عن عبدالله بن مسعود قال :
« كنّا نغزو مع رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ليس لنا نساء. فقلنا : ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ، ثمّ رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى اجل ، ثمّ قرأ عبدالله :( يا أيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا
__________________
(١) سورة النساء : ٢٤.
(٢) راجع التفاسير : الطبري والقرطبي وابن كثير والكشّاف والدرّ المنثور. كلّها بتفسير الآية. وراجع أيضاً : أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ ٢/١٤٧ ، سنن البيهقي ٧/٢٠٥ ، شرح مسلم ـ النووي ـ ٦/١٢٧ ، المغني لابن قدامة ٧/٥٧١.
(٣) تفسير القرطبي ٥/١٣٠.
إنّ الله لا يحبّ المعتدين ) (١) .
ولا يخفى ما يقصده ابن مسعود من قراءة الآية المذكورة بعد نقل الحديث ، فإنّه كان ممّن أنكر على من حرّم المتعة.
٣ ـ الإجماع : فإنّه لا خلاف بين المسلمين في أنّ « المتعة » نكاح. نصّ على ذلك القرطبي ، وذكر طائفةً من أحكامها ، حيث قال :
« لم يختلف العلماء من السلف والخلف أنّ المتعة نكاح إلى أجل ، لا ميراث فيه ، والفرقة تقع عند انقضاء الأجل من غير طلاق » ثمّ نقل عن ابن عطيّة كيفيّة هذا النكاح وأحكامه(٢) .
وكذا الطبري ، فنقل عن السدّي ، « هذه هي المتعة ، الرجل ينكح المرأة بشرطٍ إلى أجل مسمّى »(٣) .
وعن ابن عبدالبّر في « التمهيد » : « أجمعوا على أنّ المتعة نكاح ، لا إشهاد فيه ، وأنّه نكاح إلى أجلٍ يقع فيه الفرقة بلا طلاق ولا ميراث بينهما ».
وكانت متعة النساء ـ كمتعة الحجّ ـ حتّى وفاة النبيصلىاللهعليهوآله وزمن أبي بكر ، وفي شطرٍ من خلافة عمر بن الخطّاب ، حتّى قال :
« متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما » وقد وردت قولته هذه في كتب الفقه والحديث والتفسير والكلام أنظر منها : تفسير الرازي ٢/١٦٧ ، شرح معاني الاثار ٣٧٤ ، سنن البيهقي ٧/٢٠٧ ، بداية المجتهد ١/٣٤٦ المحلّى ٧/١٠٧ ، أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ ١/٢٧٩ ، شرح التجريد
__________________
(١) صحيح البخاري/في كتاب النكاح وفي تفسير سورة المائدة ، صحيح مسلم كتاب النكاح ، مسند أحمد ١/٤٢٠.
(٢) تفسير القرطبي ٥/١٣٢.
(٣) تفسير الطبري بتفسير الآية.
للقوشجي الأشعري ، تفسير القرطبي ٢/٣٧٠ ، المغني ٧/٥٢٧ ، زاد المعاد في هدي خير العباد ٢/٢٠٥ ، الدرّ المنثور ٢/١٤١ ، كنز العمّال ٨/٢٩٣ ، وفيات الأعيان ٥/١٩٧.
ومنهم من نصّ على صحّته كالسرخسي ، ومنهم من نصّ على ثبوته كابن قيّم الجوزية ، وفي المحاضرات للراغب الأصبهاني : « قال يحيى بن أكثم لشيخ بالبصرة : بمن اقتديت في جواز المتعة؟ قال : بعمر بن الخطّاب. فقال : كيف هذا وعمر كان أشدّ الناس فيها؟! قال : لأنّ الخبر الصحيح قد أتى أنّه صعد المنبر فقال : إنّ الله ورسوله أحلاّ لكم متعتين وإنّي أحرمهما عليكم وأعاقب عليهما ؛ فقبلنا شهادته ولم نقبل تحريمه ».
وفي بعض الروايات : أنّ النهي كان عن المتعتين وحيّ على خير العمل(١) .
وعن عطاء ، عن جابر بن عبدالله : « استمتعنا على عهد رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وأبي بكر وعمر ، حتى إذا كان في آخر خلافة عمر استمتع عمرو بن حديث بامرأة ـ سمّاها جابر فنسيتها ـ فحملت المرأة ، فبلغ ذلك عمر ، فدعاها فسألها فقالت : نعم ، قال من أشهد؟ قال عطاء : لا أدري قال : أُمّي أمْ وليّها. قال فهلاً غيرها؟!
فذلك حين نهى عنها »(٢) .
ومثله أخبار أُخرى ، وفي بعضها التهديد بالرجم(٣) .
فالذي نهى عن المتعة هو عمر بن الخطّاب
وفي خبرٍ : أنّ رجلاً قدم بن الشام ، فمكث مع امرأةٍ إلى ما شاء الله أن
__________________
(١) كذا في شرح التجريد للقوشجي ، بحث خلافة عمر.
(٢) صحيح مسلم باب نكاح المتعة ٦/١٢٧ بشرح النووي هامش القسطلاني ، مسند أحمد ٣/٣٠٤ ، سنن البيهقي ٧/٢٣٧ ، والقصّة هذه في المصنّف لعبد الرزّاق ٧/٤٦٩.
(٣) بل عنه أنّه قال : « لا أؤتى برجلٍ تزوّج امرأةً إلى أجلٍ إلاّ رجمته ولو أدركته ميّتاً لرجمت قبره! » المبسوط ـ للسرخسي ـ ٥/١٥٣.
يمكث ، ثمّ إنّه خرج ، فأُخبر بذلك عمر بن الخطّاب ، فأرسل إليه فقال : ما حملك على الذي فعلته؟ قال : فعلته مع رسول الله ، ثمّ لم ينهانا عنه حتّى قبضه الله. ثمّ مع أبي بكر فلم ينهانا حتى قبضه الله ، ثمّ معك ، فلم تُحدث لنا فيه نهياً. فقال عمر : أم والذي نفسي بيده لو كنت تقدّمت في نهيٍ لرجمتك »(١) .
ومن هنا ترى أنّه في جميع الأخبار ينسبون النهي إلى عمر ، يقولون : « فلمّا كان عمر نهانا عنهما » و« نهى عنها عمر » و « قال رجل برأيه ما شاء » ونحو ذلك ، ولو كان ثمّة نهي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله لما كان لنسبة النهي وما ترتّب عليه من الآثار الفاسدة إلى عمر وجه كما هو واضح. وقد جاء عن أمير المؤمنينعليهالسلام قوله : « لو لا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي »(٢) وعن ابن عبّاس : « ما كانت المتعة إلاّ رحمةً من الله تعالى رحم بها عباده ، ولولا نهي عمر عنها ما زنى إلاّ شقي »(٣) .
ومن هنا جعل تحريم المتعة من أوّليّات عمر بن الخطّاب(٤) .
بل إنّ عمر نفسه يقول : « كانتا على عهد رسول الله ، وأنا أنهى عنهما » فلا يخبر عن نهي لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، بل ينسب النهي إلى نفسه ويتوعّد بالعقاب ، بل إنّه لم يكذّب الرجل الشامي لمّا أجابه بما سمعت ، بل لمّا قال له : « ثمّ معك فلم تحدث لنا فيه نهياً » اعترف بعدم النهي مطلقاً حتى تلك الساعة ولا يخفى ما تدلّ عليه كلمة « تحدثّ ».
__________________
(١) كنز العمّال ٨/٢٩٤.
(٢) المصنّف ـ لعبد الرزّاق بن همام ـ ٧/٥٠٠ ، تفسير الطبري ٥/١٧ ، الدرّ المنثور ٢/٤٠ ، تفسير الرازي ٣/٢٠٠.
(٣) تفسير القرطبي ٥/١٣٠. ومنهم من رواه بلفظ « شفا » أي قليل. أُنظر : النهاية وتاج العروس وغيرهما من كتب اللغة.
(٤) تاريخ الخلفاء ـ للسيوطي ـ.
ثم إنّه وإنْ تابع عمر في تحريمه بعض القوم كعبدالله بن الزبير ، لكنْ ثبت على القول بحلّيّة المتعة ـ تبعاً للقرآن والسنّة ـ أعلام الصحابة ، وعلى رأسهم مولانا أمير المؤمنين وأهل البيتعليهمالسلام قال ابن حزم :
« وقد ثبت على تحليلها بعد رسول الله جماعة من السلف ، منهم من الصحابة : أسماء بنت أبي بكر وجابر بن عبدالله وابن مسعود وابن عبّاس ومعاوية ابن أبي سفيان وعمرو بن حريث وأبو سعيد الخدري وسلمة ومعبد ابنا أُميّة بن خلف.
ورواه جابر عن جميع الصحابة مدّة رسول الله ومدّة أبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر ».
قال : « ومن التابعين : طاووس وعطاء وسعيد بن جبير وسائر فقهاء مكّة أعزّها الله »(١) .
ولم يذكر ابن حزم عمران بن حصين وبعض الصحابة الآخرين : وذكر ذلك القرطبي وأضاف عن ابن عبدالبّر : « اصحاب ابن عباس من أهل مكّة واليمن كلّهم يرون المتعة حلالاً على مذهب ابن عبّاس »(٢) .
ومن أشهر فقهاء مكّة المكرّمة القائلين بحلّيّة المتعة : عبدالملك بن عبدالعزيز ، المعروف بابن جريج المكّي ، المتوفّى سنة ١٤٩ هـ ، وهو من كبار الفقهاء وأعلام التابعين وثقات المحدّثين ومن رجال الصحيحين ، فقد ذكروا أنّه تزوّج نحواً من تسعين امرأة بنكاح المتعة.
وذكر ابن خلّكان أنّ المأمون أمر أيّام خلافته أن ينادى بحلّيّة المتعة. قال :
__________________
(١) المحلّى ٩/٥١٩.
(٢) تفسير القرطبي ٥/١٣٣.
فدخل عليه محمد بن منصور وأبو العيناء ، فوجداه يستاك ويقول ـ وهو متغيّظ ـ : متعتان كانتا على عهد رسول الله وعهد أبي بكر وأنا أنهى عنهما. قال : ومن أنت يا جعل حتى تنهى عمّا فعله رسول الله وأبو بكر؟! فأراد محمد بن منصور أن يكلّمه ، فأومأ إليه أبو العيناء وقال : رجل يقول في عمر بن الخطّاب ما يقول نكلّمه نحن؟! ودخل عليه يحيى بن أكثم فخلا به وخوّفه من الفتنة ، ولم يزل به حتى صرف رأيه »(١) .
وجاء دور المدافعين والموجّهين الّذين يتعبون أنفسهم في هذا السبيل كما هو شأنهم في كلّ قضيّة من هذا القبيل حيث الحكم ثابت بالكتاب والسُنّة وبالضروة من الدين والخليفة يخالف بكلّ صراحةٍ حكم ربّ العالمين
لكنّهم اختلفوا إلى طوائف بين قائل بأن النبيصلىاللهعليهوآله هو الذي حرّمها ، وقائل بأنّ عمر هو الذي حرّمها وقائل بأنْ النبيصلىاللهعليهوآله هو الذي نسخ حكم الإباحة لكن لم يعلم به إلاّ عمر!!
أمّا القول الأخير فهو للفخر الرازي ، فقد قال :
« فلم يبق إلاّ أن يقال : كان مراده أنّ المتعة كانت مباحةً في زمن الرسولعليهالسلام ، وأنا أنهى عنه لِما ثبت عندي أنّه نسخها «(٢) .
وقال النووي بعد قولة عمر :
« محمول على أنّ الذي استمتع في عهد أبي بكر وعمر لم يبلغه النسخ »(٣) .
__________________
(١) وفيات الأعيان ٥/١٩٧ بترجمة يحيى بن أكثم.
(٢) تفسير الرازي ، بتفسير الآية.
(٣) المنهاج ـ شرح صحيح مسلم ٦/١٢٨.
وأمّا القولان الأوّلان فقد ذكرهما ابن قيّم الجوزيّة(١) .
لكن اختلف أصحاب القول الأول في وقت تحريم النبيصلىاللهعليهوآله إلى أقوال سبعة(٢) .
١ ـ أنّه يوم خيبر : وهذا قول طائفةٍ ، منهم الشافعي.
٢ ـ أنّه في عمرة القضاء.
٣ ـ أنّه عام فتح مكّة. وهذا قول ابن عيينة وطائفة.
٤ ـ أنّه في أوطاس.
٥ ـ أنّه عام حنين. قال ابن القيّم : وهذا في الحقيقة هو القول الثاني ، لاتّصال غزاة حنين بالفتح.
قلت : وسأذكر الحديث فيه.
٦ ـ أنّه عام تبوك : وسأذكر الحديث فيه.
٧ ـ أنّه عام حجّة الوداع.
قال ابن القيّم : « وهو وهم من بعض الرواة ، سافر فيه وهمه من فتح مكّة إلى حجّة الوداع وسفر الوهم من زمان إلى زمان ، ومن مكان إلى مكان ، ومن واقعة إلى واقعة ، كثيراً ما يعرض للحفاظ فمن دونهم »(٣) .
وعمدة ما ذكره أصحاب القول الثاني في وجه تحريم ما أحلّه الله ورسوله وبقي الحكم كذلك حتى ذهاب رسول الله إلى ربه ـ وقد تقرّر أن لا نسخ بعدهصلىاللهعليهوآله ـ هو : « إنّ عمر هو الذي حرّمها ونهى عنها ، وقد أمر رسول الله باتّباع ما سنّه الخلفاء الراشدون »(٤) .
__________________
(١) زاد المعاد ٢/١٨٤ وسنذكر عبارته.
(٢) ذكر منها ابن القيّم أربعة هي : خيبر ، الفتح ، حنين ، حجّة الوداع ، والثلاثة الاخرى من فتح الباري ٩/١٣٨.
(٣) زاد المعاد في هدي خير العباد ٢/١٨٣.
(٤) زاد المعاد في هدي خير العباد ٢/١٨٤.
فهذه هي الأقوال التي يستخلصها المتتبّع المنقّب من خلال كلماتهم المضطربة وأقوالهم المتعارضة
أمّا القول الثالث ـ وهو أنّ النسخ كان من النبيّصلىاللهعليهوآله نفسه ، ولكن لم يعلم به غير عمر ـ فقد كان الأولى بإمامهم!! الفخر الرازي أن لا يتفوّه به! إذ كيف يثبت النسخ عند عمر فقط ولا يثبت عند عليعليهالسلام وجمهور الصحابة؟! ولماذا خصّة النبّيصلىاللهعليهوآله بالعلم به دونهم؟! وهلاّ أخبر هو عن هذا النسخ ـ الثابت عنده! ـ حين قال له ناصحه ، وهو عمران ابن سوادة : « عابت أُمّتك منك أربعاً قال : وذكروا أنّك حرّمت متعة النساء وقد كانت رخصةً من الله ، نستمتع بقبضةٍ ونفارق عن ثلاث. قال : إنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أحلّها في زمان ضرورة ، ثم رجع الناس إلى سعة »(١) .
ولماذا لم تقبل الأُمّة منه ذلك وبقي الخلاف حتى اليوم؟!
قال ابن القيّم : « فإن قيل : فما تصنعون بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبدالله قال : كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيّام على عهد رسول الله وأبي بكر ، حتى نهى عنها عمر في شأن عمرو بن حريث. وفيما ثبت عن عمر أنّه قال : متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا أنهى عنهما : متعة النساء ومتعة الحجّ؟
قيل : الناس في هذا طائفتان :
__________________
(١) تاريخ الطبري ـ حوادث سنة ٢٣هـ.
طائفة تقول : إنّ عمر هو الذي حرّمها ونهى عنها ، وقد أمر رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم باتّباع ما سنّة الخلفاء الراشدون. ولم تر هذه الطائفة تصحيح حديث سبرة بن معبد في تحريم المتعة عام الفتح ، فإنّه من رواية عبدالملك ابن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جدّه. وقد تكلم فيه ابن معين. ولم ير البخاري إخراج حديثه في صحيحه مع شدّة الحاجة إليه وكونه أصلاً من أصول الإسلام. ولو صحّ عنده لم يصبر من إخراجه والإحتجاج به. قالوا : ولو صحّ حديث سبرة لم يخف على ابن مسعود ، حتّى يروي أنّهم فعلوها. ويحتجّ بالآية.
وأيضاً : ولو صحّ لم يقل عمر إنّها كانت على عهد رسول الله ، وأنا أنهى عنها وأُعاقب عليها ، بل كان يقول إنّه صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم حرّمها ونهى عنها. قالوا : ولو صحّ لم تفعل على عهد الصدّيق وهوعهد خلافة النبوّة حقّاً.
والطائفة الثانية رأت صحّة حديث سبرة ، ولو لم يصحّ فقد صحّ حديث عليّ رضي الله عنه أن رسول الله حرّم متعة النساء.
فوجب حمل حديث جابر على أنّ الذي أخبر عنها بفعلها لم يبلغه التحريم ولم يكن قد اشتهر حتى كان زمن عمر ، فلمّا وقع فيها النزاع ظهر تحريمها واشتهر.
وبهذا تأتلف الأحاديث الواردة فيها. وبالله التوفيق »(١) .
أقول : فالقائلون بهذا القول يلتزمون بأنّ التحريم كان من عمر لا من الله ورسوله ، لكنّهم يوجّهون تحريم عمر ، بل ينسبونه إلى الله ورسوله باعتبار أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أمر باتّباع ما سنّه الخلفاء الراشدون.
هذا عمدة دليلهم فإذا لم يثبت « أنّ رسول الله أمر باتّباع ما سنّة الخلفاء الراشدون » لم يبق مناص من الاعتراف بأنّ ما فعله عمر كان « إحداثاً في الدين » كما قال غير واحدٍ من الصحابة!
إنّ قوله : « وقد أمر رسول الله باتّباع ما سنّه الخلفاء » اشارة إلى ما يروونه
__________________
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد ٢/١٨٤.
عنهصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « عليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديّين من بعدي وعضّوا عليها بالنواجذ!.
لكن هذا الحديث من أحاديث سلسلتنا في ( الأحاديث الموضوعة ).
إنّه حديث باطل بجميع أسانيده وطرقه ، ولقد أفصح عن بطلانه بعض كبار الأئمّة كالحافظ ابن القطّان ، المتوفّى سنة ٦٢٨ هـ ، قال ابن حجر بترجمة عبدالرحمن السلمي : « له في الكتب حديث واحد في الموعظة صحّحه الترمذي قلت : وابن حبّان والحاكم في المستدرك.
وزعم ابن القطّان الفاسي : إنّه لا يصحّ ، لجهالته »(١) .
وقد ترجم لابن القطّان وأثنى عليه كبار العلماء(٢) .
وبقي القول بأنّ النبيصلىاللهعليهوآله هو الذّي حرّمها وقد عرفت أنّ القائلين به اختلفوا على أقوال :
أمّا القول بأنّه كان عام حجّة الوداع فقد قال ابن القيّم : « هو وهم من بعض الرواة ».
وأمّا القول بأنّه كان عام حنين ، فقد قال ابن القيّم : « هذا في الحقيقة هو القول الثاني ، لاتّصال غزاة حنين بالفتح ».
وأمّا القول بأنّه كان في غزوة أوطاس فقد قال السهيلي : « من قال من الرواة كان في غزوة أوطاس فهو موافق لمن قال عام الفتح »(٣) .
وأمّا القول بأنّه كان في عمرة القضاء فقد قال السهيلي : « أغرب ما روي في ذلك رواية من قال في غزوة تبوك ، ثمّ رواية الحسن أنّ ذلك كان في عمرة القضاء »(٤) . وقال ابن حجر : « وأمّا عمرة القضاء فلا يصحّ الأثر فيها ، لكونه من
__________________
(١) تهذيب التهذيب ٦/٢٣٨.
(٢) أُنظر : تذكرة الحفّاظ ٤/١٤٠٧ وطبقات الحفّاظ : ٤٩٤.
(٣) فتح الباري ٩/١٣٨.
(٤) فتح الباري ٩/١٣٨.
مرسل الحسن ، ومراسيله ضعيفة ، لأنّه كان يأخذ عن كلّ أحد ، وعلى تقدير ثبوته فلعلّه أراد أيّام خيبر لأنّهما كانا في سنةٍ واحدة ، كما في الفتح وأوطاس سواء »(٢) .
قال ابن القيّم : « والصحيح أنّ المتعة إنّما حرّمت عام الفتح »
وقال ابن حجر : « الطريق التي أخرجها مسلم مصرّحة بأنّها في زمن الفتح أرجح ، فتعين المصير إليها ».
