الاهداء
الى نبعة الرسالة المحمدية
الى بضعة المصطفى الأمجد
الى ام الائمة مصابيح الهدى التي كانت وحدها صلة الأرث النبوي
الى سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء
اهدي هذه الأضمامة العابقة بأنفاسها
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة بقلم العلامة الشيخ باقر شريف القرشي
انحناءً وتقديساً وتعظيماً أمام زهراء الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم التي احتلت عواطف أبيها وإخلاصه ، فكان يقيم لها أعظم الود وخالص الولاء ، فأضفى عليها ألواناً رائعة ، ومهمة جداً من القداسة والتعظيم ، فأناط رضاءها برضائه ، وسخطها بسخطه وأن الله تعالى يرضى لرضائها ، ويسخط لسخطها ـ حسبما تواترت الأخبار عنه بذلك ـ. ولم يؤثر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قابل أحداً من أهل بيته وأصحابه بمثل هذا التعظيم ، والتكريم سوى أخيه وابن عمه الإمام أمير المؤمنين وسبطيهعليهمالسلام .
إن سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراءعليهاالسلام هي أول سيدة في دنيا الإسلام رفعت بصلابة وعزم وإيمان كلمة الحق ، وجاهدت في سبيل الله تعالى ، كأعظم ما يكون الجهاد ، فقد قاومت بشدة وعنف قادة الانقلاب الذين احتلوا مركز زوجها سيد الأوصياء الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام
واقصوه عن مقامه الذي أقامه فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأخذ له البيعة العامة في غدير خم ، فقد أعلنت سلام الله عليها سخطها البالغ على القوم ، وجردت حكمهم من الشرعية وذلك بخطابها الرائع الذي ألقته في جامع أبيها ، ولم يؤثر في ميادين المناظرات والاحتجاجات مثل خطابها الذي وضعت فيه النقاط على الحروف ، وحذرتهم من المضاعفات السيئة التي ستواجهها الأمة من جراء ما اقترفوه ، كما اتخذت معهم أدق موقف وأعمق أسلوب ، وذلك في وصيتها للإمامعليهالسلام حينما أشرفت على لقاء الله تعالى ، فقد أوصته بأن لا يحضر تشييع جنازتها المقدسة أحد من الذين ظلموها وهضموها ـ على حد تعبيرها ـ وان يواري جسدها الطاهر في غلس الليل البهيم ، ويعفي موضع قبرها ليكون شاهداً على نقمتها عليهم في جميع الأحقاب والآباد.
وعلى أي حال فالسيدة الملهمة العظيمة بضعة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم هي التي أقامت مذهب أهل البيتعليهمالسلام ، وأسست بنيانه مع أبيها وزوجها ، فسلام الله عليها فما أعظم عائدتها على الإسلام والمسلمين.
ومن الحق أن نشيد بالجهود التي بذلها الأستاذ العلامة السيد سلمان آل طعمة في بحوثه الممتعة عن سيدة النساء ، وهو جهد يقابل بالتكريم وانّا نصافحه ، ونتمنى له المزيد من الخدمات للإسلام. شكر الله مساعيه وبلغ أمانيه بدعاء أخيه ، والسلام.
١٤ / محرم / ١٤٢٠ هـ النجف الأشرف باقر شريف القرشي |
كلمة بقلم روكس بن زائد العزيزي
ـ ممثل الرابطة الدولية لحقوق الانسان عضو مجمع اللغة العربية الاردني ـ
طلب الي الصديق الاديب السيد سلمان هادي آل طعمة ان اقدم كتابه ( فاطمة الزهراء ) والزهراء قدوة لكل امرأة مسلمة ادباً وحكمة وتواضعاً. عاشت على سمو قدرها وشرف منبتها عيشة ضنك. جرّت بالرحى حتى اثر في يدها ، واستقت بالقربة حتى أَثَّر فى نحرها ، وكنست البيت بيدها ، كانت مثالاً وقدوة في التواضع والامانة الزوجية والوفاء.
هي ام الحسن والحسين المحفوفة بالشرف وزوجة انبل الناس بعد الرسول العظيم ، زوجة علي بن ابي طالب(١) اسد الاسلام وقدّيسة لم يتزوج عليها الامام علي حتى توفيت. كانت مثالاً للشرف ومكارم الاخلاق. لما توفي ابوها عليه اشرف السلام رثته قائلة :
إغبرَّ آفاق السـماء وكوِّرت |
شمس النهار واظلم العصران |
|
فالأرض من بعد النبي كئيبة |
اسفاً عليه كثيـرة الرجفـان |
__________________
(١) تاج العروس للمرتضى الزبيدي.
فليبكه شرق البلاد وغربها |
ولتبكه ( مضرٌ ) وكل يمان |
|
وليبكه الطود العظيم وجوده |
والبيت ذو الاستار والاركان |
|
يا خاتم الرسل المبارك ضوؤه |
صلّى عليك منــزّل القرآن |
ولما وقفت على قبر النبي قالت بعد ان اخذت قبضة من تراب القبر فوضعتها على عينيها وبكت ، قالت :
ماذا على من شم تربة احمد |
ان لا يشم مدى الزمان غواليا |
|
صبت علي مصائب لو أنها |
صبّت على الايام صرن لياليا |
وقالت على قبرهعليهالسلام :
إنا فقدنـاك فقد الارض وابلها |
وغاب مذ غبت عنا الوحي والكتب |
|
فليت قبلك كان الموت صارفنا |
لما نعيت وحالت دونـك الكتـب |
رضي الله عن تلك القدوة لكل مسلمة تريد ان تقتدي بام الحسن والحسين الخالدين وكريمة النبي العظيم سيد البشرية محمدصلىاللهعليهوآله .
روكس بن زائد العزيزي عمان |
بسم الله الرحمن الرحيم
فاتحة الكتاب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الأمين سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم من الصديقين الى قيام يوم الدين.
وبعد ، فهذه دراسة لشخصية السيدة فاطمة الزهراء التي احبها الله ورسوله ، وقد تجمع لديّ من اخبارها ما استقيته من مظان الكتب والمصادر ، حيث كنت اختلس الوقت واتحين الفرص كي اوفق لرسم صورة جلية عن بضعة النبي المصطفىصلىاللهعليهوآله عسى ان تأخذ بمجامع القلوب. واود ان احيط القارئ علماً بأني ما كنت على استعداد تام بان أدلي بدلوي واطلق ليراعي العنان في هذا المضمار ، ولا أن اخوض عباب هذا اليم المتلاطم الامواج ، وما اظنه يؤدي الغرض ويوفيه حقه ، لكني رأيت موضوعة الدراسة عن الزهراء من الموضوعات المهمة
الجديرة بالعناية والاعتبار ، لا سيما انها ابنة خاتم الانبياءصلىاللهعليهوآله وزوج الامام عليعليهالسلام وام الحسنينعليهماالسلام وسيدة نساء العالمين ، هذا النور الساطع في الارض الذي ارشد الناس الى الاحكام الاسلامية ويستضيء بها في متاهات الحياة ، فهذا كله كان جديراً بحملة الاقلام ان يقتفوا اثرها ، ويحذو حذوها ويردوا موردها كيما يصلوا الى اوج الرفعة والكمال ، وبذلك نكون جميعاً قد حققنا ما نرجوه من سبر سيرتها الملأى بالمعاني الانسانية المتلألئة بالفضائل الروحانية والحقائق الايمانية والبراهين الساطعة. فمن اشرف منها في طهر سيرتها وطهارة سريرتها وفي شممها وابائها واخلاصها ومكارم اخلاقها؟
في بحثنا هذا سنتعرض الى مسائل تتعلق بحياة فاطمة الزهراء بما فيها النشأة والاخلاق والميراث والزواج والبلاغة والحياة العامة ، ونتعرف على آرائها ومواقفها التي كانت تقصد بها وجه الله والحق. وسنلاحظ كيف ان هذه السيدة الطاهرة كانت تدرك بفطنة فذة وذكاء حاد اعمق المسائل السياسية واكثرها دقة وحساسية في عصرها ، ونتطرق اليها بلغة بليغة تشفي غليل الفئة التي تخاطبها وتحتج بها ، وتثير الفتنة التي تحتج عليها. وان الطاهرة بنت الطاهر وزوجة الطاهر وأم الطاهرين اول عربية مسلمة رفعت رايات المعارضة الطاهرة ، صارخة بأعلى صوتها ( هذا حق فاتبعوه وهذا باطل فاجتنبوه ).
واني اذ اقدم للشباب الصاعد الطموح والمبدع زبدة علمي وحصيلة خبرتي ، عسى ان تنبري هذه الاقلام لتكتب معاناتها وطموحاتها وابداعاتها لتكون حافزاً للطاقات الساكتة ، مشاركة في تكوين بناء المجتمع الحديث.
ويمكن القول بوجه عام بانني استطعت من تحري الاخبار التي يعتمد عليها عن الزهراء ويوثق بها ، جمعتها وكتبت عنها في ضوء المعطيات الجديدة ، وانا لا ارجو من وراء هذه الخدمة النيرة لآل بيت النبوة سوى القبول ، وعساني انال حظوة عند البضعة البتول ، رزقنا الله شفاعتها يوم الفزع الاكبر ، يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم ، ومنه تعالى استمد المعونة والتوفيق والسداد ، وعليه توكلت واليه انيب.
كربلاء ـ العراق ٢٠ / محرم الحرام / ١٤١٧ هـ سلمان هادي محمد مهدي آل طعمة |
في بيت الرسالة
لا شك ان بيت الرسول الكريم جمع الفضائل والمكارم ، وعاش فيه ابناؤه مصابيح الرحمة وائمة الهدى واعلام التقى ومنار الحق واليقين ، وبذكرهم يحلو الحديث ، وهم خير اهل الارض ، كما قال الفرزدق :
ان عُدّ اهل التقى كانوا ائمتهم |
لو قيل من خير اهل الارض قيل هُمُ |
ومن هنا ندرك اهمية اهل البيت ، هؤلاء الذين ترعرعوا في ظل الاسلام ، وتشربوا مبادئه ، هل فيكم من يلتفت الى قول الله تعالى في كتابه العزيز حين يقول :( اِنَّمَا يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) وهذه الآية دالة على مشاركة الصديقة الطاهرةعليهاالسلام لهم في هذا المعنى الجليل ؛ اعني العصمة الثابتة للانبياء والاوصياء لانها كانت معهم تحت الكساء حين نزول الآية(٢) حقيقة لا تقبل الجدل والشك لدى كثير من المفسرين والمحدثين ، وقد نزلت هذه الآية
__________________
(١) سورة الاحزاب / ٣٣.
(٢) وفاة الصديقة الزهراء ـ عبد الرزاق المقرم / ص ٥٥ .
في شأن خمسة من المعصومين هم : النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام . واجمع علماء المسلمين انه لما نزل الوحي على النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم بهذه الآية الكريمة ، ضمَ الحسنين واباهما وامهما اليه ، ثم غشاهم ونفسه بكسائه وبلّغهم الآية ، ثم اخرج يده من تحت الكساء فأومى بها الى السماء وقال : ( اللهم هؤلاء اهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ) فهؤلاء هم الصفوة المنتجبة الذين فازوا برضا الله ونعيم الآخرة.
مطهرون نقيات ثيابهم |
تجري الصلاة عليهم كلما ذكروا |
قال النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم : مَن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة ، مات مؤمناً مستكمل الايمان. وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : من مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله.
وقال الله تعالى :( قُل لآ أَسْاَُلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) ولما نزلت هذه الآية على رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال الناس : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قالصلىاللهعليهوآله : علي وفاطمة وابناهما. فأهل بيت الرسالة هم قدوة اهل الارض. والشجرة الطيبة والاسرة الطاهرة التي بنيت على الايمان والاخلاق ، قال الامام الشافعي محمد بن ادريس ( رض ) :
يا آل بيت رسول الله حبكم |
فرض من الله في القرآن انزله |
|
كفاكم من عظيم القدر انكم |
من لم يصل عليكم لا صلاة له |
__________________
(١)سورة الشورى / ٢٢.
وقال آخر :
رأيت ولائـي آل طـه فريضـة |
على رغم اهل البعد يورثني القربى |
|
فما طلب المبعوث اجراً على الهدى |
بتبليغه الا المـودة فـي القربـى |
ان من الأهمية بمكان ان نعرض لأهل بيت الرسالة صلوات الله عليهم ، هؤلاء الذين اوجب الله مودتهم في القرآن الكريم وفي كثير من الاحاديث النبوية الشريفة.
ويحسن بنا ان نختتم هذا الاستهلال السريع بأن اهل البيت هم خيرة الله من بريته ، وهم اعلام الهدى وبحار الندى ومصابيح الدجى وليوث الوغى وفرسان الهيجا ، وهم اهل جود وسخاءٍ وكرم انه شرف لا يدنو اليه شرف في مكارم الدنيا كلها.
شخصية الرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم
لعلك لا تجدني مغالياً ان قلت : ان الامة الاسلامية انجبت منقذ البشر الاعظم رسول الله محمد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك الرجل الذي تلفعت شخصيته بنور قدسي ، فارتجف لها حباً قلب كل عربي صميم وقدسها لذاتها قبل ان يقدسها لنبوتها ، وفزع منها رعباً قلب كل جبار عنيد لقوة الحق المتمثلة فيها. ثم مجدها لذاته حين رأى الكمال والنور الذي انار الانسانية فجاج الحياة ، وفتحت للانسان مجال النظر في خلق العالم ومجال العمل لاصلاح حاله.
ما كان يكفي نبي الاسلام في ارواء غلته الاصلاحية حين قال : ( ما اريد الا الاصلاح ما استطعت ) وقد نشر دينه بقوة السلاح ، ذلك الدين القيم الذي ترفّع عن التعصب ودعا الناس الى كلمة التوحيد. فاستطاع النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ان يقلب التاريخ رأساً على عقب ، وان يكبح جماح امة اتخذت الصحراء سكناً لها ، واشتهرت بالشجاعة ورباطة الجأش والاخذ بالثار واتباع آثار السلف الصالح. فمن الذي يشك ان القوة الخارقة
للعادة التي استطاع بها نبي الاسلام ان يقهر خصومه هي من عند الله سبحانه وتعالى ، لكن خصمه راح يتمسك بأذيال الخيبة ، ليغطي نقصه ويخفي عيبه ، لأنه لا يرجو من هذه المخاصمة ظهور صواب وتحقيق الزام او تثبيت مرام ، بل مجرد مباراة في الاستدلالات الفارغة للمباهاة او التضليل. قال الله تعالى في محكم كتابه :( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللّه بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (١)
ان الامة الاسلامية لم تصل الى ما تطمح وتصبو اليه الا على تعاليم منقذ الانسانية محمدصلىاللهعليهوآله الذي تحمل ما تحمل لانقاذ البشر من هوة الجهل المقيت بعد سبات طويل ، حتى استطاع ان ينشر لواء العدل ويكبح جماح الظلم والفقر ويتمم مكارم الاخلاق ، وهو في خضم اعماله يضمن الخدمة العامة للناس وتقوية الروح المعنوية لديهم ، حتى انهم اعجبوا بالتنظيم الاداري الذي سارت عليه البلاد آنذاك ، فكان صاحب الفضل الاكبر في نشر العدل ، ذلك المرسوم الذي غيّر وجه الحياة بتأسيس الدولة الاسلامية المثالية ، واصبح لها نفوذ قوي وجاه كبير سيطرت على مقاليد ادارة دفة الحكم في فترة حرجه وجعلتها مواتية لروح الدين الاسلامي الحنيف.
ان مولد المصطفى محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم هو انبثاق نور الهدى والهداية والتقوى والتوحيد ، كان مولده تعبيراً عن انبعاث قيم مبادئ تدعو الى الحق والصلاح والمحبة ، فهو لا ينطق الا بالصدق ولا يحكم الا بالعدل والرفق. فقد ورد في الكافي للشيخ الكليني قدس الله روحه عن ابي عبد الله عليه
__________________
(١) سورة لقمان / ٦.
السلام : ان العبد ليصدق حتى يكتب عند الله من الصادقين. وفيه عن ابي جعفرعليهالسلام : ان الرجل ليصدق حتى يكتبه الله صديقاً. فالرسول الكريم هو الصادق الصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحيٌ يوحى. آمنت به قريش ودعا للاسلام ونشر فضائله ، ودعا الى الله متطوعاً لهذا الجهاد الشريف باذلا نفسه في اعلاء كلمة الله ، وليس لليأس من سبيل الى النفوس المخلصة ، وقد زاده الله بسطة في القوة والعلم ، وأمده بنصره ومكنه في الارض ، وكتب له العزة والمجد مادام عاملا نشيطا يرعى تلعات العلم وشؤون المسلمين في مشارق الارض ومغاربها ، وعمل على جمع كلمة المسلمين وتقوية دينهم وسلطانهم ، حيث قال جل وعلا في كتابه العزيز( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّه جَميِعاً وَلَا تَفَرَّقُوا ) (١) . وقال :( إن تَنصُرُوا اللّه يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) (٢) . ففي غزوة بدر وأحد والاحزاب مواقف مشرفة للنبي الكريم ودروس لا تنسى للمسلمين والاجيال المتعاقبة ، فكانت قريش تخشى من محمد وصحابته من المهاجرين والانصار. يقول الدكتور علي شلق : كان للنبي مخبرون يطلعونه على تحركات قريش وجموعها واحلافها ، لذلك فقد اخذ يتهيأ للدفاع وهو لم يبدأ حرباً في حياته ، بل كان مدافعاً ، فمعركة بدر كانت رداً على ايذاء ، و ( أُحُد ) كانت صداً لمؤامرة ، وهذه ( الاحزاب ) معركة يقصد بها المشركون القضاء على محمد ، فماذا فعل النبي لمجابهة هذا الجيش الكبير المنظم اكثر من كل جيش عرفه من قبل؟ انها معركة وجود او لا وجود ،
__________________
(١) سورة آل عمران / ١٠٣.
(٢) سورة محمد / ٧.
تاريخ يقابل تاريخاً ، وعقيدة سامية تصادم عقيدة فاسدة. عمد اول الامر الى عقد هدنة وتحالف مع يهود يثرب وذلك لكي لا يطعنوه من وراء وهو منهمك في قتال قريش ، ثم ارتد الى تحصين مواقعه ، حيث اشار عليه رجل فارسي اسمه ( سلمان ) كان قد آمن به ، ان يحفر خنادق حول المدينة ، فبدأ بالحفر.
وهنا ظهرت بشائر كاد المسلمون يذهلون فرحاً(١) . عندئذ خلع النبي عمامته ، وادارها حول رأس علي البطل وقبّله بين عينيه وقال ودمعتان تتدحرجان على لحيته الكريمة : ( اذهب وروح القدس يؤيدك )(٢) .
ان شخصية هذا المنقذ العظيم تبهر النفوس وتأسر القلوب ، فهي التي ادت رسالة الاسلام على اكمل وجه واطاحت بقوى الظلم والطغيان والاستبداد والجهل. فياله من عبقرية خالدة لم تزل مناراً وهاجاً للشعوب التي تتطلع الى عالم افضل. فالبشرية كلها لم تنجب شخصية مثالية برزت الى العالم ودوخت ارجاء الارض وملكت به صولجان الممالك الواسعة كشخصية الرسول الكريم محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وان الرسالة التي اداها النبي العربي الكريم ما زالت السراج المنير طيلة اثني عشر قرناً ، لنحو مائتي مليون من الناس ، وما زالت حافلة بالعظمة والمجد وكان محمدصلىاللهعليهوآله مصلحاً دينياً ذا عقيدة راسخة ، وبلغ من الكمال بهاتيك الدعوة العظيمة التي جعلته من اسطع انوار الانسانية ، عرّف للناس اطوار حياتها بدقائقها.
__________________
(١) محمد ـ د. علي شلق / ص ٥٣.
(٢) المصدر السابق / ص ٥٦.
زواج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
تزاحمت سراة قريش واعيانها على طلب يد خديجة بنت خويلد والتقرب اليلها. ولم يجهل الرسول الكريم محمد صلى الله عليها وآله وسلم حقيقة واقع المرأة وميزانها ، فأختيارٌ للسيدة خديجة اختيار جد مناسب ، وذلك لما جبلت عليها من مكارم في الاخلاق وشرف في النسب وطهارة في السيرة ، وكان الله قد اغدق عليها مالاً وفيراً وجاهً رفيعاً ، خاضت ادواراً مهمة في التجارة ، تسيّر القوافل المحملة بالبضائع على اختلاف انواعها من الحجاز الى الشام وتشتري من هناك بأثمانها بضائع اخرى تعود بها الى مكة. ومما يجدر التنبيه له ان خديجة كانت قد تزوجت قبل ان يتزوجها الرسول الكريم محمدصلىاللهعليهوآله برجلين الأول هو هند بن زرارة التميمي وكان سيداً على جاه وغنى(١) فأنجبت له هالة وهنداً ، وقد سمتهما بأسماء الاناث على عادة العرب من وضعهم اسماء الاناث للذكور وقاية من الحسد. وهالة أدرك الاسلام وكانت له صحبته ، واما هند فقد طالت
__________________
(١) مثلهن الاعلى خديجة بنت خويلد / الشيخ عبد الله العلايلي / ص ٣٥.
صحبته ، وكان وصافاً روى عنه الحسن ابن اخته فاطمةعليهماالسلام حديث وصف للنبيصلىاللهعليهوآله وهو ابلغ ما روى ، وقتل مع علي عليهعليهالسلام يوم الجمل. وكان يفخر ويقول انا اكرم الناس اباً واماً واخاً واختاً ، ابي رسول اللهصلىاللهعليهوآله لانه زوج امه ، وامي خديجة واخي القاسم واختي فاطمةعليهاالسلام وقيل انه مات بالطاعون في البصرة. اما الزوج الثاني لخديجة فكان عتيق بن عائذ من سادات مخزوم واجوادها فرضيت به ، ولما كان ابوها خويلد وعمها عمر بن اسد رغبا مع الراغبين في تزويجها لأنهما شيخان تقدمت بهما السن وخديجة بحاجة لمن تعيش بكنفه وتستظل بظله من حوادث الدهر ونكباته فاختير لها عتيق فأنجبت له طفلة اسمها هند(١) وقد ادركت الاسلام وكانت لها صحبته وتزوجت صيفي المخزومي ، بيد ان خديجة رزئت بهذا الزوج وفجعت وانتابها الالم الممض ، ومما زاد من مصابها ان الموت اختطف اباها خويلد ايضاً ، فلم تيأس ولم يسيطر عليها الحزن ، شأنها شأن الكثيرات من النساء فعزفت عن الزواج فترة طويلة حتى بلغت سن الاربعين ، فكان زواجها هذه المرة من سيد المرسلين وحبيب إله العالمين وخاتم النبيين محمدصلىاللهعليهوآله . لقد كان زواجاً ميموناً يخفق وجداً وحناناً ، ويشمخ كبرياءً ويزداد رعاية وفهماً وحسن تبصر ، اتفق الطرفان وتهيأ الجو المناسب للقيام بالمسؤولية. وبلغ النبي محمدصلىاللهعليهوآله عند زواجه بالسيدة خديجة في الخامسة والعشرين من عمره ، فمن كتاب السيرة من يقول انها كانت في الاربعين او في
__________________
(١) المصدر السابق / ص ٣٨.
الخامسة والاربعين ، ومنهم ابن عباس يقول : ( انها كانت في الثامنة والاربعين ولم تجاوزها ) ، واحرى بهذه الرواية ان تكون اقرب الروايات الى الصحة ، لأن ابن عباس كان اولى الناس ان يعلم حقيقة عمرها ، ولأن المرأة في بلاد كجزيرة العرب يبكر فيها النمو ويبكر فيها الكبر لا يتصدى للزواج بعد الاربعين ولا يعهد في الاعم الاغلب ان تلد بعدها سبعة اولاد عدا من جاء في بعض الروايات انهم ولدوا مع ذكرنا اسماءهم(١) .
حب علويٌّ عفيف تقره شرعة السماء ، وهنا تسعى خديجة حثيثاً لاستطلاع رأي محمد في الزواج ، وهل يرغب فيه ام يرغب عنه؟ وتخطر من امامها مولاتها نفيسة بنت منبه ، يكاد يتفق المؤرخون واصحاب السير ان نفيسة هذه هي صديقتها وليست مولاتها وهي اخت يعلي بن منبه(٢) تستوقفها لتقول لها : هل رأيت محمداً وهل عرفته؟ فتجيب : رأيته في هذه الدار ، عرفته كما عرفه الناس. فتدسها لتستطلع رأي محمد في امر الزواج منها ، تعود وبشرى القبول معها. يقول المؤرخون ما ان اكتمل عقد الاجتماع حتى قام ابو طالب امام قريش وهو يومذاك سيد البطحاء فقال :
الحمد لله الذي جعلنا من ذرية ابراهيم وزرع اسماعيل وضغن معد وعنصر مضر وجعلنا حصنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمناً وجعلنا حكام الناس ثم ان ابن اخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل الا رجح به شرفاً ونبلاً وفضلاً وعقلاً وان كان في المال قل ،
__________________
(١) فاطمة الزهراء والفاطميون / عباس محمود العقاد / ص ٢٠.
(٢) تاريخ الطبري / ج ٢ / ص ١٩٧.
فان المال ظل زائل وأمر حائل وعارية مسترجعة وهو والله يعد له نبأ عظيم وخطر جليل ، وقد رغب اليكم رغبة في كريمتكم خديجة ، وقد بذل من الصداق ما عاجله وآجله اثنا عشرة اوقية ونشا(١) .
الى جانب ذلك نريد ان نعرف ان السيدة خديجة بنت خويلد انجبت من زوجها النبي محمدصلىاللهعليهوآله ولدين واربع بنات وهن زينب ورقية وام كلثوم وفاطمة ( وهي اصغرهن سناً ). اما الولدان فقد توفيا وهما صغيران. الاول كان القاسم توفي وعمره سنتان وهو اكبر الابناء وبه يكنى ، والثاني هو عبد الله آخر الابناء وله اسم آخر هو ( الطاهر ) وهو اسم محبب من قبل الرسول أطلقه عليه لشغفه وحبه لزوجته الطاهرة خديجة ، لكنه مات وهو صغير.
كانت خديجة اول من آمن برسالة النبي محمدصلىاللهعليهوآله حين هبط عليه الوحي خلال تعبده في غار حراء ، وهي اول المصدقين به ، اعطته ثروة لقاء هداية تفوق كنوز الارض واعطاها عمره وزهرة شبابه فقال : ( ما قام الاسلام الا بسيف علي ومال خديجة ). وهو لم يعرف موقفه منها ، ولم يتزوج غيرها حتى وفاتها ، وقال : ( لا والله ما ابدلني الله خيراً منها آمنت بي وكذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ).
ذلك الموقف النبيل شد من ازر الرسول الكريم وقوّى من اصراره على اعلاء كلمة الحق ، حتى تمّ له ما اراد بالعلم والعدل والتقوى ، ونال المقاصد السامية والغايات الرفيعة.
__________________
(١) مثلهن الاعلى خديجة بنت خويلد / عبد الله العلائلي / ص ٦٦ / النشى : عشرون درهماً وهو نصف الاوقية. ويروى ان ابا طالب صدقها عشرين بكراً.
قال الرسول الكريم : قوة ، وهذه القوة من اعظم قوى الكون ادخرها الله تعالى لانقاذ البشر ، وجدت لسعادة البشر من هذه القوة التي هي سر الخليقة ومركز دائرة الكون.
ولو لم يكن بحثنا مقتصراً على سيرة السيدة فاطمة الزهراء لطال بنا الوقوف اكثر من هذا الاستعراض السريع ، لبيان خصائص الشخصية المحمدية التي حباها الله تعالى إياه. متأملاً ان يتاح لي ذلك في فرصة اخرى للحديث عن سيرة سيد المرسلين محمد المصطفىصلىاللهعليهوآله وايراد معالم تلك الجوهرة الالهية ، والكشف عن بعض اسرارها المكنونة ، وحسبه علاً وسطوة ما جاء في حقه (لولاك لما خلقت الافلاك).
أم السبطينعليهاالسلام
هذه السيدة الجليلة هذه العالمة الكاملة الفاضلة ، كانت روحاً من نفحات روح النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ووهجاً من توهجاته ، وشعاعاً نيّراً من اشعاعاته.
فاطمة الزهراءعليهاالسلام لا تجارى ولا توصف ، ولا يقاس بها كل نساء الارض ، فهي الانسية الحوراء ، والبتولة العذراء ، وام الأئمة النجباء الأصفياء.
فاطمة الزهراءعليهاالسلام اشراقة الهية ، ومنحة ربانية ، لمعت في سماء الدنيا ، فتبلجت بأنوارها المشرقة مدلهماتها ، واشرقت بأنوارها الساطعة اكوانها ودياجيرها.
عاشت في أحضان الرسالة ، وارتضعت من لبان المجد ، ثم ترعرعت في بيت طاهر مطهر ، كان ولا زال كعبة القصاد ، وقبلة الوفاء ، ومأوى الملهوفين ، ومنار التائهين الى يوم الدين. ثم كبرت مع الكبار ، وبرزت معالم الأنوثة فيها ، حتى حان الحين انه تكون زوجاً لخير بعل ذلك هو ابن عمها علي بن أبي طالبعليهالسلام ، اسد الله الغالب ومظهر العجائب ،
بطل الاسلام ، الفارس الضرغام ، قائد البررة الكرام أمير المؤمنينعليهالسلام .
وبعد رحلة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الاكرم الى دار الخلود ، بدأت حياة جديدة تختلف ايما اختلاف عما كانت عله في كنف والدها العظيم من عز واجلال واحترام ، أليس هو القائل في حقها : « فاطمة روحي التي بين جنبيّ » والقائل : « فاطمة أم أبيها » و : « فاطمة بضعة مني من أحبها فقد أحبني ، ومن أبغضها فقد أبغضني ». الى غير ذلك من الأقوال المأثورة التي سنقف عليها في ثنايا هذا الكتاب.
فمحمد والزهراء وعلي والحسن والحسين والتسعة المعصومون من ذرية الحسينعليهمالسلام ، هم قادة الأمة وملاذها ، وهم عنوان مجدها وكرامتها. فأين نحن عن فهم حقيقة سيرة هؤلاء الأطياب بعيداً عن كل تزمت او تعصّب مشين؟
نحن أمة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم اليوم محدقون بالأخطار والأهوال من كل جوانب حياتنا ، فأعداؤنا كُثّر ، واحقادهم لا نهاية لحدودها ، فالتآمر على ديننا الحنيف ، بل ووجودنا وكياننا كأمة لها رسالة وقيادة الهية مقدسة.
ما أحرانا نحن الأمة المستضعفة ، ان ننهض من جديد من سباتنا العميق لنجدد تلك الذكريات بأقلام شعبية واضحة ، بعيدة عن الاساليب البلاغية ذات المحسنات البديعية ، حتى تكون بمثابة خطاب موجه الى الجماهير في كل مكان يستفيد منها المثقف والناشئ والاستاذ والطالب.
لا أقول ان نكتب السيرة نثراً فحسب ، فالشعر ايضاً هو الصوت المؤير في
المشاعر والقلوب ، بل هو السيف البتّار في كشف الحقائق والأسرار ، حتى تعرف الأمة تاريخها ، وتراثها الغابر ، دونما زيف او وجل او مبالغة.
نحن وعلى مدى هذا العمر القصير ، وقفنا على كثير من الكتابات والمؤلفات التي تظهر بين آونة وأخرى ـ من هنا وهناك ـ وان قسماً منها قد كتب ونشر منذ قرون غابرة ، لكنها أمالت بوجهها عن اتباع طريق الهدى والحق ، فأحدثت في وحدة الأمة شرخاً ، واورت نار البغضاء والشحناء ، فبررزت عصابات من حولها تطبّل لهذا تارة وتزمر لذلك اخرى ، كأن لم يكن لها شغل شاغل غير هذا النفخ المريب في ابواق التفرقة وفصم عرى الاتحاد ، وهذا هو بعينه ، ما خطط له المستعمرون الغاشمون ، قديماً وحديثاً.
نحن اليوم بأمس الحاجة الى وقفة جادة وصريحة تدعو الى الحق وتأخذ به ، وتعمل من أجل الحق وتدافع عنه ، ولا يكون هذا إلاّ بالتخلّي عن الشوائب التي علقت بالنفس ، والادران التي التصقت في حنايا الصدور.
يا ابناء محمد الرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويا أبناء فاطمة ، وحّدوا الصفوف واتركوا كلَّ ما يثير الشحناء والفرقة ، فأنتم اليوم المستهدفون في كل بقاع الارض وما لم تتوحّدوا وتتآلفوا لم يرهبكم احد أينما كنتم.
اننا نوجه نداءنا الى ادبائنا ومثقفينا بالتوجه الجاد نحو الكتابة عن سيرة سلفنا الصالح وقادتنا الأئمة المعصومين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. ففي سيرتهم المتلألئة تستضيئ الشعوب ، وعلى هدى خطواتهم تسير في الحياة وتتعامل مع كل مفصل من مفاصلها ، ومن
عظمتهم يكتشف من الجوانب العلمية الخافية على العلماء والمعنيين من المثقفين وعمالقة الفكر وروّاد الأبداع.
انها فاطمة الزهراء التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها ، ونوّه رسول الله بعضمتها وجلالة قدرها ، وأمير البلاغة والبيان عليعليهالسلام ينظر اليها بنظر الاجلال والاعظام وائمة أهل البيت ينظرون اليها بنظر التقديس والاحترام.
سلام على الزهراء وأبيها وبعلها وبنيها وعلى التسعة المعصومين من ذرية ولدها الحسينعليهالسلام .
ولادة الزهراءعليهاالسلام
اراد الله سبحانه وتعالى ان يمدّ يده طاهرة قوية الى هذه المرأة التي انفردت بالحب الكبير منذ مولدها بعد المبعث بخمس سنين وثلاث سنين من الاسراء ، وعلى رواية اهل السنة قبل المبعث بخمس سنين ، وكبرت ونمت معها براءة الطفولة ، فكانت احب الناس الى الله ورسوله ، وهي آخر اولاد الرسول من خديجة واصغرهم ـ كما مرّ بنا آنفاً ـ.
ولدت في مكة المكرمة وفي بيت الوحي والجهاد ، وترعرعت في ظل ابوين لم يعرف التاريخ افضل منهما ، هذا المولود الجديد كان حديث كل دارة ومجلس ، وشاغل كل نديّ وسامر ، فتعطرت ارجاء الدار بعبير نشرها ، وكان مولد فاطمةعليهاالسلام قبل النبوة وقريش حينئذ تبني الكعبة(١)
كانت الزهراء سلام الله عليها تؤنس امها خديجة في ايام الحمل وتحدثها بما يطيب خاطرها ويبعث الطمأنينة والسرور الى قلبها(٢) لقد دخل عليها
__________________
(١) طبقات ابن سعد / ج٨ / ص١١ / والاصابة في تمييز الصحابة / ج ٨ / ص١٥٧.
(٢) فاطمة الزهراء ام ابيها / فاضل الحسيني الميلاني / ص ٢٦.
النبيصلىاللهعليهوآله مرة وقال لها : ياخديجة من تحدثين؟ قالت : الجنين الذي في بطني يحدثني ويؤنسني ! فقال : يا خديجة هذا جبرئيل يبشرني انها انثى ، وانها النسلة الطاهرة الميمونة ، وان الله تبارك وتعالى سيجعل نسلي منها وسيجعل من نسلها ائمة ويجعلهم خلفاء في ارضه بعد انقضاء وحيه(١) .
ولدت فاطمة فولد الخير كُلُه ، ونشأت على العبادة والصلاة في بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ونبغت نبوغاً فذاً وتقدمت بها السن حتى احتلت مكان الصدارة بين نساء العالم اجمع. قال النبيصلىاللهعليهوآله لفاطمة : يا بنيّة من صلى عليك غفر الله له والحقه بي حيث كنت في الجنة(٢) .
وقالصلىاللهعليهوآله : فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها ويريبني ما رابها(٣) .
وقالصلىاللهعليهوآله : ان فاطمة بضعة منّي يغضبني من اغضبها(٤) .
وفي قول : فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما انصبها.
وفي قول : فاطمة بضعة مني يسعفني ما يسعفها.
وفي قول : فاطمة شجنة مني يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها.
__________________
(١) المصدر السابق / ص ٢٧.
(٢) كشف الغمة / محمد بن عيسى الاربلي / ص ١٤٢.
(٣) صحيح مسلم / ج٢ والخصائص / للنسائي / ص ٣٥.
(٤) صحيح البخاري / ج٢ / ص ٢٦٠ / فصل : مناقب فاطمة.
وفي قول : فاطمة مضغة مني فمن آذاها فقد آذاني.
وفي قول : فاطمة مضغة مني يسرني ما يسرها(١) .
ومن الاصابة كانت ولادة فاطمة بعد البعثة وهي اصغر بناتهصلىاللهعليهوآله واحبهن اليه. قالت عائشة : ما رأيت قط احداً افضل من فاطمة غير ابيها. عن ابن عباس : خط النبيصلىاللهعليهوآله اربع خطوط فقال : افضل نساء اهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية(٢) من ذلك كله نلاحظ ان هناك الكثير مما طفحت به كتب الاخبار وشهدت له ألسنة ، الرواة في ولادة الزهراء من الاحاديث والروايات المسندة.
__________________
(١) الغدير / عبد الحسين الاميني / ج٧ / ص ٢٣٢.
(٢) ينابيع المودة / للقندوزي / ص ١٧٠ و ١٧١.
تسميتها ونشأتهاعليهاالسلام
مما ينبغي ان يشار اليه انهناك شرحاً لغوياً مفصلاً يسرده المؤرخون للتعريف بـ (فاطمة) و (الزهراء) و (البتول) ، فمما رواه العلامة المجلسيقدسسره في البحار بخصوص لفظة فاطمة بخبر مسند عن جعفر بن محمدعليهالسلام قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعلي : هل تدري لم سميت فاطمة؟ قال علي : لم سميت فاطمة يا رسول الله؟ قال : لانها فطمت هي وشيعتها من النار(١) وعرفت بالزهراء لانها تزهر لأمير المؤمنين. قال المجلسي : عن ابان بن تغلب قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : يا ابن رسول الله لم سميت الزهراء بـ (زهراء)؟ فقال : لانها تزهر لأهل الارض في النهار ثلاث مرات بالنور. كان يزهر نور وجهها عند صلاة الغداة والناس في فراشهم فيدخل بياض ذلك النور الى حجراتهم بالمدينة فتبيض حيطانهم فيعجبون من ذلك ، فيأتون النبيصلىاللهعليهوآله فيسألونه عما رأوا فيرسلهم الى منزل فاطمةعليهاالسلام ، فيأتون
__________________
(١) بحار الانوار للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي / ج ٤٣ / ص ١٥.
منزلها فيرونها قاعدة في محرابها تصلي والنور يسطع من محرابها من وجهها ، فيعلمون ان الذي رأوه كان نور فاطمة فاذا انتصف النهار ترتبت للصلاة زهر نور وجههاعليهاالسلام بالصفرة فيدخل الضوء في حجرات الناس فتصفر ثيابهم والوانهم ، فيأتون النبيصلىاللهعليهوآله يسألونه عما رأوا ، فيرسلهم الى منزل فاطمةعليهاالسلام فيرونها قائمة في محرابها وقد زهر نور وجههاعليهاالسلام بالصفرة فيعلمون ان الذي رأوا كان من نور وجهها ، فاذا كان آخر النهار وغربت الشمس احمر وجه فاطمة فأشرق وجهها بالحمرة فرحاً وشكراً لله عز وجل فكان تدخل حمرة وجهها حجرات النوم وتحمر حيطانهم فيعجبون من ذلك وياتون النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ويسألونه عن ذلك ، فيرسلهم الى منزل فاطمة فيرونها جالسة تسبح الله وتمجده ونور وجهها يزهر بالحمرة فيعلمون ان الذي رأوا كان من نور وجه فاطمةعليهاالسلام . فلم يزل ذلك النور في وجهها حتى ولد الحسينعليهالسلام فهو يتقلب في وجوهنا الى يوم القيامة في الائمة منا اهل البيت امام بعد امام(١) .
وقد قيل فيها بهذا الخصوص :
خجلاً من نور طلعتها |
تتوارى الشمس في الافق |
|
وحيـاء من شمائـلها |
يتغطى الغصن بالـورق |
وعرفت الزهراء بالبتول لانها لم تحضْ ، يقول آدم متز : ذهب الشيعة في السيدة فاطمة (رضي الله عنها) الى ما شبه صفات السيدة مريمعليهاالسلام ، فهي قد سميت البتول مثل مريم ، يروي الشيعة عن النبي عليه
__________________
(١) بحار الانوار للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي / ج ٤٣ / ص ١١.
السلام انه اجاب من سأله : ما البتول؟ فقال البتول التي لم تر حمرة قط ، أي لم تحض ، فان الحيض(١) مكروهة في بنات الانبياء(٢) . لقد كانت طاهرة من الحيض والنفاس ، ولعمري انها صفة انفردت بها عن بنات حواء ، وقد ساعدتها هذه المكانة المرموقة التي تتمتع بها والدها ووالدتها على تربيتها وتوجيهها حتى اصبحت آية في الذكاء والفهم والبلاغة على حداثة سنّها ، فالزهراء هي كريمة منقذ الانسانية الرسول الاعظم محمدصلىاللهعليهوآله ومن اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة المنزهين عن الدنس المطهرين بنص الكتاب ، مالو وعته الارض لزلزلت زلزالها وأخرجت أثقالها من الكفر بالله وهتك حرمات بيته ، عجزت عن اطرائها قواميس اللغات ، وقصرت عن ادراك كنهها افئدة اولي الالباب. فآيات نبلها لا تحصى ومناقبها لا تستقصي ، وجميل صفاتها لا يوصف ، اكتسبت الفضائل الانسانية والارشادات والعلوم النافعة والسجايا الحميدة وامثالها مع اتقانها بالعمل والموارد التي تحتاج اليها الامة ، وجبلت على الدين والتقوى والزهد ، فشمرت عن ساعدي الجد والاجتهاد لنصرة العلم والحفاظ على شعائر التقوى والنواميس المقدسة والاستمرار في الارشاد والهداية ، كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يحبها حباً جماً ، فقد قال مخاطباً امير المؤمنين علياًعليهالسلام : يا علي اعطيت ثلاثاً لم يعطها الصفات الكاملة التي تجلت بها وفق ما يتطلبه الدين الاسلامي القويم وكتاب الله العزيز. ولا شك ان هذا الفهم المبكر وحدة الذكاء ، جعلا منها نموذجاً صالحاً قل نظيره ، الى
__________________
(١) الحيض : جمع ، مفرده الحيضة .
