اعلام الهداية - الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام)
التجميع الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام
الکاتب المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

أعلام الهداية

الإمام محمد بن علي الباقرعليه‌السلام

المجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

قم المقدسة


اسم الكتاب: أعلام الهداية(ج٦) الإمام محمد بن علي الباقرعليه‌السلام .

المؤلف: لجنة التأليف.

الموضوع:كلام وتاريخ.

الناشر: مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام .

الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ ق.

الطبعة الثانية: ١٤٢٥ هـ ق.

الطبعة الثالثة: ١٤٢٧ هـ ق.

المطبعة: ليلى.

الكمية: ٥٠٠٠.

isbn: ٩٦٤- ٥٦٨٨-٢٣-x

حقوق الطبع والترجمة محفوظة للمجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

www.ahl-ul-bayt-org


أهل البيت في القرآن الكريم

( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )

الأحزاب: ٣٣ / ٣٣

أهل البيت في السنة النبويّة

(إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبد )

(الصحاح والمسانيد)


المقدمة

الحمد لله الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، ثم الصلاة والسلام على من اختارهم هداةً لعباده، لا سيَّما خاتم الأنبياء وسيّد الرسل والأصفياء أبو القاسم المصطفى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى آله الميامين النجباء.

لقد خلق الله الإنسان وزوّده بعنصري العقل والإرادة، فبالعقل يبصر ويكتشف الحقّ ويميّزه عن الباطل، وبالإرادة يختار ما يراه صالحاً له ومحقّقاً لأغراضه وأهدافه.

وقد جعل الله العقل المميِّز حجةً له على خلقه، وأعانه بما أفاض على العقول من معين هدايته ; فإنّه هو الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، وأرشده إلى طريق كماله اللائق به، وعرّفه الغاية التي خلقه من أجلها، وجاء به إلى هذه الحياة الدنيا من أجل تحقيقها.

وأوضح القرآن الحكيم بنصوصه الصريحة معالم الهداية الربّانية وآفاقها ومستلزماتها وطرقها، كما بيّن لنا عللها وأسبابها من جهة، وأسفر عن ثمارها ونتائجها من جهة أخرى.

قال تعالى:

( قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ) (الأنعام (٦): ٧١).

( وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (البقرة (٢): ٢١٣).

( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) (الأحزاب (٣٣): ٤).

( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (آل عمران (٣): ١٠١).

( قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (يونس (١٠): ٣٥).

( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) (سبأ (٣٤): ٦).


( ومن أضلّ ممن اتّبع هواه بغير هدىً من الله ) (القصص (٢٨):٥٠).

فالله تعالى هو مصدر الهداية. وهدايته هي الهداية الحقيقية، وهو الذي يأخذ بيد الإنسان إلى الصراط المستقيم وإلى الحقّ القويم.

وهذه الحقائق يؤيدها العلم ويدركها العلماء ويخضعون لها بملء وجودهم.

ولقد أودع الله في فطرة الإنسان النزوع إلى الكمال والجمال ثمّ مَنّ عليه بإرشاده إلى الكمال اللائق به، وأسبغ عليه نعمة التعرّف على طريق الكمال، ومن هنا قال تعالى:( وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّ ليعبدونِ ) (الذاريات (٥١): ٥٦). وحيث لا تتحقّق العبادة الحقيقية من دون المعرفة، كانت المعرفة والعبادة طريقاً منحصراً وهدفاً وغايةً موصلةً إلى قمّة الكمال.

وبعد أن زوّد الله الإنسان بطاقتي الغضب والشهوة ليحقّق له وقود الحركة نحو الكمال; لم يؤمَن عليه من سيطرة الغضب والشهوة; والهوى الناشئ منهما، والملازم لهما فمن هنا احتاج الإنسان ـ بالإضافة إلى عقله وسائر أدوات المعرفة ـ إلى ما يضمن له سلامة البصيرة والرؤية; كي تتمّ عليه الحجّة، وتكمل نعمة الهداية، وتتوفّر لديه كلّ الأسباب التي تجعله يختار طريق الخير والسعادة، أو طريق الشرّ والشقاء بملء إرادته.

ومن هنا اقتضت سُنّة الهداية الربّانية أن يُسند عقل الإنسان عن طريق الوحي الإلهي، ومن خلال الهداة الذين اختارهم الله لتولِّي مسؤولية هداية العباد وذلك عن طريق توفير تفاصيل المعرفة وإعطاء الإرشادات اللازمة لكلّ مرافق الحياة.

وقد حمل الأنبياء وأوصياؤهم مشعل الهداية الربّانية منذ فجر التاريخ وعلى مدى العصور والقرون، ولم يترك الله عباده مهملين دون حجة هادية وعلم مرشد ونور مُضيء، كما أفصحت نصوص الوحي ـ مؤيّدةً لدلائل العقل ـ بأنّ الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه، لئلاّ يكون للناس على الله حجّة، فالحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق، ولو لم يبق في الأرض إلاّ اثنان لكان أحدهما الحجّة، وصرّح القرآن ـ بشكل لا يقبل الريب ـ قائلاً:( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (الرعد (١٣): ٧).


ويتولّى أنبياء الله ورسله وأوصياؤهم الهداة المهديّون مهمّة الهداية بجميع مراتبها، والتي تتلخّص في:

١ ـ تلقِّي الوحي بشكل كامل واستيعاب الرسالة الإلهية بصورة دقيقة. وهذه المرحلة تتطلّب الاستعداد التام لتلقّي الرسالة، ومن هنا يكون الاصطفاء الإلهي لرسله شأناً من شؤونه، كما أفصح بذلك الذكر الحكيم قائلاً:( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) (الأنعام (٦): ١٢٤) و ( اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ) (آل عمران (٣): ١٧٩).

٢ ـ إبلاغ الرسالة الإلهية إلى البشرية ولمن أرسلوا إليه، ويتوقّف الإبلاغ على الكفاءة التامّة التي تتمثّل في (الاستيعاب والإحاطة اللازمة) بتفاصيل الرسالة وأهدافها ومتطلّباتها، و (العصمة) عن الخطأ والانحراف معاً، قال تعالى:( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) (البقرة (٢): ٢١٣).

٣ ـ تكوين اُمة مؤمنة بالرسالة الإلهية، وإعدادها لدعم القيادة الهادية من أجل تحقيق أهدافها وتطبيق قوانينها في الحياة، وقد صرّحت آيات الذكر الحكيم بهذه المهمّة مستخدمةً عنواني التزكية والتعليم، قال تعالى:( يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) (الجمعة (٦٢): ٢) والتزكية هي التربية باتجاه الكمال اللائق بالإنسان. وتتطلّب التربية القدوة الصالحة التي تتمتّع بكلّ عناصر الكمال، كما قال تعالى:( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (الأحزاب (٣٣): ٢١).

٤ ـ صيانة الرسالة من الزيغ والتحريف والضياع في الفترة المقرّرة لها، وهذه المهمة أيضاً تتطلّب الكفاءة العلمية والنفسية، والتي تسمّى بالعصمة.


٥ ـ العمل لتحقيق أهداف الرسالة المعنوية وتثبيت القيم الأخلاقية في نفوس الأفراد وأركان المجتمعات البشرية وذلك بتنفيذ الأطروحة الربّانية، وتطبيق قوانين الدين الحنيف على المجتمع البشري من خلال تأسيس كيان سياسيٍّ يتولّى إدارة شؤون الأمة على أساس الرسالة الربّانية للبشرية، ويتطلّب التنفيذ قيادةً حكيمةً، وشجاعةً فائقةً، وثباتاً كبيراً، ومعرفةً تامةً بالنفوس وبطبقات المجتمع والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية وقوانين الإدارة والتربية وسنن الحياة، ونلخّصها في الكفاءة العلمية لإدارة دولة عالمية دينية، هذا فضلاً عن العصمة التي تعبّر عن الكفاءة النفسية التي تصون القيادة الدينية من كلّ سلوك منحرف أو عمل خاطئ بإمكانه أن يؤثّر تأثيراً سلبيّاً على مسيرة القيادة وانقياد الأمة لها بحيث يتنافى مع أهداف الرسالة وأغراضها.

وقد سلك الأنبياء السابقون وأوصياؤهم المصطفون طريق الهداية الدامي، واقتحموا سبيل التربية الشاقّ، وتحمّلوا في سبيل أداء المهامّ الرسالية كلّ صعب، وقدّموا في سبيل تحقيق أهداف الرسالات الإلهية كلّ ما يمكن أن يقدّمه الإنسان المتفاني في مبدئه وعقيدته، ولم يتراجعوا لحظة، ولم يتلكّأوا طرفة عين.

وقد توّج الله جهودهم وجهادهم المستمرّ على مدى العصور برسالة خاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحمّله الأمانة الكبرى ومسؤولية الهداية بجميع مراتبها، طالباً منه تحقيق أهدافها. وقد خطا الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الطريق الوعر خطوات مدهشة، وحقّق في أقصر فترة زمنية أكبر نتاج ممكن في حساب الدعوات التغييرية والرسالات الثورية، وكانت حصيلة جهاده وكدحه ليل نهار خلال عقدين من الزمن ما يلي:

١ ـ تقديم رسالة كاملة للبشرية تحتوي على عناصر الديمومة والبقاء.

٢ ـ تزويدها بعناصر تصونها من الزيغ والانحراف.

٣ ـ تكوين اُمة مسلمة تؤمن بالإسلام مبدأً، وبالرسول قائداً، وبالشريعة قانوناً للحياة.


٤ ـ تأسيس دولة إسلامية وكيان سياسيٍّ يحمل لواء الإسلام ويطبّق شريعة السماء.

٥ ـ تقديم الوجه المشرق للقيادة الربّانية الحكيمة المتمثّلة في قيادتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولتحقيق أهداف الرسالة بشكل كامل كان من الضروري:

أ ـ أن تستمرّ القيادة الكفوءة في تطبيق الرسالة وصيانتها من أيدي العابثين الذين يتربّصون بها الدوائر.

ب ـ أن تستمرّ عملية التربية الصحيحة باستمرار الأجيال; على يد مربٍّ كفوء علمياً ونفسياً حيث يكون قدوة حسنة في الخلق والسلوك كالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يستوعب الرسالة ويجسّدها في كل حركاته وسكناته.

ومن هنا كان التخطيط الإلهيّ يحتّم على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إعداد الصفوة من أهل بيته، والتصريح بأسمائهم وأدوارهم; لتسلّم مقاليد الحركة النبويّة العظيمة والهداية الربّانية الخالدة بأمر من الله سبحانه وصيانة للرسالة الإلهية التي كتب الله لها الخلود من تحريف الجاهلين وكيد الخائنين، وتربية للأجيال على قيم ومفاهيم الشريعة المباركة التي تولّوا تبيين معالمها وكشف أسرارها وذخائرها على مرّ العصور، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.

وتجلّى هذا التخطيط الربّاني في ما نصّ عليه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله:(إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) .

وكان أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم خير من عرّفهم النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمر من الله تعالى لقيادة الأمة من بعده.


إنّ سيرة الأئمّة الاثني عشر من أهل البيتعليهم‌السلام تمثّل المسيرة الواقعية للإسلام بعد عصر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودراسة حياتهم بشكل مستوعب تكشف لنا عن صورة مستوعبة لحركة الإسلام الأصيل الذي أخذ يشقّ طريقه إلى أعماق الأمة بعد أن أخذت طاقتها الحرارية تتضاءل بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأخذ الأئمة المعصومونعليهم‌السلام يعملون على توعية الأمة وتحريك طاقتها باتجاه إيجاد وتصعيد الوعي الرساليِّ للشريعة ولحركة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثورته المباركة، غير خارجين عن مسار السنن الكونية التي تتحكّم في سلوك القيادة والأمة جمعاء.

وتبلورت حياة الأئمّة الراشدين في استمرارهم على نهج الرسول العظيم وانفتاح الأمة عليهم والتفاعل معهم كأعلام للهداية ومصابيح لإنارة الدرب للسالكين المؤمنين بقيادتهم، فكانوا هم الأدلاّء على الله وعلى مرضاته، والمستقرّين في أمر الله، والتامّين في محبّته، والذائبين في الشوق إليه، والسابقين إلى تسلّق قمم الكمال الإنسانيّ المنشود.

وقد حفلت حياتهم بأنواع الجهاد والصبر على طاعة الله وتحمّل جفاء أهل الجفاء حتّى ضربوا أعلى أمثلة الصمود لتنفيذ أحكام الله تعالى، ثم اختاروا الشهادة مع العزّ على الحياة مع الذلّ، حتى فازوا بلقاء الله سبحانه بعد كفاح عظيم وجهاد كبير.

ولا يستطيع المؤرّخون والكتّاب أن يلمّوا بجميع زوايا حياتهم العطرة ويدّعوا دراستها بشكل كامل، ومن هنا فإنّ محاولتنا هذه إنّما هي إعطاء قبسات من حياتهم، ولقطات من سيرتهم وسلوكهم ومواقفهم التي دوّنها المؤرّخون واستطعنا اكتشافها من خلال مصادر الدراسة والتحقيق، عسى الله أن ينفع بها إنّه وليّ التوفيق.

إنّ دراستنا لحركة أهل البيتعليهم‌السلام الرسالية تبدأ برسول الإسلام وخاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتنتهي بخاتم الأوصياء، محمد بن الحسن العسكري المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه وأنار الأرض بعدله.

ويختصّ هذا الكتاب بدراسة حياة الإمام محمد بن علي الباقرعليه‌السلام ، خامس أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، وهو المعصوم السابع من أعلام الهداية الذي جسد الكمالات النبوية في العلم والهداية والعمل والتربية وتوسّعت بجهوده العلمية الجبارة مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام واتّضحت معالمها وأينعت ثمارها ولا زلنا نتفيّأ ظلالها حتى عصرنا هذا.


ولا بدَّ لنا من تقديم الشكر إلى كل الإخوة الأعزّاء الذين بذلوا جهداً وافراً وشاركوا في إنجاز هذا المشروع المبارك وإخراجه إلى عالم النور، لا سيَّما أعضاء لجنة التأليف بإشراف سماحة السيد منذر الحكيم (حفظه الله تعالى).

ولا يسعنا إلاّ أن نبتهل إلى الله تعالى بالدعاء والشكر لتوفيقه على إنجاز هذه الموسوعة المباركة فإنه حسبنا ونعم النصير.

للمجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

قم المقدسة


الباب الأول: فيه فصول:

الفصل الأول: الإمام محمد الباقرعليه‌السلام في سطور.

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصية الإمام محمد الباقرعليه‌السلام .

الفصل الثالث: مظاهر من شخصية الإمام محمد الباقرعليه‌السلام .

الفصل الأول: الإمام محمد الباقرعليه‌السلام في سطور

* الإمام محمد الباقرعليه‌السلام هو خامس الأئمة الأطهار الذين نصّ عليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليخلفوه في قيادة الأمة الإسلامية ويسيروا بها إلى شاطئ الأمن والسلام الذي قدّر الله لها في ظلال قيادة المعصومين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

* ولقد انحدر الإمام الباقرعليه‌السلام من سلالة طاهرة مطهّرة ارتقت سلّم المجد والكمال وكان أفرادها قمماً شامخة في دنيا الفضائل بعد أن حازت على جميع مقومات الشخصية الإنسانية المتكاملة في مجال الفكر والعقيدة والعقل والعاطفة والإرادة والسلوك، حيث أخلصوا لله تعالى وذابوا في محبته وانصهروا في قيم الرسالة الإسلامية وكانوا ربانيين بحق، وبذلك أصبحوا عِدلاً للقرآن الكريم بنصّ الرسول الأمين، والقدوة الشامخة بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأمناء على تطبيق الرسالة الإسلامية والقادة المعصومون المؤهَّلون لتوجيه الأمة وتربيتها وإدارة شؤونها وتلبية متطلّبات تكاملها وتحقيق سعادتها دنياً وآخرةً.

* ولد الإمام الباقرعليه‌السلام من أبوين علويين طاهرين زكيين فاجتمعت فيه خصال جدّيه السبطين الحسن والحسينعليهما‌السلام ، وعاش في ظلّ جدّه الحسينعليه‌السلام بضع سنوات وترعرع في ظلّ أبيه علي بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام حتى شبّ ونما وبلغ ذروة الكمال وهو ملازم له حتى استشهاده في النصف الأول من العقد العاشر بعد الهجرة النبوية المباركة.


لقد كان أبوه علي بن الحسينعليه‌السلام القدوة الشامخة للباقر بعد جدّه الحسينعليه‌السلام وقد عرف بـ (زين العابدين) و(سيد الساجدين) و(قدوة الزاهدين) و(سراج الدنيا) و(جمال الدين)، فكان أهلاً للإمامة العظمى لشرفه وسؤدده وعلمه وتألقه وكمال عقله، كما شهد له بذلك كل من عاصره.

ولقد نهل الإمام محمد بن علي الباقرعليهما‌السلام العلوم والمعارف من هذا الوالد العظيم حتى فاق وأبدع في كل العلوم فكان كما شهد له بذلك جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث لقّبه بالباقر قائلاً: إنّه يبقر العلم بقراً، عندما بشّر المسلمين بولادته وبدوره الفاعل في إحياء علوم الشريعة وفي عصر كانت قد عصفت العواصف بالأمة الإسلامية إثر الفتوح المتتالية والتمازج الحضاري والتبادل الثقافي الذي طال الأمة الإسلامية وهي في عنفوان حركتها الثقافية والعلمية التي فجّرها الإسلام في وجودها، وكانت قد حُرمت من الارتواء من معين الرسالة الفيّاض الذي تجسّد في أهل البيتعليهم‌السلام .

* لقد عاش الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام طيلة حياته في المدينة يفيض من علمه على الأمة المسلمة، ويرعى شؤون الجماعة الصالحة التي بذر بذرتها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وربّاها الإمام علي ثمّ الإمامان الحسن والحسينعليهم‌السلام كما غذّاها من بعدهم أبوه علي بن الحسينعليهما‌السلام مقدّماً لها كل مقوّمات تكاملها وأسباب رشدها وسموّها.

لقد عانى الإمام الباقر من ظلم الأمويين منذ أن ولد وحتى استشهد، ما عدا فترة قصيرة جدّاً هي مدّة خلافة عمر بن عبد العزيز التي ناهزت السنتين والنصف.

فعاصر أشدّ أدوار الظلم الأموي، كما أشرف على أفول هذا التيار الجاهلي وتجرّع من غصص الآلام ما ينفرد به مثله وعياً وعظمة وكمالاً.


ولكنه استطاع أن يربّي أعداداً كثيرة من الفقهاء والعلماء والمفسّرين حيث كان المسلمون يقصدونه من شتّى بقاع العالم الإسلامي وقد دانوا له بالفضل بشكل لا نظير له، ولم يعش منعزلاً عن أحداث الساحة الإسلامية وإنّما ساهم بشكل ايجابي في توعية الجماهير وتحريك ضمائرها وسعى لرفع شأنها وإحياء كرامتها بالبذل المادي والعطاء المعنوي كآبائه الكرام وأجداده العظام ولم يقصر عنهم عبادة وتقوى وصبراً وإخلاصاً فكان قدوة شامخة للجيل الذي عاصره ولكل الأجيال التي تلته.

فسلام عليه يوم ولد ويوم جاهد بالعلم والعمل ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً.

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصية الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام

١ ـ قال له الأبرش الكلبي : أنت ابن رسول الله حقاً. ثم صار إلى هشام فقال: دَعُونا منكم يا بني أمية; إن هذا أعلم أهل الأرض بما في السماء والأرض، فهذا ولد رسول الله(١) .

٢ ـ قال أبو إسحاق: لم أر مثله قط(٢) .

٣ ـ قال عبد الله بن عطاء المكي: ما رأيت العلماء عند أحد قطّ أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، ولقد رأيت الحكم بن عتيبة ـ مع جلالته في القوم ـ بين يديه كأنه صبي بين يدي معلّمه(٣) .

٤ ـ قال الحكم بن عتيبة في قوله تعالى:( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) : كان والله محمد بن علي منهم(٤) .

٥ ـ كتب عبد الملك بن مروان إلى عامل المدينة: ابعث إليّ محمد بن علي مقيّداً.
فكتب إليه العامل: ليس كتابي هذا خلافاً عليك يا أمير المؤمنين، ولا ردّاً لأمرك، ولكن رأيت أن أراجعك في الكتاب نصيحة لك، وشفقة عليك. إنّ

ــــــــــــــ

(١) المناقب: ٢ / ٢٨٦.

(٢) أئمتنا: ١ / ٣٩٦، عن أعيان الشيعة: ٤ ق٢ / ٢٠.

(٣) بحار الأنوار: ١١ / ٨٢.

(٤) كشف الغمة: ٢١٢.


الرجل الذي أردته ليس اليوم على وجه الأرض أعفّ منه ولا أزهد ولا أورع منه، وإنّه من أعلم الناس، وأرقّ الناس، وأشدّ الناس اجتهاداً وعبادة،وكرهت لأمير المؤمنين التعرض له فـ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) . فَسُرّ عبد الملك بما أنهى إليه الوالي وعلم أنّه قد نصحه(١) .

٦ ـ وقال له هشام بن عبد الملك: والله ما جرّبت عليك كذبا(٢) وقال له أيضاً: لا تزال العرب والعجم يسودها قريش ما دام فيهم مثلك(٣) .

٧ ـ قال له قتادة بن دعامة البصري: لقد جلست بين يدي الفقهاء، وقدّام ابن عباس، فما اضطرب قلبي قدّام أحد منهم ما اضطرب قدّامك(٤) .

٨ ـ قال له عبد الله بن معمر الليثي: ما أحسب صدوركم إلاّ منابت أشجار العلم، فصار لكم ثمره وللناس ورقه(٥) .

٩ ـ قال شمس الدين محمد بن طولون: أبو جعفر محمد بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه ، الملقّب بالباقر، وهو والد جعفر الصادق رضي الله عنهما، كان الباقر عالماً، سيداً كبيراً، وإنما قيل له الباقر لأنه تبقّر في العلم، أي توسّع، والتبقير التوسيع، وفيه يقول الشاعر:

يا باقر العلم لأهل التقى

وخير من لبّى على الأجبُل(٦)

١٠ ـ قال محمد بن طلحة الشافعي: هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه ورافعه، ومنمّق درّه وواضعه. صفا قلبه، وزكا علمه، وطهرت نفسه، وشرفت أخلاقه، وعمرت بطاعة الله أوقاته،

ــــــــــــــ

(١) أئمتنا: ١ / ٣٩٦، عن أعيان الشيعة: ٤ ق٢ / ٨٥.

(٢) المناقب: ٢ / ٢٧٨.

(٣) بحار الأنوار: ١١ / ٨٨.

(٤) في رحاب أئمة أهل البيت: ٤ / ١٠.

(٥) كشف الغمة: ٢٢١.

(٦) الأئمة الاثنا عشر: ٨١ .


ورسخت في مقام التقوى قدمه، وظهرت عليه سمات الازدلاف، وطهارة الاجتباء(١) .

١١ ـ قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: كان محمد بن علي بن الحسين سيد فقهاء الحجاز، ومنه ومن ابنه جعفر تعلّم الناس الفقه(٢) .

١٢ ـ قال أبو نعيم الإصبهاني: الحاضر الذاكر، الخاشع الصابر، أبو جعفر، محمد بن علي الباقر، كان من سلالة النبوة، ومن جمع حسب الدين والأبوة، تكلم في العوارض والخطرات، وسفح الدموع والعبرات، ونهى عن المراء والخصومات(٣) .

١٣ ـ قال أحمد بن يوسف الدمشقي القرماني: منبع الفضائل والمفاخر، الإمام محمد بن علي الباقررضي‌الله‌عنه ، وإنما سمي بالباقر لأنه بقر العلم، وقد قيل: لقب بالباقر لما روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا جابر يوشك أن تلحق بولد من ولد الحسين، اسمه كاسمي يبقر العلم بقراً، أي يفجره تفجيراً، فإذا رأيته فاقرأه مني السلام. وكان خليفة أبيه من بين إخوته، ووصيه والقائم بالإمامة من بعده(٤) .

١٤ ـ قال علي بن محمد بن أحمد المالكي ـ المعروف بابن الصباغ ـ: وكان محمد بن علي بن الحسينعليهم‌السلام مع ما هو عليه من العلم والفضل والسؤدد والرياسة والإمامة، ظاهر الجود في الخاصة والعامة، ومشهور الكرم في الكافة، معروفاً بالفضل والإحسان مع كثرة عياله وتوسط حاله(٥) .

ــــــــــــــ

(١) مطالب السؤول: ٨٠، كشف الغمة: ٢/٣٢٩ والصواعق المحرقة: ٣٠٤ مع اختلاف يسير.

(٢) المدخل إلى موسوعة العتبات المقدسة ٢٠١.

(٣) حلية الأولياء: ٣ / ١٨٠.

(٤) أخبار الدول: ١١١.

(٥) الفصول المهمة: ٢٠١.


١٥ ـ قال ابن خلّكان: أبو جعفر محمد بن علي زين العابدين بن الحسين ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين الملقب بالباقر، أحد الأئمة الاثني عشر... وكان الباقر عالما سيداً كبيراً(١) .

١٦ ـ قال أحمد بن حجر: وارثه ـ أي وارث الإمام زين العابدين ـ منهم عبادة وعلماً، وزهادة أبو جعفر محمد الباقر سمي بذلك من بقر الأرض، أي شقها وأثار مخبّآتها ومكامنها، فلذلك هو أظهر من مخبآت كنوز المعارف، وحقائق الأحكام والحكم واللطائف، ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة، أو فاسد الطينة والسريرة; ومن ثمّ قيل فيه: هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه ورافعه، صفا قلبه، وزكا علمه وعمله، وطهرت نفسه، وشرف خلقه، وعمرت أوقاته بطاعة الله. وله من الرسوم في مقامات العارفين ما تكلّ عنه ألسنة الواصفين. وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة وكفاه شرفاً أنّ ابن المديني روى عن جابر أنّه قال له ـ وهو صغير ـ: رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسلّم عليك، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جالساً، والحسين في حجره وهو يداعبه، فقال:يا جابر يولد له مولود اسمه علي، إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيد العابدين فيقوم ولده، ثم يولد له ولد اسمه محمد، فإذا أدركته يا جابر فاقرأه مني السلام (٢) .

١٧ ـ قال محمد أمين البغدادي السويدي: لم يظهر عن أحد من أولاد الحسين من علم الدين والسنن والسير وفنون الأدب، ما ظهر عن أبي جعفررضي‌الله‌عنه (٣) .

ــــــــــــــ

(١) وفيات الأعيان: ٣ / ٣١٤.

(٢) الصواعق المحرقة: ٣٠٥.

(٣) سبائك الذهب: ٧٢.


الفصل الثالث: مظاهر من شخصية الإمام محمد الباقرعليه‌السلام

لقد توفرت في شخصية الإمام أبي جعفرعليه‌السلام جميع الصفات الكريمة التي أهّلته لزعامة هذه الأمة.

حيث تميّز هذا الإمام العظيم بمواهبه الروحية والعقلية العظيمة وفضائله النفسية والأخلاقية السامية ممّا جعل صورته صورة متميّزة من بين العظماء والمصلحين، كما تميّز بحسبه الوضّاح، بكل ما يمكن أن يسمو به هذا الإنسان.

ولقد احتاط النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كأشد ما يكون الاحتياط في شأن أمته، ولم يرض أن تكون في ذيل قافلة الأمم والشعوب، فقد أراد لها العزّة والكرامة، وأراد أن تكون خير أمة أخرجت للناس، فأولى مسألة الخلافة والإمامة المزيد من اهتمامه، ونادى بها أكثر من أية قضية أخرى من القضايا الدينية لأنّها القاعدة الصلبة لتطور أية أمة في مجالاتها الفكرية والاجتماعية والسياسية، وقد خصّ بها الأئمة الطاهرين من أهل بيته الذين لم يخضعوا في أي حال من الأحوال لأية نزعة مادية، وإنما آثروا طاعة الله ومصلحة الأمة على كل شيء.

وكان الإمام محمّد بن علي الباقرعليه‌السلام جامعاً للكمالات الإنسانية في سيرته وسلوكه، فكان أهلاً للإمامة الكبرى بعد أبيه زين العابدين.

وما دوّنته كتب التاريخ من فضائله الجمّة هي غيض من فيض، ونشير إلى شيء يسير منها تباعاً:

حلمه:

كان الحلم من أبرز صفات الإمام أبي جعفرعليه‌السلام فقد أجمع المؤرخون على أنه لم يسيء إلى من ظلمه واعتدى عليه، وإنما كان يقابله بالبر والمعروف، ويعامله بالصفح والإحسان، وقد رووا صوراً كثيرة عن عظيم حلمه، كان منها:

١ ـ إن رجلاً كتابياً هاجم الإمامعليه‌السلام واعتدى عليه، وخاطبه بمرّ القول:

(أنت بقر !)

فلطف به الإمام، وقابله ببسمات طافحة بالمروءة قائلاً:

(لا أنا باقر)

وراح الرجل الكتابي يهاجم الإمام قائلاً:(أنت ابن الطبّاخة !)


فتبسّم الإمام، ولم يثره هذا الاعتداء بل قال له:

(ذاك حرفتها) .

ولم ينته الكتابي عن غيّه، وإنما راح يهاجم الإمام قائلاً:

(أنت ابن السوداء الزنجية البذية!)

ولم يغضب الإمامعليه‌السلام ، وإنما قابله باللطف قائلاً:(إن كنت صدقت غفر الله لها، وإن كنت كذبت غفر الله لك) .

وبهت الكتابي، وانبهر من أخلاق الإمامعليه‌السلام التي ضارعت أخلاق الأنبياء. فأعلن إسلامه(١) واختار طريق الحق.

٢ ـ ومن تلك الصور الرائعة المدهشة من حلمه: أن شامياً كان يختلف إلى مجلسه، ويستمع إلى محاضراته، وقد أعجب بها، فأقبل يشتدّ نحو الإمام وقال له:

يا محمّد إنما أغشى مجلسك لا حبّاً مني إليك، ولا أقول: إن أحداً أبغض إليَّ منكم أهل البيت، واعلم أن طاعة الله، وطاعة أمير المؤمنين في بغضكم، ولكني أراك رجلاً فصيحاً لك أدب وحسن لفظ، فإنّما اختلف إليك لحسن أدبك !!.ونظر إليه الإمامعليه‌السلام بعطف وحنان، وأخذ يغدق عليه ببرّه ومعروفه حتى تنبّه الرجل وتبين له الحق، وانتقل من البغض إلى الولاء للإمامعليه‌السلام ، وظلّ ملازماً له حتى حضرته الوفاة فأوصى أن يصلي عليه(٢) .

وحاكى الإمام الباقرعليه‌السلام بهذه الأخلاق الرفيعة جدّه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي استطاع بسموّ أخلاقه أن يؤلّف بين القلوب، ويوحّد بين المشاعر والعواطف ويجمع الناس على كلمة التوحيد بعد ما كانوا فرقاً وأحزاباً.

ــــــــــــــ

(١) مناقب آل أبي طالب: ٣/٣٣٧، بحار الأنوار: ٤٦/٢٨٩، الأنوار البهيّة: ١٤٢، مستدرك البحار: ٢/٣٨٣.

(٢) بحار الأنوار: ١١ / ٦٦.


صبره:

لقد كان الصبر من الصفات الذاتية للأئمة الطاهرين من أهل البيتعليهم‌السلام فقد صبروا على مكاره الدهر، ونوائب الأيام، وصبروا على تجرّع الخطوب التي تعجز عن حملها الجبال، فقد استقبل الإمام الحسينعليه‌السلام على صعيد كربلاء أمواجاً من المحن الشاقة التي تذهل كل كائن حي، مترنّماً بقولهعليه‌السلام :(صبراً على قضائك يا رب، لا معبود سواك) .

وصبر الإمام الباقرعليه‌السلام كآبائه على تحمل المحن والخطوب. وإليك بعض تلك المحن:

١ ـ انتقاص السلطة لآبائه الطاهرين، وإعلان سبّهم على المنابر والمآذن، وهوعليه‌السلام يسمع ذلك، ولا يتمكن أن ينبس ببنت شفة فصبر وكظم غيظه، وأوكل الأمر إلى الله الحاكم بين عباده بالحق.

٢ ـ ومن بين المحن الشاقة التي صبر عليها التنكيل الهائل بشيعة أهل البيتعليهم‌السلام وملاحقتهم تحت كل حجر ومدر وقتلهم بأيدي الجلادين من عملاء السلطة الأموية، وهو لا يتمكن أن يحرك ساكناً، وقد فرضت عليه السلطة الرقابة الشديدة، ورفضت كل طلب له في شأن شيعته.

٣ ـ وروى المؤرخون عن عظيم صبره انه كان جالساً مع أصحابه إذ سمع صيحة عالية في داره، فأسرع إليه بعض مواليه فأسرّ إليه بشيء فقالعليه‌السلام :

(الحمد لله على ما أعطى، وله ما أخذ، إنْهَهُم عن البكاء، وخذوا في جهازه، واطلبوا السكينة، وقولوا لها: لا ضير عليك أنت حرة لوجه الله لما تداخلك من الروع...) .

ورجع إلى حديثه، فتهيّب القوم سؤاله، ثم أقبل غلامه فقال له: قد جهّزناه، فأمر أصحابه بالقيام معه للصلاة على ولده ودفنه، وأخبر أصحابه بشأنه فقال لهم: إنه قد سقط من جارية كانت تحمله فمات(١) .

٤ ـ وروي أيضاً: أنه كان للإمامعليه‌السلام ولد وكان أثيراً عنده فمرض فخشي على الإمام لشدة حبه له، وتوفي الولد فسكن صبر الإمام، فقيل له: خشينا عليك يا ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأجاب وهو مليُّ بالاطمئنان والرضا بقضاء الله قائلاً:

ــــــــــــــ

(١) عيون الأخبار وفنون الآثار: ٢١٨.


(إنّا ندعو الله فيما يحب فإذا وقع ما نكره لم نخالف الله فيما يحب) (١) .

لقد تسلّح الإمامعليه‌السلام بالصبر أمام نوائب الدنيا وقابل كوارث الدهر بإرادة صلبة، وإيمان راسخ، وتحمّل الخطوب في غير ضجر ولا سأم محتسباً في ذلك الأجر عند الله تعالى.

كرمه وسخاؤه:

الكرم من أوضح الفضائل والمكارم لأئمة أهل البيتعليهم‌السلام فقد بسطوا أيديهم بسخاء نادر إلى الفقراء والسائلين، وفيهم يقول الشاعر:

لو كان يوجد عرف مجد قبلهم

لوجدته منهم على أميال

إن جئتهم أبصرت بين بيوتهم

كرماً يقيك مواقف التسآل

نور النبوة والمكارم فيهم

متوقد في الشيب والأطفال(٢)

لقد فطر الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام على حب الخير وصلة الناس وإدخال السرور عليهم.

أ ـ إكرامه الفقراء: ومن معالي أخلاقه أنه كان يبجّل الفقراء، ويرفع من شأنهم لئلا يرى عليهم ذلّ الحاجة، ويقول المؤرخون: انه عهد لأهله إذا قصدهم سائل أن لا يقولوا له: يا سائل خذ هذا، وإنما يقولون له: يا عبد الله بورك فيك(٣) وقال: سمّوهم بأحسن أسمائهم(٤) .

ــــــــــــــ

(١) تأريخ دمشق: ٥١ / ٥٢، عيون الأخبار لابن قتيبة: ٣ / ٥٧.

(٢) الفصول المهمة: ٢٢٧.

(٣) عيون الأخبار: ٣ / ٢٠٨.

(٤) البيان والتبيين: ١٥٨.


ب ـ عتقه العبيد: وكان الإمام الباقرعليه‌السلام شغوفاً بعتق العبيد، وإنقاذهم من رقّ العبودية، فقد أعتق أهل بيت بلغوا أحد عشر مملوكاً(١) وكان عنده ستون مملوكاً فأعتق ثلثهم عند موته(٢) .

ج ـ صلته لأصحابه: وكان أحب شيء إلى الإمامعليه‌السلام في هذه الدنيا صلته لإخوانه فكان لا يمل من صلتهم وصلة قاصديه وراجيه ومؤمّليه، وقد عهد لابنه الإمام الصادقعليه‌السلام أن ينفق من بعده على أصحابه وتلاميذه ليتفرّغوا إلى نشر العلم وإذاعته بين الناس(٣) .

د ـ صدقاته على فقراء المدينة: وكان الإمامعليه‌السلام كثير البر والمعروف على فقراء يثرب، وقد أحصيت صدقاته عليهم فبلغت ثمانية الآف دينار(٤) وكان يتصدق عليهم في كل يوم جمعة بدينار ويقول: (الصدقة يوم الجمعة تضاعف الفضل على غيره من الأيام)(٥) .

وذكر المؤرخون: أنه كان أقلّ أهل بيته مالاً وأعظمهم مؤونة(٦) ، ومع ذلك كان يجود بما عنده لإنعاش الفقراء والمحرومين. وقد نقل الرواة بوادر كثيرة من هذا الجود وإليك نماذج منها:

١ ـ روى سليمان بن قرم فقال: كان أبو جعفر يجيزنا الخمسمائة درهم

ــــــــــــــ

(١) عن شرح شافية أبي فراس: ٢ / ١٧٦.

(٢) المصدر السابق.

(٣) حياة الإمام محمد الباقر عليه‌السلام : ١ / ١٢٤.

(٤) شرح شافية أبي فراس: ٢ / ١٧٦.

(٥) في رحاب أئمة أهل البيتعليهم‌السلام : ٤ / ١٢.

(٦) المصدر السابق.


إلى الستمئة درهم إلى الألف، وكان لا يملّ من صلة الإخوان وقاصديه وراجيه(١) .

٢ ـ قال الحسن بن كثير: شكوت إلى أبي جعفر محمد بن علي الحاجة وجفاء الإخوان، فتأثرعليه‌السلام وقال:بئس الأخ يرعاك غنياً، ويقطعك فقيراً ، ثم أمر غلامه فأخرج كيساً فيه سبعمئة درهم، وقال:استنفق هذه فإذا نفذت فأعلمني (٢).

٣ ـ وكانعليه‌السلام يحبو قوماً يغشون مجلسه من المائة إلى الألف، وكان يحبّ مجالستهم، منهم عمرو بن دينار، وعبد الله بن عبيد. وكان يحمل إليهم الصلة والكسوة، ويقول:هيّأناها لكم من أوّل السنة (٣) .

٤ ـ روت مولاته سلمى فقالت: كان يدخل عليه إخوانه فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطعام الطيب، ويلبسهم الثياب الحسنة، ويهب لهم الدراهم، وقد عذلته سلمى عن ذلك فقال لها:يا سلمى ما يؤمل في الدنيا بعد المعارف والإخوان .. (٤) وكان يقول:(ما حسّنت الدنيا إلاّ صلة الإخوان والمعارف) (٥) .

عبادته:

كان الإمام أبو جعفر الباقرعليه‌السلام من أئمة المتقين في الإسلام، فقد عرف الله معرفة استوعبت دخائل نفسه، فأقبل على ربه بقلب منيب، وأخلص في طاعته كأعظم ما يكون الإخلاص. أما مظاهر عبادته فيمكن الإشارة إلى بعضها كما يلي:

ــــــــــــــ

(١) الإرشاد: ٢٩٩.

(٢) صفة الصفوة: ٢ / ٦٣.

(٣) عيون الأخبار وفنون الآثار: ٢١٧، والإرشاد: ٢٢٩.

(٤) صفة الصفوة: ٢ / ٦٣.

(٥) المصدر السابق .


أ ـ خشوعه في صلاته: فقد عرف عنه أنه كان إذا أقبل على الصلاة اصفرّ لونه(١) خوفاً من الله وخشية منه، ولا غرو في ذلك فقد عرف عظمة الله تعالى، الذي فطر الكون ووهب الحياة، فعبده عبادة المتقين المنيبين.

ب ـ كثرة صلاته: وكان كثير الصلاة حتى كان يصلي في اليوم والليلة مائة وخمسين ركعة(٢) ولم تشغله شؤونه العلمية ومرجعيته العامة للأمة عن كثرة الصلاة، التي كانت أعزّ شيء عنده; لأنها الصلة والرباط الوثيق بينه وبين الله تعالى.

ج ـ دعاؤه في سجوده: إنّ أقرب ما يكون العبد فيه إلى ربه أن يكون ساجداً، من هنا كان الإمامعليه‌السلام في سجوده يتجه بقلبه وكلّ عواطفه نحو الله ويناجيه بانقطاع وإخلاص، وقد أثرت عنه بعض الأدعية في سجوده:

١ ـ روى إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنه قال: كنت أمهّد لأبي فرشه فانتظره حتى يأتي، فإذا آوى إلى فراشه ونام قمت إلى فراشي. وقد أبطأ عليّ ذات ليلة فأتيت المسجد في طلبه، وذلك بعدما هدأ الناس، فإذا هو في المسجد ساجد، وليس في المسجد غيره فسمعت حنينه وهو يقول:(سبحانك اللهم، أنت ربي حقاً حقاً، سجدت لك يا رب تعبّداً ورقّاً، اللهم إنّ عملي ضعيف فضاعفه لي... اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك، وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم) (٣) .

٢ ـ روى أبو عبيدة الحذّاء فقال: سمعت أبا جعفر يقول: ـ وهو ساجد ـ:(أسألك بحق حبيبك محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ بدّلت سيّآتي حسنات، وحاسبتني حساباً يسيراً) .

ــــــــــــــ

(١) راجع تاريخ ابن عساكر: ٥١ / ٤٤.

(٢) تذكرة الحفاظ: ١ / ١٢٥، تأريخ ابن عساكر: ٥١ / ٤٤، حلية الأولياء: ٣ / ١٨٢.

(٣) فروع الكافي: ٣ / ٣٢٣.


ثم قال في السجدة الثانية:(أسألك بحق حبيبك محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ ما كفيتني مؤونة الدنيا، وكلّ هول دون الجنة) .

ثم قال في الثالثة:(أسألك بحق حبيبك محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا غفرت لي الكثير من الذنوب والقليل، وقبلت منّي عملي اليسير) .

ثم قال في الرابعة:(أسألك بحق حبيبك محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما أدخلتني الجنة، وجعلتني من سكّانها، ولمّا نجيتني من سفعات النار (١) برحمتك، وصلَّى الله على محمد وآله) (٢) .

وتكشف هذه الأدعية عن شدة تعلقه بالله وعظيم إنابته إليه.

حجه:

وكان الإمام أبو جعفرعليه‌السلام إذا حجّ البيت الحرام انقطع إلى الله وأناب إليه وظهرت عليه آثار الخشوع والطاعة، وقد قال مولاه أفلح: حججت مع أبي جعفر محمد الباقر فلما دخل إلى المسجد رفع صوته بالبكاء فقلت له: (بأبي أنت وأمي إن الناس ينتظرونك فلو خفضت صوتك قليلاً).

فلم يعتن الإمام وراح يقول له:(ويحك يا أفلح إني أرفع صوتي بالبكاء لعلّ الله ينظر إليّ برحمة فأفوز بها غداً) .

ثم إنه طاف بالبيت، وجاء حتى ركع خلف المقام، فلما فرغ وإذا بموضع سجوده قد ابتلّ من دموع عينيه(٣) وحجعليه‌السلام مرة وقد احتفّ به الحجيج،

ــــــــــــــ

(١) سفعات النار: هي لفحات السعير التي تغير بشرة الإنسان لشدة حرارتها.

(٢) فروع الكافي: ٣ / ٣٢٢.

(٣) صفة الصفوة: ٢ / ٦٣، نور الأبصار: ١٣٠.


وازدحموا عليه وهم يستفتونه عن مناسكهم ويسألونه عن أمور دينهم، والإمام يجيبهم. وبهر الناس من سعة علومه حتّى أخذ بعضهم يسأل بعضاً عنه فانبرى إليهم واحد من أصحابه فعرّفه قائلاً:(ألا إنّ هذا باقر علم الرسل، وهذا مبيّن السبل، وهذا خير من رسخ في أصلاب أصحاب السفينة، هذا ابن فاطمة الغرّاء العذراء الزهراء، هذا بقية الله في أرضه، هذا ناموس الدهر، هذا ابن محمّد وخديجة وعلي وفاطمة، هذا منار الدين القائمة) (١) .

مناجاته مع الله تعالى:

كان الإمامعليه‌السلام يناجي الله تعالى في غَلَس الليل البهيم، وكان مما يقوله في مناجاته:(أمرتني فلم أئتمر، وزجرتني فلم أزدجر، هذا عبدك بين يديك) (٢) .

ذكره لله تعالى:

لقد كان دائم الذكر لله تعالى، وكان لسانه يلهج بذكر الله في أكثر أوقاته، فكان يمشي ويذكر الله، ويحدّث القوم وما يشغله ذلك عن ذكره تعالى. وكان يجمع ولده ويأمرهم بذكر الله حتى تطلع الشمس، كما كان يأمرهم بقراءة القرآن، ومن كان لا يقرأ منهم كان يأمره بذكر الله تعالى(٣) .

ــــــــــــــ

(١) مناقب ابن شهرآشوب: ٤ / ١٨٣.

(٢) حلية الأولياء: ٣ / ١٨٦، ترجمة محمّد بن علي الباقر عليه‌السلام ، رقم ٢٣٥; صفة الصفوة: ٢ / ٦٣.

(٣) في رحاب أئمة أهل البيتعليهم‌السلام : ٤ / ٦.


زهده في الدنيا:

وزهد الإمام أبو جعفرعليه‌السلام في جميع مباهج الحياة وأعرض عن زينتها فلم يتخذ الرياش في داره، وإنما كان يفرش في مجلسه حصيراً(١) .

لقد نظر إلى الحياة بعمق وتبصر في جميع شؤونها فزهد في ملاذّها، واتّجه نحو الله تعالى بقلب منيب.

فعن جابر بن يزيد الجعفي: قال لي محمد بن عليعليه‌السلام :(يا جابر إني لمحزون، وإني لمشتغل القلب) .

فأنبرى إليه جابر قائلاً: (ما حزنك؟ وما شغل قلبك؟).

فأجابهعليه‌السلام قائلاً:(يا جابر إنه من دخل قلبه صافي دين الله عَزَّ وجَلَّ شغله عمّا سواه. يا جابر ما الدنيا؟ وما عسى أن تكون؟ هل هي إلا مركب ركبته؟ أو ثوب لبسته؟ أو امرأة أصبتها؟!) (٢) .

وأثرت عنه كلمات كثيرة في الحث على الزهد، والإقبال على الله تعالى، والتحذير من غرور الدنيا وآثامها.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض مظاهر شخصيّته المشرقة.

ــــــــــــــ

(١) دعائم الإسلام: ٢ / ١٥٨.

(٢) البداية والنهاية: ٩ / ٣١٠، حياة الإمام محمد الباقر: ١/١١٥ ـ ١٣٤ بتصرّف.


الباب الثاني: فيه فصول:

الفصل الأول: نشأة الإمام محمد الباقرعليه‌السلام .

الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام محمد الباقرعليه‌السلام .

الفصل الثالث: الإمام محمد الباقرعليه‌السلام في ظل جده وأبيهعليهم‌السلام .

الفصل الأول: نشأة الإمام محمّد بن علي الباقرعليه‌السلام

لقد ازدهرت الحياة الفكرية والعلمية في الإسلام بهذا الإمام العظيم الذي التقت فيه عناصر الشخصيّة من السبطين الحسن والحسينعليهما‌السلام ، وامتزجت به تلك الأصول الكريمة والأصلاب الشامخة، والأرحام المطهَّرة، التي تفرّع منها.

فالأب: هو سيد الساجدين وزين العابدين وألمع سادات المسلمين.

والأم: هي السيدة الزكية الطاهرة فاطمة بنت الإمام الحسن سيد شباب أهل الجنة، وتكنى أم عبد الله(١) وكانت من سيدات نساء بني هاشم، وكان الإمام زين العابدينعليه‌السلام يسميها الصديقة(٢) ويقول فيها الإمام أبو عبد الله الصادقعليه‌السلام : (كانت صديقة لم تدرك في آل الحسن مثلها)(٣) وحسبها سموّاً أنها بضعة من ريحانة رسول الله، وأنها نشأت في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ففي حجرها الطاهر تربى الإمام الباقرعليه‌السلام .

المولود المبارك:

وأشرقت الدنيا بمولد الإمام الزكي محمد الباقر الذي بشّر به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل ولادته، وكان أهل البيتعليهم‌السلام ينتظرونه بفارغ الصبر لأنه من أئمة المسلمين الذين نص عليهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعلهم قادة

ــــــــــــــ

(١) تهذيب اللغات والأسماء: ١ / ٨٧، وفيات الأعيان: ٣ / ٣٨٤.

(٢) عن الدر النظيم من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين تسلسل (٢٨٧٩).

(٣) أصول الكافي: ١ / ٤٦٩.


لاُمته، وقرنهم بمحكم التنزيل وكانت ولادته في يثرب في اليوم الثالث من شهر صفر سنة ( ٥٦ هـ )(١) وقيل سنة ( ٥٧ هـ ) في غرة رجب يوم الجمعة(٢) وقد ولد قبل استشهاد جده الإمام الحسينعليه‌السلام بثلاث سنين(٣) وقيل بأربع سنين كما أدلىعليه‌السلام بذلك(٤) وقيل بسنتين وأشهر(٥) .

وقد أجريت له فور ولادته مراسيم الولادة كالأذان والإقامة في أذنيه وحلق رأسه والتصدق بزنة شعره فضة على المساكين، والعَقِّ عنه بكبش والتصدّق به على الفقراء.

وكانت ولادته في عهد معاوية والبلاد الإسلامية تعج بالظلم، وتموج بالكوارث والخطوب من ظلم معاوية وجور ولاته الذين نشروا الإرهاب وأشاعوا الظلم في البلاد.

تسميته: وسماه جده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمحمد، ولقّبه بالباقر قبل أن يولد بعشرات السنين، وكان ذلك من أعلام نبوته، وقد استشفصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من وراء الغيب ما يقوم به سبطه من نشر العلم وإذاعته بين الناس فبشّر به أمته، كما حمل له تحياته على يد الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري.

كنيته: (أبو جعفر)(٦) ولا كنية له غيرها.

ألقابه الشريفة: وقد دلّت على ملامح من شخصيته العظيمة وهي:

١ ـ الأمين.

ــــــــــــــ

(١) وفيات الأعيان: ٣ / ٣١٤، تذكرة الحفاظ: ١ / ١٢٤.

(٢) دلائل الإمامة: ٩٤.

(٣) أخبار الدول: ١١١، وفيات الأعيان: ٣ / ٣١٤.

(٤) تأريخ اليعقوبي: ٢ / ٣٢٠.

(٥) عن عيون المعجزات للحسين بن عبد الوهاب من مخطوطات مكتبة الإمام الحكيم تسلسل (٩٧٥).

(٦) دلائل الإمامة: ٩٤.


٢ ـ الشبيه: لأنه كان يشبه جده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) .

٣ ـ الشاكر.

٤ ـ الهادي.

٥ ـ الصابر.

٦ ـ الشاهد(٢) .

٧ ـ الباقر(٣) .

وهذا من أكثر ألقابه ذيوعاً وانتشاراً، وقد لقب هو وولده الإمام الصادق بـ ( الباقرين ) كما لقبا بـ ( الصادقين ) من باب التغليب(٤) .

ويكاد يجمع المؤرخون والمترجمون للإمام على أنه إنّما لقب بالباقر لأنه بقر العلم أي شقه، وتوسع فيه فعرف أصله وعلم خفيه(٥) .

وقيل: إنما لقّب به لكثرة سجوده فقد بقر جبهته أي فتحها ووسعها(٦) .

تحيات النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الباقرعليه‌السلام : ويجمع المؤرخون على أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حمّل الصحابي العظيم جابر بن عبد الله الأنصاري تحياته، إلى سبطه الإمام الباقر، وكان جابر ينتظر ولادته بفارغ الصبر ليؤدي إليه رسالة جده، فلما ولد الإمام وصار صبياً يافعاً التقى به جابر فأدى إليه تحيات النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد روى المؤرخون ذلك بصور متعددة وهذا بعضها:

١ ـ روى ابن عساكر أن الإمام زين العابدينعليه‌السلام ومعه ولده الباقر دخلا على جابر بن عبد الله الأنصاري، فقال له جابر: من معك يا ابن رسول الله؟ قال:

ــــــــــــــ

(١) أعيان الشيعة: ق١ / ٤ / ٤٦٤.

(٢) راجع جنات الخلود، وناسخ التواريخ. حياة الإمام الباقر عليه‌السلام .

(٣) تذكرة الحفاظ: ١ / ١٢٤، نزهة الجليس: ٢ / ٣٦.

(٤) عن جامع المقال للشيخ الطريحي.

(٥) عيون الأخبار وفنون الآثار: ٢١٣، عمدة الطالب: ١٨٣.

(٦) عن مرآة الزمان في تواريخ الأعيان: ٥ / ٧٨ من مصورات مكتبة الإمام الحكيم.


معي ابني محمد ، فأخذه جابر وضمّه إليه وبكى، ثم قال: اقترب اجلي يا محمد! ، رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرؤك السلام. فسئل: وما ذاك؟ فقال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول:للحسين بن علي يولد لابني هذا ابن يقال له علي بن الحسين، وهو سيد العابدين إذا كان يوم القيامة ينادي مناد ليقم سيد العابدين فيقوم علي بن الحسين، ويولد لعلي بن الحسين ابن يقال له: محمد إذا رأيته يا جابر فاقرأه مني السلام، يا جابر اعلم أن المهدي من ولده، واعلم يا جابر أنّ بقاءك بعده قليل) (١) .