قال هذا بعد أن ذكر روايات الأقوال الأخرى ، وتكلّم عليها بالتفصيل حتى قال : « فلم يبق من المواطن ـ كما قلنا ـ صحيحاً صريحاً سوى غزوة خيبر وغزوة الفتح. وفي غزوة خيبر من كلام أهل العلم ما تقدّم »(٣) .
بل لقد نسب السهيلي هذا القول إلى المشهور(٤) .
قلت : وهذا نصّ الحديث عند مسلم بسنده :
« حدّثنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا يحيى بن آدم ، حدّثنا إبراهيم بن سعد ، عن عبدالملك بن الربيع بن سبرة الجهني ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : أمرنا رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكّة ، ثمّ لن يخرج حتى نهانا عنها »(٥) .
__________________
(١) فتح الباري ٩/١٣٩.
(٢) زاد المعاد ٦/١٢٧.
(٣) فتح الباري ٩/١٣٩.
(٤) فتح الباري ٩/١٣٨.
(٥) صحيح مسلم ـ بشرح النووي هامش القسطلاني ـ ٦/١٢٧.
ورووا حديث التحريم في غزوة تبوك عن :
١ ـ أمير المؤمنينعليهالسلام .
٢ ـ جابر بن عبدالله.
٣ ـ أبي هريرة.
أمّا الحديث عن أمير المؤمنينعليهالسلام فقد ذكره النووي قائلاً :
« وذكر غير مسلم عن عليّ أنّ النبيّ نهى عنها في غزوة تبوك ، من رواية إسحاق بن راشد ، عن الزهري ، عن عبدالله بن محمد بن عليّ ، عن أبيه ، عن عليّ »(١) .
وأمّا الحديث عن جابر فأخرجه الحازمي.
وأمّا الحديث عن أبي هريرة فأخرجه ابن راهويه وابن حبّان من طريقه وقد أوردهما ابن حجر(٢) ولا حاجة إلى ذكرهما اكتفاءً بما سنذكره في نقدهما.
ورووا حديث التحريم في غزوة حنين عن مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام كذلك فقد أخرج النسائي قائلاً :
« أخبرنا عمرو بن عليّ ومحمّد بن بشّار ومحمد بن المثّنى ، قالوا : أنبأنا عبدالوهّاب ، قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : أخبرني مالك بن أنس أنّ ابن شهاب أخبره أنّ عبدالله والحسن ابني محمد بن عليّ أخبراه أنّ أباهما محمد بن عليّ أخبرهما أن عليّ بن أبي طالب قال : نهى رسول الله يوم خيبر عن متعة النساء.
__________________
(١) المنهاج ، شرح صحيح مسلم هامش القسطلاني ٦/١١٩.
(٢) فتح الباري ٩/١٣٨.
قال ابن المثنّى : يوم حنين ، وقال : هكذا حدّثنا عبدالوهّاب من كتابه »(١) .
ورووا في الصحاح وغيرها حديث التحريم في يوم خيبر عن أمير المؤمنينعليهالسلام كذلك ، لكن باختلاف في اللفظ كما سترى ، ونكتفي هنا بما جاء عند البخاري ومسلم :
أخرج البخاري : « حدّثنا مالك بن إسماعيل ، حدّثنا ابن عيينة أنّه سمع الزهري يقول : أخبرني الحسن بن محمّد بن عليّ وأخوه عبدالله عن أبيهما إنّ عليّاً رضي الله عنه قال لابن عبّاس : إنّ النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر »(٢) .
وأخرج مسلم : « حدّثنا يحيى بن يحيى ، قال : قرأت على مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبدالله والحسن ابني محمد بن عليّ ، عن أبيهما ، عن عليّ بن أبي طالب أن رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإِنسية.
وحدّثناه عبدالله بن محمد بن أسماء الضبعي ، حدّثنا جويرية ، عن مالك بهذا الإسناد وقال : سمع عليّ بن أبي طالب يقول لفلان : إنّك رجل تائه ، نهانا رسول الله. بمثل حديث يحيى عن مالك.
حدّثنا أبوبكر بن أبي شيبة وابن نمير وزهير بن حرب جميعاً ، عن ابن عيينة ، قال زهير : حدّثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن حسن وعبدالله ابني محمد بن عليّ ، عن أبيهما ، عن عليّ : أنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية.
__________________
(١) سنن النسائي ٦/١٢٦.
(٢) صحيح البخاري ـ بشرح ابن حجر ـ ٩/١٣٦.
وحدّثنا محمد بن عبدالله بن نمير ، حدّثنا أبي ، حدثّنا عبيدالله ، عن ابن شهاب ، عن الحسن وعبدالله ابني محمد بن عليّ ، عن أبيهما ، عن عليّ إنّه سمع ابن عبّاس يلين في متعة النساء فقال : مهلاً يا ابن عبّاس ، فإنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية.
وحدّثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى ، قالا : أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن الحسن وعبدالله ابني محمد بن عليّ بن أبي طالب ، عن أبيهما أنّه سمع عليّ بن أبي طالب يقول لابن عبّاس : نهى رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية »(١) .
أقول :
وفي جميع أحاديث الباب نقود مشتركة ، توجب القول ببطلانها جميعاً ، حتى لو صحّت كلّها سنداً
فنذكر تلك النقود المشتركة بإيجاز ، ثم نتعرّض لنقد حديث فتح مكّة لكونه القول المشهور كما عرفت ، ولنقد حديث خيبر بالتفصيل لكونه المشهور عندهم عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، وهو من أحاديث الصحيحين!!
وإنّما تعرضنا ـ من بين الأحاديث الأخرى ـ لحديثي تبوك وحنين لأنّهم رووهما عن أمير المؤمنينعليهالسلام كذلك.
__________________
(١) صحيح مسلم ـ بشرح النووي هامش القسطلاني ٦/١٢٩ ـ ١٣٠.
وأوّل ما في هذا الأحاديث تكاذب البعض منها مع البعض الآخر ، الأمر الذي حار القوم واضطربوا وتضاربت كلماتهم في حلّه(١) فاضطرّ بعضهم إلى القول بأنّ المتعة أُحلّت ثم حُرمت ثمّ أُحلّت ثمّ حُرمت حتّى عنون مسلم في صحيحه : « باب نكاح المتعة وبيان أنّه أبيح ثمّ نسخ ثم أبيح ثم نسخ ، واستقرّ حكمه إلى يوم القيامة ».
لكن الأخبار لم تنته بذلك ، بل جاءت بالتحليل والتحريم حتى سبعة مواطن كما قال القرطبي(٢) .
إلاّ أنّ ابن القيّم ينصّ على أنّ النسخ لا يقع في الشريعة مرّتين ، فكيف بالأكثر؟! وهذه عبارته حيث اختار التحريم في عام الفتح : « ولو كان التحريم زمن خيبر لزم النسخ مرّتين ، وهذا لا عهد بمثله في الشريعة ألبتّه ولا يقع مثله فيها »(٣) .
ثم تكذيب قولة عمر : « متعتان كانتا على عهد رسول الله ، وأنا أنهى عنهما » لجميعها : فإنّه في هذا القول الثابت عنه ـ معترف بأنّه هو الذي حرّم ما كان حلالاً على عهد رسول الله عليه وآله وسلّم.
ثم قول الأصحاب ، قبل عمر وفي زمانه وبعده ـ بحلّيّة المتعة ، وأنّ عمر هو الذي حرّمها ، وأنّه لولا تحريمه لما زنى إلاّ شقي
__________________
(١) راجع إن شئت الوقوف على طرفٍ منها : المنهاج للنووي ٦/١١٩ فما بعدها ، وفتح الباري ـ لابن حجر ـ ٩/١٣٨.
(٢) تفسير القرطبي ٥/١٣٠.
(٣) زاد المعاد في هدي خير العباد ٢/١٨٤.
نقد حديث عام الفتح
أمّا حديث عام الفتح فقد عرفت من كلام ابن القيّم عدم صحّته ، قال : « فإنّه من رواية عبدالملك بن الربيع بن سبرة ، عن أبيه ، عن جدّه وقد تكلّم فيه ابن معين ، ولم ير البخاري إخراج حديثه في صحيحه ».
أقول : نكتفي هنا من ترجمة الرجل بما ذكره ابن حجر العسقلاني وأشار في كلامه إلى هذا الحديث ، وهذا نصّ عبارته : « قال أبو خيثمة : سئل يحيى بن معين عن أحاديث عبدالملك بن الربيع عن أبيه عن عن جدّه فقال : ضعاف. وحكى ابن الجوزي عن ابن معين أنّه قال : عبدالملك ضعيف. وقال أبو الحسن ابن القطّان : لم تثبت عدالته ، وإنْ كان مسلم أخرج له فغير محتجّ به. إنتهى.
ومسلم إنّما أخرج له حديثاً واحداً في المتعة متابعةً. وقد نبّه على ذلك المؤلّف »(١) .
نقد حديث حنين
وأمّا حديث التحريم يوم حنين الذي رواه النسائي عن أمير المؤمنينعليهالسلام فسنتكلّم عليه عندما نتعرّض لما رووه عنهعليهالسلام .
قلت : هذا مضافاً إلى أنّهم رووا عن الربيع بن سبرة نفسه أنّ التحريم كان في حجّة الوداع :
أخرج أبو داود : « حدّثنا مسدّد بن مسهّر ، حدّثنا عبدالوارث ، عن إسماعيل
__________________
(١) تهذيب التهذيب ٦/٣٤٩.
ابن اُميّة ، عن الزهري ، قال : كنّا عند عمر بن عبدالعزيز ، فتذاكرنا متعة النساء. فقال له رجل يقال له ربيع بن سبرة : اشهد على أبي أنّه حدّث أنّ رسول الله نهى عنها في حجّة الوداع »(١) .
نقد حديث غزوة تبوك
وأمّا حديث عزوة تبوك فالذي عن أمير المؤمنينعليهالسلام سنذكره كذلك.
وأمّا الذي عن جابر بن عبدالله فقد نصّ ابن حجر العسقلاني على أنّه « لا يصح ، فإنّه من طريق عبّاد بن كثير ، وهو متروك »(٢) .
أقول : ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب : « عبّاد بن كثير الثقفي البصري » و« عبّاد بن كثير الرملي الفلسطيني » وكلاهما « متروك » « يروي أحاديث موضوعة » ، « كذّب ». وعن أبي حاتم بترجمة الثاني ـ : « ظننت أنّه أحسن حالاً من عبّاد بن كثير البصري فإذا هو قريب منه ، ضعيف الحديث »(٣) .
هذا ، وكأنّ واضعه وضعه ليقابل به الحديث الصحيح الثابت عنه الدالّ على بقائه على الإباحة حتى آخر لحظةٍ من حياته.
كما وضعوا الأحاديث العديدة في رجوع ابن عبّاس كما سنشير.
وكما وضعوا عن أمير المؤمنينعليهالسلام كما ستعلم!.
والذي عن أبي هريرة قال ابن حجر : « إنّ في حديث أبي هريرة مقالاً ، فإنّه من رواية مؤمّل بن إسماعيل عن عكرمة بن عمّار ، وفي كلّ منهما مقال »(٤) .
__________________
(١) سنن أبي داود ١/٣٢٤.
(٢) فتح الباري ٩/١٣٩.
(٣) تهذيب التهذيب ٥/٨٧ ـ ٨٩.
(٤) فتح الباري ٩/١٣٩.
أقول : فإنْ شئت تفصيل ذلك فراجع ترجمتهما(١) .
نقد حديث يوم خيبر
وأهمّ أحاديث المسألة ما وضع على لسان أمير المؤمنينعليهالسلام لأنّ أمير المؤمنين أهمُّ المعارضين فلتبذل الهمم من الّذين أشربوا في قلوبهم حسبةً وتزلّفاً إلى الحكّام والولاة المتسلّطين.
لكن الأحاديث الموضوعة على لسانه متكاذبة متهافتة لتكثّر القالّة عليه وتعدّد الأيدي المختلقة وهذه آية من آيات علوّ الحقّ
لقد وضعوا الحديث على لسان أحفاده عن ابنه محمد بن الحنفيّة ولم يضعوه على لسان أولاد الحسنين عنهما عن أمير المؤمنين لأنّهم يعلمون أنّ مثل هذه التهمة لا تلتصق بهم
وضعوه على لسانهعليهالسلام . يخاطب ابن عمّه عبدالله بن العبّاس وقد بلغه أنّه يقول بالمتعة يخاطبه بلهجةٍ حادّة
ولقد كان بالإمكان أنْ تنطلي الحقيقة على خواصّ الناس فضلاً عن عوامّهم لولا اختلاف الاختلاق!
فلنشرع في شرح القضيّة ببعض التفصيل في فصول :
لقد روي هذا الحديث عن الزهري ، عن الحسن بن محمد بن عليّ وأخيه عبدالله بن محمد بن عليّ ، عن أبيهما ، عن عليّعليهالسلام أنّه قال لابن عبّاس :
إنّك رجل تائه ، إنّ رسول الله نهى عنها يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر
__________________
(١) تهذيب التهذيب ١٠/٣٣٩ ، و٧/٢٣٢.
الإنسية »(١) .
وعن الزهري ، عنهما ، عن أبيهما ، عن عليّ « يوم حنين »(٢) .
وعن الزهري ، عن عبدالله بن محمّد بن عليّ ، عن أبيه ، عن عليّ :
« إنّ النبي نهى عنها في غزوة تبوك »(٣) .
وعن محمّد بن الحنفيّة أنّه قالعليهالسلام لابن عبّاس :
« إنّك رجل تائه ، إنّ رسول الله نهى عن متعة النساء في حجّة الوداع »(٤) .
وعن الشافعي عن مالك بإسناده عن عليّ :
« إنّ رسول الله نهى يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية » ولم يزد على ذلك ، وسكت عن قصّة المتعة »(٥) .
فهذه أخبارهم بالسند الواحد عن أمير المؤمنينعليهالسلام حول أمر واحدٍ ...!!
فإن قلت : ليس كلّها بصحيحٍ عندهم.
قلت : أمّا الأول فقد اتّفقوا على صحّته واستندوا إليه في بحوثهم.
وأمّا الثاني فهو عند النسائي وكتابه من صحاحهم.
وأمّا الرابع الذي رواه الطبراني فقد أورده الهيثمي وقال : « رجاله رجال الصحيح »(٦) .
نعم ، الثالث ذكره النووي ثم قال نقلاً عن القاضي عياض : « لم يتابعه أحد على هذا وهو غلط »(٧) .
__________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ـ هامش القسطلاني ـ ٦/١٢٩.
(٢) سنن النسائي ٦/١٢٦.
(٣) المنهاج في شرح مسلم ـ هامش القسطلاني ـ ٦/١٣٠.
(٤) مجمع الزوائد ٤/٢٦٥.
(٥) عمدة القاري ـ شرح البخاري.
(٦) مجمع الزوائد ٤/٢٦٥.
(٧) المنهاج ـ شرح صحيح مسلم ـ ٦/١٣١.
وقال ابن حجر : « وأغرب من ذلك رواية إسحاق بن راشد عن الزهري عنه بلفظ : نهي عن غزوة تبوك عن نكاح المتعة وهو خطأ أيضاً »(١) .
أمّا الخامس فتتعلق به نقاط :
إنّه لو كان قد ثبت عنده نهي عن المتعة يوم خيبر لما سكت عن القصّة ، لأنّه تدليس قبيح كما لا يخفى.
لكنّ الشافعيّ نفسه ممّن يرى أنّ التحريم من النبيصلىاللهعليهوآله وفي يوم خيبر(٢) .
مضافاً إلى أنّ الحديث عن مالك ، وهو يروي في الموطّأ : عن الزهري ، عن عبدالله والحسن ، عن أبيهما محمد بن الحنفية ، عن أبيه علي أنّه قال : « نادى منادي رسول الله ، نادى يوم خيبر : ألا إنّ الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ينهاكم عن المتعة »(٣) .
وإذ عرفت أنّ الصحيح عندهم ممّا رووا عن أمير المؤمنينعليهالسلام في هذا الباب حديث التحريم يوم خيبر وعمدته حديث الزهري عن ابني محمد بن الحنفية عنهعليهالسلام فلا بأس بأن تعلم القوم رووه بألفاظ مختلفة :
قال ابن تيميّة : « رواه الثقات في الصحيحين وغيرهما عن الزهري ، عن عبدالله ، والحسن ابني محمد بن الحنفيّة عن أبيهما محمد بن الحنفيّة ، عن عليّ بن أبي طالب أنّه قال لابن عبّاس لمّا أباح المتعة : إنّك امرؤ تائه! إنّ رسول الله حرّم المتعة ولحوم الحمر الأهلية عام خيبر. رواه عن الزهري أعلم أهل زمانه بالسُنّة
__________________
(١) فتح الباري/١٣٧.
(٢) زاد المعاد في هدي خير العباد.
(٣) الموطّأ ٢/٧٤ بشرح السيوطي.
وأحفظهم لها ، أئمّة الإسلام في زمنهم ، مثل : مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وغيرهما ممّن اتّفق على علمهم وعدالتهم وحفظهم ، ولم يختلف أهل العلم بالحديث في أنّ هذا حديث صحيح يتلقّى بالقبول ، ليس في أهل العلم من طعن فيه »(١) .
وفي البخاري ومسلم والترمذي وأحمد عن الزهري : « أخبرني الحسن بن محمد بن عليّ وأخوه عبدالله ، عن أبيهما أنّ عليّاً قال لابن عبّاس : إنّ النبي نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهليّة زمن خيبر ».
وفي مسلم : « سمع عليّ بن أبي طالب يقول لفلان : إنّك رجل تائه ».
وفيه : « سمع ابن عبّاس يلين في المتعة فقال : مهلاً يا ابن عبّاس ».
وفي النسائي : « عن أبيهما أنّ عليّاً بلغة أنّ رجلاً لا يرى بالمتعة بأساً فقال : إنّك تائه ، إنّه نهاني رسول الله عنها وعن لحوم الحمر الأهليّة يوم خيبر ».
أّمّا الشافعي فروى حديث خيبرٍ ، لكن سكت عن قصّة المتعة لما علم فيها من الاختلاف!
وأمّا الطبراني فروى الحديث بلفظ : « تكلّم عليّ وابن عبّاس في متعة النساء فقال له عليّ : إنّك رجل تائه ، إنّ رسول الله نهى عن متعة النساء في حجّة الوداع » فروى الحديث لكن جعل زمن التحريم حجّة الوداع!
ثمّ إنّ هذا الحديث في متنه ودلالته صريح في الأمور التالية :
أوّلا : إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان يرى حرمة نكاح المتعة ، حتى أنّه خاطب ابن عبّاس القائل بالحليّة بقوله : « إنّك رجل تائه ».
وهذا كذب ، فالكلّ يعلم أنّ الإمامعليهالسلام كان على رأس المنكرين
__________________
(١) منهاج السُنّة ٢/١٥٦.
لتحريم نكاح المتعة ، كما كان على رأس المنكرين لتحريم متعة الحجّ ، ولكن لا غرابة في وضع القوم الحديث على لسانه في باب نكاح المتعة كما وضعوه في باب متعة الحجّ وهو أيضاً عن لسان ولديّ محمد عن أبيهما عنه فقد روى البيهقي : « عن عبدالله والحسن ابنيّ محمد بن عليّ عن أبيهما : أنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال : يا بني أفرد بالحجّ فإنّه أفضل »(١) .
وثانياً : إنّ تحريم متعة النساء كان يوم خيبر وهذا ما غلّطه وكذّبه كبار الحفّاظ ، ثمّ حاروا في توجيهه :
قال ابن حجر بشرحه عن السهيلي : « ويتّصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال ، لأنّ فيه النهى عن نكاح المتعة يوم خيبر ، وهذا شيء لا يعرفه أحد من أهل السير ورواة الأثر »(٢) .
وقال العيني بشرحه : « قال عبدالبرّ : وذكر النهي عن المتعة يوم خيبر غلط »(٣) .
وقال القسطلاني بشرحه : « قال البيهقي : لا يعرفه أحد من أهل السير »(٤) .
وقال ابن القيّم : « قصّة خيبر لم يكن فيها الصحابة يتمتّعون باليهوديّات ، ولا استأذنوا في ذلك رسول الله ، ولا نقله أحد قطّ في هذه الغزوة ، ولا كان للمتعة فيها ذكر ألبتّة لا فعلاً ولا تحريماً »(٥) .
وقال ابن كثير : « قد حاول بعض العلماء أن يجيب عن حديث عليّ بأنّه وقع فيه تقديم وتأخير. وإلى هذا التقرير كان ميل شيخنا أبي الحجّاج المزي. ومن هذا
__________________
(١) سنن البيهقي ٥/٥.
