وركبت السفينة
التجميع الإمامة
الکاتب مروان خلفيات
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404




قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى ».

قال الشيخ عبد المهدي مطر:

تعيّفوا وركبنا في سفينته

فميّز اللُّجّ من عافوا ومن ركبوا

وساوموا فاشترينا حبّ حيدرةٍ

ولا نبيعُ ولو أن الدُنا ذهبُ


الإهداء

إلى:

قائد السفينة...

التي تشق بحر الوجود، لتنقذ الغرقى...

وتوصلهم إلى شاطئ النجاة...

إلى:

النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أهدي كتابي هذا

راجياً منه القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة المركز

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطيّبين الطاهرين.

إنّ دراسة السيرة والتأريخ دراسة علمية أمينة تقوم على أساس النقد والمقارنة والوقائع وتحليل المضامين تُشخّص أمامنا حقائق عديدة وتكشف لنا أسراراً وأعماقا لا تكشفها القراءة التقليدية والرؤية الاستسلاميّة للمُدوَّن الموروث.

إنّ كتابة السيرة والتاريخ عُرّضت عبر القرون والأجيال إلى التحريف والخلط والتشويه، فالكذب والوضع والدّس شوّه وجه التأريخ ولوّن نقاء الحقيقة، لقد تدخّلت الأهواء والمصالح الدنيوية وقوى السياسة والسلطات التي تخشى شهادة الحقّ في صفحات التأريخ، تدخّلت في كتابة التأريخ، وتحريف الحقائق وتضليل الأجيال.

ورغم كل ذلك فإنّ بعض مصادر التأريخ والسيرة قد حفظت للحقّ وثائقه ودفاعه والشواهد على أحقّيته.

لقد تركّزت جهود هائلة عبر أجيال من الحكّام وقرون من محاولات التزوير والتحريف وإخفاء كل ما يُبرِّز أحقيّة أهل البيتعليهم‌السلام ودورهم العلمي و السياسي في قيادة الأُمة الإسلامية علميا وسياسيا على أساس منهجهم في فهم الإسلام وحفظ الشريعة والعقيدة.


وكان تبنّي المعالم الكبرى في المنهج الإسلامي هو السبب في تعرّض أهل البيتعليهم‌السلام للظلم والاضطهاد، وشنّ الحرب الدعائية والدموية ضدّهم وضد منهجهم.

ولعل من أبرز تلك المعالم كانت الدعوة إلى التمسّك بالكتاب والسنّة، وعدم الإقرار بولاية ومشروعية الحاكم الظالم، والإيمان بأنّ الإنسان حرٌّ مختار، وهو المسؤول عن اختياره وإرادته. إنّ تلك المبادئ التي جلاها منهج أهل البيتعليهم‌السلام من أعماق الرسالة الإسلامية أصبحت تشكّل موقفا متكاملا وردّاً على حالات الركود والجبرية والخنوع للسلطات الجائرة، إذا ما عبثت بالكتاب والسنّة وجاوزت الشريعة والقانون الإلهي. وبالرغم من كل ما وضع من حجب، وما تبنّي من وسائل الإرهاب والتضليل استطاع أهل البصائر من ذوي العلم والوعي والفكر والفطرة السليمة اجتياز الحواجز النفسية، وإدراك الحقيقة، والوقوف إلى جنب الحق الذي تجسّد في منهج أهل البيتعليهم‌السلام وخطابهم للأُمة، فبالوعي والموضوعية اليقظة، والتحرّر من الجمود، ومحاكمة التقليدي الموروث يتمكن العقل من قدرته على الاكتشاف والتشخيص، لذا فإن الشعار العلمي السليم الذي تجب المناداة به، هو دعوة المسلمين إلى فتح آفاق الحوار العلمي البنّاء، والإطلال على ما بين أيدينا من ثروة علمية، وسيرة وتأريخ وتراث من خلال الفهم المتفتح والصدر المنشرح، والقصد الباحث عن الحقيقة.

ويمكن تجسيد هذا المنهج بإنشاء مراكز للبحوث والدراسات الإسلامية المقارنة وتبنّي المعاهد والجامعات والمؤسسات الثقافية المتخصصة لهذا المنهج، وإعادة كتابة التأريخ والسيرة لتنقيتهما من الشوائب والمدسوسات، وتبنّي سياسة التقريب والتفاهم بين المسلمين.


قارئنا الكريم: إنّ كتاب (وركبت السفينة) للأستاذ مروان خليفات نموذج لوقفة التأمّل مع الذات، والانطلاق ببحث علمي مقارن، وتحقيق موضوعي رصين في طروحاته الفكرية يكشف عن وعي الكاتب بالتأريخ.

وهو رحلة علمية ومذهبية رائعة تجلّت فيها حرية الفكر، والبحث المحايد عبر السفينة التي أبحر فيها من شاطئه الذي كان يستقر في مآويه إلى الشاطئ الآخر آمناً من مخاطر الأمواج وقصف الريح الكاسح، مستهدياً بالكتاب والسنّة وأدلة العقل وشواهد التأريخ.

وهذا العمل الثقافي الرصين يشكّل مساهمة فعّالة في التقريب بين المسلمين، وإسقاط الحواجز النفسية فيما بينهم، وتعريف بعضهم بالبعض الآخر.

وفي الختام نسأل الله سبحانه أن يوحّد صفوف المسلمين، ويعيد للأمّة الإسلامية عزّها ومجدها في ظلال الكتاب والسنّة المطهّرة.

إنه سميع مجيب

مركز الغدير      

١/محرّم/١٤١٨ هـ‍



تقديم

الدكتور عبد الهادي الفضلي

منذ أن كانت الجمهورية الإسلامية في إيران وأصدرت دستورها إسلامياً خالصاً اعتمدت فيه على مصادر التشريع الإسلامي فقط ومن خلال مذهب أهل البيتعليهم‌السلام ، ثارت ثائرة الإمبريالية العالمية التي تهيمن على معظم وأهم الثروات الاقتصادية والأسواق والمعابر في البلاد الإسلامية، والتي استطاعت أن تبعد المسلمين عن تحكيم الإسلام في حياتهم بحجّة أن الدين لا علاقة له بالسياسة، وليس هو إلاّ طقوساً فردية توثّق علاقة الإنسان بالله فقط من دون أن تمس شيئاً من واقع الدنيا، فوجّهت كل ما تملك من وسائل إعلام وأساليب دعاية مضلّلة ضد الإسلام حكومة وتشريعاً وحركات سياسية.

وكان من هذا أن صدر أكثر من مائتي كتاب ورسالة من قبل أعداء مذهب أهل البيت التقليديين ممن ينتمون إلى بعض المذاهب الإسلامية الحادثة تهاجم التشيع والشيعة، من خلال التضليل لأتباع أهل البيتعليهم‌السلام والتضبيب على معطيات مذهب أهل البيت، والتعتيم على ما يدعو إليه من التمسّك بالشريعة الإسلامية كاملاً وفي جميع مجالات الحياة.

وكل هذا نتيجة الصدى القوي الذي أحدثته الثورة الإسلامية الإيرانية، حيث وعّت ونبّهت الأمة الإسلامية أن تهيمن على ثروات البلاد الإسلامية من أن تسلب من قبل الإمبريالية العالمية.

ورأى أتباع أهل البيت أن لا يتصدوا للرد وفضح ألاعيب وأكاذيب هذه


الدعايات المضلّلة وهذه الضجّات الكاذبة المفتعلة، لئلا يشغلوا أنفسهم عما هو أهم من هذا وأولى وهو بناء الإنسان والمجتمع في هدي تعليمات الشريعة الإسلامية.

وشاء الله تعالى أن ينتصر لأهل بيت نبيه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فانبرى الغيارى من أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى إلى الرد ولكن عن الطريق السليم الذي يحفظ لكل مذهب حقّه في الدعوة إلى الإسلام بالحكمة والحجّة البالغة، فسلكوا منهج المقارنة والموازنة بين مفاهيم وحقائق مذهب أهل البيتعليهم‌السلام والمذاهب الأخرى.

وصدر من هذا عدّة كتب ورسائل كان لها أثرها العميق والبعيد في الدعوة إلى مذهب أهل البيتعليهم‌السلام .

ومتى حاولنا أن نتعرّف العوامل المؤثرة في انتشار التشيّع في هذه الحقبة التي نعيشها، وبالتوقيت المضبوط منذ انبثاق الجمهورية الإسلامية في إيران وحتى كتابة هذا التقديم، لما وقفنا على غير ما ذكر، فكل فعل له رد فعل، وكان للكتب التي صدرت بتأثير من الإعلام الإمبريالي العالمي أن جعلت الشيعة يتمسكون بمذهب أهل البيت بفعل أقوى وأمكن؛ لأنهم يعرفون حق أهل البيت وأحقية مذهبهم.

كما كان للكتب التي صدرت ردّاً عليها ممن أشرت إليه من المسلمين الغيارى من أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى أن فتحت الباب واسعا أمام الآخرين لاعتناق مذهب أهل البيتعليهم‌السلام .

والكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم هو من تلكم الكتب التي كتبت انتصاراً لمذهب أهل البيت من مؤلف تخصّص جامعياً بدراسة المذاهب


الإسلامية، وحملته روح المقارنة والموازنة إلى تأليف كتابه هذا ليتوصل إلى معرفة الفرقة الناجية التي أشارت إليها رواية (ستفترق أمتي...) كما ذكر هذا في مدخل كتابه.

فتناول في بحثه نشوء المذاهب السنّية في العقيدة والتشريع، واضعاً إصبعه على أبرز المعالم الفكرية فيها وأهم الإشكالات في أسس هذه المذاهب، من واقع حياة الصحابة في اجتهادهم وعدالتهم وشؤونهم الأخرى التي ترتبط بموضوع بحثه.

ثم انتقل إلى مدرسة أهل البيت موثّقاً مشروعيتها، ومبرهناً على النجاة في إتباع أهل البيتعليهم‌السلام ، معقباً ذلك وخاتماً بذكر شيء من سيرة الأئمة الأثني عشرعليهم‌السلام .

وكنت قبل هذا دعوت في أكثر من محاضرة وأكثر من مقالة إلى فتح باب الدراسات المقارنة لأنها الطريق السوي إلى الوصول إلى النتيجة المقبولة شريطة أن يلتزم الباحث أصول وشروط البحث العلمي.

وقد كان المؤلف الكريم ملتزماً إلى حد كبير بأُصوليات البحث العلمي، فخرج موفّقاً إلى حد غير قليل في بحثه ونتائجه.

وهو بهذا الكتاب يضم سفراً آخر من أسفار الدراسات المقارنة، التي نرجو أن تكثر وتلتزم بالمقارنة دائماً لنلتقي كمسلمين مؤمنين بالاعتصام بحبل الله الذي هو عصام التوحيد والتوحد على جادّة سواء وكلمة سواء.

وفّقه الله تعالى إلى المزيد من البحث المقارن، إنه تعالى ولي التوفيق وهو الغاية.



مقدمة الطبعة الثانية

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على أكرم الخلق محمد وآله الطيبين الطاهرين.

لم أكن أتوقّع نفاد الطبعة الأولى من كتابي هذا - في هذه الفترة الوجيزة، وهذا يدل على حسن الاستقبال الذي لقيه من القرّاء الكرام..

إنه فضل من الباري سبحانه أن أقدم كتاباً متواضعاً للمتطلعين الى معرفة الحق والنور، وأن يحظى هذا الجهد الفكري والعلمي، بما أشاع في أعماقي السرور، وزادني حماساً وشغفاً في أن أعيد طبعه بشكل مأمول، ولهذا تركت الزمن، منغمساً في إضافة ما يجب أن يضاف وحذف ما يتطلب حذفه، وتنقيحه من جديد ليظهر في شكل أكثر نضجاً.

لست أزعم الكمال في عملي هذا، ويعذرني القارئ العزيز إذا وجد فيه عثرة صغيرة فاتني الانتباه لها...

وعلى هذا، أقول: إذا كان الكتاب قلب الكاتب، فالقارئ هو وجهه..

وطوبى لكل من يبحث عن الحقيقة في كل مكان بلا موروث متزمّت، وصولاً إلى الحق المبين.

اربد - الاردن

مروان خليفات



مقدمة الطبعة الأولى

أحمدك اللّهمّ حمداً يليق بجلالك، حمد عبد مذعن مقصّر معترف بكثرة نعمائك. وصلِّ اللّهمّ على خير الورى محمد وآله الذين استخلصتهم لنفسك وجعلتهم الذريعة إليك والوسيلة إلى رضوانك صلاة لا غاية لعددها ولا نهاية لأمدها.

وبعد.. فإن كل كتاب يشق طريقه إلى الوجود لا بد أن يكون له أنصاره ومعارضوه. وهذا أمر طبيعي، لاختلاف أفكار الناس. والكتاب الذي بين يدي القارئ العزيز ليس بدعاً من تلكم الكتب، بل ربما يكون من أكثرها إثارة، لطبيعة الأفكار التي يطرحها.

هو كتاب ينتصر للحق وأهله..

كتاب يرسم للسائرين طريق النجاة بأدلة يقبلها كل مسلم بعقله وقلبه.

وقد يثور علينا البعض. لا لشيء، إلا لأن الكتاب يخالف موروثاتهم وإن وجدوه حقّاً. ونحن لا نستغرب هذا، فهذه حقيقة سطرها الله في قرآنه فقال:( وَأَكْثَرُ‌هُمْ لِلْحَقِّ كَارِ‌هُونَ ) (١) .

ولكن كيف يرفض المسلم الحق؟! ألسنا مدعوّين لاتباع الحق كيفما كان

____________

١ - المؤمنون: ٧٠.


وأين كان؟ أوليس من حق المسلم على المسلم النصيحة؟

إذاً فدعوني أعرض نصيحتي، فإن كانت حقّاً فالحق أحق أن يتّبع، وإن لم تروها كذلك،( فَبَشِّرْ‌ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّـهُ وَأُولَـٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (١) .

____________

١ - الزمر: ١٧ و ١٨.


بداية الرحلة

في وقت الغروب، وعلى إحدى طرق القرية كنت أمشي مع صديقي الشيعي، حيث كان لا يأتي علينا يوم إلا ويحتد النقاش بيننا. تمنيت في وقتها أن يصبح هذا الصديق سنّياً، وعزمت أن أنقله من مذهبه إلى المذهب الشافعي!!

وجرت الأيام والتحقت بكلية الشريعة، وفي الدروس كان مشايخنا يتطرقون إلى الشيعة، وكان البعض منهم يكفّرهم.

ومع أنني كنت على المذهب الشافعي، إلا أنني بدأت أتأثّر بما يطرحه أساتذتي السلفيون، فيما يختص بالعقيدة، فصرت أردّد معالم العقيدة السلفية - مقتنعا بها - وكنت أعرض هذه العقيدة مع ذكر الأدلة على صديقي الشيعي. وما يقال عن الشيعة في قاعة الدرس من تهم ضدّهم، لكي أبدأ بهدايته!! لكنه كان يرد علي بكل قوّة.

وذات يوم وفي أثناء مسيرنا وبينما كنت أحدثه عن فضائل أبي بكر وعمر قاطعني قائلا - كالمنتصر -: رزيّة الخميس!

قلت: خيراً ماذا تقصد؟

قال: إنها حادثة كانت قبل وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأيام، حيث قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأصحابه: (هلمّ أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده). فقال عمر: إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد غلب عليه الوجع، أو يهجر، حسبنا كتاب الله!!


فقلت له: هل وصل بكم الأمر أن تنسبوا هذا الكلام للفاروق، الذي ما عصى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قط؟!!

قال: تجد هذه الحادثة في صحيحي البخاري ومسلم(١) .

عندئذ يئست من جوابه وشعرت بالهزيمة، وقلت فوراً: وإن قال ذلك، فهو يبقى صحابيا!! أسأل الله الغفران... عبارة لم تأت صدفة، ولكنها تعبير عن عقيدة ترسّخت في نفوسنا. وسألته: في أي كتاب قرأت هذه الحادثة؟ لأنني وإن وقفت موقف المعاند الذي هزم ولم يعترف، لكنني كنت أتمزّق ألماً.

فقال: في كتاب (ثم اهتديت) لأحد علمائكم الذين تشيعوا.

قلت ساخراً: وهل هناك عالم من علمائنا تشيع.

قال: نعم، فالتيجاني صاحب هذا الكتاب يذكر كيف تشيع وأسباب تشيعه.

وطلبت الكتاب منه، وبدأت بقراءته فور وقوعه بين يدي، ورزية الخميس تدور في ذهني وكنت أتوجّس خيفة من عثوري عليها.

فأخذتني قصة الكاتب الممتعة وأسلوبه الجذّاب، وقرأت نصوص إمامة آل البيتعليهم‌السلام ، ومخالفات الصحابة للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ورزيّة الخميس...، والمؤلف يوثّق كل قضية من صحاحنا المعتبرة. فدهشت لما أقرأ وشعرت أن كل طموحاتي انهارت وسقطت أرضاً، وحاولت إقناع نفسي بأن هذه الحقائق غير موجودة في كتبنا.

____________

١ - راجع الحادثة في صحيح البخاري، كتاب المرض والطب، باب قول المريض قوموا عنّي. صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ترك الوصية. طبقات ابن سعد ٢/٣٧...


وفي اليوم الثاني عزمت على توثيق نصوص الكتاب من مكتبة الجامعة، وبدأت برزية الخميس، فوجدتها مثبته في صحيحي مسلم والبخاري بطرق عدّة.

وكان أمامي احتمالان: إما أن أوافق عمر على قوله، فيكون النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يهجر - والعياذ بالله - وبهذا أدفع التهمة عن عمر. وإما أن أدافع عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأقر بأن بعض الصحابة بقيادة عمر ارتكبوا خطأ جسيماً بحق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى طردهم. وهنا أتنازل أمام صديقي عن معتقدات طالما ردّدتها وافتخرت بها أمامه.

وسألني صديقي عن صحّة ما في الكتاب فقلت وقلبي يعتصره الألم: نعم، صحيح.

بقيت فترة حائراً تأخذني الأفكار شرقاً وغرباً، وعرض علي صديقي كتاب (لأكون مع الصادقين) لمؤلّفه التيجاني وكتابه (فسئلوا أهل الذكر) وغيرها، فكشفت هذه الكتب أمامي حقائق كثيرة وزادت حيرتي وشكّي.

وحاولت إيقاف حيرتي، بقراءة ردود علمائنا على هذه الحقائق، لكنها لم تنفعني بل زادتني بصيرة بأحقيّة مذهب أهل البيتعليهم‌السلام . وقرأت كتباً كثيرة، لا يسعني ذكرها، فكانت ترسم لي صورة الحقيقة بألوان من الحجج الدامغة، التي كان عقلي يقف مبهوراً محتاراً أمامها، فضلاً عن حيرة علمائنا في التعامل معها.

إلى أن اكتملت صورة الحقيقة في ذهني كالشمس في رابعة النهار، واعتنقت مذهب آل البيت الأطهارعليهم‌السلام أبناء الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأشقّاء القرآن، وأولياء الرحمن، سفن النجاة، وأعلام الورى، ورحمة الله للملأ، بكل قناعة واطمئنان قلب.

وها أنا الآن - وبعد تخرّجي من كلية الشريعة - على يقين تام بصحة ما أنا عليه. أقول هذه الكلمات ويمر بذهني كيف عزمت على هداية صديقي الشيعي


وأهله، وإذا بالصورة قد انعكست، فكان هو سبب هدايتي، وفقه الله.

ولا أنسى تلك اليد - يد الرحمة الإلهية - التي كانت تعطف عليّ باستمرار أيّما عطف. فلك الحمد ربّاه حمداً يليق بجلالك العظيم ومنك الجسيم.

لماذا هذا الموضوع؟

لقد اخبرنا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أمته ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة في الجنة(١) .

ونحن نرى اليوم المسلمين فرقاً عديدة، وكل واحدة تدعي أنها على الحق، وقد رأيت هذا الأمر مهمّاً جداً وعليه يتوقّف مصير الإنسان؛ لذا فحري بكل مسلم يرجو الخلاص يوم القيامة أن يجتهد في معرفة هذه الفرقة فيتبعها.

وأنا بحمد الله قد فعلت، وبعد البحث الجاد وجدت هذه الفرقة، وثبت لي بالدليل العقلي والنقلي أنها هي الناجية، وسأثبت ذلك في هذا الكتاب.

ومن الغريب أن المسلم يقرأ حديث الافتراق هذا ولا يقوم بواجبه الشرعي في البحث عن هذه الطائفة بحرّية وموضوعية كي تبرأ ذمّته ويلقى ربّه بقلب سليم.

وخبر الافتراق (لا يمكن معه اختصار الفرق إلى سبعين ولا إلى سبع، فضلاً عن واحدة. فالخير إذن كل الخير أن يبحث الإنسان عن الحق ويعتقده ويدعو إليه وإن خالفته الدنيا كلها، وأن يجتنب الضلال ويدعو إلى نبذه ولو داهنه أصحابه

____________

١ - راجع حديث الافتراق في مستدرك الحاكم ١/٦ و ١٢٨. سنن الترمذي ٥/٢٦. مسند أحمد ٢/٣٣٢.


كلهم، هذا هو الذي سار عليه رسل الله وأمر به الله، فلا تصادموا سنّة الله وتخالفوا منهج رسله)(١) .

والواجب على المسلم بعد تباعد الزمان عن صاحب الرسالةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واختلاف المذاهب والآراء، وتشعّب الفرق والنحل: ان يسلك الطريق الذي يثق فيه بأنه يوصله إلى معرفة الأحكام المنزلة على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صاحب الرسالة؛ لأن المسلم مكلّف بالعمل بجميع الأحكام المنزلة في الشريعة كما أنزلت ولكن كيف يعرف أنها الأحكام المنزلة كما انزلت والمسلمون مختلفون والطوائف متفرقة، فلا الصلاة واحدة، ولا العبادات متفقة، ولا الأعمال في جميع المعاملات على وتيرة واحدة...؟!

فماذا يصنع؟ بأي طريقة من الصلاة إذن يصلّي؟ وبأي شاكلة من الآراء يعمل في عبادته ومعاملاته، كالنكاح والطلاق والميراث والبيع والشراء وإقامة الحدود والديات وما إلى ذلك؟!

ولا يجوز له أن يقلّد الآباء، ويستكين إلى ما عليه أهله واصحابه. بل لا بد أن يتيقّن بينه وبين نفسه، وبينه وبين الله تعالى، فإنه لا مجاملة هنا ولا مداهنة ولا تحيّز ولا تعصّب.

نعم، لا بد له أن يتيقّن بأنه قد أخذ بأمثل الطرق التي يعتقد فيها بفراغ ذمّته بينه وبين الله من التكاليف المفروضة عليه منه تعالى، ويعتقد أنه لا عقاب عليه ولا عتاب منه تعالى باتباعها وأخذ الأحكام منها. ولا يجوز أن تأخذه في الله لومة لائم( أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَ‌كَ سُدًى ) (٢) ،( بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَ‌ةٌ ) (٣) ،

________

١ - مجلة الجامعة الإسلامية: العدد ٦٢ (الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي).

٢ - القيامة: ٣٦.

٣ - القيامة: ١٤.


( إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَ‌ةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَ‌بِّهِ سَبِيلًا ) (٢) "(٣) .

وليس من التذبذب أن يغير الإنسان أفكاره وأن يخرج على بعض موروثاته المنحرفة ما دام هدفه الحق " فإن الإنسان لا يزال يطلب العلم والايمان، فإذا تبين له من العلم ما كان خافيا عليه اتبعه، وليس هذا مذبذبا. بل هذا مهتد زاده الله هدى... والواجب على كل مؤمن موالاة المؤمنين، وعلماء المؤمنين، وأن يقصد الحق فيتبعه حيث وجده "(٤) .

" وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له من الحق هو محمود فيه، بخلاف إصراره على قول لا حجة معه فيه، وترك القول الذي وضحت حجته، أو الانتقال من قول إلى قول لمجرد عادة واتباع هوى فهو مذموم "(٥) .

توطئة

إن عامل البيئة والظروف المحيطة بها هي التي تحدد فكر أي إنسان واتجاهاته، حيث تصبح الموروثات البيئيّة مع مرور الزمن ومع الاعتياد عليها قولا وسلوكاكانّهاحقائق ثابتة لا يجوز الخروج عليها، فإذا ما عرض على إنسان شئٌ يخالف معتقداته فإنّ الرواسب الفكرية لمجتمعه والتي أصبحت تجري في عروقه تنبعث

____________

١ - المزمل: ١٩.

٢ - عقائد الإمامية، محمد رضا المظفر: ص ٦٣ - ٦٤.

٣ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢/٢٥٢ - ٢٥٣.

٤ - المصدر السابق ٢٠/٢١٣ - ٢١٤.


عنده تلقائيا وتقف في وجه كل من يخالفها. ولكن المسلم، ذلك الإنسان العظيم، يفرض عليه دينه أن يرحّب بأفكار الآخرين ويناقشها بانفتاح وموضوعيّة.

" إننا لا نرفض الحوار الهادف الذي تكشف فيه الحقائق، وتكشف به العقائد الزائغة والمنحرفة، فذلك منهج أصيل دعا إليه ديننا "(١) .

ولكن لو نظرنا إلى حال الأمّة الإسلامية لوجدناها طرائق قددا( كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) (٢) . وأصبحت كل طائفة من الطوائف الإسلامية تنظر لأفكارها على أنها مسلمات لا يجوز التعرض لها(٣) . وإذا ما ناقشت أفكار الآخرين فإنها تحمل عليها بخيلها ورجلها. هذا مع أن الله(٤) دعا المسلمين للإنفتاح على أهل الكتاب فضلا عن الإنفتاح على أنفسهم، قال تعالى:( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّـهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ) (٥) .

فما بال المسلمين لا ينفتحون على بعضهم البعض؟ " لماذا هذا التجافي بين أبناء المذاهب الإسلامية؟

هل انتخب كل منا مذهبه عن وعي وإدراك وبعد الدرس والتحقيق؟ أم وكيف حصل هذا الإنتماء؟... ولا بد أن نعترف بأنّ هذه الموضوعيّة ستكون أمرا

____________

١ - أسماء الله وصفاته في معتقد أهل السنة والجماعة، الدكتور عمر الاشقر، ٢٣٣ - ٢٣٤.

٢ - المؤمنون: ٥٣.

٣ - هذه النظرية خاطئة وقد ذمها الله في كتابه فهذا القول كقول مشركي العرب: *( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ) * - الزخرف: ٢٣.

٤ - وأعتقد أنه لا يرضى أي مسلم أن يكون كمشركي العرب في تقليد الآباء.

٥ - آل عمران: ٦٤.


صعبا للغاية عندما نواجه قضايا تتعلق بالعقائد والتقاليد والموروثات التي تشبعت بها العروق وألفتها النفوس...

فلو أنك سألت شابا ولد في مدينة (النجف) فقلت له: هل ستكون شيعيا لو حصل أنك ولدت من أبوين سنيين؟ وهكذا لو سألت الحلبي، هل أنك ستكون سنيا بهذه الطريقة لو أنك ولدت في النجف من أسرة شيعية؟ هنا سوف لا نختلف حول الجواب الذي سنسمعه، بل يمكننا أن نضع الجواب مقدما على أنه من المسلمات التي لا خلاف فيها. وهذه الملاحظة وحدها تكفي لأن تضعنا أمام الحقيقة كلها، وتكفي لأن تبعث فينا الاستغراب لهذا التجافي والتنافر الحاصل بيننا... فلقد بلغت بنا تلك العصبيات حدا بالغ الخطورة حتى صار تعصبنا لأي شئ ألفناه هو أشد ألف مرة من استعدادنا للتمسك بالحكم الشرعي الثابت... ما الذي يحملني على الاعتقاد - إلى حد التسليم - بأن مذهبي الذي ورثته عن، آبائي ومجتمعي الصغير هو الحق الأوحد الأمثل كمالا وأنه الصورة الأكثر كمالا للدين الإسلامي الحنيف، ولا يشاركه مذهب آخر في حظه هذا من الكمال؟

ما الذي حملني على هذا الاعتقاد، أهو القرآن الكريم، أم السنة المطهرة، أم العقل السليم أم هي العصبية التي لا تستند إلى شئ؟!

ولماذا لايمكنني أن أعتقد بأن المذاهب الأخرى هي مثل مذهبي على الأقل؟... ثم ألست مسؤولا غدا عن سبب اعتقادي وتبعيتي الدينية؟

وهذا السؤال الخطير الذي يجب أن أقف عنده موقف الجد.... وأمام تلك الحقائق، فلا مفر من كوننا جميعا على قدم سواء في المسؤلية، مسؤلية البحث والتحري والاستكشاف، ثم انتخاب الموقف الواعي القويم غير المنحاز وغير المتطرف.


وكلنا متساوون في الحاجة إلى مراجعة مواقفنا، ثم إعادة بنائها على أساس سليم "(١) .

اقتحام العقبة

هناك عقبة تقف أمامنا ولا بد من اقتحامها قبل الدخول في صلب الموضوع. فقد يقول قائل: إنّ طرح موضوع كهذا فيه اعتداء على أفكار الآخرين وأئمة المذاهب....

ربما يكون هذا الكلام فيه شئ من الصحة، ولكن هل نبقى هكذا لا يعرف أحدنا رأسه من رجليه؟ وهل نغمض أعيننا ونصم أذاننا وحديث الافتراق ينقر أسماعنا في كل لحظة؟! وهل نترك البحث عن الحق ونضيع كي لا تمس المعتقدات بسوء؟

وهؤلاء الأئمة محل احترام ما داموا ملتزمين بأوامر الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . كما أنهم لن ينفعونا ويدافعوا عنا في ذلك اليوم( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ) (٢) فاتباع الحق وحده هو الذي ينفع( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ ) (٣) .

____________

١ - منهج في الانتماء المذهبي، صائب عبد الحميد: ص ١٥ - ٣٠. إن هذا الذي طرحه الاستاذ صائب منهج قويم دعا إليه ديننا. قال تعالى: *( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) * - سبأ: ٢٤.

فلنطبق هذا المنهج القرآني في بحثنا هذا وليشك المسلم في منهجه مع اعتقاده بصحته، فإن الشك بداية الوصول للحقيقة.

٢ - عبس: ٣٤ و ٣٥.

٣ - يونس: ٣٥.


في عهد النبي

كان الصحابة(١) يرجعون للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما يعرض لهم من أمور، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يجيبهم وفق التشريع الإلهي، ونحن نعلم ان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس مخلدا ليرجع الناس في كل زمن إليه في أمورهم الدينية والدنيوية، وقد ماتصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد ان قام بواجبه خير قيام، ولا بد من مبين للشرع الإلهي بيانا كاملا صحيحا بحيث يطمئن المسلم إلى أن بيانه هذا هو المقصود الشرعي.

ولكن من هو هذا المبين الذي انتخبه الله لنا؟ هذا السؤال هو الذي قسم الأمة إلى فرقٍ عديدة. إنّ الله(٢) لم يقبل من الإنسان إلاّ أن يأتي بالإسلام الذي أنزله على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (٣) ولكن اين نجد هذا الإسلام الذي لا يقبل الله غيره؟ أهو عند الأشعري والمذاهب الأربعة؟ أم هو عند السلفية؟ أم هو عند الإمامية؟ أم عند المعتزلة؟ أم عند الماتريدية؟ وهكذا يستمر التساؤل حتى نصل إلى آخر الثلاث وسبعين فرقة.

تعال معي أيها القارئ الكريم لنبحث عن هذا المبين حتى نأخذ ديننا عنه ونبرئ ذمتنا أمام الله.

تعال لنبحث عن الأطروحة الإلهية التي تخلو من الثغرات والشطحات، القائمة على الجزم واليقين، لا نقص بها ولا زيادة ولا تغيير. تعال لننظر في أدلة كل فريق من الفرق الآتية لنرى أين موقعها من الإسلام حتى لا نبقى كأولئك الذين يقولون:( إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ) (٤) .

____________

١ - آل عمران: ٨٥.

٢ - الجاثية: ٣٢.


على طاولة البحث

بعد البحث في هذه الفرق وجدت أن أكثرها قد انتهت وليس لها وجود إلاّ في بطون الكتب. لذلك سأقتصر في بحثي على ثلاث مدارس إسلامية تشغل حيزا كبيرا على الساحة الإسلامية، فلنحصر بحثنا في هذه الاحتمالات الثلاثة الآتية:

أولا: أن نأخذ ديننا عن أبي الحسن الاشعري والمذاهب الأربعة(١) .

ثانيا: أن نأخذ ديننا عن الكتاب والسنة بمفهوم السلف الصالح(٢) .

ثالثا: أن نأخذ ديننا عن أئمة آل البيتعليهم‌السلام (٣) . وقبل الخوض في هذه

____________

١ - وهذا ما يعرف بمذهب الأشاعرة، وهم ينتمون إلى أبي الحسن الاشعري في الاصول ويأخذون الفروع عن المذاهب الأربعة بتقليد أحدهم، وقد كان أبو الحسن الأشعري معتزليا ثم ترك مدرسة الاعتزال وعمل مذهبا وسطا بين مذهب أهل الحديث والمعتزلة.

أما الأئمة الأربعة فهم: أبو حنيفة النعمان، مالك بن أنس، محمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل وجمهور الناس الذين يقلدون الأشعري والأئمة الأربعة يعرفون بأهل السنة، وهم يمثلون السواد الأعظم من المسلمين، وانشق عن أهل السنة جماعة تعرف بالسلفية.

٢ - وهذا هو منهج السلفية ويتسمون بأهل السنة والجماعة. والسلفية هم أتباع ابن تيمية الحراني ويرون أن سبيل خلاص المسلمين هو في الرجوع إلى الكتاب والسنة وفهمهما كما فهمهما السلف الصالح، ومن أسمائهم: أهل الحديث.

٣ - وهو منهج الشيعة الإمامية و " الشيعة هم الذين شايعوا عليارضي‌الله‌عنه على الخصوص وقالوا بإمامته وخلافتة نصا ووصية، إما جليا وإما خفيا، واعتقدوا أنّ الإمامة لا تخرج من أولاده " الملل والنحل للشهرستاني: ١/١٤٦. قالت الشيعة الإمامية: إنّ الدين يؤخذ من الكتاب والسنة لكن بواسطة إمام من أئمة أهل البيتعليهم‌السلام عيّنهُ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهؤلاء الأئمة إثنا عشر إماماً ولا يخلو زمنٍ من أحدهم، ومن أسماء الشيعة: الجعفريّة، الإثنا عشرية.

الاحتمالات أود تنبيه القراء الكرام إلى أننا نبحث عن المنظومة الإلهية التي أنزلها الله على نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فالذي ينبغي أن يبقى في الأذهان أن هذه المنظومة كاملة، وبعبارة أوفى: هذه المنظومة تخلو من أي جانب سلبي، وعلى الله الاتكال.


الباب الأول

الأشعري والمذاهب الأربعة

الفصل الأول

تقليد الأئمة الأربعة



ما الدليل على مشروعية المذاهب؟

سؤال يطرح نفسه: ما الدليل على وجوب اتباع المذاهب الأربعة والأشعري؟

يقول جاد الحق علي جاد الحق - شيخ الأزهر الراحل -: " ولا يلزم من قول من قال بوجوب تقليد واحد من الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، إذ لا دليل على ذلك "(١) .

فالحق إنه لا دليل موجود نستطيع الاعتماد عليه في ذلك، فلا القرآن أشار إليه ولا الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمرنا باتباعهم.

الأئمة ينهون الناس عن تقليدهم

ثبت عن أئمة المذاهب الأربعة أنهم نهوا الناس عن تقليدهم، وفي هذا أكبر دليل على وجوب ترك تقليدهم، إذ كيف نقلّدهم وهم لا يريدون ذلك؟! وإليك بعض أقوالهم:

أقوال أبي حنيفة:

١ - " لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعرف من أين أخذناه "(٢) .

____________

١ - الدروس الحسنية: ص ١٣٩ القيت بحضور الحسن الثاني، رئيس التحرير: الدكتور علي أحمد الخطيب.

٢ - الانتقاء، ابن عبد البر: ص ١٤٥. اعلام الموقعين، ابن القيم ٢/٣٠٩. القول المفيد، الشوكاني:

ص ٤٩. إيقاظ الهمم، للفلاني: ص ٥٤. الأتباع، ابن أبي العز الحنفي: ص ٧٩. مجموعة الرسائل المنيرية، الصنعاني ١/٢٨. إرشاد النقاد: ص ١٤٥. تحفة الأنام: ص ٤٦، حجة الله البالغة، الشاه دهلوي ١/١٥٨. قواعد التحديث، القاسمي. والإنصاف: ص ١٠٥.


" وهذا هو تصريح بمنع التقليد، لأنّ من علم بالدليل فهو مجتهدٌ مطالب بالحجة، لا مقلّدٌ فإنه الذي يقبل القول ولا يطالب بحجةٍ "(١) .

وفي رواية: " لا ينبغي لمن لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي "(٢) ، وزاد في رواية " فاننا بشرٌ نقول القول ونرجع عنه غداً "(٣) .

٢ - " إذا قلتُ قولاً يخالف كتاب الله وخبر الرسول فاتركوا قولي "(٤) .

٣ - " قولنا هذا رأيٌ وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا "(٥) .

٤ - قيل لأبي حنيفة: يا أبا حنيفة هذا الذي تفتي فيه هو الحق الذي لا شك فيه؟

فقال: " لا أدري، لعله الباطل الذي لا شك فيه... "!!

وقال زفر: " كنا نختلف إلى أبي حنيفة ومعنا أبو يوسف ومحمد بن الحسن فكنا نكتب عنه، فقال يوما لأبي يوسف: ويحك يعقوب! لا تكتب كل ما تسمعه مني، فإني قد أرى الرأي اليوم فأتركه غدا، وأرى الرأي غدا فأتركه بعد غد... "(٦) !!

٥ - " إذا صح الحديث فهو مذهبي "(٧) .

____________

١ - القول المفيد، الشوكاني: ص ٤٩.

٢ - حجة الله البالغة، نقلا عن اليواقيت والجواهر ١/١٥٧. إسلامنا، مصطفى الرافعي: ص ٦٢.

٣ - الإنصاف: ص ١٠٤.

٤ - الإيقاظ: ص ٥٠.

٥ - الأتباع: ص ٧٨. ملخص إبطال القياس والرأي، ابن حزم: ص ٦٦. تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي ٣/٤٢. الانتقاء، ابن عبد البر. مجموعة فتاوى ابن تيمية ٢٠/٢١١. اعلام الموقعين ١/٧٥. الميزان، الشعراني ١/٥٥. تنبيه المغترين. وانظر تحفة الأنام: ص ٤٦. إيقاظ الهمم: ص ٥٤. حجة الله البالغة ١/١٥٧. رسالة الإنصاف: ص ١٠٤. إسلامنا: ص ٦٢. أدب الأختلاف في الإسلام، طه العلواني: ص ٧٥.

٦ - أبو حنيفة، أبي زهرة نقلا عن تاريخ بغداد ٣/٤٢، وانظر الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء.

٧ - حاشية ابن عابدين ١/٦٣، رسالة رسم المفتي ١/٤ من مجموع رسائل ابن عابدين، ونقل ابن عابدين الحنفي عن شرح الهداية لابن الشحنة الكبير شيخ ابن الهمام ما يفيد هذا المعنى. وانظر الإيقاظ: ص ٦٢.


أقوال مالك بن أنس:

١ - " إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل مالم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه "(١) .

قال ابن حزم: " فهذا مالك ينهى عن تقليده، وكذلك أبو حنيفة، وكذلك الشافعي، فلاح الحق لمن لم يغش نفسه، ولم تسبق إليه الضلالة، نعوذ بالله منها "(٢) .

وقال الشوكاني: " ولا يخفى عليك إن هذا تصريح منه بالمنع من تقليده "(٣) .

٢ - " ليس لأحد بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلاّ النبي "(٤) .

٣ - وقال مالك: " إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين "(٥) .

٤ - ذكر الطبري في كتاب تهذيب الآثار، بإسناده إلى مالك، قال: قال مالك:

" قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد تم هذا الأمر واستكمل، فإنما ينبغي أن تتبع آثار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا تتبع الرأي، فإنه متى اتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى في الرأي منك فاتبعته، فأنت كلما جاء رجل عليك اتبعته، أرى هذا لا يتم "(٦) .

____________

١ - الجامع، ابن عبد البر، تحقيق أبي الأشبال الزهيري: ١/٧٧٥. الإيقاظ: ص ٧٢. الأتباع: ص ٧٩.

ملخص إبطال القياس: ص ٦٦ - ٦٧. مجموع فتاوى ابن تيمية: ٢٠/٢١١. مختصر المؤمل: ص ٦١.

معنى قول الامام المطلبي اذا صح الحديث فهو مذهبي، تقي الدين السبكي، تحقيق علي نايف بقاعي، ص ١٢٥.

٢ - الإحكام: ٦/٢٩٤.

٣ - القول المفيد: ص ٥٠.

٤ - إرشاد السالك، ابن عبد الهادي وصححه: ١/٢٢٧. حجة الله البالغة: ٢/١٥٠ و ١٥٧. مختصر المؤمل: ص ١٦٠ و ١٦٦. إحياء علوم الدين، الغزالي: ١/٧٨. الإنصاف: ص ٥٣ و ١٠٤. معنى قول الامام المطلبي: ١٢٧.

٥ - جامع بيان العلم وفضله: ٢/٣٣. الإحكام: ٥/١٩٦.

٦ - القول المفيد: ص ٧٨. إعلام الموقعين: ١/٧٨. الإيقاظ: ص ١٨.


٥ - قال القعنبي دخلت على مالك في مرضه الذي مات فيه فسلمت عليه فرأيته يبكي فقلت: يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال لي: " يا ابن قعنب ومالي لا أبكي!

ومن أحق بالبكاء مني! لوددت أني ضربت سوطا وقد كانت لي السعة فيما سبقت إليه، وليتني لم أفت بالرأي "(١) ، يقول ابن حزم: " فهذا رجوع منه عن كل ما أفتى منه برأي، وهذا ثبت عنه "(٢) .

هذه شهادةُ مالك في فتاواه " ليتني لم افت بالرأي " ومالك يقول - كما مر قبل أسطر -: " ولا تتبع الرأي " إذا فهو ينهى عن اتباع نفسه، فهل يسوغ المسلم لنفسه بعد هذا أن يقلد مالكا ويأخذ بفتاواه. بعد أن بكى منها؟!

٦ - قال مالك: " ليس كل ما قال رجل قولا - وإن كان له فضل - يتبع عليه، يقول الله(٣) ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) (٤) "(٥) .

قال ابن حزم: " لو اتبع مقلدوه هذا القول منه لاهتدوا، نعوذ بالله من الخذلان "(٦) .

٧ - روي أن مالكا أفتى في طلاق البته - أي الطلاق الذي لا رجعة فيه - أنها ثلاث، فنظر إلى أشهب قد كتبها، فقال: امحها، أنا كلما قلت قولا جعلتموه قرآنا! أما يدريك! لعلي سأرجع عنها غدا فأقول: هي واحدة!! "(٧) .

____________

١ - القول المفيد: ص ٧٩. الإحكام في اصول الأحكام: ٥/٢٢٤. الجامع: ٢/١٠٧٢. وفيات الأعيان، ابن خلكان: ٣/٢٤٦، وقد عد ابن قتيبة مالكا فقيه رأي، انظر المعارف: ص ٢١٨.

٢ - ملخص إبطال القياس: ص ٦٧.

٣ – جامع بيان العلم وفضله. القول المفيد: ص ٧٩.

٤ - الزمر: ١٨.

٥ - الإحكام في اصول الأحكام: ٦/١٨. جامع بيان العلم: ٢/١٤٤. الأتباع: ص ٨٤. إعلام الموقعين:

٢/١٩٩.

٦ - الإحكام: ٦/١٨.

٧ - المصدر السابق: ٦/٣١٤. ملخص إبطال القياس: ص ٦٦.


أقوال الشافعي:

١ - قال حرملة بن يحيى: " قال الشافعي: ما قلت وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد قال بخلاف قولي، فما صح من حديث النبي أولى ولا تقلدوني "(١) !!

٢ - " ما من أحد إلاّ وتذهب عليه سنةٌ لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتعزبُ عنه. فمهما قلت من قول، فالقول ما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو قولي ".

وفي الإيقاظ: " وهو قولي، جعل يردد هذا الكلام "(٢) .

٣ - " كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد مماتي "(٣) .

٤ - قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: " إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقولوا بها ودعوا ما قلت "(٤) .

____________

١ - مقدمة الحاوي: ص ١٨. آداب الشافعي ومناقبه، ابن أبي حاتم الرازي: ص ٩٣. معنى قول الامام المطلبي، ٧١. سير أعلام النبلاء، ١٠/٣٣. القول المفيد: ص ٦٢. مجموعة الرسائل المنيرية، الصنعاني ١/٢٦ نقلا عن السندي في تحفة الأنام والبيهقي في سننه، وانظر مناقب الشافعي للبيهقي ١/٤٧٣. حلية الأولياء، أبي نعيم ٩/١٠٦ - ١٠٧. ابن عساكر ٥١/٣٨٦. إعلام الموقعين ٢/٢٨٥. مختصر المؤمل، أبي شامة: ص ٥٨. إرشاد النقاد: ص ١٤٢. الإيقاظ: ص ٥٠. تحفة الأنام: ص ٣٤.

٢ - الإيقاظ: ص ١٠٠. تاريخ دمشق لابن عساكر: ٥١/٣٨٩. إعلام الموقعين ٢/٢٨٦. معنى قول الإمام المطلبي: ص ٧٦ - ٧٧.

٣ - أبو نعيم ٩/١٠٧. المجموع، الهروي ١/٤٧. إعلام الموقعين ٢/٢٨٥. مختصر المؤمل: ص ٥٧، الإيقاظ: ص ١٠٤. الام ٧/١٨٣.

٤ - معنى قول الإمام المطلبي، ٧٢. مقدمة الحاوي، الماوردي الشافعي: ص ١٨، قدم له وعلق عليه الاستاذ محمد بكر إسماعيل استاذ بجامعة الأزهر، الاستاذ الدكتور عبدالفتاح أبو سنه جامع الأزهر.

مختصر المؤمل: ص ٤٧ عن المناقب للبيهقي. سير أعلام النبلاء، الذهبي ١٠/٣٣. صفوة الصفوة ٢/٢٥٧. القول المفيد: ص ٦٢. إعلام الموقعين: ٢/٢٨٥. الإيقاظ: ص ١٠٠. ذم الكلام، الهروي ٢/٤٧ ح ١. ابن عساكر ٥١/٣٨٦. الخطيب: ٨/٢.


٥ - قال الشافعي: " لا يُقلَّدْ أحدٌ دون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(١) .

٦ - ونقل إمام الحرمين - الجويني - في نهايته عن الشافعي أنه قال: " إذا صح خبرٌ يخالف مذهبي فاتبعوه واعلموا أنه مذهبي " وقد روى نحو ذلك الخطيب، وكذلك الذهبي في تاريخ الإسلام والنبلاء وغير هؤلاء ممن لا يأتي عليهم الحصر، وقال الحافظ ابن حجر في توالي التأسيس " قد اشتهر عن الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي "(٢) .

وقال النووي: " صح عن الشافعيرحمه‌الله أنه قال: " إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقولوا بسنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودعوا قولي " وروي عنه: " إذا صح الحديث خلاف قولي فاعملوا بالحديث واتركوا قولي، أو قال: فهو مذهبي. وروى هذا المعنى بألفاظ مختلفة "(٣) .

وفي كلام الشافعي هذا أكبر دليل على عدم جواز اتباع فتاواه المخالفة للنص.

٧ - " إذا صح خبر يخالف مذهبي فاتبعوه واعلموا أنه مذهبي "(٤) .

٨ - " كل حديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني "(٥) .

٩ - " مهما قلت من قول أم أصلت من أصل فبلغ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خلاف ما قلت فالقول ما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(٦) .

____________

١ - الرد على من أخلد إلى الأرض، السيوطي: ص ١٣٨.

٢ - القول المفيد: ص ٦٣، وانظر مقدمة الحاوي: ص ١٩.

٣ - المجموع: ١/٦٧٣. مقدمة الحاوي: ص ١٨. الهروي: ١/٦٣. سير أعلام النبلاء: ١٠/٣٤.

٤ - مجموعة الرسائل المنيرية: ١/٢٦. تحفة الأنام والبيهقي ورواه الحاكم، كذا في حجة الله البالغة: ١/١٥٧.

٥ - آداب الشافعي، ابن أبي حاتم: ص ٩٤. مقدمة الحاوي: ص ١٩. مختصر المؤمل: ص ٥٨. حلية الأولياء: ٩/١٢٤. سير أعلام النبلاء ١٠/٣٥.

٦ - مختصر المؤمل: ٥٨. مناقب الشافعي: ١/٤٧٥. الإيقاظ: ص ٦٣. معجم الادباء: ١٧/٣١١.

حجة الله البالغة: ١/١٥٧.


١٠ - قال الشافعي للمزني: " يا إبراهيم، لا تقلدني في كل ما اقول!! وانظر في ذلك لنفسك فإنه دين ".

وقال أيضا: " مَثل الذي يطلب العلم بلا حجّة كمثل حاطب ليل يحمل حزمةَ حطب، وفيها أفعىٌّ وهو لا يدري "(١) .

١١ - " لا حجة في قول أحد دون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإن كثروا، ولا قياس ولا في شئ، وما ثمّ إلاّ طاعة الله ورسوله بالتسليم "(٢) .

١٢ - " لقد ألّفتُ هذه الكتب ولم آل جهداً، ولابد أن يوجد فيها الخطأ!! لأن الله تعالى يقول:( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) (٣) فما وجدتم في كتبي هذه مما يخالف الكتاب والسنة فقد رجعت عنه "(٤) .

أقوال أحمد بن حنبل:

١ - " لا تقلدني!! ولا تقلد مالكا!! ولا الشافعي!!، ولا الأوزاعي! ولا الثوري!

وخذ من حيث أخذوا "(٥) .

٢ - " رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي سفيان كله رأي، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار "(٦) .

____________

١ - حجة الله البالغة: ١/١٥٧. الإنصاف: ص ١٠٥. والمدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، أحمد الشافعي: ص ١٠٥. إسلامنا: ص ٦٢.

٢ - حجة الله البالغة: ١/١٥٧. والإنصاف: ص ١٠٥.

٣ - النساء: ٨٢.

٤ - مختصر المؤمل، أبي شامة الشافعي: ص ٦٠.

٥ - مجموع فتاوى ابن تيمية: ٢٠/٢١١ - ٢١٢. إعلام الموقعين: ٢/٢٠١. الإيقاظ: ص ١١٣. مختصر المؤمل: ص ٦١. مجموعة الرسائل المنيرية: ١/٢٧. تحفة الأنام. حجة الله البالغة: ١/١٥٧.

الإنصاف: ص ١٠٥، السنة المفترى عليها، سالم البهنساوي: ص ١٩٤.

٦ - الجامع: ٢/١٠٨٢. إعلام الموقعين: ١/٧٩.


٣ - " انظروا في أمر دينكم فإن التقليد لغير المعصوم مذموم، وفيه عمى للبصيرة "(١) .

٤ - قال ابو داود: قلت لأحمد: " الأوزاعي أتَّبعُ أم مالكا؟ قال: " لا تقلّد دينك أحداً من هؤلاء!! ما جاء عن النبي فخذ به "(٢) .

٥ - وقال الإمام أحمد: " من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال "(٣) .

٦ - " ذكر لأحمد بن حنبل قول مالك وترك ما سواه، فقال: لا يلتفت إلاّ إلى الحديث، قوم يفتنون هكذا يتقلدون قول رجل ولا يبالون بالحديث "(٤) .

٧ - " لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا "(٥) .

٨ - " من ضيق علم الرجل أن يقلد في دينه الرجال "(٦) .

٩ - " لا تقلد الرجال فإنهم لا يسلمون من الخطأ "(٧) .

١٠ - " ليس لأحد مع الله ورسوله كلام "(٨) .

١١ - " ليس أحد إلا ويؤخذ من رأيه ويترك ما خلا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(٩) .

____________

١ - أضواء على السنة المحمدية، محمود أبو ريه: ص ٣٨٤ نقلا عن الإسلام الصحيح: ص ٢٩٧.

٢ - الإيقاظ: ص ١١٣. إعلام الموقعين: ٢/٢٠٠. مجموعة الرسائل المنيرية.

٣ - مجموعة الرسائل المنيرية: ١/٢٧. إعلام الموقعين: ٢/٢٠١. مجموع فتاوى ابن تيمية: ٢٠/٢١٢.

الإيقاظ: ص ١١٣. المدخل لدراسة الشريعة، أحمد محمود الشافعي: ص ١٠٦.

٤ - الرد على من أخلد إلى الأرض: ص ١٣٤ وذكرها السيوطي في تيسير الاجتهاد نقلا عن ابن حزم.

٥ - مجموع فتاوى ابن تيمية: ٢٠/٢١٢، ونقله الألباني في صفة صلاة النبي عن قواعد التحديث: ٣٥٤.

٦ - مجموعة الرسائل المنيرية: ١/٢٧. أحكام الأرث المختلف عليها في الفقه الإسلامي، إبراهيم فوزي: ص ١٠.

٧ - أحكام الارث: ص ١٠٥.

٨ - حجة الله البالغة: ١/١٥٧. الإنصاف: ص ١٠٥. إسلامنا، الرافعي: ص ٦٢.

٩ - صفة صلاة النبي: ص ٢٨، نقلا عن مسائل الإمام أحمد: ص ٢٧٦.


أقوال العلماء

فضلا عن أقوال هؤلاء الأئمة فقد نهى علماء الإسلام ومن مختلف المذاهب عن التقليد بما في ذلك تقليد الأئمة الأربعة، حتى أنّ النهي جاء من الصحابة(١) وإليك أقوالهم:

١ - قال عبد الله بن مسعودرضي‌الله‌عنه : " كنا ندعوا الإمَّعة في الجاهلية: الذي يدعى إلى الطعام فيذهب معه بآخر، وهو فيكم اليوم: المقلِّد دينه الرجال ".

وقال: " ألا لا يقلِّدنّ أحدكم دينه رجلا، إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في البشر "(٢) .

يقول ابن القيّم: " وقد صح عن ابن مسعود النهي عن التقليد "(٣) فقول ابن مسعود هذا قبل ميلاد الأئمة الأربعة وهو نصٌ صريحٌ في ترك تقليدهم.

٢ - قال معاذ بن جبل: " أما العالم فإن اهتدى فلا تقلِّدوه دينكم "(٤) .

قال ابن حزم: " رحم الله معاذا، لقد صدع بالحق، ونهى عن التقليد في كل شئ "(٥) .

٣ - قال مجاهد: " ليس من أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلاّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(٦) .

٤ - قال الحكم بن عيينة: " ليس أحد من الناس إلا وأنت آخذ من قوله وتارك إلاّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(٧) .

____________

١ - جامع بيان العلم: ٢/٩٨٨. إعلام الموقعين: ٢/١٩٤ و ١٩٥. الرد على من أخلد إلى الأرض: ص ١٢٠.

٢ - الرد، السيوطي: ص ١٤٧.

٣ - الإحكام: ٦/٧٢. الرد: ص ١٣٣ - ١٣٤.

٤ - ملخص إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد: ص ٦٥.

٥ - مختصر المؤمل: ص ٦٥. الرد: ص ١٣٣ - ١٣٤.

٦ - مختصر المؤمل: ص ٦٥. الرد: ص ١٣٣ - ١٣٤.


٥ - قال الأوزاعي: " عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول "(١) .

٦ - قال القاضي أبو يوسف: " لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلناه "(٢) .

٧ - يقول ابن أبي العز الحنفي: " فمن تعصب لواحد معين غير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، ورأى أنّ قول هذا هو الصواب الذي ينبغي إتّباعه دون قول الأئمة الباقين فهو جاهلٌ ضال، وإن اعتقد أنه يجب على الناس إتّباعه دون غيره من هؤلاء الإئمة فإنه يخشى عليه، فإن الأمة قد أجمعت على أنه لا تجب طاعة أحد في كل شئ إلا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(٣) .

" وقد انحرف في شأن أبي حنيفةرحمه‌الله طائفتان: فطائفة قد غلت في تقليده، (فلم تترك له قولا، وأنزلوه منزلة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإن أورد عليهم نص يخالف قوله تأولوه على غير تأويله ليدفعوه عنهم، ولم يكن أصحابه معه كذلك بل رجعوا عن كثير مما كانوا قلدوه فيه لما ظهر لهم فيه الدليل على خلاف قوله... "(٤) .

" وكيف يقال عن رجل من الأمة - كائناً من كان - أنه يجب الأخذ بقوله كله دون سائر الأئمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم؟! "(٥) .

٨ - يقول ابن عابدين الحنفي: " ليس على الإنسان التزام مذهب معين "(٦) .

وقد وصف ابن عابدين المقلدين بأ نهم: " الذين لا يفرقون بين الغثّ والسمين،

____________

١ - ملخص إبطال القياس والرأي: ص ٦٥. اعلام الموقعين: ١/٧٥.

٢ - نفس مصادر قول أبي حينفة رقم ١ فهذا القول مروي عنهما.

٣ - الأتباع: ص ٧٩ - ٨٠، تحقيق وتعليق: محمد عطا الله خيف والقريوتي.

٤ - المصدر السابق: ص ٣٠.

٥ - المصدر السابق: ص ٨٧. جامع بيان العلم: ٢/١٤٠.

٦ - أسد حيدر: ١/١٧٧.


ولا يميزون بين الشمال واليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب ليل، فالويل لمن قلدهم كل الويل "(١) .

٩ - وقد كان تلاميذ مالك يحذرون من الأخذ بآرائهم، قال عبد الله بن يحيى:

" كنت آتي ابن القاسم فيقول لي: من أين؟ فأقول: من عند وهب، فيقول: الله الله اتق الله، فإن أكثر هذه الأحاديث ليس عليها العلم، قال: ثم آتي ابن وهب فيقول من أين؟

فأقول من عند ابن القاسم، فيقول: اتق الله، فإن أكثر هذه المسائل رأي "(٢) فهذه شهادةُ تلاميذ مالك في فتاوى المذهب، ولا يخفى أنهم أعلم منا بمذهبهم، فهم يقرّون بأن أكثر أحاديثهم رأيٌ، وقد مر علينا قبل قليل قول مالك: " ولا تتبع الرأي " فكأن مالكا وتلاميذه يقولون لنا: لا تتبعونا فإنّ أكثر أحاديثنا رأيٌ!!

١٠ - وقال سحنون - وهو من أشهر تلاميذ مالك -: " ما أدري ما هذا الرأي الذي سفكت به الدماء، واستحلت به الفروج، واستحقت به الحقوق "(٣) .

١١ - وقال سند بن عنان المالكي في شرحه على مدونة سحنون المعروفة بالأُمّ ما لفظه: " أما مجرد الاقتصار على محض التقليد، فلا يرضى به رجلٌ رشيد، وقال: نفس المقلد ليس على بصيرة، ولا يتصف في العلم بحقيقة. إذ ليس التقليد بطريق إلى العلم بوفق أهل الوفاق...

أما التقليد فهو قبول قول الغير من غير حجة، فمن أين يحصل به علم، وليس له مستندٌ إلى قطع؟! وهو - أيضا - نفسه بدعة محدثة، لأ نا نعلم بالقطع أنّ الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن في زمانهم وعصرهم مذهبٌ لرجل معين يدرك ويقلد...

____________

١ - ذكره عنه محمد زكريا البرديسي - استاذ الشريعة في كلية الحقوق جامعة القاهرة - في كتابه اصول الفقه: ص ٤٧٧.

٢ - جامع بيان العلم وفضله: ٢/١١١١. إعلام الموقعين: ١/٧٧. ملخص إبطال القياس: ص ٦٨.

٣ - إعلام الموقعين: ١/٧٩. الإحكام: ٥/٢٢٢.


ثم كان القرن الثالث وفيه كان أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل، فإن مالكا توفي سنة تسع وسبعين ومئة... وكانوا على منهاج من مضى، لم يكن في عصرهم مذهب رجل معين يتدارسونه. وعلى قريب منهم كان أتباعهم فكم من قول لمالك ونظرائه خالفه فيه أصحابه، ولو نقلنا ذلك لخرجنا عن مقصود ذلك الكتاب...

فالتعجب من أهل التقليد، كيف يقولون هذا هو مقصود الأمر القديم، وعليه أدركنا الشيوخ، وهو إنما حدث بعد مئتي سنة من الهجرة؟! "(١) .

١٢ - قال ابن خويز منداد البصري المالكي: " كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قبوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح، وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين متبوع والتقليد ممنوع "(٢) !!

١٣ - قال ابن عبد البر - حافظ المغرب - " إنه لا خلاف بين أهل الأعصار في فساد التقليد "(٣) " وفي القرآن آيٌ كثيرة في ذم تقليد الآباء والرؤساء " وبعد أن ذكر الآيات قال: " وهذا كله نفي للتقليد وإبطال لمن فهمه وهدي لرشده "(٤) .

١٤ - قال القاضي عبد الوهاب - أحد أئمة المالكية - في أول كتابه المقدمات في أصول الفقه: " والتفقه من التفهم والتبين، ولا يكون ذلك إلاّ بالنظر في الأدلة واستيفاء الحجة دون التقليد، لأنّ التقليد لا يثمر علما ولا يفضي إلى معرفة، وقد جاء النص بذم من أخلد إلى تقليد الآباء والرؤساء واتباع السادات والكبراء...( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا

____________

١ - راجع القول المفيد: ص ٥٠ - ٥٢ باختصار.

٢ - جامع بيان العلم وفضله: ٢/١٤٣. إعلام الموقعين: ٢/١٩٧. إيقاظ الوسنان، محمد بن علي السنوسي الادريسي: ص ١١٩.

٣ - راجع جامع بيان العلم: ٢/١٣٩ و ١٤٠. القول المفيد: ص ٤٨.

٤ - المصدر السابق. والرد، السيوطي: ص ١٢٠ - ١٢١.


عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ) (١) وفي نظائر من هذه الآيات تنبيها بها على علة خطر التقليد. بأنّ فيه ترك إتّباع الأدلة والعدول عن الانقياد إلى قول من لا يعلم أنه فيما تقلَّد مصيبٌ أو مخطئ، فلا يأمن من التقليد لغيره كون من يقلده فيه خطأ وجهلا "(٢) .

وقال في كتابه الملخص في أصول الفقه فصل في فساد التقليد: " التقليد لا يثمر علما، فالقول به ساقط، وهذا الذي قلناه قول كافة أهل العلم "(٣) .

١٥ - وقال المزني(٤) في أول مختصره: " اختصرت هذا من علم الشافعي ومن قوله، لأقرأه على من أراده من إعلامه بنهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه "(٥) .

١٦ - وقال الماوردي الشافعي في تفسير كلام المزني: " وقوله ويحتاط لنفسه، أي: ليتطلَّب الاحتياط لنفسه بالاجتهاد لنفسه، بالاجتهاد في المذاهب وترك التقليد بطلب الدلالة "(٦) .

١٧ - وقال أبو الطيّب بن سلمة البغدادي الشافعي في تفسير الهاء التي في إعلامه والهاء التي في نهيه: " مع إعلامه الشافعي ونهي الشافعي عن تقليده وتقليد غيره من الفقهاء "(٧) .

وفي الحاوي: " أن الهاء التي في (إعلامية) كناية راجعة إلى الشافعي، ويكون

____________

١ - الزخرف: ٢٢.

٢ - راجع قوله في الرد، السيوطي: ص ١٢٤ - ١٢٥.

٣ - راجع قوله في الرد، السيوطي: ص ١٢٤ - ١٢٥.

٤ - المزني: صاحب الإمام الشافعي (ت/٢٦٤ هـ‍) قال الشافعي عنه: " المزني ناصر مذهبي "، وفيات الأعيان، ابن خلكان: ١/١.

٥ - الحاوي/الماوردي: ١/٧، واحتج فيه كثير من العلماء مثل الشوكاني في القول المفيد: ص ٦٥، والسيوطي في الرد: ص ١١٤، وابن القيم في إعلامه: ٢/٢٠٠...

٦ - راجع الحاوي، والرد للسيوطي: ص ١١٤.

٧ - راجع قوله في الحاوي: ١/١٤.


تقدير الكلام: مع إعلامي المزيد من نهي الشافعي عن التقليد، وهذا قول أبي إسحاق المروزي وجمهور أصحابنا "(١) .

١٨ - قال القاضي الباقلاني: " من قلد فلا يقلد إلاّ الحي، ولا يجوز تقليد الميت "(٢) .

فكلام الباقلاني هذا صريح في عدم جواز تقليد الأئمة الأربعة لأنهم أموات، وقد قرر هو عدم جواز تقليد الأموات، فلاحظ!!

١٩ - هذا وقد كان إمام الحرمين يخرج عن آراء الأئمة، فقد جاء في طبقات الشافعية أنّ إمام الحرمين لا يتقيد بالأشعري ولا بالشافعي لا سيّما في كتابه البرهان، وإنما يتكلم على حسب ما يؤديه إليه اجتهاده، وإن أباه الجويني لم يتقيد في كتابه المحيط بمذهب، بل التزم أن يقف على مورد الأحاديث لا يتعداها، ويتجنّب العصبية للمذاهب(٣) .

٢٠ - روى الخطيب البغدادي: " أنّ الداركي ربما كانت فتواه خلاف مذهب الشافعي وأبي حنيفةرضي‌الله‌عنهما فيقال له في ذلك: فيقول: ويحكم، حدّث فلان عن فلان عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكذا وكذا والأخذ بالحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولى من الأخذ بقول الشافعي وأبي حنيفةرضي‌الله‌عنهما إذا خالفاه "(٤) .

٢١ - وقال فخر الدين الرازي في المحصول: " اختلفوا في غير المجتهد هل يجوز له الفتوى بما يحكيه عن المفتين، فنقول: لا يخلو، إما أن يحكى عن ميّت، أو عن حي، فإن حكى عن ميت لم يجز له الأخذ بقوله لأنه لا قول للميت!!!، لأن الإجماع لا ينعقد على خلافه حيا، وينعقد على موته، وهذا يدل على أنه لم يبق له قول بعد موته!!، وقد حكى

____________

١ - راجع قوله في الحاوي: ١/١٤..

٢ - نسبه له ابن حزم في الإحكام: ٦/٩٧.

٣ - انظر تاريخ الفقه الإسلامي، عمر الاشقر نقلا عن عمدة التحقيق: ص ٧٣.

٤ - تاريخ بغداد: ١٠/٤٦٤.


الغزالي في المنخول إجماع أهل العلم على المنع من تقليد الأموات "(١) !!

نعم، نقل الغزالي الإجماع على المنع من تقليد الأموات، والأئمة الأربعة أموات، فانظر ماذا ترى؟!!

٢٢ - وكان ابن دقيق العيد الذي يعد مجدد القرن السابع الهجري يرى حرمة التقليد ولم يستطع التصريح بذلك إلا بعد وفاته " روى المؤرخ الأدفوي عن شيخه الإمام ابن دقيق العيد أنه طلب منه ورقة، وكتبها في مرض موته، وجعلها تحت فراشه، فلما مات أخرجوها، فإذا هي في تحريم التقليد مطلقا "(٢) .

٢٣ - قال العز بن عبد السلام - الملقب بسلطان العلماء -: " ولم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقيد بمذهب ولا إنكار على أحد من السائلين إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين، فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة، مقلدا له فيما قال كأنه نبي أرسل إليه، وهذا نأي عن الحق وبعدٌ عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب "(٣) .

وقال: " لا يتعين على العامي أن يقلد في سائر المسائل "(٤) .

قال الحجوي معقبا على هذا الكلام: " وعمل الأئمة شرقا وغربا هو على ما قال ابن عبد السلام، فلا تجد أهل مذهب إلا وقد خرجوا على مذهب إمامهم، وإمّا إلى قول أصحابه وإمّا خارج المذهب، إذ ما من إمام إلا وقد انتَقدَ وانتُقدَ عليه قولٌ أو فعلٌ خفي عليه في السنة أو أخطأ في الاستدلال فضعف مذهبه. قال المعتمد بن سليمان: رآني أبي أنشد شعرا فنهاني، فقلت له: إنّ الحسن وابن سيرين قد أنشدا الشعر. فقال: أي بني، إن أخذت بشرِّ ما في الحسن وابن سيرين اجتمع فيك الشر كله، فما من إمام إلاّ وقد خولف

____________

١ - إرشاد الفحول: ص ٢٦٩.

٢ - راجع القول المفيد، الشوكاني: ص ٥٧.

٣ - القواعد الكبرى. رسالة الإنصاف: ص ٣٧، وذكر قوله السيوطي في الرد: ص ١٤٠ - ١٤١.

٤ - الفكر السامي، الحجوي: ٢٣٠.


مذهبه في بعض المسائل، إما لدليل وإما لضرورة أو حاجة "(١) .

وقال ابن عبد السلام: " وكذلك لا حكم إلا له - الله تعالى - فأحكامه مستفادة من الكتاب والسنة والإجماع والأقيسة الصحيحة والاستدلالات المعتبرة، فليس لأحد أن يستحسن، ولا أن يستعمل مصلحة مرسلة، ولا أن يقلد أحدا لم يؤمر بتقليده "(٢) .

لكن ابن عبد السلام وبعد هذا الكلام استثنى العامة وأوجب عليهم التقليد، وهذا مخالف لما أثبته حيث قال: " فليس لأحد.. أن يقلد أحدا لم يؤمر بتقليده " هذه عبارته، ونحن نعلم أننا لم نؤمر بتقليد المذاهب الأربعة لا من الله ولا من رسوله ولا من الأئمة أنفسهم. نعم، كما قال ابن عبد السلام: " فليس لأحد.. أن يقلد أحدا لم يؤمر بتقليده "!!

٢٤ - وقال الشيخ تقي الدين السبكي: ومن خطه نقلت فيما انتخبته من أصول الفقه للأستاذ أبي اسحاق الإسفرائيني ما نصه: استدل الأستاذ فيه على عدم التقليد بإجماعنا على أنه لو حفظ مذهب الأئمة من دفترهم، ثم أراد أن يحكم به ويفتي، لم يكن له ذلك، لأنه جاهل بدليل هذا المذهب، فكما حرم تقليد الميت لجهله بدليل قوله حرم عليه تقليد الحي "(٣) .

٢٥ - قال ابن القاص في أول كتاب التلخيص له: ذكر المزني في كتابه المترجم " بالجامع الكبير " - في التيمم إذا حصل في الصلاة ثم رأى الماء -: أن الشافعي نهى عن التقليد نصحا منه لكم فله أجر صوابكم، وهو برئ من خطئكمرضي‌الله‌عنه وقبل منه نصحكم.

قال الشيخ ابو علي السنجي في كتاب " شرح التلخيص ": وإنما ذكر المزني هذا في هذه المسألة، لأنها أول مسألة خالف الشافعي فيها مذهب أهل الكوفة، إنه يخرج من صلاته ويتوضأ ويستأنف، فيسقط العذر لنفسه في مخالفة الشافعي، لأنه منعه من تقليده

____________

١ - الفكر السامي، الحجوي: ص ٢٣٨.

٢ - ذكره عنه جاد الحق في الدروس الحسنية: ص ٤٣.

٣ - انظر الرد، السيوطي: ص ١١٨.


وتقليد غيره!! قال أبو شامة: فالمزني امتثل أمر إمامه في النهي عن تقليده فخالفه في هذه المسألة(١) .

٢٦ - قال السيوطي: " ما زال السلف والخلف يأمرون بالاجتهاد ويحضون عليه، وينهون عن التقليد ويذمونه ويكرهونه، وقد صنف في ذم التقليد كالمزني وابن حزم وابن عبد البر وأبي شامة وابن قيم الجوزية وصاحب البحر المحيط "(٢) .

وكتاب السيوطي - الرد على من أخلد إلى الأرض وأنكر أن الاجتهاد في كل عصر فرض - أكبر دليل على محاربة السيوطي لتقليد الأئمة الأربعة ودعوته للاجتهاد.

٢٧ - يقول ابن حزم: " كل من قلد صحابيا أو تابعيا أو مالكا أو أبا حنيفة أو الشافعي أو أحمد... يبرؤن منه في الدنيا والآخرة...

وأيضا فإن هؤلاء الفقهاء - يقصد الأئمة الأربعة - قد نهوا عن تقليدهم وتقليد غيرهم، فقد خالفهم من قلدهم... ".

قال: " وهل أباح مالك وأبو حنيفة والشافعي(٣) قط لأحد تقليدهم؟ حاشا لله من هذا، بل والله قد نهوا عن ذلك ومنعوا منه، ولم يفسحوا لأحد فيه...

ولا يحل لأحد أن يقلد آخر لا حيا ولا ميتا، ولا أن يتبع أحدا دون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا قديما ولا حديثا، ومن التزم بطاعة إنسان بعينه بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان قائلا بالباطل، ومخالفا لما عليه جماعة الصحابة وجميع التابعين أولهم عن آخرهم، وجميع تابعي التابعين بلا خلاف من أحد منهم...، ويكفي في إبطال التقليد أنّ القائلين به مقرّون على أنفسهم بالباطل، لأنّ كل طائفة من الحنفية والمالكية والشافعية مقرّةٌ بأنّ التقليد لا يحل، وأئمتهم الثلاث قد نهوا عن تقليدهم، ثم مع ذلك خالفوهم وقلدوهم، وهذا عجبٌ ما مثله عجبٌ، حيث أقرّوا ببطلان التقليد ثم دانوا الله بالتقليد. وأيضا، فإنهم مجمعون معنا على أنّ جميع أهل عصر الصحابة لم يكن فيهم واحد فما فوقه

____________

١ - انظر الرد، السيوطي: ص ١٤٣.

٢ - المصدر السابق: ص ٤٢.


يقلِّد صاحبا أكبر منه، فيأخذ قوله كله. وإنّ جميع أهل عصر التابعين لم يكن فيهم واحدٌ يقلد صاحبا أو تابعا أكبر منه فيأخذ بقوله كله، فصح يقينا أن هؤلاء المقلدين الذين لا يخالفون من قلدوه قد خالفوا إجماع الأمة كلها وهذا عظيمٌ جدا.

وأيضا، من الذي خص أبا حنيفة ومالكا والشافعي بأن يقلَّدوا، دون أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي... والزهري، والنخعي...

وأيضا، فإنّ هذه الطوائف كلها مقرّةٌ بأنّ عيسى ابن مريمعليه‌السلام سينزل ويحكم أهل الأرض...

فهل يحكم إذا نزل برأي أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي؟ معاذ الله بل يحكم بما أوحى الله إلى أخيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... ".

وقال عن الشافعي: " ولم يزلرحمه‌الله في جميع كتبه ينهى عن تقليده وتقليد غيره، هكذا حدثني القاضي أبو بكر همام بن أحمد، عن عبد الله بن محمد الباجي، عن القاضي أسلم بن عبد العزيز بن هشام، عن أبي إبراهيم المزني، عن الشافعي، فترك هؤلاء القوم ما أمرهم به أسلافهم، وعصوهم في الحق، واتبعوا آراءهم، تقليدا وعنادا للحق "(١) .

٢٨ - قال ابن الجوزي: " اعلم أنّ المقلِّد على غير ثقة فيما قلّدَ فيه، وفي التقليد إبطال منفعة العقل لأنه خلق للتأمل والتدبر... واعلم أن عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم الشخص فيتبعون قوله من غير تدبر بما قال، وهذا عين الضلال، لأن النظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل "(٢) .

٢٩ - قال ابن تيمية: " وهؤلاء الأئمة - أي الأربعة - نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولون، وذلك هو الواجب "(٣) .

____________

١ - الإحكام في اصول الأحكام - مبحث التقليد.

٢ - تلبيس إبليس: ص ١٢٤ - ١٢٥، وذكره عنه الشوكاني في قوله المفيد: ص ٦٦.

٣ - مجموع فتاوى ابن تيمية: ٢٠/٢١١.


وقد عد ابن تيمية كثرة التفرق والاختلاف والفتن بين المذاهب في بلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتار عليها، قال: "... وكل هذا التفرق والاختلاف الذي نهى الله ورسوله عنه، وكل هؤلاء المتعصبين بالباطل، المتبعين الظن وما تهوى الأنفس، المتبعين لأهوائهم بغير هدى من الله، مستحقون للذم والعقاب "(١) .

٣٠ - قال ابن القيم الجوزية: " وقد نهى الأئمة عن تقليدهم وذموا من أخذ أقوالهم بغير حجة... فإنّ طريقتهم كانت اتباع الحجة والنهي عن تقليدهم...

وأعجب من هذا أنّ أئمتهم - أي المقلدين، بالفتح - نهوهم عن تقليدهم فعصوهم وخالفوهم، وقالوا: نحن على مذاهبهم، وقد دانوا بخلافهم في أصول المذهب الذي بنوا عليه، فإنهم بنوا على الحجة، ونهوا عن التقليد، وأوصوهم إذا ظهر الدليل أن يتركوا أقوالهم ويتبعوه، فخالفوهم في ذلك كله...

وأعجب من هذا أنهم مصرحون في كتبهم ببطلان التقليد وتحريمه...

فيا لله العجب!! ماتت مذاهب أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام، وبطلت جملة، إلا مذاهب أربع أنفس فقط من بين سائر الأئمة والفقهاء، وهل قال ذلك أحد من الأئمة أو دعا إليه، أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه؟! والذي أوجبه الله تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة، لا يختلف الواجب ولا يتبدل "(٢) .

وقد ذكر ابن القيم واحدا وثمانين وجها في إبطال تقليد الأئمة الأربعة فراجعه إن شئت(٣) .

٣١ - والشاطبي الأندلسي لا يقر الاعتماد على الرجال وتقليدهم كما يظهر ذلك

____________

١ - المصدر السابق: ٢٢/٢٤٥.

٢ - إعلام الموقعين عن رب العالمين: ٢/٢٦١ - ٢٦٣ باختصار.

٣ - في الجزء الثاني من الإعلام: ص ٢٠١ - ٢٧٩.


من كلامه حيث يقول: " ولقد زل بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال أقوام خرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين، واتبعوا أهواءهم بغير علم، فضلوا عن سواء السبيل "(١) .

وقال: " رأى المقلدة لمذهب إمام يزعمون أنّ إمامهم هو الشريعة، بحيث يأنفون أن تنسب لأحد من العلماء فضيلة دون إمامهم، حتى إذا جاءهم من بلغ درجة الاجتهاد وتكلم في المسائل، ولم يرتبط إلى إمامهم رموه بالنكير، وفوًّقوا إليه سهام النقد وعدّوه من الخارجين عن الجادة... وكان هؤلاء المقلدة قد صمموا على مذهب مالك بحيث أنكروا ما عداه، وهذا تحكيم الرجال على الحق، والغلو في محبة المذهب "(٢) .

٣٢ - وقال المجتهد الصنعاني: " وإذا عرفت تصريح الأئمة بأنه إذا صح الحديث بخلاف ما قاله فإنه لا يقلدهم أحد في قولهم المخالف للحديث، عرفت أنّ الآخذ بقولهم مع مخالفة الحديث غير مقلد لهم، لأنّ التقليد حقيقة هو الأخذ بقول الغير من غير حجة، وهذا القول الذي خالف الحديث ليس قولا لهم، لأ نهم صرحوا بأنهم لا يتّبعون فيما خالف الحديث، وأنّ قولهم هو الحديث، ولقد كثرت جنايات المقلدين على أئمتهم في تعصبهم لهم "(٣) ، " ولو تتبعت ما وقع لأهل التقليد من التحريف لجاء منه مجلد وسيع، لكن مرادنا النصيحة لا التشنيع "(٤) .

" وفي كتب الأصول نقل الإجماع على تحريم تقليد الأموات "(٥) .

٣٣ - قال الإمام أبو شامة من علماء الشافعية: " ينبغي لمن اشتغل بالفقه أن لا يقتصر على مذهب إمام معين...

____________

١ - الاعتصام ٢/٣٤٧.

٢ - الاعتصام ٢/٣٤٨.

٣ - مجموعة الرسائل المنيرية، الصنعاني ١/٢٧ - ٢٨.

٤ - المصدر السابق: ص ٤٠.

٥ - المصدر السابق.


ولم يزل علم الفقه كريما يتوارثه الأئمة، معتمدين على الأصلين الكتاب والسنة، مستظهرين بأقوال السلف على فهم ما فيها من غير تقليد، فقد نهى إمامنا الشافعيرضي‌الله‌عنه عن تقليده وتقليد غيره. وكانت تلك الأزمنة مملوءةً بالمجتهدين، فكل صنف على ما رأى، وتعقب بعضهم بعضا، مستمدين من الأصلين الكتاب والسنة، وترجيح الراجح من أقوال السلف المختلفة، ولم يزل الأمر على ما وصفت إلى أن استقرت المذاهب المدونة، ثم استظهرت المذاهب الأربعة وهجر غيرها... وإنما وضع الشافعي وغيره من الأئمة الكتب إرشادا للخلق إلى ما ظنه كل واحد منهم صوابا، لا أنهم أرادوا تقليدهم ونصرة أقوالهم كيفما كانت، فقد صح أنّ الشافعيرضي‌الله‌عنه نهى عن تقليد غيره "(١) .

وقد جعل أبو شامة الشافعي في كتابه مختصر المؤمل عنوانٌ في: " نصوص الأئمة في الرجوع إلى الكتاب والسنة والنهي عن تقليدهم "(٢) .

وقد تحدث أبو شامة عن العلماء في عصره وتقصيرهم، وتحدث عن أقوال المقلدين الملتزمين بأقوال من سبقهم من غير معرفة بأدلتهم، فقال: " ومنهم من قنع بزبالة أذهان الرجال وكناسة أفكارهم، وبالنقل عن أهل مذهبه، وقد سئل بعض العارفين عن معنى المذهب فأجاب أنّ معناه: دينٌ مبدّل. قال تعالى( وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ) (٣) ألا ومع هذا يخيّل إليه أنه من رؤوس العلماء، وهو عند الله. وعند علماء الدين من أجهل الجهلاء، بل بمنزلة قسيس النصارى أو حبر اليهود، لأن اليهود والنصارى ما كفروا إلا بابتداعهم في الأصول والفروع، وقد صح عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (لتركبنَّ سنن من كان قبلكم)(٤) .

٣٤ - قال الفلاني في الإيقاظ: " قال شيخ مشايخنا المحقق أبو الحسن السندي في

____________

١ - مختصر المؤمل في الرد للقرن الأول. الرد، السيوطي: ص ١٤١ - ١٤٢.

٢ - راجع ص ٥٦ من كتابه.

٣ - الروم: ٣١ - ٣٢.

٤ - ذكره عنه عمر الأشقر في تاريخ الفقه الإسلامي: ص ١٤٨ - ١٤٩.


حواشيه على فتح القدير - عند قوله: لأنّ الحكم في حق العامي فتوى مفتيه -: أفاد أنه لا يتعين في حق العامي الأخذ بمذهب معين لعدم اهتدائه لما هو أولى وأحرى إلا على وجه الهوى كما عليه العوام اليوم "(١) والشيخ الفلاني من محاربي تقليد الأئمة الأربعة وقد ذكر في كتابه إيقاظ الهمم بعض أقوال الأئمة في النهي عن تقليدهم، فنرجو مراجعته.

٣٥ - قال الوزير اليماني منكرا الالتزام بمذهب معين: " فالمعلوم ضرورةً أن العامي في زمن الصحابة كان يفزع في الفتوى إلى من شاء منهم من غير نكير في ذلك، وهذا من الأمور المعلومة، وقد احتج بذلك ابن الحاجب في مختصر المنتهى على أنّ الالتزام لا يجب، وادّعى القطع بوقوعه. وكذلك الشيخ ابو الحسن احتج في المعتمد بإجماع الصحابة على عدم الالتزام. قال قطب الدين في شرح كلام ابن الحاجب ما لفظه: احتج المصنف على الجواز بوقوعه أي: بوقوع التنازع فيه في زمن الصحابة وغيرهم من غير إنكار من أحد، ولو كان ذلك منكرا لأنكر، ولم ينقل عن أحدٍ من الصحابة والتابعين الإنكار ولا الحجر على المستفتي في تقليد إمام واحدٍ "(٢) .

وقد نقل محمد بن ابراهيم الوزير الإجماع عن علماء آل البيتعليهم‌السلام وعن سائر علماء الإسلام تحريم تقليد الأموات.(٣) ولا تنس أنّ الأئمة الأربعة أموات!!

٣٦ - يقول أبو طالب المكي في كتابه " قوت القلوب ": اعلم أن العبد إذا كاشفه الله بالمعرفة واليقين لم يسعه تقليد أحدٍ من العلماء، وكذلك كان المتقدمون، إذا افتتحوا هذا المقام خالفوا من حملوا عنه العلم، ولأجل ذلك كان الفقهاء يكرهون التقليد "(٤) !!

وقال: " اعلم إن الكتب والمجموعات محدثة، والقول بمقالات الناس، والفتيا بمذهب الواحد من الناس، واتخاذ قوله والحكاية له من كل شي والتفقه على مذهبه لم

____________

١ - إيقاظ الهمم: ص ٥٧.

٢ - الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم: ١/١١٤.

٣ - راجع القول المفيد: ص ٦٧.

٤ - راجع قوله في الرد، للسيوطي: ص ١١٨ - ١١٩.


يكن الناس قديما على ذلك في القرنين الأول والثاني "(١) .

٣٧ - وقال الإمام الشيخ الأكبر ابن العربي: " والتقليد في دين الله لا يجوز عندنا لا تقليد حي ولا ميت "(٢) !!!

٣٨ - يقول الشيخ عبد الوهاب الشعراني: " لم يبلغنا أنّ أحدا من السلف أمر أحدا أن يتعبد بمذهب معين، ولو وقع ذلك منهم لوقعوا في الإثم...

ومن أين جاء الوجوب والأئمة كلهم قد تبرأوا من الأمر بإتّباعهم!!! وقالوا: إذا بلغكم الحديث فاعملوا به واضربوا بكلامنا الحائط "(٣) .

٣٩ - وقال ولي الله دهلوي: " اعلم أنّ الناس كانو في المائة الأولى والثانية غير مجتمعين على التقليد في مذهبٍ واحد بعينه، بل كان الناس على درجتين: العلماء والعامة، وكانوا في المسائل الاجتماعية التي لا خلاف فيها بين المسلمين أو بين جمهور المجتهدين لا يقلدون إلاّ صاحب الشرع، وكانوا يتعلَّمون صفة الوضوء والغُسل وأحكام الصلاة والزكاة ونحوه من آبائهم أو معلمي بلادهم فيمشون على ذلك، وإذا وقعت لهم واقعةً نادرة استفتوا فيها أي سنة مضت من غير تعيين مذهب "(٤) .

وقال عن الأمور التي حدثت بعد المائة الرابعة: " ومنهم - يقصد الناس - اطمأنوا بالتقليد ودبَّ التقليد في صدورهم دبيب النمل وهم لا يشعرون "(٥) " ولم يأت قرن بعد ذلك إلا وهو أكثر فتنةً وأوفر تقليدا وأشدُّ انتزاعا للأمانة من صدور الرجال حتى اطمأنوا بترك الخوض في أمر الدين، بأن يقولوا:( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم

____________

١ - من كتابه قوت القلوب، انظر حجة الله البالغة: ١/١٥٢.

٢ - الفتوحات المكية - الباب الثامن والثمانين.

٣ - أسد حيدر: ١/١٧٦. الدرر المنثورة.

٤ - الإنصاف في بيان سبب الاختلاف: ص ٨.

٥ - حجة الله البالغة: ١/١٥٣.


مُّقْتَدُونَ ) (١) ، وإلى الله المشتكى، وهو المستعان، وبه الثقة وعليه التكلان "(٢) .

وقد نقل الدهلوي بعض أقوال الأئمة في النهي عن تقليدهم في كتابيه: " حجة الله البالغة " ورسالته " الإنصاف في بيان سبب الاختلاف ".

٤٠ - قال الشوكاني: " فنصوص أئمة المذاهب الأربعة في المنع من التقليد، وفي تقديم النص على آرائهم وآراء غيرهم، لا تخفى على عارف من اتباعهم وغيرهم "، " وأيضا العلماء إنما أرشدوا غيرهم إلى ترك تقليدهم، ونهوا عن ذلك "، " فإنه صح عنهم - يقصد الأئمة الأربعة - المنع من التقليد ".

" وقد عرفت أنّ التقليد لم يُحدث إلا بعد انقراض خير القرون... وأنّ حدوث التمذهَّب بمذاهب الأئمة، إنما كان بعد انقراض الأئمة الأربعة، وأ نهم كانوا على نَمَط من تقدمهم من السلف في هجر التقليد، وعدم الاعتداد به، وأنّ هذه المذاهب إنما أحدثها عوام المقلدة لأنفسهم من دون أن يأذن بها إمامٌ من الأئمة المجتهدين، وقد تواترت الرواية عن الإمام مالك أنه قال له الرشيد: أنه يريد أن يحمل الناس على مذهبه، فنهاه عن ذلك.

وهذا موجودٌ في كل كتابٍ فيه ترجمة الإمام مالك، ولا يخلو من ذلك إلا النادر...

وحينئذ لم يقل بهذه التقليدات عالمٌ من العلماء المجتهدين، أما قبل حدوثها، فظاهرٌ، وأما بعد حدوثها فما سمعنا عن مجتهدٍ من المجتهدين أنه يسوغ صنيعة هؤلاء المقلدة الذين فرّقوا دين الله وخالفوا بين المسلمين بل أكابر العلماء بين منكر، وساكت عنها سكوت تقيّةٍ لمخافةَ ضرر ٍ".

وتحت عنوان: رفض الأئمة الأربعة للتقليد قال: " ومن المصرحين بهذا، الأئمة الأربعة، فإنه قد صح عن كل واحدٍ منهم هذا المعنى من طرق متعددة "، " فهل تزعمون أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: عليكم بسنة أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل..؟ ".

____________

١ - الزخرف: ٢٣.

٢ - الإنصاف: ص ٩٦.


ونقل الشوكاني عن أبي بكر المرغيناني - أحد فقهاء الحنفية - ونور الدين السنهوري المالكي ما يدل على نهي الأئمة عن تقليدهم.

وقال: " وأما الإمام الشافعي فقد تواتر ذلك عنه - أي النهي عن تقليده - تواتر لا يخفى على القصَّر، فضلا عن كامل، فإنه نقل ذلك عنه غالب أتباعه، ونقله عنه - أيضا - جميع المترجمين إلا من شذ، ومن جملة من روى ذلك البيهقي... ".

" فلا حيّا هؤلاء المقلدة الذين ألجأوا الأئمة الأربعة إلى التصريح بتقديم أقوال الله ورسوله على أقوالهم لما شاهدوهم عليه من الغلو والمشابه لغلو اليهود والنصارى في أحبارهم ورهبانهم "(١) .

٤١ - يقول الشيخ حسن خان: " من حصر فضل الله على بعض خلقه وقصر فهم هذه الشريعة المطهرة على من تقدم عصره، فقد تجرأ على الله(٢) ، ثم على شريعته الموضوعة لكل عباده الذين تعبدهم بالكتاب والسنة، فإذا كان التعبد بهما مختصا بأهل العصور السابقة ولم يبقِّ (خ) لهؤلاء المتأخرين إلاّ التقليد لمن تقدمهم ولا يتمكنون من معرفة كتاب الله وسنة رسوله فما الدليل على هذه التفرقةِ الباطلة، والمقالة الزائغة، وهل النسخ إلا هذا؟ سبحانك اللهم هذا بهتانٌ عظيم "(٣) .

٤٢ - قال عبد العظيم المكي: " اعلم أنه لم يكلف الله أحداً من عباده بأن يكون حنفيّاً أو مالكيّاً أو شافعيّاً أو حنبليّاً، بل الواجب عليهم الإيمان بما بعث به محمّدٌصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والعمل بشريعته "(٤) .

٤٣ - قال المصلح الكبير جمال الدين الأفغاني: " بأيٍّ نصٍ سدَّ بابُ الاجتهاد؟ أو أي إمامٍ قال: لا ينبغي لأحدٍ من المسلمين بعدي أن يجتهدوا ليتفقهوا في الدين، أو أن

____________

١ - جميع هذه الأقوال في كتابه القول المفيد في كشف حقيقة الاجتهاد والتقليد، فراجع ما ذكرنا على الترتيب: ص ٦٦ و ٤٢ و ٤٨ و ٥٢ و ٥٣ و ٦٠ و ٢٦ و ٦٤.

٢ - أسد حيدر: ١/١٧٧ نقلا عن جلاء العينين للآلوسي: ص ١٠٧.

٣ - أسد حيدر عن رسالة القول السديد: ص ٣.


يهتدي بهدي القرآن وصحيح الحديث، أو أن يجد ويجتهد بتوسيع مفهومه والاستنتاج على ما ينطبق على العلوم العصرية وحاجيات الزمان وأحكامه؟ ولا ينافي جوهر النص أنّ الله بعث محمدا رسولا بلسان قومه العربي ليعلم ما يريد إفهامهم، وليفهموا منه ما يقول لهم، ولا ارتياب بأنه لو فسح في أجَل أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وعاشوا إلى اليوم لداموا مجتهدين مجدّين يستنبطون لكل قضية حكماً من القرآن والحديث.... وكلما زاد تعمقهم زادوا فهما وتدقيقا. نعم، إنّ أولئك الفحول من الأئمة ورجال الأمة اجتهدوا فأحسنوا، فجزاهم الله خير الجزاء، ولكن لا يصح أن نعتقد أنهم أحاطوا بكل أسرار القرآن، وتمكنوا من تدوينها في كتبهم "(١) .

٤٤ - قال عبد المتعال الصعيدي - أحد علماء الأزهر -: " فنحن إذا في حِلٍّ من التقيد بهذه المذاهب الأربعة!! التي فرضت علينا بتلك الوسائل الفاسدة، وفي حل من العود إلى الاجتهاد في أحكام ديننا لأن منعه لم يكن إلا بطريق القهر، والإسلام لا يرضى إلا بما يحصل بطريق الرضى والشورى بين المسلمين "(٢) .

٤٥ - وقال شيخ الأزهر: جادُّ الحق علي جادِّ الحق، " لو التزم مقلد مذهبا معينا، لا يلزمه الاستمرار في تقليده. اختار هذا، الآمدي وابن الحاجب والكمال ابن الهمام والرافعي وغيرهم، ذلك لأن التزام مذهب معين غير ملزم! إذ لا واجب إلاّ ما أوجبه الله تعالى ورسوله، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحدٍ من الناس أن يتمذهب إماماً معينا من المجتهدين فيقلده في دينه ويأخذ كل ما يقرر دون غيره "(٣) .

إذن فتقليد الأئمة الأربعة غير ملزم لنا ولاواجب علينا لأنه لاواجب إلا ماأوجبه الله ورسوله، والله ورسوله لم يوجبا علينا تقليدهم فكيف نسوغ لأنفسنا تقليدهم؟!

____________

١ - أسد حيدر عن خاطرات جمال الدين الأفغاني: ص ١٧٧.

٢ - أسد حيدر عن ميدان الاجتهاد: ص ١٤.

٣ - الدروس الحسنية: ص ٤١.


٤٦ - يقول السيد سابق - مفتي الإخوان المسلمين -: " وكانوا - أي: الأئمة الأربعة - ينهون عن تقليدهم ويقولون: لا يجوز لأحد أن يقول قولنا من غير أن يعرف دليلنا، وصرحوا أن مذهبهم هو الحديث الصحيح... إلا أن الناس بعدهم قد فترت هممهم وضعفت عزائمهم وتحركت فيهم غريزة المحاكاة والتقليد، فاكتفى كل جماعةٍ منهم بمذهب معين ينظر فيه ويعول عليه ويتعصب له ويبذل كل ما أوتي من قوّةٍ في نصرته وينزل قول إمامه منزلة قول الشارع ولا يستجيز لنفسه أن يفتي في مسألة بما يخالف ما استنبطه إمامه، وقد بلغ الغلو في الثقة بهؤلاء الأئمة حتى قال الكرخي: كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا " الحنفية " فهو مؤوّل أو منسوخ "(١) .

٤٧ - يقول محمد سعيد رمضان البوطي - من علماء سوريا -: " وإذا ظهر من الأدلة ما يخالفها - يقصد آراء الفقهاء - وجب اتباع الدليل وترك الرأي مهما يكن قائله، وهذا يعني أنّ تقليد إمام معين دون غيره ليس أمرا ألزمنا الله به... "(٢) !!.

٤٨ - يقول محدث أهل السنة المعاصر الشيخ الألباني: " فما أبعد ضلال بعض المقلدة!! الذين يذهبون إلى أنّ الدين محفوظ بالمذاهب الأربعة، وأنه لا ضير على المسلمين من ضياع قرآنهم لو فرض وقوع ذلك!! هذا ما كان صرح لي به أحد كبار المفتين... "(٣) .

وقد جعل الألباني في كتابه " صفة صلاة النبي " عنوان: أقوال الأئمة في اتباع السنة وترك أقوالهم المخالفة لها(٤) قال: " فأولهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابترحمه‌الله ، وقد روى عنه أصحابه أقوالا شتى وعباراتٌ متنوعة، كلها تؤدي إلى شئ واحد، هو

____________

١ - فقه السنة: ١/١٣ - ١٤.

٢ - اللامذهبية: ص ٣٥.

٣ - انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة: ١/١٢٨ ح ٨٧.

٤ - ص ٢٣.


وجوب الأخذ بالحديث وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة له "(١) .

وبعد أن ذكر بعض أقوال الأئمة في النهي عن تقليدهم قال: تلك هي أقوال الأئمة رضي الله تعالى عنهم في الأمر بالتمسك بالحديث، والنهي عن تقليدهم دون بصيرة، وهي من الوضوح والبيان، بحيث لا تقبل جدلا ولا تأويلا "(٢) .

٤٩ - يقول الدكتور أحمد محمود الشافعي: " نهى الأئمة عن الأخذ بأقوالهم دون تبصر، ودعوا إلى الاجتهاد في تعرف دليل الإمام الذي يقلدونه في استنباط الحكم "(٣) .

٥٠ - قال الدكتور محمد الدسوقي - دكتور في كلية الشريعة بجامعة قطر -: " وكان هؤلاء الأئمة - يقصد الأربعة - مع هذا يحضّون تلاميذهم على الاجتهاد ويشجعونهم على البحث الحر والنظر المستقل، ويحذرونهم من التبعية والتقليد! وينبهونهم إلى أن آراءهم عرضةٌ للصواب والخطأ، ولا يجوز الأخذ بها إلاّ بعد التيقن من صحتها "(٤) .

٥١ - قال سالم البهنساوي - أحد مفكري الإخوان المسلمين -: " الأصل في الإسلام أن يأخذ المسلم الحكم الشرعي من الكتاب والسنة، لأنه لا عصمة لأحد حتى تصبح أقواله وأفعاله شرعا من الله لا تحمل مخالفة، وأقوال أبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم ليست ملزمة بذاتها، بل بما استندت إليه من الكتاب والسنة النبوية، نص على ذلك هؤلاء الأئمة "(٥) ثم ذكر البهنساوي شيئا من أقوالهم في ذلك.

٥٢ - قال مصطفى الرافعي: ".. كل مجتهد منهم - يقصد أئمة المذاهب - كان يقول:

إذا صح الحديث فهو مذهبي، ولم يثبت عن واحد منهم(٦) أن أوجب التقيّد بمذهبه...

____________

١ - صفة صلاة النبي، الألباني: ص ٢٣ - ٢٤.

٢ - المصدر السابق: ص ٣٤.

٣ - المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية: ص ١٠٥.

٤ - الاجتهاد والتقليد في الشريعة الإسلامية: ص ٢٢٠ - ٢٢١.

٥ - السنة المفترى عليها: ص ١٩٤.


وأنّ الإمام الشافعي نفسه نهى عن تقليده وتقليد غيره، حسبما ذكره عنه صاحبه المزني في أول مختصره...

وقال الشارح لمسلّم الثبوت: " لم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأئمة، فايجابه تشريع جديد "(١) .

" فالأئمة الأربعة قد بنوا أحكامهم على أعراف زمانهم.

والأعراف في زماننا قد تغيرت عن الأعراف في زمانهم، والعرف مصدر من مصادر التشريع وهو يتغير بتغير الزمان، والوقائع متجددة، والحاجة إلى معرفة حكم الله فيها مستمرة، وشريعة الله تخاطب الناس في كل العصور، لذلك يقول الإمام عليعليه‌السلام :

" لم تخل الأرض من قائم لله بحجّةٍ " الأمر الذي جعل الشيعة الإمامية يجمعون على مقاومة دعوى سد باب الاجتهاد، ويحمل المتجددين من فقهاء السنة عبر العصور على محاربة التقليد "(٢) .

