اعلام الهداية - الإمام الحسن المجتبى (ع)
التجميع الإمام الحسن عليه السلام
الکاتب المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

أعلام الهداية

الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام

المجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

قم المقدسة


اسم الكتاب: أعلام الهداية(ج٤) الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام .

المؤلف: لجنة التأليف.

الموضوع: كلام وتاريخ.

الناشر: مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام .

الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ ق .

الطبعة الثانية: ١٤٢٥ هـ ق .

الطبعة الثالثة: ١٤٢٧ هـ ق .

المطبعة: ليلى.

الكمية: ٥٠٠٠.

تاريخ النشر: ١٤٢٢ هـ ق.

المجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام ـ قم

isbn: ٩٦٤- ٥٦٨٨-٢٠-٥

حقوق الطبع والترجمة محفوظة للمجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام


أهل البيت في القرآن الكريم

( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)

الأحزاب: ٣٣ / ٣٣

أهل البيت في السنة النبويّة

(إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبد)

(الصحاح والمسانيد)


المقدمة

الحمد لله الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، ثم الصلاة والسلام على من اختارهم هداةً لعباده، لا سيَّما خاتم الأنبياء وسيّد الرسل والأصفياء أبو القاسم المصطفى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى آله الميامين النجباء.

لقد خلق الله الإنسان وزوّده بعنصري العقل والإرادة، فبالعقل يبصر ويكتشف الحقّ ويميّزه عن الباطل، وبالإرادة يختار ما يراه صالحاً له ومحقّقاً لأغراضه وأهدافه.

وقد جعل الله العقل المميِّز حجةً له على خلقه، وأعانه بما أفاض على العقول من معين هدايته ; فإنّه هو الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، وأرشده إلى طريق كماله اللائق به، وعرّفه الغاية التي خلقه من أجلها، وجاء به إلى هذه الحياة الدنيا من أجل تحقيقها.

وأوضح القرآن الحكيم بنصوصه الصريحة معالم الهداية الربّانية وآفاقها ومستلزماتها وطرقها، كما بيّن لنا عللها وأسبابها من جهة، وأسفر عن ثمارها ونتائجها من جهة أخرى.

قال تعالى:

( قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ) (الأنعام (٦): ٧١).

( وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (البقرة (٢): ٢١٣).

( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) (الأحزاب (٣٣): ٤).

( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (آل عمران (٣): ١٠١).

( قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (يونس (١٠): ٣٥).

( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) (سبأ (٣٤): ٦).


( ومن أضلّ ممن اتّبع هواه بغير هدىً من الله ) (القصص (٢٨):٥٠).

فالله تعالى هو مصدر الهداية. وهدايته هي الهداية الحقيقية، وهو الذي يأخذ بيد الإنسان إلى الصراط المستقيم وإلى الحقّ القويم.

وهذه الحقائق يؤيدها العلم ويدركها العلماء ويخضعون لها بملء وجودهم.

ولقد أودع الله في فطرة الإنسان النزوع إلى الكمال والجمال ثمّ مَنّ عليه بإرشاده إلى الكمال اللائق به، وأسبغ عليه نعمة التعرّف على طريق الكمال، ومن هنا قال تعالى: ( وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّ ليعبدونِ ) (الذاريات (٥١): ٥٦). وحيث لا تتحقّق العبادة الحقيقية من دون المعرفة، كانت المعرفة والعبادة طريقاً منحصراً وهدفاً وغايةً موصلةً إلى قمّة الكمال.

وبعد أن زوّد الله الإنسان بطاقتي الغضب والشهوة ليحقّق له وقود الحركة نحو الكمال; لم يؤمَن عليه من سيطرة الغضب والشهوة; والهوى الناشئ منهما، والملازم لهما فمن هنا احتاج الإنسان ـ بالإضافة إلى عقله وسائر أدوات المعرفة ـ إلى ما يضمن له سلامة البصيرة والرؤية; كي تتمّ عليه

الحجّة، وتكمل نعمة الهداية، وتتوفّر لديه كلّ الأسباب التي تجعله يختار طريق الخير والسعادة، أو طريق الشرّ والشقاء بملء إرادته.

ومن هنا اقتضت سُنّة الهداية الربّانية أن يُسند عقل الإنسان عن طريق الوحي الإلهي، ومن خلال الهداة الذين اختارهم الله لتولِّي مسؤولية هداية العباد وذلك عن طريق توفير تفاصيل المعرفة وإعطاء الإرشادات اللازمة لكلّ مرافق الحياة.


وقد حمل الأنبياء وأوصياؤهم مشعل الهداية الربّانية منذ فجر التاريخ وعلى مدى العصور والقرون، ولم يترك الله عباده مهملين دون حجة هادية وعلم مرشد ونور مُضيء، كما أفصحت نصوص الوحي ـ مؤيّدةً لدلائل العقل ـ بأنّ الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه، لئلاّ يكون للناس على الله حجّة، فالحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق، ولو لم يبق في الأرض إلاّ اثنان لكان أحدهما الحجّة، وصرّح القرآن ـ بشكل لا يقبل الريب ـ قائلاً:( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (الرعد (١٣): ٧).

ويتولّى أنبياء الله ورسله وأوصياؤهم الهداة المهديّون مهمّة الهداية بجميع مراتبها، والتي تتلخّص في:

١ ـ تلقِّي الوحي بشكل كامل واستيعاب الرسالة الإلهية بصورة دقيقة. وهذه المرحلة تتطلّب الاستعداد التام لتلقّي الرسالة، ومن هنا يكون الاصطفاء الإلهي لرسله شأناً من شؤونه، كما أفصح بذلك الذكر الحكيم قائلاً: ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) (الأنعام (٦): ١٢٤) و( اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ) (آل عمران (٣): ١٧٩).

٢ ـ إبلاغ الرسالة الإلهية إلى البشرية ولمن أرسلوا إليه، ويتوقّف الإبلاغ على الكفاءة التامّة التي تتمثّل في (الاستيعاب والإحاطة اللازمة) بتفاصيل

الرسالة وأهدافها ومتطلّباتها، و (العصمة) عن الخطأ والانحراف معاً، قال تعالى: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) (البقرة (٢): ٢١٣).

٣ ـ تكوين اُمة مؤمنة بالرسالة الإلهية، وإعدادها لدعم القيادة الهادية من أجل تحقيق أهدافها وتطبيق قوانينها في الحياة، وقد صرّحت آيات الذكر الحكيم بهذه المهمّة مستخدمةً عنواني التزكية والتعليم، قال تعالى: ( يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) (الجمعة(٦٢): ٢) والتزكية هي التربية باتجاه الكمال اللائق بالإنسان. وتتطلّب التربية القدوة الصالحة التي تتمتّع بكلّ عناصر الكمال، كما قال تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (الأحزاب(٣٣): ٢١).


٤ ـ صيانة الرسالة من الزيغ والتحريف والضياع في الفترة المقرّرة لها، وهذه المهمة أيضاً تتطلّب الكفاءة العلمية والنفسية، والتي تسمّى بالعصمة.

٥ ـ العمل لتحقيق أهداف الرسالة المعنوية وتثبيت القيم الأخلاقية في نفوس الأفراد وأركان المجتمعات البشرية وذلك بتنفيذ الأطروحة الربّانية، وتطبيق قوانين الدين الحنيف على المجتمع البشري من خلال تأسيس كيان سياسيٍّ يتولّى إدارة شؤون الأمة على أساس الرسالة الربّانية للبشرية، ويتطلّب التنفيذ قيادةً حكيمةً، وشجاعةً فائقةً، وثباتاً كبيراً، ومعرفةً تامةً بالنفوس وبطبقات المجتمع والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية وقوانين الإدارة والتربية وسنن الحياة، ونلخّصها في الكفاءة العلمية لإدارة دولة عالمية دينية، هذا فضلاً عن العصمة التي تعبّر عن الكفاءة النفسية التي تصون القيادة الدينية من كلّ سلوك منحرف أو عمل خاطئ بإمكانه أن يؤثّر تأثيراً سلبيّاً على مسيرة القيادة وانقياد الأمة لها بحيث يتنافى مع أهداف الرسالة وأغراضها.

وقد سلك الأنبياء السابقون وأوصياؤهم المصطفون طريق الهداية الدامي، واقتحموا سبيل التربية الشاقّ، وتحمّلوا في سبيل أداء المهامّ الرسالية كلّ صعب، وقدّموا في سبيل تحقيق أهداف الرسالات الإلهية كلّ ما يمكن أن يقدّمه الإنسان المتفاني في مبدئه وعقيدته، ولم يتراجعوا لحظة، ولم يتلكّأوا طرفة عين.

وقد توّج الله جهودهم وجهادهم المستمرّ على مدى العصور برسالة خاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحمّله الأمانة الكبرى ومسؤولية الهداية بجميع مراتبها، طالباً منه تحقيق أهدافها. وقد خطا الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الطريق الوعر خطوات مدهشة، وحقّق في أقصر فترة زمنية أكبر نتاج ممكن في حساب الدعوات التغييرية والرسالات الثورية، وكانت حصيلة جهاده وكدحه ليل نهار خلال عقدين من الزمن ما يلي:

١ ـ تقديم رسالة كاملة للبشرية تحتوي على عناصر الديمومة والبقاء.

٢ ـ تزويدها بعناصر تصونها من الزيغ والانحراف.


٣ ـ تكوين اُمة مسلمة تؤمن بالإسلام مبدأً، وبالرسول قائداً، وبالشريعة قانوناً للحياة.

٤ ـ تأسيس دولة إسلامية وكيان سياسيٍّ يحمل لواء الإسلام ويطبّق شريعة السماء.

٥ ـ تقديم الوجه المشرق للقيادة الربّانية الحكيمة المتمثّلة في قيادتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولتحقيق أهداف الرسالة بشكل كامل كان من الضروري:

أ ـ أن تستمرّ القيادة الكفوءة في تطبيق الرسالة وصيانتها من أيدي العابثين الذين يتربّصون بها الدوائر.

ب ـ أن تستمرّ عملية التربية الصحيحة باستمرار الأجيال; على يد مربٍّ كفوء علمياً ونفسياً حيث يكون قدوة حسنة في الخلق والسلوك كالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يستوعب الرسالة ويجسّدها في كل حركاته وسكناته.

ومن هنا كان التخطيط الإلهيّ يحتّم على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إعداد الصفوة من أهل بيته، والتصريح بأسمائهم وأدوارهم; لتسلّم مقاليد الحركة النبويّة العظيمة والهداية الربّانية الخالدة بأمر من الله سبحانه وصيانة للرسالة الإلهية التي كتب الله لها الخلود من تحريف الجاهلين وكيد الخائنين، وتربية للأجيال على قيم ومفاهيم الشريعة المباركة التي تولّوا تبيين معالمها وكشف أسرارها وذخائرها على مرّ العصور، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.

وتجلّى هذا التخطيط الربّاني في ما نصّ عليه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله:(إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) .

وكان أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم خير من عرّفهم النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمر من الله تعالى لقيادة الأمة من بعده.


إنّ سيرة الأئمّة الاثني عشر من أهل البيتعليهم‌السلام تمثّل المسيرة الواقعية للإسلام بعد عصر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودراسة حياتهم بشكل مستوعب تكشف لنا عن صورة مستوعبة لحركة الإسلام الأصيل الذي أخذ يشقّ طريقه إلى أعماق الأمة بعد أن أخذت طاقتها الحرارية تتضاءل بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأخذ الأئمة المعصومونعليهم‌السلام يعملون على توعية الأمة وتحريك طاقتها باتجاه إيجاد وتصعيد الوعي الرساليِّ للشريعة ولحركة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثورته المباركة، غير خارجين عن مسار السنن الكونية التي تتحكّم في سلوك القيادة والأمة جمعاء.

وتبلورت حياة الأئمّة الراشدين في استمرارهم على نهج الرسول العظيم وانفتاح الأمة عليهم والتفاعل معهم كأعلام للهداية ومصابيح لإنارة الدرب للسالكين المؤمنين بقيادتهم، فكانوا هم الأدلاّء على الله وعلى مرضاته، والمستقرّين في أمر الله، والتامّين في محبّته، والذائبين في الشوق إليه، والسابقين إلى تسلّق قمم الكمال الإنسانيّ المنشود.

وقد حفلت حياتهم بأنواع الجهاد والصبر على طاعة الله وتحمّل جفاء أهل الجفاء حتّى ضربوا أعلى أمثلة الصمود لتنفيذ أحكام الله تعالى، ثم اختاروا الشهادة مع العزّ على الحياة مع الذلّ، حتى فازوا بلقاء الله سبحانه بعد كفاح عظيم وجهاد كبير.

ولا يستطيع المؤرّخون والكتّاب أن يلمّوا بجميع زوايا حياتهم العطرة ويدّعوا دراستها بشكل كامل، ومن هنا فإنّ محاولتنا هذه إنّما هي إعطاء قبسات من حياتهم، ولقطات من سيرتهم وسلوكهم ومواقفهم التي دوّنها المؤرّخون واستطعنا اكتشافها من خلال مصادر الدراسة والتحقيق، عسى الله أن ينفع بها إنّه وليّ التوفيق.

إنّ دراستنا لحركة أهل البيتعليهم‌السلام الرسالية تبدأ برسول الإسلام وخاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتنتهي بخاتم الأوصياء، محمد بن الحسن العسكري المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه وأنار الأرض بعدله.


ويختص هذا الكتاب بدراسة حياة الإمام الحسن بن علي المجتبىعليه‌السلام ثاني أئمة أهل البيتعليهم‌السلام بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو المعصوم الرابع من أعلام الهداية، والذي جسَّد الإسلام في جوانب حياته الشريفة إنه سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسيد شباب أهل الجنة وأَحد اثنين انحصرت بهما ذريّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. فكان مثلاً أعلى، ونبراساً مضيئاً يشعُّ إيماناً وطهراً وبهاءً.

ولا بدَّ لنا من تقديم الشكر إلى كل الإخوة الأعزّاء الذين بذلوا جهداً وافراً وشاركوا في إنجاز هذا المشروع المبارك وإخراجه إلى عالم النور، لا سيَّما أعضاء لجنة التأليف بإشراف سماحة السيد منذر الحكيم (حفظه الله تعالى).

ولا يسعنا إلاّ أن نبتهل إلى الله تعالى بالدعاء والشكر لتوفيقه على إنجاز هذه الموسوعة المباركة فإنه حسبنا ونعم النصير.

المجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

قم المقدسة


الباب الأول

فيه فصول:

الفصل الأول: الإمام المجتبىعليه‌السلام في سطور.

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصيّة الإمام المجتبىعليه‌السلام .

الفصل الثالث: من فضائل الإمام المجتبىعليه‌السلام ومظاهر شخصيته.

الفصل الأول: الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام في سطور

* الإمام أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب المجتبى، ثاني أئمة أهل البيت بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسيّد شباب أهل الجنة بإجماع المحدّثين، وأحد اثنين انحصرت بهما ذريّة رسول الله، وأحد الأربعة الذين باهى بهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نصارى نجران، ومن المطهّرين الذين أذهب الله عنهم الرجس، ومن القربى الذين أمر الله بموّدتهم، وأحد الثقلين الذين من تمسّك بهما نجا ومن تخلّف عنهما ضلّ وغوى .

* نشأ في أحضان جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتغذّى من معين رسالته وأخلاقه ويسره وسماحته، وظلّ معه في رعايته حتى اختار الله لنبيه دار خلده، بعد أن ورّثه هديه وأدبه وهيبته وسؤدده، وأهّله للإمامة التي كانت تنتظره بعد أبيه، وقد صرّح بها جدّه في أكثر من مناسبة حينما قال :"الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا، اللهمّ إنّي أحبهما فأحبّ من يحبّهما" .

* لقد اجتمع في هذا الإمام العظيم شرف النبوّة والإمامة، بالإضافة إلى شرف الحسب والنسب، ووجد المسلمون فيه ما وجدوه في جدّه وأبيه حتى كان يذكّرهم بهما، فأحبّوه وعظّموه، وكان مرجعهم الأوحد بعد أبيه، فيما كان يعترضهم من مشاكل الحياة وما كان يستصعبهم من أمور الدين، لا سيَّما بعد أن دخلت الأُمة الإسلامية حياة حافلة بالأحداث المريرة التي لم يعرفوا لها نظيراً من قبل .


* وكان الإمام الزكي المجتبى في جميع مواقفه ومراحل حياته مثالاً كريماً للخُلق الإسلامي النبوي الرفيع في تحمّل الأذى والمكروه في ذات الله، والتحلّي بالصبر الجميل والحلم الكبير، حتى اعترف له ألدّ أعدائه ـ مروان بن الحكم ـ بأنّ حلمه يوازي الجبال. كما اشتهرعليه‌السلام بالسماحة والكرم والجود والسخاء بنحو تميّز عن سائر الكرماء والأسخياء .

* وبقي الإمام المجتبى بعد جدّه في رعاية أمه الزهراء ـ الصدّيقة الطاهرة ـ وأبيه سيّد الوصيّين وإمام الغرّ المحجّلين، وهما في صراع دائم مع الذين صادروا خلافة جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما لبث أن طويت هذه الصفحة الثانية من حياته بوفاة أمه الزهراءعليها‌السلام وقد حفّت بأبيه علي بن أبي طالبعليه‌السلام النكبات، ولا زال يشاهد كلّ هذه المحن ويتجرّع مرارتها وهو في سن الطفولة، لكنّه كان يقوم بأكثر ممّا ينتظر من مثله، من حيث وعيه وإحساسه بالأوضاع العامة وتطوّراتها، ومن هنا كان يتمتّع بتقدير المسلمين واحترامهم له بعد ما شاهدوا مدى اهتمام نبيّهم به .

* وأشرف الإمامعليه‌السلام على الشباب في خلافة عمر، وانصرف مع أبيه إلى تعليم الناس وحلّ مشاكلهم .

* لقد وقف الإمام الحسن الزكي إلى جانب أبيهعليه‌السلام في عهد عثمان، وعمل مخلصاً لأجل الإسلام، واشترك مع أبيه في وضع حدٍّ للفساد الذي أخذ يستشري في جسم الأُمة والدولة الإسلامية أيام عثمان، ولقد كان الإمام عليّعليه‌السلام ـ كغيره من الصحابة ـ غير راض عن تصرفات عثمان وعمّاله، ولكنّه لم يكن راض بقتله، فوقف هو وابناه موقف المصلح الحكيم، ولكنّ بطانة عثمان أبت إلاّ التمادي في إفساد الأمر والتحريض غير المباشر على قتله، بينما بقي الإمام يعالج الموقف في حدود ما أنزل الله تعالى .

* لقد كان الحسن بن عليٍّ السبط إلى جانب أبيهعليهما‌السلام في كلّ ما يقول ويفعل، واشترك معه في جميع حروبه، وكان يتمنّى على أبيه أن يسمح له بمواصلة القتال وخوض المعارك عندما يتأزّم الموقف، فيما كان أبوه شديد الحرص عليه وعلى أخيه الحسينعليهما‌السلام خشية أن ينقطع بقتلهما نسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،


وبقي الحسنعليه‌السلام إلى جانب والده إلى آخر لحظة، وكان يعاني ما يعانيه أبوه من أهل العراق، ويتألّم لآلامه وهو يرى معاوية يبثّ دعاته ويغري القادة من جيش أبيه بالأموال والمناصب حتى فرّق أكثرهم، وأصبح الإمام عليّعليه‌السلام يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل، فاستُشهدعليه‌السلام وبقي الحسن ابن عليعليهما‌السلام بين تلك الأعاصير بين أهل الكوفة المتخاذلين وفلول الخوارج المارقين وتحدّيات أهل الشام القاسطين .

* وبعد أن نصّ أمير المؤمنينعليه‌السلام على خلافة ابنه الحسن الزكي وسلّمه مواريث النبوّة; اجتمع عليه أهل الكوفة وجماعة المهاجرين والأنصار، وبايعوه بالخلافة، بعد أن طهّره الله من كلّ نقص ورجس، بالإضافة إلى توفّر جميع متطلّبات الخلافة فيه من العلم والتقوى والحزم والجدارة، وتسابق الناس إلى بيعته في الكوفة والبصرة، كما بايعه أهل الحجاز واليمن وفارس وسائر المناطق التي كانت تدين بالولاء والبيعة لأبيهعليه‌السلام وحين بلغ نبأ البيعة معاوية وأتباعه بدءوا يعملون بكلِّ ما لديهم من مكر وخداع لإفساد أمره والتشويش عليه .

* واستلمَ الإمام الحسن السلطة بعد أبيه، وقام بأفضل ما يمكن القيام به في ذلك الجوّ المشحون بالفتن والمؤامرات، فأمّر الولاة على أعمالهم وأوصاهم بالعدل والإحسان ومحاربة البغي والعدوان، ومضى على نهج أبيهعليه‌السلام الذي كان امتداداً لسيرة جدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

* وبالرغم ممّا كان يعلمه الإمام الحسن من معاوية ونفاقه ودجله وعدائه لرسالة جدّه وسعيه لإحياء مظاهر جاهليته بالرغم من ذلك كلّه فقد أبى أن يعلن الحرب عليه إلاّ بعد أن كتب إليه المرّة بعد المرّة يدعوه إلى جمع الكلمة وتوحيد أمر المسلمين، فلم يُبقِ له في ذلك عذراً أو حجةً .


لقد راسل الإمام الحسن معاوية وهو يعلم أنه لا يستجيب لطلبه، وأنّه سيقف منه موقفاً أكثر وقاحةً من مواقفه السابقة مع أبيه أمير المؤمنين، لا سيَّما وقد حصد نجاحاً مؤقّتاً في مؤامراته ضدّ أبيه إنّ الإمامعليه‌السلام كان يعلم أنّ معاوية سيقف موقف القوة إن لم يجد للمكر سبيلاً، ولكنّ الإمام المجتبى كان عليه أن يُظهر للعالم الإسلامي كلّ ما يضمره هذا البيت الأُموي تجاه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليهم‌السلام من حقد وعداء وكيد للإسلام والمسلمين .

* واطمأنّ معاوية إلى أنّ الأمور ممهّدة له باعتبار علاقته المتينة مع أكثر قادة الإمام الحسنعليه‌السلام ، كما حاول إغراء الإمام بالأموال والخلافة من بعده وتضليل الرأي العام، ولكنّ موقف الإمام لم يتغيّر لتهديده ووعوده، وأدرك معاوية صلابة الإمامعليه‌السلام على موقفه المبدئي، فأعدّ العدّة لمحاربته، واطمأنّ معاوية إلى أنّ المعركة ستكون لصالحه، وسيكون الحسنعليه‌السلام والمخلصون له من جنده بين قتيل وأسير، ولكنّ هذا الاستيلاء سوف يفقد الصيغة الشرعية التي كان يحاول أن يتظاهر بها لعامة المسلمين، ولذلك حرص معاوية على أن لا يتورّط في الحرب مع الإمام الحسنعليه‌السلام معتمداً المكر والخداع والتمويه وشراء الضمائر وتفتيت جيش الإمامعليه‌السلام ، ولم يكن للإمام بدّ من اختيار الصلح بعد أن تخاذل عامة جيشه وأكثر قادته، ولم يبقَ معه إلاّ فئة قليلة من أهل بيته والمخلصين من أصحابه، فتغاضى عن السلطة دفعاً للأفسد بالفاسد في ذلك الجوّ المحموم، فكان اختياره للصلح في منتهى الحكمة والحنكة السياسية الرشيدة تحقيقاً لمصالح الإسلام العليا وأهدافه المُثلى .

* وتعرّض الإمام الحسن السبطعليه‌السلام للنقد اللاذع من شيعته وأصحابه الذين لم يتّسع صبرهم لجور معاوية، مع أنّ أكثرهم كان يدرك الظروف القاسية التي اضطرّته إلى تجنّب القتال واعتزال السلطة، كما أحسّ الكثير من أعيان المسلمين وقادتهم بصدمة عنيفة لهذا الحادث لِما تنطوي عليه نفوس الأُمويين من حقد على الإسلام ودعاته الأوفياء، وحرص على إحياء ما أماته الإسلام من مظاهر الجاهلية بكلّ أشكالها .

* ولكنّ الإمام بصلحه المشروط فسح المجال لمعاوية ليكشف واقع أطروحته الجاهلية، وليعرّف عامة المسلمين البسطاء مَن هو معاوية ؟ ومن هنا كان الصلح نصراً ما دام قد حقّق فضيحة سياسة الخداع التي تترّس بها عدوّه.


ونجحت خطّة الإمام حينما بدأ معاوية يساهم في كشف واقعه المنحرف، وذلك في إعلانه الصريح بأنّه لم يقاتل من أجل الإسلام، وإنّما قاتل من أجل المُلك والسيطرة على رقاب المسلمين، وأنّه سوف لا يفي بأيّ شرط من شروط الصلح .

بهذا الإعلان وما تلاه من خطوات قام بها معاوية لضرب خط عليٍّعليه‌السلام وبنيه الأبرار وقتل خيرة أصحابه ومحبّيه كشف النقاب عن الوجه الأُموي الكَريه، ومارس الإمامعليه‌السلام مسؤولية الحفاظ على سلامة الخط بالرغم من إقصائه عن الحكم، وأشرف على قاعدته الشعبية فقام بتحصينها من الأخطار التي كانت تهدّدها من خلال توعيتها وتعبئتها، فكان دوره فاعلاً إيجابياً للغاية، ممّا كلّفه الكثير من الرقابة والحصار، وكانت محاولات الاغتيال المتكرّرة تشير إلى مخاوف معاوية من وجود الإمامعليه‌السلام كقوة معبّرة عن عواطف الأُمة ووعيها المتنامي، ولربّما حملت معها خطر الثورة ضد ظلم بني اُمية، ومن هنا صحّ ما يقال من أنّ صلح الإمام الحسنعليه‌السلام كان تمهيداً واقعياً لثورة أخيه أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام .

وتوّج الإمام المجتبىعليه‌السلام جهاده العظيم هذا والذي فاق الجهاد بالسيف في تلك الظروف العصيبة، باستشهاده مسموماً على يد ألدّ أعدائه، فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يُبعث حيّاً.


الفصل الثاني: انطباعات عن شخصيّة الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام

١ ـ مكانة الإمام المجتبىعليه‌السلام في آيات الذكر الحكيم :

لم تتّفق كلمة المسلمين في شيء كاتّفاقهم على فضل أهل البيت وعلوّ مقامهم العلمي والروحي وانطوائهم على مجموعة الكمالات التي أراد الله للإنسانية أن تتحلّى بها .

ويعود هذا الاتّفاق إلى جملة من الأصول، منها تصريح الذكر الحكيم بالموقع الخاص لأهل البيتعليهم‌السلام من خلال النصِّ على تطهيرهم من الرجس، وأنّهم القربى الذين تجب مودّتهم كأجر للرسالة التي أتحف الله بها الإنسانية جمعاء، وأنّهم الأبرار الذين أخلصوا الطاعة لله وخافوا عذاب الله وتحلّوا بخشية الله، فضمن لهم الجنّة والنجاة من عذابه .

والإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام هو أحد أهل البيت المطهّرين من الرجس بلا ريب، بل هو ابن رسول الله بنصِّ آية المباهلة التي جاءت في حادثة المباهلة مع نصارى نجران، وقد خلّد القرآن الكريم هذا الحدث في سورة آل عمران في الآية ٦١ قوله تعالى :( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (١) .

وروى جمهور المحدِّثين بطرق مستفيضة أنّها نزلت في أهل البيتعليهم‌السلام وهم: رسول الله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، والأبناء هنا هما الحسنان بلا ريب .

وتضمّن هذا الحدث تصريحاً من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّهم خير أهل الأرض وأكرمهم على الله، ولهذا فهو يباهل بهم، واعترف أسقف نجران أيضاً قائلاً : "إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله"(٢) .

وهكذا دلّت القصة كما دلّت الآية على عظيم منزلتهم وسموّ مكانتهم وأفضليتهم، وأنّهم أحبّ الخلق إلى الله ورسوله، وأنّهم لا يدانيهم في فضلهم أحد من العالمين .

__________

(١) آل عمران (٣) : ٦١ .

(٢) نور الأبصار : ١٢٢ ـ ١٢٣ وراجع تفاسير الجلالين وروح البيان والكشّاف والبيضاوي والرازي، وصحيح الترمذي: ٢ / ١٦٦، وسنن البيهقي: ٧ / ٦٣، وصحيح مسلم : كتاب فضائل الصحابة، ومسند أحمد: ١ / ٨٥، ومصابيح السنة: ٢ / ٢٠١ .


ولم ينصّ القرآن الكريم على عصمة أحد غير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المسلمين سوى أهل البيتعليهم‌السلام الذين أراد الله أن يطهّرهم من الرجس تطهيراً(١) ، ولئن اختلف المسلمون في دخول نساء النبيّ في مفهوم أهل البيت فإنهم لم يختلفوا في دخول عليٍّ والزهراء والحسنين في ما تقصده الآية المباركة(٢) .

ومن هنا نستطيع أن نفهم السرَّ الكامن في وجوب مودّتهم والالتزام

__________

(١) الأحزاب (٣٣) : ٣٣ .

(٢) راجع التفسير الكبير للفخر الرازي، وتفسير النيسابوري، وصحيح مسلم: ٢ / ٣٣، وخصائص النسائي : ٤، ومسند أحمد: ٤ / ١٠٧، وسنن البيهقي: ٢ / ١٥٠، ومشكل الآثار: ١ / ٣٣٤، ومستدرك الحاكم: ٢ / ٤١٦، وأُسد الغابة: ٥ / ٥٢١ .


بخطّهم، وترجيح حبّهم على حبّ من سواهم بنص الكتاب العزيز(١) ، فإنّ عصمة أهل البيتعليهم‌السلام أدلّ دليل على أنّ النجاة في متابعتهم حينما تتشعّب الطرق وتختلف الأهواء، فمن عصمه الله من الرجس كان دالاً على النجاة وكان متّبعه ناجياً من الغرق .

ونصّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ كما عن ابن عباس ـ بأنّ آية المودّة في القربى حينما نزلت وسأله بعض المسلمين عن المقصود من القرابة التي أوجبت على المسلمين طاعتهم قائلاً : إنّهم عليّ وفاطمة وابناهما(٢) .

ولا يتركنا القرآن الحكيم حتى يبيّن لنا أسباب هذا التفضيل في سورة الدهر التي نزلت لبيان عظمة الواقع النفسي الذي انطوى عليه أهل البيت والإخلاص الذي تقترن به طاعتهم وعباداتهم بقوله تعالى:( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ) (٣) .

لقد روى جمهور المفسّرين والمحدّثين أنّ هذه السورة المباركة نزلت في أهل البيتعليهم‌السلام بعدما مرض الحسنان، ونذر الإمام صيام ثلاثة أيام شكراً لله إن برئا، فوفوا بنذرهم أيّما وفاء، وفاءً فيه أروع أنواع الايثار، حتى نزل قوله تعالى :( إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً* عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ) (٤) فشكر الله سعيهم على هذا الإيثار والوفاء بما أورثهم في الآخرة، وبما حباهم من الإمامة للمسلمين في الدنيا حتى يرث الأرض ومن عليها .

__________

(١) قال تعالى في سورة الشورى الآية ٢٣ مخاطباً رسوله الكريم :( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) وقال في سورة سبأ الآية ٤٧ :( مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ) .

(٢) راجع التفسير الكبير والطبري والدرّ المنثور في تفسير آية المودّة .

(٣) الإنسان (٧٦) : ٩ ـ ١٢ .

(٤) الإنسان (٧٦) : ٥ ـ ٧ .


٢ ـ مكانتهعليه‌السلام لدى خاتم المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

لقد خصّ الرسول الأعظم حفيديه الحسن والحسينعليها‌السلام بأوصاف تنبئ عن عظيم منزلتهما لديه، فهما :

أ ـ ريحانتاه من الدنيا وريحانتاه من هذه الأُمة(١) .

ب ـ وهما خير أهل الأرض(٢) .

ج ـ وهما سيّدا شباب أهل الجنة(٣) .

د ـ وهما إمامان قاما أو قعدا(٤) .

هـ ـ وهما من العترة (أهل البيت) التي لا تفترق عن القرآن إلى يوم القيامة، ولن تضلّ أُمّةٌ تمسّكت بهما(٥) .

و ـ وهما من أهل البيت الذين يضمنون لراكبي سفينتهم النجاة من الغرق(٦) .

ز ـ وهما ممّن قال عنهم جدّهم: "النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض من الاختلاف" (٧) .

ح ـ وقد استفاض الحديث عن مجموعة من أصحاب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

__________

(١) صحيح البخاري : ٢ / ١٨٨، وسنن الترمذي : ٥٣٩ .

(٢) عيون أخبار الرضا: ١ / ٦٧ .

(٣) سنن ابن ماجة : ١ / ٥٦، والترمذي : ٥٣٩ .

(٤) المناقب لابن شهر آشوب : ٣ / ١٦٣ نقلاً عن مسند أحمد وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة وغيرهم .

(٥) جامع الترمذي : ٥٤١، ومستدرك الحاكم : ٣ / ١٠٩ .

(٦) حلية الأولياء : ٤ / ٣٠٦ .

(٧) مستدرك الحاكم : ٣ / ١٤٩ .


أنّهم قد سمعوا مقالته فيما يخصّ الحسنين : "اللهمّ إنّك تعلم أنّي أُحبُّهما فأحبَّهما(١) ، وأحبّ من يحبّهما"(٢) .

وعن سلمان أنّه سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : "الحسن والحسين ابناي، من أحبّهما أحبّني، ومن أحبّني أحبّه الله، ومن أحبّه الله أدخله الجنّة، ومن أبغضهما أبغضني ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار"(٣) .

ط ـ وعن أنس : أنّ رسول الله سئِل أيّ أهل بيتك أحبّ إليك؟ قال : "الحسن والحسين" وكان يقول لفاطمة: "إدعي لي ابنىَّ فيشمّهما ويضمّهما إليه" !(٤) .

ي ـ وروى أبو حازم عن أبي هريرة قوله : رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمصّ لعاب الحسن والحسين كما يمصّ الرجل التمرة(٥) .

٣ ـ مكانتهعليه‌السلام لدى معاصريه :

أ ـ عن جابر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : "أنّ الله خلقني وخلق علياً نورين بين يدي العرش، نسبّح الله ونقدّسه قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلمّا خلق الله آدم أسكننا في صلبه، ثم نقلنا من صُلب طيّب وبطن طاهر حتى أسكننا في صلب إبراهيم، ثم نقلنا من صُلب إبراهيم إلى صلب طيّب وبطن طاهر حتى أسكننا في صلب عبد المطلّب، ثم افترق النور في عبد المطّلب، فصار ثلثاه في عبد الله وثلثه في أبي طالب، ثم اجتمع النور منّي ومن علي في

__________

(١) خصائص النسائي : ٢٦ .

(٢) سنن الترمذي : ٥٣٩ .

(٣) مستدرك الحاكم : ٣ / ١٦٦ .

(٤) سنن الترمذي : ٥٤٠ .

(٥) المناقب لابن شهر آشوب ٣ : ١٥٦ .


فاطمة، فالحسن والحسين نوران من نور ربّ العالمين"(١) .

ب ـ وقد قال معاوية لِجلسائه : من أكرم الناس أباً وأماً وجدّاً وجدّةً وعمّاً وعمّةً وخالاً وخالةً؟ فقالوا : أمير المؤمنين أعلم، فأخذ بيد الحسن بن علي وقال : هذا أبوه علي بن أبي طالب، وأمه فاطمة ابنة محمد، وجدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجدّته خديجة، وعمّه جعفر، وعمّته هالة بنت أبي طالب، وخاله القاسم بن محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخالته زينب بنت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢) .

ج ـ ولمعاوية اعتراف آخر أمام عمرو بن العاص ومروان بن الحكم وزياد بن أبيه بعد أن أكثروا الفخر، وأراد أن يرغم أنوفهم، فأحضر الإمام الحسن بن عليعليه‌السلام ، ولمّا دحض مقالتهم التي أرادوا فيها تنقيص بني هاشم قال معاوية بعد أن خرج الإمام من عنده : أأُفاخر رجلاً رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جدّه، وهو سيّد من مضى ومن بقي، وأمه فاطمة سيّدة نساء العالمين؟ ثم قال لهم : والله لئن سمع أهل الشام ذلك أنّه للسوءة السوداء ...(٣) .

د ـ ووفد مقدام إلى معاوية، فقال معاوية : أعلمت أنّ الحسن بن علي توفّي؟ فرجّع المقدام(٤) ، فقال له معاوية : أتراها مصيبة؟ فقال : ولِمَ لا أراها مصيبة وقد وضعه رسول الله في حجره وقال : "هذا منِّي وحسين من عليّ رضي الله عنهما"(٥) .

هـ ـ وقال عبد الله بن عمر : أهل العراق يسألون عن الذباب يقتله المحرم، وقد قتلوا ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :"هما ريحانتاي من الدنيا (٦) أو

__________

(١) نزهة المجالس : ٢ / ٢٠٦ .

(٢) العقد الفريد : ٣ / ٢٨٣ .

(٣) المحاسن والأضداد : ٩٠، طبعة مصر ١٣٢٤ هـ .

(٤) أي قال : إنا لله وإنا إليه راجعون .

(٥) مسند أحمد: ٤ / ١٣٢، طبعة مصر ١٣١٣ هـ .

(٦) صحيح البخاري: ٢ / ١٨٨ .


ريحانتاي من هذه الأمة"(١) .

و ـ وكان أبو هريرة يقول : ما رأيت الحسن إلاّ فاضت عيناي، وذلك أني رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدخل فمه في فمه ثم يقول :"اللهم إنّي أحبه فأحبّه وأحبّ من يحبّه" يقولها ثلاث مرّات(٢) ، وقال : لا أزال أحب هذا الرجل ـ يعني الحسن ـ بعد ما رأيت رسول الله يصنع به ما يصنع(٣) .

ز ـ وحينما بادر ألدّ أعدائه ـ مروان بن الحكم ـ إلى حمل جثمانه الطاهر واستغرب منه الحسينعليه‌السلام قائلاً له :أتحمل جثمانه وكنت تجرّعه الغصص؟! قال مروان : كنت أفعل ذلك بمن كان يوازي حلمه الجبال(٤) .

ح ـ وقال عنه أبو الأسود الدؤلي : وإنّه لهو المهذّب، قد أصبح من صريح العرب في غرّ لبابها وكريم محتدها وطيب عنصرها(٥) .

ط ـ وقال عمرو بن إسحاق : ما تكلّم أحد أحبّ إليّ أن لا يسكت من الحسن بن علي وما سمعت منه كلمة فحش قطّ(٦) .

ي ـ وقال عبد الله بن الزبير : والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن عليعليه‌السلام في هيبته وسموِّ منزلته(٧) .

ك ـ وعندما وقف أخوه محمد بن الحنفية على قبره ليؤبّنه قال : لئن عزّت حياتك فقد هدّت وفاتك، ولنعم الروح روح تضمّنه كفنك، ولنعم

__________

(١) سنن الترمذي : ٥٣٩ .

(٢) مختصر تأريخ دمشق لابن عساكر : ٧ / ١٠، طبعة دار الفكر ١٤٠٥ هـ .

(٣) نور الأبصار : ١٧١ .

(٤) تهذيب التهذيب : ٢ / ٢٩٨ .

(٥) حياة الإمام الحسن : ٢ / ٢٤٧ .

(٦) بحار الأنوار: ٤٣ / ٣٥٨ .

(٧) البداية والنهاية : ٨ / ٣٧ .


الكفن كفن تضمّن بدنك، وكيف لا تكون هكذا وأنت عقبة الهدى وخلف أهل التقوى وخامس أصحاب الكساء ؟! غذّتك بالتقوى أكفّ الحق، وأرضعتك ثدي الإيمان، ورُبّيت في حجر الإسلام، فطبت حيّاً وميّتاً، وإن كانت أنفسنا غير سخيّة بفراقك، رحمك الله أبا محمد(١) .

ل ـ وأخوه أبو عبد الله الحسين بن عليعليه‌السلام قائلاً : "رحمك الله يا أبا محمد، إن كنت لتباصر الحق مظانّه، وتؤثر الله عند التداحض في مواطن التقية بحسن الرويّة، وتستشفّ جليل معاظم الدنيا بعين لها حاقرة، وتفيض عليها يداً طاهرة الأطراف، نقيّة الأسرّة، وتردع بادرة غرب أعدائك بأيسر المؤونة عليك، ولا غَرْوَ فأنت ابن سلالة النبوّة، ورضيع لبان الحكمة، فإلى رَوْح وريحان وجنّةِ نعيم، أعظم الله لنا ولكم الأجر عليه، ووهب لنا ولكم حُسن الأسى عنه"(٢) .

٤ ـ مكانتهعليه‌السلام لدى العلماء والمؤرّخين :

أ ـ قال الحافظ أبو نعيم الإصبهاني ـ وهو من أعلام القرن الخامس ـ عن الإمام الحسن المجتبى : سيّد الشباب، والمصلح بين الأقارب والأحباب، شبه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحبيبه، سليل الهدى، وحليف أهل التقى، خامس أهل الكساء، وابن سيّدة النساء، الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما(٣) .

ب ـ وقال ابن عبد البر عنه : لا أسود ممّن سمّاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سيّداً، وكان رحمة الله عليه حليماً ورعاً فاضلاً، دعاه ورعه وفضله إلى أن ترك الملك والدنيا رغبةً فيما عند الله، وقال : والله ما أحببت منذ علمت ما ينفعني وما

__________

(١) مروج الذهب : ٣ / ٧ .

(٢) حياة الإمام الحسن : ٢ / ٤٤٠ .

(٣) أخبار إصبهان : ١ / ٤٤، طبعة ليدن سنة ١٩٣١ .


يضرّني أن إلى أمر أُمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أن يهراق في ذلك محجمة دم(١) .

و ـ وقال الحافظ ابن كثير الدمشقي عنه : وقد كان الصدّيق يجلّه ويعظّمه ويكرمه ويحبّه ويتفدّاه وكذلك ابن الخطاب، وكان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن والحسين إذا ركبا ويرى هذا من النعم عليه، وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطّمونها مما يزدحمون عليهما للسلام عليهما(٢) .

د ـ وقال الحافظ ابن عساكر الشافعي عنه : هو سبط رسول الله وريحانته وأحد سيِّدَيْ شباب أهل الجنة ...(٣) .

هـ ـ وقال الحافظ السيوطي : سبط رسول الله وريحانته وآخر الخلفاء بنصّه وهو خامس أهل الكساء ...(٤) .

و ـ وعن محمد بن إسحاق: أنه ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول الله ما بلغ الحسن(٥) ، كان يبسط له على باب داره، فإذا خرج وجلس انقطع الطريق، فما يمرّ أحد من خلق الله إجلالاً له، فإذا علم قام ودخل بيته فمرّ الناس، ولقد رأيته في طريق مكة ماشياً فما من خلق الله أحد رآه إلاّ نزل ومشى، وحتى رأيت سعد بن أبي وقّاص يمشي(٦) .

ز ـ وقال محمد بن طلحة الشافعي عنه : كان الله قد رزقه الفطرة الثاقبة في إيضاح مراشد ما يعانيه، ومنحه النظرة الصائبة لإصلاح قواعد الدين ومبانيه،

__________

(١) الاستيعاب : ١ / ٣٨٥، طبعة مصر ١٣٨٠ إنّ الملك والحكم إذا كان لإقامة حكم الله في الأرض فلا يكون تركه زهداً وورعاً، وإنما تنازل الإمام عن الملك لأنّ مسؤولية الإمام الشرعية كانت تتطلب ذلك في تلك الظروف .

(٢) البداية والنهاية: ٨ / ٣٧ طبعة مصر ـ ١٣٥ .

(٣) مختصر تاريخ دمشق : ٧ / ٥ .

(٤) تاريخ الخلفاء : ٧٣ .

(٥) راجع المناقب لابن شهرآشوب: ٢ / ١٤٨ .

(٦) الحسن المجتبى : ١٣٩ نقلاً عن المناقب : ٢ / ١٤٨ .


وخصّه التي درّت لها أخلاق مادتها بصور العلم ومعانيه(١) .

ح ـ وقال سبط ابن الجوزي عنه : كان من كبار الأجواد، وله الخاطر الوقّاد، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحبّه حبّاً شديداً(٢) .

ط ـ وقال عنه ابن الأثير : وهو سيّد شباب أهل الجنة، وريحانة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشبيهه، سمّاه النبيّ الحسن وهو خامس أهل الكساء(٣) .

__________

(١) مطالب السؤول : ٦٥ .

(٢) تذكرة الخواص : ١١١ .

(٣) أسد الغابة : ٢ / ٩ .


الفصل الثالث: من فضائل الإمام المجتبىعليه‌السلام ومظاهر شخصيته

عبادتهعليه‌السلام :

أ ـ روى المفضّل عن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام عن أبيه عن جدّه :"أنّ الحسن بن علي بن أبي طالب كان أعبد الناس في زمانه، وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حجّ حجّ ماشياً، وربّما مشى حافياً، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممرّ على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله ـ تعالى ذكره ـ شهق شهقةً يغشى عليه منها .

وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربّه عَزَّ وجَلَّ، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم (١) وسأل الله الجنّة وتعوّذ به من النار، وكان لا يقرأ من كتاب الله عَزَّ وجَلَّ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلاّ قال : لبيّك اللهمّ لبيّك، ولم يُرَ في شيء من أحواله إلاّ ذاكراً لله سبحانه، وكان أصدق الناس لهجةً وأفصحهم منطقاً ..." (٢) .

ب ـ وكانعليه‌السلام إذا توضّأ; ارتعدت مفاصله واصفرّ لونه، فقيل له في ذلك فقال :"حقٌ على كلّ من وقف بين يدي ربّ العرش أن يصفرّ لونه وترتعد مفاصله" .

ج ـ وكان إذا بلغ باب المسجد رفع رأسه ويقول :"ضيفك ببابك، يا محسن

__________

(١) اضطراب السليم من لسعة العقرب .

(٢) راجع الأمالي للصدوق : ١٥٠، وبحار الأنوار : ٤٣ / ٣٣١ .


قد أتاك المسيء، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم" (١) .

د ـ وكان إذا فرغ من الفجر لم يتكلّم حتى تطلع الشمس وإن زحزح(٢) .

هـ ـ وعن الإمام محمد بن علي الباقرعليه‌السلام :"أنّ الحسن عليه‌السلام قال : إنّي لأستحي من ربّي أن ألقاه ولم أمشِ إلى بيته، فمشى عشرين مرّة من المدينة على رجليه" (٣) .

و ـ وعن علي بن جذعان : أنّ الحسن بن عليعليه‌السلام خرج من ماله مرتين، وقاسم الله ماله ثلاث مرّات، حتى أن كان ليعطي نعلاً، ويمسك نعلاً ويعطي خفّاً ويمسك خفّاً(٤) .

وللإمام المجتبىعليه‌السلام أدعية شتّى رُويت عنه، وهي تتضمّن مجموعةً من المعارف والآداب، كما تحمل أدب التقديس لله تعالى والخضوع له والتذلّل بين يديه، ونشير إلى نموذج منها :

قالعليه‌السلام :"اللهمّ إنّك الخَلَفُ من جميع خَلقِك، وليس في خلقِكَ خَلَفٌ مثلُكَ، إلهِي من أحسنَ فبرحمتكَ، ومن أساء فبخطيئته، فلا الذي أحسنَ استغنى عن رَدفك ومعونتك، ولا الذي أساء استبدل بك وخرج من قدرتك، الهي بك عرفتك، وبك اهتديتُ إلى أمرك، ولو لا أنتَ لم أدرِ ما أنتَ، فيا من هو هكذا ولا هكذا غيره صلّ على محمد وآل محمد، وارزقني الإخلاص في عملي والسعة في رزقي، اللهمّ اجعل خير عملي آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيّامي يوم ألقاك، إلهي أطعتك ولك المنّة عليَّ في أحبّ الأشياء إليك : الإيمان بك والتصديق برسولك، ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك: الشرك بك

__________

(١) المناقب : ٣ / ١٨٠، والبحار : ٤٣ / ٣٣٩ .

(٢) بحار الأنوار: ٤٣ / ٣٣٩، وأخبار إصبهان : ١ / ٤٤ .

(٣) المناقب : ٣ / ١٨٠، وبحار الأنوار : ٤٣ / ٣٣٩ .

(٤) المصدر السابق .


والتكذيب برسولك، فاغفر لي ما بينهما يا أرحم الراحمين"(١) .

وعن ابن كثير : أنّ الحسن كان يقرأ كلّ ليلة سورة الكهف في لوح مكتوب، يدور معه حيث دار من بيوت أزواجه قبل أن ينام وهو في الفراش(٢) .

لقد تغذّى الإمام الحسنعليه‌السلام بلباب المعرفة وبجوهر الإيمان وبواقع الدين، وانطبعت مُثُلُه في دخائل نفسه وأعماق ذاته، فكان من أشدّ الناس إيماناً، ومن أكثرهم إخلاصاً وطاعةً لله(٣) .

حلمه وعفوه :

لقد عُرف الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام بعظيم حلمه، وأدلّ دليل على ذلك هو تحمّله لتوابع صلحه مع معاوية الذي نازع علياً حقّه وتسلّق من خلال ذلك إلى منصب الحكم بالباطل، وتحمّلعليه‌السلام بعد الصلح أشد أنواع التأنيب من خيرة أصحابه، فكان يواجههم بعفوه وأناته، ويتحمّل منهم أنواع الجفاء في ذات الله صابراً محتسباً .

وروي أنّ مروان بن الحكم خطب يوماً فذكر علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، فنال منه والحسن بن عليعليهما‌السلام جالس، فبلغ ذلك الحسينعليه‌السلام فجاء إلى مروان فقال : يا ابن الزرقاء! أنت الواقع في عليّ؟!، ثم دخل على الحسنعليه‌السلام فقال : تسمع هذا يسبّ أباك ولا تقول له شيئاً؟!، فقال : وما عسيتُ أن أقول لرجل مسلّط يقول ما شاء ويفعل ما يشاء .

__________

(١) مهج الدعوات : ١٤٤ .

(٢) راجع البداية والنهاية : ٨ / ٤٢، طبعة دار إحياء التراث العربي ١٤٠٨ هـ .

(٣) حياة الإمام الحسن : ١ / ٣٢٦ .


وذُكر أنّ مروان بن الحكم شتم الحسن بن عليعليه‌السلام ، فلمّا فرغ قال الحسن :إنّي والله لا أمحو عنك شيئاً، ولكن مهّدك الله، فلئن كنت صادقاً فجزاك الله بصدقك، ولئن كنت كاذباً فجزاك الله بكذبك، والله أشدّ نقمةً منِّي .

وروي أنّ غلاماً لهعليه‌السلام جنى جنايةً توجب العقاب، فأمر به أن يُضرب، فقال : يا مولاي ( وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ) ، قال :عفوت عنك ، قال : يا مولاي( وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) ، قال :أنت حرٌ لوجه الله ولك ضعف ما كنت أعطيك (١) .

وروى المبرّد وابن عائشة: أنّ شاميّاً رآه راكباً فجعل يلعنه والحسن لا يردّ، فلما فرغ أقبل الحسنعليه‌السلام فسلّم عليه وضحك، فقال :"أيها الشيخ! أظنّك غريباً؟ ولعلّك شبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسَوْناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لأنّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً" .

فلمّا سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال : أشهد أنّك خليفة الله في أرضه، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ، والآن أنت أحبّ خلق الله إليّ ... (٢) .