(٢) فتح الباري ـ شرح البخاري ٩/١٣٨.
(٣) عمدة القاري ـ شرح البخاري ١٧/٢٤٦.
(٤) إرشاد الساري ـ شرح البخاري٦/٥٣٦ و ٨/٤١
(٥) زاد المعاد في هدي خير العباد ٢/١٨٤.
ما رجع ابن عبّاس عمّا كان يذهب إليه من إباحتها »(١) .
وثالثاً : إنّ عبّاس كان على خلاف أمير المؤمنينعليهالسلام في مثل هذه المسألة.
وهذا ممّا لا نصدّقه ، فإبن عبّاس كان تبعاً لأمير المؤمنينعليهالسلام لا سيّما في مثل هذه المسألة التي تعدّ من ضروريّات الدين الحنيف.
ولو تنزّلنا عن ذلك ، فهل يصدّق بقاؤه على رأيه بعد أن بلّغه الإمامعليهالسلام حكم الله ورسوله في المسألة؟!
كلاّ والله ، ولذا اضطرّ الكذّابون إلى وضع حديث يحكي رجوعه قال ابن تيميّة : « وروي عن ابن عبّاس أنّه رجع عن ذلك لمّا بلغه حديث النهي »(٢) .
لكنّه خبر مكذوب عليه ، قال ابن حجر العسقلاني عن ابن بطّال : « وروي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة »(٣) ولذا قال ابن كثير : « ومع هذا ما رجع ابن عبّاس عمّا كان يذهب إليه من إباحتها ».
نعم ، لم يرجع ابن عبّاس حتى آخر لحظةٍ من حياته :
أخرج مسلم عن عروة بن الزبير أنّ عبدالله بن الزبير قام بمكّة فقال : « إنّ أُناساً أعمى الله قلوبهم ـ كما أعمى أبصارهم ـ يفتون بالمتعة ، يعرّض برجلٍ. فناداه فقال : إنّك لجلف جاف ، فلعمري لقد كانت المتعة تفعل في عهد إمام المتّقين ـ يريد رسول الله ـ. فقال له ابن الزبير : فجرّب بنفسك(٤) ، فوالله لئن فعلتها لأرجمنّك بأحجارك »(٥) .
وابن عبّاس هو الرجل المعرَّض به ، وقد كان قد كُفّ بصره ، فلذا قال :
__________________
(١) تاريخ ابن كثير ٤/١٩٣.
(٢) منهاج السُنّة ٢/١٥٦.
(٣) فتح الباري ٩/١٣٩.
(٤) رواه بعضهم بلفظ : « فجرت نفسك ».
(٥) صحيح مسلم. كتاب النكاح باب المتعة. بشرح النووي ٦/١٣٣.
« اعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم ». وقد وقع التصريح باسمه في حديث أبي نضرة الذي أخرجه مسلم أيضاً وأحمد.
فهذا حال ابن عبّاس وحكمه في زمن ابن الزبير بمكّة فابن عبّاسٍ كان مستمرّ القول على جواز المتعة ، وتبعه فقهاء مكّة كما عرفت ، ومن الواضح عدم جواز نسبة القول بما يخالف الله ورسوله والوصيّ إلى ابن عبّاس ، لو كان النبّي قد حرّم المتعة وأبلغة الإمام به حقّاً؟
هذا ، وقد رأيت أنّ الأحاديث المتعارضة المرويّة عن أمير المؤمنينعليهالسلام في تحريم رسول اللهصلىاللهعليهوآله نكاح المتعة مروية كلّها بسند واحد فكلّها عن الزهري عن ابنيّ محمد عن أبيه
وبغضّ النظر عمّا ذكروا بترجمة عبدالله والحسن ابني محمد بن الحنفيّة
وعمّا جاء في خبر الحسن بن محمّد عن سلمة بن الأكوع وجابر بن عبدالله من « أنّ رسول الله أتانا فأذن لنا في المتعة »(١) من الدلالة على عدم قولهما بالحرمة ، إذ لا يعقل أن يروي الرجل عن هذين الصحابيين حكم التحليل ولا يروي عنهما ـ أو لم يخبراه ـ النسخ بالتحريم لو كان :
بغض النظر عن ذلك
وبغّض النظر عن التكاذب والتعارض الموجود فيما بينها
فإنّ مدار هذه الأحاديث على « الزهري ».
__________________
(١) أخرجه البخاري ومسلم في باب المتعة. وأحمد في المسند ٤/٥١.
وهذا موجز من ترجمة « الزهري » الذي وضع الأحاديث المختلفة المتعارضة على مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام .
١ ـ كان من أشهر المنحرفين عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، وكان يجالس عروة بن الزبير فينالان منه.
٢ ـ كان يرى الرواية عن عمر بن سعد بن أبي وقّاص ، قاتل الإمام الحسين بن عليّعليهماالسلام .
٣ ـ كان من عمال الحكومة الأمويّة ومشيدّي أركانها ، حتّى أنكر عليه كبار العلماء ذلك.
٤ ـ قدح فيه الإمام يحيى بن معين حين قارن بينه وبين الأعمش.
٥ ـ كتب إليه الإمام عليّ بن الحسين زين العابدينعليهالسلام يوبّخه ويؤنّبه على كونه في قصور الظلمة ولكن لم ينفعه ذلك!!
وإنْ شئت التفصيل فراجع رسالتنا حول صلاة أبي بكر ؛
ويتخلّص البحث في خصوص نكاح المتعة في خطوط :
١ ـ إنّه مع أحكام الإسلام الضرورية بالكتاب والسنّة والإجماع ، وكان على ذلك المسلمون قولاً وفعلاً.
٢ ـ وإنّ عمر بن الخطاب حرّمه بعد شطرٍ من خلافته.
٣ ـ واختلف القوم ـ بعد الإقرار بالأمرين المذكورين ـ واضطربوا في توجيه تحريم عمر :
فمنهم من قال بأن النسخ كان من النبيصلىاللهعليهوآله ولم يعلم
به غير عمر ، وهذا من البطلان بمكان.
ومنهم من قال بأنّ التحريم كان من عمر نفسه لكن يجب اتّباعه ، لقول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين ». ولكن هذا الحديث من أحاديث سلسلتنا!!
ومنهم من قال بأنّ المحرّم هو النبيصلىاللهعليهوآله نفسه ثمّ اختلفوا في وقت هذا التحريم على أقوالٍ ، واستندوا إلى أحاديث لكنّها أحاديث موضوعة
٤ ـ وإذا كانت حليّة المتعة من أحكام الإسلام ، والأحاديث في تحريم النبي موضوعة ، وإنّ عمر هو الذي حرّم ، وأنّ الحديث المستدلّ به لوجوب اتّباعه يشكّل الحلقة السادسة من سلسلتنا
فما هو إلاّ « حدث » وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله « إيّاكم ومحدّثات الأمور ».
هذا ما توصّلت إليه في البحث الوجيز الذي وضعته في حدود الأحاديث والأقوال الواردة فيه ، من غير تعرّض للأبعاد المختلفة والجوانب المتعدّدة التي طرحها الباحثون من فقهاء ومتكلّمين في كتبهم المفصّلة المطوّلة
والله أسأل أن يوفّقنا لتحقيق الحقّ واتّباعه ، وأن يجعل أعمالنا خالصةّ لوجهه الكريم ، وأن يحشرنا في زمرة محمد وآله وأشياعه ، إنّه هو البرّ الرحيم.
رسالة
في حديث « سيّدا كهول أهل الجنّة »
بسم الله الرحمن الرحيم
* قال الترمذي : « حدّثنا الحسن بن الصباح البزّار ، حدّثنا محمد بن كثير العبدي ، عن الأوزاعي ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأبي بكر وعمر : هذان سيّدا كهول أهل الجنّة من الأولين والآخرين إلاّ النبييّن والمرسلين.
قال : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
حدّثنا عليّ بن حجر ، أخبرنا الوليد بن محمد الموقري ، عن الزهري ، عن عليّ بن الحسين ، عن عليّ بن أبي طالب ، قال : كنت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذ طلع أبوبكر وعمر ، فقال رسول الله عليه وسلّم : هذان سيّدا كهول أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين إلاّ النبيّين والمرسلين ؛ يا عليّ لا تخبرهما.
قال : هذا الحديث غريب من هذا الوجه. والوليد بن محمد الموقري يضعَّف في الحديث ، ولم يسمع عليّ بن الحسين من عليّ بن أبي طالب.
وقد روي هذا الحديث عن عليّ من غير هذا الوجه.
وفي الباب عن أنس وابن عبّاس.
حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، حدّثنا سفيان بن عيينة ، قال : ذكر داود ، عن الشعبي ، عن الحارث ، عن عليّ ، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال : أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين ما خلا النبيّين والمرسلين ؛ لا تخبرهما يا عليّ »(١) .
وقال ابن ماجة : « حدّثنا هشام بن عمّار ، ثنا سفيان ، عن الحسن بن عمارة ، عن فراس ، عن الشعبي ، عن الحارث ، عن عليّ قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين إلاّ النبيّين والمرسلين ؛ لا تخبرهما يا عليّ ما داما حيّين »(٢) .
وقال : « حدّثنا أبو شعيب صالح بن الهيثم الواسطي ، ثنا عبد القدّوس بن بكر بن خنيس ، ثنا مالك بن مغول ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : أبوبكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين إلاّ النبيّين والمرسلين »(٣) .
وقال عبدالله بن أحمد : « حدّثني وهب بن بقية الواسطي ، ثنا عمر بن يونس ـ يعني اليمامي ـ عن عبدالله بن عمر اليمامي ـ عن الحسن بن زيد بن الحسن ، حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن عليّ رضي الله عنه ، قال : كنت عند النبيصلىاللهعليهوآله فأقبل أبوبكر وعمر رضي الله عنهم ، فقال : يا عليّ ، هذان سيّدا كهول أهل الجنّة وشبابها بعد النبيّين والمرسلين »(٤) .
__________________
(١) صحيح الترمذي ٥/٥٧٠.
(٢) سنن ابن ماجة ١/٣٦.
(٣) سنن ابن ماجة ١/٣٨.
(٤) المسند ١/٨٠.
نظرات في سنده :
أقول : قد ذكرنا أهمّ أسانيد هذا الحديث في أهمّ كتبهم ، فالترمذي يرويه بسنده عن أنس بن مالك ، وهو وابن ماجة وعبدالله بن أحمد يروونه عن أمير المؤمنينعليهالسلام وابن ماجة يرويه عن أبي جحيفة وربّما روي في خارج الصحاح عن بعض الصحابة لكنّ بأسانيد اعترفوا بعدم اعتبارها(١) .
وأوّل ما في هذا الحديث إعراض البخاري ومسلم عنه ، فإنّهما لم يخرجاه في كتابيهما ، وقد تقرّر عند كثير من العلماء ردّ ما اتّفقا على تركه ، بل إنّ أحمد بن حنبل لم يخرجه في مسنده أيضاً ، وإنّما أورده ابنه عبدالله في زوائده(٢) ، وقد نصّ أحمد على أنّ ما ليس في المسند فليس بحجّة حيث قال في وصف كتابه : « إنّ هذا كتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفاً ، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله فارجعوا إليه ، فإنّ كان فيه وإلاّ فليس بحجّةٍ :
ثم إنّه : بجميع طرقه المذكورة ساقط عن الأعتبار :
فقد رواه عنه الترمذي بطريقين ، وعبدالله بن أحمد بطريقٍ ثالث.
أمّا الطريق الأول فقد نبّه على ضعفه الترمذي :
أولاّ : بأنّ عليّ بن الحسين لم يسمع من عليّ بن أبي طالب ، والواسطة بينهما غير مذكور ، وهذا قادح على مذهب أهل السُنّة.
__________________
(١) مجمع الزوائد ١/٨٩.
(٢) لم يذكر في مادة « كهل » من معجم ألفاظ الحديث النبوي إلاّ هذا المورد ، وهو من حديث عبدالله بن أحمد وليس لأحمد نفسه.
(٣) لاحظ ترجمة أحمد في طبقات الشافعية الكبرى للسبكي.
وثانياً : بأنّ الوليد بن محمد الموقري يُضعَّف في الحديث.
وقال ابن المديني : ضعيف لا يكتب حديثه.
وقال الجوزجاني : كان غير ثقة ، يروي عن الزهري عدّة أحاديث ليس لها أُصول.
وقال أبو زرعة الرازي : لينّ الحديث.
وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث.
وقال النسائي : ليس بثقة ، منكر الحديث.
وقال ابن خزيمة : لا يحتّج به.
وقال ابن حبّان : روى عن الزهري أشياء موضوعة.
بل قال ابن معين ـ في رواية عنه ـ : كذّاب. وكذا قال غيره(١) .
قلت :
وهذا الحديث عن الزهري!!
وأمّا « الزهري » ، فقد ترجمنا له في بعض بحوثنا السابقة فلا نعيد.
وأمّا الطريق الثاني :
فهو عن الشعبي عن الحارث عن علي عند الترمذي
أمّا الشعبي ، فقد ترجمنا له في بعض البحوث السابقة.
وأمّا الحارث ، وهو « الحارث بن عبدالله الأعور » فإليك بعض كلماتهم فيه :
أبو زرعة : لا يحتجّ بحديثه.
ابو حاتم : ليس بقويّ ولا ممّن يحتجّ بحديثه.
النسائي : ليس بالقويّ.
__________________
(١) تهذيب التهذيب ١١/١٣١.
الدار قطني : ضعيف.
ابن عديّ : عامّة ما يرويه غير محفوظ.
بل وصفه غير واحدٍ منهم بالكذب!
بل عن الشعبي ـ الراوي عنه ـ : كان كذّاباً!! وقد وقع هذا عندهم موقع الإشكال! كيف يكذّبه ثم يروي عنه؟! إنّ هذا يوجب القدح في الشعبي نفسه!
فقيل : إنّه كان يكذّب حكاياته لا في الحديث. وإنّما نقم عليه إفراطه في حبّ عليّ!(١) .
قلت : إن كان كذلك فقد ثبت القدح للشعبي ، إذ الإفراط في حبّ عليّ لا يوجب القدح ولا يجوّز وصفه بالكذب ، ومن صفا هنا ترى أنّ غير واحدٍ ينصّ على وثاقة الحارث
هذا ، ولا حاجة إلى النظر في حال رجال السندين حتى الشعبي ، وإلاّ فإنّ « الحسن بن عمارة » عند ابن ماجة :
قال الطيالسي : قال شعبة : ائت جرير بن حازم فقل له : لا يحلّ لك أن تروي عن الحسن بن عمارة فإنّه يكذب
وقال ابن المبارك : جرحه عندي شعبة وسفيان ، فبقولهما تركت حديثه.
وقال أبو المروزي عن أحمد : متروك الحديث.
وقال عبدالله بن المديني عن أبيه : كان يضع.
وقال أبو حاتم ومسلم والنسائي الدار قطني : متروك الحديث.
وقال الساجي : ضعيف متروك ، أجمع أهل الحديث على ترك حديثه.
وقال الجوزجاني : ساقط.
وقال ابن المبارك عن ابن عيينة : كنت إذا سمعت الحسن بن عمارة يحدّث عن الزهري جعلت إصبعيّ في أذنيّ.
__________________
(١) لاحظ ذلك كلّه بترجمة الحارث من تهذيب التهذيب ٢/١٢٦.
وقال ابن سعد : كان ضعيفاً في الحديث.
وقال السهيلي : ضعيف بإجماع منهم(١) .
قلت : فهذا حال هذا الرجل الذي روي عنه ابن ماجة! وروى عنه سفيان مع علمه بهذه الحال! وإذا كان سفيان جارحاً له فكيف يروي عنه؟! ألا يوجب ذلك القدح في سفيان كذلك وسقوط جميع رواياته عنه؟! وهذا الحديث من ذلك!
وأمّا الطريق الثالث :
وهو رواية عبدالله ، ففيه :
أوّلاً : إنّه ممّا أعرض عنه أحمد بناءً على ما تقدّم.
وثانياً : إنّ فيه الحسن بن زيد قال ابن معين : ضعيف. وقال ابن عديّ : « أحاديثه عن أبيه أنكر ممّا روى عن عكرمة »(٢) .
قلت : وهذا الحديث من ذاك!
وثالثاً : إنّ لفظه يشتمل على « وشبابها » وهذا يختصّ بهذا السند وهو كذب قطعاً.
وهو الذي أخرجه الترمذي ، ففيه :
« قتادة » وكان مدلِّساً ، يرمى بالقدر ، رأساً في بدعةٍ يدعو إليها ، حاطب ليل ، حدّث عن ثلاثين رجلاً لم يسمع منهم إلى غير ذلك ممّا قيل فيه(٣) .
و « أنس بن مالك » نفسه لايجوز الاعتماد عليه ، لا سيّما في مثل هذا
__________________
(١) لاحظ هذه الكلمات وغيرها بترجمته من تهذيب التهذيب ٢/٢٦٣.
(٢) تهذيب التهذيب ٢/٢٤٣.
(٣) لاحظ ترجمته في تهذيب التهذيب ٨/٣١٧.
الحديث ، فقد ثبت كذبه في حديث الطائر المشويّ(١) وكتمه للشهادة بالحقّ حتى دعا عليه عليُّعليهالسلام ، وهو مع الحقّ(٢) .
وهو الذي أخرجه ابن ماجة ، ففيه :
« عبد القدّوس بن بكر بن خنيس » قال ابن حجر : « ذكر محمود بن غيلان عن أحمد وابن معين وأبي خيثمة أنّهم ضربوا على حديثه »(٣) .
إنّه لا يخفى اختلاف لفظ آخر الحديث عن عليّ ، ففي لفظ : « لا تخبرهما يا علّي » وفي آخر « لا تخبرههما يا عليّ ما داما حيّين » وفي ثالث لم يذكر هذا الذيل أصلاً ...!
أمّا في الحديث عن أنس فلا يوجد أصلاً
ولماذا نهى عليّاً من أنْ يخبرهما؟! ولماذا لم ينه أنس عن ذلك ، بل بالعكس أمره بأن يبشّرهما ـ وعثمان ـ في حديثٍ يروونه عنه.
__________________
(١) حديث الطائر المشويّ من أشهر الأحاديث الدالّة على أفضلية أمير المؤمنينعليهالسلام وخلافته ، أخرجه عشرات الأئمّة والعلماء الأعلام في كتبهم ، منهم : الترمذي والحاكم والطبراني وأبو نعيم والخطيب وابن عساكر وابن الأثير راجع منها المستدرك ٣/١٣٠.
(٢) كان ذلك في قضيّة مناشدة أمير المؤمنينعليهالسلام الناس في رحبة الكوفة بأنّ من شهد منهم غدير خمّ فليقم ويشهد ، فشهد جماعة من الحاضرين وامتنع أنس في نفر منهم فدعا عليهم الإمامعليهالسلام روى ذلك : ابن قتيبة والبلاذري وابن عساكر وآخرون راجع كتاب الغدير ١/١٩٢.
(٣) تهذيب التهذيب ٦/٣٢٩.
لم أجد ـ في ما بيدي من المصادر ـ لذلك وجهاً إلاّ عند ابن العربي المالكي فإنّه قال : « قال ذلك لعليّ ليقرّر عند تقدّمهما عليه »!! وأنّه « نهاه أن يخبرهما لئلاّ يعلما قرب موتهما في حال الكهولة »!!(١) .
وهل كان يحتاج عليّ إلى الإقرار إن كان تقدّمهما عليه بحقّ؟!
وهل كان يضرّهما العلم بقرب موتهما في حال الكهولة؟! وهل كانا يخافان الموت؟! ولماذا؟!
* * *
__________________
(١) عارضة الأحوذي ١٣/١٣١.
رسالة
في حديث « أصحابي كالنُّجومِ »
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين ، واللعنة على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين.
أمّا بعد ، فهذه صفحات يسيرة تتضمّن تحقيق حديث ( أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم ) اقتصرت فيها على البحث في هذا الحديث من النواحي التالية :
١ ـ كلمات كبار الأئمّة والحفّاظ من أهل السنة ورأيهم فيه.
٢ ـ نظرات في أسانيده على ضوء آراء علماء الجرح والتعديل منهم.
٣ ـ تأملات في متنه ومعناه ومؤدّاه.
ومن الله أستمد العون وهو ولي التوفيق.
تمهيد
الصحبة لغة : المعاشرة أو الملازمة(٢) ، يقال : صحبته أصحبه صحبة فأنا صاحب. والجمع : صحب ، وأصحاب ، وصحابة(٣) .
قال الراغب : « ولا يقال في العرف إلاّ لمن كثرت ملازمته »(٤) .
