اعلام الهداية  الإمام الحسن العسكري (ع)
التجميع الإمام بن الحسن بن علي العسكري عليه السلام
الکاتب المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

أعلام الهداية

الإمام الحسن بن علي العسكريعليه‌السلام

المجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

قم المقدسة


اسم الكتاب: أعلام الهداية(ج١٣) الإمام الحسن بن علي العسكريعليه‌السلام .

المؤلف: لجنة التأليف.

الموضوع:كلام وتاريخ.

الناشر: مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام .

الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ ق.

الطبعة الثانية: ١٤٢٥ هـ ق.

الطبعة الثالثة: ١٤٢٧ هـ ق.

المطبعة: ليلى.

الكمية: ٥٠٠٠.

isbn: ٩٦٤- ٥٦٨٨-٢٩-٩

حقوق الطبع والترجمة محفوظة للمجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

www.ahl-ul-bayt-org


أهل البيت في القرآن الكريم

( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )

الأحزاب: ٣٣ / ٣٣

أهل البيت في الُسنّة النبويّة

(إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً)

(الصحاح والمسانيد)


المقدمة

الحمد لله الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، ثم الصلاة والسلام على من اختارهم هداةً لعباده، لا سيَّما خاتم الأنبياء وسيّد الرسل والأصفياء أبو القاسم المصطفى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى آله الميامين النجباء.

لقد خلق الله الإنسان وزوّده بعنصري العقل والإرادة، فبالعقل يبصر ويكتشف الحقّ ويميّزه عن الباطل، وبالإرادة يختار ما يراه صالحاً له ومحقّقاً لأغراضه وأهدافه.

وقد جعل الله العقل المميِّز حجةً له على خلقه، وأعانه بما أفاض على العقول من معين هدايته ; فإنّه هو الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، وأرشده إلى طريق كماله اللائق به، وعرّفه الغاية التي خلقه من أجلها، وجاء به إلى هذه الحياة الدنيا من أجل تحقيقها.

وأوضح القرآن الحكيم بنصوصه الصريحة معالم الهداية الربّانية وآفاقها ومستلزماتها وطرقها، كما بيّن لنا عللها وأسبابها من جهة، وأسفر عن ثمارها ونتائجها من جهة أخرى.

قال تعالى:

( قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ) (الأنعام (٦): ٧١).

( وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (البقرة (٢): ٢١٣).

( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) (الأحزاب (٣٣): ٤).

( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (آل عمران (٣): ١٠١).

( قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (يونس (١٠): ٣٥).

( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) (سبأ (٣٤): ٦).

( ومن أضلّ ممن اتّبع هواه بغير هدىً من الله ) (القصص (٢٨):٥٠).


فالله تعالى هو مصدر الهداية. وهدايته هي الهداية الحقيقية، وهو الذي يأخذ بيد الإنسان إلى الصراط المستقيم وإلى الحقّ القويم.

وهذه الحقائق يؤيدها العلم ويدركها العلماء ويخضعون لها بملء وجودهم.

ولقد أودع الله في فطرة الإنسان النزوع إلى الكمال والجمال ثمّ مَنّ عليه بإرشاده إلى الكمال اللائق به، وأسبغ عليه نعمة التعرّف على طريق الكمال، ومن هنا قال تعالى: ( وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّ ليعبدونِ ) (الذاريات (٥١): ٥٦). وحيث لا تتحقّق العبادة الحقيقية من دون المعرفة، كانت المعرفة والعبادة طريقاً منحصراً وهدفاً وغايةً موصلةً إلى قمّة الكمال.

وبعد أن زوّد الله الإنسان بطاقتي الغضب والشهوة ليحقّق له وقود الحركة نحو الكمال; لم يؤمَن عليه من سيطرة الغضب والشهوة; والهوى الناشئ منهما، والملازم لهما فمن هنا احتاج الإنسان ـ بالإضافة إلى عقله وسائر

أدوات المعرفة ـ إلى ما يضمن له سلامة البصيرة والرؤية; كي تتمّ عليه الحجّة، وتكمل نعمة الهداية، وتتوفّر لديه كلّ الأسباب التي تجعله يختار طريق الخير والسعادة، أو طريق الشرّ والشقاء بملء إرادته.

ومن هنا اقتضت سُنّة الهداية الربّانية أن يُسند عقل الإنسان عن طريق الوحي الإلهي، ومن خلال الهداة الذين اختارهم الله لتولِّي مسؤولية هداية العباد وذلك عن طريق توفير تفاصيل المعرفة وإعطاء الإرشادات اللازمة لكلّ مرافق الحياة.

وقد حمل الأنبياء وأوصياؤهم مشعل الهداية الربّانية منذ فجر التاريخ وعلى مدى العصور والقرون، ولم يترك الله عباده مهملين دون حجة هادية وعلم مرشد ونور مُضيء، كما أفصحت نصوص الوحي ـ مؤيّدةً لدلائل العقل ـ بأنّ الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه، لئلاّ يكون للناس على الله حجّة، فالحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق، ولو لم يبق في الأرض إلاّ اثنان لكان أحدهما الحجّة، وصرّح القرآن ـ بشكل لا يقبل الريب ـ قائلاً: ( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (الرعد (١٣): ٧).


ويتولّى أنبياء الله ورسله وأوصياؤهم الهداة المهديّون مهمّة الهداية بجميع مراتبها، والتي تتلخّص في:

١ ـ تلقِّي الوحي بشكل كامل واستيعاب الرسالة الإلهية بصورة دقيقة. وهذه المرحلة تتطلّب الاستعداد التام لتلقّي الرسالة، ومن هنا يكون الاصطفاء الإلهي لرسله شأناً من شؤونه، كما أفصح بذلك الذكر الحكيم قائلاً: ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) (الأنعام (٦): ١٢٤) و( اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ) (آل عمران (٣): ١٧٩).

٢ ـ إبلاغ الرسالة الإلهية إلى البشرية ولمن أرسلوا إليه، ويتوقّف الإبلاغ على الكفاءة التامّة التي تتمثّل في (الاستيعاب والإحاطة اللازمة) بتفاصيل الرسالة وأهدافها ومتطلّباتها، و (العصمة) عن الخطأ والانحراف معاً، قال تعالى: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) (البقرة (٢): ٢١٣).

٣ ـ تكوين أُمة مؤمنة بالرسالة الإلهية، وإعدادها لدعم القيادة الهادية من أجل تحقيق أهدافها وتطبيق قوانينها في الحياة، وقد صرّحت آيات الذكر الحكيم بهذه المهمّة مستخدمةً عنواني التزكية والتعليم، قال تعالى: ( يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) (الجمعة(٦٢): ٢) والتزكية هي التربية باتجاه الكمال اللائق بالإنسان. وتتطلّب التربية القدوة الصالحة التي تتمتّع بكلّ عناصر الكمال، كما قال تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (الأحزاب(٣٣): ٢١).

٤ ـ صيانة الرسالة من الزيغ والتحريف والضياع في الفترة المقرّرة لها، وهذه المهمة أيضاً تتطلّب الكفاءة العلمية والنفسية، والتي تسمّى بالعصمة.

٥ ـ العمل لتحقيق أهداف الرسالة المعنوية وتثبيت القيم الأخلاقية في نفوس الأفراد وأركان المجتمعات البشرية وذلك بتنفيذ الأطروحة الربّانية، وتطبيق قوانين الدين الحنيف على المجتمع البشري من خلال تأسيس كيان سياسيٍّ يتولّى إدارة شؤون الأمة على أساس الرسالة الربّانية للبشرية، ويتطلّب التنفيذ قيادةً حكيمةً، وشجاعةً فائقةً، وثباتاً كبيراً، ومعرفةً تامةً بالنفوس وبطبقات المجتمع والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية وقوانين الإدارة والتربية وسنن الحياة، ونلخّصها في الكفاءة العلمية لإدارة دولة عالمية دينية، هذا فضلاً عن العصمة التي تعبّر عن الكفاءة النفسية التي تصون القيادة


الدينية من كلّ سلوك منحرف أو عمل خاطئ بإمكانه أن يؤثّر تأثيراً سلبيّاً على مسيرة القيادة وانقياد الأمة لها بحيث يتنافى مع أهداف الرسالة وأغراضها. وقد سلك الأنبياء السابقون وأوصياؤهم المصطفون طريق الهداية الدامي، واقتحموا سبيل التربية الشاقّ، وتحمّلوا في سبيل أداء المهامّ الرسالية كلّ صعب، وقدّموا في سبيل تحقيق أهداف الرسالات الإلهية كلّ ما يمكن أن يقدّمه الإنسان المتفاني في مبدئه وعقيدته، ولم يتراجعوا لحظة، ولم يتلكّأوا طرفة عين.

وقد توّج الله جهودهم وجهادهم المستمرّ على مدى العصور برسالة خاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحمّله الأمانة الكبرى ومسؤولية الهداية بجميع مراتبها، طالباً منه تحقيق أهدافها. وقد خطا الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الطريق الوعر خطوات مدهشة، وحقّق في أقصر فترة زمنية أكبر نتاج ممكن في حساب الدعوات التغييرية والرسالات الثورية، وكانت حصيلة جهاده وكدحه ليل نهار خلال عقدين من الزمن ما يلي:

١ ـ تقديم رسالة كاملة للبشرية تحتوي على عناصر الديمومة والبقاء.

٢ ـ تزويدها بعناصر تصونها من الزيغ والانحراف.

٣ ـ تكوين اُمة مسلمة تؤمن بالإسلام مبدأً، وبالرسول قائداً، وبالشريعة قانوناً للحياة.

٤ ـ تأسيس دولة إسلامية وكيان سياسيٍّ يحمل لواء الإسلام ويطبّق شريعة السماء.

٥ ـ تقديم الوجه المشرق للقيادة الربّانية الحكيمة المتمثّلة في قيادتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولتحقيق أهداف الرسالة بشكل كامل كان من الضروري:

أ ـ أن تستمرّ القيادة الكفوءة في تطبيق الرسالة وصيانتها من أيدي العابثين الذين يتربّصون بها الدوائر.

ب ـ أن تستمرّ عملية التربية الصحيحة باستمرار الأجيال; على يد مربٍّ كفوء علمياً ونفسياً حيث يكون قدوة حسنة في الخلق والسلوك كالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يستوعب الرسالة ويجسّدها في كل حركاته وسكناته.


ومن هنا كان التخطيط الإلهيّ يحتّم على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إعداد الصفوة من أهل بيته، والتصريح بأسمائهم وأدوارهم; لتسلّم مقاليد الحركة النبويّة العظيمة والهداية الربّانية الخالدة بأمر من الله سبحانه وصيانة للرسالة الإلهية التي كتب الله لها الخلود من تحريف الجاهلين وكيد الخائنين، وتربية للأجيال على قيم ومفاهيم الشريعة المباركة التي تولّوا تبيين معالمها وكشف أسرارها وذخائرها على مرّ العصور، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.

وتجلّى هذا التخطيط الربّاني في ما نصّ عليه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله:(إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) .

وكان أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم خير من عرّفهم النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمر من الله تعالى لقيادة الأمة من بعده.

إنّ سيرة الأئمّة الاثني عشر من أهل البيتعليهم‌السلام تمثّل المسيرة الواقعية للإسلام بعد عصر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودراسة حياتهم بشكل مستوعب تكشف لنا عن صورة مستوعبة لحركة الإسلام الأصيل الذي أخذ يشقّ طريقه إلى أعماق الأمة بعد أن أخذت طاقتها الحرارية تتضاءل بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأخذ الأئمة المعصومونعليهم‌السلام يعملون على توعية الأمة وتحريك طاقتها باتجاه إيجاد وتصعيد الوعي الرساليِّ للشريعة ولحركة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثورته المباركة، غير خارجين عن مسار السنن الكونية التي تتحكّم في سلوك القيادة والأمة جمعاء.

وتبلورت حياة الأئمّة الراشدين في استمرارهم على نهج الرسول العظيم وانفتاح الأمة عليهم والتفاعل معهم كأعلام للهداية ومصابيح لإنارة الدرب للسالكين المؤمنين بقيادتهم، فكانوا هم الأدلَّاء على الله وعلى مرضاته، والمستقرّين في أمر الله، والتامّين في محبّته، والذائبين في الشوق إليه، والسابقين إلى تسلّق قمم الكمال الإنسانيّ المنشود.

وقد حفلت حياتهم بأنواع الجهاد والصبر على طاعة الله وتحمّل جفاء أهل الجفاء حتّى ضربوا أعلى أمثلة الصمود لتنفيذ أحكام الله تعالى، ثم اختاروا الشهادة مع العزّ على الحياة مع الذلّ، حتى فازوا بلقاء الله سبحانه بعد كفاح عظيم وجهاد كبير.


ولا يستطيع المؤرّخون والكتّاب أن يلمّوا بجميع زوايا حياتهم العطرة ويدّعوا دراستها بشكل كامل، ومن هنا فإنّ محاولتنا هذه إنّما هي إعطاء قبسات من حياتهم، ولقطات من سيرتهم وسلوكهم ومواقفهم التي دوّنها المؤرّخون واستطعنا اكتشافها من خلال مصادر الدراسة والتحقيق، عسى الله أن ينفع بها إنّه وليّ التوفيق.

إنّ دراستنا لحركة أهل البيتعليهم‌السلام الرسالية تبدأ برسول الإسلام وخاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتنتهي بخاتم الأوصياء، محمد بن الحسن العسكري المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه وأنار الأرض بعدله.

ويختصّ هذا الكتاب بدراسة حياة الإمام الحسن بن علي العسكريعليه‌السلام ، وهو الحادي عشر من أئمة أهل البيت الاثني عشر الذين استخلفهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمر من الله تعالى ونص على إمامتهم وخلافتهم له وجعلهم أمناء على شريعته وأمته من بعده.

ولا بدَّ لنا من تقديم الشكر إلى كلّ الإخوة الأعزّاء الذين بذلوا جهداً وافراً وشاركوا في إنجاز هذا المشروع المبارك وإخراجه إلى عالم النور ، لا سيَّما أعضاء لجنة التأليف بإشراف سماحة السيد منذر الحكيم حفظه الله تعالى .

ولا يسعنا إلاّ أن نبتهل إلى الله تعالى بالدعاء والشكر لتوفيقه على إنجاز هذه الموسوعة المباركة فإنه حسبنا ونعم النصير.

المجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

قم المقدسة


الباب الأول

فيه فصول:

الفصل الأول: الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام في سطور.

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصية الإمامعليه‌السلام .

الفصل الثالث: مظاهر من شخصية الإمامعليه‌السلام .

الفصل الأول: الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام في سطور

الإمام الحسن بن علي العسكري هو المعصوم الثالث عشر والإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيتعليهم‌السلام بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

نشأ وتربّى في ظلّ أبيه الذي فاق أهل عصره علماً وزهداً وتقوىً وجهاداً. وصحب أباه اثنين أو ثلاثاً وعشرين سنة وتلقّى خلالها ميراث الإمامة والنبوّة فكان كآبائه الكرام علماً وعملاً وقيادةً وجهاداً وإصلاحاً لأمة جدّه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقد ظهر أمر إمامته في عصر أبيه الهاديعليه‌السلام وتأكّد لدى الخاصة من أصحاب الإمام الهادي والعامة من المسلمين أنه الإمام المفترض الطاعة بعد أبيه عليه‌السلام.

تولّى مهامّ الإمامة بعد أبيه واستمرّت إمامته نحواً من ست سنوات، مارس فيها مسؤولياته الكبرى في أحرج الظروف وأصعب الأيّام على أهل بيت الرسالة بعد أن عرف الحكّام العباسيون ـ وهم أحرص من غيرهم على استمرار حكمهم ـ أن المهدي من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن ولد علي ومن ولد الحسينعليه‌السلام فكانوا يترصّدون أمره وينتظرون أيّامه كغيرهم، لا ليسلّموا له مقالد الحكم بل ليقضوا على آخر أمل للمستضعفين.


لقد كان الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام أستاذ العلماء وقدوة العابدين وزعيم المعارضة السياسية والعقائدية في عصره، وكان يشار إليه بالبنان وتهفو إليه النفوس بالحبّ والولاء كما كانت تهفو إلى أبيه وجدّه اللذين عُرف كل منهما بابن الرضاعليهما‌السلام ، كل هذا رغم معاداة السلطة لأهل البيتعليهم‌السلام وملاحقتها لهم ولشيعتهم.

وقد فرضت السلطة العباسيّة الإقامة الجبرية على الإمام الحسن العسكريّعليه‌السلام وأجبرته على الحضور في يومين من كل أسبوع في دار الخلافة العباسية.

وقد وُصِفَ حُضور الناس يوم ركوبه إلى دار الخلافة بأن الشارع كان يغصّ بالدوابّ والبغال والحمير، بحيث لا يكون لأحد موضع مشي ولا يستطيع أحد أن يدخل بينهم فإذا جاء الإمام هدأت الأصوات وتوسّد له الطريق حين دخوله وحين خروجه.

لقد كان جادّاً في العبادة طيلة حياته ولا سيّما حين كان في السجن حيث وكل به رجلان من الأشرار، فاستطاع أن يحدث تغييراً أساسياً في سلوكهما وصارا من العبادة والصلاة إلى أمر عظيم، وكان إذا نظر إليهما ارتعدت فرائصهما وداخلهما ما لا يملكان.

وقد لاحقت السلطة العباسية الإمام العسكريعليه‌السلام وأحاطته بالرقابة وأحصت عليه كلّ تحرّكاته لتشلّ نشاطه العلمي والسياسي وتحول بينه وبين ممارسة دوره القيادي في أوساط الأمة.

ومن هنا كان الإمام مهتمّاً كآبائهعليهم‌السلام بالعمل السرّي غاية الاهتمام بالإضافة إلى إحكامه لجهاز الوكلاء ليكون قادراً على أداء دوره القيادي بشكل تام وفي ظل تلك الظروف العصيبة حتى استطاع أن يقضي على محاولات الإبادة لِنهج أهل البيتعليهم‌السلام .

لقد خاض الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام كآبائه الكرامعليهم‌السلام ملحمة الكفاح السياسي لمواجهة الظلم والإرهاب والتلاعب بالسلطة ومقدرات الأمة ومصالحها فحافظ على أصول الشريعة والقيم الرسالية، ومهّد بذلك خير تمهيد لعصر الغيبة الذي أخبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة من أهل بيتهعليهم‌السلام عن حتميّته وضرورته.


وقد زخرت مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام في عصر الإمام العسكري بالعلم والدعوة إلى خطّ أهل البيت والدفاع عن الشريعة الإسلامية من خلال كوكبة أصحاب الإمام ورواة حديثه وطلاّب مدرسته.

وكان الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ـ بالرغم من حراجة ظروفه السياسية ـ جادّاً في الدفاع عن الشريعة ومحاربة البدع وهداية المترددين والشاكّين وجذبهم إلى حضيرة الدين.

وعاصر الإمامعليه‌السلام مدة إمامته القصيرة جدّاً كلاً من المعتز والمهتدي والمعتمد العباسي ولاقى منهم أشدّ العنت والتضييق والملاحقة والإرهاب، كما تعرّض للاعتقال عدّة مرّات.

وازداد غيض المعتمد من إجماع الأمة ـ سنّة وشيعة ـ على تعظيم الإمامعليه‌السلام وتبجيله وتقديمه بالفضل على جميع العلويين والعباسيين في الوقت الذي كان المعتمد خليفةً غير مرغوب فيه لدى الأمة. فأجمع رأيه على الفتك بالإمام واغتياله فدسّ له السمّ. وقضى نحبه صابراً شهيداً محتسباً، وعمره دون الثلاثين عاماً. فسلام عليه يوم ولد ويوم جاهد في سبيل رسالة ربّه ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً.


الفصل الثاني: انطباعات عن شخصية الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام

احتلّ أهل البيتعليهم‌السلام المنزلة الرفيعة في قلوب المسلمين لما تحلّوا به من درجات عالية من العلم والفضل والتقوى والعبادة فضلاً عن النصوص الكثيرة الواردة عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحث على التمسّك بهم والأخذ عنهم.

والقرآن الكريم ـ كما نعلم ـ قد جعل مودّة أهل البيت وموالاتهم أجراً للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على رسالته كما قال تعالى:( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) .

غير أن الحكّام والخلفاء الذين تحكّموا في رقاب الأمة بالسيف والقهر حاولوا طمس معالمهم وإبعاد الأمة عنهم بمختلف الوسائل والطرق ثم توّجوا أعمالهم بقتلهم بالسيف أو بدس السمّ.

ومع كل ما فعله الحكّام المنحرفون عن خطّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأهل البيتعليهم‌السلام ، لم يمنعهم ذلك السلوك العدائي من النصح والإرشاد للحكّام وحل الكثير من المعضلات التي واجهتها الدولة الإسلامية على امتداد تأريخها بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحتى عصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام .

وقد حُجبت عنّا الكثير من مواقفهم وسِيَرهم إما خشية من السلطان أو

ــــــــــــ

(١) الشورى(٤٢): ٢٣.


لأن من كتب تأريخنا الإسلامي إنّما كتبه بذهنية أموية ومداد عبّاسي لأنه قد عاش على فتات موائد الحكام المستبدّين.

ونورد هنا جملة من أقوال وشهادات معاصري الإمامعليه‌السلام وانطباعاتهم عن شخصيّته النموذجيّة التي فاقت شخصيته جميع من عاصره من رجال وعلماء الأمة الإسلامية.

١ ـ شهادة المعتمد العباسي:

كانت منزلة الإمام معروفة ومشهورة لدى الخاصة والعامة كما كانت معلومة لدى خلفاء عصره.

فقد روي أن جعفر بن علي الهادي طلب من المعتمد أن ينصبه للإمامة ويعطيه مقام أخيه الإمام الحسنعليه‌السلام بعده فقال له المعتمد: (اعلم أن منزلة أخيك لم تكن بنا وإنما كانت بالله عَزَّ وجَلَّ، ونحن كنا نجتهد في حطِ منزلته والوضع منه، وكان الله يأبى إلاّ أن يزيده كل يوم رفعة بما كان فيه من الصيانة وحسن السمت والعلم والعبادة وإن كنت عند شيعة أخيك بمنزلته فلا حاجة بك إلينا، وإن لم تكن عندهم بمنزلته ولم يكن فيك ما كان في أخيك، لم نغنِ عنك في ذلك شيئاً)(١) .

٢ ـ شهادة طبيب البلاط العباسي:

كان بختيشوع ألمع شخصية طبية في عصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام فهو طبيب الأسرة الحاكمة، وقد احتاج الإمام ذات يوم إلى

ــــــــــــ

(١) الخرائج والجرائح، للقطب الراوندي: ٣/١١٠٩ بحار الأنوار: ٥٢/٥٠.


طبيب فطلب من بختيشوع أن يرسل إليه بعض تلامذته ليقوم بذلك، فاستدعى أحد تلاميذه وأوصاه أن يعالج الإمامعليه‌السلام وحدّثه عن سموّ منزلته ومكانته العالية ثم قال له: (طلب مني ابن الرضا من يقصده فصر إليه، وهو أعلم في يومنا هذا بمن تحت السماء، فاحذر أن لا تعترض عليه في ما يأمرك به)(١) .

٣ ـ أحمد بن عبيد الله بن خاقان:

كان عامل الخراج والضياع في كورة قم، وأبوه عبيدالله بن خاقان أحد أبرز شخصيات البلاط السياسية وكان وزيراً للمعتمد، وكان أحمد بن عبيدالله أنصب خلق الله وأشدهم عداوة لأهل البيتعليهم‌السلام ، فجرى ذكر المقيمين من آل أبي طالب بسرّ من رأى ـ سامراء ـ ومذاهبهم وأقدارهم عند السلطان، فقال أحمد بن عبيد الله: (ما رأيت ولا عرفت بسر من رأى رجلاً من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضاعليهم‌السلام ، ولا سمعت به في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته والسلطان وجميع بني هاشم وتقديمهم إياه على ذوي السن منهم والخطر وكذلك القوّاد والوزراء والكتّاب وعوام الناس).

وينقل أحمد هذا قصة شهدها في مجلس أبيه إذ دخل عليه حجابه فقالوا له: إن ابن الرضا ـ أي الإمام العسكريعليه‌السلام ـ على الباب فقال بصوت عال: ائذنوا له، فقال أحمد: تعجبت ما سمعت منهم، إنهم جسروا حيث يكنون رجلاً على أبي بحضرته ولم يكن يُكنّى عنده إلاّ خليفة أو ولي عهد أو من أمر

ــــــــــــ

(١) الخرائج: ١ / ٤٢٢ ـ ٤٢٤ ح٣ ب١٢ وذكر الكليني في أصول الكافي: ١/٥١٢ ح٢٤ ب١٢٤ مختصراً قريباً منه.


السلطان أن يكنى، فدخل رجل أسمر أعين حسن القامة، جميل الوجه، جبير البدن، حدث السن فلما نظر إليه أبي قام فمشى إليه خُطى ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم ولا بالقواد ولا بأولياء العهد، فلما دخل عانقه وقبل وجهه ومنكبيه وأخذ بيده وأجلسه على مصلاه.

ثم يقول أحمد: ولما جلس أبي بعد أن صلَّى جئت فجلست بين يديه فقال: ياأحمد ألك حاجة ؟ فقلت: نعم ياأبه إن أذنت سألتك عنها ؟ فقال: قد أذنت لك يابني فقل ما أحببت.

فقلت له: ياأبه من كان الرجل الذي أتاك بالغداة وفعلت به ما فعلت من الإجلال والإكرام والتبجيل، وفديته بنفسك وبأبويك ؟

فقال: يابني ذاك إمام الرافضة، ذاك ابن الرضا، فسكت ساعة ثمّ قال: يابني لو زالت الخلافة عن خلفاء بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غير هذا، فإنّ هذا يستحقها في فضله وعفافه وهديه وصيانة نفسه وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه ولو رأيت أباه لرأيت رجلاً جليلاً نبيلاً خيراً فاضلاً(١) .

٤ ـ كاتب الخليفة المعتمد:

روي عن أبي جعفر أحمد القصير البصري قال: حضرنا عند سيدنا أبي محمدعليه‌السلام بالعسكر فدخل عليه خادم من دار السلطان، جليل فقال له: أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: كاتبنا أنوش النصراني يريد أن يطهر ابنين له، وقد سألنا مُساءلتك أن تركب إلى داره وتدعو لابنه بالسلامة والبقاء، فأحب أن تركب وأن تفعل ذلك فإنا لم نجشمك هذا العناء إلاّ لأنه

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٥٠٣، ٥٠٤ ح١ ب ٢٤ وكمال الدين: ١ / ٤١ ـ ٤٢.


قال: نحن نتبرك بدعاء بقايا النبوة والرسالة.

فقال مولاناعليه‌السلام :الحمد لله الذي جعل النصارى أعرف بحقنا من المسلمين .

ثم قال:أسرجوا لنا ، فركب حتى وردنا أنوش، فخرج إليه مكشوف الرأس حافي القدمين، وحوله القسيسون والشماسة والرهبان، وعلى صدره الإنجيل، فتلقاه على بابه وقال للإمامعليه‌السلام ياسيدنا أتوسل إليك بهذا الكتاب الذي أنت أعرف به منا إلاّ غفرت لي ذنبي في عناك وحق المسيح عيسى بن مريم وما جاء به من الإنجيل من عند الله، ما سألت أمير المؤمنين مسألتك هذه إلاّ لأنّا وجدناكم في هذا الإنجيل مثل المسيح عيسى بن مريم عند الله.

فقال الإمامعليه‌السلام :أما ابنك هذا فباق عليك، وأما الآخر فمأخوذ عنك بعد ثلاثة أيام ـ أي ميت ـوهذا الباقي يسلم ويحسن إسلامه ويتولانا أهل البيت .

فقال أنوش: والله ياسيدي إن قولك الحق ولقد سهل عليَّ موت ابني هذا لما عرّفتني إنّ الآخر يسلم، ويتولاكم أهل البيت.

فقال له بعض القسيسين: ما لك لا تسلم ؟

فقال أنوش: أنا مسلم ومولانا يعلم ذلك.

فقال مولاناعليه‌السلام :صدق ولولا أن يقول الناس: إنا أخبرناك بوفاة ابنك ولم يكن ذلك كما أخبرناك لسألنا الله تعالى بقاءه عليك .

فقال أنوش: لا أريد ياسيدي إلاّ ما تريد.

قال أبو جعفر أحمد القصير البصري ـ راوي الحديث ـ: مات والله ذلك الابن بعد ثلاثة أيام وأسلم الآخر بعد سنة(كذا)، ولزم الباب معنا إلى وفاة سيدنا أبي محمدعليه‌السلام .(١)

ــــــــــــ

(١) مدينة المعاجز: ٥٨٣ وحلية الأبرار: ٢/٤٩٨ وعنه في سفينة البحار: ٢/٢٠٣.


٥ ـ راهب دير العاقول:

وكان من كبراء رجال النصرانية وأعلمهم بها، لمّا سمع بكرامات الإمامعليه‌السلام ورأى ما رآه، أسلم على يديه وخلع لباس النصرانية ولبس ثياباً بيضاء.

ولما سأله الطبيب بختيشوع عما أزاله عن دينه، قال: وجدت المسيح أو نظيره فأسلمت على يده ـ يعني بذلك الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ـ وقال: وهذا نظيره في آياته وبراهينه. ثم انصرف إلى الإمام ولزم خدمته إلى أن مات. (١)

٦ ـ محمد بن طلحة الشافعي:

قال عن الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام :

(فأعلم المنقبة العليا والمزية الكبرى التي خصه الله عزّ وجلّ بها وقلّده فريدها ومنحه تقليدها وجعلها صفة دائمة لا يُبلي الدهر جديدها ولا تنسى الألسن تلاوتها وترديدها: أن المهدي محمد نسله، المخلوق منه، وولده المنتسب إليه، وبضعته المنفصلة عنه)(٢) .

٧ ـ ابن الصباغ المالكي:

قال: إنّه (سيد أهل عصره وإمام أهل دهره، أقواله سديدة وأفعاله حميدة، وإذا كانت أفاضل زمانه قصيدة فهو في بيت القصيدة، وإن انتظموا عقداً كان مكان الواسطة الفريدة، فارس العلوم لا يجارى ومبين غوامضها،

ــــــــــــ

(١) الخرائج والجرائح: ١/٤٢٢ ـ ٤٢٤ وعنه في بحار الأنوار: ٥٠/٢٦١.

(٢) مطالب السؤول: ٢/١٤٨.


فلا يحاول ولا يمارى، كاشف الحقائق بنظره الصائب مظهر الدقائق بفكره الثاقب المحدث في سره بالأمور الخفيات الكريم الأصل والنفس والذات تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنانه، بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آمين).(١)

٨ ـ العلامة سبط بن الجوزي:

قال: (هو الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام وكان عالماً ثقة روى الحديث عن أبيه، عن جده)(٢) .

٩ ـ العلامة محمد أبو الهدى أفندي:

قال واصفاً الأئمةعليهم‌السلام بأنهم قادة الناس الى الحضرة القدسية وأ نّهم أولياؤهم بعد الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (قد علم المسلمون في المشرق والمغرب أن رؤساء الأولياء وأئمة الأصفياء من بعدهعليه‌السلام من ذريته وأولاده الطاهرين يتسللون بطناً بعد بطن وجيلاً بعد جيل إلى زمننا هذا، وهم الأولياء بلا ريب، وقادتهم إلى الحضرة القدسية المحفوظة من الدنس والعيب ومن في الأولياء، الصدر الأول بعد الطبقة المشرفة بصحبة النبي الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كالحسن والحسين والسجاد والباقر والكاظم والصادق والجواد والهادي والتقي والنقي العسكريعليهم‌السلام .(٣)

ــــــــــــ

(١) الفصول المهمة: ٢٧٥.

(٢) تذكرة الخواص: ٣٦٢.

(٣) إحقاق الحق: ٢ / ٦٢١ عن كتاب ضوء الشمس ـ لأبي الهدى أفندي: ١ / ١١٩.


١٠ ـ العلاّمة الشبراوي الشافعي:

قال عنه: (الحادي عشر من الأئمة الحسن الخالص ويلقب أيضاً بالعسكري... ويكفيه شرفاً أنّ الإمام المهدي المنتظر من أولاده، فللّه در هذا البيت الشريف والنسب الخضم المنيف وناهيك به من فخار وحسبك فيه من علو مقدار... فيا له من بيت عالي الرتبة سامي المحلة، فلقد طاول السماك علاً ونبلاً، وسما على الفرقدين منزلة ومحملا واستغرق صفات الكمال، فلا يستثنى فيه بغير ولا بإلاّ، انتظم في المجد هؤلاء الأئمة، انتظام اللآلي وتناسقوا في الشرف فاستوى الأول والتالي، وكم اجتهد قوم في خفض منارهم والله يرفعه...)(١) .

إلى أقوال كثيرة غيرها في فضله صرح بها الفقهاء والمؤرخون والمحدثون من العامة والخاصة، ولا عجب في ذلك ولا غرابة فهو فرع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبو الإمام المنتظر والحادي عشر من أئمة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً وهم عدل القرآن كما ورد عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم سفينة النجاة. وقد شهد له أبوه الإمام الهاديعليه‌السلام بسموّ مقامه ورفعة منزلته بقوله الخالد: (أبو محمد أنصح آل محمّد غريزة وأوثقهم حجّة وهو الأكبر من ولدي وهو الخلف وإليه تنتهي عُرى الإمامة وأحكامها، فما كنت سائلي فسله عنه، فعنده ما يُحتاج إليه)(٢) .

ــــــــــــ

(١) الإتحاف بحب الأشراف: ١٧٨.

(٢) الكافي: ١ / ٣٢٧، ٣٢٨ ح ١١.


الفصل الثالث: مظاهر من شخصية الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام

لقد كان الإمام أبو محمد الحسن العسكريعليه‌السلام في معالي أخلاقه نفحة من نفحات الرسالة الإسلامية فقد كان على جانب عظيم من سموّ الأخلاق، يقابل الصديق والعدو بمكارم أخلاقه ومعالي صفاته، وكانت هذه الظاهرة من أبرز مكوناته النفسية، ورثها عن آبائه وجده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي وسع الناس جميعاً بمكارم أخلاقه، وقد أثّرت مكارم أخلاقه على أعدائه والحاقدين عليه، فانقلبوا من بغضه إلى حبه والإخلاص له.(١)

ونقل المؤرخون أنّ المتوكل الذي عرف بشدّة عدائه لأهل البيتعليهم‌السلام ، وحقده على الإمام عليعليه‌السلام ، أمر بسجن الإمام العسكريعليه‌السلام والتشديد عليه إلاّ أنّه لمّا حلّ في الحبس ورأى صاحب الحبس سمو أخلاق الإمامعليه‌السلام وعظيم هديه وصلاحه انقلب رأساً على عقب، فكان لا يرفع بصره إلى الإمامعليه‌السلام إجلالاً وتعظيماً له، ولمّا خرج الإمام من عنده كان أحسن الناس بصيرة، وأحسنهم قولاً فيه.(٢)

ــــــــــــ

(١) حياة الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام : ٤٢.

(٢) أصول الكافي: ١/٥٠٨ ح ٨ وعنه في الإرشاد: ٢/٣٢٩، ٣٣٠ وفي أعلام الورى: ٢/١٥٠ وعن الإرشاد في كشف الغمة: ٣/٢٠٢.


سماحته وكرمه

نقل المؤرخون نماذج من السيرة الكريمة للإمام العسكري عليه‌السلام نذكر بعضاً منها:

١ ـ روى الشيخ المفيد عن محمد بن علي بن إبراهيم بن موسى بن جعفر عليه‌السلام : قال: ضاق بنا الأمر فقال لي أبي: امض بنا حتى نصير إلى هذا الرجل ـ يعني أبا محمد ـ فإنه قد وصف عنه سماحة.

فقلت: تعرفه ؟

قال: ما أعرفه، ولا رأيته قط.

قال: فقصدناه.

فقال لي أبي وهو في طريقه: ما أحوجنا إلى أن يأمر لنا بخمس مئة درهم مئتا درهم للكسوة ومئتا درهم للدقيق، ومئة درهم للنفقة.

وقلت في نفسي ليته أمر لي بثلاث مائة درهم، مائة اشتري بها حماراً ومائة للنفقة ومائة للكسوة، فأخرج إلى الجبل.

قال ـ أي محمد بن علي ـ فلما وافينا الباب خرج غلامه، فقال:يدخل علي بن إبراهيم ومحمد ابنه ، فلما دخلنا عليه وسلمنا، قال لأبي: ياعلي ما أخلفك عنا إلى هذا الوقت ، فقال: ياسيدي: استحييت أن ألقاك على هذا الحال، فلما خرجنا من عنده جاءنا غلامه فناول أبي صرة، وقال: هذه خمسمئة درهم، مئتان لِلكسوة، ومئتان للدقيق، ومئة للنفقة . وأعطاني صرة وقال: هذه ثلاثمئة درهم اجعل مئة في ثمن حمار، ومئة للكسوة، ومئة للنفقة، ولا تخرج إلى الجبل، وصر إلى


قال: فصار إلى سوار وتزوج بامرأة منها فدخله اليوم ألف دينار ومع هذا يقول بالوقف.(١)

٢ ـ وروى إسحاق بن محمد النخعي قال: حدثني أبو هاشم الجعفري قال: شكوت إلى أبي محمدعليه‌السلام ضيق الحبس وكلب القيد(٢) ، فكتب إلي:(أنت تصلي اليوم الظهر في منزلك) ، فأخرجت وقت الظهر فصليت في منزلي كما قال، وكنت مضيقاً فأردت أن أطلب منه معونة في الكتاب الذي كتبته إليه فاستحييت، فلما صرت إلى منزلي وجّه إليّ بمئة دينار، وكتب إليّ:إذا كانت لك حاجة، فلا تستحِ ولا تحتشم واطلبها فإنك على ما تحب إن شاء الله .(٣)

٣ ـ وعن إسماعيل بن محمد بن علي بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن العباس قال: قعدت لأبي محمدعليه‌السلام على ظهر الطريق، فلما مرَّ بي شكوت إليه الحاجة وحلفت له أن ليس عندي درهم واحد، فما فوقه، ولا غذاء ولا عشاء قال: فقالعليه‌السلام :تحلف بالله كاذباً وقد دفنت مئتي دينار ؟! وليس قولي هذا دفعاً لك عن العطية، أعطه ياغلام ما معك ، فأعطاني غلامه مئة دينار ثم أقبل عليّ فقال:إنك تحرم الدنانير التي دفنتها أحوج ما تكون إليها ، وصدقعليه‌السلام ، وذلك أني أنفقت ما وصلني به، واضطررت ضرورة شديدة إلى شيء أنفقه، وانغلقت عليّ أبواب الرزق، فنبشت الدنانير التي كنت دفنتها فلم أجدها فإذا ابن لي قد عرف موضعها فأخذها وهرب، فما قدرت منها على شيء.(٤)

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٥٠٦ ح ٣ ب ١٢٤ وعنه في الإرشاد: ٢ / ٣٢٦، ٣٢٧ وعنه في كشف الغمة: ٣ / ٢٠٠.

(٢) كلب القيد: شدته وضيقه.

(٣) أصول الكافي: ١/٥٠٨ ح ١٠ وعنه في الإرشاد: ٢/٣٣٠ وفي إعلام الورى: ٢/١٤٠ وعن الإرشاد في كشف الغمة: ٣/٢٠٢.

(٤) أصول الكافي: ١/٥٠٩ ح ١٤ وعنه في الإرشاد: ٢/٣٢٢ وإعلام الورى: ٢/١٣٧ وعن الإرشاد في كشف الغمة: ٣/٢٠٣، ولعلّه كان من المغضوب عليهم لدى بني العباس ولذلك لم يكفوه.


زهده وعبادته

عُرف الإمام العسكريعليه‌السلام في عصره بكثرة عبادته وتبتّله وانقطاعه إلى الله سبحانه واشتهر ذلك بين الخاصة والعامة، حتى أنّه حينما حبس الإمامعليه‌السلام في سجن علي بن نارمش ـ وهو من أشد الناس نصباً لآل أبي طالب ـ ما كان من علي هذا إلاّ أن وضع خديه له وكان لا يرفع بصره إليه إجلالاً وإعظاماً فخرج من عنده وهو أحسن الناس بصيرة وأحسن الناس قولاً فيه.(١)

ولما حبسه المعتمد كان يسأل السجّان ـ علي بن جرين ـ عن أحوال الإمامعليه‌السلام وأخباره في كل وقت فيخبره علي بن جرين أنّ الإمامعليه‌السلام يصوم النهار ويصلي الليل.(٢)

عن علي بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمّد عن عليّ بن عبدالغفّار قال: دخل العبّاسيّون على صالح بن وصيف ودخل صالح بن عليّ وغيره من المنحرفين عن هذه الناحية على صالح بن وصيف عندما حبس أبا محمّدعليهما‌السلام .

فقال لهم صالح: وما أصنع قد وكّلت به رجلين من أشرّ من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم، فقلت لهما: ما فيه؟ فقالا: ما تقول في رجل يصوم النهار ويقوم اللّيل كلّه، لا يتكلّم ولا يتشاغل وإذا نظرنا إليه ارتعدت فرائصنا ويداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا، فلمّا سمعوا ذلك

ــــــــــــ

(١) الكافي: ١ / ٥٠٨ ح ٨.

(٢) مهج الدعوات: ٢٧٥.


انصرفوا خائبين(١) .

عن محمّد بن إسماعيل العلوي قال: دخل العبّاسيّون على صالح بن وصيف عندما حُبس أبو محمّد فقالوا له: ضيّق عليه، قال: وكّلت به رجلين من شرّ من قدرت عليه عليّ بن بارمش واقتامش، فقد صارا من العبادة والصّلاح إلى أمر عظيم يضعان خدّيهما له، ثم أمر بإحضارهما فقال: ويحكما ما شأنكما في شأن هذا الرجل؟ فقالا: ما تقول في رجل يقوم اللّيل كلّه ويصوم النّهار ولا يتكلّم ولا يتشاغل بغير العبادة، فإذا نظرنا إليه ارتعدت فرائصنا وداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا(٢) .

وكان يتسوّر عليه الدار جلاوزة السلطان في جوف الليل فيجدونه في وسط بيته يناجي ربّه سبحانه.

إنّ سلامة الصلة بالله سبحانه وما ظهر على يدي الإمام من معاجز وكرامات تشير إلى المنزلة العالية والشأن العظيم للإمامعليه‌السلام عند الله الذي اصطفاه لعهده والذي تجلّى في إمامته عليه‌السلام . (٣)

علمه ودلائل إمامته

وإليك شذرات من علوم الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ودلائل إمامته:

١ ـ عن أبي حمزة نصر الخادم قال: سمعت أبا محمدعليه‌السلام غير مرة يكلّم غلمانه بلغاتهم، وفيهم ترك، وروم وصقالبة، فتعجّبت من ذلك وقلت: هذا ولد بالمدينة ولم يظهر لأحد حتى مضى أبو الحسن ـ أي الإمام

ــــــــــــ

(١) الكافي: ١/٥١٣.

(٢) المناقب: ٢/٤٦٢.

(٣) إشارة إلى قوله تعالى( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) . البقرة(٢): ١٢٤.


الهاديعليه‌السلام ـ ولا رآه أحد فكيف هذا ؟! أُحدّث نفسي بذلك فأقبل عليَّ وقال:إنّ الله جلّ اسمه بيّنَ حجته من ساير خلقه وأعطاه معرفة بكل شيء ويعطيه اللغات ومعرفة الأسباب والآجال والحوادث: ولولا ذلك لم يكن بين الحجة والمحجوج فرق (١) .

٢ ـ وقال الحسن بن ظريف: اختلج في صدري مسألتان أردت الكتاب بهما إلى أبي محمدعليه‌السلام ، فكتبت إليه أسأله عن القائم إذا قام بم يقضي ؟ وأين مجلسه الذي يقضي فيه بين الناس ؟ وأردت أن أسأله عن شيء لحُمّى الربع، فأغفلت ذكر الحُمّى، فجاء بالجواب:

سألتَ عن القائم إذا قام قضى بين الناس بعلمه كقضاء داود عليه‌السلام ولا يسأل البينة، وكنت أردت أن تسأل عن حمّى الرُّبع، فأنسيت فاكتب ورقة وعلّقها على المحموم فإنّه يبرأ بإذن الله إن شاء الله: ( يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) . فكتبت ذلك وعلّقته على المحموم فبرئ وأفاق.(٢)

٣ ـ وروى الشيخ المفيد عن أبي القاسم جعفر بن محمد عن محمد بن يعقوب عن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر، قال: كتب أبو محمدعليه‌السلام إلى أبي القاسم إسحاق بن جعفر الزبيري قبل موت المعتز بنحو عشرين يوماً:إلزم بيتك حتى يحدث الحادث ، فلما قُتل بريحة كتب إليه قد حدث الحادث، فما تأمرني ؟ فكتب إليه:ليس هذا الحادث، الحادث الآخر . فكان من المعتز ما كان.(٣)

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٥٠٩ ح ١١ وعنه في الإرشاد: ٢/٣٣٠ وإعلام الورى: ٢/١٤٥ وعن الإرشاد في كشف الغمة: ٣/٢٠٢.

(٢) أصول الكافي: ١/٥٠٩ ح ١٣ وعنه في الإرشاد: ٢/٣٣١ وإعلام الورى: ٢/١٤٥ وعن الإرشاد في كشف الغمة: ٣/٢٠٣ وحُمّى الرّبع: هو أن يأخذ يوماً ويترك يومين ويعود في اليوم الرابع، والآية من سورة الأنبياء: ٦٩.

(٣) أصول الكافي: ١/٥٠٦ ح ٢ وعنه في الإرشاد: ٢/٣٢٥ وعنه في كشف الغمة: ٣/٢٠٠ وابن «تريخة».كذا في النسخ وفي المصدر «بريحة» وقال الطريحي في المجمع «بريمة» هو: عبدالله بن محمد بن داود الهاشمي العباسي الناصبي من ندماء المتوكل وقتله اثنان من الحسنيين بالكوفة قبل المعتز بأيام كما في الطبري: ٩/٣٨٨ وعنه في الكامل: ٧/٥٦، وجاء في هامش الإرشاد: ٢/٣٢٥ بهامش بريحة وابن اُترجة


أي أن الإمامعليه‌السلام ، أشار إلى موت المعتز، فطلب من مواليه أن يلتزموا بالبقاء في بيوتهم حتى ذلك الوقت لظروف خاصة كانت تحيط بالإمامعليه‌السلام وبهم من الشدة وطلب السلطان وجلاوزته لهم.

ومن الطبيعي أن موت الخليفة يعقبه غالباً اضطراب في الوضع يمكّن معارضيه من التحرك والتنقل بسهولة.

٤ ـ وروى الشيخ الكلينيرضي‌الله‌عنه عن علي بن محمد عن الحسن بن الحسين قال: حدثني محمد بن الحسن المكفوف قال: حدثني بعض أصحابنا عن بعض فصّادي العسكر ـ أي سامراء ـ من النصارى: أن أبا محمدعليه‌السلام بعث إلي يوماً في وقت صلاة الظهر فقال لي:

إفصد (١) هذا العرق ، قال: وناولني عرقاً لم أفهمه من العروق التي تفصد فقلت في نفسي، ما رأيت أمراً أعجب من هذا يأمرني أن أفصد في وقت وليس بوقت فصد، والثانية عرق لا أفهمه، ثم قال لي:انتظر وكن في الدار ، فلما أمسى دعاني فقال لي:سرّح الدم فسرّحت، ثم قال لي:أمسك فأمسكت، ثم قال لي:كن في الدار ، فلما كان نصف الليل أرسل إلي وقال لي:سرّح الدم ، قال: فتعجبت أكثر من عجبي الأول وكرهت أن أسأله: قال: فسرحت فخرج دم أبيض كأنه الملح: قال: ثم قال لي:احبس ، فحبست. ثم قال:كن في الدار (٢) ، فلما أصبحت قدم إلي تخت ثياب وخمسين ديناراً وقال:خذها واعذر وانصرف فصرت إلى بختيشوع وقلت له القصة ففكر ساعة ثم مكثنا ثلاثة أيام بلياليها

ــــــــــــ

(١) الفصد: شق العرق، يستخرج دمه ; لسان العرب، ابن منظور: ١٠ / ٢٧٠، طبع بيروت، إحياء التراث.

(٢) الكافي: ١ / ٥١٢.


نقرأ الكتب على أن نجد لهذه القصة ذكراً في العالم فلم نجد.

ثم قال بختيشوع: لم يبق اليوم في النصرانية أعلم بالطب من راهب بدير العاقول، فكتب إليه كتاباً يذكر فيه ما جرى، فخرجت وناديته فأشرف عليّ فقال من أنت ؟ قلت صاحب بختيشوع. قال: أمعك كتابه ؟ قلت: نعم فأرخى لي زنبيلاً، فجعلت الكتاب فيه فرفعه فقرأ الكتاب ونزل من ساعته وقال: أنت الذي فصدت الرجل ؟ قلت: نعم، قال: طوبى لأمك، وركب بغلاً، وسرنا، فوافينا(سرّ من رأى) وقد بقي من الليل ثلثه، قلت: أين تحب ؟ دار أستاذنا أم دار الرجل ـ أي دار الإمام الحسن العسكري ـ ؟ قال: دار الرجل، فصرنا إلى بابه قبل الأذان الأول ففتح الباب وخرج إلينا خادم أسود وقال: أيكما راهب دير العاقول ؟ فقال: أنا جعلت فداك، فقال انزل، وقال لي الخادم: احتفظ بالبغلين، وأخذ بيده ودخلا فأقمت إلى أن أصبحنا وارتفع النهار ثم خرج الراهب، وقد رمى بثياب الرهبانية ولبس ثياباً بيضاً وأسلم فقال: خذني الآن إلى دار أستاذك، فصرنا إلى باب بختيشوع، فلما رآه بادر يعدو إليه ثم قال، ما الذي أزالك عن دينك ؟

قال: وجدت المسيح وأسلمت على يده، قال: وجدت المسيح ؟! قال: أو نظيره، فإن هذه الفصدة لم يفعلها في العالم إلاّ المسيح وهذا نظيره في آياته وبراهينه، ثم انصرف إليه ولزم خدمته إلى أن مات.(١)

٥ ـ وعن أبي علي المطهري أنه كتب إليه من القادسية يعلمه بانصراف الناس عن المضي إلى الحج وأنه يخاف العطش إن مضى، فكتبعليه‌السلام :امضوا فلا خوف عليكم إن شاء الله ، فمضوا سالمين(ولم يجدوا عطشاً)(٢) والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــ

(١) الخرائج والجرايح: ١ / ٤٢٢. وبحار الأنوار: ٥ / ٢٦٢.

(٢) الكافي: ١/٥٠٧، والمناقب: ٢/٤٦٤.


الباب الثاني

فيه فصول:

الفصل الأول: نشأة الإمام الحسن بن علي العسكريعليه‌السلام .

الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام .

الفصل الثالث: الإمام الحسن العسكري في ظلّ أبيهعليهما‌السلام .

الفصل الأول: نشأة الإمام الحسن بن علي العسكريعليه‌السلام

نسبه الشريف

هو الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام .

وهو الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيتعليهم‌السلام (١) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

وأمه أم ولد يقال لها: حديث. أو سليل، وكانت من العارفات الصالحات.(٢) وذكر سبط بن الجوزي: أن اسمها سوسن. (٣)

محل الولادة وتأريخها

ولد الإمام أبو محمد الحسن العسكريعليه‌السلام ـ كما عليه أكثر المؤرخين ـ في شهر ربيع الآخر سنة(٢٣٢هـ) من الهجرة النبوية المشرفة في المدينة المنورة.

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١ / ٥٠٣.

(٢) الإرشاد: ١ / ٣١٣.

(٣) تذكرة الخواص: ٣٢٤.


ويلاحظ هنا اختلاف المؤرخين والرواة في تاريخ ميلاده الشريف من حيث اليوم والشهر والسنة التي ولد فيها.

فمنهم من قال أنّ ولادته كانت سنة(٢٣٠هـ)(١) وقال آخرون إنها كانت سنة(٢٣١ هـ )(٢) أو سنة(٢٣٢هـ)(٣) أو سنة(٢٣٣هـ)(٤) .

وروي أنها كانت في السادس من ربيع الأوّل أو السادس أو الثامن أو العاشر من ربيع الآخر أو في رمضان(٥) .

ولا نرى غرابة في هذا الاختلاف، فربما يعزى إلى إجراءات كان الإمام الهاديعليه‌السلام يقوم بها من أجل المحافظة على حياة الإمام العسكري عليه‌السلام أو يكون لغير هذا من أسباب تعزى إلى ملابسات تأريخية خاصة.

ألقابهعليه‌السلام وكناه

أطلق على الإمامين علي بن محمد والحسن بن عليعليهما‌السلام (العسكريّان) لأنّ المحلة التي كان يسكنها هذان الإمامان ـ في سامراء ـ كانت تسمى عسكر(٦) .

و(العسكري) هو اللقب الذي اشتهر به الإمام الحسن بن عليعليه‌السلام . وله ألقاب أخرى، نقلها لنا المحدّثون، والرواة، وأهل السير وهي: الرفيق، الزكي، الفاضل، الخالص، الأمين، والأمين على سرّ الله، النقي، المرشد إلى

ــــــــــــ

(١) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك: ٧ / ١٢٦.

(٢) تذكرة الخواص: ٣٢٤، وكشف الغمة: ٣/ ١٩٢ عن ابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول.

(٣) وفيات الأعيان: ٢ / ٩٤.

(٤) دلائل الإمامة: ٢٢٣.

(٥) راجع حياة الإمام العسكري(دراسة تحليلية تاريخية علمية): ٥٨ ـ ٥٩.

(٦) بحار الأنوار: ٥٠ / ٢٣٥.


الله، الناطق عن الله، الصادق، الصامت، الميمون، الطاهر، المؤمن بالله، وليّ الله، خزانة الوصيين، الفقيه، الرجل، العالم(١) .

وكل منها له دلالته الخاصّة على مظهر من مظاهر شخصيته وكمال من كمالاته.

وكان يكنّى بابن الرضا. كأبيه وجدّه، وكنيته التي اختص بها هي:(أبو محمد).

ملامحه

وصف أحمد بن عبيد الله بن خاقان ملامح الإمام الحسن العسكري بقوله: إنه أسمر، أعين(٢) ، حسن القامة، جميل الوجه، جيد البدن، له جلالة وهيبة(٣) . وقيل: إنّه كان بين السمرة والبياض(٤) .

النشأة وظروفها

نشأ الإمام أبو محمدعليه‌السلام في بيت الهداية ومركز الإمامة الكُبرى، ذلك البيت الرفيع الذي أذهب الله عن أهله الرجس وطهّرهم تطهيراً. وقد وصف الشبراوي هذا البيت الذي ترعرع فيه هذا الإمام العظيم قائلاً:

ــــــــــــ

(١) كمال الدين: ١ / ٣٠٧، إثبات الهداة: ١ / ٦٥١، ٥٤٤، ٤٦٩، الشيعة والرجعة: ١ / ٨٨.

وحياة الإمام العسكري: ٢٣ ـ ٢٨(للشيخ محمد جواد الطبسي. والألقاب الثلاثة الأخيرة هي الألقاب التي وردت في الكتب الرجالية باعتبار ورودها في أسانيد الروايات والتي كانت تلاحظ فيها ظروف النقل والرواية.

(٢) الأعين: الواسع العين.

(٣) أصول الكافي: ١/٥٠٣ ح ١ وعنه في الإرشاد: ٢/٣٢١، وفي كمال الدين: ١/٤٠ بطريق آخر، وعن الكليني أو المفيد في إعلام الورى: ٢/١٤٧، وعن الإرشاد في كشف الغمة: ٣/١٩٧، وعن كمال الدين والإرشاد والإعلام في بحار الأنوار: ٣٢٦ ـ ٣٣٠.

(٤) بحار الأنوار: ٥٠ / ٣٢٨ وأخبار الدول: ١١٧.


فللّه درّ هذا البيت الشريف، والنسب الخضم المنيف، وناهيك به من فخار، وحسبُك فيه من علوّ مقدار، فهم جميعاً في كرم الأرومة وطِيب الجرثومة كأسنان المشط; متعادلون، ولسهام المجد مقتسمون، فياله من بيت عالي الرتبة سامي المحلة، فلقد طاول السماء عُلاً ونُبلاً، وسما على الفرقدين منزلةً ومحلاًّ، واستغرق صفات الكمال فلا يستثنى فيه بـ «غير» ولا بـ «إلاّ»، انتظم في المجد هؤلاء الأئمة انتظام اللآلي، وتناسقوا في الشرف فاستوى الأوّل والتالي، وكم اجتهد قوم في خفض منارهم، والله يرفعه، وركبوا الصعب والذلول في تشتيت شملهم والله يجمعه، وكم ضيّعوا من حقوقهم ما لا يهمله الله ولا يضيّعه»(١) .

لقد ظفر الإمام أبو محمد بأسمى صور التربية الرفيعة وهو يترعرع في بيت زكّاه الله وأعلى ذكره ورفع شأنه حيث ( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ... ) (٢) ، ذلك البيت الذي رفع كلمة الله لتكون هي العليا في الأرض وقدّم القرابين الغالية في سبيل رسالة الله.

وقطع الإمام الزكي شوطاً من حياته مع أبيه الإمام الهاديعليه‌السلام لم يفارقه في حلّه وترحاله، وكان يرى فيه صورة صادقة لمُثل جدّه الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما كان يرى فيه أبوه أنّه امتداد الرسالة والإمامة فكان يوليه أكبر اهتمامه، ولقد أشاد الإمام الهاديعليه‌السلام بفضل ابنه الحسن العسكري قائلاً:«أبو محمد ابني أصحّ آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غريزةً وأوثقهم حجة. وهو الأكبر من ولدي وهو الخلف وإليه تنتهي عرى الإمامة وأحكامها» (٣) ، والإمام الهادي بعيد عن

ــــــــــــ

(١) حياة الإمام الحسن العسكري(دراسة وتحليل): ١٠٣ عن الإتحاف بحبّ الأشراف: ٦٨.