٥٣ - قال الدكتور عزت علي عطية: " ومن هنا كان تركيز الأئمة على التحذير من الاقتداء الأعمى بهم أو التعصب لآرائهم، وإعلامهم أن الحديث الصحيح مقدم على كل ما رأوه، وأنهم رجال وغيرهم رجال، واتفاقهم على أنه ليس كل أحد معصوما في كل ما أمر به ونهى عنه إلاّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(٣) .

٥٤ - قال محمد أمين الشنقيطي - صاحب تفسير أضواء البيان -: " اعلم أن الأئمة الأربعةرحمهم‌الله ، متفقون على منع تقليدهم الأعمى الذي يتعصب له من يدعون أنهم أتباعهم، ولو كانوا أتباعهم حقا لما خالفوهم في تقليدهم الذي منعوا منه ونهوا عنه ".

فاللازم هو ما قاله الأئمة أنفسهمرحمهم‌الله من أنهم يخطئون، ونهوا عن اتباعهم في كل شئ يخالف نصا من كتاب أو سنة ".

____________

١ - إسلامنا: ص ٣٠.

٢ - إسلامنا: ص ١٠٦.

٣ - البدعة: ص ٢٥٠.


وقال: " مما لا شك فيه أنّ الأئمة الأربعةرحمهم‌الله نَهوا عن تقليدهم في كل ما خالف كتاب أو سنة، كما نقله عنهم أصحابهم.. كما هو مقرر في كتب الحنفية عن أبي حنيفة، وكتب الشافعية عن الشافعي القائل: إذا صح الحديث فهو مذهبي.

وكتب المالكية والحنابلة عن مالك وأحمد رحمهم الله جميعا، وكذلك كان غيرهم من أفاضل العلماء يمنعون من تقليدهم "(١) .

٥٥ - قال أحمد بن حجر - قاضي المحكمة الشرعية الأولى بدولة قطر -: " وكأن أولئك العلماء - يقصد مقلدي المذاهب ومتعصبيها - والأحرى أن يكونوا جهلاء، لم يعلموا أن الأئمةرحمهم‌الله لم يأمروا أحدا باتباعهم بل أمروا باتباع قول الله وقول رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(٢) .

٥٦ - قال ابراهيم فوزي: " وقد نادى بالتحرر من المذهبية في الماضي فقهاء وعلماء كثيرون، واعتبروا التقوقع ضمن مذهب واحد من علامات الانحطاط وتدني الفكر والعقل بين المسلمين، وقد نهى أصحاب المذاهب أنفسهم عن تقليدهم!! وعن الأخذ بآرائهم واجتهاداتهم دون روية ولا نظر وحذا حذوهم فقهاء وعلماء كثيرون "(٣) .

٥٧ - قال الدكتور إبراهيم هلال في مقدمة كتاب الإمام الشوكاني والاجتهاد والتقليد: " هذه صفحات من جهاد الإمام الشوكاني ضد المقلدين، اقدمها في هذه الأيام تنبيها لهؤلاء الذين لا يزالون يتعلقون بالمذاهب والآراء، ويلغون أمامها عقولهم وتفكيرهم "... وأن كلام الأئمة السابقين ليس وافيا بذلك، بل يقصر عن البلوغ إلى استقصاء كل ظروف عصرهم ومتطلبات حياتهم وضروراتها، فضلا عن أن يفي

____________

١ - القول السديد في كشف حقيقة التقليد: ص ٦٧ و ٦٤ و ٦٩.

٢ - تحذير المسلمين عن الابتداع والبدع في الدين: ص ٦١ - ٦٢.

٣ - أحكام الإرث: ص ١٠.


بحاجات عصرنا، كما أنهم في آرائهم عرضة للخطأ والصواب، وقد قالوا هم عن أنفسهم: " كل امرئ يؤخذ من قوله ويترك إلا قول الله وقول الرسول ".

ونهوا الناس عن تقليدهم بكل شدة!! وأمروا تلاميذهم ومن بعد تلاميذهم أن يجتهدوا كاجتهادهم وأن يأخذوا من كتاب الله وسنة رسوله مباشرة كما أخذوا هم، وقالوا: إنه لا يحل لامرئ أن يعمل بقولنا إلا بعد أن يعرف من أين أخذنا هذا القول، من الكتاب أو السنة؟ هذا هو رأي الأئمة السابقين أنفسهم فيما خلفوه لنا من آراء ومن كتب في الفقه وغيره... "(١) .

٥٨ - قال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق عن الأئمة الأربعة: " وما دعا أحدٌ منهم الناس إلى إتّباعه بل جميعهم نَهوا تلاميذهم عن تقليدهم وأمروا باتباع الحق والدليل...

وأما المقلدون الذين يزعمون أنهم على مذهبهم فهم أبعد الناس عنهم، لأنهم خالفوا هؤلاء الأئمة في نهيهم عن تقليدهم والإفتاء بآرائهم دون معرفة دليلهم "(٢) .

٥٩ - وقال محمد إبراهيم شقرة - أحد علماء الأردن - بعد أن ذكر بعض أقوال الأئمة الأربعة في النهي عن تقليدهم: " هذه الأقوال للأئمة الأربعة المجتهدين صريحة لا تدع مجالا للمسلم أن يسلم قياد عقله لمذهب من المذاهب "(٣) .

٦٠ - قال صلاح الدين مقبول في مقدمة كتاب مختصر المؤمل: " إن الأئمةرحمهم‌الله لم يألوا جهدا في اتباع السنة ونشرها وكذلك لم يقصروا في النهي عن تقليدهم خلاف سنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... وخوفا من وقوع مخالفة الأحاديث الصحيحة، أوصى الأئمة أصحابهم بأن لا يقلدوهم بخلافها "(٤) .

____________

١ - ص ٣.

٢ - السلفيون والأئمة الأربعة: ص ٤٣ و ٤٩.

٣ - الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد: ص ١٥.

٤ - مختصر المؤمل: ص ٧.


وماذا بعد هذا؟

نكتفي بهذا القدر مما ورد عليك أخي المسلم من أقوال الأئمة الأربعة في النهي عن تقليدهم، فقد أوردنا أقوال ستين عالما من علماء الإسلام يدعون بها لفتح باب الاجتهاد، وينهون عن تقليد الأئمة الأربعة ويؤكّدون مقالاتهم في وجوب ترك تقليدهم، فماذا بعد هذا؟ أيسوغ المسلم لنفسه أن يبقى مقلدا لأحد هذه المذاهب وقد نهاه إمام مذهبه عن تقليده؟!!

يقول الشوكاني: " فيا مَن نشأ على مذهب من هذه المذاهب الإسلامية أنا لك النذير المبلغ في التحذير من أن تقول هذه المقالة وتستمر على الضلالة، فقد اختلط الخير بالشر، والصحيح بالسقيم، وفاسد الرأي بسقيم الرواية، ولم يبعث الله إلى هذه الأمة إلا رسولا واحدا أمرهم باتباعه، ونهاهم عن مخالفته فقال:( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (١) ولو كان محض رأي أئمة المذاهب حجة على العباد، لكان لهذه الأمة رسل كثيرون متعددون بعدد أهل الرأي، المكلفين للناس بما لم يكلفهم الله به، وإن من أعجب الغفلة، وأعظم الذهول عن الحق اختيار المقلدة لآراء الرجال مع وجود كتاب الله ووجود سنة رسوله... "(٢) .

" فدعوا - أرشدكم الله وإياي - كتبا كتبها لكم الأموات من أسلافكم واستبدلوا بها كتاب الله خالقهم وخالقكم ومتعبدهم ومتعبدكم "(٣) .

____________

١ - الحشر: ٧.

٢ - فتح القدير: ٢/١٨٩.

٣ - المصدر السابق: ص ٣٥٢ - ٣٥٣.


الفصل الثاني

عقبات عدة أمامنا



الأئمة الأربعة أموات

وهذه عقبة أخرى، إذ كيف نأخذ ديننا عنهم وقد ماتوا قبل أكثر من ألف ومئتي سنة؟! فإن قيل: نأخذ بأقوالهم المدونة، قلنا: والمسائل المستحدثة كيف سيجيبوننا عنها؟ وإذا كان الدين لا يؤخذ إلا عنهم فكيف عاش المسلمون قبلهم وإلى من رجعوا في معرفة الإسلام؟

فهل كانوا قبل أن يصلوا الى درجة الاجتهاد: في ضلال؟ وإذا قلتم أن الإسلام لا يؤخذ إلا منهم فقد حكمتم على أتباع المذاهب الأخرى بالضلال كالسلفية والمذاهب القديمة كالثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى وغيرهم.

لا ترجيح بين المذاهب

ومن هذه العقبات التي تقف أمامنا أننا إذا أردنا أن نختار أحد المذاهب الأربعة لكي نتبعه فلا نستطيع أن نرجّح مذهبا على آخر لأنه سيكون ترجيحا بلا مرجح وهو فاسد عقلا وشرعا. ثم لو أننا أخذنا المذهب الشافعي دون غيره فقد حكمنا على من خالف الشافعي بالضلال، وكذلك إذا اخترنا مذهب أبي حنيفة نحكم على من خالفه بالضلال، لأننا نعلم أن الحق واحد لا يتعدد، فلا يمكن أن يكون الأربعة مصيبين في مسألة واحدة وهم مختلفون فيها؟!!

الأئمة الأربعة لم يروا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

إنّ الأئمة الأربعة لم يروا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يسمعوا منه، وبينهم وبينه أكثر من مئة


سنة، ولا يطمئن المسلم لأقوالهم لأنها تحتمل الخطأ، فأقوالهم مجرد اجتهادات قد تصيب وقد تخطئ كما قالوا هم أنفسهم.

يقول الشافعي: " قولنا صواب يحتمل الخطأ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب "، وقال الإمام مالك: " كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر "(١) ، و " كان الإمام مالك يسأل في الخمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها "(٢) وقد مر علينا قوله:( إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ) .

فهل يعقل أن الله يريد لعباده أن يأخذوا أحكام دينهم بشكل خاطئ؟ لا أعتقد أن مسلما يقول ذلك. بل إن الله الذي أرسل لعباده الأنبياءعليهم‌السلام وواتر إليهم رسلهعليهم‌السلام قد تكفل بحفظ دينه وإيصاله لجميع الناس بصورة صحيحه مبنية على اليقين، سواء في العقيدة أو الشريعة، وهذا ما يفرضه العقل والشرع، قال تعالى:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (٣) .

أما أبو الحسن الأشعري فهو الآخر لم ير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يسمع منه، وبينه وبين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكثر من قرنين، ومازالت عقيدة هذا الرجل محل خلاف بين الأشاعرة وأهل الحديث. قال أهل الحديث: إن الأشعري رجع في اخريات حياته إلى مذهب السلف.

والأشاعرة مصرون على أنه لم يرجع، والكتابات ما زالت مستمرة حول عقيدة هذا الرجل. فكيف نتبع هذا الرجل وعقيدته مختلف فيها؟! فضلا عن أن الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يأمرانا باتباعه!

الأئمة الأربعة يختلفون

ومن العقبات التي تقف أمامنا: إن الأئمة الأربعة كثيرا ما يختلفون في المسألة

____________

١ - البداية والنهاية، ابن كثير: ٧/١٣٨.

٢ - النووي مقدمة شرح المهذب، تحقيق محمد نجيب مطيعي ١/٥٧، وراجع إرشاد الفحول، الشوكاني:

ص ٢٥٤ - ٢٥٥.

٣ - الحجر: ٩.


الواحدة، بل الاختلاف قائم بين فقهاء المذهب الواحد، ونحن نعلم بديهة أن حكم الله في أي موضوع واحد لا ثاني له، فالحق واحد لا يتعدد. فإن قيل: إن اختلافهم في الفروع لا في الأصول وهذا الاختلاف هو رحمةٌ لقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " اختلاف أمتي رحمةٌ " وبإمكان المسلم أن يأخذ من أي مذهب منها فكلها من نبع النبوة.

قلنا: حاشا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقصد هذا المعنى الظاهري للحديث. فكيف يحثهم على الاختلاف وهو يتلو لهم عن رب العزة:

( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ) (١) ، وقوله تعالى:( وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) (٢) ، وقوله:( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) (٣) ، وقوله:( إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ) (٤) ، وقوله:

( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ) (٥) .

فكيف يأتي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذه الآيات ثم يقول للناس: اختلفوا فإن اختلافكم رحمة!! ولنا ان نقول: إذا كان اختلافهم رحمة فما بال الأئمة الأربعة والفقهاء في إطار مذهبهم يتفقون أحيانا؟

فبمقتضى هذا الفهم للحديث لا يجب عليهم أن يتفقوا لأن اتفاقهم واجتماعهم نقمةٌ، فكان الواجب عليهم ان يختلفوا في كل المسائل حتى تعم الرحمة المفرقة لأبناء الإسلام إلى مذاهب مختلفة!!

ومن رجع إلى كتب التاريخ والمذاهب سيجد مظاهر هذه الرحمة بأجلى صورها.

لقد ولد الشافعي سنة ١٥٠ هـ‍ وهي السنة التي توفي فيها أبوحنيفة فقالت الحنفية

____________

١ - آل عمران: ١٠٣.

٢ - الأنفال: ٤٦.

٣ - آل عمران: ١٠٥.

٤ - الأنبياء: ٩٢.

٥ - الأنعام: ١٥٩.


للشافعية: ما جسر إمامكم أن يخرج إلى الوجود حتى مات إمامنا، وأجابتهم الشافعية:

بل إمامكم ما ثبت لظهور إمامنا!! "(١) .

وقال صاحب المغني: " وقد بلغ من إيذاء بعض المتعصبين في طرابلس الشام في آخر القرن الماضي أن ذهب بعض شيوخنا الشافعية إلى المفتي وهو رئيس العلماء وقال له:

إقسم المساجد بيننا وبين الحنفية فإن فلانا من فقهائهم يعدنا كأهل الذمة!! في هذه الأيام من خلافهم في تزويج الرجل الحنفي بالمرأة الشافعية، وقول بعضهم لا تصح لأنها تشك في إيمانها!! "(٢) .

هذا، وقد أحرق الحنابلة مسجدا للشافعية، وقام خطباء الحنفية يلعنون الحنابلة والشوافع عل المنابر، ووقعت فتنة بين الحنفية والشافعية فحرقت الأسواق والمدارس(٣) .

يقول ابن الأثير في حوادث سنة ٣٢٣ هـ‍: " وقد كثرت فيها حوداث الشغب من جانب الحنابلة واعتداءاتهم على الشوافع ". ويقول ياقوت الحموي عن اصبهان: " وقد نشأ الخراب في هذا الوقت وقبله في نواحيها لكثرة الفتن والتعصب بين الشافعية والحنفية والحروب المتصلة بين الحزبين فكلما ظهرت طائفة نهبت محلة الأخرى وحرقتها وخربتها ".

وقال عن الري: " وقعت العصبية بين الحنفية والشافعية وقامت الحروب بينهما كان الظفر في جميعها للشافعية، هذا مع قلة عدد الشافعية إلا أن الله نصرهم عليهم!! "(٤) .

ومظاهر الرحمة نجدها في تكفير كل مذهب لغيره، يقول ابن حاتم الحنبلي: " من لم

____________

١ - أسد حيدر: ٣/١٢ نقلا عن الغيث المسجم في شرح لامية العجم: ١/١٦٥.

٢ - الفكر السامي: ٣/٣٨.

٣ - البداية والنهاية: ١٤/٧٦. مرآة الجنان: ٣/٣٤٣.

٤ - معجم البلدان: ١/٢٠٩ و ٣/١١٧.


يكن حنبليا فليس بمسلم "(١) .

وقد كفّر أبو بكر المقري جميع الحنابلة(٢) .

وقال ملا علي القاري الحنفي: " اشتهر بين الحنفية أن الحنفي إذا انتقل إلى مذهب الشافعي يعزر وإذا كان بالعكس يخلع عليه!! "(٣) .

وقال قاضي دمشق الحنفي محمد بن موسى البلاساغوني ت/٥٠٦ هـ‍: " لو كان لي أمر لأخذت الجزية من الشافعية "(٤) .

وقال المظفر الطوسي الشافعي: " لو كان لي من الأمر شئ لأخذت على الحنابلة الجزية "(٥) .

وإذا كان الاختلاف رحمة، فلماذا لم يختلف القرآن في أحكامه التشريعية؟! فهل منع الله عباده من رحمته وهو القائل( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) (٦) ؟! حاشا لله أن يدعو للاختلاف بعد أن نهى عنه في محكم كتابه، قال تعالى:( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) (٧) فالله يدعونا لاتباع سبيل واحد وينهانا عن اتباع السبل:( وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ) (٨) .

فالقرآن يصرح بأن اتباع أكثر من سبيل: مفرق، ومنهي عنه، وهذا رد على كل من يقول بأن الاختلاف رحمة.

____________

١ - تذكرة الحفاظ: ٣/٣٧٥.

٢ - شذرات الذهب: ٣/٢٥٢.

٣ - إرشاد النقاد/الصنعاني، وراجع الدين الخالص: ٣/٣٥٥.

٤ - ميزان الاعتدال: ٤/٥١ - ٥٢.

٥ - مرآة الزمان: ٨/٤٤.

٦ - الأعراف: ١٥٦.

٧ - النساء: ٨٢.

٨ - الأنعام: ١٥٣.


أما من يقول: إن بإمكان المسلم أن يأخذ من أي مذهب من المذاهب الأربعة فكلها من نبع النبوة. نقول له: عجبا كيف تكون هذه الاختلافات حتى في الأمور الصغيرة من نبع واحد؟ فهل رأيت أخي المسلم نبع ماء مثلا له عدة مذاقات؟! فلو جاء أربعة أشخاص وكل واحد معه زجاجة مليئة بالماء وقالوا: إنه من نبع ماء عذب، وكان الأول معه ماء مالح، والثاني معه ماء مر، والثالث معه ماء نتن، والرابع معه ماء عذب، فهل يكون الماء الذي بحوزتهم عاكسا لمذاق النبع؟ طبعا لا. بل إن الشخص الرابع هو الذي نهل من ماء ذلك النبع، أما الآخرون فإنهم نهلوا من ينابيع أخرى، أو من هذا النبع ولكنهم غيروا وبدلوا فيه.

وهكذا الحال مع المذاهب الأربعة، فلو حصرنا الإسلام بهم فلا بد أن يكون واحد منهم هو الذي غرف من نبع النبوة، إذ لا يعقل أن يكونوا جميعا قد غرفوا من نبع واحد وكل واحد يقول مذاق النبع هكذا؟!!

فإن قيل: هم أخذوا من نبع واحد ولكن كل واحد اجتهد وتوصل لشئ يخالف غيره. فنقول: حتى وإن اجتهدوا واختلفوا في اجتهاداتهم فواحد من هذه الآراء هو الذي يعكس حكم الإسلام لو حصرناه بهم. فنحن نعلم أن الإسلام له حكم واقعي واحد في أي موضوع.

ومع الذي ذكرنا فإن حديث " اختلاف أمتي رحمة " حديث موضوع فلا يحتج به، وتفصيل ذلك لمحدث أهل السنة الألباني فقد قال عن هذا الحديث: " لا أصل له، ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا...

ونقل المناوي عن السبكي أنه قال: " وليس بمعروف عند المحدثين، ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع " وأقره الشيخ زكريا الأنصاري في تعليقه على تفسير البيضاوي (ق ٩٢/٢) "(١) .

____________

١ - سلسلة الأحاديث الضعيفة: ١/٧٦ ح ٥٧.


وقال ابن حزم عنه: " وهذا من أفسد قول يكون، لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا، وهذا ما لا يقوله مسلم، لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمةٌ أو سخط " وأما الحديث المذكور فباطل مكذوب "(١) .

" ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا، وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد. أفأمرهم الله تعالى بالاختلاف فأطاعوه أم نهاهم عنه فعصوه، أم أنزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه؟ أم كانوا شركاء له، فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟ أم أنزل الله سبحانه دينا تاما فقصر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن تبليغه وأدائه والله سبحانه يقول:( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (٢) ، وفيه تبيان لكل شئ وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا وأنه لا اختلاف فيه فقال سبحانه( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) (٣) وأن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه ولا تكشف الظلمات إلا به "(٤) .

الائمة الأربعة والفقه

بالاضافة الى اختلاف الأئمة الأربعة، نجد عندهم - مع تمام احترامنا لهم - عثرات في فتاواهم تجعلنا نضع على هذا المنهج علامات استفهام منها:

- قول أبي حنيفة: " لو أن رجلا في مصر وكّل آخر بالأندلس بأن يزوجه فلانة، فيعقد له عليها، ولا يلتقيان أصلا فيما يرى الناس ثم تجئ المرأة بولد يكون نسبه ثابتاً

____________

١ - الإحكام في اصول الأحكام: ٥/٦١.

٢ - الأنعام: ٣٨.

٣ - النساء: ٨٢.

٤ - نهج البلاغة، محمد عبده: ١/٥٥.


للرجل الذي في مصر!!! "(١) .

وفي كتاب تأسيس النظر للدبوسي الحنفي: " إذا استأجر إمرأة ليزني بها!!

لا للخدمة، فزني بها، لا حدّ عليه عند أبي حنيفة!!...

إذا تزوج ذات رحم منه فوطأها وهو يعلم أو لا يعلم، لا حدّ عليه، لأن صورة المبيح قد وجدت وهو النكاح وإن لم يبح، وهو قول أبي حنيفة!!...

إذا تزوج إمرأة قد حرمت عليه بالمصاهرة ودخل بها، لا حد عليه عند أبي حنيفة "(٢) .

عن حماد بن زيد قال: سمعت يحيى بن مخنف قال: جاء رجل من أهل المشرق الى أبي حنيفة بكتاب منه بمكة، عاما أول، فعرضه عليه مما كان يسأل عنه، فرجع عن ذلك كله. فوضع الرجل التراب على رأسه، ثم قال: يامعشر الناس أتيت هذا الرجل عاما أولا، فأفتاني بهذا الكتاب، فأهرقت به الدماء، وأنكحت به الفروج ثم رجع عنه العام(٣) .

لقد أراد السلطان محمود بن سبكتكين أن يختار مذهبا من مذهبي الشافعية والحنفية فصلى القفال الشافعي الصلاة على مذهبه ليحبب السلطان بها وصلى الصلاة على مذهب أبي حنيفة...

يقول الجويني عن القفال: " ثم صلى ركعتين على ما يجوزه أبو حنيفة فلبس جلد كلب مدبوغ، ولطخ ربعه بالنجاسة، وتوضأ بنبيذ التمر، وكان في صميم الصيف في المفازة، فاجتمع عليه الذباب والبعوض، وكان الوضوء معكوسا منكسا، ثم استقبل

____________

١ - الأحوال الشخصية/محيي الدين عبد الحميد بحث النسب، وجميع كتب الحنفية.

٢ - راجع هذه الأقوال في تأسيس النظر: ص ١٤٨ - ١٤٩، تحقيق وتصحيح مصطفى محمد القباني الدمشقي، وانظر بدائع الصنائع للكاساني الحنفي: ٧/٣٥.

٣ - تأويل مختلف الحديث: ٥١.


القبلة وأحرم بالصلاة من غير النية، وأتى بالتكبير بالفارسية، ثم قرأ آية بالفارسية، ثم نقر نقرتين كنقرات الديك، من غير فصل، ومن غير ركوع، وتشهد وضرط في آخره من غير سلام، وقال:

أيها السلطان، هذه صلاة أبي حنيفة، فقال السلطان: إن لم تكن هذه صلاته قتلتك، لأن مثل هذه الصلاة لا يجوزها ذو دين!! وأنكرت الحنفية أن تكون هذه صلاة أبي حنيفة، فأمر القفال باحضار كتب الفريقين، وأمر السلطان كاتبا نصرانيا يقرأ، فقرأ المذهبين جميعا، فوجدت الصلاة في مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفال. فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة.. قال الجويني بعد ذكره لهذه القصة: " ولو عرضت الصلاة التي جوزها أبو حنيفة على العامي لامتنع من قبولها والصلاة عماد الدين، فناهيك من فساد اعتقاده في الصلاة وضوحا على بطلان مذهبه هذا "(١) !!

وفي فقه المالكية لو نوى رجل أن يطلق زوجته ولم يتلفظ فإنها تطلق!!.

وأجاز الشافعي نكاح الرجل بنته من الزنا!(٢) هذا غيض من فيض، ويدرك المسلم أن هذا الكلام ليس من الإسلام في شئ.

أما الأشاعرة: فقد وجد عندهم شطحات في العقيدة نشير لبعضها وهي كافية لوضع علامة استفهام على هذا الاتجاه.

يقول النووي الأشعري: " ومذهب أهل السنة أيضا أن الله تعالى لا يجب عليه شئ تعالى الله، بل العالم ملكه والدنيا والآخرة في سلطانه، يفعل فيهما مايشاء، فلو عذب المطيعين والصالحين أجمعين وأدخلهم النار كان عادلا منه، ولو نعم الكافرين وأدخلهم الجنة كان له ذلك "(٣) .

____________

١ - راجع رسالة مغيث الخلق للجويني: ص ٥٦ - ٥٩، وذكر هذه الحادثة ابن خلكان في وفياته في ترجمة السلطان محمود بن سبكتكين.

٢ - راجع كتب الشافعية منها مثلا: مغني المحتاج للخطيب الشربيني: ٣/١٧٨.

٣ - صحيح مسلم بشرح النووي: ١٧/١٦٠.


أجل إنّ العالم كله ملكه والدنيا والآخرة في سلطانه، لكن الله وعدَ المؤمنين بالجنة والكافرين بالنار والله لا يخلف وعده( إِنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ ) (١) وذلك الكلام هو عين الظلم( وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) (٢) كما أنه معارض بالآيات التي جاءت تبشر المؤمنين بالجنة والكافرين بالنار وما أكثرها!

إن الله يجب عليه ما أوجبه لنفسه كالرحمة، قال تعالى:( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) (٣) .

وإذا كان الله لا يجب عليه شئ فلماذا أوجد الثواب والعقاب وبعث الأنبياء والرسلعليهم‌السلام ؟!! أفتونا يا أولي الألباب.

وقال القاضي الإيجي في المواقف: " المقصد السابع: تكليف ما لا يطاق جائز عندنا "(٤) .

وهذه العقيدة الأشعرية مخالفة لصريح القرآن قال تعالى:( لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) (٥) وقال تعالى:( لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ) (٦) فأين هذه العقيدة من القرآن؟!

وقال الأشاعرة: إن الله يأمر بما يكره وينهى عما يحب!! وإن الله يفعل بدون غرض، وإن أفعال العباد مخلوقة لله، وإن أفعالهم خيرها وشرها من الله!!(٧) .

____________

١ - لقمان: ٣٣.

٢ - الكهف: ٤٩.

٣ - الأنعام: ٥٤.

٤ - صفحة ٣٣٠.

٥ - البقرة: ٢٨٦.

٦ - الطلاق: ٧.

٧ - راجع: المواقف في علم الكلام، والفروق للقرافي، والمذاهب الإسلامية لأبي زهرة ١/١٦٣.


السياسة أوجدت المذاهب

بالقراءة المتأنيّة للتاريخ نجد أنّ السياسة هي التي أوجدت المذاهب الأربعة وحاربت كل من تمذهب بغيرها. ولو عملت السياسة بالمذاهب الأخرى مثلما عملت بالمذاهب الأربعة لكانت موجودة الآن يتعبّد بها الناس ولا يرضون بغيرها بدلا.

فمعتنقوها خلقوا فوجدوا هذه المذاهب في مجتمعاتهم وتبنوها، هذا كل ما في الأمر، وليس في هذا دليل على وجوب اتباعها.

يقول المقريزي: " استمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة ٥٦٦ هـ‍ حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة، وعودي من تمذهب بغيرها، وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها، والعمل على هذا إلى اليوم، وأعلن الظاهر بيبرس سد باب الاجتهاد، ومازال أمر بيبرس نافذا بالرغم من زوال ملكه "(١) .

قال عبد المتعال الصعيدي: " وإني أستطيع أن أحكم هنا بأنّ منع الاجتهاد قد حصل بطرق ظالمة، وبوسائل القهر والإغراء بالمال، ولا شك أنّ هذه الوسائل لو قدرت لغير المذاهب الأربعة التي نقلدها الآن لبقي لها جمهورٌ يقلدها أيضا، ولكانت الآن مقبولةً عند من ينكرها "(٢) .

قيل في الأئمة الأربعة

وهؤلاء الأئمة تكلموا في بعضهم البعض، وانتقدهم العلماء في مختلف العصور، من ذلك: ما أخرجه الخطيب بالإسناد إلى وكيع، قال: اجتمع سفيان الثوري وشريك

____________

١ - الخطط المقريزية: ٢/٣٣٣. وقد ذهب السيد سابق الى أن للحكام دورا كبيرا في ايجاد هذه المذاهب، راجع: فقه السنة: ١/١٤.

٢ - ميدان الاجتهاد: ص ١٤.


والحسن بن صالح وابن أبي ليلى، فبعثوا إلى أبي حنيفة، قال: فأتاهم، فقالوا له: ما تقول في رجل قتل أباه، ونكح أمه، وشرب الخمر في رأس أبيه؟ فقال: مؤمن، فقال له ابن أبي ليلى: لا قبلت لك شهادة ابدا، وقال له سفيان الثوري: لا كلمتك ابدا، وقال له شريك:

لو كان لي من الأمر شئ لضربت عنقك وقال له الحسن بن صالح: وجهي من وجهك حرام أن أنظر إلى وجهك ابدا... وعندما سمع بوفاته سفيان الثوري قال: الحمد لله الذي أراح المسلمين منه "(١) .

وعن الوليد بن مسلم قال: قال لي مالك بن أنس: أيذكر أبو حنيفة ببلدكم؟ قلت:

نعم، قال: ماينبغي لبلدكم أن يسكن!(٢) وقد رد على أبي حنيفة مايقرب من خمسة وثلاثين إماما، منهم: أيوب السجستاني، جرير بن حازم، حماد بن سلمة، أبو عوانة، مالك بن أنس، جعفر بن محمد، والأوزاعي، وعبد الله بن مبارك، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وابن أبي ليلى... "(٣) .

" وكان الأوزاعي يقول: إنا لاننقم على أبي حنيفة أنه رأى، كلنا يرى، ولكننا ننقم عليه أنه يجيئه الحديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيخالفه إلى غيره "(٤) .

وأخرج الخطيب البغدادي عن أبي صالح القراء، قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: رد أبو حنيفة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربعمائة حديث أو أكثر.

قال: وقال أبو حنيفة لو أدركني النبي وأدركته لأخذ بكثير من قولي، وهل الدين إلا الرأي الحسن "(٥) .

____________

١ - تاريخ بغداد: ١٣/٣٧٤.

٢ - العلل ومعرفة الرجال: أحمد بن حنبل ٢/٥٤٧، تحقيق وتخريج وصى الله عباس، وصحح اسناده.

٣ - تاريخ بغداد: ١٣/٣٦٩ - ٣٧٠.

٤ - تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة: ص ٥٢.

٥ - راجع هذه الأخبار وغيرها الكثير في تاريخ بغداد: ١٣/٣٦٩ - ٤٢٤.

* * *


وعن سفيان قال: " استتاب أصحاب أبي حنيفة أبا حنيفة مرتين أو ثلاثا " وكان سفيان شديد القول في الإرجاء والرد عليهم(١) .

يقول ابن عبد البر: " وممن طعن عليه وجرحه محمد بن إسماعيل البخاري، فقال في كتابه الضعفاء والمتروكين: أبو حنيفة النعماني بن ثابت الكوفي، قال نعيم بن حماد:

حدثنا يحيى بن سعيد ومعاذ بن معاذ سمعنا سفيان الثوري يقول: استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين، وقال نعيم الفزاري: كنت عند سفيان بن عيينة، فجاء نعي أبي حنيفة، فقال: كان يهدم الإسلام عروة عروة، وما ولد في الإسلام مولودٌ شر منه. هذا ما ذكره البخاري "(٢) .

وقال الألباني: " إنّ الإمامرحمه‌الله - يقصد أبا حنيفة - قد ضعّفه من جهة حفظه:

البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن عدي، وغيرهم من أئمة الحديث " ثم ذكر أقوالهم(٣) .

ولم يُسلَم أبو حنيفة من التكفير في هذا العصر، فقد كفّره زعيم السلفية في مصر حامد الفقهي(٤) .

أما الإمام مالك بن أنس، فقال فيه ابن عبد البر: " وقد تكلم ابن أبي ذوءيب في مالك بن أنس بكلام فيه جفاء وخشونة كرهت ذكره وهو مشهور عنه، قال إنكارا منه لقول مالك في حديث البيّعين بالخيار، وكان إبراهيم بن سعد يتكلم وكان ابراهيم بن يحيى يدعو عليه، وتكلم في مالك أيضا - فيما ذكره الساجي في كتاب العلل - عبد العزيز ابن أبي سلمة وعبد الرحمن بن زيد بن اسلم وابن اسحاق وابن أبي يحيى وابن أبي الزناد، وعابوا أشياء من مذهبه، وتكلم فيه غيرهم لتركه الرواية عن سعد بن إبراهيم، وروايته

____________

١ - العلل ومعرفة الرجال، وصححه وصي الله عباس: ٣/٢٣٩.

٢ - الانتقاء: ص ١٥٠.

٣ - سلسلة الأحاديث الضعيفة: ١/٤٦٥ عند حديث رقم: ٤٥٨.

٤ - راجع سر تأخر العرب والمسلمين، محمد الغزالي: ص ٥٣ - ٥٤.


عن داود بن الحصين وثور بن زيد.

وتحامل عليه الشافعي وبعض أصحاب أبي حنيفة في شئ من رأيه حسدا لموضع إمامته، وعابه قوم في إنكاره المسح على الخفين في الحضر والسفر، وفي كلامه في علي وعثمان، وفي فتياه بإتيان النساء في الأعجاز... "(١) .

وفي تاريخ بغداد: " أنّ جماعةٌ من أهل العلم عابوا مالكاً بإطلاق لسانه في قوم معروفين بالصلاح والديانة والصدق والأمانة "(٢) .

أما الشافعي فقد تكلم فيه يحيى بن معين - إمام الجرح والتعديل - فقال عنه:

" ليس بثقة "(٣) .

قال ابن عبد البر: " وقد صح عن ابن معين من طرق أنه كان يتكلم في الشافعي "(٤) .

الأئمة الأربعة والسنة الشريفة

كما أنه بتتبع آراء الأئمة نجد أنهم خالفوا السنة، كطلاق الثلاث بلفظ واحد، فقد عدّه الأئمة الأربعة ثلاث طلقات خلافاً لسنة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،(٥) وجمع المحقق ابن دقيق العيد المسائل التي خالف مذهب كل واحد من الأئمة الأربعة الحديث الصحيح فيها انفرادا واجتماعا، في مجلد ضخم(٦) .

وقد ذكر الألباني خمسا وخمسين مسألة خالف بها الأئمة والفقهاء السنة

____________

١ - جامع بيان العلم: ٢/١١١٥.

٢ - ترجمة ابن إسحاق من تاريخ بغداد.

٣ - جامع بيان العلم: ٢/١١١٤.

٤ - المصدر السابق: ص ٣٩٤.

٥ - صحيح مسلم: كتاب الطلاق، باب طلاق الثلاث.

٦ - راجع صفة صلاة النبي، الألباني: ص ٣٧.


الصحيحة. وقال ابن حزم عن الأحاديث التي خالفها الأئمة والفقهاء: " لو تتبعها المتتبع لربما بلغت الألوف "(٢) .

وقال الليث بن سعد: " أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مما قال فيها برأيه "(٢) .

وقد يقال: إنّ الأئمة خالفوا السنة لأنها لم تصلهم. نعم وهذا احتمال واردٌ، ولكن ما ذنبنا نحن؟! هل نقلدهم ونخالف السنة لأن السنة لم تصلهم؟! فالذي يظهر لي أننا أمام خيارين: أن نقلدهم ونخالف السنة، أو أن نترك تقليدهم لنتبع السنة، والثاني هو الصحيح، لأن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولى بالإتّباع من الأئمة الأربعة، ومن قال غير ذلك فنسأل الله له السلامة!

الخلاصة

بعد ما مضى، نخلص إلى القول بأنَّ هذا المنهج ليس هو المنظومة الإلهية التي يريد الله لنا أن نتبعها، لكثرة الثغرات والجوانب السلبية فيها(٣) ، فلا دليل على هذا المنهج ورموز هذا المنهج أموات، ولا نستطيع ترجيح مذهب على آخر. كما أنّ هؤلاء الأئمة كثيرا ما يختلفون ويتعثرون في آرائهم ويخالفون السنة ولو بدون قصد، فضلا عن هذا كله فقد نهوا الناس عن تقليدهم، كل هذا يجعلنا ننتقل نقلةً لا رجعة فيها لنرى الأطروحة الثانية فربما نجد بغيتنا.

يقول الزمخشري المفسر المعروف:

____________

١ - الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام، الألباني: ص ٥٨.

٢ - جامع بيان العلم: ٢/١٠٨٠.

٣ - ومع أننا انتهينا من مدرسة الأشاعرة وإشكالاتها إلا أنّ هناك إشكالات اخرى ترد عليها سنعرض لها - في الباب الثاني. ولا داعي لتشخيصها بل يدركها قارئنا اللبيب بنفسه.


إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به

وأكتمه كتمانه لي أسلم

فإن حنفياً قلت قالوا بأنَّني

أبيح الطلا وهو الشراب المحرم

وإن مالكياً قلت قالوا بأنَّني

أبيح لهم أكل الكلاب وهم هم

وإن شافعياً قلت قالوا بأنَّني

أبيح نكاح البنت والبنت تحرم

وإن حنبلياً قلت قالوا بأنَّني

ثقيل حلولي بغيض مجسِّم(١)

____________

١ - ترجمة الزمخشري المطبوعة بالجزء الرابع من الكشاف: ٣١٠.


الباب الثاني

مدرسة السلفية

الفصل الأول

اشكالات في الطريق



سؤال وجواب

نبدأ بسؤال هذا الفريق: ما الدليل على وجوب اتباع منهج السلف - الصحابة والتابعين - في فهم الكتاب والسنة؟ وهل أمرنا الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باتباع منهجهم؟

سيقولون: إنّ سلفنا الصالح الذين شهد الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهم بالأفضلية على غيرهم أفضل مَنْ فَهِمَ الإسلام. قال الله تعالى محذرا من مخالفة سبيل السلف( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (١) .

وسبيل المؤمنين في هذه الآية سبيل الصحابة. وقال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة في الجنة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي ". وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنتي ".

لكل هذا نحن نقتفي أثر السلف ونأخذ من الكتاب والسنة مباشرةً ولا نخرج عن ظواهرهما كما كانوا يفعلون.

بعد ذكر أدلة هذا الفريق، فلننظر في هذه الأطروحة بموضوعية حتى نجد ضالتنا المنشودة والله الموفق.

الكتاب والسنّة

الكتاب والسنة مرجعا المسلمين بلا خلاف، ولكننا نلاحظ أنّ هناك كثيرا من الأمور المستجدة لا نجد لها حكما صريحا فيهما يحدّد الموقف العملي الذي أراده الشرع.

____________

١ - النساء: ١١٥.


ونحن كما اتّفقنا نريد مبيٍّنا أمينا للشرع بياناً كاملا يساير الأحداث المستجدة ويقوم بيانه على الجزم واليقين. فأين هذا المبين؟ أهم السلف من الصحابة والتابعين ومن يتلونهم في كل جيل؟

إذن فحتى يتضح الجواب فلنر هل كان السلف قادرين على الجواب عن كل المسائل التي كانت تعرض عليهم؟

نبدأ بابن عمر الذي يعتبر من علماء الصحابة. قال عتبة بن مسلم: " صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرا فكان كثيرا ما يسأل فيقول: لا أدري " وسئل الشعبي عن مسألة فقال: لا أدري(١) . وسئل مسروق عن مسألة فقال: لا أدري.

وروى عبد الرحمن بن مهدي شيخ علماء البصرة في زمانه - وكان يحضر مجلس مالك - إنّ رجلا سأل مالكا عن مسألة وذكر أنه قادم من مسيرة أربعة أشهر من المغرب لكي يسمع إجابته، فقال له الإمام: أخبر الذي أرسلك أن لا علم لي بها. فقال: ومن يعلمها؟ قال: من علمه الله، وسأله رجل من أهل المغرب عن مسألة كلفه بها أهل بلده فأجابه الإمام: ما أدري، ما ابتلينا بهذه المسألة في بلدنا. وما سمعنا أحدا من أشياخنا تكلم فيها... "(٢) .

قال ابن وهب: لو شئت أن أملأ ألواحي من قول مالك: " لاأدري " لفعلت(٣) .

ونقل الخطيب البغدادي: " أن رجلا سأل أحمد بن حنبل عن مسألة في الحلال والحرام. فقال له أحمد: سل عافاك الله غيرنا. قال: إنما نريد جوابك يا أبا عبد الله. قال:

سل عافاك الله غيرنا، سل الفقهاء، سل أبا ثور "(٤) .

وقال رجل لأحمد بن حنبل: " إني حلفت ولا أدري كيف حلفت، قال: ليتك إذ

____________

١ - إعلام الموقعين: ٤/٢١٨ و ٢٥٧. وراجع سنن الدارمي: ١/٥٢.

٢ - الإمام مالك بن أنس، مصطفى الشكعة: ص ٩٦ عن ترتيب المدارك: ص ١٥٩.

٣ - سير أعلام النبلاء: ٨/١٠٨.

٤ - تاريخ بغداد: ٢/٦٦.


دريت كيف حلفت دريت أنا كيف أفتيك "(١) وقال أبو داود: " سمعت أحمد وسئل عن مسألة، فقال: دعنا من هذه المسائل المحدثة!! وما أحصي ما سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف من العلم، فيقول: لا أدري ".

" وجاءه رجل يسأل عن شئ، فقال: لا اجيبك في شئ ".

" وقال عبد الله: كنت أسمع أبي - أي ابن حنبل - كثيرا يسأل عن المسائل فيقول:

لا أدري(٢) .. ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف، وكثيرا ما كان يقول: سل غيري "(٣) .

وبهذا نرى أنّ السلف أنفسهم واجهوا هذا الإشكال، فهذا الإمام أحمد وهو إمام هذا المنهج لم يسعفه الكتاب والسنة وحدهما في الإجابة على سؤال الرجل.

فكيف يستطيع أتباع هذا المنهج مَن هم أقل علما من أحمد بن حنبل أن يجيبوا على المستجدات؟!!

وهذا الإشكال الذي نحن بصدده قد تمثل واقعيا عند أتباع هذا المنهج فضلا عن إمامهم، فقد توقفوا في حكم التلغراف لأنه لا يوجد له حكم في الكتاب والسنة! وبهذا لو نظر أعداء الإسلام للإسلام من خلال هذا المنهج، لا تّهموا الإسلام بالقصور والنقص وعدم مسايرة الأحداث المستجدة، إنّ الله يقول:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (٤) .

فإذا كان هذا هو المنهج الصحيح الذي يمثل الإسلام فلم التوقف في الإجابة عن كثير من الأحكام بعد أن أكمل الله الدين وأتم النعمة؟!! فهذه ثغرة كبيرةٌ في هذا المنهج ولا

____________

١ - تلبيس إبليس، ابن الجوزي: ص ١١٨.

٢ - إذا كان كبار أئمة السلف مثل ابن عمر والشعبي ومالك وأحمد لا يدرون، فهلا قال لنا السلفية من الذي يدري؟!

٣ - إعلام الموقعين: ٤/٢٠٦ و ١/٣٣.

٤ - المائدة: ٣.


يمكن أن تكون في منهج سماوي أراد الله له البقاء.

ولا يعقل أن يجعل الله حملة دينه قاصرين عن جواب أسئلة الناس، كأحمد بن حنبل الذي لم يجب ذلك الرجل، ولو فعل الله ذلك لكان قاصدا تحيير الناس وتعجيزهم وكتمان دينه عنهم، والعياذ بالله.

قلت لصديق لي: أتقول إنّ الله قد أكمل الدين وأتمّ النعمة؟

قال: نعم. قلت: فهل كان يعلم أن هناك حوادث مستجدة لاحكم لها في الكتاب والسنة؟ قال: نعم.

قلت: فجعل للناس دليلا يرجعون إليه لمعرفة تلك الأحكام، أم لم يفعل؟

قال: نعم، يوجد، فهناك الإجماع والقياس وغيرهما، والعلماء في كل عصر.

فقلت: ومن أين أتت هذه المصادر، وهل شرعها الإسلام؟

قال: استطاع العلماء أن يستنبطوها من الكتاب والسنة وقد أشار إليها الكتاب والسنة بإشارات.

فقلت: هل أنزل الله دينا ناقصا واستعان بهؤلاء على إتمامه؟ أم هم شركاء للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في رسالته، أم قصر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في التبليغ فكمل هؤلاء قصوره؟! وإذا كانت هذه المصادر هي الدليل للمستجدات فلماذا لم يوضحها الله للناس على لسان رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيقول لهم: هذه مجموعة مصادر التشريع للحوادث المستجدة، وبذلك يرتفع الخلاف بين المسلمين في جواز اعتماد هذه المصادر أو عدمه.

فأهل الظاهر ينكرون القياس والمصالح المرسلة وكذا الشافعية والمالكية، وهذا الشافعي ينكر الاستحسان واشتهر عنه قوله: " من استحسن فقد شرع "(١) وهكذا بقية الأدلة فهي محل خلاف بين أهل السنة أنفسهم فكيف يرتضي الله أدلة ستكون محل خلاف بين أبناء المذهب الواحد؟!! فضلا عن هذا كله: هل خفيت هذه الأدلة على الله وعلى

____________

١ - راجع كتب الاصول، مبحث الاستحسان.


رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأتى العلماء واكتشفوها؟!! أم تراهم كانوا مقصرين في بيانها ليدب الخلاف بين العلماء وتختلف أحكام الشريعة؟!

القرآن حمّال أوجه

إنّ القرآن الكريم حمال أوجه، وفيه المحكم والمتشابه، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والكتاب والسنة صامتان لا يقومان بنفسهما ولابد لهما من مبيٍّن يعرف جميع علومهما حتى تكون أقواله هي مراد الله في أيّ مسألة. ولا يقال إنّ السلف والعلماء قد فهموا القرآن حق فهمه، فلو كان هذا صحيحا لما اختلف المفسرون في تفاسيرهم ولا الفقهاء في فقههم(١) . وبالرجوع إلى سيرة السلف نرى أنه أشكلت عليهم بعض آيات الأحكام ففي قوله تعالى:( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّـهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ) (٢) .

قال الشعبي: " سئل أبو بكر عن الكلالة؟ فقال: إني سأقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الولد والوالد،... "(٣) .

وعن معدان بن أبي طلحة قال: " إنّ عمر بن الخطاب خطب يوم جمعة فذكر نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذكر أبا بكر ثم قال: إني لا أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة ما راجعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في شئ ما راجعته في الكلالة وما أغلظ لي في شئ ما أغلظ لي فيه.

حتى طعن بإصبعه في صدري، وقال: " يا عمر ألا يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة

____________

١ - فمثلا: اختلف الفقهاء في المقصود من كلمة القرء في قوله تعالى: *( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ) * البقرة: ٢٢٨، فذهب بعضهم إلى أنه الحيض وذهب آخرون إلى أنه الطهر.

٢ - النساء: ١٧٦.

٣ - سنن الدارمي: ٢/٣٦٥.


النساء "(١) - آية الكلالة -(٢) .

وعن عمر أنه قال: " لإن أكون أعلم الكلالة أحبّ إليَّ من أن يكون لي مثل قصور الشام "(٣) .

لقد بين الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معنى الكلالة وبينها الله في القرآن حيث قال في آخر الآية:

( يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ) (٤) .

نعم، مع هذا البيان إلا أنها بقيت مبهمةً عند الشيخين.

والسلفية يقولون: إنّ أبا بكر وعمر كانا أعلم السلف بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكن إذا كانا كذلك ولم يعرفا معنى الكلالة - المبينة - فكيف يقال: إنّ السلف - الذين هم أقل علما من الشيخين - مبينو القرآن؟!

اختلاف السلف في الفقه

والقول بأن السلف اتبعوا هذا الطريق فيه نظر، فالسلف من الصحابة والتابعين اختلفوا وعارض بعضهم بعضا، فأبو بكر كان لا يرى التفرقة في العطاء، بينما كان عمر يرى التفرقة.

- وكان عمر وعثمان وابن الزبير وغيرهم يرون حرمة نكاح المتعة، أما أبو بكر وعلي وابن عباس وجابر الأنصاري فلم يروا ذلك(٥) .

- وأبو بكر كان لا يرى توريث الأنبياءعليهم‌السلام ، أما فاطمة وعلي والحسن والحسينعليهم‌السلام فكانوا يرون توريثهم.

____________

١ - سمّيت آية الصيف لأنها نزلت في الصيف.

٢ - صحيح مسلم - كتاب الفرائض، باب ميراث الكلالة.

٣ - تفسير الطبري: ٦/٣٠.

٤ - النساء: ١٧٦.

٥ - هذا أمر ثابت عنهم وذكر هذا الاختلاف ابن حزم في محلاه وسنثبت ذلك قريبا.


- وابن عمر كان يرى انه لا يجوز الخروج على الحاكم وإن كان جائرا، بينما كان الحسينعليه‌السلام يرى الخروج عليه، ومعاوية كان يرى الخروج على الحاكم العادل.

- واختلف الصحابة في عدّة الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال عمر وابن مسعود:

تعتد بوضع الحمل. وقال علي وابن عباس(١) : تعتد بأبعد الأجلين(٢) .

وخالف ابن مسعود عمر في مئة مسألة(٣) .

هذا غيض من فيض اختلافات الصحابة في فهم الإسلام. فإذا كان جميع الصحابة حملة الدين إلينا ويجب علينا أن نفهم الإسلام كما فهموه، فعن أي صحابي نأخذ وقد اختلفوا في امور حدثت أمامهم.

فبرأي من نأخذ في نكاح المتعة مثلا؟ برأي ابن الزبير، أم برأي ابن عباس؟!

وبقول من نأخذ في توريث الأنبياءعليهم‌السلام ، بقول علي وفاطمةعليهما‌السلام ، أم بقول أبي بكر؟!

وهكذا الكثير من الاختلافات، حتى أصبح لكل صحابي مذهبٌ يخالف غيره من الصحابة كمذهب ابن عباس ومذهب ابن مسعود... الخ.

فإذا كان الله يريد لنا أن نفهم الإسلام كما فهمه الصحابة فارادته أمرٌ باتباع الشئ ونقيضه في آنٍ واحد. كأن نقتدي بابن الزبير وعمر ونحرم نكاح المتعة، وفي نفس الوقت نقتدي بابن عباس ونحلل المتعة!! فهل رأيت أعجب من هذا؟! فأمر الله لنا باتباع الصحابة هو أمرٌ بالمتناقضين وإننا لنُنزِّه رب العزة عن هذا التناقض، سبحانك اللهم استغفرك وأتوب إليك.

يقول ابن حزم: " فمن المحال أن يأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باتباع كل قائل من الصحابة(٤) وفيهم من يحلل الشئ وغيره منهم يحرمه، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالا اقتداء بسمرة بن جندب! ولكان أكل البرد للصائم حلالا اقتداء بأبي طلحة،

____________

١ - إعلام الموقعين: ٤/٢١٩.

٢ - القول المفيد: ص ٢٣. وهناك اختلافات كثيرة بين السلف فمن أرادها فعليه بمراجعة فقه السلف، وقد جمع فقههم محمد رواس قلعة جي في عدة موسوعات.


وحراما اقتداء بغيره منهم!... ولكان بيع الثمر قبل ظهور الطيب فيها حلالا اقتداء بعمر، حراما اقتداء بغيره منهم، وكل هذا مروي عندنا بالأسانيد الصحيحة... فكيف يجوز تقليد قوم يخطئون ويصيبون "؟!!...

وإذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخبر أنّ أصحابه يخطئون في فتياهم، فكيف يسوغ لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول: أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأمر باتباعهم فيما قد خطأهم فيه؟

وكيف يأمر بالاقتداء بهم في أقوال قد نهاهم عن القول بها؟ وكيف يوجب إتّباع من يخطئ!! ولا ينسب مثل هذا إلى النبي إلاّ فاسق أو جاهل، لا بد من إلحاق إحدى الصفتين به، وفي هذا هدم الديانة، وإيجاب اتباع الباطل وتحريم الشئ وتحليله في وقت واحد، وهذا خارج عن المعقول، وكذب على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن كذب عليه ولج في النار، نعوذ بالله من ذلك "(١) .

ولكي نعطي هذه الإشكالية حقّها من البحث نأخذ مثالين من اختلافات الصحابة لنرى هل يمكنهم نقل دين الله للأجيال بصورة سليمة كما يريد الله؟

صيغ التشهدات:

التشهد عمل كان يمارسه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كل يوم خمس مرات وقد علَّمه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للصحابة وسمعوه منه مراراً وتكرارا.

قال محمود أبو ريّة عن اختلاف صيغ التشهدات بين الصحابة:

" تشهد ابن مسعود: في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: علمني رسول الله التشهد وكفي بكفه كما يعلمني السورة من القرآن: التحيات لله والصلوات الطيبات.

السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

أشهد أن لا إله إلا الله، واشهد أن محمدا عبده ورسوله.

تشهد ابن عباس: روى مسلم وأصحاب السنن عن ابن عباس، كذلك روى

____________

١ - الإحكام في اصول الأحكام: ٦/٢٤٤ - ٢٥٠، باختصار.


الشافعي في الأم، قال: كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فيقول قولوا: التحيات الصلوات الطيبات لله... الخ تشهد عمر بن الخطاب: روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عروة ابن الزبير عن عبد الرحمن بن عبدالقاري أنّه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر يقول: التحيات الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله.

ورواية السرخسي في المبسوط: التحيات الناميات الزاكيات المباركات الطيبات لله.

تشهد أبي موسى الأشعري: روى مسلم وأبو داود أنّ التشهد عند أبي موسى:

التحيات الطيبات والصلوات والملك لله.

وقد ذكر أبو رية تسع صيغ للتشهدات(١) وقال بعد ذلك: " هذه تشهدات تسع، وردت عن الصحابة وقد اختلفت الفاظها، ولو أنها من الأحاديث القولية التي رويت بمعنى لقلنا، عسى! ولكنها من الأعمال المتواترة التي كان يؤديها الصحابة مرات كثيرة كل يوم، وهم يعدون بعشرات الألوف. ومما يلفت النظر أنّ كل صحابي تشهد: إنّ الرسول كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم القرآن. وأنّ تشهد عمر بن الخطاب قد ألقاه من فوق منبر رسول الله والصحابة جميعا يسمعون، فلم ينكر عليه أحد منهم ما قال. كما ذكر مالك في الموطأ "(٢) .

نحن نعلم أنّ التشهد الذي أنزل من عند الله بصيغة واحدة، ونعلم أنّ الصلاة عمود الدين، إذا صلحت صلح سائر عمل الإنسان وإذا فسدت فسد سائر عمله، وهي أول ما يحاسب عليها المرء يوم القيامة. فهل هذه التشهدات التي ذكرت أتى التشريع الإسلامي بها جميعا؟!!

الجواب: لا، بل الإسلام جاء بصيغة تشهد موحدة، وهكذا سائر التشريعات.

____________

١ - أضواء على السنة المحمدية، ونحن اكتفينا بأربع كمثال، وقد وجدنا فيما اخترناه كفاية.

٢ - المصدر السابق.


بعد هذا نقول: إنّ التشهد كان يمارسه الصحابة كل يوم خمس مرات والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علمهم إياه كما يعلمهم القرآن، فإذا لم يحسنوا أن ينقلوا إلينا شيئا كان يمارسه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كل يوم خمس مرات، فما بالك بالأمور التي تحدث بالسنة مرة أو أكثر كالحج والصوم والتي ترك التفصيل فيها للسنة؟!!

" إنّ الجيل المعاصر للرسول لم يكن يملك تصورات واضحة محددة حتى في مجال القضايا الدينية التي كان يمارسها النبي مئات المرات "(١) ونرى الصحابة ينقلون التشهد بمعناه، والمحققون متفقون أنّ الرواية بالمعنى لا تصح فيما يتعبد فيه وصيغ التشهدات مما يتعبد فيها كما هو معلوم، والصلاة توقيفيّه لا يجوز استبدال كلماتها أو تغيير معناها لأنّ ذلك من مبطلاتها.

يقول ابن الصلاح عن طريقة الصحابة في الرواية: " كثيرا ما كانوا ينقلون معنى واحدا في أمر واحد بألفاظ مختلفة وما ذلك إلا لأن معولهم كان المعنى دون اللفظ "(٢) .

يروي الصحابة بالمعنى حسب ما فهموا، ويأتي التابعون ويروون عن الصحابة حسبما فهموا، وهكذا تابعي التابعين، ففي كل طبقة تتغير ألفاظ الحديث وهذا النوع من الرواية قد يفقد الحديث المقصود الشرعي منه، فالضمة والفتحة والكسرة تغير معنى الكلمة فكيف بتغيير كلمة كاملة؟!! نعم، إنّ فيه ضررا كبيرا.

يقول الجزائري: " بعد البحث والتتبع يتبين أنّ كثيرا ممن روى بالمعنى قد قصّر في الأداء، ولذلك قال بعضهم: ينبغي سد باب الرواية قديماً وحديثاً لئلا يتسلط مَن لا يُحسن من يظن أنه يحسن، كما وقع لكثير من الرواة قديما، وقد نشأ عن الرواية بالمعنى ضررٌ عظيم حتى عُدَّ من جملة أسباب اختلاف الأمة "(٣) .

____________

١ - بحث حول الولاية، الشهيد محمد باقر الصدر: ص ٤٧.

٢ - مقدمة ابن الصلاح: ص ٩٠.

٣ - توجيه النظر: ص ٢٣٧.


نعم، إن الصحابي قد يفهم من الحديث شيئا غير المقصود الشرعي منه وينقله حسب فهمه له ويستقر في الأذهان ويؤخذ على أنه حكم شرعي يتعبد به وهو عبارةٌ عن فهم الصحابي للحديث.

عن عدي بن حاتمرضي‌الله‌عنه ، قال: " لما نزلت:( حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ) عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فذكرت له ذلك فقال: " إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار "(١) .

فهذا مثال واحدٌ يدل على أنّ الصحابة لم يكونوا يفهمون المقصود الشرعي للآيات كما ينبغي، وفي هذا من الخطر على مقاصد الإسلام ما لا تُحمَد عقباه. فهذا الصحابي لو لم يُراجع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في معنى الآية لعلم الناس ما فهمه منها وينتشر بين الناس، وربما يصل لنا فهم عدي بن حاتم للآية!

فالسلف الصالح قد لا يصيبون المقصود الشرعي من النص فكيف تريدون لنا أن نفهم الإسلام كفهمهم؟!! وكيف يختارهم الله جميعا ليوصلوا الإسلام للناس وهو يعلم أنهم ربما ينقلون حديثا في العقائد والتشريع بمعناه الذي فهموه وهو ليس المقصود الشرعي منه؟! أليست هذه مشكلة المشاكل أمامنا؟ فالواقع يفرض أن يكون الذي يخلف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حمل الدعوة للناس على علم تام بجميع مقاصد الشريعة من كتاب وسنة بحيث يؤديها كما سمع.

يقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه "(٢) . يقول ابن كثير: " ومنع الرواية طائفة آخرون من المحدثين والفقهاء والأصوليين، وشددوا في ذلك أكثر التشديد

____________

١ - صحيح البخاري كتاب الصيام، باب قول الله تعالى: *( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) *. سنن الدارمي: ٢/٥ - ٦. [البقرة: ١٨٧]

٢ - سنن ابن ماجة: ١/باب ١٨، سنن أبي داود: كتاب العلم، باب فضل نشر العلم.


وكان ينبغي أن يكون هذا هو الواقع لكن لم يتفق ذلك "(١) . نعم، ما كان الله ليترك دينه لفهم الصحابة له، وإلا لتغيرت مضامين الإسلام، فلابد من القول أن الله اختار ثُلَّةٌ من السلف الصالح عندهم القدرةُ على فهم الإسلام وقد عبؤا تعبئةٌ فكرية وروحية تؤهلهم لبيان الدين كما أنزله الله.

فكون السلف اتبعوا هذا المنهج ويلزمنا إتّباعه أمرٌ تجب إعادة النظر فيه، فالمفروض أن يؤخذ الإسلام عن فئة معينة من السلف الصالح لها نهج واحد لا تناقض في أقوالها وعندها المقدرة على فهم المقصود الشرعي من النص، أما أن نأخذ الإسلام عن آلاف الصحابة فهذا أمر مرفوض ببديهة العقل، ولو ألزمنا أنفسنا بذلك لوجب علينا فهم الإسلام بأكثر من سبعين مفهوما، وهو عدد مذاهب الصحابة.

ونضع بين يديك أخي المسلم مثالا آخر من اختلافات الصحابة ولك الحكم.

تكبيرة الجنازة:

لقد صلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلاة الجنازة عشرات المرات وشاهده الصحابة وسمعوه وهو يصلّيها ومع ذلك لا يحسنون نقلها بالصورة الصحيحة كما صلاها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

أخرج الطحّاوي عن إبراهيم قال: " قبض رسول الله والناس مختلفون في التكبير على الجنازة لا تشاء أن تسمع رجلا يقول: سمعت رسول الله يكبر خمسا، وآخرٌ يقول:

سمعت رسول الله يكبر أربعا، فما اختلفوا في ذلك حتى قبض أبو بكر، فلما ولى عمر رأى اختلاف الناس في ذلك فشقَّ عليه جدا. فأرسل إلى رجال من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: إنكم معاشر أصحاب رسول الله متى تختلفون على الناس يختلفون من بعدكم، ومتى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه، فانظروا ما تجتمعون عليه. فكأنما أيقظهم، فقالوا: نعم ما رأيت يا أمير المؤمنين "(٢) .

____________

١ - الباعث الحثيث: ص ١٦٥ - ١٦٦.

٢ - عمدة القاري: ٤/١٢٩. كنز العمال: ١٥/٧١٢.


يقول الشوكاني: " والحق أنه - أي قول الصحابي - ليس بحجة، فإن الله تعالى لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبيا واحدا محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وليس لنا إلا رسول واحد، وكتاب واحد، وجميع الأمة مأمور باتباع كتابه وسنة نبيه ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك. فكلهم مكلفون التكاليف الشرعية واتباع الكتاب والسنة، فمن قال أنه تقوم الحجة في دين الله(١) بغير كتاب الله تعالى وسنة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما يرجع إليهما فقد قال في دين الله بما لا يثبت، وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية شرعا لم يأمر الله به وهذا أمر عظيم وتَقَوّلٌ بالغ، إعرف هذا واحرص عليه، فإن الله لم يجعل إليك وإلى سائر هذه الأمة رسولا إلاّ محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يأمر باتباع غيره ولا شرعَ لك على لسان سواه من امته حرفا واحدا ولا جعل شيئا من الحجة عليك في قول غيره كائنا من كان "(٢) .

اختلاف السلف في العقيدة

ومن اختلافات السلفية: قول ابن تيمية بفناء النار، ويقول: " إن في المسألة نزاعا بين التابعين " ووافقه ابن القيّم وخالفهما عددٌ من العلماء ومنهم الألباني.

وأثبت ابن تيمية الجهة لله، قال: " فثبت أنه في الجهة على التقديرين "(٣) ، وخالف الطحاوي ابن تيمية، إذ يقول عن الله " لا تحويه الجهات "(٤) .

وأثبت ابن تيمية الحد لله، وكفّر منكره(٥) ، وخالفه من قبل أحمد بن حنبل، فقد ورد قوله: " والله لم يلحقه تغيير ولا تبديل ولا تلحقه الحدود "(٦) وخالف الذهبي والألباني ابن تيمية في هذه المسألة.

____________

١ - إرشاد الفحول في تحقيق الحق في علم الاصول: ص ٢١٤.

٢ - منهاج السنة: ١/٢٦٤.

٣ - العقيدة الطحاوية.

٤ - التأسيس: ١/٤٤٥.

٥ - طبقات الحنابلة ٢/٢٩٧.


وأثبت ابن تيمية الجسمية لله تعالى، قال: " ولم يذم من السلف بأ نه مجسم، ولا ذم المجسمة(١) ... وليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها إنه ليس مجسم "(٢) ونفى الجسمية أحمد بن حنبل من قبل.

هذا مع أنّ العلماء كفّروا المجسمة ومنهم: النووي في شرح المهذب(٣) والحصني في كفاية الأخيار(٤) .

وكان البخاري ومسلم وأبو ثور مخالفين لأحمد بن حنبل في مسألة من مسائل العقيدة هي: مسألة اللفظ في القرآن هل هو مخلوق أم لا؟

فأحمد بن حنبل يرى أن من قال " لفظي بالقرآن مخلوق، فهو مبتدع "(٥) .

والبخاري ومن وافقه يرون أن اللفظ مخلوق(٦) وهذا الخلاف بين أهل الحديث أنفسهم.

يقول ابن تيمية: " وكان أهل الحديث قد افترقوا في ذلك... حصل بذلك نوعٌ من الفرقة والاختلاف "(٧) .

ولذلك فكون السلف اتبعوا هذا المنهج ويلزمنا اتباعه أمر لايؤخذ به، فالاسلام يجب أن يؤخذ عن فئة من السلف الصالح لها نهج واحد في العقيدة والشريعة، أمّا أن نأخذه عن آلاف الصحابة فهذا مدعاةٌ للاختلاف وهو السبب في انقسام الأمّة واختلافها في مذاهب ومتاهات.

____________

١ - التأسيس في رد أساس التقديس: ١/١٠٠.

٢ - التأسيس في رد أساس التقديس: ص ١٠١.

٣ - ٤/٢٥٤.

٤ - ٢/١٢٥، وراجع التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد، السقاف الشافعي: ص ١٦.

٥ - الانتقاء، ابن عبد البر: ص ١٠٦ ترجمة الكرابيسي.

٦ - سير أعلام النُبلاء: ٢/٥٧٢، وراجع كتاب البشارة والإتحاف فيما بين ابن تيمية والألباني من الاختلاف للسقاف، ومقدمته على كتاب دفع شبهة التشبيه لابن الجوزي.

٧ - شرح اصول اعتقاد أهل السنة، اللالكائي ١/٣٤٩، تحقيق أحمد سعد حمدان.


أئمة السلف والتأويل

ولا يقال: إنّ السلف اختلفوا في الأحكام العملية وهذا لا يؤثر بعد اتفاقهم في مسائل العقيدة.

فهذه مغالطةٌ، لأن إنكار حديث في الأحكام العملية هو كإنكار حديث في العقيدة ولا فرق، فكلا الحديثين من عند الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبالتالي هو إنكار لكلام الرسول مهما كان مضمون الحديث. فالأحكام العملية لا تقل أهميةً عن العقيدة، وتشغل حيّزا كبيرا في الإسلام.

ومع هذا وجد الاختلاف بين أقطاب المدرسة السلفية في العقيدة ونشير لبعضها في الأسطر التالية. وقبل البدء أنوه إلى أن السلفية متفقون على عدم جواز تأويل آيات الصفات الإلهية، ولكن رأينا أن هناك من أئمة السلف من جنح إلى التأويل، فمن ذلك:

أوّل ابن عباس قوله تعالى:( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ) (١) يكشف عن شدّةٍ وأمر عظيم(٢) فأول الساق بالشدة.

قال الطبري: " قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل يبدو عن أمر شديد "(٣) .

وأول ابن عباس النسيان في قوله تعالى:( فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا ) (٤) بالترك(٥) ، وتبع الطبري ابن عباس في هذا التأويل فقال: " أي: ففي هذا اليوم، وذلك يوم القيامة ننساهم، يقول: نتركهم في العذاب المبين ". وهذا التأويل

____________

١ - القلم: ٤٢.

٢ - تفسير الطبري: ٢٩/٢٤.

٣ - تفسير الطبري: ٢٩/٢٤.

٤ - الأعراف: ٥١.

٥ - تفسير الطبري: ٨/١٤٤.


منقول عن مجاهد(١) .

ومن تأويل السلف ما صح من تأويل الإمام أحمد لكلمة " جاء " في قوله تعالى( وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) (٢) بمعنى: وجاء أمر ربك(٣) .

قال ابن كثير: عن أحمد بن حنبل: أنه أجاب الجهمية حين احتجوا عليه بقوله تعالى:( مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) (٤) قال:

" يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المحدث، لا الذكر نفسه هو المحدث، وعن حنبل عن أحمد أنه قال: يحتمل أنه ذكر آخر غير القرآن "(٥) .

وقال النظر بن شميل الحافظ السلفي في الحديث: " حتى يضع الجبار - الله(٦) - فيها قدمه " أي: من سبق في علمه أنه من أهل النار "(٧) وذهب هذا المذهب الإمام أبو منصور الأزهري.

وعن الحسن أنه قال: " القدم: هم الذين قدمهم الله تعالى من شرارخلقه وأثبتهم لها ".

وقال ابن حبان في تأويل الحديث: " حين يضع الرب قدمه فيها - اي جهنم -:

وهذا الخبر من الأخبار التي اطلقت لتمثيل المجاورة... لأن العرب تطلق في لغتها اسم القدم على الموضع. قال الله جل وعلا:( لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ) (٨) يريد: موضع صدق، لا أن الله جل وعلا يضع قدمه في النار، جل ربنا وتعالى عن مثل هذا وأشباهه "(٩) .

____________

١ - تفسير الطبري: ٨/١٤٤.

٢ - الفجر: ٢٢.

٣ - الأسماء والصفات، البيهقي: ص ٢٩٢.

٤ - الأنبياء: ٢.

٥ - البداية والنهاية: ١٠/٣٢٧.

٦ - الأسماء والصفات: ص ٣٥٢.

٧ - يونس: ٢.

٨ - صحيح ابن حبان: ١/٥٠٢.


وأول الإمام مالك النزول في الحديث بنزول أمره سبحانه، حيث قال: " يتنزل ربنا تبارك وتعالى أمره، فأما هو فدائم لا يزول "(١) .

وأول الترمذي لفظة " فيعرفهم نفسه " الواردة في حديث الرؤية قال: " يعني يتجلى لهم "(٢) .

ومن تأويل السلف، تأويل البخاري لكلمة الضحك في الحديث التالي بالرحمة(٣) . أخرج البخاري ومسلم أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " لقد ضحك الله الليلة من فعالكما " وهو حديث طويل يحكي قصة الأنصاري الذي أكرم مثوى ضيف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبات هو وزوجته طاويين(٤) . فالبخاري لم يقف عند مقولة: أخبرنا أنه يضحك ولم يخبرنا كيف يضحك؟!

وأيضا أول حماد بن زيد نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا، المروي في أحاديث النزول بإقباله جل جلاله على عباده(٥) .

وأول الضحاك كلمة الوجه في قوله تعالى:( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) (٦) بذات الله والجنة والنار والعرش، وخالفه ابن تيمية، فقد رجح أن يؤول " الوجه " بمعنى الجهة، فيكون المعنى: كل شئ هالك إلا ما أريد به جهة الله تعالى، وقال ابن تيمية:

هكذا قال جمهور السلف(٧) .

____________

١ - سير أعلام النبلاء ٨/١٠٥. التمهيد، ابن عبد البر ٧/١٤٣.

٢ - سنن الترمذي ٤/٦٩٢، وراجع مقدمة كتاب: دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، ابن الجوزي، تحقيق السقاف الشافعي.

٣ - الأسماء والصفات، البيهقي: ٤٧٠.

٤ - فتح الباري: ٧/٩٥. الأسماء والصفات، البيهقي: ص ٤٧٠.

٥ - الأسماء والصفات، البيهقي: ص ٤٥٦.

٦ - القصص: ٨٨.

٧ - مجموع فتاوى ابن تيمية: ٢/٤٢٨.


وقال البيهقي في قوله(١) :( وَلِلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ ) (٢) ما نصه: " حكى المزني عن الشافعيرضي‌الله‌عنه أنه قال في هذه الآية: يعني - والله أعلم - فثم الوجه الذي وجهكم الله إليه. وأخبر أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر القاضي قالا... عن مجاهد في قوله(٣) :( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ ) قال: قبلة الله، فأينما كنت في شرق أو غرب فلا تتوجهن إلا إليها "(٤) .

قيل في أهل الحديث

لقد طعن العلماء في أهل الحديث " السلفية " ونحن نعلم أنه لم يطعن بهم لذواتهم بل لأفكارهم التي ينادون بها.

١ - قال الذهبي: " وأما المحدثون فغالبهم لا يفهمون، ولا همة لهم في معرفة الحديث ولا في التدين به... معذورٌ سفيان الثوري فيما يقول: لو كان الحديث خيرا لذهب كما ذهب الخير. صدق والله وأي خير في حديث مخلوط صحيحه بواهيه، أنت لا تفليه، ولا تبحث عن ناقليه ولا تدين الله تعالى به... يا الله خلونا فقد بقينا ضحكةً لأولي العقول، ينظرون إلينا ويقولون هؤلاء هم أهل الحديث "(٥) .

٢ - وقال ابن الجوزي، تحت عنوان: " سلفيون جهال ": " عجبت من أقوام يدّعون العلم، ويميلون إلى التشبيه بحملهم الأحاديث على ظواهرها، فلوا أنهم أمروها كما جاءت سلموا...

ولكن اقواما قصرت علومهم، فرأت أنّ حمل الكلام على غير ظاهره نوع تعطيل، ولو فهموا سعة اللغة لم يظنوا هذا ".

____________

١ - البقرة: ١١٥.

٢ - الأسماء والصفات: ص ٣٠٩.

٣ - راجع رسالته بيان زغل العلم: ص ٦ و ٩ و ١١.


وقال أيضا: " وقد عجبت لرجل أندلسي يقال له: ابن عبد البر، صنف كتاب التمهيد. فذكر فيه حديث النزول إلى السماء الدنيا فقال: هذا يدل على أن الله تعالى على العرش لأنه لولا ذلك لما كان لقوله ينزل معنى، وهذا كلام جاهل بمعرفة الله(١) ، لأن هذا استسلف من ما يعرف نزول الأجسام فقاس صفة الحق عليه. فأين هؤلاء واتباع الأثر؟ ولقد تكلموا بأقبح ما يتكلم به المتأولون، ثم عابوا المتكلمين "(٢) .

وقال: " ولولا أني لا أحب ذكر الناس لذكرت من أخبار كبار علمائهم وما خلطوا ما يعتبر به، ولكنه لا يخفى على المحقق حالهم "(٣) .

وقال الوزير اليماني في الروض الباسم عن أهل الحديث: " إنما سموا بالحشوية لأنهم يحشّون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول الله، أي:

يدخلونها فيها وليست منها ".

وقال شعبة: " كنت إذا رأيت رجلا من أهل الحديث يجيئني أفرح به، فصرت اليوم وليس أبغض إليَّ من أن أرى واحدا منهم ".

وكان يقول: " إنّ هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ".

وقال لأصحاب الحديث: " قوموا عني، مجالسة اليهود والنصارى أحب إلي من مجالستكم، إنكم لتصدون عن ذكر الله وعن الصلاة "(٤) .

وقال عمرو بن الحارث: " ما رأيت علما أشرف، ولا أهلا أسخف من أهل الحديث ".

ونظر سفيان إلى أصحاب الحديث فقال: " أنتم سخنة عين لو أدركنا وإياكم عمر

____________

١ - صيد الخاطر: ص ٨٣ - ٨٤.

٢ - المصدر السابق: ص ١٦٧ - ١٦٨.

٣ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، الخطيب البغدادي، تحقيق الدكتور محمود الطحان: ٢/٢١٧، وفي هذا الكتاب أخبار أخرى فراجعها.


بن الخطاب لأوجعنا ضربا ".

وقال مضيرة الضبي: " والله لأنا أشد خوفا منهم - أصحاب الحديث - من الفساق ".

وقال سفيان الثوري: " إنا في هذا الحديث منذ ستين سنة، وددت أني خرجت منه كفافا لا عليَّ ولا لي ".

وعن محمد بن سلام قال: حدثني يحيى بن سعيد القطّان قال: رواة الشعر أعقل من رواة الحديث، لأن رواة الحديث يروون مصنوعا كثيرا ورواة الشعر ينشدون المصنوع ينتقدونه ويقولون هذا مصنوع "(١) و " كان الفضيل بن عياض إذا رأى أصحاب الحديث قد أقبلوا نحوه، وضع يديه في صدره، وحرك يديه وقال: أعوذ بالله منكم "(٢) .

٣ - وسئل المازني - النحوي الكبير - عن صفات أهل العلم فقال: " أصحاب القرآن فيهم تخليط وضعف، وأهل الحديث فيهم حشو ورقاعة... "(٣) .

قالوا في ابن تيمية:

هذا بعض ما قيل في أهل الحديث، أما لو أخذنا المؤسس الحقيقي للسلفية وهو ابن تيمية، فسنجد أنّ علماء عصره ومن بعدهم هجروه وكفّره البعض، وما ذلك إلا للأفكار التي نادى بها. فهؤلاء الطاعنون بابن تيمية هم طاعنون ضمنا بأتباعه السلفية لأنهم حملوا أفكاره من بعده. وإليك بعض ما قيل فيه:

قال تقي الدين الحمصي عن الحافظ ابن رجب الحنبلي: " وكان الشيخ زين الدين

____________

١ - أضواء على السنة المحمدية نقل هذه الأخبار عن جامع بيان العلم: ج ٢. ذيل الأمالي، ابن علي القال:

ص ١٠٥.

٢ - الجامع لأخلاق الراوي: ٢/٢١٧.

٣ - معجم الادباء: ٧/١٢٣.


ابن رجب الحنبلي ممن يعتقد كفر ابن تيمية وله عليه الرد، وكان يقول بأعلى صوته في بعض المجالس: معذور السبكي في تكفيره "(١) .

وقال الفقيه ابن حجر - أحد كبار علماء الشافعية -: " وإياك أن تصغي إلى ما في كتب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وغيرهما - ممن اتخذ إلهه هواه واضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله - وكيف تجاوز هؤلاء الملحدون الحدود وتعدوا الرسوم وخرقوا سياج الشريعة والحقيقة فظنوا بذلك أنهم على هدى من ربهم وليسوا كذلك، بل هم على أسوأ الضلال وأقبح الخصال وأبلغ المقت والخسران وأزهى الكذب والبهتان، فخذل الله متّبعهم وطهّر الأرض من أمثالهم "(٢) .

وقال أيضا: " ابن تيمية عبدٌ خذله الله وأضلّهُ وأعماه وأصمّه وأذلّه، وبذلك صرّح الأئمةُ الذين بيّنوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الحمد بن جماعة وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية "(٣) .

وقال المجتهد تقي الدين السبكي: " أما بعد، فإنه لما أحدث ابن تيمية ما أحدث في أصول العقائد ونقض من دعائم الإسلام الاركان والمعاقد، بعد ان كان مستترا بتبعية الكتاب والسنة مظهرا أنه داع إلى الحق هاد إلى الجنة، فخرج من الإتّباع إلى الابتداع وشذ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في ذات المقدس وأن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى وأنّ

____________

١ - دفع شبه من شبه وتمرد للحصني: ص ١٢٣.

٢ - الفتاوى الحديثية: ص ٢٠٣.

٣ - المصدر السابق: ص ١١٤.


القرآن محدث تكلم الله به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم، والتزامه بالقول بأ نه لا أول للمخلوقات، وقال بحوادث لا أول لها، فأثبت الصفة القديمة حادثة والمخلوق الحادث قديما، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملة من الملل ولا نِحلةٍ من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الأمة ولا وقفت به مع امة من الامم همة، وكل ذلك وإن كان كفرا شنيعا مما تقل جملته بالنسبة لما أحدث في الفروع "(١) .

٣ - وقال شيخ الإسلام الذهبي - تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية! - في رسالته زغل العلم التي وجهها لابن تيمية: " فإن برعت في الأصول وتوابعها من المنطق والحكمة والفلسفة وآراء الأوائل ومحارات العقول واعتصمت مع ذلك بالكتاب والسنة واصول السلف ولفقت بين العقل والنقل، فما اظنك في ذلك تبلغ رتبة ابن تيمية ولا والله تقاربها، وقد رأيت ما آل أمره إليه من الحط عليه والهجر والتضليل والتكفير والتكذيب بحق وبباطل، فقد كان قبل أن يدخل في هذه الصناعة منورا مضيئا على محياه سيماء السلف ثم صار مظلما كسوفا "(٢) .

وقد نودي على ابن تيمية بدمشق: " من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه وماله "(٣) .

وقد كفَّر ابن تيمية قضاة المذاهب الأربعة في مصر، حين حرم زيارة قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصدر الشاميون فتيا، وكتب عليها البرهان ابن الفركاخ الفزاري نحو أربعين سطرا بأشياء إلى أن قال بتكفيره، ووافقه على ذلك الشهاب بن جهبل، وكتب تحت خطه كذلك المالكي، ثم عرضت الفتيا لقاضي القضاة الشافعية بمصر، البدر بن جماعة

____________

١ - الدرة المضيئة في الرد على ابن تيمية: ص ١ - ٢.

٢ - هناك كلام للذهبي في الثناء على ابن تيمية ولكن رسالته هذه " بيان زغل العلم " كتبها متأخرا.

٣ - الدرر الكامنة، ابن حجر العسقلاني: ١/١٤٧. مرآة الجنان، اليافعي: ٢/٢٤٢.


فكتب على ظاهر الفتوى: الحمد لله، هذا المنقول باطنها جواب عن السؤال عن قوله: إن زيارة الأنبياء والصالحين بدعة. وما ذكره من نحو ذلك ومن أنه لا يرخص بالسفر لزيارة الأنبياء باطل مردود عليه، وقد نقل جماعة من العلماء أن زيارة النبي فضيلة وسنة مجمع عليها، وهذا المفتي المذكور - يعني ابن تيمية - ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الباطلة عند الأئمة والعلماء، ويمنع من الفتاوى الغريبة، ويحبس إذا لم يمتنع من ذلك، ويشهر أمره ليحتفظ الناس من الاقتداء به.

وكتبه محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الشافعي، وكذلك يقول محمد ابن الجريري الأنصاري الحنفي: لكن يحبس الآن جزما مطلقا.

وكذلك يقول محمد بن أبي بكر المالكي: ويبالغ في زجره حسبما تندفع تلك المفسدة وغيرها من المفاسد.

وكذلك يقول أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي(١) .

وقال الحافظ صلاح الدين العلائي: " ذكر المسائل التي خالف فيها ابن تيمية الناس في الأصول والفروع... وأما مقالاته في أصول الدين... أن العالم قديم بالنوع ولم يزل مع الله مخلوقا دائما... ومنها قوله بالجسمية والجهة والانتقال وهو مردود...

واستغفر الله من كتابة مثل هذا فضلا عن اعتقاده "(٢) .

وشنع على ابن تيمية ورد عليه المجدد ابن دقيق العيد واليافعي في " مرآة الجنان " وملا علي القاري في شرحه على الشفا والشهاب الخفاجي، ومحمد الزرقاني المالكي، والمناوي الشافعي، وابن حجر العسقلاني في فتحه، والحافظ زين الدين العراقي وولي الدين العراقي وغيرهم الكثير(٣) .

____________

١ - راجع الغدير، الأميني: ٥/٨٧ نقلا عن تكملة السيف الصقيل، محمد زاهد الكوثري: ص ١٥٥.

٢ - التنبيه والرد، السقاف، عن مخطوط كتاب ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر: للحافظ ابن طولون الحنفي: ٣٢ - ٣٣ ونقله السقاف عن كتاب التوفيق الرباني.

٣ - فراجع بعض أقوالهم في كتاب التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد: ص ١٤ - ٢٣.


للسلفية شطحات

في شرح عبد العزيز البخاري على أصول البزدوي: " سئل واحد من أهل الحديث عن صبيين ارتضعا لبن شاة، هل تثبت بينها حرمة الرضاع؟

فأجاب: بأ نها تثبت عملا بقوله عليه الصلاة والسلام: " كل صبيين اجتمعا على ثدي واحد حرم أحدهما على الآخر "!(١) .

ومن شطحات السلفية العظيمة قول ابن تيمية بقدم العالم بالنوع، أي أن الله لم تزل معه المخلوقات منذ الأزل وأن الحوادث لا أول لها(٢) !!!

وقال في كتابه شرح حديث عمران بن حصين: " وإن قدر أن نوعها لم يزل معه فهذه المعية لم ينفها شرع ولا عقل بل هي من كماله ".

وحتى يتضح لك - أخي المسلم - صحة هذه العقيدة عند ابن تيمية والسلفية انظر ما قاله معلقا على كلام ابن حزم. قال ابن حزم تحت باب من الإجماع في الاعتقادات يكفر من خالفه بإجماعه " اتفقوا أن الله(٣) وحده لا شريك له خالق كل شئ غيره وأنه تعالى لم يزل وحده ولا شئ غيره معه... ".

قال ابن تيمية معلقا: " وأعجب من ذلك حكايته - أي ابن حزم - الإجماع على كفر من نازع أنه سبحانه لم يزل وحده ولا شئ معه "(٤) .

هذا ابن تيمية يدافع عن اعتقاده السابق بكل ثقة فليتأمل الباحثون!

وعند ذكر حديث " كان الله ولم يكن شئ قبله " قال ابن حجر العسقلاني: " وهي أصرح في الرد على من أثبت حوادث لا أول لها من رواية الباب، وهي من مستشنع

____________

١ - ١/١٧ - ١٨.

٢ - راجع أقواله في: صحيح المنقول لصريح المعقول على هامش منهاج السنة: ٢/٧٥.

المنهاج ١/١٠٩...

٣ - نقد مراتب الإجماع: ص ١٦٧.


المسائل المنسوبة لابن تيمية "(١) .

وقد نقل ابن حزم الإجماع على كفر من قال بأن كان الله وكان معه شئ "(٢) .

وقال القاضي عياض: " وكذلك نقطع على كفر من قال بقدم العالم أو بقائه أو شك في ذلك على مذهب بعض الفلاسفة والدهرية "(٣) . وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي في كتابه المعتمد " والحوادث لها أول ابتدأت منه خلافا للملحدة "(٤) .

هذه عقيدة السلفية: إن المخلوقات لم تزل مع الله فهي قديمة!! فأين هذا الاعتقاد من الإسلام؟ وكيف يقبل المسلم أن يعتقد بأن الحوادث لا أول لها؟!

فهذا الخطأ الجسيم في حق الله يكفي لأن يجعل أولي الألباب يضعون علامات الاستفهام على هذا الاتجاه، وكل إنسان محاسب على اعتقاده!

ويقول ابن تيمية: " ولو قد شاء الله لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم "(٥) !!!

وقال ابن تيمية: " إن الله تعالى يجلس على الكرسي وقد أخلى منه مكانا يقعد فيه معه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ".

وذكر هذا القول ابن القيم في بدائع الفوائد وذكر أنه قول السلف(٦) . وقال الخلال الحنبلي عن هذا الاعتقاد: " من رده فقد رد على الله(٧) "(٨) .

عجبا كيف يسوغ مسلم لنفسه أن يعتقد هذا الاعتقاد؟

____________

١ - فتح الباري: ١٢/٤١٠.

٢ - مراتب الإجماع: ص ١٦٧.

٣ - الشفا: ٢/٦٠٦، وكذلك النووي يكفر معتقد قدم العالم كما في الروضة: ١٠/٦٤، وراجع فيما سبق:

التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد، السقاف الشافعي.

٤ - راجع التنبيه والرد.

٥ - التأسيس: ١/٥٦٨.

٦ - ٤/٣٩ - ٤٠.

٧ - راجع نقد كتاب منهج الأشاعرة في العقيدة، السقاف الشافعي: ص ٢٦.


فهذا الاعتقاد يصوِّر الله بأنه جالس على الكرسي مع أن الله خالق الكرسي(١) ، ويصور الله بأنه محدود يسعه كرسي ويحويه مكان والله خالق المكان، ويصور الله بأنه يجلس كالإنسان كما يدل قوله " وقد أخلى منه مكانا يقعد فيه معه رسول الله ".

ويعتقد السلفية أن الله في جهة كما مر في اختلافات السلفية وقد نقل المحدث علي القاري اجماع الأمة على كفر من اعتقد بأن الله تعالى في جهة(٢) .

وفي كتاب إتحاف الكائنات لمحمود خطاب السبكي: " إن الإمام العراقي صرّحَ بكفر معتقد الجهة، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأبو الحسن الأشعري والباقلاني "(٣) .

ويثبت السلفية الحد لله " قال أبو سعيد - أي الدارمي - والله تعالى له حد ولا يعلمه أحدٌ غيره ولا يجوز لأحد أن يتوهم لحده غاية في نفسه، ولكن يؤمن بالحد ويَكل علم ذلك إلى الله، ولمكانه أيضا حد... فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد، ومَن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله وجحد آيات الله "(٤) .

وألف أحد السلفية كتابا يثبت فيه الحد لله وأن الله قاعد وجالس على عرشه(٥) .

ونفى الحد عن الله أبو حنيفة والشافعي وشارح الطحاوية والبيهقي وابن حجر وابن دقيق العيد والحافظ العلائي وابن حبان(٦) .

وقال السلفية: إن لله يدين ورجلين ووجها وعينين وخمسة أصابع وأنه يضحك ويأتي يوم القيامة ولا يعرفه المؤمنون. واستدلوا لما يقولون بأن الله أثبت لنفسه هذه

____________

١ - إلا أن نعتقد كما يعتقد ابن تيمية أن الكرسي لم يزل مع الله - والعياذ بالله -.

٢ - راجع التنبيه والرد نقلا عن شرح المشكاة: ٢/١٣٧.

٣ - المصدر السابق: ص ١٧.

٤ - المصدر السابق، نقلا عن موافقة صريح المعقول المطبوع بهامش المنهاج: ٢/٢٩.

٥ - المصدر السابق.

٦ - المصدر السابق: ص ٣٢.


الصفات وأثبتها له رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحين قال الله تعالى لأبليس:( مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) (١) فهو أثبت لنفسه اليدين، ومن قوله تعالى( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) (٢) استدلوا على أن لله وجها، وهكذا بقية الصفات. فالسلفية يفهمون هذه الألفاظ على حقيقتها وليس هناك مجاز في القرآن!

ونحن لو نظرنا لمنهج السلفية الذي اختطوه لأنفسهم " كل القرآن حقيقة " وجدناه يتعارض مع البداهة العقلية بل إنه مناقض لنفسه، فإن إثبات هذه الصفات لله يستلزم التركيب لذاته فهو مركب من وجه ويدين ورجلين... وهذا مرفوض لأن كل مركب مخلوق والمركب يحتاج إلى من يركبه. وكما قلت: إن منهج هؤلاء، الذي يدعو إلى الجمود على ظواهر الألفاظ دائما، وعدم تجاوز حرفيتها، منهج يبطل نفسه بنفسه، لا سيما إذا طبقناه على بعض آيات الصفات التي لها تركيبها وصياغتها الخاصة من مثل قوله تعالى:

( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) (٣) فيكون المعنى حسب منهجهم هلاك أعضاء الله التي أثبتوها له في الفهم الحرفي لآيات أخرى كاليدين والرجلين والعينين ولا يبقى من كل ذلك إلا وجهه الكريم، نستغفر الله من هذا الفهم الهزيل.

كذلك لو أخذنا قول الله تعالى عن القرآن:( لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ) (٤) لوجب القول في أن للقرآن يدين!! فإذا شاهدنا يدي القرآن وأصابعه! آمنا بما يقولون!!!

وخذ - أخي المسلم - قول الله تعالى:( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) (٥) وسل السلفية هل للذل جناح؟!! وإذا كان له جناح - وهو ملزم لهم -

____________

١ - سورة ص: ٧٥.

٢ - القصص: ٨٨.

٣ - القصص: ٨٨.

٤ - فصلت: ٤٢.

٥ - الإسراء: ٢٤.


فليتهم يتصدقون علينا بريشة منه!!(١) .

قد يهون الأمر إذا لم يمس مصير خلق الله، قال تعالى:( وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ) (٢) فعلى قاعدة أن كل ألفاظ القرآن تحمل على الحقيقة فهذه الآية تعني: من كان أعمى البصر في الدنيا فهو كذلك في الآخرة. مع أن المقصود عمى البصيرة! فهذا المنهج في التعامل مع النصوص ينقضه القرآن نفسه.

وقد أخبرنا أحد أساتذتنا ممن يدرسون العقيدة السلفية أن هناك رأيا يميل إلى أن الحقيقة فقط في آيات الصفات. وهذا القول مناقض لما قرره السلفية من أن القرآن صفة إلهية. فعلى هذا لا يجوز تأويل القرآن ككل!!

وقال السلفية: إن الله في السماء(٣) يرى كما يرى القمر. مع أن الله عز وجل نفى هذا الشئ عن نفسه بصريح العبارة فقال:( لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ) (٤) وقال مخاطبا موسىعليه‌السلام حين طلب رؤيته:( لَن تَرَانِي ) (٥) ولن: تفيد التأبيد.

إنّ نظرةٌ واحدة إلى مصير بني إسرائيل الذين طلبوا رؤية الله تكفي لأن تجعلنا نرفض هذا الاعتقاد. قال الله على لسان بني إسرائيل:( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّـهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ) (٦) .

فلو كانت رؤية الله أمرا مشروعا لما عاقبهم الله هذا العقاب، ولوعدهم برؤيته

____________

١ - هذا المعنى مأخوذ من أبي تمام لقصة حدثت معه.

٢ - الإسراء: ٧٢.

٣ - لا بد هنا أن أشير لهذه الطرفة، فقد كان أحد اساتذتنا السلفية يستدل على وجود الله في السماء بدليل:

إننا نرفع يدينا في الدعاء إلى السماء، ومرة انتقد أحد مشايخنا الأشاعرة هذا الاعتقاد فقال: إن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد " فعلى قولهم هذا يجب أن نسجد للأعلى لا للأسفل!!!

٤ - الأنعام: ١٠٣.

٥ - الأعراف: ١٤٣.

٦ - البقرة: ٥٥.


يوم القيامة أو في نفس اللحظة حتى يقيم الحجة عليهم، ولكن لمّا كان طلبهم مستحيلا وتجاوزا للحد حل بهم عذاب الله، وإلا كيف يعاقب الله على أمر مشروع أثبته في قرآنه حسب قول السلفية(١) ؟!

قال الإمام الصادقعليه‌السلام في " الاحتجاج ": " إن الباصرة لا يمكن أن تكون في حيز الممكنات ما لم يكن هناك اتصال بين البصيرة والمرئي ومحال اتصال شئ بذاته جل وعلا "، فحتى تتم رؤية شئ لابد أن تنعكس صورته في العين والله ليس له صورة(٢) .

وقال السلفية: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة. أخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " يتنزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له... "(٣) .

إن هذا الحديث لا يصح، فبديهي أن كروية الأرض تعني أن ساعات الليل ليست واحدة على نقاط الأرض المختلفة، بل هي في تتابع منتظم بانتظام دورانها حول نفسها، فالساعة التي تكون عندنا هي ثلث الليل الأخير، سوف تكون في نقطة أخرى منتصفه الأول، وفي نقطة اخرى ثلثه الأول، وفي نقطه اخرى لم يدخل الليل بعد. ومعلوم أيضا أنّ الله تعالى ليس رب مكة والمدينة وحدهما لينزل في الساعة التي يكون فيها ثلث الليل هناك، وإنما هو رب العالمين، وله عباد في جميع أنحاء الأرض ولهم ساعات اخرى مختلفة عن ساعة المدينة فيكون عندهم ثلث الليل الأخير. وعلى هذا فينبغي وفق الحديث أن

____________

١ - يستدل السلفية على رؤية الله بقوله تعالى *( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) * سورة القيامة ٢٢ - ٢٣، ولكن هذه الآية لا تدل على ما ذهبوا إليه وكلمة ناظرة لها عدة معاني ومن معانيها منتظرة رحمة ربها، ويؤيد هذا قول الله بعد هذه الآية مباشرة: *( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) * فالله يرسم لنا صورتين: المؤمنون ينتظرون رحمة الله، والكافرون ينتظرون العذاب. وللاستزادة من هذا الموضوع يراجع " كلمة حول الرؤية " لشرف الدين ففيه حججٌ دامغة على نفي الرؤية.

٢ - راجع الأسماء والصفات للبيهقي: ٢/١٥، تحقيق عماد الدين أحمد حيدر.

٣ - صحيح البخاري: كتاب الدعوات، باب الدعاء نصف الليل.


يكون الله تعالى مستقرا في السماء الدينا لا يغادرها، لأن كل ساعة تمر على الارض ستكون بالنسبة له من نقاطها ثلث الليل الأخير. فما معنى قوله في الحديث " ينزل كل ليلة "؟!

وقد قام ابن تيمية على منبر الجامع الأموي في دمشق يوم الجمعة خطيبا فقال أثناء كلامه: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر...

فعارضه الفقيه المالكي ابن الزهراء وأنكر عليه ما قال فضرب هذا الفقيه وسجن(١) .

ويرى السلفية بأن الله يخلق أفعال العباد، ويستنتج هذا مما صرح به البخاري في صحيحه على لسان أنبياء الله - والعياذ بالله - جاء في صحيح البخاري: " إحتج آدم وموسى فقال له موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحج آدم موسى فحج آدم موسى ثلاثا... "(٢) .

إن المتأمل في الحديث السابق يجد أنّ الإنسان مسيّر فانظر إلى عبارة " أتلومني على أمر قدره الله علي " فتجد فيها الجبر عينه.

وليت أهل السنة يقولون لنا: كيف يخلق الله أفعال العباد ثم يعاقبهم عليها؟ أليس هذا هو الظلم بعينه؟( وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) (٣) .

وإننا لننزه أنبياء اللهعليهم‌السلام من هذا الاعتقاد وهم أعرف الناس بالله. كما ننزه كليم الله موسىعليه‌السلام من هذا الفحش من القول: " انت أبونا خيبتنا ". وأين التقى آدم وموسى ومتى كان ذلك؟!

هذه صورة مجملة عن عقيدة أهل السنة بالله، وهي لا تتلاءم مع روح الإسلام بل إنها تزري بالفكر الإسلامي العظيم.

____________

١ - ذكر ذلك ابن بطوطة في رحلاته ١/٥٧ عند ذكر قضاة دمشق، ونقل الأستاذ صائب عبد الحميد في كتابه ابن تيمية: ص ١١٨ قول ابن تيمية السابق عن الدرر الكامنة، ابن حجر العسقلاني ١/١٥٤.

٢ - صحيح البخاري (كتاب القدر) - باب تحاج آدم وموسى.

٣ - الكهف: ٤٩.


رؤية السلفية للأنبياء:

أما عقيدتهم بالأنبياء، فهي الأخرى عجيبة وغريبة وإن جاءت بها الصحاح(١) ،

____________

١ - كصحيحي البخاري ومسلم. إن هذين الكتابين يعتبران المرجع الرئيسي عند أهل السنة بعد القرآن.

ويعتبرون كل ما فيهما صحيحا والحق أنه لو جرد المسلم نفسه من رواسب التاريخ لوجد فيهما أحاديث بعيدة عن الإسلام. قال الذهبي عن بعض أحاديث صحيح البخاري " ولولا هيبة الصحيح لقلت إنها موضوعة ". وذهب ابن حزم إلى تكذيب بعض أحاديثه، فراجع تهذيب التهذيب ٨/١٤٦.

إن كلام الذهبي السابق يدل على أنه قد ثبت لديه أنّ في صحيح البخاري أحاديث موضوعة ولكن هيبة الصحيح منعته من الحكم عليها بالوضع. مع أن الحكم لا يخضع لمكانة الشئ وهيبته! وقال جمال الدين الحنفي: من نظر في كتاب البخاري تزندق " شذرات الذهب.

لقد انتقد الحفاظ أحاديث في صحيح البخاري وضعّفوا ثمانين رجلا من رجاله. ولكن هل يمكن التصديق بأنّ كل ما في الصحيحين صحيحٌ؟ إنّ البخاري ومسلم غير معصومين، لذلك فاحتمال الخطأ وارد عليهما. إضافةً إلى أن السنة النبوية معصومة، والشيخان غير معصومين. وغير المعصوم لا يحيط بالمعصوم والناقص لا يتحكّم بالكامل.