فصاحب النبيصلىاللهعليهوآله ـ على ما يقتضيه معنى الكلمة لغة ـ من عاشره ، أو لازمه ، سواء كان مسلماً أو كافراً ، برّاً أو فاجراً ، مؤمناً به أو منافقاً إذا الأصل في هذا الاطلاق ـ كما قال الفيومي ـ « لمن حصل له رؤية ومجالسة »(٥) .
وإذا تبين معنى « الصحبة » في اللغة ، فلننتقل إلى الكلام حول « الصحابي » في الاصطلاح :
__________________
(١) القاموس المحيط « صحب ».
(٢) المفردات في غريب القرآن « صحب ».
(٣) قال ابن الأثير وغيره : إنه لم يجمع فاعل على فعالة إلاّ هذا.
(٤) المفردات « صحب ».
(٥) المصباح المنير « صحب ».
إشتراط الأُصوليّون والمحدّثون بالاجماع كونه مسلماً حتى يصحّ اطلاق اسم « اصحابي » عليه. ثمّ اختلفت كلماتهم في تعريفه :
فالمشهور عند الأُصوليين هو : « من طالت مجالسته مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على طريق التتبع له والأخذ عنه ، بخلاف من وفد إليه وانصرف بلا مصاحبة ولا متابعة »(١) .
والمعروف بين جمهور المحدّثين : إنّ الصحابي هو : « كلّ مسلم رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله »(٢) .
وقيل : « من أدرك زمنهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإن لم يره »(٣) .
وقال بعضهم : إنّه « من لقي النبيصلىاللهعليهوآله مؤمناً به ومات على الإيمان والاسلام وإنْ تخللت ردة »(٤) .
وهناك أقوال أُخرى وصفت بالشذوذ.
وأمّا النسبة إلى الصحابة وحالهم من حيث العدالة وعدمها ، فقد اختلف المسلمون على ثلاثة أقوال :
__________________
(١) مقباس الهداية ، الدرجات الرفيعة ١٠.
(٢) حكاه في المختصر ٢/٦٧.
(٣) حكاه في مقباس الهداية عن جماعة من المحدثين.
(٤) اختاره الشهيد الثاني/١٢٠ والسيد علي خان المدني/٩ وابن حجر العسقلاني ١/١٠ ونسبه شيخنا المامقاني وابن حجر إلى المحققين.
لقد ذهبت الفرقة « الكاملية » ومن كان في الغلوّ على شاكلتهم إلى القول بكفر الصّحابة جميعاً(١) .
وهذا القول لا فائدة في البحث عن قائليه وأدلّتهم وردّها
واشتهر بين أهل السُنّة القول : بأنّ الصّحابة كلّهم عدول ثقات ، لا يتطرّق إليهم الجرح ، ولا يجوز تكذيبهم في شيء من رواياتهم ، والطّعن في الأقوال المنقولة عنهم ، فكأنّهم بمجرّد صحبتهم للرّسولصلىاللهعليهوآله أصبحوا معصومين عن الخطأ ، ومحفوظين من الزلل
قال المزني : « كلّهم ثقة مؤتمن »(٢) .
وقال الخطيب : « عدالة الصّحابة ثابتة معلومة »(٣) .
وقال ابن حزم : « الصّحابة كلّهم من أهل الجنّة قطعاً »(٤) .
وبهذا صرّح ابن عبدالبرّ(٥) وابن الأثير(٦) والغزالي(٧) وغيرهم
وأمّا دعوى الاجماع على ذلك من بعضهم كابن حجر العسقلاني(٨) وابن
__________________
(١) ذكره السيد عبدالحسين شرف الدين في أجوبة مسائل جار الله/١٢.
(٢) سيأتي نص كلامه في الكتاب.
(٣) نقل ذلك عنه ابن حجر في الإصابة ١/١٧ ـ ١٨.
(٤) الاصابة ١/١٩.
(٥) الاستيعاب ١/٨.
(٦) اسد الغابة ١/٣.
(٧) إحياء علوم الدين.
(٨) الاصابة ١/١٧ ـ ١٨.
عبدالبر(١) فيكذبّها نسبة هذا القول إلى الأكثر في كلام جماعة من كبار أئمتهم :
قال ابن الحاجب : « الأكثر على عدالة الصّحابة ، وقيل كغيرهم ، وقيل إلى حين الفتن فلا يقبل الداخلون ، لأن الفاسق غير معيّن ، وقالت المعتزلة ، عدول إلاّ من قاتل عليّاً »(٢) .
وكذا في جمع الجوامع وشرحه حيث قال : « والأكثر على عدالة الصحابة لا يبحث عنها في رواية ولا شهادة » ثم نقل الأقوال الأُخرى(٣) .
بل صرّح جماعة منهم السعد التفتازاني(٤) والمارزي شارح البرهان(٥) وابن العماد الحنبلي(٦) والشوكاني(٧) وآخرون ، ومن المتأخرين الشيخ محمود أبو رية(٨) والشيخ محمد عبدة(٩) والسيد محمد بن عقيل العلوي(١٠) والسيد محمّد رشيد رضا(١١) والشيخ المقبلي(١٢) والشيخ مصطفى صادق الرافعي(١٣) وآخرون بأنّ الصحابة غير معصومين وفيهم العدول وغير العدول وهذا بعينه هو رأي الشيعة الامامية :
__________________
(١) الاستيعاب ١/٨.
(٢) المختصر ٢/٦٧ وكذا في شرحه.
(٣) النصائح الكافية/١٦٠.
(٤) شرح المقاصد ٥/٣١٠.
(٥) الاصابة ١/١٩ ، النصائح الكافية/١٦١.
(٦) النصائح الكافية/١٦٢ عن الآلوسي.
(٧) إرشاد الفحول.
(٨) شيخ المضيرة أبو هريرة/١٠١ وراجع أضواء على السنة المحمدية له أيضاً.
(٩) أضواء على السنة المحمدية.
(١٠) النصائح الكافية.
(١١) شيخ المضيرة.
(١٢) المصدر نفسه.
(١٣) إعجاز القرآن.
فإنّهم أجمعوا على أن الصحابة كسائر الناس فيهم العادل والفاسق ، المؤمن والمنافق ، وأن الصحبة ليست بوحدها ـ وإن كانت شرفاً ـ مقتضية عصمتهم ونفي القبيح عنهم ، والقرآن مشحون بذكر المنافقين من الصحابة ، الذين آذوا الرسولصلىاللهعليهوآله بأقوالهم وافعالهم في نفسه وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام
والأحاديث عنهصلىاللهعليهوآله في ذم بعضهم كثيرة
وكتب الحديث والآثار مشحونه بردّ بعضهم على بعض ، وتكذيب بعضهم بعضاً ، وطعن بعضهم في رواية بعض
وأمّا أئمّة الحديث وكبار التابعين فتلك آراؤهم بالنسبة إلى بعض الصحابة مسجلة في كتب الرجال والتاريخ :
فقد سئل مالك بن أنس : « عمن أخذ بحديثين مختلفين حدّثه بهما ثقة عن رسول الله عليه وآله وسلّم أتراه من ذلك في سعة؟
فقال : لا والله حتى يصيب الحق ، ما الحق إلاّ في واحد ، قولان يكونان صواباً؟ ما الحق وما الصواب إلاّ في واحد »(١) .
وعنه أنه سئل عن اختلاف الصحابة فقال :
« خطأ وصواب ، فانظر في ذلك »(٢) .
وعن أبي حنيفة :
« الصّحابة كلهم عدول ما عدا رجالاً ، ثم عدّ منهم أبا هريرة وأنس بن مالك(٣) .
وعن الشافعي :
__________________
(١) احكام الاحكام لابن حزم.
(٢) جامع بيان العلم لابن عبدالبر.
(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.
« إنّه سرّ إلى الربيع : لا يقبل شهادة أربعة من الصحابة وهم : معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة وزياد »(١) .
وقال شعبة :
« كان أبو هريرة يدلّس »(٢) .
وعن الليث :
« إذا جاء الاختلاف أخذنا بالأحوط »(٣) .
* * *
وإلى هذا كلّه استند الإمامية فيما ذهبوا إليه
وأمّا أهل السنة فزعموا أن الله سبحانه ورسوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام قد زكيّا الصّحابة وعدّلاهم جميعاً ، فوجب المصير إلى ذلك ، وتأويل كلّ ما يؤثر عنهم من المخالفات والمنافيات للنصوص الصريحة من القرآن والسنة ، واستدلوا في دعواهم تلك بآيات من القرآن الحكيم ، وأحاديث رووها في كتبهم عن الرسول الكريمصلىاللهعليهوآله في فضل الصحابة
وإنّ أشهر هذه الأحاديث المشار إليها هو : حديث « أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم » وهو موضوع هذا البحث الوجيز
فلنرجع ـ أولاً ـ إلى كتبهم لنرى ما هو رأى كبار أئمتهم وحفّاظهم في هذا الحديث :
__________________
(١) المختصر في اخبار البشر لأبي الفداء.
(٢) البداية والنهاية لابن كثير.
(٣) عن جامع بيان العلم.
(١)
كلمات كبار الأئمّة والحفّاظ في حديث النجوم
لقد صرّح جماعة كبيرة من علماء أهل السنة وأئمّتهم في الحديث والتفسير والأصول والرّجال ، بضعف حديث النجوم بألفاظه وطرقه ، وبحيث لا يبقى مجال للريب في سقوط هذا الحديث عن درجة الاعتبار والاستناد إليه ، وإليك البيان :
إنّ الحديث النجوم غير صحيح عند أحمد بن حنبل ، نقل عنه ذلك جماعة منهم :
ابن أمير الحجاج في كتابه ( التقرير والتحبير ).
وابن قدامة في ( المنتخب ).
وصاحب ( التيسير في شرح التحرير )(١) .
ترجمة أحمد بن حنبل
وتوجد ترجمة أحمد بن حنبل في كافة المعاجم الرجالية كتاريخ بغداد ٤/٤١٢ وحلية الأولياء ٩/١٦١ وطبقات الشافعية ٢/٢٧ ـ ٦٣ وتذكره الحفاظ ٢/١٧ ووفيات الأعيان ١/٤٧ وشذرات الذهب ٢/٩٦ والنجوم الزاهرة ٢/٣٠٤
قال الذهبي :
__________________
(١) التقرير والتحبير لابن أمير الحاج ، التيسير ٣/٢٤٣ ، وسيأتي أيضاً ، سلسلة الأحاديث ١/٧٩.
« شيخ الإسلام وسيّد المسلمين في عصره ، الحافظ الحجة.
قال علي بن المديني : إنّ الله أيّد هذا الدين بأبي بكر الصدّيق يوم الردّة ، وأحمد بن حنبل يوم المحنة.
وقال أبو عبيد : إنتهى العلم إلى أربعة أفقههم أحمد.
وقال ابن معين من طريق ابن عياش عنه : أرادوا أن أكون مثل أحمد والله لا أكون مثله.
وقال همام السكوني : ما رأى أحمد بن حنبل مثل نفسه.
وقال محمد بن حماد الطهراني : إني سمعت أبا ثور يقول : أحمد أعلم ـ أو قال أفقه ـ من الثوري ».
لم يصحّح أبو إبراهيم المزني حديث النجوم ، فقد قال الحافظ ابن عبدالبرّ ما نصه :
« قال المزني ـ رحمة الله ـ في قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : أصحابي كالنجوم ، قال : ـ إنْ صح هذا الخبر ـ فمعناه فيما نقلوا عنه وشهدوا به عليه : فكلّهم ثقة مؤتمن على ما جاء به ، لا يجوز عندي غير هذا.
وأمّا ما قالوا فيه برأيهم فلو كان عند أنفسهم كذلك ما خطّأ بعضهم بعضاً ، ولا أنكر بعضهم على بعض ، ولا رجع منهم أحد إلى قول صاحبه فتدبر »(١) .
فقوله « إن صح » يفيد ما نحن بصدده وأما ما ذكره من معنى الحديث فنترك الحكم فيه إلى المحقّقين من أهل الحديث(٢) .
__________________
(١) جامع بيان العلم لابن عبدالبر ٢/٨٩ ـ ٩٠.
(٢) قال الألباني المعاصر « الظاهر من ألفاظ الحديث خلاف المعنى الذي حمله عليه المزنيرحمهالله ، بل المراد ما قالوه برأيهم ، وعليه يكون معنى الحديث دليلاً آخر على أن الحديث موضوع ليس من
ترجمة المزني
أثنى عليه كافّة أرباب المعاجم بما لا مزيد عليه راجع : وفيات الأعيان ١/١٩٦ ومرآة الجنان ٢/١٧٧ ـ ١٧٨ وطبقات الشافعية ٢/٩٣ ـ ١٠٩ والعبر ٢/٢٨ وحسن المحاضرة ١/٣٠٧.
قال اليافعي :
« الفقيه الامام أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني المصري الشافعي. وكان زاهداً عابداً مجتهداً غوّاصاً على المعاني الدقيقة ، اشتغل عليه خلق كثير.
قال الشافعي في صفة المزني : ناصر مذهبي.
وهو إمام الشافعيين وأعرفهم بطريق الشافعي وفتاواه وما ينقل عنه ، صنف كتباً كثيرة ، وكان في غاية من الورع ، وكان من الزهد على طريقة صعبة شديدة ، وكان مجاب الدعوة ، ولم يكن أحد من أصحاب الشافعي يحدّث نفسه بالتقدّم عليه في شيء من الأشياء ، وهو الذي تولّى غسل الشافعي ».
ولقد قدح الحافظ أبوبكر البزار في حديث النجوم وبيّن وجوه ضعفه ، فقد قال الحافظ ابن عبدالبر ما لفظه :
« حدّثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن أبوب الرقي قال : قال لنا أبوبكر أحمد
__________________
كلامهصلىاللهعليهوآله ، إذا كيف يسوغ لنا أن نتصوّر أن النبيصلىاللهعليهوآله يجيز لنا أن نقتدي بكلّ رجل من الصحابة ، مع أن فيهم العالم والمتوسط في العلم ومن هو دون ذلك ».
ابن عمرو بن عبدالخالق البزار : سألتم عمّا يروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ممّا في أيدي العامة يروونه عن النبي صلّ الله عليه وسلّم أنه قال : أصحابي كمثل النجوم ـ أو أصحابي كالنجوم ـ فبأيّها اقتدوا اهتدوا.
قال : وهذا الكلام لا يصحّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ، رواه عبدالرحيم بن زيد العمّي عن أبيه عن سعد بن المسيب عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ، وربّما رواه عبدالرحيم عن أبيه عن ابن عمر.
وإنما أتى ضعف هذا الحديث من قبل عبدالرحيم بن زيد ، لأن أهل العلم قد سكتوا عن الرواية لحديثه.
والكلام أيضاً عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ، وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بإسناد صحيح : عليكم بسنّتي وسنة الخلفاء الرّاشدين المهدّيين بعدي فعضّوا عليها بالنواجد وهذا الكلام يعارض حديث عبدالرحيم لو ثبت فكيف ولم يثبت.
والنبي لا يبيح الاختلاف من بعده من أصحابه. والله أعلم. هذا آخر كلام البزار»(١) .
وفي هذا الكلام وجوه عديدة في قدح حيث النجوم ، وأمّا حديث « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الرّاشدين المهديين » فللبحث فيه مجال آخر(٢) .
ترجمة البزار
ترجم له في المعاجم الرجالية بكل إطراء ، منها : تاريخ الخطيب ٤/٣٣٤ وتذكرة الحفاظ ٢/٢٢٨ وشذرات الذهب ٢/٢٠٩ وتاريخ إصبهان ١/١٠٤ وميزان الاعتدال ١/٥٩ والعبر ٢/٩٢.
__________________
(١) جامع بيان العلم ٢/٩٠. وانظر إعلام الموقعين ٢/٢٢٣ ، والبحر المحيط ٥/٥٢٨ وغيرها.
(٢) هو من أحاديث سلسلتنا ، وقد نشرت رسالتنا فيه في « ثراثنا » العدد : ٢٦.
قال الذهبي في تذكرة الحفاظ :
« الحافظ العلامة أبوبكر أحمد بن عمرو بن عبدالخالق البصري صاحب المسند الكبير والمعلّل.
سمع : هدبة بن خآلد ، وعبدالأعلى بن حماد ، والحسن بن علي بن راشد ، وعبدالله بن معاوية الجمحي ، ومحمد بن يحيى بن فياض الزماني وطبقتهم.
روى عنه : عبدالباقي بن قانع ، ومحمد بن العباس بن نجيح ، وأبوبكر الختلي ، وعبدالله بن الحسن ، وأبو الشيخ وخلق كثير.
إرتحل في آخر عمره إلى إصبهان وإلى الشام والنواحي ينشر علمه.
ذكره الدار قطني فأثنى عليه وقال : ثقة يخطأ ويتّكل على حفظه ».
لقد أورد الحافظ أبو أحمد عبدالله بن عدي المعروف بابن القطّان حديث النجوم في كتابه المسمى بـ ( الكامل ) ـ وموضوعه الضعفاء والمقدوحون وموضوعاتهم ـ في ترجمة ( جعفر بن عبدالواحد الهاشمي القاضي ) و ( حمزة النصيبي ) كما سيأتي إن شاء الله من كلام الزين العراقي الحافظ.
ترجمة ابن عدي
يوجد الثناء البالغ عليه في الأنساب ـ في نسبة الجرجاني وتذكرة الحفاظ ٣/١٦١ وشذرات الذهب ٣/٥١ ومرآة الجنان ٢/٣٨١ والعبر ٢/٣٣٧ وغيرها.
قال السمعاني :
« أبو أحمد عبدالله بن علي بن محمد الجرجاني المعروف بابن القطّان الحافظ من أهل جرجان : كان حافظ عصره ، رحل إلى الإسكندرية وسمرقند ، ودخل البلاد ، وأدرك الشيوخ.
كان حافظاً متقناً لم يكن في زمنه مثله.
قال حمزة بن يوسف السهمي : سألت الدار قطني أن يصنّف كتاباً في ضعفاء المحدّثين ، قال : أليس عندك كتاب ابن عدي؟ فقلت : نعم. فقال : فيه كفاية لا يزاد عليه ».
ولقد ضعّف الحافظ الدار قطني حديث النجوم إذ أخرجه في كتابه ( غرائب مالك ) ، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني(١) .
ترجمة الدار قطني
جاءت ترجمته بكل تعظيم وتبجيل في : تذكرة الحفاظ ٣/١٨٦ ووفيات الأعيان ٢/٤٥٩ والمختصر ٢/١٣٠ وتاريخ الخطيب ١٢/٣٤ وتاريخ ابن كثير ١١/٣١٧ وشذرات الذهب ٣/١١٦ والنجوم الزاهرة ٤/١٧٢ وغيرها.
قال ابن كثير :
« علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن دينار بن عبدالله : الحافظ الكبير ، استاذ هذه الصناعة وقبله بمدة وبعده إلى زماننا هذا ، سمع الكثير ، وجمع وصنف وألف وأجاد وأفاد ، وأحسن النظر والتعليل والإنقياد والإعتقاد.
وكان فريد عصره ونسيج وحده وإمام دهره في أسماء الرّجال وصناعة التّعليل والجرح والتّعديل ، وحسن التصنيف والتأليف ، واتساع الرواية والاطلاع التام في الدراية. له كتابه المشهور من أحسن المصنّفات في بابه ، لم يسبق إلى مثله ولا يلحق في شكله إلاّ من استمد من بحره وعمل كعمله ، وله كتاب العلل ، بينّ فيه الصواب من الدخل والمتصل من المرسل والمنقطع والمعضل ، وكتاب الأفراد الذي لا يفهمه فضلاً عن أن ينظمه إلاّ من هو من الحفاظ الأفراد والأئمّة النقّاد
__________________
(١) تخريج أحاديث الكشاف ٢/٦٢٨ وسيأتي نصه.
والجهابذة الجياد ، وله غير ذلك من المصنّفات التي هي كالعقود في الأجياد.
وكان من صغره موصوفاً بالحفظ الباهر والفهم الثاقب والبحر الزاخر.
وقال الحكم أبو عبدالله النيسابوري : لم ير الدار قطني مثل نفسه.
وقال ابن الجوزي : وقد اجتمع له مع معرفة الحديث والعلم بالقراءات والنحو والفقه والشعر مع الامامة والعدالة وصحة العقيدة.
وسئل الدار قطني : هل رأى مثل نفسه؟ قال : أمّا في فن واحد فربما رأيت من هو أفضل مني ، وأما فيما اجتمع لي من الفنون فلا ».
كذّب الحافظ ابن حزم أيضاُ حديث النجوم وحكم ببطلانه وكونه موضوعاً ، ذكر ذلك جماعة منهم أبو حيّان حيث قال عند ذكره هذا الحديث :
« قال الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن حزم في رسالته في ( إبطال الرأي والقياس والاستحسان والتعليل والتقليد ) ما نصه : « وهذا خبر مكذوب موضوع باطل لم يصح قط »(١) .