(٢) النور(٢٤): ٣٧.

(٣) أصول الكافي: ١/٣٢٧ ح ١١ وعنه في الإرشاد: ٢/٣١٩ وإعلام الورى: ٢/١٣٥ وعن الإرشاد في كشف الغمة: ٣/١٩٦، وعن بعضها في أعيان الشيعة ٤ ق ٣: ٢٩٥ وعنه في حياة الإمام الحسن العسكري: ٢٣.


المحاباة والاندفاع العاطفي مثله في ذلك آبائه المعصومين.

وقد لازم الإمام أبو محمدعليه‌السلام أباه طيلة عقدين من الزمن وهو يشاهد كل ما يجري عليه وعلى شيعته من صنوف الظلم والاعتداء. وانتقل الإمام العسكريعليه‌السلام مع والده إلى سرَّ من رأى(سامراء) حينما وُشي بالإمام الهاديعليه‌السلام عند المتوكل حيث كتب إليه عبد الله بن محمد بن داود الهاشمي: «يذكر أن قوماً يقولون إنه الإمام ـ أي علي الهاديعليه‌السلام ـ فأشخصه عن المدينة مع يحيى بن هرثمة حتى صار إلى بغداد، فلما كان بموضع يقال له الياسرية نزل هناك، وركب إسحاق بن إبراهيم لتلقّيه، فرأى تشوّق الناس إليه واجتماعهم لرؤيته، فأقام إلى الليل، ودخل به في الليل، فأقام ببغداد بعض تلك الليلة ثم نفذ إلى سرَّ من رأى»(١) .

ولقد أسرف المتوكّل العباسي في الجور والاعتداء على الإمام علي بن محمد الهاديعليه‌السلام ففرض عليه الإقامة الجبرية في سامرّاء وأحاط داره بالشرطة تحصي عليه أنفاسه وتمنع العلماء والفقهاء وشيعته من الاتصال به، وقد ضيّق المتوكّل على الإمام في شؤونه الاقتصادية أيضاً، وكان يأمر بتفتيش داره بين حين وآخر، وحمله إليه بالكيفية التي هو فيها.

وكان من شدّة عداء المتوكّل لأهل البيتعليهم‌السلام أن منع رسميًّا من زيارة قبر الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام بكربلاء، وأمر بهدم القبر الشريف الذي كان مركزاً من مراكز الإشعاع الثوري في أرض الإسلام.

وكانت كل هذه الظروف المريرة هي الظروف التي عاشها الإمام الزكي أبو محمد العسكريعليه‌السلام وهو في نضارة العمر وغضارة الشباب فكَوَتْ

ــــــــــــ

(١) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٤٨٤.


نفسه آلاماً وأحزاناً وقد عاش تلك الفترة في ظل أبيه وهو مروّع فذابت نفسه أسىً وتقطّعت ألماً وحسرة(١) .

وكان استشهاد والده(سنة ٢٥٤هـ) وتقلّد الإمامة بعده وكانت فترة إمامته أقصر فترة قضاها إمام من أئمة أهل البيت الأطهار وهم أصح الناس أبداناً وسلامة نفسيّة وجسديّة. قد استشهد وهو بعد لمّا يكمل العقد الثالث من عمره الشريف، إذ كان استشهاده في سنة(٢٦٠هـ)(٢) فتكون مدة إمامتهعليه‌السلام ست سنين. وهذه المدة القصيرة تعكس لنا مدى رعب حكّام الدولة العباسية منه ومن دوره الفاعل في الأمة لذا عاجلوه بعد السجن والتضييق بدس السم له وهو لم يزل شاباً في الثامنة أو التاسعة والعشرين من عمره الميمون.(٣)

ولا بد من الإشارة إلى أنّ المنقول التاريخي عن الإمام العسكريعليه‌السلام في ظل حياة والده الإمام علي الهاديعليه‌السلام ومواقفهما لا يتعدى الولادة والوفاة والنسب الشريف وحوادث ومواقف يسيرة لا تتناسب ودور الإمامعليه‌السلام الذي كان يتمثل في حفظ الشريعة والعمل على إبعاد الأمة عن الانحراف ومواجهة التحديات التي كانت تواجهها من قبل أعداء الإسلام.

غير أن مجموعة من الروايات التي نقلها لنا بعض المحدثين تشير إلى أمور مهمّة من حياة الإمام العسكريعليه‌السلام ، وقد أشار الإمام العسكري نفسه إلى صعوبة ظرفه بقولهعليه‌السلام :«ما مُنيَ أحد من آبائي بمثل ما مُنيتُ به من شك هذه العصابة فيّ» .(٤)

ــــــــــــ

(١) حياة الإمام الحسن العسكري: ٢٤.

(٢) الإرشاد: ٢ / ٣١٥، وعنه في بحار الأنوار: ٥٠ / ٢٣٦.

(٣) مناقب آل أبي طالب: ٤ / ٤٢٢.

(٤) تحف العقول: ٥١٧.


وهذا شاهد آخر على حراجة الظروف السياسية والاجتماعية التي كانت تحيط بالإمامين العسكريين علي بن محمد والحسن بن عليعليهما‌السلام والتي كانت تحتم إبعاد الإمام العسكري من الأضواء والاتصال بالعامة إلاّ في حدود يسمح الظرف بها أو تفرضها ضرورة بيان منزلته وإمامته وعلو مكانته وإتمام الحجة به على الخواص والثقاة من أصحابه، كل ذلك من أجل الحفاظ على حياته من طواغيت بني العباس.

وإن ما ورد منه في وفاة أخيه محمد يعدّ مؤشراً آخر يضاف إلى قول الإمامعليه‌السلام ويدل على صعوبة الظرف الذي كان يعيشه الإمامان وحالة الاستعداء التي كانت تفرضها السلطة عليهما، فعند وفاة محمد بن علي الهاديعليه‌السلام ـ كما يروي الكليني عن سعد بن عبد الله عن جماعة من بني هاشم منهم الحسن بن الحسين الأفطس ـ حيث قال: «إنهم حضروا يوم توفي محمد بن علي بن محمد دار أبي الحسنعليه‌السلام وقد بسط في صحن داره والناس جلوس حوله فقالوا: قدّرنا أن يكون حوله من آل أبي طالب ومن بني العباس وقريش مئة وخمسون رجلاً سوى مواليه وسائر الناس إذ نظرنا إلى الحسن بن عليعليه‌السلام قد جاء مشقوق الجيب حتى قام عن يمينه ونحن لا نعرفه فنظر إليه أبو الحسنعليه‌السلام بعد ساعة من قيامه ثم قال له:«يابني أحدث لله شكراً فقد أحدث فيك أمراً» .

فبكى الحسنعليه‌السلام واسترجع وقال:«الحمد لله رب العالمين، وإيّاه أسأل تمام نعمه لنا فيك وإنا لله وإنا إليه راجعون» .

فسألنا عنه فقيل لنا: هذا الحسن إبنه وقدّرنا له في ذلك الوقت عشرين


سنة أو أرجح فيومئذ عرفناه وعلمنا أنه قد أشار إليه بالإمامة وأقامه مقامه»(١) .

ونلاحظ أن سؤال جماعة عن الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام وفي هذه المناسبة الأليمة التي حضرها أعيان الناس دليل قوي على مدى تكتّم الإمام الهادي على ولده العسكريعليهما‌السلام ، خصوصاً وهو قد بلغ العشرين من مراحل حياة الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام عمره الشريف.

الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام

تنقسم حياة الإمام العسكريعليه‌السلام إلى مرحلتين متميزتين:

المرحلة الأولى: هي الأيام التي قضاها الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام في ظلال إمامة أبيه الإمام الهاديعليه‌السلام والتي تقرب من(٢٢ سنة) حيث تنتهي باستشهاد أبيه سنة(٢٥٤هـ ).

ولا نملك صورة تفصيلية عن هذين العقدين من الزمن فيما يخص حياة الإمام الحسن العسكري سوى بضعة حوادث تتلخص في صور من خشيته لله منذ صباه وعلاقته الحميمة بأخويه محمد والحسين ثم رزؤه بأخيه محمد، ثم زواجه ونصّ الإمام الهادي على إمامته، ثم تجهيزه لأبيه حين وفاته صلوات الله عليه.

ولا بد لنا أن نلمّ بأحداث عصر الإمام الهاديعليه‌السلام ومواقفه منها كي نستطيع أن نخرج بصورة واضحة عن الظروف التي أحاطت بالإمام العسكريعليه‌السلام في المرحلة الثانية من حياته كي يتسنى لنا تقويمها ودراسة نشاطاتهعليه‌السلام في عصر إمامته الذي لا نجد عصراً أقصر منه ولا أشد حراجة بالنسبة للإمام نفسه ولشيعته ولأهدافه.

ــــــــــــ

(١) الكافي: كتاب الحجة، باب الإشارة والنص على أبي محمد عليه‌السلام ، الحديث رقم ٨.


المرحلة الثانية: هي أيام إمامته حتى استشهاده والتي تبدأ من سنة(٢٥٤هـ) وحتى سنة استشهاده(٢٦٠هـ) وهي مرحلة حافلة بأحداث مهمة على الرغم من قصرها.

وقد عاصر فيها كُلاًّ من المعتزّ(٢٥٥ هـ ) والمهتدي(٢٥٦ هـ ) والمعتمد(٢٧٩ هـ )

وتبرز مدى أهميتها حينما نتصوّر أهمية مرحلة الغيبة التي كان لا بد للإمام الحسن العسكريعليه‌السلام أن يقوم بالتمهيدات اللازمة فيها لنقل شيعة أهل البيتعليهم‌السلام من مرحلة الحضور إلى مرحلة الغيبة التي يُراد من خلالها حفظ الإمام المعصوم وحفظ شيعته وحفظ خطّهم الرسالي من الضياع والانهيار والاضمحلال، حتّى تتهيّأ الظروف الملائمة لثورة أهل البيت الربّانية على كل صروح الظلم والطغيان وتحقيق جميع أغراض الرسالة الإلهية الخالدة على وجه الأرض من خلال دولة العدالة العالمية لأهل البيتعليهم‌السلام .

الفصل الثالث: الإمام الحسن العسكري في ظلّ أبيهعليهما‌السلام

كان شخوص الإمام الهادي مع ابنه الحسن العسكريعليه‌السلام من المدينة سنة(٢٣٤هـ)(١) ، ورافقه خلال مدة تواجده في سامرّاء البالغة عشرين سنة فيكون قد عاش الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام في ظل أبيه اثنين وعشرين سنة حيث استشهد أبوه الإمام الهاديعليه‌السلام سنة(٢٥٤هـ).

وقد عاش الظروف المأساوية القاسية التي كان يعيشها الإمام الهاديعليه‌السلام وشيعته والتي كانت تفرضها السلطة الغاشمة على الإمامعليه‌السلام وأتباعه من أجل إيقاف نشاط الإمام ونشاط أتباعه أو تحديده وتطويقه لئلاّ يتسع نشاط مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام وتنتشر آثارهم بين جميع أبناء الأمة الإسلامية ذلك النشاط الذي قد يؤدي إلى المواجهة معها ; لذا فهي كانت تعمد إلى الاضطهاد والسجن والنفي والمتابعة وهي وسائل السلطات الجائرة على امتداد تاريخ الإنسان.

١ ـ طفولة متميّزة

روي أن شخصاً مرّ بالحسن بن علي العسكريعليهما‌السلام وهو واقف مع

ــــــــــــ

(١) تاريخ الطبري: ٧ / ٥١٩.


أترابه من الصبيان، يبكي، فظنّ ذلك الشخص أن هذا الصبيّ يبكي متحسّراً على ما في أيدي أترابه، ولذا فهو لا يشاركهم في لعبهم، فقال له: أشتري لك ما تلعب به ؟، فردّ عليه الحسنعليه‌السلام :«لا، ما للّعب خُلِقنا» .

وبهر الرجل فقال له: لماذا خلقنا ؟ فأجابهعليه‌السلام :«للعلم والعبادة» .

فسأله الرجل: من أين لك هذا ؟، فأجابهعليه‌السلام : من قوله تعالى( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ) .

وبهت الرجل ووقف حائراً، وانطلق يقول له: ما نزل بك، وأنت صغير لا ذنب لك ؟!!

فأجابهعليه‌السلام :«إليك عنّي، إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار، فلا تتقد إلاّ بالصغار، وإني أخشى أن أكون من صغار حطب جهنّم» (١) .

وروي عن محمّد بن عبد الله أنه قال: وقع أبو محمدعليه‌السلام وهو صغير في بئر الماء وأبو الحسنعليه‌السلام في الصلاة، والنسوان يصرخن، فلمّا سلّم قال:لا بأس . فرأوه وقد ارتفع الماء إلى رأس البئر وأبو محمد على رأس الماء يلعب بالماء (٢) .

٢ ـ عصر الإمام الهاديعليه‌السلام

عاصر الإمام الهاديعليه‌السلام مدة إمامته ستّة من خلفاء بني العباس، المعتصم منذ سنة(٢٢٠ ـ ٢٣٢ هـ ) والمتوكل(٢٣٢ ـ ٢٤٧ هـ) حيث قتل على يد الأتراك، ثم جاءت أيام المنتصر ـ وكانت مدّة خلافته ستة أشهر ويومين، ثم المستعين(٢٤٨ ـ ٢٥٢هـ) كما عاصر الشطر الأكبر من خلافة

ــــــــــــ

(١) حياة الإمام الحسن العسكري: ٢٢ ـ ٢٣ عن جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام: ١٥٥.

(٢) الخرائج والجرائح: ١/٤٥١ ح ٣٦ وعنه في بحار الأنوار: ٥٠ / ٢٧٤.


المعتز(٢٥٢ ـ ٢٥٥هـ) حيث كان استشهاد الإمام الهاديعليه‌السلام سنة(٢٥٤هـ)(١) ، وفي هذا العام تولى مهام الإمامة ابنه الحسن بن علي العسكريعليهما‌السلام .

وكانت الظروف التي تمر بها الدولة العباسية بعد تولي المتوكل ظروفاً صعبة جداً، إذ إنها كانت تعد مؤشراً على ضعفها، وتشكل بدايةً لانحلالها، فالحروب الداخلية والخارجية من جهة، والقتال بين أبناء الخلفاء على كرسي الحكم من جهة أخرى كالذي حصل بين المستعين والمعتز والذي أدّى إلى تولي المعتز وخلع الأول عام(٢٥٢هـ)(٢) . كل واحد من هذه الصراعات كان له تأثيره المباشر في إيجاد الضعف والانحلال.

وتمثّلت الأحداث الداخلية أيضاً بنشاط الخوارج والذي كان نشاطاً قوياً فعالاً مدعماً بالمال والسلاح بقيادة مادر الشاري، وهناك أيضاً الثورات والانتفاضات العلوية إلى جانب نزاعات الطامعين في السلطة.

كما ان الدولة كانت تعاني من سوء الحالة الاقتصادية نتيجة للبذخ والإسراف الذي كانت تعيشه رجالات البلاط والوزراء وحاشيتهم، وفي أيام المتوكل قام المتوكّل بهدم قبر الإمام الحسينعليه‌السلام (٣) ، ومَنَعَ القاصدين لزيارته عن زيارته; لأن المتوكل كان يتجاهر بعدائه لآل أبي طالب ومطاردتهم، ولم يرد تجاه تلك الأحداث أي تعليق من قبل الإمام الهاديعليه‌السلام ، ويمكن أن يقال: «إنه لم يرد إلينا عن موقف الإمامعليه‌السلام مع الخلفاء شيء سوى ما جاء عن موقفه من المتوكل وهو أقل القليل».(٤)

ــــــــــــ

(١) تاريخ الطبري: ٧ أحداث سنة ٢٣٤ وسنة ٢٥٤ هـ.

(٢) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٤٧٦.

(٣) تاريخ ابن الوردي: ١ / ٢١٦.

(٤) تاريخ الغيبة الصغرى: ١١٧.


وكانت للإمام الهاديعليه‌السلام منزلة سامية ومكانة رفيعة القدر لدى أهل المدينة لإحسانه إليهم وعلاقته القوية معهم، فلمّا أشخصه المتوكل وأرسل يحيى ابن هرثمة لجلب الإمام من المدينة إلى سامراء عام(٢٣٤هـ) اضطرب الناس وضجّوا كما يروي يحيى بن هرثمة نفسه حيث قال: «فذهبت إلى المدينة فلمّا دخلتها ضجَّ أهلها ضجيجاً عظيماً، ما سمع الناس بمثله خوفاً على علي ـ أي الإمام الهاديعليه‌السلام ـ وقامت الدنيا على ساق، لأنه كان محسناً إليهم ملازماً للمسجد، لم يكن عنده ميل إلى الدنيا، فجعلت أسكّنهم، وأحلف لهم أني لم أؤمر فيه بمكروه، وأنه لا بأس عليه، ثم فتّشتُ منزله فلم أجد إلاّ مصاحف وأدعية، وكتب علم، فعظم في عيني»(١) .

وتعكس هذه الرواية لنا حجم ما كان يؤديه الإمام الهاديعليه‌السلام من دور في المدينة والذي نتج عنه حصول روابط ووشائج قوية تصل الأمة به كما كانت توصله بالأمة، وربما كان المتوكل قد وقف على هذا التأثير البالغ للإمامعليه‌السلام فكان سبباً لإبعاده عن المدينة المنوّرة إلى سامراء التي أسسها العباسيون أنفسهم والتي عُرفت بميول أهلها والذين كان أغلبهم من الأتراك إلى العباسيين أوّلاً، بالإضافة إلى ما عرفوا به من تطرّف في التوجه إلى السيطرة والسلطة ثانياً.

٣ ـ مواقف الإمام الهاديعليه‌السلام تجاه الأحداث

يتضح لنا من خلال الإجراءات التي قام بها المتوكل العباسي تجاه الإمام الهاديعليه‌السلام أنّ حركة الإمام وقيامه بمهامّه إزاء الأمة وخاصّته ـ وهي القواعد

ــــــــــــ

(١) تذكرة الخواص: ٣٦٠ عن علماء السير.


المؤمنة بمرجعيته الفكرية والروحيّة ـ كانت حركة محدودة تخضع لمدى الرقابة والضغط الموجه إليه والى خاصته. فكان الإمامعليه‌السلام منتهجاً نفس السبيل الذي انتهجه آباؤهعليهم‌السلام ، وعلى وفق المصلحة العليا للرسالة الإسلامية وبمقدار ما تسمح به الظروف العامة والخاصة التي تحيط بالإمامعليه‌السلام في عصره وهي ضرورة الحفاظ على مفاهيم الرسالة الإسلامية أوّلاً ومنع خاصّته من الوقوع في الانحراف أو ما كان يكيده لهم السلطان العباسي من منزلقات ثانياً.

ويمكن أن نصور مواقف الإمام الهاديعليه‌السلام على منحيين:

المنحى الأول: هو إثبات الحق ونقد الباطل، على صعيد الأمة الإسلامية، سواء كان ذلك على مستوى جهاز الحكم أو على مستوى القواعد الشعبية العامة.

حتّى أن يحيى بن أكثم قال للمتوكل: «ما نحبّ أن تسأل هذا الرجل ـ أي الإمامعليه‌السلام ـ شيئاً بعد مسائلي هذه وإنه لا يرد عليه شيء بعدها إلاّ دونها، وفي ظهور علمه تقوية للرافضة»(١).

المنحى الثاني: هو المحافظة التامة على أصحابه ورعاية مصالحهم وتحذيرهم من الوقوع في أحابيل السلطة العباسيّة ومساعدتهم في إخفاء نشاطهم والحذر في التحرك بحسب الإمكان.(٢)

وتتضح لنا مواقف الإمام الهاديعليه‌السلام من خلال استعراض بعض الحوادث التي واجهها وما اتّخذ من إجراءات إزاءها لِنحصل على صورة واضحة المعالم حينما نأخذ كل ظروفه بنظر الاعتبار فتتضح من خلالها الحركة العامة للأئمة الأطهار والمواقف الخاصّة بكل إمام.

ــــــــــــ

(١) المناقب: ٤ / ٤٣٧.

(٢) الغيبة الصغرى: ١١٨.


الإمام الهاديعليه‌السلام والمتوكل العباسي

لقد سعى جماعة بالإمامعليه‌السلام إلى المتوكل، وأخبروه بأن في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها وأنه يطلب الأمر لنفسه، فأرسل المتوكل مجموعة من الأتراك ليلاً ليهجموا على منزله على حين غفلة، فلمّا باغتوا الإمامعليه‌السلام وجدوه وحده، مستقبل القبلة وهو يقرأ القرآن، وليس بينه وبين الأرض بساط فأخذ على الصورة التي وجد عليها، وحمل إلى المتوكل في جوف الليل، فمثُل بين يدي المتوكل وهو في مجلس شرابه وفي يده كأس، فلمّا رآه أعظمه وأكبره وأجلسه إلى جانبه ولم يكن في منزله شيء ممّا قيل عنه ولم تكن للمتوكّل حجة يتعلّل بها على الإمامعليه‌السلام . فناول المتوكل الإمامعليه‌السلام الكأس الذي في يده.

فقال الإمامعليه‌السلام :ياأمير المؤمنين ما خامر لحمي ودمي قط، فأعفني ، فأعفاه، فقال المتوكل: أنشدني شعراً أستحسنه.

قال الإمامعليه‌السلام :إنّي لقليل الرواية للشعر .

قال المتوكل: لا بدّ أن تنشدني شيئاً. فأنشده الإمامعليه‌السلام :

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم

غلب الرجال فما أغنتهم القلل

واستنزلوا من بعد عز من معاقلهم

فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا

ناداهم صارخ من بعد ما قبروا

أين الأسرة والتيجان والحلل

أين الوجوه التي كانت منعمة

من دونها تضرب الأستار والكلل

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم

تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

قد طالما أكلوا يوماً وما شربوا

فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا

وطالما عمّروا دوراً لتحصنهم

ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا

وطالما كنزوا الأموال وادّخروا

فخلّفوها على الأعداء وارتحلوا

أضحت منازلهم قفراً معطَّلَةً

وساكِنوها إلى الأجداث قد رحلوا


فبكى المتوكل بكاء كثيراً حتى بلّت دموعه لحيته، وبكى من حضر ثم أمر برفع الشراب، ثم قال ياأبا الحسن، أعليك دين ؟ قال الإمامعليه‌السلام :نعم، أربعة آلاف دينار ، فأمر بدفعها إليه، وردّه إلى منزله مكرّماً.(١)

فمواقف الإمامعليه‌السلام كانت تنسجم مع موقع الإمامة أوّلاً وتنسجم مع الظروف السياسية والاجتماعية التي تحيط بالإمامعليه‌السلام وشيعته ثانياً.

وكان الإمامعليه‌السلام يحاول إتمام الحجة وإقامة الحق كلما سمحت الفرصة بذلك، فقد روي أن نصرانيّاً جاء إلى دار الإمامعليه‌السلام حاملاً إليه بعض الأموال، فخرج إليه خادمه وقال له: أنت يوسف بن يعقوب ؟ فقال: نعم، قال: فانزل واقعد في الدهليز، فتعجّب النصراني من معرفته لاسمه واسم أبيه، وليس في البلد من يعرفه، ولا دخله قط. ثم خرج الخادم وقال: المئة دينار التي في كمك في الكاغد هاتها، فناولها إيّاه ثم دخل على الإمامعليه‌السلام وطلب منه أن يرجع إلى الحق وأن يدخل في الإسلام فلما قال له الإمام:يا يوسف أما آن لك؟ فقال يوسف يامولاي قد بان لي من البرهان ما فيه الكفاية لمن اكتفى، فقال له الإمامعليه‌السلام :هيهات إنك لا تسلم ولكنه سيسلم ولدك فلان وهو من شيعتنا (٢) .

ــــــــــــ

(١) مروج الذهب: ٤ / ١١ عن المبرّد، ولعلّ عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان: ٢/٤٣٤ وعن المسعودي السبط في تذكرة الخواص: ٣٢٣.

(٢) الخرائج والجرائح: ١/٣٩٦ ح ٣ ب ١١ وعنه في كشف الغمة: ٣ / ١٨٢.


الإمام الهاديعليه‌السلام ووزير المنتصر

وروي أن الإمامعليه‌السلام كان يساير أحمد بن الخصيب في أثناء وزارته وقد قصُرَ أبو الحسن ـ أي الإمام الهاديعليه‌السلام ـ عنه فقال له ابن الخصيب: سر، جُعلت فداك، فقال له أبو الحسنعليه‌السلام :«أنت المقدّم» ، يقول الراوي فما لبثنا إلاّ أربعة أيام حتى وضع الدهق على ساق ابن الخصيب وقتل.(١)

وابن الخصيب هذا من المتجبرين وقد استوزره المنتصر وندم على ذلك لما اشتهر بالظلم. فمن ذلك انه ركب يوماً فتظلم إليه متظلم بقصة فأخرج رجله من الركاب فزج بها في صدر المتكلم فقتله فتحدّث الناس في ذلك فقال بعض الشعراء:

قل للخليفة ياابن عم محمد

أشكل وزيرك إنه ركال

أشكله عن ركل الرجال فإن ترد

مالاً فعند وزيرك الأموال(٢)

الإمام الهاديعليه‌السلام والتحدّي العلمي

لم تنحصر تحديات السلطة بإجراءاتها القمعية ضد الإمامعليه‌السلام بل كانت تعمد بين الحين والآخر إلى إحراج الإمام في قضايا علميّة حيث تدفع بوعاظها إلى محاججة الإمامعليه‌السلام بطرح أسئلة في مجالس عامة.

على أن عجز فقهاء السلطة عن إيجاد حلول لمشاكل فقهية مستجدّة كان يدفع الخليفة لطرح الأسئلة على الإمامعليه‌السلام . فقد روي أن رجلاً نصرانياً قدم

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٥٠١ ح٦ وعنه في الإرشاد: ٢/٣٠٦ وإعلام الورى: ٢/١١٦ وعن الإرشاد في كشف الغمة: ٣/١٧٠.

(٢) مروج الذهب: ٤ / ٤٨، والكامل في التاريخ: ٥ / ٣١١.


إلى المتوكل وكان قد فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم الحد عليه، فأسلم، فقال يحيى ابن أكثم ـ وهو قاضي القضاة ـ قد هدم إيمانُه شِركَه وفِعلَه، وقال بعضهم يضرب ثلاثة حدود، إلى غير هذه الأقوال... فلمّا رأى المتوكل هذا الاختلاف بين الفقهاء أمر بالكتابة إلى أبي الحسن العسكري ـ الإمام الهاديعليه‌السلام ـ لسؤاله عن هذا المشكل الذي اختلفوا فيه، فلما قرأ الإمامعليه‌السلام الكتاب كتب:«يضرب حتى يموت» . فأنكر يحيى بن أكثم وأنكر فقهاء العسكر ـ أي سامراء ـ ذلك، فقالوا ياأمير المؤمنين: سله عن ذلك فإنه شيء لم ينطق به كتاب ولم يجيء به سنة.

فكتب المتوكل إلى الإمام قائلاً: إنّ الفقهاء قد أنكروا هذا وقالوا: لم يجيء به سنة ولم ينطق به كتاب، فبيّن لنا لم أوجبتَ علينا الضرب حتى الموت ؟!

فكتبعليه‌السلام :بسم الله الرحمن الرحيم ( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ) (١) . فأمر به المتوكل فضرب حتى مات. (٢)

الإمام الهاديعليه‌السلام وفتنة خلق القرآن

وفي فترة حكم المأمون العباسي، أثيرت من قبل السلطان العباسي قضية خلق القرآن من أجل إبعاد الأمة عن همومها وأهدافها بالإضافة إلى توسيع وتعميق شُقّة الخلاف بين أبناء الأمة، ليكون هذا الخلاف حاجزاً بينهم وبين السلطان المنحرف والبعيد في سلوكه ونشاطه عن الشريعة الإسلامية.

وهناك جهة ثالثة هي أن السلطة قد استغلت هذه القضية إذ جعلتها

ــــــــــــ

(١) غافر(٤٠): ٨٤ ـ ٨٥.

(٢) مناقب آل أبي طالب: ٤ / ٤٣٧.


مصيدة لمعارضيها فكانت تتعرّف عليهم من خلالها ثم تقوم بتحجيم دورهم في أوساط الأمة.

وكتب الإمام الهاديعليه‌السلام إلى شيعته في بغداد لإبعادهم عن الخوض في مسألة خلق القرآن مع من يخوض فيها تجنّباً لهم من الآثار السلبيّة التي يمكن أن تلحق بهم وربما يكونون عرضة للوقوع تحت إجراءات قمعية ومطاردة من قبل السلطة، وقد روي عنهعليه‌السلام الكتاب الآتي:

عن محمد بن عيسى بن عبيد بن اليقطين قال كتب علي بن محمد بن علي بن موسى الرضاعليه‌السلام إلى بعض شيعته ببغداد:«بسم الله الرحمن الرحيم عصمنا الله وإياك من الفتنة فإن يفعل فأعظم بها نعمة وإلاّ يفعل فهي الهلكة نحن نرى إن الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب فتعاطى السائل ما ليس له وتكلف المجيب ما ليس عليه وليس الخالق إلاّ الله، وما سواه مخلوق والقرآن كلام الله لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالين جعلنا الله وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون» (١) .

وقد شغلت هذه المسألة الذهنيّة الإسلامية فترة حكم المأمون والمعتصم والواثق، وكان جواب الإمامعليه‌السلام محدّداً وبليغاً ; إبعاداً للشيعة عن الوقوع في حبائل السلطان والخروج من هذه الفتنة بسلامة في الدين، فكان الإمام الهاديعليه‌السلام يترصّد الأحداث والظواهر التي تكتنف الحياة الإسلامية عامة وما تتطلب من مواقف خاصّة فيما يتعلق بشيعته لتجنيبهم مزالق الانحراف من الخوض في كثير من المسائل التي لا طائل منها سوى الكشف عن هويّتهم، وبالتالي التعرض لحبائل السلطة من القمع والاضطهاد والسجن.

ــــــــــــ

(١) أمالي الشيخ الصدوق: ٤٨٩.


الإمام الهاديعليه‌السلام مع أصحابه وشيعته

لقد حفلت حياة الإمامعليه‌السلام بالأحداث المريرة إذ كان الصراع على السلطة على أشدّه بين أبناء الأسرة الحاكمة من جهة، وبين الأمراء والقوّاد الأتراك وغيرهم من الطامحين في السلطة من جهة ثانية. فكان نتيجة هذا الصراع أن ينال الإمام الهاديعليه‌السلام وأبناء عمومته وشيعته في هذه الظروف الكثير من الأذى والاضطهاد باعتباره زعيم الجبهة المعارضة لكل هؤلاء المتصارعين على السلطة من حكّام وأمراء ووزراء. فبالرغم من وجود هذا الصراع الشديد فان الحكام العباسيين كانوا يخافون الإمامعليه‌السلام ويرون أنّه سيد أهل البيت وإمام الأمة وصاحب الكلمة المسموعة بين الناس.

وكان الإمامعليه‌السلام يمارس دور التربية والتوجيه وإعداد المؤمنين بمرجعيته الفكرية والروحية من أجل تحصينهم ضد الانحرافات العقائدية والفكرية ويمنعهم من الخوض في كثير من المسائل التي يكون الخوض فيها كاشفاً عن هويتهم وارتباطهم بالإمامعليه‌السلام مما كان يؤدي إلى أن يكونوا تحت طائل عقوبات واضطهادات السلطة فيما إذا علموا موالاتهم للإمام وأهل البيتعليهم‌السلام كما حصل ذلك لابن السكّيت وغيره، حيث كانت تقوم السلطة بقتلهم أو زجّهم في السجون.

إنّ دارسي هذه الفترة ـ وهي العصر العباسي الثاني ـ وإن وصفوها بالضعف السياسي والإداري للسلطة لكن حكّام الدولة لم يتهاونوا في تشديد الرقابة على الإمام وأصحابه; محاولين بذلك تحديد دائرة نشاط الإمامعليه‌السلام وحدّها من التوسع في تأثيرها على قطاعات الأمة المختلفة. لذا نرى أن الإمامعليه‌السلام كان يكرّس جلّ وقته وتعليماته بخصوص شيعته ومواليه مع تحيّن الفرصة في اتخاذ المواقف التي تعكس وجهة النظر الإسلامية في الوقائع والأحداث مع بيان ابتعاد الحكّام العباسيين عن تطبيق تعاليم الإسلام وهم في قمة انحرافهم وانغماسهم في اللهو والمجون.وكانت مواقف الإمام الهاديعليه‌السلام تجاه الأحداث متناسبة مع تلك الظروف فكان يصدر توجيهاته وتعليماته بحذر ودقة وسرية تامة إلى شيعته وأصحابه.


ولعلّ أهم وأوضح موقف وقفه الإمامعليه‌السلام في هذا الصدد بحسب ما لدينا من وثائق تاريخية هو موقفه تجاه محاولة المتوكل للنيل من الإمامعليه‌السلام عن طريق أخيه، حيث أغراه بعض جلسائه بدعوة موسى إليه لإشاعة أن ابن الرضا يجلس إلى المتوكل وينادمه الشرب واللهو، غير أن الإمامعليه‌السلام قد خرج فيمن خرج لاستقبال أخيه وحذّره عاقبة ما يقصده المتوكل ومن ثم أنبأه أنه لا يجتمع والمتوكل في مجلس، وكان كما قال الإمامعليه‌السلام حتى قتل المتوكل.(١)

رعاية الإمام الهاديعليه‌السلام لشيعته وقضاء حوائجهم

كتب الإمام الهاديعليه‌السلام كتاباً حذّر فيه محمد بن الفرج الرُخجي جاء فيه:

«يامحمد! اجمع أمرك وخذ حذرك» ، فلم يفهم ما أراده الإمام بكلامه هذا حيث قال محمد: فأنا في جمع أمري لست أدري ما الذي أراد ـ أي الإمام ـ بما كتب حتى ورد رسول حملني من وطني مصفّداً بالحديد، وضرب على كل ما أملك وكنت في السجن ثماني سنين.

ونجد أن رعاية الإمامعليه‌السلام لم تنقطع عن محمد هذا حتى كتب إليه وهو

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٥٠٢ ح ٨ وفي ط: ٢/٩ وعنه في الإرشاد: ٢/٣٠٧ وفي إعلام الورى: ٢/١٢١ ـ ١٢٢ وعن الإرشاد في كشف الغمة: ٣/١٧١.


في السجن مبشّراً له بالخروج من السجن ثم أوصاه:يا محمد لا تنزل في ناحية الجانب الغربي .

وقال محمد: فقرأت الكتاب وقلت في نفسي: يكتب إلي أبو الحسن بهذا وأنا في السجن إنّ هذا لعجب، فما لبثت إلاّ أيّاماً يسيرة حتى فرّج عني وحلّت قيودي وخلي سبيلي(١) .

ومن ذلك أيضاً ما حدث بأحد أصحابه المتضررين من الحكم العباسي، حيث يقول قصدتُ الإمام يوماً فقلت: إن المتوكل قطع رزقي، وما أتّهم في ذلك إلاّ علمه بملازمتي لك، فينبغي أن تتفضّل عليّ بمساءلته.

فقال الإمامعليه‌السلام له:تُكفى إن شاء الله .

قال: فلما كان الليل طرقني رسل المتوكل رسول يتلو رسولاً، فجئت فوجدته في فراشه.

فقال: يا أبا موسى يشتغل شغلي عنك وتنسينا نفسك. أيّ شيء لك عندي به ؟ فقلت: الصلة الفلانيّة، وذكرت أشياء، فأمر لي بها وبضعفها، فقلت للفتح: وافى علي بن محمد إلى هاهنا ؟ وكتب رقعة ؟ قال: لا. قال فدخلت على الإمام فقال لي:ياأبا موسى هذا وجه الرضا . فقلت ببركتك ياسيدي، ولكن قالوا: إنك ما مضيت إليه ولا سألت ـ أي المتوكل ـ فأجابه الإمامعليه‌السلام مصححاً له رؤيته وتفكيره محاولاً أن يرتفع به إلى الانشداد بالله الواحد القادر سبحانه، بقوله:إن الله تعالى علم منّا أنّا لا نلجأ في المهمات إلاّ إليه، ولا نتوكل في الملمات إلاّ عليه وعوّدنا ـ إذا سألناه ـ الإجابة، ونخاف أن نعدل فيعدل بنا (٢) .

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٥٠٠ ح ٥ وعنه في الإرشاد: ٢/٣٠٦ وإعلام الورى: ٢/١١٥ وعن الإرشاد في كشف الغمة: ١٧٠.

(٢) أمالي الطوسي: ٢٨٥ ح ٥٥٥ وعنه في مناقب آل أبي طالب: ٤/٤٢٢.


فكان الإمامعليه‌السلام على اطلاع دائم على الوضع والظروف التي كان يعيشها أصحابه وشيعته وهو يعمل جادّاً من أجل تخفيف وطأة ذلك عنهم لما يعلمه من سوء ظروفهم الاقتصادية والسياسية، وما تقوم به السلطة العباسية من التضييق وخلق ظروف يصعب عليهم التحرك أو العمل فيها فضلاً عن محاربتهم اقتصادياً وسياسياً وربّما كان يتوخى الإمامعليه‌السلام من ذلك أموراً مثل:

١ ـ تقوية صلتهم وتوجههم للارتباط بالله سبحانه وحده.

٢ ـ قضاء حوائجهم الخاصة.

٣ ـ إعادة الثقة بأنفسهم لمداومة نصرة الحق وخذلان الباطل.

٤ ـ تقوية صلتهم به والأخذ عنه وعن الثقات الذين يشير الإمام إليهم للتعامل معهم.

الإمام الهاديعليه‌السلام والغلاة

ظهر في عصر الإمامعليه‌السلام أشخاص وبرزت مجموعات تدعو إلى آراء وتوجهات خاصة بهم تحاول خداع السذّج من الناس لصرفهم عن قيادة الإمامعليه‌السلام وتشكيكهم في معتقداتهم لغرض تفتيت الحركة الشيعية وتحجيم دورها.

ولا يبعد أن تكون السلطة من وراء بعضها بواسطة أيادي كان يهمّها أن تضعف حركة الإمامعليه‌السلام وتضيق دائرة تأثيره فيما تبتدعه من أفكار هدّامة منافية للإسلام.

ومن هؤلاء الغلاة والمنحرفين علي بن حسكة والقاسم اليقطيني. ولما سئل الإمامعليه‌السلام من قبل أصحابه عن معتقدات(علي بن حسكة) قال


الإمامعليه‌السلام عنها:«ليس هذا ديننا فاعتزله» (١) .

وعن محمد بن عيسى ـ أحد أصحاب الإمامعليه‌السلام ـ قال: كتب إلي أبو الحسن العسكري ابتداء منه:لعن الله القاسم اليقطيني ولعن الله علي بن حسكة القمي، انّ شيطاناً يتراءى للقاسم فيوحي إليه زخرف القول غروراً (٢) .

إلى غيرها من المواقف الكثيرة للإمامعليه‌السلام بهذا الخصوص لبيان وجه الحق وإثباتاً للعقيدة الحقة وتجنيباً لأصحابه وشيعته من الانحراف والزيغ.

الإمام الهاديعليه‌السلام والثورات في عصره

إن الظروف الاقتصادية والاجتماعية السيئة وظروف القهر والاستبداد السياسي التي عانت منها الأمة إبّان عصر الدولة العباسية الثاني حفّزت كثيراً من معارضي الدولة على الخروج المسلّح عليها فحدثت عدّة انتفاضات وثورات في أمصار الدولة كما كانت هناك حركات انفصالية قامت نتيجة لها دول وإمارات في أمصار مختلفة.

ولا ندعي شرعية جل هذه الحركات مع صعوبة معرفة موقف الإمامعليه‌السلام منها للحيطة والسرية التي كانت سمة تعامل الإمام وشيعته مع الأحداث إذ كانت وصاياه وتعليماته إلى خاصته وشيعته تتّسم بأعلى درجات السرية، وكانت تلك الثورات والانتفاضات على نوعين:

١ ـ الحركات والثورات التي تدعو إلى الرضا من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٢ ـ حركات معارضة لأسباب ودوافع متعددة منها الظلم والتعسّف السلطوي لحكام بني العباس وجور الولاة والأمراء وقوّاد الجند الأتراك ; لما امتازت به هذه الحقبة الزمنية من بروز دور واسع للأتراك في إدارة السلطة.

ــــــــــــ

(١) رجال الكشي: ٥١٦ ح ٩٩٤ و ٩٩٥.

(٢) رجال الكشي: ٥١٨ ح ٩٩٦.


الإمام الهاديعليه‌السلام وأساليب مواجهة السلطة

إن إبعاد الإمام الهاديعليه‌السلام عن المدينة وإقامته قريباً من مركز الخلافة في سامراء ما كان إلاّ لتحصى عليه حركاته وسكناته ومن ثم إبعاده عن شيعته وأهل بيته ومحبّيه كمحاولة من السلطة العباسية لإضعاف نشاط الإمام وتحجيم دوره وبالتالي إخضاعه لرقابة مشددة للتعرف على مدى تحرّكه أوّلاً ثم التعرف على شيعته وأصحابه ثانياً واتخاذ الإجراءات الكفيلة بإفشال تحرّكهم ومنع تأثير الإمام ومنع انتشار فكر الإمامعليه‌السلام بين أبناء الأمة الإسلامية التي عرفت الإمام الرضا ومدرسته وأبناءه الذين كانوا يشكّلون الجبهة الأساسية المعارضة للحكم القائم ثالثاً.

إذا ثبات الحكم العباسي كان يتوقّف على شل أيّ تحرّك ضده، من هنا نجد أنّ تعليمات الإمام وتوجيهاته لشيعته وأصحابه كانت تمتاز بالدقة والعمق لشدة وحراجة الظرف الذي كانوا يعيشونه.

وتبرز لنا صعوبة الظرف الذي كان يحيط بالإمامعليه‌السلام وشيعته من قبل السلطة العباسية الغاشمة من خلال نوع التعليمات التي كان يراعيها الإمام وشيعته وهي:

١ ـ اتخاذ أماكن سريّة للقاءات، فعن إسحاق الجلاب قال: دعاني الإمامعليه‌السلام فأدخلني من اصطبل داره إلى موضع واسع لا أعرفه(١) .

٢ ـ الحذر من كتابة المعلومات وما يصدر عن الإمامعليه‌السلام ، فعن داود الصرمي: أمرني سيدي ـ الإمام الهادي ـ بحوائج كثيرة فقالعليه‌السلام «قل: كيف تقول ؟ فلم أحفظ ما قال لي، فمر الدواة وكتب:

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١ / ٤٩٨ ـ ٤٩٩ ح ٣.


بسم الله الرحمن الرحيم، أذكره إن شاء الله والأمر بيده ».

٣ ـ استعمال الأسماء السرية(١) .

٤ ـ استعمال القوة ضد العناصر التي كانت تشكّل خطراً.

٥ ـ الاعتماد على العناصر ذات الالتزام والإيمان والمخلصة في نقل الأخبار والرسائل(٢) .

هذا فضلاً عن أساليب أخرى لإيصال المعلومات أو اتّخاذ المواقف إزاء الأحداث العامة أو غيرها عن طريق طرح الأفكار في مجالس عامّة أو خاصّة أو عن طريق الأدعية والزيارات للأئمةعليهم‌السلام كما في الزيارة الجامعة الّتي تضمنت معاني سامية وأفكار عقائدية مهمّة.

لقد عاصر الإمام العسكريعليه‌السلام هذه الأحداث بكل تفاصيلها وشاهد كل ما ألَمَّ بأبيهعليه‌السلام وشيعته من إجراءات قمعية من قبل السلطة وما عانته الأمة منهم طيلة عقدين من الزمن.

٤ ـ زواج الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام

روي عن بشر بن سليمان النخاس ـ وهو من ولد أبي أيوب الأنصاري ـ أحد موالي أبي الحسن الهادي وأبي محمد العسكريعليهما‌السلام أنّه قال: «أتاني كافور الخادم ـ خادم الإمام الهادي ـ فقال: مولانا أبو الحسن علي الهاديعليه‌السلام يدعوك إليه فأتيته فلما جلست بين يديه قال لي:يا بشر إنك من ولد الأنصار وهذه الموالاة لم تزل فيكم يرثها خلف عن سلف، فأنتم ثقاتنا أهل البيت، وإني مزكيك ومشرفك بفضيلة تسبق بها الشيعة في الموالاة بها، بسرّ أطلعك عليه، وأنفذك في ابتياع أمة .

ــــــــــــ

(١) يُراجع تاريخ الكوفة: ٣٩٣، ومنهاج التحرك عند الإمام الهادي: ٨٧ ـ ٩٣.

(٢) دلائل الإمامة: ٢١٩.


فكتب كتاباً لطيفاً بخط رومي ولغة رومية وطبع عليه خاتمه وأخرج شقيقة صفراء فيها مئتان وعشرون ديناراً، فقال:خذها وتوجه إلى بغداد واحضر معبر الفرات ضحوة يوم كذا، فإذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا وترى الجواري فيها ستجد طوائف المبتاعين من وكلاء قواد بني العبّاس وشرذمة من فتيان العرب، فإذا رأيت ذلك فأشرف من البعد على المسمّى عمر بن يزيد النخّاس عامة نهارك إلى أن تبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا وكذا، لابسة حريرين صفيقين تمتنع من العرض ولمس المعترض والانقياد لمن يحاول لمسها، وتسمع صرخة رومية من وراء ستر رقيق،(فاعلم) أنّها تقول: واهتك ستراه، فيقول بعض المبتاعين: عليّ ثلاثمئة دينار فقد زادني العفاف فيها رغبة، فتقول له بالعربية: ولو برزت في زيّ سليمان بن داود وعلى شبه ملكه ما بدت لي فيك رغبة فأشفق على مالك، فيقول النخّاس: فما الحيلة؟ ولا بد من بيعك، فتقول الجارية: وما العجلة؟ ولا بد من اختيار مبتاع يسكن قلبي إليه وإلى وفائه وأمانته، فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخّاس وقل له: أنّ معك كتاباً ملصقاً لبعض الأشراف كتبه بلغة رومية وخطّ رومي، ووصف فيه كرمه ووفاءه ونبله وسخاءه، فناولها لتتأمل منه أخلاق صاحبه فإن مالت إليه ورضيتهُ، فأنا وكيله في ابتياعها منك .

قال بشر بن سليمان: فامتثلت جميع ما حدّه لي مولاي أبو الحسنعليه‌السلام في أمر الجارية (فلما نَظَرَتْ) في الكتاب بكتْ بكاءً شديداً وقالت لعمر بن يزيد بِعني لصاحب هذا الكتاب، وحلفت بالمحرجة والمغلظة أنه متى امتنع من بيعها منه قتلتْ نفسها، فما زلت أُشاحّه في ثمنها حتّى استقرّ الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولايعليه‌السلام من الدنانير، فاستوفاه مني وتسلّمت الجارية ضاحكة مستبشرة، وانصرفت بها إلى الحجيرة التي كنت آوي إليها ببغداد، فما أخذها القرار حتّى أخرجت كتاب مولاناعليه‌السلام من جيبها وهي تلثمه وتطبقه على جفنها وتضعه على خدّها وتمسحه على بدنها، فقلت تعجباً


منها: تلثمين كتاباً لا تعرفين صاحبه ؟ فقالت: أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحلّ أولاد الأنبياء أعِرني سمعك وفرّغ لي قلبك أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، وأمي من ولد الحواريين تنسب إلى وصيّ المسيح شمعون: أُنبِّئُك بالعجب: إنّ جدي قيصر أراد أن يزوّجني من ابن أخيه وأنا من بنات ثلاث عشرة سنة فجمع في قصره من نسل الحواريين من القسيّسين والرهبان ثلاثمئة رجل، ومن ذوي الأخطار منهم سبعمائة رجل، وجمع من أمراء الأجناد وقوّاد العسكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر أربعة آلاف، وأبرز من بهيّ ملكه عرشاً مصنوعاً من أصناف الجوهر إلى صحن القصر، ورفعه فوق أربعين مرقاة فلما صعد ابن أخيه وأحدقت الصلب وقامت الأساقفة عكّفاً ونشرت أسفار الإنجيل تسافلت الصلب من الأعلى فلصقت بالأرض وتقوّضت أعمدة العرش فانهارت إلى القرار. وخرّ الصاعد من العرش مغشيًّا عليه فتغيّرت ألوان الأساقفة وارتعدت فرائصهم.

فقال كبيرهم لجدّي: أيّها الملك أعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالّة على زوال دولة هذا الدين المسيحي والمذهب الملكاني فتطيّر جدّي من ذلك تطيّراً شديداً(وقال) للأساقفة أقيموا هذه الأعمدة وارفعوا الصلبان وأحضروا أخا هذا المدبر العاثر المنكوس جدّه لأزوجه هذه الصبيّة فيدفع نحوسه عنكم بسعوده. فلمّا فعلوا ذلك حدث على الثاني مثل ما حدث على الأوّل وتفرّق الناس وقام جدّي قيصر مغتمّاً فدخل منزل النساء واُرخيت الستور واُريتُ في تلك الليلة كأنّ المسيح وشمعون وعدّة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدّي ونصبوا فيه منبراً من نور يُباري السماء علوّاً وارتفاعاً في الموضع الذي كان نصب جدّي فيه عرشه، ودخل عليهم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وختنه ووصيّه وعدّة من أبنائهعليهم‌السلام فتقدّم المسيح إليه فاعتنقه، فيقول له محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا روح الله


جئتُك خاطباً من وصيّك شمعون فتاتَه مليكة لابني هذا ـ وأوْمأ بيده إلى أبي محمدعليه‌السلام ابن صاحب هذا الكتاب ـ فنظر المسيح إلى شمعون وقال له: قد أتاك الشرف فَصِل رَحِمَك رَحِمَ آلِ محمّدعليهم‌السلام قال: قد فعلتُ فصعد ذلك المنبر فخطب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وزوّجني من ابنه وشهد المسيحعليه‌السلام ، وشهد أبناء محمّدعليهم‌السلام والحواريون.

فلما استيقظت أشفقْتُ أنْ أقصّ هذه الرؤيا على أبي وجدّي مخافة القتل فكنت أُسِرّها ولا أُبديها لهم وضرب صدري بمحبّة أبي محمّدعليه‌السلام حتى امتنعت من الطعام والشراب فضعُفتْ نفسي ودقّ شخصي، ومرضت مرضاً فما بقي في مدائن الروم طبيب إلاّ أحضره جدّي وسأله عن دوائي فلما برح به اليأس(قال): ياقرّة عيني وهل يخطر ببالك شهوة فازوّدكها في هذه الدنيا ؟ فقلت ياجدّي أرى أبواب الفرج عليّ مغلقة فلو كشفت العذاب عمّن في سجنك من اُسارى المسلمين وفككت عنهم الأغلال وتصدّقت عليهم ومنّيْتهم الخلاص رجوت أن يهب لي المسيح وأمه عافية، فلما فعل ذلك تجلّدت في إظهار الصحة من بدني قليلاً وتناولت يسيراً من الطعام فسُرّ بذلك وأقبل على إكرام الأُسارى وإعزازهم، فأُريتُ بعد أربع عشرة ليلة كأنّ سيدة نساء العالمين فاطمةعليها‌السلام قد زارتني ومعها مريم ابنة عمران وألف من وصائف الجنان، فتقول لي مريم: هذه سيدة نساء العالمين أم زوجك أبي محمدعليه‌السلام ، فأتعلّق بها وأبكي وأشكو إليها امتناع أبي محمّدعليه‌السلام من زيارتي، فقالت سيدة النساءعليها‌السلام إن ابني أبا محمد لا يزورك وأنت مشركة بالله على مذهب النّصارى، وهذه اُختي مريم بنت عمران تبرأ إلى الله تعالى من دينك فإن مِلْت إلى رضاء الله ورضاء المسيح ومريمعليهما‌السلام وزيارة أبي محمد إيّاك فقولي:

أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ أبي محمداً، رسول الله، فلما تكلمت بهذه الكلمة


ضمَّتني إلى صدرها سيّدة نساء العالمين وطَيَّبَتْ نفسي وقالت: الآن توقَّعي زيارة أبي محمّد فإني منفذته إليك، فانتبهت وأنا أقول وأتوقّع لقاء أبي محمدعليه‌السلام ، فلمّا كان في الليلة القابلة رأيت أبا محمدعليه‌السلام وكأنّي أقول له: جفوتني ياحبيبي بعد أن أتْلَفَتْ نفسي معالجة حبك. فقال: ما كان تأخّري عنك إلاّ لشركك ، فقد أسلمت وأنا زائرك في كل ليلة إلى أن يجمع الله تعالى شملنا في العيان، فما قطع عني زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية.

(قال بشر) فقلت لها: وكيف وقعت في الأُسارى ؟ فقالت: أخبرني أبو محمّدعليه‌السلام ليلة من الليالي أنّ جدكِ سيسيّر جيشاً إلى قتال المسلمين يوم كذا وكذا، ثمّ يتّبعهم فعليك باللّحاق بهم مُتَنَكِّرة في زيّ الخدم مع عدّة من الوصائف من طريق كذا. ففعلت ذلك فوقعت علينا طلايع المسلمين حتّى كان من أمري ما رأيت وشاهدت وما شعر بأني ابنة ملك الروم إلى هذه الغاية أحد سواك، وذلك باطلاعي إياك عليه، ولقد سألني الشيخ الذي وقعتُ إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فقلت: نرجس، فقال: اسم الجواري.

قلت: العجب إنّك روميّة ولسانك عربيّ، قالت: نعم من ولوع جدّي وحمله إيّاي على تعلّم الآداب أنْ أوعَز إلى امرأة ترجمانة لي في الاختلاف إليّ وكانت تقصدني صباحاً ومساءاً وتفيدني العربية حتى استمرّ لساني عليها واستقام.

(قال بشر): فلما انكفأت بها إلى سرّ من رأى دخلت على مولاي أبي الحسنعليه‌السلام فقال:كيف أراكِ اللهُ عزّ الإسلام، وذلّ النصرانيّة، وشرف محمّد وأهل بيته عليهم‌السلام ؟ قالت: كيف أصف لك يابن رسول الله ما أنت أعلم به منّي. قال:فإني أحببت أن أكرمك، فما أحب إليك عشرة آلاف دينار أم بشرى لك بشرف الأبد ؟

قالت بشرى بولد لي: قال لها:أبشري بولد يملك الدّنيا شرقاً وغرباً ويملأ


الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً .

قالت: ممّن ؟ قال:ممّن خطبك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له ليلة كذا في شهر كذا من سنة كذا بالرومية .

قالت: من المسيح ووصيه ؟ قال لها:ممّن زوجك المسيح عليه‌السلام ووصيه ؟ قالت: من ابنك أبي محمدعليه‌السلام ؟ فقال:هل تعرفينه ؟ قالت: وهل خلت ليلة لم يرني فيها منذ الليلة التي أسلمت على يد سيّدة النساء صلوات الله عليها ؟ قال: فقال مولانا:يا كافور ادع أختي حكيمة، فلمّا دخلتْ قال لها: هاهية . فاعتنقتها طويلاً وسرّت بها كثيراً، فقال لها أبو الحسنعليه‌السلام :يا بنت رسول الله خذيها إلى منزلك وعلّميها الفرائض والسنن فإنّها زوجة أبي محمد وأم القائم (١) .

وروى الصدوق بسنده عن محمد بن عبد الله الطهري أنه قال: قصدت حكيمة بنت محمدعليه‌السلام بعد مضي أبي محمّدعليه‌السلام أسألها عن الحجة وما قد اختلف في الناس من الحيرة التي هم فيها، فقالت لي: اجلس فجلست ثم قالت: يا محمّد إن الله تبارك وتعالى لا يخلي الأرض من حجة ناطقة أو صامتة، ولم يجعلها في أخوين بعد الحسن والحسينعليهما‌السلام . تفضيلاً للحسن والحسين وتنزيهاً لهما أن يكون في الأرض عديلهما إلاّ أن الله تبارك وتعالى خصّ ولد الحسين بالفضل على ولد الحسنعليه‌السلام كما خصّ ولد هارون على ولد موسىعليه‌السلام وإن كان موسى حجة على هارون والفضل لولده إلى يوم القيامة. ولا بد للأمة من حيرة يرتاب فيها المبطلون ويخلص فيها المحقّون كيلا يكون للخلق على الله حجة، إن الحيرة لا بدّ واقعة بعد مضيّ أبي محمد الحسنعليه‌السلام .

ــــــــــــ

(١) الغيبة، للطوسي: ١٢٤ ـ ١٢٨.


فقلت: يا مولاتي هل كان للحسنعليه‌السلام ولد ؟ فتبسّمت ثم قالت: إذا لم يكن للحسنعليه‌السلام عقب فمن الحجة من بعده ؟ وقد أخبرتك أنه لا إمامة لأخوين بعد الحسن والحسينعليهما‌السلام .

فقلت: يا سيدتي حدّثيني بولادة مولاي وغيبتهعليه‌السلام . وفي هذا النصّ تشير حكيمة إلى أن نرجس قد كانت جارية لها، وأنّ الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام في زمن حياة أبيه الهاديعليه‌السلام يصرّح لعمّته بأنّ الله سيخرج منها ولداً كريماً على الله عزّ وجلّ فيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً بعدما تملأ ظلماً وجوراً.

وهنا تبادر حكيمة فتستأذن الإمام الهاديعليه‌السلام لتهب هذه الجارية إلى ابنه الحسن العسكريعليه‌السلام .

