الرجعة أو العودة الى الحياة الدنيا بعد الموت
التجميع المعاد
الکاتب علي موسى الكعبي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404





مقدمة المركز

الحمدُ لله ربِّ العالمين ، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم علىٰ الحبيب المصطفىٰ وآله الطيبين الطاهرين.

ممّا لا ريب فيه أنَّ صحة الأحكام والعقائد تتوقف علىٰ ورودها في مصادر التشريع الإسلامي ، سيّما ما يتعلق منها بأنباء الغيب وحوادث المستقبل.

والرجعة التي تعدُّ واحدة من أُمور الغيب وأشراط الساعة ، استدلّ الإمامية علىٰ صحة الاعتقاد بها بالأحاديث الصحيحة المتواترة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآله المعصومينعليهم‌السلام المروية في المصادر المعتبرة ، فضلاً عن اجماع الطائفة المحقّة علىٰ ثبوتها حتىٰ أصبحت من ضروريات المذهب عند جميع الأعلام المعروفين والمصنفين المشهورين ، وهذان الدليلان من أهمّ ما استدلّ به الإمامية علىٰ صحة الاعتقاد بها.

كما استدلوا علىٰ إمكانها بالآيات القرآنية الدالة علىٰ رجوع أقوام من الاُمم السابقة إلىٰ الحياة الدنيا رغم خروجهم من عالم الأحياء إلىٰ عالم الموتىٰ ، كالذين خرجوا من ديارهم حذر الموت وهم أُلوف ، والذي مرَّعلىٰ قرية وهي خاوية علىٰ عروشها ، والذين أخذتهم الصاعقة ، وأصحاب الكهف ، وذي القرنين وغيرهم ، أو الدالة علىٰ وقوعها في المستقبل إما نصّاًصريحاً كقوله تعالىٰ :( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا ) الدال علىٰ الحشر الخاص قبل يوم القيامة ، أو بمعونة الأحاديث المعتمدة في تفسيرها كقولهتعالىٰ :( وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ) .

ويمكن أن يتجلّىٰ لنا الهدف من هذا الأمر الخارق الذي أخبر عنه أئمة الهدىٰ من آل محمدعليهم‌السلام إذا عرفنا أنَّ العدل الإلهي واسع سعة الرحمة الإلهية ومطلق لا يحدّه زمان ولا مكان وأنّه أصيل علىٰ أحداث الماضي


والحاضر والمستقبل ، والرجعة نموذج رائع لتطبيق العدالة الإلهية ، ذلك لأنّها تعني أنّ الله تعالىٰ يعيد قوماً من الأموات ممن محض الإيمان محضاًأو محض الكفر محضاً ، فيديل المحقين من المبطلين عند قيام المهدي من آلمحمدعليهم‌السلام وهو يوم الفتح الذي أخبر عنه تعالىٰ بقوله :( وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ) وفيه يتحقق الوعد الإلهي بالنصر للأنبياء والمؤمنين( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) .

ولقد اتّخذت الرجعة وسيلة للطعن والتشنيع علىٰ مذهب الإمامية حتىٰ عدّها بعض المخالفين من المستنكرات التي يستقبح الاعتقاد بها ، مع أنّ الدليل علىٰ إمكانها وارد في الكتاب الكريم بصريح العبارة وبما لا يقبل التأويل أو الحمل ، ومع أنّها من أشراط الساعة كنزول عيسىٰعليه‌السلام وظهور الدجال وخروج السفياني وأمثالها من القضايا الشائعة عند المسلمين ولا يترتب علىٰ اعتقادهم بها أدنىٰ إنكار لأيّ حكم ضروري من أحكام الإسلام ، وفوق ذلك أنّ الرجعة دليل علىٰ القدرة البالغة لله تعالىٰ كالبعث والنشور ، وهي من الاُمور الخارقة للعادة التي تصلح أن تكون معجزة كبرىٰلنبينا وآلبيته المعصومينعليهم‌السلام .

فمن أجل توضيح مباني هذا الاعتقاد وإزالة اللبس الذي يعتري أذهان البعض حوله ، قام مركزنا باصدار هذه الدراسة التي تحتوي علىٰ ستة فصول تلمّ بأطراف الموضوع تعريفاً وأدلةً وأحكاماً باعتماد ما ورد في الكتاب العزيز والأحاديث المستفيضة عن النبي الأكرم وأهل بيته الطاهرينعليهم‌السلام ، نسأل الله تعالىٰ أن ينفع بها.

إنّه ولي التوفيق

مركز الرسالة


المقدِّمة

الحمدُ لله ربِّ العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم علىٰ الحبيب المصطفىٰ الأمين وآله الهداة الميامين وصحبهم المتقين.

وبعد :

إنَّ أنباء الغيب وحوادث المستقبل وما سيقع من الفتن والملاحم وعلامات الظهور وأشراط الساعة وغيرها تعدُّ من المسائل التي أولاها المحدّثون أهمية خاصة ، ذلك لأنّ الكتاب الكريم والسُنّة المباركة يدلانعلىٰ أنّ الموت ليس هو النتيجة النهائية لرحلة الروح والبدن في هذا الكون ، بل هو نافذة تطل علىٰ حياة جديدة وعوالم مختلفة( أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ * أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ) (١) .

روىٰ سعد بن عبدالله الأشعري بالاسناد عن بريدة الأسلمي ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « كيف أنت إذا استيأست أُمتي من المهدي ، فيأتيها مثل قرن الشمس ، يستبشر به أهل السماء وأهل الأرض ؟ فقلت : يا رسول الله بعد الموت؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :والله إنّ بعد الموت هدىً وإيماناً ونوراً . قلت : __________________

(١) سورة القيامة ٧٥ : ٣٦ ـ ٤٠.


يا رسول الله ، أي العمرين أطول؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :الآخر بالضعف » (١) .

وقال أميرالمؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام :« أيُّها الناس ، إنّا خلقنا وإياكم للبقاء لا للفناء ، لكنكم من دار إلىٰ دار تنقلون ، فتزوّدوا لما أنتم صائرون إليه » (٢) .

إنَّ اعتقادنا بعودة بعض الناس إلىٰ الحياة بعد الموت لم يكن اعتباطياً ، وإنّما كان تبعاً للآثار الصحيحة المتواترة التي حفلت بها كتب أصحابنا ، واحتلت مساحة واسعة من أحاديث النبي وعترته الطاهرةعليهم‌السلام الذين ندين بعصمتهم من الكذب ، وعلىٰ هذا إجماعهم ، وإجماعهم حجة لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« إنّي تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلىٰ الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتىٰ يردا عليَّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما » (٣) .

وقد دلَّ الكتاب الكريم علىٰ الحشر الخاص قبل يوم القيامة ، وهو عودة بعض الأموات إلىٰ الحياة في قوله تعالىٰ :( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ) (٤) كما دلَّ علىٰ الحشر العام بعد نفخة النشور في نفس السورة بقوله :( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ ) إلىٰ قوله تعالىٰ :( وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ) (٥)

__________________

(١) بحار الأنوار ، للمجلسي ٥٣ : ٦٥ / ٥٦ المكتبة الإسلامية ـ طهران.

(٢) الإرشاد ، للمفيد ١ : ٣٣٨ تحقيق مؤسسة آلالبيتعليهم‌السلام ـ قم.

(٣) سنن الترمذيـكتاب المناقب : ٦٦٣ / ٣٧٨٦ و ٣٧٨٨ تحقيق أحمد محمد شاكرـدار احياء التراث العربي. ومستدرك الحاكم ٣ : ١٤٨ حيدر آباد ـ الهند.

(٤) سورة النمل ٢٧ : ٨٣.

(٥) سورة النمل ٢٧ : ٨٧.


ويستفاد من مجموع الآيتين أنّ يوم الحشر الخاص هو غير يوم النفخ والنشور الذي يحشر فيه الناس جميعاً ، وبما أنّه ليس ثمة حشر بعد يوم القيامة بدليل الكتاب والسُنّة ، فلا بدَّ أن يكون الحشر الخاص واقعاً قبل يوم القيامة ، فهو إذن من العلامات الواقعة بين يدي الساعة ، كظهور الدجال وخروج السفياني ونزول عيسىٰ من السماء وطلوع الشمس من مغربها وغيرها من الأشراط المدلولة بالكتاب والسُنّة.

كما دلَّ الكتاب الكريم علىٰ رجعة بعض الناس في الاُمم السابقة إلىٰ الحياة بعد الموت في عدة آيات صريحة لا تقبل التأويل ، منها قولهتعالىٰ :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ) (١) وهو يدل علىٰ إمكان الرجعة في هذه الاُمّة أيضاًلقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعاً بذراع ، حتىٰ لو أنَّ أحدهم دخل جُحر ضَبّ لدخلتُم » (٢) .

وملخص الاعتقاد بالرجعة هو أنّ الله تعالىٰ يعيد في آخر الزمان طائفة من الأموات إلىٰ الدنيا ممّن محضوا الإيمان محضاً أو محضوا الكفر محضاً ، فينتصر لأهل الحق من أهل الباطل ، وعلىٰ هذا إجماع الشيعة الإمامية الاثني عشرية ، وقد علم دخول المعصوم في هذا الاجماع بورود الأحاديث المتواترة عن النبي وأهل بيته المعصومينعليهم‌السلام الدالة علىٰ اعتقادهم بصحة الرجعة.

إنَّ الاعتقاد بالرجعة علىٰ ما جاء في الروايات عن آل البيتعليهم‌السلام من

__________________

(١) سورة البقرة ٢ : ٢٤٣.

(٢) كنز العمال ، للمتقي الهندي ١١ : ١٣٤ / ٣٠٩٢٤ مؤسسة الرسالة.


ضروريات المذهب الشيعي ، وقد بحث العلماء عن حكم من أنكر شيئاًمن الضرورياتـمن أتباع المذهب أو سائر من نطق بالشهادتينـفي الكتب المتعلّقة بهذا الشأن ، الأمر الذي لسنا الآن بصدد التحقيق عنه في هذه الرسالة.

والاعتقاد بالرجعة من مظاهر الإيمان بالقدرة الإلهية ، فقد روي أنّ ابن الكوّاء الخارجي سأل أمير المؤمنينعليه‌السلام عن الرجعةـفي حديث طويلـقالعليه‌السلام في آخره : « لا تشكّنَّ يابن الكواء في قدرة الله عزَّ وجلَّ » (١) .

وسأل أبو الصباح الإمام الباقر عن الرجعة ، فقالعليه‌السلام :« تلك القدرة ، ولا ينكرها إلاّ القدرية ، تلك القدرة فلا تنكرها » (٢) وبمثل ذلك أجابعليه‌السلام عبدالرحمن القصير(٣) .

إنَّ من يعتقد بأنَّ الله تعالىٰ هو الذي برأ الخلق من العدم إلىٰ حيّز الوجود كيف يشكّ ويتردد في أنّه يعجزه إعادتهم! ومن قدر علىٰ الابتداء فهو علىٰ الإعادة أقدر ، قال تعالىٰ :( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (٤) .

__________________

(١) بحار الأنوار ٥٣ : ٧٤.

(٢) المصدر السابق : ٧٢ / ٧١.

(٣) المصدر السابق : ٧٤ / ٧٣.

(٤) سورة يس ٣٦ : ٧٨ ـ ٨٢.


هذه هي الرجعة التي كثرت التهويلات والتشنيعات علىٰ المعتقدين بها حتىٰ عدّوها أسطورة وقولاً بالتناسخ ، وأنّ معتقدها خارج عن الإسلام والدين ، وأنّها من مفتريات عبدالله بن سبأ ، وما إلىٰ ذلك من التشدّق علىٰ مدرسة الإسلام الأصيل ، إنّنا لا نعطي الحق لمن لا يؤمن برجعة بعض الأموات إلىٰ الحياة الدنيا بعد الموت لعدم ثبوته عنده ، بل عليه أن يبحث ويسأل أهل الذكر وليس من حقّه أن يشنّع علىٰ من يقول بذلك لتواتر الأحاديث وثبوت النصوص عنده ، إذ لا حجة للجاهل علىٰ العالم.

ويحق لنا في هذا المقام أن نسأل المنكرين لأنباء الغيب وما يقع في المستقبل ، ما الدليل علىٰ زعمكم أنّه لا يوجد ثمة عودة إلىٰ الحياة بعد الموت؟ وما الحجة التي تعزّز ما تذهبون إليه؟ هل تخلّل أحد منكم في آفاق المستقبل ، وسبر أغوارها ، ووقف علىٰ حقيقة الأمر ثم عاد وأخبر أنّه لم يجد شيئاً ممّا أخبر به القرآن الكريم والعترة النبوية الطاهرةعليهم‌السلام ؟

في هذا البحث سنحاول تسليط الضوء علىٰ تعريف الرجعة وفقاً لما ورد عن أئمة الإمامية وعلمائهم ، ونسوق الأدلة التي احتجوا بها لإثبات صحة الاعتقاد بها من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة والاجماع وغيرها من القرائن المختلفة ، ونبين أيضا الهدف منها وحكم منكريها ، وجملة من احتجاجات العلماء وردودهم علىٰ الاشكالات المطروحة حول هذا الموضوع وغيرها إن شاء الله تعالى.

وللهالأمر من قبل ومن بعد



الفصل الأول

تعريف الرجعة

الرجعة في اللغة :

العودة إلىٰ الحياة الدنيا بعد الموت.

قال الجوهري والفيروزآبادي : فلان يؤمن بالرجعة ، أي بالرجوع إلىٰ الدنيا بعد الموت(١) .

ويُطلق علىٰ الرجعة الكرّة أيضاً ، وهو من الألفاظ المرادفة لها ، قال الجوهري : الكرّ : الرجوع ، يقال : كرّه وكرّ بنفسه ، يتعدّىٰ ولا يتعدّىٰ(٢) .

وفي حديث أمير المؤمنين عليعليه‌السلام :« وإنّي لصاحب الكرّات ودولة الدول » (٣) . وجاء في زيارتهعليه‌السلام :« السلام عليك يا صاحب الكرة والرجعة » (٤) .

__________________

(١) الصحاح ٣ : ١٢١٦. والقاموس المحيط ٣ : ٢٨.

(٢) الصحاح ٢ : ٨٠٥.

(٣) الكافي ١ : ١٩٨ / ٣ باب أنّ الأئمةعليهم‌السلام هم أركان الأرض ـ دار الكتب الإسلامية.

(٤) بحار الأنوار ١٠٠ : ٣٤٩.


الرجعة عند الشيعة الإمامية :

إنَّ الذي تذهب إليه الإمامية أخذا بما جاء عن آلالبيتعليهم‌السلام ، هو نفس المعنىٰ المحقّق في اللغة ، وهو أنَّ الله تعالىٰ يُعيد قوماً من الأموات إلىٰ الدنيا قبل يوم القيامة في صورهم التي كانوا عليها ، فيعزّ فريقاً ويذلُّ فريقاًآخر ، ويديل المحقين من المبطلين ، والمظلومين منهم من الظالمين ، وذلك عند قيام مهدي آل محمد (عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام) الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت جوراً وظلماً ، ولذلك تعدُّ الرجعة مظهرا يتجلىٰ فيه مقتضى العدل الإلهي بعقاب المجرمين علىٰ نفس الأرض التي ملأوها ظلماً وعدوانا.

ولا يرجع إلاّ من علت درجته في الإيمان ، أو من بلغ الغاية من الفساد ، ثم يصيرون بعد ذلك إلىٰ الموت ، ومن بعده إلىٰ النشور ، وما يستحقونه من الثواب أو العقاب ، كما حكىٰ الله تعالىٰ في قرآنه الكريم تمنّي هؤلاء المرتجعين الذين لم يصلحوا بالارتجاع ، فنالوا مقت الله ، أن يخرجوا ثالثاًلعلهم يصلحون :( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ) (١) ولكن أنّىٰ لهم ذلك وهم في عذاب مقيم؟

__________________

(١) عقائد الإمامية ، للمظفر : ١٠٨ تحقيق مؤسسة البعثة. والآية من سورة غافر ٤٠ : ١١.


الفصل الثاني

إمكان الرجعة وأدلّتها

إمكان الرجعة :

إنَّ الرجعة من نوع البعث والمعاد الجسماني ، غير أنها بعث موقوت في الدنيا ومحدود كماً وكيفاً ، ويحدث قبل يوم القيامة ، بينما يُبعث الناس جميعاً يوم القيامة ليلاقوا حسابهم ويبدأوا حياتهم الخالدة ، وأهوال يوم القيامة أعجب وأغرب وأمرها أعظم من الرجعة.

وبما أنَّ الرجعة والمعاد ظاهرتان متماثلتان من حيث النوع ، فالدليلعلىٰ إمكان المعاد يمكن أن يقام دليلاً علىٰ إمكان الرجعة ، والاعتراف بإمكان بعث الحياة من جديد يوم القيامة يترتب عليه الاعتراف بإمكان الرجعة في حياتنا الدنيوية ، ولا ريب أنّ جميع المسلمين يعتبرون الإيمان بالمعاد من أُصول عقيدتهم ، إذن فجميعهم يذعنون بإمكانية الرجعة.

يقول السيد المرتضىقدس‌سره : إعلم أنّ الذي يقوله الإمامية في الرجعة لا خلاف بين المسلمينـبل بين الموحدينـفي جوازه ، وأنّه مقدور للهتعالىٰ ، وإنّما الخلاف بينهم في أنّه يوجد لا محالة أو ليس كذلك.


ولا يخالف في صحة رجعة الأموات إلاّ خارج عن أقوال أهل التوحيد ، لأنَّ الله تعالىٰ قادر علىٰ إيجاد الجواهر بعد إعدامها ، وإذا كان عليها قادراً ، جاز أن يوجدها متىٰ شاء(١) .

فإذا كان إمكان الرجعة أمرا مسلّماً به عند جميع المسلمينـحتىٰ قال الآلوسي : وكون الإحياء بعد الإماتة والإرجاع إلىٰ الدنيا من الاُمور المقدورة له عزَّ وجلَّ ممّا لا ينتطح فيه كبشان ، إلاّ أنّ الكلام في وقوعه(٢) ـ إذن فلماذا الشكّ والاستغراب لوقوع الرجعة؟ ولماذا التشنيع والنبز بمن يعتقد بها لورود الأخبار الصحيحة المتواترة عن أئمة الهدىٰعليهم‌السلام بوقوعها؟

يقول الشيخ محمدرضا المظفر : (لا سبب لاستغراب الرجعة إلاّ أنّها أمر غير معهود لنا فيما ألفناه في حياتنا الدنيا ، ولا نعرف من أسبابها أو موانعها ما يُقرّ بها إلىٰ اعترافنا أو يبعدها ، وخيال الإنسان لا يسهل عليه أن يتقبّل تصديق ما لم يألفه ، وذلك كمن يستغرب البعث فيقول :( مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ) فيقال له :( يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) (٣) .

نعم في مثل ذلك ، مما لا دليل عقلي لنا علىٰ نفيه أو إثباته ، أو نتخيّل عدم وجود الدليل ، يلزمنا الرضوخ إلىٰ النصوص الدينية التي هي من مصدر الوحي الإلهي ، وقد ورد في القرآن الكريم ما يثبت وقوع الرجعةإلىٰ الدنيا لبعض الأموات ، كمعجزة عيسىٰعليه‌السلام في إحياء الموتىٰ

__________________

(١) رسائل الشريف المرتضى ٣ : ١٣٥ـالدمشقيات ـ دار القرآن الكريم ـ قم.

(٢) روح المعاني ٢٠ : ٢٧ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.

(٣) سورة يس ٣٦ : ٧٨ ـ ٧٩.


( وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللهِ ) (١) وكقوله تعالىٰ :( أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ) )(٢) .

يضاف إلىٰ ذلك أنَّ نفوس الظالمين تأبىٰ إقامة العدل وإحقاق الحق لما اقترفته أيديهم الآثمة من الظلم والجور والمنكرات ، والرجعة تنطوي علىٰ أمرٍ يحقق العدالة الإلهية في أرض الواقع بانتصاف الظالم من المظلوم وإدالة أهل الحق من أهل الباطل ، ولهذه العلة أبت نفوس المكابرين من أهل الجاهلية الاعتقاد بالمعاد والنشور رغم أنّهم عاينوا المعجزات وضربت لهم الأمثال الواضحة وأقيمت لهم الدلائل البينة والبراهين الساطعة ، لأنّ قبول هذا الاعتقاد يعني الانصياع للحق والعدل بالوقوف أمام المحكمة الإلهية الكبرىٰ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (٣) .

أدلة الرجعة :

أورد الحر العاملي في الباب الثاني من كتابه (الايقاظ من الهجعة بالبرهان علىٰ الرجعة) اثني عشر دليلاً علىٰ صحة الاعتقاد بالرجعة ، وأهم ما استدل به الإمامية علىٰ ذلك هو الأحاديث الكثيرة المتواترة عن النبي والأئمة عليهم‌السلام المروية في الكتب المعتمدة ، وإجماع الطائفة المحقةعلىٰ ثبوت الرجعة حتىٰ أصبحت من ضروريات مذهب الإمامية عند جميع العلماء المعروفين والمصنفين المشهورين ، كما استدلوا أيضاً

__________________

(١) سورة آل عمران ٣ : ٤٩.

(٢) عقائد الإمامية ، للشيخ المظفر : ١١١ ـ ١١٢. والآية من سورة البقرة ٢ : ٢٥٩.

(٣) سورة النور ٢٤ : ٢٤.


بالآيات القرآنية الدالة علىٰ وقوع الرجعة في الاُمم السابقة ، أو الدالة علىٰ وقوعها في المستقبل إما نصاً صريحاً أو بمعونة الأحاديث المعتمدة الواردة في تفسيرها ، وفيما يلي نسوق خمسة أدلة نبدأها بالأدلة القرآنية :

أولاً : وقوعها في الاُمم السابقة :

لقد حدّثنا القرآن الكريم بصريح العبارة وبما لا يقبل التأويل أو الحمل عن رجوع أقوام من الاُمم السابقة إلىٰ الحياة الدنيا رغم ما عرف وثبت من موتهم وخروجهم من الحياة إلىٰ عالم الموتىٰ ، فإذا جاز حدوثها في الأزمنة الغابرة ، فلم لا يجوز حدوثها مستقبلاً :( سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا ) (١) .

روىٰ الشيخ الصدوق بالإسناد عن الحسن بن الجهم ، قال : قال المأمون للرضاعليه‌السلام : يا أبا الحسن ، ما تقول في الرجعة؟

فقالعليه‌السلام : « إنّها الحقّ ،قد كانت في الاُمم السالفة ونطق بها القرآن ، وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يكون في هذه الاُمّة كل ما كان في الاُمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا خرج المهدي من ولدي نزل عيسىٰ بن مريم عليه‌السلام فصلىٰ خلفه ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنَّ الإسلام بدأ غريباًوسيعود غريباً ، فطوبىٰ للغرباء. قيل : يا رسول الله ، ثم يكون ماذا؟قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ثم يرجع الحقّ إلىٰ أهله » (٢) .

وفيما يلي نقرأ ونتأمل الآيات الدالة علىٰ إحياء الموتىٰ وحدوث

__________________

(١) سورة الأحزاب ٣٣ : ٦٢.

(٢) بحار الأنوار ٥٣ : ٥٩ / ٤٥.


الرجعة في الاُمم السابقة :

إحياء قوم من بني إسرائيل :

قال تعالىٰ :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ) (١) .

فجميع الروايات الواردة في تفسير هذه الآية المباركة تدل علىٰ أنَّ هؤلاء ماتوا مدة طويلة ، ثم أحياهم الله تعالىٰ ، فرجعوا إلىٰ الدنيا ، وعاشوا مدة طويلة.