٢ ـ روى تاج الدين بن محمد نقيب حلب بسنده عن الإمام الباقرعليه‌السلام قال:(دخلت على جابر بن عبد الله فسلّمت عليه. فقال لي من أنت؟ وذلك بعد ما كف بصره، فقلت له: محمد بن علي بن الحسين، فقال: بأبي أنت وأمي، ادن مني فدنوت منه، فقبّل يدي ثم أهوى إلى رجلي فاجتذبتها منه، ثم قال: إن رسول الله يقرؤك السلام، فقلت وعلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم السلام ورحمة الله وبركاته، وكيف ذلك يا جابر؟ قال: كنت معه ذات يوم فقال لي: يا جابر لعلك تبقى حتى تلقى رجلاً من ولدي يقال له محمد بن علي بن الحسين يهب له الله النور والحكمة فاقرأه مني السلام...) (٢) .

ــــــــــــــ

(١) عن تاريخ ابن عساكر: ٥١ / ٤١ من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين.

(٢) غاية الاختصار: ٦٤.


٣ ـ ذكر صلاح الدين الصفدي قال: (كان جابر يمشي بالمدينة ويقول: يا باقر متى ألقاك؟ فمرّ يوماً في بعض سكك المدينة فناولته جارية صبياً في حجرها فقال لها: من هذا؟ فقالت: محمّد بن علي بن الحسين، فضمّه إلى صدره، وقبّل رأسه ويديه، وقال: يا بني، جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُقرِئُك السلام ثم قال: يا باقر نعيت إليَّ نفسي فمات في تلك الليلة)(١) .

ملامحه: كانت ملامح الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام كملامح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشمائله(٢) وكما شابه جده النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في معالي أخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيين فقد شابهه في هذه الناحية أيضاً.

ووصفه بعض المعاصرين له فقال: إنه كان معتدل القامة اسمر اللون(٣) رقيق البشرة له خال، ضامر الكشح، حسن الصوت مطرق الرأس(٤) .

ذكاؤه المبكر: وكانعليه‌السلام في طفولته آية من آيات الذكاء حتى أن جابر ابن عبد الله الأنصاري على شيخوخته كان يأتيه فيجلس بين يديه فيعلمه... وقد بهر جابر من سعة علوم الإمام ومعارفه وطفق يقول: (يا باقر لقد أوتيت الحكم صبياً)(٥) .

وقد عرف الصحابة ما يتمتع به الإمام منذ نعومة أظفاره من سعة الفضل والعلم الغزير فكانوا يرجعون إليه في المسائل التي لا يهتدون إليها ويقول المؤرخون إن رجلاً سأل عبد الله بن عمر عن مسألة فلم يقف على جوابها فقال للرجل: اذهب إلى ذلك الغلام ـ وأشار إلى الإمام الباقر ـ فاسأله، وأعلمني بما يجيبك فبادر نحوه وسأله فأجابهعليه‌السلام عن مسألته وخف إلى ابن عمر فاخبره بجواب الإمام، وراح ابن عمر يبدي إعجابه بالإمام قائلاً:

ــــــــــــــ

(١) الوافي بالوفيات: ٤ / ١٠٣.

(٢) أصول الكافي: ١ / ٤٦٩.

(٣) أخبار الدول: ١١١، جوهرة الكلام في مدح السادة الإعلام: ١٣٢.

(٤) أعيان الشيعة: ق١ / ٤ / ٤٧١.

الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف، والضامر هو الهزيل والخفيف اللحم. راجع مختار الصحاح.

(٥) علل الشرائع: ٢٣٤.


إنهم أهل بيت مفهّمون)(١) .

لقد خص الله أئمة أهل البيتعليهم‌السلام بالعلم والفضل، وزوّدهم بما زوّد أنبياءه ورسله من الفهم والحكمة حتّى أنه لم يخف عليهم جواب مسألة تعرض على أحد منهم، ويقول المؤرخون ان الإمام كان عمره تسع سنين وقد سئل عن أدق المسائل فأجاب عنها.

هيبته ووقاره: وبدت على ملامح الإمامعليه‌السلام هيبة الأنبياء ووقارهم، فما جلس معه أحد إلا هابه وأكبره وقد تشرف قتادة وهو فقيه أهل البصرة بمقابلته فاضطرب قلبه من هيبته وأخذ يقول له:

(لقد جلست بين يدي الفقهاء وأمام ابن عباس فما اضطرب قلبي من أي أحد منهم مثل ما اضطرب قلبي منك)(٢) .

نقش خاتمه: (العزة لله جميعاً)(٣) وكان يتختم بخاتم جده الإمام الحسينعليه‌السلام وكان نقشه (إن الله بالغ أمره)(٤) وذلك مما يدل على انقطاعه التام إلى الله وشدة تعلقه به.

ــــــــــــــ

(١) المناقب: ٤ / ١٤٧.

(٢) إثبات الهداة: ٥ / ١٧٦.

(٣) حلية الأولياء: ٣ / ١٨٩.

(٤) في رحاب أئمة أهل البيتعليهم‌السلام : ٤ / ٤.


الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام

تنقسم حياة الإمام محمد الباقرعليه‌السلام ـ على غرار سائر الأئمة المعصومينعليهم‌السلام ـ إلى مرحلتين متميزتين:

المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل التصدي للقيادة الشرعية العامة والتي تشمل القيادة الفكرية والسياسية معاً وهي مرحلة الولادة والنشأة حتى استشهاد أبيهعليه‌السلام . وقد عاش الإمام محمد الباقرعليه‌السلام في هذه المرحلة مع جدّه وأبيهعليهما‌السلام فقضى مع جدّه الحسينعليه‌السلام فترة قصيرة جداً لا تزيد على خمس سنين في أكثر التقادير، ولا تقل عن ثلاث سنين.

وعاش مع أبيه الإمام زين العابدينعليه‌السلام مدة تقرب من اربع وثلاثين سنة، وكانت سنيناً عجافاً; إذ كانت الدولة الأموية في ذروة بطشها وجبروتها، وكان الإمام الباقرعليه‌السلام في هذه المدة رهن إشارة أبيه زين العابدينعليه‌السلام في جميع مواقفه ونشاطاته.

وقد عاصر فيها كلاً من معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية ومعاوية ابن يزيد ومروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان والشطر الأكبر من حكم الوليد بن عبد الملك.

وأما المرحلة الثانية فتبدأ باستشهاد أبيهعليه‌السلام في الخامس والعشرين من محرم الحرام سنة (٩٥ هـ ) وهي مرحلة التصدي لمسؤولية القيادة الروحية والفكرية والسياسية العامة وهي الإمامة الشرعية حسب مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام وهي لا تنحصر في القيادة الروحية فقط كما لا تقتصر على القيادة السياسية بمعنى مزاولة الحكم وإدارة الدولة الإسلامية.

واستغرقت هذه المرحلة ما يقرب من تسعة عشر عاماً، واصل فيها مسيرة الأئمة الهداة من قبله مستلهماً ـ من أجداده الطاهرين وعلومهم والعلوم التي حباه الله بها ـ الأسلوب الصحيح لتحقيق أهداف الرسالة المحمدية.

واستطاع هذا الإمام العظيم خلال تلكم الأعوام أن يقدّم للأمة معالم مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام في جميع مجالات الحياة ويربّي عدة أجيال من الفقهاء والرواة ويبني القاعدة الصلبة من الجماعة الصالحة التي تتبنّى خط أهل البيتعليهم‌السلام الرسالي السليم وتسعى جاهدة لتحقيق أهدافهم المُثلى.

وقد عاصر في هذه المرحلة الأيام الأخيرة من حكم الوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز ويزيد بن عبد الملك وشطراً من حكم هشام بن عبد الملك واستشهد في حكم هشام هذا وعلى يد أحد عمّاله الظالمين.


وأقام الإمامعليه‌السلام طيلة حياته في المدينة المنورة، فلم يبرحها إلى بلد آخر، وقد كان فيها المعلم الأول، والرائد الأكبر للحركة العلمية والثقافية، وقد اتخذ الجامع النبوي مدرسة له فكان يلقي في رحابه بحوثه على تلاميذه.

وقد تخرجت من مدرسة هذا الإمام العملاق مجموعة من العلماء الكبار الذين جابوا شرق الأرض وغربها ناشرين فيها العلم والمعرفة وطأطأت لشخصياتهم المتفوقة الأمة الإسلامية بشتى قطاعاتها.

الفصل الثالث: الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام في ظلّ جدّه وأبيهعليهما‌السلام

مرّ الإمام الباقرعليه‌السلام بمرحلة رافقت الكثير من الأحداث والظواهر في ظلّ جده وأبيهعليهما‌السلام ويمكن تلخيصها بالشكل التالي:

١ ـ عاش الإمام الباقرعليه‌السلام في ظلّ جدّه الحسينعليه‌السلام منذ ولادته وحتى الرابعة من عمره الشريف وقد مكنه ذلك من الإطلاع على الأحداث والوقائع الاجتماعية والسياسية وإدراك طبيعة سيرها وفهم اتجاه حركتها بما أوتي من ذكاء وفهم منذ صباه.

لقد عاش الإمام الباقرعليه‌السلام في مقتبل عمره حادثة مصرع أعمامه وأهل بيته الطاهرين وشاهد باُم عينيه ملحمة عاشوراء ومقتل جدّه الحسينعليه‌السلام واُخذ مأسوراً إلى طواغيت الكوفة والشام وشارك سبايا أهل البيتعليهم‌السلام فيما جرى عليهم من المحن والمصائب الأليمة التي تتصدّع لها القلوب.

كما استمع إلى أقوال أبيه الساخنة وهو يخاطب الطاغية المتغطرس يزيد في الشام والتي كان منها قولهعليه‌السلام : يا يزيد! ومحمد هذا جدي أم جدّك ؟ فإن زعمت أنه جدّك فقد كذبت وكفرت، وإن زعمت أنه جدّي فِلمَ قتلت عترته ؟!! )(١) .

٢ ـ وعاصر الإمام الباقرعليه‌السلام في سنة ( ٦٣ هـ ) واقعة الحرّة التي ثار

ــــــــــــــ

(١) الفتوح: ٥ / ١٥٣ .


فيها أهل المدينة على حكم يزيد وهو في السادسة من عمره الشريف، حيث شاهد نقض أكابر أهل المدينة وفقهائها لبيعة يزيد الفاجر(١) ورأى مدينة جدّه عندما أباحها يزيد لجيشه الجاهلي ثلاثة أيّام متواليات يقتلون أهلها، وينهبون أموالهم ويهتكون أعراضهم(٢) .

٣ ـ عاصر الإمام الباقرعليه‌السلام في هذه المرحلة من حياته الانحرافَ الفكريَ الذي تسبب الأمويون في إيجاده مثل بثّهم للعقائد الباطلة كالجبر والتفويض والإرجاء خدمةً لسلطانهم; لأن هذه المفاهيم تستطيع أن تجعل الأمة مستسلمة للحكام الطغاة ما دامت تبررّ طغيانهم وعصيانهم لأوامر الله ورسوله.

٤ ـ ومن الظواهر التي عاصرها الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام وهو في ظلّ أبيه السجّادعليه‌السلام ظاهرة الانحراف السياسي وتتمثل في تحويل الأمويين للخلافة إلى ملك عضوض يتوارثه الأبناء عن الآباء، ويوزّعون فيه المناصب الحكومية على ذويهم وأقاربهم.لقد عاشعليه‌السلام محنة عداء الأمويين للعلويين والذي تمثل في ظاهرة سبّهم لجدّه الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام على المنابر طيلة ستة عقود.

٥ ـ ومن الأحداث البارزة في حياة الإمام الباقرعليه‌السلام توالي الثورات المسلحة ضد الحكم الأُموي بعد واقعة كربلاء الخالدة، ففي سنة (٦٣ هـ) ثار أهل المدينة في سنة (٦٥ هـ) ثار التوابون، وفي سنة (٦٦ هـ) ثار المختار بن أبي عبيدة الثقفي وثار الزبيريون، وفي سنة (٧٧ هـ) ثار المطرّف بن المغيرة بن شعبة، وفي سنة (٨١ هـ) تمرّد عبد الرحمن بن

ــــــــــــــ

(١) تاريخ الخميس: ٢ / ٣٠٠.

(٢) الكامل في التاريخ: ٤ / ١١٣ .


محمّد بن الأشعث على حكومة عبد الملك بن مروان(١) .

٦ ـ وانتشرت في هذه الفترة ظاهرة وضع الحديث المؤلمة فقد ركّز الأمويون على هذه الأداة لخدمة سلطانهم، حتّى روى ابن طرفة المعروف بنفطويه في تأريخه أن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة كانت في أيام بني أمية تقرّباً إليهم بما يظنّون أنهم يُرغمون أنوف بني هاشم(٢) .

٧ ـ أما الانحراف الأخلاقي والاجتماعي فقد استشرى في أوساط الأمة حيث اشتهر يزيد بن معاوية بفسقه إذ كان يشرب الخمر ويلعب بالكلاب والقرود ويقضي أوقاته بين المغنّين والمغنّيات وشاع عنه ذلك وعرفه عامّة الناس. وكان مروان بن الحكم أيضاً فاحشاً بذيئاً، كما كان أولاده وأحفاده على شاكلته(٣) .

وأشاع الأمويون بين المسلمين روح التعصّب فقرّبوا العرب وأبعدوا غير العرب وأثاروا الشعوبية فمزّقوا بذلك وحدة الصف الإسلامي وأثاروا الأحقاد وزرعوا بذور الشر في قلوب أبناء المجتمع الإسلامي.

٨ ـ وعاش الإمام الباقرعليه‌السلام في هذه المرحلة من حياته في ظلّ سيرة أبيهعليه‌السلام بكل وجوده الذي كان يركز نشاطه على إعادة بناء المجتمع الإسلامي وتشييد دعائم العقيدة الإسلامية القويمة، حيث كان يحاول الإمام زين العابدينعليه‌السلام من خلال بثّ القيم العقائدية والأخلاقية عبر الأدعية وتوجيه رسائل الحقوق وما شابه ذلك صياغة كيان الجماعة الصالحة التي كان عليها أن تتولى عمليّة التغيير في المجتمع الذي راح يتردّى باستمرار.

ــــــــــــــ

(١) البداية والنهاية: ٩ / ١٣٨.

(٢) شرح نهج البلاغة: ٩ / ١٣٨.

(٣) المصدر السابق: ١١ / ٤٦ .


وكان يشارك أباه السجّادعليه‌السلام في أهدافه وخطواته وأساليبه المتعددة في المرحلة التي استغرقت ثلاثة وثلاثين عاماً والتي تمثّلت في الدعاء والإنفاق والعتق والتربية المباشرة للرقيق والأحرار باعتبارها نشاطاً بارزاً للإمام زين العابدينعليه‌السلام خلال هذه المرحلة.

٩ ـ وقف الإمام الباقرعليه‌السلام مواقف أبيه من الثورات والحركات المسلحة التي كانت تهدف إلى إسقاط النظام الفاسد إذ كان يرشدها ويقودها بصورة غير مباشرة من دون أن يعطي للحكام أي دليل يدل على التنسيق من الإمامعليه‌السلام مع الثوّار ضد الحكم الأُموي الغاشم.

١٠ ـ وكان للإمام الباقر دور بارز وهو في ظلّ أبيه في حركته لتأسيس صرح العلم والمعرفة الإسلامية حيث كان يحضر المحافل العامة ليحدّث الناس ويرشدهم، كما كان يفسّر القرآن ويعلّم الناس الأحاديث النبويّة الشريفة ويثقّفهم بالسيرة النبويّة المباركة.

١١ ـ إن التنصيص من الإمام السجّادعليه‌السلام على إمامة ابنه الباقر يعود تأريخياً إلى النصوص التي وردت عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة من بعده ونصّت على إمامة اثني عشر إماماً بعد رسول الله كلهم من قريش وبني هاشم، وتداولها الصحابة والتابعون واستند إليها أهل البيتعليهم‌السلام .


ومن تلك النصوص التي ورد فيها اسم الإمام الباقرعليه‌السلام بشكل خاص هو النص الذي رواه جابر بن عبد الله الأنصاري وقد جاء في هذا النص ما يلي:

(...فقال: يا رسول الله وَمَنْ الأئمة من ولد علي بن أبي طالب؟ قال:(الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ثم سيد العابدين في زمانه عليّ بن الحسين، ثم الباقر محمد بن عليّ وستدركه يا جابر، فإذا أدركته فاقرأه منّي السلام) (١) .

وجاء في نص آخر أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لجابر بن عبد الله الأنصاري:(يولد لابني هذا ـ يعني الحسين ـابن يقال له: علي، وهو سيد العابدين... ويولد له محمد، إذا رأيته يا جابر فاقرأه عليه‌السلام منّي السلام، واعلم أنّ المهدي من ولده...) (٢) .

وقد تناقل الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام الوصية إماماً بعد إمام، فقد أوصى الإمام عليعليه‌السلام ولده الإمام الحسنعليه‌السلام قائلاً:(يا بنيّ إنه أمرني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أوصي إليك، وأدفع إليك كتبي وسلاحي، كما أوصى إلي ودفع إلي كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين، ثم أقبل على ابنه الحسين، فقال: وأمرك رسول الله أن تدفعها إلى ابنك هذا، ثم أخذ بيد علي بن الحسين وقال: وأمرك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي فاقرأه من رسول الله ومنّي السلام) (٣) .

١٢ ـ وكان الإمام زين العابدينعليه‌السلام يوجّه الأنظار إلى إمامة ابنه الباقرعليه‌السلام ، ويستثمر الفرص لإعلانها أمام أبنائه أو بعض أبنائه أو خاصّته وثقاته، يصرّح تارة بها ويلمّح إليها تارة أخرى.

فحينما سأله ابنه عمر عن سرّ اهتمامه بالباقرعليهما‌السلام أجابه:(أن الإمامة في ولده إلى أن يقوم قائمنا عليه‌السلام فيملأها قسطاً وعدلاً، وانه الإمام أبو الأئمة...) (٤) .

وعن الحسين ابن الإمام زين العابدينعليهما‌السلام قال:سأل رجل أبي عليه‌السلام عن الأئمة، فقال: (اثنا عشر سبعة من صلب هذا، ووضع يده على كتف أخي محمد) (٥) .

ــــــــــــــ

(١) كفاية الأثر: ١٤٤ ـ ١٤٥.

(٢) مختصر تاريخ دمشق: ٢٣ / ٧٨، تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٣٢٠، سير أعلام النبلاء: ٤ / ٤٠٤.

(٣) إعلام الورى بأعلام الهدى: ٢٠٧.

(٤) كفاية الأثر: ٢٣٧.

(٥) المصدر السابق: ٢٣٩.


وكان يصرّح لابنه الباقرعليهما‌السلام بإمامته ويقول له:(يا بنيّ إني جعلتك خليفتي من بعدي) (١) .

وروي عن أبي خالد أنه قال: قلت لعليّ بن الحسين: من الإمام بعدك ؟ قال:(محمّد ابني يبقر العلم بقراً) (٢) .

وفي مرضه الذي توفي فيه سأله الزهري قائلاً: فإلى من نختلف بعدك؟ فأجابعليه‌السلام :(يا أبا عبد الله إلى ابني هذا ـ وأشار إلى محمد ابنه ـإنه وصيّي ووارثي وعيبة علمي ومعدن العلم وباقر العلم) ، فقال له الزهري: يا ابن رسول الله هلاّ أوصيت إلى أكبر أولادك؟ فقالعليه‌السلام :(يا أبا عبد الله ليست الإمامة بالصغر والكبر، هكذا عهد إلينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهكذا وجدنا مكتوباً في اللوح والصحيفة) (٣) .

وفي أيامه الأخيرة جمع الإمام زين العابدينعليه‌السلام أولاده: محمد والحسن وعبد الله وعمر وزيد والحسين، وأوصى إلى ابنه محمد... وجعل أمرهم إليه(٤) .

وفي الساعات الأخيرة من حياته التفتعليه‌السلام إلى ولده وهم مجتمعون عنده، ثم التفت إلى ابنه الباقرعليه‌السلام فقال:(يا محمد هذا الصندوق اذهب به إلى بيتك أمَا أنه لم يكن فيه دينار ولا درهم، ولكن كان مملوءاً علماً (٥) .

ــــــــــــــ

(١) كفاية الأثر: ٢٤١.

(٢) بحار الأنوار: ٤٦ / ٣٢٠.

(٣) كفاية الأثر: ٢٤٣.

(٤) كفاية الأثر: ٢٣٩.

(٥) الكافي: ١ / ٣٠٥.


الباب الثالث: فيه فصول:

الفصل الأول: جهاد أهل البيتعليهم‌السلام ودور الإمام الباقرعليه‌السلام .

الفصل الثاني: وقائع وأحداث هامة في عصر الإمام محمد الباقرعليه‌السلام .

الفصل الثالث: دور الإمام الباقرعليه‌السلام في إصلاح الواقع الفاسد.

الفصل الأول: جهاد أهل البيتعليهم‌السلام ودور الإمام الباقرعليه‌السلام

ترتكز العملية التربوية على ثلاثة عناصر أساسية هي: المربي والنظام التربوي والمتربّي. وحينما تفتقد العملية التربوية المربّي الكفوء أو النظام التربوي الصالح فإنها سوف تنحرف ولا تؤتي ثمارها الصالحة.

وقد جاء الإسلام ليربّي المجتمع البشري بقيادة الرسول الخاتم المصطفى محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وخطى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في طريق التربية الشاق خطوات كبيرة، واستطاع في ظلّ الشريعة الإسلامية ونظام الإسلام التربوي أن يربّي من تلك الجماعات الجاهلية أمة صالحة ورشيدة.

ولكن فقدت الأمة الإسلامية المربّي الكفوء حين غادرها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى ربّه، وبهذا انهدم العنصر الأوّل من عناصر التربية الثلاثة.

وكان انهدام هذا العنصر كفيلاً بهدم العنصرين الآخرين إذ لم يكن مَن تزعّم قيادة التجربة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كفوءاً لها ككفاءة النبي نفسه، علماً وعصمةً ونزاهةً وقدرةً وشجاعةً وكمالاً.

أجل; لقد تزعّم التجربة مَن لم يكن معصوماً ولا منصهراً في مفاهيم الرسالة ولا قادراً على حفظ الأمة من الانحراف عن الخط الذي رسمه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لها، ذلك الانحراف الذي لم يعرف المسلمون مدى عمقه ومدى تأثيره السلبي على الدولة والأمة والشريعة على طول الخط ولعلّهم اعتبروه تغييراً في شخص القائد لا تغييراً في خط القيادة.


وقد قام الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام بدور جبّار لصيانة الإسلام والحفاظ على التجربة الإسلامية وعلى دولة الرسول وحاولوا جهد إمكانهم حفظ الأمة المسلمة من التمادي في الانحراف والانهيار، وعملوا بشكل عام على خطّين رئيسين للوقوف بوجه هذا الانحراف الكبير الذي لم يدرك إلاّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته الأطهار مدى عمقه وخطورته على الشريعة والدولة والأمة جميعاً.

والخطّان الرئيسان اللذان عمل الأئمةعليهم‌السلام عليهما وكان عليهم أن يوظّفوا لذلك نشاطهم يتمثّلان في:

١ ـ خط تحصين الأمة ضد الانهيار بعد وقوع التجربة، بأيدي أناس غير مؤهّلين لقيادتها، وإعطائها القدر الكافي من المقومات لكي تواصل مسيرتها في الاتجاه الصحيح، وبقدم راسخة .

٢ ـ خط محاولة تسلّم زمام التجربة وزمام الدولة ومحو آثار الانحراف وإرجاع القيادة الكفوءة إلى موضعها الطبيعي لتكتمل عناصر التربية ولتتلاحم الأمة والمجتمع مع الدولة والقيادة الرشيدة(١) .

أما الخط الثاني فكان على الأئمة الراشدين أن يقوموا له بإعداد طويل المدى، من أجل تهيئة الظروف الموضوعية اللازمة التي تتناسب مع مجموعة القيم والأهداف والأحكام الأساسية التي جاءت بها الرسالة الإسلامية وأريد تحقيقها من خلال الحكم وممارسة الزعامة باسم الإسلام القيّم وباسم الله المشرّع للإنسان تشريعاً يوصله إلى كماله اللائق به.

ــــــــــــــ

(١) أهل البيت، تنوع أدوار ووحدة هدف: ٥٩.


ومن هنا كان رأي الأئمة الأطهار في استلام زمام الحكم هو: أنّ الانتصار المسلّح الآنيّ غير كاف لإقامة دعائم الحكم الإسلامي المستقر، بل يتوقف ذلك على إعداد جيش عقائدي يؤمن بالإمام وبعصمته إيماناً مطلقاً ويعيش جميع أهدافه الكبيرة، ويدعم تخطيطه في مجال الحكم، ويحرس ما يحقّقه للأمة من مصالح أرادها الله لها في هذه الحياة.

وأما الخط الأوّل فهو الخط الذي لا يتنافى مع كل الظروف القاهرة والمؤاتية، وكان يمارسه الأئمةعليهم‌السلام حتى في حالة الشعور بعدم توفر الظروف الموضوعية التي تسمح للإمام بخوض معركة يتسلّم من خلالها زمام الحكم من جديد.

إن هذا الخط يتمثّل في تعميق الرسالة فكرياً وروحيّاً وسياسياً في الأمة نفسها; بغية إيجاد تحصين كاف في صفوفها ضدّ الانهيار، بعد تردّي التجربة وسقوطها، وذلك بإيجاد قواعد واعية في الأمة وإيجاد روح رسالية فيها وإيجاد عواطف صادقة تجاه هذه الرسالة في الأمة(١) .

واستلزم عمل الأئمة الأطهارعليهم‌السلام في هذين الخطّين قيامهم بدور رسالي إيجابي وفعّال على طول الخط لحفظ الرسالة والأمة والدولة وحمايتها جميعاً باستمرار.

وكلما كان الانحراف يشتدّ كان الأئمة الأطهار يتّخذون التدابير اللازمة ضد ذلك. وكلما وقعت محنة للعقيدة أو التجربة الإسلامية وعجزت الزعامات المنحرفة من علاجها ـ بحكم عدم كفاءتها ـ بادر الأئمةعليهم‌السلام إلى تقديم الحلّ ووقاية الأمة من الأخطار التي كانت تهدّدها.

ــــــــــــــ

(١) أهل البيت، تنوع أدوار ووحدة هدف: ١٣١ ـ ١٣٢ و١٤٧ ـ ١٤٨.


فالأئمة المعصومونعليهم‌السلام كانوا يحافظون على المقياس العقائدي في المجتمع الإسلامي إلى درجة لا تنتهي بالأمة إلى الخطر الماحق لها(١) .

ومن هنا تنوّع عمل الأئمةعليهم‌السلام في مجالات شتّى باعتبار تعدّد العلاقات وتعدّد الجوانب والمهامّ التي تهمّهم باعتبارهم القيادة الواعية الرشيدة التي تريد تطبيق الإسلام وحفظه للإنسانية جمعاء.

فالأئمة الأطهارعليهم‌السلام مسؤولون عن صيانة تراث الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثمار جهوده الكريمة المتمثلة في النقاط الأربع التالية:

١ ـ الشريعة والرسالة التي جاء بها الرسول الأعظم من عند الله تعالى والمتمثلة في الكتاب الكريم والسنة الشريفة.

٢ ـ الأمة التي كوّنها وربّاها الرسول الكريم بيديه الكريمتين.

٣ ـ الكيان السياسي الإسلامي الذي أوجده النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والدولة التي أسسها وشيّد أركانها.

٤ ـ القيادة النموذجية التي حققها بنفسه وربّى من يكون كفوءً لتجسيدها من أهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.

لكنّ عدم إمكان الحفاظ على هذا المركز القيادي وتفويت الفرصة على القيادة التي عيّنها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمر من الله تعالى لا يمنع من ممارسة مسؤولية الحفاظ على المجتمع الإسلامي السياسي وصيانة الدولة الإسلامية من الانهيار بالقدر الممكن الذي يتسنّى للقيادة الشرعية بالفعل وبمقدار ما تسمح به الظروف الراهنة.

كما ان سقوط الدولة الإسلامية لا يحول دون الاهتمام بالأمة المسلمة ودون الاهتمام بالرسالة والشريعة الإسلامية وصيانتها من الانهيار والاضمحلال التام.

ــــــــــــــ

(١) أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف: ١٤٤.


وعلى هذا الأساس تنوّعت مجالات عمل الأئمة الطاهرينعليهم‌السلام بالرغم من اختلاف ظروفهم من حيث نوع الحكم القائم، ومن حيث درجة ثقافة الأمة ومدى وعيها، ومدى إيمانها ومعرفتها بالأئمةعليهم‌السلام ، ومدى انقيادها للحكام المنحرفين، ومن حيث نوع الظروف المحيطة بالكيان الإسلامي والدولة الإسلامية، ومن حيث درجة التزام الحكّام بالإسلام، ومن حيث نوع الأدوات التي كانوا يستخدمونها لدعم حكمهم وإحكام سيطرتهم على رقاب الأمة.

فقد كان لائمة أهل البيتعليهم‌السلام نشاط مستمر تجاه الحكم القائم والزعامات المنحرفة، وقد تمثّل في إيقاف الحاكم عن المزيد من الانحراف، بالتوجيه الكلامي، أو بالثورة المسلحة ضد الحاكم حينما كان يشكّل انحرافه خطراً ماحقاً، كثورة الإمام الحسينعليه‌السلام ضد يزيد بن معاوية وان كلّفهم ذلك حياتهم، أو عن طريق إيجاد المعارضة المستمرة ودعمها بشكل وآخر من أجل زعزعة القيادة المنحرفة بالرغم من دعمهم للدولة الإسلامية بشكل غير مباشر حينما كانت تواجه خطراً ماحقاً أمام الكيانات الكافرة.

وكان لهمعليهم‌السلام نشاط مستمر كذلك في مجال تربية الأمة عقائدياً وأخلاقياً وسياسيّاً وذلك من خلال تربية الأصحاب العلماء وبناء الكوادر العلمية والشخصيات النموذجية التي تقوم بمهمة نشر الوعي والفكر الإسلامي وتصحيح الأخطاء الحاصلة في فهم الرسالة والشريعة، ومواجهة التيارات الفكرية الوافدة أو التيارات السياسية المنحرفة أو الشخصيّات العلمية المنحرفة التي كان الحكام الجائرون يستخدمونهم لدعم حكوماتهم. وكانت من جملة مهامّهم دعوة الناس إلى السير وراء القيادة الإلهية بعد الرسولعليهم‌السلام والمتمثّلة في إمامة أهل البيت الأطهار، وتصعيد درجة معرفة الأمة والإيمان بهم والوعي اللازم تجاه إمامتهم وزعامتهم.

هذا بالإضافة إلى نزول الأئمةعليهم‌السلام إلى ساحة الحياة العامة والارتباط بالأمة بشكل مباشر والتعاطف مع قطّاع واسع من المسلمين; فإن الزعامة الجماهيرية الواسعة النطاق التي كان يتمتع بها أئمة أهل البيتعليهم‌السلام على مدى قرون لم يحصلوا عليها صدفة، أو لمجرد الانتماء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ; وذلك لوجود كثير ممن كان ينتسب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يكن يحظى بهذه المكانة عند الناس; لأن الأمة لا تمنح ولاءها لأحد مجاناً، ولا يملك أحدٌ قيادتها وميل قلوبها من دون عطاء سخيّ منه في مختلف مجالات الحياة، وخاصّة عند الأزمات، والمشاكل.


وهكذا خرج الإسلام على مستوى النظرية سليماً من الانحراف وان تشوّهت معالم التطبيق، كما أنّ بفضل قيادة أهل البيت الفكرية والمعنوية تحوّلت الأمة إلى أمة عقائدية تقف بوجه الغزو الفكري والسياسي الكافر واستطاعت أن تسترجع قدرتها وتماسكها على المدى البعيد كما لاحظناه في القرن المعاصر بعد عصور الانهيار والتردي.

وقد حقق الأئمة المعصومونعليهم‌السلام كل هذه الانتصارات بفضل اهتمامهم البليغ بتربية الكتلة الصالحة التي آمنت بهم وبإمامتهم وبفضل إشرافهم على تنمية وعي هذه الكتلة وإيمانها من خلال التخطيط لسلوكها وحمايتها باستمرار وإسعافها بكل الأساليب التي كانت تساعد على صمودها في خضمّ المحن وارتفاعها إلى مستوى جيش عقائدي رسالي يعيش هموم الرسالة ويعمل على صيانتها ونشرها وتطبيقها ليل نهار.

مراحل حركة الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام :

وإذا رجعنا إلى تاريخ أهل البيتعليهم‌السلام والظروف المحيطة بهم ولاحظنا سلوكهم ومواقفهم العامة والخاصة استطعنا أن نصنّف ظروفهم ومواقفهم إلى مراحل وعصور ثلاثة يتميز بعضها عن بعض بالرغم من اشتراكهم في كثير من الظروف والمواقف ولكن الأدوار تتنوع باعتبار مجموعة الظواهر العامة التي تشكل خطّاً فاصلاً ومميّزاً لكل عصر.

فالمرحلة الأولى من حياة الأئمةعليهم‌السلام وهي (مرحلة تفادي صدمة الانحراف) بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تجسّدت في سلوك ومواقف الأئمة الأربعة: علي والحسن والحسين وعلي بن الحسينعليهم‌السلام إذ قاموا بالتحصينات اللازمة لصيانة العناصر الأساسية للرسالة وان لم يستطيعوا القضاء على القيادة المنحرفة. لكنهم استطاعوا كشف زيفها والمحافظة على الرسالة الإسلامية نفسها. وبالطبع إنهم لم يهملوا أمر الأمة أو الدولة الإسلامية بشكل عام ولم يحرموها من رعايتهم واهتمامهم إذا ارتبط الأمر بالكيان الإسلامي والأمة المسلمة، هذا فضلاً عن سعيهم البليغ في بناء وتكوين الكتلة الصالحة المؤمنة بقيادتهم.


وتبدأ المرحلة الثانية بالشطر الثاني من حياة الإمام السجاد السياسية حتى الإمام الكاظمعليهما‌السلام وتتميز بأمرين أساسيين:

١ ـ فيما يرتبط بالخلافة المزيّفة فقد تصدى هؤلاء الأئمة لتعريتها عمّا بدأ الخلفاء يحصّنون به أنفسهم ويبرّرون أفعالهم، من خلال دعم طبقة من المحدّثين والعلماء (من وعّاظ السلاطين) لهم وتقديم التأييد والولاء لهم من أجل إسباغ الصبغة الشرعية على زعامتهم بعد أن استطاع الأئمة في المرحلة الأولى أن يكشفوا زيف خط الخلافة وأن يُحَسِّسوا الأمة بمضاعفات الانحراف الذي حصل في مركز القيادة بعد الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٢ ـ فيما يرتبط ببناء الجماعة الصالحة الذي أرسيت دعائمه في المرحلة الأولى فقد تصدى الأئمة المعصومون في هذه المرحلة إلى تحديد الإطار التفصيلي وإيضاح معالم الخط الرسالي الذي اُؤتمن الأئمة الأطهارعليهم‌السلام عليه والذي تمثّل في تبيين ونشر معالم النظرية الإسلامية الإمامية وتربية عدة أجيال من العلماء على أساس هذه النظرية في قبال خط علماء البلاط والذين عرفوا بوعاظ السلاطين.

هذا فضلاً عن تصديهم لدفع الشبهات وكشف زيف الفرق المذهبية التي استحدثت من قبل خط الخلافة أو غيره.

والأئمة في هذه المرحلة لم يتوانوا في زعزعة قواعد الزعامات والقيادات المنحرفة من خلال دعم بعض الخطوط المعارِضة للسلطة ولا سيَّما الثورية منها التي كانت تتصدى لمواجهة من تربَّع على كرسيّ خلافة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد ثورة الإمام الحسينعليه‌السلام .

والمرحلة الثالثة من حياة الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام تبدأ بشطر من حياة الإمام الكاظمعليه‌السلام وتنتهي بالإمام المهديعليه‌السلام ; فأنهم بعد وضع التحصينات اللازمة للكتلة الصالحة ورسم المعالم والخطوط التفصيلية لها ـ عقائدياً وأخلاقياً وسياسيّاً في المرحلة الثانية ـ قد بدا للخلفاء أن قيادة أهل البيتعليهم‌السلام أصبحت بمستوى تسلّم زمام الحكم والعودة بالمجتمع الإسلامي إلى حظيرة الإسلام الحقيقي، وهو أمر استتبع ردود فعل من جانب الخلفاء تجاه الأئمةعليهم‌السلام ، وكانت مواقف الأئمة تجاه الخلفاء تابعة ومناسبة لنوع موقف الخليفة تجاههم وتجاه قضيتهم.


وأمّا فيما يرتبط بالكتلة الصالحة التي أوضحوا لها معالم منهجها فقد عمل الأئمةعليهم‌السلام على دفعها نحو الثبات والاستقرار والانتشار من أجل تحصينها من الانهيار وإعطائها درجة من الاكتفاء الذاتي، وكان في تقدير الأئمة أنهم بعد المواجهة المستمرة للخلفاء سوف لا يُسمح لهم بالمكث بين ظهرانيهم وسوف لن يتركهم الخلفاء أحراراً بعد أن تبين للأمة عدم شرعيّتهم واتضحت لهم المكانة الشعبية للأئمةعليهم‌السلام الذين كانوا يمثّلون الزعامة الشرعية والاهتمام الحقيقي بشؤون الأمة الإسلامية.

ومن هنا تجلّت حكمة تربية الفقهاء على نطاق واسع ثم إرجاع الناس إليهم وتدريبهم على مراجعتهم في قضاياهم وشؤونهم العامة تمهيداً للغيبة التي لا يعلم مداها إلاّ الله سبحانه والتي اخبر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن تحققها وفرضت الظروف على الأئمة وأتباعهم الانصياع لها.

وبهذا استطاع الأئمةعليهم‌السلام وضمن تخطيط بعيد المدى أن يقفوا في وجه المسلسل الطبيعي للمضاعفات الناشئة عن الانحراف في القيادة والتي كانت تنتهي بتنازل الأمة عن الإسلام الصحيح، وبالتالي ضمور الشريعة وانهيار الرسالة الإلهية بشكل كامل.

فالذي جعل الأمة لا تتنازل عن الإسلام هو تقديم مثل آخر للإسلام واضح المعالم، أصيل المُثل والقيم، أصيل الأهداف والغايات، وقد قُدّمت هذه الأطروحة للأمة من قبل الواعين من المسلمين بزعامة الأئمة من أهل البيت المعصومين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

إنّ هذه الأطروحة التي قدّمها الأئمةعليهم‌السلام للإسلام المحمّدي لم تكن لتتفاعل مع الشيعة المؤمنين بإمامة أهل البيتعليهم‌السلام فقط، بل كان لها صدى كبير في كل العالم الإسلامي، فالأئمة الأطهار كانت لهم أطروحة للإسلام وكانت لهم دعوى لإمامتهم وهذه الدعوى وان لم يطلبوا لها إلاّ عدداً ضئيلاً من مجموع الأمة الإسلامية ولكن الأمة بمجموعها تفاعلت مع هذه الأطروحة التي تُمَثّل النموذج الواضح والمخطّط الصحيح الصريح للإسلام في كل المجالات العامة والخاصة، ثقافياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وخلقياً، مما جعل المسلمين على مرّ الزمن يسهرون على الإسلام ويقيمونه وينظرون إليه بمنظار آخر غير منظار الواقع الذي كانوا يعيشونه من خلال الحكم القائم الذي تلاعب بالإسلام وغيّر معالمه(١) .

ــــــــــــــ

(١) أهل البيت، تنوع أدوار ووحدة هدف: ٧٩ ـ ٨٠ مع بعض التصرّف.


هذا وستكون لنا وقفة تفصيليّة مع الأطروحة الكاملة التي طبّقها والمنهج الذي انتهجه الإمامعليه‌السلام لبناء الجماعة الصالحة في الباب الرابع إن شاء الله تعالى.

الفصل الثاني: وقائع وأحداث هامة في عصر الإمام الباقرعليه‌السلام

إذا أردنا أن نقف على ملامح المرحلة التي مارس فيها الإمام الباقرعليه‌السلام قيادته للأمة الإسلامية بعد والده الإمام زين العابدينعليهما‌السلام وجب أن نقف على أهم الأحداث التي مهّدت لتلك المرحلة ونلاحظ مدى علاقتها بالإمام الباقرعليه‌السلام كمرشّح للقيادة في حياة والده وممارس لها بعد ذلك.

لقد شُيّدت أسس الحكم الأُموي المرواني أيام عبد الملك بن مروان باعتباره أوّل حاكم مقتدر للحكم المرواني. وقد رسمت إجراءاته السياسية ملامح المرحلة التي نريد دراستها.

قال بعض المؤرخين: إن عبد الملك بن مروان قبل أن يتقلد الخلافة كان يظهر النسك والعبادة، فلما بشر بالملك كان بيده المصحف الكريم فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك، أو قال: هذا فراق بيني وبينك(١) .

ولقد اتصف عبد الملك بأخس الصفات وأحطها والتي كان من بينها:

١ ـ الطغيان والجبروت: قال المنصور: كان عبد الملك جباراً لا يبالي ما صنع(٢) وكان فاتكاً لا يعرف الرحمة والعدل، وقد قال: في خطبته بعد قتله

ــــــــــــــ

(١) تاريخ ابن كثير: ٨/٢٦٠.

(٢) النزاع والتخاصم للمقريزي: ٨.


لابن الزبير: لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه(١) ، وهو أول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء(٢) .

٢ ـ الغدر ونكث العهد: فقد أعطى الأمان لعمرو بن سعيد الأشدق على أن تكون الخلافة له من بعده إلا أنه غدر به، وقتله ورمى برأسه إلى أصحابه(٣) ولم يرع وشيجة النسب التي كانت تربطه بعمرو.

لقد خاف عبد الملك من الأشدق، إذ لو كان حياً لاتّخذ التدابير للقضاء على حكم بني مروان ولكن عبد الملك تغدّى به قبل أن يتعشى به عمر، وقد انتقم الله منه; لأنه كان جباراً مسرفاً في إراقة دماء المسلمين وإشاعة الخوف والرعب فيهم.

٣ ـ القسوة والجفاء: حيث انعدمت من نفسه الرحمة والرأفة، حتى أنّه بالغ في إراقة الدماء وسفكها بغير حق، وقد اعترف بذلك هو حين قالت له أم الدرداء: بلغني أنك شربت الطِلى ـ يعني الخمر ـ بعد العبادة والنسك، فقال لها غير متأثم: (إي والله والدماء شربتها)(٤) .

وقد نشر الثكل والحزن والحداد في بيوت المسلمين أيام حكمه الرهيب حتى أنّه خطب في يثرب بعد قتله لابن الزبير خطاباً قاسياً أعرب فيه عما كان يحمله في قرارة نفسه من القسوة والسوء قائلاً: (إني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلاّ بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم...)(٥) .

ــــــــــــــ

(١) تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٢١٩.

(٢) المصدر السابق: ٢١٨.

(٣) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ١٩٠، ط ١، الأعلمي بيروت، ١٤١٣ هـ.

(٤) مختصر تاريخ دمشق: ١٥/٢١٩، ترجمة عبد الملك بن مروان رقم ٢١٠.

(٥) تاريخ ابن كثير: ٩/٦٤.


٤ ـ البخل: فكان يسمى (رشح الحجارة) لشدة شحه وبخله(١) وقد عانت الأمة في أيام حكمه الجوع والفقر والحرمان.

من بدع عبد الملك: خاف عبد الملك أن يتصل ابن الزبير بأهل الشام فيفسدهم عليه فمنعهم من الحج، فقالوا له: أتمنعنا من الحج وهو فريضة فرضها الله، فقال: قال ابن شهاب الزهري انّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس.

وصرفهم بذلك عن الحج إلى بيت الله الحرام، وصيره إلى بيت المقدس وقد استغل الصخرة التي فيه، وروى فيها أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد وضع قدمه عليها حين صعوده إلى السماء فأقامها لهم مقام الكعبة فبنى عليها قبة وعلى فوقها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأمر الناس أن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة(٢) .

وانتقص عبد الملك سلفه من حكام بني أمية، وقد أدلى بذلك في خطابه الذي ألقاه في يثرب، إذ جاء فيه: (إني والله ما أنا بالخليفة، المستضعف ـ يعني عثمان ـ ولا بالخليفة المداهن ـ يعني معاوية ـ ولا بالخليفة المأفون(٣) ـ يعني يزيد).

وعلّق ابن أبي الحديد على هذه الكلمات بقوله: (وهؤلاء سلفه وأئمته، وبشفعتهم قام ذلك المقام، وبتقدمهم وتأسيسهم نال تلك الرياسة، ولولا العادة المتقدمة، والأجناد المجندة والصنائع القائمة، لكان أبعد خلق الله من ذلك

ــــــــــــــ

(١) تاريخ القضاعي: ٧٢.

(٢) اليعقوبي: ٢/٣١١.

(٣) المأفون: الضعيف الرأي.


المقام، وأقربهم إلى المهلكة إن رام ذلك الشرف...)(١) .

من جرائم عبد الملك: وأخطر عمل قام به عبد الملك توليته للسفّاك المعروف الحجّاج بن يوسف الثقفي، فقد عهد بأمور المسلمين إلى هذا الإنسان الممسوخ الذي اشتهر بقساوته وشهوته في إراقة الدماء.

لقد منحه عبد الملك صلاحيات واسعة النطاق، فجعله يتصرف في أمور الدولة حسب رغباته التي لم تكن تخضع إلاّ لمنطق البطش والاستبداد، وقد أمعن هذا الأثيم في النكاية بالناس، وقهرهم وإذلالهم، وقد خلق في البلاد الخاضعة لنفوذه جواً من الأزمات السياسية التي لا عهد للناس بمثلها.

ونقم علماء المسلمين وخيارهم على الحجاج، وكان عمر بن عبد العزيز من الناقمين على الحجاج، والساخطين عليه، حتى قال فيه: (لو جاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج لغلبناهم)(٢) .

وقال عاصم: (ما بقيت لله عَزَّ وجَلَّ حرمة إلاّ وقد ارتكبها الحجاج(٣) .

وقال طاووس: (عجبت لمن يسمي الحجاج مؤمناً)(٤) .

وقال ابن عماد الحنبلي عنه: (سنة خمس وتسعين فيها أراح الله العباد والبلاد بموت الحجاج بن يوسف الثقفي في ليلة مباركة على الأمة... كان لا يصبر عن سفك الدماء وانه اكبر لذّاته وله مقحمات عظام)(٥) .

ولما أراد الحج ولّى على العراق شخصاً اسمه محمد، وقد خطب بين الناس فقال لهم: إني قد استعملت عليكم محمداً، وقد أوصيته فيكم خلاف

ــــــــــــــ

(١) شرح ابن أبي الحديد: ١٥/٢٥٧.

(٢) نهاية الإرب: ٢١/٣٣٤.

(٣) تاريخ ابن كثير: ٩/١٣٢.

(٤) تهذيب التهذيب: ٢/٣١١.

(٥) شذرات الذهب: ١/١٠٦ ـ ١٠٧.


وصية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالأنصار فانه قد أوصى أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، وقد أوصيته أن لا يقبل من محسنكم، ولا يتجاوز عن مسيئكم...)(١) .

وقال الدميري: (كان الحجاج لا يصبر عن سفك الدماء، وكان يخبر عن نفسه أ نّ أكبرَ لذّاته إراقته للدماء، وارتكاب أمور لا يقدر عليها غيره)(٢) .

وقد بالغ في قتل الناس بغير حق، فقد كان عدد من قتلهم صبراً ـ سوى من قتل في حروبه ـ مئة وعشرين ألفاً(٣) وقيل مئة وثلاثين ألفاً(٤) .

وقد اعترف رسمياً بسفكه للدماء بغير حق فقد قال: (والله ما أعلم اليوم رجلاً على ظهر الأرض هو أجرأ على دم مني)(٥) .

وأنكر عليه عبد الملك إسرافه في ذلك إلا أنه لم يعن به(٦) .

وقد وضع سيفه في رقاب القرّاء والعبّاد لأنهم أيدوا ثورة ابن الأشعث، وكان من جملة من قتلهم صبراً سعيد بن جبير أحد أبرز علماء الكوفة وزهادها، ولما بلغ الحسن البصري نبأ قتله قال: والله لقد مات سعيد بن جبير يوم مات وأهل الأرض من مشرقها إلى مغربها محتاجون لعلمه(٧) .

وحكم جماعة من أعلام المسلمين بكفره وإلحاده، منهم سعيد بن جبير النخعي، ومجاهد، وعاصم بن أبي النجود، والشعبي وغيرهم(٨) .

ــــــــــــــ

(١) مروج الذهب: ٣/٨٦.

(٢) حياة الحيوان للدميري: ١/١٦٧.

(٣) تهذيب التهذيب: ٢/٢١١، تيسير الوصول: ٤/٣١، التنبيه والإشراف: ٣١٨، معجم البلدان: ٥/٣٤٩.

(٤) حياة الحيوان: ١/١٧٠، تاريخ الطبري.

(٥) طبقات ابن سعد: ٦/٦٦.

(٦) مروج الذهب: ٣/٧٤.

(٧) حياة الحيوان: ١/١٧١.

(٨) تهذيب التهذيب: ٢/٢١١.


وذلك لأنّ الحجاج قد استهان بالنبي العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى فضّل عبد الملك ابن مروان عليه وذلك حين خاطب الله تعالى أمام الناس قائلاً: (أرسولك أفضل ـ يعني النبي ـ أم خليفتك ـ يعني عبد الملك؟(١) .

وكان ينقم ويسخر من الذين يزورون قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقول: (تبّاً لهم إنما يطوفون بأعواد ورمة بالية، هلاّ طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك، ألا يعلمون أنّ خليفة المرء خير من رسوله؟!(٢) .

وحفل حكم هذا الخبيث بالجرائم والموبقات فقد نكّل بشيعة آل البيتعليهم‌السلام وأذاع فيهم القتل، وأشاع في بيوتهم الثكل والحزن والحداد، في الوقت الذي كان عبد الملك قد كتب إليه: (جنبني دماء بني عبد المطلب فليس فيها شفاء من الحرب، وإني رأيت آل بني حرب قد سُلبوا ملكهم لما قتلوا الحسين بن علي)(٣) .

ولكن الحجاج قد تعرض للعلويين وشيعتهم فانطلقت يده في الفتك بهم وسفك دمائهم حتى أن الرجل كان أحب إليه أن يقال له زنديق من أن يقال له من شيعة علي(٤) . وقال المؤرخون: إن خير وسيلة للتقرب إلى الحجاج كانت انتقاص الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام عنده فقد أقبل إليه بعض المرتزقة من أوغاد الناس وأجلافهم وهو رافع عقيرته قائلاً:

(أيها الأمير، إن أهلي عقوني فسموني علياً، وإني فقير بائس، وأنا إلى صلة الأمير محتاج...). فسرّ الحجاج بذلك وقال: (للطف ما توسلت به، فقد

ــــــــــــــ

(١) النزاع والتخاصم للمقريزي: ٢٧، رسائل الجاحظ: ٢٩٧.

(٢) شرح النهج: ١٥/٢٤٢.

(٣) العقد الفريد: ٣/١٤٩.

(٤) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١١/٤٣ ـ ٤٤، تاريخ الشيعة: ٤٠.


وليتك موضع كذا)(١) .

وعلى أي حال فقد أصبح أتباع أهل البيتعليهم‌السلام في عهد هذا الجلاّد طعمة للسيوف والرماح، إذ نكّل بهم وقتلهم ولاحقهم تحت كل حجر ومدر وأودع الكثيرين منهم السجون، وأثار جوّاً من الإرهاب، لم نشهد له مثيلاً حتى في أيام الطاغية زياد بن أبيه وابنه عبيد الله.

وامتُحنت الكوفة في أيام هذا الجبار كأشد ما تكون المحنة، فقد أخذ يقتل على الظنة والتهمة، وخطب في الكوفة خطاباً قاسياً، لم يحمد الله فيه، ولم يثن عليه، ولم يصلّ على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان من جملة ما قال فيه:

(يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق والمراق ومساوئ الأخلاق، إن أمير المؤمنين ـ يعني عبد الملك ـ فتل كنانته فعجمها عوداً عوداً، فوجدني من أمرّها عوداً، وأصعبها كسراً، فرماكم بي، وانه قلدني عليكم سوطاً وسيفاً، فسقط السوط وبقي السيف(٢) ثم قال: إني والله لأرى أبصاراً طامحة، وأعناقاً متطاولة، ورؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني أنا صاحبها كأني أنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى(٣) ثم أنشد:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا

متى أضع العمامة تعرفوني

ومن جرائم هذا الطاغية: أنه قاد جيشاً مكثفاً إلى مكة لمحاربة ابن الزبير، وقد حاصر البيت الحرام ستة أشهر وسبع عشرة ليلة، وقد أمر برمي الكعبة المشرفة فرميت من جبل أبي قبيس بالمنجنيق(٤) .

ــــــــــــــ

(١) حياة الإمام الحسن بن علي: ٢/٣٣٦.