كرمه وجوده :

إنّ السخاء الحقيقي هو بذل الخير بداعي الخير، وبذل الإحسان بداعي

__________

(١) بحار الأنوار : ٤٣ / ٣٥٢ .

(٢) العوالم (الإمام الحسن) : ١٢١ نقلاً عن المناقب : ٣ / ١٨٤ .


الإحسان، وقد تجلّت هذه الصفة الرفيعة بأجلى مظاهرها وأسمى معانيها في الإمام أبي محمد الحسن المجتبىعليه‌السلام حتى لُقّب بكريم أهل البيت .

فقد كان لا يعرف للمال قيمةً سوى ما يردّ به جوع جائع، أو يكسو به عارياً، أو يغيث به ملهوفاً، أو يفي به دين غارم، وقد كانت له جفان واسعة أعدّها للضيوف، ويقال: إنّه ما قال لسائل "لا" قَطّ.

وقيل له : لأي شيء لا نراك تردّ سائلاً ؟ فأجاب :"إنّي لله سائل وفيه راغب، وأنا أستحي أن أكون سائلاً وأردّ سائلاً، وإنّ الله عوّدني عادةً أن يفيض نعمه عليَّ، وعوّدته أن أفيض نعمه على الناس، فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني العادة" (١) .

واجتازعليه‌السلام يوماً على غلام أسود بين يديه رغيف يأكل منه لقمة ويدفع لكلب كان عنده لقمة أخرى، فقال له الإمام :ما حملك على ذلك؟ فقال الغلام : إنّي لأستحي أن آكل ولا أطعمه .

وهنا رأى الإمام فيه خصلة حميدة، فأحبّ أن يجازيه على جميل صنعه، فقال له :لا تبرح من مكانك ، ثم انطلق فاشتراه من مولاه، واشترى الحائط (البستان) الذي هو فيه، وأعتقه وملّكه إيّاه(٢) .

وروي أنّ جارية حيّته بطاقة من ريحان، فقالعليه‌السلام لها :أنت حرّة لوجه الله ، فلامه أنس على ذلك، فأجابهعليه‌السلام :"أدّبنا الله فقال تعالى : ( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا ) (٣) وكان أحسن منها إعتاقها" (٤) .

ومن مكارم أخلاقه أنّه ما اشترى من أحد حائطاً ثمّ افتقر البائع إلاّ ردّه عليه وأردفه بالثمن معه .

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ١ / ٣١٦ ـ ٣١٧ عن أنساب الأشراف: ١ / ٣١٩، والطبقات الكبرى: ١ / ٢٣ .

(٢) راجع البداية والنهاية : ٨ / ٣٨ .

(٣) النساء (٤) : ٨٦ .

(٤) المناقب لابن شهر آشوب : ٢ / ٢٣، وحياة الإمام الحسن : ١ / ٣٢٢ عن الخوارزمي.


وجاءه فقير يشكو حاله ولم يكن عنده شيء في ذلك اليوم فعزّ عليه الأمر واستحى من ردّه، فقالعليه‌السلام له :إنّي أدلّك على شيء يحصل لك منه الخير، فقال الفقير: يا ابن رسول الله ما هو؟ قالعليه‌السلام :اذهب إلى الخليفة، فإنّ ابنته قد توفيت وانقطع عليها، وما سمع من أحد تعزيةً بليغة، فعزّه بهذه الكلمات يحصل لك منه الخير ، قال: يا ابن رسول الله حفّظني إيّاها، قالعليه‌السلام : قل له :"الحمد لله الذي سترها بجلوسك على قبرها، ولم يهتكها بجلوسها على قبرك" ، وحفظ الفقير هذه الكلمات وجاء إلى الخليفة فعزّاه بها، فذهب عنه حزنه وأمر له بجائزة، ثم قال له : أكلامك هذا؟ فقال : لا، وإنّما هو كلام الإمام الحسن، قال الخليفة : صدقت فإنّه معدن الكلام الفصيح، وأمر له بجائزة أخرى(١) .

لقد كانعليه‌السلام يمنح الفقراء برّه قبل أن يبوحوا بحوائجهم ويذكروا مديحهم، لئلا يظهر عليهم ذلّ السؤال(٢) .

تواضعه وزهده :

إنّ التواضع دليل على كمال النفس وسموّها وشرفها، والتواضع لا يزيد العبد إلاّ رفعةً وعظمةً، وقد حذا الإمام الحسنعليه‌السلام حذو جدّه وأبيه في أخلاقه الكريمة، وقد أثبت التاريخ بوادر كثيرة تشير إلى سموّ الإمام في هذا الخلق الرفيع، نشير إلى شيء منها :

أ ـ اجتاز الإمام على جماعة من الفقراء قد وضعوا على الأرض كسيرات وهم قعود يلتقطونها ويأكلونها، فقالوا له: هلمّ يابن بنت رسول الله إلى الغذاء، فنزلعليه‌السلام وقال :"إنّ الله لا يحبّ المستكبرين" ، وجعل يأكل معهم حتى اكتفوا

__________

(١) نور الأبصار : ١٣٥ ـ ١٣٦ .

(٢) المصدر السابق : ٣٢٥، وحياة الإمام الحسن: ١ / ٣٢٥ .


والزاد على حاله ببركته، ثم دعاهم إلى ضيافته وأطعمهم وكساهم(١) .

ب ـ ومرّعليه‌السلام على صبيان يتناولون الطعام، فدعوه لمشاركتهم فأجابهم إلى ذلك، ثم حملهم إلى منزله فمنحهم برّه ومعروفه، وقال :"اليد لهم لأنّهم لم يجدوا غير ما أطعموني، ونحن نجد ما أعطيناهم" (٢) .

ورفض الإمام جميع ملاذّ الحياة ومباهجها متّجهاً إلى الدار الآخرة التي أعدّها الله للمتّقين من عباده، فمن أهمّ مظاهر زهده : زهده في الملك طلباً لمرضاة الله، ويتجلّى ذلك إذا لاحظنا مدى حرص معاوية على الملك واستعماله لكلّ الأساليب اللاأخلاقية للوصول إلى السلطة، بينما نجد الإمام الحسنعليه‌السلام يتنازل عن الملك حينما لا يراه يحقّق شيئاً سوى إراقة دماء المسلمين.

ومن جملة مظاهر زهده أيضاً: ما حدّث به مدرك بن زياد أنّه قال : كنّا في حيطان ابن عباس، فجاء ابن عبّاس وحسن وحسين فطافوا في تلك البساتين ثم جلسوا على ضفاف بعض السواقي، فقال الحسن :يا مدرك! هل عندك غذاء؟ فقلت له : نعم، ثم انطلقت فجئته بخبز وشيء من الملح مع طاقتين من بقل، فأكل منه، وقال :يا مدرك! ما أطيب هذا؟ ، وجيء بعد ذلك بالطعام وكان في منتهى الحُسن، فالتفتعليه‌السلام إلى مدرك وأمره بأن يجمع الغلمان ويقدّم لهم الطعام، فدعاهم مدرك فأكلوا منه ولم يأكل الإمام منه شيئاً، فقال له مدرك : لماذا لا تأكل منه؟ فقالعليه‌السلام :"إنّ ذاك الطعام أحبّ عندي" (٣) .

__________

(١) عوالم العلوم (الإمام الحسن) : ١٢٣ عن المناقب : ٣ / ١٨٧ .

(٢) حياة الإمام الحسن : ١ / ٣١٣ عن الصبان على هامش نور الأبصار : ١٩٦ .

(٣) مختصر تاريخ دمشق : ٧ / ٢١، طبعة دار الفكر .


الباب الثاني:

فيه فصول:

الفصل الأول: نشأة الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام .

الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام المجتبىعليه‌السلام .

الفصل الثالث: الإمام المجتبىعليه‌السلام في ظل جده وأبيهعليهم‌السلام .

الفصل الأول: نشأة الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام

تاريخ ولادته :

أصحّ ما قيل في ولادته أُنه ولد بالمدينة في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وكان والدهعليه‌السلام قد بنى بالزهراء فاطمةعليها‌السلام وتزوّجها في ذي الحجة من السنة الثانية، وكان الحسن المجتبىعليه‌السلام أوّل أولادها(١) .

كيفية ولادته :

عن جابر : لمّا حملت فاطمةعليها‌السلام بالحسن فولدت كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أمرهم أن يلفّوه في خرقة بيضاء، فلفّوه في صفراء، وقالت فاطمةعليها‌السلام :يا علي سمّه ، فقال :ما كنت لأسبق باسمه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فجاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخذه وقبّله، وأدخل لسانه في فمه، فجعل الحسنعليه‌السلام يمصّه، ثم قال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ألم أتقدّم إليكم أن لا تلفّوه في خرقة صفراء ؟! فدعاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخرقة بيضاء فلفّه فيها ورمى الصفراء، وأذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثم قال لعليعليه‌السلام :ما سمّيته؟ قال :ما كنت لأسبقك باسمه ، فقال رسول

__________

(١) راجع كشف الغمة : ١ / ٥١٤، والبحار : ٤٤ / ١٣٦، والعوالم (الإمام الحسن) : ١٣ .


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما كنت لأسبق ربّي باسمه، قال : فأوحى الله عزّ ذكره إلى جبرئيلعليه‌السلام : أنّه قد ولد لمحمد ابن، فاهبط إليه فاقرأه السلام وهنّئه منيّ ومنك، وقل له : إنّ عليّاً منك بمنزلة هارون من موسى فسمّه باسم ابن هارون، فهبط جبرئيل على النبي وهنّأه من الله عَزَّ وجَلَّ ومنه، ثم قال له : إنّ الله عَزَّ وجَلَّ يأمرك أن تسمّيه باسم ابن هارون، قال : وما كان اسمه؟ قال : شبّر، قال : لساني عربي، قال : سمّه الحسن، فسمّاه الحسن(١) .

وعن جابر عن النبي: أنّه سمّى الحسن حسناً لأنّ بإحسان الله قامت السماوات والأرضون(٢) .

سنن الولادة :

وعقّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيده عن الحسن بكبش في اليوم السابع من ولادته، وقال : "بسم الله، عقيقة عن الحسن، اللهمّ عظمها بعظمه ولحمها بلحمه ودمها بدمه وشعرها بشعره، اللهمّ اجعلها وقاءً لمحمد وآله"، وأعطى القابلة شيئاً، وقيل: رجل شاة، وأهدوا منها إلى الجيران، وحلق رأسه ووزن شعره فتصدّق بوزنه فضة ورقاً(٣) .

رضاعه :

وجاء عن أم الفضل زوجة العباس ـ عمّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ أنّها قالت : قلت : يا رسول الله! رأيت في المنام كأنَّ عضواً من أعضائك في حجري،

__________

(١) راجع معاني الأخبار : ٥٧ وعلل الشرائع : ١٣٨ وبحار الأنوار : ٤٣ / ٢٤٠ الحديث ٨ .

(٢) المناقب : ٣ / ١٦٦ .

(٣) العوالم : ٢٠ ـ ٢٢ نقلاً عن الكافي : ٦ / ٣٣ وعن عيون أخبار الرضا : ٢ / ٤٥ أنّ الزهراء أعطت القابلة رِجل شاة وديناراً .


فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خيراً رأيتِ، تلد فاطمة غلاماً فتكفلينه، فوضعت فاطمة الحسنعليه‌السلام فدفعه إليها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فرضعته بلبن قُثَم بن العبّاس(١) .

كنيته وألقابه :

أما كنيته فهي : "أبو محمّد" لا غير .

وأما ألقابه فكثيرة، وهي : التقيّ والطيّب والزكيّ والسيّد والسبط والوليّ، كلّ ذلك كان يقال له ويطلق عليه، وأكثر هذه الألقاب شهرة "التقيّ" لكن أعلاها رتبة وأولاها به ما لقّبه به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حيث وصفه به وخصّه بأن جعله نعتاً له، فإنّه صحّ النقل عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما أورده الأئمة الأثبات والرواة الثقات أنّه قال : "إبني هذا سيّد"، فيكون أُولى ألقابه "السيّد".

نقش خاتمه :

عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : ثم كان في خاتم الحسن والحسينعليهما‌السلام : "حسبي الله".

وعن الرضاعليه‌السلام : كان نقش خاتم الحسنعليه‌السلام "العزّة لله"(٢) .

حليته وشمائله :

عن جحيفة أنّه قال : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان الحسن بن علي يشبهه.

وعن أنس أنّه قال : لم يكن أحد أشبه برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الحسن بن

__________

(١) العوالم : ٢٣ عن البحار : ٤٣ / ٢٤٢ و ٢٥٥، والعدد القوية (مخطوط) : ٥، وكشف الغمّة : ١ / ٥٢٣ .

(٢) راجع الكافي : ٦ / ٤٧٣ و٤٧٤، والبحار : ٤٣ / ٢٥٨، والعوالم : ٢٩ .


عليعليه‌السلام (١) .

ومن هنا وُصِف الإمام الحسن بن علي بأنه كان أبيض مشرّباً حمرةً، أدعج العينين(٢) ، سهل الخدّين، دقيق المسرُبَةِ(٣) ، كثّ اللحية، ذا وفرة(٤) كأنّ عنقه إبريق فضّة، عظيم الكراديس(٥) ، بعيد ما بين المنكبين، ربعة ليس بالطويل ولا القصير، مليحاً، من أحسن الناس وجهاً، وكان يخضب بالسواد، وكان جعد الشعر(٦) ، حسن البدن(٧) .

لقد كان الحسن بن عليّعليهما‌السلام خير الناس أباً وأُمّاً وجدّاً وجدّة وعمّاً وعمّة وخالاً وخالةً، وتوفّرت له جميع عناصر التربية المثلى، وانطبعت حياته منذ ولادته ببصمات الوحي الإلهي والإعداد الربّاني على يدي خاتم الأنبياء وسيّد الأوصياء وسيدة النساء .

فالحسن ابن رسول الله جسماً ومعنىً، وتلميذه الفذّ، وربيب مدرسة الوحي التي شعّت على الناس هدىً ورحمة .

__________

(١) راجع كشف الغمة : ١ / ٥٢٢، والمناقب : ٣ / ١٦٥ نقلاً عن صحيح الترمذي .

(٢) شديدتي السواد مع سعتهما .

(٣) الشعر وسط الصدر إلى البطن .

(٤) الشعر إلى شحمة الأذن .

(٥) رؤوس المفاصل .

(٦) ضد السبط والاسترسال .

(٧) راجع كشف الغمة : ١ / ٥٢٥ والعوالم : ٣٠ .


الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام

تولّى الإمام الحسن السبطعليه‌السلام منصب الإمامة والقيادة بعد استشهاد أبيه المرتضىعليه‌السلام في الواحد والعشرين من رمضان سنة ٤٠ هجرية وهو في السابعة والثلاثين من عمره المبارك وقد عاش خلال هذه المرحلة مع جدّه الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما يزيد على سبع سنوات ومع أبيه المرتضىعليه‌السلام فترة إمامته البالغة ثلاثين سنة تقريباً. وعاصر خلالها كلاًّ من الخلفاء الثلاثة وشارك بشكل فاعل في إدارة دولة أمير المؤمنين على بن أبي طالبعليه‌السلام .

واستمر بعد أبيه يحمل مشعل القيادة الربّانية حتى الثامن والعشرين أو السابع من شهر صفر سنة ٥٠ هجرية، وله يومئذ ثمان وأربعون سنة(١) .

إذن تنقسم حياة هذا الإمام العظيم إلى شطرين أساسيين:

الشطر الأول: حياته قبل إمامتهعليه‌السلام وينقسم هذا الشطر إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأُولى: حياته في عهد جدّه الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

__________

(١) الإرشاد : ١ / ١٥.


المرحلة الثانية: حياته في عهد أبي بكر وعمر وعثمان.

المرحلة الثالثة: حياته في دولة أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام

الشطر الثاني: حياته بعد استشهاد أبيهعليه‌السلام وهو عصر إمامتهعليه‌السلام . وينقسم هذا الشطر إلى مرحلتين متميزتين:

المرحلة الأُولى: وتبدأ من البيعة له بالخلافة حتى الصلح.

المرحلة الثانية: وهي مرحلة ما بعد الصلح حتى استشهادهعليه‌السلام .

ونحن نبحث المراحل الثلاث الأُولى في الفصل الثاني من الباب الثاني، ونفرد البحث عن الشطر الثاني بباب مستقل، بعد أن نسلّط الأضواء الكافية على طبيعة عصر الإمامعليه‌السلام ومميزاته وخصائصه; لنخرج برؤي موضوعية ومنطقية عن سلامة مواقف الإمامعليه‌السلام سواء قبل الصلح وبعده، ولنري ما حقّقه هذا الإمام الهمام والشجاع الصابر، ونلاحظ كيف استطاع أن يؤدي دوره الكبير في أخطر مرحلة من مراحل تأريخنا الإسلامي بمواقفه الرسالية ومنطلقاته المبدئية، وكيف استطاع أن يصل إلى الأهداف الرسالية التي جعلها الله تعالى على عاتقه كإمام معصوم يراد منه تحقيق أهداف الرسالة الإسلامية الكبرى .


الفصل الثالث: الإمام المجتبىعليه‌السلام في ظلّ جده وأبيهعليهم‌السلام

الإمام الحسنعليه‌السلام في عهد الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ولد الإمام الحسنعليه‌السلام في حياة جدّه الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعاش في كنفه سبع سنوات وستّة أشهر من عمره الشريف، وكانت تلك السنوات على قلّتها كافية لأن تجعل منه الصورة المصغّرة عن شخصية الرسول حتى ليصبح جديراً بذلك الوسام العظيم الذي حباه به جدّه، حينما قال له :"أشبهت خلقي وخلقي" (١).

والرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي تحمّل مسؤولية هداية ورعاية الأُمة، ومسؤولية تبليغ الرسالة وتطبيقها وحماية مستقبلها وذلك بوضع الضمانات التي لا بدّ منها في هذا المجال، وهو المطّلع ـ عن طريق الوحي ـ على ما ينتظر هذا الوليد الجديد من دور قيادي هامّ، والمأمور بالإعداد لهذا الدور، وذلك ببناء شخصية هذا الوليد بناءً فذّاً يتناسب مع المهام الجسام التي تؤهله للاضطلاع بها على صعيد هداية الأُمة وقيادتها .

__________

(١) حياة الإمام الحسن: ١ / ٦٧، وسيرة الأئمة الإثني عشر للحسني: ١ / ٥١٣، وصلح الإمام الحسن لفضل الله ـ ١٥ عن الغزالي في إحياء العلوم وحول شبهه عليه‌السلام بجدّه راجع : تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٢٢٦ ط صادر، والبحار ج١٠، وأعيان الشيعة ج٤، وذكر ذلك العلاّمة المحقّق الأحمدي عن كشف الغمة : ١٥٤، والفصول المهمة للمالكي، والإصابة: ١ / ٣٢٨، وكفاية الطالب ٢٦٧، وتهذيب تاريخ ابن عساكر: ٤ / ٢٠٢، وينابيع المودة: ١٣٧، وتاريخ الخلفاء: ١٢٦ ـ ١٢٧، والتنبيه والاشراف: ٢٦١ .


إن كلمة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للإمام الحسنعليه‌السلام :"أشبهت خَلقي وخُلقي" تعدّ وسام الجدارة والاستحقاق لذلك المنصب الإلهي الذي هو وراثة الرسالة وخلافة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد خلافة وصيه علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

وإنّ إحدى مهامّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خلق المناخ الملائم لدى الأُمة التي يفترض فيها أن لا تستسلم لمحاولات الابتزاز لحقّها المشروع في الاحتفاظ بقيادتها الإلهية، وأن لا تتأثر بعمليات التمويه والتشويه لطمس الركائز التي تقوم عليها رؤيتها العقائدية والسياسية التي حاول الإسلام تعميقها وترسيخها في ضمير الأُمة .

ومن هنا نعرف الهدف الذي كان يرمي إليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تأكيداته المتكررة على ذلك الدور الذي كان ينتظر الإمام الحسن وأخاهعليهما‌السلام منها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :"إنّهما إمامان قاما أو قعدا" (١) و"أنتما الإمامان، ولاُمّكما الشفاعة" (٢) .

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للحسينعليه‌السلام :"أنت سيّد، ابن سيّد، أخو سيّد، وأنت إمام، ابن إمام، أخو إمام، وأنت حجة، ابن حجة، أخو حجة، وأنت أبو حجج تسعة، تاسعهم قائمهم" (٣) .

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الإمام الحسنعليه‌السلام :"هو سيّد شباب أهل الجنة، وحجة الله على الأُمة، أمره أمري، وقوله قولي، من تبعه فإنّه منّي، ومن عصاه فإنّه ليس منّي ..." (٤) .

__________

(١) راجع كتاب أهل البيت تأليف توفيق أبو علم: ٣٠٧، والإرشاد للمفيد ٢٢٠، وكشف الغمة للأربلي: ٢ / ١٥٩، وعلل الشرائع: ١ / ٢١١، والمناقب لابن شهر آشوب: ٣ / ٣٦٧ وعبر عنه بالخبر المشهور.

(٢) إثبات الهداة: ٥ / ٥٢، والإتحاف بحب الأشراف : ١٢٩ .

(٣) ينابيع المودة: ١٦٨، وإثبات الهداة : ٥ / ١٢٩ .

(٤) فرائد السمطين : ٢ / ٣٥، وأمالي الصدوق : ١٠١ وحول ما يثبت إمامة الإمام الحسن عليه‌السلام راجع : ينابيع المودة : ص٤٤١ و٤٤٢ و٤٤٣ و٤٨٧ عن المناقب، وفرائد السمطين : ٢ / ١٤٠ ـ ١٣٤ ـ١٥٣ ـ ٢٥٩ وفي هوامشه عن المصادر التالية : غاية المرام: ٣٩، وكفاية الأثر المطبوع في آخر الخرائج والجرائح: ٢٨٩، وعيون أخبار الرضا: باب ٦ ص٣٢، وبحار الأنوار : ٣ / ٣٠٣ و ٣٦ / ٢٨٣ و٤٣ / ٢٤٨.


ونلاحظ حرصه على ربط قضاياهما بنفسه، إذ يقول :"أنا سِلمٌ لِمَن سالمتم، وحرب لِمَن حاربتم" (١) .

وجاء عن أنس بن مالك أنّه قال : دخل الحسن على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأردت أن أميطه عنه، فقال :"ويحك يا أنس! دع ابني وثمرة فؤادي، فإنّ من آذى هذا آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله" (٢) .

وكان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُقَبّل الإمام الحسنعليه‌السلام في فمه ويُقَبّل الإمام الحسينعليه‌السلام في نحره، وكأنّه يريد إثارة قضية مهمة ترتبط بسبب استشهادهماعليهما‌السلام وإعلاماً منه عن تعاطفه معهما، وتأييده لهما في مواقفهما وقضاياهما .

لقد كان الإمام الحسنعليه‌السلام أحبّ الناس إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٣) ، بل لقد بلغ من حبّه له ولأخيه أنّه كان يقطع خطبته في المسجد وينزل عن المنبر ليحتضنهما .

والكلّ يعلم أنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم ينطلق في مواقفه من منطلق الأهواء الشخصية، والنزعات والعواطف الذاتية، وإنّما كان ينبّه الأُمة إلى عظمة هذين الإمامين ومقامهما الرفيع.

وإنّ ما ذكر هو الذي يفسّر لنا السرّ في كثرة النصوص التي وردت عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حول الحسنينعليهما‌السلام مثل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالنسبة للإمام الحسنعليه‌السلام :"اللّهمّ إنّ هذا ابني وأنا أُحبّه فأحبّه وأحبّ من يحبّه" (٤) ، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :"أحبّ أهل بيتي إليّ الحسن والحسين ..." (٥) .

__________

(١) راجع سنن الترمذي : ٥ / ٦٩٩، وسنن ابن ماجة : ١ / ٥٢، وينابيع المودة: ١٦٥ و٢٣٠ و٢٦١ و٣٧٠ عن جامع الأصول وغيره.

(٢) أهل البيت تأليف توفيق أبو علم : ٢٧٤، وراجع سنن ابن ماجة : ١ / ٥١ .

(٣) نسب قريش لمصعب الزبيري: ص٢٣ ـ ٢٥ .

(٤) تهذيب تاريخ ابن عساكر : ٤ / ٢٠٥ و٢٠٦ و٢٠٧، والغدير : ٧ / ١٢٤ .

(٥) راجع الكثير من هذه النصوص في المصدرين السابقين، وسيرتنا وسنتنا: ١١ ـ ١٥، وفضائل الخمسة من الصحاح الستة، وفرائد السمطين، وترجمة الحسن وترجمة الحسين من تاريخ ابن عساكر بتحقيق المحمودي، والفصول المهمة للمالكي، وترجمة الإمام الحسن من أنساب الأشراف، ونور الأبصار.


يوم المباهلة ومداليله :

وفد بعض أساقفة نصارى نجران على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وناظروه في عيسى، فأقام عليهم الحجة فلم يقبلوا، ثم اتفقوا على المباهلة(١) أمام الله على أن يجعلوا لعنة الله الخالدة وعذابه المعجّل على الكاذبين .

ولقد سجّل القرآن الكريم هذا الحادث العظيم في تاريخ الرسالة الإسلامية بقوله تعالى :

( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (٢) .

فلمّا رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم "السيّد والعاقب والأهتم" : إن باهلنا بقومه باهلناه، فإنه ليس نبيّاً، وإن باهَلنا بأهل بيته خاصة لم نباهله، فإنه لا يُقدِم إلى أهل بيته إلاّ وهو صادق، فخرج إليهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعه عليّ وفاطمة والحسنانعليهم‌السلام فسألوا عنهم، فقيل لهم : هذا ابن عمّه ووصيّه وختنه علي بن أبي طالب، وهذه ابنته فاطمة، وهذان ابناه الحسن والحسين، ففرقوا فقالوا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : نعطيك الرضا فاعفنا من المباهلة، فصالحهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الجزية وانصرفوا(٣) .

ولقد أجمع المفسّرون على أنّ المراد بأبنائنا : الحسن والحسين(٤) .

__________

(١) من البهلة : وهي اللعنة، ثم كثر استعمال الابتهال في المسألة والدعاء إذا كان بإلحاح .

(٢) آل عمران (٣) : ٥٩ ـ ٦١ .

(٣) راجع تفسير القمي: ١ / ١٠٤، والقرشي : ١ / ٨٨ ـ ٩١ وقد روى قضية المباهلة بأهل الكساء ـ بالاختصار تارة وبالتفصيل أخرى ـ جم غفير من الحفاظ والمفسّرين، راجع الحياة السياسية للإمام الحسن: ص١٨ ـ ١٩، وراجع الميزان في تفسير القرآن : ٣ / ٣٦٨ طبعة الأعلمي .

(٤) مجمع البيان : ٢ / ٤٥٢، وراجع التبيان : ٢ / ٤٨٥، وتفسير الرازي : ٨ / ٨٠، وحقائق التأويل ١١٤ وفيه : أجمع العلماء الخ .


وقال الزمخشري : وفيه دليل ـ لا شيء أقوى منه ـ على فضل أصحاب الكساء(١) .

ويمكننا استخلاص جملة من الأمور من يوم المباهلة أهمها :

أوّلاً : الأنموذج الحي :

إنّ إخراج الحسنينعليهما‌السلام في قضية المباهلة لم يكن أمراً عادياً، وإنّما كان مرتبطاً بمعاني ومداليل خطيرة، أهمها: أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حينما يكون على استعداد للتضحية بنفسه وبهؤلاء الذين يعتبرهم القمّة في النضج الرسالي، بالإضافة إلى أنّهم أقرب الناس إليه فإنّه لا يمكن أن يكون كاذباً ـ والعياذ بالله ـ في دعواه، كما لاحظه وأقرّه رؤساء النصارى الذين جاءوا ليباهلوه، وكذلك يدل على تفانيه في رسالته الإلهيّة وعلى ثقته بما يدعو إليه .

ثانياً : في خدمة الرسالة :

إنّ اعتبار الإمام الحسن وأخيه الحسينعليهما‌السلام في صباهما المثل الأعلى والأنموذج المجسّد للإسلام وعي عقائدي سليم فرضته الأدلة والبراهين التي تؤكّد بشكل قاطع على أن الأئمة الأطهارعليهم‌السلام كانوا في حال طفولتهم في المستوى الرفيع الذي يؤهّلهم لتحمّل الأمانة الإلهية وقيادة الأُمة قيادة حكيمة وواعية، كما سَجَّل التاريخ ذلك بالنسبة لكل من الإمامين الجوادعليه‌السلام والمهدي "عجّل الله تعالى فرجه الشريف" حيث شاءت الإرادة الإلهية أن يتحمّلا مسؤولياتهما القيادية في السنين الأُولى من حياتهما، وهذا ليس بالغريب على من أرادهم الله حملة لدينه ورعاة لبريته، فهذا عيسى بن مريم يتحدّث عنه القرآن الكريم بقوله :( فَأَشَارَتْ إليه قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيَّاً *

__________

(١) الكشاف : ١ / ٣٧٠، وراجع الصواعق المحرقة : ص١٥٣ عنه، وراجع الإرشاد للمفيد : ص٩٩، وتفسير الميزان : ٣ / ٢٣٨ .


قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيَّاً ... ) (١) .

وكذلك كان يحيىعليه‌السلام الذي قال الله سبحانه عنه :( يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيَّاً ) (٢) .

لقد كان الحسنانعليهما‌السلام في أيّام طفولتهما الأُولى أيضاً في مستوىً من النضج والكمال الإنساني بحيث كانا يملكان كافة المؤهّلات التي تجعلهما محلاً للعناية الإلهية، وأهلاً للأوسمة الكثيرة التي منحها إيّاهما الإسلام على لسان نبيّه العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّا جعلهما قادرين على تحمّل المسؤوليات الجسام، وحيث إنّ الحاضرين للمباهلة شركاء في الدعوى، إذن فعليّ وفاطمة والحسنانعليهم‌السلام شركاء في الدعوى، وفي الدعوة إلى المباهلة لإثباتها .

وهذا من أفضل المناقب التي خصّ الله بها أهل بيت نبيّه(٣) .

وقد استنتج علماء المسلمين الفضل للحسن والحسينعليهما‌السلام من المباهلة، ومنهم ابن أبي علان ـ وهو أحد أئمة المعتزلة ـ حيث يقول : هذا يدل على أنّ الحسن والحسين كانا مكلّفين في تلك الحال; لأنّ المباهلة لا تجوز إلاّ مع البالغين(٤) .

ويؤيّد ذلك أيضاً اشراكهماعليهما‌السلام في بيعة الرضوان، ثم شهادتهما للزهراءعليها‌السلام في قضية نزاعها مع أبي بكر حول فدك، إلى غير ذلك من أقوال ومواقف للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهما في المناسبات المختلفة .

وهذا كلّه يصبّ في المنهج الذي أراده النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في إعداد الناس

__________

(١) مريم (١٩) : ٢٩ ـ ٣٠ .

(٢) مريم (١٩) : ١٢ .

(٣) راجع تفسير الميزان : ٣ / ٢٢٤، ودلائل الصدق : ٣ / قسم١ ص٨٤ .

(٤) نقله عنه أبو حيّان في "البحر المحيط" في تفسير آية المباهلة .


نفسيّاً، وإفهامهم بأنّ أئمة أهل البيتعليهم‌السلام يمكنهم أن يتحمّلوا مهمة رسالية في قطعة زمنية من أعمارهم .

ثالثاً : سياسات لابدّ من مواجهتها :

هنالك مجموعة من الغايات التربوية والسياسية التي كانت تكمن وراء إشراك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أهل بيته في المباهلة، منها :

أ ـ إنّ إخراج العنصر النسوي ممثّلاً بفاطمة الزهراء ـ صلوات الله وسلامه عليها ـ والتي تعتبر الأنموذج الأسمى للمرأة المسلمة في أمر ديني ومصيري كهذا كان من أجل محو ذلك المفهوم الجاهلي البغيض، الذي كان لا يرى للمرأة أيّةَ قيمة أو شأن يذكر، بل كانوا يرون فيها مصدر شقاء وبلاء ومجلبة للعار ومظنّة للخيانة(١) ، فلم يكن يتصوّر أحد منهم أن يرى المرأة تشارك في مسألة حساسة وفاصلة، بل ومقدّسة كهذه المسألة، فضلاً عن أن تعتبر شريكة في الدعوى، وفي الدعوة لإثباتها .

ب ـ إنّ إخراج الحسنينعليهما‌السلام إلى المباهلة بعنوان أنهما أبناء الرسول الأكرم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع أنّهما ابنا ابنته الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراءعليها‌السلام له دلالة هامة ومغزىً عميق، حيث إنّه "في الآية دلالة على أنّ الحسن والحسين ـ وهما ابنا البنت ـ يصح أن يقال : إنّهما ابنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنّه وعد أن يدعو أبناءه، ثم جاء بهما"(٢) ، وبالإضافة إلى ما أشير إليه آنفاً كان يهدف إلى إزالة المفهوم الجاهلي القائل بأنّ أبناء الأبناء هم الأبناء في الحقيقة دون أبناء البنات.

__________

(١) راجع : الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ١ / ٤٥ ـ ٤٧ .

(٢) تفسير الرازي : ٨ / ٨١، وفتح القدير : ١ / ٣٤٧، وتفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري : ٣ / ٢١٤، والتبيان : ٢ / ٤٨٥ عن أبي بكر الرازي (وهو غير الفخر الرازي)، ومجمع البيان : ٢ / ٤٥٢، والغدير : ٧ / ١٢٢ عنه وعن تفسير القرطبي : ٤ / ١٠٤ .


ومع كلّ ما قام به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في يوم المباهلة لتصحيح هذا المفهوم الجاهلي تجد البعض يبقى متمسّكاً به، وقد ظهر هذا التمسّك في بعض الآراء الفقهية حول تفسير قوله تعالى :( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) حيث اعتبر الإرث مختصّاً بعقب الأبناء دون من عقبته البنات(١) .

وبالرغم من كون المنهج المناوئ لأهل البيت قد حظي بكثير من الدعم من قبل الحكام مجنِّدين كلّ الطاقات من أجل تأكيده وتثبيته، إلاّ أنّه كانت ثمة عقبة كَؤُود تواجههم وتعترض سبيل نجاحهم في تشويه الحقيقة وتزوير التأريخ، وهي وجود أهل البيتعليهم‌السلام الذين يملكون أقوى الحجج وأعظم الدلائل والشواهد من القرآن ومن الحديث المتواتر ومن المواقف النبويّة المتضافرة التي عرفها ورآها وسمعها عدد هائل من صحابة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم انتقلت منهم إلى الأُمة الإسلامية .

ولا بأس أن نذكر شيئاً من محاولات نفي بنوّة الحسنينعليهما‌السلام لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

١ ـ قال ذكوان مولى معاوية : قال معاوية : لا أعلمنّ أحداً سمّى هذين الغلامين ابني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكن قولوا : ابني عليعليه‌السلام ، قال ذكوان : فلمّا كان بعد ذلك أمرني أن أكتب بنيه في الشرف، قال : فكتبت بنيه وبني بنيه وتركت بني بناته، ثم أتيته بالكتاب فنظر فيه، فقال: ويحك، لقد أغفلت كُبْر بنيّ! فقلت : من؟ فقال : أما بنو فلانة ـ لابنته ـ بَنيَّ؟ قال : قلت : الله!! أيكون بنو بناتك بنيك، ولا يكون بنو فاطمة بني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! قال : ما لك؟ قاتلك الله! لا يسمعنّ هذا أحد منك(٢) .

__________

(١) راجع : الحياة السياسية للإمام الحسن : ٢٧ ـ ٢٨ .

(٢) كشف الغمة للإربلي : ٢ / ١٧٣، ط دار الأضواء .


٢ ـ قال الإمام الحسنعليه‌السلام محتجّاً على معاوية : "... فأخرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الأنفس معه أبي، ومن البنين أنا وأخي، ومن النساء فاطمة أمي من الناس جميعاً، فنحن أهله ولحمه ودمه ونفسه، ونحن منه وهو منّا" (١) .

٣ ـ وقال الرازي في تفسير قوله تعالى :( وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ ) إلى قوله :( ... وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى ) بعد أن ذكر دلالة الآية على بنوّة الحسنين للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : "ويقال : إنّ أبا جعفر الباقر استدلّ بهذه الآية عند الحجّاج بن يوسف"(٢) .

٤ ـ وأرسل عمرو بن العاص إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام يعيبه بأشياء منها : أنّه يسمّي حسناً وحسيناً وَلَدَي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال لرسوله :"قل للشانئ ابن الشانئ : لو لم يكونا ولديه لكان أبتر، كما زعم أبوك" (٣) .

لقد صدع الإمام الحسنعليه‌السلام في أكثر من مناسبة وأكثر من موقف، ولم يكن يكتفي بإظهار وإثبات بنوّته لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقط، وإنّما كان يؤكّد من خلالها أنّ حقّ الإمامة والخلافة له وحده، ولا يمكن أن يصل إلى معاوية وأضرابه; لأنّ معاوية يفتقد المواصفات المؤهّلة للخلافة، بل يتّصف بما ينافيها.

ومن كلامه في جملة من المواقف وفي هذا الشأن بالخصوص :

١ ـ أنّهعليه‌السلام خطب فور وفاة أبيهعليه‌السلام فقال :"أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي، وأنا ابن النبيّ، وأنا ابن الوصي" (٤) .

٢ ـ إنّ معاوية طلب منهعليه‌السلام أن يصعد المنبر ويخطب، فصعد المنبر

__________

(١) ينابيع المودة: ٤٧٩ عن الزرندي المدني وص٤٨٢ و٥٢، وتفسير البرهان : ١ / ٢٨٦ .

(٢) تفسير الرازي : ١٣ / ٦٦، وفضائل الخمسة من الصحاح الستة : ١ / ٢٤٧ عنه .

(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٢٠ / ٣٣٤ .

(٤) مستدرك الحاكم : ٣ / ١٧٢، وذخائر العقبى ١٣٨ عن الدولابي .


وخطب وصار يقول : أنا ابن، أنا ابن إلى أن قال : "لو طلبتم ابناً لنبيّكم ما بين لابتيها لم تجدوا غيري وغير أخي"(١) .

شهادة الحسنينعليهما‌السلام على كتاب لثقيف :

لقد أشهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحسنينعليهما‌السلام حينما كتب كتاباً لثقيف، وأثبت فيه شهادة عليّ والحسنين صلوات الله وسلامه عليهم .

قال أبو عبيد : وفي هذا الحديث من الفقه إثباته شهادة الحسن والحسين، وقد كان يروي مثل هذا عن بعض التابعين : أنّ شهادة الصبيان تكتب ويستنسبون، فيستحسن ذلك، فهو الآن في سنّة النبي(٢) .

نقول : ألم يجد النبيّ أحداً من الصحابة يستشهده على ذلك الكتاب الخطير الذي كان يرتبط بمصير جماعة كبيرة سوى هذين الصبيّين؟! وهل كان وحيداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حينما جاءه وفد ثقيف، وكتب لهم ذلك الكتاب حتى احتاج إلى استشهاده ولَدَين صغيرين لم يبلغا الخمس سنوات ؟ .

إنّ أدنى مراجعة للنصوص التاريخية لتبعد هذا الاحتمال كلّ البعد، حيث إنّها صريحة في أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد ضرب لهم قبة في المسجد ليسمعوا القرآن، ويروا الناس إذا صلّوا، وكان خالد بن سعيد بن العاص حاضراً، وكان خالد بن الوليد هو الكاتب، ومع ذلك لم يشهدا على الكتاب(٣) .

إنّنا نعي من ذلك ما أراد أن يشير إليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من فضل الحسنين، وأنّهما مؤهّلان لأن يتحمّلا المسؤوليات الجسام حتى في المعاهدات السياسية

__________

(١) المناقب لابن شهر آشوب : ٤ / ١٢ عن العقد الفريد والمدائني .

(٢) الأموال : ص٢٧٩ ـ ٢٨٠، وراجع التراتيب الإدارية : ١ / ٢٧٤ .

(٣) الحياة السياسية للإمام الحسن، للعاملي: ٤٤ .


الخطيرة كهذه المعاهدة بالذات، والتي كانت مع ثقيف المعروفة بعدائها الشديد للإسلام والمسلمين .

حضور الحسنينعليهما‌السلام بيعة الرضوان :

لقد حضر الحسنانعليهما‌السلام بيعة الرضوان، واشتركا في البيعة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعرف ذلك عند المؤرّخين .

قال الشيخ المفيدرحمه‌الله : "وكان من برهان كمالهماعليهما‌السلام وحجة اختصاص الله تعالى لهما بيعة رسول الله لهما، ولم يبايع صبياً في ظاهر الحال غيرهما"(١) .

ومن المعلوم أنّ البيعة تتضمّن إعطاء التزام وتعهّد للطرف الآخر بتحمّل مسؤوليات معينة ترتبط بمستقبل الدعوة والمجتمع الإسلامي، وحمايتهما من كثير من الأخطار التي ربّما يتعرّضان لها، ومعنى ذلك أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد رأى في الحسنينعليهما‌السلام ـ على صغر سنهما ـ أهلية وقابلية لتحمّل تلك المسؤوليات الجسام، والوفاء بالالتزامات التي أخذا على عاتقهما الوفاء بها.

الحسن والحسينعليهما‌السلام إمامان :

روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :"الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا" (٢) . رغم أنّه لم يكن عمرهما حينئذ قد تجاوز الخمس سنوات، وبذا يكون للحديث أهميته وعمق دلالته في معناه، ونجد الإمام الحسنعليه‌السلام يستدلّ بهذا القول على من يعترض عليه في صلحه مع معاوية(٣) .

__________

(١) الإرشاد : ٢١٩، وفدك للقزويني هامش : ١٦ عنه .

(٢) راجع علل الشرائع : ١ / ٢١١ .

(٣) راجع علل الشرائع : ١ / ٢١١ .


الإمام الحسنعليه‌السلام في عهد الخلفاء

في عهد أبي بكر وعمر :

بوفاة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينتهي عهد الرسالة ويبدأ عهد الإمامة، بدءً بإمامة علي بن أبي طالبعليه‌السلام والذي عيّنه الرسول الأمين ليتحمّل أعباء الثورة الإلهية المباركة والقيادة الربّانيّة للأُمة الإسلامية، التي حباها الله بوافر لطفه، وأنقذها من براثن الجاهلية، لتنعم في ظلِّ الهداية الرشيدة إلى حيث الكمال والجلال .

لقد اجتاز الحسنانعليهما‌السلام مرحلة الصبا في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد عرفنا كيف أنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يعاملهما معاملة الصبيان، بل كان يتعامل معهما كشخصيّتين إسلاميتين تنتظرهما مسؤوليات رياديّة كبرى، كما أفصحت عن ذلك نصوص نبويّة وفيرة .

وبدأت مرحلة فتوّتهما في ظلّ إمامة أبيهما، وفي ظروف غير مستقرّة، لا للدولة الإسلامية ولا لأهل بيت النبوّة، حيث أُبعد عليّعليه‌السلام عن القيادة السياسية، وتولّى الأمر رجال لم يجعل لهم نصيب في القيادة استئثاراً وحسداً، واستصغاراً لشأن عليّعليه‌السلام وموقعه الرياديّ الإلهيّ .

ثم تعرّضت دار الزهراءعليها‌السلام للهجوم المباغت واقتيد عليّعليه‌السلام ليبايع أبا بكر; كي تستقر الدولة المهدّدة بالأخطار .

وفي كلّ هذه الأحوال كان الحسنان يراقبان تطوّرات الأحداث، وكيف أصبحا بعد ذلك العزّ في عهد جدّهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُستذلاّن وتستذلّ العترة النبوية الطاهرة، وقد كانت للزهراء ولابنيها مواقف شتى في هذه الفترة، وهي لا تخرج عن المخطّط الرسالي الذي خطّه لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما يرتبط بالرسالة بعد وفاته. وسوف نشير باختصار إلى المواقف التي ترتبط بالإمام الحسنعليه‌السلام خاصّةً، أو به وبأخيه الحسينعليه‌السلام .


١ ـ الحسنانعليهما‌السلام وفدك :

لقد توفّي الرسول الأعظم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحدث بعده ما حدث من استئثار القوم بالأمر، وتنصيب أبي بكر خليفةً على المسلمين، وإقصاء علي ابن أبي طالبعليه‌السلام عن محلّه الطبيعي الذي أهّله الله سبحانه وتعالى له، وتعرض فاطمة الزهراءعليها‌السلام بنت النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لاغتصاب إرثها من أبيها، ومصادرة ما كان النبي قد ملّكها في حال حياته، وما دار بينها وبين أبي بكر من مساجلات واحتجاجات حول هذا الموضوع، حتى طلب منها أن تأتي بالشهود لإثبات ما تدّعيه، فجاءت بأمير المؤمنينعليه‌السلام وبالحسنينعليهما‌السلام وباُم أيمن ( رضي الله عنها)، ولكنّ أبا بكر ردّ الشهود، ورفض إرجاع حقّها إليها .

إنّ استشهاد الزهراء البتول ـ صلوات الله وسلامه عليها ـ بالحسنينعليهما‌السلام ـ وهي المرأة المعصومة بحكم آية التطهير ـ لم تكن لِتُصدِر ولا لِتورِدَ إلا وفق أحكام الشرع الإسلامي الحنيف، وذلك بمرأىً وبمسمع من المسلمين، وبتأييد ورضىً من سيّد الوصيّين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، كلّ ذلك كان له دلالة تامة على أهليتهما لأداء الشهادة في مناسبة كهذه، مع أنّهما كانا آنذاك لا يتجاوز عمرهما السبع السنوات .

إنّ إعطاءهما دوراً بارزاً في قضية كبيرة كهذه، لم يكن أمراً عفوياً، ولا منفصلاً عن الضوابط التي تنتظم مواقف أهل البيتعليهم‌السلام ، وإنما كان امتداداً لمواقف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منهما، في مجال إعدادهما، ووضعهما في مكانهما الطبيعي وعلى المستوى القيادي للأُمة .


٢ ـ اعتراضه على أبي بكر :

وللحسن بن عليّعليهما‌السلام موقف مع أبي بكر، حيث جاء إليه يوماً وهو يخطب على المنبر، فقال له: انزل عن منبر أبي، فأجابه أبو بكر : صدقت والله، إنّه لمنبر أبيك لا منبر أبي(١) .

٣ ـ الإمام الحسنعليه‌السلام وأسئلة الأعرابي :

تقوم الإمامة على ركنين رئيسين : أحدهما : الكفاءة التي تشمل العلم والعصمة وغيرهما، والآخر: النص، من هنا نجد الأئمةعليهم‌السلام كانوا يهتمّون بذكر هذه النصوص والتذكير بها والتركيز عليها باستمرار، وقد كان الإمام الحسنعليه‌السلام قد أولى اهتماماً خاصّاً ـ وفي كثير من أقواله ومواقفه ـ لذكر هذه النصوص، ومن ذلك قوله: إنّهم هم الذين افترض الله طاعتهم، وإنّهم أحد الثقلين(٢) .

وكذلك الحال بالنسبة إلى العلم، فإنّهمعليهم‌السلام ما فتئوا يؤكدون على أنّهم هم ورثة علم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعندهم الجفر والجامعة وغير ذلك(٣) .

وقد كان الإمام عليّعليه‌السلام يهتم في إثبات صفة علم الإمامة للإمام الحسنعليه‌السلام منذ طفولته، لكي يطّلع المسلمون على مدى علمه، فيكون دليلاً

__________

(١) تاريخ الخلفاء للسيوطي : ٨٠، الصواعق المحرقة : ١٧٥ .

(٢) الغدير : ١ / ١٩٨ .

(٣) راجع مكاتيب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ١ / ٥٩ ـ ٨٩ .


قاطعاً على إمامتهعليه‌السلام ، وكان أمير المؤمنينعليه‌السلام يهتم في إظهار ذلك لأُولئك الذين استأثروا بالأمر وأقصوا أصحاب الحقّ الحقيقيين عن حقّهم، وقد اتّبععليه‌السلام في لفت الأنظار إلى الحسنعليه‌السلام أُسلوباً من شأنه أن يتناقله الناس ويتندروا به في مجالسهم، إذ أنّ إجابة طفل لم يبلغ عمره العشر سنوات على أسئلة عويصة وغامضة لأمر يثير عجبهم ويستأثر باهتمامهم.

وذكر القاضي النعمان في شرح الأخبار بإسناده عن عبادة بن الصامت: أنّ أعرابياً سأل أبا بكر، فقال: إنّي أصبت بيض نعام فشويته، وأكلته وأنا محرم، فما يجب عليّ؟ فقال له: يا أعرابي، أشكلت عليّ في قضيّتك، فدلّه على عمر، ودلّه عمر على عبد الرحمن بن عوف، فلمّا عجزوا قالوا: عليك بالأصلع، فقال أمير المؤمنين : "سل أيّ الغلامين شئت"، فقال الحسن : "يا أعرابي، ألك إبل؟" قال: نعم، قال: "فاعمد إلى ما أكلت من البيض نوقاً، فاضربهن بالفحول، فما فصل منها فأهده إلى بيت الله العتيق الذي حججت إليه"، فقال أمير المؤمنين: "إنّ من النوق السلوب، ومنها ما يزلق"(١) ، فقال : إن يكن من النوق السلوب وما يزلق، فإنّ من البيض ما يمرق(٢) ، قال: فسمع صوت "أيّها الناس، إنّ الذي فهّم هذا الغلام هو الذي فهّمهما سليمان بن داود"(٣) .

٤ ـ الإمام الحسنعليه‌السلام في الشورى :

بعد أن طعن عمر بن الخطاب، ورتّب قضية الشورى على النحو المعروف قال للمرشحين : "وأحضروا معكم من شيوخ الأنصار وليس لهم

__________

(١) الناقة السلوب : التي مات ولدها، أو ألقته لغير تمام.

(٢) مرقت البيضة : فسدت .

(٣) المناقب لابن شهر آشوب : ٤ / ١٠ .


من أمركم شيء، وأحضروا معكم الحسن بن علي وعبد الله بن عباس، فإنّ لهما قرابة، وأرجو لكم البركة في حضورهما، وليس لهما من أمركم شيء ويحضر عبد الله مستشاراً، وليس له من الأمر شيء" فحضر هؤلاء(١) .

وقد قبل الإمام الحسن حضور جلسات الشورى، وكان حضوره يعني انتزاع الاعتراف من عمر بأنّه ممّن يحقّ له المشاركة السياسية، حتى في أعظم وأخطر قضية تواجهها الأُمة، وكذلك كي يفهم الناس هذا الأمر ولكي يتمكّن في المستقبل من إظهار رأيه في القضايا المصيرية، ولو لم يُقبل منه .

__________

(١) الإمامة والسياسة : ١ / ٢٨ .


في عهد عثمان :

١ ـ الإمام الحسنعليه‌السلام في وداع أبي ذر :

"يا عمّاه! لو لا أنّه لا ينبغي للمودّع أن يسكت وللمشيّع أن ينصرف; لقصر الكلام وإن طال الأسف، وقد أتى من القوم إليك ما ترى، فضع عنك الدنيا بتذكّر فراغها، وشدّة ما اشتد منها برجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيّك صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو عنك راض" (١) .

تلك هي كلمات الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام وهو يودّع ـ مع أبيه وأخيه وعمّه عقيل وابن عمّه عبد الله بن جعفر وابن عبّاس ـ أبا ذرّ الصحابي الجليل الذي جاهد وناضل في سبيل الدين والحقّ وما لاقى من اضطهاد وإهانة وبلاء حتى قضى غريباً وحيداً في "الربذة" منفاه .