(٢) الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري / آدم متز / ص ١٢٦.
جانب ذلك كانت توصف بجمال الهيئة وتمام الخلقة وصدق الحسن ونفاذ البصيرة ، وكان للنبيصلىاللهعليهوآله اثر عميق في نفسها ، لذلك لم ير أشرف من الزهراء في طهرها وعفافها ومن ابائها وشممها واخلاصها ومكارم اخلاقها.
تأدبت الزهراء بأخلاق رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، واشتهرت بكونها المثل الاعلى للرجال ، بل النساء ، ولذا يحق لها أن تكون اسوة لنساء العالم دون استثناء ، والتاريخ على كثرة ما فيه من النساء المثاليات ، لم يستطع ان يُري البشرية امرأة كهذه السيدة الجليلة ، فقد كانت المسلمة الكاملة بين فضليات المسلمين والمسلمات ، ومع ان خديجة ومريم واسية من فضليات النساء فان فاطمةعليهاالسلام افضلهن جميعاً. ولا نقول ذلك اعتباطاً او بالنظر الاسلامي فحسب ، بل حتى بالنظر الى المزايا الانسانية والفضائل البشرية ، فهل يرينا التاريخ ان مريم كانت تتوالى عليها المصائب والآلام منذ ولادتها حتى وفاتها ، ثم تقابل تلك المصائب والمحن برباطة جأش كالجبال الرواسي صلابة وصموداً ، وكذلك قل بالنسبة لخديجة وآسية. هذه السيدة الجليلة الطاهرة افضل مثال للاقتداء بها في جهادها وصبرها وفضائلها وسائر مزاياها.
اجل ! ان فاطمة الزهراءعليهاالسلام هي المثال الصالح لكل الفضائل ، فهي حوراء أنسية لانها خلقت من ثمر الجنة ، بنت برة وزوجة صالحة وام حنون وعاملة كادحة ، وعابدة زاهدة ، وعالمة غير معلمة ، وفهمة غير مفهمة ، صابرة محتسبة غنية النفس. وقد سمعت اباها يقول : ( ليس الغنى من كثرة المال انما الغنى غنى النفس ). فهي لم تكن تحفل بزخارف الدنيا
ومظاهرها ، وقد سمعت اباها يقول : ( من اصبح وهمه الدنيا شتّت الله عليه امره وجعل فقره بين عينيه ، ولم يؤته من الدنيا الا ما كتب له ، ومن اصبح وهمّه الاخرة جمع الله له همه ، وحبّذ عليه صنيعه وجعل غناه في قلبه واتته الدنيا راغمة ).
لا شك ان هذا النور هو من الفيض الإلهي ، وان ولادة الزهراء ولادة الامل. والذي يلاحظ بوضوح من خلال النصوص المتقدمة ان الزهراء حالة خاصة فريدة لا يمكن القياس عليها بسواها من نساء العالم قاطبة. وللوالد تغمده الله برحمته ابيات في ذكر مولدها ، قال :
ان بنت المصطفى فاطمة |
قد اتى ميلادها نصراً مبين |
|
ذاتـها جوهـرة قدسـية |
صاغـها الله هدى للعالمين |
|
انها فلذة طـه المصطفى |
انها خير نسـاء العالميـن |
|
انجبـت ذريـة طيبـة |
كفت الاسلام سر العالميـن |
|
انها خالـدة في فضلـها |
باسمها العاطر أشدو كل حين |
تواترت الاخبار في فضل الزهراء وطهارتها ، فقد قيل : انها سيدة نساء اهل الجنة(١) وافضلها(٢) وسيدة نساء العالمين(٣) وكيف لا تكون كذلك وقد خلقها الله نوراً لملائكته يكشف عنهم الظلمات قبل ان يخلق آدم ، حتى حبا الله بها نبيه الاكرم محمدصلىاللهعليهوآله فمنحه بضعته العظمة النبوية ومنبثق الامامة ومبرق العصمة وارومة الطهارة
__________________
(١) الصواعق المحرقة ـ ابن حجر الهيثمي ـ الفصل الثالث.
(٢) مسند احمد ـ الاستيعاب / ابن عبد البر ، عن ابن عباس.
(٣) الاستيعاب / ابن عبد البر عن عمران بن حصين.
والقداسة ، مصدر ذريته ومعدن نسله ، دمغ الله تعالى بها ذلك الشاني الأبتر الذي كان يعيّر رسول الله تعالىصلىاللهعليهوآله بانه ليس له عقب ، فنزلت فيه هذه الآية الكريمة :( إنَّ شَانِئَكََ هُوََ الاَبْتَرُ ) .
كان نسل الرسول بنتاً فاضحى مثل نبت الربيع عمّ البسيطة. ذكر ابن شهر اشوب في المناقب من اسمائها : فاطمة ، البتول ، الحصان ، الحرة ، السيدة ، العذراء ، الزهراء ، الحوراء ، الطاهرة ، الزكية ، مريم الكبرى ، النورية ، السماوية.
وفي ( معجم البلدان ) تعريف بالزهراء هذا نصه : الزهراء ممدود تأنيث الأزهر ، وهو الابيض المشرق والمؤنثة زهراء ، والازهر : النيّر ومنه سمي القمر الازهر(١) .
لقد حملت فاطمة الزهراء كل صفات الشرف والفضيلة ، وهي صفات الملائكة والصديقين ، واتسمت بسمات الحور العين ، بحيث يعجز عن وصفها قلم واصف.
__________________
(١) معجم البلدان / ياقوت الحموي / ج ٣ / ص ١٦١.
حب النبي للزهراءعليهماالسلام
سبق ان بيّنا ان النبي محمداًصلىاللهعليهوآله كان يود فاطمة الزهراءعليهاالسلام ويحن اليها. ولا بد لنا ونحن في معرض الكلام عن الزهراء وابيها ان نستعرض بعض الشواهد ليقف القارئ على مدى هذا الحب الطاهر. جاء في ( اعيان الشيعة ) : روى الحاكم في المستدرك بسنده عن ابي ثعلبة الخشني قال : كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله اذا رجع من غزاة او سفر اتى الى المسجد فصلى فيه ركعتين ثم ثنّى بفاطمة ، ثم يأتي ازواجه. ( وبسنده ) عن ابن عمر أنّ النبيصلىاللهعليهوآله كان اذا سافر كان آخر الناس عهداً به فاطمة واذا قدم من سفر كان اول الناس به عهداً فاطمة(١) . واستطرد صاحب الاعيان قائلاً : وقد اعتاد الرسولصلىاللهعليهوآله ان يمرَّ عند خروجه على بيت فاطمة وهي من احب اهله اليه ، فمر ذات يوم عليها ورجع من الباب دون ان يدخل واستمر هاجراً فاطمة ثلاثة ايام ، فاستقدمت عمار بن ياسر وهو من
__________________
(١) اعيان الشيعة / السيد محسن الامين العاملي / ج ٢ / ص ٤٣٠.
اكرم صحابته لديه ، قالت له ان يستنبئ من ابيها عن سبب هذا الهجران. ولما سأله عمار قال له الرسول الكريم ـ وانظر لما قال ـ : رأيت في معصم فاطمة اسورة من الفضة واهل الصُفة يتضورون جوعاً ، فجاء عمار واخبرها الخبر فقالت له : خذ الاسورة وبعها واشتر بثمنها خبزاً لأهل الصفة ، ولما فعل ما امرته به عاد فأخبر اباها بما كان فرجع لعادته معها. وورد في الاستيعاب بالإسناد الى ابي ثعلبة الخشني قال : كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله اذا قدم من غزو او سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم يأتي فاطمة ثم يأتي ازواجه. وعن عائشة ام المؤمنين (رض) انها قالت : ما رأيت أحداً كان اشبه كلاماً وحديثاً برسول اللهصلىاللهعليهوآله من فاطمة ، وكانت اذا دخلت عليه قام اليها فقبلها ورحب بها كما كانت تصنع هي بهصلىاللهعليهوآله . وعن عائشة (رض) ايضاً قالت : ما رأيت احداً كان اصدق لهجة من فاطمة الا ان يكون الذي ولدها. وعن جميع بن عمير قال : دخلت على عائشة (رض) فسألت أي الناس كان أحبّ الى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ قالت : فاطمة. قلت : فمن الرجال؟ قالت : زوجها اذ كان ما علمته صواماً قواماً. وعن ابن بريدة عن ابيه قال : احب الناس الى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فاطمة ومن الرجال علي بن ابي طالب ( رضي الله عنهما ) الى غير ذلك(١) ولا شك ان النبيصلىاللهعليهوآله كان يحب فاطمة حباً جما حتى عدله البعض في ذلك. والحب
__________________
(١) اعيان الشيعة / محسن الامين العاملي ج٢ / ص ٤٣٠ / وانظر : ذخائر العقبى للطبري / ص ٦٢.
الشديد الذي قد يتجاوز المتعارف يصدر احياناً من الاب لجهله وقصر نظره(١) .
لقد كان بين الرسول الكريمصلىاللهعليهوآله وبين ابنته فاطمةعليهاالسلام تعاطف شديد ، وبلغ من حبها لأبيها ايضاً ومن حزنها عليه ، انها مازالت معصبة الرأس ، ناحلة الجسد ، مهيضة الركن ، باكية العين ، محرقة القلب ، وانها لم تُرَ بعد وفاته كاشرة ولا ضاحكة. قيل : وبكت حتى نادى بها اهل المدينة فقالوا لها : آذيتنا بكثرة بكائك ، فجعلت تأتي قبور الشهداء في كل اسبوع مرتين فتقول : ها هنا كان الرسول ، وها هنا كان المشركون. ( لقد كان يسأل النبي في قضية فيجيب : لنأخذ اولا رأي فاطمة. هكذا كان لفاطمة رأي في تربية صحيحة كانت لشخصيتها فيها تلك التنمية )(٢) .
وعن الصادقعليهالسلام : انها كانت تصلي هناك وتدعو ، وانها ظلت على ذلك حتى ماتت ، وقد تكون الزهراء مثلاً اعلى في الصبر على المكاره واحتمال الحرمان حتى الجوع والعطش. مرضت يوماً فدخل عليها الرسولصلىاللهعليهوآله يعودها ، فسألها كيف تجدينك يا بنية؟ قالت : اني موجعة ، وانه ليزيدني اني مالي طعام آكله. قال عليعليهالسلام : ان فاطمة استقت بالقربة حتى اثرت في صدرها وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها وكنست البيت حتى اغبرت ثيابها واوقدت النار تحت القدر حتى
__________________
(١) فاطمة الزهراء المرأة النموذجية في الاسلام / ابراهيم الاميني ترجمة : علي جمال الحسيني ص ٩٥.
(٢) فاطمة الزهراء وتر في غمد / سليمان كتاني / ص ١١٤.
دكنت ثيابها ، فأصابها من ذلك ضرر شديد(١) . وبلغ من حب النبيصلىاللهعليهوآله لابنته فاطمةعليهاالسلام انه كان يكنيها بـ ( أم ابيها )(٢) . وقد اثنى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثناءً مستطاباً في كثير من المواضع. هذا الحب العارم وهذه المودة الخالصة مبعثها المؤهلات العالية التي ورّثها لها ابوها ، وكانت لوقعها اثر كبير في مسيرة حياتها. هكذا عاشت وهي تؤدي رسالتها على احسن ما يمكن الاداء ، يعطف عليها والدها ويهتم بامرها ايما اهتمام. وأجدني اكرر ما ذكرته في مناسبة سابقة من ان الزهراءعليهاالسلام افضل نساء اهل الجنة. وعن عائشة قالت : ما رأيت احداً اشبه حديثاً وكلاماً برسول اللهصلىاللهعليهوآله من فاطمة. وكانت اذا دخلت عليه اخذ بيدها فقبلها واجلسها في مجلسه ، وكان اذا دخل عليها قامت فقبلته بيده فأجلسته في مكانها(٣) . وسأله عليعليهالسلام يوماً فقال : يا رسول اللهصلىاللهعليهوآله انا احب اليك ام فاطمة؟ فقال : انت عندي اعز منها ، وهي احب منك(٤) . وهناك روايات كثيرة كلها تنص على محبة النبيصلىاللهعليهوآله الاكرم للصديقة الزهراء سلام الله عليها.
__________________
(١) مجلة ( العرفان ) اللبنانية ـ خصال ( فاطمة الزهراء ) لعارف النكدي / ج ٦ / مج ٥١ ( شعبان ١٣٨٣ هـ / ١٩٦٣ م ) ص٥٤٤.
(٢) فاطمة الزهراء ام ابيها ، فاضل الحسيني الميلاني / ص ٣٥.
(٣) كشف الغمة / علي بن عيسى الاربلي / ج ٢ / ص ٧٩ .
(٤) كشف الغمة / ج ٢ / ص ٨٨.
فضائل الزهراءعليهاالسلام ومناقبها
في سيرة الزهراء سلام الله عليها مواقف مشرّفة من جهاد في سبيل الله ومحاجة مع بعض الصحابة ودعوة الى التوحيد ، وقد وردت اخبار واحاديث كثيرة كلها تجعل من فاطمة الزهراءعليهاالسلام المثل الاعلى في علو الهمة والبطولة والايثار وتبصرة الحق والتعاون على البر والتقوى والتمسك بالخلق وما الى ذلك. ونحن اذ نذكر هنا بعضاً من فضائلها ومناقبها في ازمان وسنين توالت. ففي خروج ابي سفيان الى المدينة للصلح واخفاقه ذكر ابن هشام فقال : خرج ابو سفيان فدخل على علي بن ابي طالب رضوان الله عليه وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها ، وعندها الحسن بن علي غلام يدب بين يديها. فقال : يا علي انك امس القوم بي رحماً واني جئتك في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائباً فاشفع لي الى رسول الله ، فقال : ويحك يا ابا سفيان والله لقد عزم رسول اللهصلىاللهعليهوآله على امر لا نستطيع ان نكلمه فيه ، فالتفت الى فاطمة فقال : يا بنت محمد هل لك ان تأمري بنيّك هذا
فيجير بين الناس ، فيكون سيد العرب الى آخر الدهر؟ قالت : والله ما بلغ بنّي ذاك ان يجير بين الناس وما يجير احد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : يا ابا الحسن اني ارى الامور قد اشتدت عليّ فانصحني ، قال : والله ما اعلم لك شيئاً ، ولكنك سيد بني كنانة ، فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك ، قال : او ترى ذلك مغنياً عني شيئاً؟ قال لا والله ما اظنه ، ولكني لا اجد لك غير ذلك ، فقام ابو سفيان في المسجد فقال : ايها الناس اني قد اجرت بين الناس ، ثم ركب بعيره فانطلق ، فلما قدم على قريش ، قالوا ما وراءك؟ قال : جئت محمداً فكلمته ، فو الله ما ردَّ عليَّ شيئاً ، ثم جئت ابن ابي قحافة فلم اجد فيه خيراً ، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته ادنى العدو ، قال : ابن هشام اعدى العدو(١) .
وفي ما امر به الرسول الكريمصلىاللهعليهوآله عليها من أمور حج بيت الله الحرام ، قال ابن اسحاق : وحدثني عبد الله بن ابي نجيح : ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان بعث علياً رضي الله عنه الى نجران ، فلقيه بمكة وقد احرم ، فدخل على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رضى الله عنها فوجدها قد حلت وتهيأت ، فقال : مالك يا بنت رسول الله؟ قالت : امرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نحلّ بعمرة فحللنا ، ثم اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من الحَير عن سفره ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : انطلق فطف بالبيت وحلّ كما حلّ باصحابك؟ قال : يا رسول الله اني هللت كما اهللت ،
__________________
(١) السيرة النبوية / ابن هشام ج ٣ و ٤ / ص ٣٩٦ / وانظر حياة محمد / محمد حسين هيكل / ص ٢٦١.
فقال : ارجع فاحلل كما حل اصحابك ، قال : يارسول الله اني قلت حين احرمت : اللهم اني اهلّ بما اهلّ به نبيك وعبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم ، قال : فهل وثبت على احرامه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى فرغا من الحج ، ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي عنهما(١) . وعن ابي هريره قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : اول شخص يدخل علىّ الجنة فاطمة بنت محمد. وروي باللفظ الصريح يرويه كل من النجار ومسلم والترمذي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم انه قال : قد كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء الا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون. وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد. وعن كتاب العترة النبوية مرفوعاً الى قتادة عن انس قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : خير نسائنا مريم وخير نسائنا فاطمة بنت محمد وآسية امراة فرعون. وبإسناده ايضاً عن انس ان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد. وعنه ايضاً قالت عايشة لفاطمة : الا يسرك اني سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : سيدات نساء اهل الجنة أربع مريم بنت عمران وفاطمة بنت محمد وخديجة بنت خويلد وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون. وعنه عن النبيصلىاللهعليهوآله قال : اذا كان يوم القيامة قيل يا اهل الجمع غضوا ابصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد وعليها ربطتان خضراوان وفي بعض الروايات حمراوان(٢) .
__________________
(١) السيرة النبوية / ابن هشام / ج ٣ / ص ٦٠٢.
(٢) الفصول المهمة في معرفة احوال الائمة ـ لعلي بن محمد المالكي الشهير بابن الصباغ / ص ١٢٩.
وروي عن مجاهد قال : خرج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو آخذ بيد فاطمة فقال : من عرف هذه فقد عرفها ومن لم يعرفها فيي فاطمة بنت محمد ، وهي بضعة مني وهي قلبي وروحي التي بين جنبي فمن آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله(١) . قال الشيخ عن الحسين الحويزي :
فاطمة بنت أحمد سادة الخلق جميعا |
رجــالها ونســـــاءهـــا |
|
لـم تنـل مريــم وآسيــة الزهرا |
ولا ســــارة ولا حــــوّاها |
وروي ان اليهود كان لهم عرس فجاؤوا الى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقالوا : لنا حق الجوار فنسألك ان تبعث فاطمة بنتك الى دارنا حتى يزداد عرسنا بها وألحوا عليه فقال : انها زوجة علي بن ابي طالب وهي بحكمه ، وسألوه ان يشفع الى علي في ذلك وقد جمع اليهود الطم والرمّ(٢) من الحلي والحلل ، وظن اليهود انّ فاطمة تدخل في بدلتها وارادوا استهانة بها ، فجاء جبرئيل بثياب من الجنة وحلي وحلل لم يروا مثلها فلبستها فاطمة وتحلّت بها فتعجب الناس من زينتها والوانها وطيبها فلما دخلت فاطمة دار اليهود سجد لها نساؤهم يقبلن الارض بين يديها واسلم بسبب مارأوا خلق كثير من اليهود(٣) .
لقد فقد النبي محمدصلىاللهعليهوآله في حياته بناته بعد خديجة واحدة بعد الاخرى بعد ان كبرن وصرن ازواجاً وامهات ، فلم تبق له منهن
__________________
(١) الفصول المهمة / ص ١٣١.
(٢) أي بكل ما كان عنده مستقصى فما كان من البحر فهو الطم وما كان من البر فهو الرم.
(٣) بحار الانوار للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي ـ المجلد العاشر / ج ٤٣ / ص ٣٠.
غير فاطمة ، هؤلاء الابناء والبنات الذين تساقطوا من حوله قد دفنهم بيده تحت صفائح الثرى ، تركوا في نفسه قرحة ألم اندملت بمولد ابراهيم واثمرت مكانها رجاءً واملاً ، وكان حلاً له ان يمتلئ بهذا الامل غبطة واستبشاراً.
مرّ بنا كيف ان النبي الكريمصلىاللهعليهوآله كان يحب فاطمة ، يصونها ويؤنس وحشتها ، لكن محمداً قد مرض وقد بلغت به شدة المرض حداً آلمه ، ذلك ان الحمى زادت به حتى لقد كانت عليه قطيفة ، فاذا وضع ازواجه وعوّاده ايديهم من فوقها شعروا بحر هذه الحمى المضنية ، وكانت ابنته فاطمة تعوده كل يوم ، وكان يحبها ذلك الحب الذي يمتلئ به وجود الرجل للابنة الواحدة الباقية له من كل عقبه ، لذلك كانت اذا دخلت على النبيصلىاللهعليهوآله قام اليها وقبلها واجلسها في مجلسه ، فلما بلغ منه المرض هذا المبلغ دخلت عليه فقبلته ، فقال : مرحباً يا بنيتي ، ثم اجلسها الى جانبه واسرَّ اليها حديثاً آخر فضحكت ، فسألتها عائشة في ذلك ، فقالت : ما كنت لأفشي سر رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلما مات ذكرت انه اسرَّ اليها انه سيقبض في مرضه هذا فبكت ، ثم اسرَّ انها اول اهله يلحقه ، فضحكت ، وكانوا لاشتداد الحمى به يضعون الى جواره اناء فيه ماء بارد ، فما يزال يضع يده فيه ويمسح بها على وجهه ، وكانت الحمى تصل به حتى يغشى عليه احياناً ثم يفيق وهو يعاني منها اشد الكرب. حتى قالت فاطمة يوماً وقد حز الالم في نفسها لشدة الم ابيها : واكرب ابتاه ، فقال : لا كرب على ابيك بعد اليوم. يريد انه سينتقل من هذا العالم ، عالم الاسى والألم(١) .
__________________
(١) حياة محمد / محمد حسين هيكل / ص ٣١٣.
وعن مهاجر بن ميمون عن فاطمةعليهاالسلام قالت : قلت لابيصلىاللهعليهوآله : اين أمنا خديجة؟ قال : ببيت من قصب لا لغوب فيه ولا نصب بين مريم وآسية امرأة فرعون ، قلت : أمن هذا القصب؟ قال : لا بل من القصب المنظوم بالدر والياقوت.
وعن حذيفة رفعه : نزل ملك من السماء فاستأذن الله ان يسلم على ما لم ينزل قبلها فبشرني عن الله عز وجل ان فاطمة سيدة نساء اهل الجنة(١) .
لعلنا لم نأت بجديد حين نقول ان هناك آيات نزلت في حق علي واهل بيته ينص على ذكرها المؤرخون في اسفارهم ، ومن هذه الآيات الدالة على كرمهم قوله سبحانه وتعالى في محكم كتابه :( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلىَ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ) (٢) فعن ابن عباس ، انها نزلت في علي وفاطمة وابنيهما وجاريتهما فضة(٣) .
ومن اخبارها سلام الله عليها ما نقله ابن ابي الحديد في شرحه قائلاً : ( ان الشيخ رأى في حلمه ان فاطمة الزهراء ) بنت رسول الله دخلت عليه وهو في مسجده بالكرخ ومعها ولداها الحسن والحسين صغيرين ، فأسلمتهما اليه وقالت علمهما الفقه ، فانتبه الشيخ عجباً ، فلما تعالى النهار صبيحة تلك الليلة ، دخلت عليه المسجد فاطمة بنت الناصر ، وحولها جواريها وبين يديها ابناها ( علي المرتضى ) و ( محمد الرضي ) صغيرين ، فقام اليهما وسلم عليهما ،
__________________
(١) ينابيع المودة ـ للقندوزي / ج ٢ / ص ٨٩.
(٢) سورة الدهر / ٨.
(٣) ينابيع المودة / ج ٢ / ص ٣٦.
فقالت له : ايها الشيخ هذان ولداي قد احضرتهما اليك لتعلمهما الفقه ، فبكى الشيخ وقص عليها الرؤيا وتولى تعليمهما(١) الى غير ذلك من المناقب الشريفة والمراتب العالية المنفية.
__________________
(١) شرح نهج البلاغة / ابن ابي الحديد / ج١ / ص ٢٤.
تسبيح الزهراءعليهاالسلام
يكاد يجمع المؤرخون ان حمل طين الحسينعليهالسلام امان من كل خوف ، ويستحب حمل سبحة من طين. روى الشيخ الصدوق في ( علل الشرائع ) بسنده عن عليعليهالسلام ان فاطمةعليهاالسلام استقت بالقربة حتى اثرت في صدرها ، وطحنت بالرحى حتى مجلت(١) يداها وكسحت البيت ( أي كنسته ) حتى اغبرت ثيابها ، واوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها ( أي اسودت ) فأصابها من ذلك ضرر شديد ، فقال لها عليعليهالسلام : لو اتيت اباك فسألته خادماً ، فجاءت فوجدت عنده جماعة فاستحيت وانصرفت ، فعلم انها جاءت لحاجة فغدا علينا ونحن في لحافنا ، فأردنا ان نقوم فقال مكانكما فجلس عند رؤوسنا ، فقال : يا فاطمة ما كانت حاجتك امس؟ فاخبره عليعليهالسلام فقال : أفلا اعلمكما ما هو خير لكما من الخادم؟ اذا اخذتما منامكما كبرا اربعاً وثلاثين
__________________
(١) قال ابن منظور في ( لسان العرب ) مجل مجلت يداه بالكسر ، ومجلت : نفطت يداه. من العمل فمرنت وصلبت وثخن جلدها.
واحمدا ثلاثاً وثلاثين وسبحا ثلاثاً وثلاثين ، فأخرجت فاطمة رأسها وقالت : رضيت عن الله ورسوله ثلاث دفعات. وروى ابن حجر في ( الاصابة ) نحوه ثم قال : قال علي : فوالله ما تركتهن منذ علمتهن. فقال له ابن الكوا : ولا ليلة صفين ، فقال : قاتلكم الله يا اهل العراق ولا ليلة صفين. وروى الحاكم في ( المستدرك ) وصححه على شرط الشيخين وعن علي بن ابي طالبعليهالسلام : اتانا رسول اللهصلىاللهعليهوآله فوضع رجله بيني وبين فاطمة ، فعلّمنا ما يقول اذا اخذنا مضاجعنا ، فقال : يا فاطمة اذا كنتما بمنزلكما فسبحا الله ثلاثً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين وكبرا اربعاً وثلاثين ، قال علي : والله ما تركتها بعد ، فقال له رجل كان في نفسه عليه شيء : ولا ليلة صفين؟ قال : ولا ليلة صفين. ( اقول ) هذا هو المعروف بتسبيح الزهراءعليهاالسلام .
وورد عن ائمة اهل البيتعليهمالسلام استحبابه عقيب كل صلاة ، وجاء في كيفيته عكس ما مرّ ، أي بتقديم التكبير ثم التحميد ثم التسبيح ، والظاهر جواز كلا الكيفيتين. وحكى ابن شهراشوب في ( المناقب ) عن الصحيحين انها لما طلبت منهصلىاللهعليهوآله خادماً وكان عنده اسارى ، قال : ولكن ابيعهم وانفق اثمانهم على اهل الصُفَّة. وعلمها تسبيح الزهراء(١) فاتخذت فاطمةعليهاالسلام سبحة وهي خيط صوف مفتل معقود عليه عدد التكبيرات فكانت تديرها بيدهاعليهاالسلام بتكبير وتحميد وتسبيح ، الى ان قتل حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء فاستعملت تربته وعملت التسابيح فاستعملها الناس. فلما قتل الحسين عليه
__________________
(١) اعيان الشيعة / محسن الامين العاملي / ج ٢ / ص ٤٤٢ و ٤٤٣.
السلام عدل بالأمر إليه فاستعملوا لما فيها من الفضائل والمزية(١) .
فالزهراء سلام الله عليها ارتفعت بأنسانيتها ، واخذت تنشر المحبة والخير والعدل والمساواة بين المسلمين ، كما دعت الى ترسيخ الايمان الصادق واتباع الحق المبين على هدى الرسالة المحمدية بكل معانيها العظيمة وتحدياتها الكبيرة وروحها المتشبعة بالفضائل والتقوى والمفاهيم الانسانية الحقيقية المستمدة من مبادئ الاسلام وقيمه العليا ، دين الاخاء والمساواة والتسامح ، ذلك الدين القيم الذي ينشد الحق والعدل والحرية ، تستقي منه الاجيال الصاعدة دروساً في التضحية والدفاع عن القيم المثلى.
__________________
(١) الدرة البهية في فضل كربلاء وتربتها الزكية / حسين البراقي / ص ٢٧ و ٢٨.
شخصية عليعليهالسلام
تنص الروايات التاريخية كلها على ان الامام علياً ولد في الكعبة سنة ٣٠ لميلاد رسول الانسانية ، وقتل في نفس السنة التي يبتهل فيها الرسول(١) ، وهو اول مولود ولد فيها لم يسبقه بسابق ولم يأت بعده احد ، والكعبة قبلة الاسلام ومنها ينبثق نوره ، وهو سيد الفصحاء والبلغاء وامام المتقين ومولى الموحدين وابن عم الرسول وزوج البتول ووالد السبطين الحسن والحسينعليهماالسلام ، اسد الاسلام الغالب الامام علي بن ابي طالبعليهالسلام .
أية انسانةٍ تنال هذا الشرف العظيم غيرها ، في وسط الكعبة تضع فاطمة بنت اسد وليدها ، كيف لا يكون علي قد علا شرفاً بمولده كما علا من قبل بأصله الرفيع. ويتساءل الاولاد من ابيهم ما اسم المولود الجديد؟ فيقول سميته ( علياً ) وقد اعجب الكل بهذا الاسم ، ولم يشغل الام الطاهرة الوليد عن الاهتمام بأم محمد ، فهي تزداد اهتماماً وعناية به وهو يوليها الاحترام والتبجيل ، حتى اذا ما شب عليُ ، وتعدى الخامسة من عمره بدأ
__________________
(١) علي والقرآن / الشيخ محمد جواد مغنية / ص ٩.
يلازم ابن عمه محمد ملازمة الظل لصاحبه يكاد لا يفارقه ابداً. كانت فاطمة بنت اسد سعيدة جداً بملازمة ولدها علي لمحمد ، كما هو شأن ابي طالب ، ورغم ان قريش كانوا يلاحقون محمداً بالأذى ، ويتربصون به الفرصة ، فقد كان علي لابن عمه اكثر من ظل ، وكانت الوالدة المؤمنة تحث ولدها وتدفعه على ذلك(١) .
لقد عجز فصحاء العرب وبلغاؤها ان يجاوره في مضمار الفصاحة والبلاغة ، وخير ما يثبت ذلك بلاغته وفصاحته في كتاب ( نهج البلاغة ) ذلك السفر القيّم الذي لا يرقى اليه شك ولايستغني عنه العلماء الاعلام والسياسيون المحنكون والمفكرون قاطبة لما تضمن من فنون الحكمة والمعرفة واساليب السياسة وقوانين المجتمعات وحقائق الايمان ومعرفة الصانع وتهذيب النفس والحث على مكارم الاخلاق والتمسك بأهداب الفضيلة والمثل العليا. وينص التاريخ انه قتل شهيداً في المسجد عند سجوده في صلاة الصبح فخر صريعاً وهو يقول ( فزت ورب الكعبة ) فكان شهيد المحراب الاول. هذا الرجل الانساني كان انشودة الثورة في تاريخ الاسلام كله. حاز على صفات الكمال التي هي صفات العقل ، وانه مثل العقل النبوي الذي لاجله وجدت جميع الموجودات. وحسب القارئ ما روي عن الصادق سلام الله عليه : ( ان علياً انما بلغ ما بلغ به عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله بصدق الحديث واداء الامانة ، كان نموذجاً للحكم وربيباً للنبي وازهد الصحابة )(٢) .
__________________
(١) بين يدي الرسول الاعظم / محمد بحر العلوم القسم الثاني / ص ٧٩.
(٢) فاطمة الزهراء ام ابيها / فاضل الحسيني الميلاني / ص ٣٥.
اتصف بالخلق الانساني العالي ، ليس لطاعنٍ فيه مهمز ولا لقائلٍ فيه مغمز ، اللهم إلا مكابرة ومعاندة. كان يخوض المعارك الدامية بنفسه بين يدي رسول الله محمدصلىاللهعليهوآله لايهاب الموت في سبيل الحق والاسلام. قال الشاعر السيد مرتضى الوهاب :
ما شاد صرح الدين الا سيفه |
فتحمل الصدمات في اعلائـه |
|
تركته حين البأس في بأسائه |
وتنافسوا للغنـم فـي سرّائـه |
|
بيمينـه قام البنـاء فكان في |
ابقاء صرح الدين حسن عزائه |
فهو الذي قلع باب خيبر وقلع الصخرة من فم القليب في طريقه الى صفين عندما عجز اصحابه عن قلعها ، وهو الذي قتل مرحباً وعمرو بن عبد ود العامري ، وما عسى ان يقول القائل بعد قول النبي محمدصلىاللهعليهوآله فيه :
( انا مدينة العلم وعلي بابها ومن اراد الحكمة فليأتها من بابها ) وأهمية هذا الحديث يرجع الى ما فيه من التأكيد على العلم والمعرفة وسبيل الوصول اليها عن طريق النبي الكريم والوصي الامين. وقد بلغ الامام علي من زهده وعلمه منزلة عالية ونموذجاً صالحاً للامام العالم الزاهد العامل بالكتاب والسنة.
اما مؤاخاته للرسول الكريمصلىاللهعليهوآله فأبين من ان تظهر ، وقد بقي ملازماً له كالظل ، وهو حري بان يكون موضع اعتماده وكاتم سرّه ، ومن اقرب من علي للنبيصلىاللهعليهوآله ؟ ويمكننا ملاحظة ذلك من اقوال الرواة ، فمن ذلك ما رواه الترمذي في صحيحة بسنده عن عبد الله بن عمر انه قال : لما آخى رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم بين صحابته رضي الله عنهم جاءه علي كرم الله وجهه وعيناه تدمعان فقال : يا رسول الله آخيت بين اصحابك ولم تواخ بيني وبين احد فسمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : انت اخي في الدنيا والآخرة.
ومن مناقب ضياء الدين الخوارزمي عن ابن عباس قال : لما آخى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بين اصحابه من المهاجرين والانصار وهو انهصلىاللهعليهوآله آخى بين ابي بكر وعمر وآخى بين عثمان وعبد الرحمن بن عوف وآخى بين طلحة والزبير وآخى بين ابي ذر الغفاري والمقداد رضوان الله عليهم اجمعين ولم يواخ بين علي بن ابي طالب وبين احدٍ منهم ، خرج علي مغضباً حتى اتى جدولاً من الارض وتوسد ذراعه ونام فيه تسفى الريح عليه فطلبه النبيصلىاللهعليهوآله فوجده على تلك الصفة فوكزه برجله وقال له : قم فما صلحت ان تكون الا أبا تراب ، اغضبت حين آخيت بين المهاجرين والانصار ولم اواخ بينك وبين احد منهم ، اما ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا ان لا نبي بعدي الا من احبك فقد حف بالأمن والايمان ومن ابغضك اماته الله ميتة جاهلية(١)
واذا كان الرسول الكريم قد تحمل في سبيل دعوته المشاق والمصاعب ابان تلك الفترة المتأزمة ، فان وصيّه قد شاركه في تحمل القسط الاكبر من المشاق والمصاعب التي عاناها ، وفدى نفسه لاجلها. وفي آية المباهلة كان نفس المصطفى ليس غيره اياها ، من المتفق عليه ان النبي محمداً صلى الله
__________________
(١) المصدر السابق / ص ٢٢.
عليه وآله وسلم لما خرج لمباهلة نصارى نجران لم يكن معه سوى علي وفاطمة والحسن والحسين ، والآية الشريفة تصرح ان علياً نفس محمد( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسََآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّه عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (١) .
فهؤلاء هم اصحاب هذه الآية وليس سواهم ، فالمراد من الابناء الحسن والحسين ومن النساء السيدة فاطمة الزهراء ومن الانفس الامام علي بن ابي طالبعليهالسلام . قال الرازي في تفسيره الكبير : خرج الرسول وعليه مرط من شعر اسود وقد احتضن الحسين واخذ بيد الحسن وفاطمة خلفه وعلي خلفها وهو يقول : ( اذا انا دعوت فأمنّوا ) ، وعندما رآهم اسقف نجران قال : يا معشر النصارى اني لأرى وجوهاً لو سألوا الله ان يزيل جبلاً لازاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا(٢) . وفي كتاب ( الصواعق المحرقة ) : قال النبيصلىاللهعليهوآله : خير اخوتي وخير اعمامي حمزة(٣) ! وقالصلىاللهعليهوآله لعلي : انت اخي في الدنيا والاخرة(٤) .
قال الشاعر عبد الباقي العمري :
انت العلي الذي فوق العلى رفعا |
ببطن مكة وسط البيت إذ وضعا |
والواقع الذي لا مراء فيه ان اهم الاسباب التي دعت النبي محمداً صلى
__________________
(١) سورة آل عمران / ٦١.
(٢) النبأ العظيم علي بن ابي طالب / تقي المصعبي الهندي / ج ١ / ص ٢٧ و ٢٨.
(٣) الصواعق المحرقة / ابن حجر الهيثمي / ص ١٢٤.
(٤) المصدر السابق / ص ١٢٠.
الله عليه وآله وسلم الى اختيار عليعليهالسلام الى جنبه هو ما يتمتع به من مقدرة وكفاءة قتالية وقيادية نادرة اكتسبها من مقدرة وكفاءة الرسول الكريمصلىاللهعليهوآله ، فان له دوراً مشرّفاً في حروب خاضها النبيصلىاللهعليهوآله في الفتوحات الاسلامية ، وتصدى لمكافحة الظلم والتخلف والتأكيد على الجهاد في سبيل الله والحق حتى النصر.
اما من الناحية العلمية فان للامام علي قوة الارادة والحزم والعزم ، خير لسان مبين ، اعطى باكثر من فصاحة قس وبيان سحبان الى غير ذلك من الاحاديث الدالة على ما اوتي ابن عم الرسول وصهره وصنوه حبل الله المتين وحبه المكين أمير المؤمنين وسيد الوصيين ، وكان لها ابلغ الاثر في اذكاء النفوس والسمو بالعقول الابية الرفيعة. وهل بالأمكان ان يحيط بهذه العلوم الغزيرة لمن كان الضياء في عقله والشعاع في نفسه ، لقد كان الامام علي يدير شؤون القضاء بنفسه لا يشغله شيء غير القيادة ورعاية الضعفاء وتفقد الارامل والايتام. ( ولم يعرف التاريخ ولن يعرف انساناً ارحم من علي )(١) .
ان جوهر قلبه خلص من غرس الطبيعة وصفا كنوز الشمس من ادرانها ، وهذا هو السرّ الذي جعله يتصف بأسمى الفضائل ، وتلك لعمري هي تضحية النفس في سبيل الله ، وقد دفعه ذلك نحو التقدم والسمو الى مدارج العلى والسؤدد. اصاب عليعليهالسلام من العظمة ومن خشونة لباسه وجشوبة طعامه ومدرعته المرقعة ونعله المخصوف بيده ما لم يصبه احد سواه ، ان تمتع المرء بزينة الحياة وتنعمه بلذاتها ليس منكراً ، بل المنكر ان
__________________
(١) علي والقرآن / الشيخ محمد جواد مغنية / ص ١٨.
تخضع النفس لسلطان الهوى والشهوات. قال الازري :
ذاك رأس الموحدين وحامي |
بيضة الدين من اكف عداها |
|
أي نفس لا تهتـدي بهـداه |
وهو من كل صورة مقلتاها |
فليس بدعاً ان يكون الامام عليعليهالسلام عباب البلاغة الذي لا يسير غوره ، ولا يدرك شطآنه ، بل وينبوع الحكمة المستمدة من الوحي الالهي والفيض النبوي ووحي القرآن وسيرة محمدصلىاللهعليهوآله ونهجه. وللدلالة على اكرامه للضيف نسوق هذه الحكاية : ( قيل ان اعرابياً وقف عليه فقال : ان لي اليك حاجة رفعتها الى الله قبل ان ارفعها اليك ( ان انت لم تقضها حمدت الله وعذرتك ) فقال الامام : ( خط حاجتك على الارض ) فكتب الرجل اني فقير ، فقال عليعليهالسلام : يا قنبر ( يعني خادمه ) اعطه حليتي الفلانية ، فلما اخذها الاعرابي مثل بين يديه وقال :
كسوتني حـلة تبـلى محاسنـها |
فسوف اكسوك من حسن الثنا حللا |
|
ان الثنـاء ليحيي ذكر صاحبـه |
كالغيث يحي نداه السهل والجبـلا |
|
لا تزهد الدهر في عرف بدأت به |
فكل عبد سيجزى بالـذي فعـلا |
فقال عليعليهالسلام : يا قنبر اعطه خمسين ديناراً ثم قال : اما الحلة فلمسألتك واما الدنانير فلأدبك.
عاش سيدنا ابو الحسنعليهالسلام في كنف ابن عمه الرسول الاعظم محمدصلىاللهعليهوآله وهو ابن ست سنوات ، وتفتحت عيناه على رسول الله ووعى مبادئه وبشر بها عن يقين ، فلم تعلق به اوضار الجاهلية ولم تعبه نفسه يوماً الى مغريات الحياة وبهارجها. ويحسن بنا ان نذكر ان الامام علياًعليهالسلام كان علامة مضيئة في تاريخ الامة العريق
صاغ مجدها ونشر قيمتها وسطَّر ملاحم البطولات الفذة ، وقد عرف الخاصة والعامة قول الرسول الاعظم محمدصلىاللهعليهوآله ( اقضاكم علي ) والقضاء هو جوهر الحقيقة ، وتلازم الامام عليعليهالسلام صفات ومواهب هي المثل الاعلى للفضائل وينبوعها ، مستكملة كل مقوماتها ، مواهب وصفات شربت شخصية علي بن ابي طالبعليهالسلام فاذا هي في وجود الانسان دعامة نشبت بها قيمة الانسان(١) .
وامير المؤمنين عليعليهالسلام يكنى ابا الحسن وابا الحسين ، كما يعرف بابي تراب. جاء في ( مقاتل الطالبيين ) : كان بين علي وفاطمة شيء فجاء رسول الله عليه وآله وسلم يلتمس علياً فلم يجده ، فقال لفاطمة : أين هو؟ قالت كان بيني وبينه شيء فخرج من عندي غضبان ، فالتمسه رسول اللهصلىاللهعليهوآله فوجده في المسجد راقداً وقد زال رداؤه عنه واصابه التراب ، فايقظه رسول اللهصلىاللهعليهوآله وجعل يمسح التراب عن ظهره وقال له : اجلس فانما انت ابو تراب وكنا نمدح علياً اذا قلنا له ابو تراب(٢) .