ترجمة ابن حزم
تجد ترجمته في الكتب التالية : نفح الطيب ١/٣٦٤ والعبر ٣/٢٣٩ ووفيات الأعيان ٣/١٣ ـ ٧ وتاج العروس ٨/٢٤٥ ولسان الميزان ٤/١٩٨ وغيرها.
قال ابن حجر :
« الفقيه الحافظ الظاهري صاحب التصانيف ، كان واسع الحفظ جداً ، إلاّ
__________________
(١) البحر المحيط ٥/٥٢٨ ، وانظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/٧٨.
أنّه لثقة حافظته ، كان يهجم ، كالقول في التعديل والتجريح وتبيين أسماء الرواة ، فيقع له من ذلك أوهام شنيعة.
قال صاعد بن أحمد الربعي : كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس كلهم لعلوم الاسلام ، وأشبعهم معرفة ، وله مع ذلك توسّع في علم البيان وحظ من البلاغة ومعرفة بالسير والأنساب.
قال الحميدي : كان حافظاً للحديث مستنبطاً للأحكام من الكتاب والسنّة ، متقناً في علوم جمة ، عاملاً بعلمه ، ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء وسرعة الحفظ والتديّن وكرم النفس ، وكان له في الأثر باع واسع.
وقال مؤرخ الأندلس أبو مروان ابن حبان ، كان ابن حزم حامل فنون من حديث وفقه ونسب وأدب ، مع المشاركه في أنواع التعاليم القديمة ، وكان لا يخلو في فنونه من غلط لجرأته في السؤال على كل فن ».
ولقد ضعّف حديث النجوم الحافظ البيهقي في كتابه ( المدخل ) على ما نقل عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني(١) .
ترجمة البيهقي
ترجم له بكل تجليل وتكريم في : شذرات الذهب ٣/٣٠٤ وطبقات الشافعية ٤/١٦٨ والعبر ٣/٣٤٢ والنجوم الزاهرة ٥/٧٧ ووفيات الأعيان ١/٥٧ ـ ٥٨ وتذكرة الحفاظ ٣/٣٠٩ وغيرها.
قال ابن تغري بردى : « أحمد بن الحسين بن علي بن عبدالله الحافظ أبوبكر
__________________
(١) الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف المطبوع على هامش الكشاف ٢/٦٢٨.
البيهقي ، مولده سنة أربع وثمانين.
كان أوحد زمانه في الحديث والفقه ، وله تصانيف كثيرة ، جمع نصوص الامام الشافعي ـ رضي الله عنه ـ في عشرة مجلدات.
ومات بنيسابور في جمادى الاخرى ».
قال الحافظ أبو عمر ابن عبدالبر ما نصه :
قد روى أبو شهاب الحناط عن حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : أصحابي مثل النجوم فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم.
وهذا إسناد لا يصح ، ولا يرويه عن نافع من يحتج به.
وقد روى في هذا الحديث إسناد غير ما ذكر البزار عن سلام بن سليم قال : حدثنا الحارث بن غصين عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.
قال ابو عمرو : هذا إسناد لا تقوم به حجة ، لأن الحارث بن غصين مجهول »(١) .
ترجمة ابن عبدالبر
وترجمة ابن عبدالبر موجودة في كل معجم وضعت يدك عليه بكل اطراء واحترام كوفيات الأعيان ٦/٦٣ ومرآة الجنان ٣/٨٩ والمختصر ٢/١٨٧ ـ ١٨٨ والعبر ٣/٢٥٥ وتذكرة الحفاظ ٣/٣٤٩ وتاج العروس ٣/٣٧.
__________________
(١) جامع بيان العلم ٢/٩٠ ـ ٩١.
قال الذهبي :
« الإمام شيخ الاسلام حافظ المغرب ، ولد سنة ثمان وستين وثلاثمائة في ربيع الآخر ، وطلب الحديث وساد أهل الزمان في الحفظ والاتقان.
قال أبو الوليد الباجي : لم يك بالاندلس مثل أبي عمر في الحديث.
وقال ابن حزم : التمهيد لصاحبنا أبي عمر ، لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله اصلاً فكيف أحسن منه.
قال ابن سكرة : سمعت أبا الوليد الباجي يقول : أبو عمر أحفظ أهل المغرب.
قال الحميدي : أبو عمر فقيه حافظ عالم بالقراءات وبالخلاف وبعلوم الحديث والرجال ، قديم السماع ، يميل في الفقه إلى أقوال الشافعي ».
وصرّح بضعف حديث النجوم الحافظ ابن عساكر. وسيأتي ذلك من كلام المناوي.
ترجمة ابن عساكر
تجد ترجمته مع الثناء العظيم عليه في طبقات الشافعية ٤/٢٧٣ والمختصر ٣/٥٩ و وفيات الأعيان ٢/٤٧١ والعبر ٣/٢١٢ ومرآة الجنان ٣/٣٩٣ وتتمة المختصر ٢/١٢٤ ومعجم الأدباء ١٣/٧٧٣ ـ ٨٧ وتاريخ ابن كثير ١٢/٢٩٤ وغيرها.
قال اليافعي :
« الفقيه الامام المحدّث البارع الحافظ المتقن الضابط ، ذو العلم الواسع ، شيخ الاسلام ومحدّث الشام ، ناصر السنّة قامع البدعة ، زين الحافظ ، بحر العلوم الزاخر ، رئيس المحدّثين ، المقر له بالتقدّم ، العارف الماهر ، ثقة الدين ، أبو
القاسم علي بن الحسن هبة الله ابن عساكر ، الذي اشتهر في زمانه بعلو شأنه ، ولم ير مثله في أقرانه ، الجامع بين المعقول والمنقول ، والمميز بين الصحيح والمعلول ، كان محدّث زمانه ومن أعيان الفقهاء الشافعية ، غلب عليه الحديث واشتهر به ، كان حافظاً ديناً جمع بين معرفة المتون والأسانيد ».
وقال الحافظ ابن الجوزي ما نصه :
« روى نعيم بن حماد ، قال : نا عبدالرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : سألت ربي فيما يختلف فيه أصحابي من بعدي ، فأوحى إليّ يا محمد : إنّ أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء بعضها أضوأ من بعض ، فمن أخذ بشيء مما عليه من اختلافهم فهو على هدى.
قال المؤلف : وهذا لا يصح ، نعيم مجروح. وقال يحيى بن معين : عبدالرحيم كذاب »(١) .
ترجمة ابن الجوزي
جاءت ترجمته مع المدح والثناء في تاريخ ابن كثير ١٣/٢٨ ووفيات الأعيان ٢/٣٢١ ـ ٣٢٢ وتتمة المختصر ٢/١١٨ والأعلام ٤/٨٩ ـ ٩٠ وغيرها.
قال ابن خلكان :
« أبو الفرج عبدالرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن علي ابن عبيدالله بن عبدالله بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي
__________________
(١) العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ، وانظر فيض القدير في شرح الجامع الصغير ٤/٧٦.
الفقيه الحنبلي الواعظ الملقب جمال الدين الحافظ : كان علامة عصره ، وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ.
صنف في فنون عديدة ».
وقدح الحافظ ابن دحية في حديث النجوم ونفي صحته ، فقد قال الحافظ الزين العراقي ما نصه :
« وقال ابن دحية ـ وقد ذكر حديث أصحابي كالنجوم ـ حديث لا يصح »(١) .
ترجمة ابن دحية
توجد ترجمته مع الاطراء والثناء في : بغية الوعاة ٢/٢١٨ وشذرات الذهب ٤/١٦٠ ووفيات الأعيان ٣/١٢١ وحسن المحاضرة ١/٣٥٥ وغيرها.
قال السيوطي في حسن المحاضرة :
« الامام العلاّمة الحافظ الكبير أبو الخطاب عمر بن حسن ، كان بصيراً بالحديث معتنياً به ، له حظ وافر من اللغة ومشاركة في العربية. له تصانيف ، وطن مصر ، وأدّب الملك الكامل ، ودرّس بدار الحديث الكاملية »
وللحافظ أبي حيان تحقيق قيّم حول حديث النجوم ننقله نصاً لفوائده الجمعة :
قال « قال الزمخشري : فإنْ قلت : كيف كان القرآن تبياناً لكلّ شيء؟
__________________
(١) تعليق تخريج أحاديث منهاج البيضاوي. جاء ذلك عنه في عبقات الأنوار.
قلت : المعنى إنه بينّ كل شيء من أمور الدين حيث كان نصاً على بعضها ، وإحالة على السنّة حيث أمر باتّباع رسول الله عليه وسلّم وطاعته ، وقال( وما ينطق عن الهوى ) وحثاً على الاجماع في قوله( يتبع غير سبيل المؤمنين ) وقد رضي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأُمته اتّباع أصحابه والاقتداء بآثاره في قوله : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وقد اجتهدوا وقاسوا ووطئوا طريق القياس والاجتهاد ، فكانت السنة والاجماع والقياس مستندة إلى تبيين الكتاب ، فمن ثمّ كان تبياناً لكلّ شيء(١) .
وقوله : وقد رضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ـ إلى قوله ـ اهتديتم ، لم يقل ذلك رسول الله صلّى اله عليه وسلّم وهو حديث موضوع لا يصح بوجه عن رسول الله.
قال الحافظ أبو محمد بن أحمد بن حزم في رسالته ( إبطال الرأي والقياس والاستحسان والتعليل والتقليد ) ما نصه : وهذا خبر مكذوب عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مما في أيدي العامة ترويه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال : إنما مثل أصحابي كمثل النجوم ـ أو كالنجوم ـ بأيّها اقتدوا اهتدوا.
وهذا كلام لم يصح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ، رواه عبدالرحيم بن زيد العمّي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم. وإنما أتى ضعف هذا الحديث من قبل عبدالرحيم ، لأن أهل العلم سكتوا عن الرواية لحديثه. والكلام أيضاً منكر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يثبت ، والنبي صلّى الله عليه وسلّم لا يبيح الاختلاف من بعده من أصحابه. هذا نص كلام البزار.
قال ابن معين : عبدالرحيم بن زيد كذّاب ليس بشيء ، وقال البخاري هو متروك.
__________________
(١) هذا كلام الزمخشري في الكشاف ٢/٦٢٨.
رواه أيضاً حمزة الجزري. وحمزة هذا ساقط متروك »(١) .
ترجمة أبي حيان
يوجد الثناء البالغ عليه في : الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٤/٣٠٢ وفوات الوفيات ٢/٥٥٥ وبغية الوعاة ١/٢٨٠ ـ ٢٨١ والبدر الطالع ٢/٢٨٨ وطبقات القراء ٢/٢٨٥ ونفح الطيب ٣/٢٨٩ وشذرات الذهب ٦/١٤٥ ـ ١٤٦ والنجوم الزاهرة ١٠/١١١ وغيرها.
قال ابن العماد :
« الامام أثير الدين أبو حيان نحوي عصره ولغويّه ومفسّره ومحدّثه ومقريه ومؤرّخه وأديبه.
أكبّ على طلب الحديث وأتقنه وشرع فيه وفي التفسير والعربية والقراءات والأدب والتاريخ ، واشتهر اسمه وطار صيته وأخذ عنه أكابر عصره وتقدّموا في حياته.
قال الصفدي : لم أره قط إلاّ يسبّح أو يشتغل أو يكتب أو ينظر في كتاب ، وكان ثبتاً قيّماً ، عارفاً باللغة ، وأمّا النحو والتصريف فهو الامام المطلق فيهما ، خدم هذا الفن أكثر عمره ، حتى صار لا يدركه أحد في أقطار الأرض فيها ، وله اليد الطولى في التفسير والحديث وتراجم الناس ومعرفة طبقاتهم خصوصاً المغاربة.
وقال الأدفوي : كان ثبتاً صدوقاً حجة سالم العقيدة ».
وقدح الحافظ الذهبي في حديث النجوم في مواضع عديدة من ( ميزان الاعتدال في نقد الرجال ).
__________________
(١) البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي ٥/٥٢٧ ـ ٥٢٨.
منها : عند ترجمة جعفر بن عبدالواحد الهاشمي القاضي ، فإنه قال بعد أن نقل كلمات العلماء فيه :
« ومن بلاياه : عن وهب بن جرير عن أبيه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريره عن النبي صلّى الله عليه وسلّم : أصحابي كالنجوم من اقتدى بشيء منها اهتدى »(١) .
ومنها : عند ترجمة زيد العمّي حيث قال بعد إيراد الحديث : « فهذا باطل »(٢) .
ترجمة الذهبي
ترجم له في كافة المراجع الرجالية بالاطراء البالغ والثناء العظيم كالدرر الكامنة ٣/٣٣٦ ـ ٣٣٨ وطبقات الشافعية ٥/٢١٦ وفوات الوفيات ٢/٣٧٠ ـ ٣٧٢ والبدر الطالع ٢/١١٠ ـ ١١٢ والوافي بالوفيات ٢/١٦٣ ـ ١٦٨ وشذرات الذهب ٦/١٥٣ والنجوم الزاهرة ١٠/١٨٢ وطبقات القراء ٢/٧١ وغيرها.
قال ابن تغرى بردى :
« الشيخ الامام الحافظ المؤرخ صاحب التصانيف المفيدة شمس الدين أبو عبدالله الذهبي الشافعي ـرحمهالله تعالى ـ أحد الحفاظ المشهورة.
سمع الكثير ، ورحل البلاد ، وكتب وألّف ، وصنّف وأرّخ ، وصحّح وبرع في الحديث وعلومه ، وحصّل الأصول وانتقى ، وقرأ القراءات السبّع على جماعة من مشايخ القرءات ».
لقد قدح تاج الدين ابن مكتوم القيسي في حديث النجوم ، إذ استشهد
__________________
(١) ميزان الاعتدال ١/٤١٣.
(٢) ميزان الاعتدال ٢/١٠٢.
بكلام شيخه أبي حيّان الآنف الذكر ناقلاً نصّه عن ( البحر المحيط ) في كتابه ( الدر اللقيط من البحر المحيط )(١) .
ترجمة ابن مكتوم
أثنى عليه كلّ من ترجم له ، راجع : الدرر الكامنة ١/١٧٤ وحسن المحاضرة ١/٤٧ وطبقات القرّاء ١/٧٠ والجواهر المضيّة في طبقات الحنفيّة ١/٧٥ وغيرها.
قال السيوطي :
« أحمد بن عبدالقادر بن أحمد بن مكتوم تاج الدين أبو محمد القيسي ، جمع الفقه والنحو واللغة ، وصنّف تاريخ النحاة ، والدرّ اللقيط من البحر المحيط.
ولد في ذي الحجة سنة ٦٨٢ ، ومات سنة ٧٤٩ ».
وقدح شمس الدين ابن القيم في حديث النجوم ، حيث قال في ردّ المقلّدين وأدلتهم :
« الوجه الخامس والأربعون : قولهم : يكفي في صحّة التقليلد الحديث المشهور : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.
جوابه من وجوه :
أحدها : إنّ هذا الحديث قد روي من طريق الأعمش عن أبي سفيان بن جابر ، ومن حديث سعيد بن المسيب عن ابن عمر ، ومن طريق حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر.
ولا يثبت شيء منها.
__________________
(١) الدر اللقيط من البحر المحيط : المطبوع على هامش البحر المحيط ٥/٥٢٧.
قال ابن عبدالبر : حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد : إن أبا عبدالله بن مفرح حدّثهم ثنا محمد بن أيوب الصّموت قال : قال لنا البزار : وأمّا ما يروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم فهذا الكلام لا يصح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم »(١) .
ترجمة ابن القيم
له تراجم ضافية في كثير من الكتب أمثال : الدرر الكامنة ٣/٤٠٠ ـ ٤٠٣ والبدر الطالع ٢/١٤٣ ـ ١٤٦ والوافي بالوفيات ٢/٢٧٠ ـ ٢٧٢ وبغيه الوعاة ١/٦٢ ـ ٦٣ وتاريخ ابن كثير ١٤/٢٣٤ وغيرها.
قال ابن كثير في حوادث سنة ٧٥١ :
« وفي ليلة الخميس ثالث عشر رجب وقت أذان العشاء توفي صاحبنا الشيخ الامام العلاّمة شمس الدين إمام الجوزية وابن قيّمها.
سمع الحديث واشتغل بالعلم وبرع في علوم متعددة لا سيّما علم التفسير والحديث والأصلين ، وكان حسن القراءة والخلق ، كثير التودّد ، لا يحسد أحداً ولا يؤذيه ولا يستغيبه ولا يحقد على أحد ».
قال الحافظ الزين العراقي ما نصّه :
« حديث أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم : رواه الدار قطني في ( الفضائل ) وابن عبدالبر في ( العلم ) من طريقه من حديث جابر وقال : هذا إسناد لا تقوم به حجّة ، لأن الحارث بن غصين مجهول.
ورواه عبد بن حميد في ( مسنده ) من رواية عبدالرحيم بن زيد العمّي عن
__________________
(١) إعلام الموقعين ٢/٢٢٣.
أبيه عن ابن المسيب عن ابن عمر. قال البزار : منكر لا يصح.
ورواه ابن عدي في ( الكامل ) من رواية حمزة بن أبي حمزة النصيبي عن نافع عن ابن عمر بلفظ : فأيهم أخذتم بقوله ـ بدل اقتديتم ـ وإسناده ضعيف من أجل حمزة فقد أتّهم بالكذب.
ورواه البيهقي في ( المدخل ) من حديث عمر ومن حديث ابن عباس بنحوه ، ومن وجه آخر مرسلاً وقال : متنه مشهور وأسانيده ضعيفة لم يثبت في هذا إسناد.
قال البيهقي : ويؤدّي بعض معناه حديث أبي موسى : النجوم أمنة لأهل السماء ـ وفيه ـ : أصحابي أمنة لأُمتي الحديث. رواه مسلم »(١) .
ترجمة الزين العراقي
تجد ترجمته في كافة المعاجم مع الثناء البالغ عليه ، أنظر منها : طبقات القراء ١/٣٨٢ والضوء اللاّمع ٤/١٧١ ـ ١٧٨ والبدر الطالع ١/٣٥٤ و ٣٥٦ وشذرات الذهب ٧/٥٥ ـ ٥٦.
قال ابن العماد في حواديث سنة ٨٠٦ :
« وفيها : الحافظ زين الدين عبدالرحيم بن الحسين العراقي الشافعي ، حافظ العصر ».
قال الحافظ شهاب الدين ابن الحجر العسقلاني ما نصه :
« حديث أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم.
__________________
(١) تخريج أحاديث المنهاج ، عنه في عبقات الأنوار. وسيأتي تضعيفه لما أسنده البيهقي في المدخل من حديث ابن عباس المشتمل على حديث الاختلاف.
الدار قطني في ( المؤتلف ) من رواية سلام بن سليم عن الحارث ابن غصين عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعاً ، وسلام ضعيف.
وأخرجه في ( غرائب مالك ) من طريق حميد بن زيد عن مالك عن جعفر ابن محمد عن أبيه عن جابر في أثناء حديث وفيه : فبأيّ قول أصحابي أخذتم اهتديتم ، إنما مثل أصحابي مثل النجوم من أخذ بنجم منها اهتدى ، وقال : لا يثبت عن مالك ، ورواته دون مالك مجهولون.
ورواه عبد بن حميد والدار قطني في ( الفضائل ) من حديث حمزة الجزري عن نافع عن ابن حمزة. وحمزة اتهموه بالوضع.
ورواه القضاعي في ( مسند شهاب ) من حديث أبي هريرة ، وفيه جعفر بن عبدالواحد الهاشمي ، وقد كذّبوه.
ورواه ابن طاهر من رواية بشر بن الحسن عن الزبيري عدي عن أنس ، وبشر كان متهماً أيضاً.
وأخرجه البيهقي في ( المدخل ) من رواية جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. وجويبر متروك ، ومن رواية جويبر عن جوّاب بن عبيدالله مرفوعاً. وهو مرسل.
قال البيهقي : هذا المتن مشهور وأسانيده كلّها ضعيفة.
وروى في ( المدخل ) أيضاً عن ابن عمر : سألت ربي فيما يختلف فيه أصحابي من بعدي فأوحى إليّ يا محمّد أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء بعضها أضوأ من بعض فمن أخذ بشيء ممّا هو عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى. وفي اسناده عبدالرحيم بن زيد العمّي. وهو متروك »(١) .
__________________
(١) الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف المطبوع بهامش الكتاب ، ٢/٦٢٨.