قال الشيخ الصدوق : كان هؤلاء سبعين ألف بيت ، وكان يقع فيهم الطاعون كلّ سنة ، فيخرج الأغنياء لقُوّتهم ، ويبقىٰ الفقراء لضعفهم ، فيقلّ الطاعون في الذين يخرجون ، ويكثر في الذين يقيمون ، فيقول الذين يقيمون : لو خرجنا لما أصابنا الطاعون ، ويقول الذين خرجوا ، لو أقمنا لأصابنا كما أصابهم.

فأجمعوا علىٰ أن يخرجوا جميعا من ديارهم إذا كان وقت الطاعون ، فخرجوا بأجمعهم ، فنزلوا علىٰ شط البحر ، فلمّا وضعوا رحالهم ناداهمالله : موتوا ، فماتوا جميعاً ، فكنستهم المارّة عن الطريق ، فبقوا بذلك ما شاء الله.

ثم مرّ بهم نبيّ من أنبياء بني إسرائيل يقال له أرميا(٢) ، فقال : لو شئت

__________________

(١) سورة البقرة ٢ : ٢٤٣.

(٢) في رواية الشيخ الكليني في الكافي ٨ : ١٧٠ / ٢٣٧ عن الإمام الباقرعليه‌السلام ورواية السيوطي


يا ربِّ لأحييتهم ، فيعمروا بلادك ، ويلدوا عبادك ، ويعبدوك مع من يعبدك ، فأوحىٰ الله تعالىٰ إليه : أفتحبَّ أن أحييهم لك؟ قال : نعم.فأحياهم الله تعالىٰ وبعثهم معه ، فهؤلاء ماتوا ، ورجعوا إلىٰ الدنيا ، ثم ماتوا بآجالهم(١) .

فهذه رجعة إلىٰ الحياة الدنيا بعد الموت ، وقد سأل حمران بن أعين الإمام أبا جعفر الباقرعليه‌السلام عن هؤلاء ، قائلاً : أحياهم حتىٰ نظر الناس إليهم ، ثم أماتهم من يومهم ، أو ردّهم إلىٰ الدنيا حتىٰ سكنوا الدور ، وأكلوا الطعام ، ونكحوا النساء؟

قالعليه‌السلام : « بل ردّهم الله حتىٰ سكنوا الدور ، وأكلوا الطعام ، ونكحوا النساء ، ولبثوا بذلك ما شاء الله ، ثم ماتوا بآجالهم » (٢) .

إحياء عزير أو أرميا :

قال تعالىٰ :( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (٣) .

__________________

عن السدّي عن أبي مالك وغيره : يقال له حزقيل.

(١) الاعتقادات ، للصدوق : ٦٠ نشر مؤتمر الذكرىٰ الألفية للشيخ المفيد. والدر المنثور ، للسيوطي ١ : ٧٤١ ـ ٧٤٣ دار الفكر ـ بيروت.

(٢) تفسير العياشي ١ : ١٣٠ / ٤٣٣ المكتبة العلمية ـ طهران.

(٣) سورة البقرة ٢ : ٢٥٩.


لقد اختلفت الروايات والتفاسير في تحديد هذا الذي مرَّ علىٰ قرية ، لكنها متّفقة علىٰ أنّه مات مائة سنة ورجع إلىٰ الدنيا وبقي فيها ، ثم مات بأجله ، فهذه رجعة إلىٰ الحياة الدنيا.

قال الطبرسي : الذي مرَّ علىٰ قرية هو عزير ، وهو المروي عن أبيعبداللهعليه‌السلام وقيل : هو أرميا ، وهو المروي عن أبي جعفرعليه‌السلام (١) .

وروىٰ العياشي بالإسناد عن إبراهيم بن محمد ، قال : ذكر جماعة من أهل العلم أنَّ ابن الكواء الخارجي قال لأمير المؤمنين عليعليه‌السلام : يا أمير المؤمنين ، ما ولد أكبر من أبيه من أهل الدنيا؟

قالعليه‌السلام :« نعم ،أُولئك ولد عزير ، حيث مرَّ علىٰ قرية خربة ، وقد جاء من ضيعة له ، تحته حمار ، ومعه شنّة فيها تين ، وكوز فيه عصير ، فمرَّ علىٰ قريةٍ خربةٍ ، فقال : ( أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ) فتوالد ولده وتناسلوا ، ثمَّ بعث الله إليه فأحياه في المولد الذي أماته فيه ، فأُولئك وُلده أكبر من أبيهم» (٢) .

إحياء سبعين رجلاً من قوم موسىٰعليه‌السلام :

قال تعالىٰ :( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (٣) .

هاتان الآيتان تتحدثان عن قصة المختارين من قوم موسىٰعليه‌السلام لميقات

__________________

(١) مجمع البيان ، للطبرسي ٢ : ٦٣٩ دار المعرفة ـ بيروت.

(٢) تفسير العياشي ١ : ١٤١ / ٤٦٨ المكتبة العلمية ـ طهران.

(٣) سورة البقرة ٢ : ٥٥ ـ ٥٦.


ربه ، وذلك أنّهم لمّا سمعوا كلام الله تعالىٰ قالوا : لا نصدّق به حتىٰ نرىٰ الله جهرة ، فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا ، فقال موسىعليه‌السلام :« يا ربِّ ، ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم » فأحياهم الله له ، فرجعوا إلىٰ الدنيا ، فأكلوا وشربوا ، ونكحوا النساء ، وولد لهم الأولاد ، ثم ماتوا بآجالهم(١) .

فهذه رجعة أُخرىٰ إلىٰ الحياة الدنيا بعد الموت لسبعين رجلاً من بني إسرائيل ، قال تعالىٰ :( وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ) (٢) .

المسيحعليه‌السلام يحيي الموتىٰ :

ذكر في القرآن الكريم في غير مورد إحياء المسيح للموتىٰ ، قال تعالىٰ لعيسىعليه‌السلام :( وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ) (٣) ، وقال تعالىٰ حاكياً عنه :( وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللهِ ) (٤) .

فكان بعض الموتىٰ الذين أحياهم عيسىعليه‌السلام بإذن الله تعالىٰ قد رجعواإلىٰ الدنيا وبقوا فيها ثم ماتوا بآجالهم(٥) .

__________________

(١) الاعتقادات ، للصدوق : ٦١.

(٢) سورة الاعراف ٧ : ١٥٥.

(٣) سورة المائدة ٥ : ١١٠.

(٤) سورة آل عمران ٣ : ٤٩.

(٥) الكافي ٨ : ٣٣٧ / ٥٣٢. وتفسير العياشي ١ : ١٧٤ / ٥١.


إحياء أصحاب الكهف :

هؤلاء كانوا فتية آمنوا بالله تعالىٰ ، وكانوا يكتمون إيمانهم خوفاً من ملكهم الذي كان يعبد الأصنام ويدعو إليها ويقتل من يخالفه ، ثم اتّفق أنّهم اجتمعوا وأظهروا أمرهم لبعضهم ، ولجأوا إلىٰ الكهف( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ) (١) ثم بعثهم الله فرجعوا إلىٰ الدنيا ليتساءلوا بينهم وقصتهم معروفة.

فإن قال قائل : إنَّ الله عزَّ وجلَّ قال :( وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ) (٢) وليسوا موتىٰ. قيل له : رقود يعني موتىٰ ، قال تعالىٰ :( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) (٣) ، ومثل هذا كثير(٤) .

وروىٰ يوسف بن يحيىٰ المقدسي الشافعي في (عقد الدرر) عن الثعلبي في تفسيره في قصة أصحاب الكهف ، قال : (وأخذوا مضاجعهم ، فصاروا إلىٰ رقدتهم إلىٰ آخر الزمان عند خروج المهديعليه‌السلام ، يقال : إنَّ المهدي يسلّم عليهم فيحييهم الله عزَّ وجلَّ)(٥) ، وهو يدلُّ علىٰ رجعتهم في آخر الزمان.

__________________

(١) سورة الكهف ١٨ : ٢٥.

(٢) سورة الكهف ١٨ : ١٨.

(٣) سورة يس ٣٦ : ٥١ ـ ٥٢.

(٤) راجع الاعتقادات ، للصدوق : ٦٢.

(٥) عقد الدرر : ١٩٢ نشر دار النصايح ـ قم.


إحياء قتيل بني إسرائيل :

روىٰ المفسرون أنَّ رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً له غنياً ليرثه وأخفىٰ قتله له ، فرغب اليهود في معرفة قاتله ، فأمرهم الله تعالىٰ أن يذبحوا بقرة ويضربوا بعض القتيل ببعض البقرة ، ليحيا ويخبر عن قاتله ، وبعد جدال ونزاع قاموا بذبح البقرة ، ثم ضربوا بعض القتيل بها ، فقام حياًوأوداجه تشخب دماً وأخبر عن قاتله ، قال تعالىٰ( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (١) .

إحياء الطيور لإبراهيمعليه‌السلام بإذن الله :

ذكر المفسرون أنّ إبراهيمعليه‌السلام رأىٰ جيفة تمزّقها السباع ، فيأكل منها سباع البرّ وسباع البحر ، فسأل الله سبحانه قائلاً ‎« يا ربِّ ، قد علمت أنّك تجمعها في بطون السباع والطير ودواب البحر ، فأرني كيف تحييها لاُعاين ذلك » ؟ قال سبحانه :( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (٢) .

فأخذ طيوراً مختلفة الأجناس ، قيل : إنّها الطاووس والديك والحمام والغراب ، فقطعها وخلط ريشها بدمها ، ثم فرقها علىٰ عشرة جبال ، ثم أخذ بمناقيرها ودعاها باسمه سبحانه فأتته سعياً ، فكانت تجتمع ويأتلف

__________________

(١) سورة البقرة ٢ : ٧٣. وراجع قصص الأنبياء ، للثعلبي : ٢٠٤ـ٢٠٧ المكتبة الثقافيةـبيروت.

(٢) سورة البقرة ٢ : ٢٦٠.


لحم كل واحدٍ وعظمه إلىٰ رأسه ، حتىٰ قامت أحياء بين يديه(١) .

إحياء ذي القرنين :

اختلف في ذي القرنين فقيل : إنّه نبي مبعوث فتح الله علىٰ يديه الأرض ، عن مجاهد وعبداللهبن عمر. وقيل : إنّه كان ملكاً عادلاً.

وروي بالإسناد عن أبي الطفيل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام : ‎« إنّه كان عبداً صالحاً أحبَّ الله فأحبّه وناصح الله فناصحه ، قد أمر قومه بتقوىٰ الله ، فضربوه علىٰ قرنه فمات ، فأحياه الله ، فدعا قومه إلىٰالله ، فضربوه علىٰ قرنه الآخر فمات ، فسميَّ ذا القرنين » . قالعليه‌السلام : ‎« وفيكم مثله » (٢) يعني نفسهعليه‌السلام (٣) .

وفي رواية علي بن إبراهيم عن الإمام الصادقعليه‌السلام :« إنَّ ذا القرنين بعثهالله إلىٰ قومه ، فضربوه علىٰ قرنه الأيمن ، فأماته الله خمسمائة عام ثم بعثه إليهم بعد ذلك ، فضربوه علىٰ قرنه الأيسر ، فأماته الله خمسمائة عام ثم بعثه إليهم بعد ذلك ، فملّكه مشارق الأرض ومغاربها من حيث تطلع الشمس إلىٰ حيثُ تغرب » (٤) .

إحياء أهل أيوبعليه‌السلام :

قال تعالىٰ :( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ ) قال ابن عباس وابن مسعود : ردَّ الله سبحانه عليه أهله ومواشيه وأعطاه مثلها معها. وبه قال الحسن

__________________

(١) راجع تفسير القمي ١ : ٩١. وتفسير العياشي ١ : ١٤٢ / ٤٦٩.

(٢) تفسير الطبري ١٦ : ٨ دار المعرفة ـ بيروت.

(٣) تفسير الطبرسي ٦ : ٧٥٦ دار المعرفة ـ بيروت.

(٤) تفسير القمي ٢ : ٤٠.


وقتادة وكعب ، وهو المروي عن أبي عبداللهعليه‌السلام (١) .

هذه الحالات جميعاً تشير إلىٰ الرجوع للحياة بعد الموت في الاُمم السابقة ، وقد وقعت في أدوار وأمكنة مختلفة ، ولأغراض مختلفة ، ولأشخاص تجد فيهم الأنبياء والأوصياء والرعية ، وهي دليل لا يُنازع فيهعلىٰ نفي استحالة عودة الأموات إلىٰ الحياة الدنيا بعد الموت.

وهنا من حقنا أن نتساءل : ما المانع من حدوث ذلك في المستقبل لغرض لعلّه أسمىٰ من جميع الأغراض التي حدثت لأجلها الرجعات السابقة؟ ألا وهو تحقيق مواعيد النبوات وأهداف الرسالات في نشر مبادئ العدالة وتطبيق موازين الحق علىٰ أرض دنّستها يد الجناة والظلمة ، وأشبعتها ظلماً وجوراً حتىٰ عادت لا تطاق( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (٢) وقال تعالىٰ :( فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ ) .

ويعزّز الدليل علىٰ حدوث الرجعة في المستقبل كما حدثت في الاُمم الغابرة ما روي عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : « لتتبعنَّ سنن الذين من قبلكم شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراع حتىٰ لو سلكوا جُحر ضبّ لسلكتموه » قالوا : اليهود والنصارىٰ ؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« فمن » (٣) .

__________________

(١) تفسير الطبرسي ٧ : ٩٤. وتفسير الطبري ١٧ : ٥٨. وقصص الأنبياء ، للثعلبي : ١٤٤.والآية من سورة الأنبياء ٢١ : ٨٤.

(٢) سورة الأنبياء ٢١ : ١٠٥.

(٣) كنز العمال ، للمتقي الهندي ١١ : ١٣٣ / ٣٠٩٢٣. وروىٰ نحوه الشيخ الصدوق في كمال الدين : ٥٧٦ جماعة المدرسين ـ قم.


ثانياً : الآيات الدالة علىٰ وقوعها قبل القيامة :

أولاً : قوله تعالىٰ :( وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ * وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (١) إلىٰ قوله تعالىٰ :( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ) (٢) .

من أمعن النظر في سياق الآيات المباركة وما قيل حولها من تفسير ، يلاحظ أنّ هناك ثلاثة أحداث مهمة تدلُّ عليها ، وهي بمجموعها تدلُّعلىٰ علامات تقع بين يدي الساعة وهي :

١ ـ إخراج دابة من الأرض :( أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ ) .

٢ ـ الحشر الخاص :( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا ) .

٣ـنفخة النشور ثم القيامة :( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ) ، وسوف نتحدث عمّا في تلك الآيات من دلالة واضحة علىٰ الاعتقاد بالرجعة وعلىٰ النحو الآتي :

فالآية الاُولىٰ تتعلق بالوقائع التي تحدث قبل يوم القيامة باتّفاق المفسرين ، ويدلُّ عليه أيضاً ما أخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنَّ بين يدي الساعة الدجال والدابة ويأجوج

__________________

(١) سورة النمل ٢٧ : ٨٢ ـ ٨٤.

(٢) سورة النمل ٢٧ : ٨٧.


ومأجوج والدخان وطلوع الشمس من مغربها » (١) .

وروىٰ البغوي عن طريق مسلم ، عن عبدالله بن عمرو ، قال : سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :« إنَّ أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدابة ضحىً » (٢) .

ماهي دابة الأرض؟

الدابة تطلق في اللغة علىٰ كلِّ ما يدبُّ ويتحرك علىٰ وجه الأرض من الإنسان والحيوان وغيره ، قال تعالىٰ :( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا ) (٣) ، وقال تعالىٰ :( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ ) (٤) .

وخُصصت في بعض آي القرآن بالإنسان ، كقوله تعالىٰ :( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ) (٥) ، وفي بعض آخر بغير الإنسان ، كقوله تعالىٰ :( وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ) (٦) ، وقوله تعالىٰ :( وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ ) (٧) .

وقد ذكرت الدابة التي في قوله تعالىٰ :( دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ ) بشكل

__________________

(١) الدر المنثور ، للسيوطي ٦ : ٣٨٠.

(٢) مسند أحمد ٢ : ٢٠١ دار الفكر. ونظم الدرر ، للبقاعي ٥ : ٤٥١ دار الكتب العلميّة.

(٣) سورة هود ١١ : ٦.

(٤) سورة النحل ١٦ : ٦١.

(٥) سورة الانفال ٨ : ٢٢.

(٦) سورة الحج ٢٢ : ١٨.

(٧) سورة فاطر ٣٥ : ٢٨.


مجمل ، والوصف القرآني الوحيد المذكور لها بأنّها تكلّم الناس ، أما سائر أحوالها وخصوصياتها وكيفية ومكان خروجها ، فإنّها مبهمة في ظهر الغيب ولا يفصح عنها إلاّ المستقبل.

والروايات الواردة بشأن تفسير هذه الآية كثيرة ، ولا دلالة من الكتاب الكريم علىٰ شيءٍ منها ، فإن صحّ الخبر فيها عن الرسول الأكرم وآلهعليهم‌السلام قبلت ، وإلاّ لم يلتفت إليها ، ويمكن تلخيص مضمون هذه الروايات في نقطتين :

١ـإنَّ طائفة منها تدل علىٰ أنَّ هذه الدابة كائن حي غير معروف ومن غير جنس الإنسان ، ولها شكل مخيف ، فهي ذات وبر وريش ومؤلفة من كل لون ، ولها أربع قوائم ، ولها عنق مشرف يبلغ السحاب ، ويراها من بالمشرق كما يراها من بالمغرب ، تخرج في آخر الزمان من الصفا ليلة منىٰ ، وقيل : من جبل جياد في أيام التشريق ، لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب ، وتحدّث الناس عن الإيمان والكفر ، وتسم المؤمن بين عينيه ويكتب بين عينيه مؤمن ، وتسم الكافر بين عينيه ويكتب بين عينيه كافر.

٢ـوالطائفة الثانية تدل علىٰ أنّ وجهها كوجه إنسان وجسمها كجسم الطير ، وأنّها تصرخ بأعلىٰ صوتها بلسان عربي مبين :( أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ ) وأن معها عصا موسىٰ وخاتم سليمان ، وتميّز بهما بين المؤمنين والكافرين ، فتنكت وجه المؤمن بالخاتم فتكون في وجهه نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة حتىٰ يضيء لها وجهه ، وتنكت أنف الكافر بالعصا فتكون في وجهه نكتة سوداء فتفشو تلك النكتة حتىٰ يسودّ لها


وجهه(١) .

وفي بعض الروايات ما يدل علىٰ أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام هو مصداق لهذه الآية ، فقد روي بالاسناد عن سفيان بن عيينة ، عن جابر بن يزيد الجعفي ، أنّه قال : دابة الأرض عليّعليه‌السلام (٢) .

وروىٰ الشيخ الكليني بالإسناد عن الإمام الباقرعليه‌السلام قال : « قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : وإنّي لصاحب الكرّات ودولة الدول ، وإنّي لصاحب العصا والميسم ، والدابة التي تكلم الناس » (٣) .

وروىٰ الشيخ علي بن إبراهيم بالإسناد عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، أنّه قال : « ‎قال رجل لعمار بن ياسر ، يا أبا اليقظان ، آية في كتاب الله قد أفسدت قلبي وشككتني. قال عمار : أيّة آية هي؟ قال :( وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ ) فأيّة دابة هذه؟

قال عمار : والله ما أجلس ولا آكل ولا أشرب حتىٰ أُريكها ، فجاء عمار مع الرجل إلىٰ أمير المؤمنينعليه‌السلام وهو يأكل تمراً وزبداً ، فقال : يا أبا اليقظان ، هلمّ ، فجلس عمار ، وأقبل يأكل معه ، فتعجّب الرجل منه ، فلمّا قام قال له الرجل : سبحان الله يا أبا اليقظان ، حلفت أنّك لا تأكل ولا تشرب

__________________

(١) مجمع البيان ، للطبرسي ٧ : ٣٦٦. وتفسير القرطبي ١٣ : ٢٣٧. والدر المنثور ٦ : ٣٧٨.وروح المعاني ، للآلوسي ٢٠ : ٢١. وتفسير الرازي ٢٤ : ٢١٧. وتفسير ابن كثير ٣ : ٣٨٧.والآية من سورة النمل ٢٧ : ٨٢.

(٢) ميزان الاعتدال ، للذهبي ١ : ٣٨٤ دار المعرفة.

(٣) الكافي ١ : ١٩٨ / ٣ باب أنّ الأئمةعليهم‌السلام هم أركان الأرض.


ولا تجلس حتىٰ ترينيها. قال عمار : قد أريتكها ، إن كنت تعقل » (١) .

وروي أيضاً عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : ‎« انتهىٰ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلىٰ أمير المؤمنينعليه‌السلام وهو نائم في المسجد ، وقد جمع رملاً ووضع رأسه عليه ، فحركه ثم قال له : قم يا دابة الأرض.

فقال رجل من أصحابه : يا رسول الله ، أيسمي بعضنا بعضاً بهذا الاسم؟فقال : لا والله ، ما هو إلاّ له خاصة ، وهو الدابة التي ذكرها الله تعالىٰ في كتابه :( وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ ) » (٢) .

وروي عن الأصبغ بن نباتة ، قال : دخلت علىٰ أمير المؤمنينعليه‌السلام وهو يأكل خبزاً وخلاً وزيتاً ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، قال الله عز وجل :( وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ) الآية ، فما هذه الدابة؟ قالعليه‌السلام : ‎« هي دابة تأكل خبزاً وخلاً وزيتاً» (٣) .

ويقول أبو الفتوح الرازي في تفسيره : طبقاً للأخبار التي جاءتنا عن طريق الأصحاب ، فإنَّ دابة الأرض كناية عن المهدي صاحب الزمانعليه‌السلام (٤) .

ومع الأخذ بنظر الاعتبار لهذا الحديث والأحاديث المتقدمة ، يمكن

__________________

(١) تفسير القمي ٢ : ١٣١. ومجمع البيان ٧ : ٣٦٦.

(٢) تفسير القمي ٢ : ١٣٠. وتفسير البرهان ، للبحراني ٤ : ٢٢٨ / ٨٠٤٣ تحقيق مؤسسة البعثة.

(٣) تأويل الآيات ، للسيد شرف الدين ١ : ٤٠٤ / ١٠٩. والرجعة ، للاسترآبادي : ١٦٦ / ٩٥ دار الاعتصام.

(٤) تفسير الأمثل ، للشيخ ناصر مكارم الشيرازي١٢ : ١٢٩ مؤسسة البعثةـبيروت. عن تفسير أبي الفتوح ٨ : ٤٢٣.


أن يستفاد من دابة الأرض مفهوم واسع ينطبق علىٰ أي إمام عظيم يرجع في آخر الزمان ، ويميّز الحق عن الباطل والمؤمن من الكافر ، وهو آية من آيات عظمة الخالق.

والتعبير الوارد في الروايات المتقدمة بأنّ معه عصا موسىٰ التي ترمزإلىٰ القوة والاعجاز ، وخاتم سليمان الذي يرمز إلىٰ الحكومة الإلهية ، قرينة علىٰ كون الدابة إنساناً مسدّداً بالقدرة الإلهية العظيمة بحيث يكون آية للناس ، إضافة إلىٰ ذلك فإنّ قوله تعالىٰ :( تُكَلِّمُهُمْ ) يساعد علىٰ هذا المعنىٰ.

الحشر الخاص ، قوله تعالىٰ :( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا ) .