لقد اختاره محمدصلىاللهعليهوآله يتعبد بغار حراء ليكون الساعد الايمن له والربان الامين لسفينته والقائد العقائدي الذي لا تهزه الهزاهز ولا تأخذه في الحق لومة لائم. وقف يضحي في سبيل الامة الاسلامية ، يحمل لواء مسيرة الاسلام الخالد وسامً شرفٍ ثوري وعزيمة لا تقهر. قال الامام الشافعي :
__________________
(١) الامام علي نبراس ومتراس / سليمان كناني ص ٧٧.
(٢) مقاتل الطالبيين / ابو الفرج الاصفهاني / ص ٢٥ ـ ٢٦.
ماذا اقول بمن حطت له قـدم |
في موضـع وضع الرحمـان يمنـاه |
|
ان قلت ذا بشر فالعقل يمنعني |
واختشي الله من قولي هو (....) |
هنالك شواهد كثيرة ونصوص صريحة تؤكد على مكانة الامام علي المتميزة في الدولة الاسلامية ومنزلته الرفيعة في صفوف المسلمين ، فهو من دانت له الرقاب وطأطأت له الرؤوس ، ذلك هو زوج الزهراء وابو الائمة الهداة الاطهار.
استمع اليه وهو يخطب فينحدر الكلم منه كالسيل ، وتتفجر الحكمة والفصاحة من ينابيع فكره كأنها الدر المنثور ، فماذا قال :
عن امير المؤمنين علي بن ابي طالبعليهالسلام قوله :
فارفض الدنيا ، فان حب الدنيا يعمي ويصم ، ويذل الرقاب ، فتدارك ما بقي من عمرك ، ولا تقل غداً وبعد غد ، فانما هلك من مضى قبلك باقامتهم على الاماني والتسويف ، حتى اتاهم من الله امرهم بغتة وهو غافلون. فنقلوا على اعوادهم الى قبورهم المظلمة فمن رفض الدنيا ليس فيه انكسار ولا انخذال ، اعاننا الله واياك على طاعته ، ووفقنا واياك لمرضاته. قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له ، وشهواتها يطلب من لا فهم له ، وعليها يعادي من لا علم له ، وعليها يحسد من لا فقه له ، ولها يسعى من لا يقين له.
وقال امير المؤمنين عليعليهالسلام : ( يا دنيا اليك عني ، ابيَ تعرضتِ؟ ام اليَّ تشوقتِ؟ لا حان حينك ، هيهات ! غُرّي غيري ، لا حاجة لي فيك ، قد طلقتك ثلاثاً ، لا رجعة فيها ، فعيشك قصير ، وخطرك يسير ، وأَمَلك
حقير ، آه من قلة الزاد ، وطول الطريق ، وبعد السفر ، وعظيم المورد ، وخشونة المضجع ! ).
هذا امير المؤمنين عليعليهالسلام يبكي تارة من قلة الزاد وتارة يبكي لفقد الاحبة كما هو واضح من خطبته الشريفة. الى ان يصل قوله :
( ايها الناس اني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ بها الانبياء اممهم ، وأديت لكم ما ادت الاوصياء الى من بعدهم ، وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا. وحدوتكم بالزواجر فلم تستوسقوا ، لله انتم أتتوقعون اماماً غيري ، يطأ بكم الطريق ويرشدكم السبيل؟ الا انه قد ادبر من الدنيا ما كان مقبلاً ، واقبل منها ما كان مدبراً ، وازمع الترحال عباد الله الاخيار وباعوا قليلاً من الدنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى ، ما ضر اخواننا الذين سفكت دماؤهم وهم بصفين الا يكونوا اليوم احياء يسيغون الغصص ويشربون الرنق؟ قد والله لقوا الله فوفاهم اجورهم ، واحلهم دار الأمن بعد خوفهم ، اين اخواني الذين ركبوا الطريق ، ومضوا على الحق؟ أين عمار وأين ابن التيهان ، واين ذو الشهادتين؟ اين نظراؤهم من اخوانهم الذين تعاقدوا على المنية؟ وابرد برؤوسهم الى الفجرة؟ ثم ضرب بيده الشريفة على لحيته الكريمة ، فأطال البكاء. ثم قالعليهالسلام :
( اوه على اخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه ، وتدبروا الفرض فأقاموه ، احيوا السنة ، واماتوا البدعة ، دُعوا للجهاد فأجابوا ، ووثقوا بالقائد فاتبعوه ثم نادى باعلى صوته : الجهاد الجهاد عباد الله ، الا واني معسكر في يومي هذا ، فمن اراد الرواح الى الله فليخرج ).
لقد استشهد الامام علي بن ابي طالبعليهالسلام والصلاة بين شفتيه ،
مات وفي قلبه الشوق الى لقاء الله عز وجل ، مات قبل ان يبلغ العالم رسالته كاملة وافية ، غير اني اتمثله متبسماً قبل ان يغمض عينيه عن هذه الارض.
كانعليهالسلام اصل علم الفقه ومصدره ، وكل فقهاء الاسلام عيال عليه ، ولا عجب فهو جماع الفضائل ، نام في فراش النبيصلىاللهعليهوآله وهو كالأسد الهصور في عرينه ، فلم يبال بالموت اوقع عليه ام وقع هو على الموت؟ وكان منهصلىاللهعليهوآله بمنزلة هارون من موسى ، وهو الدرع الحصين له في جميع الغزوات قبل الفتح وبعده.
وكانت ضربة عليعليهالسلام ليلة الاحد لاحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان ، وشهادته في الواحد والعشرين منه سنة اربعين من الهجرة عند صلاة الصبح على يد عبد الرحمن ابن ملجم المرادي روى جعفر بن سليمان الضبعي عن المعلى بن زياد قال : جاء عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله الى امير المؤمنينعليهالسلام يستحمله ، فقال : انت عبد الرحمن بن ملجم المرادي؟ قال : نعم ، ثم قال : انت عبد الرحمن بن ملجم المرادي؟ قال : نعم ، قال : يا غزوان احمله على الاشقر ، فجاء بفرس اشقر فركبه ابن ملجم لعنه الله واخذ بعنانه فلما ولي قال امير المؤمنين عليه اللسلام :
اريد حياته ويريد قتلي |
عذيرك من خليلك من مراد |
قال : فلما كان من امره ما كان وضرب امير المؤمنينعليهالسلام قبض عليه وقد خرج من المسجد فجيء به الى امير المؤمنين ، فقال له : فوالله لقد كنت اصنع بك ما اصنع وانا اعلم انك قاتلي ولكن كنت افعل ذلك بك
لاستظهر بالله عليك(١) .
تلك هي شخصية الامام علي بن ابي طالبعليهالسلام الذي استطاع بحذقه ومهارته ان يصل الى مركز مرموق في دولة الاسلام والمسلمين.
__________________
(١) الارشاد ، للشيخ المفيد / ص ١٣ و ١٤.
البيت الزوجي
في رواية ابن مسعود عن النبي محمدصلىاللهعليهوآله : ان الله تبارك وتعالى امرني ان ازوج فاطمة من عليعليهالسلام (١) وفي رواية اخرى ينقلها لنا الخوارزمي فيقول : ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله خرج على اصحابه ووجهه مشرق كدائرة القمر ، فسأله عبد الرحمن بن عوف؟ فقال : بشارة اتتني من ربي في اخي وابن عمي وابنتي بان الله زوج علياً من فاطمة(٢) وفي حديث آخر : بان جبرئيل جاء الى النبيصلىاللهعليهوآله فقال : ان الله يأمرك ان تزوج فاطمة من علي(٣) .
قال احمد في ( الفضائل ) حدثنا ابراهيم بن عبد الصمد البصري حدثنا ابراهيم بن يسار حدثنا سفيان عن ابن ابي نجيح عن ابيه قال اخبرني من
__________________
(١) الصواعق المحرقة / ابن حجر الهيثمي / ص ١٠٧.
(٢) المصدر السابق / ص ١٥٢.
(٣) ينابيع المودة ـ للقندوزي / ج١ / ص ٧٣.
سمع علي بن ابي طالب يقول على منبر الكوفة : لما اردت ان اخطب فاطمة الى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذكرت انه لا شيء لي ، ثم ذكرت عائدته وصلته فخطبها ، فقال : وهل عندك شيء ، قلت : لا ، قال : فاين درعك الحطمية؟ فقلت : عندي ، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد وهبها لي فأتيته بها فأنكحني اياها على الدرع ، فلما ان دخلت عليَّ ، قال : لا تحدثن حدثاً حتى اتيكما فاستأذن رسول اللهصلىاللهعليهوآله علينا وعلينا كساء او قطيفة ، قال : فتخشخشنا ، فقال : مكانكما على حالكما فدخل علينا فجلس عند رؤوسنا ودعا بماء فدعا فيه بالبركة ورشه علينا ، قال علي فقلت : يا رسول الله ايما احب اليك انا ام هي؟ فقال : هي احب اليَّ منك وانت اعز علي منها. قال الشعبي : وكان قيمة درعه خمسة دراهم وغيره يقول خمسمائة درهم(١) .
ولعبد المطلب الشاعر المصري قصيدته العلوية وفيها يتحدث عن علي في صباه واسلامه وكيف جنب الرجس والشرك ثم تكلم عن زواجه من فاطمة الزهراء فقال :
قرآنٌ زاده الاسلام يمناً |
وشمل زاده الحب التئاما |
وقال احمد في ( الفضائل ) حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ايوب عن عكرمة عن ابي زيد المدني قال لما اهديت فاطمة الى عليعليهاالسلام لم تجد عنده الا رملاً مبسوطاً ووسادة وكوزاً وجرة ، فأرسل اليه رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا تقرب زوجتك حتى آتيك ، فجاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله فدعا بماء فقال فيه ما شاء الله ان يقول ثم
__________________
(١) تذكرة الخواص / سبط بن الجوزي / ص ٢٠٦.
نضح به صدر عليعليهالسلام ووجهه ثم دعا بفاطمة فقامت اليه في مراطها وهي تصعد عرفاً من الحياء فنضح عليها من الماء وقال لها : اما اني لم انكحك الا أحب اهلي اليَّ واعزهم علي او عندي ، ثم خرج وقال : دونك اهلك ، وما زال يدعو لنا حتى دخل الحجرة فرأى سواداً من وراء الباب ، فقال : من هذا؟ فقالت : اسماء ، قال : بنت عميس؟ قالت : نعم ، قال : امع بنت رسول الله جئت كرامة لرسول الله؟ قالت : نعم ، فدعا لها. وفي رواية انه جهز رسول اللهصلىاللهعليهوآله فاطمة في خميله وهي القطيفة. وفي رواية جهزها رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومعها قربة من ادم ووسادة من ادم حشوها ليف وجلد كبش ينامان عليه بالليل ويغلفان الناضح عليه في النهار ورحا وجرة(١) .
ومما ينبغي ان يشار اليه في هذا الصدد هو ان المرأة العفيفة المصون فاطمة ، أدارت نفسها بنفسها ، ولم تتكل على خادمتها ، فهي الممرضة لزوجها واولادها ان دعاهم داعي السقام ، تعين زوجها على تنظيم اعماله وتتميم اشغاله ، وتقوم بتدبيرها بكل ما يتكفل راحته ، وقد انجبت نسلاً جامعاً لصفات الكمال ، متحلين بحلى الفضائل. علمت أولادها حسن السلوك وربتهم على العفاف والتقوى وعزة النفس.
لقد زوج النبيصلىاللهعليهوآله ابنته فاطمة من ابن عمه علي اشد الناس محبة للنبي واخلاصاً له منذ طفولته(٢) ، فهي قبس من نور محمد ، ووجه جميل يشع ويضىء على العالم الاسلامي لانها بنت الاطائب ،
__________________
(١) تذكرة الخواص / سبط بن الجوزي / ص ٣٠٧.
(٢) حياة محمد / محمد حسين هيكل / ص ١٨٥.
قال الشاعر الشيخ محمد علي كمونة :
فمن مبلغ عني الرسول وحيدرا |
وفاطمة الزهراء بنت الاطائب |
دخل النبي محمدصلىاللهعليهوآله دار علي مع ابنته الزهراء ، وهو يقول : اين اخي علي ادعو لي اخي علياً ، وتقول له مولاته ام ايمن : اخوك وقد زوجته ابنتك يا رسول الله؟ نعم يا ام ايمن انه اخي وليس ذلك بمانعي ان ازوجه ابنتي ، فلقد زوجتها كفوءاً شريفاً وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين(١) .
وفي ( ذخائر العقبى ) : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت الليلة التي زفت فيها فاطمة الى عليعليهماالسلام ، كان النبيصلىاللهعليهوآله امامها وجبريل عن يمينها وميكائيل عن يسارها وسبعون الف ملك من خلفها يسبحون الله ويقدسونه حتى طلع الفجر(٢) .
وجاء في موسوعة ( اعيان الشيعة ) ما هذا نصه : ( في كشف الغمة روي عن أبي عبد اللهعليهالسلام انه قال : لولا ان تبارك وتعالى خلق امير المؤمنين لفاطمة ما كان لها كفؤ على وجه الارض ادم فمن دونه ، قال : وروى صاحب كتاب الفردوس عن النبيصلىاللهعليهوآله : لولا علي لم يكن لفاطمة كفؤ. وفي مناقب ابن شهر اشوب قد اشتهر في الصحاح بالاسانيد عن امير المؤمنين وابن عباس وابن مسعود وجابر الانصاري وانس بن مالك والبراء بن عازب وام سلمة بالفاظ مختلفة ومعان
__________________
(١) امالي الطوسي / للشيخ الطوسي / ج١ / ص٣٦٤ / وانظر : بحار الانوار للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي / ج٤٢ / ص ١٠٥ وغيرها من المصادر.
(٢) ذخائر العقبى / للطبري / ص٣٢.
متعففة : ان ابا بكر وعمر خطبا الى النبيصلىاللهعليهوآله فاطمة مرة بعد اخرى فردهما. وروى احمد في الفضائل عن بريدة : ان ابا بكر وعمر خطبا الى النبيصلىاللهعليهوآله فاطمة فقال انها صغيرة ، وروى محمد بن سعيد كاتب الواقدي في الجزء الثامن من الطبقات الكبيرة بسنده : ان ابا بكر خطب فاطمة الى النبيصلىاللهعليهوآله فقال : انتظر بها القضاء. فذكر ذلك لعمر فقال له ردك ، ثم ان ابا بكر قال لعمر اخطب فاطمة الى النبيصلىاللهعليهوآله فخطبها ، فقال : له مثل ما قال لابي بكر انتظر بها القضاء ، فأخبر ابا بكر فقال له ردك الحديث. ( وبسنده ) عن بريدة انه قال نفر من الانفار لعلي : عندك فاطمة ، فأتى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فسلم عليه ، فقال : ما حاجة ابن ابي طالب ، قال : ذكرت فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، قال : مرحباً واهلاً لم يرده عليها ، فخرج على اولئك الرهط وهم ينتظرونه قالوا : ما وراءك؟ قال : ما ادري غير انه قال لي : مرحباً واهلاً ، قالوا : يكفيك من رسول الله احدهما اعطاك الاهل اعطاك المرحب الحديث(١) .
وهبط على النبيصلىاللهعليهوآله ملك يقال له محمود مكتوب على كتفيه محمد رسول الله علي وصيه فقال : يا رسول الله ان الله بعثني ان ازوج النور من النور اعني فاطمة من علي(٢) .
لكن الشيء المهم الذي يلفت الانتباه هو ان الامام امير المؤمنين علياً عليه
__________________
(١) اعيان الشيعة / محسن الامين العاملي / ج٢ / ص ٤٤٦ و ٤٤٧.
(٢) امالي الصدوق / ص ٣٥٣.
السلام طلب يد ابنة النبيصلىاللهعليهوآله فاطمة فأجابه النبي على طلبه دون استثناء ، فقال الامام علي : ان ليس عندي سوى سيفي ودرعي وناقتي ابيعها ، ولكن النبيصلىاللهعليهوآله قال : اما السيف فلطالما جاهدت به في سبيل الله ولسوف تجاهد به ايضاً ، واما الناقة فهي تفيدك في اسفارك وغزواتك ولكن الدرع بعه ، فخرج علي وعرض درعه للبيع فاشتراه عثمان بن عفان بـ (٤٨٠) درهماً وقام ابو بكر بمهمة اعداد الجهاز فذهب الى السوق وابتاع ثوبين ومقنعة وقطيفة واريكة من رخام وفراشاً واربعة وسائد من الجلد وبردة من الصوف وحصيراً وطستاً من النحاس وقربة وقدحاً من الخشب ومشربة ورحاة فبلغ ثمنها (٨٠) درهماً(١) .
ويحسن بنا ان نشير الى ان الرسول الكريم محمداًصلىاللهعليهوآله دعا اصحابه وجل القوم في المسجد وتلا خطبة العقد في ذلك الحفل حيث قال :
الحمد لله المحمود بنعته المعبود بقدرته المطاع بسلطانه المرهوب من عذابه المرغوب اليه فيما عنده النافذ امره في السماء والارض الذي خلق الخلق بقدرته وميزهم بحكمته واحكمهم بعزمه واعزهم بدينه واكرمهم بنبيه ، قد جعل المصاهرة نسباً حقاً وامراً مفترضاً نسخ به الانام واوشح بها الارحام والزمها الانام فقال عز وجل : ( وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديرا ) فأمر الله يجري قضاؤه وقضاؤه يجري الى قدره وقدره يجري الى اجله فلكل قضاء قدر ولكل اجل كتاب يمحوا الله ما
__________________
(١) النبأ العظيم علي بن ابي طالب / تقي المصعبي الهندي / ص ٣٠.
يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب ثم ان الله تعالى امرني ان ازوج فاطمة وعلياً وقد زوجتهما على (٤٠٠) مثقال فضة.
ثم التفت الى علي وقال له : ارضيت يا علي؟ فأجابه علي : نعم رضيت عن الله ورسوله ، فقال النبي : جمع الله شملكما واسعد بركتكما وبارك الله عليكما واخرج منكما نسلاً كثيراً طيباً. ثم غادر الحفل وتوجه نحو داره وقال لاهله : هيئوا لابنتي وابن عمي في حجركم بيتاً ، ثم قال لعلي : بارك الله في ابنة رسول الله يا علي نعم الزوجة فاطمة ، وقال لفاطمة : نعم البعل علي.
فهيء جميع ما لزم وأعدَّ عليٌ وليمة فخرج ونادى القوم فحضروا واكلوا وكان النبي يقدم الطعام بنفسه.
وفي ليلة الزفاف ركبت فاطمة على البغلة الشهباء ( دلدل ) وكان سلمان الفارسي ماسكاً بزمامها وزوجات النبي محمدصلىاللهعليهوآله امامها ، ونساء بني هاشم خلفها وهنَّ يقرأن بعض الاشعار ، قالت حفصة :
فاطمة خير نساء البشر |
ومن لها وجـهُ كوجـهِ القمر |
|
زوجك الله فتى فاضلاً |
اعني علياً خير من في الحضر |
وفي رواية اخرى :
فاطمـة خير نسـاء البشر |
ومن لها وجـهُ كوجـه القمر |
|
فضلك الله على كل الورى |
بفضل من خـص بآي الزمر |
|
زوجـك الله فتـى فاضلاً |
اعني علياً خير من في الخطر |
|
فسرن جاراتي بهـا انـها |
كريمـة بنت عظيم الخطر(١) |
وقالت ام سلمة :
__________________
(١) بحار الانوار للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي / ج ٤٣ / ص ١١٦.
سرن بعـون الله جاراتي |
واشكرنه في كل حالات |
|
واذكرن ما انعم رب العلى |
من كشف مكروه وآفات |
|
فقد هدانـا بعد كفر وقـد |
انعشنـا رب السمـاوات |
|
وسرن مع خير نساء الورى |
تفدى بعمـات وخـالات |
|
يا بنت من فضَّله ذو العلى |
بالوحي منه والرسالات(١) |
وقالت عائشة :
يا نسـوة استـرن بالمعاجـر |
واذكرن ما يحسن في المحاضر |
|
واذكرن رب الناس اذ يخصنا |
بدينـه مع كـل عبد شـاكـر |
|
والحمـد لله علـى افضـاله |
والشكـر لله العـزيـز القـادر |
|
سرن بها فالله اعطى ذكرهـا |
وخصها منه بطهـر طاهـر(٢) |
وقالت معاذه :
اقول قولاً فيـه ما فيـه |
واذكر الخيـر وابديـه |
|
محمد خيـر بنـي آدم |
ما فيه من كبر ولا تيه |
|
بفضله عرفنـا رشدنـا |
فالله بالخيـر يجازيـه |
|
ونحن مع بنت نبي الهدى |
في شرف قد مكنت فيه |
|
في ذروة شامخة اصلهـا |
فما أرى شيئاً يدانيه(٣) |
اول ما يلفت النظر في هذا البيت الزوجي الجديد هو الاطمئنان الذي راح امير المؤمنين عليعليهالسلام يعمل من وحيه ، فاستكملت به سعادته التي
__________________
(١) بحار الانوار للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي / ج٤٣ / ص ١١٥.
(٢) المصدر / ص ١١٦.
(٣) المصدر.
كان يرجوها بفارغ الصبر ، لقد تم الزواج ببساطة كأنها القناعة ، كأنها الرضى ، كأنها العفة ، كأنها الاستسلام لمشيئة منتظرة ، كأنها السعادة المرجوة على ارتقاب ، وارتبطت حياة فاطمة بحياة علي بالرباط الذي يجب ان يتقاسم عليه كلا الزوجين احكام المصير ، نعيماً بنعيم وبؤساً ببؤس. وتقدمت فاطمة الى ساحة الحياة ، تحمل على منكبيها اعباء المشاركة ، برضوخ المؤمن في استجابته للمشيئة الكبرى ، وكانت المثلبة منها شهادة لها بالاصالة(١) .
ولابد ان نذكر هنا ان اول انتاج لفاطمة سيأخذه النبي محمدصلىاللهعليهوآله ويرفعه بيديه الكريمتين هو الحسن وتبعه الحسينعليهماالسلام ثم بقيت الام تنجب ـ من جسمها النحيل ـ لقد نزلت في البيت الفقير اختان اخذتا اسمي خالتيهما زينب وام كلثوم ، وبقيت الام تشارك بالمجهود ، تارة تسقط العبء فيمد الزوج الامين يد المساعدة ، وطوراً تنهض لمتابعة الجهاد ببطولة ما كانت تجد في الجسم الهزيل تلبية لها(٢) .
ومما يذكر بهذا الصدد ان هذه البراعم الخمسة من السلسة المحمدية تمثل كل ما في دوحة الرسالة من فروع ، واختار الرسول الاعظم محمدصلىاللهعليهوآله لكل من هذه البراعم اسماً ، وهي على التوالي : الحسن ، الحسين ، زينب ، ام كلثوم ، المحسن ، كانوا كالكواكب الزهر حسناً وضياءً ، اما اولاد أمير المؤمنين قاطبة كما تحدثنا المصادر فهم في رواية سبعة وعشرون وفي اخرى ثمانية وعشرون. قال الشيخ المفيد عليه الرحمة في
__________________
(١) فاطمة الزهراء وتر في غمد / سليمان كناني ص ١٣٨.
(٢) المصدر السابق / ص ١٤٠.
( الارشاد ) ما يلي : فأولاد امير المؤمنين سبعة وعشرون ولداً ذكراً وانثى. ١ ـ الحسن ٢ ـ الحسين ٣ ـ زينب الكبرى ٤ ـ زينب الصغرى المكناة ام كلثوم. امهم فاطمة البتول سيدة نساء العالمين بنت سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد النبيصلىاللهعليهوآله ٥ ـ محمد المكنى بأبي القاسم ، أمه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية ٦ ـ عمر ٧ ـ رقية كانا توأمين. امهما ام حبيب بنت ربيعة ٨ ـ العباس ٩ ـ جعفر ١٠ ـ عثمان ١١ ـ عبد الله الشهداء مع اخيهم الحسينعليهالسلام بطف كربلاء ، امهم ام البنين بنت حزام بن خالد بن ارم ١٢ ـ محمد الاصغر المكنى بأبي بكر ١٣ ـ عبيد الله الشهيدان مع اخيهما الحسينعليهالسلام بالطف ، امهما ليلى بنت مسعود الدارمية ١٤ ـ يحيى. امه اسماء بنت عميس الخثعمية رضي الله عنها ١٥ ـ ام الحسن ١٦ ـ رملة امهما أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي ١٧ ـ نفيسة ١٨ ـ زينب الصغرى ١٩ ـ رقية ٢٠ ـ ام هاني ٢١ ـ ام الكرام ٢٢ ـ جمانة المكناة ام جعفر ٢٣ ـ امامة ٢٤ ـ ام سلمة ٢٥ ـ ميمونة ٢٦ ـ خديجة ٢٧ ـ فاطمة رحمة الله عليهن لامهات شتى. وفي الشيعة من يذكر ان فاطمة صلوات الله عليها اسقطت بعد النبيصلىاللهعليهوآله ذكراً كان سماه رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو حمل محسناً ، فعلى قول هذه الطايفة اولاد امير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ثمانية وعشرون ولداً والله اعلم واحكم(١) .
ومما يذكر عن فضلهم وايثارهم بالطعام فان هناك روايات كثيرة تدل
__________________
(١) الارشاد / للشيخ محمد بن محمد بن النعمان العكبري الملقب بالشيخ المفيد ص ١٨٦ و ١٨٧.
على كرم النبي الكريم واهل بيته الغر الكرام. قال علماء التأويل : فيهم نزل قوله تعالى : ( يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيرا ) أنبأنا ابو محمد بن ابي المكارم القزويني بدمشق سنة اثنتين وعشرين وستمائة قال أنبأنا ابو منصور محمد بن اسعد بن محمد العطاري انبأنا الحسين بن مسعود البعوي انبأنا احمد ابن ابراهيم الخوارزمي انبأنا ابو اسحاق احمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي انبأنا عبد الله بن حامد انبأنا ابو محمد احمد بن عبد الله المزني حدثنا محمد بن احمد بن سهيل الباهلي حدثنا عبد الرحمان ابن محمد بن هلال حدثني القاسم بن يحيى عن ابي علي العزي عن محمد بن السايب عن ابي صالح عن ابن عباس. ورواه ايضاً مجاهد عن ابن عباس قال في قوله تعالى ( يوفون بالنذر ) الآية قال : مرض الحسن والحسينعليهماالسلام فعادهما رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومعه ابو بكر وعمر (رض) وعادهما عامة العرب ، فقالوا : يا ابا الحسن لو نذرت على ولديك فكل نذر لا يكون له وفاء فليس بشيء ، فقال عليعليهالسلام : عليّ لله ان برأ ولداي مما بهما صمت لله ثلاثة ايام شكراً ، وقالت فاطمة كذلك ، وقالت الجارية يقال لها فضة كذلك ، فالبس الغلامان العافية وليس عند آل محمد قليل ولا كثير ، فانطلق عليعليهالسلام الى شمعون بن حانا اليهودي فاستقرض منه ثلاثة اصوع من شعير ، فجاء الى فاطمة فقامت الى صاع فطحنته وخبزته خمسة اقراص لكل واحد منهم قرص ، وصلى عليعليهالسلام المغرب مع النبيصلىاللهعليهوآله ثم اتى المنزل فوضع الطعام بين ايديهم ، فجاء سائل او مسكين فوقف على الباب وقال : السلام عليكم يا اهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين اطعموني اطعمكم
الله من موائد الجنة ، فسمعه عليعليهالسلام فقال :
فاطم ذات المجد واليقين |
يا بنت خير الناس اجمعين |
|
اما ترين البائس المسكين |
قد قام بالباب له حنـيـن |
|
يشكو الى الله ويستكيـن |
يشكو الينا جائـع حزيـن |
|
كل امرئ بكسبه رهيـن |
وفاعل الخيرات يستبيـن |
|
موعده جنـة علـييـن |
حرمها الله على الضنيـن |
|
وللبخيل موقـف مهيـن |
تهوي به النار الى سجين |
فقالت فاطمة سلام الله عليها :
اطعمه ولا ابـالي السـاعة |
ارجو اذا اشبعت ذا مجاعة |
|
ان ألحق الاخيار والجماعة |
واسكن الخلد ولي شفاعـة |
قال : فاعطوه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا الا الماء القراح. ولما كان اليوم الثاني طحنت فاطمة من الشعير وصنعت منه خمسة اقراص وصلى عليعليهالسلام المغرب وجاء الى المنزل ، فجاء يتيم فوقف على الباب فقال : السلام عليكم يا اهل بيت محمد يتيم من اولاد المهاجرين استشهد والدي اطعموني مما رزقكم الله اطعمكم الله من موائد الجنة؟ فقال عليعليهالسلام :
فـاطم بنت السيـد الكريـم |
بنت نبي ليس بالـذميـم |
|
قد جاءنـا الله بـذا اليتيـم |
قد حرم الخلد على اللئيم |
|
يحمل في الحشر الى الجحيم |
شرابه الصديد والحميـم |
|
ومن يجود اليوم في النعيـم |
شرابه الرحيق والتسنيـم |
فقالت فاطمةعليهاالسلام :
اني اطعمـه ولا ابــالـــي |
واوثــر الله علــى عيــالـي |
امسوا جياعاً وهم اشبالي
فرفعوا الطعام وناولوه اياه ، ثم اصبحوا وأمسوا في اليوم الثاني كذلك كما كانوا في الاول ، فلما كان في اليوم الثالث طحنت فاطمة باقي الشعير ووضعته ، فجاء عليعليهالسلام بعد المغرب فجاء اسير فوقف على الباب وقال : السلام عليكم يا اهل بيت محمد اسير محتاج تأسرونا ولا تطعمونا اطعمونا من فضل ما رزقكم الله فسمعه عليعليهالسلام فقال :
فاطم يا بنت النبي احمـد |
بنـت نـبـي سـيـد مسـود |
|
مني على اسيرنا المقيـد |
من يطعـم اليوم يجده في الغـد |
|
عند العلي الماجد الممجد |
من يزرع الخيرات سوف يحصد |
فقالت فاطمةعليهاالسلام :
لم يبق عندي اليوم غير صاع |
قد مجلت كفي مع الذراع |
|
ابنـاي والله مـن الجـيـاع |
ابوهما للخير ذو اصطناع |
ثم رفعوا الطعام واعطوه للأسير. فلما كان اليوم الرابع دخل عليعليهالسلام على النبيصلىاللهعليهوآله يحمل ابنيه كالفرخين ، فلما رآهما رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال : واين ابنتي؟ قال : في محرابها ، فقام رسول اللهصلىاللهعليهوآله فدخل عليها ولقد لصق بطنها بظهرها وغارت عيناها من شدة الجوع ، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : واغوثاه بالله آل محمد يموتون جوعاً ، فهبط جبرئيل وهو يقرأ( يوفون بالنذر ) الآية. فان قيل فقد اخرج هذا الحديث جدك في
الموضوعات(١) .
هكذا تسابقت فاطمة الزهراء سلام الله عليها الى الخيرات ، بما تجود يداها من فضل وكرم ، فلا تستأثر بالثروة المفرطة ، وهي تساعد المعوزين ولا تحرم الضعفاء او تهمل الفقراء ، كل ذلك من أجل اقتطاف المنزلة الرفيعة عند الله سبحانه وتعالى.
هذا هو الشرف العظيم ، وهذا هو الجاه الكبير الذي حفظه التاريخ لهذه المرأة الجليلة سيدة نساء العالمين ، بنت محمدصلىاللهعليهوآله وخديجةعليهاالسلام ووريثة الفضل والعلم والسجايا الخيرة ، واكمل النساء عقلاً واشرفهن حسباً ونسباً واحسنهن خلقاً ، والقدوة الصالحة لكل المسلمين.
__________________
(١) تذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي / ص ٢١٢ ـ٢١٥.
ذرية الزهراءعليهاالسلام
١ / الامام الحسنعليهالسلام
كان مولد سبط الرسول الاول في منتصف شهر الخير رمضان المبارك من السنة الثالثة للهجرة ، فأقر الله عيون والديه ، فشب هذا الوليد ودرج في حجور طهرت وطابت ، فكان زهرة هذا المنزل وبدر سمائه. وكان شبيهاً بجده رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، ومما يروي عنه ان الرسول الكريمصلىاللهعليهوآله كان يُدلع لسانه للحسن( يخرجه ) فإذا رأى الصبي حمرة اللسان يهشى اليه ( أي يسر وتنبسط اساريره ) ، وقد بذل الرسول الكريمصلىاللهعليهوآله الشيء الكثير من العناية والرعاية لاولاده. ومن محبة النبيصلىاللهعليهوآله للحسن : عن ابي زهير بن الارقم رجل من الازد قال : سمعت رسول الله صلى الله وسلم يقول للحسن بن علي : من احبني فليحبه فليبلغ الشاهد منكم الغائب ، ولو لا عزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما حدثتكم. اخرجه احمد(١) .
وفي مناقب ابن شهر اشوب : كانت فاطمة ترقص ابنها حسناً تقول :
اشبه اباك يا حسن |
واخلع عن الحق الرسن |
|
واعبد الهاً ذا منن |
ولا توال ذا الأحن(٢) |
يروي العلامة المجلسي فيقول : دعي النبي الى صلاة والحسن متعلق به ، فوضعه النبيصلىاللهعليهوآله مقابل جنبه وصلى ، فلما سجد أطال السجود ، يقول الراوي : فرفعت رأسي من بين القوم فإذا بالحسن على كنف الرسول فلما سلم قال له القوم : يا رسول الله لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها ، كانما يوحى اليك ، فقال لم يوح اليَّ ، ولكن ابني كان على كتفي ، فكرهت ان اعجله حتى نزل(٣) .
وروي عن ابراهيم بن علي الرافعي عن ابيه عن جدته زينب بنت ابي رافع وشبيب بن ابي الرافع عمن حدثه قالت : اتت فاطمةعليهاالسلام بابنيها الحسن والحسينعليهماالسلام الى رسول اللهصلىاللهعليهوآله في شكواه التي توفى فيها ، فقالت : يا رسول الله هذان ابناك فوّرثهما شيئاً ، فقال : اما الحسن فان له هيبتي وسؤددي ، واما الحسين فان له وجودي وشجاعتي. وكان الحسن بن عليعليهماالسلام وصي ابيه امير المؤمنينعليهالسلام على اهله وولده واصحابه ، ووصاه بالنظر في وقوفه وصدقاته ، وكتب اليه عهداً مشهوراً ووصيته ظاهرة في معالم الدين
__________________
(١) ذخائر العقبى / للطبري ص ١٢٣.
(٢) المناقب / ابن شهر اشوب / ج٣ / ص١٥٩.
(٣) بحار الانوار للمجلسي / ج١٠ / ص ٨٢.
وعيون الحكمة والاداب ، وقد نقل هذه الوصية جمهور العلماء ، واستبصر بها في دينه ودنياه كثير من الفقهاء ، ولما قبض امير المؤمنينعليهالسلام خطب الناس الحسن وذكر حقه فبايعه اصحاب ابيه على حرب من حارب وسلم من سالم(١) .
فالحسنعليهالسلام هو فرع الدوحة الهاشمية وربيب النبوة والامامة ، سليل الحق والعدل والفضيلة ، هو واخوه الحسين ( سبطا هذه الامة وسيدا شباب اهل الجنة ) كما قالصلىاللهعليهوآله فيهما : ( أي هذان امامان قاما او قعدا ).
فأبو محمد الحسن المجتبى هذا هو الامام الصابر كريم اهل البيت ، وروي عن الترمذي مرفوعاً الى ابن عباس رضي الله عنه انه قال : كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله حامل الحسن ابن عليعليهماالسلام ، فقال رجل : نعم المركب ركبت يا غلام ، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : ونعم الراكب هو. وروي عن الحافظ ابي نعيم فيما اورده في حليته عن ابي بكر قال : كان النبيصلىاللهعليهوآله يصلي بنا فيجيئ الحسنعليهالسلام وهو ساجد وهو اذ ذاك صغير فيجلس على ظهره ، ومرة على رقبته فيرفعه النبيصلىاللهعليهوآله رفعاً رفيقاً ، فلما فرغ من الصلاة ، قالوا : يا رسول الله انك تصنع بهذا الصبي شيئاً لا تصنعه بأحد ، فقالصلىاللهعليهوآله : ان هذا ريحانتي وان ابني هذا سيد وعسى ان يصلح الله تعالى به بين فئتين من المسلمين.
وروى البخاري ومسلم بسنديهما عن ابي هريرة قال : خرجت مع رسول
__________________
(١) الارشاد للشيخ المفيد ص ١٨٧ و ١٨٨.
اللهصلىاللهعليهوآله لا يكلمني ولا اكلمه حتى اتى سوق بني قينقاع ثم انصرف حتى اتى مخبأة وهو المخدع فقال : ( اثم لكع اثم لكع ) يعني حسناًعليهالسلام . فظننا انما حبسته امه لأن تغسله او تلبسه ثوباً فلم يلبث اذ جاء يسعى واعتنق كل واحد منهما صاحب ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : اللهم اني احبه واحب من يحبه ، وفي رواية اخرى اللهم اني احبه واحب من يحبه ، قال ابو هريرة : فما كان احد احب الي من الحسن بعد ما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله (١) .
وحكى عنه انه اغتسل وخرج من داره في بعض الايام وعليه حلة فاخرة ووفرة ظاهرة ومحاسن سافرة بنفحات طيبات عاطرة ووجهه يشرق حسناً وشكله قد كمل صورة ، ومعنى السعد يلوح على اعطافه ونضرة النعيم تعرف من اطرافه ، وقد ركب بغلة فارهة غير عسوفة وسار وقد اكتنفه من حاشيته صفوف ، فعرض له في طريقه شخص من محاويج اليهود وعليه مسح من جلود وقد انهكته العلة والذلة وشمس الظهيرة قد شواه وهو حامل جرة ماء على قفاه ، فاستوقف الحسن فقال : يا ابن رسول الله سؤال ، فقال له : ما هو ، قال : جدك يقول الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر وانت المؤمن وانا الكافر فما ارى الدنيا الا جنة لك تنعم فيها وانت مؤمن وتستلذ بها ، وما أراها الا سجناً قد اهلكني جرها واجهدني فقرها ، فلما سمع الحسنعليهالسلام كلامه اشرق عليه نور التأييد واستخرج الجواب من خزانة علمه واوضح لليهودي خطأ ظنه وخطل زعمه وقال : يا شيخ لو
__________________
(١) الفصول المهمة / ابن الصباغ المالكي ص ١٣٨.
نظرت الى ما اعد الله لي وللمؤمنين في دار الآخرة مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، لعلمت قبل انتقالي اليه في هذه الحالة في سجن ، ولو نظرت الى ما اعد الله لك ولكل كافر في الدار الآخرة من سعير نار جهنم ونكال العذاب الاليم المقيم لرأيت قبل مصيرك اليه في جنة واسعة ونعمه جامعة ، فانظر الى هذا الجواب الصادع بالصواب(١) .
ولما استشهد الامام امير المؤمنينعليهالسلام قام باعباء الامامة ولده الامام الحسن المجتبىعليهالسلام ، واستقر على منصة الخلافة الالهية ، الا ان معاوية بن ابي سفيان اوجس منه خيفة فحسده كما حسد اباه من قبل ، واخذ يدس الدسائس ويلقي الاشواك في طريق الامام تارة بالوعد واخرى بالوعيد وثالثة بالرشوة وهكذا ، حتى استطاع من استمالة جماعة من اصحاب الامام وجيشه ، فتمكن ان يؤثر على دينهم المال ، فانحازوا نحو معاوية ، وتركوا الامام وحيداً بلا ناصر. فاضطر الامام ان يصالح معاوية ويهادنه حفظاً على كيان الدين الاسلامي لئلا يتداعى ، وحقنا للمؤمنين عن الالقاء بهم في اتون حروب بائسة ، كل ذلك وفق شروط هامة لم يف بواحد منها معاوية. ولا شك ان معاوية كان يريد الهدنة والصلح ، فانه كتب الى الامام الحسنعليهالسلام في ذلك ، والامامعليهالسلام لم يجد بداً من اجابته الى ما التمس من ترك الحرب وانقاذ الهدنة ، فتوثقعليهالسلام لنفسه من معاوية بتوكيد الحجة عليه والاعذار فيما بيّنه ، وبينه عند الله تعالى وعند كافة المسلمين ، واشترط عليه بشروط ، فأجابه ابن آكلة الاكباد الى الشروط كلها ، وعاهده عليها وحلف له بالوفاء له ، ولكن غدر
__________________
(١) المصدر السابق / ص ١٤٠.
معاوية بما وعد وقال في خطبته بالنخيلة : اني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد اعطاني الله ذلك وانتم له كارهون ، الا واني كنت منيت الحسن واعطيته اشياء وجميعها تحت قدمي لا افي بشيء منها له.
وقد ذكر المترجمون للامام الحسنعليهالسلام صوراً كثيرة من مناقب الامام وبره واحسانه للفقراء والمعوزين اسداها عليهم كانت خالصة لوجه الله ، وان كتب السير استعرضت جلائل اعماله وكرمه وسخائه. ونحن اذ نذكر هنا شذرات من هذا الاحسان المتناهي.
ـ١ ـ
قيل للامام الحسنعليهالسلام : لأي شيء لا نراك ترد سائلاً قط ـ ولم تصدر منه كلمة (لا) لسائل ابداً ـ؟
فأجابعليهالسلام : ( اني لله سائل ، وفيه راغب ، وانا استحي ان اكون سائلاً وارد سائلاً ).