(٢) تاريخ اليعقوبي: ٣/٦٨.

(٣) مروج الذهب: ٣/٦٨.

(٤) تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر: ٤/٥٠، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٨٤، تاريخ ابن كثير: ٩/٦٣.


واتخذ الحجّاج سجوناً لا تقي من حر ولا برد، وكان يعذب المساجين بأقسى ألوان العذاب، حتى قال المؤرخون: إنه مات في حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة منهن ستة عشر ألفاً مجردات وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد(١) وأُحصي في محبسه ثلاث وثلاثون ألف سجين لم يحبسوا في دَيْن ولا تبعة(٢) وكان يقول لأهل السجن:( اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ) (٣) تشبيهاً لهم بأهل النار، وتشبيهاً لنفسه بالخالق تعالى، عتواً وتكبراً منه.

وتلقى المسلمون نبأ وفاته بمزيد من السرور والأفراح، وكانت الشتائم تلاحقه من يوم وفاته حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

الإمام الباقرعليه‌السلام مع عبد الملك بن مروان:

أوعز عبد الملك إلى عامله على يثرب باعتقال الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام وإرساله إليه مخفوراً، وتردد عامله في إجابته ورأى أن من الحكمة إغلاق ما أمر به فأجابه بما يلي:

(ليس كتابي هذا خلافاً عليك، ولا ردّاً لأمرك، ولكن رأيت أن أراجعك في الكتاب نصيحة وشفقة عليك، فان الرجل الذي أردته ليس على وجه الأرض اليوم أعف منه، ولا أزهد، ولا أورع منه، وأنه ليقرأ في محرابه فيجتمع الطير والسباع إليه تعجباً لصوته، وإن قراءته لتشبه مزامير آل داود، وإنه لمن أعلم الناس، وأرأف الناس، وأشد الناس اجتهاداً وعبادة، فكرهت لأمير المؤمنين التعرض له، فان الله لا يغير ما بقوم، حتى يغيروا ما بأنفسهم...).

ــــــــــــــ

(١) حياة الحيوان للدميري: ١/١٧٠.

(٢) معجم البلدان: ٥/٣٤٩.

(٣) تهذيب التهذيب: ٢/٢١٢.


إن هذه الرسالة لما وافت عبد الملك عدل عن رأيه في اعتقال الإمامعليه‌السلام ورأى أن الصواب فيما قاله عامله(١) .

الإمام الباقرعليه‌السلام وتحرير النقد الإسلامي:

قام الإمام أبو جعفرعليه‌السلام بأسمى خدمة للعالم الإسلامي، فقد حرّر النقد من التبعية للإمبراطورية الرومية، حيث كان النقد يصنع هناك ويحمل شعار الروم النّصارى، وقد جعله الإمامعليه‌السلام مستقلاً بنفسه يحمل الشعار الإسلامي، وقطع الصلة بينه وبين الروم.

أما السبب في ذلك فهو أن عبد الملك بن مروان نظر إلى قرطاس قد طرز بمصر فأمر بترجمته إلى العربية، فترجم له، وقد كتب عليه الشعار المسيحي الأب والابن والروح فأنكر ذلك، وكتب إلى عامله على مصر عبد العزيز بن مروان بإبطال ذلك وأن يحمل المطرزين للثياب والقراطيس وغيرها على أن يطرزوها بشعار التوحيد، ويكتبوا عليها (شهد الله أنه لا إله إلاّ هو) وكتب إلى عمّاله في جميع الآفاق بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرزة بطراز الروم، ومعاقبة من وجد عنده شيء بعد هذا النهي.

وقام المطرزون بكتابة ذلك، فانتشرت في الآفاق، وحملت إلى الروم ولما علم ملك الروم بذلك انتفخت أوداجه، واستشاط غيظاً وغضباً فكتب إلى عبد الملك أن عمل القراطيس بمصر، وسائر ما يطرز إنما يطرز بطراز الروم إلى أن أبطلته، فان كان من تقدمك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت، وإن كنت قد أصبت فقد أخطأوا، فاختر من هاتين الحالتين أيهما شئت وأحببت، وقد بعثت إليك بهدية تشبه محلك، وأحببت أن تجعل رد ذلك الطراز إلى ما كان عليه في جميع ما كان يطرز من أصناف الأعلاق حالة أشكرك عليها وتأمر بقبضة الهدية.

ــــــــــــــ

(١) الدر النظيم: ١٨٨، ضياء العالمين الجزء الثاني في أحوال الإمام الباقر عليه‌السلام .


ولما قرأ عبد الملك الرسالة أعلم الرسول أنه لا جواب له عنده كما رد الهدية، وقفل الرسول راجعاً إلى ملك الروم فأخبره الخبر، فضاعف الهدية وكتب إليه ثانياً يطلب بإعادة ما نسخه من الشعار، ولما انتهى الرسول إلى عبد الملك ردّه، مع هديته، وظل مصمماً على فكرته، فمضى الرسول إلى ملك الروم وعرفه بالأمر، فكتب إلى عبد الملك يتهدده ويتوعده وقد جاء في رسالته:

(إنك قد استخففت بجوابي وهديتي، ولم تسعفني بحاجتي فتوهمتك استقللت الهدية فأضعفتها، فجريت على سبيلك الأول وقد أضعفتها ثالثة وأنا أحلف بالمسيح لتأمرن برد الطراز إلى ما كان عليه أو لآمرن بنقش الدنانير والدراهم، فانك تعلم أنه لا ينقش شيء منها إلاّ ما ينقش في بلادي، ولم تكن الدراهم والدنانير نقشت في الإسلام، فينقش عليها شتم نبيّك، فإذا قرأته إرفضّ جبينك عرقاً، فأحب أن تقبل هديتي، وترد الطراز إلى ما كان عليه، ويكون فعل ذلك هدية تودني بها، وتبقى الحال بيني وبينك...).

ولما قرأ عبد الملك كتابه ضاقت عليه الأرض، وحار كيف يصنع، وراح يقول: أحسبني أشأم مولود في الإسلام، لأني جنيت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من شتم هذا الكافر، وسيبقى عليَّ هذا العار إلى آخر الدنيا فان النقد الذي توعدني به ملك الروم إذا طبع سوف يتناول في جميع أنحاء العالم.

وجمع عبد الملك الناس، وعرض عليهم الأمر فلم يجد عند أحد رأياً حاسماً، وأشار عليه روح بن زنباع، فقال له: إنّك لتعلم المخرج من هذا الأمر، ولكنك تتعمد تركه، فأنكر عليه عبد الملك وقال له: ويحك! من ؟. فقال له: عليك بالباقر من أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فأذعن عبد الملك، وصدقه على رأيه، وعرفه أنه غاب عليه الأمر، وكتب من فوره إلى عامله على يثرب يأمره بإشخاص الإمام وأن يقوم برعايته والاحتفاء به، وأن يجهزه بمائة ألف درهم، وثلاثمائة ألف درهم لنفقته، ولما انتهى الكتاب إلى العامل قام بما عهد إليه، وخرج الإمام من يثرب إلى دمشق فلما سار إليها استقبله عبد الملك، واحتفى به وعرض عليه الأمر فقالعليه‌السلام :

(لا يعظم هذا عليك فإنه ليس بشيء من جهتين: إحداهما أن الله عَزَّ وجَلَّ لم يكن ليطلق ما تهدد به صاحب الروم في رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأخرى وجود الحيلة فيه) .

فقال: ما هي ؟


قالعليه‌السلام :تدعو في هذه الساعة بصناع فيضربون بين يديك سككاً للدراهم والدنانير، وتجعل النقش صورة التوحيد وذكر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم احدهما في وجه الدرهم، والآخر في الوجه الثاني، وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه والسنّة التي يضرب فيها، وتعمد إلى وزن ثلاثين درهماً عدداً من الأصناف الثلاثة إلى العشرة منها وزن عشرة مثاقيل، وعشرة منها وزن ستة مثاقيل، وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل، فتكون أوزانها جميعاً واحداً وعشرين مثقالاً، فتجزئها من الثلاثين فيصير العدة من الجميع وزن سبعة مثاقيل، وتصب صنجات من قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان، فتضرب الدراهم على وزن عشرة، والدنانير على وزن سبعة مثاقيل ... وأمره بضرب السكة على هذا اللون في جميع مناطق العالم الإسلامي، وأن يكون التعامل بها، وتلغى السكة الأولى، ويعاقب بأشد العقوبة من يتعامل بها، وترجع إلى المعامل الإسلامية لتصب ثانياً على الوجه الإسلامي.

وامتثل عبد الملك ذلك، فضرب السكة حسبما رآه الإمامعليه‌السلام ولما فهم ملك الروم ذلك سقط ما في يده، وخاب سعيه، وظل التعامل بالسكة التي صممها الإمامعليه‌السلام حتى في زمان العباسيين(١) .

وذكر ابن كثير أن الذي قام بهذه العملية الإمام زين العابدينعليه‌السلام (٢) . ولا مانع من أن يكون الإمام زين العابدين قد نفّذ الخطة بواسطة ابنه محمد الباقرعليه‌السلام .

وعلى أي حال فان العالم الإسلامي مدين للإمام أبي جعفر الباقرعليه‌السلام بما أسداه إليه من الفضل بإنقاذ نقده من تبعية الروم المسيحيين.

ومرض عبد الملك بن مروان مرضه الذي هلك فيه، وعهد بالخلافة من بعده إلى ولده الوليد، وأوصاه بالحَجاج خيراً، وقال له: وانظر الحَجّاج فأكرمه، فإنه هو الذي وطّأ لكم المنابر، وهو سيفك يا وليد، ويدك على من ناواك، فلا تسمعن فيه قول أحد، وأنت إليه أحوج منه إليك. وادع الناس إذا مت إلى البيعة، فمن قال برأسه هكذا، فقل: بسيفك هكذا...)(٣) .

ومثّلت هذه الوصية اندفاعاته نحو الشرّ حتى في الساعة الأخيرة من حياته. وقد سئل عنه الحسن البصري فقال: ما أقول في رجل كان الحجاج سيئة من سيئاته(٤) .

ــــــــــــــ

(١) حياة الحيوان للدميري: ١/٩١ ـ ٩٢، المحاسن والأضداد للبيهقي، المطالعة العربية: ١/٣١.

(٢) البداية والنهاية: ٩/٦٨.

(٣) تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٢٢٠.

(٤) تاريخ أبي الفداء: ١/٢٠٩.


الوليد بن عبد الملك

واستولى الوليد بن عبد الملك على الحكم بعد هلاك أبيه في النصف من شوال سنة (٨٦ هـ ) ولم تكن فيه أية صفة من صفات النبل بحيث تؤهله للخلافة، وإنما كان جباراً ظالماً(١) وكان يغلب عليه اللحن، وقد خطب في المسجد النبوي، فقال: يا أهل المدينة ـ بالضم ـ مع أن القاعدة تقتضي نصبه لأنه منادى مضاف.

وخطب يوماً فقال: يا ليتها كانت القاضية ـ وضم التاء ـ فقال عمر بن عبد العزيز: عليك وأراحتنا منك(٢) . وعاتبه أبوه على إلحانه، وقال: إنه لا يلي العرب إلا من يحسن كلامهم، فجمع أهل النحو ودخل بيتاً فلم يخرج منه ستة أشهر، ثم خرج منه، وهو أجهل منه يوم دخل(٣) .

وطعن عمر بن عبد العزيز في حكومته فقال: إنه ممن امتلأت الأرض به جوراً(٤) . ويقول المؤرخون: إنه كان كثير النكاح والطلاق إذ يقال: إنه تزوج ثلاثاً وستين امرأة(٥) غير الإماء.

وفي عهد الوليد قتل الحجاج سعيد بن جبير التابعي صبراً وكان قتله من الأحداث الجسام التي روّع بها العالم الإسلامي.

وكانت مدة خلافته تسع سنين وسبعة أشهر، توفي بدير

ــــــــــــــ

(١) تاريخ الخلفاء: ٢٢٣.

(٢) تاريخ ابن الأثير: ٤/١٣٨.

(٣) المصدر السابق.

(٤) تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٢٢٣.

(٥) الأناقة في مآثر الخلافة: ١/١٣٣.


مروان سنة (٩٦ هـ ) وكان عمره خمساً وأربعين سنة(١) .

ثم بويع سليمان بن عبد الملك بعهد من أبيه بعد هلاك أخيه في جمادى الآخرة سنة (٩٦ هـ ) فاستلم الحكم ونكّل بآل الحجاج تنكيلاً فظيعاً، وعهد بتعذيبهم إلى عبد الملك بن المهلب(٢) وعزل جميع عمّال الحجاج وأطلق في يوم واحد من سجنه واحداً وثمانين ألفاً، وأمرهم أن يلحقوا بأهاليهم، ووجد في السجن ثلاثين ألفاً ممن لا ذنب لهم وثلاثين ألف امرأة(٣) وكانت هذه من مآثره وألطافه على الناس.

لكنه كان مجحفاً أشد الإجحاف في جباية الخراج فقد كتب إلى عامله على مصر أسامة بن زيد التنوخي رسالة جاء فيها: (احلب الدر حتى ينقطع، واحلب الدم حتى ينصرم). وقدم عليه أسامة بما جباه من الخراج، وقال له: إني ما جئتك حتى نهكت الرعية وجهدت فان رأيت أن ترفق بها وترفه عليها، وتخفف من خراجها ما تقوى به على عمارة بلادها فافعل فانه يستدرك ذلك في العام المقبل فصاح به سليمان: (هبلتك أمك احلب الدر، فإذا انقطع فاحلب الدم)(٤) .

ودلت هذه البادرة على تجرده من الرحمة والرأفة على رعيته، فقد أمات الحركة الاقتصادية، وأشاع الفقر والبؤس في البلاد.

وكان شديد الإعجاب بنفسه، حتى إنّه لبس يوماً أفخر ثيابه وراح يقول: أنا الملك الشاب المهاب، الكريم، الوهاب، وتمثلت أمامه إحدى جواريه فقال لها: كيف ترين أمير المؤمنين؟!!

فقالت: أراه مني النفس، وقرة العين، لولا ما قال الشاعر...

فقال لها: ما قال: ؟

ــــــــــــــ

(١) تاريخ ابن الأثير: ٤/١٣٨.

(٢) المصدر السابق: ٤/١٣٨.

(٣) تاريخ ابن عساكر: ٥/٨٠.

(٤) الجهشياري: ٣٢.


قالت: إنه قال:

ليس فيما بدا لنا منك عيب

عابه الناس غير أنّك فاني

فكانت هذه الأبيات كالصاعقة على رأسه، فقد تبدد جبروته وإعجابه بنفسه، ولم يمكث إلا زمناً يسيراً حتى هلك(١) وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام، وتوفى يوم الجمعة لعشر ليال بقين من صفر سنة (٩٩ هـ )(٢) .

عمر بن عبد العزيز

ثم تقلّد الحكم الأُموي عمر بن عبد العزيز بعهد من سليمان بن عبد الملك في يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة (٩٩ هـ )(٣) ولمس الناس في عهده القصير الأمن، والرفاه، بشكل نسبي، فقد أزال عنهم شيئاً من جور بني مروان وطغيانهم، وكان محنكاً، قد هذبته التجارب، وقد ساس المسلمين سياسة لم يألفوها ممّن قبله.

وكانت لعمر بن عبد العزيز إنجازات عديدة ميّزته عن سائر الحكّام الأمويين ويمكن تلخيصها فيما يلي:

ــــــــــــــ

(١) مروج الذهب: ٣/١١٣.

(٢) تاريخ ابن الأثير: ٤/١٥١.

(٣) نهاية الإرب: ٢١/٣٥٥.


١ ـ إدانة سب الإمام عليعليه‌السلام ولعنه: كانت الحكومة الأُموية منذ تأسيسها قد تبنت بصورة جادّة سب الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وانتقاصه، فان معاوية كان يرى ان هذا السبّ هو السبب في بقاء دولتهم وسلطانهم(١) ، لأن مبادئ الإمامعليه‌السلام كانت تطاردهم وتفتح أبواب النضال الشعبي ضد سياستهم القائمة على الظلم والجور والطغيان فكان لابدّ من إسقاط شخصيّته، واعتباره.

وقد أدرك عمر بن عبد العزيز أن السياسة التي انتهجها آباؤه ضد الإمامعليه‌السلام لم تكن حكيمة ولا رشيدة، فقد جرّت للأمويين الكثير من المصاعب والمشاكل، وألقتهم في شر عظيم، فعزم على أن يمحو هذه الخطيئة، فأصدر أوامره الحاسمة إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي بترك سبّ عن الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وأن يُقرأ عوض السب قوله تعالى:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ) .

وقد علّل عمر نفسه السبب في تركه لما سنّه آباؤه من انتقاص الإمام بقوله: كان أبي إذا خطب فنال من علي تلجلج، فقلت: يا أبت إنك تمضي في خطبتك فإذا أتيت على ذكر علي عرفت منك تقصيراً، قال: أوفطنت لذلك؟ قلت: نعم، فقال: يا بني إن الذين حولنا لو يعلمون من عليٍّ ما نعلم تفرّقوا عنّا إلى أولاده.

فلما ولي عمر الخلافة لم يكن عنده من الرغبة في الدنيا مثل إبطال ظاهرة سب الإمام(٢) .

وقد أثارت هذه المكرمة إعجاب الجميع، وأخذ الناس يتحدثون عنه بأطيب الحديث ويذكرون شجاعته النادرة في مخالفته لسلفه الطغاة البغاة.

ــــــــــــــ

(١) تاريخ دمشق: ٢/٤٧، تاريخ الأمم والملوك: ٥/١٦٧ ـ ١٦٨.

(٢) تاريخ ابن الأثير: ٤/١٥٤، حوادث سنة ٩٩ هـ .


٢ ـ صلته للعلويين: جهدت الحكومة الأُموية منذ تأسيسها على حرمان أهل البيتعليهم‌السلام من حقوقهم وإشاعة الفاقة في بيوتهم، حتى عانوا الفقر والحرمان، ولكن لما ولي الحكم عمر بن عبد العزيز أجزل لهم العطاء فقد كتب إلى عامله على يثرب أن يقسم فيهم عشرة آلاف دينار، فأجابه عامله: إن علياً قد ولد له في عدة قبائل من قريش، ففي أي ولده ؟ فكتب إليه: إذا أتاك كتابي هذا، فاقسم في ولد علي من فاطمة رضوان الله عليهم عشرة آلاف دينار، فطالما تخطّتهم حقوقه)(١) . وكانت هذه أول صلة تصلهم أيام الحكم الأُموي.

٣ ـ رد فدك: رد عمر فدكاً إلى العلويين بعد أن صودرت منهم، وأخذت تتعاقب عليها الأيدي، وتتناهب الرجال وارداتها، وآل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد حرموا منها، وقد روي ردّه لها بصور متعددة منها:

ألف: إن عمر بن عبد العزيز زار مدينة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمر مناديه أن ينادي: من كانت له مظلمة أو ظلامة فليحضر.

فقصده الإمام أبو جعفرعليه‌السلام فقام إليه عمر تكريماً واحتفى به فقال الإمامعليه‌السلام له:(إنما الدنيا سوق من الأسواق يبتاع فيها الناس ما ينفعهم وما يضرهم، وكم قوم ابتاعوا ما ضرّهم، فلم يصبحوا حتى أتاهم الموت فخرجوا من الدنيا ملومين لما لم يأخذوا ما ينفعهم في الآخرة، فقسم ما جمعوا لمن لم يحمدهم وصاروا إلى من لا يعذرهم، فنحن والله حقيقون أن ننظر إلى تلك الأعمال التي نتخوف عليهم منها، فنكف عنها، واتق الله، واجعل في نفسك اثنتين، انظر إلى ما تحب أن يكون معك إذا قدمت على ربك فقدمه بين يديك، وانظر إلى ما تكره معك إذا قدمت على ربك فارمه وراءك، ولا ترغبن في سلعة

ــــــــــــــ

(١) الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام : ٢/٤٧ ـ ٤٨ .


بارت على من كان قبلك، فترجو أن يجوز عنك، وافتح الأبواب، وسهل الحجاب، وأنصف المظلوم، ورد الظالم، ثلاثة من كن فيه استكمل الإيمان بالله من إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، ومن إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، ومن إذا قدر لم يتناول ما ليس له...) (١) .

ولما سمع عمر كلام الإمامعليه‌السلام أمر بدواة وبياض، وكتب بعد البسملة: (هذا ما رد عمر بن عبد العزيز ظلامة محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بفدك).

ب ـ إنه لما ولي الخلافة أحضر قريشاً ووجوه الناس، فقال لهم: إن فدكاً كانت بيد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكان يضعها حيث أراه الله، ثم وليها أبو بكر كذلك، ثم عمر كذلك، ثم أقطعها مروان(٢) ثم إنها صارت إلي، ولم تكن من مالي أعود علي، وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت عليه في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٣) .

وليس في هذه الرواية أنه ردها إلى العلويين، وإنما وضعها حيث كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يضعها ومن المعلوم أن رسول الله أقطعها إلى بضعته سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراءعليها‌السلام وتصرفت بها في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولكن القوم رغبوا في مصادرتها لمصالح سياسية دعتهم إلى ذلك.

ج ـ إن عمر بن عبد العزيز لما أعلن رد فدك إلى العلويين نقم عليه بنو أُمية فقالوا له: نقمت على الشيخين ـ يعني أبا بكر وعمر ـ فعلهما وطعنت عليهما، ونسبتهما إلى الظلم، فقال: قد صح عندي وعندكم أن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ادعت فدكاً، وكانت في يدها، وما كانت لتكذب على

ــــــــــــــ

(١) المناقب: ٤/٢٠٧ ـ ٢٠٨.

(٢) هكذا في الأصل والصحيح ثم أطعها عثمان مروان.

(٣) تاريخ بن الأثير: ٤/١٦٤.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع شهادة علي، وأم أيمن وأم سلمة، وفاطمة عندي صادقة فيما تدعي، وإن لم تقم البيّنة وهي سيدة نساء الجنة، فأنا اليوم أردها على ورثتها أتقرب بذلك إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأرجو أن تكون فاطمة والحسن والحسين يشفعون لي يوم القيامة، ولو كنت بدل أبي بكر وادعت فاطمةعليها‌السلام كنت أصدقها على دعوتها، ثم سلمها إلى الإمام الباقرعليه‌السلام (١) .

الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام وعمر بن عبد العزيز

وكانت للإمام أبي جعفرعليه‌السلام عدة مواقف مع عمر بن عبد العزيز:

منها: تنبؤ الإمام بخلافة عمر: وأخبر الإمامعليه‌السلام بخلافة عمر بن عبد العزيز وذلك قبل أن تصير إليه الخلافة. قال أبو بصير: كنت مع الإمام أبي جعفرعليه‌السلام في المسجد إذ دخل عمر بن عبد العزيز، وعليه ثوبان ممصّران متكياً على مولى له، فقالعليه‌السلام :ليلينّ هذا الغلام، فيظهر العدل (٢) . إلا أنه قدح في ولايته من جهة وجود من هو أولى منه بالحكم.

ومنها: وصاياه لعمر حين الخلافة: ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كرّم الإمام أبا جعفرعليه‌السلام وعظّمه وأرسل خلفه فنون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وكان من عُبّاد أهل الكوفة، فاستجاب له الإمامعليه‌السلام وسافر إلى دمشق، فاستقبله عمر استقبالاً رائعاً، واحتفى به، وجرت بينهما أحاديث، وبقي الإمام أياماً في ضيافته ولما أراد الإمام الانصراف إلى يثرب خف إلى توديعه فجاء إلى البلاط الأُموي وعرّف الحاجب بأمره فأخبر عمر بذلك، فخرج رسوله فنادى أين أبو جعفر ليدخل، فأشفق الإمام أن يدخل خشية أن لا يكون هو، فقفل الحاجب إلى عمر وأخبره بعدم حضور الإمام، فقال له: كيف قلت؟ قال: قلت: أين أبو جعفر؟ فقال له: اخرج وقل: أين محمد بن علي؟ ففعل ذلك، فقام الإمامعليه‌السلام ، ودخل عليه وحدّثه ثم قال له:إني أريد الوداع ، فقال له عمر: أوصني.

ــــــــــــــ

(١) سفينة البحار: ٢/٢٧٢.

(٢) بحار الأنوار: ٤٦/٢٥١ .


فقالعليه‌السلام :(أوصيك بتقوى الله، واتخذ الكبير أباً، والصغير ولداً والرجل أخاً...) .

وبهر عمر من وصية الإمام وراح يقول بإعجاب: (جمعت لنا والله، ما إن أخذنا به، وأماتنا الله عليه استقام لنا الخير).

وخرج الإمام من عنده، ولما أراد الرحيل بادره رسول عمر فقال له: إن عمر يريد أن يأتيك. فانتظره الإمام حتى أقبل فجلس بين يدي الإمام مبالغة في تكريمه وتعظيمه، ثم انصرف عنه(١) .

ومنها: تقريظه لعمر: ونقلت مباحث الأمويين إلى عمر أن الإمام أبا جعفرعليه‌السلام هو بقية أهله العظماء الذين رفعوا راية الحق والعدل في الأرض، وقد أراد عمر أن يختبره فكتب إليه، فأجابه الإمامعليه‌السلام برسالة فيها موعظة ونصيحة له، فقال عمر: اخرجوا كتابه إلى سليمان. فاخرج كتابه، فوجده يقرّظه، ويمدحه، فأنفذه إلى عامله على المدينة، وأمره أن يعرضه عليه مع كتابه إلى عمر، ويسجّل ما يقوله الإمامعليه‌السلام .

وعرضه العامل على الإمام فقالعليه‌السلام :إن سليمان كان جباراً كتبت إليه ما يكتب إلى الجبارين، وإن صاحبك أظهر أمراً، وكتبت إليه بما شاكله .

وكتب العامل هذه الكلمات إلى عمر فلما قرأها أظهر إعجابه بالإمامعليه‌السلام ، وراح يقول: (إنّ أهل هذا البيت لا يخلّيهم الله من فضل ...)(٢) .

ووجهت لعمر بن عبد العزيز بعض المؤاخذات رغم جميع مآثره:

منها: أنه أقرّ القطائع التي أقطعها من سبقه من أهل بيته، وهي من دون شك كانت بغير وجه مشروع.

ــــــــــــــ

(١) تاريخ دمشق: ٥٤/٢٧٠.

(٢) تاريخ اليعقوبي: ٢/٤٨.


ومنها: أن عمّاله وولاته على الأقطار والأقاليم الإسلامية قد جهدوا في ظلم الناس وابتزاز أموالهم.

حتّى إنّ عمر كان يخطب على المنبر فانبرى إليه رجل فقطع عليه خطابه، وقال له:

إن الذين بعثت في أقطارها

نبذوا كتابك واستحل المحرم

طلس الثياب على منابر أرضنا

كل يجور وكلهم يتظلم

وأردت أن يلي الأمانة منهم

عدل وهيهات الأمين المسلم(١)

ومنها: أنه أقر العطاء الذي كان للأشراف، فلم يغيره في حين أنه كان يتنافى مع المبادئ الإسلامية التي ألزمت بالمساواة بين المسلمين، وألغت التمايز بينهم.

ومنها: أنه زاد في عطاء أهل الشام عشرة دنانير، ولم يفعل مثل ذلك في أهل العراق(٢) . ولا وجه لهذا التمييز الذي يتصادم مع روح الإسلام.

وألمت الأمراض بعمر بن عبد العزيز، وقالوا: إنه امتنع من التداوي فقيل له: لو تداويت؟ فقال: لو كان دوائي في مسح أذني ما مسحتها، نعم المذهوب إليه ربي(٣) .

وتنص بعض المصادر على أنّه سقي السم من قبل الأمويين لأنهم علموا أنه إن امتدت أيامه فسوف يخرج الأمر منهم، ولا يعهد بالخلافة إلا لمن

ــــــــــــــ

(١) حياة الإمام موسى بن جعفر: ١/٣٥٠.

(٢) تاريخ اليعقوبي: ٢/٤٨.

(٣) تاريخ ابن الأثير: ٤/١٦١.


يصلح لها فعاجلوه(١) . وتوفي في دير سمعان في شهر رجب(٢) سنة (١٠١ هـ ).

يزيد بن عبد الملك

واستولى يزيد بن عبد الملك على الحكم بعهد من أخيه سليمان، وأقام أربعين يوماً يسير بين الناس بسياسة عمر بن عبد العزيز، فشق ذلك على بني أمية، فأتوه بأربعين شيخاً فشهدوا بأنه ليس على الخلفاء حساب ولا عقاب(٣) . فعدل عن سياسة عمر، وساس الناس سياسة عنف وجبروت، وعمد إلى عزل جميع ولاة عمر، وكتب مرسوماً إلى عماله جاء فيه:

(أما بعد فإنّ عمر بن عبد العزيز كان مغروراً، فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده، وأعيدوا الناس إلى طبقتهم الأولى، أخصبوا أم أجدبوا، أحبوا أم كرهوا، حيوا أم ماتوا...)(٤) .

وعاد الظلم على الناس بأبشع صوره وألوانه، وانتشر الجور، وعم الطغيان جميع أنحاء البلاد.

لقد كان يزيد بن عبد الملك جاهلاً، حقوداً على أهل العلم، حتى أنّه كان يحتقر العلماء، ويسمي الحسن البصري بالشيخ الجاهل(٥) كما كان مسرفاً في اللهو والمجون حتى هام بحب حبابة، وقد ثمل يوماً، فقال: دعوني أطير، فقالت حبابة: على من تدع الأمة؟ قال: عليك. وخرجت معه إلى الأردن يتنزهان فرماها بحبة عنب فدخلت حلقها فشرقت، ومرضت، وماتت فتركها

ــــــــــــــ

(١) الإنافة في مآثر الخلافة: ١/١٤٢.

(٢) تاريخ ابن الأثير: ٤ / ١٦١.

(٣) المصدر السابق: ٩/٢٣٢.

(٤) العقد الفريد: ٣/١٨٠.

(٥) الطبقات الكبرى: ٥/٩٥.


ثلاثة أيام لم يدفنها حتى أنتنت، وهو يشمها، ويقبلها، وينظر إليها ويبكي، فكلم في أمرها حتى أذن في دفنها، وعاد إلى مقره كئيباً حزيناً(١) .

وله أخبار كثيرة مخزية في الدعارة واللهو أعرضنا عن ذكرها، وهلك سنة (١٠٥ هـ ).

هشام بن عبد الملك

استولى هشام بن عبد الملك على الحكم في اليوم الذي هلك فيه أخوه يزيد لخمس بقين من شوال وهو المعروف بأحول بني أمية وكان حقوداً على ذوي الأحساب العريقة، ومبغضاً لكل شريف.

ومن مظاهر بخله انه كان يقول: ضع الدرهم على الدرهم يكون مالاً(٢) وقد جمع من المال ما لم يجمعه خليفة قبله(٣) .

وقال: ما ندمت على شيء ندامتي على ما أهب، إن الخلافة تحتاج إلى الأموال كاحتياج المريض إلى الدواء(٤) .

ودخل إلى بستان له فيها فاكهة فجعل أصحابه يأكلون من ثمرها، فأوعز إلى غلامه بقلع الأشجار وزراعة الزيتون لئلا يأكل منه أحد(٥) .

ووصفه اليعقوبي بأنه بخيل فظ ظلوم شديد القسوة، وهو الذي قتل زيد بن علي، وتعرض الإمام أبو جعفرعليه‌السلام في عهده إلى ضروب من المحن والآلام والتي كان من بينها ما يلي:

ــــــــــــــ

(١) الكامل في التاريخ: ٥/١٢١.

(٢) البخلاء: ١٥٠.

(٣) أخبار الدول: ٢/٢٠٠.

(٤) انساب الأشراف: ٨/٣٩٩ طبعة دار الفكر المحققة ١٤١٧ هـ.

(٥) البخلاء: ١٥٠.


حمل الإمام الباقرعليه‌السلام إلى دمشق واعتقاله:

لقد أمر الطاغية هشام عاملَه على المدينة بحمل الإمام إلى دمشق وقد روى المؤرخون في ذلك روايتين:

الرواية الأولى: أن الإمامعليه‌السلام لما انتهى إلى دمشق، وعلم هشام بقدومه أوعز إلى حاشيته أن يقابلوا الإمام بمزيد من التوهين والتوبيخ عندما ينتهي حديثه معه.

ودخل الإمامعليه‌السلام على هشام فسلم على القوم ولم يسلم عليه بالخلافة، فاستشاط هشام غضباً، وأقبل على الإمامعليه‌السلام فقال له: (يا محمد بن علي لا يزال الرجل منكم قد شق عصا المسلمين، ودعا إلى نفسه، وزعم أنه الإمام سفهاً وقلة علم...).

ثمّ سكت هشام فأنبرى عملاؤه وجعلوا ينالون من الإمام ويسخرون منه. وهنا تكلّم الإمامعليه‌السلام فقال:(أيها الناس: أين تذهبون؟ وأين يراد بكم؟ بنا هدى الله أولكم وبنا يختم آخركم، فان يكن لكم ملك معجّل، فان لنا ملكاً مؤجلاً، وليس بعد ملكنا ملك، لأنا أهل العاقبة، والعاقبة للمتقين...) (١) .

وخرج الإمام بعد أن ملأ نفوسهم حزناً وأسى، ولم يستطعيوا الرد على منطقه القويّ.

وازدحم أهل الشام على الإمامعليه‌السلام وهم يقولون: هذا ابن أبي تراب، فرأى الإمام أن يهديهم إلى سواء السبيل، ويعرفهم بحقيقة أهل البيت، فقام فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، وصلَّى على رسول الله ثم قال:

اجتنبوا أهل الشقاق، وذرية النفاق، وحشو النار، وحصب جهنم عن البدر الزاهر، والبحر الزاخر، والشهاب الثاقب، وشهاب المؤمنين، والصراط المستقيم، من قبل أن نطمس وجوهاً فنردّها على أدبارها أو يلعنوا كما لعن أصحاب السبت، وكان أمر الله مفعولاً...

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ١١/٧٥.


ثم قال بعد كلام له:أبِصِنْوِ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ يعني الإمام أمير المؤمنين ـتستهزئون؟ أم بيعسوب الدين تلمزون؟ وأي سبيل بعده تسلكون؟! وأيّ حزن بعده تدفعون؟ هيهات برز ـ والله ـ بالسبق وفاز بالخصل واستولى على الغاية، وأحرز على الختار (١) فانحسرت عنه الأبصار، وخضعت دونه الرقاب، وفرع الذروة العليا، فكذب من رام من نفسه السعي، وأعياه الطلب، فأنّى لهم التناوش (٢) من مكان بعيد؟!

ثم قال:فأنّى يسدّ ثلمة أخي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ شفعوا، وشقيقه إذ نسبوا وندّ يده إذ قتلوا، وذي قرني كنزها إذ فتحوا، ومصلي القبلتين إذ تحرفوا، والمشهود له بالإيمان إذ كفروا، والمدعي لنبذ عهد المشركين إذ نكلوا والخليفة على المهاد ليلة الحصار إذ جزعوا، والمستودع الأسرار ساعة الوداع...) (٣) .

ولمّا ذاع فضل الإمام بين أهل الشام، أمر الطاغية باعتقاله وسجنه.

وحين احتف به السجناء وأخذوا يتلقون من علومه وآدابه، خشي مدير السجن من الفتنة فبادر إلى هشام فأخبره بذلك فأمره بإخراجه من السجن، وإرجاعه إلى بلده(٤) .

الرواية الثانية: وهي التي رواها لوط بن يحيى الأسدي عن عمارة بن زيد

ــــــــــــــ

(١) الختار: الغدر.

(٢) التناوش: التناول.

(٣) مناقب آل أبي طالب: ٤/٢٠٣ ـ ٢٠٤.

(٤) بحار الأنوار: ١١/٧٥.


الواقدي حيث قال: حج هشام بن عبد الملك بن مروان سنة من السنين(١) ، وكان قد حج فيها الإمام محمّد بن علي الباقر وابنه الإمام جعفر الصادقعليهما‌السلام فقال جعفر أمام حشد من الناس فيهم مسلمة بن عبد الملك:(الحمد لله الذي بعث محمداً بالحق نبيّاً، وأكرمنا به، فنحن صفوة الله على خلقه، وخيرته من عباده، فالسعيد من تبعنا، والشقي من عادانا وخالفنا...) .

وبادر مسلمة بن عبد الملك إلى أخيه هشام فأخبره بمقالة الإمام الصادقعليه‌السلام فأسرّها هشام في نفسه، ولم يتعرض للإمامين بسوء في الحجاز إلا أنه لما قفل راجعاً إلى دمشق أمر عامله على يثرب بإشخاصهما إليه ولما انتهيا إلى دمشق حجبهما ثلاثة أيام، ولم يسمح لهما بمقابلته استهانة بهما، وفي اليوم الرابع أذن لهما في مقابلته، وكان مجلساً مكتظاً بالأمويين وسائر حاشيته، وقد نصب ندماؤه برجاساً(٢) وأشياخ بني أمية يرمونه.

يقول الإمام الصادقعليه‌السلام :(فلما دخلنا، كان أبي أمامي وأنا خلفه فنادى هشام:

(يا محمد ارم مع أشياخ قومك).

فقال أبي: (قد كبرت عن الرمي، فإن رأيت أن تعفيني).

فصاح هشام: (وحقّ من أعزّنا بدينه ونبيّه محمّد لا أعفيك...) . وظن الطاغية أن الإمام سوف يخفق في رمايته فيتخذ ذلك وسيلة للحط من شأنه أمام الغوغاء من أهل الشام، وأومأ إلى شيخ من بني أمية أن يناول الإمامعليه‌السلام قوسه. فناوله، وتناول معه سهماً فوضعه في كبد القوس، ورمى به الغرض فأصاب وسطه، ثم تناول سهماً فرمى به فشق السهم الأول إلى نصله.

ــــــــــــــ

(١) ذكر اليعقوبي أن هشاماً حجّ سنة ١٠٦ هجرية.

(٢) البرجاس: جاء في معجم المعرّبات الفارسية: أن (البرجاس) هدف، (شي في الهواء، معلّق على رأس رمح أو نحوه) وهو معرّب ويراد به: هدف السهم.


وتابع الإمام الرمي حتى شق تسعة أسهم بعضها في جوف بعض، ولم يحصل بعض ذلك لأعظم رام في العالم. وأخذ هشام يضطرب من الغيظ، وورم أنفه، فلم يتمالك أن صاح:

(يا أبا جعفر أنت أرمى العرب والعجم!! وزعمت أنك قد كبرت!!) ثم أدركته الندامة على تقريظه للإمام، فأطرق برأسه إلى الأرض والإمام واقف. ولما طال وقوفه غضبعليه‌السلام وبان ذلك على سحنات وجهه الشريف. وكان إذا غضب نظر إلى السماء. ولمّا بصر هشام غضب الإمام قام إليه واعتنقه، وأجلسه عن يمينه، وأقبل عليه بوجهه قائلاً: (يا محمد، لا تزال العرب والعجم تسودها قريش، ما دام فيها مثلك. لله درك!! مَن علّمك هذا الرمي؟ وفي كم تعلّمته؟ أيرمي جعفر مثل رميك؟ ...).

فقال أبو جعفرعليه‌السلام :(إنا لنحن نتوارث الكمال) .

وثار الطاغية، واحمرّ وجهه، وهو يتميز من الغيظ، وأطرق برأسه إلى الأرض، ثم رفع رأسه، وراح يقول: (ألسنا بنو عبد مناف نسبنا ونسبكم واحد؟).

ورد عليه الإمام مزاعمه قائلاً:(نحن كذلك، ولكن الله اختصنا من مكنون سرّه، وخالص علمه بما لم يخص به أحداً غيرنا) .

وطفق هشام قائلاً: (أليس الله بعث محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من شجرة عبد مناف إلى الناس كافة أبيضها وأسودها وأحمرها، فمن أين ورثتم ما ليس لغيركم؟ ورسول الله مبعوث إلى الناس كافة، وذلك قول الله عَزَّ وجَلَّ:( وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ؟ فمن أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمّد نبيّ، ولا أنتم أنبياء؟!)

وردّ عليه الإمام ببالغ الحجة قائلاً:من قوله تعالى لنبيّه ( لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) فالذي لم يحرك به لسانه لغيرنا أمره الله تعالى أن يخصنا به من دون غيرنا، فلذلك كان يناجي أخاه علياً من دون أصحابه، وأنزل الله به قرآناً في قوله: ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) فقال رسول الله: سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي، فلذلك قال علي: علّمني رسول الله ألف باب من العلم يفتح من كل باب ألف باب، خصّه به النبي من مكنون سرّه، كما خصّ الله نبيّه، وعلّمه ما لم يخص به أحداً من قومه، حتى صار إلينا فتوارثناه من دون أهلنا .

والتاع هشام من هذا الجواب، فالتفت إلى الإمام ـ وهو غضبان ـ قائلاً: إنَّ عليّاً كان يدّعي علم الغيب والله لم يطلع على غيبه أحداً، فكيف ادّعى ذلك؟ ومن أين؟


فأجابه الإمام قائلاً:(إن الله أنزل على نبيّه كتاباً بين دفتيه فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة في قوله تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ) وفي قوله تعالى: ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) وفي قوله تعالى: ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) وفي قوله تعالى: ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) وأوحى الله إلى نبيّه أن لا يبقي في عيبة سرّه، ومكنون علمه شيئاً إلاّ يناجي به عليّاً، فأمره أن يؤلف القرآن من بعده، ويتولّى غسله وتحنيطه من دون قومه، وقال لأصحابه: حرام على أصحابي وقومي أن ينظروا إلى عورتي غير أخي علي، فانه مني، وأنا منه، له ما لي، وعليه ما عليّ، وهو قاضي ديني، ومنجز موعدي، ثم قال لأصحابه: علي بن أبي طالب يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، ولم يكن عند أحد تأويل القرآن بكماله وعامّه إلا عند علي، ولذلك قال رسول الله: (أقضاكم علي) أي هو قاضيكم، وقال عمر بن الخطاب: لولا علي لهلك عمر، يشهد له عمر ويجحده غيره!) .

وأطرق هشام برأسه إلى الأرض، ولم يجد منفذاً يسلك فيه للرد على الإمام، فقال له: (سل حاجتك).

قال الإمامعليه‌السلام :(خلّفت أهلي وعيالي مستوحشين لخروجي) .


قال هشام: آنس الله وحشتهم برجوعك إليهم، فلا تقم وسر من يومك)(١) .

وهذه الرواية لم تشر إلى ما جرى على الإمام من الاعتقال في دمشق، ولكنها تشير إلى خروج الإمام من المدينة في حالة غير طبيعية بحيث استوحش أهله من خروجه.

الإمام الباقرعليه‌السلام مع قسّيس نصراني

والتقى الإمام أبو جعفرعليه‌السلام في الشام مع قسيس من كبار علماء النصارى جرت بينهما مناظرة اعترف القسيس فيها بعجزه، وعدم استطاعته على محاججة الإمام ومناظرته.

قال أبو بصير: قال أبو جعفرعليه‌السلام :مررت بالشام، وأنا متوجه إلى بعض خلفاء بني أمية فإذا قوم يمرون، قلت: أين تريدون؟ قالوا: إلى عالم لم نر مثله، يخبرنا بمصلحة شأننا ، قالعليه‌السلام :فتبعتهم حتى دخلوا بهواً عظيماً فيه خلق كثير، فلم ألبث أن خرج شيخ كبير متوكئ على رجلين، قد سقطت حاجباه على عينيه، وقد شدهما فلما استقرّ به المجلس نظر إليَّ وقال: منا أنت أم من الأمة المرحومة؟

قلت: من الأمة المرحومة. فقال: أمن علمائها أو من جهّالها؟

قلت: لست من جهّالها فقال: أنتم الذين تزعمون أنكم تذهبون إلى الجنة فتأكلون وتشربون ولا تُحْدِثون؟!!

قلت: نعم. فقال: هات على هذا برهاناً.

فقلت: نعم، الجنين يأكل في بطن أمه من طعامها، ويشرب من شرابها، ولا يُحْدِث. فقال: ألست زعمت أنك ليست من علمائها؟

قلت: لست من جهّالها. فقال: أخبرني عن ساعة ليست من النهار، ولا من الليل.

فقلت: هذه ساعة من طلوع الشمس، لا نعدها من ليلنا، ولا من نهارنا وفيها تفيق المرضى .

وبهر القسيس، وراح يقول للإمام: ألست زعمت أنك لست من علمائها؟!

فقلت: إنما قلت: لست من جهّالها. فقال: والله لأسألنك عن مسألة ترتطم فيها.

فقلت: هات ما عندك. فقال: أخبرني عن رجلين ولدا في ساعدة واحدة، وماتا في ساعة واحدة؟ عاش أحدهما مائة وخمسين سنة، وعاش الآخر خمسين سنة؟

ــــــــــــــ

(١) دلائل الإمامة: ١٠٤ ـ ١٠٦.


فقلت: ذاك عزير وعزرة، ولدا في يوم واحد، ولما بلغا مبلغ الرجال مرّ عزير على حماره بقرية وهي خاوية على عروشها، فقال: أنّى يحيي الله هذه بعد موتها، وكان الله قد اصطفاه وهداه، فلمّا قال ذلك غضب الله عليه وأماته مائة عام ثم بعثه، فقيل له: كم لبثت؟ قال: يوماً أو بعض يوم. وعاش الآخر مائة وخمسين عاماً، وقبضه الله وأخاه في يوم واحد.

وصاح القسيس بأصحابه، والله لا أكلمكم، ولا ترون لي وجهاً اثني عشر شهراً (١) ، حيث توهم أنهم تعمّدوا إدخال الإمام أبي جعفرعليه‌السلام عليه لإفحامه وفضحه، فنهض الإمام أبو جعفرعليه‌السلام وأخذت أندية الشام تتحدث عن وفور فضله، وعن قدراته العلمية.

ــــــــــــــ

(١) الدر النظيم: ١٩٠، دلائل الإمامة: ١٠٦.


محاولة اغتيال الإمام الباقرعليه‌السلام

وهنا أمر الطاغية بمغادرة الإمام أبي جعفرعليه‌السلام لمدينة دمشق خوفاً من أن يفتتن الناس به، وينقلب الرأي العام ضد بني أمية، ولكنه أوعز إلى أسواق المدن والمحلات التجارية الواقعة في الطريق أن تغلق محلاتها بوجهه، ولا تبيع عليه أية بضاعة، وأراد بذلك هلاك الإمامعليه‌السلام والقضاء عليه.

وسارت قافلة الإمامعليه‌السلام وقد أضناها الجوع والعطش فاجتازت على بعض المدن فبادر أهلها إلى إغلاق محلاتهم بوجه الإمام، ولما رأى الإمام ذلك صعد على جبل هناك، ورفع صوته قائلاً:

(يا أهل المدينة الظالم أهلها أنا بقية الله، يقول الله تعالى: ( بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) .

وما أنهى الإمام هذه الكلمات حتى بادر شيخ من شيوخ المدينة فنادى أهل قريته قائلاً:

(يا قوم هذه والله دعوة شعيب، والله لئن لن تخرجوا إلى هذا الرجل بالأسواق لتؤخذنّ من فوقكم، ومن تحت أرجلكم فصدّقوني هذه المرة، وأطيعوني، وكذبوني فيما تستأنفون فاني ناصح لكم...).

وفزع أهل القرية فاستجابوا لدعوة الشيخ الذي نصحهم، ففتحوا حوانيتهم واشترى الإمام ما يريده من المتاع(١) وفسدت مكيدة الطاغية وما دبّره للإمامعليه‌السلام وقد انتهت إليه الأنباء بفشل مؤامرته. ولم يقف عند هذا الحد فقد أخذ يطلب له الغوائل حتى دسّ إليه السم القاتل، كما سنذكر ذلك فيما بعد.

ــــــــــــــ

(١) المناقب: ٤/٦٩٠، بحار الأنوار: ١١/٧٥، راجع حياة الإمام محمد الباقر عليه‌السلام : ٢/٤٠ ـ ٦٦.


أهم ملامح عصر الإمام محمد الباقرعليه‌السلام

١ ـ في الفترة الواقعة بين سنة ( ٩٥ هـ ـ ٩٧ هـ ) وفي بداية تصدّي الإمام محمد الباقرعليه‌السلام للإمامة كان الحاكم الأُموي الوليدُ بن عبد الملك قد بدأ باتخاذ بعض الأساليب لامتصاص النقمة الشعبية التي خلقتها السياسة الإرهابية التي انتهجها السفّاك الأثيم الحجّاج بن يوسف وبعض الولاة الآخرين(١) .

٢ ـ تصدّعت الجبهة الداخلية للبيت الأُموي المرواني، ودبّ الخلاف بين الوليد وأخيه سليمان، حيث أراد الوليد خلعه ومبايعة ابنه عبد العزيز، فأبى عليه سليمان، ولم يجبه للبيعة جميع الولاة باستثناء الحجّاج وقتيبة بن مسلم وبعض الخواصّ من الناس، فعزم الوليد على السير إليه ليخلعه بالقوّة فمات قبل ذلك(٢) .

٣ ـ وفي بداية حكومة سليمان بن عبد الملك انشغل سليمان بمتابعة ولاة الوليد وعزلهم عن مناصبهم(٣) وحاول إصلاح بعض الأوضاع المتردّية تقرباً إلى الناس، فأطلق المعتقلين وفكَّ الأسرى(٤) .

٤ ـ كانت الدولة محاطة بجملة من المخاطر من الداخل والخارج(٥) . فانشغل الحكّام والولاة عن ملاحقة أو محاصرة الإمام الباقرعليه‌السلام خوفاً من قاعدته الشعبية العريضة والمتنامية فتصدىعليه‌السلام للإمامة وقام بأداء دوره الإصلاحي والتغييري في أوساط الأمة الإسلامية، بعيداً عن المواجهة السياسية العلنية للنظام القائم.

ــــــــــــــ

(١) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك: ٧ / ٣.

(٢) المصدر السابق: ٧ / ١٢.

(٣) الكامل في التاريخ: ٥ / ١١.

(٤) المنتظم: ٧ / ١٣.

(٥) الكامل في التاريخ: ٥ / ١٣ وما بعدها.


مظاهر الانحراف في عصر الإمام الباقرعليه‌السلام :

إن إقصاء أهل البيتعليهم‌السلام عن موقع القيادة وإمامة المسلمين أدّى إلى الانحراف في جميع مجالات الحياة، وترك تأثيره السلبي على جميع مقومات الشخصية، في الفكر والعاطفة والسلوك، فعمّ الانحراف الدولة والأمة معاً، كما عمّ التصورات والمبادئ، والموازين والقيم، والأوضاع والتقاليد، والعلاقات والممارسات العملية جميعاً.

نعم تغلغل الانحراف في ميدان النفس، وميدان الحياة الاجتماعية، وتحوّل الإسلام إلى طقوس ميتة لا تمتّ إلى الواقع بصلة، خلافاً لأهداف الإسلام الذي جاء من أجل تقرير المنهج الإلهي في الحياة. فانحسر عن الكثير من تلك المجالات ليصبح علاقة فرديّة بين الإنسان وخالقه فحسب.

أوّلاً: الانحراف الفكري والعقائدي

ازداد الانحراف في عهود الملوك المتعاقبين على الحكم، وكان للأفكار والعقائد نصيبها الأكبر من هذا الانحراف، ولم يكترث الحكّام بهذا الانحراف بل شجّعوا عليه; لأنه كان يخدم مصالح الحكم القائم، ويشغل المسلمين عن همومهم الأساسية وبخاصة التفكير في مجال تغيير الأوضاع وإعادتها إلى ما كانت عليه في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

فكثرت في عهد الأمويين الانحرافات الفكرية والعقائدية وتعدّدت وتعاظمت، وأصبح لها أتباع وأنصار، وتحولت إلى تيارات وكيانات خالف الكثير منها الأسس الواضحة للعقيدة الإسلامية، وابتدعوا ما لا يجوز من الأمور المخالفة للقرآن الكريم وللسنة النبوية، فانتشرت أفكار الجبر والتفويض والإرجاء، كما انتشرت أفكار التجسيم وتشبيه الله تعالى بخلقه، وكثرت الشبهات حول ثوابت العقيدة، وكثر الحديث حول ماهية الله تعالى وذاته، وتنوّعت تيّارات الغلوّ، حتى زعم البعض حلول الذات الإلهية في قوم من الصالحين، وقالوا بالتناسخ، وانتشرت الزندقة، فجحدوا البعث والنشور، وأسقطوا الثواب والعقاب وزُوِّرت الأحاديث والروايات واختُلِق كثير منها; لدعم التسلط الأُموي، كما راج اختلاق الفضائل لصالح المنحرفين من الصحابة، وطرحت نظرية عدالة جميع من صحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو رآه أو ولد في عهده، بينما منعوا ـ من جانب آخر ـ من نشر فضائل أهل البيتعليهم‌السلام .


وكان للحكّام دور كبير في تشجيع هذا الانحراف المتمثّل في اختلاق النصوص وقد وصف الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام ذلك قائلاً:(إنّ مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا وجعلوها على ثلاثة أقسام: أحدها: الغلو. وثانيها: التقصير في أمرنا. وثالثها: التصريح بمثالب أعدائنا) (١) .

وانتشرت ظاهرة الإفتاء بالرأي، وراج القياس في الأحكام والتفسير بالرأي لآيات القرآن المجيد، كما انتشرت أفكار التصوّف والاعتزال عن الحياة، وفصل الدين عن السياسة.