وهي كلمات ناطقة معبّرة عن موقف عميق تجاه تصرّفات وأعمال الخط الحاكم، وهو بكلماته هذه يساهم في تحقيق ما كان يرمي إليه أبو ذرّ من أهداف، حيث كان لا بدّ من إطلاق الصرخة لإيقاظ الأُمة من سباتها وتوعيتها على حقيقة ما يجري وما يحدث، وإفهامها أنّ الحاكم لا يمكن أن يكون أبداً في منأىً عن المؤاخذة، ولا هو فوق القانون، وإنّما هو ذلك الحامي له والمدافع عنه، فإذا ما سوّلت له نفسه أن يرتكب أيّة مخالفة أو أن يستغلّ مركزه في خدمة أهوائه ومصالحه الشخصيّة; فبإمكان كلّ شخص من المسلمين بل من واجبه أن يعلن كلمة الحقّ، ويعمل على رفع الظلم والانحراف .

ومن جهة أخرى فإنّه إذا كانت الظروف لا تسمح لأمير المؤمنين وسبطيهعليهم‌السلام وآخرين ممن ساروا على خطّهم لأن يقفوا موقف أبي ذرّ; فإنّ

__________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٨ / ٢٥٣، والغدير : ٨ / ٣٠١، وروضة الكافي : ٨ / ٢٠٧ .


عليهم ـ على الأقل ـ أن يعلنوا رأيهم الذي هو رأي الإسلام فيه وفي مواقفه، فإنّ ذلك من شأنه أن يعطي موقفه العظيم ذلك بُعداً إعلاميّاً وعمقاً فكريّاً وسياسيّاً يحمي تلك المعطيات والنتائج التي ستنشأ عنه .

وإذا تأمّلنا في كلمات الإمام الحسنعليه‌السلام لأبي ذرّ في ذلك الموقف; فإنّنا نجدها تتضمّن عميق أسفه لما فعله القوم بأبي ذرّ، ثم تشجيعه وشدّ أزره في موقفه، ويعتبر أنّ فيه رضى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن ثم رضى الله سبحانه وتعالى .

كما أنّه يحاول التخفيف عن أبي ذرّ، بعد إعطائه الرؤية الصحيحة التي من شأنها أن تخفّف من وَقْعِ المحنة عليه، وتسهّل عليه مواجهة البلايا التي تنتظره، وذلك حينما يأمرهعليه‌السلام بأن يضع عنه الدنيا بتذكّر فراغها، وشدّة ما اشتدّ منها برجاء ما بعدها .

٢ ـ هل اشترك الإمام الحسنعليه‌السلام في الفتوح ؟

قال بعض المؤرّخين : وفي سنة ثلاثين غزا سعيد بن العاص "طبرستان"، وكان أهلها في خلافة عمر قد صالحوا سويد بن مقرن على مال بذلوه، ثم نقضوا فغزاهم سعيد بن العاص ومعه الحسن والحسين وابن عبّاس!.

ولمّا أراد المسلمون فتح أفريقية فإنّ عثمان جهّز العساكر من المدينة، وفيهم جماعة من الصحابة، منهم ابن عبّاس وابن عمر وابن عمرو بن العاص وابن جعفر والحسن والحسين وابن الزبير، وساروا مع عبد الله ابن أبي سرح سنة ستٍّ وعشرين(١) .

وقد نوقش هذا الزعم ـ وهو اشتراك الحسنينعليهما‌السلام في الفتوحات ـ بما يلي :

__________

(١) العبر (تاريخ ابن خلدون) : ١ / ١٢٨ .


أ ـ إنّ تلك الفتوحات لم تكن عموماً من أجل مصالح الإسلام العليا، حيث إنّ الحكام كانوا يستفيدون من تلك الفتوحات في مجال إرضاء طموحاتهم وإشباع غرورهم، فقد أسالت الفتوحات لعابهم بما فيها من غنائم وبسط نفوذ، فصاروا يهتمّون بتقوية أمرهم وتثبيت سلطانهم، وهناك من الحكّام من كان الدين والإسلام بنظرهم مجرد شعار يخدم ملكهم ويقوّيه .

ونستطيع أن نورد كثيراً من الشواهد والأدلة على مدى اهتمام الحكام وأعوانهم وكلّ من ينتسب إليهم بجمع الأموال والحصول على الغنائم بحقّ أو بغير حقّ، ويكفي أن نذكر : أنّ زياداً بعث الحكم بن عمر الغفاري على خراسان، فأصابوا غنائم كثيرة فكتب إليه زياد : أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين كتب أن يصطفي له البيضاء والصفراء، ولا يقسّم بين المسلمين ذهباً ولا فضّةً، فرفض الحكم ذلك، وقسّمه بين المسلمين، فوجّه إليه معاوية من قيّده وحبسه فمات في قيوده، ودفن فيها، وقال : إنّي مخاصم(١) .

وقد بدأ التعذيب بالجزية في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب(٢) ، بل لقد رأيناهم يوجبون الجزية حتى على من أسلم من أهل الذمة، وذلك بحجة أنّ الجزية بمنزلة الضريبة على العبد فلا يسقط إسلام العبد ضريبته، لكن عمر بن عبد العزيز شذّ عن هذه السياسة وأسقطها عنهم، كما يذكرون(٣) .

كما أنّ عمر بن الخطاب حاول أخذ الجزية من رجل أسلم على اعتبار أنّه : إنّما أسلم متعوّذاً، فقال له ذلك الشخص : إنّ في الإسلام لمعاذاً، فقال عمر :

__________

(١) مستدرك الحاكم : ٣ / ٤٤٢ ـ ٤٤٣ .

(٢) المصنف لعبد الرزاق : ١١ / ٢٤٥ فما بعدها .

(٣) تاريخ الدولة العربية : ٢٣٥، وتاريخ التمدن الإسلامي : ١ / ٢٧٣ ـ ٢٧٤ .


صدقت، إنّ في الإسلام لمعاذاً(١) .

وأمّا مضاعفته الجزية على نصارى تغلب فهي معروفة ومشهورة(٢) .

وقال خالد بن الوليد يخاطب جنوده ويرغِّبهم بأرض السواد : ألا ترون إلى الطعام كرفغ(٣) التراب؟ وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في الله، والدعاء إلى الله عَزَّ وجَلَّ، ولم يكن إلاّ المعاش; لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف، حتى نكون أولى به، ونولي الجوع والإقلال من تولّى، ممن اثّاقل عمّا أنتم عليه(٤) .

وفي فتح "شاهرتا" يعطي بعض عبيد المسلمين أماناً لأهل المدينة، فلا يرضى المسلمون، وينتهي بهم الأمر إلى أن يرفعوا ذلك إلى عمر بن الخطّاب، فكتب : "إنّ العبد المسلم من المسلمين أمانه أمانهم، قال : ففاتنا ما كنّا أشرفنا عليه من غنائمهم ..."(٥) .

ولكن ما ذكره خالد بن الوليد آنفاً ليس هو كلّ الحقيقة، وذلك لأنّ ما كان يصل الطبقة المستضعفة من الجند لم يكن إلاّ أقلّ القليل، ممّا لا يكفي لسدّ خلّتهم ورفع خصاصتهم، بل كان محدوداً جداً، لا يلبث أن ينتهي ويتلاشى، مع أنّهم كانوا هم وقود تلك الحروب .

إذن فالحرب من أجل الغنائم والأموال كانت هي الصفة المميّزة لأكثر تلك الفتوحات .

ب ـ إنّ الحكام كانوا يستفيدون من تلك الفتوحات في مجال إرضاء طموحات الشباب وإشباع غرورهم، إذ كانوا بصدد تأهيلهم لمناصب عالية

__________

(١) المصنف : ٦ / ٩٤ .

(٢) سنن البيهقي : ٩ / ٢١٦ .

(٣) الرفغ : الأرض الكثيرة التراب .

(٤) العراق في العصر الأُموي ١١ عن الطبري: ٤ / ٩ .

(٥) المصنف : ٥ / ٢٢٢ و ٢٢٣ .


وإظهار شخصياتهم، فقد كان معاوية يجبر ولده يزيد على قيادة جيش غازياً لبعض المناطق(١) .

ج ـ كان الحكام يستفيدون من الفتوحات في إبعاد المعترضين على سياساتهم، والناقمين على أعمالهم وتصرفاتهم، وكشاهد على ذلك نذكر : أنّه لمّا تفاقت النقمة على عثمان; استدعى بعض عماله ومستشاريه، وهم : معاوية وعمرو بن العاص وعبد الله بن عامر(٢) .

واستشارهم فيما ينبغي له عمله لمواجهة نقمة الناس على سياساته ومطالبتهم له بعزل عمّاله(٣) ، واستبدالهم بمن هم خير منهم، فأشار عليه عبد الله بن عامر بقوله : "رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، وأن تجمرهم في المغازي، حتى يذلّوا لك، فلا يكون همة أحدهم إلاّ نفسه، وما هو فيه منه دَبَرة دابته، وقَمَل فروه".

وأضاف في نصٍّ آخر قوله : "فردّ عثمان عمّاله على أعمالهم، وأمرهم بالتضييق على من قبلهم، وأمرهم بتجمير(٤) الناس في البعوث، وعزم على تحريم أُعطياتهم، ليطيعوه ويحتاجوا إليه ..."(٥) .

د ـ إنّ الجهاد الابتدائي يحتاج إلى إذن الإمام العادل(٦) ، وإنّ أئمة الحقّ كانوا لا يرون في الاشتراك في هذه الحروب مصلحة، بل لا يرون تلك الحروب خيراً، فقد روي : أنّ أبا عبد الله الصادقعليه‌السلام قال لعبد الملك بن

__________

(١) المحاسن والمساوي : ٢ / ٢٢٢ .

(٢) يلاحظ أنّ هؤلاء قد كانوا عمّاله باستثناء عمرو بن العاص، فإنّه كان معزولاً آنئذ .

(٣) من الطريف أن يستشير عثمان نفس أولئك الذين يطالب الناس بعزلهم في أمر الغزو .

(٤) التجمير : حبس الجيش في أرض العدو .

(٥) تاريخ الطبري : ٣ / ٣٧٣ ـ ٣٧٤ .

(٦) الوسائل ١١ : ٣٢ فصاعداً، والكافي : ٥ / ٢٠ .


عمرو :يا عبد الملك! ما لي لا أراك تخرج إلى هذه المواضع التي يخرج إليها أهل بلادك؟ قال : قلت : وأين؟ قال :جُدَّة، وعبادان، والمصيصة، وقزوين ، فقلت : انتظاراً لأمركم، والاقتداء بكم ؟ فقال :إي والله، لو كان خيراً ما سبقونا إليه (١) .

وثمّة عدّة روايات تدلّ على أنّهمعليهم‌السلام كانوا لا يشجعون شيعتهم، بل ويمنعونهم من الاشتراك في تلك الحروب، ولا يوافقون حتى على المرابطة في الثغور أيضاً، ولا يقبلون منهم حتى ببذل المال في هذا السبيل حتى ولو نذروا ذلك(٢) .

أمّا لو دهم العدو أرض الإسلام فإنّ عليهم أن يقاتلوا دفاعاً عن بيضة الإسلام، لا عن أولئك الحكّام(٣) .

بل نجد روايةً عن عليعليه‌السلام تقول :"لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم، ولا ينفذ في الفيء أمر الله عَزَّ وجَلَّ" (٤) .

ويؤيّد ذلك : أنّ عثمان جمع يوماً أكابر الصحابة ـ وكان بينهم الإمام عليعليه‌السلام ـ في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واستشارهم في غزوة أفريقية، فرأوا في الأكثر أنّ المصلحة في أن لا تقع بأيدي أصحاب الأغراض والأهواء والمنحرفين(٥) .

فالأئمةعليهم‌السلام وإن كانوا ـ ولا شك ـ يرغبون في توسعة رقعة الإسلام ونشره ليشمل الدنيا بأسرها ولكنّ الطريقة والأسلوب الذي كان يتم به الفتح

__________

(١) التهذيب : ٦ / ١٢٧، والكافي : ٥ / ١٩، والوسائل : ١١ / ٣٢ .

(٢) الوسائل : ١١ / ٢١ ـ ٢٢ عن قرب الإسناد ص١٥٠، والتهذيب : ٦ / ١٣٤، والكافي : ٥ / ٢١ .

(٣) الوسائل : ١١ / ٢٢، والكافي : ٥ / ٢١، والتهذيب : ٦ / ١٢٥ .

(٤) الوسائل : ١١ / ٣٤ .

(٥) الفتوح لابن أعثم، الترجمة الفارسية : ١٢٦ .


كان خطأً ومضرّاً ولا يحقق الأهداف المطلوبة(١) .

وعلى كلّ حال فإنّ جميع ما تقدّم ليكفي في أن يلقي ظلالاً ثقيلةً من الشك والريب فيما ينسب إلى الإمامين الهمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام من الاشتراك في فتح جرجان أو في فتح أفريقية، مع أنّ عدداً من كتب التاريخ التي عدّدت أسماء كثيرة من الشخصيات المشتركة في فتح أفريقية لم تذكرهما، علماً بأنّهما من الشخصيات التي كان يهم السياسة الزمنية للخلفاء التأكيد على ذكرها في مقامات كهذه .

هـ ـ ويؤيّد ذلك أيضاً: أنّ الإمام عليّاًعليه‌السلام منع ولديه في صفين والجمل من الخوض في المعركة، وقال ـ وقد رأى الحسن يتسرّع إلى الحرب ـ : "أملكوا عنّي هذا الغلام لا يهدّني، فإنّني أنفّس بهذين الغلامين ـ يعني الحسنينعليهما‌السلام ـ على الموت، لئلاّ ينقطع بهما نسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(٢) .

وقد كان هذا منهعليه‌السلام في وقت كان له كثير من الأولاد، فكيف يسمح بخروجهما مع أمير أموي أو غير أُموي، ولم يكن قد ولد له غيرهما من الأولاد بعد، أو كان ولكنّهم قليلون ؟!.

إنّ جميع ما تقدم يجعلنا نطمئنّ إلى عدم صحة ما ينسب إلى الحسنينعليهما‌السلام من الاشتراك في الغزوات آنئذ .

٣ ـ الإمام الحسنعليه‌السلام وحصار عثمان :

نقل بعض المؤرّخين: أنّه حينما حاصر الثائرون عثمان; بعث الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بولديه الحسن والحسينعليهما‌السلام للدفاع عنه، بل قالوا : إنّ

__________

(١) والبحث يحتاج إلى تحقيق أعمق وأوسع لا يتناسب مع هذا الكتاب .

(٢) نهج البلاغة بشرح محمد عبده : ٢ / ٢١٢، وتاريخ الطبري: حوادث سنة ٣٧ : ٤ / ٤٤ .


الإمام الحسنعليه‌السلام قد جرح وخضّب بالدماء على باب عثمان من جرّاء رمي الناس عثمان بالسهام، ثم تسوّر الثائرون الدار على عثمان وقتلوه، وجاء الإمام عليعليه‌السلام كالواله الحزين، فلطم الحسن وضرب صدر الحسينعليه‌السلام وشتم آخرين، منكراً عليهم أن يُقتل عثمان وهم على الباب(١) .

وقد استبعد مؤرّخون آخرون ذلك ; إستناداً إلى أنّ سيرة عثمان تبعد كلّ البعد عمّا نسب إلى عليّ وولديهعليهم‌السلام ، كما ويبعد منهم أن يتّخذوا موقفاً يخالف موقف البقية الصالحة من الصحابة، وينفصلوا عنهم. ويضيف هؤلاء المؤرّخون بخصوص دفاع الحسن عن عثمان، ولو فرض صحة ذلك، فإنّه لم يكن إلاّ لتبرير موقفه وموقف أبيه من الاشتراك في دمه، وأن لا يتّهمه المغرضون بشيء(٢) .

ويشكّ السيّد الشريف المرتضى في إرسال أمير المؤمنينعليه‌السلام ولديه للدفاع عن عثمان، إذ يقول : "فإنّما أنفذهما ـ إن كان أنفذهما ـ ليمنعا من انتهاك حريمه وتعمّد قتله، ومنع حرمه ونسائه من الطعام والشراب، ولم ينفذهما ليمنعا من مطالبته بالخلع"(٣) .

وأما العلاّمة الحسنيرحمه‌الله فيقول : "من المستبعد أن يزجّ بريحانتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تلك المعركة للدفاع عن الظالمين، وهو الذي وهب نفسه وكلّ حياته للحقّ والعدالة وإنصاف المظلومين"(٤) .

__________

(١) راجع الصواعق المحرقة: ١١٥ ـ ١١٦، ومروج الذهب : ٢ / ٣٤٤ ـ ٣٤٥، والإمامة والسياسة : ١ / ٤٤ و ٤٢ و ٤٣، وأنساب الأشراف: ٥ / ٦٩ و ٧٠ و ٧٤ و٩٣ و٩٥، والبدء والتاريخ : ٥ / ٢٠٦، وتاريخ مختصر الدول ١٠٥.

(٢) راجع : حياة الإمام الحسن عليه‌السلام للقرشي : ١ / ١١٥ ـ ١١٦ .

(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٣ / ٨ .

(٤) سيرة الأئمة الإثني عشر : ١ / ٤٢٨ .


في حين يرى باحث آخر : "أنّ الخليفة كان مستحقّاً للقتل بسوء فعله، كما أنّ قتلته أو الراضين بقتله هم جمهرة الصحابة الأخيار، ولا يعقل أن يقف الحسنان في وجه هؤلاء وصدهم"(١) .

وهنا نقدّم جملة من الملاحظات :

أ ـ إنّ ما ذكره هؤلاء من أنّ الصحابة الأخيار كانوا هم قتلة عثمان أو أنّهم الراضون بقتله فهذا صحيح، ولكن ممّا لا شك فيه هو أنّه كان من بينهم أيضاً من ثأر على عثمان، من أمثال: عائشة والزبير وطلحة وغيرهم، لا لأجل الانتصار للحقّ وإنّما من أجل المكاسب الدنيوية، كما أثبتت ذلك مواقفهم من حكومة الإمام عليّعليه‌السلام بعد أن بايعوه عقيب مقتل عثمان .

ب ـ وأمّا ما ذكر من أنّ عليّاً قد ضرب الحسنعليه‌السلام ودفع صدر الحسين فهذا ما لا اتّفاقَ عليه ; لأنّ عليّاًعليه‌السلام قد كرّر وأكّد أنّ قتل عثمان لم يسره ولم يسؤه(٢) ، كما أنّه لم يكن ليتّهم الحسنينعليهما‌السلام بالتواني في تنفيذ الأوامر التي يصدرها إليهما، وهما من الذين نصّ الله سبحانه وتعالى على تطهيرهم، وأكّد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على عظيم فضلهم وباسق مجدهم وعلى محبته العظيمة لهم .

ج ـ وأمّا بالنسبة للدفاع عن عثمان فإنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام وإن كان لا يرى خلافة عثمان شرعية من الأساس، وكان على اطّلاع تامّ بالنسبة لجميع المخالفات والانتهاكات التي كانت تصدر عن الهيئة الحاكمة باستمرار إلاّ أنّهعليه‌السلام لم يكن يرى أنّ علاج الأمر بهذا الأسلوب الانفعالي هو الطريقة المثلى والفضلى، وقد نقل عنهعليه‌السلام قوله عن عثمان :"إنّه استأثر فأساء الإثرة،

__________

(١) صلح الإمام الحسن لآل ياسين : ٥٠ ـ ٥١ .

(٢) الغدير : ٩ / ٦٩ ـ ٧٧ عن مصادر كثيرة .


وجزعوا فأساءوا الجزع" (١) .

وما ذلك إلاّ لأنّ هذا الأسلوب بالذات وقتل عثمان في تلك الظروف وعلى النحو الذي كان لم يكن يخدم قضية الإسلام، بل كان من شأنه أن يلحق بها ضرراً فادحاً وجسيماً، إذ أنّه سوف يعطي الفرصة لأُولئك المتربّصين من أصحاب المطامع والأهواء لاستغلال جهل الناس ورفع شعار الأخذ بثارات عثمان.

وإذا كان عليعليه‌السلام لا يرغب في قتل عثمان بالصورة التي حدثت; فإنّه لم يكن يريد أن يكون الدفاع والذبّ عن عثمان موجباً لفهم خاطىء لحقيقة رأيه في عثمان وفي مخالفته، فكان يذكر تلك المخالفات تصريحاً تارةً وتلويحاً أخرى، كما أنّه كان يجيب سائليه عن أمر عثمان بأجوبة صريحة أحياناً ومبهمة أخرى، أو على الأقل بنحو لا تسمح بالتشبّث بها واستغلالها من قبل المغرضين والمستغلين(٢) .

ولم يكن الإمام عليعليه‌السلام ليسكت عن تلك المخالفات الشنيعة التي كانت تصدر عن عثمان وأعوانه، بل كانعليه‌السلام وباستمرار يجهر بالحقيقة مرّةً بعد أخرى، وقد حاول إسداء النصيحة لعثمان في العديد من المناسبات حتى ضاق عثمان به ذرعاً، فأمره أن يخرج إلى أرض ينبع(٣) .

كما أنّ عثمان واجه الإمام الحسنعليه‌السلام وبصريح القول بأنّه لا يرغب بنصائح أبيه، وذلك لأنه "كان عليّ كلما اشتكى الناس إليه أمر عثمان; أرسل ابنه الحسنعليه‌السلام إليه، فلمّا أكثر عليه قال : إنّ أباك يرى أنّ أحداً لا يعلم ما

__________

(١) نهج البلاغة : ١ / ٧٢ بشرح عبده، الخطبة رقم ٢٩ .

(٢) راجع هذه الأجوبة في كتاب الغدير : ٩ / ٧٠ .

(٣) نهج البلاغة بشرح عبده : ٢ / ٢٦١، والغدير : ٩ / ٦٠ .


يعلم؟ ونحن أعلم بما نفعل، فكفّ عنّا ! فلم يبعث عليعليه‌السلام ابنه في شيء بعد ذلك ..."(١) .

وهكذا يتّضح أنّ نصرة الحسنينعليهما‌السلام لعثمان بأمر من أبيهما الإمام عليعليه‌السلام وقد كانت منسجمة كلّ الانسجام مع خطّهمعليهم‌السلام الذي هو خطّ الإسلام الصافي والصحيح، وهو يدخل في عداد تضحياتهما الجسام ـ وما أكثرها ـ في سبيل هذا الدين! كما أنّه دليل واضح على بُعد النظر والدقّة والعمق .

٤ ـ هل جرح الإمام الحسنعليه‌السلام أثناء دفاعه عن عثمان؟

ويبقى أن نشير إلى أنّنا نشكّ في صحة ما ذكرته الرواية من أنّ الإمام الحسنعليه‌السلام قد جرح أثناء الدفاع عن عثمان; وذلك لأن الإمام عليّاًعليه‌السلام وإن كان يمكن أن يكون قد أرسل ابنيه ـ أو الإمام الحسن وحده ـ للدفاع عن عثمان، وقد جاءا إليه وعرضا له المهمّة التي أوكلها إليهما أبوهما إلاّ أنّه يبدو أنّ عثمان قد ردّهما ولم يقبل منهما ذلك، وثمّة نصوص عديدة(٢) توضّح ذلك نشير إلى أحدها : "ثم دعا عليّ بابنه الحسن، فقال: انطلق يا بنيّ إلى عثمان فقل له : يقول لك أبي : أفتحبّ أن أنصرك؟ فأقبل الحسن إلى عثمان برسالة أبيه، فقال عثمان : لا، ما أريد ذلك، لأنّي قد رأيت رسول الله ـ إلى أن قال ـ : فسكت الحسن، وانصرف إلى أبيه، فأخبره بذلك"(٣) .

__________

(١) نهج البلاغة بشرح عبده : ٢ / ٢٦١، والغدير : ٩ / ٦٠ .

(٢) الحياة السياسية للإمام الحسن : ١٥٠ ـ ١٥١ .

(٣) الفتوح لابن أعثم : ٢ / ٢٢٨ .


نعم، ربّما يكون الإمام الحسنعليه‌السلام قد ساعد على نجاة البعض من دون اشتراك في القتال، بل بما يحظى من احترام خاص في النفوس، ففي محاورة جرت بينه وبين مروان بن الحكم، قالعليه‌السلام لمروان : "أفلا أرقت دم من وثب على عثمان في الدار فذبحه كما يذبح الجمل، وأنت تثغو ثغاء النعجة، وتنادي بالويل والثبور، كالأمة اللكعاء؟ ألا دفعت عنه بيد أو ناضلت عنه بسهم؟ لقد ارتعدت فرائصك، وغشي بصرك، فاستغثت بي كما يستغيث العبد بربّه، فأنجيتك من القتل ووضعتك منه، ثم تحثّ معاوية على قتلي"(١) .

٥ ـ هل كان الإمام الحسنعليه‌السلام عثمانياً ؟

هنالك جملة من الافتراءات ألحقها بعض كتّاب التاريخ بالحسنعليه‌السلام ، ومن هذه الافتراءات: دعوى أنّ الإمام الحسنعليه‌السلام "كان عثمانياً بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة"، قالوا : "وربما غلا في عثمانيّته، حتى قال لأبيه ذات يوم ما لا يحبّ، فقد روى الرواة : أنّ عليّاً مرّ بابنه الحسن وهو يتوضّأ، فقال له : أسبغ الوضوء يا حسن! فأجابه الحسن بهذه الكلمة المرة : "لقد قتلتم بالأمس رجلاً كان يسبغ الوضوء" فلم يزد عليٌ أن قال : لقد أطال الله حزنك على عثمان"، وفي نصٍّ آخر للبلاذري : "لقد قتلت رجلاً كان يسبغ الوضوء"(٢) .

وفي قصّة أخرى يزعمون : "أنّ الحسن بن علي قال لعليّ : يا أمير المؤمنين! إنّي لا أستطيع أن أكلّمك، وبكى، فقال عليّ : تكلّم، ولا تحنّ حنين المرأة، فقال : إنّ الناس حصروا عثمان، فأمرتك أن تعتزلهم وتلحق بمكة، حتى تؤوب إلى العرب عوازب أحلامها، فأبيت، ثم قتله الناس، فأمرتك أن

__________

(١) المحاسن والمساوي : ١ / ١٣٥ .

(٢) الفتنة الكبرى قسم : علي وبنوه ١٧٦، وأنساب الأشراف : ٣ / ١٢ بتحقيق المحمودي .


تعتزل الناس ـ إلى أن قال ـ : ثم أمرتك اليوم أن لا تقدم العراق فإنّي أخاف عليك أن تقتل بمضيعة "(١) .

وثمة روايات أخرى تفيد هذا المعنى(٢) ، ونرى بأنّ المتتبّع لهذه الروايات بعين الفحص والتمحيص يجد الإرباك بادياً عليها فضلاً عن عدم جمعها لشرائط القبول والحجية فلا يمكن الاعتماد على مثل هذه النصوص، على أن بعض الباحثين قال: المشهور أن هذه المحاورة قد جرت بين أمير المؤمنينعليه‌السلام والحسن البصري حينما مرّ عليه بالبصرة وهو يتوضّأ(٣) .

ونحتمل قويّاً أنّ لأيدي الوضّاعين دوراً كبيراً في خلق مثل هذه الروايات، ومن الملاحظات عليها:

أوّلاً : كيف يمكن أن نجمع بين ما قيل هنا وبين قولهم الآنف الذكر : إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أرسل الإمام الحسن وأخاهعليهما‌السلام للدفاع عن عثمان، وإنّه لمّا علم بمصيره جاء كالواله الحزين، ولطم الحسن المخضّب بالدماء، ودفع في صدر الحسينعليه‌السلام بتخيّل أنّهما قد قصّرا في أداء مهمتهما إلخ؟! .

ثانياً : إن المتتبّع لجميع مواقف الإمام الحسنعليه‌السلام يجده باستمرار وبمزيد من الإصرار يشدّ أزر أبيه، ويدافع عن حقّه، ويهتمّ في دفع حجج خصومه، وقد خاض غمرات الحروب في الجمل وفي صفّين، معرّضاً نفسه للأخطار الجسام في سبيل الدفاع عنهعليه‌السلام وعن قضيّته، حتى لقد قال الإمامعليه‌السلام :"أملكوا عني هذا الغلام لا يهدّني" .

وبالنسبة لدفاعه عن قضية أهل البيتعليهم‌السلام وحقّهم في الخلافة فإنّنا

__________

(١) أنساب الأشراف : ٢ / ٢١٦ ـ ٢١٧، وتاريخ الطبري : ٣ / ٤٧٤ .

(٢) راجع سيرة الأئمة الاثني عشر : ١ / ٥٤٢ ـ ٥٤٤ وغير ذلك .

(٣) أنساب الأشراف، بتحقيق المحمودي ترجمة الإمام الحسن : ١٢ الطبعة الأُولى، دار التعارف ـ بيروت .


لا نستطيع استقصاء جميع مواقفه وأقواله في هذا المجال، ونكتفي بذكر نماذج منها لأجل التدليل على دفاعه عن مواقف أبيهعليه‌السلام :

أ ـ قد جاء عنهعليه‌السلام أنّه قال :"إنّ أبا بكر وعمر عمدا إلى هذا الأمر، وهو لنا كلّه، فأخذاه دوننا، وجعلا لنا فيه سهماً كسهم الجدّة، أما والله لتهمّنهما أنفسهما يوم يطلب الناس فيه شفاعتنا" (١) .

ب ـ ومن خطبة لهعليه‌السلام :"ولولا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأوصياؤه كنتم حيارى لا تعرفون فرضاً من الفرائض ..." إلخ قال هذا بعد أن عدّد الفرائض، وكان منها الولاية لأهل البيتعليه‌السلام (٢) .

ج ـ وقالعليه‌السلام :فإنّ طاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله عَزَّ وجَلَّ ورسوله مقرونة، قال الله عَزَّ وجَلَّ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) (٣) .

ثالثاً : إنّ تطهير الله سبحانه وتعالى للإمام الحسنعليه‌السلام كما نصت على ذلك آية التطهير ونصوص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقّه، ثم ما عرف عنهعليه‌السلام من أخلاق فاضلة وسجايا كريمة ليكذّب كلّ ما ينسب إليهعليه‌السلام من أمور وكلمات تتنافى مع أبسط قواعد الأدب الإسلامي الرفيع والخلق الإنساني الفاضل، ولا سيّما مع أبيه الذي يعرف هو قبل غيره قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه:"إنّه مع الحقّ، والحقّ معه، يدور معه حيث دار" (٤) ، فكيف إذا كان ذلك الذي ينسب إليه ممّا يأباه حتى الرعاع من الناس، فضلاً عن خامس أصحاب

__________

(١) أمالي المفيد : ٤٩ .

(٢) ينابيع المودة: ٤٨ وعن الأمالي للطوسي: ٥٦ .

(٣) ينابيع المودة : ٢١ .

(٤) كشف الغمة للإربلي : ١ / ١٤٣ ـ ١٤٨ .


الكساء، وأشبه الناس برسول الله خَلقاً وخُلقاً وهدياً وسلوكاً ومنطقاً ؟! .

رابعاً : هل يعقل أن يكون الإمام الحسنعليه‌السلام ـ الذي عاش في كنف جدّه النبيّ المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبيه عليّ المرتضىعليه‌السلام ، والذي كان بحراً من العلم لا ينزف، وقد أجاب منذ طفولته على الأسئلة التي أحالها إليه جدّه، ثم أبوه بعد ذلك ـ أنّه لم يكن يحسن إسباغ الوضوء ؟ .

خامساً : إذا كان عثمانياً بالمعنى الدقيق للكلمة فمعنى ذلك قبوله لجميع تصرّفات عثمان وأعماله التي خالفت كتاب الله وسنّة نبيّه، وذلك ممّا لا يحتمل في حقّهعليه‌السلام وهو الذي يذكر في تعريفه للسياسة :"أنّ من جملة مراعاة حقوق الأحياء أن تخلص لولي الأمر ما أخلص لأُمّته، وأن ترفع عقيرتك في وجهه إذا حاد عن الطريق السويّ" ، ومن الواضح أنّ عثمان وعمّاله قد كانوا من أجلى مصاديق كلمته هذه، كما قرّره أولئك الذين زعموا أنّ الإمام الحسنعليه‌السلام كان عثمانياً .

سادساً : وأمّا بخصوص الرواية التي تدّعي بأنّه أشار على أبيه بترك المدينة فلم يكن ذلك بالرأي السديد إطلاقاً، فإنّ طلحة والزبير وغيرهما من الطامعين والمستأثرين كانوا ينتظرون فرصة كهذه، ثم إنّ الناس في تلك الظروف الحرجة لم يسمحوا لعليّعليه‌السلام بترك المدينة، وهم الذين بقوا يلاحقونه أيّاماً من مكان لمكان حتى بايعوه .


الإمام الحسنعليه‌السلام في عهد الدولة العلوية

١ ـ البيعة لأمير المؤمنينعليه‌السلام بالخلافة :

لقد كان عامة المسلمين يتطلّعون بلهفة إلى من سيخلف عثمان عندما تتمخّض الأحداث عن قتله أو اعتزاله، ولقد كان الطامعون فيها أكثر من واحد، ومن بين أُولئك من عمّق مجرى الأحداث ووسّع دائرتها وأمدّ النار المتأجّجة بالوقود كطلحة والزبير وعائشة، وكان من أكثر الناس لهفة عليها طلحة، وبلغ به الحال أن سبق نتائج تلك الأحداث، وأخذ لنفسه المكان الذي قدّر أنّ الأيّام ستضعه فيه، فاستولى على بيت المال، وأقام الصلاة بالناس وعثمان محصور في داره لا يزال على قيد الحياة .

وبلا شك فإنّ الأربعة الباقين من الستّة أصحاب الشورى كانوا أوفر من سائر الناس حظّاً، وكان نصيب عليعليه‌السلام أوفر من نصيب الجميع، واليه تتّجه الجماهير في المدينة وخارجها، وحتى الثوار لم يعدلوا به أحداً، لأنّهم يعلمون بأنّه سيحقّق لهم الأهداف التي ثاروا من أجلها، ويعلمون في الوقت ذاته أنّ طلحة والزبير لم يغضبا للحقّ ولله، وأنّهما لا يختلفان عن عثمان وبطانته، وتأكّد ذلك لهم من موقفهما من عثمان خلال الأيام التي سبقت قتله .

وحدّث البلاذري في أنساب الأشراف: أنّ عليّاًعليه‌السلام لزم منزله بعد أن يئس من إصلاح الأمر بين الفريقين، فلما قتل عثمان وفرغ الناس من أمره وأدركوا أنّه لا بدّ لهم من إمام يجتمعون عليه; جاء الناس كلّهم إلى عليّ يهرعون، وهم يقولون : إنّ أميرنا عليّ بن أبي طالب، حتى دخلوا عليه الدار، وقالوا: امدُد يدك حتى نبايعك، فقال: ليس


ذلك إليكم، إنّما ذلك لأهل بدر، فمن رضي به البدريون فهو الخليفة، فلم يبق أحد من أهل بدر إلاّ أتى عليّاً فقالوا: ما نرى أحداً أحقّ بها منك يا أبا الحسن(١) .

وقال الطبري في الجزء الثالث من تأريخه : إنّ أصحاب رسول الله جاءوه بعد مقتل عثمان، فقالوا له : لا بد للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحقّ بهذا الأمر منك، فقال: لا تفعلوا فإنّي أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً، فقالوا : لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، وما زالوا به حتى قبل بيعتهم، ولكنه أبى إلاّ أن تكون في المسجد ويرضى جميع الناس(٢) .

وفي رواية ثالثة : أنّه أصرّ على رفض البيعة بالرغم من الإلحاح الشديد عليه، فتوسّلوا بالأشتر لإقناعه وكان على رأس وفد الكوفة، فقال له: أبسط يدك نبايعك، فرفضها، فألحّ عليه، وخوّفه الفتنة إن هو بقي على موقفه، وما زال به حتى أقنعه، فبايعه الوجوه، ثم انثال عليه الناس من كلّ جانب، وقام الزبير فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : أيّها الناس! إنّ الله قد رضي لكم حكم الشورى، فأذهب به الهوى، وقد تشاورنا فرضينا علياً فبايعوه(٣) .

وجاء في الإمامة والسياسة عن أبي ثور أنّه قال : لمّا كانت البيعة بعد مصرع عثمان; خرجت في أثر عليعليه‌السلام والناس حوله يبايعونه، فدخل حائطاً من حيطان بني مازن، فألجئوه إلى نخلة وحالوا بيني وبينه، فنظرت إليهم وقد أخذتْ أيدي الناس ذراعه تختلف أيديهم على يده، ثم أقبلوا به إلى المسجد الشريف، فكان أول من صعد المنبر في المسجد طلحة وبايعه بيده، وكانت أصابعه شلاّء، فتطيّر منها بعض من حضر وقال : لا يتمّ والله هذا الأمر! ثم بايعه

__________

(١) أنساب الأشراف : بيعة الإمام عليّ بن أبي طالب : ٢٠٥ ـ ٢١٩، تحقيق المحمودي .

(٢) تأريخ الطبري : ٣ / ٤٥٠، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت .

(٣) اليعقوبي : ٢ / ٧٥ .


الزبير وأصحاب النبيّ وجميع من في المدينة من المسلمين(١) .

وقد وصف هو (سلام الله عليه) موقف المسلمين منه وإصرارهم على بيعته في خطبته المعروفة بالشقشقية، حيث قال :فما راعني إلاّ والناس كعرف الضبع ينثالون عليّ من كلّ جانب مجتمعين حولي كربيضة الغنم، حتى لقد وطئ الحسنان وشُقَّ عِطفاي، فلمّا قمت بالأمر نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون، كأنّهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول : ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوَّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) .

ومضى في خطبته هذه يصف موقفه من الخلافة فقال :أما والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز .

لقد تمّت البيعة لعلىٍّعليه‌السلام بعد ما رأى أن لا مفر له منها في ذلك الجوّ المشحون بالفتن والاختلافات; وذلك بعد وفاة عثمان بثلاثة أيّام أو خمسة، وبايعه جميع المهاجرين والأنصار وغيرهم ممن وفدوا على المدينة من الأمصار الثلاثة، ولم يتخلّف عن بيعته من القرشيّين سوى أفراد قلائل، كان من بينهم مروان بن الحكم وسعد بن أبي وقّاص وعبد الله بن عمر(٢) .

وليس بغريب على مروان بن الحكم والأُمويين إذا هم تخلّفوا عن بيعة عليّ أو كرهوها، كما يبدو للمتتبّع في تاريخ البيت الأُموي مع الهاشميّين وغيرهم من أصحاب الرسالات .

وأمّا سعد بن أبي وقّاص فلقد كان يتمنّاها لنفسه، ولو وسعه العمل من

__________

(١) الفتوح : ١ ـ ٢ / ٤٣٦، الأمم والملوك : ٣ / ٤٥٦ .

(٢) راجع الكامل : ٣ / ٩٨ ـ ٩٩، واليعقوبي : ٢ / ٧٥، الفتوح : ١ ـ ٢ / ٤٣٦.


أجلها لم يقصر، ولعله قد بدأ يفكّر فيها، فقد جعله ابن الخطاب أحد من تدور الخلافة في فلكهم وأعطاه أكثر مما يستحق، ولا أظنّه قبل ذلك كان يفكّر فيها، أو يتصوّر أنّ المسلمين سيجعلونه إلى جانب عليٍّ في يوم من الأيام، ولكنّه بعد أن رأى انصراف الناس حتى عن طلحة والزبير وهما أبرز منه، ولهما مكانتهما بين صحابة الرسول في المصرين الكوفة والبصرة لم يتعرّض لها، واكتفى أن يعتزل ولا يبايع عليّاًعليه‌السلام تضامناً مع الأُمويين الذين تربطه بهم القرابة من قبل أُمّه حمئة، وكان هواه معهم، ولم يقف منهم موقفاً معادياً حتى بعد أن عزله عثمان عن الكوفة وأعطاها لأخيه الوليد(١) ، وأمير المؤمنين يعلم منه ذلك كما يعلم بموقف الأُمويين وبما سيؤول إليه أمر طلحة والزبير وأكثر القرشيّين، وقد وصف موقفهم منه بعد البيعة بقوله :"اللهم إنّي أستعديك على قريش، فإنّهم قطعوا رحمي وأكفئوا إنائي، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذابّ ولا ساعد إلا أهل بيتي" .

وقال مرة أخرى :"ما لي ولقريش ؟ والله قاتلتهم كافرين ولأُقاتلنّهم مفتونين، وإنّي لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم" (٢) .

ومهما كان الحال فلمّا دعي سعد بن أبي وقّاص إلى البيعة; تمنّع منها تضامناً مع الأُمويين، فتركه أمير المؤمنين ولم يسمح للثائرين أن يستعملوا معه العنف، ولمّا دعي إليها عبد الله بن عمر بن الخطاب وامتنع منها; طلب منه كفيلاً بأن لا يشترك مع أحد في عمل ضدّه، ولمّا امتنع عن تقديم الكفيل تركه وقال للناس:خلّوه فأنا كفيله ، ثم التفت إليه وقال :"اذهب فإنّي ما علمتك إلا سيّئ الخلق صغيراً وكبيراً" .

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ١ / ٣٨٤ عن الفتوح : ٢ / ٢٥٨ ـ ٢٥٩ .

(٢) نهج البلاغة : ٣٣٦، طبعة صبحي الصالح، رقم ٢١٧، الخطبة ٣٣ .


ولمّا تمّت البيعة; انصرف أمير المؤمنينعليه‌السلام منذ اليوم الأول يجنّد كلّ إمكانياته لإصلاح ما أفسدته بطانة عثمان في جميع شؤون الدولة، تلك البطانة التي تركت جميع الأجهزة تنخر بالفساد والانحلال، وكان يرى أنّ الواجب يدعوه لمعالجة الأهمّ فالأهمّ من المشاكل المستعجلة التي يتضجّر منها الناس، وتأتي في طليعتها مشكلة الولاة التي أثارت تلك الضجّة على الخليفة الراحل وأودت بحياته، حتى إذا فرغ منها اتّجه إلى غيرها من المشاكل التي يراها أكثر إلحاحاً وأعمّ نفعاً، ولم يكن ذلك ليمنعه من أن يبسط للناس السياسة التي سينتهجها في عهده الجديد .

وبعد أيام قلائل من خلافته وقف على المنبر ليعلن على الملأ المحتشد من حوله إلغاء بعض الأنظمة التي اتّبعها أسلافه خلال عشرين عاماً أو تزيد، وكان على ثقة بأنّ عمر بن الخطاب حينما قسّم الفيء حسب أقدار الناس وقدمهم في الإسلام قد استجاب لمصالحه الذاتّية أكثر مما استجاب لمبادئ الإسلام، وأنّ عثمان بن عفان حينما ترك أهله يعبثون به ويفسدون في الأرض قد استجاب للعنصرية الجاهلية وللروح الأُموية الحاقدة على الإسلام الذي لا يعطي أحداً على حساب أحد من الناس(١) .

٢ ـ استنجاد الإمام عليعليه‌السلام بالكوفة :

بينما كان الإمام عليعليه‌السلام يتهيّأ لمواجهة معاوية لمّا أعلن التمرّد على حكومته ورفض بيعته، وبينما هو جادّ في تدبير الأمر إذ فاجأه الخبر عن هياج بعض أهل مكة للطلب بدم عثمان بتحريض من طلحة والزبير وعائشة وأتباعهم من الأُمويين، فأشفق من انشقاق الكلمة واختلاف شمل المسلمين،

__________

(١) راجع سيرة الأئمة الاثني عشر للسيد هاشم معروف الحسني : ١ / ٣٩٠ ـ ٣٩٣ .


ورأى أنّ خطرهم أقوى من خطر معاوية، وشرّهم أقوى من شرّه، وإذا لم يبادر لإخماد هذه الفتنة فإنّها يوشك أن تتّسع ويكثر التمرّد والاختلاف، فتجهّز للتحرك نحوهم، وشمّرت لنصرته البقية الصالحة من المهاجرين والأنصار، وخرجوا مسرعين ليلحقوا بهم قبل أن يدخلوا مصراً من الأمصار فيفسدوه، فلمّا بلغوا الربذة علموا بسبقهم إلى البصرة وبالحوادث التي جرت فيها، فأقام الإمامعليه‌السلام بالربذة أيّاماً يحكّم أمره، وأرسل إلى جماهير أهل الكوفة يستنجد بهم ويدعوهم إلى نصرته والقيام معه لإخماد نار الفتنة، وأوفد لِلقياهم محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر، وزوّدهما برسالة جاء فيها :"أنّي اخترتكم على الأمصار، وفزعت إليكم لما حدث، فكونا لدين الله أعواناً وأنصاراً، وأيّدونا وانهضوا إلينا، فالإصلاح ما نريد لتعود الأُمة إخواناً، ومن أحبّ ذلك وآثره فقد أحبّ الحق، ومن أبغض ذلك فقد أبغض الحقّ وأغمضه" (١) .

وعرض الرسولان رسالة الإمام عليعليه‌السلام على أبي موسى الأشعريّ والي الكوفة، إلاّ أنّهما لم يجدا منه أيّة استجابة، وإنّما وجداه يثبّط العزائم ويمنع الناس من الاستجابة لنداء الخليفة، وبرّر عناده قائلاً : "والله إنّ بيعة عثمان لفي عنقي وعنق صاحبكما، فإن لم يكن بدّ من القتال لا نقاتل أحداً حتى يفرغ من قتلة عثمان ..."(٢) .

فأوفد الإمام عليعليه‌السلام لِلقيا الأشعري رسولاً ثالثاً هو هاشم المرقال، وزوّده برسالة جاء فيها :"أنّي وجّهت هاشماً لينهض بمن قبلك من المسلمين إليّ، فأشخص الناس، فإنّي لم أُولّك إلاّ لتكون من أعواني على الحقّ" .

إلاّ أنّ الأشعري أصرّ على تمرّده، فأرسل هاشم إلى الإمام رسالة يخبره فيها بفشله في مهمّته وإخفاقه في سفارته .

__________

(١) الطبري : ٣ / ٣٩٣ و ٣٩٤ .

(٢) الطبري : ٣ / ٣٩٣ و ٣٩٤ .


٣ ـ إيفاد الإمام الحسنعليه‌السلام :

بعد أن عرف الإمام عليّعليه‌السلام إصرار أبي موسى وعدم إفلاح الرسل معه; بعث إليه ولده الحسن ومعه عمار بن ياسر، وأرسل معه رسالة فيها عزل أبي موسى عن منصبه وتعيين قرضة بن كعب مكانه، وهذا نصّ رسالته : "أمّا بعد، فقد كنت أرى أن تعزب عن هذا الأمر الذي لم يجعل الله لك نصيباً منه، يمنعك عن ردّ أمري وقد بعثت الحسن بن عليّ وعمار بن ياسر يستفزّان الناس، وبعثت قرضة بن كعب والياً على المصر، فاعتزل عملنا مذموماً مدحوراً، فإن لم تفعل فإنّي قد أمرته أن ينابذك"(١) .

ووصل الإمام الحسنعليه‌السلام إلى الكوفة فالتأم الناس حوله زمراً، وهم يعربون له عن انقيادهم وطاعتهم، ويظهرون له الولاء والإخلاص، وأعلن الإمامعليه‌السلام عزل الوالي المتمرّد عن منصبه، وتعيين قرضة محلّه، ولكنّ أبا موسى بقي مصرّاً على موقفه، فأقبل على عمار بن ياسر يحدّثه في أمر عثمان علّه أن يجد في حديثه فرجة، فيتّهمه بدم عثمان ليتّخذ من ذلك وسيلة إلى خذلان الناس عن الإمام فقال له : "يا أبا اليقظان! أعدوت فيمن عدا على أمير المؤمنين فأحللت نفسك مع الفجار؟" فأجابه عمّار : "لم أفعل ولم تسؤني" .

وعرف الإمام الحسنعليه‌السلام غايته، فقطع حبل الجدال، وقال له : "يا أبا موسى! لِمَ تثبّط عنّا الناس؟" .

وأقبل الإمام يحدّثه برفق ولين لينزع روح الشرّ والعناد عن نفسه

__________

(١) حياة الإمام الحسن للقرشي : ١ / ٤٣٤ .


قائلاً :"يا أبا موسى! والله ما أردنا إلاّ الإصلاح، وليس مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء" .

فقال أبو موسى : صدقت بأبي أنت وأمي، ولكنّ المستشار مؤتمن .

فأجابه الإمامعليه‌السلام :"نعم" .

فقال أبو موسى : سمعت رسول الله يقول : إنّها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب، وقد جعلنا الله عَزَّ وجَلَّ إخواناً، وحرّم علينا أموالنا ودماءنا، فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ) (١) ، وقال عَزَّ وجَلَّ :( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ) (٢) .

فردّ عليه عمّار قائلاً : "أنت سمعت هذا من رسول الله؟".

قال : أبو موسى : "نعم، وهذه يدي بما قلت" .

فالتفت عمّار إلى الناس قائلاً : "إنّما عنى رسول الله بذلك أبا موسى، فهو قاعد خير من قائم"(٣) .

وخطب الإمام الحسنعليه‌السلام في الناس قائلاً :"أيّها الناس! قد كان في مسير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ورؤوس العرب، وقد كان من طلحة والزبير بعد بيعتهما وخروجهما بعائشة ما قد بلغكم، وتعلمون أنّ وهن النساء وضعف رأيهنّ إلى التلاشي، ومن أجل ذلك جعل الله الرجال قوّامين على النساء، وأيم الله لو لم ينصره منكم أحد لرجوت أن يكون فيمن أقبل معه من المهاجرين والأنصار

__________

(١) النساء (٤) : ٢٩ .

(٢) النساء (٤) : ٩٣ .

(٣) حياة الإمام الحسن للقرشي : ١ / ٤٣٤ ـ ٤٣٥ .


كفاية، فانصروا الله ينصركم" (١) .

وبقي أبو موسى مصرّاً على موقفه يثبّط العزائم، ويدعو الناس إلى القعود وعدم نصرة الإمام، فعنّفه الإمام الحسنعليه‌السلام قائلاً :"اعتزل عملنا أيّها الرجل، وتنحّ عن منبرنا لا أم لك" وقام الإمامعليه‌السلام خطيباً بالناس فقال لهم :"أيّها الناس! أجيبوا دعوة أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، فإنه سيوجد إلى هذا الأمر من ينفر إليه، والله لئن يليه أولو النهى أمثل في العاجل والآجل وخير في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم، وأنّ أمير المؤمنين يقول : قد خرجت مخرجي هذا ظالماً أو مظلوماً، وأنّي أذكر الله رجلاً رعى حقّ الله إلاّ نفر، فإن كنت مظلوماً أعانني، وإن كنت ظالماً أخذ، والله إنّ طلحة والزبير لأول من بايعني، وأوّل من غدرا، فهل استأثرت بمال أو بدّلت حكماً؟ فانفروا وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر" (٢) .

فأجابه الناس بالسمع والطاعة، ولكن مالك الأشتر رأى أنّ الأمر لا يتمّ إلاّ بإخراج أبي موسى مهان الجانب محطّم الكيان، فأقبل مع جماعة من قومه فأحاطوا بالقصر ثم أخرجوا الأشعري منه، وبعد أن استتبّ الأمر للإمام الحسنعليه‌السلام ! أقبل يتحدّث إلى الناس بالخروج للجهاد قائلاً :"أيّها الناس، إنّي غاد، فمن شاء منكم أن يخرج معي على الظهر (أي على الدوابّ)ومن شاء فليخرج في الماء" (٣) .