وان الله عودني عادة ان يفيض نعمه علي ، وعودته ان افيض نعمه على الناس. فأخشى ان قطعت العادة ان يمنعني العادة ، وانشأ يقول :
اذا ما اتاني سـائل قلت مرحبـاً |
بمن فضله فرض علي معجل |
|
ومن فضله فضل على كل فاضل |
وافضل ايام الفتى حين يسأل |
ـ٢ ـ
ونسبت لهعليهالسلام الابيات التالية وهي في السخاء :
ان السخاء على العباد فريضة |
لله يقرأ في كتاب محكم |
|
وعد العباد الاسخيـاء جنانـه |
وأعد للبخلاء نار جهنم |
من كان لا تندى يداه بنائل |
للراغبين فليس ذاك بمسلم |
ـ٣ ـ
ولهعليهالسلام ايضاً هذان البيتان :
خلقت الخلائق من قدرة |
فمنهم سخي ومنهم بخيل |
|
فأما السخي ففي راحـــة |
واما البخيل فحزن طويل |
ـ٤ ـ
جاء اعرابي الى الامام الحسنعليهالسلام فقالعليهالسلام : ( اعطوه ما في الخزانة ) وكان فيها عشرة الاف درهم ، فقال الاعرابي : يا سيدي هلا تركتني ابوح بحاجتي وانشر مدحتي؟
فأجابه الامامعليهالسلام :
نحن اناس نوالنا خضـل |
يرتـع فيه الرجـاء والامـل |
|
نجود قبل السؤال انفسنـا |
خوفاً على ماء وجه من يَسل |
|
لو علم البحر فضل نائلنا |
لفاض من بعد فيضه حجـل |
ـ٥ ـ
اجتاز الامامعليهالسلام على غلام اسود بين يديه رغيف يأكل منه لقمة ، ويدفع لكلب كان عنده لقمة اخرى. فقال له الامامعليهالسلام : ( ما حملك على ذلك؟ ) فقال الغلام : اني لاستحي ان آكل ولا اطعمه.
رأى الامامعليهالسلام فيه خصلة من احب الخصال عنده فأحب ان يجازيه على صنعه ويقابل احسانه باحسان ، فقال له : ( لا تبرح مكانك ) ثم انطلق فاشتراه من مولاه ، واشترى الحائط أي ( البستان ) الذي هو فيه ، فأعتقه وملكه اياه.
ـ٦ ـ
اجتاز الامامعليهالسلام يوماً في بعض ازقة المدينة فسمع رجلاً يسأل الله ان يرزقه عشرة الاف درهم ، فانطلقعليهالسلام الى بيته ، وارسلها اليه في الوقت.
ـ٧ ـ
خرج الامامعليهالسلام هو واخوه الحسين وابن عمهما عبد الله بن جعفر من ( المدينة ) قاصدين الحج ، وفي اثناء الطريق اصابهم جوع وعطش ، وقد سبقتهم اثقالهم ، فانعطفوا على بيت قد ضرب اطنابه في وسط تلك البيداء القاحلة ، فلما وصلوا الى البيت لم يروا فيه الا عجوزاً فطلبوا منها شراباً وطعاماً. فتقدمت اليهم بشاة قائلة : دونكم هذه الشاة فاحلبوها واشربوا لبنها. فلما فعلوا ذلك تقدمت اليهم مرة اخرى قائلة : اقسم عليكم الا ما ذبحها احدكم حتى اهيئ لكم الحطب لشيئها. ففعلوا ذلك ، وهيأت العجوز الحطب ، وبعدما اكلوا وفرغوا تقدموا اليها قائلين :
( يا أمة الله ، انا نفر من قريش نريد حج بيت الله الحرام ، فإذا رجعنا سالمين فهلمي الينا لنكافئك على هذا الصنع الجميل ) مضت الايام والليالي والشهور والسنوات حتى اذا اعترى البادية ازمة شديدة على اثر انقطاع المطر وفقدان العشب والقوت رحلت العجوز بصحبة رب البيت الى (المدينة) ولم يجدا عملاً يحيطان به خبراً سوى التقاط البعر من الطرقات والشوارع ، فاتخذا ذلك مهنة لهما. وفي يوم من الايام ـ وهما على عملهما ـ لمح الامام الحسنعليهالسلام العجوز فعرفها ، فأمر غلامه ان يأتي بها اليه ، فلما مثلت بين يديه قال لها الامامعليهالسلام : ( اتعرفيني يا
امة الله؟ ) قالت : لا ، قالعليهالسلام : انا احد ضيوفك يوم كذا سنة كذا. قالت : لست اعرفك. فقالعليهالسلام : ان لم تعرفيني فانا اعرفك. ثم امر غلامه فاشترى لها من غنم الصدقة الف شاة ، واعطاها الف دينار. ثم امر الغلام ان بها الى اخيه الحسينعليهالسلام ويعرّفه بها. فأتى بها الغلام ، ولما دخلت عرفها الحسينعليهالسلام ، فقال للغلام : كم اعطاها اخي؟ قال الغلام : الف شاة والف دينار ، ثم بعث الحسينعليهالسلام بها الى عبد الله بن جعفر ، ولما دخلت عليه عرفها عبد الله ، فأمر لها بألفي شاة والفي دينار ، فحملت العجوز كل ذلك ، وانصرفت وقد تغير حالها من فقرٍ مدقع الى غناءٍ وثروة حسدها عليه كل من عرفها.
ـ٨ ـ
جاء الى الامامعليهالسلام شخص يظهر الاعواز والحاجة فقالعليهالسلام للرجل : ( ما هذا حق لسؤالك ، يعظم لدى معرفتي بما يجب لك ، ويكبر لدي ويدي تعجز عن نيلك بما انت اهله ، والكثير في ذات الله قليل ، وما في ملكي وفاء لشكرك ، فان قبلت منا الميسور ورفعت عنا مؤونة الاحتفال والاهتمام فعلت ) فأجابه الرجل : يابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله اقبل القليل ، واشكر العطية ، واعذر على المنع. فاحضرعليهالسلام وكيله وحاسبه وقال له : ( هات الفاضل ) وكان خمسين الف درهم فدفعها اليه ، ولم يكتفعليهالسلام بذلك بل قال لوكيله : ( ما فعلت بالخمسمائة دينار التي عندك؟ ) فقال له : هي عندي. فأمره باحضارها ، ثم دفعها الى الرجل وهو يعتذر.
ـ٩ ـ
حي ته جارية له بطاقة ريحان قدمتها اليه. فقالعليهالسلام لها : ( انت حرة لوجه الله ) ، فلامه ( أنس ) على ذلك. فأجابه الامامعليهالسلام : ادبنا الله فقال تعالى : ( واذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ). وكان احسن منها اعتاقها.
ـ١٠ ـ
اتاهعليهالسلام رجل فسأله ان يعطيه شيئاً فقالعليهالسلام : ان المسألة لا تصلح الا في غرم فادح او فقر مدقع او حمالة مقطعة فقال : ما جئت الا في احداهن ، فأمر لهعليهالسلام بمائة دينار الخ الحديث.
هكذا ارخص الامامعليهالسلام في سبيل مرضاة الله كل غالٍ ورخيص حتى انه خرج عن جميع ما يملكه مرتين وقسم امواله ثلاث مرات حتى انه اعطى نعلاً وامسك اخرى(١) .
صفا الجو لمعاوية بن ابي سفيان ، وحقق امانيه ، وجعل الخلافة الاسلامية ملكاً يتوارثه بنوه واسرته من بعده ، كيف السبيل الى ذلك والامام الحسنعليهالسلام لا يزال حياً يرزق ، فلابد من القضاء عليه. عن عمر بن اسحاق قال : دخلت انا ورجل على الحسن بن علي نعوده ، فقال : يا فلان سلني فقلت : لا والله لا اسألك حتى يعافيك الله ثم اسألك قال : لقد القيت طائفة من كبدي واني سقيت السم مراراً فلم أسقه مثل هذه المرة ، ثم دخلت عليه من الغد فوجدت أخاه الحسين عند رأسه ، فقال له الحسين : من تتهمها يا أخي؟ قال : لم لأن تقتله؟ قال : نعم ، قال : ان يكن
__________________
(١) بحار الانوار / للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي / ج ١٠ / ص ٩٤.
الذي اظنه فالله اشد بأساً وتنكيلاً وان لم يسكنه فما احب ان يقتل بي برئ(١) ثم قضى نحبهعليهالسلام وذلك لخمس خلون من ربيع الاول سنة خمسين من الهجرة وصلى عليه الحسينعليهالسلام ودفن بالبقيع عند جدته فاطمة بنت اسدعليهاالسلام وعمره آنذاك سبع واربعون سنة.
تلك هي الشخصية الفذة التي حقنت دماء المسلمين ووطدت اركان الدين وحافظت على بيضته ودرأت عنه غوائل المعتدين الذين امعنوا بكل ما اوتوا من قوة وبأس على درس آثاره ومحو اخباره.
٢ / الامام الحسينعليهالسلام
خلفت فاطمة الزهراءعليهاالسلام بعد عام شبلها الثاني الامام ابا عبد الله الحسينعليهالسلام ، فقرت به عيون ابويه ، وامتلأ قلباهما بفيض من الحبور الغامر ، ذلك الضياء اللامع ، ضياء الفضيلة والشرف كان يتلألأ تلألؤ نور الشمس فوق صفحتها. وكان جده النبيصلىاللهعليهوآله يحبه حباً جماً حتى قال فيه : ( حسين مني وانا من حسين ) وقال فيه : ( حسين سبط من الاسباط ) وقال فيه : ( حسين روحي التي بين جنبي ). وقال فيه وفي اخيهعليهماالسلام : ( الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة ) وقال ايضاً : ( الحسن والحسين امامان ان قاما وان قعدا ) ، وقال : ( هما ريحانتاي من الدنيا ).
ان هذه الاحاديث النبوية الشريفة اثبتت مكانة الحسنين بالنسبة لجدهما
__________________
(١) الفصول المهمة / لابن الصباغ المالكي ص ١٥٠.
محمدصلىاللهعليهوآله ، وكان لهذا المولود الجديد صدى مبهج في قلب جده.
في ( المناقب ) : كانت فاطمة ترقص ابنها الحسين فتقول :
انت شبيه بأبي |
يس شبيهاً بعلي(١) |
اقبل الرسول الكريمصلىاللهعليهوآله على الحسن والحسينعليهماالسلام يغمرهما من حبه وحنانه ويفيض عليهما من عطف الابوة ما شاء له ان يعطف حتى كبرا ودرجا في السن ، ولقد اثر الزهراءعليهاالسلام بالنعمة الكبرى ، فحصر ذرية الرسول الكريمصلىاللهعليهوآله في ولديها وحفظ بها اشرف سلالة عرفتها البشرية ، كما كرم الله علياًعليهالسلام فجعل من صلبه هذه السلسلة من الذرية العلوية الشريفة التي انتشرت في ارجاء الكرة الارضية. وشب الحسينعليهالسلام في بيت النبوة ومهبط الوحي ، وبلغ مبلغ الرجال ، فكان على جانب عظيم من الزهد والورع والتضحية والاباء والجود والكرم ، حتى كانت فاجعة كربلاء سنة ٦١ هـ حيث ابى الا ان يحق الحق ويزهق الباطل ، فقارع الظلم وطارد المارقين حتى استقر في ارض كربلاء والتقى مع جيش الكفر والضلال ، ودارت رحى الحرب ، ودقت ساعة القتال ، فاذا بالحسينعليهالسلام يزداد عزماً وقوة واندفاعاً لمحاربة جيش الشرك ، وقدم قرابينه في سبيل احياء دين جده الكريم. قال الشاعر الشيخ محسن ابو الحب ـ الكبير ـ عن لسان حال الحسينعليهالسلام :
ان كان دين محمد لم يستقم |
لّا بقتلي يا سيوف خذيني |
__________________
(١) المناقب / ابن شهر اشوب / ج ٣ / ص ١٥٩.
هذا دمي فلترو صادية الظبا |
نه وهذا للرماح وتيني |
لقد خاض الامام الحسينعليهالسلام اعنف معركة عرفها التاريخ ، بالرغم من قلة انصاره وكثرة اعدائه ، فقتل اصحابه واهل بيته حتى طفله الرضيع عبد الله ، واخوه العباسعليهالسلام واحرقت خيام النساء ، واذا بالقدر يهوي ويزلزل ذلك الطود الشامخ ، شجرة الفضيلة فخرَّ صريعاً في ميدان الشرف والاباء لاحقاً بربه مجاهداً محتسباً.
جاء في ( الفصول المهمة ) : ( فرحل الحسينعليهالسلام وأهله ونزلوا بكربلاء وذلك يوم الاربعاء الثامن من المحرم سنة احدى وستين ، فقالعليهالسلام : هذه كربلاء موضع كرب وبلاء ، هذه مناخ ركابنا ومحط رحالنا ومقتل رجالنا ، وكتب الحر الى ابن زياد يعلمه بنزول الحسينعليهالسلام بارض كربلاء. فانظر ما ترى في امره ، فكتب عبيد الله بن زياد كتاباً الى الحسينعليهالسلام يقول فيه : اما بعد ان يزيد بن معاوية كتب الي ان لا تغمض جفنك من اللئام ولا تشبع بطنك من الطعام او يرجع الحسين على حكمي او تقتله والسلام ، فلما ورد الكتاب على الحسينعليهالسلام وقرأه القاه من يده ، وقال للرسول : ماله عندي جواب ، فلما رجع الرسول الى ابن زياد واخبره بذلك اشتد غيظه وجمع الجموع وجنّد الجند وجهز اليه العساكر وجعل على مقدمها عمر بن سعد وكان قد ولّاه الري واعمالها ، فاستعفى من الخروج الى قتال الحسينعليهالسلام وقد تقدمته العساكر فقال له ابن زياد : اما ان تخرج اليه او اخرج عن عملنا من الري ، فخرج عمر الى الحسين وصار ابن زياد يمده بالجيوش شيئاً بعد شيء الى ان اجتمع عند عمر بن سعد عشرون الف مقاتل ما بين فارس وراجل ، واول من
خرج مع عمر بن سعد الشمر بن ذي الجوشن في اربعة الآف فارس ، ثم زحفت خيل ابن سعد حتى نزلت بشاطئ الفرات وحالوا بين الحسين واصحابه وبين الماء ، فعند ذلك ضاق الامر على الحسينعليهالسلام وعلى اصحابه واشتد بهم العطش وكان مع الحسينعليهالسلام شخص من اهل الزهد والزرع يقال له يزيد بن الحصين الهمداني ، فقال للحسينعليهالسلام : ائذن لي يابن رسول الله في ان آتي مقدم هؤلاء عمر بن سعد فأكلمه في الماء لعله ان يرتدع ، فاذن له ، وقال : ذلك اليك اذا شئت فجاء الهمداني الى عمر بن سعد فكلمه في الماء فامتنع منه فلم يجبه الى ذلك ، فقال له : هذا ماء الفرات تشرب منه الكلاب والذئاب ، وغير ذلك وتمنعه الحسين ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله واخوته ونساؤه واهل بيته والعترة الطاهرة يموتون عطشاً وقد حلتَ بينهم وبين الماء وانت تزعم انك تعرف الله ورسوله ، فأطرق عمر بن سعد ثم قال يا اخا همدان اني لأعلم حقيقة ما تقول وانشد :
دعاني عبيد الله من دون قومه |
لى خصلة فيها خرجت لحيني |
|
فوالله ما ادري واني لـواقف |
لى خطر لا ارتضيه وميـن |
|
أأخذ ملك الري والري رغبتي |
ارجع مطلوبـاً بدم حسـين |
|
وفي قتله النار التي ليس دونها |
جاب وملك الري قرة عين |
ثم قال يا اخا همدان ما تجيبني نفسي الى ترك الري لغيري ، فرجع يزيد بن الحصين الهمداني الى الحسينعليهالسلام واخبره بمقالة ابن سعد فلما عرف الحسين ذلك منهم تيقن ان القوم مقاتلوه ، فأمر اصحابه فاحتفروا حفيرة شبيهة بالخندق وجعلوا له جهة واحدة يكون القتال منها واهدفوا
عسكر بن سعد بالحسينعليهالسلام واصحابه يصفوا لهم وارشدوهم بالسهام والنبال واشتد عليهم القتال ، ولم يزالوا يقتلوا من اهل الحسينعليهالسلام واحداً بعد واحد حتى اتوا على ما ينيف على خمسين منهم ، فعند ذلك صاح الحسينعليهالسلام اما من ذاب يذب عن حريم رسول اللهصلىاللهعليهوآله واذا بالحر بن يزيد الرياحي الذي تقدم ذكره الذي كان خرج الى الحسين اولاً من جهة ابن زياد قد خرج من عسكر عمر بن سعد راكباً على فرسه وقال : يابن رسول الله انا كنت اول من خرج عليك عيناً ولم اظن ان الامر يصل الى هذه الحال وانا الان من حزبك وانصارك أقاتل بين يديك حتى اقتل ارجو بذلك شفاعة جدك ، ثم قاتل بين يديه حتى قتل. فلما فنى اصحاب الحسينعليهالسلام وقتلوا جميعهم عن آخرهم ؛ اخوته وبنو عمه ، وبقي وحده بمفرده حمل عليهم حملة منكرة قتل فيها كثيراً من الرجال والابطال ورجع سالماً الى موقفه عند الحريم ، ثم حمل عليهم حملة اخرى وأراد الكر راجعاً الى موقفه فحال الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله بينه وبين الحريم والمرجع اليهم في جماعة من ابطالهم وشجعانهم واحدقوا به ، ثم جماعة منهم تبادروا الى الحريم والاطفال يريدون سلبهم فصاح الحسينعليهالسلام : ويحكم يا شيعة الشيطان كفوا سفهاءكم عن التعرض للنساء والاطفال فانهم لم يقاتلوا ، فقال الشمر لعنه الله : كفوا عنهم واقصدوا الرجل بنفسه(١)
لقد بادرت تلك الزمرة الخائنة بالقضاء على الحسينعليهالسلام كان الشمر اشدَّ القوم تطوعاً لقتال الحسينعليهالسلام ، وحتى ابن سعد كان
__________________
(١) الفصول المهمة / ابن الصباغ المالكي ص ١٧٧ ـ ١٧٩.
يتهيب فكاد ان يتزعزع عزمه على القتال لولا هذا الجلف الجافي. لكن الحسينعليهالسلام يدافع عن مبدأ اسمى ومثل اعلى ، وضحى في سبيله بما ضحى. فكان مظفراً خالداً في نظر الاجيال والتاريخ. والحسينعليهالسلام انما كافح عناصر السوء والرذيلة والاستبداد والظلم والطغيان ، وهي التي كانت مبدأ يعتنقه يزيد وزبانيته ويحملون الناس عليه ويذيعونه في مجتمع بعيد عن الخير والصلاح ، ومثل ذلك المجتمع المنحط يتسنم فيه يزيد اريكة الحكم ويتأمر على ناسه ومبادئه ، والحسينعليهالسلام ذلك المثالي لا يمكن ان يقر مجتمعاً كهذا ، فكانت ثورته عليه لتطهيره من دنس العابثين وكان جهاده في سبيل قمع مبادئه. ولا تزال ثورته تلك ترن في الآذان منذ مئات السنين يتخذه المصلحون دستوراً عملياً لاصلاحه وجهاده. يقول العقاد : ( وفي الواقع الذي لا شبهة فيه ايضاً ان عمر بن سعد هذا لم يخل من غلظة في الطبع على غير ضرورة ولا استفزاز ، فهو الذي ساق نساء الحسين بعد مقتله على طريق جثث القتلى التي لم تزل مطروحة بالعراء ، فصحن وقد لمحنها على الطريق صيحة أسالت الدمع من عيون رجاله وهم ممن قاتل الحسين وذويه )(١) .
كان الحسينعليهالسلام كريماً محباً للفقراء ، رؤوفاً بالمساكين ومن الامثلة على سخائه وكرمه ما رواه ابن عساكر ان سائلاً في المدينة اتى باب دار الحسينعليهالسلام وانشأ يقول :
لم يخب الآن من رجاك ومن |
رك من دون بابك الحلقة |
|
انت جـواد وانت مـعتمـد |
بـوك قد كان قاتل الفسقة |
__________________
(١) ابو الشهداء الحسين بن علي / عباس محمود العقاد ص ٦٩.
لولا الذي كان من اوائلكم |
انت علينا الجحيم منطبقة |
فخرج الحسينعليهالسلام ورأى عليه اثر ضر وفاقة وأمر قنبراً باتيان النفقة المتبقية حينذاك وهي اربعمائة درهم فاتى بها وتناولها الامام منه وفتح الباب قليلاً ودفعها الى الاعرابي السائل وانشأ يقول في جوابه :
خذهـا فـانـي اليك معتـذر |
اعلم بأني عليك ذو شفقة |
|
لو كان في سيرنا الغداة عصا |
انت سمانـا عليك مندفقة |
|
لكن ريب الزمـان ذو غِـيرَ |
الكـف منـا قليلة النفقة |
فأخذها الاعرابي ومضى وهو يقول : ( الله اعلم حيث يجعل رسالته )(١) .
اجل كان الحسينعليهالسلام يشبه جده واباه خلقاً وخُلقاً ، وعلماً وادباً وبلاغة وفصاحة وكرماً وسخاء وشجاعة وشهامة ، ومن فضائله ومناقبه ايضاً ما ذكره صاحب ( الاعيان ) فقال : جاء اعرابي الى الحسينعليهالسلام فقال : يابن رسول الله قد ضمنت دية كاملة وعجزت عن ادائها ، فقلت في نفسي اسأل اكرم الناس وما رأيت اكرم من اهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال الحسينعليهالسلام : يا أخا العرب أسألك عن ثلاث مسائل فان اجبت عن واحدة اعطيتك ثلث المال وان اجبت عن اثنتين اعطيتك ثلثي المال وان اجبت عن الكل اعطيتك الكل فقال اعرابي : يابن رسول الله أمثلك يسأل مثلي وانت من اهل العلم والشرف ، فقال الحسينعليهالسلام : بلى سمعت جدي رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : المعروف بقدر المعرفة ، فقال الاعرابي : سل
__________________
(١) سمو المعنى في سمو الذات / عبد الله العلايلي ص ١٤٦.
عما بدا لك فان اجبت والا تعلمت منك ولا قوة الا بالله ، فقال الحسينعليهالسلام : أي الاعمال افضل؟ فقال الاعرابي : الايمان بالله ، فقال الحسينعليهالسلام : فما النجاة من الهلكة؟ فقال الاعرابي : الثقة بالله. فقال الحسينعليهالسلام : فما يزين الرجل؟ فقال الاعرابي : علم معه حلم. فقال : فان اخطأه ذلك؟ فقال : مال معه مروءة. فقال : فان اخطأه ذلك؟ فقال : فقر معه صبر. فقال الحسينعليهالسلام : فان اخطأه ذلك؟ فقال الاعرابي : فصاعقة تنزل من السماء وتحرقه فانه اهل لذلك ، فضحك الحسينعليهالسلام ورمى اليه بصرة فيها الف دينار واعطاه خاتمه وفيه فص قيمته مائتا درهم. وقال : يا اعرابي اعط الذهب الى غرمائك واصرف الخاتم في نفقتك ، فأخذ الاعرابي ذلك وقال : الله اعلم حيث يجعل رسالته(١) .
وروى احمد بن سليمان بن علي البحراني في عقد اللآل في مناقب الآل : ان الحسينعليهالسلام كان جالساً في مسجد جده رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعد وفاة اخيه الحسنعليهالسلام وكان عبد الله بن الزبير جالساً في ناحية المسجد وعتبة بن ابي سفيان في ناحية اخرى ، فجاء اعرابي على ناقة فعقلها بباب المسجد ودخل فوقف على عتبة بن ابي سفيان فسلم عليه فردعليهالسلام ، فقال له الاعرابي : اني قتلت ابن عم لي وطولبت بالدية فهل لك ان تعطني شيئاً فرفع رأسه الى غلامه وقال ادفع اليه مائة درهم ، فقال الاعرابي : ما اريد الا الدية تماماً ، ثم تركه واتى عبد الله بن الزبير وقال له مثل ما قال لعتبة ، فقال عبد الله لغلامه : ادفع اليه مائتي درهم
__________________
(١) اعيان الشيعة / محسن الامين / ج ٤ / ص ١٠٦ و ١٠٧.
فقال الاعرابي ما اريد الا الدية تماماً ، ثم تركه واتى الحسينعليهالسلام فسلم عليه وقال : يابن رسول الله اني قتلت ابن عم لي وقد طولبت بالدية فهل لك ان تعطيني شيئاً فقال له : يا اعرابي نحن قوم لا نعطي المعروف الا على قدر المعرفة. فقال : سل ما تريد ، فقال له الحسين ، يا اعرابي ما النجاة من الهلكة؟ قال : التوكل على الله عز وجل. فقال : وما الهمة؟ قال : الثقة بالله. ثم سأله الحسين غير ذلك واجاب الاعرابي ، فأمر له الحسينعليهالسلام بعشرة الاف درهم وقال له : هذه لقضاء ديونك وعشرة الاف درهم اخرى ، وقال هذه تلم بها شعثك وتحسن بها حالك وتنفق منها على عيالك ، فأنشأ الاعرابي يقول :
طربت وما هاج لي مغبق |
ولا لی مقام ولا معشـق |
|
ولكن طربت لآل الرسـو |
ل فلذَّ لي الشعر والمنطق |
|
هم الاكرمون هم الانجبون |
نجوم السماء بهم تشـرق |
|
سبقت الانام الى المكرمات |
فقصر عن سبقك السّبـق |
|
بكم فتح الله باب الرشـاد |
وباب الفساد بكم مغلق(١) |
لقد كانت وقعة الطف سنة ٦١ هـ حدثاً له رد فعل عميق الأثر في نفوس المسلمين ، وقد شاء غرور بني امية ان يزيدها فظاعة وبشاعة لم يقع مثلها في تاريخ الاسلام والمسلمين.
ذكر ياقوت الحموي فقال : قال ابن عبد الرحيم : حدثني الخالع قال : كنت مع والدي سنة ٣٤٦ وانا صبي في مجلس الكبودي في المسجد الذي بين الوراقين والصاغة وهو غاص بالناس واذا رجل قد وافى وعليه مرقعة
__________________
(١) أعيان الشيعة / محسن الامين العاملي / ج ٤ / ص ١٠٨ و ١٠٩.
وفي يديه سطحية وركوة ومعه عكاز وهو شعث فسلم على الجماعة بصوت يرفعه ثم قال : انا رسول فاطمة الزهراء صلوات الله عليها ، فقالوا : مرحباً بك واهلاً ورفعوه فقال : اتعرفون لي احمد المزوق النائح؟ فقالوا : ها هو جالس. فقال : رأيت مولاتنا فاطمةعليهاالسلام في النوم فقالت لي : امض الى بغداد واطلبه وقل له : نح على ولدي الحسينعليهالسلام بشعر الناشئ الذي يقول فيه :
بني احمد قلبي بكم يتقطع |
بمثل مصابي فيكم ليس يسمع |
قال : وكان الناشئ حاضراً فبكى ولطم لطماً على وجهه وتبعه احمد المزوق والناس كلهم ، وكان اشد الناس كلهم في ذلك الناشئ والمزوق فناحوا بهذه القصيدة الى ان صلى الناس الظهر وتقوّض المجلس وجهدوا بالرجل ان يأخذ شيئاً منهم فأبى وقال : والله لو اعطيت الدنيا ما اخذتها فاني لا ارى ان اكون رسول مولاتي ثم آخذ من ذلك عوضاً ثم انصرف ولم يقبل شيئاً(١) .
أي رزء اصاب الاسلام ، واية نكبة هدت كيان المسلمين !؟ لقد عظم الخطب وجل الرزء ، قال السيد حيدر الحلي :
زوج السيف بالنفوس ولكن |
مهرها الموت والخضاب النجيعُ |
الا ليس في هذه الدنيا الطويلة العريضة من درس بليغ ! درس في الشهامة والتضحية الغالية ، كالدرس الذي القاه الامام الشهيد الحسين بن عليعليهالسلام في يوم عاشوراء.
فأبى ان يعيش الا عزيزاً |
او تجلى الكفاح وهو صريعُ |
__________________
(١) المصدر السابق / ص ١٠٩.
روى عن ابي مخنف انه قال : قال الطرماح بن عدي كنت في واقعة كربلاء وقد وقع فيَّ ضربات وطعنات فأثخنتني بالجراح فلو حلفت لحلفت صادقاً اني كنت نائماً اذ رأيت عشرة فوارس قد اقبلوا وعليهم ثياب بيض ، تفوح منهم رائحة المسك ، فقلت في نفسي يكون هذا عبيد الله بن زياد قد اقبل لطم جسد الحسين فرأيتهم حتى نزلوا على القتلى تماماً ورجلاً منهم تقدم الى جسد الحسين فجلس قريباً منهم ومد يده الى نحو الكوفة واذا برأس الحسين اقبل من نحو الكوفة فركبه على الجسد فعاد كما كان باذن الله ، يقال واذا هو رسول الله ثم قال : يا ولدي قتلوك اتراهم عرفوك ومن شرب الماء منعوك ، ثم التفت الى من كان معه وقال : يا أبي آدم ويا أبي ابراهيم ويا أخي موسى ويا عيسى اترون ما صنعت أمتي بولدي من بعدي لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة(١) .
هذه نبذة من الاخبار الواردة عن الحسينعليهالسلام نكتفي بها خشية الاطالة.
٣ / زينب الكبرىعليهاالسلام
يقول المؤرخون : ان ولادتها في الخامس من شهر جمادي الاول في السنة الخامسة او السادسة للهجرة. والارجح عندي ان ولادتها كانت في الخامسة من الهجرة وذلك حسب الترتيب الوارد في اولاد الزهراءعليهمالسلام .
يروي المجلسي في (البحار) فيقول : عن العلل في باب معاشرة فاطمة مع عليعليهماالسلام جاء فيه : حملت الحسن على عاتقها الايمن والحسين
__________________
(١) تظلم الزهراء اهل دماء الحسين / رضي بن نبي القزويني ص ٢٧٤.
على عاتقها الايسر واخذت بيد ام كلثوم اليسرى بيدها اليمنى ثم تحولت الى حجرة ابيهاصلىاللهعليهوآله ، وام كلثوم هذه انه كانت هي زينبعليهاالسلام فلذلك دليل على انها كانت كبيرة وان كانت اختها فذاك دليل على انَّ امهاعليهاالسلام تركت زينب لتنوب منابها في الشؤون المنزلية ، فهي كانت كبيرة اذن ، وقد روي صاحب ( ناسخ التواريخ ) في كتابه : ان زينب اقبلت عند وفاة امها وهي تجر رداءها وتنادي يا ابتاه يا رسول الله ، الآن عرفنا الحرمان من النظر اليك(١) .
ومما يذكر عنها انها كانت كثيرة العبادة والتهجد تصلي النوافل وتتلو القرآن الكريم ملازمة له ولم يفتر لسانها عن ذكر الله قط ، فقد كانت من القانتات العابدات اللواتي وقفن حركاتهن وسكناتهن للباري عز وجل ، ولهذا حازت على المنازل الرفيعة والدرجات العالية. ومن دعاء ابيها كانت تدعو به بعد صلاة العشاء وهو :
"اللهم اني أسألك يا عالم الامور الخفية ، ويا من الارض بعزته مدحية ، ويا من الشمس والقمر بنور جلاله مشرقة مضيئة ، ويا مقبلاً على كل نفس مؤمنة زكية ، يا مسكن رعب الخائفين واهل التقية. يا من حوائج الخلق عنده مقضية ، يا من ليس له بواب ينادي ، ولا صاحب يغشى ، ولا وزير يؤتى ولا غير رب يدعى ، يا من لا يزداد على الالحاح الا كرماً وجوداً صلى على محمد وآل محمد واعطني سؤالي انك على كل شيء قدير(٢) .
__________________
(١) فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى ، للشيخ احمد الرحماني الهمداني / ص ٦٣٤.
(٢) عقيلة بني هاشم ، علي بن الحسين الهاشمي الخطيب / ص ١٦.
ومما كانت تناجي ربها به هذه الابيات وهي من مناجاة ابيها امير المؤمنينعليهالسلام :
لك الحمد يا ذا الجود والمجد والعلى |
تباركـت تعطي من تـشاء وتمنـع |
|
إلهي وخلاقي وحـرزي وموئلـي |
اليك لدى الاعسار واليـسر افـزع |
|
إلهي لئن جلـت وجمت خـطيئتي |
فعفـوك عن ذنبي اجـل واوسـع |
|
إلهي لئن اعطيت نفـسي سـؤلها |
فها انا في روض الندامـة ارتـع |
|
إلهي ترى حالي وفقري وفاقتـي |
وانت مناجاتـي الخفـية تسـمع |
|
إلهي فلا تقطع رجائي ولا تـزغ |
فؤادي فلي في سيب جودك مطمع |
|
إلهي لئن خيبتـني او طردتنـي |
فمن ذا الذي ارجو ومن ذا اشـفع |
|
إلهي اجرني من عذابـك اننـي |
اسيـر ذليل خائـف لك اخضـع |
|
إلهـي فآنسنـي بتلقيـن حجـتي |
اذا كان لي في القبر مثوى ومضجع |
|
إلهي لئن عذبتـني الـف حجـة |
فـجل رجـائي منـك لا يتـقطع |
|
إلهي اذقني طعـم عفـوك يـوم |
لا بنـون ولا مال هنـالك ينـفع |
|
إلهـي لئن لم ترعني كنت ضائعاً |
وان كنـت ترعاني فلـست اضيع |
|
إلهي اذا لم تعف عن غير محسنٍ |
فمـن لمسـيئ بالهـوى يتمـتع |
|
إلهي لئن فرطت في طلب التقـى |
فها انـا أثر العفو اقفـو واتبـع |
|
إلهي لئن اخطـأت جهلاً فطالمـا |
رجوتك حتى قيـل ما هو يجزع |
|
إلهي ذنوبي بذت الطود واعتلـت |
وصفـحك عن ذنبي اجل وارفـع |
|
إلهي ينحـي ذكر طولك لـوعتي |
وذكـر الخطـايا العين مني يدمع |
|
إلهي اقلني عثرتي وامح حوبـتي |
فـأني مقـر خائـف متـضرع |
|
إلهي انلني منك روحـاً وراحـة |
فلست سوى ابواب فضلك اقـرع |
إلهي لئن اقصيتـني او اهنتـني فما |
حيلتي يا رب ام كيف اصنع |
|
إلهي حليف الحب في الليل ساهر |
يناجي ويدعو والمغـفل يهـجع |
|
إلهي وهذا الخلـق ما بين نائـم |
ومنتبـه في ليـلـه يتـضرع |
|
وكلهـم يرجو نـوالك راجـياً |
لرحمتك العظمى وفي الخلد يطمع |
|
إلهي يمـنيني رجائـي سلامة |
وقبـح خطيئـاتي علي يشـنع |
|
إلهي فان تعفو فعـفوك منقذي |
والا فبالذنب المدمـر اصـرع |
|
إلهي بحـق الهاشـمي محمـد |
وحرمة اطهارهـم لك خضـع |
|
إلهي بحق المصطفى وابن عمه |
منيباً تـقياً قانتـاً لك اخضـع |
|
ولا تحـرمني يا إلهي وسيـدي |
شفاعته الكبرى فـذاك المشفـع |
|
پوصل عليهم ما دعـاك موحـد |
وناجـاك اخيـار ببابك ركـع(١) |
ولزينب ام المصائب وعقيلة بني هاشم مواقف مشهودة مع اخيها الحسينعليهالسلام في يوم عاشوراء. تزوجت من عبد الله بن جعفر الطيار ، ومن اولادها عون المدفون مع قبور الشهداء في الحرم الحسيني بكربلاء ، توفيت العقيلة في السفرة الاخيرة حيث كانت مع زوجها عبد الله بن جعفر حين جاء بها الى دمشق ليتعاهد امور ملكه في قرية راوية وتوفيت ودفنت في زاوية من اعمال دمشق ويعرف اليوم بقرية قبر الست.
٤ / السيدة ام كلثوم
هي الرابعة من اولاد فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، كانت ام كلثوم مع اخيها الحسينعليهالسلام بكربلاء ، وكانت مع السجادعليهالسلام الى
__________________
(١) عقيلة بني هاشم / علي بن الحسين الهاشمي الخطيب ص ١٦ ـ ١٩.
الشام ثم الى المدينة ، وهي جليلة القدر ، وخطبتها مع ابن زياد في الكوفة معروفة ، وزوجها عون بن جعفر وانها لم تتزوج بغير ابن عمها عملاً بالحديث الذي جاء عن النبيصلىاللهعليهوآله وهو : ( نظر النبيصلىاللهعليهوآله الى اولاد علي وجعفرعليهماالسلام فقال : بناتنا لبنينا وبنونا لبناتنا ).
خطبت في الكوفة ومن شعرها قولها :
قتـلتم اخي صبراً فويـل لأمكم |
تجـزون نـاراً حـرها يتوقـد |
|
سفكتم دمـاء حـرم الله سفـكها |
وحرمها القـرآن ثـم مـحمـد |
|
الا فابشروا بالنـار انـكم غـدا |
لفي سقـر حقـا يقـينا تخلـدوا |
|
واني لأبكي في حياتي على اخي |
على خير من بعد النبي سيـولـد |
|
بدمع غـزير مستهل مكـفكـف |
على الخد مني دائماً ليس تجـمد |
قال الراوي : فضج الناس بالبكاء والنوح ونشر النساء شعورهن ووضعن التراب على رؤوسهن وخمشن وجوههن وضربن خدودهن ودعون بالويل والثبور وبكى الرجال ونتفوا لحاهم فلم ير باكية وباك اكثر من ذلك اليوم(١) .
كما نود ان ننقل للقارئ من شعرها حين رجوعها الى الشام ، فقد جعلت تبكي وتقول :
مدينـة جـدنا لا تـقبلينا |
فبالحسرات والاحزان جنينا |
|
الا فاخبر رسـول الله عنا |
بأنا قـد فجعنـا في ابينـا |
ومنها قولها في رواية اخرى :
__________________
(١) نفس المهموم / للمحدث القمي / ص ٣٦٩.
مدينة جـدنـا لا تـقبـلينـا |
فبالحسرات والاحـزان جينـا |
|
خرجنا منك بالاهـلين جمعـا |
رجعنـا لا رجـال ولا بنينـا |
|
وكنـا في الخروج بجمع شمل |
رجعنـا خاسـرين مسلـبينـا |
|
وكـنـا في امـان الله جـهرا |
رجعنـا بالقـطيعة خائـفينـا |
|
ومولانا الحسـين لنـا انيـس |
رجعنـا والحسـين به رهينـا |
|
فـنحن الضائـعات بلا كفيـل |
ونحـن النائحـات على اخينـا |
|
الا يا جـدنـا قتـلوا حسـيناً |
ولم يرعـوا جنـاب الله فينـا |
|
الا يـا جـدنـا بلغـت عدانـا |
مناها واشتـفى الاعـداء فينـا |
|
لقد هتـكوا النسـاء وحَملوهـا |
على الاقتاب قهـراً اجمعينـا(١) |
هؤلاء هم ابناء فاطمة سلام الله عليها وذريتها الذين وجبت على الناس مودتهم وولاؤهم والصلاة عليهم.
__________________
(١) المصدر السابق / ص ٤٧١.
مرض الرسولصلىاللهعليهوآله
كان للامام علي بن ابي طالبعليهالسلام وفاطمة الزهراءعليهاالسلام الدور البارز في حياة الرسول الكريم محمدصلىاللهعليهوآله لا سيما في ساعاته الاخيرة من حياته. فقد كانت فاطمة الزهراء جالسة قربه فلما رأت ذلك قامت حزينة واخذت بيدي الحسن والحسين وجعلت تندب أباها ، ففتح الرسول عينيه ووضع رأسه على صدرها ودعا وقال : اللهم الهم فاطمة الصبر ، ثم قال : ( ابشري يا فاطمة فستكونين اول من يلحق بي ) وجعل يعالج سكرات الموت فاخذت تبكي بكاء شديداً ، فأراد علي اسكاتها فقال النبي : ( دعها تبكي اباها ) ثم اغمض عينيه واسلم روحه(١) وفي المجالس السنّية : فلما كان من الغد حجب الناس عنه وثقل في مرضه وكان امير المؤمنينعليهالسلام لا يفارقه الا لضرورة ، فقام في بعض شؤونه فأفاق رسول اللهصلىاللهعليهوآله فافتقد علياً ، فقال وازواجه حوله : ادعوا لي اخي وصاحبي وعاوده الضعف فأصمت
__________________
(١) عقيدة الشيعة ، رونالدسن ، ص ٣٠.
فقالت عائشة : ادعوا ابا بكر فدعي ودخل وقعد عند رأسه فلما فتح عينيه نظر اليه فأعرض عنه بوجهه فقام وقال : لو كان له حاجة لافضى بها اليّ. فلما خرج اعاد رسول اللهصلىاللهعليهوآله القول ثانياً وقال : ادعوا لي اخي وصاحبي فقالت حفصة : ادعوا له عمر ، فدعي فلما حضر ورآه رسول اللهصلىاللهعليهوآله اعرض عنه فانصرف ، ثم قال ادعوا لي اخي وصاحبي فقالت ام سلمة : ادعوا له علياً فانه لا يريد غيره فدعي امير المؤمنينعليهالسلام ، فلما دنا منه اومأ اليه فأكب عليه فناجاه رسول اللهصلىاللهعليهوآله طويلاً ثم قام فجلس ناحية حتى اغفى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فلما غفى خرج فقال له الناس : يا ابا الحسن ما الذي اوعز اليك؟ فقال اوصاني بما انا قائم به ان شاء الله تعالى ثم ثقل وحضره الموت وامير المؤمنينعليهالسلام حاضر عنده فأخذ عليعليهالسلام رأسه فوضعه في حجره فأغمى عليه ، فأكبت فاطمةعليهاالسلام تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول :
وابيض يستسقي الغمام بوجهه |
ثمال اليتامى من عصمة للارامل |
ففتح الرسولصلىاللهعليهوآله عينيه وقال : بصوت ضئيل يا بنيّة هذا قول عمك ابي طالب لا تقوليه ولكن قولي : ( وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم ) فبكت طويلاً فأومأ إليها بالدنو منه ، فدنت منه فأسرّ اليها شيئاً تهلل له وجهها فقيل لفاطمةعليهاالسلام : ما الذي اسر اليك رسول اللهصلىاللهعليهوآله فسري(١) عنك به ما كنت عليه من الخوف والقلق
__________________
(١) سري عنه الهم : مجهولاً انكشف.
بوفاته؟ قالت : اخبرني انني اول اهل بيته لحوقاً به وانه لن تطول المدة لي بعده حتى ادركه فسري بذلك عني.
وهل عدلت يوماً رزية هالك |
رزية يوم مات فيه محمدُ |
|
وما فقد الماضون مثل محمد |
ولا مثله حتى القيامة يفقد(١) |
عاشت الزهراء سلام الله عليها بعد ابيها فترة قصيرة جاوزت الشهرين او الثلاث ، وهي فترة مليئة بالاحداث والمفاجئات لقد غمرت وجهها بكفها واستسلمت الى البكاء ، وبقيت راكعة امام نعش والدها الذي احبها واحبته محدقة الى وجهه تغتسل بدموعها التي تذرفها.