وهنا تقول حكيمة: فلبست ثيابي وأتيت منزل أبي الحسنعليه‌السلام وجلست. فبدأنيعليه‌السلام وقال:يا حكيمة إبعثي نرجس إلى ابني أبي محمد . قالت: فقلت: يا سيدي على هذا قصدتك على أن استأذنك في ذلك. فقال لي:يا مباركة إن الله تبارك وتعالى أحبّ أن يشركك في الأجر ويجعل لك في الخير نصيباً .

قالت حكيمة: فلم ألبث أن رجعت إلى منزلي وزيّنتها ووهبتها لأبي محمدعليه‌السلام وجمعت بينه وبينها في منزلي فأقام عندي أيّاماً ثم مضى إلى والدهعليه‌السلام ووجّهت بها معه(١) .

والمشتركات بين الخبرين أمور عديدة ولا مانع من أن تكون هذه الرواية قد أهملت كثيراً من التفاصيل التي جاءت في الرواية الأولى.

وهناك روايات أخرى كلها تصرّح بوجود دور مهم لحكيمة عمّة الإمام الحسنعليه‌السلام في ولادة الإمام المهدي المنتظرعليه‌السلام .

ــــــــــــ

(١) كمال الدين: ٢ / ٤٢٦، وعنه في بحار الأنوار: ٥١ / ١١.


٥ ـ علاقة الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام بأخيه محمد

كان للإمام علي الهاديعليه‌السلام من الذكور أربعة وبنت واحدة، والذكور هم:

١ ـ السيد محمد وكنيته أبو جعفر.

٢ ـ الإمام الحسن العسكري.

٣ ـ جعفر(المعروف بالتوّاب أو الكذّاب).

٤ ـ الحسين.

والسيد محمد هو أكبر أولاد أبيه، وكان سيداً جليلاً ومجمعاً للكمالات(١) وكانت الشيعة تتصوّر أنه الإمام بعد ابيه، لما كان يتميّز به من ذكاء وخلق رفيع وسعة علم وسمو آداب.

وتحدّث العارف الكلاني عن وقاره ومعالي أخلاقه قائلاً: صحبت أبا جعفر محمد بن علي الرضا وهو حدث السن فما رأيت أوقر ولا أزكى ولا أجلّ منه... وكان ملازماً لأخيه أبي محمدعليه‌السلام لا يفارقه.(٢)

«ولما خرج الإمام الهاديعليه‌السلام من المدينة إلى سامرّاء ترك ابنه السيد محمد في المدينة المنوّرة وهو طفل، وبعد سنوات التحق بأبيه ومكث عنده مدّة، ثمّ أراد الرجوع إلى المدينة وفي الطريق وصل إلى مدينة بلد فمرض هناك وفارق الحياة في سنة(٢٥٢هـ). وعمره قد تجاوز العشرين سنة(٣) .

ــــــــــــ

(١) الإمام الهادي من المهد إلى اللحد: ١٣٦ ـ ١٣٧.

(٢) حياة الإمام الحسن العسكري: ٢٤ ـ ٢٥ عن المجدي في النسب(مخطوط).

(٣) الإمام الهادي من المهد إلى اللحد: ١٣٧.


ولا يعلم سبب مرضه الشديد ; فهل أنه كان قد سقي سُمًّا من قبل أعدائه وحسّاده من العباسيين الذين كانوا يظنّون كغيرهم أنه الإمام بعد أبيه وعزّ عليهم أن يروا تعظيم الجماهير إيّاه أم أنّ ما مني به كان مرضاً مفاجئاً ؟

وتصدّع قلب أبي محمدعليه‌السلام فقد فقد شقيقه الذي كان عنده أعزّ شقيق وطافت به موجات من اللوعة والأسى والحسرات، وخرج وهو غارق في البكاء والنحيب وتصدّعت القلوب لمنظره الحزين وألجمت الألسن وترك الناس بين صائح ونائح قد نخر الحزن قلوبهم(١) .

٦ ـ علاقته بأخيه الحسين:

( وكان الحسين بن علي الهادي فذاً من أفذاذ العقل البشري وثمرة يانعة من ثمرات الإسلام، وقد تميّز بسموّ أدبه وسعة أخلاقه ووفرة علمه، وكان شديد الاتصال بشقيقه الإمام الحسنعليه‌السلام ، وكانا يسمّيان بالسبطين، تشبيهاً لهما بجدّيهما ريحانتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحسن والحسينعليهما‌السلام .

وقد شاعت هذه التسمية في العصر الذي نشأ فيه، فقد روى أبو هاشم فقال: «ركبت دابة فقلت:( سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ) فسمع منّي أحد السبطين، فقال:لا بهذا أمرت، أمرت أن تذكر نعمة ربّك إذا استويت عليه »(٢) .

ــــــــــــ

(١) حياة الإمام الحسن العسكري(دراسة وتحليل): ٢٥ وراجع الكافي: كتاب الحجة، باب النص على أبي محمد عليه‌السلام . الحديث رقم ٨.

(٢) سفينة البحار: ١ / ٢٥٩.


٧ ـ علاقته بأخيه جعفر:

لم نعثر على نص خاص يصوّر لنا نوع علاقته بأخيه جعفر ما قبل إمامته. ولكن هناك نصوصاً تفيد أنّ جعفر كان لا يتورّع عن السعاية إلى السلطان حول أخيه الحسن كما لم يكن متورّعاً عن شرب الخمر، وقد سجن مع الإمام ثم اُفرج عن الإمام ولم يفرج عنه ولكن الإمامعليه‌السلام لم يخرج من السجن حتى أخرج معه أخاه جعفر بالرغم من انه كان مسجوناً من أجل السعاية على الإمام الحسن ومن أجل تظاهره بشرب الخمر، وكان بمنادمته للمتوكل يريد الغض من أخيه الحسنعليه‌السلام . ولقب عند الإمامية بالكذاب لأنه ادعى الإمامة بعد أخيه الحسن وقيل إنه تاب بعدئذٍ ولقب بالتوّاب.(١)

٨ ـ النصوص على إمامة الحسن العسكريعليه‌السلام

يواجه الباحث في هذا الموضوع ـ كما هو الحال في تناول النصوص الواردة في آباء الإمام العسكريعليه‌السلام ـ ثلاثة أنواع من النصوص يمكن تصنيفها كما يلي:

أ ـ النصوص الواردة عن الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ب ـ النصوص الواردة عن الأئمة بعد رسول الله والسابقين على أبيه الإمام الهاديعليه‌السلام .

ج ـ النصوص الواردة عن أبيه الإمام الهاديعليه‌السلام والتي ثبتت إمامته

ــــــــــــ

(١) راجع منهاج التحرك عند الإمام الهادي عليه‌السلام : ٨، وراجع أيضاً الإمام الهادي من المهد إلى اللحد: ١٣٨ وراجع أيضاً مسند الإمام الحسن العسكري: ٥٢ ـ ٦١ و١٣٠.


أيضاً بالنصوص والمعجزات والتي كان منها إمامته المبكّرة كأبيه وهو بعدُ لمّا يبلغ الحلم. حيث استطاع أن يجيب على كل التحدّيات الّتي أثيرت بالنسبة لإمامته، وخرج من كل الحوارات والاحتجاجات ظافراً مؤيّداً من عند الله.

أ ـ نصوص الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

وهي النصوص التي رواها الصحابة والأئمةعليهم‌السلام والتي اشتملت على ذكر أسماء الأئمة الاثني عشر وما وعد الله ـ على لسان رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ المصدقين بهم والتابعين لهم، بالخير والسعادة في الدارين وما توعد به الناصبين لهم العداء والمخالفين من العذاب والخزي فيهما أيضاً.

ولم تبتل الأمة الإسلامية بالتجزئة والخضوع للاستكبار العالمي والحيرة والتيه وسوء الظروف التي تمرّ بها الأمة الإسلامية إلاّ بسبب هذه القطيعة الحاصلة بينها وبين أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، ونورد هنا جملة من أحاديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الاتجاه:

١ ـ روى الصدوق، عن محمد بن إبراهيم بن إسحاقرضي‌الله‌عنه قال: حدثنا محمد بن همام: حدثنا أحمد بن مابنداذ قال: حدثنا أحمد بن هلال، عن محمد ابن أبي عميرة عن المفضل بن عمر عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه، عن آبائهعليهم‌السلام ، عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: (قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لما أُسري بي إلى السماء أوحى إلي ربي جل جلاله فقال: يا محمد إني اطّلعت على الأرض اطلاعة فاخترتك منها فجعلتك نبياً وشققت لك من اسمي اسماً. فأنا المحمود وأنت محمد، ثم اطّلعت الثانية فاخترت منها علياً وجعلته وصيك وخليفتك وزوج ابنتك وأبا ذريتك وشققت له اسماً من أسمائي فأنا العلي الأعلى وهو علي، وخلقت فاطمة والحسن والحسين من نوركما، ثم عرضت ولايتهم على الملائكة فمن قبلها كان عندي من المقربين.

يا محمد لو أن عبداً عبدني حتى ينقطع ويصير كالشنّ البالي ثم أتاني جاحداً لولايتهم فما أسكنته جنتي ولا أظللته تحت عرشي.

يا محمد تحب أن تراهم ؟

قلت: نعم يا رب.


فقال عَزَّ وجَلَّ: ارفع رأسك.

فرفعت رأسي وإذا أنا بأنوار علي وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي ابن محمد والحسن بن علي و(م ح م د) بن الحسن القائم في وسطهم كأنه كوكب درّي، قلت: يارب، ومن هؤلاء ؟

قال: هؤلاء الأئمة، وهذا القائم الذي يحلل حلالي ويحرم حرامي، وبه أنتقم من أعدائي، وهو راحة لأوليائي، وهو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين والكافرين...)(١) .

٢ ـ وعن محمد بن علي بن الفضل بن تمام الزياترحمه‌الله قال: حدثني محمد بن القاسم، قال: حدثني عباد بن يعقوب، قال: حدثني موسى بن عثمان قال: حدثني الأعمش، قال: حدثني أبو إسحاق، عن الحارث وسعيد ابن قيس، عن علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال:قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا واردكم على الحوض، وأنت يا علي الساقي، والحسن الذائد، والحسين الآمر،

ــــــــــــ

(١) كمال الدين: ١ / ٢٥٢ ح٢، ورواه في العيون: ١ / ٥٨، ح٢٧، والمختصر: ٩٠، وروى عنهما العوالم: ١٥ / ٤٤، القسم الثالث، وبحار الأنوار: ٣٦ / ٢٤٥.


وعلي بن الحسين الفارض، ومحمد بن علي الناشر، وجعفر بن محمد السائق، وموسى بن جعفر محصي المحبين والمبغضين وقامع المنافقين، وعلي بن موسى مزين المؤمنين، ومحمد بن علي منزل أهل الجنة في درجاتهم وعلي بن محمد خطيب شيعته ومزوجهم الحور(العين) والحسن بن علي سراج أهل الجنة يستضيئون به، والقائم شفيعهم يوم القيامة حيث لا يأذن الله إلاّ لمن يشاء ويرضى) (١) .

٣ ـ وروى الصدوق، عن محمد بن موسى بن المتوكلرضي‌الله‌عنه قال، حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن أبيه عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه، عن آبائهعليهم‌السلام ، قال:(قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حدثني جبرئيل، عن ربّ العزة جلّ جلاله أنه قال: من علم أن لا إله إلاّ أنا وحدي، وأن محمداً عبدي ورسولي، وأنّ علي بن أبي طالب خليفتي وأن الأئمة من ولده حججي أدخلته الجنة برحمتي ونجيته من النار بعفوي. ومن لم يشهد بذلك ولم يشهد أن علي بن أبي طالب خليفتي أو شهد بذلك ولم يشهد أن الأئمة من ولده حججي فقد جحد نعمتي وصغر عظمتي وكفر بآياتي، إن قصدني حجبته، وإن سألني حرمته، وإن ناداني لم أسمع نداءه، وإن دعاني لم أستجب دعاءه، وإن رجاني خيبته وذلك جزاؤه مني وما أنا بظلاّم للعبيد. فقام جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: يا رسول الله ومن الأئمة من ولد علي بن أبي طالب ؟ قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ثم سيد العابدين في زمانه علي بن الحسين ثم الباقر محمد بن علي ـ وستدركه يا جابر ـ فإذا أدركته فأقرئه مني السلام. ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم الكاظم موسى بن جعفر، ثم الرضا علي بن موسى، ثم التقي محمد بن علي، ثم النقي علي بن محمد ثم الزكي الحسن بن علي، ثم ابنه القائم

ــــــــــــ

(١) الخوارزمي، مقتل الحسين: ١ / ٩٤ ـ ٩٥.


بالحق مهدي أمتي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً. هؤلاء يا جابر خلفائي وأوصيائي وأولادي وعترتي من أطاعهم فقد أطاعني ومن عصاهم فقد عصاني، ومن أنكرهم أو أنكر واحداً منهم فقد أنكرني، بهم يمسك الله عَزَّ وجَلَّ السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه، وبهم يحفظ الله الأرض أن تميد بأهلها) .(١)

٤ ـ وعن عبد الله بن العباس قال: دخلت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والحسن على عاتقه والحسين على فخذه يلثمهما ويقبلهما ويقول:(اللهم وال من والاهما وعاد من عاداهما) ، ثم قال:(يا بن عباس كأني به وقد خضبت شيبته من دمه، يدعو فلا يجاب ويستنصر فلا ينصر) . قلت: من يفعل ذلك يا رسول الله ؟ قال:شرار أمتي، ما لهم ؟ لا أنالهم الله شفاعتي) . ثم قال:يا بن عباس من زاره عارفاً بحقه، كتب له ثواب ألف حجة وألف عمرة، ألا ومن زاره فكأنما زارني ومن زارني فكأنما زار الله، وحق الزائر على الله أن لا يعذبه بالنار، ألا وإن الإجابة تحت قبته والشفاء في تربته والأئمة من ولده) . قلت: يا رسول الله فكم الأئمة بعدك ؟ قال:(بعدد حواري عيسى وأسباط موسى ونقباء بني إسرائيل) . قلت: يارسول الله فكم كانوا ؟ قال:(كانوا اثني عشر والأئمة بعدي اثنا عشر، أولهم علي بن أبي طالب وبعده سبطاي الحسن والحسين، فإذا انقضى الحسين فابنه عليّ، فإذا انقضى علي فابنه محمد، فإذا انقضى محمد فابنه جعفر فإذا انقضى جعفر فابنه موسى، فإذا انقضى موسى فابنه علي فإذا انقضى علي فابنه محمد فإذا انقضى محمد فابنه علي فإذا انقضى علي فابنه الحسن فإذا

ــــــــــــ

(١) كمال الدين: ١ / ٢٥٨.


انقضى الحسن فابنه الحجة) . قال ابن عباس: قلت يارسول الله أسامي لم أسمع بهن قط ! قال لي:(يابن عباس هم الأئمة بعدي وإنهم أمناء معصومون نجباء، أخيار. يابن عباس، من أتى يوم القيامة عارفاً بحقهم أخذت بيده فأدخلته الجنة، يابن عباس من أنكرهم أو ردّ واحداً منهم فكأنما قد أنكرني وردني، ومن أنكرني وردني فكأنما أنكر الله ورده. يابن عباس سوف يأخذ الناس يميناً وشمالاً، فإذا كان كذلك فاتبع علياً وحزبه فإنه مع الحق والحق معه، ولا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض. يابن عباس، ولايتهم ولايتي وولايتي ولاية الله وحربهم حربي وحربي حرب الله وسلمهم سلمي وسلمي سلم الله) .

ثم قالعليه‌السلام :( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) .(١)

٥ ـ وعن أنس بن مالك قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ولما عرج بي إلى السماء رأيت على ساق العرش مكتوباً لا إله إلاّ الله محمد رسول الله أيدته بعلي ونصرته به، ورأيت اثني عشر اسماً مكتوباً بالنور، فيهم علي بن أبي طالب وسبطيّ، وبعدهما تسعة أسماء، علياً علياً علياً ثلاث مرات ومحمد محمد مرتين، وجعفر وموسى والحسن، والحجة يتلألأ من بينهم.

فقلت: يارب أسامي من هؤلاء ؟

فناداني ربي جلَّ جلاله: هم الأوصياء من ذرّيّتك، بهم أثيب وبهم أعاقب».(٢)

٦ ـ وعن سهل بن سعد الأنصاري قال: سُئلت فاطمة بنت

ــــــــــــ

(١) الرازي، علي بن محمد بن علي الخزاز، كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر: ١٦.

(٢) بحار الأنوار: ٣٦ / ٣١٠، عن كفاية الأثر: ٢٩٧.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الأئمة فقالت:

«كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لعلي عليه‌السلام : ياعلي أنت الإمام والخليفة بعدي وأنت أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضيت فابنك الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى الحسن فابنك الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى الحسين فابنك علي بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسم فإذا مضى علي فابنه محمد أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى محمد فابنه جعفر أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى جعفر فابنه موسى أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى موسى فابنه علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى علي فابنه محمد أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى محمد فابنه علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى علي فابنه الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم فإذا مضى الحسن، فالقائم المهدي أولى بالمؤمنين من أنفسهم يفتح الله تعالى به مشارق الأرض ومغاربها، فهم أئمة الحق وألسنة الصدق، منصور من نصرهم مخذول من خذلهم» (١) .

٧ ـ وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب ; قال، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي بن أبي طالبعليه‌السلام :

«ياعلي أنا نذير أمتي وأنت هاديها، والحسن قائدها، والحسين سائقها وعلي بن الحسين جامعها، ومحمد بن علي عارفها، وجعفر بن محمد كاتبها، وموسى بن جعفر محصيها، وعلي بن موسى معبّرها ومنجيها وطارد مبغضيها ومدل مؤمنيها ومحمد بن علي قائمها وسائقها، وعلي بن محمد ساترها وعالمها، والحسن بن علي مناديها ومعطيها، والقائم الخلف ساقيها ومناشدها، إن في ذلك لآيات للمتوسمين ياعبد الله» .(٢)

٨ ـ وعن عائشة أنّها قالت: كان لنا مشربة وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أراد لقاء جبرئيلعليه‌السلام لقيه فيها فلقيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرة فيها وأمرني أن لا يصعد إليه

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٣٦ / ٣٥١، عن كفاية الأثر: ١٩٥ ـ ١٩٦.

(٢) المناقب: ١ / ٢٩٢.


أحد، فدخل عليه الحسين بن عليعليهما‌السلام ، فقال جبرئيل:من هذا ؟

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ابني ، فأخذه النبي فأجلسه على فخذه، فقال له جبرئيل:أما أنه سيقتل .

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ومن سيقتله؟

قال:أمتك تقتله .

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :تقتله ؟!

قال:نعم، وإن شئت أخبرتك بالأرض التي يُقتل فيها ، وأشار إلى الطفّ بالعراق، وأخذ منه تربة حمراء فأراه إياها.

وقال:هذه من مصرعه . فبكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال له جبرئيل:«يارسول الله، لا تبكِ فسوف ينتقم الله منهم بقائمكم أهل البيت» ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :حبيبي جبرئيل، ومن قائمنا أهل البيت ؟

قال:هو التاسع من ولد الحسين، كذا أخبرني ربي جلَّ جلاله أنه سيخلق من صلب الحسين ولداً وسماه علياً خاضعاً لله خاشعاً، ثم يخرج من صلب علي ابنه وسماه عنده محمداً قانتاً لله، ثم يخرج من صلبه ابنه وسمّاه عنده جعفراً ناطق عن الله صادق في الله، ويخرج من صلبه ابنه وسماه عنده موسى، واثق بالله محب في الله، ويخرج الله من صلب ابنه وسماه عنده علياً الراضي بالله والداعي إلى الله عَزَّ وجَلَّ ويخرج من صلبه ابنه وسماه عنده محمداً، المرغب في الله والذاب عن حرم الله ويخرج من صلب ابنه وسماه عنده علياً، المكتفي بالله والوليّ لله، ثم يخرج من صلبه ابنه وسماه الحسن، مؤمن بالله مرشد إلى الله، ويخرج من صلبه كلمة الحق ولسان الصدق، ومظهر الحق حجة الله على بريته، له غيبة طويلة، يظهر الله تعالى به الإسلام وأهله، ويخسف به الكفر وأهله» .(١)

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٣٦ / ٣٤٨، كفاية الأثر: ١٨٧.


ب ـ نصوص الأئمة المعصومينعليهم‌السلام

١ ـ عن يحيى بن يعمر، قال: كنت عند الحسينعليه‌السلام إذ دخل عليه رجل من العرب متَلثّماً أسمر شديد السمرة، فسلّم، ورد الحسينعليه‌السلام فقال: يابن رسول الله! مسألة، فسأل الإمامعليه‌السلام عدة مسائل والإمام يجيبه ثم قال: صدقت يابن رسول الله، فأخبرني عن عدد الأئمة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

قال:إثنا عشر، عدد نقباء بني إسرائيل .

قال: فسمّهم.

قال: فأطرق الحسينعليه‌السلام ملياً ثم رفع رأسه.

فقال:نعم أخبرك ياأخا العرب، إنَّ الإمام والخليفة بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمير المؤمنين عليه‌السلام ، والحسن وأنا وتسعة من ولدي منهم علي ابني، وبعده محمد ابنه، وبعده جعفر ابنه وبعده موسى ابنه، وبعده محمد ابنه، وبعده علي ابنه، وبعده الحسن ابنه، وبعده الخلف المهدي هو التاسع من ولدي يقوم بالدين في آخر الزمان .

قال: فقام الأعرابي وهو يقول:

مسح النبي جبينه

فله بريق في الخدود

أبواه من أعلى قريش

وجده خير الجدود(١)

٢ ـ عن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على مولاي علي بن الحسينعليه‌السلام وفي يده صحيفة كان ينظر إليها ويبكي بكاء شديداً.

فقلت: ما هذه الصحيفة ؟

قال:هذه نسخة اللوح الذي أهداه الله تعالى إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه اسم الله تعالى ورسول الله، وأمير المؤمنين علي، وعمي الحسن بن علي، وأبي، واسمي واسم ابني محمد

ــــــــــــ

(١) إثبات الهداة: ١ / ٥٩٩.


الباقر، وابنه جعفر الصادق، وابنه موسى الكاظم وابنه علي الرضا وابنه محمد التقي، وابنه علي النقي، وابنه الحسن العسكري، وابنه الحجة القائم بأمر الله المنتقم من أعداء الله الذي يغيب غيبة طويلة ثم يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً .(١)

٣ ـ الإمام محمد بن علي الباقرعليه‌السلام : عن الورد بن الكميت عن أبيه الكميت ابن أبي المستهل قال: دخلت على سيدي أبي جعفر محمد بن علي الباقرعليهما‌السلام فقلت: يابن رسول الله: إني قد قلت فيكم أبياتاً أفتأذن لي في إنشادها ؟ فأذن، فأنشدته:

أضحكني الدهر وأبكاني

والدهر ذو صرف وألوان

لتسعة في الطف قد غودروا

صاروا جميعاً رهن أكفان

فبكىعليه‌السلام وقال:«اللهم اغفر للكميت ما تقدم من ذنبه وما تأخر» .

فلما بلغت إلى قولي:

متى يقوم الحق فيكم متى

يقوم مهديكم الثاني

قال: «سريعاً إن شاء الله سريعاً ، ثم قال:ياأبا المستهل إن قائمنا هو التاسع من ولد الحسين، لأن الأئمة بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اثنا عشر، الثاني عشر، هو القائم .

قلت: ياسيدي، فمن هؤلاء الاثنا عشر ؟

قال:«أولهم علي بن أبي طالب، وبعده الحسن والحسين، وبعد الحسين علي بن الحسين وأنا ثم بعدي هذا» ووضع يده على كتف جعفر.

قلت: فمن بعد هذا ؟

قال:«إنه ابنه موسى، وبعد موسى ابنه علي وبعد علي ابنه محمد وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه محمد وهو القائم الذي يخرج فيملأ الدنيا

ــــــــــــ

(١) إثبات الهداة: ١ / ٦٥١.


قسطاً وعدلاً ويشفي صدور شيعتنا» .(١)

٤ ـ الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهما‌السلام : عن علقمة بن محمد الحضرمي عن الصادقعليه‌السلام قال:«الأئمة إثنا عشر» .

قلت: يابن رسول الله فسمهم لي ؟

قال:«من الماضين: علي بن أبي طالب والحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي ثم أنا» .

قلت: فمن بعدك يابن رسول الله ؟

قال:«إني قد أوصيت إلى ولدي موسى وهو الإمام بعدي» .

قلت: فمن بعد موسى ؟

قال:«علي ابنه يدعى الرضا يدفن في أرض الغربة من خراسان، ثم بعد علي ابنه محمد وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسن، والمهدي من ولد الحسن...» (٢) .

٥ ـ الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام : روى الصدوق بسنده عن عبد الله بن جندب، عن موسى بن جعفر أنه قال:

«تقول في سجدة الشكر: اللهم إني أشهدك واشهد ملائكتك ورسلك وجميع خلقك أنك أنت الله ربي، والإسلام ديني، ومحمداً نبيي، وعلياً والحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والحجة بن الحسن بن علي، أئمتي بهم أتولى ومن أعدائهم أتبرأ» (٣) .

٦ ـ الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام : روى الصدوق، عن أحمد بن زياد

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٣٦ / ٣٩٠.

(٢) إثبات الهداة: ٢ / ٦٠٣ ح٥٨٧.

(٣) من لا يحضره الفقيه: ١ / ٣٢٩.


ابن جعفر الهمدانيرضي‌الله‌عنه قال: حدثنا علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول:

أنشدت مولاي الرضا بن موسىعليه‌السلام قصيدتي التي أولها:

مدارس آيات خلت من تلاوة

ومنزل وحي مقفر العرصات

فلما انتهيت إلى قولي:

خروج إمام لا محالة خارج

يقوم على اسم الله والبركات

يميز فينا كل حق وباطل

ويجزي على النعماء والنقمات

بكى الرضاعليه‌السلام بكاء شديداً ثم رفع رأسه إلي فقال لي:«ياخزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام ومتى يقوم ؟» .

فقلت: لا يامولاي إلا أني سمعت بخروج إمام منكم يُطهّر الأرض من الفساد ويملأها عدلاً [كما ملئت جوراً].

فقال:«يادعبل، الإمام بعدي محمد ابني، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطول الله عَزَّ وجَلَّ ذلك اليوم حتى يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً» (١) .

٧ ـ الإمام محمد بن علي الجوادعليه‌السلام : روى الصدوق عن عبد الواحد بن محمد العبدوسي العطاررضي‌الله‌عنه قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري قال: حدثنا حمدان بن سليمان قال: حدثنا الصقر بن أبي دلف قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضاعليهما‌السلام يقول:

«إنَّ الإمام بعدي ابني علي، أمره أمري، وقوله قولي وطاعته طاعتي، والإمام بعده

ــــــــــــ

(١) كمال الدين: ٢ / ٣٧٣.


ابنه الحسن أمره أمر أبيه وقوله قول أبيه وطاعته طاعة أبيه» . ثم سكت.

فقلت له: يابن رسول الله فمن الإمام بعد الحسن ؟

فبكىعليه‌السلام بكاء شديداً ثم قال:«إن من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر» (١) .

ج ـ نصوص الإمام الهادي على إمامة الحسن العسكريعليهما‌السلام

حينما نطالع مجموعة النصوص التي وصلتنا عن الإمام الهاديعليه‌السلام في مصادرنا الحديثية الموثوقة نلمس مجموعة من الظواهر التي ترتبط بهذه النصوص الدالة(المشيرة أو الصريحة الدلالة) على إمامة الحسن العسكريعليه‌السلام بعد أبيه، وهي كما يلي:

١ ـ يبدو أن النصوص قد صدرت عن الإمام الهاديعليه‌السلام بالتدريج لاعتبارات شتّى، ولا يمكن أن نغفل مراعاة الجانب الأمني في هذا التدرّج، وهذا التدرّج في كيفية بيان المصداق وطرحه للمسلمين فالإمامعليه‌السلام نراه تارة يُبهم الأمر وأخرى يشير إشارة سريعة وثالثة يقوم بالتصريح.

ونلاحظ التدرّج في كيفية الطرح أيضاً فإنّه يقوم بطرح الموضوع أمام فرد واحد أو فردين ثمّ أمام جمع وثالثة يقوم باستشهاد أربعين شاهداً على النص.

كما انه يتدرّج في إعطاء بعض العلائم المشيرة تارةً، ويجمع أكثر من علامة وشاهد لئلا يقع التباس، وثالثة يقوم بكتابة النص وإرساله إلى الراوي الثقة، واُخرى يُدلي بشواهد كاشفة عن الأمر تتحقق بعد وفاته لتعضد ما أدلى به بوضوح.

ــــــــــــ

(١) كمال الدين: ٢ / ٣٧٨.


٢ ـ تبدأ النصوص المرتبطة بالسؤال عمّن يتقلد منصب الإمامة بعد الإمام الهاديعليه‌السلام قبل وفاة ابنه محمد(أبي جعفر) وتتدرّج النصوص إلى أواخر حياة الإمام الهاديعليه‌السلام .

وفي حياة ابنه محمد(أبي جعفر) لا نجد نصّاً صريحاً بإمامته، بل قد نجد فيها ما يدفع الإمامة عنه. بالرغم من أنّ الظنون كانت متوجّهة إليه. كما نجد من الإمامعليه‌السلام إرجاء بيان الأمر إلى وقته الملائم. ثمّ بعد وفاة أبي جعفر تبدأ الإشارات ثمّ تتلوها التصريحات حيث تترى على مسامع الرواة الثقاة والشيعة المهتمين بأمر الإمامة.

٣ ـ إنّ النصوص التي ترتبط بأمر الإمامة قبل وفاة ابنه محمد هي النص الثاني والسابع مما رواه في الكافي في باب الإشارة والنص على أبي محمدعليه‌السلام :

أمّا النص السابع فينتهي سنده إلى علي بن عمرو العطّار، ويقول فيه: دخلت على أبي الحسن العسكري وأبو جعفر ابنه في الأحياء وأنا أظنّ أنّه هو، فقلت له: جُعِلتُ فداك من أخصّ من ولدك ؟ فقالعليه‌السلام :لا تخصّوا أحداً حتى يخرج إليكم أمري . قال: فكتبت إليه بعدُ: فيمن يكون هذا الأمرُ ؟ قال: فكتب إليّ:في الكبير من ولدي . قال: وكان أبو محمد أكبر من أبي جعفر.

والملاحظ في هذا النص أن الإمام يُرجئ بيان الأمر إلى فرصة أخرى أوّلاً وحينما يستكتبه ثانياً يحصل على الجواب ولكن لا يُفهم من الرواية أن استكتابه كان في حياة أبي جعفر أو بعد وفاته، وإن كان الاستكتاب ينسجم مع كونه حيّاً. وحينئذ فالإمام يجيب بالعلامة لا بالتصريح.

على أن هناك نصاً يقول بأن محمداً كان أكبر ولد الإمام الهادي بينما يعارضه هذا النص حيث يتضمن دعوى الراوي بأن الحسن كان أكبر ولده.

نعم، هناك نصوص من الإمام الهاديعليه‌السلام نفسه تتضمن بأن الحسن أكبر ولده، ولكن لا تأبى أن تحمل على أنه أكبر ولده بعد وفاة أخيه أبي جعفر.


أمّا النص الثاني فينتهي سنده إلى علي بن عمر النوفلي وقد جاء فيه أنه قال: كنت مع أبي الحسن في صحن داره فمرّ بنا محمّد ابنه. فقلت له: جعلتُ فداك، هذا صاحبنا بعدك ؟ فقال:لا، صاحبكم بعدي الحسن .

وجاء عن أحمد بن عيسى العلوي من ولد علي بن جعفر انه قد دخل على أبي الحسنعليه‌السلام بـ(صريا) فسلّم عليه وإذا بأبي جعفر وأبي محمد قد دخلا. فقاموا إلى أبي جعفر ليسلّموا عليه فقال أبو الحسنعليه‌السلام :ليس هذا صاحبكم، عليكم بصاحبكم وأشار إلى أبي محمد.(١)

وفي هذا النص نجد النفي القاطع لتصور أن الإمام هو محمد. لعلّ سبب هذا التصوّر هو ما عرف عنه من الصلاح والعلم والتقى مع كونه أكبر ولده، إذ كان المعروف ان الإمامة في أكبر ولد الإمام، فالإمام ينفي إمامة محمد ويصرّح بإمامة ابنه الحسن، بينما لاحظنا في النص السابق إصراره على عدم التصريح وإيكال التصريح إلى فرصة أخرى.

٤ ـ وأما النصوص التي صدرت من الإمام الهاديعليه‌السلام وأشارت أو صرّحت بإمامة الحسنعليه‌السلام بعد وفاة أخيه محمد فهي النص الرابع والخامس والثامن والتاسع مما جاء في الكافي في كتاب الحجة، في باب الإشارة والنص على أبي محمدعليه‌السلام . وهي كما يلي:

أ ـ نظراً لاتحاد مضمون النصين الرابع والخامس ننقل النص الخامس الذي ينتهي سنده إلى أحمد بن محمد بن عبد الله بن مروان الأنباري إذ يقول:

ــــــــــــ

(١) الغيبة: ١٢٠.


كنت حاضراً عند مضيّ أبي جعفر محمد بن عليعليه‌السلام فجاء أبو الحسنعليه‌السلام فوضع له كرسي فجلس عليه وحوله أهل بيته وأبو محمد قائم في ناحية، فلمّا فرغ من أمر أبي جعفر التفت إلى أبي محمدعليه‌السلام فقال:يابني أحدِث لله تبارك وتعالى شُكراً فقد أحدث فيك أمراً .

والذين سمعوا هذا النصّ قد فهموا منه أنه يشير إليه بأمر الإمامة وكانت هذه الإشارة في جمع من بني هاشم وآل أبي طالب وقريش طبعاً كما جاء في النص الثامن ويتضمن النص الثامن أيضاً موقف أبي محمد تجاه كلمة الإمام الهاديعليه‌السلام التي وجّهها إليه، وهو:.. أن الحسن قد بكى وحمد الله واسترجع وقال:الحمد لله ربّ العالمين وأنا أسأل الله تمام نعمه لنا فيكَ وإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، فسُئل عنه فقيل: هذا الحسن ابنه، وقدّر له في ذلك الوقت عشرون سنة أو أرجح، قال الراوي: فيومئذ عرفناه وعلمنا أنه قد أشار إليه بالإمامة وأقامه مقامه.

وجاء في النص التاسع المرويّ عن محمد بن يحيى بن درياب قال: دخلتُ على أبي الحسنعليه‌السلام بعد مضيّ أبي جعفر فعزّيته عنه وأبو محمدعليه‌السلام جالس فبكى أبو محمد فأقبل عليه أبو الحسن فقال له:إنّ الله تبارك وتعالى قد جعل فيك خلفَاً منه فاحمد الله .

٥ ـ وصرّح النصّان العاشر والحادي عشر بإمامة أبي محمد الحسن وذلك بعد مضيّ أخيه أبي جعفر(محمد بن علي) أمّا النص العاشر فيرويه أبو هاشم الجعفري حيث يقول: كنت عند أبي الحسنعليه‌السلام بعد ما مضى ابنه أبو جعفر وإني لأفكّر في نفسي أريد أن أقول كأنّهما ـ أعني أبا جعفر وأبا محمد ـ في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل ابني جعفر بن محمدعليه‌السلام ، وإن قصّتهما كقصّتهما، إذ كان أبو محمد المُرجى بعد أبي جعفر، فأقبل عليّ أبو الحسنعليه‌السلام قبل أن أنطِق فقال:نعم ياأبا هاشم! بدا لله في أبي محمد عليه‌السلام بعد أبي جعفر عليه‌السلام ما لم يكن يُعرَفُ له، كما بدا له في موسى عليه‌السلام بعد مضيّ إسماعيل ما كشف به عن حاله، وهو كما حدّثتك نفسك وإن كره المُبطِلون. وأبو محمد ابني الخلف مِن بعدي، عنده علم ما يحتاج إليه ومعه آلة الإمامة .

وواضح أن البداء لله هنا هو فيما يرتبط بتصوّر السائل حيث انه كان يرجو أن يكون الإمام بعد الهادي هو ابنه محمد، بينما كان في علم الله غير ذلك فأظهره له بموت محمد فانكشف له أنه ليس هو الإمام الذي كان يرجوه.


وليس في هذا النص أو غيره ما يشير إلى أن الإمام الهادي أو غيره من الأئمة قالوا بإمامة شخص غير الحسنعليه‌السلام من ولد الهاديعليه‌السلام .

والنص الحادي عشر ينتهي إلى أبي بكر الفهفكي حيث يقول: كتبَ إليَّ أبو الحسنعليه‌السلام :أبو محمد ابني أنصح آل محمد غريزةً وأوثقهم حجّة وهو الأكبر من ولدي وهو الخلف وإليه ينتهي عُرى الإمامة وأحكامها، فما كنت سائلي فَسَلْهُ عنه فعنده ما يحتاج إليه .

وهذا النص صريح في إمامة أبي محمد الحسن، وقد فضّله وشهد بفضله على من سواه من آل محمد ولا يبعد أن يكون قد صدر بعد وفاة أخيه محمد ابن علي كما لاحظنا في النص السابق الذي صرّح فيه الجعفري بأن التصريح من الإمام الهادي بإمامة الحسن كان بعد وفاة أخيه محمد.

والنصّان متقاربان في المضمون حيث يؤكّدان أنه عنده علم ما يحتاج إليه في أمر الإمامة.

وإذا كان بعد وفاة محمد فلا مانع من أن يكون الحسن أكبر ولد الإمام الهادي حينئذ وإن كان محمد أكبر حينما كان على قيد الحياة.

وصرّح النص الثاني عشر أيضاً بمضمون النصّين العاشر والحادي عشر من جهات عديدة حيث جاء فيه أن شاهَوْيه بن عبد الله الجلاّب قال: كتب إليَّ أبو الحسن في كتاب:أردت أن تسأل عن الخلف بعد أبي جعفر، وقلِقْتَ لذلك فلا تغتمّ فإن الله عَزَّ وجَلَّ لا يضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتّى يبيّن لهم ما يتّقون. و صاحبك بعدي أبو محمد ابني، وعنده ما تحتاجون إليه، يقدّم ما يشاء الله ويؤخّر ما يشاء الله ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) ، قد كتبتُ بما فيه بيان وقناع لذي عقل يقظان .

٦ ـ ويُشهد الإمام جماعةً من الموالي على إمامة ابنه الحسن. قبل مضيّه واستشهاده هو بأربعة أشهر كما جاء في النص الأول من هذا الباب من كتاب الحجة حيث يقول يحيى بن يسار القنبري: أوصى أبو الحسن إلى ابنه الحسن قبل مضيّه بأربعة أشهر وأشهدني على ذلك وجماعة من الموالي.


٧ ـ وجاء في النص الثالث ما يتضمن دليلاً وعلامةً على إمامة الإمام الحسن بعد وفاة أبيه حيث يقول عبد الله بن محمد الإصفهاني: قال أبو الحسنعليه‌السلام :صاحبكم بعدي الّذي يصلّي عليَّ . ولم نعرف أبا محمدعليه‌السلام قبل ذلك. قال: فخرج أبو محمد فصلَّى عليه.

وباعتبار أن الراوي لم يكن يعرف الحسن بشخصه، فالإمام يكون قد أعطاه علامة مميّزة لا لبس فيها ولا ريب يعتريها بالنسبة إليه.

وجاء في النص الثالث عشر من هذا الباب أن داود بن القاسم قال: سمعت أبا الحسنعليه‌السلام يقول:الخلف من بعدي الحسن، فكيف لكم بالخَلَف من بَعد الخلف ؟ فقلت: ولِمَ جعلني الله فداك ؟ قال:إنّكم لا ترون شخصه ولا يحلّ لكم ذكره باسمه . فقلتُ: فكيف نذكره ؟ فقال: قولوا:الحجة من آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ويشير هذا النص إلى مجموعة أمور ترتبط بكيفية التعامل مع الإمام في ظروف حرجة تقتضي بشدّة التكتّم في إبلاغ الأمر إلى الموالين والشيعة وهو يشير إلى أن الظروف تتأزم وتشتد فيما بعد حتى يصل الأمر إلى أن الشيعة لا يقدرون على رؤية الإمام الحجة ولا يحل لهم ذكره باسمه بل بالإشارة والكناية العامة وفي هذا النص إعداد وتهيئة للنفوس لتقبّل الوضع الجديد الذي لا بد للشيعة أن يكونوا بانتظاره ولا بد لهم من التهيؤ التام لاستقباله.


٩ ـ اغتيال الإمام الهاديعليه‌السلام واستشهاده

قال الشيخاني: واستشهد علي العسكري في آخر ملك المعتزّ بالسمّ(١) ، وقال الطبري الإمامي: في آخر ملك المعتز استشهد وليّ الله... مسموماً(٢) .

لما اعتلّ أبو الحسن الهاديعليه‌السلام علته التي توفي فيها في سنة أربع وخمسين ومئتين أحضر ابنه أبا محمد الحسنعليه‌السلام وأعطاه النور والحكمة ومواريث الأنبياء ونص عليه وأوصى إليه بمشهد من ثقات أصحابه ومضىعليه‌السلام وله أربعون سنة ودفن بسرّ من رأى(أي في مدينة سامراء في العراق)، وقام الإمام العسكري بتجهيز والده من غسله وتكفينه والصلاة عليه وحمل جنازته مع جم غفير من الناس ودفنه في داره حيث المرقد الشريف الآن في سامراء يقصده المسلمون من كافة أقطار الأمة الإسلامية للتبرك والدعاء ووفاءً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ويصف لنا المسعودي مراسم ومظاهر تشييع الإمامعليه‌السلام واجتماع خلق كثير في داره فيقول: حدثنا جماعة كل واحد منهم يحكي أنه دخل الدار، وقد اجتمع فيها جملة من بني هاشم من الطالبيين والعباسيين واجتمع خلق من الشيعة، ولم يظهر عندهم أمر أبي محمد ولا عرف خبره إلاّ الثقات الذين نص أبو الحسن عندهم عليه.

ــــــــــــ

(١) الصراط السويّ: ٤٠٧.

(٢) دلائل الإمامة: ٢١٦.


فحكوا أنهم كانوا في مصيبة وحيدة، فهم في ذلك إذ خرج من الدار الداخلة خادم فصاح بخادم آخر: يابشر، خذ هذه الرقعة وامض بها إلى دار أمير المؤمنين وادفعها إلى فلان، وقل هذه رقعة الحسن بن علي فاستشرف الناس لذلك، ثم فتح في صدر الرواق باب وخرج خادم أسود ثم خرج بعده أبو محمدعليه‌السلام ، حاسراً مكشوف الرأس، وعليه مبطنة بيضاء، وكان وجهه وجه أبيه لا يخطئ منه شيئاً، وكان في الدار أولاد المتوكل، وبعضهم ولاة العهود، فلم يبق أحد إلاّ قام على رجله ووثب إليه أبو محمد الموفق فقصده أبو محمد، فعانقه، ثم قال له: مرحباً بابن العم وجلس بين بابي الرواق والناس كلهم بين يديه وكانت الدار كالسوق بالأحاديث فلما خرج وجلس أمسك الناس فما كنا نسمع شيئاً إلاّ العطسة والسعلة، وخرجت جارية تندب أبا الحسن فقال أبو محمدعليه‌السلام :ما هاهنا من يكفي مؤونة هذه الجاهلة؟ فبادر الشيعة إليها فدخلت الدار، ثم خرج خادم فوقف بحذاء أبي محمد ـ العسكري ـ فنهض فصلَّى عليه وأخرجت الجنازة وخرج يمشي حتى أُخرج بها إلى الشارع الذي بإزاء دار موسى بن بغا، وقد كان أبو محمد صلَّى عليه قبل أن يخرج إلى الناس ويصلي عليه المعتمد(١) . ثم دفن في دار من دوره(٢) .

ويمكن أن يُستفاد من هذه الرواية: أن هذا الجمع الغفير المشارك فضلاً عن رجال البلاط العباسي، يكشف عن المكانة العالية والتأثير الفاعل للإمام في الأمة والدور الكبير الذي قام به في حياته، فضلاً عن أن حضور ولاة العهد ربما يكون تغطية للجريمة البشعة التي قام بها الخليفة العباسي بدس السم إليه ومن ثم وفاته.

ــــــــــــ

(١) وفي رواية الطبري: صلَّى عليه أبو محمد بن المتوكل: ٧ / ٥١٩.

(٢) إثبات الوصية: ٢٠٦.


١٠ ـ من دلائل إمامته بعد استشهاد أبيهعليهما‌السلام

١ ـ قال أبو هاشم الجعفري: خطر ببالي أن القرآن مخلوقٌ أم غير مخلوق ؟ فقال أبو محمدعليه‌السلام :ياأبا هاشم، اللهُ خالقُ كل شيء، وما سواه مخلوق .(١)

٢ ـ وقال أيضاً: قال أبو محمدعليه‌السلام :إذا خرج القائم يأمر بهدم المنابر والمقاصير التي في المساجد . فقلتُ في نفسي: لأيّ معنى هذا ؟، فأقبل عليّ وقال:معنى هذا أنّها محدثة مبتدعة، لم يبنها نبيّ ولا حجّة .(٢)

٣ ـ وسأله الفهفكي: ما بال المرأة تأخذ سهماً واحداً ويأخذ الرجل سهمين ؟ فقال أبو محمدعليه‌السلام :إن المرأة ليس عليها جهاد ولا نفقة ولا عليها معقلة، إنّما ذلك على الرجال . فقلتُ في نفسي ; قيل لي إن ابن أبي العوجاء سأل أبا عبد اللهعليه‌السلام عن هذه المسألة فأجابه بمثل هذا الجواب وفي رواية:لما جعل لها من الصداق . فأقبل أبو محمد عَليّ فقال:نعم ، هذه مسألة ابن أبي العوجاء، والجواب منّا واحد إذا كان معنى المسألة واحداً، أُجري لآخرنا ما أُجري لأوّلنا وأوّلنا وآخرنا في العلم والأمر سواء. ولرسول الله ولأمير المؤمنين فضلهما (٣) .

٤ ـ وقال أبو هاشم الجعفري: قلتُ في نفسي قد كتب الإمام:ياأسمع السامعين... اللهم أجعلني في حزبك وفي زمرتك . فأقبل عليّ أبو محمد فقال: أنت في حزبه وفي زمرته إذا كنت بالله مؤمناً ولرسوله مصدِّقاً ولأوليائه عارفاً ولهم تابعاً،

ــــــــــــ

(١) المناقب ٢ / ٤٦٧.

(٢) المناقب ٢ / ٤٦٨.

(٣) المناقب ٢ / ٤٦٨.


فأبشر ثمّ أبشر .(١)

٥ ـ عن علي بن أحمد بن حمّاد، قال: خرج أبو محمد في يوم مصيف راكباً وعليه تجفاف وممطر، فتكلّموا في ذلك، فلمّا انصرفوا من مقصدهم أمطروا في طريقهم وتبلوّا سواه.(٢)

٦ ـ وعن محمد بن عيّاش قال: تذاكرنا آيات الإمامعليه‌السلام فقال ناصبيّ: إن أجاب عن كتاب بلا مداد علمت أنه حقّ، فكتبنا مسائل وكتب الرجل بلا مداد على ورق وجعل في الكتب وبعثنا إليه فأجاب عن مسائلنا وكتب على ورقة اسمه واسم أبويه فدهش الرجل، فلمّا أفاق اعتقد الحق.(٣)

٧ ـ وعن محمد بن عبد الله قال: فقد غلام صغير فلم يوجد، فأخبر بذلك، فقالعليه‌السلام :اطلبوه في البركة ، فطلب فوجد فيها ميّتاً.(٤)

٨ ـ وروى أبو سليمان المحمودي فقال: كتبتُ إلى أبي محمدعليه‌السلام أسأله الدعاء بأن أُرزق ولداً، فوقّع:رزقك الله ولداً وأصبرك عليه . فولد لي ابن ومات(٥) .

٩ ـ وروي عن علي بن إبراهيم الهمدانيّ قال: كتبت إلى أبي محمدعليه‌السلام أسأله التبرك بأن يدعو أن أُرزق ولداً من بنت عمّ لي، فوقّع:رزقك الله ذُكراناً ، فولد لي أربعة(٦) .

١٠ ـ وعن عمر بن أبي مسلم قال: كان سميع المسمعيّ يؤذيني كثيراً ويبلغني عنه ما أكره، وكان ملاصقاً لداري، فكتبت إلى أبي محمدعليه‌السلام أسأله الدعاء بالفرج عنه، فرجع الجواب:أبشِر بالفرج سريعاً، ويقدم عليك مال من ناحية فارس، وكان لي بفارس ابن عمّ تاجر لم يكن له وارث غيري فجاءني ماله بعد ما مات بأيّام يسيرة .

ــــــــــــ

(١) المناقب ٢ / ٤٦٩.

(٢) المناقب ٢ / ٤٧٠.

(٣) المناقب ٢ / ٤٧٠.

(٤) الثاقب: ٢٣١.

(٥) بحار الأنوار ٥٠ / ٢٦٩ عن الخرائج والجرائح: ١/٤٣٩ ح ١٨ ب ١٢.

(٦) بحار الأنوار ٥٠ / ٢٦٩ عن الخرائج والجرائح: ١/٤٣٩ ح ١٩ ب ١٢.


١١ ـ ووقّع في الكتاب:استغفِر اللهَ وتُب إليه ممّا تكلّمت به ، وذلك أني كنت يوماً مع جماعة من النصّاب فذكروا أبا طالب حتى ذكروا مولاي، فخضت معهم لتضعيفهم أمره، فتركتُ الجلوس مع القوم وعلمت أنه أراد ذلك(١) .

١٢ ـ وروي عن الحجّاج بن يوسف العبدي قال: خلّفت ابني بالبصرة عليلاً وكتبت إلى أبي محمد أسأله الدعاء لابني فكتب إليّ:رحم الله ابنك إن كان مؤمناً ، قال الحجّاج: فورد عليّ كتاب من البصرة أنّ ابني مات في ذلك اليوم الذي كتب إليّ أبو محمد بموته، وكان ابني شكّ في الإمامة للاختلاف الذي جرى بين الشيعة(٢) .

ــــــــــــ

(١) مسند الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام : ١١٨ وبحار الأنوار ٥٠ / ٢٧٣ عن الخرائج والجرائح: ١/٤٤٧ ح ٣٣ ب ١٢.

(٢) مسند الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام : ١١٨ وبحار الأنوار ٥٠/٢٧٤ عن الخرائج والجرائح: ١/٤٨٨ ح٣٤ ب١٢.


الباب الثالث

فيه فصول:

الفصل الأول: ملامح عصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام .

الفصل الثاني: عصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام .

الفصل الثالث: متطلّبات عصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام .

الفصل الأول: ملامح عصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام

الحالة السياسية

امتاز العصر العبّاسي الثاني الذي بدأ بحكم المتوكل سنة(٢٣٢ هـ ) بالنفوذ الواسع الذي تمتع به الأتراك الذين غلبوا الخلفاء وسلبوهم زمام إدارة الدولة، وأساؤا التعامل مع الأهالي منذ أيام المعتصم الذي سبق المتوكّل إلى الحكم، وهذا الوضع قد اضطرّ المعتصم لنقل مركز حكمه من بغداد إلى سامراء بسبب السلوك التركي الخشن وشكاية أهالي بغداد منهم. كما اتّسم بضعف القدرة المركزية للدولة الإسلامية وفقدانها بالتدريج لهيبتها التي كانت قد ورثتها من العصر الأوّل، لأسباب عديدة منها انشغال الحكّام بملاذّهم وشهواتهم، ومنها سيطرة الموالي ـ ولا سيّما الأتراك ـ على مقاليد السياسة العامة بعد انهماك الحكّام بالملاهي.

وكانت سيطرة الأتراك وقوّادهم قد بلغت حدّاً لا مثيل له، إذ كان تنصيب الخلفاء وعزلهم يتمّ حسب إرادة هؤلاء القوّاد الأتراك، وأنتج تعدّد الإرادات السياسية وضعف الخلفاء ظاهرة خطيرة للغاية هي قِصر أعمار حكوماتهم وسرعة تبدّل الخلفاء وعدم استقرار مركز الخلافة الذي يمثّل السلطة المركزية للدولة الإسلامية.

وهذا الضعف المركزي قد أنتج بدوره نتائج سلبية أخرى مثل استقلال الأمراء في أطراف الدولة الإسلامية بالحكم والاتجاه نحو تأسيس دويلات شبه مستقلّة في شرق الدولة الإسلامية وغربها بل انتقلت هذه الظاهرة بشكل آخر إلى داخل الحاضرة الإسلامية فكانت من علائمها بروز حالات الشغب من قبل الخوارج باستمرار منذ سنة(٢٥٢ هـ ) إلى سنة(٢٦٢ هـ ).


وظهور صاحب الزنج في سنة(٢٥٥ هـ )، فضلاً عن ثوّار علويين كانوا يدعون إلى الرضى من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا سيّما بعد ما عرفناه من كراهة المتوكّل للعلويين وقتله للإمام الهاديعليه‌السلام ومراقبته الشديدة للإمام الحسن العسكريعليه‌السلام (١) .

الحالة الاجتماعية

تحدثنا فيما سبق عن الظرف السياسي وملابساته: من عدم الاستقرار وفقدان الأمن وذلك لتعدد الحركات السياسية والمذهبية، الخارجة على الدولة العباسية في مختلف الأمصار الإسلامية فضلاً عن دور الأتراك البارز في خلع وتولية الخليفة العباسي، وهذا دون شك ينعكس سلبياً على الظروف الاجتماعية التي كان يعيشها أبناء الأمة المسلمة ورعايا الدولة الإسلامية فينجم عنه توتّر في علاقة السلطة بالشعب، وعدم استقرار الوضع الاجتماعي نتيجة لذلك، كما أن اختلال الظروف السياسية يتسبب في التفاوت الاجتماعي وظهور الطبقية أو الفئات المتفاوتة في المستوى المعيشي والمتباينة في الحقوق والواجبات تبعاً لولائها وقربها أو بعدها من البلاط ورجاله، فانقسم أبناء الأمة وأتباع الدين الذي كان يركّز على الأخوة الإيمانية والمساواة والعدل والإنصاف(٢) ، إلى جماعة قليلة مترفة ومتمتعة بقوّة السلطان وأخرى واسعة ـ تمثل غالبية أبناء الأمة الإسلامية ـ وهي معدمة ومسحوقة أنهكها الصراع وزجّها في النّزاعات والحروب والتي ما تخمد إحداها حتى تتأجّج الثانية وتتسع لتشمل مساحة أوسع من أرض الدولة الإسلامية(٣) ،

ــــــــــــ

(١) راجع الكامل في التاريخ ومروج الذهب أحداث السنين(٢٣٢ ـ ٢٥٦ هـ ).

(٢) قال تعالى في سورة الحجرات الآية: ١٣( إنّما المؤمنون إخوة ) وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الناس سواسية كأسنان المشط المبسوط للسرخسي: ٥/٢٣، لسان الميزان: ٢/٤٣، باختلاف يسير.

(٣) الكامل لابن الأثير: ٤ أحداث السنين(٢٤٨ ـ ٣٢٢هـ ).


ثم لتنفصل بعض أجزائها فتكون دولة مستقلة عن مركزية الدولة وغير خاضعة لها، وأطلق المؤرخون عليها مرحلة(إمرة الأمراء)(١) ، إضافة إلى الدولة المستقلة كما هو الحال بالنسبة لأمارة الحمدانيين والبويهيين والدولة الصفارية(٢٥٤هـ) والدولة السامانية(٢٦١ ـ ٣٨٩هـ) وغيرها... ممّا أدّى إلى تفكّك وسقوط الدولة العباسية فيما بعد سنة(٦٥٦هـ).

لقد كان المجتمع الإسلامي في أواخر العصر العباسي الأوّل يتألف من عدة عناصر. هي: العرب والفرس والمغاربة وظهر العنصر التركي أيضاً على مسرح السياسة في عهد المعتصم الذي اتّخذهم حرساً له، وأسند إليهم مناصب الدولة وأهمل العرب والفرس، ولما رأوا الخطر المحدق بهم من قبل الأتراك استعانوا بالمغاربة والفراغنة وغيرهم من الجنود المرتزقة.(٢)

كما نلاحظ انقسام المسلمين في هذا العصر إلى شيع وطوائف وتعرّض المجتمع الإسلامي إلى أنواع التنازع المذهبي المؤدي إلى التفكّك أيضاً، فهناك أهل السُنة الذين كانوا يشكلون السواد الأعظم ويتمتّعون بقسط وافر من الحرية المذهبية والطمأنينة النفسية في عهد نفوذ الأتراك، وهناك الشيعة الذين كانوا يقاسون كثيراً من العنت والاضطهاد.(٣)

وهذا لا يعني الالتزام الديني من قبل حكام الدولة العباسية بالمذهب السني بقدر ما يوضح لنا أن موقفهم هذا كان من أجل التصدي لحركة الأئمة في الأمة ومحاصرتها بمختلف الوسائل والطرق والتي منها: دعم ومساندة فرق وحركات تحمل توجهات السلطة وترى السلطة فيها استتباب الوضع لها ولا تخشى من تمرّدها. فهي تعيش على فتات موائدها وبذلها وبذخها لهم من أجل ديمومة الحكم واستمرار السلطة للخلفاء.

ــــــــــــ

(١) تاريخ الإسلام السياسي د. حسن إبراهيم حسن: ٣ / ٢٦ وما بعدها.

(٢) تاريخ الإسلام السياسي: ٣ / ٤٢٢ ـ ٤٢٣.