ترجمة ابن حجر
ترجم له بكل تكريم وتعظيم في : حسن المحاضرة ١/٣٦٣ ـ ٣١٦٦ والبدر الطالع ١/٨٧ ـ ٩٢ والضوء اللامع ٢/٣٦ ـ ٤٠ وشذرات الذهب ٨/٢٧٠ ـ ٢٧٣ وغيرها.
قال السيوطي :
« إمام الحفّاظ في زمانه ، قاضي القضاء ، إنتهت إليه الرّحلة والرياسة في الحديث في الدنيا باسرها ، فلم يكن في عصره حافظ سواه.
وألّف كتباً كثيرة كشرح البخاري ، وتعليق التعليق ، وتهذيب التهذيب ، وتقريب التهذيب ، ولسان الميزان ، والاصابة في الصحابة ، نكت ابن الصلاح ، ورجال الأربعة وشرحها ، والألقاب ».
لقد صرّح ابن الهمام ـ وهو من أكابر أئمة الحنفية ـ بأنّ حديث النجوم لم يعرف(١) .
ترجمة ابن الهمام
ترجم له مع التجليل والاحترام في البدر الطالع ١/٢٠١ ـ ٢٠٢ وحسن المحاضرة ١/٤٧٤ وبغية الوعاة ١/١٦٦ ـ ١٦٩ وهدية العارفين ٢/٢٠١ والتيسير في شرح التحرير ١/٣ ـ ٤ وشذرات الذهب ٧/٢٩٨ وغيرها.
قال ابن العماد في حوادث سنة ٨٦١ :
« وفيها : كمال الدين محمد بن عبدالواحد بن عبدالحميد بن مسعود
__________________
(١) التحرير بشرح أمير بادشاه الحسيني ٣/٢٤٣ ، في مبحث الاجماع.
السيواسي ثم الاسكندري المعروف بابن الهمام الحنفي الامام العلاّمة.
قال في بغية الوعاة : كان علاّمة في الفقه والأصول والنحو والتصريف والمعاني والبيان والتصوف والموسيقي وغيرها ، محققاً جدلياً نظّاراً ، وكان يقول : لا أقلّد في المقولات أحداً ».
لقد أوضح ابن أمير الحاج وهن حديث النجوم حيث قال :
« ( وبمعارضته ) أي : وأجيب أيضاً بمعارضة كل منهما ( بأصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، وخذوا شطر دينكم عن الحميراء ) أي عائشة وإنْ خالف قول الشيخين او الأربعة ( إلاّ أنّ الأول ) أي : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديم ( لم يعرف ) بناء على قول ابن حزم في رسالته الكبرى : مكذوب موضوع باطل ، وإلاّ فله طرق من رواية عمر وابنه وجابر وابن عباس وأنس بألفاظ مختلفة أقربها إلى اللفظ المذكور ما أخرج ابن عدي في ( الكامل ) وابن عبد البر في ( بيان العلم ) عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : مثل أصحابي مثل النجوم يهتدى بها ، فأيّهم أخذتم بقوله اهتديتم. وما أخرج الدار قطني وابن عبدالبر عن جابر قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : مثل أصحابي في أمتي مثل النجوم فبأيّهم اقتديتم اهتديتم.
نعم لم يصح منها شيء ، ومن ثمة قال أحمد : حديث لا يصح ، والبزار : لا يصح هذا الكلام عن النبي صلّى الله عليه وسلّم.
إلاّ أن البيهقي. قال في كتاب ( الاعتقاد ) رويناه في حديث موصول بإسناد غير قوي ، وفي حديث آخر منقطع ، والحديث الصحيح يؤدي بعض معناه وهو حديث أبي موسى المرفوع »(١) .
__________________
(١) التقرير والتحبير في شرح التحرير ، وانظر التيسير في شرح التحرير ٣/٢٤٣ ـ ٢٤٤
ترجمة أمير الحاج
ترجم له كبار العلماء بكل إطراء ، راجع : الضوء اللامع ٩/٢١٠ وشذرات الذهب ٦/٣٢٨ والبدر الطالع ٢/٢٥٤ وغيرها.
قال ابن العماد :
« شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن الحسن المعروف بابن أمير الحاج الحلبي الحنفي عالم الحنفية بحلب وصدرهم.
كان إماماً عالماً مصنّفاً ، صنّف التصانيف الفاخرة الشهيرة وأخذ عنه الأكابر ، وافتخروا بالانتساب إليه ، وتوفي بحلب في رجب عن بضع وخمسين سنة ».
وقال السخاوي الحافظ حول هذا الحديث ما نصه :
« حديث اختلاف أمتي رحمة. البيهقي في ( المدخل ) من حديث سليمان بن أبي كريمة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عبّاس قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : مهما أوتيتم من كتاب الله فالعلم به لا عذر لأحدٍ في تركه ، فإنْ لم يكن في كتاب الله فبسنة مني ماضية ، فإنْ لم تكن سنة مني فما قال أصحابي ، إنّ أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيّما أخذتم به اهتديتم واختلاف أمتي رحمة.
ومن هذا الوجه أخرج الطبراني والديلمي في مسنده بلفظ سواء. وجويبر ضعيف ، والضحاك عن ابن عباس منقطع »(١) .
__________________
(١) المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة ٢٦/٢٧.
ترجمة السخاوي
تجد ترجمته في أكثر الكتب الرجالية والتاريخية أمثال : شذرات الذهب ٨/١٥ ـ ١٧ ومفاكهة الخلاّن ١/١٧٨ والضوء اللامع ٨/٢ ـ ٣٢ والبدر الطالع ٢/١٨٤ والنور السافر ص١٦ وغيرها.
قال ابن العماد في حوادث سنة ٩٠٢.
« وفيها : الحافظ شمس الدين أبو الخير محمد بن عبدالرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي.
برع في الفقه والعربية والقراءات والحديث والتاريخ ، وشارك في الفرائض والحساب والتفسير وأصول الفقه والميقات وغيرها.
وأما مقروءاته ومسموعاته فكثيره جداً لا تكاد تحصر.
وأخذ عن جماعة لا يحصون يزيدون على أربعمائة نفس ، وأذن له غير واحد بالافتاء والتدريس والاملاء ، وسمع الكثير على شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني ، وانتهى إليه علم الجرح والتعديل ، حتى قيل : لم يكن بعد الذهبي أحد سلك مسلكه ».
وقد قدح ابن أبي شريف الشافعي في حديث النجوم ناقلاً عن شيخه ابن حجر العسقلاني ، كما ستعرف ذلك من كلام المناوي إن شاء الله تعالى.
ترجمة ابن أبي شريف
تجد ترجمته الضافية في : الضوء اللامع ٩/٦٤ ـ ٦٧ والبدر الطالع ٢/٢٤٣ ، ٢٤٤ والأنس الجليل ٢/٢٨٨ ومفاكهة الخلاّن ١/١٢٦ ، ١٧٥ ، ٢١١ وشذرات الذهب ٨/٢٩ وغيرها.
قال ابن العماد :
« كمال الدين أبو المعالي محمد بن الأمير ناصر الدين محمد ابن أبي بكر بن علي بن أبي شريف المقدسي الشافي المري سبط الشهاب العميري المالكي الشهير بابن عوجان.
الشيخ الامام شيخ الاسلام ملك العلماء الأعلام ».
وأخرجه الحافظ جلال الدين السيوطي في ( الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير ) واضعاً عليه الحرف « ض » وهو رمز الضعف(١) .
ترجمة السيوطي
وتوجد ترجمته الضافية في حسن المحاضرة ١/٣٣٥ ، ٣٤٤ والبدر الطالع ١/٣٢٨ ، ٣٣٥ وشذرات الذهب ٨/٥١ ، ٥٥ ومفاكهة الخلاّن ١/٢٩٤ ، وغيرها.
قال ابن العماد في حوادث سنة ٩١١ :
« وفيها : الحافظ جلال الدين السيوطي الشافعي ، المسند المحقّق المدقق صاحب المؤلّفات الفائقة النافعة.
قال تلميذه الداودي : كان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه »
وقدح الشيخ علي المتقي الهندي في حديث النجوم في ( كنز العمال ) و ( منتخب كنز العمال )(٢) حيث نقل فيهما تضعيف الحافظ السيوطي.
__________________
(١) الجامع الصغير بشرح المناوي ٤/٧٦.
(٢) كنز العمال ٦/١٣٣ ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد.
ترجمة المتقي
ترجم له بكل تفخيم وتعظيم في النور السافر ٣١٥ ـ ٣١٩ وسبحة المرجان ٣٤ وشذرات الذهب ٨/٣٧٩ وأبجد العلوم ٨٩٥ وغيرها.
قال ابن العماد :
« علي المتقي بن حسام الدين الهندي ثم المكي ، كان من العلماء العالمين وعباد الله الصالحين ، على جانب عظيم من الورع والتقى والاجتهاد في العبادة ورفض السوى ، وله مصنفات عديدة ومقامات كثيرة ، وتوفي بمكة المشرفة بعد مجاورته بها مدّةً طويلة ».
وقال الشيخ علي القاري المكي ما نصّه :
« قال ابن الديبع : إعلم أن حديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، أخرجه ابن ماجة ، كذا ذكره الجلال السيوطي في ( تخريج أحاديث الشفاء ) ولم أجده في سنن ابن ماجة بعد البحث عنه.
وقد ذكره ابن حجر العسقلاني في ( تخريج أحاديث الرافعي ) في باب أدب القضاء ، وأطال الكلام عليه وذكر أنّه ضعيف واه ، بل ذكر عن ابن حزم : إنه موضوع باطل.
لكن ذكر عن البيهقي أنه قال : إن حديث مسلم يؤدّي بعض معناه ـ يعني قوله صلّى الله عليه وسلّم : النجوم أمنة للسماء الحديث ـ قال ابن حجر : صدق البيهقي هو يؤدّي صحة التشبيه للصحابة بالنجوم ، أما في الاقتداء فلا يظهر ، نعم يمكن أن يتلمح ذلك من معنى الاهتداء بالنجوم.
قلت : الظاهر إن الاهتداء فرع الاقتداء.
قال : وظاهر الحديث إنما هو إشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض الصحابة
من طمس السنن وظهور البدع وفشو الجور في أقطار الأرض. انتهى.
وتكلّم على هذا الحديث ابن السبكي في ( شرح ابن الحاجب ) الأصلي في الكلام على عدالة الصحابة ولم يعزه لابن ماجة ، وذكره في ( جامع الأصول ) ولفظه عن ابن المسيب عن عمر بن الخطاب مرفوعاً : سألت ربي الحديث إلى قوله : اهتديتم ، وكتب بعده : أخرجه. فهو من الأحاديث التي ذكره رزين في ( تجريد الأصول ) ولم يقف عليها ابن الأثير في الأصول المذكورة ، وذكره صاحب ( المشكاة ) وقال : أخرجه رزين »(١) .
ترجمة القاري
توجد ترجمة القاري في : خلاصة الأثر ٣/١٨٥ والبدر الطالع ١/٣٥٥ ـ ٤٤٦ وكشف الظنون ٢/١٧٠٠ وغيرها.
قال المحبي :
« علي بن محمد سلطان الهروي المعروف بالقاري الحنفي نزيل مكة وأحد صدور العلم ، فرد عصره ، الباهر السمت في التحقيق وتنقيح العبارات ، وشهرته كافية عن الاطراء في وصفه.
إشتهر ذكره ، وطار صيته ، وألّف التآليف الكثيرة اللطيفة التأدية ، المحتوية على الفوائد الجليلة.
منها شرحه على المشكاة في مجلدات ، وهو أكبرها وأجلّها ».
وقال المناوي بشرح الحديث : ( سألت ربي فيما يختلف فيه أصحابي من بعدي ) ما نصه :
__________________
(١) المرقاة في شرح المشكاة ٥/٥٢٣. كما اعترف بضعفه في شرح الشفاء وأورده أيضا في الموضوعات.
« السجزي في كتاب ( الابانة عن أصول الديانة ) وابن عساكر في ( التاريخ ) عن عمر بن الخطاب.
قال ابن الجوزي في ( العلل ) : هذا لا يصح.
وفي ( الميزان ) : هذا الحديث باطل. إنتهى.
وقال ابن حجر في ( تخريج المختصر ) : حديث غريب سئل عنه البزار فقال : لا يصح هذا الكلام عن النبيصلىاللهعليهوآله . انتهى.
وقال الكمال ابن أبي شريف : كلام شيخنا ـ يعني ابن حجر ـ يقتضي أنه مضطرب. وأقول : ظاهر صنيع المصنف أن ابن عساكر خرّجه ساكتاً عليه ، والأمر بخلافه فإنّه تعقّبه بقوله : قال ابن سعد : زيد العمي أبو الحواري ، كان ضعيفاً في الحديث. وقال ابن عدي : عامة ما يرويه عنه ضعفاء »(١) .
ترجمة المناوي
ترجم له مع الاطراء والاحترام في : خلاصة الأثر ٢/٤١٢ ـ ٤١٦ والبدر الطالع ١/٣٥٧ والأعلام ٨/٧٥ ـ ٧٦ وغيرها.
قال المحبي :
« عبدالرؤف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الملقّب بزين الدين الحدادي ثم المناوي القاهري الشافعي.
الامام الكبير الحجة الثبت القدوة ، صاحب التصانيف السائرة وأجل أهل عصره من غير ارتياب.
وكان إماماً فاضلاً زاهداً عابداً قانتاً الله خاشعاً له كثير النفع ، وكان متقرباً بحسن العمل مثابراً على التسبيح والأذكار صابراً صادقاً ، وكان يقتصر يومه وليلته على اكلة واحدة من الطعام.
__________________
(١) فيض القدير في شرح الجامع الصغير ٤/٧٦.
وقد جمع من العلوم والمعارف على اختلاف أنواعها وتباين أقسامها ما لم يجتمع في أحد ممن عاصره ».
وقد أذعن الشيخ شهاب الدين الخفاجي في ( شرح الشفاء ) بضعف حديث النجوم(١) ثم جعل يدافع عن القاضي عياض ، رداً على من اعترض عليه إخراجه هذا الحديث في ( الشفاء ) بصيغة الجزم وهو شارحه أبوذر الحلبي.
ترجمة الخفاجي
جاءت ترجمته الضافية في : خلاصة الأثر ١/٣٣١ ـ ٣٤٣ وريحانة الألباء ٢٧٢ ـ ٣٠٩ والأعلام ١/٢٢٧ ـ ٢٢٨ وغيرها من المصادر الرجالية.
قال المحبي :
« الشيخ احمد بن محمد بن عمر قاضي القضاة الملقّب بشهاب الدين الخفاجي المصري الحنفي صاحب التصانيف السائرة ، وأحد أفراد الدنيا المجمع على تفوقه وبراعته ، وكان في عصره بدر سماء العلم ونير أفق النثر والنظم ، رأس المؤلفين ورئيس المصنفين ، سار ذكره سير المثل ، وطلعت أخباره طلوع الشهب في الفلك ، وكل من رأيناه أو سمعنا به ممن أدرك وقته معترفون له بالتفرد في التقرير والتحرير وحسن الانشاء ، وليس فيهم من يلحق شأوه ولا يدعى ذلك ، مع أن في الخلق من يدعي مال ليس فيه.
وتآليفه كثيرة وممتعة مقبولة ، وانتشرت في البلاد ».
__________________
(١) نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض ٤/٤٢٣ ـ ٤٢٤.
وقال القاضي محب الله البهاري عند نفي حجية إجماع الشيخين أو الخلفاء الأربعة:
« قالوا : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.
وعليكم سنتي الحديث.
قلنا : خطاب للمقلدين وبيان لأهلية الاتباع ، لأنّ المجتهدين كانوا يخالفونهم ، والمقلدين قد يقلّدون غيرهم.
أما المعارضة : بأصحابي كالنجوم. وخذوا شطر دينكم عن الحميراء كما في ( المختصر ) : فتدفع بأنهما ضعيفان »(١) .
ترجمة البهاري
توجد ترجمته في : سبحة المرجان في علماء هندوستان ٧٦ ـ ٧٨ وأبجد العلوم ٩٠٥ وكشف الظنون ، وهدية العارفين ، وإيضاح المكنون ، والاعلام ٦/١٦٩.
قال الزركلي :
« محبّ الله بن عبد الشكور البهاري الهندي. قاض ، من الأعيان من أهل بهار ، وهي مدينة عظيمة شرقي بورب بالهند.
مولده في موضع يقال له كره بفتحتين ، ولّي قضاء لكنهو ، ثم قضاء حيدر آباد الدكن ، ثم ولّي صدارة ممالك الهند ، ولقّب بفاضل خان ، ولم يلبث أن توفي.
من كتبه : مسلم الثبوت في أصول الفقه ، والجوهر الفرد رسالة ، وسلّم العلوم في المنطق ».
__________________
(١) مسلم الثبوت بشرح الأنصاري ٢/٢٤١.
وقال القاضي الشوكاني في مبحث الاجماع :
« وهكذا حديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، يفيد حجية قول كلّ واحد منهم.
وفيه مقال معروف ، لأن في رجاله عبدالرحيم العمّي عن أبيه ، وهما ضعيفان جداً ، بل قال ابن معين : إن عبدالرحيم كذّاب ، وقال البخاري متروك ، وكذا قال أبو حاتم.
وله طريق أخرى فيه : حمزة النصيبي وهو ضعيف جدّاً ، قال البخاري : منكر الحديث ، وقال ابن معين : لا يساوي فلساً ، وقال ابن عدي : عامة مروياته موضوعة.
وروى أيضاً من طريق : جميل بن زيد ، وهو مجهول »(١) .
ترجمة الشوكاني
ترجم له في : البدر الطالع ٢/٢١٤ ـ ٢٢٥ وأبجد العلوم ٨٧٧ والأعلام ٧/١٩٠ ـ ١٩١ وغيرها.
قال الزركلي :
« محمد بن علي بن محمد بن عبدالله الشوكاني :
فقيه مجتهد من كبار علماء اليمن ، من أهل صنعاء ولد بهجره شوكان ( من بلاد خولان باليمن ) ونشأ بصنعاء ، وولّي قضاءها سنة ١٢٢٩ ومات حاكماً بها ، وكان يرى تحريم التقليد. له ١١٤ مؤلّفاً ».
__________________
(١) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ٨٣.
واكتفى صديق حسن خان في مسألة عدالة الصحابة حيث ذكر هذا الحديث بالقول :
« وقوله : أصحابي كالنجوم ، على مقال فيه معروف »(١) .
ترجمة الصديق حسن
توجد ترجمته في : الأعلام ٧/٣٦ ـ ٣٧ وأبجد العلوم ٩٣٩ وإيضاح المكنون ١/١٠ وغيرها.
قال الزركلي :
« محمد صديق خان بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القونجي أبو الطيب.
من رجال النهضة الاسلامية المجدّدين ، ولد ونشأ في قنوج بالهند ، وتعلّم في دهلي ، وسافر إلى بهوبال طلباً للمعيشة ففاز ثروة وافرة.
قال في ترجمة نفسه : ألقى عصا الترحال في محروسة بهوبال ، فأقام بها ، وتوطّن وتموّل واستوزر وناب وألّف وصنّف.
وتزوّج بملكة بهوبال ، ولقّب بنواب عالي الجاه أمير الملك بهادر.
له نيف وستّون مصنفاً بالعربية والفارسية والهندية ».
* * *
ويجب أن ننبه هنا على أن ذكر هؤلاء العلماء لم يكن على سبيل الحصر ، وإنما كان على سبيل التمثيل ، إذ أنّ هناك علماء كثيرين غيرهم يصرحون بضعف حديث
__________________
(١) حسن المأمول من علم الأصول ص ٥٦.
النجوم منهم :
ابن الملقّن.
وابن تيمية.
والجلال المحلي.
وأبو نصر السجزي
وأبوذر الحلبي.
وأحمد بن قاسم العبادي.
والسبكي.
وابن امام الكاملية صاحب منهاج الأُصول.
والمولوي نظام الدين صاحب صبح صادق في شرح المنار.
وولده المولوي عبدالعلي بحر العلوم صاحب شرح مسلّم الثبوت.
ومن العلماء المتأخرين :
محمد ناصر الدين الألباني(١) .
والسيد محمد بن عقيل العلوي.
بل يمكن أن نقول : إن رأي كافة العلماء ، من القدماء والمتأخرين ـ الذين يجوزون الخطأ على الصحابة ، ولا يذهبون إلى عدالتهم وعصمتهم أجمعين ، وقد تقدم ذكر بعضهم في « التمهيد »
* * *
__________________
(١) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
(٢) النصائح الكافية لمن يتولى معاوية.