__________________
(١) المجالس السنية ، محسن الامين / ج ٥ / ص ٢٤ ـ ٢٦.
وفاة الرسولصلىاللهعليهوآله
توفي الرسول الكريم محمدصلىاللهعليهوآله لاثنتي عشر ليلة مضت من ربيع الاول سنة احدى عشرة من الهجرة ، وكان سنّهُ ثلاثاً وستين سنة ، وغسّله علي بن ابي طالبعليهالسلام والفضل بن عبد المطلب واسامة بن زيد يناولان الماء وسمعوا صوتاً من البيت ، يسمعون الصوت ولا يرون الشخص فقال : ( السلام ورحمة الله وبركاته عليكم اهل البيت انه حميد مجيد ،اِنَّمَا يُِريدُ الله لِيُذْهِبََ عََنُكُمُ الرِّجْسََ أَهْلَ الْبَيْتِِ وَيُطَهَّرَكُمْْ تَطْهِيراً. كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَّفوْنََ اُجُورَكُمْ يَوْمََ القِيَامَةِ فَمن زُحْزِح عنِ النّارِ واُدْخِل الْجنّة فقدْ فاز وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذينَ اُتُوا الْكِتَابََ مِن قَبْلِكُمْْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِِ الأُمُورِ. ان في الله خلقاً من كل هالك مصيبة ، عظم الله اجوركم والسلام عليكم ورحمة الله ) فقيل لجعفر بن محمد من كنتم ترونه؟ فقال : جبرئيل ، وكفن في ثوبين صحاريين وبرد حيره ونزل قبره
علي بن ابي طالب والعباس ابن عبد المطلب وقيل الفضل بن العباس وشقران مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ونادت الانصار اجعلوا لنا في رسول الله نصيباً في وفاته كما كان لنا في حياته ، فقال علي : ينزل رجل منكم فانزلوا أوس بن خولي احد بني الحبلى وكان حفر قبره ابو طلحة بن سهل الانصاري ولم يكن بالمدينة من يحفر غيره ، وغير ابي عبيدة بن الجراح يشق ويحفر وسطا وأبو طلحة يلحد ، وقيل انهما سابقاً حفرا فسيق ابو طلحة بالحفر وصلى عليه اياماً والناس يأتون ويصلون ارسالاً ودفن ليلة الاربعاء في بعض الليل وطرحت تحته قطعة رحله وكانت ارجوان وربع قبره ولم يسنم(١) .
ولما مات الرسولصلىاللهعليهوآله جاءت فاطمة حزينة باكية فألقت نفسها على القبر الشريف وقالت :
ماذا على من شم تربة احمد |
ان لا يشم مدى الزمان غواليا |
|
صبّت علي مصائب لو انها |
صبت على الايام صرن لياليا |
ولها سلام الله عليها ترثي اباها :
اغـبر آفـاق السمـا وكورت |
شمـس النهار واظلم العصران |
|
پوالارض من بعد النبـي كئيبة |
اسفاً عليـه كثيـرة الاحـزان |
|
فليبـكه شرق البـلاد وغربهـا |
ولتبكـه مصـر وكل يمانـي |
|
وليبكه الطـود الاشـم وجـوّه |
والبيت والاستـار والاركـان |
|
يا خاتم الرسـل المبارك صنوه |
صلى عليـك منـزل القـرآن |
وانشدت الزهراءعليهاالسلام بعد وفاة ابيهاصلىاللهعليهوآله :
__________________
(١) عقيدة الشيعة / رولندسن / ص ٢٧ ـ ٢٨.
وقـدر رزئـنا به محضاً خليقتـه |
صافي الضرائب والاعراق والنسب |
|
وكنت بـدراً ونـوراً يستضـاء به |
عليك تنزل من ذي العـزة الكتـب |
|
وكان جـبريل روح القـدس زائرنا |
فغاب عنـا وكل الخيـر محتجـب |
|
أنا رزئنـا بما لم يـرز ذو شـجن |
من البريـة لا عجـم ولا عـرب |
|
ضاقت علي بـلاد بعد ما رحـبت |
وسيم سبطاك خسفـاً فيه لي نصب |
|
فأنـت والله خيـر الخلـق كلهـم |
واصدق الناس حيث الصدق والكذب |
|
فسوف نبكيك ما عشنـا وما بقيت |
منا العيـون بتهمـال لها سكـب(١) |
روى ابن سعد في الطبقات : انه لما توفى رسول اللهصلىاللهعليهوآله قالت فاطمة : يا ابتاه اجاب ربا دعاه يا ابتاه جنة الفردوس مأواه يا ابتاه الى جبريل ننعاه يا ابتاه من ربه ما أدناه.
وروى الحاكم في المستدرك انهاعليهاالسلام بكت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقالت : وذكر نحوه. وروي الحاكم في المستدرك بسنده عن موسى بن جعفر بن محمد بن علي عن ابيه عن جده ابي جعفر محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن علي أن فاطمةعليهالسلام لما توفي رسول اللهصلىاللهعليهوآله كانت تقول : وا ابتاه من ربه ما ادناه وا ابتاه جنان الخلد مأواه وا ابتاه ربه يكرمه اذ اتاه وا أبتاه الرب ورسله يسلم عليه حين يلقاه. وروى غير واحد أنه : لما دفن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قالت فاطمة : أطابت نفوسكم ان تحثوا على رسول الله التراب واخذت من تراب القبر الشريف وضعتها على عينيها(٢) .
__________________
(١) بحار الانوار / للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي / ج ٤٣ / ص ١٩٦.
(٢) أعيان الشيعة / محسن الأمين / ج ٢ / ص ٣٦٦.
لقد باتت الزهراء سلام الله عليها بعد وفات ابيها تقاسي الأحن والمصائب ، وجاش صدرها بالأحزان ، فلا يستريح قلبها ولا تسكن حركتها ، وأنشأ أمير المؤمنين عليعليهالسلام يرثي النبيصلىاللهعليهوآله :
الموت لا والداً يبقى ولا ولدا |
هذا السبيل الى أن لا ترى احدا |
|
هذا النبي ولــم يخلد لأمته |
خلــد الله خلقـا قبله خلدا |
|
للموت فينا سهام غير طائشة |
لو من فاته اليوم سهم لم يفته غداً |
ومن الديوان المنسوب الى امير المؤمنينعليهالسلام في رثائهصلىاللهعليهوآله قوله :
ما غاض دمعي عند نائبة |
الا جعلتك للبـكا سـبـبا |
|
واذا ذكرتـك سامحتك به |
مني الجفون ففاض وانسكبا |
|
اني اجل ثرى حللـت به |
عن ان ارى لسواه مكتئبـا |
ومن الديوان المذكور في رثائهصلىاللهعليهوآله :
أمـن بعد تكفيـن النـبـي ودفنـه |
يأتو بـه آسى علـى هـالـك ثـوى |
|
رزئنـا رسـول الله فينا فلـن ترى |
بـذاك عديلاً مـا حيينـا من الـردى |
|
فيا خيـر من ضم الجوانـح والحشى |
يا خيـر ميـت ضمه التراب والثـرى |
|
لقـد نـزلـت بالمسلميـن مصيبـة |
كصدع الصفا لا شعب للصدع في الصفا |
|
وضـاق فضاء الارض عنهم برحبـه |
لفقـد رسـول الله ذا قيـل قـد مضى |
|
فلـن يستـقيل الناس تـلك مصيبـة |
ولن يجبـر العظـم الـذي منهم وهـى |
وقالت الزهراءعليهاالسلام ترثيه :
قل للمغيـب تحت اطبـاق الثـرى |
ان كنت تسـمع صرختي وندائيـا |
|
صبـت علـي مصائـب لو انـها |
صبت على الايـام صرن ليـاليـا |
قد كنت ذات حمى بـظل محمـد |
لا اختـشي ضيماً وكان جماليـا |
|
فاليـوم اخشـع لذليـل واتقـي |
ضيمـي وادفـع ظالمي بردائيا |
|
فاذا بكـت قمريـة في ليـلهـا |
شجناً على غصن بكيت صباحيا |
|
فلا جعـلن الحزن بعدك مؤنسي |
ولا جعلن الدمع فيـك وشاحيـا |
|
ماذا على من شم تربـة احمـد |
ان لا يشم مدى الزمان غواليـا |
وينسب الى الزهراءعليهاالسلام ولعله قيل عن لسانها :
قلَّ صبري وبـان عني عزائـي |
بعـد فقدي لخـاتـم الانبـيـاء ويك |
|
عين يا عين اسكبـي الدمع سحاً |
لا تبخـلي بفيـض الدمـاء |
|
يا رسـول الالـه يا خيـرة الله |
وكهـف الايـتـام والضعفـاء |
|
قد بكتك الجبال والوحش والطير |
كـذا الارض بعد بكي السمـاء |
|
وبكاك الحجون والركن والمشعر |
يـا سـيـدي مـع البـطحـاء |
|
وبكاك المحراب والدرس للقرآن |
في الصبـح معلنـاً والمـسـاء |
|
وبكاك الاسـلام اذ صـار في |
الناس غريباً من سائر الغربـاء |
|
لو ترى المنبر الذي كنت تعلوه |
عـلاه الظـلام بعـد الضيـاء |
وقالت الزهراء ترثيه كما في مناقب ابن شهر اشوب ونسبهما دحلان في سيرته الى حسان بن ثابت :
كنـت السـواد لناظـري |
فعمـى عليـك النـاظـر |
|
من شـاء بعـدك فليمـت |
فعـليـك كـنـت احـاذر |
وقال ابو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم يرثي النبيصلىاللهعليهوآله وكان من الشعراء المطبوعين :
ارقـت فبـات ليـلي لا يـزول |
وليـل اخـي المصيبة فيه طول |
فاسعدني البكاء وذاك فيمـا |
اصيب المسلمـون به قليـل |
|
لقد عظمت مصيبتنا وجلـت |
عشية قيل قد قبض الرسول |
|
واضحت ارضنا مما عراها |
تكاد بنـا جوانبـها تميـل |
|
فقدنا الوحي والتنزيل فينـا |
يروح به ويغـدو جبرئـيل |
|
ابـي كان يجلو الشك عنـا |
بما يوحى اليـه وما يقـول |
|
ويهدينـا فلا نخشى ضلالا |
علينا والرسـول لنا دليـل |
وقالت صفية بنت عبد المطلب ترثي النبيصلىاللهعليهوآله :
الا يا رسـول الله كنـت رجاءنا |
وكنـت بنا براً ولم تـك جافيـا |
|
وكنت رحيمـاً هاديـاً ومعلمـا |
ليبك عليـك اليوم من كان باكيا |
|
كـأن على قلبي لذكر محـمـد |
وما خفت من بعد النبي المكاويا |
|
افاطـم صلى الله رب محـمـد |
على جدث امسني بيثرب ثاويـاً |
|
فدى لرسـول الله امي وخالتـي |
وعمي وآبائـي ونفسـي وماليا |
|
صدقت وبلغت الرسالة صادقـاً |
ومت صليب العود ابلج صافيـا |
|
فلو ان رب النـاس ابقى نبينـا |
سعدنا ولكن امـره كان ماضيـا |
|
عليـك من الله السـلام تحيـة |
وادخلت جنات من العدن راضيا |
|
ارى حسنـاً ايتمتـه وتركتـه |
ويبكي ويدعو جـده اليوم نائيـا |
وقال حسان بن ثابت يرثي النبيصلىاللهعليهوآله :
بطيبـة رسـم للرسـول ومعهد |
منيـر وقد تعفو الرسـوم وتهمد |
|
ولا تنمحي الآيات من دار حرمة |
بها منبر الهادي الذي كان يصعد |
|
وواضـح آيـات وباقي معالـم |
وربع له فيه مصلـى ومسـجد |
|
عرفت بها رسم الرسول وعهده |
وقبراً به واراه في الترب ملحـد |
ظللت بها ابكي الـرسـول فاسعدت |
عيـون ومثـلاها من الجن تسعـد |
|
مفجعة قـد شفهـا فقـد احـمـد |
فظلـت لآلاء الـرسـول تـعدد |
|
اطالت وقوفاً تذرف الدمع جهدهـا |
على طلل القبر الذي فيه احـمـد |
|
فبوركت يا قبـر النبـي وبوركت |
بلاد ثـوى فيها الرشيـد المـسدد |
|
وبورك لحـد منـك ضمن طيبـا |
عليـه بنـاء من صفـح منضـد |
|
لقد غيبوا حلماً وعلمـاً ورحمـة |
عشية علـوه الثـرى لا يوسـد |
|
وراحوا بحـزن ليس فيهم نبيهـم |
وقد وهنـت منهم ظهور واعضد |
|
تبكون من تبكي السمـاوات يومه |
ومن قد بكته الارض فالناس اكمد |
|
وهل عدلت يومـاً رزيـة هالـك |
رزية يـوم مات فيـه محـمـد |
|
تقطع فيه منـزل الوحـي عنهـم |
وقد كان ذا نـور يغـور وينجـد |
|
يدل على الرحمـن من يقتـدي به |
وينقذ من هـول الخزايـا ويرشـد |
|
امـام لهـم يهديهم الحـق جاهـدا |
معلـم صدق ان يطيعـوه يسعـدوا |
|
وان نـاب امـر لم يقومـوا بحمله |
فمـن عنـده تيسـير ما يتـشدد |
|
فبينـاهـم في نعمـة الله بينهـم |
دليـل به نهج الطريقـة يقصـد |
|
عزيز عليه ان يجوروا عن الهدى |
حريص على ان يستقيموا ويهتدوا |
|
وامست ديار الوحي وحشاً بقاعها |
لغيبة ما كانت من الوحي تعهـد |
|
وبالجمرة الكبـرى له ثم اوحشت |
ديـار وعرصات وربع ومولـد |
|
فابكي رسـول الله يا عين عبرة |
ولا اعرفنك الدهـر دمعك يجمد |
|
وما لك لا تبكين ذا النعمـة التي |
على النـاس منها سائـغ يتغمـد |
|
فجودي عليـه بالدمـوع واعولي |
لفقد الذي لا مثـله الدهر يوجـد |
|
وما فقد الماضون مثـل محـمـد |
ولا مثـله حتـى القيامـة يفقـد |
اعـف واوفـى ذمـة بعد ذمـة |
واقـرب منـه نائـلاً لا ينكـد |
|
واكرم صيتاً في البيوت اذا انتمى |
واكـرم جـداً ابطحيـاً يسـود |
|
وامنع ذروات واثبت في العلـى |
دعائـم عـز شاهقـات تشيـد |
|
تناهـت وصاة المسلميـن بكفـه |
فلا العلم محبوس ولا الرأي يفند |
وقال حسان بن ثابت الانصاري يرثي النبيصلىاللهعليهوآله :
ما بـال عينـك لاتنـام كأنمـا |
كحلت مآقيهـا بكحـل الارمـد |
|
جزعاً على المختـار اصبح ثاويا |
يا خير من وطئ الحصى لا تبعد |
|
وجهـي يقيك الترب لهفي ليتني |
غيبت قبلك في بقيـع الـفرقـد |
|
نـور اضاء على البريـة كلهـا |
من يهد للنـور المبـارك يهتـد |
|
والله اسمـع مـا بقيـت بهـالك |
الا بكيت على النبـي محـمـد |
|
صلى الالـه ومن يحف بعرشـه |
والطيبون على المبارك احـمـد |
وقال سواد بن مقارب يرثي النبيصلىاللهعليهوآله :
ابقى لنـا فقـد النبـي محـمـد |
صلـى عـليـه الله مـا يعتـاد |
|
حزنـاً لعمرك في الفـؤاد مخامراً |
ام هل لمـن فقـد النبـي فـؤاد |
|
كنـا نحـل به جنابـاً ممـرعا |
جف الجنـاب فأجـدب الـرواد |
|
فبكت عليـه ارضنـا وسماؤنـا |
وتصعـدت وجـداً بـه الاكبـاد |
|
لو قيل تفـدون النبـي محـمـدا |
بـذلـت لـه الامـوال والاولاد |
وقال آخر وفي مناقب ابن شهر اشوب انها لابراهيم بن المهدي :
اصبـر لكل مصيبـة وتجلـد |
واعلم بان المـرء غير مخلـد |
|
واصبر كما صبر الكرام فانـها |
نوب تنوب اليوم تكشف في غد |
|
او ما ترى ان الحـوادث جمة |
وترى المنية للرجال بمرصـد |
واذا اتتـك مصيبـة تشجـى لهـا |
فاذكر مصابـك بالنبـي محـمـد(١) |
لقد كان الرسول الكريم محمدصلىاللهعليهوآله مثلاً اعلى واستاذ الانسانية ورسول الخير والمحبة ورحمة للعالمين. ولو ادرك الناس في العالم كافة ما لعظمته وتعاليمه السامية الالهية من المزايا والاثار في الحياة اليومية والنظم الاجتماعية والاداب الاجتماعية لما بقي على وجه الارض من يدين بدين آخر ، لانه مطلوب كل روح ومطمأنّ كل احساس ومنتهى كل عقل من معنى الدين والايمان. ان روح ومطمأمن كل احساس ومنتهى كل عقل من معنى الدين والايمان. ان روح النبي العربي الرسول الاعظم محمدصلىاللهعليهوآله انما تسر من قومه وامته باتباع سنته واحياء معالم شريعته والتحلّي بالفضائل والتخلي عن الرذائل والتجمل بحسن الشمائل. ثم بالتآزر والتعاون كما قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه( تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ) . لقد آمن بمحمدصلىاللهعليهوآله من كان طاغياً وخضعت لرسالته الجبابرة حين اتضح لهم نبل غايته ومغزى مراميه وأخلاقه وتواضعه ( وإنك لعلى خلق عظيم ) فانبرى قائلهم يقول :
فما حملـت من ناقـة فوق ظهـرها |
ابـر وأوفـى ذمـة مـن محـمـد |
ودكت صروح القياصرة والاكاسرة والاباطرة جيوشه المتخلقة بأخلاقه السامية.
لقد قال الفيلسوف الروسي تولستوي : ( لو كنتُ اتدين بدين لما اخترت سوى دين محمد ) كلمة من رجل ملحد لا يأبه بالاديان ولا يقيم لها وزناً ، فهو يعترف بأفضلية دين محمد.
__________________
(١) المجالس السنية / محسن الامين / ج ٥ / ص ٤٦ ـ ٥٣.
وقال الفيلسوف بوسور النمساوي : ان محمداً اسس في وقت واحد ثلاثة اشياء هي من عظائم الامور وجلائل الاعمال التي تذكر في العالم ، فانه مؤسس لأمة وامبراطورية وديانة ، مع انه أمي او قل ما كان يقدر ان يقرأ ويكتب ، اتى بكتاب هو آية في البلاغة ودستور للشرائع وللصلاة والدين في آن واحد.
ذلك هو نبينا الكريم محمدصلىاللهعليهوآله أكمل انسان عرفته الانسانية كلها ، بعثه الله ليتمم مكارم الاخلاق بدين هو دين الوحدة والمحبة والاخاء والعدل والمساواة والسلام ، فألف بين قلوب العرب وجمع شتاتهم ووحد كلمتهم ، وجعلهم ينضوون تحت راية الاسلام بعد ان كانوا قبائل وشعوباً متفرقين يغزو بعضهم بعضاً ويغير بعضهم على بعض لا وازع لهم ولا رادع ، فطهر قلوبهم وزكى نفوسهم ورقق طباعهم وشذب سلوكهم وقوّم اخلاقهم وصيرّهم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.
حسبنا مجداً وشرفاً وعلماً بمبادئ الدين الاسلامي ، وحسب هذا الدين نفسه انه يكون اجل الاديان وافضلها.
فدك الحق والميراث
تأتي اهمية ( فدك ) في كونها قرية كان النبي محمدصلىاللهعليهوآله يقسم فيئها بين آل بيته وفقراء المسلمين. ولما مات الرسول محمدصلىاللهعليهوآله ورثت فاطمة الزهراء هذا الارث ، ولما طالبت به منعت وكفّت عن الطلب ، لكنها انصرفت غاضبة ساخطة كما يحدثنا بذلك الرواة. اخرج البخاري في باب فرض الخمس ان فاطمةعليهاالسلام ابنة رسول اللهصلىاللهعليهوآله سألت أبا بكر الصديق (رض) بعد وفاة رسول الله ان يقسم لها ميراثها ما ترك رسول اللهصلىاللهعليهوآله مما افاء الله عليه ، فقال لها ابو بكر : ان رسول الله قال لا نورّث ، فغضبت فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله فهجرت ابا بكر فلم تزل مهاجرة حتى توفيت(١) .
وقال العقاد : فلما قضى عليه الصلاة والسلام ارسلت فاطمة الى ابي بكر تسأله ميراثها فيها وفيما بقي من خمس خيبر ، فقال ابو بكر : ان رسول الله
__________________
(١) صحيح البخاري/ ج ٥ / ص ٥.
صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يقول : ( اننا معشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة ) واني والله لا اغير شيئاً من صدقة رسول الله من حالها التي كان عليها(١) ثم قال لها : فأما ان كان ابوك قد وهب لك هذا المال فاني اقبل كلمتك في ذلك وانفذ ما امر به ، فأجابت فاطمة بان اباها لم يفض اليها بشيء من ذلك وانما اخبرتها ام ايمن بان ذلك كان قصده ، عند ذلك اصرّ ابو بكر على استبقاء فدك وخيبر وردهما الى بيت مال المسلمين(٢) . الا ان الزهراءعليهاالسلام احتجت عليه بسندها عن القرآن الكريم بقوله : فقال عن نبي من انبيائه هو (زكريا) : (يرثني ويرث من آل يعقوب) وقوله تعالى : (وورث سليمان داود) وان ابا بكر قال لها يابنت رسول الله : انت عين الحجة ومنطق الرسالة لا يدل بجوابك ولا اوقعك عن صوابك ولكن هذا ابو الحسن بيني وبينك هو الذي اخبرني بما تفقدت وانبأني بما اخذت وتركت(٣) ويحسن بنا ان نلفت نظر القارئ الى ان ابا بكر قال : يا ابنة رسول الله والله ما ورث ابوك ديناراً ولا درهماً وانه قال : (ان الانبياء لا يورثون) فقالت : ان فدك وهبها لي رسول اللهصلىاللهعليهوآله . قال : فمن يشهد بذلك فجاء علي بن ابي طالب فشهد وجاءت ام ايمن فشهدت ايضاً ، فجاء عمر بن الخطاب وعبد الرحمان بن عوف فشهدا ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يقسمها ، فقال ابو بكر : صدقت يا ابنة رسول الله وصدق علي وصدقت ام ايمن وصدق عمر
__________________
(١) فاطمة الزهراء والفاطميون ، عباس محمود العقاد / ص ٥٧ و ٥٨.
(٢) حياة محمد / محمد حسين هيكل / ص ٣٢١.
(٣) المصدر السابق / ص ٥٨.
وصدق عبد الرحمان بن عوف وذلك ان مالك لأبيك كان رسول الله يأخذ من فدك قوتكم ويقسم الباقي في سبيل الله فما تصنعين بها؟ قالت اصنع بها كما يصنع بها أبي ، قال : فلك على الله ان اصنع كما يصنع بها ابوك ، قالت : الله لتفعلن ، قال : الله لأفعلن ، قالت : اللهم اشهد. وكان ابو بكر يأخذ عليها فيدفع اليهم منها ما يكفيهم ويقسم الباقي وكان عمر كذلك ثم كان عثمان كذلك ثم كان علي كذلك(١) .
لقد اقبلت فاطمة في لمةٍ من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها ، ما تخرم مشيتها مشية رسول اللهصلىاللهعليهوآله (٢) حتى دخلت على ابي بكر وقد حشد الناس من المهاجرين والانصار ، فضرب بينها وبينهم ربطة بيضاء ، ثم أنَّت انّه اجهش لها القوم بالبكاء ، ثم امهلت طويلاً حتى سكتوا فخطبت خطبة طويلة جداً قالت في آخرها :
(لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم ، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ، فان تعزوه تجدوه ابي دون ابائكم ، وآخا ابن عمي دون رجالكم) ثم ذكرت كلاماً طويلاً في آخره : (ثم انكم الان تزعمون ان لا ارث لي افحكم الجاهلية تبغون؟ ومن احسن من الله حكماً لقوم يتقون ايه معاشر المسلمين ابتز ارث ابي ـ ابى الله ان ترث ياابن ابي قحافة اباك ولا ارث ابي ، لقد جئت امراً فريا. افعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ، اذ يقول : « وورث سليمان داود ». وفي خبر يحيى بن زكرياعليهماالسلام . اذ يقول : « رب هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث
__________________
(١) المصدر السابق / ص ٥٨.
(٢) اعلام النساء / عمر رضا كحاله / ج ٤ / ص ١١٦ و ١١٧.
من آل يعقوب ». وقال : « واولو الارحام اولى ببعض في كتاب الله ». وقال : « يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين ». وزعمتم ان لا حظوة لي ولا ارث من ابي ولا رحم بيننا. أأنتم اعلم بخصوص القرآن وعمومه من ابي وابن عمي؟ ثم رنت بطرفها نحو الانصار ، فقالت : يا معشر الفتية واعضاء الملمة وحصن الاسلام ما هذه الغميزة في حقي؟ اما كانصلىاللهعليهوآله يقول : (المرء يحفظ في ولده).
وللعلامة الشيخ محمد جواد مغنية رأي بهذا الخصوص جاء فيه : (لقد كان على ابي بكر ان يقيم اولاً وقبل كل شيء البيّنة على ان النبي توفى مالكاً لفدك وانها من جملة ما ترك ثم يحتج على سيدة النساء فاطمة ، ولكنه عكس الامر وطلب البينة من صاحب اليد المالكة المتصرفة. طلب منها البينة لا لشيء الا لمجرد دعواه بأن ما تركه ابوها فهو صدقة ، ونحن نسلم ـ جدلاً ـ بذلك ، ولكن نتساءل : هل كان النبيصلىاللهعليهوآله يملك فدكاً حين وفاته حتى يصدق عليها انها من جملة ما ترك؟ كيف ، وقد ذهب الى ربه وفدك ليست في يده ولا في تصرفه ، بل في يد السيدة المعصومة وفي سلطانها وتصرفها باعتراف ابي بكر وجميع الصحابة ، وبعد ، فان حكاية المعصومة وفدك وابي بكر تماماً كحكاية والد وهب ولده داراً وسكنها الولد في حياة الوالد ، وبعد موت الوالد جاء فلان الفلاني وقال للولد الساكن المتسلط : عليك ان تخلي الدار وتسلمني اياها لأن أباك قد اوصى لي بجميع ما ترك ، قال هذا دون ان يثبت ان الدار من جملة ما ترك الموصي ، ومع التسليم بالوصية وصحتها ، هل يسوغ لعاقل وفاهم ان يقول للولد عليك ان تسلم الدار للمدعي لأن اباك قد
اوصى له بجميع ما ترك ، بعد العلم بان اباه مات ، وهذه الدار على غير ملكه ، لأنها في يد غيره ، واليد تدل على الملك(١) .
اجل ، لقد كان من الطبيعي ان تثير هذه الكلمات المؤثرة ضجة حول الارث المحمدي الذي تآمر عليه جمع من المخالفين ، لكن الزهراءعليهاالسلام خيبت آمالهم بعد ان تصدت للرد عليهم وتحدتهم بجرأة متناهية وحجج دامغة ، اضطربت لها النفوس وتقلبت الابصار وتركت في كثير من القلوب غصة لا يقر لها قرار.
ومما يعين على الاحاطة حول مسألة الخلاف فيقضية فدك ، قول عمر لأبي بكر : انطلق بنا الى فاطمة فانا قد اغضبناها ، فانطلقا واستأذنا عليها فلم تأذن لهما ، فأتيا علياً فكلماه فأدخلهما ، فلما قعدا عندها حوّلت وجهها الى الحائط فسلما عليها فلم تردعليهماالسلام ، فتكلم ابو بكر وقال : (يا حبيبة رسول الله ان قرابة رسول الله احب اليّ من قرابتي وانك لأحب اليّ من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات ابوك اني مت ولا ابقى بعده. افتراني اعرفك واعرف فضلك وشرفك وامنعك حقك وميراثـك من من رسول الله؟ الا اني سمعت اباك رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : ( لا نورث ما تركنا فهو صدقة ) فقالت : ( ارأيتكما ان حدثتكما حديثاً عن رسول الله ألم تسمعا رسول الله يقول : ( رضاء فاطمة من رضائي وسخطها من سخطي )؟ قالا : نعم سمعناه من رسول الله. قالت : ( فاني اشهد الله وملائكته انكما اسخطتماني وما ارضيتماني ولئن لقيت النبي لاشكونكما اليه ). فقال ابو بكر : ( انا عائذ بالله من سخطه
__________________
(١) علم اصول الفقه في ثوبه الجديد / الشيخ محمد جواد مغنية / ص ٤٠٣.
وسخطك يا فاطمة ) ثم انتحب يبكي حتى كادت نفسه تزهق. ثم خرج فاجتمع اليه الناس فقال لهم : ( يبيت كل رجل منكم معانقاً حليلته مسروراً بأهله وتركتموني وما انا فيه لا حاجة في بيعتكم. اقيلوني ببيعتي )(١) واستمرت الزهراء في جهادها واختارت الاعتصام عن الكلام مع ابي بكر هذه المرة فأعلمت الملأ بانها قالت : والله لا اكلمه بكلمة ما حييت فلم تكلمه حتى ماتت.
أرأيت الى الزهراء وجرأتها وموقفها والرجحان في ميزان القيم اذا قيس بنساء العالم؟ انها وأيم الحق شهاب ثاقب لا ينطفئ منه اللهب في العواصف الهوج ، فضلاً على مالها من محامد فضلى وخصال رفيعة. ولم تنس ( فـدك ) ان ترجع اليها كل مرة ، كان يلمع فيها الحق ، لقد شعر ابن عبد العزيز بقيمة الانصاف فأرجع الى فاطمة ( فدكاً ). لقد شعر بذلك ايضاً ـ فيما بعد ـ ابو العباس السفاح ، ثم من بعده المأمون بن الرشيد ان للزهراء سلام الله عليها شخصية موحية ولها حماس منقطع النظير لا سيما في استرداد الحق لأهله(٢) والمثل يقول ( ما ضاع حق وراءه مطالب ).
اما ما اعلمه يقيناً ان الزهراءعليهاالسلام عاشت في غربة ، وعانت وحدة قاسية ووحشة موجعة ، تفكر ابداً بالحق المغتصب ، تتمشى في جنباتها اشتاح التفجع ، وتملأ صدرها انات اللوعة وهي اسيرة بيت الاحزان ، حيث تخيم عليه اجنحة الموت ، تملأ الفضاء بأنّات محزنة متقطعة هائلة مخيفة ، واحياناً تكون في غيبوبة نفسية تفصلها عن كل المظاهر الخارجية.
__________________
(١) الامامة والسياسة / ابن قتيبة / ج ١ / ص ١٤. وانظر اعلام النساء / ج ٣ / ص ١٢١٤.
(٢) الحضارة الاسلامية / آدم متز / ج ١ / ص ١٢٨.
الاسلوب البلاغي للزهراءعليهاالسلام
حياة كلها جهاد وعبادة وتبتّل ، نور نيّر يسير على منهاج الحق الصريح ، وفكر ثاقب يستضيء بمشكاة العلم الصحيح. الزهراء احدى ثمرات شجرة النبوة الوارفة الظلال ، ابدت من الكياسة والادب واللباقة ما لم يسبق اليها احد ، وجعلت وقتها وقفاً على العلم والدين والعمل والتريبية والتهذيب ، وذللت بأفكارها السامية كل صعب ، حتى تسنى لها الصعود الى معارج الارتقاء ، لتجني ثمار ذلك الجهد اليانع وقطوفه الدانية التي تؤتي اكلها كل حين بأذن ربها. وحين تقرأ خطبها ترى الفصاحة تتدفق من معين لسانها ، لا ينكر مالها من قوة الحجة في الكلام والشهرة والبيان.
اتصفت الزهراء بالشجاعة الادبية ، فأخرجت للناس دفائن الحكمة وآيات الحق الناصعة وسحر البيان الرائع. وان من يمعن النظر في اسلوب الزهراء الخطابي الرصين وبلاغتها البيانية وما ترمز اليه يتضح له ما ينطوي عليه خطابها من معان واضحة وبصيرة نفاذة. وقد استطاعت ان تسيطر على نفوس مستمعيها وهم في احرج موقف ، ولعل هذا هو بعض السر في
نجاحها ، ولا شك انها ترمي الى الاصلاح الشامل وبيان الواجب الملقى على عاتق كل مسلم يؤمن بالقيم الروحية والمبادئ السماوية ويتبع ارشادات القرآن والسنة النبوية.
لنستمع الى خطبتها الغراء نصاً وهي تشهد بقدرتها الفائقة وثقافتها الواسعة ومكانتها السامية في عصرها وما تلاه الى يومنا هذا ، وهي هنا لا تلقي الكلام على عواهنه ، بل تزن كل كلمة تقولها بميزان الحقيقة والانصاف ، فتعجب بفهمها وذكائها كل الاعجاب.
تظلم الزهراءعليهاالسلام
ان الحديث عن تظلم فاطمة سلام الله عليها حديث ذو شجون ، لا ينتهي الكلام فيه ، ولا يمكن اتيان جديد فيه. فالمصادر التاريخية قديمها وحديثها تؤكد على ظلامة الزهراء ، هذه المرأة العظيمة ، وما لقيته بعد وفاة والدها النبي الاكرم محمدصلىاللهعليهوآله من احن ومحن ، وتعرضت لكثير من الويلات والمصائب التي يشيب لهولها الزمان ، ابتداءً من ترك وصية والدها ، ومروراً بغصب الخلافة من زوجها ، وانتهاءً بقضية فدك ، مما ادى الى تراكم الهموم والهواجس عليها.
لقد ذكر ابن قتيبة في كتابه ( الامامة والسياسة ) ما هذا نصه : ( ان ابا بكر رضي الله عنه تفقد قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه ، فبعث اليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار علي فأبوا ان يخرجوا فدعا بالحطيب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن او لأحرقنها على ما فيها فقيل له يا ابا حفص ان فيها فاطمة فقال : وان. فخرجوا فبايعوا الا علياً فانه زعم انه قال : حلفت ان لا اخرج ولا اضع ثوبي على عاتقي حتى اجمع القرآن ،
فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها فقالت : لا عهد لي بقوم حضروا وأسوأ محضر منكم ، تركتم رسول اللهصلىاللهعليهوآله جنازة بين ايدينا وقطعتم امركم بينكم لم تستأمرونا ولم تردوا لنا حقاً ) الى ان يصل قوله : ( ثم قام عمر ومشى معه جماعة اتوا باب فاطمة فدقوا الباب ، فلما سمعت اصواتهم ، نادت بأعلى صوتها : يا ابت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن ابي قحافة ، فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين(١) .
الذي يهمني ان اؤكده هنا هو ان الزهراء سلام الله عليها هي التي خرجت لمنع القوم عن اخراج عليعليهالسلام وذلك لعظم منزلتها وعلو شأنها ، لانها بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وان ما يدل على ذلك قول عمر بن الخطاب عندما اراد ان يأتي الى باب دار فاطمة ، قال : اريد ان احرق الدار ومن فيها ، قالوا ان في الدار فاطمة قال : وان. ويحسن ان انّبه الى ان هذا الموقف قد قام على اساس التحدي ومواجهة اهل البيت الذين قال عنهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( الا واني مخلف فيكم الثـقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا ) ، مما يدل على ان الرجل خالف كتاب الله وسنة نبيه في هذا التحدي السافر والاعتداء على بيت الزهراء سلام الله عليها. وبناءً على ذلك اشار الى هذا المضمون شاعر النيل حافظ ابراهيم بقوله :
وقـولـة لعـلـي قالها عمرُ |
اكـرم بسـامـعها اعظم بملقيها |
|
حرقت دارك لا ابقى عليك بها |
ان لم تبايع وبنت المصطفى فيها |
__________________
(١) الامامة والسياسة / ابن قتيبة / ص ١٢ و ١٣.
ما كان غير ابي حفص يفوه بها |
امام فـارس عدنـان وحاميهـا |
وفي كتاب ( عوالم سيدة النساء فاطمة الزهراء ) توضيح لهذا المشهد ، قال : فلما رأى عليعليهالسلام غدرهم وقلة وفائهم لزم بيته ، وكان علي بن ابي طالبعليهالسلام لما راى خذلان الناس له وتركهم نصرته واجتماع كلمة الناس مع ابي بكر وطاعتهم له وتعظيمهم له جلس في بيته. فقال عمر لابي بكر : ما يمنعك ان تبعث اليه فيبايع فانه لم يبق احد الا وقد بايع غيره وغير هؤلاء الاربعة معه ، وكان ابو بكر ارق الرجلين وارفقهما وادهاهما وابعدهما غوراً ، والاخر افظهما واغلظهما واخشنهما واجناهما ، فقال : من نرسل اليه؟ فقال عمر : ارسل اليه قنفذاً ، وكان رجلاً فظاً غليظاً جافياً من الطلقاء احد بني تيم ، فأرسله وارسل معه اعواناً فانطلق فأستأذن فأبى عليعليهالسلام ان يأذن له ، فرجع اصحاب قنفذ الى ابي بكر وهما في المسجد والناس حولهما ، فقالوا : لم يأذن لنا ، فقال عمر : هو ان اذن لكم والا فادخلوا عليه بغير اذنه ، فانطلقوا فاستأذنوا فقالت فاطمةعليهاالسلام : احرّج عليكم ان تدخلوا بيتي بغير اذن. فرجعوا فثبت قنفذ ، فقالوا : ان فاطمة قالت كذا وكذا فحرجتنا ان ندخل عليها البيت بغير اذن منها ، فغضب عمر ؛ مالنا وللنساء ، ثم امر اناساً حوله فحملوا حطباً وحمل معهم فجعلوه حول منزله وفيه علي وفاطمة وابناهما ، ثم نادى عمر حتى اسمع علياً والله لتخرجن ولتبايعن خليفة رسول الله او لأضرمن عليك بيتك ناراً ثم رجع فقعد الى ابي بكر وهو يخاف ان يخرج علي بسيفه لما قد عرف عن بأسه وشدته. ثم قال : قنفذ ان خرج والا فاقتحم عليه فان امتنع فاضرم عليهم بيتهم ناراً. فانطلق قنفذ فاقتحم هو واصحابه بغير اذن وبادر علي الى سيفه ليأخذه فسبقوه اليه فتناول بعض
سيوفهم فكثروا عليه فضبطوه والقوا في عنقه حبلاً اسود ، وحالت فاطمةعليهاالسلام بين زوجها وبينهم عند باب البيت فضربها قنفذ بالسوط على عضدها فبقي اثره في عضدها من ذلك الدملج من ضرب قنفذ اياها فأرسل ابو بكر الى قنفذ اضربها. فالجأها الى عضادة باب بيتها فدفعها فكسر ضلعاً من جنبها والقت جنيناً من بطنها ، فلم تزل صاحية في الفراش حتى ماتت من ذلك شهيدة صلوات الله عليها(١) .
وقال في موضع آخر : فلما انتهيا الى الباب فرأتهم فاطمة صلوات الله عليها اغلقت الباب في وجوههم وهي لا تشك ان لا يدخل عليها الا باذنها فضرب عمر الباب برجله فكسره وكان من سعف ثم دخلوا فاخرجوا علياً ملبياً ، فخرجت فاطمة فقالت : يا ابا بكر اتريد ان ترملني من زوجي ـ والله ـ لئن لم تكف عنه لانشرن شعري ولاشقن جيبي ولآتين قبر ابي ولأصيحن الى ربي(٢) .
وقال ايضاً : فلما بلغ عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة فقال : وايم الله ما ذاك بمانعي ان اجتمع هؤلاء النفر عندك ان امر بهم ان يحرق عليهم البيت ، قال : فلما خرج عمر جاؤوها ، فقالت : تعلمون ان عمر قد جاءني وقد حلف بالله لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت وايم الله ليمضين لما حلف عليه(٣) .
وقد وردت في هذا الخصوص اشعار كثيرة ، منها ارجوزة للسيد مهدي القزويني حيث قال :
__________________
(١) عوالم سيدة النساء فاطمة الزهراء / الشيخ عبد الله البحراني الاصفهاني / ص ٥٥٧ و ٥٥٨.
(٢) المصدر السابق / ص ٥٦٠.
(٣) المصدر السابق / ص ٥٦٢ و ٥٦٣.
يا عجبـا يستـأذن الامـيـن |
عليـهـم ويهجـم الـخـؤون |
|
قال سليـمُ قلـت يا سـلمـان |
هل دخلـوا ولم يـك استئـذان |
|
قال بـلـى وعـزة الجـبـار |
ليـس على الزهـراء من خمار |
|
لكـنـهـا لاذت وراء البـاب |
رعـايـة للستـر والحجـاب |
|
ومذ رأوها عصروها عصـرة |
كادت بنفسي ان تموت حسـرة |
|
فأسقطـت بنت الهـدى واحزنا |
جنينهـا ذاك المسمى محسنـا |
|
تصيـح يـا فضـة اسندينـي |
فقد وربـي اسقطـوا جنينـي |
وقول المتغمد بالرحمة السيد باقر الهندي :
كل عـذر وقول افـك وزور |
هو فرع عن جحد نص الغدير |
|
فتبصّرْ تبصر هداك الى الحق |
فليـس الاعمـى به كالبصيـر |
|
ليس تعمى العيون لكنما تعمى |
القلوب التي انطوت في الصدور |
الى ان يصل قوله :
او تدري لم احرقوا البـاب بالنـار |
ارادوا اطفاء ذاك النور؟ |
|
او تدري ما صدر فاطمة ما المسمار |
ما بال ضلعها المكسور؟ |
|
ما سقوط الجنيـن ما حمرة العيـن |
وما بال قرطها المنثور؟ |
|
دخلوا الدار وهي حسرى لمرأى من |
علي ذاك الابي الغيور. |
وقول الشاعر الحاج جواد بدقت الاسدي :
وبكسر ذاك الضلع رضت اضلع |
في طيها سرُّ الاله مصونُ |
|
وكما (علـي ) قـوده بنجـاده |
فله (علي) بالوثاق قريـن |
|
وكما (لفاطـم) رنة من خلفـه |
لبناتها خلف العليـل رنين |
|
وبزجرها بسياط قنفذ وشحـت |
بالطف في زجر لهن متون |
وقول الشاعر الشيخ محسن ابو الحب الكعبي المتوفى سنة ١٣٠٥ هـ:
هزي لنخلتهـا ألتجت فتساقطـت |
رطباً جنياً فهـي منه تـأكـل |
|
ولدى الجدار وعتبة الباب ألتجت |
بنت النبي واسقطت ما تحمـل |
هذا غيض من فيض ما قاله الادباء بخصوص ظلامة الزهراء سلام الله عليها. وهذا هو شأن المخلصين لله تعالى في حفظ رسول اللهصلىاللهعليهوآله في عترته من بعده ، يعظمون شعائر الله تعالى ، ولا سيما فاطمة الزهراءعليهاالسلام ذلك النموذج الامثل للاسرة المسلمة.