(٣) تأريخ الإسلام السياسي: ٣ / ٤٢٣.


ولم يكن هذا ليدوم بدخول العنصر التركي الذي كان يميل إلى البذخ والسيطرة وعدم الخضوع إلى سلطة الخليفة العباسي كما أوضحنا.

أما بالنسبة إلى التفكك الاجتماعي في هذا العصر فيمكن ملاحظته من خلال طبقات المجتمع في هذا العصر، وهي:

١ ـ طبقة الرقيق، وكانت مصر وشمالي أفريقية وشمالي جزيرة العرب من أهم أسواق الرقيق الأسود، وقد جُلب كثير من الزنجيات والزنوج لفلاحة الأرض وحراسة الدور. وإنّ كثرة الزنج في العراق أدّت إلى قيام ثورة الزنج التي دامت أكثر من أربع عشرة سنة(٢٥٥ ـ ٢٧٠هـ).(١)

وكلفت هذه الثورة الدولة والاُمة الكثير من الأموال والدماء لإخمادها مما أسهم بشكل كبير في إضعافها.

٢ ـ أهل الذمة، وهم اليهود والنصارى، ولم تتدخل الدولة في شعائرهم بل على العكس كان يبلغ من تسامح الحكّام أنهم كانوا يحضرون مواكبهم واحتفالاتهم ويأمرون بحمايتهم.(٢)

٣ ـ رجال البلاط والملاّك وغيرهم ممن لهم نفوذ كبير في سياسة الدولة وتأثير واسع في الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

٤ ـ عامة الناس والذين أجهدتهم الضرائب والحروب والخلافات والمنازعات الداخلية.

٥ ـ ونشأت طبقة واسعة من الرقيق وغيرهم ـ من المغنيات ـ اللائي كن يُحيين ليالي اللهو للخلفاء، وغيرهم، وقد ارتفعت أسعارهن بشكل ملفت للنظر.(٣) مما أدى أخيراً إلى إضعاف العلاقة داخل البلاط نفسه بين البلاط وبين قواد الجيش من أتراك وغيرهم، فضلاً عن آثاره السلبية على المجتمع عامة

ــــــــــــ

(١) تاريخ الطبري ٧، أحداث السنين(٢٥٥ ـ ٢٧٠ هـ ).

(٢) الحضارة الإسلامية: ٢٦٨، راجع تاريخ الإسلام السياسي: ٣ / ٤٢٤.

(٣) تاريخ الإسلام السياسي: ٣ / ٤٣٥.


الحالة الثقافية

انتشرت الثقافة الإسلامية في هذا العصر انتشاراً يدعو إلى الإعجاب بفضل الترجمة من اللغات الأجنبية وخاصة اليونانية والفارسية والهندية إلى العربية.

والعامل الأول في ذلك هو حث الإسلام المسلمين على طلب العلم واعتباره فريضة على كل مسلم ومسلمة. كما حظي العلماء بتشجيع من الخلفاء والسلاطين والامراء ورجال العلم والأدب.

وكانت مراكز هذه الحركة الثقافية في بلاط السامانيين والغزنويين والبويهيين والحمدانيين في الشرق وفي بلاط الطولونيين والإخشيديين والفاطميين في مصر وفي بلاد الأمويين في الأندلس.

ويضاف إلى ذلك ظهور كثير من الفرق التي اتخذت الثقافة والعلم وسيلة لتحقيق مآربها السياسية.

وكان للجدل والنقاش الذي قام بين هذه الفرق من ناحية وبينها وبين العلماء الرسميين ـ أي فقهاء السلطة ـ من ناحية أخرى أثر كبير في هذه النهضة العلمية التي كان يتميز بها هذا العصر وخاصّة في القرن الرابع الهجري على الرغم مما انتاب العالم الإسلامي بوجه عام من تفكك وانحلال وما أصاب الدولة العباسية من ضعف ووهن(١) .

ــــــــــــ

(١) تاريخ الإسلام السياسي: ٣ / ٣٣٢.


الحالة الاقتصادية

اعتنى العباسيون بالزراعة وفلاحة البساتين التي قامت على دراسة علمية(١) . وذلك بفضل انتشار المدارس الزراعية التي كان لها الأثر الكبير في إنارة عقول المسلمين.

ولما كانت الزراعة تعتمد على الري، اهتم العباسيون بتنظيم أساليبه وجعل الماء مباحاً للجميع، ولذلك عملوا على تنظيمه في مصر والعراق واليمن وشمال شرقي فارس وبلاد ما وراء النهر، وبلغ هذا النظام شأواً بعيداً من الدقة، حتى أن الأوربيين أدخلوا كثيراً من هذه النظم في بلادهم.

واعتنت الدولة العباسية بصيانة السدود والترع، وجعلوا جماعة من الموظفين أطلق عليهم اسم(مهندسين) وكانت مهمتهم المحافظة على السدود عصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام خشية انبثاق الماء منها فيما إذا حدث ثغر من الهدم والتخريب(٢) .

ــــــــــــ

(١) تاريخ الإسلام السياسي: ٣ / ٣١٩ بتصرف.

(٢) تجارب الأمم لمسكويه: ٢ / ٢٩٦ ـ ٢٩٧ بتصرف. وقال المعتزلي: الهندسة أصلها بالفارسية: أندازه اي المقدار والمهندس أي المقدِّر.


الفصل الثاني: عصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام

لقد أمضى الإمام الحسن العسكري الجزء الأكبر من عمره الشريف في العاصمة العباسية ـ سامراء ـ وواكب جميع الظروف والملابسات والمواقف التي واجهت أباه الإمام علياً الهاديعليه‌السلام ، ثم تسلّم مركز الإمامة وقيادة الأمة الإسلامية سنة(٢٥٤هـ) بعد وفاة أبيهعليه‌السلام وعمره الشريف آنذاك(٢٢) عاماً.

وكانت مواقفه امتداداً لمواقف أبيهعليه‌السلام بوصفه المرجع الفكري والروحي لأصحابه وقواعده وراعياً لمصالحهم العقائدية والاجتماعية بالإضافة إلى تخطيطه وتمهيده لغيبة ولده الإمام المهدي المنتظرعليه‌السلام (١) .

وبالرغم من الضعف الذي كان قد أحاط بالدولة العباسية في عصر الإمامعليه‌السلام لكن السلطة القائمة كانت تضاعف إجراءاتها التعسفيّة في مواجهة الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام والجماعة الصالحة المنقادة لتعاليمه وإرشاداتهعليه‌السلام . فلم تضعف في مراقبته ولم تترك الشدة في التعامل معه بسجنه أو محاولة تسفيره إلى الكوفة خشية منه ومن حركته الفاعلة في الأمة وتأثيره الكبير فيها.

ــــــــــــ

(١) الأئمة الاثنا عشر: ٢٣٥، دار الأضواء، ١٤٠٤هـ.


ثم إن المواجهة من الإمام كقيادة للحركة الرسالية لم تكن خاصة بالخلفاء العباسيين الذين عاصرهم الإمامعليه‌السلام إذ كان هناك أيضاً خطر النواصب وهم الذين نصبوا العداء لأهل البيت النبويعليهم‌السلام ووقفوا ضد أطروحتهم الفكرية والسياسية المتميزة التي كانت تتناقض مع أطروحة الحكم القائم والطبقة المستأثرة بالحكم والمنحرفة عن الإسلام النبوي.(١)

والنواصب ـ الأمويون منهم أو العباسيون ـ كانوا يعلمون جيّداً أن أهل البيت النبوي هم ورثة النبي الحقيقيون، ولا يمكنهم أن يسيطروا على السلطة إلاّ بإبعاد أهل البيتعليهم‌السلام عن مصادر القدرة وذلك بتحديد الأئمة المعصومين وشيعتهم وشلّ حركتهم وعزلهم عن الأمة والتضييق عليهم بمختلف السبل وبما يتاح لهم من وسائل قمعية.

وقد يكون لطبيعة هذه الظروف والملابسات التي عانى منها الإمام العسكري وشيعته الدور الأكبر في ما كان يتّخذه الإمامعليه‌السلام من مواقف سلبية أو إيجابية إزاء الأحداث والظواهر التي منيت بها الأمة الإسلامية والتي ستعرفها فيما بعد.

لقد عاصر الإمام العسكريعليه‌السلام ثلاثة من خلفاء الدولة العباسية، فقد عاشعليه‌السلام شطراً من خلافة المعتز والذي هلك على أيدي الأتراك، ليخلفه المهتدي العباسي الذي حاول أن يتخذ من سيرة عمر بن عبد العزيز الأموي مثلاً يحتذي به إغراء للعامّة ولينقل أنظارهم المتوجهة صوب الإمام العسكريعليه‌السلام لزهده وتقواه وورعه، وما كان يعيشه من همومهم وآلامهم التي كانوا يعانونها من السلطة وتجاوزاتها في الميادين المختلفة.

ــــــــــــ

(١) الأئمة الاثنا عشر: ٢٣٥.


ولم يفلح المهتدي بهذا السلوك لازدياد الاضطراب في دائرة البلاط العباسي نفسه مما أثار الأتراك عليه فقتلوه عام(٢٥٦هـ)، وقد اعتلى العرش العباسي من بعده المعتمد الذي استمر في الحكم حتى عام(٢٧٠ هـ )(١) .

١ ـ المعتز العباسي(٢٥٢ ـ ٢٥٥ هـ )

لقد ازداد نفوذ الأتراك بعد قتلهم المتوكل عام(٢٤٧هـ) وتنصيب ابنه المنتصر بعده، حتى أن الخليفة العباسي أصبح مسلوب السلطة ضعيف الإرادة ويتضح ذلك مما رواه ابن طباطبا حيث قال:

«.. لما جلس المعتز على سرير الخلافة فقد حضر خواصه وأحضروا المنجّمين وقالوا لهم: انظروا كم يعيش وكم يبقى في الخلافة، وكان بالمجلس بعض الظرفاء، فقال: أنا أعرف من هؤلاء بمقدار عمره وخلافته، فقالوا: فكم تقول أنه يعيش وكم يملك ؟ قال: مهما أراد الأتراك، فلم يبق أحد إلاّ ضحك»(٢) .

يعكس لنا هذا النص ما كان للأتراك من نفوذ ودور في إرادة الدولة وعزل الخلفاء والتحكّم في الأمور العامة. فقد استولوا على المملكة واستضعفوا الخلفاء، فكان الخليفة في أيديهم كالأسير إن شاءوا خلعوه وإن شاءوا قتلوه، وكان المعتز يخاف الأتراك ويخشى بأسهم ولا يأمن جانبهم وكان بُغا الصغير ـ وهو أشدّ هؤلاء خطراً ـ أحد قوّاد الجيش الذي أسهم في قتل المعتز مع جماعة من الأتراك بعد أن أشهدوا عليه بأنه قد خلع نفسه.

ــــــــــــ

(١) الفخري في الآداب السلطانية، ابن طباطبا: ٢٢١.

(٢) الفخري في الآداب السلطانية: ٢٢١.


لقد عاصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام أواخر خلافة المعتز الذي كان استشهاد الإمام الهاديعليه‌السلام على يده بدس السمّ إليه فكانت سياسة المعتز امتداداً لسياسة المتوكّل في محاربة الإمام الحسن العسكري ـ والشيعة ـ بل ربما ازدادت ظروف القهر في هذه الفترة حتى أنّ المعتز أمر بتسفير الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام إلى الكوفة حين رأى خطر وجود الإمامعليه‌السلام واتّساع دائرة تأثيره وكثرة أصحابه.

قال محمّد بن بلبل: تقدّم المعتز إلى سعيد الحاجب أن أخرج أبا محمد إلى الكوفة ثم اضرب عنقه في الطريق(١) .

وكتب إلى الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام أبو الهيثم ـ وهو أحد أصحاب الإمامعليه‌السلام ـ يستفسر عن أمر المعتز بإبعاده إلى الكوفة قائلاً:

«جُعلت فداك بلغنا خبرٌ أقلقنا وبلغ منا»، فكتب الإمامعليه‌السلام : «بعد ثلاث يأتيكم الفرج» فخلع المعتز بعد ثلاثة أيام وقتل(٢) .

فلم تكن العلاقة بين الإمامعليه‌السلام والمعتز إلاّ تعبيراً عن الصراع والعداء الذي ابتدأ منذ أن استلم بنو العبّاس الخلافة بعد سقوط الدولة الاُموية وامتدّ على طول عمر الدولة إلاّ في فترات قصيرة جدّاً، فكان كيد السلطة ورصدها لتحرّك الإمامعليه‌السلام دائماً ومستمراً وذلك لما عرفه الخلفاء من المكانة السامية والدور الفاعل للأئمّة في الأمة وما كانوا يخشونه منهم على سلطتهم وكيانهم الذي أقاموه بالسيف والدم على جماجم الأبرياء والأتقياء من أبناء الأمة الإسلامية.

ويروي لنا محمد بن علي السمري توقّع الإمام الحسن العسكري هلاك المعتزّ قائلاً: «دخلت على أبي أحمد عبيد الله بن عبد الله وبين يديه رقعة أبي محمد ـ العسكري ـعليه‌السلام ، فيها:إني نازلت الله في هذا الطاغي يعني الزبيري ـ لقب المعتز ـوهو آخذه بعد ثلاث، فلما كان في اليوم الثالث فعل به ما فعل »(٣) فقد قتل شرّ قتلة.

ويصف ابن الأثير قتل المعتز الذي ورد في هذه العبارة قائلاً عنه:

ــــــــــــ

(١) كشف الغمة: ٣/٢٠٦.

(٢) الخرائج والجرائح: ١/٤٥١ ح ٣٦.

(٣) كشف الغمة: ٣/٢٠٧ عن كتاب الدلائل.


«دخل إليه جماعة من الأتراك فجرّوه برجله إلى باب الحجرة وضربوه بالدبابيس وخرقوا قميصه، وأقاموه في الشمس في الدار، فكان يرفع رجلاً ويضع أخرى لشدّة الحر، وكان بعضهم يلطمه وهو يتّقي بيده وأدخلوه حجرة، وأحضروا ابن أبي الشوارب وجماعة أشهدوهم على خلعه، وشهدوا على صالح بن وصيف أن للمعتز وأمه وولده وأخته الأمان، وسلّموا المعتز إلى من يعذّبه، فمنعه الطعام والشراب ثلاثة أيّام، فطلب حسوة من ماء البئر فمَنَعَه ثم أدخلوه سرداباً وسدّوا بابه، فمات»(١) .

وكان سبب خلعه أنه منع الأتراك أرزاقهم ولم يكن لديه من المال وقد تنازلوا له إلى خمسين ألف دينار، فأرسل إلى أمه يسألها أن تعطيه مالاً فأرسلت إليه: «ما عندي شيء»، فتآمروا عليه وقتلوه.

وهذه القصة خير مؤشّر على ضعف السلطة العباسية وخروج الأمر من يد الخليفة، فالكتّاب المسؤولون على الأموال يتصرّفون بها كيف ما كانوا يشاءون ولا يطيعون الخليفة في شيء فكانت تلك النهاية المخزية للمعتز على أيدي أعوانه، وحرّاسه من الأتراك.

٢ ـ المهتدي العباسي(٢٥٥ـ ٢٥٦ هـ )

هو محمد بن الواثق بن المعتصم، أمه أم ولد تسمى وردة، ولي الخلافة بعد مقتل أخيه المعتز سنة(٢٥٥هـ)، وما قبل أحد ببيعته حتى جيء بالمعتزّ واعترف أمام شهود أنه عاجز عن الخلافة ومدّ يده فبايع المهتدي فارتفع حينئذ إلى صدر المجلس(٢) ، وبويع بالخلافة.

ــــــــــــ

(١) الكامل في التاريخ: ٧/١٩٥، ١٩٦.

(٢) تاريخ الخلفاء، السيوطي: ٤٢٢.


ولقد تصنّع الزهد والتقشّف محتذياً سيرة عمر بن عبد العزيز إغراء للعامة ومحاولة لتغيير انطباعهم عن الخلفاء العباسيين الذين عُرفوا بالمجون والترف والإسراف في الملذّات والخمر ومجالس اللهو، فقد نقل هاشم بن القاسم حينما سأل المهتدي عن ما هو عليه من التقشّف وبما هو فيه من النعمة فقال له: إنّ الأمر كما وصفت، ولكنّي فكّرت في أنه كان في بني أمية عمر ابن عبد العزيز ـ وكان من التقلّل والتقشّف ما بلغك ـ فغرتُ على بني هاشم فأخذت نفسي بما رأيت(١) .

فلم تكن الدوافع وراء هذه السيرة رضا الله سبحانه بل كانت هذه السيرة لإضفاء شيء من صبغة التديّن على نفسه من أجل أن تطيعه عامة الناس ومحاولة لإبعاد أنظارها عما تحلّى به بنو هاشم وفي مقدّمتهم الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام الذي عُرف بتقواه وورعه ومواساته للأمة في ظروفها القاسية، وكان الأولى بالخليفة الاتعاظ بسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام لما عرف بزهده وتقواه بل هو الذي سنَّ نهج الزهد للمسلمين بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإن عمر بن عبد العزيز نفسه حين سأله جلساءه عن أزهد الناس، فقالوا له: أنتم، قال: لا:إن أزهد الناس عليّ بن أبي طالب (٢) .

سياسة المهتدي تجاه معارضيه

أ ـ الخليفة وأمراء الجند:

كانت سياسة المهتدي تجاه الأتراك تتمثل بالحذر والحيطة والخشية من انقلابهم عليه كما فعلوا بالمتوكل والمعتز، لذا أمر بقتل موسى ومفلح من أمراء جنده الأتراك الذين كانوا يتمتّعون بنفوذ كبير وتأثير فاعل في مجريات الأحداث، غير أن(بكيال) الذي أمره المهتدي بقتلهما

ــــــــــــ

(١) تاريخ الخلفاء: ٤٢٣.

(٢) تاريخ الطبري: ٣ حوادث(٩١ ـ ١٠١ هـ ) وهي خلافة عمر بن عبد العزيز.


توقّف عن قتل موسى بن بغا، لإدراكه أن للمهتدي خطة للحد من نفوذ الأتراك وتقليص الدور الذي كانوا يتمتعون به، وقال بكيال: إنّي لست أفرح بهذا وإنما هذا يعمل علينا كلنا، فأجمعوا على قتل المهتدي فكان بين الأتراك ومناصري الخليفة قتال شديد وقُتل في يوم واحد أربعة آلاف من الأتراك ودام القتال إلى أن هزم جيش الخليفة المؤلّف من المغاربة والفراغنة والأشروسنية، ومن ثم اُمسك الخليفة فعصر على خصيتيه فمات في عام(٢٥٦ هـ )(١) .

ومن الأحداث المهمة في عصر المهتدي:

١ ـ انتفاضة أهل حمص بقيادة ابن عكار على محمد بن إسرائيل.

٢ ـ إخراجه أم المعتز وأبا أحمد وإسماعيل ابني المتوكل وابن المعتزّ إلى مكّة ثم ردّهم إلى العراق.

٣ ـ نفي وإبعاد بعض الشيعة من بلدانهم إلى بغداد كما فعل بجعفر ابن محمود.

٤ ـ إعطاؤه الأمان لمعارضيه.

٥ ـ الحرب بين عيسى بن شيخ الربعي وأماجور التركي عامل دمشق وهزيمة الأول(٢) .

ب ـ المهتدي وأصحاب الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام :

لم تكن الظروف المحيطة بالإمام العسكري وأصحابه في عهد المهتدي أحسن مما كانت عليه من الشدة والنفي والتهجير والقتل إبّان عهود المعتز والمتوكل ومن سبقهما

ــــــــــــ

(١) تاريخ الخلفاء، السيوطي: ٤٢٤.

(٢) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٥٠٥، ٥٠٦.


من خلفاء الدولة العباسية، بل كانت سياسة المهتدي امتداداً للمنهج العباسي في التصديّ للإمام وشيعته وخاصته والنكاية بهم، والتجسس عليهم ومصادرة أموالهم ومطاردتهم.

لقد قاسى الشيعة والإمام الحسن العسكريعليه‌السلام في عهد المهتدي الكثير من الظلم والتعسّف، ويمكن أن نقف على ذلك من خلال ما رواه أحمد بن محمد حيث قال: كتبت إلى أبي محمدعليه‌السلام ـ حين أخذ المهتدي في قتل الموالي ـ ياسيدي الحمد لله الذي شغله عنك، فقد بلغني أنّه يتهدّدك ويقول: «والله لأخلينّهم عن جديد الأرض» فوقّع أبو محمدعليه‌السلام بخطه:«ذاك أقصر لعمره، وعد من يومك هذا خمسة أيّام ويقتل في اليوم السادس بعد هوان واستخفاف بموته» ، فكان كما قالعليه‌السلام ، وقد سبق أن أوضحنا ذلك(١) .

ومن مظاهر اضطهاد الشيعة ومصادرة أملاكهم وأموالهم ما روي عن عمر بن أبي مسلم حيث قال: قدم علينا(بسرّ من رأى) رجل من أهل مصر يقال له سيف بن الليث يتظّلم إلى المهتدي في ضيعة له قد غصبها إياه شفيع الخادم وأخرجه منها، فأشرنا عليه أن يكتب إلى أبي محمدعليه‌السلام يسأله تسهيل أمرها، فكتب إليه أبو محمدعليه‌السلام :«لا بأس عليك ضيعتك تردّ عليك فلا تتقدّم إلى السلطان وألق الوكيل الذي في يده الضيعة وخوّفه بالسلطان الأعظم الله ربّ العالمين» ، فلقيه، فقال له الوكيل الذي في يده الضيعة قد كُتب إليّ عند خروجك من مصر أن أطلبك وأردّ الضيعة عليك، فَرَدَّها عليه بحكم القاضي ابن أبي الشوارب وشهادة الشهود ولم يحتج إلى أن يتقدّم إلى المهتدي(٢) .

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٥١٠ ح ١٦ وعنه في الإرشاد: ٢/٣٣١ وفي إعلام الورى: ٢/١٤٤، ١٤٥ وعن الإرشاد في كشف الغمة: ٣/٢٠٤.

(٢) أصول الكافي: ١/٥١١ ح ١٨.


ويمكن الاستدلال من خلال النص على اتساع القاعدة الشعبية للإمامعليه‌السلام وصلته بهم وعمق الأواصر التي كانت تصله بهم، فهو يتفقّد ما يحتاجونه، ويساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في قضاء حوائجهم، وإن لبعض أصحابه في الأمصار تأثيراً وعلائق بالولاة ومن يديرون الأمور في الولايات، فكانت أخبار شيعته تصله أوّلاً بأول، ويحاول إبعادهم عن الوقوع في حبائل السلطان وشركه كما في قصة سيف بن الليث المصري.

ج ـ سجن الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام :

ولما رأى المهتدي أنّ وسائل النفي والإبعاد والمصادرة، لم تكن لتحدّ من نشاط الإمامعليه‌السلام وشيعته، واتّساع حركته، لما كان لتعليمات الإمامعليه‌السلام ورقابته لشيعته من أثر في إفشال محاولات السلطة العباسيّة لم تجد السلطة بُدّاً من اعتقال الإمامعليه‌السلام والتضييق عليه في السجن، وكان المتولي لِسجنه صالح بن وصيف الذي أمر المهتدي موسى بن بغا التركي بقتله، وقد جاءه العباسيّون إبان اعتقال الإمامعليه‌السلام فقالوا له: ضيّق عليه ولا توسّع، فقال صالح: «ما أصنع به قد وكّلت به رجلين، شرّ من قدرت عليه فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم»، ثمّ أمر بإحضار الموكلين فقال لهما: ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل ؟ ـ يعني الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ـ فقالا له: ما نقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله لا يتكلّم ولا يتشاغل بغير العبادة فإذا نظر إلينا أرعدت فرائصنا وداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا فلمّا سمع العباسيّون ذلك انصرفوا خائبين(١) .

ــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٥١٢ ح ٢٣ وعنه في الإرشاد: ٢/٣٣٤ وفي إعلام الورى: ٢/١٥٠ وعن الإرشاد في كشف الغمة: ٣/٢٠٤.


لقد كان المهتدي يهدّد الإمام بالقتل وقد بلغ النبأ بعض أصحاب الإمامعليه‌السلام فكتب إليه: يا سيدي الحمد لله الذي شغله عنك فقد بلغني أنه يتهددك. وذلك حين انشغل المهتدي بفتنة الموالي، وعزم على استئصالهم. وهنا نجد الإجابة الدقيقة من الإمامعليه‌السلام حول مستقبل المهتدي حيث كتب الجواب ما يلي:ذاك أقصر لعمره، عدّ من يومك هذا خمسة ويقتل في اليوم السادس بعد هوان واستخفاف يمرّ به (١) . وكان كما قال فقد انهزم جيشه ودخل سامراء وحده مستغيثاً بالعامة منادياً يامعشر المسلمين: أنا أمير المؤمنين قاتلوا عن خليفتكم، فلم يجبه أحد(٢) .

وقال أبو هاشم الجعفري: كنت محبوساً مع الحسن العسكري في حبس المهتدي بن الواثق فقال لي:في هذه الليلة يبتر الله عمره ، فلمّا أصبحنا شغب الأتراك وقُتل المهتدي وولّي المعتمد مكانه (٣) .

٣ ـ المعتمد ابن المتوكل العبّاسي(٢٥٦ ـ ٢٧٩ هـ )

وعاصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام بعد المعتزّ والمهتدي، المعتمد العباسي، الذي انهمك في اللهو واللّذات واشتغل عن الرعيّة فكرهه الناس وأحبّوا أخاه طلحة(٤) .

وكان المعتمد ضعيفاً يعمل تحت تأثير الأتراك الذين يديرون أمور الحكم، ويقومون بتغيير الخلفاء والأمراء، وقد صوّر المعتمد نفسه هذا

ــــــــــــ

(١) إعلام الورى: ٣٥٦.

(٢) الكامل في التاريخ: ٥/٣٥٦.

(٣) المناقب: ٢/٤٦٢.

(٤) تاريخ الخلفاء، السيوطي: ٤٢٥.


الضعف الذي هو فيه بقوله:

أليس من العجائب أن مثلي

يرى ما قلّ ممتنعاً عليه

وتؤكل باسمه الدنيا جميعاً

وما من ذاك شيء في يديه

إليه تحمل الأموال طُرّاً

ويمنع بعض ما يجبى إليه(١)

وكانت الفترة التي عاشها الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام في عهد المعتمد تقرب من خمس سنين، وهي من بداية خلافة المعتمد سنة(٢٥٦هـ) وحتى استشهاد الإمامعليه‌السلام سنة(٢٦٠هـ)، وكان الوضع العام مضطرباً لسيطرة الأتراك على السلطة أوّلاً، ولما كان يحدث من حركات ضد السلطة في أقاليم الدولة ثانياً. فضلاً عن مطاردة السلطة للشيعة والمضايقة على الإمامعليه‌السلام وعليهم وتشديد المراقبة من جهة ثالثة.

وأهم هذه الأحداث في عصر المعتمد:

أ ـ ثورة الزنج:

كانت ثورة الزنج حدثاً مهماً لما نتج عنها من آثار سيئة، فقد صحب حركة الزنج هذه، قتل، ونهب، وسلب، وإحراق مما أدّى إلى اضطراب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في عدّة من الأمصار التي سيطر عليها صاحب الزنج، فبدأت ثورتهم في البصرة وامتدّت إلى عبّادان والأهواز وغيرهما.

والقضاء على هذه الحركة قد كلف الدولة كثيراً من الأموال والجند الذين هزمهم صاحب الزنج في أكثر من واقعة، وأخيراً تمكّنت

ــــــــــــ

(١) سبائك الذهب: ٨٧.


الدولة من القضاء عليهم(١) .

وقد ادّعى صاحب الزنج علي بن محمد أنه ينتسب إلى الإمام عليعليه‌السلام ، ولكنّ الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام كذب هذا الادعاء، فعن محمد بن صالح الخثعمي قال: كتبت إلى أبي محمد ـ الحسن العسكريعليه‌السلام ـ أسأله.. وكنت أريد أن أسأله عن صاحب الزنج الذي خرج بالبصرة.. فوقّععليه‌السلام :«صاحب الزنج ليس مِنّا أهل البيت» (٢) .

وفي نصّ الإمامعليه‌السلام هذا دلالة على عدم شرعيّة ثورة صاحب الزنج وعدم ارتباطها بخط أهل البيتعليهم‌السلام وأنّها بعيدة عن الالتزام بمبادئ الإسلام.

ب ـ حركة ابن الصوفي العلوي:

وقد ظهر في صعيد مصر وهو إبراهيم بن محمد وكان يعرف بابن الصوفي وملك مدينة أشنا(٣) . وكانت معارك بينه وبين جيش الدولة بقيادة ابن طولون اقتتلوا فيها قتالاً شديداً فقتل من رجال ابن الصوفي الكثير، وانهزم ثمّ كانت وقعة أخرى مع جنده عام(٢٥٩هـ) وانهزم ابن الصوفي أيضاً إلى المدينة وألقي القبض عليه وأرسل إلى ابن طولون في مصر.(٤)

ج ـ ثورة علي بن زيد في الكوفة:

كانت حركته في الكوفة سنة(٢٥٦هـ) واستولى عليها، وأزال عنها نائب

ــــــــــــ

(١) راجع الكامل في التاريخ: ٤ / ٤٣٠ ـ ٤٤٥.

(٢) كشف الغمة: ٣ / ٢١٤ عن كتاب الدلائل.

(٣) الكامل في التأريخ: ٤ / ٤٣٢.

(٤) الكامل في التأريخ: ٤ / ٤٣٢ ـ ٤٣٣.


الخليفة، واستقرّ بها، وسَيَّر إليه المعتمد الشاه بن مكيال في جيش كثيف فالتقوا واقتتلوا وانهزم الشاه وقتل جماعة كثيرة من أصحابه ونجا الشاه، ثمّ وجّه المعتمد كيجور التركي لمحاربته، وقد أرسل كيجور إلى علي بن زيد يدعوه إلى الطّاعة وبذل له الأمان، وطلب علي بن زيد أُموراً لم يجبه كيجور إليها، فخرج علي بن زيد من الكوفة وعسكر في القادسية فبلغ خبره كيجور فواقعه فانهزم عليّ بن زيد وقُتل جماعة من أصحابه(١) .

وحصلت حوادث أخرى في عهد المعتمد فقد استولى الحسن بن زيد العلوي على جرجان وقتل كثيراً من العساكر وغنم هو وأصحابه ما عندهم.

وخرج مساور الخارجي وطوق من بني زهير وهو من الخوارج أيضاً وقاتلهم الحسن بن أيوب بن أحمد العدوي وهزمهم وقطع رأس مساور وأنفذه إلى سامراء(٢) .

وقد استوعبت هذه الحركات التي كانت ضد الدولة العباسية مساحة زمنية واسعة لعدم شرعيّة الدولة ولابتعاد الخلفاء وولاتهم عن مبادئ الإسلام الحنيف واستمرت حتى بعد عصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام وحتى سقوط بغداد على يد التتار عام(٦٥٦هـ).

د ـ المعتمد والإمام العسكريعليه‌السلام

سعى المعتمد جاهداً في التخلص من الإمام العسكريعليه‌السلام أي انّه سارَ على ذات المنهج الذي اتّبعه أسلافه من الخلفاء الأمويين والعباسيين مع الأئمة المعصومينعليهم‌السلام غير أنّ موقفه هذا سرعان ما تغيّر ظاهراً، وقدّم الاعتذار

ــــــــــــ

(١) الكامل في التأريخ: ٤ / ٤٤٧.

(٢) الكامل في التأريخ: ٤ / ٤٣٩.


للإمامعليه‌السلام بعد محاولة لتصفيته برميه مع السباع كما عمل مثل ذلك المتوكّل مع أبيه علي الهاديعليه‌السلام وذلك حين سلّم الإمام العسكريعليه‌السلام إلى يحيى بن قتيبة الذي كان يضيّق على الإمامعليه‌السلام حيث رمى به إلى مجموعة من السباع ظنّاً منه أنها سوف تقتل الإمامعليه‌السلام ، مع العلم بأن امرأة يحيى كانت قد حذّرته من أن يمس الإمام بسوء بقولها له:«اتقِّ الله فإني أخاف عليك منه» .

وروي أن يحيى بن قتيبة قد أتاه بعد ثلاث مع الأسود فوجده يصلّي، والأسود حوله، فدخل الأسود الغيل ـ أي موضع الأسد ـ فمزّقته الأُسود وأكلته وانصرف يحيى إلى المعتمد وأخبره بذلك، فدخل المعتمد على العسكريعليه‌السلام وتضرّع إليه...(١)

واستمر المعتمد في التضييق على الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام فيما بعد حتى ألقى به في سجن علي بن جرين وكان يسأله عن أخباره فيجيبه: إنّه يصوم النهار ويقوم الليل.(٢)

وقال ابن الصباغ المالكي: حدث أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري قال: كنت في الحبس الذي بالجوشق أنا والحسن بن محمد العتيقي ومحمد بن إبراهيم العمري وفلان وفلان خمسة ستة من الشيعة، إذ دخل علينا أبو محمد الحسن بن علي العسكريعليهما‌السلام وأخوه جعفر فخففنا بأبي محمد، وكان المتولي لحبسه صالح بن الوصيف الحاجب، وكان معنا في الحبس رجل جمحي.

فالتفت إلينا أبو محمد وقال لنا سرّاً:لولا أن هذا الرجل فيكم لأخبرتكم متى

ــــــــــــ

(١) مناقب آل أبي طالب: ٤/٤٣٠.

(٢) مهج الدعوات: ٢٧٥.


يفرج عنكم وترى هذا الرجل فيكم قد كتب فيكم قصته إلى الخليفة يخبره فيها بما تقولون فيه وهي مدسوسة معه في ثيابه يريد أن يوسع الحيلة في إيصالها إلى الخليفة من حيث لا تعلمون، فاحذروا شرّه .

قال أبو هاشم: فما تمالكنا أن تحاملنا جميعاً على الرجل، ففتشناه فوجدنا القصة مدسوسة معه بين ثيابه وهو يذكرنا فيها بكل سوء فأخذناها منه وحذرناه، وكان الحسن يصوم في السجن، فإذا أفطر أكلنا معه ومن طعامه وكان يحمله إليه غلامه في جونة مختومة.

قال أبو هاشم: فكنت أصوم معه فلمّا كان ذات يوم ضعفت من الصوم، فأمرت غلامي فجاءني بكعك فذهبت إلى مكان خال في الحبس، فأكلت وشربت، ثم عدت إلى مجلسي مع الجماعة ولم يشعر بي أحد، فلمّا رآني تبسّم وقال: أفطرت، فخجلت، فقال: لا عليك يا أبا هاشم، إذا رأيت أنّك قد ضعفت وأردت القوّة فكل اللحم، فإنّ الكعك لا قوّة فيه، وقال: عزمت عليك أن تفطر ثلاثاً فإنّ البنية إذا أنهكها الصوم لا تقوى إلاّ بعد ثلاث.

قال أبو هاشم: ثم لم تطل مدّة أبي محمد الحسن في الحبس إلاّ أن قحط الناس بسرّ من رأى قحطاً شديداً، فأمر الخليفة المعتمد على الله ابن المتوكّل بخروج الناس إلى الاستسقاء فخرجوا ثلاثة أيام يستسقون ويدعون فلم يسقوا، فخرج الجاثليق في اليوم الرابع إلى الصحراء وخرج معه النصارى والرهبان وكان فيهم راهب كلّما مدّ يده إلى السماء ورفعها هطلت بالمطر.

ثم خرجوا في اليوم الثاني وفعلوا كفعلهم أول يوم فهطلت السماء بالمطر وسقوا سقياً شديداً، حتى استعفوا، فعجب الناس من ذلك وداخلهم الشك وصفا بعضهم إلى دين النصرانية فشقّ ذلك على الخليفة، فأنفذ إلى صالح بن وصيف أن اخرج أبا محمد الحسن بن علي من السجن وائتني به.


فلمّا حضر أبو محمد الحسن عند الخليفة قال له: أدرك أُمة محمد فيما لحق في هذه النازلة، فقال أبو محمد: دعهم يخرجون غداً اليوم الثالث، قال: قد استعفى الناس من المطر واستكفوا فما فايدة خروجهم؟ قال: لأزيل الشك عن الناس وما وقعوا فيه من هذه الورطة التي أفسدوا فيها عقولاً ضعيفة.

فأمر الخليفة الجاثليق والرهبان أن يخرجوا أيضاً في اليوم الثالث على جاري عادتهم وأن يخرجوا الناس، فخرج النصارى وخرج لهم أبو محمد الحسن ومعه خلق كثير، فوقف النصارى على جاري عادتهم يستسقون إلاّ ذلك الراهب مدّ يديه رافعاً لهما إلى السماء، ورفعت النصارى والرهبان أيديهم على جاري عادتهم، فغيمت السماء في الوقت ونزل المطر.

فأمر أبو محمد الحسن القبض على يد الراهب وأخذ ما فيها، فإذا بين أصابعها عظم آدمي، فأخذه أبو محمد الحسن ولفه في خرقة وقال:استسقِ فانكشف السحاب وانقشع الغيم وطلعت الشمس فعجب الناس من ذلك، وقال الخليفة: ما هذا يا أبا محمد؟! فقال:عظم نبي من أنبياء الله عَزَّ وجَلَّ ظفر به هؤلاء من بعض فنون الأنبياء وما كشف نبي عن عظم تحت السماء إلاّ هطلت بالمطر ، واستحسنوا ذلك فامتحنوه فوجدوه كما قال.

فرجع أبو محمد الحسن إلى داره بسرّ من رأى وقد أزال عن الناس هذه الشبهة وقد سرّ الخليفة والمسلمون ذلك وكلّم أبو محمد الحسن الخليفة في إخراج أصحابه الذين كانوا معه في السجن، فأخرجهم وأطلقهم له، وأقام أبو محمد الحسن بسر من رأى بمنزله بها معظماً مكرّماً مبجلاً وصارت صلات الخليفة وإنعامه تصل إليه في منزله إلى أن قضى تغمّده الله برحمته(١) .

ــــــــــــ

(١) الفصول المهمة: ٢٨٦.


هـ ـ المعتمد وموقفه من الشيعة

لم تتغير الإجراءات القمعية التي كانت تمارسها السلطة العباسية تجاه الشيعة في عصر المعتمد بل كانت امتداداً للسياسة المعهودة والتي أصبحت تقليداً يتوارثه الخلفاء العباسيون إزاء الأئمة الأطهار وشيعتهم وذلك لما كان يخشاه الخلفاء من تطور الوضع لصالحهم واتّساع نشاطهم السياسي مما قد ينجم عنه تغيّر الوضع ضد السلطة القائمة، والتفاف الناس بشكل أكبر حول الإمامعليه‌السلام وبالتالي قد يتّخذ الإمام موقفاً جهاديّاً تجاه الخليفة وسلطته.

وكانت أساليب السلطة تجاه الحركة الشيعية لا تتجاوز الأساليب التي عهدتها في عصور سابقة وهي:

١ ـ المراقبة ورصد تحرّكات أصحاب الإمام وشيعته.

٢ ـ السجن وكانت تعمد إليه السلطة من أجل الحدّ من نشاط أصحاب الإمامعليه‌السلام .

٣ ـ القتل: وكانت ترتكبه السلطة حين لا ترى جدوى في أساليبها الأخرى تجاه الشيعة، أو تشعر بتنامي نشاطهم فتلجأ إلى قتل الشخصيّات البارزة والمقرَّبين من الإمامعليه‌السلام .

استشهاد الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام

وبعد أن أدّى الإمام العسكريعليه‌السلام مسؤليته بشكل كامل تجاه دينه وأمّة جدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وولدهعليه‌السلام نعى نفسه قبل سنة ستين ومئتين، وأخذ يهدّئ روع والدته قائلاً لها: لا بد من وقوع أمر الله لا تجزعي..، ونزلت الكارثة كما قال، والتحق بالرفيق الأعلى بعد أن اعتلّعليه‌السلام في أوّل يوم من شهر ربيع


الأول من ذلك العام(١) . ولم تزل العلة تزيد فيه والمرض يثقل عليه حتى استشهد في الثامن من ذلك الشهر، وروي أيضاً أنه قد سُم واغتيل من قبل السلطة حيث دس السم له المعتمد العباسي الذي كان قد أزعجه تعظيم الأمة للإمام العسكري وتقديمهم له على جميع الهاشميين من علويين وعباسيين فأجمع رأيه على الفتك به(٢) .

ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمد(الحجة) وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين وقد آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب(٣) .

ودفن الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام إلى جانب أبيه الإمام الهاديعليه‌السلام (٤) في سامراء، وقد ذكر أغلب المؤرخين أنّ سنة وفاته كانت(٢٦٠هـ) وأشاروا إلى مكان دفنه. دون إيضاح لسبب وفاته(٥) .

وروى ابن الصباغ عن أحمد بن عبيد الله بن خاقان انه قال: لما اعتل(ابن الرضا)عليه‌السلام ، بعث(جعفر بن علي) إلى أبي: أن ابن الرضاعليه‌السلام قد اعتل فركب أبي من ساعته مبادراً إلى دار الخلافة: ثم رجع مستعجلاً ومعه خمسة نفر من خدم الخليفة كلهم من ثقاته ورجال دولته وفيهم نحرير، وأمرهم بلزوم دار الحسن بن علي وتعرّف خبره وحاله، وبعث إلى نفر من المتطببين وأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده في الصباح والمساء، فلما كان بعدها بيومين جاءه من أخبره أنّه قد ضعف فركب حتى بكّر إليه ثم أمر المتطببين بلزومه وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشرة

ــــــــــــ

(١) الإرشاد: ٢/ ٣٣٦ ومهج الدعوات: ٢٧٤.

(٢) الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيثمي: ٣١٤ عن وفيات الأعيان لابن خلكان.

(٣) الإرشاد: ٢/٣٣٩.

(٤) الإرشاد: ٢/٣٣٦ والمنتظم، عبد الرحمن بن علي الجوزي: ٧ / ١٢٦.

(٥) الطبري: ٧ حوادث سنة(٢٦٠ هـ ) وعنه في الكامل لابن الأثير.


ممن يوثق به في دينه وأمانته وورعه فأحضرهم وبعث بهم إلى دار الحسنعليه‌السلام وأمرهم بلزوم داره ليلاً ونهاراً فلم يزالوا هناك حتى توفي لأيّام مضت من شهر ربيع الأول من سنة ستين ومئين(١) .

يتضح لنا من خلال متابعة تاريخ الإمام العسكريعليه‌السلام وموقف السلطة العباسية منه أنّ محاولة للتخلّص من الإمام قد دبّرت من قبل الخليفة المعتمد خصوصاً إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار سلسلة الإجراءات التي اتخذتها السلطة إزاء الإمام علي الهاديعليه‌السلام أوّلاً، ثم ما اتخذته من إجراءات ضد الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ، فقد قامت بسجنه عدّة مرات فضلاً عن المراقبة المشددة على بيته، كما حاولت نفيه إلى الكوفة، وغيرها من الإجراءات التعسّفيّة ضدّه وضد شيعته وضد العلويين، ووفقاً لذلك وبضم رواية أحمد بن عبيد الله بن خاقان والذي كان أبوه أحد أبرز رجالات الدولة، يتأكّد لنا أنّ استشهاد الإمام العسكريعليه‌السلام كانت وراءه أيدي السلطة الآثمة دون أدنى شك.

الصلاة على الإمام العسكريعليه‌السلام

وكان لاستشهاد الإمام العسكريعليه‌السلام صدى كبير في سامراء حيث عطّلت الدكاكين وسارع العامة والخاصة مهرعين إلى بيت الإمام، ويروي أحمد بن عبيد الله واصفاً ذلك اليوم العظيم قائلاً: ولما رفع خبر وفاته، ارتجّت سرّ من رأى وقامت ضجة واحدة: مات ابن الرضا(٢) ، وعطّلت الأسواق، وغلّقت أبواب الدكاكين وركب بنو هاشم والكتّاب والقوّاد والقضاة والمعدّلون وساير الناس إلى أن حضروا جنازته فكانت سرّ

ــــــــــــ

(١) الفصول المهمة: ٢٧١، أصول الكافي: ١/٥٠٣ ح ١، كمال الدين: ١ / ٤٢.

(٢) كمال الدين: ١ / ٤٣.


من رأى شبيهاً بالقيامة(١) .

وبعدما جُهِّز الإمام العسكريعليه‌السلام خرج عقيد خادمه، فنادى جعفر بن علي فقال: ياسيدي قد كُفّن أخوك، فقم وصَلِّ عليه، فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يتقدّمهم عثمان بن سعيد العمري وهو أحد وكلائه(ووكيل الإمام الحجةعليه‌السلام فيما بعد)، ولما دخلوا الدار فإذا بالحسن بن علي صلوات الله عليه على نعشه مكفّناً، فتقدّم جعفر بن علي ليصلي عليه، فلما همّ بالتكبير خرج صبيّ بوجهه سمرة بشعره قطط، وبأسنانه تفليج فجذب رداء جعفر وقال:ياعمّ، أنا أحقّ بالصّلاة على أبي ، فتأخر جعفر وقد أربدّ وجهه واصفرّ، فتقدّم الصبي فصلّى عليهعليه‌السلام (٢) .

ولما أُخرج نعش الإمام العسكريعليه‌السلام صلّى عليه أبو عيسى بن المتوكل(٣) بأمر الخليفة المعتمد العباسي، تمويهاً على الرأي العام حول استشهاد الإمام عليه‌السلام ، وكأنّ السلطة ليس لها في ذلك يد بل على العكس، فإنّها قد أظهرت اهتماماً كبيراً أيام مرض الإمام عليه‌السلام وخرج كبار رجالات البلاط العباسي مشيعين...، ولكن مثل هذه الأمور لا يمكن أن تنطلي على شيعة الإمام ومواليه، وهكذا غالبية المسلمين الذين عاصروا ما جرى للإمام عليه‌السلام من قبل السلطة من سجن وتضييق.

أولاد الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام

إن المشهور بين الشيعة الإمامية، أن الإمام العسكريعليه‌السلام لم يكن له

ــــــــــــ

(١) الفصول المهمة: ٢٧١.

(٢) كمال الدين: ٢ / ٤٧٥.

(٣) كمال الدين: ١/٤٣ وعنه في بحار الأنوار: ٥٠ / ٣٢٨.


من الولد سوى الإمام محمد المهدي المنتظرعليه‌السلام ، ويدل عليه ما أشار إليه الشيخ المفيدرضي‌الله‌عنه (١) حيث قال: أما الحسن بن علي العسكريعليه‌السلام فلم يكن له ولد سوى صاحب الزمان عليه الصلاة والسلام ولم يخلّف ولداً غيره ظاهراً أو باطناً(٢) .

كما ذهب إلى ذلك ابن شهرآشوب حيث قال: وولده القائم لا غيره(٣) .

وأصحاب المصادر التاريخية، كالطبري(٤) والمسعودي(٥) وغيرهما لم يشيروا إلى غير الإمام المنتظرعليه‌السلام ، وهو الذي ولد في النصف من شعبان عام(٢٥٥ هـ ).

ــــــــــــ

(١) الإرشاد: ٣٣٩.

(٢) تاج المواليد: ١٣٥.

(٣) مناقب ابن شهرآشوب: ٤ / ٤٥٥.

(٤) تاريخ الطبري: ٧ / ٥١٩.

(٥) تاريخ المسعودي: ٤ / ١١٢ نقلاً عن جمهور الشيعة.


الفصل الثالث: متطلّبات عصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام

لقد تظافرت النصوص النبويّة تبعاً للقرآن الكريم ـ على خلود الرسالة الإسلامية وظهورها على ما سواها من الرسالات، وأن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي اثنا عشر خليفة ـ بعدد نقباء بني إسرائيل ـ كلّهم من قريش(١) .

وورد التعبير عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ كما عن عبد الله بن مسعود ـ بأنّ: الأئمة من بعدي اثنا عشر كلّهم من قريش(٢) .

وجاء عن أبي سعيد الخدريّ أنه قال: صلّى بنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الصلاة الأُولى ثمّ أقبل بوجهه الكريم علينا فقال:معاشر أصحابي إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح وباب حطّة في بني إسرائيل فتمسّكوا بأهل بيتي بعدي والأئمة الراشدين من ذرّيتي فإنّكم لن تضلّوا أبداً ، فقيل: يا رسول الله كم الأئمة بعدك؟ قال:اثنا عشر من أهل بيتي (٣) .

إنّ الصحاح والمسانيد فضلاً عن الكتب المتخصّصة بموضوع الإمامة قد كشفت النقاب عن مدى أهمية هذا الموقع الريادي في نصوص الكتاب والسنّة وسيرة المسلمين، حتى تكالبت على الاستئثار به نفوس قوم لم

ــــــــــــ

(١) راجع أحاديث الخلافة والإمارة والإمامة في الصحاح والمسانيد.

(٢) منتخب الأثر: ٢٤ عن كفاية الأثر.

(٣) منتخب الأثر: ٢٥ عن كفاية الأثر.


يُرشَّحوا لهذا الموقع لا في كتاب الله ولا سنّة رسوله ولم يتمسّكوا للاستئثار به إلاّ بذريعة هي أوهى من بيت العنكبوت مفادها: أنهم لو لم يبادروا لمسك زمام الأمور لافترقت الأمة ولتناحرت على ذلك، فكانت المبادرة منهم دليلاً وشفيعاً لهم ليسبغوا رداء المشروعية على استئثارهم بالحكم ومسك زمام الأمور بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وهذا الخط الذي استأثر بالحكم قد خطط لنفسه على المدى البعيد محتجّاً بأنّ النبوّة والخلافة لا تجتمعان، فإذا كانت النبوّة في بني هاشم فلا ينبغي أن تكون الإمامة فيهم، بينما أكّدت نصوص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أن الإمامة في أهل بيته وأنهم سفينة نوح وباب حطّة وهم أمان لاُمته من الغرق والضلال.

وانتهى ذلك إلى نجاح محاولات العزل السياسي لأهل البيتعليهم‌السلام عن الموقع المقرّر لهم ثم حاولت السلطة حظر كتابة الحديث وتدوينه لئلاّ تتداول أحاديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما يرتبط بأهل البيتعليهم‌السلام وموقعهم الريادي بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأعقب ذلك محاولات سلب المرجعية الدينية والفكرية عنهمعليهم‌السلام .

لكن جدارة أهل البيتعليهم‌السلام وأهليتهم وخصائصهم ومواجهتهم المبدئية للمستأثرين بالسلطة قد انتهت بعد تجربة طويلة إلى عودة هيمنتهم الفكرية والدينية إلى الساحة الإسلامية رغم كل محاولات العزل السياسي وإسقاط مرجعيتهم الدينية التي قرّرها لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنص من كتاب الله.

وكانت الإمامة المبكّرة للإمامين الجواد والهاديعليهما‌السلام دليلاً حسيّاً قاطعاً وقوياً على جدارة أهل البيتعليهم‌السلام العلمية لريادة الأمة وقيادتها نحو شاطئ السلام الذي بشّر به الكتاب وأكّدته نصوص السنّة النبوية حين أفصحت عن أن المهديعليه‌السلام من أهل بيت الرسالة وسيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما تملأ ظلماً وجوراً.


لقد باءت بالفشل كل محاولات الأمويين والعبّاسيين لتسقيط الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام وسدل الستار على شخصياتهم المتألقة، ممّا أدّى إلى أن يغيّر المأمون العباسي سياسة أسلافه ليرصد أهل البيتعليهم‌السلام عن كثب ويتظاهر بالاحترام وهو يبطن الحقد الدفين لهم وأصبحت سياسته هذه سنة اقتدى بها من تأخّر منه كالمعتصم والمتوكّل ومن تلاه حتى المعتمد العباسي.

إنّ سياسة الاحتفاء بالإمامعليه‌السلام في ظاهر الأمر والمراقبة الشديدة له ولتصرّفاته وحبسه في مركز الخلافة وحظر السفر عليه وملاحقة من يرتبط به من أتباعه ذات دلالة عميقة قد أفصح عنها المأمون والمتوكل وغيرهما على حد قول المتوكل(وَيْحَكُم! قد أعياني أمر ابن الرضا)، وكان ذلك حين باءت كل محاولات التسقيط للإمام الهاديعليه‌السلام بالفشل.

وكانت جهود المأمون تذهب سدىً، إذ لا يستطيع التضبيب على شخصية الإمام المتألقة ولا يزداد إلاّ بعداً عن أهدافه المشؤومة، كما ذهبت كل جهود المعتصم والمتوكل سدى، والدليل على ذلك اغتيال المعتصم للإمام الجوادعليه‌السلام وهو في ريعان شبابه حيث لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، وكذلك اغتيال المعتز للإمام الهاديعليه‌السلام إذ لم يفلح المتوكل في اغتيال الإمامعليه‌السلام رغم تكرر محاولات الاغتيال له. وحين جاء دور ابنه الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام وهو في الثانية والعشرين من عمره المبارك لم يتغير أي شيء من سياسات العباسيين كما لم يتغير شيء من الظروف المحيطة به.

ولم يعهد في زمن هؤلاء الخلفاء أي محاولة مباشرة للثورة عليهم من قبل أهل البيتعليهم‌السلام منذ استشهاد الإمام الحسينعليه‌السلام .

فلماذا هذا الرعب منهم؟ ولماذا هذا التسرّع في التصفية الجسدية لهم؟

لقد أفصح الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام عن سرّ هذا الأمر ضمن حديث جاء فيه:


«قد وضع بنو أمية وبنو العباس سيوفهم علينا لعلّتين: إحداهما: أنّهم كانوا يعلمون(أن) ليس لهم في الخلافة حق فيخافون من ادّعائنا إيّاها وتستقرّ في مركزها. وثانيهما: أنهم قد وقفوا من الأخبار المتواترة على أن زوال ملك الجبابرة الظلمة على يد القائم منّا، وكانوا لا يشكّون أنهم من الجبابرة والظلمة، فسعوا في قتل أهل بيت سول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإبادة نسله طمعاً منهم في الوصول إلى منع تولد القائم عليه‌السلام أو قتله، فأبى الله أن يكشف أمره لواحد منهم إلاّ أن يتم نوره ولو كره المشركون» (١) .

إنّ التمهيد الذي قام به الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ تبعاً للقرآن الكريم ـ بالنسبة لقضية المصلح الإسلامي العالمي والتصريح بأنه سيولد من أبناء الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من فاطمة وعليعليهما‌السلام وانّه التاسع من أبناء الحسين الشهيد، كان ضرورة إسلامية تفرضها العقيدة لأنها نقطة إشعاع ومركز الأمل الكبير للمسلمين في أحلك الظروف الظالمة التي سيمرّون بها، وقد أيّدت الظروف التي حلّت بالمسلمين بعد وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذه الأخبار السابقة لأوانها.

إنّ هذا التمهيد النبوي الواسع قد بلغت نصوصه ـ لدى الفريقين ـ ما يزيد على الـ(٥٠٠) نص حول حتمية ظهور المهديعليه‌السلام وولادته وغيبته وظهوره وعلائم ظهوره وعدله وحكمه الإسلامي النموذجي.

وقد سار على درب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام خلال قرنين ـ وعملوا على تأكيد هذا الأصل وتأييده وإقراره في النفوس وجعله معلماً من معالم عقيدة المسلمين فضلاً عن الموالين لأهل البيتعليهم‌السلام وأتباعهم. وقد زرع هذا المبدأ ألغاماً تهدّد الظالمين بالخطر وتنذرهم بالفناء والقضاء عليهم وعلى خطّهم المنحرف، فهو مصدر إشعاع لعامة المسلمين كما أنه مصدر رعب للظالمين المتحكمين في رقاب المسلمين.

ــــــــــــ

(١) منتخب الأثر: ٣٥٩ ط ثانية عن أربعين الخاتون آبادي(كشف الحق).


ولو لم يصدر من أهل البيتعليهم‌السلام إلاّ التأكيد على هذا المبدأ فقط ـ وإن لم يمارسوا أي نشاط سياسي ملحوظ ـ لكان هذا كافياً في نظر الحكّام للقضاء عليهم مادام هذا المبدأ يقضّ مضاجعهم.

ولكن اضطرارهم لمراعاة الرأي العام الإسلامي حال بينهم وبين ما يشتهونه ويخطّطونه ضد أهل البيتعليهم‌السلام ، فكانت إرادة الله تفوق إرادتهم. غير أنهم لم يتركوا التخطيط للقضاء على أهل بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فعن الحسين أشاعوا أنه قد خرج على دين جدّه وهو الذي كان يطلب الإصلاح في أمة جده.

والإمام الكاظمعليه‌السلام ـ ومن سبقه ـ قد اتّهم بأنه يُجبى له الخراج وهو يخطط للثورة على السلطان.

والإمام الرضا والجوادعليهما‌السلام قد قضي عليهما بشكل ماكر وخبيث بالرغم من علم المأمون بأنه المتهم في اغتيال الرضاعليه‌السلام ، والمعتصم قد وظّف ابنة المأمون لارتكاب جريمة الاغتيال.

إذاً فقد كان التمهيد النبوي لقضية الإمام المهدي الإسلامية يشكّل نقطة أساسية ومعلماً لا يمكن تجاوزه، حرصاً على مستقبل الأمة الإسلامية التي قدّر لها أن تكون اُمة شاهدة وأُمة وسطاً يفيء إليها الغالي ويرجع إليها التالي حتى ترفرف راية(لا إله إلاّ الله محمد رسول الله) على ربوع الأرض ويظهر دينه الحق على الدين كله ولو كره الكافرون.

وقد ضحّى أهل البيتعليهم‌السلام لهذا المبدأ القرآني الذي بيّنه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واعتمده أهل البيتعليهم‌السلام كخط عام وعملوا على تثبيته في نفوس المسلمين.