وأشغل الحكّام كثيراً من الناس بالجدل في المسائل العقلية التي لا فائدة فيها، وشجّعوا على إقامة مجالس المناظرة والجدل العقيم في ذات الله تعالى وفي الملائكة، وفي قدم القرآن أو حدوثه.

وهكذا كان للحكّام دور كبير في خلق المذاهب المنحرفة والتشجيع عليها، لا سيَّما بعض المذاهب التي كانت تحمل شعار الانتساب إلى أهل البيتعليهم‌السلام كالكيسانية لغرض شق صفوف أتباع أهل البيتعليهم‌السلام الذين كانوا يستهدفون الواقع السياسي المنحرف.

ــــــــــــــ

(١) عيون أخبار الرضا: ١ / ٣٠٤.


ثانياً: الانحراف السياسي

اتّبع الحكّام الأمويون سياسة من سبقهم في تحويل الخلافة إلى ملك يتوارثه الأبناء عن الآباء دون سابقة علم أو تقوى، وتوزيع المناصب المهمّة والحسّاسة في الدولة على أبنائهم وأقربائهم والمتملقين لهم، واستبدوا بالأمر فلا شورى ولا استشارة إلاّ مع المنحرفين والفسّاق من بطانتهم. ولشعورهم بعدم الأحقية بالخلافة استمروا على نهج من سبقهم في اتخاذ الإرهاب والتنكيل وسيلة لتثبيت سلطانهم، فحينما وجد الوليد بن عبد الملك أنّ ولاية عمر بن عبد العزيز على مكة والمدينة قد أصبحت ملجأً للهاربين من ظلم بقية الولاة، قام بعزله(١) تنكيلاً منه بالمعارضين وارهابهم وغلق منافذ السلامة أمامهم.

وكان سليمان بن عبد الملك محاطاً بثُلّة من الرجال الذين عرفوا بفسقهم وانحرافهم وسوء سيرتهم كما وصفهم أعرابيّ عنده، بعد أن أخذ منه الأمان، فقال له: يا أمير المؤمنين، أنه قد تكنّفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياهم بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله، ولم يخافوا الله فيك، حرب للآخرة وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما يأمنك الله عليه، فإنّهم لم يأتوا إلاّ ما فيه تضييع وللأمة خسف وعسف، وأنت مسؤول عما اجترموا،

ــــــــــــــ

(١) الكامل في التاريخ: ٤ / ٥٧٧.


وليسوا مسؤولين عمّا اجترمت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك(١) .

واتّبع أبناء عبد الملك الوليد وسليمان سيرة أبيهم، والتزموا بوصيته في قتل الرافضين للبيعة، والتي جاء فيها: ادع الناس إلى البيعة، فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا(٢) .

وأقرّ كثير من الفقهاء سياسة الحكّام الأمويين خوفاً أو طمعاً أو استسلاماً للأمر الواقع، فقد أقرّوا ما ابتدعوا من ممارسات في تولية الحكم كالعهد إلى اثنين أو أكثر، فقد عهد سليمان بالحكم إلى عمر بن عبد العزيز ومن بعده ليزيد بن عبد الملك، فأقرّ كثير من الفقهاء ذلك، حتى أصبحت نظرية من نظريات تولّي الحكم(٣) .

وحينما تولّى عمر بن عبد العزيز الحكم حدث انفراج نسبي في السياسة الأُموية، كما لاحظنا، وقام ببعض الإصلاحات ومنح الحرية النسبية للمعارضين، وألغى بدعة سبّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام وردّ إلى أهل البيتعليهم‌السلام بعض حقوقهم، واعترف بالممارسات الخاطئة لأسلافه من الحكّام، حتى امتدحه الإمام الباقرعليه‌السلام على ذلك(٤) .

ولكن حكمه لم يدم طويلاً ; إذ عاد الوضع إلى ما كان عليه.

وامتازت هذه المرحلة بسرعة تبدّل الحكّام، فقد حكم سليمان ثلاث سنين، وحكم عمر بن عبد العزيز ثلاث سنين أو أقل، وحكم يزيد بن عبد الملك أربع سنين، وكان كل حاكم ينشغل بالإجهاز على ولاة من سبقه، وكثرت الاختلافات في داخل البيت الأُموي تنافساً على الحكم، كما كثرت

ــــــــــــــ

(١) الكامل في التاريخ: ٣ / ١٧٨.

(٢) البداية والنهاية: ٩ / ١٦١.

(٣) الأحكام السلطانية: ١٣، الماوردي.

(٤) الكامل في التاريخ: ٥ / ٦٢.


الفتن الداخلية في عهدهم، حتى قام قتيبة بن مسلم بخلع سليمان والاستقلال في خراسان(١) .

وقام يزيد بن المهلب في سنة ( ١٠١ هـ ) بخلع يزيد بن عبد الملك وجهّز إليه يزيد من قتله وقتل أتباعه.

وأحاط يزيد نفسه بالمتملّقين الذين يبررون له انحرافاته حتى أفتوا له أنه ليس على الخلفاء حساب(٢) .

وهكذا كانت الأمة الإسلامية محاطة بالمخاطر من كل جانب، ففي سنة ( ١٠٤ هـ ) ظفر الخزر بالمسلمين وانتصروا عليهم في بعض الثغور.

وفي عهد هشام بن عبد الملك ازداد الإرهاب والتنكيل بأهل البيتعليهم‌السلام وأتباعهم وسائر المعارضين، حتى اجترأ هشام بن عبد الملك على سجن الإمام الباقرعليه‌السلام وأقدم على اغتياله(٣) . وأصدر أوامره بقتل بعض أتباع الإمام الباقرعليه‌السلام إلاّ أنّ الإمام استطاع أن ينقذهم من القتل(٤) .

والتجأ الكثير إلى العمل السرّي للإطاحة بالحكم الأُموي، فكان العباسيون يعدّون العدّة ويبثون دعاتهم في الأقاليم البعيدة عن مركز الحكومة وخصوصاً في خراسان، وأخذ زيد ابن الإمام زين العابدينعليه‌السلام يعدّ العدّة للثورة على الأمويين في وقتها المناسب، لأنّ الأمويين كانوا قد أحصوا أنفاس الناس عليهم لكي لا يتطرقوا إلى انحرافاتهم السياسية أو يعلنوا عن معارضتهم لها.

ــــــــــــــ

(١) تاريخ ابن خلدون: ٥ / ١٥١.

(٢) البداية والنهاية: ٩ / ٢٣٢.

(٣) مناقب آل أبي طالب: ٤ / ٢٠٦.

(٤) بحار الأنوار: ٤٦ / ٢٨٣.


ثالثاً: الانحراف الأخلاقي

لقد حوّل الأمويون الأنظار إلى الغزوات، وحشّدوا جميع الطاقات البشريّة والمادّية باتجاه الغزوات; وذلك من أجل إشغال المسلمين عن التحدّث حول الأوضاع المنحرفة، وعن التفكير في العمل السياسي أو الثوري لاستبدال نظام الحكم بغيره، ولم يكن هدفهم نشر مفاهيم وقيم الإسلام كما يتصوّر البعض ذلك، لأنّهم كانوا قد خالفوا هذه المفاهيم والقيم في سياستهم الداخلية، وداسوا كثيراً من المقدسات الإسلامية، وشجّعوا على الانحرافات الفكرية.

وأدّى توسّع عمليات الفتح والغزو إلى خلق الاضطرابات في المجتمع الإسلامي وتشتيت الأُسر بغياب المعيل أو فقدانه، كما كثرت الجواري والغلمان ممّا أدّى إلى التشجيع على الانحراف باقتناء الأثرياء للجواري المغنّيات وتملك المخنثين، وانتقل الانحراف من البلاط إلى الأمة تبعاً لانحراف الحكّام وفسقهم، فقد انشغلوا باللهو والانسياق وراء الشهوات دون حدود أو قيود حتى كثر الغزل والتشبيب بالنساء في عهد الوليد بن عبد الملك بشكل خاص(١) .

وكانت همّة سليمان بن عبد الملك في النساء، وانعكس ذلك على المجتمع حتى كان الرجل يلقى صاحبه فيقول له: كم تزوجت ؟ وماذا عندك من السراري ؟(٢) .

وقد وصف أبو حازم الأعرج الوضع الاجتماعي والأخلاقي مجيباً سليمان بن عبد الملك على سؤاله: ما لنا نكره الموت؟ بقوله: لأنكم عمّرتم

ــــــــــــــ

(١) الأغاني: ٦ / ٢١٩.

(٢) البداية والنهاية: ٩ / ١٦٥.


دنياكم وأخربتم آخرتكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب(١) .

وكان سليمان يسابق بين المغنيين ويمنح السابقين الجوائز الثمينة(٢) ، ويجزل العطاء للمغنيات. كما ازداد عدد المخنثين في عهده(٣) .

وأقبل يزيد بن عبد الملك على شرب الخمر واللهو(٤) ، ولم يتب من الشراب إلاَّ أسبوعاً حتى عاد إليه بتأثير من جاريته حبّابة(٥) .

وكان يقول: ما يقرّ عيني ما أوتيت من أمر الخلافة حتى اشتري سلامة وحبّابة فأرسل من يشتريهما له(٦) .

وهكذا وصل الانحراف إلى ذروته، حينما أصبح اللهو والمجون من أولى هموم حكّام الدولة.

وليس غريباً أن تنحرف الأمة بانحراف حكامها وولاتهم وأجهزة الدولة، وبهذا الانحراف كانت تبتعد الأغلبية من الناس عن الأهداف الكبرى التي حددها المنهج الإسلامي، ولا تكترث بالأحداث والمخاطر المحيطة بالوجود الإسلامي.

رابعاً: الانحراف في الميدان الاقتصادي

لقد تصرّف الحكّام بالأموال العامّة وكأنّها ملك شخصي لهم، فكانوا ينفقونها حسب رغباتهم وأهوائهم، على ملذاتهم وشهواتهم وكان للجواري والمغنيين نصيب كبير في بيت المال، كما كانوا ينفقون الأموال لشراء الذمم

ــــــــــــــ

(١) مروج الذهب: ٣ / ١٧٧.

(٢) الأغاني: ١ / ٣١٧.

(٣) المصدر السابق: ٤ / ٢٧٢.

(٤) مروج الذهب: ٣ / ١٩٦.

(٥) الأغاني: ١٥ / ٢٩٥.

(٦) المصدر السابق: ٨ / ٣٤٦.


والضمائر، ويمنحونها لمن يشترك في تثبيت سلطانهم أو مدحهم والثناء عليهم، فقد مدح النابغة الشيباني يزيد بن عبد الملك فأمر له بمائة ناقة، وكساه وأجزل صلته(١) .

فتنافس الشعراء فيما بينهم للحصول على مزيد من الأموال كما تنافس المغنّون لنيل الهدايا من الحكام أو ولاتهم.

وكان الحكّام يعيشون في أعلى مراتب الترف والبذخ، ويبذّرون أموال المسلمين على لهوهم وشهواتهم، وعلى المقربين لهم، في وقت كان كثير من الناس يعيشون حياة الفقر والجوع والحرمان.وازداد التمييز الطبقي حينما عُطِّل مبدأ التكافل الاجتماعي، ولم تكترث الدولة بمعاناة الناس وهمومهم ولم تتدخل في الحث على الإنفاق.

وقد ضاعف الحكّام من الضرائب، فأضافوا ضرائب جديدة على الصناعات والحرف وخصوصاً في عهد هشام بن عبد الملك، الذي كان ينفق ما تجمّع لديه على الشعراء المادحين له(٢) .

وقد وصف سليمان بن عبد الملك حالات الترف والمجون التي وصلوا إليها قائلاً: قد أكلنا الطيب، ولبسنا اللين، وركبنا الفاره، ولم يبق لي لذة إلاّ صديق أطرح معه فيما بيني وبينه مؤنة التحفظ(٣) .

وهكذا انساق الناس ـ وخصوصاً ـ أتباع الأمويين وراء شهواتهم ورغباتهم، وانشغل الكثير في السعي للحصول على الأموال بأي وجه أمكن.

ــــــــــــــ

(١) الأغاني: ٧ / ١٠٩.

(٢) المصدر السابق: ١ / ٣٣٩.

(٣) مروج الذهب: ٣ / ٧٦.


الفصل الثالث: دور الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام في إصلاح الواقع الفاسد

على الرغم من انحراف الحكّام وأجهزتهم الإدارية والسياسية عن المبادئ الثابتة التي أرسى دعائمها القرآن الكريم والسنّة النبويّة; إلاّ أنّ القاعدة الفكرية والتشريعية للدولة بقيت متبنّاةً من قبل الحاكم وأجهزته في مظاهرها العامة، وعلى ضوء ذلك فإنّ دور الإمامعليه‌السلام كان دوراً إصلاحياً لإعادة الحاكم وأجهزته وإعادة الأمة إلى الاستقامة في العقيدة والشريعة، وجعل الإسلام بمفاهيمه وقيمه هو الحاكم على الأفكار والعواطف والمواقف.

وكان أسلوب الإمامعليه‌السلام الإصلاحي متفاوتاً تبعاً لتفاوت الظروف التي كانت تحيط به، وبالحكم القائم، وبالأمة المسلمة.

لقد كان الإمامعليه‌السلام مقصد العلماء من كل بلاد العالم الإسلامي. وما زار المدينة أحد إلاّ عرّج على بيته يأخذ من فضائله وعلومه، وكان يقصده كبار رجالات الفقه الإسلامي: كسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وأبي حنيفة.

وكان دورهعليه‌السلام في الإصلاح يتركّز على اتجاهين متزامنين:

الاتجاه الأول: التحرك في أوساط الأمة وعموم الناس، بما فيهم المسلمون وأصحاب الديانات الأخرى، فضلاً عن التحرك على الحكّام وأجهزتهم لإعادتهم إلى خطّ الاستقامة أو الحدّ من انحرافاتهم وحصرها في نطاق محدود.

الاتجاه الثاني: بناء الجماعة الصالحة لتقوم بدورها في إصلاح الأوضاع العامة للأمة وللدولة طبقاً للأسس والقواعد الثابتة التي أرسى دعائمها أهل البيتعليهم‌السلام بما ينسجم مع القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة.


محاور الحركة الإصلاحية العامّة للإمام الباقر عليه‌السلام

أوّلاً: الإصلاح الفكري والعقائدي

من الأزمات التي خلّفتها سيرة الحكّام السابقين هي أزمة ارتباك المفاهيم وما رافقها من تقليد وسطحية في الفكر، فلم تتجلّ حقيقة التصور الإسلامي عند الكثير من المسلمين لكثرة التيارات الهدّامة ونشاطها في تحريف المفاهيم السليمة وتزييف الحقائق، فكان دور الإمامعليه‌السلام هو حمل النفوس على التمحيص لتمييز ما هو أصيل من العقيدة عمّا هو زيف، وعلى تحكيم الأفكار والمفاهيم الأصيلة في عالم الضمير وعالم السلوك على حد سواء، والاستقامة على المنهج الذي يريده الله تعالى للإنسان.

وقد مارس الإمامعليه‌السلام عدة نشاطات لإصلاح الأفكار والعقائد، نشير إلى أهمّها كما يلي:

١ ـ الردّ على الأفكار والعقائد الهدّامة والمذاهب المنحرفة

وجد المنحرفون لأفكارهم وعقائدهم الهدّامة أوساطاً تتقبّلها وتروّج لها ـ جهلاً أو طمعاً أو تآمراً على الإسلام الخالد ـ وفي عهد الإمام الباقرعليه‌السلام نشطت حركة الغلاة بقيادة المغيرة بن سعيد العجلي.


روى علي بن محمد النوفلي أن المغيرة استأذن على أبي جعفرعليه‌السلام

وقال له: أخبر الناس أنّي أعلم الغيب، وأنا أطعمك العراق، فزجره الإمامعليه‌السلام زجراً شديداً وأسمعه ما كره فانصرف عنه، ثم أتى أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية فقال له مثل ذلك، فوثب عليه، فضربه ضرباً شديداً أشرف به على الموت، فلمّا برئ أتى الكوفة وكان مشعبذاً فدعا الناس إلى آرائه واستغواهم فاتّبعه خلق كثير(١) .

واستمرّ الإمامعليه‌السلام في محاصرة المغيرة والتحذير منه وكان يلعنه أمام الناس ويقول:(لعن الله المغيرة بن سعيد كان يكذب علينا) (٢) .

ولعنعليه‌السلام بقية رؤساء الغلاة ومنهم بنان التبّان، فقال:(لعن الله بنان التبّان، وإن بناناً لعنه الله كان يكذب على أبي) (٣) .

وكانعليه‌السلام يحذّر المسلمين وخصوصاً أنصار أهل البيتعليهم‌السلام من أفكار الغلو، ويرشدهم إلى الاعتقاد السليم، بقوله:(لا تضعوا عليّاً دون ما وضعه الله، ولا ترفعوه فوق ما رفعه الله) (٤) .

وكانعليه‌السلام يخاطب أنصاره قائلاً:(يا معشر الشيعة شيعة آل محمد كونوا النمرقة الوسطى: يرجع إليكم الغالي، ويلحق بكم التالي) (٥) .

وحذّرعليه‌السلام من المرجئة ولعنهم حين قال:(اللهمّ العن المرجئة فإنهم أعداؤنا في الدنيا والآخرة) (٦) .

وكانعليه‌السلام يحذّر من أفكار المفوضة والمجبرة. ومن أقواله في ذلك:(إيّاك

ــــــــــــــ

(١) شرح نهج البلاغة: ٨ / ١٢١.

(٢) بحار الأنوار: ٢٥ / ٢٩٧.

(٣) المصدر السابق: ٢٥ / ٢٩٧.

(٤) المصدر السابق: ٢٥ / ٢٨٣.

(٥) المصدر السابق: ٦٧: ١٠١.

(٦) المصدر السابق: ٤٦ / ٢٩١.


أن تقول بالتفويض! فإنّ الله عَزَّ وجَلَّ لم يفوّض الأمر إلى خلقه وهناً وضعفاً، ولا أجبرهم على معاصيه ظلماً) (١) .

وفي عرض هذا الردّ القاطع الصريح كان الإمامعليه‌السلام يبيّن الأفكار السليمة حول التوحيد لكي تتعرف الأمة على عقيدتها السليمة.

وكان ممّا ركّز عليه الإمامعليه‌السلام في هذا المجال بيان مقومات التوحيد ونفي التشبيه والتجسيم لله تعالى.

قالعليه‌السلام :(يا ذا الذي كان قبل كل شيء، ثم خلق كل شيء، ثم يبقى ويفنى كلّ شيء، ويا ذا الذي ليس في السموات العلى ولا في الأرضين السفلى، ولا فوقهنّ، ولا بينهنّ ولا تحتهنّ إله يعبد غيره) (٢) .

وفي جوابهعليه‌السلام للسائلين عن جواز القول بأنّ الله موجود، قال:(نعم، تخرجه من الحدّين: حدّ الإبطال، وحدّ التشبيه) (٣) .

وقالعليه‌السلام :(إن ربّي تبارك وتعالى كان لم يزل حيّاً بلا كيف، ولم يكن له كان، ولا كان لكونه كيف، ولا كان له أين، ولا كان في شيء، ولا كان على شيء، ولا ابتدع له مكاناً) (٤) .

كما ركّز الإمام الباقرعليه‌السلام على العبودية الخالصة لله ونهى عن الممارسات التي تتضمّن الشرك بالله تعالى.قالعليه‌السلام :(لو أن عبداً عمل عملاً يطلب به وجه الله عزّ جلّ والدار الآخرة، فأدخل فيه رضى أحد من الناس كان مشركاً) (٥) .

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٥ / ٢٩٨.

(٢) المصدر السابق: ٣ / ٢٨٥.

(٣) المصدر السابق: ٣ / ٢٦٥.

(٤) المصدر السابق: ٣ / ٣٢٦.

(٥) المصدر السابق: ٦٩ / ٢٩٧.


كما دعا إلى الانقطاع الكامل لله تعالى بقوله:(لا يكون العبد عابداً لله حق عبادته; حتى ينقطع عن الخلق كلّه إليه) (١) .

ونهى الإمامعليه‌السلام عن التكلم في ذات الله تعالى، وذلك لأنّ الإنسان المحدود لا يحيط بغير المحدود فلا ينفعه البحث عن الذات اللامحدودة إلاّ بُعداً، ومن هنا كان التكلم عن ذاته تعالى عبثاً لا جدوى وراءه، فنهىعليه‌السلام عن ذلك، وحذّر منه بقوله:(إن الناس لا يزال لهم المنطق، حتى يتكلموا في الله، فإذا سمعتم ذلك فقولوا: لا اله إلاّ الله الواحد الذي ليس كمثله شيء) (٢) .

وممّا ركّز عليه الإمام الباقرعليه‌السلام الردع من اتّباع المذاهب المنحرفة والأفكار الهدّامة هو بيان عاقبة أهل الشبهات والأهواء والبدع، واستهدف الإمامعليه‌السلام من التركيز على عاقبة المنحرفين فكرياً وعقائدياً إبعاد المسلمين عن التأثر بهم، وإزالة حالة الأنس والألفة بينهم وبين الأفكار والعقائد المنحرفة.

قالعليه‌السلام في تفسير قوله تعالى:( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) : هم النصارى والقسيسون والرهبان وأهل الشبهات والأهواء من أهل القبلة والحرورية وأهل البدع(٣) .

٢ ـ الحوار مع المذاهب والرموز المنحرفة

يعتبر الحوار إحدى الوسائل التي تقع في طريق إصلاح الناس، حيث تزعزع المناظرة الهادفة والحوار السليم الأفكار والمفاهيم المنحرفة.

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٦٧ / ٢١١.

(٢) المصدر السابق: ٣ / ٢٦٤.

(٣) المصدر السابق: ٢ / ٢٩٨.


من هنا قام الإمامعليه‌السلام بمحاورة بعض رؤوس المخالفين، لتأثيرهم الكبير على أتباعهم لو صلحوا واستقاموا على الحقّ. وإليك بعض مناظراته:

مع علماء النصارى: حينما أخرج هشام بن عبد الملك الإمامعليه‌السلام من المدينة إلى الشام كانعليه‌السلام يجلس مع أهل الشام في مجالسهم، فبينا هو جالس وعنده جماعة من الناس يسألونه، اذ نظر إلى النصارى يدخلون في جبل هناك، فسأل عن حالهم، فأُخبر أنهم يأتون عالماً لهم في كل سنة في هذا اليوم يسألون عمّا يريدون وعمّا يكون في عامهم، وقد أدرك هذا العالم أصحاب الحوارييّن من أصحاب عيسىعليه‌السلام ، فقال الإمامعليه‌السلام : فهلمّ نذهب إليه؟ فذهبعليه‌السلام إلى مكانهم، فقال له النصراني: أسألك أو تسألني؟ قالعليه‌السلام : تسألني، فسأله عن مسائل عديدة حول الوقت، وحول أهل الجنّة، وحول عزرة وعزير، فأجابهعليه‌السلام عن كل مسألة.

فقال النصراني: يا معشر النصارى، ما رأيت أحداً قطّ أعلم من هذا الرجل لا تسألوني عن حرف وهذا بالشام ردّوني فردّوه إلى كهفه، ورجع النصارى مع الإمامعليه‌السلام .

وفي رواية: أنّه أسلم وأسلم معه أصحابه على يد الإمامعليه‌السلام (١) .

مع هشام بن عبد الملك: ناظره هشام بن عبد الملك في مسائل متنوعة تتعلق بمقامات أهل البيتعليهم‌السلام ، وميراثهم لعلم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وادعاء الإمام عليعليه‌السلام علم الغيب، فأجابه الإمامعليه‌السلام عن مسائله المتنوعة وناظره في إثبات مقامات أهل البيتعليهم‌السلام مستشهداً بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة،

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٦ / ٣١٣ ـ ٣١٥.


فلم يستطع هشام أن يردّ عليه، وناظره في مواضع أخرى، فقال له هشام: (أعطني عهد الله وميثاقه ألاّ ترفع هذا الحديث إلى أحد ما حييت)، قال الإمام الصادقعليه‌السلام :فأعطاه أبي من ذلك ما أرضاه (١) .

وقد ذكرنا تفصيل المناظرتين في بحث سابق فراجع(٢) .مع الحسن البصري: قال له الحسن البصري: جئت لأسألك عن أشياء من كتاب الله تعالى.

وبعد حوار قصير قال لهعليه‌السلام :بلغني عنك أمر فما أدري أكذاك أنت؟ أم يُكذب عليك؟ قال الحسن: ما هو ؟

قالعليه‌السلام :زعموا أنّك تقول: إنَّ الله خلق العباد ففوّض إليهم أمورهم .

فسكت الحسن... ثمّ وضّح له الإمامعليه‌السلام بطلان القول بالتفويض وحذّره قائلاً:وإيّاك أن تقول بالتفويض، فإنّ الله عَزَّ وجَلَّ لم يفوّض الأمر إلى خلقه، وهناً منه وضعفاً، ولا أجبرهم على معاصيه ظلماً (٣) .

ولهعليه‌السلام مناظرات مع محمد بن المنكدر ـ من مشاهير زهاد ذلك العصر ـ ومع نافع بن الأزرق أحد رؤساء الخوارج، ومع عبد الله بن معمر الليثي، ومع قتادة بن دعامة البصري(٤) واحتجاجات لا يتحمّل شرحها هذا المختصر.

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٦ / ٣١٣ ـ ٣١٥.

(٢) راجع مبحث: ملامح وأبعاد هامة في عصر الإمام الباقرعليه‌السلام .

(٣) الاحتجاج: ٢/١٨٤.(٤) أعيان الشيعة: ١/٦٥٣ .


٣ ـ إدانة فقهاء البلاط

جاء قتادة بن دعامة البصري إلى الإمامعليه‌السلام وقد هيّأ له أربعين مسألة ليمتحنه بها، فقال لهعليه‌السلام :أنت فقيه أهل البصرة؟ قال قتادة: نعم، فقالعليه‌السلام :(ويحك يا قتادة إن الله عَزَّ وجَلَّ خلق خلقاً، فجعلهم حججاً على خلقه، فهم أوتاد في أرضه، قوّام بأمره، نجباء في علمه اصطفاهم قبل خلقه) ، فسكت قتادة طويلاً، ثم قال: أصلحك الله، والله لقد جلست بين يدي الفقهاء، وقدّام ابن عباس، فما اضطرب قلبي قدّام أحد منهم ما اضطرب قدّامك(١) .

وأدان الإمام الباقرعليه‌السلام أبا حنيفة لقوله بالقياس، وعلّق الأستاذ محمد أبو زهرة على هذه الإدانة قائلاً: تتبيّن إمامة الباقر للعلماء، يحاسبهم على ما يبدو منهم، وكأنّه الرئيس يحاكم مرءوسيه ليحملهم على الجادة، وهم يقبلون طائعين تلك الرئاسة(٢) .

٤ ـ الدعوة إلى أخذ الفكر من مصادره النقيّة

لقد حذّر الإمامعليه‌السلام الناس من الوقوع في شراك الأفكار والآراء والعقائد المنحرفة، وحذّر من البدع وجعلها أحد مصاديق الشرك فقال:(أدنى الشرك أن يبتدع الرجل رأياً فيُحَبّ عليه ويبغَض) (٣) .

كما حذّر من الإفتاء بالرأي فقال:(من أفتى الناس بغير علم ولا هوى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه) (٤) .

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٦ / ٣٥٧.

(٢) تاريخ المذاهب الإسلامية: ٦٨٩.

(٣) المحاسن: ٢٠٧.

(٤) المصدر السابق: ٢٠٥.


ومن هنا كان يدعو الناس إلى أخذ العلم والفكر من منابعه النقية وهم أهل البيت المعصومون من كل زيغ وانحراف. قالعليه‌السلام لسلمة بن كهيل وللحكم بن عتيبة:(شرّقا وغرِّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا) (١) .

وكان يحذّر من مجالسة أصحاب الخصومات ويقول:(لا تجالسوا أصحاب الخصومات، فإنهم يخوضون في آيات الله) (٢) .

كما كان يشجع على ذكر مقامات أهل البيتعليهم‌السلام وفضائلهم فإنّها من أسباب نشر الحق والفضيلة، فعن سعد الإسكاف، قال: قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : إني أجلس فأقصّ، وأذكر حقكم وفضلكم. فقالعليه‌السلام :(وددت أن على كل ثلاثين ذراعاً قاصّاً مثلك) (٣) .

٥ ـ نشر علوم أهل البيتعليهم‌السلام

لقد فتح الإمامعليه‌السلام أبواب مدرسته العلمية لعامة أبناء الأمة الإسلامية، حتى وفد إليها طلاب العلم من مختلف البقاع الإسلامية، وأخذ عنه العلم عدد كبير من المسلمين بشتى اتّجاهاتهم وميولهم، منهم: عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، والزهري، وربيعة الرأي، وابن جريج، والأوزاعي، وبسام الصيرفي(٤) ، وأبو حنيفة وغيرهم(٥) .

وفي ذلك قال عبد الله بن عطاء: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ١ / ٣٩٩.

(٢) كشف الغمّة: ٢ / ١٢٠.

(٣) رجال الكشي: ٢١٥.

(٤) سير أعلام النبلاء: ٤ / ٤٠١.

(٥) تاريخ المذاهب الإسلامية: ٣٦١.


منهم عند أبي جعفر، لقد رأيت الحكم عنده كأنّه متعلم(١) .

وكانت أحاديثه مسندة عن آبائه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما كان يرسل الحديث ولا يسنده. وحينما سئل عن ذلك، قال:إذا حدّثت بالحديث فلم أسنده، فسندي فيه أبي زين العابدين عن أبيه الحسين الشهيد عن أبيه علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن جبرئيل عن الله عَزَّ وجَلَّ (٢) .

ثانياً: تأسيس المدرسة الفقهية النموذجية(٣)

لقد جهد الإمام الباقر وولده الصادقعليهما‌السلام على نشر الفقه الإسلامي وتبنّيا نشره بصورة إيجابية في وقت كان المجتمع الإسلامي غارقاً في الأحداث والاضطرابات السياسية، حيث أهملت الحكومات في تلك العصور الشؤون الدينية إهمالاً تاماً، حتى لم تعد الشعوب الإسلامية تفقه من أمور دينها القليل ولا الكثير، يقول الدكتور علي حسن: (وقد أدى تتبعنا للنصوص التاريخية إلى أمثلة كثيرة تدل على هذه الظاهرة ـ أي إهمال الشؤون الدينية ـ التي كانت تسود القرن الأول سواء لدى الحكام أو العلماء أو الشعب، ونعني بها عدم المعرفة بشؤون الدين، والتأرجح وعدم الجزم والقطع فيها حتى في العبادات، فمن ذلك ما روي أن ابن عباس خطب في آخر شهر رمضان على منبر البصرة فقال: اخرجوا صدقة صومكم فكان الناس لم يعلموا، فقال: من ها هنا من أهل المدينة؟ فقوموا إلى إخوانكم فعلموهم، فإنهم لا يعلمون فرض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٤) .

ــــــــــــــ

(١) مختصر تاريخ دمشق: ٢٣ / ٧٩.

(٢) إعلام الورى: ٢٩٤.

(٣) راجع حياة الإمام محمد الباقرعليه‌السلام ، باقر شريف القرشي ١/٢١٥ ـ ٢٢٦.

(٤) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: ٢ / ١٣١.


فأهل البلاد الإسلامية لم يعرفوا شؤون دينهم معرفة كافية، وقد كان يوجد في بلاد الشام من لا يعرف عدد الصلوات المفروضة، حتى راحوا يسألون الصحابة عن ذلك(١) .

إن الدور المشرق الذي قام به الإمام الباقر والصادقعليهما‌السلام في نشر الفقه وبيان أحكام شريعة الله كان من أعظم الخدمات التي قدّماها للعالم الإسلامي.

وسعى إلى الأخذ من علومهما أبناء الصحابة والتابعون، ورؤساء المذاهب الإسلامية كأبي حنيفة ومالك وغيرهما، وتخرج على يد الإمام أبي جعفرعليه‌السلام جمهرة كبيرة من الفقهاء كزرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم وأبان بن تغلب، وإليهم يرجع الفضل في تدوين أحاديث الإمامعليه‌السلام وقد أصبحوا من مراجع الفتيا بين المسلمين، وبذلك أعاد الإمام أبو جعفرعليه‌السلام للإسلام نضارته وحافظ على ثرواته الدينية من الضياع والضمور.

ومن الجدير بالذكر أن الشيعة هم أول من سبق إلى تدوين الفقه فقد قال مصطفى عبد الرازق: (ومن المعقول أن يكون النزوع إلى تدوين الفقه كان أسرع إلى الشيعة لأن اعتقادهم العصمة في أئمتهم أو ما يشبه العصمة كان حرياً إلى تدوين أقضيتهم وفتاواهم)(٢) .

وبذلك فقد ساهمت الشيعة في بناء الصرح الإسلامي، وحافظت على أهم ثرواته... ولابد لنا من وقفة قصيرة للنظر في فقه أهل البيتعليهم‌السلام الذي هو مستمد من الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ــــــــــــــ

(١) سنن النسائي: ١ / ٤٢.

(٢) تمهيد لتأريخ الفلسفة الإسلامية: ص٢٠٢.


مميّزات مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام الفقهيّة

١ ـ الاتصال بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : والشيء المهم في فقه أهل البيتعليهم‌السلام هو أنه يتصل اتصالاً مباشراً بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فطريقه إليه أئمة أهل البيتعليهم‌السلام الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وجعلهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سفن النجاة، وأمن العباد، وعدلاء الذكر الحكيم حسبما تواترت الأخبار بذلك.

قالعليه‌السلام :(لو أننا حدثنا برأينا ضللنا كما ضل من قبلنا، ولكنا حدثنا ببينة من ربنا بينها لنبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فبينها لنا) (١) .

٢ ـ المرونة: إن فقه أهل البيت يساير الحياة، ويواكب التطور، ولا يشذ عن الفطرة ويتمشى مع جميع متطلبات الحياة، فليس فيه ـ والحمد لله ـ حرج ولا ضيق، ولا ضرر، ولا إضرار، وإنما فيه الصالح العام، والتوازن في جميع مناحي تشريعاته، وقد نال إعجاب جميع رجال القانون، واعترفوا بأنه من أثرى ما قنن في عالم التشريع عمقاً وأصالة وإبداعاً.

٣ ـ فتح باب الاجتهاد: إنّ من أهم ما تميز به فقه أهل البيتعليهم‌السلام هو فتح باب الاجتهاد، فقد دلّ ذلك على حيوية فقه أهل البيت، وتفاعله مع الحياة واستمراره في العطاء لجميع شؤون الإنسان، وإنه لا يقف مكتوفاً أمام الأحداث المستجدة التي يبتلى بها الناس خصوصاً في هذا العصر الذي برزت فيه كثير من الأحداث واستحدثت فيه كثير من الموضوعات، وقد أدرك كبار علماء المسلمين من الأزهر مدى الحاجة الملحّة إلى فتح باب الاجتهاد، ومتابعة الشيعة الإمامية في هذه الناحية.

ــــــــــــــ

(١) أعلام الورى: ٢٧٠.


قال السيد رشيد رضا: (ولا نعرف في ترك الاجتهاد منفعة ما، وأمّا مضارّه فكثيرة، وكلها ترجع إلى إهمال العقل، وقطع طريق العلم، والحرمان من استغلال الفكر، وقد أهمل المسلمون كل علم بترك الاجتهاد، فصاروا إلى ما نرى)(١) .

٤ ـ الرجوع إلى حكم العقل: انفرد فقهاء الإمامية عن بقية المذاهب الإسلامية فجعلوا العقل واحداً من المصادر الأربعة لاستنباط الأحكام الشرعية، وقد أضفوا عليه أسمى ألوان التقديس فاعتبروه رسول الله الباطني، وإنه مما يُعبَد به الرحمن، ويكتَسب به الجنان. ومن الطبيعي ان الرجوع إلى حكم العقل إنّما يجوز إذا لم يكن في المسألة نص خاص أو عام وإلا فهو حاكم عليه، وإن للعقل مسرحاً كبيراً في علم الأصول الذي يتوقف عليه الاجتهاد.

ثالثاً: الإصلاح السياسي

استثمر الإمامعليه‌السلام بعض ظروف الانفراج السياسي النسبي من أجل بناء وتوسعة القاعدة الشعبية، وتسليحها بالفكر السياسي السليم المنسجم مع رؤية أهل البيتعليهم‌السلام ، وتعبئة الطاقات لاتخاذ الموقف المناسب في الوقت المناسب، ولهذا لم تنطلق أي ثورة علوية في عهده، لعدم اكتمال شروطها من حيث العدة والعدد.

وكان الإمامعليه‌السلام يقدّم للأمة المفاهيم والأفكار السياسية الأساسية مع الحيطة والحذر; وكانت له مواقف سياسية صريحة من بعض الحكام لإعادتهم إلى جادة الصواب.

وقد تجلّى دوره الإصلاحي في الممارسات التالية:

١ ـ الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحرّران الإنسان والمجتمع من ألوان الانحراف في الفكر والعاطفة والسلوك، ويحوّلان المفاهيم والقيم الإسلامية الثابتة إلى ممارسات سلوكية واضحة المعالم، تترجم فيها الآراء والنصوص إلى مشاعر وعواطف وأعمال وحركات وعلاقات متجسدة في الواقع لكي تكون الأمة والدولة بمستوى المسؤولية في الحياة، والمسؤولية هي حمل الأمانة الإلهية وخلافة الله تعالى في الأرض.

ــــــــــــــ

(١) الوحدة الإسلامية: ٩٩.


ومن هنا جاءت تأكيدات الإمامعليه‌السلام على هذه الفريضة التي جعلها شاملة لجميع مرافق الحياة الإنسانية حيث قال:(إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصالحين، فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحلّ المكاسب، وتردّ المظالم وتعمّر الأرض، وينتصف من الأعداء ويستقيم الأمر، فأنكروا بقلوبكم، والفظوا بألسنتكم، وصكّوا بها جباههم، ولا تخافوا في الله لومة لائم...) (١) .

وحذّرعليه‌السلام من مغبّة التخليّ عن المسؤولية، ومداهنة المنحرفين حكّاماً كانوا أم من سائر أفراد الأمة فقال: (أوحى الله تعالى إلى شعيب النبيعليه‌السلام إنّي لمعذّب من قومك مائة ألف: أربعين ألفاً من شرارهم، وستين ألفاً من خيارهم، فقال: يا ربّ هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار ؟

فأوحى الله عَزَّ وجَلَّ إليه: إنهم داهنوا أهل المعاصي، ولم يغضبوا لغضبي)(٢) .

وحثعليه‌السلام على هذه المسؤولية وبيّن آثار التخلي عنها فقال:(الأمر

ــــــــــــــ

(١) تهذيب الأحكام: ٦ / ١٨٠.

(٢) المصدر السابق: ٦ / ١٨١.


بالمعروف والنهي عن المنكر خلقان من خلق الله عَزَّ وجَلَّ، فمن نصرهما أعزّه الله، ومن خذلهما خذله الله عَزَّ وجَلَّ) (١) .

٢ ـ نشر المفاهيم السياسية السليمة

وجّه الإمامعليه‌السلام الأنظار إلى دور أهل البيتعليهم‌السلام في قيادة الأمة، وتوجيهها نحو الاستقامة والرشاد فقال:(نحن ولاة أمر الله وخزائن علم الله، وورثة وحي الله، وحملة كتاب الله، طاعتنا فريضة، وحبّنا إيمان، وبغضنا كفر، محبّنا في الجنة، ومبغضنا في النار) (٢) .

وحذّر الأمة من الابتعاد عن نهج أهل البيتعليهم‌السلام فقالعليه‌السلام :(برئ الله ممن يبرأ منّا، لعن الله من لعننا، أهلك الله من عادانا) (٣) .

وحثّعليه‌السلام على نصرتهم فقال:(من أعاننا بلسانه على عدوّنا أنطقه الله بحجته يوم موقفه بين يديه عَزَّ وجَلَّ) (٤) .

ووضّحعليه‌السلام حدود الموالاة لهم، وبيّن المعيار لمعرفة الموالاة والموالين في حالة التباس المفاهيم واختلاط المعايير، فقال:(أمّا محبتنا، فيخلص الحبّ لنا كما يخلص الذهب بالنّار لا كدر فيه، من أراد أن يعلم حبّنا، فليمتحن قلبه فإن شاركه في حبّنا حبّ عدوِّنا، فليس منّا ولسنا منه) (٥) .

وأكّد على أن طرق تولّي الإمام لمنصب الإمامة منحصرة بالنصّ والوصية، ولا عبرة بما هو الشائع من البيعة والعهد والغلبة، ومما جاء في ذلك قولهعليه‌السلام :(كل من دان الله عَزَّ وجَلَّ بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير

ــــــــــــــ

(١) الخصال: ١ / ٤٢.

(٢) مناقب آل أبي طالب: ٤ / ٢٢٣.

(٣) بحار الأنوار: ٢٧ / ٢٢٢.

(٤) المصدر السابق: ٢ / ١٣٥.

(٥) المصدر السابق: ٢٧ / ٥١.


مقبول، وهو ضالّ متحيّر، والله شانئ لأعماله...) (١) .

وبيّن مواصفات الإمام لكي تتمكن الأمة من التمييز والتشخيص في خضم الأحداث التي حُرِّفت فيها المفاهيم وزُوِّرت فيها الحقائق فقالعليه‌السلام :(إن الإمامة لا تصلح إلا لرجل فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن المحارم، وحلم يملك به غضبه، وحسن الخلافة على من ولي، حتى يكون له كالوالد الرحيم) (٢) .

ورسم قاعدة كلية في أساسيات حقوق وواجبات الإمام تجاه الأمة، لكي تدرك الأمة مدى قرب وبعد الحكّام عن أداء مسؤوليتهم، فقالعليه‌السلام :(حقّه عليهم أن يسمعوا ويطيعوا... وحقهم عليه: يقسم بينهم بالسوية ويعدل في الرعيّة) (٣) .

وفي خضم الأحداث الصاخبة وما طرأ من تشويه وتدليس في الحقائق، بيّنعليه‌السلام المفهوم الحقيقي للتشيع، لكي لا يعطي مبرّراً للحكّام الأمويين لتشويه سمعة أنصار أهل البيتعليهم‌السلام في المحافل المختلفة، واستغلال بعض السلبيات للطعن في مفاهيم الولاء والتولي، فقالعليه‌السلام :(فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون إلا بالتواضع، والتخشع، والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبر بالوالدين، والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة، والغارمين، والأيتام، وصدق الحديث وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء) (٤) .

والتشيّع ليس ادعاءً بل هو ممارسة عملية محسوسة في الواقع، والشيعي هو مثال التديّن والإخلاص والطّاعة لله تعالى.

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ١ / ١٨٤.

(٢) الخصال: ١ / ١١٦.

(٣) بحار الأنوار: ٢٧ / ٢٤٤.

(٤) الكافي: ٢ / ٧٤.


ولم يكتف الإمام الباقرعليه‌السلام ببيان المظاهر الخارجية لمن ينتسب لمدرسة أهل البيتعليهم‌السلام وإنّما تعدّى ذلك إلى مجموعة من المعالم الفريدة لشيعتهم، فقالعليه‌السلام :(إنما شيعة علي عليه‌السلام الشاحبون الناحلون الذابلون، ذابلة شفاههم، خميصة بطونهم، متغيّرة ألوانهم، مصفرّة وجوههم، إذا جنّهم الليل اتّخذوا الأرض فراشاً، واستقبلوا الأرض بجباههم، كثير سجودهم، كثيرة دموعهم، كثير دعاؤهم، كثير بكاؤهم، يفرح الناس وهم محزونون) (١) .

٣ ـ فضح الواقع الأُموي

كشف الإمامعليه‌السلام حقيقة الحكم الأُموي وكيفية وصوله إلى الحكم، وما مارسه من أعمال لإدامة السيطرة على رقاب المسلمين، ووضّح الجرائم التي ارتكبها سلف هؤلاء الحكّام في حق أهل البيتعليهم‌السلام وأنصارهم، فبعد أن بيّن ملابسات الخلافة، وكيفية الاستحواذ عليها وإقصاء أهل البيتعليهم‌السلام عن موقعهم فيها، قال: (... وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسنعليه‌السلام فَقُتِلَتْ شيعتنا بكل بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان من يذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سُجِن أو نُهِبَ ماله، أو هُدِمَت داره، ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسينعليه‌السلام ثم جاء الحجّاج فقتلهم كل قتلة، وأخذهم بكل ظنٍّ وتهمة، حتى أنّ الرجل ليقال له: زنديق أو كافر، أحبُّ إليه من أن يقال: شيعة عليّ، وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير ـ ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً ـ يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة، من تفضيل بعض من قد سَلَفَ من الولاة، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها، ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنها حقٌّ لكثرة من قد رواها ممّن لم يعرف بكذب، ولا بقلة ورع)(٢) .

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٦٥ / ١٤٩.

(٢) شرح نهج البلاغة: ١١ / ٤٢، ٤٤.


٤ ـ الدعوة إلى مقاطعة الحكم القائم

دعاعليه‌السلام إلى مقاطعة الحكم الجائر ونهى عن إسناده بأي شكل من أشكال المساندة وإن كانت لا تتعلق بسياستهم، فقالعليه‌السلام ـ في معرض جوابه عن العمل معهم ـ:(ولا مدة قلم، إنّ أحدهم لا يصيب من دنياهم شيئاً إلاّ أصابوا من دينه مثله) (١) .

ووضّح أساسيات التعامل مع الحكام الجائرين والفاسقين بقوله:(لا دين لمن دان بطاعة من عصى الله) (٢) .

وأكدعليه‌السلام على أن تكون العلاقة معهم علاقة التوجيه والإرشاد، والقيام بأداء مسؤولية الوعظ فقال:(من مشى إلى سلطان جائر، فأمره بتقوى الله، وخوّفه ووعظه كان له مثل أجر الثقلين من الجن والإنس، ومثل أعمالهم) (٣) .

واستثنىعليه‌السلام المواقف التي تتخذ من أجل مصلحة الإسلام الكبرى، فجوّز إسنادهم بالسلاح إن كان القتال مع أعداء الإسلام، لأنهم يدفعون بالسلاح العدو المشترك، قالعليه‌السلام لمن كان يحمل إليهم السلاح:(احمل إليهم، فإنّ الله يدفع بهم عدوّنا وعدوّكم ـ يعني الروم ـ وبعهم، فإذا كانت الحرب بيننا فلا تحملوا) (٤) .

وقالعليه‌السلام في حق حكّام الجور:(إن أئمة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله والحقّ، قد ضلّوا بأعمالهم التي يعملونها) (٥) .

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ٥ / ١٠٧.

(٢) بحار الأنوار: ٢ / ١٢٢.

(٣) بحار الأنوار: ٧٢ / ٣٧٥.

(٤) الكافي: ٥ / ١١٢، كتاب المعيشة، باب بيع السلاح منهم.

(٥) المحاسن: ٩٣.


٥ ـ مواقفه المباشرة من الحكّام المنحرفين

إن دور الإمام الحقيقي هو دور القدوة، ومن أهم المسؤوليات الملقاة على عاتقه إصلاح الحاكم والأمة معاً، والقضاء على الانحراف في مهده. أو الحيلولة دون التمادي فيه، وهذا الدور تختلف أساليبه وبرامجه تبعاً للعوامل والظروف السياسية المحيطة بالإمام، وتتغيّر المواقف تبعاً للمقومات التالية:

أ ـ المصلحة الإسلامية العامة.

ب ـ المصلحة الإسلامية الخاصة، والتي تتعلق بالحفاظ على منهج أهل البيتعليهم‌السلام ورفده بالعناصر النزيهة، لضمان استمرار حركته في الأمة.

ت ـ الظروف العامة والخاصة من حيث قوة الحاكم، وقوة القاعدة الشعبية لأهل البيتعليهم‌السلام .

وكانت التقيّة أسلوباً يتخذه الإمامعليه‌السلام في مواقفه من الحاكم الجائر عندما لا تكون المواجهة العلنية مفيدة ومثمرة، وأوضح الإمام حدودها بقوله:(التقية في كل ضرورة) (١) . وقالعليه‌السلام :(إنما جعلت التقيّة ليحقن بها الدماء، فإذا بلغ الدم فلا تقيّة) (٢) .

وفي العهود التي سبقت عهد عمر بن عبد العزيز، كان الإمامعليه‌السلام يتّقي المواجهة مع الحاكم حفاظاً على كيان أهل البيتعليهم‌السلام وإبعاداً لأنصاره عن حراب الحاكم وأعوانه، ولم يتدخلعليه‌السلام في شؤون الحاكم إلا في حدود ضيّقة، وحينما وصل الأمر إلى عمر بن عبد العزيز وتبدلت الأوضاع والظروف تقرب عمر بن عبد العزيز إلى أهل البيتعليهم‌السلام وفضّلهم على بني أمية، قائلاً: أفضلهم لأنّي سمعت... أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقول:(إنّما فاطمة شجنة (٣) منّي

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٧٢ / ٣٩٩.

(٢) المصدر السابق.

(٣) الشجن: القرع من كل شيء.


يسرّني ما أسرّها، ويسوؤني ما أساءها) ، فأنا ابتغي سرور رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأتقي مساءته(١) .

واستثمر الإمامعليه‌السلام هذه الحرية النسبيّة، فقام بدوره في إصلاح الحاكم وأجهزته وإرشاده وحثّه على الاستقامة في التعامل مع الرعيّة.

وحينما بعث إليه أن يقدم عليه، لبّىعليه‌السلام الدعوة واجتمع معه، وأخذ ينصحه ويطلب منه أن يوفق بين ممارساته وبين القيم الإسلامية في مجال التعامل، وممّا جاء في نصائحه له قولهعليه‌السلام :(... فاتق الله، واجعل في قلبك اثنتين تنظر الّذي تحبّ أن يكون معك إذا قدمت على ربِّك، فقدِّمه بين يديك، وتنظر الذي تكرهه أن يكون معك إذا قدمت على ربِّك، فابتغ به البدل، ولا تذهبن إلى سلعة قد بارت على من كان قبلك ترجو أن تجوز عنك، واتق الله يا عمر وافتح الأبواب وسهّل الحجاب، وانصر المظلوم وردّ المظالم) (٢) .

واستشاره عمر في بعض الأمور، وحينما أراد الرجوع إلى المدينة قال له عمر: فأوصني يا أبا جعفر، فقالعليه‌السلام :(أوصيك بتقوى الله واتّخذ الكبير أباً، والصغير ولداً، والرجل أخاً) (٣) .

وفي عهد هشام بن عبد الملك كانعليه‌السلام يتحرك تبعاً لمواقف هشام من حيث اللين والشدة، فحينما دخل هشام المسجد الحرام نظر إلى الإمامعليه‌السلام وقد أحدق الناس به، فقال: من هذا ؟ فقيل له: محمد بن علي بن الحسين، فقال: هذا المفتون به أهل العراق؟! فأرسل إليه، وسأله بعض الأسئلة، فأفحمه الإمامعليه‌السلام وظهر عليه أمام أتباعه(٤) .

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٦ / ٣٢٠.

(٢) المصدر السابق: ٧٥ / ١٨٢.

(٣) مختصر تاريخ دمشق: ٢٣ / ٧٧.

(٤) المصدر السابق: ٢٣ / ٧٩.


ولمّا حُمل إلى الشام وأراد هشام أن ينتقص منه، نهض قائماً ثم قال:(أيها الناس أين تذهبون وأين يراد بكم؟ بنا هدى الله أوّلكم، وبنا يختم آخركم، فإن يكن لكم ملك معجّل، فإنّ لنا ملكاً مؤجلاً...) (١) .

٦ ـ موقفه من الثورة المسلحة

وقف الإمامعليه‌السلام موقف الحياد من الثورات التي قادها الخوارج، فلم يصدر منه تأييد ولا معارضة، لكي لا يستثمر قادة الثورات أو الحكّام موقف الإمامعليه‌السلام لصالحهم، ولكي تستمر روح الثورة في النفوس.

وفي عهدهعليه‌السلام لم تنطلق أي ثورة علوية يقودها أحد أهل البيتعليهم‌السلام أو أحد أنصارهم، لأنّ الإمامعليه‌السلام كان مشغولاً ببناء وتوسعة القاعدة الشعبية، لكي تنطلق فيما بعد، أي بعد إكمال العدّة والعدد، وكانعليه‌السلام يوجّه الأنظار إلى ثورة أخيه زيد التي أخبر أنها ستنطلق في المستقبل القريب.

وكان يربط بين موقف زيد المستقبلي وبين موقفهعليه‌السلام منه فيقول:(أمّا عبد الله فيدي التي أبطش بها، وأما عمر فبصري الذي أبصر به، وأما زيد فلساني الذي أنطق به * ...) (٢) .

ــــــــــــــ

(١) مناقب آل أبي طالب: ٤ / ٢٠٦.

* عبد الله الباهر أخو الإمام الباقر عليه‌السلام ، كان من أبرز علماء المسلمين في فضله، وسموّ منزلته العلمية، وقد روى عن أبيه علوماً شتى، وكتب الناس عنه ذلك. (غاية الاختصار ١٠٦). وأما عمر بن علي بن الحسين عليه‌السلام فهو أخو الإمام الباقر عليه‌السلام أيضاً كان فاضلاً جليلاً ووُلّي صدقات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصدقات أمير المؤمنين عليه‌السلام وكان ورعاً سخيّاً، ويروى عنه، قال: يشترط على من ابتاع صدقات علي عليه‌السلام أن يثلم في الحائط كذا وكذا ثلمة لا يمنع من دخله أن يأكل منه.