واستجابت الجماهير لدعوة الإمام، فلمّا رأى ذلك قيس بن سعد غمرته الأفراح، وأنشأ يقول :

جزى الله أهل الكوفة اليوم نصرة

أجابو ولم يأبوا بخذلان من خذل

وقالوا عليّ خير حاف وناعل

رضينا به من ناقضي العهد من بدل

__________

(١) و(٢) و(٣) حياة الإمام الحسن : ١ / ٤٣٦. ١ / ٤٣٧ ١ / ٤٣٨ .


هما أبرزا زوج النبي تعمداً

يسوق بها الحادي المخب على جمل(١)

وعجّت الكوفة بالنفير ونزحت منها آلاف كثيرة، وقد بدا عليهم الرضا والقبول، وساروا وهم تحت قيادة الإمام الحسنعليه‌السلام ، فانتهوا إلى ذي قار(٢) وقد التقوا بالإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام حيث كان مقيماً هناك، فسرّ بنجاح ولده، وشكر له جهوده ومساعيه .

٤ ـ التقاء الفريقين في البصرة وخطاب الإمام الحسنعليه‌السلام :

وتحرّكت كتائب الإمام من ذي قار حتى انتهت إلى الزاوية(٣) . وبعثعليه‌السلام إلى عائشة يدعوها إلى حقن الدماء وجمع كلمة المسلمين، كما بعثعليه‌السلام برسالة إلى طلحة والزبير يدعوهما إلى الوئام ونبذ الشقاق(٤) إلاّ أنّهم جميعاً لم يستجيبوا لنداء الحقّ، وأصرّوا على مقاومة الإمام ومناجزته .

وكان عبد الله بن الزبير من أشدّ المحرّضين على الفتنة وإراقة الدماء، وقد أفسد جميع الوسائل التي صنعها أمير المؤمنينعليه‌السلام لتحقيق السلم، وقد خطب في جموع البصريين ودعاهم إلى الحرب، وهذا نصّ خطابه: "أيّها الناس! إنّ علي بن أبي طالب قتل الخليفة بالحقّ عثمان، ثمّ جهّز الجيوش إليكم ليستولي عليكم، ويأخذ مدينتكم، فكونوا رجالاً تطلبون بثأر خليفتكم، واحفظوا حريمكم، وقاتلوا عن نسائكم وذراريكم وأحسابكم وأنسابكم، أترضون لأهل الكوفة أن يردوا بلادكم؟ إغضبوا فقد غوضبتم، وقاتلوا فقد قوتلتم، ألا وإنّ عليّاً لا يرى معه في هذا الأمر أحداً سواه، والله لئن ظفر بكم

__________

(١) الغدير : ٢ / ٧٦ .

(٢) ذي قار : ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة يقع بينها وبين واسط معجم البلدان : ٧ / ٨ .

(٣) الزاوية: موضع قريب من البصرة معجم البلدان : ٤ / ٣٧ .

(٤) حياة الإمام الحسن للقرشي : ١ / ٤٤٢ ـ ٤٤٣ .


ليهلكنّ دينكم ودنياكم"(١) .

وبلغ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام خطاب ابن الزبير، فأوعز إلى ولده الإمام الحسنعليه‌السلام بالردّ عليه، فقام خطيباً، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال : "قد بلغتنا مقالة ابن الزبير في أبي وقوله فيه : إنّه قتل عثمان، وأنتم يا معشر المهاجرين والأنصار وغيرهم من المسلمين، علمتم بقول الزبير في عثمان، وما كان اسمه عنده، وما كان يتجنّى عليه، وأنّ طلحة يومذاك ركز رايته على بيت ماله وهو حيّ، فأنّى لهم أن يرموا أبي بقتله وينطقوا بذمّه؟! ولو شئنا القول فيهم لقلنا.

وأمّا قوله : إنّ علياً ابتزّ الناس أمرهم، فإنّ أعظم حجّة لأبيه زعم أنّه بايعه بيده ولم يبايعه بقلبه، فقد أقرّ بالبيعة وادّعى الوليجة، فليأت على ما ادّعاه ببرهان وأنّى له ذلك؟ وأمّا تعجّبه من تورّد أهل الكوفة على أهل البصرة فما عجبه من أهل حقٍّ تورّدوا على أهل باطل! أمّا أنصار عثمان فليس لنا معهم حرب ولا قتال، ولكنّنا نحارب راكبة الجمل وأتباعها" .

٥ ـ الإمام عليعليه‌السلام في الكوفة بعد حرب الجمل :

بعد أن وضعت حرب الجمل أوزارها توقَّف الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام شهراً في البصرة، ثم غادرها متوجّهاً إلى الكوفة، مخلّفاً عبد الله بن عباس عليها، وقد مكث أمير المؤمنينعليه‌السلام عدّة أشهر في الكوفة قبل أن يتحرك نحو صفّين لقتال القاسطين (أي معاوية وأنصاره)، وقد قام خلال هذه الفترة بتعيين وظائف ولاته وتنظيم الأمور، كما وتبادل الرسائل مع معاوية وغيره من المتمرّدين على خلافتهعليه‌السلام .

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ١ / ٤٤٤ .


٦ ـ خطاب الإمام الحسنعليه‌السلام :

نقل العلاّمة المجلسي (رضوان الله تعالى عليه) عن كتاب "العدد" روايةً أشارت إلى أنّ بعض أهل الكوفة اتّهموا الإمام الحسنعليه‌السلام بضعف الحجّة والعجز عن الخطابة، ولعلّ هذه الرواية متعلّقة بهذه الفترة(١) .

وعندما سمع أمير المؤمنينعليه‌السلام بتلك الاتهامات دعا ولده الإمام الحسنعليه‌السلام ليلقي في أهل الكوفة خطاباً، يفنّد فيه تلك المزاعم، وقد استجابعليه‌السلام لدعوة أبيهعليه‌السلام ، وألقى في حشود من الكوفيين خطاباً بليغاً، جاء فيه : "أيّها الناس! أعقلوا عن ربّكم، إنّ الله عَزَّ وجَلَّ اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرّيّةً بعضها من بعض والله سميع عليم، فنحن الذرّيّة من آدم والأسرة من نوح، والصفوة من إبراهيم، والسلالة من إسماعيل، وآل من محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نحن فيكم كالسماء المرفوعة، والأرض المدحوّة، والشمس الضاحية، وكالشجرة الزيتونة، لا شرقية ولا غربية، التي بورك زيتها، النبيّ أصلها، وعليّ فرعها، ونحن والله ثمرة تلك الشجرة، فمن تعلّق بغصن من أغصانها نجا، ومن تخلّف عنها فإلى النار هوى ..." .

وبعد أن انتهى الحسنعليه‌السلام من خطبته صعد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام المنبر وقال : "يا بن رسول الله! أثبَتَّ على القوم حجّتَك، وأوجبْتَ عليهم طاعتك، فويلٌ لمن خالفك"(٢) .

__________

(١) زندگانى إمام حسن مجتبى، للسيد هاشم رسولي : ١٣٨ .

(٢) بحار الأنوار : ٤٣ / ٣٥٨ .


٧ ـ تهيّؤ الإمام عليعليه‌السلام لجهاد معاوية :

لمّا أخفقت جميع الوسائل التي سلكها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام من أجل السلم بعد إصرار معاوية على محاربة السلطة الشرعية والإطاحة بالخلافة الإسلامية وإعادة المثل الجاهلية وزحفه بجيشه إلى صفين واحتلال الفرات، تهيّأعليه‌السلام للحرب وقد استدعى المهاجرين والأنصار الذين خفّوا لنجدته، فقال لهم : "إنّكم ميامين الرأي، مراجيح الحلم، مقاويل بالحقّ، مباركو الفعل والأمر، وقد أردنا المسير إلى عدوّنا فأشيروا علينا برأيكم" .

فانطلق عدد من كبار الشخصيات الإسلامية من أمثال: عمّار بن ياسر وسهل بن حنيف ومالك الأشتر وقيس بن سعد وعدي بن حاتم وهاشم بن عتبة، ليعربوا عن دعمهم لقرار الإمامعليه‌السلام في السير إلى العدوّ ومواجهته(١) .

وكان قد خطب الإمام الحسنعليه‌السلام خطاباً هامّاً وقتذاك قال فيه : "الحمد لله لا إله غيره، وحده لا شريك له، وأُثني عليه بما هو أهله، إنّ ممّا عظّم الله عليكم من حقّه وأسبغ عليكم من نعمه ما لا يحصى ذكره، ولا يؤدّى شكره، ولا يبلغه صفة ولا قول، ونحن إنّما غضبنا لله ولكم، فإنّه منّ علينا بما هو أهله أن نشكر فيه آلاءه وبلاءه ونعماءه قولاً يصعد إلى الله فيه الرضا، وتنتشر فيه عارفة الصدق، يصدق الله فيه قولنا، ونستوجب فيه المزيد من ربّنا، قولاً يزيد ولا يبيد، فإنّه لم يجتمع قوم قطّ على أمر واحد إلاّ اشتد أمرهم، واستحكمت عقدتهم، فاحتشدوا في قتال عدوّكم معاوية وجنوده، فإنّه قد حضر، ولا تخاذلوا فإنّ الخذلان يقطع نياط القلب، وإنّ الإقدام على الأسنّة نجدة وعصمة لأنّه لم يمتنع(٢) قوم قطّ إلاّ رفع الله عنهم العلّة، وكفاهم جوائح(٣) الذلّة، وهداهم معالم الملّة.

__________

(١) زندگانى أمير المؤمنين : ٢ / ٥٢ ـ ٥٧ فقد نقل كلمات التأييد التي ألقيت آنذاك .

(٢) الامتناع : العزّة والقوة .

(٣) الجوائح : جمع، مفردها جائحة وهي الدواهي والشدائد .


ثم أنشد:

والصلح تأخذ منه ما رضيت به

والحرب يكفيك من أنفساها جرع(١)

لقد حفل خطابه البليغ بالدعوة إلى الوحدة والتعاون لمحاربة الطغاة البغاة، واستجاب الناس لدعوته فاسرعوا لنصرة الحق والدفاع عن الدين الحنيف.

٨ ـ في معركة صفّين :

احتشد الجيشان في صفيّن، وبَذَلَ الإمام عليعليه‌السلام العديد من المساعي لتفادي وقوع الحرب مع معاوية، إلاّ أنّها لم تفلح، ممّا اضطرّ الإمام عليّاًعليه‌السلام لخوض غمار حرب استمرت عدة أشهر، وراح خلالها ـ ضحيةً لسلطوية معاوية ـ الآلاف من المسلمين والمؤمنين .

وكان للإمام الحسنعليه‌السلام دور بارز في حرب صفّين، فقد نقل المؤرّخون: أنّ الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام عندما نظّم صفوف جيشه جعل الميمنة بقيادة الإمام الحسنعليه‌السلام وأخيه الإمام الحسينعليه‌السلام وعبد الله بن جعفر ومسلم بن عقيل(٢) ، وفي هذه الأثناء أراد معاوية أن يجسّ نبض الإمام الحسنعليه‌السلام فبعث إليه عبيد الله بن عمر يمنّيه بالخلافة ويخدعه حتى يترك أباهعليه‌السلام فانطلق عبيد الله، فقال له : لي إليك حاجة .

فقال لهعليه‌السلام : نعم، ما تريد؟

فقال له عبيد الله : "إنّ أباك قد وتر قريشاً أولاً وآخراً، وقد شنؤوه فهل

__________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١ / ٢٨٣ .

(٢) مناقب ابن شهرآشوب : ٣ / ١٦٨ .


لك أن تخلفه ونولّيك هذا الأمر؟"(١) .

فأجابه الإمام الحسنعليه‌السلام بكلّ حزم : "كلا والله لا يكون ذلك"(٢) ، ثم أردف قائلاً : "لكأنّي أنظر إليك مقتولاً في يومك أو غدك، أما إنّ الشيطان قد زيّن لك وخدعك حتى أخرجك مخلقاً بالخلوق(٣) وترى نساء أهل الشام موقفك، وسيصرعك الله ويبطحك لوجهك قتيلاً"(٤) .

ورجع عبيد الله إلى معاوية وهو خائب حسير قد أخفق في مهمته، وأخبره بحديث الإمامعليه‌السلام فقال معاوية : "إنّه ابن أبيه"(٥) .

وخرج عبيد الله في ذلك اليوم إلى ساحة الحرب يقاتل مع معاوية، فلقي حتفه سريعاً على يد رجل من قبيلة همدان، واجتاز الإمام الحسنعليه‌السلام في ساحة المعركة، فرأى رجلاً قد توسّد رجلاً قتيلاً وقد ركز رمحه في عينه وربط فرسه في رجله، فقال الإمامعليه‌السلام لمن حوله : اُنظروا من هذا؟ فأخبروه أن الرجل من همدان وأنّ القتيل عبيد الله بن عمر(٦) .

ومن الواضح أنّ هذا الحادث من كرامات الإمام الحسنعليه‌السلام حيث أخبر عن مصير عبيد الله قبل وقوعه، وأنبأه بنهايته الذليلة، وقد تحقّق ذلك بهذه السرعة .

٩ ـ أملكوا عنّي هذا الغلام :

لم تكن المواجهة في صفّين على وتيرة واحدة، فكانت تارةً على شكل

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ١ / ٤٩٢ .

(٢) المصدر السابق : ٤٩٢ ـ ٤٩٣ .

(٣) الخلوق : الطيب .

(٤) و(٥) و(٦) المصدر السابق : ١ / ٤٩٢ ـ ٤٩٣.


مناوشات بين الفريقين، وتارة أخرى كانت بصورة التحام كامل بين الجيشين، وأول مواجهة حيث اتّخذت شكل الالتحام العام رأى الإمام عليعليه‌السلام ابنه الإمام الحسنعليه‌السلام يستعدّ ليحمل على صفوف أهل الشام، فقال لمن حوله : "أملكوا عنّي هذا الغلام لا يهدّني(١) فإنّني أنفس(٢) بهذين الغلامين ـ يعني الحسن والحسين ـ لئلاّ ينقطع بهما نسل رسول الله"(٣) .

١٠ ـ الإمام الحسنعليه‌السلام والتحكيم :

بعد أن مضت عدّة أشهر على المواجهة بين جيش الإمام عليعليه‌السلام وجيش معاوية، وبعد الخسائر الكبيرة التي لحقت بالجانبين، أوشك جيش الحقّ بقيادة أمير المؤمنينعليه‌السلام على تحقيق النصر ووضع حدٍّ لهذا النزف الذي أوجده معاوية في جسم الأمة الإسلامية، إلاّ أنّ عمرو بن العاص أنقذ جيش معاوية من الهزيمة المؤكدة، عندما دعا هذا الجيش إلى رفع المصاحف على الرماح والمطالبة بتحكيم القرآن بين الجانبين .

واضطرّ الإمام عليعليه‌السلام لقبول التحكيم بعد أن مارس جمع من المقاتلة ضغوطاً كبيرة عليه، فقد انطلت عليهم خدعة ابن العاص بسبب جهلهم، كما وظّف المنافقون والانتهازيون القضية لتدعيم ضغوط الجهلة على الإمام المظلومعليه‌السلام .

وبعد أن انخدع أبو موسى الأشعري ـ ممثّل العراقيّين ـ بحيلة عمرو بن العاص ـ ممثّل الشاميين ـ في قضيّة التحكيم; التفت الذين فرضوا التحكيم

__________

(١) يهدّني : أي يهلكني .

(٢) أنفس : أبخل .

(٣) حياة الإمام الحسن : ١ / ٤٩٧ .


على الإمامعليه‌السلام إلى الخطأ الجسيم الذي وقعوا فيه، فتوجّهوا إلى الإمام عليعليه‌السلام يطلبون منه أن ينقض تعهداته التي أمضاها استجابة لضغوطهم، وأن يستأنف الحرب مع معاوية، وفوق ذلك كلّه اعتبروا أنّ الإمامعليه‌السلام أخطأ بقبوله التحكيم، فرفعوا شعار "لا حكم إلاّ لله"، الأمر الذي بات ينذر باضطراب آخر وفاجعة جديدة في أوساط جيش الإمام عليعليه‌السلام .

ومن هنا رأى الإمامعليه‌السلام ضرورة الحيلولة دون وقوع الفاجعة، وذلك بأن يدعو شخصاً يتمتّع بثقة الجميع واحترامهم ليلقي فيهم خطاباً يتضمّن إبطالاً لحكم أبي موسى الأشعري بالدليل والبرهان، ويبيّن لهم مشروعية القبول بأصل التحكيم، فاختار الإمامعليه‌السلام ابنه الإمام الحسنعليه‌السلام فقال له :قم يا بنيّ، فَقُل في هذين الرجلين عبد الله بن قيس (يعني: أبو موسى الأشعري) وعمرو بن العاص ، فقام الإمام الحسن عليه‌السلام فاعتلى أعواد المنبر، وهو يقول : "أيّها الناس! قد أكثرتم في هذين الرجلين، وإنّما بعثا ليحكما بالكتاب على الهوى، فحكما بالهوى على الكتاب، ومن كان هكذا لم يسمّ حكماً ولكنّه محكوم عليه، وقد أخطأ عبد الله ابن قيس إذ جعلها لعبدالله بن عمر فأخطأ في ثلاث خصال: واحدة أنّه خالف أباه إذ لم يرضه لها ولا جعله من أهل الشورى، وأخرى أنّه لم يستأمره في نفسه (١) ، وثالثها أنّه لم يجتمع عليه المهاجرون والأنصار الذين يعقدون الإمارة ويحكمون بها على الناس .

وأمّا الحكومة فقد حكّم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سعد بن معاذ في بني قريضة فحكم بما يرضى الله به، ولا شك لو خالف لم يرضه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " (٢) .

لقد عرض الإمام الحسنعليه‌السلام في خطابه الرائع أهم النقاط الحسّاسة التي

__________

(١) وفي رواية ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : ١ / ١٤٤ "أنه لم يستأمر الرجل في نفسه ولا علم ما عنده من رد أو قبول".

(٢) حياة الإمام الحسن : ١ / ٥٣٠ ـ ٥٣٢ .


هي محور النزاع ومصدر الفتنة، فأبانعليه‌السلام أنّ المختار للتحكيم إنّما يتبع قوله، ويكون رأيه فيصلاً للخصومة فيما إذا حكم بالحقّ، ولم يخضع للنزعات والأهواء الفاسدة، وأبو موسى لم يكن في تحكيمه خاضعاً للحقّ، وإنّما اتّبع هواه فرشّح عبد الله بن عمر للخلافة، مع أنّ أباه كان لا يراه أهلاً لها، مضافاً إلى أنّ الشرط الأساسي في الانتخاب اجتماع المهاجرين والأنصار على اختياره ولم يحصل ذلك له، كما أعربعليه‌السلام في خطابه عن مشروعية التحكيم بالأمر الذي أنكرته الخوارج، مستدلاً عليه بتحكيم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لسعد بن معاذ في بني قريضة .

١١ ـ وصية الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى ابنه الحسنعليه‌السلام :

ووجّه الإمام لدى عودته من صفّين بمنطقة يقال لها: "حاضرين" وصيةً مهمّة إلى ابنه الحسنعليه‌السلام وقد تضمّنت دروساً بليغة :

"من الوالد الفان، المقرّ للزمان(١) ، المدبر العمر، المستسلم للدنيا، الساكن مساكن الموتى، والظاعن(٢) عنها غداً، إلى المولود المؤمّل ما لا يُدرك، السالك سبيل من قد هلك، غرض الأسقام(٣) ، ورهينة(٤) الأيام، ورميّة(٥) المصائب .

أمّا بعد: فإن فيما تبيّنت من إدبار الدنيا عنّي، وجموح الدهر(٦) عليّ، وإقبال الآخرة

__________

(١) المقر للزمان : المعترف له بالشدة .

(٢) الراحل .

(٣) غرض الأسقام : هدف الأمراض ترمي إليه سهامها .

(٤) الرهينة : المرهونة .

(٥) ما أصاب السهم .

(٦) جموح الدهر : استقصاؤه وتغلّبه .


إليّ، ما يَزَعُني(١) عن ذكر مَن سواي، والاهتمام بما ورائي(٢) ، غير أني حيث تفرّد بي دون هموم الناس همّ نفسي، فصدفني(٣) رأيي، وصرفني عن هواي، وصرّح لي محض أمري(٤) ، فأفضى بي إلى جِدّ لا يكون فيه لَعِب، وصِدق لا يشوبه كَذِب ووجدتُك بعضي، بل وجدتك كلّي، حتى كأنَّ شيئاً لو أصابك أصابني، وكأنَّ الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي، فكتبت إليك كتابي مستظهراً به(٥) إن أنا بقيتُ لك أو فنيتُ .

فإني أوصيك بتقوى الله ـ أي بُني ـ ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله وأيُّ سبب أوثق من سبب بينك وبين الله إن أنت أخذت به؟

أحي قلبك بالموعظة، وأمِته بالزهادة، وقوّه باليقين، ونوّره بالحكمة، وذلّله بذكر الموت، وقرّره بالفناء(٦) وبصّره فجائع الدنيا وحذّره صولة الدهر وفحش تقلّب الليالي والأيام، وأعرض عليه أخبار الماضين، وذكّره بما أصاب مَن كان قبلك من الأوّلين، وسر في ديارهم وآثارهم، فانظر فيما فعلوا وعمّا انتقلوا، وأين حَلّوا ونزلوا، فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة، وحلّوا ديار الغربة، وكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم فأصِلحْ مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، ودع القول فيما لا تعرف، والخطاب فيما لم تُكلّف .

وخُضِ الغمرات(٧) للحقّ حيث كان، وتفقّه في الدّين، وعوّد نفسك التصبّر على المكروه، ونِعْمَ الخُلُق التصبر في الحق، وألجئ نفسك في أمورك كلّها إلى إلهك، فإنّك تلجئها إلى كهف(٨) حريز(٩) ، ومانع عزيز .

__________

(١) يزعني: يكفّني ويصدني.

(٢) ما ورائي: كناية عن أمر الآخرة.

(٣) صدفه: صرفه.

(٤)محض الأمر: خالصه.

(٥) مستظهراً به: مستعيناً به.

(٦) قرره بالفناء: اطلب منه بالإقرار بالفناء.

(٧) الغمرات : الشدائد .

(٨) الكهف : الملجأ .

(٩) حريز : الحافظ .


فتفّهم يا بُنيّ وصيّتي، واعلم أنّ مالك الموت هو مالك الحياة، وأنّ الخالق هو المميت، وأنّ المفني هو المعيد، وأنّ المبتلي هو المُعافي، وأنّ الدنيا لم تكن لتستقرّ إلاّ على ما جعلها الله عليه من النعماء والابتلاء والجزاء في المعاد، أو ما شاء ممّا لا تعلم فاعتصم بالذي خلقك ورزقك وسوّاك، وليكن له تعبّدك، وإليه رغبتك، ومنه شفقتك(١) .

واعلم يا بُني أنّ أحداً لم ينبئ عن الله سبحانه كما أنبأ عنه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فارضَ به رائداً، والى النجاة قائداً، فإنّي لم آلُك(٢) نصيحة فإنّك لن تبلغ في النظر لنفسك ـ وإن اجتهدت ـ مبلغ نظري لك .

واعلم يا بني أنّه لو كان لربّك شريك لأَتَتْكَ رُسلُه، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته، ولكنّه إله واحد كما وصف نفسه، لا يضادّه في ملكه أحد، ولا يزول أبداً ولم يزل أوّلٌ قبل الأشياء بلا أوّليّة، وآخر بعد الأشياء بلا نهاية، عَظُمَ عن أن تثبت ربوبيّته بإحاطة قلب أو بصر، فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله في صِغَر خَطَره(٣) وقلّة مقدرته وكثرة عجزه، وعظيم حاجته إلى ربّه، في طلب طاعته، والخشية من عقوبته، والشفقة من سخطه، فإنّه لم يأمرك إلاّ بحسن ولم ينهك إلاّ عن قبيح .

... يا بني اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تَظلم كما لا تُحبّ أن تُظلم، وأحسن كما تحبّ أن يُحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك ولا تقل ما لا تعلم وإن قلّ ما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك .

واعلم أنّ الإعجاب(٤) ضد الصواب، وآفة الألباب(٥) ، فاسعَ في

__________

(١) شفقتك : خوفك .

(٢) لم آلك النصيحة : أي لم أقصّر في نصيحتك .

(٣) خطره : أي قدره .

(٤) استحسان ما يصدر عن النفس مطلقاً .

(٥) آفة : علّة .


كدحك(١) ولا تكن خازناً لغيرك(٢) ، وإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربّك .

واعلم أنّ الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء، وتكفّل لك بالإجابة، وأمرك أن تسأله ليعطيك، وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته، فمتى استفتحت بالدعاء أبواب نعمته، واستمطرت شآبيب(٣) رحمته، فلا يُقنّطك(٤) إبطاء إجابته، فإنّ العطيّة على قدر النيّة، وربّما أُخّرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل، وأجزل لعطاء الآمل، وربّما سألت الشيء فلا تؤتاه، وأوتيت خيراً منه عاجلاً أو آجلاً، أو صُرف عنك لما هو خيرٌ لك، فلرُبّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أُوتيته فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله، ويُنفى عنك وباله، فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له .

يا بُني! أكثِر من ذكر الموت، وذكر ما تهجُم عليه، وتُفضي بعد الموت إليه حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك(٥) وشددت له أزرك، ولا يأتيك بغتة فيبهرك(٦) ، وإيّاك أن تغترّ بما ترى من إخلاد(٧) أهل الدنيا إليها، وتكالبهم(٨) عليها، فقد نبأك الله عنها، ونَعَتْ(٩) هي لك عن نفسها، وتكشّفتْ لك عن مساويها، فإنّما أهلها كلاب عاوية، وسباع ضارية(١٠) ،

__________

(١) الكدح : أشد السعي .

(٢) خازناً لغيرك : تجمع المال ليأخذه الوارثون بعدك .

(٣) شآبيب : جمع الشؤبوب ـ بالضم ـ وهو الدفعة من المطر، وما أشبه رحمة الله بالمطر ينزل على الأرض الموات فيحييها.

(٤) القنوط : اليأس .

(٥) الحِذر ـ بالكسر ـ: الاحتراز والاحتراس .

(٦) بهر ـ كمنع ـ : غلب، أي يغلبك على أمرك .

(٧) إخلاد أهل الدنيا : سكونهم إليها .

(٨) التكالب : التواثب .

(٩) نعاه : أخبر بموته والدنيا بحالها عن فنائها .

(١٠) ضارية : مولعة بالافتراس .


يهرّ(١) بعضها على بعض، ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها .

واعلم يقيناً أنّك لن تبلغ أملك، ولن تعدو أجلك، وأنّك في سبيل من كان قبلك، فخفّض(٢) في الطلب، وأجمل(٣) في المكتسب، فإنّه رُبَّ طلب قد جرّ إلى حَرَب(٤) فليس كل طالب بمرزوق، ولا كل مجمل بمحروم وأكرم نفسك عن كل دنيّة(٥) وإن ساقتك إلى الرغائب(٦) ، فإنّك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضاً(٧) .

ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً، وما خيرُ خير لا يُنال إلاّ بشرّ ويسر(٨) لا يُنال إلاّ بعسر؟(٩) .

وإيّاك أن تُوجف(١٠) بك مطايا(١١) الطمع، فتوردك مناهل(١٢) الهلكة(١٣) ، وإن استطعت ألاّ يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، فإنّك مدركٌ قَسْمَكَ، وآخذ سهمك، وإنّ اليسير من الله سبحانه أعظم وأكرم من الكثير من خَلْقِه وإن كان كلّ منه .

ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك، ولا ترغبنّ فيمن زهد عنك، ولا يكوننّ أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته، ولا تكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا

__________

(١) يهرّ ـ بكسر الهاء ـ: يعوي وينبح وأصلها هرير الكلب وهو صوته دون حاجة من قلة صبره على البرد فقد شبه الإمام أهل الدنيا بالكلاب العاوية .

(٢) خفّض : أمر من خفّض ـ بالتشديد ـ: أي أرفق .

(٣) أجمل في كسبه : أي سعى سعياً جميلاً لا يحرص فيمنع الحق ولا يطمع فيتناول ما ليس بحق .

(٤) حَرَب ـ بالتحريك ـ: سلب المال .

(٥) الدنيّة : الشيء الحقير المبتذل .

(٦) الرغائب : جمع رغيبة، وهي ما يرغب في اقتنائه من مال وغيره .

(٧) عِوضاً : بدلاً .

(٨) اليُسر : السهولة، والمراد سعة العيش .

(٩) العُسر : الصعوبة، والمراد ضيق العيش .

(١٠) توجف: تسرع .

(١١) المطايا : جمع مطية، وهي ما يركب ويمتطى من الدواب ونحوها .

(١٢) المناهل : ما ترده الإبل ونحوها للشرب .

(١٣) الهلكة : الهلاك والموت .


يَكبُرنَّ عليك ظلم من ظلمك، فإنّه يسعى في مضرته ونفعك، وليس جزاء من سرّك أن تسوءه.

واعلم يا بُنيّ! أنّ الرزق رزقان : رزق تطلبه ورزق يطلبك، فإنّ أنت لم تأته أتاك ما أقبح الخضوع عند الحاجة، والجفاء عند الغنى! إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك(١) وإن كنت جازعاً على ما تفلّت(٢) من يديك، فاجزع على كلّ ما لم يصل إليك، استدل على ما لم يكن بما قد كان، فإنّ الأمور أشباه، ولا تكوننّ ممن لا تنفعه العِظَة إلاّ إذا بالغت في إيلامه، فإنّ العاقل يتّعظ بالآداب، والبهائم لا تتّعظ الاّ بالضرب .

استَودِعِ الله دينك ودُنياك، واسألهُ خير القضاء لكَ في العاجلة والآجلة والدنيا والآخرة، والسلام).

١٢ ـ النهروان ومؤامرة قتل أمير المؤمنينعليه‌السلام :

أدّى نفاق وتمرّد بعض الجهلاء والمتظاهرين بالتديّن إلى أن تتمرّد مجموعة كبيرة من جيش أمير المؤمنينعليه‌السلام فترفض الانصياع لأوامره، بل ذهب هؤلاء المارقون إلى أبعد من ذلك عندما أصدروا حكماً بتكفير الإمامعليه‌السلام .

وبعد الجرائم التي ارتكبها المارقون في العراق; اتّخذوا "النهروان" قاعدة لتمرّدهم، فاضطرّ الإمامعليه‌السلام إلى التوجه نحوهم، وبعد أن تفاوض معهم وأتمّ الحجة عليهم; أعلن الحرب على من أصرّ منهم على انحرافه وعناده وكفره، فقضى عليهم كافة باستثناء أشخاص معدودين، وكان بين الأشخاص المعدودين الذين فرّوا في واقعة النهروان عبد الرحمن بن ملجم المرادي الذي

__________

(١) مثواك : مُقامك، من ثوى يثوي : أقام يقيم، والمراد هنا منزلتك من الكرامة .

(٢) تفلّت ـ بتشديد اللام ـ : أي تملّص من اليد فلم تحفظه .


كان يختزن في قلبه حقداً أعمى على الإمام المظلوم، فخطّط سرّاً للتآمر على حياة أمير المؤمنينعليه‌السلام وفي نهاية المطاف وبعد أن نسّق عمله مع عدد من الخوارج والمنافقين من أهل الكوفة; استطاع في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان المبارك في عام (٤٠) للهجرة أن يغتال الإمام عليّاًعليه‌السلام وهو في محراب العبادة وفي بيت الله ـ مسجد الكوفة ـ لينطلق في الآفاق نداؤه الخالد : "فزت وربِّ الكعبة".

١٣ ـ في ليلة استشهاد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام :

لما عزم الإمام عليعليه‌السلام على الخروج من بيته ـ قبل أن تشرق أنوار الفجر ـ إلى مناجاة الله وعبادته في مسجد الكوفة صاحت في وجهه إوز كانت قد أُهدِيَتْ إلى الحسن، فتنبّأعليه‌السلام من صياحهنّ وقوع الحادث العظيم والرزء القاصم، قائلاً :"لا حول ولا قوّة إلا بالله، صوائح تتبعها نوائح" .

وأقبل الإمام على فتح الباب فعسر عليه فتحها وكانت من جذوع النخل فاقتلعها فانحلّ إزاره فشدّه وهو يقول :

أُشدد حيازيمك للموت

فإن الموت لاقيكا

ولا تجزع من الموت

إذا حلّ بواديكا

واضطرب الإمام الحسنعليه‌السلام من خروج أبيه في هذا الوقت الباكر فقال له:"ما أخرجك في هذا الوقت؟" .

فأجابهعليه‌السلام :"رؤيا رأيتها في هذه الليلة أهالتني" .

فقال له الإمام الحسنعليه‌السلام :"خيراً رأيت، وخيراً يكون، قصّها عليّ" . فأجابه الإمام عليعليه‌السلام :"رأيت جبرئيل قد نزل من السماء على جبل أبي قبيس، فتناول منه حجرين، ومضى بهما إلى الكعبة، فضرب أحدهما بالآخر فصارا كالرميم، فما بقي بمكة ولا بالمدينة بيت إلا ودخله من ذلك الرماد شيء" .

فسألهعليه‌السلام :"ما تأويل هذه الرؤيا؟ ".

فقالعليه‌السلام :"إن صدقت رؤياي، فإن أباك مقتول، ولا يبقى بمكة ولا بالمدينة إلاّ دخله الهمّ والحزن من أجلي" .


فالتاع الحسن وذهل وانبرى قائلاً بصوت خافت حزين النبرات :"متى يكون ذلك؟" .

قال الإمامعليه‌السلام :"إن الله تعالى يقول: ( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ) (١) ولكن عهدهُ إليّ حبيبي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه يكون في العشر الأواخر من شهر رمضان، يقتلني عبد الرحمن بن ملجم" .

فقال الإمام الحسنعليه‌السلام :"إذا علمت ذلك فاقتله" .

فقال الإمام عليعليه‌السلام :"لا يجوز القصاص قبل الجناية والجناية لم تحصل منه" .

وأقسم الإمام على ولده الحسن أن يرجع إلى فراشه، فلم يجد الحسن بدّاً من الامتثال(٢) .

١٤ ـ الإمام الحسنعليه‌السلام بجوار والدهعليه‌السلام الجريح :

وصل أمير المؤمنينعليه‌السلام مسجد الكوفة ووقعت تلك الفاجعة العظمى على يد أشقى الأشقياء، وسمع أهل الكوفة بالفاجعة، فهرعوا إلى المسجد وخفّ أبناء الإمامعليه‌السلام مسرعين، وكان الإمام الحسنعليه‌السلام في مقدمة الذين وصلوا المسجد فوجد أباهعليه‌السلام صريعاً في محرابه وقد تخضّب وجهه ولحيته بدمه، وجماعة حافّين به يعالجونه للصلاة، ولمّا وقع نظره على ولده

__________

(١) لقمان (٣١) : ٣٤ .

(٢) حياة الإمام الحسن : ١ / ٥٥٧ ـ ٥٥٨ .


الحسنعليه‌السلام ; أمره أن يصلّي بالناس، وصلّى الإمام وهو جالس والدم ينزف منه.

ولمّا فرغ الحسنعليه‌السلام من صلاته; أخذ رأس أبيه فوضعه في حجره، وسأله :من فعل بك هذا؟ فأجابه قائلاً :عبد الرحمن بن ملجم ، فقال الإمام الحسنعليه‌السلام :من أيِّ طريق مضى؟ فقال الإمام عليّعليه‌السلام :لا يمض أحد في طلبه إنّه سيطلع عليكم من هذا الباب ، وأشار إلى باب كندة، وما هي إلاّ فترة قصيرة وإذا بالناس يدخلون ابن ملجم من الباب نفسها، وقد جيء به مكتوفاً مكشوف الرأس، فأوقف بين يدي الإمام الحسنعليه‌السلام فقال له :يا ملعون! قتلت أمير المؤمنين وإمام المسلمين؟ هذا جزاؤه حين آواك وقرّبك حتى تجازيه بهذا الجزاء؟

وفتح أمير المؤمنينعليه‌السلام عينيه وقال له بصوت خافت :"لقد جئت شيئاً إدّاً وأمراً عظيماً، ألم أشفق عليك وأقدمك على غيرك في العطاء؟ فلماذا تجازيني بهذا الجزاء؟" .

وقال لولده الحسنعليه‌السلام يوصيه ببرّه والإحسان إليه :"يا بني! أرفق بأسيرك وارحمه وأشفق عليه" .

فقال الإمام الحسنعليه‌السلام :"يا أبتاه، قتلك هذا اللعين وفجعنا بك، وأنت تأمرنا بالرفق به" .

فأجابه أمير المؤمنين :"يا بني نحن أهل بيت الرحمة والمغفرة، أطعمه مما تأكل، واسقه مما تشرب، فإن أنا متّ فاقتص منه بأن تقتله، ولا تمثّل بالرجل فإنّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور، وإن أنا عشت فأنا أعلم ما أفعل


به، وأنا أولى بالعفو، فنحن أهل البيت لا نزداد على المذنب إلينا إلاّ عفواً وكرماً" (١) .

ونظر الحسن إلى أبيه وقد حرق الهمّ والجزع قلبه فقال له :" يا أبه ، من لنا بعدك ؟ إنّ مصابنا بك مثل مصابنا برسول الله " فضمّه الإمام وقال: مهدّئاً روعه :"يا بني! أسكن الله قلبك بالصبر، وعظّم أجرك، وأجر إخوتك بقدر مصابكم بي" .

وجمع الحسن لجنة من الأطباء لمعالجته وكان أبصرهم بالطبّ أثير بن عمرو السكوني(٢) فاستدعى برئة شاة حارة فتتبع عِرقاً منها فاستخرجه فأدخله في جرح الإمام ثم نفخ العِرق فاستخرجه فإذا هو مكلّل ببياض الدماغ، لأنّ الضربة قد وصلت إلى دماغه الشريف فارتبك أثير والتفت إلى الإمام ـ واليأس في صوته ـ قائلاً :" يا أمير المؤمنين! اعهد عهدك، فإنّك ميت " (٣) فالتفت الحسن إلى أبيه ودموعه تتبلور على وجهه، وشظايا قلبه يلفظها بنبرات صوته قائلاً :" أبه! كسرت ظهري، كيف أستطيع أن أراك بهذه الحالة ؟ " وبصر الإمام فرأى الأسى قد استوعب نفسه، فقال له برفق :" يا بني! لا غمّ على أبيك بعد هذا اليوم ولا جزع، اليوم ألقى جدّك محمد المصطفى، وجدّتك خديجة الكبرى، وأُمك الزهراء، وإنّ الحور العين ينتظرن أباك، ويترقّبن قدومه ساعةً بعد ساعة، فلا بأس عليك، يا بني لا تبك " .

__________

(١) جميع النصوص التي وردت تحت عنوان "بجوار والده عليه‌السلام الجريح" نقلت عن: زندگانى امام حسن مجتبى عليه‌السلام ١٥٣ ـ ١٥٤ .

(٢) أثير بن عمرو السكوني، كان أحد الأطباء الماهرين يعالج الجراحات الصعبة، وكان صاحب كرسي، وله تنسب صحراء أثير .

(٣) الاستيعاب : ٢ / ٦٢ .


وتسمّم دم الإمام، ومال وجهه الشريف إلى الصفرة، وكان في تلك الحالة هادئ النفس قرير العين لا يفتر عن ذكر الله وتسبيحه وهو ينظر إلى آفاق السماء، ويبتهل إلى الله بالدعاء قائلاً : "إلهي، أسألك مرافقة الأنبياء والأوصياء وأعلى درجات الجنة " .

وغشي عليه فذاب قلب الحسن وجعل يبكي مهما ساعدته الجفون، فسقطت قطرات من دموعه على وجه الإمامعليه‌السلام فأفاق، فلما رآه قال له : مهدّئاً روعه:" يا بني! ما هذا البكاء ؟ لا خوف ولا جزع على أبيك بعد اليوم، يا بني! لا تبك، فأنت تقتل بالسم، ويقتل أخوك الحسين بالسيف " .

١٥ ـ آخر وصايا أمير المؤمنينعليه‌السلام :

وأخذ الإمام يوصي أولاده بمكارم الأخلاق، ويضع بين أيديهم المثل الرفيعة، ويلقي عليهم الدروس القيّمة، وقد وجهعليه‌السلام نصائحه الرفيعة أولاً لولديه الحسن والحسين، وثانياً لبقية أولاده وعموم المسلمين قائلاً :

"أوصيكما بتقوى الله، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما(١) ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، وقولا للحقّ واعملا للأجر، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، أوصيكما، وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم، فإنّي سمعت جدكمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، الله الله في الأيتام فلا تغبوا أفواههم(٢) ولا يضيعوا بحضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنّهم وصيّة نبيّكم، ما زال يوصي بهم حتى ظننّا أنّه سيورثهم، والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به

__________

(١) المعنى : لا تطلبا الدنيا، وإن طلبتكما .

(٢) لا تغبوا أفواههم : أي لا تقطعوا صلتكم عنهم وصلوا أفواههم بالطعام دوماً .


غيركم، والله الله في الصلاة فإنّها عمود دينكم، والله الله في بيت ربّكم، لا تخلوه ما بقيتم، فإنّه إن ترك لم تناظروا(١) ، والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله، وعليكم بالتواصل والتباذل(٢) وإيّاكم والتدابر والتقاطع، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيتولَّ عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم" .

ثم قالعليه‌السلام مخاطباً لآله وذويه :"يا بني عبد المطلب! لا ألفينكم (٣) تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون: قتل أمير المؤمنين قتل أمير المؤمنين، ألا لا تقتلن بي إلاّ قاتلي، انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا يمثّل بالرجل، فإنّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور" (٤) .

وأخذعليه‌السلام يوصي ولده الحسن خاصة بمعالم الدين وإقامة شعائره قائلاً:" أوصيك، أي بني، بتقوى الله، وأقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلّها، وحسن الوضوء، فإنّه لا صلاة إلاّ بطهور، وأوصيك بغفر الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عن الجاهل، والتفقّه في الدين، والتثبّت في الأمر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش " (٥) .

وفي اليوم العشرين من شهر رمضان ازدحمت الجماهير من الناس على بيت الإمام طالبين الأذن لعيادته، فأذن لهم إذناً عاماً، فلمّا استقر بهم المجلس

__________

(١) لم تناظروا، مبني للمجهول : أي يتعجّل الانتقام منكم شرح نهج البلاغة ابن أبى الحديد : ١٧ / ١١.

(٢) التباذل : العطاء .

(٣) لا ألفينكم : أي لأجدنكم تخوضون دماء المسلمين بالسفك انتقاماً منهم بقتلي .

(٤) شرح نهج البلاغة محمد عبده : ٣ / ٨٥ .

(٥) تاريخ ابن الأثير : ٣ / ١٧٠ .


التفت لهم قائلاً : " سلوني قبل أن تفقدوني، وخففوا سؤالكم لمصيبة إمامكم " فأشفق الناس أن يسألوه، نظراً لما ألمّ به من شدّة الألم والجرح(١) .

١٦ ـ الإمام عليعليه‌السلام ينصّ على خلافة ابنه الحسنعليه‌السلام :

ولمّا علم أمير المؤمنين أنّه مفارق لهذه الدنيا وأنّ لقاءه بربّه لقريب; عهد بالخلافة والإمامة لولده الحسن، فأقامه من بعده لترجع إليه الأُمة في شؤونها كافة، ولم تختلف كلمة الشيعة في ذلك، فقد ذكر ثقة الإسلام الكليني أنّ أمير المؤمنين أوصى إلى الحسن، وأشهد على وصيته الحسين ومحمداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع إليه الكتب والسلاح، وقال له: "يا بني! أمرني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي، كما أوصى إلي رسول الله ودفع إليّ كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين" .

وروى أيضاً أنّه قال له : "يا بني! أنت وليّ الدم فإن عفوت فلك وإن قتلت فضربة مكان ضربة "(٢) .

١٧ ـ إلى الرفيق الأعلى :

ولمّا فرغ الإمام أمير المؤمنين من وصاياه أخذ يعاني آلام الموت وشدّته، وهو يتلو آي الذكر الحكيم ويكثر من الدعاء والاستغفار، ولمّا دنا منه الأجل المحتوم كان آخر ما نطق به قوله تعالى :

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ١ / ٥٦٣ ـ ٥٦٦ .

(٢) أصول الكافي : ١ / ٢٩٧ ـ ٢٩٨ .


( لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ) ثم فاضت روحه الزكية إلى جنّة المأوى وسمت إلى الرفيق الأعلى، وارتفع ذلك اللطف الإلهي إلى مصدره، فهو النور الذي خلقه الله ليبدّد به غياهب الظلمات .

لقد مادت أركان العدل وانطمست معالم الدين، ومات عون الضعفاء وكهف الغرباء وأبو الأيتام.

١٨ ـ تجهيزه ودفنه :

وأخذ الحسنعليه‌السلام في تجهيز أبيه، فغسَّل الجسد الطاهر وطيَّبه بالحنوط، وأدرجه في أكفانه، ولمّا حل الهزيع الأخير من الليل خرج ومعه حفنة من آله وأصحابه يحملون الجثمان المقدّس إلى مقرّه الأخير فدفنه في النجف الأشرف حيث مقره الآن كعبة للوافدين ومقراً للمؤمنين والمتقين ومدرسة للمتعلمين، ورجع الإمام الحسن بعد أن وارى أباه إلى بيته وقد استولى عليه الأسى والذهول وأحاط به الحزن(١) .

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ١ / ٥٦٨ ـ ٥٦٩ .


الباب الثالث:

فيه فصول:

الفصل الأول: عصر الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام

الفصل الثاني: مواقف الإمام وإنجازاته.

١ ـ من البيعة إلى الصلح.

٢ ـ الصلح : أسبابه ونتائجه.

٣ ـ ما بعد الصلح حتى الشهادة.

٤ ـ شهادة الإمام ومثواه الأخير.

الفصل الثالث: تراث الإمام المجتبىعليه‌السلام .

الفصل الأول: عصر الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام

إنّ الخوارج حينما خرجوا على أمير المؤمنينعليه‌السلام وتمرّدوا عليه; لم يكن لحركتهم أيّة ميزة على غيرهم من المتمرّدين عليه كطلحة والزبير ومعاوية وغيرهم، ولم يكن لهم هدف خاص كما كان لمعاوية وطلحة والزبير، وما ينسبه لهم المؤرّخون من الجدل حول التحكيم مع أنّهم من أنصاره في بداية الأمر ـ ونتائجه لم يلتزم بها أمير المؤمنينعليه‌السلام إن صحّ ـ يدلّ على أنّهم كانوا في منتهى السذاجة والعفوية، وأنّهم كانوا ضحايا المتآمرين على أمير المؤمنين بقصد إثارة الفتن في جيشه وإلهائه عن معاوية والرجوع لحربه، وكان لمقتلهم آثاره السيئة في نفوس الكثيرين من أصحابه، لأنّ القتلى كان أكثرهم ينتمي إلى عشائر الكوفة والبصرة، فليس بغريب إذا ترك قتلهم في نفوس من ينتمون إليهم ما يجده كلّ قريب لفقد قريبه .

ولمّا انتهى أمير المؤمنين منهم دبّ الوهن والتخاذل والخلاف بين أصحابه، فجعل يستحثّهم على الخروج معه لحرب معاوية ويخطب فيهم المرّة تلو الأخرى فلا يجد منهم إلاّ التخاذل والخلاف عليه، فيقولون : لقد نفدت نبالنا وكلّت أذرعنا ونصلت أسنّة رماحنا وتقطعت سيوفنا، فأمهلنا


لنستعد فإنّ ذلك أقوى لنا على عدوّنا، واستمر على ذلك مدّة من الزمن كان يدعوهم بين الحين والآخر للخروج إلى معسكرهم في النخيلة، فلا يخرج إلاّ القليل الذي لا يغني شيئاً(١) .

هذا والأشعث بن قيس وشبث بن ربعي وأمثالهما لا همَّ لهم إلاّ التخريب وبثّ روح التخاذل في النفوس، وراح يضع في أذهان الجيش أنّ عليّاً كان عليه أن يصنع مع أهل النهروان كما صنع عثمان ويتغاضى عنهم وهم قلّة لا يشكّلون خطراً عليه، لقد قال الأشعث ذلك ليحدث تصدّعاً في صفوف الجيش وليشحن نفوس من تربطهم بأولئك القتلى أنساب وقرابات بالكراهية والعداء لعليّعليه‌السلام .

وسرت مقالة الأشعث بين الناس فزادتهم تخاذلاً وتصدعاً(٢) ، وأُتيح لمعاوية أن يتّصل بسراتهم ورؤسائهم أكثر من قبل، تحمل كتبه لهم الوعود والأماني، ويقدّم بين يدي الوعود والأماني العطايا والصلات يعجّل لهم ما يرغبون في عاجله وما يغري قليله المعجّل بكثيره الموعود، حتى اشترى ضمائرهم وأفسدهم على إمامهم وجعلهم يعطونه الطاعة بأطراف ألسنتهم ويطوون قلوبهم على المعصية والخذلان .

لقد استطاع المتآمرون من أهل العراق أن يحقّقوا لمعاوية كلّ أطماعه وأن يشلّوا حركة الإمامعليه‌السلام ويخلقوا له من المصاعب والمشاكل ما يشغله عن لقاء أهل الشام مرّة ثانية، فلم تنته معركة النهروان حتى ظهرت فُلولُهم في أكثر من ناحية في العراق، وتركت معركة النهروان في أهاليهم وقبائلهم

__________

(١) راجع أعيان الشيعة: ١ / ٥٢٤ طبعة دار التعارف سيرة المؤمنين ( مبحث الخوارج ) عن ابن الأثير.

(٢) راجع أعيان الشيعة: ١ / ٥٢٤ طبعة دار التعارف سيرة المؤمنين ( مبحث الخوارج ) عن ابن الأثير.


أوتاراً لم يكن من السهل نسيانها، لا سيَّما وأنّ أيدي المتآمرين ممن كانوا على صلة بمعاوية كانت تزوّدهم بالأموال والعتاد فيخرج الرجل ومعه المائة والمئتان، فيضطر أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى أن يرسل إليهم رجلاً من أصحابه ومعه طائفة من الجند فيقاتل المتمرّدين، حتى إذا قتلهم أو شرّدهم; عاد إلى الكوفة، وقبل أن يستقرّ يخرج آخر بجماعة من المتمرّدين .

وهكذا كانت الحالة بعد معركة النهروان حتى خرج الخريت بن راشد، وقد جاءه قبل خروجه، وقال له : والله إنّي لا أطيعك ولا أصلي خلفك لأنّك حكّمت الرجال وضعفت عن الحق، فقال له :إذن تعصي ربّك وتنكث عهدك ولا تضرّ إلاّ نفسك ، ودعاه للمناظرة، فقال له : أعود إليك غداً، فقبل منه وأوصاه أن لا يؤذي أحداً من الناس ولا يعتدي على الدماء والأموال والأعراض فخرج ولم يعد، وكان مطاعاً في قومه بني ناجية وخرج معه جماعة في ظلمة الليل والتقى في طريقه برجلين وكان أحدهما يهودياً والآخر مسلماً، فقتلوا المسلم، وعاد اليهودي إلى عامل عليّ على السواد فأخبره بأمرهم فكتب العامل لأمير المؤمنين فأرسل إليهم جماعة من أصحابه وأمره بردّهم إلى الطاعة ومناجزتهم إن رفضوا ذلك، وحدثت بينه وبين الخريت وجماعته مناظرة لم تجد شيئاً، فطلب منهم أصحاب أمير المؤمنين أن يسلموهم قتلة المسلم فأبوا إلاّ الحرب، وكانت بين الطرفين معارك دامية، فأرسل إليهم أمير المؤمنين قوة أخرى، وكتب إلى عبد الله بن العباس وكان أميراً على البصرة يأمره بملاحقتهم، والخريت مرّة يدّعي بأنّه يطلب بدم عثمان، وأخرى ينكر على عليّ عليه‌السلام التحكيم .