إنّ كل مَن يطعن في الصحيحين فهو عند أهل السنة مبتدعٌ، كافر... وهذا خلطٌ ما بعدُه خلطٌ!

فكأنَّ البخاري ومسلم هما سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! إن الشيخين شئٌ وسنةُ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شئٌ آخر. نعم، إنّ من يطعن بسنة النبي الصحيحة: كافرٌ، أما من يقول أنّ البخاري أخطأ في حكمه على هذا الحديث فلماذا يعدُّ كافرا؟ وهذا القول يخطئ البخاري وليس انتقادا للسنة.

إن كل مسلم يحب تعلم سنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتطبيقها، ولكن من أين يأخذها؟ فهل أمرنا الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باتباع الصحيحين والأخذ منهما؟!! لايوجد دليل على ذلك. فلقد أمرانا باتباع السنة ولكن لم يقولا: خذوها من الصحيحين، حتى نمتثل الأمر. فيجب أخذ السنة من المكان الذي أمرنا الله ورسوله الأخذ منه وهو ليس الصحيحين ولا بقية الصحاح. ولا يمكن القول: إن الله ورسوله لم يبينا الموضع الذي تؤخذ منه السنة لأن في ذلك اتهاما لله ورسوله بتفريق الأمة وتشتيت أمرها، فلقد نصت السنة نفسها على الموضع الذي تؤخذ منه، فيجب أخذ السنة من مكانها الصحيح واتباع قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولى وإن خالفته الأمة بأسرها. وليس لدينا دليل على اعتماد الصحيحين، إلا الإجماع ولا إجماع خلاف النص. كما أنّ الإجماع المعتبر عند أهل الحديث هو إجماع الصحابة فقط، والصحيحان كتبا في القرن الثالث الهجري، فأين الإجماع المدعى؟


فتابعنا وسترى حال الأنبياءعليهم‌السلام عند أهل السنة. أخرج البخاري بالإسناد إلى أبي هريرة مرفوعا قال: " قال سليمان بن داودعليهما‌السلام لأطوفنَّ الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله. فقال له الملك: قل إن شاء الله. فلم يقل ونسي، فأطاف بهن، ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو قال إنشاء الله لم يحنث وكان أرجى لحاجته... "(١) .

إن الطواف بمئة امرأة في ليلة واحدة غير معقول.

كما " إن القوة البشرية لتضعف عن الطواف بهن في ليلة واحدة مهما كان الإنسان قويا "، و " لا يجوز على نبي الله تعالى سليمانعليه‌السلام أن يترك التعليق على المشيئة، ولا سيما بعد تنبيه الملك إياه على ذلك، وما يمنعه من قول إن شاء الله، وهو من الدعاة إلى الله والأدلّاء عليه؟! وإنما يتركها الغافلون عن الله(٢) ، الجاهلون بأن الامور كلها بيده، فما شاء منها كان وما لم يشأ لم يكن، وحاشا أنبياء الله عن غفلة الجاهلين "(٣) .

وأخرج البخاري عن قتادة قال: " حدثنا أنس بن مالك قال: كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة. قال: قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين "(٤) .

إن هذه الرواية تصور نبي الإسلام ذا الأخلاق العظيمة بذلك الرجل الجنسي الذي لا هم له سوى أن يدور على نسائه ليلا ونهارا. وحاشا للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من هذا الافتراء.

" وهل لنا أن نسأل أنس بن مالك راوي هذه القصة، من أخبره بها؟... هل النبي هو الذي حدثه بذلك؟ فهل يليق بأحدنا أن يحدث الناس على مجامعته لزوجته؟ أم أنّ زوجات النبي هن اللاتي حدثنه بذلك؟ فهل يليق بالمرأة المسلمة أن تحكي للرجال

____________

١ - صحيح البخاري: كتاب النكاح، باب قول الرجل لاطوفن الليلة على نسائي.

٢ - راجع أبو هريرة، شرف الدين: ص ٧٥.

٣ - كتاب الغسل - باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه في غسل واحد.


عن جماع زوجها لها؟ أم أنّ أنساً هو الذي تجسس على النبي وتتبع خلواته مع زوجاته وتفرج عليه من ثقوب الأبواب؟ أستغفر الله من همزات الشيطان... "(١) .

هذه الرواية وأمثالها هي التي فتحت الباب أمام أعداء الإسلام، من مستشرقين ونصارى، للنفوذ منها والطعن بنبي الإسلام وتصويره مع أنبياء الله بهذه الصور، وما الفضل في ذلك إلا للبخاري الذي أخرج هذه الروايات. إن الطعن في حديث أخرجه البخاري، أولى من الطعن بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وذلك واضح لكل من كانت عنده غيرةٌ على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأخرج البخاري عن حذيفة قال: " أتى النبي سباطة قوم فبال قائما ثم دعا بماء فجئته بماء فتوضأ "(٢) .

وفي رواية أخرى عن حذيفة قال: " رأيتني أنا والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نتماشى، فأتى سباطة قوم خلف حائط فقام كما يقوم أحدكم فبال، فانتبذت منه، فأشار إلي فجئته، فقمت عند عقبه حتى فرغ "(٣) .

وهذا الحديث، لا يتلاءم مع سيرة العظماء، فضلا عن سيد الأنبياء، فهو يصور النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأبشع صورة، إذ يذهب إلى مزبلة أحد الناس ويبول قائما!. فتخيَّل - أخي المسلم الغيور على نبي الله - هذا المشهد.

إنني أتحدّى كل من يؤمن بصحة هذا الحديث أن يفعل ما نسب الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، هل يقبل أحد هذا الفعل لنفسه؟! إذن كيف نرضاه لسيد الخلقصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! وكيف يبول النبي على سباطة قوم؟! - حاشاه - أليس هذا اعتداءا على حقوق الآخرين؟! ألا توجد للبيوت حرمة؟ وهل استأذن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصحاب البيت وهو الداعي إلى الاستئذان؟!

____________

١ - فأسألوا أهل الذكر، محمد التيجاني: ص ٦٠.

٢ - فتح الباري: ١/٢٦٢، والسباطة المزبلة.

٣ - المصدر السابق.


وكيف يفعل ذلك - حاشاه - أمام حذيفة؟ ومن يدري فربما يمر الناس في أي لحظة، وماذا يكون الموقف لو خرجت إحدى النساء من ذلك البيت لترمي الفضلات ورأت النبي؟ ألم يفكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذه الأمور؟! مالكم كيف تحكمون؟!

ثم إنّ البول في الطريق ليس من العدالة، وهذا ماقاله الإمام السبكي، فقد قال في تعريف العدالة بأنها: " ملكة تمنع عن اقتراف الكبائر، وصغائر الخسة، كسرقة لقمة، والرذائل المباحة، كالبول في الطريق!! "(١) .

وفي صحيح الجامع الصغير " كان - النبي - إذا أراد الحاجة أبعد "(٢) .

أجل، إن النبي إذا أراد الحاجة فإنه يبعد، لا أن يذهب بجانب البيوت ويبول على سباطات المسلمين!

قالت عائشة: " ما بال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قائما منذ أنزل عليه الفرقان "(٣) ، وفي صحيح الجامع الصغير: " كان - أي النبي - إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض "(٤) .

وهنا يصبح وصف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنه لم يكن يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض: أبلغ وصف في تصوير عظمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وصدق الله إذ قال فيه:( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (٥) .

" لقد كان النبي أشد حياء من العذراء في خدرها "(٦) .

ولأنّ النبي أشدُّ حياء من العذراء في خدرها فلا يعقل أن يبول على سباطة قوم.

____________

١ - جمع الجوامع ٢/١٤٨.

٢ - ٢/٨٥١.

٣ - مستدرك الحاكم: ١/١٨١، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

٤ - ٢/٨٥٢ ورواه أبو داود في سننه عن أنس وابن عمر ورواه الطبراني في الأوسط عن جابر.

٥ - القلم: ٤.

٦ - صحيح الجامع الصغير ٢/٨٧٠.


فهوصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشد حياء من العذراء! والمثير للاستغراب أنّ السباطة تكون عادة من بقايا الطعام فكيف يبول الرسول عليها؟!

وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: دخل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رجلان فكلّماه بشئ لا أدري ما هو فأغضباه، فلعنهما وسبهما فلما خرجا قلت: يا رسول الله، من أصاب من الخير شيئا ما أصابه هذان؟ قال: وماذاك؟ قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما.

قال: أوما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر فاي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا "(١) .

وهذا الحديث يستحيل أن يصح وهو يصور النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنه لا يستطيع السيطرة على أعصابه ويحكم على الامور بعاطفته دون عقله فيلعن من لا يستحق ذلك. وأين هذا من قول الله فيه( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ؟(٢) والله أدرى برسوله من مسلم.

وقال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن نفسه: " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " فإذا كان الرسول لعانا وسبابا فكيف يستقيم قوله هذا؟ فالمفترض بمن يكمل مكارم الأخلاق أن تكون أخلاقه كاملة، فالناقص لا يكمل من هو أكمل منه، والسب واللعن بغير حق ليس من مكارم الأخلاق في شئ.

ولقد كفانا الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مؤونةَ الرد على هذه الرواية، أخرج مسلم في صحيحه " بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى أن يكون المسلم لعانا. وقيل له يا رسول الله: ادع على المشركين قال: " إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة "(٣) .

____________

١ - كتاب البر والصلة والآداب، باب من لعنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو دعا عليه.

٢ - القلم: ٤.

٣ - كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها.



الفصل الثاني

ضياع السنة



عنوان غريب قد يقول عنه قائل: وماذا تعني بهذا، فالسنة موجودة في الصحاح الستة وكتب السنن؟ صحيح هذا، ولكن الصفحات القادمة كفيلة بإثبات هذا العنوان.

وأنا جازم بأن كل مسلم غيور على الإسلام إذا تدبر ما سنقول به هنا فإنه حتما إما سيبكي أو يضحك!

نبدأ بتوجيه هذا السؤال: هل يستطيع أحد أن يجزم بأن سنة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصلت إلينا كاملة؟! وحتى نجيب على هذا السؤال فرافقنا - أخي القارئ - لترى هل وصلت إلينا السنة كلها أو نصفها أو ثلثها...!!

في عصر الصحابة

أحاديث علي بن أبي طالبعليه‌السلام :

هذا الصحابي العظيم عاش مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكثر من ثلاث وعشرين سنة، وكان يتبع النبي اتباع الفصيل أثر أُمّه، قال عنه ابن حجر: " وكان قد رباه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من صغره لقصة مذكورة في السيرة النبوية، فلازمه من صغره فلم يفارقه إلى أن مات "(١) .

وصلنا عن عليعليه‌السلام ٥٣٦ حديثا(٢) ، صح منها خمسون حديثا(٣) ، روى البخاري منها عشرين حديثا. نعم، هذا ما وصلنا عن علي، خمسون حديثا فقط!!

____________

١ - فضائل الصحابة من فتح الباري: ص ١٤٢، تحقيق: خالد عبدالفتاح شيل.

٢ - راجع كتاب: أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد من العدد، ابن حزم، تحقيق: سيد كسروي حسن ص ٤٤.

٣ - ذكر هذا ابن حزم في الملل والنحل: ٣/٦٠.


ولكن هل يتناسب هذا الرقم مع علم عليعليه‌السلام ، ومقدار ما أخذ عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ علينا أن نتأمل شهادة الله ورسوله في علي ثم نحكم.

قال تعالى:( وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (١) المقصود بالآية: علي بن أبي طالب(٢) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب "(٣) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " أنا مدينة الحكمة وعلي بابها، فمن أراد الحكمة فليأت من بابها "(٤) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " أنا مدينة الفقه وعلي بابها "(٥) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " ما علمت شيئا إلاّ علَّمته عليا فهو باب مدينة علمي "(٦) .

وعن عبد الله بن مسعود قال: كنت عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسئل عن علي فقال:

" قسمت الحكمة عشرة أجزاء فاعطي علي تسعة أجزاء والناس جزءا واحدا " وفي كنز العمال زاد في آخر الحديث " وعلي أعلم بالواحد منهم "(٧) .

____________

١ - الرعد: ٤٣.

٢ - راجع الجامع لأحكام القرآن ٩/٣٣٦. الاتقان، السيوطي ١/١٣. ينابيع المودة، القندوزي الحنفي:

ص ١٠٢، تفسير الثعلبي، وروى ذلك أبو نعيم.

٣ - هذا حديث صحيح ومصادره تربو على المائة عند أهل السنة ستأتي في بحث آخر.

٤ - تاريخ بغداد: ١١/٢٠٤. المناقب، ابن المغازلي الشافعي: ص ١٢٤. فرائد السمطين.

لسان الميزان: ٥/١٩.

٥ - تذكرة الخواص، ابن الجوزي: ص ٦٥٣. تفسير الثعلبي: ص ١٢٢.

٦ - المناقب، ابن المغازلي. إحقاق الحق ٥/٥٠١.

٧ - كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد ٥/٣٢. حلية الأولياء ١/٦٤. تفسير الثعلبي. مطالب السؤول، ابن طلحة الشافعي: ص ٢١، المناقب/ابن المغازلي، المناقب/اخطب خوارزم: ص ٤٩. مقتل الحسين، أخطب خوارزم: ص ٤٣ فرائد السمطين. ميزان الاعتدال ١/٥٨. الكواكب الدرية، المناوي =


قالت أم سلمة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأديم وعلي بن أبي طالب عنده فلم يزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يملي وعلي يكتب حتى ملأ بطن الأديم وظهره وأكارعه "(١) .

وقال علياء بن أحمر: " إنّ علي بن أبي طالب خطب الناس فقال: (من يشتري علما بدرهم؟) فاشترى الحارث الأعور صحفا بدرهم، ثم جاء بها عليا فكتب له علما كثيرا "(٢) .

وقال عليعليه‌السلام : " إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علمني ألف باب كل باب فيها يفتح ألف باب، فذلك ألف ألف باب، حتى علمت ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وعلمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب "(٣) .

وقالعليه‌السلام : " سلوني قبل أن تفقدوني ولن تسألوا بعدي مثلي... "(٤) .

وقال عليعليه‌السلام : " سلوني، فوالله لا تسألونني عن شئ إلا حدثتكم به، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم، بليل نزلت أم بنهار، أم بسهل أم بجبل "(٥) .

____________

= الشافعي ١/٣٩، الأربعين لعلي القاري ص ٥٠، ينابيع المودة ص ٧٠، المناقب المرتضوية: محمد صالح الترمذي ص ٧٨، فتح الملك العلي ص ٣٣، إحقاق الحق ٥/٥١٧ - ٥٢٠، وقد روي هذا الحديث موقوفا على ابن مسعود.

١ - دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد الأعظمي: ١/١٢٧.

٢ - محمد الأعظمي: ١/١٢٩. عن ابن سعد ٦/١١٦. العلل، المديني ١/٤٢. تقييد العلم: ص ٨٩.

العلم، ابن خيثمة: ص ١٤٤.

٣ - ينابيع المودة: ص ٧٧. أرجح المطالب: ص ٤١٣، المحدث الهروي في الأربعين حديثا، وفتح الملك العلي: ص ١٩. إحقاق الحق.

٤ - مستدرك الحاكم: ٢/٣٥٢ و ٤٦٦ وصححهما.

٥ - الاستيعاب: ٣/١١٠٧. جامع بيان العلم: ١/٤٦٤. الرياض النضرة: ٢/١١٩٨. تاريخ الخلفاء، السيوطي: ص ٧١. إحقاق الحق.


قال ابن عبد البر: " أجمع الناس كلهم على أنه لم يقل أحد من الصحابة ولا أحد من العلماء: سلوني، غير علي بن أبي طالب ".

وقال عليعليه‌السلام : " والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت، واين نزلت، وعلى من نزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا ناطقا "(١) .

وقال علي: " القلوب أوعية، وخيرها أوعاها " ثم يقول: هاه هاه إنّ ههنا - وأشار بيده إلى صدره - علماً لو أصبت له حملةً " وفي رواية: (لو وجدت له حملة)(٢) .

وروي عن علي أنه قال: " أما والله لو طرحت لي وسادة لقضيت لأهل التوراة بتوراتهم ولأهل الإنجيل بإنجيلهم، ولأهل القرآن بقرآنهم "(٣) .

وعن ابن عباس وقد سأله الناس فقالوا: أي رجل كان عليا، قال: " كان ممتلئا جوفه حكما وعلما وبأسا ونجدة مع قرابته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(٤) .

وقال ابن عباس: " قسم علم الناس خمسة أجزاء فكان لعلي منها أربعة أجزاء، ولسائر الناس جزء شاركهم علي فيه فكان أعلمهم فيه "(٥) .

والآن هل يصح أن يقال: إن كل ما أخذه عليٌّ عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خمسون حديثا؟!!

لا أعتقد أنّ أحدا يقول ذلك إلا أن تكون قد انطفأت شعلة ذهنه. إذن فأين علم علي

____________

١ - حلية الأولياء ١/٦٧. المناقب، أخطب خوارزم: ص ٥٤. فرائد السمطين. تاريخ الخلفاء، السيوطي:

ص ٧١. ينابيع المودة: ص ٢٨٧. الشرف المؤبد، النبهاني: ص ١١٢. إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار، المناقب، ابن المغازلي. إحقاق الحق: ٧/٥٨١ - ٥٨٤.

٢ - إعلام الموقعين ١/٢١. الطبقات الكبرى، عبد الوهاب الشعراني ١/١٨. ينابيع المودة: ص ٢٦.

لطائف المنن، عبد الوهاب المصري ٢/٨٩. الفائق للزمخشري ٣/١٨٨. لسان العرب ١٣/٣٩٠.

٣ - أبو العباس المبرد " الفاضل ": ص ٣. المناقب، ابن المغازلي. شرح المقاصد، التفتازاني ٢/٢٢٠.

مطالب السؤول: ص ٢٦. التذكرة، ابن الجوزي: ص ٢٠. فرائد السمطين. ينابيع المودة: ص ٧٠ و ٢٢٠. أرجح المطالب، عبد الله الحنفي: ص ١١١. وإحقاق الحق ٧/٥٨١.

٤ - الرياض النضرة ٢/١٩٤، وأحمد في المناقب.

٥ - الكامل، ابن الأثير: ٣/٣٩٩. الاستيعاب: ٢/٤٦٣. البيان والتبين، الجاحظ: ٣/٢٤٧.


الذي أخذه عن النبي؟ ولماذا لم يصلنا منه سوى خمسين حديثا؟ وأليس هذا معناه أنّ علم علي الذي أخذه عن النبي والذي لا يقدَّر بعدد قد ضاع عند أهل السنة؟

أليس هذا هو الواقع المرّ الذي يجب الإذعان له؟ إنّ أبا هريرة لم ير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سوى سنتين وروى عنه ٥٣٧٤ حديثا(١) ، وعلي الذي رافق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منذ طفولته ولازمه كظله، يروي خمسين حديثا؟!!

فهل هذا عدلٌ يا مسلمين؟ وأين علم أبي هريرة من علم علي؟! يقول ابن عباس: " والله لقد أعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر "(٢) .

وأرى هنا أنه لابد من الاعتراف بأننا فقدنا آلاف موءلفة من السنة النبوية التي يحفظها علي ولم تصل لنا. فالذي وصلنا عن عليصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قياسا لسعة علمه وطول مدة ملازمته للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خير دليل على ضياع قسم كبير من السنن التي كانت عند علي.

وقد اعترف بهذه الحقيقة الشيخ محمد أبو زهرة يقول في ذلك: " وإنه يجب علينا أن نقرر هنا أنّ فقه عليعليه‌السلام وفتاويه وأقضيته لم ترو في كتب السنة بالقدر الذي يتفق مع مدة خلافته، ولا مع المدة التي كان منصرفا فيها إلى الدرس والإفتاء في مدة الراشدين قبله، وقد كانت حياته كلها للفقه وعلم الدين، وكان أكثر الصحابة اتصالا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد رافق الرسول وهو صبي قبل أن يبعثصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واستمر معه إلى أن قبض الله تعالى رسوله إليه، ولذا كان يجب أن يذكر له في كتب السنة أضعاف ما هو مذكور فيها "(٣) .

____________

١ - أسماء الصحابة الرواة: ص ٣٧.

٢ - الاستيعاب: ٣/١١٠٤. ذخائر العقبى: ص ٧٨. أسد الغابة: ٣/٥٩٧. تاريخ الخلفاء، السيوطي.

الشذرات الذهبية، محمد بن طولون: ص ٥١. ينابيع المودة: ص ٧٠. الشرف المؤبد: ص ٥٩. المناقب، اخطب خوارزم: ص ٥٥، راجع إحقاق الحق.

٣ - الإمام الصادق: ص ١٦٢.


إننا نؤكد الحقيقة حين نقر بأنه كان يجب أن يذكر عن علي أضعاف ما هو مذكور عنه ولكن للأسف فقدت هذه الأضعاف.

ويعترف أبو زهرة أن علم عليعليه‌السلام لا يقل عن علم عبد الله بن مسعود فيقول:

" هذه كلمة عارضة ذكرناها لبيان أن عليارضي‌الله‌عنه كان له علم لا يقل عن علم عبد الله ابن مسعود "(١) .

ومع موقفنا من هذه المقارنة - إذ إن علم علي لا يقاس بعلم أحد من الصحابة والنصوص السالفة خير دليل على ما نقول - لكننا نقول لأبي زهرة ولأهل السنة: لقد وصلنا عن ابن مسعود ٨٤٨ حديثا فإذا كان علم علي لا يقل عن علم ابن مسعود فقد فقدنا من علم علي الذي أخذه عن النبي ٧٩٨ حديثا!! وهو عدد نستطيع أن نعمل منه موطأ كموطأ مالك الذي يحوي ٧٠٠ حديث. فتأمل بربك هذه الخسارة!. أضف لهذا أن مسند علي في مسند أبي يوسف يعقوب بن شيبة السدوسي خمسة مجلدات!! ولكن ماذا تساوي الخمسون حديثا أمام خمسة مجلدات(٢) ؟!!

وهذا الحارث الأعور اشترى - كما مر - صحفا بدرهم ثم جاء بها عليا فكتب له علما كثيرا.

ولو رجعنا إلى مسند أحمد بن حنبل - وهو أكثر من روى عن عليعليه‌السلام من أصحاب السنن - لوجدنا الحارث الأعور يروي حديثا واحدا عن عليعليه‌السلام ولكنه ضعيف(٣) . فأين ذهب هذا العلم الكثير الذي كتبه عليعليه‌السلام للحارث؟!!

____________

١ - الإمام الصادق.

٢ - الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة: ص ٥٢.

٣ - راجع المسند تخريج: شعيب الأرنؤوط.


أحاديث فاطمة الزهراءعليها‌السلام :

فاطمة الزهراء بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عاشت مع أبيها ما يقرب من ثمانية عشر عاما. أخرج مسلم أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " يا فاطمة أما ترضى أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة "(١) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني "(٢) . وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " فاطمة بضعة مني يقبضني مايقبضها ويبسطني مايبسطها " " إنما فاطمة مضغة مني فمن آذاها فقد آذاني "(٣) .

مع أن سيدة نساء العالمينعليها‌السلام التي مودتها فرض على المسلمين( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (٤) عاشت مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم راشدة حوالي عشر سنين، فإن ما روي عنها صحيحا لا يتجاوز الحديثين(٥) !! فهل نصدق أن ما أخذته فاطمةعليها‌السلام عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان حديثين فقط أم أنّ عندها ما لا يعد من السنن؟!

ولو أنّ فاطمةعليها‌السلام روت عن كل يوم عاشته مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حديثا لبلغت أحاديثها حوالي ثلاثة آلاف حديث. وهذا الرقم هو أقل ما كان يجب أن يصلنا عن سيدة النساءعليها‌السلام . كيف لا وقد كانت ترى أباها كل يوم وكان جبريلعليه‌السلام ينزل في بيتها.

عن أبي ثعلبة الخشني، قال: " كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا قدم من غزو، أو سفر بدأ

____________

١ - كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمةعليها‌السلام بنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٢ - صحيح البخاري: كتاب المناقب، باب مناقب قرابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومنقبة فاطمةعليها‌السلام .

٣ - مستدرك الحاكم ٣/١٥٨ و ١٥٩ وصححه، وكذا الذهبي.

٤ - الشورى: ٢٣.

٥ - ذكر ابن حزم ان لهاعليها‌السلام ثمانية عشر حديثا. راجع أسماء الصحابة الرواة: ١٣٠، وفي مسند فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، السيوطي، تحقيق أحمد زمرلي صح من أحاديثها اثنان!


بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، ثم يأتي فاطمة، ثم يأتي أزواجه... "(١) .

وعن ثوبان مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا سافر كان آخر عهده بإنسان من أهله فاطمة، وأول من يدخل عليها إذا قدم "(٢) .

وهاتان الروايتان تبينان مدى اهتمام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بفاطمةعليها‌السلام وتقديمها على زوجاته. لقد عاشت عائشة مع النبي راشدة حوالي خمس سنين وروي عنها ٢٢١٠ أحاديث. فما بال فاطمة لم يرو عنها إلا حديثان؟!

إنّ كل مسلم ينظر بعقله بدل عواطفه، لابد أن يقرَّ بأنّ الأمة بقلة روايتها عن فاطمةعليها‌السلام فقدت آلاف السنن والتي ربّما تفردت بالكثير منها.

وقد يقال: إنّ فاطمةعليها‌السلام عاشت بعد النبي ستة أشهر لهذا لم يرو عنها إلا القليل.

لو افترضنا أن فاطمة عاشت بعد النبي لفترة طويلة فهل سيروى عنها كما روي عن عائشة وأبي هريرة؟! لا أعتقد ذلك فهذا عليعليه‌السلام مع أنه كان خليفة المسلمين وأكثر احتكاكا بالناس من فاطمةعليها‌السلام ومع أنه عاش بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاثين سنة فلم يرو عنه سوى خمسين حديثا!!( إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ )

أحاديث الحسن والحسينعليهما‌السلام :

هما سيّدا شباب أهل الجنة، عاشا في كنف جدهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمعا منه، وبعد وفاته أخذا العلم عن أبيهما علي بن أبي طالبعليه‌السلام ونهلا من ذلك علما كثيرا " روى الحسن - أيضا - عن أبيه وأخيه الحسين وخاله هند بن أبي هالة "(٣) ، والحسينعليه‌السلام

____________

١ - الاستيعاب: ٤/١٨٩٥. مستدرك الحاكم: ٣/١٥٥ وصححه وكذا الذهبي. ذخائر العقبى: ص ٣٧.

الجامع الصغير، السيوطي: ٢/٢٩٣. كنز العمال: ص ٥٨. حلية الأولياء: ٢/٣٠. اعلام النساء، محمد رضا كحاله: ٣/٢١٧١.

٢ - مستدرك الحاكم: ٣/١٥٦. تلخيص المستدرك، الذهبي: ٣/١٥٥. ذخائر العقبى: ص ٣٧.

٣ - الإصابة: ٢/١١.


" روى عن أبيه وأمه وخاله هند بن أبي هالة وعن عمرو.

وروى عنه أخوه الحسن وبنوه علي زين العابدين وفاطمة وسكينة وحفيده الباقر... "(١) .

وكان عمر بن الخطاب يقدم الحسين على ابنه عبد الله، ويوما رأى ابن عمر الحسين مقبلا فقال: " هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء "(٢) .

ومع مكانة الحسنينعليهما‌السلام إلا أنه وصلنا عن الحسنعليه‌السلام ثلاثة عشر حديثا(٣) !!

وعن الحسينعليه‌السلام ثمانية أحاديث(٤) !!مع العلم أنّهماعليهما‌السلام عاشا فترة طويلة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فالحسنعليه‌السلام استشهد سنة ٥٠ هـ‍، واستشهد الحسينعليه‌السلام سنة (٦١ هـ‍).

مع أحاديث أهل البيتعليهم‌السلام

أهل البيت هم: علي وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام . وعدد أحاديثهم مع بعضها البعض لا تتجاوز المائة حديث. فهذا مقدار ما روي عن هذه الكوكبة الطاهرة في مصادر أهل السنة، مع أنّ الحافظ ابن عقدة، وهو من أئمة الحديث، كان يجيب في ثلاثمائة ألف حديث من أحاديث أهل البيتعليهم‌السلام وبني هاشم(٥) . وقال أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد: " أحفظ لأهل البيت ثلثمائة ألف حديث "(٦) .

ولو أضفنا أحاديث أهل البيتعليهم‌السلام إلى أحاديث بني هاشم لما تجاوزت أحاديثهم الألفي حديث. فابن عباس وهو أكثر من روي عنه من بني هاشم روى ١٦٦٠ حديثا،

____________

١ - المصدر السابق: ٢/١٥.

٢ - نفس المصدر.

٣ - أسماء الصحابة الرواة: ص ١٤٣.

٤ - أسماء الصحابة الرواة: ص ١٧٠.

٥ - تذكرة الحفاظ، الذهبي ٣/٨٤٠.

٦ - تدريب الراوي: ١/٥٠.


وأضف لأحاديثه أحاديث أهل البيتعليهم‌السلام وبقية بني هاشم فستجد أنها لا تتجاوز الألفي حديث.

لقد فقدت الأمة أكثر من مائتي ألف حديث(١) ، فابن عقدة يجيب من أحاديث أهل البيت وبني هاشم بثلاثمائة ألف حديث. فأين ذهبت هذه الأحاديث؟! أليس معنى ذلك أننا قد فقدناها؟ فهل ترى أعظم من هذه الرزية على الإسلام؟!

وبعد، فهل عرفت - أيها اللبيب - ما معنى عنوان بحثنا ومحله من الحقيقة؟ وهل رأيت كيف ضاعت أحاديث أهل البيت عند أهل السنة؟ إذن فاكمل معنا المشوار ففيه الكثير من المفاجآت!!

أحاديث أبو بكر:

عاش أبو بكر مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من بداية الدعوة حتى نهايتها ولازمه ليل نهار ولم يفارقه لحظة، هكذا يقول ابن تيمية. فقد قال عن الخلفاء الأربعة " بأنهم أعلم الأمة بأمور رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسنته، وأحواله، خصوصا الصديقرضي‌الله‌عنه الذي لم يكن يفارق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حضرا ولا سفرا بل كان معه في غالب الأوقات، حتى أنه يسمر عنده بالليل في - بحث - أمور المسلمين.

وكذلك عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه ، فإن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كثيرا ما كان يقول: " دخلت أنا وأبو بكر وعمر " و " خرجت أنا وأبو بكر وعمر "(٢) .

ومع سعة علم أبي بكر كما يقول ابن تيمية لم يصلنا منه سوى ١٤٢ حديثا(٣) .

ولو روى أبو بكر عن كل يوم عاشه مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حديثين لبلغت أحاديثه ما يقرب من ١٧ ألف حديث.

____________

١ - هذا إذا قسنا ما وصلنا عن آل البيت وبني هاشم إلى ما كان يحفظه ابن عقدة فقط!!

٢ - رفع الملام عن الأئمة الأعلام.

٣ - أسماء الصحابة الرواة: ص ٥٧.


وإلاّ هل يعقل أن يحفظ أبو هريرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ٥٣٧٤ حديثا خلال سنتين ولا يحفظ أبو بكر خلال ثلاث وعشرين سنة إلا ١٤٢ حديثا؟!

لا أعتقد أنّ أحدا يؤيد ذلك، فإذا لم يقل: إنّ أبا بكر يحفظ أكثر من أبي هريرة، فيكون أبو هريرة أعلم من أبي بكر! وإذا قيل: إنّ أبا بكر يحفظ أكثر من أبي هريرة، سألنا: أين ذهبت أحاديث أبي بكر والتي تفوق أحاديث أبي هريرة؟ ومن يضمن أن لا يكون بها تشريعات وعقائد وآداب لا غنى عنها لكل مسلم؟. لكننا لانجد جوابا إلاّ الصمت أو السباب. وهو اعتراف ضمني بضياع الآلاف من الأحاديث التي سمعها أبو بكر من النبي، على الأقل قد كان بحوزة أبي بكر خمسمائة حديث، لكنه أحرقها(١) ، فمن يضمن لنا وصول هذه الخمسمائة حديث المحروقة الينا؟ لا أحد يستطيع ذلك مع العلم أن بناء الإسلام واحد، ولا يفهم إلا إذا وجدت نصوصه كاملة!!

قال شيخ الإسلام السيوطي: " السبب في قلة ما روي عن أبي بكر الصديقرضي‌الله‌عنه ، مع تقديمه وسبقه وملازمته للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنه تقدمت وفاته قبل انتشار الحديث واعتناء الناس بسماعه وتحصيله وحفظه "(٢) .

وكلام السيوطي هذا يومئ إلى أنه لو بقي أبو بكر حيّا حتى انتشار الحديث واهتمام الناس بسماعه لروي عنه الكثير، ولكن لو سألنا السيوطي وأهل السنة عن مكان هذا العلم الكثير لقالوا: هو في صدر أبي بكر!! فنقول سلام على سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !

وقال إبراهيم العبدلي المالكي: " وإنما لم يرو عنه - أي أبي بكر - من الأحاديث المسندة إلاّ القليل، لقصر مدته، وسرعة وفاته بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلا لو طالت مدته لكثر ذلك عنه جدا "(٣) .

____________

١ - راجع تذكرة الحفاظ: ١/٥.

٢ - تدريب الراوي: ٢/٢١٨.

٣ - عمدة التحقيق في بشائر آل الصديق.


ومعنى كلام المالكي أن الله قبض أبابكر وفي جعبته أحاديث كثيرة جدا. فالله حرم عباده من سنة نبيه التي انفرد بها أبو بكر فقبضه قبل أن يخرج ماعنده من سنن الإسلام.

حاشا لله من هذا الفعل، فكيف يحرم عباده من السنن، والسنن الكثيرة على حد تعبير إبراهيم المالكي ثم يأمرهم بإحراز الإسلام كما أنزله؟! كيف نعقل ذلك؟

وقال الصنعاني: " والسبب في قلة ما روي عن الصديق أبي بكررضي‌الله‌عنه مع جلالته وتقدمه وملازمته للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قد تقدمت به الوفاة قبل عناية الناس بسماع الحديث وحفظه "(١) وكلامه هذا لا يختلف عن كلام السيوطي والنتيجة واحدة لا تختلف!!

واعترف محمد عجاج الخطيب - استاذ في الحديث - أنّ لدى أبي بكر وعمر علماً كثيرا أخذاه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يصل إلينا، قال عنهما بأ نهما: " حملا علما كثيرا عنه عليه الصلاة والسلام، لم يظهر علمهم كله لنا، وبخاصة أبو بكر، لأ نه لم يعش كثيرا بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليحتاج إليه كما احتيج إلى عمر، فامتداد عمر الصحابي يكشف لنا عن علم الصحابي لأنه يحتاج إلى ما عندهم تجاه تلك الأمور المستجدة "، وفي هذا يقول ابن حزم: " ثم وجدنا الأمر كلما طال كثرت الحاجة إلى الصحابة فيما عندهم من العلم، فوجدنا حديث عائشة(٢) ألفي مسند ومائتي مسند وعشرة مسانيد... "(٣) .

كلام ما أجدره بالتأمل " حملا علما كثيرا عنه "!! ولكنه ضاع!!

وقال الأستاذ إبراهيم الشهاوي - رئيس قسم الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر -: " ولم يعثر أصحاب السنن على أكثر من هذا القدر - أي مرويات أبي بكر البالغة ١٤٢ أو ١٣٢ - وهو قليل بالنسبة لما سمعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنه مما لا شك فيه أنه سمع من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما يعد به من أكثر المكثرين!! من الرواية عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لتقدم صحبته وكثرة ملازمته لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولكن لم يرو عنه إلا

____________

١ - توضيح الأفكار: ص ٤٢٩.

٢ - اصول الحديث: ص ٤٠٣.


هذا القدر لوفاتهرضي‌الله‌عنه قبل انتشار الأحاديث وقبل اعتناء التابعين

بتحصيلها وحفظها وروايتها "(١) .

إنّ هذه الشهادات تدل دلالة واضحة على أن عند أبي بكر الكثير من السنن التي لم يصل إلينا منها إلا النزر اليسير، وهو اعترافٌ ضمني بضياع السنن التي حملها أبو بكر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

أحاديث عمر بن الخطاب:

أسلم عمر في بداية الدعوة فعاش مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما يقرب من عشرين سنة، وعاش بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاث عشرة سنة أخذ في هذه الفترة ما فاته عن الصحابة. روي عن عمر ٥٣٧ حديثا(٢) صح منها خمسون حديثا(٣) .

وهذا الرقم لا يتلاءم مع علم عمر فقد عده ابن تيمية من أعلم الصحابة كما مر.

ورد عن عمر أنه قال: " كنت أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ينزل يوما فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك "(٤) .

روي عن ابن مسعود: " إن عمر كان أعلمنا بكتاب الله وافقهنا بدين الله ".

وقال سعيد بن المسيب: " ما أعلم أحدا بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعلم من عمر "(٥) ، وقال ابن حزم: " وما كان في أقطار البلاد يومئذ - أي بعد أبي بكر - أحدٌ يقطع على أنه أعلم من عمر لا سيما مع شهادة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالعلم والدين "(٦) .

____________

١ - مصطلح الحديث: ص ١٦٦.

٢ - راجع أسماء الصحابة الرواة: ص ٤٤.

٣ - الملل والنحل لابن حزم: ٣/٦١.

٤ - صحيح البخاري (كتاب العلم) - باب التناوب في العلم. مسند أحمد ١/٣٣.

٥ - إعلام الموقعين: ١/٢٠.

٦ - الإحكام: ص ٨٥١.


إن عمر - كما يقولون - أعلم الصحابة. فهو أعلم من أبي هريرة الذي روى ٥٣٧٤ حديثا. وبما أن عمر أعلم من أبي هريرة فهو عنده من السنن ما يزيد على ما عند أبي هريرة. ولو أن عمر سمع من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كل يوم حديثين سواء بنفسه أو عن طريق جاره وغيره لتجاوزت أحاديثه العشرة آلاف حديث. ولكن أين هذا الرقم من الخمسين؟!!

قال ابن مسعود: " إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم "(١) فسجل عندك هذه الشهادة.

ويقول الاستاذ إبراهيم الشهاوي: " وهذا القدر هو كل ما روي عنه - أي عمر -، وليس هو كل ما سمعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو قليل بالنسبة له!!!، لكثرة ملازمته رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحرصه الشديد على الإحاطة بكل ما ينطق به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(٢) .

فعمر عنده سنن كثيرة لم تصل إلينا، فأين هذه السنن؟ ولماذا ضاعت؟ ومن المسؤول عن فقدها؟ وهل نصدق أن الله انتدب عمر لتبليغ دينه وقد بقي معه الكثير من سنن الإسلام التشريعية...؟! إذا قلنا ذلك فالله بهذا - حاشاه - أخفى سنة نبيه عن عباده. فيكون تعب النبي ثلاثا وعشرين سنة قد ذهب أدراج الرياح. كلا، إن الله(٣) رحيم بعباده ويحب لهم الخير، لذلك نحن نقول: إن الله قد جعل سنة نبيه عند أناس يستطيعون أن يخرجوها للناس كافة دون أن تفقد أو ينقص منها شئ. وهذا هو الذي يفرضه العقل.

أما قولنا: إن الله جعل الصحابة مبلغين عن نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم قبضهم إليه قبل إبراء ذمتهم وإخراج ما عندهم من السنن فهذا قول بعيد عن الصحة لا يصح نسبته لله، فنحن إما أن ندافع عن تراث مئات السنين وإما أن نرفع هذه التهمة عن الله. وهذا هو المرجو من كل مسلم.

____________

١ - إعلام الموقعين: ١/١٦.

٢ - مصطلح الحديث: ص ١٦٧.


أحاديث عثمان بن عفان:

أسلم عثمان في بداية الدعوة على يد أبي بكر. روى له البخاري تسعة أحاديث، ومسلم خمسة، وصلنا عنه ١٤٦ حديثا(١) . عاش مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاثا وعشرين سنة وكان ملازما له كما يقول ابن تيمية، وعاش بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خمسا وعشرين سنة بين الصحابة يأخذ منهم. ومع ذلك لم يصلنا منه إلا ١٤٦ حديثا.

ولو كان هذا العدد هو مقدار ما أخذه عثمان عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهذا يعني أنه كان يحفظ عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ٦ أحاديث كل سنة!! ولا أعتقد أن أحدا يوافقني على هذا.

فلابد أنّ لدى عثمان الآلاف من الأحاديث. وإذا سألنا أين ذهبت أحاديث عثمان؟ رأينا الهدوء يخيّم على المفكرين وعلامات الاستفهام تسرع بالإجابة، وربما يغامر البعض فيقول: إنّ انشغال عثمان بخلافة المسلمين هو الذي أدى إلى ضئالة عدد الأحاديث التي رويت عنه.

ولكننا نقول: إنّ عثمان عاش ثلاثا وعشرين سنة قبل استلامه الخلافة فأين ذهب علمه خلال هذه الفترة؟(٢) ثم، إنّ تفرّغه لأمور الدولة لا يمنعه من إيصال سنة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للناس. فهذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كانت مهمته من أصعب المهمات، ومع ذلك استطاع أن يوصل الإسلام الى الناس كاملا كما أنزله الله. ويفترض أن يصلنا عن خليفة المسلمين أكثر من سواه لأنه أكثر احتكاكا بالناس من أبي هريرة مثلا!! والمفترض به أنه يخاطب الجماهير وينقل لهم عن الرسول.

إنّ عثمان أعلم من أبي هريرة، وأبو هريرة روى ٥٣٧٤ حديثا وعلى هذا فعثمان عنده أكثر من هذا الرقم. فتأمل بربك هذه الخسارة!

____________

١ - أسماء الصحابة الرواة: ص ٥٦.

٢ - يبدو أَنّ (درّة عمر): هي السبب في قلة ما وصلنا من الأحاديث عن الصحابة!!


أحاديث أُبيّ بن كعب:

يعتبر أُبي بن كعب من علماء الصحابة قال فيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " أقرأ أمتي أبي ". وقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " ليهنك العلم أبا المنذر "، شهد بدرا والمشاهد كلها، وكان عمر يسأله في النوازل ويتحاكم به في المعضلات. وكان يسمّيه: سيد المسلمين، ولمّا مات أبي قال عمر:

" اليوم مات سيد المسلمين ".

ومرة اختلف أبي وعمر في قراءة آية من القرآن فقال لعمر: " والله يا عمر إنك تعلم أني كنت أحضر ويغيبون، وأدنى ويحجبون ويصنع بي ويصنع بي، والله لئن أحببت لألزمن بيتي ولا أحدّث شيئا ولا أقرئ أحداً حتى أموت. فقال عمر: اللهم غفرانك إنا لنعلم أنّ الله قد جعل عندك علما، فعلِّم الناس ما علمت ".

وكان أبي صاحب عبادة فلما احتاج الناس إليه ترك العبادة وجلس للقوم، ومات سنة ٣٠ للهجرة(١) .

ومع أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شهد لأبي بالعلم إلاّ أنه لم يصلنا منه إلاّ ١٦٤ حديثا(٢) .

فلا ندري هل كان قصد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين قال لأبي:

" ليهنك العلم أبا المنذر " هو هذا المقدار الذي وصلنا عنه؟ أم أحاديث كثيرة أخذها عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهل يقصد عمر في قوله لأبي (إنّ الله قد جعل عندك علما) هذه المائة والأربعة والستين حديثا؟!

إنّ أبا هريرة عاش مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سنتين وروى ٥٣٧٤ حديثا وأبي عاش مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما يقرب من عشر سنين وشهد أبي على نفسه بأ نه كان يحضر عند النبي، فعلى هذا من المفترض أن تصل أحاديث أبي في هذه العشرة سنين أكثر من عشرين ألف حديث، وأضف لهذه العشر سنين عنده، أنه استفاد من الصحابة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مدّةً

____________

١ - راجع ترجمة أبي في الإصابة: ١/١٦. سير أعلام النُبلاء: ١/٣٨٩.

٢ - أسماء الصحابة الرواة: ص ٥٤.


عشرين سنة. فلابد أنّ أبي يحفظ عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الآلاف!! ولا أعتقد أنّ أحداً يخالفني الرأي هذا، وإلا كان رادا لشهادة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أبي: " ليهنك العلم أبا المنذر "!

فلا مَفرَّ من الاعتراف أننا خسرنا آلاف الأحاديث التي كان يحفظها أبي وربما تفرّد بالكثير منها!

أحاديث سلمان الفارسيرضي‌الله‌عنه :

سلمان الفارسي يقال له: سلمان الإسلام، وسلمان الخير. سئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن سلمان فقال: " من لكم بمثل لقمان الحكيم، امرؤ ذاك منا وإلينا أهل البيت، أدرك العلم الأول والآخر، بحر لايُنزَف " وقال عنه: " إنه يبعث اُمّةً وحده، لقد أشبع من العلم ".

وقالت عائشة: " كان لسلمان مجلس من رسول الله ينفرد به في الليل حتى كاد يغلبنا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(١) .

ولما تلا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذه الآية:( وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ) (٢) قالوا:

يا رسول الله مَن هؤلاء الذين إن تولينا استبدل بنا ثم لايكون أمثالنا؟ قال: فضرب بيده على كتف سلمان الفارسيرضي‌الله‌عنه ، ثم قال: " هذا وقومه، لو كان الدين عند الثريّا لتناوله رجالٌ من الفرس "(٣) .

ومع كل الذي ورد في علم سلمان مِن أنه بحرٌ لا يُنزف ومن أنه كان له مجلسٌ خاص مع النبي، إلا أنه لم يردنا عنه سوى ستين حديثا(٤) ! روى البخاري منها أربعة أحاديث، ومسلم خمسة.

____________

١ - راجع ترجمة سلمان في الإصابة: ٣/١١٣. الاستيعاب: ٢/٦٣٤ - ٦٣٨. سير أعلام النبلاء: ١/٥٠٥.

أنساب الأشراف: ١/٢٧١ و ٤٨٧.

٢ - سورة محمد: ٣٨.

٣ - تفسير ابن كثير: ٤/١٩٦. فتح القدير: ٥/٤٣. تفسير البيضاوي: ص ٢/٣٩٨. تفسير الكشاف:

٣/٥٤٠. تفسير الطبري: ٢٦/٤٢.

٤ - أسماء الصحابة الرواة: ص ٧٤.


ولا ندري، أهذه الستون حديثا هي البحر الذي لا ينزف؟! أم هذا هو علم لقمان الحكيم؟ وهل اُشبع سلمان من العلم بستين حديثا فقط؟! أنا أجزم أنّ عند سلمان الآلاف من الأحاديث يدلنا على ذلك شهادة النبي له بالعلم، ولا ننسى مجلس سلمان الخاص من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والذي نعتقد أنه أخذ الجديد من النبي دون غيره. لقد أخذ سلمان عن النبي وعاش بعده ستا وعشرين سنة، وبهذه الفترة أخذ عن علي وغيره من الصحابة.

فيحق لنا أن نسأل الآن: أين ذهب علم الأولين والآخرين الذي أدركه سلمان؟!

وأين ذهب علم هذا البحر الذي لا ينزف؟ نعم، لقد ضاع ولم يصل إلينا من هذا البحر إلا قطرات. هذه الحقيقة التي يجب الأعتراف بها، فإلى متى الهروب منها والتأويل فيها؟

إن إنكار أن يكون لدى سلمان الآلاف من الأحاديث هو رد صارخ على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي قال عنه " لقد أشبع من العلم "، " بحر لا ينزف ". نعم، لقد فقد علم هذا البحر الذي لا ينزف، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

أحاديث أبي ذر الغفاريرضي‌الله‌عنه :

أسلم أبو ذر رضوان الله عليه في بداية الدعوة وهو أول من جهر بإظهار إسلامه.

عاش أبو ذر مع النبي يسمع ويأخذ منه مدة ثلاث وعشرين سنة. ومع ذلك وصل إلينا منه ٢٨١ حديثا(١) !!. فهل نصدق أنّ أبا ذر عاش مع النبي ثلاثا وعشرين سنة ولم يأخذ عنه سوى ٢٨١ حديثا؟ يقول الإمام عليعليه‌السلام : (أبو ذر أوعى علما ثم أوكى عليه فلم يخرج منه شئ حتى قبض)(٢) .

هذه شهادةٌ من صحابي عظيم أنّ لدى أبي ذر الكثير من السنن التي بقيت معه.

فلا مفرَّ من الاعتراف أنّ لدى أبي ذر الكثير من السنن بحيث يتجاوز ما عنده ما عند أبي هريرة. وهذا يفرضه واقع الحال.

____________

١ - أسماء الصحابة الرواة: ص ٤٧.

٢ - إعلام الموقعين: ١/١٨.


أحاديث طلحة بن عبيدالله:

أسلم طلحة في بداية الدعوة على يد أبي بكر واختاره عمر ليكون أحد الستة المرشحين للخلافة بعده، يعتبر من كبار الصحابة وعلمائهم، له ٣٨ حديثا في مسند بقي بن مخلد وبالمكرر(١) . ولا ندري هل هذا العدد من الأحاديث هو مقدار ما أخذه طلحة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طوال ثلاث وعشرين سنة؟ من قال ذلك فهو يزري بطلحة، وليس هناك أحدٌ يقول هذا، ومن قال: إنّ عنده أكثر من هذا العدد بكثير سألناه: اين ذهب هذا الكثير من السنن؟! سيقال: هو في صدر طلحة، قلنا: فعلى سنة الرسول السلام!!

أحاديث الزبير بن العوام:

روي أنه كان رابع أربعة أو خامس خمسة في الإسلام.

قال عمر فيه: " إن الزبير ركن من أركان الدين "(٢) .

روي للزبير في كتب الحديث ٣٨ حديثا(٣) . ولو روى الزبير عن كل يوم عاشه مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حديثا لبلغت أحاديثه قرابة الثمانية آلاف حديث!! أضف لذلك أنه عاش بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خمسا وعشرين سنة أخذ بها عن الصحابة، فكم سيكون رصيده؟!

يقول جميل ابراهيم حبيب: " وهذه الروايات - ما روي عن الزبير - قليلة، سيما إذا قسناها بالفترة الزمنية الطويلة التي قضاها وعاشها الزبير مع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مكة والمدينة "(٤) .

وهذا اعتراف ضمني أن عند الزبير سننا لم يخرجها، ويؤيده ما روي أنّ ابن الزبير قال: " قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما يحدث فلان وفلان؟

____________

١ - وفي كتاب أسماء الصحابة الرواة: ص ٩٥ ذكر ابن حزم أن له ٣٨ حديثا.

٢ - الإصابة: ٣/٦.

٣ - أسماء الصحابة الرواة: ص ٩٥.

٤ - سيرة الزبير بن العوام: ص ٧٧.


قال: أما أني لم أفارقه!! ولكن سمعته يقول: " من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار "(١) .

فالزبير لم يفارق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعنده سنن باعترافه نفسه؟!!

أحاديث عبد الرحمن بن عوف:

عبد الرحمن بن عوف، أحد الثمانية الذين سبقو إلى الإسلام. أسلم على يد أبي بكر. وكان فيما بعد يفتي على عهد أبي بكر وعمر وكانا يستشيرانه، إذ كان أحد أعضاء لجنة الفتوى المكونة من الصحابة(٢) .

وهو أحدُ أهل الشورى الذين عيّنهم عمر ليختاروا خليفةً من بينهم، روي عن عبد الرحمن في كتب السنن ٦٥ حديثا(٣) . ولا ندري أهذا ما أخذه عن النبي طوال ثلاث وعشرين سنة؟ وهل كان أبو بكر وعمر يستشيرانه لأن عنده خمسة وستين حديثا؟ لا أعتقد أنّ أحدا يقول هذا. إذن، فهل ما أخذه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يساوي ما أخذه أبو هريرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد عاش معه سنتين؟! وعلى مدار ثلاث وعشرين سنة وثلاثين سنة عاشها بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخذ بها ما فاته: يصبح من المعقول أن يكون لديه أكثر من أبي هريرة بكثير، ولكن ماذا تساوي ال‍ ٦٥ حديثا أمام ٥٣٧٤ حديثا؟!

أحاديث زيد بن ثابت الأنصاري:

يعتبر زيد من كتّاب الوحي. تعلَّم كتب السريانية، كان أحد فقهاء الصحابة.

قال فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " أفرض أمتي زيد بن ثابت ".

قال مسروق: " قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم ".

____________

١ - صحيح البخاري: كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٢ - كنز العمال، رقم الخبر ٣٦٦٧٣.

٣ - أسماء الصحابة الرواة: ص ٧٢.


وعن مالك بن أنس: " كان إمام الناس عندنا بعد عمر بن الخطاب زيد بن ثابت يعني بالمدينة ".

كان زيد من علماء الصحابة وبلغ من عظم القدر أنّ ابن عباس كان يمسك بركابه حين يركب. شهد زيد أُحداً والمشاهد كلها، توفي سنة ٥٤ هـ‍ وقيل ٥٢ هـ‍ وقيل ٥١ هـ‍(١) .

هذا هو زيد بن ثابت، ومع ذلك لا نجد له في كتب السنن إلا حديثا واحدا(٢) !!

ولا أدري هل هذا علم الفقهاء والراسخين في العلم، أم إن عند زيد الآلاف من الأحاديث حتى أصبح من الراسخين في العلم وممن يشار لهم بالفتوى؟! أي الرأيين قد جانب الصواب؟

إن قلنا الأول فهو ظاهر البطلان لأن الإنسان لا يصبح فقيها ومتميزا على أقرانه بحفظه حديثا واحدا، فيبقى الاحتمال الثاني وهو: أنّ عند زيد آلاف الأحاديث.

قال ابن عباس وهو قائم على قبر زيد بن ثابت: " هكذا يذهب العلم "(٣) ، وبموت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخذ زيدٌ الحديث عن الصحابة ولمدة أربعين سنة فانظر كم تصبح ثروته من الأحاديث؟ ثم سل: أين ذهبت هذه الثروة الحديثيّة التي تحمّلها زيد؟ ولماذا لم يصلنا الينا منها إلا حديث واحد؟ وأليس فقدها فقدا للسنة؟!

أحاديث عبد الله بن عمر بن الخطاب:

أسلم ابن عمر في مكة وهاجر إلى المدينة وشهد الخندق وما بعدها، يعد من فقهاء الصحابة. جاءنا عن ابن عمر ٢٦٣٠ حديثا(٤) . وقد يظن البعض أنّ هذا الرقم كبير

____________

١ - راجع ترجمة زيد في الاستيعاب: ٢/٥٣٧ - ٥٤٠، والإصابة: ٣/٢٢ - ٢٣.

٢ - أسماء الصحابة الرواة: ص ٤٥٠.

٣ - إعلام الموقعين ١/١٨.

٤ - أسماء الصحابة الرواة: ص ٣٨.


ولكننا إذا عرفنا حياة ابن عمر وشغفه بطلب الحديث، سنجد أنّ ابن عمر عنده أضعاف هذا العدد. قال مالك: " إن ابن عمر كان يتبع أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآثاره وحاله ويهتم به حتى كاد خيف على عقله من اهتمامه بذلك "(١) .

وقال الزبير بن بكار: كان ابن عمر ليحفظ ما سمع من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويسأل من حضر - إذا غاب - عن قوله وفعله.

وروى البيهقي في المدخل عن الزهري أنه قال: لا يعدل برأي ابن عمر فإنه أقام بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ستين سنة فلم يخف عليه شئ من أمره ولا من أصحابه(٢) . وقال نافع: " لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتبع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقلتَ هذا مجنونٌ ".

وعن مالك أنه قال: " أقام ابن عمر بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ستين سنة تقدم عليه وفود الناس "(٣) .

لقد عاش ابن عمر مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم راشدا أكثر من عشر سنين. وبعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يسأل أصحابه. ولو عاش ابن عمر مع النبي ثلاث سنين لوجب أن يروي أكثر من ٥٠٠٠ حديث حاله حال أبي هريرة ولا فرق، فابن عمر كان يحضر عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويتتبّع آثاره حتى خيف على عقله وإذا غاب سأل. فلماذا وصل إلينا عن أبي هريرة أكثر مما وصل إلينا عن ابن عمر مع تقدم إسلام ابن عمر وشدة اهتمامه بالحديث؟!

وأضف لهذا، ستين سنة قضاها ابن عمر ووفود الناس تقدم عليه وهو يأخذ عن الصحابة الجديد فكم سيصبح لديه من الأحاديث؟ وأين ذهبت أحاديثه؟

الجواب:؟؟؟

____________

١ - سير أعلام النبلاء: ٣/٢١٣.

٢ - تذكرة الحفاظ: ١/٣٩.

٣ - راجع الحديث والمحدثون، محمد زهو: ص ١٤١.


أحاديث عبد الله بن عمرو بن العاص:

له في كتب السنن ٧٠٠ حديث(١) ، فل نري هل يتناسب هذا العدد من الأحاديث مع علم عبد الله وما قيل فيه.

يقول أبو هريرة: " ما من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحدٌ أكثر حديثاً عنه مني، إلاّ ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب "(٢) .

هذا أبو هريرة وهو أكثر الصحابة روايةً للحديث، يعترف أنّ عبد الله أكثر رواية للحديث منه! يقول ابن حجر: " إنّ أبا هريرة كان جازما بأن ليس في الصحابة أكثر حديثا عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منه إلا عبد الله، مع أنّ الموجود المروي عن عبد الله أقل من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة "(٣) .

وقال محمد زهو: " من هنا ترى عبد الله بن عمرو قد توفّر لديه من أسباب التحمل للحديث والإكثار منه ما لم يتوفر لغيره فقد تقدم إسلامه وحفظ الحديث بصدره ووعاه بقلبه ودوّنه بقلمه في الصحف حتى نقل عنه أنه قال: " حفظت عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألف مثَل "(٤) .

لقد روى عبد الله بن عمرو ٧٠٠ حديث والمفترض به، أن يروي أكثر مما روى أبو هريرة، فالذي روي عن عبد الله كما يقول محمد زهو: " لا يتناسب مع غزارة علمه وكثرة ما حفظه وكتبه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يصلنا عنه سوى سبعمائة حديث "(٥) .

وهكذا نجد أن الفرق بين أحاديث أبي هريرة وعبد الله ٤٦٧٤ حديثا. وهذا الرقم

____________

١ - أسماء الصحابة الرواة: ص ٤٣.

٢ - صحيح البخاري: كتاب العلم، باب كتابة العلم. سنن الدارمي: ١/١٢٥.

٣ - فتح الباري: ١/١٦٧.

٤ - الحديث والمحدثون: ص ١٤٣.

٥ - المصدر السابق: ص ١٤٤.


على الأقل كان يجب أن يصل إلينا عن عبد الله لما قرره علماء الحديث، وقبلهم أبو هريرة، من أنّ عبد الله تحمّل أكثر من أبي هريرة.

إنّ الذي ينبغي أن يقف عنده الباحثون هو: أين بقية العلم الذي حمله عبد الله والذي يفوق ما حمله أبو هريرة؟! لو قال العلماء إن مرويات عبد الله تساوي مرويات أبي هريرة لكانت خسارتنا ٤٦٧٤ حديثا، ولكن الطامّة: أنّ عبد الله كما يقولون: تحمّل أكثر من أبي هريرة!

وعبد الله يقول: إنه حفظ عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألف مثَل، فأين هذه الألف من السبعمائة؟! فليلاحظ حجم هذه الثروة التي خسرناها. لقد خسرنا على الأقل ٤٦٧٤ حديثا، وبطبيعة الحال، هذه الأحاديث تحتوي على تشريعات وعقائد وآداب...

وفي هذه اللحظة يستطيع كل مسلم أن يختبر نفسه. فالغيور على الإسلام وعلى السنة ستثور ثائرته على فقدان هذه الثروة والتي تفوق ما في صحيح البخاري - بدون تكرار -!!! ولا نعجب إذا ثار البعض علينا بعد هذه الحقيقة الناصعة حميّةً منهم على موروثاتهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

أحاديث عبد الله بن مسعود:

كان من السابقين إلى الإسلام، شهد المشاهد كلها، روي له في كتب السنن ٨٤٨ حديثا(١) . فهل يتناسب هذا الرقم مع طبيعة حياة ابن مسعود وطول فترة ملازمته للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ لنری.

ورد في الصحيحين أنّ أبا موسى الأشعري قال: " قدمت أنا وأخي من اليمن فمكثنا حينا لا نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما نرى من كثرة دخوله ودخول أمه على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولزومه له ".

____________

١ - أسماء الصحابة الرواة: ص ٤٢.


ويؤكد القاسم بن عبد الرحمن علاقة ابن مسعود بالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث يقول:

" كان عبد الله بن مسعود يلبس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نعليه ثم، يمشي بالعصا حتى إذا أتى مجلسه نزع نعليه فأدخلهما في ذراعيه وأعطاه العصا "(١) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " استقرؤا القرآن من أربعة من عبد الله،... "(٢) .

وجعل عمر عبد الله على بيت مال الكوفة وكتب إلى أهلها: " بعثت إليكم عمار أميرا، وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن أهل بدر، فاقتدوا بهما، قد آثرتكم بعبدالله على نفسي "(٣) .

وقال أحد معاصريه فيه وهو ابو مسعود: " ما أعلم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ترك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم - يقصد ابن مسعود - ".

وسئل عليعليه‌السلام عن عبد الله فقال: " علم القرآن والسنة ثم انتهى وكفى بذلك علما "(٤) .

وقال عقبة بن عامر: " ما أدري أحدا أعلم بما نزل على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عبد الله بن مسعود، فقال أبو موسى: إن تقل ذلك، فإنه كان يسمع حين لا نسمع من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويدخل حين لا ندخل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ".

وقال عبد الله عن نفسه: " والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورةٌ إلا وأنا أعلم حيث أنزلت، وما من آيةٍ إلا وأنا أعلم فيما أنزلت، ولو علمت أني أعلم أن رجلا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته "(٥) .

____________

١ - طبقات ابن سعد: ٣/٨١.

٢ - صحيح البخاري: كتاب المناقب، باب مناقب عبد الله بن مسعود.

٣ - سير أعلام النبلاء: ١/٤٩١.

٤ - المستدرك: ٣/٣١٨ وصححه. الحلية، أبي نعيم: ١/١٣٣. إعلام الموقعين: ١/١٥.

٥ - إعلام الموقعين: ١/١٧. مع ان هذا القول هو لعليعليه‌السلام ولكن لا بأس بالاحتجاج به على من يثبتونه لابن مسعود.


وقال أبو الدرداء حين توفي ابن مسعود: " ما ترك بعدَه مثله ".

هذا ما جاء في ابن مسعود وهذه أحاديثه ٨٤٨ والبصير يدرك أنّ عند عبد الله أضعاف هذا الرقم من الأحاديث. انظر إلى قول عقبة بن عامر: ما أدري أحدا أعلم بما نزّل على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عبد الله. وقال علي فيه: (علم القرآن والسنة ثم انتهى وكفى بذلك علما).

فلا يعقل أن يكون هذا العدد المروي هو ما أخذه عن رسول الله. إذ كيف يعقل أن رجلا عاش مع النبي ثلاث وعشرين سنة لا يفارقه حتى عد من أهل بيته لا يحفظ عن النبي سوى ٨٤٨ حديثا.

أحاديث عمران بن حصين:

عمران بن حصين، من السابقين إلى الإسلام له في كتب السنن ١٨٠ حديثا(١) !

عن مطرف قال: " قال لي عمران بن حصين: أي مطرف، والله إن كنت لأرى أني لو شئت حدثت عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يومين متتابعين لا أعيد حديثا... "(٢) .

وعن عمران بن حصين قال: " سمعت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديث سمعتها وحفظتها ما يمنعني أن أحدث بها إلا أن أصحابي يخالفونني فيها "(٣) .

عمران - إذن - يستطيع أن يتحدث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يومين متتابعين لا يعيد حديثا. وأنه سمع من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديث وحفظها ولكن يمتنع أن يتحدث بها! فهل هناك أبلغ من هذين النصين دلالةً على ضياع السنّة؟!

لقد وصلنا عن عمران ١٨٠ حديثا وهذه الأحاديث يستطيع أن يقرأها المرء

____________

١ - أسماء الصحابة الرواة: ص ٥١.

٢ - مسند أحمد ٥/٥٩٩. مجمع الزوائد ١/١٤١.

٣ - مجمع الزوائد ١/١٤١، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله وثقون.


خلال ساعتين أو أقل. ولكن لنحاول أن نخمّن كم عند عمران من الأحاديث. فلو افترضنا أنه كان يقرأ حديثا واحدا كل دقيقة ففي ثمان وأربعين ساعة - يومين متتابعين - يستطيع أن يقرأ ٢٨٨٠ حديثا!!! ولنفترض أنه يقرأ ألف حديث في يومين متتابعين حتى لا يقال أننا مبالغون، فهذا يعني إننا خسرنا حوالي ثمانمائة حديثا كان يحفظها عمران ولم يتحدث بها، وهذه الكمية التي بقيت في صدر عمران نستطيع أن نعمل منها موطأ أكبر من موطأ مالك!!!

فيالهؤلاء القوم الذين استخفوا بسنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !!

أحاديث عبد الله بن عباس:

ولد ابن عباس في شعب أبي طالب قبل الهجرة بثلاث سنوات، روي له في كتب السنن ١٦٦٠ حديثا(١) وهذاالرقم لا يتناسب مع علم ابن عباس وماقيل فيه.

دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له فقال: " اللهم علِّمه الحكمة وتأويل الكتاب "(٢) ، و " اللهم علمه الكتاب "(٣) ، و " اللهم فقّهه "(٤) .

قال الحسن بن عليعليه‌السلام عنه: " كان ابن عباس من الإسلام وكان من القرآن بمنزل، وكان يقوم على منبرنا هذا فيقرأ البقرة وآل عمران فيفسرهما آية آية "(٥) .

وكان عمر إذا عرضت له معضلةً قال لابن عباس: " انها قد طرأت علينا أقضيةٌ وعضلٌ فأنت لها ولأمثالها "(٦) ، وكان يقول لابن عباس " أشهدأنك تنطق عن بيت

____________

١ - أسماء الصحابة الرواة: ص ٤٠.

٢ - صحيح البخاري: كتاب المناقب، باب ذكر ابن عباس رضي الله عنهما.

٣ - نفس المصدر.

٤ - صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

٥ - الحلية: ١/٣١٨.

٦ - أسد الغابة: ٣/١٨٧.


نبوة "، وقال فيه عبد الله بن مسعود: " نعم ترجمان القرآن ابن عباس "(١) .

وقيل لطاووس بن كيسان - أحد تلامذته -: لزمت هذا الغلام - أي ابن عباس -، وتركت الأكابر من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

قال طاووس: " إني رأيت سبعين رجلا من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا تدارؤوا في أمر صاروا إلى قول ابن عباس ".

وقال تلميذه عطاء بن أبي رباح يصف مجلسه: " ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس، أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم من واد واسع ".

وقال ابن أبي مليكة: رأيت مجاهدا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فقال ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله "(٢) .

وقد انكب ابن عباس بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على طلب العلم. روى الدارمي في مسنده عن عبد الله بن عباس أنه قال: " لما قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فانهم اليوم كثير. قال واعجبا لك، أترى الناس يفتقرون إليك، قال: فتركت ذلك الرجل واقبلت اسأل، فإن كان ليبلغني عن رجل فآتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه يسفي الريح علي من التراب فيخرج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما جاء بك؟ هلا أرسلت إلي فآتيك فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك فأسألك عن الحديث. فعاش ذلك الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألونني فقال: هذا الفتى كان أعقل مني "(٣) .

____________

١ - طبقات ابن سعد: ٢/٤٣٤.

٢ - التفسير والمفسرون: ١/١٠٤ نقلا عن ابن تيمية.

٣ - الحديث والمحدثون: ص ١٣٩ - ١٤٠. المستدرك: ١/١٠٦ - ١٠٧.


يقول ابن عباس عن نفسه: " إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(١) .

وكان ابن عباس يأتي أبا رافع فيقول: ما صنع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم كذا، ومع ابن عباس من يكتب ما يقول "(٢) .

هذا هو ابن عباس " ولا غَرو أنه بهذا الجد والجهد والحرص والنشاط تمكن من جمع ثروة علمية قلَّ نظيرها في ذلك الزمان "(٣) .

ولا ننسى أنّ ابن عباس عاش بعد النبي ٥٨ عاما أخذ بها عن الصحابة الكثير، يقول الاستاذ محمد أبو النصر عن ابن عباس: " ولم يقتصر في أخذ الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لحداثة سنه وصغره عند موت النبي الكريم، بل أخذ عن أصحاب رسول الله علما عظيما "(٤) .

فهل يعقل بعد هذا أن يكون مقدار ما حفظه ابن عباس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو ١٦٦٠ حديثا؟! من قال هذا فهو مزر بكل الشهادات المتقدمة. ولو قلنا: إن ابن عباس عاش مع النبي راشدا ثلاث سنين لوجب أن يصل إلينا عنه أكثر من خمسة آلاف حديث حاله حال أبي هريرة، أضف لهذا ٥٨ سنة قضاها يأخذ عن الصحابة، فيصبح عنده آلاف الأحاديث.

قال عنه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود - أحد الفقهاء السبعة: " إن ابن عباس قد فاق الناس بخصال تتمثل بعلم من سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم ونسب، وتأويل، وما رأيت أحدا كان أعلم - منه - بما سبقه من حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... ولقد كان يجلس يوما ولا يذكر فيه إلا الفقه، ويوما التأويل، ويوما

____________

١ - سير أعلام النبلاء: ٣/٣٤٤.

٢ - الإصابة: ٢/٣٣٢.

٣ - دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد الأعظمي: ١/١١٦.

٤ - حبر الأمة وترجمان القرآن: ص ٤٢.


المغازي، ويوما الشعر، ويوما أيام العرب، ولا رأيت عالما قطُّ جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلا قَطُّ سأله إلا وجد عنده علما "(١) .

وهذا دليل على ما توصلنا إليه، فابن عباس حسب قول عبيدالله لا يفوقه أحد في العلم بحديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا أبوهريرة ولا ابن عمر ولا أنس، وقال ابن عباس عن نفسه: " حفظت السنة كلها "(٢) فهل هذه الألف والستمائة حديث كل السنة؟! وتصور بربك إنه كان يجعل يوما للفقه ويوما للتأويل... فهل كان يقضي عشرات السنين بهذه الألف والستمائة والستين حديثا؟!! فكم يا ترى حصيلة ابن عباس من السنن؟ يقول محمد الأعظمي: " ومن الممكن تقدير مكتبته ولو على سبيل الظن والتخمين من قول موسى بن عقبة: " وضع عندنا كريب - مولى ابن عباس توفي ٩٨ هـ‍ - حمل بعير، أو عدل بعير من كتب ابن عباس "(٣) .

وقال ابن حزم: " وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن العباس في عشرين كتابا "(٤) .

لقد بلغ ما كتبه ابن عباس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حمل بعير ومع ذلك لم يصل إلينا منه إلا ١٦٦٠ حديثا، فأين ذهب باقي حمل البعير هذا؟

وكل مسلم يعرف أن الصحاح الستة يمكن أن يحملها بعير(٥) وفيها آلاف الأحاديث!!

____________

١ - التفسير والمفسرون: ١/٦٦، وراجع إعلام الموقعين: ١/١٩.

٢ - مجمع الزوائد ٧/٣٢٣.

٣ - دراسات في الحديث النبوي: ١/١١٦ نقلا عن ابن سعد: ٥/٢١٦. تاريخ ابن خيثمة: ٣/١١١.

٤ - الإحكام: ٥/٨٦٩.

٥ - نحن لا ننكر أن هناك فرقا بين كتب هذا العصر والكتب القديمة ولكن يبقى الإشكال قائما، إنه حمل بعير ياقوم!!


أحاديث زيد بن أرقم:

غزا زيد بن ارقم مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبع عشرة غزوة(١) توفي سنة ٦٨ هـ‍(٢) .

وصل إلينا عن زيد ٧٠ حديثا(٣) !! أفنصدق أن زيدا الذي عاش مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاثا وعشرين سنة، وبعده ٥٨ سنة لم يحفظ إلا سبعين حديثا؟

قيل لزيد بن أرقم: حدثنا، فقال: " والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... "(٤) .

إنّ زيدا لا يتحدث بحجة أنه كبر ونسي والحديث صعب. وكلامه هذا يدل على أن عنده سننا ولكنه نسيها...!

فأين هذه السنن التي نسيها والتي يصعب التحدث بها؟!!

ومن يضمن لنا أن لا يكون زيد قد تفرد بأحاديث تشريعية نسيها فيما نسى أو استصعب نطقها؟ لا أحد.

ولكن الله(٥) ضمن إيصال سنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعباده كاملة، ولا يمكن أن يتركهما عند الصحابة، لأنه يعلم أنّ منهم من سينسى كزيد وأنس أو يستصعب نطقها... وهذا هو المطلوب.

أحاديث معاذ بن جبل:

معاذ بن جبل الخزرجي له في كتب السنن ١٥٥ حديثا(٦) . روي أن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شهد له بالعلم، حيث جعله أعلم أمته بالحلال والحرام(٧) .

____________

١ - الاستيعاب بهامش الإصابة.

٢ - الإصابة: ٣/٢١.

٣ - أسماء الصحابة الرواة: ص ٦٩.

٤ - صحيح مسلم: كتاب فضائل، الصحابة باب من فضائل علي بن أبي طالب.

٥ - أسماء الصحابة الرواة: ص ٥٥.

٦ - سنن الترمذي: كتاب المناقب، باب مناقب معاذ.


ولما خرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى حُنين استخلف معاذا على أهل مكة ليعلِّم الناس القرآن ويفقههم في الدين(١) . واختاره الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليكون قاضيا على اليمن(٢) وروي أنه كان يفتي على عهد رسول الله(٣) .

وكان عمر يقول: " من أراد الفقه فليأت معاذ بن جبل "(٤) .

ولما خرج معاذ إلى الشام قال عمر: " لقد أخلّ خروجه بالمدينة وأهلها في الفقه، وفيما كان يفقههم به "(٥) .

" وقد كان لمعاذ بن جبلرضي‌الله‌عنه نشاط علمي في كثير من أقطار الدولة الإسلامية، ففي أي بلد حلَّ اتخذ له مجلسا في مسجد يفقه الناس ويفتيهم ويعلمهم أمور دينهم "(٦) .

قال أبو مسلم الخولاني: " أتيت مسجد دمشق، فإذا حلقةٌ فيها كهول من أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإذا شاب فيهم أكحل العين، براق الثنايا، كلما اختلفوا في شئ ردوه إلى الفتى، قال: قلت لجليس لي: من هذا؟ قال هذا معاذ بن جبل "(٧) .

بعد هذا، هل نصدق أن ما أخذه معاذ عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ١٥٥ حديثا؟! من قال هذا فهو مزر بمعاذ، ومن قال إن عنده الكثير، قلنا له: أين هذا الكثير؟ وأين علم الحلال والحرام الذي احتمله معاذ؟

أليس من المؤسف أن تجدوا السنن التي أخذها معاذ عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتي جعلت منه مفتي الصحابة وأعلم الأمة بالحلال والحرام: في صدر معاذ لا غير!

____________

١ - المستدرك: ٣/٢٧٠.

٢ - سنن أبو داود: ٣/٢٠٣، سنن الترمذي: ٣/٦١٦.

٣ - سير أعلام النبلاء: ١/٤٥٢.

٤ - المصدر السابق.

٥ - المصدر السابق.

٦ - ثلة من الأولين، محمد أبو فارس: ص ٢٧٧.

٧ - صفة الصفوة: ١/٤٩٠.


أحاديث أبي هريرة:

على الرغم من أننا أنكرنا على أبي هريرة تفرده بهذا الرقم من الأحاديث - ٥٣٧٤ - في أبحاث متقدمة إلا أننا سنقتصر في هذا البحث على قوله بأن عنده سننا لم يخرجها.

ورد عن أبي هريرة قوله: " أحفظ عن رسول الله وعاءين: فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر لو بثثته لقطع هذا البلعوم ".

وفي المحدث الفاصل: " أنّ أبا هريرة حفظ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خمسة جرب أحاديث، وقال: إني أخرجت منها جرابين، ولو أخرجت الثالث لرميتموني بالحجارة "(١) .

اذا كان أبو هريرة يحفظ من الأحاديث خمسة جرب وأخرج منها جرابين فكانت ٥٣٧٤ حديثا فكيف لو أخرج الجرب الثلاثة الباقية؟!! بل قل: لماذا لم يخرجها؟ هل خاف أن يقطعوا بلعومه؟ ألم يكن هذا الصحابي الكبير قد عاش في خير القرون؟ فلماذا الخوف إذن؟!! وهل يأتمن الله على دينه من يخاف تبليغه؟!

إنَّ جرابين من جرب أبي هريرة، كان فيهما ٥٣٧٤ حديثا، ففي الجرب الثلاثة الباقية خفيت قرابة ثمانية آلاف حديث على أقل تقدير، وكلها بقيت مع أبي هريرة، وهذا العدد من الأحاديث نستطيع أن نعمل منه كتابين بعدد صحيحي البخاري ومسلم!!

____________

١ - المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، الرامهرمزي: ص ٥٥٦، وقال محمد عجاج الخطيب محقق الكتاب في الحاشية: " انظر نحوه في طبقات ابن سعد ٤/٥٧ قسم ٢ و ٢/١١٨ قسم ٢، وانظر فتح الباري ١/٢٢٧، حلية الأولياء ١/٣٨١، البداية والنهاية ٨/١٠٥، وتذكرة الحفاظ ص ١/٣٤ ".


أحاديث أنس بن مالك:

يعدُّ أنس من المكثرين في الصحابة، له ٢٢٨٦ حديثا(١) . عاش مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاثا وعشرين سنة، أما كم حصل من الأحاديث في هذه المدة؟ فنتركها للقارئ اللبيب، ولكننا سنأخذ قول أنس التالي ونعلق عليه، قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " من تعمد عليَّ كذبا فليتبوأ مقعده من النار "(٢) .

لنعد النظر في قول أنس: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا... فماذا يعني هذا؟

هل ما رواه أنس قليل وعنده الكثير غيره؟!

إنّ قول أنس ينطق بهذا المعنى.

فأين هذا الحديث الكثير الذي امتنع أنس عن التحدّث به؟! الجواب: ستجدونه في صدر أنس!

ولا بد أنه أضعاف ما جاء عنه لأن قول أنس السابق يجعل ما جاء عنه قليلا.

قال إبراهيم الشهاوي: " وكانرضي‌الله‌عنه - أي أنس - أعلم الصحابة بسنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(٣) وعلى قول الشهاوي هذا فإن أنس أعلم من أبي هريرة، ولكن ماذا يساوي رقم ٢٢٨٦ أمام رقم ٥٣٧٤؟!!

____________

١ - أسماء الصحابة الرواة: ص ٣٩.

٢ - رواه مسلم: المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، صحيح البخاري: كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٣ - مصطلح الحديث.


أحاديث حسان بن ثابت:

هو الصحابي المعروف وشاعر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . عاش مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عشر سنين، فحفظ حديثا واحدا(١) !!

عاش حسان ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام. نعم، عاش بعد النبي خمسين سنة ولا ندري هل بقي خلال هذه الخمسين سنة يتحدّث بحديث واحد؟!!

أم أنه كان يحفظ الآلاف من الأحاديث كما يقرر العقل السليم؟ ولماذا يروي أحد الصحابة خلال سنتين ٥٣٧٤ حديثا ولا يروي حسان في عشر سنين إلاّ حديثا واحدا؟

فأين ذهبت أحاديثه؟! نحتاج لجواب.

أحاديث صهيب الرومي:

عن عمرو بن دينار عن صيفي بن صهيب قال: قلت لأبي صهيب: مالك لاتحدِّث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما يحدث أصحابك؟ قال: أي بنيّ قد سمعت كما سمعوا، ولكن يمنعني من الحديث أني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: " مَن كذب عليَّ متعمدا... "(٢) .

وعن صُهيب قال: " صحبت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل أن يُوحىَ إليه "(٣) .

مع أنّ صهيب صحب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمع منه وعاش بعده فترة طويلة. إلا انه لم يردنا عنه سوى ثلاثين حديثا(٤) ! فلماذا يمتنع صهيب عن رواية الحديث؟ وأليس في عدم تحدّثه بأحاديث سمعها تضييعٌ لهذه السنن؟!

____________

١ - أسماء الصحابة الرواة: ص ٤٦٥.

٢ - مستدرك الحاكم: ٣/٤٠١. مجمع الزوائد: ٤/١٣١.

٣ - كنز العمال: ١٣/٤٣٩.

٤ - أسماء الصحابة: ص ١٠٣.


أحاديث أبي أسيد الساعدي:

عن أبي أسيد الساعدي قال: " كنت أصغر أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأكثرهم منه سماعا "(١) .

إذا كان أبو أسيد الساعدي أكثر أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سماعا فهو أكثر سماعا من عبد الله بن عمر وأنس وأبي هريرة، ولكن، ما وصل إلينا عنه أقل مما وصل إلينا عن هؤلاء بكثير. نعم، وصل إلينا عنه ثمانية وعشرون حديثا(٢) !! فكم فقدنا من حديث هذا الصحابي يا ترى؟

من لم يرو شيئا من الصحابة:

١ - عبد الرحمن بن حنبل(٣) .

٢ - ثمامة بن عدي من المهاجرين الأولين شهد بدرا(٤) ولم يحفظ عنه حديث.

٣ - زياد بن حنظلة التيمي " شهد مع علي المشاهد كلها "(٥) .

٤ - تمام بن العباس: " ولا يحفظ له عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رواية من وجه ثابت "(٦) .

____________

١ - سنن البيهقي: ٤/٦١.

٢ - أسماء الصحابة الرواة: ص ١٠٦.

٣ - الاستيعاب: ٢/٨٢٨.

٤ - الإصابة: ١/٢٠٢.

٥ - الإصابة: ١/٥٥٧.

٦ - الإصابة: ١/١٨٦.


من روى حديثا واحدا:

١ - مهران مولى رسول الله(١) .

٢ - سهل بن حنيف: وهو من السابقين شهد المشاهد كلها توفي سنة ٣٨ هـ‍(٢) .

٣ - ابن أبي عمارة المدني. قال المزني: له حديث واحد في المسح على الخفين(٣) .

٤ - سعد بن عباد: له في مسند بقي بن مخلد حديث واحد(٤) .

٥ - آبى اللحم الغفاري.

٦ - أدرع السلمي.

٧ - بشير بن جحاش القرشي.

٨ - ربيعة بن عامر(٥) .

من روى حديثين:

١ - عبد الله بن حنظلة الغسيل(٦) .

٢ - شرحبيل بن حسنة(٧) أسلم قديما ومات سنة ١٨ هـ‍.

٣ - حارثة بن النعمان: شهد بدرا والمشاهد كلها وأدرك خلافة معاوية(٨) .

إنّ هناك الكثير من الصحابة لم يرووا إلاّ حديثا واحدا أو اثنين.. وهذه عينات نتركها للقارئ اللبيب ليعمل حساباته!

____________

١ - الإصابة: ٣/٤٦٣.

٢ - الإصابة: ٣/١٣٩.

٣ - تدريب الراوي: ٢/٣٩٦.

٤ - الإصابة: ٣/٨٠.

٥ - راجع هؤلاء في تدريب الراوي: ٢/٣٩٧، وأسماء الصحابة الرواة.

٦ - الإصابة: ٤/٥٩، أسماء الصحابة الرواة: ١٩٧.

٧ - الإصابة: ٢/١٩٩.

٨ - المصدر السابق: ١/٣١٢.


مائة واثنا عشر ألف صحابي لم يرووا شيئا!!!

قال الحافظ أبو زرعة الرازي: " توفي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة وهذا لا تحديد فيه، وكيف يمكن الإطلاع على تحرير ذلك مع تفرق الصحابة في البلدان والبوادي والقرى ".

وقال: " قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن روى وسمع منه "(١) .

قال العراقي: " وروى الساجي في المناقب بسند جيد عن أبي زرعة قال: قبض رسول الله والمسلمون ستون ألفا، ثلاثون ألفا بالمدينة وثلاثون ألفا في قبائل العرب وغير ذلك. قال: ومع هذا فجميع من صنف من الصحابة لم يبلغ مجموع ما في تصانيفهم عشرة آلاف مع كونهم يذكرون من توفي في حياتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن عاصره وأدركه صغيرا "(٢) .

وقال ابن حجر: " فجمعت كتابا كبيرا في ذلك - أي في إحصاء عدد الصحابة وتراجمهم - ميزت فيه الصحابة من غيرهم، ومع ذلك لم يحصل لنا من ذلك جميعا الوقوف على العشر من أسامي الصحابة "(٣) .

إنّ عدد الصحابة مائة وأربعة عشر ألف صحابي، وكلهم رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمع منه كما يقول أبو زرعة، ولكن المعروف من هؤلاء أحد عشر ألف وستة وعشرون صحابيا كما في الإصابة، فهناك مائة وثلاثة آلاف صحابي(٤) لا نعرف أسمائهم ولم يردنا عنهم خبر!!! وهذه والله النازلة الكبرى والمصيبة العظمى، فالصحابة المعروفون - وهم

____________

١ - تدريب الراوي: ٢/٢٢٠ و ٢٢١.

٢ - نفس المصدر.

٣ - الإصابة: ١/٢.

٤ - مع العلم أنّ هناك رأيا يذهب إلى أنّ عدد الصحابة مائة وعشرون ألفا!


الأحد عشر ألفا وستة وعشرون صحابيا - لم يرو إلا عن ١٥٦٥ منهم(١) . فالنتيجة النهائية تدلنا على أنّ هناك أكثر من مائة واثني عشر ألف صحابي لم يرو عنهم شئ!!!

إنّ الأحاديث الصحيحة التي في كتب السنن قد تبلغ أربعين ألف حديث - دون تكرار - وهذا يعني أن ١٥٦٥ صحابيا رووا أربعين ألف حديثا!! فلو وصلت إلينا روايات هؤلاء المائة والاثني عشر ألف صحابي فكم سيصبح عندنا من الحديث؟!!!

ألا يحقُّ للمسلم أن يقوم ويقعد لهذه الطامة؟ ومهما عاند المعاندون فالحقيقة ستبقى قائمةً على أنّ أكثر السنن ضائعةٌ(٢) ، ومَن يقول عن الشمس التي في كبد السماء نهارا بأنها غائبةٌ فليراجع عقله!

خاتمة المطاف في أحاديث الصحابة

لقد أثبتنا بالأرقام والحروف، بما لا يدع مجالا للشك، أنّ كل صحابي يحفظ الآلاف من الأحاديث، ولكننا فقدنا الكثير منها. ولابد من التأكيد على أنّ كل صحابي عنده من السنن ماليس عند غيره، يقول الدكتور عبدالغني عبد الخالق: " ولقد تكون صحبة الواحد منهم لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ساعة واحدة ويكون منفردا بها ويصدر في هذه الساعة ما لم يطّلع غيره أصلا، ولذلك وجب القول بأنّ كل فرد من الصحابة يحتمل انه قد حمل شيئا من السنة لم يحمله غيره "(٣) .

____________

١ - يرى الذهبي أنّ عدد الصحابة الرواة نحو ألف وخمس مئة نفس، وقد قام الدكتور أكرم ضياء العمري بتحقيق هذه المسألة في كتابه (بقي بن مخلد القرطبي) فبلغ عدد الصحابة الرواة ١٥٦٥ صحابي، ذكر تحقيقه هذا سيد كسروي حسن في تحقيقه لكتاب: أسماء الصحابة الرواة: ص ١٠ - ١١.

٢ - لأنه يجب القول أنّ ١١٠ آلاف صحابي عندهم من الحديث أضعاف ما عند الألف والخمسمائة وخمسة وستين صحابيا، الذين هم مجموع الرواة في كتب السنن، فتدبر.

٣ - حجية السنة: ص ٤٥٦.


ولا شك في أن هناك كثيرا مما لم يصل الينا من السنن التي تفرد بها الصحابة الأكثر اتصالا بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كأبي بكر وعمر وعلي وعثمان(١) وابن مسعود، وسلمان الذي كان له مجلسٌ متميز من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

يقول ابن تيمية: " وقد كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحدِّث، أو يفتي أو يقضي، أو يفعل الشئ، فيسمعه أو يراه من يكون حاضرا ويبلغه أولئك - أو بعضهم - لمن يبلغون فينتهي علم ذلك إلى من شاء الله من العلماء من الصحابة والتابعين ومِن بعدهم، ثم في مجلسٍ آخر قد يحدث أو يفتي، أو يقضي، أو يفعل شيئا، ويشهده بعض من كان غائبا عن ذلك المجلس ويبلغونه لمن أمكنهم فيكون عند هؤلاء من العلم ماليس عند هؤلاء، وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء "(٢) .

وقال ابن سعد في طبقاته: " قال محمد بن عمر الأسلمي: إنما قلت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنهم ماتوا قبل أن يحتاج إليهم "!! وقال: " ومنهم من لم يحدث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئا ولعله أكثر له صحبةً ومجالسة وسماعا من الذي حدّث عنه!! ولكنا حملنا الأمر في ذلك منهم على التوقي في الحديث... وعلى الاشتغال بالعبادة والأسفار في الجهاد في سبيل الله حتى مضوا فلم يحفظ عنهم عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شئٌ "(٣) .

تأمل أخي القارئ في هذه الشهادة؟ ألا تعني أنّ هناك صحابةٌ لم يرووا شيئا مع انهم أكثر سَماعاً وصحبةً ممن رووا عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! وأليس هذا اعترافا منه بضياع السنن وإن لم يصرّح بذلك؟!

____________

١ - يقول محمد زهو في الحديث والمحدثون: ص ١٤٧ " الاشتغال بالخلافة والحروب عامةً عاقّ كثيرا من الصحابة عن تحمل الحديث وروايته كما في الخلفاء الأربعة وطلحة والزبير " فزهو يعترف أنّ عند هؤلاء سننا لم تصل إلينا!!

٢ - رفع الملام.

٣ - راجع حجية السنة: ص ١٥٠.


أما قوله " حملنا الأمر في ذلك منهم على التوقي في الحديث... وعلى الاشتغال بالعبادة والأسفار... " فهو يعني أنّ الله لم يختر الصحابة لتبليغ دينه لأنه(١) يعلم أنّ السفر والجهاد والاشتغال بالعبادة والتوقّي في الحديث سيمنعهم من الرواية!! وهذا ما لا يقبله المنطق السليم، فالله لا يقبل بهذا لأنَّ إبقاء السنن في صدورهم معناه إضعاف الإسلام وتعطيل مواده!

وهذه الأسباب التي ذكرها، ليست بمانع للرواية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فالصحابة لم يكونوا منشغلين بالعبادة والأسفار في الجهاد مثل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومع ذلك استطاع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يوصل الإسلام كاملا.

ويعترف رشيد رضا السلفي بضياع السنن حيث قال: " ونحن نجزم بأننا نسينا وأضعنا من حديث نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حظا عظيما!!!! لعدم كتابة علماء الصحابة كل ما سمعوه ولكن ليس منه ما هو بيان للقرآن أو من أمور الدين "(٢) .

لا أدري كيف علم رشيد رضا بأن هذه الأحاديث المنسية الضائعة ليست مما هو بيان للقرآن وأمور الدين وهي مفقودة؟! فإذا كان قد اطلع عليها فهي ليست ضائعة!

فقوله هذا مجرد ظن لا يعول عليه.. ولذلك فنحن نقبل شهادته ولا نقبل تأويله. وقال محمد محي الدين عبد الحميد: " فأما سنة رسول الله فلم تكتب، وليس فيهم - أي الصحابة - من يدعي حفظها جميعها ولا أكثرها، وكل واحد منهم قد فاته من قول الرسول أو فعله الشئ الكثير "(٣) .

وقول محيي الدين بأن كل صحابي قد فاته من سنة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الشئ الكثير، هو اعتراف ضمني بضياع السنن.

ويعترف أبو شهبة صاحب كتاب - دفاع عن السنة - بضياع السنة والأخبار،

____________

١ - ذكر قوله أبو رية في الأضواء: ص ٥٠.

٢ - من تقديمه لكتاب توضيح الأفكار، الصنعاني: ص ١٥.


فبعد ان ذكر أن أكثر الصحابة من الأعراب قال عنهم بأنهم: " حضروا حجة الوداع ثم رجعوا إلى البادية فلم يعلم عنهم خبرٌ وكثير منهم مات في حروب الردّة، وفي الفتوحات في عهد أبي بكر وعمر(١) وفي الطاعون العام كعمواس وغير ذلك، وكل هذا من أسباب خفاء الأسماء وضياع الأخبار!! "(٢) .

فتأمل عبارته " وضياع الأخبار "!! إنها تتضمن المعنى نفسه في قولنا: ضياع السنة، ولكن اللفظ مختلف!!

والآن بعد أن أثبتنا ضياع الكثير من السنة نأتي للسؤال التالي: هل حمل الله الصحابة سنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لينقلوها لمن بعدهم؟!

أرى أنّ الجواب واضحٌ، فلو جعل الله الصحابة نقلة الدين، لكان عالما بتضييع سنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - والعياذ بالله - لأن كثيرا من السنن سواءً كانت تشريعية، أو عقائدية أو أخلاقية قد بقيت في صدور اولئك المائة وعشرة آلاف صحابي، فكيف يمكن التصديق بأنّ الله(٣) قد اختارهم لتبليغ دينه، وهو يعلم بذهاب السنن معهم وضياعها؟!! ولابد من القول أنّ الله قد اختار لتبليغ دينه بعد نبيه أُناسا قد حفظوا السنة ووعوها، لكي تنقل هذه السنة المدوّنة من شخص مختص بها إلى غيره، وهذه أضمن طريقةٍ لبقاء الإسلام.

ألا ترى أنّ الإسلام كان موجودا بوجود الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحيث إذا ذهب تفرقت الأمة؟

أمّا القول: إن الله قد وزع دينه على ١١٤ ألف صحابي ليبلغوه للناس - مع علمه بأنه لن يروى إلاّ عن ١٥٦٥ منهم - فهو افتراءٌ باطل على الله عزوجل شأنه العظيم!

وينبغي - لقارئنا الكريم - أن يعرف: أنّ هذه السنن التي بقيت في صدور الصحابة، فيها المقيد والمخصص والناسخ والمفصل، وهذا مما يجعلنا أمام مشكلة كبرى، فمن يدري، بأننا ربما نمارس بعض الأحكام المقيدة أو المخصصة أو المنسوخة بالسنن التي

____________

١ - الوسيط في علوم مصطلح الحديث: ص ٥١٩.


ضاعت وبقيت في صدور الصحابة؟! مع العلم أنه لا يجوز العمل بالمطلق قبل الفحص عن مقيده ولا العام قبل الفحص عن مخصصه، وكذلك يتوقف العمل بالنص إذا احتمل وجود ناسخ، ولكن كيف يمكننا أن نعرف: أن الأحكام التي وصلتنا غير مقيدة أو مخصصة أو منسوخة، والسنة التي تبين هذه الأمور مفقودة؟!

إنّ في هذا المنهج - منهجُ أهل السنة والجماعة - ضياعا لكثير من الآثار النبويّة والتي لا يستغني عنها المسلم. فلو أن الله جعل هذا المنهج هو المعبِّر عن دينه لما سمح بضياع نصٍّ واحد، ومن هذا نعلم أن الله لم يختره، كما أن الله لم يقبض نبيه محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا بعد أن أكمل الدين وبين كل ما يحتاجه الناس. ولو أن الله جعل الصحابة سفراءه في التبليغ لاستلزم ذلك إبقاءهم أحياء حتى يخرجوا كل ما عندهم من سنة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبذلك تُبرأ ذمتهم أمام الله والأجيال ثم يقبضهم الله إليه.

ولو افترضنا - أيضا - أن الله اختار الصحابة لينقلوا دينه للناس، للزم ذلك عدم موت هذا الجم الغفير منهم والذي يقدَّر ب‍ ١١٤ ألف صحابي في عصر من العصور ويلزم ذلك، إذا سئل أحدهم عن أمرٍ مّا أن يجتمعوا من جميع أقطار الأرض ليتداولوا فيه ويطرحوا ما عندهم من سنن بخصوص المسألة المطروحة، ويبحثوا فيما إذا كان هناك مقيد أو مخصص أو ناسخ في تلك السنن وصولا الى الجواب المطلوب. وإلا لو سئل أحدهم وأجاب حالا فلربما يقع في الخطأ وذلك لاحتمال وجود الناسخ أو المقيد أو المخصص مع صحابي آخر.

لكل هذا نقول: يجب على من يخلف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مهمته أن يكون على علم تامّ بالسنة النبوية وعلومها، وأن يتمَّ تداول هذا العلم بين خلفاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى قيام الساعة. هذا ما يفرضه العقل والشرع.


ضياع السنّة في عهد التابعين

لقد تم فقدان الكثير من السنة في عهد التابعين، إضافة الى مافقد منها في عهد الصحابة. وفي الصفحات التالية نقدم الأدلة التي تؤكد ذلك وبالتفصيل.

أبو قلابة عبد الله بن زيد البصري(١) :

" كتب أحاديث كثيرة، وجمع ثروة علمية لا تقدر، وكان يقول: الكتاب أحب إلي من النسيان ".

وأوصى أبو قلابة بكتبه فقال: " ادفعوا كتبي إلى أيوب إن كان حيا وإلا فاحرقوها(٢) !! فجئ بها عدل راحلة من الشام "(٣) .

إنّ كتب ابن قلابة تعدل راحلة، فهل وصلت إلينا مضامين كتبه؟! أعتقد أنه لم يصل إلينا منها إلا القليل، وفقدها خير دليل على ذلك!

ذكوان أبو صالح السمان:

قال الأعمش " كتبت عن أبي صالح ألف حديث "(٤) وكانت لدى سهيل بن أبي صالح صحيفة عن أبيه، وللأسف، لم يخرج البخاري منها شيئا(٥) ، وإذا كان مسلم قد أخرج منهاماهو مثبت في صحيحه، فإنه لم يستوعبها كلها. فياترى أين نجد الألف حديث التي كتبها الأعمش عن أبي صالح؟ فما وردنا عن الأعمش قليل بالنسبة لألف حديث!

____________

١ - ما سنكتبه هنا قد اعتمدنا فيه على كتاب: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه للدكتور الأعظمي، بالإضافة إلى ما وجدناه من خلال بحثنا.

٢ - انظروا كيف يفعل أمناء الإسلام بسنن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !

٣ - الكفاية: ص ٣٥١ - ٣٥٢. تذكرة الحفاظ ١/٩٤، الرامهرمزي: ص ٥١. الأعظمي: ١/١٤٤.

٤ - الأعظمي: ١/١٤٧.

٥ - المصدر السابق. الموضوعات، ابن الجوزي.


الشعبي:

هو من كبار التابعين ورد عنه قوله: " ولقد نسيت من العلم ما لو حفظه أحد لكان به عالما!! "(١) .

إن الشعبي قد نسي من الحديث ما لو حفظه أحدٌ لكان عالما، وأقل عالم في ذلك الزمان كان يحفظ عشرة آلاف حديث، فهذا يعني أنّ الشعبي نسي الآلاف من الأحاديث!!

وزد على ذلك أن ما كان يحفظه الشعبي قد اندرس قسمٌ كبير منه. فلقد كانت للشعبي كتب عدة، منها: كتاب الجراحات، كتاب الصدقات، الفرائض، كتاب في الطلاق وله مجموعة فقهية من الأحاديث(٢) " ولا ندري عن هذه المجموعة الفقهية شيئا "(٣) فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة!!

عبيدة بن عمرو السلماني المرادي:

من فقهاء الكوفة كانت عنده كتب كثيرة، فدعا بها عند موته فمحاها، وقال:

أخشى أن يليها أحدٌ بعدي فيضعوها في غير موضعها(٤) .

هذا تابعيٌّ محا كتبه التي جمع فيها السنة، وهذا محو للسنة!

عروة بن الزبير بن العوام:

من كبار التابعين جمع أحاديث عائشة في حياتها " ويبدو أنه جمع كمية كبيرة من الكتب، وأحرق إما بعضها أو كلها، تحت مؤثرات شتى، وكان يتألم بعد ذلك على ما

____________

١ - تذكرة الحفاظ: ص ٨٤. الأعظمي: ١/١٥٢.

٢ - راجع كتاب الأعظمي: ١/١٥٣. الكفاية: ص ٢٦٤.

٣ - الأعظمي: ١/١٥٣.

٤ - الأعظمي: ١/١٥٦ - ١٥٧. ابن سعد: ٦/٦٣٠. العلل: ١/٤٣. تاريخ بن أبي خيثمة.