سبق أن بيّنا أنَّ الآية الاُولىٰ( أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ ) تتعلق بالحوادث التي تقع قبل يوم القيامة ، وذلك باتّفاق المفسرين ، وعليه تكون آية الحشر الخاص( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا ) مكملة لها ومرتبطة بها من حيث التسلسل الزمني للأحداث فضلاً عن سياق الآيات وترتيبها ، فقد وقعت آية الحشر الخاص بين علامتين من العلامات التي تقع قبيل الساعة وهي الدابة والنفخة( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ) ممّا يدلُّعلىٰ أنّ الحشر الخاص يقع قبل القيامة وأنّه من علاماتها ، وعبّر تعالىٰ عن الحشر العام بعد نفخة النشور بقوله :( فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ) ، إذن فهناك حشران حشر يجمع فيه من كلِّ أمة فوجاً وهو الرجعة ، وحشر يشمل الناس جميعاً وهو يوم القيامة ، وبما أنّه ليس ثمة حشر بعد القيامة إجماعاً فيتعين وقوع هذا الحشر بين يدي القيامة.


وبعبارة أُخرىٰ أنّ ما يدلُّ علىٰ منافاة الحشر الخاص ليوم القيامة ، هو أنّ هذه الآية تدلُّ علىٰ حشر فوج من كلِّ أُمّة من أُمم البشرية ممّن كان يكذّب بآيات الله ، و( مِن ) في قوله تعالىٰ( مِن كُلِّ أُمَّةٍ ) تفيد التبعيض ، وهذا يعني الاستثناء ، وقد دلنا الكتاب الكريم في آيات عديدةعلىٰ أنّ حشر القيامة لا يختصّ بقوم دون آخرين ، ولا بجماعة دون أُخرىٰ ، بل يشمل الجميع دون استثناء( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ) (١) ، فطالما حصل الاستثناء فإنَّ ذلك لا يتعلق بأحداث يوم القيامة الذي ينهي الحياة برمّتها علىٰ وجه الأرض ، ومن خلال ما تقدم اتضح الكلام عن دلالة الآية الثانية التي ذكرناها كعلامة بين يدي الساعة.

إذن فالآية تأكيد لحدوث الرجعة التي تعتقد بها الشيعة الإمامية في حق جماعة خاصة ممّن محضوا الكفر أو الإيمان ، وتعني عودة هذه الجماعة للحياة قبل يوم القيامة ، أما خصوصيات هذه العودة وكيفيتها وطبيعتها وما يجري فيها ، فلم يتحدث عنها القرآن الكريم ، بل جاء تفصيلها في السُنّة المباركة ، فإنّ صحت الأخبار بها توجّب قبولها والاعتقاد بها ، وإلاّ وجب طرحها(٢) .

استدلال الأئمةعليهم‌السلام :

لقد استدل أئمة الهدىٰ من آلالبيتعليهم‌السلام بهذه الآية علىٰ صحة الاعتقاد بالرجعة ، فقد روي عن أبي بصير ، أنّه قال : قال لي أبو جعفرعليه‌السلام :« ينكر أهل العراق الرجعة؟» قلتُ : نعم ، قال :« أما يقرأون القرآن ( وَيَوْمَ

__________________

(١) سورة الانعام ٦ : ١٢٨.

(٢) راجع نقض الوشيعة ، للسيد محسن الأمين : ٤٧٣ طبعة ١٩٥١ م.


نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا ) ؟ » (١) .

وروىٰ علي بن إبراهيم في تفسيره بالاسناد عن حماد ، عن الصادقعليه‌السلام ، قال :« ما يقول الناس في هذه الآية ( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا ) ؟» . قلتُ : يقولون إنّها في القيامة.

قالعليه‌السلام :« ليس كما يقولون ، إنّ ذلك في الرجعة ، أيحشر الله في القيامة من كلِّ أُمّة فوجاً ويدع الباقين؟ إنّما آية القيامة قوله : ( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) » (٢) .

استدلال أعلام الشيعة :

واستدل بها أيضاً جملة علماء الشيعة ومفسريهم علىٰ صحة عودة الأموات إلىٰ الحياة قبل يوم القيامة ، قال الشيخ المفيدقدس‌سره : إنَّ الله تعالىٰ يحيي قوماً من أُمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد موتهم قبل يوم القيامة ، وهذا مذهب يختص به آلمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد أخبر الله عزَّ وجل في ذكر الحشر الأكبر يوم القيامة( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) (٣) ، وقال سبحانه في حشر الرجعة قبل يوم القيامة :( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا ) فأخبر أنَّ الحشر حشران عام وخاص(٤) .

__________________

(١) مختصر بصائر الدرجات : ٢٥. وبحار الأنوار ، للمجلسي ٥٣ : ٤٠ / ٦. والايقاظ من الهجعة : ٢٧٨ / ٩١. والرجعة ، للاسترآبادي : ٥٥ / ٣٠.

(٢) تفسير القمي ١ : ٢٤. ومختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سليمان : ٤١. وبحار الأنوار ٥٣ : ٦٠ / ٤٩. والرجعة ، للاسترآبادي : ٧٧ / ٤٨.

(٣) سورة الكهف ١٨ : ٤٧.

(٤) المسائل السروية ، تحقيق الاُستاذ صائب عبدالحميد : ٣٣ نشر مؤتمر الشيخ المفيدقدس‌سره .


وقال الشيخ الطبرسيقدس‌سره : استدل بهذه الآية علىٰ صحة الرجعة من ذهب إلىٰ ذلك من الإمامية ، بأن قال : أنّ دخول (من) في الكلام يوجب التبعيض ، فدلّ ذلك علىٰ أنَّ اليوم المشار إليه في الآية يحشر فيه قوم دون قوم ، وليس ذلك صفة يوم القيامة الذي يقول فيه سبحانه :( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) .

وقد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدىٰ من آل محمدعليهم‌السلام في أنّ الله تعالىٰ سيعيد عند قيام القائمعليه‌السلام قوماً ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ، ويبتهجوا بظهور دولته ، ويعيد أيضاً قوماًمن أعدائه لينتقم منهم وينالوا بعض ما يستحقونه من العقاب في الدنيا من القتل علىٰ أيدي شيعته والذلّ والخزي بما يشاهدون من علوّ كلمته ، ولا يشكّ عاقل أنَّ هذا مقدور لله تعالىٰ غير مستحيل في نفسه ، وقد فعلالله ذلك في الاُمم الخالية ونطق القرآن بذلك في عدة مواضع مثل قصة عزير وغيره ، وقد صحّ عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : « سيكون في أُمتي كل ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتىٰ لو أنَّ أحدهم دخل جُحر ضبٍّ لدخلتموه » (١) .

أقوال المفسرين :

أغلب المفسرين من غير الإمامية يمرون في تفاسيرهم بهذه الآية مرورا سريعاً ، ويوجزون القول بكلمات معدودة ، ويمكن إجمال حصيلة آرائهم في نقطتين :

__________________

(١) مجمع البيان ، للطبرسي ٧ : ٣٦٦.


الأُولىٰ : إنّها إخبار عن يوم القيامة(١) ، وبيان إجمالي لحال المكذبين عند قيام الساعة بعد بيان بعض مباديها(٢) .

الثانية : إنّها من الاُمور الواقعة بعد قيام القيامة(٣) ، وإنّ المراد بهذا الحشر هو الحشر للعذاب بعد الحشر الكلي الشامل لجميع الخلق(٤) ، أي هو حشر بعد حشر.

وهذا الكلام لا يستند إلىٰ أساس علمي ، وترتيب الآيات وارتباطها ببعضها ينفيه كما أسلفنا ، ولأنَّ تفسير الحشر الأول بيوم القيامة سيوقع التناقض في حقّ الله تعالىٰ ، فكيف يقول تعالىٰ سنحشر من كلِّ أُمّة فوجاًيوم القيامة ، وسنحشر الناس جميعاً يوم القيامة؟ قال ابن شهر آشوب : لا خلاف أنَّ الله يحيي الجملة يوم القيامة ، فالفوج إنّما يكون في غير القيامة(٥) .

يقول السيد الطباطبائي : لو كان المراد الحشر إلىٰ العذاب ، لزم ذكر هذه الغاية دفعا للابهام ، كما في قوله تعالىٰ :( وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا ) (٦) ، مع أنّه لم يذكر فيما بعد هذه الآية إلاّ العتاب والحكم الفصل دون العذاب ، والآية كما ترىٰ مطلقة لم يشر فيها إلىٰ شيءٍ يلوح إلىٰ هذا الحشر الخاص المذكور ، ويزيدها إطلاقاً قوله

__________________

(١) تفسير ابن كثير ٣ : ٣٨٨. وتفسير البيضاوي ٢ : ١٨٣.

(٢) روح المعاني ٢٠ : ٢٦.

(٣) تفسير الرازي ٢٤ : ٢١٨.

(٤) روح البيان ، للبروسوي ٦ : ٣٧٣.

(٥) متشابه القرآن ٢ : ٩٧.

(٦) سورة فصلت ٤١ : ١٩.


بعدها :( حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا ) فلم يقل : حتىٰ إذا جاءوا العذاب أو النار أو غيرها.

ويؤيد ذلك أيضا وقوع الآية والآيتين بعدها بعد نبأ دابة الأرض ، وهي من أشراط الساعة ، وقبل قوله :( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) إلىٰ آخر الآيات الواصفة لوقائع يوم القيامة ، ولا معنىٰ لتقديم ذكر واقعة من وقائع يوم القيامة علىٰ ذكر شروعه ووقوع عامة ما يقع فيه ، فإنَّ الترتيب الوقوعي يقتضي ذكر حشر فوج من كلّ أُمّة لو كان من وقائع يوم القيامة بعد ذكر نفخ الصور وإتيانهم إليه داخرين.

وقد تنبّه لهذا الإشكال بعض من حمل الآية علىٰ الحشر يوم القيامة ، فقال : لعل تقديم ذكر هذه الواقعة علىٰ نفخ الصور ووقوع الواقعة للايذان بأنّ كلاً ممّا تضمّنه هذا وذاك من الأحوال طامّة كبرىٰ وداهية دهياء ، حقيقة بالتذكير علىٰ حيالها ، ولو روعي الترتيب الوقوعي لربّما توهّم أن الكل داهية واحدة.

قال : وأنت خبير بأنّه وجه مختلق غير مقنع ، ولو كان كما ذكر لكان دفع توهّم كون الحشر المذكور في الآية في غير يوم القيامة بوضع الآية بعد آية نفخ الصور مع ذكر ما يرتفع به الإبهام المذكور أولىٰ بالرعاية من دفع هذا التوهّم الذي توهّمه.

فقد بان أنَّ الآية ظاهرة في كون هذا الحشر المذكور فيها قبل يوم القيامة(١) .

__________________

(١) تفسير الميزان ، للطباطبائي ١٥ : ٣٩٧.


أمّا القائلون بالحشر الخاص بعد حشر يوم القيامة فهو رأي غريب لا يستند إلىٰ شيء من القرآن الكريم أو السُنّة المطهّرة الناطِقَينِ بوحدة يوم المعاد.

ثانياً : قوله تعالىٰ :( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) (١) .

روى الشيخ الكلينيقدس‌سره بالاسناد عن عبدالله بن سنان ، قال : سألت أباعبداللهعليه‌السلام عن قول الله جل جلاله( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ) الآية ، فقالعليه‌السلام :« هم الأئمة عليهم‌السلام » (٢) .

وقال الطبرسي : المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات النبي وأهل بيتهعليهم‌السلام ، وتضمّنت الآية البشارة لهم بالاستخلاف والتمكين في البلاد وارتفاع الخوف عنهم عند قيام المهديعليه‌السلام منهم ، ويكون المراد بقولهتعالىٰ :( كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) هو أن جعل الصالح للخلافة خليفة مثل آدم وداود وسليمانعليهم‌السلام ، ويدلّ علىٰ ذلك قوله تعالىٰ :( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) (٣) وقوله( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ) (٤) وقوله :( فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ) (٥) .

__________________

(١) سورة النور ٢٤ : ٥٥.

(٢) الكافي ١ : ١٥٠ / ٣.

(٣) سورة البقرة ٢ : ٣٠.

(٤) سورة ص ٣٨ : ٢٦.

(٥) سورة النساء ٤ : ٥٤.


قال : وعلىٰ هذا إجماع العترة الطاهرة ، وإجماعهم حجة لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتىٰ يردا عليَّ الحوض » وأيضا فإنّ التمكين في الأرض علىٰ الاطلاق لم يتّفق فيما مضىٰ فهو منتظر ، لأنّ الله عزَّ اسمه لا يخلف وعده(١) .

قال الحر العامليقدس‌سره : وهذا أوضح تصريح في نقل الاجماع علىٰ رجعة النبي والأئمةعليهم‌السلام ، ويظهر ذلك جلياً من ضمائر الجمع في الآية(٢) ، ومن الافعال المستقبلة الكثيرة ، ولفظ الاستخلاف والتمكين والخوف والأمن والعبادة وغير ذلك من التصريحات والتلويحات التي لا تستقيم إلاّ في الرجعة(٣) .

ثالثا : قوله تعالىٰ :( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ) (٤) .

قال الشيخ المفيدقدس‌سره : قال سبحانه مخبرا عمّن يحشر من الظالمين أنّه يقول يوم الحشر الأكبر :( رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ ) الآية ، وللعامة في هذه الآية تأويل مردود ، وهو أن قالوا : إنَّ المعني بقوله تعالىٰ :( رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ ) أنّه خلقهم أمواتاً بعد الحياة ، وهذا باطل لا يجري علىٰ لسان العرب ، لأنَّ الفعل لا يدخل إلاّ علىٰ ما كان بغير الصفة التي انطوىٰ اللفظ علىٰ معناها ، ومن خلقه الله مواتا لا يقال إنّه أماته ، وإنّما يدخل ذلك فيمن طرأ عليه

__________________

(١) مجمع البيان ، للطبرسي ٧ : ٢٣٩.

(٢) الايقاظ من الهجعة ، للحر العاملي : ٣٨.

(٣) المصدر السابق : ٧٤.

(٤) سورة غافر ٤٠ : ١١.


الموت بعد الحياة ، كذلك لا يقال أحيا الله ميتا ، إلاّ أن يكون قبل إحيائه ميتاً ، وهذا بيّن لمن تأمله.

وقد زعم بعضهم أنَّ المراد بقوله :( رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ ) الموتة التي تكون بعد حياتهم في القبور للمُساءلة ، فتكون الاُولىٰ قبل الإقبار والثانية بعده ، وهذا أيضاً باطل من وجه آخر ، وهو أنَّ الحياة للمساءلة ليست للتكليف فيندم الإنسان علىٰ ما فاته في حياته ، وندم القوم علىٰ ما فاتهم في حياتهم المرتين يدلُّ علىٰ أنّه لم يرد حياة المساءلة ، لكنه أراد حياة الرجعة التي تكون لتكليفهم والندم علىٰ تفريطهم فلا يفعلون ذلك فيندمون يوم العرض علىٰ ما فاتهم من ذلك(١) .

إذن فالمراد بالموتتين موتة عند انتهاء آجالهم ، والموتة الثانية بعد عودتهم إلىٰ الحياة ، وتفسير منكري الرجعة بأنَّ الموتة الثانية قبل خلقهم حين كانوا عدماً لا يستقيم ، لأنّ الموت لا يكون إلاّ للحي ، ويلزم هذا وجودهم أحياء وهم في العدم ، فلا يبقىٰ إلاّ ما بيّناه للخروج من هذا التناقض.

رابعاً : قوله تعالىٰ :( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ ) إلىٰ قوله تعالىٰ :( لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ) (٢) .

روىٰ الشيخ الصدوق والكليني وعلي بن إبراهيم والعياشي وغيرهم

__________________

(١) المسائل السروية : ٣٣.

(٢) سورة النحل ١٦ : ٣٨ ـ ٣٩.


أنّها نزلت في الرجعة(١) ، ولا يخفىٰ أنّها لا تستقيم في إنكار البعث ، لأنّهم ما كانوا يقسمون باللهبل كانوا يقسمون باللات والعزىٰ ، ولأنّ التبيين إنّما يكون في الدنيا لا في الآخرة(٢) .

خامساً : قوله تعالىٰ :( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (٣) .

قال ابن شهرآشوب : (هذه الآية تدلُّ علىٰ أنَّ بين رجعة الآخرة والموت حياة أُخرىٰ ، ولا ينكر ذلك لأنّه قد جرىٰ مثله في الزمن الأول ، قوله في قصة بني إسرائيل :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ ) ، وقوله في قصة عزير أو أرميا :( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ ) ، وقوله في قصة إبراهيم :( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ) )(٤) .

وقال الشيخ الحر العاملي : وجه الاستدلال بهذه الآية أنّه أثبت الإحياء مرتين ، ثم قال بعدها( ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) والمراد به القيامة قطعاً ، والعطفـخصوصاً بثمّـظاهر في المغايرة ، فالإحياء الثاني إما في الرجعة أو نظير لها ، وبالجملة ففيها دلالة علىٰ وقوع الإحياء قبل القيامة(٥) .

سادساً : قوله تعالىٰ :( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ

__________________

(١) الكافي ٨ : ٥٠ / ١٤. وتفسير القمي ١ : ٣٨٥. وتفسير العياشي ٢ : ٢٥٩ / ٢٦.والاعتقادات ، للصدوق : ٦٢.

(٢) الايقاظ من الهجعة ، للعاملي : ٧٦.

(٣) سورة البقرة ٢ : ٢٨.

(٤) متشابه القرآن ٢ : ٩٧. والآيات من سورة البقرة ٢ : ٢٤٣ ، ٢٥٩ ، ٢٦٠ علىٰ التوالي.

(٥) الايقاظ من الهجعة ، للحر العاملي : ٨٤.


وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) إلىٰ قوله تعالىٰ :( مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (١) .

روىٰ الشيخ الكليني والصدوق بالاسناد عن الباقر والصادقعليهما‌السلام : « أنّ المراد بالذين استضعفوا هم الأئمة من أهل البيت عليهم‌السلام وأنَّ هذه الآية جارية فيهم عليهم‌السلام إلىٰ يوم القيامة » (٢) .

وروى السيد الرضيقدس‌سره بالاسناد عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « قال أميرالمؤمنين عليه‌السلام : لتعطفنَّ علينا الدنيا بعد شماسها عطف الضروس علىٰ ولدها ، ثم تلا قوله تعالىٰ : ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ) » (٣) ، وفي روايات عديدة أنَّ ذلك يكون إذا رجعوا إلىٰ الدنيا وقتلوا أعداءهم وملكوا الأرض(٤) .

قال الحر العاملي : وهذه الآية تدلُّ علىٰ أنَّ المنّ علىٰ الجماعة المذكورين وجعلهم أئمة وارثين والتمكين لهم في الأرض وحذر أعدائهم منهم ، كلّه بعدما استضعفوا في الأرض ، وهل يتصور لذلك مصداق إلاّ الرجعة ، وهل يجوز التصدي لتأويلها وصرفها عن ظاهرها ودليلها بغير قرينة ، وضمائر الجمع وألفاظه في المواضع الثمانية يتعين حملها علىٰ الحقيقة ، ولا يجوز صرفها إلىٰ تأويل بعيد ولا قريب ، إلاّ أن يخرج الناظر فيها عن الانصاف ويكذّب الأحاديث الكثيرة المتواترة في تفسير الآية

__________________

(١) سورة القصص ٢٨ : ٥ ـ ٦.

(٢) الكافي ، للكليني ١ : ٢٤٣ / ١. ومعاني الأخبار ، للصدوق : ٧٩.

(٣) خصائص الأئمة ، للسيد الرضي : ٧٠ مجمع البحوث الإسلامية ـ مشهد.

(٤) تفسير القمي ١ : ٢٥ و ١٠٦ و ٢ : ٢٩٧. ومختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سليمان : ٤٢ و ٤٦ و ١٦٧. والرجعة ، للاسترآبادي : ١٢٩ دار الاعتصام.


بالرجعة(١) .

سابعاً : قوله تعالىٰ :( وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ) (٢) .

روى علي بن إبراهيم والطبرسي وغيرهما بالاسناد عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « كلُّ قرية أهلك الله أهلها بالعذاب لا يرجعون في الرجعة ، وأمّا في القيامة فيرجعون ، ومن محض الإيمان محضاً وغيرهم ممن لم يهلكوا بالعذاب ، ومحضوا الكفر محضاً يرجعون » (٣) وهذه الآية أوضح دلالة علىٰ الرجعة ، لأنّ أحداً من أهل الإسلام لا ينكر أنّ الناس كلهم يرجعون إلىٰ القيامة ، من هلك ومن لم يهلك ، فقوله :( لَا يَرْجِعُونَ ) يعني في الرجعة ، فأما إلىٰ القيامة فيرجعون حتىٰ يدخلوا النار(٤) .

ثامنا : قوله تعالىٰ :( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) (٥) .

روي عن الإمام الباقر والصادقعليهما‌السلام من عدّة طرق« أنّ هذا النصر يكون في الرجعة ، ذلك لأنَّ كثيراً من الأنبياء والأوصياء قُتِلوا وظُلمِوا ولم ينصروا ، وأنّ الله لا يخلف الميعاد » (٦) .

__________________

(١) الايقاظ من الهجعة ، للحر العاملي : ٧٥.

(٢) سورة الانبياء ٢١ : ٩٥.

(٣) تفسير القمي ١ : ٢٤. ومختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سليمان : ٤١. وبحار الأنوار ، للمجلسي ٥٣ : ٦٠ / ٤٩. والايقاظ من الهجعة ، للحر العاملي : ٨٩.

(٤) بحار الأنوار ٥٣ : ٥٢ / ٢٩.

(٥) سورة غافر ٤٠ : ٥١.

(٦) تفسير القمي ٢ : ٢٥٨. ومختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سليمان : ٤٥. وكامل الزيارات ، لابن قولويه : ٦٣ / ٣.


وسئل الشيخ المفيدقدس‌سره في المسائل الحاجبية عن هذه الآية ، حيثُ قيل له : في هذه الآية تأكيد ، فقد أوجب تعالىٰ بأنّه ينصرهم في الحالين جميعاً في الدنيا والآخرة ، وهذا الحسين بن عليعليهما‌السلام حجة الله قتل مظلوماً فلم ينصره أحد؟

فأجاب الشيخ المفيدقدس‌سره بوجوه ، إلىٰ أن قال : وقد قالت الإمامية أنَّ الله تعالىٰ ينجز الوعد بالنصر للأولياء قبل الآخرة عند قيام القائمعليه‌السلام والكرة التي وعد بها المؤمنين ، وهذا لا يمنع من تمام الظلم عليهم حيناً مع النصر لهم في العاقبة(١) .

ثالثاً : الحديث :

مما لاريب فيه أنّ صحة الأحكام والعقائد تتوقف علىٰ ورود أحاديث شريفة ثابتة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته المعصومينعليهم‌السلام سيما ما يتعلق بالاعتقاد بالاُمور الغيبية وحوادث المستقبل ، روىٰ الشيخ الكلينيقدس‌سره في باب الضلال ، بالاسناد عن هاشم صاحب البريد ، قال : قال أبو عبداللهعليه‌السلام :« أما والله إنّه شر عليكم أن تقولوا لشيء ما لم تسمعوه منّا » (٢) ، والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصى وأوفر من أن تستقصىٰ.

وممّا يؤيد الرجعة الروايات الكثيرة المتواترة التي نقلها الثقات عن أئمة الهدىٰعليهم‌السلام ، حتىٰ إنّها وردت في الأدعية والزيارات المأثورة عنهمعليهم‌السلام ، وحيث لا يسع بحثنا نقلها والتحقيق فيها ، فيكفي أن نذكر أنَّ السيد محمد مؤمن الحسيني الاسترآبادي الشهيد بمكة سنة ١٠٨٨ ه‍قد

__________________

(١) المسائل الحاجبية : ٧٤.

(٢) الكافي ، للكليني ٢ : ٤٠١ / ١.