خطبة الزهراءعليهاالسلام
الحمد لله على ما انعم والشكر له على ما الهم ، والثناء بما قدم من عموم نعم ابتداها ، وسبوغ الآء أبداها ، وتمام نعم والاها ، جم عن الاحصاء عددها ، ونأى عن الجزاء امدها ، وتفاوت عن الادراك ابدها ، وندبهم لاستردادها بالشكر لاتصالها ، واستحمد الى الخلاءق باجزالها ، ونعي بالندب الى امثالها ، واشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له ، كلمة جعل الاخلاص تأويلها ، وضمن القلوب موصولها ، وانار في التفكر معقولها ، الممتنع من الابصار رؤيته ، ومن الالسن صفته ، ومن الاوهام كيفيته ، ابتدع الاشياء لا من شيء كان قبلها ، وانشأها بلا احتذاء امثلة امتثلها ، كونها بقدرته وذرأها بمشيئته من غير حاجةمنه الى تكوينها ، ولا فائدةله في تصويرها ، الاتثبيتاً لحكمته ، وتنبيهاً على طاعته ، واظهاراً لقدرته ، وتعبداً لبريته ، واعزازاً لدعوته ، ثم جعل الثواب على طاعته ، ووضع العقاب على معصيته ، ذيادة لعباده عن نقمته ، وحياشة لهم الى جنته ، واشهد ان ابي محمداًصلىاللهعليهوآله عبده ورسوله اختاره وانتجبه قبل ان
ارسله ، وسماه قبل ان اجتباه ، واصطفاه قبل ان ابتعثه ، اذ الخلائق بالغيب مكنونة ، وبستر الاهاويل مصونة ، وببنهاية العدم مقرونة ، علما من الله تعالى بمآل الامور ، واحاطة بحوادث الدهور ، ومعرفة بمواقع المقدور ، ابتعثه الله تعالى اتماماً لامره ، وعزيمة على امضاء حكمه ، وانفاذاً لمقادير حتمه ، فرأى الامم فرقاً في اديانها ، عكّفاً على نيرانها ، عابدة لأوثانها ، منكرة لله مع عرفانها ، فأنار الله تعالى بابي محمدصلىاللهعليهوآله ظلمها ، وكشف عن القلوب بُهَمها ، وجلّى عن الابصار غممها ، وقام في الناس بالهداية ، وانقذهم من الغواية ، وبصرهم من العماية ، وهداهم الى الدين القويم ، ودعاهم الى الصراط المستقيم ، ثم قبضه الله اليه قبض رأفة واختبار ، ورغبة وايثار ، فمحمدصلىاللهعليهوآله عن تعب هذه الدار في راحة قد حف بالملائكة الابرار ، ورضوان الرب الغفار ومجاورة الملك الجبار ، صلى الله على ابي نبيه ، وامينه على وحيه وصفيه ، وخيرته من الخلق ورضيه ، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته ( ثم التفتت الى اهل المجلس وقالت : انتم عباد الله نصب امره ونهيه ، وحملة دينه ووحيه ، وامناء الله على انفسكم ، وبلغاؤه الى الامم وزعيم حق له فيكم ، وعهد قدمه اليكم ، وبقية استخلفها عليكم ، كتاب الله الناطق ، والقرآن الصادق ، والنور الساطع ، والضياء اللامع ، بيّنة بصائره ، منكشفة سرائره ، متجلية ظواهره ، مغتبط به اشياعه ، قائد الى الرضوان اتباعه ، مؤد الى النجاة استماعه ، به تنال حجج الله المنورة ، وعزائمه المفسرة ، ومحارمه المحذرة ، وبيّناته الجالية ، وبراهينه الكافية ، وفضائله المندوبة ، ورخصه الموهوبة ، وشرائعه المكتوبة ، فجعل الله الايمان تطهيراً لكم من الشرك ، والصلاة
تنزيها لكم عن الكبر ، والزكاة تزكية للنفس ، ونماء في الرزق ، والصيام تثبيتاً للاخلاص ، والحج تشييد للدين ، والعدل تنسيقاً للقلوب ، وطاعتنا نظاماً للملة ، وامامتنا اماناً من الفرقة ، والجهاد عزاً للاسلام ، وذلا لاهل الكفر والنفاق ، والصبر معونة على استيجاب الاجر ، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر مصلحة للعامة ، وبر الوالدين وقاية من السخط ، وصلة الارحام منسأة في العمر ، والقصاص حقنا للدماء ، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة ، وتوفية المكاييل والموازين تغيير للبخس ، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس ، واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة ، وترك السرقة ايجاباً للعفة ، وحرم الله الشرك اخلاصاً له بالربوبية ( فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون ) واطيعو الله فيما امركم به ونهاكم عنه ( فانما يخشى الله من عباده العلماء ) ثم قالتعليهاالسلام : ايها الناس اعلموا اني فاطمة وابي محمدصلىاللهعليهوآله اقول عودا وبدءا ولا اقول ما اقول غلطا ، ولا أفعل ما افعل شططا ، ( لقد جاءكم رسول الله من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) فان تعزوه وتعرفوه تجدوه ابي دون نسائكم واخا ابن عمي دون رجالكم ، ولنعم المعزيُّ اليه ، فبلّغ الرسالة ، صادعاً بالنذارة ، مائلاً عن مدرجة المشركين ضارباً ثبجهم آخذاً بكظمهم داعياً الى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، يكسر الاصنام ، وينكت الهام حتى انهزم الجمع وولوا الدبر حتى تفرى الليل عن صبحه واسفر الحق عن محضه ، وانطق زعيم الدين ، وخرست شقاشق الشياطين ، وطاح وشيظ النفاق ، وانحلت عقدة الكفر والشقاق ، وفهتم بكلمة الاخلاص في نفر من البيض الخماس وكنتم على شفا حفرة من النار ، مذفة
الشارب ونهزة الطامع وقبسة العجلان وموطئ الاقدام ، تشربون الطرق ، وتقتاتون القد اذلة خاسئين ، تخافون ان يتخطفكم الناس من حولكم فانقذكم الله تبارك وتعالى بأبي محمدصلىاللهعليهوآله بعد اللتيا والتي وبعد ان مني ببُهم الرجال وذؤبان العرب ومردة اهل الكتاب ( كلما اوقدوا ناراً للحرب اطفأها الله ) او نجم قرن للشيطان او فغرت فاغرة من المشركين قذف اخاه في لهواتها ، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها باخمصه ويخمد لهبها بسيفه مكدوداً في ذات الله ، مجتهداً في امر الله قريباً من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، سيداً في اولياء الله مشمرا ناصحاً مجداً كادحاً ، وانتم في بلهنية من العيش ، وادعون فاكهون آمنون ، تتربصون بنا الدوائر وتتوكفون الاخبار الله لنبيهصلىاللهعليهوآله دار انبيائه ومأوي اصفيائه ، ظهرت فيكم حسيكة النفاق ، وسمل جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين ونبغ خامل الاقلين وهدر فنيق المبطلين ، فخطر في عرصاتكم واطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفا بكم ، فألفا كم لدعوته مستجيبين وللغرة فيه ملاحظين ، ثم استنهضكم فوجدكم خفافاً ، واحمشكم فالفاكم غضاباً ، فوسمتم غير ابلكم واوردتم غير شربكم هذا والعهد قريب والكلم رحيب والجرح لما يندمل والرسول لما يقبر ابتداراً زعمتم خوف الفتنة ( الا في الفتنة سقطوا وان جهنم لمحيطة بالكافرين ) فهيهات منكم وكيف بكم واني تؤفكون وهذا كتاب الله بين اظهر كم اموره ظاهرة ، واحكامه زاهرة ، واعلامه باهرة ، وزواجره لائحة ، واوامره واضحة ، قد خلفتموه وراء ظهوركم ، ارغبة عنه تدبرون ، ام بغيره تحكمون (بئس للظالمين بدلاً ،
ومن يتبع غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) ثم لم تلبثوا الا ربما تسكن نفرتها ، ويسلس قيادها ، ثم اخذتم تورون وقدتها ، وتهيجون جمرتها ، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي ، اطفاء نور الدين الجلي ، واهماد سنن النبي الصفي ، تسرون حسوا في ارتغاء وتمشون لاهله وولده في الخَمَر والضراء ونصبر منكم علي مثل حز المدى ووخز السنان في الحشى ، وانتم الآن تزعمون ان لا ارث لي (افحكم الجاهلية يبغون ومن احسن من الله حكماً لقوم يوقنون) اقلا تعلمون؟ بلي قد تجلى لكم كالشمس الضاحية اني ابنته ايها ـ وفي رواية ويها ايها المسلمون أأغلب على ارثي يا ابن ابي قحافة ، أفي كتاب الله ان ترث أباك ولا أرث ابي لقد جئت شيئاً فريا ، افعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم اذ يقول : ( وورث سليمان داود ) وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكرياعليهماالسلام اذ يقول : ( رب هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب ) وقال : ( وأولو الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله ) وقال : ( يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين ). وقال : ( ان ترك خيراً الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقاً على المتقين ) وزعمتم ان لا حظوة لي ولا ارث من ابي ولا رحم بيننا ، افخصكم الله بآية اخرج منها ابيصلىاللهعليهوآله ، ام تقولون اهل ملتين لا يتوارثان ، او لست انا وابي من اهل ملة واحدة ، ام انتم اعلم بخصوص القرآن وعمومه من ابي وابن عمي ، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون ، ولا ينفعكم اذ تندمون ( لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون
من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ) ثم رنت بطرفها نحو الانصار ( فقالت ) : يا معشر الفتية واعضاد الملة وحصنة الاسلام ، ما هذه الغميزة في حقي ، والسنّة عن ظلامتي ، اما كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله ابي يقول : ( المرء يحفظ في ولده ) سرعان ما احدثتم وعجلان ذا إهالة ولكم طاقة بما احاول ، وقوة على ما اطلب وازاول ، اتقولون مات محمد فخطب جليل ، استوسع وهنه واستنهر فتقه وانفتق رتقه واظلمت الارض لغيبته ، واكتأبت خيرة الله لمصيبته ، وكسفت الشمس والقمر وانتثرت النجوم لمصيبته ، وآكدت الآمال وخشعت الجبال ، واضيع الحريم وازيلت الحرمة عند مماته ، فتلك والله النازلة الكبرى والمصيبة العظمى التي لا مثلها نازلة ولا بائقة عاجلة ، اعلن بها كتاب الله جل ثناؤه في افنيتكم في ممساكم ومصبحكم هتافاً وصراخاً وتلاوة والحانا ولقبله ما حلت بانبياء الله ورسله حكم فصل وقضاء حتم ( وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افإن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين ) أيهاً بني قيلة أأهضم تراث ابي وانتم بمرأى مني ومسمع ، ومنتدى ومجمع ، تلبسكم الدعوة وتشملكم الخبرة وانتم ذوو العدد والعدة والأداة والقوة وعندكم السلاح والجنة توافيكم الدعوة فلا تجيبون ، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون وانتم موصوفون بالكفاح ، معروفون بالخير والصلاح ، والنخبة التي انتخبت ، والخيرة التي اختيرت لنا اهل البيت ، قاتلتم العرب ، وتحملتم الكد والتعب ، وناطحتم الامم ، وكافحتم البهم فلا نبرح وتبرحون ، نأمركم فتأتمرون حتى اذا دارت بنا رحى الاسلام ودر حلب الايمان وخضعت نمرة الشرك ، وسكنت
فورة الافك ، وخمدت نيران الكفر ، وهدأت دعوة الهرج واستوسق نظام الدين ، فأنى حرتم بعد البيان ، واسررتم بعد الاعلان ونكصتم بعد الاقدام ، واشركتم بعد الايمان ، بؤساً لقوم نكثوا ايمانهم وهموا باخراج الرسول وهم بدؤوكم اول مرة اتخشونهم فالله احق ان تخشوه ان كنتم مؤمنين ، الا قد ارى ان قد اخلدتم الى الخفض وابعدتم من هو احق بالبسط والقبض ، وركنتم الى الدعة ونجوتم من الضيق بالسعة ، فمججتم ما وعيتم ودسعتم الذي تسوغتم ( فان تكفروا انتم ومن في الارض جميعاً فان الله لغني حميد ). لا وقد قلت ما قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم والغدرة التي استشعرتها قلوبكم ، ولكنها فيضة النفس وبثة الصدر ونفثة الغيظ ، وتقدمة الحجة ، فدونكموها فاحتقبوها دَبِرة الظهر ، نَقِبة الخف ، باقية العار ، موسومة بغضب الله وشنار الابد ، موصولة بنار الله الموقدة ، التي تطلع على الافئدة ، فبعين الله ما تفعلون ، ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد ( فاعملوا انا عاملون وانتظروا انا منتظرون ) فأجابها ابو بكر عبد الله ابن عثمان قال :
يا ابنة رسول الله لقد كان ابوك بالمؤمنين عطوفا كريما رؤوفا رحيما وعلى الكافرين عذاباً اليما وعقاباً عظيما ، فان عزوناه وجدناه اباك دون النساء واخا ألفك دون الاخلاء ، آثره على كل حميم وساعده في كلّ شقي فانتم عترة رسول اللهصلىاللهعليهوآله الطيبون والخيرة المنتجبون ، على الخير ادلتنا والى الجنة مسالكنا ، وانت ياخيرة النساء وابنة خير الانبياء صادقة في قولك سابقة في وفور عقلك غير مردودة عن حقك ولا
مصدودة عن صدقك والله ما عدوت رأي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولا عملت الا باذنه ، وان الرائد لا يكذب اهله فاني اشهد الله وكفى به شهيداً اني سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : نحن معاشر الانبياء لا نورث ذهباً ولا فضة ولا داراً ولا عقار وانما نورث الكتاب والحكمة والعلم والنبوة ، وما لنا من طعمة فلولي الامر بعدنا ان يحكم فيه بحكمه ، وقد جعلنا ما حاولته في الكراع والسلاح يقاتل بها المسلمون ويجاهدون الكفار ويجالدون المردة الفجار ، وذلك باجماع من المسلمين لم اتفرد به وحدي ولم استبد بما كان الرأي فيه عندي ، وهذه حالي ومالي هي لك وبين يديك لا تزوى عنك ولا تدخر دونك وانت سيدة امة ابيك والشجرة الطيبة لبنيك لا يدفع مالك من فضلك ولا يوضع فرعك واصلك وحكمك نافذ فيما ملكت يداي فهل ترين اني اخالف في ذلك اباكصلىاللهعليهوآله ؟ فقالتعليهاالسلام :
سبحان الله ما كان ابي رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن كتاب الله صادفاً ولا لاحكامه مخالفاً ، بل كان يتبع اثره ، ويقتفي سوره ، افتجمعون الى الغدر اعتلالا عليه بالزور ، وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته ، هذا كتاب الله حكماً عدلاً وناطقاً فضلاً يقول ( يرثني ويرث من آل يعقوب ) ويقول : ( وورث سليمان داود ) فبين عز وجل فيما وزع من الاقساط ، وشرع من الفرائض والميراث ، واباح من حظ الذكران والاناث ، ما ازاح علة المبطلين ، وازال التظني والشبهات في الغابرين ، كلا ( بل سولت لكم انفسكم امراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) فقال ابو بكر :
صدق الله وصدق رسوله وصدقت ابنته انت معدن الحكمة وموطن الهدى والرحمة وركن الدين ، لا ابعد صوابك ولا انكر خطابك ، هؤلاء المسلمون بيني وبينك قلدوني ما تقلدت وباتفاق منهم اخذت ما اخذت غير مكابر ولا مستبد ولا مستأثر وهم بذلك شهود فالتفتت فاطمةعليهاالسلام الى الناس وقالت :
معاشر الناس المسرعة الى قيل الباطل المغضية على الفعل القبيح الخاسر ( أفلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها ) كلا بل ران على قلوبكم ما أسأتم من اعمالكم فأخذ بسمعكم وابصاركم لبئس ما تأولتم وساء ما به اشرتم وشر ما منه اعتضتم ، لتجدُن والله محمله ثقيلاً وغيَّه وبيلا اذا كشف لكم الغطاء وبان ما وراء الضراء وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون وخسر هنالك المبطلون ، ثم عطفت على قبر النبيصلىاللهعليهوآله وقالت :
قد كان بعـدك انباء وهنيثـة |
لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب |
|
إنا فقدناك فقد الارض وابلها |
واختل قومك فاشهدهم ولا تغيب |
قال صاحب بلاغات النساء : فما رأينا يوماً كان اكثر باكياً ولا باكية من ذلك اليوم. قال السيد المرتضى والشيخ الطوسي في روايتيهما وغيرهما ، ثم انكفأت وامير المؤمنينعليهالسلام يتوقع رجوعها اليه ويتطلع طلوعها عليه ، فلما استقرت بها الدار قالت لامير المؤمنينعليهالسلام : يابن ابي طالب اشتملت شملة الجنين وقعدت حجرة الظنين ، نقضت قادمة الأجدل فخانك ريش الاعزل ، هذا ابن ابي قحافة يبتزني نحيلة ابي وبلغة ( وبليغة خ ل ) ابني لقد اجهد في خصامي وألفيته الد في كلامي حتى حبستني قيلة
نصرها والمهاجرة وصلها وغضت الجماعة دوني طرفها ، فلا دافع ولا مانع ولا ناصر ولا شافع ، خرجت كاظمة وعدت راغمة اضرعت خدك يوم اضعت جدك ، افترست الذئاب وافترشت التراب ، ما كففت قائلاً ولا اغنيت طائلاً ولا خيار لي ، ليتني مت قبل منيتي ودون ذاتي ، عذيري الله منك عادياً وفيك حامياً ، ويلاي في كل شارق ويلاي في كل غارب مات العمد ووهت العضد ، شكواي الى ابي وعدواي الى ربي اللهم انك اشد قوة وحولاً واحد بأساً وتنكيلاً ( فقال ) لها امير المؤمنينعليهالسلام : لا ويل لك بل الويل لشانئك ، نهنهي عن وجدك يا ابنة الصفوة وبقية النبوة فما وليت عن ديني ولا اخطأت مقدوري فان كنت تريدين البلغة فرزقك مضمون وكفيلك مأمون وما أعد لك افضل مما قطع عنك فاحتسبي الله (فقالت) : حسبي الله وامسكت ).
وهذا اللوم والتأنيب من الزهراء لأمير المؤمنينعليهماالسلام لا ينافي عصمته وعصمتها وعلو مقامها ، فما هو الا مبالغة في انكار المنكر واظهار لما لحقها من شدة الغيظ كما فعل موسىعليهالسلام لما رجع الى قومه غضبان أسفاً والقى الالواح واخذ برأس اخيه وشريكه في الرسالة يجره اليه. وقال ابن قتيبة في الامامة والسياسة قال عمر لابي بكر (رضي) : انطلق بنا الى فاطمة فانا قد اغضبناها ، فانطلقا جميعاً فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما ، فأتيا علياً فكلماه فادخلهما عليها ، فلما قعدا عندها حولت وجهها الى الحائط ، فلما سلما عليها فلم تردعليهماالسلام ، فتكلم ابو بكر فقال : يا حبيبة رسول الله والله ان قرابة رسول الله احب الي من قرابتي ، وانك لاحب الي من عائشة ابنتي لوددت يوم مات ابوك اني مت ولا ابقى
بعدا ، افتراني اعرفك واعرف فصلك وشرفك وامنعك حقك وميراثك من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، الا اني سمعت اباك رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : لا نورث ما تركنا فهو صدقة ، فقالت : ارأيتكما ان حدثتكما حديثاً عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله تعرفانه وتفعلان؟ به قالا : نعم ، فقالت : نشدتكما الله ألم تسمعا رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : رضى فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي فمن احب فاطمة ابنتي فقد احبني ومن ارض فاطمة فقد ارضاني ومن اسخط فاطمة فقد اسخطني ، قالا : نعم سمعناه من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، قالت : فاني اشهد الله وملائكته انكما اسخطتماني وما ارضيتماني ولئن لقيت النبيصلىاللهعليهوآله لاشكونكما اليه ، فقال ابو بكر : انا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ، ثم انتحب يبكي حتى كادت نفسه ان تزهق ، وهي تقول : والله لادعون الله عليك في كل صلاة اصليها ، ثم خرج باكياً (الى ان قال) : فلم يبايع علي حتى ماتت فاطمة ولم تمكث بعد ابيها الا خمساً وسبعين ليلة.
ولما ولي معاوية اقطع فدكاً مروان بن الحكم. فوهبها مروان لولديه عبد الملك وعبد العزيز فلما ولي عمر بن عبد العزيز ردها على ولد علي وفاطمة ، فلما مات اخذها بنو مروان ، فلما ولي المأمون ردها على ولد علي وفاطمة ، فلما ولي المتوكل اخذها منهم. ولله درّ دعبل حيث يقول :
ارى فيـأهم في غيرهـم منقسمـا |
وايديهـم من فيئـهم صفـرات |
ولهذه الخطية شروح مطولة ذكرها شيخنا الشيخ اغا بزرك الطهراني في اجزاء متفرقة من موسعته (الذريعة الى تصانيف الشيعة). لعل من اهمها :
١ ـ شرح الخطبة للمولى الحاج محمد نجف الكرماني المشهدي مسكناً ومدفناً المتوفى سنة ١٢٩٢ هـ.
٢ ـ شرح الخطبة للحاج شيخ فضل علي بن المولى ولي الله القزويني المولود سنة ١٢٩٠ هـ.
٣ ـ لابن عبدون البزاز المعروف بابن الحاشر.
٤ ـ شرح الخطبة للسيد علي محمد تاج العلماء بن السيد محمد سلطان العلماء بن السيد دلدار علي المتوفي في لكنهو سنة ١٣١٢ هـ.
٥ ـ كشف المحجه ـ للسيد عبد الله شبر.
٦ ـ اللمعة البيضاء للحاج ميرزا محمد علي الانصاري.
٧ ـ الدرة البيضاء للسيد محمد تقي السيد اسحاق الرضوي.
مرض الزهراءعليهاالسلام
لقد ازداد حزن الزهراء وألمها بعد وفاة ابيها ، فاذا جنَّ الليل وهدأت الاصوات ، استوحشت لفقدان صوته الحنون ، الذي كان يؤنسها وهو يرتل القرآن ترتيلا. لكنها رأت نفسها ذليلة بعد ان كانت ايام ابيها عزيزة مكرمة ، يسبغ عليها من حنانه وعطفه الشيء الكثير. وظلت تعيش على انات ونحيب قرب بيت الاحزان ، وتطلق صرخاتها من اعماق القلب ، الى ان داهمها المرض العضال الذي انحل جسمها واذاب لحمها ، وغارت عيناها من شدة الحزن ، ولم تزل باكية العين ، فيأتي علىعليهالسلام فيرجعها الى بيتها الذي يذكرها بأيام محمدصلىاللهعليهوآله .
بقيت فاطمةعليهاالسلام طريحة الفراش بين كمد وكرب ، تنشج نشيجاً حزيناً. روي انها رأت في المنام اباها رسول اللهصلىاللهعليهوآله فشكت اليه ما نالها من بعده ، فقال لها : انك قادمة علي عن
قريب(١) كما انها رأت في المنام مرة اخرى كأن ملائكة كثيرة هبطوا من السماء ، واذا بقصور مشيدة وبساتين وانهار خرجت من تلك القصور حواري يضحكن ويقلن : مرحباً بمن خلقت الجنة لها وخلقنا من اجل ابيها ، ثم لم تزل الملائكة تصعد بها حتى ادخلوها داراً فيها قصور كثيرة وفي القصور بيوت لا تعد وفيها من السندس والاستبرق على الاسرة شيء كثير غير اواني الذهب والفضة ، وفيها الوان الطعام ، ورأت انهاراً اشد بياضاً من اللبن واطيب رائحة من المسك فقالت : لمن هذه الدار ، وما هذه الانهار؟ فقيل لها : اما الدار فهي الفردوس الاعلى ليس بعده جنة وهي دار ابيك ومن معه من النبيين ومن احب الله ، وهذا نهر الكوثر الذي وعد الله اباك ان يعطيه اياه.
فقالت : اين ابي ، قالوا لها : الساعة يدخل عليك ، فبينما هي كذلك اذ ظهر لها قصور اعلى من تلك القصور وفرش احسن مما رأته ، واذا اباها جالس على تلك الفرش ومعه جماعة فأخذها وضمها اليه وقبَّل ما بين عينيها ، وقال لها : يا بنية أما ترين ما اعد الله لك وما تقدمين عليه ، ثم اراها قصوراً مشرقات فيها الوان الطرايف والحلي والحلل ، وقال : هذا مسكنك ومسكن زوجك وولديك ومن احبك واحبهما فطيبي نفساً فانك قادمة علي بعد ايام ، فانتبهت فرحة وقصت الرؤيا على امير المؤمنينعليهالسلام (٢) .
__________________
(١) دلائل الامامة / لابن جرير ص ٤٤.
(٢) المصدر / ص ٤٣.
من الواضح الجلي انها الحقت بأبيها كما نص على ذلك الرواة بعد عدة شهور من وفاته وما زالت تقول في ايام المرض : يا حي يا قيوم برحمتك استغيث فأغثني اللهم زحزحني عن النار وادخلني الجنة والحقني بأبي محمد ، فإذا قال لها امير المؤمنين : عافاك الله وأبقاك ، تقول له : يا ابا الحسن ما اسرع اللحاق برسول الله(١) .
__________________
(١) مصباح الانوار / للشيخ هاشم محمد عن ( وفات الصديقة الزهراء ) للسيد عبد الرزاق المقرم / ص ١٠٣.
وفاة الزهراءعليهاالسلام
ودعّت الزهراءعليهاالسلام مجتمعاً شغلته تناقضاته وعيوبه ، فتصدت لهم بخطب غراء لها صداها بين محبيها وخصومها ، تمدهم بالحب والتكريم.
بعد عمر حافل بجلائل الاعمال ، لاقت الزهراء سلام الله عليها حتفها ، بعد ان استودعت الحياة على تراث ضخم كان مثيراً للجدل خلال اقل من ربع قرن من الزمان ، ودفنها الامام عليّعليهالسلام . جاء في كتاب ( المجالس السنية ) ما يلي :
( وذكر جماعة انها لما مرضت دعت ام ايمن واسماء بنت عميس وعلياًعليهالسلام واوصت الى علي بثلاث وصايا (الاولى) : ان يتزوج بأمامة بنت اختها زينب لحبها اولادها وقالت : ان تكون لولدي مثلي ( وفي رواية ) قالت : بنت اختي وتحني على ولدي ، وامامة هذه هي بنت ابي العاص ابن الربيع وهي التي روي : ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يحملها في الصلاة وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم ، فلما توفت الزهراء تزوج امير المؤمنينعليهالسلام امامة كما وصته. (الثانية) : ان يتخذ لها نعشاً وصفته له (وفي رواية) ان اسماء بنت عميس قالت لها : اني اذ كنت بارض الحبشة رأيتهم يصنعون شيئاً فان اعجبك اصنعه لك ، فدعت بسرير فأكبته لوجهه ثم دعت بجرائد فشدتها على قوائمه وجعلت عليه نعشاً ، ثم جللته ثوباً فقالت فاطمةعليهاالسلام : اصنعي لي مثله استريني سترك الله من النار ، (وكان) ذلك اول نعش عمل في الاسلام. (وفي الاستيعاب) : كانت فاطمةعليهاالسلام اول من غطي نعشها من النساء في الاسلام على تلك الصفة ، ثم بعدها زينب بنت جحش (وفي رواية) انها لما رأت صورة النعش تبسمت وما رئيت متبسمة الا ذلك اليوم (قال الصادقعليهالسلام ) : اول من جعل له النعش فاطمةعليهاالسلام . (الثالثة) : ان لا يُشهد احداً جنازتها ممن ظلمها ، وان لا يترك ان يصلي عليها احد منهم وان يغسلها في قميصها ولا يكشفه عنها لانها كانت قد اغتسلت قبل وفاتها بيسير وتنظفت ولبست ثيابها الجدد ، وان تدفن ليلا ويعفى قبرها. (وفي رواية) انها اوصت لأزواج النبيصلىاللهعليهوآله لكل واحدة منهن باثنتي عشرة اوقية ولنساء بني هاشم مثل ذلك ، واوصت لامامة بنت اختها زينب بشيء (وفي رواية) انها تصدقت بمالها على بني هاشم وبني عبد المطلب ، وان علياًعليهالسلام تصدق عليهم وادخل معهم غيرهم ، (فلما) توفيت قام امير المؤمنينعليهالسلام بجميع ما وصته فغسلها في قميصها واعانته على غسلها اسماء بنت عميس وامر الحسن والحسينعليهماالسلام يدخلان الماء ، ولم يحضرها غيره وغير الحسنين وزينب وام كلثوم وفضة جاريتها واسماء بنت عميس ،
وكفّنها في سبعة اثواب ثم صلى عليها وكبر خمساً ودفنها في جوف الليل وعفى قبرها. ولم يحضر دفنها والصلاة عليها الا علي والحسنان ونفر من بني هاشم وخواص عليعليهالسلام (١) . وان علياًعليهالسلام افاض عليها من الماء ثلاثاً وخمساً وجعل في الخامسة شيئاً من الكافور ، وكان يقول : اللهم انها امتك وبنت رسولك وخيرتك من خلقك(٢) .
اما بخصوص مدفن الزهراءعليهاالسلام فهناك روايات عديدة ، لعل اقربها الى الصواب هو الحرم الشريف النبوي في المدينة المنورة. يقول الرحالة السر تشارلز بورتون الذي زار المدينة المنورة في ١٨١٤ بعد وصفه للبقيع :
(ويبدو ان المؤرخين المسلمين يبتهجون بالغموض الذي يكتنف مدفن السيدة فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، فبعضهم يذكر انها دفنت في الحرم الشريف ويستند في ذلك الى الرواية التي تقول انها حينما علمت بدنو اجلها قامت فرحة مستبشرة فغسلت الغسل الكبير ولبست ملابسها النظيفة ، ثم فرشت حصيرة على ارض بيتها الواقع بقرب الرسول ، وتمددت مستقبلة القبلة فوضعت يدها تحت خدها ، وقالت لمن حضر بقربها : لقد تطهرت ولبست ثيابي الطاهرة ، فلا تسمحوا لأحد بأن يكشف عن جسدي بل ادفنوني حيث انا وحينما عاد علي وجد زوجته قد توفيت ، ونفذت رغبتها الاخيرة ، وكان عمر بن عبد العزيز يعتقد بهذه الرواية فألحق الغرفة تلك بالمسجد ، ولذلك فالاعتقاد العام في الاسلام هو ان
__________________
(١) المجالس السنية / محسن الامين / ج٥ / ص ١٢١ ـ ١٢٣.
(٢) بحار الأنوار / للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي / ج ١٨ / ص ٢٦٣.
الزهراء البتول قد دفنت في الحرم ، اما اولئك الذين يعتقدون بأنها مدفونة في البقيع فيستندون الى قول الامام الحسن : ( فإذا لم يسمحوا بدفني عند قبر جدي فادفنوني في البقيع الى جنب امي فاطمة ) وهؤلاء يرون الخير التالي في هذا الشأن(١) .
ويعلق جعفر الخياط فيقول : ونقول تعليقاً على ما جاء في الامامة والسياسة لابن قتيبة : ان الزهراء توفيت وهي غير راضية عن ابي بكر ، ولذلك لم تشأ ان يعلم بموتها هو او غيره لئلا يصلي عليها وهو خليفة للمسلمين ، فدفنت في بيتها الذي ادخل في الحرم بعد ذلك ، فعلى هذا فقد تكون الرواية المنسوبة الى الامام الحسن التي يفهم منها انها مدفونة في البقيع غير صحيحة(٢) .
وتجدر الاشارة الى ان علياًعليهالسلام صلى عليها وقيل العباس ودخل بها في قبرها علي والفضل ، وكانت قد اشارت على عليعليهالسلام ان يدفنها ليلاً.
قال الشيخ كاظم الازري :
ولأي الامـور تـدفـن ليـلا |
بضعة المصطفـى ويعفـى ثـراها |
|
بنت من أم من حليـلـة مـن |
ويـلٌ لمـن سـنّ ظلمهـا واذاهـا |
قال ابو الفرج الاصفهاني في (مقاتل الطالبيين) : كانت وفاة فاطمةعليهاالسلام بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله بمدة يختلف في مبلغها ،
__________________
(١) موسوعة العتبات المقدسة (قسم المدينة المنورة) فصل : المدينة المنورة في المراجع العربية ـ جعفر الخياط / ص ٢٨٣.
(٢) المصدر السابق / ص ٢٨٥.
فالمكثر يقول : ثمانية اشهر والمقلل يقول : اربعين يوماً ، الا ان الثبت في ذلك ما روي عن ابي جعفر محمد بن عليعليهالسلام : انها توفيت بعده بثلاثة اشهر. حدثني بذلك الحسن بن علي ، عن الحارث عن ابن سعد عن الواقدي عن عمرو بن دينار عن ابي جعفر محمد بن عليعليهالسلام (١) وقيل انها توفيت في شهر رمضان سنة عشر من النبوة(٢) ودفنت في المسجد النبوي كما مر بنا آنفاً. وطبيعي انه لم يكن في الامكان القيام بشيء كثير في هذا الباب الا حسب الوصية التي اوصت بها. وبقدر تعلق الامر بالدفن وموضعه ، فالمعلومات المتعلقة بالقضية كانت معروفة ، ولانعدام الدقة في الامور في الغالب فان تقديرها ليس بيسير. والقبر الحقيقي للزهراء يكمن في قول النبيصلىاللهعليهوآله ( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ) لان الدلائل الجمة وافرة على ان قبرها هو قرب قبر والدها. وقد انبرى لرثائها اهل الفضل والادب منذ ذلك الحين حتى يوم الناس هذا.
في الديوان المنسوب الى الامام عليعليهالسلام ، انه انشد بعد وفاة فاطمةعليهاالسلام (٣) .
الا هل الى طـول الحيـاة سبيل |
واني وهذا الموت ليس يحول |
|
واني وان اصبحت بالموت موقناً |
فلي امل من دون ذاك طويل |
|
وللدهر الـوان تروح وتغتـدي |
وان نفوسـاً بينهـن تسيـل |
__________________
(١) مقاتل الطالبيين ـ ابو الفرج الاصفهاني / ص ٤٩.
(٢) طبقات بن سعد ٨ / ١١.
(٣) بحار الانوار / للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي / ج ٤٣ / ص ٢١٦.