وأخيراً قتل الخريت وجماعة من أصحابه وأُسر منهم خمسمئة قادوهم إلى الكوفة، فمرّ بهم الجيش على مصقلة بن هبيرة الشيباني وكان عاملاً لعليعليه‌السلام على بعض المقاطعات فاستغاث به الأسرى فرقّ لحالهم كما تزعم بعض الروايات، واشتراهم من القائد على أن يسدّد أثمانهم أقساطاً وأعتقهم، وجعل يماطل في أداء ما عليه، ولمّا طالبه عبد الله بن عباس بأداء المبلغ أجابه : لو طلبت هذا المبلغ وأكثر منه من عثمان ما منعني إيّاه، ثم هرب إلى معاوية فاستقبله استقبال الفاتحين وأعطاه ما يريد .

وطمع مصقلة أن يستجلب أخاه نعيم بن هبيرة إلى جانب معاوية، فأرسل إليه رسالة مع رجل من نصارى تغلب كان يتجسّس لصالح معاوية، ولم يكد يبلغ الكوفة حتى ظهر أمره فأخذه أصحاب أمير المؤمنين وقطعوا يده.


إلى كثير من أمثال هذه الحوادث التي تدين المتمرّدين ومن كان يعاونهم بالتآمر وإشاعة الفوضى في جميع أطراف الدولة لاستنزاف قوة الإمام في الداخل وليكون في شغل عن معاوية وتصرفاته .

ومن غير البعيد أن يكون مصقلة الشيباني على صلة بالمتمرّدين وأنّ حرصه على تخليصهم من الأسر لقاء مبلغ من المال يعجز عن دفعه لم يكن بدافع إنساني كما يبدو ذلك لأول نظرة في حادثة من هذا النوع، بل كان بدافع الإحساس بمسؤوليته عن فئة كان يشترك معها في الهدف والغاية ويمنيها بالمساعدة عندما تدعو الحاجة، وقد لقي من معاوية هذا الترحيب لأنّه اشترك في الفساد والفوضى وساعد المخرّبين الذين جرّعوا عليّاًعليه‌السلام الغصص وأرهقوه من أمره عسراً وكانوا إلى ابن هند فرجاً ومخرجاً أمّا أمير المؤمنينعليه‌السلام فلم يزد حين بلغه فرار مصقلة إلى الشام على أن قال :"ما له قاتله الله؟ فعل فعل الأحرار وفرّ فرار العبيد" وأمر بداره فهدمت(١) .

وقد أتيح لمعاوية في ذلك الجوّ الذي ساد العراق في الداخل أن يتحرك من ناحيته على القرى والمدن المتاخمة لحدود الشام فيقتل وينهب وينكّل بقوّات المخافر المرابطة على الحدود بدون رادع من أحد ووازع من دين، وأمير المؤمنينعليه‌السلام يدعو أهل العراق لنجدة إخوانهم وملاحقة المعتدين فلا يجد منهم ما يرضيه وأغارت قوات معاوية على الحجاز واليمن بقيادة بسر بن أرطاة وأوصاه باستعمال كلّ ما من شأنه إشاعة الفوضى وبثّ الخوف والرعب في تلك البلاد، فمضى ابن أرطاة ينفّذ أمر معاوية فأسرف في الاستخفاف بالدماء والحرمات والأعراض والأموال في طريقه إلى المدينة، ولمّا بلغ المدينة قابل أهلها بكلّ أنواع الإساءة والقسوة فقتل فيها عدداً كبيراً واضطرّهم إلى بيعة معاوية، وكانت أخباره قد انتهت إلى اليمن فانتشر فيها الخوف والرعب، وفرّ منها عامل أمير المؤمنين عبيد الله بن العباس، ولمّا دخلها أسرف في القتل والنهب والتخريب، ووجد طفلين صغيرين لعبيد الله ابن العباس، فذبحهما في حضن أمهما، فأصابها خلل في عقلها وظلّت تندبهما وتبكيهما حتى ماتت غماً وكمداً(٢) . وجهّز جيشاً آخر لغزو مصر ليحقّق لابن العاص أمنيته الغالية، وولاّه قيادة ذلك الجيش، ولمّا بلغ أمير المؤمنين; ذلك دعا أهل الكوفة لنجدة إخوانهم في مصر فلم يستجيبوا لطلبه، وبعد أن ألحّ عليهم أجابه جماعة منهم

__________

(١) راجع أعيان الشيعة : ١ / ٥٢٥ ـ ٥٢٦ .

(٢) تأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٩٥ ـ ١٩٩ .


وما لبث أن جاءته الأنباء بأنّ ابن العاص قد تغلّب عليها وقتل وإليها محمد بن أبي بكر ومَثَّلَ به ثم أحرقه، فانتدب مالك بن الحرث الأشتر وولاّه عليها لإنقاذها من أيدي الغزاة، وكان كما يصفه المؤرّخون حازماً قوياً مخلصاً لأمير المؤمنين كما كان أمير المؤمنين لرسول الله على حدّ وصف الإمام وغيره له .

ولمّا بلغ معاوية نبأ اختياره حاكماً في مصر اضطرب واشتدّ خوفه على أنصاره وقواته المرابطة فيها، واستطاع بعد تفكير طويل أن يجد المخرج من تلك الأزمة التي أحاطت به، فأغرى أحد أنصاره ممّن يسكنون الطريق التي لا بدّ للأشتر من المرور عليها بالمال لقاء اغتياله، ولمّا بلغ الأشتر ذلك المكان ونزل فيه جاءه بعسل مسموم كان قد أعدّه له بناءً لتخطيط معاوية، فكانت به نهايته(١) ، وكان ناجحاً في التخلّص من خصومه بهذا الأسلوب، فقد قتل ابن خاله محمد بن أبي حذيفة وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص والإمام أبا محمد الحسنعليه‌السلام بهذا الأسلوب، وأحياناً كان يتباهى به ويقول : إنّ لله جنداً من العسل ينتقم به لأوليائه .

وتوالت الأحداث في داخل العراق والبلاد التي كانت تخضع لسلطة أمير المؤمنين، فلم يكن يفرغ من تمرّد حتى يفاجأ بآخر ولا يسدّ ثغرة إلاّ فتحت له أخرى حتى طمع فيه معاوية إلى حدود الاستخفاف(٢) ، هذا وأصحابه بالرغم مما يجري حولهم وعلى حدود بلادهم وفي خارجها من احتلال لبعض المقاطعات وقتل ونهب ممعنون في خلافه مفرقون فيما أحبّوا من

__________

(١) تأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٩٣ ـ ١٩٤ .

(٢) راجع أعيان الشيعة : ١ / ٥٢٨ ـ ٥٣٠، وتاريخ اليعقوبي : ٢ / ١٩٥ ـ ٢٠٠ .


طلب العاقبة، إذا استنفرهم لا ينفرون وإذا دعاهم لا يجيبون، يتعللون بالأعذار الواهية كحر الصيف وبرد الشتاء، ولا يغضبون لحقّ أو دين ولا للمشرّدين والمستضعفين حتى كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل ويبكي أحياناً على من مضى من أنصاره ويقول :" متى يبعث أشقاها فيخضب هذه من هذا ؟ " مشيراً إلى رأسه الكريم ولحيته الشريفة، ويتمنّى لو أنّ معاوية صارفه فيهم صرف الدينار بالدرهم فأخذ منه عشرة وأعطاه واحداً من أهل الشام، ووطّن نفسه أخيراً أن يخرج لحرب معاوية بمن هم على رأيه من أهله وعشيرته وأنصاره، فيقتل بهم حتى يلقى الله في سبيل الحقّ والعدل، وتحدّث إليهم حديثاً لا لبس فيه، وحمّلهم تبعات ما سينجم عن تخاذلهم(١) .

وكان ـ على ما يبدو ـ لهذا الموقف الحازم منه أثره في نفوس القوم بعد أن أيقنوا بأنّه سيخرج بنفسه وأهله وخاصته إلى معاوية، وسيلحقهم بذلك الخزي والعار ويصبحون حديث الأجيال إذا هم تركوه يخرج على هذه الحال، فردّ عليه زعماؤهم ردّاً جميلاً، وجمع كلّ رئيس منهم قومه وتداعوا للجهاد من كلّ جانب وتعاقدوا على الموت معه، حتى أصبحت الحرب حديث الناس، وأرسل إلى عمّاله في مختلف المناطق يدعوهم للاشتراك معه بمن عندهم من الجيوش والمقاتلين .

وخرج الناس إلى معسكراتهم في النخيلة ينتظرون انسلاخ شهر رمضان من سنة أربعين لهجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأرسل أمير المؤمنينعليه‌السلام زياد بن حفصة في جماعة من أصحابه طليعة بين يديه، وبقي هو مع الجيش ينتظر انسلاخ الشهر المبارك، وإذا بالقدر ينقضّ عليه وعلى أهل العراق فيكمن له أشقى الأولين والآخرين في فجر اليوم التاسع عشر من ذلك الشهر وهو في بيت الله فيضربه على رأسه الشريف وهو يصلّي لربّه، فيخرّ منها في محرابه وهو يقول:" فزت وربّ الكعبة " (٢) .

__________

(١) نهج البلاغة الخطبة ١٧٧، طبعة محمد عبده .

(٢) راجع سيرة الأئمة الاثني عشر : ١ / ٤٤٦ ـ ٤٥١ .


الفصل الثاني: مواقف الإمامعليه‌السلام وإنجازاته

البحث الأول : من البيعة إلى الصلح

١ ـ خطبة الإمام الحسنعليه‌السلام يوم شهادة أبيهعليه‌السلام :

تحدّث أغلب المؤرّخين عن أنّ الإمام الحسنعليه‌السلام ألقى في صباح الليلة التي دَفَنَ فيها أباهعليه‌السلام خطبةً في الناس جاء فيها :

" أيّها الناس! في هذه الليلة نزل القرآن، وفي هذه الليلة رُفع عيسى بن مريم، وفي هذه الليلة قُتل يوشع بن نون، وفي هذه الليلة مات أبي أمير المؤمنينعليه‌السلام ، والله لا يسبق أبي أحد كان قبله من الأوصياء إلى الجنّة، ولا مَن يكون بعده، وإن كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لَيبعثه في السرية فيقاتل جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، وما ترك صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمئة درهم فضلت من عطائه كان يجمعها ليشتري بها خادماً لأهله "(١) .

ونقل الشيخ المفيد في "الإرشاد" الخطبة بهذه الصورة :

" وروى أبو مخنف لوط بن يحيى، قال : حدّثني أشعث بن سوار عن أبي إسحاق السبيعي وغيره، قالوا : خطب الحسن بن عليّعليه‌السلام في صبيحة الليلة التي قُبض فيها أمير المؤمنينعليه‌السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على

__________

(١) الأمالي : ١٩٢ .


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم قال : "لقد قُبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل ولا يدركه الآخرون بعمل، لقد كان يجاهد مع رسول الله فيقيه بنفسه، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوجّهه برايته فيكنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله، ولا يرجع حتى يفتح الله على يديه .

ولقد توفّيعليه‌السلام في الليلة التي عُرِج فيها بعيسى بن مريم، وفيها قبض يوشع بن نون وصيّ موسىعليه‌السلام وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمئة درهم، فَضُلت عن عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله " .

ثم خنقته العَبرة فبكى وبكى الناس معه، ثم قال : " أنا ابن البشير أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، أنا ابن السراج المنير، أنا من أهل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، أنا من أهل بيت فرض الله مودّتهم في كتابه فقال تعالى :( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ) (١) ، فالحسنة مودّتنا أهل البيت "(٢) .

٢ ـ بيعة الإمام الحسنعليه‌السلام :

ولمّا أنهى الإمامعليه‌السلام خطابه، انبرى عبيد الله بن العباس فحفّز المسلمين إلى المبادرة لمبايعته قائلاً :

"معاشر الناس، هذا ابن نبيّكم، ووصيّ إمامكم فبايعوه". واستجاب الناس لهذه الدعوة المباركة، فهتفوا بالطاعة، وأعلنوا الرضا والانقياد قائلين :

__________

(١) الشورى (٢٣) : ٣٣ .

(٢) علاوة على الإرشاد، نُقلت الرواية في أمالي الطوسي وتفسير فرات، كما أنّ الكثير من كتب أهل السنة نقلت ما يماثل الروايتين، راجع " ملحقات إحقاق الحق ": ١١ / ١٨٢ ـ ١٩٣ .


"ما أحبّه إلينا وأوجب حقّه علينا وأحقّه بالخلافة "(١) وتمّت البيعة له في يوم الجمعة المصادف الحادي والعشرين من شهر رمضان في سنة (٤٠) للهجرة(٢) .

وثم نزل الحسن عن المنبر فرتّب العمّال وأمّر الأُمراء ونظر في الأمور، وأنفذ عبد الله بن العباس إلى البصرة(٣) .

كان أوّل شيء أحدثه الحسن بن عليّعليه‌السلام أنّه زاد المقاتلة مئة مئة، وقد كان أبوه فعل ذلك يوم الجمل، والحسنعليه‌السلام فعله على حال الاستخلاف فتبعه الخلفاء بعد ذلك(٤) .

٣ ـ الإمام الحسنعليه‌السلام يقتصّ من قاتل أمير المؤمنينعليه‌السلام :

وفي اليوم الذي بايع الناس الإمام الحسنعليه‌السلام وبعد إتمام البيعة أمر بإحضار عبد الرحمن بن ملجم فلمّا مثل بين يديه قال له ابن ملجم : ما الذي أمرك به أبوك ؟ فأجابه الإمامعليه‌السلام : "أمرني أن لا أقتل غير قاتله، وأن أُشبع بطنك وأُنعم وطأك"(٥) ثم ضرب عنقه، ولم يمثِّل به.

٤ ـ جهاد الإمام الحسنعليه‌السلام :

يكشف النصّ التاريخي ـ الذي نقلناه سابقاً عن قيام الإمامعليه‌السلام

__________

(١) مقاتل الطالبيين : ٣٤ .

(٢) الإرشاد : ٤ / ١٥ .

(٣) أعيان الشيعة : ٤ / ١٤ .

(٤) مقاتل الطالبيين : ٣٥ طبعة المكتبة الحيدرية ـ النجف ١٣٨٥ .

(٥) تاريخ اليعقوبي : ٢ / ١٩١، وتاريخ الطبري: ٦ / ٨٦، ومقاتل الطالبيين: ١٦، وتاريخ ابن الأثير: ٣ / ١٧٠ .


بمضاعفة الأجور التي كان يتقاضاها المقاتلة ـ عن موقف الإمامعليه‌السلام الجادِّ من الحرب وإصراره الأكيد في مجابهة معاوية كما يتّضح من عمله في إصلاح حال جيشه وبنائه له .

وقد أخذ الإمامعليه‌السلام جانب الحزم في موقفه من معاوية، حيث إنّ معاوية لمّا علم بوفاة أمير المؤمنينعليه‌السلام وبيعة الناس مع الإمام الحسنعليه‌السلام دسّ رجلاً من حمير إلى الكوفة ورجلاً من بني القين إلى البصرة ليكتبا إليه بالأخبار ويفسدا على الإمامعليه‌السلام الأمور، فعرف ذلك الإمام فأمر باستخراج الحميري من عند لحّام بالكوفة، فأُخرج وأمر بضرب عنقه وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم فأُخرج وضربت عنقه(١) .

ثم كتب الإمامعليه‌السلام إلى معاوية : "أمّا بعد، فإنّك دسست إليّ الرجال كأنّك تحبّ اللقاء، لا أشك في ذلك، فتوقعه إن شاء الله، وبلغني عنك أنّك شمتّ بما لم يشمت به ذوو الحجى وأنّما مثلك في ذلك كما قال الأول :

فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى

تجهّز لأخرى مثلها فكأن قدِ "(٢)

لقد كانت هذه الحادثة إنذاراً لمعاوية بالحرب وتهديداً له وقطعاً لآماله بالاستيلاء على الكوفة بسلام .

وفي كتاب آخر من الإمامعليه‌السلام لمعاوية جواباً على رسالته التي لمّح فيها للصلح وطلب فيها من الإمامعليه‌السلام أن يبايعه على أن يجعل له ولاية العهد، نلاحظ قوة موقف الإمام وعدم اهتمامه بمثل هذه العروض التي كان يحاول فيها معاوية استمالة جانب الإمام، يقولعليه‌السلام :

__________

(١) مقاتل الطالبيين : ٣٣ .

(٢) مقاتل الطالبيين : ٣٣ .


"أمّا بعد، فقد وصل إليّ كتابك فتركت جوابك خشية البغي عليك، فاتبع الحقّ تعلم أنّي من أهله، والسلام"(١) .

ولم يتجاوز عدد الرسائل التي كانت بين الإمامعليه‌السلام ومعاوية الخمس حسبما يذكر ذلك أبو الفرج وآخرون. والسبب في ذلك هو ما كان يحمله معاوية من نزعات جعلته من الذين لا يستجيبون للحقّ ولا يذعنون لأهله، بل إنّ تلك النزعات قد اشتدت بعد استشهاد أمير المؤمنينعليه‌السلام حيث قويت مطامعه بالخلافة التي كان يفتقد لأبسط مقوماتها وشروطها من وجهة نظر إسلاميّة.

وبالرغم من ذلك فإنّ الإمام الحسنعليه‌السلام واصل نهج والدهعليه‌السلام كما كان يقتضيه التكليف الإلهي بإتمام الحجّة على خصمه فأرسل إليه أكثر من رسالة في هذا الإطار، بالرغم ممّا كان يعرفه عنه من نزعات غير خيّرة، ننقل هنا أكثرها شمولية :

من الحسن بن عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد فإنّ الله جلّ جلاله بعث محمداً رحمةً للعالمين، ومنّةً للمؤمنين، وكافّةً للناس أجمعين،( لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ) ، فبلّغ رسالات الله، وقام بأمر الله حتى توفّاه الله غير مقصّر ولا وان، وبعد أن أظهر الله به الحقّ، ومحق به الشرك، وخصّ به قريشاً خاصة فقال له :( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) ، فلمّا توفيّ تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش : نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقّه، فرأت العرب أنّ القول ما قالت

__________

(١) مقاتل الطالبيين : ٣٨ .


قريش، وأنّ الحجّة في ذلك لهم على من نازعهم أمر محمد، فأنعمت لهم وسلّمت إليهم، ثم حاججنا قريشاً بمثل ما حاججت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنّهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف والاحتجاج، فلمّا صرنا أهل بيت محمد وأولياءه إلى محاجّتهم، وطلب النَّصَف منهم; باعدونا واستولوا بالإجماع على ظُلمِنا ومَراغمتنا والعَنَت منهم لنا، فالموعد الله، وهو الولي النصير .

ولقد كنّا تعجبنا لتوثّب المتوثّبين علينا في حقّنا وسلطان نبيّنا، وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزاً يثلمون به، أو يكون لهم بذلك سببٌ إلى ما أرادوا من إفساده، فاليوم فليتعجّب المتعجّب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولكتابه، والله حسيبك، فستردُّ فتعلم لمن عقبى الدار، وبالله لتلقينَّ عن قليل ربّك، ثمّ ليجزينّك بما قدّمت يداك، وما الله بظلاّم للعبيد .

إنّ عليّاً لمّا مضى لسبيله ـ رحمة الله عليه ـ يوم قبض ويوم منّ الله عليه بالإسلام ويوم يبعث حيّاً ولاّني المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله ألاّ يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئاً ينقصنا به في الآخرة ممّا عنده من كرامة، وإنّما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني وبين الله عَزَّ وجَلَّ في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظّ الجسيم، والصلاح للمسلمين، فدعِ التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس مِن بيعتي، فإنّك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله وعند كلّ أوّاب حفيظ، ومن له قلب منيب، واتّق الله ودعِ البغي واحقن دماء المسلمين، فوالله ما لك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر ممّا أنت لاقيه به، وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله ومَن هو أحقّ به منك ليطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلاّ التمادي في غيّك سِرتُ إليك بالمسلمين


فحاكمتك، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين(١) .

وجاء في جواب معاوية على رسالة الإمامعليه‌السلام هذه :

" قد علمتَ أنّي أطول منك ولايةً، وأقدم منك بهذه الأُمة تجربةً، وأكبر منك سنّاً، فأنت أحقّ أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي، ولك الأمر من بعدي، ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغاً ما بلغ، تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج أيّ كور في العراق شئت معونة لك على نفقتك يجبيها أمينك ويحملها لك في كلّ سنة، ولك أن لا يستولى عليك بالإساءة، ولا تقضى دونك الأمور، ولا تعصى في أمر أردت به طاعة الله "(٢) .

تُصوّر هذه الرسالة بوضوح كيف أنّ مقام الخلافة الإلهية المقدّسة ليس عند معاوية إلاّ سلعةً تُشترى ويُدفع ثمنها من بيت مال المسلمين وليس من مال معاوية الخاص، وهي كذلك تؤكّد تعدّيه أمر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو أمر الله تعالى له في استخلاف أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ونصبهم للإمامة من بعده.

٥ ـ تحرك معاوية نحو العراق وموقف الإمامعليه‌السلام :

وبدأ معاوية يعبّئ جيشه ويكتب لعمّاله بموافاته لغزو العراق، وفي بعض كتبه لعمّاله يذكر أنّ بعض أشراف الكوفة وقادتهم كتبوا إليه يلتمسون منه الأمان لأنفسهم وعشائرهم، وإن صح هذا فهو أول الخذلان الذي ارتكبه أهل الكوفة بحقّ الإمام الحسنعليه‌السلام .

وجاء في مذكرة رفعها معاوية ذات مضمون واحد إلى جميع عمّاله

__________

(١) مقاتل الطالبيين : ٥٦ ـ ٥٥ .

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٤ / ١٣ .


وولاته: " أمّا بعد، فالحمد لله الذي كفاكم مؤونة عدوّكم وقتلة خليفتكم، إنّ الله بلطفه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلاً من عباده فاغتاله فقتله فترك أصحابه متفرّقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم، فأقبلوا إليّ حين يأتيكم كتابي هذا بجهدكم وجندكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان .."(١) .

ولمّا وصلت هذه الرسالة إلى عمّاله وولاته قاموا بتحريض الناس وحثّهم على الخروج والاستعداد لحرب ريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسبطه، وفي أقرب وقت التحقت به قوىً كبيرة لا ينقصها شيء من العدّة والعدد .

ولمّا توفرت لمعاوية تلك القوة من المضلَّلين وأصحاب المطامع; زحف بهم نحو العراق وتولّى بنفسه قيادة الجيش، وأناب عنه في عاصمته الضحاك بن قيس الفهري، وقد كان عدد الجيش الذي نزح معه ستين ألفاً، وقيل أكثر من ذلك، ومهما كان عدده فقد كان مطيعاً لقوله، ممتثلاً لأمره، منفّذاً لرغباته وطوى معاوية البيداء بجيشه الجرّار، فلمّا انتهى إلى جسر منبج(٢) أقام فيه، وجعل يحكم أمره .. (٣) .

وبدأ الإمامعليه‌السلام من جانبه يستنهض الكوفة للجهاد والسير لقتال معاوية بعد أن بلغه توجّهه نحو العراق، فبعث حجر بن عدي يأمر العمّال والناس بالتهيّؤ للمسير ونادى المنادي الصلاة جامعة فأقبل الناس يتوثّبون ويجتمعون ، فقال الإمام الحسنعليه‌السلام للمنادي : " إذا رضيتَ جماعة الناس

__________

(١) مقاتل الطالبيين : ٣٨ ـ ٣٩ .

(٢) جسر منبج : بلد قديم، المسافة بينه وبين حلب يومان .

(٣) حياة الإمام الحسن : ٢ / ٧١ .


فأعلمني" وجاء سعيد بن قيس الهمداني فقال : اخرج فخرج الإمام الحسنعليه‌السلام فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال(١) : "... أمّا بعد، فإنّ الله كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين :( اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) فلستم ـ أيها الناس ـ نائلين ما تحبّون إلاّ بالصبر على ما تكرهون، إنّه بلغني أنّ معاوية بلغه أنّا كنّا أزمعنا المسير إليه فتحرّك لذلك، فاخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة .." فسكتوا(٢) .

٦ ـ استنكار الموقف المتخاذل :

وهكذا وقف أهل الكوفة هذا الموقف المتخاذل من قائدهم وإمامهم، إذ سكتوا حيث طلب منهم الإجابة على ندائه بالخروج إلى معسكرهم في النخيلة، فتحوّلت أعينهم وهلعت قلوبهم، فلمّا رأى ذلك عدي بن حاتم الطائي قام فقال : "أنا ابن حاتم، سبحان الله ! ما أقبح هذا المقام! ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيّكم؟ أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فإذا جَدّ الجدّ فروّاغون كالثعالب؟ أما تخافون مقت الله، ولا عيبها وعارها".

ثم استقبل الإمام الحسن بوجهه، فقال : "أصاب الله بك المراشد وجنّبك المكاره ووفّقك لما تحمد ورده وصدره، قد سمعنا مقالتك وانتهينا إلى أمرك وسمعنا لك وأطعنا فيما قلت ورأيت وهذا وجهي إلى معسكري، فمن أحبّ أن يوافيني فليواف " ثمّ مضى لوجهه، فخرج من المسجد ودابته بالباب فركبها ومضى إلى النخيلة

__________

(١) صلح الإمام الحسن : ٦٥، دار الغدير للطباعة والنشر ـ بيروت ـ ط ١٩٧٣.

(٢) أعيان الشيعة : ٤ / ١٩ .


وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، وكان عدي بن حاتم أول الناس عسكراً(١) .

وقام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ومعقل بن قيس الرياحي وزياد بن صعصعة التيمي فأنّبوا الناس ولاموهم وحرّضوهم وكلّموا الإمام الحسن بمثل كلام عدي بن حاتم في الإجابة والقبول، فقال لهم الإمام الحسنعليه‌السلام :"صدقتم رحمكم الله ما زلت أعرفكم بصدق النيّة والوفاء والقبول والمودّة الصحيحة فجزاكم الله خيراً" (٢) ، ثم نزل وخرج الناس فعسكروا ونشطوا للخروج، وخرج الإمام الحسنعليه‌السلام إلى المعسكر واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وأمره باستحثاث الناس وإشخاصهم إليه، فجعل يستحثّهم ويخرجهم حتى يلتئم العسكر وسار الإمامعليه‌السلام في عسكر عظيم وعدّة حسنة حتى انتهى إلى النخيلة .

وهكذا بدأت المسيرة، ولكن دون أن يكون دافع الحركة اختيارياً بتثاقل وإكراه تفرضه طبيعة الموقف المتخاذل، ولولا الصفوة الخيّرة والثلّة المؤمنة; لانقلب ميزان الموقف وانتصرت عوامل الضعف عاجلاً، ولكن موقف هؤلاء المتصلّب المنطلق من إيمانهم الجاد بحكمة القائد ولزوم اتباعه وأحقّيته بالخلافة، كان من أقوى الأسباب التي حفظت للجيش تماسكه وانقياده وبعث النشاط والحماس فيه .

٧ ـ الاتجاهات المتضادة في جيش الإمامعليه‌السلام :

كان جيش الإمامعليه‌السلام يتكوّن من خليط غريب، فقد تجمّعت فيه عدّة اتجاهات مختلفة وعناصر متضادة، ويمكن بالنظرة الأُولى تصنيفه إلى فئات :

__________

(١) أعيان الشيعة : ٤ / ١٩ ـ ٢٠ .

(٢) المصدر السابق .


أ ـ الخوارج : وهم الذين خرجوا عن طاعة الإمام عليّعليه‌السلام وحاربوه وناوؤه ونصبوا له العداوة، فكانوا قد وجدوا من الإمام الحسنعليه‌السلام حلاًّ وسطاً، فانضموا إليه لمحاربة معاوية، وهؤلاء أناس تستثيرهم أدنى شبهة عارضة فيتعجّلون الحكم عليها، وسنرى أنّهم كيف وثبوا على الإمام الحسنعليه‌السلام فيما بعد.

ب ـ الفئة الممالئة للحكم الأموي، وهي على قسمين :

١ ـ وهم الذين لم يجدوا في حكومة الكوفة ما يشبع نهمهم ويروي من ظمئهم فيما يحلمون به من مطامع يطمحون إليها، فأضمروا ولاءهم للشام مترقّبين سنوح الفرصة للوثوب على الحكم وتسليم الأمر لمعاوية.

٢ ـ وهم الذين حقدوا على حكومة الكوفة لضغائن في نفوسهم أورثتها العهود السالفة أو حسابات شخصية.

وسنرى فيما بعد خيانة هؤلاء وكتابتهم لمعاوية تزلّفاً وطمعاً في الحظوة عنده.

ج ـ الفئة المتأرجحة، التي ليس لها مسلك معيّن أو جهة خاصة مستقلّة، وإنّما هدفها ضمان السلامة وبعض المطامع عند الجهة التي ينعقد لها النصر، فهي تترقّب عن كثب إلى أيّ جهة تنقلب الأمور ليميلوا معها.

د ـ الفئة التي تثيرها بعض العصبيات القبلية أو الإقليمية.

هـ ـ الغوغاء، وهي الفئة التي لا تستند في موقفها إلى أساس متين.

و ـ الفئة المؤمنة المخلصة، وهي القلّة الخيّرة التي يذوب صوتها في زحام الأصوات الأخرى المعاكسة لها والمتناحرة فيما بينها .

فجيش الإمامعليه‌السلام خليط لا يربط بين فئاته هدف واحد، وهو معرض للانقسام والتفكّك لدى أيّ بادرة للانقسام من شأنها أن تفسد أيّ خطة مهما

كانت حنكة القائد الذي وضع تلك الخطة، وقد شعر الإمامعليه‌السلام بخطورة هذا الموقف بين هذا الخليط الذي يحمل عوامل الانقسام على نفسه .


وذكر السيد ابن طاووس (رضوان الله تعالى عليه) في "الملاحم والفتن" كلاماً يؤثر عنهعليه‌السلام يعبّر عن ضعف ثقته بجيشه، وكان من أبلغ ما أفضى به في هذا الصدد، وذلك في خطابه الذي خاطب به جيشه في المدائن قائلاً : ".. وكنتم في مسيركم إلى صفّين، ودينكم أمام دنياكم، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، وأنتم بين قتيلين: قتيل بصفّين تبكون عليه، وقتيل بالنهروان تطلبون منّا بثأره، وأمّا الباقي فخاذل، وأمّا الباكي فثائر "(١) .

وكان معاوية قد عرف نقاط الضعف التي ابتلي بها جيش الإمامعليه‌السلام ، فرسم للموقف خطة حاسمة ابتكرتها له الظروف الموضوعية من شأنها أن تحسم الأمر بينه وبين الإمام، وذلك بدعوته للصلح والتظاهر بإعطائه الشروط التي يريد، فإن يقبل بذلك فإنّ أَحبولته التي حاكها حول قادة الإمام ورؤساء جيشه كافية لأن تمنع الالتحام بين المعسكرين، وتدفع بالإمام الحسنعليه‌السلام إلى الرضا بالأمر الواقع.

٨ ـ طلائع جيش الإمام الحسنعليه‌السلام :

انتهى الإمام الحسنعليه‌السلام بجيشه إلى النخيلة، فأقام فيها ونظّم الجيش، ثمّ ارتحل عنها وسار حتى انتهى إلى " دير عبد الرحمن " فأقام به ثلاثة أيام ليلتحق به المتخلّفون من جنده، وأرسل مقدمة جيشه للاستطلاع على حال

__________

(١) صلح الإمام الحسن : ٧٠ .


العدو وإيقافه في محلّه، واختار إلى مقدّمته خلّص أصحابه وخيرة عناصر جيشه، وكان عددهم اثني عشر ألفاً، وأعطى القيادة العامة إلى ابن عمّه عبيد الله بن العباس، وقد زوّده قبل تحرّكه بهذه الوصية القيّمة وهي :

"يابن العمّ! إنّي باعث معك اثني عشر ألفاً من فرسان العرب وقرّاء المصر، الرجل منهم يزيد الكتيبة، فسر بهم، وألِن لَهُم جانبك، وابسط لهم وجهك، وافرش لهم جناحك، وأدنهم من مجلسك، فإنّهم بقية ثقات أمير المؤمنين، وسر بهم على شطّ الفرات، ثمّ امضِ حتى تستقبل بهم معاوية، فإن أنت لقيته فاحتبسه حتى آتيك، فإنّي على أثرك وشيكاً، وليكن خبرك عندي كلّ يوم، وشاور هذين ـ قيس بن سعد وسعيد بن قيس ـ إذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فإن فعل فقاتله، وإن أصبت فقيس بن سعد على الناس، فإن أُصيب فسعيد بن قيس على الناس "(١) .

٩ ـ خيانة قائد الجيش :

وصل عبيد الله بن العباس إلى " مسكن "(٢) فعسكر فيها، وقابل العدوّ وجهاً لوجه، وعندها بدأت تظهر بوادر الفتنة بوضوح، وانطلقت دسائس معاوية تشقّ طريقها إلى المعسكر حيث تجد المجال الخصب بوجود المنافقين ومن يؤثرون العافية، وكانت الشائعة الكاذبة " أنّ الحسن يكاتب معاوية على الصلح فلِمَ تقتلون أنفسكم ؟ "(٣) .

وارتبك الموقف أمام قائد الجيش وسرت همهمة في الجيش عن

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ٢ / ٧٦ .

(٢) موضع قريب من " أوانا " على نهر الدجيل، وبها كانت الواقعة بين عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزبير سنة / ٧٢ هـ .

(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٦ / ٤٢ .


صدق الشائعة أو كذبها، فبين مصدّق لها وبين مكذّب، وبين من يحاول إثباتها على أيّ حال، ولم يحاول القائد عبيد الله أن يتأكّد من كذب هذه الشائعة وبُعدها عن الواقع، لأنّ الإمام الحسنعليه‌السلام كان مشغولاً في تلك الأثناء ببعث الرسل إلى الأطراف وتهيئة الكتائب اللاحقة بالطلائع ومكاتبة معاوية بالحرب وبعث الحماس بخطبه اللاهبة المحرضة على القتال، ولم يكتب في صلح ولم يكن من رأيه آنذاك أبداً .

فَسَرَتْ الحيرة في نفس قائد الجيش ممّا دفعه للانطواء، فأخذ يفكّر في مصيره، وكان قد بلغه تخاذل الكوفيين عن التحرّك نحو المعركة وتباطؤهم عن تلبية نداء الجهاد، فبدت في نفسه بعض التصورات من أنّه في موقف لا يغبط عليه، وأنّ هذه الطلائع من جيش الكوفة والتي تقف في مواجهة جيش الشام المكتظ لا يمكن أن تقاوم تلك الجموع الحاشدة أو تلتحم معها في معركة مع فقدان توازن القوى بينها .

وبينا هو يعيش هذه الحيرة وتلك الأوهام وصلته رسائل معاوية وهي تحمل في طيّاتها عوامل الإغراء التي تمسّ الوتر الحسّاس في نفس ابن عباس من حبّه للتعاظم وتطلّعه للسبق، وكان معاوية قد خبر نقاط الضعف التي يحملها عبيد الله هذا .

وكانت رسالة معاوية تحمل : "أنّ الحسن قد راسلني في الصلح، وهو مسلِّم الأمر إليّ، فإن دخلت في طاعتي كنت متبوعاً، وإلاّ دخلت وأنت تابع" وجعل له فيها ألف ألف درهم(١) .

وكان أسلوب معاوية في حربه مع أعدائه هو استغلال نقاط الضعف في

__________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٦ / ٤٢ .


خصومه، واستغلال كلّ ما من شأنه أن يوهن العزيمة ويشلّ القوى فيهم .

وهكذا انكفأ عبيد الله بن عباس على نفسه واستجاب لداعي الخيانة، ملتمساً لعدوّه الذي وتره بابنيه، مخلّفاً وراءه لعنة التاريخ، وقد شاء لنفسه أن ينحدر إلى هذا المستوى الساقط فيدخل حمى معاوية ليلاً دخول المهزوم المخذول، الذي يأباه كلّ حرٍّ ينبض عنده الضمير .

وينبلج الصبح عن افتقاد المعسكر قائده، فترقص قلوب المنافقين والمسالمين، وتدمى عيون المخلصين، هذا والحسنعليه‌السلام لا يزال في موقفه الصلب بضرورة مقاتلة معاوية .

ويكاد الأمر ينتقض على الإمامعليه‌السلام في مسكن، ولكنّ القائد الشرعي ـ وهو الرجل المؤمن الصامد قيس بن سعد بن عبادة الذي جعله الإمامعليه‌السلام خلفاً لعبيد الله بن العباس إذا غاب عن القيادة ـ حاول جاداً في أن يحافظ على البقية الباقية من معنويات الجيش المنهارة بانهزام القائد وإقرار التماسك بين فرقِهِ وأفراده، فقام فيهم خطيباً وقال :

"أيّها الناس! لا يهولنّكم ولا يعظمنّ عليكم ما صنع هذا الرجل المولَّه، إنّ هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قطّ، إنّ أباه عمّ رسول الله خرج يقاتله ببدر، فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري، فأتى به رسول الله فأخذ فداءه فقسّمه بين المسلمين، وإنّ أخاه ولاّه على البصرة فسرق ماله ومال المسلمين، فاشترى به الجواري وزعم أنّ ذلك له حلال، وإنّ هذا ولاّه على اليمن فهرب من بسر بن أرطاة، وترك ولده حتى قتلوا، وصنع الآن هذا الذي صنع"(١) .

__________

(١) مقاتل الطالبيين : ٣٥ .


وهكذا اندفع قيس الصامد في موقفه، المؤمن بهدفه، يودّع سلفه بهذه الكلمات الساخرة اللاذعة التي تكشف عن الماضي الهزيل له، وعن نفسيته الساقطة التي دفعته للتردّي في هذا المنحدر السحيق.

وقد فعل قيس في نفوس سامعيه ما أراد، فانطلقت الحناجر بحماس وتوثّب تنادي : "الحمد لله الذي أخرجه من بيننا"(١) فصنع قيس حالة من الشدّ والعزيمة في ذلك الموقف الذي كان للانهيار المؤلم الوشيك عرضة، وعاد النظام يسيطر على عناصر الجيش، واطمأنّ الناس لقائدهم الجديد .

١٠ ـ توالي الخيانات في جيش الإمامعليه‌السلام :

وصلت أنباء استسلام عبيد الله لعدوّه إلى المدائن، وشاع جوّ من المحنة في النفوس، وشعر الإمامعليه‌السلام بالطعنة في الصميم تأتيه من أقرب الناس إليه وأخصّهم به، وتسرّبت إليه أنباء عن مكاتبة بعض رؤساء الأجناد والقوّاد لمعاوية وطلبهم الأمان لأنفسهم وعشائرهم، ومكاتبة معاوية لبعضهم بالأمان والمواعيد(٢) .

وممّا يذكر : "أنّ معاوية دسّ إلى عمرو بن حريث والأشعث بن قيس وحجار بن أبجر وشبث بن ربعي دسيساً أفرد كلّ واحد منهم بعين من عيونه : أنّك إذا قتلت الحسن فلك مئة ألف درهم، وجندٌ من أجناد الشام، وبنتٌ من بناتي" .

فبلغ الحسنعليه‌السلام ذلك فاستلأم ولبس درعاً وسترها، وكان يحترز ولا يتقدّم للصلاة إلاّ كذلك، فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت

__________

(١) مقاتل الطالبيين : ٣٥ .

(٢) أعيان الشيعة : ٤ / ٢٢ .


فيه لما عليه من اللامة(١) .

وهكذا توالت الخيانات في جيش الإمام، ومن ذلك : "أنّ الحسن بعث إلى معاوية قائداً من كندة في أربعة آلاف، فلمّا نزل الأنبار بعث إليه معاوية بخمسمئة ألف درهم، ووعده بولاية بعض كور الشام والجزيرة، فصار إليه في مئتين من خاصّته، ثم بعث رجلاً من مراد ففعل كالأول بعدما حلف الأيمان التي لا تقوم لها الجبال أنّه لا يفعل، وأخبرهم الحسن أنّه سيفعل كصاحبه"(٢) .

ويقف الإمام الحسنعليه‌السلام أمام هذه النكبات والمحن المتتالية، متطامناً على نفسه ناظراً في أمره، وإلى أين ستنتهي به هذه المسيرة .

والذي يظهر لنا من بعض النصوص أنّ ابن عباس لم يفرَّ وحده، بل خرج معه عدد وفير من الزعماء والقوّاد والجند، وهو أمر يمكن أن يساعد عليه الجوّ المشحون بالتشاؤم واليأس من توقّع انتصار الإمامعليه‌السلام على عدوّه.

وهكذا أخذت الأنباء تتوارد على الإمام في المدائن بفرار الخاصة من القواد والزعماء، وقدتبع انهزام هؤلاء فرار كثير من الجند، حيث كان انهزامهم سبباً لحدوث تمرّد وفوضى شاملة في الجيش .

وقد ارتفعت أرقام الفارّين إلى معاوية بعد فرار عبيد الله وخاصّته إلى ثمانية آلاف، كما يذكر اليعقوبي في تاريخه فيقول : "إنّه ـ يعني معاوية ـ أرسل إلى عبيد الله بن عباس، وجعل له ألف ألف درهم، فصار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه، وأقام قيس بن سعد على محاربته"(٣) .

__________

(١) أعيان الشيعة : ٤ / ٢٢ .

(٢) المصدر السابق .

(٣) صلح الإمام الحسن عليه‌السلام : ٨٠ .


واذا أخذنا في اعتبارنا أنّ الجيش الذي كان في "مسكن" إثنا عشر ألفاً فستكون نسبة الفارّين منه إلى معاوية وهي ثلثا الجيش نسبة كبيرة، في حين كان الجيش الذي يقوده معاوية لمواجهة الحسنعليه‌السلام ستين ألفاً تضاف إليه آلاف الفارّين من جيش الحسنعليه‌السلام .

وحقّاً أنّها لصدمة رهيبة ومحنة حادّة تتداعى أمامها القوى، وتنفرج بها أنياب الكارثة عن مأساة مرعبة يتحمّل جزءً كبيراً من مسؤوليّتها عبيد الله بن العباس أمام الله والتاريخ .

والشيء الذي يمكن فهمه من هذا الفرار الجماعي هو وجود تآمر على الخيانة في أوساط جملة من الزعماء والوجوه، وإلاّ فبأيّ قاعدة منطقية يمكن تفسير فرار ثمانية آلاف مقاتل من جيش يستعد للقتال في فترة قصيرة، وهل يكون ذلك إلاّ عن سابق تفكير وإحكام لخطة خائنة؟!

ويقف الإمامعليه‌السلام باحثاً عن المخرج من هذا المأزق الذي تداعت به معنويات جيشه في "مسكن" وتزلزلت منه قوى جيشه في المدائن، خاصة إذا نظر بعين الموازنة بين جيشه وجيش عدوه من حيث العدد .

فكان جيشه يتألف من عشرين ألفاً فقط كما أجمعت عليه المصادر التاريخية(١) بينما يتألف جيش عدّوه من ستين ألفاً، وبعد لحاظ الآلاف الثمانية التي التحقت بمعاوية في "مسكن " بعد خيانة عبيد الله يصبح جيش الحسنعليه‌السلام خمس جيش عدوه، وهذا انهيار كبير حسب الموازين والحسابات العسكرية، هذا فضلاً عمّا تقوله بعض المصادر بخصوص فرار بعض أفراد الجيش في المدائن ممّن استهوتهم المطامع بالاستيلاء على

__________

(١) صلح الإمام الحسن عليه‌السلام : ٨١ .


المغانم وجاءوا رغبة فيها إذا قدِّر الانتصار لجيش الإمام الحسنعليه‌السلام ، فواكبوا مسيرة الجيش، ثم فرّوا بعد أن أحسّوا تفوّق الطرف الآخر عسكرياً في العدَّة والعدد .

وممّا زاد في انهيار الموقف حرب الإشاعات الكاذبة التي شنّها معاوية للقضاء على البقية الباقية من معنويات الجيش في مسكن والمدائن، ونذكر هنا بعض هذه الشائعات ومدى تأثيرها على المعنويات العامة في جيش الإمام الحسنعليه‌السلام بكلا شقّيه في المدائن ومسكن .

وقد عمل معاوية بكلّ ما أمكنه من خبث ومكر من أجل الوقيعة بالجيش الكوفي وتفتيت قواه، وكان اختياره للأكاذيب ينمّ عن خبرة دقيقة في حبكها وانتقائها، فأرسل من يدسّ في معسكر المدائن : "... بأنّ قيس بن سعد وهو قائد مسكن بعد فرار ابن عباس قد صالح معاوية وصار معه ..."(١) .

" ويوجّه إلى عسكر قيس في مسكن من يتحدّث أنّ الحسن قد صالح معاوية وأجابه ..."(٢) .

ثم ينشر في المدائن إشاعةً هي : ".. ألا إنّ قيس بن سعد قد قتل فانفروا، فنفروا بسرادق الحسن فنهبوا متاعه فنازعوه بساطاً تحته، فازداد لهم بغضاً ومنهم ذعراً، ودخل المقصورة البيضاء في المدائن ..."(٣) .

وهكذا طوّقت موجة الشائعات المتدفّقة بمكر معاوية وخبثة جناحي الجيش في المدائن ومسكن، وفَصَمَتْ ما تبقّى فيه من تماسك، وكانت سبباً في زلزلة فئات كثيرة من غوغاء الناس المتأرجحين بين الطاعة والعصيان

__________

(١) تأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٩١ .

(٢) تأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٩١ .

(٣) تأريخ ابن الأثير : ٣ / ٢٠٣ .


ومحبّي الفتن والاضطرابات .

وما الذي ينتظر أن تفعله الشائعات في جيش كجيش المدائن الذي سبق وأنّه علم بخيانة قائد "مسكن " الذي لم يكن قيس بمنزلته في نظره، فلِمَ لا يصدق خيانة قائدها الثاني أو خبر قتله ؟ وليس جيش مسكن بأقلّ حظّاً من تأثّره بهذه الشائعات، وقد سبق وأنّه أصيب بخيانة قائده من قبل .

وفي غمرة هذه الأحداث جاء وفد يمثّل أهل الشام مؤلّف من المغيرة بن شعبة وعبد الله بن كريز وعبد الرحمن بن الحكم وهو يحمل كتب أهل العراق ليُطلع الإمام الحسنعليه‌السلام عليها وما تكنّه ضمائر بعض أصحابه من السوء، وأنّهم تطوّعوا في صفوف جيشه لإذكاء نار الفتنة عندما يحين موعدها المرتقب، وتُنشر الكتب بين يدي الإمامعليه‌السلام ولم تكن لتزيده يقيناً على ما يعرف من أصحابها من دخيلة السوء وحبّ الفتنة، وكانت خطوطهم وتواقيعهم واضحة لديه وصريحة .

وعُرض الصلح على الإمام بالشروط التي يراها مناسبة، ولكنّ الإمام لم يشأ أن يعطيهم من نفسه ما يرضي به طموح معاوية، وكان دقيقاً في جوابه، بحيث لم يشعرهم فيه بقبول الصلح أو ما يشير إلى ذلك، بل اندفع يعظهم ويدعوهم إلى الله عَزَّ وجَلَّ وما فيه نصح لهم وللأُمة ويذكّرهم بما هم مسئولون به أمام الله ورسوله في حقّه .

وحين رأى المغيرة ورفاقه أنّ الدور الأول من الرواية التي حاولها مكر معاوية قد فشلت في إقناع الإمامعليه‌السلام بالصلح بل بقي موقفه صامداً أمام هذه المؤثرات القوية انتقلوا لتنفيذ حلقة ثانية من سلسلة المحاولات المعدّة من قبل معاوية وإن آتت أُكلها لاحقاً، فلا أقل من أنّها ستترك أثراً سيّئاً يزيد موقف الإمام حراجةً وإن لم يتحقّق منها إقناع الإمام بالصُلح .


وغادر الوفد مقصورة الإمام مستعرضاً مضارب الجيش الذي كان يترقّب نتائج المفاوضات، فرفع أحد أفراد الوفد صوته ليسمعه الناس : "إنّ الله قد حقن بابن رسول الله الدماء وسكّن الفتنة وأجاب إلى الصلح ..."(١) .

وهكذا مثّلوا دورهم أروع تمثيل، وخلقوا جوّاً لاهباً من المأساة تدهور على أثرها الموقف، وتفجّرت كوامن الفتنة واضطرب تماسك الجيش ولاحت في الأفق بوادر المحنة، فأيّ غائلة هذه التي ألهب نارها المغيرة ورفاقه ؟.

١١ ـ محاولات اغتيال الإمامعليه‌السلام :

ولم تقف محنة الإمامعليه‌السلام في جيشه إلى هذا الحدّ، فقد أقدم المرتشون والخوارج على قتله، وجرت ثلاث محاولات لاغتيالهعليه‌السلام وسلم منها، وهي كما يلي :

١ ـ إنّهعليه‌السلام كان يصلّي فرماه شخص بسهم فلم يؤثّر شيئاً فيه(٢) .

٢ ـ طعنه الجرّاح بن سنان في فخذه، وقال الشيخ المفيد : " إنّ الحسن أراد أن يمتحن أصحابه ليرى طاعتهم له وليكون على بصيرة من أمره، فأمر أن ينادى بالصلاة جامعة، فلمّا اجتمع الناس قام خطيباً فقال :

"... أمّا بعد، فإنّي والله لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة، ولا مريداً له بسوء ولا غائلة، وأنّ ما تكرهون في الجماعة خير لكم ممّا تحبّون في الفرقة، وأنّي ناظر لكم خير من نظركم

__________

(١) تأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٩١ .

(٢) حياة الإمام الحسن : ٢ / ١٠٦ .


لأنفسكم فلا تخالفوا أمري، ولا تردّوا عليّ رأيي، غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإيّاكم لما فيه المحبّة والرضا" .

ونظر الناس بعضهم إلى بعض وهم يقولون ما ترونه يريد ؟ واندفع بعضهم يقول : والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه، فقالوا : كفر والله الرجل .

ثم شدّوا على فسطاطه وانتهبوه حتى أخذوا مصلاّه من تحته، ثم شدَّ عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عاتقه فبقي جالساً متقلّداً السيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه وأحدق به طوائف من خاصّته وشيعته ومنعوا منه من أراده، فقال :ادعوا إليّ ربيعة وهمدان ، فدعوا فأطافوا به ودفعوا الناس عنه عليه‌السلام وسار ومعه شعوب من غيرهم، فلمّا مرّ في مظالم ساباط بَدَرَ إليه رجل من بني أسد يقال له " الجراح بن سنان " فأخذ بلجام بغلته وبيده مغول وقال : الله أكبر أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل، ثم طعنه في فخذه فشقّه حتّى بلغ العظم، ثم اعتنقه الحسن عليه‌السلام وخرّا جميعاً إلى الأرض، فوثب إليه رجل من شيعة الحسن عليه‌السلام يقال له " عبد الله ابن خطل الطائي " فانتزع المغول من يده وخضخض به جوفه فأكبّ عليه آخر يقال له " ظبيان بن عمارة " فقطع أنفه فهلك من ذلك، وأُخذ آخر كان معه فقتل وحمل الحسن عليه‌السلام على سرير إلى المدائن " (١) .

٣ ـ طعنه بخنجر في أثناء الصلاة(٢) .

__________

(١) الإرشاد : ١٩٠ .