جمع في رسالته المختصرة في الرجعة نحو ١١١ حديثاً من الكتب المعتمدة وجميعها تنصُّ علىٰ الرجعة.

وأخرج الحر العاملي (ت ١١٠٤ ه‍ ) في كتابه (الايقاظ من الهجعة بالبرهان علىٰ الرجعة) ما يزيد علىٰ ٦٢٠ بين آية وحديث صريح في الرجعة نقلها عن سبعين كتاباً قد صنفها عظماء علماء الإمامية(١) ، وقال : إنَّ أحاديث الرجعة ثابتة عن أهل العصمةعليهم‌السلام لوجودها في الكتب الأربعة وغيرها من الكتب المعتمدة ، وكثرة القرائن القطعية الدالة علىٰ صحتها وثبوت روايتها ، علىٰ أنّها لا تحتاج إلىٰ شيءٍ من القرائن لكونها قد بلغت حدّ التواتر ، بل تجاوزت ذلك الحدّ ، وكل حديث منها يفيد العلم مع القرائن المشار إليها ، فكيف يبقى شك مع اجتماع الجميع؟(٢) .

وجمع العلاّمة المجلسي المتوفى سنة ١١١١ ه‍نحو ٢٠٠ حديث في باب الرجعة من كتاب (بحار الأنوار) وقال : كيف يشكّ مؤمن بحقية الأئمة الأطهارعليهم‌السلام فيما تواتر عنهم في قريب من مائتي حديث صريح ، رواها نيف وأربعون من الثقات العظام والعلماء الأعلام في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم ، كثقة الإسلام الكليني ، والصدوق محمد بن بابويه ، والشيخ أبي جعفر الطوسي ، والسيد المرتضىٰ ، والنجاشي ، والكشي ، والعياشي ، وعلي بن إبراهيم ، وسليم الهلالي ، والشيخ المفيد ، والكراجكي ، والنعماني ، والصفار ، وسعد بن عبدلله ، وابن قولويه ، والسيد علي بن طاووس ، وفرات بن إبراهيم ، وأبي الفضل الطبرسي ،

__________________

(١) الايقاظ من الهجعة : ٤٥٠ و ٤٣٠.

(٢) المصدر السابق : ٢٦.


وإبراهيم بن محمد الثقفي ، ومحمد بن العباس بن مروان ، والبرقي ، وابن شهر آشوب ، والحسن بن سليمان ، والقطب الراوندي ، والعلامة الحلي وغيرهم.

إلى أن قال : وإذا لم يكن مثل هذا متواتراً ، ففي أيّ شيءٍ يمكن دعوىٰالتواتر مع ماروته كافة الشيعة خلفا عن سلف(١) .

المصنفون فيها :

ولم يقتصر علماء الإمامية ومصنفوهم علىٰ إيراد أحاديث الرجعة ضمن باب الغيبة من مصنفاتهم وحسب ، بل أفردوها في تأليف خاصّ بها ، وقد عددنا نحو أربعين كتاباً خاصاً بهذا الموضوع ، نذكر منها علىٰ سبيل المثال :

١ـكتاب الرجعة للحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني ، ذكره النجاشي في الرجال(٢) .

٢ـكتاب إثبات الرجعة(٣) ، وكتاب الرجعة وأحاديثها(٤) ، وكتاب مختصر إثبات الرجعة(٥) ، جميعها للشيخ أبي محمد الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري ، المتوفى سنة ٢٦٠ ه‍، روىٰ عن الإمام الجواد والهادي والعسكريعليهم‌السلام ، وقيل : روىٰ عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وكان ثقةً

__________________

(١) بحار الأنوار ، للمجلسي ٥٣ : ١٢٢.

(٢) رجال النجاشي : ٣٧.

(٣) الفهرست للشيخ الطوسي : ١٢٤ / ٥٥٢. والذريعة ، للشيخ آقا بزرك ١ : ٩٣.

(٤) الذريعة ١٠ : ١٦٢.

(٥) مطبوع في مجلة تراثنا العدد (١٥) ص ١٩٣ السنة الرابعة بتحقيق السيد باسم الموسوي.


جليلاً فقيهاً متكلماً(١) .

٣ـكتاب الرجعة ، لأحمد بن داود بن سعيد الفزاري ، أبو يحيىٰالجرجاني ، ذكره النجاشي والشيخ الطوسي في الفهرست(٢) .

٤ـكتاب الرجعة ، للشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن موسىٰ بن بابويه القمي ، المتوفىٰ سنة ٣٨١ ه‍.

٥ـكتاب الرجعة ، للشيخ أبي النضر محمد بن مسعود العياشي صاحب التفسير ، ذكره النجاشي والشيخ الطوسي في الفهرست(٣) .

٦ـكتاب إثبات الرجعة ، للعلاّمة الحلي المتوفي سنة ٧٢٦ ه‍(٤) .

٧ـكتابة الرجعة للشيخ الحسن بن سليمان الحلي ، تلميذ الشهيد الأول ، وهو صاحب مختصر بصائر الدرجات(٥) .

ومن أشهر الكتب المطبوعة والمتداولة في عصرنا الحالي :

١ـكتاب (الايقاظ من الهجعة بالبرهان علىٰ الرجعة) للمحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي ، المتوفىٰ سنة ١١٠٤ ه‍، وهو أوسع كتاب في بابه ، فقد ضمّنه نحو ٦٠٠ حديث و ٦٤ آية ، وأدلة وقرائن أُخرىٰ في البرهان علىٰ الرجعة ، وفرغ منه سنة ١٠٧٥ ه‍(٦) .

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣٠٦ / ٨٤٠. والخلاصة ، للعلاّمة الحلي : ١٣٢ / ٢.

(٢) رجال النجاشي : ٤٥٤. والفهرست ، للشيخ الطوسي : ٣٣.

(٣) المصدر السابق : ٣٥١. و ١٣٨ علىٰ التوالي.

(٤) الذريعة ، للشيخ آقا بزرك ١ : ٩٢ دار الأضواء.

(٥) بحار الأنوار ١ : ١٦. والذريعة ١ : ٩١.

(٦) مطبوع بتصحيح السيد هاشم الرسولي المحلاتي.


٢ـالشيعة والرجعة ، للشيخ محمدرضا الطبسي النجفي ، مطبوع في النجف سنة ١٩٧٥ م.

٣ـالرجعة ، للسيد محمد مؤمن الحسيني الاسترآبادي ، الشهيد في مكة سنة ١٠٨٨ ه‍(١) .

رابعاً : الاجماع :

نقل جماعة من علمائنا إجماع الإمامية علىٰ اعتقاد صحة الرجعة وإطباقهم علىٰ نقل أحاديثها وروايتها ، وعلىٰ أنّها من اعتقادات أهل العصمةعليهم‌السلام ، وكل ما كان من اعتقاداتهم فهو حقّ ، وتأولوا معارضها علىٰ شذوذ وندور :

قال الشيخ الجليل رئيس المحدثين أبو جعفر ابن بابويهرحمه‌الله في كتاب (الاعتقادات) باب الاعتقاد بالرجعة : اعتقادناـيعني الإماميةـفي الرجعة أنّها حق(٢) .

وقال الشيخ المفيدرحمه‌الله : اتفقت الإمامية علىٰ رجعة كثير من الأمواتإلىٰ الدنيا قبل يوم القيامة ، وإن كان بينهم في معنىٰ الرجعة اختلاف(٣) .

ونقل الاجماع السيد المرتضىٰ علم الهدىٰرحمه‌الله في أكثر من موضع من رسائله ، قال في (الدمشقيات) : قد اجتمعت الإمامية علىٰ أنَّ الله تعالىٰ

__________________

(١) مطبوع بتحقيق الاستاذ فارس حسون كريم.

(٢) الاعتقادات ، للصدوق : ٦٠.

(٣) أوائل المقالات ، للمفيد : ٤٦. والاختلاف الذي أشار إليه وقع في تأويل معنىٰ الرجعة علىٰ رجوع الدولة والأمر والنهي دون رجوع أعيان الأشخاص وإحياء الأموات وسيأتي بيانه في الفصل اللاحق.


عند ظهور القائم صاحب الزمانعليه‌السلام يعيد قوماً من أوليائه لنصرته والابتهاج بدولته ، وقوماً من أعدائه ليفعل بهم ما يستحق من العذاب ، وإجماع هذه الطائفة قد بيّنا في غير موضع من كتبنا أنّه حجة ، لأنَّ المعصوم فيهم ، فيجب القطع علىٰ ثبوت الرجعة مضافاً إلىٰ جوازها في القدرة(١) .

وقال في جواب المسائل التي وردت إليه من الري : الطريق إلىٰ إثبات الرجعة إجماع الإمامية علىٰ وقوعها ، فإنّهم لا يختلفون في ذلك ، وإجماعهم قد بيّنا في مواضع من كتبنا أنّه حجة لدخول قول الإمام فيه ، وما يشتمل علىٰ قول المعصوم من الأقوال لا بدَّ فيه من كونه صواباً(٢) ونقل هذا عنه الشيخ ابن شهر آشوبرحمه‌الله في (متشابه القرآن)(٣) .

وقال الشيخ الطبرسيقدس‌سره في تفسيره : إنَّ الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرق إليها التأويل عليهاـأي علىٰ رجوع الدولة دون رجوع أعيان الأشخاصـوإنّما المعوّل في ذلك علىٰ إجماع الشيعة الإمامية ، وإن كانت الأخبار تعضده وتؤيده(٤) .

وألف الشيخ الحسن بن سليمان بن خالد القمي رسالة في الرجعة قال فيها : الرجعة مما أجمع عليه علماؤنا بل جميع الإمامية(٥) .

__________________

(١) رسائل الشريف المرتضى ٣ : ١٣٦ ـ الدمشقيات ـ دار القرآن الكريم ـ قم.

(٢) المصدر السابق ١ : ١٢٥.

(٣) متشابه القرآن ومختلفه ، لابن شهر آشوب ٢ : ٩٧.

(٤) مجمع البيان ، للطبرسي ٧ : ٣٦٧.

(٥) الايقاظ من الهجعة ، للحر العاملي : ٤٣.


ونقل الإجماع علىٰ ذلك من علمائنا المتأخرين الشيخ الحر العاملي ، قال : الذي يدلُّ علىٰ صحة الرجعة إجماع جميع الشيعة الإمامية وإطباق الطائفة الاثنىٰ عشرية علىٰ اعتقاد صحة الرجعة ، فلا يظهر منهم مخالف يعتدّ به من العلماء السابقين ولا اللاحقين ، وقد علم دخول المعصوم في هذا الاجماع بورود الأحاديث المتواترة عن النبي والأئمةعليهم‌السلام الدالة علىٰ اعتقادهم بصحة الرجعة ، حتىٰ إنّه قد ورد ذلك عن صاحب الزمان محمد ابن الحسن المهديعليه‌السلام في التوقيعات الواردة عنه وغيرها(١) ومما يدلُّعلىٰ ثبوت الاجماع اتّفاقهم علىٰ رواية أحاديث الرجعة حتىٰ إنّه لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب الشيعة(٢) .

وكذلك العلاّمة المجلسي في (البحار) ، قال : أجمعت الشيعة علىٰ الرجعة في جميع الأعصار ، واشتهرت بينهم كالشمس في رابعة النهار ،حتىٰ نظموها في أشعارهم(٣) واحتجوا بها علىٰ المخالفين في جميع أمصارهم ، وشنّع المخالفون عليهم في ذلك ، وأثبتوه في كتبهم وأسفارهم ، منهم الرازي والنيسابوري وغيرهما(٤) .

خامساً : الضرورة :

ممّا يدلّ علىٰ ذلك ، الروايات الكثيرة الواردة عن أئمة الهدىٰعليهم‌السلام

__________________

(١) الايقاظ من الهجعة ، للحر العاملي : ٣٣.

(٢) المصدر السابق : ٤٣.

(٣) من ذلك ما رواه ابن عياش في (المقتضب : ٤٨) بالاسناد عن أبي سهل النوشجاني ، أنّه أنشد لأبيه مصعب بن وهب الحرون :

ولي ثقة بالرجعة الحقّ مثلما

وثقت برجع الطرف مني إلىٰ الطرف

)٤) بحار الأنوار ، للمجلسي ٥٣ : ١٢٢.


والتي هي نصّ صريح في ضرورة الاعتقاد بالرجعة ، ومنها : ما رواه الشيخ الصدوق في كتاب صفات الشيعة بالاسناد عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، قال :« من أقرّ بسبعة أشياء فهو مؤمن ـ وذكر منها ـالإيمان بالرجعة » (١) .

وروىٰ عن الإمام الرضاعليه‌السلام أنّه قال :« من أقرّ بتوحيد الله ـوساق الكلامإلىٰ أن قالـوأقرّ بالرجعة والمتعتين ، وآمن بالمعراج ، والمُساءلة في القبر ، والحوض ، والشفاعة ، وخلق الجنة والنار ، والصراط والميزان ، والبعث والنشور ، والجزاء والحساب ، فهو مؤمن حقاً ، وهو من شيعتنا أهل البيت عليهم‌السلام » (٢) .

ومما يدلُّ علىٰ أنّ الاعتقاد بالرجعة من ضروريات مذهب الإمامية ، ورودها في الأدعية والزيارات المروية عن الأئمة الهداة من عترة المصطفىٰعليهم‌السلام ، والتي علّموها لشيعتهم منها زيارة الإمام الحسينعليه‌السلام المروية في المصباح عن الإمام الصادقعليه‌السلام وفيها :« وأُشهد الله وملائكته وأنبياءه ورسله أني بكم مؤمن ، وبإيابكم موقن » (٣) ، والمراد بالإياب : الرجعة.

وفي الاقبال والمصباح في الدعاء في اليوم الذي ولد فيه الإمام الحسينعليه‌السلام المروي عن الهمداني وكيل الإمام أبي محمد العسكريعليه‌السلام وفيه :« المُعوَّض من قتله أنّ الأئمة من نسله ، والشفاء في تربته ، والفوز معه في أوبتهـإلىٰ قولهـفنحن عائذون بقبره نشهد تربته وننتظر أوبته » (٤) ، والأوبة : الرجعة.

__________________

(١) حق اليقين ، للسيد عبدالله شبر ٢ : ٢٠.

(٢) المصدر السابق.

(٣) المصدر السابق : ١٥.

(٤) المصدر السابق ٢ : ١٥.


وفي زيارات الإمام القائمعليه‌السلام التي ذكرها السيد ابن طاووس فقرات كثيرة تدلّ علىٰ ذلك ، ففي بعضها :« فاجعلني يا ربِّ فيمن يكرّ في رجعته ، ويملك في دولته ، ويتمكّن في أيامه » (١) .

وروىٰ السيد ابن طاووس بالاسناد عن الإمام الصادقعليه‌السلام في زيارة النبي والأئمةعليهم‌السلام ومنها :« إنّي من القائلين بفضلكم ، مقرٌّ برجعتكم ، لا أنكر لله قدرة » (٢) .

قال الحر العاملي : والذي يدلّ علىٰ صحة الرجعة الضرورة ، فإنّ ثبوت الرجعة من ضروريات مذهب الإمامية عند جميع العلماء المعروفين والمصنفين المشهورين ، بل يعلم العامّة أنّ ذلك من مذهب الشيعة ، فلا ترىٰ أحداً يعرف اسمه ويعلم له تصنيف من الإمامية يصرّح بإنكار الرجعة ولا تأويلها.. والذي يُعلم بالتتبّع أنَّ صحّة الرجعة أمر محقق معلوم مفروغ منه مقطوع به ضروري عند أكثر علماء الإمامية أو الجميع ، حتىٰ لقد صنفت الإمامية كتباً كثيرة في إثبات الرجعة ، كما صنفوا في إثبات المتعة وإثبات الإمامة وغير ذلك(٣) .

وممّا يدل علىٰ أنَّ صحة الرجعة أمرٌ قد صار ضرورياً ما نقل عن (كتاب سليم بن قيس الهلالي) الذي صنفه في زمان أمير المؤمنينعليه‌السلام وقوله :حتىٰ صرت ما أنا بيوم القيامة أشد يقيناً مني بالرجعة(٤) .

__________________

(١) حق اليقين ، للسيد عبدالله شبر ٢ : ١٥.

(٢) المصدر السابق.

(٣) الايقاظ من الهجعة ، للحر العاملي : ٦٠.

(٤) المصدر السابق : ٦٤.


الفصل الثالث

أحكام في الرجعة

الرجعة خاصة :

الرجعة خاصة بدلالة قوله تعالىٰ :( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا ) (١) وقوله تعالىٰ :( وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ) (٢) وقد تقدم القول فيهما آنفاً ، ويستفاد من مجموع الأخبار المستفيضة من طرق الإمامية أنَّ الراجعين صنفان من المؤمنين والكافرين ، فقد روي عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال :« إنَّ الرجعة ليست بعامة ، وهي خاصة ، لا يرجع إلاّ من محض الإيمان محضاً أو محض الشرك محضاً» (٣) أما سوىٰ هذين الصنفين فلا رجوع لهم إلىٰ يوم المآب.

من هم الراجعون؟

من حصيلة مجموع الروايات الواردة في هذا الباب نلاحظ أنّها تنصّ

__________________

(١) سورة النمل ٢٧ : ٨٣.

(٢) سورة الأنبياء ٢١ : ٩٥.

(٣) مختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سليمان : ٣٤. وبحار الأنوار ٥٣ : ٣٩ / ١.


علىٰ رجعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنينعليه‌السلام (١) والإمام الحسينعليه‌السلام (٢) وكذلك باقي الأئمة والأنبياءعليهم‌السلام (٣) .

وتنصّ كذلك علىٰ رجعة عدد من أنصار الإمام المهديعليه‌السلام ووزرائه ، وبعض أصحاب الأئمة وشيعتهم(٤) ، ورجعة الشهداء والمؤمنين(٥) ، ومن جانب آخر تنصّ علىٰ رجعة الظالمين وأعداء الله ورسوله وأهل بيتهعليهم‌السلام (٦) ، وخصوم الأنبياء والمؤمنين ، ومحاربي الحق والمنافقين(٧) ، وجميع هؤلاء لا يخرجون من الصنفين المذكورين في الحديث المتقدم.

__________________

(١) تفسير القمي ٢ : ١٤٧. وغيبة النعماني : ٢٣٤ / ٢٢. والخرائج والجرائح ، للقطب الراوندي ٢ : ٨٤٨. ومختصر بصائر الدرجات : ١٧ و ٢٤ و ٢٦ و ٢٨ و ٢٩. وبحار الأنوار ٥٣ : ٣٩ / ٢ و ٤٢ / ١٠ ، ١٢ و ٤٦ / ١٩ و ٥٦ / ٣٣ و ٩١ / ٩٦.

(٢) الكافي ، للكليني ٨ : ٢٠٦ / ٢٥٠. ومختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سليمان : ٢٤ و ٢٨ و ٢٩. وبحار الأنوار ٥٣ : ٣٩ / ١ و ٤٣ / ١٤ و ٨٩ / ٩٠.

(٣) تفسير القمي ١ : ٢٥ و ١٠٦ ، ٢ : ١٤٧. وتفسير العياشي ١ : ١٨١ / ٧٦. ومختصر بصائر الدرجات : ٢٦ و ٢٨. وبحار الأنوار ٥٣ : ٤١ / ٩ و ٤٥ / ١٨ و ٥٤ / ٣٢ و ٥٦ / ٣٨ و ٦١ / ٥٠.

(٤) رجال الكشي : ٢١٧ / ٣٩١. والكافي ، للكليني ٨ : ٥٠ / ١٤. وتفسير العياشي ٢ : ٣٢ / ٩٠ و ٢٥٩ / ٢٨. ودلائل الإمامة ، للطبري : ٢٤٧ و ٢٤٨. وروضة الواعظين ، للفتال : ٢٦٦.والزهد ، للحسين بن سعيد : ٨٢. وبحار الأنوار ٥٣ : ٤٠ / ٧ و ٧٠ / ٦٧ و ٧٦ / ٨١ و ٧٦ / ٨٢ و ٩٢ / ١٠٢.

(٥) تفسير العياشي ١ : ١٨١ / ٧٧ و ٢ : ١١٢ / ١٣٩. ومختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سليمان : ١٩. والخرائج والجرائح ، للقطب الراوندي ٣ : ١١٦٦ / ٦٤. وبحار الأنوار ٥٣ : ٦٥ / ٥٨ و ٧٠ / ٦٧.

(٦) كتاب زيد النرسي ، الاصول الستة عشر : ٤٣ـ٤٤. وبحار الأنوار ٥٣ : ٥٤ / ٣٢.

(٧) دلائل الإمامة ، للطبري : ٢٤٧. وتفسير القمي ١ : ٣٨٥. ومختصر بصائر الدرجات : ١٩٤.


هل ثمة رجعة بعد عصر الظهور؟

استفاضت الأخبار من عدة طرق بحديث الرجعة في عصر الإمام المهديعليه‌السلام وعدّها الشيخ المفيدقدس‌سره من علامات الظهور ، حيثُ قال في باب ذكر علامات القائمعليه‌السلام من كتاب (الارشاد) : قد جاءت الأخبار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهديعليه‌السلام وحوادث تكون أمام قيامه وآيات ودلالات ، فمنها خروج السفياني.. إلىٰ أن قال : وأموات ينشرون من القبور حتىٰ يرجعوا إلىٰ الدنيا فيتعارفون فيها ويتزاورون.. إلىٰ أن قال : فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة ، فيتوجهون نحوه لنصرته(١) .

وقد روي عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال :« أيام الله ثلاثة : يوم يقوم القائم ، ويوم الكرة ، ويوم القيامة » (٢) . وهو يدلُّ علىٰ أنَّ هناك كرة بعد عصر الإمام صاحب الزمانعليه‌السلام ، ويستفاد من روايات الرجعة أنّ لأمير المؤمنين عليعليه‌السلام كرات عدة(٣) ، وأنّ الإمام الحسينعليه‌السلام يكرُّ بعد عصر الظهور(٤) .

وفي هذا السياق يقول السيد عبدالله شبر : يجب الإيمان بأصل الرجعة إجمالاً ، وأنَّ بعض المؤمنين وبعض الكفّار يرجعون إلىٰ الدنيا ، وإيكال تفاصيلها إليهم عليهم‌السلام والأحاديث في رجعة أمير المؤمنين والحسين عليهما‌السلام متواترة معنىً ، وفي باقي الأئمة قريبة من التواتر ، وكيفية رجوعهم هل هو

__________________

(١) الارشاد ٢ : ٣٦٨ ـ ٣٧٠.

(٢) الخصال ، للصدوق : ١٠٨ / ٧٥. ومعاني الأخبار ، للصدوق : ٣٦٥ / ١.

(٣) مختصر بصائر الدرجات : ٢٩. وبحار الأنوار ٥٣ : ٧٤ / ٧٥ و٩٨ / ١١٤ و ١٠١ / ١٢٣.

(٤) تفسير العياشي ٢ : ٣٢٦ / ٢٤. ومختصر بصائر الدرجات : ٤٨. والاختصاص ، للمفيد : ٢٥٧.


علىٰ الترتيب أو غيره ، فكل علمه إلىٰ الله سبحانه وإلى أوليائه(١) .

حكم الرجعة :

هل الرجعة من أصول الدين؟ وهل الإسلام منوط بالاعتقاد بها؟

وما هي الأحكام التي أصدرها علماء الإمامية بشأن متأولي الرجعة؟هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عليها في هذا البحث.

الرجعة وأُصول الإسلام :

تعتقد الشيعة الإمامية بالرجعة من بين الفرق الإسلامية طبقاً لما ورد وصح من الأحاديث المروية عن أهل بيت الرسالةعليهم‌السلام ، وليس هذا بمعنىٰأنّ عقيدة الرجعة تعدُّ واحدة من أُصول الدين ، ولا هي في مرتبة الاعتقاد باللهوتوحيده أو بدرجة النبوة والمعاد ، بل هي من ضروريات المذهب كما تقدم.