تكملة
لقد علم فيما سبق في غضون الكتاب : أن بعض طرق حديث النجوم يشتمل على حديث آخر وهو « إختلاف أمتي رحمة » وقد ضعّف جماعة من المحدّثين الاسناد المشتمل على الحديثين.
فرأيت من المناسب أن أورد هنا بعض كلماتهم بالنسبة إلى هذا الحديث خاصة.
قال الحافظ العراقي :
« حديث اختلاف أمتي رحمة : ذكره البيهقي في رسالته ( الأشعرية ) تعليقاً وأسنده في ( المدخل ) من حديث ابن عباس بلفظ : إختلاف أصحابي لكم رحمة.
وإسناده ضعيف »(١) .
وقال الحافظ محمد بن ظاهر(٢) :
« في ( المقاصد ) : إختلاف إمتي رحمة. البيهقي عن الضحاك عن ابن عباس رفعه في حديث طويل بلفظ : إختلاف أصحابي لكم رحمة.
وكذا الطبراني والديلمي :
والضحاك عن ابن عباس منقطع ، وقال العراقي : مرسل ضعيف »(٣) .
وصرح محمد ناصر الدين الألباني المعاصر بأنه لا أصل له ، ونقل كلمات جماعة في ذلك(٤) .
* * *
__________________
(١) المغني عن حمل الأسفار في الأسفار بهامش إحياء العلوم ١/٣٤.
(٢) ترجمته في : شذرات الذهب ٨/٤١٠ والنور السافر ٣٦١ وأبجد العلوم ٨٩٥ توفي سنة ٩٨٦.
(٣) تذكرة الموضوعات ٩٠ ـ ٩١.
(٤) سلسلة الأحاديث الضعيفة الموضوعة ١/٧٦ ـ ٧٨.
كانت هذه كلمات هؤلاء الأعلام من أهل السنة في ردّ حديث النجوم وتضعيفة والحكم بوضعه فلننتقل إلى الناحية التالية وهي أسانيد هذا الحديث ورجالها ، لنرى كلمات الأئمة فيها بالتفصيل :
* * *
(٢)
نظرات في أسانيد ورواة
حديث النجوم وآراء أئمة الجرح
والتعديل فيهم
إنّ الحديث النجوم أسانيد عديدة تفيد بمجموعها الشهرة ، لكن التتبّع لها يفيد : أن واحداً من تلك الأسانيد لم يكن ليسلم من طعن علماء الرجال وأئمة الجرح والتعديل من أهل السنة.
لقد رووا هذا الحديث عن عبدالله بن عمر ، إلاّ أنّ في سند الرواية :
١ ـ « عبدالرحيم بن زيد ».
ومن راجع كتاب ( الضعفاء ) للبخاري و ( الضعفاء ) للنسائي ، و ( العلل ) لابن أبي حاتم ، و ( الموضوعات ) و ( العلل المتناهية ) لابن الجوزي ، و ( ميزان الاعتدال ) و ( الكاشف ) و ( المغني ) للذهبي و ( خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ) للخزرجي وغيرها وجد كلمات الطعن والذم لهذا الرجل كقولهم : « ليس بشيء » و« كذاب » و « ضعيف » و« كذاب خبيث ».
وقد مر في مواضع من الكتاب بعض تلك الكلمات.
٢ ـ « زيد العمّي ».
وقد صرّحوا بضعفه أيضاً ، بل تقدم في كلام المناوي عن الحافظ ابن عدي قوله « عامّة ما يرويه ومن يروي عنه ضعفاء ».
* * *
ورووه بسند آخر من عبدالله بن عمر أيضاً إلاّ أن فيه :
« حمزة الجزري ».
الذي جاء في ( الضعفاء ) للبخاري « حمزة بن أبي حمزة النصيبي : منكر الحديث » وفي ( الضعفاء ) للنسائي : « متروك الحديث » وفي ( الموضوعات ) : « قال يحيى ليس بشيء ، وقال ابن عدي يضع الحديث » وفيه عن أحمد « هو مطروح الحديث » وعن يحيى « لا يساوي فلساً » وتجد أمثال هذه الكلمات في ( البحر المحيط ) لأبي حيان و ( الميزان ) و ( الكاشف ) للذهبي وغيرها ، وقد تقدم بعضها.
لقد رووا هذا الحديث عن عبدالله بن عمر ، إلاّ أنّ في سند الرواية :
١ ـ « نعيم بن حماد ».
وهو مجروح كما تقدم في كلام ابن الجوزي.
٢ ـ « عبد الرحيم بن زيد »
٣ ـ « زيد العمي ».
وقد تقدم الكلام فيهما.
ورووا هذا الحديث عن جابر بن عبدالله ، إلاّ أن رواته مجهولون ، فقد تقدم عن ابن حجر العسقلاني في ( تخريج أحاديث الكشاف ) قوله :
« وأخرجه ـ يعني الدار قطني ـ في ( غرائب مالك ) من طريق حميد بن زيد عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر في أثناء حديث وفيه :
فبأيّ قول أصحابي أخذتم اهتديتم ، إنّما مثل أصحابي مثل النجوم ، من أخذ بنجم منها اهتدى.
قال : لا يثبت عن مالك : ورواته دون مالك مجهولون ».
* * *
ورواه بسند آخر عن جابر أيضاً ، إلاّ أن فيه :
١ ـ « أبو سفيان ».
وقد قال ابن حزم « أبو سفيان ضعيف »(١) .
٢ ـ « سلام بن سليم ».
وقد قال ابن حجر : « وسلام ضعيف ».
وقال ابن حزم : « يروي الأحاديث الموضوعة وهذا منها بلا شك ».
وقال ابن خراش : « كذب ».
وقال ابن حبان : « روى أحاديث موضوعة ».
ونقل هذه الكلمات في ( سلسلة الأحاديث الموضوعة والضعيفة ) وأضاف أنه ( مجمع على ضعفه ).
٢ ـ « الحارث بن غصين ».
وقد قال ابن عبدالبر بعد أن نقل الحديث بالاسناد عن جابر : « هذا إسناد لا تقوم به حجة ، لأن الحارث بن غصين مجهول ».
وقد تقدم أن الزين العراقي أورد كلام ابن عبدالبر هذا مرتضياً إيّاه
ورووا أيضاً هذا الحديث عن ابن عبّاس ، إلاّ أن في سند الرواية :
١ ـ « سليمان بن أبي كريمة ».
__________________
(١) راجع سلسلة الأحاديث ١/٧٨.
وقد ضعّفه أبو حاتم الرازي والجلال السيوطي ومحمد بن طاهر وقال ابن عدي : « عامة أحاديثه مناكير » وقال الذهبي : « لينّ صاحب مناكير » راجع : ( الموضوعات ) لابن الجوزي و ( ميزان الاعتدال ) و ( المغني ) للذهبي ، ( لسان الميزان ) لابن حجر و ( قانون الموضوعات ) لمحمد بن طاهر ، وغيرها.
٢ ـ « جويبر بن سعيد ».
الذي قال النسائي في ( الضعفاء ) عنه : « متروك الحديث » والبخاري في ( الضعفاء ) : « جويبر بن سعيد البلخي عن الضحاك ، قال علي بن يحيى : كنت أعرف جويبراً بحديثين ، ثم أخرج هذه الأحاديث فضعّف » وابن الجوزي في ( الموضوعات ) : « وأما جويبر فأجمعوا على تركه. قال أحمد : لايشتغل بحديثه » وفي ( الميزان ) « قال ابن معين : ليس بشيء وقال الجوزجاني : لا يشتغل به ، وقال النسائي والدار قطني وغيرهما : « متروك الحديث » وفي ( الكاشف ) : « تركوه » إلى غير ذلك من الكلمات.
٣ ـ « الضحاك بن مزاحم ».
وقد جاء في ترجمته من ( الميزان ) و ( المغني ) للذهبي و ( تهذيب التهذيب ) لابن حجر العسقلاني وغيرها : إنّ الرجل كان لا يحدّث عنه ، ضعيفاً في الحديث ، مجروحاً.
وقد أنكر شعبة وجماعة من كبار الأئمّة أن يكون لقي الرجل ابن عباس
ورووا هذا الحديث عن أبي هريرة أيضاً ، إلاّ أن في سند الرواية :
« جعفر بن عبدالواحد القاضي الهاشمي ».
وكان هذا لرجل متهماً بوضع الحديث وسرقته ، متروكاً كذاباً كما يظهر من مراجعة ( تخريج أحاديث الكشاف ) و ( لسان الميزان ) لابن حجر العسقلاني ، و ( المغني ) و ( الميزان ) للذهبي ، و ( اللالي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ) للجلال
السيوطي وغيرها.
هذا بغض النظر عن المقال المعروف في أبي هريرة نفسه.
ولقد رووا هذا الحديث كذلك عن أنس بن مالك ، إلاّ أن في سند الرواية :
« بشر بن الحسين ».
يرويه عن الزبير بن عدي عن أنس وقد قال الذهبي في ( المغني ) : « قال الدار قطني : متروك ، وقال أبو حاتم : يكذب على الزبير ».
ولاحظ سائر الكلمات في ذمه في ( لسان الميزان )(١) لابن حجر.
* * *
__________________
(١) لسان الميزان ٢/٢١ ـ ٢٣.
(٣)
تأملات في متن حديث
النجوم
والآن هلمّ معي لنرى هل يصح صدور مثل هذا الكلام من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ وهل كان جميع الصحابة على خير من بعده؟ وهل كانوا جميعاً مؤهلين لأن يقتدى بهم؟ وهل كانوا جميعاً هادين حقاً؟
إذا كان كذلك ، فما معنى قوله تعالى :
( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) (١) .
وقوله تعالى :
( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذّبهم مرّتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ) (٢) .
وغيرهما من الآيات الكريمة التي تنص على وجود المنافقين بين أصحاب الرسولصلىاللهعليهوآله .
ثم هل يمكن الاعتقاد بأنهصلىاللهعليهوآله كان لا يعلم ما سيقع بعده بين الأمة الاسلامية؟
كلاّ ثمّ كلاّ إنّهصلىاللهعليهوآله كان على علم بجميع ما سيحدث بين أصحابه وأمته إلى يوم القيامة ، لذا وردت الأحاديث الكثيرة التي لا تحصى يخبر فيها عليه وعلى اله الصلاة والسلام عن القضايا التي سيستقبلها
__________________
(١) سورة آل عمران ٣ : ١٤٤.
(٢) سورة التوبة ٩ : ١٠١.
المسلمون.
إنه صلّى الله عليه وعلى آله الطاهرين قال : « ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة »(١) .
وهناك أحاديث كثيرة أيضاً وردت في خصوص صحابته تفيد سوء حال جم غفير منهم ، وانقلابهم من بعده على أعقابهم ، مرتدين عن الدين راجعين بعده كفاراً خاسرين.
منها : قولهصلىاللهعليهوآله فيما أخرجه البخاري :
« أنا فرطكم على الحوض ، وليرفعنّ رجال منكم ، ثمّ ليختلجنّ دوني ، فأقول : يا رب أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما احدثوا بعدك » وفي حديث : فأقول : سحقاً لمن غيّر بعدي » وفي بعض الأحاديث : « إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى »(٢) .
ومنها : قولهصلىاللهعليهوآله لأصحابه :
« لا ترجعوا بعدي كفاراً »(٣) .
ومنها : قولهصلىاللهعليهوآله :
« الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل »(٤) .
... إلى غير ذلك من الأحاديث التي رواها القوم عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله في ذم الصحابه آحاداً وجماعات ، في موارد كثيرة ومناسبات مختلفة
__________________
(١) رواه جماعة ، وقال العلامة المقبلي في ( العلم الشامخ ) : « وحديث افتراق الأمة إلى سبعين فرقة رواياته كثيرة يعضد بعضها بعضاً بحيث لا تبقى ريبة في حاصل معناه ». المذاهب الاسلامية لمحمد أبو زهرة ص١٤.
(٢) صحيح البخاري باب في الحوض ٤/٨٧ ـ ٨٨ وغيره من الصحاح وكتب الحديث.
(٣) إرشاد الفحول ص٧٦.
(٤) الجامع الصغير. قال المناوي ، خرّجه الإمام أحمد في المسند ، وكذا أبو يعلى عن أبي نفيسة ، ورواه أحمد والطبراني عن أبي موسى ، وأبو نعيم في الحلية عن أبي بكر. فيض القدير ٤/١٧٣.
ومواطن عديدة
فكيف يحسن منه سلام الله عليه وآله أن يجعل كلاً من هؤلاء نجماً يهتدى به والحال هذه؟
على أن كثيراً من الصحابة اعترفوا في مناسبات عديدة بالجهل وعدم الدراية والخطأ في الفتيا ، حتى اشتهر عن بعض أكابرهم ذلك ولذا كان باب التخطئة والرد مفتوحاً لدى أصحاب رسول الله تعالى عليه وعلى آله ، بل ربّما تجاوزت التخطئة حد الاعتدال وبلغت التكذيب والتجهيل والتكفير وتلك قضاياهم مدونة في كتب الآثار.
و هل أعجب من دعوى كون جميعهم نجوماً يهتدى بهم والحال أنه لم تكن لهم هذه المنزلة عند أنفسهم ، كما هو واضح عند من راجع أخبارهم؟
وأمّا سبّ بعضهم بعضاً ، وضرب بعضهم بعضاً ، ونفي بعضهم لبعض فقد كان فاشياً فيما بينهم ، بل لقد استباح بعضهم قتل بعض
أما إذا راجعنا أخبار كلّ واحد من الصحابة وتتبعنا أفعالهم وقضاياهم لعثرنا على أشياء غريبة عن الاسلام ، بعيدة عنه كلّ البعد ، من شربٍ للخمر ، وشهادة زورٍ ، ويمينٍ كاذبة ، وفعل للزنا ، وبيعٍ للخمر ، والأصنام ، وفتياً بغير علم إلى غير ذلك من الكبار المحرمة بأصل الشرع واجماع المسلمين نشير هنا إلى بعضها باختصار
* ١ ـ كذب جماعة من مشاهير الصحابة وأعيانهم في قضية الجمل في موضوع ( الحوأب ) ، وتحريضهم الناس على شهادة الزور كما شهدواهم ، والقصة مشهورة(١) .
٢ ـ قصة خالد بن الوليد وقوم مالك على عهد أبي بكر إذ وقع فيهم قتلاً
__________________
(١) هذه القصة مشهورة رواها كافة أرباب التواريخ ، كالطبري وابن الأثير وابن خلدون والمسعودي وأبي الفداء وغيرهم.
ونهباً وسلباً ، ثم نكح امرأة رئيسهم مالك بن نويرة من ليلته بغير عدة ، حتى أنكر عمر بن الخطاب ذلك(١) .
٣ ـ زنا المغيرة بن شعبة في قضيةٍ هذا مجملها :
إن المغيرة بن شعبة زنا بأم جميل بنت عمر ، وهي أمرأة من قيس ، وشهد عليه بذلك : أبوبكرة ، نافع بن الحارث ، وشبل بن معبد.
ولما جاء الرابع وهو زياد بن سمية ـ أو : زياد بن أبيه ـ ليشهد أفهمه عمر ابن الخطاب رغبته في أن يدلي بشهادته بحيث لا تكون صريحة في الموضوع حتى لا يلحق المغيرة خزي بإقامة الحدّ عليه ، ثم سأله عمّا رآه قائلاً :
أرأيته يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة.
فقال : لا.
فقال عمر : الله اكبر ، قم يا مغيرة إليهم فاضربهم.
فقام يقيم الحدود على الشهود الثلاثة(٢) .
٤ ـ بيع سمرة بن جندب الخمر على عهد عمر بن الخطاب ، فقال عمر لمّا بلغه ذلك :
« قاتل الله فلاناً ، باع الخمر ...؟ »(٣) .
٥ ـ بيع معاوية بن أبي سفيان الأصنام ، فقد جاء في ( المبسوط ) ما نصه :
« وذكر عن مسروقرحمهالله قال : بعث معاوية رحمة الله بتماثيل من صفر تباع بأرض الهند فمر بها على مسروقرحمهالله قال : والله لو أني أعلم أنه يقتلني لغرقتها ، ولكني أخاف أن يعذّبني فيفتنني ، والله لا أدري أي الرجلين معاوية :
__________________
(١) وهذه الواقعة أيضاً مشهورة تجدها في جميع التواريخ والسير وكتب الكلام ، وهي إحدى موارد الطعن في أبي بكر بن أبي قحافة.
(٢) وفيات الأعيان ٢/٤٥٥ ، ابن كثير ٧/٨١ ، الطبري ٤/٢٠٧. وفي الواقعة هذه مخالفتان للنصوص الشرعية والأحكام الاسلامية الضرورية كما لا يخفى.
(٣) صحيح البخاري وغيره.
رجل قد زيّن سوء عمله ، أو رجل لقد يئس من الآخرة فهو يتمتّع في الدنيا »(١) .
٦ ـ شرب عبدالرحمن بن عمر بن الخطاب ( وكنيته أبو شحمة ) الخمر على عهد أبيه في مصر أيام ولاية عمرو بن العاص عليها.
وقد أقام عمر الحد على ولده هذا في المدينة ـ بعد أن طلبه من مصر ـ وقد أقام عمرو الحدّ عليه هناك وهو مريض ثم حبسه أشهر فمات على أثر ذلك(٢) .
٧ ـ جهل بعض كبار الصحابة بالأحكام الشرعية ، بل بمعاني الألفاظ العربية ، وقوله في ذلك بغير علم.
فقد اشتهر عن أبي بكر أنه لم يعرف معنى « الكلالة » بالرغم من نزولها في القرآن ، وبيان النبيصلىاللهعليهوآله معناها للأمة ، فقال حينما سئل عنها :
« إني رأيت في الكلالة رأياً ، فإنّ كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له ، وإن يكن خطأ فمني والشيطان ، والله برئ منه »(٣) .
٨ ـ بيع معاوية بن أبي سفيان الشيء بأكثر من وزنه ، فقد جاء في ( الموطأ ) ما نصه :
« مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار : إن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها ، فقال له أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ينهى عن مثل هذا ، إلاّ مثلاً بمثل ، فقال له معاوية : ما أرى بمثل هذا باساً.
فقال أبو الدرداء : من يعذرني من معاوية؟ أنا أخبره عن رسول الله صلّى
__________________
(٢) المبسوط في الفقه الحنفي كتاب الاكراه
(٢) شرح النهج ٣/١٢٣ ط مصر ، وفي القضية مخالفات للنصوص الشرعية كما لا يخفى.
(٣) ذكر ذلك جميع المفسرين وعلماء الكلام.
الله عليه وسلّم ويخبرني عن رأيه ، لا أساكنك بأرضٍ أنت بها »(١) .
٩ ـ إقدام زيد بن أرقم على أمرٍ قالت عائشة أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن لم يتب فقد روى جماعة من المحدّثين والفقهاء والمفسرين « عن أم يونس : إن عائشة زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم قالت لها أم محبة أم ولد لزيد بن أرقم الأنصاري : يا أمّ المؤمنين أتعرفين زيد بن أرقم؟ قالت : نعم ، قالت : فإني بعته عبداً إلى العطاء بثمانمائة ، فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته منه قبل الأجل بستمائة ، فقالت : بئسما شريت وبئسما اشتريت ، ابلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن لم يتب.
١٠ ـ مؤامرة عائشة وحفصة على زينب بنت جحش ، فقد روي عن عائشة أنها قالت : كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يشرب عسلاً عند زينب بنت جحش ويمكث عندها فتوأطات أنا وحفصة على أنّ أيّتنا دخل عليها. فلتقل له ؛ أكلت مغافير(٣) ؟ قال : لا ولكن أشرب عسلاً عند زينب بنت جحش ، فلن أعود له ، لا تخبري بذلك أحداً »(٤) .
والخلاصة : فإنّ الآيات الكريمة من القرآن الكريم والأحاديث النبوية ، وكتب التاريخ والفقه تشهد على بطلان حديث النجوم ، وتدل على أن النبيصلىاللهعليهوآله لا يجيز لنا الاقتداء بكلّ واحد من صحابته ، لمجرد صحبته
__________________
(١) الموطأ ٢/٥٩ ، وانظر شرحه للسيّوطي.
(٢) تفسير ابن كثير ١/٣٢٧ ، الدر المنثور ١/٣٦٥ كلاهما في تفسير الآية ٢٧٥ من سورة البقرة النازلة في تحريم الربا ، وأضاف ابن كثير : « وهذا الاثر مشهور » وذكره ابن الأثير في ( جامعه ) والمرغياني في ( هدايته ) والكاساني في ( بدائعة ).
(٣) المغفور ، جمعه مغافر ومغافير : صمغ كريه الرائحه يسيل من بعض الشجر.