فعل "(١) .

روى معمر عن هشام بن عروة، قال: أحرق أبي يوم الحرة كتب فقه كانت له، قال: فكان يقول بعد ذلك: لأن تكون عندي أحب إلي من أن يكون لي مثل أهلي ومالي "(٢) . هكذا تذهب أحكام الإسلام التشريعية. ونحن نتألَّم على ضياع كتب الفقه هذه كعروة، لكن الفرق أنه فقدها بإرادته أما نحن فمن ضحايا التاريخ.

أبو بكر بن حزم الأنصاري:

تابعي فقيه قال مالك عنه: " لم يكن أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما عند أبي بكر بن حزم... وقد أوصاه عمر أن يكتب له ما عند خالته عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية وما عند القاسم بن محمد بن أبي بكر ولم ينقل إلينا شئ عن الذي انجزه أبو بكر ابن حزم، ولعله ضاع فيما ضاع من ثروتنا عبر القرون "(٣) !!

وقد أرسل ابن حزم الأنصاري الى عمر بن عبد العزيز كتبا " ويبدو انه لم يحتفظ بنسخة من كتبه، لأنه عندما سئل ابنه عن مصير تلك الكتب قال: ضاعت "(٤) .

وهكذا تضيع مواد الإسلام، ولا أدري هل جعل الله سنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عرضةً للضياع أم إنه حفظها عند من يقدّر قيمتها؟

____________

١ - الأعظمي: ١/١٥٨.

٢ - المصدر السابق: ص ١٥٨. ابن سعد: ٥/١٣٣. رجال ابن اسحاق: ص ٤١.

الرامهرمزي: ٣٥.

٣ - لمحات في اصول الحديث، محمد أديب صالح: ص ٦٧ - ٦٨ ويعترف الاستاذ محمد أديب صالح بأن هناك ثروة حديثية ضاعت، فتدبر!

٤ - التهذيب: ١٢/٣٩. الأعظمي: ١/١٦٩.


الحسن البصري:

من مشاهير التابعين، وكان عند الحسن كتب(١) لكنه للأسف أحرقها. قال سهل بن حصين بن مسلم الباهلي: " بعثت إلى عبد الله بن الحسن بن أبي الحسن ابعث إلي بكتب أبيك، فبعث إلي: انه لما ثقل، قال: اجمعها لي، فجمعتها له، وما ندري ما يصنع بها، فأتيته بها، فقال للخادم: استجري التنور، ثم أمر بها، فأحرقت غير صحيفة واحدة، فبعث بها إلي... "(٢) .

فليتأمل العقلاء كيف تحرق السنن وتندرس. ومن المؤكد أنّ لدى الحسن سننا كثيرة لم تصل إلينا. قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس: " اختلفت إلى الحسن عشر سنين، أو شاء الله، فليس من يوم إلا أسمع منه ما لم أسمع من قبل ذلك "(٣) .

لو سمع الربيع من الحسن كل يوم حديثا واحدا على مدار عشر سنين لبلغ ما عند الحسن ٣٦٥٠ حديثا، ولكن لم يصل إلينا عن الحسن ربع هذا الرقم!!!

سفيان بن عيينة:

كتب الحديث وهو ابن خمس عشرة سنة. قال العجلي: " كان حديث ابن عيينة نحوا من سبعة آلاف "(٤) قال يونس بن عبد الأعلى: " كتبت عن سفيان كثيرا ".

هذا سفيان بن عيينة عنده سبعة آلاف حديث وما روي عنه لا يساوي شيئا بالنسبة لهذا الرقم!!!

____________

١ - الأعظمي: ١/١٧٣.

٢ - ابن سعد: ٧/١: ١٢٧.

٣ - مصطلح الحديث، الشهاوي: ص ٢٠١.

٤ - تاريخ بغداد: ٩/١٧٩.


يحيى بن أبي كثير اليماني:

أحد الأئمة الأثبات الثقات المكثرين، رأى أنسا ولم يسمع منه(١) .

قال الأوزاعي: " جالست يحيى بن أبي كثير، وكتبت عنه أربعة عشر كتابا أو ثلاثة عشر، فاحترق كله "!! أي احترقت السنة!!

عبد الملك بن جريج:

حضر في مجلس عطاء سبع عشرة سنة(٢) " ولقد كتب كثيرا جدا من الأحاديث النبوية، كما ألف كتبا عديدة حتى إنه لما قدم على أبي جعفر، قال له: جمعت حديث ابن عباس ما لم يجمعه أحد "(٣) .

" أما عن عدد مؤلفاته ونوعيتها وأسمائها فلا نعلم عنها شيئا بالتفصيل... ويذكر ابن النديم أن له من الكتب(٤) :

١ - كتاب السنن.

٢ - كتاب الحج أو كتاب المناسك.

٣ - كتابا في التفسير.

٤ - كتاب الجامع.

وقد فقدت هذه الكتب التي تحمل سنة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! وصرح الأعظمي أنّ ابن جريج كتب أحاديثا كثيرة جدا مع أنّ الذي وصل إلينا عنه قليلٌ قياسا لما ورد من حفظه للحديث وجمعه لحديث ابن عباس بما يعدل حمل بعير!!

____________

١ - الأعظمي: ١/٣٢١. هدي الساري، ابن حجر: ٢/٢٢٣.

٢ - تاريخ بغداد: ١٠/٤٠١ - ٤٠٢.

٣ - الأعظمي: ١/٢٨٦. تاريخ بغداد: ١٠/٤٠٠.

٤ - الفهرست: ص ٢٦٦.


كثير بن مرة الحضري:

ذكر الدكتور محمد عجاج الخطيب أنّ عبد العزيز والد عمر بن عبد العزيز كتب إلى كثير بن مرة الحضري عالم حمص وكان قد أدرك بحمص سبعين بدريا من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتب له أن يكتب إليه ما سمع من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ...

قال عجاج: " إلا أن المصادر لم تخبرنا عن امتثال كثير بن مرة للأمير. فنقف أمام هذا الخبر التاريخي متسائلين: ترى هل كتب كثير للأمير ما طلب منه من حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ وإذا كتب إليه فما مقدار ما كتبه، وعن أي الصحابة كتب إليه؟ ثم إلى مَن آلت تلك الصحف أو الدفاتر المدوَّنة؟ كل هذه أسئلة تعرض أمامنا، وتحتاج إلى بحث وتنقيب، وريثما يكشف لنا التاريخ عن خبايا تراثنا العظيم!! نجيب عن هذه الأسئلة على ضوء ما لدينا من أخبار قليلة.

إن ما نعرفه من عناية هؤلاء بالحديث يرجح عندنا أن يستجيب كثير بن مرة لطلب الأمير ولو ظن الأمير عبد العزيز امتناع عالم حمص عن إجابته ما كتب إليه، مما يرجح عندي أنّ كثيرا تلقى رسالة الأمير وأجابه إلى طلبه، لما عرف عن كثير من نشاط علمي عظيم... "(١) .

ولكن ما هو مصير هذا النشاط العلمي العظيم وما كتبه للأمير؟!

عبد الرحمن الأوزاعي:

من أئمة المذاهب الفقهية، ألف كتبا عديدة " ولم يبق منها شئ إلا الاقتباسات في الكتب "(٢) .

وقد كتب الأوزاعي عن المحدث يحيى بن أبي كثير أربعة عشر كتابا أو ثلاثة عشر

____________

١ - السنة قبل التدوين: ص ٣٧٤.

٢ - الأعظمي: ١/٢٧٨.


فاحترقت كلها(١) !! و " أجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة " وفي رواية أنه أفتى في ثمانين ألف مسألة. وقال أبو زرعة أنه " روي عنه ستون ألف مسألة "(٢) .

" وكان يعتمد في فتاويه على ما لديه من أخبار وآثار " " قال الهقل بن زياد:

وسئل الأوزاعي يوما عن مسألة فقال: ليس عندي فيها خبر، إن التي أفتيتها كلها كان عندي أخبارها "(٣) !!

وقد تتبع عبد الله الجبّوري ما روي عن الأوزاعي فوجد له في البخاري ٤٠ حديثا ومسلم ٥١ وابن ماجة ٧٣ والنسائي ٥٠ وأبي داود ٤٠ والترمذي ٤٠. فيكون مجموع ماجاءنا عن الأوزاعي - بعد غض النظر عن المكرر - ٢٩٤ حديثا!!

إنّ الأوزاعي لا يفتي إلا بخبر مروي كما مر، وقد أجاب في ثمانين ألف مسألة، وروي له في كتب السنن ٢٩٤ حديثا فهذا يعني أننا فقدنا عشرات الآلاف من الأخبار التي كانت عند الأوزاعي!! وضع علامات تعجب ولا حرج!!

فماذا سيقول المعاندون عن هذه الرزية؟ وهل تبقى لأحدٍ عين يرفعها في وجه الحقيقة؟ فالرواية ثابتة على أن الأوزاعي أجاب في ثمانين ألف مسألة والأوزاعي نفسه يقول: " التي أفتيتها كان عندي أخبارها "، فهل يبقى جواب إلا التسليم لهذه الحقيقة؟!

وهناك عدة كتب للأوزاعي مفقودةٌ، يقول الجبّوري: " منها: ماوقع للأوزاعي من العوالي... أما كتابه الأول - أي العوالي - فيبدو أنه في الحديث كما يظهر من اسمه "(٤) ولكن أين هو؟!!

____________

١ - انظر الإمام الأوزاعي، عبد الله الجبوري عن سير أعلام النبلاء وتهذيب التهذيب.

٢ - المصدر السابق: ص ٤٢ - ٤٣، عن تذكرة الحفاظ: ١/١٧٩. تهذيب التهذيب: ٢/٢٤٠ و ٢٤٢.

والبداية والنهاية: ١٠/١١٦.

٣ - المصدر السابق: ص ٤٣ عن ابن عساكر ج ١٠، وكتب صدقة بن عبد الله السمين عن الأوزاعي ألفا وخمسمائة حديث " الميزان ٢/٣١٠ - ٣١١.

٤ - الإمام الأوزاعي: ص ٨٢ - ٨٣.


خاتمة المطاف في أحاديث التابعين:

أولا لابد من التنويه الى أننا أخذنا قسما من شخصيات التابعين، ولو طاوعنا القلم لأتينا على مجلد كبير. ولكن السؤال هنا: من هو المسؤول عن ضياع هذه الكتب والسنن؟!

أعتقد أنّ الجواب يكون في أحد أمرين: إما أنّ الله هو المسؤول إذ جعل سنته عند هؤلاء بين الحرق والمحو والضياع، وحاشا لله من هذا القول الباطل، وإما أن نقول أنّ الله لم يخترهم وهو الصحيح وإلا لاتهمنا الله بالظلم والتفريط في سنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . إنَّ فعل التابعين من حرق السنن(١) ومحوها هو دليلٌ على أنهم لم يكونوا يرون أنفسهم أوصياء على الدين.

لقد كان الله يعلم أنه لو ترك السنة بيد التابعين فانها ستذهب بين الحرق والمحو والاندراس لذلك نحن نقول: إنَّ الله قد جعل السنة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند شخصٍ يخلفه وهو يقوم ببيان الدين وإذا مات أعطى السنة المدونة لمن بعده، وهكذا حتى قيام الساعة، وهي أضمن طريقة لحفظ السنة بدلا من أن تترك بين الحرق والمحو...

ضياع السنة بعد التابعين

إنّ السنة التي تعرضت للحرق والمحو والاندراس في عهد الصحابة والتابعين، كذا كان حظها في عهد المحدثين. وفي هذه الصفحات سيقف المرء مذهولا أمام عدد الأحاديث التي فقدت في هذا العهد.

____________

١ - قال الدكتور عجاج الخطيب في اصول الحديث: ص ٢٠٤: " ومن الجدير بالذكر أنه كان لعبدالله بن لهيعة (١٧٤ هـ‍) محدِّث الديار المصرية كتب كثيرة، احترقت!!! سنة " ١٦٩ هـ‍ " وكانت كتبه صحيحة " عن تذكرة الحفاظ: ١/٢٢٠ ومع أنّ ابن لهيعة والأوزاعي ليسا من التابعين لكنني رأيت أنه لا بأس من أن أجعلهما في هذا البحث.


في البدء يحسن بنا أن نعرف عدد الأحاديث الصحيحة الموجودة في كتب السنن، ثم نتابع بحثنا. روى البخاري في صحيحه ٤٠٠٠ حديث دون المكرر. وروى مسلم نفس العدد. واتفق الشيخان على ألفي حديث ومائتين، فيصبح مجموع الصحيحين ٥٨٠٠ حديثا(١) . وروى ابن ماجة ٤٣٤١ حديثا. أخرج أصحاب الصحاح الخمسة من أحاديث ابن ماجة ٣٠٠٢ " ثلاثة آلاف حديث وحديثين " فيبقى ما انفرد به ١٣٣٩ حديثا، وروى أبو داود ٤٠٠٠ حديث. وروى مالك في موطئه ٧٠٠ حديث، وفي مسند أحمد ٣٠ ألف حديث. وهناك صحيح ابن خزيمة لكن أكثره عدم! وأضف لهذه الكتب سنن الترمذي والنسائي ومستدرك الحاكم... واحذف غير الصحيح والمكرر فتبلغ الأحاديث الصحيحة قرابة أربعين ألف حديث.

ولكن ماذا يساوي هذا الرقم الذي وصل إلينا من الأحاديث أمام ما كان يحفظه منها المحدثون؟

كان البخاري يحفظ مائة الف حديث صحيح خرج منها في صحيحه ٨٠٠٠ حديث بالمكرر. وردَ عنه قوله: " أحفظُ مائة ألف حديث صحيح "، " وما تركت من الصحاح أكثر "(٢) .

إذا كان عند البخاري مائة ألف حديث صحيح ولم يخرج منها إلاّ ٨٠٠٠ حديث، فهذا يعني أننا خسرنا ٩٢ ألف حديث صحيح!!! وهو رقم يفوق رقم عدد الأحاديث الصحيحة الموجودة الآن بكثير: ولو قلنا إنَّ البخاري يحفظ أربعين ألف حديث صحيح وهي الموجودة في كتب السنن فيبقى الاشكال قائما ومعناه أننا خسرنا ٥٢ ألف حديث صحيح كان يحفظها البخاري.

أما أبو زرعة الرازي فقال فيه الحافظ أبو بكر محمد بن عمر الرازي: " لم يكن في

____________

١ - الحديث والمحدثون، محمد زهو: ص ٤٥٣.

٢ - كل الكتب التي تحدثت عن البخاري.


هذه الأمة أحفظ من أبي زرعة، وكان يحفظ سبعمائة ألف حديث، وكان يحفظ مائة وأربعين ألفا في التفسير والقراءات "(١) .

وقال الحافظ يحيى بن منده: " وبلغني بإسناد هو لي مسموع أنَّ أبا زرعة قال: أنا أحفظ ستمائة ألف حديث صحيح، وأربعة عشر ألف إسنادٍ في التفسير والقراءات... "(٢) .

إنَّ عدد الأحاديث الصحيحة عند المحدثين سبعمائة ألف حديث وهو الرقم الذي كان يحفظه أبو زرعة ويؤيده ما صح عن أحمد بن حنبل أنه قال: " صح من الحديث سبعمائة ألف وكسر "(٣) .

فأين ذهبت هذه السبعمائة ألف حديث التي حفظها أبو زرعة وأشار لها أحمد بن حنبل؟!!

إنَّ الموجود الآن كما قلنا أربعون ألف حديث صحيح. وهذا يعني أننا خسرنا قرابة ٦٠٠ ألف حديث صحيح!!!. حقيقة: يطول وقوف الباحثين حيارى عندها. أين ذهبت هذه الآلاف المؤلفة من الأنوار النبوية؟

إنّ لدى المحدثين ٧٠٠ ألف حديث صحيح والموجود الآن أربعون ألفا! ألا يعني هذا أنّ أكثر من ثلثي السنة قد اندرس؟! فهل سنقر بهذه الحقيقة التي تنطق بها النصوص؟(٤)

____________

١ - راجع " أبو زرعة الرازي "، الدكتور سعدي الهاشمي: ١/٢٠٧ عن تهذيب الكمال.

٢ - المصدر السابق، وراجع تاريخ ابن كثير: ١١/٣٧.

٣ - تدريب الراوي: ١/٥٠. تهذيب التهذيب: ٧/٣٠.

٤ - إنّ كل محدث كان يحفظ الآلاف من الأحاديث، فقد كان عند مسلم صاحب الصحيح ثلاثمائة الف حديث مسموعة. طبقات الحفاظ: ٢/١٥١. وكتب أحمد بن الفرات ألف ألف وخمسمائة ألف حديث.

خلاصة التهذيب: ص ٩. وكان إسحاق بن راهويه يحفظ أكثر من مئة ألف حديث. الحديث والمحدثون: ص ٣٥١. وقال يحيى بن معين: " كتبت بيدي ألف ألف حديث " تدريب الراوي: ص ٥٠.

وغيرهم الكثير.


وقد يعاند البعض ويقول إنَّ عدد الأحاديث الصحيحة الموجودة الآن أكثر من أربعين ألف.

فلنفترض أنها أكثر، ولتكن خمسين(١) أو ستين ألفا فماذا يغير هذا من القضية، إنّ النتيجة ستبقى كما هي، وهي ضياع القسم الأكبر من السنة.

وقد أقر أبو زرعة الرازي بأنّ حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يُحصى، فقد سئل: أليس يقال إن حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربعة آلاف حديث؟ فقال: " ومن قال ذا؟! " قلقل الله أنيابه!! " هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ "(٢) .

تسعة وثلاثون موطأ مفقود!!!

فيما سبق كنا نتحدث عما وسعته صدور المحدثين، وهم فضلا عما حملوا من الحديث فقد دوَّنوه في كتبهم، فممن دوَّن الحديث في كتب خاصة: الأوزاعي، والثوري، وحماد بن سلمه، ومعمر بن راشد، والربيع بن صبيح، وهشيم بن شبير السلمي الواسطي، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الله بن مبارك، ومالك بن أنس، وفضلا عن هؤلاء فقد " تلاهم كثيرون من أهل عصرهم في النَسج على منوالهم، ومن ثَمَّ نجد أنه ما في مصرٍ من الأمصار الإسلامية إلا وقد جُمع الأحاديث فيه إمام أو أئمة... والأثر الباقي من كتب هذا القرن - الثاني الهجري - هو الموطأ "(٣) .

لقد ذكر أبو شهبة عشرة أسماء ممن دونوا الحديث وقال: تلاهم كثيرون في النسج على منوالهم. وذكر الدكتور نور الدين عتر: إنّ عدد الموطآت في هذا العهد أربعون موطأ(٤) ولكن الأثر الباقي كما يقول أبو شهبة هو موطأ مالك!!

____________

١ - ذهب السيوطي إلى أن الأحاديث الصحيحة وغير الصحيحة لاتبلغ - دون تكرار - خمسين ألفا!، تدريب الراوي: ١/١٠٠.

٢ - الإصابة: ١/٣. توضيح الأفكار، الصنعاني: ص ٤٣.

٣ - راجع الوسيط في علوم الحديث: ص ٦٧.

٤ - راجع كتابه: في علوم الحديث: ص ٥٩.


أين ذهبت كتب الحديث هذه؟ وكم تحوي من الحديث يا ترى؟! هذا بشير بن هشيم الواسطي وهو ممن كتب في هذا القرن كان يحفظ عشرين ألف حديث(١) .

ولا نريد أن نقيس حفظ الآخرين على حفظه، ولكن لنأخذ موطأ مالك الأثر شالباقي من الأربعين! هذا الأثر يحوي ٧٠٠ حديث. ولو افترضنا أنّ كل موطأ من هذه الموطآت يحوي ٧٠٠ حديث لبلغ عدد الأحاديث الضائعة ثمانية وعشرين ألف حديث!!

مع أن هناك موطآت أكبر من موطأ مالك كموطأ ابن أبي ذئب(٢) .

عشرات المسانيد مفقودة!!!

المسند: هو عبارة عن كتاب حديث، يرتب صاحبه الأحاديث فيه حسب رواتها وإن اختلفت موضوعاتها، وإذا أردنا أن نكون دقيقين في التعريف فإن المسند هو " الجزء الذي تجمع فيه أحاديث رجل معين، كمسند أبي بكر الصديق، ومسند عمر بن عبد العزيز "(٣) .

لقد درج العلماء على كتابة الحديث بهذه الطريقة، ولكن أكثر مسانيدهم قد فقدت، أو لم تتم... والمذكور منها:

١ - مسند ابن صبيح.

قال عز الدين التنوخي: " ومن المؤسف أنا لا ندري شيئا عن مصير مسند ابن صبيح "(٤) .

____________

١ - تدريب الراوي: ص ٥٢.

٢ - تدريب الراوي: ٤٠ - ٤١.

٣ - الرسالة المستطرفة: ص ٤٦.

٤ - من كتاب الجزء الأول من شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع الفراهيدي، تأليف الشيخ عبد الله بن حميد السالمي.


٢ - مسند ابن أبي عمر: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني " ت/٢٤٣ هـ‍ "(١) .

٣ - مسند أحمد بن حازم بن محمد بن أبي غرزة: أبي عمرو الغفاري " ت/٢٧٦ ه‍ "، قال الذهبي في السير ١٣/٢٣٩: له مسند كبير وقع لنا منه جزء!!

٤ - مسند أحمد بن سنان: أبو جعفر الواسطي القطان " ت/٢٥٦ هـ‍ "، انظر السير ١٢/٢٤٤.

٥ - مسند أحمد بن منيع بن عبد الرحمن: أبي جعفر البغوي " ت/٢٤٤ هـ‍ ".

٦ - مسند بقي بن مخلد " ت/٢٧٩ هـ‍ ": انظر السير ١٢/٢٩١، ومعجم الأدباء ٧/٦٧.

٧ - مسند شعبة: آدم بن اياس " ت/٢٢٠ هـ‍ ".

٨ - مسند الصحابة للبغوي: أبو القاسم عبد الله بن محمد " ت/٣١٧ هـ‍ ".

٩ - مسند الصحابة الذين نزلوا مصر: محمد الربيع الجيزي.

١٠ - مسند عبد الله بن دينار: أبو نعيم الأصبهاني " ت/٤٣٠ هـ‍ ".

١١ - مسند علي بن عبد العزيز البغوي " ت/٢٨٦ هـ‍ ": انظر السير ١٣/٣٤٨.

١٢ - مسند علي: مطين أبو جعفر محمد بن عبد الله " ت ٢٩٧ هـ‍ "، انظر السير ١٤/٤٢.

١٣ - مسند عمر للإسماعيلي: أبو بكر أحمد بن إبراهيم الجرجاني " ت/٣٧١ هـ‍ "، في مجلدين، انظر السير ١٦/٢٩٣.

١٤ - مسند عمر النجار.

١٥ - مسند الفريابي: أبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن " ت/٣٠١ هـ‍ ".

١٦ - مسند قيس بن الربيع.

١٧ - مسند مالك لابن عدي: أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني " ت/٣٦٥ هـ‍ ".

____________

١ - الرسالة المستطرفة: ص ٤٧.


١٨ - مسند مالك للنسائي " ت/٣٠٣ هـ‍ ": انظر السير ٨/٨٥.

١٩ - مسند محمد بن سنجر الجرجاني " ت/٢٥٨ هـ‍ ". انظر السير ١٢/٤٨٦.

٢٠ - مسند المروزي: محمد بن نصر " ت/٢٩٤ هـ‍ ".

٢١ - مسند مسدد بن مسرهد الأسدي " ت/٢٢٨ هـ‍ ".

٢٢ - مسند النسائي " ت/٣٠٣ هـ‍ ".

٢٣ - مسند يحيى بن عبد الحميد الحماني " ت/٢٢٨ هـ‍ ": انظر السير ١٠/٥٢٧.

٢٤ - مسند يعقوب بن سفيان.

٢٥ - مسند يعقوب بن شيبة " ت/٢٦٢ هـ‍ " فقد معظمه ولم يبق إلا الجزء العاشر منه!!

٢٦ - مسند الأوزاعي.

٢٧ - مسند أبي زرعة الرازي " ت/٢٦٤ هـ‍ ".

٢٨ - مسند أبي علي الحسن بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن عيسى بن ماسر جس الماسرجسي " وقد قيل إنه لم يصنف في الإسلام مسند أكبر منه "(١) .

٢٩ - مسند أبي العباس محمد ابن اسحاق السراج " ولم يوجد منه إلا الطهارة "(٢) .

٣٠ - مسند أبي نعيم بن حماد الخزاعي " ت/٢٢٨ هـ‍ ".

٣١ - مسند عبيدالله بن موسى العبسي " ت/٢١٣ هـ‍ ".

٣٢ - مسند أبي يعقوب اسحاق بن بهلول التنوخي " ت/٢٥٢ هـ‍ " " وهو مسند كبير "(٣) .

____________

١ - الرسالة المستطرفة: ص ٥٥.

٢ - الرسالة المستطرفة: ص ٥٦.

٣ - المصدر السابق: ص ٤٧.


٣٣ - مسند الحافظ أبي بكر الإسماعيلي، وهو مسند كبير جدا في نحو مائة مجلد(١) .

٣٤ - مسند أبي بكر بن أبي عاصم، وهو مسند كبير يحتوي على مايقارب الخمسين ألف حديث.

٣٥ - مسند أبي يوسف يعقوب بن شيبة بن الصلت السدوسي " ت/٢٦٢ هـ‍ " قال الذهبي: وهو صاحب المسند الكبير الذي ما صنف أحسن منه ولكنه ما اتمه!!

٣٦ - مسند أبي اسحاق ابراهيم بن معقل بن الحجاج النسفي " ت/٢٩٥ هـ‍ " وهو مسند كبير.

٣٧ - مسند أبي العباس الوليد بن توبة الأصبهاني " ت/٣١٠ هـ‍ " وهو مسند كبير.

٣٨ - ثلاثة مسانيد لأبي العباس الحسن بن سفيان بن عامر بن عبد العزيز البالوزي " ت/٣٠٣ هـ‍ ":!!

٣٩ - مسند أبي يحيى عبد الرحمن بن محمد الرازي " ت/٣٠١ هـ‍ ".

٤٠ - مسند أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف الرازي " ت/٣٠١ هـ‍ ".

٤١ - مسند أبي محمد عبد الله بن محمد بن ناجية البربري " ت/٣٠١ هـ‍ ".

٤٢ - مسند دعلج بن أحمد بن محمد السجزي " ت/٣٥١ هـ‍ ".

٤٣ - مسند أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم التميمي الحفظي " ت/٣٣٧ هـ‍ ".

٤٤ - مسند أبي الحسن علي بن حمشاه النيسابوري " ت/٣٣٨ هـ‍ ".

٤٥ - مسند أبي الحسين أحمد بن عبيد بن إسماعيل البصري الصفار.

٤٦ - مسند محب الدين أبي عبد الله النجار البغدادي.

٤٧ - مسند أبي حفص عمر بن أحمد البغدادي المعروف بابن شاهين.

٤٨ - مسند أبي الحسن علي بن الحسين الذهلي.

____________

١ - المصدر السابق.


٤٩ - مسند أبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الجوهري ت/٢٤٩ هـ‍.

٥٠ - مسند أبي عبد الله محمد بن يوسف الصبي الفرياني.

هذه خمسون مسندا مفقودة وهناك غيرها الكثير. وذكر الكتاني في الرسالة المستطرفة، اثنين وثمانين مسندا، وقال: " والمسانيد كثيرة سوى ما ذكرناه "(١) !!

وقال الدكتور محمود الطحّان: " المسانيد التي صنفها الأئمة المحدثون كثيرةٌ ربما تبلغ مائة مسند أو تزيد "(٢) .

هل هناك ماهو أعظم من هذه الخسارة؟! لقد فقدنا أكثر من ثمانين مسندا وهذه حقيقة لا يستطيع إنكارها أحدٌ.

إنَّ لأحمد بن حنبل مسنداً كهذه المسانيد، وفيه ثلاثون ألف حديث؟!!

وليس من المنطق السليم أن يقال إنَّ هذه المسانيد والموطآت قد وجدت مضامينها في كتب الصحاح الستة، إذ لا دليل على ذلك، فإذا نظرنا إلى كتب السنن سنجد أنَّ كل كتاب منها يحوي من الأحاديث ما لا يحويه غيره وبأعداد كبيرة.

ويعترف شيخ الإسلام السيوطي أنَّ هناك كتب حديث اخرى لم تصل إلينا.

فحين تعرَّض لحديث: (اختلاف أمتي رحمة) قال: " ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا "(٣) .

فكلام السيوطي هنا يدل على أنَّ هناك كتب سنن للحفاظ لم تصل إلينا.

ولرشيد رضا شهادةٌ في ضياع بعض كتب الحديث، فقد قال في تقديمه لكتاب الاعتصام للشاطبي: " وقد تركت تصحيح بعض الأحاديث والآثار التي أحفظها من

____________

١ - ص ٥٥، وراجع هذه المسانيد المذكورة وغيرها في الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة، محمد بن جعفر الكتاني: ص ٤٧ - ٥٥، وراجع مقدمة فواز أحمد زمرلي على مسند فاطمة الزهراءعليها‌السلام للسيوطي.

٢ - اصول التخريج ودراسة الأسانيد: ص ٤٠.

٣ - انظر ضعيف الجامع الصغير وزياداته، الألباني ١/١١١.


كتب الصحاح والسنن على غير ماوردت عليه في الكتاب لئلا يكون بعض المحدثين الذين لم نطلع على كتبهم! رواها بسياق... "(١) وقال الكتاني عن أبي داود الطيالسي: " وله من الأحاديث التي لم تدخل هذا المسند - مسند أبي داود – قدره! أو أكثر!! وقد قيل: إنه كان يحفظ أربعين ألف حديث "(٢) .

إنَّ عند الطيالسي من الأحاديث قدر مسنده، وقد بقيت في صدره وذهبت معه.

فإن كُنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ

وإن كنت تَدري فالمصيبةُ أعظم

ومما يزيد يقينك بصحة ما توصلنا إليه، هو فقد خطب الجُمًعِ التي كان يلقيها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كل جمعةٍ، فقد بقي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخطب الجمعة لمدة عشر سنوات(٣) ولو أحصينا عدد هذه الخطب في هذه المدة لبلغت ٤٨٠ خطبة. فهل يوجد بين أيدينا نموذجٌ واحد من هذه الخطب؟!

لقد سألت أكثر من واحد من أساتذتي في الحديث والدعوة عن امكانية العثور على نموذج لخطبة من خطب الجُمَعِ التي كان يلقيها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكان جوابهم دائما: هناك خطبة حجّةُ الوداع!(٤) .

قيل: إنَّ رجلاً كان يعرج في مشيته فسأله شخصٌ:لماذاتعرج؟ فقال:ضرسي يؤلمني!!

نعم، إنَّ هذه الخطب تحوي جميع معارف الإسلام من تشريع وعقائد وأخلاق، ولا بد أنها كانت تركز على دراسة الجانب السياسي في حياة المسلمين. أفلا يعتبر فقدها ضياع ثروة عظيمة من علوم الإسلام؟! ولو وجدت هذه الخطب لعكست لنا عقلية النبي العظيمة في كيفية تعامله مع أحداث عصره، وتحليلاته السياسية. ولكن الذي يبدو لي أنَّ السياسة فيما بعد هي التي حرمتنا من هذه الخطب، لأمر يدركه كل لبيب.

____________

١ - الإعتصام: ٧.

٢ - الرسالة المستطرفة: ص ٤٦.

٣ - ذكر الطبري في تاريخه: ٢/١١٤، إن أول جمعة جمعها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الإسلام كانت في السنة الاولى من الهجرة.

٤ - وأثناء تتبعي وجدت خطبةً واحدة في تاريخ الطبري: ٢/١١٥.


مؤيّدات وشهادات في ضياع السنّة

١ - قال ابن تيمية " فلا يجوز أن يدعى انحصار حديث رسول الله في دواوين معينة "(١) ويعترف ابن تيمية أنَّ صدور المحدثين تحوي أضعاف ما في كتب السنن فقد قال:

" الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين كانوا أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير، لأن كثيرا مما بلغهم وصح عندهم قد لا يبلغنا إلا عن مجهول أو إسناد منقطع، أو لا يبلغنا بالكلية!! فكانت دواوينهم صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين، وهذا الأمر لا يشك فيه من علم القضية "(٢) .

إنَّ المحدثين - كما يقول ابن تيمية - قد صح عندهم من الأحاديث ما لا يصح عندنا، وهذا اعتراف بحرماننا من هذه الأحاديث التي صحت عندهم، ويقول: إنَّ دواوينهم هي صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين.

فهل هناك أوضح من هذا البيان؟! والعجب أنَّ ابن تيمية يؤكد هذا الأمر بقوله " وهذا الأمر لا يشك فيه مَن علم القضية " فالمحدثون عندهم أضعاف ما هو في كتب السنن الموجودة.

فلو سألنا ابن تيمية وأتباعه أين ذهبت هذه الأضعاف؟ لما وجدنا جوابا إلا السكوت، أو السباب وعند الله الحساب!

٢ - قال النووي: " إنَّ البخاري ومسلما(٣) لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعباه وإنما قصدا جمع جملٍ من الصحيح، كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملةٍ من مسائله، لا أنه يحصر جميع مسائله، لكنهما إذا كان الحديث تركاه

____________

١ - رفع الملام: ص ١٨.

٢ - رفع الملام: ص ١٨ - ١٩.


أو تركه أحدهما، مع صحة إسناده في الظاهر أصلا في بابه ولم يخرجا له نظيرا ولا ما يقوم مقامه، فالظاهر من حالهما أنهما اطلعا فيه على علة إن كان رأيا، ويحتمل أنهما تركاه نسيانا، أو إيثارا لترك الإطالة، أو رأيا أنَّ غيره مما ذكراه يسد مسده أو لغير ذلك، والله أعلم "(١) .

هنا يصرح النووي بأنَّ البخاري ومسلما قد صحت عندهما أحاديث ولم يخرجاها، وهذا اعترافٌ من النووي بضياع السنن التي لم يخرجها الشيخان وهي تعدُّ بالآلاف، فالبخاري كان يحفظ مائة ألف حديث صحيح وكذا مسلم، ولم يخرجا في صحيحهما عشر ما حفظاه!!

فهل نصدق بأنَّ الله ترك سنته حتى يجمعها البخاري ومسلم؟ لو اعتقدنا هذا للزمنا القول: إن الله حرم عباده من آلاف السنن التي كان يحفظها الشيخان! وقد علل النووي ترك الشيخين لإخراج ما حفظاه بالنسيان أو أنهما آثرا ترك الإطالة... فكيف يقبل الله بترك سنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تضيعُ بسبب نسيان الشيخين أو خوفهما من الإطالة؟! أما كان الله قادرا على جمع سنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، عند أناس لا ينسون ولا يُملّون الإطالة؟! بلى، إنَّ الله قد جمع سنة نبيه في حياتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعلها عند أولى الناس بها، وهذا هو المفروض شرعا وعقلا، أما أن يترك الله سنة نبيه تدون بعد مائتي سنة ويتركها تضيع خوف الإطالة فهذا ما لا يصدقه عقلٌ.

٣ - جعل محمد جمال الدين القاسمي في كتابه " قواعد التحديث "، عنوانا: " بيان أنَّ الصحيح لم يستوعب في مصنف " قال: قال العلامة الأمير في شرح " غرامي صحيح ": " لم يستوعب الصحيح مصنَّفٌ أصلا، يقول البخاري: " أحفظ مائة ألف حديث من الصحيح، ومائتي ألف من غيره "، ولم يوجد في الصحيحين بل ولا في بقية الكتب الستة، هذا القدر من الصحيح "(٢) !!

____________

١ - ذكره عنه القاسمي في قواعد التحديث: ص ٨٣، تحقيق محمد البيطار.

٢ - قواعد التحديث: ص ٨٣.


٤ - تحدث محمد محيي الدين عبد الحميد - مفتش العلوم الدينية والعربية بالجامع الأزهر والمعاهد الدينية - عن أبي بكر بن حزم، حين أمره عمر بن عبد العزيز بكتابة السنة قال: " وإذن فكتاب ابن حزم هذا - على افتراض تصنيفه - أول كتاب صنف في الحديث... ولسنا نعرف عن هذا الكتاب شيئا(١) ، ولا عثرنا على قولٍ لأحد من علماء هذه الأمة يشتمل على وصف هذا الكتاب وبيان ما اشتمل عليه من حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيانا يركن إليه، وقد فقد المسلمون هذا الكتاب مع ما فقدوه من تراث أسلافهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم "(٢) . نعم، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!

٥ - قال أحمد بن عبد الرحمن الصويان - من الرياض - عن السنة التي كانت عند الحفاظ: " ولكن ورث هذه الثروة الضخمة والأمانة العظيمة من بعدهم أجيال نسوا كثيرا مما ذكروا به، فلم يقدروا هذا العلم حق قدره، ولم ينزلوه منزلته، فضاعوا وضيعوا...!!

فتفرقت هذه التركة الجليلة في بطون المكتبات شرقا وغربا، وفقد كثير من هذه الكنوز!! بسبب تفريط المسلمين وتهاونهم، وجهلهم وتقصيرهم(٣) ...

وإلا فأين تراث دار الحكمة ببغداد؟ وأين تراث مكتبة العزيز بالله في القاهرة؟!

التي قيل: إنها تحتوي على مائتي ألف كتاب، ومنهم من قال: إنها تحتوي على مليون وستمائة ألف كتاب.

وأين كنوز مكتبة الزهراء بقرطبة؟! التي قيل: إنها تحتوي على أربعمائة ألف مجلد، ومنهم من قال: إنها تحتوي على ستمائة ألف مجلد...

____________

١ - أضفه - أيها المسلم الغيور - للكتب المفقودة!!

٢ - من مقدمته على كتاب توضيح الأفكار، الصنعاني: ص ٣٠.

٣ - وما كان الله ليترك سنة نبيه تضيع لجهل المسلمين وتفريطهم بها بل حفظ سنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الضياع ولكن... سيأتي بيان ذلك!


وأين وأين وأين؟!!(١) .

ألا إنها جريمة لا تغتفر(٢) ، وتفريط لا يبرر...(٣) .

٦ - قال محمد محمود الحلبي: " ومرت الأيام والليالي وتقلبت على المكتبة الإسلامية دهور ودهور، سلم فيها ما سلم، وضاع فيها من جواهر التراث المحمدي المجيد ما ضاع "(٤) !!!

٧ - قال أحمد راتب عرموش: " وكتب الصحاح المطبوعة لا تشمل جميع الحديث الصحيح! وقد تحوي أحاديث ضعيفة أو منسوخة... "(٥) .

٨ - قال الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه بقي بن مخلد القرطبي ص ١٩:

" لا شك أنَّ العدد الأكبر من الصحابة لم تصل إلينا بواسطتهم أحاديث مروية عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(٦) .

وبالإضافة لهذه الشهادات فقد اعترف بضياع السنن ابن القيم والسيوطي، وأبو شهبة الأزهري، والأستاذ محمد أديب صالح، وقد ذكرنا كلامهم فلا حاجة لإعادته.

إشكالٌ ودَفعُهُ

قد يقول البعض بعد أن أخذت الحجّة بعنقه: إنَّ لفظ الحديث يطلق على السند كما يطلق على المتن، وعلى هذا تكون آلاف الأحاديث التي يحفظها المحدِّثون أسانيد، فإن للمتن طرقا كثيرة عندهم لهذا نتج هذا الرقم الهائل.

____________

١ - هذه الأين يجب أن توجه إلى الصويان وأهل السنة!

٢ - حقا إنها جريمة لا تغتفر!

٣ - " راجع كتاب جزء فيه حديث سفيان بن عيينة رواية زكريا المروزي " تحقيق الصويان: ص ٤.

٤ - كلمته على عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ١/٣.

٥ - مسند عبد الله بن عمر تخريج أبي امية الطرسوي، تحقيق أحمد راتب عرموش.

٦ - راجع أسماء الصحابة الرواة: ص ١٠.


نحن لا نسلِّم بهذا، فالحديث في اصطلاح المحدثين هو: أقوال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخُلقية والخَلقية... "(١) .

ولو افترضنا صحة ما يقولون، فهذا لا يحل من المشكلة شيئا، فقد سئل أحمد ابن حنبل في ستين ألف مسألة، فأجاب عنها بقوله: " أخبرنا وحدثنا "(٢) ومن المعلوم أنه لا يصح الإجابة بالسند!

وسئل أحمد بن حنبل: " يكفي الرجل مائة ألف حديث حتى يفتي؟ قال: لا، حتى قيل: خمسمائة ألف حديث؟ قال: أرجو، كذا في: (غاية المنتهى) "(٣) .

فالمقصود بالخمسمائة ألف حديث هذه، خمسمائة ألف متنا وليس سندا، إذ لا يصح الإفتاء بالسند! وليس هو من فعل العقلاء، وقول أحمد هذا يدل على أنَّ هناك أكثر من خمسمائة ألف متن فقهي، فأين هذه المتون؟!

وأجاب الأوزاعي في ثمانين ألف مسألة بما عنده من أحاديث وأخبار، فهل كان يجيب بالسند؟! وإذا قالوا: لا، قلنا: فأين هذه الثمانين ألف متن؟!!

وقد ورد في خلاصة التهذيب أنَّ أحمد بن الفرات كتب ألف ألف وخمسمائة ألف حديث، وانتخب منها ثلاثمائة ألف في التفسير والأحكام والفوائد.

فالمفهوم من هذا الكلام: أنَّ ابن الفرات انتخب ثلاثمائة ألف متن، إذ لا يصح تفسير آية أو الإجابة على مسألة بسند، فأين هذه الثلاثمائة ألف متن؟!!

وأجاب أبو بكر الباغندي عن ثلثمائة ألف مسألة في حديث رسول الله(٤) ، فهل كانت اجاباته تتم بالأسانيد؟!!

____________

١ - راجع الوسيط، أبي شهبة: ص ١٦.

٢ - طبقات الحنابلة: ١/٦.

٣ - حجة الله البالغة: ١/١٥٠ والنص منه، إعلام الموقعين: ١/٤٥.

٤ - طبقات الحفاظ، الذهبي: ص ٧٣٦. طبقات الحفاظ، السيوطي: ص ٣١٥. والميزان.


وهذا الحافظ ابن عقدة كان يجيب في ثلاثمائة ألف حديث من حديث أهل البيت، فهل كان يجيب بالأسانيد؟!

وقال ابن عقدة: " أحفظ مائة الف حديث بأسانيدها "(١) ، ألا يكفي هذا القول حجّةً تسكت المعاندين!

وهذا أبو بكر الجعابي، يحفظ أربعمائة ألف حديث بأسانيدها ومتونها، كما في تاريخ ابن كثير(٢) . فعند الجعابي أربعمائة ألف متن بأسانيدها، فهل من الممكن أن يحضرها أحد المعاندين، لكي يؤدي بذلك خدمةً للعالم الإسلامي؟

وهذا الذي يعتبر مئات الآلاف من الأحاديث مجرد أسانيد لمتون، هلا قال لنا:

أين ذهبت هذه الأسانيد؟! قال ابن المبارك: " الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال مَن شاء، ما يشاء " أخرجه مسلم.

وقال الثوري: " الإسناد سلاح المؤمن " وقال الأوزاعي: " ماذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد "(٣) حقّا لو وجدت هذه الأحاديث - إن كانت أسانيد - لغيرت الكثير وأفادت العلماء كثيرا. فبها يعرف محل كل حديث من الغرابة والاستفاضة، ولاستفدنا منها كمتابعات وشواهد. وإذا كان للمتن - كما يقال - أكثر من خمسين طريقا فهذا يعني أنَّ الأحاديث التي هي ضعيفة الآن صحيحة عند المحدثين لأنَّ الحديث إذا كثرت طرقه فإنه يقوى، فكيف إذا كان له خمسون طريقا أومائة؟!!

ويترتب على هذا إهمالٌ لكثير من الأحكام الشرعية الواردة في الأحاديث الضعيفة عندنا، الصحيحة عند المحدثين!!

____________

١ - راجع حاشية المحدث الفاصل، تحقيق محمد عجاج الخطيب: ص ٦٢١.

٢ - ١١/٢٦١.

٣ - راجع قواعد التحديث، القاسمي: ص ٢٠١ - ٢٠٢، وكتاب علوم الإسناد من السنن الكبرى لأستاذنا نجم خلف: ص ٧. شرف أصحاب الحديث، الخطيب البغدادي: ٤١ - ٤٢


ولو صح ما يقال في أنَّ لكل متن أكثر من خمسين طريقا لحلَّت مشكلة الأحاديث المتواترة والآحاد، والتي شغلت بال أهل الحديث وأصحاب المذاهب، ولجاءت كل الأحاديث متواترة.

وإن قيل: إنَّ مئات الآلاف من هذه الأحاديث هي من سنن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآثار الصحابة.

قلنا: وهذا لا يقدِّم ولا يؤخر. قال أبو داود: " كتبت عن رسول الله خمسمائة ألف حديث... "(١) . ولم يقل: عن الصحابة. وهذا الباغندي أجاب في ثلاثمائة ألف مسألة في حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !!

ونضيف الى ذلك أنَّ فقد تسعة وثلاثين موطأ وأكثر من ثمانين مسندا كاف للرد على هذه الشبهة. مع العلم أن المسانيد لا تدخل فيها أقوال الصحابة!

ولو افترضنا أن هذه الأحاديث التي يحفظها المحدثون تشمل سنن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآثار الصحابة فهذا يعني أن سنن النبي أربعون ألفا، وآثار الصحابة ٦٦ ألف أثر!! أين المعقول من هذا اللامعقول.

ولو صح كلامهم فأين آثار الصحابة هذه؟ حقا إنها لو وجدت لكانت ثروةً عظيمة لهذه الأمة، كيف لا وفيها آلاف الأحاديث عن آل البيتعليهم‌السلام (٢) بالإضافة الى أنَّ قول الصحابي عند أهل الحديث حجّةٌ في التفسير والعقائد.

فكل الطرق مغلقة والأبواب موصدة، فالاعتراف بضياع القسم الأكبر من السنة لا مفرَّ منه!

____________

١ - معالم السنن، الخطابي: ١/٦ - ٨. تذكرة الحفاظ: ٢/٥٩٩.

٢ - أجاب الحافظ ابن عقدة في ثلاثمائة ألف حديث من حديث أهل البيتعليهم‌السلام وبني هاشم، حدث بها عنه الدارقطني، راجع تذكرة الحفاظ: ٣/٥٦.


بيت القصيد

إنَّ هذه السنن الضائعه، والتي هي أضعاف ما في كتب السنن، كما يری ابن تيميه! قد بقيت في صدور المحدثين و كتبهم المفقودة، وهذه الآلاف من السنن الضائعه فیها المقيّد والمخصّص والناسخ و المفسّر والمفصّل، وفقد هذه الكمية من السنن يجعلنا امام مشكلة كبيرةٍ جدّاً، فمن يدري فلعلنا نمارس بعض الاحكام المنسوخه أو المقيّدة أو المخصّصة بالسنن التي بقيت في صدور المحدثين، مع العلم أنه لا يجوز العمل بالعام قبل الفحص عن مخصِّصه، ولا المطلق قبل الفحص عن مقيِّده، وهكذا. 

إنَّ الإسلام المتمثِّل بالكتاب والسنة، كيانٌ واحد وبناء متكامل، فإذا فقد شئ منه أثَّر على الباقي، ولا يفهم الإسلام عقيدةً وشريعة إلاّ بجمع كل موادِّه من القرآن والسنة ومزجها مع بعض، ومن خلال استقراء النصوص ينتج الحكم الإسلامي الصحيح. فمنهج السلفية - كما اتضح - فيه مطب، إذا وقعنا به لا نقوم منه أبدا إلا بتركه.

فالله لايريد منا أن نتبع هذا الطريق، ولا يرضى بما جرى للسنة، فهذا الإمام مالك بن أنس يقول: " سمعت من ابن شهاب أحاديث كثيرة ما حدثت بها قط ولا احدِّث بها "(١) !!

فهل يرضى الله بهذا الفعل؟ لا.. حيث لا يليق بالمولى عز وجل أن يرضى بهذا المنهج وهو يعلم أنَّ كثيرا من مواد الإسلام تنقصه.

وكيف يرضى بضياع السنة ثم يقول لعباده:( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (٢) ،( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (٣) ؟! وكيف يطلب الله منا إحراز الإسلام كما أنزله، وأكثر من ثلثي السنة ضائعٌ؟!

قال شعبة: وقال منصور: " وددت أني كتبت، وأنَّ علي كذا أو كذا، وقد ذهب عني مثل علمي!! "(٤) وفي المحدث الفاصل: " ما كتبت ولوددت أني كتبت وما حفظت نصف ما سمعت ". نعم، لو طلب المعلم من تلاميذه أن يكتبوا، وأخذ منهم الأقلام، وقال لهم: إذا لم تكتبوا فسأعاقبكم، ماذا سيكون موقف الطلاب من المعلم؟ وهكذا،

____________

١ - تذكرة الحفاظ: ١/٢٠٩.

٢ - الأحزاب: ٢١.

٣ - الحشر: ٧.

٤ - تقييد العلم: ص ٦٠.


فكيف يطلب الله منا إحراز دينه كما أنزله، مع رضاه بضياع السنة؟!

فيا أيها المسلمون: أحضروا لنا هذه الأضعاف من السنن الضائعة ثم ننظر بها ونعيد أعمالنا وفقها، فإن لم تفعلوا، ولن تفعلوا، فابحثوا معي عن البديل!



الفصل الثالث

إشكالات على مرجعية الصحابة



بين يدي البحث

إنَّ أهل السنة سواء الأشاعرة منهم أو السلفية: جعلوا الصحابة هم الواسطة التي تربطهم بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإسلام. فالصحابة كل الصحابة هم نقلةُ الدين لمن بعدهم. ولكن من يقف متأملا في ذلك يجد عدَّةُ إشكالات في مرجعية الصحابة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذه هي الأدلة...

الصحابة يُقلِّون السؤال

وهو أوّل إشكال يظهر لنا علی مرجعیّة الصحابه. روى مسلم عن أنس، قال: " نُهينا أن نسأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن شئ فكان يعجبنا أن يجئ الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله - أي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - ونحن نسمع... "(١) .

وروى أحمد في مسنده عن أبي أمامة قال: " لما نزلت:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) كنا قد اتقينا أن نسألهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأتينا أعرابيا فرشوناه بُردا وقلنا: سل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... ".

ولأبي يعلى عن البراء: إن كنت لتأتي عليَّ السنة أريد أن أسأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الشئ، فأتهيب. وإن كنا لنتمنى الأعراب، أي قدومهم، ليسألوا، فنسمع أجوبة سؤالات الأعراب فنستفيدها ".

____________

١ - صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب السؤال عن أركان الإسلام.


وعن ابن عباس قال: " ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن... "(١) .

" وهكذا نلاحظ اتجاها لدى الصحابة إلى العزوف عن السؤال إلا في حدود المشاكل المحدّدة الواقعة، وهذا الاتجاه هو الذي أدّى إلى ضآلة النصوص التشريعية(٢) التي نقلوها عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو الذي أدى بعد ذلك إلى الاحتياج إلى مصادر أخرى غير الكتاب والسنة كالاستحسان والقياس... وهذا الاتجاه أبعد ما يكون عن عملية الإعداد الرسالي الخاص التي كانت تتطلب تثقيفا واسعا لذلك الجيل وتوعيةً له على حدود الشريعة للمشاكل التي سوف يواجهها عبر قادته "(٣) .

إنَّ تهيّب الصحابة من السؤال واعتمادهم على الأعراب لا يتلاءم مع طبيعة المهمّة الملقاة على عاتقهم. فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لايمكن أن يعيش إلا لفترة محددة، فكان على الصحابة أن يبدأوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالسؤال أو يبتدئهم النبي بالسؤال إذا فكر أن يجعلهم القيمين بعده على دعوته، ولكن لم يحدث هذا بالمستوى المطلوب.

فلقد بقي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتلقى الإسلام من جبريلعليه‌السلام ثلاثا وعشرين سنة دون انقطاع، وهناك أكثر من مائة ألف صحابي رأوا النبي لفترة قصيرة، فكيف يصح أن يقال: إنِّ هؤلاء الصحابة قيمون على الدعوة، بينما الغالب منهم قد عاش مع النبي لفترة قصيرة؟ فهل استوعبوا الإسلام الذي استمر نزوله ثلاثا وعشرين سنة في أيام؟!

لذلك كله نحن نؤكد على: أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يهتم بأحد صحابته منذ بداية الدعوة، وأنه قد عبّأهُ تعبئةً فكرية وروحية كاملة، وهذا هو المفترض من نبي الرحمةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

____________

١ - سنن الدارمي: ١/٥١. مجمع الزوائد: ١/١٥٨. الطبراني في الكبير. الإتقان، السيوطي.

٢ - بلغت أحاديث الأحكام عند أهل السنة قرابة ٥٢٧٤ حديثا، راجع تاريخ التشريع الإسلامي: الفضلي، ص ٢٨.

٣ - بحث حول الولاية: ص ٤٣ - ٤٤.


" إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لو كان قد قرر أن يجعل من الجيل الإسلامي الرائد الذي ضم المهاجرين والأنصار من صحابته قيما على الدعوة ومسؤولا عن مواصلة عملية التغيير.

فهذا يحتم على الرسول القائدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يعبئ هذا الجيل تعبئة رسالية وفكرية واسعة يستطيع أن يمسك بالنظرية بعمق ويمارس التطبيق على ضوئها بوعي، ويضع للمشاكل التي تواجهها الدعوة باستمرار الحلول النابعة من الرسالة، خصوصا إذا لاحظنا أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان الذي بشَّر بسقوط كسرى وقيصر، يعلم بأنَّ الدعوة مقبلة على فتوح عظيمة، وأن الأمة الإسلامية سوف تنضم إليها في غد قريب شعوب جديدة، ومساحة كبيرة، وتواجه مسؤولية توعية تلك الشعوب على الإسلام، وتحصين الأمة من أخطار هذا الانفتاح، وتطبيق أحكام الشريعة على الأرض المفتوحة وأهل الأرض، وبالرغم من أنَّ الجيل الرائد من المسلمين كان أنظف الأجيال التي توارثت الدعوة وأكثرها استعدادا للتضحية، لا نجد فيه ملامح ذلك الإعداد الخاص للقيمومة على الدعوة، والتثقيف الواسع العميق على مفاهيمها، والأرقام التي تبرز هذا النفي كثيرة... "(١) .

قلّة الرواية ومنع كتابة السنّة

وكان الصحابة يتشددون في الرواية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويقلونها وينهون عنها، حتى قاموا بحرق الأحاديث ومحوها من الصحف، الأمر الذي أدّى إلى منع الاستفادة من هذه السنن، سواء من الصحابة أنفسهم أم من الأجيال التي بعدهم. كما أنَّ الصحابة كانوا ينهون عن سؤال مالم يقع، وبذلك جعلوا دائرة الفقه مقتصرةً على أحداث عصرهم.

عن ابن أبي مليكة: " إنَّ الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيِّهم، فقال: إنكم تحدِّثون عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدِّثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا

____________

١ - بحث حول الولاية: ص ٤٠ - ٤١.


حرامه "(١) .

وعن عائشة: " جمع أبي الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكانت خمسمائة حديث، فبات ليلته يتقلب كثيرا، قالت: فغمني فقلت: أتتقلب لشكوى أو لشئ بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمِّي الأحاديث التي عندك، فجئته بها فدعى بنارٍ فحرقها، فقلت:

لما أحرقتها؟ قال: خشيت أن أموت وهي عندي، فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت، ولم يكن كما حدثني، فأكون قد نقلت ذاك "(٢) .

وعن يحيى بن جعدة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار من كان عنده شئ فليمحه(٣) .

وعن قرظة بن كعب قال: " خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر بن الخطاب إلى صرار - موضع قرب المدينة - فتوضأ ثم قال: إنكم أتدرون لِمَ مشيت معكم؟ قالوا: نعم نحن أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مشيت معنا، قال: إنكم تأتون أهل قرية لها دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تبدونهم بالأحاديث فيشغلونكم، جددوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله وامضوا وأنا شريككم، فلمّا قدم قرظة قالوا: حدِّثنا، قال: نهانا ابن الخطاب "(٤) .

وروى ابن سعد عن عبد الله بن العلاء قال: " سألت القاسم يملي عليَّ أحاديث، فقال: إنَّ الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها فلما أتوه بها أمر بتحريقها ثم قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب، قال: فمنعني القاسم يؤمئذ أن أكتب

____________

١ - تذكرة الحفاظ: ١/٢ و ٣ ترجمة أبي بكر.

٢ - تذكرة الحفاظ: ص ٥.

٣ - جامع بيان العلم: ١/٦٤ و ٦٥.

٤ - مستدرك الحاكم: ١/١٠٢ وصححه. سنن الدارمي: ١/٨٥. تذكرة الحفاظ: ١/٥٢٤، وانظر سنن ابن ماجة: ١/١٢. جامع بيان العلم: ٢/١٢٠، المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، الرامهرمزي:

ص ٥٥٣.


حديثا "(١) .

وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: " ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجمعهم من الآفاق: عبد الله بن حذيفة، وأبا الدرداء، وأبا ذر، وعقبة بن عامر، فقال ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله في الآفاق؟ قالوا:

تنهانا؟ قال: لا، اقيموا عندي، لا والله لا تفارقوني ما عشت، فنحن أعلم، نأخذ عنكم، ونرد عليكم، فما فارقوه حتى مات "(٢) .

وعن أبي سلمة عن أبي هريرة، قلت له: أكنت تحدث في زمان عمر هكذا؟ فقال:

لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته.

وروى الذهبي في تذكرة الحفاظ أن عمر حبس ابن مسعود وأبا الدراء وأبا مسعود الأنصاري فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله...(٣) .

يقول ابن قتيبة: " وكان عمر شديدا على من أكثر الرواية... "(٤) .

____________

١ - الطبقات: ٥/١٨٨. تقييد العلم، الخطيب البغدادي: ص ٥٢، يقول السيد الروحاني في كتابه (بحوث مع أهل السنة والسلفية: ص ٩٧) تحت عنوان (كتابة الحديث): " إنَّ من أعظم الآثام اليهودية في المسلمين هو عدم جواز كتابة أحاديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ففي التلمود - وهو عند اليهود مثل الأحاديث التي في صحاح بعض المسلمين -: (إن من الأمور التي تروى مشافهة ليس لك الحق في إثباتها بالكتابة).

ويلاحظ انَّ الحديث الذي أورد في الصحاح، (لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب فليمحه) هو بمثابة ترجمة لطيفة لما في التلمود، وموافق لما كتبه الخليفة عمر بن الخطاب إلى الأمصار: (من كان عنده شئ منها - أي أحاديث رسول الله فليمحه - ولا يبعد أن يكون هذا من إيحاءات اليهودي كعب الأحبار، وإن جعل بعد ذلك بصورة الحديث. إذ بعد إحراق الخليفة الثاني للأحاديث التي جمعها من أيدي الصحابة على مدى شهر قال: مشناة كمشناة أهل الكتاب أو مثناه كمثانة أهل الكتاب، وهذا يدل على اطلاع كامل منه على مصطلح أهل الكتاب واليهود "!!

٢ - كنز العمال ٥/٢٣٩ حديث رقم ٤٨٦٥. منتخب الكنز ٤/٦١.

٣ - ١/٧.

٤ - تأويل مختلف الحديث: ٣٩.


وروى ابن سعد وابن عساكر عن محمود بن لبيد - واللفظ لابن سعد - قال:

" سمعت عثمان بن عفان على المنبر يقول: لا يحل لأحد يروي حديثا لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر "...(١) .

وفي المحدث الفاصل بسنده إلى السائب بن يزيد قال: " أرسلني عثمان إلى أبي هريرة، فقال: قل له: يقول لك أمير المؤمنين: ما هذا الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ لقد أكثرت لتنتهين أو لألحقنك بجبال دوس، وأتِ كعباً، فقل له: يقول لك أمير المؤمنين عثمان: ماهذا الحديث؟ قد ملأت الدنيا حديثا، لتنتهينَّ أو لألقينك بجبال القردة "(٢) .

وعن عمرو بن ميمون قال: " اختلفت إلى عبد الله بن مسعود سنة، فما سمعته فيها يحدث عن رسول الله، ولا يقول قال رسول الله، إلا أنه حدث ذات يوم بحديث فجرى على لسانه: قال رسول الله، فعلاه الكرب حتى رأيت العرق ينحدر عن جبينه، ثم قال:

إن شاء الله إما فوق ذاك أو قريب من ذاك، وإما دون ذاك "(٣) .

وعن السائب بن يزيد قال: " صحبت سعد بن أبي وقاص سنة، فما سمعته يحدث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا حديثا واحدا "(٤) .

وقال معاوية: " اتقوا الروايات عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا ما كان يذكر فيها في زمن عمر، فإن عمر كان يخوف الناس في الله تعالى ".

وقال الشعبي: " جالست ابن عمر سنة، فما سمعته يحدث عن رسول الله "(٥) .

____________

١ - منتخب الكنز بهامش المسند: ٤/٦٤. وراجع معالم المدرستين: ٢/٤٦.

٢ - ص ٥٥٤.

٣ - راجع أضواء على السنة المحمدية: ٢٩. المحدث الفاصل: ٥٤٩. مسند أحمد: ٦/٤٦. الكفاية: ٢٥٥.

٤ - المحدث الفاصل: ص ٥٥٧، وقال عجاج: انظر سنن ابن ماجة: ١/١٢ وطبقات ابن سعد: ٣/١٠٢ قسم ١.

٥ - المحدث الفاصل: ص ٥٥١، قال عجاج: أخرجه ابن ماجة، انظر سنن ابن ماجة: ص ١/١١ حديث ١٢٦. وسنن الدارمي: ١/٨٤، والسنن الكبرى: ص ١/١١.


وروي عن أبي بردة أنه كان يكتب حديث أبيه فرآه أبو موسى فمحاه.

وعنه قال: كتبت عن أبي كتبا كثيرة، فقال: ائتني بكتبك فأتيته بها فغسلها(١) .

وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: " أدركت مائة وعشرين من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول ".

وقال ابن أبي ليلى: " لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار وما منهم من أحد يحدِّث بحديث إلا وَدَّ أنَّ أخاه كفاه الحديث ولا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا "(٢) .

قال ابن قتيبة: " وكان كثير من الصحابة وأهل الخاصة برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كأبي بكر والزبير وأبي عبيدة والعباس بن عبد المطلب يقلون الرواية عنه، بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل... "(٣) .

وقال ابن القيم: " إن الصحابة كانوا يهابون الرواية عن رسول الله ويعظمونها ويقللونها - خوف الزيادة والنقص - ويحدثون بالشئ الذي سمعوه من النبي مرارا ولا يصرحون بالسماع ولا يقولون: قال رسول الله "(٤) .

وقال الحافظ ابن حجر: " قال ابن بطال وغيره: كان كثير من الصحابة لا يحدثون عن رسول الله خشية المزيد والنقصان "(٥) .

____________

١ - جامع بيان العلم: ص ٨١. تقييد العلم: ص ٣٩.

٢ - سنن الدرامي: ١/٥٣. جامع بيان العلم: ٢/١٦٣. تلبيس إبليس: ١١٧. إعلام الموقعين: ١/٣٤.

٣ - راجع أضواء على السنة: ص ٢٩.

٤ - إعلام الموقعين: ٤/١٢٨.

٥ - فتح الباري: ٦/٢٨.


وورد أنَّ عمر قال على المنبر: " أحرج بالله على رجل سأل عما لم يكن، فإن الله قد بين ما هو كائن " وقال: " لا يحل لأحد أن يسأل عما لم يكن، إن الله تبارك وتعالى قضى فيما هو كائن، وقال: أحرج عليكم أن لا تسألوا عما لم يكن، فإن لنا فيه شغلا "(١) .

وجاء رجل يوما إلى ابن عمر فسأله عن شئ، لا أدري ما هو، فقال له ابن عمر:

" لا تسأل عما لم يكن، فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من يسأل عما لم يكن "(٢) .

واستفتى رجل أبي بن كعب فقال: " يا أبا المنذر ما تقول في كذا وكذا؟ قال:

يا بني: أكان الذي سألتني عنه، قال: لا، قال: أما لا، فأحلني حتى يكون فنعالج أنفسنا حتى نخبرك "(٣) .

تعليق

لقد ثبت أنَّ الصحابة كانوا ينهون عن الرواية، ويقلونها، وقاموا بحرق السنن ومحوا الصحف، وحبس عمر بعض الصحابة ليمنعهم من الحديث، وكان الصحابة ينهون عن سؤال ما لم يقع.

" فهل ترى بربك ان ذلك الاتجاه الساذج - إن كانت المسألة مسألة سذاجة - الذي ينفر من السؤال عن واقعة قبل حدوثها ويرفض تسجيل سنن النبي بعد صدورها، كفوءا لزعامة الرسالة الجديدة وقيادتها في أهم وأصعب مراحل مسيرتها الطويلة... وقد أثبتت الأحداث بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن جيل المهاجرين والأنصار لم يكن يملك اي تعليمات محددة عن كثير من المشاكل الكبيرة التي كانت من المفروض ان تواجهها الدعوة

____________

١ - سنن الدارمي: ١/٥٠. جامع بيان العلم: ١/١٤١.

٢ - المصدر السابق.

٣ - سنن الدارمي: ١/٥٦.


بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حتى أن مساحة هائلة من الأرض التي امتد إليها الفتح الإسلامي لم يكن لدى الخليفة والوسط الذي يسنده أي تصور محدد عن حكمها الشرعي وعما إذا كانت تقسم بين المقاتلين أم تجعل وقفا على المسلمين عموما.

فهل يمكننا أن نتصور ان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يؤكد للمسلمين انهم سوف يفتحون أرض كسرى وقيصر ويجعل من جيل المهاجرين والأنصار القيم على الدعوة والمسؤول عن هذا الفتح ثم لا يخبره بالحكم الشرعي الذي يجب أن يطبَّق على تلك المساحة الهائلة من الدنيا التي سوف يمتد إليها الإسلام "(١) .

إنَّ التقليل من الرواية ومنعها وحرق السنن ومحوها ليس من صفات الدعاة إلى الله. فالمفترض بالصحابة إذا كان قد انتدبهم الله لبيان دينه: أن يقوموا بأعباء هذه المهمة خير قيام، خاصة وأنَّ أمامهم عملا شاقا وطويلا. لكننا وجدنا الصحابة قد عملوا ما يؤثر سلبا على الدعوة. إن الله يريد لدينه أن ينتشر في كل مكان، فما معنى امتناع الصحابة عن الرواية إذا كان الله قد اختارهم لتبليغ دينه؟!

هذا قرظة بن كعب لمّا قدم العراق قالوا له: حدثنا، فقال: " نهانا عمر ". عجبا كيف سيعرف هؤلاء دينهم وسنة نبيهم، وحملة الدين لا يتكلمون؟! إن الداعية يفرح إذا وجد من يصغي له. فلماذا يمتنع هذا الصحابي وغيره عن الدعوة؟ وأين ذهب قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " ليبلغ الشاهد الغائب "؟(٢) .

وقوله: " نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني، فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه "(٣) .

إن الإسلام لا يقبل بمنع الرواية وتقليلها، بل يشجِّع على نشرها بكل الطرق حتى

____________

١ - بحث حول الولاية: ص ٤٥ - ٤٧.

٢ - صحيح البخاري: كتاب العلم، باب يبلغ العلم الشاهد الغائب، سنن ابن ماجة: ١/٨٥.

٣ - ابن ماجة: ج ١ باب ١٨ حديث ٢٣٦. سنن أبي داود: كتاب العلم، باب فضل نشر العلم.


تنتشر السنة التي تبين القرآن وتفصل مجمله وتخصص عامه وتقيد مطلقه. قال تعالى:

( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ‌ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (١) وقال تعالى:( وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَ‌حْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (٢) فالسنة هي المصدر الثاني بعد القرآن يقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معي).

فلماذا امتنع الصحابة عن الرواية واقلوها وأحرقوا السنن وهم حملة الدعوة إلى الناس؟!

إن الله يخاطب نبيه:( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ‌ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) فمهمة الرسول البيان.

وإذا كان الصحابة خلفاءه في حمل الدعوة فمهمتهم أيضا البيان.

أما أن يقلوا الرواية وينهوا عنها ويحرقوا السنن ويحبسوا... فهذا لم يحصل في تاريخ الدعاة إلى الله!

إن الله لم يبعث أنبياءهعليهم‌السلام دعاة يحتكرون رسالات ربهم ويكتمون ما أمرهم الله بتبليغه ويحرقون السنن ويمحونها.

هذا نوحعليه‌السلام على الرغم من محدودية رسالته مكانا وزمانا ومع بقائه تسعمائة وخمسين سنة في قومه لم يتوان عن الدعوة في أي لحظة، ولم يحرق ويمح ما أمره الله بتبليغه، بل كان يدعو الناس ليلا ونهارا سرا وإعلانا، قال تعالى على لسانه:

( إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارً‌ا ) (٣) ،( ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارً‌ا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَ‌رْ‌تُ لَهُمْ إِسْرَ‌ارً‌ا ) (٤) .

____________

١ - النحل: ٤٤.

٢ - النحل: ٦٤.

٣ - نوح: ٥.

٤ - نوح: ٨ و ٩.


وهذا يوسفعليه‌السلام لم يترك الدعوة وهو في السجن، قال تعالى على لسانه:

( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْ‌بَابٌ مُّتَفَرِّ‌قُونَ خَيْرٌ‌ أَمِ اللَّـهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ‌ ) (١) من ذلك يتضح لنا أن الله لم يرض بتقليل العمل الرسالي في الرسالات المحددة مكانا وزمانا، فكيف يصطفي لآخر رسالاته وأخطرها، والتي ينتظرها عمل كثير، دعاة يمنعون الرواية ويحرقونها ويمحونها؟

لقد مر علينا قول ابن أبي ليلى: " أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول ".

فلماذا لا يجيب هؤلاء الصحابة عن المسائل التي يسألونها؟ فإذا كانوا يجهلون فلا يصلحون لتبيين الإسلام، وإذا كانوا يعرفون فلم يردون المسائل؟ أهو الورع الذي يمنعهم؟ فهل هم أورع من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي لم يرد سائلا في حياته؟(٢) لا أعتقد أن مسلما يقبل بهذا!

أما التعليلات التي تذكر لتبرير موقف الصحابة هذا، فهي مرفوضة.

قيل: إن الصحابة منعوا تداول السنة كيلا تختلط بالقرآن، ومعنى هذا القول: إن الله قد أنزل كتابه المعجز لقوم لا يميزون بين كلام الخالق وكلام المخلوق!! وبهذا يتبين ضعف هذا التعليل الذي نسمعه دائما!

وقيل: إن الصحابة منعوا الرواية كي ينشغل الناس بالقرآن، ولا يتكلون على الصحف.

____________

١ - يوسف: ٣٩.

٢ - قد يقال: إن الرسول معصوم ولهذا كان لا يتحرج في الجواب، أما الصحابة فكانوا يخافون الزيادة والنقص في الحديث. ولكننا نقول: أما كان الله قادرا على أن يختار شخصا معصوما بعد نبيه كي يسير بسيرة النبي في التبليغ بدلا من حرمان الناس من الحديث؟ فذلك خير ضمان لحفظ السنة بلا زيادة ولا نقصان ولا تغيير بالمعنى.


ولا أدري كيف سينشغل الناس بالقرآن ويفهمونه دون سنة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

وبناء على هذا القول يجب ألا تدون السنة مطلقا وأن لا تنشر كي لا يتكل الناس عليها!!

إن السنة موجودة الآن في كتب السنن، ولا نرى المسلمين منشغلين بها دون القرآن.

إذن فما محل هذه التعليلات من الصحة؟!

ولذلك فلابد من التأكيد على أن سيرة الصحابة في تعاملهم مع السنة من حرق ومحو ومنع انتشارها لدليل واضح على أن الله لم يختر الصحابة لبيان دينه...

قلة تلقّي الصحابة عن النبيّ وانشغالهم

إنَّ قلّة تلقي الصحابة عن النبيّ وانشغالهم في طلب المعاش لا يتناسب مع المهمّة الملقاة علی عاتقهم. أنكر عمر بن الخطاب على أُبيِّ قراءته وقال بأنه لم يسمع بها من قبل، فقال له أبي: " إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق "(١) .

وحين شهد أبو سعيد الخدري لأبي موسى الأشعري في قضية الاستئذان قال:

" قد كنا نؤمر بهذا. فقال عمر: خفي عليَّ هذا من أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألهاني الصفق بالأسواق "(٢) .

وقال البراء بن عازب: " ما كل الحديث سمعناه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كانت ضيعة وأشغال، ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب ".

وورد عنه قوله: " ما كل الحديث سمعناه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كان يحدثنا أصحابنا عنه، كانت تشغلنا رعية الإبل "(٣) .

____________

١ - تاريخ ابن عساكر: ٧/٣٣٩.

٢ - صحيح البخاري: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الحجة على من قال إن أحكام النبي كانت ظاهرة.

٣ - قال محمد زهو في الحديث والمحدثون: ص ١٥٨: " رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، ورواه الحاكم...

قال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وأقره الذهبي ".


وقال طلحة بن عبيد الله: "... إنا كنا قوما أغنياء، لنا بيوتات وأهلون، وكنا نأتي رسول الله طرفي النهار ثم نرجع "(١) .

قال ابن حزم في بيان حال الصحابة بأنهم كانوا " مشاغيل في المعاش، وتعذر القوت عليهم بجهد العيش بالحجاز، وأنه كان يفتي بالفتيا ويحكم بالحكم بحضرة من حضره من أصحابه فقط، وانه إنما قامت الحجة على سائر من لم يحضره بنقل من حضره وهم واحد أو اثنان ".

" وإذا صح هذا - أي كلام ابن حزم - وهو صحيحٌ جدا لأن التاريخ لم يحدثنا عنه انه - أي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - كان يجمع الصحابة جميعا، ويبلغهم بكل ما يجد من أحكام، ولو تصورناه في أقواله فلا نتصوره في أفعاله وتقريراته وهي من السنة. فماذا يصنع من يريد التمسك بسنته - ولنفترضه من غير الصحابة - أيظل يبحث عن جميع الصحابة وفيهم الولاة والحكام وفيهم القواد والجنود في الثغور ليسألهم عن طبيعة ما يريد التعرف عليه من أحكام؟ أم يكتفي بالرجوع إلى الموجودين، وهو لا يجزيه لاحتمال صدور الناسخ أو المقيد أو المخصص أمام واحد أو اثنين ممن لم يكونوا بالمدينة، والحجة - كما يقول ابن حزم - لا تقوم إلا بهم، والعمل بالعام أو المطلق لا يجوز قبل الفحص عن مخصصه مادمنا نعلم من طريقة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في التبليغ هو الاعتماد على القرائن المنفصلة، فالإرجاع إلى شئ مشتت وغير مدون تعجيز للأمة وتضييع للكثير من أحكامها الواقعية.

وإذا كانت هذه المشكلة قائمة بالنسبة إلى من أدرك الصحابة وهم القلة نسبيا، فما رأيكم بالمشكلة بعد تكثر الفتوح وانتشار الإسلام ومحاولة التعرف على احكامه من قبل غير الصحابة من رواتهم، وبخاصة بعد انتشار الكذب والوضع في الحديث... "(٢) .

____________

١ - تاريخ ابن كثير: ٤/١٠٩، قال: وقد رواه الترمذي بنحوه.

٢ - الاصول العامة للفقه المقارن: محمد تقي الحكيم، ١٧٢. إن هذا الكلام الرائع كاف لإثبات أن النبي لم يفكر بأن يحمل صحابته الدعوة من بعده!


لقد مرت شهادات الصحابة بأنهم كانوا مشغولين بأعمالهم، وكانوا يأتون النبي طرفي النهار حسب قول طلحة.

ونحن نعلم أنَّ الإسلام هو خاتم الرسالات وللعالم أجمع. لذلك لا بد من القول: إنَّ هناك شخصا ممن رافق الدعوة خطوةً خطوة واستوعب الإسلام استيعابا كاملا بحيث يجسِّده في قوله وسلوكه وهذا هو الواجب، أما الصحابة فقد خفي عليهم الكثير من الرسول، وكانوا يأتون طرفي النهار ولا يحضر إلا الواحد أو الاثنان على حد تعبير ابن حزم.

ولو فكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن يعهد للصحابة القيادة الفكرية للامة لقام بتعبئتهم التعبئة الكاملة بالإسلام حتى ينقلوه للأجيال، وحتى لا يصطدموا بالمستجدات.

فقلة تلقي الصحابة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تتدفعنا الى القول بأنه لم يفكر بأن يسند إليهم حمل الدعوة من بعده. وكيف يمكن لإنسان عاش مع النبي بضعة أشهر(١) أن يستوعب الإسلام الذي بقي ينزل ثلاثا وعشرين سنة؟! والذي يصعب تصديقه هو القول: إنَّ النبي قد حمله أمانته العظمى!

إن "... أي افتراض يتجه إلى القول بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يخطط لإسناد قيادة التجربة والقيمومة على الدعوة بعده مباشرة إلى جيل المهاجرين والأنصار يحتوي ضمنا على اتهام أكبر وأبصر قائد رسالي في تاريخ العمليات التغييرية بعدم القدرة على التمييز بين الوعي المطلوب على مستوى القاعدة الشعبية للدعوة، والوعي المطلوب على مستوى قيادة الدعوة وإمامتها الفكرية والسياسية "(٢) .

____________

١ - كمعاوية بن أبي سفيان وأبيه ووفود العرب الذين رأوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لساعات.

٢ - بحث حول الولاية.


الصحابة ينقلون آخر الحديث أحياناً!

قد يسمع الصحابي طرفا من حديث النبي، ولم يكن قد حضر أوله، فيظن أنه سمع حديثا تامّاً، فيحدِّث بما سمع، وهذه واحدةٌ من أخطر علل الحديث.

حدث ابن الجوزي " أن الزبير بن العوام سمع صحابيا يحدث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فاستمع إليه حتى قضى حديثه، فقال له: أنت سمعت هذا من رسول الله؟ فقال الرجل: نعم، فقال الزبير: هذا وأشباهه مما يمنعانني أن أتحدَّث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قد لعمري سمعت هذا من رسول الله، وأنا يومئذ حاضر، ولكن رسول الله ابتدأ بهذا الحديث، فحدثناه عن رجل من أهل الكتاب حديثه يومئذ، فجئته أنت بعد انقضاء صدر الحديث وذكر الرجل الذي هو من أهل الكتاب فظننت انه من حديث رسول الله "(١) .

هذا صحابي يروي حديثا على أنه من النبي مع أنَّ النبي يحكيه عن رجل من أهل الكتاب.

إنه أمر طبيعي أن يأتي بعض الصحابة والرسول يتحدَّث فلا يسمعون منه أول حديثه.

لكن المصيبة الكبرى أن يتحدث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أهل الكتاب، فيأتي صحابي ويروي كلامهم على أنه تعبير عن الإسلام! فهل نصدق أنَّ الله جعل كل واحد من الصحابة مرجعا لنا نأخذ عنه الدين، وهذا حالهم؟ وهل يقبل الله أن يصبح كلام أهل الكتاب جزءا من الإسلام؟! من قال هذا فهو أظلم اتهام لله بالتفريط في دينه، فالله لم يجعل الصحابة مراجع لنا لأنه يعلم أنهم قد يأخذون كلام النبي على غير حقيقته، كما حدث لهذا الصحابي السالف الذكر.

____________

١ - شبهة التشبيه: ص ٣٨.


وعن أبي حسان الأعرج: أنَّ رجلين دخلا على عائشة(١) فقالا: إنَّ أبا هريرة يحدث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنما " الطيرة في المرأة والدابة والدار ".

فطارت شفقا ثم قالت: كذب والذي أنزل القرآن على أبي القاسم!! من حدث بهذا؟! إنما قال رسول الله: كان أهل الجاهلية يقولون: إن الطيرة في الدابة والمرأة والدار، ثم قرأت:( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْ‌ضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَ‌أَهَا ) (٢) (٣) .

انظر أيها القارئ اللبيب إلى هذا الحديث. فأبوهريرة يرويه على أنه من كلام النبي مع أن النبي كان يتكلم على لسان أهل الجاهلية كما ورد. ويعد أبوهريرة راوية الإسلام، فإذا كان هذا حال راوية الإسلام بالنقل فكيف بباقي الرواة؟!

ألا يدفع فينا هذا الحديث الشك والريبة حول الأحاديث الموجودة؟ - ولنقل الأحاديث التي تفرد بها كل صحابي - مَن يدري؟ فلعل بعض الأحاديث التي نعتقد بها، هي من كلام الجاهلية أو أهل الكتاب. ولكن خفي ذلك على الراوي كما خفي على راوية الإسلام أبي هريرة!!

قد يقال: إن أبا هريرة سمع آخر الحديث " إن الطيرة... " وظنه من كلام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فرواه، لا أنه يتعمد الكذب.

قلنا: وما ذنبنا نحن حتى يصل إلينا الإسلام بشكل خاطئ؟

وروى الحاكم في " المستدرك " في كتاب العتق، بإسناده عن عروة بن الزبير، أنه قال: بلغ عائشة رضي الله عنها أنَّ أبا هريرة يقول: إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " لأن امتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من ان أعتق ولد الزنا " وأن رسول الله قال: " ولد الزنا شر الثلاثة، وأن: الميت يعذب ببكاء الحي ".

____________

١ - الحديد: ٢٢.

٢ - تأويل مختلف الحديث: ص ١٢٦ و ١٢٧.


فقالت عائشة: رحم الله أبا هريرة، أساء سمعا فأساء إصابةً، أما قوله: " لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إليَّ من أن أعتق ولد الزنا "، إنها لما نزلت( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَ‌اكَ مَا الْعَقَبَةُ ) (١) . قيل: يا رسول الله، ما عندنا ما نعتق، إلا أن أحدنا له جارية سوداء، تخدمه وتسعى عليه. فلو أمرناهن - الجواري - فزنين، فجئن بالأولاد فأعتقناهم، فقال رسول الله: " لأن أمتع بسوط في سبيل الله، أحب إلي من أن آمر بالزنا، ثم اعتق الولد ".

وأما قوله: " ولد الزني شر الثلاثة " فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: " ومن يعذرني من فلان؟ "، قيل: يا رسول الله مع ما به ولد زنا، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " هو شر الثلاثة " والله(٢) يقول:( وَلَا تَزِرُ‌ وَازِرَ‌ةٌ وِزْرَ‌ أُخْرَ‌ىٰ ) ... "(٣) (٤) .

هذا مثال آخر يبين لنا عدم أهلية الصحابة لنقل الإسلام لمن بعدهم. فقد أخفق أبو هريرة في نقل الحديث حتى أصلحت له عائشة خطأه. والذي ينبغي الوقوف عنده أن لأبي هريرة في كتب السنن ٥٣٧٤ حديثا، فمن يضمن لنا أن لا يكون أبو هريرة قد أخطأ في نقلها كما حصل له في هذا الحديث والذي قبله؟ نحن لا نقول: جميع أحاديثه بل لنقل الأحاديث التي تفرد بها. نعم، من يضمن لنا ذلك؟ وإذا لم نجد جوابا فكيف يمكن لنا أن نعتمد على أبي هريرة في نقل سنة النبي؟! إننا في حاجة لجواب يحل لنا هذه المعضلة التي تمس الإسلام أجمعه. وهل حقا أنَّ الله اختار أبا هريرة لتبليغ سنة نبيه؟ أنا لا أتصور مسلما يقول بالإيجاب بعدما عرف إخفاق أبي هريرة في النقل. والذي يقول إن الله اختار أبا هريرة لهذه المهمة متهم لله بأنه فرط في دينه، إذ رضي أن تتغير تعاليم الإسلام بمعتقدات جاهلية...

____________

١ - البلد: ١ و ١٢.

٢ - المستدرك: ٢/٢١٥ وصححه.

٣ - فاطر: ١٨.


وقال بشر بن سعيد: " اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويحدثنا عن كعب الأحبار، ثم يقوم فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، وحديث كعب عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(١) !!

الصحابي يأخذ عن مخبر وينسب للنبيّ

ومن الإشكالات التي تظهر لنا في مرجعية الصحابة أنَّ هناك من الصحابة من كان يسمع الحديث من مخبر وينسبه للنبي، كأبي هريرة مثلا، يقول ابن قتيبة فيه:

" وكان مع هذا يقول: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كذا، وإنما سمعه من الثقة عنده فحكاه "(٢) .

أخرج البخاري: عن الزهري قال أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنَّ أباه عبد الرحمن أخبر مروان أنَّ عائشة واُمُّ سَلَمَه أخبرتاه أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم(٣) . وقال مروان لعبد الرحمن بن الحارث: أقسم بالله عليك لتقرعن أبا هريرة - لأنه كان يقول: من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم - ومروان يومئذ على المدينة. فقال أبو بكر فكره ذلك عبد الرحمن ثم قُدِّر لنا أن نجتمع بذي الحًليفة وكانت لأبي هريرة هناك أرضٌ فقال عبد الرحمن لأبي هريرة: إني ذاكر لك أمرا ولولا مروان أقسم عليَّ فيه لم أذكره لك. فذكر قول عائشة وأم سلمه، فقال: كذلك حدثني الفضل بن عباس وهو أعلم(٤) .

وفي رواية معمر، عن ابن شهاب أنَّ أبا هريرة لما ذكر له عبد الرحمن قول عائشة " تلوَّن وجهه "(٥) .

____________

١ - البداية والنهاية: ٤/١٠٩، سير أعلام النبلاء: ٢/٦٠٦، وليت أحدا يدلنا على هؤلاء الذين كانوا مع بشر بن سعيد، وما أسماؤهم؟ فربما وصلت لنا مروياتهم وهي من كعب!

٢ - تأويل مختلف الحديث: ص ٥٠.

٣ - نحن لانقبل مانسب الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وننزهه من هذا الفعل، ولكن نحتج بالرواية على من يثبتونها.

٤ - صحيح البخاري: كتاب الصوم، باب الصائم يصبح جنبا.

٥ - راجع شيخ المضيرة: ص ١٣٨.


هذه مشكلة كبيرة جدا في مرجعية الصحابة، وربما كان يأخذ الصحابي من أحد الصحابة المنافقين المتظاهرين بالتقوى الذين لا يعلمهم إلا الله( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَ‌دُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) (١) وهؤلاء المنافقون يسعون لتشويه صورة الإسلام. فلعل بعض الصحابة أخذوا عنهم ونسبوا الحديث للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والنبي منه برئ. فكيف نحل هذه المعضلة؟!

وقد يأخذ الصحابي عن مخبر يهودي ممن دخلوا الإسلام ليكيدوا له ككعب الأحبار مثلا.

روى أحمد عن أبي هريرة: " إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذين عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون... ".

قال ابن كثير: " لعل أبا هريرة تلقاه من كعب - الأحبار -، فإنه كان كثيرا ما يجالسه ويحدثه، فحدث به أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع فرفعه... "(٢) .

قال يزيد بن هارون: " سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلس، أي يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله ولا يميِّز هذا من هذا "(٣) .

قال رشيد رضا حين تكلم عن كعب الأحبار ووهب بن منبه: " وما يدرينا أن تلك الروايات المرفوعة أو الموقوفة ترجع إليهما، فإن الصحابة(٤) لم يكونوا يذكرون ما يسمع بعضهم من بعض ومن التابعين على سبيل الرواية والنقل. بل يذكرونه من غير عزو غالبا، وكثير من التابعين كذلك، بل أكثر ما روي عن أبي هريرة من الأحاديث

____________

١ - التوبة: ١٠١.

٢ - تفسير ابن كثير: ٣/١١١.

٣ - رواه ابن عساكر، انظر علوم مصطلح الحديث صبحي الصالح، البداية والنهاية: ٤/١٠٩، وهناك رواية قريبة منها في سير أعلام النبلاء: ٢/٦٠٨.


المرفوعة لم يسمعه منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(١) .

وقال: " وأنا لا آمن أن يكون بعض أحاديث أبي هريرة المرفوعة الغريبة المتون - التي لم يصرح فيها بالسماع - مما رواه كعب الأحبار، فقد صرحوا أنه روى عنه "(٢) .

روى مسلم عن أبي هريرة: " أخذ رسول الله بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الأثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدمعليه‌السلام بعد العصر يوم الجمعة في آخر الخلق من آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ".

وقد قدح أئمة الحديث في هذا الحديث. قال البخاري: " الصحيح انه موقوف على كعب الأحبار "(٣) ومع أنَّ هذا الحديث من كعب الأحبار إلا أن أبا هريرة ينسبه للنبي ويؤكِّد ذلك بقوله: " أخذ رسول الله بيدي "!!

وعن أبي هريرة، قال: " سمعت رسول الله يحكي عن موسى على المنبر قال: وقع في نفس موسى هل ينام الله(٤) ؟ فأرسل الله تعالى إليه ملكا فأرقه ثلاثا، وأعطاه قارورتين، في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما، فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحدى القارورتين عن الأخرى، حتى نام نومه فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان "(٥) .

قال ابن كثير: " والظاهر أنَّ هذا الحديث ليس بمرفوع، بل من الإسرائيليات

____________

١ - مجلة المنار: ١٩/٩٧. راجع شيخ المضيرة: ص ١٥٠.

٢ - وأنا لا آمن!... راجع مجلة المنار: ٢٧/٣٤٢ وشيخ المضيرة.

٣ - تفسير سوة الإخلاص لابن تيمية: ص ١٦.

٤ - تفسير ابن كثير: ٣/٥٦٨.


المنكرة، فإن موسىعليه‌السلام أجل من أن يجَّوز على الله سبحانه وتعالى النوم، وقد أخبر الله(١) في كتابه العزيز بانه الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السموات وما في الأرض "(٢) .

لقد كان أبو هريرة يأخذ عن مخبرين ككعب وغيره وينسب للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دون ذكر لاسم الشخص الذي أخذ عنه، فهل يرضى الله أن نأخذ ديننا عن رواة يأخذون عمن هب ودب من اليهود والمنافقين؟ وإذا كانت أم المؤمنين كذبته في قوله عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

" من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم " فكيف نأمن أن لا تكون أحاديث أبي هريرة كهذا؟

وإذا أخطأ في هذا الحديث فهو معرَّض لأن يخطئ في غيره.

فالحق أنَّ جعل الصحابة نقلة للسنة أمرٌ خطير، وأنا لا أريد أن آخذ ديني عن مجهول قد يكون يهوديا ماكرا أو منافقا خبيثا. فعلى علماء الحديث أن يبينوا لنا هؤلاء المخبرين الذين كان يأخذ عنهم أبو هريرة حتى نطمئن بأنهم ليسوا من اليهود أو المنافقين، ثم ننظر فإن لم يقدروا على ذلك فليرحموا أنفسهم بالبحث عن مرجعيّةٍ أفضل..

الصحابة يخطئون بالنقل

كان هناك قسم من الصحابة يغلطون بالرواية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا أمر خطير، فلربما نقلوا لنا الكثير من الروايات المغلوطة، ويتعبد بها الملايين، وهي ليست كما قال النبي، والأمثلة على ذلك كثيرة.

عن مطرف قال: " قال لي عمران بن حصين: أي مطرف، والله إن كنت لأرى أني لو شئت حدثت عن نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يومين متتابعين لا أعيد حديثا، ثم لقد زادني بُطأً عن ذلك وكراهية له، أنَّ رجلا من أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - أو من بعض أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - شهدت كما شهدوا وسمعت كما سمعوا يحدثون أحاديث ما هي كما يقولون، ولقد علمت

____________

١ - تفسير ابن كثير: ٣/٥٦٨.

٢ – البداية والنهاية ١٠/١٥.


أنهم لا يألون عن الخير، فأخاف أن يشبه لي كما شبِّه لهم... "(١) .

هذه شهادة لصحابي كبير في أنَّ الصحابة كانوا يخطئون في نقل أحاديث النبي.

وقول عمران هذا يدخل علينا الشك في الأحاديث التي بين أيدينا. فلربما يكون بعضها عن هؤلاء الصحابة الذين كانوا يغلطون. إننا لو علمنا أسماءهم أو علمنا رواياتهم لربما يحل الإشكال بورود رواياتهم عن طريق آخر، ولكن للأسف لا نستطيع إحراز أسمائهم ولا رواياتهم.

فكيف يطمئن المسلم بجعل هؤلاء الصحابة همزة الوصل بينه وبين منبع تعاليم الإسلام؟! وكيف يطمئن بكل الأحاديث التي وصلت إلينا مما قد تكون من الأحاديث الخاطئة؟! وهل يمكن القول أنَّ الله(٢) - وهو الحريص على إيصال دينه الى عباده بصورة صحيحة - وضع لنا بعد نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرجعية تخطئ في النقل؟! لا أعتقد أن مسلما يقول ذلك.

قال زيد بن ثابت: " لعل كل شئ حدثتكم به ليس كما حدثتكم "(٣) !!!

إن زيدا يدعونا الى التشكيك في كل أحاديثه التي وصلت إلينا، فلا ندري كيف نأخذ بأحاديثه بعد هذا؟

إنني لا أستطيع أن آخذ ديني عن زيد بن ثابت بعد شهادته هذه على نفسه. كما أنَّ كل حديث مرسل يواجهنا سنفترض أنه مأخوذ عن زيد وسنشكك به لأنه قد لا يكون كما حدثهم به!!

وإنني أرى في قول زيد هذا أكبر عائق يقف أمامنا ويمنعنا عن جعل زيد والصحابة مراجعنا بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فإذا شك زيد في أحاديثه - وهو من علماء الصحابة - فهذا الشك وارد في حق الصحابة الآخرين ممن هم أقل حفظا وضبطا للحديث من زيد!!

____________

١ - مسند أحمد: ٥/٥٩٩، مجمع الزوائد: ١/١٤١، تأويل مختلف الحديث: ٤٠.

٢ - جامع بيان العلم: ١/٦٥، وذكره عجاج الخطيب في السنة قبل التدوين: ٣١٣ نقلا عن نفس المصدر.


وروي: أنه بلغ عائشة قول ابن عمر: " في القُبلةِ، الوضوء "، فقالت: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقبل وهو صائمٌ، ثم لا يتوضأ "(١) .

هذا صحابي آخر يعتبر من المكثرين، له في كتب السنن ٢٦٣٠ حديثا وقد أخطأ في نقل حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعكس المعنى حتى أصلحت قوله أم المؤمنين. ولولاها لنقل إلينا هذا الحديث على صورته المقلوبة!!

فإذا كان ابن عمر يخطئ في الرواية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكيف نطمئن بالأخذ عنه؟

فربما روى أحاديث خاطئة كما فعل في الحديث السابق ووصلت إلينا رواياته على أنها من الإسلام! أليس هذا أمرا جائزا ومحتملا؟ فالأمثلة على ذلك كثيرة.

أخرج أحمد عن ابن عمر أنه قال: وقف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على القليب يوم بدر قال: يافلان يافلان هل وجدتم ماوعدكم ربكم حقا أما والله إنهم الآن ليسمعون كلامي. قال يحيى: فقالت عائشة: غفر الله لأبي عبد الرحمن إنه وَهمٌ إنما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنهم ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم حقا(٢) ...

وأخرج أحمد عن عائشة أنه بلغها أنَّ ابن عمر يحدث عن أبيه عمر بن الخطاب أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه ". فقالت: يرحم الله عمر وابن عمر فوالله ما هما بكاذبين(٣) ولا مكذبين ولا متزيِّدين، انما قال ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في رجل من اليهود ومر بأهله وهم يبكون عليه، فقال: " إنهم ليبكون عليه وان الله(٤) ليعذبه في قبره "(٥) .

____________

١ - الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة: الزركشي، ٩٧، ونقله عن الدارقطني.

٢ - مسند أحمد: ٤/٤٢٧.

٣ - حتى لو كانا غير كاذبين، فالله لايعتمد لنقل شريعته من يخطئ في نقل الحديث بالشكل الذي يغير المعنى الأصيل له كله.

٤ - ٦/٢٨١. سنن النسائي بشرح الحافظ السيوطي: ٤/١٨ - ١٩.


وفي " الانصاف " لشاه صاحب، فقضت عائشة بأنه لم يأخذ الحديث على وجهه(١) .

لقد أخطأ ابن عمر في نقل حديث قليب بدر، وكذا أخطأ عمر بن الخطاب في نقل حديث " الميِّت يعذَّب ببكاء أهله " فمع أنَّ الحديث جاء في رجل من اليهود إلا أنَّ عمر حدَّث به على أنه من نصوص الإسلام، ونقله ابن عمر وحدث به عن أبيه إلى أن صححت له عائشة الحديث.

ألا ترى أن اعتماد هكذا مرجعية بعدالنبي فيه خطر على تعاليم الإسلام ونصوصه؟!

وهل يعقل أن يختار الله لتبليغ دينه من يقلب نصوصه رأسا على عقب - ولو بدون قصد؟!

من عقل ذلك فهو يتهم الله بأنه فرط في دينه، إذ رضي أن يجعل حملته قاصرين عن فهم النص وملابساته.

إنَّ هذه الإشكالات التي وقع فيها ابن عمر وأبوه تجعلنا نشك في أحاديث عمر وابنه، وإذا صححت لهم عائشة بعض أحاديثهم فلا نضمن أنها صححت لهم كل أحاديثهم. مع أنها هي أيضا عرضةٌ للخطأ والسهو فهي غير معصومة!

وقد يرد البعض علينا أمام هذه الإشكالات بقوله: إذا وردت أحاديث عمر وابنه من طرق أخرى فسيحل الإشكال. ويبدو أن هذا الحل غير مجد، فماذا نفعل بالأحاديث التي تفرد بها عمر وابنه؟! بل قل: وأحاديث بقية الصحابة التي تفرّدوا بها؟! فالذي وقع فيه عمر وابنه قد يقع فيه غيرهم.

أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم "(٢) .

" هذا الحديث مما استدركت به عائشة على ابن عمر وكانت تقول: غلط ابن

____________

١ - الغدير: ١٠/٤٣.

٢ - كتاب الأذان، باب أذان الأعمى اذا كان له من يخبره.


عمر، وصحيحه أنَّ ابن مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال "(١) .

وروي أن ابن عمر " كان يقول: اعتمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمرة في رجب، فسمعت بذلك عائشة فقضت عليه بالسهو "(٢) !!

وأخرج أحمد: قال عبد الله بن عمر: " قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الشهر تسعة وعشرون، وصفق بيديه مرتين، ثم صفق الثالثة وقبض إبهامه. فقالت عائشة: غفر الله لأبي عبد الرحمن انه وهمٌ، إنما هجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نساءه شهرا فنزل لتسعة وعشرين فقالوا: يا رسول الله إنك نزلت لتسعة وعشرين فقال: إنَّ الشهر يكون تسعة وعشرين "(٣) .

وهكذا لو لم تصحِّح عائشة هذا الحديث لابن عمر لحلت مشكلة الهلال في رمضان، ولكان العيد بعد اليوم التاسع والعشرين مباشرة ولصمنا تسعة وعشرين يوما لا نزيد عليها وان لم ير هلال رمضان كما كان يفعل ابن عمر(٤) .

إن هناك الكثير من الأحاديث التي لم تصححها عائشة لابن عمر، فماذا نفعل بها، ألا يحتمل فيها الخطأ كما حصل عنده في أحاديثه السابقة؟!

أعتقد أنَّ طريق الخلاص من هذه المشكلة واضحٌ للعيان، وهو اتباع المرجعية التي جعلها الله لنا بعد نبيه وهي ليست مرجعية الصحابة.

عن الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه كان عند معاوية وفدٌ من قريش، فقام معاوية فحمد الله، ثم قال: " بلغني أن رجالا منكم يتحدثون أحاديث

____________

١ - الغدير: ١٠/٤٤. قال الأميني: " وبهذا جزم الوليد، وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان من طرق عن شعبة، وكذلك أخرجه الطحاوي والطبراني من طريق منصور بن زادان عن خبب بن عبد الرحمن ". وراجع الإجابة: ٩٧ و ٩٨.

٢ - جمع الفوائد: ١/٣٤٥ - ٣٤٦.

٣ - المسند: ٢/٣١، وانظر الإجابة للزركشي: ص ٩٨.

٤ - راجع مسند أحمد: ٢/١٣.


ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله فأولئك جهالكم "(١) .

إذا كانت هذه الأحاديث التي يروونها لا تؤثر عن رسول الله، فمن يضمن لنا أن لا تكون قد وصلت إلينا؟!