وكذلك زيد الشهيد فإنه ثالث إخوته، وكان من أجلّ علماء المسلمين وقد تخصص في علوم كثيرة كعلم الفقه والحديث والتفسير وعلم الكلام وغيرها، وهو الذي تبنّى حقوق المظلومين والمضطهدين، وقاد سيرتهم النضالية في ثروته الخالدة التي نشرت الوعي السياسي في المجتمع الإسلامي وساهمت مساهمة إيجابية وفعّالة في الإطاحة بالحكم الأُموي.

(٢) سفينة البحار: ٢ / ٢٧٣.


وكانعليه‌السلام يحذِّر من خذلان زيد ومحاربته فيقول:(إن أخي زيد بن علي خارج فمقتول على الحق، فالويل لمن خذله، والويل لمن حاربه، والويل لمن قاتله) (١) .

وكانعليه‌السلام هو الموجّه لحركة أخيه زيد، وكان زيد أحد المنضوين تحت لواء إمامته، وكانت حركته العسكرية ذراعاً واقعياً لأهل البيتعليهم‌السلام ليقاوموا من خلالها انحراف الحكّام بعد عجز الأساليب الأخرى عن التأثير.

وممّا يؤكد هذه التبعية قول زيد رحمه الله:

فمن لي سوى جعفر بعده

إمام الورى الأوحد الأمجد(٢)

فتأجلت الثورة المسلحة إلى وقتها المناسب وتفجّرت بعد أقلّ من عشر سنين من استشهاد الإمام محمد الباقرعليه‌السلام .

رابعاً: الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي

بذل الإمامعليه‌السلام عناية فائقة لإصلاح الأخلاق وتغيير الأوضاع الاجتماعية باتجاه القواعد والموازين والقيم العليا الثابتة في الشريعة الإسلامية، وكانت مهمته التركيز على إصلاح جميع الوجودات القائمة، بدءً بالمقربين منه ثم الأوساط الاجتماعية ثم المؤسسات الحكومية واتباع الحاكم.

وكانعليه‌السلام يستثمر جميع الفرص المتاحة للإصلاح والتغيير وبناء واقع جديد، ولهذا تعددت أساليبه الإصلاحية والتغييرية في المجال الأخلاقي والاجتماعي. وإليك بعض نشاطاته في هذا المجال:

١ ـ الدعوة لتطبيق السنّة النبوية

قام الإمامعليه‌السلام بنشر الأحاديث الشريفة النبوية المرتبطة بالجوانب الأخلاقية والاجتماعية لكي تكون هي الحاكمة على الممارسات السلوكية والعلاقات الاجتماعية، ولكي تكون نبراساً لأفراد المجتمع بمختلف طبقاتهم في مسيرتهم الإنسانية، تنطلق بهم نحو السمو والتكامل، والارتقاء للوصول إلى المقامات العالية التي وصل إليها الصالحون والأولياء.

ــــــــــــــ

(١) مقتل الخوارزمي: ٢ / ١١٣.

(٢) مناقب آل أبي طالب: ٤ / ٢١٣.


وكانعليه‌السلام ـ من خلال نشر هذه الأحاديث النبوية ـ يشير إلى العوامل الأساسية في صلاح الأخلاق والأوضاع الاجتماعية، وهي صلاح الفقهاء والأمراء، فقد روىعليه‌السلام قول جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(صنفان من أمتي إذا صلحا صلحت أمتي، وإذا فسدا فسدت أمتي الفقهاء والأمراء) (١) .

ودعاعليه‌السلام إلى إخلاص النصيحة والإيثار في الممارسة الإصلاحية على ضوء ما جاء عن جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(لينصح الرجل منكم أخاه كنصيحته لنفسه) (٢) .

وأكّدعليه‌السلام على دعوة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى العفّة وتعجيل الخير بقوله:(إن الله يحبُّ الحييَّ الحليم العفيف المتعفف) (٣) . وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(إن الله يحب من الخير ما يعجّل) (٤) .

وأكّدعليه‌السلام على الأحاديث الداعية إلى حسن الخلق والكف عن أعراض المؤمنين منها قولهعليه‌السلام :(والذي لا اله إلاّ هو ما أعطي مؤمن قط خير الدنيا والآخرة إلاّ بحسن ظنّه بالله ورجائه له، وحسن خلقه، والكف عن اغتياب المؤمنين) (٥) .

ــــــــــــــ

(١) الخصال: ١ / ٢٦.

(٢) الكافي: ٢ / ٢٠٨.

(٣) المصدر السابق: ٢ / ١١٢.

(٤) المصدر السابق: ٢ / ١٤٢.

(٥) المصدر السابق: ٢ / ٧٢.


وقالعليه‌السلام :(إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن القيل والقال، وفساد المال، وكثرة السؤال) (١) .

ودعاعليه‌السلام إلى إدخال السرور على المؤمن كما ورد في قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(من سرَّ مؤمناً فقد سرني ومن سرني فقد سر الله) (٢) .

وحثعليه‌السلام على صلة الرحم بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(إن أعجل الخير ثواباً صلة الرحم) (٣) .

وذكرعليه‌السلام عشرات الأحاديث الشريفة التي تدعو إلى مكارم الأخلاق في الصدق والإيثار والتعاون والوفاء بالعهد وحسن التعامل مع المسلمين وغيرهم، إضافة إلى الأحاديث الناهية عن الممارسات السلبية كالكذب والبهتان والتعيير ونقض العهد، والخيانة والاعتداء على الأعراض والنفوس.

وممّا جاء في ذلك قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية) (٤) .

وقالعليه‌السلام :سئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن خيار العباد، فقال: (الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤا استغفروا، وإذا أعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا غضبوا غفروا) (٥) .

ولم يكتفعليه‌السلام بنشر الأحاديث الشريفة والدعوة إلى تجسيد محتواها في الواقع، وإنّما قام بأداء دور القدوة في ذلك فكان بنفسه قمة في جميع المكارم والمآثر، وقد أبرز للمسلمين من خلال سلوكه نموذجاً من أرقى نماذج الخلق الإسلامي الرفيع، فكانعليه‌السلام القمة السامية في الصدق والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وفي التواضع واحترام الآخرين، والاهتمام بأمور المسلمين، وقضاء حوائج المحتاجين، فكانت معالجته للواقع معالجة عملية من خلال سلوكه النموذجي مع مختلف أصناف الناس موالين، ومخالفين.

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ١ / ٦٠.

(٢) المصدر السابق: ٢ / ١٨٨.

(٣) المصدر السابق: ٢ / ١٥٢.

(٤) المحاسن: ١٠٢.

(٥) الخصال: ١ / ٣١٧.


٢ ـ الدعوة إلى مكارم الأخلاق

كثّف الإمامعليه‌السلام دعوته إلى إصلاح مكارم الأخلاق لتكون هي العلامة الفارقة لتعامل المسلمين فيما بينهم، فكانعليه‌السلام يدعو إلى إفشاء السلام وهو مظهر من مظاهر روح الإخاء والودّ والمحبة والصفاء في العلاقات الاجتماعية حتى قالعليه‌السلام :(إن الله يحب إفشاء السلام) (١) .

ودعا إلى العفّة واعتبرها أفضل العبادة، فقال:(أفضل العبادة عفّة البطن والفرج) (٢) .

ودعا إلى تطهير اللسان وتقييده بقيود شرعية، لإدامة العلاقات بين الناس، فقالعليه‌السلام :(قولوا للناس أحسن ما تحبّون أن يقال لكم، فإنّ الله يبغض اللعان السبّاب الطّعّان على المؤمنين، الفاحش المتفحّش، السائل الملحف، ويحبّ الحيي الحليم العفيف المتعفّف) (٣) .

ووضّح كيفية التعامل مع مختلف طبقات المجتمع فقال:(صانع المنافق بلسانك، وأخلص مودتك للمؤمن، وإن جالسك يهودي فأحسن مجالسته) (٤) .

وبيّن أسس التعامل مع مختلف الأصناف من الناس فقال:(أربع من كنّ

ــــــــــــــ

(١) تحف العقول: ٢٢٠.

(٢) المصدر السابق: ٢١٧.

(٣) المصدر السابق: ٢٢٠.

(٤) المصدر السابق: ٢١٣.


فيه بنى الله له بيتاً في الجنّة، من آوى اليتيم، ورحم الضعيف، وأشفق على والديه، ورفق بمملوكه) (١) .

ودعاعليه‌السلام إلى الارتباط بأهل التقوى وتعميق أواصر العلاقات معهم لما اختصوا به من خصائص تؤثر على المصاحبين لهم تأثيراً إيجابياً لتجسيد المثل والقيم الإسلامية في الواقع، قالعليه‌السلام :(إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم لك معونة، إن نسيت ذكروك، وإن ذكرت أعانوك، قوّالين بحق الله، قوّامين بأمر الله) (٢) .

ووضّحعليه‌السلام بعض حقوق المؤمن على المؤمن فقال:(إنّ المؤمن أخ المؤمن لا يشتمه ولا يحرمه ولا يسيء به الظن) (٣) .

وقالعليه‌السلام :(من اغتيب عنده أخوه المؤمن فنصره وأعانه نصره الله في الدنيا والآخرة، ومن لم ينصره، ولم يدفع عنه وهو يقدر على نصرته وعونه خفضه الله في الدنيا والآخرة) (٤) .

وحذّر من ظلم الآخرين أو الإعانة على ظلمهم فقال:(من أعان على مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة آيس من رحمة الله) (٥) .

ودعا إلى مقابلة الإساءة والقطيعة بالإحسان والصلة فقال:(ثلاثة من مكارم الدنيا والآخرة: أن تعفو عمّن ظلمك وتصل من قطعك، وتحلم إذا جهل عليك) (٦) .

ــــــــــــــ

(١) الخصال: ١ / ٢٢٣.

(٢) صفة الصفوة: ٢ / ١٠٩.

(٣) تحف العقول: ٢١٦.

(٤) المحاسن: ١٠٣.

(٥) المصدر السابق.

(٦) تحف العقول: ٢١٤.


خامساً: الإصلاح الاقتصادي

لم يكن الإمامعليه‌السلام على رأس سلطة حتى يستطيع إصلاح الأوضاع الاقتصادية إصلاحاً عملياً وجذريّاً، ولذا اقتصرعليه‌السلام على نشر المفاهيم الإسلامية المرتبطة بالحياة الاقتصادية السليمة متمثّلة في النظام الاقتصادي الإسلامي، والتي تعصم مراعاتها الإنسان والمجتمع من الانحراف الاقتصادي التي من أسبابها: الانسياق وراء إشباع الشهوات إشباعاً مخلاً بالتوازن الاقتصادي، فحدّد الإمامعليه‌السلام الأهداف المتوخاة من التصرّف بالأموال، إذ جعل الله المال وسيلة لتحقيق الهدف الذي خلق الإنسان من أجله، وهو الوصول إلى عبادة الله تعالى، وتطبيق منهجه في الحياة، قالعليه‌السلام :(نعم العون الدنيا على طلب الآخرة) (١) .

وأوضح الأهداف المشروعة التي يبتغي طلب المال من أجلها، فقالعليه‌السلام :(من طلب الرزق في الدنيا استعفافاً عن الناس، وتوسيعاً على أهله، وتعطفاً على جاره ; لقي الله عَزَّ وجَلَّ يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر) (٢) .

واستعانعليه‌السلام بالأحاديث الشريفة الواردة في ضرورة المشروعية في التصرفات الاقتصادية، فروى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال:(العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال) (٣) .

وأكّدعليه‌السلام على حرمة جملة من التصرفات المالية كالتطفيف في المكيال، إذ قالعليه‌السلام :(اُنْزِل في الكيل: ( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ) ، ولم يجعل الويل لأحد

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ٥ / ٧٣.

(٢) المصدر السابق: ٥ / ٧٨.

(٣) المصدر السابق.


حتى يسميه كافراً ...) (١) .

كما دعاعليه‌السلام إلى استصلاح المال وتنمية الثروة بشكل صحيح بقولهعليه‌السلام :(من المروءة استصلاح المال)( ٢) .

وقدّم إشباع حاجات المسلمين وسد ثغرات حياتهم على أهم العبادات المستحبّة وهو الحج تطوعاً، فقالعليه‌السلام :(لأن أحجّ حجة أحبّ إليّ من أن أعتق رقبة ورقبة ـ حتى انتهى إلى سبعين ـ، ولأن أعول أهل بيت من المسلمين، أشبع جوعتهم وأكسو عورتهم وأكفّ وجوههم عن الناس أحبّ إليّ من أن أحجّ حجة وحجة ، حتى انتهى إلى عشر و عشر وعشر ومثلها حتى انتهى إلى سبعين(٣) .

ودعاعليه‌السلام إلى الترفّع عن الحرص والطمع حيث روى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال:(... لن تموت نفس حتّى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحمل أحدكم استبطاء شيء من الرزق أن يطلبه بغير حلّه، فإنّه لا يدرك ما عند الله إلاّ بطاعته) (٤) .

ووجّه الأنظار إلى الآثار السلبية للحرص فقال:(مثل الحريص على الدنيا، كمثل دودة القزّ، كلّما ازدادت على نفسها لفّاً ; كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غمّاً) (٥) .

وأكّد على زوال المال ما دام الإنسان مخلوقاً للآخرة ومعرّضاً للفناء فقال:(ملك ينادي كل يوم: ابنَ آدم; لِدْ للموت، واجمع للفناء، وابن للخراب) (٦) .

ــــــــــــــ

(١) تفسير نور الثقلين: ٥ / ٥٢٧.

(٢) الخصال: ١/١٠.

(٣) الكافي: ٤ / ٢.

(٤) المصدر السابق: ٢ / ٧٤.

(٥) المصدر السابق: ٢ / ١٣٤.

(٦) المصدر السابق: ٢ / ١٣١ .


وكانعليه‌السلام يحثّ على القناعة لأنها إحدى مقدمات السعادة الروحية، وقد تجلّى ذلك في سلوكه وقولهعليه‌السلام :(من قنع بما أوتي قرّت عينه) (١) .

ودعا إلى مراعاة القصد والوسطية وتجنّب الإفراط والتفريط في الطرف والإنفاق في مختلف الظروف واعتبره من المنجيات، فقالعليه‌السلام :(أما المنجيات فخوف الله في السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقر) (٢) .

كما حدّد الإمامعليه‌السلام لكل إنسان حقّه، وحذّر من الاعتداء على أموال الآخرين لأنها تؤدي إلى الخلل الاقتصادي فضلاً عمّا لها من تأثيرات سلبية أخرى على المستقبل الأخروي للفرد والمجتمع، نلاحظ ذلك في قولهعليه‌السلام :(من أصاب مالاً من أربع لم يقبل منه أربع: من أصاب مالاً من غلول أو ربا أو خيانة أو سرقة ; لم يقبل منه في زكاة ولا صدقة ولا في حجّ ولا في عمرة) (٣) .

ومن أجل تحقيق التوازن الاقتصادي، ورفع المستوى المعاشي لعموم الناس دعاعليه‌السلام إلى الالتزام بالإنفاق الواجب، فقال:(إن الله تبارك وتعالى قرن الزكاة بالصلاة فمن أقام الصلاة، ولم يؤت الزكاة، فكأنه لم يقم الصلاة) (٤) .

وروى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله:(ملعون كل مال لا يزكّي) (٥) .

وبيّن الآثار السلبية لمنع الزكاة فقالعليه‌السلام :(وجدنا في كتاب عليّ عليه‌السلام قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا منعت الزكاة منعت الأرض بركاتها) (٦) .

وحدّدعليه‌السلام حدود البذل بأنه الإيصال إلى مرتبة إغناء الفقير لإنقاذه من الفقر وآثاره السلبية، فقالعليه‌السلام :(إذا أعطيته فأغنه) (٧) .

ــــــــــــــ

(١) سفينة البحار: ٢ / ٤٥٢.

(٢) الخصال: ١ / ٨٤.

(٣) أمالي الصدوق: ٣٥٩.

(٤) الكافي: ٣ / ٥٠٦.

(٥) وسائل الشيعة: ٩ / ٢٩.

(٦) الكافي: ٣ / ٥٠٥.

(٧) المصدر السابق: ٣ / ٥٤٨ .


ولا يتحقق التوازن الاقتصادي ولا التكافل الاجتماعي إلاّ باشتراك جميع الناس في ممارسات مكثّفة لرفع المستوى الاقتصادي لجميع الفقراء والمعوزين، من خلال القيام بالإيثار والإنفاق التطوعي مضافاً إلى أداء الحقّ الشرعي الواجب، لذا حثعليه‌السلام على الإحسان وأداء أعمال البر والصدقة فقال:(البرّ والصدقة ينفيان الفقر ويزيدان في العمر، ويدفعان سبعين ميتة سوء) (١) .

وحث على معونة الإخوان وقضاء حوائجهم فقالعليه‌السلام :(من بخل بمعونة أخيه المسلم والقيام في حاجته ; ابتلي بمعونة من يأثم عليه ولا يؤجر) (٢) .

وروى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أ نه قال:(داووا مرضاكم بالصدقة وحصنوا أموالكم بالزكاة) (٣) .

وحدّد الإمامعليه‌السلام موارد الإنفاق المنسجمة مع الشريعة الإسلامية، وأثبت انحراف الأسلوب الذي قام به الحكّام حيث قاموا بتوزيع الأموال حسب أهوائهم ورغباتهم دون التقيد بالقيود التي وضعها المنهج الإسلامي.فقد روى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله:(خمسة لعنتُهم وكلُّ نبيّ مجاب ، وذكر منهم: المستأثر بالفيء والمستحل له) (٤) .

كما حدّدعليه‌السلام موارد إعطاء الصدقات فقال:(إن الصدقة لا تحلّ لمحترف، ولا لذي مرّة سوي قوي ...) (٥) .

وكانعليه‌السلام يقوم بإنفاق ما يحصل عليه على الفقراء والمعوزين لتقتدي به الأمة، وتعرف انحراف الممارسات المالية التي كان يقوم بها الحكام والمخالفة للأسس الإسلامية والقواعد الثابتة للإنفاق.

ــــــــــــــ

(١) الخصال: ١ / ٤٨.

(٢) المحاسن: ٩٩.

(٣) وسائل الشيعة: ٩ / ٢٩.

(٤) الكافي: ٢ / ٢٩٣.

(٥) وسائل الشيعة: ٩ / ٢٣١ .


الباب الرابع: فيه فصول:

الفصل الأول: الإمام الباقرعليه‌السلام وبناء الجماعة الصالحة.

الفصل الثاني: اغتيال الإمام محمد الباقرعليه‌السلام واستشهاده.

الفصل الثالث: تراث الإمام محمد الباقرعليه‌السلام .

الفصل الأول: الإمام الباقرعليه‌السلام وبناء الجماعة الصالحة(١)

إن إصلاح الأوضاع الاجتماعية يتوقف على وجود جماعة صالحة تقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الإسلام والى المنهج السليم الذي تبنّاه أهل البيتعليهم‌السلام ، استناداً إلى الأوامر الإلهية في تشكيل الأمة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر.

ولهذا سعى الأئمة المعصومونعليهم‌السلام إلى بناء الجماعة الصالحة ورسم المعالم والملامح اللازمة لها لتكون الطليعة الواعية المخلصة لتبنّي مسؤولية الإصلاح والتغيير طبقاً لمنهج أهل البيتعليهم‌السلام .

وقد شرع أهل البيتعليه‌السلام في تكوين الجماعة الصالحة منذ عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّه إلى جانب تبليغه العام قام بإعداد مجموعة صالحة تهتم بالدعوة إلى الله على بصيرة ووعي وأبدى لهم عناية فائقة حيث خصص لهم أوقاتاً خاصة، وكلّف الإمام عليّاًعليه‌السلام بإعداد آخرين.

واستمر الإمام عليعليه‌السلام بعد رحيل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بانجاز هذه المهمّة، وكرّس جهوده لتهيئة الطليعة والكوادر الرسالية. وقد أثمرت نشاطاته حينما عادت له السلطة، وكان لتلك الكتلة الصالحة دور كبير في إخماد الفتن الداخلية وتقرير منهج أهل البيتعليهم‌السلام في الواقع العملي.

ــــــــــــــ

(١) اعتمدنا في هذا البحث بشكل أساسي على الكتاب القيّم الذي نشره المجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام (دور أهل البيتعليهم‌السلام في بناء الجماعة الصالحة) لسماحة السيد محمد باقر الحكيم (دام عزه) واستخلصنا منه ما يناسب حياة الإمام محمد الباقر عليه‌السلام بشكل خاص من هذه الموسوعة.


وواصل الإمام الحسنعليه‌السلام مسيرة جده وأبيه، حيث كان أحد بنود الهدنة مع معاوية هو إيقاف الملاحقة لأنصاره وأنصار أبيه، وتفرّغ الإمامعليه‌السلام بعد الهدنة لتوسيع قاعدة الجماعة الصالحة لتقوم بأداء دورها في الوقت والظرف المناسب وبالفعل قامت بالتصدي للانحراف الأُموي في عهد يزيد، وشاركت مع الإمام الحسينعليه‌السلام في حركته المسلحة للإطاحة بالحكم الجائر.

وكان للجماعة الصالحة دور كبير في قيادة الثورات المسلحة ضد الحكم الأُموي على طول الخط، كثورة أهل المدينة، وثورة المختار، وثورة التوابين، التي أعقبت ثورة الإمام الحسينعليه‌السلام الإصلاحية وكان لمجموعها دور كبير في إرساء دعائم منهج أهل البيتعليهم‌السلام وتعميقه وتجذيره في العقول والقلوب والممارسات السلوكية والتعجيل في زوال الحكومات الجائرة.

واستمر الإمام زين العابدينعليه‌السلام في استثمار الفرص المتاحة لتكملة البناء الذي شيّده من سبقه من الأئمة الأطهار، فقد تمتع بحرية نسبية في إعداد الطليعة الرسالية في عهد عبد الملك بن مروان، لتكون ذراعاً لحركة أهل البيتعليهم‌السلام في عهده.

واستمر الإمام الباقرعليه‌السلام في تشييد هذا الصرح ورفده بعناصر جديدة لتستمر الحركة الإصلاحية على منهج أهل البيتعليهم‌السلام وتقريره في واقع الحياة، فقد ربّىعليه‌السلام مجموعة من الفقهاء المصلحين وعلى رأسهم: زرارة بن أعين، ومعروف بن خربوذ، وأبو بصير الأسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي، وبريد بن معاوية العجلي .


وربّى طبقة ثانية التي تلي المتقدمين ومنهم: حمران بن أعين، وإخوته، وعبد الله بن ميمون القدّاح، ومحمد بن مروان الكوفي، وإسماعيل بن الفضل الهاشمي، وأبو هارون المكفوف وآخرون(١) .

وتنوّعت مهمة الجماعة الصالحة، فمنهم الفقهاء، ومنهم قادة الثورات، ومنهم المصلحون الذين كانوا يجوبون الأمصار لتعميق منهج أهل البيتعليهم‌السلام في القلوب والنفوس.وفيما يلي سوف نستعرض بعض مظاهر حركة الإمامعليه‌السلام في بناء الجماعة الصالحة، وإعدادها إعداداً شمولياً بشمول الإسلام وشمول منهج أهل البيتعليهم‌السلام لجميع مرافق الحياة الإنسانية. وقد أوضحنا أن المهمّة الأساسية للإمام الباقرعليه‌السلام بعد العقود الثلاثة من النشاط المستمر للإمام زين العابدينعليه‌السلام بهذا الاتجاه هي رسم المعالم التفصيلية للجماعة الصالحة وبيان كل ما يلزم لتكوين المجتمع الإسلامي النموذجي في وسط التيارات المنحرفة التي ملأت الساحة الإسلامية العامّة، وهي إلى جانب كونها النموذج المطلوب للأمة المسلمة الرائدة تكون الذراع الحقيقي للأئمةعليهم‌السلام لإقرار الإسلام الشامل في المجتمع الإسلامي الآخذ بالتمادي في الانحراف والانهيار; إذ من خلالها يكون النشاط الحقيقي للإمام الباقرعليه‌السلام في مرحلته الخاصة التي تجلّت في رسم هذه المعالم وإقرارها وتربية الأجيال عليها. وهي المهمة التي اشترك فيها أبوه الإمام زين العابدين وابنه الإمام الصادق وحفيده الإمام الكاظمعليهم‌السلام .

وقد لخصّنا هذا البحث الأساسي في عشر نقاط أساسية ترتبط بالجماعة الصالحة وتوضح معالمها الرئيسة.

ــــــــــــــ

(١) مناقب آل أبي طالب: ٤ / ٢٢٩ .


أولاً: الإمام الباقرعليه‌السلام ومقومات الجماعة الصالحة

١ ـ العقيدة السليمة

في خضم الأحداث والمواقف المتباينة والمتناقضة جراء تعدد التيارات الفكرية والعقائدية، واضطراب عقول الكثير من المسلمين، لابتعادهم عن إدراك أسس العقيدة السليمة، قام الإمامعليه‌السلام بدور كبير في بيان العقيدة السليمة للجماعة الصالحة ; لتقوم بدورها في إصلاح المفاهيم والأفكار، ونشر عقيدة أهل البيتعليهم‌السلام في مختلف الأوساط وعلى جميع المستويات.لقد بيّنعليه‌السلام الأسس العامة للتوحيد، فعن حريز بن عبد الله، وعبد الله بن مسكان قالا: قال أبو جعفرعليه‌السلام :(لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلاّ بهذه الخصال السبعة: بمشيّة، وإرادة، وقضاء، وإذن، وكتاب، وأجل، فمن زعم أنه يقدر على نقض واحدة منهنَّ فقد كفر) (١) .

وبيّن حقيقة التوحيد تمييزاً لعقيدة أهل البيتعليهم‌السلام عن العقائد الأخرى فقالعليه‌السلام :(لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس، معروف بالآيات، منعوت بالعلامات، لا يجور في قضيته، بان من الأشياء وبانت الأشياء منه) (٢) .

وبيّن حدود الوصف لله تعالى فنهى عن التكلم في ذات الله وما يتفرع عنه من آراء ومفاهيم، فقالعليه‌السلام :(تكلموا فيما دون العرش، ولا تكلموا فيما فوق

ــــــــــــــ

(١) المحاسن: ٢٤٤.

(٢) مختصر تاريخ دمشق: ٢٣ / ٨١ .


العرش، فانّ قوماً تكلموا في الله فتاهوا ...) (١) .

وبيّنعليه‌السلام معياري الإيمان والإسلام فقال:(الإيمان إقرار وعمل، والإسلام إقرار بلا عمل) (٢) .

وقالعليه‌السلام :(الإيمان ما كان في القلب، والإسلام ما عليه التناكح والتوارث وحقنت به الدماء، والإيمان يشرك الإسلام، والإسلام لا يشرك الإيمان) (٣) .

وبيّن الأصل الأساسي من أصول العقيدة بعد أصل التوحيد وهو الولاية والإمامة المجعولة من الله تعالى ; لأن الولي والإمام يقوم بدور الحجّة نيابة عن الله تعالى، وبيّن مصير من لا يتولّى من نصّبه الله تعالى، فقال:(إنّ من دان الله بعبادة يجهد فيها نفسه بلا إمام عادل من الله، فإنّ سعيه غير مقبول وهو ضالّ متحيّر، ومثله كمثل شاة لا راعي لها ضلّت عن راعيها وقطيعها فتاهت ذاهبة وجائية يومها، فلمّا أن جنّها الليل بصرت بقطيع غنم مع راعيها فجاءت إليها فباتت معها في ربضتها متحيّرة تطلب راعيها وقطيعها، فبصرت بسرح قطيع غنم آخر فعمدت نحوه وحنّت إليها، فصاح بها الرّاعي الحقي بقطيعكِ فإنّكِ تائهة متحيّرة قد ضللت عن راعيك وقطيعك، فهجمت ذعرة متحيّرة لا راعي لها يرشدها إلى مرعاها ويردّها، فبينا هي كذلك إذ اغتنم الذئب ضيعتها فأكلها، وهكذا يا محمّد بن مسلم من أصبح من هذه الأمة ولا إمام له من الله عادل أصبح تائهاً متحيّراً، إن مات على حاله تلك مات ميتة كفر ونفاق، واعلم يا محمد أنّ أئمة الحقّ وأتباعهم على دين الله ...) (٤) .

وبيّن حدود ولاية أهل البيتعليهم‌السلام وحدود شفاعتهم فقال:(يا جابر!

ــــــــــــــ

(١) المحاسن: ٢٣٨.

(٢) تحف العقول: ٢١٧.

(٣) المصدر السابق: ٢١٨.

(٤) المحاسن: ٩٢، ٩٣ .


فو الله ما يُتقرب إلى الله تبارك وتعالى إلاّ بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا على الله لأحد من حجّة، من كان لله مطيعاً فهو لنا وليّ، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدوّ، ولا تنال ولايتنا إلاّ بالعمل والورع) (١) .

وحذّر اتباعه من التأثر بأفكار واعتقادات الغلاة لأنها مخالفة للتوحيد، ومخالفة للمنهج العقائدي لأهل البيتعليهم‌السلام .

٢ ـ مرجعية أهل البيتعليهم‌السلام

إن المنهج الإسلامي هو منهج واقعي للحياة، بكل ما للحياة من تشكيلات وتنظيمات وأوضاع وقيم وأخلاق وآداب وعبادات وشعائر، وهو كمنهج نظري يراد تطبيقه في الواقع بحاجة إلى قدوة تجسّده في الواقع كي يقتدي بها الناس ليندفعوا أشواطاً إلى الأمام في مسيرة التنفيذ والتطبيق، ولهذا ركّز الإمامعليه‌السلام على القدوة الناطقة بالكتاب والسنّة وهم أهل البيتعليهم‌السلام تمييزاً عن غيرهم من الذين تنكبوا طريق الاستقامة وانحرفوا عن المنهج انطلاقاً من أهوائهم ومصالحهم التي تخدم السلاطين والحكّام وانفلاتاً من قيود العقيدة والشريعة. فقد أكّد الإمامعليه‌السلام على الولاية باعتبارها أهم أركان الإسلام فقال:(بني الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية) (٢) ، التي أوضحها في نص آخر بأنها الولاية لأهل البيتعليهم‌السلام (٣) .

وأورد الأحاديث الشريفة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي تؤكد على ولاية

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ٢ / ٧٤.

(٢) المصدر السابق: ٢ / ١٨.

(٣) الخصال: ١ / ٢٧٨ .


أهل البيتعليهم‌السلام ومرجعيتهم في الأمة، ومنها توجيه الأنظار إلى ولاية أول الأئمة أعني الإمام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام متمثّلة بالولاء العاطفي له، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (ما من مؤمن إلاّ وقد خلص ودِّي إلى قلبه، وما خلص ودّي إلى قلب أحد إلاّ وقد خلص ودّ عليّ إلى قلبه، كذب يا علي من زعم أنه يحبّني ويبغضك) (١) .

وفسرّ الآيات النازلة في حق أهل البيتعليهم‌السلام وبيّن مؤدّاها بشكل دقيق وهو مرجعية أهل البيتعليهم‌السلام في جميع شؤون الحياة فكرية وعاطفية وسلوكية.

ففي قوله تعالى:( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (٢) ، قالعليه‌السلام :نحن أهل الذكر .

وفي قوله تعالى:( لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) (٣) ، قالعليه‌السلام :نحن هم .

وفي قوله تعالى:( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) (٤) ، قالعليه‌السلام :نحن الأمة الوسط .

وفي قوله تعالى:( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (٥) ، قالعليه‌السلام :أي مع آل محمد (٦) .

وأمّا أحاديثه التي رواها عن رسول الله حول ولاية أهل البيتعليهم‌السلام ومرجعيتهم للأمة فمنها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(أنا رسول الله إلى النّاس أجمعين ولكن سيكون بعدي أئمة على الناس من أهل بيتي من الله، يقومون في الناس فيكذّبونهم ويظلمونهم أئمة الكفر والضلال وأشياعهم، ألا فمن والاهم واتّبعهم وصدّقهم فهو منّي ومعي وسيلقاني،

ــــــــــــــ

(١) المحاسن: ١٥١.

(٢) النحل (١٦): ٤٣.

(٣) البقرة (٢): ١٤٣.

(٤) البقرة (٢): ١٤٣.

(٥) التوبة (٩): ١١٩.

(٦) مناقب آل أبي طالب: ٤ / ١٩٤، ١٩٥ .


ألا ومن ظلمهم وأعان على ظلمهم وكذّبهم، فليس مني ولا معي وأنا منه بريء) (١) .

وحثّعليه‌السلام على الرجوع إلى القرآن والسنّة، وأكّد مرجعية أهل البيتعليهم‌السلام باعتبار أنّ سنّتهم امتداد للسنّة النبويّة الشريفة، وباعتبار أعلميّتهم بمنهج القرآن الكريم وسيرة النبي العظيم; فإنّهم أهل بيت الوحي والرسالة فهم أدرى بما في البيت.

بيّن الإمامعليه‌السلام خصائص الإنسان الشيعي وهو الإنسان الموالي والمتّبع لأهل البيتعليهم‌السلام تمييزاً له عمّن سواه ممّن يحمل شعار الولاء والمشايعة لهم، قالعليه‌السلام :(فو الله ما شيعتنا إلاّ من اتقى الله وأطاعه ...) (٢) .

وقال أيضاً:(لا تذهب بكم المذاهب، فو الله ما شيعتنا إلاّ من أطاع الله عَزَّ وجَلَّ) (٣) .

٣ ـ خصائص الانتماء لأهل البيتعليهم‌السلام

وبيّن الخصائص الولائية والسلوكية للجماعة الصالحة من حيث علاقاتهم فيما بينهم وعلاقاتهم مع الآخرين. فقالعليه‌السلام :(إنما شيعة عليّ: المتباذلون في ولايتنا المتحابّون في مودّتنا المتزاورون لإحياء أمرنا.الذين إذا اغضبوا لم يظلموا وإذا رضوا لم يسرفوا بركة على من جاوروا سلم لمن خالطوا) (٤) .

وقال أيضاً:(إنما شيعة عليّ: من لا يعدو صوتُه سمعَه، ولا شحناؤه بدنَه، لا يمدح لنا قالياً ولا يواصل لنا مبغضاً ولا يجالس لنا عائباً) (٥) .

ــــــــــــــ

(١) المحاسن: ١٥٥.

(٢) الكافي: ٢ / ٧٤.

(٣) المصدر السابق: ٢ / ٧٣.

(٤) تحف العقول: ٢٢٠.

(٥) بحار الأنوار: ٦٥ / ١٦٨ .


وقال أيضاً:(إنما شيعة عليّ: الحلماء العلماء، الذبل الشفاه، تعرف الرهبانية على وجوههم) (١) .

وقال أيضاً:(إنّما المؤمن الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحقّ، والذي إذا قدر لم تخرجه قدرته إلى التعدّي إلى ما ليس له بحقّ) (٢) .

وبيّنعليه‌السلام أسس التقييم الموضوعي لمن يريد إثبات صحة انتمائه للجماعة الصالحة. ومن هذه الأسس عرض الإنسان نفسه على كتاب الله.

قالعليه‌السلام :(يا جابر، واعلم بأنّك لا تكون لنا وليّاً حتى لو اجتمع عليك أهل مصرك، وقالوا: إنك رجل سوء لم يحزنك ذلك، ولو قالوا: إنك رجل صالح لم يسرّك ذلك. ولكن اعرض نفسك على كتاب الله ; فإن كنت سالكاً سبيله زاهداً في تزهيده راغباً في ترغيبه خائفاً من تخويفه فاثبت وأبشر، فإنه لا يضرّك ما قيل فيك وإن كنت مبائناً للقرآن فما الذي يغرك من نفسك ؟!...) (٣) .

والعلامة المميّزة لأفراد الجماعة الصالحة هي التزامهم بمبادئ القرآن الكريم وقيمه في مختلف مجالات الحياة الإسلامية، في العبادة والارتباط بالله تعالى، وفي العلاقات الاجتماعية، وقد بيّن ذلك بقولهعليه‌السلام ـ كما مرّ سابقاً ـ:

(فوالله ما شيعتنا إلاّ من اتّقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر إلاّ بالتواضع والتخشع والأمانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبر بالوالدين والتعاهد للجيران من الفقراء، وأهل المسكنة، والغارمين، والأيتام. وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكفّ الألسن عن الناس إلاّ من خير. وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء) (٤) .

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٦٥ / ١٨٩.

(٢) الكافي: ٢/٢٣٤.

(٣) تحف العقول: ٢٠٦، مستدرك الوسائل: ١/٤٦٠.

(٤) الكافي: ٢ / ٧٤ .


ثانياً: الإمام الباقرعليه‌السلام والتزكية

١ ـ مقوّمات التزكية عند الإمام الباقرعليه‌السلام :

لا تتحقق التزكية إلاّ بعد أن تنطلق من القلب والضمير وتتفاعل مع الشعور بخشية مستمرة وحذر دائم وتوقٍّ من الرغائب والشهوات، والمطامع والمطامح، فلا بد وأن تكون شعوراً في الضمير، وحالة في الوجدان، وضعاً في المشاعر لتتهيأ النفوس لتلقي أسسها وتقريرها في الواقع، ولهذا ركّز الإمامعليه‌السلام في الجانب النظري على أهم المقومات التي تدفع النفس للتزكية وهي:

أ ـ تحكيم العقل.

ب ـ تبعية الإرادة الإنسانية للإرادة الإلهية.

ج ـ استشعار الرقابة الإلهية.

د ـ التوجّه إلى اليوم الآخر.

أ ـ تحكيم العقل:

إن الله تعالى خلق الإنسان مزوداً بعقل وشهوة، ومنحه معرفة سبل الهداية من خلال البينات والحقائق الثابتة، وهو مكلف بإعداد القلب للتلقي والاستجابة والتطلع إلى أفق أعلى واهتمامات أرفع من الرغبات والشهوات الحسّية، ولهذا ركّز الإمامعليه‌السلام على تحكيم العقل على جميع الرغبات والشهوات، ليكون للإنسان واعظ من نفسه يعينه على تزكية نفسه.


قالعليه‌السلام :(من لم يجعل الله له من نفسه واعظاً، فإن مواعظ الناس لن تغني عنه شيئاً) (١) .

وقال أيضاً:(من كان ظاهره أرجح من باطنه خفّ ميزانه) (٢) .

ب ـ تبعية الإرادة الإنسانية للإرادة الإلهية:

ان تكامل النفس لا يتم إلاّ من خلال التطابق بين الإرادة الإنسانية والإرادة الإلهية وذلك باتباع المنهج الإلهي في الحياة، وهذا التطابق يحتاج إلى مجاهدة الهوى والهيمنة على الشهوات وتقييدها بقيود شرعية; فإنّ مجاهدة النفس تجعل الإنسان مستعدّاً بالفعل لتلقّي الفيض الإلهي لإكمال نفسه وتزكيتها على أساس المنهج الربّاني للإنسان في هذه الحياة.

قال الإمام الباقرعليه‌السلام :(يقول الله عَزَّ وجَلَّ: وعزّتي وجلالي، لا يؤثر عبد هواي على هواه إلاّ جعلت غناه في قلبه، وهمّه في آخرته ...) (٣) .

ج ـ استشعار الرقابة الإلهية:

لا تتم التزكية إلاّ باستشعار الرقابة الإلهية في العقل والضمير والوجدان، والإحساس بأنّ الله تعالى محيط بالإنسان، يحصي عليه حركاته وسكناته، ولهذا ركّز الإمام الباقرعليه‌السلام على هذه الرقابة لتكون هي الدافع لإصلاح النفس وتزكيتها، ففي موعظته لجماعة من أنصاره قال:(ويلك كلّما عرضت لك شهوة أو ارتكاب ذنب سارعت إليه وأقدمت بجهلك عليه، فارتكبته كأنك لست بعين الله، أو كأن الله ليس لك بالمرصاد ! ...) (٤) .

ــــــــــــــ

(١) تحف العقول: ٢١٤.

(٢) المصدر السابق.

(٣) جامع الأخبار: ٢٧٠.

(٤) تحف العقول: ٢١٢ .


د ـ التوجّه إلى اليوم الآخر:

إن التوجه إلى الحياة الأخرى الخالدة يمنع الإنسان من الانحراف ويدفعه لتخليص النفس من ربقة الشهوات وظلمة المطامع وأدناس الهوى. وقد وجّه الإمامعليه‌السلام الجماعة الصالحة إلى ذلك اليوم ليجعلوه نصب أعينهم ليكون حافزاً لهم لإصلاح النفس وتزكيتها، ومما جاء في موعظته لجماعة منهم قولهعليه‌السلام :(... يا طالب الجنّة ما أطول نومك وأكَلَّ مطيّتك، وأوهى همتك، فلله أنت من طالب ومطلوب! ويا هارباً من النار ما أحث مطيتك إليها وما أكسبك لما يوقعك فيها! يا ابن الأيام الثلاث: يومك الذي ولدت فيه، ويومك الذي تنزل فيه قبرك، ويومك الذي تخرج فيه إلى ربك، فياله من يوم عظيم! يا ذوي الهيئة المعجبة والهيم المعطنة ما لي أرى أجسامكم عامرة وقلوبكم دامرة؟!) (١) .

وبيّن الإمامعليه‌السلام أن الدنيا دار بلاء وامتحان، وان هذا الابتلاء يتناسب مع درجة إيمان الإنسان فقال:(إنّما يبتلى المؤمن في الدنيا على قدر دينه) (٢) .

٢ ـ منهج التزكية عند الإمام الباقرعليه‌السلام

رسم الإمامعليه‌السلام للجماعة الصالحة منهجاً واقعياً متكاملاً وشاملاً لتزكية النفس وتربيتها بحيث يكون كفيلاً بتحقيقها عند مراعاته بشكل دقيق.

وتتحدد معالم هذا المنهج بالنقاط التالية:

ــــــــــــــ

(١) تحف العقول: ٢١٢، ٢١٣.

(٢) جامع الأخبار: ٣١٣ .


أ ـ الارتباط الدائم بالله تعالى

الارتباط بالله تعالى والاستسلام له والعزم على طاعته من شأنه أن يمحّص القلوب، ويطهّر النفوس، لأنه ينقل الإنسان من مرحلة التفكّر والتدبّر في عظمة الله تعالى وهيمنته ورقابته إلى مرحلة العمل الصالح في ظلّ هذا التدبر، فالعزم يتبعه العون منه تعالى، ويتبعه التثبيت على المضي في طريق تزكية النفس.

والارتباط بالله تعالى يبدأ بمعرفته التي تحول بين الإنسان وبين مخالفة ربّه وخالقه، قالعليه‌السلام :(ما عرف الله من عصاه) (١) .

فإنّ المعرفة تنتج الحبّ والحبّ الصادق يحول بين الإنسان وبين مخالفة محبوبه.

والارتباط بالله تعالى يتجسد في مراتب عديدة منها: حسن الظن بالله ورجاء رحمته، فقد روى عن جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال:(والذي لا اله إلاّ هو ما أعطي مؤمن قط خير الدنيا والآخرة إلاّ بحسن ظنّه بالله ورجائه له وحسن خلقه والكف عن اغتياب الناس) (٢) .

ويتحقق الارتباط بالله تعالى أيضاً عن طريق المداومة على العبادات وقد حثّ الإمامعليه‌السلام الجماعة الصالحة على كثرة العبادة، حتى جعلها إحدى خصائصهم ـ كما تقدم ـ.

وحثّعليه‌السلام على قراءة القرآن الكريم والسير على منهاجه.

كما حثّعليه‌السلام على جعل الروابط والعلاقات الاجتماعية قائمة على أساس القرب والبعد من الله تعالى، فقد أورد أحاديث لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تؤكد

ــــــــــــــ

(١) تحف العقول: ٢١٥.

(٢) الكافي: ٢ / ٧٢ .


على ذلك ومنها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(ودّ المؤمن للمؤمن في الله من أعظم شعب الإيمان، ومن أحبّ في الله، وأبغض في الله، وأعطى في الله، ومنع في الله ; فهو من أصفياء الله) (١) .

ب ـ الإقرار بالذنب والتوبة

إن منهج أهل البيتعليهم‌السلام يهدف إلى علاج النفوس البشرية، واستجاشة عناصر الخير فيها، وإلى مطاردة عوامل الشر والضعف والغفلة. والطبيعة البشرية قد تستقيم مرة وتنحرف مرة أُخرى، ولهذا فإنّ العودة إلى الاستقامة تقتضي محاسبة النفس باستمرار، والإقرار بالأخطاء، ثم التوبة، والعزم على عدم العود، ولذا أكّد الإمامعليه‌السلام على هذه المقومات، وبدأ بالإقرار بالذنب كمقدمة للنجاة منه، فقالعليه‌السلام :(والله ما ينجو من الذنب إلاّ من أقرّ به) (٢) . وقالعليه‌السلام :(كفى بالندم توبة) (٣) .

والإقرار يتبعه الغفران بعد طلبه من الله تعالى، قالعليه‌السلام :(لقد غفر الله لرجل من أهل البادية بكلمتين دعا بهما قال: اللهم إن تعذبني فأهل ذلك أنا، وإن تغفر لي فأهل ذلك أنت، فغفر له) (٤) .

والتوبة تمحي الذنب فيعود الإنسان من خلالها إلى الاستقامة ثانية، قالعليه‌السلام :(التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمقيم على الذنب وهو مستغفر منه كالمستهزئ) (٥) .

ــــــــــــــ

(١) المحاسن: ٢٦٣.

(٢) الكافي: ٢ / ٣١١.

(٣) وسائل الشيعة: ١٦ / ٥٩.

(٤) المصدر السابق: ١٦ / ٦٠.

(٥) الكافي: ٢ / ٣١٦ .


ج ـ الحذر من التورّط بالذنوب

الحذر والحيطة من الذنوب ضرورة ملحة في تزكية النفس، وهي تتطلب الدقة في تناول كل خالجة وكل حركة وكل موقف، وتتطلب التحليل الشامل للأسباب والظواهر، والعوامل المسبّبة للموقف، والتعالي بالنفس في ميادينها الباطنية، ولهذا دعا الإمامعليه‌السلام إلى الحذر والحيطة من جميع الممارسات فقال:(إن الله خبأ ثلاثة أشياء في ثلاثة أشياء: خبأ رضاه في طاعته، فلا تحقرن من الطاعة شيئاً فلعلّ رضاه فيه، وخبأ سخطه في معصيته فلا تحقرن من المعصية شيئاً فلعلّ سخطه فيه، وخبأ أولياءه في خلقه، فلا تحقرنّ أحداً فلعلّه ذلك الولي) (١) .

ودعاعليه‌السلام إلى الاحتياط في القول في الحكم على الأشخاص والأعمال والممارسات فقال:(لا يسلم أحد من الذنوب حتى يخزن لسانه) (٢) .

وقالعليه‌السلام لأحد أصحابه:(يا فضيل بلّغ من لقيت من موالينا عنّا السلام، وقل لهم: إني أقول: أني لا أغني عنكم من الله شيئاً إلاّ بورع، فاحفظوا ألسنتكم، وكفّوا أيديكم، وعليكم بالصبر والصلاة ; إن الله مع الصابرين) (٣) .

د ـ تعميق الحياء الداخلي

إن موجبات التزكية كامنة في النفس ذاتها، قبل التأثر بالعوامل الخارجية، والتزكية ليست مجرد كلمات ورؤى نظرية بل هي ممارسة وسلوك عملي، يجب ان تنطلق من داخل النفس الإنسانية، ولا بد أن يتسلّح الإنسان

ــــــــــــــ

(١) كشف الغمة: ٢ / ١٤٨.

(٢) تحف العقول: ٢١٨.

(٣) تفسير العياشي: ١ / ٦٨ .


بالواعز الذاتي الذي يصدّه عن فعل القبيح، ولذا أكّد الإمامعليه‌السلام على الحياء لأنه حصن حصين يردع الأهواء والشهوات من الانطلاق اللامحدود، قالعليه‌السلام :(الحياء والإيمان مقرونان في قرن، فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه) (١) .

هـ ـ كسر الأُلفة بين الإنسان وسلوكه الجاهلي

حينما يعتاد الإنسان على السلوك الجاهلي فإنه سيأنس به، ويألفه حتى يصبح وكأنه جزء من كيانه، ترضاه نفسه، ويقبله قلبه، ولهذا فهو بحاجة إلى كسر هذه الألفة وهذا الأُنس إن أراد أن يزكّي نفسه ويسمو بها إلى مشارف الكمال، ولذا أكّد الإمامعليه‌السلام على بعض الخطوات التي تكسر هذه الألفة، فقال:(إن الله يبغض الفاحش المتفحّش) (٢) .

وزرع في النفس كراهية الطمع والرغبات المذلة، فقال:(بئس العبد عبد يكون له طمع يقوده، وبئس العبد عبد له رغبة تذله) (٣) .

ومن أجل زرع الكراهية للشر روى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله:(ألا إن شرار أمتي الذين يكرمون مخافة شرّهم، ألا وإنّ من أكرمه النّاس اتقاء شرّه فليس منّي) (٤) .

وقالعليه‌السلام :(... إنّ أسرع الشر عقوبة البغي، وكفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يَعمى عليه من نفسه، وأن يأمر للناس بما لا يستطيع التحوّل عنه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه) (٥) .

فإذا كسرت الألفة بين الإنسان وسلوكه الجاهلي فإنّه سيقلع عنه، ويكون مهيّئاً لتقبل السلوك الإسلامي.

ــــــــــــــ

(١) تحف العقول: ٢١٧.

(٢) الكافي: ٢ / ٢٤٥.

(٣) وسائل الشيعة: ١٦ / ٢٤.

(٤) الخصال: ١ / ١٥.

(٥) مختصر تاريخ دمشق: ٢٣ / ٨٦ .


و ـ إزالة الحاجز النفسي بين الإنسان والسلوك السليم

قد يحدث حاجز نفسي بين الإنسان والسلوك السليم بسبب ضغط الأهواء والشهوات، أو بسبب الهواجس والوساوس المطبقة عليه، وسوء التصور، ورواسب الجاهلية، والضعف البشري، فلا بد من إزالة هذه الحواجز أولاً ثم التمرين على ممارسة السلوك السليم ثانياً.

فقد حبّب الإمامعليه‌السلام إلى أصحابه السلوك الصالح، بربطه بالعبادة وطلب العون من الله تعالى، فقال:(ما من عبادة أفضل من عفّة بطن وفرج، وما من شيء أحبُّ إلى الله من أن يُسأل، وما يدفع القضاء إلاّ الدعاء، وإن أسرع الخير ثواباً البرّ ...) (١) .

وحبّب إلى النفوس حسن الخلق والرفق، فقال:(من أعطي الخلق والرفق، فقد أعطي الخير كلّه، والراحة، وحسن حاله في دنياه وآخرته، ومن حُرم الرفق والخلق كان ذلك له سبيلاً إلى كل شرّ وبليّة إلاّ من عصمه الله تعالى) (٢) .

وحبّب إلى نفوس أصحابه الأدب وحسن السيرة، فقال:(ما استوى رجلان في حسب ودين قط إلاّ كان أفضلهما عند الله آدبهما) (٣) .

وروىعليه‌السلام عن الإمام عليّعليه‌السلام قوله:(إن من أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا) (٤) .

وحثَّعليه‌السلام على أداء العبادات المندوبة لكي تتجذر في النفوس وفي الإرادة، لأنها تساعد على إصلاح النفس وتزكيتها، وبيّن ثواب من عمل بها،

ــــــــــــــ

(١) مختصر تاريخ دمشق: ٢٣ / ٨٦.

(٢) حلية الأولياء: ٣ / ١٨٧.

(٣) مختصر تاريخ دمشق: ٢٣ / ٨٥.

(٤) وسائل الشيعة: ١٦ / ١٢ .


واستمر على أدائها في جميع الظروف والأحوال.وحثَّ على التمرّن على الأخلاق الفاضلة والخصائص الحميدة، فقالعليه‌السلام :عليكم بالورع والاجتهاد، وصدق الحديث، وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم عليها براً كان أو فاجراً، فلو أن قاتل عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ائتمنني على أمانة لأديتها إليه (١) .

ثالثاً: المنهج التثقيفي عند الإمام الباقرعليه‌السلام

العلم خير وسيلة لتجلية حقيقة التصور الإسلامي، والمنهج الإلهي في الحياة الإنسانية. وهو الوسيلة المُثلى لتوجيه الجماعة الصالحة للارتفاع بها إلى مستوى الأمانة العظيمة التي ناطها الله بها. ولذا كان أهل البيتعليهم‌السلام يتشدّدون مع الجماعة الصالحة في أمر تلقي العلوم المرتبطة بالعقيدة والشريعة من مصادرها الأصيلة وهي القرآن والسنة الشريفة. وفي منهج الإمام الباقرعليه‌السلام التثقيفي والتعليمي المعد للجماعة الصالحة نلاحظ التأكيد على الأمور التالية:

١ ـ الحث على طلب العلم

حثّ الإمامعليه‌السلام على طلب العلم، وخصوصاً علم الفقه فقال:(الكمال كل الكمال: التفقه في الدين، والصبر على النائبة وتقدير المعيشة) (٢) .

وحثعليه‌السلام على السؤال باعتباره مفتاح العلم، وروى عن

ــــــــــــــ

(١) تحف العقول: ٢١٩.

(٢) الكافي: ١ / ٣٢ .


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله:(العلم خزائن ومفتاحها السؤال، فاسئلوا يرحمكم الله، فانه يؤجر فيه أربعة: السائل، والمعلم، والمستمع، والمجيب لهم) (١) .