ويشهد لذلك ما ألّفه العلماء من كتب الملاحم التي اهتمّت بقضية الإمام المهديعليه‌السلام في القرنين الأول والثاني الهجريين بشكل ملفت للنظر.


فالإمام المهديعليه‌السلام قبل ولادته بأكثر من قرنين كان قد تلألأ اسمه وتناقلت الرواة أهدافه وخصائصه ونسبه وكل ما يمتّ إلى ثورته الإسلامية بصلة.

واستمر التبليغ لذلك طوال قرنين ونصف قرن من الزمن. والمسلمون يسمعون كل ذلك ويتناقلون نصوصه جيلاً بعد جيل بل يعكفون على ضبطه والتأليف المستقل بشأنه.

والمتيقّن أن عصر الإمامين الباقر والصادقعليهما‌السلام ومن تلاهما من الأئمةعليهم‌السلام قد حفل بهذا التأكيد. فقد أحصيت نصوص الإمام الصادقعليه‌السلام بشأن المهدي فناهزت الـ(٣٠٠) نصاً. واستمر التأكيد على ذلك خلال العقود التي تلته.

فما هي إفرازات هذا الواقع الذي ذكرناه من الناحيتين السياسية والاجتماعية؟ وما هي النتائج المتوقعة لمثل هذه القضية التي لابد من إقرارها في نفوس المسلمين؟

إن ما صرّح به الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام يميط اللثام عن سرّ هذه الظواهر التي تبدو غريبة للباحث فهو يفسّر السبب في تسرّع الحكّام للقضاء على الأئمةعليهم‌السلام بعد الرضاعليه‌السلام . كما يبيّن السرّ في اتّباع الحكّام لسياسة المأمون بلا استثناء وذلك بتشديد الرقابة على كل تصرفات أهل البيتعليهم‌السلام وإحصاء أنفاسهم عليهم وزرع العيون ـ من النساء والرجال ـ داخل بيوتهم.

كما أننا يمكن أن نكتشف السّر في أن الأئمة بعد الإمام الصادقعليه‌السلام لماذا لم يولدوا من نساء هاشميات يُشار إليهنّ بالبنان؟ بل إنّهم قد ولدوا من إماء طاهرات عفيفات مصطفيات، فلم يكن هناك زواج رسمي وعلني. وهذا يستلزم أن يكون الإمام المولود وجوده غير ملفت للنظر إلاّ للخواص والمعتمدين من أصحاب أهل البيتعليهم‌السلام .

وكان يقوم الإمام السابق بالتمهيد لإمامة من يخلفه من خلال طرح اسمه على الساحة بالتدريج. ومن هنا لم ينتبه الحكام لذلك إلاّ بعد مدّة وربما كانت تفوت عليهم الفرص لاغتياله والقضاء عليه.

ولهذا حين كان يشار إليه بالبنان وتتوجه إليه القلوب والنفوس كانت الدوائر الحاقدة تبدأ بالكيد له باستمرار.


قال أيوب بن نوح، قلت للرضاعليه‌السلام : نرجو أن تكون صاحب هذا الأمر وإن يردّه الله إليك من غير سيف فقد بويع لك وضربت الدراهم باسمك، فقال:ما منّا أحد اختلفت إليه الكتب وسئل عن المسائل وأشارت إليه الأصابع وحملت إليه الأموال إلاّ اعتلّ ومات على فراشه حتى يبعث الله عَزَّ وجَلَّ لهذا الأمر رجلاً خفيّ المولد والمنشأ حتى خفي في نفسه (١) .

فالإمام الكاظم والإمام الرضاعليه‌السلام قد استشهدا وهما في الخامسة والخمسين من عمرهما بينما الإمام الجوادعليه‌السلام قد استشهد وهو في الخامسة والعشرين من عمره من دون أن يكون كل واحد منهم قد أصيب بمرض يوجب موته، بل كانوا أصحّاء بحيث كانت صحتهم وسلامتهم الجسمية مثاراً لاتّهام الحكّام الحاقدين عليهم.

إذاً فالإمام الجوادعليه‌السلام بإمامته المبكّرة التي أصبحت حدثاً فريداً تتناقله الألسن ـ سواء بين الأحبة أو الأعداء ـ قد ضرب الرقم القياسي في القيادة الربّانية، وذكّر الأمة بما كانت قد سمعته من إخبار القرآن الكريم بأن الله قد آتى كلاًّ من يحيى وعيسى الكتاب والحكم والنبوة في مرحلة الصبا.

ــــــــــــ

(١) كمال الدين: ٣٥٤.


بل لمست ذلك بكل وجودها وهي ترى طفلاً لم يتجاوز العقد الأوّل من عمره وإذا به يهيمن على عقول وقلوب الألوف من المسلمين.

وفي هذا نوع إعداد لإمامة من يليه من الأئمةعليهم‌السلام الذين يتولّون الإمامة وهم في مرحلة الصبا خلافاً لما اعتاده الناس في الحياة.

وقد كانت إمامة ابنه الهاديعليه‌السلام ثاني مصداق لهذا الحدث الفريد الذي سوف لا يكون في تلك الغرابة بل سوف يعطي للخط الرسالي لأهل البيتعليهم‌السلام زخماً جديداً وفاعلية كبيرة; إذ يحظى أتباعهم بمثل هذه النماذج الفريدة من أئمة أهل البيتعليهم‌السلام .

والإمام المهديعليه‌السلام الذي كان يتمّ التمهيد لولادته وإمامته رغم مراقبة الطغاة وترقّبهم لذلك، كان المصداق الثالث للإمامة المبكّرة، فلا غرابة في ذلك بعد استيناس الأمة بنموذجين من هذا النوع من الإمامة، على الصعيد الإسلامي العام وعلى الصعيد الشيعي الخاص.

من هنا كان الظرف الذي يحيط بالإمام الهاديعليه‌السلام والإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ظرفاً انتقالياً من مرحلة الإمامة الظاهرة إلى الإمامة الغائبة التي يُراد لها أن تدبّر الأمر ومن وراء الستار ويراد للأمة أن تنفتح على هذا الإمام المنتظر وتعتقد به وتتفاعل معه رغم حراجة الظروف.

فهو الظرف الوحيد لإعداد الأمة لاستقبال الظرف الجديد. ولا سيّما إذا عرفنا أن الإمام الهاديعليه‌السلام هو السابع من تسعة أئمة من أبناء الحسينعليهم‌السلام ، والمهدي الموعود هو التاسع منهم. فهو الذي مهّد لولادة حفيده من خلال ما خطط له من زواج خاص لولده الحسن العسكري دون أي إعلان عن ذلك، فلا توجد إلاّ مسافة زمنية قصيرة جداً ينبغي له اغتنامها للإعداد اللازم والشامل.

إذاً ما أقلّ الفرص المتاحة للإمام الهاديعليه‌السلام ومن بعده الحسن


العسكريعليه‌السلام للقيام بهذا العبء الثقيل حيث إنه لابد له أن يجمع بين الدقة والحذر من جهة والابلاغ العام ليفوّت الفرص على الحكّام ويعمّق للأمة مفهوم الانتظار والاستعداد للظهور والنهوض بوجه الظالمين. ولا أقل من إتمام الحجة على المسلمين ولو بواسطة المخلصين من أتباعه.

ومن هنا كان على الإمام الهاديعليه‌السلام ومن بعده الحسن العسكريعليه‌السلام ـ تحقيقاً للأهداف الكبرى ـ أن يتجنب كل إثارة أو سوء ظن قد يوجّه له من قبل الحكّام المتربّصين له ولابنائه، من أجل أن يقوم بانجاز الدور المرتقب منه، وهو دور تحقيق همزة الوصل الحقيقية بين ما حقّقه الأئمة الطاهرون من آبائه الكرام وما سوف ينبغي تحقيقه بواسطة المهديعليه‌السلام .

ولهذا لم يُمهَل الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام سوى ست سنين فقط وهو أقصر عمر للإمامة في تاريخ أهل البيتعليهم‌السلام ; إذ دامت إمامة الإمام عليعليه‌السلام ثلاثين سنة، والإمام الحسن السبطعليه‌السلام عشر سنين، والإمام الحسينعليه‌السلام عشرين سنة والإمام زين العابدينعليه‌السلام خمساً أو أربعاً وثلاثين سنة، والإمام الباقرعليه‌السلام تسع عشرة سنة، والإمام الصادقعليه‌السلام أربعاً وثلاثين سنة، والإمام الكاظمعليه‌السلام خمساً وثلاثين سنة، والإمام الرضاعليه‌السلام عشرين سنة. والإمام الجوادعليه‌السلام رغم قصر عمره كانت إمامته سبع عشرة سنة. والإمام الهاديعليه‌السلام أربعاً وثلاثين سنة.

وتأتي في هذا السياق كل الإجراءات التي قام بها الإمام الهاديعليه‌السلام ومن بعده الحسن العسكريعليه‌السلام من الحضور الرتيب في دار الخلافة وما حظي به من مقام رفيع عند جميع الأصناف والطبقات بدءً بالاُمراء والوزراء وقادة الجيش والكتّاب وعامة المرتبطين بالبلاط.

هذه هي أبرز الملامح العامّة للوضع السياسي الذي كان يحيط بالإمام الحسن العسكريعليه‌السلام وما كان يتطلّبه هذا الوضع بشكل خاص.

من أجل تحقيق الأهداف الكبرى التي أنيط تحقيقها بالأئمةعليهم‌السلام بشكل عام وبالإمام الحسن العسكري بشكل عام.

وسوف نفصّل الحديث عن متطلبات عصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ضمن فصلين: أحدهما يختصّ بمتطلّبات الساحة الإسلامية العامّة، وثانيهما يختصّ بمتطلبات الجماعة الصالحة التي أُنيطت بها مجموعة من المهامّ الرسالية التي خطّط الأئمةعليهم‌السلام لتحقيقها من خلال أسبابها وسبلها الصحيحة الي أرشد إليها القرآن الكريم.


الباب الرابع

وفيه فصول:

الفصل الأول: الإمام العسكريعليه‌السلام ومتطلّبات الساحة الإسلامية.

الفصل الثاني: الإمام العسكريعليه‌السلام ومتطلّبات الجماعة الصالحة.

الفصل الثالث: من تراث الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام .

الفصل الأول: الإمام العسكريعليه‌السلام ومتطلّبات الساحة الإسلامية

بعد أن اتّضح الجوّ العام الذي كان يحيط بالإمام الحسن العسكريعليه‌السلام والمهامّ الأساسية التي تنتظره وهو حلقة الوصل بين عصري الحضور والغيبة بكل ما يزخران به من خصائص وسمات، تأتي مهامّ الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام كالتالي:

١ ـ الحكمة والدقة في التعامل مع الحكّام.

٢ ـ الردّ على الشبهات والدفاع عن حريم الرسالة.

٣ ـ مواجهة الفرق المنحرفة.

٤ ـ الدعوة إلى دين الحق.

١ ـ الحكمة والدقّة في التعامل مع الحكّام

عرفنا ممّا سبق أن السلطة قد اتّخذت بالنسبة للإمامعليه‌السلام الإجراءات التالية:

١ ـ التقريب من البلاط والتظاهر بإكرام الإمامعليه‌السلام .

٢ ـ المراقبة الشديدة والمستمرة لكل أحوال الإمامعليه‌السلام .

٣ ـ الصّرامة في المواجهة إذا تطلّب الأمر ذلك مثل سجن الإمامعليه‌السلام أو مداهمة بيته أو اغتياله.

وكان لابدّ للإمامعليه‌السلام أن يتعامل بحذر ودقّة مع السلطة إزاء هذه


الإجراءات القاسية التي كانت تستهدف الكشف عن ابن الإمام العسكري أو تحول دون ولادته إن أمكن، وتستهدف قطع صلة الإمام بشيعته وأتباعه. وسوف نشير إلى آليات ودقة تخطيط الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام والتي حالت دون انكشاف الإمام المهديعليه‌السلام للسلطة.

وكان الإمامعليه‌السلام يستفيد من الفرص التي تحصل له من خلال الوفود التي كانت تصل إلى العاصمة وكان يتم له الارتباط باتباعه بأساليب ذكية شتى فكانت تصل إليه بعض الأموال أو الاستفتاءات أو غير ذلك من الأخبار والقضايا التي تهمّ الإمامعليه‌السلام .

على أنّ اتّساع دائرة الوكلاء للإمامعليه‌السلام كانت تقلّل من ضرورة الارتباط المباشر بالإمامعليه‌السلام وكانت سياسة الاحتجاب التي اتّخذها الإمامعليه‌السلام تعطي للسلطة اطمئناناً لمحدودية تحرك الإمام أو تُظهر لهم تجميده لنشاطه.

٢ ـ الردّ على الشبهات والدفاع عن حريم الرسالة

من أهم النشاطات التي بدرت للإمام الحسن العسكريعليه‌السلام في عصره هي الردّ الهادئ والحكيم لأكبر محاولة تخريبية كان الكندي ـ وهو أحد فلاسفة المسلمين ـ قد تصدّى لها، فإنّه كان قد جمع جملة من الآيات المتشابهة التي يبدو للناظر فيها أنها تنطوي على نوع من التناقض، وكان ينوي نشرها، وهذه المحاولة كانت تستهدف القرآن الكريم سند الرسالة والنبوة، ورمز الكيان الإسلامي الأوّل.

لم يلتفت أحد إلى مدى خطورة هذه المحاولة وتأثيرها السلبي على غير المتخصصين وهم عامة المسلمين، بالإضافة إلى ما تعطيه هذه المحاولة من مستمسكات بيد أعداء الإسلام والمسلمين، غير أن الإمامعليه‌السلام قد اطّلع على هذه المحاولة وأجهضها وهي في مهدها، حيث دخل أحد تلامذة الكندي على


الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام فقال له الإمامعليه‌السلام :أما فيكم رجل رشيد يردع أستاذكم الكندي عمّا أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟

فقال التلميذ: نحن تلامذته كيف يجوز منّا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره ؟

فقال أبو محمدعليه‌السلام :أتؤدّي إليه ما ألقيه إليك ؟

قال: نعم.

قال الإمامعليه‌السلام : فصر إليه وتلطّف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله، فإذا وقعت الأنسة في ذلك فقل: قد حضرتني مسألة أسألك عنها ; فإنّه يستدعي ذلك منك، فقل له: إن أتاك هذا المتكلّم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلّم منه غير المعاني التي قد ظننتها أنّك ذهبت إليها ؟

فإنه سيقول لك: إنّه من الجائز ; لأنه رجل يفهم إذا سمع، فإذا أوجب ذلك فقل له: فما يدريك لعلّه أراد غير الذي ذهبت أنت إليه، فيكون واضعاً لغير معانيه.

ثمّ إن الرجل صار إلى الكندي، ولمّا حصلت الأنسة ألقى عليه تلك المسألة فقال الكندي: أعد عليّ، فتفكّر في نفسه ورأى ذلك محتملاً في اللغة وسائغاً في النظر.

فقال ـ الكندي ـ: أقسمت عليك إلاّ أخبرتني من أين لك ؟

فقال تلميذه: إنه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك، فقال: كلاّ ما مثلك من اهتدى إلى هذا، ولا من بلغ هذه المنزلة، فعرّفني من أين لك هذا ؟

فقال: أمرني به أبو محمّد العسكريعليه‌السلام .

فقال: الآن جئت به، ما كان ليخرج مثل هذا إلاّ من ذلك البيت، ثم دعا


بالنار وأحرق ما كان ألّفه(١) .

وهذا الموقف من الإمامعليه‌السلام له دلالة كبيرة على رصد الإمامعليه‌السلام لكل النشاطات العلمية والفكرية التي من شأنها أن تمس الرسالة الإسلامية من قريب أو بعيد بالإضافة إلى دورها الكبير في تنمية الحس الاعتقادي الصحيح وإبعاد الشيعة عن مواطن الشك والشبهة، وذلك أسلوب اتبعه الإمامعليه‌السلام تجاه الفرق والمذاهب، والانحرافات الفكرية بشكل عام; ليكون درساً لأصحابه وشيعته على مرّ الأجيال والقرون.

ثمّ إنّ حادثة الاستسقاء بالرهبان وتأثيرها السلبي على جموع المسلمين لم يكن ليردّ عليها أحد سوى الإمام العسكريعليه‌السلام ، وكانت السلطة قد عرفت هذا الموقع المتميّز للإمامعليه‌السلام . فطلبت منه أن يتولّى مهمة الدفاع عن اُمة جدّه حين حصل لها الشك والارتياب.

وقد أفلح الإمامعليه‌السلام ـ كما عرفنا ذلك ـ ورفع الشكوك والإبهامات التي كانت تنعكس على حقّانية الشريعة والكيان الإسلامي الذي يعمل باسم الشريعة الخاتمة، وبذلك أنقذ الإمامعليه‌السلام الأمة الإسلامية والكيان الإسلامي من السقوط والانهيار.

٣ ـ مواجهة الفرق المنحرفة

لقد اختلف المسلمون بعد الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وافترقوا إلى فرقتين، فرقة اجتهدت مقابل النصوص الواردة عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأخرى التزمت النص

ــــــــــــ

(١) المناقب: ٤ / ٤٥٧، ٤٥٨ عن كتاب التبديل لأبي القاسم الكوفي(ق ٣).


ومنهجه في حياتها ومواقفها وسارت وفقاً له.

ومع امتداد تاريخ الدولة الإسلامية تفرعت كل فرقة إلى فروع وظهرت فرق متعددة، كالمرجئة، والمعتزلة، والخوارج التي نشأت بعد قضية التحكيم في وقعة صفين في عهد الحكم العلوي.

وقد تصدى الأئمة الأطهارعليهم‌السلام آباء الحسن العسكريعليه‌السلام باعتبارهم حماة الرسالة والعقيدة الإسلامية للفرق الضالة في عصورهم فكان لكل إمام مواقف خاصة مع كل فرقة من هذه الفرق التي كان يخشى من انحرافاتها على الأمة المسلمة.

وإليك نموذجين من مواجهة الإمامعليه‌السلام للفرق المنحرفة التي عاصرها في مدة إمامته:

١ ـ الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام والثنوية

والثنوية من الفرق التي كانت في عصر الإمام العسكريعليه‌السلام ، وهم من أثبت مع القديم قديماً غيره، وهم المجوس يثبتون مع مبدأ الخير مبدءاً للشر وهما النور والظلمة(١)

وروى الشيخ الكلينيرضي‌الله‌عنه عن إسحاق قال: أخبرني محمّد بن الربيع الشائي، قال: ناظرت رجلاً من الثنوية بالأهواز ثمّ قدمت(سرّ من رأى) وقد علق بقلبي شيء ممّا قاله، فإنّي لجالس على باب أحمد بن الخصيب، إذ أقبل أبو محمدعليه‌السلام من دار العامّة يوم المركب، فنظر إليّ وأشار بسبّابته:أحد، أحد، فرد . فسقطت مغشيّاً عليَّ(٢) .

ــــــــــــ

(١) مجمع البحرين الطريحي: ١/٧٨.

(٢) الكافي: ١ / ٥١١، ح ٢٠ وفي نسخة: الشيباني، وكذلك في مناقب آل أبي طالب: ٤/٤٢٢.


وكتب إليه أحد أصحابه يسأله الدعاء لوالديه، وكان الأب ثنويّاً والأم مؤمنة فكتبعليه‌السلام :رحم الله والدتك ـ والتاء منقوطة من فوق ـ(١) .

٢ ـ الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام والصوفية

لقد أوضح الإمام الإمام العسكريعليه‌السلام فساد معتقدات الصوفية من خلال بيانه لآرائهم وأساليبهم في التعامل وعلاقاتهم مع الناس، ما يتحلون به من صفات وخصائص، ونلاحظ ذلك في حديث الإمام العسكريعليه‌السلام مع أبي هاشم الجعفري. حيث قال له الإمامعليه‌السلام :ياأبا هاشم: سيأتي زمان على الناس وجوههم ضاحكة، مستبشرة، وقلوبهم مظلمة منكدرة، السُّنة فيهم بدعة، والبدعة فيهم سُنّة، المؤمن بينهم محقَّر والفاسق بينهم موقَّر، أمراؤهم جاهلون جائرون، وعلماؤهم في أبواب الظلمة سائرون، أغنياؤهم يسرقون زاد الفقراء، وأصاغرهم يتقدّمون على الكبراء، وكل جاهل عندهم خبير وكل محيل عندهم فقير ; لا يتميزون بين المخلص والمرتاب، ولا يعرفون الضأن من الذئاب، علماؤهم شرار خلق الله على وجه الأرض، لأنّهم يميلون إلى الفلسفة والتصوف، وأيم الله إنّهم من أهل العدول والتحرف، يبالغون في حبّ مخالفينا ويُضلّون شيعتنا وموالينا، فان نالوا منصباً لم يشبعوا من الرثاء، وإن خذِلوا عبدوا الله على الرياء، ألا إنّهم قطّاع طريق المؤمنين والدعاة إلى نحلة الملحدين، فمن أدركهم فليحذرهم وليصن دينه وإيمانه . ثم قال:ياأبا هاشم: هذا ما حدثني به أبي عن آبائه عن جعفر بن محمد عليهم‌السلام وهو من أسرارنا فاكتمه إلاّ عن أهله (٢) .

ــــــــــــ

(١) كشف الغمة: ٣/٢٢١، بحار الأنوار: ٥٠/٢٩٤.

(٢) حديقة الشيعة: ٥٩٢ عن السيد المرتضى الرازي(ق ٥) في كتبه: بيان الأديان وتبصرة العوام والفصول التامّة في هداية العامّة عن الشيخ المفيد مسنداً، الأنوار النعمانية: ٢ / ٢٩٣، ذرائع البيان في عوارض اللسان: ٣٨.


٣ ـ الدعوة إلى دين الحق

لم يتوان الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام في دعوة الناس إلى الهدى ودين الحق في كل الظروف والأحوال. والإمام الحسن العسكريعليه‌السلام شأنه شأن آبائه الكرام في الحرص على هداية العباد وإخراجهم من الظلمات إلى النور. ونجد في حياتهعليه‌السلام نماذج تشير إلى هذا النوع من النشاط.

فعن محمد بن هارون أنّه قال: أنفذني والدي مع بعض أصحاب أبي القلا صاعد النصراني لأسمع منه ما روي عن أبيه من حديث مولانا أبي محمّد الحسن بن علي العسكريعليه‌السلام فأوصلني إليه فرأيت رجلاً معظماً وأعلمته السبب في قصدي فأدناني وقال:

حدثني أبي أنه خرج وإخوته وجماعة من أهله من البصرة إلى سرّ من رأى للظلامة من العامل، [فبينما هم] بسرّ من رأى في بعض الأيام يقول: إذا بمولانا أبي محمدعليه‌السلام على بغلة، وعلى رأسه شاشة، وعلى كتفه طيلسان، فقلت في نفسي: هذا الرجل يدّعي بعض المسلمين أنه يعلم الغيب، وقلت: إن كان الأمر على هذا فيحوّل مقدّم الشاشة إلى مؤخّرها، ففعل ذلك.

فقلت: هذا اتفاق ولكنه سيحوّل طيلسانه الأيمن إلى الأيسر والأيسر إلى الأيمن ففعل ذلك وهو يسير، وقد وصل إليّ وقال:يا صاعد لم لا تشغل بأكل حيدانك عمّا لا أنت منه ولا إليه ، وكنّا نأكل سمكاً.

وأسلم صاعد بن مخلّد وكان وزيراً للمعتمد(١) .

وعن إدريس بن زياد الكفرتوثائي قال: كنت أقول فيهم قولاً عظيماً

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٥٠/٢٨١.


فخرجت إلى العسكر للقاء أبي محمدعليه‌السلام فقدمت وعليّ أثر السّفر ووعثاؤه فألقيت نفسي على دكّان حمام فذهب بي النوم، فما انتبهت إلاّ بمقرعة أبي محمدعليه‌السلام قد قرعني بها حتى استيقظت فعرفته فقمت قائماً أُقبّل قدمه وفخذه وهو راكب والغلمان من حوله، فكان أول ما تلقّاني به أن قال:يا إدريس ( بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) . فقلت: حسبي يا مولاي وإنّما جئت أسألك عن هذا. قال: فتركني ومضى(١) .

ــــــــــــ

(١) المناقب: ٢/٤٦٢.


الفصل الثاني: الإمام العسكريعليه‌السلام ومتطلّبات الجماعة الصالحة

تعتبر الجماعة الصالحة المحور الأهمّ الذي كان يشغل بال واهتمام أهل البيتعليهم‌السلام لأنها الأداة الوحيدة الصالحة لتحقيق الأهداف الرسالية الكبرى، وهي الوسط الحقيقي الذي يفهم ثقافة أهل البيتعليهم‌السلام ورسالتهم ويستطيع التعاطي الإيجابي معهم وينقاد إلى أوامرهم وتوجيهاتهم الرسالية.

من هنا نجد أن الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام يكثّف جهوده لفترة الانتقال من عصر الحضور إلى عصر الغيبة; لخطورة المرحلة من شتى النواحي ولقصر الفترة الزمينة التي يعيشها الإمامعليه‌السلام وهو يرى سرعة التقلّبات السياسية على مستوى الحكّام والخلفاء، كما يرى سوء تعاملهم جميعاً مع أهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم من جهة، ورصدهم للإمامعليه‌السلام وكل تحركاته من جهة أخرى، وسعيهم الحثيث للبحث عن المهدي الموعود والمنتظر الذي بشّر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنه القائم بالقسط والعدل، والمقارع لكل رموز الظلم والعدوان.

فمهمّة الإمام الحسن العسكري خطيرة جدّاً تجاه ولده المهدي كما هي خطيرة تجاه شيعته الذين سيُصابون بهذه الأزمة والمصيبة الجديدة التي لم يألفوها مع أئمتهم وهم يعيشون معهم وبين ظهرانيهم خلال قرنين ونصف قرن ويتلقّون التعاليم والتربية المباشرة منهم.


إنّ الشعور بوجود إمام وقائد حي يرتبطون به ويرتبط بهم ـ رغم صعوبة الظروف ـ له آثاره النفسية الايجابية، بينما يكون الشعور بوجود إمام لا يستطيعون الارتباط به ولا يدرون متى سيظهر لهم وينفّس عنهم كرباتهم ويجيبهم على أسئلتهم يحمل معه آثاراً نفسية سلبية إلاّ إذا كانت الغيبة عندهم كالحضور، ويكون البديل قادراً على تلبية حوائجهم وسدّ خللهم.

إنّ هذه المهمة قد اشترك في انجازها أهل البيتعليهم‌السلام جميعاً غير أن دور الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام خطير للغاية وصعب جدّاً لشدّة المراقبة وشمولها بحيث كان الإمامعليه‌السلام يتعمّد الاحتجاب والانقطاع عن كثير من شيعته، ويشهد لذلك أن أغلب ما روي عنه كان بواسطة المكاتبة دون المشافهة بالرغم من أن الإمامعليه‌السلام طيلة ست سنوات كان يخرج إلى البلاط كل اثنين وخميس، ولكنه لم يكن ليتكلم أو ليرتبط حتى بمن كان يقصده من مكان بعيد، إلاّ في حالات نادرة وبشكل خاص وهو يتحفّظ في ذلك من كثير ممّا يحيط به.

على هذا الأساس نصنّف البحث عن متطلبات الجماعة الصالحة في عصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام إلى ما يلي:

١ ـ الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام والتمهيد لقضية الإمام المهديعليه‌السلام .

٢ ـ إعداد الجماعة الصالحة لعصر الغيبة.

٣ ـ نظام الوكلاء في عصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام .

٤ ـ مدرسة الفقهاء والتمهيد لعصر الغيبة.

٥ ـ قيادة العلماء بالله الأمناء على حلاله حرامه.

٦ ـ الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام والفرق الضالّة.

٧ ـ من وصايا الإمام العسكريعليه‌السلام وإرشاداته لشيعته.

٨ ـ الإمام العسكريعليه‌السلام والتحصين الأمني.


البحث الأول: الإمام الحسن العسكري والتمهيد لقضية الإمام المهديعليهما‌السلام

إنّ أهم انجاز للإمام العسكريعليه‌السلام هو التخطيط الحاذق لصيانة ولده المهديعليه‌السلام من أيدي العتاة العابثين الذين كانوا يتربصون به الدوائر منذ عقود قبل ولادته، ومن هنا كانت التمهيدات التي اتّخذها الإمامعليه‌السلام بفضل جهود آبائه السابقينعليهم‌السلام وتحذيراتهم تنصب أوّلاً على إخفاء ولادته عن أعدائه وعملائهم من النساء والرجال الذين زرعتهم السلطة داخل بيت الإمامعليه‌السلام ، إلى جانب إتمام الحجة به على شيعته ومحبّيه وأوليائه.

ففي مجال كتمان أمر الإمام المهديعليه‌السلام عن عيون أعدائه فقد أشارت نصوص أهل البيتعليهم‌السلام إلى أنه ابن سيدة الإماء(١) وأنه الذي تخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه. وفي هذه النصوص ثلاث إرشادات أساسية تحقق هذا الكتمان، أوّلها أنّ أمه أمة وهي سيدة الإماء وقد مهّد الإمام الهاديعليه‌السلام لهذه المهمة باختيار زوجة من سبايا الروم للإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ولم تكن للزواج أية مراسم ولا أية علامة بل كل ما تحقق قد تحقق بعيداً عن أعين كثير من المقرّبين.

وقد خفيت الولادة حتى على أقرب القريبين من الإمام، فإنّ عمّة الإمامعليه‌السلام لم تتعرّف على حمل اُم الإمام المهديعليه‌السلام فضلاً عن غيرها، ومن هنا كانت الولادة في ظروف سرّية جداً وبعد منتصف الليل، وعند طلوع الفجر وهو وقت لا يستيقظ فيه إلاّ الخواص من المؤمنين فضلاً عن غيرهم.

وقد خطّط الإمام العسكريعليه‌السلام ليبقى الإمام المهديعليه‌السلام بعيداً عن الأنظار كما ولد خفية ولم يطلع عليه إلاّ الخواص أو أخصّ الخواص من شيعته.

ــــــــــــ

(١) راجع معجم أحاديث الإمام المهدي: ٤/١٩٦ ـ ٢٠٠.


وأما كيفية إتمام الحجّة في هذه الظروف الاستثنائية على شيعته فقد تحقّقت ضمن خطوات ومراحل دقيقة.

الخطوة الأولى: النصوص التي جاءت عن الإمام العسكريعليه‌السلام قبل ولادة المهديعليه‌السلام تبشيراً بولادته.

الخطوة الثانية: الإشهاد على الولادة.

الخطوة الثالثة: الإخبار بالولادة ومداولة الخبر بين الشيعة بشكل خاص من دون رؤية الإمامعليه‌السلام .

الخطوة الرابعة: الإشهاد الخاص والعام بعد الولادة ورؤية شخص المهديعليه‌السلام .

الخطوة الخامسة: التمهيد لرؤية الإمام المهديعليه‌السلام خلال خمس سنوات من قبل بعض خواصّ الشيعة والارتباط به عن كثب وتكليفه مسؤولية الإجابة على أسئلة شيعته المختلفة وإخباره عمّا في ضميرهم وهو في المهد أو في دور الصبا من دون أن يتلكّأ في ذلك. وهذا خير دليل على إمامته وانه حجة الله الموعود والمنتظر.

الخطوة السادسة: التخطيط للارتباط بالإمام المهديعليه‌السلام بواسطة وكلاء الإمام العسكريعليه‌السلام الذين أصبحوا فيما بعد وكلاء للإمام المهديعليه‌السلام بنفس الأسلوب الذي كان معلوماً لدى الشيعة حيث كانوا قد اعتادوا عليه في حياة الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام .

الخطوة السابعة: البيانات والأحاديث التي أفصحت للشيعة عمّا سيجري لهم ولإمامهم الغائب في المستقبل وما ينبغي لهم أن يقوموا به.

ومن هنا نفهم السرّ في كثرة هذه النصوص وتنوّع موضوعاتها إذا ما قسناها إلى نصوص الإمام الهاديعليه‌السلام حول حفيده المهديعليه‌السلام ولاحظنا قصر الفترة الزمنية التي كانت باختيار الإمام العسكري وهي لا تتجاوز الست سنوات بينما كانت إمامة الهاديعليه‌السلام تناهز الـ(٣٤) سنة ممّا يعني أنها كانت ستة أضعاف مدة إمامة ابنه العسكريعليه‌السلام .


الخطوة الأولى:

لقد جاءت النصوص المبشّرة بولادة المهديعليه‌السلام عن أبيه الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام تالية لنصوص الإمام الهاديعليه‌السلام التي ركّزت على أنه حفيد الهاديعليه‌السلام وأنّه ابن الحسن العسكريعليه‌السلام وأنّ الناس سوف لا يرون شخصه ولا يحلّ لهم ذكره باسمه، وأنه الذي يقول الناس عنه أنه لم يولد بعد، وأنّه الذي يغيب عنهم ويرفع من بين أظهرهم وأنه الذي ستختلف شيعته إلى أن يقوم، وعلى الشيعة أن تلتفّ حول العلماء الذين ينوبون عنه وينتظرون قيامه ودولته ويتمسّكون بأهل البيتعليهم‌السلام ويظهرون لهم الولاء بالدعاء والزيارة وانه الذي سيكون إماماً وهو ابن خمس سنين(١) .

وإليك جملة من هذه النصوص المبشّرة بولادته:

١ ـ روى الصدوق عن الكليني أن جارية أبي محمدعليه‌السلام لمّا حملت قال لها:ستحملين ذكراً واسمه محمّد وهو القائم من بعدي (٢) .

٢ ـ روى في(إثبات الهداة) عن الفضل بن شاذان أن محمد بن عبد الجبار سأل الإمام الحسن عن الإمام والحجة من بعده فأجابه: «إنّ الإمام وحجة الله من بعدي ابني سميُّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكنيّه، الذي هو خاتم حجج الله وآخر خلفائه . فسأله ممّن هو؟ فقال:من ابنة ابن قيصر ملك الروم، إلاّ أنّه سيولد ويغيب عن الناس غيبة طويلة ثم يظهر (٣) .

ــــــــــــ

(١) راجع معجم أحاديث الإمام المهدي عليه‌السلام : ٤/١٩٥ ـ ٢١٨.

(٢) كمال الدين: ٢/٤٠٨.

(٣) إثبات الهداة: ٣/٥٦٩.


٣ ـ روى الطوسي أن جماعة من شيعة الإمام الحسن العسكري وفدوا عليه بسرّ من رأى فعرّفهم على وكيله وثقته عثمان بن سعيد العمري ثم قال لهم:واشهدوا عليّ أن عثمان بن سعيد العمري وكيلي وأنّ ابنه محمّداً وكيل ابني مهديّكم (١) .

٤ ـ وعن عيسى بن صبيح أنه حين كان في الحبس دخل عليه الإمام الحسن العسكري فقال له:لك خمس وستون سنة وشهر ويومان ، وكان معه كتاب دعاء فيه تاريخ مولده ففتحه ونظر فيه واكتشف صدق الإمام ودقة خبره، ثم قال له الإمام عليه‌السلام : هل رزقت ولداً؟ فأجابه بالنفي فدعا له الإمام عليه‌السلام قائلاً: اللهمّ ارزقه ولداً يكون له عضداً فنعم العضد الولد ثم تمثل عليه‌السلام :

من كان ذا عضد يُدرك ظلامته

إن الذليل الذي ليست له عضد

ثم سأل الإمام عمّا إذا كان له ولد فأجابه الإمامعليه‌السلام قائلاً:إي والله سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطاً وعدلاً فأمّا الآن فلا (٢) .

الخطوة الثانية:

لقد قام الإمام الحسنعليه‌السلام بالإشهاد على الولادة فضلاً عن إخباره وإقراره بولادته وذلك إتماماً للحجّة بالرغم من حراجة الظروف وضرورة الكتمان التام عن أعين الجواسيس الذين كانوا يرصدون دار الإمام وجواريه قبل الولادة وبعدها.

إن السيدة العلوية الطاهرة حكيمة بنت الإمام الجواد وأخت الإمام الهادي وعمّة الإمام الحسن العسكريعليهم‌السلام قد تولّت أمر نرجس أم الإمام

ــــــــــــ

(١) غيبة الطوسي: ٢١٥.

(٢) الخرائج: ١/٤٧٨.


المهديعليه‌السلام في ساعة الولادة(١) .

وصرّحت بمشاهدة الإمام المهدي بعد مولده(٢) وصرّح الإمام العسكري عليه‌السلام بأنها قد غسّلته (٣) . وساعدتها بعض النسوة مثل جارية أبي علي الخيزراني التي أهداها إلى الإمام العسكري عليه‌السلام ومارية ونسيم خادمة الإمام العسكري (٤) .

الخطوة الثالثة:

وتمثّلت هذه الخطوة بإخبار الإمامعليه‌السلام شيعته بأنّ المهدي المنتظرعليه‌السلام قد وُلد، وحاول نشر هذا الخبر بين شيعته بكلّ تحفّظ.

ولدينا ثمانية عشر حديثاً يتضمّن كلّ منها سعي الإمامعليه‌السلام لنشر خبر الولادة بين شيعته وأوليائه، وهي ما بين صريح وغير صريح قد اكتفى فيه الإمامعليه‌السلام بالتلميح حسب ما يقتضيه الحال.

فمنها الخبر الذي صرّح فيه الإمام الحسنعليه‌السلام بعلّتين لوضع بني العباس سيوفهم على أهل البيتعليهم‌السلام واغتيالهم من دون أن يكونوا قد تصدّوا للثورة العلنية عليهم حيث جاء فيه:

فسعوا في قتل أهل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإبادة نسله طمعاً منهم في الوصول إلى منع تولّد القائم أو قتله، فأبى الله أن يكشف أمره لواحد منهم إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون »(٥) .

ــــــــــــ

(١) كمال الدين: ٢/٤٢٤.

(٢) الكافي: ١/٣٣٠.

(٣) كمال الدين: ٢/٤٣٤.

(٤) كمال الدين: ٢/٤٣٠ و ٤٣١.

(٥) إثبات الهداة: ٣/٥٧٠.


وقد تضمّن هذا الحديث الإخبار بولادته خفيةً ليتم الله نوره.

ومنها ما حدّث به سعد بن عبد الله عن موسى بن جعفر بن وهب البغدادي أنه خرج توقيع من أبي محمدعليه‌السلام جاء فيه:«زعموا أنهم يريدون قتلي ليقطعوا هذا النسل، وقد كذّب الله عزّ وجل قولهم والحمد لله» (١) .

وحين قتل الزبيري قال الإمامعليه‌السلام في توقيع خرج عنه:«هذا جزاء من اجترأ على الله في أوليائه، يزعم أنه يقتلني وليس لي عَقب، فكيف رأى قدرة الله فيه؟!» (٢) .

وعن أحمد بن إسحاق بن سعد أنه قال: سمعت أبا محمد الحسن بن علي العسكريعليهما‌السلام يقول:«الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى أراني الخلف من بعدي، أشبه الناس برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خَلقاً وخُلقاً، يحفظه الله تبارك وتعالى في غيبته ثم يُظهره الله فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلئت جوراً وظُلماً» (٣) .

وعن أحمد بن الحسن بن إسحاق القمي قال: لمّا ولد الخلف الصالحعليه‌السلام ورد عن مولانا أبي محمد الحسن بن علي إلى جديّ أحمد بن إسحاق كتاب فإذا فيه مكتوب بخط يدهعليه‌السلام الذي كانت ترد به التوقيعات عليه وفيه:«ولد لنا مولود فليكن عندك مستوراً وعن جميع الناس مكتوماً فإنا لم نظهر عليه إلاّ الأقرب لقرابته والوليّ لولايته...» (٤) .

وفي سنة سبع وخمسين ومئتين خرج عيسى بن مهدي الجوهري مع جماعة إلى سامراء بعد أن كانوا قد زاروا قبر الحسينعليه‌السلام بكربلاء وقبر أبي الحسن وأبي جعفر الجواد في بغداد وبشّرهم إخوانهم المجاورون لأبي الحسن وأبي محمدعليهما‌السلام في سرّ من رأى بولادة المهديعليه‌السلام ، فدخلوا على

ــــــــــــ

(١) كمال الدين: ٢/٤٠٧.

(٢) الكافي: ١/٣٢٩.

(٣) كمال الدين: ٢/٤١٨.

(٤) كمال الدين: ٢/٤٣٣.


أبي محمدعليه‌السلام للتهنئة، وأجهروا بالبكاء بين يديه قبل التهنئة وهم نيّف وسبعون رجلاً من أهل السواد فقال لهم الإمامعليه‌السلام ـ من جملة ما قال: ـ

(إن البكاء من السرور من نعم الله مثل الشكر لها) ثم أراد عيسى بن مهدي الجوهري أن يتكلم فبادرهم الإمامعليه‌السلام قبل أن يتكلّموا، فقال:(فيكم من أضمر مسألتي عن ولدي المهدي عليه‌السلام وأين هو؟ وقد استودعته الله كما استودعت أم موسى موسى عليه‌السلام ) ... فقالت طائفة: إي والله يا سيّدنا لقد كانت هذه المسألة في أنفسنا»(١) .

وقد أمر الإمامعليه‌السلام بعض وكلائه بأن يعقّوا عن ولده المهديعليه‌السلام ويطعموا شيعته، والعقيقة له إخبار ضمني بولادتهعليه‌السلام . بل جاء التصريح في بعضها بالولادة حيث كتب لبعضهم ما نصّه:«عقّ هذين الكبشين عن مولاك وكل هنّأك الله وأطعم إخوانك...» (٢) .

الخطوة الرابعة:

وتمثّلت في الإشهاد على ولادة الإمام المهديعليه‌السلام ووجوده وحياته.

فعن أبي غانم الخادم أنه ولد لأبي محمد ولد فسمّاه محمّداً فعرضه على أصحابه يوم الثالث -وقال:«هذا صاحبكم من بعدي وخليفتي عليكم وهو القائم الذي تمتدّ إليه الأعناق بالانتظار، فإذا امتلأت الأرض جوراً وظلماً فملأها قِسطاً وعدلا» (٣) .

وعن عمرو الأهوازي أن أبا محمّد أراه ابنه وقال:«هذا صاحبكم من بعدي» (٤) .

ــــــــــــ

(١) الهداية الكبرى: ٦٨، واثبات الهداة: ٣/٥٧٢.

(٢) إثبات الوصية: ٢٢١.

(٣) كمال الدين: ٢/٤٣١.

(٤) الكافي: ١/٣٢٨.


وعن معاوية بن حكيم ومحمد بن أيّوب بن نوح ومحمد بن عثمان العمريرضي‌الله‌عنه أنهم قالوا: عرض علينا أبو محمد الحسن بن عليعليهما‌السلام ونحن في منزله وكنّا أربعين رجلاً فسئل عن الحجة من بعده فخرج عليهم غلام أشبه الناس به فقال:

«هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرّقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا، أما إنّكم لا ترونه بعد يومكم هذا» (١) قالوا: فخرجنا من عنده فما مضت إلاّ أيام قلائل حتى مضى أبو محمدعليه‌السلام .

الخطوة الخامسة:

وهي إجابات الإمام المهديعليه‌السلام على أسئلة شيعته في حياة أبيه حيث تكشف عن قابلياته الرّبانية التي يختص بها أولياء الله.

وممّا حدّث به أحمد بن إسحاق حين سأل الإمام الحسن العسكري عن علامة يطمئن إليها قلبه حول إمامة المهديعليه‌السلام حين أراه إيّاه وقد كان غلاماً كأنّ وجهه القمر ليلة البدر من أبناء ثلاث سنين..: أن الغلام نطق بلسان عربيّ فصيح فقال:«أنا بقية الله في أرضه والمنتقم من أعدائه فلا تطلب أثراً بعد عين يا أحمد بن إسحاق» (٢) .

وقد حفلت مصادر الحديث الإمامي بكرامات الإمام المهديعليه‌السلام مع سعد بن عبد الله القمي العالم الإمامي الذي كان قد احتار في أجوبة مسائل عويصة قد ألقيت عليه حتى لحق بأحمد بن إسحاق صاحب أبي محمد الحسن العسكريعليه‌السلام وذهبا معاً إلى الإمام العسكريعليه‌السلام ودخلا عليه وابنه محمد المهديعليه‌السلام بين يديه وأمره بإخبار أحمد بن إسحاق بهدايا شيعته التي جاء

ــــــــــــ

(١) كمال الدين: ٢/٤٣٥.

(٢) كمال الدين: ٢/٣٨٤.


بها ثم اُخبر سعد بن عبد الله بما كان قد جاء له من المسائل العويصة التي أشكلت عليه(١) .

وهكذا كراماته لإبراهيم بن محمد بن فارس النيسابوري حين أخبره عمّا في ضميره(٢) .

الخطوة السادسة:

وهي تخطيطهعليه‌السلام لتسهيل الارتباط بالإمام المهديعليه‌السلام في غيبته الصغرى من خلال اعتماده وكلاء قد وثّقهم لدى شيعته فأصبحوا حلقة وصل مأمونة بين الإمام المهديعليه‌السلام وأتباعه من دون أن يتجشّموا الأخطار والصعاب لذلك.

فقد حدّث محمد بن إسماعيل وعلي بن عبد الله الحسنيان أنّهما دخلا على أبي محمد الحسنعليه‌السلام بسرّ من رأى وبين يديه جماعة من أوليائه وشيعته حتى دخل عليه بدر خادمه فقال: يا مولاي بالباب قوم شعث غبر، فقال لهم:«هؤلاء نفر من شيعتنا باليمن..» ثم ساق حديثاً طويلاً حتى انتهى الحديث إلى أن الحسنعليه‌السلام قال لبدر:فامض فأتنا بعثمان بن سعيد العمري ، فما لبثنا إلاّ يسيراً حتى دخل عثمان فقال له سيدنا أبو محمدعليه‌السلام :إمض يا عثمان فإنّك الوكيل والثقة والمأمون على مال الله واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حملوه من المال ، ثم ساق الحديث إلى أن قالا: ثم قلنا بأجمعنا: يا سيّدنا والله إنّ عثمان لمن خيار شيعتك ولقد زدتنا علماً بموضعه من خدمتك وأنّه وكيلك وثقتك على مال الله تعالى، قال:نعم واشهدوا عليّ أن عثمان بن سعيد العمري وكيلي وأنّ ابنه محمداً وكيل ابني مهديّكم (٣) .

ــــــــــــ

(١) كمال الدين: ٢/٤٥٤.

(٢) إثبات الهداة: ٣/٧٠٠.

(٣) غيبة الطوسي: ٢١٥.


وقد كان عثمان بن سعيد الوكيل الأوّل للإمام المهديعليه‌السلام بعد استشهاد الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ثم أصبح محمّد بن عثمان وكيله الثاني كما هو المعروف في ترتيب النواب الأربعة للإمام المهديعليه‌السلام .

الخطوة السابعة:

وتمثّلت في النصوص التي هيّأت أتباع أهل البيتعليهم‌السلام لاستقبال الوضع الجديد الذي سيحلّ بهم عند غيبة الإمام المهديعليه‌السلام لئلاّ يفاجئوا بأمور لا يعرفون كيفية التعامل معها مثل ما يحصل بعد الغيبة من الحيرة والاختلاف بين الشيعة، وما ينبغي لهم من الصبر والانتظار للفرج والثبات على الإيمان والدعاء للإمامعليه‌السلام ولتعجيل فرجه الشريف.

وتكفي هذه الخطوات السبعة للتمهيد اللازم لتصبح قضية الإمام المهديعليه‌السلام قضية واقعية تعيشها الجماعة الصالحة بكل وجودها رغم الظروف الحرجة التي كانت تكتنف الإمام المهديعليه‌السلام .

البحث الثاني: الإعداد لعصر الغيبة

انتهينا في البحث السابق عن معرفة كيفية طرح الإمام لقضية ولادة الإمام المهديعليه‌السلام وإمامته وأنه الخلف الصالح الذي وعد الله به الأمم أن يجمع به الكلم في أصعب الظروف التي كانت تكتنف ولادة الإمامعليه‌السلام ، وقد لاحظنا مدى انسجام تلك الإجراءات التي اتّخذها الإمام العسكريعليه‌السلام في هذا الصدد مع الظروف المحيطة بهما.

غير أن النقطة الأخرى التي تتلوها في الأهمية هي مهمة إعداد الأمة المؤمنة بالإمام المهديعليه‌السلام لتقبّل هذه الغيبة التي تتضمّن انفصال الأمة عن الإمام بحسب الظاهر وعدم إمكان ارتباطها به وإحساسها بالضياع والحرمان


من أهم عنصر كانت تعتمد عليه وترجع إليه في قضاياها ومشكلاتها الفردية والاجتماعية، فقد كان الإمام حصناً منيعاً يذود عن أصحابه ويقوم بتلبية حاجاتهم الفكرية والروحية والمادية في كثير من الأحيان.

فهنا صدمة نفسية وإيمانية بالرغم من أن الإيمان بالغيب يشكّل عنصراً من عناصر الإيمان المصطلح، لأنّ المؤمنين كانوا قد اعتادوا على الارتباط المباشر بالإمامعليه‌السلام ولو في السجن أو من وراء حجاب وكانوا يشعرون بحضوره وتواجده بين ظهرانيهم ويحسّون بتفاعله معهم، والآن يُراد لهم أن يبقى هذا الإيمان بالإمام حيّاً وفاعلاً وقويّاً بينما لا يجدون الإمام في متناول أيديهم وقريباً منهم بحيث يستطيعون الارتباط به متى شاءوا.

إنّ هذه لصدمة يحتاج رأبها إلى بذل جهد مضاعف لتخفيف آثارها وتذليل عقباتها. وقد مارس الإمام العسكري تبعاً للإمام الهاديعليهما‌السلام نوعين من الإعداد لتذليل هذه العقبة ولكن بجهد مضاعف وفي وقت قصير جدّاً.

الأوّل: الإعداد الفكري والذهني.

الثاني: الإعداد النفسي والروحي.

أما الإعداد الفكري فقد قام الإمام تبعاً لآبائهعليهم‌السلام باستعراض فكرة الغيبة على مدى التاريخ وطبّقها على ولده الإمام المهديعليه‌السلام وطالبهم بالثبات على الإيمان باعتباره يتضمن عنصر الإيمان بالغيب وشجّع شيعته على الثبات والصبر وانتظار الفرج وبيّن لهم طبيعة هذه المرحلة ومستلزماتها وما سوف يتحقق فيها من امتحانات عسيرة يتمخّض عنها تبلور الإيمان والصبر والتقوى التي هي قوام الإنسان المؤمن برّبه وبدينه وبإمامه الذي يريد أن يحمل معه السلاح ليجاهد بين يديه.
فقد حدّث أبو علي بن همّام قائلاً: سمعت محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه يقول: سمعت أبي يقول: سئل أبو محمد الحسن بن عليعليهما‌السلام


وأنا عنده عن الخبر الذي روي عن آبائهعليهم‌السلام :إنّ الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه إلى يوم القيامة وأن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ، فقالعليه‌السلام :«إنّ هذا حقّ كما أنّ النهار حق» ، فقيل له: ياابن رسول الله فمن الحجة والإمام بعدك؟ فقال:ابني محمّد هو الإمام والحجة بعدي. من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية، أما إنّ له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون ويكذب فيها الوقّاتون، ثم يخرج فكأني أنظر إلى الأعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة »(١) .

وحدّث موسى بن جعفر بن وهب البغدادي فقال: سمعت أبا محمد الحسنعليه‌السلام يقول:«كأني بكم وقد اختلفتم بعدي في الخلف منّي، أما إن المقرّ بالأئمة بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المنكر لولدي كمن أقرّ بجميع أنبياء الله ورسله ثم أنكر نبوّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والمنكر لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كمن أنكر جميع الأنبياء، لأن طاعة آخرنا كطاعة أوّلنا والمنكر لآخرنا كالمنكر لأوّلنا، أما إنّ لولدي غيبة يرتاب فيها الناس إلاّ من عصمه الله عَزَّ وجَلَّ» (٢) .

وحدّث الحسن بن محمد بن صالح البزّاز قائلاً: سمعت الحسن بن علي العسكريعليهما‌السلام يقول:«إنّ ابني هو القائم من بعدي وهو الذي يُجري فيه سنن الأنبياء بالتعمير والغيبة حتى تقسو القلوب لطول الأمد فلا يثبت على القول به إلاّ من كتب الله عزّ وجلّ في قلبه الإيمان وأيّده بروح منه» (٣) .

إلى غيرها من الأحاديث والأدعية التي تضمّنت بيان فكرة الغيبة وضرورة تحققها وضرورة الإيمان بها والصبر فيها والثبات على الطريق الحق مهما كانت الظروف صعبة وعسيرة.

وأما الإعداد النفسي والروحي فقد مارسه الإمامعليه‌السلام منذ زمن أبيه

ــــــــــــ

(١) كمال الدين: ٢/٤٠٩.

(٢) كمال الدين: ٢/٤٠٩.

(٣) كمال الدين: ٢/٥٢٤.


الهاديعليه‌السلام فقد مارس الإمام الهاديعليه‌السلام سياسة الاحتجاب وتقليل الارتباط بشيعته إعداداً للوضع المستقبلي الذي كانوا يستشرفونه وكان يُهيئهم له، كما انّه قد مارس عملية حجب الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام عن شيعته فلم يعرفه كثير من الناس وحتى شيعته إلاّ بعد وفاة أخيه محمد حيث أخذ يهتمّ بإتمام الحجة على شيعته بالنسبة لإمامة الحسن من بعده واستمر الإمام الحسنعليه‌السلام في سياسة الاحتجاب وتقليل الارتباط لضرورة تعويد الشيعة على عدم الارتباط المباشر بالإمام ليألفوا الوضع الجديد ولا يشكّل صدمة نفسية لهم، فضلاً عن ان الظروف الخاصة بالإمام العسكريعليه‌السلام كانت تفرض عليه تقليل الارتباط حفظاً له ولشيعته من الانكشاف أمام أعين الرقباء الذين زرعتهم السلطة هنا وهناك ليراقبوا نشاط الإمام وارتباطاته مع شيعته.

وقد عوّض الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام الأضرار الحاصلة من تقليل الارتباط المباشر بأمرين:

أحدهما: بإصدار البيانات والتوقيعات بشكل مكتوب إلى حدٍّ يغطي الحاجات والمراجعات التي كانت تصل إلى الإمامعليه‌السلام بشكل مكتوب. وأكثر الروايات عن الإمام العسكريعليه‌السلام هي مكاتباته مع الرواة والشيعة الذين كانوا يرتبطون به من خلال هذه المكاتبات.

ثانيهما: بالأمر بالارتباط بالإمامعليه‌السلام من خلال وكلائه الذين كان قد عيّنهم لشيعته في مختلف مناطق تواجد شيعته. فكانوا حلقة وصل قوية ومناسبة ويشكّلون عاملاً نفسيّاً ليشعر اتباع أهل البيت باستمرار الارتباط بالإمام وإمكان طرح الأسئلة عليه وتلقي الأجوبة منه. فكان هذا الارتباط غير المباشر كافياً لتقليل أثر الصدمة النفسية التي تحدثها الغيبة لشيعة الإمامعليه‌السلام .

وهكذا تمّ الإعداد الخاص من قبل الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام لشيعته ليستقبلوا عصر الغيبة بصدر رحب واستعداد يتلائم مع مقتضيات الإيمان بالله


وبرسوله وبالأئمة وبقضية الإمام المهديعليه‌السلام العالمية والتي تشكّل الطريق الوحيد لإنقاذ المجتمع الإنساني من أوحال الجاهلية في هذه الحياة.

البحث الثالث: نظام الوكلاء في عصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام

إنّ نظام الوكلاء قد أسّسه الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام حين اتّسعت الرقعة الجغرافية للقاعدة الموالية لأهل البيتعليهم‌السلام . وقد اختار الأئمة من بين أصحابهم وثقاتهم من أوكلوا إليه جملة من المهام التي لها علاقة بالإمامعليه‌السلام مثل قبض الأموال وتلقي الأسئلة والاستفتاءات وتوزيع الأموال على مستحقّيها بأمر الإمامعليه‌السلام . وبالإضافة إلى مهمة الإرشاد وبيان الأحكام كان الوكيل يقوم بتخفيف العبء عن الإمام وشيعته في ظروف تشديد الرقابة على الإمامعليه‌السلام من قبل السلطة، كما كان يتولّى مهمة بيان مواقف الإمام السياسية حين لا يكون من المصلحة أن يتولّى الإمام بنفسه بيان مواقفه بشكل صريح ومباشر.

إنّ نظام الوكلاء يعتبر حلقة الوصل والمؤسسة الوسيطة بين الإمام وأتباعه في حال حضور الإمامعليه‌السلام ولا سيّما عند صعوبة الارتباط به.

كما أنه أصبح البديل الوحيد للارتباط بالإمامعليه‌السلام في دور الغيبة الصغرى. وحيث إنّ الأئمةعليهم‌السلام كانوا يعلمون ويتوقّعون الوضع المستقبلي للإمام المهديعليه‌السلام كما أخبرت بذلك نصوص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته الأطهارعليهم‌السلام ، كان الخيار الوحيد للإمام المعصوم في عصر الغيبة الصغرى أن يعتمد على مثل هذه المؤسسة الواسعة الأطراف والمهامّ، ومن هنا كان الاعتماد على الثقات من جهة وتعويد الأتباع للارتباط بالإمامعليه‌السلام من خلال وكلائه أمرا لابد منه، وهذا الأمر يحتاج إلى سياسة تعتمد السنن الاجتماعية وتأخذها بنظر الاعتبار، ولا يمكن لمثل هذه المؤسسة البديلة أن تستحدث


في أيام الغيبة الصغرى بل لابد من التمهيد لذلك بإنشائها وإثبات جدارتها تاريخياً من خلال مراجعة الوكلاء والتثبت من جدارتهم وتجذّر هذه المؤسسة في الوسط الشيعي ليكون هذا البديل قادراً على تلبية الحاجات الواقعية لأبناء الطائفة، ولئلا تكون صدمة الغيبة فاعلة وقوية. ومن هنا كان يتسع نشاط هذه المؤسسة ويصبح دورها مهماً كلّما اشتدت الظروف المحيطة بالإمام المعصومعليه‌السلام وكلّما اقترب الأئمة من عصر الغيبة.