ولا يترتب علىٰ الاعتقاد بالرجعة إنكار لأي حكم ضروري من أحكام الإسلام ، وليس ثمة تضاد بين هذا الاعتقاد وبين أُصول الإسلام.

يقول الشيخ المظفر : إنّ الاعتقاد بالرجعة لا يخدش في عقيدة التوحيد ، ولا في عقيدة النبوة ، بل يؤكد صحة العقيدتين ، إنّ الرجعة دليل القدرة البالغة لله تعالىٰ كالبعث والنشور ، وهي من الاُمور الخارقة للعادة التي تصلح أن تكون معجزة لنبينا محمد وآل بيته عليهم‌السلام ، وهي عيناًمعجزة إحياء الموتىٰ التي كانت للمسيح عليه‌السلام بل أبلغ هنا لأنّها بعد أن يصبح الأموات رميماً ( قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي

__________________

(١) حق اليقين ، للسيد عبدالله شبر ٢ : ٣٥.


أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) (١) .

ويقول أيضاً : والرجعة ليست من الاُصول التي يجب الاعتقاد بها والنظر فيها ، وإنّما اعتقادنا بها كان تبعا للآثار الصحيحة الواردة عن آل البيتعليهم‌السلام الذين ندين بعصمتهم من الكذب ، وهي من الاُمور الغيبية التي أخبروا عنها ، ولا يمتنع وقوعها(٢) .

الاختلاف في معنىٰ الرجعة :

رغم أنّ الأخبار قد تضافرت عن أهل بيت العصمةعليهم‌السلام بوقوع الرجعةإلىٰ الدنيا بعد الموت ، والإمامية بأجمعها علىٰ ذلك أخذاً بالروايات الصريحة الواردة في هذا الباب ، لكن البعض من المتقدمين تأول ما ورد في الرجعة بأنَّ معناها رجوع الدولة والأمر والنهي إلىٰ آل البيتعليهم‌السلام بظهور الإمام المنتظرعليه‌السلام من دون رجوع أعيان الأشخاص وإحياء الموتىٰ ، وإلىٰهؤلاء المتأوّلين يشير الشيخ المفيدقدس‌سره بقوله : اتفقت الإمامية علىٰ رجعة كثير من الأموات إلىٰ الدنيا قبل يوم القيامة ، وإن كان بينهم في معنىٰالرجعة اختلاف(٣) .

وأشار إلىٰ هذا الاختلاف العلاّمة الطبرسي في تفسيره الآية ٨٣ من سورة النمل حيث قال : استدلّ بهذه الآية علىٰ صحة الرجعة من ذهبإلىٰ ذلك من الإمامية(٤) .

__________________

(١) عقائد الإمامية : ١٠٩. والآيتان من سورة يس ٣٦ : ٧٨ ـ ٧٩.

(٢) عقائد الإمامية : ١١٣.

(٣) أوائل المقالات : ٤٦.

(٤) مجمع البيان ٧ : ٣٦٦.


وقد ذكر هذا الاختلاف الشيخ أبو زهرة حيثُ قال : ويظهر أنّ فكرة الرجعة علىٰ هذا الوضع ليست أمراً متّفقا عليه عند إخواننا الاثنىٰعشرية ، بل فريق لم يعتقده(١) .

إذن هناك متأولون للرجعة من بين الشيعة الإمامية ، فهؤلاء ينكرون الرجعة بالمعنىٰ الذي ذهبت إليه أكثر الشيعة الإمامية أخذاً بالأخبار والروايات الواردة فيها ، ولم يصرّح أحد بكفر هؤلاء أو خروجهم من الإسلام ، لأنّهم لم ينكروا أصل الاعتقاد بالرجعة والروايات المتكاثرة الواردة فيها.

علىٰ أنَّ المحققين من أعلام الطائفة قد أجابوا هؤلاء عن قولهم بما لا مزيد عليه ، قال السيد المرتضى علم الهدىٰ مجيباً علىٰ سؤال بهذا الخصوص ، وهو من جملة المسائل التي وردت عليه من الري : فأمّا من تأول الرجعة من أصحابنا علىٰ أنّ معناها رجوع الدولة من دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات ، فانّ قوماً من الشيعة لمّا عجزوا عن نصرة الرجعة وبيان جوازها وأنها تنافي التكليف (٢) عوّلوا علىٰ هذا التأويل للأخبار الواردة بالرجعة ، وهو منهم غير صحيح ، لأنَّ الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فتتطرق التأويلات عليها ، وكيف يثبت ما هو مقطوع علىٰ صحته بأخبار الآحاد التي لا توجب العلم ، وإنما المعول في إثبات الرجعة علىٰ إجماع الإمامية علىٰ معناها ، بأنَّ الله يحيي أمواتاً عند قيام القائم عليه‌السلام من أوليائه وأعدائه علىٰ ما بيناه ، فكيف يتطرق التأويل

__________________

(١) الامام الصادق ، للشيخ محمد أبو زهرة : ٢٤٠.

(٢) وسيأتي الجواب تاماً عن هذه المسألة في الفصل السادس.


على ما هو معلوم ، فالمعنىٰ غير محتمل(١) .

حكم متأولي الرجعة :

علىٰ ضوء ما تقدّم ، تبين لنا أن الرجعة من ضروريات المذهب عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية ، وان كان هناك في السابقين منهم قول بتأويل رواياتها ، لكن القائل بالتأويل لا ينكرها ، لالتفاته إلىٰ أنَّ الانكار مع العلم بالروايات وتواترها تكذيبٌ لأهل العصمة المخبرين بها ، والعياذ بالله.

وبالجملة : فإنَّ حال الاعتقاد بالرجعة حال سائر الاُمور الضرورية في المذهب ، فإنَّهـبعد ثبوت كونه من الضرورياتـيجب الاعتقاد به ، لكن الاعتقاد بالتفاصيل والجزئيات غير واجب.

وأمّا تفاصيل الأحكام المترتبة علىٰ انكار الضروري من المذهب أو الدين ، فليرجع فيها إلىٰ الكتب الاعتقادية والفقهية.

الهدف من الرجعة :

إنَّ أحداث آخر الزمان لا تزال في ظهر الغيب ، إلاّ أننا نستطيع أن نقرأ الحكم عليها أيضاً ، لأنّ العدل الإلهي مطلق لا يحدّه زمان ولا مكان ، والحكم بالعدل أصيل علىٰ أحداث الماضي والحاضر والمستقبل ، ولو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطوّل الله تعالىٰ ذلك اليوم حتىٰ يأتي بالخير المخبوء المتمثّل بمهدي آخر الزمان عليه‌السلام ورجاله ليجتثَّ مؤسسات الباطل وأجهزة الظلم والجور ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً

__________________

(١) رسائل الشريف المرتضىٰ ١ : ١٢٦.


وجوراً قال تعالىٰ :( وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ) (١) .

روىٰ الشيخ الصدوق بالاسناد عن محمد بن أبي عمير ، قال : كان الصادق جعفر بن محمدعليه‌السلام يقول :

«‎ لكلِّ أُناسٍ دولةٌ يرقبونها

ودولتنا في آخر الدهر تظهرُ »(٢)

إنَّ تطبيق العدالة السماوية في الأرض قبل يوم المحشر وقيام الناس للحساب الأكبر يشمل ثلّة من الماضين كما يشمل الذين هم في زمان ظهور الإمامعليه‌السلام ، والماضون هم أُولئك الذين حكم عليهم بالعودة إلىٰ الحياة مرة أُخرىٰ ، ويشكّلون لفيفاً متميزاً من المؤمنين والظالمين ، يعودون لينال المجرمون الذين محضوا الكفر محضا جزاء ما اقترفته أيديهم الآثمة من الظلم والفساد ومحاربة أولياء الله وعباده المخلصين ، وما يستحقونه من حدود الله تعالىٰ التي عطّلوها وأسقطوها من حسابهم ، واستبدلوها بالكفر والطغيان ، ليذوقوا العذاب في دار الدنيا ولعذاب الآخرة أشدَّ وأخزىٰ.

وعودة المؤمنين تعني انتصار أولياء الله الذين محضوا الإيمان محضاًبعد أن ذاقوا الويل والعذاب لدهور طويلة من قبل أولئك المتسلطين والمتجبرين ، وهذا المعنىٰ يمكن أن نستشعره في قوله تعالىٰ :( وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ) (٣) فهو يعني أنَّ الذين ذاقوا العذاب

__________________

(١) سورة السجدة ٣٢ : ٢٨ ـ ٢٩.

(٢) أمالي الصدوق : ٥٧٨ / ٧٩١.

(٣) سورة الأنبياء ٢١ : ٩٥.


في هذه الدنيا علىٰ كفرهم وطغيانهم لا يرجعون إليها ، وإنما يرجعون في القيامة ليذوقوا العذاب في نارها ، والعودة إلىٰ الدنيا إنَّما تختصُّ بغيرهم من الكافرين والظالمين المفسدين في الأرض الذين لم يذوقوا ألم القصاص فيها ، ولا يصحّ أن يكون المراد بالآية أنّهم لا يرجعون في القيامة لوضوح بطلانه.

ويمكن من خلال دراسة الأحاديث الواردة في هذا المجال وأقوال الأعلام تحديد ثلاثة أهداف ينطوي عليها هذا الأمر الخارق :

١ـالقتال علىٰ الدين ، فقد روي عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال : «‎ كنت مريضا بمنىٰ وأبيعليه‌السلام عندي ، فجاءه الغلام فقال : هاهنا رهط من العراقيين يسألون الأذن عليك. فقال أبيعليه‌السلام : أدخلهم الفسطاط ، وقام إليهم ودخل عليهم ، فما لبثت أن سمعتُ ضحك أبيعليه‌السلام قد ارتفع ، فأنكرت ذلك ووجدت في نفسي من ضحكه وأنا في تلك الحال.

ثم عاد إليَّ فقال : يا أبا جعفر ، عساك وجدت في نفسك من ضحكي؟فقلتُ : وما الذي غلبك منه الضحك ، جعلت فداك؟

فقال : إنَّ هؤلاء العراقيين سألوني عن أمرٍ كان مَن مضىٰ مِن آبائك وسلفك يؤمنون به ويقرون ، فغلبني الضحك سروراً أنَّ في الخلق من يؤمن به ويقرُّ.

فقلت : وما هو ، جعلت فداك؟

قال : سألوني عن الأموات متىٰ يبعثون فيقاتلون الأحياء علىٰ الدين(١) » .

__________________

(١) مختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سليمان : ٢٠ و ٢٤. وبحار الأنوار ٥٣ : ٦٧ / ٦٢.


٢ـمقاتلة أعداء الله ورسوله وأهل بيتهعليهم‌السلام ، فقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام أنّه قال :« العجب كلّ العجب بين جمادى ورجب » فقام رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، ما هذا العجب الذي لا تزال تعجب منه؟ فقال : « وأيّ عجب أعجب من أموات يضربون كلّ عدو لله ولرسوله ولأهل بيته ، وذلك تأويل هذه الآية ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ ) »(١) .

٣ـإقامة القصاص والعدل ، فقد روي عن الإمام موسىٰ بن جعفرعليه‌السلام أنّه قال :« لترجعنَّ نفوس ذهبت ، وليقتصنَّ يوم يقوم (٢) ،ومن عُذّب يقتصّ بعذابه ومن أُغيظ أغاظ بغيظه ، ومن قُتِل اقتصّ بقتله ، ويردّ لهم أعداؤهم معهم حتىٰ يأخذوا بثأرهم ، ثم يعمّرون بعدهم ثلاثين شهراً ، ثم يموتون في ليلة واحدة قد أدركوا ثأرهم ، وشفوا أنفسهم ، ويصير عدوّهمإلىٰ أشد النار عذاباً ، ثم يوقفون بين يدي الجبّار عزَّ وجل فيؤخذ لهم بحقوقهم »(٣) .

وفي هذا المجال يقول الشيخ المفيد : إنَّ الله تعالىٰ يردّ قوماً من الأموات إلىٰ الدنيا في صورهم التي كانوا عليها ، فيعزُّ منهم فريقاً ، ويذلُّ فريقا ، ويديل المحقين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين ، وذلك عند قيام مهدي آل محمد عليه‌السلام ،وإنَّ الراجعين إلىٰ الدنيا فريقان : أحدهما من علت درجته في الإيمان ، وكثرت أعماله الصالحات وخرج

__________________

(١) بحار الأنوار ٥٣ : ٦٠ / ٤٨ والآية من سورة الممتحنة ٦٠ : ١٣.

(٢) أي القائمعليه‌السلام .

(٣) مختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سليمان : ٢٨. وبحار الأنوار ٥٣ : ٤٤ / ١٦.


من الدنيا علىٰ اجتناب الكبائر الموبقات ، فيريه الله عزَّ وجلَّ دولة الحق ويعزّه بها ، ويعطيه من الدنيا ما كان يتمناه ، والآخر من بلغ الغاية في الفساد ، وانتهىٰ في خلاف المحقين إلىٰ أقصىٰ الغايات ، وكثر ظلمه لأولياء الله ، واقترافه السيئات ، فينتصر الله تعالىٰ لمن تعدىٰ عليه قبل الممات ، ويشفي غيظهم منه بما يحله من النقمات ، ثم يصير الفريقان من بعد ذلك إلىٰ الموت ، ومن بعده إلىٰ النشور وما يستحقونه من دوام الثواب والعقاب ، وقد جاء القرآن بصحة ذلك وتظاهرت به الأخبار ، والامامية بأجمعها عليه إلاّ شذاذا منهم تأوّلوا ما ورد فيه علىٰ وجه يخالف ما وصفناه(١) .

__________________

(١) أوائل المقالات : ٧٧. والتأويل المشار إليه هو أن البعض تأوّل الأخبار الواردة في الرجعة إلىٰ رجوع الدولة في زمان ظهور الإمام المهديعليه‌السلام لا رجوع أعيان الأشخاص كما تقدم آنفاً.


الفصل الرابع

الرجعة عند العامّة

إحياء الموتىٰ :

ليس للرجعة في كتب العامّة أثر يذكر سيّما بالمعنىٰ الذي جاء في روايات أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، إلاّ علىٰ سبيل بيان آراء الشيعة أو التشنيع عليهم ، ولكنهم نقلوا روايات في رجوع الأموات إلىٰ الحياة الدنيا(١) ولم يستنكروها بل عدوها من المعاجز أو الكرامات.

وقد ألف ابن أبي الدنيا أبو بكر عبدالله بن محمد بن عبيد بن سفيان الأموي القرشي المتوفى سنة (٢٨١ ه‍ )(٢) كتاباً في ذلك عنوانه (من عاش بعد الموت) وصدر هذا الكتاب محققاً عن دار الكتب العلمية في بيروت سنة ١٩٨٧ م.

وأفرد أبو نعيم الأصفهاني في «الدلائل» ، والسيوطي في «الخصائص»

__________________

(١) تجد بعض نصوصها في احتجاج الفضل بن شاذان الفصل الخامس.

(٢) ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد ١٠ : ٨٩.


باباً في معجزات الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في إحياء الموتىٰ(١) ، وروىٰ الماوردي والقاضي عياض بعض معجزاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في إحياء الموتىٰ(٢) ، وذكر السيوطي كرامات في إحياء الموتىٰ لغير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ورووا أنَّ زيد بن حارثة (٣) والربيع بن خراش (٤) ورجلاً من الأنصار (٥) قد تكلموا بعد الموت ، وأنَّ ربعي بن حراش الغطفاني تبسّم بعد الموت )، وأن أبا القاسم الطلحي إسماعيل بن محمد الحافظ قد ستر سوأته بعد موته )، وأن شيبان النخعيـوقيل : نباتة بن يزيدـأحيا حماره )، وأنَّ أبا المعالي سراج الدين الرفاعي المتوفى سنة (٨٨٥ ه‍ ) أحيا شاةً ، وأمات رجلاً )، وأنَّ الماجشون مات وحيي (١٠) .وغيرها مما يفوق حدّ

__________________

(١) دلائل النبوة ، لأبي نعيم : ٢٢٣. والخصائص الكبرىٰ ، للسيوطي ٢ : ١١٠ ـ ١١٤.

(٢) أعلام النبوة ، للماوردي : ١٤١. والشفا ١ : ٦١٤.

(٣) الغدير ، للأميني ١١ : ١٠٣ عن الاستيعاب ١ : ١٩٢. والبداية والنهاية ٦ : ١٥٦ و ١٥٨.والروض الاُنف ٢ : ٣٧. والاصابة ١ : ٥٦٥ و ٢ : ٢٤. وتهذيب التهذيب ٣ : ٤١٠.والخصائص الكبرىٰ ٢ : ٨٥. وشرح الشفا للخفاجي ٣ : ١٠٥ و ١٠٨.

(٤) الغدير ، للأميني ١١ : ١١٣ عن البداية والنهاية ٦ : ١٥٨. والروض الاُنف ٢ : ٣٧٠. وصفة الصفوة ٣ : ١٩.

(٥) الغدير ، للأميني ١١ : ١٠٥ عن البداية والنهاية ٦ : ١٥٨.

(٦) الغدير ، للأميني ١١ : ١١٩ عن صفة الصفوة ٢ : ١٩. وطبقات الشعراني ١ : ٣٧. وتاريخ ابن عساكر ٥ : ٢٩٨.

(٧) الغدير ، للأميني ١١ : ١٦٧ عن المنتظم ١٠ : ٩٠. والبداية والنهاية ١٢ : ٢١٧.

(٨) الغدير ١١ : ١٠٦ عن البداية والنهاية ٦ : ١٥٣ و ٢٩٢. والاصابة ٢ : ١٦٩.

(٩) الغدير ١١ : ١٨٧ عن روضة الناظرين ، للإمام ضياء الدين الوتري : ١١٢.

(١٠) الغدير ١١ : ١٣٥ عن وفيات الأعيان ٢ : ٤٦١. ومرآة الجنان ١ : ٣٥١. وتهذيب التهذيب ١١ : ٣٨٩. وشذرات الذهب ١ : ٢٥٩.


الاحصاء.

ونقل محيي الدين عبدالقادر بن شيخ العيدروسي في النور السافر حوادث سنة (٩١٤ ه‍ ) كرامات كثيرة للشيخ أبي بكر بن عبدالله باعلوي المتوفىٰ سنة ٩١٤ ه‍، منها أنّه لمّا رجع من الحجّ دخل زيلع ، وكان الحاكم بها يومئذٍ محمد بن عتيق ، فاتّفق أنّه ماتت أُمّ ولد للحاكم المذكور ، وكان مشغوفاً بها ، فكاد عقله يذهب لموتها ، قال : فدخل عليه سيدي لما بلغه عنه من شدة الجزع ، ليعزيه ويأمره بالصبر والرضا بالقضاء ، وهي مسجّاة بين يدي الحاكم بثوب ، فعزّاه وصبّره ، فلم يفد فيه ذلك ، وأكبّ علىٰ قدم سيدي الشيخ يقبّلها ، وقال : يا سيدي ، إن لم يحيي الله هذه متُّ أنا أيضاً ، ولم تبق لي عقيدة في أحد!

فكشف سيدي وجهها ، وناداها باسمها فأجابته : لبيك ، وردَّ الله روحها ، وخرج الحاضرون ، ولم يخرج سيدي الشيخ حتىٰ أكلت مع سيدها الهريسة ، وعاشت مدّة طويلة(١) .

ومن يروي مثل هذه الروايات مخبتا إليها دون أي غمزٍ فيها ، لماذا يستحيل القول بالرجعة ، وهل الرجعة إلاّ رجوع الحياة للميت بعد زهوق نفسه ، والأخبار التي ذكرناها ما هي إلاّ من مصاديقها وتدلّ علىٰ جوهرية إمكانها وجوازها عقلاً.

__________________

(١) النور السافر عن أخبار القرن العاشر : ٨٤. وراجع الغدير ١١ : ١٩٠. وشذرات الذهب ٨ : ٦٣.


السيوطي والصبّان :

وفي هذا السياق يقول الاستاذ مروان خليفات : وقد قال الحافظ جلال الدين السيوطي بالرجعة ، لكن بمعنىٰ مختلف عن الذي تقول به الإمامية ، فقد ادعىٰ إمكانية رؤية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في اليقظة ، وألّف رسالة في ذلك هي (إمكان رؤية النبي والملك في اليقظة) وادعىٰ السيوطي رؤيته للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بضعاً وسبعين مرة كلها في اليقظة.

واعتقاد السيوطي هذا شبيه باعتقاد الشيعة بالرجعة ، وقوله برجوع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في اليقظة لا يختلف عن قول الشيعة برجوع بعض الأمواتإلىٰ الحياة ، فلماذا يشنّع علىٰ الشيعة لاعتقادهم الرجعة ، ولا يشنع علىٰ السيوطي؟! بل إنّه ما زال محل احترام وتقدير من جميع المذاهب ، فكلَّ من يطعن بعقيدة الشيعة في الرجعة ، فهو طاعن بالسيوطي الملقب بشيخ الإسلام.

وحين تكلم محمد بن علي الصبّان في «اسعاف الراغبين ص١٦١»ـوهو من العامّةـعن طرق معرفة عيسى الأحكام الإسلامية بعد نزوله ، قال : ومنهاـأي الطرقـأنّ عيسىٰ إذا نزل يجتمع بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا مانع من أن يأخذ عنه ما يحتاج إليه من أحكام شريعته(١) ، واعتقاد الاجتماع برسولاللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعني رجوعه إلىٰ الدنيا في زمان الظهور.

أشراط الساعة :

ونضيف إلىٰ ما تقدم أنّ من تمعّن في أحاديث وأخبار أشراط الساعة

__________________

(١) وركبت السفينة : ٦٤٤.


وعلامات الظهور يجد مزيداً من الأحاديث والأخبار تشير إلىٰ أنّ الإمام المهديعليه‌السلام والممهدين له يقاتلون بني أُمية وآل أبي سفيان وبني العباس وغيرهم من الاُسر والبيوتات الغابرة(١) ، فلعلّ ذلك يوحي إلىٰ عودتهمإلىٰ الحياة الدنيا ، للاقتصاص منهم.

ويشير إلىٰ هذا المعنىٰ ما نقله ابن أبي الحديد ، وفقاً لرأي الشيعة الإمامية ، عند شرحه لقول أمير المؤمنينعليه‌السلام في إخباره عن ظهور الإمام صاحب الزمانعليه‌السلام قال : « يُغريه الله ببني أُمية حتىٰ يجعلهم حطاماًورفاتاً» .

قال ابن أبي الحديد : فإن قيل فمن يكون من بني أُمية في ذلك الوقت موجوداً حتىٰ يقولعليه‌السلام في أمرهم ما قال من انتقام الرجل منهم ، حتىٰ يودّوا لو أنّ عليّاًعليه‌السلام كان المتولي لأمرهم عوضاً عنه؟

قيل : أما الإمامية فيقولون بالرجعة ، ويزعمون أنّه سيعاد قوم بأعيانهم من بني أُمية وغيرهم إذا ظهر إمامهم المنتظر ، وأنّه يقطع أيدي أقوام وأرجلهم ، ويسمل عيون بعضهم ، ويصلب قوماً آخرين ، وينتقم من أعداء آل محمدعليهم‌السلام المتقدمين والمتأخرين(٢) .

ومما يدلّ علىٰ الرجعة من أحاديث أشراط الساعة عند العامّة ما رواه الشيخ يوسف بن يحيىٰ الشافعي عن الثعلبي في تفسيره ، قال : إنَّ المهدي يسلّم علىٰ أهل الكهف ، فيحييهم الله عزَّ وجلَّ(٣) .