(٤) تجده في الصحاح وغيرها.
وفيهم المنافق والفاسق والمجرم
فمعنى حديث النجوم دليل آخر على أنّه موضوع ، بالاضافة إلى ضعف جميع رواته وطرقه
وقد نص على بطلان هذا الحديث من هذه الناحية جماعة من علماء الحديث كالبزّار(١) وابن القيّم(٢) وابن حزم(٣) .
* * *
نعم. هناك في كتب أهل السنة ومصادرهم المعتبرة في الحديث ، أحاديث رووها عن النبيصلىاللهعليهوآله نؤمن بمضمونها ، ونأخذ بمؤدّاها ، ونعتقد بمدلولها ، ولا مجال لورود شيء من المحاذير فيها ،صلىاللهعليهوآله :
«النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأمتي »(٤) .
وقوله :
« النجوم أمان لأهل السماء ، فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض »(٥) .
وقوله :
« النجوم أمان الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمان لأمتي من
__________________
(١) تقدم قوله : والكلام أيضاً منكر عن النبي صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم.
(٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين ٢/٢٢٣ ـ ٢٢٤.
(٣) راجع سلسلة الأحاديث ١/٨٣ حيث قال : « فمن المحال أن يأمر رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم باتّباع كلّ قائل من الصحابة ».
(٤) ذخائر العقبى ١٧ تحت عنوان ( ذكر أنهم أمان لأمة محمدصلىاللهعليهوآله ) ، إحياء الميت ١٩ عن جماعة من أئمة الحديث.
(٥) ذخائر العقبى ١٧ ، إسعاف الراغبين ١٣٠ ( بهامش نور الأبصار ) كلاهما عن أحمد.
الاختلاف ، فاذا خالفها قبيلة اختلفوا فصاروا حزب ابليس »(١) .
وإنما قلنا ذلك : لاعتضادها بآيات القرآن العظيم والأحاديث المتواترة عن النبي الكريمصلىاللهعليهوآله ، وثبوت عصمة أئمة أهل البيت ( وهم علي وبنوه الأحد عشر ) بالكتاب والسنة ، وعدم اختلافهم في شيء من الأحكام ، وحرصهم التام على تطبيق الشريعة المقدسة
وختاماً نعود فنسأل : هل يصح هذا الحديث عن النبيصلىاللهعليهوآله ؟
والجواب : كلاّ فإنّ التتبع لكلمات أئمة أهل السنة وآرائهم في هذا الحديث ، والنظر في أسانيده ، والتأمّل في متنه كلّ ذلك يدل بوضوح على أن هذا الحديث موضوع باطل بجميع ألفاظه وأسانيده لا يصح التمسك به والاستناد إليه.
ويرى القارئ الكريم أنا لم نعتمد في هذا البحث إلاّ على أوثق المصادر في الحديث والتاريخ والتراجم وغيرها ، ولم ننقل إلاّ عن أعيان المشاهير وأئمّة الحديث والتفسير والأُصول والتاريخ.
ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ، وأن يوفقنا لتحقيق السنّة واتّباع ما هو بذلك حقيق ، والاقتداء بمن هو به جدير وصلّى الله على سيّدنا محمّد الهادي الأمين وآله المعصومين والحمد لله رب العالمين.
__________________
(١) إحياء الميت ٢٤ عن الحاكم ، إسعاف الراغبين ١٣٠ إلى « الاختلاف « قال : « صحّحها الحاكم على شرط الشيخين ».
فهرس الكتاب
تقديم. ٩
الحركة العلمية في القرنين السّابع والثّامن. ١١
١ ـ مدرسة الطوسي في العراق : ١١
٢ ـ مدرسة الإيجي في بلاد الفرس : ١٣
٣ ـ مدرسة ابن تيمية في بلاد الشام : ١٤
موجز ترجمة نصير الدين الطّوسي. ١٥
موجز ترجمة ابن تيمية : ١٧
(٢) ١٩
علم الكلام ١٩
تعريفه : ١٩
علم الكلام من أسباب هزائمنا؟ ٢٠
(٣) ٢٢
الإمامة ٢٢
الامامة في علم الكلام : ٢٢
الإمام بعد النبي؟ ٢٢
موقف علي والزهراء من خلافة أبي بكر : ٢٣
السّنة عيال على المعتزلة : ٢٥
متى بايع عليّ؟ ٢٦
علي في الشورى وقوله : لأَسلمنّ : ٢٧
رأي عليّ في خلافة من تقدّمه : ٣٠
موقف عليّ من معاوية : ٣١
أثر علم الكلام في التشيّع : ٣٢
(٤) ٣٤
هذا الكتاب.. ٣٤
كتاب المواقف.. ٣٥
ترجمة القاضي الإيجي : ٣٦
ترجمة الشريف : ٣٦
الشّروح والحواشي على المواقف وشرحها : ٣٧
كتاب شرح المقاصد : ٣٧
ترجمة التفتازاني : ٣٧
كلمة الختام : ٣٨
الطّرائف.. ٤١
على شرح المواقف.. ٤١
الإمامة من الأصول والعقائد. ٤٣
تعريف الإمامة : ٤٤
وجوب نصب الإمام ٤٥
شروط الإمامة ٤٨
طريق تعيين الإمام ٥٣
الإمام الحق بعد النبي. ٥٤
علي أفضل الخلائق بعد الرسول. ٥٧
قضية فدك. ٦٠
عصمة الزهراء عليهاالسلام.... ٦٥
قصة إبلاغ سورة براءة ٦٨
صلاة أبي بكر في مرض النبي. ٧٣
جهل ابي بكر ٧٦
احراق أبي بكر فجاءة ٧٧
قطع يسار السارق. ٧٩
الجهل بميراث الجدّة ٨٠
كلام عمر في ذم أبي بكر ٨١
قضيّة خالد مع مالك بن نويرة ٨١
قول عمر : بيعة أبي بكر فلتة ٨٩
النصوص على إمامة علي. ٩٠
من الكتاب.. ٩٣
حديث الغدير ٩٧
حديث المنزلة ١٠٣
أحاديث أخرى. ١٠٩
تفنيد معارضة هذه النصوص.. ١٠٩
و ١١٠
* ١١٣
* ١١٥
تذنيب في خلافة من بعد أبي بكر ١١٧
في أفضل الناس بعد رسول الله. ١١٨
ما استدل به لأفضليّة أبي بكر ١١٩
مما يدل على أفضلية علي عليهالسلام.... ١٢٦
آية المباهلة ١٢٧
حديث الطير. ١٢٨
علي خير الخلق. ١٢٩
أخي ووزيري وخير من أتركه ١٣٠
علي خير الأمّة ١٣٠
خير من أتركه بعدي علي. ١٣١
علي سيد العرب.. ١٣١
اختيار الله علياً ١٣٢
حديث الأخوة ١٣٢
حديث الرّاية ١٣٣
علي « صالح المؤمنين ». ١٣٤
حديث التشبيه بالأنبياء ١٣٥
علي عليهالسلام أعلم الأمّة ١٣٦
علي عليهالسلام أزهد الأمّة ١٣٨
علي عليهالسلام أشجع الناس. ١٣٨
علي عليهالسلام أحسن الناس خلقاً ١٣٩
علي عليهالسلام قالع باب خيبر. ١٣٩
علي عليهالسلام أقرب الناس إلى النبي. ١٤٠
شرف زوجته وأولاده ١٤٠
في أمامة المفضول مع وجود الفاضل. ١٤٣
في الكلام حول الصحابة ١٤٤
المراصد على شرح المقاصد. ١٤٩
تعريف الإمامة ١٥١
الإمامة من الأصول. ١٥٣
نصب الإمام ١٥٤
ما يشترط في الإمام ١٦١
طريق ثبوت الإمامة ١٧٠
هل نصّ النّبي على إمام بعده؟ ١٧٧
الإمام الحق بعد النبي. ١٨٦
الكلام على أدلة خلافة أبي بكر ١٨٦
من الأدلة والنصوص على إمامة الأمير. ١٩٩
انتفاء شرائط الإمامة عن غيره ٢٠٠
آية : إنّما وليّكم الله. ٢٠١
حديث الغدير ٢٠٤
١ ـ سند حديث الغدير ٢٠٥
٢ ـ دلالة حديث الغدير ٢٠٩
حديث المنزلة ٢١٤
سند حديث المنزلة ٢١٤
دلالة حديث المنزلة ٢١٥
أحاديث أخرى. ٢٢٠
من موارد القدح في إمامة الآخرين. ٢٢١
قضية فدك. ٢٢١
استخلاف عمر ٢٢٦
جهل أبي بكر ٢٢٦
تمنّيه لو سأل النبي. ٢٢٨
قول عمر : كانت بيعة أبي بكر فلتة ٢٢٨
جهل عمر ٢٢٩
إنكاره موت النبي. ٢٣١
تصرّفه في بيت المال. ٢٣٣
منعه عن المتعتين. ٢٣٤
جعله الخلافة شورى. ٢٣٧
قضايا عثمان. ٢٣٩
كيفية انعقاد الإمامة لعمر ٢٤٥
( وجعل الخلافة شورى ) ٢٤٦
( إنّ الإمامية ٢٤٧
مبحث الأفضلية ٢٤٩
ما استدل به لأفضليّة أبي بكر ٢٥٠
( وقوله ٢٥٣
( وقوله : لو كنت متّخذاً خليلاً ) ٢٥٤
( وقوله : وأين مثل أبي بكر ) ٢٥٥
( وقال النّبي : لو كان بعدي نبي لكان عمر ) ٢٥٧
( وأمّا الأثر فعن ابن عمر ) ٢٦٠
( وتشرّفه بقوله ٢٦١
( القائلون بأفضليّة علي تمسّكوا بالكتاب والسنة والمعقول ). ٢٦٣
( على. ٢٦٤
( وإنّ. ٢٦٥
قال. ٢٦٥
( وكذا ٢٦٥
( وإنّ. ٢٦٦
( وإنّ. ٢٦٨
( وأمّا ٢٦٨
( وأمّا حديث.. ٢٦٩
( وأمّا السّابق. ٢٦٩
( وقد. ٢٧١
حول الصحابة ٢٧٤
الخاتمة في المهدي. ٢٧٨
رسالة ٢٨٣
في صلاة أبي بكرٍ ٢٨٣
(١) ٢٨٧
أسانيد الحديث ونصوصه ٢٨٧
الموطّأ : ٢٨٧
صحيح مسلم : ٢٩٣
صحيح الترمذي : ٢٩٥
مسند أحمد : ٣٠٠
(٢) ٣٠٥
نظرات في اسانيد الحديث.. ٣٠٥
خلال البحث ٣٠٥
* حديث أبي موسى الأشعري : ٣٠٦
* حديث عبدالله بن عمر ٣٠٨
* حديث عبدالله بن زمعة : ٣١٠
* حديث عبدالله بن عبّاس : ٣١٠
* حديث عبدالله بن مسعود : ٣١٢
* حديث بريدة الأسلمي : ٣١٣
* حديث سالم بن عبيد : ٣١٣
* حديث أنس بن مالك : ٣١٤
* حديث عائشة : ٣١٦
أمّا الحديث عن الأسود عن عائشة : ٣١٧
وأمّا الحديث عن عروة بن الزبير : ٣١٩
وأمّا الحديث عن عبيدالله بن عبدالله عن عائشة : ٣٢٠
وأمّا الحديث عن مسروق بن الأجدع عن عائشة : ٣٢١
(٣) ٣٢٦
تأمّلات في متن الحديث ومدلوله ٣٢٦
من كلمات المستدلّين بالحديث على الإمامة : ٣٢٦
لا دلالة للاستخلاف في إمامة الصلاة على الخلافة : ٣٢٩
وجوه كذب أصل القضيّة : ٣٣١
١ـ كون أبي بكر في أن جيش أسامة : ٣٣١
٢ ـ التزامه بالحضور للصلاة بنفسه ما أمكنه : ٣٣٢
٣ ـ استدعاؤه عليّاً عليهالسلام : ٣٣٣
٤ ـ أمره بأنْ يصلّي بالمسلمين أحدهم : ٣٣٤
٥ ـ قوله : إنّكنّ لصويحبات يوسف : ٣٣٥
٦ ـ تقديم أبي بكر عمر : ٣٣٨
٧ ـ خروجه معتمداً على رجلين : ٣٣٩
١ ـ متى خرج أبوبكر إلى الصلاة؟ ٣٤٠
٢ ـ متى خرج رسول الله؟ ٣٤٠
٣ ـ كيف خرج رسول الله؟ ٣٤٠
٤ ـ على من كان معتمداً؟ ٣٤١
٨ ـ حديث صلاته خلف أبي بكر : ٣٤٣
٩ ـ وجوب تقديم الأقرأ : ٣٤٣
١٠ ـ لا يجوز لأحد التقدّم على النبيّ : ٣٥٠
١١ ـ خطبته صلّى الله عليه وسلّم بعد الصلاة : ٣٥٣
١٢ ـ رأي أمير المؤمنين عليهالسلام في القضيّة : ٣٥٤
نتيجة البحث : ٣٥٥
رسالة ٣٥٧
في حديث الأقتداء بالشّيخين. ٣٥٧
(١) ٣٦١
نظرات في أسانيد. ٣٦١
حديث الاقتداء ٣٦١
حديث ابن مسعود ٣٦٨
حديث جدّة عبدالله بن أبي الهذيل. ٣٧٦
(٢) ٣٧٨
كلمات الأئمة وكبار العلماء ٣٧٨
حول سند حديث الاقتداء ٣٧٨
أبو حاتم الرّازي. ٣٧٨
أبو عيسى الترمذي. ٣٧٩
أبوبكر البزّار ٣٨٠
أبو جعفر العقيلي. ٣٨١
أبوبكر النقّاش. ٣٨٢
وطعن فيه الحافظ الكبير أبوبكر النقّاش ـ المتوفّى سنة ٣٥٤ هـ ـ فقد قال الحافظ الذهبي بعد أن رواه بترجمة أحمد بن محمّد بن غالب الباهلي : « وقال أبوبكر النقّاش : وهو واهٍ »(٢) . ٣٨٢
ابن عديّ. ٣٨٣
أبو الحسن الدار قطني. ٣٨٤
ابن حزم الأندلسي. ٣٨٥
برهان الدين العبري الفرغاني. ٣٨٧
شمس الدين الذهبي. ٣٨٨
نور الدّين الهيثمي. ٣٩٠
ابن حجر العسقلاني. ٣٩١
شيخ الإسلام الهروي. ٣٩٣
وقال الشيخ أحمد بن يحيى الهروي الشافعي ـ المتوفّى سنة ٩١٦ هـ ـ ما نصّه : ٣٩٣
« من موضوعات أحمد الجرجاني : ٣٩٣
من بعدي أبي بكر وعمر. باطل. ٣٩٣
عبدالرؤوف المناوي. ٣٩٤
ابن درويش الحوت.. ٣٩٦
تأمّلات في متن ودلالة ٣٩٨
حديث الاقتداء ٣٩٨
أقول : ٤٠٥
تكملة : ٤٠٩
رسالة ٤١٣
في المتعتين. ٤١٣
تمهيد : ٤١٥
متعة الحجّ : ٤١٦
موقف علي وكبار الصحابة من تحريمها : ٤١٦
دفاع ابن تيميّة ثمّ إقراره بالخطأ : ٤١٩
متعة النساء : ٤٢١
ثبوتها بالكتاب والسُنّة والإجماع : ٤٢٢
تحريم عمر : ٤٢٣
موقف عليّ وكبار الصحابة من تحريمها : ٤٢٦
الأقوال في الدفاع عن عمر : ٤٢٧
نقد القول بأنّ السنخ من النبيّ ولم يعلم به إلاّ عمر : ٤٢٩
نقد القول بأنّ التحريم من عمر ويجب اتّباعه : ٤٢٩
١ ـ حديث التحريم عام الفتح : ٤٣٢
٢ ـ حديث التحريم في غزوة تبوك : ٤٣٣
٣ ـ حديث التحريم في غزوة حنين : ٤٣٣
٤ ـ حديث التحريم في يوم خيبر : ٤٣٤
نقود مشتركة : ٤٣٦
نقد حديث عام الفتح. ٤٣٧
نقد حديث حنين. ٤٣٧
نقد حديث غزوة تبوك. ٤٣٨
نقد حديث يوم خيبر. ٤٣٩
١ ـ تعارض الحديث عن عليّ في وقت التحريم : ٤٣٩
٢ ـ تلاعب القوم في لفظ حديث خيبر : ٤٤١
٣ ـ نظرات في دلالة حديث خيبر : ٤٤٢
٤ ـ نظراتٌ في سند ما روي عن عليّ عليهالسلام : ٤٤٥
موجز ترجمة الزهري : ٤٤٦
نتيجة البحث في نكاح المتعة : ٤٤٦
أقول : ٤٤٧
رسالة ٤٤٩
في حديث « سيّدا كهول أهل الجنّة ». ٤٤٩
بسم الله الرحمن الرحيم. ٤٥١
أمّا الحديث عن عليّ عليهالسلام : ٤٥٣
وأمّا الحديث عن أنس : ٤٥٦
وأمّا حديث أبي جحيفة : ٤٥٧
تتمّة : ٤٥٧
رسالة ٤٥٩
في حديث « أصحابي كالنُّجومِ ». ٤٥٩
الصحبة في اللغة ٤٦٢
١ ـ عند الأُصوليين. ٤٦٣
٢ ـ عند المحدّثين. ٤٦٣
حال الصحابة : ٤٦٣
الأول : كفر الجميع : ٤٦٤
الثاني : عدالة الجميع : ٤٦٤
الثالث : لا إفراط ولا تفريط : ٤٦٦
كلمات كبار الأئمّة والحفّاظ في حديث النجوم ٤٦٨
١ ـ أحمد بن حنبل إمام الحنابلة (٢٤١). ٤٦٨
٢ ـ المزني ، تلميذ الشافعي وصاحبه (٢٦٤). ٤٦٩
٣ ـ أبوبكر البزّار (٢٩٢) ٤٧٠
٤ ـ ابن عدي (٣٦٥) ٤٧٢
٥ ـ أبو الحسن الدار قطني (٣٨٥) ٤٧٣
٦ ـ ابن حزم (٤٥٦) ٤٧٤
٧ ـ البيهقي (٤٥٧) : ٤٧٥
٨ ـ ابن عبدالبر (٤٦٣) ٤٧٦
٩ ـ ابن عساكر (٥٧١) ٤٧٧
١٠ ـ ابن الجوزي (٥٩٧) ٤٧٨
١١ ـ ابن دحية (٦٣٣) ٤٧٩
١٢ ـ أبو حيان الأندلسي (٧٤٥) ٤٧٩
١٣ ـ شمس الدين الذهبي (٧٤٨) ٤٨١
١٤ ـ تاج الدين ابن مكتوم (٧٤٩) ٤٨٢
١٥ ـ ابن قيم الجوزية (٧٥١) ٤٨٣
١٦ ـ الزين العراقي (٨٠٦) ٤٨٤
١٧ ـ ابن حجر العسقلاني (٨٥٢) ٤٨٥
١٨ ـ ابن الهمام (٨٦١) ٤٨٧
١٩ ـ ابن أمير الحاج (٨٧٩) ٤٨٨
٢٠ ـ السخاوي (٩٠٢) ٤٨٩
٢١ ـ ابن أبي شريف (٩٠٦) ٤٩٠
٢٢ ـ جلال الدين السيوطي (٩١١) ٤٩١
٢٣ ـ علي المتقي (٩٧٥) ٤٩١
٢٤ ـ علي القاري (١٠١٤) ٤٩٢
٢٥ ـ المناوي (١٠٢٩) ٤٩٣
٢٦ ـ الشهاب الخفاجي (١٠٩٦) ٤٩٥
٢٧ ـ القاضي البهاري (١١١٩) ٤٩٦
٢٨ ـ القاضي الشوكاني (١٢٥٠) ٤٩٧
٢٩ ـ صديق حسن خان (١٣٠٧) ٤٩٨
تكملة ٥٠٠
نظرات في أسانيد ورواة ٥٠٢
حديث النجوم وآراء أئمة الجرح. ٥٠٢
والتعديل فيهم. ٥٠٢
رواية عبدالله بن عمر بن الخطاب : ٥٠٢
رواية عمر بن الخطاب.. ٥٠٣
رواية جابر بن عبدالله الأنصاري. ٥٠٣
رواية عبدالله بن عباس. ٥٠٤
رواية أبي هريرة ٥٠٥
رواية أنس بن مالك.. ٥٠٦
(٣) ٥٠٧
تأملات في متن حديث.. ٥٠٧
النجوم ٥٠٧
و ٥٠٩
فهرس الكتاب.. ٥١٥