ومـنـزل حـق لا معـرج دونـه |
لكـل امـرئ منهـا اليـه سبيـل |
|
قـطعـت بأيـام الـتعـزز ذكـره |
وكل عـزيـز مـا هنـاك ذلـيـل |
|
ارى علـل الـدنيـا علـيّ كثيـرة |
وصاحبهـا حتى الممـات عـليـل |
|
وانـي لمشتـاق الـى مـن احبـه |
فهل لي الى من قـد هويـت سبيـل |
|
واني وان شطـت بـي الدار نازحا |
وقد مـات قبلـي بالفـراق جميـل |
|
فقد قال في الامثال في البين قائـل |
اضربـه يـوم الـفـراق رحيـل |
|
لكل اجتمـاع من خـليليـن فرقـة |
وكل الـذي دون الفـراق قـليـل |
|
وان افتقادي فاطمـاً بعد احـمـد |
دليل علـى ان لا يـدوم خـليـل |
|
وكيف هناك العيش من بعد فقدهم |
لعمـرك شيء مـا اليـه سبيـل |
|
سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي |
ويظهـر بعـدي للخليـل عديـل |
|
وليس خليـلي بالملـول ولا الذي |
اذا غبـت يرضـاه سواي بديـل |
|
اذا انطلقت يوماً من العيـش مدتي |
فـان بكـاء البـاكيـات قـليـل |
|
يريد الفتـى ان لا يمـوت حبيبـه |
وليـس الـى مـا يبتغيـه سبيـل |
|
وليـس جليـلاً رزء مـال وفقـده |
ولكـن رزء الاكـرميـن جـليـل |
|
لذلك جنبـي لا يـؤاتيـه مضجـع |
وفي القلب من حر الفـراق غليـل |
الزهراءعليهاالسلام في رحاب الشعر
فاطمة الزهراءعليهاالسلام
لمفكر باكستان الدكتور محمد اقبال
المجـد يُشـرقُ من ثلاث مطالع |
في مهد فاطمة فما أعلاها! |
|
هي بنت من؟هي زوج من؟هي ام من؟ |
من ذا يداني في الفخار أباها |
|
هي ومضة من نور عين المصطفى |
هادي الشعوب اذا تروم هداها |
|
هو رحمة للعالمين وكعبة الآ |
مال في الدنيا وفي اُخراها |
|
من ايقظ الفطرَ النيام بروحه |
وكأنه بعد البلى احياها |
|
واعاد تاريخ الحياة جديدة |
مثل العرائس في جديد حُلاها |
|
ولزوج فاطمة بسورة «هل اتى» |
تاج يفوق الشمس عند ضحاها |
|
اسد بحصن الله يرمي المشكلا |
ت بصيقل يمحو سطور دجاها |
|
ايوانه كوخ وكنز ثرائه |
سيف غدا بيمينه تيّاها |
|
في روض فاطمة نما غصنان لم |
ينجبهما في النيّرات سواها |
فأمير قافلة الجهاد وقطب دا |
ئرة الوئام والاتحاد ابناها |
|
حَسَنُ الذي صان الجماعة بعدما |
امسى تفرقُها يُحلُ عراها |
|
ترك الخلافة ثم اصبح في الديا |
ر امام اُلفتِها. وحُسن عُلاها |
|
وحُسينُ في الابرار ، والاحرار ، ما |
ازكى شمائله وما انداها |
|
فتعلّموا دين اليقين من الحسـ |
ين اذا الحوادث أضمأت بلظاها |
|
وتعلّموا حرية الايمان من |
صبر الحسين ، وقد اجاب نداها |
|
الامهات يلدن للشمس الضيا |
ء وللجواهرِ حسنها وصفاها |
|
ما سيرة الابناء ، الا الامها |
ت ، فهم اذا بلغوا الرقي صداها |
|
هي اسوة للامهات ، وقدوة |
يترسم القمر المُنيرُ خطاها |
|
لما شكا المحتاجُ خلف رِحابها |
رقت لتلك النفس في شكواها |
|
جادت لتُنقذهُ برهن خمارها |
يا سُحُبُ اين نداك من جدواها |
|
نور تهاب النار قدسّ جلاله |
ومُنى الكواكب ان تنال ضياها |
|
جعلت من الصبر الجميل غذاءها |
ورأت رضا الزوج الكريم رضاها |
|
فمُها يرتل آيّ ربك بينما |
يدها تدير على الشعير رحاها |
|
بلت وسادتها لآليء دمعها |
من طول خشيتها ، ومن تقواها |
|
جبريل نحو العرش يرفع دمعها |
كالطلّ يروي في الجنان رُباها |
|
لولا وقوفي عند امر المصطفى |
وحدود شرعته ، ونحن فداها |
|
لمضيت التطواف حول ضريحها |
وغمرتُ بالقبلات طيب ثراها |
مدائح الزهراء عليها وعلى أبيها أفضل الصلاة والسلام
للسيد عبد اللطيف فضل الله
هتف البيان بمولد الزهراء |
سر الوجود وشمس كل سماء |
|
ومضى على الجوزاء يسحب ذيله |
مترنحاً من نشوة الخيلاء |
|
ورد البحار الهوج يسبر غورها |
ويعب منها قطرة من ماء |
|
فرأى الجلال على تواضع قدسه |
تنحط عنه مدارك العقلاء |
|
شمخ الاديم بفاطم وتطاولت |
غبراؤه فيها على الخضراء |
|
برأ العوالم واصطفاها ربها |
مما اصطفاه بها الامناء |
|
فتجسمت في الارض منه رحمة |
وشفاعة للناس يوم جزاء |
|
صديقة ما كان لولا حيدر |
يلفى لها احد من الاكفاء |
|
عبرت كهينمة النسيم وواجهت |
كدر الحياة واهلها بصفاء |
|
لم يكشف الناس البلاء ولا ارتووا |
الا بطلعة وجهها الوضاء |
|
يا اخت نساك الملائك بالهدى |
وذبالة الانوار من سيناء |
|
يالمحة الفردوس حط بطهرها |
خلد البقاء على صعيد فناء |
|
يا صفحة بيضاء من افكارها |
آب الورى بصحيفة سوداء |
يا غيب سر لو اخذت ببعضه |
طرفاً من الاعجاز والالجاء |
|
لمشيت فيه على الهواء اذا ابتدى |
عيسى يسير نمير الماء |
|
والاك ربك اذ رضعت ولاءه |
وحباك منه ولاية الاشياء |
|
فاذا دعوت فانت في سلطانه |
كالروح حين تهيب بالاعضاء |
|
ان الذي مسخ الامانة وانطلى |
بدماء من ضحى من الشهداء |
|
وطوى عداوة آل بيت محمد |
ناراً ذكت بجوارح البغضاء |
|
فأحالها لله حرباً طوحت |
بابن النبي موزع الاشلاء |
|
ثقلت على الاكوان وطأة رجسه |
فيها فدارت صورة الاعياء |
|
وحدت به للحشر لعنة ربه |
تسرى مع الاصباح والامساء |
|
يا يوم احمد هل لخطبك اذ هوت |
فيه الانام بفتنة عمياء |
|
قلب الوجود واصبحت ابناؤه |
مقلوبة الاحساس والآراء |
|
فاعتاض عن فوق رواسب تحته |
وعن الامام لأهله بوراء |
|
كم في فؤادك فاطم من غصة |
توهي فؤاد الصخرة الصماء |
|
أبهذه الدنيا عزاء قائم |
وبدار ربك في امض عزاء |
|
الصبر ضاق لما صبرت على الاذى |
وسخيت للاعداء أي سخاء |
|
قدمت من حسن ضحية سمهم |
ومن الحسين السبط كبش فداء |
|
ومن الوصي على الرسالة خائضاً |
من حربهم قدماً ببحر دماء |
|
طاروا الى الملك العضوض وغلفوا |
وجه النهار بليلة ظلماء |
|
ولدوا من الداء العضال فلم يكن |
الا زوالهم شفاء الداء |
|
نظروا المودة في الكتاب فلم يروا |
غير السيوف مودة الابناء |
|
من صفوة طاف الهدى بفنائها |
متمسكاً بالكعبة الغراء |
جبلت باسرار السما وتكونت |
مما يساق العرش من لألاء |
|
غراء من صلب النبوة والهدى |
طلعت على الدنيا طلوع ذكاء |
|
هي صوت ناقوس السماء ولا ترى |
في الارض غير تجاوب الاصداء |
|
وفيوض الطاف سحابة صيفها |
وطفاء مغدقة على الاحياء |
|
وسفينة الطوفان ليس بخائب |
من بات مشدوداً لها بولاء |
|
آلاؤها ملء الزمان وبيتها |
في الكائنات اساس كل بناء |
|
وكانما كانت لهيكل كونها |
قلب الحنان به وعين رجاء |
|
حوراء اذ رفع الاله لواءها |
كرماً وضم الخلق تحت لواء |
|
وبُرى مناقبها وقال لغرها |
كوني بلا عد ولا احصاء |
|
قلنا لها سر يصان وجوهر |
فوق الانام وطينهم والماء |
|
وربما ولد التراب بمهده |
من كان في الملكوت رمز علاء |
|
ولدت لطهر محمد فكأنها |
آي الكتاب بمهبط الاحياء |
|
وكأن ما فيها حقيقة ذاته |
غير النبوة افرغت برعاء |
|
فاذا الهدى من كل افق مشرق |
والكون اضواء على اضواء |
|
شرفت فحك العرش منكب عزها |
كرماً وداست منكب الجوزاء |
|
باب بلا ند تراه ولم يجد |
احد يطاولها من الانباء |
|
علوية النفحات من انوارها |
بيت النبوة مشرق الانحاء |
|
حرم يطوف به ويخدم اهله |
الروح الامين منبئ الانباء |
|
نشأت بظل الله لم يعلق بها |
دنس ولا وقعت على الاخطاء |
|
حتى اذا طمس الهدى وتبرمت |
من حمأة طبعت على الاسواء |
|
رفعت اليه دعاءها فكأنما |
ركب البراق بليلة الاسراء |
مدائح الزهراءعليهاالسلام
للسيد محمد جواد فضل الله
في الذرى انت اذ يرف العيد |
مطلع مشرق ولحن فريد |
|
ومعان من طهر ذاتك يستلهم |
من وجهها الجمال القصيد |
|
هي دنياك مشرق للقداسا |
ت تلاشت على ذراه الحدود |
|
مجدك الشمس ينطفي ان تبدت |
كل نجم من حولها ويبيد |
|
النبوات دوحة انت منها |
الق مشرق ونفح ودود |
|
كيف يرقى لشأو عزك مجد |
وبك المجد تاجه معقود |
|
نفحة من مجهر صاغها الله |
مثالا للطهر كيف يريد |
|
وحباها منه الجلال اهابا |
يتدانى عن نعته التمجيد |
|
يا ابنة الطهر يا حكاية تاريخ |
افاضت عنها الحديث العهود |
|
وتلاحى بها الرواة فسار |
بهدى الحق شوطه وحقود |
|
ومن الزيف ان يحرر تاريخ |
غريب عن الهدى وصدود |
|
كيف يسمو الى العقيدة فكر |
لعبت فيه في الصراع الحقود |
|
يتمادى فيمسح الحق بالوهم |
ضلالاً والحق صلد عنيد |
لن يضير الضحى اذا نعق الا |
صباح اعشى الى الدجى مسدود |
|
يا لذل التاريخ ان يجحف الحق |
ظلوم ويستبد مريد |
|
حسب دنيا الزهراء ان اباها |
احمد وهي سره المحمود |
|
حسبها ان تكون كفؤ علي |
وهي لولاه كفؤها مفقود |
|
رفع الله شأنها فتباهت |
باسمها في الجنان حور وغيد |
|
ورثت طهر احمد وهداه |
فهي من روحه امتداد حميد |
|
فلذة منه اودع الله فيها |
كل ما فيه فهي منه وجود |
|
يا ابنة الطهر يا جهاداً مريراً |
خذلته مطامع وقصود |
|
ان حقاً اضيع في غمرة الفتنة |
ما ضاع لو رعته الشهود |
|
حدث كان للسياسة فيه |
دورها لو وعى الامين الرشيد |
|
سل بطون التاريخ عن هزة |
المأساة ينبيك حقها المنشود |
|
فلتات كانت وكان حديث |
موجع يلهب الاسى ويزيد |
|
أي فتح غنمتموه فهذي فد |
ك فاهنأوا بها واستزيدوا |
|
واستدارت ام الحسين وقد |
جف وريق من حلمها منكود |
|
يتلظى صفحة المروءات وامتد |
اصيل على المدى مرصود |
|
سلب الليث فاستبيح عرين |
وانطوى مرتع له معدود |
|
كيف تلقى طليعة الفتح يا ذل |
البطولات كيف تمحى العهود |
|
يأنف الصيد من متاهة درب |
للسرى فيه ضيعة وشرود |
|
عثر الشوط بالكمي فلا الشوط |
حميد ولا السرى محمود |
|
وتلاقت بالمرزحات صروف |
كبرت عتمة بها ورعود |
* * *
يا ابنة الطهر ان يكن وهج المـ |
ـأساة اعياك والنصير قصيد |
|
وأذاب الشباب من عودك الغض |
صراع مر وخطب شديد |
|
فضمير التاريخ حرّ وان لوّ |
ح بالريب شانئ وعنود |
|
باسمك الفذ يهتف الحق في |
الاجيال وليعلق السراب حسود |
|
كيف يخفى الضحى على قمم المجد |
فلن يريك الرؤى ترديد |
|
ان بيتاً حواك عرش من المجد |
رفيع به الهدى مشدود |
|
حرم تعلق الملائك فيه |
فنزول في رحبه وصعود |
مراثي الزهراء عليها وعلى ابيها افضل الصلاة والسلام
للشيخ ملا كاظم الازري ( ره ) من هائيته المشهورة
تركوا عهد احمد في اخيه |
واذاقوا البتول ما اشجاها |
|
وهي العروة التي ليس ينجو |
غير مستعصم بحبل ولاها |
|
لم ير الله للرسالة اجرا |
غير حفظ الزهراء في قرباها |
|
يوم جاءت ياللمصاب اليهم |
ومن الوجد ما اطال بكاها |
|
فدعت واشتكت الى الله شكوى |
والرواسي تهتز من شكواها |
|
فاطمأنت لها القلوب وكادت |
ان تزول الأحقاد ممن حواها |
|
تعظ القوم في اتم خطاب |
حكت المصطفى به وحكاها |
|
ايها القوم راقبوا الله فينا |
نحن من روضة الجليل جناها |
|
نحن من بارئ السماوات سر |
لو كرهنا وجودها ما براها |
|
بل بآثارنا ولطف رضانا |
سطح الارض والسماء بناها |
|
وبأضوائنا التي ليس تخبو |
حوت الشهب ما حوت من سناها |
|
واعلموا اننا مشاعر دين الـ |
ـله فيكم فاكرموا مثواها |
ولنا من خزائن الغيب فيض |
ترد المهتدون منه هداها |
|
ان تروموا الجنان فهي من الـ |
ـله الينا هدية اهداها |
|
هي دار لنا ونحن ذووها |
يرى غير حبيبنا مرآها |
|
وكذاك الجحيم سجن عدانا |
لا حسبهم يوم حشرهم سكناها |
|
ايها الناس أي بنت نبي |
عن مواريثها ابوها زواها |
|
كيف يزوي عني تراثي زاو |
باحاديث من لدنه ادعاها |
|
هذه الكتب فاسألوها تروها |
بالمواريث ناطقاً فحواها |
|
وبمعنى يوصيكم الله امر |
شامل للعباد في قرباها نا |
|
كيف لم يوصنا بذلك مولا |
وتلك من دوننا اوصاها |
|
هل رآنا لا نستحق اهتداء |
واستحقت هي الهدى فهداها |
|
ام تراه اضلنا في البرايا |
بعد علم لكي نصيب خطاها |
|
ما لكم قد منعتمونا حقوقاً |
اوجب الله في الكتاب اداها |
|
قد سلبتم من الخلافة خوداً |
كان منا قناعها ورداها |
|
وسبيتم من الهدى ذات خدر |
عز يوماً على النبي سباها |
|
هذه البردة التي غضب الـ |
ـله على كل من سوانا |
|
فخذوها مقرونة بشنار |
ارتداها غير محمودة لكم عقباها |
|
ولأي الامور تدفن سراً |
بضعة المصطفى ويعفى ثراها |
|
فمضت وهي اعظم الناس وجداً |
في فم الدهر غصة من جواها |
|
وثوت لا يرى لها الناس مثوى |
أي قدس يضمه مثواه |
ووجدت هذه القصيدة بخط الشهيد الاول محمد بن مكي العاملي الجزيني قدس الله روحه ، وهي فريدة في بابها ، ويظهر من آخرها انها
لبعض اشراف مكة المكرمة ، وتوهّم بعضهم انها للجذوعي ناشئ من البيت الذي فيه اسمه مع انه ظاهر في ان الجذوعي منشدها وان منشئها غيره وهي :
ما لعيني قد غاب عنها كراها |
وعراها من عبرة ما عراها |
|
الدار نعمت فيها زمانا |
ثم فارقتها فلا انساها |
|
أم لحي بانوا باقمار ثم |
يتجلى الدجى بضوء مناها |
|
ام لخلود غريرة الطرف تهوا |
ني بصدق الوداد واهواها |
|
ام لصافي المدام من مزة الطعـ |
ـم عقار مشمولة اسقاها |
|
حاش لله لست اطمع نفسي |
آخر العمر في اتباع هواها |
|
بل بكائي لذكر من خصها اللـ |
ـه تعالى بلطفه واجتباها |
|
ختم الله رسله بأبيها |
واصطفاه لوحيه واصطفاها |
|
وحباها بالسيدين الزكييـ |
ـن الامامين منه حين حباها |
|
ولفكري في الصاحبين اللذين اسـ |
ـتحسنا ظلمها وما راعياها |
|
منعا بعلها من العهد والعقـ |
ـد وكان المنيب والأواها |
|
واستبدا بامرة دبراها |
دفن النبي وانتهزاها |
|
وأتت فاطم تطالب بالار |
قبل ث من المصطفى فما ورثاها |
|
ليت شعري لم خولفت سنن القر |
آن فيها والله قد أبداها |
|
رضي الناس اذ تلوها بما لم |
يرض فيها النبي حين تلاها |
|
نسخت آية المواريث منها |
ام هما بعد فرضها بدلاها |
|
ام ترى آية المودة لم تا |
ت بود الزهراء في قرباها |
|
ثم قالا ابوك جاء بهذا |
حجة من عنادهم نصباها |
|
قال للانبياء حكم بان لا |
يورثوا في القدير وانتهراها |
افبنت النبي لم تدر ان كا |
ن نبي الهدى بذلك فاها |
|
بضعة من محمد خالفت ما |
قال حاشا مولاتنا حاشاها |
|
سمعته يقول ذاك وجاءت |
تطلب الارث ضلة وسقاها |
|
هي كانت لله اتقى وكانت |
افضل الخلق عفة ونزاها |
|
او تقول النبي قد خالف القر |
آن ويح الاخبار ممن رواها |
|
سل بإبطال قولهم سورة النمـ |
ـل وسل مريم التي قبل طاها |
|
فهما ينبئان عن ارث يحيى |
وسليمان من اراد انتباها |
|
فدعت واشتكت الى الله من ذا |
ك وفاضت بدمعها مقلتاها |
|
ثم قالت فنحلة لي من وا |
لدي المصطفى فلم ينحلاها |
|
فأقامت بها شهوداً فقالوا |
بعلها شاهد لها وابناها |
|
لم يجيزوا شهادة ابني رسول الـ |
ـله هادي الأنام اذ ناصباها |
|
لم يكن صادقاً علي ولا فا |
طمة عندهم ولا ولداها |
|
كان اتقى لله منهم عتيق |
قبح القائل المحال وشاها |
|
جرعاها من بعد والدها الغيـ |
ـظ مراراً فبئس ما جرعاها |
|
اهل بيت لم يعرفوا سنن الجو |
ر التباساً عليهم واشتباها |
|
ليت شعري ما كان ضرهما الحفـ |
ـظ لعهد النبي لو حفظاها |
|
كان اكرام خاتم الرسل الها |
دي البشير النذير لو اكرماها |
|
ان فعل الجميل لم يأتياه |
وحسان الاخلاق ما اعتمداها |
|
ولو ابتيع ذاك بالثمن الغا |
لي لما ضاع في اتباع هواها |
|
ولكان الجميل ان يقطعاها |
فدكا لا الجميل ان يقطعاها |
|
اترى المسلمين كانوا يلومو |
نهما في العطاء لو اعطياها |
كان تحت الخضراء بنت نبي |
دق ناطق امين سواها |
|
بنت من ام من حليلة من ويـ |
لمن سن ظلمها وآذاها |
|
ذاك ينبيك عن حقود صدور |
عتبرها بالفكر حين تراها |
|
قل لنا ايها المجادل في القو |
عن الناصبين اذ غصباها |
|
اهما ما تعمداها كما قلـ |
بظلم كلا ولا اهتضماها |
|
فلماذا اذ جهزت للقاء الـ |
ـله عند الممات لم يحضراها |
|
شيعت نعشها ملائكة الرحـ |
من رفقاً بها وما شيعاها |
|
كان زهداً في اجرها او عنادا |
بيها النبي لم يتبعاها |
|
ام لأن البتول أوصت بأن لا |
هدا دفنها فما شهداها |
|
ام ابوها اسرّ ذاك اليها |
طاعت بنت النبي اباها |
|
كيف ما شئت قل كفاك فهذي |
ية قد بلغت اقصى مداها |
|
اغضباها واغضبا عند ذاك الـ |
ه رب السماء اذ اغضباها |
|
وكذا اخبر النبي بان الـ |
ه يرضى سبحانه لرضاها |
|
لا نبي الهدى اطيع ولا فا |
ة اكرمت ولا حسناها |
|
وحقوق الوصي ضيع منها |
ما تسامى في فضله وتناهى |
|
تلك كانت حزازة ليس تبرا |
حين ردا عنها وقد خطباها |
|
وغداً يلتقون والله يجزي |
كل نفس بغيها وهداها |
|
فعلى ذلك الاساس بنت صا |
حبة الهودج المشوم بناها |
|
وبذاك اقتدت امية لما |
اظهرت حقدها على مولاها |
|
لعنته بالشام سبعين عاما |
لعن الله كهلها وفتاها |
|
ذكروا مصرع المشايخ في بد |
ر وقد ضمخ الوصي لحاها |
وبأحُد من بعد بدر وقد اتعـ |
ـس فيها معاطساً وجباها |
|
فاستجادت له السيوف بصفيـ |
ـن وجرت يوم الطفوف قناها |
|
تمكنت بالطفوف مدى الدهـ |
ـر لقبلت تربها وثراها |
|
دركت ثارها امية بالنا |
ر غداً في معادها تصلاها |
|
شكر الله انني اتوالى |
عترة المصطفى واشنى عداها |
|
ناطقاً بالصواب لا ارهب الاعـ |
ـداء في حبهم ولا اخش |
|
؟ بها أيها الجذوعي واعلم |
ان انشادك الذي انشاها |
|
قلبك معنى في النوح ليس يضاهي |
وهي تاج للشعر في معناها |
|
قالتها للثواب والله يعطي الأ |
أجر فيها من قالها ورواها |
|
مظهراً فضلهم بعزمة نفس |
بلغت في ودادهم منتهاها |
|
فاستمعها من شاعر علوي |
حسني في فضلها لا يضاهى |
|
سادة الخلق قومه غير شك |
ثم بطحاء مكة مأوها |
للشيخ صالح الكواز الحليرحمهالله يرثي الحسينعليهالسلام ويذكر مصيبة الزهراءعليهاالسلام :
هل بعد موقفنا على يبرين |
احبي بطرف بالدموع ضنين |
|
واذا عاينت بين طلوله |
اجريت عيني للظباء العين |
|
لم تخب نار قطينة حتى ذكت |
نار الفراق بقلبي المحزون |
|
وابتاع جدته الزمان بمخلق |
ورمى حماه بصفقة المغبون |
|
قل الحداة وقد حبست مطيهم |
من بعد ما اطلقت ماء شؤوني |
|
ماذا وقوفك في ملاعب خرد |
جد العفاء بربعها المسكون |
|
هتفوا معي حتى اذا ما استيأسوا |
خلصوا نجياً بعد ما تركوني |
فان يوسف في الديار محكم |
وكأنني بصواعه اتهموني |
|
ويلاه من قوم اساؤوا صحبتي |
من بعد احساني لكل قرين |
|
قد كدت لولا الحلم من جزعي لما |
القاه اصفق بالشمال يميني |
|
لكنما والدهر يعلم انني |
القى حوادثه بحلم رزين |
|
قلبي يقل من الهموم جبالها |
وتسيخ عن حمل الرداء متوني |
|
وانا الذي لا اجزعن لرزية |
لولا رزاياكم بني ياسين |
|
تلك الرزايا الباعثات لمهجتي |
ليس يبعثه لظى سجين |
|
كيف العزاء لها وكل عشية |
ما دمكم بحمرتها السماء تريني |
|
والبرق يذكرني وميض صوارم |
اردتكم في كف كل لعين |
|
والرعد يعرب عن حنين نسائكم |
في كل لحن للشجون مبين |
|
يندبن قوماً ما هتفن بذكرهم |
الا تضعضع كل ليث عرين |
|
السالبين النفس اول ضربة |
والملبسين الموت كل طعين |
|
لو كل طعنة فارس بأكفهم |
لم يخلق المسبار للمطعون |
|
لا عيب فيهم غير قبضهم اللوا |
عند اشتباك السمر قبض ضنين |
|
سلكوا بحاراً من دماء امية |
بظهور خيل لا بطون سفين |
|
ما ساهموا الموت الزؤام ولا اشتكوا |
صباً بيوم بالردى مقرون |
|
حتى اذا التقمتهم حوت القنا |
ن وهي الاماني دون خير امين |
|
نبذتهم الهيجاء فوق تلاعها |
كالنون ينبذ بالعرا ذا النون |
|
فتخال كلا ثم يونس فوقه |
شجر القنا بدلا عن اليقطين |
|
خذ في ثنائهم الجميل مقرضاً |
فالقوم قد جلوا عن التأبين |
|
هم افضل الشهداء والقتلى الاولى |
مدحوا بوحي في الكتاب مبين |
ليت المواكب والوصي زعيمها |
وقفوا كموقفهم على صفين |
|
بالطف كي يروا الاولى فوق القنا |
رفعت مصاحفها اتقاء منون |
|
جعلت رؤوس بني النبي مكانها |
وشفت قديم لواعج وضغون |
|
وتتبعت اشقى ثمود وتبّع |
وبنت على تأسيس كل خؤون |
|
الواثبين لظلم آل محمد |
ومحمد ملقى بلا تكفين |
|
والقائلين لفاطم اذيتنا |
في طول نوح دائم وحنين |
|
والقاطعين أراكة كيلا تقيـ |
ـل بظل اوراق لها وغصون |
|
ومجمعي حطب على البيت الذي |
لم يجتمع لولاه شمل الدين |
|
والداخلين على البتولة بيتها |
والمسقطين لها اعز جنين |
|
ورنت الى القبر الشريف بمقلة |
عبرى وقلب مكمد محزون |
|
قالت واظفار المصاب بقلبها |
غوثاه قلّ على العداة معيني |
|
أي الرزايا اتقي بتجلد |
هو في النوائب مذ حييت قريني |
|
فقدي أبي أم غصب بعلي حقه |
أم كسر ضلعي أم سقوط جنيني |
|
أم اخذهم ارثي وفاضل نحلتي |
ام جهلهم حقي وقد عرفوني |
|
قهروا يتيميك الحسين وصنوه |
ألتهم حقي وقد نهروني |
* * *
قال علي بن عيسى الاربلي في كتاب كشف الغمة في احوال الائمة : انشدني بعض الاصحاب للقاضي ابي بكر بن ابي قريعة :
يا من يسائل دائباً |
عن كل معضلة سخيفة |
|
لا تكشفن مغطئاً |
فلربما كشفت جيفة |
|
ولرب مستور بدا |
لطبل من تحت القطيفة |
ان الجواب لحاضر |
لكنني اخفيه خيفة |
|
لولا اعتداء رعية |
القى سياستها الحيفة |
|
وسيوف اعداء بها |
هاماتنا ابداً نقيفة |
|
لنشرت من اسرار آ |
ل محمد جملا طريفة |
|
وأريتكم ان الحسيـ |
ـن اصيب في يوم السقيفة |
|
ولأي حال ألحدت |
بالليل فاطمة الشريفة |
|
اوه لبنت محمد |
ماتت بغصتها اسيفه |
للسيد محسن الامينرحمهالله :
لي مقلة بدموعها جاري |
شاشة من وجدها حرى |
|
وكأن في الاحشاء نار غضى |
سى الهيام يزيدها سعرا |
|
ما ان صبا قلبي لغانية |
وى البعاد وتألف الهجرا |
|
لكنني ابكي مصيبة من |
صابها قد افنت الصبرا |
|
ابكي لمن كادت مصيبتها |
هي الجبال وتصدع الصخرا |
|
لمصاب سيدة النساء نسا |
ء العالمين البضعة الزهرا |
|
بنت النبي اجل وبضعته الـ |
ـفضلى شبيهة مريم العذرا |
|
والدرة البيضاء من صدف الـ |
ـلعياء فاقت بالسنا الدرا |
|
امست بماء الوحي طينتها |
معجونة وكفى به فخرا |
|
المصطفى جبريل اطعمه |
تفاحة في ليلة الاسرا |
|
فتكونت منها لذاك غدت |
بين الورى انسية حورا |
|
قد اغضب المختار مغضبها |
ويسر احمد من لها سرا |
لم يُرع فيها احمد عجبا |
حتى قضت مكروبة حسرى |
|
ولأي حال في الدجى دفنت |
ولأي حال ألحدت سرا |
|
دفنت ولم يحضر جنازتها |
احد ولا عرفوا لها قبرا |
|
ما كان في تشييع فاطمة |
اجر فيغنم مسلم اجرا |
|
افهل سواها كان بنت نبـ |
ـي في الورى تحت السما الخضرا |
|
ام مثلها بين النسا احد |
في كل من يمشي على الغبرا |
|
لم يحل من بعد النبي لها |
عيش واصبح عيشها مرا |
|
ماتت بغصتها ما ضحكت |
من بعده حتى مضت عبرى |
|
من ارثها منعت ومن فدك |
ظلماً فيا للمحنة الكبرى |
|
وشهادة الحسنين اذ شهدا |
وأبيهما مردودة جهرا |
|
كانوا باحكام النبي هم |
من آل بيت محمد أدرى |
|
جهل الوصي ترى بما علموا |
حاشا له بالجهل هم احرى |
|
والمصطفى بالعلم خصصه |
في الناس لا زيداً ولا عمرا |
|
والذكر بالميراث جاء وفي |
بفصيله آياته تترى |
|
لي ارث يحيى من أبيه وفي |
ارث ابن داود لنا ذكرى |
|
خبر به راويه منفرد |
تركوا به الآيات والذكرا |
|
حكم بها قد خص محكمة |
فبعلمه لمَ لم تحط خبرا |
|
ولغيرها المختار افهمه |
عجبا واسدل دونها سترا |
|
امر النبي بذاك بضعته |
فعصت له مع علمها امرا |
|
حاشا لسيدة النساء ومن |
من ربها قد نالت الطهرا |
|
يا بنت من رب السما شرفاً |
للمسجد الاقصى به اسرى |
وحليلة الكرار من قتل الـ |
أبطال في أحُد وما فرّا |
|
من ترهب الارضون سطوته |
فتهم بالزلزال ان كرا |
|
من كان في بدر وفي احد |
وسواهما بفعاله بدرا |
|
كوني الشفيعة للذي عظمت |
منه الذنوب فانفضت طهرا |
|
ولطالما انشأ بمدحكم |
مدحا سمت وقصائدا غرا |
|
تسري مسير الشمس ما تركت |
في سيرها براً ولا بحرا |
|
ورثاؤه وبكاؤه لكم |
انسى خناس وندبها صخرا |
|
في ذكر مدحكم وفضلكم السا |
مي اطال النظم والنثرا |
|
يا آل بيت محمد بكم |
انجو غداً في النشأة الاخرى |
|
اني اتخذت ولاكم وزرا |
في محشري امحوا به الوزرا |
|
حسبي بكم ذخراً اذا اتخذاك |
اقوام غيركم لهم ذخرا |
|
لم يسأل المختار امته |
الا مودتكم له اجرا |
* * *
للسيد محمد حسين بن السيد كاظم النجفي المعروف بالكيشوان
مالك لا العين تصوب ادمعا |
منك ولا القلب يذوب جزعا |
|
فأي قلب قد اتاه نبأ الز |
هرا فما ذاب ولا تصدعا |
|
دروا بأن فاطما بضعته |
فما رعوا حرمتها فيمن رعى |
|
اودع فيهم ثقلين فأبوا |
ان يحفظوا لأحمد ما استودعا |
|
وجمعوا النار ليحرقوا بها الـ |
ـبيت الذي به الهدى تجمعا |
|
بيت علا سما الضراح رفعة |
فكان اعلى شرفاً وارفعا |
|
اعزه الله فما تهبط في |
كعبته الاملاك الا خضعا |
وكان مأوى المرتجي والملتجي |
فما اعز شأنه وأمنعا |
|
فعاد بعد المصطفى مهتوكة |
حرمته وفيأه موزعا |
|
واخرجوا منه علياً بعد ما |
ابيح منه حقه وانتزعا |
|
قادوه قهراً بنجاد سيفه |
فكيف وهو الصعب يمشي طيّعا |
|
ما نقموا منه سوى ان له |
الاسلام والقربى معا |
|
واقبلت فاطم تعدو خلفه |
سابقة والعين منها تستهل ادمعا |
|
فانعطفت تدعو اباها بحشى |
تساقطت مع الدموع قطعا |
|
يا ابتا هذا علي اعرضوا |
عنه ضلالا وسواه تبعا |
|
امسى تراثي فيهم مغتصبا |
مني وحقي بينهم مضيعا |
* * *
وانكفأت الى علي بعدما |
تجرعت بالغيظ سما منقعا |
|
احجمت والذئاب عدوا وثبت |
فاقتحمت منك العرين المسبعا |
|
وكيف اضرعت على الذل لهم |
خدك وهو للعدى ما ضرعا |
|
عز عليك ان ترى تسومني |
من بعد عزي قيلة ان اخضعا |
|
تهضمتني بالاذى ولم اجد |
مأوى اليه ألتجي ومفزعا |
|
ألفيتها معرضة عني وما |
ابقت بقوس الصبر مني منزعا |
|
فقال يا بنت النبي احتسبي |
حقك في الله وخلي الجزعا |
|
واجملي صبراً فما ونيت عن |
ديني ولا اخطأ سهمي موقعا |
|
فاسترجعت كاظمة لغيطها |
مبدية حينها المرجعا |
|
حتى قضت من كمد وقلبها |
كاد بفرط الحزن ان ينصدعا |
|
قضت على رغم العلى مقهورة |
ما طمعت اعينها ان تهجعا |
|
قضت وما بين الضلوع زفرة |
من الشجى غليلها لن ينقعا |
رثاء البضعة الطاهرةعليهاالسلام
للشيخ محمد علي اليعقوبي
ترك الصبا لك والصبابة |
صبٌ كفاه ما اصابه |
|
أنسته ايام المشيب |
هوى به افنى شبابه |
|
او بعد ما ذهب الشباب |
مودعاً يرجو ايابه |
|
وسرى به حادي الليالي |
للردى يحدو ركابه |
|
هيهات دأبك في الهوى |
لم يحك بعد اليوم دابه |
|
ليس الخلي كمن غدا |
رهن الجوى حلف الكآبة |
|
ما شاب لكن الحوادث |
قد رمته بما اشابه |
|
اسوان مما نابه |
والوجد انشب فيه نابه |
|
لم يدعه لبني الهدى |
داعي الاسى الا اجابه |
|
لا جاز بالشام النسيم |
ولا همت فيها سحابة |
|
سنوا بها سب الوصي |
لدى الفرائض والخطابة |
|
سدوا على الآل القضاء |
وضيقوا فيهم رحابه |
حتى قضوا والماء حولهم |
وما ذاقوا شرابه |
|
بالطف بين مصفدٍ |
ومجرد سلبوا ثيابه |
|
ضربوهم بمهندٍ |
شحذ الألحا لهم ذبابه |
|
ولقد يعز على رسول الله |
ما جنت الصحابة |
|
قد مات فانقلبوا على |
الاعقاب لم يخشوا عقابه |
|
منعوا البتولة ان تنوح |
عليه او تبكي مصابه |
|
نعش النبي امامهم |
ووراءهم نبذوا كتابه |
|
لم يحفظوا للمرتضى |
رحم النبوة والقرابة |
|
لو لم يكن خير الورى |
بعد النبي لما استنابه |
|
قد اطفأوا نور الهدى |
مذ اضرموا بالنار بابه |
|
اسد الاله فكيف قد |
ولجت ذئاب القوم غابه |
|
وعدوا على بنت الهدى |
ضربا بحضرته المهابة |
|
في أي حكم قد اباحوا |
ارث فاطم واغتصابه |
|
بيت النبوة بينها |
شادت يد الباري قبابه |
|
اذن الاله برفعه |
والقوم قد هتكوا حجابه |
|
بأبي وديعة احمد |
جرعاً سقاها الظلم صابه |
|
عاشت معصبة الجبين |
تئن من تلك (العصابه) |
|
حتى قضت وعيونها |
عبرى ومهجتها مذابه |
|
وامضى خطب في حشا |
الاسلام قد اورى التهابه |
|
بالليل واراها الوصي |
وقبرها عفى شرابه |
* * *
وله في رثائها وفيها يندب الامام المهدي (عج) :
الى مَ لواؤك لا ينشر |
وحتى مَ سيفك لا يشهر؟ |
|
فكم اكبدٍ لك من شوقها |
تحن وكم اعين تسهر؟ |
|
اتعضي واسياف اعدائكم |
الى اليوم من دمكم تقطر؟ |
|
اتنسى القتيل بمحرابه |
له الروح يبكي ويستعبر؟ |
|
وسبطين بالسم هذا قضى |
وذاك على ظمأ ينحر |
|
واكبر خطب دهاكم لديه |
تهون الخطوب وتستصغر |
|
مصاب الرسول وهتك البتول |
وما لقي المرتضى حيدر |
|
يعز على احمد لو درى |
لمن قدموا ولمن اخروا |
|
ولا بدع ان هجروا آله |
فقد زعموا انه (يهجر) |
|
فيا فئة ضاع معروفها |
وقد ذاع ما بينها المنكر |
|
قد اعتسفت في دياجي الضلال |
ومن حولها القمر الازهر |
|
أالله من بعد يوم الغدير |
حقوق ابي حسن تغدر |
|
يراهم على منبر المصطفى |
وما قام الا به المنبر |
|
وتغدو الخلافة بالاجتماع |
ونص الاله بها ينكر |
|
واي اجتماع لهم ان تكن |
به عترة الوحي لا تحضر |
|
واضحى الوصي ونفس النبي |
بها ليس ينهي ولا يأمر |
|
لقد اضمروا غدرهم في الصدور |
فلما مضى المصطفى اظهروا |
|
فيا لوعة لم تزل في القلوب |
الى الحشر نيرانها تسعر |
|
امن رفع الله شأناً لها |
من العدل اضلاعها تكسر |
|
تخان وديعة طه الامين |
لديهم وذمته تخفر |
ويمنعها القوم حتى البكاء |
عليه وعن ارثه تنهر |
|
ويبتز في فدك حقها |
بما اختلفوا وبما زوروا |
|
زووا ارثها اذ رووا فافتروا |
حديثاً عن الطهر لا يؤثر |
|
قضت وهي غضى على المسلمين |
فماذا يلاقون ان يحشروا |
|
ايظلمها منهم معشر |
ويقعد عن نصرها معشر |
|
لها في غدٍ معهم موقف |
به الخصم والدها الاطهر |
|
احامي الحمى كيف ذل الحمى |
فأضحت به فاطم تذعر |
|
ويا داحي الباب هلا غضبت |
لباب غدت خلفه تعصر |
|
تضام ابنة المصطفى جهرة |
وسراً بجنح الدحى تقبر |
|
واقسم لولا وصايا الرسول |
اضاق بها الورد والمصدر |
* * *
للشيخ حسين البيضاني :
يا من اسرَّ على القطيعة |
مالي لوصلك من ذريعه |
|
لا تهجرن اليفك الداني |
عسى تهوى رجوعه |
|
ولعله يعلو عليك |
وانت في الرتب الوضيعه |
|
فالهجر بعد الوصل لا |
عن موجب حاذر وقوعه |
|
فاسمع له وأطل عليه |
بطلعة البدر البديعه |
|
فلقد اذاب فؤاده |
فرط الاسى وجنى ضلوعه |
|
ما ذنب من بشبابه |
ما حاد عن سنن الشريعة |
|
يا راحلاً بحشاشتي |
ففراقها لن استطيعه |
|
آثرت قتلي عامدا |
وأبيت الا بالقطيعه |
احكم عليّ بما ترى |
يا من عليّ بأن اطيعه |
|
ما دمت في قيد الحياة |
وخير عمرك في ربيعه |
|
والعقل ميزان الكلام |
فلا تغرنك الخديعه |
|
والعين ناظور بها |
الانسان يكتنف الطبيعه |
|
والنفس تطمح ما هوت |
هيهات امرك ان تطيعه |
|
ولربما خفقت بصاحبها |
المفوق كي تبيعه |
|
والمرء يخفي امره |
والدهر لم يستر صنيعه |
* * *
لا تسألن عن الالى |
فلربما تبدو الفظيعه |
|
ما بايعتهم امة الهادي |
كما قالوا مطيعه |
|
يا قاتل الله التي |
خفت لدعوتهم سريعه |
|
وتثاقلت عمن له |
الامر الذي رفضت رجوعه |
|
يا اروعاً يوم الوغى |
ثقل الكتائب لن يريعه |
|
لو لا التقية مذهبي |
والدين يلزم ان اطيعه |
|
والنفس تهوى هجرهم |
والعقل لا يهوى القطيعه |
|
لا من جلالة قدرهم |
لكن لأمرٍ لن اذيعه |
* * *
تدري أذية فاطم |
من بعد والدها فجيعه |
|
الغوا وصيته وما |
قد قاله فيها جميعه |
|
يا ليت شاهدها وقد |
ضاقت بعينيها الوسيعه |
|
والغيث يقصر عن بلوغ |
دموع عينيها الهموعه |
مهما يكن من نابها |
قد نابه وحنى ضلوعه |
|
حتى اذا ماتت وما |
ماتت مكارمها الرفيعه |
|
فليندب المجد الاثيل الطهر |
فـاطمـة الشفيـعـه |
|
وليبكها وجه الصباح |
بادمع تخفي طلوعه |
|
والبدر في افق السما |
لا تقبل العليا هجوعه |
|
آه على بنت الهدى |
ماتت على اثر الوقيعه |
|
لم تبلغ العشرين عاماً |
قد قضت غضبى مروعه |
|
ما شيعت ليلاً وعفى |
قبرها وهي الوديعه |
* * *
يا ربّة الخدر التي |
هي في الجلالة في الطليعه |
|
سيري على نهج البتول |
الطهر فاطمة الشفيعه |
|
ما غيرت حكم الاله |
ولا عدت سنن الشريعه |
|
لم يهمل التاريخ من ايامها |
العـز التليـعـه |
|
حتى من الاعمـى وذا |
جلبـانها تخشى وقوعه |
* * *
ليس الحضارة في الخلاعة |
والتقـاليـد الـوضيعـه |
|
ما فـي التبرج فـاطمي |
الا التـوحـش والفظيعـه |
|
مـا بـال بعـض المسلمين |
نسـاؤهـم فيـه ولـوعـه |
* * *
يا بنت خير الناس
شعر سالم محمد علي
الدمع قرّحَ مقلتي |
والليل اثقل وحشتي |
|
أواه لأعقد النجوم |
تشع تطرب عتمتي |
|
لا شيء غير البوم |
والغربان تأكل ضحكتي |
|
لا شيء مزقني الخريف |
سئمت ماتت وردتي |
|
لا شيء مات العشب |
مات الحقل جفت ترعتي |
|
لا شيء ماتت نغمة |
القيثار ضاعت غنوتي |
|
لا شيء غير الدمع |
غير الريح تطفئ شمعتي |
|
لا ورد لا شدو الطيور |
فمن سيؤنس وحدتي |
|
قد تهت طوقني الظلام |
لأ صيح ماتت صيحتي |
|
وأضعت قافلتي ودربي |
اين مني صحبتي؟ |
|
يا بنت خير الناس |
يا نبراس درب عقيدتي |
|
انا من لهاث الحزن |
من خلجان ادمع امتي |
انا من خيوط الليل |
من قلبي وحرقة آهتي |
|
لملمت قافيتي الحزينة |
كي اصوغ قصيدتي |
|
ارثيك والا لم الدفين |
يحز برعم مهجتي |
|
ذكراك واهاً كم تعذبني |
وتوجع حرقتي |
|
أواه تؤلمني تهد القلب |
توحش عتمـتـي |
|
دنيا من الآلام ذكراك |
وتلك فجيـعتـي |
* * *
يا وقفة لك قوّضت |
اركان كل الطغمة |
|
يا وقفة لك تصرخين |
بهم كصرخة لبوة |
|
انا بنت (احمد) يا رعاع |
ولا ابيع عقيدتي |
|
فالدين لا الدنيا |
طريق النور تلك شريعتي |
|
قد تاه زورقكم |
غرقتم في بحار الظلمة |
|
فغدا جموع الكفر |
احمل للإله فجيعتي |
هي البضعة الزهراءعليهاالسلام
للسيد حسن مهدي الحسيني
نشوة العيد من نشيد الهزار |
ايقظت في الربى شذا الازهار |
|
واستفاض الوجود بشرا بذكرى |
فاطم الطهر بضعة المختار |
|
حازها تحفة من الله في المعراج |
بعد الصيام والاذكار |
|
فاطماً لفها القداسة لف الضوء |
للشمس والشذا للبهار |
|
يا لها نجمة علت في لقاها |
الشمس متن البراق لا الأمهار |
|
بزغت تكسب الوجود جمالا |
وخلوداً ينّم عن اكبـار |
|
اطلقت طائر الضياء فسالت |
في الفيافي الرمال بالانوار |
|
وبكى الفجر في الورود دموعا |
شكرتها بنفحها المـوّار |
|
نشرت في فضا الخلود جناحا |
ليس تطويه صولة الاقدار |
|
حملت صيتها الاثير فضاءت |
في جنون الاسحار في الاقطار |
|
ومشت خلفها الطبيعة فناً |
ارهفت حسها على الاسرار |
|
ملكت في الخلود عرشاً تخال الدهر |
لمحا من صرحها النوار |
يا جزاء الصلواة يا كوثر القرآن |
يا من حويت كلَّ فخار |
|
انت رمز العلى فدتك السجايا |
يا ضمير العصور فخر نزار |
* * *
هي روح الوجود والجوهر الفرد |
الذي شع في الخيال الساري |
|
جل عقل الفعال فينا مطلاً |
من خلال الخيال في الافكار |
|
رفرفت ـ كالمنى ـ يثير جلالا |
من جبين الشعاع لا الأوكار |
|
طبق الكون في ثوان بهاء |
رش فيه نيازك الاسحار |