__________________

(١) راجع عقد الدرر ، للمقدسي الشافعي : ٧٦ و ٨٠ و ١١٠ دار النصايح ـ قم.

(٢) شرح بن أبي الحديد ٧ : ٥٨ ـ ٥٩.

(٣) عقد الدرر ، للمقدسي الشافعي : ١٩٢.


وممّا يدلّ علىٰ ذلك أيضاً ما رواه ابن أبي الحديد في شرحه لخطبة أمير المؤمنينعليه‌السلام : « حتىٰ يظنَّ الظانّ أنّ الدنيا معقولة علىٰ بني أُمية » قال : وهذه الخطبة طويلة ، وقد حذف الرضيقدس‌سره منها كثيرا ، ومن جملتها :« والله والله ،لا ترون الذي تنتظرون حتىٰ لا تدعُون الله إلاّ إشارة بأيديكم وإيماضاً بحواجبكم ، وحتىٰ لا تملكون من الأرض إلاّ مواضع أقدامكم ، وحتىٰ يكون موضع سلاحكم علىٰ ظهوركم ، فيومئذٍ لا ينصرني إلاّ الله بملائكته ، ومن كتب علىٰ قلبه الإيمان ، والذي نفس عليٍّ بيده لا تقوم عصابة تطلب لي أو لغيري حقاً ، أو تدفع عنّا ضيماً ، إلاّ صرعتهم البليّة ،حتىٰ تقوم عصابةٌ شهدت مع محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدراً» (١) .

وهو واضح الدلالة علىٰ رجعة أمير المؤمنينعليه‌السلام إلىٰ الحياة الدنيا وقتاله الظالمين مع عصابة من الملائكة.

موقف العامّة من الرجعة :

القول بالرجعة يعدُّ عند العامّة من المستنكرات التي يستقبح الاعتقاد بها ، وكان المؤلفون منهم في رجال الحديث يعدّون الاعتقاد بالرجعة من الطعون في الراوي والشناعات عليه التي تستوجب رفض روايته وطرحها ، وكان علماء الجرح والتعديل ولا يزالون إذا ذكروا بعض العظماء من رواة الشيعة ومحدثيهم ولم يجدوا مجالاً للطعن فيه لوثاقته وورعه وأمانته ، نبذوه بأنّه يقول بالرجعة ، فكأنّهم يقولون يعبد صنماً أو يجعل لله شريكاً ، فكان هذا الاعتقاد من أكبر ما تُنبز به الشيعة الإمامية ويُشنّع به عليهم.

ولنأخذ مثالاً علىٰ ذلك جابر بن يزيد الجعفي ، فالثابت عند أغلب

__________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٦ : ٣٨٢.


أهل الجرح والتعديل من العامّة أنّ جابراً كان ثقة صدوقاً في الحديث.

قال سفيان : كان جابر ورعاً في الحديث ، ما رأيت أورع في الحديث منه(١) .

وقال إسماعيل بن عُلية : سمعتُ شعبة يقول : جابر الجعفي صدوق في الحديث(٢) .

وقال شعبة : لا تنظروا إلىٰ هؤلاء المجانين الذي يقعون في جابر الجعفي ، هل جاءكم عن أحدٍ بشيءٍ لم يقله(٣) .

وقال وكيع : مهما شككتم في شيءٍ ، فلا تشكّوا في أنَّ جابراً ثقة ، حدثنا عنه مسعر ، وسفيان ، وشعبة ، وحسن بن صالح(٤) .

وقال محمد بن عبدالله بن عبدالحكم : سمعت الشافعي يقول : قال سفيان الثوري لشعبة : لئن تكلّمت في جابر الجعفي لأتكلمنّ فيك(٥) .

وقال معلّىٰ بن منصور الرازي : قال لي أبو معاوية : كان سفيان وشعبة ينهياني عن جابر الجعفي ، وكنت أدخل عليه فأقول : من كان عندك؟

__________________

(١) تهذيب الكمال ٤ : ٤٦٧. وتاريخ الإسلام ، للذهبي (وفيات سنة ١٢١ـ١٤٠ ه‍ ) : ٥٩.وميزان الاعتدال ١ : ٣٧٩. وتهذيب التهذيب ٢ : ٤٧.

(٢) الجرح والتعديل ١ : ١٣٦. والمصدر السابق.

(٣) الجرح والتعديل ١ : ١٣٦.

(٤) تهذيب الكمال ٤ : ٤٦٧. وتاريخ الإسلام ، للذهبي (وفيات سنة ١٢١ـ١٤٠ ه‍ ) : ٥٩.وميزان الاعتدال ١ : ٣٧٩. وتهذيب التهذيب ٢ : ٤٧.

(٥) المصدر السابق.


فيقول : شعبة وسفيان(١) .

وكان جابر أحد الذين أُخذ عنهم العلم ، فقد وصفه الذهبي بأنه أحد أوعية العلم(٢) .

وقال عبدالرحمن بن شريك : كان عند أبي عن جابر الجعفي عشرة آلاف مسألة(٣) .

وعن الجراح بن مليح ، قال : سمعتُ جابراً يقول : عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر الباقر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تركوها كلّها(٤) .

وعن سلام بن أبي مطيع ، قال : سمعتُ جابراً الجعفي يقول : إنَّ عندي خمسين ألف حديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما حدّثت بها أحداً(٥) .

وروي نحو ذلك عن زهير بن معاوية(٦) .

إذن فلماذا ترك بعضهم حديث جابر ، واتهموه بالكذب في الحديث تارة ، وبالرفض أُخرىٰ ، وضعفوه ، ونهوا عن كتابة حديثه(٧) ؟

والجواب كما تجده عند أقطابهم لا يعدو أكثر من نقطتين :

__________________

(١) تهذيب الكمال ٤ : ٤٦٨. وتهذيب التهذيب ٢ : ٤٧.

(٢) تاريخ الإسلام ، للذهبي (وفيات سنة ١٢١ ـ ١٤٠ ه‍ ) : ٥٩.

(٣) ميزان الاعتدال ١ : ٣٨٠.

(٤) صحيح مسلم ـ المقدمة : ٢٥. وميزان الاعتدال ١ : ٣٨٣.

(٥) ميزان الاعتدال ١ : ٣٨٠. وتهذيب التهذيب ٢ : ٤٨.

(٦) ميزان الاعتدال ١ : ٣٧٩.

(٧) راجع تهذيب الكمال ٤ : ٤٦٩. وتاريخ الإسلام (وفيات سنة ١٢١ـ١٤٠ ه‍ ) : ٦٠. وميزان الاعتدال ١ : ٣٨٠. وضعفاء العقيلي ١ : ١٩٢ـ١٩٦. وتهذيب التهذيب ٢ : ٤٧ ـ ٤٩.


الاُولىٰ : اعتقاده الجازم بأولوية أهل البيتعليهم‌السلام بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من جميع الخلق وكونهم أوصياءه وحملة علمه.

فلقد عابوا عليه أن يقول : حدثني وصيّ الأوصياء(١) ، يريد بذلك الإمام محمد بن علي الباقرعليه‌السلام .

وذكر شهاب أنّه سمع ابن عيينة يقول : تركت جابراً الجعفي وما سمعتُ منه قال : دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علياً فعلمه مما تعلم ، ثم دعا علي الحسن فعلمه مما تعلم ، ثم دعا الحسن الحسين فعلمه مما تعلم ، ثم دعا ولده... حتىٰ بلغ جعفر بن محمد.

قال سفيان : فتركته لذلك(٢) .

وسمعه يقول أيضاً : انتقل العلم الذي كان في النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلىٰ علي ، ثم انتقل من علي إلىٰ الحسن ، ثم لم يزل حتىٰ بلغ جعفراً(٣) .

وكأنهم لم يسمعوا قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« أنا مدينة العلم ، وعليٌّ بابها » (٤) ، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :« أنا دار الحكمة وعليٌّ بابها » (٥) .

الثانية : قوله بالرجعة ، وعليه إجماعهم.

قال أبو أحمد بن عدي : عامّة ما قذفوه به أنه كان يؤمن بالرجعة(٦) .

__________________

(١) ضعفاء العقيلي ١ : ١٩٤. وميزان الاعتدال ١ : ٣٨٣. وتهذيب التهذيب ٣ : ٤٩.

(٢) ميزان الاعتدال ١ : ٣٨١.

(٣) المصدر السابق.

(٤) المستدرك علىٰ الصحيحين ، للحاكم ٣ : ١٢٦ و ١٢٧. وجامع الاُصول ٩ : ٤٧٣.

(٥) سنن الترمذي ٥ : ٦٣٧. ومصابيح السُنّة ٤ : ١٧٤.

(٦) تهذيب الكمال ٤ : ٤٦٩. وتهذيب التهذيب ٢ : ٤٨.


وقال زائدة : أما جابر الجعفي فكان يؤمن بالرجعة(١) .

وقال جرير بن عبدالحميد : لا استحلّ أن أروي عنه ، كان يؤمن بالرجعة(٢) .

وعن ابن قتيبة وابن حبان قال : كان جابر يؤمن بالرجعة(٣) .

وروىٰ العقيلي بالاسناد عن سفيان ، قال : كان الناس يحملون عن جابر قبل أن يظهر ما أظهر ، فلمّا أظهر ما أظهر اتّهمه الناس في حديثه ، وتركه بعض الناس. فقيل له : وما أظهر؟ قال : الإيمان بالرجعة(٤) .

وقال أبو أحمد الحاكم : جابر يؤمن بالرجعة(٥) .

إذن فقد اتضح أن جابراً كان يعتقد بالرجعة ، وأن معاصريه من أقطاب الحديث عند العامّة كانوا يعلمون عقيدته تلك جيداً ، كما هو مفاد التصريحات السابقة. فمن أين جاءه هذا الاعتقاد ، وما هو مصدر روايته؟

مما لا ريب فيه أن جابراً الجعفي كان معاصرا لثلاثة من أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، وهم علي بن الحسين زين العابدين ، ومحمد بن علي الباقر ، وجعفر بن محمد الصادقعليهم‌السلام ، وكان من خواص الإمامين الباقر

__________________

(١) تهذيب الكمال ٤ : ٤٦٨. وتهذيب التهذيب ٢ : ٤٨. ونحوه في ضعفاء العقيلي ١ : ١٩٣.وميزان الاعتدال ١ : ٣٨٠.

(٢) ميزان الاعتدال ١ : ٣٨٠. وتهذيب التهذيب ٢ : ٤٩. ضعفاء العقيلي ١ : ١٩٢ نحوه.

(٣) تهذيب الكمال ٤ : ٤٧٠ الهامش. وتهذيب التهذيب ٢ : ٥٠. وميزان الاعتدال ١ : ٣٨٣.

(٤) ضعفاء العقيلي ١ : ١٩٤.

(٥) تهذيب التهذيب ٢ : ٥٠.


والصادقعليهما‌السلام (١) ، وروي أنّه خدم الإمام الباقرعليه‌السلام ١٨ سنة(٢) ، وبقي ملازماً للإمام الصادقعليه‌السلام حتىٰ توفي في أيامه سنة ١٢٨ ه‍(٣) .

والروايات عن أئمة الهدىٰعليهم‌السلام تدلّ علىٰ صدقه وأمانته وجلالته ، وأنّ عنده الكثير من أسرارهمعليهم‌السلام ، فقد روي في الصحيح بالاسناد عن الحسين بن أبي العلاء وزياد بن أبي الحلال ، عن أبي عبدالله الصادقعليه‌السلام ، أنّه قال : رحم الله جابر الجعفي ، كان يصدق علينا(٤) .

وعن يونس بن عبدالرحمن : أن علم الأئمةعليهم‌السلام انتهىٰ إلىٰ أربعة أحدهم جابر(٥) .

وعن ذريح المحاربي ، قال : سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن جابر الجعفي ، فقال ليعليه‌السلام :« يا ذريح دع ذكر جابر ، فإنّ السفلة إذا سمعوا بأحاديثه شنّعوا ـ أو قال ـأذاعوا » (٦) .

إذن فالرجل من الثقات الأجلاّء ، وقد شهد له بذلك أعلام الطائفة ، كابن قولويه ، وعلي بن إبراهيم ، والشيخ المفيد في رسالته العددية ، وابن الغضائري علىٰ ما حكاه العلامة عنه ، وقد مرّ ما يؤيد جلالته وثقته وكونه من أوعية العلم فيما تقدّم بمصادر العامّة.

__________________

(١) رجال الشيخ : ١١١ / ٦ و ١٦٣ / ٣٠. ومستدركات علم الرجال ٢ : ١٠٦ عن المناقب لابن شهر آشوب.

(٢) مستدركات علم الرجال ٢ : ١٠٥ و ١٠٧ عن أمالي الشيخ الطوسي.

(٣) رجال النجاشي : ١٢٨ / ٣٣٢.

(٤) رجال الكشي : ١٩١ / ٣٣٦. ومنتهىٰ المقال ٢ : ٢١٤.

(٥) رجال الكشي : ٤٨٥ / ٩١٧.

(٦) قاموس الرجال ٢ : ٥٣٤.


ونخلص من كلِّ ما تقدم أنّ جابراً كان قد أخذ هذه العقيدة من عترة المصطفىٰعليهم‌السلام الذين أُمرنا بالتمسك بهم بدليل حديث الثقلين ، ولو كانت هذه العقيدة غير ثابتة عنهمعليهم‌السلام لوردَ ولو حديث واحد يدل علىٰ منع جابر من القول بالرجعة ، علىٰ أنّه قد أظهر القول بها في حياة الصادقينعليهما‌السلام ، لأنّه مات في حياة الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام كما تقدم ، وقد كان خلال ذلك متوفّراً علىٰ خدمتهم والأخذ عنهمعليهم‌السلام .

إذن فالطعن في جابر لقوله بالرجعة هو طعن في عقائد أهل البيتعليهم‌السلام ومدرسة الإسلام الأصيل المتمثلة بالإمامين محمد الباقر وابنه جعفر الصادقعليهما‌السلام .

قال السيد ابن طاووس في كتاب (الطرائف) : روىٰ مسلم في صحيحه في أوائل الجزء الأول باسناده إلىٰ الجراح بن مليح ، قال : سمعتُ جابراًيقول : عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر محمد الباقرعليه‌السلام عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تركوها كلها ، ثم ذكر مسلم في صحيحه باسناده إلىٰ محمد بن عمر الرازي ، قال : سمعتُ حريزاً يقول : لقيت جابر بن يزيد الجعفي فلم أكتب عنه لأنّه كان يؤمن بالرجعة.

ثم قال : انظر رحمك الله كيف حرموا أنفسهم الانتفاع برواية سبعين ألف حديث عن نبيهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم برواية أبي جعفرعليه‌السلام الذي هو من أعيان أهل بيته الذين أمرهم بالتمسك بهم ، ثم إنّ أكثر المسلمين أو كلّهم قد رووا إحياء الأموات في الدنيا وحديث إحياء الله تعالىٰ الأموات في القبور للمساءلة ، ورواياتهم عن أصحاب الكهف ، وهذا كتابهم يتضمن( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ


أَحْيَاهُمْ ) (١) والسبعون الذين أصابتهم الصاعقة مع موسىٰعليه‌السلام ، وحديث العزير ، ومن أحياه عيسىٰ بن مريمعليه‌السلام ، وحديث جريج الذي أجمع علىٰ صحته أيضاً. فأيّ فرق بين هؤلاء وبين ما رواه أهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم من الرجعة ، وأي ذنبٍ كان لجابر في ذلك حتىٰ يسقط حديثه(٢) ؟

ولا ريب أنّ هذا من نوع التهويلات التي تتخذها الطوائف الإسلامية ذريعة لطعن بعضها في بعض والدعاية ضده ، ولا نرىٰ في الواقع ما يبرر هذا التهويل ضد أمرٍ لا يحيطون به علماً.

روىٰ حماد عن زرارة ، أنّه قال : سألت أبا عبدالله الصادقعليه‌السلام عن هذه الاُمور العظام من الرجعة وأشباهها. فقالعليه‌السلام : « إنّ هذا الذي تسألون عنه لم يجيء أوانه ، وقد قال الله عزَّ وجل : ( بَل كذّبُوا بِما لم يُحيطُوا بعلمِهِ ولمَا يأتِهِم تأويلُهُ ) » (٣) .

يقول الشيخ محمد جواد مغنية : أما الأخبار المروية في الرجعة عن أهل البيتعليهم‌السلام فهي كالأحاديث في الدجال التي رواها مسلم في صحيحه القسم الثاني من ٢ : ١٣١٦ طبعة سنة ١٣٤٨ ه‍، ورواها أيضاً أبو داود في سننه ٢ : ٥٤٢ طبعة سنة ١٩٥٢ م وكالأحاديث التي رويت عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أنَّ أعمال الأحياء تعرض علىٰ أقاربهم الأموات في كتاب مجمع الزوائد للهيثمي ١ : ٢٢٨ طبعة سنة ١٣٥٢ ه‍.

إنَّ هذه الأحاديث التي رواها العامّة في الدجال وعرض أعمال الأحياء

__________________

(١) سورة البقرة ٢ : ٢٤٣.

(٢) بحار الأنوار ٥٣ : ١٤٠. وحق اليقين ، لعبداللهشبر ٢ : ٣٥.

(٣) بحار الأنوار ٥٣ : ٤٠ / ٤ والآية من سورة يونس ١٠ : ٣٩.


علىٰ الأموات وما إلىٰ ذلك تماماً كالأخبار التي رواها الشيعة في الرجعة عن أهل البيتعليهم‌السلام (١) !

وفي هذا الصدد ينبغي الالتفات إلىٰ أنَّ هناك بعض الخرافات التي تمتزج أحياناً في الحديث عن الرجعة فتشوّه وجهها في نظر البعض حتىٰ من الشيعة الإمامية ، يقول الحرّ العامليقدس‌سره في مقدمة كتابه (الايقاظ من الهجعة) : قد جمع بعض السادات المعاصرين رسالة (اثبات الرجعة)(٢) التي وعد الله بها المؤمنين والنبي والأئمة الطاهرينعليهم‌السلام وفيها أشياء غريبة مستبعدة لم يعلم من أين نقلها ، ليظهر أنّها من الكتب المعتمدة ، فكان ذلك سببا لتوقف بعض الشيعة عن قبولها حتىٰ انتهىٰ إلىٰ إنكار أصل الرجعة وحاول إبطال برهانها ودليلها ، وربما مال إلىٰ صرفها عن ظاهرها وتأويلها ، مع أنَّ الأخبار بها متواترة ، والأدلة العقلية والنقلية علىٰ إمكانها ووقوعها كثيرة متظاهرة(٣) .

إذن يجب أن نعوّل علىٰ الأحاديث الصحيحة في هذا الشأن ، وأن نتجنب الأحاديث المشكوكة أو المطعون فيها.

__________________

(١) الشيعة والتشيع ، لمحمد جواد مغنية : ٥٦.

(٢) وهي للسيد محمود بن فتح الله الحسيني الكاظمي النجفي معاصر الشيخ الحر العاملي. راجع الذريعة ، للشيخ آقا بزرك ١ : ٩٤.

(٣) الايقاظ من الهجعة ، للعاملي : ٣.


الفصل الخامس

مناظرات واحتجاجات

ورد عن الأئمةعليهم‌السلام وأعلام الطائفة عدّة مناظرات للدفاع عن عقيدة الرجعة ، أجابوا فيها عن شبهات المخالفين للقول بها ، أو مصححين بعض الآراء التي تعترض لأصحابهم ، أو شارحين لهم بعض المفاهيم المتعلقة بها.

والدفاع عن هذه العقيدة لم يكن وليد الأمس ، بل إنّه راسخ منذ عصر أمير المؤمنين عليعليه‌السلام وباقي الأئمةعليهم‌السلام وأصحابهم ، فقد روي عن نجم ابن أعين أنّه كان مجاهدا في الرجعة(١) ، وروىٰ العلاّمةقدس‌سره في الخلاصة في ترجمة ميسّر بن عبدالعزيز عن العقيقي ، قال : أثنى عليه آلمحمدعليهم‌السلام ، وهو ممن يجاهد(٢) في الرجعة(٣) .

قال المجلسيقدس‌سره : قيل : المعنىٰ أنّه يرجع بعد موته مع القائمعليه‌السلام ويجاهد معه ، والأظهر عندي أنَّ المعنىٰ أنّه كان يجادل مع المخالفين ،

__________________

(١) رجال ابن داود : ١٩٥.

(٢) هكذا في نسخة البحار ، وفي الخلاصة : يجاهر.

(٣) الخلاصة ، للعلاّمة الحلي : ٢٧٩.


ويحتجّ عليهم في حقيّة الرجعة(١) .

١ ـ احتجاج أمير المؤمنين عليعليه‌السلام :

روىٰ الحسن بن سليمان الحلي بالاسناد عن الأصبغ بن نباتة ، قال : إنّعبدالله بن الكواء اليشكري قام إلىٰ أمير المؤمنينعليه‌السلام فقال : يا أمير المؤمنين ، إنَّ أبا المعتمر تكلّم آنفاً بكلام لا يحتمله قلبي.

فقالعليه‌السلام : ‎« وما ذاك؟

قال : يزعم أنك حدّثته أنّك سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : إنّا قد رأينا أو سمعنا برجل أكبر سناً من أبيه؟

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :فهذا الذي كبر عليك؟

قال : نعم ، فهل تؤمن أنت بهذا وتعرفه؟

فقالعليه‌السلام :نعم ، ويلك يا ابن الكواء ، إفقه عني أُخبرك عن ذلك ، إنّ عزيراً خرج من أهله وامرأته في شهرها ، وله يومئذٍ خمسون سنة ، فلمّا ابتلاه الله عزَّ وجلَّ بذنبه أماته مائة عام ثم بعثه ، فرجع إلىٰ أهله وهو ابن خمسين سنة ، فاستقبله ابنه وهو ابن مائة سنة ، وردَّ الله عزيراً في السنَّ الذي كان به .

فقال : أسألك ما نريد؟

فقال له أمير المؤمنينعليه‌السلام :سل عمّا بدا لك .

فقال : نعم ، إنَّ أُناساً من أصحابك يزعمون أنّهم يردّون بعد الموت.

__________________

(١) بحار الأنوار ٥٣ : ١٢٤.


فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :نعم ، تكلم بما سمعت ولا تزد في الكلام ، فما قلت لهم؟

قال : قلت : لا أُؤمن بشيء ممّا قلتم.

فقال له أمير المؤمنينعليه‌السلام :ويلك إنَّ الله عزَّ وجلَّ ابتلىٰ قوماً بما كان من ذنوبهم ، فأماتهم قبل آجالهم التي سمّيت لهم ثم ردَّهم إلىٰ الدنيا ليستوفوا أرزاقهم ، ثمّ أماتهم بعد ذلك.

قال : فكبر علىٰ ابن الكواء ولم يهتد له ، فقال له أمير المؤمنينعليه‌السلام :ويلك تعلم أنّ الله عزَّ وجلَّ قال في كتابه : ( وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ) (١) فانطلق بهم معه ليشهدوا له إذا رجعوا عند الملأ من بني إسرائيل إنَّ ربي قد كلمني ، فلو أنهم سلّموا ذلك له ، وصدّقوا به ، لكان خيراًلهم ، ولكنهم قالوا لموسى عليه‌السلام : ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللهَ جَهْرَةً ) قال الله عزَّ وجلَّ ( فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ) يعني الموت ( وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (٢) .

أفترىٰ يا ابن الكواء أنَّ هؤلاء قد رجعوا إلىٰ منازلهم بعدما ماتوا؟

فقال ابن الكواء : وما ذاك ، ثمَّ أماتهم مكانهم؟

فقال له أمير المؤمنينعليه‌السلام :ويلك ، أوليس قد أخبرك الله في كتابه حيث يقول : ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ) (٣) فهذا بعد

__________________

(١) سورة الاعراف ٧ : ١٥٥.