(٢) ينابيع المودة : ٢٩٢ .


١٢ ـ موقف الإمام الحسنعليه‌السلام :

قال الشيخ المفيد : " ونظر ( الإمام الحسنعليه‌السلام ) في أمورهم ( أي في أمور الناس ) فازدادت بصيرة الحسنعليه‌السلام بخذلان القوم له وفساد نيّات المحكِّمة فيه بما أظهروه له من السبّ والتكفير له واستحلال دمه ونهب أمواله، ولم يبق معه من يأمن غوايله إلاّ خاصّته من شيعة أبيه وشيعته وهم جماعة لا تقوم لأجناد الشام، فكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح، وأنفذ إليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه، فاشترط له على نفسه في إجابته إلى صلحه شروطاً كثيرة، وعقد له عقوداً كان في الوفاء بها مصالح شاملة، فلم يثق به الحسنعليه‌السلام وعلم باحتياله بذلك واغتياله، غير أنّه لم يجد بدّاً من إجابته إلى ما التمس من ترك الحرب وإنفاذ الهدنة لما كان عليه أصحابه ممّا وصفناه من ضعف البصائر في حقّه والفساد عليه والخلف منهم له وما انطوى عليه كثير منهم في استحلال دمه وتسليمه إلى خصمه وما كان من خذلان ابن عمّه له ومصيره إلى عدوّه وميل الجمهور منهم إلى العاجلة وزهدهم في الآجلة ..."(١) .

__________

(١) الإرشاد : ١٩٠ ـ ١٩١ .


البحث الثاني : في الصلح وأسبابه ونتائجه

تعتبر المرحلة التي صالح فيها الإمام الحسنعليه‌السلام معاوية بن أبي سفيان من أصعب مراحل حياتهعليه‌السلام وأكثرها تعقيداً وحسّاسية وأشدها إيلاماً، بل إنّها كذلك وعلى مدى حياة أهل بيت رسول اللهعليه‌السلام ، وقد أصبح صلح الإمامعليه‌السلام من أهم الأحداث في التاريخ الإسلامي بما تستبطنه من موقف بطولي للإمام المعصومعليه‌السلام ، وبما أدّى إليه من تطورات واعتراضات وتفسيرات مختلفة طوال القرون السالفة وحتى عصرنا الحاضر، وألّف الباحثون المسلمون في توضيح وتحليل الصلح كتباً عديدة، وأصدر الأعداء والأصدقاء أحكامهم بشأنه.

وقد انبرى باحثون معاصرون من الطراز الممتاز مثل المرحوم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والشيخ راضي آل ياسين والشيخ باقر شريف القرشي للكتابة عن الإمامعليه‌السلام وصلحه الذي قام به من أجل الإسلام.

وسنبدأ بالحديث عمّا ورد عن هذا الصلح تأريخياً، ثم ننقل كلمات الإمامعليه‌السلام في الأسباب الكامنة وراء قبوله بالصلح، وبعد ذلك نقوم بالتحليل.

إتمام الحجّة :

ذكر المؤرّخون : أنّ الإمام الحسنعليه‌السلام بعد أن رأى خيانات جيشه والمحيطين به ونفاقهم، مع أنّه لم يبق له ثمّة أمل في ثباتهم وصمودهم في مواجهة العدو، ومع انكشاف ما تنطوي عليه تلك الضمائر من رغبات، لكنّهعليه‌السلام ولكي يتمّ الحجة ألقى فيهم الخطاب الآتي :

" ويلكم ! والله إنّ معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وإنّي أظنّ إن وضعتُ يدي في يده فأسلمه لم يتركني أدين بدين جَدّي، وإنّي اَقدِرُ أن أعبدَ الله عَزَّ وجَلَّ وحدي، ولكن كأنّي أنظر إلى أبنائكم واقفين على


أبواب أبنائهم يستسقونهم ويطعمونهم بما جعل الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون، فبُعداً وسحقاً لما كسبته أيديهم، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون " (١) .

ومرّةً أخرى، وقبل أن يقبل باقتراح معاوية للصلح قام الإمامعليه‌السلام بإتمام الحجّة، من خلال خطاب يتضمّن استطلاعاً لآراء أصحابه، واستخباراً لنيّاتهم، فقد قالعليه‌السلام بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه :

" أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلّة ولا قلّة، ولكن كنّا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فَشيب السلام بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم تتوجَّهون معنا ودينُكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم، وكنّا لكم وكنتم لنا، وقد صرتم اليوم علينا، ثمّ أصبحتم تصدّون قتيلَين : قتيلاً بصفّين تبكون عليهم، وقتيلاً بالنهروان تطلبون بثأرهم، فأمّا الباكي فخاذل، وأمّا الطالب فثائر " (٢) .

وبعد ذلك عرض عليهم اقتراح معاوية الصلح، فقالعليه‌السلام :"وإنّ معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عزٌّ ولا نَصَفَةٌ، فإن أردتم الحياة قبلناه منه، وأغضضنا على القذى، وإن أردتم الموت بذلناه في ذات الله، وحاكمناه إلى الله ؟" (٣) .

وأضاف الراوي : " فنادى القوم بأجمعهم : بل البقيةُ والحياة "(٤) .

__________

(١) تاريخ الطبري : ٤ / ١٢٢، وتذكرة الخواص لابن الجوزي : ١١٢ .

(٢) بحار الأنوار : ٤٤ / ٢١ .

(٣) بحار الأنوار : ٤٤ / ٢١ .

(٤) بحار الأنوار : ٤٤ / ٢١ .


القبول بالصلح :

لم يبق أمام الإمام الحسنعليه‌السلام سبيلٌ غير القبول بالصلح، وترك أمر الحكم لمعاوية فترةً من الزمن، ويتبيّن من خلال التمعّن في بنود معاهدة الصلح أنّ الإمامعليه‌السلام لم يقدّم أيّ امتياز لمعاوية، وأنّهعليه‌السلام لم يعترف به رسمياً باعتباره خليفةً وحاكماً للمسلمين، بل إنّما اعتبر الحكم القيادة حقّه الشرعي، مثبتاً بطلان ادعاءات معاوية بهذا الصدد .

بنود معاهدة الصلح :

لم تذكر المصادر التأريخية نصّاً صريحاً لكتاب الصلح، الذي يعتبر الوثيقة التأريخية لنهاية مرحلة من أهم مراحل التأريخ الإسلامي، وبخاصة في عصوره الأول، ولا نعرف سبباً وجيهاً لهذا الإهمال .

وقد اشتملت المصادر المختلفة على ذكر بعض النصوص مع إهمال البعض الآخر، ويمكن أن تؤلف من مجموعها صورة الشروط التي أخذها الإمامعليه‌السلام على معاوية في الصلح، وقد نسّقها بعض الباحثين وأوردها على صورة مواد خمس، ونحن نوردها هنا كما جاءت، ونهمل ذكر المصادر التي ذكرها في الهامش اعتماداً عليه(١) .

وهي كما يلي :

١ ـ تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وبسنّة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبسيرة الخلفاء الصالحين .

__________

(١) يراجع صلح الحسن، لآل ياسين : ص٢٥٩، وقد اعتمد في نقله على اُمهات الكتب والمصادر التاريخية كالطبري وابن الأثير وابن قتيبة والمقاتل وغيرها .


٢ ـ أن يكون الأمر للحسن من بعده، فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين، وليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد .

٣ ـ أن يترك سبّ أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة، وأن لا يذكر عليّاً إلاّ بخير .

٤ ـ استثناء ما في بيت مال الكوفة وهو خمسة آلاف ألف، فلا يشمله تسليم الأمر، وعلى معاوية أن يحمل إلى الحسن ألفي ألف درهم، وأن يُفضّل بني هاشم في العطاء والصِلات على بني عبد شمس، وأن يفرِّق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل، وأولاد من قتل معه بصفّين ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دار أبجر .

٥ ـ على أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وأن يؤمن الأسود والأحمر، وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وأن لا يتبع أحداً بما مضى، ولا يأخذ أهل العراق بإحنة .

وعلى أمان أصحاب عليّ حيث كانوا، وأن لا ينال أحداً من شيعة عليّ بمكروه، وأنّ أصحاب عليّ وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وأن لا يتعقّب عليهم شيئاً ولا يتعرّض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كلّ ذي حقّ حقّه، وعلى ما أصاب أصحاب عليّ حيث كانوا .

وعلى أن لا يبغي للحسن بن عليّ ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله غائلة، سرّاً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق.

وقد اعتبر بعض الباحثين المادة الرابعة من موضوعات الأُمويين أو العباسيين لتشويه صورة أهل البيتعليهم‌السلام وبخاصة الإمام الحسنعليه‌السلام ،


باعتبار أنّ هذه المادة لا تتناسب وشأن الإمام الحسنعليه‌السلام ومقامه(١) والله أعلم .

هذه إذن هي المواد الخمس التي أوصلها لنا التاريخ كأسس للصلح بين الحسن ومعاوية، أو على الأقلّ أنّها تمثل طبيعة الشروط التي أملاها الإمامعليه‌السلام على معاوية .

أسباب الصلح كما تُصَورّها النصوص عن الإمام الحسنعليه‌السلام :

١ ـ روى الشيخ الصدوق في " علل الشرايع " بسنده عن أبي سعيد عقيصا الذي سأل الإمام الحسنعليه‌السلام عن السبب الذي دفعه إلى الصلح مع معاوية من أنّهعليه‌السلام يعلم أنّه على الحقّ وأنّ معاوية ضالّ وظالم، فأجابه الإمامعليه‌السلام :" يا أبا سعيد، ألستُ حجّة الله تعالى ذكره على خلقه، وإماماً عليهم بعد أبي عليه‌السلام ؟ قلتُ : بلى، قال :ألستُ الذي قال رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لي ولأخي : الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا ؟ قلتُ : بلى، قال :فأنا إذن إمام لو قمتُ، وأنا إمام إذا قعدتُ، يا أبا سعيد عِلّةُ مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لبني ضُمْرة وبني أشجع، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية، أُولئك كفّار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفّار بالتأويل، يا أبا سعيد إذا كنتُ إماماً من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يُسَفَّه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته مُلتبساً، ألا ترى الخضر عليه‌السلام لمَّا خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى عليه‌السلام فعله؟ لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي. هكذا أنا، سخطتم عليّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه، ولو لا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحدٌ إلاّ قُتِل " (٢) .

__________

(١) زندگانى امام حسن : ٢٢٣ .

(٢) علل الشرايع : ٢٠٠ .


ونقل الطبرسي في " الاحتجاج "(١) شبيه هذا السبب عن الإمام الحسنعليه‌السلام .

٢ ـ ذكر زيد بن وهب الجهني أنّه بعد أن جُرح الإمامعليه‌السلام في المدائن، سألته عن موقفه الذي سيتّخذه في هذه الظروف، فأجابعليه‌السلام :" أرى والله معاوية خيراً لي من هؤلاء، يزعمون أنّهم لي شيعة، ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وآمَن به في أهلي خيرٌ من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي، والله لو قاتلتُ معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سِلْماً، فو الله لإن أسالمه وأنا عزيز خيرٌ من أن يقتلني وأنا أسيره أو يَمُنّ عليّ فتكون سُبّةً على بني هاشم إلى آخر الدّهر، ومعاوية لا يزال يَمُنُّ بها وعقبه على الحيّ منّا والميت " (٢) .

٣ ـ وذكر سليم بن قيس الهلالي أنه عندما جاء معاوية إلى الكوفة; صعد الإمام الحسنعليه‌السلام المنبر بحضوره، وبعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه، قال :" أيّها الناس إنّ معاوية زعم أنّي رأيته للخلافة أهلاً، ولم أر نفسي لها أهلاً، وكذب معاوية، أنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبيّ الله، فاُقسم بالله لو أنّ الناس بايعوني وأطاعوني ونصروني لأعطتهم السماء قَطْرَها، والأرضُ بركتها، ولما طمعتَ فيها يا معاوية، وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما ولّت أُمة أمرها رجلاً قطّ وفيهم من هو أعلم منه إلاّ لم يزل أمرُهم يذهب سِفالاً، حتى يرجعوا إلى ملّة عبدةِ العجل " (٣) .

٤ ـ وعن سبب الصلح روى العلاّمة القندوزي في " ينابيع المودة " أنّ الإمام الحسنعليه‌السلام ألقى في الناس خطاباً جاء فيه :" أيّها الناس قد علمتم أنّ الله

__________

(١) بحار الأنوار : ٤٤ / ١٩ .

(٢) الاحتجاج للطبرسي : ١٤٨ .

(٣) بحار الأنوار : ٤٤ / ٢٢ .


 (جلّ ذكره وعزّ اسمه) هداكم بجدَّي وأنقذكم من الضلالة، وخلّصكم من الجهالة، وأعزّكم به بعد الذلّة، وكثّركم به بعد القلّة، وأنّ معاوية نازعني حقّاً هو لي دونه، فنظرت لصلاح الأُمة وقطع الفتنة، وقد كنتم بايعتموني على أن تُسالموا من سالمني وتحاربوا مَن حاربني، فرأيتُ أن أسالم معاوية وأضعَ الحرب بيني وبينه، وقد صالحته ورأيتُ أنّ حقن الدماء خيرٌ من سفكها، ولم أرد بذلك إلاّ صلاحكم وبقاءكم ( وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) " (١) .

٥ ـ في رواية نقلها السيد المرتضى (رحمة الله عليه) أنّ حجر بن عدي اعترض على الإمامعليه‌السلام بعد موافقته على الصلح وقال له : "سوّدت وجوه المؤمنين" فأجابه الإمامعليه‌السلام :"ما كلُّ أحد يحبُّ ما تحبّ ولا رأيه كرأيك، وإنّما فعلتُ ما فعلتُ إبقاءً عليكم" .

وبعد ذلك أشار إلى أنّ شيعة الإمامعليه‌السلام اعترضوا على الصلح وأعربوا عن تأسّفهم لقرار الإمامعليه‌السلام ، ومن بينهم سليمان بن صرد الخزاعي الذي قال للإمام : "ما ينقضي تعجّبنا من بيعتك معاوية، ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة، كلّهم يأخذ العطاء، وهم على أبواب منازلهم، ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم، سوى شيعتك من أهل البصرة والحجاز، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العقد، ولا حظّاً من العطيّة، فلو كنت إذ فعلتَ ما فعلتَ أشهدت على معاوية وجوه أهل المشرق والمغرب، وكتبت عليه كتاباً بأنّ الأمر لك بعده، كان الأمر علينا أيسر، ولكنّه أعطاك شيئاً بينك وبينه لم يفِ به، ثم لم يلبث أن قال على رؤوس الأشهاد : " إنّي كنتُ شرطتُ شروطاً ووعدتُ عداة إرادة لإطفاء نار الحرب، ومداراةً لقطع الفتنة، فلمّا أن جمع

__________

(١) ينابيع المودة : ٢٩٣ .


الله لنا الكَلِم والألفة فإنّ ذلك تحت قدمي" والله ما عنى بذلك غيرك، وما أراد إلاّ ما كان بينك وبينه، وقد نقض، فإذا شئت فأعِد، الحرب خدعة، وائذن لي في تقدّمك إلى الكوفة، فاُخرج عنها عاملَه واُظهر خلعه وتنبذ إليه على سواء، إنّ الله لا يحبّ الخائنين، وتكلّم الباقون بمثل كلام سليمان.

فأجابه الإمامعليه‌السلام : "أنتم شيعتنا وأهل مودّتنا، فلو كنتُ بالحزم في أمر الدنيا أعمل، ولسلطانها أركض وأنصب، ما كان معاوية بأبأس منّي بأساً، ولا أشدّ شكيمة ولا أمضى عزيمةً، ولكنّي أرى غير ما رأيتم، وما أردت بما فعلتُ إلاّ حقن الدماء فارضوا بقضاء الله، وسلّموا لأمره والزموا بيوتكم وأمسكوا"(١) .

تحليلان لأسباب الصلح :

التحليل الأوّل :

لقد حاول معاوية أن يظهر نفسه بأنّه رجل مسالم يدعو إلى السلام والصلح، وذلك عبر رسائله إلى الإمام الحسنعليه‌السلام التي يدعوه فيها إلى الصلح مهما كانت شروط الإمامعليه‌السلام ، وقد اعتبر الباحثون أنّ الخطاب السلمي لمعاوية كان أخطر حيلة فتّت عضد الإمامعليه‌السلام ، الأمر الذي أزّم ظروفهعليه‌السلام ولم يكن للإمام خيار غير القبول بالصلح .

وفي هذا الصدد يقول الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء : " فوجد ـ أي الإمام الحسنعليه‌السلام ـ أنّه لو رفض الصلح وأصرّ على الحرب فلا يخلو: إمّا أن يكون هو الغالب ومعاوية المغلوب، وهذا وإن كانت تلك

__________

(١) بحار الأنوار : ٤٤ / ٢١ ـ ٢٨ .


الأوضاع والظروف تجعله شبه المستحيل، ولكن فليكن بالفرض هو الواقع، ولكن هل مغبة ذلك إلاّ تظلّم الناس لبني أمية؟ وظهورهم بأوجع مظاهر المظلومية؟ فماذا يكون موقف الحسن إذاً لو افترضناه هو الغالب؟

أمّا لو كان هو المغلوب فأول كلمة تقال من كلّ متكلم : إنّ الحسن هو الذي ألقى بنفسه إلى التهلكة، فإنّ معاوية طلب منه الصلح الذي فيه حقن الدماء فأبى وبغى، وعلى الباغي تدور الدوائر، وحينئذ يتمّ لمعاوية وأبي سفيان ما أرادا من الكيد للإسلام وإرجاع الناس إلى جاهليتهم الأُولى وعبادة اللاّت والعزى، ولا يُبقي معاوية من أهل البيت نافخ ضرمة، بل كان نظر الإمام الحسنعليه‌السلام في قبول الصلح أدقّ من هذا وذاك، أراد أن يفتك به ويظهر خبيئة حاله، وما ستره في قرارة نفسه قبل أن يكون غالباً أو مغلوباً، وبدون أن يزجّ الناس في حرب، ويحملهم على ما يكرهون من إراقة الدماء".

إنّ معاوية المسلم ظاهراً العدّو للإسلام حقيقة وواقعاً، كان يخدع الناس بغشاء رقيق من الدين خوفاً من رغبة الناس إلى الحسن وأبيه من قبل، فأراد الحسن أن يخلّي له الميدان، حتى يُظهِر ما يُبطِن، وهكذا فعل.

وفور إبرام الصلح; صعد المنبر في جمع غفير من المسلمين، وقال : "إنّي ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلّوا ..."!!.

أُنظر ما صنع الإمام الحسن بمعاوية في صلحه، وكيف هدّ جميع مساعيه وهدم كلّ مبانيه حتى ظهر الحقّ وزهق الباطل، وخسر هنالك المبطلون، فكان الصلح في تلك الظروف هو الواجب المتعيّن على الحسن، كما أنّ الثورة على "يزيد" في تلك الظروف كان هو الواجب المتعيّن على أخيه الإمام الحسين، كلّ ذلك للتفاوت بين الزمانين، والاختلاف بين الرجلين (أي: معاوية وابنه) .

ولو لا صلح الإمام الحسن ـ الذي فضح معاوية وشهادة الإمام الحسينعليه‌السلام التي قضت على يزيد وانقرضت بها الدولة السفيانية بأسرع وقت ـ لذهبت جهود جدّهما بطرفة عين، ولصار الدين دين آل أبي سفيان، دين الغدر والفسق والفجور، دين إبادة الصالحين واستبقاء الفجرة الفاسقين .


ولو قيل : لماذا لم ينتهج الإمام الحسنعليه‌السلام سبيل الشهادة كما فعل الإمام الحسينعليه‌السلام ، فإنَّ الحسينعليه‌السلام أيضاً كان يعلم أنّه لن يستطيع تحقيق النصر العسكري على يزيد ؟

فالجواب :

١ ـ إنّ معاوية كان يُظهر الإسلام، ويزيد كان يتجاهر بالفسق والفجور، فضلاً عن دهاء الأب وبلادة الابن .

٢ ـ مثّلت خيانة الكوفيين بالنسبة إلى الحسينعليه‌السلام خطوته الموفّقة في التمهيد لنجاحه المطّرد في التاريخ، ولكنّها كانت بالنسبة إلى أخيه الحسنعليه‌السلام (يوم مسكن والمدائن) عقبته الكؤود عن تطبيق عملية الجهاد، فإنّ حوادث نقض بيعة الحسين كانت قد سبقت تعبئته للحرب، فجاء جيشه الصغير يوم وقف به للقتال، منخولاً من كلّ شائبة تضيره كجيش إمام له أهدافه المثلى(١) .

التحليل الثاني :

إن معاوية كان قد نشط في عهد الخليفتين الثاني والثالث بإمارته على الشام عشرين سنة، تمكّن بها في أجهزة الدولة، وصانع الناس فيها وأطمعهم

__________

(١) صلح الحسن للشيخ راضي آل ياسين : ٣٧١ ـ ٣٧٢ .


به فكانت الخاصة في الشام كلّها من أعوانه، وعظم خطره في الإسلام، وعرف في سائر الأقطار بكونه من قريش أسرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنّه من أصحابه، حتى كان في هذه أشهر من كثير من السابقين الأولين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، كأبي ذرّ وعمّار والمقداد وأضرابهم .

هكذا نشأت "الأُموية" مرّةً أخرى، تغالب الهاشمية باسم الهاشمية في علنها، وتكيد لها كيدها في سرّها، فتندفع مع انطلاق الزمن تخدع العامة بدهائها، وتشتري الخاصة بما تغدقه عليهم من أموال الأُمة، وبما تؤثرهم به من الوظائف التي ما جعلها الله للخونة من أمثالهم، تستغل مظاهر الفتح وإحراز الرضا من الخلفاء، حتى إذا استتبّ أمر "الأُموية" بدهاء معاوية; انسلّت إلى أحكام الدين انسلال الشياطين، تدسّ فيها دسّها، وتفسد إفسادها، راجعة بالحياة إلى جاهلية تبعث الاستهتار والزندقة وفق نهج جاهلي وخطة نفعية ترجوها "الأُموية" لاستيفاء منافعها، وتسخّرها لحفظ امتيازاتها(١) .

والناس عامة لا يفطنون لشيء من هذا، فإنّ القاعدة المعمول بها في الإسلام ـ أعني قولهم : الإسلام يجبّ ما قبله ـ ألقت على فظائع "الأُموية" ستراً حجبها، ولا سيَّما بعد أن عفا عنها رسول الله وتألّفها، وبعد أن قرّبها الخلفاء منهم، واصطفوها بالولايات على المسلمين، وأعطوها من الصلاحيات ما لم يعطوا غيرها من ولاتهم، فسارت في الشام سيرتها عشرين عاماً لا يتناهون عن منكر فعلوه ولا ينهون .

وقد كان الخليفة الثاني عظيم المراقبة لبعض عمّاله دقيق المحاسبة لهم

__________

(١) للتعرّف على عداء معاوية وموبقاته التي تمثّلت في تعطيله الحدود الإلهية وتحريف الأحكام الشرعية وشرائه لأديان الناس وضمائرهم وخلاعته ومجونه وافتعاله للحديث وغيرها من المنكرات الفظيعة، راجع حياة الإمام الحسن : ٢ / ١٤٥ ـ ٢١٠.


دون بعض، لا يأخذه في ذلك مانع من الموانع أصلاً، تَعْتَعَ بخالد بن الوليد عامله على " قنسرين " إذ بلغه أنّه أعطى الأشعث عشرة آلاف، فأمر به فعقله " بلال الحبشي " بعمامته، وأوقفه بين يديه على رِجل واحدة مكشوف الرأس على رؤوس الأشهاد من رجال الدولة ووجوه الشعب في المسجد الجامع بحمص، يسأله عن العشرة آلاف أهي من ماله أم من مال الأُمة؟ فإن كانت من ماله فهو الإسراف والله لا يحبّ المسرفين، وإن كانت من مال الأُمة فهي الخيانة والله لا يحب الخائنين، ثم عزله فلم يولّه بعد حتى مات .

وكم لعمر مع بعض عمّاله من أمثال ما فعله بخالد وأبي هريرة يعرفها المتتبّعون! لكنّ معاوية كان أثيره وخلّصه، على ما كان من التناقض في سيرتيهما، ما كفّ يده عن شيء ولا ناقشه الحساب في شيء، وربّما قال له : " لا آمرك ولا أنهاك "، يفوّض له العمل برأيه، فشدّة مراقبة الخليفة الثاني ودقّة محاسبته كانت من نصيب بعض عمّاله، ولم تشمل الجميع على حدّ سواء، إذ أنّ معاوية ـ وهو عامله على الشام ـ كان طليق اليدين يفعل ما تشاء أهواؤه وما تبغيه شهواته.

وهذا ما أطغى معاوية، وأرهف عزمه على تنفيذ خططه " الأُموية " وقد وقف الحسن والحسين من دهائه ومكره إزاء خطر فظيع، يهدّد الإسلام باسم الإسلام، ويطغى على نور الحقّ باسم الحقّ، فكانا في دفع هذا الخطر أمام أمرين لا ثالث لهما : إمّا المقاومة وإمّا المسالمة، وقد رأيا أنّ المقاومة في دور الحسن تؤدي لا محالة إلى فناء هذا الصفّ المدافع عن الدين وأهله، والهادي إلى الله عَزَّ وجَلَّ وإلى صراطه المستقيم .

ومن هنا رأى الحسنعليه‌السلام أن يترك معاوية لطغيانه، ويمتحنه بما يصبو إليه من الملك، لكن أخذ عليه في عقد الصلح أن لا يعدو الكتاب


والسنّة في شيء من سيرته وسيرة أعوانه، وأن لا يطلب أحداً من الشيعة بذنب أذنبه مع الأُموية، وأن يكون لهم من الكرامة وسائر الحقوق ما لغيرهم من المسلمين، وأن، وأن، وأن، إلى غير ذلك من الشروط التي كان الإمام الحسن عالماً بأنّ معاوية لا يفي له بشيء منها وأنّه سيقوم بنقائضها .

هذا ما أعدَّهعليه‌السلام لرفع الغطاء عن الوجه " الأُموي " المموّه، ولصهر الطلاء عن مظاهر معاوية الزائغة، ليبرز حينئذ هو وسائر أبطال " الأُموية " كما هم جاهليّون لم تخفق صدورهم بروح الإسلام لحظة، ثأريّون لم تنسهم مواهب الإسلام ومراحمه شيئاً من أحقاد بدر وأُحد والأحزاب .

وبالجملة: فإنّ هذه الخطّة ثورة عاصفة في سلم لم يكن منه بدّ، أملاه ظرف الإمام الحسنعليه‌السلام ، إذ التبس الحقّ بالباطل، وتسنّى للطغيان فيه سيطرة مسلّحة ضارية، ما كان الحسنعليه‌السلام ببادئ هذه الخطة ولا بخاتمها، بل أخذها فيما أخذه من إرثه، وتركها مع ما تركه من ميراثه، فهو كغيره من أئمة هذا البيتعليهم‌السلام يسترشد الرسالة في إقدامه وإحجامه، امتحن بهذه الخطّة فرضخ لها صابراً محتسباً وخرج منها ظافراً طاهراً.

تهيّأ للحسنعليه‌السلام بهذا الصلح أن يفرش في طريق معاوية كميناً من نفسه يثور عليه من حيث لا يشعر فيرديه، وتسنّى له أن يلغم نصر الأُموية ببارود الأُموية نفسها، فيجعل نصرها جفاءً وريحَها هباءً .

لم يطل الوقت حتى انفجرت أُولى القنابل المغروسة في شروط الصلح، انفجرت من نفس معاوية يوم نشوته بنصره، إذ انضمّ جيش العراق إلى لوائه في النخيلة، فقال ـ وقد قام خطيباً فيهم ـ : " يا أهل العراق! إنّي والله لم أقاتلكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتزكّوا، ولا لتحجّوا، وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون، ألا وأنّ كلّ شيء أعطيته للحسن


ابن علي جعلته تحت قدميّ هاتين"(١) .

ثمّ تتابعت سياسة معاوية، تتفجر بكلّ ما يخالف الكتاب والسنّة من كلّ منكر في الإسلام، قتلاً للأبرار وهتكاً للأعراض وسلباً للأموال وسجناً للأحرار، ختم معاوية منكراته هذه بحمل خليعه المهتوك على رقاب المسلمين، يعيث في دينهم ودنياهم، فكان من خليعه ما كان يوم الطفّ، ويوم الحرّة، ويوم مكة إذ نصب عليهم العرّادات والمجانيق .

ومهما يكن من أمر فالمهمّ أنّ الحوادث جاءت تفسّر خطّة الإمام الحسن وتجلوها، وكان أهمّ ما يرمي إليه سلام الله عليه أن يرفع اللثام عن هؤلاء الطغاة، ليحول بينهم وبين ما يبيّتون لرسالة جدّه من الكيد، وقد تمّ له كلّ ما أراد، حتى برح الخفاء وآذن أمر الأُموية بالجلاء، والحمد لله رب العالمين.

وبهذا استتبّ لصنوه سيد الشهداء أن يثور ثورته التي أوضح الله بها الكتاب، وجعله فيها عبرة لأولي الألباب .

وقد كاناعليهما‌السلام وجهين لرسالة واحدة، كلّ وجه منهما في موضعه منها، وفي زمانه من مراحلها، يكافئ الآخر في النهوض بأعبائها ويوازنه بالتضحية في سبيلها، فالحسنعليه‌السلام لم يبخل بنفسه، ولم يكن الحسينعليه‌السلام أسخى منه بها في سبيل الله، وإنّما صان نفسه يجنّدها في جهاد صامت، فلمّا حان الوقت كانت شهادة كربلاء شهادة حسنيّة قبل أن تكون حسينيّة وكان يوم ساباط أعرق بمعاني التضحية من يوم الطفّ لدى أولي الألباب ممّن تعمّق، لأنّ الإمام الحسنعليه‌السلام أعطي من البطولة دور الصابر على احتمال

__________

(١) صلح الإمام الحسن : ٢٨٥ عن المدائني، وراجع أيضاً شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٤ / ١٦، وتأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٩٢ .


المكاره في صورة مستكين قاعد، وكانت شهادة الطفِّ حسنيّة أولاً وحسينيّة ثانياً ; لأنّ الحسن أنضج نتائجها ومهّد أسبابها .

وقد وقف الناس ـ بعد حادثتي ساباط والطفّ ـ يمعنون في الأحداث; فيرون في هؤلاء الأُمويين عصبة جاهلية منكرة، بحيث لو مثلت العصبيات الجلفة النذلة الظلوم لم تكن غيرهم، بل تكون دونهم في الخطر على الإسلام وأهله . .(١) .

زبدة المخض :

إذن تتلخّص أسباب الصلح فيما يلي :

١ ـ ضعف أنصار الإمام وتخاذلهم وعدم انصياعهم لأوامره بعد تأثير دسائس معاوية فيهم، وبهذا سوف لا تجدي المقاومة بل سوف تتحتّم الانتكاسة للخط الرسالي أمام مكر معاوية، وعلى الإمام أن يحافظ على بقاء هذا الخط وتناميه في مجتمع يسوده مكر معاوية وخدائعه .

٢ ـ ويترتّب على انتكاسة جيش الإمام الحسنعليه‌السلام استشهاده مع الخلَّص من أهل بيته وأصحابه أو أسرهم وبقاؤهم أحياءً في سجن معاوية أو إطلاق سراحهم مع بقائهم في موقع الضعف بعد الامتنان عليهم بالحرّية، وكل هذه النتائج غير محمودة .

فإنّ الاستشهاد إذا لم يترتّب عليه أثر مشروع عاجل أو آجل فلا مبرّر له، ولا سيَّما إذا اقترن بتصفية الخط الإمامي وإبادته الشاملة .

٣ ـ صيانة الثلّة المؤمنة بحقّانية أهل البيتعليهم‌السلام وحفظهم من التصفية

__________

(١) راجع مقدمة صلح الإمام الحسن للشيخ راضي آل ياسين .


والإبادة الأُموية الشاملة بعد إحراز بقاء الحقد الأُموي لبني هاشم ومن يحذو حذوهم، كما أثبتته حوادث التاريخ الإسلامي الدامي .

٤ ـ حقن دماء المسلمين حيث لا تجدي الحرب مع الفئة الباغية .

٥ ـ كشف واقع المخطّط الأُموي الجاهلي وتحصين الأُمة الإسلامية ضدّه بعد أن مهّدت الخلافة لسيطرة صبيان بني أمية على زمام قيادة الأُمة المسلمة والتلاعب بمصير الكيان الإسلامي ومصادرة الثورة النبويّة المباركة.

٦ ـ ضرورة تهيئة الظروف الملائمة لمقارعة الكفر والنفاق المستتر من موقع القوّة .

لقد خفيت الأسباب الحقيقية التي كانت تكمن وراء الموقف الإلهي الذي اتّخذّه الإمام المعصوم على كثير من الناس المعاصرين للحدث وعلى بعض اللاحقين من أصحاب الرؤى السطحية أو المُضَلَّلين الذين وقعوا تحت تأثير التزييف للحقائق، لكن الأحداث التي أعقبت الصلح والسياسات العدوانية التي انتهجها معاوية وبقية الحكام الأُمويين والتي ألحقت أضراراً جسيمة بالإسلام والمسلمين كشفت عن بعض أسرار موقف الإمام الحسنعليه‌السلام .


البحث الثالث : ما بعد الصلح حتى الشهادة

الاجتماع في الكوفة :

بعد توقيع الصلح بين الإمام الحسنعليه‌السلام ومعاوية اتّفقا على مكان يلتقيان به، ليكون هذا اللقاء تطبيقاً عملياً للصلح، وليعترف كلّ منهماعلى سمع من الناس بما أعطى صاحبه من نفسه وبما يلتزم له من الوفاء بعهوده، فاختارا الكوفة فقصدا إليها، وقصدت معهما سيول من الناس غصّت بهم العاصمة الكبرى، وكان أكثر الحاضرين جند الفريقين، تركوا معسكريهما وحفّوا لليوم التاريخي الذي كتب على طالع الكوفة النحس أن تشهده راغمة أو راغبة .

ونودي في الناس إلى المسجد الجامع، ليستمعوا هناك إلى الخطيبين الموقِّعَيْنِ على معاهدة الصلح، وكان لا بدّ لمعاوية أن يستبق إلى المنبر، فسبق إليه وجلس عليه(١) ، وخطب في الناس خطبته الطويلة التي لم ترو المصادر منها إلاّ فقراتها البارزة فقط .

منها : "أمّا بعد، ذلكم فإنّه لم تختلف أُمة بعد نبيّها إلاّ غلب باطلها حقّها !!". قال الراوي : وانتبه معاوية لما وقع فيه، فقال : إلاّ ما كان من هذه الأُمة، فإنّ حقّها غلب باطلها(٢) .

ومنها : "يا أهل الكوفة! أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج

__________

(١) قال جابر بن سمرة : "ما رأيت رسول الله يخطب إلاّ وهو قائم، فمن حدّثك أنّه خطب وهو جالس فكذّبه" رواه الجزائري في آيات الأحكام: ٧٥، والظاهر أن معاوية أول من خطب وهو جالس .

(٢) تاريخ اليعقوبي : ٢ / ١٩٢ .


وقد علمت أنّكم تصلّون وتزكّون وتحجّون ؟ ولكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم وألي رقابكم، وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون ! ألا إنّ كلّ دم أصيب في هذه الفتنة مطلول، وكلّ شرط شرطته فتحت قدميّ هاتين!! ..."(١) .

وروى أبو الفرج الأصفهاني عن حبيب ابن أبي ثابت مسنداً: أنه ذكر في هذه الخطبة عليّاً فنال منه، ثمّ نال من الحسن(٢) .

ثمّ قام الإمام الحسنعليه‌السلام فخطب في هذا الموقف الدقيق خطبته البليغة الطويلة التي جاءت من أروع الوثائق عن الوضع القائم بين الناس وبين أهل البيتعليهم‌السلام بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ووعظ ونصح ودعا المسلمين ـ في أوّلها ـ إلى المحبّة والرضا والاجتماع، وذكّرهم ـ في أواسطها ـ مواقف أهله بل مواقف الأنبياء، ثم ردّ على معاوية ـ في آخرها ـ دون أن يناله بسبٍّ أو شتم، ولكنّه كان بأسلوبه البليغ أوجع شاتم وسابٍّ .

وكان ممّا قالهعليه‌السلام (٣) : "أيّها الذاكر عليّاً ! أنا الحسن وأبي عليّ، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدّي رسول الله وجدّك عتبة بن ربيعة، وجدّتي خديجة، وجدّتك فُتَيْلَة، فلعن الله أخملنا ذكراً، وألأمنا حسباً، وشرنا قديماً وحديثاً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً" .

المعارضون للصلح :

أ ـ قيس بن سعد بن عبادة :

اشتهر قيس بموالاة أهل البيتعليهم‌السلام وكان أمير المؤمنينعليه‌السلام قد عيّنه

__________

(١) صلح الإمام الحسن : ٢٨٥ عن المدائني .

(٢) شرح نهج البلاغة : ٤ / ١٦ .

(٣) نقل نص الخطاب الشيخ آل ياسين في "صلح الإمام الحسن" : ٢٨٦ ـ ٢٨٩ .


والياً على مصر في أوائل خلافته وعندما سمع قيس بن سعد نبأ التوقيع على الصلح بين الإمامعليه‌السلام ومعاوية غشيته سحب من الأحزان، واستولت عليه موجة من الهموم، لكنّه عاد إلى الكوفة في نهاية المطاف .

وكان معاوية بعد أن خدع عبيد الله بن العباس; قد بعث رسالة إلى قيس يمنّيه ويتوعّده، فأجابه قيس : "لا والله لا تلقاني إلاّ بيني وبينك السيف أو الرمح ..."(١) ، فغضب معاوية لهذا الجواب القاطع فأرسل إليه رسالة يشتمه فيها ويتوعّده وجاء فيها : "أمّا بعد، فإنّك يهودي تشقى نفسك، وتقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحبّ الفريقين إليك نبذك وغدرك، وإن ظهر أبغضهم إليك نكّل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه، ورمى غير غرضه، فأكثر الجذ، وأخطأ المفصل، فخذله قومه، وأدركه يومه، فمات بحوران غريباً، والسلام"(٢) .

فأجابه قيس : "أمّا بعد، فإنّما أنت وثن ابن وثن، دخلت في الإسلام كرهاً، وأقمت فيه خرقاً، وخرجت منه طوعاً، ولم يجعل الله لك فيه نصيباً، لم يقدم إسلامك، ولم يحدث نفاقك، لم تزل حرباً لله ولرسوله، وحزباً من أحزاب المشركين، وعدوّاً لله ولنبيّه وللمؤمنين من عباده، وذكرت أبي فلعمري ما أوتر إلاّ قوسه، ولا رمى إلاّ غرضه، فشغب عليه من لا تشقّ غباره، ولا تبلغ كعبه، وزعمت أنّي يهوديّ ابن يهودي وقد علمت وعلم الناس أنّي وأبي أعداء الدين الذي خرجت منه ـ يعني الشرك ـ وأنصار الدين الذي دخلت فيه وصرت إليه، والسلام"(٣) .

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ٢ / ٢٦٧ .

(٢) نفس المصدر : ٢ / ٢٦٧ ـ ٢٦٨ .

(٣) نفس المصدر : ٢٦٨ .


ولمّا علم معاوية بعودة قيس إلى الكوفة دعاه إلى الحضور لمبايعته، لكن قيس رفض لأنّه كان قد عاهد الله أن لا يجتمع معه إلاّ وبينهما السيف أو الرمح، فأمر معاوية بإحضار سيف ورمح ليجعل بينهما حتى يبرّ قيس بيمينه ولا يحنث، ووقتذاك حضر قيس الاجتماع وبايع معاوية(١) .

ب ـ حجر بن عدي :

وهو من كبار صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنينعليه‌السلام ، ومن أبدال عصره، وحسب ابن الأثير الجزري في "اُسد الغابة" وغيره، أنّه وصل مقاماً في القرب إلى الله تعالى بحيث أصبح مستجاب الدعوة، وقد قتل شهيداً في "مرج عذراء" وهي إحدى قرى الشام، بأمر معاوية وبواسطة أزلامه، وقد اندلعت إثر شهادته موجة من الاحتجاجات على سياسات معاوية وحتى ندّدت عائشة وآخرون بالجريمة(٢) .

وبالرغم من الحبّ والولاء اللذين يكنهما "حجر" للإمام الحسن وأبيهعليهما‌السلام ، إلاّ أنّ الانفعالات دفعت به إلى ظلمات اليأس والقنوط في اللحظات التي تمّ فيها قرار الصلح، من هنا خاطب الإمامعليه‌السلام وفي حضور معاوية بقوله : "أما والله لوددت أنّك متّ في ذلك اليوم ومتنا معك، ولم نر هذا اليوم، فإنّا رجعنا راغمين بما كرهنا، ورجعوا مسرورين بما أحبّوا" .

وحسب المدائني أنّ كلام "حجر" ترك في نفس الإمام بالغ الأسى والحزن، فانبرىعليه‌السلام وبعد أن فرغ المسجد مبيّناً له العلّة التي صالح من أجلها قائلاً : "يا حجر! قد سمعت كلامك في مجلس معاوية، وليس كلّ إنسان يحبّ ما

__________

(١) راجع لمزيد من التفصيل مقاتل الطالبيين وحياة الإمام الحسن.

(٢) اُسد الغابة : ١ / ٣٨٦ .


تحبّ ولا رأيه كرأيك، وإنّي لم أفعل ما فعلتُ إلاّ إبقاءً عليكم، والله تعالى كلّ يوم هو في شأن"(١) .

ج ـ عدي بن حاتم :

وعدي من الشجعان والمخلصين لأهل البيتعليهم‌السلام ، وقد نقل أُنه قال للإمام وقد ذابت حشاه من الحزن والمصاب : "يابن رسول الله! لوددت أنّي متّ قبل ما رأيت، أخرجتنا من العدل إلى الجور، فتركنا الحقّ الذي كنّا عليه، ودخلنا في الباطل الذي كنّا نهرب منه، وأعطينا الدنيّة من أنفسنا، وقبلنا الخسيس التي لم تلق بنا"، فأجابه الإمامعليه‌السلام : "يا عدي! إنّي رأيت هوى معظم الناس في الصلح وكرهوا الحرب، فلم أُحبّ أن أحملهم على ما يكرهون، فرأيتُ دفع هذه الحروب إلى يوم ما، فإنّ الله كلّ يوم هو في شأن"(٢) .

د ـ المُسيَّب بن نجبة وسليمان بن صُرد :

وعرفا بالولاء والإخلاص لأهل البيتعليهم‌السلام ، وقد تألّما من الصلح فأقبلا إلى الإمام وهما محزونا النفس فقالا : ما ينقضي تعجّبنا منك ! بايعت معاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من الكوفة سوى أهل البصرة والحجاز"، فقال الإمام للمسيّب : "ما ترى؟" قال : والله أرى أن ترجع لأنّه نقض العهد، فأجابه الإمام : "إنّ الغدر لا خير فيه ولو أردت لما فعلت ..."(٣) .

وجاء في رواية أخرى أنّ الإمامعليه‌السلام أجابه : "يا مسيّب! إنّي لو أردت ـ بما

__________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٦ / ١٥ .

(٢) حياة الإمام الحسن : ٢ / ٢٧٤ .

(٣) مناقب ابن شهر آشوب : ٤ / ٣٥، طبعة قم.


فعلت ـ الدنيا لم يكن معاوية بأصبر عند اللقاء ولا أثبت عند الحرب منّي، ولكن أردت صلاحكم وكفّ بعضكم عن بعض"(١) .

إلى يثرب :

بقي الإمام الحسنعليه‌السلام في الكوفة أياماً، ثمّ عزم على مغادرة العراق، والشخوص إلى مدينة جدّه، وقد أظهر عزمه ونيّته إلى أصحابه، ولمّا أذيع ذلك دخل عليه المسيّب بن نجبة الفزاري وظبيان بن عمارة التميمي ليودّعاه، فالتفت لهما قائلاً : "الحمد لله الغالب على أمره، لو أجمع الخلق جميعاً على أن لا يكون ما هو كائن ما استطاعوا إنّه والله ما يكبر علينا هذا الأمر إلاّ أن تضاموا وتنتقصوا، فأمّا نحن فإنّهم سيطلبون مودّتنا بكلّ ما قدروا عليه" .

وطلب منه المسيّب وظبيان المكث في الكوفة فامتنععليه‌السلام من إجابتهم قائلاً : "ليس إلى ذلك من سبيل"(٢) .

ولدى توجّههعليه‌السلام وأهل بيته إلى عاصمة جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ; خرج أهل الكوفة بجميع طبقاتهم إلى توديعه وهم ما بين باك وآسف(٣) .

وسار موكب الإمام ولكنّه لم يبعد كثيراً عن الكوفة حتى أدركه رسول معاوية يريد أن يردّه إلى الكوفة ليقاتل طائفة من الخوارج قد خرجت عليه، فأبىعليه‌السلام أن يعود وكتب إلى معاوية : "ولو آثرت أن أقاتل أحداً من أهل القبلة لبدأت بقتالك، فإنّي تركتك لصلاح الأُمة وحقن دمائها"(٤) .

وانتهت قافلة الإمام إلى يثرب، فلمّا علم أهلها بتشريفهعليه‌السلام خفّوا

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ٢ / ٢٧٧ .

(٢) حياة الإمام الحسن : ٢ / ٢٨٥ ـ ٢٨٦ .

(٣) تحفة الأنام للفاخوري : ٦٧ .

(٤) حياة الإمام الحسن : ٢ / ٢٨٧ .


جميعاً لاستقباله، فقد أقبل إليهم الخير وحلّت في ديارهم السعادة والرحمة، وعاودهم الخير الذي انقطع عنهم منذ أن نزح أمير المؤمنينعليه‌السلام عنهم .

جاء الحسنعليه‌السلام مع إخوته وأهل بيته إلى يثرب، فاستقام فيها عشر سنين، فملأ رباعها بعطفه المستفيض ورقيق حنانه وحلمه، ونقدّم عرضاً موجزاً لبعض أعماله وشؤونه فيها .

مرجعية الإمام الحسنعليه‌السلام العلمية والدينيّة :

وتمثّلت في تربيته لكوكبة من طلاّب المعرفة، وتصدّيه للانحرافات الدينية التي كانت تؤدي إلى مسخ الشريعة، كما تصدّى لمؤامرة مسخ السنّة النبويّة الشريفة التي كان يخطّط لها معاوية بن أبي سفيان من خلال تنشيط وضع الأحاديث والمنع من تدوين الحديث النبويّ .

مدرسة الإمام ونشاطه العلمي :

أنشأ الإمام مدرسته الكبرى في يثرب، وراح يعمل مجدّاً في نشر الثقافة الإسلامية في المجتمع الإسلامي، وقد انتمى لمدرسته كبار العلماء وعظماء المحدّثين والرواة، ووجد بهم خير عون لأداء رسالته الإصلاحية الخالدة التي بلورت عقلية المجتمع وأيقظته بعد الغفلة والجمود، وقد ذكر المؤرّخون بعض أعلام تلامذته ورواة حديثه وهم : ابنه الحسن المثنى، والمسيّب بن نجبة، وسويد بن غفلة، والعلا بن عبد الرحمن، والشعبي، ومبيرة بن بركم، والأصبغ بن نباتة، وجابر بن خلد، وأبو الجوزا، وعيسى بن مأمون بن زرارة، ونفالة بن المأموم، وأبو يحيى عمير بن سعيد النخعي، وأبو مريم قيس الثقفي، وطحرب العجلي، وإسحاق بنيسار والد محمد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن عوف،


وسفين بن الليل، وعمرو بن قيس الكوفيون(١) ، وقد ازدهرت يثرب بهذه الكوكبة من العلماء والرواة فكانت من أخصب البلاد الإسلامية علماً وأدباً وثقافة .

وكما كان يتولّى نشر العلم في يثرب كان يدعو الناس إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والتأدّب بسنّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد رفععليه‌السلام منار الأخلاق التي جاء بها جدّه الرسول لإصلاح المجتمع وتهذيبهم، فمن سموّ أخلاقه أنّه كان يصنع المعروف والإحسان حتى مع أعدائه ومناوئيه، وقد بلغه أنّ الوليد بن عقبة قد ألمّ به السقم فمضى لعيادته مع ما عُرف به الوليد من البغض والعداء لآل البيت، فلمّا استقرّ المجلس بالإمام انبرى إليه الوليد قائلاً: "إنّي أتوب إلى الله تعالى ممّا كان بيني وبين جميع الناس إلاّ ما كان بيني وبين أبيك فإنّي لا أتوب منه"(٢) .

وأعرض الإمام عنه ولم يقابله بالمثل، ولعلّه أوصله ببعض ألطافه وهداياه(٣) .

مرجعيّته الاجتماعية :

والتي تمثّلت في عطفه على الفقراء وإحسانه وبذله المعروف، وتجلّت في استجارة المستجيرين به للتخلّص من ظلم الأُمويين وأذاهم .

أ ـ عطفه على الفقراء :

وأخذعليه‌السلام يفيض الخير والبرّ على الفقراء والبائسين، ينفق جميع ما

__________

(١) تاريخ ابن عساكر : ج١٢، صورة فوتوغرافية في مكتبة الإمام أمير المؤمنين .

(٢) شرح ابن أبي الحديد : ١ / ٣٦٤ .

(٣) حياة الإمام الحسن : ٢ / ٢٨٨ ـ ٢٨٩ .


عنده عليهم، وقد ملأ قلوبهم سروراً بإحسانه ومعروفه، ومن كرمه أنّه جاءه رجل في حاجة فقال له : "أُكتب حاجتك في رقعة وادفعها إلينا"، فكتبها ذلك الشخص ورفعها إليه، فأمرعليه‌السلام بضعفها له، قال بعض الحاضرين: ما كان أعظم بركة هذه الرقعة عليه يا بن رسول الله ؟!، فأجابهعليه‌السلام : "بركتها علينا أعظم، حين جعلنا للمعروف أهلاً، أما علمت أنّ المعروف ما كان ابتداءً من غير مسألة، فأمّا من أعطيته بعد مسألة فإنّما أعطيته بما بذل لك من وجهه، وعسى أن يكون بات ليلته متململاً أرقاً يميل بين اليأس والرجاء، لا يعلم بما يرجع من حاجته، أبكآبة أم بسرور النجح، فيأتيك وفرائصه ترعد، وقلبه خائف يخفق، فإن قضيت له حاجته فيما بذلك من وجهه فإنّ ذلك أعظم ممّا نال من معروفك" .

لقد كان موئلاً للفقراء والمحرومين، وملجأً للأرامل والأيتام، وقد تقدّمت بعض بوادر جوده ومعروفه التي كان بها مضرب المثل للكرم والسخاء .

ب ـ الاستجارة به :

كانعليه‌السلام في عاصمة جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كهفاً منيعاً لمن يلجأ إليه، وملاذاً حصيناً لمن يلوذ به، قد كرّس أوقاته في قضاء حوائج الناس، ودفع الضيم والظلم عنهم، وقد استجار به سعيد بن أبي سرح من زياد فأجاره، فقد ذكر الرواة أنّه كان معروفاً بالولاء لأهل البيتعليهم‌السلام فطلبه زياد من أجل ذلك فهرب إلى يثرب مستجيراً بالإمام، ولمّا علم زياد ذلك عمد إلى أخيه وولده وزوجه فحبسهم، ونقض داره، وصادر أمواله، وحينما علم الإمام الحسن ذلك شقّ عليه الأمر، فكتب رسالة إلى زياد يأمره فيها بأن يعطيه الأمان،


ويخلّي سبيل عياله وأطفاله، ويشيّد داره، ويردّ عليه أمواله(١) .