فالأحرى بكل مسلم عاقل أن يترك مرجعية الصحابة التي تخطئ في نقل السنن وأن يبحث معنا عن المرجعية التي وضعتها السماء لحفظ الإسلام وإسعاد البشرية.

صحابة مشكوك في روايتهم

روي عن أبي حنيفة أنَّه قال: " أقلد جميع الصحابة ولا أستجيز خلافهم برأي إلا ثلاثة نفر: أنس بن مالك وأبو هريرة وسمرة. فقيل له في ذلك. فقال: أما أنس فاختلط في آخر عمره. وكان يستفتى فيفتي من عقله، وأنا لا أقلد عقله، وأما أبو هريرة، فكان يروي كل ما سمع من غير أن يتأمل في المعنى، ومن غير أن يعرف الناسخ والمنسوخ "(٢) .

هذا أنس قد خلط في آخر عمره وأفتى من عقله بشهادة أبي حنيفة الذي أدركه وسمع منه، فهل يستطيع أحدٌ أن يميز لنا الأحاديث التي رواها أنس قبل أن يخلط عن تلك التي رواها بعد أن خلط؟!! فلربما وصل إلينا عنه بعض من أحاديثه التي قالها بعد أن خلط ونقلها الرواة على أنها صحيحة، أليس هذا أمرا محتملا؟ فكل حديث رواه أنس، ليس له طريق آخر ينبغي لنا التوقف عنده لأنه قد يكون من عقله. وليس هذا فحسب، بل إن الأحاديث المرسلة - وهي التي كان يأخذها الصحابة عن بعضهم البعض وينسبوها للنبي دون ذكر لاسم الصحابي الذي أخذوا عنه - هذه الأحاديث المرسلة وما أكثرها نحتمل في كل حديث يواجهنا منها على أنه قد يكون مأخوذا عن أنس!!

____________

١ - ذكره ابن حزم في ملخص ابطال القياس، وراجع صحيح البخاري: كتاب المناقب، باب مناقب قريش.

٢ - مرآة الاصول شرح مرقاة الوصول، محمد بن فراموز المعروف بملا خسرو الحنفي (ت/٨٨٥ هـ‍) وهو مخطوط، راجع شيخ المضيرة: ص ١٤٦، وذكر ذلك أبو شامة الشافعي في مختصر المؤمل: ص ٣١ و ٣٢.


وبعد هذا، هل يجيز المسلم لنفسه الاعتماد على هكذا رواة؟ وهل حدث في منطق الرسالات الإلهية أن بعث الله سفيرا قد اختلط عقله؟! فالحق أنَّ المسلم الغيور على دينه لا يلج من هذا الباب بحثا عن الإسلام!

وروي أن الشافعي " أسر إلى الربيع أن لاتقبل شهادة أربعة من الصحابة، وهم:

معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة، وزياد "(١) !!

أما الصحابة المشكوك في الثقة برواياتهم فهم كُثر، ونكتفي هنا بواحد وهو أبو هريرة. وقد أنكر عليه السلف رواياته وشكّوا في صحتها. قال له عمر: " لتتركن الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو لالحقنك بأرض دوس "(٢) وقال له بعد أن ضربه بالدرة: " أكثرت يا أبا هريرة، وأحرى بك أن تكون كاذبا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(٣) .

وأرسل عثمان يقول لأبي هريرة: " لقد أكثرت، لتنتهين أو لألحقنك بجبال دوس "(٤) .

وقال عليعليه‌السلام فيه: " ألا اكذب الناس على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبو هريرة الدوسي "(٥) وكان أبو هريرة يقول: " حدثني خليلي، ورأيت خليلي، وقال لي خليلي رسول الله، فبلغ عليا ذلك فقال له: متى كان النبي خليلك يا أبا هريرة؟! قال ابن قتيبة:

" وكان - عليٌّ - سئ الرأي فيه "(٦) .

وقال: خالفت عائشة أبا هريرة وأنكرت عليه في أكثر من موضع. ففي حديث مَن أصبح جنبا،كذَّبته عائشة وكذا أم سلمة ورجع أبو هريرة إلى قولهما. وروى أبو هريرة

____________

١ - تاريخ الطبري، ابن الأثير، ابن عساكر: ٢/٣٧٩، راجع شيخ المضيرة: ص ١٨٥.

٢ - أخرجه ابن عساكر: ٥/٢٣٩ حديث رقم ٤٨٨٥ من كنز العمال، البداية والنهاية: ٤/١٠٦، سير أعلام النبلاء: ٢/٦٠٠.

٣ - رواه الإسكافي، راجع " أبو هريرة "، شرف الدين: ص ١٩٥.

٤ - المحدث الفاصل، الرامهرمزي: ص ٥٥٤.

٥ - رواه أبو جعفر الإسكافي راجع أبو هريرة، شرف الدين: ص ١٩٥.

٦ - تأويل مختلف الحديث: ٤١، ولم ينكر ابن قتيبة كلام علي في أبي هريرة!


حديثا في النهي عن المشي بالخف الواحد، فبلغ عائشة ذلك فمشت بخف واحد وقالت:

لاخالفن أبا هريرة "(١) .

وقال إبراهيم النخعي - إمام العراق، وقيل عنه: إنه كان صيرفياً في الحديث -:

" كان أصحابنا يَدَعُون من حديث أبي هريرة. وعنه قال: ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة. وعن الأعمش قال: كان إبراهيم صحيح الحديث فكنت إذا سمعت الحديث أتيته فعرضته عليه، فأتيته يوما بأحاديث من أحاديث أبي صالح عن أبي هريرة فقال:

دعني من أبي هريرة إنهم كانوا يتركون كثيرا من أحاديثه "(٢) .

وقد مرت بك أيها القارئ شهادة الإمام أبي حنيفة في أبي هريرة فلا تنسها. وأكَّد ابن قتيبة في رده على النظَّام أنَّ الصحابة والسابقين الأولين اتهموه وأنكروا عليه، وكانت عائشة أشدهم إنكارا عليه(٣) .

وقال الآمدي: " أنكر الصحابة على أبي هريرة كثرة روايته وذلك لأن الإكثار لا يؤمن معه اختلاط الضبط الذي لا يعرف لمن قلت روايته "(٤) .

وقال ابن الأثير: " أما رواية أبي هريرة فشك فيها قوم لكثرتها "(٥) .

وقال الأستاذ مصطفى صادق الرافعي فيه: "... كان عمر وعثمان وعلي وعائشة ينكرون عليه ويتهمونه، وهو أول راوية اتهم في الإسلام، وكانت عائشة أشدهم إنكارا عليه "(٦) .

____________

١ - راجع " أبو هريرة "، شرف الدين: ص ١٩٧.

٢ - هذه الأخبار في سير أعلام النبلاء: ٢/٦٠٢، البداية والنهاية: ٤/١٠٩، شرح النهج ١/٣٤٠، العلل ومعرفة الرجال: أحمد بن حنبل، ١/٤٢٨.

٣ - تأويل مختلف الحديث: ٣٩.

٤ - الإحكام: ٢/١٠٦.

٥ - المثل السائر: ص ٨١.

٦ - آداب العرب: ١/٢٨٢.


وقال المحدث رشيد رضا: " لو طال عمر عمر حتى مات أبو هريرة لما وصلت إلينا تلك الأحاديث الكثيرة "(١) .

وقال أحمد أمين عنه: " وقد أكثر الصحابة من نقده على الإكثار من الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشكوا فيه... "(٢) .

وقد اعترف أبو هريرة بتكذيب الناس له. روى مسلم عن ابن رزين قال:

" خرج علينا أبو هريرة فضرب بيده على جبهته فقال: انكم تقولون اني اكذِّب على رسول الله لتهتدوا وأضل... "(٣) فأهل القرون الأولى كذبوا أبا هريرة باعترافه بنفسه!

فبعد هذا، كيف يمكن لنا الاطمئنان بصحة روايات أبي هريرة الكثيرة؟! وكيف نجعله سفيرا بيننا وبين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد كذبه السلف الصالح باعترافه؟! وهل يعقل أن الله اختار أبا هريرة لتبليغ دينه، بعد أن طعن فيه السلف، وبعد أن نسب أقوالا للنبي هي لكعب الأحبار، وبعد أن رفع للنبي قولا هو من أقوال الجاهلية؟! أفتونا يا أولي الألباب.

الصحابة يروون عن أهل الكتاب

كان هناك من الصحابة من يحدِّث عن أهل الكتاب، وينقل حديثه على أنه من الإسلام، ومن هؤلاء عبد الله بن عمرو بن العاص.

قال ابن حجر عنه: " إنه قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثيرٌ من أئمة التابعين "(٤) .

____________

١ - مجلة المنار ١٠/٨٥١.

٢ - فجر الإسلام: ص ٢٦٢، الفصل الثاني من الباب السادس.

٣ - ٢/٧٥.

٤ - فتح الباري: ١/١٦٧.


يظهر من كلام ابن حجر هذا أنَّ ابن عمرو كان يحدِّث عن الرسول والزاملتين.

وقد التبس على السامعين مصدر كلامه، لذلك تجنب الأخذ عنه كثير من أئمة التابعين على حد تعبير ابن حجر. وكان عند عبد الله بن عمرو بن العاص مائتا زاملة وكان يحدث منها لمن نزل عليه من الناس!(١) وقال الحافظ ابن كثير في مقدمة تفسيره: " إن عبد الله بن عمرو أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدث منهما "(٢) . وقال ابن كثير عن الحديث الذي رواه البيهقي في بناء الكعبة عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا: " إنَّ الأشبه أن يكون موقوفا على عبد الله بن عمرو، ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب "!

فكلام ابن كثير هذا يؤكد قولنا: إنَّ عبد الله كان يحدث عن الزاملتين وينسب حديثه للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو أنَّ الراوي عن عبد الله لا يميِّز مصدر كلامه، أهو من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أم من الزاملتين؟ وفي كلا الاحتمالين ضرر فادح على نصوص الإسلام.

تأمل طويلا في هذه العقبة الجديدة؟ فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص أحد العبادلة الأربعة وأحد علماء الصحابة الذين يعتمد عليهم في الرواية ينقل من الزاملتين!

أليس هذا هو الذي فتح باب الاسرائيليات إلى تراثنا الإسلامي وكان سلاحا بيد أعداء الإسلام؟

" والباحث المتثبّت والناقد البصير لا ينكر أنَّ الكثير من الاسرائيليات دخلت الإسلام عن طريق أهل الكتاب الذين أسلموا، وكذلك لا ينكر أثرها السئ في كتب العلوم وأفكار العوام من المسلمين وما جرته على الإسلام من طعون أعدائه "(٣) .

____________

١ - مستدرك الحاكم: ٤/٥٣٣.

٢ - ١/٤ وانظر شيخ المضيرة: ص ١٢٤.

٣ - دفاع عن السنة، محمد أبو شهبة: ص ٨٢.


ماذا سيفعل المسلم للتأكد من سلامة تعبده ومعرفته بدينه؟ أيعتمد في ذلك على الروايات المنقولة من زاملتي عبد الله بن عمرو؟ ومن يدري؟ فلعل قسما من أحاديثه كان من زاملتيه، إذ ثبت انه كان يتحدث منهما. إنَّ جعل عبد الله واسطةً بيننا وبين النبي تجعلنا في ريب من مروياته، فهل هي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حقا أو من الزاملتين؟! فمن يريد لنا أن نأخذ عن عبد الله، عليه أن يفصِّل الروايات التي رواها عبد الله من أهل الكتاب عن الروايات التي رواها عبد الله عن النبي!!

لا أعتقد أنَّ أحدا يستطيع بيان ذلك، وإن فعل فستبقى محاولته ناقصة وظنية...

ولا أعتقد أنَّ الله يريد لنا أن نسلك هذا الطريق الوعر. فالله بلطفه أرسل لنا سفراء معصومين من الخطأ حتى تصل إلينا تعاليم السماء بصورة صحيحة.

فحاشاك ربي أن تترك دينك بين يدي عبد الله الذي يأخذ عن أهل الكتاب وبين يدي أبي هريرة، وأنس الذي اختلط عقله...

الصحابة ينسون

لقد نسي بعض الصحابة ما أخذ عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن هؤلاء زيد بن أرقم، فعن يزيد بن حيان قال: " انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين:... لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قال: يا ابن أخي، والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... "(١) .

إنَّ زيد بن أرقم يعترف على نفسه أنه نسي بعض الذي كان يحفظه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو معدود من كبار الصحابة، فلابد من أن مثله الكثير.

____________

١ - صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب.


الإشكال الذي يرد الآن هو: كيف يختار الله لتبليغ دينه من ينسى ماائتمنه عليه(١) .

إن نظرة واحدة إلى أنبياء الله تكفي لإعطائنا فكرة واضحة عن صفات المبلغين عن الله. فلم يحدث أن عهد الله برسالته إلى إنسان علم أنه سينسى ما هو مأمور بتبليغه، فالله(٢) وحفاظاً على دينه من التغيير والنسيان اشترط العصمة في أنبيائه.

ومن يضمن لنا أن لا يكون زيد بن أرقم قد تحدث بعد أن كبر ونسي؟ أليس من الممكن أن يتحدَّث زيد بعد نسيانه؟ إذا جاز هذا فمن يضمن لنا أن لا تكون رواياته البالغة ٧٠ رواية من هذا القبيل؟ نحن لا نعني جميعها، ولكن كل حديث ليس له شاهدٌ نحتمل فيه أن يكون من نسيانه. فمن يستطيع أن يميز لنا روايات زيد قبل نسيانه من رواياته بعد نسيانه؟!

ولو افترضنا حل هذا الإشكال فماذا نفعل بالروايات المرسلة التي كان يأخذها الصحابة عن بعضهم البعض وينسبونها للنبي دون ذكر لاسم الصحابي الذي أخذوا عنه؟! فكل حديث مرسل - ومراسيل الصحابة حجة - نحتمل فيه أن يكون مأخوذا عن زيد بن أرقم بعد نسيانه فماذا نفعل بهذه المعضلة؟!

الصحابة يخطئون في الجواب

كان الصحابة يخطئون في فهم بعض الآيات القرآنية، وكانوا يخطئون في الإجابة عن المسائل الشرعية، وفي تنفيذ الحدود الشرعية. وكل هذه السلبيات مرفوعةٌ عن حملة دين الله، فمن يتصدَّى لمهمة بيان الدين عليه أن يكون عارفا بجميع أحكام الإسلام، وعدم توفر هذه الصفة في شخص المرجع بعد النبي، فيه ما فيه من الخطورة على

____________

١ - قد يقال: إنَّ النسيان أمرٌ ليس بيد الإنسان بل من الله، قلنا: هذا يعني أنَّ الله قد أنسى زيدا ما حفظ عن النبي!! فلو اختار الله زيدا لتبليغ دينه لما أنساه ما وعى من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما هو واضحٌ. وهذا مايدفعنا للتأكيد على أنَّ خليفة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في التبليغ منزِّهٌ عن النسيان لكيلا تنسى أحكام الإسلام.


أحكام الإسلام وحقوق العباد. ولا يأمن المسلم - بدون هذه الصفة - من أن يأتيه الدين صحيحا، والأمثلة القادمة توضح ما قلنا خيرَ توضيح.

سئل أبو بكر عن قول الله تعالى:( وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) (١) فقال: " أي سماء تظلني وأي أرض تقلني أن أقول في كتاب الله بما لا أعلم "(٢) .

وسئل أبو بكر عن الكلالة فقال: " إني سأقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان... "(٣) .

قال ابن سعد: " إن أبا بكر نزلت به قضيه فلم يجد في كتاب الله منها أصلا، ولا في السنة أثرا، فاجتهد رأيه، ثم قال: هذا رأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمنِّي واستغفر الله "(٤) .

وعن صفية بنت أبي عبيد أنَّ رجلاً سرق علی عهد أبي بكر مقطوعة يده ورجله، فأراد ابو بكر أن يقطع رجله ويدع يده يستطيب بها ويتطهر بها، وينتفع بها،فقال عمر: والذي نفسي بيده لتقطعنَّ يده الاخری، فأمر به أبوبكر فقطعت يده.

وورد أنَّ عمر بن الخطاب تلا هذه الآية:( فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) قال: " كل هذا قد عرفناه فما الأبّ؟ ثم رفض عصاً كانت في يده، فقال: هذا لعمر الله التكلف! فما عليك أن لا تدري ما الأبّ، اتبعوا ما تبين لكم هداه من هذا الكتاب، وما لم تعرفوه فكلوه إلی ربِّه"(٥) .

وأخرج مسلم في صحيحه أنَّ رجلا أتى عمر، فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء، فقال: لا تصلِّ. فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سريَّة فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأمّا أنا فتمعكت في التراب وصلَّيت، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك! "

____________

١ - عبس: ٣١.

٢ - فتح الباري: ١٣/٢٣٠. تفسير القرطبي: ١٩/٢٢٣. مقدمة في اصول التفسير، ابن تيمية: ص ٣٠.

تفسير ابن كثير: ١/٥.

٣ - الدارمي في سننه: ٢/٣٦٥. تفسير ابن كثير: ١/٤٧١. إعلام الموقعين: ١/٨٢.

٤ - راجع إعلام الموقعين: ص ١٩. جامع بيان العلم: ٢/٨٣٠. تاريخ الخلفاء، السيوطي: ٧١.

٥ - المستدرك: ٢/٥١٤ وصححه وأقره الذهبي في تلخيصه. تفسير الطبري: ٣٠/٣٨.


فقال عمر: اتِّقِ الله يا عمار! قال: إن شئت لم أحدِّث به "(١) .

وعن ابن عباس أنه قال له عمر: يا غلام، هل سمعت رسول الله (صلَّ الله عليه وآله وسلَّم) أو من أحد أصحابه إذا شكَّ الرجل في صلاته ما ذا يصنع؟ قال: فبينا هو كذلك إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف فقال فيم أنتما؟ فقال عمر: سألت هذا الغلام هل سمعت من رسول الله (صلَّ الله عليه وآله وسلَّم) أو أحد أصحابه إذا شكَّ الرجل في صلاته ما ذا يصنع؟ فقال عبد الرحمن:سمعت رسول الله (صلَّ الله عليه وآله وسلّم) يقول إذا شكَّ أحدكم.......

وأخرج البيهقي عن الشعبي، قال: " خطب عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فانه لا يبلغني عن أحدٍ ساق أكثر من شئ ساقه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو سيق إليه، إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال، ثم نزل، فعرضت له امرأةٌ من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين أكتاب الله تعالى أحق أن يتبع أو قولك؟ قال: بل كتاب الله؟ فما ذاك؟ قالت: نهيت الناس آنفا أن يغالوا في صداق النساء، والله تعالى يقول في كتابه:( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارً‌ا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ) (٢) . فقال عمررضي‌الله‌عنه : كل أحد أفقه من عمر. مرتين أو ثلاثا "(٣) .

وفي رواية قال عمر: " امرأة أصابت ورجل أخطأ "(٤) .

وفي رواية أخرى قال: " كل أحد أعلم من عمر "(٥) .

وفي أخرى قال: " إن امرأة خاصمت عمر فخصمته "(٦) .

وأتي عمر بن الخطاب بامرأة حامل قد اعترفت بالفجور فأمر برجمها فتلقاها عليٌّ فقال: ما بال هذه؟ فقالوا: أمر عمر برجمها فردَّها عليٌّ وقال: هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها؟ ولعلك انتهزتها أو أخفتها؟ قال: قد كان ذلك. قال: أوما سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " لا حدَّ على معترف بعد بلاء ". انه من قيد أو حبس أو

____________

١ - صحيح مسلم: كتاب الحيض، باب التيمم.

٢ - النساء: ٢٠.

٣ - السنن الكبرى: ٧/٢٣٣، وذكره السيوطي في جمع الجوامع كما في الكنز: ٨/٢٩٨ نقلا عن سنن سعيد بن منصور والبيهقي، ورواه السندي في حاشية السنن لابن ماجة: ١/٥٨٣، والعجلوني في كشف الخفاء: ١/٢٦٩ و ٢/١١٨.

٤ - تفسير ابن كثير: ١/٤٧٨. تفسير القرطبي: ٥/٩٩.

٥ - شرح صحيح البخاري، القسطلاني: ٨/٥٧. الكشاف: ١/٣٥٧.

٦ - إرشاد الساري: ٨/٥٧، تفسير ابن كثير: ١/٤٧٨.


تهدد فلا إقرار له ". وخلى سبيلها، ثم قال: عجزت النساء أن تلدن مثل علي بن أبي طالب، لولا علي لهلك عمر "(١) .

وفي حادثة مشابهة لهذه، قال عمر: كل أحد أفقه مني، ثلاث مرات(٢) .

وعن مجاهد قال: قدم عمر بن الخطاب الشام فوجد رجلا من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة فهم أن يقيده، فقال له زيد بن ثابت: أتقيد عبدك من أخيك فجعله عمر دية "(٣) .

وأخرج البيهقي " إن عثمان بن عفانرضي‌الله‌عنه أتى بإمرأة قد ولدت في ستة أشهر فأمر بها أن ترجم، فقال علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه : " ليس ذلك عليها قال الله تبارك وتعالى( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ) (٤) وقال( وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) وقال( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ) فالرضاعة أربعة وعشرون شهر والحمل ستة أشهر، فأمر بها عثمان أن ترد فوجدت قد رجمت "(٥) (٦) .

وهكذا كان الحال مع بقية الصحابة إلا من جعل منهم امناء على الشريعة، وكانوا يصححون أخطاء الخلفاء بعدما أقصوا عن مراتبهم التي وضعهم الله فيها.

وبعد هذا فلنتأمل في هذه المعضلات. إن أبا بكر لم يعرف معنى كلمة " الأب " مع

____________

١ - الرياض النضرة: ٢/١٩٦. ذخائر العقبى ص ٨٠. مطالب السؤول ص ١٣. مناقب الخوارزمي ص ٤٨. الأربعين، الفخر الرازي: ص ٦٦.

٢ - الرياض النضرة: ٢/١٩٦. ذخائر العقبى: ص ٨١. الكفاية، الكنجي: ص ١٠٥.

٣ - أخرجه عبد الرزاق وابن جرير الطبري، كنز العمال: ٧/٣٠٤.

٤ - الأحقاف: ١٥.

٥ - لقد قلنا من قبل: إذا لم يكن خليفة النبي على علمٍ تام بجميع الأحكام الإسلامية فانَّ الأنفس وحقوق العباد ستتعرض للخطر، وما حدث لهذه المرأة خير دليل على مانقول، وحاشا لله أن يضع لعباده خلفاء لايعرفون أحكام الإسلام الشرعية.

٦ - السنن الكبرى: ٧/٤٤٢، وابن كثير في تفسيره: ٤/١٦٩، وابن الديبع في تيسير الوصول: ٢/٩، والعيني في عمدة القاري: ٩/٦٤٢، والسيوطي في الدر المنثور نقلا عن ابن المنذر وابن أبي حاتم.


أنَّ الآية نفسها تفسِّر هذه الكلمة، قال تعالى:( وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ) (١) ! فالفاكهة طعام للإنسان، والأب طعام للأنعام، فهل ترى في هذا أي غموض؟

ويسأل أبو بكر عن الكلالة، فلا يدري ما إذا كان قد أصاب القول فيها أم لا. ولم يعرف أبو بكر حد السرقة بعد قطع اليد والرجل حتى أعلمه عمر بذلك، مع علمنا في أن من المفترض، أن تكون هذه الأمور من البديهيات عند خلفاء المسلمين، فهم المخولون في القضاء بالدماء والأنفس والأعراض.

لقد أشكلت على عمر بن الخطاب كلمة " الأبّ " ومات عمر وفي نفسه أن يعرف معنى الكلالة. كما خفي عليه حكم الجنب فاقد الماء، وبعد أن ذكره عمار بالتيمم، قال:

اتق الله يا عمار. وكأن عمارا ارتكب جرما!

فهل في حكم التيمم غموض ما، حتى يخفى على من لازم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! فلا أدري كيف يصدق المسلم بأن الله حمل أمانته العظمى - التي لم يحملها إلا أفضل الخلق - من لا يعرف أوليات الإسلام من التيمم...

أما عثمان فقد أمر برجم أمرأة بدليل أنها وضعت لستة أشهر، وهذا غير جائز شرعا. وقصة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع المرأة الغامدية معروفة. فقد تركها النبي حتى بلغ ابنها سنتين ثم رجمها. وتكررت هذه الحادثة في عهد عمر بمحضر الصحابة وعثمان، فلماذا لم يمهلوا المرأة حتى يبلغ ابنها سنتين - هذا مع أنها بريئة -. فهل خفيت هذه الحوادث على عثمان والصحابة؟!

هذه الحقائق لا يستطيع أحد إنكارها؟ إن الصحابة أنفسهم يحتاجون إلى من يدلهم، فهم يفتقرون إلى الجواب في المسائل الواضحة!! وإذا أجابوا قد يخطئون، فكيف يفتون الناس وهم لا يعلمون؟ وكيف يسقون غيرهم وهم عطشى؟

____________

١ - عبس: ٣١ - ٣٢.


إن الله لا يقبل بهكذا سفراء. ولم يحدث في تاريخ الرسالات الإلهية: أن بعث الله نبيا لا يدري ما يجيب به اتباعه. أو يجيبهم بشكل خاطئ كما كان يفعل الصحابة. ولو قلنا: إن الله رضي أن يبين الصحابة دينه للناس لكان مجيزا أن يأخذ الناس أحكامهم بشكل خاطئ، وهذا هو الباطل عينه.

فعلى المسلم أن يبحث عن قناة سليمة تربطه بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإسلام، أما أن يجعل بينه وبين ربه من لايعرف التيمم وحكم الأرنب و الشك في الصلاة والبديهيات، فلن يؤول أمره الی خيرٍ،لأنَّ من لا يعرف القشور لا يستطيع أن يوصلنا إلی اللُّب!!!

بين الصحابة منافقون ومرتدّون

مما لايخفى على كل مسلم أنَّ النفاق انتشر في عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان يزداد قوةً بازدياد قوة المسلمين. والقسم الأكبر من هؤلاء المنافقين لا يعلمهم إلا الله، قال تعالى:

( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) (١) ، وقال تعالى:

( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ) (٢) .

بالاضافة الى أن هناك عددا غير قليل من الصحابة كانوا قد ارتدوا بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فالإشكال الذي يرد إلينا هنا هو: إنَّ كل صحابي من هؤلاء المنافقين والمرتدين سمع من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئا لم يسمعه صحابي غيره، ولهذا فالسنن التي تفرَّد بها هؤلاء الصحابة قد لا تصل إلينا بسبب حقدهم على الإسلام، فربما حدث أن تعرَّض الصحابة لمسألة مّا، فطرحوها على مسامع الناس لعل عند أحدهم نصّاً من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكان النص عند صحابي منافق أو مرتد ولكنه اسره في نفسه ولم يخرجه، أليس هذا من المحتمل حصوله؟!

وكذلك قد لا تصل إلينا بعض السنن التي تفرد بها بعض الصحابة بسبب انشغالهم بالحروب أو بسبب قلة الرواية عنهم، يقول محمد زهو في كتابه الحديث والمحدثون:

" الاشتغال بالخلافة والحروب عاقَّ كثيرا من الصحابة من تحمّل الحديث وروايته، كما

____________

١ و ٢ - التوبة: ١٠١.


في الخلفاء الأربعة وطلحة والزبير "(١) .

إنَّ هذه السنن التي نحتمل بقاءها في صدور المنافقين والمرتدين والمنشغلين بالحروب، قد يكون فيها الناسخ والمقيد والمخصص والمفسر، وهذا يوقعنا في مشكلة كبيرة. فمن يدري؟ فلعلنا نمارس بعض الأحكام المنسوخة أو المخصصة أو المقيدة بالسنن التي بقيت في صدور هؤلاء الصحابة(٢) .

فهل يقبل الله بهذا؟ هل يرضى أن نمارس حكما منسوخا أو مقيدا أو مخصصا؟

ولعل بعض هذه السنن التي بقيت مع الصحابة المذكورين تعكس جوانب إسلامية مهمة. فكيف يرضى الله بأن يحمل سنة نبيه لكل الصحابة، وفيهم المنافق الذي لا يظهرها أو يزورها وفيهم من سيرتد ويدفن السنن في صدره، وفيهم وفيهم...؟!

لذلك وجب القول في أن الله(٣) حفاظا على دينه وسنة نبيه اتخذ اجراء مناسبا لتلافي هذه الإشكالات التي قد تحدث مستقبلا. والذي ظهر لي: أنَّ الله عهد إلى نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن يجعل سنته عند شخص يتعهدها ويفهمها، وهذا الشخص ومن خلال موقعه السياسي والديني يقوم بتبليغ السنة للناس. هذا الاحتمال هو الذي يرتضيه العقل والنقل، أما توزيع السنة على مائة وأربعة عشر ألف صحابي ليبلغوها للناس ففيه خطر عظيم على السنة، وحسبك دليلا على ذلك أن هناك مائة وعشرة آلاف صحابي لم يصل إلينا منهم شئ.

أضف إلى ما سبق وجود المنافقين الذين يسعون لهدم الإسلام فكريا وسياسيا... فنسبوا للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديث مكذوبة في حياته وبعد مماته، وهذا ممكن حدوثه، فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد مات وهم مؤمنون في ظاهرهم فليس هناك ما يمنع الأخذ عنهم( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ) (٤) !

____________

١ - ص ١٤٧.

٢ - أو الصحابة الذين تفردوا ببعض السنن وماتوا في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل الحاجة إلى تبليغها!!

٣ - المنافقون: ٤.


ربما تكون بعض الأحاديث المرسلة المبثوثة في كتب الحديث مأخوذة عن هؤلاء المنافقين الماكرين(١) !! وهذه الفجوة التي تصدعت فيها أحقية مرجعية الصحابة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يستطيع المحدثون ردمها وإن اجتمعوا على ذلك، لأن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفسه لم يكن يعلم هؤلاء المنافقين( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) (٢) .

ولا يمكن التخلص من هذه المعضلة إلا بالتأكيد على أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - ولكي يقطع الطريق على هؤلاء الدجالين - جعل سنته بأيدٍ أمينة، أليس هذا هو الحق المبين؟!

صحابة يساقون إلى النار

أخرج مسلم عن عبد الله، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " أنا فرطكم على الحوض، ولاُنازَعَنَّ أقواما ثم لاُغْلَبَنَّ عليهم، فأقول: يا رب أصحابي أصحابي: فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك "(٣) .

وأخرج البخاري عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " بينما أنا قائم فإذا زُمرةٌ، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، قال: هلم، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلَّص منهم إلاّ مثل همل النعم "(٤) .

____________

١ - يقول السيوطي في تدريب الراوي: " وفي الصحيحين من ذلك - مراسيل الصحابة - ما لا يحصى "!

تدريب الراوي: ١/٢٠٧، وعلى هذا فكل حديث مرسل سنشك فيما اذا كان قد رواه الصحابي عن صحابي عادل أو صحابي منافق لا يعلمه إلا الله!!!

٢ - التوبة: ١٠١.

٣ - كتاب الفضائل، باب اثبات حوض نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصفاته.

٤ - كتاب الرقاق، باب في الحوض. وهمل النعم: ضوَّال الإبل، قال ابن الأثير: " أي أنَّ الناجي منهم قليل في قلة النعم الضالة " النهاية في غريب الحديث: ٥/٢٤٧.


لقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أنَّ من الصحابة من يدخل النار. ولهذا لا نستطيع أن نجعل الصحابة قَناةً تربطنا بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . إذ كيف نأخذ ديننا عن أهل النار؟!

فلابد من تمييز الصحابة المساقين إلى النار من الناجين، ثم نفكِّر في مَن يصح الأخذ عنهم. فإن قيل إنَّ المساقين إلى النار هم المنافقون والمرتدون، قلنا: إنَّ القسم الأكبر من المنافقين لا يعلمهم إلا الله. فلا يمكن إحرازهم. فعدم إحرازنا للصحابة المساقين إلى النار يوجب علينا التوقّف في الأخذ عن الصحابة. وليس في هذا تعطيل للإسلام. بل إنَّ البديل موجود. فليحذر العقلاء من أن يجعلوا أهل النار أدلاء لهم في دين الله.

طريقة تلقّي الصحابة

يقول ابن تيمية: " وقد كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحدث، أو يفتي أو يقضي، أو يفعل الشئ، فيسمعه أو يراه من يكون حاضرا، ويبلغه اولئك - أو بعضهم - لمن يبلغونه فينتهي علم ذلك إلى من شاء الله من العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ثم في مجلس آخر قد يحدث، أو يفتي، أو يقضي، أو يفعل شيئا، ويشهده بعض من كان غائبا عن ذلك المجلس، ويبلغونه لمن أمكنهم، فيكون عند هؤلاء من العلم ما ليس عند هؤلاء، وعند هؤلاء ماليس عند هؤلاء "(١) .

الإشكال الذي يرد هنا أنّ الصحابي قد يسمع حديثا فيرويه فيما بعد ويعمل به الناس، ولنفترض أنَّ هذا الصحابي في الشام، ولكن بما أنه " عند هؤلاء من العلم ما ليس عند هؤلاء، وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء "، فقد يكون لهذا الحديث الذي رواه الصحابي للناس في الشام ناسخ مع صحابي آخر، ولنفترضه رواه لأهل العراق، فيصيب

____________

١ - رفع الملام: ص ٦.


أهل العراق الحكم الإسلامي الصحيح ويخطئه أهل الشام!! وقد يكون للحديث الذي رواه الصحابي في العراق مخصص أو مقيد ولكنه لا يعلم بذلك، فيفتي للناس هناك بما عنده فيعمل الناس بالعام والمطلق، بينما المخصص أو المقيد للحديث نفسه عند الصحابي الذي في الشام مثلا! وهكذا.

إنَّ الله(١) ليس عاجزا عن اختيار طريقة أمثل لتبليغ سنة نبيه. أما نسبة اختيار هذه الطريقة في التبليغ لله ففيها ما فيها من نسبة الظلم والجهل إلى الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، فهذه الطريقة قد تمنع المسلم من إصابة الواقع الشرعي، والله قادر على إيصال سنة نبيه بصورة صحيحة بدلا من أن يترك عباده يبحثون في البلدان وفي جبهات القتال عن الناسخ إذا احتمل وجوده أو المقيد أو المخصص منه، وقد يقطعون مسافات طويلة في سبيل الحصول على جواب فيموتون وفي أنفسهم من ذلك شئ.

لذلك نحن نقول: إنَّ هناك شخصا أخذ السنة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كاملة، وهو الذي يقوم ببيانها للناس بسهولة ودون عَناء، بعيدا عن الإشكالات السابقة.

الصحابة والرواسب الجاهلية

لقد عاش عددٌ كبير من الصحابة أكثر حياتهم في المجتمع الجاهلي، وشاركوا أهل الجاهلية في جميع أعمالهم، من وَأد البنات وشرب الخمر وأكل الربا و... إلى غير ذلك من المحرمات التي حاربها الإسلام. وهذه الملاحظة وحدها تكفي لأن تجعلنا نقول: إنَّ الله لم يخترهم لبيان دينه.

فالله منذ أوجد الإنسان لم يبعث له نبيا ولا سفيرا قد شارك قومه عاداتهم المنحرفة، بل كان يختار أناسا هم أكمل الناس، خالين من أية رواسب بيئيَّة منحرفة.

هذه سنة الله في خلقه( وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا ) (١) .

____________

١ - الأحزاب: ٦٢.


فالسلوكيات التي مارسها الصحابة في الجاهلية لا توجد في القادة الرساليين، ولم يحدث في تاريخ الرسالات الإلهية أن اختار الله مبلِّغا عنه بعد أن غرق في سلوكيات قومه المنحرفة.

يروي أهل السنة أنَّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقبل بعثته أراد أن يلتحق بإحدى احتفالات قريش ليشاركهم الشرب واللهو... فأنامه الله في الطريق(١) !

ويروون أنَّ الله بعث ملكين لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو صبي فاستخرجا عُلقة سوداء من قلبه وغَسَّلاه ونَقَّياه حتى يكون في أعلى درجات الكمال وخاليا من أية رواسب، وتعرف هذه بحادثة شقُّ الصدر(٢) . قال طه عبد الرؤوف سعد في تعليقه على هذه الحادثة: " إنَّ هذا التقديس وهذا التطهير كان مرتين، الأولى في حالة الطفولة لينقى قلبه من مغمز الشيطان، وليطهر ويقدس من كل خُلق ذميم حتى لا يلتبس بشئ مما يعاب عليه الرجال، وحتى لا يكون في قلبه شئ... "(٣) .

ومع موقفنا الرافض لامكانية حصول وصحة وقوع هاتين الحادثتين إلاّ أننا نتساءل: لماذا هذا الاهتمام من الله برسوله وحرصه أن لا يمارس سلوكا جاهليا ولو لمرة واحدة؟!

الجواب واضحٌ، فالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمامه عملية تغيير كبرى، فحتى ينجح في تنفيذها ويتقبلها الناس: لابد أن يكون خاليا من أية أفكار مخالفة لها وحتى يكون مهيّأً لاستقبال الوحي...

وهذ سنة إلهية اتبعها الله مع جميع رسله وسفرائه، فكيف يمكن أن يختار الله لتبليغ دينه أناسا جسدوا الجاهلية قولا وسلوكا، حتى تشبّعت أجسامهم ونمت على الربا وشرب الخمر؟...!

____________

١ - راجع مستدرك الحاكم: ٤/٢٤٥.

٢ - راجع سيرة ابن هشام: ص ١٥٢.

٣ - المصدر السابق: ص ١٥٣.


قد يقال: إنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله. فنقول: صحيح هذا، ولكن هذا القول مخالف لسنة الله في اختيار رسله( وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا ) (١) فلو اختار الله الصحابة لبيان دينه لكان - والعياذ بالله - مخالفا لسنته في اختيار الإنسان الطاهر من أي انحراف في سلوكه وقوله، كالأنبياءعليهم‌السلام تماما. فكيف يقول الله:( وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا ) ثم يخالف سنته في اختيار سفرائه ممن عاشوا في مستنقع المحرمات لعشرات السنين؟!!

إن من يستقرئ حياة الصحابة يجد كثيرا من الرواسب الجاهلية قد عاشت معهم بعد الإسلام، كشرب الخمر والزنا وأكل الربا(٢) ، وهذا الأمر يسلب منهم خاصية القيمومة على الدعوة. فالرواسب الجاهلية تؤثر سلبا على الداعية.

أخرج البخاري أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي " فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحميَّة، فقال:

كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على ذلك، فقام اسيد بن الحضير، فقال: كذبت لعمر الله، والله لنقتلنَّه فإنك منافقٌ تجادل عن المنافقين، فثار الحيّان الأوس والخزرج حتى همّوا أن يقتتلوا ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على المنبر فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا وسكت(٣) .

وأخرج البخاري " أنَّ رجلا من المهاجرين كسح(٤) رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: ياللأنصار، وقال المهاجري: ياللمهاجرين، فسمع ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________

١ - الأحزاب: ٦٢.

٢ - وهذا أمر قد وثقناه في مبحث عدالة الصحابة.

٣ - ٣/١٥٦، و ٦/٨.

٤ - كسح: بمعنى ضرب.


فقال: " ما بال دعوى أهل الجاهلية؟! " قالوا: يا رسول الله كسح رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال: " دعوها فإنها منتنةٌ "... "(١) .

نستخلص من هذا " أنَّ من أوليات ما يقتضيه ضمان التطبيق أن يكون القائم على تطبيقها - أي الفكرة - شخصا تتجسَّد فيه مبادئ فكرته تجسُّدا مستوعبا لمختلف المجالات التي تكفَّلت الفكرة تقويمها من نفسه. ولا نريد من التجسُّد أكثر من أن يكون صاحبها خليَّا عن الأفكار المعاكسة لها من جهة، وتغلغلها في نفسه كمبدأ يستحق من صاحبه التضحية والفناء فيه من جهة أخرى، ومتى كان الإنسان بهذا المستوى استحال في حقِّه من وجهة نفسية أن يخرج على تعاليمها بحال. وإذا لم يكن القائم بالحكم بهذا المستوى من الإيمان بها وكانت لديه رواسب على خلافها، لم يكن بالطبع أمينا على تطبيقها مائة بالمائة، لاحتمال انبعاث إحدى تلكم الرواسب في غفلة من غفلات الضمير، واستئثارها في توجيهه الوجهة المعاكسة التي تأتي على الفكرة في بعض مناحيها وتعطلها عن التأثير ككل، وربما استجاب الرأي العام له تخفيفا لحدة الصراع في أعماقه بين ما جدَّ من تعاليم هذه الفكرة وما كان معاشا له ومتجاوبا مع نفسه من الرواسب.

على أن الناس - كل الناس - لا يكادون يختلفون - إلا نادرا - في قدرتهم على التفكيك بين الفكرة وشخصية القائم عليها... وبما أنَّ الإسلام يعالج الإنسان علاجا مستوعبا لمختلف جهاته - الداخلية والخارجية -، احتجنا لضمان تبليغه وتطبيقه إلى العصمة في الرسول، ثم العصمة في الذي يتولى وظيفته بعده... "(٢) .

____________

١ - ج ٦ باب قوله: سواء عليهم استغفرت لهم.

٢ - الاصول العامة للفقه المقارن: ١٨٥ - ١٨٦.


الصحابة يفتون بآرائهم

كان الصحابة يفتون بآرائهم في الوقائع الشرعية إذا لم يجدوا نصا في كتاب الله أو سنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ونحن نعلم أنَّ الدين قد كمُل على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبيَّن الله كل شئ يحتاجه الناس. قال تعالى:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (١) وقال تعالى:( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (٢) ،( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) (٣) .

فكل شئ حسب منطوق هذه الآيات فيه نص. فإذا كان الله قد أكمل الدين وبين كل شئ فلماذا يفتي الصحابة بآرائهم؟!

فهم لم يحرزوا جميع النصوص الصادرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلا لما أفتوا بآرائهم. من هنا نعلم أنَّ الصحابة غير مخوَّلين: بنقل وبيان الدين للناس. فالمفترض بمن يخلف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكون لديه من النصوص ما يكفي لمعرفة أحكام الوقائع الشرعية كلها.

الصحابة يعترفون بأنهم ليسوا نَقَلَةَ الإسلام!!

إنَّ الصحابة لم يكونوا يرون أنفسهم في مرتبة القيمومة على الدعوة التي جعلها أهل السنة لهم.

قال أبو مجلز: شهدت ابن عمر والناس يسألونه، فقال: إيَّاكم عنّي، فإني كنت مع من هو أفقه منّي، ولو علمت أني أبقى حتى يفتقد إليَّ لتعلَّمت لكم!!! "(٤) .

____________

١ - المائدة: ٣.

٢ - الأنعام: ٣٨.

٣ - النحل: ٨٩.

٤ - تذكرة الحفاظ: ١/٤٠.


فعبارة ابن عمر: " ولو علمت أني أبقى حتى يفتقد لي لتعلمت لكم " أصرح دليل في الرد على الذين جعلوا ابن عمر والصحابة بمرتبة سفراء الله لعباده بعد نبيه الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأهل السنة أوجبوا للصحابة ما لم يوجبوه هم لأنفسهم!!

وذكر المناوي  أنَّ ابن عمر كان إذا سئل قال: اذهب إلى هذا الأمير الذي تولَّى أمر الناس، فضعها في عنقه.

وقال: " يريدون أن يجعلونا جسرا يمرون علينا على جهنم "(١) .

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا ) (٢) .

____________

١ - فيض القدير شرح الجامع الصغير: ١/١٥٨. إحياء علوم الدين: ١/٢٣.

٢ - النساء: ١٧٤.


الفصل الرابع

عدالة الصحابة



بادئ ذي بدء:

لقد جعل أهل السنة كل الصحابة عدولا لأنهم كما يقولون حملة الشريعة للناس.

يقول ابن الصلاح: " ثم إنَّ الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة... وكأنَّ الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة "(١) .

وقال الجويني: " والسبب في عدم الفحص عن عدالتهم، انهم حملة الشريعة، فلو ثبت توقف في رواياتهم لانحصرت الشريعة على عصرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولما استرسلت إلى سائر العصور "(٢) .

وقال القرشي: " إنَّ حفظ الدين يقتضي عدالة الصحابة، إذ كيف يعِدُ الله سبحانه بحفظ دينه( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (٣) بينما حملته ونقلته عن نبيه مطعون في عدالتهم ونزاهتهم "(٤) .

نعم، لقد قرر هؤلاء عدالة جميع الصحابة لأنهم نقلة الشريعة. ونحن في بحثنا هذا سنتناول عدالة الصحابة، فإن كانوا عدولا فسنتنازل عن كل ما كتبناه، ونقول: إنهم حملة الشريعة حقا، ولكن إذا لم يكونوا عدولا فلا يجوز لنا أن نأخذ عنهم الشريعة. وإلا فكيف نأخذ ديننا عنهم " بينما حملته ونقلته عن نبيه مطعون في عدالتهم ونزاهتهم " على حد تعبير القرشي!!

____________

١ - مقدمة ابن الصلاح.

٢ - فتح المغيث: ٣/١٠٣. تدريب الراوي: ٢/٢١٤.

٣ - الحجر: ٩.

٤ - تنبيه ذوي النجابة إلى عدالة الصحابة: ص ٢٥.


تعقيبٌ:

قلنا: إنَّ أهل السنّة ادّعوا عدالة جميع الصحابة لأنهم حملة الشريعة، ولكننا وجدنا أنَّ أكثر من مأة الف من الصحابةلم يصلنا عنهم شيءٌ. فتعديل جميع الصحابة بناءً على أنهم نقلة الدين لايصح؛ لأنَّ غالبيّة الصحابة لم ينقلوا لنا شيئاً من الشريعة!!!  

يقول ابن خلدون: " إنَّ الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فتيا ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم، وإنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن، العارفين بناسخه ومنسوخه، ومتشابهه ومحكمه وسائر دلالته، بما تلقّوه من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو ممن سمعه، منهم ومن عليتهم، وكانوا يسمّون لذلك " القُرَّاء " أي: الذين يقرأون الكتاب، لأن العرب كانوا أمَّةً اُمية، فاختص مَن كان منهم قارئا للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ وبقي الأمر كذلك صدر الملة "(١) .

هذه شهادة من ابن خلدون تؤكد لنا " إنَّ الصحابة لم يكونوا كلهم أهل فتيا ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم... " فلماذا نعدلهم جميعا إذا كان الدين لا يؤخذ عن جميعهم؟! وكيف نعدلهم ونحن نجهل أكثرهم؟! وهل يليق بالعاقل أن يحكم على مايجهله؟!

تعريف الصحابي:

قال ابن حجر: " كل من روى عن النبيّ حديثا أو كلمة، أو رآه وهو مؤمن به، فهو من الصحابة، ومن لقي النبي مؤمنا به ومات على الإسلام، طالت مجالسته معه أو قصرت، روى عنه أو لم يرو، غزا أو لم يغز. من رآه ولم يجالسه ومن لم يره لعارض "(٢) .

وقال النووي في تعريف الصحابي: " فأما الصحابي فكل مسلم رأى

____________

١ - المقدمة: ٥٦٣، الفصل السابع من الباب الرابع.

٢ - الإصابة: ١/١٠.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولو للحظة، هذا هو الصحيح في حده، وهو مذهب ابن حنبل وأبي عبد الله البخاري في صحيحه والمحدثين كافة "(١) .

عطفاً على ما تقدم آنفا:

قال ابن حجر: " اتفق أهل السنة على أن الجميع عدولٌ، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة "(٢) .

وقال الذهبي: " من الكبائر سب أحد من الصحابة، فمن طعن فيهم أو سبهم فقد خرج من الدين ومَرق من ملّة المسلمين "(٣) . هذا هو حكم أهل السنة على الصحابة، فالكل عدول. ولكن ما هو حكم الله ورسوله فيهم، هل يعدّلونهم جميعا أم لا؟ فلنرَ حكم الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهم( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (٤) .

الصحابة في القرآن

الصحابة والنفاق:

ظهر المنافقون في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوة لا يستهان بها، وقد نزلت الآيات الكريمة كاشفة عنهم ومحذّرةً منهم ومبيِّنة لصفاتهم، قال تعالى:( وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) (٥) ،( وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي ) (٦) ،( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ) (٧) ،( يَحْلِفُونَ

____________

١ - صحيح مسلم شرح النووي: ١/٣٥ - ٣٦.

٢ - الإصابة: ١/٦.

٣ - الكبائر: ص ٢٣٣.

٤ - المائدة: ٥٠.

٥ - البقرة: ١٤.

٦ - التوبة: ٤٩.

٧ - البقرة: ٨.


بِاللَّـهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ ) (١) .

وهناك الكثير من الآيات التي تتحدّث عنهم، حتى أنَّ سورة التوبة سميت بالفاضحة. وقلَّما يجد قارئ القرآن سورةً تخلو من ذكر المنافقين، وإن شئت فاقرأ سور: الأحزاب، والنساء، والأنفال، والحشر، والمنافقين، والبقرة، وآل عمران، والمجادلة... وقد جمع بعض المحققين الآيات الخاصة بالمنافقين فبلغت ما يقرب من عشر القرآن(٢) !

ومع بيان الآيات هذه لهم فقد بقي الكثير من المنافقين مجهولين عند المسلمين، قال تعالى:( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) (٣) .

ونحن نسأل: من هؤلاء الذين نزل فيهم عشر القرآن؟ أليسوا هم ممن صحب رسول الله؟ بلى، هم كذلك بشهادة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

أخرج البخاري أنَّ عمر بن الخطاب طلب من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يضرب عنق عبد الله بن أبيّ، فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

" دعه، لا يتحدّث الناس بأنَّ محمدا يقتل أصحابه "(٤) !!

ومرّة أشار الصحابة على النبي بقتل ابن أبي، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (فلعَمري، لنحسننَّ صحبته ما دام بين أظهرنا)(٥) .

يقول النووي: " ولم يقتل - النبي - المنافقين لهذا المعنى ولإظهارهم الإسلام، وقد أُمر بالحكم بالظاهر، والله يتولّى السرائر، ولأنهم كانوا معدودين في أصحابه "(٦) .

____________

١ - التوبة: ٧٤.

٢ - النفاق والمنافقون، الاستاذ إبراهيم علي سالم المصري.

٣ - التوبة: ١٠١.

٤ - كتاب تفسير القرآن، حديث رقم: ٤٥٢٥، صحيح مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما.

٥ - طبقات ابن سعد: ٢/٥٦.

٦ - صحيح مسلم بشرح النووي: ١٦/١٣٩.


إذن كيف يصح القول: بأنَّ كل الصحابة عدولٌ، وفيهم المنافقون؟! أما عدد المنافقين فلا نستطيع إحرازه بالدقّة، ولكننا سنقترب من الحقيقة إذا رجعنا إلى غزوة أحد، فقد كان عدد جيش المسلمين في هذه الغزوة ألفا كما نص على ذلك أرباب السير، وأثناء مسير المسلمين تخلف ثلث الجيش بقيادة عبد الله بن أبي زعيم المنافقين أي قرابة ٣٠٠ صحابي(١) !!

كل هذا العدد كان بين الألف ذاك!! وليس في هذا الأمر غَرابةٌ، فكلما قوي المسلمون ازدادت شوكة النفاق وانتشار المنافقين بينهم.. ومن ذلك يمكن أن نستنتج حجم عدد المنافقين بين الصحابة بعد أن اكتسح الإسلام جزيرة العرب؟! فإذا كان بين الألف صحابي قرابة ثلاثمائة منافق، فكم سيكون عدد المنافقين بين مائة وأربعة عشر ألف صحابي؟!

____________

١ - صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة احد، والتصريح برجوع ثلث الناس في سنن البيهقي: ٩/٣١.


الصحابة الأعراب:

يمثل الأعراب نسبة كبيرة من صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قال أبو زرعة الرازي:

" توفي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة وهذا لا تحديد فيه، وكيف يمكن الاطلاع على تحرير ذلك مع تفرق الصحابة في البلدان والبوادي والقرى "(١) . فأهل البوادي - وهم الأعراب – صحابة.

وروى الساجي في المناقب بسند جيد عن الرافعي، قال: قبض رسول الله والمسلمون ستون ألفا، ثلاثون ألفا في المدينة وثلاثون ألفا في قبائل العرب... "(٢) فعدد الصحابة الأعراب ثلاثون الفا.

وحين أشرف عمر بن الخطاب على الموت أوصى للخليفة من بعده بقوله:

" وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب ومادّة الإسلام "(٣) .

هؤلاء الأعراب الذين يشكّلون ثلاثين ألفا: حكم أهل السنة عليهم جميعا بالعدالة. ولكن أين هذا الحكم من حكم الله؟

قال تعالى:( الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ

____________

١ - تدريب الرواي: ٢/٢٢١.

٢ - المصدر السابق.

٣ - صحيح البخاري: كتاب المناقب، حديث رقم ٣٤٢٤.


عَلَىٰ رَسُولِهِ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (١) !!

( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ) (٢) .

( وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ) (٣) .

( سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) (٤) .

( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَـٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (٥) .

فأين حكم أهل السنة من حكم الله؟ ومن أولى بالاتباع؟( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (٦) وأين أتباع الكتاب والسنة في وصفهم لجميع الأعراب من الصحابة بالعدالة من هذه الآيات البينات؟ نحن لاننكر وجود المؤمنين من الأعراب، فالله عزوجل قال في كتابه العزيز:( وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّـهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّـهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (٧) .

ولكن الأعراب المنافقين - كما يظهر هنا - أكثر من هؤلاء الأعراب، المؤمنين لأن "من " في الآية الأخيرة: تبعيضية عند العلماء. ومع ذلك، فان الآيات التي جاءت تذم

____________

١ - التوبة: ٩٧.

٢ - التوبة: ١٠١.

٣ - التوبة: ٩٨.

٤ - الفتح: ١١.

٥ - الحجرات: ١٤.

٦ - المائدة: ٥٠.

٧ - التوبة: ٩٩.


الأعراب وتوبخهم أكثر من الآيات التي تزكيهم من النفاق.

فهل نسي، أو تناسى أهل السنة حين حكموا على الصحابة الأعراب بالعدالة:

الآيات السابقة! فمن الواجب أن يقرأ القرآن وحدة واحدة.

ويمكننا أن نكتفي بهذا الدليل القرآني لنقض نظرية عدالة الصحابة من اسسها الواهية!

الصحابة والصلاة:

عن جابر بن عبد الله قال: " بينما نحن نصلي مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ أقبلت عيرٌ تحمل طعاما فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا اثنا عشر رجلا، فنزلت هذه الآية:( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ) "(١) (٢) .

إنه لأمرٌ عجيب أن يترك العبد صلاته خلف نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلتفت إلى العير والطعام!

والأعجب منه، كل من يقرأ هذه الحادثة ولا يتملكه الغضب من موقف هؤلاء الصحابة!!

فما هو عذرهم في فعلهم هذا؟ هل فعلوا ذلك لأنهم جياع؟ ألا يبدو في هذا الفعل:

استخفاف هؤلاء " الصحابة " بالصلاة وبالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفسه؟

وبماذا نفسر فعلهم هذا؟ أفتونا يا أيها الملأ.

أهذه هي " العدالة " التي حملتهم على هذا الفعل؟ إنَّ العدالة بعيدة كل البعد عن هذا التصرف القبيح.

ولقد رأيت مصلين في عصرنا إذا وقف أحدهم بين يدي ربه ارتجف جسمه وعلا صوته بالبكاء وسالت دموعه، فما بال أهل القرون الأولى؟!

____________

١ - الجمعة: ١١.

٢ - صحيح البخاري: كتاب الجمعة، باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومن بقي جائزة.


الصحابة والزكاة:

قال تعالى:( وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّـهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّـهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) (١) .

هذه الآيات نزلت بالصحابي ثعلبة(٢) . الذي حكم الله تعالى بنفاق قلبه، وحكم أهل السنة بطهارة قلبه وعدالته!!

مسجد ضرار:

في غزوة تبوك تخلف اثنا عشر رجلا من الصحابة عن الرسول وبنوا مسجدا كفرا وتفريقا بين المسلمين. قال تعالى:( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ وَاللَّـهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) (٣) .

هذا حكم الله فيهم، فكيف يعطون صفة العدالة؟!

عدالة الصحابة في القرآن:

في بحثنا عن عدالة الصحابة وجدنا القرآن ينقض نظرية " عدالة الصحابة " هذه.. ففي الصحابة كثيرٌ من المنافقين، وفيهم الأعراب الذين هم أشد كفرا ونفاقا.

وفيهم من يترك الصلاة لينظر للعير، وفيهم وفيهم... وهناك المؤمنون وهم الذين مدحهم

____________

١ - التوبة: ٧٥ و ٧٦.

٢ - راجع: تفسير الطبري: ٦/١٣٠. تفسير ابن كثير: ٢/٣٨٨. تفسير فتح القدير: ٢/٣٨٥. تفسير الخازن: ٢/١٢٥. تفسير البغوي بهامش تفسير الخازن: ٢/١٢٥.

٣ - التوبة: ١٠٧.


الله في كتابه. هكذا قال القرآن في الصحابة، فأي القولين أولى أن يتبع قول أهل السنة في صحة عدالتهم أم.. قول الله عزوجل في نفي العدالة عن الكثير منهم، وقوله الحق؟!

الصحابة في السنّة

الصحابة والارتداد:

أخرج البخاري " عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " أنا فرطكم على الحوض، ليرفعنَّ إليَّ رجالٌ منكم حتى إذا أهويت لأُناولهم اختلجوا دوني، فأقول:

أي ربَّ أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدَثوا بعدَك(١) .

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " بينما أنا قائم فإذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، قال: هلُّم، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلَّص منهم إلاّ مثل همل النعم "(٢) .

وأخرج مسلم عن عبد الله، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " أنا فرطكم على الحوض ولأنازعنَّ أقواما ثم لاغلبنَّ عليهم، فأقول: يارب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك "(٣) .

وفي تاريخ ابن كثير قال: أخرج البيهقي عن أبي الدرداء، قال: " قلت:

يارسول الله بلغني إنك تقول: (ليرتدن أقوام بعد إيمانهم) قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " أجل ولست منهم ".

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " إنَّ من أصحابي من لا يراني بعد أن افارقه "(٤) .

هذه الأحاديث تعرَف بأحاديث الحوض، وهي متواترةٌ ولها طرقٌ أخرى

____________

١ - كتاب الفتن، ماجاء في قوله تعالى: *( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ) *.

٢ - المصدر السابق: كتاب الرقاق، باب في الحوض.

٣ - كتاب الفضائل، باب اثبات حوض نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصفاته.

٤ - سلسلة الأحاديث الصحيحة: ٦/١٢٠٢، رقم الحديث ٢٩٨٢.


لا يتَّسع المقام هنا لعرضها. وقد صرَّحت هذه الأحاديث بأنَّ الصحابة سيدخلون النار ولا يبقى منهم إلا القليل، كما يتضح لنا ذلك في تشبيههم بهمل النعم.

ويبدو لنا أنَّ هذه الأحاديث أقلقت مضاجع أهل السنة، ففسَّروها بالمنافقين والمرتدِّين، ولكن هذا التفسير بعيدٌ عن معطيات الأحاديث، ولا يصح، وذلك لأسباب نذكر منها:

أولا: إنَّ المنافقين قليلون، لايزيد عددهم على عدد أصابع اليدين، عند أهل السنة، وهو يناقض قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث الحوض: (فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم) وهو قول يؤكد على نجاة القليل منهم، وفي رواية: قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

(ولأنازعن أقواما ثم لأغلبن عليهم)، فتأمل كلمة " أقواما "، ليسوا عشرة ولا مائة، إنما هم أقوامٌ!

وحتى إذا فسرنا الحديث الشريف هذا بأنه يشير الى المنافقين والمرتدين، فهو يعني أنَّ كثيرا من الصحابة منافقون ومرتدون. وهذا ما ينطق به ماجاء في نص الحديث:

(فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم)!! وكفى بقول الرسول حجةً. فأين أهل السنة من هذه الحقيقة؟ وهل سيسلمون بها؟ إنَّ التأويل غير مجد هنا، بل يوقع صاحبه في مطبات لا تحمد عقباها. فمن فسر الذين ورد ذكرهم في الحديث بالمنافقين والمرتدين، فهو كالذي اختبأ من المطر، ولكنه وقف تحت الميزاب!!

ثانيا: هناك أحاديث مفسرةٌ لهذا الحديث بما لا يبقى معه مجال لتأويل الحديث بالشكل الذي يؤدّي الى غرضهم في الحفاظ على نزاهة الصحابة. والأحاديث يفسر بعضها بعضا.

روى البخاري بسنده عن العلاء بن المسيب عن أبيه، قال: لقيت البراء بن عازب (رضي الله عنهما)، فقلت: طوبى لك صحبت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبايعته تحت الشجرة.

فقال: يابن أخي، إنك لا تدري ما أحدثنا بعده "(١) !!

____________

١ - كتاب المغازي: رقم الحديث ٣٨٥٢.


وأخرج الحاكم أنَّ عائشة قالت: " إني قد أحدثت بعد رسول الله "(١) .

وروى ابن حجر " عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن أبي سعيد، قلنا له: هنيئا لك برؤية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصحبته. فقال: إنك لا تدري ما أحدثنا بعده "(٢) .

وروى مالك في الموطأ عن مولى عمر بن عبيدالله: انه بلغه أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لشهداء أحد: (هؤلاء أشهد عليهم). فقال أبو بكر الصديق: ألسنا يارسول الله إخوانهم، أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (بلى، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي) فبكى أبو بكر، ثم بكى، ثم قال: " أئنا لكائنون بعدك؟ "(٣) .

وقال أنس بن مالك: ما أعرف شيئا مماكان على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! قيل: الصلاة، قال: أليس ضيَّعتم ما ضيعتم فيها(٤) ؟

وأخرج البخاري عن الزهري قال: " دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت: ما يبكيك؟ فقال: لاأعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيِّعت "(٥) .

وأخرج البخاري قال: سمعت سالما قال: سمعت أم الدرداء تقول: دخل عليَّ أبو الدرداء وهو مغضب، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئا إلا انهم يصلّون جميعا(٦) .

____________

١ - مستدرك الحاكم: ٤/٦، وصححه وكذا الذهبي في تلخيص المستدرك.

٢ - الإصابة: ٣/٨٤.

٣ - ٢/٤٦٢ كتاب الجهاد - باب الشهداء في سبيل الله. وقال ابن عبد البر عن الحديث: " مرسل عند جميع الرواة لكن معناه يستند من وجوه صحاح كثيرة " ذكر ذلك فؤاد عبد الباقي راجع الموطأ: ٢/٤.

٤ - صحيح البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب تضييع الصلاة.

٥ - المصدر السابق.

٦ - صحيح البخاري: كتاب الأذان، رقم الحديث ٦١٣.


وأخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري " قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شئ يبدأ به الصلاة، ثم بعد ذلك يعظ الناس، فلم يزل الناس على ذلك، حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فأراد أن يرتقي المنبر قبل أن يصلي، فجذبت بثوبه، فجذبني فارتفع، فخطب قبل الصلاة.

فقلت له: غيرتم والله، فقال: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم... "(١) .

ومن حديث لجابر بن عبد اللهرضي‌الله‌عنه : " ما منا أحد إلا غير "(٢) .

وقال أعين ابن امرأة الفرزدق لعثمان: " يا نعثل بدَّلتَ "(٣) .

كل هذه النصوص تؤكِّد على أنَّ الذين أحدثوا، هم من صحابة رسول الله من غير المنافقين والمرتدين. ففي حديث الحوض يقال للنبي: (انك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، والبراء يقول: إنك لا تدري ما أحدثناه(٤) بعده، وعائشة تقول: إني قد أحدثت بعده، وقال أبو سعيد الخدري غيرتم والله، والرسول نفسه لم يشهد لأبي بكر ومَن قاتل في أحد ويقول: (ولكن لا أدري ما تحدَثون بعدي)!

وهذا أنس يقول: ما أعرف شيئا مما كان على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقوله هذا يدل على أنَّ كل شئ تغير وبدل، وحتى الصلاة ضيعت!!

وهذا أبو الدرداء يقول: والله ما أعرف من أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئا إلا أنهم يصلون جميعا. وهو اصرح قول في أنَّ أهل القرون الأولى تركوا من السنة أشياء كثيرة، واحدثوا بدلا منها بدعا. وجابر يقول: ما منا أحد إلا غيّرَ...

____________

١ - المصدر السابق: ج ٢ - باب الخروج إلى المصلى بغير منبر.

٢ - مستدرك الحاكم: ٣/٥٦٠.

٣ - مجمع الزوائد: ٧/٤٦٣.

٤ - إن البراء يتكلم عن الإحداث بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتعبير الجمع " أحدثناه " فشمل قوله هذا إخوانه من الصحابة " العدول "..


ثالثا: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضَبِّ لسلكتموه)، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال:

فمن؟ "(١) .

يؤكد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الحديث على أنَّ كثيرا من الصحابة - وهم الموجه لهم الخطاب قبل غيرهم - سيتبعون سنن اليهود والنصارى. وإحداث أهل الكتاب بعد أنبيائهمعليهم‌السلام يعرفه القاصي والداني. فالصحابة - مما نستنتجه من قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - سيحدَثون أمورا كبني إسرائيل. وإن لم يحدَثوا مثلهم لكان كلام النبي كذبا - والعياذ بالله - فهم إذن، مثل اليهود والنصارى، قد أحدثوا أشياء استحقّوا بها دخول النار.

رابعا: إذا قلنا: إن المقصود بحديث الحوض هم المرتدون، فهذا أسوأ، إذ كيف يرتد الصحابي الذي شاهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتبرك برؤيته فتطهر قلبه وعدله الله في القرآن؟!

فإذا جاز ارتداد الصحابي بعد صحبته للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلاعبرة بالصحبة ولاقيمة لها(٢) !!

فأحاديث الحوض هذه، تنقض نظرية عدالة جميع الصحابة دون شك، لأن العادل لا يدخل النار!

الصحابة يتنزَّهون عن فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !!

قالت عائشة: صنع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئا فرخص فيه: فتنزَّه عنه قومٌ، فبلغ ذلك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخطب فحمد الله، ثم قال: " ما بال أقوام يتنزهون عن الشئ أصنعه؟!

فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدّهم له خشية "(٣) .

____________

١ - صحيح البخاري: كتاب الأنبياء، باب ماذكر عن بني اسرائيل.

٢ - والرسول يقول: (لاترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) صحيح البخاري: كتاب الفتن، باب قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. هل قال كلامه هذا عبثا، والعياذ بالله!!

٣ - صحيح البخاري: كتاب الأدب، رقم الحديث ٥٦٣٦.


وقال ابن حجر في فتحه: " نقل ابن التين على الداودي أنَّ التنزه عما ترخص فيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أعظم الذنوب، لأنه يرى نفسه أتقى لله من رسوله. قلت: لا شك في إلحاد من اعتقد ذلك "(١) .

فكيف يمكن لنا أن نعتقد بعدالة هؤلاء الذين يتنزهون عن صنع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

هذا ابن حجر قد سمَّى فعلهم إلحادا!! وشتَّان ما بين العدالة والإلحاد!

أولئك هم العصاة:

عن جابر " إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان وصام حتى بلغ كراع الغميم يعني(٢) وصمنا معه، فقيل: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينتظرون ما تفعل، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون فافطر الناس وصام بعض، فبلغه أن ناسا صاموا، فقال: " اولئك هم العصاة " مرتين "(٣) .

لقد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في اولئك الصحابة: أولئك هم العصاة، ولكن أهل السنة يقولون: أولئك هم العدول!

الصحابة في غزوة أحد:

أول حدث يهمنا في غزوة أحد، هو تخلف ثلث الجيش عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وثاني حدث هو هروب الصحابة من المعركة، وتركهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين سيوف المشركين ورماحهم، ولم يبق مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا أربعةٌ، ويقال أثنا عشر رجلا، على رأسهم علي بن أبي طالب، فكسرت رُباعيَّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وشُجَّ في رأسه(٤) .

____________

١ - فتح الباري: ١٣/٢١٦ - ٢١٧.

٢ - هكذا في سنن البيهقي والظاهر أنها بمنى.

٣ - السنن الكبرى، البيهقي: ٤/٢٤٦، قال: رواه مسلم في الصحيح. إمتاع الأسماع، المقريزي ١/٣٦٥.

٤ - صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد ٥/١٧٥.


وثالث حدث في هذه الغزوة هو ترك الرماة لمواقعهم. فالرسول جعل خمسين من الرماة يحمون ظهور المسلمين، ولكنهم بعد انهزام المشركين، تركوا أمكانهم طمعا في الغنائم التي أسرعوا إليها بالرغم من تشديد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم بالبقاء في مواقعهم، وإن كانت الدائرة للمسلمين.

وفي غزوة حنين، فرَّ عشرة آلاف صحابي، وبقي مع النبي سبعة على رأسهم عليٌّ، ونزل القرآن يوبخهم. وشارك عمر بن الخطاب الناس في الفرار(١) !

إنه حقا لأمر عجيب: أن لا يبقى من العشرة آلاف إلا سبعة! فمن لا يصدق بأن الصحابة لا يبقى منهم مع النبي في الجنة إلا مثل همل النعم، فليسأل أحداً وحنينا، ففيهما الخبر اليقين!

عدالة الصحابة في السنة:

إن القرآن ينقض نظرية عدالة الصحابة، والسنة النبوية: لم تبق من الصحابة مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الجنة إلا مثل همل النعم. لكن أهل السنة أدخلوا الصحابة كلهم في الجنة، فتأمل المفارقة بين حكم الله ورسوله وحكم أهل السنة!

وأضف لما سبق تنزه قسم من الصحابة عن فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا كما قال ابن حجر إلحاد،! ووصف الرسول قسما منهم بأنهم عصاة...

وأن ماعز بن مالك الأسلمي، زنى ورجمه النبي، ولم أسمع أحدا يحسب الزنى من العدالة!! وجلد عمر قدامة بن مضعون لأنه شرب الخمر(٢) ، وشرب الخمر ليس من العدالة. ألا يكفي كل ذلك، لنقضي نظرية عدالة الصحابة، عند أهل السنة؟! بلى يكفي.. ومع هذا سنلقي المزيد من الضوء على تهافت هذه النظرية؟

____________

١ - صحيح البخاري - كتاب المغازي: ٥/١٠١، مع أن الشيطان يهرب من عمر!!

٢ - راجع ترجمة ماعز وقدامة في الإصابة: ٥/٢٣٣ و ٦/١٦.


الفصل الخامس

الصحابة في حياة النبي



الصحابة يقتلون رجلاً في الحرم!

عن أبي شريح بن عمر: " إنَّ أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قتلوا رجلا من هذيل كانوا يطلبونه بذحل في الجاهلية في الحرم - وهو - يؤم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليبايعه على الاسلام فقتلوه، فلما بلغ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قتله، غضب أشدُّ الغضب، فسعت بنو بكر إلى أبي بكر وعمر(١) وأصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستشفعون بهم إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) فلما كان العشي قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أمَّا بعدُ فإنَّ الله عز وجل حرم مكة ولم يحرمها الناس وإنما أحلها لي ساعة من النهار ثم هي حرام كما حرمها الله أول مرَّةٍ، وإنَّ أعتى الناس على الله ثلاثةٌ: رجل قتل فيها، ورجل قتل غير قاتله، ورجل طلب بذحل الجاهلية، وإني والله لأدين هذا الرجل الذي أصبتم "(٢) .

هؤلاء بعض الصحابة، لم يصغوا لنداء السماء الذي حرم هذا النوع من القتل، بل تعدّوا ذلك وقتلوا رجلا داخل الحرم، فأين عدالة هؤلاء وأمثالهم الذين كانوا يغضبون الله ورسوله؟!

سلَّم رجل على الصحابة فقتلوه!

عن ابن عباس(٣) قال: " مر رجل من بني سليم على نفر من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعه غنم له فسلم عليهم، فقالوا: ما سلَّم عليكم إلا ليتعوَّذ منكم فعمدوا اليه فقتلوه واخذوا غنمه... "(٤) .

____________

١ - سنن البيهقي: ٨/٧١ و ٩/١٢٣.

٢ - مستدرك الحاكم: ٣/٢٣٥، قال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه، سنن الترمذي: ٤/٣٠٧.

سنن البيهقي: ٩/١١٥.


هؤلاء الصحابة سَلَّم عليهم رجل فقتلوه، فهل هذا من أخلاق ردِّ التحية في الإسلام، والتي نزل بها القرآن وعلمهم إياها النبي؟

صحابي يحب وفاة النبيّ!!

عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه قال: " قال رجل من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم): لو قد مات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لتزوَّجت عائشة أو أم سلمة فأنزل الله عز وجل( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّـهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّـهِ عَظِيمًا ) !!(١) ".

نفهم من كلام الصحابي هذا أنه كان يتمنى أو ينتظر وفاة النبي كي يتزوج من نسائه، ولكن الله أحبط أمانيه حين حرم الزواج من نساء النبي، فكيف تمَّ تعميم العدالة على جميع الصحابة مع وجود هذا وأمثاله؟

صحابةٌ ينتحرون!

جاء في سنن البيهقي من حديث أحمد بن يونس قال: مرض رجل فصيحَ عليه، فجاء رجل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: إنه مات، قال: (وما يدريك؟) قال: إنه صِيحَ عليه، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إنه لم يمت) ثم انطلق الرجل فرآه قد نحر نفسه بمشاقص!

فانطلق إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاخبره انه مات، فقال: (ما يدريك؟) قال: رأيته نحر نفسه بمشاقص، قال: (اذن لا أصلِّي عليه)(٢) .

وعن سعيد بن المسيب: " إنَّ أبا هريرة قال: شهدنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خيبر، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لرجل ممن يدَّعي الإسلام: " هذا من أهل النار "، فلما حضر

____________

١ - سنن البيهقي: ٧/٦٩، والآية في سورة الأحزاب: ٥٣.

٢ - ٤/١٩، وقال: رواه مسلم في الصحيح عن عون بن سلام مختصرا، وقريب من هذا النص في سنن ابن ماجة: ١/٤٨٨.


القتال، قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراح فاثبته، فجاء رجل من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل الذي ذكرت أنه من أهل النار قد والله قاتل في سبيل الله أشدَّ القتال وكثرت به الجراح، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " أما إنه من أهل النار "، وكاد بعض الناس يرتاب، فبينا هو على ذلك وجد الرجل ألم الجراح فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها سهما فانتحر به!... "(١) .

وهكذا يلقي العدول بأنفسهم الى التهلكة!!

رزية الخميس

أخرج البخاري بالأسناد إلى ابن عباس، قال: " يوم الخميس، وما يوم الخميس، اشتد برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه. فقال: ائتوني اكتب لكم كتابا لن تضلِّوا بعده أبدا، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبيّ تنازع. فقالوا: ما شأنه أهجر؟ استفهموه فذهبوا يردون عليه، فقال: " دعوني فالذي أنا فيه خيرٌ مما تدعونني إليه "(٢) .

وفي رواية أخرى للبخاري، إنَّ الذي ردَّ على رسول الله طلبه، عمر بن الخطاب، حيث قال: " إنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتابَ الله "(٣) .

وفي صحيح مسلم كان ردهم: إنَّ رسول الله يَهجُر(٤) .

إنَّ أول من رد على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورفض طلبه عمر بن الخطاب كما في رواية البخاري وغيرها مما لم نذكر، ولم يكتف برفض طلبه بل اتَّهمه بالهجران، وقد اختلفت

____________

١ - السنن الكبرى، البيهقي: ٨/١٩٧، صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الانسان نفسه...

٢ - كتاب المغازي - باب مرض النبي ووفاته.

٣ - كتاب المرض - باب قول المريض قوموا عني. طبقات ابن سعد: ٢/٣٧.

٤ - كتاب الوصية - باب ترك الوصية.


الكلمة التي قيلت في الروايات: غلبه الوجع، أهجر، يهجر... ولا يهمّ اختلافها فكلها ذات معنى واحد وهو الهذيان - والعياذ بالله منها.

تأمل أيها الغيور على الإسلام ونبيِّه هذه الرزية وأمعن فكرك فيها. ألا تجد أنَّ هذه الحادثة هي التي رسمت مستقبل الإسلام والمسلمين؟! فالنبي نبي الرحمة، بعدما أخرج الناس من ضلال الجاهلية أراد أن يطمس هذا الضلال إلى الأبد، (لن تضلِّوا أبدا). والصحابة " العدول! " بقيادة عمر رفضوا هذه النعمة وحكموا على هذه الأمة بالضلال، حين منعوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من طلبه، إذن فهم المسؤولون عمَّا جرى لهذه الأمة منذ تلك الرَزيَّة وحتى قيام الساعة. وهذا كلام يقبله كل من كشف الله عن عينيه العَمى، فكيف ستضل الامة الاسلامية وتتفرَّق بعد قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (لن تضلوا أبدا)؟!

إنَّ الله قبل أن يقبض روح نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث جبرائيلعليه‌السلام يخيره بين الموت والخلود ويستأذنه في ذلك، لكن الصحابة يواجهون النبي - وهو يودعهم - بكلمة موجعة حتى طردهم، فأين فعلهم هذا من الأدب الرباني؟

وما لنا نرى الوجوه تنقبض أمام هذا الكلام؟ أليس هو الحق الذي يجب أن نعترف به؟!

وبإمكاننا أن نسأل الآن: أين حرص الصحابة على تنفيذ أوامر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ذلك الحرص الذي يطبل له أهل السنة ليل نهار ويزرعونه في نفوس الكبار والصغار؟!

أما قال الله( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (١) ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (٢) ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) (٣) ؟ وهناك المزيد من الآيات

____________

١ - النجم: ٢ - ٤.

٢ - الحشر: ٧.

٣ - الحجرات: ٧.


التي تندد بمن يعترض على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويجعل لنفسه الخيرة من أمره من دون أمر الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وهنا ينبري علماء أهل السنة للدفاع، ولكن ليس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! فنراهم يقولون إنَّ الصحابة فعلوا ذلك إشفاقا على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !! ولسان حالهم يقول كما قال الصحابة: إنه يهجر!!

وهذه الحجة تضحك الثكلى. فلم نر شخصا يشفق على آخر بكلمة مؤذية كهذه.

وكيف علم أهل السنة قصد الصحابة في موقفهم هذا، ولم يعلمه النبي؟! فلو كان قولهم شفقةً، لعلم ذلك رسول الله، ولشكرهم بدلا من أن يطردهم؟

وأهل السنة بتبريرهم هذا جعلوا الصحابة أشفق على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ربه(١) الذي أمره بكتابة الكتاب. فالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يأتي بشئ من عنده( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ) (٢) .

إن الذي يرضى بفعل الصحابة هذا، ويهب للدفاع عنهم، فهو شريكهم في مقولتهم: " إنه يهجر " لأن من رضي بفعل قوم فقد شاركهم. فهل نرضى أن نشارك هؤلاء الصحابة مقولتهم... أم إن الحق يدفعنا الى أن نقف مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونغضب لغضبه؟

فليختبر كل واحد منا محبته للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، في موقفه من هذه الحادثة!

سريَّة أُسامة

نوجز هذه الحادثة بأنَّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جهَّز جيشا لغزو الروم وأمَّر عليه أسامة بن زيد، وعمره آنذاك لم يتجاوز السبعة عشر عاما، والتحق بالجيش كل وجوه المهاجرين والأنصار كأبي بكر وعمر. قال الشيخ محمد أبو زهرة: " وقد أجمع الرواة على أنه عليه الصلاة والسلام جعل في إمرته، الشيخين أبا بكر وعمر "(٣) .

____________

١ - الأحقاف: ٩.

٢ - سيرة خاتم النبيين: ٢/١٢١٥.


وفي الملل والنحل، إنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " جَهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلَّف عنه "(١) ، وشدَّد النبيُّ على الجيش بالذهاب، لكن الصحابة العدول تثاقلوا عن المسير وطعنوا في تأمير أسامه، فغضب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقام في الصحابة خطيبا وقال: " إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه!! وايم الله إن كان لخليقا للإمرة، وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإنَّ هذا لمن أحب الناس إلي بعده "، فذهبوا إلى المعسكر، ثم رجعوا والنبي يجود بنفسه، فتوفيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورجع الجيش إلى المدينة(٢) .

في هذه الرزية رفض الصحابة أوامر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رغم تشديده عليهم بالذهاب. ولم يكتفوا بذلك، بل طعنوا في تأمير أسامة الذي هو طعنٌ بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الذي أمَّره!

وعلماء أهل السنة وقفوا موقف المدافع عن الصحابة وبدلا من مواساتهم للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وشاركوا الصحابة مقالتهم ضد أسامة، فشاركوهم في عصيان الرسول!

قالوا: إنَّ الصحابة خافوا على الرسول المرض... والحق، أنَّ أي تبرير لموقف الصحابة هذا لا يصح، لأن النص صريح في وجوب الذهاب عليهم، والقرآن يناديهم ليلا ونهارا:( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (٣) ،( أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ... ) (٤) وهناك غيرها الكثير من الآيات المماثلة. فطاعة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واجبة عليهم مهما كانت الظروف.

____________

١ - المقدمة الثالثة: ١/٢٩.

٢ - راجع سرية أسامة وهذه التفصيلات في صحيح البخاري: ٥/٩٦. السيرة الحلبية: ٣/٢٠٧. طبقات ابن سعد: ٣/١٩. تاريخ الطبري: ٣/٢٢٦. الكامل في التاريخ: ٢/٣١٧. تهذيب تاريخ دمشق: ١/٢٢.

المغازي للواقدي: ٢/١١١٩. تاريخ ابن خلدون: ٢/٤٨٤. فتح الباري: ٨/١٥٢. حياة محمد: حسنين هيكل. رجال حول الرسول خالد محمد خالد، وكل كتب السير.

٣ - الأحزاب: ٣٦.

٤ - النساء: ٥٩.


وراحة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت في ذهابهم مع سرية اسامة. وهل كان رجوعهم سيدفع المرض عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أم يزيده ألما؟!

لقد عقد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اللواء لأسامة بيده وخرج وهو مريض فخاطب الصحابة وعاتبهم وأمرهم بالمسير، لكنهم عصوه وأغضبوه..

لقد غضب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لفعل الصحابة هذا، وإذا غضب غضب الله لغضبه.

والمسلم الرسالي يغضب لغضب الله ورسوله ولا يدافع عن الصحابة في عصيانهم لله ولرسوله. فالصحابة ليسوا سوى أتباع، وهم مأمورون وليسوا آمرين، ولا خيرة لهم من أمرهم مع اختيار الله ورسوله.

صلح الحُديبيَّة

خرج الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للعمرة مع أصحابه فأحرموا بذي الحليفة، لكن قريشا بعثت سهيل بن عمرو وطلبوا من الرسول أن يرجع هذه المرة، على أن يتركوا له مكة في العام القادم ثلاثة أيام، واشترطوا عليه شروطا قاسية، قبلها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنه يعلم بأنَّ نتائجها لصالح المسلمين.

قال عمر: " فأتيت نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت: " ألست نبي الله حقا؟!! قال: (بلى)، قلت: ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ قال: (بلى)، قلت: فلم نعطي الدَنيَّة في ديننا إذن؟ قال: " إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري "، قلت: أوليس كنت تحدِّثنا أنَّا سنأتي البيت فنطوف به(١) ؟ قال: " بلى، فأخبرتك أنَّا نأتيه العام!؟ " قلت: لا، قال:

" فإنك آتيه ومطوف به " ثم سأل عمر أبا بكر نفس الأسئلة، وأجابه نفس أجوبة الرسول.

____________

١ - انظر أخي المسلم، كيف جعل عمر من نفسه محقِّقا والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مُستجوبا وكأنه شريكه في رسالته!


ولما فرغ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كتابة الصلح، قال لأصحابه: " قوموا فانحروا ثم احلقوا "، فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحدٌ، دخل خباه ثم خرج فلم يكلم أحداً منهم بشئ حتى نحر بُدنةً بيده، ودعا حالقه فحلق رأسه، فلما رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا "(١) .

قال ابن حزم في معرض كلامه عن آراء الصحابة الخاطئة: " وأعظم من هذا كله، تأخر أهل الحديبية عن الحلق والنحر والإحلال، إذ أمرهم بذلكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى غضب وشكاهم إلى أم سلمة أم المؤمنين "(٢) .

في هذه الحادثة لم يلتزم الصحابة بأوامر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الرغم من تأكيده عليها ثلاث مرات، وعمر يعترض على أوامر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذه ويخاطبه بأسلوب ما سبقه إليه أحدٌ من المسلمين!

وهنا يأتي تبرير علماء أهل السنة لموقف عمر في قولهم: إنَّ عمر فعل هذا من باب غيرته وحرصه على الإسلام!! ومعنى هذا أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن غيورا على الإسلام ولا حريصا عليه، أو أنَّ عمر كان أكثر حرصا منه على الإسلام!!

وليت أهل السنة يقولون لنا: لماذا لم يغر عمر على الإسلام حين هرب في أحد وحنين وفي خيبر، رجع يجبن أصحابه ويجبنونه(٣) ؟! ولماذا لم يغر على الإسلام عندما أمره النبي بالمسير تحت لواء أسامة فعصاه وعاد الى المدينة؟! ولماذا لم يغر على الإسلام يوم الخميس فيلبي طلب النبي؟!...

____________

١ - راجع هذه الحادثة في صحيح البخاري: كتاب الشروط، باب الشروط: في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، بتصرف منا واختصار.

٢ - الإحكام: ٦/٢٤٦.

٣ - انظر النص في المستدرك: ٣/٣٧، وصححه وكذا الذهبي.


وإني لأعجب من هؤلاء العلماء الذين يدافعون عن عمر والصحابة دون رسول الله. وهم بدفاعهم هذا يجعلون النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مخطئا وإن لم يصرِّحوا بهذا.

فإمَّا أن يكون النبيّ محقا وعمر مبطلا، وهو الصحيح - أو أن يكون عمر محقا والنبي مبطلا - والعياذ بالله.. إذن فليعترفوا بأنَّ عمر والصحابة أخطأوا وعصوا الرسول وليس في هذا ضَير. بل هو الحق الذي يجب أن نذعن له ونعترف به، والاعتراف بالحق فضيلة.

التفتازاني يعترف!

لقد اعترف التفتازاني - وهو من علماء أهل السنة - بأنَّ بعض الصحابة قد حادَّ عن طريق الحق. قال: " ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكور على ألسنة الثقات يدّل بظاهره على أنَّ بعضهم قد حادَّ عن طريق الحقّ!، وبلغ حد الظلم والفسق وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد وطلب الملك والرئاسة والميل إلى اللذات والشهوات، إذ ليس كل صحابي معصوما ولا كل من لقي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالخير موسوما إلا أنَّ العلماء لحسن ظنهم بأصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق...

وأمَّا ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء، إذ تكاد تشهد به الجماد والعَجماء، ويبكي له مَن في الأرض والسماء وتنهد منه الجبال وتنشق الصخور، ويبقى سوء عمله على كرّ الشهور، ومرِّ الدهور، فلعنة الله على مَن باشر أو رضي أو سعى، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى... "(١) .

« وشهد شاهدٌ من أهلها »

____________

١ - شرح المقاصد: ٢/٣٠٦ - ٣٠٧.


الخلاصة

إنَّ الصحابة لم يكونوا رهن إشارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد طعنوا في تأميره لاسامة على الجيش الذي هيأه لمقاتلة الروم، وعادوا إلى المدينة متخلِّفين عنه، وفعلوا ما فعلوه بما آذاه حين أعلنوا عصيانهم له وهو يودِّعهم - في يوم الخميس - وما أدراك ما يوم الخميس!!

وتطاول عليه بعضهم بالكلام، مثل عمر عندما قال للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أرادصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الصلاة على ابن أبيّ، أليس نهاك ربك أن تصلي على المنافقين؟ وكأنه أعلم من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقرآن الذي نزل عليه، بالرغم من أنه لايعرف حكم الجنب فاقد الماء، ومعنى كلمة أبّ، والكلالة...!!

واعتراضاتهم ومخالفاتهم لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تربو على المائة مخالفة تجدها في كتاب النص والاجتهاد لشرف الدين، والغدير، وغيرهما(١) .

فبعد هذا، كيف يصح القول: إنَّ الصحابة( لَّا يَعْصُونَ اللَّـهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) ؟!

( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (٢) .

____________

١ - وسنتطرق لموضوع اجتهاد الصحابة أمام المحكمات قريبا.

٢ - النساء: ٦٥.


الفصل السادس

صور من حياة الصحابة



أبو بكر وميراث الزهراء

فاطمة الزهراء بنت رسول الله، من الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيرا، مودَّتها فرضٌ على كل مسلم، يغضب الله ورسوله لغضبها، وهي سيِّدة نساء هذه الأمَّة وسيدة نساء العالمين.

أخرج مسلم أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة "(١) . وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني "(٢) . وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " إنما فاطمة مضغة مني فمن آذاها فقد آذاني "(٣) .

هذه وديعة رسول الله، التي يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها، ماتت غاضبةً على أبي بكر!

أخرج البخاري بسنده عن عروة بن الزبير " إن عائشة أم المؤمنين أخبرته أنَّ فاطمةعليها‌السلام ابنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سألت ابا بكر الصديق بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مما أفاء الله عليه فقال لها ابو بكر: إنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا نورِّث، ما تركناه صدقة، فغضبت فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفِّيت، وعاشت بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ستة أشهر. قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من خيبر

____________

١ - كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٢ - صحيح البخاري: كتاب المناقب، باب مناقب قرابة الرسول ومنقبة فاطمةعليها‌السلام .

٣ - مستدرك الحاكم: ٣/١٥٨ و ١٥٩، وصححه وكذا الذهبي.


وفدك وصدقة بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك... "(١) .

وفي رواية قالت الزهراءعليها‌السلام لأبي بكر: (أفي الله أن ترث أباك، ولا أرث أبي؟ أما قال رسول الله: المَرء يحفظ في ولده)(٢) .

وذكر ابن قتيبة أنَّ أبا بكر وعمر جاءا يوما يلتمسان رضاها فقالت لهما:

(نشدتكما الله، ألم تسمعا رسول الله يقول: رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني). قالا: نعم سمعناه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالت: (فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لأشكونَّكما إليه)(٣) .

لقد رحل رسول الله عن هذه الدنيا حزينا على أمَّته، حين كتبت على نفسها الضلال على يد الصحابة، وها هم الصحابة بالرغم من أمر الله لهم بمودَّة قربى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا أنهم عملوا العكس فأغضبوا الزهراء حين حرَّموها من ميراثها وأخذوا منها فدكا - قطعة أرض في خيبر - التي منحها إياها رسول الله.

وفي النصوص السابقة نرى أنَّ الله ورسوله يغضبان لغضب الزهراء.

وفاطمة ماتت غاضبة على أبي بكر، والنتيجة نتركها للقارئ!

لقد ثبت أنَّ فاطمةعليها‌السلام ماتت غاضبة على أبي بكر، ومتى ما غضبت، غضب الله ورسوله لغضبها. فلو كان حديث أبي بكر صحيحا لكان غضب فاطمة بغير حق، وبالتالي يكون غضب الله ورسوله بغير حق، ولذلك يكون حديث أبي بكر غير صحيح!!

وهناك سؤال مثير للحيرة، وهو: كيف علم أبو بكر بأنَّ الأنبياء لا يورِّثون ولم

____________

١ - (كتاب الخمس) باب الفرائض.

٢ - تاريخ اليعقوبي: ٢/١٢.

٣ - الإمامة والسياسة: ١/١٣. أعلام النساء: ٤/١٢٣ - ١٢٤.


تعلم فاطمة بذلك وهي صاحبة الشأن المتميز عندهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! وهل يعقل أنَّ رسول الله أخبر أبا بكر بهذا الأمر، ولم يخبر فاطمة به؟!

والعجب أن أبا بكر يرِّد شهادة سيدة النساء  وعليِّ، باب مدينة علم رسول الله، والحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وأم أيمن التي شهد لها الرسول بالجنة، يرد شهادة هؤلاء جميعا، ويقبل بشهادة رجل من المسلمين في قضية مشابهة لهذه!

عن جابر بن عبد اللهرضي‌الله‌عنه قال: " لما مات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاء أبا بكر مالٌ من قبل العلاء بن الحضرمي، فقال أبو بكر: من كان له على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دين أو كانت له قبلهُ عدةٌ فليأتنا "، قال جابر: في رواية اخرى: " فقمت فقلت: إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " لو قد جاءنا مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا " فحثى أبو بكر مرة، ثم قال لي: عدها.

فعددتها فإذا هي خمسمائة. فقال: خذ مثليها "(١) ، فلماذا لم يطلب أبو بكر من جابر شاهدين ويطلب من فاطمة؟!!

وقبل عمر برواية الضحاك بن سفيان عن " أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتب إليه أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها " ولم يطلب منه بيِّنة على ذلك(٢) .

ففي عقيدة عمر: تجوز شهادة شخص عادي، فلماذا لم نره يدافع عن عقيدته هذه في قضية الزهراءعليها‌السلام ؟!

والذي يدهش المرء أن أبا بكر نفسه قال: " لا تحدِّثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلِّوا حلاله وحرِّموا حرامه "(٣) . يقول هذا ويتحدَّث عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقول انفرد هو بروايته عن دون باقي الصحابة!

لقد احتجت الزهراءعليها‌السلام على أبي بكر بكتاب الله، فقالت: " أفعلى عمد تركتم

____________

١ - صحيح مسلم: كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئا قط فقال لا، وكثرة عطائه.

٢ - رواه ابن ماجة: ٢/٨٨٣، الترمذي: ٤/٢٧، وقال حديث حسن صحيح.

٣ - تذكرة الحفاظ: ١/٣.


كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول:( وورث سليمان داود ) (١) وقال فيما اختص من خبر يحيى بن زكرياعليهما‌السلام إذ قال( فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب ) (٢) ... ". بهذه الآيات وغيرها احتجت الزهراء على أبي بكر(٣) فلماذا لم يجعل كتاب الله حكما بينه وبينها مع قوله "... فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله... "؟!

أجل، لقد غضب الله ورسوله لغضب فاطمة. والمؤمن الغيور على دين الله يغضب لغضب الله ورسوله، لا أن يقف قبالهما. فمن وافق أبا بكر على فعله فهو شريكه في إغضاب الزهراء ويكون عرضةً لغضب الله ورسوله.

فالحذر.. الحذر..!

ولأي الأمور تدفن ليلا

بضعة المصطفى ويُعفّى ثراها؟!

محاولة حرق بيت الزهراء

بعد وفاة الرسول تفقَّد أبوبكر قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار عليِّ، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال:

والذي نفس عمر بيده، لتخرجنَّ أو لأحرقنَّها على مَن فيها فقيل له: يا أبا حفص إن فيها فاطمة، فقال: وإن.... ثم قام عمر، فمشى معه جماعة، حتى أتوا باب فاطمة، فدَقّوا الباب فلما سمعت أصواتهم، نادت بأعلى صوتها: " يا أبت، يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك

____________

١ - النمل: ١٦.

٢ - مريم: ٥ و ٦.

٣ - راجع خطبتها الرائعة في الاحتجاج: ١/٢٥٣ - ٢٧٤. بلاغات النساء، أبي الفضل أحمد بن أبي طيفور البغدادي: ص ٤، وقال رشيد رضا أثناء كلامه عن هذا الكتاب: " وفيه خطبة السيدة فاطمة الزهراءعليها‌السلام لما منعها أبو بكر ميراثها " مجلة المنار: ١١/٣٠٣، شرح النهج، ابن أبي الحديد: ٤/٧٨ - ٧٩ و ٩٣. أعلام النساء لعمر رضا كحالة: ٣/١٢١٩.


من ابن الخطاب، وابن أبي قحافة "(١) .

ولشهرة هذه الحادثة تغنَّى بها شاعر النيل حافظ إبراهيم:

وقولةٍ لعلي قالها عمر

أكرم بسامعها أعظم بملقيها

حرقت دارك لا أبقي عليك بها

إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

ما كان غير أبي حفص بقائلها

أمام فارس عدنان وحاميها

إنَّ المرء ليقف مذهولاً من موقف الصحابة هذا، أيصل الأمر بعمر أن يقسِّم على حرق بيت الزهراء - والصحابة مقرون له على فعله الشنيع هذا -؟! إنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان لايدخل بيت الزهراءعليها‌السلام إلاّ بعد الاستئذان، وهو بيت طالما نزل فيه جبريلعليه‌السلام !

أهذه هي وصية الرسول بعترته؟ أليست فاطمة بضعة من الرسول؟! ألم يقل نبي الله: " من آذى فاطمة فقد آذاني "، " من أغضب فاطمة فقد أغضبني "؟ ألم يفرض الله مودتها في قرآنه:( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (٢) ؟

فأين غابت هذه الحقائق عن عمر والصحابة؟ لابد من الاعتراف أنَّ عمر ومن معه من الصحابة آذوا الزهراء، " ومن آذى فاطمة فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله " هذه نتيجة تنطق بها النصوص. فما رأيك - أيها المسلم في من يؤذي الله ورسوله؟!

موقعة الجمل!

هذه صفحة سوداء في سجل خير القرون! لقد سودها الصحابة وعلى رأسهم أم المؤمنين عائشة.

في أثناء حصار عثمان من قبل الثائرين عليه - وهم الصحابة -، خرجت عائشة

____________

١ - راجع حادثة التحريق والهجوم على بيت فاطمةعليها‌السلام في: تاريخ الطبري: ٢/٤٤٣. تاريخ أبي الفداء: ٢/٦٤. العقد الفريد: ٤/٢٥٤. الإمامة والسياسة: ١/١٢. أعلام النساء: ٤/١١٤. تاريخ اليعقوبي: ٢/١١. الفتوح، ابن أعثم: ١/١٣، شرح النهج، ابن أبي الحديد: ٢/٦٥.

٢ - الشورى: ٢٣.


تريد الحج. وفي طريق عودتها لقيها رجل " فقالت: ما فعل الناس؟ قال: بايعوا عليا.

قالت: والله ما كنت أبالي أن تقع هذه على هذه، ثم رجعت إلى مكة وكانت تقول: " قتل والله عثمان مظلوما، والله لأطلبنَّ بدمه "(١) .

وبعد أن بايع طلحة والزبير علياعليه‌السلام لحقا بعائشة وأخذا يحرِّضانها للخروج على عليِّ. وطلبت عائشة من أم سلمة الخروج معها، فقالت لها أم سلمة(٢) : " ماأنت قائلة لو أنَّ رسول الله عارضك بأطراف الفلوات، قد هتكت حجابا قد ضربه عليك "؟(٣) .

وبعد حوار طال بينهما خرجت عائشة مع القوم " ومر القوم في الليل بماء يقال له:

الحوأب، فنبحهم كلابه، فقالت: ما هذا الماء؟ فقال بعضهم: ماء الحوأب. قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا الماء الذي قال لي رسول الله: (لا تكوني التي تنبحك كلاب الحوأب)(٤) .

فأتاها القوم بأربعين رجلا فأقسموا بالله أنه ليس بماء الحوأب... "(٥) .

" ثم التقى الجمعان، فخرج الزبير وخرج طلحة بين الصفين، فخرج إليهما عليٌّ، حتى اختلفت أعناق دوابهم، فقال علي: " لعمري قد اعددتما سلاحا وخيلا ورجالا إن كنتما اعددتما عند الله عذرا، فاتقيا الله، ولا تكونا( كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا ) ".

وبعد حوار أقام فيه عليعليه‌السلام الحجة عليهما ونصحهما بالعودة: لم يقبلا بنصيحته فدارت رحى المعركة التي قتل فيها ثلاثون ألفا!!

____________

١ - انظر: الإمامة والسياسة: ١/٥٢. تاريخ اليعقوبي: ٢/٧٨. تاريخ الطبري: ٤/٤٦٩. الكامل في التاريخ: ٣/٢٠٦.

٢ - العقد الفريد: ٥/٦٢. تاريخ اليعقوبي: ٢/٧٨.

٣ - راجع قصة ماء الحوأب في مسند أحمد: ٦/٥٢. المستدرك: ٣/١١٩. الخصائص الكبرى: ٢/٢٣٢.

مسند أبي يعلى: ٨/٢٨٢. دلائل النبوة: ٦/٤١. الكامل في التاريخ: ٣/٢١٠. تاريخ اليعقوبي: ٢/١٨١.