(٢) سورة البقرة ٢ : ٥٥ ـ ٥٦.

(٣) سورة البقرة ٢ : ٥٧.


الموت إذ بعثهم ، وأيضاً مثلهم يابن الكواء الملأ من بني إسرائيل حيثُ يقول الله عزَّ وجل : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ) (١) .

وقوله أيضاً في عزير حيثُ أخبر الله عزَّ وجلَّ فقال : ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ ) وأخذه بذلك الذنب ( مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ) وردّه إلىٰ الدنيا ( قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ) (٢) فلا تشكنَّ يا ابن الكواء في قدرة الله عزَّ وجل » (٣) .

٢ ـ احتجاج الشيخ أبي محمد الفضل بن شاذان :(٤)

ذكر الشيخ ابن شاذانقدس‌سره في احتجاجه علىٰ هذه المسألة روايات عديدة في إحياء الموتىٰ مروية بطرق العامّة ، وقد ذكرنا بعضاً منها مراعاة للاختصار :

قال في ذكر الرجعة من كتاب (الايضاح) :

ورأيناكم عبتم عليهمـأي علىٰ الإماميةـشيئاً تروونه من وجوه كثيرة

__________________

(١) سورة البقرة ٢ : ٢٤٣.

(٢) سورة البقرة ٢ : ٢٥٩.

(٣) مختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سليمان : ٢٢. وبحار الأنوار ٥٣ : ٧٢ / ٧٢. والايقاظ من الهجعة : ١٨٥ / ٤٢. والرجعة ، للاسترآبادي : ٤٩ / ٢٣.

(٤) وهو أبو محمد الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري ، روىٰ عن أبي جعفر الثاني والهادي والعسكريعليهم‌السلام ، وقيل : روىٰ عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وكان ثقة جليلاً ، وفقيهاً ومتكلماً ، ذُكر أنّه صنّف ١٨٠ كتاباً ، وترحّم عليه الإمام أبو محمد العسكريعليه‌السلام مرتين وقيل : ثلاثاً ، وتوفي سنة ٢٦٠ ه‍. رجال النجاشي : ٣٠٦ / ٨٤٠. والخلاصة : ١٣٢ / ٢.


عن علمائكم وتؤمنون به وتصدّقونه ، ونحن مفسّرون ذلك لكم من أحاديثكم بما لا يمكنكم دفعه ولا جحوده.

من ذلك ما رويتم عن إبراهيم بن موسىٰ الفرّاء ، عن ابن المبارك ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، قال : جاء يزيد بن النّعمان بن بشير إلىٰ حلقة القاسم بن عبدالرّحمن بكتاب أبيه النعمان بن بشير إلىٰ أُم عبدالله بنت أبي هاشمـيعني إلىٰ أُمهـبسم الله الرحمن الرحيم ، من النعمان بن بشيرإلىٰ أُم عبدالله بنت أبي هاشم ، سلامٌ عليكم ، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو.

أما بعد ، فإنّي كتبت إليك بشأن زيد بن خارجة ، وأنّه كان من أمره أنّه أخذه وجعٌ في كتفه ، وهو يومئذٍ من أصحّ أهل المدينة حالاً في نفسه فمات ، فأتاني آتٍ وأنا أُسبّح بعد الغروب فقال لي : إنَّ زيداً تكلّم بعد وفاته.

ورويتم عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبدالملك بن عمير ، عن ربعي بن حراش ، قال : كنّا أربع إخوة ، وكان الرّبيع أخونا أصومنا في اليوم الحار ، وأطولنا صلاة ، فخرجت فقيل لي : إنّه قد مات ، فاسترجعت ، ثمَّ رجعت حتىٰ دخلت عليه فإذا هو مسجّىٰ عليه ، وإذا أهله عنده ، وهم يذكرون الحنوط ، فجلست فما أدري أجلوسي كان أسرع أم كشف الثوب عن وجهه ، ثمّ قال : السلام عليك ، فأخذني ما تقدّم وما تأخّر من الذّعر ، ثمَّ قلت : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ، أبعد الموت؟! قال : نعم ، إنّي لقيت ربي بعدكم فتلقاني بروحٍ وريحانٍ وربّ غير غضبان ، فكساني ثياب السندس والإستبرق ، وإنَّ الأمر أيسر ممّا في أنفسكم ولا تغترّوا ، وإنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقسم عليّ أن لا يسبقني حتىٰ أُدركه ، فاحملوني إلىٰ

 

رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فما شبّهت موته إلاّ بحصاةٍ رمىٰ بها في ماءٍ ، ثم ذكرت ذلك لعائشة ، فقالت : ما سمعت بمثل حديث صاحبكم في هذه الاُمّة ، ولقد صدقكم.

وروىٰ عدّة روايات عن إحياء الموتىٰ بطرق العامّة ، إلىٰ أن قال :

فهذه رواياتكم وروايات فقهائكم في الرجعة بعد الموت ، وأنتم تنحلون الشيعة ذلك جرأةً علىٰ الله وقلّة رعةٍ وقلّة حياءٍ لا تبالون ما قلتم.

وروىٰ علي ابن أُخت يعلىٰ الطنافسي ومحمّد بن الحسين بن المختار كلاهما عن محمد بن الفضيل ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن فراس ، عن الشعبي ، قال : أُغمي علىٰ رجل من جهينة في بدء الإسلام ، كان اسمه المفضّل ، فبينا نحن كذلك عنده وقد حفر له ، إذ مرَّ بهم رجلٌ يقال له المفضّل ، فأفاق الرجل ، فكشف عن وجهه ، وقال : هل مرَّ بكم المفضّل؟ قالوا : نعم ، مرَّ بنا الساعة ، فقال : ويحكم كاد أن يغلط بي ، أتاني حين رأيتموني أُغمي عليَّ آت ، فقال : لاُمّك الهبل ، أما ترىٰحفرتك تُنثل ، وقد كادت أُمّك أن تثكل ، أرأيت أن حوّلناها عنك بمحوّل ، وجعلنا في حفرتك المفضّل ، الذي مشىٰ فاجتذل ، إنّه لم يؤدّ ولم يفعل ، ثمَّ ملأنا عليه الجندل ، أتشكر لربك وتصلّ ، وتدع سبيل من أشرك وأضلَّ؟

قال : قلت : أجل ، قال : فأطلق عني ، فعاش هو ، ودفن المفضل مكانه.

فلم ترضوا بالرجعة حتىٰ نسبتم ملك الموت إلىٰ الغلط جرأةً منكم ، ثم لم ترضوا أن تحيوا الموتىٰ من الناس برواياتكم حتىٰ أحييتم البهائم من الحمر وغير ذلك.


من ذلك ما رواه عدّة من فقهائكم منهم محمد بن عبيد الطنافسي ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عامر الشعبي : أنَّ قوماً أقبلوا من الدّفينة متطوّعينـأو قال : مجاهدينـفنفق حمار رجل منهم ، فسألوه أن ينطلق معهم ولا يتخلّف ، فأبىٰ فقام فتوضأ ثمَّ صلىٰ ، ثم قال : اللهم إنك تعلم أني قد أقبلت من الدّفينة مجاهداً في سبيلك ابتغاء مرضاتك ، وإني أسألك أن لا تجعل لأحدٍ عليَّ منّة ، وأن تبعث لي حماري ؛ ثمَّ قام فضربه برجله ، فقام الحمار ينفض أُذنيه ، فأسرجه وألجمه ، ثمَّ ركب حتىٰ لحق أصحابه ، فقالوا له : ما شأنك؟ قال : شأني أنّ الله بعث لي حماري.

قال محمد بن عبيد : قال إسماعيل بن أبي خالد : قال الشعبي : فأنا رأيت حماره بيع بالكناسة.

فهذا من عجائبكم ورواياتكم ، ولسنا ننكر لله قدرة أن يحيي الموتىٰ ، ولكنّا نعجب أنكم إذا بلغكم عن الشيعة قولٌ عظّمتموه وشنّعتموه ، وأنتم تقولون بأكثر منه ، والشيعة لا تروي حديثاً واحداً عن آل محمدعليهم‌السلام أنّ ميّتاً رجع إلىٰ الدنيا كما تروون أنتم عن علمائكم ، إنّما يروون عن آل محمد أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لاُمّته :« أنتم أشبه شيء ببني إسرائيل ، والله ليكونن فيكم ما كان فيهم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة ، حتىٰ لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه » .

وهذه الرواية أنتم تروونها أيضاً ، وقد علمتم أنّ بني إسرائيل قد كان فيهم من عاش بعد الموت ، ورجعوا إلىٰ الدنيا ، فأكلوا وشربوا ونكحوا النساء ، وولد لهم الأولاد ، ولا ننكر لله قدرة أن يحيي الموتىٰ ، فإن شاء أن يردّ من مات من هذه الاُمّة كما ردّ بني إسرائيل فعل ، وإن شاء لم يفعل.


فهذا قول الشيعة ، وأنتم تروون أن قوماً قد رجعوا بعد الموت ثمَّ ماتوا بعد ، ثم تنكرون أمرا أنتم تروونه وتقولون به ظلماً وبهتاناً(١) .

٣ ـ احتجاج السيد الحميريقدس‌سره :(٢)

روىٰ الشيخ المفيدقدس‌سره عن الحارث بن عبيداللهالربعي ، أنه قال : كنت جالساً في مجلس المنصور ، وهو بالجسر الأكبر ، وسِوار القاضي عنده والسيد الحميري ينشده :

إنَّ الإله الذي لا شيء يشبهه

آتاكم الملك للدنيا وللدين

حتىٰ أتىٰ علىٰ القصيدة والمنصور مسرور ، فقال سِوار : هذا والله يا أمير المؤمنين يعطيك بلسانه ما ليس في قلبه ، والله إنّ القوم الذين يدين بحبّهم لغيركم ، وإنّه لينطوي في عداوتكم ، إلىٰ أن قال : يا أمير المؤمنين ، إنّه يقول بالرجعة ، ويتناول الشيخين بالسبّ والوقيعة فيهما.

فقال السيّد : أمّا قوله بأنّي أقول بالرجعة ، فإنّ قولي في ذلك علىٰ ما قال الله تعالىٰ :( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ) (٣) .

__________________

(١) الايضاح ، لابن شاذان : ١٨٩ ـ ١٩٥.

(٢) هو إسماعيل بن محمد بن يزيد الحميري ، أبو هاشم ، شاعر إمامي متقدم ، أكثر شعره في مدح آل البيتعليهم‌السلام ، كان ثقة جليل القدر ، عظيم المنزلة ، لقي الإمام الصادقعليه‌السلام ، وعدّه أبو عبيدة من أشعر المحدثين ، وجعله أبو الفرج ثالث ثلاثة هم أكثر الناس شعرا في الجاهلية والإسلام.ولد في نعمان سنة ١٠٥ ه‍ومات ببغداد سنة ١٧٣ ه‍.

(٣) سورة النمل ٢٧ : ٨٣.


وقال : قال في موضع آخر :( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) (١) فعلمت أنّ هاهنا حشرين : أحدهما عامّ ، والآخر خاصّ.

وقال سبحانه :( رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ) (٢) ، وقال الله تعالىٰ :( فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ) (٣) وقال الله تعالىٰ :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ) (٤) ، فهذا كتاب الله عزَّ وجلَّ.

وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يحشر المتكبّرون في صور الذرّ يوم القيامة » . وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :«لم يجرِ في بني إسرائيل شيء إلاّ ويكون في أُمّتي مثله حتىٰ المسخ والخسف والقذف » . وقال حذيفة : والله ما أبعد أن يمسخ الله كثيراً من هذه الاُمّة قردة وخنازير.

فالرجعة التي أذهب إليها ، هي ما نطق به القرآن ، وجاءت به السُنّة ، وأنّي لأعتقد أنّ الله تعالىٰ يردّ هذاـيعني سِواراً ـإلىٰ الدنيا كلبا أو قرداً أو خنزيراً أو ذرّة ، فإنّه والله متكبّر متجبّر كافر.

فضحك المنصور وأنشأ السيد يقول :

جاثيت سوّارا أبا شملة

عند الإمام الحاكم العادلِ

فقال قولاً خطأ كلّه

عند الورىٰ الحافي والناعلِ

__________________

(١) سورة الكهف ١٨ : ٤٧.

(٢) سورة غافر ٤٠ : ١١.

(٣) سورة البقرة ٢ : ٢٥٩.

(٤) سورة البقرة ٢ : ٢٤٣.


حتىٰ أتىٰ علىٰ القصيدة ، قال : فقال المنصور : كفّ عنه. فقال السيد : يا أمير المؤمنين ، البادىء أظلم ، يكفّ عني حتىٰ أكفُّ عنه.

فقال المنصور لسِوار : تكلّم بكلام فيه نَصَفة ، كفّ عنه حتىٰ لا يهجوك(١) .

٤ ـ احتجاج الشيخ المفيدقدس‌سره :(٢)

روىٰ السيد المرتضىٰقدس‌سره عن الشيخ المفيد ، أنّه قال : سأل بعض المعتزلة شيخاً من أصحابنا الإمامية وأنا حاضر في مجلس قد ضمَّ جماعة كثيرة من أهل النظر والمتفقهة ، فقال له : إذا كان من قولك إنّ الله يردَّ الأموات إلىٰ دار الدنيا قبل الآخرة عند قيام القائم ليشفي المؤمنين كما زعمتم من الكافرين ، وينتقم لهم منهم كما فعل ببني إسرائيل فيما ذكرتمحتىٰ تتعلقون بقوله تعالىٰ :( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ) (٣) فخبّرني ما الذي يؤمنك أن يتوب يزيد وشمر وعبدالرحمن بن ملجم ويرجعوا عن كفرهم وضلالهم ، ويصيروا في تلك الحال إلىٰ طاعة الإمام ، فيجب عليك ولايتهم والقطع بالثواب لهم ، وهذا نقض مذهب الشيعة؟

__________________

(١) الفصول المختارة ، للسيد المرتضىٰ : ٩٣ ـ ٩٥.

(٢) هو الإمام أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان ، المعروف بالشيخ المفيد ، وابن المعلم ، انتهت رئاسة الإمامية في وقته إليه ، وفضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والثقة والعلم ، وكانرحمه‌الله ، خاشعاً متعبداً متألهاً كثير الصلاة والصوم والصدقات ، توفي في بغداد سنة ٤١٣ ه‍.

(٣) سورة الإسراء ١٧ : ٦.


فقال الشيخ المسؤول : القول بالرجعة إنّما قبلته من طريق التوقيف ، وليس للنظر فيه مجال ، وأنا لا أُجيب عن هذا السؤال لأنّه لا نصَّ عندي فيه ، وليس يجوز أن أتكلّف من غير جهة النصّ الجواب ، فشنّع السائل وجماعة المعتزلة عليه بالعجز والانقطاع.

فقال الشيخ المفيدقدس‌سره : فأقول أنا : إنَّ علىٰ هذا السؤال جوابين :

أحدهما : إنَّ العقل لا يمنع من وقوع الإيمان ممّن ذكره السائل ، لأنّه يكون إذ ذاك قادراً عليه ومتمكناً منه ، لكن السمع الوارد عن أئمةالهدىٰعليهم‌السلام بالقطع عليهم بالخلود في النار والتدين بلعنهم والبراءة منهمإلىٰ آخر الزمان ، منع من الشكّ في حالهم ، وأوجب القطع علىٰ سوء اختيارهم ، فجروا في هذا الباب مجرىٰ فرعون وهامان وقارون ، ومجرىٰمن قطع الله عزَّ اسمه علىٰ خلوده في النار ، ودلَّ بالقطع علىٰ أنهم لا يختارون أبداً الإيمان ، وأنهم ممّن قال الله تعالىٰ في جملتهم :( وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ ) (١) يريد إلاّ أن يلجئهم الله ، والذين قال الله تعالىٰ فيهم( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ ) (٢) .

ثم قال جلَّ من قائل في تفصيلهم وهو يوجه القول إلىٰ إبليس :( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) (٣) وقوله :( وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي

__________________

(١) سورة الانعام ٦ : ١١١.

(٢) سورة الانفال ٨ : ٢٢ ـ ٢٣.

(٣) سورة ص ٣٨ : ٨٥.


إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ ) (١) وقال :( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ) (٢) وقال :( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ) (٣) فقطع عليه بالنار ، وأمن من انتقاله إلىٰ ما يوجب له الثواب ، وإذا كان الأمرعلىٰ ما وصفناه بطل ما توهّموه علىٰ هذا الجواب.

والجواب الآخر : أنّ الله سبحانه إذا ردّ الكافرين في الرجعة لينتقم منهم لم يقبل لهم توبة ، وجروا في ذلك مجرى فرعون لمّا أدركه الغرق( قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) ، وقال الله سبحانه :( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) (٤) فرد الله عليه إيمانه ، ولم ينفعه في تلك الحال ندمه وإقلاعه ، وكأهل الآخرة الذين لا تقبل لهم توبة ولا ينفعهم ندم ، لأنّهم كالملجئين إذ ذاك إلىٰ الفعل ، ولأنَّ الحكمة تمنع من قبول التوبة أبداً ، وتوجب اختصاص بعض الأوقات بقبولها دون بعض.

وهذا هو الجواب الصحيح علىٰ مذهب أهل الإمامة ، وقد جاءت به آثار متظاهرة عن آل محمدعليهم‌السلام حتىٰ روي عنهم في قوله سبحانه :( يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ) (٥) فقالوا : إنَّ هذه الآية هو القائمعليه‌السلام ، فإذا ظهر لم تقبل توبة المخالف ، وهذا يسقط ما اعتمده السائل.

__________________

(١) سورة ص ٣٨ : ٧٨.

(٢) سورة الانعام ٦ : ٢٨.

(٣) سورة المسد ١١١ : ١ ـ ٣.

(٤) سورة يونس ١٠ : ٩٠ ـ ٩١.

(٥) سورة الانعام ٦ : ١٥٨.


سؤال : فإن قالوا في هذا الجواب : ما أنكرتم أن يكون الله سبحانه علىٰ ما أصّلتموه قد أغرىٰ عباده بالعصيان ، وأباحهم الهرج والمرج والطغيان ، لأنّهم إذا كانوا يقدرون علىٰ الكفر وأنواع الضلال ، وقد يئسوا من قبل التوبة ، لم يدعهم داعٍ إلىٰ الكفّ عمّا في طباعهم ، ولا انزجروا عن فعل قبيح يصلون به إلىٰ النفع العاجل ، ومن وصف الله سبحانه بإغراء خلقه بالمعاصي وإباحتهم الذنوب ، فقد أعظم الفرية عليه؟

جواب : قيل لهم : ليس الأمر علىٰ ما ظننتموه ، وذلك أنَّ الدواعي لهمإلىٰ المعاصي ترتفع إذ ذاك ، ولا يحصل لهم داع إلىٰ قبيح علىٰ وجهٍ من الوجوه ولا سببٍ من الأسباب ، لأنّهم يكونون قد علموا بما سلف لهم من العذاب إلىٰ وقت الرجعة علىٰ خلاف أئمتهمعليهم‌السلام ، ويعلمون في الحال أنهم معذّبون علىٰ ما سبق لهم من العصيان ، وأنّهم إن راموا فعل قبيح تزايد عليهم العقاب ، ولا يكون لهم عند ذلك طبع يدعوهم إلىٰ ما يتزايد عليهم به العذاب ، بل تتوفّر لهم دواعي الطباع والخواطر كلّها إلىٰ إظهار الطاعة والانتقال عن العصيان ، وإن لزمنا هذا السؤال لزم جميع أهل الإسلام مثله في أهل الآخرة وحالهم في إبطال توبتهم ، وكون توبتهم غير مقبولة منهم ، فمهما أجاب به الموحدون لمن ألزمهم ذلك ، فهو جوابنا بعينه.

سؤال آخر : وإن سألوا علىٰ المذهب الأول والجواب المتقدم فقالوا : كيف يتوهّم من القوم الإقامة علىٰ العناد والاصرار علىٰ الخلاف ، وقد عاينوا فيما يزعمون عقاب القبور ، وحلّ بهم عند الرجعة العذاب علىٰ ما يعلمون ممّا زعمتم أنّهم مقيمون عليه ، وكيف يصحّ أن تدعوهم الدواعي إلىٰ ذلك ، ويخطر لهم في فعله الخواطر ، وما أنكرتم أن تكونوا


في هذه الدعوىٰ مكابرين؟

الجواب : قيل لهم : يصحّ ذلك علىٰ مذهب من أجاب بما حكيناه من أصحابنا بأن نقول : إنَّ جميع ما عددتموه لا يمنع من دخول الشبهة عليهم في استحسان الخلاف ، لأنَّ القوم يظنون أنّهم إنّما بعثوا بعد الموت تكرمة لهم وليلوا الدنيا كما كانوا ، ويظنون أنَّ ما اعتقدوه في العذاب السالف لهم كان غلطاً منهم ، وإذا حلَّ بهم العقاب ثانيةً توهّموا قبل مفارقة أرواحهم أجسادهم أنّ ذلك ليس من طريق الاستحقاق ، وأنّه من الله تعالىٰ ، لكنّه كما تكون الدول ، وكما حلّ بالأنبياء.

ولأصحاب هذا الجواب أن يقولوا : ليس ما ذكرناه في هذا الباب بأعجب من كفر قوم موسىٰ وعبادتهم العجل ، وقد شاهدوا منه الآيات ، وعاينوا ما حلَّ بفرعون وملئه علىٰ الخلاف ، ولا هو بأعجب من إقامة أهل الشرك علىٰ خلاف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم يعلمون عجزهم عن مثل ما أتىٰ به القرآن ، ويشهدون معجزاته وآياته عليه وآله السلام ، ويجدون مخبرات أخباره علىٰ حقائقها من قوله تعالىٰ :( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) (١) وقوله :( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ ) (٢) . وقوله :( الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ) (٣) وما حلَّ بهم من العقاب بسيفه عليه وآله السلام ، وهلاك كلّ من توعّده بالهلاك ، هذا وفيمن أظهر الإيمان به المنافقون ينضافون في خلافه إلىٰ أهل الشرك والضلال.

__________________

(١) سورة القمر ٥٤ : ٤٥.

(٢) سورة الفتح ٤٨ : ٢٧.

(٣) سورة الروم ٣٠ : ١ ـ ٣.


علىٰ أنَّ هذا السؤال لا يسوغ لأصحاب المعارف من المعتزلة ، لأنّهم يزعمون أنّ أكثر المخالفين علىٰ الأنبياء كانوا من أهل العناد ، وأنَّ جمهور المظهرين للجهل باللهيعرفونه علىٰ الحقيقة ويعرفون أنبياءه وصدقهم ، ولكنّهم في الخلاف علىٰ اللجاجة والعناد ، فلا يمنع أن يكون الحكم في الرجعة وأهلها علىٰ هذا الوصف الذي حكيناه ، وقد قال الله تعالىٰ :( وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) (١) . فأخبر سبحانه أنَّ أهل العقاب لو ردّهم الله تعالىٰ إلىٰ الدنيا لعادوا إلىٰ الكفر والعناد مع ما شاهدوا في القبور وفي المحشر من الأهوال وما ذاقوا من أليم العذاب(٢) .

٥ ـ احتجاج السيد محسن الأمين العاملي :(٣)

في معرض ردوده علىٰ أحمد أمين في افتراءاته علىٰ الشيعة الإمامية التي أوردها في كتابه (ضحىٰ الإسلام) وتراجع عن بعضها في أواخر حياته.