٢ ـ موقع العلماء المتميّز وفضلهم

بيّن الإمام الباقرعليه‌السلام فضل العالم وقدّمه على العابد، لأن العلم الحقيقي يجعل الإنسان على وعي كامل بالحقائق والتصورات وبالأحداث والمواقف، فلا يختلط عليه أمر بأمر ولا موقف بموقف فيكون قادراً على التمييز والتشخيص، وإصابة الواقع في جميع مجالاته، قالعليه‌السلام :(عالم ينتفع بعلمه أفضل من ألف عابد) (٢) .

وقالعليه‌السلام :(والله لموت عالم أحبّ إلى إبليس من موت سبعين عابداً) (٣) .

وبيّنعليه‌السلام خصائص العالم فقال:(إنّ الفقيه حق الفقيه: الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، المتمسك بسنة النبي) (٤) .

٣ ـ الإخلاص في طلب العلم

حثعليه‌السلام على إخلاص النية في طلب العلم، بأن يكون الهدف النهائي من طلبه للعلم هو الوصول إلى الحقّ، وتقريره في عقول الناس وقلوبهم تقرباً إلى الله تعالى، وتجسيداً لمنهجه في الحياة.

قالعليه‌السلام :(من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، فليتبوء مقعده من النار، إنّ الرئاسة لا تصلح إلاّ لأهلها) (٥) .

ــــــــــــــ

(١) حلية الأولياء: ٣ / ١٩٢.

(٢) المصدر السابق: ٣ / ١٨٣.

(٣) تذكرة الخواص: ٣٠٤.

(٤) الكافي: ١ / ٧٠.

(٥) المصدر السابق: ١ / ٤٧ .


٤ ـ ضرورة نشر العلم وتثقيف الناس

حث الإمامعليه‌السلام على نشر العلم وتعليمه للناس، وإشاعته في الأوساط المختلفة، نهي عن كتمانه، بقولهعليه‌السلام :(من علّم باب هدى فله أجر من عمل به، ولا ينقص أولئك من أجورهم شيئاً ...) (١) .

وقالعليه‌السلام :(رحم الله عبداً أحيا العلم يذاكر به أهل الدين وأهل الورع) (٢) .

وجعل على العلم زكاة فقال:(زكاة العلم أن تعلّمه عباد الله) (٣) .

كما جعل تذاكره ومدارسته صلاة، فقال:(تذاكر العلم دراسة، والدراسة صلاة حسنة) (٤) .

٥ ـ مزالق وآفات المتعلّمين

إن الإنسان مهما أوتي من علم فإنه يبقى بحاجة إلى المزيد، ويبقى في كثير من الأحيان جاهلاً ببعض الحقائق، لذا حثّ الإمامعليه‌السلام على الاحتياط في الإجابة لكي يأمن الانحراف، ولا تؤدي إلى تغرير الآخرين، قالعليه‌السلام :(الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وتركك حديثاً لم تروه خير من روايتك حديثاً لم تحصه) (٥) .

وقال:(ما علمتم فقولوا، وما لم تعلموا فقولوا: الله اعلم، إن الرجل لينتزع الآية من القرآن يخرّ فيها أبعد ما بين السماء والأرض) (٦) .

وجعل هذا الاحتياط حقاً لله على العباد، فقال:(حق الله على العباد: أن

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ١ / ٣٥.

(٢ و٣ و٤) المصدر السابق: ١ / ٤١.

(٥) المصدر السابق: ١ / ٥٠.

(٦) المصدر السابق: ١ / ٤٢.


يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عندما لا يعلمون) (١) .

٦ ـ المرجعية العلمية

من الحقائق المشهورة عند المسلمين أنّ علياًعليه‌السلام أعلم الصحابة بكتاب الله وسنة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو باب علم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد علّم أبناءه ما تعلّمه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكانوا يتوارثون العلم فيما بينهم، من هنا كان أهل البيتعليهم‌السلام أعلم الناس بالقرآن والسنّة، ولهذا أكّد الإمام الباقرعليه‌السلام على مرجعية أهل البيتعليهم‌السلام العلمية، وبيّن أن علمهم موروث منذ آدم إلى يومه هذا، فقال:(إن العلم الذي نزل مع آدم عليه‌السلام لم يرفع، والعلم يتوارث، وكان عليّ عليه‌السلام عالم هذه الأمة، وانه لم يهلك منّا عالم قط إلاّ خلفه من أهله من علم مثل علمه، أو ما شاء الله) (٢) .

وبيّن اختصاص أهل البيتعليهم‌السلام بعلم القرآن ظاهره وباطنه فقال:(ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه ظاهره وباطنه غير الأوصياء) (٣) .

كما بيّن أنّ علمهمعليهم‌السلام علم صائب، فقال:(ليس عند أحد من الناس حقّ ولا صواب ولا أحد من الناس يقضي بقضاء حقّ إلاّ ما خرج منّا أهل البيت) (٤) .

وقد أثبت الواقع أهليّتهمعليهم‌السلام للمرجعية العلمية العامّة للمسلمين جميعاً، فكانوا مقصد العلماء من جميع أمصار العالم الإسلامي.

وكانعليه‌السلام يحث الجماعة الصالحة على الرجوع لأهل البيت الأطهار

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ١ / ٤٣.

(٢) المصدر السابق: ١ / ٢٢٢.

(٣) المصدر السابق: ١ / ٢٢٨.

(٤) المصدر السابق: ١ / ٣٩٩ .


تجسيداً لهذه المرجعية وتحصيناً لهم من الزيغ والانحراف(١) .

وكان أيضاً يرشد أصحابه إلى مراجعة العلماء الذين أخذوا العلم من أهل البيتعليهم‌السلام واتقنوا فنونه وأسسه وقواعده(٢) .

٧ ـ المؤسسات الثقافية

كان للإمام الباقرعليه‌السلام دور كبير في توسيع المؤسسات الثقافية، فقد أسس عدة مدارس في أهم الأمصار الإسلامية:

مدرسة المدينة: وكان يشرف عليها مباشرة، وينتقي منها الفقهاء ليواصلوا حمل العلم ونشره.

مدرسة الكوفة: وكان يشرف عليها من تتلمذ على يديه، وتخرّج من مدرسته، وقد أثمرت هذه المدرسة في نشر علوم أهل البيتعليهم‌السلام وإرجاع الناس إليهم، حتى اعترف الحاكم الأُموي هشام بن عبد الملك بهذه الحقيقة، فقد أشار إلى الإمامعليه‌السلام قائلاً: هذا المفتون به أهل العراق(٣) . ولذا أمر الأمويون بمنع أهل العراق من الالتقاء بالإمامعليه‌السلام (٤) .

مدرسة قم: وكان يشرف عليها بعض من تتلّمذ على يدي الإمامعليه‌السلام ، وهي متفرعة من مدرسة الكوفة.وتأثرت بمدرسة الكوفة وقم مدارس أُخرى في الشرق الإسلامي، كمدرسة الري وخراسان(٥) .

ــــــــــــــ

(١) المحاسن: ٢١٣.

(٢) بحار الأنوار: ٤٦ / ٣٢٨.

(٣) مختصر تاريخ دمشق: ٢٣ / ٧٩.

(٤) المصدر السابق: ٢٣ / ٨٣.

(٥) دور أهل البيتعليهم‌السلام في بناء الجماعة الصالحة: ١ / ١٣٣ .


وهنالك مدارس جوّالة كان يؤسسها طلابه أينما حلّوا وهي محدودة بحدود عدد الأفراد المشرفين وبمقدار الاستجابة لهم من قبل الناس. والمؤسسات الثقافية كان لها دور كبير في تخريج الفقهاء والمبلغين من مختلف الأمصار. وكانت أساليب الإمام التثقيفية متنوعة، بعضها ذو طابع فردي والآخر ذو طابع جماعي. كما كان التثقيف يتم عن طريق التدريس، وأخرى عن طريق الرسائل والوصايا.

ولم يكن تثقيفه وتعليمه مقتصراً على الفقه والأصول أو العلوم الدينية بشكل خاص، بل كان شاملاً لجميع العلوم المعروفة آنذاك(١) .

رابعاً: الإمام الباقرعليه‌السلام وإحياء الروح الثورية في الأمة

كانت ثورة الإمام الحسينعليه‌السلام ذات دور كبير في إحياء الروح الثورية، وإلهاب الحماس في النفوس المؤمنة بالله ورسوله ضدّ الحكّام الظالمين، ولهذا نشط الإمام الباقرعليه‌السلام ليجعل الثورة حيّة تمنح الناس طاقة ثورية لخوض المواجهة في وقتها وظرفها المناسب.وقد تجسد إحياؤه للروح الثورية هذه في مظهرين:

الأول: إقامة الشعائر الحسينية

كان الإمامعليه‌السلام يقوم بنفسه بإحياء الشعائر الحسينية، حيث كان يقيم مجالس العزاء في منزله، دون معارضة من قبل الحكّام الأمويين لأنهم لا يستطيعون منع مجلس عزاء يقيمه الإمامعليه‌السلام على جدِّه، ولأنهم كانوا يحاولون إلقاء اللوم في قتل الحسين وأهل بيته وصحبه على آل أبي سفيان.

ــــــــــــــ

(١) الإرشاد: ٢٦٤ .


وتجسّدت الشعائر الحسينية بالممارسات التالية:

١ ـ الحزن وإقامة مجالس العزاء: شجَّع الإمام على البكاء لمصاب جدّه الإمام الحسينعليهما‌السلام وأهل بيته، والأبرار من صحابته من أجل أن تتجذّر الرابطة العاطفية بهعليه‌السلام في المشاعر، وكان يقول: (من ذرفت عيناه على مصاب الحسين ولو مثل البعوضة غفر الله له ذنوبه)(١) .

٢ ـ الزيارة: حثّ الإمام الباقرعليه‌السلام على زيارة قبر جدّه الإمام الحسينعليه‌السلام لتعميق الارتباط به شخصاً ومنهجاً، واستلهام روح الثورة منه، ومعاهدته على الاستمرار على نهجه.

وكان يؤكد لمحبّيه والمؤمنين بقيادته الاهتمام بها، ويقول: (مروا شيعتنا بزيارة الحسين بن علي، وزيارته مفروضة على من أقرّ للحسين بالإمامة)(٢) .

وأكّدعليه‌السلام على لزوم اقتران حب أهل البيتعليهم‌السلام بزيارة قبر الحسينعليه‌السلام كما جاء في قوله: (من كان لنا محبّاً فليرغب في زيارة قبر الحسينعليه‌السلام ، فمن كان للحسين زوّاراً عرفناه بالحب لنا أهل البيت)(٣) .

٣ ـ إنشاء الشعر: كما كانعليه‌السلام يشجع على قول الشعر في الإمام الحسينعليه‌السلام وقد بذل من أمواله لنوادب يندبن بمنى أيام الموسم(٤) .

وقد أثمر هذا الحثّ إحياء روح الثورة والنهوض، حتى إن الثورات التي انطلقت بعد عصر الإمام الباقرعليه‌السلام كانت تنطلق في عاشوراء ; إذ كان الثّوار يتزوّدون من قبرهعليه‌السلام ثم ينطلقون بثورتهم وحركتهم المسلّحة غالباً.

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٩٨ / ١.

(٢) المصدر السابق: ٤٤ / ٢٩٣.

(٣) المصدر السابق : ٩٨ / ٤.

(٤) مقتل الحسين للمقرّم : ١٠٦.


الثاني: إحياء الإيمان بقضية الإمام المهديعليه‌السلام

إن الصراع بين الإسلام والجاهلية، وبين الحق والباطل لا ينتهي ما دام كل منهما موجوداً وله كيان وقيادة وأنصار ويستمر الصراع إلى أن ينتصر الحق على الباطل في نهاية الشوط ويمثل ظهور الإمام المهديعليه‌السلام وثورته ضد الظلم العالمي الشامل آخر حلقة من حلقات الصراع المستمرة حيث يختفي الباطل ولا يبقى له كيان مستقل.

وانتظار الإمام المهدي الثائرعليه‌السلام هو حركة ايجابية وتعبير عن حيويّة الروح الثوريّة وهو يتطلّب تعبئة الأفكار والطاقات للاشتراك في عملية الخلاص والإنقاذ الشامل.

وقد أكّد جميع الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام على هذه الحقيقة لا سيَّما الإمام الباقرعليه‌السلام ; وذلك لكي تتعمق هذه القضيّة الكبرى في العقول والنفوس جميعاً.

قالعليه‌السلام :(إنما نجومكم كنجوم السماء كلّما غاب نجم طلع نجم حتى إذا أشرتم بأصابعكم، وملتم بحواجبكم غيَّب الله عنكم نجمكم واستوت بنو عبد المطّلب فلم يعرف أيٌّ من أيّ فإذا طلع نجمكم، فاحمدوا ربّكم) (١) .

واعتبر ثورة الإمام المهديعليه‌السلام من الأمر الإلهي المحتوم، حين قال:(من المحتوم الّذي حتمه الله قيام قائمنا) (٢) .

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٥١ / ١٣٨.

(٢) المصدر السابق : ٥١ / ١٣٩ .


وقالعليه‌السلام :(لا تزالون تمدّون أعناقكم إلى الرجل منّا تقولون هو هذا، فيذهب الله به، حتى يبعث الله لهذا الأمر من لا تدرون ولد أم لم يولد، خلق أو لم يخلق) (١) .

وكان يهىّء الأذهان للتعبئة إلى ذلك اليوم ويقول:(إذا قام قائمنا وظهر مهديّنا كان الرجل أجرأ من ليث وأمضى من سنان) (٢) .

خامساً: الإمام الباقرعليه‌السلام وتشخيص هوية الجماعة الصالحة

اهتم الإمام الباقرعليه‌السلام بتشخيص هوية الجماعة الصالحة، وتمييزها عن غيرها من الهويات التي ترافق سائر الوجودات والكيانات والتيارات القائمة في الواقع.

وقد كان للجماعة الصالحة وجود مميّز من حيث الاسم والصفات ومن حيث الولاء والاقتداء، ومن حيث التقييم والدرجة والمرتبة من بين الدرجات والمراتب، فهي تنتمي إلى الإسلام أولاً والى منهج أهل البيت ثانياً. وتشخيص الهوية له آثار ايجابية على تجذر الانتماء وإدامته، وله آثار عملية على الأفكار والعواطف والممارسات السلوكية، حيث إنها تتبع الانتماء، وتتحرك على ضوء الأهداف المحدّدة للهوية المشخصة، ومن هذه الآثار:

١ ـ الشعور بالانتماء وهو أمر فطري يدفع الإنسان للاعتزاز بانتمائه، لأنه يشعر بأن شخصيته ووجوده يحددها الانتماء والهوية الظاهرة.

٢ ـ إن لتشخيص الهوية دوراً كبيراً من وحدة الأهداف ووحدة البرامج، ووحدة المصير، ووحدة المصالح، ولهذه الوحدة دور أساسي في تحريك المنتمين إلى العمل الجاد والحركة الدؤوبة لتحقيق الأهداف المنشودة والتضحية من أجلها.

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار : ٥١ / ١٤٠.

(٢) حلية الأولياء : ٣ / ١٨٤ .


٣ ـ إن لتشخيص الهوية دوراً كبيراً في تعميق علاقات الإخوة داخل الجماعة الصالحة، ودفعها نحو التآزر والتكاتف والتعاون من أجل رفع مستواها الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، كما يمنحها القوة والمنعة والعزّة.

٤ ـ إنّ تشخيص الهوية والشعور بالانتماء الموحد يدفع الحركة باتّجاه توسيع قاعدتها الشعبية على أساس تقوية مظاهر الهوية في الواقع الموضوعي ويدفعها نحو التنافس المشروع مع الوجودات القائمة لربط بقية أفراد الأمة بالمفاهيم والقيم الصالحة، وتجسيدها في الواقع.محاور الانتماء في الجماعة الصالحة

الإسلام هو المحور الأساسي للانتماء عند الجماعة الصالحة، وهو المحرك الأول للعمل والحركة وللسلوك وللعلاقات، والمصلحة الإسلامية العليا هي الحاكمة على جميع المصالح.والإسلام هو الانتماء الأساسي الذي يدفع بالمنتمين إليه نحو التعالي على الأواصر الضيّقة والروابط الثانوية، ويوجّه الأنظار والمواقف إلى الهدف المشترك والى الأفق الأرحب الذي تنضوي تحته جميع الانتماءات، لتكون العلاقات في ظله قائمة على أساس التكافل والتراحم والتناصح، والأمانة والعدل والسماحة والمودة والإحسان، وهذه العلاقات تتطلب التحرر من ضغط القيم والأوضاع المحدودة، والمصالح والمطامع الذاتية العارضة .


والإسلام هو الانتماء الأرحب الذي يضم جميع من نطق بالشهادتين، فهو في رأي الإمام الباقرعليه‌السلام :(... والإسلام ما عليه التناكح والتوارث وحقنت به الدماء) (١) .

وعلى ذلك فإن الجماعة الصالحة هي جزء من المجتمع الإسلامي الكبير بمختلف تياراته ومذاهبه الفكرية والسياسية، ومسؤولة عن الحفاظ على هذا الوجود من التصدّع.

والفكر المشترك أو العقيدة المشتركة بين الجماعة الصالحة وسائر الجماعات القائمة هي: الإيمان بالله ورسله وكتبه، والإيمان برسالة خاتم الأنبياءصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والإيمان بيوم القيامة.

والانتماء إلى منهج أهل البيتعليهم‌السلام هو الهوية المشخصة للجماعة الصالحة لتمييزها عن غيرها من الجماعات التي تنتمي إلى مناهج أُخرى.

والانتماء إلى أهل البيتعليهم‌السلام يعني الولاء لهم بجميع مراتبه ومصاديقه المتمثّلة في حبّهم ونصرتهم، والاستسلام لأوامرهم ونواهيهم التي هي أوامر الله ورسوله للإنسان المسلم على مدى الحياة وفي جميع مجالاة الحياة; بحيث تكون العقول والقلوب والأفعال منسجمة مع منهجهم العقائدي والسياسي في آن واحد، لأنهم الامتداد الحقيقي للرسالة الإسلامية وهم القيّمون على المنهج الإلهي الذي أرسى دعائمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث الثقلين وغيره من النصوص النبويّة الشريفة. ومن هنا قال الإمام الباقرعليه‌السلام :(نحن أهل بيت الرحمة وشجرة النبوة ومعدن الحكمة، ومختلف الملائكة ومهبط الوحي) (٢) .

وهذا الانتماء يجعل جميع أفراد الجماعة الصالحة مكلفين بأداء دور القدوة إزاء الانتماء الرحب وهو الإسلام، فينبغي أن يكونوا قدوة لغيرهم، وقد وصفهم الإمامعليه‌السلام في أحاديث متقدمة بمواصفات خاصة ومنها: طاعة الله، والتقوى، وأداء الواجبات واجتناب المحرمات، وحسن الخلق، وحسن السيرة، وأكّد على أن هذا الانتماء لا يتحقق إلاّ بالتقوى والورع والعمل الصالح.

ــــــــــــــ

(١) تحف العقول: ٢١٧ ـ ٢١٨.

(٢) الإرشاد: ٢٦٦ .


مشخصات الهوية

الأول: الاسم

أطلق الإمام الباقرعليه‌السلام تبعاً لآبائه وأجدادهعليهم‌السلام عدداً من الأسماء والعناوين لتشخيص هوية الجماعة الصالحة وفرزها وتمييزها عن غيرها في خضم الالتباس في المفاهيم والخلط في العناوين، ومنها(١) .

١ ـ شيعة عليّ.

٢ ـ شيعة فاطمة.

٣ ـ شيعة آل محمد.

٤ ـ شيعة ولد فاطمة.

واسم الشيعة هو مورد اعتزاز الجماعة الصالحة لمشايعتهم أهل البيتعليهم‌السلام المطهّرين من كل رجس ودنس.

وقد بشّر الإمام الباقرعليه‌السلام أفراد الجماعة الصالحة بهذا الاسم، فعن أبي بصير، قال:ليهنكم الاسم ، قلت: ما هو جعلت فداك ؟ قال:( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ) (٢) وقوله:( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) (٣) فليهنكم الاسم (٤) .

فهذا الاسم اسم شريف سمّى به الله تعالى أتباع الأنبياء السابقين.

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٦٥ / ١٤، ٤٨، ٦٠، ٥٦.

(٢) الصافات (٣٧): ٨٣.

(٣) القصص (٢٨): ١٥.

(٤) بحار الأنوار: ٦٥ / ١٢ ـ ١٣ .


وأقرّعليه‌السلام اسم الرافضة على الجماعة الصالحة بعد أن سمّاهم به اتباع السلطان، فحينما شكى إليه بعض أصحابه هذه التسمية قال له:(وأنا من الرافضة) قالها ثلاثاً(١) .

وعن أبي بصير، قال: قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : جعلت فداك اسم سمّينا به استحلّت به الولاة دماءنا وأموالنا وعذابنا قال:وما هو ، قال: الرّافضة، فقال أبو جعفرعليه‌السلام :(إن سبعين رجلاً من عسكر فرعون رفضوا فرعون فأتوا موسى عليه‌السلام ، فلم يكن في قوم موسى عليه‌السلام أشدّ اجتهاداً ولا أشدّ حباً لهارون منهم، فسمّاهم قوم موسى الرّافضة، فأوحى الله إلى موسى: أن ثبّت لهم هذا الاسم في التوراة، فإني قد نحلتهم، وذلك اسم قد نحلكموه الله) (٢) .

وهنالك أسماء أُخرى ذكرها الإمام الباقرعليه‌السلام وهي: المؤمن والموالي(٣) .

الثاني: الصفات

وصف الإمام الباقرعليه‌السلام أفراد الجماعة الصالحة بمواصفات خاصة تشخصهم بها عن غيرهم(٤) ومنها:

١ ـ أصحاب اليمين.

٢ ـ خير البرية.

٣ ـ أولياء الله.

٤ ـ شُرَط الله.

٥ ـ أعوان الله.

ــــــــــــــ

(١) المحاسن: ١٥٧.

(٢) المصدر السابق: ١٥٧.

(٣) بحار الأنوار: ٦٥ / ١٦.

(٤) المصدر السابق: ٦٥ / ٢٩، ٣٠، ٥٨، ٤٤ .


الثالث: منزلة الجماعة الصالحة

ذكر الإمامعليه‌السلام للجماعة الصالحة التي تحمل اسم شيعة أهل البيتعليهم‌السلام منزلة ومرتبة في كلتا الحياتين: الدنيا والآخرة.

١ ـ منزلة الجماعة الصالحة في الحياة الدنيا: إن الجماعة الصالحة مرّت بمراحل من التمحيص في داخل النفس وفي مكنون الضمير، وفي الواقع العملي، فخرجت مستقرة على الحق، واتبعت منهج أهل البيتعليهم‌السلام في وقت كان فيه قادته مطاردين ملاحقين محاصرين من جهات شتى، واستقرارها على الحق هذا جعل لها منزلة ومرتبة في دار الاختبار والامتحان، وقد أوضح الإمامعليه‌السلام هذه الفضيلة بقوله: (إن الله عَزَّ وجَلَّ أعطى المؤمن ثلاث خصال: العزّ في الدنيا والدين، والفلج في الآخرة، والمهابة في صدور العالمين)(١) .

ودخل الإمام المسجد الحرام فوجد فيه جماعة من أصحابه، فدنا منهم وسلَّم ثم قال لهم:(والله إني لأحبُّ ريحكم وأرواحكم أنتم شُرط الله، وأنتم أعوان الله، وأنتم أنصار الله، وأنتم السابقون الأولوّن والسابقون الآخرون قال أمير المؤمنين عليه‌السلام ألا وإنّ لكل شيء شرفاً، وشرف الدين الشيعة، ألا وإنَّ لكل شيء عماداً وعماد الدين الشيعة، ألا وإنّ لكل شيء سيداً وسيّد المجالس مجلس شيعتنا ...) (٢) .

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٦٥ / ١٦.

(٢) بشارة المصطفى: ١٦ .


والجماعة الصالحة هي المعيار العملي في الولاء لأهل البيتعليهم‌السلام لقولهعليه‌السلام :(كونوا النمرقة الوسطى يرجع إليكم الغالي ويلحق بكم التالي) (١) .

٢ ـ منزلة الجماعة الصالحة في الحياة الآخرة: إنّ للجماعة الصالحة منزلة في الحياة الأخرى، لأنها اجتازت الامتحان الإلهي بنجاح، وثبتت على المنهج الإلهي في جميع الأبعاد: في الفكر والعاطفة والسلوك، وبذلت الغالي والنفيس دفاعاً عن القيم الإسلامية الثابتة التي أرسى دعائمها القرآن ورسول الإسلامصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته الأطهارعليهم‌السلام .

ومن هذه المنازل والمراتب هي كرامتهم عند الله تعالى، قال الإمام الباقرعليه‌السلام :(إن الله سبحانه يبعث شيعتنا يوم القيامة من قبورهم ووجوههم كالقمر ليلة البدر، مسكنة روعاتهم، مستورة عوراتهم، قد أعطوا الأمن والأمان، يخاف الناس ولا يخافون، ويحزن الناس ولا يحزنون، يحشرون على نوق لها أجنحة من ذهب تتلألأ، قد ذلّلت من غير رياضة أعناقها من ياقوت أحمر، ألين من الحرير، لكرامتهم على الله) (٢) .

قالعليه‌السلام :(وفي شيعة ولد فاطمة أنزل الله هذه الآية خاصة ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (٣) ) (٤) .

وروىعليه‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله:(إن علياً وشيعته هم الفائزون) (٥) .

وهذه المنازل والمراتب سينالها أفراد الجماعة الصالحة المتّبعين منهج أئمتهم المطيعين لله تعالى إذ جسّدوا القيم الإلهية في واقع الحياة.

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٦٥ / ١٧٨.

(٢) بشارة المصطفى: ٥٥، ٥٦.

(٣) الزمر (٣٩): ٥٣.

(٤) قرب الإسناد: ٢٩.

(٥) بحار الأنوار: ٦٥ / ٣١ .


سادساً: الإمام الباقرعليه‌السلام والعلاقات في نظام الجماعة الصالحة

الجماعة الصالحة لها قيادة وطليعة وقاعدة ترتبط فيما بينها بعلاقات تحددّها المفاهيم والقيم الحاكمة على جميع الأفراد ومن مختلف المستويات.

ولكل من مراتب الجماعة علاقات مع الجماعات الأخرى تحدّدها الأهداف والمصالح المشتركة ضمن الأفق الأرحب والمصير الأكبر.

وتربطها علاقات مع أتباع الأديان الأخرى من المعاهدين وأهل الذمة.

١ ـ العلاقات داخل الجماعة الصالحة

أ ـ العلاقة بين القيادة والطليعة: القيادة تتمثل في الإمام المعصومعليه‌السلام الذي يشرف على بناء وتوجيه الجماعة الصالحة، وتنظيم شؤونها المختلفة، وهو المرجع في إصدار الأوامر واتخاذ الخطط والقرارات.

وبما أن الجماعة الصالحة لها امتداد في جميع البلدان والأمصار، لذا فإنّ العلاقة بين أفرادها وبين الإمامعليه‌السلام تكون عن طريق الطليعة الواعية المخلصة والتي تتمثل بالوكلاء، وهم المقربون من الإمامعليه‌السلام والمختصون به، وهم بدورهم يشرفون على باقي أفراد الجماعة.

وقد كان الإمامعليه‌السلام يخصص كثيراً من وقته لتوجيه الطليعة وإرشادها عن طريق اللقاءات المباشرة اليومية، واللقاءات الدورية، وعن طريق المراسلات .


ب ـ العلاقة بين القيادة والقاعدة: كانت للإمامعليه‌السلام علاقات مباشرة وغير مباشرة مع قواعده في المدينة، وفي مختلف الأمصار، وكان أهل المدينة وغيرهم يلتقون به ويزورونه، وكان يقومعليه‌السلام بزيارتهم والالتقاء بهم، أما المقيمون في بلدان أُخرى فكانوا يلتقون به في موسم الحج وغيره، وكانعليه‌السلام يراسل بعضهم، لتدوم العلاقة بينه وبينهم، وقد رسم لهم منهاجاً في العلاقات، وجعل عليهم أن يزوروه، حين قالعليه‌السلام : (إنّما أُمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار، فيطوفوا بها، ثم يأتونا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرهم)(١) .

وقال أيضاً: (تمام الحج لقاء الإمام)(٢) .

وكانت العلاقة مستمرة بين الإمامعليه‌السلام والقاعدة عن طريق الطليعة ( الوكلاء )، وعن طريق المراسلة.

ج ـ العلاقة بين الأفراد: حث الإمامعليه‌السلام على إدامة العلاقة بين أفراد الجماعة الصالحة، وقال: (تزاوروا في بيوتكم، فإن ذلك حياة لأمرنا، رحم الله عبداً أحيى أمرنا)(٣) .

ونهىعليه‌السلام عن المقاطعة والهجران فقال:(ما من مؤمنين اهتجرا فوق ثلاث إلاّ وبرئت منهما في الثالثة) ، فقيل له: يا ابن رسول الله هذا حال الظالم، فما بال المظلوم ؟ فقالعليه‌السلام :(ما بال المظلوم لا يصير إلى الظالم؟ فيقول: أنا الظالم حتى يصطلحا) (٤) .

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ٤ / ٥٤٩.

(٢) المصدر السابق.

(٣) الخصال: ١ / ٢٢.

(٤) المصدر السابق: ١ / ١٨٣ .


أسس العلاقات الداخلية

أ ـ طاعة الإمامعليه‌السلام : الإمام المعصوم هو القائد الربّاني للجماعة الصالحة، وهو المشرف على جميع شؤونها، وان جميع البرامج والخطط لا يمكن تحقيقها بالصورة المشروعة إلاّ بالرجوع إليه وامتثال أوامره والإخلاص له في النصيحة، وقد روى الإمام الباقرعليه‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: (ما نظر الله عَزَّ وجَلَّ إلى وليّ له يجهد نفسه بالطاعة لإمامه والنصيحة إلاّ كان معنا في الرفيق الأعلى)(١) .

ب ـ قاعدة الحب في الله والبغض في الله: وروى الإمام الباقرعليه‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: (ودّ المؤمن للمؤمن في الله من أعظم شعب الإيمان، ومن أحبّ في الله، وأبغض في الله، وأعطى في الله، ومنع في الله فهو من أصفياء الله)(٢) .

ج ـ إخلاص المودّة: إن الحب والمودة هي أساس العلاقات داخل الجماعة الصالحة; لذا قالعليه‌السلام : (واخلص مودتك للمؤمن)(٣) .

د ـ الإيثار من أجل حقوق الإخوان: قالعليه‌السلام :(أشرف أخلاق الأئمة والفاضلين من شيعتنا استعمال التقية وأخذ النفس بحقوق الإخوان) (٤) .

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ١ / ٤٠٤.

(٢) المحاسن: ٢٦٣.

(٣) تحف العقول: ٢١٣.

(٤) جامع الأخبار: ٢٥٢ .


هـ ـ التكافل الاجتماعي

و ـ التناصر والتآزر

ز ـ إدامة العلاقة: قالعليه‌السلام :(ثلاثة من مكارم الدنيا والآخرة: أن تعفو عمّن ظلمك، وتصل من قطعك، وتحلم إذا جهل عليك) (١) .

وقالعليه‌السلام :(إن المؤمن أخ المؤمن لا يشتمه ولا يحرمه ولا يسيء به الظن) (٢) .

٢ ـ العلاقات مع الجماعات الإسلامية الأخرى

١ ـ إنّ التعايش والانفتاح مع عامة المسلمين وجمهورهم الذين ليس لهم عداء لأهل البيتعليهم‌السلام ـ وإن كانوا لا يرون لهم حق الولاية والإمامة ـ هو من سيرة الإمامعليه‌السلام وقد كانت للجماعة الصالحة علاقات واسعة مع جماعات عديدة من المسلمين.

٢ ـ العلاقة السلبية مع أعداء أهل البيتعليهم‌السلام : إنّ المقاطعة هي السمة الغالبة للعلاقات مع من نصب العداء لأهل البيتعليهم‌السلام ، ويلحق بها مقاطعة أصحاب البدع، والغلاة، وأعوان النظام الجائر ممّن أبغض أهل البيتعليهم‌السلام .

ودرجة المقاطعة تتحكم بها الظروف عادة، فإذا كانت الظروف غير مؤاتية فالمصانعة هي العلاقة المختارة، فقد قالعليه‌السلام :(صانع المنافق بلسانك) (٣) .

٣ ـ إنّ المشاركة في النشاطات العامة التي فيها مصلحة للإسلام ومصلحة الجماعة الصالحة هي أمر مطلوب ومحمود ولا يضرّ بالانتماء لأهل البيتعليهم‌السلام .

ــــــــــــــ

(١) تحف العقول: ٢١٤.

(٢) المصدر السابق: ٢١٦.

(٣) المصدر السابق: ٢١٣ .


٣ ـ العلاقة مع أهل الذمة

رسم الإمامعليه‌السلام منهجاً لعلاقة الجماعة الصالحة مع أهل الذمّة، على أساس المعايشة وعدم الاعتداء، قالعليه‌السلام :(... فإذا قبلوا الجزية على أنفسهم حرم علينا سبيهم، وحرمت أموالهم وحلّت لنا مناكحهم) (١) .

وقالعليه‌السلام :(ما من رجل أمن رجلاً على ذمة ثم قتله إلاّ جاء يوم القيامة يحمل لواء الغدر) (٢) .

وحرّمعليه‌السلام الاعتداء على أموالهم وممتلكاتهم بغصب أو سرقة أو غش(٣) .

وأوصى باحترام أحكامهم الفقهية والمدنية وأحكام القضاء والمواريث، وان كانت مخالفة للشريعة الإسلامية(٤) .

٤ ـ العلاقة مع الكفّار

إنّ العلاقة مع الكفّار قائمة على أساس قاعدة البراءة، وهي المفاصلة بين الإسلام والكفر، فلا تجوز المعاونة لهم بأي لون، ويحرم إسنادهم بأي شكل من أشكال الإسناد.والبراءة تستدعي المقاومة بل المواجهة معهم أحياناً، ولذا كانعليه‌السلام يشجع على بيع السلاح لمن يحارب به الكفّار وان كان مخالفاً أو معادياً لأهل البيتعليهم‌السلام وللجماعة الصالحة; فإنّ هذا العمل في رأي الإمامعليه‌السلام يتم به دفع العدو المشترك، وإبعاد خطره الذي يهدّد الكيان الإسلامي.

ــــــــــــــ

(١) تحف العقول: ٢١٠، والمعروف عند علماء مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام أن النكاح الجائز مع أهل الذمّة هو النكاح المؤقت فحسب.

(٢) الكافي: ٥ / ٣١.

(٣) المصدر السابق: ٥ / ٥٦٨.

(٤) وسائل الشيعة: ٢٦: ٣١٩ .


سابعاً: الإمام الباقرعليه‌السلام والنظام الأمني للجماعة الصالحة

أولى الإمامعليه‌السلام اهتماماً خاصاً بالنظام الأمني للجماعة الصالحة، حفاظاً على سلامة أفرادها وكيانها من التصدّع أو التصفية الجسدية، ليبقى أفرادها أحراراً في حركتهم الإصلاحية والتغييرية. والاحتياط والحذر الأمني له آثار ايجابية على سلامة العقيدة وسلامة الشريعة وسلامة القيم الإسلامية، فإنّ أي خلل في الوضع الأمني يؤدي إلى سجن أو قتل أو تهجير من له تأثير ايجابي في الأمة، وبالتالي يكون خير فرصة للمنحرفين لنشر عقائدهم وأفكارهم لبلبلة الأفكار وخلق الاضطراب في العقول والقلوب والنفوس، بعد خلو الميدان من المصلحين الذين ينتمون إلى الجماعة الصالحة.

والاهتمام بالنظام الأمني يضمن للجماعة الصالحة بقاء القيادة وهي المعصومةعليه‌السلام بين ظهرانيهم، ترشدهم وتوجههم وتربيهم، وتعلّمهم أحكام الدين وسبل الشريعة.

وللنظام الأمني معالم ومظاهر يمكن تحديدها في النقاط التالية:

١ ـ التقيّة

التقية عملية مشروعة لما لها من آثار ايجابية على سير الجماعة الصالحة وتوجيه حركتها نحو إصلاح الواقع وتغييره دون عرقلة أو منع أو تحجيم.

وللتقية موارد عديدة تحددها طبيعة الظروف المحيطة بالفرد وبالجماعة الصالحة، من حيث القوة والضعف، ومن حيث موقف الحكام وأجهزته من الإمامعليه‌السلام ومن الجماعة الصالحة.

والقاعدة الأساسية في استخدام التقية هي قول الإمامعليه‌السلام :(التقيّة في كل ضرورة) (١) .

فالضرورة هي التي تحدّد استثمارها واستخدامها من حيث الوجوب والاستحباب، ومن حيث المرّة والتكرار.

والهدف من التقيّة هو حقن الدماء وحفظها في مواقف ليست ضرورية، وليس لها تأثير على سير حركة الإصلاح والتغيير، أمّا إذا لم تحقق هدفها ذاك فلا ينبغي ممارستها.

قال الإمام الباقرعليه‌السلام :(إنما جعلت التقيّة ليحقن بها الدماء، فإذا بلغ الدّم فلا تقيّة) (٢) .


ومن موارد التقيّة:

أ ـ كتمان المعتقد بالإسلام إذا كان المجتمع مجتمعاً غير إسلامي محارباً للمسلمين، وكتمان المعتقد بمذهب أهل البيتعليه‌السلام إذا كان المجتمع مخالفاً أو معادياً لهم، ويستحل قتل أو تعذيب من يروّج له أو يعلن الانتماء إليه.

أو كان الإعلان عن المعتقد يؤدي إلى عزل المؤمن عن المجتمع وعدم التأثر بقوله وفعله، أي في حال عرقلة مهمة الإصلاح والتغيير.

ب ـ كتمان الأحكام الفقهية إن أدت إلى الضرر الكبير.

ت ـ كتمان الآراء السياسية.

ث ـ كتمان الأسرار السياسية.

ج ـ كتمان البرامج والخطط المعدّة لإصلاح الواقع وتغييره.

والتقية قد تكون بكتمان هذه الموارد، أو التظاهر بغيرها وبعبارة أُخرى: إن التقيّة هي المصانعة مع المخالفين أو المعادين للجماعة الصالحة تخلّصاً من عدوانهم وأذاهم، أو إضرارهم بالعمل.

والتقيّة هي الموقف المتوازن بين الانعزال عن المجتمع والابتعاد عن ميدان الإصلاح والتغيير، وبين المواجهة والصراع، لأنّ عدم ممارستها يؤدي إلى واحد من الموقفين، وفي كليهما لا يحقق الإنسان أهدافه في الحياة الاجتماعية، وقد يؤدي أحياناً إلى النكوص والتراجع أو التخلّي نهائياً عن المنهج السليم، أو الانحراف عنه.

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٧٢ / ٣٩٩.

(٢) المصدر السابق: ٧٢ / ٣٩٩.


فالانعزال قد يؤدي إلى الوقوع في حبائل الغلو، والتحول إلى الباطنية كما حدث للحركة الإسماعيلية.

والمواجهة قد تؤدي إلى الضعف أمام أساليب الإرهاب والإغراء والخداع والتضليل إن كانت الجماعة الصالحة غير مهيئة لخوض غمار الصراع والمواجهة.

وقد استطاع الإمامعليه‌السلام أن يحافظ على أمن الجماعة الصالحة بتأكيده على التقيّة، حيث استطاع أن يوسّع قاعدته الشعبية، ويرفد الجماعة الصالحة بأفراد جدد، وبكوادر جديدة، واستطاع أن ينشر علوم أهل البيتعليه‌السلام ، وأن يشيع الفضائل والمكارم في المجتمع، دون أن يمنح للحكّام فرصة لاغتياله أو اعتقاله أو منعه من نشاطاته العامة في التدريس، واللقاءات، والزيارات.


والتقيّة قد تتوقف أحياناً وفي حدود خاصة على تظاهر الإنسان بالجنون حفاظاً على نفسه والجماعة التي ينتمي إليها، وهي حالة نادرة أمر بها الإمامعليه‌السلام جابر بن يزيد الجعفي، حيث كتب إليه كتاباً في ذلك، فلما دخل الكوفة، لم يُرَ ضاحكاً ولا مسروراً، وتظاهر بالجنون، وبعد أيام من كتاب الإمامعليه‌السلام جاء كتاب هشام بن عبد الملك يأمر بقتله، فتركه الوالي ولم يقتله، بعد أن أخبره الناس بجنونه(١) .

٢ ـ كتمان الأسرار

إن الظروف المحيطة بالإمامعليه‌السلام وبالجماعة الصالحة جعلت الإمامعليه‌السلام يأمر بكتمان الأسرار، قالعليه‌السلام :(اكتموا أسرارنا ولا تحمّلوا الناس على أعناقنا) (٢) .

والجماعة الصالحة محاطة بجماعات وتيارات وأجهزة أمنية تتابع أقوالها وأفعالها وممارساتها العملية، وتستثمر الثغرات والفرص المتاحة لتشويه سمعتها في عقيدتها وفي أحكامها وفي سلوكها، وتحجيم دورها في الحياة ; ولهذا فهي بحاجة إلى عناية إضافية بكتمان الأسرار، سواء كانت ممّا يتعلق بفضائل ومكارم أهل البيتعليهم‌السلام التي لا تتحملها عقول المخالفين، أو ممّا يتعلق بتنظيم الجماعة الصالحة من حيث العدّة والعدد، وأسماء الوكلاء، أو الطليعة المؤثرة على سير الأحداث، أو كانت من أسرار العلاقات واللقاءات، أو الأسرار السياسية المتعلقة بالبرامج والخطط الموضوعة لإصلاح وتغيير الواقع السياسي والاجتماعي، أو الأسرار المتعلقة بساعات التنفيذ وما شابه ذلك.

فالإمامعليه‌السلام كان يتكتم على المواقف المهمة، فحينما حرّم الدخول إلى السلاطين والتعاون معهم، كان هذا التحريم محدوداً لم يبلّغ به إلاّ المقربين منه.

وكان يخطط لثورة زيد دون أن تعلم به السلطات، ودون علم كثير من أفراد الجماعة الصالحة، وكان يكتفي بمدح شخصية زيد ليوجه الأنظار بصورة غير مباشرة إليه والى مواقفه المستقبلية.

وكان يثني على المختار مقرّاً بثورته وولائه لأهل البيتعليهم‌السلام ولكن في نطاق محدود أمام بعض أصحابه.

ولم يعلنعليه‌السلام عن إمامة الإمام الصادقعليه‌السلام إلاّ في نطاق محدود لمن كان يثق به ويعتمد عليه في عدم كشف السرّ إلاّ في وقته المناسب.

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٦ / ٢٨٣.

(٢) المصدر السابق: ٧١ / ٢٢٥ .


٣ـ التوازن في العلاقة مع الحكّام

إنّ مقاطعة الحاكم الجائر هي إحدى الخصائص التي اختص بها أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، وقد كانت إرشادات وأوامر الإمام الباقرعليه‌السلام إلى أفراد الجماعة الصالحة تؤكد على المقاطعة في جميع صورها، لأنّ العمل مع الجائر يؤدي إلى احتمالات واقعية، هي:

أ ـ تقويته ودعم أركان دولته المنحرفة.

ب ـ ممارسة الأعمال المنحرفة التي يمليها الواقع المنحرف.

ت ـ تأثر العامل معه ـ في بعض الأحيان ـ بالإغراء المتنوع، بالأموال والمناصب والجاه، وقد يؤدي هذا إلى التخلي عن الانتماء إلى الجماعة الصالحة.

ث ـ تحول العامل إلى عدو للجماعة الصالحة في بعض الأحيان.

ولهذا أمرعليه‌السلام بمقاطعة الحاكم الجائر(١) . وجعل العمل مع الجائر دليلاً على كراهية الجنّة، تشديداً منه على عدم الدخول معه في الأعمال. عن عقبة ابن بشير الأسدي، قال: دخلت على أبي جعفرعليه‌السلام فقلت له: إني من الحسب الضخم من قومي، وإنّ قومي كان لهم عريف فهلك، فأرادوا أن يعرفوني عليهم، فما ترى لي ؟

قالعليه‌السلام :(فإن كنت تكره الجنة وتبغضها، فتعرّف على قومك، يأخذ سلطان جائر بامرئ مسلم يسفك دمه، فتشركهم في دمه، وعسى أن لا تنال من دنياهم شيئاً) (٢) .

وعلى الرغم من أوامره في مقاطعة الحاكم الجائر إلاّ انّه راعى المصلحة الإسلامية العليا في موارد عديدة، فجوّزعليه‌السلام بيع السلاح أو حمله إلى أتباع السلطان(٣) للمساهمة في ردّ أعداء الكيان الإسلامي، ولإثبات حسن التعامل للحاكم إن سمع أو لاحظ هذه الإسناد.

وكانعليه‌السلام لا يمتنع إن دعاه الحاكم للقاء به، ولا يمنع أصحابه من ذلك، حفاظاً على أمنهم، لأنّ التمرد على طلبه قد يؤدي إلى كشف نواياهم في المعارضة وعدم الرضى بحكمه.

ولم يمنععليه‌السلام أفراد الجماعة الصالحة من المشاركة في الغزوات التي كان يقودها حكّام الجور المسلمون في مختلف الأزمان.

ــــــــــــــ

(١) كفاية الأثر: ٢٥١.

(٢) رجال الكشي: ٢٠٤.

(٣) الكافي: ٥ / ١١٢.


٤ ـ مراعاة المستويات المختلفة راعى الإمامعليه‌السلام في أوامره وتعليماته، وفي إشراك أفراد الجماعة الصالحة في النشاطات والأعمال المختلفة، تفاوت مستويات الأفراد المختلفة من حيث الطاقات والإمكانيات، ومن حيث الوعي والإدراك، ودرجة التحمّل، والقدرة على أداء الواجب أو الاستمرار في الأعمال، وحدّد لكل فرد مستواه ; لكي يكلّف بقدر مستواه.

عن سدير قال: قال لي أبو جعفرعليه‌السلام :(إن المؤمنين على منازل، منهم على واحدة، ومنهم على اثنين، ومنهم على ثلاث، ومنهم على أربع، ومنهم على خمس، ومنهم على ست، ومنهم على سبع، فلو ذهبت تحمّل على صاحب الواحدة ثنتين لم يقو، وعلى صاحب الثنتين ثلاثاً لم يقو، وعلى صاحب الثلاث أربعاً لم يقو ...) (١) .

وكذا الحال في إعطاء الأسرار المتعلقة بالفضائل والكرامات لأهل البيتعليهم‌السلام أو الأسرار السياسية، فلكل فرد حسب طاقته العقلية والعاطفية والبدنية.

ثامناً: الإمام الباقرعليه‌السلام والنظام الاقتصادي للجماعة الصالحة

للاقتصاد دور كبير في حركة الأمم والجماعات، من حيث النمو والثبات والتكامل، ومدّها بالقدرة على مواجهة الصعاب التي تقع في طريق النمو والتكامل، فهو أحد العوامل الأساسية في بناء الحضارات ورفدها بأسس البقاء والاستمرار، حتى إن الإسلام في جميع مراحله لم يحقق أهدافه القريبة أو البعيدة إلاّ بالاستعانة بالاقتصاد، وبالمال الذي هو العصب الأساسي له.

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ٢ / ٤٥.


وأكّد الإمام الباقرعليه‌السلام في توجيهاته وإرشاداته للجماعة الصالحة على أهمية المال في نجاح أعمالها، واستقامة شؤونها، وقوة كيانها، فقالعليه‌السلام :(... هي الدنانير والدراهم خواتيم الله في أرضه، جعلها الله مصلحة لخلقه، وبه تستقيم شؤونهم ومطالبهم) (١) .

التأكيد على أهمية العامل الاقتصادي

وحثّ الإمامعليه‌السلام على العمل لكسب الرزق، والاستغناء عن الناس، حين حثّ على التجارة والزراعة والصناعة وعلى تعلم الحرفة، وكانعليه‌السلام يعمل بنفسه ويرى أن في العمل طاعة لله، فعن الإمام الصادقعليه‌السلام أنه قال: إنَّ محمّد بن المنكدر كان يقول: ما كنت أرى أنّ عليّ بن الحسينعليه‌السلام يدع خلفاً أفضل منه، حتى رأيت ابنه محمد بن عليّعليه‌السلام فأردت أن أعظه فوعظني، فقال له أصحابه: بأي شيء وعظك ؟ قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة، فلقيني أبو جعفر محمد بن عليّ، وكان رجلاً بادناً ثقيلاً وهو متكئ على غلامين أسودين أو موليين، فقلت في نفسي: سبحان الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا، أما والله لأعظنه، فدنوت منه فسلّمت عليه فردّ عليّ بنهر، وهو يتصبّب عرقاً، فقلت: أصلحك الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا أرأيت لو جاء أجلك وأنت على هذه الحال ما كنت تصنع ؟

فقالعليه‌السلام : لو جاءني الموت وأنا على هذه الحالة جاءني وأنا في طاعة من طاعة الله عَزَّ وجَلَّ ; اكفُّ بها نفسي وعيالي عنك وعن النّاس، وإنما كنت أخاف أن لو جاءني الموت وأنا على معصية من معاصي الله.

ــــــــــــــ

(١) أمالي الطوسي: ٢ / ١٢٣.


فقلت: صدقت يرحمك الله أردت أن أعظك فوعظتني (١) .

وكانعليه‌السلام يستشهد بسيرة آبائه وأجداده للحث على العمل وطلب الرزق، فقد روىعليه‌السلام :أن رجلاً لقي أمير المؤمنين عليه‌السلام وتحته وسق من نوى، فقال له: ما هذا يا أبا الحسن تحتك ؟ فقال: مائة عذق إن شاء الله، فغرسه فلم يغادر منه نواة واحدة (٢) .

وكان ينهى عن الكسل والتقاعس عن العمل، وقد جعل الكسل عن الآخرة ملازماً للكسل عن طلب الدنيا، فقال:(إنّي لأبغض الرجل ـ أوأبغض للرجل ـأن يكون كسلاناً عن أمر دنياه، ومن كسل عن أمر دنياه، فهو عن أمر آخرته أكسل) (٣) .

وبيّن أن الرزق من الله تعالى، وهو الذي حدّد لكل نفس رزقها، فما على الإنسان إلاّ السعي لطلبه، قالعليه‌السلام :(ليس من نفس إلاّ وقد فرض الله عَزَّ وجَلَّ لها رزقاً حلالاً يأتيها في عافية، وعرض لها بالحرام من وجه آخر، فإن هي تناولت شيئاً من الحرام قاصّها به من الحلال الذي فرض لها، وعند الله سواهما فضل كثير، وهو قوله عَزَّ وجَلَّ : ( وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ) (٤) ...) (٥) .

ونهى عن جمع المال من المكاسب المحرّمة ومنها الغلول، فقد سأله عمّار بن مروان عنها فقال:(كل شيء غلّ من الإمام فهو سحت، وأكل مال اليتيم وشبهه سحت، والسحت أنواع كثيرة: منها أجور الفواجر، وثمن الخمر والنبيذ، والمسكر، والربا بعد البيّنة، فأمّا الرُّشا في الحكم، فإنّ ذلك الكفر بالله العظيم وبرسوله) (٦) .

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ٥ / ٧٣ ـ ٧٤.

(٢) المصدر السابق: ٥ / ٧٥.

(٣) المصدر السابق: ٥ / ٨٥.

(٤) النساء (٤): ٣٢.

(٥) الكافي: ٥ / ٨٠.

(٦) المصدر السابق: ٥ / ١٢٦.


ونهىعليه‌السلام عن الربّا لأن فيه غصباً لحقوق الآخرين، وإضعافاً لروح الودّ والإخاء، وإماتة لروح الزهد في الدنيا والإحسان للآخرين، ولذا اعتبرهعليه‌السلام من أخبث المكاسب، فقالعليه‌السلام :(أخبث المكاسب كسب الرّبا) (١) .

ولم يحبّذ لأنصاره العمل غير اللائق بهم وان كان حلالاً كالعمل في الحجامة(٢) .

التوازن بين طلب الرزق وطلب المكارم

حثّ الإمامعليه‌السلام على العمل وطلب الرزق كمقدمة للاستغناء عن الناس، وإشباع النفس والعيال لكي يتفرغوا للهدف الكبير الذي خُلقوا من أجله وهو حمل الأمانة الإلهية، وتبليغها للناس جميعاً، وتقرير أسسها وقواعدها في الواقع، فقد أراد من أتباعه التطلع إلى أفق أعلى، والى اهتمامات أرفع لتكون القيم المعنوية هي الحاكمة على جميع تصرفاتهم المالية، ولكي لا ينساقوا وراء الشهوات وينشغلوا بإشباعها، قالعليه‌السلام :(إن أهل التقوى هم الأغنياء، أغناهم القليل من الدنيا، فمؤنتهم يسيرة أخّروا شهواتهم ولذاتهم خلفهم) (٣) .

وبيّن في دعاء له الأهداف المتوخاة من طلب الرزق وحدوده، والتوازن بينه وبين القيم المعنوية، ومن دعائه قولهعليه‌السلام :(... أسألك اللهمَّ الرّفاهية في معيشتي ما أبقيتني، معيشة أقوى بها على طاعتك، وأبلغ بها رضوانك، وأصير بها بمنّك إلى دار الحيوان، ولا ترزقني رزقاً يطغيني، ولا تبتلني بفقر أشقى به، مضيّقاً عليّ، أعطني حظاً وافراً في آخرتي، ومعاشاً واسعاً هنيئاً مريئاً في دنياي ...) (٤) .