مرجعيّته السياسيّة :

لقد صالح الإمام الحسنعليه‌السلام معاوية من موقع القوّة، كما نصّت المعاهدة على أن يكون الأمر من بعده للحسن ولا يبغي له الغوائل والمكائد .

إذن من الطبيعي أن يكون الإمام محور المعارضة والشوكة التي تنغّص على بني أمية ومعاوية ملكهم وتكدّر صفوهم، ونجد في أدعية الإمام ولقاءاته بالحاكمين وبطانتهم ورسائله وخطبه نشاطاً سياسياً واضحاً تمثّل في :

أ ـ مراقبته للأحداث ومتابعتها ومراقبة سلوك الحاكمين وعمّالهم، وأمرهم بالمعروف وردعهم عن المنكر، كما لاحظنا في مراسلته لزياد لرفع الضغط عن سعيد بن أبي سرح، ولومه لحبيب بن مسلمة وهو في الطواف على إطاعته لمعاوية(٢) .

ب ـ النشاط السياسي المنظَّم والذي كان يتمثّل في استقباله لوفود المعارضة، وتوجيههم ودعوتهم إلى الصبر، وأخذ الحزم وانتظار أوامر الإمام التي ستصدر في الفرصة المناسبة، كما تمثّل في تأكيده المستمرّ على الدور القيادي لأهل البيتعليهم‌السلام واستحقاقه للخلافة والإمامة .

ويرى الدكتور طه حسين أنّ الإمام قد شكّل حزباً سياسياً حين مكثه في المدينة، وتولّى هو رئاسته وتوجيهه الوجهة المناسبة لتلك الظروف .

ج ـ عدم تعاطفه مع أركان النظام الحاكم بالرغم من محاولاتهم لكسب عطف الإمام أو تغطية نشاطاته أو إدانتها، وقد تمثّل هذا الجانب في رفضه

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ٢ / ٢٨٩ ـ ٢٩٠ .

(٢) راجع حياة الإمام الحسن : ٢ / ٢٩٣ .


لمصاهرة الأُمويين وفضحه لخططهم وكشفه لواقعهم المنحرف وعدم استحقاق معاوية للخلافة، وتجلّى بوضوح في مناظراته مع معاوية وبطانته في المدينة ودمشق على حدّ سواء، ونكتفي بالإشارة إلى بعض مواقفه .

رفض الإمامعليه‌السلام مصاهرة الأُمويين :

ورام معاوية أن يصاهر بني هاشم ليحوز بذلك الشرف والمجد، فكتب إلى عامله على المدينة مروان بن الحكم أن يخطب ليزيد زينب بنت عبد الله ابن جعفر على حكم أبيها في الصداق، وقضاء دينه بالغاً ما بلغ، وعلى صلح الحيّين بني هاشم وبني أمية، فبعث مروان خلف عبد الله، فلمّا حضر عنده فاوضه في أمر كريمته، فأجابه عبد الله : إنّ أمر نسائنا بيد الحسن بن علي فاخطب منه، فأقبل مروان إلى الإمام فخطب منه ابنة عبد الله، فقالعليه‌السلام : "اجمع مَن أردت" فانطلق مروان فجمع الهاشميّين والأُمويين في صعيد واحد وقام فيهم خطيباً، وبيّن أمر معاوية له .

فردّ الإمامعليه‌السلام عليه، فقال بعد حمد الله والثناء عليه : "أمّا ما ذكرت من حكم أبيها في الصداق فإنّا لم نكن لنرغب عن سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أهله وبناته(١) ، وأمّا قضاء دين أبيها فمتى قضت نساؤنا ديون آبائهن ؟ وأمّا صلح الحيّين فإنّا عاديناكم لله وفي الله فلا نصالحكم للدنيا ..." .

وفي ختام كلمته قال الإمامعليه‌السلام : "وقد رأينا أن نزّوجها (يعني زينب) من ابن عمّها القاسم بن محمد بن جعفر، وقد زوّجتها منه، وجعلت مهرها ضيعتي التي لي بالمدينة، وقد أعطاني معاوية بها عشرة آلاف دينار" .

__________

(١) كانت سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مهر أزواجه وبناته أربعمئة درهم .


ورفع مروان رسالة إلى معاوية أخبره بما حصل، فلمّا وصلت إليه قال : "خطبنا إليهم فلم يفعلوا، ولو خطبوا إلينا لما رددناهم"(١) .

من مواقف الإمام الحسنعليه‌السلام مع معاوية وبطانته :

أ ـ مع معاوية في المدينة :

روى الخوارزمي أنّ معاوية سافر إلى يثرب فرأى تكريم الناس وحفاوتهم بالإمام وإكبارهم له ممّا ساءه ذلك، فاستدعى أبا الأسود الدؤلي والضحّاك بن قيس الفهري، فاستشارهم في أمر الحسن وأنّه بماذا يوصمه ليتّخذ من ذلك وسيلة للحطّ من شأنه والتقليل من أهميّته أمام الجماهير، فأشار عليه أبو الأسود بالترك قائلاً :

"رأي أمير المؤمنين أفضل، وأرى ألاّ يفعل فإنّ أمير المؤمنين لن يقول فيه قولاً إلاّ أنزله سامعوه منه به حسداً، ورفعوا به صعداً، والحسن يا أمير المؤمنين معتدل شبابه، أحضر ما هو كائن جوابه، فأخاف أن يرد عليك كلامك بنوافذ تردع سهامك، فيقرع بذلك ظنوبك(٢) ، ويبدي به عيوبك، فإنّ كلامك فيه صار له فضلاً، وعليك كلاً، إلاّ أن تكون تعرف له عيباً في أدب، أو وقيعة في حسب، وإنّه لهو المهذّب، قد أصبح من صريح العرب في عزّ لُبابها، وكريم محتدها، وطيب عنصرها، فلا تفعل يا أمير المؤمنين" .

وقد أشار عليه أبو الأسود بالصواب، ومنحه النصيحة، فأيّ نقص أو عيب في الإمام حتى يوصمه به، وهو المطهّر من كلّ رجس ونقص كما نطق

__________

(١) مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ١٢٤ .

(٢) الظنوب : العظم اليابس من الساق .


بذلك الذكر الحكيم؟ ولكنّ الضحّاك بن قيس قد أشار على معاوية بعكس ذلك فحبّذ له أن ينال من الإمام ويتطاول عليه قائلاً : "امضِ يا أمير المؤمنين فيه برأيك ولا تنصرف عنه بدائك، فإنّك لو رميته بقوارص كلامك ومحكم جوابك لذلّ لك كما يذلّ البعير الشارف(١) من الإبل" .

واستجاب معاوية لرأي الضحّاك، فلمّا كان يوم الجمعة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على نبيّه، ثم ذكر أمير المؤمنين وسيّد المسلمين علي بن أبي طالبعليه‌السلام فانتقصه، ثم قال :

"أيّها الناس! إنّ صبية من قريش ذوي سفه وطيش وتكدّر من عيش أتعبتهم المقادير، فاتّخذ الشيطان رؤوسهم مقاعد، وألسنتهم مبارد، فأباض وفرخ في صدورهم، ودرج في نحورهم، فركب بهم الزلل، وزيّن لهم الخطل، وأعمى عليهم السُبل، وأرشدهم إلى البغي والعدوان والزور والبهتان، فهم له شركاء وهو لهم قرين ( وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً ) وكفى لهم مؤدّباً، والمستعان الله" .

فوثب إليه الإمام الحسن مندفعاً كالسيل رادّاً عليه افتراءه وأباطيله قائلاً :

"أيّها الناس! من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب، أنا ابن نبيّ الله، أنا ابن من جعلت له الأرضُ مسجداً وطهوراً، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن خاتم النبيّين، وسيّد المرسلين، وإمام المتّقين، ورسول ربّ العالمين، أنا ابن من بعث إلى الجنّ والإنس، أنا ابن من بعث رحمةً للعالمين" .

__________

(١) البعير الشارف : المسنّ الهرم .


وشقّ على معاوية كلام الإمام فبادر إلى قطعه قائلاً : "يا حسن! عليك بصفة الرطب"، فقالعليه‌السلام :"الريح تلقحه والحرّ ينضجه، والليل يبرده ويطيبه، على رغم أنفك يا معاوية" ثم استرسلعليه‌السلام في تعريف نفسه قائلاً :

"أنا ابن مستجاب الدعوة، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن أول من ينفض رأسه من التراب، ويقرع باب الجنّة، أنا ابن من قاتلت الملائكة معه ولم تقاتل مع نبيّ قبله، أنا ابن من نصر على الأحزاب، أنا ابن من ذلّت له قريش رَغماً" .

وغضب معاوية واندفع يصيح : "أما أنّك تحدّث نفسك بالخلافة" .

فأجابه الإمامعليه‌السلام عمّن هو أهل للخلافة قائلاً :"أمّا الخلافة فلمن عمل بكتاب الله وسنَّة نبيّه، وليست الخلافة لمن خالف كتاب الله وعطّل السنّة، إنّما مثل ذلك مثل رجل أصاب ملكاً فتمتّع به، وكأنّه انقطع عنه وبقيت تبعاته عليه" .

وراوغ معاوية، وانحط كبرياؤه فقال : "ما في قريش رجل إلاّ ولنا عنده نِعَم جزيلة ويد جميلة" .

فردّعليه‌السلام قائلاً :"بلى، من تعزّزت به بعد الذلّة، وتكثّرت به بعد القلّة" .

فقال معاوية : "من أُولئك يا حسن ؟"، فأجابه الإمامعليه‌السلام :"من يلهيك عن معرفتهم" .

ثم استمرعليه‌السلام في تعريف نفسه إلى المجتمع فقال :

"أنا ابن من ساد قريشاً شاباً وكهلاً، أنا ابن من ساد الورى كرماً ونبلاً، أنا ابن من ساد أهل الدنيا بالجود الصادق، والفرع الباسق، والفضل السابق، أنا ابن من رضاه رضى الله، وسخطه سخطه، فهل لك أن تساميه يا معاوية ؟" ، فقال معاوية : أقول لا تصديقاً لقولك، فقال الحسن :"الحق أبلج، والباطل لجلج، ولم يندم من ركب الحقّ، وقد خاب من ركب الباطل :

والحقّ يعرفه ذوو الألباب )

فقال معاوية على عادته من


المراوغة : لا مرحباً بمن ساءك(١) .

ب ـ في دمشق :

اتفق جمهور المؤرّخين على أنّ الإمام الحسنعليه‌السلام قد وفد على معاوية في دمشق، واختلفوا في أنّ وفادته كانت مرةً واحدةً أو أكثر، وإطالة الكلام في تحقيق هذه الجهة لا تغنينا شيئاً، وإنّما المهم البحث عن سرّ سفره، فالذي نذهب إليه أنّ المقصود منه ليس إلاّ نشر مبدأ أهل البيتعليهم‌السلام وإبراز الواقع الأُموي أمام ذلك المجتمع الذي ضلّله معاوية وحرّفه عن الطريق القويم، أمّا الاستدلال عليه فإنّه يظهر من مواقفه ومناظراته مع معاوية، فإنّه قد هتك بها حجابه .

أمّا الذاهبون إلى أنّ سفره كان لأخذ العطاء فقد استندوا إلى إحدى الروايات الموضوعة فيما نحسب، وهذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها; لأنّ الإمام قد عرف بالعزّة والإباء والشمم، على أنّه كان في غنىً عن صلات معاوية; لأنّ له ضياعاً كبيرة في يثرب كانت تدرّ عليه بالأموال الطائلة، مضافاً إلى ما كان يصله من الحقوق التي كان يدفعها خيار المسلمين وصلحاؤهم.

على أنّ الأموال التي كان يصله بها معاوية على القول بذلك لم يكن ينفقها على نفسه وعياله، فقد ورد أنّه لم يكن يأخذ منها مقدار ما تحمله الدابة بفيها(٢) .

وروى الإمام موسى بن جعفرعليهما‌السلام : "أنّ الحسن والحسين كانا لا يقبلان جوائز معاوية بن أبي سفيان"(٣) .

__________

(١) راجع حياة الإمام الحسن : ٢ / ٢٩٧ ـ ٢٩٩ عن الخوارزمي .

(٢) جامع أسرار العلماء ، مخطوط بمكتبة كاشف الغطاء العامة .

(٣) حياة الإمام الحسن : ٢ / ٣٠٣ ـ ٣٠٤ .


وضاق معاوية ذرعاً بالإمام الحسنعليه‌السلام حينما كان في دمشق بعد الذي رآه من إقبال الناس واحتفائهم به، فعقد مجالس حشدها بالقوى المنحرفة عن أهل البيتعليهم‌السلام والمعادية لهم مثل : ابن العاص والمغيرة بن شعبة ومروان بن الحكم والوليد بن عقبة وزياد بن أبيه وعبد الله بن الزبير، وأوعز لهم بالتطاول على ريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والنيل منه، ليزهد الناس فيه، ويشفي نفسه من ابن فاتح مكة ومحطّم أوثان قريش، وقد قابله هؤلاء الأوغاد بمرارة القول وبذاءة الكلام، وكانعليه‌السلام يسدِّد لهم سهاماً من منطقه الفيّاض فيسكتهم.

ولقد كان الإمام في جميع تلك المناظرات هو الظافر المنتصر، وخصومه الضعفاء قد اعترتهم الاستكانة والهزيمة والذهول .

المناظرة الأُولى :

أقبل معاوية على الإمامعليه‌السلام فقال له : "يا حسن أنا خير منك !" فقال له الإمامعليه‌السلام : "وكيف ذاك يا بن هند ؟"، فقال معاوية : لأنّ الناس قد أجمعوا عليّ، ولم يجمعوا عليك .

فقال له الإمامعليه‌السلام : "هيهات، لشرّ ما علوت يا بن آكلة الأكباد، المجتمعون عليك رجلان : بين مطيع ومكره، فالطائع لك عاص لله، والمكره معذور بكتاب الله، وحاشا لله أن أقول أنا خير منك لأنّك لا خير فيك، فإنّ الله قد برّأني من الرذائل كما برأك من الفضائل"(١) .

المناظرة الثانية :

وهناك موقف آخر، ولعلّه من أروع ما نقله التأريخ من مواقف الإمامعليه‌السلام ، فقد اجتمع لدى معاوية أربعة من أعمدة حكمه ومروّجي جاهليّته، وهم : عمرو بن العاص والوليد بن عقبة بن أبي معيط وعتبة بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة، وطلبوا منه إحضار الإمامعليه‌السلام لكي يعيبوه وينالوا منه، بعدما ساءهم إلتفاف الناس حوله يلتمسون منه عطاء العلم والدين.

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ٢ / ٣٠٦ ، عن روضة الواعظين للنيسابوري .


ويقال : إنّ معاوية رفض أن يرسل إليه، وقال : "لا تفعلوا، فوالله ما رأيته قطّ جالساً عندي إلاّ خفت مقامه وعيبه لي، وقال : إنّه ألسن بني هاشم" فعزموا عليه بأن يرسل إليه .

فقال : إن بعثت إليه لأنصفنّه منكم، فقال ابن العاص : أتخشى أن يأتي باطله على حقّنا ؟! قال معاوية : أما إنّي إن بعثت إليه لآمرنه أن يتكلّم بلسانه كلّه، واعلموا أنّهم أهل بيت، لا يعيبهم العائب، ولا يلصق بهم العار، ولكن اقذفوه بحجره، تقولون له : إنّ أباك قتل عثمان، وكره خلافة الخلفاء قبله .

ثم أرسل إلى الإمام من يدعوه، فحضر فأكرمه معاوية وأعظمه، وقال له : إنّي كرهت أن أدعوك، ولكن هؤلاء حملوني على ذلك، وإنّ لك منهم النصف ومنّي، وإنّا دعوناك لنقرّرك أنّ عثمان قتل مظلوماً، وأنّ أباك قتله، فأجبهم، ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم أن تتكلّم بكلّ لسانك .

فتكلّم عمرو بن العاص، فذكر عليّاً، وتجاوز في سبّه وشتمه، ثم ثنّى بالحسن وعابه وأغرق في الخدشة، وممّا قاله : "... يا حسن، تحدّث نفسك أنّ الخلافة صائرة إليك، وليس عندك عقل ذلك ولا لبّه وإنّما دعوناك لنسبّك أنت وأباك ..." .

ثم تكلّم الوليد بن عقبة فشنّع وأبان عن عنصريته، ونال من بني هاشم.

ثم تكلّم عتبة بن أبي سفيان، فأفصح عن حقده ولؤمه، وممّا قال : "... يا حسن، كان أبوك شرّ قريش لقريش، أسفكه لدمائها، وأقطعه لأرحامها، طويل السيف واللسان، يقتل الحيّ ويصيب الميّت، وأمّا رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادماً، ولا في ميزانها راجحاً" .

ثم تكلّم المغيرة بن شعبة، فشتم عليّاً وقال : "والله ما أعيبه في قضية بخون، ولا في حكم بميل، ولكنّه قتل عثمان .

ثم سكتوا، فتكلّم الإمامعليه‌السلام ، وممّا قال :

"أمّا بعد يا معاوية، فما هؤلاء شتموني، ولكنّك شتمتني، فحشاً ألفته، وسوء رأي عرفت به، وخُلقاً سيئاً ثبتّ عليه، وبغياً علينا عداوة لمحمد وآله، ولكن اسمع يا معاوية واسمعوا فلأقولنّ فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم" .

ثم أخذ في المقارنة بين مواقف أبيه ومواقف معاوية وأبيه، فقال :

"أنشدكم الله، هل تعلمون أُنه أول الناس إيماناً، وأ نّك يا معاوية وأباك من المؤلّفة قلوبهم، تسرّون الكفر، وتظهرون الإسلام، وتستمالون بالأموال.


وإنّه كان صاحب راية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر، وإنّ راية المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه، ثم لقيكم يوم اُحد ويوم الأحزاب، ومعه راية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومعك ومع أبيك راية الشرك، وفي كلّ ذلك يفتح الله له، ويفلج حجّته، وينصر دعوته، ويصدق حديثه، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تلك المواطن كلّها عنه راض، وعليك وعلى أبيك ساخط" .

وأخذعليه‌السلام في تعداد فضائل أبيه وما ورد فيه من الأحاديث على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومواقفه العظيمة التي نصر بها الدين وأذلّ بها المشركين، ثم قال :"وجاء أبوك على جمل أحمر يوم الأحزاب يحرّض الناس وأنت تسوقه وأخوك عتبة هذا يقوده، فرآكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلعن الراكب والقائد والسائق، وأنت يا معاوية، دعا عليك رسول الله لمّا أراد أن يكتب كتاباً إلى بني خزيمة فبعث إليك، فنهمك إلى يوم القيامة فقال :اللّهمّ لا تشبعه" .

ثم أخذ في بيان بعض مواقف أبيه مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمواطن السبعة التي لعن فيها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا سفيان، وبعد أن أنهى خطابه لمعاوية، التفت إلى عمرو بن العاص فقال:

وأمّا أنت يا بن النابغة، فادّعاك خمسة من قريش، غلب عليك الأمهم حسباً وأخبثهم منصباً، وولدت على فراش مشترك، ثم قام أبوك فقال : أنا شانئ محمد الأبتر، فأنزل الله فيه ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ) وقاتلت رسول الله في جميع المشاهد وهجوته، وآذيته في مكة وكدته، وكنت من أشدّ الناس له تكذيباً وعداوة .

ثمّ خرجت تريد النجاشي، لتأتي بجعفر وأصحابه، فلمّا أخطأك ما رجوت ورجعك الله خائباً، وأكذبك واشياً، جعلت حدّك على صاحبك عمارة بن الوليد، فوشيت به إلى النجاشي، ففضحك الله، وفضح صاحبك، فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والإسلام .

وهجوت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسبعين بيتاً من الشعر، فقال : اللهمّ إنّي لا أقول الشعر ولا ينبغي لي، اللّهمّ العنه بكلّ حرف ألف لعنة .

وأمّا ما ذكرت من أمر عثمان، فأنت سعّرت عليه الدنيا ناراً، ثم لحقت بفلسطين، فلمّا أتاك قتله، قلت : أنا أبو عبد الله إذا نكأت قرحة أدميتها، ثم حبست نفسك إلى معاوية وبعت دينك بدنياه، فلسنا نلومك على بغض، ولا نعاتبك على ودّ، وبالله ما نصرت عثمان حباً، ولا غضبت له مقتولاً ..." .


والتفتعليه‌السلام إلى الوليد فقال له :

"فوالله ما ألومك على بغض عليٍّ وقد قتل أباك بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صبراً، وجلدك ثمانين في الخمر لمّا صليت بالمسلمين سكران، وسمّاك الله في كتابه فاسقاً، وسمّي أمير المؤمنين مؤمناً، حيث تفاخرتما ..." .

ثم التفت إلى عتبة بن أبي سفيان، وقال له :

"وأمّا أنت يا عتبة، فوالله ما أنت بحصيف فأجيبك، ولا عاقل فأحاورك وأعاتبك، وما عندك خير يرجى، ولا شرّ يتقى، وما عقلك وعقل أمتك إلاّ سواء، وما يضرّ عليّاً لو سببته على رؤوس الأشهاد، وأمّا وعيدك إيّاي بالقتل فهلا قتلت اللحياني إذ وجدته على فراشك وكيف ألومك على بغض عليّ ؟ وقد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر، وشرك حمزة في قتل جدّك عتبة، وأوحدك من أخيك حنظلة في مقام واحد" .

ثم التفت إلى المغيرة بن شعبة، وقال له :

"وأمّا أنت يا مغيرة، فلم تكن بخليق أن تقع في هذا وشبهه والله لا يشقّ علينا كلامك وإنَّ حدَّ الله عليك في الزنا لثابت، ولقد درأ عمر عنك حقاً، الله سائله عنه، ولقد سألت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هل ينظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوّجها، فقال : لا بأس بذلك يا مغيرة، ما لم ينو الزنا، لعلمه بأنّك زان .

وأمّا فخركم علينا بالإمارة، فإنّ الله تعالى يقول : ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ) " (١) .

ثمّ قام الحسنعليه‌السلام فنفض ثوبه وانصرف، فتعلّق عمرو بثوبه وقال : يا أمير المؤمنين، قد شهدت قوله فيّ، وأنا مطالب له بحدّ القذف، فقال معاوية : خلّ عنه، لا جزاك الله خيراً فتركه .

فقال معاوية : قد أنبأتكم أنّه ممّن لا تطاق عارضته، ونهيتكم أن تسبّوه فعصيتموني، والله ما قام حتى أظلم عليَّ البيت قوموا عنّي، فلقد فضحكم الله، وأخزاكم بترككم الحزم، وعدولكم عن رأي الناصح المشفق(٢) .

وينتهي هنا الحوار الفريد الذي ذكرناه بطوله رغم اختصارنا له، واحتفاظنا بالنقاط الأساسية التي يهمّنا أن نضعها بين يدي القارئ، ليتعرّف

__________

(١) الإسراء (١٧) : ١٦ .

(٢) أعيان الشيعة : ٤ / ٣٥، وراجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد أيضاً : ٢ / ١٠١ .


على الملامح الواقعية لتلك الزمرة المتسلّطة التي تنكّرت لكلّ القيم الأخلاقية، وسلكت طريق الشيطان.

وبهذا الحوار أعطى الإمامعليه‌السلام للمعارضة زخماً جديداً وفاعليةً كبيرةً، حيث كشف للأمة عن الواقع المرير الذي اكتنف الحكم الإسلامي بتسلّط هذه النماذج المنحرفة في أصولها، والمنفعلة برواسبها الجاهلية، والتي لا يمثّل عندها الإسلام إلاّ الوسيلة الفريدة للتسلّط على رقاب الناس، وتلافي النقائص الذاتية التي قدّر لهم أن يرزحوا تحت عبئها البغيض .

وأثبت الإمامعليه‌السلام أنّه ما يزال يقف في موقفه الصامد الذي انطلق منه في صراعه مع الجاهليّة الأُموية. وإن ألجأته ظروف المحنة إلى وضع السيف في غمده وتخطّي مرحلة الحرب; فإنّ كلمة الحقّ الصارخة التي تصمّ آذان الباطل لا يمكن أن يدعها تموت في زحام أراجيف الضلال .

وهكذا ينطلق الإمام في خطاه الرسالية ـ التي هي امتداد لخطى جدّه الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ وعليه تقع مسؤولية حفظ المبادئ الأصيلة التي جاءت من أجلها الرسالة; لترتفع كلمة الله في الأرض.


البحث الرابع : مصير شروط الصلح وشهادة الإمام الحسنعليه‌السلام

إخلال معاوية بالشروط :

كان الشرط الأول ـ وكما مرّ علينا ـ هو أن يسلّم الإمام الأمر لمعاوية على أن يعمل بكتاب الله وسنّة نبيّه وسيرة الخلفاء الصالحين .

وقد وقف الإمام الحسنعليه‌السلام عند عهده رغم الضغوط الكثيرة من أصحابه ومخلصيه، مع أنّ الإمام كان في حلّ من شرطه لو أراد; لأنّ التسليم كان مشروطاً، ولم يف معاوية بأيّ واحد من الشروط التي أخذت عليه .

أمّا معاوية فلم يلتزم بالشرط الأول، وأمّا عن الشرط الثاني ـ وهو أن يكون الأمر من بعده للحسن ثم للحسين وأن لا يعهد إلى أحد من بعده ـ فقد أجمع المؤرّخون على أنّ معاوية لم يف بشرطه هذا، بل نقضه بجعل الولاية لابنه يزيد من بعده(١) .

وفيما يتعلّق بالشرط الثالث ـ وهو رفع السبّ عن الإمام عليّعليه‌السلام مطلقاً أو في حضور الإمام الحسن خاصة ـ فقد عزّ على معاوية الوفاء به، لأنّ سبّ عليّ يمثّل لديه الأساس القوي الذي يعتمده في إبعاد الناس عن بني هاشم، وقد ركّز معاوية بعناد وقوة على لزوم اتّباع طريقته في سبّ أمير المؤمنينعليه‌السلام في وصاياه وكتبه لعمّاله(٢) .

وبخصوص الشرط الرابع فقد قيل: إنّ أهل البصرة حالوا بين الإمام

__________

(١) صلح الإمام الحسن : ١٤٢ .

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٣ / ١٥ .


الحسن وبين خراج أبجر، وقالوا: فيئنا(١) ، وكان منعهم بأمر من معاوية لهم(٢) .

وأما الشرط الخامس ـ وهو العهد بالأمان العام، والأمان لشيعة عليّ على الخصوص، وأن لا يبغي للحسنينعليهما‌السلام وأهل بيتهما غائلة سرّاً ولا جهراً ـ وللمؤرّخين فيما يرجع إلى موضوع هذا الشرط نصوص كثيرة، بعضها وصف للكوارث الداجية التي جوبه بها الشيعة من الحكّام الأُمويين في عهد معاوية، وبعضها قضايا فردية فيما نكب به معاوية الشخصيات الممتازة من أصحاب أمير المؤمنين، وبعضها خيانته تجاه الحسن والحسين خاصة(٣) .

وأكّد جميع المؤرخين أنّ الصلح بشروطه الخمسة لم يلق من معاوية أيّة رعاية تناسب تلك العهود والمواثيق والأَيْمان التي قطعها على نفسه، ولكنّه طالع المسلمين بشكل عام بالأوليات البكر والأفاعيل النكراء من بوائقه، وشيعة أهل البيتعليهم‌السلام بشكل خاص، فكان أول رأس يُطاف به في الإسلام منهم ـ أي من الشيعة ـ وبأمره يُطاف به، وكان أول إنسان يدفن حيّاً في الإسلام منهم، وبأمره يفعل به ذلك .

وكانت أول امرأة تسجن في الإسلام منهم، وهو الآمر بسجنها، وكانت أول مجموعة من الشهداء يقتلون صبراً في الإسلام منهم، وهو الذي قتلهم، واستقصى معاوية بنود المعاهدة كلّها بالخلف، فاستقصى أيْمانه المغلّظة بالحنث، ومواثيقه المؤكّدة التي واثق الله تعالى عليها بالنقض، فأين

__________

(١) صلح الإمام الحسن : ١٥٤ .

(٢) الكامل في التاريخ لابن الأثير : ٣ / ١٦٢ .

(٣) راجع : صلح الإمام الحسن : ٣١٧ ، في فصل الوفاء بالشروط، وحياة الإمام الحسن : ٢ / ٣٥٦ ـ ٤٢٣ .


هي الخلافة الدينية يا ترى ؟!(١) .

وبقي آخر شقٍّ من الشروط وهو الأدقّ والأكثر حساسيةً، وكان عليه إذا أساء الصنيع بهذا الشقّ أن يتحدّى القرآن صراحة ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مباشرة، فصبر عليه ثماني سنين، ثم ضاق به ذرعاً، وثارت به أُمويّته التي جعلته ابن أبي سفيان حقاً بما جاء به من فعلته التي أنست الناس الرزايا قبلها .

وهي أول ذلٍّ دخل على العرب، وكانت بطبيعتها أبعد مواد الصلح عن الخيانة، كما كانت بظروفها وملابساتها أجدرها بالرعاية، وكانت بعد نزع السلاح والالتزام من الخصم بالوفاء، أفظع جريمة في تاريخ معاوية الحافل بالجرائم .

تآمر معاوية على الإمام الحسنعليه‌السلام :

لقد حاول معاوية أن يجعل الخلافة ملكاً عضوضاً وراثة في أبنائه، وقد بذل جميع جهوده وصرف الأموال الطائلة لذلك، فوجد أنّه لا يظفر بما يريد والحسن بن عليّعليه‌السلام حيّ ينتظر المسلمون حكمه العادل وخيره العميم، ومن هنا قرّر اغتيال الإمام المجتبىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما اغتال به من قبل مالك الأشتر وسعد بن أبي وقاص وغيرهما .

فأرسل إلى الإمام غير مرّة سمّاً فاتكاً حين كان في دمشق فلم ينجح حتى راسل ملك الروم وطلب منه بإصرار أن يرسل له سمّاً فاتكاً، وحصل عليه بعد امتناعه حين أفهمه أنّه يريد قتل ابن من خرج بأرض تهامة لتحطيم عروش الشرك والكفر والجاهلية وهدّد سلطان أهل الكتاب .

__________

(١) صلح الإمام الحسن : ٣٦٢ .


إنّ بائقة الأب هذه كانت هي السبب الذي بعث روح القدوة في طموح الابن ليشتركا ـ متضامنين ـ في إنجاز أعظم جريمة في تاريخ الإسلام، تلك هي قتل سيّدي شباب أهل الجنة اللذين لا ثالث لهما، وليتعاونا معاً على قطع "الواسطة الوحيدة" التي انحصر بها نسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والجريمة ـ بهذا المعنى ـ قتل مباشر لحياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بامتدادها التأريخي. نعم، والقاتلان ـ مع ذلك ـ هما الخليفتان في الإسلام !!! فواضَيْعَةَ الإسلام إن كان خلفاؤه من هذه النماذج !!!

وكان الدهاء المزعوم لمعاوية هو الذي زيّن له أُسلوباً من القتل قصّر عنه ابنه يزيد، فكان هذا "الشابّ المغرور" وكان ذاك "الداهية المحنّك في تصريف الأمور" !!! ولو تنفس العمر بأبي سفيان إلى عهد ولديه هذين لأيقن أنّهما قد أجادا اللعبة التي كان يتمناها لبني أمية .

كيف استشهد الإمام الحسنعليه‌السلام ؟

لقد دعا معاوية مروان بن الحكم إلى إقناع جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي ـ وكانت من زوجات الإمام الحسنعليه‌السلام ـ بأن تسقي الحسن السمّ وكان شربة من العسل بماء رومة(١) ، فإن هو قضى نحبه زوّجها بيزيد، وأعطاها مئة ألف درهم .

وكانت جعدة هذه بحكم بنوّتها للأشعث بن قيس ـ المنافق المعروف الذي أسلم مرتين بينهما ردّة منكرة ـ أقرب الناس روحاً إلى قبول هذه المعاملة النكراء .

__________

(١) صلح الإمام الحسن : ٣٦٥ وقد اشتهرت كلمة معاوية : " إنّ لله جنوداً من عسل " .


قال الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام :"إنّ الأشعث شرك في دم أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وابنته جعدة سمّت الحسن، وابنه محمّد شرك في دم الحسين عليه‌السلام " (١) .

وهكذا تمّ لمعاوية ما أراد، وكانت شهادتهعليه‌السلام بالمدينة يوم الخميس لليلتين بقيتا من صفر سنة خمسين من الهجرة أو تسع وأربعين .

وحكم معاوية بفعلته هذه على مصير أُمة بكاملها، فأغرقها بالنكبات وأغرق نفسه وبنيه بالذحول والحروب والانقلابات، وتمّ له بذلك نقض المعاهدة إلى آخر سطر فيها .

وقال الإمام الحسنعليه‌السلام وقد حضرته الوفاة :"لقد حاقت شربته، وبلغ أمنيته، والله ما وفى بما وعد، ولا صدق فيما قال" (٢) .

وورد بريد مروان إلى معاوية بتنفيذ الخطّة المسمومة فلم يملك نفسه من إظهار السرور بموت الإمام الحسنعليه‌السلام ، "وكان بالخضراء فكبّر وكبّر معه أهل الخضراء، ثم كبّر أهل المسجد بتكبير أهل الخضراء، فخرجت فاختة بنت قرظة بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف [زوج معاوية] من خوخة(٣) لها، فقالت : سرّك الله يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي بلغك فسررت به ؟ قال : موت الحسن بن عليّ، فقالت : إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ثم بكت وقالت : مات سيّد المسلمين وابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(٤) .

والنصوص على اغتيال معاوية للإمام الحسنعليه‌السلام بالسمّ متضافرة كأوضح قضية في التاريخ(٥) .

__________

(١) صلح الإمام الحسن : ٣٦٥ .

(٢) المسعودي ، بهامش ابن الأثير : ٦ / ٥٥ .

(٣) هي الكوة التي تؤدي الضوء إلى البيت ، والباب الصغير في الباب الكبير .

(٤) صلح الإمام الحسن : ٣٦٥ ـ ٣٦٦ .

(٥) راجع طبقات ابن سعد ومقاتل الطالبيين ومستدرك الحاكم وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٤ / ١٧ ، وتذكرة الخواص : ٢٢٢ ، والاستيعاب : ١ / ٣٧٤ ، وكلّها مصادر غير إمامية .


وصاياه الأخيرة :

أ ـ وصيّته لجنادة :

دخل جنادة بن أبي أُميّة ـ الصحابيّ الجليل ـ على الإمام عائداً له ، فالتفت إلى الإمام قائلاً : عظني يا بن رسول الله .

فأجابعليه‌السلام طلبته وهو في أشدّ الأحوال حراجةً ، وأقساها ألماً ومحنةً ، فأتحفه بهذه الكلمات الذهبية التي هي أغلى وأثمن من الجوهر وقد كشفت عن أسرار إمامته ، قائلاً :

" يا جنادة! استعد لسفرك ، وحصّل زادك قبل حلول أجلك ، واعلم أنّك تطلب الدنيا والموت يطلبك ، ولا تحمل همَّ يومك الذي لم يأت على يومك الّذي أنت فيه ، واعلم أنّك لا تكسب من المال شيئاً فوق قوتك إلاّ كنت فيه خازناً لغيرك ، واعلم أنّ الدنيا في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب، وفي الشبهات عتاب ، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة ، خذ منها ما يكفيك ، فإن كان حلالاً كنت قد زهدت فيه ، وإن كان حراماً لم يكن فيه وزر فأخذت منه كما أخذت من الميتة ، وإن كان العقاب فالعقاب يسير ، واعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً ، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً ، وإذا أردت عزّاً بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان فاخرج من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعة الله عَزَّ وجَلَّ ، وإذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا صحبته زانك ، وإذا أخذت منه صانك ، وإذا أردت منه معونة أعانك وإن قُلتَ صَدَّق قولك ، وإن صُلتَ شَدَّ صولَتَك ، وإن مددت يدك بفضل مدّها ، وإن بدت منك ثلمة سدّها ، وإن رأى منك حسنة عدّها، وإن سألت أعطاك ، وإن سكت عنه إبتدأك ، وإن نزلت بك إحدى الملمّات واساك من لا تأتيك منه البوائق ، ولا تختلف عليك منه الطرائق ،


ولا يخذلك عند الحقائق ، وإن تنازعتما منقسماً آثرك "(١) .

ويشتدّ الوجع بالإمامعليه‌السلام ويسعر عليه الألم فيجزع ، فيلتفت إليه بعض عوّاده قائلاً له: يا بن رسول الله ، لِمَ هذا الجزع ؟ أليس الجدّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأب علي والأم فاطمة ، وأنت سيّد شباب أهل الجنة ؟! .

فأجابه بصوت خافت: "أبكي لخصلتين : هول المطلع ، وفراق الأحبّة"(٢) .

ب ـ وصيّته للإمام الحسينعليه‌السلام :

ولمّا ازداد ألمه وثقل حاله استدعى أخاه سيّد الشهداء فأوصاه بوصيّته وعهد إليه بعهده ، وهذا نصّه :

"هذا ما أوصى به الحسن بن عليّ إلى أخيه الحسين ، أوصى أنّه يشهد أن لا إله إلاّ الله ، وحده لا شريك له ، وأنّه يعبده حقّ عبادته ، لا شريك له في الملك، ولا وليّ له من الذلّ، وأنّه خلق كلّ شيء فقدّره تقديراً ، وأنّه أولى من عبده ، وأحقّ من حمد ، من أطاعه رشد ، ومن عصاه غوى ، ومن تاب إليه اهتدى، فإنّي أوصيك يا حسين بمن خلفت من أهلي وولدي وأهل بيتك ، أن تصفح عن مسيئهم ، وتقبل من محسنهم ، وتكون لهم خلفاً ووالداً ، وأن تدفنني مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّي أحقّ به وببيته ، فإن أبوا عليك فأُنشدك الله وبالقرابة التي قرّب الله منك والرحم الماسّة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن لا يهراق من أمري محجمة من دم حتى تلقى رسول الله فتخصمهم وتخبره بما كان من أمر الناس إلينا"(٣) .

ج ـ وصيّته لمحمد بن الحنفية :

وأمر الإمامعليه‌السلام قنبراً أن يحضر أخاه محمد بن الحنفية ، فمضى إليه مسرعاً فلمّا رآه محمد ذُعر فقال : هل حدث إلاّ خير ؟ ، فأجابه بصوت خافت : " أجب أبا محمد " .

__________

(١) أعيان الشيعة : ٤ / ٨٥ .

(٢) أمالي الصدوق : ١٣٣ .

(٣) أعيان الشيعة : ٤ / ٧٩ .


فذهل محمّد واندهش وخرج يعدو حتى أنّه لم يسوِّ شسع نعله من كثرة ذهوله ، فدخل على أخيه وهو مصفرّ الوجه قد مشت الرعدة بأوصاله فالتفتعليه‌السلام له :

"إجلس يا محمد ، فليس يغيب مثلك عن سماع كلام تحيى به الأموات وتموت به الأحياء. كونوا أوعية العلم ومصابيح الدجى; فإنّ ضوء النهار بعضه أضوء من بعض، أما علمت أنّ الله عَزَّ وجَلَّ جعل ولد إبراهيم أئمة، وفضّل بعضهم على بعض ، وآتى داود زبوراً؟ وقد علمت بما استأثر الله به محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يا محمد بن علي إنّي لا أخاف عليك الحسد، وإنمّا وصف الله به الكافرين ، فقال تعالى:( كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ) ، ولم يجعل الله للشيطان عليك سلطاناً. يا محمد بن علي! ألا أخبرك بما سمعت من أبيك فيك ؟" .

قال محمد: بلى، فأجابه الإمامعليه‌السلام : " سمعت أباك يقول يوم البصرة: من أحبّ أن يبرّني في الدنيا والآخرة فليبرّ محمداً. يا محمد بن علي! لو شئت أن أخبرك وأنت نطفة في ظهر أبيك لأخبرتك. يا محمد بن علي! أما علمت أن الحسين بن علي بعد وفاة نفسي ومفارقة روحي جسدي إمام بعدي ، وعند الله في الكتاب الماضي وراثة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصابها في وراثة أبيه وأمه ؟ علم الله أنّكم خير خلقه فاصطفى منكم محمداً ، واختار محمد علياً ، واختارني عليّ للإمامة، واخترت أنا الحسين".

فانبرى إليه محمّد مظهراً له الطاعة والانقياد(١) .

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ٢ / ٤٨٧ ـ ٤٨٩ .


إلى الرفيق الأعلى :

وثقل حال الإمامعليه‌السلام واشتدّ به الوجع فأخذ يعاني آلام الاحتضار، فعلم أنّه لم يبق من حياته الغالية إلاّ بضع دقائق فالتفت إلى أهله قائلاً :

"أخرجوني إلى صحن الدار أنظر في ملكوت السماء" .

فحملوه إلى صحن الدار ، فلمّا استقرّ به رفع رأسه إلى السماء وأخذ يناجي ربّة ويتضرع إليه قائلاً :

" اللّهم إنّي احتسب عندك نفسي ، فإنّها أعزّ الأنفس عليَّ لم أصب بمثلها ، اللّهم آنس صرعتي ، وآنس في القبر وحدتي " .

ثم حضر في ذهنه غدر معاوية به ، ونكثه للعهود ، واغتياله إيّاه فقال :

" لقد حاقت شربته ، والله ما وفى بما وعد ، ولا صدق فيما قال "(١) .

وأخذ يتلو آي الذكر الحكيم ويبتهل إلى الله ويناجيه حتى فاضت نفسه الزكية إلى جنّة المأوى ، وسمت إلى الرفيق الأعلى ، تلك النفس الكريمة التي لم يخلق لها نظير فيما مضى من سالف الزمن وما هو آت حلماً وسخاءً وعلماً وعطفاً وحناناً وبرّاً على الناس جميعاً .

لقد مات حليم المسلمين ، وسيّد شباب أهل الجنّة ، وريحانة الرسول وقرّة عينه ، فأظلمت الدنيا لفقده ، وأشرقت الآخرة بقدومه(٢) .

__________

(١) تذكرة الخواص : ٢٣ ، وتاريخ ابن عساكر : ٤ / ٢٢٦ ، وحلية الأولياء : ٢ / ٣٨ ، وصفوة الصفوة : ١ / ٣٢٠.

(٢) اختلف المؤرّخون في السنة التي توفّي فيها الإمام فقيل : سنة ٤٩ هـ ، ذهب إلى ذلك ابن الأثير وابن حجر في تهذيب التهذيب ، وقيل : سنة ٥١ هـ ، ذهب إلى ذلك الخطيب البغدادي في تاريخه وابن قتيبة في الإمامة والسياسة ، وقيل غير ذلك ، وأمّا الشهر الذي استشهد فيه فقد اختلف فيه أيضاً ، فقيل : في ربيع الأول لخمس بقين منه ، وقيل: في صفر لليلتين بقيتا منه ، وقيل: يوم العاشر من المحرم يوم الأحد سنة ٤٥ من الهجرة كما في المسامرات ( ص٢٦ ) ، وثمّة قول آخر: إنّه استشهدعليه‌السلام في السابع من صفر .


وارتفعت الصيحة من بيوت الهاشميّين ، وعلا الصراخ والعويل من بيوت يثرب ، وهرع أبو هريرة وهو باكي العين مذهول اللبّ إلى مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو ينادي بأعلى صوته : "يا أيّها الناس! مات اليوم حبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فابكوا"(١) .

وصدعت كلماته القلوب ، وتركت الأسى يحزّ في النفوس ، وهرع من في يثرب نحو ثوي الإمام وهم ما بين واجم وصائح ومشدوه ونائح قد نخب الحزن قلوبهم على فقد الراحل العظيم الذي كان ملاذاً لهم وملجأً ومفزعاً إن نزلت بهم كارثة أو حلّت بهم مصيبة .

تجهيز الإمام وتشييعه :

وأخذ سيد الشهداء في تجهيز أخيه ، وقد أعانه على ذلك عبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن جعفر وعلي بن عبد الله بن عباس وأخواه محمد بن الحنفية وأبو الفضل العباس، فغسّله وكفّنه وحنّطه وهو يذرف من الدموع مهما ساعدته الجفون ، وبعد الفراغ من تجهيزه; أمرعليه‌السلام بحمل الجثمان المقدّس إلى مسجد الرسول لأجل الصلاة عليه(٢) .

وكان تشييع الإمام تشييعاً حافلاً لم تشهد نظيره عاصمة الرسول ، فقد بعث الهاشميّون إلى العوالي والقرى المحيطة بيثرب من يعلمهم بموت الإمام، فنزحوا جميعاً إلى يثرب ليفوزوا بتشييع الجثمان العظيم(٣) وقد حدّث ثعلبة ابن مالك عن كثرة المشيعين فقال :

__________

(١) تهذيب التهذيب : ٢ / ٣٠١ ، وتاريخ ابن عساكر : ٤ / ٢٢٧ .

(٢) أعيان الشيعة : ٤ / ٨٠ .

(٣) تاريخ ابن عساكر : ٨ / ٢٢٨ .


" شهدت الحسن يوم مات ، ودفن في البقيع ، ولو طرحت فيه إبرة لما وقعت إلاّ على رأس إنسان "(١) . وقد بلغ من ضخامة التشييع أنّ البقيع ما كان يسع أحداً من كثرة الناس.

دفن الإمامعليه‌السلام وفتنة عائشة :

ولم يشكَّ مروان ومن معه من بني أمية أنّهم سَيَدْفُنونَه عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فتجمَّعوا لذلك ولبسوا السلاح ، فلمّا توجّه به الحسينعليه‌السلام إلى قبر جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليجدّد به عهداً; أقبلوا إليهم في جمعهم، ولحقتهم عائشة على بغل وهي تقول: ما لي ولكم تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أحب، وجعل مروان يقول : يا رُبَّ هيجا هي خير مِن دَعَة، أَيُدْفَنُ عثمانُ في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبيّ؟! لا يكون ذلك أبداً وأنا أحمل السيف.

وكادت الفتنة أن تقع بين بني هاشم وبني أمية فبادر ابن عباس إلى مروان فقال له : ارجع يا مروان من حيث جئت فإنّا ما نريد دفن صاحبنا عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكنّا نريد أن نجدّد به عهداً بزيارته ثم نردّه إلى جدّته فاطمة بنت أسد فندفنه عندها بوصيته بذلك، ولو كان أوصى بدفنه مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلمت أنّك أقصر باعاً من ردّنا عن ذلك ، لكنّهعليه‌السلام كان أعلم بالله وبرسوله وبحرمة قبره من أن يطرق عليه هدماً ، كما طرق ذلك غيره ودخل بيته بغير إذنه.

ثم أقبل على عائشة وقال لها: وا سوأتاه! يوماً على

__________

(١) الإصابة : ١ / ٣٣٠ .


بغل ويوماً على جمل، تريدين أن تطفِئي نور الله وتقاتلي أولياء الله، ارجعي فقد كُفيت الذي تخافين وبلغت ما تحبين والله منتصر لأهل البيت ولو بعد حين .

وقال الحسينعليه‌السلام :"والله لو لا عهد الحسن بحقن الدماء وأن لا أُهريق في أمره محجمة دم لعلمتم كيف تأخذ سيوف الله منكم مأخذها وقد نقضتم العهد بيننا وبينكم وأبطلتم ما اشترطنا عليكم لأنفسنا" .

ومضوا بالحسن فدفنوه بالبقيع عند جدّته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف (رضي الله عنها)(١) .

ووقف الإمام الحسينعليه‌السلام على حافة القبر ، وأخذ يؤبّن أخاه قائلاً :" رحمك الله يا أبا محمد ، إن كنت لتباصر الحقّ مظانّه ، وتؤثر الله عند التداحض في مواطن التقية بحسن الروية ، وتستشف جليل معاظم الدنيا بعين لها حاقرة ، وتفيض عليها يداً طاهرة الأطراف ، نقية الأسرة ، وتردع بادرة غرب أعدائك بأيسر المؤونة عليك ، ولا غرو فأنت ابن سلالة النبوّة ورضيع لبان الحكمة ، فإلى رَوْح ورَيْحان ، وجنّة ونعيم ، أعظم الله لنا ولكم الأجر عليه ، ووهب لنا ولكم حسن الأسى عنه " (٢) .

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ٢ / ٤٩٩ عن كفاية الطالب: ٢٦٨ .

(٢) حياة الإمام الحسن : ٢ / ٥٠٠ .


الفصل الثالث: تراث الإمام المجتبىعليه‌السلام

١ ـ نظرة عامة في تراث الإمام المجتبىعليه‌السلام :

الإمام المجتبىعليه‌السلام كأبيه المرتضى وجدّه المصطفى قائد مبدئي تتلخّص مهمّاته القيادية في كلمة موجزة ذات معنىً واسع وأبعاد شتى هي : "الهداية بأمر الله تعالى" انطلاقاً من قوله تعالى :( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (١) .

والهداية بأمر الله سبحانه تتجلّى في تبيان الشريعة وتقديم تفاصيل الأحكام العامة أو المطلقة التي نصّ عليها القرآن الكريم والرسول العظيم، كما تتجلّى في تفسير القرآن الحكيم وإيضاح مقاصد الرسول الكريم .

وتتجلّى الهداية في تطبيق أحكام الله تعالى على الأُمة المسلمة وصيانة الشريعة والنصوص الإلهية من أيّ تحريف أو تحوير يتصدّى له الضالّون المضلّون .

والثورة التي فجّرها الإسلام العظيم هي ثورة ثقافية قبل أن تكون ثورة اجتماعية أو اقتصادية، فلا غرو أن تجد الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام يفرّغون أنفسهم لتربية الأُمة وتثقيفها على مفاهيم الرسالة وقيمها، وهم

__________

(١) الأنبياء (٢١) : ٧٣ .


يرون أنّ مهمّتهم الأُولى هي التربية والتثقيف انطلاقاً من النصّ القرآني الصريح في بيان أهداف الرسالة والرسول الذي يرى الإمام نفسه استمراراً له وقيّماً على ما أثمرته جهود الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من "رسالة" و "أُمة" و "دولة"، قال تعالى مفصِّلاً لأهداف الرسالة ومهمّات الرسول :( يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) (١) .

ولئن غضّ الإمام المجتبى الطرف عن الخلافة لأسباب دينية ومبدئية; فهو لم يترك الساحة ومواريث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لتنهب بأيدي الجاهلييّن، بل نجده قد تصدّى لتربية القاعدة التي على أساسها تقوم الدولة وعليها تطبّق أحكام الشريعة.

وقد خلّف الإمام المجتبى تراثاً فكرياً وعلمياً ثرّاً من خلال ما قدّمه من نصوص للأُمة الإسلامية على شكل خطب أو وصايا أو احتجاجات أو رسائل أو أحاديث وصلتنا في فروع المعرفة المختلفة، ممّا يكشف عن تنوّع اهتمامات الإمام الحسن وسعة علمه وإحاطته بمتطلّبات المرحلة التي كانت تعيشها الأُمة المسلمة في عصره المحفوف بالفتن والدواهي التي قلّ فيها من كان يعي طبيعة المرحلة ومتطلباتها إلاّ أن يكون محفوفاً برعاية الله وتسديده.

ونستعرض صوراً من اهتمامات الإمام العلمية، ونلتقط شيئاً من المفاهيم والقيم المُثلى التي ظهرت على لسانه وعبّر عنها ببليغ بيانه، أو تجلّت في تربيته لتلامذته وأصحابه .