يقول أحمد أمين : وأمّا الرجعة ، فقد بدأ قولهـأي ابن سبأـبأنّ محمداً يرجع ، ثم تحول إلىٰ القول بأنّ عليّاً يرجع ، وفكرة الرجعة أخذها ابن سبأ من اليهودية ، فعندهم أنّ النبي إلياس صعد إلىٰ السماء ، وسيعود

__________________

(١) الانعام ٦ : ٢٧ ـ ٢٨.

(٢) الفصول المختارة ، للمرتضىٰ : ١٥٣ ـ ١٥٧.

(٣) هو العالم الكبير السيد محسن بن عبدالكريم الأمين الحسيني العاملي ، من أشهر علماء عصره ، ولد في شقراء بلبنان نحو سنة ١٢٨٤ ه‍، وتوفي في بيروت ١٣٧١ ه‍، له كتاب أعيان الشيعة ، والرحيق المختوم «شعر» ، والحصون المنيعة ، والمجالس السنية ، وغيرها.


فيعيد الدين والقانون ، ووجدت الفكرة في النصرانية أيضاً في عصورها الاُولىٰ(١) .

يقول السيد محسن الأمينقدس‌سره في مقام الاحتجاج والإلزام : فكرة الرجعة أول من قال بها عمر بن الخطاب ، روىٰ ابن سعد في الطبقات بسنده عن ابن عباس ، أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :« ائتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً» ، قال عمر : من لفلانة وفلانةـمدائن الروم ـإنَّ رسول الله ليس بميت حتىٰ نفتحها ، ولو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو إسرائيل موسىٰ.

وقال الطبري وابن سعد وغيرهما : لمّا توفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال عمر : إنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما مات ، ولكنه ذهب إلىٰ ربه كما ذهب موسىٰ بن عمران ، فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع بعد أن قيل قد مات ، والله ليرجعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فليقطعنَّ أيدي رجالٍ وأرجلهم زعموا أنّه قد مات(٢) .

__________________

(١) ضحىٰ الإسلام ١ : ٣٥٦.

(٢) أعيان الشيعة ١ : ٥٣. وراجع السيرة النبوية ، لابن هشام ٤ : ٣٠٥. والطبقات الكبرىٰ ، لابن سعد ٢ : ٢٦٦.


الفصل السادس

شبهات وردود

لا يخفىٰ ، أنه لا يكاد يوجد حقّ يخلو من شبهة تعارضه ، ولقد تعرضت عقائد أهل بيت النبوة الحقة لشبهات المعاندين علىٰ طول مسيرة التاريخ ، وواقع الأحداث مليء بالشواهد التي يطول بذكرها المقام ، وما ذلك إلاّ من محض التعصب المقيت الذي أولده الأمويون والعباسيون بما كانوا يحقدون علىٰ أعدال وقرناء كتاب الله العالمين الصادقين عترة المصطفىٰ الأمين.

والرجعة التي تعتبر من أسرار آل البيتعليهم‌السلام ، واحدة من تلك العقائد التي أُحيطت بالشبهات واتخذت ذريعة ووسيلة للتشنيع علىٰ شيعتهم من قبل بعض المخالفين ، وفيما يلي أهم الشبهات التي أثارها منكري الرجعة مع جوابها :

الشبهة الاُولى : الرجعة تنافي التكليف

الجواب : القول بمنافاة الرجعة للتكليف جعل بعض الشيعة يتأولونهاعلىٰ وجه إعادة الدولة لا إعادة أعيان الأشخاص ، وبما أنّ هذا الأمر من الأمور الغيبية ، فلا يمكن إصدار الحكم القطعي عليه ، لكن عامة أعلام


الطائفة يقولون إنّ الدواعي معها متردّدة ، أي إنها لا تستلزم التكليف ولا تنافيه ، وإنّ تكليف من يعاد غير باطل ، وقد أجابوا علىٰ ما يترتّبعلىٰ ذلك من إشكالات.

يقول السيد المرتضىٰقدس‌سره : إنَّ الرجعة لا تنافي التكليف ، وإنّ الدواعي مترددة معها حتىٰ لا يظنَّ ظان أنّ تكليف من يعاد باطل ، وإنّ التكليف كما يصحّ مع ظهور المعجزات والآيات القاهرة ، فكذلك مع الرجعة لأنّه ليس في جميع ذلك ملجىء إلىٰ فعل الواجب والامتناع من فعل القبيح(١) .

أما من هرب من القول بإثبات التكليف علىٰ أهل الرجعة لاعتقاده أنّ التكليف في تلك الحال لا يصحّ ، لأنّها علىٰ طريق الثواب وإدخال المسرّةعلىٰ المؤمنين بظهور كلمة الحقّ ، فيقول السيد المرتضىٰ : هو غير مصيب ، لأنّه لا خلاف بين أصحابنا في أنَّ الله تعالىٰ ليعيد من سبقت وفاته من المؤمنين لينصروا الإمام وليشاركوا إخوانهم من ناصريه ومحاربي أعدائه وأنّهم أدركوا من نصرته ومعونته ما كان يفوتهم لولاها ، ومن أُعيد للثواب المحض فمما يجب عليه نصرة الإمام والقتال عنه والدفاع(٢) .

وهؤلاء المتهربون من القول باثبات التكليف ، تأولوا الرجعة علىٰ أنها تعني إعادة الدولة والأمر والنهي لا عودة الأشخاص ، ذلك لأنهم عجزوا عن نصرة الرجعة ، وظنوا أنها تنافي التكليف ، يقول الشيخ أبو علي الطبرسيقدس‌سره : وليس كذلك ، لأنه ليس فيها ما يلجئ إلىٰ فعل الواجب

__________________

(١) رسائل الشريف المرتضى ١ : ١٢٦ المسائل التي وردت من الري.

(٢) المصدر السابق ٣ : ١٣٦ الدمشقيات.


والامتناع من القبيح ، والتكليف يصحّ معها كما يصحّ مع ظهور المعجزات الباهرة والآيات القاهرة كفلق البحر وقلب العصا ثعباناً وما أشبه ذلك.

ولأنّ الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرق التأويل عليها ، وإنّما المعول في ذلك علىٰ اجماع الشيعة الإمامية ، وإن كانت الأخبار تعضده وتؤيده(١) .

توبة الكفار :

إن قيل : إذا كان التكليف ثابتاً علىٰ أهل الرجعة ، فيجوز تكليف الكفار الذين استحقوا العقاب ، وأن يختاروا التوبة.

قال الشيخ المفيدقدس‌سره : إذا أراد الله تعالىٰ (رجعة الذين محضوا الكفر محضاً ) أوهَمَ الشياطين أعداء الله عزَّ وجل أنهم إنّما رُدّوا إلىٰ الدنيا لطغيانهم علىٰ الله ، فيزدادوا عتّوا ، فينتقم الله منهم بأوليائه المؤمنين ، ويجعل لهم الكرة عليهم ، فلا يبقىٰ منهم أحد إلاّ وهو مغموم بالعذاب والنقمة والعقاب ، وتصفو الأرض من الطغاة ، ويكون الدين لله ، والرجعة إنما هي لممحضي الإيمان من أهل الملة وممحضي النفاق منهم دون من سلف من الاُمم الخالية(٢) .

وأجاب السيد المرتضىٰقدس‌سره عن هذا بجوابين :

أحدهما : إنّ من أُعيد من الأعداء للنكال والعقاب لا تكليف عليه ،

__________________

(١) مجمع البيان ٧ : ٣٦٧.

(٢) المسائل السروية : ٣٥ وقد تقدم في الفصل الخامس جواب مفصل للشيخ المفيدقدس‌سره عن هذه المسألة.


وإنّما قلنا إنّ التكليف باقٍ علىٰ الأولياء لأجل النصرة والدفاع والمعونة.

والجواب الآخر : إنَّ التكليف وإن كان ثابتاً عليهم ، فيجوز أنهم لا يختارون التوبة ، لأنا قد بيّنا أنّ الرجعة غير ملجئةٍ إلىٰ قول القبيح وفعل الواجب وإنّ الدواعي متردّدة ، ويكون وجه القطع علىٰ أنهم لا يختارون ذلك ممّا علمنا وقطعنا عليه من أنهم مخلدون لا محالة في النار(١) ، قالتعالىٰ :( وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ ) (٢) ، وقال تعالىٰ :( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ) (٣) .

الشبهة الثانية : قال أبو القاسم البلخي : لا تجوز الرجعة مع الإعلام بها ، لأنَّ فيها إغراء بالمعاصي من جهة الاتكال علىٰ التوبة في الكرة الثانية.

الجواب :إنَّ من يقول بالرجعة لا يذهب إلىٰ أنّ الناس كلهم يرجعون ، فيصير إغراء بأنّ يقع الاتكال علىٰ التوبة فيها ، بل لا أحد من المكلفين إلاّ ويجوز أن لا يرجع ، وذلك يكفي في باب الزجر(٤) .

الشبهة الثالثة : كيف يعود كفار الملة بعد الموت إلىٰ طغيانهم ، وقد عاينوا عذاب الله تعالىٰ في البرزخ ، وتيقنوا بذلك أنهم مبطلون.

قال الشيخ المفيدقدس‌سره : ليس ذلك بأعجب من الكفار الذين يشاهدون في البرزخ ما يحلَّ بهم من العذاب ويعلمونه ضرورة بعد المدافعة لهم

__________________

(١) رسائل الشريف المرتضى ٣ : ١٣٧ الدمشقيات.

(٢) سورة التوبة ٩ : ٦٨.

(٣) سورة النساء ٤ : ١٨.

(٤) مجمع البيان ، للطبرسي ١ : ٢٤٢.


والاحتجاج عليهم بضلالهم في الدنيا ، فيقولون حينئذ( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) فقال الله عزَّ وجل :( بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) (١) .

الشبهة الرابعة : الرجعة تفضي إلىٰ القول بالتناسخ.

وللجواب علىٰ هذه الشبهة لا بدَّ من بيان عدّة أُمور :

١ـتواترت الروايات عن أئمة الهدىٰعليهم‌السلام علىٰ بطلان التناسخ وامتناعه ، واتّفقت كلمة الشيعة علىٰ ذلك وقد كتبوا في ذلك مقالات ورسائل.

سأل المأمون الإمام الرضاعليه‌السلام : ما تقول في القائلين بالتناسخ؟فقالعليه‌السلام :« من قال بالتناسخ فهو كافر مكذّب بالجنة » (٢) .

ويقول الشيخ الصدوققدس‌سره : القول بالتناسخ باطل ، ومن دان بالتناسخ فهو كافر ، لأنّ في التناسخ إبطال الجنة والنار(٣) .

٢ـإنَّ الذين يقولون بالتناسخ هم أهل الغلو الذين ينكرون القيامة والآخرة ، وقد فرق الأشعري في (مقالات الإسلاميين) بين قول الشيعة بالرجعة وقول الغلاة بالتناسخ بقوله :

واختلف الروافض في رجعة الأموات إلىٰ الدنيا قبل القيامة ، وهم فرقتان :

__________________

(١) المسائل السروية ، للشيخ المفيد : ٣٦ والآيتان من سورة الانعام ٦ : ٢٧ ـ ٢٨.

(٢) بحار الأنوار ، للمجلسي ٤ : ٣٢٠.

(٣) الاعتقادات ، للصدوق : ٦٢.


الاُولى : يزعمون أنّ الأموات يرجعون إلىٰ الدنيا(١) قبل يوم الحساب ، وهذا قول الأكثر منهم(٢) ، وزعموا أنه لم يكن في بني إسرائيل شيء إلاّ ويكون في هذه الاُمّة مثله ، وإنّ الله سبحانه قد أحيا قوماً من بني إسرائيل بعد الموت ، فكذلك يحيي الأموات في هذه الاُمّة ويردّهم إلىٰ الدنيا قبل يوم القيامة.

والثانية : وهم أهل الغلو ، ينكرون القيامة والآخرة ، ويقولون ليس قيامة ولا آخرة ، وإنّما هي أرواح تتناسخ في الصور ، فمن كان محسناًجُوزيَ بأن ينقل روحه إلىٰ جسد لا يلحقه فيه ضرر ولا ألم ، ومن كان مسيئاً جُوزيَ بأن ينقل روحه إلىٰ أجساد يلحق الروح في كونه فيها الضرر والألم ، وليس شيء غير ذلك ، وأنّ الدنيا لا تزال أبداً هكذا(٣) .

ومن درس تاريخ أهل البيت الأطهارعليهم‌السلام وشيعتهم الأبرار يلمس أنهم يكفّرون الغلاة ويبرأون منهم ، ولهم في هذا الباب مواقف مشهورة يطول شرحها.

يقول الدكتور ضياء الدين الريس بعد تعداده لفرق الشيعة : وقد تزاد عليهم فرقة خامسة هي الغلاة ، ولكنها في الحقيقة ليست منهم ، بل يخرجها غلوّها عن دائرة الإسلام نفسه(٤) .

__________________

(١) لا يرجع جميع الأموات ، بل الرجعة خاصة كما بيّناه في الفصل الثالث.

(٢) بيّنا في الفصل الثالث أن بعض الإمامية قد تأولوا الرجعة بمعنىً يخالف ما عليه ظواهر أحاديثها.

(٣) مقالات الإسلاميين ، لأبي الحسن الأشعري ١ : ١١٤.

(٤) النظريات السياسية الاسلامية : ٦٤ ط٤ سنة ١٩٦٧ م.


٣ـإنَّ من طعن في الرجعة باعتبار أنها من التناسخ الباطل ، فلأنه لم يفرّق بين معنىٰ التناسخ وبين المعاد الجسماني ، والرجعة من نوع المعاد الجسماني ، فإنّ معنىٰ التناسخ هو انتقال النفس من بدن إلىٰ بدن آخر منفصل عن الأول ، وليس كذلك معنى المعاد الجسماني ، فإنَّ معناه رجوع نفس البدن الأول بمشخصاته النفسية ، فكذلك الرجعة.

وإذا كانت الرجعة تناسخا ، فإنَّ إحياء الموتىٰ علىٰ يد عيسىعليه‌السلام كان تناسخاً ، وإذا كانت الرجعة تناسخاً كان البعث والمعاد الجسماني تناسخاً(١) .

وبعد هذا ليس لمتطفّل علىٰ العلم أن يقول : وفكرة الرجعة شبيهة مع فارق كبير إلىٰ الفكرة التناسخية التي جاء بها فيثاغورس...(٢) .

الشبهة الخامسة : ظهور اليهودية في التشيع بالقول بالرجعة.

يقول أحمد أمين في كتابه (فجر الإسلام) : فاليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة! وقد أجاب أعلام الطائفة بما يفنّد مدّعاه الذي لا يقوله ذو مِسكة إذا أراد الانصاف.

يقول الشيخ المظفر : فأنا أقول علىٰ مدّعاه : فاليهودية أيضاً ظهرت في القرآن بالرجعة ، كما تقدم ذكر القرآن لها في الآيات المتقدمة(٣) ، ونزيده فنقول : والحقيقة أنه لا بدَّ أن تظهر اليهودية والنصرانية في كثير من

__________________

(١) عقائد الإمامية ، للمظفر : ١١٠. والالهيات ٢ : ٨٠٩. والملل والنحل ٦ : ٣٦٤.

(٢) الشيعة والتصحيح ، موسى الموسوي : ١٤٢ ـ ١٤٣.

(٣) ذكرنا الآيات التي آشار إليها في مقدمة البحث ، وهي تدل علىٰ وقوع الرجعة في الاُمم السابقة ، وقد صرّح القرآن الكريم بذكرها بما لا يقبل التأويل.


المعتقدات والأحكام الإسلامية ، لأنَّ النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاء مصدّقاً لما بين يديه من الشرائع السماوية ، وإنْ نسخ بعض أحكامها ، فظهور اليهودية أو النصرانية في بعض المعتقدات الإسلامية ليس عيباً في الإسلام ، علىٰ تقدير أنّ الرجعة من الآراء اليهودية كما يدّعيه هذه الكاتب(١) .

ويقول الشيخ كاشف الغطاءقدس‌سره : ليت شعري هل القول بالرجعة أصل من أصول الشيعة وركن من أركان مذهبها حتىٰ يكون نبزا عليها ، ويقول القائل : ظهرت اليهودية فيها! ومن يكون هذا مبلغ علمه عن طائفة ، أليس كان الأحرىٰ به السكوت وعدم التعرّض لها؟ إذا لم تستطع أمراً فدعه.

وعلى فرض أنها أصل من أصولهم ، فهل اتّفاقهم مع اليهود بهذا يوجب كون اليهودية ظهرت في التشيع ، وهل يصحّ أن يقال إنّ اليهودية ظهرت في الإسلام ، لأنّ اليهود يقولون بعبادة إله واحد والمسلمون به قائلون؟! وهل هذ إلاّ قول زائف واستنباط سخيف(٢) .

الشبهة السادسة : الظاهر من قوله تعالىٰ :( حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (٣) نفي الرجوع إلىٰ الدنيا بعد الموت ، فكيف يمكن التوفيق بين القول بالرجعة وبين ما يدلّ عليه ظاهر الآية؟

__________________

(١) عقائد الإمامية ، للمظفر : ١١٢.

(٢) أصل الشيعة وأُصولها : ١٦٧ وللسيد محسن الأمين العامليقدس‌سره ردٌّ علىٰ هذه المسألة أورده في مقدمة أعيان الشيعة ١ : ٥٦ ـ ٥٧.

(٣) سورة المؤمنون ٢٣ : ٩٩ ـ ١٠٠.


الجواب من عدّة وجوه :

أولاً : إنّه ليس في الآية شيءٌ من ألفاظ العموم ، فلعلَّ المشار إليهم لا يرجع أحد منهم ، لأنَّ الرجعة خاصّة كما تقدّم.

ثانياً : إنَّ الذي يفهم من الآية أنّ المذكورين طلبوا الرجعة قبل الموت لا بعده ، والذي نقول به ونعتقده هو الرجعة بعد الموت ، فالآية لا تنافي صحّة الرجعة بهذا المعنىٰ.

ثالثاً : إنَّ الظاهر من الآية هو إرادة الرجعة مع التكليف في دار الدنيا ، بل يكاد يكون صريح معناها ، ونحن لا نجزم بوقوع التكليف في الرجعة ، وأنّ الدواعي معها متردّدة ، وأنه أمر منوط بعلم الغيب ، ولا يفصح عنه إلاّ المستقبل(١) .

الشبهة السابعة : أحاديث الرجعة موضوعة.

الجواب :هذه الدعوىٰ لا وجه لها ، ذلك لأنَّ الرجعة من الاُمور الضرورية فيما جاء عن آل البيتعليهم‌السلام من الأخبار المتواترة ، وعلىٰ تقدير صحّة هذه الدعوىٰ ، فإنه لا يعتبر الاعتقاد بها بهذه الدرجة من الشناعة التي هوّلها خصوم الشيعة ، وكم من معتقدات لباقي طوائف المسلمين لم يثبت فيها نصّ صحيح ، ولكنها لم توجب تكفيراً وخروجاً عن الإسلام؟

ولذلك أمثلة كثيرة ، منها الاعتقاد بجواز سهو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو عصيانه ، ومنها الاعتقاد بقدم القرآن ، ومنها القول بالوعيد ، ومنها الاعتقاد بأنّ

__________________

(١) راجع الايقاظ من الهجعة ، للحر العاملي : ٤٢٢.


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم ينصّ علىٰ خليفةٍ من بعده(٢) .

وقد بيّنا في الدليل الثالث من الفصل الثاني ثبوت الاعتقاد بالرجعة عند أئمة الهدىٰ من عترة المصطفىٰعليهم‌السلام وذلك لتواتر الروايات التي نقلها الثقات عنهمعليهم‌السلام .

الشبهة الثامنة : الرجعة محدودة في زمان النبوة.

قيل : إنَّ الرجعة لا تجوز إلاّ في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليكون معجزاً له ودلالةعلىٰ نبوته.

قال الشيخ الطبرسي : وذلك باطل ، لأنَّ عندنا بل عند أكثر الاُمّة يجوز إظهار المعجزات علىٰ أيدي الأئمة والأولياء ، والأدلة علىٰ ذلك مذكورة في كتب الأُصول(١) .

وللهالحمد والمِنّة أولاً وآخراً

وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين

__________________

(١) عقائد الإمامية ، للمظفر : ١١٠.

(٢) مجمع البيان ، للطبرسي ١ : ٢٤٢.


المحتويات

المقدِّمة..................................................................... ٧

الفصل الأول.............................................................. ١٣

تعريف الرجعة.............................................................. ١٣

الرجعة في اللغة :......................................................... ١٣

الرجعة عند الشيعة الإمامية :............................................... ١٤

الفصل الثاني.............................................................. ١٥

إمكان الرجعة وأدلّتها....................................................... ١٥

إمكان الرجعة :.......................................................... ١٥

أدلة الرجعة :............................................................ ١٧

أولاً : وقوعها في الاُمم السابقة :......................................... ١٨

إحياء قوم من بني إسرائيل :........................................ ١٩

إحياء عزير أو أرميا :.............................................. ٢٠

إحياء سبعين رجلاً من قوم موسىٰعليه‌السلام :............................. ٢١

المسيح عليه‌السلام يحيي الموتىٰ :......................................... ٢٢

إحياء أصحاب الكهف :.......................................... ٢٣

إحياء قتيل بني إسرائيل :........................................... ٢٤

إحياء الطيور لإبراهيم عليه‌السلام بإذن الله :............................... ٢٤

إحياء ذي القرنين :................................................ ٢٥

إحياء أهل أيوب عليه‌السلام :........................................... ٢٥

ثانياً : الآيات الدالة علىٰ وقوعها قبل القيامة :............................. ٢٧

ماهي دابة الأرض؟................................................ ٢٨

استدلال الأئمة عليهم‌السلام :........................................... ٣٣

استدلال أعلام الشيعة :........................................... ٣٤

أقوال المفسرين :.................................................. ٣٥

ثالثاً : الحديث :.................................................. ٤٤


المصنفون فيها :.................................................. ٤٦

رابعاً : الاجماع :.................................................. ٤٨

خامساً : الضرورة :................................................ ٥٠

الفصل الثالث............................................................. ٥٣

أحكام في الرجعة.......................................................... ٥٣

الرجعة خاصة :.......................................................... ٥٣

من هم الراجعون؟...................................................... ٥٣

هل ثمة رجعة بعد عصر الظهور؟......................................... ٥٥

حكم الرجعة :........................................................... ٥٦

الرجعة وأُصول الإسلام :................................................ ٥٦

الاختلاف في معنىٰ الرجعة :............................................... ٥٧

حكم متأولي الرجعة :..................................................... ٥٩

الهدف من الرجعة :....................................................... ٥٩

الفصل الرابع.............................................................. ٦٤

الرجعة عند العامّة.......................................................... ٦٤

إحياء الموتىٰ :............................................................ ٦٤

السيوطي والصبّان :...................................................... ٦٧

أشراط الساعة :.......................................................... ٦٧

موقف العامّة من الرجعة :................................................. ٦٩

الفصل الخامس............................................................ ٧٨

مناظرات واحتجاجات...................................................... ٧٨

١ ـ احتجاج أمير المؤمنين علي عليه‌السلام :....................................... ٧٩

٢ ـ احتجاج الشيخ أبي محمد الفضل بن شاذان :(٤) .......................... ٨١

٣ ـ احتجاج السيد الحميري قدس‌سره :(٢) ....................................... ٨٥

٤ ـ احتجاج الشيخ المفيد قدس‌سره :(٢) ......................................... ٨٧

٥ ـ احتجاج السيد محسن الأمين العاملي :(٣) ................................ ٩٢


الفصل السادس............................................................ ٩٤

شبهات وردود............................................................. ٩٤

الشبهة الثانية............................................................ ٩٧

الشبهة الثالثة............................................................ ٩٧

المحتويات.............................................................. ١٠٤