٤ - الكامل: ٣/٢١. البداية والنهاية: ٤/٢٣٠ - ٢٣١. اليعقوبي: ٢/١٨١.


فتأمل - هداك الله - هذه الحادثة وسل: مَن المسؤول عن هذه الدماء؟ أليسوا هم الصحابة بقيادة طلحة والزبير وأم المؤمنين؟ ولو افترضنا أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان حيّاً ورأى الصحابة يقتتلون، فهل سيبارك لهم فعلهم ويقول: خير القرون قرني..؟!

ما لأم المؤمنين عائشة ودم عثمان؟ وأين ذهبت بقول الله تعالى:( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ) (١) ؟ ومما يثير العجب، قول البعض إنَّ خروجها كان للإصلاح(٢) ! فهل عُدم الرجال حتى تخرج النساء للإصلاح؟!

وهل يكون الإصلاح بتجييّش الجيوش ومحاربة خليفة الرسول نصّاً وبيعةً؟!

ولماذا تركت عائشة أمّة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في فتنة سوداء في عاصمة الخلافة وذهبت للحج. فهلا قامت بالإصلاح بين عثمان والثوّار؟! أم أنَّها كانت تريد قتله(٣) ؟!

وهل نسي أهل الجمل ما جاء في حق علي؟ ألم يقل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق).(٤) ؟

ألم يدعُ الله  له: " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه "(٥) ؟

ألم يقلصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " رحم الله عليا اللهم أدر الحق معه حيث دار "(٦) .

____________

١ - الأحزاب: ٣٣.

٢ - كابن تيمية في منهاجه: ٣/١٩٠.

٣ - كانت عائشة من المحرِّضين على قتل عثمان، واشتهر عنها قولها: " اقتلوا نعثلا فقد كفر " انظر تاريخ الطبري: ٥/١٧٢. الكامل في التاريخ: ٣/٢٠٦. الفتوح لابن أعثم: ١/٤٣٤. الإمامة والسياسة: ١/٥٢.

٤ - صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أنَّ حب الأنصار وعلي من الإيمان.

٥ - صححه الألباني، سيأتي ذكره.

٦ - مستدرك الحاكم: ٣/١٢٤ - ١٢٥، وصححه، سنن الترمذي: ٥/٦٣٣.


ألم يقلصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي: " حربك حربي وسلمك سلمي "(١) .

و " عدو عليٍّ عدوي "(٢) ؟!

فما محل أصحاب الجمل من هذه النصوص، وهل يوجد فيها مجال للمعاندين لكي يهربوا منها(٣) ؟!

____________

١ - مناقب علي بن ابي طالب لابن المغازلي الشافعي: ص ٥٠. المناقب للخوارزمي الحنفي: ص ٧٦. شرح النهج لابن أبي الحديد: ٢/٢٢١. وراجع: المستدرك على الصحيحين: ٣/١٤٩. تلخيص المستدرك مطبوع بذيل المستدرك: ٣/١٤٩. سنن ابن ماجة: ١/٥٢. أسد الغابة ابن الأثير: ٣/١١ و ٥/٥٢٣.

ذخائر العقبى/محب الدين الطبري: ص ٢٥. الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيمثي الشافعي: ص ١١٢.

مجمع الزوائد: ٩/١٦٦ و ١٦٩. كفاية الطالب، الكنجي الشافعي: ص ٣٣٠ و ٣٣١. ينابيع المودة: ٢٩٤ و ٢٦١ و ٣٠٩ و ٣٧٠ و ٢٣٠ و ١٩٤ و ١٧٢ و ١٧٥. شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني الحنفي: ٢/٢٧.

مقتل الحسين، الخوارزمي الحنفي: ١/٦١ و ٩٩. المعجم الصغير، الطبراني: ٢/٣. الفتح الكبير، النبهاني: ١/٢٧١. منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد: ٥/٩٢. فرائد السمطين: ٢/٣٨.

الرياض النضرة: ٢/١٨٩. ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق: ص ١٠٠، تاريخ بغداد: ٧/١٣٦ ملحق المراجعات: ص ٤٣٠.

٢ - المناقب، الخوارزمي الحنفي: ص ٢٣٤. مناقب علي، ابن المغازلي الشافعي: ص ١٠٣. نور الأبصار، الشبلنجي: ص ٧٣. الميزان للذهبي: ٢/٦١٣. ينابيع المودة، القندوزي الحنفي: ٩١/٢٤٨ و ٣١٤.

شرح النهج، ابن أبي الحديد: ٩/١٧١. الرياض النضرة: ٢/٢١٩ و ٢٢٠. فرائد السمطين: ١/١٢٨.

كنز العمال: ١٥/٩٦... ملحق المراجعات: ص ٤٣٠ و ٣٩٣.

٣ - قال أبو ريَّة المصري في شيخ المضيرة ص ١٧٢: " قال ابن قتيبة في عيون الأخبار: دخلت أم أفعى العبديّة على عائشة فقالت: يا أم المؤمنين ما تقولين في امرأة قتلت ابنا صغيرا لها؟ قالت: وجبت لها النار، قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفا!! قالت عائشة: خذوا بيد اللعينة عدوة الله "!.


الفصل السابع

أربعة نماذج من الصحابة



خالد بن الوليد

وقصته مع مالك بن نويرة مشهورةٌ، وهنا نحصر بحثنا فيها.

مالك بن نُوَيرة صحابيّ جليلٌ وسيد بني تميم. وهو مَضرب المثل في الفُتوة والكرم والشجاعة. أسلم ووضعه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على صدقات قومه. وبعد موت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توقف عن دفع الزكاة لأبي بكر، فسار إليه خالد فقتل مالكا وأصحابه - وهم مسلمون - ودخل بزوجة مالك في ليلة مقتله نفسها.

يحدثنا الطبري عن هذه الرَزيَّة فيقول:

" وكان ممن شهد لمالك بالإسلام أبو قُتادة، وقد كان عاهد الله أن لا يشهد مع خالد بن الوليد حربا أبدا بعدها، وكان يحدِّث أنهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح، قال: فقلنا: إنَّا المسلمون. فقالوا: ونحن المسلمون!!، قلنا: فما بال السلاح معكم؟ قالوا: فما بال السلاح معكم؟ قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح، قال: فوضعوها ثم صلينا وصلوا!! إلى أن قال: ثم أقدمه - خالد - فضرب عنقه - مالكا - وعنق أصحابه "(١) .

وفي كنز العمال:

" إنَّ خالد بن الوليد ادعى أنَّ مالك بن نويرة أرتدَّ بكلام بلغه عنه، فأنكر مالك ذلك، وقال: أنا على الإسلام ما غيَّرت ولا بدَّلت، وشهد له أبو قتادة وعبد الله بن عمر، فقدمه خالد وأمر ضرار بن الأزور الأسدي فضرب عنقه، وقبض خالد امرأته أم تميم فتزوجها "(٢) .

____________

١ - تاريخ الطبري: ٢/٥٠٢، الكامل في التاريخ: ٢/٣٥٩.

٢ - ٣/١٣٢.


وفي الإصابة لابن حجر: " إنَّ خالدا رأى امرأة مالك وكانت فائقةً في الجمال، فقال مالك بعد ذلك لامرأته: قتلتني "(١) .

يقول الواقدي: " ثم قدمه خالد فضرب عنقه صبرا، فيقال: إنَّ خالد بن الوليد تزوج بأمرأة مالك ودخل بها، وعلى ذلك إجماع أهل العلم "(٢) .

وقال ابن عبد البر عن مالك: " واختلف فيه، هل قتله مسلما أو مرتدا؟ وأراه - والله أعلم - قتله خطأ "(٣) .

قال عبد الرحمن بن عوف: " والله، لقد قتل خالد القوم وهم مسلمون، فقال خالد: إنما قتلتهم بأبيك عوف بن عوف، فقال له عبد الرحمن: ما قتلت بأبي ولكنك قتلت بعمك الفاكة بن المغيرة ".

لقد ثبت أنَّ خالدا قتل مالكا وهو مسلمٌ ودخل بزوجته في ليلة مقتله نفسها.

وتكفي شهادة عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن عوف وأبو قتادة في إسلامه فهم أدرى منَّا بملابسات الحادثة، فلا مفرَّ من الإقرار بها بدلا من أن نعصر أدمغتنا لنؤولها بالشكل الذي يبرئ خالدا.

جاء في المنتظم لابن الجوزي الحنبلي: " وكان أبو قتادة الأنصاري يقول عن خالد: ترك قولي وأخذ بشهادة الأعراب الذين فتنتهم الغنائم "(٤) .

ولمّا علم عمر بما حدث قال لأبي بكر: " إنَّ خالدا قد زنى فارجمه(٥) !! قال: ما كنت أرجمه فإنه تأوَّل فأخطأ(٦) . قال: فإنه قتل مسلما(٧) فاقتله به!!، قال: ما كنت

____________

١ - ١/٣٣٧.

٢ - كتاب الردة ونبذة من فتوح العراق، اعتنى بتهذيبه محمد حميد الله: ص ٥٨ - ٦٠.

٣ - الاستيعاب: ٣/١٣٦٢.

٤ - كما فتن خالدا أم تميم! ٤/٧٩.

٥ - هذا عمر يعترف أيضا بزنا خالد!!

٦ - وأبو بكر لا ينكر زناه!!

٧ - وعمر يقرُّ بأنَّ مالكا مسلم!!


لاقتله به، إنه تأوَّل فأخطأ(١) . قال: فاعزله. قال: ما كنت أشيم سيفا سلّه الله عليهم أبدا "(٢) (٣) .

ولما التقى عمر خالدا، قال له: " قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بأحجارك، ولا يكلمه خالد بن الوليد "(٤) .

هذه هي قصّة البطاح أو قصة خالد وليلى!! وهي قصة ثابتةٌ في التاريخ(٥) .

وإسلام مالك لا ينكره إلا معاندٌ، فمما سبق يمكننا أن نعرف كثرة الذين شهدوا بإسلامه، وهم: أبو قتادة الأنصاري، عبد الله بن عمر، عبد الرحمن بن عوف، عمر بن الخطاب، أبو بكر، وخالد نفسه فيما ورد من حواره مع ابن عوف، وأضف لهؤلاء شهادة مالك وقومه على أنفسهم بأنهم مسلمون، وهي كافيةٌ لرفع السيف عنهم، وشهد بإسلامه: الواقدي، وابن عبد البر، وابن الأثير في أسد الغابة وابن كثير في تاريخه،(٦) والقوشجي في شرح التجريد، وغيرهم.

يقول ابن الأثير: " ويدل على أنه لم يرتد، قول عمر لخالد: قتلت امرأ مسلما، وأبو قتادة يشهد أنهم أذّنوا وصلّوا، وأبو بكر يرد السبي ويعطي دية مالك من بيت المال، فهذا جميعه يدل على أنه مسلم!! فرحمه الله تعالى "(٧) .

____________

١ - وأبو بكر لا ينكر إسلامه لكن خالدا تأول فأخطأ!!

٢ - حاشا الله أن يسل سيفه على عباده المسلمين.

٣ - راجع: وفيات الأعيان: ٥/٦٦. تاريخ أبي الفداء. كنز العمال: ٣/٣٢ ح ٢٢٨، الكامل: ٢/٣٥٩.

٤ - تاريخ الطبري: ٢/٥٠٤. أسد الغابة: ٤/٢٩٥. نعم، لا يكلمه لأنه خائف من عمله!

٥ - فراجعها في: تاريخ الطبري: ٥/٥٠٢. تاريخ أبي الفداء: ١/١٥٨. تاريخ اليعقوبي: ٢/١٢.

الكامل: ٢/٣٥٨ - ٣٥٩. الإصابة: ٦/٣٦. تاريخ أبي الشحنة بهامش الكامل: ١١/١١٤. كنز العمال:

٣/١٣٢. وفيات الأعيان: ٦/١٤. فوات الوفيات: ٢/٦٢٧. العقاد في عبقرية الصديق. الصديق أبو بكر، محمد حسين هيكل. شرح النهج للمؤرخ ابن أبي الحديد. الفتوح لابن أعثم: ١/٢٥...

٦ - ٦/٣٢٣.

٧ - أسد الغابة: ٤/٢٩٥ - ٢٩٦، موسوعة عظماء حول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عبد الرحمن الكعك، ٣/١٧٠٩.


هذا هو خالد بن الوليد، كيف يجعله البعض واحدا من عظماء الإسلام، بعد أن قتل المسلم مالكا وزنى بزوجته؟ هل نعطّل العقل ونقول: إنه مجتهدٌ(١) ؟ مجتهد وله أجرٌ!!؟.

لماذا؟ ألأنه قتل مالكا وقومه المسلمين، ودخل بزوجة مالك؟!! إنَّ هذا المنطق سيؤدّي بنا إلى إباحة كل الجرائم والمحرَّمات لمن يرتكبها ونباركها له، ونعطي لمن يفعلها أجرا واحدا!! وإلا فكيف نقبل بقلب موازين الإسلام لكي تصبُّ في نصرة الأهواء والعصبيّات الجاهلية؟!

وحتى لو كان مالك وقومه مرتدِّين، فيجب قبل قتلهم أن يستتابوا ثلاثة أيام.

" بلغ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ارتداد امرأة تدعى أم رومان، فأمر أن تستتاب وإلاّ قتلت "!! وروي " أنَّ رجلا أتى عمر من قبل أبي موسى، فقال له: هل من مغربة خبر؟ فقال نعم، رجل ارتد عن الإسلام فقتلناه. فقال له: هل حبستموه في بيت ثلاثة أيام واطعمتموه كل يوم رغيفاً، استتبتموه لعله يتوب؟ ثم قال: اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني "(٢) .

هذا هو حكم الإسلام، فهل غاب عن خالد؟ كلاّ فهو يعرفه أشدَّ المعرفة، ولكنه تغاضى عنه لحاجات في نفسه(٣) !

لقد طلب عمر من أبي بكر رجم خالد، لأنه قتل امرأ مسلما ونزا على زوجته - حسب تعبيره - لكن أبا بكر بدلا من أن ينفذ حكم الله، اجتهد وأصدر حكما على خالد لم يرد في كتاب ولا سنّةٍ، أتعرف ماهو؟ " تأوَّل فاخطأ "(٤) !!

وبهذا يمكن لأي إنسان إذا زنى، أن يقول: تأوَّلت فاخطأت فارفعوا أيديكم

____________

١ - كما قال القوشجي وابن كثير.

٢ - راجع: شرح فتح القدير: ٤/٣٨٦. كشاف القناع: ٦/١٧٤ حاشية الدسوقي: ٤/٣٠٤.

٣ - راجع قصته مع بني المصطلق في تفسير ابن كثير: ٤/٢٠٨.

٤ - ولماذا لم يقل هذا عن مالك مع أنه صحابي وهو لم ينكر فرضية الزكاة وإنما توقف عن دفعها لسبب أو لآخر. فهو ليس مرتدا!.


عني. فيقال له: إن عقوبتك عند الله الرجم، ولا بد من تنفيذ حكم الله، فيقول: هذا خالد ابن الوليد زنى، وأنا اقتديت به، لأنه صحابي عادل!! وهذان أبو بكر وعمر لم يقيما الحد عليه، وإذا لم تحكموا بحكمهم وتفتوا لي بأني مأجور على الاجتهاد أو على التأسي، فقد خالفتم قول الرسول: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي!!!

والملفت الجديد للنظر في قصة البطاح أنَّ عمر جعل خالدا زانيا، فلو لم يكن كلام عمر صحيحا لوجب على عمر حد القذف!!

فلماذا نجد حدود الله قد عطلت في خير القرون؟! وإذا كان خالد زانيا، فلم لم يقيموا عليه حد الزنا!!؟، وإن لم يكن كذلك - ودون إثبات ذلك خَرط القَتاد - لم لم يقيموا حدَّ القذف على عمر؟!!

أتى أسامة بن زيد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليشفع في امرأة مَخزومية سرقت فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

(أتشفع في حد من حدود الله) ثم قام فخطب، قال: (يا أيها الناس إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمدٌ يدها)(١) .

هذه سنة رسول الله وتلك سنة الخلفاء الراشدين!!

خالد، مبلِّغ عن الله؟

بقي لنا أن نتسائل في هذا الموضوع المهم من بحثنا؟ هل اختار الله خالد بن الوليد ليبلغ دينه للناس؟ هذه أحاديثه في الصحيحين وغيرهما(٢) ، فكيف نأخذ بها؟!

وكذلك الأحاديث المرسلة من يضمن لنا أن لايكون بعضها مأخوذا عن خالد؟!

فكل حديث مرسل إن لم يكن له طريق آخر سنحمله على أنه ربما يكون مأخوذا عن خالد!!

____________

١ - صحيح البخاري: كتاب الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان.

٢ - وصل إلينا عن خالد ثمانية عشر حديثا، انظر: أسماء الصحابة الرواة، ابن حزم: ص ١٢٧.


فكيف يسوِّغ المسلم لنفسه أن يأخذ دينه عمن يقتل المسلمين الأبرياء ويزني...؟!

حاشا لله(١) أن يختار الزناة وقتلة الأبرياء لحمل سنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... وهناك عقبة تلوح لنا من بعيد - ويالها من عقبةٍ - إذا كان هناك من ينكر إسلام مالك، وزنى خالد بزوجته فسيكون عمر قد قذف خالداً، فماذا يترتب على هذا؟ لنترك الحكم لكتاب الله فهو الفصل:( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (٢) .

ألا يعني هذا أن نترك أحاديث عمر التي وصلت إلينا؟! فالرواية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شهادةٌ، والله يقول:( وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ) .

فهل نأخذ بأحاديث عمر التي وصلت إلينا؟ أم نتبع قول الله( وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ) ؟!!

المغيرة بن شعبة

وقصته مع أم جميل مشهورةٌ.

عن أنس بن مالك: " إنَّ المغيرة بن شعبة كان يخرج من دار الإمارة وسط النهار، وكان أبو بكرة - نفيع الثقفي - يلقاه فيقول له: أين يذهب الأمير؟ فيقول: إلى حاجةٍ، فيقول له: حاجةٌ ما؟ إنَّ الأمير يُزار ولا يَزور، قال: وكانت المرأة - أم جميل بنت الأفقم - التي يأتيها، جارةٌ لأبي بكرة. قال: فبينا أبو بكرة في غرفة له مع أصحابه وأخويه نافع وزياد ورجل آخر يقال له: شبل بن معبد، وكانت غرفة تلك المرأة بحناء غرفة أبي بكرة، فضربت الريح باب غرفة المرأة ففتحته، فنظر القوم فإذا بالمغيرة ينكحها، فقال أبو بكرة: هذه بليَّةٌ ابتليتم بها فانظروا. فنظروا حتى أثبتوا، فنزل أبو بكرة حتى خرج عليه

____________

١ - النور: ٤.


المغيرة من بيت المرأة، فقال له: إنه قد كان من أمرك ما قد علمت فاعتزلنا، قال: وذهب ليصلي بالناس الظهر، فمنعه أبو بكرة وقال له: والله لا تصلي بنا وقد فعلت ما فعلت. فقال الناس: دعوه فليصل فإنه الأمير واكتبو بذلك إلى عمر. فكتبوا إليه فورد كتابه أن يقدموا عليه جميعا المغيرة والشهود.

وخلاصة ما قاله مصعب بن سعد: إنَّ عمر بن الخطاب جلس ودعا بالمغيرة والشهود فاستنطق أبا بكرة ونافعا وشبلا فشهدوا بالذي ثبتوه، وبعد شهادة الثالث قال عمر للمغيرة: اذهب مغيرة، ذهب ثلاثة أرباعك. " ثم كتب - عمر - إلى زياد فقدم على عمر فلمّا رآه جلس في المسجد، واجتمع له رؤوس المهاجرين والأنصار، فقال المغيرة ومعي كلمة رفعتها لأحلم القوم، قال: فلما رآه عمر مقبلا قال: إني لأرى رجلا لن يخزي الله على لسانه رجلا من المهاجرين. فقال: يا أمير المؤمنين أما أنَّ الحق ما حقَّ القوم، فليس ذلك عندي... ".

وبين لهم ما شاهده بالتفصيل لكن عمر لم يكتف بما قال وسأله: " أرأيته...

كالميل في المكحلة؟ فقال: لا... فقال له: أرأريته... كالميل في المكحلة؟ فقال: لا، فقال عمر: الله أكبر، قم إليهم فاضربهم، فقام إلى أبي بكرة فضربه ثمانين، وضرب الباقين، وأعجبه قول زياد(١) ، ودرأ عن المغيرة الرجم... "(٢) .

____________

١ - لقد استدعى عمر زيادا بعد أن أخذ شهادة الشهود الثلاثة، تقول الرواية: " ثم كتب إلى زياد " فلماذا لم يستدعه معهم؟! وما السر في قول عمر: " إني لأرى رجلا لن يخزي الله على لسانه رجلا من المهاجرين "؟ وقول الراوي في النهاية: " وأعجبه قول زياد "؟!

٢ - اختصرنا القصة وتجنبنا بعض الألفاظ التي لا يليق ذكرها فراجعها في تاريخ الطبري: ٤/٣. السنن الكبرى للبيهقي: ٨/٢٣٥. كنزالعمال: ٥/٤٢٣. فتوح البلدان، البلاذري: ٣٥٢. الكامل في التاريخ:

٢/٥٤٠ - ٥٤١. تاريخ ابن خلكان: ٢/٤٥٥. تاريخ ابن كثير: ٧/٨١. عمدة القارى: ٦/٣٤٠.

الأغاني، أبو الفرج الأصبهاني: ١٤/١٤٦. ويعترف ابن تيمية بهذه الحادثة في منهاجه: ٣/١٩٣ وراجع الغدير، الأميني: ٦/١٣٨.


هذه هي قصة المغيرة بن شعبة وزناه بأم جميل. يقول المؤرِّخ ابن أبي الحديد: " إنَّ الخبر بزناه كان شايعا مشهورا مستفيضا بين الناس "(١) .

ومع ثبات هذه الحقيقة نرى أهل السنة يعدِّلون المغيرة ويعتمدونه في نقل السنة النبوية. وينسبون الحكم بعدالته إلى الله " عدالة الصحابة معلومة بتعديل الله لهم "(٢) .

حاشا لله أن يعدل الزاني الذي يأمر برجمه. ولا أدري ما هي القرابة بين الزنا والعدالة؟! اللهم متِّعنا بعقولنا!

لقد كان عمر جازما بصحة القذف، ولكنه لم يرجم المغيرة، فقد قال للمغيرة:

" والله ما أظن أبا بكرة كذب عليك "(٣) .

وقد حدث أن اكتفى عمر بشهادة ابن مسعود في قضية مشابهة، وأقرّه على جلده للزناة. فقد " وجد رجلا مع امرأة في لحاف، فضرب عبد الله كل واحد منهما أربعين سوطا وأقامهما للناس، فذهب أهل المرأة وأهل الرجل فشكوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، فقال عمر لابن مسعود: ما يقول هؤلاء؟ قال: قد فعلت ذلك. قال: أورأيت ذلك؟ قال:

نعم، فقال: نِعمَ ما رأيت!! فقالوا أتيناه نستأذنه، فإذا هو يسأله "(٤) .

في قضية المغيرة كان هناك ثلاثة من الصحابة شهدوا أنهم رأوه في وضع كالميل في المكحلة، ولم يعزر عمر المغيرة. وفي القضية الثانية اكتفى بشهادة ابن مسعود وأقرّه على فعله.

فهل ترى أنَّ هذا هو العدل الذي يطبِّل له أهل السنة حيث أنَّ عمر يكيل فيه بمكيالين؟!

____________

١ - شرح النهج: ٣/١٦٣.

٢ - هذه عبارة الخطيب في الكفاية، وأكثر من تكلم عن العدالة أتى بقوله.

٣ - الأغاني: ١٤/١٤٧. شرح النهج: ٣/١٦٢.

٤ - الطبراني والهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/٢٧٠ وقال: رجاله رجال الصحيح.


المغيرة مبلِّغ عن الله!

هل اختار الله المغيرة ليحمل سنة نبيه إلى الناس(١) ؟! إن الجواب بسيط وبسيط للغاية. فالله لا يختار الزناة لتبليغ دينه! ومن يزني يهون عليه الكذب على رسول الله.

وكان المغيرة يسب الله ورسوله بسبه الإمام علياعليه‌السلام . قال ابن الجوزي: " قامت الخطباء إلى المغيرة بن شعبة بالكوفة، فقام صعصعة بن صوحان فتكلّم. فقال المغيرة:

أخرجوه فأقيموه على المصطبة فليلعن عليا. فقال: لعن الله من لعن الله ولعن علي بن أبي طالب، فأخبره بذلك فقال: أقسم بالله لتقيدنَّه، فخرج، فقال: إن هذا يأبى إلا علي بن أبي طالب، فالعنوه لعنه الله. فقال المغيرة: أخرجوه أخرج الله نفسه "(٢) .

وفي مسند أحمد: " نال المغيرة بن شعبة من عليِّ، فقال زيد بن أرقم: قد علمت أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان ينهى عن سب الموتى فلم تسب عليا وقد مات "(٣) .

وقد أوصى المغيرة أن لا يترك شتم علي بن أبي طالب والترحم لعثمان، فكان كلما صعد المنبر شتم عليا وترحم على عثمان.

نعم، كان المغيرة يسب علياعليه‌السلام ، والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: " من سب عليا فقد سبني، ومن سبني فقد سبَّ الله، ومن سب الله أكبَّه الله على منخريه في النار "(٤) .

____________

١ - وصل إلينا عن المغيرة ١٣٦ حديثا، راجع أسماء الصحابة الرواة: ص ٥٨.

٢ - الأذكياء: ص ١٤١.

٣ - ٤/٣٩٦، والمستدرك: ١/٣٨٥، وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

٤ - خصائص النسائي: ص ٢٤، وصححه الحاكم في المستدرك: ٣/١٢١، وراجع: مسند أحمد: ٦/٣٢٣.

المناقب، الخوارزمي الحنفي: ٨٢/٩١. ذخائر العقبى: ص ٦٦. ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق، ابن عساكر الشافعي: ٢/١٨٤. مجمع الزوائد: ٩/١٣٠. تاريخ الخلفاء، السيوطي: ص ٧٣. إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ١٤١. ينابيع المودَّة، القندوزي الحنفي: ص ٤٨ و ١٨٧ و ٢٤٦ و ٢٨٢. نور الأبصار، الشبلنجي الشافعي: ص ٧٣. الصواعق المحرقة، ابن حجر: ٢/٣٦٠. الرياض النضرة: ص ٢٢٠.

مشكاة المصابيح: ٣/٢٤٥. الفتح الكبير، النبهاني: ٣/١٩٦، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد:

٥/٣٠. فرائد السمطين: ١/٣٠٢. مناقب علي بن أبي طالب، ابن المغازلي الشافعي: ص ٣٩٤. كفاية الطالب، الكنجي الشافعي: ص ٨٣. أخبار شعراء الشيعة، المرزباني: ص ٣٠. الفصول المهمة، ابن الصباغ المالكي: ص ١١١. نظم درر السمطين: ص ١٠٥، راجع ملحق المراجعات: ص ٣٩١.


فالمغيرة - اذن - كان يسب الله ورسوله. وحكم سب الله ورسوله معروفٌ، وإن شئت فانظر كتاب: الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية!

فكيف نعتمد على المغيرة الزاني الساب لله ولرسوله في نقل السنة؟ ومن الخير للمسلم الغيور على دينه - الذي اعتاد الأخذ عن المغيرة وخالد - أن يعيد حساباته، فإن الأمر خطير.

وأحاديث المغيرة منتشرة في كتب السنن ويؤخذ بها. ومما لاشك فيه، أنَّ الصحابة والتابعين أخذوا عن المغيرة وأرسلوا أحاديثه للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فليتفكر العقلاء في هذا!

ومما يزيد الطين بلَّة أنَّ لأبي بكرة ونافع - اللذين قذفا المغيرة فجلدا - أحاديث في كتب السنن(١) . والله يقول في حكم القاذف بعد الجلد( وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ) (٢) فهل سننصاع لهذا الأمر الإلهي؟

ولا يقتصر الأمر على ترك أحاديث هذين حسب، بل حتى على الأحاديث المرسلة التي ليس لها إلا طريق واحد، وما أكثرها!

فكل حديث مرسل سنحمله على أنه قد يكون مأخوذا عن أحد الثلاثة الذين جلدوا والمحكوم عليهم( وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ) وتوبتهم غير ثابتة والجرح أولى من التعديل في هذه الحالة!

____________

١ - وصل إلينا عن أبي بكرة ١٣٢ حديثا وعن نافع حديثا واحدا، راجع: أسماء الصحابة الرواة: ٥٩ و ٤٢٩.

٢ - النور: ٤.


الوليد بن عقبة

هذا صحابي محكوم بعدالته عند أهل السنة ومعتمد عليه في نقل الشريعة. وفي الأسطر الآتية نرى حكم الله فيه!

قال تعالى:( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ ) (١) .

المؤمن في هذه الآية هو علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، والفاسق الذي حكم الله عليه بالنار هو الوليد بن عقبة(٢) . وبالرغم من أنَّ الله حكم عليه بالنار لفسقه فإنَّ أهل السنة بشّروه بالجنة وحكموا بعدالته!!

وقد أكد الله على فسقه بقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (٣) .

قال ابن عبد البر: " لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله(٤) :( إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ) نزلت في الوليد "(٥) .

وقال ابن كثير: " ذكر كثير من المفسرين ان هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة "(٦) .

____________

١ - السجدة: ١٨ - ٢٠.

٢ - تفسير الطبري: ٢١/٦٨. تفسير ابن كثير: وفسرها بأبي الوليد، ٣/٤٧٠. فتح القدير: ٤/٢٥٥.

الكشاف، الزمخشري: ٣/٢٤٥.

٣ - الحجرات: ٦.

٤ - الاستيعاب: ٤/١٥٥٣.

٥ - تفسير ابن كثير: ٤/٢٠٨.


وسبب نزول الآية السابقة: " إن رسول الله بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق فعاد فأخبر عنهم أنهم ارتدّوا ومنعوا الصدقة وكانوا خرجوا يتلّقونه وعليهم السلاح:

فظن أنهم خرجوا يقاتلونه فرجع فبعث إليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خالد بن الوليد فأخبره بأنهم على الإسلام فنزلت هذه الآية "(١) .

وكان الوليد يشرب الخمر. يروى أنه صلى بأهل الكوفة صلاة الصبح أربع ركعات، ثم قاء بالمحراب، ثم سلَّم وقال: هل أزيدكم؟ فقال له ابن مسعودرضي‌الله‌عنه " لا زادك الله خيرا ولا من بعثك إلينا، وأخذ فرد خفه وضرب به وجه الوليد، وحصبه الناس فدخل القصر والحصباء تأخذه وهو مترنح... "(٢) .

قال ابن عبد البر: " وخبر صلاته بهم وهو سكران وقوله: أزيدكم؟ بعد أن صلى الصبح أربعا مشهورٌ من رواية الثقات من نقل أهل الحديث وأهل الأخبار ".

وقال في الإصابة: " قصة صلاته بالناس الصبح أربعا وهو سكران، مشهورة مخرجه "(٣) .

وقد شهد الشهود لدى عثمان بأنه سكر، لكن عثمان توعَّد الشهود وتهدَّدهم! ولما سمعت عائشة بذلك نادت: إنَّ عثمان أبطل الحدود! وتوعد الشهود. ونفذ عثمان الحد، لكن للأسف كان بصورة معكوسة، فقد قام بضرب بعض الشهود!! فجاءه عليٌّ فقال له:

عطلت الحدود، وضربت قوما شهدوا على أخيك(٤) ، فقلَّبت الحكم(٥) .

انظر - أخي المسلم - الى القوم كيف يباركون الأعمال المحرمة؟ فالوليد كذب على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حياته، وشرب الخمر، وقاء في المحراب. أهكذا تكون العدالة التي يُزّمر لها

____________

١ - تفسير ابن كثير: ٤/٢٠٨.

٢ - السيرة الحلبية: ٣/٣١٤.

٣ - لابن حجر: ٦/٣٢٢.

٤ - هو أخوه من أمه.

٥ - أنظر الأغاني: ٤/١٧٨. تاريخ اليعقوبي: ٢/١٤٢.


ليل نهار. إنَّ العدالة بعيدةٌ عن هذه الأعمال بعد السماء عن الأرض!

وعثمان يعطل الحدود، ويتوعد الشهود، فليبك الباكون على خير القرون.

الوليد مبلّغ عن الله!

إنني أسأل وكل قارئ حر يشاركني السؤال هذا نفسه. ولكن ألا تعجب من أنَّ أهل السنة مع علمهم بحال الوليد وفسقه قد جعلوه جسرا يربطهم بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!!

يقول ابن حجر: " روى - أي الوليد - عن عثمان وغيره، روى عنه حارثة ابن مضرب والشعبي وأبو موسى الهمداني وغيرهم "(١) .

ولكن هل يعقل: إنَّ الله اختار الوليد ليحمل رسالة الإسلام ويبلغها للناس؟! هل يختاره الله وقد نعته بالفسق في آيتين وتوعده بالنار؟! هل يختار الله من يكذب على رسوله؟! هل يختار الله من يشرب الخمر ويقئ في المحراب؟!

من قال بالإيجاب فلا كلام لنا معه(٢) .

وقد يسلم البعض للحقيقة ويترك حديثي الوليد.

فنقول له: والأحاديث المرسلة؟! - التي تعدّ بالآلاف - نحن لا نقول: إنها جميعا مأخوذة عن الوليد، ولكن ألا نحتمل رواية الحديث المرسل عن الوليد في كل حديث يعرض لنا ليس له طريق آخر؟!

فالأسلم أن نترك هذه القناة - قناة الصحابة - التي اعتمدها أهل السنة، لتوصلهم بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونبحث عن القناة التي وضعتها السماء. قناة متصلة، ماؤها عذب، لا كدر فيها ولا أشواك و.. أمينة من منبعها النيِّر إلى قلوب الناس كافة.

____________

١ - الإصابة: ٦/٣٢٢. وقد وصل إلينا عن الوليد حديثان راجع: أسماء الصحابة الرواة: ٢٩١.

٢ - من شروط الراوي المعتمدة عند علماء الحديث: العدالة. والوليد مقدوح في عدالته من السماء!


معاوية بن أبي سفيان

معاوية وما أدراك ما معاوية؟

ونحتار في هذه الشخصية، فلاندري من اين نبدأ معها؟ أمن بدر؟ أم أحد؟ أم الخندق؟

ففي كل معارك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع قريش كان على رأس المشركين أبو سفيان وابنه معاوية.

وقد سمع القرآن في مكة، ورأى المسلمين وما هم عليه، ولكنه بقي على شركه إلى يوم فتح مكة. فأظهر الإسلام كأبيه، لا عن رغبة، بل عن رهبة.

ويدّلك على هذا: بقاؤه على الشرك أكثر من عشرين سنة.

لقد أسلم الكثيرون باختيارهم، إلا معاوية، فلو لم تفتح مكة لبقي معاوية على شركه وحربه للمسلمين أبد الآبدين.

وما دخلوا الإسلام دينا وإنما

منافقة كي يرفع السيف عنهم

معاوية يشرب الخمر!

أخرج أحمد من طريق عبد الله بن بريدة قال: " دخلت أنا وأبي على معاوية، فأجلسنا على الفرش، ثم أتينا بالطعام فأكلنا، ثم أتينا بالشراب، فشرب معاوية ثم ناول أبي، ثم قال: ما شربته منذ حرمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... "(١) .

هذا معاوية المعتمد عليه في نقل السنة، يشرب الخمر، فما حكم شارب الخمر؟

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " شارب الخمر كعابد وثن "(٢) . وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدا: الديوث، والرجلة من النساء، ومدمن الخمر "(٣) فهل سنرضى بحكم الله ورسوله ونسلم للنصوص؟!

____________

١ - مسند أحمد: ٦/٤٧٦ ح ٢٢٤٣٢.

٢ - أخرجه ابن حبان وابن ماجة والبزار، وانظر الترغيب والترهيب، ابن المنذر: ٣/١٠٢.

٣ - الطبراني وابن المنذر: ٣/١٠٤ قال: رواته لا أعلم فيهم مجروحين.


معاوية يأكل الربا

عن عطاء بن يسار: إنَّ معاوية باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداءرضي‌الله‌عنه : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلاً بمثل. فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا.

فقال أبو الدرداءرضي‌الله‌عنه : مَن يعذرني من معاوية؟ أنا أخبره عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويخبرني عن رأيه!! لا أساكنك بأرض أنت بها... "(١) .

هذا معاوية الذي يتغنّى بذكره أهل السنة، يأكل الربا، ويرد على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " لا أرى بهذا بأسا "!! أما نحن نترك حكمه لله ولرسوله.

عن جابر قال: " لعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه "(٢) .

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " اجتنبوا السبع الموبقات... وأكل الربا "(٣) . عن أبي هريرة مرفوعا: " أربعة حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها... وآكل الربا "(٤) .

وقال الله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّـهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (٥) .

____________

١ - اختلاف الحديث للشافعي بهامش كتاب الأم: ٧/٢٣. سنن النسائي: ٧/٢٧٩، ٥/٢٨٠، وانظر صحيح مسلم: ٥/٤٣ فإن فيه ما يزيد يقينك!

٢ - صحيح مسلم: كتاب المساقاة، باب لعن آكل الربا ومؤكله.

٣ - المصدر السابق: كتاب الإيمان، باب الكبائر وأكبرها.

٤ - المستدرك على الصحيحين: ١/٣٧.

٥ - البقرة: ٢٧٥.


معاوية يستلحق زياداً!

ولد زياد بن أبيه على فراش عبيد مولى ثقيف، ومع ذلك استلحقه معاوية معه خلافا للإسلام. يقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " الولد للفراش، وللعاهر الحجر "(١) وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

" من ادعى أبا في الإسلام غير أبيه، فالجنة عليه حرام "(٢) .

قال السكنواري: " أول قضية ردت من قضايا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علانية دعوة معاوية زياداً، وكان أبو سفيان تبرأ منه وادّعى انه ليس من أولاده وقضى بقطع نسبه ".

" وكان قد تبرأ من زياد أبو سفيان ومنع حقه من ميراث الإسلام بحضرة الصحابة(٣) فلا زال طريدا حتى دعاه معاوية وقرَّبه وأمَّره وردَّ القضية، وهي أول قضية من قضايا الإسلام ردَّت "(٤) .

وقال سعيد بن المسيب: " أول قضية ردت من قضاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علانية دعوة قضاء فلان - أي معاوية - في زياد "(٥) .

ويهتف أهل السنة لمعاوية، ويباركون له أعماله، مع ما فيه فعل معاوية هذا من استهانة بأحكام الإسلام، وردٌّ صريح على رسول الله، إذ أنه عوتب على هذا الفعل المحرم، ولكنه أصر على فعله(٦) .

فإذا اردت أن تعرف كيف كان السلف يضربون النصوص عرض الحائط، فانظر إلى معاوية!

____________

١ - صحيح البخاري: كتاب البيوع، رقم الحديث ١٩١٢.

٢ - مسند أحمد: ٥/٤٦.

٣ - الغدير عن محاضرة الأوائل: ص ١٣٦، ٢٤٦.

٤ - تاريخ ابن عساكر: ٥/٤١٢. تاريخ الخلفاء: ص ١٣١.

٥ - راجع مروج الذهب: ٣/٦ وما بعدها. أنساب الأشراف. الإتحاف بحب الأشراف: ص ٦٧ وراجع قضية الاستلحاق في الاستيعاب: ١/١٩٥. تاريخ دمشق: ٥/٤١٠. الغدير: ١٠/٢١٩.


معاوية يقاتل عليّاً:

حين قتل عثمان كان معاوية متأمّرا على الشام. وفي المدينة بايع الناس عليّا، إلا معاوية فقد رفض البيعة، بالإضافة الى أنه اتهم عليا بقتل عثمان، وجعل من هذه التهمة سُلّما ليصل به إلى مآربه. وأخذ يحرِّض الناس على علي.

وبعد أن هزم علي أهل الجمل، التقى مع معاوية وجيشه في صفين، وقتل من الفريقين مائة ألف نفس!! بسبب معاوية!

وبعد أن استولى معاوية على الحكم بطرقه الملتوية، لم يقم بالانتقام من قتلة عثمان. وهذا يدّلك على ان قصده هو الخلافة فقط.

أهل السنة يعتبرون معاوية خليفة شرعيا، ومجتهدا بخروجه على الإمام علي، ولكن ما هو حكم معاوية عند الله ورسوله؟

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " إنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرّق أمر هذه الأمة وهم جميع، فاضربوه بالسيف كائنا من كان "(١) . هذا حكم الله ورسوله على معاوية، فكيف أصبح خليفة شرعيا؟!

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما "(٢) والآخر هنا هو معاوية.

فكيف يعد خليفة، من حكمه عند الله القتل؟

وعن أبي ذر قال، قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع رِبقة الإسلام من عنقه "(٣) .

____________

١ - صحيح مسلم: كتاب الإمارة، باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع.

٢ - المصدر السابق، باب إذا بويع لخليفتين.

٣ - مستدرك الحاكم: ١/١١٧.


وقد نعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معاوية وحزبه بالقاسطين، فعن أبي أيوب الأنصاري قال: " أمر رسول الله علي بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين "(١) .

فالناكثون، أصحاب الجمل، والقاسطون، معاوية وحزبه، والمارقون، الخوارج( وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ) (٢) !( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (٣) ؟!

وبالإضافة الى ذلك نأخذ قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " حرب علي حربي، وسلم علي سلمي "(٤) ، وقوله " عدو علي عدوي "(٥) ، وقوله: " من آذى عليا فقد

____________

١ - راجع ترجمة الإمام من تاريخ دمشق، ابن عساكر: ٣/١٦٨. المناقب، الخوارزمي الحنفي: ص ١١٠ و ١٢٢ و ١٢٥. ميزان الاعتدال، الذهبي: ١/٢٧١ و ٥٨٤. مجمع الزوائد: ٥/١٨٦ و ٦/١٣٥ و ٧/١٣٨. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ٣/٢٤٥. ينابيع المودة، القندوزي الحنفي: ص ١٢٨. النهاية، ابن الأثير الجزري: ٤/٦٠. لسان العرب، ابن منظور: ٣/١٨ و ٩/٢٥٣.

تاج العروس، الزبيدي: ١/٦٥١ و ٥/٢٠٦. كفاية الطالب، الكنجي الشافعي: ص ١٦٩. أسد الغابة: ٤/٣٣. منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد: ٥/٤٣٥ و ٤٣٧ و ٤٥١. كنز العمال: ١٥/٩٨.

الاستيعاب بهامش الإصابة: ٣/٥٣. فرائد السمطين، الحمويني: ١/١٥٠ و ٢٧٩ و ٢٨١ - ٢٨٣ و ٢٨٥ و ٣٣٢، وذكره في إحقاق الحق: ٦/٦٠ عن تنزيه الشريعة المرفوعة، الكناني: ١/٣٨٧. مفتاح النجا، البدخشي: ص ٦٨ مخطوط. أرجح المطالب، الشيخ عبيدالله الحنفي: ص ٦٠٢ - ٦٢٤. تاريخ بغداد: ٨/٣٤٠ و ١٣/١٨٦. موضح أوهام الجمع والتفريق، الخطيب البغدادي: ١/٣٨٦.

شرح المقاصد، التفتازاني: ٢/٢١٧. شرح ديوان أمير المؤمنين، المبيدي: ص ٢٠٩ (مخطوط)، الروض الأزهر: ص ٣٨٩، ونقله في الغدير عن تاريخ ابن كثير: ٧/٣٠٦. الخصائص للسيوطي: ٢/١٣٨، راجع ملحق المراجعات: ص ٣٩٧.

٢ - الجن: ١٥.

٣ - المائدة: ٥٠.

٤ و ٥ - سبق تخريجهما.


آذاني "(١) .

أفلا تكفينا هذه النصوص لنعرف موقع معاوية في الإسلام؟ فما مصير من يحارب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ وما هو حال من يؤذي النبي ويعاديه؟! فلماذا نتجاوز هذه النصوص إلى بحر التأويلات والاجتهاد؟ إنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كلامه لا ينطق عن الهوى، فمتى سنصغي لهذه الهتافات النبوية؟

معاوية يلعن علياً:

كان معاوية يلعن عليا، ويقنت بذلك في صلاته، واتخذ لعنه سنَّةً في الجُمَع والأعياد. وبقي شيعة معاوية يلعنون عليا نحو ستين عاما، حتى منع ذلك عمر بن عبد العزيز.

يقول ابن أبي الحديد:

لعنته الشام ستين عاما

لعن الله كهلها وفتاها

أخرج مسلم من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: " أمر معاوية ابن أبي سفيان سعدا فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب، فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلن أسبه، لأن تكون لي واحدةً منهن أحبُّ إليَّ من حُمر النعم... "(٢) .

____________

١ - المستدرك للحاكم: ٣/١٢٢ وصححه وكذا الذهبي. مسند أحمد بن حنبل: ٣/٤٨٣. ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق، ابن عساكر: ١/٣٨٩. شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني الحنفي: ٢/٩٨. كفاية الطالب، الكنجي الشافعي: ص ٢٧٦. مناقب علي بن أبي طالب، ابن المغازلي الشافعي: ص ٥٢.

المناقب، الخوارزمي الحنفي: ص ٩٢. مجمع الزوائد: ٩/١٢٩. نور الأبصار، الشبلنجي: ص ٧٣.

الاستيعاب بهامش الإصابة: ٣/٣٧. الإصابة: ٢/٥٤٣. الصواعق المحرقة: ٧٣/٧٤. أنساب الأشراف: ٢/١٤٦. كنوز الحقائق، المناوي: ص ١٤٤. كنز العمال: ١٥/١٢٥. منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد: ٥/٣٠. الجامع الصغير، السيوطي: ٢/١٣٥. تذكرة الخواص: ص ٤٤. الرياض النضرة: ٢/٢١٨... ملحق المراجعات: ص ٣٩١ - ٣٩٢.

٢ - صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب. سنن الترمذي: ٥/٦٣٨.


يقول الحجوي - في ترجمة معاوية -: " ومن اقبح ما يذكر في تاريخه سَبُّه لعلي - كرم الله وجهه -، ولولا أنه في (صحيح مسلم) ماصدقت بوقوعه منه، ما أدري ما وجه اجتهاده فيه حتى كان سنة من بعده، والله يغفر له، وليست العصمة إلا للأنبياء "(١) .

صحيح، إنَّ العصمة للأنبياء، ولكن هذا الأمر لا يحتاج إلى عصمة. فسب المسلم محرم وهذا يعرفه القاصي والداني!

وقال ابن عساكر: " كان أوَّل عمل عمله معاوية - بعد ان استولى على الحكم - أن كتب لعماله في جميع الآفاق بأن يلعنوا عليا على المنابر "(٢) .

" ولما مات الحسن بن عليعليهما‌السلام حج معاوية فدخل المدينة وأراد أن يلعن عليا على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقيل له: إنَّ ههنا سعد بن أبي وقاص ولا نراه يرضى بهذا(٣) ، فابعث إليه وخذ رأيه، فأرسل إليه وذكر ذلك فقال: إن فعلت لأخرجن من المسجد ثم لا أعود إليه، فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد، فلما مات، لعنه على المنبر، وكتب إلى عماله أن يلعنوه على المنابر، ففعلوا... "(٤) .

وروى ابن الأثير عن شهر بن حوشب أنه قال: " أقام - أي معاوية - خطباء

____________

١ - الفكر السامي: ١/٢٧٦ نقلناه عن تاريخ التشريع للفضلي: ص ٨٥.

٢ - تاريخ ابن عساكر: ٢/٤٧، وراجع المستدرك للحاكم: ١/٣٨٥ و ١/٣٥٨. تاريخ الطبري: ٤/١٨٨ - ١٦٨. الكامل في التاريخ، ابن الأثير: ٣/٤١٣. تاريخ الخلفاء، السيوطي: ص ١٩٠. شرح النهج، ابن أبي الحديد: ١/٣٥٦ و ٣٦١. العقد الفريد: ٤/٣٦٥، ونقله في الغدير: ٢٦٤١٠ عن إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري للقسطلاني: ٤/٣٦٨. تحفة الباري في شرح صحيح البخاري، الأنصاري (مطبوع) بذيل إرشاد الساري.

٣ - العجب من أهل القرون الأولى كيف يوافقون معاوية في لعنه علياعليه‌السلام ؟ ولماذا لم ينهوه؟ وأين هم من قول الله *( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) *؟!

سورة آل عمران ١١٠.

٤ - العقد الفريد: ٢/٣٠١ و ٢/١٤٤. المستطرف: ١/٥٤.


يشتمون عليارضي‌الله‌عنه وأرضاه، ويقعون فيه... "(١) .

وسمع عامر بن عبد الله بن الزبير ابنه ينال من عليعليه‌السلام ، " فقال: يا بني إياك وذكر عليرضي‌الله‌عنه فإن بني أمية تنقصته ستين عاما، فما زاده الله بذلك إلا رفعة "(٢) .

قال ابن حجر عن عليعليه‌السلام : " واتخذوا لعنه على المنابر سنة "(٣) .

وقال العقّاد: " وإذا لم يرجح من أخبار هذه الفترة، إلا الخبر الراجح عن لعن عليِّ على المنابر بأمرٍ من معاوية، لكان فيه الكفاية لإثبات ما عداه، ما يتم به الترجيح بين كفتي الميزان "(٤) .

إننا نترك الحكم لله ورسوله - قارئنا العزيز - ولعلماء أهل السنة هذه المرة!

مرَّ ابن عباس بقوم يسبون علياعليه‌السلام فقال لقائده: أما سمعت هؤلاء ما يقولون؟

قال: سبوا عليا. قال: فردني إليهم. فرده فقال: أيكم الساب لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قالوا:

سبحان الله، من سبَّ رسول الله فقد كفر!! فقال: أيكم الساب لعلي؟ قالوا: أما هذا فقد كان قال ابن عباس: فأنا أشهد بالله لسمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: " مَن سبَّ عليا فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله(٥) اكبه الله على منخريه في النار "(٦) .

____________

١ - أسد الغابة: ١/١٣٤، وانظر الإصابة: ١/٧٧.

٢ - المحاسن والمساوي، البيهقي: ١/٤٠، وراجع لعن معاوية عليا وأمره بذلك في صحيح الترمذي: ٥/٣٠١. المستدرك على الصحيحين: ٣/١٠٩. ترجمة الإمام من تاريخ دمشق: ١/٢٠٦.

خصائص أمير المؤمنين، النسائي: ص ٤٨ و ٨١. السنة: ابن أبي عاصم، ٢/٥٨٨. نظم درر السمطين: ص ١٠٧. كفاية الطالب، الكنجي الشافعي: ص ٨٤ - ٨٦، المناقب، الخوارزمي الحنفي: ص ٥٩، وقعة صفين، نصر بن مزاحم: ص ٩٢ و ٨٢، شرح النهج، ابن أبي الحديد: ١/٢٥٦ و ٣٦١. تذكرة الخواص: ص ٦٣... ملحق المراجعات: ٤٢٣.

٣ - فضائل الصحابة من فتح الباري، تحقيق عبدالفتاح شيل: ص ١٤٢.

٤ - معاوية في الميزان. وراجع شيخ المضيرة: ص ١٨٠، والغدير ج ١٠.

٥ - خصائص النسائي: ص ٢٤. الرياض النضرة: ٢/٢١٩. وانظر المستدرك: ٣/١٢١ - ١٢٢. مسند أحمد: ٦/٣٢٣ وقد سبق لنا تخريج مثل هذا اللفظ.


إذن فهذه هي النتيجة: معاوية سب عليا، وسب علي يعني سب الرسول، وسب الرسول يعني سب الله، وسب الله يعني.. اسأل النص!! ومن أرعد وأبرق فليحاسب النص أو يسلم له!

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - كما يروي أهل السنة أنفسهم -: " من سب أصحابي، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين "(١) .

إنَّ عليا صحابي بالإضافة إلى أنَّ معاوية قد سب هذا الصحابي يعني.. الحكم هو النص!

قال يحيى بن معين: " كل من شتم عثمان أو طلحة أو احدا من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دجّال!! لا يكتب عنه!! وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين!! "(٢) .

وقال القاضي أبو يعلى: " الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة، إن كان مستحلا لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلا فسق.. وقد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة بقتل من سب الصحابة!! ".

إذن كيف ترضون عن معاوية بعد أن سب سيد الصحابة؟!

وقال الذهبي: " فمن طعن فيهم - الصحابة - أو سبهم فقد خرج من الدين، ومرق من ملة المسلمين!!! "(٣) .

وقال ابن حجر: " إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب الرسول، فاعلم انه زنديق!! "(٤) .

____________

١ - الكبائر، الذهبي: ص ٢٣٥.

٢ - تهذيب التهذيب: ١/٥٠٩.

٣ - الكبائر: ص ٢٣٣.

٤ - الإصابة: ص ١٧ و ١٨.


مجموعة جرائم لمعاوية:

كان معاوية يلبس الذهب والحرير(١) ، ضاربا بذلك أقوال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تحريمهما عرض الجدار. ولما مات عليعليه‌السلام قال معاوية: " الحمد لله الذي أمات عليا "(٢) . وكأنَّ معاوية لم يسمع قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي " لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق "(٣) .

ودسَّ معاوية السمَّ للحسن بن علي(٤) ، والحسن سبط الرسول، وهو والحسين سيّدا شباب أهل الجنة. " ولما بلغ معاوية موت الحسن خرَّ ساجدا لله "(٥) .

وقتل كثيرا من الصحابة الأخيار مثل: عمرو بن الحمق الخزاعي، وحُجر بن عدي، ومالك الأشتر(٦) .

ولما قتل محمد بن أبي بكر رضوان الله عليه، " ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه بالنار، فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا، وقنتت عليه في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو "(٧) .

وقبل أن يموت معاوية، استخلف ابنه يزيد - وما أدراك ما يزيد هذا -، شارب الخمور، استخلفه على أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى كبار الصحابة، فقتل الحسين، ورمى الكعبة بالمنجنيق، واستباح المدينة لجيشه!!

____________

١ - سنن أبي داود: ٢/١٨٦.

٢ - البداية والنهاية.

٣ - قريب منه في صحيح مسلم كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي من الإيمان.

٤ - الاستيعاب: ١/١٤١. تاريخ ابن عساكر: ٤/٢٢٩. طبقات ابن سعد.

٥ - العقد الفريد: ٢/٢٩٨.

٦ - عيون الأخبار، ابن قتيبة: ١/٢٠١. تاريخ الطبري: ٦/٥٤.

٧ - تاريخ الطبري: ٦/٥٨ - ٦١. الكامل في التاريخ: ٣/١٥٤. تاريخ ابن كثير: ٧/٣١٣.


شهادات في معاوية:

رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا سفيان مقبلا على حمار ومعاوية يقود به، ويزيد ابنه يسوق، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " لعن الله القائد والراكب والسائق "(١) وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " يطلع عليكم من هذا الفجّ رجل من أمتي، يحشر على غير ملتي " فطلع معاوية(٢) .

وهكذا كان يضع النبي علامات الاستفهام على هذا الخط الأموي بقيادة معاوية، ولتبقى أبد الآبدين منارا للباحثين.

وعن الحسن البصري قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " إذا رأيتم معاوية على منبري، فاقتلوه " فتركوا أمره، فلم يفلحوا ولم ينجحوا(٣) .

وقال الأسود بن يزيد: " قلت لعائشة: ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الخلافة؟ فقالت: وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة، وكذلك غيره من الكفار "(٤) .

ومن كلام لعمار بن ياسر يوم صفين: " يا أهل الإسلام؟ أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما، وبغى على المسلمين، وظاهر المشركين، فلما أراد الله أن يظهر دينه وينصر رسوله اتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو والله فيما يرى راهب غير راغب، وقبض الله رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنا والله لنعرفه بعداوة المسلم ومودة المحرم؟ ألا إنَّه معاوية،

____________

١ و ٢ - تاريخ الطبري: ١/٣٥٧.

٣ - رواه البلاذري في تاريخه الكبير ورجاله رجال الصحاح. وأخرجه ابن حجر في تهذيب التهذيب: ٧/٣٢٤ بالإسناد إلى أبي سعيد الخدري بطريق رجاله كلهم ثقات فراجع الغدير: ١٠/١٤٢. وروى هذا الحديث الطبري في تاريخه: ١١/٣٥٧. تاريخ الخطيب: ١٢/١٨١. كنوز الحقائق، المناوي: ص ١٠.

شرح النهج: ١/٣٤٨.

٤ - تاريخ ابن كثير: ٨/١٣١ قال: أخرجه أبو داود الطيالسي وابن عساكر.


فالعنوه لعنه الله، وقاتلوه فإنه ممن يطفئ نور الله، ويظاهر أعداء الله "(١) .

ووجَّه محمد بن أبي بكر رسالةً إلى معاوية ومما جاء فيها: "... وأنت اللعين ابن اللعين لم تزل انت وابوك تبغيان لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الغوائل، وتجهدان في إطفاء نور الله، تجمعان على ذلك الجموع، وتبذلان فيه المال، وتؤلّبان عليه القبائل، وعلى ذلك مات أبوك، وعليه خلفته "(٢) .

وقال الحسن البصري: " أربع خصال كنَّ في معاوية، لو لم تكن فيه منهن إلا واحدةٌ، لكانت موبقةً: انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء، حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه من بعده، سكّيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زيادا، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " الولد للفراش وللعاهر الحجر "، وقتله حجرا، ويلا له من حجر وأصحاب حجر. قالها مرتين "(٣) .

وروي عن الشافعي " أنه أسر إلى الربيع أن لا تقبل شهادة أربعة من الصحابة وهم: معاوية... "(٤) .

أمَّا (فضائل) معاوية فكلها من أكاذيب المتزلفين الضالين. هذا إسحاق بن راهويه الذي يقول عنه البخاري: " ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند إسحاق " يقول: " لا يصح عن النبي في فضل معاوية شئ "(٥) .

وقد سئل النسائي عن فضائل معاوية فقال: لا أعلم له فضيلةً إلاّ " لا أشبع الله

____________

١ - تاريخ الطبري: ٦/٧. الكامل في التاريخ: ٣/١٣٦ - كتاب صفين، راجع الغدير: ٢/١٦٣.

٢ - مروج الذهب: ٣/١١.

٣ - تاريخ ابن عساكر: ٢/٣٨١. تاريخ الطبري: ٦/١٥٧. الكامل في التاريخ: ٤/٢٠٩. تاريخ ابن كثير: ٨/١٣٠. محاضرات الراغب: ٢/٢١٤. النجوم الزاهرة: ١/١٤١.

٤ - تاريخ الطبري - حوادث سنة ٥١. ابن الأثير: ٢٠٢٣ - ٢٠٩. ابن عساكر: ٢/٣٧٩.

٥ - الموضوعات، ابن الجوزي. سير أعلام النبلاء: ٣/١٣٢.


بطنه "، فقتله أهل دمشق لهذا(١) .

وقال الشوكاني في فضائل معاوية: " وفيها تحقق على أنه لم يصح في فضائل معاوية حديثٌ "(٢) .

معاوية مبلِّغ عن الله!!

هذا هو معاوية يعتبر من جملة الصحابة الذين يريد السلفيَّة منا أن نتبعهم ونحبهم!

يشرب الخمر، يأكل الربا، يلبس الذهب والحرير، يلعن علياعليه‌السلام ويقنت بذلك في صلاته وقد حمل الناس على لعنه، وسم الحسن بن عليعليهما‌السلام ريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وخرج على الإمام الشرعي فتسبب بقتل مائة ألف إنسان... و... و...

فبأي شئ من سيرته نقتدي؟! أبشرب الخمر أم أكل الربا، أم قتل الأبرياء، أم سم الأولياء؟!!

ومع كل هذا نرى السلفية يترضون عنه، ويعدِّلونه، فنسأل الله ان يمتِّعنا بعقولنا.

إنَّ الإنسان يقف حائرا أمام موقفهم هذا. فمتى حصل أن شرب العادل الخمر أو أكل الربا أو لبس الذهب والحرير أو سب أولياء الله أو سفك دماء الأبرياء؟! متى حدث ذلك وفي أي زمن وعلى أيّ كوكب؟!!

وعليك أن تصدق - عزيزي القارئ - بأنَّ أهل السنة يأخذون الإسلام عن معاوية(٣) ؟! فهل نصدق بأنَّ الله اختار معاوية - كما يزعمون - ليبلغ سنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للناس؟!

هل يختار الله شارب الخمر؟! هل يختار الله آكل الربا؟! هل يختار الله زعيم الفئة

____________

١ - سير أعلام النبلاء: ١٤/١٣٢.

٢ - الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة.

٣ - وصل إلينا عن معاوية ١٦٣ حديثا، راجع أسماء الصحابة الرواة: ص ٥٥.


الباغية التي أمر بقتالها في قرآنه؟! هل يختار الله من يسبه ويسب رسوله؟! هل يختار الله من يلبس الذهب والحرير؟! هل يختار الله لحمل سنة نبيه من يقتل الأبرياء ويسم سيد شباب أهل الجنة؟ وهل... وهل...(١) ؟! إني أعجب والله من الإنسان الذي يريد أن يفكر ليجيب عن هذه الأسئلة؟ أتحتاج هذه الأسئلة لجواب عند المسلم؟ ومع كل ذلك، من قال إنَّ الله انتدب معاوية ليكون سفيرا له، وهذا من غير المعقول فإنا لله وإنا إليه راجعون!!

ولنقف قليلا عند هذه الأسئلة لنحدد مرجعيتنا بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . هذه أحاديث معاوية، منتشرة في كتب السنن، ويعمل بها. إذن فلنترك أحاديث معاوية والوليد والمغيرة وخالد وابن عمر... ونأخذ أحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من منبعها الصحيح كما أمرنا الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك.

____________

١ - من أراد المزيد عن سيرة معاوية فليراجع كتاب الغدير الجزء العاشر فإن فيه الكثير مما يدهش المرء!



الفصل الثامن

أدلة أهل السنة على عدالة الصحابة



قال ابن حجر نقلا عن الكفاية للخطيب: " عدالة الصحابة معلومةٌ، بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم. فمن ذلك قوله تعالى:( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) وقوله:( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) وقوله:( لَّقَدْ رَضِيَ اللَّـهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ) ، وقوله:( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) وقوله:( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّـهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) وقوله:( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ أُولَـٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) إلى قوله:( إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) وفي آيات كثيرة يطول ذكرها، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها "(١) .

نظرة مجملة:

ونحن إذا نظرنا إلى هذه الآيات بموضوعية، لوجدنا أنها لا تفيد معنى ما ذكره ابن حجر عن عدالة الصحابة. فهناك الكثير من الآيات التي تتوعد الصحابة وتوبخهم.

فالاستدلال على عدالتهم بهذه الآيات مع التغافل عن تلك الآيات الذامة لهم، هو من قبيل الإيمان ببعض الكتاب( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) (٢) .

فالصحيح هو، أن يدرس موضوع الصحابة في القرآن دراسة تتناول جميع الآيات التي تعرَّضت للصحابة، مدحتهم أو ذمتهم، ثم يتم الحكم عليهم.

____________

١ - الإصابة: ١/١٠٥.

٢ - البقرة: ٨٥.


وهنا نستطيع أن نقول: إنَّ الآيات التي استدل بها ابن حجر على عدالة الصحابة، لا تدل على عدالتهم جميعا، فهو ينسب تعديل الصحابة إلى الله، مع أنَّ الله ينقض هذه النظرية في قرآنه، وما أوحى إلى نبيه كحديث الحوض. وبالرغم من هذا، سنقف مع الآيات التي ذكرها آية آية.

أدلتهم من القرآن

١ - قال تعالى:( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) (١) .

نلاحظ أن قوله تعالى:( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) مقرون بما بعده( تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) ، فالأمة تكون خير أمة أخرجت للناس إذا أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر، فإذا توقفت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنها تكون قد أسقطت نفسها عن موقعها " خير أمة "...

يقول العلامة محمد تقي الحكيم: " إن إثبات الأفضلية لهم على سائر الأمم كما هو مفاد أفعل التفضيل في كلمة( خَيْرَ أُمَّةٍ ) لا تستلزم الاستقامة لكل فرد منهم على كل حالٍ، بل تكفي الاستقامة النسبية لأفرادها "(٢) .

وقال: " إنَّ التفضيل الوارد فيها إنما هو بلحاظ المجموع - ككل - لا بلحاظ تفضيل كل فرد منها على كل فرد من غيرها لنلتزم لهم بالاستقامة على كل حال " و " أنَّ مجرد العدالة لا يوجب كون كل ما يصدر عنهم من السنة، وإلا لعممنا الحكم إلى كل عادل سواء كان صحابيا أم غير صحابي لورود الحكم على العنوان كما هو الفرض "(٣) .

هناك أمرٌ مهم في الآية وهو: إنها ليست مقتصرة على الصحابة، بل هي لجميع أمة

____________

١ - آل عمران: ١١٠.

٢ - الاصول العامة للفقه المقارن: ص ١٣٦.

٣ - الاصول العامة للفقه المقارن: ص ١٣٦ - ١٣٧.


محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإذا كانت دالة على عدالة كل الصحابة، فيلزم منا القول على أنها تعني عدالة جميع أمة محمد! ولأن هذا غير حاصل في أمة محمد، فكذا في الصحابة!!

٢ - قال تعالى:( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) (١) .

لا أدري ما وجه الاستدلال بهذه الآية على عدالة الصحابة؟ ومع هذا نقول: إنَّ الخطاب في الآية لأمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلها بما فيها الصحابة. فإذا كانت الآية دالة على عدالة الصحابة، فهي أيضا دالة على عدالة جميع أفراد أمة محمد! وعدم دلالتها على عدالة جميع أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دليلٌ على عدم عدالة جميع الصحابة!!

٣ - قال تعالى:( لَّقَدْ رَضِيَ اللَّـهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ) (٢) .

" وهذه الآية نزلت يوم صلح الحديبية، ولم يكن - آنذاك - كثير من الصحابة الذين يجلهم المسلمون اليوم - كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وأبي سفيان وكثير أمثالهم - قد دخلوا الإسلام بعد، بل كانوا في حرب مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فكيف تكون الآية دليلا على عدالة جميع الصحابة؟؟! "(٣) .

وكلمة " المؤمنين " في الآية تلك: حددت المرضي عنهم، فأخرجت كل من ليس بمؤمن، ممن حضر كعبدالله بن أبي، ومن على شاكلته.

وقد فهم من أوجب عدالة كل الصحابة من هذه الآية وغيرها من الآيات التي جاءت تترضى عن الصحابة المؤمنين، فهموا منها أنَّ الله رضي عنهم أبد الآبدين - مهما عملوا -، ويبدو أنَّ هذا سبب من أسباب امتناع أهل السنة عن البحث في تاريخ الصحابة وتحليل شخصياتهم.

لكنَّ هذا الفهم يردّه القرآن، فرضى الله عنهم - حين بايعوا النبي - لايستلزم إطلاق

____________

١ - البقرة: ١٤٣.

٢ - الفتح: ١٨.

٣ - أبو هريرة في التيار، عبد الله السبيتي.


الرضا، فهذاالرضا عنهم مشروط على الاستقامة والوفاء بالبيعة. فحين قال الله تعالى:

( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّـهَ يَدُ اللَّـهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) (١) ، عقب بقوله:( فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّـهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) (٢) .

وهذا يدل على أنَّ هناك من سوف ينكث بيعته، فالله يرضى عن عبده ويغضب عليه: حسب عمله، والصحابة لايخرجون من هذا القانون.

٤ -( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) (٣) .

" وهذه الآية الكريمة لا تدل على عموم الصحابة، وإنما تدل على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وتدل على التابعين لهم " بإحسان "، وكان من حق الآية أن تكون هكذا " والذين اتبعوهم رضي الله عنهم " إلى آخره. فلفظة " بإحسان " تدل على أنَّ هناك من يتبعهم لكن بغير إحسان، وهي مقيدة للإطلاق "(٤) .

٥ - قال تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّـهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (٥) .

إنَّ المدح في هذه الآية للمؤمنين الذين اتبعوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهي لا تعم جميع الصحابة حتى نقول بعد التهم، فماذا نفعل بالصحابة المنافقين؟ وماذا نفعل بالصحابة المرتدين؟ وماذا نفعل بالأعراب الذين بلغوا ثلاثين ألفا؟ فالله نفى عنهم صفة الإيمان( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَـٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ) ، فأكثرهم غير مؤمنين فكيف نشركهم بالآية؟ وماذا نفعل بالصحابة الذين يساقون إلى النار ولا يبقى منهم إلا مثل همل النعم؟ فلو كانوا مؤمنين لما دخلوا النار، وهمل النعم هم المقصودون في الآية، لأن الله لا يمدح أهل النار!

____________

١ و ٢ - الفتح: ١٠.

٣ - التوبة: ١٠٠.

٤ - أبو هريرة في التيار.

٥ - الأنفال: ٦٤.


٦ - قال تعالى:( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ أُولَـٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) (١) .

هذه الآية والتي بعدها تعرضت للمهاجرين والأنصار فقط، والصحابة هم مائة وأربعة عشر ألف!! فهي - اذن - لا تدل على عدالتهم كلهم، فقد أخرجت الآية عددا هائلا من الصحابة، فكيف نستدل بها على عدالة جميع الصحابة؟!

تنبيه:

إنَّ هذه الآيات التي مدحت الصحابة، وتلك التي يطول ذكرها - على حد تعبير ابن حجر - تشمل الصحابة الذين لم يحدثوا ويبدلوا. فكل الآيات والأحاديث التي أرصدها أهل السنة لإثبات عدالة الصحابة، مخصصة بحديث الحوض المتواتر، هذا الحديث الذي رواه جميع المحدّثين ومنهم البخاري ومسلم: ينص على أنَّ الصحابة يساقون إلى النار، ولا يخلص منهم إلا مثل همل النعم.

فيجب دراسة تلك الأدلة مع هذا الحديث، لأن الكتاب والسنة بناءٌ واحد، وإذا أردنا أن نعرف شيئا بعد قطع جزء منه - حديث الحوض - فمعرفتنا هذه مبتورةٌ، وستكون رؤيته غير واضحة، وسيكون على النتيجة غبار!!

أدلتهم من السنّة

يستدل البعض على عدالة الصحابة بما يروون عن الرسول أنه قال: " أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم ".

وهذا الحديث لا يصح عند أهل السنة أنفسهم. يقول ابن تيمية: " وحديث أصحابي كالنجوم، ضعَّفه أئمة الحديث، فلا حجة فيه "(٢) .

____________

١ - الحشر: ٨.

٢ - المنتقى، الذهبي: ص ٥٥١.


وقال الألباني فيه: " موضوعٌ "، وقال ابن عبد البر عن إسناده " هذا إسناد لا تقوم به حجة "، وقال ابن حزم: " هذه رواية ساقطةٌ.. "، وقال أحمد: " لا يصح هذا الحديث " كما في المنتخب لابن قدامة ١٠/١٩٩ ح ٢ "(١) . وقال الألباني في موضع آخر عنه: " بل هو حديث باطلٌ "(٢) . ويقول ابن حزم أيضا: " فقد ظهر أنَّ هذه الرواية لا تثبت أصلا، بلا شك إنها مكذوبةٌ "(٣) . وقال الشوكاني فيه: " فهذا مما لم يثبت قطُّ "(٤) .

ومتن الحديث يدل على أنه موضوع. فكيف يقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أصحابي كالنجوم... فيأمر أصحابه بالاقتداء بأصحابه؟!

واستدلوا على عدالة الصحابة بقول الرسول: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ ".

ولو صح صدور هذا القول منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لكان الخلفاء الراشدون معصومين، لأنَّ النص يأمرنا بمتابعتهم على الإطلاق.

والخلفاء الأربعة خالف بعضهم بعضا، ومعنى هذا أنَّ النص يأمرنا بالتعبد بالمتناقضين، فالإمام علي حين عرضوا عليه الخلافة بشرط أن يسير بسيرة الشيخين، رفض ذلك، وقبل عثمان هذا الشرط، لكنه خالفه، فثار الناس عليه وقتلوه، وحين بايعوا الإمام عليا خالف عثمان في سيرته.

وكذلك ساوى أبو بكر في العطاء، وخالفه عمر. وأبو بكر يرى أنَّ خالدا متأول، لا يقام عليه الحد وإن قتل وزنى، وخالفه عمر. وعمر منع المتعتين، ولم يمنعهما أبو بكر ولا علي... فلو صح الحديث، لوجب علينا أن نقيم الحد على الزاني وندفعه عنه في

____________

١ - سلسلة الأحاديث الضعيفة: ١/٧٨ - ٧٩ ح ٦١.

٢ - شرح العقيدة الطحاوية: ص ٥٣٠.

٣ - الإحكام: ٦/٢٤٤.

٤ - إرشاد الفحول: ص ٢٤٣.


الوقت نفسه، و... نعطيه أجراً!! ولوجب أن نتم الصلاة في السفر اقتداءا بعثمان، ونقصر اقتداءا بغيره!!

ومع كل هذا فالنص محدد بالخلفاء الأربعة، ولا يمكن تعميمه على مائة وأربعة عشر ألف صحابي، ولذلك، فهو لا يسعفنا في إثبات عدالة كل الصحابة؟!

واستدلوا بقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ".

" إنَّ الخيرية باعتبار المجموع، وليس باعتبار الأفراد، فليس معنى قولنا: العرب حملوا رسالة الإسلام، أنَّ كل واحد منهم حملها، بل إنَّ هناك من وقف في وجهها وحاربها وقتل المؤمنين بها. فكذلك قوله: خير الناس قرني، ليس نصا في الأفراد، حتى نجمد عليه "(١) .

وذهب ابن عبد البر إلى أن الخيرية ثابتة لمجموع المسلمين في تلك العصور الثلاثة، أما الأفراد فقد لا تنطبق الخيرية على بعض منهم، بل قد يأتي فيمن بعدهم من هو أفضل منهم(٢) .

والخيرية هنا كالخيرية في قول الله تعالى:( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) . فالخيرية في الحديث مقرونة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقرآن والسنة يفسر بعضهما بعضا.

وكما أمر أهل القرون الأولى بالمعروف ونهوا عن المنكر فقد أمروا بالمنكر ونهوا عن المعروف، ولا ينكر هذا إلاّ معاند.

فالدعوة للخروج على الإمام الشرعي العادل، دعوةٌ للمنكر. وسن سب الإمام علي، واستمرار ذلك نحو ستين سنة بمرأى ومسمع من أهل القرون الأولى لهو المنكر.

____________

١ - شبهات حول الشيعة، عباس الموسوي: ص ١١٦.

٢ - فتح الباري: ٧/٤.


ولو أردنا أن نستوعب هنا تسجيل المنكرات والرزايا التي حدثت في القرن الأول، لاحتجنا في ذلك إلى تأليف مجلَّدات، ولكننا نوجز بعضها.

بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ارتد قسمٌ كبير من الصحابة، وقتل مالك بن نويرة وقومه المسلمون، وفي هذا القرن تمَّ اغتيال عمر بن الخطاب، وقامت فتنة بين عثمان والصحابة أدّت إلى قتله بأيديهم. وما أن قام عليعليه‌السلام بالأمر حتى نكثت طائفةٌ ومرقت أخرى وقسط آخرون. فقتل في حرب الجمل ثلاثون ألف نفس - في خير القرون -! وقتل في صفين مائة ألف - في خير القرون -! ثم كانت النهروان فقتل الآلاف فيها - في خير القرون -! وكل هذه الحروب بين أهل القرن المشهود لهم بالخيريّة!! وفي هذا القرن قتل علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وسم ابنه الحسنصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقتل الكثير من الصحابة الأجلاء(١) على يد معاوية. وكل هذا الشر المتدفق، كان في خير القرون!!

وفي خير القرون كانت المصيبة العظمى، ألا وهي قتل الحسينعليه‌السلام وأهل بيته في كربلاء، حتى أنَّ الرضَّع حصَّلوا على نصيب من هذه الخيريَّة المزعومة!! فكان نصيب رضيع الحسين سهما في نحره. بعد ذلك يحمل رأس الحسين على رمح من كربلاء إلى الشام.

" ذكر غير واحد انهم لما ساروا بالرأس الشريف إلى يزيد بن معاوية، نزلوا في الطريق بدير ليقيلوا به، فوجدوا مكتوبا على بعض جدرانه:

أترجو أمة قتلت حسينا

شفاعة جده يوم الحساب

وفي الخطط للمقريزي ما نصّه: لما قتل الحسين بكت السماء وبكاؤها حمرتها "(٢) .

وتقاد نساء بيت النبوة وموضع الرسالة، أسارى. وكأنَّ ما جرى لأهل بيت النبوة هو أجر الرسالة( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (٣) !

____________

١ - راجع نور الأبصار: الشبلنجي الشافعي، ص ١٤٧.

٢ - الشورى: ٢٣.


وفي خير القرون، استبيحت مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاثة أيام لجيش يزيد، وافتضت ألف بكر من بنات الصحابة! وتم ذبح الأطفال والشيوخ، وضربت الكعبة بالمنجنيق حتى هدِّمت. فهل رأيت مثل هذا الشر في خير القرون؟! وهذا الحديث الذي استدل به على عدالة الصحابة معارضٌ بأحاديث صحيحة. قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " مثل أمتي مثل المطر، لا يدري أوله خير أم آخره "(١) .

وروى ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبير قال رسول الله: ليدركنَّ المسيح أقواماً إنهم لمثلكم أو خيرٌ - ثلاثا...(٢)

 وروى الحاكم من حديث أبي جمعة قال: تغدَّينا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح " قال فقلنا: يا رسول الله أأحدٌ خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك!

قال: " نعم قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني "(٣) .

ومن حديث لأبي جمعة: " كنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، قلنا يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجرا، آمنا بك واتبعناك؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم، يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم يأتون من بعدكم، يأتيهم كتاب الله بين لوحين فيؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرا "(٤) .

ولما اشتد جزع أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على من قتل يوم مؤته قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

" ليدركنَّ الدجّال قومٌ مثلكم أو خيرٌ منكم - ثلاث مرات - ولن يخزي الله أمة أنا أولها وعيسى بن مريم آخرها "(٥) .

____________

١ - سنن الترمذي: ٥/١٥٢، والحديث حسن عند ابن حجر في فتح الباري: ٧/٤.

٢ - راجع: فتح الباري: ٧/٥، واسناده حسن.

٣ - مستدرك الحاكم: ٤/٨٥، وصححه وكذا الذهبي.

٤ - مجمع الزوائد: ١٠/٦٦، وقريب منه في الاستذكار لابن عبد البر: ٢/١٧٢، ورجاله ثقات.

٥ - مستدرك الحاكم: ٣/٤١، قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.


وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: ذكروا عند عبد الله أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وايمانهم، قال: فقال عبد الله: " إنَّ أمر محمد كان بيِّنا لمن رآه والذي لا إله غيره ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب... "(١) .

نعم، نحن معكم في وجوب الرجوع لأهل القرون الأولى لأخذ الإسلام عنهم، ولكن على المسلم أن يطمئن لمن يأخذ عنه. فهل يأخذ عن الزاني أو شارب الخمر أو عمَّن يروي عن أهل الكتاب أو عمن يعكس معنى الحديث... أو يأخذ عمن أمرنا الله ورسوله بالأخذ عنهم؟!

عود على بدء

قلنا في بداية بحثنا هذا أنَّ أهل السنة أوجبوا عدالة جميع الصحابة، لكونهم حملة الشريعة " إذ كيف يعد الله بحفظ دينه... بينما حملته ونقلته عن نبيه مطعونٌ في عدالتهم ونزاهتهم "؟(٢) وثبت حتى الآن بالنصوص التي لا يتطرَّق إليها طعن ولا تأويل عدم صحة الحكم بعدالة جميع الصحابة، وإنما العدالة لأولئك الثُلَّة الذين شبههم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهمل النعم كما في صحيح البخاري!

فإذا ثبت عدم عدالتهم، فلا يجوز لنا أن نأخذ الإسلام عنهم، إذ كيف نأخذه عنهم " بينما حملته مطعون في عدالتهم ونزاهتهم "؟!! فإذا انهار الأساس - عدالة كل الصحابة - انهارت النتيجة التي بُنيت عليه وهي جعلهم حملة الشريعة! فالإسلام يجب أن يؤخذ عن العدول الذين أمرنا الله ورسوله بالأخذ عنهم!

____________

١ - مستدرك الحاكم: ٢/٢٦٠، وصححه.

٢ - كلام القرشي وقد مر.


الفصل التاسع

بحث حول قيمة الصحبة



توطئة:

الصحبة: كلمة صارت لها هالةً مخيفة في بعض النفوس، بفعل عوامل تاريخية ومذهبية، وبنيت لأجلها أحكام ما أنزل الله بها من سلطان، فقد فاقت منزلة الصحبة - أحيانا - منزلة النبوّة: فإذا كان الصحابي قد زاغ عن الطريق وارتكب محرما نرى التبريكات تنهال عليه من أقلام العلماء، وحجّتهم في ذلك أنه صحابي.

هذه هي لغة أهل السنة في تقييم أعمال الصحابة، ميزانٌ عجيب، يختلف عن كل الموازين التي جاء بها الإسلام. فتعال واقرأ معي!!

يقول القوشجي عن إحراق أبي بكر للفجاءة السلمي: " إحراقه الفجاءة بالنار من غلطةٍ في اجتهاده، فكم مثله للمجتهدين... "(١) .

وقال مدافعا عن خالد: " تزوج امرأته - أي مالكا - في دار الحرب لأنه من مسائل المجتهدين "(٢) .

قال ابن كثير: " واستمر أبو بكر بخالد على الإمرة، وإن كان قد اجتهد في قتل مالك بن نويرة وأخطأ "(٣) .

وقال ابن تيمية عن زيادة عثمان للأذان الثالث يوم الجمعة: " إنها من مسائل الاجتهاد "(٤) وقال في جواب من اعترض على عائشة: " وأما قوله وخالفت أمر الله في

____________

١ - و(٢) راجع معالم المدرستين، مرتضى العسكري: ٢/٧٢ - ٧٥.

٣ - تاريخ ابن كثير: ٦/٣٢٣.

٤ - منهاج السنة: ٣/٢٠٤.


قوله تعالى:( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ) (١) ، فهي(٢) لم تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة...

وإذا كان سفرهنَّ لمصلحة جائزاً لعائشة، اعتقدت أنَّ ذلك السفر مصلحة للمسلمين فتأوَّلت في هذا... والمجتهد المخطئ مغفورٌ له خطأه "(٣) .

وقال ابن حزم في معاوية: " إنَّ معاوية ومَن معه، مخطئون مجتهدون، مأجورون أجرا واحدا "(٤) . وقال فيه ابن تيمية: " إنه كعلي بن أبي طالب في ذلك "(٥) . قال ابن كثير: " معاوية مجتهدٌ مأجور إن شاء الله "(٦) .

وقال ابن حزم عن أبي الغادية - قاتل عمار -: " فأبو الغاديةرضي‌الله‌عنه متأول مجتهد مخطئ فيه باغ عليه، مأجور أجرا واحدا "(٧) .

وقال ابن حجر: " والظن بالصحابة في كل تلك الحروب أنهم كانوا فيها متأولين، وللمجتهد المخطئ أجر،... "(٨) .

وقال ابن حزم: " لا خلاف بين أحد من الأمة في أنَّ عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليا إلا متأوّلا مجتهدا مقدّراً أنه على صواب "(٩) .

وعن يزيد بن معاوية يقول أبو الخير الشافعي: " ذاك إمامٌ مجتهد "(١٠) وقال ابن كثير في يزيد: " وحملوا - العلماء - ماصدر منه من سوء التصرفات على أنه تأوَّل

____________

١ - الأحزاب: ٣٣.

٢ - منهاج السنة: ٣/١٩٠.

٣ - الفصل في الملل والأهواء والنحل: ٣/٨٦.

٤ - المصدر السابق: ص ٨٩.

٥ - منهاج السنة: ٣/٢٦١ و ٢٧٥.

٦ - تاريخ ابن كثير: ٧/٢٧٩.

٧ - الفصل في الملل: ٣/٨٧.

٨ - الإصابة: ٤/١٥١.

٩ - المحلى: ١٠/٤٨٤.

١٠ - تاريخ ابن كثير: ١٣/٩.


فأخطأ "(١) .

محاكمة:

لماذا لا نجري أحكام الله في مجراها الصحيح؟ خالد مجتهد، ومعاوية مجتهد، وعائشة، ويزيد... وكلهم مأجورون. لماذا؟ لأنهم صحبوا النبي، فتطهرت نفوسهم وصاروا عدولا. هكذا يقول أهل السنة، فالصحبة منزلةٌ عظمى تعصم صاحبها من العقاب، وفي الأمثلة القادمة، سنرى حكم الله ورسوله في منازل أعلى من منزلة الصحبة.

إبليس طاووس الملائكة:

كان إبليس من أقرب المخلوقات إلى الله وأعبدهم، لكن إبليس تمرّد على أمر الله واستكبر ورفض السجود لآدم بحجة( أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) (٢) .

لكن ماذا كان مصير إبليس؟ الطرد واللعن هذا هو مصيره. فهذا إبليس مع عظم منزلته عند الله لم تنفعه منزلته حين اجتهد أمام النص ولم يقل الله له: أنت مجتهد مخطئ مغفور لك ولك أجرٌ(٣) !

فلماذا يقال لمعاوية - شارب الخمر، آكل الربا، قاتل الأبرياء - مجتهد وله أجر، ولا يقال ذلك لإبليس؟! مع أنَّ هذا في حق إبليس أولى(٤) إذ هو طاووس الملائكة، فهذا هو حكم الله( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (٥) .

____________

١ - تاريخ ابن كثير: ٨/٢٢٣ - ٢٢٤.

٢ - سورة ص: ٧٦.

٣ - كما فعل ابن تيمية وابن كثير... مع الصحابة!

٤ - وأنا أجزم بأن إبليس (لعنه الله) لو كان صحابيا وعصى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقالوا عنه: مجتهد له أجر!!

٥ - المائدة: ٥٠.


قابيل وهابيل:

هما من أبناء آدمعليه‌السلام وقصتهما معروفة. قام قابيل بقتل هابيل، فماذا كان مصيره؟

قبل الإجابة لا أحد منا ينكر أنَّ قابيل ابن نبي ولا أحد ينكر أنَّ منزلة البنوة أعلى من منزلة الصحبة. ومع بنوة قابيل لنبي من أنبياء الله كان مصيره النار بمجرد أن قتل أخاه، فلم تنفع قابيل منزلته في دَرء العقاب عنه ولم يقل عنه: هو مجتهد وله أجر(١) . فلماذا كان هذا الحكم في حق قابيل ولم يكن في حق أحد الصحابة القاتلين؟! فإذا غفر الذنب بسبب الصحبة فبسبب البنوة أولى!

هذا خالد بن الوليد قتل مالكا وقومه المسلمين ومع ذلك أعطاه أهل السنة أجر المجتهد. وهذا معاوية قتل كبار صحابة رسول الله، كحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق و... ومع ذلك يعطى أجرا. ويعطى أهل السنة أبا الغادية - قاتل عمّار – أجراً، ثم يعطى ابن ملجم - قاتل عليِّ – أجراً. فيالله ولهذه الأعاجيب، ما هذه الفلسفة؟ وهل صحبة هؤلاء للنبي بمنزلة بنوة قابيل لنبي الله آدمعليه‌السلام ؟ فلم كانت هذه الأحكام بحق هؤلاء ولم تكن في حق قابيل؟!

زوجتا نوح ولوط:

يقول الله(٢) :( ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّـهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) (٣) .

كانت زوجتا نوح ولوطعليهما‌السلام تفشيان أسرار زوجيهما إلى قومهما. وبسبب هذه الخيانة، جاء حكم الله فيهما( وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) .

____________

١ - ولو كان صحابيا لقيل فيه هذا!!

٢ - التحريم: ١٠.


فمَن أعلى منزلةً؟ الزوجية أم الصحبة؟! لا أحد يخالفنا في أنَّ منزلة الزوجية أعلى من منزلة الصحبة.

فإذا لم تنفع منزلة الزوجية امرأتي نوح ولوطعليهما‌السلام في درء العقاب عنهما، فكيف نفعت منزلة الصحبة الصحابة في درء العقاب عنهم؟

ولماذا يقال عن أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أخطأوا إنهم مجتهدون ولهم أجر، ولا يقال ذلك عن زوجتي نوح ولوطعليهما‌السلام ؟! مع أنَّ هذا في حقهما أولى إذ هما زوجتا نبيين!!

ولماذا كانت عائشة مجتهدة ومأجورة حين خرجت على الإمام الشرعي وتسببت بقتل ثلاثين ألفا من أولادها ولم تكن امرأتا نوح ولوط مجتهدتين مأجورتين؟!!

نساء النبي:

يقول الله(١) مخاطبا نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ) (٢) .

نعم، هذا هو حكم الله( مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ) ولم يقل: يضاعف لها الأجر!! ولكننا نرى أهل السنة يعطون نساء النبي أجرا وإن اجتهدن أمام النصوص، وحاربن أبناءهن وقتلنهم.

ولو صح ما يقوله أهل السنة في تبريرهم لأعمال الصحابة وعائشة، لكان من حق الآية أن تكون " من يأت منكن بفاحشة مبينة فلها أجر واحد " ومن هنا نلحظ المفارقة بين حكم الله(٣) في نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والصحابة إذا اخطأوا، وبين أحكام أهل السنة. فالله(٤) يقول:( يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ) وأهل السنة يقولون: هم مجتهدون لهم أجر واحد!!

____________

١ - الأحزاب: ٣٠.


النبي يقول لأسامة:

جاء أسامة بن زيد إلى الرسول، ليشفع في امرأة سرقت، فغضبصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لذلك وقال: " أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟... وايم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها "(١) .

هذا هو حكم الإسلام. ولو صح ما يقال، من أنَّ خالدا مجتهد، ومعاوية اجتهد بقتل الصحابة... وأبو الغادية مجتهدٌ، وابن ملجم مجتهد، ويزيد مجتهد، وكلهم لهم أجر، لكان على النبي أن يقول: " وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لأعطيتها اجرا لأنها مجتهدة "!!

ولكن النبي لا يستخدم هذا الميزان المقلوب الذي اخترعه القوم لقياس الحكم الشرعي الحق!

حتى النبي:

يقول الله(٢) لنبيه:( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (٣) .

وقال تعالى:( وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ) (٤) .

وقال تعالى:( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) (٥) .

____________

١ - صحيح البخاري: كتاب الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان.

٢ - الزمر: ٦٥.

٣ - الإسراء: ٧٤ - ٧٥.

٤ - الحاقة: ٤٤ - ٤٦.


أجل، حتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لو انحرف عن الطريق، أو تقوَّل على الله، لكان من المعذَّبين العذاب الشديد - وحاشاهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كل هذا - لكن هذه الآيات خاطبت النبي وتقصد غيره فهي من قبيل: إياك أعني واسمعي يا جاره.

فأهل السنة حين رضوا بأفعال الصحابة من قتلهم لبعضهم البعض، ولعنهم لبعض وزنا بعضهم وشربهم الخمر... وحين باركوا لهم هذه الأفعال، وصرفوا لهم أجورا جعلوهم فوق النبي لعَمر الله!! فالنبي لو جاء بشئ من عنده، أو مال قليلا عن خط الإسلام، لكان أتعس الناس - والعياذ بالله -، أما الصحابة فهم شئ آخر، فلا يوزنون بهذا الميزان الذي يوزن به حتى النبي، بل إنَّ منزلتهم تفوق منزلة النبوة، فإذا تقوَّلوا على الله أو مالوا عن خط الإسلام وارتكبوا المحرمات فإنهم ينالون الأجر بذلك، فتأمل بربك!!

فهل صدقت بما نقول في أنَّ أهل السنة رفعوا الصحابة بسبب صحبتهم للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفسه؟! ولو صحت تلك الأحكام التي قالها أهل السنة لوجب أن يتغير سياق الآيات السالفة، فتصبح: " ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأعطيناك أجرا عظيما "!! فأنت نبي مجتهد ولك أجر!! وهكذا.

الخلاصة

إنَّ الصحابة بشرٌ عاديون، تجري عليهم أحكام الله، ومجرد صحبتهم للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لاتطهر نفوسهم، لأن الإيمان لا يأتي دون الأخذ بأسبابه، وصحبة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا تجعل الإنسان عادلا، كما لم تكن البنوة والزوجية من أسباب العدالة.

إن أصحاب موسىعليه‌السلام كانوا آلافا مؤلَّفة، وبمجرد أن تركهم موسىعليه‌السلام اربعين ليلة، ارتدّوا!

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لحسّان بن ثابت: " إنَّ روح القدس مع حسّان، ما دام ينافح عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(١) .

____________

١ - الإصابة: ١/٣٢٦.


فالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرن كون روح القدس مع حسان بشرط إدامة المنافحة عن رسول الله، ولو كانت الصحبة منزلةً تعصم صاحبها لما قيَّد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلامه.

سأل الصحابة النبي فقالوا: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

" أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها، ومن أساء، أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام "(١) .

وعادصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كعبا في مرضه فقالت أم كعب: هنيئا لك الجنّة يا كعب، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

" وما يدريك يا أم كعب! لعل كعبا قال ما لا يعنيه، ومنع ما لايعنيه "(٢) .

نعم، هذا هو ميزان الإسلام، أما أن نقول: اجتهد وله أجر، بالرغم من الجرائم التي ارتكبها فهذه المسألة فيها نظرٌ.

لقد خلق الله الإنسان واختبره في هذه الدنيا. وجعل الدنيا دار ابتلاء قال تعالى:

( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) (٣) ونحن إذا قلنا إن كل صحابة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الجنة، وإذا باركنا لهم أعمالهم الخاطئة، وجعلنا لهم أجرا عليها، فقد خرجنا عن قانون الله وسنته في خلقه. فالصحابة يوزنون بتقواهم وليس بصحبتهم!

قال تعالى:( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ ) ولم يقل أصحبكم.

والعاقبة بحسنها وسوئها هي التي تحدِّد مصير الإنسان وليس الصحبة ولا الصداقة ولا البنوة... فالأعمال بخواتيمها.

إنَّ الصحابة أناس عاديون، ومنزلة أحدهم تكون باحترام صحبته للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأداء حقها. فالمفترض بنا إذا حاكمنا أعمالهم أن نطبق هذه الموازين الإلهية، لأنهم ليسوا أفضل من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي خضع لهذه الموازين.

____________

١ - صحيح مسلم: كتاب الايمان، باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية.

٢ - تاريخ بغداد: ٤/٢٧٣، وانظر: مستدرك الحاكم: ٣/١٩٠.

٣ - الكهف: ٧.


وقد يقال: من أنت ومن نحن، حتى نقيم الصحابة؟ فنقول: نحن لا نقيم أعمالهم على هوانا، بل القرآن والسنة هما اللذان يقيمان عمل أي إنسان.

فحين قلنا يجب أن يقام الحد على الزناة منهم كخالد والمغيرة، لم نأت بهذا الحكم من بنات أذهاننا، بل الله قال ذلك في كتابه. والرسول طبق الحكم، فرجم ماعز الأسلمي والمرأة الغامدية.

وحين تجنبنا موالاة معاوية، ومن حارب عليا، لم يكن ذلك عن تعصب وهوى، فلقد كان موقفنا هذا امتثالا لأوامر الرسول، قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " علي مع الحق والحق مع علي، يدور معه حيث دار " وهذا يعني أنَّ من وقف ضده كان على الباطل. فكيف نتولِّى من هو على الباطل؟!

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " فمن يقاتل أحدا، ويأمر بسبه، ويسجد عند موته، فهو مبغض لهذا الإنسان، وبغض علي يساوي النفاق، فكيف نتولى مبغض عليعليه‌السلام ؟!!

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن علي " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله ". هذا الرسول يطلب من الله - وهو أمر لنا أيضا - بموالاة من يوالي عليا، ومعاداة من عاداه... فنحن التزمنا بالنص، والرسول يقول عن علي: " حربك حربي، وسلمك سلمي " " عدو علي، عدوي " فكيف نتولى عدو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

ونحن عادينا معاوية، لأن الله أمرنا بذلك قال تعالى:( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّـهِ ) (١) ومعاوية قاتل علياعليه‌السلام ، ووسمه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحزبه بالفئة الباغية، قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " ويحك ياعمار تقتله الفئة الباغية عمار يدعوهم إلى الله ويدعونه الى النار "(٢) .

____________

١ - الحجرات: ٩.

٢ - صحيح البخاري (كتاب الجهاد) باب مسح الغبار عن الناس في السبيل.


وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " يا علي ستقاتلك الفئة الباغية، وأنت على الحق، فمن لم ينصرك يومئذ فليس مني "(١) .

فيجب علينا البراءة من هذه الفئة الباغية - معاوية وحزبه - امتثالا لأمر الله ورسوله. ولو أن هذه الفئة الباغية فاءت إلى أمر الله، وسلمت القيادة لإمامها الشرعي، لقلنا عسى، ولكنها لجأت للمكر والدهاء، ورفضت حكم الله الذي دعا إليه علي بادئ الأمر(٢) ، ولما رأوا الموت أمام أعينهم، رفعوا القرآن فوق الرماح لينجوا( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا ) (٣) هذا هو حال هذه الفئة، فهي لم تلجأ لحكم الكتاب، وانما اتخذته وسيلة خداع، للوصول إلى المآرب الخبيثة والكل يعرف هذا.

فكل من يتولى هذه الفئة الباغية، فقد خالف أمر الله (فقاتلوا التي تبغي) يقول القرطبي: " في هذه الآية دليل على وجوب قتال الفئة الباغية "(٤) .

ولتقريب هذا الكلام نقول: اجعل نفسك - أخي المسلم - تعيش في عهد الصحابة وطلب منك الالتحاق بعلي، أو معاوية، في صفين فأيهما تختار؟! إن قلت معاوية فقد خالفت أمر الله ورسوله في وجوب قتال الفئة الباغية. فلا بد أنك ستذهب مع علي امتثالا لأمر الله ورسوله، عندئذ، ولو بدأ القتال وبرز لك معاوية فهل كنت ستقتله؟!! إن قلت: لا، فقد خالفت أمر الله ورسوله في وجوب نصرة عليعليه‌السلام ، وقتال الفئة الباغية، فيبقى الوجه الآخر! فإذا أجزت لنفسك قتله في ذلك الموقف، فكيف تترضى عنه الآن وتدافع عنه؟! وهكذا اجعل موقفك في موقعة الجمل، فموقفك هناك هو الذي يجب أن يكون الآن، تماما كموقفك الآن من فرعون، فلو كنت مع موسى لحاربت فرعون ببدنك وقلبك.

____________

١ - تاريخ دمشق: ابن عساكر: ج ٤٢. منتخب الكنز بهامش المسند: ٥/٣٢.

٢ - راجع تاريخ الطبري: ٦/٤.

٣ - غافر: ٨٤.

٤ - تفسير القرطبي: ١٦/٣١٧.


يقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " يا أبا رافع، سيكون بعدي قوم يقاتلون عليا، حق على الله جهادهم، فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه، فمن لم يستطع بلسانه فبقلبه... "(١) .

هذا ابن عمر ندم لعدم قتاله مع الإمام عليعليه‌السلام . يروى أنه لما حضرته الوفاة، قال: " ما أجد في نفسي من الدنيا، إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية " وفي الاستيعاب " مع علي بن أبي طالب "(٢) .

فليكن في ندم عبد الله بن عمر موعظة!

____________

١ - أخرجه الطبراني في الكبير كما في الكنز: ٦/١٥٥. مجمع الزوائد: ٩/١٣٤، وذكره في إحقاق الحق: ٧/٣٣٤ عن كتاب: نزول القرآن في أمير المؤمنين، أبي نعيم (مخطوط)، مفتاح النجا، البدخشي: ٦٧ (مخطوط). وذكره في ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق، ابن عساكر: ٣/١٢٣.

٢ - أسد الغابة: ٣/٢٣٨. الاستيعاب: ٣/١١١٧.



الفصل العاشر

اجتهاد الصحابة في المحكمات



توطئة:

يقول أهل السنة بأنهم يلتزمون بنصوص الكتاب والسنة، ولا يخرجون عنهما، لأن منهج السلف هو التسليم للنص. فالسلف لم يجيزوا لأنفسهم الخروج على النص، وأهل السنة تابعوهم كما يقولون وبذلك يكونون هم أتباع الكتاب والسنة وأهل المدرسة النصية.