__________

(١) الجمعة (٦٢) : ٢ .


٢ ـ في رحاب العلم والعقل :

أ ـ قالعليه‌السلام في الحثّ على طلب العلم وكيفية طلبه وأُسلوب تنميته :

١ ـ "تعلّموا العلم، فإنّكم صغار في القوم، وكبارهم غداً، ومن لم يحفظ منكم فليكتب"(١) .

٢ ـ "حُسن السؤال نصف العلم"(٢) .

٣ ـ "علّم الناس، وتعلَّم عِلمَ غيرك، فتكون قد أتقنت علمك وعلمتَ ما لمَ تَعلم"(٣) .

٤ ـ "قَطعَ العلم عُذر المتعلّمين" .

٥ ـ "اليقين معاذ السلامة" .

٦ ـ "أوصيكم بتقوى الله وإدامة التفكّر، فإنّ التفكّر أبو كلّ خير وأمه"(٤) .

ب ـ إنّ العقل أساس العلم، ومن هنا فقد عرّف العقل من خلال لوازمه وآثاره العلمية ومدى أهميته ودوره في كمال الإنسان بقوله :

١ ـ "العقل حفظ القلب كلّ ما استرعيته"(٥) .

٢ ـ "لا أدب لمن لا عقل له، ولا مودّة لمن لا همّة له، ولا حياء لمن لا دين له، ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل، وبالعقل تدرك سعادة الدارين، ومن حرم العقل حرمهما جميعاً" .

٣ ـ "لا يغشّ العقل من استنصحه" .

__________

(١) عن الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي : ١٤٢ .

(٢) نور الأبصار : ١١٠ .

(٣) الأئمة الاثنا عشر : ٣٧ .

(٤) حياة الإمام الحسن : ١ / ٣٤٣، ٣٤٦ .

(٥) حياة الإمام الحسن : ١ / ٣٥٧ .


٣ ـ في رحاب القرآن الكريم :

أ ـ قالعليه‌السلام في بيان حقيقة القرآن ورسالته وأهدافه وفضله وكيفية الارتواء من معينه الثرّ :

١ ـ "إنّ هذا القرآن فيه مصابيح النور، وشفاء الصدور، فليُجل جال بضوئه وليُلجم الصفة قلبَه ; فإنّ التفكير حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور"(١) .

٢ ـ "ما بقي من هذه الدنيا بقية غير هذا القرآن فاتّخذوه إماماً، وإنّ أحقّ الناس بالقرآن من عمل به وإن لم يحفظه، وأبعدهم عنه مَن لم يعمل به وإن كان يقرؤه"(٢) .

٣ ـ ".. واعلموا علماً يقيناً أنّكم لن تعرفوا التقى حتى تعرفوا صفة الهدى، ولن تمسكوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نبذه، ولن تتلوا الكتاب حقّ تلاوته حتى تعرفوا الذي حرّفه، فإذا عرفتم ذلك; عرفتم البدع والتكلّف ورأيتم الفرية على الله ورأيتم كيف يهوي من يهوي، ولا يجهلنّكم الذين لا يعلمون، والتمسوا ذلك عند أهله فإنّهم خاصّة نور يستضاء بهم وأئمة يقتدى بهم، بهم عيش العلم وموت الجهل"(٣) .

٤ ـ ".. كتاب الله فيه تفصيل كلّ شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعوَّل عليه في كلّ شيء، لا يخطئنا تأويله، بل نتيقنّ حقائقه، فأطيعونا فإطاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله والرسول وأولي الأمر مقرونة .." .

ب ـ وروى المؤرّخون نماذج من تفسير الإمام المجتبى للقرآن الكريم، وإليك نموذجاً واحداً منها : "جاء رجل إلى مسجد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليسأل عن تفسير قوله تعالى : (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) فرأى ثلاثة أشخاص قد احتفّ بكلّ واحد منهم جمع من

__________

(١) حياة الإمام الحسن دراسة وتحليل : ١ / ٣٤٦ ـ ٣٤٧ عن كشف الغمة وإرشاد القلوب .

(٢) حياة الإمام الحسن دراسة وتحليل : ١ / ٣٤٦ ـ ٣٤٧ عن كشف الغمة وإرشاد القلوب .

(٣) المصدر السابق : ١ / ٣٦٠ عن تحف العقول .


الناس يحدّثهم عمّا سمعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسأل أحدهم عن الشاهد والمشهود فقال : الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، ثم سأل الآخر فقال له : الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر، ثم سأل الثالث فأجابه : "الشاهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ) ، وقوله تعالى عن يوم القيامة : (ذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُود)"، فسأل عن الأول فقيل له : عبد الله بن عباس، وسأل عن الثاني فقيل له : عبد الله بن عمر، وسأل عن الثالث فقيل له : الحسن بن عليّ بن أبي طالبعليهما‌السلام (١) .

إنّ المتتبّع لخُطب الإمام ومواعظه يلمس فيها الاستدلال والاستشهاد الدقيق بآيات الذكر الحكيم، ممّا يفيدنا مدى إحاطته صلوات الله عليه بمقاصد القرآن وأسراره وبواطن آياته، وسوف تلاحظ نماذج من ذلك فيما سيأتي من كلامه .

٤ ـ في رحاب الحديث النبوي والسيرة الشريفة :

لقد اهتمّ الإمام الحسن المجتبى بنشر حديث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسيرته ومكارم أخلاقه، ونختار من الأحاديث التي رواها عن جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما يلي :

١ ـ "إنّ من واجب المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم .." .

٢ ـ "يا مسلم! اضمن لي ثلاثاً أضمن لك الجنّة : إن أنت عملت بما افترض عليك في القرآن فأنت أعبد الناس، وإن قنعت بما رُزِقت فأنت أغنى الناس، وإن اجتنبت ما حرّم الله فأنت أورع الناس ..." .

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ١ / ٣٦٢ عن الفصول المهمة لابن الصبّاغ المالكي : ١٦٠ .


٣ ـ "من صلّى الفجر فجلس في مصلاّه إلى طلوع الشمس ستره الله من النار" .

٤ ـ "حيثما كنتم فصلّوا عليَّ، فإنّ صلاتكم تبلغني" .

٥ ـ "جاءت امرأة إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعها ابناها فسألته فأعطاها ثلاث تمرات، فأعطت كلّ واحد منهما تمرةً فأكلاها، ثم نظرا إلى أمهما فشقّت التمرة اثنتين فأعطت كلّ واحدة منهما شقّ تمرة، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : رحمها الله برحمتها ابنيها" .

٦ ـ "ودعاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذا الدعاء : اللهم أقلني عثرتي، وآمن روعتي، واكفني من بغى عليّ، وانصرني على من ظلمني، وأرني ثأري منه ..." .

وأمّا ما يخصّ سيرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومكارم أخلاقه فقد اهتمّ السبط المجتبى بنشرها تارةً عن خاله هند بن أبي هالة التميمي ربيبِ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأخِ الزهراء من أمها ; إذ كان دقيقاً في وصفه لحلية النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومكارم أخلاقه، وممّا جاء في وصفه لمنطق الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله : "كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، لا يتكلّم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتح الكلام ويختمه بأشداق(١) ، ويتكلّم بجوامع الكلم، فصل لا فضول ولا تقصير، دمثاً ليس بالجافي ولا المهين، يعظم المنّة وإن دقّت، لا يذمّ منها شيئاً، ولا يذّم ذوّاقاً ولا يمدحه، ولا تغضبه الدنيا وما كان لها، فإذا تعوطي الحقّ لم يعرفه أحد، ولم يستقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، إذا أشار بكفّه أشار بكفه كلّها، وإذا تعجّب قلبها، وإذا تحدّث اتّصل بها فضرب براحته اليمنى باطن ابهامه اليُسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضّ طرفه، جلّ ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حبّ الغمام...".

واعتنى الإمام المجتبى بهذه السيرة المباركة أيّما اعتناء، فسأل أباه المرتضى الذي كان ربيب الرسول وتلميذه وصهره وأخاه وشريكه في حمل

__________

(١) الأشدق : البليغ المفوّه .


أعباء الرسالة، وهو الذي لازمه من قبل بعثته حتى رحلته، وطلب منه أن يصف له سيرة رسول الله فأجابه أمير المؤمنين إجابةً تتضمن منهاجاً كاملاً للإنسان المسلم الذي يريد الاقتداء بسيرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال الإمام عليّ صلوات الله عليه : "كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء : جزء لله جل ثناؤه، وجزء لأهله، وجزء لنفسه، ثمّ جزّأ جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة ولا يدّخر عنهم شيئاً، وكان من سيرته في جزء الأُمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسّمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأُمة من مسألتهم وأخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول : ليبلغ الشاهد الغائب، وابلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغ حاجته، فإنّ من أبلغ سلطاناً حاجة من لا يستطيع إبلاغها إيّاه ثبّت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده إلاّ ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون رواداً ولا يفترقون إلاّ عن ذواق، ويخرجون أدلة .." .

قال الإمام الحسنعليه‌السلام : "فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه ؟ فقال : "كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخزن لسانه إلاّ ممّا يعينهم، ويؤلّفهم ولا يفرّقهم، أو قال : ينفرهم، ويكرم كريم كلّ قوم، ويوليه عليهم ويحذّر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطوى عن أحد بشره ولا خلقه، يتفقّد أصحابه، ويسأل عمّا في الناس، فيحسن الحسن ويقوّيه، ويقبّح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا لكلّ حال عنده عتاب، لا يقصّر عن الحقّ ولا يجوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة ." .

قال الإمام الحسنعليه‌السلام : "فسألته عن مجلسه، فقال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يجلس ولا يقوم إلاّ على ذكر الله ولا يوطن الأماكن، وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك ويعطي كلاًّ من جلسائه نصيبه، فلا يحسب جليسه أنّ أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو قارنه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، ومن سأله حاجة لم يرده إلاّ بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس منه بسطه وخلقه فصار لهم أباً، وصاروا عنده في الحقّ سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع عنده الأصوات، ولا تؤبّن فيه الحرم، ولا تُثنى فلتاته، ترى جلاّسه متعادلين، يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب ." .


قال الإمام الحسنعليه‌السلام : "قلت له: كيف سيرته في جلسائه ؟ قالعليه‌السلام : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دائم السرور، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ ولا صخّاب ولا فحّاش ولا عيّاب ولا مدّاح، يتغافل عمّا لا يشتهي، ولا يؤيس منه، ولا يجيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث : المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث : كان لا يذمّ أحداً، ولا يعيّره ولا يطلب عثرته، ولا يتكلم إلاّ فيما رجا ثوابه، وإذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلّموا، ولا يتنازعون عنده، من تكلّم أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك ممّا يضحكون منه، ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى أن كان أصحابه ليستجلبوا منهم ويقول : إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه، ولا يقبل الثناء إلاّ من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوّزه فيقطعه بنهي أو قيام .." .

قال الإمام الحسنعليه‌السلام : "كيف كان سكوته ؟ قالعليه‌السلام : كان سكوت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أربع : الحكم، والحذر، والتقدير، والتفكير .

فأمّا تقديره ففي تسويته للنظر بين الناس واستماعه منهم .

وأمّا تفكيره ففيما يبقى ويفنى .

وجمع له الحلم في الصبر، فكان لا يعصيه شيء ولا يستقرّه .


وجمع له الحذر في أربع : أخذه بالحسن ليقتدى به، وتركه القبيح لينتهى عنه، واجتهاده الرأي فيما أصلح أمته، والقيام فيما جمع لهم الدنيا والآخرة ..."(١) .

٥ ـ في رحاب العقيدة :

١ ـ التوحيد : أمر الإمام عليّ المرتضىعليه‌السلام نجله المجتبىعليه‌السلام ليخطب الناس في مسجد الكوفة، فصعد المنبر، وقال :

"الحمد لله الواحد بغير تشبيه، والدائم بغير تكوين، القائم بغير كلفة، الخالق بغير منصبة، والموصوف بغير غاية، المعروف بغير محدود، العزيز، لم يزل قديماً في القدم، ردعت القلوب لهيبته، وذهلت العقول لعزّته، وخضعت الرقاب لقدرته، فليس يخطر على قلب بشر مبلغ جبروته، ولا يبلغ الناس كنه جلاله، ولا يفصح الواصفون منهم لكُنه عظمته، ولا تبلغه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكر بتدابير أمورها، أعلم خلقه به الذي بالحدّ لا يصفه، يُدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير "(٢) .

وجاء إليه رجل فقال له : يا بن رسول الله! صف لي ربّك كأنّي أُنظر إليه، فأطرق الحسن مليّاً ثم رفع رأسه فأجابه : "الحمد لله الذي لم يكن له أوّل معلوم ولا آخر متناه، ولا قبل مدرك ولا بعد محدود ولا أمد بحتّى، ولا شخص فيتجزّأ، ولا اختلاف صفة فيتناهى، فلا تدرك العقول وأوهامها، ولا الفكر وخطراتها، ولا الألباب وأذهانها، صفته فيقول : متى، ولا بدئ ممّا، ولا ظاهر على ما، ولا باطن فيما، ولا تارك فهلاّ، خلق الخلق فكان بديئاً بديعاً، ابتدأ ما ابتدع، وابتدع ما ابتدأ، وفعل ما أراد، وأراد ما استزاد،

__________

(١) راجع الموفقيات : ٣٥٤ ـ ٣٥٩، أنساب الأشراف : ١ / ٣٩٠ والمختصر في الشمائل المحمدية للترمذي : ٣٩.

(٢) بحار الأنوار : ٤٣ / ٣٥١ .


ذلك الله ربّ العالمين"(١) .

٢ ـ إبطال الجبر : رفع أهالي البصرة إليهعليه‌السلام رسالةً يطالبون منه رأيه في مسألة الجبر فأجابهمعليه‌السلام : " من لم يؤمن بالله وقضائه وقدره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على ربّه فقد فجر، إنّ الله لا يُطاع استكراهاً ولا يُعصى لغلبة ; لأنّه المليك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم، فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما فعلوا، فليس هو الذي أجبرهم على ذلك، فلو أجبر الله الخلق على الطاعة لأسقط عنهم الثواب، ولو أجبرهم على المعاصي لأسقط عنهم العقاب، ولو أهملهم لكان عجزاً في القدرة، ولكن فيهم المشيئة التي غيّبها عنهم، فإن عملوا بالطاعات كانت له المنّة عليهم، وإن عملوا بالمعصية كانت الحجّة عليهم"(٢) .

٣ ـ تفسير صفاته تعالى : وسأله رجل عن معنى الجواد فقال : "... وإن كنت تسأل عن الخالق فهو الجواد إن أعطى، وهو الجواد إن منع، لأنّه إن أعطى عبداً أعطاه ما ليس له، وإن منع منع ما ليس له"(٣) .

٦ ـ في رحاب ولاية أهل البيتعليهم‌السلام :

١ ـ قالعليه‌السلام مبيّناً لحقيقة الثقلين وموقع كلّ منهما من الآخر : "... واعلموا علماً يقيناً أنّكم لن تعرفوا التقى حتى تعرفوا صفة الهدى، ولن تمسكوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نبذه، ولن تتلوا الكتاب حقّ تلاوته حتى تعرفوا الذي حرّفه، فإذا عرفتم ذلك عرفتم البدع والتكلّف، ورأيتم الفرية على الله، ورأيتم كيف يهوى من يهوى، ولا يجهلنّكم الذين لا يعلمون، والتمسوا ذلك عند أهله فإنّهم خاصة نور

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ١ / ٣٣٥ ـ ٣٤٠ عن توحيد الصدوق .

(٢) رسائل جمهرة العرب : ٢ / ٢٥ .

(٣) مجمع البحرين : «مادة جود» .


يستضاء بهم وأئمة يقتدى بهم، بهم عيش العلم وموت الجهل، وهم الذين أخبركم حلمهم عن علمهم، وحكم منطقهم عن صمتهم، وظاهرهم عن باطنهم، لا يخالفون الحقّ ولا يختلفون فيه، وقد خلت لهم من الله سابقة، ومضى فيهم من الله حكم :( ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ) "(١) .

٢ ـ "أيّها الناس، اعقلوا عن ربّكم، إنّ الله عَزَّ وجَلَّ اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرّيةً بعضها من بعض والله سميع عليم، فنحن الذرّيّة من آدم والأسرة من نوح والصفوة من إبراهيم والسلالة من إسماعيل وآل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، نحن فيكم كالسماء المرفوعة والأرض المدحوّة والشمس الضاحية، وكالشجرة الزيتونة لا شرقية ولا غربية التي بورك زيتها، النبيّ أصلها وعليّ فرعها، ونحن والله ثمر تلك الشجرة، فمن تعلّق بغصن من أغصانها نجا، ومن تخلّف عنها فإلى النار هوى ..."(٢) .

٣ ـ وخطب قائلاً بعد حمد الله والثناء عليه : "إنّ الله لم يبعث نبيّاً إلاّ اختار له نفساً ورهطاً وبيتاً، فوالذي بعث محمّداً بالحقّ لا ينتقص من حقّنا أهل البيت أحد إلاّ نقصه الله من عمله مثله، ولا يكون علينا دولة إلاّ وتكون لنا العاقبة، (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) "(٣) .

٤ ـ وقالعليه‌السلام : "نحن حزب الله المفلحون، وعترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأقربون، وأهل بيته الطاهرون الطيّبون، وأحد الثقلين اللذين خلّفهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والثاني كتاب الله فأطيعونا فإطاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله والرسول وأولي الأمر مقرونة ..."(٤) .

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ١ / ٣٦٠ ، عن تحف العقول .

(٢) جلاء العيون : ١ / ٣٢٨ .

(٣) مروج الذهب : ٢ / ٣٠٦ .

(٤) حياة الإمام الحسن : ١ / ٣٦٣ .


٥ ـ وخطبعليه‌السلام فتحدّث عن فلسفة التشريع وعن ارتباط الأحكام بولاية أهل البيت، ثمّ قال : "ولو لا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأوصياؤه كنتم حيارى، لا تعرفون فرضاً من الفرائض، وهل تدخلون داراً إلاّ من بابها" .

وبعد أن استدلّعليه‌السلام على كمال الدين وإتمام النعمة وأشار إلى حقوق أولياء الله ودور أداء هذه الحقوق في سلامة الحياة ونمائها وأنّ البخيل هو من يبخل بالمودة بالقربى قال : "سمعت جدّيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : خلقتُ أنا من نور الله، وخُلق أهل بيتي من نوري، وخلق محبّوهم من نورهم، وسائر الناس من الناس"(١) .

٧ ـ البشارة بالإمام المهديّ المنتظرعليه‌السلام :

١ ـ قالعليه‌السلام بعد أن صالح معاوية ودخل عليه الناس ولامه بعضهم على بيعته : "... أما عَلِمتم أنّه ما مِّنا من أحد إلاّ ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه، إلاّ القائم الذي يصلّي روح الله عيسى بن مريم خلفه، فإنّ الله يخفي ولادته ويُغيِّب شخصه، لئلاّ يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من وُلد أخي الحسين، ابن سيّدة الإماء، يطيلُ الله عُمَره في غيبته ثم يُظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة "(٢) .

٢ ـ وروىعليه‌السلام حديثاً عن أبيهعليه‌السلام أخبره فيه عن ولاية بني أمية وبِدَعِهِم وفتكهم بأعدائهم حتى قال : "... حتى يبعث الله رجلاً في آخر الزمان وكَلَب من الدهر وجَهل من الناس، يؤيّده الله بملائكته، ويَعصِم أنصاره وينصُرُه بآياته، ويُظهره على أهل الأرض حتى يَدينوا طوعاً وكرهاً، يملؤها قسطاً وعدلاً ونوراً وبرهاناً، يدين له عَرض البلاد وطولها، لا يبقى كافرٌ إلاّ آمن به، ولا طالح إلاّ صلح، وتصطلح في ملكه السباع، وتُخرِج الأرض نبتها، وتُنزل السماءُ بركتها، وتظهر له الكنوز، يملك ما بين الخافقين أربعين عاماً، فطوبى لمن أدرك أيّامه وسمع كلامه "(٣) .

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ١ / ٣٦٥ ، نقلاً عن ينابيع المودّة : ٣ / ١٥١ .

(٢) راجع معجم أحاديث الإمام المهديعليه‌السلام : ٣ / ١٦٥ لتقف على مصادر هذا الحديث .

(٣) معجم أحاديث الإمام المهدي : ٣ / ١٦٧ .


٨ ـ في رحاب الأخلاق والتربية :

عن جابر (رضي الله عنه) قال : سمعت الحسنعليه‌السلام يقول : "مكارم الأخلاق عشرة : صدق اللسان، وصدق البأس، وإعطاء السائل، وحسن الخلق، والمكافأة بالصنائع، وصلة الرحم، والتذمّم على الجار(١) ، ومعرفة الحقّ للصاحب، وقري الضيف، ورأسهنّ الحياء"(٢) .

وعرّف الإمام المجتبىعليه‌السلام مجموعة من ( مكارم الأخلاق ) في إجابته على أسئلة أبيه المرتضىعليه‌السلام نختار منها ما يلي :

١ ـ السداد : دفع المنكر بالمعروف .

٢ ـ الشرف : اصطناع العشيرة وحمل الجريرة ( موافقة الإخوان )(٣) .

٣ ـ المروءة : العفاف وإصلاح المرء ماله ( إصلاح الرجل أمر دينه، وحسن قيامه على ماله، وإفشاء السلام والتحبّب إلى الناس )(٤) .

٤ ـ السماحة : البذل في العسر واليسر .

٥ ـ الإخاء : الوفاء في الشدّة والرخاء .

٦ ـ الغنيمة : الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا .

٧ ـ الحلم : كظم الغيظ وملك النفس .

٨ ـ الغنى : رضى النفس بما قسم الله وإن قلّ، فإنّما الغنى غنى النفس .

٩ ـ المنعة : شدّة البأس ومقارعة أشد الناس .

__________

(١) أي : أخذه تحت حمايته .

(٢) راجع تاريخ اليعقوبي : ٢ / ٢٠٦ .

(٣) حياة الإمام الحسن : ١ / ٣٤٣ .

(٤) الجواب الثاني كان على سؤال معاوية ، راجع تاريخ اليعقوبي : ٢٠٢ .


١٠ ـ الصمت : ستر العيب وزين العرض، وفاعله في راحة، وجليسه آمن(١) .

١١ ـ المجد : أن تعطي في الغرم، وأن تعفو عن الجرم .

١٢ ـ العقل : حفظ القلب كلّ ما استرعيته (استوعيته) أو حفظ القلب لكلّ ما استتر فيه(٢) .

١٣ ـ الثناء : إتيان الجميل وترك القبيح .

١٤ ـ الحزم : طول الأناة والرفق بالولاة والاحتراس من الناس بسوء الناس.

١٥ ـ الكرم : العطيّة قبل السؤال والتبرع بالمعروف والإطعام في المحلّ(٣) .

١٦ ـ النجدة : الذبّ عن الجار والمحاماة في الكريهة والصبر عند الشدائد(٤) .

وأجاب الإمام بكل استرسال وعدم تكلّف على مجموعة أخرى من أسئلة أبيه فيما يخصّ (مساوئ الأخلاق) ونختار منها ما يلي :

١ ـ الدنيئة : النظر في اليسير ومنع الحقير .

٢ ـ اللؤم : احتراز المرء نفسه (ماله) وبذله عرسه (عرضه)(٥) .

٣ ـ الشحّ : أن ترى ما في يديك شرفاً وما أنفقته تلفاً .

__________

(١) الإمام المجتبى ( حسن المصطفوي ) : ٢٤٥ عن مطالب السؤول .

(٢) راجع حياة الإمام الحسن : ١ / ٣٤٣ .

(٣) المصدر السابق : ١ / ٣٤٤ ـ ٣٤٥ .

(٤) المصدر السابق : ١ / ٣٤٤ ـ ٣٤٥ .

(٥) المصدر السابق : ١ / ٣٤١ وأجاب في نص آخر عن الذلّ واللؤم قائلاً : «من لا يغضب من الحقوة ولا يشكر على النعمة» .


٤ ـ الجبن : الجرأة على الصديق والنكول عن العدوّ .

٥ ـ الفقر : شره النفس في كلّ شيء .

٦ ـ الجرأة : موافقة الأقران .

٧ ـ الكلفة : كلامك فيما لا يعنيك .

٨ ـ الخُرْق : معاداتك إمامك ورفعك عليه كلامك .

٩ ـ السفه : اتباع الدناة ومصاحبة الغواة .

١٠ ـ الغفلة : تركك المسجد وطاعتك المُفسِد .

١١ ـ الحرمان : تركك حظّك وقد عرض عليك(١) .

١٢ ـ شرّ الناس : من لا يعيش في عيشه أحد(٢) .

وتحدّث الإمام عن أصول الجرائم الأخلاقية وأمهات الرذائل قائلاً : هلاك الناس في ثلاث : الكبر، الحرص، الحسد الكبر : به هلاك الدين وبه لُعِن إبليس الحرص : عدو النفس وبه أُخرج آدم من الجنّة الحسد : رائد السوء وبه قتل هابيل قابيل(٣) .

٩ ـ في رحاب المواعظ الحكيمة :

١ ـ قالعليه‌السلام في تعريف التقوى والحثّ عليها : "إنّ الله لم يخلقكم عبثاً، وليس بتارككم سدىً، كتب آجالكم، وقسم بينكم معائشكم ليعرف كلُّ ذي منزلة منزلته، وإنّ ما قدّر له أصابه، وما صُرف عنه فلن يصيبه، قد كفاكم مؤونة الدنيا، وفرّغكم لعبادته،

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ١ / ٣٤١ ـ ٣٤٤ ، عن تاريخ ابن كثير : ٨ / ٣٩ .

(٢) تاريخ اليعقوبي : ٢ / ٢٠٢ .

(٣) حياة الإمام الحسن : ١ / ٣٤٥، عن نور الأبصار : ١١٠ .


وحثّكم على الشكر، وافترض عليكم الذكر، وأوصاكم بالتقوى، وجعل التقوى منتهى رضاه، والتقوى بابُ كلِّ توبة ورأسُ كلِّ حكمة وشرفُ كلِّ عمل، بالتقوى فاز من فاز من المتقين، قال الله تبارك وتعالى :( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً ) وقال :( وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) ، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنّ من يتّقِ الله يجعل له مخرجاً من الفتن، ويسدّده في أمره، ويُهيّئ له رشده، ويُفلجه بحجّته، ويُبيّض وجهه، ويُعطهِ رغبته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أُولئك رفيقاً "(١) .

٢ ـ وجاءه رجل من الأثرياء فقال له : يابن رسول الله! إنّي أخاف من الموت، فقال لهعليه‌السلام : "ذاك لأنّك أخّرت مالك، ولو قدّمته لسرّك أن تلحق به"(٢) .

٣ ـ وقالعليه‌السلام عن طلب الرزق : "لا تجاهد الطلب جهاد الغالب، ولا تشكل على القدر إشكال المستسلم ; فإنّ ابتغاء الفضل من السُنّة، والإجمال في الطلب من العفة، وليست العفة بدافعة رزقاً، ولا الحرص بجالب فضلاً، فإنّ الرزق مقسوم، واستعمال الحرص استعمال المآثم"(٣) .

٤ ـ وقال في الحثّ على الالتزام بالمساجد : "من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب ثمان خصال : آيةً محكمةً، وأخاً مستفاداً، وعلماً مستطرفاً، ورحمةً منتظرةً، وكلمةً تدل على هدىً، أو تردعه عن ردىً، وترك الذنوب حياءً، أو خشيةً"(٤) .

٥ ـ وحدّد السياسة تحديداً جامعاً ودقيقاً بقولهعليه‌السلام : "هي أن ترعى حقوق الله وحقوق الأحياء وحقوق الأموات .

__________

(١) تحف العقول : ٥٥ .

(٢) تاريخ اليعقوبي : ٢ / ٢٠٢ .

(٣) تحف العقول : ٥٥ .

(٤) عيون الاخبار لابن قتيبة : ٣ / ٣ .


فأمّا حقوق الله : فأداء ما طلب والاجتناب عمّا نهى وأمّا حقوق الأحياء : فهي أن تقوم بواجبك نحو إخوانك، ولا تتأخّر عن خدمة أمتك، وأن تخلص لوليّ الأمر ما أخلص لاُمّته، وأن ترفع عقيرتك في وجهه إذا حاد عن الطريق السوي وأمّا حقوق الأموات : فهي أن تذكر خيراتهم، وتتغاضى عن مساوئهم، فإنّ لهم ربّاً يحاسبهم"(١) .

ومن قصار كلماته الحكيمة وغرر حكمه الثمينة :

١ ـ إنّ من طلب العبادة تزكّى لها .

٢ ـ المصائب مفاتيح الأجر .

٣ ـ النعمة محنة فإن شكرت كانت كنزاً وإن كفرت كانت نقمة .

٤ ـ أشدّ من المصيبة سوء الخُلق .

٥ ـ من تذكّر بُعد السفر اعتدّ .

٦ ـ العار أهون من النار .

٧ ـ خير المال ما وُقِيَ به العرض .

٨ ـ الفرصة سريعة الفوت بطيئة العود .

٩ ـ المسؤول حرٌّ حتى يعد ومسترقٌّ بالوعد حتى ينجز .

١٠ ـ فضح الموتُ الدنيا، اجعل ما طلبت من الدنيا فلم تظفر به بمنزلة ما لم يخطر ببالك.

١١ ـ فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها .

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ١ / ٣٥١ .


١٠ ـ في رحاب الفقه وأحكام الشريعة :

١ ـ عن عاصم بن ضمرة قال : كنت أسير مع الحسن بن عليّ على شاطئ الفرات وذلك بعد العصر ونحن صيام وماء الفرات يجري على رضراض(١) والماء صاف ونحن عطاش، فقال الحسن بن عليعليهما‌السلام :"لو كان معي مئزر لدخلت الماء" قلت : إزاري أُعطيكه، قال :"فما تلبس أنت ؟" قلت : أدخل كما أنا، قال :"فذاك الذي أكره، إنّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : إنّ للماء عوامر من الملائكة كعوامر البيوت استحيوهم وهابوهم وأكرموهم إذا دخلتم عليهم الماء فلا تدخلوا إلاّ بمئزر" (٢) .

٢ ـ وقال :"أمرنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في العيدين أن نلبس أجود ما نجد وأن نتطيّب بأجود ما نجد، وأن نضحّي بأسمن ما نجد، البقرة عن سبعة والجزور عن عشرة، وأن نظهر التكبير وعلينا السكينة والوقار" (٣) .

٣ ـ وقال :"علّمني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قنوت الوتر : ربّ أهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولّني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرّ ما قضيت، إنّك تقضي ولا يُقضى عليك، إنّه لا يذل من واليت (تباركت ربّنا وتعاليت)" (٤) .

٤ ـ وقالعليه‌السلام :"إذا أضرّت النوافل بالفريضة فاتركوها" (٥) .

٥ ـ وقالعليه‌السلام :"لا طلاق إلاّ من بعد نكاح" (٦) .

__________

(١) رضراض : ما صغر من الحصى .

(٢) رجال إصبهان : ١ / ٣٣١ .

(٣) مستدرك الحاكم : ٤ / ٢٣٠ .

(٤) التهذيب لابن عساكر : ٤ / ١٩٩ .

(٥) حياة الإمام الحسن : ١ / ٣٦٨ .

(٦) سنن البيهقي : ٧ / ٣٢٠ .


١١ ـ في رحاب أدعية الإمام المجتبىعليه‌السلام :

وللإمام الحسن بن عليّعليهما‌السلام أنواع من الأدعية والابتهالات تدلّ على مدى اتّصاله بالله ومدى تعلّقه به وانقطاعه إليه، واليك بعض نماذجها :

١ ـ كانعليه‌السلام يدعو بهذا الدعاء الشريف في قنوته، وكان يبدو عليه الخضوع والخشوع أمام الله، وهذا نصه :

"يا من بسلطانه ينتصر المظلوم، وبعونه يعتصم المكلوم، سبقت مشيئتك، وتمّت كلمتك، وأنت على كلّ شيء قدير، وبما تمضيه خبير، يا حاضر كلّ غيب وعالم كلّ سر وملجأ كلّ مضطرّ، ضلّت فيك الفهوم، وتقطّعت دونك العلوم، أنت الله الحيّ القيوم، الدائم الديّوم، قد ترى ما أنت به عليم، وفيه حكيم، وعنه حليم، وأنت القادر على كشفه، والعون على كفّه غير ضائق، وإليك مرجع كلّ أمر، كما عن مشيئتك مصدره، وقد أبنت عن عقود كلّ قوم، وأخفيت سرائر آخرين، وأمضيت ما قضيت، وأخّرت ما لا فوت عليك فيه، وحملت العقول ما تحملت في غيبك، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة، وإنّك أنت السميع العليم، الأحد البصير، وأنت الله المستعان، وعليك التوكّل، وأنت ولىّ من تولّيت، لك الأمر كلّه، تشهد الانفعال، وتعلم الاختلال، وترى تخاذل أهل الخبال، وجنوحهم إلى ما جنحوا إليه من عاجل فان، وحطام عقباه حميم آن، وقعود من قعد، وارتداد من ارتد وخلوي من النصار وانفرادي عن الظهار، وبك اعتصم، وبحبلك استمسك، وعليك أتوكّل .

اللهمّ فقد تعلم أنّي ما ذخرت جهدي، ولا منعت وجدي، حتى انفلّ حدّي، وبقيت وحدي، فاتبعت طريق من تقدّمني في كفّ العادية وتسكين الطاغية عن دماء أهل المشايعة، وحرست ما حرسه أوليائي من أمر آخرتي ودنياي، فكنت ككظمهم أكظم، وبنظامهم أنتظم، ولطريقتهم أتسنّم، وبميسهم أتّسم حتى يأتي نصرك، وأنت ناصر الحقّ وعونه، وإن بعد المدى عن المرتاد، ونأى الوقت عن إفناء الأضداد، اللهمّ صلِ على محمّد


وآل محمّد، وامزجهم مع النصاب في سرمد العذاب، وأعم عن الرشد أبصارهم، وسكعهم في غمرات لذاتهم حتى تأخذهم البغتة وهم غافلون، وسحرة وهم نائمون، بالحقّ الذي تظهره، واليد ( التي ) تبطش بها، والعلم الذي تبديه، إنّك كريم عليم ..." (١) .

ويلمس في الفقرات الأخيرة من دعائه الآلام المرهقة التي كان يعانيها من الحكم الأُموي، وقد دعا الله أن يأخذ الأُمويين أخذ عزيز مقتدر على انتهاكهم لحرمته وحرمات رسوله .

٢ ـ وكان يدعو بهذا الدعاء على الظالمين له والمعتدين عليه، ويطلب من الله أن يكفيه شرّهم ويعلوه عليهم :

"اللهمّ يا من جعل بين البحرين حاجزاً وبرزخاً، وحجراً محجوراً، يا ذا القوة والسلطان، يا عليّ المكان، كيف أخاف وأنت أملي، وكيف أضام وعليك متكلي، فغطّني من أعدائك بسترك، وأظهرني على أعدائي بأمرك، وأيّدني بنصرك، إليك ألجأ ونحوك الملتجأ، فاجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً، يا كافي أهل الحرم من أصحاب الفيل، والمرسِل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجّيل، إرمِ من عاداني بالتنكيل .

اللهمّ إنّي أسألك الشفاء من كلّ داء، والنصر على الأعداء، والتوفيق لما تحبّ وترضى، يا إله السماء والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، بك استشفي، وبك استعفي، وعليك أتوكّل فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم"(٢) .

١٢ ـ في رحاب أدب الإمام المجتبىعليه‌السلام :

كتب الحسن البصري ـ وهو من أبرز الشخصيات المعاصرة للإمام ـ معرّفاً بأدب الإمامعليه‌السلام وثقافته :

__________

(١) مهج الدعوات : ٤٧ .

(٢) مهج الدعوات : ٢٩٧ .


"أمّا بعد، فإنّكم معشر بني هاشم الفلك الجارية في اللّجج الغامرة والأعلام النيّرة الشاهرة أو كسفينة نوحعليه‌السلام التي نزلها المؤمنون ونجا فيها المسلمون، كتبتُ إليك يا بن رسول الله عند اختلافنا في القدر وحيرتنا في الاستطاعة فأخبرنا بالذي عليه رأيك ورأي آبائك، فإنّ مِن علم الله علمَكم وأنتم شهداء على الناس والله الشاهد عليكم( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (١) .

كما تتجلّى لنا مقدرة الإمام الفنّيّة والبلاغيّة من خلال محاولة معاوية لأن يقاطع ذات يوم خطاب الإمامعليه‌السلام حتى لا يفتتن الجمهور ببلاغته بعد أن اقترح ابن العاص على معاوية أن يخطب الحسنعليه‌السلام ليظهر عدم مقدرته(٢) .

وقد أسهم الإمام الحسنعليه‌السلام في صياغة الخطب العسكرية في عهد أبيه وبعده، كما مرّ علينا، وقد لاحظنا إحكام البناء والتطعيم بالعنصر الإيقاعي والصوري بشكل واضح .

وتميّزت رسائل الإمام ومكاتباته بالاقتصاد اللغوي وبتكثيف عنصر ( الإشارة الدالّة ) أي العبارة المنطوية على شفرات دلالية، وهذا ما نجده مثلاً في رسالته إلى معاوية ورسالته إلى زياد بن أبيه، حيث لم تتجاوز كلٌّ منهما السطرين، فالأوّل ـ وهو معاوية ـ بعث رجلين يتجسّسان، فكتبعليه‌السلام :"أمّا بعد، فإنّك دسست الرجال كأنّك تحبّ اللقاء، لا أشكّ في ذلك، فتوقّعه إن شاء الله، وبلغني أنّك شَمَتَّ بما لم تشمت به ذوو الحجى" (٣) .

__________

(١) تحف العقول : ٢٣١ .

(٢) راجع حياة الإمام الحسن : ٢ / ٢٩٨ ـ ٣٠٠ .

(٣) الإرشاد للمفيد : ١٨٩ .


وأمّا الرسالة الأخرى فقد بعثها إلى زياد حيث نكّل بأحد المؤمنين، فطالبهعليه‌السلام بالكفّ عن ذلك، فردّ زياد برسالة إلى الحسنعليه‌السلام جاء فيها : "من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة : أمّا بعد، فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي، وأنت طالب حاجة وأنا سلطان"(١) .

واضح أنّ هذه الرسالة من زياد تعبير عن إحساسه المَرَضيّ بعقدة الحقارة والنقص، فهو ينسب نفسه إلى أبي سفيان، وينسب الحسنعليه‌السلام إلى فاطمةعليها‌السلام ، إلاّ أنّ الحسنعليه‌السلام أجابه بسطرين، نحسب أنّهما مزّقاه كلّ التمزيق، حيث كتبعليه‌السلام : "من الحسن بن فاطمة إلى زياد بن سميّة، أمّا بعد، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : الولد للفراش، وللعاهر الحجر"(٢) .

من أدبهعليه‌السلام المنظوم :

١ ـ قالعليه‌السلام في التذكير بالموت :

قل للمقيم بغير دار إقامةٍ

حان الرحيل فودع الأحبابا

إنّ الذين لقيتهم وصحبتهم

صاروا جميعاً في القبور ترابا

٢ ـ وقالعليه‌السلام في الزهد في الدنيا :

لكسرة من خسيس الخبز تشبعني

وشربة من قراح الماء تكفيني

وطمرة من رقيق الثوب تسترني

حياً وإن متّ تكفيني لتكفيني(٣)

__________

(١) جمهرة الرسائل : ٢ / ٣ .

(٢) المصدر نفسه : ٣٧ .

(٣) أعيان الشيعة : ٤ ق ١ .


٣ ـ ولهعليه‌السلام في السخاء :

إنّ السخاء على العباد فريضة

لله يقرأ في كتاب محكم

وعد العباد الأسخياء جنانه

وأعدّ للبخلاء نار جهنّمِ

من كان لا تندى يداه بنائلٍ

للراغبيل فليس ذاك بمسلم(١)

٤ ـ وبلغهعليه‌السلام سبّ ابن العاص له في مجلس معاوية، فقالعليه‌السلام :

أتأمر يا معاويَ عبد سهم

بشتمي والملا منّا شهودُ؟

إذا أخذت مجالسها قريش

فقد علمت قريش ما تريدُ

أأنت تظل تشتمني سفاهاً

لضغنٍ ما يزول وما يبيدُ؟

فهل لك من أب كأبي تسامى

به من قد تسامى أو تكيدُ؟

ولا جَدٌّ كجدي يا ابن حربٍ

رسول الله إن ذُكر الجدودُ

ولا أم كأمي في قريش

إذا ما حصّل الحسب التليدُ

فما مثلي تهكّم يا ابن حرب

ولا مثلي ينهنهه الوعيدُ

فمهلاً لا تهيّج بنا أموراً

يشيب لهولها الطفل الوليدُ(٢)

٥ ـ ولهعليه‌السلام في الاستغناء عن الناس :

أغنَ عن المخلوق بالخالقِ

تغنَ عن الكاذب والصادق

واسترزقِ الرحمن من فضله

فليس غير الله بالرازقِ

من ظنّ أن الناس يغنونه

فليس بالرحمن بالواثق

من ظنّ أنّ الرزق من كسبه

زلّت به النعلان من حالقِ(٣)

__________

(١) بحار الأنوار : ١٠ / ٩٥ .

(٢) حياة الإمام الحسن : ٢ / ٢٦٠ .

(٣) نور الأبصار : ١٧٥ .


الفهرست

المقدمة ٤

الباب الأول. ١١

فيه فصول: ١١

الفصل الأول: الإمام المجتبى عليه‌السلام في سطور. ١١

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصيّة الإمام المجتبى عليه‌السلام. ١١

الفصل الثالث: من فضائل الإمام المجتبى عليه‌السلام ومظاهر شخصيته. ١١

الفصل الأول: الإمام الحسن المجتبى عليه‌السلام في سطور ١١

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصيّة الإمام الحسن المجتبى عليه‌السلام.... ١٦

١ ـ مكانة الإمام المجتبى عليه‌السلام في آيات الذكر الحكيم : ١٦

٢ ـ مكانته عليه‌السلام لدى خاتم المرسلين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: ١٩

٣ ـ مكانته عليه‌السلام لدى معاصريه : ٢٠

٤ ـ مكانته عليه‌السلام لدى العلماء والمؤرّخين : ٢٣

الفصل الثالث: من فضائل الإمام المجتبى عليه‌السلام ومظاهر شخصيته ٢٦

عبادته عليه‌السلام: ٢٦

حلمه وعفوه : ٢٨

كرمه وجوده : ٢٩

تواضعه وزهده : ٣١

الباب الثاني: ٣٣

فيه فصول: ٣٣

الفصل الأول: نشأة الإمام الحسن المجتبى عليه‌السلام. ٣٣

الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام المجتبى عليه‌السلام. ٣٣

الفصل الثالث: الإمام المجتبى عليه‌السلام في ظل جده وأبيه عليهم‌السلام. ٣٣

الفصل الأول: نشأة الإمام الحسن المجتبى عليه‌السلام.... ٣٣

تاريخ ولادته : ٣٣

كيفية ولادته : ٣٣


سنن الولادة : ٣٤

رضاعه : ٣٤

كنيته وألقابه : ٣٥

نقش خاتمه : ٣٥

حليته وشمائله : ٣٥

الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام الحسن المجتبى عليه‌السلام.... ٣٧

الفصل الثالث: الإمام المجتبى عليه‌السلام في ظلّ جده وأبيه عليهم‌السلام.... ٣٩

الإمام الحسن عليه‌السلام في عهد الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ٣٩

يوم المباهلة ومداليله : ٤٢

أوّلاً : الأنموذج الحي : ٤٣

ثانياً : في خدمة الرسالة : ٤٣

ثالثاً : سياسات لابدّ من مواجهتها : ٤٥

شهادة الحسنين عليهما‌السلام على كتاب لثقيف : ٤٨

حضور الحسنين عليهما‌السلام بيعة الرضوان : ٤٩

الحسن والحسين عليهما‌السلام إمامان : ٤٩

الإمام الحسن عليه‌السلام في عهد الخلفاء ٥٠

في عهد أبي بكر وعمر : ٥٠

١ ـ الحسنان عليهما‌السلام وفدك : ٥١

٢ ـ اعتراضه على أبي بكر : ٥٢

٣ ـ الإمام الحسن عليه‌السلام وأسئلة الأعرابي : ٥٢

٤ ـ الإمام الحسن عليه‌السلام في الشورى : ٥٣

في عهد عثمان : ٥٥

١ ـ الإمام الحسن عليه‌السلام في وداع أبي ذر : ٥٥

٢ ـ هل اشترك الإمام الحسن عليه‌السلام في الفتوح ؟ ٥٦

٣ ـ الإمام الحسن عليه‌السلام وحصار عثمان : ٦١

٤ ـ هل جرح الإمام الحسن عليه‌السلام أثناء دفاعه عن عثمان؟ ٦٥


٥ ـ هل كان الإمام الحسن عليه‌السلام عثمانياً ؟ ٦٦

الإمام الحسن عليه‌السلام في عهد الدولة العلوية ٧٠

١ ـ البيعة لأمير المؤمنين عليه‌السلام بالخلافة : ٧٠

٢ ـ استنجاد الإمام علي عليه‌السلام بالكوفة : ٧٤

٣ ـ إيفاد الإمام الحسن عليه‌السلام: ٧٦

٥ ـ الإمام علي عليه‌السلام في الكوفة بعد حرب الجمل : ٨٠

٦ ـ خطاب الإمام الحسن عليه‌السلام: ٨١

٧ ـ تهيّؤ الإمام علي عليه‌السلام لجهاد معاوية : ٨٢

٨ ـ في معركة صفّين : ٨٣

٩ ـ أملكوا عنّي هذا الغلام : ٨٤

١٠ ـ الإمام الحسن عليه‌السلام والتحكيم : ٨٥

١١ ـ وصية الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى ابنه الحسن عليه‌السلام: ٨٧

١٢ ـ النهروان ومؤامرة قتل أمير المؤمنين عليه‌السلام: ٩٢

١٣ ـ في ليلة استشهاد الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام: ٩٣

١٤ ـ الإمام الحسن عليه‌السلام بجوار والده عليه‌السلام الجريح : ٩٤

١٥ ـ آخر وصايا أمير المؤمنين عليه‌السلام: ٩٧

١٦ ـ الإمام علي عليه‌السلام ينصّ على خلافة ابنه الحسن عليه‌السلام: ٩٩

١٧ ـ إلى الرفيق الأعلى : ٩٩

١٨ ـ تجهيزه ودفنه : ١٠٠

الباب الثالث: ١٠١

فيه فصول: ١٠١

الفصل الأول: عصر الإمام الحسن المجتبى عليه‌السلام.... ١٠١

الفصل الثاني: مواقف الإمام وإنجازاته. ١٠١

الفصل الثالث: تراث الإمام المجتبى عليه‌السلام. ١٠١

الفصل الأول: عصر الإمام الحسن المجتبى عليه‌السلام.... ١٠١

الفصل الثاني: مواقف الإمام عليه‌السلام وإنجازاته ١٠٧


البحث الأول : من البيعة إلى الصلح. ١٠٧

١ ـ خطبة الإمام الحسن عليه‌السلام يوم شهادة أبيه عليه‌السلام: ١٠٧

٢ ـ بيعة الإمام الحسن عليه‌السلام: ١٠٨

٣ ـ الإمام الحسن عليه‌السلام يقتصّ من قاتل أمير المؤمنين عليه‌السلام: ١٠٩

٤ ـ جهاد الإمام الحسن عليه‌السلام: ١٠٩

٥ ـ تحرك معاوية نحو العراق وموقف الإمام عليه‌السلام: ١١٣

٦ ـ استنكار الموقف المتخاذل : ١١٥

٧ ـ الاتجاهات المتضادة في جيش الإمام عليه‌السلام: ١١٦

٨ ـ طلائع جيش الإمام الحسن عليه‌السلام: ١١٨

٩ ـ خيانة قائد الجيش : ١١٩

١٠ ـ توالي الخيانات في جيش الإمام عليه‌السلام: ١٢٢

١١ ـ محاولات اغتيال الإمام عليه‌السلام: ١٢٧

١٢ ـ موقف الإمام الحسن عليه‌السلام: ١٢٩

البحث الثاني : في الصلح وأسبابه ونتائجه ١٣٠

إتمام الحجّة : ١٣٠

القبول بالصلح : ١٣٢

بنود معاهدة الصلح : ١٣٢

تحليلان لأسباب الصلح : ١٣٧

التحليل الأوّل : ١٣٧

زبدة المخض : ١٤٤

البحث الثالث : ما بعد الصلح حتى الشهادة ١٤٦

الاجتماع في الكوفة : ١٤٦

المعارضون للصلح : ١٤٧

أ ـ قيس بن سعد بن عبادة : ١٤٧

ب ـ حجر بن عدي : ١٤٩

ج ـ عدي بن حاتم : ١٥٠


د ـ المُسيَّب بن نجبة وسليمان بن صُرد : ١٥٠

إلى يثرب : ١٥١

مرجعية الإمام الحسن عليه‌السلام العلمية والدينيّة : ١٥٢

مدرسة الإمام ونشاطه العلمي : ١٥٢

ب ـ الاستجارة به : ١٥٤

مرجعيّته السياسيّة : ١٥٥

رفض الإمام عليه‌السلام مصاهرة الأُمويين : ١٥٦

من مواقف الإمام الحسن عليه‌السلام مع معاوية وبطانته : ١٥٧

أ ـ مع معاوية في المدينة : ١٥٧

ب ـ في دمشق : ١٦٠

المناظرة الأُولى : ١٦١

المناظرة الثانية : ١٦١

البحث الرابع : مصير شروط الصلح وشهادة الإمام الحسن عليه‌السلام.... ١٦٦

إخلال معاوية بالشروط : ١٦٦

تآمر معاوية على الإمام الحسن عليه‌السلام: ١٦٨

كيف استشهد الإمام الحسن عليه‌السلام ؟ ١٦٩

وصاياه الأخيرة : ١٧١

أ ـ وصيّته لجنادة : ١٧١

ب ـ وصيّته للإمام الحسين عليه‌السلام: ١٧٢

ج ـ وصيّته لمحمد بن الحنفية : ١٧٢

إلى الرفيق الأعلى : ١٧٤

تجهيز الإمام وتشييعه : ١٧٥

دفن الإمام عليه‌السلام وفتنة عائشة : ١٧٦

الفصل الثالث: تراث الإمام المجتبى عليه‌السلام.... ١٧٨

١ ـ نظرة عامة في تراث الإمام المجتبى عليه‌السلام: ١٧٨

٢ ـ في رحاب العلم والعقل : ١٨٠


٣ ـ في رحاب القرآن الكريم : ١٨١

٤ ـ في رحاب الحديث النبوي والسيرة الشريفة : ١٨٢

٥ ـ في رحاب العقيدة : ١٨٦

٦ ـ في رحاب ولاية أهل البيت عليهم‌السلام: ١٨٧

٧ ـ البشارة بالإمام المهديّ المنتظر عليه‌السلام: ١٨٩

٨ ـ في رحاب الأخلاق والتربية : ١٩٠

٩ ـ في رحاب المواعظ الحكيمة : ١٩٢

١٠ ـ في رحاب الفقه وأحكام الشريعة : ١٩٥

١١ ـ في رحاب أدعية الإمام المجتبى عليه‌السلام: ١٩٦

١٢ ـ في رحاب أدب الإمام المجتبى عليه‌السلام: ١٩٧

من أدبه عليه‌السلام المنظوم : ١٩٩