|
خلقت روعة تهز الروابي |
بين وحي الاشجار والاطيار |
|
وكأن الاقاح مياسة الاعطاف |
تصغي للبلبل الهدار |
|
وكأن الصداح جاء بشيرا |
للسما للهضاب للاشجار |
|
هذه فاطم اطلت على الاكوان |
تزري بطلعة الاقمار |
|
هي ارقى من الطبيعة كالارواح |
ماراقها بريق النضار |
|
لم تزين بالعقد جيداً وبالخاتم |
كفاً ومعصماً بالسوار |
|
تبذل الرزق للفقير وتطوي الليل |
نسكا والصوم طول النهار |
|
تنثر البتر من المساكين كف |
خلتها لا تطيق قبض النضار |
|
هي كف لم تمسك البتر |
يوماً فتراها عدوّة الدينار |
|
اغنت المعدمين بسطاً ولكن |
ليس في بيتها متاع الدار |
|
مالها في مباهج الكون ميلٌ |
وبها المكرمات خير شعار |
|
لا تقسها بربة الخف يكفيها |
هتاف الكتاب يوم الفخار |
* * *
ربة الوحي زوج حيدرة الكرار |
أم الائـمة الاطهـار |
فاطم الطهر بسمة الدهر وهج البدر |
سر الكتاب طيب النجار |
|
قصر العقل عن علاها وتاه |
الفكر فيها وعاد كالمحتار |
|
هامها المجد لا يهز قناة |
لا ولا سل صارم بتار |
|
في سكون يفوق جهر ابن عمران |
وصبراً اعز من ذي الفقار |
|
احدقتها ذوائب المجد كالازهار |
مهما تحاط بالانوار |
|
ان تكن حفها بدور تمام |
هاله الشمس موكب الانوار |
ام الـهـداة الـغـر
صالح هادي الخفاجي
سراب المنى عند العشيق المكابد |
مناهل ورد صافيات الموارد |
|
ونار الاذايا والنوائب في الهوى |
لديه اشتياقاً برد عشق الخرائد |
|
ويحسب ليل الهم من فرط حبه |
عليها هموم كالجبال الرواكد |
|
فلهفي له مما يعانيه في الهوى |
فقد ضاق ذرعاً من لقاء الشدائد |
|
يحمل منه النفس مالا تطيقه |
لعمري وما يوهي صلاب الجلامد |
* * *
الا ايها الصب المعنّى ترفقاً |
بنفسك لا تقذف بها في المجاهد |
|
ولا تبذلن العمر فالعمر قيم |
بعشق الغواني او بوصف المعاهد |
|
فهل فاز مشتاق بوصل حبيبه |
وأي حبيب قد وفى بالمواعد؟ |
* * *
ولكن اذا ما كنت تصبو لمعشق |
طهور به تجني ثمار المآرب |
|
فلا تعشقن الا النبي وآله |
خيار الورى بل خير آت وذاهب |
وكل صحب خائب في موامه |
سوى من تولى حبهم غير خائب |
|
هُم حجج الرحمان في الخلق طالما |
بهم كشفت عنهم صروف النوائب |
* * *
بنفسي افدي منهم خيرة النسا |
وترب العلى والمجد ذات المناقب |
|
هي البضعة الزهراء بنت محمد |
وأم الهداة الغرّ من آل غالب |
|
ربيبة عزٍ لا ينال ارتفاعه |
وربة فضل فات عن كل طالب |
|
زكت وزكى اليوم الذي ولدت به |
وشع سناها الطلق في كل جانب |
|
وعمَّ بقاع الارض صحر ولادها |
وعطر منها الشرق بعد المغارب |
* * *
وقد جلل الدنيا بكل نضارة |
وكل جمال فائق الحسن ساحر |
|
واصفى على الآفاق ابهاج سعده |
فها هي للرائين ملؤ الناظرين |
|
تلألأ في اكنافها صور المنى |
وتبدو عليها رائعات المناظر |
|
فتتسحر عين المجتلين بهاؤها |
كما يسحر العشاق حسن الجآذر |
|
وفي الروض ما بين المروج تراقصت |
طيور الهنا تزجى قصيد البشائر |
|
وتسكب لحن الاغنيات سواحراً |
وعطرت الدنيا ثغور الازاهر |
|
وما هاجها الا الذي قد اهاجني |
وهيم في دنيا الهوى كل شاعر |
|
ولم يستثر منا العواطف معشق |
كذوب ولا غنج الظباء النوافر |
|
ولكنه قد هزنا واستهامنا |
ولاد البتول الطهر ذات المآثر |
|
وما ولدت الا وكان لها الهدى |
قريناً ولم تألف لغير المفاخر |
|
وما كان غير المكرمات رضاعها |
ولم تنتسب الا لازكى العناصر |
|
ولا درجت الا ببيت رسالة |
كريم سما فوق النجوم الزواهر |
|
يجللها ستر الجلالة والتقى |
وقد نشأت بين الحجور الطواهر |
ذكـرى ميـلاد فـاطمـة الزهـراءعليهاالسلام
للسيد مرتضى القزويني
قم واسقنا من كؤوس الراح احلاها |
فرّونا برحيق من حمياها |
|
وانشد لنا من اغاني الحب اعذبها |
وغننا من نغام البشر اشجاها |
|
وجد بخمر ولحن للهوى بهما |
تلذ للصحب اسماعاً وافواها |
|
دعنا نبيت نشاوى اذ يحللنا |
ستر من الله يمحو ما اقترفناها |
|
نحيي بها ليلة قمراء زاهرة |
طوبى لمن بالهدى والحب أحياها |
|
ما اسعد العيش فيها بل وارغده |
ما اجمل الطقس فيها ما احيلاها |
|
ليل به ضاءت الدنيا بسيدة |
لم يخلق الله هذا الخلق لولاها |
|
هي البتول وما احلى اسمها لفمي |
هي الزكية بنت المصطفى طه |
* * *
ام القرى ازدهرت والبرق جللها |
حتى احاط باقصاها وادناها |
|
من درة سطعت قد طاب مغرسها |
وغرة لمعت قد جل معنـاها |
|
وزهرة اينعت فاحت روائحها |
وزهرة طلعت فاقت بأضواها |
وومضة تخطف الابصار لمعتها |
وآية حيّر الالباب مغزاها |
|
فسورة (الكوثر) اختصت بها شرفاً |
وحسبها سورة تسمو بعلياها |
* * *
أم الامامة لا أمُ تساجلها |
فضلاً ولا أحدُ في المجد ضاهاها |
|
بنت الرسالة لا بنت تماثلها |
نبلاً ولا كائن في العز جاراها |
|
من اذهب الرجس عنها الله |
جل ومن بها ملائكة الرحمان قد باها |
|
ان اقبل الصبح صامت عن لذائذها |
اوعسعس الليل قامت في مصلّاها |
|
اذا اقامت صلاة باسم بارئها |
اوحى الى ملك امرا فناداها |
|
يا بنت احمد ان الله طهرك |
ثم اصطفاك علّاً اعظم بذا جاها |
* * *
أنّى لمثلي ان يحصى مآثرها |
وكيف لي شرح نبذ من سجاياها |
|
وكيف اسطيع ان اطري مكارمها |
أو ان احيط بشطر من مزاياها |
|
أو ان اعدد شيئاً من مناقبها |
او ان اردد في شدقي ذكراها |
|
فالله شرفها والله فضلها |
والله صلى عليها ثم اطراها |
|
والله اكرمها والله عظمها |
والله طهرها والله زكاها |
|
والله زوجها والله اصدقها |
وخطبة العقد فوق العرش القاها |
* * *
يا بنت اشرف خلق الله كلهم |
وسيد الرسل عقلي فيك قد تاها |
|
يا بضعة المصطفى قد حرت فيك وفي |
ما قاله المصطفى فيك وما فاها |
|
اعطاك رب العلا جاهاً ومنزلة |
ما جاوزتك ولا للغير اعطاها |
|
آتاك من فضله في الحشر مرتبة |
ما للائمة او للرسل آتاها |
يا ربة الوحي نفسي فيك جائشة |
بحبها فاشفعيها يوم بلواها |
|
وانقذيها من الاهوال سيدتي |
لتسعديها بدنياها وعقباها |
|
هذي صحيفة حبّي فيك ناصعة |
مبيضة فاشهدي لي يوم اوتاها |
|
فارشديني الى ما كنت اطلبه |
وابلغيني من الغايات قصواها |
زهـراءعليهاالسلام مـن نـورهـا
للعلامة الحجة السيد محمد جمال الهاشمي
شعت فلا الشمس تحكيها ولا القمر |
زهراء من نورها الاكوان تزدهر |
|
بنت الخلود بها الاجيال خاشعـة |
ام الزمـان اليها تنتمي العُصُـر |
|
روح الحياة فلولا لطف عنصرها |
لم تأتلف بيننا الارواح والصـور |
|
سمت عن الافق لا روح ولا ملك |
وفاقت الارض لا جن ولا بشـر |
|
مجهولة من جـلال الله طينتهـا |
يرق لطفاً عليها الصون والخضر |
|
خصالها العـز جلّت ان تلوك بها |
هذا المقاول او تدنو لهـا الفكـر |
|
معنى النبوة سر الوحي قد نزلـت |
في بيت عصمتهـا الآيات والسور |
|
حوت خلال رسول الله اجمعهـا |
لولا الرسالة ساوى اصله الثمـر |
|
تدرجت في مراقي الحق عارجة |
لمشرق النور حين السرّ مستتـر |
|
ثم انثـنت تملأ الدنيا معارفهـا |
تطوي القرون عياءً وهي تنتـشر |
بنـت الرسـول
صدر الدين الحكيم الشهرستاني
برزت ترنح عطفها بدلال |
وسط الخميلة منية الآمال |
|
تركت حبيباً لا يطيق تصبراً |
اذ ظل عند ملامة العذال |
|
كسرت بكسر لحاظها قلبي وقد |
صار الفؤاد وراءها بسؤالي |
|
لم ذا الجفاء وما حدا بك فاخبري |
قلبي ، فهلا تعطفين بحالي؟ |
|
اذ شرفت دنيا الورى صديقة |
ولدت مع الاكرام والاجلال |
|
بنت الرسول ونبع اشرف امة |
جلت وما انا في الثناء اغالي |
|
فلأنت سيدة النساء فريدة |
الدنيا بلاندٍ ولا امثال |
ذكـرى الحسـرات
للسيد سلمان هادي الطعمة
اي ذكرى تموج بالحسرات |
زخرت بالأنين والزفرات |
|
هي ذكرى حوت خلال رسول الله |
اكرم بها من الذكريات |
|
توجتها ذوائب المجد فخراً |
فتسامت بها على النيرات |
|
فاطم الطهر ، زوج حيدرة الكرار |
ترب العلى وسرّ الحياة |
|
أغنت البائسين من كرم الله |
وبانت حيرى بدون فتات |
|
كيف تطرى مكارم ومزايا |
هي رمز للخير والبركات؟ |
|
كيف تحصى مآثر جللتها |
عصمة النفس والتقى والسمات؟ |
|
انها فاطم البتول وبنت الخلد |
يا من حوت جميل الصفات |
* * *
أي حزن ساد البلاد عظيم |
بات فخر الاحقاب والسنوات |
|
ومصاب هزَّ النفوس واودى |
بابنة الطهر في اعز حياة |
|
فإذا الخطب فادح كاد يفري |
سهمه في القلوب كالجمرات |
والليالي كئيبة تندب الطهر |
بعين غزيرة العبرات |
|
تلك ام الحسين حيث توارت |
بين اجداث نسوة طاهرات |
|
سوف تبقى ذكرى البتول بقلب المجد |
تزدان بالهوى والثبات |
وللسيد سلمان ايضاً :
اضحى فؤادي عن هواه مفتشاً |
واقضّه شوق لمهضمة الحشا |
|
لله فجر كاد يزهو بهجة |
يحكي النسيم الغضى والقلب انتشى |
|
في يوم مولد فاطم قد زغردت |
كل النساء من الصباح الى العشا |
|
أوليس قول الله جل جلاله |
في (هل اتى) كتمان امر قد فشا |
|
الدهر اصبح جنة بطلوعها |
وغدا المحب لوردها متعطشا |
|
من مثلها في علمها ونوالها |
كالنجم في افق المجرة عششا |
|
بدرٌ يقر العين يملأ بشره |
دهش العدو به وطاش فأجهشا |
|
يا حبذا يوم لدوحة فاطم |
ابْشرْ فيالك مغرساً او معرشا |
|
ومكانة في الدين تبهر اعيناً |
يكفي محاسن فضلها ان تبطشا |
|
يا بنت من حمل الرسالة للورى |
عبر المدى عنها عشا من قد عشا |
|
وقفت قلوب القوم منك تجلة |
وبقيت لاحالي ولاقدمي مشى |
وللسيد سلمان ايضاً
انا في هوى الزهراء دوماً اخلص |
وعلى مناقبها الكريمة احرصُ |
|
يا مولداً يهب الحياة نضارة |
كالصبح لا يرجى اليه تمّحصُ |
|
وامتد فضل من فضائل احمد |
يزهو به النبأ العظيم ويشخص |
والطير تصدح فوق اغصان النقى |
باليمن والنعمى غدا يترقص |
|
يا ايـها النبـع المضمخ بالولا |
يروي العطاش وماؤه لا ينقص |
|
انا واله انى انطويت على التقى |
اسعى اليه وللفواطم اخلص |
|
والخطبة الغراء ذات طلاوة |
ظهرت وجاد بوصفها المتخصص |
|
جحدوا الهدى غيضاً على فخر النسا |
واحيرتي ان جئت يوماً افحص |
|
كم ذا تحملت الرزايا والاسى |
وغدا العدو ببابها يتربص؟ |
|
هيهات ان ينجو عدوٌ ثائرٌ |
فالحق يعلو والفريسة تقنص |
وللسيد سلمان أيضاً :
حسبي جوىً ان ضاقت السلوى |
عليّ انال الغاية القصوى |
|
واصيح : فاطمتاه من وله |
كيما افوز بجنة المأوى |
|
الله جللها واكرمها |
بالعلم والايمان والتقوى |
|
أيلومني في حب فاطمة |
من قد اطاعت ربها نضوا؟ |
|
ان السماوات العلى شرفت |
بطلوعها واستأنست حوا |
|
كرم كما النبع الزلال له |
طعم لذيذ يشبه الحلوى |
|
قال الرسول بان (فاطمة |
هي بضعة مني) بها نجوى |
|
تعنو لها السبع الشداد كما |
بنت الغصون تحلقت نشوى |
|
انا قد فتنت بفاطم ولكم |
اهفو لذكراها وكم اهوى؟ |
|
يا من لها قيثارتي عزفت |
كالطير يشدو ملهماً شدوا |
|
هي رحمة جاء البشير بها |
للعالمين لنمحق البلوى |
|
اما محبوها فان غدا |
يتناولون المنّ والسلوى |
|
سأظل بالزهراء مفتتناً |
كالمستهام يضج بالشكوى |
فـي ولادة الـزهـراءعليهاالسلام
للعلامة الشيخ عبد الحسين الحويزي
يا ليلة ولدت بها الزهراء |
طلعت بها لسما العلاء ذكاءُ |
|
قد اشبهت للقدر اشرف ليلة |
فيها تبلج للرشاد ضياء |
|
وبها تزينت السماء بشهبها |
وجلت مطالع برجها الجوزاء |
|
والكون لاح وفي تبلج وجهه |
بزغت هنالك غرةٌ غراء |
|
تلك البتول الطهر بضعة احمد |
خضعت رجال دونها ونساء |
|
الناس كلهم لرفعة قدرها |
ارض لدى التحقيق وهي سماء |
|
الله فضلها وشرف قدرها |
ولها استطالت عزة قعساء |
|
في صلب آدم لم تزل هي نطفة |
نتجت على امشاجها حواء |
|
ام الكليم وبنت عمران لها |
مع سارة روح الجليل اداء |
|
صديقة بنت النبي كريمة |
بالذكر قد حسنت لها اسماء |
|
اوصاف خير المرسلين بداتها |
وبوجهها من مجده سيماء |
|
طوبى تطيب شذى بنفحة ذكرها |
وتضوعت ارجا بها الارجاء |
لابدع ان شرفت على اترابها |
فهي البتول الحرّة الحوراء |
|
الله عنها الرجس اذهبه وقد |
وآرى سناها للعفاف كساء |
|
وبمسح انملها الزمان بصيرة |
فارتد منه المقلة العمياء |
|
بنت النبي اتت حليلة حيدر |
ولها الائمة في الورى ابناء |
|
ان انكرت في الدهر عصمتها العدى |
فلها الملائك كلهم شهداء |
|
وبصدرها خُزنت علوم جمة |
وسرائر فيها انطوى الاخفاء |
|
في الاوصياء سوى علي لم يكن |
كفؤاً لها ان غدّت الاكفاء |
|
الله يغضب حين تغضب فاطم |
ولها بحبل ولاه ثمَّ ولاء |
|
هي في الخليقة علة غائية |
وجدت بمحض وجودها الاشياء |
|
واذا تحررت الضمائر باسمها |
تنجاب عنها شدة وبلاء |
|
علّامة بالغيب الا انها |
جهلت نحيلة قدرها الاعداء |
|
فطمت عن الادناس فاطمة وما |
لقوامها غير العفاف رداء |
|
وعن اللبان العلم كان غذاؤها |
وشرابها بعض الابا لا الماء |
|
كم بالكلام لها خطابة حكمة |
تعيى بها الحكماء والخطباء |
|
في القدس جوهرة غدت محزونة |
والناس نسبتهم لها حصباء |
|
قد طالت الشعرى العبور بمجدها |
ماذا تقول بمدحها الشعراء |
|
بين النبوة والامامة برزخاً |
اضحت وقد ظهرت لها آلاء |
|
وأتت ملائكة السماء مواكباً |
ولهم ببشرى شخصها انشاء |
|
كشف الغطا عن ناظريها فاغتدت |
تتلو العلم ولا هناك غطاء |
|
حوراء بالزهراء لقبها الهدى |
لما اضاء لمجدها لآلاء |
|
وطوارق الاقدار طوع يمينها |
عن رأيها يمضي لها اجراء |
ولها بأعلى الخلد ابهى قبة |
تنحط عن ادراكها الخضراء |
|
مثل اشتباك الشهب رهن حياتها |
حارت مناقب مالها احصاء |
|
ولها بعلم الغيب اعظم مصحف |
جاءت مصدّقة به الابناء |
|
جبريل خادمها وميكال لها |
عبدٌ تطوق جيده واسماء |
|
ويل لمن عنها زوى ميراثها |
وتخصه لبنينها الآباء؟ |
|
وعزيزة المختار بعد وفاته |
طرقت ثناها للقضا ارزاء |
|
تلك الكريمة من ذؤابة هاشم |
نور فكيف تضمه الغبراء |
|
ولكل عين دمعة لمصابها |
لحريق نار جهنم اطفاء |
|
تتلى على بنت النبي المصطفى |
في العالمين تحية وثناء |
هـذا أبـو حـسـن لـهـا
للشيخ محسن ابو الحب المتوفى سنة ١٣٠٥ هـ
لا تنسَ بضعة احمد |
واذكر مصيبتها الجلية |
|
اذ اقبلت تمشي تحف |
بها نسـاء الهاشميـة |
|
جاءت لتطلب ارثها |
اذ لم تزل عنه غنيّة |
|
لكن لتنبئ الناس ان |
الناس عادوا جاهلية |
|
ولعلها تهدي نفوساً |
عن غوايتها غوية |
|
ودعت وكان دعاؤها |
أحلى من الشمس المضيّة |
|
فكأنهم لم يسمعوا |
وكأن دعوتها خفيّة |
|
يا قوم مالكم سكتم |
عن ظلامتي الشنية |
|
ارثي يفوز به بنو الخنا |
ويحبس عن بنيّه |
|
الله يا ابن ابي قحافة |
كم تروم بنا الاذية؟ |
|
لا تمنعوني نحلتي |
ودعوا حقود الجاهلية |
|
الله يحكم لي بها |
ويجور حكمكم عليه |
حتى نبا رب السما |
اعطاكم هذي العطية |
|
فغدوتم تجنون من |
ثمر العلى فينا جنيـة |
|
لو ان لي بكم يداً |
فيما احاوله قوية |
|
لنسيتم ايام بدر |
والحروب الاولية |
|
لكن دهري خان بي |
قسراً واوهن ساعديه |
|
هذا رهين الترب مدفوناً |
وذا رهن الرزية |
|
من للخلافة مذ سلبتم |
جيدها الحالي حلية؟ |
|
هذا ابو حسن لها |
اكرم به راعي رعية |
|
هذا عليّ خيركم |
حسباً واحسنكم سجية |
|
ماذا نقمتم منه وهو |
اشد حكما في القضية |
|
يوم السقيفة ما خلفت |
على الورى الا بلية |
|
ما كان ادهى منك يوم |
محرم في الغاضرية |
|
انت الذي البست ثوب |
الثكل فاطمة الرضية |
|
كم ليلة باتت وليس سوى |
الحفنين لها حشيّة |
|
حتى اذا بانت ومـا |
ماتت مكارمها السنية |
|
بأبي التي دفنت وعفـي |
قبرها السامي تقية |
|
دفنت وبين ضلوعها |
آثار ضرب الأصبحيّة |
|
يا بنت خير العالمين |
وصفوة الله الصفية |
|
ارجوك لي غوثاً اذا |
مدَّ الزمان يداً إليّه |
|
ولحاجة او فاقة |
لا يشمت الاعداء بيّه |
مولـد بضعـة المصطفـىعليهماالسلام
للشيخ محسن بن الشيخ محمد حسن بن الشيخ محسن ابو الحب
لقد سطعت انوار فاطمة الزهراء |
فأضحت بها الافاق باسمة ثغرا |
|
هي ابنة طه المصطفى سيد الورى |
به ليلة المعراج رب السما اشرى |
|
وحيدرة الكرار ذو الفخر بعلها |
به شرعة المختار قد نالت الفخرا |
|
هي البرة الطهر البتولة من لها |
ملائكة الرحمن قد خضعت طرا |
|
لقد فرحت فيها خديجة امها |
وقد سعدت في وقت مولدها بشرى |
|
بنور محياها قد انقشع الدجى |
ونور سناها يخجل الشمس والبدرا |
|
على بضعة المختار خير تحية |
لها من اله العرش لا برحت تترى |
|
ونرجو بها نيل الشفاعة في غد |
لكن بولاها ندرك الفوز والاجرا |
|
شفيعتنا يوم القيامة فاطم |
وان لنا في حبها النعمة الكبرى |
|
بوالدة السبطين سيدة النسا |
تمسكنا لا نختشي البؤس والضرا |
|
وان لنا فيها الرجاء واننا |
نؤمل ان نحظى بطلعتها الغرا |
|
بمولدها قد اصبح الكون مشرقا |
وقد شاهدت في الافق انجمها الزهرا |
بشهر جمادى فاطمة الطهر قد أتت |
ففي كل عام فلنجدد لها ذكرا |
|
بأسعد يوم جاء باليمن والهنا |
وطرف النبي المصطفى فيه قد قرّا |
|
فيا ايها السادات بشراكم بمن |
لها الصيت طول الدهر انسية حورا |
فـي رثـاء الـزهـراءعليهاالسلام
للشيخ حبيب شعبانرحمهالله
سقاك الحيا الهطال يا معهد الالف |
ويا جنة الفردوس دانية القطف |
|
فكم مرّ لي عيش حلا فيك طعمه |
ليالي اصفى الود فيها لمن يصفي |
|
بسطنا احاديث الهوى وانطوت لنا |
قلوب على ما في المودة والعطف |
|
فشتتنا صرف الزمان وانه |
لمنتقد شمل الاحبة بالصرف |
|
كأن لم تدر ما بيننا اكؤس الهوى |
ونحن نشاوى لا نمل من الرشف |
|
ولم نقض ايام الصبا وبها الصبا |
تمر علينا وهي طيبة العرف |
|
ايا منزل الاحباب مالك موحشاً |
بزهرتك الارباح اودت بما تسفي |
|
فعفيت ياربع الاحبة بعدهم |
فذكرني قبر (البتولة) اذ عفي |
|
رمتها سهام الدهر فهي صوائب |
بشجو الى ان جرعت غصص الحتف |
|
شجاها فراق المصطفى واحتقارها |
لدى كل رجس من صحابته حلف |
|
لقد بالغوا في هضمها وتحالفوا |
عليها وخانوا الله في محكم الصحف |
|
فأبت وزند الغيظ يقدح في الحشا |
تعثر بالاذيال مثنية العطف |
وجاءت الى (الكرار) تشكو اهتضامها |
ومـدت اليه الطرف خاشعة الطرف |
|
ابا حسن يا راسخ الحلم والحجى |
اذا فرت الابطال رعباً من الزحف |
|
ويا واحداً افنى الجموع ولم يزل |
بصحبته في الروغ يأتي على الألف |
|
أراك تراني وابن تيم وصحبه |
يسومني مالا اطيق من الخسف |
|
ويلطم وجهي نصب عينيك ناصب |
العداوة لي بالضرب مني يستشفي |
|
فتغضي ولا تنضي حسامك آخذا |
بحقي ومنه اليوم قد صفرت كفي |
|
لمن اشتكي الا اليك ومن به |
الوذ وهل لي بعد بيتك من كهف |
|
وقد اضرموا النيران فيه واسقطوا |
جنيني فواويلاه منهم ويا لهف |
|
وما برحت مهضومة ذات علة |
تأرقها البلوى وظالمها مغفي |
|
الى ان قضت مكسورة الضلع مسقطاً |
جنين لها بالضرب مسودة الكتف |
وللأديب السيد مهدي الاعرجيرحمهالله :
ما بال عينيك دماً تنكسب |
ونار احشاك اسى تلتهب |
|
اهل تذكرت عهوداً سلفت |
لزينب فأرقتك زينب |
|
ام هل تشوقت ظباء سنحت |
بالجزع ام راقك ذاك الربرب |
|
ام هل شجتك اربع قد درست |
فاخلفت جدتهن الحقب |
|
ام هل دهتك الحادثات مثلما |
دهت فؤادي يوم (طاها) النوب |
|
يوم قضى فيما النبي نحبه |
فضلّت الدنيا له تنتحب |
|
وانقلب الناس على اعقابهم |
ولن يضر الله من ينقلب |
|
واقبلوا الى (البتول) عنوة |
وحول دارها ادير الحطب |
|
فاستقبلتهم (فاطم) وظنها |
ان كلمتهم رجعوا وانقلبوا |
حتى اذا خلت عن الباب وقد |
لاذت وراها منهم تحتجب |
|
وكسروا اضلاعها واغتصبوا |
ميراثها وللشهود كذبوا |
|
واخرجوا (الكرار) من منزله |
وهو ببند سيفه ملبب |
|
يصيح اين اليوم مني (حمزة) |
ينصرني (وجعفر) فيغضب |
|
وخلفهم (فاطمة) تعثر في |
اذيالها وقلبها متـشعب |
|
تصيح خلوا عن (علي) قبل ان |
ادعوا وفيكم ارضكم تنقلب |
|
فاقبل (العبد) لها بضربها |
بالسوط وهي بالنبي تندب |
|
يا والدي هذا (علي) بعد |
عينيك على اغتصابه تألبوا |
|
واعتزلوه جانباً وامروا |
ضئيل تيم بعده ونصبوا |
|
تجاهلوا مقامه وهو الذي |
بسيفه في الحرب قدّ (مرحب) |
|
ولو تراني والعدى تحالفوا |
عليّ لما غيّبتك الترب |
|
وجرّعوني صحبك الصاب وقد |
تراكمت منهم على الكرب |
|
ولم تزل تجرع منهم غصصاً |
تندك منها الراسيات الهضب |
|
حتى قضت بحسرة مهضومة |
حقوقها وفيئها مستلب |
|
واخرج الكرار ليلاً نعشها |
و(زينب) خلفهم تنتحب |
|
فقال للزكي سكّتها هلا |
يسمع جهراً صوتها المحجب |
|
فلو يراها بالطفوف والعدى |
منها الرداء والخمار يسلب |
|
تحول في روي الطفوف كي ترى |
اطفالها من الخيام هربوا |
|
ثم انثنت نحو اخيها اذا |
به على وجه الثرى مخضّبُ |
فـاطمـة الـزهـراءعليهاالسلام
علي محمد الحائري
اقضك في ليل الضني حر مضجع |
وشفّك دمع ليس يرقى بمدمعي |
|
وليل تغشاني كأن نجومه |
شُددن حبال الرزء قيداً بأضلعي |
|
طوال ليالي الحزن من بعد فاطم |
ونار تشظى جمرها من توجع |
|
فيا قلب لا أبللت من هاجس الاسى |
ويا جفن لا اطبقت غبَّ تفجع |
|
ويا طارقات من هموم تأوبت |
وسادي وانسلت ثقالا لمخدعي |
|
نفاراً الى الطرح الذي لا اسيغه |
خفافاً الى السيف الذي حز اخدعي |
|
ولست ارى الدنيا خلال طماعه |
ولكن طماح النفس دون التطلع |
|
بلوت تهاصبر الحليم فأحجمت |
خطاي على نوّارها المتبرع |
|
وذقت مذاق المر من صبراتها |
وعللت من سم القليب المنقع |
|
فلا انا موكول الى الغير مقودي |
ولا انا من ارضى الخطام بمجدع |
|
ولست ابالي ان جفتني قلوفها |
بكيئات من در الرغاب المشعشع |
|
فلي اسوة بالطيبين تقارعوا |
كؤوس فضيلات دهاق التطوع |
ولي اسوة بالمصفرات اكفهم |
من المال حسرى من حطام التبضع |
|
تزم باكمام العفاف وتدري الخصاصة |
بالاخلاق مثلى وترتعي |
|
وتعطي الندى لا من خلال تفضل |
وتصعير خدٍ بالتكبر مترع |
|
ولكن ترى ان الزكاة فريضة |
وان احتجام المال اصل التصدع |
|
وان وشيج الادمية جمعت |
باعياصها جذر الاخاء المقطع |
|
وان بني الدنيا سواء ارومه |
وان ضربوا في كل عرق موزع |
|
اولئك آل المصطفى أهل بيته |
تربوا على هذا الخلاق المرفع |
|
وقد آثروا ان لا تبيت على الطوى |
حشاشة محروم وعان وموجع |
|
واعطوا وان كانت بهم من خصاصة |
مساغب لم ترفع جداهم وتمنع |
|
وشاركت الزهراء الآم امة |
ابوها تولاها على كل مهيع |
|
فلم آثروا ان يحجبوا حُرّ ارثها |
وان يولجوا ابناءها كل بلقع |
|
أتلك التي اوصى الرسول بثقلها |
تصار الى هذا الصعيد المصدع؟ |
|
وتلك التي لزّ الرسول دثارها |
تُراع فلا بوركت ايدي المروّع |
|
ولا آب في عين الدنى وسن الكرى |
ولا لزّ في حرّ الصدى بردُ مشرع |
|
ولا باهلت علياً قريش خصومها |
بأن لها صدر الندي الموسّع |
|
وقد شجَّ من رأس البناء عموده |
فعيب ولم ينهض نصوح فيهرع |
ذكـرى مـولـد الـزهـراءعليهاالسلام
شعر : عباس ابو الطوس
غنّت واقداح المدام تدار |
فترنحت لغنائها السمّار |
|
ومشت وألباب الندامى اثرها |
تخطو وقد شخصت لها الانظار |
|
فتمايلت للسامرين تذللاًً |
تروى الغصين فرنت الاوتار |
|
حسناء ناعسة العيون ووجهها |
قمر تخرّ لحسنه الاقمار |
|
براقة الساقين ذات محاسن |
وبخدها ماء الصبا نوّار |
|
يهفو لها الصب الكئيب تشوقاً |
وتهيّماً حيث الهوى جبار |
|
يا ربة اللفتات مهلاً قد كوى |
جنبي هذا الدل والتخطار |
|
ومن التغامز واهتزاز قوامك |
شبت على قلبي المتيم نار |
* * *
بوركت من ليلٍ بك الاحرار |
قد رحبت وطحابها استبشار |
|
هذا هو الحفل المهيب كأنه |
فلك تضج حياله الانوار |
|
وقفت لك الشعراء اكراماً وقد |
اودى بها الاجلال والاكبار |
ضربت على وتر القريض اكفها |
بحفاوة فانهلت الاشعار |
|
ومضت تسيل وفي المسامع شدوها |
طرباً كما تترنم الاطيار |
|
والشعر مصباح يطل بحندس |
والشعر فيه رفعة ووقار |
|
والشعر خير هدية قدسية |
للطيبين وللطغاة دمار |
|
والشعر موسيقى وجرس ساحر |
ان رن هبت نحوه الافكار |
* * *
بوركت من ليل تخر لسعده |
شكراً ليالي الدهر والاسحار |
|
ألق الجبين وبالسرور متوج |
حتى كأنك بالوضوح نهار |
|
تجري الرياح طليقة ورخية |
بك للانام وذيلها معطار |
|
في مولد الزهراء شع من الهدى |
نور وللاسلام لاح منار |
|
فالكون مزدهر الجوانب ضاحك |
وعلى الورى عبق الجنان نثار |
* * *
يا صفحة لمع القريض فويقها |
زيدي التماعاً فالسرور مثار |
|
وترنحي يا عاطفات وسارعي |
عجلا كما تتسارع الامطار |
|
فلقد طربت بحفل ذكرى مولد الزهراء |
حيث نمت لها الاطيار |
|
فلذا وقفت مغرداً بحفاوة |
للسامعين كما يهيب هزار |
|
حييت من ذكرى يغرّد باسمها |
الدهر والتاريخ والاسفار |
|
الحق يشمخ عالياً في طيها |
والبطل من لمعانها ينهار |
|
تمضي الدهور وانها وضاءة |
مهما بدت وتغيرت اطوار |
* * *
اما حياة الظالمين فانها |
عارُ وخزيُ فاضح وبوار |
|
والحاكمين بغير حق شهرة |
والصامتين كأنهم احجار |
هذا العراق ولا يزال بذلة |
كيف الخلاص وفوقه استعمار |
|
هذا يطبل من هنا للبانة |
وهناك آخر عازف زمار |
|
ويل لجامعة تغير لونها |
وسوى التكذب مالها اخبار |
|
قد هدأتنا بالسلام وغيره |
انى السلام وهذه الاخطار؟ |
|
ان المشاكل لا تحل بأدمغ |
لعبت بها قبل الحلول عقار |
|
عما قريب ترفع الاستار |
طراً فتبدو خلفها الاسرار |
|
وتلوح للقوم النيام غمامة |
سوداء منها ترجف الاقطار |
|
ودم الشباب يراق في اوطانه |
ظلماً ليكمل عيشه الغدار |
|
والشمس تفزع في السماء لما يرى |
وتهز من ثقل الجيوش قفار |
|
فخذوا الحياد لكم والا تندموا |
ان طار من حرب الطغاة شرار |
* * *
كيف السكوت على الاذى والى متى |
نحن عبيد للعدو صغار؟ |
|
شبعوكم والله ذلاً قاتلاً |
افانتم الاحرار والابرار؟ |
|
ان المشانق للكرام مراقص |
والسجن في حب البلاد فخار |
|
يا ناهي الخيرات من اوطاننا |
بل يا عبيد ربها الدولار |
|
خلوا مواطننا ولا تتقربوا |
منها فان رجالها ثوّار |
* * *
يا بنت من والله لو لا شخصه |
لم يستقم دين ولا امصار |
|
بل لم تدر كرة الصعيد ولم يكن |
هذا الاثير الدامع السيار |
|
كم موقف لك في الدفاع معظم |
من حيث غضت نحوك الابصار؟ |
|
دافعت عن دين الرسول فما اهتدت |
بدفاعك الجهال والاشرار |
|
فاليك سيدتي تحية شاعر |
كمد ودون ولاك لا يختار |
كلمة اخيرة للمؤلف
ايتها السيرة العطرة والشخصية الفذة النادرة ، انك سرُّ من اسرار الحياة الذي لا يزال تحت اجنحة الالهام ، سنظل نستذكرك ونمجد فيك كبرياء وزهداً وروحاً مبدعة. وحسبك ما قاله فيك الرسول الاكرم محمدصلىاللهعليهوآله : (فاطمة ام ابيها وهي روحي التي بين جنبي).
أية منزلة تفوق هذه المنزلة التي وصفها النبيصلىاللهعليهوآله ؟ أية شخصية تعلو وحيدة المكارم وفريدة المفاخر ، ونبعة الافضال من تاريخ آل محمدصلىاللهعليهوآله ! !
من واجبات الوفاء على المؤلفين ان يصّنفوا المؤلفات عن فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، وان يشيدوا بمآثرها ويهتموا بتسجيل مالها من محامد ومناقب ، فان الغوص فيها سيفضي الى دراسات كثيرة تتحدث عنها حتى تكون لدينا مجموعة قيمة تمثل جوانب جديدة في سيرة الزهراءعليهاالسلام تبقى ناصعة على وجه الدهر وجبين الزمان ، ولا يجهل احد ان الزهراءعليهاالسلام كانت على جانب عظيم من التفوق والتبصر بحقائق الدنيا
والدين ، ولها البراعة في ذلك والتفوق والتبصر. ولئن اقتدى بها العالم الاسلامي قاطبة ، اصبحت حياته مليئة بالسعادة والطمأنينة والتطور ، لما تنعكس عليها من اشعة العصور الاسلامية الحية ، والنماذج العليا لشخصيات الاسلام ، تلك التي تحدو بهم اكرم السجايا وانبل الصفات.
عزيزي القارئ :
اكتب هذه الصفحات ، وما ازعم اني بلغت الغاية او اشرفت على النهاية ، ذلك ان الحديث عن الزهراءعليهاالسلام ارق من الزهر ، واكثر اشراقاً من نور الصباح ، ولا بد من التذكير بقيمة هذه السيدة الجليلة ومنزلتها الرفيعة. واقول : ان صحبتي للزهراءعليهاالسلام كانت السبب في ان يقوي روحي المعنوي ويجدد نشاطي ، وارجو ان يدم هذا النشاط الحيوي فيما بقي من عمري.
اخيراً ، وليس آخراً ، علينا نحن معاشر المسلمين والمسلمات في مشارق الارض ومغاربها الاقتداء بهذه السيدة الجليلة ، من اجل صنع حياة اسلامية فاضلة كانت الزهراءعليهاالسلام قد افنت حياتها وسنوات عمرها للسير على تأسيسها.
اختم هذه الصفحات فأقول : انني احببت الزهراء حباً لا مثيل له ، واذكر ان قلبي خفق خفقة كاد يطفر لها الدمع حين وقع بصري على قبرها لأول مرة وانا اتذكر قول الرسول الكريمصلىاللهعليهوآله : ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة. فأزال ذلك الموضع عني كل وحشة وبدد كل هم ، واذهب عن قلبي متاعب الاغتراب.
لقد كتبت هذه الصفحات طوعاً للاواصر المتينة التي تجمع بيني وبينها ،
وغاية ما اصبو اليه من وراء هذا كله ان اكون قد وفقت في توضيح جوانب من سيرة الصديقة الزهراء سلام الله عليها ، والله نعم الموفق الى سواء السبيل.
كربلاء سلمان هادي آل طعمة |
المصادر
القرآن الكريم |
||
ابو الشهداء |
عباس محمود العقاد |
|
الارشاد |
محمد بن محمد بن النعمان العكبرى |
|
الاستيعاب |
ابن عبد البر |
|
الاصابة في تميييز الصحابة |
ابن حجر العسقلانى |
|
أعلام النساء |
عمر رضا كحاله |
|
الامالى |
للشيخ محمد بن الحسن الطوسى |
|
الامالى |
للشيخ الصدوق |
|
الامامة والسياسة |
ابن قتيبة |
|
الامام علي نبراس ومتراس |
سليمان كتانى |
|
اعيان الشيعة |
السيد محسن الامين العاملى |
|
بحارالانوار |
محمد باقر المجلسى |
|
بين يدى الرسول الاعظم |
محمد بحر العلوم |
|
تاريخ الطبري |
محمد بن جرير الطبرى |
|
تاريخ اليعقوبى |
احمد بن ابى يعقوب |
|
تذكرة الخواص |
سبط بن الجوزى |
|
تظلم الزهراء |
رضي بن نبى القزوينى |
|
الحضارة الاسلامية فى القرن الرابع الهجري |
آدم متز |
|
حياة محمد |
محمد حسين هيكل |
الخصائص |
النسائي |
|
الدرة البهية فى فضل كربلاء وتربتها الزكية |
حسون البراقي |
|
ذخائر العقبي |
الحافظ مجد الدين احمد بن عبدالله الطبري |
|
سمو المعني في سمو الذات |
عبدالله العلائلي |
|
السيرة النبوية |
ابن هشام |
|
شرح نهج البلاغة للامام |
على ـ شرح ابن ابى الحديد |
|
صحيح البخارى |
محمد بن اسماعيل البخارى |
|
صحيح مسلم |
مسلم بن الحجاج القشيرى |
|
الصواعق المحرقة |
ابن حجر العسقلاني |
|
الطبقات الكبري |
محمد بن سعد بن منيع |
|
عقيدة الشيعة |
دوانت. م. رونلدسن |
|
عقيلة بن هاشم |
السيد على بن الحسين الهاشمى |
|
علم اصول الفقة فى ثوبة الجديد |
محمد جواد مغنية |
|
على والقرآن |
محمد جواد مغينة |
|
الغدير |
عبدالحسين الامينى |
|
فاطمة الزهراء والفاطميون |
عباس محمود العقاد |
|
فاطمة الزهراء المرأة المنوذجية فى الاسلام |
ابراهيم الامينى ـ ترجمة على جمال الحسينى |
|
فاطمة الزهراء ام ابيها |
فاضل الحسينى الميلانى |
|
فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفي |
احمد الرحمانى الهمدانى |
|
فاطمة الزهراء وترفي غمد |
سليمان كتانى |
|
الفصول المهمة فى معرفة احوال الائمة |
على بن محمد بن احمد المالكى |
كشف الغمة فى معرفة الائمة |
محمدبن عيسي الاربلى |
|
لسان العرب |
ابن منظور |
|
مثلهن العلي خديجة بنت خويلد |
عبدالله العلائلى |
|
المجالس السنية |
محسن الامين العاملى |
|
محمد صلي الله عليه وسلم |
د. على شلق |
|
معجم البلدان |
ياقوت الحموي |
|
مقاتل الطالبيين |
ابوالفرج الاصفهانى |
|
المناقب |
ابن شهر اشوب |
|
النبأ العظيم على بن ابى طالب |
تقى المصعبى |
|
نفس المهموم |
عباس القمى |
|
وفاة الصديقة الزهراء |
عبدالرزاق المقرم |
الفهرس
الاهداء..................................................................... ٣
كلمة بقلم العلامة الشيخ باقر شريف القرشي................................... ٥
كلمة بقلم روكس بن زائد العزيزي............................................. ٧
فاتحة الكتاب............................................................... ٩
في بيت الرسالة............................................................ ١٢
شخصية الرسول الكريم صلىاللهعليهوآلهوسلم............................................. ١٥
زواج النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم.......................................................... ١٩
أم السبطين عليهاالسلام.......................................................... ٢٤
ولادة الزهراء عليهاالسلام......................................................... ٢٨
تسميتها ونشأتها عليهاالسلام...................................................... ٣١
حب النبي للزهراء عليهماالسلام................................................... ٣٧
فضائل الزهراء عليهاالسلام ومناقبها................................................ ٤١
تسبيح الزهراء عليهاالسلام........................................................ ٤٨
شخصية علي عليهالسلام......................................................... ٥١
البيت الزوجي.............................................................. ٦٣
ذرية الزهراء عليهاالسلام.......................................................... ٧٧
مرض الرسول صلىاللهعليهوآله....................................................... ١٠٣
وفاة الرسول صلىاللهعليهوآله....................................................... ١٠٦
فدك الحق والميراث................................................... ١١٦
الاسلوب البلاغي للزهراء عليهاالسلام............................................ ١٢٢
تظلم الزهراء عليهاالسلام....................................................... ١٢٤
خطبة الزهراء عليهاالسلام....................................................... ١٣٠
مرض الزهراء عليهاالسلام....................................................... ١٤٢
وفاة الزهراء عليهاالسلام........................................................ ١٤٥
الزهراء عليهاالسلام في رحاب الشعر............................................. ١٥١
كلمة اخيرة للمؤلف...................................................... ٢٠٧
كلمة اخيرة للمؤلف...................................................... ٢٠٧
المصادر................................................................. ٢١٠
الفهرس.................................................................. ٢١٣