ولكن! بعد البحث وجدنا أنَّ السلف من الصحابة هم أول من اجتهد بما يخالف النص، وخرجوا عليه وتأوّلوه، وبهذا سنعرف مدى صحة قول أهل السنة، بأنهم هم اتباع الكتاب والسنة، تبعا للسلف الصالح.

المؤلفة قلوبهم

قال تعالى:( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (١) .

في هذه الآية، بين الله(٢) ، مصارف الزكاة الثمانية، وجعل رابعها سهم المؤلفة قلوبهم. وقد كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوزع الزكاة على هذه الأصناف الثمانية التزاما بالنص.

واستمر الأمر هكذا، وفي عهد أبي بكر جاء المؤلفة قلوبهم كعادتهم لأخذ ما فرضه الله لهم. فكتب أبو بكر لهم كتابا في ذلك، وعندما رأى عمر الكتاب مزَّقه وقال: " لا حاجة

____________

١ - التوبة: ٦٠.


لنا بكم، فقد أعزَّ الله الإسلام وأغنى عنكم، فإن أسلمتم، وإلا السيف بيننا وبينكم ".

ووافق أبو بكر عمر على رأيه وأمضاه، وحرَّم المؤلفة قلوبهم مما فرضه الله لهم. إنَّ الله وبعد أن بين مصارف الزكاة الثمانية قال:( فَرِيضَةً مِّنَ اللَّـهِ ) فإعطاء الفقراء من الزكاة فريضة وإعطاء المؤلفة قلوبهم فريضة... وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى بيان.

ولكن عمر بن الخطاب، عطل هذه الفريضة ووقف ضد النص، ووافقه أبو بكر في موقفه هذا، فالحقيقة التي لا يستطيع أحد إنكارها أنَّ الشيخين اجتهدا بما يخالف النص المحكم ولم يسلما له وجعلا لنفسيهما رأيا يناقض قول الله.

ونسأل الآن: هل جعل الله هذه الفرائض الثمانية، دستورا أبديا للمسلمين، أم حكما مؤقتا؟

لقد انتهى النسخ في الإسلام بموت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واستقرت الأحكام على ما كانت عليه في عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ولا يجوز لأي شخص مهما علت مكانته ان يأتي ويغير في كتاب الله ويلغي ويشرع. فأي سلطان لهذا الإنسان المجترئ الناقص؟! إنَّ الله(١) كان عالما بأنَّ الإسلام سيصبح يوما ما عزيزا ومع ذلك لم يشر إلى إلغاء سهم المؤلفة قلوبهم إذا أعز الإسلام.

والمتمعن في الآية المذكورة خاصة عند قوله تعالى في نهاية الآية( وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) يلاحظ الدقة والإعجاز البياني والتشريعي في هذه الكلمات، لقد عبر الله عن نفسه بأنه عليم حكيم، والسر في هذا التعبير واضح كما يبدو، فالله عليم، بهذه الأصناف الثمانية وحاجتهم، لذلك جعل لهم نصيبا، والله عليم بأن الإسلام سيقوى، ومع ذلك لم يشر إلى منع عطيتهم.

وأما كلمة حكيم في الآية فتعني أنَّ الله حكيم في تشريعه هذا، وفي جعله سهما للمؤلفة قلوبهم وإن قَوي الإسلام، لأنَّ الإسلام حين يكون قويا ويعطي المؤلفة قلوبهم تظهر سماحته وعظمته في نفوس هؤلاء المؤلفة قلوبهم، وهذا سيكون أدعى لقبولهم


وقبول غيرهم الإسلام، فإنهم وإن دخلوا وفي أنفسهم شئ من الحصول على المال، فذلك شئ لا بأس به وأفضل من الكفر، وسهم المؤلفة قلوبهم قد يجعلهم مع مرور الزمن من المؤمنين الخلَّص.

بقي أن نقول: لماذا لم يمنع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن المؤلفة قلوبهم نصيبهم في حياته؟ بالرغم من أنَّ الإسلام كان قويا عزيزا في حياته، فقد شمل الجزيرة العربية ووصلت طلائعه إلى الفرس والروم. فهل غابت هذه المصلحة التي اكتشفها عمر عن الله ورسوله؟!

( نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)

نكاح المتعة

لقد شرع هذا النكاح في الإسلام، قال تعالى:( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) (١) .

قال القرطبي: قال الجمهور، المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام وقرأ ابن عباس وأبي وابن جبير (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى)(٢) .

وعن جابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، قالا: خرج علينا منادي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: إنَّ رسول الله أذن لكم أن تستمتعوا يعني متعة النساء(٣) .

وجاء في صحيح البخاري: إنَّ رسول الله كان في جيش المسلمين، فقال لهم: " قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا "(٤) .

أجل، لقد شرع نكاح المتعة، ومات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم ينسخ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: " كنا نستمتع بالقَبضة من التمر والدقيق، الأيام على عهد

____________

١ - النساء: ٢٤.

٢ - تفسير القرطبي: ٥/١٣٠.

٣ - صحيح مسلم: كتاب النكاح، باب نكاح المتعة.

٤ - كتاب النكاح، باب نهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن نكاح المتعة آخرا.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر، في شأن عمرو بن حريث "(١) فجابر هنا نسب الاستمتاع إلى مجموع الصحابة في عهد الرسول وأبي بكر وعمر، ولو كان هناك ناسخ لما فعلوه بعد النبي، ولو قلنا بوجود النسخ فهذا أدهى، ومعناه أنَّ الصحابة مارسوا محرما بعد النبي.

عن أبي نضرة قال: " كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين فقال جابر: فعلناهما مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما "(٢) .

فالنهي عن نكاح المتعة كان من عمر، وأنت أيها القارئ " إذا نظرت إلى قوله - أي جابر - تمتعنا واستمتعنا، وكنا نستمتع تجده ظاهرا في نسبة فعلهم أيام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر إلى عموم الصحابة لا إلى نفسه بالخصوص، ولو كان ثمَّة ناسخٌ، ما فعلوها بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ولا يجوز أن يخفى الناسخ عليهم مع ملازمتهم للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حضره وسفرهِ، ليلا ونهاراً، وكيف يخفى عليهم ثم يظهر للمتأخرين عنهم "(٣) .

فعمر هو الذي نهى عن نكاح المتعة. ورد عنه قوله: " متعتان كانتا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة الحج ومتعة النساء " وذكر ابن القيم أنَّ هذا القول ثابت عن عمر(٤) .

____________

١ - صحيح مسلم: كتاب النكاح، باب نكاح المتعة.

٢ - صحيح مسلم: كتاب النكاح، باب نكاح المتعة.

٣ - الفصول المهمة في تأليف الأمة، شرف الدين: ص ٦٩.

٤ - زاد المعاد: ابن القيم، ٣/٤٦٣. المغني: ابن قدامة، ٧/٥٢٧. والمحلى: ابن حزم، ٧/١٠٧.

تفسير الرازي: ٤/٤٣ - ٤٤. كنز العمال: ٨/٢٩٣ - ٢٩٤. معاني الآثار الطحاوي، مناسك الحج:

٣٧٤. أحكام القرآن: الجصاص، ١/٢٧٩. بداية المجتهد، ابن رشد: ١/٣٤٦، باب القول في التمتع.

شرح النهج: ٣/١٦٧ البيان والتبيين، الجاحظ: ٢/٢٢٣. وانظر معالم المدرستين: ٢/٣٤٢.

موسوعة فقه عمر بن الخطاب، محمد رواس قلعه جي: ٧٦٦ نقلا عن سنن البيهقي: ٧/٢٠٦، ومصنف ابن أبي شيبة: ١/٢٢٢.


وقال ابن عباس: " رحم الله عمر ما كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم الله بها أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شقي "(١) .

وعن الحكم أنه سئل عن هذه الآية( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) أمنسوخة؟ قال: لا. وقال علي: " لولا أنَّ عمر نهى الناس عن المتعة ما زنى إلا شقي "(٢) .

وأخرج الطبري عن عروة بن الزبير أنه قال لابن عباس: " أهلكت الناس. قال:

وما ذاك؟ قال: تفتيهم في المتعتين، وقد علمت أنَّ أبا بكر وعمر نهيا عنهما؟ فقال:

ألا للعجب إني أحدِّثه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويحدثني عن أبي بكر وعمر. فقال: هما كانا أعلم بسنة رسول الله، واتبع لها منك "(٣) .

ونقل الرازي في تفسيره عن عمران بن حصين قال: " إن الله أنزل في المتعة آية، وما نسخها بآية أخرى، وأمرنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمتعة، وما نهانا عنها، ثم قال رجل برأيه ما شاء، يريد عمر نهى عنها "(٤) .

هذا غيض من فيض النصوص التي تؤكد حلية نكاح المتعة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعدم نسخها. ويحتج أهل السنة لنسخ آية المتعة بقوله تعالى( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) (٥) .

وأقل ما يقال عن هذه الآية: إنها مكية بالاتفاق وآية المتعة مدنية ولا ينسخ

____________

١ - أحكام القرآن، الجصاص: ٢/١٤٧. تفسير السيوطي: ٢/١٤١. النهاية، ابن الأثير: ٢/٢٢٩. بداية المجتهد: ٢/٦٣. لسان العرب: ١٤/٦٦. تاج العروس: ١٠/١٠٠. الفايق، الزمخشري: ١/٣٣١.

٢ - تفسير الطبري: ٥/٩. تفسير الرازي: ٤/٤١. تفسير أبي حيان: ٣/٢١٨. تفسير النيسابوري.

الدر المنثور: ٢/١٤.

٣ - كنز العمال: ٨/٣٩٣. مرآة الزمان، السبط الحنفي: ص ٩٩، وانظر مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠/٢٥١.

٤ - تفسير الرازي: ٤/٤٤، وراجع مسند أحمد: ٤/٤٣٦.

٥ - المؤمنون: ٥ - ٦.


المكي المدني، أما أحاديث النسخ فهي أحاديث آحاد، ولا ينسخ الآحاد القرآن، بالاضافة إلى أنَّ أحاديث النسخ التي يحتج بها أهل السنة يعارضها ما أوردنا من روايات تثبت أنَّ النهي عن المتعة كان من عمر.

وقد بقي قسم من السلف على القول بحلية نكاح المتعة. قال ابن حزم: " وقد ثبت على تحليلها بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جماعة من السلف(١) منهم من الصحابة: أسماء بنت أبي بكر وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن حريث، وأبو سعيد الخدري، وسلمة ومعبد ابنا أمية بن خلف، ورواه جابر عن جميع الصحابة مدة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومدة أبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر.

ثم قال: وعن عمر بن الخطاب أنه إنما أنكرها إذ لم يشهد عليها عدلان فقط وأباحها بشهادة عدلين.

ثم قال: ومن التابعين: طاووس وعطاء وسعيد بن جبير وسائر فقهاء مكة اعزها الله "(٢) .

وروى القرطبي في تفسيره: " انه لم يرخص في نكاح المتعة إلا عمران بن حصين وبعض الصحابة وطائفة من أهل البيت، وقال: قال أبو عمر: أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلالا على مذهب ابن عباس "(٣) .

وفي المغني لابن قدامة الحنبلي: " حكي عن ابن عباس انها جائزة، وعليه أكثر أصحاب عطاء وطاووس، وبه قال ابن جريح، وحكي ذلك عن أبي سعيد الخدري وجابر، وإليه ذهب الشيعة لأنه قد ثبت أنَّ النبي أذن فيها "(٤) .

وهذا يكفي في إثبات عدم نسخ هذا النكاح، بشهادة السلف أنفسهم كما مر فلو

____________

١ - المحلى: ٩/٥١٩ - ٥٢٠ المسألة ١٨٥٤.

٢ - ٥/١٣٣.

٣ - ٧/١٥٧١، وانظر معالم المدرستين: ٢/٢٥٤.


كان هناك ناسخ، لعلمه الصحابة، كما علموا النواسخ في أحكام أخرى فهذا علي وابن عباس وجابر وعمران وابن مسعود وغيرهم الكثير بقوا على حليتها، فمحال ان لا يعلموا الناسخ، لو وجد، ومن المحال أن يعلموا به، ولا يلتفتوا إليه. إذن فليس هناك ناسخ(١) .

نعم، لقد أنزل الله في كتابه آية في المتعة، ومات النبي ولم تنسخ، وبقي الصحابة يمارسون هذا النكاح، كما سبق، حتى نهاهم عمر عن ذلك. ومن المعلوم أنه لا نسخ للأحكام بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فالأحكام استقرت كما هي عليه حتى قيام الساعة.

فليس من حق أحد أن يلغي حكما شرعيا، لمصلحة يراها. إنَّ الله حين شرع هذا النكاح كان يعلم بأن هناك أمورا كثيرة ستحدث، ولم يقل بإلغاء حكم شرعي تبعا لمصلحة ما، فكيف يقوم عمر بإلغاء حكم شرعي، ويعاقب عليه، وقد رخص الله فيه؟

أليس هذا تحريم الحلال؟! فعمر لم يسلم للنص، بل تأوله وخرج عليه دون مسوِّغ شرعي.

____________

١ - قد يستنكر البعض هذا النكاح ويحملون عليه ولكن من اطلع على فلسفة تشريعه فلن يبقى في نفسه شئٌ، فإنَّ للإنسان شهوتين: شهوة البطن، وشهوة الفرج. والله حين خلق هاتين الشهوتين وضع السبيل للسيطرة عليهما، فشهوة البطن جعل لها الطعام والشراب، وشهوة الفرج جعل لها الزواج. فمن لا يستطيع الزواج الدائم كالمسافر فماذا يفعل؟ لقد شرع الله حلا آخر له وهو الزواج المؤقت. ومعلوم أنَّ شهوة البطن أقل خطرا من شهوة الفرج ومع ذلك جعل الله سبيلا لإطفاء نار هذه الشهوة في كل لحظة، وهو الطعام، وبما أن شهوة الفرج، أخطر من شهوة البطن، فمن المحال ان يهملها الله فيعنى بالمهم - شهوة البطن - ويترك الأهم - شهوة الفرج - وقد ذهب شيخ الأزهر أحمد الباقوري إلى أن إباحة نكاح المتعة يحل مشكلات الجنس عند الشباب، بخاصة شباب المسلمين عندما يتغربون. ذكر ذلك الأستاذ محمد بلتاجي، ومن أراد الاطلاع على فلسفة تشريع هذا النكاح، فعليه بكتاب الفكيكي (المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي)، وهناك بحث رائع لمحمد تقي الحكيم عن المتعة في كتابه (سنة أهل البيت ومواضع أخرى) فليراجع.


صلاة التراويح

روى الترمذي (وحسنه) وابن ماجه عن عمرو بن حريث المؤني: أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لبلال بن الحارث: " اعلم يا بلال ": قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: إنه من أحيا سنةً من سنتي قد اميتت بعدي، فإن له من الأجر مثل من عمل بها، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا. ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله، كان عليه مثل آثام من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا "(١) .

أخرج البخاري عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون... فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب (قال): ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه(٢) .

قال القسطلاني في شرح كلمة عمر الأخيرة: " سماها بدعة، لأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يسن لهم، ولا كانت في زمن الصديقرضي‌الله‌عنه ، ولا أول الليل، ولا هذا العدد... "(٣) .

هذه قضية أخرى وقف الصحابة بها ضد النص. فالسنة التي تركهم عليها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واضحةٌ لا مجال للاجتهاد فيها، ولكن الصحابة لم يلتزموا بالسنة التي تركهم عليها النبي، بل غيروها. والعجب في أن أهل السنة تركوا سنة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كيفية إحياء ليالي رمضان واتبعوا سنة عمر! فكيف يقول أهل السنة عن أنفسهم بأنهم أهل السنة وقد تركوا سنة الرسول؟!! فإلى أين؟ إلى أين؟ لم لا تتبع سنة الرسول

____________

١ - سنن الترمذي: ٥/٤٤.

٢ - كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان.

٣ - إرشاد الساري: ٥/٤.


التي ترك الناس عليها؟! أم أن تشريع عمر أمثل من تشريع الله؟ إنَّ عمر نفسه اعتقد بذلك. ألا ترى قوله: " لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد كان أمثل "؟! فتشريعه هذا أمثل من تشريع الله، وأهل السنة اعتقدوا بذلك حين اتبعوا تشريع عمر هذا.

الطلاق الثلاث

كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوقع الطلاق الثلاث في مجلس واحد، طلقةً واحدة. فعن ابن عباس قال: " طلَّق ركانة زوجته ثلاثا في مجلس واحدٍ، فحزن عليها حزنا شديداً، فسأله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " كيف طلَّقتها "؟ قال ثلاثا. قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " في مجلس واحد "؟

قال: نعم. قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " فإنما تلك واحدةٌ، فارجعها إن شئت "(١) .

واستمر الأمر هكذا على عهد الرسول واستقر على هذا التشريع، ولكن عمر، في عهده، جعل طلاق الثلاث بلفظ واحد، ثلاث طلقات.

عن ابن عباس قال: " كان الطلاق على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدةٌ فقال عمر بن الخطاب: إنَّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كان لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم "(٢) .

هذه قضية أخرى لم يسلم عمر فيها للنص، فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال " إنما تلك واحدة "، وعمر جعلها ثلاثا. وجمهور أهل السنة، ومنهم الأئمة الأربعة، اتبعوا قول عمر، خلافا للرسول. ولكن هل يرضي هذا العمل رسول الله؟ يجيبنا عن ذلك رسول الله نفسه. جاء في سنن النسائي بالإسناد إلى محمود بن لبيد قال: " أخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا. فقامصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غضبانا، ثم قال: " أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم "؟ حتى قام رجل وقال: يا رسول الله ألا أقتله "(٣) .

____________

١ - مجلة المنار، رشيد رضا نقلا عن البيهقي وأخرج الحديث ابن إسحاق في سيرته: ٢/١٩١.

٢ - صحيح مسلم (كتاب الطلاق) باب طلاق الثلاث.

٣ - سنن النسائي بشرح الحافظ السيوطي وحاشية الإمام السندي المجلد الثالث: ٦/١٤٢.


قال السيوطي في شرحه للحديث: " وظاهر الحديث التحريم والجمهور على أنه إذا جمع بين الثلاث يقع الثلاث، ولا عبرة بخلاف ذلك عندهم أصلا "(١) .

إنَّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحديث السابق جعل الطلاق الثلاث - بإنشاء واحد - لعبا بكتاب الله كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وغضب لذلك. فبِماذا - يا ترى - يوصف فعل عمر المذكور؟!

الصلاة خير من النوم

هذه العبارة التي تسمع كل يوم في أذان الفجر، لم تكن في الأذان الذي جاء به الإسلام، ومات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأذان كما هو، حتى جاء عمر وأضافها إليه.

أخرج مالك في موطئه: " أنَّ المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه بصلاة الصبح، فوجده نائما. فقال: الصلاة خير من النوم، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح "(٢) .

ليت شعري ماذا حل بالإسلام بعد رسول الله؟ هذا يزيد عليه، وذاك ينقص منه ويغير، وآخر يلغي حكما... ولماذا يفعلون هذا؟ أفترك الله تشريعاته ناقصة فاستدرك هؤلاء عليه؟ أم أنَّ التشريع الإسلامي يصلح لزمن دون زمن ومكان دون آخر؟ حاشا للإسلام العظيم من هذا الخلط. بل هذا من صفات القانون البشري. أما تشريعات السماء فهي كاملة لا تحتاج إلى معدل ولا مبدل.

يقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ " والصحابة في قضية الأذان، أحدثوا به في الإسلام ما ليس منه، فهو رد، ولكنا نرى أهل السنة مع ما يدعون من الالتزام بسنة الرسول، وعدم تجاوز النص أراهم، قد خرجوا على النص وأضافوا عليه ما لم ينزل الله به من سلطان، فقرنوا قول عمر بقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإلاّ لو كانوا حقّاً أتباع النص لما رضوا بهذه الزيادة، فأين أهل السنة من السنة؟!

____________

١ - سنن النسائي بشرح السيوطي: ٦/١٤٣.

٢ - ١/٢٥ وأخرجه الدارقطني كما قال الزرقاني في شرحه على الموطأ كما أخرجه ابن أبي شيبة.


عمر ينهى النبي...!!

أخرج البخاري بسنده إلى عبد الله بن عمر قال: " لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا رسول الله إعطني قميصك اكفنه فيه، وصل عليه واستغفر له، فأعطاه قميصه وقال له: إذا فرغت منه فآذنا، فلما فرغ منه آذنه به، فجاء ليصلي عليه، فجذبه عمر فقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟! فقال:

( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّـهُ لَهُمْ ) (١) ؟ (قال ابن عمر) فنزلت( وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ) (٢) فترك الصلاة عليهم "(٣) .

وهذه حادثة قدم فيها عمر قوله بين يدي الرسول بأبشع صورة. وكأنه أعلم منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقرآن الذي نزل عليه! أو كأنه شريك له في رسالته؟! لكن رسول الله لم يأخذ بكلامه وصلى على ابن أبي(٤) .

وقد كان عمر يقول معترفا بخطئه: " أصبت في الإسلام هفوة، ما أصبت مثلها قط، أراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يصلي على عبد الله بن أبي، فأخذت بثوبه فقلت له: والله ما أمرك الله بهذا لقد قال الله لك:اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ... "(٥) .

فهذا اجتهاد من عمر، أمام السنة الفعلية، فهو لم يسلم للنص، بل اعترض عليه بكل خشونة. فهل هذا اتباع للسنة؟!!

____________

١ - التوبة: ٨٠.

٢ - التوبة: ٨٤.

٣ - كتاب اللباس، باب لبس القميص.

٤ - راجع صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر، مسند أحمد: ٢/١٨.

٥ - أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الشعبي، انظر كنز العمال المطبوع بهامش المسند حديث رقم ٤٤٠٤ والنص والاجتهاد: ص ١٧٧.


( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (١) .

عمر ينهى النبي ثانيةً!!

أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا هريرة أن يؤذن بالناس، من لقي الله(٢) بالتوحيد مطمئنا به قلبه فله الجنة. حيث قال له: " إذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة ". فكان أول من لقيه عمر فسأله عن شأنه، فأخبره بما أمره به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال أبو هريرة - كما جاء في صحيح مسلم - " فضرب عمر بيده بين ثديي فخررت لاستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة. فرجعت إلى رسول الله فأجهشت بكاء، وركبني عمر فإذا هو على أثري. فقال لي رسول الله: " مالك يا أبا هريرة "؟ قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به فضرب بين ثديي ضربة خررت لاستي قال: ارجع. فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " يا عمر ما حملك على ما فعلت؟

قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه يبشَّره بالجنة؟ قال: " نعم ". قال: فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلِّهم يعملون، قال رسول الله: " فخلِّهم "(٣) .

وهذه حادثةٌ أخرى يعترض فيها عمر على النص ويقدم رأيه عليه. والعجب من قول عمر للرسول " لا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها ".

فلا أدري هل كان عمر مستشارا خاصا للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! أم كان شريكا له في نبوته؟! وبأي حق يعترض على فعل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ وهل خفي على سيد الخلقصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفطن عمر لما في عواقب التبشير، إن كانت له عواقب؟!

____________

١ - النساء: ٦٥.

٢ - صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا.


وها نحن الآن علمنا قول النبي من قال لا إله إلا الله... دخل الجنة، فلماذا لانتكل عليها؟! ألأننا أكثر إيمانا من الصحابة؟ لا أعتقد أنَّ أهل السنة يرضون بهذا. إذن، لماذا إذا سمع الصحابة ببشارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اتكلوا عليها وإذا سمعنا نحن لم نتكل عليها؟!! فهل هناك جواب؟

والأدهى ما نسب للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من موافقته لعمر وقوله: " فخلهم " فهذه العبارة نسبت للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حفاظا على كرامة عمر. وحاشا للنبي أن يرجع بكلامه، فكلامه كلام الله( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ) (١) ( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ) (٢) ( وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) (٣) وبما أن كلام النبي هو تعبير عن كلام الله، فلا يصح إرجاعه وتبديله لقول الله تعالى:( مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ) (٤) .

ولطالما بشر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الناس بأن من شهد الشهادتين، دخل الجنة. أخرج البخاري عن أبي ذر الغفاريرضي‌الله‌عنه قال: أتيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: " ما من عبد قال لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة "(٥) .

وقد كرر النبي هذه البشارة على مسامع الصحابة، ومنهم: عمر وعثمان ومعاذ وعبادة بن الصامت وغيرهم(٦) .

فكيف يقتنع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتبليغ هذه البشارة وهو يعرف أنها مدعاة للاتكال عليها، ثم يقوم بتبليغها.

____________

١ - النجم: ٣.

٢ - يونس: ١٥.

٣ - سورة ص: ٨٦.

٤ - سورة ق: ٢٩.

٥ - صحيح البخاري: كتاب اللباس، باب الثياب البيض.

٦ - راجع صحيح مسلم في باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة، النص والاجتهاد: ١٨٠.


عثمان وعائشة اجتهدا أمام النص

وشارك عثمان وعائشة بقية الصحابة في الخروج على النص المحكم، فهما كانا يتِّمان الصلاة في السفر، بالرغم من أنَّ سنة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها بالقصر.

أخرج مسلم عن ابن عمر قال: " صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمنى ركعتين. وأبو بكر بعده وعمر بعد أبي بكر وعثمان صدرا من خلافته، ثم إنَّ عثمان صلى بعدُ أربعاً، فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعا. وإذا صلاها وحده صلى ركعتين "(١) .

وأخرج الشيخان عن عبد الرحمن بن يزيد أنه قال: " صلى بنا عثمان بن عفان بمنى أربع ركعات، فقيل لعبدالله بن مسعود، فاسترجع ثم قال: صليت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر ركعتين، وصليت مع عمر بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان "(٢) .

وأخرج مسلم عن الزهري عن عائشة: " أنَّ الصلاة أول ما فرضت ركعتين.

قالت عائشة: فأقرَّت صلاة السفر، وأتمَّت صلاة الحضر. قال الزهري: فقلت لعروة:

ما بال عائشة تتم في السفر. قال: إنها تأولت كما تأول عثمان "(٣) .

إنَّ عثمان وعائشة خالفا سنة الرسول في صلاة السفر، فهما لم يسلما للنص. وليت شعري أين ذهب قول الله( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (٤) ؟ أم أين ذهب قول الرسول: " فمن رغب عن سنتي فليس مني "(٥) وكيف يمكن عد عثمان وعائشة من أتباع المدرسة النصية وقد خرجا على النص المحكم دون مسوغ شرعي؟! ننتظر الجواب.

____________

١ - صحيح مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب قصر الصلاة بمنى.

٢ - راجع النص والاجتهاد: ص ٢٨٦.

٣ - صحيح مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها.

٤ - الأحزاب: ٢١.

٥ - صحيح البخاري: كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح.


معاوية أيضاً

وما أكثر اجتهاداته أمام النصوص وخروجه عليها. فهو أول من ترك التلبية في الحج.. أخرج النسائي والبيهقي من طريق سعيد بن جبير قال: " كنت مع ابن عباس بعرفات فقال: ما لي لا أسمع الناس يلبون؟ قلت: يخافون معاوية(١) فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال: لبيك اللهم لبيك لبيك، فإنهم قد تركوا السنة من بغض علي "(٢) .

قال السندي في تعليقه على سنن النسائي: " من بغض علي أي لأجل بغضه أي هو كان يتقيَّد بالسنن فهؤلاء تركوها بغضاً له "(٣) . إنَّ معاوية قد خرج على النص دون مسوِّغ، وخالف سنة النبي في التلبية(٤) وحمل الناس على مخالفتها حتى اضطر ابن عباس إلى لعنهم. وقال ابن حزم: " كان معاوية ينهى عن ذلك " أي التلبية(٥) .

قال ابن حزم: " لايقطع التلبية إلا مع آخر حصاة من جمرة العقبة "(٦) ، وقال ابن حجر: " وباستمرارها - أي التلبية - قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق وأتباعهم "(٧) .

لقد ترك معاوية سنة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذه، فما هو حكم من يترك سنة الرسول؟

ويبدو أنَّ شيعة معاوية يتوجسون مني خيفة فليذروني، فلن أحكم عليه أنا، بل النص

____________

١ - عجبا من أهل القرون الأولى - وهم كما يقال خير القرون - يتركون التلبية خوفا من معاوية ولا يخافون من رب معاوية!!

٢ - سنن النسائي بشرح السيوطي: ٥/٢٥٣. البيهقي: ٥/١١٣. مسند أحمد: ١/٢١٧.

٣ - إن التاريخ يعيد نفسه فكما ترك معاوية السنة خلافا لعلي فعل أهل السنة وتركوا السنة خلافا للشيعة، والشيعة تمسكوا بالسنة تبعا لعلي.

٤ - راجع مثلا سنن الترمذي: ٣/١٨٧.

٥ - المحلى: ٧/١٣٦.

٦ - المحلى: ٧/١٣٥.

٧ - فتح الباري: ٣/٤١٩.


الذي ينادون بالرجوع إليه، هو الحاكم.

روى الحاكم والطبراني وابن حبان عن عائشة أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " ستة لعنتهم ولعنهم الله... والتارك لسنتي "(١) . فمن كان في نفسه شئ علينا فليراجع النبي إن استطاع، وإلاّ فليسلم للنص.

ومعاوية أوَّل من أحدث الأذان في العيدين. قال ابن حجر: " اختلف في أول من أحدث الأذان فيها. فروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عن سعيد بن المسيَّب أنه معاوية، وروى الشافعي عن الثقة عن الزهري مثله "(٢) .

قال مالك في الموطأ " حدثني يحيى عن مالك أنه سمع غير واحد من علمائهم يقول: لم يكن في عيد الفطر ولا في الأضحى نداءٌ، ولا إقامة منذ زمان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى اليوم قال مالك: وتلك السنة لا اختلاف فيها عندنا "(٣) .

يقول الشوكاني: " أحاديث الباب تدل على عدم شرعية الأذان والإقامة في صلاة العيدين، قال العراقي: وعليه عمل العلماء كافة، وقال ابن قُدامة في المغني: ولا نعلم في هذا خلافا ممن يعتد بخلافه "(٤) .

وأقام معاوية صلاة الجمعة وقت الضحى(٥) ووقتها في شريعة الله عند الزوال(٦) . وكان يحكم بجواز الجمع بين الأختين المملوكتين ويعترض عليه الناس فلا يبالي(٧) .

____________

١ - حجية السنة: ص ٣١٤.

٢ - فتح الباري: ٢/٣٦٢.

٣ - الموطأ: ١/١٧٧.

٤ - نيل الأوطار: ٣/٣٦٤.

٥ - فتح الباري: ٢/٣٠٩، وقد أقامها يوم الأربعاء في طريقه لصفين!

٦ - صحيح البخاري: كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس.

٧ - الدر المنثور ٢/١٣٧ وراجع الجزء الثامن من الغدير للأميني.


ومعاوية هو أول من قدم الخطبة على الصلاة في العيدين، وكان يحلل الربا، ويشرب الخمر، وسن سب الإمام عليعليه‌السلام على المنابر، وكان يقنت في صلاته بلعنه، وأمر الناس بلعنه(١) . ومعاوية هو أول من ترك التكبير. عن أبي هريرة: " إن أول من ترك التكبير معاوية "(٢) . وكان معاوية يتم الصلاة في السفر خلافا للسنة(٣) .

الحق إنني أعجب من هذه الاجتهادات المتعمدة. ويزداد عجبي ممن يصر على اعتقاده بعدالة معاوية. فما هو الإسلام عند معاوية؟ أهو دين أم طين يقلبه كيف يشاء؟!

وكيف يمكن عد معاوية من أتباع النص، وقد ضرب به عرض الجدار كما ورد ذكره في هذه القضايا.

إنَّ الله يقول لرسوله:( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) (٤) ( قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ) (٥) .

هذا خطاب الله لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومعاوية قد تقوَّل على الله ورسوله وغير وبدل وزاد ونقص، فما هو حكمه يا ترى؟ سل النص السابق ولا بد من التسليم له.

تعليق لا غنى عنه لكل باحث

لقد ثبت أنَّ  الصحابة تأوَّلوا نصوص الكتاب والسنة، وخرجوا عليها وزادوا فيها ونقصوا منها، وبعبارة أوفى: الصحابة لم يسلِّموا للنص المحكم الذي لا مجال للاجتهاد فيه.

____________

١ - راجع ما كتبناه عنه سابقا.

٢ - الطبراني ونيل الأوطار، أنظر: فتح الباري: ٢/٢١٥.

٣ - الطبراني وأحمد، أنظر الغدير: ١٠/١٩.

٤ - الحاقة: ٤٤ - ٤٦.

٥ - يونس: ١٥.


يقول الأستاذ الأزهري خالد محمد خالد: " ترك عمر بن الخطاب، النصوص الدينية المقدسة من القرآن والسنة، عندما دعته المصلحة لذلك، فبينما يقسم القرآن للمؤلفة قلوبهم حظّاً من الزكاة ويؤدّيه الرسول وأبو بكر، يأتي عمر فيقول لا نعطي على الإسلام شيئا، وبينما يجيز الرسول وأبو بكر بيع امهات الأولاد يأتي عمر فيحرم بيعهن، وبينما الطلاق الثلاث في مجلس واحد يقع واحدا بحكم السنة والإجماع، جاء عمر فترك السنة وحطَّم الإجماع "(١) .

إنَّ النصوص التي اجتهد في مخالفتها الصحابة تزيد على المائة وكلها من المحكمات التي لا مجال للاجتهاد فيها(٢) .

ونسأل الآن: هل يمكن عد من يقدم رأيه على النص المحكم ويتأوَّله من أتباع المدرسة النصيّة؟ الجواب واضحٌ، فالصحابة إذن ليسوا من أتباع النص، إذ لم يكونوا يسلمون له، خلافا لما يطبِّل له السلفية، فقول أهل السنة: نحن نتبع الكتاب والسنة ولا نخرج عن ظواهرهما، تبعا للسلف الصالح، قولٌ خاطئ، فالسلف الصالح كانوا يخرجون على ظواهر النصوص دون دليل. ولذلك، يصدق القول على السلفية بأنهم أهل التأويل والاجتهاد، تبعا للسلف الصالح لا أهل الكتاب والسنة، فأهل الكتاب والسنة لا يقدمون عليهما أقوال غيرهما، والسلفية قدموا قول الصحابة على قول الله ورسوله، كما في الأمثلة السابقة.

ربما، سيتولى أحدهم الرد على هذه الحقائق بالقول بعد أن انقبض وجهه واصطكت أسنانه وطار لبَّه أنَّ الصحابة اجمعوا على هذه الأمور ولم يخالف أحد منهم أوامر ونواهي الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم أعلم منا بالكتاب والسنة.

____________

١ - الديمقراطية: ص ١٥١.

٢ - راجع للاستزادة: النص والاجتهاد لشرف الدين والغدير للأميني وما كتبناه سابقا من مخالفات الصحابة للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


عجيب والله هذا الإجماع الذي يلغي ويزيد حكما ثابتا في الكتاب والسنة. ومن المتفق عليه أنه لانسخ بعد موت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وإذا اتفق الصحابة على جعل صلاة التراويح بهذه الكيفية، فصلاة الرسول خاطئة - والعياذ بالله - وإذا كان قول عمر في طلاق الثلاث صحيحا فالطلاق الذي جاء به الإسلام خاطئ - والعياذ بالله -.

إنَّ الاحتجاج بإجماع الصحابة على هذا الفعل مخالف لما قرر من أنَّ الحكم للنص وبه يقاس كل شئ، وأنا أجزم بأنَّ هناك من عارض هذه الاجتهادات من الصحابة ولكن لا رأي لمن لا يطاع.

وقد يأتي آخر ويقول: نحن قصدنا بالتسليم للنص هو التسليم للنص الذي يتناول العقائد كنصوص آيات الصفات مثلا.

مرحى مرحى:( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) (١) إن الكتاب والسنة كيانٌ واحدٌ، ولا فرق بين آيات العقيدة وآيات الأحكام، فكلها من عند الله، وتأويل نص تشريعي هو كتأويل نص عقيدي ولا فرق بينهما فهذا نص وهذا نص، ومن يفرق بينهما فليأتنا بدليله( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (٢) .

وإذا كان تأويل نص تشريعي دون مسوغ جائز عند السلفية، فلماذا يقيمون الدنيا ويقعدونها على فقهاء المذاهب الأربعة الذين يتأولون النصوص بما يوافق آراء أئمتهم؟! أحلال لكم وحرام على غيركم؟! فهلا فعلتم مع الصحابة الذين خرجوا على النصوص دون دليل، مثلما تفعلون مع فقهاء المذاهب؟!! وإذا كان الصحابة مجتهدين، فلماذا لا تجعلون فقهاء المذاهب مجتهدين؟!

وهل لنا أن نقف مع اجتهادات الصحابة السالفة لنرى ما موقعها عند الله ورسوله؟

نعم، لنجعل الحكم لكتاب الله وسنة نبيه، فهما القول الفصل وهذا ما ينادي به دعاة السلفية، ولكن ينبغي التسليم للنص مهما كان الحكم.

____________

١ - البقرة: ٨٥.

٢ - النمل: ٦٤.


لو أخذنا سهم المؤلفة قلوبهم، الذي أسقطه عمر ووافقه أبو بكر، لوجدناه فريضة بنص القرآن فالله قال في نهاية آية الزكاة( فَرِيضَةً مِّنَ اللَّـهِ ) نعم، فريضة أسقطها الصحابة، والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: " إن الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيِّعوها وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها... "(١) .

فالصحابة حين أسقطوا سهم المؤلفة قلوبهم... هل تركوا الحكم للنص.

ولو نظرنا في نكاح المتعة لوجدنا أن الله قد شرعه في محكم قرآنه، ومات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم ينسخ - ودون اثبات نسخه خرط القتاد - هذا النكاح، حرمه عمر. فعمر حرم الحلال، وحكم تحريم الحلال يعرفه كل مسلم!

ولو نظرنا في كيفية إحياء ليالي رمضان، لوجدنا الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد صلى النوافل منفردا واستقرت الشريعة على ذلك، وعمر والصحابة غيروا هذه السنة فجعلوها جماعة - خلافا للسنة - والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: " من رغب عن سنتي فليس مني ".

قال ابن حجر في تفسير الحديث: "... والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني "(٢) . إنَّ الصحابة تركوا اسلوب الرسول في كيفية صلاة نافلة رمضان واخذوا باسلوب عمر، والسلفية أخذوا باسلوب عمر، دون اسلوب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذن فهم والصحابة ليسوا من النبي.

فكيف يسمي السلفية أنفسهم بأهل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! فطالما رددوا هذا البيت من الشعر:

أهل الحديث هم أهل الرسول وإن

لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا

ليت شعري من يقول لنا كيف يكونون أهل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد تركوا اسلوبه وأخذوا باسلوب غيره؟!! كيف يكونون أهله والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لهم: لستم مني؟!!

____________

١ - مستدرك الحاكم: ٤/١١٥.

٢ - فتح الباري: ٩/٨٦.


عن عائشة أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " ستة لعنتهم ولعنهم الله... والتارك لسنتي "(١) هذا حكم الرسول.

هذا الاسلوب الذي اخترعه عمر - صلاة التراويح - بدعةٌ كما قال هو بنفسه.

والسلفية يمارسون هذه البدعة منذ أربعة عشر قرناً. وهم يحملون دائما على أصحاب البدع بالشتائم، وقد يخرجونهم من الدين. بالرغم من أنَّ عمر هو أول من ابتدع في الدين. فهو الذى قال: " نعم البدعة هذه " أفنكذب قوله بعد وروده في الصحاح؟!!

يقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : "... وشر الأمور محدثاتها، وكل محدث بدعةٌ، وكل بدعة ضلالةٌ، وكل ضلالة في النار "(٢) ، وقال: " إنَّ الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته "(٣) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ "(٤) .

قال شيخنا القيسي: " وصدق ابن تيمية إذ يقول: البدع بريد الكفر "(٥) .

ولا أدري هل يقبل السلفية أحكام الرسول السابقة على البدعة؟ وبما أنَّ صلاة التراويح بدعةٌ - حسب قول عمر - فهي تدخل إذن تحت هذه الأحكام.

وقال الألباني: " وإنَّ من عجائب الدنيا أن يحتج بعض الناس... على أنَّ في الدين بدعةٌ حسنة، وأنَّ الدليل على حسنها اعتياد المسلمين لها "(٦) اقرأ واعجب.

وقال ابن عمر: " كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة "(٧) .

____________

١ - سبق تخريجه.

٢ - قال أستاذنا القيسي: " أخرجه مسلم وأخرجه النسائي: (١/٢٣٤) معالم التوحيد: ص ٧٠.

٣ - قال القيسي: " صحيح أخرجه الطبراني والترمذي وهو في السلسلة رقم ١٦٢٠ ".

٤ - صحيح البخاري: كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود.

٥ - معالم التوحيد: ص ٧٣ عن مجموع الرسائل والمسائل: ٤/٢٥٠.

٦ - سلسلة الأحاديث الضعيفة: ٢/١٧ ح ٥٣٣.

٧ - قال القيسي: " أخرجه الدارمي بإسناد حسن، معالم التوحيد: ص ٧١، وقال مشهور حسن سلمان في تعليقه على كتاب: الأمن بالاتباع والنهي عن الابتداع: وسنده صحيح ص ٦٤.


ولا يجوز تأويل الكتاب والسنة بما يتوافق مع أعمال الرجال، لأنَّ هذا يوقع في اضطراب وضلال، حسب ما أفادنا به استاذنا السلفي قال: "... فإن من عدل عن الكتاب والسنة إلى غيرهما، أو أراد أن يجمع الكتاب والسنة مع غيرهما، وعند التعارض يؤول نصوص الكتاب والسنة لصالح المعتقدات... فإنَّ أمره لا بد ان ينتهي إلى الاضطراب والضلال "(١) .

وما دمنا نتكلم في صلاة التراويح فيحسن بنا ذكر هذه الشهادة لأستاذنا القيسي قال: " أما مظاهر إعراض أدعياء العلم والدين عن الكتاب والسنة فكثيرة أذكر منها:...

٤ - إدخال مفهوم البدعة الحسنة والسيئة في الإسلام مما أدى إلى تشويه صورة الإسلام الأصيلة وخلطه بمفاهيم غريبة. أليس ذلك إعراضا واضحا عن قوله عليه السلام " وكل بدعة ضلالة "؟!(٢) يقول ابن عباسرضي‌الله‌عنه : " أما تخافون أن تعذبوا أو يخسف بكم أن تقولوا قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقال فلان "(٣) ؟ وقال عبد الله بن مسعودرضي‌الله‌عنه : " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم "(٤) .

وقال الإمام مالك بن أنس: " من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أنَّ محمدا خان الرسالة، لأن الله يقول:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (٥) ، فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا "(٦) .

____________

١ - معالم التوحيد: ص ٦٥.

٢ - معالم التوحيد: ص ٦٦.

٣ - الدارمي في سننه: ١/١١٤. الإحكام، ابن حزم: ٢/١٤٨.

٤ - أخرجه الطبراني، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ١/١٨١ رجاله رجال الصحيح، راجع معالم التوحيد.

٥ - المائدة: ٣.

٦ - معالم التوحيد، أستاذنا القيسي: ص ٧٢.


إنَّ هذه والله لشهادةٌ خطيرة من الإمام مالك. ولا أدري ما موقف أهل السنة من بدعة التراويح بناءا على قول مالك هذا؟! اللهم إننا لا نأتي بشئ من عندنا.

وقال الإمام أحمد بن حنبل: " من ردَّ حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو على شفا هلكة "(١) .

إنَّ الصحابة ردوا من كتاب الله آية المؤلفة قلوبهم، وآية المتعة... وردوا سنة الرسول في طلاق الثلاث بمجلس واحد، ورد السلفية سنة الرسول في كيفية صلاة نافلة رمضان... فأين موقع قول الإمام أحمد من هذه الردود للنصوص؟!!

ويقول ابن تيمية: " فمن تعصب لواحد معين غير رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويرى أنَّ قوله هو الصواب الذي يجب اتباعه، دون الأئمة المتأخرين، فهو ضال جاهلٌ، بل قد يكون كافرا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل "(٢) .

لقد ترك السلفية، سنة الرسول في كيفية إحياء ليالي رمضان وفي المتعة والخمس والمؤلفة قلوبهم... فهل يا ترى ينطبق عليهم قول إمامهم الكبير؟!! لقد جنى ابن تيمية على نفسه وشيعته فضلا عن سلفه الذين رأوا أنَّ اجتهادات عمر أصوب وأمثل من تشريع السماء!!

وقال الشوكاني: " ولو فرضنا - والعياذ بالله - أنَّ عالما من علماء الإسلام يجعل قوله كقول الله تعالى أو قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لكان كافرا مرتدا، فضلا عن أن يجعل قوله أقدم من قول الله ورسوله - فإنا لله وإنا إليه راجعون "(٣) .

أجل، إنا لله وإنا إليه راجعون. إني أقف حائرا حين أقرأ تأويلات الصحابة وتقديم

____________

١ - المصدر السابق: ص ٧٣ من المناقب لابن الجوزي: ص ١٨٢.

٢ - مجموع فتاوى ابن تيمية: ٢٢/٢٤٨ - ٢٤٩.

٣ - القول المفيد: ص ٢٥.


أقوالهم على النص وأقارنها مع هذه الأقوال. فماذا يمكنني أن أقول؟ لقد أخرج الشوكاني سلفه الصالح من الإسلام، فهم قد جعلوا أقوالهم كقول الله ورسوله سواء(١) .

بل قدَّموها عليهما، وأصبحت أقوالهم سنة متبعة تبنى عليها الأحكام(٢) . ومن يغضبه هذا الكلام فعليه محاسبة الشوكاني، ومن خرج هذه التأويلات. فنحن لم نأت بشئ من مخيَّلتنا.

وقال صلاح الدين مقبول السلفي: " فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببا

____________

١ - أليست الامثلة التي ذكرناها من اجتهادات الصحابة خير دليل على أنَّ الصحابة جعلوا أقوالهم كقول الله والرسول؟! وتأمل برزية الخميس، ألم يجعل الصحابة بقيادة عمر قولهم بجنب قول الرسول؟! وألا ترى معي أنهم قدموا قولهم على قوله؟!

وماذا سيقول الشوكاني والسلفية في الأحكام التي أصدروها ضد كل من يقدم رأيه على النص؟! ما الخبر أيها المسلمون؟ ولماذا إذا وصل الأمر إلى الصحابة تتلعثمون؟ هذا كتاب الله وهذه سنة رسوله حكموهما في هذه الحادثة - رزية الخميس - لتقيموا موقف الصحابة، فطالما دعوتم للرجوع إلى الكتاب والسنة وقياس الرجال عليهما.

فبينوا لنا حكم الله ورسوله على موقف الصحابة هذا. إن لم تجرأوا، فلننتفع بشئ من إشارات ابن القيِّم، ففي قوله تعالى *( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ) * - الأحزاب ٣٦.

يقول ابن القيم أحد أعلام السلفية: " فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله، ومن تخيَّر بعد ذلك، فقد ضل ضلالا مبينا " إعلام الموقعين: ١/٥٧، والصحابة تخيروا، فانظر ماذا ترى؟!!

وفي قوله تعالى: *( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) *، سورة النساء: ٦٥ قال ابن القيم: " أقسم سبحانه بنفسه، على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم " إعلام الموقعين: ١/٥٧. لكن الصحابة لم يحكموا الرسول فيما شجر بينهم بل أخذوا يردون عليه وأكثروا اللغط حتى طردهم، فليفرح ابن القيم وشيعته

٢ - فالحنفية مثلا قالوا: إنَّ سهم المؤلفة قلوبهم قد سقط اعتمادا على فعل الصحابة.


لحبوط أعمالهم(١) ، فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياستهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه؟! أليس هذا أولى أن يكون محبطا لأعمالهم "(٢) .

بلى والله!! الحق إني أوافقك في هذا يا شيخ صلاح " إذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببا لحبوط أعمالهم، فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم...؟ ".

ليت شعري ماذا يقول هذا الشيخ ومن معه بسلفه الذين قدَّموا آراءهم وعقولهم على قول الله وقول رسوله؟! أيقول فيهم ما قاله هنا؟! اللهم اشهد..

وقال أستاذنا القيسي: " فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله(٣) ولرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

أي سلم لنصوص الكتاب والسنة ولم يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات، ولم يعارضهما برأيه وبما يوصله إليه عقله "(٤) .

لقد صدقت يا أستاذنا. فالحمدلله الذي أنقذنا ولم يجعلنا نتبع من عارضوا الكتاب والسنة بآرائهم وبذلك سلمنا في ديننا، نسأل الله الهداية للجميع.

أهل السنة يخالفون السنة

لقد تمرد الصحابة على النص ولم يسلموا له، وتبعهم أهل السنة في ذلك، فحرموا نكاح المتعة تبعا لعمر، واتبعوا طريقة عمر في صلاة نافلة رمضان - التراويح - خلافا للسنة...

اللهم إلا طلاق الثلاث في مجلس واحد، فقد جعلوه طلقةً واحدة تبعا لابن تيمية الذي أفتى بذلك. وأنا أشهد بأنهم اصابوا السنة في هذه.

____________

١ - يشير بهذا إلى قوله تعالى: *( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ) * سورة الحجرات: ٢، مع العلم بأنَّ هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر حين رفعوا أصواتهم فوق صوت النبي لقصةٍ معروفة حسبما روى لنا البخاري.

٢ - تقديمه لكتاب تحفة الأنام في العمل بحديث النبيعليه‌السلام : ص ١٠.

٣ - التحفة السنية في تهذيب شرح العقيدة الطحاوية: ص ٢٩.


ولكن تبقى مخالفاتهم كثيرة، وسنذكر بعض الأمثلة ليرى القراء الكرام صحة ما نقوله. ويجب ان نتذكر أنَّ الميزان هو كتاب الله وسنة رسوله لاغيرهما.

تكبيرات صلاة الجنازة

وهذه سنَّةٌ أخرى تركها أهل السنة فهم يكبِّرون على الجنازة أربعا بدلا من خمس تكبيرات كما جاءت السنة بها.

أخرج الإمام أحمد عن عبدالأعلى، قال: " صليت خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبر خمسا، فقام إليه أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى فأخذ بيده فقال: نسيت؟ قال:

لا، ولكن صليت خلف أبي القاسم خليليصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكبر خمسا فلا أتركها أبدا "(١) .

وأخرج الإمام أحمد من طريق يحيى بن عبد الله الجابر، قال: صليت خلف عيسى مولى لحذيفة بالمدائن على جنازة فكبر خمسا، ثم التفت إلينا فقال: ما وهمت ولا نسيت ولكن كبرت كما كبر مولاي وولي نعمتي حُذيفة بن اليمان، صلى على جنازة وكبَّر خمسا ثم التفت إلينا فقال: ما نسيت ولا وهمت ولكن كبَّرتُ كما كبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلى على جنازة فكبر خمسا "(٢) .

قال ابن القيم: " وصح عنه - أي النبي - أنه كبر خمسا "(٣) .

هذه هي سنة الرسول. خمس تكبيرات، فكيف ترك أهل السنة هذه السنة مع أنهم يتغنَّون بأنهم أهلها؟ وأنا أشهد بأنَّ السلفية نادوا كثيرا بالرجوع للكتاب والسنة، ولكن للأسف كانوا هم أول من خالفهما، وهذا دليل من عشرات الأدلة على ذلك.

____________

١ - مسند أحمد: ٤/٣٧٠، وذكر هذه السنة السيوطي في تاريخ الخلفاء حين ذكر وفاة عمر ٢٣ هـ‍ مطبوع بهامش تاريخ ابن الأثير، ابن الشحنة في روضة المناظر.

٢ - مسند أحمد: ٥/٤٠٦، ورواه الحافظ الذهبي في ترجمة يحيى بن عبد الله في ميزان الاعتدال برقم ٩٥٥٩، راجع النص والاجتهاد: ص ٢١٤. عمدة القاري: ٤/١٢٩.

٣ - زاد المعاد: ١/٥٠٧.


حي على خير العمل

هذه العبارة كانت في الأذان والإقامة اللذين جاء بهما التشريع الإسلامي، وقد يستغرب البعض من ذلك لأننا لا نسمعها. بلى، لانسمعها لأنه نهى عنها عمر بن الخطاب وتبعه أهل السنة في ذلك.

قال عمر وهو على المنبر: " ثلاث كن على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا أنهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن: متعة النساء، ومتعة الحج، وحي على خير العمل "(١) .

وكان ابن عمر وزين العابدين علي بن الحسينعليه‌السلام يقولان في الأذان بعد حي على الفلاح، حي على خير العمل(٢) .

إنهم يقتطعون من الأذان عبارة " حي على خير العمل " ويضيفون عبارةً ما أنزل الله بها من سلطان " الصلاة خيرٌ من النوم " فواحسرتاه على ما حلَّ بالإسلام!

الجمع بين الصلاتين

ونقصد به الجمع بين الصلاتين بالحضر وبدون عذر من سفر وخوف ومرض، فتجمع صلاة الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء، وصورة هذا الجمع مارسها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

أخرج البخاري عن ابن عباس قال: صلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبعا جميعا وثمانيا جميعا(٣) .

وفي صحيح مسلم بسنده إلى ابن عباس قال: " صلى بنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر "(٤) .

____________

١ - السيرة الحلبية: ٢/١١٠ باب بدء الأذان ومشروعيته.

٢ - المصدر السابق.

٣ - ١/١٤٥: باب وقت المغرب. مسند أحمد: ١/٢٢.

٤ - صحيح مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.


وروى مالك في موطأه عن نافع أنَّ عبد الله بن عمر قال: " كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أعجل به المسير يجمع بين المغرب والعشاء "(١) .

وروى مالك عن ابن عباس أنه قال: صلَّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر(٢) .

فهذه الروايات تدل بما لا يدع مجالا للشك فيه على أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يجمع الظهر والعصر معا والمغرب والعشاء معا بدون سبب.

وقد يقول قائلٌ: إنَّ فعل النبي هذا استثناء وليس تشريعا، نقول: إنَّ هذا الكلام لا دليل عليه وحبر الأمة ابن عباس أوضح الحكمة من الجمع، فقد أخرج مسلم عن ابن عباس قال: جمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر قال: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك قال: كي لا يحرج أمته "(٣) وفي رواية قال: " لئلا يكون على أمته حرج "(٤) . فعبارة ابن عباس هذه تدل على سبب الجمع وهو الترخيص للعباد ورفع الحرج عنهم. ولا يقال إنَّ هناك سببا خفي على ابن عباس، ولو كان لعلمه فهو أعرف منا بالرسول. وهل نترك اليقين ونأخذ بالظن؟!

وفي رواية عن ابن مسعود أوضح النبي الحكمة من الجمع حيث قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

" صنعت هذا - أي الجمع - لئلا تحرج أمتي "(٥) . وقد يقال إنَّ هذا الحكم منسوخٌ. قلنا لايوجد دليل على النسخ ولو وجد الناسخ لما جمع ابن عباس والسلف الصالح.

روى مسلم في صحيحه قال: خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت

____________

١ - ١/٢٦٠ وما بعدها من شرح الموطأ للزرقاني.

٢ - ١/٢٦٠ وما بعدها من شرح الموطأ للزرقاني..

٣ - صحيح مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.

٤ - سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الإمام السندي: ١/٢٩٠، وقال السيوطي في شرحه للحديث: " قوله (لئلا يكون على أمته حرج) أي لئلا يتحرج من يفعل ذلك من أمته ".

٥ - شرح الموطأ، الزرقاني: ١/٢٦٣، ورواه الطبراني، وهذه العلة مروية عن معاذ بن جبل.


الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أمَّ لك ثم قال:

رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء.

وفي رواية قال ابن عباس للرجل: " لا أم لك أتعلمنا بالصلاة وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(١) .

أخرج البخاري قال: " سمعت أبا أمامة يقول: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر فقلت: يا عم ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال العصر وهذه صلاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي كنا نصلي معه "(٢) .

إنَّ حبر الأمة ابن عباس يقول: " وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله " وأنس يقول: " هذه صلاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي كنا نصلي معه " فلا يبقى هناك حجةً للمعاندين ليرفضوه، فالنصوص قطعية الدلالة على الجمع بدون عذر ولا عبرة بأي تأويل لها إذ لا دليل عليه. نقل النووي عن الترمذي قوله في آخر كتابه: " ليس في كتابي حديث أجمعت الامة على ترك العمل به! إلا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر! "(٣) الحق أنَّ عجبي لا يكاد ينقضي من أهل السنة، فمع ورود الأحاديث الصحيحة في الجمع إلا أنهم يحرمون الجمع بين الصلاتين بدون سبب(٤) فانظر هداك الله إلى موقفهم من هذه السنة، وكيف ضيقوا على الناس ومنعوهم من الجمع.

____________

١ - ٢/١٥٣.

٢ - كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت العصر.

٣ - شرح النووي على مسلم: ١٥/٢١٨.

٤ - قال النووي في شرحه على مسلم ١٥/٢١٩: " وذهب جماعة من الأئمة الى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لايتخذه عادة " والتقييد هذا لادليل له، وقد واجهت أحد كبار المفتين في الأردن - في قاعة الدرس - بحديث ابن عباس فكان جوابه: لو نجمع لصرنا مثل الشيعة!.


ولا أدري لماذا يمنع علماء أهل السنة الناس من الجمع بين الفريضتين وقد فعل النبي ذلك؟!

وكيف يمنعون ما أجازه النبي؟ وأين التسليم لنصوص الكتاب والسنة وقد تركوا هذه السنة وحرموا العباد من يسرها؟!

كلام أئمة السنة في ترك السنة

وحتى يثبت لك أنَّ أهل السنة تركوا السنة فإليك بعض أقوال أئمتهم التي هي كالشمس عند الزوال في جواز ترك السنة بلا جدال.

يقول ابن تيمية: " ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعارا لهم - يقصد الشيعة - فإنه وإن لم يكن الترك واجبا لذلك لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم فلا تميز السني من الرافضي "(١) .

وقال الغزالي والماوردي: " إنَّ تسطيح القبور هو المشروع لكن لما جعله الرافضة شعارا لهم عدلنا إلى التسنيم "(٢) .

وقال الشيخ محمد بن عبد الرحمن الدمشقي في كتاب (رحمة الأمة في اختلاف الأئمة): " السنة في القبر التسطيح، وهو أولى على الراجح من مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: التسنيم أولى لأن التسطيح صار شعارا للشيعة "(٣) .

وقال الحافظ العراقي في بيان كيفية إسدال العمامة: فهل المشروع إرخاؤه من الجانب الأيسر كما هو المعتاد أو الأيمن لشرفه؟ لم أر ما يدل على تعيين الأيمن إلا في حديث ضعيف عند الطبراني، وبتقدير ثبوته فلعله كان يرخيها من الجانب الأيمن ثم

____________

١ - منهاج السنة: ٢/١٤٣.

٢ - الغدير: ١/٢١٠.

٣ - هامش الميزان، الشعراني: ١/٨٨.


يردها إلى الجانب الأيسر كما يفعله بعضهم، إلا أنه صار شعارا للإمامية فينبغي تجنبه لترك التشبه بهم "(١) .

وقال مصنف الهداية من الحنفية: " إنَّ المشروع، التختم في اليمين ولكن لما اتخذته الرافضة، جعلناه في اليسار "(٢) .

وقال الشيخ اسماعيل البروسوي عن يوم عاشوراء: " المستحب في ذلك اليوم فعل الخيرات من الصدقة والصوم والذكر وغيرهما، ولا ينبغي للمؤمن أن يتشبه بيزيد الملعون في بعض الأفعال، وبالشيعة والروافض والخوارج أيضا. يعني لا يجعل ذلك اليوم عيدا أو يوم مأتم، فمن اكتحل يوم عاشوراء فقد تشبه بيزيد الملعون وقومه، وإن كان للاكتحال في ذلك اليوم أصل صحيح، فإن ترك السنة سنةٌ، إذا كان شعارا لأهل البدع كالتختم باليمين، فإنه في الأصل سنة لكنه لما كان شعار أهل البدع والظلمة، صارت السنة أن يجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى في زماننا كما في شرح القهستاني ومن قرأ يوم عاشوراء وأوائل المحرم مقتل الحسينرضي‌الله‌عنه ، فقد تشبه بالروافض، خصوصا إذا كان بألفاظ مخلة بالتعظيم لأجل تحزين السامعين، وفي كراهية القهستاني: لو أراد ذكر الحسين ينبغي أن يذكر أولا مقتل سائر الصحابة لئلا يشابه الروافض "(٣) .

وقال ابن حجر العسقلاني: " تنبيه: اختلف في السلام على غير الأنبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحي، فقيل يشرع مطلقا. وقيل، بل تبعا لا يفرد لواحد لكونه شعارا للرافضة "(٤) ونقله النووي عن الشيخ أبي محمد الجويني.

____________

١ - شرح المواهب، الزرقاني: ٥/١٣.

٢ - الغدير، ج ١١.

٣ - تفسير روح البيان: ٤/١٤٢، ونقله عن عقد الدرر واللئالئ: في فضل الشهور والأيام والليالي لشهاب الدين أحمد بن أبي بكر الحموي، راجع الغدير: ١٠/٢١١.

٤ - فتح الباري: ١١/١٤٢.


وقال الزمخشري: " القياس جواز الصلاة على كل مؤمن لقوله تعالى:( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ) . وقوله تعالى:( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ) . وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

" اللهم صل على آل أبي أوفى ". ولكن للعلماء تفصيلا في ذلك وهو: إنها إن كانت على سبيل التبع كقولك صلى الله على النبي وآله فلا كلام فيها، وأما إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو فمكروهٌ، لأن ذلك شعار لذكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولأنه يؤدي إلى الاتهام بالرفض، وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم "(١) .

وقفة مهمة

لا يدري المرء ما يقول أمام هذه الأقوال، فكيف يسوغ المسلم لنفسه أن يفتي بترك سنة الرسول وتبديلها لوجود طائفة معينة اتبعت هذه السنة؟!

هذا شيخ الإسلام وذاك حجة الإسلام وآخر أمير المؤمنين في الحديث، أهكذا يكون أمناء الله على دينه؟! وهل يجوز ترك السنن لأن الشيعة اتبعت هذه السنن؟! إذن لماذا لا يذعنون للحقيقة التي تؤكد على أنَّ الشيعة هم أهل السنة؟!

إنَّ ابن تيمية قد جوز ترك بعض المستحبات، والغزالي والماوردي عدلا إلى تسنيم القبور، وآخر جعل الخاتم في يساره، وآخرون لا يرون الصلاة على أهل البيت بمفردهم، لأنه يؤدِّي ألى الاتهام بالرفض... وكل هذا منهم كان عنادا للشيعة الذين اتبعوا السنة بشهادتهم.

إنَّ أول من تختَّم باليسار هو معاوية بن أبي سفيان(٢) فلا أدري، مايقولون في حجته. فهل فعل ذلك خوفا من التشبه بالشيعة أم من عليعليه‌السلام ؟

____________

١ - تفسير الكشاف: ٢/٤٣٩.

٢ - ذكر ذلك الزمخشري في ربيع الأبرار.


وكيف يكون الإنسان من أهل السنة وقد تركها واستبدل بها ما يروق له؟ وكأن هذه السنن (باروكة) توضع على الرأس وترفع حسب المزاج!

قال تعالى:( وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) (١) هذا سيد الخلقصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يجيز الله له تغيير شئ ولا تبديله، وعلماء أهل السنة السالفون جوزوا لأنفسهم ما لم يجوزه الله لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !!

أنت ترى أخي المسلم أنَّ هؤلاء العلماء بأقوالهم هذه خرجوا على النص وقدموا آراءهم عليه.

النتيجة

لقد أثبتنا أنَّ كثيرا من الصحابة لم يكونوا يسلمون للنص كما يزعم السلفية وأنهم تركوا السنة وقدَّموا آراءهم على النص واجتهدوا فيما لا يجوز فيه الاجتهاد، وتبعهم السلفية في ذلك وشاركوهم في هذا المضمار، وهذا أمر أثبتناه بالأرقام والحروف ولا يستطيع أحدٌ أن يماري فيه.

ولهذا نجد أنَّ الدعامة الأساسية للفكر السلفي - التسليم للنص - هذه الدعامة لا وجود لها في واقع الأمر عندهم، وهم يعلمون هذا ولكنهم يصرون على ما يقولون.

أما أولئك الذين لم يكونوا على علم بهذه الحقائق ممن صلحت سرائرهم وأحبوا دينهم، فنسأل الله لهم الهداية إنه نعم المولى ونعم النصير.

____________

١ - يونس: ١٥.


مناقشة أدلة السلفية على صحّة منهجهم

ما أنا عليه وأصحابي:

يستدل السلفية على صحة مذهبهم بما يروون عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدةٌ في الجنة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟

قال: ما أنا عليه وأصحابي "(١) .

يصح هذا الحديث إذا عرفنا أنَّ الصحابة المقصودين في الحديث، هم الذين اتبعوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حياته وبعد مماته، ولم يبدلوا ويحدثوا. فهؤلاء ومن اتبعهم هم الفرقة الناجية، ولكن كيف نتمكن من معرفتهم بعد ما روى لنا البخاري أنَّ القسم الأكبر من الصحابة يساقون إلى النار ولا يبقى منهم إلا القليل؟!(٢) فحديث " ما أنا عليه وأصحابي " مخصص بحديث الحوض المتواتر. فبينوا لنا الصحابة الناجين من الصحابة الهالكين، حتى نتّبع الناجين ونسير على نهجهم. فعدم

____________

١ - قال أحمد سعد حمدان في هذا الحديث: " سنده ضعيف " فيه عبد الرحمن بن زياد وهو " ضعيف "، راجع:

التهذيب: ٦/١٧٣. شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ص ٨٠.

وقد وجدنا النبي في روايات أهل السنة يحدِّد الناجية: " بالجماعة " ومرة " بالسواد الأعظم " ولم يرتق من هذه الروايات حديث إلى درجة الصحة، راجع شرح أصول اعتقاد أهل السنة، تحقيق أحمد سعد حمدان: ص ٨٤ - ٩٢.

ولا يعني بالجماعة على افتراض صحة الروايات التي تحدد الناجية بالجماعة، الكثرة.

قال عمرو بن ميمون لعبدالله بن مسعود: أو كيف لنا بالجماعة؟! فقال: يا عمرو بن ميمون... إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك، المصدر السابق: ص ١٠٩.

٢ - راجع مبحث عدالة الصحابة.


إحرازنا معرفة الناجين من الصحابة يوجب علينا التوقف عن الأخذ عنهم.

ولكنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يخفى عليه هذا الإشكال فجعل لنا معياراً لمعرفة الصحابة المؤمنين - الناجين - فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " يا علي لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق " وقال: " حب علي إيمان وبغضه نفاق ".

فحب علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، علامة الإيمان والنجاة، فلينظر كل مسلم إلى محبي علي، ويتجنب أعداءه ومقاتليه!!

( وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)

" وإنما نجا من نجا، وينجو من هذه الأمة بسبب كونه على ما عليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا عبرة بكونه على ما عليه غيره كائنا من كان، وإن كان من أهل النجاة، لأنه أيضا إنما نجا بكونه على ما عليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فما معنى قوله وأصحابي؟ "(١) .

والصحابة اختلفوا فيما بينهم، بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإذا بكل واحد منهم له مذهبٌ ورؤى معينة، حتى صاروا أكثر من سبعين مذهبا. فهل مذاهبهم هذه، هي ما كان عليه النبي؟!

(إنَّ هذه تذكرة)

ومن يشاقق الرسول:

ويستدلون دائما بقول الله تعالى:( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (٢) .

قالوا: سبيل المؤمنين، هو سبيل الصحابة.

ونحن نقول: نعم، من يتَّبع غير سبيل الصحابة المؤمنين الثابتين الذين لم يبدِّلوا ولم يرتدّوا، فمصيره إلى جهنم وساءت مصيرا.

ولكن حدثنا البخاري أنه لا يبقى من الصحابة مع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ مثل همل النعم.

____________

١ - لطف الله الصافي، لمحات في الكتاب والمذهب.

٢ - النساء: ١١٥.


فكيف يمكن لنا أن نفرز الصحابة المؤمنين من الصحابة الهالكين؟! فالإشكال في الدليل السابق يرد على هذا الدليل، فعدم إحرازنا الصحابة الناجين، يوجب علينا التوقف عن اتّباعهم، ولكن كما قلنا نستطيع أن نحرز المؤمنين ونميّزهم عن غيرهم، وهم الذين وقفوا مع عليعليه‌السلام وأحبّوه. وكفى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي تكفَّل بإعطائنا الحل حكما، ومن الذي يرفض كلام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

ولكي يلجأ المسلم إلى ركن وثيق، فعليه أن يتَّبع أقوال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جعل عليِّ فاصلا بين المؤمنين وغيرهم، ويريح نفسه من التأويلات!

خلاصة الأبحاث السابقة

نستطيع أن نقول اعتمادا على ماسبق: إنَّ هذا المنهج - منهج أهل السنة والجماعة - ليس هو المنظومة الإلهية التي وضعها الله بعد نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكثرة الثغرات التي فيه والإشكالات التي تعرَّض لها تخرجه عن كونه أطروحة الإسلام الصحيحة.

فلقد قلنا في بداية الكتاب، إنَّ الأطروحة الإلهية كاملة لا نقص بها ولا إشكالات واقعية ولا مطبات، وما مر عليك خير دليل على احتواء هذا المنهج لهذه السلبيات.

فاكمل معنا مشوارك - قارئي العزيز - لنرى بوّابة الإسلام الصحيحة التي رسمها الله لنا فنطرقها وندخل منها إلى سماء الإسلام الذي نزل على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (١) .

( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (٢) .

( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّـهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ ) (٣) .

( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) .

____________

١ - الجاثية: ٨.

٢ - هود: ١١٢.

٣ - الرعد: ٣٧.


الباب الثالث

مدرسة آل البيتعليهم‌السلام

الفصل الأول

شهادات



الإمام الأكبر شيخ الأزهر محمود شلتوت:

" إنَّ مذهب الجعفرية، المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية، مذهبٌ يجوز التعبد به شرعا، كسائر مذاهب أهل السنة "(١) .

شيخ الأزهر الدكتور محمد محمد الفحّام:

" الشيخ محمود شلتوت، أنا كنت من المعجبين به وبخلقه وعلمه وسعة اطلاعه وتمكنه من اللغة العربية وتفسير القرآن ومن دراسته لأصول الفقه، وقد أفتى بذلك - أي جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية - فلا أشك أنه أفتى فتوى مبنيّةٌ على أساس في اعتقادي "(٢) " ورحم الله الشيخ شلتوت الذي التفت إلى هذا المعنى الكريم، فخلَّد في فتواه الصريحة الشجاعة، حيث قال ما مضمونه: بجواز العمل بمذهب الشيعة الإمامية "(٣) .

الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي:

" وأعتقد أنّ فتوى الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت، قطعت شوطا واسعا في هذا السبيل، واستئناف لجهد المخلصين من أهل السلطة وأهل العلم جميعا، وتكذيب لما

____________

١ - إسلامنا للرافعي: ص ٥٩ ونشرت في مجلة رسالة الإسلام التي تصدر في مصر.

٢ - سبيل الوحدة الإسلامية، الرضوي: ص ٨.

٣ - إسلامنا: ٥٩.


يتوقعه المستشرقون، من أنَّ الأحقاد سوف تأكل الأمة، قبل أن تلتقي صفوفها تحت راية واحدة... وهذه الفتوى في نظري، بداية الطريق وأول العمل ".

" إنَّ الشيعة يؤمنون برسالة محمد، ويرون شرف علي في انتمائه إلى هذا الرسول، وفي استمساكه بسنته، وهم كسائر المسلمين، لا يرون بشرا في الأولين ولا في الآخرين أعظم من الصادق الأمين "(١) .

" ولم تنج العقائد من عقبى الاضطراب الذي أصاب سياسة الحكم، ذلك أنَّ شهوات الاستعلاء والاستئثار، اقحمت فيها ما ليس منها، فإذا المسلمون قسمان كبيران شيعة وسنة، مع أنَّ الفريقين يؤمنان بالله وحده وبرسالة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا يزيد أحدهما على الآخر في استجماع عناصر العقائد التي يصلح بها الدين وتلتمس النجاة "(٢) .

عبد الرحمن النجار مدير المساجد بالقاهرة:

" فتوى الشيخ شلتوت نفتي بها الآن حينما نسأل بلا تقييد بالمذاهب الأربعة والشيخ شلتوت إمامٌ مجتهدٌ رأيه صادف عين الحقّ. لماذا نقتصر في تفكيرنا وفتاوانا على مذاهب معينة وكلهم مجتهدون "(٣) .

الدكتور مصطفى الرافعي:

" هما المذهبان - يقصد الإمامية والزيدية - الوحيدان من مذاهب الشيعة اللذان يلتقيان مع مذاهب أهل السنة ويصح التعبد وفق أحكامهما ".

" ولست أرى ما يمنع من اعتماد المذهب الجعفري، إلى جانب المذاهب الأربعة "(٤) .

____________

١ - دفاع عن العقيدة والشريعة: ص ٢٥٧.

٢ - كيف نفهم الإسلام: ص ١٤٢.

٣ - في سبيل الوحدة الإسلامية، مرتضى الرضوي: ص ٦٦.

٤ - إسلامنا: ص ٣٢، ٥٩.٠٩٩


محمد رشيد رضا - المحدث السلفي:

" وقد صرحوا - أهل السنة - بصحة ايمان الشيعة، لأنَّ الخلاف معهم في مسائل لا يتعلق بها كفرٌ ولا ايمان، فالشيعي مسلمٌ له أن يتزوج بأيِّ مسلمةٍ. وإذا نظرنا إلى ما أصاب المسلمين من التأخر والضعف بسبب العداوة المذهبية، وأننا في أشدِّ الحاجة الى التآلف والتعاطف والاتّحاد، يتبين لنا أنَّ مصاهرة المخالف في المذهب ضرورية "(١) .

حسن البنا - زعيم الإخوان المسلمين في العالم:

" إعلموا أنَّ أهل السنة والشيعة مسلمون، تجمعهم كلمة لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسولُ الله، وهذا أصل العقيدة، والسنة والشيعة فيه سَواءٌ وعليه التقاؤهم، أمَّا الخلاف بينهما فهو في أمور من الممكن التقريب فيها بينهما "(٢) .

الأستاذ أحمد بك المصري - استاذ شلتوت وأبي زهرة:

" والشيعة الإمامية مسلمون، يؤمنون بالله ورسوله وبالقرآن وبكل ما جاء به محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... وفي الشيعة الإمامية قديما وحديثا فقهاء عِظام جدّاً وعلماء في كل علم وفنٍّ، وهم عميقو التفكير، واسعو الاطلاع، ومؤلفاتهم تعد بمئات الألوف، وقد اطلعت على الكثير منها "(٣) .

الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة:

" لا شك أنَّ الشيعة فرقة إسلامية... ولا شك أنها في كل ما تقول تتعلق بنصوص قرآنية أو أحاديث منسوبة إلى النبي " " وهم يتوددون إلى من يجاورونهم من السنيين ولا ينافرونهم "(٤) .

____________

١ - المنتقى من روائع فتاوى المنار: ١/٧٣٩، عز الدين بليق.

٢ - ذكريات لا مذاكرات، عمر التلمساني: ص ٢٤٩، ٢٥٠، مجلة العالم عدد ٥١٩ ص ٤٠.

٣ - تاريخ التشريع الإسلامي.

٤ - تاريخ المذاهب الإسلامية: ص ٣٩.


" وإذا رجعنا إلى كتاب الأصول عند إخواننا الاثني عشرية، نجدهم يعتمدون على الكتاب والسنة " " وإذا كان اخواننا الاثنا عشرية يرون أمر الإمامة عقيدة، ويرتبونها ترتيبا تاريخيا بالصورة التي ذكروها، فهم معنا في أصل التوحيد والرسالة المحمدية ".

" وأخيرا نقولها كلمة صادقة، إذ لم يبق من خلاف بيننا وبين اخواننا الاثني عشرية، إلا ذلك الخلاف النظري الذي ليس له موضع من العمل، وهو أقرب إلى أن يكون خلافا في وقائع التاريخ "(١) .

الإمام أحمد الباقوري - شيخ الجامع الأزهر ووزير أوقاف مصر:

" قضية السنة والشيعة هي في نظري، قضية إيمان وعلم معا... فأما أنها قضية علم، فإنَّ الفريقين يقيمان صلتهما بالإسلام على الإيمان بكتاب الله وسنة رسوله، ويتفقان اتفاقا مطلقا على الأصول الجامعة في هذا الدين فيما نعلم فإن اشتجرت الآراء بعد ذلك في الفروع الفقهية والتشريعية، فإنَّ مذاهب المسلمين كلها سواء في أنَّ للمجتهد أجره أخطأ أم أصاب "(٢) .

شيخ الأزهر سيد محمد طنطاوي:

" إنَّ المسلمين سنة وشيعة مؤمنون بالله وبنبيه، وإنَّ اختلاف الآراء لا يقلل من درجة إيمان الأشخاص "(٣) .

____________

١ - الإمام الصادق: ص ٢١٤، ٢٨٤.

٢ - راجع: سنة أهل البيت للحكيم نقلا عن كتاب المختصر النافع قدم للكتاب الباقوري.

٣ - مجلة رسالة الثقلين، العدد الثاني - السنة الأولى ١٤١٣ هـ‍: ص ٢٥٢ و ٢٥٣.


الأستاذ محمود السرطاوي -

عميد كلية الشريعة في الجامعة الأردنية وأحد كبار المفتين في الأردن:

" إنني أقول ما قاله سلفنا الصالح: الشيعة الإمامية اخواننا في الدين، لهم علينا حقّ الأخوة، ولنا عليهم مثل ما لهم علينا، ما يوجد بيننا وبينهم من اختلاف وجهات نظر، إنما هي في الفروع "(١) .

طه جابر العلواني - أستاذ الفقه والأصول في جامعة الإمام محمد بن سعود:

" إنَّ ما نعرفه عن عقائد الشيعة... أنهم يؤمنون بالله ربا وبمحمد عليه الصلاة والسلام نبيّا ورسولاً، ويؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والذي أعرفه عن المسلمين الشيعة في العراق وفي الجزيرة ومناطق الخليج، أنهم كإخوانهم السنة يؤمنون بالإله الواحد والكتاب والقبلة وجميع أركان الإيمان. قد كافحوا وجاهدوا كإخوانهم السنة للحفاظ على البلاد الإسلامية من وطأة الكفار والمحتلين، وتحملوا ما تحمّله الآخرون، وبجهادهم وجهاد علمائهم وإخوانهم تمَّ تحرير كثير من البلاد الإسلامية من الاحتلال البريطاني وغيره "(٢) .

العالم الأزهري خالد محمد خالد:

" أما الشيعة بالذات فلهم في نفسي تقدير خاص، ولا يمكن أن ننسى من أعلامهم، أولئك الذين بذلوا جهدا سخيا وداعيا في سبيل تحرير الفقه الإسلامي من أغلاله، وتنقيته من الرواسب والشوائب "(٣) .

____________

١ - المصدر السابق: ص ٩٠.

٢ - مجلة رسالة الثقلين، العدد الثاني - السنة الأولى ١٤١٣ هـ‍: ص ٩٢.

٣ - راجع الشيعة في الميزان، محمد جواد مغنية: ص ٢٩٨.


الأستاذ الفذ عبدالفتاح عبد المقصود:

" إنَّ في عقيدتي أنَّ الشيعة هم واجهة الإسلام الصحيحة، ومرآته الصافية، ومن أراد أن ينظر إلى الإسلام، عليه أن ينظر إليه من خلال عقائد الشيعة ومن خلال أعمالهم، والتاريخ خير شاهد على ما قدّمه الشيعة من الخدمات الكبيرة في ميادين الدفاع عن العقيدة الإسلامية.

وإنَّ علماء الشيعة الأفاضل هم الذين لعبوا أدوارا لم يلعبها غيرهم في الميادين المختلفة، فكافحوا وناضلوا وقدموا أكبر التضحيات، من أجل إعلاء الإسلام ونشر تعاليمه القيمة وتوعية الناس وسوقهم إلى القرآن "(١) .

الدكتور علي سامي النشار:

" إنَّ الأفكار الفلسفية للشيعة الاثني عشرية هي في مجموعها إسلامية بحتة ".

" وأكاد أقول، أن لا تكاد تختلف الاثنا عشرية المعاصرة في عقائدها، عن عقائد الخلف من أهل السنة، ومذهب الخلف هو عقيدة الملايين من جمهور أهل السنة "(٢) .

أحمد الحصري - أستاذ مساعد للفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر:

" يجب أن نفهم جميعا، أنه لا خلاف بين الإمامية وأهل السنة في أصول العقائد، وأنه لا خلاف بينهما أيضا في مصادر الفقه الإسلامي الأساسية (الكتاب والسنة)، فالإمامية كأهل السنة في توحيد الله والإيمان برسوله محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ".

" ونحن إذا نظرنا إلى فقه الإمامية: في العبادات البحته مثلا، كالصلاة والصوم والزكاة، نجد أنه لا خلاف يذكر بين فقههم وفقه أهل السنة، فكثير ما نجد قولا لهم في العبادات يتفق رأي الشافعية أو المالكية.. الخ. كما انه لا اختلاف - ايضا - في أحكام

____________

١ - في سبيل الوحدة الإسلامية: ص ٥٧٣.

٢ - نشأة الفكر الفلسفي: ص ١٣.


المعاملات المالية البحتة، فهم لا يحلون كسب المال إلا من طريق حلال... وهكذا لو تتبعنا فقههم، بالبحث والنظر، لوجدنا أنَّ شقّة الخلاف ضيّقةٌ، لكن الذين وسعوها هم أفراد لا يقصدون من هذه العملية إلا توسعة شقة الخلاف بين المسلمين "(١) .

الدكتور مصطفى السباعي - أحد مفكري الإخوان المسلمين:

" فأعود فأكرر دعوتي للمخلصين من علماء الشيعة - وفيهم الواعون الراغبون في جمع كلمة المسلمين - أن نواجه المشاكل التي يعانيها العالم الإسلامي اليوم في انتشار الدعوات الهدامة، التي تجتث جذور العقيدة من قلوب شباب السنة وشباب الشيعة على السواء ".

" يجب أن تنّصب جهود المخلصين من أهل السنة والشيعة، إلى جمع الشتات وتوحيد الكلمة، إزاء الأخطار المحدقة بالعالم الإسلامي وبالعقيدة الإسلامية من أساسها "(٢) .

الدكتور صابر طعيمة:

" ومن الحق أن يقال: أنه ليس بين الشيعة والسنة من خلاف في الأصول العامة، فهم جميعا على التوحيد، وإنما الخلاف في الفروع، وهو خلاف يشبه ما بين مذاهب السنة نفسها (الشافعية والحنفية...) فهم يدينون بأصول الدين كما وردت في القرآن الكريم والسنة المطهرة، كما يؤمنون بكل ما يجب الإيمان به ويبطل الإسلام بالخروج منه في الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة. ومن الحق أنَّ السنة والشيعة هما مذهبان من مذاهب الإسلام يستمدان من كتاب الله وسنة رسوله "(٣) .

____________

١ - من الفقه الإسلامي: ص ١٠٥ و ١١٠ و ١١٣ و ١١٤.

٢ - السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: ص ١٢ و ٤٦٩.

٣ - تحديات أمام العروبة والإسلام: ص ٢٠٨.


بدران أبو العينين:

أستاذ الشريعة في كلية الحقوق بجامعتي الإسكندرية وبيروت:

" الشيعة جماعةٌ من المسلمين تشيّعوا لآل بيت الرسول... وهم يقيمون مع أهل المذاهب السنية، وتربطهم بهم روابط التسامح والسعي إلى تقريب وجوه الخلاف، لأن جوهر الدين واحدٌ، والله لا يسمح بالتباعد والتنافر... والإمامية مع ذلك لا يفترقون عن جمهور أهل السنة إلا في بضع عشرة مسألة "(١) .

الأستاذ عبد الرحمن بدوي:

" للشيعة أكبر الفضل في إغناء المضمون الروحي للإسلام، وإشاعة الحياة الخصيبة القويّة، التي وهبت هذا الدين البقاء قويا عنيدا قادرا على إشباع النوازع الروحية للنفوس، حتى أشدَّها تمردا وقلقا، ولولاها لتحجر في قوالب جامدة، ليت شعري، ماذا كان سيؤول إليه أمره فيها؟

ومن الغريب أنَّ الباحثين لم يوجهوا عناية كافية إلى هذه الناحية، ناحية الدور الروحي في تشكيل مضمون العقيدة الذي قامت به الشيعة. والعلة في هذا أنَّ الجانب السياسي في الشيعة هو الذي لفت الأنظار أكثر من بقية الجوانب مع أنه ليس إلا واحدا منها. وقد يكون من اقلها خطرا من حيث القيمة الذاتية لهذا المذهب. ووجوده بشكل واضح لا يدل مطلقا على طغيانه على بقية جوانبه، بل كان نتيجةً لطبيعة الصلة بين الدين والدولة في الحضارة العربية، وفي الإسلام منها بوجه التخصيص، فهما فيه متزاوجان وينبعان من مصدر واحد، ولهذا نميل هنا إلى إطلاق لفظ الشيعة في المقام الأول من التيار الروحي في الإسلام "(٢) .

____________

١ - تاريخ الفقه الإسلامي: ص ٦٨ و ١٥٦ و ١٥٩.

٢ - مقدمة كتابه دراسات إسلامية.


الدكتور علي عبد الواحد وافي - عضو المجمع الدولي لعلم الاجتماع:

" يتفق الشيعة الجعفرية مع أهل السنة في أصول العقائد الإسلامية، فهم يقرون بالشهادتين وأركان الإسلام، ويؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقَدَر خيره وشره، ولا يختلفون عنا في هذا الصدد إلا ببعض معتقدات لا يوهن أي معتقد فيها أصلا من هذه الأصول.

والإمامية يقرون جميع الفروع التي علمت من الدين بالضرورة، كالصلوات المفروضة، والزكاة، والصيام وزمانه، والحج، والكعبة ومكانها، والقبلة واشتراطها، وكذلك جميع الأمور الثابتة في القرآن والسنة بدلالة قطعية "(١) .

الدكتور حامد حفني داود:

أستاذ الأدب العربي بكلية الألسن بالقاهرة والمشرف على الدراسات الإسلامية بجامعة (عليكرة الهند)، قال:

" ومن هنا أستطيع أن أجلي للقارئ المتدبر، أن التشيع ليس كما يزعمه المخرفون والسفيانيون من الباحثين، مذهبا نقليّا محضا أو قائما على الآثار المشحونة بالخرافات والأوهام والإسرائيليات، أو مستمدا في مبادئه من عبد الله ابن سبأ وغيره من الشخصيات الخياليّة في التاريخ، بل التشيع - في نظر منهجنا العلمي الحديث - على عكس ما يزعمه الخصوم تماما، فهو المذهب الإسلامي الأول الذي عنى كل العناية بالمنقول والمعقول جميعا، واستطاع أن يسلك بين المذاهب الإسلامية طريقا شاملا واسع الآفاق.

ولولا ماامتاز به الشيعة من توفيق بين (المعقول) و (المنقول)، لمَا لمسنا فيهم هذه الروح المتجددة في الاجتهاد وتطوير مسائلهم الفقهية مع الزمان والمكان بما لا يتنافى مع روح الشريعة الإسلامية الخالدة "(٢) .

____________

١ - بين الشيعة وأهل السنة: ص ٢٠ و ٢١ و ٥٣.

٢ - تقديم كتاب عقائد الإمامية، المظفر: ص ٢٠.


الأستاذ محمد حسن الأعظمي:

" الشيعة الإمامية الاثنا عشرية يشهدون أن لا إله إلا الله، وأنه واحدٌ أحدٌ، فرد صمدٌ، لم يلد ولم يولد، وأنه ليس كمثله شئٌ، وأنَّ محمداً رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، جاء بالحق من عنده وصدَّق المرسلين، ويوجبون معرفة ذلك بالدليل والبرهان ولا يكتفون بالتقليد، ويؤمنون بجميع أنبياء الله ورسله وبجميع ما جاء من عند ربه...

ويقولون أنَّ كل من شك في وجود الباري تعالى، أو وحدانيته، أو في نبوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو جعل له شريكا في النبوة، فهو خارج عن دين الإسلام وكل من غالى في أحد من الناس من أهل البيت أو غيرهم، وأخرجه عن درجة العبودية لله تعالى، أو أثبت له نبوة أو مشاركة فيها أو شيئا من صفات الإلهية، فهو خارج عن رِبقة الإسلام ويبرؤن من جميع الغُلاة والمُفوَّضة وأمثالهم "(١) .

الأستاذ الدكتور أحمد الشرباصي:

" وطائفة الشيعة، من الطوائف الإسلامية، ذات الأثر الكبير في المجتمع الإسلامي. وإذا كان التشيع قد بدأ بحبّ آل البيت النبوي الطهور: بيت سيدنا ورائدنا وقائدنا: رسول الله عليه وعلى آله الصلاة والسلام، فقد اتخذ بعد ذلك مسيرةٌ متميزة خلال عصور التاريخ، وقد جعلت هذه المسيرة المميزة تنفسح وتتسع، حتى صار للتشيع أعلامه وأبطاله ورجاله ومفكروه وزعماؤه والداعون إليه، والمدافعون عنه...

وكان للشيعة خلال تاريخهم مواقف مشهودة، وبطولات مرصودة، تشعبت وتفرقت وانتشرت يمينا وشمالا في مصادر التاريخ المختلفة "(٢) .

____________

١ - الحقائق الخفية عن الشيعة الفاطمية والاثني عشرية: ص ١٠٣.

٢ - من تقديمه لكتاب سميرة الليثي جهاد الشيعة في العصر العباسي الأول.


الدكتورة سميرة الليثي ليسانس آداب وتربية وماجستير ودكتوراه في التاريخ الإسلامي:

" ينتشر في العالم الإسلامي المعاصر ملايين من الشيعة ويقومون بدورهم البارز الملموس، نحو إعزاز الإسلام، والنهضة بحضارته، وهم يساهمون إيجابيا بجامعاتهم ومعاهدهم ومؤلفاتهم، في التقدم الفكري الإسلامي "(١) .

المجاهدة زينب الغزالي:

" إنني أرى أنَّ الشيعة الجعفرية والزيدية، مذاهبٌ إسلامية مثل المذاهب الأربعة لدى السنة، وعلى عقلاء السنة والشيعة وعلى قيادات السنة والشيعة أن يجتمعوا في صعيد واحد وأن يتفاهموا وأن يتعاونوا على ربط المذاهب الأربعة والمذهب الشيعي بعضهم ببعض "(٢) .

مصطفى الشكعة:

استاذ الأدب والفكر الإسلامي بجامعة عين شمس وعميد كلية الآداب السابق:

" الإمامية الاثنا عشرية، هم جمهور الشيعة الذين يعيشون بيننا هذه الأيام وتربطهم بنا نحن أهل السنة روابط التسامح والسعي إلى تقريب المذاهب الآن، لأن جوهر الدين واحد ولبّه أصيل، ولا يسمح بالتباعد...

فهم يبرؤن من المقالات التي جاءت على لسان بعض الفرق ويعدّونها كفرا وضلالا ".

" وإذا أمعنا النظر جيدا، وطرحنا كل الأفكار البالية الجامدة خلف ظهورنا، فإننا لن نجد كبير خلاف بين كل من مذهب السنة ومذهب الشيعة الإمامية... الذي كان تلميذا للإمام جعفر الصادق رأس الشيعة الإمامية أو الجعفرية، وكان إماما فاضلا ورعا، له من الإيمان والثقافة الدينية ما لم يتوفر لإمامٍ آخر من معاصريه "(٣) .

____________

١ - المصدر السابق: ١٣.

٢ - مجلة العالم، عدد ٥٨ - مارس ١٩٨٥.

٣ - إسلام بلا مذاهب: ص ٨٢ و ٨٧ و ٤٦٨ و ٤٨٥.


فكري أبو النصر - من علماء الأزهر الشريف:

" الشيعة مذهب إسلامي عظيم لا يختلف من حيث العادات والمعاملات في كثير عن مذاهبنا الأربعة... "(١) .

محمد الزحيلي - أستاذ بكلية الشريعة جامعة دمشق:

" ويعتمد مذهب الإمامية الفقهي على القرآن الكريم والأحاديث النبوية التي رواها حصرا أئمتهم من آل البيت...

وفقه الإمامية قريب من المذهب الشافعي، ولا يختلف كثيرا عن فقه أهل السنة إلا في مسائل محدودة كاختلاف بقية المذاهب مع بعضها "(٢) .

____________

١ - في سبيل الوحدة الإسلامية: ص ٨٥.

٢ - تعريف عام بالعلوم الشرعية: ص ١٤٠.




مدخل لفهم الموضوع

عن هشام بن الحكم(١) عن أبي عبد الله(٢) عليه‌السلام أنه قال للزنديق الذي سأله: من أين أثبتَّ الأنبياء والرسل؟ قال: " إنَّا لمَّا أثبتنا أنَّ لنا خالقا متعاليا عنّا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم يجز أن يشاهده خلقه، ولا يلامسوه، فيباشرهم ويباشروه، ويحاجّهم ويحاجّوه، ثبت أنَّ له سفراء في خلقه، يعبرون عنه إلى خلقه وعباده، ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبرون عنه جل وعز، وهم الأنبياءعليهم‌السلام وصفوته من خَلقه، حكماء مؤدَّبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس - على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب - في شئ من أحوالهم، مؤيَّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة، ثم ثبت ذلك في كل دهر وزمان مما أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين، لكيلا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته "(٣) .

اطروحة الشيعة

يرى شيعة آل البيت أنَّ السبيل الوحيد لفهم الإسلام هو الرجوع للأئمة الاثني عشر من آل البيت، فهم المخوّلون شرعا ببيان الإسلام بعد النبي. والله لم يقبض نبيه حتى عيَّن هؤلاء الأئمة الاثني عشر، ولا يخلو زمنٍ من أحدهم، يقومون بممارسة دور النبي ما

____________

١ - من حواريي جعفر الصادقعليه‌السلام متكلم بارعٌ له مناظرات كثيرة سيأتي بعضها.

٢ - هو جعفر الصادق الإمام السادس من أئمة آل البيت ستأتي ترجمته.

٣ - الاصول من الكافي (كتاب الحجة) باب الاضطرار إلى الحجة.


عدا الوحي، ويرشدون المجتمع الإسلامي بما ورثوا من علم النبي. بهم اكتمل الدين وتمّت الحجة على الناس، فبعثة الأنبياء انتهت بنبوة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكانت إمامة هؤلاء الأئمة متممةً للنبوة( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّـهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّ‌سُلِ ) (١) .

وهؤلاء الأئمة هم:

١ - علي بن أبي طالب " أمير المؤمنينعليه‌السلام "

٢ - الحسن بن علي " المجتبىعليه‌السلام "

٣ - الحسين بن علي " الشهيدعليه‌السلام "

٤ - علي بن الحسين " زين العابدينعليه‌السلام "

٥ - محمد بن علي " الباقرعليه‌السلام "

٦ - جعفر بن محمد " الصادقعليه‌السلام "

٧ - موسى بن جعفر " الكاظمعليه‌السلام "

٨ - علي بن موسى " الرضاعليه‌السلام "

٩ - محمد بن علي " الجوادعليه‌السلام "

١٠ - علي بن محمد " الهاديعليه‌السلام "

١١ - الحسن بن علي " العسكريعليه‌السلام "

١٢ - محمد بن الحسن " الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) "

وفي الأبحاث الآتية ستتضح معالم اطروحة آل البيت كالشمس في رابعة النهار.

نبدأ بطرح السؤال التالي لنجيب عنه: ما هو الدليل على أحقية مذهب آل البيت ونجاته من دون سائر المذاهب؟

نعم هناك أدّلةٌ من الكتاب والسنة الصحيحة، والعقل والتاريخ تدل دلالةً واضحة على نجاة من اتبع آل البيت، وركب سفينتهم، والتفصيل فيما يأتي:

____________

١ - النساء: ١٦٥.


الأدلة من السنة

حديث الثقلين:

وهو كما في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: "... قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوما خطيبا بماء يدعى خُمّا، بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر ثم قال:

" أما بعد. ألا أيها الناس فإنّما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسولُ ربي فاجيب وأنا تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحثَّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي "(١) .

وفي مسند أحمد: " إني تارك فيكم خليفتين، كتاب الله حبل ممدودٌ ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء الى الأرض وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض "(٢) .

وفي صحيح الترمذي والمستدرك على الصحيحين - وصححه -: " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما "(٣) .

____________

١ - كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب.

٢ - مسند أحمد: ٥/١٨٢، وفضائل الصحابة: ٢/٦٠٣، وصححه الألباني في: السنة لابن أبي عاصم، ٣٣٧.

٣ - صحيح الترمذي: ج ٥ (كتاب المناقب): ٦٦٣/٣٧٨٨. المستدرك: ٣/١٤٨، واحتج ابن تيمية بحديث الترمذي على حجية إجماع العترة، راجع مجموعة الفتاوى: ٢٨/٢٦٩.


صحة الحديث ومصادره:

هذا الحديث صحيح لا غبار عليه وحسبك أنه ورد في صحيح مسلم. وقد حفلت به كتب السنن والسير والتاريخ وغيرها.

وأصدر مجمع التقريب بين المذاهب في مصر رسالة أثبت فيها تواتر هذا الحديث في جميع طبقاته.

إضافة لهذا صححه الكثير من علماء أهل السنة منهم: الطبري، محمد بن إسحاق، الأزهري، ابن منظور، الذهبي في تلخيص المستدرك، الحاكم في المستدرك، الهيثمي في مجمع الزوائد، ابن كثير في تاريخه، السيوطي في الجامع الصغير والمناوي(١) ، وصححه من المعاصرين محدث أهل السنة السلفي الشيخ الألباني(٢) ، والمحدث الأشعري الشافعي الحسن بن علي السقاف كما سيأتي ذكره.

وقد روى هذا الحديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، خمسة وثلاثون صحابيا، ورواه عن الصحابة تسعة عشر من التابعين، وهنا نورد أسماء رواته من الصحابة:

١ - أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام     ٧ - جابر بن عبد الله الأنصاري

٢ - فاطمة الزهراءعليها‌السلام                        ٨ - أبو الهيثم بن التيهان

٣ - الحسن بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام       ٩ - أبو رافع

٤ - سلمان الفارسي                            ١٠ - حذيفة بن اليمان

٥ - أبو ذر الغفاري                             ١١ - حذيفة بن أسيد الغفاري

٦ - ابن عباس                                  ١٢ - أبو سعيد الخدري

____________

١ - راجع حديث الثقلين: تواتره - فقهه، علي الحسيني الميلاني.

٢ - صحيح الجامع الصغير: ٢/٢١٧ رقم ٢٤٥٤.


١٣ - خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين         ٢٤ - عمرو بن العاص

١٤ - زيد بن ثابت                           ٢٥ - سهل بن سعد الأنصاري

١٥ - زيد بن أرقم                            ٢٦ - عدي بن حاتم

١٦ - أبو هريرة                               ٢٧ - أبو أيوب الأنصاري

١٧ - عبد الله بن حنطب                    ٢٨ - أبو شريح الخزاعي

١٨ - جبير بن مطعم                         ٢٩ - عقبة بن عامر

١٩ - البراء بن عازب                         ٣٠ - أبو قدامة الأنصاري

٢٠ - أنس بن مالك                         ٣١ - أبو ليلى الأنصاري

٢١ - طلحة بن عبد الله التيمي              ٣٢ - ضميرة الأسلمي

٢٢ - عبد الرحمن بن عوف                  ٣٣ - عامر بن ليلى بن ضمرة

٢٣ - سعد بن أبي وقاص                   ٣٤ - أم سلمة زوج الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

٣٥ - أم هاني أخت أمير المؤمنين عليعليه‌السلام (١)

قال ابن حجر: " ثم اعلم أنَّ لحديث التمسك بذلك طرقا كثيرة، وردت عن نيّف وعشرين صحابيا، ومرَّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه.

وفي بعض تلك الطرق انه قال ذلك بحَجَّة الوداع بعرفة.

وفي أخرى انه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحُجرة بأصحابه.

وفي أخرى أنه قال ذلك بغدير خُم.

وفي أخرى أنه قاله لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف كما مر ولا تنافي إذ لامانع من انه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها، اهتماما بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة "(٢) .