وعلى هذا يتّضح أن عصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام الذي كان يشكّل نقطة الانتقال المهمّة والجوهرية من عصر الحضور إلى عصر الغيبة كان يستدعي الاعتماد الكبير على الوكلاء ويستدعي إحكام نظامهم وكثرة مهامّهم واتّساع دائرة نشاطهم وتواجدهم اتّساعاً يمهّد للانتقال بأتباع أهل البيتعليهم‌السلام إلى دور الغيبة التي ينقطعون فيها عن إمامهم وقيادتهم المعصومة.

إنّ مقارنة عدد وكلاء الإمام العسكريعليه‌السلام بوكلاء الإمام الهاديعليه‌السلام ومناطق تواجد هؤلاء الوكلاء والمسؤوليات الملقاة عليهم وكيفية الارتباط فيما بينهم تشهد على تميّز الدور الكبير للوكلاء في هذه الفترة القصيرة جدّاً وهي ستّ سنوات، كما أن استقرار الوكلاء في مناصبهم واعتماد الإمامعليه‌السلام عليهم وبيان ذلك لأتباعه قد حقق الهدف المرتقب من نظام الوكلاء في مجال تسهيل الانتقال إلى عصر الغيبة بأقلّ ما يمكن من الأخطار والتبعات.

على أن انحراف بعض الوكلاء ـ طمعاً أو حسداً ـ وكشف انحرافهم من قبل الإمامعليه‌السلام وحذفهم وإخبار الأتباع بانحرافهم في أول فرصة ممكنة دليل على مدى حرص الإمامعليه‌السلام على سلامة عناصر هذا الجهاز الخطير في دوره ومهامّه الرسالية، وهو دليل على المراقبة المستمرة من الإمامعليه‌السلام لهم ومدى متابعته لأوضاعهم ونشاطاتهم.


وإليك قائمة بأسماء بعض وكلاء الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام :

١ ـ إبراهيم بن عبدة النيسابوري من أصحاب العسكريينعليهما‌السلام ، كان وكيلاً له في نيسابور..

٢ ـ أيوب بن نوح بن درّاج النخعي كان وكيلاً للعسكريينعليهما‌السلام .

٣ ـ أيوب بن الباب، أنفذه من العراق وكيلاً إلى نيسابور.

٤ ـ أحمد بن إسحاق الرازي.

٥ ـ أحمد بن إسحاق القمي الأشعري كان وكيلاً له بقم.

٦ ـ جعفر بن سهيل الصيقل.

٧ ـ حفص بن عمرو العمري الجمّال.

٨ ـ عثمان بن سعيد العمري السمّان(الزيّات) وهو أوّل السفراء الأربعة.

٩ ـ علي بن جعفر الهمّاني من وكلاء أبي الحسن وأبي محمدعليهما‌السلام .

١٠ ـ القاسم بن العلاء الهمداني من وكلائه ووكلاء ابنه الإمام المهديعليه‌السلام .

١١ ـ محمّد بن أحمد بن جعفر(الجعفري) القمي العطّار.

١٢ ـ محمّد بن صالح بن محمد الهمداني.

١٣ ـ محمد بن عثمان بن سعيد العمري.

١٤ ـ عروة بن يحيى البغدادي النخّاس المعروف بالدهقان كان من وكلائه في بغداد ثم انحرف وضلّ وأخذ يكذب على الإمام ويقتطع الأموال لنفسه وأحرق بيت المال الذي سُلّم إليه من بعد ابن راشد وتبرّأ منه الإمام ولعنه وأمر شيعته بلعنه ودعا عليه حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر(١) .

ــــــــــــ

(١) راجع للتفصيل حياة الإمام العسكري: ٣٢٩ ـ ٣٤٢.


البحث الرابع: مدرسة الفقهاء والتمهيد لعصر الغيبة:

أكمل الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام الخط الذي أسّسه آباؤه الطاهرون وهو إنشاء جماعة صالحة تمثل خط أهل البيت الفكري والعقائدي والأخلاقي والسلوكي وقد اهتمّ الإمامان محمّد الباقر وجعفر الصادقعليهما‌السلام بشكل خاص بإعداد وتربية مجموعة من الرواة والفقهاء فتمثّلت فيهم مدرسة علمية استوفت في عهد الإمام العسكريعليه‌السلام كل متطلبات المدرسة العلمية من حيث المنهج والمصدر والمادة ممهدة به لعصر الغيبة الصغرى(١) .

وقد أيّد الإمام العسكريعليه‌السلام جملة من الكتب الفقهية والأصول الروائية التي جمعت في عصره أو قبل عصره وأيّد أصحابها وشكر لهم مساعيهم وبذلك يكون قد أعطى للمدرسة الفقهية تركيزاً واهتماماً يشير إلى أنّ الخط الفقهائي هو الخط المستقبلي الذي يجب على القاعدة الشيعية أن تسير عليه(٢) .

وكان من منتسبي هذه المدرسة أساتذة وطلاباً في عهد أبناء الرضاعليه‌السلام مجموعة قد أورد الشيخ المجلسيرضي‌الله‌عنه في موسوعته أسماءهم(٣) .

وقد أحصيت أسماء أصحاب الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام ورواة حديثه فبلغت ٢١٣ محدثاً وراوياً(٤) .

وإليك بعض ثقاة الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام وأصحابه:

ـ علي بن جعفر الهماني.

ـ أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري.

ــــــــــــ

(١) تاريخ التشريع الإسلامي، د. عبد الهادي الفضلي: ١٩٤ ـ ٢٠٢.

(٢) حياة الإمام العسكري للشيخ محمد جواد الطبسي: ٣٢٥.

(٣) بحار الأنوار: ج٥٠، المشتمل على حياة الأئمة الجواد: ١٠٦ والهادي: ٢١٦ والعسكري عليهم‌السلام : ٣١٠.

(٤) حياة الإمام العسكري عليه‌السلام : محمد جواد الطبسي: الفصل العاشر.


ـ داود بن أبي يزيد النيسابوري.

ـ محمد بن علي بن بلال.

ـ عبد بن جعفر الحميري القمي.

ـ أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري الزيّات والسمّان.

ـ إسحاق بن الربيع الكوفي.

ـ أبو القاسم جابر بن يزيد الفارسي.

ـ إبراهيم بن عبيد الله بن إبراهيم النيسابوري.

ـ محمد بن الحسن الصفار.

ـ عبدوس العطار.

ـ سري بن سلامة النيسابوري.

ـ أبو طالب الحسن بن جعفر.

ـ أبو البختري.

ـ الحسين بن روح النوبختي.

ومع ملاحظة حراجة الظروف المحيطة بالإمام العسكري وقصر الفترة التي عاشها إماماً ومرجعاً للأمة والشيعة فإنَّ هذه النسبة من الرواة تشكل رقماً قياسيّاً طبعاً.

وكان لمحمد بن الحسن بن فروّخ الصفّار المتوفى سنة(٢٩٠هـ) مجموعة من المؤلفات تقارب الأربعين مؤلفاً، وقد عدّه الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب أبي محمد الحسن العسكريعليه‌السلام وقال: «له كتب مثل كتب الحسين بن سعيد وزيادة كتاب بصائر الدرجات وغيره، وله مسائل كتب بها إلى أبي محمد الحسن بن علي العسكري»(١) .

ــــــــــــ

(١) الفهرست، الشيخ الطوسي: ١٧٤.


وقد تضمنت كتبه مختلف أبواب الأحكام كالصلاة والوضوء والعتق والدعاء والزهد والخمس والزكاة والشهادات، والتجارات، والجهاد وكتاب حول فضل القرآن الكريم وبلغت كتبه ـ على ما أحصاه الأستاذ الفضلي ـ خمسة وثلاثين كتاباً(١) .

وقد اتّسم عهد الأئمة من أبناء الرضاعليه‌السلام وهم ـ الجواد والهادي والعسكريعليهم‌السلام ـ باتّساع رقعة انتشار التشيّع، وكثرة العلماء والدعاة إلى مذهب أهل البيت، واكتمال معالم وأبعاد مدرستهم الفقهية في المنهج والمادة معاً.

ويتلخّص المنهج الذي سارت عليه مدرسة الفقهاء الرواة عن أهل البيتعليهم‌السلام في نقاط جوهرية وأساسية تميّزها عمّا سواها من المدارس الفقهية وهي:

١ ـ اعتماد الكتاب والسنّة فقط مصدراً أساسياً للتشريع الإسلامي.

٢ ـ ضرورة الرجوع في تعلّم العلوم الشرعية وأخذ الفتوى إلى الإمام المعصوم إن أمكن.

٣ ـ لزوم الرجوع إلى الفقهاء الثقاة حيث يتعسّر الرجوع إلى الإمام المعصوم.

٤ ـ الإفتاء بنصّ الرواية أو بتطبيق القاعدة المستخلصة من الرواية(٢) .

وبهذا وفّرت مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام ـ خلال قرنين ونصف قرن على الرغم من قساوة الظروف وبالرغم من افتتاح عدة جبهات للمعارضة مع الحكم القائم ـ كل متطلبات إحياء الشريعة الإسلامية وديمومتها واستمرارها حتى في عصر الغيبة. وهيّأت للمسلمين عامة ولشيعة أهل البيت خاصّة كل مقدّمات الاستقلال الفكري والسياسي والاقتصادي والثقافي وأعطتهم الزخم اللازم لاستمرار المواجهة مع الباطل الذي يترصّد الحق في كل زمان ومكان.

ــــــــــــ

(١) تاريخ التشريع الإسلامي، عبد الهادي الفضلي: ٢٠٠ ـ ٢٠٢.

(٢) تاريخ التشريع الإسلامي، عبد الهادي الفضلي: ٢٠٢ ـ ٢١١.


البحث الخامس: قيادة العلماء الأمناء على حلاله وحرامه

إن مرجعية العلماء وقيادتهم للشيعة بعد الغيبة الكبرى التي ابتدأت عام(٣٢٩ هـ ) بوفاة الوكيل الرابع(١) للإمام المهديعليه‌السلام كانت تأسيساً حيويّاً من قبل الأئمة المعصومينعليهم‌السلام وبأمر من الله ورسوله، فهم الذين أمروا الشيعة بالرجوع إلى العلماء الفقهاء الذين تربّوا في مدرستهم الرسالية لأخذ معالم دينهم عنهم، وهذا المفهوم قد أعطاه الإمام الصادقعليه‌السلام صبغته التشريعية بقولهعليه‌السلام :

«ينظر من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنما استخفّ بحكم الله وعلينا ردّ، والرادّ علينا رادّ على الله وهو على حدّ الشرك بالله» (٢) .

وقد استمرّ الأئمةعليهم‌السلام على هذا النهج وقاموا لتحقيق هذه المهمّة بتربية الفقهاء الأمناء على المنهج العلمي السليم الذي رسموا معالمه وتفاصيله بالتدريج، وتواصلت جهودهم رغم كل الظروف العصيبة بعد عصر الإمام الصادقعليه‌السلام .

ثم كان للخطوات التي اتخذها الإمام الهاديعليه‌السلام الدور البارز في إعطاء الصيغة الاجتماعية الكاملة لمرجعية العلماء، فقد قالعليه‌السلام :لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم عليه‌السلام من العلماء الداعين إليه والدالّين عليه، والذابّين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن

ــــــــــــ

(١) علي بن محمد السمري، يراجع كشف الغمة: ٣ / ٢٠٧.

(٢) الكافي: ١/٥٤ ح ١٠ و ٧/٤١٢ ح ٥ والتهذيب: ٦/٢١٨ ح ٥١٤ و ٣٠١ ح ٨٤٥ و عنهما في وسائل الشيعة: ٢٧/١٣٦ ح ١ ب ١١.


فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلاّ ارتدّ عن دين الله، ولكنهم الذين يمسكون أزمّة قلوب ضعفاء شيعتنا كما يمسك صاحب السفينة سكّانها، أولئك هم الأفضلون عند الله عَزَّ وجَلَّ (١) .

إن الأساس والمرتكز الذي تقوم عليه فكرة إرجاع الأمة إلى الفقهاء العدول هو: «أن الأجيال المسلمة تحتاج باستمرار إلى المرشد والموجه والمفكّر المُدَّبر كي يعطيهم تعاليم دينهم ويرتفع بمستوى إيمانهم وعقيدتهم ويشرح لهم إسلامهم ويوجههم في سلوكهم إلى العدل والصلاح ورضا الله عَزَّ وجَلَّ»(٢) .

ووفقاً لذلك كان ما اتخذه الإمام العسكريعليه‌السلام من مواقف ايجابية بالنسبة للعلماء ورواة الحديث الثقاة المأمونين على حلال الله وحرامه وإرجاع شيعته إليهم يعتبر تمهيداً أساسيّاً لعصر الغيبة، وتأكيداً لفكرة المرجعية الشاملة إلى جانب نظام الوكلاء الثقاة المأمونين من شيعته والذي كان من مهامّه إرجاع عامة الطائفة إلى العلماء منهم.

كما كان احتجابه عن الشيعة واتخاذ المراسلات والتواقيع الخارجة عنه سبيلاً آخر للتمهيد أيضاً ـ كما عرفت ـ فقد جاء عنهعليه‌السلام في العمري وابنه محمد:العمري وابنه ثقتان فما أدّيا إليك فعني يؤديان وما قالا فعني يقولان فاسمع لهما وأطعهما فإنهما الثقتان المأمونان (٣) .

وممّا يدل على أن الإمام العسكريعليه‌السلام كان يوجّه القواعد الشعبية للرجوع إلى الفقهاء وتقليدهم وأخذ معالم دينهم عنهم ما جاء عنهعليه‌السلام :

«فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه

ــــــــــــ

(١) الاحتجاج: ٢ / ٢٦٠.

(٢) الغيبة الصغرى للصدر: ٢١٩.

(٣) الغيبة الصغرى: ٢١٩.


فللعوام أن يقلّدوه» (١) .

وبهذه الخطوات أكمل الإمام العسكريعليه‌السلام الدور الموكل إليه والمناط به في هذه المرحلة المهمة من تأريخ الرسالة الإسلامية، فقد أنشأ مدرسة علمية لها الدور الأكبر في حفظ تراث أهل البيت الرسالي ومبادئ الإسلام أوّلاً، ومن ثم كان لها الأثر الكبير في نشر فكرة الغيبة وتهيئته الذهنية العامة لتقبّلها ثانياً، كما كان لها مساهمة فعّالة في توجيه شيعة الإمامعليه‌السلام بالرجوع إلى الفقهاء الذين هم حصن الإسلام الواقي للمسلمين من الأعداء ثالثاً.

وبعد الغيبة الكبرى ظهرت الآثار الايجابية لمدرسة الإمام العسكريعليه‌السلام وتعاليمه ووصاياه في التزام الشيعة وأتباع أهل البيتعليهم‌السلام بخط المرجعية الرشيدة.

ويعدّ مبدأ الاجتهاد والتقليد عند الإمامية مظهراً لواقعية هذا المذهب في قدرته على الحفاظ على روح التشريع وحيويّة الرسالة الإسلامية بعد غيبة الإمام المعصومعليه‌السلام والى اليوم الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً بعدما تملأ جوراً وظلماً.

البحث السادس: الإمام العسكريعليه‌السلام والفرق الضالّة

إن للانحراف عن جادّة الصواب أسباباً يعود بعضها إلى طبيعة الظروف التي تطرأ على الإنسان فتتعاضد مع ما يحمله من ضعف فكري عقائدي أو هبوط أخلاقي ولا سيّما إذا لم يتلقّ تربية صحيحة من ذويه ومن يحيط به أو يصاحبه.

ــــــــــــ

(١) تفسير الإمام العسكري: ١٤١ وعنه في الاحتجاج: ٢/٢٦٣.


وأهل البيتعليهم‌السلام قد أعدّهم الله ورسوله لتربية أبناء الأمة وانتشالهم من الانحراف عبر التوجيه والإرشاد، وتبقى الاستجابة لهدايتهم هي السبب الأعمق لتأثيرها وفاعليتها في كل فرد.

وحين يصبح الانحراف خطّاً منظماً وفاعلاً في المجتمع الإسلامي ينبغي مواجهته بالإدانة وبتفتيت عناصره وقواه الفاعلة ومحاولة إرجاع العناصر المضلَّلة التي تبغي الحق في عمق وجودها وإن حادت عنه.

ونجد للإمام العسكريعليه‌السلام مواقف إرشادية وتوجيهية لبعض أتباع الفرق الضالّة بينما نجده صارماً مع رموز بعض هذه الفرق. وجادّاً في التحذير منهم لعزلهم والحيلولة دون تأثيرهم في القاعدة الشعبية التي تدين بالولاء لأهل البيتعليهم‌السلام .

ونقف فيما سيأتي على موقف الإمامعليه‌السلام من الواقفة أولاً ثم موقفه من المفوّضة وممّن كان متأثّراً بهم.

١ ـ الإمام العسكريعليه‌السلام والواقفة

والواقفة جماعة، وقفت على إمامة الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام ، ولم تقل بإمامة الإمام الرضاعليه‌السلام ، وكان المؤسس لمذهب هذه الجماعة زياد بن مروان القندي الأنباري وعلي بن أبي حمزة، وعثمان بن عيسى وكان سبب توقّفهم هو أن زياد بن مروان القندي الأنباري كانت عنده سبعون ألف دينار من الإمام موسى بن جعفرعليهما‌السلام فأظهر هو وصاحباه القول بالوقف طمعاً بالمال الذي كان عندهم(١) .

ــــــــــــ

(١) يراجع رجال الكشي: ٤٦٧ ح ٨٨٨ و ٤٩٣ ح ٩٤٦ وعنه في بحار الأنوار: ٤٨/٢٥١ وعنه في سفينة البحار: ٣/٥٨١.


روى شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسيرضي‌الله‌عنه عن ابن يزيد عن بعض أصحابه قال: مضى أبو إبراهيم ـ الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام ـ وعند زياد القندي سبعون ألف دينار وعند عثمان بن عيسى الرواسي ثلاثون ألف دينار، وخمس جواري ومسكنه بمصر، فبعث إليهم أبو الحسن الرضاعليه‌السلام :«أن احملوا ما قبلكم من المال، وما كان اجتمع لأبي عندكم، فإني وارثه وقائم مقامه، وقد اقتسمنا ميراثه ـ وبهذا أشار الرضاعليه‌السلام إلى موت الإمام الكاظمعليه‌السلام ـولا عذر لكم في حبس ما قد اجتمع لي ولورّاثه قبلكم» .

فأما أبو حمزة فإنّه أنكره ولم يعترف بما عنده، وكذلك زياد القندي، وأمّا عثمان بن عيسى فإنّه كتب إلى الإمام الرضاعليه‌السلام : إنّ أباك صلوات الله عليه لم يمت وهو حيّ قائم، ومن ذكر أنّه مات فهو مبطل، واعمل على أنه مضى كما تقول، فلم يأمرني بدفع شيء إليك، وأما الجواري، فقد أعتقتهن وتزوّجت بهنّ(١) .

وقد سأل أحد أصحاب الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام عمن وقف على أبي الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام قائلاً: أتولاّهم أم أتبرّأ منهم ؟ فكتبعليه‌السلام :«لا تترحّم على عمك لا رحم الله عمك وتبرأ منه، أنا إلى الله منهم بريء فلا تتولاهم، ولا تعد مرضاهم، ولا تشهد جنائزهم، ولا تصلِ على أحد منهم مات أبداً سواء من جحد إماماً من الله أو زاد إماماً ليست إمامته من الله أو جحد أو قال: قالت ثلاثة، إنّ جاحد أمر آخرنا جاحد أمر أولنا والزائد فينا كالناقص الجاحد أمرنا» (٢) .

وبهذا علم السائل أنّ عمّه منهم، كما علم موقف الإمام الصارم من هذه الجماعة التي سُميت بالكلاب الممطورة، فقد روى الشيخ الكشيرضي‌الله‌عنه عن

ــــــــــــ

(١) الغيبة: ٦٤ ح ٦٧ ونحوه أخصر منه في رجال الكشي: ٥٩٨ ح ١١٢٠ وليس فيه: تزوّجت بهن، وفي ح١١١٧: ثم تاب وبعث إليه بالمال وفي ح ١١١٨: أنه سكن الكوفة ثم الحيرة ومات بها.

(٢) الخرائج والجرائح: ١/٤٥٢ ح٣٨ وعنه في كشف الغمة: ٣ / ٣١٩.


أبي علي الفارسي عن إبراهيم بن عقبة، أنه قال: كتبت إلى العسكريعليه‌السلام : جعلت فداك قد عرفت هؤلاء الممطورة، فأقنت عليهم في صلواتي ؟ قال:نعم، اُقنت عليهم في صلواتك (١) .

٢ ـ الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام والمفوّضة

والمفوّضة جماعة، قالت: إنّ الله خلق محمّداً وفوّض إليه خلق الدُّنيا، فهو الخلاّق لما فيها، وقيل: فوّض ذلك إلى الإمام عليعليه‌السلام (٢) والأئمةعليهم‌السلام من بعده. وعن إدريس بن زياد الكفرتوثائي قال: كنت أقول فيهم قولاً عظيماً فخرجتُ إلى العسكر للقاء أبي محمّدعليه‌السلام ، فقدمت وعليَّ أثر السفر وعناؤه، فألقيتُ نفسي على دكّان حمّام، فذهب بي النوم، فما انتبهت إلاّ بمقرعة أبي محمّدعليه‌السلام ، قد قرعني بها حتّى استيقظت، فعرفته سلام الله عليه فقمتُ قائماً أقبّل قدمه وفخذه، وهو راكب، والغلمان من حوله فكان أوّل ما تلقّاني به أن قال:ياإدريس ( بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (٣) .

فقلت: حسبي يامولاي وإنّما جئت أسألك عن هذا، قال:تركني ومضى(٤) .

وإنّ قوماً من المفوّضة قد وجّهوا كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمدعليه‌السلام قال كامل: قلت في نفسي أسأله: لا يدخل الجنّة إلاّ من عرف معرفتي؟ وكنت جلستُ إلى باب عليه ستر مرخىً، فجاءت الريح فكشفت طرفه فإذا أنا

ــــــــــــ

(١) رجال الكشي: ٤٦٠ ح ٨٧٥ و ٤٦١ ح ٨٧٩ وعنه في بحار الأنوار.

(٢) يُراجع معجم الفرق الإسلامية: ٢٣٥.

(٣) الأنبياء(٢١): ٢٦ ـ ٢٧.

(٤) المناقب: ٤ /٤٦١.


بفتى كأنّه فِلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها، فقال لي:ياكامل بن إبراهيم ; فاقشعررت من ذلك وألهمت أن قلت: لبّيك ياسيّدي.

فقال:جئت إلى وليّ الله تسأله: «لا يدخل الجنة إلاّ من عرف معرفتك وقال بمقالتك» ؟

قلت: إي والله.

قال:إذن والله يقلّ داخلها والله إنه ليدخلها قوم يقال لهم الحقيّة .

قلت: ومن هم ؟

قال:«قوم من حبهم لعلي بن أبي طالب عليه‌السلام يحلفون بحقّه وما يدرون ما حقه وفضله» .(أي قوم يعرفون ما يجب عليهم معرفته جملة لا تفصيلاً من معرفة الله ورسوله والأئمةعليهم‌السلام ).

ثم قال:جئت تسأله عن مقالة المفوّضة ؟ كذبوا، بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله، فإذا شاء شئنا، والله يقول: ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) (١) . فقال لي أبو محمّدعليه‌السلام :ما جلوسك وقد أنبأك بحاجتك الحجة من بعدي فقمت وخرجت ولم أعاينه بعد ذلك(٢) .

وقد كان الإمام العسكريعليه‌السلام حريصاً على هداية أتباع أهل البيتعليهم‌السلام وإرشادهم إلى الحق بإزالة الشكوك التي كانت تعترضهم في الطريق.

فعن محمّد بن عياش أنه قال: تذاكرنا آيات الإمام فقال ناصبيّ: إن أجاب عن كتاب بلا مداد علمت إنّه حقّ، فكتبنا مسائل وكتب الرّجل بلا مداد على ورق وجعل في الكتب، وبعثنا إليه فأجاب عن مسائلنا وكتب على ورقة اسمه واسم أبويه، فدهش الرّجل، فلمّا أفاق اعتقد الحق(٣) .

وروي عن عمر بن أبي مسلم أنه قال: كان سميع المسمعيّ يؤذيني كثيراً

ــــــــــــ

(١) الإنسان(٧٦): ٣٠.

(٢) الغيبة: ٢٤٧، بحار الأنوار: ٢٥ / ٣٣٦ و ٣٣٧.

(٣) المناقب: ٢/٤٧٠.


ويبلغني عنه ما أكره، وكان ملاصقاً لداري، فكتبت إلى أبي محمدعليه‌السلام أسأله الدّعاء بالفرج منه، فرجع الجواب: أبشر بالفرج سريعاً، ويقدم عليك مال من ناحية فارس. وكان لي بفارس ابن عمّ تاجر لم يكن له وارث غيري فجاءني ماله بعدما مات بأيّام يسيرة.

ووقّع في الكتاب:استغفر الله وتب إليه ممّا تكلّمت به، وذلك أنّي كنت يوماً مع جماعة من النّصاب فذكروا أبا طالب حتّى ذكروا مولاي، فخضت معهم لتضعيفهم أمره، فتركت الجلوس مع القوم، وعلمت أنه أراد ذلك (١) .

قال محمّد بن هارون بن موسى التلعكبريّ: حدثنا محمد بن هارون فقال: أنفذني والدي مع أصحاب أبي القلا صاعد النصراني لأسمع منه ما روى عن أبيه من حديث مولانا أبي محمد الحسن بن عليّ العسكريعليه‌السلام فأوصلني إليه فرأيت رجلاً معظماً وأعلمته السبب في قصدي فأدناني وقال:

حدّثني أبي أنه خرج وإخوته وجماعة من أهله من البصرة إلى سرّ من رأى للظلامة من العامل، فإذا [كنّا] بسرّ من رأى في بعض الأيام إذا بمولانا أبي محمدعليه‌السلام على بغلة، وعلى رأسه شاشة، وعلى كتفه طيلسان، فقلت في نفسي: هذا الرجل يدّعي بعض المسلمين أنه يعلم الغيب، وقلت: إن كان الأمر على هذا فيحوّل مقدّم الشاشة إلى مؤخرها، ففعل ذلك.

فقلت: هذا اتّفاق ولكنه سيحوّل طيلسانه الأيمن إلى الأيسر والأيسر إلى الأيمن ففعل ذلك وهو يسير، وقد وصل إليّ فقال:يا صاعد لم لا تشغل بأكل حيدانك عمّا لا أنت منه ولا إليه ، وكنّا نأكل سمكاً.

وهكذا أسلم صاعد بن مخلّد وكان وزيراً للمعتمد(٢) .

وعن محمد بن عبيدالله قال: كنت يوماً كتبت إليه أخبره باختلاف

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٥٠/٢٧٣.

(٢) بحار الأنوار: ٥٠/٢٨١.


الموالي واسأله إظهار دليل، فكتب: إنّما خاطب الله تعالى ذوي الألباب وليس أحد يأتي بآية أو يظهر دليلاً أكثر ممّا جاء به خاتم النبيين وسيّد المرسلين فقالوا: كاهن وساحر كذاب، فهدى الله من اهتدى غير أن الأدلة يسكن إليها كثير من الناس. وذلك أن الله جلّ جلاله يأذن لنا فنتكلم ويمنع فنصمت، ولو أحب الله ألا يظهر حقاً لنا بعث النبيين مبشرين ومنذرين يصدعون بالحق في حال الضعف والقوة في أوقات وينطقون في أوقات ليقضي الله أمره وينفذ الناس حكمه في طبقات شتى، فالمستبصر على سبيل نجاة متمسك بالحق، متعلق بفرع أصيل، غير شاك ولا مرتاب لا يجد عنه ملجأ.

وطبقة لم تأخذ الحق من أهله، فهم كراكب البحر يموج عند موجه ويسكن عند سكونه. وطبقة استحوذ عليهم الشيطان شأنهم الرد على أهل الحق ودفعه بالباطل والهوى كفّاراً حسداً من عند أنفسهم فدع من ذهب يميناً وشمالاً فإن الراعي إذا أراد أن يجمع غنمه جمعها في أهون سعي. ذكرت اختلاف والينا، فإذا كانت الوصيّة والكتب فلا ريب من جلس مجلس الحكم فهو أولى بالحكم، أحسن رعاية من استرعيت. وإيّاك والإذاعة وطلب الرياسة فإنّهما يدعوان إلى الهلكة.

ثم قال:

ذكرت شخوصك إلى فارس فاشخص خار الله لك وتدخل مصر إن شاء الله آمناً واقرأ من تثق به من موالينا السلام ومرهم بتقوى الله العظيم وأداء الأمانة وأعلمهم أن المذيع علينا حرب لنا .

قال: فلما قرأت خار الله لك في دخولك مصر إن شاء الله آمناً لم أعرف المعنى فيه فقدمت بغداد عازماً على الخروج إلى فارس فلم يقيض لي وخرجت إلى مصر.

قال: ولما همّ المستعين في أمر أبي محمد بما همّ وأمر سعيد الحاجب بحمله إلى الكوفة وأن يحدث في الطريق حادثة انتشر الخبر بذلك في الشيعة فأقلقهم وكان بعد مضي أبي الحسن بأقلّ من خمس سنين.

فكتب إليه محمد بن عبد الله والهيثم بن سبابة: قد بلغنا جعلنا الله فداك خبر أقلقنا وغمّنا وبلغ منا، فوقّععليه‌السلام :بعد ثلاثة أيام يأتيكم الفرج . قال: فخلع


المستعين في اليوم الثالث وقعد المعتز وكان كما قال(١) .

وعن علي بن محمد بن الحسن قال: خرج السلطان يريد البصرة وخرج أبو محمد بشيعته فنظرنا إليه ماضياً وكنّا جماعة من شيعته فجلسنا ما بين الحائطين ننتظر رجوعه فلمّا رجع وحاذانا وقف علينا، ثم مدّ يده إلى قلنسوته فأخذها من رأسه وأمسكها بيده.

ثم مرّ يده الأخرى على رأسه وضحك فيوجه رجل منا، فقال الرجل مبادراً: أشهد أنك حجة الله وخيرته. فسألناه ما شأنك؟ فقال: كنت شاكاً فيه فقلت في نفسي: إنْ رجع وأخذ قلنسوته من رأسه قلت بإمامته(٢) .

وروى جماعة من الصيمريين من ولد إسماعيل بن صالح: أنّ الحسن ابن إسماعيل بن صالح كان في أوّل خروجه إلى سرّ من رأى للقاء أبي محمد ومعه رجلان من الشيعة وافق قدومه ركوب أبي محمد، قال الحسن بن إسماعيل: فتفرقنا في ثلاث طرق وقلنا: إن رجع في أحدهما رآه رجل منا فانتظرناه، فعادعليه‌السلام في الطريق الذي فيه الحسن بن إسماعيل.

فلمّا طلع وحاذاه قال: قلت في نفسي: اللهمّ إن كانت حجتك حقّاً وإمامنا فليمسّ قلنسوته، فلم استتم ذلك حتى مسّها وحرّكها على رأسه، فقلت: يا رب إن كان حجتك فليمسّها ثانياً، فضرب بيده فأخذها عن رأسه ثم ردّها، وكثر عليه الناس بالسلام عليه والوقوف على بعضهم فتقدمه إلى درب آخر.

فلقيت صاحبَيّ وعرّفتهما ما سألت الله في نفسي وما فعل، فقالا: فتسأل ونسأل الثالثة، فطلععليه‌السلام وقربنا منه فنظر إلينا ووقف علينا ثمّ مدّه يده إلى قلنسوته فرفعها عن رأسه وأمسكها بيده وأمرّ يده الأخرى على رأسه وتبسّم في وجوهنا وقال:كم هذا الشك؟ قال الحسن: فقلت: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنك

ــــــــــــ

(١) اثبات الوصية: ٢٣٩.

(٢) اثبات الوصية: ٢٤٥.


حجة الله وخيرته، قال: ثم لقيناه بعد ذلك في داره وأوصلنا إليه ما معنا من الكتب وغيرها(١) .

كما أنّا نجد الإمامعليه‌السلام يستغل هذا الظرف ويُلقي الحجة على شابّ قد أتى من المدينة لاختلاف وقع بين أصحابه في إمامة الحسن العسكريعليه‌السلام ، فيبادره الإمامعليه‌السلام بالسؤال:أغفّاري أنت ؟ فقال الشاب: نعم، ثم يسأله الإمام عليه‌السلام عن والدته ويسمّيها له قائلاً: ما فعلت أمك حمدويه؟ فقال الشاب صالحة (٢) . وكان الشاب من ولد الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري. وعاد إلى أصحابه وهو مطمئن القلب بإمامة الحسن العسكري عليه‌السلام .

البحث السابع: من وصايا الإمام العسكريعليه‌السلام وإرشاداته لشيعته

وتضمّنت وصايا الإمام ورسائله، بيان الأحكام الشرعية ومسائل الحلال والحرام كما اشتملت على خطوط للتعامل مع الآخرين وكان ذلك بمثابة منهاج سلوكي ليسير عليه شيعته ويقيموا علائقهم وفقاً له فيما بينهم وبين أبناء المجتمع الذي يعيشون فيه وإن اختلفوا معهم في المذهب والمعتقد، ومن هذه الوصايا:

١ ـ قولهعليه‌السلام :«أوصيكم بتقوى الله والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم من بر أو فاجر، وطول السجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، صَلّوا في عشائركم، واشهدوا جنائزهم وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم، فإنّ الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق في حديثه، وأدّى الأمانة، وحسَّن خلقه مع الناس قيل: هذا شيعي فيسرّني ذلك، اتّقوا الله وكونوا زيناً ولا تكونوا شيناً، جُرّوا

ــــــــــــ

(١) إثبات الوصية: ٢٤٦.

(٢) الخرائج والجرائح: ١/٤٣٩ ح ٢٠ وعنه في بحار الأنوار: ٥٠/٢٦٩.


إلينا كلّ مودّة، وادفعوا عنّا كلّ قبيح فإنّه ما قيل فينا من حُسْن فنحن أهله وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك. لنا حقٌّ في كتاب الله وقرابة من رسول الله وتطهيرٌ من الله لا يدّعيه أحد غيرنا إلاّ كذّاب. أكثروا ذكر الله وذكر الموت وتلاوة القرآن والصلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّ الصلاة على رسول الله عشر حسنات، احفظوا ما وصّيتكم به واستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام» .(١)

٢ ـ وقالعليه‌السلام :«أمرناكم بالتختّم في اليمين ونحن بين ظهرانيكم والآن نأمركم بالتختم في الشمال لغيبتنا عنكم إلى أن يظهر الله أمرنا وأمركم فإنه أول دليل عليكم في ولايتنا أهل البيت» .

وقالعليه‌السلام لهم:«حدثوا بهذا شيعتنا» (٢) .

٣ ـ وكتب الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام وصيّته إلى أحد أعلام أصحابه، هو علي بن الحسين بن بابويه القمي جاء فيها:

«أوصيك... بتقوى الله وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة فإنّه لا تقبل الصلاة من مانع الزكاة، وأوصيك بمغفرة الذنب وكظم الغيظ، وصلة الرحم، ومواساة الإخوان، والسعي في حوائجهم في العسر واليسر والحلم عند الجهل، والتفقّه في الدين، والتثبت في الأمور، والتعاهد للقرآن، وحسن الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله تعالى: ( لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) واجتناب الفواحش كلها، وعليك بصلاة الليل فإنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوصى علياً عليه‌السلام فقال: ياعلي عليك بصلاة الليل، عليك بصلاة الليل، عليك بصلاة الليل، ومن استخفّ بصلاة الليل فليس منّا، فاعمل بوصيتي وأمر جميع شيعتي بما أمرتك به حتى يعملوا به، وعليك بالصبر وانتظار الفرج فإنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: أفضل أعمال

ــــــــــــ

(١) تحف العقول: ٤٨٧ ـ ٤٨٨.

(٢) تحف العقول: ٤٨٧ ـ ٤٨٨.


أمتي انتظار الفرج...» (١) .

وبذلك رسم الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام منهجاً واضحاً لشيعته للسير عليه وهو يتضمن مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية وما تدعو إليه من خلق رفيع، وحسن تعامل مع الناس سواء كانوا موافقين لشيعته في المبدأ أو مخالفين لهم، وتلك هي أخلاق الإسلام التي دعى إليها رسول الإنسانية محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٤ ـ وصوّر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام الواقع الذي كان يعيشه وما كان يحتويه من اختلاف الناس ومواليه بتوقيع خرج عنهعليه‌السلام إلى بعض مواليه حيث طلب من الإمامعليه‌السلام إظهار الدليل، فكتب أبو محمدعليه‌السلام :

(وإنما خاطب الله عَزَّ وجَلَّ العاقل وليس أحد يأتي بآية ويظهر دليلاً أكثر مما جاء به خاتم النبيين وسيد المرسلين، فقالوا: ساحر وكاهن وكذّاب، وهدى الله من اهتدى، غير أن الأدلة يسكن إليها كثير من الناس وذلك أن الله عَزَّ وجَلَّ يأذن لنا فنتكلم، ويضع ويمنع فنصمت، ولو أحب أن لا يظهر حقاً ما بعث النبيين مبشرين ومنذرين يصدعون بالحق في حال الضعف والقوة، وينطقون في أوقات ليقضي الله أمره وينفذ حكمه.

الناس في طبقات شتى، والمستبصر على سبيل نجاة متمسك بالحق، متعلق بفرع أصيل غير شاك ولا مرتاب، لا يجد عنه ملجأ، وطبقة لم تأخذ الحق من أهله، فهم كراكب البحر يموج عند موجه، ويسكن عند سكونه، وطبقة استحوذ عليهم الشيطان شأنهم الرد على أهل الحق، ودفع الحق بالباطل، حسداً من عند أنفسهم فدع من ذهب يذهب يميناً وشمالاً فالراعي إذا أراد أن يجمع غنمه جَمعها في أهون السعي، ذكرت ما اختلف فيه موالي فإذا كانت الوصية والكبر فلا ريب ومن جلس مجالس الحكم فهو أولى بالحكم، أحسن رعاية من استرعيت وإياك والإذاعة وطلب الرياسة فإنهما يدعوان إلى الهلكة)(٢) .

ــــــــــــ

(١) شعب الإيمان: ٢/٤٣ ح ١١٢٤ وعنه في الأنوار البهية، القمي: ٣١٩.

(٢) الخرائج والجرائح: ٤٤٩ ح٣٥ وعن الدلائل في كشف الغمّة: ٣/٢٠٦، ٢٠٧.


البحث الثامن: الإمام العسكريعليه‌السلام والتحصين الأمني

انتهج الإمام الحسن العسكري نهج آبائه للمحافظة على شيعته وأتباعه الذين يمثّلون الجماعة الصالحة في المجتمع الإسلامي، وقد شدّد الإمام العسكري دعوته إلى الكتمان وعدم الإذاعة والحذر في التعامل مع الآخرين، والتشدد في نقل الأخبار والوصايا عنه ونقل أوامره إلى أصحابه ونقل أخبارهم إليه، فإنّ أتباعه قد انتشروا في أقطار الدولة الإسلامية في عصرهعليه‌السلام بعد أن أخذ التشيع طابع المعارضة واتسعت دائرته تحت راية أهل البيتعليهم‌السلام وكثيراً ما كانت تصدر عنهعليه‌السلام التحذيرات المهمة لهم تجاه الفتن والابتلاءات المستقبلية تجنيباً لهم من الوقوع في شرك السلطة وحفظاً لهم من مكائدها.

فعن محمد بن عبد العزيز البلخي قال: أصبحت يوماً فجلست في شارع الغنم فإذا بأبي محمّد أقبل من منزله يريد دار العامّة، فقلت في نفسي: ترى إن صحتُ: أيّها الناس هذا حجة الله عليكم فاعرفوه، يقتلوني ؟ فلمّا دنا منّي أومأ بإصبعه السبّابة على فيه:أن اسكت ، ورأيته تلك الليلة يقول:«إنما هو الكتمان أو القتل، فاتّق الله على نفسك» (١) .

وقد دلّ هذا النص على أمور مهمّة هي:

١ ـ كشف الإمامعليه‌السلام عن نيّة أحد أصحابه لمعرفته بما في دخيلة نفسه، ومنعه من التحدث بما عزم عليه من إظهار أمر الإمامعليه‌السلام .

٢ ـ كشف عن حراجة الظروف التي كانت تحيط بالإمامعليه‌السلام وأصحابه ومحاولة السلطة للتعرف عليهم لتطويق عملهم.

ــــــــــــ

(١) الخرائج والجرائح: ١/٤٤٧ ح ٣٢ وعنه في كشف الغمة: ٣/٢١٢، ٢١٣.


٣ ـ إن النص يظهر لنا استغلال الإمامعليه‌السلام للمناسبات المختلفة لتحذير أصحابه من الإفصاح عن أنفسهم وإظهار علاقتهم بالإمام كما سيتضح لنا ذلك من النصوص الآتية.

ونلاحظ أنّ أحد أساليب الإمامعليه‌السلام في عمله المنظم والمحاط بالسرية التامة هو منعه أصحابه من أن يسلّموا عليه أو يشيروا له بيد.

روى علي بن جعفر عن أحد أصحاب الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام فقال: اجتمعنا بالعسكر ـ أي سامراء ـ وقد صرنا لأبي محمدعليه‌السلام يوم ركوبه فخرج توقيعه:«لا يسلمنّ عليَّ أحد، ولا يشير إليّ بيده، ولا يومئ، فإنّكم لا تأمنون على أنفسكم» (١) .

كما نلاحظ مبادرة الإمامعليه‌السلام إلى ابتكار أساليب جديدة في إيصال أوامره ووصاياه إلى وكلائه وثقاته وإليك نموذجاً منها:

روى أبو هاشم الجعفري عن داود بن الأسود قال: دعاني سيدي أبو محمد ـ الحسن العسكريعليه‌السلام ـ فدفع لي خشبة، كأنها رجل باب مدوّرة طويلة ملء الكف فقالعليه‌السلام :«صر بهذه الخشبة إلى العمري» فمضيت إلى بعض الطريق فعرض لي سقاء معه بغل، فزاحمني البغل على الطريق... فضربت البغل فانشقّت ـ الخشبة ـ فنظرت إلى كسرها فإذا فيها كُتب، فبادرت سريعاً فرددت الخشبة إلى كمّي فجعل السقاء يناديني ويشتمني، ويشتم صاحبي فلمّا دنوت من الدار راجعاً استقبلني عيسى الخادم عند الباب الثاني، فقال: يقول لك مولاي:«لِمَ ضربتَ البغل وكسرت رجل الباب ؟» . فقلت: يا سيدي لم أعلم ما في رجل الباب، فقالعليه‌السلام :«ولم احتجت أن تعمل عملاً تحتاج أن تعتذر منه. إيّاك بعدها أن تعود إلى مثلها، وإذا سمعت لنا شأناً فامضِ لسبيلك التي أمرت بها،

ــــــــــــ

(١) الخرائج والجرائح للراوندي: ١/٤٣٩ ح ٢٠ وعنه في بحار الأنوار: ٥٠/٢٦٩.


وإياك أن تجاوب من يشتمنا، أو تعرّفه من أنت، فإننا في بلد سوء، ومصر سوء وامضِ في طريقك فإنّ أخبارك وأحوالك ترد إلينا فاعلم ذلك» (١) .

وفي هذا النص دلالات كثيرة ومهمّة في مجال العمل المنظم، كما أنّه يعكس السرية التامة في العمل من جهة الإمام وأصحابه المقرّبين من أجل تجاوز ما يثيره الظرف من إشكالات تجاه العاملين، لذا نجد الإمامعليه‌السلام يمنع رسوله من التعرّض لأيّ أمر يمكن من خلاله أن تكشف هويته وشخصيته وصلته بالإمامعليه‌السلام حتى لو شتمه أحد أو رُبما يُسبّ الإمامعليه‌السلام أمامه، فعليه أن يغضّ الطرف وكأنه ليس هو المقصود، ويذهب في مهمّته، حتى لا يُكشف ولا يتعرّف أحد جلاوزة السلطان على ما يخرج من الإمامعليه‌السلام لوكلائه وثقاته.

وتفيد هذه النصوص وغيرها أن الظروف الصعبة والقاهرة التي عاشها الإمامعليه‌السلام وأصحابه هي التي ألجأته إلى اتخاذ السرية والكتمان الشديد في تعامله مع قواعده الشعبية، وبالتالي فهي الطريق الأصوب إلى تربية شيعته ومواليه وتهيئة قواعده لعصر الغيبة الصغرى والتي سوف يتم اتصال الشيعة خلالها بالإمام المهديّعليه‌السلام عن طريق وكيل له، حيث لا يتيسّر الاتّصال المباشر به ولا يكون الالتقاء به ممكناً وعمليّاً وذلك لما كانت السلطة العباسية قد فرضته من رقابة شديدة على الشيعة لمعرفة محلّ اختفاء الإمام المهديّعليه‌السلام .

هذه هي أهم المحاور التي سنحت الفرصة للبحث عنها بالنسبة لمتطلّبات الجماعة الصالحة في عصر الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام .

ــــــــــــ

(١) مناقب آل أبي طالب: ٤ / ٤٦٠، ٤٦١.


وسنقف في الفصل الأخير من الكتاب على أهم ما صدر من الإمامعليه‌السلام في مجال التحصين العلمي والعقائدي والتربوي والأخلاقي بالإضافة إلى ما قد عرفناه من التحصين السياسي والأمني والاقتصادي فيما مرّ من خلال المهام التي جعلت على عاتق الوكلاء وثقاة أصحابه.

الفصل الثالث: من تراث الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام

إنّ المأثور عن الإمام العسكري هو مجموعة من النصوص التي يمكن تصنيفها تحت عناوين متعددة هي:

١ ـ التفسير.

٢ ـ رسالة المنقبة التي وصفت بأنها تشتمل على أكثر الحلال والحرام.(١)

٣ ـ مكاتبات الرجال الواردة عن العسكريين.(٢)

٤ ـ مجموعة وصايا وكتب وتوقيعات إلى شيعته.(٣)

٥ ـ ما تناثر من درر كلماته وأحاديثه في مجالات شتّى، وهي تشكّل موسوعة علمية تستحقّ الدراسة والبحث. ونتكلم عن كل واحد من هذه العناوين الخمسة فيما يلي:

أوّلاً: التفسير

لقد اختلف الفقهاء والمحدّثون في مدى صحة انتساب التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام منذ القرن الرابع الهجري حتى يومنا هذا.

ــــــــــــ

(١ و٢) تاريخ التشريع الإسلامي، عبد الهادي الفضلي: ١٩٨.

(٣) حياة الإمام الحسن العسكري،(دراسة وتحليل)، باقر شريف القرشي: ص٧١ ـ ٩٥.


غير أن المعلوم هو أن الإمام العسكريعليه‌السلام قد أثرت عنه مجموعة لا بأس بها من النصوص في مجال تفسير القرآن الكريم. وقد تناثرت جملة من هذه النصوص في المصادر الموجودة بأيدينا اليوم(١) .

فالخلاف إذاً هو حول الكتاب الذي يُنسب إليه، وليس في ظاهرة التفسير التي اختص بها عصره وعرفت عنه.

وإذا لاحظنا الظرف الذي عاشه الإمامعليه‌السلام من جهة ونسبة هذا التفسير إليه من جهة، ولاحظنا محتوى هذا التفسير من جهة ثالثة، وطابقنا محتواه مع ما روي عنه في سائر المصادر نكون قد وقفنا على نقاط واضحة وأخرى محتملة مشكوكة تحتاج إلى أدلة قوية للإثبات.

أما ظرف الإمام وعصره من حيث الاهتمام بالقرآن الكريم فقد عرفنا أن الكندي ـ كفيلسوف محترف ـ كان قد تصدّى لنسف اعتبار القرآن الكريم وإبطال جانب من جوانب إعجازه.

وهذا التصدي منه وتصدّي الإمامعليه‌السلام لردعه عما كان ينويه بشكل منطقي يدلّ على شدة اهتمامه بالقرآن في ذلك الظرف وفاعليته في الحياة الفكرية والاجتماعية ومدى أهمية حركة التفسير التي كان يقوم بها العلماء في إظهار عظمة الأمة الإسلامية من خلال حملها للقرآن الكريم، فكان من الطبيعي أن يؤكد الإمامعليه‌السلام هذا الجانب بإغناء الأمة الإسلامية بعلمه الذي كان يتفرّد به هو وآباؤه الكرام، فإنهم معدن العلم في هذه الأمة بل في العالم أجمع بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم أهل بيت الوحي حيث نزل القرآن في بيتهم

ــــــــــــ

(١) حياة الإمام الحسن العسكري، القرشي: ٩٥ ـ ١٠٠، ومسند الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام .


فهم أدرى بما في البيت من غيرهم، وكل العلماء تبع لهم وعيال عليهم في معرفة القرآن وعلومه، كما اعترف بذلك الموالف والمخالف وكما تفصح عنه سيرتهم جميعاً بدءً بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وانتهاءً بالإمام الحسن العسكريعليهم‌السلام .(١)

نماذج من تراثه التفسيري

١ ـ روى الثقة الأمين أبو هاشم الجعفري ـ وهو من خيرة أصحاب الإمامعليه‌السلام قال: كنت عند أبي محمدعليه‌السلام فسألته عن قول الله عَزَّ وجَلَّ:( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ... ) (٢) . قال أبو هاشم: فدمعت عيناي وجعلت أفكر في نفسي ما أعطى الله آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنظر إلي الإمام وقال:عظم ما حدثتك به نفسك من عظم شأن آل محمد، فاحمد الله، فقد جعلك الله متمسكاً بحبهم تدعى يوم القيامة بهم إذا دُعي كل إنسان بإمامه، فأبشر ياأبا هاشم فإنك على خير (٣) .

٢ ـ سأل محمد بن صالح الأرمني الإمام أبا محمد عن قول الله عَزَّ وجَلَّ: ( يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (٤) فقال الإمامعليه‌السلام :هل يمحو الله إلاّ ما كان، وهل يثبت إلاّ ما لم يكن تعالى الجبار، العالم بالأشياء قبل كونها، الخالق، إذ لا مخلوق، الديان .

وانبرى محمد بن صالح، فقال: أشهد أنك حجة الله ووليه وأنك على منهاج الحق الإمام أمير المؤمنين(٥) .

ــــــــــــ

(١) راجع مقدمة ابن أبي الحديد لشرحه لنهج البلاغة، فيما يخص الإمام علي وعلوم القرآن الكريم.

(٢) فاطر(٣٥): ٣٢.

(٣) الثاقب في المناقب: ص٣٤١ ـ ٢٤٢ للجرجاني.

(٤) الرعد(١٣): ٣٩.

(٥) الثاقب في المناقب: ٢٤٢ وكشف الغمة: ٣ / ٢٠٩ عن دلائل الحميري.


٣ ـ وسأله أيضاً عن قول الله عَزَّ وجَلَّ:( لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ) (١) فقال الإمام:من بعد أن يأمر بما يشاء ، فقلت في نفسي: هذا قول الله:(أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (٢) فنظر إلي الإمام وتبسم، ثم قال:( لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (٣) .

٤ ـ قال أبو هاشم: كنت عند أبي محمدعليه‌السلام فسأله ابن صالح الأرمني عن قول الله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ) (٤) .

قال الإمام أبو محمدعليه‌السلام :ثبتت المعرفة، ونسوا ذلك الموقف، وسيذكرونه، ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه، ولا من رازقه .

قال أبو هاشم: فجعلت أتعجب في نفسي من عظيم ما أعطى الله وليه، وجزيل ما حمله فأقبل أبو محمد عليّ، فقال:الأمر أعجب مما عجبت منه ياأبا هاشم وأعظم، ما ظنك بقوم من عرفهم عرف الله، ومن أنكرهم أنكر الله، فلا مؤمن إلاّ وهو بهم مصدق، وبمعرفتهم موقن (٥) .

٥ ـ روى سفيان بن محمد الصيفي، قال: كتبت إلى الإمام أبي محمدعليه‌السلام أسأله عن الوليجة في قول الله عَزَّ وجَلَّ: ( وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ) وقلت في نفسي: من يرى المؤمن هاهنا ؟، فرجع الجواب:الوليجة التي تقام دون ولي الأمر، وحدثتك نفسك عن المؤمنين من هم في هذا الموضع؟ فهم الأئمة الذين يؤمنون بالله فنحن هم (٦) .

ــــــــــــ

(١) الروم(٣٠): ٤.

(٢) الأعراف(٧): ٥٤.

(٣) كشف الغمة: ٣ / ٢١٠ عن دلائل الحميري.

(٤) الأعراف(٧): ١٧٢.

(٥) كشف الغمة: ٣ / ٢٠٩، ٢١٠ عن دلائل الحميري.

(٦) أصول الكافي: ١/٥٠٨ مع اختلاف يسير.


ثانياً: رسالة المنقبة

نقل العلاّمة المجلسي هذه الرسالة عن الإمام العسكري قائلاً: وخرج من عند أبي محمدعليه‌السلام في سنة خمس وخمسين ومئتين كتاب ترجمته(رسالة المنقبة) . يشتمل على أكثر علم الحلال الحرام(١) .

وهو ما رواه ابن شهرآشوب في مناقبه والبياضي في الصراط المستقيم(٢) .

ثالثاً: مكاتبات الرجال عن العسكريين

أشار إلى هذه المكاتبات في أحكام الدين الشيخ ابن شهرآشوب في المناقب راوياً لها عن الخيبر الحميري(٣) .

رابعاً: مجموعة وصايا الإمام العسكري وكتبه وتوقيعاته

إن ظاهرة صدور التوقيع من الإمام على أمر من الأمور ـ بمعنى إرسال رسالة من الإمام إلى من يهمّه الأمر من وكيل أو تابع خاص مزوّدة بتوقيعه ومشتملة على خطّهعليه‌السلام ـ قد مهّد بها الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام لفترة الغيبة، كما مهّد كل من الإمامين الهادي والعسكريعليهما‌السلام بكثرة احتجابهما للغيبة المتوقّعة للإمام المهديعليه‌السلام .

ومن هنا نجد أن الأصحاب والوكلاء الذين ألفوا هذه الظاهرة كانوا يسألون الإمامعليه‌السلام عن الملابسات المحتملة في المستقبل فيطلبون منه التعرّف على نوع الخط كما يطلبون منه كيفية التعرّف على توقيعاته فيما إذا احتمل تبدّل الخط.

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٥٠ / ٣١٠ عن مناقب آل أبي طالب: ٤/٤٥٧.

(٢) تاريخ التشريع الإسلامي: ١٩٨.

(٣) تاريخ التشريع الإسلامي: ١٩٨ عن مناقب آل أبي طالب: ٤/٤٥٧.


قال أحمد بن إسحاق: دخلت على أبي محمدعليه‌السلام فسألته أن يكتب لأنظر إلى خطّه فأعرفه إذا ورد. فقال:نعم ، ثم قال:يا أحمد إن الخطّ سيختلف عليك من بين القلم الغليظ إلى القلم الدقيق فلا تشكّنَّ ، ثم دعا بالدواة فكتب وجعل يستمدّ إلى مجرى الدواة، فقلت في نفسي وهو يكتب: استوهبه القلم الذي كتب به. فلمّا فرغ من الكتابة أقبل يحدّثني وهو يمسح القلم بمنديل الدواة ساعةً ثم قال:هاك يا أحمد فناولنيه...(١)

وقد أشرنا إلى جملة من الوصايا العامة التي ترسم الخطوط العريضة للوضع المستقبلي الذي كان ينبغي لشيعة أهل البيت أن يعدّوا أنفسهم له ويروّضوها عليه لعدم إمكان الارتباط المباشر بالإمام ومن ثم كانوا قد ألفوا الاحتجاب والغيبة منذ عصر الإمام الهاديعليه‌السلام .

وتكشف رسائله أيضاً عن طبيعة الظروف التي كان يعايشها الإمامعليه‌السلام وشيعته فيما يرتبط بالوضع السياسي أو العقائدي والفكري خارج دائرة الجماعة الصالحة أو داخل دائرة الجماعة الصالحة وهي شيعة أهل البيت أنفسهم.

وإليك بعض رسائل الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام :

١ ـ رسالته إلى إسحاق النيسابوري: أرسل الإمام أبو محمدعليه‌السلام إلى إسحاق ابن إسماعيل النيسابوري هذه الرسالة، وهي من غرر الرسائل، وقد استهدفت الوعظ، والإصلاح الشامل، وهذا نصها:

«سترنا الله وإياك بستره، وتولاك في جميع أمورك بصنعه، قد فهمت كتابك رحمك

ــــــــــــ

(١) مسند الإمام الحسن العسكري: ٨٧، عن الكافي: ١ / ٥١٣ ح ٢٧.


الله، ونحن بحمد الله ونعمته أهل بيت نرقُّ على موالينا، ونسرُّ بتتابع إحسان الله إليهم، وفضله لديهم، ونعتدُّ بكلِّ نعمة ينعمها الله تبارك وتعالى عليهم، فأتم الله عليك بالحقِّ ومن كان مثلك ممّن قد رحمه وبصّره بصيرتك، ونزع عن الباطل، ولم يعم في طغيانه بعمه، فإنّ تمام النعمة دخولك الجنّة، وليس من نعمة وإن جلّ أمرها وعظم خطرها إلاّ والحمد لله تقدّمت أسماؤه عليها يؤدّي شكرها.