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ٥ / ١٤٧.

(٢) المصدر السابق: ٥ / ١١٦ .

(٣) تحف العقول: ٢٠٩.

(٤) بحار الأنوار: ٩٤ / ٣٧٩، طبعة ثانية: ٩٧ / ٣٧٩.


وبيّنعليه‌السلام الميزان الاقتصادي والمالي للجماعة الصالحة لتوزن به درجة قربها وبعدها عن العمل للآخرة فقال:(إنّا لنحبّ الدنيا ولا نؤتاها، وهو خير لنا، وما أوتي عبد منها شيئاً إلاّ كان أنقص لحظه في الآخرة، وليس من شيعتنا من له مئة ألف ولا خمسون ألفاً ولا أربعون ألفاً، ولو شئت أن أقول ثلاثون ألفاً لقلت، وما جمع رجل قط عشرة الآف من حلّها) (١) .

ودعاعليه‌السلام إلى الاقتصاد في إشباع الرغبات والشهوات لكي لا تصبح هدفاً بذاتها، فقالعليه‌السلام :(إذا شبع البطن طغى) (٢) .

وقال أيضاً:(ما من شيء أبغض إلى الله عَزَّ وجَلَّ من بطن مملوء) (٣) .

الموارد المالية للجماعة الصالحة

الأول: الزكاة

الزكاة هي أحد الموارد المالية للجماعة الصالحة، وهي عبادة اقتصادية أمر الله تعالى بها لإشباع الجياع وكسوتهم ورفع المستوى المعاشي للفقراء والمحتاجين، وإيجاد التوازن بين الطبقات لكي لا يحدث تفاوت فاحش بين مستويات الناس الاقتصادية، ولكي لا تتكدس الأموال عند طبقة معيّنة.

وقد حثّعليه‌السلام على إعطاء الزكاة، ومما جاء في ذلك قولهعليه‌السلام :(فرض الله الزكاة مع الصلاة) (٤) .

وبيّنعليه‌السلام الآثار المترتبة على منع الزكاة ومنها منع البركات

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٦٩ / ٦٦، طبعة ثانية: ٧٢ / ٦٦.

(٢) الكافي: ٦ / ٢٧٠.

(٣) المصدر السابق.

(٤) الكافي: ٣ / ٤٩٨.


فقالعليه‌السلام :(وجدنا في كتاب عليٍّ عليه‌السلام ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا منعت الزكاة منعت الأرض بركاتها) (١) .

ومن آثار منعها في الحياة الأخرى هو العذاب الإلهي، قالعليه‌السلام :(إن الله تبارك وتعالى يبعث يوم القيامة ناساً من قبورهم مشدودة أيديهم إلى أعناقهم لا يستطيعون أن يتناولوا بها قيس أنملة، معهم ملائكة يعيّرونهم تعييراً شديداً، يقولون: هؤلاء الذين منعوا خيراً قليلاً من خير كثير، هؤلاء الذين أعطاهم الله، فمنعوا حقّ الله في أموالهم) (٢) .

الثاني: الخمس

حثّ الإمامعليه‌السلام على إعطاء الخمس لأنّه فريضة ثابتة في الشريعة الإسلامية، وهي حقّ ثابت فمن لم يعطه فقد أكل حقاً، ومن تصرّف به فقد تصرف بأموال ليست له، قالعليه‌السلام :(من اشترى شيئاً من الخمس لم يعذره الله، اشترى ما لا يحلّ له) (٣) .

وقالعليه‌السلام :(لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتّى يصل إلينا حقّنا) (٤) .

وقد بيّنعليه‌السلام هذا الحق المغتصب وغيره من الحقوق، وأوضح قاعدة عامة فقال:(ما كان للملوك فهو للإمام) (٥) .

ومن الموارد المالية الواجبة: الكفّارات، وهنالك موارد ثانوية غير واجبة كالهدايا والصدقات والإنفاق في وجوه الخير.

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ٣ / ٥٠٥.

(٢) المصدر السابق: ٣ / ٥٠٦.

(٣) تهذيب الأحكام: ٤ / ١٣٦.

(٤) الكافي: ١ / ٤٥٨.

(٥) المصدر السابق: ١/٤٥٨ .


التكافل داخل الجماعة الصالحة

الجماعة الصالحة لها كيانها المستقل ومواردها المستقلة التي سبق ذكرها، وإن إنفاق الأموال في مواردها التي وضعها الله تعالى تؤدي إلى التكافل داخل الجماعة الصالحة .

فالزكاة تدفع للفقراء والمساكين والعاملين عليها ، وفي عتق الرقاب المؤمنة ، وللمثقلين بالديون ، وابن السبيل وتدفع للمؤلفة قلوبهم للإسلام ولمذهب أهل البيتعليهم‌السلام أو دفع شرّهم ، ولها موارد إنفاق تقع تحت عنوان (في سبيل الله) .

وهي تدفع لهم مباشرة دون إذن الإمامعليه‌السلام ، كما يفهم من أحاديثه الشريفة(١) .

وهي في الأصل تدفع إلى من ينتمي إلى الجماعة الصالحة ، فعن ضريس قال : سأل المدائني أبا جعفرعليه‌السلام قال : إن لنا زكاة نخرجها من أموالنا ، ففيمن نضعها ؟ فقالعليه‌السلام :في أهل ولايتك فقال : إني في بلاد ليس فيها أحد من أوليائك فقالعليه‌السلام :(ابعث بها إلى بلدهم تدفع إليهم ، ولا تدفعها إلى قوم إن دعوتهم غداً إلى أمرك لم يجيبوك) (٢) .

وقالعليه‌السلام :(إنّما موضعها أهل الولاية) (٣) .

ــــــــــــــ

(١) من لا يحضره الفقيه : ٢ / ٣٠ .

(٢) الكافي : ٣ / ٥٥٥ .

(٣) المصدر السابق : ٣ / ٥٤٥ .


وكان يقدّم المهاجرين وأصحاب العقل والفقه على غيرهم ، فحينما سئلعليه‌السلام عن كيفية العطاء فقالعليه‌السلام :(أعطهم على الهجرة في الدين والعقل والفقه) (١) .

أما الرقاب وسهم المؤلفة قلوبهم فلا يشترط فيها الانتماء إلى الجماعة الصالحة كما هو المشهور .

والزكاة الواجبة تختص بالمحتاجين وغير القادرين على العمل ، فلا ينبغي إعطاؤها لغيرهم، قالعليه‌السلام :(إن الصدقة لا تحلّ لمحترف ، ولا لذي مرّة سوي قوي ، فتنزهوا عنها) (٢) .

وقد حدّدعليه‌السلام أصناف وأوصاف المستحقين فقال :(المحروم : الرجل الذي ليس بعقله بأس ، ولم يبسط له في الرزق وهو محارف) (٣) .(الفقير الذي لا يسأل ، والمسكين الذي هو أجهد منه الذي يسأل) (٤) .

ويجب إعطاء الزكاة مصحوباً بالتكريم ، فعن أبي بصير قال : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : الرجل من أصحابنا يستحي أن يأخذ من الزكاة ، فأعطيه من الزكاة ولا أُسمّي له أنّها من الزكاة ؟ فقالعليه‌السلام :(أعطه ولا تسمّ له ولا تذل المؤمن) (٥) .

والعطاء ينبغي أن يكون إلى حد الإغناء بحيث لا يبقى محتاجاً،

ــــــــــــــ

(١) الكافي : ٣ / ٥٤٩ .

(٢) وسائل الشيعة : ٩ / ٢٣١ .

(٣) الكافي : ٣ / ٥٠٠ .

(٤) المصدر السابق : ٣ / ٥٠٢ .

(٥) المصدر السابق : ٣ / ٥٦٤ .


قالعليه‌السلام :(إذا أعطيته فأغنه) (١) .

مّا مصرف الخمس فهو عائد للإمام قالعليه‌السلام :(والخمس لله وللرسول ولنا )(٢) .

والخمس ملك للإمامعليه‌السلام باعتبار منصبه ، وليست ملكاً شخصياً له ، وقد دلت سيرة الإمام الباقرعليه‌السلام وسيرة من سبقه من الأئمةعليهم‌السلام على ذلك ، فكانوا يأخذونه وينفقونه لا على أنفسهم ، حيث كان ما ينفق على أنفسهم وعيالهم شيئاً يسيراً ، بالقياس إلى ضخامة الأموال التي تُجبى إليهم ، ومع ذلك كان بعضهم محتاجاً ، لأنّه كان ملكاً للمنصب وليس للشخص .

ومن أجل إحياء روح التكافل الاقتصادي والاجتماعي حثَّ الإمامعليه‌السلام على الصدقة وهي الزكاة المستحبة فقال :(إن الصدقة لتدفع سبعين بليّة من بلايا الدنيا مع ميتة السوء) (٣) .

وقالعليه‌السلام : (إن صنائع المعروف تدفع مصارع السوء)(٤) .

وحثعليه‌السلام على إطعام الطعام وذبح الذبائح وإشباع الفقراء والمحتاجين منها فقال :(إن الله عَزَّ وجَلَّ يحب إطعام الطعام وإراقة الدماء) (٥) .

وحث على الجود والسخاء ، والإنفاق ، والهدية والقرض ، وإنظار المعسر في تسديد دينه ، كما ورد في مختلف كتب الحديث عنهعليه‌السلام .

وكان يتصدق في كل جمعة ويقول :(الصدقة يوم الجمعة تُضاعف لفضل

ــــــــــــــ

(١) الكافي : ٣ / ٥٤٨ .

(٢) المصدر السابق : ١ / ٥٣٩ .

(٣) المصدر السابق : ٤ / ٦ .

(٤) المصدر السابق : ٤ / ٢٩ .

(٥) المصدر السابق : ٤ / ٥١ .


يوم الجمعة على غيره من الأيام) (١) .

وكان ينفق الأموال على أصحابه ، فقد أمر غلامه بإعطاء الأسود بن كثير سبعمائة درهم ، وقال له :استنفق هذه فإذا فرغت فأعلمني (٢) .

وعن سلمى مولاته قالت : كان يدخل عليه إخوانه فلا يخرجون من عنده ، حتى يطعمهم الطعام الطيّب ، ويكسوهم الثياب الحسنة في بعض الأحيان، ويهب لهم الدراهم ، فأقول له في ذلك ليقلّ منه.

فيقول :يا سلمى ما حسنة الدنيا إلاّ صلة الإخوان والمعارف (٣) .

وجعلعليه‌السلام الإنفاق مقياساً للإخوة ، حين قال لجماعة من أصحابه : يدخل أحدكم يده في كُمِّ أخيه يأخذ حاجته ؟ فقالوا : لا قالعليه‌السلام :ما أنتم بإخوان (٤) .

ونهى عن السؤال ومع ذلك شجّع على عدم رد السائل فقال :(لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحد أحداً ، ولو يعلم المعطي ما في العطيّة ما ردّ أحد أحداً) (٥) .

وجعل التعامل الاقتصادي فيما بين الجماعة الصالحة أو غيرها من الجماعات قائماً على أساس قاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، التي رواها عن جدّه رسول الله(٦) .

ــــــــــــــ

(١) ثواب الأعمال : ١٦٨ .

(٢) صفة الصفوة : ٢ / ١١٢ .

(٣) الفصول المهمة : ٢١٥ .

(٤) مختصر تاريخ دمشق : ٢٣ / ٨٥ .

(٥) الكافي : ٤ / ٢٠ .

(٦) المصدر السابق : ٥ / ٢٩٢ .


تاسعاً : الإمام الباقرعليه‌السلام والنظام الاجتماعي للجماعة الصالحة

النظام الاجتماعي للجماعة الصالحة هو مصداق حقيقي للنظام الاجتماعي الإسلامي الذي أرسى دعائمه القرآن الكريم، وخاتم المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو قائم على أسس خلقية في التعامل والعلاقات، وعلى رأسها حسن الخُلق، قال الإمام الباقرعليه‌السلام :(إنّ أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) (١) .

ومن حسن الخلق تلقّي الآخرين بوجه منبسط، فقد قالعليه‌السلام :(أتى رسول الله رجل فقال: يا رسول الله أوصني، فكان فيما أوصاه أن قال: الق أخاك بوجه منبسط) (٢) .

ومن مصاديق حسن الأخلاق الرفق بجميع أصناف الناس قالعليه‌السلام :(من قسم له الرفق قسم له الإيمان) (٣) .

ووضع لكل وحدة اجتماعية نظامها الخاص بها، وعلاقاتها مع الوحدات الاجتماعية الأخرى، ابتداءً بالأسرة وانتهاءً بالمجتمع الكبير.

١ ـ الأسرة

الأسرة هي المؤسسة الأولى والأساسية من بين المؤسسات الاجتماعية المتعددة ، وهي المسؤولة عن رفد المجتمع بالعناصر الصالحة ، وهي نقطة البدء التي تزاول إنشاء وتنشئة العنصر الإنساني وقد وضع القواعد الأساسية في تنظيمها وضبط شؤونها ، ابتداءً باختيار شريك الحياة المناسب على أساس التديّن وحسن الخلق والانحدار من أسرة صالحة ، كما وضع برنامجاً للحقوق والواجبات على كل من الزوجين، ومراعاتهما من قبلهما كفيل بإشاعة الاستقرار والطمأنينة في أجواء الأسرة .

ــــــــــــــ

(١) الكافي : ٢ / ٩٩ .

(٢) المصدر السابق : ٢ / ١٠٣ .

(٣) المصدر السابق : ٢ / ١١٨ .


فقد روى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حق الزوج على الزوجة بقوله :( أن تطيعه ولا تعصيه ، ولا تتصدق من بيتها بشيء إلاّ بإذنه ، ولا تصوم تطوعاً إلاّ بإذنه ، ولا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب ، ولا تخرج من بيتها إلاّ بإذنه ...) (١) .

وقالعليه‌السلام :( جهاد المرأة حسن التبعل ) (٢) .

ودعا إلى تحمّل أذى الزوج من أجل إدامة العلاقة الزوجية ، وعدم تفكّك الأسرة من خلال عدم مقابلة الأذى بأذى ، بقولهعليه‌السلام :( وجهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها وغيرته) (٣) .

ووضع الإمامعليه‌السلام واجبات على الزوج اتجاه زوجته ، وهو مسؤول عن تنفيذها لكي يتعمق الودّ بينهما ، ويكون الاستقرار والهدوء هو السائد في أجواء الأسرة ، ومن هذه الحقوق ، الإطعام وما تحتاجه من ثياب ، قالعليه‌السلام :( من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها ويطعمها ما يقيم صلبها كان حقاً على الإمام أن يفرّق بينهما ) (٤) .

وأكّد على الاهتمام بالزوجة ومراعاتها ، فقد روى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله :( أوصاني جبرئيل بالمرأة حتى ظننت أنه لا ينبغي طلاقها إلاّ من

ــــــــــــــ

(١) مكارم الأخلاق : ٢١٤ .

(٢) من لا يحضره الفقيه : ٣ / ٢٧٨ .

(٣) مكارم الأخلاق : ٢١٥ .

(٤) المصدر السابق : ٢١٧ .


فاحشة بيّنة) (١) .

وحثّ على تحمل الأذى من المرأة ، وعدم مقابلة الأذى بالأذى لأن ذلك يؤدي إلى تردّي العلاقات وتشنجها ، فقالعليه‌السلام :(من احتمل من امرأته ولو كلمة واحدة أعتق الله رقبته من النار وأوجب له الجنة ...) (٢) .

وقد كانعليه‌السلام أسوة في تحمل الأذى ، حتى قال الإمام الصادقعليه‌السلام :(كانت لأبي امرأة وكانت تؤذيه وكان يغفر لها ) (٣) .

ووضععليه‌السلام منهجاً للحقوق والواجبات بين الأبناء ووالديهم ، فالواجب على الوالدين تربية أولادهم على المفاهيم والقيم الإسلامية(٤) . وإبعادهم عن الانحرافات بمختلف ألوانها(٥) .

ووضععليه‌السلام برنامجاً للتربية في مختلف مراحل حياة الأطفال ابتداءً بالطفولة المبكرة حتى بلوغ وسن التكليف والرشد(٦) .

وحثّعليه‌السلام على التعامل المتوازن مع الأطفال فقالعليه‌السلام :(شرّ الآباء من دعاه التقصير إلى العقوق وشرّ الآباء من دعاه البر إلى الإفراط) (٧) .

وأمرعليه‌السلام ببرّ الوالدين، فقال:(ثلاثة لم يجعل الله عَزَّ وجَلَّ فيهنّ رخصة: أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر ، وبرّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين) (٨) .

وكانت أوامره مؤكدة على برّ الوالدين وان كانا منحرفين أو فاجرين وذلك لحقوقهما على الابن.

ــــــــــــــ

(١) مكارم الأخلاق : ٢١٦ .

(٢) المصدر السابق : ٢١٦ .

(٣) من لا يحضره الفقيه : ٣ / ٢٧٩ .

(٤) مكارم الأخلاق : ٢٢٢ .

(٥) المصدر السابق : ٢٢٣ .

(٦) مراجعة كتاب : تربية الطفل في الإسلام ، إصدار مركز الرسالة .

(٧) تاريخ اليعقوبي : ٢ / ٣٢٠ .

(٨) الكافي : ٢ / ١٦٢ .


ونهى عن العقوق مهما كانت الظروف ، وان كان الوالدان مسيئين للأبناء ، فقد روى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله :(إياكم وعقوق الوالدين ، فإنّ ريح الجنّة توجد من مسيرة ألف عام ، ولا يجدها عاقّ ...) (١) .

٢ ـ الأرحام

الأرحام هم كل من يرتبط بالأسرة بعلاقة نسبية وهم الإخوان والأخوات والأعمام والأخوال، والأجداد، وسائر أفراد العشيرة القريبين بالنسب أو البعيدين. لقد حثّ الإمامعليه‌السلام على صلتهم بزيارة أو لقاء، وما يترتّب على هذه العلاقات من حقوق وهم مقدّمون على غيرهم في الإحسان إليهم، وإدخال السرور في قلوبهم، ومساعدتهم في حلّ مشاكلهم.

وبيّنعليه‌السلام الآثار الايجابية المترتبة على صلة الأرحام، فقال:(صلة الأرحام تزكّي الأعمال، وتدفع البلوى، وتنمي الأموال، وتنسئ له في عمره، وتوسّع في رزقه، وتحبّب في أهل بيته، فليتّق الله وليصل رحمه) (٢) .

وقالعليه‌السلام لأحد أصحابه:(أما إنه قد حضر أجلك غير مرّة ولا مرتين، كلّ ذلك يؤخّر الله بصلتك قرابتك) (٣) .

٣ ـ الجيران

أكّد الإمامعليه‌السلام على حسن التعامل مع الجيران فقال:(قرأت في كتاب

ــــــــــــــ

(١) الكافي : ٢ / ٣٤٩ .

(٢) المصدر السابق: ٢ / ١٥٢.

(٣) رجال الكشي: ٢٢٤.


عليّ عليه‌السلام : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتب بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من أهل يثرب، أن الجار كالنفس غير مضار ولا إثم، وحرمة الجار على الجار كحرمة أمه) (١) .

ونهى عن أذى الجيران وتضييع حقوقهم، فقد روى عن أمير المؤمنينعليه‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال:(من آذى جاره حرّم الله عليه ريح الجنة، ومأواه جهنّم وبئس المصير، ومن ضيّع حق جاره فليس منّا، وما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنّه سيورثه ...) (٢) .

وروى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله:(ما آمن بي من أمسى شبعاناً وأمسى جاره جائعاً) (٣) .

والجار في منهج أهل البيتعليه‌السلام هو مطلق الإنسان سواء كان من أفراد الجماعة الصالحة، أو من غيرهم، وسواء كان مسلماً أم غير مسلم، كما هو المشهور في الروايات الصادرة عنهمعليهم‌السلام .

٤ ـ أفراد الجماعة الصالحة

النظام الاجتماعي في داخل الجماعة الصالحة يقوم على أساس وحدة التصورات والمبادئ، ووحدة الموازين والقيم، ووحدة الشرائع والقوانين، ووحدة الأوضاع والتقاليد، لأنّ مجموع الجماعة الصالحة تتلقى منهج حياتها من جهة واحدة وهي أهل البيتعليهم‌السلام ، وتجمعها وحدة الطريقة التي تتلقى بها، ووحدة المنهج الذي تفهم به ما تتلقى من أفكار وعواطف وممارسات.

والنظام الاجتماعي قائم على أساس القاعدة الثابتة، وهي قول الإمام

ــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة: ١٢ / ١٢٦.

(٢) المصدر السابق: ١٢ / ١٢٧.

(٣) المحاسن: ٩٨.


الباقرعليه‌السلام :(المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه) (١) .

فقد جعل العلاقة بين أفراد الجماعة الصالحة كالعلاقة النسبية التي تترتب عليها حقوق وواجبات، كالسعي في حوائج المؤمنين، وتفريج كربهم، والنصيحة لهم، والدعاء لهم بالتوفيق، وستر عيوبهم(٢) .

والعلاقة القائمة تنطلق من الإيثار وتحكيم الحق في النفس، قالعليه‌السلام :(إن لله جنة لا يدخلها إلاّ ثلاثة أحدهم من حكم في نفسه بالحقّ) (٣) .

ويقوم النظام الاجتماعي على قاعدة تعظيم وتوقير أفراد الجماعة الصالحة لكي يتعمّق الودّ والإخاء، قالعليه‌السلام :(عظموا أصحابكم ووقّروهم ولا يتجهم بعضكم بعضاً، ولا تضارّوا ولا تحاسدوا، وإياكم والبخل، وكونوا عباد الله المخلصين) (٤) .

وحثّ الإمامعليه‌السلام على إشاعة الودّ والمحبّة من خلال ممارسات متنوّعة، قالعليه‌السلام :(تبسّم الرجل في وجه أخيه حسنة، وصرف القذى عنه حسنة، وما عبد الله بشيء أحبّ إلى الله من إدخال السرور على المؤمن) (٥) .

ووضع مجموعة من الحقوق المتبادلة عليهما فقال:(من حقّ المؤمن على أخيه المؤمن أن يشبع جوعته ويواري عورته ويفرّج عنه كربته ويقضي دينه، فإذا مات خلفه في أهله وولده) (٦) .

وحثّ على العوامل التي تؤدي إلى التقريب بين القلوب وتزيد في

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ٢ / ١٦٦.

(٢) الكافي: ٢ / ١٩٨، ١٩٩، ٢٠٥، ٢٠٧، ٢٠٨.

(٣) وسائل الشيعة: ١٥ / ٢٨٥.

(٤) الكافي: ٢ / ١٧٣.

(٥) المصدر السابق: ٢ / ١٨٨.

(٦) المصدر السابق: ٢ / ١٦٩.


الإخوة والتآلف والتآزر. عن أبي حمزة الثمالي قال: زاملت أبا جعفرعليه‌السلام فحططنا الرحل، ثم مشى قليلاً، ثم جاء فأخذ بيدي فغمزها غمزة شديدة، فقلت: جعلت فداك أو ما كنت معك في المحمل ؟ ! فقال:(أما علمت أنّ المؤمن إذا جال جولة ثم أخذ بيد أخيه نظر الله إليهما بوجهه، فلم يزل مقبلاً عليهما بوجهه، ويقول للذنوب: تتحاتَّ عنهما، فتتحاتّ ـ يا أبا حمزة ـ كما يتحاتُّ الورق عن الشجر، فيفترقان وما عليهما من ذنب) (١) .

وقالعليه‌السلام :(ينبغي للمؤمنين إذا توارى أحدهما عن صاحبه بشجرة ثم التقيا أن يتصافحا) (٢) .

وروى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله:(إذا التقيتم فتلاقوا بالتسليم والتصافح، وإذا تفرّقتم فتفرّقوا بالاستغفار) (٣) .

وحثّعليه‌السلام على تبادل الزيارات لأنها تؤدي إلى تجذر روح الإخاء وزرع الودّ في القلوب والنفوس، ورغّب فيها بتبيان آثارها الايجابية على المتزاورين، حين قال:(أيّما مؤمن خرج إلى أخيه يزوره عارفاً بحقّه كتب الله له بكلّ خطوة حسنة، ومحيت عنه سيئة، ورفعت له درجة، وإذا طرق الباب فتحت له أبواب السماء، فإذا التقيا وتصافحا وتعانقا أقبل الله عليهما بوجهه، ثم باهى بهما الملائكة، فيقول: انظروا إلى عبدي تزاورا وتحابا فيَّ، حقٌّ عليَّ ألاّ أعذبهما بالنار بعد هذا الموقف، فإذا انصرف شيّعه الملائكة عدد نفسه وخطاه وكلامه، يحفظونه من بلاء الدنيا وبوائق الآخرة إلى مثل تلك الليلة من قابل، فإن مات فيما بينهما اُعفي من الحساب، وان كان المزور

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ٢ / ١٨٠.

(٢) المصدر السابق: ٢ / ١٨١.

(٣) المصدر السابق.


يعرف من حقّ الزائر ما عرفه الزائر من حقّ المزور ; كان له مثل أجره) (١) .

ونهىعليه‌السلام عن جميع الممارسات التي تؤدّي إلى الكراهية والتنافر والتقاطع كالغيبة والبهتان والتحقير والتعيير والتنابز بالألقاب، والسباب، والاعتداء على الأموال والأعراض وغير ذلك.

ودعا إلى الإصلاح بين المؤمنين وحثّهم على التآلف فقالعليه‌السلام :(إن الشيطان يغري بين المؤمنين ما لم يرجع أحدهم عن دينه، فإذا فعلوا ذلك استلقى على قفاه وتمدّد، ثم قال: فزت، فرحم الله امرئً أ لّف بين وليّين لنا، يا معشر المؤمنين تألّفوا وتعاطفوا) (٢) .

ونهىعليه‌السلام عن إحصاء عثرات الآخرين وزلاتهم، فقال:(إن أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يؤاخي الرّجل الرّجل على الدين، فيحصي عليه عثراته وزلاّته ليعنّفه بها يوماً ما) (٣) .

ونهى عن الطعن بالمؤمنين ونبزهم بالكفر فقال:(ما شهد رجل على رجل بكفر قطّ إلاّ باء به أحدهما، إن كان شهد به على كافر صدق، وإن كان مؤمناً رجع الكفر عليه، فإيّاكم والطعن على المؤمنين) (٤) .

ونهى عن النميمة فقال:(محرّمة الجنّة على القتّاتين المشائين بالنميمة) (٥) .

ونهىعليه‌السلام عن الإذاعة وكشف الأسرار الخاصّة بالمؤمنين فقال:(يحشر العبد يوم القيامة وما ندى دماً، فيدفع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك، فيقال له: هذا سهمك من دم فلان، فيقول: يا ربّ إنّك لتعلم أنّك قبضتني وما سفكت دماً.

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ٢ / ١٨٣، ١٨٤.

(٢) المصدر السابق: ٢ / ٣٤٥.

(٣) المصدر السابق: ٢ / ٣٥٥.

(٤) المصدر السابق: ٢ / ٣٦٠.

(٥) المصدر السابق: ٢ / ٣٦٩.


فيقول: بلى سمعت من فلان رواية كذا وكذا، فرويتها عليه فنقلت حتّى صارت إلى فلان الجبّار فقتله عليها وهذا سهمك من دمه) (١) .

٥ ـ مجتمع المسلمين

الإسلام هو الأفق الواسع الجامع لمن شهد الشهادتين، وهو الميدان الرحب لتجميع الطاقات وتوحيد الإمكانات لتنطلق في مصالح واحدة ومصير واحد، ولهذا فالإسلام محوره وحدوده مجتمع المسلمين جميعاً.

والنظام الاجتماعي لمجتمع المسلمين قائم على أساس الإخاء والتآلف والتآزر من أجل تحقيق الأهداف الكبرى والحفاظ على الكيان الإسلامي من التصدّع والتمزّق.

ولذا حثّ الرسول وأهل بيتهعليهم‌السلام على الاهتمام بأمور المسلمين ومشاركتهم في آمالهم وآلامهم، والاهتمام بالعوامل التي تؤدي إلى التقريب والاتفاق على القواسم المشتركة في الفكر والعاطفة والسلوك.

ووضع الإمامعليه‌السلام قاعدة كلية في التعامل وهي تعميق مفهوم الولاية بين المسلمين. عن زرارة قال: دخلت أنا وحمران على أبي جعفرعليه‌السلام ، فقلت له: إنّا نمدُّ المطمار فمن وافقنا من علويّ أو غيره توليّناه، ومن خالفنا من علويّ أو غيره برئنا منه، فقال لي:يا زرارة قول الله أصدق من قولك، فأين الذين قال الله عَزَّ وجَلَّ: ( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ... ) أين المرجون لأمر الله ؟ أين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ؟ أين أصحاب الأعراف ؟ أين المؤلفة قلوبهم ؟ (٢) .

فليس المقياس عند الإمامعليه‌السلام هو الانتماء إلى الجماعة الصالحة فقط، وإنّما المقياس هو الانتماء إلى الإسلام.

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ٢ / ٣٧١ .

(٢) المصدر السابق: ٢ / ٣٨٢.


ومن خلال سيرة أهل البيتعليهم‌السلام ومن خلال متابعة أحاديثهم وبالخصوص أحاديث الإمام الباقرعليه‌السلام المنتشرة في بطون الكتب نستطيع أن نقسم الولاية إلى أربعة أقسام:

الأول: ولاية الله تعالى.

الثاني: ولاية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

الثالث: ولاية أهل البيتعليهم‌السلام .

الرابع: الولاية بين المسلمين.

فمن لم يؤمن بولاية الله وولاية الرسول فهو كافر بإجماع المسلمين، أما الذي يؤمن بهما، ولا يؤمن بولاية أهل البيتعليهم‌السلام ـ أي بإمامتهم ـ فلا يجوز سلب صفة الإسلام منه فتبقى ثابتة له ـ ما لم يبغضهم ـ وتبقى الولاية بين أتباع أهل البيتعليهم‌السلام وغيرهم من المسلمين ثابتة لا يجوز خرمها وقطعها.

وبهذه الروح الإسلامية تعامل الإمام الباقرعليه‌السلام مع سائر المسلمين. ومن خلال هذا المفهوم بيّنعليه‌السلام الأسس العامة في التعامل الاجتماعي، فحثّ على التعاون مع سائر المسلمين، ومن مصاديق التعاون، ما رواه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: (من أطعم ثلاثة نفر من المسلمين أطعمه الله من ثلاث جنان في ملكوت السماوات: الفردوس، وجنة عدن، وطوبى)(١) .

وروى عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله:(من كسا أحداً من فقراء المسلمين ثوباً من عري أو أعانه بشيء ممّا يقوته من معيشته، وكّل الله عَزَّ وجَلَّ به سبعين ألف ملك من الملائكة

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ٢ / ٢٠١.


يستغفرون لكل ذنب عمله إلى أن ينفخ في الصور) (١) .

ونهىعليه‌السلام عن وضع حجاب بين المسلم والمسلم. عن أبي حمزة، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: قلت له: جعلت فداك ما تقول في مسلم أتى مسلماً زائراً أو طالب حاجة وهو في منزله، فاستأذن عليه فلم يأذن له ولم يخرج إليه ؟.

قالعليه‌السلام :(يا أبا حمزة أ يّما مسلم أتى مسلماً زائراً أو طالب حاجة وهو في منزله، فاستأذن له ولم يخرج إليه ; لم يزل في لعنة الله حتّى يلتقيا) .

فقلت: جعلت فداك في لعنة الله حتّى يلتقيا ؟

قال:نعم يا أبا حمزة (٢) .

ونهىعليه‌السلام عن تتبع عورات المسلمين، وروى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله:(يا معشر من أسلم بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه لا تذموا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنّه من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في بيته) (٣) .

وروى عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله:(ليس منّا من ماكر مسلماً) (٤) .

ودعا الإمامعليه‌السلام إلى حسن التعامل والصبر على الأذى وعدم مقابلة الإساءة بالإساءة، والظلم بالظلم، والقطيعة بالقطيعة، فدعا إلى العفو فقال:(الندامة على العفو أفضل وأيسر من الندامة على العقوبة) (٥) .

وقالعليه‌السلام :(ثلاث لا يزيد الله بهنّ المرء المسلم إلاّ عزّاً: الصفح عمّن ظلمه،

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ٢ / ٥٠٢.

(٢) المصدر السابق: ٢ / ٣٦٥.

(٣) المصدر السابق: ٢ / ٣٥٤.

(٤) وسائل الشيعة: ١٢ / ٢٤٢.

(٥) المصدر السابق: ١٢ / ١٧٠.


وإعطاء من حرمه، والصلة لمن قطعه) (١) .

حبّبعليه‌السلام طلب مرضات الناس وسائر المسلمين، بالتقرب إليهم بحسن المعاملة وحسن السيرة، ويجب أن لا تكون مرضاة الناس مسخطة لله تعالى، فقد روى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله:(من طلب مرضاة الناس بما يسخط الله كان حامده من الناس ذامّاً، ومن آثر طاعة الله بغضب الناس كفاه الله عداوة كل عدّو، وحسد كل حاسد، وبغي كل باغ، وكان الله عَزَّ وجَلَّ له ناصراً وظهيراً) (٢) .

وفي الوقت الذي شجّع فيه على إقامة العلاقات مع سائر المسلمين وسائر الناس حذّر من مصاحبة أصناف منهم، فقد روى عن أبيه الإمام زين العابدينعليه‌السلام وصيته له:(يا بنيّ انظر خمسة فلا تصاحبهم، ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق.

إياك ومصاحبة الكذّاب فإنه بمنزلة السّراب يقرب لك البعيد، ويباعد لك القريب.

وإيّاك ومصاحبة الفاسق فإنه بائعك بأكلة أو أقلّ من ذلك.

وإيّاك ومصاحبة البخيل فإنّه يخذلك في ماله.

وإياك ومصاحبة الأحمق فإنّه يريد أن ينفعك فيضرّك) (٣) .

ونهىعليه‌السلام عن الخصومة، ودعا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليكون المؤمن في وسط الميدان الاجتماعي ويكون قدوة لغيره بعمله وإخلاصه لله، وحسن سيرته. قالعليه‌السلام :(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده المؤمن من ائتمنه المسلمون على أموالهم وأنفسهم، والمسلم حرام على

ــــــــــــــ

(١) وسائل الشيعة: ١٢ / ١٧٣.

(٢) الكافي: ٢ / ٣٧٢.

(٣) المصدر السابق: ٢ / ٣٧٦.


المسلم أن يظلمه أو يخذله، أو يدفعه دفعة تعنته) (١) .

ودعا إلى المجاملة حفاظاً على الأفق العام من العلاقات فقال:(خالطوهم بالبرّانية وخالفوهم بالجوّانية إن كانت الإمرة صبيانية) (٢) .

عاشراً: الإمام الباقرعليه‌السلام ومستقبل الجماعة الصالحة

من أهم مقومات نجاح مسيرة الجماعات وجود قيادة تقوم بالإشراف على حركتها التكاملية، وتتبنى التغيير الشامل، وتقوم بتنسيق البرامج والخطط، وتشرف على تنفيذها في الواقع، وتمدّها بالقوة الروحية والشحنة المعنوية للوصول إلى أهدافها وآمالها، والقيادة في منهج أهل البيتعليهم‌السلام هي قيادة ربّانية نصّ عليها الله تعالى وأبلغها لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبلغها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأمير المؤمنينعليه‌السلام وتتدرج الوصية من إمام إلى إمام حتى تصل إلى خاتم الأوصياء والأئمةعليهم‌السلام .

وقد أولى الإمام الباقرعليه‌السلام الإمامة من بعده أهمية خاصة ووجّه أنظار أصحابه إليها، في شروطها وخصائصها، وفي تشخيصها في الواقع، فأعلن عنها تارةً إعلاناً جلياً وآخر خفياً، ابتداءً من أول مراحل إمامته، حتى أواخر أيامه الشريفة، وكان يستثمر الفرص المناسبة للإشارة إليها وتأكيد الاقتداء بها.

وكان الإعلان عن إمامة الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام مصحوباً بالسريّة، وفي نطاق محدود لم يخبر بها إلاّ أصحابه المخلصين المقرّبين له، حفاظاً على سلامة الإمام من بعده.

روي عن محمد بن مسلم أنّه قال: كنت عند أبي جعفر محمد بن علي الباقرعليه‌السلام ، إذ دخل جعفر ابنه وعلى رأسه ذؤابة، وفي يده عصا يلعب بها، فأخذه وضمّه إليه ضماً، ثم قال:بأبي أنت وأمي لا تلهو ولا تلعب .

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ٢ / ٢٣٤.

(٢) المصدر السابق: ٢ / ٢٢٠ .


ثم قال:(يا محمد هذا إمامك بعدي، فاقتد به، واقتبس من علمه، والله انه لهو الصادق الذي وصفه لنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ...) (١) .

وعن همام بن نافع قال: قال أبو جعفر لأصحابه يوماً:(إذا افتقدتموني فاقتدوا بهذا فإنه الإمام بعدي) ، وأشار إلى ابنه جعفرعليه‌السلام (٢) .

وسئل الإمام الباقرعليه‌السلام عن القائم فضرب بيده على أبي عبد الله جعفر ابن محمدعليه‌السلام (٣) .

وعن فضيل بن يسار، قال: كنت عند أبي جعفرعليه‌السلام فأقبل أبو عبد اللهعليه‌السلام فقال:(هذا خير البريّة بعدي) (٤) .

وعن عبد الغفار بن القاسم ـ في حديث طويل ـ جاء فيه قوله للإمام الباقرعليه‌السلام : (إني قد كبرت سنّي ودق عظمي ولا أرى فيكم ما أسره، أراكم مقتّلين مشردين خائفين، وإني أقمت على قائمكم منذ حين أقول: يخرج اليوم أو غداً.

فقال له ـ الإمام الباقرعليه‌السلام ـ:(يا عبد الغفار إن قائمنا عليه‌السلام هو السابع من ولدي، وليس هو أوان ظهوره، ولقد حدثني أبي عن أبيه عن آبائه قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن الأئمة بعدي اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل، تسعة من صلب الحسين، والتاسع قائمهم، يخرج في آخر الزمان فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً) .

قلت: فإن كان هذا كائن يا ابن رسول الله، فإلى من بعدك ؟.

ــــــــــــــ

(١) كفاية الأثر: ٢٥٣.

(٢) المصدر السابق: ٢٥٤.

(٣) إثبات الوصيّة: ١٥٢.

(٤) المصدر السابق: ١٥٥.


قالعليه‌السلام :إلى جعفر وهو سيد أولادي وأبو الأئمة، صادق في قوله وفعله (١) .

وعن أبي الصباح الكناني، قال: نظر أبو جعفر إلى أبي عبد الله يمشي، فقال:ترى هذا ؟ هذا من الذين قال الله تعالى: ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (٢)(٣) .

وعن زرارة قال: إن أبا جعفرعليه‌السلام أحضر أبا عبد اللهعليه‌السلام وهو صحيح لا علّة به، فقال له:إني أريد أن آمرك بأمر ، فقال له:مرني بما شئت ، فقال:ايتني بصحيفة ودواة ، فأتاه بها، فكتب له وصيته الظاهرة، ثم أمر أن يدعو له جماعة من قريش، فدعاهم وأشهدهم على وصيته إليه(٤) .

فهذا الإعلان أمر طبيعي لأنه وصية ظاهرة مألوفة عادةً وهي أن يوصي الموصي إلى أحد أبنائه وخصوصاً الأكبر منهم، فعن الإمام الصادقعليه‌السلام أنه قال:إنّ أبي استودعني ما هناك، وذلك أنّه لما حضرته الوفاة قال: (ادع لي شهوداً فدعوت له أربعة، منهم: نافع مولى عبد الله بن عمر، فقال: اكتب: هذا ما أوصى به يعقوب بنيه: ( يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) وأوصى محمد بن عليّ ابنه جعفر وأمره أنْ يكفّنه في بردته ـ التي كان فيها يصليّ الجمعة ـ وقميصه وأن يعمّمه بعمامته وان يرفع قبره مقدار أربع أصابع، وأن يحلّ أطماره عند دفنه.

ثم قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله.

ــــــــــــــ

(١) كفاية الأثر: ٢٥٢.

(٢) القصص (٢٨): ٥.

(٣) الكافي: ١ / ٣٠٦.

(٤) إثبات الوصيّة: ١٥٥.


فقلت: يا أبت ما كان في هذا حتى يشهد عليه ؟ قال: يا بني كرهت أن تغلب، وأن يقال: لم يوص، فأردت أن يكون ذلك الحجّة) (١) .

وأدخل الإمام الباقرعليه‌السلام الأمل في قلوب أصحابه وأتباعه وجميع أفراد الجماعة الصالحة فأخبرهم بقرب زوال حكم بني أمية(٢) .

وبالفعل بعد استشهاد الإمامعليه‌السلام بثمانية عشر عاماً سقطت الدولة الأُموية وانتهى حكم الأمويين على يد بني العباس.

وكان الإمام الصادقعليه‌السلام هو القائم بالأمر من بعده، وكما وصفه المستشار عبد الحليم الجندي: الإمام جعفر الصادق نتاج قرن كامل من العظائم يحني لها الوجود البشري هاماته ويدين بحضارته ...(٣) .

وقال أيضاً: شجرة باسقة تترعرع في كل ورقة من أوراقها خصيصة من خصائص أهل البيت في عصر جديد للعلم، تعاونت فيه أجيال ثلاثة متتابعة منه ومن أبيه وجده(٤) .

ــــــــــــــ

(١) الفصول المهمة: ٢٢٢ وفي الكافي: ١/٣٠٧ أن تكون لك الحجة.

(٢) مناقب آل ابي طالب: ٤ / ٢٠٣، الصواعق المحرقة: ٣٠٧.

(٣) الإمام جعفر الصادق: ٤.

(٤) المصدر السابق: ٦٣ .


الفصل الثاني: اغتيال الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام واستشهاده

ولم يمت الإمام أبو جعفرعليه‌السلام حتف أنفه، وإنما اغتالته بالسم أيد أموية أثيمة لا تؤمن بالله، ولا باليوم الآخر، وقد اختلف المؤرخون في الأثيم الذي أقدم على اقتراف هذه الجريمة.

فمنهم من قال: إن هشام بن الحكم هو الذي أقدم على اغتيال الإمام فدسّ إليه السم(١) والأرجح هو هذا القول لأن هشاماً كان حاقداً على آل النبي بشدة وكانت نفسه مترعة بالبغض لهم وهو الذي دفع بالشهيد العظيم زيد بن عليعليه‌السلام إلى إعلان الثورة عليه حينما استهان به، وقابله بمزيد من الجفاء، والتحقير. ومن المؤكد أن الإمام العظيم أبا جعفر قد أقضّ مضجع هذا الطاغية، وذلك لذيوع فضله وانتشار علمه، وتحدث المسلمين عن مواهبه، ومن هنا أقدم على اغتياله ليتخلص منه.

ومنهم من قال: إنّ الذي أقدم على سم الإمام هو إبراهيم بن الوليد(٢) .

ويرى السيد ابن طاووس أنّ إبراهيم بن الوليد قد شرك في دم

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٦ / ٣١٢.

(٢) أخبار الدول: ١١١.


الإمامعليه‌السلام (١) ومعنى ذلك أن إبراهيم لم ينفرد وحده باغتيال الإمامعليه‌السلام وإنما كان مع غيره.

وأهملت بعض المصادر اسم الشخص الذي اغتال الإمامعليه‌السلام واكتفت بالقول إنه مات مسموماً(٢) .

دوافع اغتيال الإمام الباقرعليه‌السلام :

أما الأسباب التي أدت بالأمويين إلى اغتيال الإمامعليه‌السلام فهي:

١ ـ سمو شخصية الإمام الباقرعليه‌السلام : لقد كان الإمام أبو جعفرعليه‌السلام أسمى شخصية في العالم الإسلامي فقد أجمع المسلمون على تعظيمه، والاعتراف له بالفضل، وكان مقصد العلماء من جميع البلاد الإسلامية.

لقد ملك الإمامعليه‌السلام عواطف الناس واستأثر بإكبارهم وتقديرهم لأنه العلم البارز في الأسرة النبوية، وقد أثارت منزلته الاجتماعية غيظ الأمويين وحقدهم فأجمعوا على اغتياله للتخلص منه.

٢ ـ أحداث دمشق:

لا يستبعد الباحثون والمؤرخون أن تكون أحداث دمشق سبباً من الأسباب التي دعت الأمويين إلى اغتيالهعليه‌السلام وذلك لما يلي:

أ ـ تفوق الإمام في الرمي على بني أمية وغيرهم حينما دعاه هشام إلى الرمي ظاناً بأنه سوف يفشل في رميه فلا يصيب الهدف فيتخذ ذلك وسيلة للحط من شأنه والسخرية به أمام أهل الشام. ولمّا رمى الإمام وأصاب الهدف عدة مرات بصورة مذهلة لم يعهد لها نظير في عمليات الرمي في العالم، ذهل الطاغية هشام، وأخذ يتميز غيظاً، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وصمم منذ ذاك الوقت على اغتياله.

ــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار: ٤٦/٢١٦.

(٢) نور الأبصار: ١٣١، الأئمة الاثنى عشر لابن طولون: ٢٨١.


ب ـ مناظرته مع هشام في شؤون الإمامة، وتفوق الإمام عليه حتى بان عليه العجز ممّا أدّى ذلك إلى حقده عليه.

ج ـ مناظرته مع عالم النصارى، وتغلبه عليه حتى اعترف بالعجز عن مجاراته أمام حشد كبير منهم معترفاً بفضل الإمام وتفوّقه العلمي في أمّة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد أصبحت تلك القضية بجميع تفاصيلها الحديث الشاغل لجماهير أهل الشام(١) . ويكفي هذا الصيت العلمي أيضاً أن يكون من عوامل الحقد على الإمامعليه‌السلام والتخطيط للتخلّص من وجوده.

نصّه على الإمام الصادقعليه‌السلام :

ونصّ الإمام أبو جعفرعليه‌السلام على الإمام من بعده قبيل استشهاده فعيّن الإمام الصادقعليه‌السلام مفخرة هذه الدنيا، ورائد الفكر والعلم في الإسلام، وجعله مرجعاً عاماً للأمة من بعده، وأوصى شيعته بلزوم اتباعه وطاعته.

وكان الإمام أبو جعفرعليه‌السلام يشيد بولده الإمام الصادقعليه‌السلام بشكل مستمر ويشير إلى إمامته، فقد روى أبو الصباح الكناني، أنّ أبا جعفر نظر إلى أبي عبد الله يمشي، فقال: ترى هذا؟ هذا من الذين قال الله عَزَّ وجَلَّ: ( ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين)(٢) .

كل هذه الأمور بل وبعضها كان يكفي أن يكون وراء اغتيالهعليه‌السلام على أيدي زمرة جاهلية، افتقرت إلى أبسط الصفات الإنسانية، وحرمت من أبسط المؤهلات القيادية.

ــــــــــــــ

(١) راجع بحار الأنوار: ٤٦/٣٠٩ ـ ٣١١.

(٢) أصول الكافي: ١/٣٠٦.


وصاياه:

وأوصى الإمام محمد الباقرعليه‌السلام إلى ولده الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام بعدة وصايا كان من بينها ما يلي:

١ ـ أنه قال له:يا جعفر أوصيك بأصحابي خيراً ، فقال له الإمام الصادق:جُعلت فداك والله لأدعنهم، والرجل منهم يكون في المصر فلا يسأل أحداً (١) .

٢ ـ أوصى ولده الصادقعليه‌السلام أن يكفّنه في قميصه الذي كان يصلي فيه(٢) ليكون شاهد صدق عند الله على عظيم عبادته، وطاعته له.

٣ ـ أنه أوقف بعض أمواله على نوادب تندبه عشر سنين في منى(٣) . ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن منى أعظم مركز للتجمع الإسلامي، ووجود النوادب فيه مما يبعث المسلمين إلى السؤال عن سببه، فيخبرون بما جرى على الإمام أبي جعفرعليه‌السلام من صنوف التنكيل من قبل الأمويين واغتيالهم له، حتى لا يضيع ما جرى عليه منهم ولا تخفيه أجهزة الإعلام الأُموي.

وسرى السم في بدن الإمام أبي جعفرعليه‌السلام ، وأثّر فيه تأثيراً بالغاً، وأخذ يدنو إليه الموت سريعاً، وقد اتجه في ساعاته الأخيرة بمشاعره وعواطفه نحو الله تعالى، فأخذ يقرأ القرآن الكريم، ويستغفر الله، فوافاه الأجل المحتوم ولسانه مشغول بذكر الله فارتفعت روحه العظيمة إلى خالقها، تلك الروح التي أضاءت الحياة الفكرية والعلمية في الإسلام والتي لم يخلق لها نظير في عصره.

وقد انطوت برحيله أروع صفحة من صفحات الرسالة الإسلامية التي أمدّت المجتمع الإسلامي بعناصر الوعي والازدهار.

ــــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١/٣٠٦.

(٢) صفة الصفوة: ٢/٦٣، تاريخ ابن الوردي: ١/١٨٤، تاريخ أبي الفداء: ١/٢١٤.

(٣) بحار الأنوار: ١١/٦٢.


وقام ولده الإمام الصادقعليه‌السلام بتجهيز الجثمان المقدس فغسّله وكفنه، وهو يذرف أحر الدموع على فقد أبيه الذي ما أظلت على مثله سماء الدنيا في عصره علماً وفضلاً وحريجة في الدين.

ونقل الجثمان العظيم ـ محفوفاً بإجلال وتكريم بالغين من قبل الجماهير ـ إلى بقيع الغرقد، فحفر له قبراً بجوار الإمام الأعظم أبيه زين العابدينعليه‌السلام وبجوار عم أبيه الإمام الحسن سيد شاب أهل الجنةعليه‌السلام وأنزل الإمام الصادق أباه فى مقرّه الأخير فواراه فيه، وقد وارى معه العلم والحلم، والمعروف والبر بالناس.

لقد كان فقد الإمام أبي جعفرعليه‌السلام من أفجع النكبات التي مُني بها المسلمون في ذلك العصر، فقد خسروا القائد، والرائد، والموجه الذي بذل جهداً عظيماً في نشر العلم، وبلورة الوعي الفكري والثقافي بين المسلمين.

والمشهور بين الرواة أنه توفي وعمره الشريف ٥٨ سنة.

وكانت سنة وفاته ـ بحسب الرأي المشهور ـ سنة ١١٤ هـ.

تعزية المسلمين للإمام الصادقعليه‌السلام :

هرع المسلمون وقد قطع الحزن قلوبهم إلى الإمام الصادقعليه‌السلام وهم يعزونه بمصابه الأليم، ويشاركونه اللوعة والأسى بفقد أبيه، وممن وفد عليه يعزيه سالم بن أبي حفصة، قال: لما توفي أبو جعفر محمد بن علي الباقرعليهما‌السلام قلت لأصحابي انتظروني حتى أدخل على أبي عبد الله


جعفر بن محمد فأعزيه به، فدخلت عليه فعزيته، وقلت له: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب والله من كان يقول [قال:] رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلا يسأل عمن بينه وبين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والله لا يرى مثله أبداً ! قال: وسكت الإمام أبو عبد اللهعليه‌السلام ساعة، ثم التفت إلى أصحابه فقال لهم:قال الله تعالى: إن من عبادي من يتصدق بشق من تمرة فاربيها له، كما يربي أحدكم فلوه) (١) .

وخرج سالم وهو منبهر فالتفت إلى أصحابه قائلاً: ما رأيت أعجب من هذا!! كنا نستعظم قول أبي جعفرعليه‌السلام قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلا واسطة، فقال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام قال الله بلا واسطة(٢) .

الفصل الثالث: تراث الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام

علمنا أن الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد تنبّأ بأن حفيده محمد بن علي ابن الحسينعليه‌السلام سوف يبقر العلم بقراً ويفجره تفجيراً.

وقد شهد معاصرو الإمامعليه‌السلام بهذه الظاهرة التي كانت ملفتة للنظر وتناقلها المؤرخون جيلاً بعد جيل.

والتراث الذي تركه لنا هذا الإمام الهمام لهو خير دليل على صحة ما شهد به هؤلاء المؤرخون على مدى القرون والأجيال ودليل من دلائل نبوة جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

لقد كانت المرحلة التي عاشها الإمام الباقرعليه‌السلام تتطلّب منه أن يقوم بتشييد أسس الحضارة الإسلامية وتحصين الأمة المسلمة بروافد المعرفة الإسلامية لتقف في وجه المدّ الثقافي الذي كان يخترق الحياة الإسلامية بسبب الفتوحات والانفتاح الحضاري على ثقافات الأمم الوافدة على الدولة الإسلامية العظمى.

ــــــــــــــ

(١) الفلو بفتح الفاء، وضم اللام وتشديد الواو ـ المهر الصغير، والاثنى فلوة، والجمع أفلا.

(٢) أمالي الشيخ الطوسي: ١٢٥، راجع حياة الإمام محمد الباقر لفضيلة الشيخ باقر شريف القرشي: ٢/٣٨٦ ـ ٣٩٥.


ومن هنا نستطيع أن نقول: إن المعالم الرئيسية لرسالة الأئمة بعد الحسينعليه‌السلام تتلخص في التحصين المعرفي والثقافي للأمة المسلمة بشكل عام وللجماعة الصالحة بشكل خاص.

فإن الوقوف على تراثهم الذي قدّموه للأمة الإسلامية خلال النصف الثاني من القرن الأول الهجري وحتى بداية القرن الثالث الهجري يكشف عن عظمة هذا التراث وتفرّده عمّا سواه من التراث الذي نجده لدى عامة الفرق الإسلامية، ويتميّز عن كل ذلك بالاستيعاب لكل حقول المعرفة، وسلامة المصدر، ونقاء المحتوى، ووضوح الارتباط بمصادر المعرفة الربّانية المتمثلة بكتاب الله وسنّة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولابد أن ينعكس ثراء هذا التراث وعظمته في هذه الموسوعة رغم اختصارها وعدم استيعابها لكل تراث الإمام الباقرعليه‌السلام .

وقد اخترنا من تراثه الثرّ نماذج في مختلف حقول العلم والمعرفة الإسلامية بمقدار ما تقتضيه صفحات هذا الجزء الخاص بالإمام الباقرعليه‌السلام أخذاً بالميسور والله من وراء القصد وهو الموفق للصواب.

التراث التفسيري للإمام محمد الباقرعليه‌السلام

لا ريب في أن القرآن الكريم هو أول مصادر التشريع الإسلامي وأهم مصادر الثقافة الإسلامية التي تعطي للأمة الإسلامية وللرسالة الإلهية هويّتها الخاصة وتسير بالأمة إلى حيث الكمال الإنساني المنشود.


وقد اعتنى الإمام الباقرعليه‌السلام كسائر الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام بالقرآن الكريم تلاوةً وحفظاً وتفسيراً وصيانةً له عن أيدي العابثين وانتحال المبطلين، فكانت محاضراته التفسيرية للقرآن الكريم تشكّل حقلاً خصباً لنشاطه المعرفي وجهاده العلمي وهو يرسم للأمة المسلمة معالم هويتها الخاصة ومن هنا خصص الإمامعليه‌السلام للتفسير وقتاً من أوقاته وتناول فيه جميع شؤونه وقد أخذ عنه علماء التفسير ـ على اختلاف آرائهم وميولهم ـ الشيء الكثير(١) فكان من ألمع المفسّرين للقرآن الكريم في دنيا الإسلام.

وقد نهج الإمام الباقرعليه‌السلام في تفسير القرآن الكريم منهجاً علميّاً خاصاً متّسقاً مع أهداف الرسالة وأصولها ونعى على أهل الرأي والاستحسان وأهل التأويل والظنون، فكان مما اعترض به على قتادة أن قال له:بلغني أنك تفسّر القرآن ! . فقال له: نعم. فأنكر عليه الإمامعليه‌السلام قائلاً:(يا قتادة، إن كنت قد فسَّرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قد فسرته من الرجال فقد هلكت وأهلكت، يا قتادة ويحك إنما يعرف القرآن من خوطب به) (٢) .

وقد قصر الإمام أبو جعفرعليه‌السلام معرفة الكتاب العزيز على أهل البيتعليهم‌السلام فهم الذين يعرفون المحكم من المتشابه، والناسخ من المنسوخ وليس عند غيرهم هذا العلم، فقد ورد عنهمعليهم‌السلام (إنه ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، الآية يكون أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل ينصرف إلى وجوه) (٣) .

أما الأخذ بظواهر الكتاب فلا يعد من التفسير بالرأي المنهيّ عنه.

وألّف الإمام الباقرعليه‌السلام كتاباً في تفسير القرآن الكريم نص عليه محمد بن إسحاق النديم في (الفهرست) عند عرضه للكتب المؤلفة في تفسير القرآن الكريم حيث قال: (كتاب الباقر محمد بن علي بن الحسين رواه عنه أبو الجارود زياد بن المنذر رئيس الجارودية).

ــــــــــــــ

(١) حياة الإمام محمد الباقر، باقر شريف القرشي: ١ / ١٧٤.

(٢) البيان في تفسير القرآن: ٢٦٧.

(٣) فرائد الأصول: ٢٨.


وقال السيد حسن الصدر: وقد رواه عنه أيام استقامته جماعة من ثقاة الشيعة منهم أبو بصير يحيى بن القاسم الأسدي، وقد أخرجه علي بن إبراهيم بن هاشم القمي في تفسيره من طريق أبي بصير(١) .

نماذج من تفسيره:

فسّر الإمام الباقرعليه‌السلام الهداية في قوله تعالى: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) (٢) بالولاية لأئمة أهل البيت حين قال:فو الله لو أن رجلاً عبد الله عمره ما بين الركن والمقام، ولم يجيء بولايتنا إلاّ أكبه الله في النار على وجهه) (٣) .

٢ ـ وعن قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) (٤) . قالعليه‌السلام :إن الله أوحى إلى نبيّه أن يستخلف علياً فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه فأنزل الله تعالى هذه الآية تشجيعاً له على القيام بما أمره الله بأدائه (٥) .

٣ ـ وفي قوله تعالى:( تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ) (٦) قالعليه‌السلام :تنزّل الملائكة والكتبة إلى سماء الدنيا فيكتبون ما يكون في السنة من أمور ما يصيب العباد،

ــــــــــــــ

(١) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام: ٣٢٧، الفهرست للشيخ الطوسي: ٩٨، وحقق هذا التفسير المحامي السيد شاكر الغرباوي إلاّ إنه لم يقدمه للنشر .

(٢) طه (٢٠): ٨٢.

(٣) مجمع البيان: ٧ / ٢٣ طبع بيروت.

(٤) المائدة (٥): ٦٧.

(٥) مجمع البيان: ٤ / ٢٢٣.

(٦) القدر (٩٧): ٤.


والأمر عنده موقوف له فيه على المشيئة، فيقدم ما يشاء، ويؤخر ما يشاء، ويثبت، وعنده أم الكتاب) (١) .

٤ ـ وفي قوله تعالى:( فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ) (٢) ، قال الإمام أبو جعفرعليه‌السلام :(إنّها نزلت في قوم وصفوا عدلاً بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره) (٣) .

٥ ـ وفي قوله تعالى:( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (٤) . روى محمد ابن مسلم قال: قلت: للإمام أبي جعفر إن من عندنا يزعمون أن المعنيين بالآية هم اليهود والنصارى. قال:إذاً يدعونكم إلى دينهم ! ثم أشارعليه‌السلام إلى صدره فقال:نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون (٥) .

٦ ـ في قوله تعالى:( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) (٦) روى جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه قال:لما نزلت هذه الآية قال المسلمون: يا رسول الله ألست إمام الناس كلهم أجمعين ؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا رسول الله إلى الناس أجمعين، ولكن سيكون من بعدي أئمة على الناس من أهل بيتي يقومون في الناس فيُكَذبون، ويظلمهم أئمة الكفر والضلال وأشياعهم، فمن والاهم واتّبعهم، وصدقهم فهو مني ومعي، وسيلقاني، ألا ومن ظلمهم وكذّبهم فليس مني، ولا معي، وأنا منه بريء) (٧) .

٧ ـ وسئُل الإمام أبو جعفر عن قوله تعالى: ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ ُ

ــــــــــــــ

(١) دعائم الإسلام: ١ / ٣٣٤.

(٢) الشعراء (٢٦): ٩٤.

(٣) أصول الكافي: ١ / ٤٧.

(٤) الأنبياء (٢١): ٧.

(٥) أصول الكافي: ١ / ٢١١.

(٦) الإسراء (١٧): ٧١.

(٧) أصول الكافي: ١ / ٢١٥.


اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) (١) فقالعليه‌السلام :السابق بالخيرات الإمام، والمقتصد العارف للإمام، والظالم لنفسه الذي لا يعرف الإمام (٢) .

٨ ـ وعن المتوسّمين في قوله تعالى:( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) (٣) ، قالعليه‌السلام :قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المتوسم، وأنا من بعده والأئمة من ذريتي المتوسمون) (٤) .

٩ ـ وفي قوله تعالى:( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ) (٥) قالعليه‌السلام :(يعني لو استقاموا على ولاية علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه‌السلام والأوصياء من ولده، وقبلوا طاعتهم في أمرهم ونهيهم لأسقيناهم ماءاً غدقاً يعني أشربنا قلوبهم الإيمان، والطريقة: هي الإيمان بولاية علي والأوصياء) (٦) .

١٠ ـ وفي ما يرتبط بقوله تعالى: ( قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (٧) ، سأل بريد بن معاوية الإمام أبا جعفرعليه‌السلام عن المعنيين بقوله تعالى:( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) ؟ فقالعليه‌السلام :(إيّانا عنى، وعليّ أوّلنا، وأفضلنا وخيرنا بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) (٨) .

ــــــــــــــ

(١) فاطر (٣٥): ٣٢.

(٢) أصول الكافي: ١ / ٢١٤.

(٣) سورة الحجر (١٥): ٧٥.

(٤) أصول الكافي: ١ / ٢١٩.

(٥) الجن (٧٢): ١٦.

(٦) أصول الكافي: ١ / ٢٢٠.

(٧) الرعد (١٣): ٤٣.

(٨) أصول الكافي: ١ / ٢٢٩ مجمع البيان: ٦ / ٣٠١ روى عن أبي جعفر أنها نزلت في آل البيتعليهم‌السلام .


التراث الحديثي للإمام الباقرعليه‌السلام :

يعدّ الحديث النبوي الشريف المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وله أهميته البالغة ودوره الكبير في بناء الصرح الثقافي للأمة الإسلامية بشكل عام وبناء الصرح الفقهي والتشريع العملي للحياة الإنسانية بشكل خاص.

وقد زاد من اهتمام أهل البيتعليهم‌السلام بنشر سنّة رسول الله وتبليغها ما واجهه الحديث النبوي الشريف من مآسي الدس والتزوير والوضع والتضييع خلال فترة منع الخلفاء من تدوينه وكتابته بل التحديث به في بعض الأحيان.

واعتنى الإمام الباقرعليه‌السلام بشكل خاص بحديث الرسولعليه‌السلام حتى روى عنه جابر بن يزيد الجعفي سبعين ألف حديث(١) ، كما روى عنه أبان بن تغلب وغيره من تلامذته وأصحابه مجموعة كبيرة من هذا التراث الضخم.

ولم يكتف الإمام بنقل الحديث ونشره بل دعا إلى الاهتمام بفهم الحديث والوقوف على معطياته، حتى جعل المقياس في فضل الراوي هو فهم الحديث ودرايته بمعانيه وأسراره.

روى يزيد الرزّاز عن أبيه عن أبي عبد الله الصادق عن أبيه الباقرعليهما‌السلام أنه قال له:(اعرف منازل الشيعة على قدر رواياتهم ومعرفتهم; فإن المعرفة هي الدراية للرواية، وبالدراية للرواية يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان) (٢) .

وقد عرضنا نماذج من رواياته عن جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما مرّ من بحوث سابقة فراجع(٣) .

ــــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١ / ١٤٠، وراجع مقدمة صحيح مسلم.

(٢) حياة الإمام محمد الباقرعليه‌السلام ، للأستاذ باقر شريف القرشي: ١٤٠ ـ ١٤١ عن ناسخ التواريخ: ٢ / ٢١٩.

(٣) الخصال: ص٤ .


التراث الكلامي عند الإمام الباقرعليه‌السلام :

وبحث الإمام أبو جعفر في كثير من محاضراته المسائل الكلامية، وسئل عن أعقد المسائل وأدقها في بحوث هذا العلم فأجاب عنها.

ومن الجدير بالذكر أن عصر الإمام كان من أشد العصور الإسلامية حساسية فقد امتدّ فيه الفتح الإسلامي إلى اغلب مناطق العالم وشعوب الأرض فأثار ذلك موجة من الحقد في نفوس المعادين للإسلام من الشعوب المغلوبة على أمرها، فقاموا بحملة دعائية ضد العقيدة الإسلامية وأذاعوا الشكوك بين أبناء المسلمين، وقد شجّعت الحكومات الأُموية التيارات ذات الأفكار المعادية للإسلام; إذ لم يؤثّر عن أي واحد من ملوك بني أمية أنه قاومها أو تصدّى لإيقافها بين المسلمين، ولم يكن هناك أحد قد انبرى إلى إنقاذ المسلمين في ذلك العصر سوى الإمام أبي جعفرعليه‌السلام حيث تصدى لتزييفها والرد عليها ببالغ الحجة والبرهان.

واليك نماذج من بحوثه:

١ ـ عجز العقول عن إدراك حقيقة الله:

سئلعليه‌السلام عن قوله تعالى:( لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ) (١) فقالعليه‌السلام :(أوهام القلوب أدق من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان التي لم تدخلها، ولا تدركها ببصرك. وأوهام القلوب لا تدركه فكيف أبصار العيون ؟!) (٢) .

سأله عبد الرحمن بن أبي النجران عن الله تعالى فقال: إني أتوهم شيئاً، فقالعليه‌السلام له:(نعم، غير معقول ولا محدود، فما وقع وهمك عليه من شيء فهو

ــــــــــــــ

(١) الأنعام (٦): ١٠٣.

(٢) نسب هذا الحديث إلى الإمام الجوادعليه‌السلام .


خلافه، ولا يشبهه شيء، ولا تدركه الأوهام، كيف تدركه الأوهام وهو خلاف ما يعقل، وخلاف ما يتصور في الأوهام، إنما يتوهم شيء، غير معقول ولا محدود) (١) .

٢ ـ أزلية واجب الوجود:

سأله رجل فقال له: أخبرني عن ربك متى كان ؟ فأجابه الإمامعليه‌السلام :

(ويلك! إنما يقال لشيء لم يكن، متى كان ؟ إن ربي تبارك وتعالى كان ولم يزل حياً بلا كيف، ولم يكن له كان، ولا كان لكونه كون. كيف! ولا كان له أين، ولا كان في شيء، ولا كان على شيء، ولا ابتدع لمكانه مكاناً، ولا قوي بعدما كوّن الأشياء، ولا كان ضعيفاً قبل أن يكوّن شيئاً، ولا كان مستوحشاً قبل أن يبتدع شيئاً، ولا يشبه شيئاً مذكوراً، ولا كان خلواً من الملك قبل إنشائه، ولا يكون منه خلواً بعد ذهابه، لم يزل حياً بلا حياة، وملكاً قادراً قبل أن ينشىء شيئاً، وملكاً جباراً بعد إنشائه للكون، فليس لكونه كيف ولا له أين، ولا له حد، ولا يعرف بشيء يشبهه، ولا يهرم لطول البقاء، ولا يصعق(٢) لشيء، بل لخوفه تصعق الأشياء كلها. كان حياً بلا حياة حادثة، ولا كون موصوف ولا كيف محدود، ولا أين موقوف عليه، ولا مكان جاور شيئاً، بل حي يعرف، وملك لم يزل له القدرة والملك، أنشأ ما شاء حين شاء بمشيئته، لا يحد ولا يبعض، ولا يفنى، كان أولاً بلا كيف، ويكون آخراً بلا أين، وكل شيء هالك إلاّ وجهه، له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.

ويلك أيّها السائل ! ! إن ربي لا تغشاه الأوهام، ولا تنزل به الشبهات، ولا يحار، ولا يجاوزه شيء، ولا تنزل به الأحداث، ولا يسأل عن شيء، ولا يندم على شيء، ولا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، وما تحت الثرى)(٣) .

ــــــــــــــ

(١) أصول الكافي: ١ / ٨٢.

(٢) يصعق: أي يهلك، ويضعف.

(٣) أصول الكافي: ١ / ٨٨ ـ ٨٩.


٣ ـ وجوب طاعة الإمامعليه‌السلام :

طاعة الإمام واجب ديني أعلنه القرآن الكريم بقوله تعالى:( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (١) وتواترت الأخبار بذلك، وروى زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام أنه قال:(ذروة الأمر وسنامه، ومفتاحه، وباب الأشياء، ورضا الرحمن تبارك وتعالى، الطاعة للإمام بعد معرفته إن الله تبارك وتعالى يقول: ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) ) (٢) .

التراث التاريخي للإمام الباقرعليه‌السلام

وتحدث الإمام أبو جعفر الباقرعليه‌السلام كثيراً عن حكم الأنبياء وسننهم ولا سيَّما السيرة النبوية المباركة وتأريخ العصر النبوي، وقد نقل عنه المختصون بهذه البحوث الشيء الكثير، وفيما يلي بعضها:

١ ـ من وحي الله لآدم:

عرض الإمامعليه‌السلام لأصحابه ما أوحى الله به لآدم من الحكم ومعالي الأخلاق فقالعليه‌السلام :(أوحى الله تبارك وتعالى لآدم إني أجمع لك الخير كله في أربع كلمات: واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين الناس، فأما التي لي فتعبدني، ولا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك فأجازيك بعملك في وقت أحوج ما تكون إليه وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعليَّ الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضى لنفسك) (٣) .

ــــــــــــــ

(١) النساء (٤): ٥٩.

(٢) أصول الكافي: ١ / ١٨٥.

(٣) أمالي الصدوق: ٥٤٤ .


٢ ـ حكمة لسليمان:

وحكيعليه‌السلام لأصحابه حكمة رائعة لنبي الله سليمان بن داود فقالعليه‌السلام :(قال سليمان بن داود: أوتينا ما أوتي الناس، وما لم يؤتوا، وعلمنا ما علم الناس وما لم يعلموا، فلم نجد شيئاً أفضل من خشية الله في الغيب والمشهد، والقصد في الغنى والفقر، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والتضرع إلى الله عَزَّ وجَلَّ في كل حال) (١) .

٣ ـ حكمة في التوراة:

ونقلعليه‌السلام لأصحابه حكمة مكتوبة في التوراة فقالعليه‌السلام :(إنّ في التوراة مكتوباً يا موسى إني خلقتك، واصطفيتك، وقويتك، وأمرتك بطاعتي ونهيتك عن معصيتي فإن أطعتني أعنتك على طاعتي، وان عصيتني لم أعنك على معصيتي، يا موسى ولي المنة عليك في طاعتك لي، ولي الحجة عليك في معصيتك لي) (٢) .

٤ ـ تسمية نوح بالعبد الشكور:

روى محمد بن مسلم عن الإمام أبي جعفرعليه‌السلام أنه قال:(إنّ نوحاً إنما سمي عبداً شكوراً لأنه كان يقول إذا أمسى وأصبح: اللهم إني أشهدك أنه ما أُمسي وأصبح بي من نعمة أو عافية في دين أو دنيا فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد والشكر بها عليّ حتى ترضى) (٣) .

٥ ـ دعاء نوح على قومه:

سأل سدير الإمام أبا جعفرعليه‌السلام عن دعاء نوح على قومه فقال له: أرأيت نوحاً حين دعا على قومه فقال:( رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً ) إنه كان عالماً بهم؟

ــــــــــــــ

(١) الخصال: ٢١٩.

(٢) أمالي الصدوق: ٢٧٤.

(٣) علل الشرائع: ٢٩.


فأجابهعليه‌السلام :(أوحى الله إليه: أنه لا يؤمن من قومك إلاّ من قد آمن. فعند ذلك دعا عليهم بهذا الدعاء) (١) .

٦ ـ إسماعيل أول من تكلم بالعربية:

ونقل الإمام أبو جعفرعليه‌السلام لأصحابه أنّ نبيّ الله إسماعيل هو أول من فتق لسانه باللغة العربية، بقولهعليه‌السلام :(أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل، وهو ابن عشر سنة) (٢) .

٧ ـ نفي الأُمية عن النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

روى علي بن أسباط فقال: قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : إن الناس يزعمون أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكتب، ولم يقرأ! فأنكرعليه‌السلام ذلك وقال:

(أنّى يكون ذلك ؟ ! ! وقد قال الله تعالى: ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) (٣) . كيف يعلمهم الكتاب والحكمة وليس يحسن أن يقرأ ويكتب ؟!) .

وانبرى علي بن أسباط فقال للإمام: لمَ سُمّي النبيّ الأمي ؟

فأجابه الإمام:(لأنه نسب إلى مكة، وذلك قول الله عَزَّ وجَلَّ: ( لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ) فأم القرى مكة، فقيل أمي) (٤) .

ــــــــــــــ

(١) علل الشرائع: ٣١.

(٢) البيان والتبيين: ٣ / ٢٩٠.

(٣) الجمعة (٦٢): ٢.

(٤) علل الشرائع: ١٢٥.


مع السيرة النبوّية المبارك:

١ ـ استعارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم السلاح من صفوان:

وروى الطبري بسنده عن الإمام أبي جعفر الباقرعليه‌السلام أنّه قال:لما أجمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم السير إلى هوازن ليلقاهم ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعاً وسلاحاً، فأرسل إليه فقال: يا أبا أمية ـ وهو يومئذ مشرك ـ أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدوّنا غداً. فقال له صفوان: أغصباً يا محمد ؟ قال: بل عارية مضمونة، حتى نؤديها إليك، قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح، وزعموا أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سأله أن يكفيه حملها ففعل .

قال الإمام أبو جعفرعليه‌السلام :فمضت السُنّة أن العارية مضمونة (١) .

وقد ألمع الإمام إلى أن هذه الحادثة قد استفيد منها القاعدة الفقهية وهو أن العارية مضمونة مع التفريط، فمن استعار شيئاً فقد ضمنه حتى يؤديه إلى صاحبه.

٢ ـ مسيرة خالد إلى بني جذيمة:

وروى ابن هشام بسنده عن الإمام أبي جعفرعليه‌السلام :أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة حين فتح مكة داعياً إلى الله، ولم يبعثه مقاتلاً إلاّ أنّ خالداً أغار عليهم فأوجسوا منه خيفة فبادروا إلى أسلحتهم فحملوها، فلما رأى خالد ذلك قال لهم: ضعوا السلاح، فإن الناس قد أسلموا، ووثقوا بقوله، فوضعوا سلاحهم، إلاّ أنه غدر بهم، فأمر بتكتيفهم ثم عرضهم على السيف، فقتل منهم من قتل، ولما انتهى خبرهم إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلغ به الحزن أقصاه ورفع يديه بالدعاء، وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد). ودعا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام فقال له: (اخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك).

ــــــــــــــ

(١) تأريخ الطبري: ٣ / ٧٣ طبع دار المعارف.


وخرج عليّ عليه‌السلام حتى جاءهم، ومعه مال، فَودى لهم الدماء، وما أصيب لهم من الأموال، حتى انه ليدي ميلغة الكلب (١) حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلاّ ودّاه، وبقيت معه بقية من المال، فقال لهم عليّ: هل بقي لكم بقية من دم أو مال لم يؤدَّ لكم ؟ قالوا: لا قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال، احتياطاً لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مما يعلم ولا تعلمون،فأعطاهم ثم رجع إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبره الخبر، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أصبت وأحسنت، وقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاستقبل القبلة شاهراً يديه، حتى كان يرى ما تحت منكبيه، وهو يقول: (اللهم إني ابرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد) وكرر ذلك ثلاث مرات (٢) .

هذه بعض رواياته عن السيرة النبوية المباركة، وقد آثرنا الإيجاز والإشارة فحسب.

ــــــــــــــ

(١) الميلغة: الإناء يلغ فيه الكلب أو يسقى فيه فقد أعطى عليٌّعليه‌السلام ديته.

(٢) السيرة النبوية لابن هشام: ٢ / ٤٢٩ ـ ٤٣٠ .


مع سيرة الإمام عليّعليه‌السلام :

وتحدث الإمام أبو جعفرعليه‌السلام في كثير من أحاديثه عن سيرة جدّه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام رائد الحق والعدالة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإليك نموذجاً من ما رواه:

روى زرارة بن أعين عن أبيه، عن الإمام أبي جعفرعليه‌السلام قال:كان عليّ عليه‌السلام إذا صلّى الفجر لم يزل معقباً إلى أن تطلع الشمس، فإذا طلعت اجتمع إليه الفقراء والمساكين وغيرهم من الناس فيعلّمهم الفقه والقرآن، وكان له وقت يقوم فيه من مجلسه ذلك، فقام يوماً، فمرّ برجل فرماه بكلمة هجر ـ ولم يسم أبو جعفر ذلك الرجل ـ فرجع الإمام، وصعد المنبر، وأمر فنودي الصلاة جامعة، فلمّا حضر الناس، حمد الله وأثنى عليه، وصلَّى على نبيه، ثم قال: (أيها الناس إنه ليس شيء أحب إلى الله، ولا أعم نفعاً من حلم إمام وفقهه، ولا شيء أبغض إلى الله، ولا أعم ضرراً من جهل إمام وخرقه، ألا وإنه من لم يكن له من نفسه واعظ لم يكن له من الله حافظ، ألا وانه من أنصف من نفسه لم يزده الله، إلاّ عزاً، ألا وان الذل في طاعة الله أقرب إلى الله من التعزز في معصيته، ثم قال: أين المتكلم آنفاً ؟ فلم يستطع الإنكار، فقال: ها أنا ذا يا أمير المؤمنين، فقال: أما إني لو أشاء لقلت. فقال: إن تعف وتصفح فأنت أهل لذلك فقال: (قد عفوت وصفحت) (١) .

ــــــــــــــ

(١) شرح النهج: ٤ / ١٠٩ ـ ١١٠.


من الملاحم التي أخبر عنها الإمام الباقرعليه‌السلام :

١ ـ قال أبو جعفر الدوانيقي: كنت هارباً من بني أمية أنا وأخي أبو العباس فمررنا بمسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومحمد بن علي جالس، فقالعليه‌السلام لرجل إلى جانبه: كأني بهذا الأمر قد صار إلى هذين، وأشار إلينا، فجاء الرجل وأخبرنا بمقالته، فملنا إليه وقلنا له: يابن رسول الله! ما الذي قلت ؟ فقالعليه‌السلام :(هذا الأمر صائر إليكم عن قريب ولكنكم تسيئون إلى ذريتي، وعترتي فالويل لكم) (١) . فكان كما أخبرعليه‌السلام وقد أساء المنصور حينما ولّي الخلافة إلى ذريّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعترته، فنكّل بهم كأفظع ما يكون التنكيل وقد قاست عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عهد هذا الطاغية من صنوف العذاب ما لم تره عين في عهد الأمويين فقد كانت أيامه عليهم كلها محنة وألماً وعذاباً.

٢ ـ ومما أنبأ عنه الإمام أبو جعفرعليه‌السلام أنه أخبر عن الحجر الأسود وأنّه يعلق في الجامع الأعظم في الكوفة(٢) . وتحقق ذلك أيام القرامطة فقد أخذوه من الكعبة، وجعلوه في جامع الكوفة; معتقدين أن الحج يدور مداره، وقد أرادوا أن يكون الحج إلى مسجد الكوفة، وبقي فيه مدة تقرب من عشرين عاماً ثم أُرجع إلى مكانه.

٣ ـ ومن الملاحم التي أخبر عنها: غزو نافع بن الأزرق لمدينة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإباحتها لجنوده، يقول الإمام الصادقعليه‌السلام :(كان أبي في مجلس عام إذ اطرق برأسه إلى الأرض ثم رفعه وقال: يا قوم كيف أنتم إذا جاءكم رجل يدخل

ــــــــــــــ

(١) دلائل الإمامة: ٩٦.

(٢) اتعاض الحنفاء للمقريزي: ٢٤٥.


عليكم مدينتكم في أربعة الآف حتى يستعرضكم على السيف ثلاثة أيام متوالية، فيقتل مقاتلكم، وتلقون منه بلاءاً لا تقدرون عليه ولا على دفعه وذلك من قابل ـ أي السنة التي تأتي ـ فخذوا حذركم، واعلموا أن الذي قلت لكم هو كائن لابد منه)، فلم يلتفت أهل المدينة إلى كلامه، وقالوا: لا يكون هذا أبداً، فلما كانت السنة المقبلة حمل أبو جعفر عليه‌السلام عياله، واصطحب معه جماعة من بني هاشم، وخرجوا من المدينة، فجاء نافع بن الأزرق فدخلها في أربعة آلاف واستباحها ثلاثة أيام، وقتل فيها خلقاً كثيراً (١) واستبان لأهل المدينة مدى صدق الإمام في إخباره .

٤ ـ وأخبر الإمام الباقرعليه‌السلام عن شهادة أخيه زيد بن علي فقد قال زيد ابن حازم: كنت مع أبي جعفرعليه‌السلام فمرّ بنا زيد بن علي فقال لي أبو جعفرعليه‌السلام :(أما رأيت هذا ؟ ليخرجن بالكوفة، وليقتلن، وليطافن برأسه) (٢) . ولم تمض الأيام حتى قتل زيد بالكوفة وطيف برأسه في الأقطار والأمصار.

٥ ـ ومن الأحداث التي أخبر عنها الإمام أبو جعفرعليه‌السلام هو ما أخبر به من هدم دار هشام بن عبد الملك، وهي من أضخم الدور في المدينة، وكان قد بناها بأحجار الزيت. قالعليه‌السلام :(أما والله لتهدمنّ، أما والله لتندر أحجار الزيت) ، قال أبو حازم: فلما سمعت هذا تعجّبت منه وقلت: من يهدمها وأمير المؤمنين هشام قد بناها! فلما مات هشام وولي الخلافة من بعده الوليد أمر بهدمها، ونقل أحجار الزيت منها حتى ندرت في يثرب(٣) .

ــــــــــــــ

(١) نور الأبصار: ١٣٠، جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام: ١٣٤، الخرايج والجرايح: ٨٠ من مخطوطات مكتبة الحكيم.

(٢) نور الأبصار: ص١٣١.

(٣) دلائل الإمامة: ١١٠.


من التراث الفقهي للإمام الباقرعليه‌السلام

وتحدث الإمام أبو جعفرعليه‌السلام عن حكم القتال والحرب في الإسلام حينما سأله رجل من شيعته عن حروب الإمام أمير المؤمنين عليعليه‌السلام فقال له:

(بعث الله محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخمسة أسياف: ثلاثة منها شاهرة لا تغمد حتى تضع الحرب أوزارها، ولن تضع الحرب أوزارها حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت الشمس من مغربها أمن الناس كلهم في ذلك اليوم فيومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، وسيف مكفوف، وسيف منها مغمود، سله إلى غيرنا، وحكمه إلينا.

فأما السيوف الثلاثة الشاهرة: فسيف على مشركي العرب، قال الله عز وجل:( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ) (١) ( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ) (٢) هؤلاء لا يقبل منهم إلاّ القتل أو الدخول في الإسلام، وأموالهم فيء وذراريهم سبي على ما سن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنه سبى وعفا، وقبل الفداء.

والسيف الثاني: على أهل الذمة قال الله سبحانه:( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ) (٣) نزلت هذه الآية في أهل الذمة، ونسخها قوله:( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) (٤) فمن كان منهم في دار الإسلام فلن يقبل منهم إلا الجزية

ــــــــــــــ

(١) التوبة (٩): ٥.

(٢) التوبة (٩): ١١.

(٣) البقرة (٢): ٨٣.

(٤) التوبة (٩): ٢٩.


أو القتل، وما لهم فيء، وذراريهم سبي، فإذا قبلوا الجزية على أنفسهم حرم علينا سبيهم وحرمت أموالهم، وحلت لنا مناكحهم(١) ومن كان منهم في دار الحرب حل لنا سبيهم وأموالهم، ولم تحل لنا مناكحتهم، ولم يقبل منهم إلا دخول دار الإسلام والجزية أو القتل.

والسيف الثالث: على مشركي العجم كالترك والديلم والخزر، قال الله عَزَّ وجَلَّ: في أول السورة التي يذكر فيها الذين كفروا فقص قصتهم، ثم قال:( فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) (٢) .

فأما قوله: (فإما مناً بعد) يعني بعد السبي منهم (وأما فداء) يعني المفاداة بينهم، وبين أهل الإسلام، فهؤلاء لن يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الإسلام، ولا يحل لنا نكاحهم ما داموا في الحرب.

وأما السيف المكفوف: فسيف على أهل البغي والتأويل قال الله:( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) (٣) فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ان منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل، فسأل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من هو؟ فقال: خاصف النعل ـ يعني أمير المؤمنين ـ وقال عمار ابن ياسر: قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاثاً (٤) وهذه الرابعة والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا السعفات من هجر (٥) لعلمنا أنا على الحق، وأنهم على الباطل، وكانت السيرة فيهم من أمير المؤمنين عليه‌السلام مثل ما كان من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أهل مكة يوم فتحها فإنه لم يسب لهم ذرية، وقال: من أغلق بابه فهو

ــــــــــــــ

(١) في التهذيب والكافي (مناكحتهم).

(٢) محمد (٤٧): ٤.

(٣) الحجرات (٤٩): ٩.

(٤) الثلاث: التي قاتل مع تلك الراية الصحابي العظيم عمار بن ياسر هي: يوم بدر ويوم أحد ويوم حنين، وكان يتزعم تلك الحروب أبو سفيان عميد الأمويين.

(٥) هجر: ـ بالتحريك ـ بلدة باليمن، كما إنها اسم لجميع أرض البحرين.


آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، وكذلك قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : يوم البصرة نادى فيهم لا تسبوا لهم ذرية، ولا تدفِّفوا على جريح(١) ولا تتبعوا مدبراً، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن.

والسيف المغمود: فالسيف الذي يقام به القصاص قال الله عَزَّ وجَلَّ :( النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ ) (٢) فسله إلى أولياء المقتول وحكمه إلينا.

فهذه السيوف التي بعث الله بها محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فمن جحدها أو جحد واحداً منها و شيئاً من سيرها فقد كفر بما انزل الله تبارك وتعالى على محمد نبيه)(٣) .

واستمد فقهاء المسلمين الأحكام التي رتبوها على قتال أهل البغي من سيرة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام في حرب الجمل، كما أخذوا عن أئمة الهدىعليهم‌السلام الكثير من الأحكام في هذا الباب.

المسح على الخفين:

وجوّز فقهاء المذاهب الإسلامية المسح على الخفين في الوضوء، ولم يشترطوا مماسّة اليد لظاهر القدمين(٤) . وأمّا أئمة أهل البيتعليهم‌السلام فقد اعتبروا المماسّة واشترطوها ولم يسوغوا غيرها، يقول الربيع: سألت أبا إسحاق عن المسح، فقال: أدركت الناس يمسحون ـ يعني على الخفين ـ حتى لقيت رجلاً من بني هاشم لم أر مثله قط يقال له: محمد بن علي بن الحسين فسألته عن المسح، فنهاني عنه، وقال:(لم يكن أمير المؤمنين عليه‌السلام يمسح، وكان يقول: سبق

ــــــــــــــ

(١) لا تدففوا على جريح: أي لا تجهزوا عليه.

(٢) المائدة (٥): ٤٥.

(٣) تحف العقول: ص٢٨٨ ـ ٢٩٠، ورواه الكليني في فروع الكافي، والشيخ الصدوق في الخصال، والشيخ الطوسي في التهذيب.

(٤) الخلاف: ١ / ١٨.


الكتاب المسح على الخفين) (١) .

لقد دل الكتاب العظيم على اعتبار المماسة إذ قال تعالى:( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ) والآية ظاهرة أشد الظهور فيما حكم به أهل البيتعليهم‌السلام .

مس الفرج لا ينقض الوضوء:

وذهب الشافعي إلى أنّ مسّ الفرج من نواقض الوضوء، وتمسّك بذلك بما روي عن ابن عمر وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وعائشة وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار من أن مسّ الفرج من نواقض الوضوء. أما الإمام أبو جعفرعليه‌السلام وسائر أئمة أهل البيتعليهم‌السلام فإنهم لا يرون ذلك، فقد روى زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام أنه قال:(ليس في القُبلة ولا المباشرة، ولا مس الفرج وضوء) (٢) .

الجهر في صلاة الإخفات :

وذهب فقهاء المذاهب الإسلامية إلى أن الجهر في صلاة الإخفات أو الإخفات في صلاة الجهر متعمداً غير مبطل للصلاة، أما في فقه مذهب أهل البيتعليهم‌السلام فإنه مبطل للصلاة، فقد روى زرارة عن الإمام أبي جعفرعليه‌السلام في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه أو أخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه، فقالعليه‌السلام :(إنْ فعل ذلك متعمداً فقد نقض صلاته وعليه الإعادة، وإن فعل ذلك ناسياً أو ساهياً أو لا يدري فلا شيء عليه وقد تمّت صلاته) (٣) .

ــــــــــــــ

(١) روضة الواعظين: ٢٤٣، وهذا النصّ يفيد أنّ الكتاب لا يوافق المسح على الخفّين.

(٢) الخلاف: ١ / ٢٣.

(٣) المصدر السابق: ١ / ١٣٠.


الصلاة على آل النبي في التشهد:

وذهب أكثر فقهاء المسلمين إلى وجوب الصلاة على آل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في التشهد، وقد روى جابر الجعفي عن الإمام أبي جعفرعليه‌السلام أنه قال:قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (من صلى صلاة لم يصلّ فيها عليّ، ولا على أهل بيتي لم تقبل منه) (١) .

هذه نماذج من المسائل الفقهية الكثيرة التي تكلّم عنها الإمام أبو جعفرعليه‌السلام .

من وصايا الإمام الباقرعليه‌السلام

وزوّد الإمام أبو جعفرعليه‌السلام تلميذه العالم جابر بن يزيد الجعفي بهذه الوصية الخالدة الحافلة بجميع القيم الكريمة والمثل العليا التي يسمو بها الإنسان فيما لو طبقها على واقع حياته، وهذا بعض ما جاء فيها:

(أوصيك بخمس: إن ظلمت فلا تظلم، وان خانوك فلا تخن، وان كذبت فلا تغضب، وان مدحت فلا تفرح، وان ذممت فلا تجزع، وفكّر فيما قيل فيك، فإن عرفت من نفسك ما قيل فيك فسقوطك من عين الله جَلَّ وعَزَّ عند غضبك من الحق أعظم عليك مصيبة مما خفت من سقوطك من أعين الناس، وإن كنت على خلاف ما قيل فيك، فثواب اكتسبته من غير أن يتعب بدنك.

واعلم بأنك لا تكون لنا ولياً حتى لو اجتمع عليك أهل مصرك، وقالوا: إنك رجل سوء لم يحزنك ذلك، ولو قالوا: إنك رجل صالح لم يسرك ذلك، ولكن اعرض نفسك على كتاب الله فإن كنت سالكاً سبيله، زاهداً في تزهيده، راغباً في ترغيبة، خائفاً من تخويفه فاثبت وأبشر، فإنه لا يضرك ما قيل فيك، وإن كنت مبائناً للقرآن، فماذا الذي يغرّك من نفسك.

ــــــــــــــ

(١) الخلاف: ١ / ١٣١.


إن المؤمن معنيّ بمجاهدة نفسه ليغلبها على هواها، فمرة يقيم إودها ويخالف هواها في محبة الله، ومرة تصرعه نفسه فيتبع هواها فينعشه الله، فينتعش، ويقيل الله عثرته فيتذكر، ويفزع إلى التوبة والمخافة فيزداد بصيرة ومعرفة لما زيد فيه من الخوف، وذلك بأن الله يقول: ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ) (١) .

يا جابر، استكثر لنفسك من الله قليل الرزق تخلصاً إلى الشكر، واستقلل من نفسك كثير الطاعة لله إزراء على النفس (٢) وتعرضاً للعفو.

وادفع عن نفسك حاضر الشر بحاضر العلم، واستعمل حاضر العلم بخالص العمل، وتحرّز في خالص العمل من عظيم الغفلة بشدة التيقظ، واستجلب شدة التيقظ بصدق الخوف، واحذر خفي التزين بحاضر الحياة، وتوقّ مجازفة الهوى بدلالة العقل، وقف عند غلبة الهوى باسترشاد العلم، واستبق خالص الأعمال ليوم الجزاء.

وانزل ساحة القناعة باتقاء الحرص، وادفع عظيم الحرص بايثار القناعة، واستجلب حلاوة الزهادة بقصر الأمل، واقطع أسباب الطمع ببرد اليأس.

وسد سبيل العجب بمعرفة النفس، وتخلص إلى راحة النفس بصحة التفويض، واطلب راحة البدن بإجمام (٣) القلب، وتخلّص إلى إجمام القلب بقلة الخطأ.

وتعرّض لرقة القلب بكثرة الذكر في الخلوات، واستجلب نور القلب بدوام الحزن.

وتحرّز من إبليس بالخوف الصادق، وإياك والرجاء الكاذب فإنه يوقعك في الخوف الصادق.

وتزيّن لله عَزَّ وجَلَّ بالصدق في الأعمال، وتحبّب إليه بتعجيل الانتقال. وإياك والتسويف فإنه بحر يغرق فيه الهلكى.

وإياك والغفلة ففيها تكون قساوة القلب، وإياك والتواني فيما لا عذر لك فيه فإليه يلجأ النادمون.

واسترجع سالف الذنوب بشدة الندم، وكثرة الاستغفار.

وتعرض للرحمة وعفو الله بحسن المراجعة، واستعن على حسن المراجعة بخالص الدعاء، والمناجاة في الظلم.

وتخلّص إلى عظيم الشكر باستكثار قليل الرزق، واستقلال كثير الطاعة.

واستجلب زيادة النعم بعظيم الشكر، والتوسل إلى عظيم الشكر بخوف زوال النعم.

ــــــــــــــ

(١) الأعراف (٧): ٢٠١.

(٢) إزراء على النفس: أي احتقاراً واستخفافاً بها.

(٣) الجمام: ـ بالفتح ـ الراحة.


واطلب بقاء العزّ بإماتة الطمع، وادفع ذل الطمع بعز اليأس، واستجلب عزّ اليأس ببعد الهمة.

وتزود من الدنيا بقصر الأمل، وبادر بانتهاز البغية عند إمكان الفرصة، ولا إمكان كالأيام الخالية مع صحة الأبدان.

وإياك والثقة بغير المأمون فإن للشر ضراوة كضراوة الغذاء.

واعلم انه لا علم كطلب السلامة، ولا سلامة كسلامة القلب، ولا عقل كمخالفة الهوى، ولا خوف كخوف حاجز، ولا رجاء كرجاء معين.

ولا فقر كفقر القلب، ولا غنى كغنى النفس، ولا قوة كغلبة الهوى.

ولا نور كنور اليقين، ولا يقين كاستصغارك للدنيا، ولا معرفة كمعرفتك بنفسك.

ولا نعمة كالعافية، ولا عافية كمساعدة التوفيق، ولا شرف كبعد الهمة، ولا زهد كقصر الأمل، ولا حرص كالمنافسة في الدرجات.

ولا عدل كالإنصاف، ولا تعدّي كالجور، ولا جور كموافقة الهوى، ولا طاعة كأداء الفرائض، ولا خوف كالحزن، ولا مصيبة كعدم العقل، ولا عدم عقل كقلّة اليقين، ولا قلّة يقين كفقد الخوف ولا فقد خوف كقلّة الحزن على فقد الخوف.

ولا مصيبة كاستهانتك بالذنب، ورضاك بالحالة التي أنت عليها.

ولا فضيلة كالجهاد، ولا جهاد كمجاهدة الهوى، ولا قوة كردّ الغضب.

ولا معصية كحب البقاء، ولا ذلّ كذلّ الطمع، وإياك والتفريط عند إمكان الفرصة فإنه ميدان يجري لأهله بالخسران...) (١) .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض كلماته الحكيمة التي تمثّل أصالة الفكر والإبداع.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

ــــــــــــــ

(١) تحف العقول: ٢٨٤ ـ ٢٨٦ .


الفهرست

المقدمة ٤

الباب الأول: فيه فصول: ١١

الفصل الأول: الإمام محمد الباقر عليه‌السلام في سطور ١١

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصية الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام.... ١٣

الفصل الثالث: مظاهر من شخصية الإمام محمد الباقر عليه‌السلام.... ١٧

حلمه: ١٧

صبره: ١٩

كرمه وسخاؤه: ٢٠

عبادته: ٢٢

حجه: ٢٤

مناجاته مع الله تعالى: ٢٥

ذكره لله تعالى: ٢٥

زهده في الدنيا: ٢٦

الباب الثاني: فيه فصول: ٢٧

الفصل الأول: نشأة الإمام محمّد بن علي الباقر عليه‌السلام.... ٢٧

الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام.... ٣٣

الفصل الثالث: الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام في ظلّ جدّه وأبيه عليهما‌السلام..... ٣٤

الباب الثالث: فيه فصول: ٤٠

الفصل الأول: جهاد أهل البيت عليهم‌السلام ودور الإمام الباقر عليه‌السلام.... ٤٠

مراحل حركة الأئمة من أهل البيت عليهم‌السلام: ٤٥

الفصل الثاني: وقائع وأحداث هامة في عصر الإمام الباقر عليه‌السلام.... ٤٨

الإمام الباقر عليه‌السلام مع عبد الملك بن مروان: ٥٥

الإمام الباقر عليه‌السلام وتحرير النقد الإسلامي: ٥٦

الوليد بن عبد الملك.. ٥٩

عمر بن عبد العزيز ٦١


الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام وعمر بن عبد العزيز ٦٥

يزيد بن عبد الملك.. ٦٨

هشام بن عبد الملك.. ٦٩

حمل الإمام الباقر عليه‌السلام إلى دمشق واعتقاله: ٧٠

الإمام الباقر عليه‌السلام مع قسّيس نصراني. ٧٥

محاولة اغتيال الإمام الباقر عليه‌السلام.... ٧٧

أهم ملامح عصر الإمام محمد الباقر عليه‌السلام.... ٧٨

مظاهر الانحراف في عصر الإمام الباقر عليه‌السلام: ٧٩

أوّلاً: الانحراف الفكري والعقائدي. ٧٩

ثانياً: الانحراف السياسي. ٨١

ثالثاً: الانحراف الأخلاقي. ٨٤

رابعاً: الانحراف في الميدان الاقتصادي. ٨٥

الفصل الثالث: دور الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام في إصلاح الواقع الفاسد. ٨٧

محاور الحركة الإصلاحية العامّة للإمام الباقر عليه‌السلام.... ٨٨

أوّلاً: الإصلاح الفكري والعقائدي. ٨٨

١ ـ الردّ على الأفكار والعقائد الهدّامة والمذاهب المنحرفة ٨٨

٢ ـ الحوار مع المذاهب والرموز المنحرفة ٩١

٣ ـ إدانة فقهاء البلاط. ٩٤

٤ ـ الدعوة إلى أخذ الفكر من مصادره النقيّة ٩٤

٥ ـ نشر علوم أهل البيت عليهم‌السلام.... ٩٥

ثانياً: تأسيس المدرسة الفقهية النموذجية ٩٦

مميّزات مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام الفقهيّة ٩٨

ثالثاً: الإصلاح السياسي. ٩٩

١ ـ الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٩٩

٢ ـ نشر المفاهيم السياسية السليمة ١٠١

٣ ـ فضح الواقع الأُموي. ١٠٣


٤ ـ الدعوة إلى مقاطعة الحكم القائم. ١٠٤

٥ ـ مواقفه المباشرة من الحكّام المنحرفين. ١٠٥

٦ ـ موقفه من الثورة المسلحة ١٠٧

رابعاً: الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي. ١٠٨

١ ـ الدعوة لتطبيق السنّة النبوية ١٠٨

٢ ـ الدعوة إلى مكارم الأخلاق. ١١١

خامساً: الإصلاح الاقتصادي. ١١٣

الباب الرابع: فيه فصول: ١١٧

الفصل الأول: الإمام الباقر عليه‌السلام وبناء الجماعة الصالحة ١١٧

أولاً: الإمام الباقر عليه‌السلام ومقومات الجماعة الصالحة ١٢٠

١ ـ العقيدة السليمة ١٢٠

٢ ـ مرجعية أهل البيت عليهم‌السلام.... ١٢٢

٣ ـ خصائص الانتماء لأهل البيت عليهم‌السلام.... ١٢٤

ثانياً: الإمام الباقر عليه‌السلام والتزكية ١٢٦

١ ـ مقوّمات التزكية عند الإمام الباقر عليه‌السلام: ١٢٦

أ ـ تحكيم العقل: ١٢٦

ب ـ تبعية الإرادة الإنسانية للإرادة الإلهية: ١٢٧

ج ـ استشعار الرقابة الإلهية: ١٢٧

د ـ التوجّه إلى اليوم الآخر: ١٢٨

٢ ـ منهج التزكية عند الإمام الباقر عليه‌السلام.... ١٢٨

أ ـ الارتباط الدائم بالله تعالى. ١٢٩

ب ـ الإقرار بالذنب والتوبة ١٣٠

ج ـ الحذر من التورّط بالذنوب.. ١٣١

د ـ تعميق الحياء الداخلي. ١٣١

هـ ـ كسر الأُلفة بين الإنسان وسلوكه الجاهلي. ١٣٢

و ـ إزالة الحاجز النفسي بين الإنسان والسلوك السليم. ١٣٣


ثالثاً: المنهج التثقيفي عند الإمام الباقر عليه‌السلام.... ١٣٤

١ ـ الحث على طلب العلم. ١٣٤

٢ ـ موقع العلماء المتميّز وفضلهم. ١٣٥

٣ ـ الإخلاص في طلب العلم. ١٣٥

٤ ـ ضرورة نشر العلم وتثقيف الناس. ١٣٦

٥ ـ مزالق وآفات المتعلّمين. ١٣٦

٦ ـ المرجعية العلمية ١٣٧

٧ ـ المؤسسات الثقافية ١٣٨

رابعاً: الإمام الباقر عليه‌السلام وإحياء الروح الثورية في الأمة ١٣٩

الأول: إقامة الشعائر الحسينية ١٣٩

الثاني: إحياء الإيمان بقضية الإمام المهدي عليه‌السلام.... ١٤١

خامساً: الإمام الباقر عليه‌السلام وتشخيص هوية الجماعة الصالحة ١٤٢

مشخصات الهوية ١٤٥

الأول: الاسم. ١٤٥

الثاني: الصفات.. ١٤٦

الثالث: منزلة الجماعة الصالحة ١٤٧

سادساً: الإمام الباقر عليه‌السلام والعلاقات في نظام الجماعة الصالحة ١٤٩

١ ـ العلاقات داخل الجماعة الصالحة ١٤٩

أسس العلاقات الداخلية ١٥١

هـ ـ التكافل الاجتماعي. ١٥٢

و ـ التناصر والتآزر ١٥٢

٣ ـ العلاقة مع أهل الذمة ١٥٣

٤ ـ العلاقة مع الكفّار ١٥٣

سابعاً: الإمام الباقر عليه‌السلام والنظام الأمني للجماعة الصالحة ١٥٤

١ ـ التقيّة ١٥٤

ومن موارد التقيّة: ١٥٥


ج ـ كتمان البرامج والخطط المعدّة لإصلاح الواقع وتغييره. ١٥٥

٢ ـ كتمان الأسرار ١٥٧

٣ـ التوازن في العلاقة مع الحكّام ١٥٨

التأكيد على أهمية العامل الاقتصادي. ١٦٠

التوازن بين طلب الرزق وطلب المكارم ١٦٢

الموارد المالية للجماعة الصالحة ١٦٣

الأول: الزكاة ١٦٣

الثاني: الخمس.. ١٦٤

التكافل داخل الجماعة الصالحة ١٦٥

تاسعاً : الإمام الباقر عليه‌السلام والنظام الاجتماعي للجماعة الصالحة ١٦٩

١ ـ الأسرة ١٦٩

٢ ـ الأرحام ١٧٢

٣ ـ الجيران. ١٧٢

٤ ـ أفراد الجماعة الصالحة ١٧٣

٥ ـ مجتمع المسلمين. ١٧٧

عاشراً: الإمام الباقر عليه‌السلام ومستقبل الجماعة الصالحة ١٨١

الفصل الثاني: اغتيال الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام واستشهاده ١٨٥

دوافع اغتيال الإمام الباقر عليه‌السلام: ١٨٦

٢ ـ أحداث دمشق: ١٨٦

نصّه على الإمام الصادق عليه‌السلام: ١٨٧

وصاياه: ١٨٨

تعزية المسلمين للإمام الصادق عليه‌السلام: ١٨٩

الفصل الثالث: تراث الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام.... ١٩٠

التراث التفسيري للإمام محمد الباقر عليه‌السلام.... ١٩١

نماذج من تفسيره: ١٩٣

التراث الحديثي للإمام الباقر عليه‌السلام: ١٩٦


٢ ـ أزلية واجب الوجود: ١٩٨

٣ ـ وجوب طاعة الإمام عليه‌السلام: ١٩٩

التراث التاريخي للإمام الباقر عليه‌السلام.... ١٩٩

١ ـ من وحي الله لآدم: ١٩٩

٢ ـ حكمة لسليمان: ٢٠٠

٣ ـ حكمة في التوراة: ٢٠٠

٤ ـ تسمية نوح بالعبد الشكور: ٢٠٠

٥ ـ دعاء نوح على قومه: ٢٠٠

٦ ـ إسماعيل أول من تكلم بالعربية: ٢٠١

٧ ـ نفي الأُمية عن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: ٢٠١

مع السيرة النبوّية المبارك: ٢٠٢

١ ـ استعارة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم السلاح من صفوان: ٢٠٢

٢ ـ مسيرة خالد إلى بني جذيمة: ٢٠٢

مع سيرة الإمام عليّ عليه‌السلام: ٢٠٤

من الملاحم التي أخبر عنها الإمام الباقر عليه‌السلام: ٢٠٥

من التراث الفقهي للإمام الباقر عليه‌السلام.... ٢٠٧

المسح على الخفين: ٢٠٩

مس الفرج لا ينقض الوضوء: ٢١٠

الجهر في صلاة الإخفات : ٢١٠


الصلاة على آل النبي في التشهد: ٢١١

من وصايا الإمام الباقر عليه‌السلام.... ٢١١