وأنا أقول: الحمد لله مثل ما حمد الله به حامد إلى أبد الأبد، بما منَّ الله عليك من نعمته، ونجّاك من الهلكة، وسهَّل سبيلك على العقبة، وأيم الله إنّها لعقبة كؤود، شديد أمرها، صعب مسلكها، عظيم بلاؤها، طويل عذابها، قديم في الزُّبر الأولى ذكرها.

ولقد كانت منكم في أمور في أيام الماضيعليه‌السلام إلى أن مضى لسبيله (صلّى الله على روحه) وفي أيامي هذه كنتم فيها غير محمودي الشأن، ولا مسدَّدي التوفيق. واعلم يقيناً يا إسحاق أنَّ من خرج من هذه الحياة الدنيا أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلُّ سبيلاً، إنّها يابن إسماعيل ليس تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، وذلك قول الله عزّ وجلّ في محكم كتابه الظالم:( رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ) قال الله عزّ وجلّ:( كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ) (١) وأي آية يا إسحاق أعظم من حجّة الله عزّ وجلّ على خلقه، وأمينه في بلاده، وشاهده على عباده، من بعد ما سلف من آبائه الأوّلين من النبيّين وآبائه الآخرين من الوصيين، عليهم أجمعين رحمة الله وبركاته.

فأين يتاه بكم ؟ وأين تذهبون كالأنعام على وجوهكم؟ عن الحقِّ تصدفون وبالباطل تؤمنون، وبنعمة الله تكفرون ؟ أو تكذبون، فمن يؤمن ببعض الكتاب، ويكفر ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم ومن غيركم إلاّ خزي في الحياة الدنيا الفانية، وطول عذاب الآخرة الباقية، وذلك والله الخزي العظيم.

إن الله بفضله ومنِّه لمّا فرض عليكم الفرائض، لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه

ــــــــــــ

(١) طه(٢٠): ١٢٥ و ١٢٦.


إليكم، بل برحمة منه لا إله إلاّ هو عليكم، ليميز الخبيث من الطيّب، وليبتلي ما في صدوركم، وليمحّص ما في قلوبكم ولتألفوا إلى رحمته، ولتتفاضل منازلكم في جنّته.

ففرض عليكم الحجَّ والعمرة وإقام الصّلاة، وإيتاء الزكاة، والصّوم والولاية، وكفا بهم لكم باباً ليفتحوا أبواب الفرائض، ومفتاحاً إلى سبيله، ولولا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأوصياء من بعده، لكنتم حيارى كالبهائم، لا تعرفون فرضاً من الفرائض وهل يدخل قرية إلاّ من بابها.

فلمّا منَّ عليكم بإقامة الأولياء بعد نبيّه، قال الله عزّ وجلّ لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ) (١) وفرض عليكم لأوليائه حقوقاً أمركم بأدائها إليهم، ليحلَّ لكم ما وراء ظهوركم من أزواجكم وأموالكم ومأكلكم ومشربكم، ويعرِّفكم بذلك النماء والبركة والثروة، وليعلم من يطيعه منكم بالغيب، قال الله عزّ وجلّ:( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٢) .

واعلموا أن من يبخل فإنّما يبخل عن نفسه، وأنّ الله الغنيّ وأنتم الفقراء لا إله إلاّ هو.

ولقد طالت المخاطبة فيما بيننا وبينكم فيما هو لكم وعليكم، ولولا ما يجب من تمام النّعمة من الله عزّ وجلّ عليكم، لما أريتكم منّي خطّاً ولا سمعتم مني حرفاً من بعد الماضيعليه‌السلام .

أنتم في غفلة عمّا إليه معادكم، ومن بعد الثاني رسولي وما ناله منكم حين أكرمه الله بمصيره إليكم، ومن بعد إقامتي لكم إبراهيم ابن عبدة، وفّقه الله لمرضاته وأعانه على طاعته، وكتابه الذي حمله محمّد بن موسى النيسابوري والله المستعان على كلِّ حال، وإنّي أراكم مفرطين في جنب الله فتكونون من الخاسرين.

فبُعداً وسحقاً لمن رغب عن طاعة الله، ولم يقبل مواعظ أوليائه، وقد أمركم الله

ــــــــــــ

(١) المائدة(٥): ٣.

(٢) الشورى(٤٢): ٢٣.


عَزَّ وجَلَّ بطاعته لا إله إلاّ هو، وطاعة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبطاعة أولي الأمر عليهم‌السلام ، فرحم الله ضعفكم وقلّة صبركم عمّا أمامكم فما أغرَّ الإنسان بربّه الكريم، واستجاب الله تعالى دعائي فيكم، وأصلح أموركم على يدي، فقد قال الله جلّ جلاله: ( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) (١) وقال جلّ جلاله: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (٢) وقال الله جلّ جلاله: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) (٣) .

فما أحبُّ أن يدعو الله جلّ جلاله بي ولا بمن هو في أيّامي إلاّ حسب رقّتي عليكم، وما انطوى لكم عليه من حبّ بلوغ الأمل في الدّارين جميعاً، والكينونة معنا في الدّنيا والآخرة.

فقد ـ يا إسحاق! يرحمك الله ويرحم من هو وراءك ـ بيّنت لك بياناً وفسّرت لك تفسيراً، وفعلت بكم فعل من لم يفهم هذا الأمر قطُّ ولم يدخل فيه طرفة عين، ولو فهمت الصمّ الصّلاب بعض ما في هذا الكتاب، لتصدّعت قلقاً خوفاً من خشية الله ورجوعاً إلى طاعة الله عزّ وجلّ، فاعملوا من بعد ما شئتم فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ثمّ تردّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون والعاقبة للمتّقين والحمد لله كثيراً ربِّ العالمين (٤) .

ولا بد لنا من وقفة قصيرة للنظر في أبعاد هذه الرسالة الشريفة، وبيان محتوياتها، وفي ما يلي ذلك:

أولاً: أنها أظهرت سرور الأئمة الطاهرين، وفرحهم بما يسديه الله تعالى إلى شيعتهم من النعم والألطاف.

ــــــــــــ

(١) الإسراء(١٧): ٧١.

(٢) البقرة(٢): ١٤٣.

(٣) آل عمران(٣): ١١٠.

(٤) بحار الأنوار: ٥٠/٣١٩ ـ ٣٢٢.


ثانياً: أن من أعظم النعم وأجلها التي يتمناها الإمام أبو محمد لشيعته هي الفوز بالجنة والنجاة من النار، فإن من فاز بذلك فقد ظفر بالخير العميم.

ثالثاً: أعرب الإمامعليه‌السلام عن حدوث فجوة بينه وبين إسحاق وجماعته، ولم يحدث ذلك في زمانه، وإنما كان في زمان أبيه الإمام الهاديعليه‌السلام ، فقد ساءت العلاقات بينه وبين القوم، ولم تكشف المصادر التي بأيدينا أسباب ذلك، وأكبر الظن أن ذلك يستند إلى ما يلي:

أ ـ اندساس الدجالين، والمخربين، وذوي الأطماع بين صفوف القوم، وإفساد عقائدهم، مما نجم منه التشكيك في الأئمةعليهم‌السلام والرد عليهم.

ب ـ حجب الأئمةعليهم‌السلام من قبل العباسيين، وقطع أي اتصال بينهم وبين شيعتهم الأمر الذي أدى إلى إشاعة بعض الأفكار المنحرفة بين صفوف بعضهم، ولو كانوا على اتصال بهم لما حدث أي شيء من ذلك.

ج ـ دس الحكومة العباسية بعض عملائها بهدف تفريق صفوف أتباع أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، والعبث بمقدراتهم الفكرية والاجتماعية وذلك للحط من شأنهم، وفل قواهم.

د ـ وثمة عامل آخر أدى إلى شيوع الاضطراب العقائدي بين صفوف بعض الشيعة، وهو الحسد لبعض وكلاء الإمامينعليهما‌السلام الذين عُهد إليهم بقبض الحقوق الشرعية، وصرفها على الفقراء والمحرومين وسائر الجهات الإصلاحية، وقد منحوا بذلك التأييد المطلق، والثقة الكاملة من قبل الإمامين، وقد عز ذلك على بعض الشخصيات البارزة الذين لم يظفروا بمثل ذلك مما أدى إلى حسدهم والحسد داء وبيل ألقى الناس في شر عظيم، وأخرجهم من النور إلى الظلمات، فأخذوا يعيثون فساداً بين صفوف الشيعة ويفسدون عليهم عقائدهم.

رابعاً: نعى الإمامعليه‌السلام على المنحرفين عن الحق سلوكهم في المنعطفات


وبعدهم عن المسالك الواضحة التي تضمن لهم السلامة والنجاة، فقد ضلت عقولهم، وعميت عيونهم، وإنهم في يوم حشرهم سيحشرون عمي العيون كما كانوا في دار الدنيا.

خامساً: ذكر الإمامعليه‌السلام أن الله تعالى أقام الحجة على عباده وذلك ببعثه النبيين والمرسلين والأوصياء، فقد بلغوا أوامر الله ونواهيه، ونشروا أحكامه، فلا عذر للعباد بعد ذلك في تقصيرهم وعدم طاعتهم.

سادساً: عرض الإمامعليه‌السلام إلى أن الله لما أقام الفرائض على العباد، وألزمهم بها لم يكن بحاجة إليها، وإنما ليميز الخبيث من الطيب، ويمتحن العباد بها، فمن أطاع فقد نجا، ومن خالف فقد غرق وهوى.

سابعاً: ومن بنود هذه الرسالة أن الله تعالى قد منَّ على هذه الأمة بأن أرسل النبي محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأوصياء من بعده بهدايته، ولولاهم لكانت هذه تتيه في مساحات سحيقة من مجاهل هذه الحياة لا تعرف فرضاً، ولا تفقه سنة، فما أعظم عائداتهم على هذه الأمة، بل وعلى البشرية جمعاء.

ثامناً: إن الله تعالى فرض لآل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على المسلمين فريضة مالية، وهي الخمس، وهو تشريع اقتصادي أصيل، تزدهر به الحياة الفكرية والدينية في الإسلام، ولولاه لما استمرت المرجعية العامة، والهيئة العلمية عند الطائفة الإمامية، التي هي امتداد مشرق لرسالة الأئمة الطاهرينعليهم‌السلام ... أما تفصيل الخمس، وفيما يجب فقد عرضت لبيانه كتب الفقه الإمامي، ومن الجدير بالذكر أن الإمام أبا محمدعليه‌السلام قد بين في رسالته هذه أنه لا تحل الأزواج والأموال، والمآكل، والمشارب من دون إخراج الخمس، وأكبر الظن أن القوم الذين عناهم الإمام في رسالته ما كانوا يؤدون هذا الحق


المفروض، الأمر الذي أوجب توتر العلاقات بينهم، وبين الإمام(١) .

٢ ـ رسالته إلى أهالي قم وآبة: وأرسل الإمام أبو محمدعليه‌السلام إلى شيعته من أهالي قم وآبة(٢) رسالة جاء فيها:

«إن الله تعالى بجوده وكرمه، ورأفته، قد منَّ على عباده بنبيه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بشيراً ونذيراً، ووفقكم لقبول دينه، وأكرمكم بهدايته، وغرس في قلوب أسلافكم الماضين(رحمة الله عليهم) وأصلابكم الباقين(تولى كفايتهم، وعمرهم طويلاً في طاعته)، حب العترة الهادية، فمضى من مضى على وتيرة الصواب، ومنهاج الصدق وسبيل الرشاد، فوردوا موارد الفائزين، واجتنوا ثمرات ما قدموا، ووجدوا غب ما أسلفوا...

ومنها:

فلم تزل نيتنا مستحكمة، ونفوسنا إلى طيب آرائكم ساكنة، القرابة الراسخة بيننا وبينكم قوية، وصية أوصى بها أسلافنا وأسلافكم، وعهد عهد إلى شبابنا ومشايخكم، فلم يزل على جملة كاملة من الاعتقاد، لما جمعنا الله عليه من الحال القريبة، والرحم الماسة، يقول العالم سلام الله عليه: المؤمن أخو المؤمن لأمه وأبيه...».

ولم يصل إلينا تمام هذه الرسالة، وإنما وصلت منها هذه القطعة، وهي تحكي مدى تعاطف الإمامعليه‌السلام مع هؤلاء المؤمنين الأخيار الذين تحرجوا في دينهم كأشد ما يكون التحرج، فقد ترحم الإمام على أسلافهم المتمسكين بدينهم الذين آمنوا بالإسلام، واتبعوا ما أمر الله به، ففازوا برضوان الله ومغفرته.

وتعرض الإمامعليه‌السلام إلى الصلات الوثيقة التي عقدت بين القوم وبين أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، وهي قديمة وقد قامت على إيمان القوم برسالة أهل البيت، وأهدافهم الشامخة، ولم تقم على الأهواء والعواطف، وقد أكبر

ــــــــــــ

(١) باقر شريف القرشي: حياة الإمام الحسن العسكري: ٧٦ ـ ٧٨.

(٢) آبة: بليدة تقابل ساوة، وتعرف بين العامة بآوة، قال ذلك ياقوت في المعجم.


الإمامعليه‌السلام فيهم هذه الروح، وهذا الشعور الفياض(١) .

٣ ـ رسالته إلى عبد الله البيهقي: وأرسل الإمامعليه‌السلام إلى عبد الله بن حمدويه البيهقي الرسالة التالية:

«وبعد: فقد بعثت لكم إبراهيم بن عبده ليدفع النواحي، وأهل ناحيتك حقوقي الواجبة عليكم إليه، وجعلته ثقتي وأميني، عند موالي هناك فليتقوا الله، وليراقبوا، وليؤدوا الحقوق فليس لهم عذر في ترك ذلك، ولا تأخيره، ولا أشقاهم الله بعصيان أوليائه، ورحمهم الله وإياك معهم برحمتي لهم، إن الله واسع كريم» (٢) .

لقد أقام الإمامعليه‌السلام في المناطق التي تدين بإمامته وكلاء من العلماء الأخيار، وعهد إليهم بقبض الحقوق الشرعية، وحملها إليه أو انفاقها في سبل الخير والصلاح.

٤ ـ رسالته في حق إبراهيم: وكان الإمامعليه‌السلام قد أقام إبراهيم بن عبده وكيلاً عنه في قبض الحقوق الشرعية، وصرفها في إقامة دعائم الدين، وصلة المحتاجين وقد زوده برسالة أشاد فيها بمكانة إبراهيم ووثاقته، وقد سئل عن تلك الرسالة هل هي بخطه، فأجابعليه‌السلام :

«وكتابي الذي ورد على إبراهيم بن عبده بتوكيلي إياه بقبض حقوقي من موالينا هناك، نعم هو كتابي بخطي إليه، أقمته لهم ببلدهم حقاً غير باطل، فليتقوا الله حق تقاه، وليخرجوا من حقوقي، وليدفعوها إليه، فقد جوزت له ما يعمل به فيها وفقه الله، ومنَّ عليه بالسلامة من التقصير..» (٣) .

لقد أقر الإمام وكالته لإبراهيم، وأوصاه بتقوى الله وطاعته وألزم شيعته بدفع الحقوق المفروضة عليهم إليه.

٥ ـ رسالته إلى مواليه: وبعث الإمام أبو محمدعليه‌السلام الرسالة التالية إلى بعض

ــــــــــــ

(١) باقر شريف القرشي: حياة الإمام الحسن العسكري: ٧٩.

(٢) الكشي: ٥٨٠ ح ١٠٨٩.

(٣) الكشي: ٥٨٠ ح ١٠٨٩، معجم رجال الحديث: ١٠ / ٢٣٢.


مواليه، وقد نعى فيها ما هم فيه من الاختلال والفرقة والانحراف عن الدين وهذا نصها بعد البسملة: «استوهب الله لكم زهادة في الدنيا وتوفيقاً لما يرضى، ومعونة على طاعته وعصمة عن معصيته، وهداية من الزيغ وكفاية، فجمع لنا ولأوليائنا خير الدارين.

أما بعد: فقد بلغني ما أنتم عليه من اختلاف قلوبكم، وتشتيت أهوائكم، ونزغ الشيطان، حتى أحدث لكم الفرقة والإلحاد في الدين، والسعي في هدم ما مضى عليه أوائلكم من إشادة دين الله، وإثبات حق أوليائه، وأمالكم إلى سبيل الضلالة، وصد بكم عن قصد الحق، فرجع أكثركم القهقرى على أعقابكم، تنكصون كأنكم لم تقرؤا كتاب الله جل وعز ولم تعوا شيئاً من أمره ونهيه ولعمري لئن كان الأمر في اتكال سفهائكم على أساطيركم لأنفسهم وتأليفهم روايات الزور بينهم لقد حقت كلمة العذاب عليهم ولئن رضيتم بذلك منهم ولم تنكروه بأيديكم وألسنتكم وقلوبكم ونياتكم، إنكم شركاء وهم، في ما اجترحوه من الافتراء على الله تعالى وعلى رسوله وعلى ولاة الأمر من بعده ولئن كان الأمر كذلك لما كذب أهل التزيد في دعواهم، ولا المغيريّة في اختلافهم ولا الكيسانية في صاحبهم ولا من سواهم من المنتحلين ودّنا والمنحرفين عنا، بل أنتم شر منهم قليلاً، وما شيء يمنعني من وسم الباطل فيكم بدعوة تكونوا شامتاً لأهل الحق إلاّ انتظار فيئهم، وسيفيء أكثرهم إلى أمر الله إلاّ طائفة لو[ شئت] لسميتها ونسبتها استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، ومن نسي ذكر الله تبرأ منه فسيصليه جهنم وساءت مصيراً.

وكتابي هذا حجة عليهم، وحجة لغائبكم على شاهدكم إلاّ من بلغه فأدّى الأمانة، وأنا أسأل الله أن يجمع قلوبكم على الهدى، ويعصمكم بالتقوى، ويوفقكم للقول بما يرضى، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..»(١) .

وهكذا صعد الإمامعليه‌السلام آهاته على ما مُني به بعض مواليه من الاختلاف، والتفرق والانحراف عن الدين، ويعود السبب في ذلك إلى

ــــــــــــ

(١) عن الدر النظيم: ٧٤٨.


أن هؤلاء الغوغاء لم يعتنقوا الإسلام عن وعي عميق مدعم بالأدلة الحاسمة، وإنما أخذوا بعض طقوسه عن تقليد لآبائهم، وأقل شبهة تعرض لهم، فإنهم ينكصون على الأعقاب.

لقد عمدت القوى الباغية على الإسلام على إفساد الموالي من شيعة الإمامعليه‌السلام وتضليلهم، وقد افتعلوا في سبيل ذلك الروايات الكاذبة التي تدعم أفكارهم الفاسدة، ولا سبيل لالتقاء الإمام بهم ليقوم برد تلك الشبه، وتنوير الأفكار بنور الحق، وذلك بسبب ما فرض عليه من الإقامة الجبرية في سامراء، وكان ذلك من أعظم المحن التي واجهها في حياته(١) .

٦ ـ رسالته إلى بعض مواليه: وأرسل الإمام أبو محمدعليه‌السلام إلى بعض مواليه هذه الرسالة، وقد جاء فيها بعد البسملة:

«كل مقدور كائن، فتوكل على الله جلَّ وعزَّ يكفك، وثق به لا يخيبك، وشكوت أخاك فاعلم يقيناً أن الله جلَّ وعزَّ لا يعين على قطيعة رحم، وهو جل ثناؤه من وراء ظلم كل ظالم، ومن بغي عليه لينصرنه الله، إن الله قوي عزيز، وسألت الدعاء، إن الله جل وعز لك حافظ، وناصر، وساتر، وأرجو من الله الكريم الذي عرفك من حقه، وحق أوليائه ما عمي عنه غيرك أن لا يزيل عنك نعمة أنعم بها عليك، إنه ولي حميد..» (٢) .

لقد دعا الإمامعليه‌السلام إلى التوكل على الله، والثقة به فإنه لا يخيب من التجأ إليه، واتكل عليه، كما لامه الإمام للشكوى من أخيه لأن الله تعالى لا يعين على قطيعة رحم، ثم دعا له الإمام أن يديم الله عليه نعمه وألطافه ولا يزيلها عنه.

٧ ـ رسالة لبعض شيعته: ورفع بعض الشيعة إلى الإمامعليه‌السلام رسالة يستغيث فيها من ظالم ظلمه، واعتدى عليه فأجابهعليه‌السلام بما يلي:

«نحن نستكفي بالله جلَّ وعزَّ في هذا اليوم من كل ظالم وباغ، وحاسد، وويل لمن

ــــــــــــ

(١) حياة الإمام الحسن العسكري: ٨٦ ـ ٨٧.

(٢) حياة الإمام الحسن العسكري: ٨٧.


قال: ما يعلم الله جلَّ وعزَّ جلاله، ماذا يلقى من ديان يوم الدين، !! فإن الله جلَّ وعزَّ للمظلومين ناصر، وعضد، فثق به جل ثناؤه، واستعن به يُزِلْ محنتك. ويكفك شر كل ذي شر، فعل الله ذلك بك، ومنَّ علينا فيك، إنه على كل شيء قدير، واستدرك الله كل ظالم في هذه الساعة، ما أحد ظلم وبغى فأفلح، الويل لمن أخذته أصابع المظلومين فلا تغتم، وثق بالله، وتوكل عليه، فما أسرع فرجك، والله عَزَّ وجَلَّ مع الذين صبروا والذين هم محسنون..» (١) .

شجب الإمامعليه‌السلام في رسالته الظلم والبغي والحسد، واستجار بالله من كل ظالم وباغ وحاسد، فإنه تعالى عون للمظلومين، وسند لهم، وهو القادر على إزالة الظلم، وإنزال أقصى العقوبة بالمعتدين والظالمين(٢) .

خامساً: اهتمامات الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام الفكرية والعلمية

نلاحظ اهتماماً علميّاً متشعّب الجوانب من خلال النصوص الواصلة إلينا عن الإمام العسكري، فهو يهتم بالقرآن الكريم وهو سند الشريعة ومصدرها الأساسي كما انه يهتم بحفظ السنة النبوية وسنّة أهل البيت وتأريخهم، ويهتم أيضاً بنقده وتعريفه للشخصيات التي يتوجّه إليها الناس لأخذ العلوم والأحكام منهم أو مراجعتهم لغرض الارتباط بالإمامعليه‌السلام أو توكيلهم لإيصال الحقوق الشرعية إليه، فهو يعرّف وكلاءه ويوليهم ثقة ويلعن من ينحرف منهم ويحذّر شيعته ومواليه من الغفلة عن رصد أحوالهم في حال استقامتهم أو انحرافهم.

ونجد من الإمام اهتماماً بليغاً بالفقه والأحكام الشرعية كما نجد اهتمامه بالدعاء والطب والعقيدة والمعرفة بشكل عام.

ــــــــــــ

(١) عن الدر النظيم ورقة: ٢٢٥.

(٢) راجع باقر شريف القرشي حياة الإمام الحسن العسكري: ٧٣ ـ ٨٨.


من تراثه المعرفيّ

١ ـ عن أبي منصور الطبرسي مسنداً قال: حدثنا أبو محمّد الحسن بن علي العسكري عليهما‌السلام ، قال: حدثني أبي عن آبائهعليهم‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال:

أشد من يتم اليتيم الذي انقطع من أمه وأبيه يتم يتيم انقطع عن إمامه ولا يقدر على الوصول إليه ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلي به من شرائع دينه، ألا فمن كان من شيعتنا عالماً بعلومنا، وهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره، ألا فمن هداه وأرشده وعلمه شريعتنا كان معنا في الرّفيق الأعلى(١) .

٢ ـ وعنهعليه‌السلام قال: قال جعفر بن محمّد الصادقعليهما‌السلام :علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعوهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته والنواصب. ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة لأنه يدفع عن أديان محبينا وذلك يدفع عن أبدانهم (٢) .

٣ ـ وعنهعليه‌السلام بالإسناد المتقدم قال: قال موسى بن جعفر:فقيه واحد ينقذ يتيماً من أيتامنا المنقطعين عنا وعن مشاهدتنا بتعليم ما هو محتاج إليه أشد على إبليس من ألف عابد، لأن العابد همّه ذات نفسه فقط وهذا همه مع ذات نفسه ذوات عباد الله وإمائه لينقذهم من يد إبليس ومردته، فلذلك هو أفضل عند الله من ألف عابد وألف ألف عابدة (٣) .

٤ ـ وعنهعليه‌السلام قال: قال علي بن موسى الرضاعليهما‌السلام :يقال للعابد يوم القيامة: «نعم الرجل كنت همتك ذات نفسك وكفيت مؤنتك فادخل الجنة»، ألا أن الفقيه من أفاض على الناس خيره وأنقذهم من أعدائهم ووفر عليهم نعم جنان الله تعالى وحصل لهم رضوان الله تعالى.

ــــــــــــ

(١) الاحتجاج: ١ / ٦.

(٢) الاحتجاج: ١ / ٨.

(٣) الاحتجاج: ١ / ٨.


ويقال للفقيه: ياأيها الكافل لأيتام آل محمد الهادي لضعفاء محبيهم ومواليهم قف حتى تشفع لكل من أخذ عنك أو تعلم منك، فيقف فيدخل الجنة معه فئاماً وفئاماً وفئاماً ـ حتى قال عشراً ـ وهم الذين أخذوا عنه علومه وأخذوا عمن أخذ عنه وعمن أخذ عمن أخذ عنه إلى يوم القيامة، فانظروا كم صرف ما بين المنزلتين (١) .

٥ ـ بهذا الإسناد، عنهعليه‌السلام قال:قال محمد بن علي الجواد عليهما‌السلام : من تكفل بأيتام آل محمّد المنقطعين عن إمامهم المتحيرين في جهلهم الأسارى في أيدي شياطينهم وفي أيدي النواصب من أعدائنا فاستنقذهم منهم وأخرجهم من حيرتهم وقهر الشياطين برد وساوسهم وقهر الناصبين بحجج ربهم ودلائل أئمتهم، ليحفظوا عهد الله على العباد بأفضل الموانع بأكثر من فضل السماء على الأرض والعرش والكرسي والحجب على السماء، وفضلهم على العباد كفضل القمر ليلة البدر على أخفى كوكب في السماء (٢) .

٦ ـ بهذا الإسناد عنهعليه‌السلام قال:قال علي بن محمّد عليهما‌السلام لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم عليه‌السلام من العلماء الداعين إليه والدالين عليه والذابين عن دينه بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته ومن فخاخ النواصب لما بقي أحد إلاّ ارتد عن دين الله، ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها، أولئك هم الأفضلون عند الله عَزَّ وجَلَّ (٣) .

من تراثه الكلامي

١ ـ التوحيد في نصوص الإمام العسكريعليه‌السلام

١ ـ روى الكليني، مسنداً عن يعقوب بن إسحاق قال: كتبت إلى أبي محمّدعليه‌السلام أسأله: كيف يعبد العبد ربه وهو لا يراه ؟ فوقّععليه‌السلام :ياأبا يوسف جلَّ سيّدي ومولاي والمنعم عليّ وعلى آبائي أن يُرى .

ــــــــــــ

(١) الاحتجاج: ١ / ٩.

(٢) الاحتجاج: ١ / ٩.

(٣) الاحتجاج: ١ / ٩.


قال: وسألته: هل رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ربّه ؟ فوقّععليه‌السلام :إنَّ الله تبارك وتعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحب َّ(١) .

٢ ـ وروى عن سهل، قال: كتبت إلى أبي محمّدعليه‌السلام سنة خمس وخمسين ومئتين: قد اختلف ياسيّدي أصحابنا في التوحيد، منهم من يقول: هو جسم ومنهم من يقول: هو صورةٌ، فإن رأيت ياسيّدي أن تعلّمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه فعلت متطوّلاً على عبدك.

فوقّع بخطّهعليه‌السلام :سألت عن التوحيد وهذا عنكم معزول، الله واحد أحدٌ، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، خالقٌ وليس بمخلوق تبارك وتعالى ما يشاء من الأجسام وغير ذلك وليس بجسم، ويصوّر ما يشاء وليس بصورة جلَّ ثناؤه وتقدست أسماؤه أن يكون له شبه، هو لا غيره، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . (٢)

٢ ـ أهل البيتعليهم‌السلام والإمامة عند الإمام العسكريعليه‌السلام

لقد أشاد الإمامعليه‌السلام بفضل أهل البيت الذين هم مصدر الوعي، والإيمان في دنيا الإسلام، حيث قالعليه‌السلام :

«قد صعدنا ذرى الحقائق بأقدام النبوة، والولاية، ونوّرنا السبع الطرائق بأعلام الفتوة، فنحن ليوث الوغى، وغيوث الندى، وفينا السيف والقلم في العاجل، ولواء الحمد والعلم في الآجل، وأسباطنا خلفاء الدين، وحلفاء اليقين، ومصابيح الأمم، ومفاتيح الكرم فالكريم لبس حلة الاصطفاء لما عهدنا منه الوفاء، وروح القدس في جنان الصاقورة (٣) ذاق من حدائقنا الباكورة (٤) وشيعتنا الفئة الناجية، والفرقة الزاكية، صاروا لنا ردءً وصوناً،

ــــــــــــ

(١) الكافي: ١ / ٩٥ والتوحيد: ١٠٨.

(٢) الكافي: ١ / ١٠٣ والتوحيد: ١٠٨.

(٣) الصاقورة: السماء الثالثة.

(٤) الباكورة: أول ما يدرك من الفاكهة.


وعلى الظلمة إلباً.. وسينفجر لهم ينابيع الحيوان، بعد لظى النيران، لتمام الرواية، والغواشي من السنين..» (١) .

٢ ـ قال أحمد بن إسحاق: دخلت على مولانا أبي محمّد الحسن بن عليٍّ العسكريِّعليهما‌السلام فقال:ياأحمد ما كان حالكم فيما كان فيه النّاس من الشكِّ والارتياب ؟ فقلت له: ياسيّدي لمّا ورد الكتاب لم يبق منّا رجل ولا امرأة ولا غلام بلغ الفهم إلاّ قال بالحقِّ، فقال:أحمد الله على ذلك ياأحمد أما علمتم أنَّ الأرض لا تخلو من حجّة وأنا ذلك الحجّة ـ أو قال:أنا الحجّة ـ.(٢)

٣ ـ قال أحمد بن إسحاق: خرج عن أبي محمّدعليه‌السلام إلى بعض رجاله في عرض كلام له:ما مني أحدٌ من آبائي عليهم‌السلام بما منيت به من شكِّ هذه العصابة فيَّ، فإن كان هذا الأمر أمراً اعتقدتموه ودنتم به إلى وقت ثمَّ ينقطع فللشكِّ موضعٌ، وإن كان متّصلاً ما اتّصلت أمور الله عَزَّ وجَلَّ فما معنى هذا الشكِّ ؟! (٣)

الإمام المهديعليه‌السلام في تراث الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام

روي عن الحسن بن ظريف أنه قال: اختلج في صدري مسألتان أردت الكتاب فيهما إلى أبي محمدعليه‌السلام فكتبت أسأله عن القائمعليه‌السلام إذا قام بما يقضي وأين مجلسه الذي يقضي فيه بين الناس ؟ وأردت أن أسأله عن شيء لحمّى الرّبع فأغفلت خبر الحمّى. فجاء الجواب:

«سألت عن القائم فإذا قام قضى بين الناس بعلمه كقضاء داود عليه‌السلام لا يسأل البيّنة، وكنت أردت أن تسأل لحمّى الربع فأنسيت، فاكتب ورقة وعلّقه على المحموم فإنّه يبرأ بإذن الله إن شاء الله: ( يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) . قال: فعلّقنا عليه

ــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٧٨ / ٣٣٨.

(٢) كمال الدين: ٢٢٢.

(٣) كمال الدين: ٢٢٢.


ما ذكر أبو محمدعليه‌السلام فأفاق(١) .

وبشر الإمام العسكريعليه‌السلام ، خواص شيعته بولادة الحجة المنتظر الإمام المهديعليه‌السلام ; ضمن مكاتباته إليهم، أو حينما كانوا يحضرون عنده.

وقد مرّت علينا مجموعة من هذه النصوص في الفصل الثاني من الباب الرابع عند بحث عن متطلبات الجماعة الصالحة في عصر الإمام العسكريعليه‌السلام (٢) .

السيرة النبوية في تراث الإمام العسكريعليه‌السلام

وقد وردت مجموعة من النصوص عن الإمام العسكريعليه‌السلام فيما يخص سيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسيرة أهل بيتهعليهم‌السلام ممّا يشير إلى ضرورة اهتمامهعليه‌السلام بهذا الجانب في عصره.

وإليك بعض هذه النصوص:

١ ـ روى الطبرسي عن أبي محمّد الحسن العسكريعليهما‌السلام أنه قال:قلت لأبي، علي بن محمّد عليهما‌السلام هل كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يناظر اليهود والمشركين إذا عاتبوه ويحاجّهم ؟ قال: بلى مراراً كثيرة، منها ما حكى الله من قولهم: ( وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً ) ( وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) . وقوله عَزَّ وجَلَّ: ( وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ) إلى قوله: ( كِتَاباً نَقْرَؤُهُ ) م قيل له في آخر ذلك: لو كنت نبياً كموسى أنزلت علينا كسفاً من لسماء ونزّلت علينا الصاعقة في مسألتنا إليك لأن مسألتنا أشد من مسائل

ــــــــــــ

(١) الكافي: ١ / ٥٠٩.

(٢) تبلغ نصوص الإمام الحسن العسكري حول الإمام المهدي ما يناهز الأربعين نصّاً. راجع معجم أحاديث الإمام المهدي عليه‌السلام الجزء الرابع.


قوم موسى لموسىعليه‌السلام .

قال: وذلك أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان قاعداً ذات يوم بمكة بفناء الكعبة إذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش منهم الوليد بن المغيرة المخزومي وأبو البختري ابن هشام وأبو جهل والعاص بن وائل السهمي وعبد الله بن أبي أمية المخزومي، وكان معهم جمع ممن يليهم كثير ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب الله ويؤدي إليهم عن الله أمره ونهيه.

فقال المشركون بعضهم لبعض: لقد استفحل أمر محمّد وعظم خطبه، فتعالوا نبدأ بتقريعه وتبكيته وتوبيخه والاحتجاج عليه وإبطال ما جاء به ليهون خطبه على أصحابه ويصغر قدره عندهم، فلعله ينزع عما هو فيه من غيه وباطله وتمرده وطغيانه، فان انتهى وإلاّ عاملناه بالسيف الباتر.

قال أبو جهل: فمن ذا الذي يلي كلامه ومجادلته ؟ قال عبد الله بن أبي أمية المخزومي: أنا إلى ذلك، أفما ترضاني له قرناً حسيباً ومجادلاً كفيّاً ؟ قال أبو جهل: بلى، فأتوه بأجمعهم فابتدأ عبد الله بن أبي أمية المخزومي، فقال: يامحمّد لقد ادعيت دعوى عظيمة وقلت مقالاً هائلاً، زعمت انك رسول الله رب العالمين، وما ينبغي لرب العالمين وخالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله بشر مثلنا تأكل كما نأكل وتشرب كما نشرب وتمشي في الأسواق كما نمشي.

فهذا ملك الروم وهذا ملك الفرس لا يبعثان رسولاً إلاّ كثير المال عظيم الحال له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدام، وربّ العالمين فوق هؤلاء كلّهم فهم عبيده، ولو كنت نبياً لكان معك ملك يصدقك ونشاهده، بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبياً لكان إنما يبعث إلينا ملكاً لا بشراً مثلنا، ما أنت يامحمّد إلاّ رجلاً مسحوراً ولست بنبي.

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: هل بقي من كلامك شيء ؟ قال: بلى، لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولاً لبعث أجل من فيما بيننا أكثره مالاً وأحسنه حالاً، فهلا أنزل هذا القرآن الذي تزعم أن الله أنزله عليك وابتعثك به رسولاً على رجل من القريتين عظيم إما الوليد بن المغيرة بمكة وإما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف.

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هل بقي من كلامك شيء ياعبد الله ؟ فقال: بلى لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً بمكة هذه، فإنها ذات أحجار وعرة وجبال، تكسح أرضها وتحفرها وتجري فيها العيون، فإننا إلى ذلك محتاجون أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتأكل منها وتطعمنا فتفجر الأنهار خلالها خلال تلك النخيل والأعناب تفجيراً أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً فانك قلت لنا( وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم ) فلعلنا نقول ذلك.


ثم قال: أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً، تأتي به وبهم وهم لنا مقابلون، أو يكون لك بيت من زخرف تعطينا منه وتغنينا به فلعلنا نطغى، وانك قلت لنا:( كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) .

ثم قال: أو ترقى في السّماء أي تصعد في السّماء ولن نؤمن لرقيك أي لصعودك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه من الله العزيز الحكيم إلى عبد الله بن أبي أمية المخزومي ومن معه بأن آمنوا بمحمّد بن عبد الله بن عبد المطلب فإنه رسولي وصدقوه في مقاله انه من عندي، ثم لا أدري يامحمّد إذا فعلت هذا كله أؤمن بك أو لا أؤمن بك، بل لو رفعتنا إلى السماء وفتحت أبوابها وأدخلتناها لقلنا إنما سكرت أبصارنا وسحرتنا.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ياعبد الله أبقي شيء من كلامك ؟ قال: يامحمّد أو ليس فيما أوردته عليك كفاية وبلاغ، ما بقي شيء فقل ما بدا لك وأفصح عن نفسك إن كان لك حجة وأتنا بما سألناك به.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللهم أنت السامع لكل صوت والعالم بكل شيء تعلم ما قاله عبادك، فأنزل الله عليه، يامحمّد( وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ ) إلى قوله:( رَجُلاً مَسْحُوراً ) ثم قال الله تعالى: ( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ) .

ثم قال: يامحمّد( تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً ) وأنزل عليه: يامحمّد( فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ) الآية، وأنزل الله عليه: يامحمّد( وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ) إلى قوله:( وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ) .

فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ياعبد الله أما ما ذكرت من أني آكل الطعام كما تأكلون وزعمت انه لا يجوز لأجل هذا أن أكون لله رسولاً فإنما الأمر لله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو محمود وليس لك ولا لأحد الاعتراض عليه بـ لِمَ وكيف، ألا ترى أن الله كيف أفقر بعضاً وأغنى بعضاً وأعز بعضاً وأذل بعضاً وأصح بعضاً وأسقم بعضاً وشرف بعضاً ووضع بعضاً، وكلهم ممن يأكل الطعام.

ثم ليس للفقراء أن يقولوا «لم أفقرتنا وأغنيتهم» ولا للوضعاء أن يقولوا «لم وضعتنا وشرفتهم» ولا للزمنى والضعفاء أن يقولوا «لم أزمنتنا وأضعفتنا وصححتهم» ولا للأذلاء أن يقولوا «لم أذللتنا وأعززتهم» ولا لقباح الصور أن يقولوا «لم قبّحتنا وجمّلتهم» بل ان قالوا ذلك كانوا على ربهم رادّين وله في أحكامه منازعين وبه كافرين. ولكان جوابه لهم: أنا الملك الخافض الرافع المغني المفقر المعز المذل المصحح المسقم وأنتم العبيد ليس لكم إلاّ التسليم لي والانقياد لحكمي، فان سلمتم كنتم عباداً مؤمنين وإن أبيتم كنتم بي كافرين وبعقوباتي من الهالكين.


ثم أنزل الله عليه: يامحمّد( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) يعني آ كل الطعام و( يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) يعني قل لهم: أنا في البشرية مثلكم ولكن ربي خصّني بالنّبوة دونكم كما يخص بعض البشر بالغنى والصحة والجمال دون بعض من البشر، فلا تنكروا أن يخصني أيضاً بالنبوة[ دونكم] .

ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وأما قولك «هذا ملك الروم وملك الفرس لا يبعثان رسولاً إلاّ كثير المال عظيم الحال له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدام ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم عبيده» فان الله له التدبير والحكم لا يفعل على ظنك وحسبانك ولا باقتراحك بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو محمود.

ياعبد الله إنما بعث الله نبيه ليعلم الناس دينهم ويدعوهم إلى ربهم ويكدّ نفسه في ذلك آناء الليل ونهاره، فلو كان صاحب قصور يحتجب فيها وعبيد وخدم يسترونه عن الناس أليس كانت الرسالة تضيع والأمور تتباطأ، أو ما ترى الملوك إذا احتجبوا كيف يجري الفساد والقبائح من حيث لا يعلمون به ولا يشعرون.

ياعبد الله إنّما بعثني الله ولا مال لي ليعرفكم قدرته وقوته وانه هو الناصر لرسوله ولا تقدرون على قتله ولا منعه في رسالاته، فهذا بين في قدرته وفي عجزكم وسوف يظفرني الله بكم فأسعكم قتلاً وأسراً ثم يظفرني الله ببلادكم ويستولي عليها المؤمنون من دونكم ودون من يوافقكم على دينكم.

ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وأما قولك لي «لو كنت نبياً لكان معك ملك يصدقك ونشاهده، بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبياً لكان إنّما يبعث ملكاً لا بشراً مثلنا» فالملك لا تشاهده حواسكم لأنه من جنس هذا الهواء لا عيان منه، ولو شاهدتموه ـ بأن يزاد في قوى أبصاركم ـ لقلتم ليس هذا ملكاً بل هذا بشر، لأنه إنما كان يظهر لكم بصورة البشر الذي ألفتموه لتفهموا عنه مقالته وتعرفوا خطابه ومراده.

فكيف كنتم تعلمون صدق الملك وأن ما يقوله حق، بل إنما بعث الله بشراً وأظهر على يده المعجزات التي ليست في طبائع البشر الذين قد علمتم ضمائر قلوبهم فتعلمون بعجزكم عما جاء به انه معجزة وان ذلك شهادة من الله بالصدق له، ولو ظهر لكم ملك وظهر على يده ما[ تعجزون عنه] يعجز عنه[ جميع] البشر لم يكن في ذلك ما يدلكم أن ذلك ليس في طبائع سائر أجناسه من الملائكة حتى يصير ذلك معجزاً.

ألا ترون أنّ الطيور التي تطير ليس ذلك منها بمعجز لأن لها أجناساً يقع منها مثل طيرانها، ولو أن آدمياً طار كطيرانها كان ذلك معجزاً، فان الله عَزَّ وجَلَّ سهل عليكم الأمر وجعله بحيث تقوم عليكم حجته وأنتم تقترحون عمل الصعب الذي لا حجة فيه.


ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وأما قولك «ما أنت إلاّ رجل مسحور» فكيف أكون كذلك وقد تعلمون أني في صحة التميز والعقل فوقكم فهل جربتم عليّ منذ نشأت إلى أن استكملت أربعين سنة خزية أو زلّة أو كذبة أو خيانة أو خطأ من القول أو سفهاً من الرأي، أتظنّون أن رجلاً يعتصم طول هذه المدّة بحول نفسه وقوتها أو بحول الله وقوته.

وذلك ما قال الله: ( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ) إلى أن يثبتوا عليك عمى بحجة أكثر من دعاويهم الباطلة التي تبين عليك تحصيل بطلانها.

ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وأما قولك «لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، الوليد بن المغيرة بمكة أو عروة[ بن مسعود الثقفي] بالطائف» فإن الله ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت ولا خطر له عنده كما له عندك بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافراً به مخالفاً له شربة ماء وليس قسمة الله إليك بل الله هو القاسم للرحمات والفاعل لما يشاء في عبيده وإمائه.

وليس هو عَزَّ وجَلَّ ممن يخاف أحداً كما تخافه أنت لماله وحاله فعرفته بالنبوة لذلك، ولا ممن يطمع في أحد في ماله أو في حاله كما تطمع أنت فتخصه بالنبوة لذلك، ولا ممن يحبّ أحداً محبّة الهواء كما تحبّ أنت فتقدم من لا يستحقّ التقديم وإنّما معاملته بالعدل، فلا يؤثر أحداً لأفضل مراتب الدين وخلاله إلاّ الأفضل في طاعته والأجدّ في خدمته، وكذلك لا يؤخر في مراتب الدين وخلاله إلاّ أشدّهم تباطؤاً عن طاعته.

وإذا كان هذا صفته لم ينظر إلى مال ولا إلى حال بل هذا المال والحال من تفضله، وليس لأحد من عباده عليه ضريبة لازب، فلا يقال له: إذا تفضلت بالمال على عبد فلا بد أن تتفضل عليه بالنبوة أيضاً، لأنه ليس لأحد إكراهه على خلاف مراده ولا إلزامه تفضلاً لأنه تفضل قبله بنعمه.

ألا ترى ياعبد الله كيف أغنى واحداً وقبح صورته، وكيف حسن صورة واحد وأفقره، وكيف شرف واحداً وأفقره، وكيف أغنى واحداً ووضعه. ثم ليس لهذا الغني أن يقول «هلا أضيف إلى يساري جمال فلان» ولا للجميل أن يقول «هلا أضيف إلى جمالي مال فلان»، ولا للشريف أن يقول «هلا أضيف إلى شرفي مال فلان» ولا للوضيع أن يقول «هلا أضيف إلى ضعتي شرف فلان»، ولكن الحكم لله يقسم كيف يشاء ويفعل كما يشاء،


وهو حكيم في أفعاله محمود في أعماله وذلك قوله تعالى:( وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) قال الله تعالى:( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ) يا محمّد( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) .

فأحوجنا بعضاً إلى بعض، أحوجنا هذا إلى مال ذلك، وأحوج ذلك إلى سلعة هذا والى خدمته. فترى أجلّ الملوك وأغنى الأغنياء محتاجاً إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب: إما سلعة معه ليست معه، وإما خدمة يصلح لها لا يتهيأ لذلك الملك أن يستغني إلاّ به، وإما باب من العلوم والحكم هو فقير إلى أن يستفيدها من هذا الفقير، فهذا الفقير يحتاج إلى مال ذلك الملك الغني، وذلك الملك يحتاج إلى علم هذا الفقير أو رأيه أو معرفته.

ثم ليس للملك أن يقول هلا اجتمع إلى مالي علم هذا الفقير، ولا للفقير أن يقول هلا اجتمع إلى رأيي وعلمي وما أتصرف فيه من فنون الحكمة مال هذا الملك الغني، ثم قال الله: ( وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيَّاً ) ثم قال: يا محمّد قل لهم ( وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) أي ما يجمعه هؤلاء من أموال الدنيا.

ثم قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وأما قولك: ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ) إلى آخر ما قلته، فانك قد اقترحت على محمّد رسول الله أشياء: منها ما لو جاءك به لم يكن برهاناً لنبوته ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرتفع عن أن يغتنم جهل الجاهلين ويحتج عليهم بما لا حجة فيه، ومنها ما لو جاءك به كان معه هلاكك.

وإنما يؤتى بالحجج والبراهين ليلزم عباد الله الإيمان بها لا ليهلكوا بها فإنّما قترحت هلاكك وربّ العالمين أرحم بعباده وأعلم بمصالحهم من أن يهلكهم كما تقترحون، ومنها المحال الذي لا يصح ولا يجوز كونه ورسول رب العالمين يعرفك ذلك ويقطع معاذيرك ويضيق عليك سبيل مخالفته، ويلجئك بحجج الله إلى صديقه حتى لا يكون لك عنه محيد ولا محيص، ومنها ما قد اعترفت على نفسك أنّك فيه معاند متمرد لا تقبل حجة ولا تصغي إلى برهان، ومن كان كذلك فدواؤه عذاب الله النازل من سمائه في جحيمه أو بسيوف أوليائه.

فأما قولك ياعبد الله:( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ) بمكة هذه فإنها ذات أحجار وصخور وجبال تكسح أرضها وتحفرها وتجري فيها العيون فإننا إلى ذلك محتاجون، فإنك سألت هذا وأنت جاهل بدلائل الله. ياعبد الله أرأيت لو فعلت هذا أكنت من أجل هذا نبياً ؟ قال: لا.


قال رسول الله: أرأيت الطائف التي لك فيها بساتين أما كان هناك مواضع فاسدة صعبة أصلحتها وذللتها وكسحتها وأجريت فيها عيوناً استنبطتها ؟ قال: بلى. قال: وهل لك في هذا نظراء ؟ قال: بلى. قال: فصرت أنت وهم بذلك أنبياء ؟ قال: لا.

قال: فكذلك لا يصير هذا حجة لمحمد لو فعله على نبوته، فما هو إلاّ كقولك: (لن نؤمن لك حتى تقوم وتمشي على الأرض كما يمشي الناس أو حتى تأكل الطعام كما يأكل الناس).

وأما قولك ياعبد الله:( أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيراً ) أو ليس لك ولأصحابك جنات من نخيل وعنب بالطائف تأكلون وتطعمون منها وتفجرون الأنهار خلالها تفجيراً، أفصرتم أنبياء بهذا؟ قال: لا.

قال: فما بال اقتراحكم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشياء لو كانت كما تقترحون لما دلت على صدقه، بل لو تعاطاها دل تعاطيها على كذبه لأنه يحتج بما لا حجة فيه ويختدع الضعفاء عن عقولهم وأديانهم، ورسول رب العالمين يجل ويرتفع عن هذا.

ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ياعبد الله وأما قولك( أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً ) فإنك قلت:( وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ) فإن في سقوط السماء عليكم هلاككم وموتكم فإنما تريد بهذا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يهلكك ورسول رب العالمين أرحم من ذلك، لا يهلكك ولكنه يقيم عليك حجج الله، وليس حجج الله لنبيه وحده على حسب اقتراح عباده، لأن العباد جهال بما يجوز من الصلاح وما لا يجوز منه من الفساد، وقد يختلف اقتراحهم ويتضاد حتى يستحيل وقوعه، والله عزَّ وجلَّ طبيبكم لا يجري تدبيره على ما يلزم به المحال.

ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وهل رأيت ياعبد الله طبيباً كان دواؤه للمرضى على حسب اقتراحهم، وإنما يفعل به ما يعلم صلاحه فيه أحبه العليل أو كرهه ؟ فأنتم المرضى والله طبيبكم، فان انقدتم لدوائه شفاكم وإن تمردتم عليه أسقمكم.

وبعد فمتى رأيت ياعبد الله مدعي حق من قبل رجل أوجب عليه حاكم من حكامهم فيما مضى بينة على دعواه على حسب اقتراح المدعى عليه ؟ إذاً ما كان يثبت لأحد على أحد دعوى ولا حق، ولا كان بين ظالم ومظلوم ولا بين صادق وكاذب فرق.

ثم قال رسول الله: ياعبد الله وأما قولك:( أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلاً ) يقابلوننا ونعاينهم فإنّ هذا من المحال الذي لا خفاء به، وانّ ربّنا عزَّ وجلَّ ليس كالمخلوقين يجيء ويذهب ويتحرّك ويقابل شيئاً حتى يؤتى به، فقد سألتم بهذا المحال، وإنما هذا الذي دعوت إليه صفة أصنامكم الضعيفة المنقوصة التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم ولا تغني عنكم شيئاً ولا عن أحد.


ياعبد الله أو ليس لك ضياع وجنان بالطائف وعقار بمكة وقوّام عليها ؟ قال: بلى. قال: أفتشاهد جميع أحوالها بنفسك أو بسفراء بينك وبين معامليك ؟ قال: بسفراء. قال: أرأيت لو قال معاملوك وأكرتك وخدمتك لسفرائك: (لا نصدقكم في هذه السفارة إلا أن تأتونا بعبد الله بن أبي أمية لنشاهده فنسمع ما تقولون عنه شفاهاً)، كنت تسوغهم هذا أو كان يجوز لهم عندك ذلك ؟ قال: لا.

قال: فما الذي يجب على سفرائك أليس أن يأتوهم عنك بعلامة صحيحة تدلهم على صدقهم يجب عليهم أن يصدقوهم؟ قال: بلى. قال: ياعبد الله أرأيت سفيرك لو أنه لما سمع منهم هذا عاد إليك وقال لك: (قم معي فإنهم قد اقترحوا عليّ مجيئك معي أليس يكون هذا لك مخالفاً) وتقول له: إنما أنت رسول لا مشير ولا آمر ؟ قال: بلى.

قال: فكيف صرت تقترح على رسول ربّ العالمين ما لا تسوغ لأكرتك ومعامليك أن يقترحوه على رسولك إليهم ؟! وكيف أردت من رسول رب العالمين أن يستذم إلى ربّه بأن يأمر عليه وينهى وأنت لا تسوغ مثل هذا على رسولك إلى أكرتك وقوامك ؟! هذه حجة قاطعة لإبطال جميع ما ذكرته في كل ما اقترحته ياعبد الله.

وأما قولك ياعبد الله: ( أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ ) وهو الذهب، أما بلغك أن لعظيم مصر بيوتاً من زخرف؟ قال: بلى. قال: أفصار بذلك نبياً ؟ قال: لا. قال: فكذلك لا يوجب لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبوّة لو كان له بيوت، ومحمد لا يغنم جهلك بحجج الله.

وأما قولك ياعبد الله:( أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ ) ، ثم قلت:( وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ ) ياعبد الله الصعود إلى السّماء أصعب من النزول عنها، وإذا اعترفت على نفسك أنك لا تؤمن إذا صعدت فكذلك حكم النزول، ثم قلت( حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ ) من بعد ذلك، ثم لا أدري أؤمن بك أو لا أؤمن بك، فأنت ياعبد الله مقرّ بأنك تعاند حجة الله عليك، فلا دواء لك إلاّ تأديبه لك على يد أوليائه من البشر أو ملائكته الرّبانية، وقد أنزل عليّ حكمة بالغة جامعة لبطلان كل ما اقترحته.

فقال عزَّ وجلَّ: (قُلْ) يامحمّد:( سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً ) ما أبعد ربي عن أن يفعل الأشياء على ما يقترحه الجهال مما يجوز ومما لا يجوز، وهل كنت الا بشراً رسولاً لا يلزمني إلاّ إقامة حجة الله التي أعطاني، وليس لي أن آمر على ربي ولا أنهى ولا أشير فأكون كالرسول الذي بعثه ملك إلى قوم من مخالفيه فرجع إليه يأمره أن يفعل بهم ما اقترحوه عليه.


فقال أبو جهل: يامحمّد ههنا واحدة ألست زعمت: أن قوم موسى احترقوا بالصاعقة لما سألوه أن يريهم الله جهرة؟ قال: بلى. قال: فلو كنت نبياً لاحترقنا نحن أيضاً، فقد سألنا أشدّ ممّا سأل قوم موسى، لأنهم كما زعمت قالوا: ( أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ) ونحن نقول: (لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً) نعاينهم.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ياأبا جهل أما علمت قصة إبراهيم الخليل لما رفع في الملكوت، وذلك قول ربي: ( وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) قوّى الله بصره لما رفعه دون السماء حتى أبصر الأرض ومن عليها ظاهرين ومستترين فرأى رجلاً وامرأة على فاحشة فدعا عليهما بالهلاك فهلكا، ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك فهلكا.

ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك فهلكا، ثم رأى آخرين فهم بالدعاء عليهما فأوحى الله إليه: يا إبراهيم اكفف دعوتك عن عبادي وإمائي فإني أنا الغفور الرحيم، الجبار الحليم، لا يضرّني ذنوب عبادي كما لا تنفعني طاعتهم، ولست أسوسهم بشفاء الغيظ كسياستك.

فاكفف دعوتك عن عبادي وإمائي فإنما أنت عبد نذير لا شريك في الملك ولا ميهمن عليّ ولا عبادي وعبادي معي بين خلال ثلاث: إما تابوا إليّ فتبت عليهم وغفرت ذنوبهم وسترت عيوبهم، وإما كففت عنهم عذابي لعلمي بأنه سيخرج من أصلابهم ذريات مؤمنون فارفق بالآباء الكافرين وأتأنى بالأمهات الكافرات وأرفع عنهم عذابي ليخرج ذلك المؤمن من أصلابهم.

فإذا تزايلوا حل بهم عذابي وحاق بهم بلائي، وإن لم يكن هذا ولا هذا فان الذي أعددته لهم من عذابي أعظم مما تريده بهم، فان عذابي لعبادي على حسب جلالي وكبريائي، ياإبراهيم خل بيني وبين عبادي فأنا أرحم بهم منك وخل بيني وبين عبادي فاني أنا الجبار الحليم العلام الحكيم أدبّرهم بعلمي وأنفذ فيهم قضائي وقدري(١) .

٢ ـ قال أبو محمّد الحسن العسكريعليه‌السلام :لما كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمكة أمره الله تعالى أن يتوجه نحو بيت المقدس في صلاته، ويجعل الكعبة بينه وبينها إذا أمكن واذا لم يمكن استقبل بيت المقدس كيف كان، فكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يفعل ذلك طول

ــــــــــــ

(١) مسند الإمام الحسن العسكري: ١٨٩ ـ ٢٠٠ عن التفسير المنسوب اليهعليه‌السلام : سورة البقرة الآية ١٠٨.


مقامه بها ثلاث عشرة سنة، فلما كان بالمدينة وكان متعبداً باستقبال بيت المقدس استقبله وانحرف عن الكعبة سبعة عشر شهراً أو ستة عشر شهراً، وجعل قوم من مردة اليهود يقولون: (والله ما درى محمّد كيف يصلي حتى صار يتوجه إلى قبلتنا ويأخذ في صلاته بهدينا ونسكنا)، فاشتد ذلك على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما اتصل به عنهم وكره قبلتهم وأحب الكعبة، فجاءه جبرئيلعليه‌السلام فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ياجبرئيل ! لوددت لو صرفني الله عن بيت المقدس إلى الكعبة فقد تأذيت بما يتصل بي من قبل اليهود من قبلتهم.

فقال جبرئيلعليه‌السلام : فاسأل ربّك أن يحولك إليها فانه لا يردك عن طلبتك ولا يخيبك من بغيتك، فلما استتم دعاؤه، صعد جبرئيل ثم عاد من ساعته فقال: اقرأ يامحمّد( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) الآيات.

فقال اليهود ـ عند ذلك: ( مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ) ؟ فأجابهم الله أحسن جواب فقال:( قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) وهو يملكهما وتكليفه التحويل إلى جانب كتحويله لكم إلى جانب آخر ( يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) وهو أعلم بمصلحتهم وتؤديهم طاعتهم إلى جنات النعيم.

٣ ـ قال أبو محمدعليه‌السلام :وجاء قوم من اليهود إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا: يامحمّد هذه القبلة بيت المقدس قد صليت إليها أربع عشرة سنة ثم تركتها الآن، أفحقاً كان ما كنت عليه ؟ فقد تركته إلى باطل فان ما يخالف الحق باطل أو باطلاً كان ذلك فقد كنت عليه طول هذه المدة فما يؤمننا أن تكون الآن على باطل ؟ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بل ذلك كان حقاً وهذا حق، يقول الله: ( قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) إذا عرف صلاحكم أيها العباد في استقبالكم المشرق أمركم به، وإذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب أمركم به، وإن عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به، فلا تنكروا تدبير الله في عباده وقصده إلى مصالحكم.

ثم قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لقد تركتم العمل يوم السبت ثم عملتم بعده سائر الأيام، ثم تركتموه في السبت ثم عملتم بعده، أفتركتم الحق إلى الباطل، أو الباطل إلى الحق، أو الباطل إلى الباطل، أو الحق إلى الحق ؟ قولوا كيف شئتم فهو قول محمّد وجوابه لكم، قالوا: بل ترك العمل في السبت حق، والعمل بعده حق فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته حق، ثم قبله الكعبة في وقته حق.


فقالوا له: يامحمّد أفبدا لربك فيما كان أمرك به بزعمك من الصلاة إلى بيت المقدس حتى نقلك إلى الكعبة ؟

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما بدا له عن ذلك فانه العالم بالعواقب والقادر على المصالح لا يستدرك على نفسه غلطاً ولا يستحدث رأياً بخلاف المتقدم جل عن ذلك، ولا يقع عليه أيضاً مانع يمنعه من مراده، وليس يبدو إلاّ لمن كان هذا وصفه، وهو عَزَّ وجَلَّ يتعالى عن هذه الصفات علواً كبيراً.

ثم قال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أيها اليهود أخبروني عن الله أليس يُمرض ثم يُصح، ويُصح ثم يُمرض، أبدا له في ذلك ؟ أليس يحيي ويميت، أبدا له في كل واحد من ذلك ؟ قالوا: لا. قال: فكذلك الله تعبَّد نبيه محمّداً بالصلاة إلى الكعبة بعد أن كان تعبَّده بالصلاة إلى بيت المقدس وما بدا له في الأول.

ثم قال: أليس الله يأتي بالشتاء في أثر الصيف، والصيف في أثر الشتاء، أبدا له في كل واحد من ذلك ؟ قالوا: لا. قال: فكذلك لم يبد له في القبلة.

قال: ثم قال أليس قد ألزمكم في الشتاء أن تحترزوا من البرد بالثياب الغليظة، وألزمكم في الصيف أن تحترزوا من الحر ؟ أفبدا له في الصيف حين أمركم بخلاف ما كان أمركم به في الشتاء ؟ قالوا: لا.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فكذلكم الله تعبدكم في وقت لصلاح يعلمه بشيء ثم تعبدكم في وقت آخر لصلاح يعلمه بشيء آخر، فإذا أطعتم الله في الحالتين استحققتم ثوابه، فأنزل الله تعالى: ( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) يعني: إذا توجهتم بأمره فثم الوجه الذي تقصدون منه الله وتأملون ثوابه.

ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ياعباد الله أنتم كالمرضى والله رب العالمين كالطبيب فصلاح المرضى فيما يعمله الطبيب ويدبره به لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه. ألا فسلموا لله أمره تكونوا من الفائزين.

فقيل: يابن رسول الله فلم أمر بالقبلة الأولى ؟ فقال: لما قال الله تعالى:( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا ) وهي بيت المقدس( إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ) إلاّ لنعلم ذلك منه وجوداً بعد أن علمناه سيوجد، وذلك أن هوى أهل مكة كان في الكعبة.

فأراد الله أن يبين متبعي محمّد ممن خالفه باتباع القبلة التي كرهها ومحمّد يأمر بها، ولما كان هوى أهل المدينة في بيت المقدس أمرهم بمخالفتها والتوجه إلى الكعبة ليبين من يوافق محمّداً فيما يكرهه، فهو مصدقه وموافقه.


ثم قال: ( وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ) إن كان التوجه إلى بيت المقدس في ذلك الوقت لكبيرة إلاّ على من يهدي الله، فعرف أن لله أن يتعبد بخلاف ما يريده المرء ليبتلي طاعته في مخالفة هواه.

٤ ـ وقال أبو محمّدعليه‌السلام : قال جابر بن عبد الله الأنصاري: سأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عبد الله بن صوريا ـ غلام يهودي أعور، تزعم اليهود أنه أعلم يهودي بكتاب الله وعلوم أنبيائه ـ عن مسائل كثيرة يعنته فيها فأجابه عنها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما لم يجد إلى إنكار شيء منه سبيلاً.

فقال له: يامحمّد من يأتيك بهذه الأخبار عن الله ؟ قال: جبرئيل. قال: لو كان غيره يأتيك بها لآمنت بك، ولكن جبرئيل عدونا من بين الملائكة، فلو كان ميكائيل أو غيره سوى جبرئيل يأتيك لآمنت بك.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لم اتخذتم جبرئيل عدواً ؟ قال: لأنه ينزل بالبلاء والشدة على بني إسرائيل، ودفع (دانيال) عن قتل(بخت نصر) حتى قوى أمره وأهلك بني إسرائيل، وكذلك كلّ بأس وشدة لا ينزلها إلاّ جبرئيل، وميكائيل يأتينا بالرحمة.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ويحك أجهلت أمر الله وما ذنب جبرئيل إلاّ أن أطاع الله فيما يريده بكم ؟ أرأيتم ملك الموت هل هو عدوكم وقد وكله الله بقبض أرواح الخلق ؟ أرأيتم الآباء والأمهات إذا أوجروا الأولاد الدواء الكريهة لمصالحهم، أيجب أن يتخذهم أولادهم أعداء من أجل ذلك ؟ لا. ولكنكم بالله جاهلون، وعن حكمه غافلون.

أشهد أن جبرئيل وميكائيل بأمر الله عاملان وله مطيعان، وانه لا يعادي أحدهما إلاّ من عادى الآخر، وان من زعم انه يحب أحدهما ويبغض الآخر فقد كفر وكذب، وكذلك محمّد رسول الله وعلي أخوان، كما أن جبرئيل وميكائيل أخوان فمن أحبهما فهو من أولياء الله، ومن أبغضهما فهو من أعداء الله، ومن أبغض أحدهما وزعم انه يحب الآخر فقد كذب وهما منه بريئان والله تعالى وملائكته وخيار خلقه منه براء.

وقال أبو محمدعليه‌السلام : كان سبب نزول قوله تعالى: ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ) ما كان من اليهود أعداء الله من قول سيء في جبرئيل وميكائيل وما كان من أعداء الله النصّاب من قول أسوأ منه في الله وفي جبرئيل وميكائيل وسائر ملائكة الله.


أما ما كان من النصاب: فهو أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما كان لا يزال يقول في عليعليه‌السلام الفضائل التي خصه الله عَزَّ وجَلَّ بها، والشرف الذي نحله الله تعالى، وكان في كل ذلك يقول: أخبرني به جبرئيلعليه‌السلام عن الله، ويقول في بعض ذلك جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، ويفتخر جبرئيل على ميكائيل في أنه عن يمين عليعليه‌السلام الذي هو أفضل من اليسار، كما يفتخر نديم ملك عظيم في الدنيا يجلسه الملك عن يمينه على النديم الآخر الذي يجلسه على يساره، ويفتخران على إسرافيل الذي خلفه بالخدمة، وملك الموت الذي أقامه بالخدمة وان اليمين واليسار أشرف من ذلك، كافتخار حاشية الملك على زيادة قرب محلهم من ملكهم.

وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول ـ في بعض أحاديثه ـ: إن الملائكة أشرفها عند الله أشدها لعلي بن أبي طالبعليه‌السلام حباً، وإنه قسم الملائكة فيما بينها والذي شرّف علياً على جميع الورى بعد محمد المصطفى. ويقول مرة: إن ملائكة السماوات والحجب ليشتاقون إلى رؤية علي بن أبي طالبعليه‌السلام كما تشتاق الوالدة الشفيقة إلى ولدها البار الشفيق آخر من بقى عليها بعد عشرة دفنتهم، فكان هؤلاء النصاب يقولون: إلى متى يقول محمد: جبرئيل، وميكائيل، والملائكة، كل ذلك تفخيم لعلي وتعظيم لشأنه، ويقول الله تعالى لعلي خاص من دون سائر الخلق، برئنا من رب ومن ملائكة ومن جبرئيل ومن ميكائيل هم لعلي بعد محمد مفضلون، وبرئنا من رسل الله الذين هم لعلي بعد محمد مفضلون.

وأما ما قاله اليهود: فهو إن اليهود أعداء الله، لما قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة أتوه بعبد الله بن صوريا فقال: يامحمد كيف نومك فانا قد أخبرنا عن نوم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي يأتي في آخر الزمان ؟ فقال: تنام عيني وقلبي يقظان. قال: صدقت يامحمد.

ثم قال: فأخبرني يامحمد الولد يكون من الرجل أو من المرأة ؟ فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل، وأما اللحم والدم والشعر فمن المرأة. قال: صدقت يامحمد.

ثم قال: يامحمد فما بال الولد يشبه أعمامه ليس فيه من شبه أخواله شيء، ويشبه أخواله ليس فيه من شبه أعمامه شيء ؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أيهما علا ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له. قال: صدقت يامحمد، فأخبرني عمن لا يولد له ومن يولد له ؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا مغرت النطفة لم يولد له ـ أي: إذا حمرت وكدرت ـ فإذا كانت صافية ولد له.


فقال: أخبرني عن ربك ما هو ؟ فنزلت: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) إلى آخرها فقال ابن صوريا: صدقت خصلة بقيت لي إن قلتها آمنت بك واتبعتك. أي ملك يأتيك بما تقوله عن الله ؟ قال: جبرئيل. قال ابن صوريا: ذاك عدونا من بين الملائكة ينزل بالقتل والشدة والحرب، ورسولنا ميكائيل يأتي بالسرور والرخاء فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك آمنا بك لأن ميكائيل كان مسدد ملكنا وجبرئيل كان مهلك ملكنا، فهو عدونا لذلك.

فقال له سلمان الفارسيرضي‌الله‌عنه : وما بدء عداوته لكم ؟ قال: نعم ياسلمان، عادانا مراراً كثيرة، وكان من أشد ذلك علينا أن الله أنزل على أنبيائه أن بيت المقدس يخرب على يد رجل يقال «بخت نصر» وفي زمانه، وأخبرنا بالحين الذي يخرب فيه، والله يحدث الأمر بعد الأمر فيمحو ما يشاء ويثبت.

فلما بلغنا ذلك الخبر الذي يكون فيه هلاك بيت المقدس بعث أوائلنا رجلاً من أقوياء بني إسرائيل وأفاضلهم نبياً كان يعد من أنبيائهم يقال له «دانيال» في طلب بخت نصر ليقتله، فحمل معه وقر مال لينفقه في ذلك، فلما انطلق في طلبه لقيه ببابل غلاماً ضعيفاً مسكيناً ليس له قوة ولا منعه، فأخذه صاحبنا ليقتله فدفع عنه جبرئيل وقال لصاحبنا:

إن كان ربكم هو الذي أمر بهلاككم فان الله لا يسلطك عليه، وإن لم يكن هذا فعلى أي شيء تقتله ؟ فصدقه صاحبنا وتركه ورجع إلينا فأخبرنا بذلك. وقوي بخت نصر وملك، وغزانا وخرب بيت المقدس فلهذا نتخذه عدواً، وميكائيل عدو لجبرئيل.

فقال سلمان: يابن صوريا، فبهذا العقل المسلوك به غير سبيله ضللتم ؟ أرأيتم أوائلكم كيف بعثوا من يقتل بخت نصر وقد أخبر الله تعالى في كتبه على ألسنة رسله انه يملك ويخرب بيت المقدس ؟ أرادوا تكذيب أنبياء الله في أخبارهم أو اتهموهم في أخبارهم أو صدقوهم في الخبر عن الله ومع ذلك أرادوا مغالبة الله، هل كان هؤلاء ومن وجهوه إلاّ كفاراً بالله ؟ وأي عداوة يجوز أن يعتقد لجبرئيل وهو يصده عن مغالبة الله عزوجل وينهى عن تكذيب خبر الله تعالى ؟

فقال ابن صوريا: قد كان الله تعالى أخبر بذلك على ألسن أنبيائه، ولكنه يمحو ما يشاء ويثبت قال سلمان: فإذا لا تثقون بشيء مما في التوراة من الأخبار عما مضى وما يستأنف فان الله يمحو ما يشاء ويثبت، وإذا لعل الله قد كان عزل موسى وهارون عن النبوة وأبطلا في دعواهما لأن الله يمحو ما يشاء ويثبت، ولعل كلما أخبراكم به عن الله انه يكون لا يكون وما أخبراكم به انه لا يكون لعله يكون.


وكذلك ما أخبراكم انه لم يكن لعله كان، ولعل ما وعده من الثواب يمحوه ولعل ما توعد به من العقاب يمحوه، فانه يمحو ما يشاء ويثبت. إنكم جهلتم معنى( يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ) . فلذلك أنتم بالله كافرون، ولأخباره عن الغيوب مكذبون وعن دين الله منسلخون.

ثم قال سلمان: فإني أشهد أنه من كان عدواً لجبرئيل فانه عدو لميكائيل وأنهما جميعاً عدوان لمن عاداهما مسالمان لمن سالمهما، فأنزل الله تعالى عند ذلك موافقاً لقول سلمان: ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ ) في مظاهرته لأولياء الله على أعداء الله ونزوله بفضائل عليعليه‌السلام ولي الله من عند الله( فانه نزله ). فان جبرئيل نزل هذا القرآن( عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) من سائر كتب الله ( وَهُدًى ) من الضلالة ( وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) بنبوة محمّد وولاية عليعليه‌السلام ومن بعده من الأئمة[الاثني عشر] بأنهم أولياء الله حقاً إذا ماتوا على موالاتهم لمحمد وعلي وآلهما الطيبين.

ثم قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ياسلمان، إن الله صدق قيلك ووافق رأيك، وأن جبرئيل عن الله تعالى يقول: يامحمّد، سلمان والمقداد أخوان متصافيان في ودادك ووداد علي أخيك ووصيك وصفيك، وهما في أصحابك كجبرئيل وميكائيل في الملائكة، عدوان لمن أبغض أحدهما وليان لمن والى محمّداً وعلياً عدوان لمن عادى محمداً وعلياً وأولياءهما.

ولو أحب أهل الأرض سلمان والمقداد كما تحبهما ملائكة السماوات والحجب والكرسي والعرش لمحض ودادهما لمحمد وعلي وموالاتهما لأوليائهما ومعاداتهما لأعدائهما لما عذب الله أحداً منهم عذاب البتة(١) .

المختار من تراثه الفقهيعليه‌السلام

وردت عن الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام نصوص فقهية تتوزع على مختلف أبواب الفقه وهي تناهز الـ ٧٥ نصاً كما أحصاها مسند الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام وإليك نماذج مختارة منها:

باب الطهارة:

١ ـ عن محمد بن الريان قال: كتبت إلى الرجلعليه‌السلام هل يجري دم البقّ مجرى دم البراغيث، وهل يجوز أحد أن يقيس بدم البقّ

ــــــــــــ

(١) مسند الإمام الحسن العسكري: ٢٠٩ ـ ٢١٤.


على البراغيث فيصلي فيه وأن يقيس على نحو هذا فيعمل به ؟ فوقّععليه‌السلام :يجوز الصلاة والطهر منه أفضل (١) .

٢ ـ عن الحسن بن راشد قال: قال الفقيه العسكريعليه‌السلام :ليس في الغسل ولا في الوضوء مضمضة ولا استنشاق (٢) .

باب الصلاة:

١ ـ عن محمد بن عبد الجبار قال: كتبت إلى أبي محمدعليه‌السلام أسأله: هل يصلى في قلنسوة حرير محض أو قلنسوة ديباج ؟ فكتبعليه‌السلام :لا تحلّ الصلاة في حرير محض (٣) .

٢ ـ عن اسماعيل بن سعد الأشعري قال: سألته عن الثوب الابريسم هل يصلي فيه الرجل ؟ قال:لا (٤) .

٣ ـ عن محمد بن عبد الجبار قال: كتبت إلى أبي محمدعليه‌السلام أسأله: هل يصلّى في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه أو تكّة حرير محض أو تكّة من وبر الأرانب ؟ فكتب:لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض فإن كان الوبر ذكياً حلّت الصلاة فيه إنْ شاء الله (٥) .

٤ ـ عن سليمان بن حفص المروزي، عن الرجل العسكريعليه‌السلام قال:إذا انتصف الليل ظهر بياض في وسط السماء شبه عمود من حديد تضيء له الدنيا فيكون ساعة ويذهب، ثم تظلم، فاذا بقي ثلث الليل الأخير ظهر بياض من قِبل المشرق فأضاءت

ــــــــــــ

(١) الكافي: ٣ / ٦٠.

(٢) الاستبصار: ١ / ١١٨، ب٧١، ح٤.

(٣) الكافي: ٣ / ٣٩٩ / ح١٠، الاستبصار: ١ / ٣٨٥ / ب٢٥٥ / ح١.

(٤) الاستبصار: ١ / ٣٨٥، ب٢٥٥، ح٢.

(٥) الاستبصار: ١ / ٣٨٣، ب٢٢٣، ح١١.


له الدنيا فيكون ساعة ثم يذهب ; وهو وقت صلاة الليل، ثم تظلم قبل الفجر، ثم يطلع الفجر الصادق من قبل المشرق ، قال:ومن أراد أن يصلّي في نصف الليل فيطول ; فذلك له (١) .

٥ ـ عن عبد الله بن جعفر قال: كتبت إليه ـ يعني أبا محمدعليه‌السلام ـ يجوز للرجل أن يصلي ومعه فأرة مسك ؟ فكتب:لا بأس به إذا كان ذكياً (٢) .

٦ ـ علي بن محمد، عن محمد بن أحمد بن مطهر أنه كتب إلى أبي محمدعليه‌السلام يخبره بما جاءت به الرواية:أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يصلي في شهر رمضان وغيره من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر وركعة الفجر . فكتب عليه‌السلام : فضّ الله فاه ; صلّى من شهر رمضان في عشرين ليلة، كل ليلة عشرين ركعة، ثماني بعد المغرب، واثنتي عشرة بعد العشاء الآخرة، واغتسل ليلة تسع عشرة وليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين، وصلّى فيهما ثلاثين ركعة: اثنتي عشرة بعد المغرب، ثماني عشرة بعد عشاء الآخرة، وصلّى فيها مائة ركعة، يقرأ في كلّ ركعة فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد عشر مرات وصلّى إلى آخر الشهر كلّ ليلة ثلاثين ركعة، كما فسرت لك (٣) .

باب الصوم:

١ ـ محمد بن يحيى عن محمد قال: كتبت إلى الأخيرعليه‌السلام : رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام وله وليان، هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعاً ; خمسة أيام أحد الوليين، وخمسة أيام الآخر ؟ فوقععليه‌السلام :يقضي عنه أكبر وليّه عشرة أيام ولاءاً، إن شاء الله (٤) .

ــــــــــــ

(١) التهذيب: ٢ / ١١٨، ح٤٤٥.

(٢) التهذيب: ٢ / ٣٦٢، ب١٧، ح٣٣.

(٣) الكافي: ٤ / ١٥٥، ح٦، الاستبصار: ١ / ٤٦٣، ب٢٨٧، ح١٢.

(٤) الكافي: ٤ / ١٢٤، ح٥، الإستبصار: ٢ / ١٠٨، ب٥٧، ح٤.


٢ ـ وكتب حمزة بن محمد إلى أبي محمدعليه‌السلام : لم فرض الله الصوم ؟ فورد في الجواب:ليجد الغني مسّ الجوع ; فيحنّ على الفقير (١) .

٣ ـ روى الصدوق عن أبي الحسن علي بن الحسن بن الفرج المؤذن، قال: حدثني محمد بن الحسن الكرخي، قال: سمعت الحسن بن عليعليه‌السلام يقول لرجل في داره:ياأبا هارون من صام عشرة أشهر رمضان متواليات دخل الجنة (٢) .

٤ ـ وروى محمد بن عيسى، عن علي بن بلال، قال: كتبت الى الطيّب العسكريعليه‌السلام : هل يجوز أن يعطى الفطرة عن عيال الرجل، وهم عشرة، أقل أو أكثر، رجلاً محتاجاً موافقاً ؟ فكتبعليه‌السلام :نعم، افعل ذلك (٣) .

باب الخمس والزكاة:

١ ـ روى الكليني عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن محمد بن عيسى عن محمد بن الريان، قال: كتبت إلى العسكريعليه‌السلام : جعلت فداك روي لنا أن ليس لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الدنيا إلاّ الخمس، فجاء الجواب:إن الدنيا وما عليها لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٤) .

٢ ـ وقال الشيخ الطوسي: وروى الريان بن الصلت، قال: كتبت إلى أبي محمّدعليه‌السلام : ما الذي يجب عليّ يامولاي في غلة رحى في أرض قطيعة لي وفي ثمن سمك وبردي وقصب أبيعه من أجمة هذه القطيعة ؟

ــــــــــــ

(١) رواه الكليني في الكافي: ٤ / ١٨١، ح٦ بتفاوت، من لا يحضره الفقيه: ٣ / ٤٣، ب٢١، ح٣.

(٢) الخصال: ٥٩، أبواب العشرة.

(٣) من لا يحضره الفقيه: ٢ / ١١٧.

(٤) الكافي: ١ / ٤٠٩، ص٦.


فكتبعليه‌السلام :يجب عليك فيه الخمس، إن شاء الله تعالى (١) .

باب الحجّ:

١ ـ وكتب إليه علي بن محمد الحضيني: أنّ ابن عمّي أوصى أن يحجّ عنه بخمسة عشر ديناراً في كلّ سنة، فليس يكفي: فما تأمرني في ذلك ؟

فكتبعليه‌السلام :تجعل حجتين في حجة، إن الله عالم بذلك (٢) .

باب النكاح والطلاق:

١ ـ روى الكليني عن محمد بن يحيى عن عبد الله بن جعفر قال: كتبت إلى أبي محمدعليه‌السلام : امرأة أرضعت ولد الرجل هل يحلّ لذلك الرجل أن يتزوج إبنة هذه المرضعة، أم لا ؟ فوقّععليه‌السلام :لا، لا تحل له (٣) .

٢ ـ وكتب محمد بن الحسن الصفار إلى أبي محمد الحسن بن عليعليه‌السلام في امرأة مات عنها زوجها وهي في عدة منه. وهي محتاجة لا تجد من ينفق عليها، وهي تعمل للناس، هل يجوز لها أن تخرج وتعمل وتبيت عن منزلها للعمل والحاجة في عدتها.قال: فوقّععليه‌السلام :لا بأس بذلك، إن شاء الله (٤) .

باب القضاء والشهادات:

١ ـ وكتب إليه في رجل قال لرجلين: إشهدا أن جميع الدار التي له في موضع كذا وكذا بحدودها كلها لفلان ابن فلان، وجميع ماله في الدار من المتاع والبنية لا تعرف المتاع ; أي شيء هو ؟.

ــــــــــــ

(١) التهذيب: ٤ / ١٣٩، ح١٦.

(٢) الكافي: ٤ / ٣١٠، ح٢، من لا يحضره الفقيه: ٢ / ٢٧٢، ب١٦٦، ح٣.

(٣) الكافي: ٥، ص٤٤٧، ح١٨، من لا يحضره الفقيه: ٣ / ٣٠٦، ب١٤٦، ح٩.

(٤) من لا يحضره الفقيه: ٣ / ٣٢٨، ب١٥٩، ح١٢.


فوقععليه‌السلام :يصلح إذا أحاط الشراء بجميع ذلك إن شاء الله (١) .

٢ ـ وكتب محمد بن الحسن الصفاررضي‌الله‌عنه إلى أبي محمد الحسن بن عليعليهما‌السلام في رجل أراد أن يشهد على إمرأة ليس لها بمحرم، هل يجوز له أن يشهد عليها من وراء الستر ويسمع كلامها إذا شهد عدلان أنها فلانة بنت فلان، التي تشهدك وهذا كلامها، أو لا تجوز الشهادة عليها حتى تبرزن وتثبتها بعينها ؟

فوقّععليه‌السلام :تتنقب وتظهر للشهود، إن شاء الله (٢) .

٣ ـ كتب محمد بن الحسن الصفاررضي‌الله‌عنه إلى أبي محمد الحسن بن عليعليهما‌السلام : هل تقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل ؟

فوقّععليه‌السلام :إذا شهد معه آخر عدل فعلى المدّعي يمين .

٤ ـ وكتب إليه أيجوز للوصي أن يشهد لوارث الميت صغيراً أو كبيراً بحق له على الميت أو على غيره، وهو القابض للوارث الصغير وليس للكبير بقابض ؟

فوقّععليه‌السلام :نعم، وينبغي للوصي أن يشهد بالحق ولا يكتم شهادته .

٥ ـ وكتب إليه: أو تقبل شهادة الوصي على الميت بدين مع شاهد آخر عدل ؟

فوقّععليه‌السلام :نعم، من بعد يمين (٣) .

باب الوصية:

١ ـ وكتب محمد بن الحسن الصفاررضي‌الله‌عنه إلى أبي محمد الحسن بن عليعليهما‌السلام : رجل أوصى بثلث ماله في مواليه، الذكر والاُنثى فيه سواء ؟ أو للذكر مثل حظّ الاُنثيين من الوصية ؟

ــــــــــــ

(١) الكافي: ٧ / ٤٠٢، ذيل حديث ٤ بتفاوت، من لا يحضره الفقيه: ٣ / ١٥٣، ب٧٣، ح١٠.

(٢) من لا يحضره الفقيه: ٣ / ٤٠، ب٢٩، ح٢، الاستبصار: ٣ / ١٩، ب١٣، ح٢.

(٣) الكافي: ٧ / ٣٩٤، ح٣، من لا يحضره الفقيه: ٣ / ٤٣، ب٣٣، ح١.


فوقّععليه‌السلام :جايز للميّت ما أوصى به على ما أوصى به، إن شاء الله (١) .

٢ ـ ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن عبد الجبار قال: كتبت إلى العسكريعليه‌السلام : امرأة أوصت إلى رجل، وأقرّت له بدين ثمانية آلاف درهم، وكذلك ما كان لها من متاع البيت من صوف وشعر وشبه وصفر ونحاس وكلّ مالها ; أقرّت به للموصى إليه، وأشهدت على وصيتها، وأوصت أن تحجّ عنها من هذه التركة حجتان ويعطى مولاة لها أربعمائة درهم، وماتت المرأة وتركت زوجاً فلم ندر كيف الخروج من هذا ; واشتبه الأمر علينا، وذكر كاتب: أنّ المرأة استشارته أن يكتب لها ما يصحّ لهذا الوصيّ، فقال: لا يصح تركتك إلاّ بإقرارك له بدين بشهادة الشهود وتأمرينه بعدها أن ينفذ ما توصينه به، فكتب له بالوصية على هذا وأقرّت للوصيّ بهذا الدين فرأيك أدام الله عزّك في مسألة الفقهاء قبلك عن هذا وتعريفنا بذلك لنعمل به، إن شاء الله ؟

فكتب بخطهعليه‌السلام :إن كان الدين صحيحاً معروفاً مفهوماً، فيخرج الدين من رأس المال، إن شاء الله، وإن لم يكن الدين حقّاً، أنفذ لهما ما أوصت به من ثلثها ; كفى أو لم يكف (٢) .

٣ ـ كتب محمد بن الحسن الصفاررضي‌الله‌عنه إلى أبي محمد الحسن بن عليعليهما‌السلام : رجل أوصى إلى رجلين أيجوز لأحدهما أن ينفرد بنصف التركة والآخر بالنصف.

فوقّععليه‌السلام :لا ينبغي لهما أن يخالفا الميت ويعملان على حسب ما أمرهما، إن شاء الله (٣) .

ــــــــــــ

(١) الكافي: ٧ / ٤٥، ح٢، من لا يحضره الفقيه: ٤ / ١٥٥، ب١٠٣، ح٣.

(٢) الاستبصار: ٤ / ١١٣، ب٦٨، ح٩.

(٣) الكافي: ٧ / ٤٦، ح١، بتفاوت وفيه: رجل مات وأوصى، من لا يحضره الفقيه: ٤ / ١٥١، ب٩٩، ح١، الاستبصار: ٤ / ١١٨، ب٧٣، ح١.


باب الوقف:

قال محمد بن الحسن الصفار: كتبت إلى أبي محمدعليه‌السلام أسأله عن الوقف الذي يصحّ كيف هو ؟ فقد روي أن الوقف إذا كان غير موقت فهو باطل مردود على الورثة، وإذا كان موقتاً فهو صحيح مُمْضى، وقال قوم: إن الموقت هو الذي يذكر فيه: أنّه وقف على فلان وعقبه، فإذا انقرضوا فهو للفقراء والمساكين إلى أن يرث الله عزّوجلّ الأرض ومن عليها وقال آخرون: هذا موقت اذا ذكر انه لفلان وعقبه ما بقوا، ولم يذكر في آخره للفقراء والمساكين الى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والذي هو غير موقّت أن يقول: هذا وقف، ولم يذكر أحداً، فما الذي يصحّ من ذلك وما الذي يبطل ؟

فوقّععليه‌السلام :الوقوف بحسب ما يوقفها [أهلها]، إن شاء الله (١) .

باب الارث:

سأل الفهفكي أبا محمدعليه‌السلام : المسكينة الضعيفة تأخذ سهماً واحداً ويأخذ الرجل سهمين ؟ قال أبو محمدعليه‌السلام : إن المرأة ليس عليها جهاد ولا نفقة ولا عليها معلقة، إنّما ذلك على الرجال.

فقلت في نفسي قد كان قيل لي إنّ ابن أبي العوجاء سأل أبا عبد الله عن هذه المسألة فأجابه بهذا الجواب، فأقبل أبو محمدعليه‌السلام عليّ فقال:نعم، هذه المسألة مسألة ابن أبي العوجاء، والجواب منّا واحد، إذا كان معنى المسألة واحداً، جرى لآخرنا ما جرى لأولنا، وأولنا وآخرنا في العلم سواء، ولرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنين عليه‌السلام فضلهما (٢) .

ــــــــــــ

(١) الكليني في الكافي: ٧ / ٣٧، ح٣٤ رواه الصدوق في الفقيه: ٤/١٧٦، ب١٢٨، ح١ باختصار. وفيه «.. فوقع عليه‌السلام: الوقوف تكون على حسب مايوقفها أهلها، إن شاء الله»، الاستبصار: ٤ / ١٠٠، ب٦٢، ح٢.

(٢) الكافي: ٧ / ٨٥، ح٢، كشف الغمة: ٣ / ٢١٠.


باب المعيشة:

١ ـ وروي عن محمد بن علي بن محبوب قال: كتب رجل إلى الفقيهعليه‌السلام في رجل كانت له رحى على نهر قرية، والقرية لرجل أو لرجلين، فأراد صاحب القرية أن يسوق الماء إلى قرية في غير هذا النهر الذي عليه هذه الرحى ويعطل هذه الرحى، أله ذلك أم لا ؟ فوقععليه‌السلام : يتقي الله، ويعمل في ذلك بالمعروف، ولا يضارّ أخاه المؤمن.

٢ ـ وفي رجل كانت له قناة في قرية فأراد رجل آخر أن يحفر قناة أخرى فوقه، ما يكون بينهما في البعد حتى لا يضرّ بالأخرى في أرض إذا كانت صعبة أو رخوة. فوقععليه‌السلام : عليه على حسب أن لا يضرّ أحدهما بالآخر، إن شاء الله(١) .

٣ ـ وكتب محمد بن الحسن الصفاررضي‌الله‌عنه إلى أبي محمد الحسن بن عليعليهما‌السلام يقول: رجل يبذرق القوافل من غير أمر السلطان في موضع مخيف ويشارطونه على شيء مسمّى، أله أن يأخذه منهم أم لا ؟ فوقّععليه‌السلام : إذا واجر نفسه بشيء معروف أخذ حقّه، إن شاء الله(٢) .

٤ ـ محمد بن يحيى عن عبد الله بن جعفر قال: كتبت إلى الرجل أسأله عن رجل اشترى جزوراً أو بقرة للأضاحي فلمّا ذبحها وجد في جوفها صرّة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة، لمن يكون ذلك ؟ فوقّععليه‌السلام :عرّفها البايع فإن لم يكن يعرفها ; فالشيء لك، رزقك الله إيّاه (٣) .

٥ ـ محمد بن الحسن، قال: كتبت إليهعليه‌السلام في رجل باع بستاناً فيه شجر

ــــــــــــ

(١) رواه الكليني في الفروع: ٥ / ٢٩٣، ح٥ عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين قال: كتبت إلى أبي محمد... بتفاوت، من لا يحضره الفقيه: ٣ / ١٥٠، ب٧١، ح١٠

(٢) من لا يحضره الفقيه: ٣ / ١٠٦، ب٥٨، ح٨٨.

(٣) الكافي(الفروع): ٥ / ١٣٩، ح٩.


وكرم، فاستثنى شجرة منها: هل له ممرّ إلى البستان إلى موضع شجرته التي استثناها ؟ وكم لهذه الشجرة التي استثناها من الأرض التي حولها، بقدر أغصانها ؟ أو بقدر موضعها التي هي نابتة فيه ؟ فوقععليه‌السلام : له من ذلك على حسب ما باع وأمسك، فلا يتعدى الحق في ذلك، إن شاء الله(١) .

٦ ـ وكتب محمد بن الحسن الصفار إلى أبي محمدعليه‌السلام في رجل اشترى من رجل أرضاً بحدودها الأربعة، وفيها زرع ونخل وغيرها من الشجر، ولم يذكر النخل ولا الزرع ولا الشجر في كتابه وذكر فيه: أنّه قد اشتراها بجميع حقوقها الداخلة فيها والخارجة منها، أيدخل الزرع والنخل والأشجار في حقوق الأرض، أم لا ؟ فوقععليه‌السلام : إذا ابتاع الأرض بحدودها وما أغلق عليه بابها ; فله جميع ما فيها، إن شاء الله(٢) .

٧ ـ محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين قال: كتبت إلى أبي محمدعليه‌السلام : رجل دفع إلى رجل وديعة فوضعها في منزل جاره فضاعت، فهل يجب عليه إذا خالف أمره وأخرجها من ملكه ؟ فوقّععليه‌السلام : هو ضامن لها، إن شاء الله(٣) .

٨ ـ وروي عن محمد بن علي بن محبوب، قال: كتب رجل إلى الفقيهعليه‌السلام : في رجل دفع ثوباً إلى القصّار ليقصره، فدفعه القصار إلى قصار غيره ليقصره، فضاع الثوب، هل يجب على القصار أن يرد ما دفعه إلى غيره إن كان القصار مأموناً ؟ فوقّععليه‌السلام :هو ضامن له إلاّ أن يكون ثقة مأموناً، إن شاء الله (٤) .

ــــــــــــ

(١) التهذيب: ٧ / ٩٠، ح٢٤.

(٢) التهذيب: ٧ / ١٣٨، ح٨٤.

(٣) الكافي: ٥ / ٢٣٩، ح٩، الفقيه: ٣ / ١٩٤، ب٩٤، ح٣، بتفاوت.

(٤) من لا يحضره الفقيه: ٣ / ١٦٣، ب٧٦، ح١٤.


باب الأولاد:

وكتب عبد الله بن جعفر الحميري إلى أبي محمد الحسن بن عليعليهما‌السلام أنّه روي عن الصالحينعليهم‌السلام أن:اختنوا أولادكم يوم السابع يطهروا، فإنّ الأرض تضجّ إلى الله عزَّ وجلَّ من بول الأغلف . وليس ـ جعلني الله فداك ـ لحجّامي بلدنا حذق بذلك، ولا يختنونه يوم السابع، عندنا حجّام من اليهود، فهل يجوز لليهود أن يختنوا أولاد المسلمين، أم لا ؟ فوقّععليه‌السلام :يوم السابع فلا تخالفوا السنن إن شاء الله (١) .

المختار من تراثهعليه‌السلام في الدعاء

١ ـ روى ابن فهد عن الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام أنّه قال: من أنس بالله استوحش من الناس وعلامة الأنس بالله الوحشة من الناس.(٢)

٢ ـ وروى عنه قولهعليه‌السلام :ارفع المسألة ما وجدت التحمل يمكنك فإن لكل يوم رزقاً جديداً. واعلم أن الإلحاح في المطالب يسلب البهاء، ويورث التعب والعناء، فاصبر حتى يفتح الله لك باباً يسهل الدخول فيه، فما أقرب الصنع من الملهوف والأمن من الهارب المخوف، فربما كانت الغير نوعاً من أدب الله ; والحظوظ مراتب، فلا تعجل على ثمرة لم تدرك فإنما تنالها في أوانها. واعلم أن المدبر لك اعلم بالوقت الذي يصلح حالك فيه، فثق بخيرته في جميع أمورك يصلح حالك. ولا تعجل بحوائجك قبل وقتها فيضيق قلبك وصدرك ويغشاك القنوط. واعلم أن للحياء مقداراً فإن زاد عليه فهو سرف، وان للحزم مقداراً فإن زاد عليه

ــــــــــــ

(١) الكافي: ٦ / ٣٥، ح٣، بتفاوت، من لا يحضره الفقيه: ٣ / ٣١٤، ب١٤٩، ح١٧.

(٢) عدة الداعي: ١٩٤.


فهو تهور. واحذر كل زكي ساكن الطرف، ولو عقل أهل الدنيا خربت (١) .

٣ ـ سأل أبو محمّد عبد الله بن محمّد العابد بالدالية أبا محمد الحسن بن عليعليهما‌السلام في منزله بسرّ من رأى سنة خمس وخمسين ومأتين أن يملي عليه من الصّلاة على النّبي وأوصيائه عليه وعليهم السّلام وأحضر معه قرطاساً كبيراً فأملى عليه من غير كتاب:

اللّهمّ صلّ على محمّد كما حمل وحيك وبلّغ رسالاتك.

وصلّ على محمّد كما أحلّ حلالك وحرّم حرامك وعلّم كتابك.

وصلّ على محمّد كما أقام الصّلاة وآتى الزّكاة ودعَا إلى دينك.

وصلّ على محمّد كما صدّق بوعدك وأشفق من وعيدك.

وصلّ على محمد كما غفرت به الذُّنوب وسترت به العيوب وفرّجت به الكروب وصلّ على محمد كما دفعت به الشقاء وكشفت به الغماء وأجبت به الدُّعاء ونجّيت به من البلاء.

وصلّ على محمّد كما رحمت به العباد وأحييت به البلاد وقصمت به الجبابرة وأهلكت به الفراعنة.

وصلّ على محمّد كما أضعفت به الأموال وأحرزت به من الأهوال وكسرت به الأصنام ورحمت به الأنام.

وصلّ على محمّد كما بعثته بخير الأديان وأعززت به الإيمان وتبّرْت به الأوثان وعظّمت به البيت الحرام.

وصلّ على محمّد وأهل بيته الطّاهرين الأخيار وسلّم تسليماً.

اللّهمّ صلّ على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أخي نبيّك ووصيّه ووليّه وصفيّه ووزيره ومستودع علمه وموضع سرّه وباب حكمته والنّاطق بحجّته والدّاعي إلى شريعته وخليفته في أمته ومفرّج الكرب عن وجهه قاصم الكفرة ومرغم الفجرة الّذي جعلته من

ــــــــــــ

(١) عدة الداعي: ١٢٤.


نبيّك بمنزلة هرون من موسى.

اللّهمّ وال من ولاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله والعن من نصب له من الأولين والآخرين وصلّ عليه أفضل ما صلّيت على أحد من أوصياء أنبيائك ياربّ العالمين.

اللّهمّ صلّ على الصّدّيقة فاطمة الزّكيّة حبيبة حبيبك ونبيّك وأم أحبّائك وأصفيائك الّتي انتجبتها وفضّلتها واخترتها على نساء العالمين اللّهمّ كن الطّالب لها ممّن ظلمها واستخفّ بحقّها وكن الثّائر اللّهمّ بدم أولادها اللّهمّ وكما جعلتها أم أئمّة الهدى وحليلة صاحب اللّواء والكريمة عند الملأ الأعلى فصلّ عليها وعلى أمها خديجة الكبرى صلاةً تكرم بها وجه أبيها محمّد صلّى اللّه عليه وآله وتقرُّ بها أعين ذرّيّتها وأبلغهم عنّي في هذه السّاعة أفضل التّحيّة والسّلام.

اللّهمّ صلّ على الحسن والحسين عبديك ووليّيك وابني رسولك وسبطي الرّحمة وسيّدي شباب أهل الجنّة أفضل ما صلّيت على احد من أولاد النّبيّين والمرسلين.

اللّهمّ صلّ على الحسن بن سيّد الوصيّين ووصيّـ أمير المؤمنين عليه‌السلام السّلام عليك يابن رسول اللّه السّلام عليك يابن سيّد الوصيّين أشهد انّك يابن أمير المؤمنين أمين اللّه وابن أمينه عشت مظلوماً ومضيت شهيداً وأشهد أنّك الأمام الزّكيُّ الهادي المهديُّ اللّهمّ صلّ عليه وبلّغ روحه وجسده عنّي في هذه السّاعة أفضل التّحيّة والسّلام.

اللّهمّ صلّ على الحسين بن عليّ المظلوم الشّهيد قتيل الكفرة وطريح الفجرة السّلام عليك ياأبا عبد اللّه السّلام عليك يابن رسول اللّه السلام عليك يابن أمير المؤمنين أشهد موقناً أنّك أمين اللّه وابن أمينه قتلت مظلوماً ومضيت شهيداً وأشهد أن اللّه تعالى الطّالب بثارك ومنجزٌ ما وعدك من النّصر والتّأييد في هلاك عدوّك وإظهار دعوتك وأشهد أنّك وفيت بعهد اللّه وجاهدت في سبيل اللّه وعبدت اللّه مخلصاً حتّى أتاك اليقين لعن اللّه اُمّة قتلتك ولعن اللّه اُمّة خذلتك ولعن اللّه اُمّة ألّبت عليك وأبرء إلى اللّه تعالى ممن أكذبك واستخف بحقّك واستحلّ دمك بأبي أنت وأمي ياأبا عبد الله لعن الله قاتلك ولعن الله خاذلك ولعن اللّه من سمع واعيتك فلم يجبك ولم ينصرك ولعن اللّه من سبا نساءك أنا إلى اللّه منهم بريء وممّن ولاّهم ومالاهم وأعانهم عليه، أشهد أنّك والأئمّة من ولدك كلمة التقوى وباب الهدى والعروة الوثقى والحجّة على أهل الدُّنيا وأشهد أنّي بكم مؤمن وبمنزلتكم موقن ولكم تابع بذات نفسي وشرايع ديني وخواتيم عملي ومنقلبي في دنياي وآخرتي.


اللّهمّ صلّ على عليّ بن الحسين سيّد العابدين الّذي استخلصته لنفسك وجعلت منه أئمّة الهدى الّذين يهدون بالحقّ وبه يعدلون اخترته لنفسك وطهّرته من الرّجس واصطفيته وجعلته هادياً مهديّاً اللّهمّ فصلّ عليه أفضل ما صلّيت على أحد من ذرّيّة أنبيائك حتّى يبلغ به ما تقرُّ به عينه في الدُّنيا والآخرة إنّك عزيز كريم.

اللّهمّ صلّ على محمّد بن عليّ باقر العلم وإمام الهدى وقائد أهل التّقوى والمنتجب من عبادك اللّهمّ وكما جعلته علماً لعبادك ومناراً لبلادك ومستودعاً لحكمتك ومترجماً لوحيك وأمرت بطاعته وحذّرت من معصيته فصلّ عليه ياربّ أفضل ما صلّيت على أحد من ذرّيّة أنبيائك وأصفيائك ورسلك وأمنائك ياربّ العالمين.

اللّهمّ صلّ على جعفر بن محمّد الصّادق خازن العلم الداعي إليك بالحقّ النُّور المبين اللّهمّ وكما جعلته معدن كلامك ووحيك وخازن علمك ولسان توحيدك ووليّ أمرك ومستحفظ دينك فصلّ عليه أفضل ما صلّيت على احد من أصفيائك وحججك انّك حميد مجيد.

اللّهمّ صلّ على الأمين المؤتمن موسى بن جعفر البرّ الوفيّ الطّاهر الزّكيّ النُّور المبين المجتهد المحتسب الصّابر على الأذى فيك اللّهمّ وكما بلّغ عن آبائه ما استودع من أمرك ونهيك وحمل على المحجّة وكابد أهل العزّة والشّدّة فيما كان يلقى من جهّال قومه ربّ فصلّ عليه أفضل وأكمل ما صلّيت على احد ممّن أطاعك ونصح لعبادك إنّك غفور رحيم.

اللّهمّ صلّ على عليّ بن موسى الّذي ارتضيته ورضيت به من شئت من خلقك اللّهمّ وكما جعلته حجّة على خلقك وقائماً بأمرك وناصراً لدينك وشاهداً على عبادك وكما نصح لهم في السّرّ والعلانية ودعا إلى سبيلك بالحكمة والموعظة الحسنة فصلّ عليه أفضل ما صلّيت على أحد من أوليائك وخيرتك من خلقك انّك جواد كريم.

اللّهمّ صلّ على محمّد بن عليّ بن موسى التقي ونور التقى ومعدن الهدى وفرع


الأزكياء وخليفة الأوصياء وأمينك على وحيك اللّهمّ فكما هديت به من الضّلالة واستنقذت به من الحيرة وأرشدت به من اهتدى وزكّيت به من تزكّى فصلّ عليه أفضل ما صلّيت على أحد من أوليائك وبقيّة أوليائك إنّك عزيز حكيم.

اللّهمّ صلّ على عليّ بن محمّد وصيّ الأوصياء وإمام الأتقياء وخلف أئمة الدّين والحجّة على الخلائق أجمعين اللّهمّ كما جعلته نوراً يستضيء به المؤمنون فبشّر بالجزيل من ثوابك وأنذر بالأليم من عقابك وحذّر بأسك وذكّر بأيّامك وأحلّ حلالك وحرّم حرامك وبيّن شرائعك وفرائضك وحضّ على عبادتك وأمر بطاعتك ونهى عن معصيتك فصلّ عليه أفضل ما صلّيت على أحد من أوليائك وذرّيّة أنبيائك ياإله العالمين.

اللّهمّ صلّ على الحسن بن عليّ بن محمّد البرّ التّقيّ الصّادق الوفيّ النُّور المضيء خازن علمك والمذكر بتوحيدك ووليّ أمرك وخلف أئمة الدّين الهداة الرّاشدين والحجّة على أهل الدُّنيا فصلّ عليه ياربّ أفضل ما صلّيت على احد من أصفيائك وحججك وأولاد رسلك ياإله العالمين.

اللّهمّ صلّ على وليّك وابن أوليائك الّذين فرضت طاعتهم وأوجبت حقّهم وأذهبت عنهم الرّجس وطهّرتهم تطهيراً اللّهمّ انصره وانتصر به لدينك وأنصر به أولياءك وأولياءه وشيعته وأنصاره واجعلنا منهم، اللّهمّ أعذه من شرّ كلّ باغ وطاغ ومن شرّ جميع خلقك وأحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله واحرسه وامنعه أن يوصل إليه بسوء واحفظ فيه رسولك وآل رسولك واظهر به العدل وأيده بالنّصر وانصر ناصريه واخذل خاذليه واقصم به جبابرة الكفر واقتل به الكفّار والمنافقين وجميع الملحدين حيث كانوا من مشارق الأرض ومغاربها وبرّها وبحرها واملأ به الأرض عدلاً واظهر به دين نبيّك عليه وآله السّلام واجعلني اللّهمّ من انصاره وأعوانه وأتباعه وشيعته وأرني في آل محمّد ما يأملون وفي عدوّهم ما يحذرون إله الحقّ آمين.(١)

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

ــــــــــــ

(١) مصباح المتهجد: ٢٨٠.


الفهرست

المقدمة ٤

الباب الأول. ١٠

فيه فصول: ١٠

الفصل الأول: الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام في سطور. ١٠

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصية الإمام عليه‌السلام. ١٠

الفصل الثالث: مظاهر من شخصية الإمام عليه‌السلام. ١٠

الفصل الأول: الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام في سطور ١٠

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصية الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام.... ١٣

١ ـ شهادة المعتمد العباسي: ١٤

٢ ـ شهادة طبيب البلاط العباسي: ١٤

٣ ـ أحمد بن عبيد الله بن خاقان: ١٥

٤ ـ كاتب الخليفة المعتمد: ١٦

٥ ـ راهب دير العاقول: ١٨

٦ ـ محمد بن طلحة الشافعي: ١٨

٧ ـ ابن الصباغ المالكي: ١٨

٨ ـ العلامة سبط بن الجوزي: ١٩

٩ ـ العلامة محمد أبو الهدى أفندي: ١٩

١٠ ـ العلاّمة الشبراوي الشافعي: ٢٠

الفصل الثالث: مظاهر من شخصية الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام.... ٢١

سماحته وكرمه ٢٢

زهده وعبادته ٢٤

علمه ودلائل إمامته ٢٥

الباب الثاني. ٢٩

فيه فصول: ٢٩

الفصل الأول: نشأة الإمام الحسن بن علي العسكري عليه‌السلام. ٢٩


الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام. ٢٩

الفصل الثالث: الإمام الحسن العسكري في ظلّ أبيه عليهما‌السلام. ٢٩

الفصل الأول: نشأة الإمام الحسن بن علي العسكري عليه‌السلام.... ٢٩

نسبه الشريف.. ٢٩

محل الولادة وتأريخها ٢٩

ألقابه عليه‌السلام وكناه ٣٠

ملامحه ٣١

النشأة وظروفها ٣١

الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام.... ٣٦

الفصل الثالث: الإمام الحسن العسكري في ظلّ أبيه عليهما‌السلام..... ٣٧

١ ـ طفولة متميّزة ٣٧

٢ ـ عصر الإمام الهادي عليه‌السلام.... ٣٨

٣ ـ مواقف الإمام الهادي عليه‌السلام تجاه الأحداث.. ٤٠

الإمام الهادي عليه‌السلام والمتوكل العباسي. ٤٢

الإمام الهادي عليه‌السلام ووزير المنتصر ٤٤

الإمام الهادي عليه‌السلام والتحدّي العلمي. ٤٤

الإمام الهادي عليه‌السلام وفتنة خلق القرآن. ٤٤

الإمام الهادي عليه‌السلام مع أصحابه وشيعته ٤٤

رعاية الإمام الهادي عليه‌السلام لشيعته وقضاء حوائجهم. ٤٤

الإمام الهادي عليه‌السلام والغلاة ٤٤

الإمام الهادي عليه‌السلام والثورات في عصره ٤٤

الإمام الهادي عليه‌السلام وأساليب مواجهة السلطة ٤٤

٤ ـ زواج الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام.... ٤٤

٥ ـ علاقة الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام بأخيه محمد. ٤٤

٦ ـ علاقته بأخيه الحسين: ٤٤

٧ ـ علاقته بأخيه جعفر: ٤٤


٨ ـ النصوص على إمامة الحسن العسكري عليه‌السلام.... ٤٤

أ ـ نصوص الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ٤٤

ب ـ نصوص الأئمة المعصومين عليهم‌السلام.... ٤٤

ج ـ نصوص الإمام الهادي على إمامة الحسن العسكري عليهما‌السلام..... ٤٤

٩ ـ اغتيال الإمام الهادي عليه‌السلام واستشهاده ٤٤

١٠ ـ من دلائل إمامته بعد استشهاد أبيه عليهما‌السلام..... ٤٤

الباب الثالث.. ٤٤

فيه فصول: ٤٤

الفصل الأول: ملامح عصر الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام. ٤٤

الفصل الثاني: عصر الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام. ٤٤

الفصل الثالث: متطلّبات عصر الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام. ٤٤

الفصل الأول: ملامح عصر الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام.... ٤٤

الحالة السياسية ٤٤

الحالة الاجتماعية ٤٤

الحالة الثقافية ٤٤

الحالة الاقتصادية ٤٤

الفصل الثاني: عصر الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام.... ٤٤

١ ـ المعتز العباسي(٢٥٢ ـ ٢٥٥ هـ ) ٤٤

٢ ـ المهتدي العباسي(٢٥٥ـ ٢٥٦ هـ ) ٤٤

سياسة المهتدي تجاه معارضيه ٤٤

أ ـ الخليفة وأمراء الجند: ٤٤

ب ـ المهتدي وأصحاب الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام: ٤٤

ج ـ سجن الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام: ٤٤

٣ ـ المعتمد ابن المتوكل العبّاسي(٢٥٦ ـ ٢٧٩ هـ ) ٤٤

وأهم هذه الأحداث في عصر المعتمد: ٤٤

أ ـ ثورة الزنج: ٤٤


ب ـ حركة ابن الصوفي العلوي: ٤٤

ج ـ ثورة علي بن زيد في الكوفة: ٤٤

د ـ المعتمد والإمام العسكري عليه‌السلام.... ٤٤

هـ ـ المعتمد وموقفه من الشيعة ٤٤

استشهاد الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام.... ٤٤

الصلاة على الإمام العسكري عليه‌السلام.... ٤٤

أولاد الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام.... ٤٤

الفصل الثالث: متطلّبات عصر الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام.... ٤٤

الباب الرابع. ٤٤

وفيه فصول: ٤٤

الفصل الأول: الإمام العسكري عليه‌السلام ومتطلّبات الساحة الإسلامية. ٤٤

الفصل الثاني: الإمام العسكري عليه‌السلام ومتطلّبات الجماعة الصالحة. ٤٤

الفصل الثالث: من تراث الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام. ٤٤

الفصل الأول: الإمام العسكري عليه‌السلام ومتطلّبات الساحة الإسلامية ٤٤

١ ـ الحكمة والدقّة في التعامل مع الحكّام ٤٤

٢ ـ الردّ على الشبهات والدفاع عن حريم الرسالة ٤٤

٣ ـ مواجهة الفرق المنحرفة ٤٤

١ ـ الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام والثنوية ٤٤

٢ ـ الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام والصوفية ٤٤

٣ ـ الدعوة إلى دين الحق. ٤٤

الفصل الثاني: الإمام العسكري عليه‌السلام ومتطلّبات الجماعة الصالحة ٤٤

البحث الأول: الإمام الحسن العسكري والتمهيد لقضية الإمام المهدي عليهما‌السلام..... ٤٤

الخطوة الأولى: ٤٤

الخطوة الثانية: ٤٤

الخطوة الثالثة: ٤٤

الخطوة الرابعة: ٤٤


الخطوة الخامسة: ٤٤

الخطوة السادسة: ٤٤

الخطوة السابعة: ٤٤

البحث الثاني: الإعداد لعصر الغيبة ٤٤

البحث الثالث: نظام الوكلاء في عصر الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام.... ٤٤

البحث الرابع: مدرسة الفقهاء والتمهيد لعصر الغيبة: ٤٤

البحث الخامس: قيادة العلماء الأمناء على حلاله وحرامه ٤٤

البحث السادس: الإمام العسكري عليه‌السلام والفرق الضالّة ٤٤

١ ـ الإمام العسكري عليه‌السلام والواقفة ٤٤

٢ ـ الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام والمفوّضة ٤٤

البحث السابع: من وصايا الإمام العسكري عليه‌السلام وإرشاداته لشيعته ٤٤

البحث الثامن: الإمام العسكري عليه‌السلام والتحصين الأمني. ٤٤

الفصل الثالث: من تراث الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام.... ٤٤

أوّلاً: التفسير. ٤٤

نماذج من تراثه التفسيري. ٤٤

ثانياً: رسالة المنقبة ٤٤

ثالثاً: مكاتبات الرجال عن العسكريين. ٤٤

رابعاً: مجموعة وصايا الإمام العسكري وكتبه وتوقيعاته ٤٤

خامساً: اهتمامات الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام الفكرية والعلمية ٤٤

من تراثه المعرفيّ. ٤٤

١ ـ التوحيد في نصوص الإمام العسكري عليه‌السلام.... ٤٤

٢ ـ أهل البيت عليهم‌السلام والإمامة عند الإمام العسكري عليه‌السلام.... ٤٤

الإمام المهدي عليه‌السلام في تراث الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام.... ٤٤

السيرة النبوية في تراث الإمام العسكري عليه‌السلام.... ٤٤

المختار من تراثه الفقهي عليه‌السلام.... ٤٤

باب الطهارة: ٤٤


باب الصلاة: ٤٤

باب الصوم: ٤٤

باب الخمس والزكاة: ٤٤

باب الحجّ: ٤٤

باب النكاح والطلاق: ٤٤

باب القضاء والشهادات: ٤٤

باب الوصية: ٤٤

باب الوقف: ٤٤

باب الارث: ٤٤

باب المعيشة: ٤٤

باب الأولاد: ٤٤

المختار من تراثه عليه‌السلام في الدعاء ٤٤