____________

١ - راجع رواياتهم في عبقات الأنوار ج ١ وج ٢، ملحق المراجعات: ص ٣٢٧.

٢ - الصواعق المحرقة: ٢/٤٤٠.

* * *


وجاء في سلسلة الأحاديث الصحيحة لمحدث أهل السنة الألباني(١) : " يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي ".

أخرجه الترمذي (٢/٣٠٨) والطبراني (٢٦٨٠) عن زيد بن الحسن الأنماطي عن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: " رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول... " فذكره، وقال: " حديث حسن غريب من هذا الوجه، وزيد بن الحسن قد روى عنه سعيد بن سليمان وغير واحد من أهل العلم ".

قلت: قال أبو حاتم: منكر الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحافظ:

ضعيف.

قلت: لكن الحديث صحيح، فإن له شاهدا من حديث زيد بن أرقم، قال: قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوما فينا خطيبا... " وذكره الألباني كاملا.

وقال الألباني: " أخرجه مسلم (٧/١٢٢ - ١٢٣) والطحاوي في (مشكل الآثار:

٤/٣٦٨) وأحمد (٤/٣٦٦ - ٣٦٧) وابن أبي عاصم في (السنة: ١٥٥٠ - ١٥٥١) والطبراني (٥٠٢٦) من طريق يزيد بن حبان التميمي عنه.

ثم أخرجه أحمد (٤/٣٧١) والطبراني (٥٠٤٠) والطحاوي من طريق علي ابن ربيعة قال: " لقيت زيد بن أرقم وهو داخل على المختار أو خارج من عنده، فقلت:

أسمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إني تارك فيكم الثقلين [ كتاب الله وعترتي ]؟ قال: نعم ".

وإسناده صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح وله طرق أخرى عند الطبراني (٤٩٦٩ - ٤٩٧١ و ٤٩٨١ - ٤٩٨٢ و ٥٠٤٠) وبعضها عند الحاكم (٣/١٠٩ و ١٤٨ و ٥٣٣) وصحح هو والذهبي بعضها.

____________

١ - والذي قال عنه أحد أساتذتنا أنه وصل درجة الاجتهاد في الحديث. وقد علمنا أحد أساتذتنا السلفية وجوب اعتماد الأحاديث التي يصححها الألباني!


وشاهد آخر من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: " إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي، الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ".

أخرجه أحمد (٣/١٤ و ١٧ و ٢٦ و ٥٩) وابن أبي عاصم (١٥٥٣ و ١٥٥٠) والطبراني (٢٦٧٨ - ٢٦٧٩) والديلمي (٢/١/٤٥).

وهو إسناد حسن في الشواهد.

وله شواهد أخرى من حديث أبي هريرة عند الدارقطني (ص ٥٢٩) والحاكم (١/٩٣) والخطيب في الفقيه والمتفقه (٥٦/١).

وابن عباس عند الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي وعمرو بن عوف عند ابن عبد البر في (جامع بيان العلم: ٢/٢٤، ١١٠) وهي وإن كانت مفرداتها لا تخلو من ضعف فبعضها يقوي بعضا، وخيرها حديث ابن عباس.

ثم وجدت له شاهدا قويا من حديث عليِّ مرفوعا به أخرجه الطحاوي في (مشكل الآثار: ٢/٣٠٧) من طريق أبي عامر العقدي: ثنا يزيد بن كثير عن محمد ابن عمر بن علي عن أبيه عن علي مرفوعا بلفظ:

"... كتاب الله بأيديكم، وأهل بيتي " ورجاله ثقات غير يزيد بن كثير فلم أعرفه، وغالب الظن أنه محرَّفٌ على الطابع أو الناسخ، والله أعلم.

ثم خطر في البال أنه لعله انقلب على أحدهم، وأنَّ الصواب كثير بن زيد، ثم تأكدت من ذلك بعد أن رجعت إلى كتب الرجال، فوجدتهم ذكروه في شيوخ عامر العقدي، وفي الرواة عن محمد بن عمر بن علي، فالحمد لله على توفيقه.

ثم ازددت تأكدا حين رأيته على الصواب عند ابن أبي عاصم (١٥٥٨) وشاهد آخر يرويه شريك عن الركين بن الربيع عن القاسم بن حسان عن زيد بن ثابت مرفوعا به.


أخرجه أحمد (٥/١٨١ - ١٨٩) وابن أبي عاصم (١٥٤٨ - ١٥٤٩) والطبراني في الكبير (٤٩٢١ - ٤٩٢٣).

وهذا إسناد حسن في الشواهد والمتابعات، وقال الهيثمي في (المجمع: ١/١٧٠):

" ما رواه الطبراني في (الكبير) ورجاله ثقات ".

وقال في موضع آخر (٩/١٦٣): " رواه أحمد، وإسناده جيد "(١) .

وتربو المصادر السنية التي ذكرت حديث الثقلين على مائتين وعشرين مصدرا(٢) .

كلمات مضيئة في الحديث:

يقول الشيخ عبد الرحمن النقشبندي في كتابه " العقد الوحيد " بعد ذكره لأهل البيت: " كيف وهم أنجم ديننا ومصدر شرعنا وعمدة أصحابنا، فيهم ظهر الإسلام وفشى وبهم تأيدت أركانه ونشأ، ومن ثم صح أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما "(٣) .

وقال السيد محمد صديق حسن البخاري " هذا الحديث فيه فضيلة أهل البيت وبيان عظم حقِّهم في الإسلام وأنهم قرين القرآن في التعظيم والإكرام وليس بعد هذا البيان من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيانٌ ".

____________

١ - راجع سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٣٥٥ - ٣٥٨.

٢ - منها: صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب.

صحيح الترمذي: ٥/٦٦٣. مسند أحمد بن حنبل: ٥/١٨٢. المستدرك على الصحيحين: ٣/١٤٨.

سنن الدارمي: ٢/٢٣١. طبقات ابن سعد: ٢/١٩٢. المناقب، أحمد بن حنبل (مخطوط). المعجم الصغير، الطبراني: ص ٧٣. المعجم الكبير، الطبراني: ص ١٣٧. الاعتقاد، البيهقي: ص ١٦٣. السنن الكبرى، البيهقي: ١٠/١١٣ و ٢/١٢٨...

٣ - ص ٧٨ راجع الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، أسد حيدر ١/٣٠٧.


وقال: " وعندي أنَّ المراد بهم هم الموجودون في عصر النبوة أولا بالذات ولكن يدخل فيهم أيضا من وجد بعدهم من السادة القادة إلى العلم والعبادة. كالأئمة الاثني عشر من العترة... والمراد بأهل البيت هنا - العترة الطاهرة والذرية المطهرة خاصة دون أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(١) .

وقال الشيخ الزرقاني بعد شرحه لهذا الحديث: " أمّا الكتاب فلأنه معدن العلوم الدينية والأسرار والحكم الشرعية وكنوز الحقائق وخفايا الدقائق، وأمّا العترة فلأن العنصر إذا طاب، أعان على فهم الدين، فطيب العنصر يؤدي إلى حسن الأخلاق، ومحاسنها يؤدي إلى صفاء القلب ونزاهته وطهارته. وأكدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تلك الوصية وقواها بقوله: " فانظروا بماذا تخلفوني فيهما ".. "(٢) .

وقال النووي في شرحه على مسلم: " قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وأنا تاركٌ فيكم ثقلين فذكر كتاب الله وأهل بيته، قال العلماء: سميّا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما. وقيل: لثقل العمل بهما "(٣) .

وقال علي القاري في المرقاة: " والمراد بالأخذ بهم التمسك بمحبتهم، ومحافظة حرمتهم، والعمل برواياتهم، والاعتماد على مقالتهم ".

وقال: " وأقول: الأظهر هو أنَّ أهل البيت غالبا يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله، فالمراد بهم أهل العلم منهم، المطلعون على سيرته، الواقفون على طريقته، العارفون بحكمه وحكمته، وبهذا يصلح أن يكونوا عِدلاً لكتاب الله سبحانه كما قال:

( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) ".

وقال الشيخ عبدالحق الدهلوي في شرح المشكاة: " سمىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الكتاب والعترة

____________

١ - أسد حيدر، عن الدين الخالص ٣/٥١١ - ٥١٤.

٢ - أسد حيدر، عن شرح المواهب اللدنية: ٨/٢.

٣ - مسلم بشرح النووي (كتاب الفضائل) باب من فضائل علي بن أبي طالبعليه‌السلام .


الثقلين، لأنه يستصلح الدين بهما، ويعمر كما عمرت الدنيا بالثقلين، إلى أن قال:

والظاهر أنَّ المراد بأهل البيت ههنا أخص من أولاد الجد القريب وهم بنو هاشم، بل أولاده وذريته، والعترة أعم من ذلك فافهم ".

وقال ابن الأثير في جامع الأصول: " سمَّى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القرآن العزيز وأهل بيته ثقلين لأنَّ الأخذ بهما والعمل بما يجب لهما، ثقيلٌ ".

وقال التفتازاني في شرح المقاصد: " ألا ترى أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد قرنهم بكتاب الله تعالى في كون التمسك بهما منقذا من الضلالة، ولا معنى للتمسك بالكتاب إلا الأخذ بما فيه من العلم والهداية فكذا في العترة ".

وقال الشريف السمهودي " الذين وقع الحث على التمسك بهم من أهل البيت النبوي والعترة الطاهرة، هم العلماء بكتاب الله(١) ،... وهم الذين لا يقع بينهم وبين الكتاب افتراقٌ حتى يردا الحوض، ولهذا قال: لا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم "(٢) .

قال الشيخ المناوي: " إن ائتمرتم بأوامر كتابه، وانتهيتم بنواهيه، واهتديتم بهدي عترتي، واقتديتم بسيرتهم، اهتديتم فلم تضلوا.

قال القرطبي: وهذه الوصية، وهذا التأكيد العظيم، يقتضي وجوب احترام أهله، وإبرارهم وتوقيرهم ومحبتهم، وجوب الفروض المؤكدة التي لا عذر لأحد في التخلف عنها ".

وأضاف المناوي: " لن يفترقا، أي الكتاب والعترة، أي يستمران متلازمين حتى يردا على الحوض أي الكوثر يوم القيامة، زاد في رواية: كهاتين، وأشار بإصبعيه، وفي هذا مع قوله أولا: " إني تارك " تلويح بل تصريح بأنهما كتوأمين، خلَّفهما ووَصىَّ أمته

____________

١ - راجع هذه الأقوال في حديث الثقلين: تواتره - فقهه، والرسالة التي أصدرتها دار التقريب في مصر عن حديث الثقلين.


بحسن معاملتهما، وإيثار حقهما على أنفسهما، والاستمساك بهما في الدين. أما الكتاب فلأنه معدن العلوم الدينية، والأسرار والحكم الشرعية، وكنوز الحقائق وخفايا الدقائق، وأما العترة فلأن العنصر إذا طاب أعان على فهم الدين، فطيب العنصر يؤدي إلى حسن الأخلاق، ومحاسنها تؤدي إلى صفاء القلب ونزاهته وطهارته ".

قال الحكيم: " والمراد بعترته هنا العلماء العاملون، إذ هم الذين لا يفارقون القرآن. أما نحو جاهل وعالم مخلط فأجنبي من هذا المقام، وإنما ينظر للأصل والعنصر عند التحلِّي بالفضائل، والتخلِّي عن الرذائل... "(١) .

وقال ابن حجر الفقيه الشافعي تحت عنوان تنبيه: " سَمَّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القرآن وعترته (ثقلين)... لأنَّ الثقل كل نفيسٍ خطيرٍ مصون، وهذان كذلك، إذ كل منهما معدن للعلوم اللدنية. والأسرار والحكم العلية، والأحكام الشرعية ولذا حثصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الاقتداء والتمسك بهم والتعلم منهم، وقال: " الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت ".. ".

وأضاف ابن حجر: " وقيل سميا ثقلين لثقل وجوب رعاية حقوقهما، ثم الذين وقع الحث عليهم منهم إنما هم العارفون بكتاب الله وسنة رسوله، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض...

وتميزوا بذلك عن بقية العلماء لأنّ الله أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، وشرَّفهم بالكرامات الباهرة، والمزايا المتكاثرة، وقد مرَّ بعضها وسيأتي الخبر الذي في قريش: " تعلموا منهم فإنهم أعلم منكم " فإذا ثبت هذا العموم لقريش فأهل البيت أولى منهم بذلك، لأنهم امتازوا عنهم بخصوصيات لا يشاركهم فيها بقية قريش...

ثم أحق من يتمسك به منهم إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لما قدَّمناه من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته، ومن ثَمَّ قال أبو بكررضي‌الله‌عنه : عليٌّ  عترةٌ

____________

١ - فيض القدير: ٣/١٤ - ١٥.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أي الذين حث على التمسك بهم... "(١) .

وقبل أن يذكر المحب الطبري - شيخ الحرم المكي - حديث الثقلين في ذخائر العقبى، قال: " باب في فضل أهل البيت والحث على التمسك بهم وبكتاب الله(٢) والخلف فيهما بخير ".

وجاء في كتاب: " معجم فقه السلف " لمحمد منتصر الكتاني - الأستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة -: " والظُفر بفقه العترة، ظُفرٌ بالعلم والهدى والأمان من الضلال، وبكتاب الله مقترنا بالهداية والأمان حتى دخول الجنة "(٣) .

دلالة الحديث:

حديث الثقلين صريح في وجوب التمسك بكتاب الله وآل البيتعليهم‌السلام معا. فالأمن من الضلال يكون بالتمسك بهما معا لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " ما إن تمسكتم بهما " ولم يقل بأحدهما.

ودلالة الحديث على وجوب التمسك بآل البيتعليهم‌السلام جنبا إلى كتاب الله ظاهرة لا تخفى على أحد.

يقول ابن حجر: " وفي قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا تقدّموهم فتهلكوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم - دليلٌ على أنَّ من تأهل منهم للمراتب العلية والوظائف الدينية كان مقدما على غيره "(٤) .

محاولة تأويل فاشلة:

لم يرق للبعض وجود هذا الحديث في كتب السنن وخاصة في صحيح مسلم ولذلك قاموا بتأويله وصرفه عن معناه الظاهر، ومن هؤلاء ابن تيمية.

____________

١ - الصواعق المحرقة: ٢/٤٤١ - ٤٤٣.

٢ - ص ٥ قال: رواه جماعة من الصحابة...

٣ - الصواعق المحرقة: ص ١٣٥.


قال عن رواية مسلم(١) : " وهذا اللفظ يدل على أنَّ الذي أمرنا بالتمسك به وجعل المتمسِّك به لا يُضَّل، هو كتاب الله " وقال في موضع آخر: " الحديث الذي في مسلم إذا كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد قاله(٢) فليس فيه إلا الوصية باتباع الكتاب، وهو لم يأمر باتباع العترة، ولكن قال: " أذكركم الله في أهل بيتي ".. "(٣) .

ويل للذين( يُحَرِّ‌فُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ) (٤) إنه تأويل تمجه الأسماع، ويرده الحديث نفسه، ولكن التعصب يفعل الأعاجيب. وقد رأيت - أخي القارئ - كلمات الأعلام من أهل السنة في هذا الحديث ومع ذلك نقول في جوابه:

إنَّ قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله... دليل على أن عترته حجة كما أنَّ القرآن حجة ولا اقتران بين الكتاب والعترة إلا لكونهم حجة كالقرآن. فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ترك في أمته " الثقلين " " أولهما كتاب الله " فهلا قال لنا ابن تيمية وشيعته ما ثانيهما؟!! فلو كان الحديث يأمرنا بالتمسك بكتاب الله ويذكرنا بآل البيتعليهم‌السلام ، فلم قرنهما الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معا " الثقلين " (لن يفترقا) " حتى يردا "؟! ولو صح ما قالوه لكان من حق الحديث أن يكون هكذا: إني تارك فيكم الثقل... وأذكر الله في أهل بيتي، وهذا أمرٌ واضح يعرفه حتى العوام!

وما هم قائلون بهذا اللفظ الذي صححه الالباني؟ عن زيد بن ثابت قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " إني تارك فيكم الخليفتين من بعدي! كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يتفرَّقا حتى يردا عليَّ الحوض "(٥) فهل يقبل هذا النص تأويلا؟!

____________

١ - وقد أوردناها وهناك ثلاث طرق أخرى في الصحيح نفسه.

٢ - عجبا كيف يشكك فيه وهو في كتاب معصوم عنده وعلى هذا فكل حديث يواجهنا في صحيح مسلم سنشك به ونقول: إذا كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد قاله، اقتداءا بالشيخ!!

٣ - منهاج السنة: ٤/١٠٥ و ٨٥.

٤ - المائدة: ١٣.

٥ - السنة: ابن أبي عاصم، تخريج الالباني ٢/٣٣٧.


ولو افترضنا أنَّ الحديث لايتجاوز التذكير بآل البيتعليهم‌السلام ، فهل تذكر سلف ابن تيمية آل البيت ووصية الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهم؟! ربما تذكروها حين جمعوا الحطب لحرق بيت الزهراءعليها‌السلام بضعة الرسول! أو حين خرجوا لقتال عمدة آل البيت في الجمل وصفين والنهروان! أو حين قتلوا علياعليه‌السلام وسموا الحسنعليه‌السلام وقتلوا أبناء الرسول في كربلاء شر قتلة! أو حين سنوا سب الإمام علي على المنابر واستمر ذلك ستين سنة! أهذا هو التذكر؟

(فأنى تؤفكون)؟!

فالحديث صريح في وجوب اتباع الكتاب والعترة دون فصلهما عن بعض. فأرى لزاما علي أن أنقاد لهذا النداء النبوي واتبع الكتاب والعترة.( فَذَكِّرْ‌ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ‌ ) (١) ( سَيَذَّكَّرُ‌ مَن يَخْشَىٰ ) (٢) .

لن يفترقا:

هاتان الكلمتان تحملان معنى كبيرا. فقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا، دليل على عصمة أئمة آل البيت. إذ لا يمكن أن يقرن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير المعصوم بالكتاب المعصوم ثم يخبرنا عن أنهما لن يفترقا. فلو لم يكن أئمة آل البيت معصومين لجاز أن يفترقوا عن القرآن وهذا تكذيب للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي أخبرنا بعدم افتراقهما.

وقد نقل الأستاذ توفيق أبو علم المصري، استدلال الشيعة بهذا الحديث ودلالته على العصمة، ونحن نورد كلامه هنا بعينه قال: "... إنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرنهم بكتاب الله العزيز، الذي( لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ) فلا يفترق أحدهما عن الآخر. ومن الطبيعي أنَّ صدور أية مخالفة لأحكام الدين تعد افتراقا عن الكتاب العزيز، وقد صرح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعدم افتراقهما حتى يردا عليَّ الحوض. فدلالته على

____________

١ - الغاشية: ٢١.

٢ - الأعلى: ١٠.


العصمة ظاهرة جلية. وقد كرر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا الحديث في مواقف كثيرة، لأنه يهدف إلى صيانة الأمة والمحافظة على استقامتها وعدم انحرافها في المجالات العقائدية وغيرها، إن تمسكت بأهل البيت ولم تتقدم عليهم، ولم تتأخر عنهم.

ولو كان الخطأ يقع منهم، لما صح الأمر بالتمسك بهم. الذي هو جعل أقوالهم وأفعالهم حجة. وأنَّ المتمسِّك بهم لا يضَّل كما لا يُضَّل المتمسِّك بالقرآن، ولو وقع منهم الذنب أو الخطأ لكان المتمسك بهم يضل. وفي اتباعهم الهدى والنور كما في القرآن، ولو لم يكونوا معصومين لكان في اتباعهم الضلال. وأنهم حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض كالقرآن وهو كناية عن أنهم واسطة بين الله تعالى وبين خلقه، وأنَّ أقوالهم عن الله تعالى، ولو لم يكونوا معصومين لم يكونوا كذلك، وأنهم لن يفارقوا القرآن ولن يفارقهم مدة عمر الدنيا، ولو أخطأوا أو أذنبوا لفارقوا القرآن وفارقهم، وأنهم لا يجوز مفارقتهم أو التقدم عليهم بجعل نفسه إماما لهم، أو التقصير عنهم، والائتمام بغيرهم، كما لا يجوز التقدم على القرآن بالإفتاء بغير ما فيه أو التقصير عنه باتباع أقوال مخالفيه... "(١) .

وإذا أضفنا إلى قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " لن يفترقا " قوله " حتى يردا عليَّ الحوض " ظهر سرٌّ آخر. فقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأخير دليل على وجود إمام من آل البيت مع القرآن في كل زمنٍ، يبيِّن الإسلام للناس، حتى ورود الحوض.

قال ابن حجر: " وفي أحاديث الحثّ على التمسك بأهل البيت إشارةٌ إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة كما أنَّ الكتاب العزيز كذلك. ولهذا كانوا أمانا لأهل الأرض كما يأتي، ويشهد لذلك الخبر السابق " في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي "(٢) .

وقال الشريف السمهودي - مؤكدا ما قلناه -: " هذا الخبر يفهم منه وجود مَن

____________

١ - أهل البيت - فاطمة الزهراء: ص ٧٥.

٢ - الصواعق المحرقة: ٢/٤٤٢.


يكون أهلا للتمسك به من عترتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كل زمن إلى قيام الساعة، حتى توجه الحث المذكور على التمسك به، كما أنَّ الكتاب العزيز كذلك، ولذا كانوا أمانا لأهل الأرض، فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض "(١) .

وهذا يؤكد لنا على أنَّ الأئمة الاثني عشر قرناء القرآن، لا يفترقون عنه حتى ورود الحوض. وقد عينهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأسمائهم.

كتاب الله وسنتي:

إنَّ حديث " تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنتي "، حديثٌ غير صحيح. نعم هو مشهور بين العامّة، ويكرره خطباء المساجد في خطبهم، ولكن هذا لا يعني صحته، - فرب مشهور لا أصل له - وعلماء أهل السنة أنفسهم يطعنون به.

وإذا نظرنا إلى متن الحديث وجدناه لا يستقيم، فكيف يقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

تركت فيكم... كتاب الله وسنتي، والسنة غير مجموعة؟! وإذا قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا، فيستلزم هذا الأمر حفظ السنة من الضياع كما هو حال القرآن، ولكننا وجدنا أنَّ الكثير من السنة قد اندرس. وفي هذا خير دليل على أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يقل الحديث السابق.

ونحن نترك الكلام لاثنين من علماء أهل السنة، لنرى قيمة الحديث العلمية.

قال أحمد سعد حمدون في تخريجه للحديث المذكور: ".. " سنده ضعيف " فيه " صالح بن موسى الطلحي "، قال فيه الذهبي: ضعيف، وقال يحيى: ليس بشئ ولا يكتب حديثه، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك "(٢) .

____________

١ - أسد حيدر، نقلا عن الدين الخالص: ٣/٥١١ - ٥١٤.

٢ - شرح اصول اعتقاد أهل السنة، أبو القاسم اللالكائي السلفي: ص ٨.


وفصل المحدِّث، الحسن بن علي السقاف الشافعي، الكلام حول سند الحديث فقال: " سئلت عن حديث " تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله و... " هل الحديث الصحيح بلفظ " عترتي، وأهل بيتي " أو هو بلفظ " سنتي " نرجو توضيح ذلك من جهة الحديث وسنده؟

الجواب: الحديث الثابت الصحيح هو بلفظ " وأهل بيتي " والرواية التي فيها لفظ " سنتي " باطلةٌ من ناحية السند والمتن، ونوضِّح هنا إن شاء الله تعالى قضية السند لأن السؤال وقع بها، فنقول:

روى الحديث مسلم في صحيحه (٤/١٨٧٣ برقم ٢٤٠٨ طبعة عبد الباقي) عن سيدنا زيد بن أرقمرضي‌الله‌عنه قال:

قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوما فينا خطيبا، بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله فأثنى عليه، ووعظ وذَكَّر، ثم قال:

" أما بعد: ألا أيها الناس فإنما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به " فحث على كتاب الله ورغَّب فيه ثم قال: " وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ".

هذا لفظ مسلم، ورواه أيضا بهذا اللفظ الدارمي في سننه (٢/٤٣١ - ٤٣٢) بإسناد صحيح كالشمس، وغيرهما.

وأما لفظ " وسنتي " فلا أشك بأنه موضوع لضعف سنده، ووهائه، ولعوامل أموية أثرت في ذلك.

وإليك إسناده ومتنه: روى الحاكم في المستدرك (١/٩٣) الحديث بإسناده من طريق ابن أبي أويس عن أبيه عن ثور بن زيد الديلي عن عكرمة عن ابن عباس وفيه:

" يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... ".


وأقول: في سنده ابن أبي أويس وأبوه، قال الحافظ المزي في تهذيب الكمال (٣/١٢٧) في ترجمة الابن - ابن أبي أويس - وأنقل قول مَن جرحه:

" قال معاوية بن صالح عن يحيى - بن معين -: أبو أويس وابنه ضعيفان، وعن يحيى بن معين - أيضا -: ابن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث، وعن يحيى - ايضا - مخلِّطٌ يكذب ليس بشئ.

وقال أبو حاتم: محله الصدق، وكان مغفلا. وقال النسائي: ضعيف، وقال - النسائي - في موضع آخر: ليس بثقة، وقال أبو القاسم اللالكائي: بالغ النسائي في الكلام عليه، إلى أن يؤدي إلى تركه.. وقال أبو أحمد بن عدي: وابن أبي أويس هذا روى عن خاله مالك أحاديث غرائب لا يتابعه أحد عليه.. ".

قلت: قال الحافظ ابن حجر في " مقدمة فتح الباري " ص ٣٩١ دار المعرفة عن ابن أبي أويس هذا: " وعلى هذا لا يحتج بشئ من حديثه، غير ما في الصحيح، من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره... ".

قال الحافظ السيد أحمد بن الصديق في " فتح الملك العلي " ص ١٥: " وقال سلمة بن شبيب: سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول: ربما كنت أضع لأهل المدينة إذا اختلفوا في شئ فيما بينهم ".

فالرجل متهم بالوضع، وقد رماه ابن معين بالكذب، وحديثه الذي فيه لفظ " وسنتي " ليس في واحد من الصحيحين.

وأما أبوه، فقال أبو حاتم الرازي كما في كتاب ابنه الجرح والتعديل (٥/٩٢):

" يكتب حديثه ولا يحتج به، وليس بالقوي ". ونقل في المصدر نفسه ابن أبي حاتم عن ابن معين أنه قال فيه: " ليس بثقة ".

قلت: وسند فيه مثل هذين اللذين قدمنا الكلام عليهما، لا يصح - حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط - لا سيما وما جاءا به مخالفٌ للثابت في الصحيح، فتأمل جيدا هداك الله تعالى.


وقد اعترف الحاكم بضعف الحديث، فلذلك لم يصححه في المستدرك، وإنما جلب له شاهد، لكنه واه ساقط الإسناد، فازداد الحديث ضعفا إلى ضعفه، وتحققنا أنَّ ابن أبي أويس أو أباه قد سرق واحدٌ منهما حديث ذلك الواهي الذي سنذكره ورواه من عند نفسه، وقد نص ابن معين وهو من هو على أنهما كانا يسرقان الحديث. فروى الحاكم (١/٩٣) ذلك حيث قال: " وقد وجدت له شاهدا من حديث أبي هريرة " ثم روى بسنده من طريق الضبي ثنا صالح بن موسى الطلحي، عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا: " إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ".

قلت: هذا موضوع أيضا، واقتصر الكلام هنا على رجل واحد في السند وهو صالح بن موسى الطلحي، وإليك كلام أئمة أهل الحديث من كبار الحفاظ الذين طعنوا فيه من تهذيب الكمال (١٣/٩٦):

" قال يحيى بن معين: ليس بشئ. وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، منكر الحديث جدا، كثير المناكير عن الثقات.

وقال النسائي: لا يكتب حديثه، وقال في موضع آخر متروك الحديث ".

وفي تهذيب التهذيب (٤/٣٥٥) للحافظ ابن حجر:

" قال ابن حبان: كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات حتى يشهد المستمع لها أنها معمولة أو مقلوبة لا يجوز الاحتجاج به، وقال أبو نعيم: متروك الحديث يروي المناكير ".

قلت: وقد حكم الحافظ عليه في " التقريب " (ترجمة ٢٨٩١) بأنه: " متروك " والذهبي في " الكاشف " (٢٤١٢) بأنه: " واه ".

وأورد الذهبي في " الميزان " (٢/٣٠٢) حديثه هذا في ترجمته على أنه من منكراته.

وقد ذكر مالك هذا الحديث في " الموطأ " (٨٩٩ برقم ٣) بلاغا بلا سند ولا قيمة لذلك بعد أن بينا وهاء إسناده.


وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر في " التمهيد " (٢٤/٣٣١) سندا ثالثا لهذا الحديث الواهي الموضوع فقال:

" وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى، قال حدثنا أحمد بن سعيد، قال حدثنا محمد بن إبراهيم الديبلي، قال حدثنا علي بن زيد الفرائضي قال حدثنا الحنيني، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده " به.

قلت: نقتصر على علة واحدة فيه وهي أنَّ كثير بن عبد الله هذا الذي في إسناده قال عنه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أحد أركان الكذب(١) ، وقال عنه أبو داود:

كان أحد الكذابين(٢) ، وقال ابن حبان: روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب(٣) .

قال النسائي والدرقطني: متروك الحديث.

وقال الإمام أحمد: منكر الحديث ليس بشئ، وقال يحيى بن معين: ليس بشئ.

قلت: وقد أخطأ الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في التقريب عندما اقتصر على قوله فيه: ضعيف، ثم قال: " وقد أفرط من رماه بالكذب " قلت: كلا لم يفرط بل هو واقع حاله كما ترى من كلام الأئمة فيه. لا سيما وقد قال عنه الذهبي في الكاشف: " واه " وهو كذلك، وحديثه موضوع، فلا يصلح للمتابعة ولا للشواهد بل يضرب عليه، والله الموفق...

فتبين بوضوح أنَّ حديث " كتاب الله وعترتي " هو الصحيح الثابت في صحيح مسلم، وأنَّ لفظ " كتاب الله وسنتي " باطل من جهة السند غير صحيح. فعلى خطباء المساجد والوعاظ والأئمة، أن يتركوا اللفظ الذي لم يرد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأن

____________

١ و ٢ - نقل السقاف قول الإمام الشافعي وأبي داود عن تهذيب التهذيب: ٨/٣٧٧ دار الفكر، وتهذيب الكمال: ٢٤/١٣٨.

٣ - انظر المجروحين، الحافظ ابن حبان ٢/٢٢١.


يذكروا للناس اللفظ الصحيح الثابت عنه عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم " كتاب الله وأهل بيتي " أو " وعترتي "(١) انتهى.

ولنفترض جدلا صحة حديث " كتاب الله وسنتي " فلا تعارض بينه وبين حديث الثقلين، ويبقى التمسك بآل البيت، سببا أساسيا من أسباب النجاة. وقد جمع بين الحديثين ابن حجر فقال: " وفي رواية كتاب الله وسنتي، وهي المراد من الأحاديث المقتصرة على الكتاب لأنَّ السنة مبيِّنة فاغنى ذكره عن ذكرها، والحاصل أنَّ الحث وقع على التمسك بالكتاب والسنة وبالعلماء بهما من أهل البيت، ويستفاد من مجموع ذلك بقاء الأمور الثلاثة إلى قيام الساعة "(٢) .

وهذا الذي نقوله نحن فإن تمسكنا بآل البيت هو تحصيل حاصل للتمسك بالسنة، لأنهم أعرف منا بها.

وكلمة أخيرة أقولها: لو صح حديث " كتاب الله وسنتي " فهو قاض بالتمسك بآل البيت، لأن حديث الثقلين من سنَّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلا خلاف، فإلى متى الهروب؟!!

حديث السفينة:

وهو قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح مَن ركبها نجا ومَن تخلَّف عنها هلك ".

صحة الحديث ومصادره:

هذا الحديث رواه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمانية من الصحابة وهم:

١ - علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

____________

١ - صحيح صفة صلاة النبي: ص ٢٨٩ - ٢٩٤ وتخريج السقاف هذا رد على كل من حاول تصحيح الحديث مثل الدكتور علي السالوس وغيره.

٢ - الصواعق المحرقة: ٢/٤٣٩.


٢ - عبد الله بن عباس.

٣ - أبو ذر الغفاري.

٤ - أبو سعيد الخدري.

٥ - أنس بن مالك.

٦ - عامر بن وائلة.

٧ - سلمة بن الأكوع.

٨ - عبد الله بن الزبير.

وقد صحح الحديث الحاكم حيث قال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه "(١) .

السيوطي قال فيه: " أخرجه الحاكم وهو صحيح "(٢) .

ابن حجر الفقيه الشافعي قال: " وجاء من طرق عديدة يقوي بعضها بعضا:

إنما مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح... "(٣) .

السخاوي، قال: " وبعض هذه الطرق يقوي بعضا "(٤) .

العيدروس اليمني، قال: " وصح حديث: إن مثل أهل بيتي... "(٥) .

أحمد زيني دحلان، قال: " وصح عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من طرق كثيرة أنه قال: " إنما مثل أهل بيتي... "(٦) .

محمد بن يوسف المالكي المعروف بالكافي حيث قال بعد كلام له: " ويدلك

____________

١ - المستدرك: ٣/١٥١.

٢ - نهاية الإفصال في مناقب الآل، مخطوط.

٣ - الصواعق المحرقة: ٢/٤٤٥.

٤ - استجلاب ارتقاء الغرف، مخطوط.

٥ - العقد النبوي والسر المصطفوي، مخطوط.

٦ - الفضل المبين.


على ذلك الحديث المشهور المتفق على نقله: مَثَل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، وحديث نقله الفريقان وصححه القبيلان، لايمكن لطاعن أن يطعن عليه، وأمثاله في الأحاديث كثيرة "(١) .

وقد روى الحديث من القرن الثاني حتى القرن الرابع عشر أكثر من مائة وخمسين عالما من علماء أهل السنة مرسلينه إرسال المسلمات(٢) .

دلالة الحديث واضحة:

إنَّ دلالة الحديث واضحةٌ كل الوضوح، في تأكيدها على أنَّ النجاة تكون بركوب

____________

١ - السيف اليماني المسلول في عنق من يطعن في أصحاب الرسول: ٩، وراجع: تشييد المراجعات للسيد علي الميلاني: ١١٥ و ١١٦.

٢ - المستدرك: ٣/١٥١. المعجم الكبير، الطبراني: ص ١٣٠. المعجم الصغير، الطبراني: ص ٧٨.

مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩/١٦٨. عيون الأخبار، ابن قتيبة الدينوري: ١/٢١١. المعارف، ابن قتيبة: ٨٦.

تاريخ الخلفاء، السيوطي: ص ٥٧٣. الخصائص الكبرى، السيوطي: ٢/٢٦٦. إحياء الميت بهامش الإتحاف، السيوطي: ص ١١٣. الجامع الصغير، السيوطي. الصواعق المحرقة، ابن حجر: ص ١٨٤.

تاريخ بغداد: ١٢/٩١. البدء والتاريخ، مطهر بن طاهر المقدسي: ٣/٢٢. شرح النهج، ابن أبي الحديد:

١/٧٣. روح المعاني، الآلوسي: ٢٥/٢٩. مناقب أمير المؤمنين، ابن المغازلي الشافعي. مقتل الحسين، الخوارزمي. فرائد السمطين، الحمويني. نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي: ص ٢٣٥. المحاسن المجتمعة، عبد الرحمن الصفوري: ص ١٨٨. شرح ديوان أمير المؤمنين، الميبدي اليزدي: ص ١٨٩.

مفتاح النجاة، البدخشي: ص ٩. سنن الهدى، عبد النبي بن أحمد القدوسي الحنفي: ص ٥٦٤.

ينابيع المودة، القندوزي الحنفي: ص ٢٧، ٢٨، ١٨٣. راموز الأحاديث، الكمشخانوي، ص ٣٩١.

الفتح الكبير، النبهاني: ص ١١٣ و ٤١٤. السيف اليماني، محمد بن يوسف التونسي المالكي: ص ٩.

الروض الأزهر، السيد شاه تقي الحنفي: ص ٣٥٩. رشفة الصادي، أبي بكر الحضرمي: ص ٧٩.

أرجح المطالب، عبيد الله الحنفي: ص ٣٢٩. ذخائر العقبى، محب الدين الطبري: ص ٢٠. حلية الأولياء، أبي نعيم: ٤/٣٠٦. منتخب كنز العمال، المتقي الهندي مطبوع بهامش المسند: ٥/٩٢. ثمار القلوب، الثعالبي: ص ٢٩. كنوز الحقائق، المناوي: ص ١٤١...


سفينة آل البيتعليهم‌السلام . هذا هو ضمان النجاة الوحيد الذي جعله لنا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أحاديثه، فليس لأحد أن يأتي ويخترع ضمانا من عنده.

يقول ابن حجر: " ووجه تشبيههم بالسفينة فيما مر أنَّ من أحبهم، وعظمهم شكرا لنعمة مشرفهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأخذ بهدي علمائهم، نجا من ظلمه المخالفات ومن تخلف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان "(١) .

وقال الواحدي: " انظر كيف دعا الخلق إلى النسب إلى ولائهم، والسير تحت لوائهم، بضرب مثلهم بسفينة نوحعليه‌السلام . جعل ما في الآخرة من مخاوف الأخطار وأهوال النار كالبحر الذي لج براكبه، فيورده مشارع المنية ويفيض عليه سجال البلية، وجعل أهل بيته عليه وعليهم السلام مسبب الخلاص من مخاوفه والنجاة من متألفه، وكما لا يعبر البحر الهياج عند تلاطم الأمواج إلا بالسفينة، كذلك لا يأمن نفخ الجحيم ولا يفوز بدار النعيم إلا من تولى أهل بيت الرسول صلوات الله عليه وعليهم، وتخلى لهم وده ونصيحته وأكد في موالاتهم عقيدته، فإن الذين تخلفوا عن تلك السفينة آلوا شر مآل، وخرجوا من الدنيا إلى أنكال وجحيم ذات أغلال، وكما ضرب مثلهم بسفينة نوح، قرنهم بكتاب الله تعالى، فجعلهم ثاني الكتاب، وشفع التنزيل "(٢) .

وروى هذا الحديث السخاوي في كتابه " استجلاب ارتقاء الغرف " تحت عنوان " باب الأمان ببقائهم والنجاة في اقتفائهم "(٣) !!

ورواه السمهودي تحت عنوان " الذكر الخامس ": ذكر أنهم أمان الأمة وأنهم كسفينة نوحعليه‌السلام من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق(٤) .

____________

١ - الصواعق المحرقة: ٢/٤٤٦ - ٤٤٧.

٢ - خلاصة عبقات الأنوار: ص ٧٥ - ٧٦ عن تفسير الواحدي (مخطوط).

٣ - خلاصة عبقات الأنوار: ص ٧٤ عن تفسير الواحدي (مخطوط).

٤ - المصدر السابق: ص ٥٠، عن جواهر العقدين.


تصور نفسك - أخي المسلم - على شاطئ تريد السفر وأمامك ثلاث وسبعون سفينة، كلها ستغرق إلا واحدة ستصل إلى الهدف بأمان، وكل أصحاب السفن ينادون: نحن الناجون، وأثناء حيرتك جاءك خبير السفن - وكنت تعرف صدقه - وقال لك: إذا ركبت السفينة الموسومة بإثني عشر نجوت وإذا تخلفت عنها غرقت. بعد هذا هل ستترك السفينة الموسومة بإثني عشر وتعدل إلى غيرها؟!! لا أعتقد أنَّ أحدا يفعل ذلك.

ونحن هنا في سفينة الحياة. يحدد لنا سيد الخلقصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم السفينة الناجية من بين ثلاث وسبعين سفينة. نعم أنت لم تقبل العدول عن السفينة الموسومة بإثني عشر، لأن خبير السفن نصحك بركوبها، ولكن هذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد حدد لنا السفينة الناجية ونصحنا بركوبها، فمالنا لا نقبل إرشاده ونصحه؟!

لقد نادى نوحعليه‌السلام ابنه ليركب سفينته( يَا بُنَيَّ ارْ‌كَب مَّعَنَا ) (١) شفقة عليه، وهكذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينادي أمته التي علم بتفرقها يناديها " مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق " فلنذكر هذا ولا نكن كابن نوح الذي قال:( سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ... فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَ‌قِينَ ) (٢) .

تبغي النجاة ولم تسلك مسالكها

إن السفينة لا تجري على اليبس

____________

١ - هود: ٤٢.

٢ - هود: ٤٣.


حديث باب مدينة العلم:

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب "(١) .

لاريب في أنَّ كل مسلم يحب أن يصله العلم عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأسلوبٍ صحيح.

والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قوله السابق يشبه نفسه بمدينةٍ ويقول: مَن يريد الإسلام، من يريد العلم الحقيقي فذاك باب علمي لا تحيدوا عنه وادخلوا منه.

____________

١ - صحح هذا الحديث اثنان وعشرون عالما من جهابذة علماء أهل السنة والجماعة وهم: إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين. الطبري في تهذيب الآثار. الحاكم النيسابوري في المستدرك. الخطيب البغدادي قاله عنه المولوي حسن زمان في القول المستحسن. الحافظ أبو محمد الحسن السمرقندي في بحر الأسانيد.

مجد الدين الفيروز آبادي صححه في النقد الصحيح. السيوطي في جمع الجوامع. محمد البخاري في تذكرة الأبرار. الأمير محمد اليماني الصنعاني في الروضة النديَّة. محمد بن طلحة القرشي. ابو المظفر يوسف بن قزاوغلي. الحافظ صلاح الدين العلائي. شمس الدين الجزري. شمس الدين محمد السخاوي. فضل الله بن روزبهان الشيرازي. المتقي الهندي علي بن حسام الدين. ميرزا محمد البدخشاني. ميرزا محمد صدر العالم. ثناء الله باني بتي الهندي. وقد ألف الحافظ محمد بن الصديق المغربي كتابا أثبت فيه صحة هذا الحديث أسماه: فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي ".

ورواه الأميني في الغدير: ص ٦١ - ٧٧ عن مائة وثلاثة وأربعين مصدرا من مصادر أهل السنة محتجين به، مرسلين إياه إرسال المسلم. فراجعه في ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق، ابن عساكر: ٢/٤٦٤.

شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني: ١/٣٣٤. المستدرك، الحاكم: ٣/١٢٦ و ١٢٧ وصححه. أسد الغابة: ٤/٢٢. مناقب علي، ابن المغازلي: ٨٠. كفاية الطالب: ٢٢٠ و ٢٢١. المناقب، الخوارزمي: ٤٠.

نظم درر السمطين: ص ١١٣. ينابيع المودة: ص ٦٥. تاريخ الخلفاء، السيوطي: ص ١٧٠. إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ١٤٠. تذكرة الخواص: ٤٧ و ٤٨. مقتل الحسين، الخوارزمي: ١/٤٣.

الاستيعاب بهامش الإصابة: ٣/٣٨. وراجع الحديث بألفاظ أخرى في صحيح الترمذي: ٥/٦٣٧.

حلية الأولياء: ١/٦٣. ذخائر العقبى: ٧٧. الصواعق المحرقة: ٢/١٢٠. كنوز الحقائق، المناوي: ٤٦.

مصابيح السنة، البغوي: ٢/٢٧٥. تفسير الرازي، راجع ملحق المراجعات: ٣٨٧ - ٣٨٨.


ولكن هل دخل أهل السنة من الباب الذي رسمه لنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! الحق إنهم لم يفعلوا ذلك بل صنعوا أبوابا وهمية واقنعوا أنفسهم بأنهم وصلوا إلى علم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ..

ولكن كيف تم لهم ذلك وقد تركوا الباب الحقيقي؟ إنَّ الذي يحاول أن يدخل إلى المدينة من غير المرور ببابها يبقى وراء السور!

إنما المصطفى مدينةُ علمٍ

وهو الباب من أتاه أتاها

حديث الأمان:

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس "(١) .

هم أمان من العمى و صراطٌ

مستقيم لنا وظلٌّ طليل

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له "(٢) .

النجوم تنير الدرب للناس في الظلمات وكذا آل البيت كما هو مقتضى تشبيههم

____________

١ - مستدرك الحاكم: ٣/١٤٩ قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. الصواعق المحرقة: ٢/٤٤٥ وصححه. إحياء الميت، السيوطي بهامش الإتحاف: ١١٤. منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد:

٥/٩٣. ينابيع المودة: ٢٩٨. جواهر البحار، النبهاني: ١/٣٦١. وراجع ذخائر العقبى: ص ١٧. نظم درر السمطين، الزرندي: ٢٣٤. الجامع الصغير، السيوطي: ٢/١٦١. الفتح الكبير، النبهاني: ٣/٢٦٧.

إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص ١٢٨. فرائد السمطين: ٢/٢٤١. مجمع الزوائد: ٩/١٤٧.

ملحق المراجعات: ٣٣٠ - ٣٣١. إحقاق الحق: ٩/٢٩٤ - ٣٠٨.

٢ - أخرجه الطبراني في الأوسط. الأربعين، النبهاني: حديث رقم ١٨. كفاية الطالب، الكنجي الشافعي:

ص ٣٧٨. مجمع الزوائد، الهيثمي ٩/١٦٨. المعجم الصغير، الطبراني ٢/٢٢. إحياء الميت، السيوطي بهامش الإتحاف للشبراوي: ص ١١٣. ينابيع المودة: ص ٢٨، ٢٩٨. رشفة الصادي، أبي بكر الحضرمي: ص ٧٩. أرجح المطالب، عبيد الله الحنفي: ص ٣٣. الصواعق المحرقة: ص ٩١. فرائد السمطين ٢/٢٤٢. ملحق المراجعات: ص ٣٢٩.


بالنجوم. فأرى أنه يجب أن لا أخالف أهل البيت " فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس " هكذا قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!!

علي مع القرآن:

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " عليٌّ مع القرآن والقرآن مع عليٍّ، لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض "(١) .

بما أنَّ عليا مع القرآن والقرآن مع علي ولن يفترقا، فهو أولى الناس ببيان القرآن.

فمن أخذ عن غير عليٍّ فإنه سيفترق عن القرآن، لأن الرسول أعطى صفة عدم الافتراق عن القرآن لعلي وولده كما في حديث الثقلين!

علي مع الحق:

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث دار "(٢) .

____________

١ - مستدرك الحاكم: ٣/١٢٤، قال: هذا حديث صحيح الإسناد. الطبراني في الاوسط. الصواعق المحرقة:

٢/٣٦١. تلخيص المستدرك، الذهبي وصححه: ٣/١٢٤. الجامع الصغير، السيوطي: ٢/٥٦.

فيض القدير، الشوكاني: ٤/٣٥٨. ينابيع المودة: ص ٤٠. المناقب، الخوارزمي: ص ١١٠. كفاية الطالب: ص ٣٩٩. تاريخ الخلفاء، السيوطي: ص ١٧٣. نور الأبصار: ص ٧٣...

٢ - تاريخ بغداد: ١٤/٣٢١. ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق ٣/١١٩. الإمامة والسياسة ١/٧٣.

منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ٥/٣٠. فرائد السمطين ١/١٧٧. أرجح المطالب، عبيد الله الحنفي:

ص ٥٩٨، المناقب، ابن مردويه. فضائل الصحابة، السمعاني. ربيع الأبرار، الزمخشري. الغدير ٣/١٧٨. وراجع صحيح الترمذي: ٥/٦٣٣. المستدرك على الصحيحين ٣/١٢٤. المناقب، الخوارزمي الحنفي: ٥٦. شرح النهج، ابن أبي الحديد: ٢/٥٧٢. الفتح الكبير، النبهاني: ٢/١٣١. جامع الأصول، ابن الأثير: ٩/٤٢٠. إحقاق الحق: ٥/٦٢٦ عن المحاسن والمساوي، البيهقي: ٤١. الإنصاف، الباقلاني:

ص ٥٨. المناقب، عبد الله الشافعي: ص ٢٨ (مخطوط). الجمع بين الصحاح، رزين (مخطوط). تاريخ الإسلام، الذهبي: ٢/١٩٨. مفتاح النجا، البدخشي (مخطوط). شرح ديوان أمير المؤمنين، الميبدي:

ص ١٨٠ (مخطوط). أرجح المطالب: ص ٥٩٩. مجمع الزوائد ٧/٣٥. راجع ملحق المراجعات: ٤٠٠.


المفهوم من هذا النص أنَّ أقوال علي وأفعاله كلها حقٌّ، لأنه مع الحق، يدور معه حيث دار. فهو يهدي للحق كيفما تحرك والذي يهدي للحق أحق أن يتبع بنص القرآن( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ ) (١) .

فالنص النبوي " علي مع الحق " بالإضافة إلى النص الإلهي( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ ) يعني: أن عليا أحق أن يتبع. فهل سنلتزم بمدلول النصين ونتبع من يهدي إلى الحق، فضلا عمن يدور معه الحق حيث دار؟!

علي المبين:

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي " أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه بعدي "(٢) .

بمقتضى هذا النص: التبيان بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم محصور بعليعليه‌السلام . وفي مصنف عبد الرزاق " إنَّ رجلا سأل عمر عن بعض النعام يصيبه المحرم فقال له عمر: أرأيت عليا؟

اسأله فإنا أمرنا أن نشاوره!! " يقول محمد رواس قلعه جي: " فقول عمررضي‌الله‌عنه " أمرنا " ينصرف إلى أنَّ الآمر لهم هو رسول الله كما هو معهود من كلام السلف رضوان الله عليهم ".

وقد نقل ابن قدامة المقدسي في كتابه (المغني) عن حبر الأمة عبد الله بن عباس أنه كان يقول " إذا ثبت لنا عن علي قول لم نعده إلى غيره "(٣) .

____________

١ - يونس: ٣٥.

٢ - مستدرك الحاكم: ٣/١٢٢ وقال: صحيح على شرط الشيخين. كنز العمال: ٦/١٥٦. المناوي في كنوز الحقائق: ص ١٨٨. تاريخ دمشق: ٢/٤٨٨. مقتل الخوارزمي: ١/٨٦. المناقب، الخوارزمي:

ص ٢٣٦. ينابيع المودة: ص ١٨٢. منتخب الكنز بهامش المسند: ٥/٣٣. وراجع شرح النهج:

٩/١٦٩. حلية الأولياء: ١/٦٣. مطالب السؤول، ابن طلحة الشافعي: ١/٦٠. الميزان، الذهبي:

١/٦٤. كفاية الطالب: ص ٢١٢. فرائد السمطين: ١/١٤٥. فتح الملك العلي: ص ١٨. الغدير: ٣/٩٦.

ملحق المراجعات: ص ٣٨٨.

٣ - راجع موسوعة فقه علي بن أبي طالب، محمد رواس قلعه جي: ص ٥ و ٦.


علي مني:

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " علي مني وأنا من علي ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي ".

وفي صحيح البخاري: " أنت مني وأنا منك " وفي المجمع الأوسط للطبراني " من فارق عليا فقد فارقني إنَّ عليا مني وأنا منه "(١) .

" بديهة أنَّ محمدا ليس أبا أو ابنا لعلي، وأنما صح أن يقول له: أنت مني، لأن محمدا غرس روحه بروح علي، وقلبه بقلب علي، وعقله بعقل علي، وعلمه بعلم علي، وإيمانه بإيمان علي، وشمائله بشمائل علي، وإلا لم يصح قوله: أنت مني وأنا منك، لأن محمدا لم يكن أبا ولا أبنا لعلي، أجل قد اختاره لأخوته من دون أصحابه أجمعين بعد أن صاغه كما يريد "(٢) .

قالت عائشة لرجل وهو آخذ بخطام جملها - يوم الجمل - أين ترى عليا، قال: ها هو ذا واقف رافع يديه إلى السماء. فقالت: ما أشبهه بأخيه "(٣) أي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

النبي يوصي باتباع علي:

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " من سره أن يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن غرسها ربي، فليوال عليا وليوال وليه، وليقتدي بالأئمة من ولده من بعدي فإنهم

____________

١ - صحيح البخاري: كتاب المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب، وراجع: مسند أحمد: ٥/٣٥٦.

مستدرك الحاكم: ٣/١١١. سنن ابن ماجة: ١/٤٤. صحيح الترمذي: ٥/٦٣٥. خصائص أمير المؤمنين، النسائي: ص ٢٠. تاريخ دمشق: ٢/٣٧٨. المناقب، الخوارزمي: ص ٧٩. مناقب الإمام علي، ابن المغازلي: ص ٢٢١. ينابيع المودة: ص ٥٥ و ١٨٠ و ١٨١ و ٣٧١. الصواعق المحرقة: ١٢٠. تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي: ص ٣٦. مصابيح السنة، البغوي: ٢/٢٧٥. جامع الاصول، ابن الأثير:

٩/٤٧١. الجامع الصغير، السيوطي: ٢/٥٦. الرياض النضرة: ٢/٢٢٩. مطالب السؤول: ١٨...

٢ - عقليات إسلامية، محمد جواد مغنية: ص ٣١٥.

٣ - المحاسن والمساوي: ١/٣٥.


عترتي، خلقوا من طينتي، ورزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي "(١) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " من أحب أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويدخل الجنة التي وعدني ربي، وهي جنة الخلد فليتول عليا وذريته من بعده، فإنهم لن يخرجوكم باب هدى ولن يدخلوكم باب ضلالة "(٢) .

إنَّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قوليه السابقين يجعل فوز الإنسان ودخوله الجنة بموالاة علي وولده، لا بموالاة اعدائه وقاتلي ولده!!

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للأنصار: " يا معشر الأنصار ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا؟ قالوا: بلى يا رسول الله.

____________

١ - حلية الأولياء: ١/٨٦. شرح النهج، ابن أبي الحديد: ٩/١٧٠. كفاية الطالب، الكنجي الشافعي:

ص ٢١٤. مجمع الزوائد: ٩/١٠٨. تاريخ دمشق، ابن عساكر: ٢/٩٥. ينابيع المودة: ص ١٢٦ و ٣١٣.

فرائد السمطين: ١/٥٣. كنز العمال: ١٢/١٠٤ حديث رقم ٣٤١٩٨. إحقاق الحق: ٥/١١١. ملحق المراجعات: ص ٣٣١. منقبة المطهرين، ابي نعيم (مخطوط). التدوين، الرافعي (مخطوط)، ورواه المتقي عن الطبراني. تحقيق الإشارة، عبدالحق الدهلوي، راجع خلاصة عبقات الأنوار، علي الحسيني الميلاني: ص ٨٢ - ١٨٣.

٢ - ذكر هذا الحديث ابن حجر في الإصابة: ٣/٢٠، في ترجمة زياد بن مطرف راوي الحديث. وقد عد يحيى ابن يعلى المحاربي - أحد رجال السند - " واه " مع ان يحيى هذا احتج به البخاري ومسلم في صحيحيهما راجع: الجمع بين رجال الصحيحين: القيسراني، ٢/٥٤٦٥.

وراجع: كنز العمال: ٦/١٥٥ حديث رقم ٥٧٨، ومنتخب الكنز بهامش مسند أحمد: ٥/٣٢.

المناقب، الخوارزمي: ص ٣٤. ينابيع المودة: ص ١٤٩ و ١٥٠. الإصابة، ابن حجر: ١/٥٤١. وراجع مستدرك الحاكم: ٣/١٢٨ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأخرجه الطبراني في الكبير وأبو نعيم في فضائل الصحابة. حلية الأولياء: ٤/٣٤٩ - ٣٥٠. ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق، ابن عساكر:

٢/٩٩. مجمع الزوائد: ٩/١٠٨. فرائد السمطين: ١/٥٥. إحقاق الحق: ٥/١٠٨. فضائل الخمسة:

٢/٢١٣. ملحق المراجعات: ص ٣٣١.


قال: هذا علي فأحبوه بحبي وأكرموه بكرامتي، فإن جبرائيل أمرني بالذي قلت لكم عن الله(١) "(٢) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأصحابه: " أوصي من آمن بي وصدقني بولاية علي بن أبي طالب فمن تولاه فقد تولاني، ومن تولاني فقد تولى الله، ومن أحبه فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغضه فقد ابغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله "(٣) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " في كل خلف من أمتي عدولٌ من أهل بيتي، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ألا وإنَّ أئمتكم وفدكم إلى الله، فانظروا من توفدون "(٤) .

____________

١ - أخرجه الطبراني في الكبير وهو حديث رقم ٢٦٢٥ من الكنز: ٦/١٥٧. شرح النهج: ٩/١٧٠. حلية الأولياء: ١/٦٣. مجمع الزوائد: ٩/١٣٢. كفاية الطالب: ص ٢١٠. ينابيع المودة: ص ٣١٣. الرياض النضرة: ٢/٢٣٣. مطالب السؤول: ١/٦٠. فرائد السمطين: ١/١٩٧.

٢ - أخرجه الطبراني في الكبير، الكنز: ٦/١٥٤. تاريخ دمشق، ابن عساكر: ٢/٩٣. مناقب علي، ابن المغازلي الشافعي: ص ٢٣٠. مجمع الزوائد: ٩/١٠٨. ينابيع المودة: ص ٢٨٢. منتخب الكنز بهامش المسند: ٥/٣٢. فرائد السمطين. إحقاق الحق: ٦/٤٣٤ - ٤٣٧. فضائل الخمسة: ٢/٢٠٢. ملحق المراجعات: ص ٣٣١ - ٣٣٢.

٣ - أخرجه الملا في سيرته. الصواعق المحرقة: ٢/٤٤١. ينابيع المودة: ص ٢٢٦ و ٣٢٦ و ٣٢٧.

ذخائر العقبى: ص ١٧. ملحق المراجعات: ص ٣٣٢.


الأدلة من القرآن

أولئك هم خير البرية:

لما نزل قول الله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ‌ الْبَرِ‌يَّةِ ) (١) .

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " يا علي هم أنت وشيعتك "(٢) وفي رواية زاد: لهم الفائزون يوم القيامة.

وقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا، خير دليل على أنَّ الناجين هم شيعة آل البيتعليهم‌السلام .

واعتصموا بحبل الله جميعا:

قال تعالى:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّ‌قُوا ) (٣) .

____________

١ - البينة: ٧.

٢ - راجع شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني الحنفي: ٢/٣٥٦ - ٣٦٦ حديث ١٢٥ - ١٤٨. الصواعق المحرقة، ابن حجر الشافعي: ٢/٤٦٨. الدر المنثور، السيوطي: ٦/٣٧٩. تفسير الطبري: ٣/١٤٦.

فتح القدير، الشوكاني: ٥/٤٧٧. روح المعاني، الآلوسي: ٣٠/٢٠٧. كفاية الطالب، الكنجي الشافعي: ص ٢٤٤ - ٢٤٦. المناقب، الخوارزمي الحنفي: ص ٦٢ و ١٨٧. الفصول المهمة، ابن الصباغ المالكي: ص ١٠٧. نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي: ص ٩٢. ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق، ابن عساكر الشافعي: ٢/٤٤٢ ح ٩٥١. ينابيع المودة، القندوزي الحنفي: ٦٢ و ٧٤ و ٢٧٠.

نور الأبصار، الشبلنجي الشافعي: ص ٧١ و ١٠٢. تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي: ١٨. فرائد السمطين: ١/١٥٦. ملحق المراجعات: ص ٣٤٨. وفي كتاب التشيع، عبد الله الغريفي نقل قول النبي هذا عن: جواهر العقدين للسمهودي (مخطوط) " العقد الثامن، الذكر الثاني ص ١٨ "). توضيح الدلائل في تصحيح الفضائل، شهاب الدين أحمد: ص ٥٠٥ (مخطوط). أنساب الأشراف، البلاذري: ٢/١٨٢ رقم ٢١٥. إستجلاب إرتقاء الغرف، السخاوي: ص ٦٦ (مخطوط).

٣ - آل عمران: ١٠٣.


المقصود بحبل الله في هذه الآية الثقلان (الكتاب والعترة)، وحديث الثقلين يؤكد ما قلناه. فقد أمرنا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالاعتصام والتمسك بالثقلين، وجعل التمسك بهما أمانا من الضلال والفرقة. وهنا جعل الله الاعتصام بحبله أمانا من الفرقة، إذن فحبل الله هو الثقلان.

وقد فسرت بعض الروايات حبل الله بآل البيت(١) .

وفي هذا يقول الإمام الشافعي:

ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم

مذاهبهم في أبحر الغي والجهل

ركبت على اسم الله في سفن النجا

وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل

وامسكت حبل الله وهو ولاؤهم

كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل(٢)

فاسألوا أهل الذكر:

قال تعالى:( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ‌ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (٣) .

____________

١ - راجع: روح المعاني، الآلوسي: ٤/١٦. الصواعق المحرقة: ٢/٤٤٤. شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني: ١/٣٠، ١٧٧ - ١٨٠. الإتحاف بحب الأشراف، الشبراوي الشافعي: ص ٧٦. نور الأبصار، الشبلنجي الشافعي: ص ١٠٢. إسعاف الراغبين، الصبان الشافعي: ص ١٠٧.

ملحق المراجعات: ص ٣٤١.

٢ - يوجد في رشفة الصادي، أبي بكر شهاب الدين الشافعي: ص ١٥. راجع: شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني ١/٢٥٩، ٣٥٠ - ٣٥٦. كفاية الطالب، الكنجي الشافعي: ص ٢٣٦. تاريخ دمشق، ابن عساكر ٢/٤٢١، ٩٢٣. تذكرة الخواص، السبط ابن الجوزي: ص ١٦. المناقب، الخوارزمي الحنفي:

ص ١٩٨. فتح القدير، الشوكاني: ص ٤١٤. الصواعق المحرقة: ص ١٥٠. الدر المنثور ٣/٣٩٠. روح المعاني ١١/٤١. ملحق المراجعات: ص ٣٤٢.

٣ - النحل: ٤٣.


أهل الذكر في هذه الآية هم أهل البيت(١) . ولو تغاضينا عما ورد من تفسير هذه الآية في أهل البيت فلا يمكن أن تنطبق إلا عليهم. فالافتراض هنا أن يتأرجح معنى أهل الذكر بين علماء الأمة وأئمة آل البيت، ولا يجوز الأول لأن علماء الأمة مختلفون إلى مذاهب أربعة وظاهرية وسلفية وماتريديه... فهل يأمرنا الله بسؤال المختلفين؟!

الحق لا يعقل هذا لأن الله ذم الاختلاف والفرقة في قرآنه كما بينا سابقا. وأئمة آل البيت متفقون لا اختلاف بينهم، فتصدق الآية عليهم!

ولو افترضنا أن أهل الذكر هم علماء الأمة، فيدخل أئمة آل البيت معهم لأنهم سادة العلماء.

كونوا مع الصادقين:

قال تعالى( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (٢) .

قال سبط ابن الجوزي: " قال علماء السير: معناه كونوا مع علي وأهل بيته قال ابن عباس: علي سيد الصادقين "(٣) .

في هذه الآية يأمرنا الله بأن نكون مع الصادقين على الإطلاق، ولكن أليس من الممكن أن يصدر منهم خطأ فنتابعهم فيه؟! فكيف يأمر الله بمتابعة من علم أنه سيخطئ؟!

____________

١ - تفسير القرطبي: ١١/٢٧٢. تفسير الطبري: ١٤/٧٥. تفسير ابن كثير: ٢/٥٩١. شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني: ١/٣٣٤ حديث ٤٥٩ و ٤٦٠ و ٤٦٣ - ٤٦٦. ينابيع المودة: ص ٥١ و ١٤٠. روح المعاني: ١٤/١٣٤. تفسير الثعلبي. ملحق المراجعات: ص ٣٤٢ وذكر نزولها في آل البيت مؤمن الشيرازي في المستخرج من التفاسير الاثني عشر. راجع: إحقاق الحق: ٣/٤٨٢.

٢ - التوبة: ١١٩.

٣ - تذكرة الخواص ص ١٠، وراجع نزول الآية في آل البيت الدر المنثور: ٣/٢٩٠. فتح القدير، الشوكاني: ٢/٢٩٥. روح المعاني: ١١/٤١. تفسير الثعلبي (مخطوط): ص ٢١٩. ينابيع المودة:

ص ١١٩. كفاية الطالب: ص ١١١.


أجل " إنَّ الأمر بالمتابعة يقتضي أن يكون المأمور بمتابعته معصوما إذ الأمر بمتابعة غير المعصوم قبيح لا يصدر عنه تعالى "(١) .

ومن المعلوم أنَّ الذي يكذب، ولو مرة في حياته، لا يسمى صادقا، كما أنَّ الذي يقتل ولو مرة، لا يفارقه لقب قاتل، فلا ينطبق وصف الصادقين إلا على أئمة آل البيت الذين عصمهم الله وأذهب عنهم الرجس، كما سيأتي ذكره.

وقول الله( كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) أمر لجميع المؤمنين في جميع أماكنهم وأزمانهم بأن يكونوا مع الصادقين لذلك وجب وجود أحد الصادقين في كل زمن(٢) وإلا كيف يأمر الله بأن يكون المؤمنون مع رجل غير موجود؟! وهذا ينطبق على ما قاله الإمامية من ان الزمن لا يخلو من إمام عدل للقرآن!! فهل سنمتثل لأمر الله؟

أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم:

قال تعالى:( أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّ‌سُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ‌ مِنكُمْ ) (٣) .

أولوا الأمر في هذه الآية هم آل البيتعليهم‌السلام (٤) .

لقد أمرنا الله بطاعة أولي الأمر على الإطلاق، كطاعته وطاعة رسوله، وهذا الإطلاق يفيد بعصمة أولي الأمر. يقول الفخر الرازي: " إن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع

____________

١ - التستري في إحقاق الحق: ٣/٣٠١.

٢ - وهذا ما ذهب إليه الرازي في تفسيره للآية.

٣ - النساء: ٥٩.

٤ - راجع شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني: ١/١٤٨ حديث ٢٠٢ - ٢٠٤. تفسير الرازي: ٤/١١٣.

ينابيع المودة: ص ١٣٤ و ١٣٧. فرائد السمطين: ص ٣١٤ و ٢٥٠. إحقاق الحق: ٣/٤٢٤. ملحق المراجعات: ص ٣٤٢. تفسير البحر المحيط، أبي حيان الأندلسي: ٣/٢٧٨. تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري: ٥/٧٩.


لابدَّ وأن يكون معصوما عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ، يكون قد أمر الله بمتابعته فيكون ذلك أمرا بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وانه محال، فثبت أنَّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنَّ كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم، وجب أن يكون معصوما عن الخطأ، فثبت قطعا أنَّ أولي الأمر المذكور في هذه الآية لابد وأن يكون معصوما "(١) .

وفسر أهل السنة أولي الأمر بتفسيرات، منها: أنهم الأمراء، أو العلماء وإذا رجعنا للقرآن نجده قد قرب لنا معنى أولي الأمر، قال تعالى:( وَلَوْ رَ‌دُّوهُ إِلَى الرَّ‌سُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ‌ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (٢) والاستنباط من صفات العالم فيخرج الأمراء منه إلا إذا كانوا علماء قادرين على الاستنباط.

فينحصر تفسير أولي الأمر بعلماء الأمة وأئمة آل البيت. والأول لا يصح لأن علماء الأمة مختلفون. ولا يأمر الله بالرجوع للمختلفين. لأن الحق لا يكون في جميع أقوالهم. فأي واحد من علماء الأمة نطيع، وهم متناقضون؟! وعلى هذا التفسير يجب على مسلمي فلسطين، الهجرة من فلسطين، إطاعة لعالم الأمة الألباني، الذي أفتى بذلك.

وليس هناك مسلم يقبل بهذه الفتوى.

ويبقى الوجه الثاني وهو أنَّ أولي الأمر هم أئمة آل البيت، الذين يجمعون السلطة السياسية والدينية، ويؤكد على هذا قول الرسول: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع عليا فقد أطاعني ومن عصى عليا فقد عصاني "(٣)

____________

١ - التفسير الكبير: ٤/١١٣.

٢ - النساء: ٨٣.

٣ - الحاكم في المستدرك: ٣/١٢١ وصححه وكذا الذهبي في تلخيصه، ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق، ابن عساكر: ٢/٢٦٨. الرياض النضرة: ٢/٢٢٠. ينابيع المودة: ص ٢٠٥ و ٢٥٧. ذخائر العقبى:

ص ٦٦. فرائد السمطين: ١/١٧٩.


فكما جعل الله طاعة أولي الأمر كطاعته وطاعة رسوله، جعل رسول الله، طاعة علي كطاعة نفسه وطاعة الله(١) . ولذلك ثبت أنَّ أولي الأمر هم آل البيت (علي وولده) وكما لا يجوز تقديم أحد على الله ورسوله، لا يجوز تقديم أحد على أئمة آل البيت، لانَّ طاعتهم كطاعة الله ورسوله، من دون الناس.

إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت:

قال تعالى:( إِنَّمَا يُرِ‌يدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّ‌جْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَ‌كُمْ تَطْهِيرً‌ا ) (٢) .

أخرج مسلم في صحيحه قالت عائشة: " خرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله. ثم قال:( إِنَّمَا يُرِ‌يدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّ‌جْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَ‌كُمْ تَطْهِيرً‌ا ) "(٣) .

____________

١ و ٣- الأحزاب: ٣٣.

٢ - صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . صحيح الترمذي:

٥/٦٦٣. مسند أحمد: ١/٣٣٠. المستدرك على الصحيحين ٣/١٣٣ و ١٤٦ و ١٤٧ و ١٥٨ و ٢/٤١٦.

تلخيص المستدرك، الذهبي. المعجم الصغير، الطبراني ١/٦٥ و ١٣٥. شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني ٢/١١ - ٩٢. خصائص أمير المؤمنين، النسائي: ص ٤. ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق ١/١٨٥. كفاية الطالب، الكنجي الشافعي: ص ٥٤ و ٣٧٢ - ٣٧٥، وقد صححه، أسد الغابة ٢/١٢ و ٢٠. ذخائر العقبى: ص ٢١ و ٢٣ و ٢٤. أسباب النزول، الواحدي: ص ٢٠٣. المناقب، الخوارزمي:

ص ٢٣ و ٢٢٤. تفسير الطبري ص ٢٢/٦ - ٨. الدر المنثور ٥/١٩٨ و ١٩٩. أحكام القرآن، الجصاص ٥/٢٣٠. مناقب علي، ابن المغازلي: ص ٣٠١. مصابيح السنة، البغوي ٢/٢٧٨. مشكاة المصابيح، العمري ٣/٢٥٤. تفسير الكشاف ١/١٩٣. أحكام القرآن، ابن العربي ٢/١٦٦. تفسير القرطبي ١٤/١٨٢. تفسير ابن كثير ٣/٤٨٣ - ٤٨٥. الإصابة، ابن حجر ٢/٥٠٢ و ٤/٣٦٧. الإتقان في علوم القرآن، السيوطي ٤/٢٤٠. الصواعق المحرقة: ٢/٤٢٢...


وفي سنن الترمذي من حديث أم سلمة: " أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جلل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساء وقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " قالت أم سلمة: " وأنا معهم يا رسول الله؟ فقال: إنك على خير " ".

ويروى أن جبرائيل وميكائيل شاركوا أهل البيت، في الدخول تحت الكساء(١) . وبعد نزول الآية كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمر بباب فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول: " الصلاة يا أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا "(٢) .. ".

وعن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:

رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة، فقال: الصلاة الصلاة إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا(٣) لقد حدد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أقواله السابقة أهل بيته وهم: علي، فاطمة، الحسن والحسينعليهم‌السلام ومع ذلك نجد من يضيف زوجات النبي لآل البيت! وقد رد هذا من وجوه:

أولا: كان الخطاب قبل آية التطهير موجه لنساء النبي( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ... ) (٤) فجاء الخطاب بضمير التأنيث، كما

____________

١ - الصواعق المحرقة: ٢/٤٢٧.

٢ - مستدرك الحاكم: ٣/١٥٨ وصححه. شواهد التنزيل: ٢/١١. الدر المنثور: ٥/١٩٩. تفسير الطبري:

٢١/٦. مجمع الزوائد: ٩/١٦٨. أسد الغابة: ٥/٥٢١. أنساب الأشراف: ٢/١٠٤. الفصول المهمة، ابن الصباغ: ص ٨. تفسير ابن كثير: ٣/٤٨٣ و ٤٨٤. تلخيص المستدرك: ٣/١٥٨. ينابيع المودة:

ص ١٩٣ و ٢٣٠. مسند أحمد: ٣/٢٥٩ و ٢٨٥. منتخب كنز العمال بهامش المسند: ٥/٩٦. فتح البيان، صديق حسن خان: ٧/٣٦٥. مطالب السؤول: ١/١٩. راجع ملحق المراجعات: ص ٣٣٨.

٣ - تفسير الطبري: ٢٢/٦.

٤ - الأحزاب: ٣٢.


في: لستن، اتقيتن...، ثم قال الله.( إِنَّمَا يُرِ‌يدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ... ) فأصبح الخطاب هنا للذكور ولو كانت نساء النبي في الآية لبقي الخطاب كما هو ولأصبحت كلمة " عنكم " " عنكن " وكلمة " يطهركم " " يطهركن ".

ثانيا: إنَّ الروايات فسرت الآية، وحددت آل البيت بعلي، وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام ، كما روى ذلك مسلم في صحيحه وأئمة الحديث. فما لنا لا نرضى بتفسير النبي ونأبى إلا أن نضيف عليه؟ فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " وهذه أم سلمة مع جلالة شأنها أخرجها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من دائرة آله وقال لها: إنك على خير. فهل ترى أوضح من هذا الأمر؟ وهل يصح لإنسان أن يضيف على كلام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عنده؟!

وبقي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمر على بيت علي وفاطمةعليهما‌السلام إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول:

الصلاة يا أهل البيت الصلاة... إنما يريد الله... الآية. واستمر على هذا الفعل ستة أشهر ليؤكد للناس على أنَّ هؤلاء أهل بيته فقط، وليعرفوا قدرهم عند الله.

ثالثا: إنَّ نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يروين هذه الروايات ولم يقلن انهن من آل البيت.

فلماذا نوجب لنساء النبي ما لم يوجبن لأنفسهن؟!

رابعا: إنَّ الآية قاضية بإذهاب الرجس الذي هو الذنوب والآثام عن آل البيت.

ونساء النبي ارتكبن مخالفات، كعائشة التي جهزت جيشا لمحاربة علي بن أبي طالبعليه‌السلام فقتل بذلك ثلاثون ألفا. فلو كانت الآية شاملة لنساء النبي، لما حدث من عائشة ما حدث، والإرادة في الآية غير تشريعية، فمحال أن يتخلف مراد الله عما يريده.

وإذا عدنا للآية، فسنرى أنَّ الله أذهب الرجس عن آل البيت، والرجس هو الذنوب والآثام، كما في الكشاف للزمخشري. والتطهير هو التنزيه من كل ألوان المعاصي والذنوب. قال الرازي:( لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّ‌جْسَ ) أي يزيل عنكم الذنوب(١) .

____________

١ - التفسير الكبير: ٩/١٦٨.


وقال الطبري: " إنما يريد الله ليذهب عنكم السوء والفحشاء يا أهل بيت محمد ويطهركم من الدنس الذي يكون في أهل معاصي الله تطهيرا " وذكر الطبري بسنده إلى سعد بن قتادة أنه قال:( إِنَّمَا يُرِ‌يدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّ‌جْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَ‌كُمْ تَطْهِيرً‌ا ) فهم أهل بيت طهرهم الله من السوء وخصهم برحمة منه. وقال ابن عطية:

والرجس اسم يقع على الإثم والعذاب وعلى النجاسات والنقائص، فأذهب الله جميع ذلك عن أهل البيت(١) .

فالآية حسب كلام هؤلاء الأعلام، تفيد عصمة آل البيت، فالله أذهب عن آل البيت الذنوب والآثام، وطهرهم من كل ألوان المعاصي.

وإذا لم تفد العصمة، فما فائدة الحصر فيها ب‍ " إنما "؟ إن الله يريد أن يذهب الرجس عن كل إنسان. فلم خص آل البيت هنا دون الناس؟! إن إرادة إذهاب الرجس عن كل إنسان إرادة تشريعية، أما الإرادة في آية التطهير فهي إرادة تكوينية، أو بين بين " توفيقية "، وفي النوع المذكور من الإرادة محال أن تتخلف إرادة الله عما يريد، ولذلك تثبت عصمة آل البيت.

ونلاحظ أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قدم هذه الكوكبة على سائر السلف من الصحابة ولم يقدم فلانا ولا فلانة... لذا لا يصح أن نقدم عليهم من أخره الله عنهم!

قل تعالوا ندع أبناءنا...:

قال تعالى:( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّـهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (٢) .

____________

١ - تفسير الطبري: ٢١/٥.

٢ - آل عمران: ٦١.


أجمع المفسرون على نزول هذه الآية في أصحاب الكساء: محمد، علي، فاطمة، الحسن والحسينعليهم‌السلام . حيث أتى وفد من نصارى نجران، فدعاهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للمباهلة، فغدا رسول الله، محتضنا الحسين، آخذا بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفهما، وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمنوا، فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو شاء الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها. فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم، رأينا أن لا نباهلك، وأن نقرك على دينك ونثبت على ديننا...

قال الرازي: " واعلم أنَّ هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث "(١) .

إنَّ اختيار الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهذه الثُلَّة دون سواهم من أهل الفضل من السلف الصالح، ليدل دلالةً واضحة على تميّزهم عنهم وعظم شأنهم عند الله ورسوله.

فرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسلط الضوء عليهم، ويشركهم مع نفسه في كل شئ، حتى يبين للناس أنَّ هؤلاء هم أهل الرسالة، وأولى الخلق بها بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

____________

١ - تفسير الرازي: ٣/٢٤٧، وراجع صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب. صحيح الترمذي: ٥/٦٣٨. شواهد التنزيل: ١/١٢٠ - ١٢٩. المستدرك: ٣/١٥٠ وصححه. تلخيص المستدرك. مناقب علي، ابن المغازلي: ص ٢٦٣. مسند أحمد: ١/١٨٥. كفاية الطالب، الكنجي الشافعي: ص ٥٤ و ٨٥ و ١٤٢. ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق: ١/٢١. تفسير الطبري: ٣/٢٩٩ - ٣٠١ و ٣/١٩٢. الكشاف: ١/٣٦٨ - ٣٧٠. تفسير ابن كثير: ١/٣٧٠ - ٣٧١.

تفسير القرطبي: ٤/١٠٤. أحكام القرآن، الجصاص: ٢/٢٩٥ - ٢٩٦. أسباب النزول، الواحدي: ص ٥٩. أحكام القرآن، ابن العربي: ١/٢٧٥. التسهيل لعلوم التنزيل، الكلبي: ١/١٠٩. فتح البيان في مقاصد القرآن: ٢/٧٢. زاد المسير، ابن الجوزي: ١/٣٩٩. فتح القدير، الشوكاني: ١/٣٤٧. الدر المنثور: ٢/٣٨ - ٣٩. تفسير البيضاوي: ٢/٢٢. تفسير الخازن: ١/٣٠٢. راجع ملحق المراجعات: ص ٣٣٩ - ٣٤٠.


ومن المتفق عليه أنه لو أراد إنسان ما مباهلة غيره، فإنه سيختار أفضل معارفه، حتى يضمن النتيجة لصالحه، وكذا فعل سيد الخلقصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلو وجد من الرجال أفضل من علي، ومن الأبناء أفضل من الحسنين، ومن النساء أفضل من فاطمة، لضمهم إليه وباهل بهم.

" بقي مما دلت عليه الآية من خصائص عليعليه‌السلام ، فضل تضمحل دونه الخصائص، وتفنى في جنبه الفضائل والمناقب، ألا وهو كونه نفس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجاريا بنص الآية مجراه الفضل الذي تعنو له الجباه بخوعا، وتطامن لديه المفارق خشوعا، ويملأ الصدور هيبة واجلالا، وتصاغر دونه الهمم يأسا، من بلوغ مداه( ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّـهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (١) .

وأنت هداك الله إذا عرفت أنَّ الله تبارك وتعالى قد أنزل نفس النبي وأجراها في محكم الذكر مجراها، لا ترتاب حينئذ في أنه أفضل الأمة وأولاها بالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيا وميتا "(٢) .

" ولا شك أنَّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفضل الناس، اتفاقا، ومساوي الأفضل أفضل "(٣) !

قال الزمخشري: " وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم، وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس، مفدون بها، وفيه دليل لا شئ أقوى منه على فضل أصحاب الكساءعليهم‌السلام "(٤) .

وهو في آية التباهل نفس ال‍ * - مصطفى ليس غيره إياها

إنَّ الآية التي نحن بصددها، فيها دليل واضح على أنَّ آل البيت هم خلفاء الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في التبليغ والقيادة. فعند التمعّن في الآية نجد أنَّ الموقف، موقف تحدٍّ

____________

١ - الجمعة: ٤.

٢ - الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء، شرف الدين: ص ١٤.

٣ - التستري في إحقاق الحق: ٣/٦٦.

٤ - الكشاف: ١/٤٣٤.


بين الحق والباطل، الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمثل الحق، وأولئك - النصارى - يمثلون الباطل.

النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رمز للإسلام، وأولئك رمز الكفر. فاختار الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آل بيتهعليهم‌السلام من دون السلف الصالح، لينبه على أنَّ هؤلاء هم رموز الإسلام. فكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآل بيته يمثلون الإسلام، والنصارى يمثلون الكفر، وهذه الصورة وحدها كافية لتعطينا موقع آل البيت في الإسلام. وهكذا لن تفلح هذه الأمة إلا إذا جعلت آل البيت قدوتها، ورأسها، وقلبها.

ألا ترى أنَّ مهدي آخر الزمان - المتفق على ظهوره - والذي يملأ الأرض عدلا، ويعيد الإسلام - كما كان على عهد النبي - من آل البيت؟!

وثمة أمر آخر وهو هل يجوز لنا نحن المسلمين أن نستبدل القرآن بكتاب آخر، ونستقي منه تعاليم ديننا؟! ليس هناك مسلم يجيز هذا.

إذن، فكما لا يجوز تقديم كتاب آخر على القرآن كذلك لا يجوز تقديم أحد على أشقاء القرآن، الذين لن يفترقوا عنه أبدا!

ونلاحظ أنَّ الله جعل علياعليه‌السلام نفس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فكيف يقال إنَّ هناك مَن هو أفضل من نفس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! وكلمة " أنفسنا " جعلت عليا خير من يمثل الرسول في حياته وبعد مماته. فكما أهّله الله لتمثيل الإسلام ضد الشرك في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كذا بعد مماته، ولا فرق.

وبما أنَّ عليا نفس النبي، فلا يجوز تقديم أحد عليه، لقول الله تعالى:( مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَ‌ابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّ‌سُولِ اللَّـهِ وَلَا يَرْ‌غَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ) (١) ! وتقديم أي شخص على عليعليه‌السلام ، هو تقديمه ضمنا على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذ إنَّ عليّاً نفس الرسول، بلا خلاف!

____________

١ - التوبة: ١٢٠.


قل لا أسألكم عليه أجرا...:

قال تعالى:( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرً‌ا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْ‌بَىٰ ) (١) .

المقصود بالقربى في هذه الآية، أصحاب الكساء: علي، فاطمة، الحسن والحسين.

عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء، الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: " علي وفاطمة وولداهما "(٢) .

إنه لشرف عظيم أن تكون مودَّة آل البيت، أجرا لأعظم رسالة " وإنما ثبتت لهم هذه المنزلة من الله(٣) لأنهم خلفاؤه في أرضه، وأولياؤه في بسطه وقبضه، وحججه البالغة، ومناهل شرائعه السائغة، وأمناؤه بعد النبي على وحيه، وسفراؤه في أمره ونهيه، فالمحب لهم بسبب ذلك محب لله، والمبغض لهم مبغض لله.... "(٤) .

لقد أمرنا الله بمودة ذوي القربى، على الإطلاق. ولو فرضنا أنه وقع منهم معصية، فيجب ترك مودتهم، ولكن الله يعلم أنهم( لَّا يَعْصُونَ اللَّـهَ مَا أَمَرَ‌هُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُ‌ونَ ) (٥) ، فأوجب مودتهم في أحوالهم كلها.

____________

١ - الشورى: ٢٣.

٢ - راجع: تفسير ابن كثير: ٤/١٢٢. تفسير الطبري: ٢٥/١٦. تفسير الزمخشري: ٣/٤٦٧. تفسير القرطبي: ١٦/٢٢. فتح القدير، الشوكاني: ٤/٥٣٧. تفسير الدر المنثور: ٧/٣٤٨. تفسير النسفي:

٤/١٠٥. وراجع: المستدرك: ٣/١٧٢. تلخيص المستدرك. شواهد التنزيل: ٢/١٣٠. مناقب علي، ابن المغازلي: ص ٣٠٧. ذخائر العقبى، الطبري: ٢٥/١٣٨. الصواعق المحرقة: ص ١٠١ و ١٣٥ و ١٣٦.

مطالب السؤول: ص ٨. كفاية الطالب، الكنجي: ص ٩١ و ٣ و ٣١٣. الفصول المهمة، ابن الصباغ: ١١.

مقتل الحسين، الخوارزمي: ١/٢١. الإتحاف، الشبراوي الشافعي: ص ٥ و ١٣. إحياء الميت، السيوطي بهامش الإتحاف: ص ١١٠. نظم درر السمطين: ص ٢٤. نور الأبصار: ص ١٠٢. مجمع الزوائد:

ص ٧/١٠٣ و ٩/١٦٨. فتح البيان في مقاصد القرآن، صديق حسن خان: ٨/٣٧٢. ينابيع المودة:

١٠٦ و ١٩٤ و ٢٦١. حلية الأولياء: ٣/٢٠١. ملحق المراجعات: ٣٣٨ - ٣٣٩.

٣ - الكلمة الغراء.

٤ - التحريم: ٦.


وهذه الآية، فيها دليل قطعي على وجوب متابعة آل البيت والأخذ عنهم. ولرب قائل يقول: إذا كان الله يريد لنا اتباع آل البيت، لماذا لم يقل: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا اتباع ذوي القربى أو طاعتهم أو أي لفظ آخر يؤدّي بنا الى هذا المعنى؟

صحيح أنَّ الله قادر أن يأتي بهذه التعابير ولكنه يريد منا أكثر من الاتباع والطاعة. يريد الطاعة مع المودَّة. فالإنسان قد يتبع شخصا مّا ويطيعه وهو كارهٌ له.

فالتعبير بالمودة يستلزم ودِّ ذوي القربى، بالإضافة إلى اتباعهم!

أما مصاديق هذه المودة فلا نجدها إلا عند شيعة آل البيت. يقول الشيخ الصبان المالكي: " فالزم يا أخي محبتهم - آل البيت - ومودتهم واحذر عداوتهم... و (اعلم) أنَّ المحبة المعتبرة الممدوحة، هي ما كانت مع اتباع سنة المحبوب!! إذ مجرد محبتهم من غير اتباع لسنتهم، لا تفيد مدعيها شيئا من الخير، بل تكون عليه وبالا وعذابا في الدنيا والآخرة، على أنَّ هذه ليست محبة في الحقيقة، إذ حقيقة المحبة الميل إلى المحبوب وإيثار محبوباته ومرضياته على محبوبات النفس ومرضياتها، والتأدب بأخلاقه وآدابه ".

وقال بعد أن ذكر عدة أحاديث في حب آل البيت:

" علم من الأحاديث السابقة، وجوب محبة أهل البيت، وتحريم بغضهم، التحريم الغليظ، وبلزوم محبتهم صرَّح البيهقي والبغوي بل نص عليه الشافعي "(١) .

أجل إن حب آل البيت، هو عند أتباعهم، أمّا الآخرون فلا نجد عندهم الحب بمعناه الحقيقي. وعداء آل البيت وبغضهم، بدأ من بعض السلف، فحروبهم لعلي، وقتلهم لأبناء الرسالة، ولعنهم لعلي على المنابر نحو ستين سنة... يدل دلالة واضحة على بغض قسمٌ من السلف لذوي القربى. حتى أنَّ علياعليه‌السلام لم يكن معدودا من الخلفاء، عندهم، حتى ألحقه أحمد بن حنبل بهم(٢) .

____________

١ - إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص ١٢٨ - ١٢٩.

٢ - طبقات الحنابلة، راجع الشيعة هم أهل السنة للتيجاني السماوي.


إنَّ حب إنسان هو أن تحب ما يحب، وتكره ما يكره، حتى يكون حبا خالصا، فالذي يزعم حب عليعليه‌السلام ، ويحب معاوية في الوقت نفسه، فهو ليس محبا في الحقيقة.

تود عدوي، ثم تزعم أنني

صديقك، إنَّ الرأي عنك لعازب

إنَّ حب الله وحب الشيطان، لا يجتمعان، وحب موسى وحب فرعون متناقضان، وحب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحب مسيلمة لا يلتقيان. وكذلك حب آل البيت وحب أعدائهم.

فحب غير الشيعة لآل البيت، مجرد لقلقة لا أثر لها. فهم يحبونهم ويحبون أعداءهم. ولا اعتقد أنَّ حبهم يرضي الحبيب، أو يرضي الله الذي فرض مودتهم على جميع الخلق.

وقد قدروا للحب شرطاً له

أن تبغض المبغض للصاحب

فليراجع الإنسان حساباته قبل أن يقال: ضعوا الأقلام!

إن الله وملائكته يصلون على النبي...:

قال تعالى:( إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (١) .

لما نزلت هذه الآية، قال الصحابة: يا رسول الله، أما السلام عليك، فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: " قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم،

____________

١ - الأحزاب: ٥٦.


إنك حميد مجيد "(١) .

وفي هذا المقام يقول الشافعي:

يا آل بيت رسول الله حبكم

فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم الشأن أنكم

من لم يصل عليكم لا صلاة له(٢)

لقد أمر الله عباده بالصلاة على آل البيت الأطهار، وهذه منحة إلهية لم يشاركهم فيها أحد. وما كان الله ليفرض مودة آل البيتعليهم‌السلام على الناس: لولا علمه باستقامتهم.

وما أثبت الله لهم هذه المنزلة إلا ليؤكد دورهم الرسالي في قيادة الأمة.

وقد أشرك الله أصحاب الكساء مع صاحب الكساءصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الصلاة عليه، من دون الآلاف من السلف الصالح وفيهم ذوو الفضل وليس هذا لأنهم أقرباء النبي، فالميزان الوحيد هو:( إِنَّ أَكْرَ‌مَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ ) وفي تقديمهم على جميع السلف ما لا يخفى من وجوب تقديمهم عليهم. إذ كيف نؤخرهم وقد قدمهم الله؟!

قال الفخر الرازي: " إنَّ الدعاء للآل، منصبٌ عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد... وهذا التعظيم، لم يوجد في حقِّ غير الآل، فكل ذلك يدل على أنَّ حب آل محمد واجب ".

____________

١ - صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب قوله إن الله وملائكته يصلون على النبي. صحيح مسلم: كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي بعد التشهد. صحيح الترمذي: ٢/٣٥٣. سنن النسائي: ٣/٤٥ - ٤٩.

سنن ابن ماجة: ١/٢٩٢. سنن أبي داود: ١/٢٥٧. أسباب النزول، الواحدي: ص ٢٠٧. مسند أحمد: ٢/٤٧ و ٥/٣٥٣. موطأ مالك المطبوع مع شرحه تنوير الحوالك: ١/١٧٩. تفسير القرطبي: ١٤/٢٣٣ ذخائر العقبى: ١٩. تفسير الطبري: ٢/٤٣. تفسير ابن كثير: ٣/٥٠٧. الدر المنثور: ٥/٢١٥. فتح القدير، الشوكاني: ٤/٣٠٣. المستدرك، الحاكم: ١/٢٦٨. ملحق المراجعات: ص ٣٥٣.

٢ - الصواعق المحرقة: ٢/٤٣٥. الشرف المؤبد، النبهاني: ص ٩٩. ينابيع المودة: ص ٣٥٤. إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ١١٨. نور الأبصار: ١٠٥. الإتحاف بحب الأشراف: ٢٩. السيرة النبوية، زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية: ٣/٣٣٢. رشفة الصادي. ملحق المراجعات: ٣٣٤.


وقال: " أهل بيته ساووه في خمسة أشياء: في الصلاة عليه وعليهم، في التشهد، وفي السلام، والطهارة، وفي تحريم الصدقة، وفي المحبة "(١) .

لقد اعترف الرازي بأنَّ الدعاء للآل منصب عظيم وقال: إن هذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل... وأهل البيت ساووا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خمسة اشياء. فإذا كانوا هكذا، كانوا أولى بالتقديم من دون السلف الذين اشفقوا على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واتهموه بالهذيان(٢) .

فلا يجوز أن نقدم أحدا عليهم، لأن الله أشركهم مع نبيه في الصلاة عليه، ولم يؤهل غيرهم لهذا الشرف.

فتذكر هذا أخي المسلم ولا تكن ممن أشفق على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأن من يشفق على النبي سيطرده كما طرد أصحابه من قبل!

إنما أنت منذر:

قال تعالى:( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ‌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (٣) .

يقرر الله في هذه الآية أن لكل قوم هاديا، وما أكثر الأقوام التي جاءت بعد النبي!

فمن هؤلاء الهداة الذين جعلهم الله لكل قوم؟ سألنا مدرسة أهل السنة فقالوا: هم علماء الأمة. قلنا: هذا لا يمكن، لأننا نرى علماء الأمة مختلفين في فهم الإسلام عقيدة وشريعة، وأصبحوا أحزابا، لكل حزب فكره وأسلوبه، وطريق الهداية طريق واحد فلا يعقل هذا الجواب.

وإن قيل الأئمة الأربعة، قلنا: وهؤلاء الأئمة قد انفرد كل واحد منهم بفقه وآراء تخالف بعضها بعضا، فأبو حنيفة كان مناوئا للسلطة في عصره، ومالك كان مقربا إليها!

____________

١ - تفسير الرازي: ٧/٣٩١.

٢ - كما في رزية الخميس.

٣ - الرعد: ٧.


وهكذا، وهؤلاء الأئمة - بعد التسليم لكم - لأقوامهم فقط! وإن قيل ابن تيمية، قلنا لو افترضنا هذا فهو لقومه، والله قرر أن لكل قوم هاديا. فأين مصداق هذه الآية، وأين هادينا في زماننا هذا؟

وحين سألنا مدرسة آل البيت عن هؤلاء الهداة، قالوا: إنَّ مصداق هذه الآية لا يوجد إلا عندنا، فنحن قلنا: إنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعل اثني عشر إماما هاديا لا يخلو الزمن من أحدهم " لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " وقد عينهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأسمائهم وبين لنا أنَّ علي بن أبي طالبعليه‌السلام هو الهادي الذي يخلفه فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " أنا المنذر وعلي الهادي، وبك يا علي يهتدي المهتدون ".

هذا وقد صنف الحافظ ابن عقدة، كتابا في هذه الآية وروايات نزولها في عليعليه‌السلام (١) .

وبقية الهداة في صلب علي، لأنه رمز لهم، وما مر من أحاديث يؤكد لنا على أنهم الهداة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ودون هذا التفسير لا يكون للآية أي تفسير مقبول!

فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله السابق، أعطى عليا مطلق الهداية، وحصر الهداية فيه، فهو حسب قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا، هاد في جميع أوقاته. ولا يكون الإنسان هاديا في أحواله كلها إلا إذا كان معصوما. وكلمة " هادي " اسم فاعل، تدل على أنَّ الهادي يهدي ولا يهدى. ونظرةٌ سريعة لسيرة السلف، نجد أنَّ الجميع قد أخطأوا، واحتاج بعضهم لبعض إلا عليا فلم يحتج يوما لأحد في أي قضية، بل كان الكثير يحتاجون إليه وهذا لا يخفى على أحد وكذا كان ولده من بعده.

____________

١ - فراجع: إحقاق الحق ٣/٩٣. ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق ٢/٤١٧. تفسير الطبري ١٣/١٠٨.

تفسير ابن كثير: ٢/٥٠٢. تفسير الرازي: ٥/٢٧١. الدر المنثور: ٤/٤٥. روح المعاني: ١٣/٩٧.

تفسير الشوكاني. المستدرك، الحاكم: ٣/١٢٩. منتخب الكنز بهامش مسند أحمد: ٥/٣٤.

زاد المسير، ابن الجوزي: ٤/٣٠٧. الفصول المهمة، ابن الصباغ المالكي: ص ١٠٧.


ومن هنا لايجوز أن نقدم أحدا على عليٍّعليه‌السلام ، لأنَّ المتقدم عليه يجعل نفسه بين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليعليه‌السلام ، وفي هذا ردٌّ على الله الذي لم يفصل بينهما في أي موضع، بل خصه بفضائل تطاولت إليها الأعناق، وكان يختاره دائما من دون السلف!

تعليق

في الآيات السابقة نلاحظ الاقتران الدائم بين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآلهعليهم‌السلام ، وليس هذا لقربهم من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل هو الإعداد الرباني لقيادة الأمة وتوجيه أنظارها نحوهم، فهم البقية الباقية من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فهل تجد هذه الآيات أو مثيلاتها، نازلة في أحد من السلف وأئمة المذاهب، غير آل البيت؟

وهل تجد آية التطهير نازلة في غير علي وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام من الصحابة؟

وهل تجد آية فرضت مودة أحد من الصحابة غير علي وزوجته وبنيهعليهم‌السلام ؟

وهل تجد آية جعل الله فيها أحدا نفس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، غير علي؟

وهل تجد آية فرضت الصلاة على أحد من السلف في الفرائض الخمس اليومية، غير آل البيت؟

وهل تجد...؟ وهل تجد...؟

إذا كان الجواب لا، فلم قدمتم عليهم من لم يساوهم في فضل ولا علم؟! فهيا لنعد القلب الحقيقي إلى جسد هذه الأمة، وبهذا لن تضل أبدا. هكذا قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فالمانع من الضلال، هو التمسك بالكتاب وآل البيت. ومن أعرض عن كلام الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ملتجئا إلى هواه وتراثه، فسوف لن يفلح أبدا.

قال ابن عباس في علي: " ما في القرآن آية، إلا وعلي رأسها وقائدها وشريفها


وأميرها، ولقد عاتب الله أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وما ذكر عليا إلا بخير "(١) .

وقال: " ما نزل في أحد من كتاب الله ما نزل في علي "(٢) . " نزل في علي ٣٠٠ آية "(٣) ، وقال: " ما أنزل الله( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلا وعلي أميرها وشريفها "(٤) .

وقال ابن حجر العسقلاني: " قال أحمد وإسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي "(٥) .

____________

١ - الصواعق المحرقة: ص ١٢٥. شواهد التنزيل: ١/٤٩. ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق: ٢/٤٣٠.

ذخائر العقبى: ص ٨٩. كفاية الطالب: ص ١٤٠. نظم درر السمطين: ص ٨٩. نور الأبصار: ص ٧٣.

ينابيع المودة: ص ١٢٦ و ٢٨٦. تاريخ الخلفاء، السيوطي: ص ١٧١. مجمع الزوائد: ٩/١١٢.

إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص ١٤٥. الرياض النضرة: ٢/٢٧٤. منتخب الكنز بهامش المسند: ٥/٣٨.

٢ - ترجمة الإمام من تاريخ دمشق: ٢/٤٣٠. شواهد التنزيل: ١/٣٩. نور الأبصار: ص ٣٧.

تاريخ الخلفاء: ص ١٧١. الصواعق المحرقة: ص ١٢٥. إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص ١٦٠.

٣ - ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق: ٢/٣١. كفاية الطالب: ص ٢٣١. تاريخ الخلفاء: ١٧٢. نور الأبصار: ص ٧٣. ينابيع المودة: ص ١٢٦. الصواعق المحرقة: ص ١٢٥. إسعاف الراغبين: ص ١٦٠.

السيرة النبوية، دحلان بهامش السيرة الحلبية: ٢/١١. ملحق المراجعات: ص ٣٩٩.

٤ - الصواعق المحرقة: ص ٢٥. شواهد التنزيل: ١/٤٩. ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق، ابن عساكر: ٢/٤٣٠. ذخائر العقبى: ص ٨٩. كفاية الطالب، الكنجي الشافعي: ص ١٤٠.

نظم درر السمطين: ص ٨٩. نور الأبصار: ص ٧٣. ينابيع المودة: ص ١٢٦ و ٢٨٦. تاريخ الخلفاء، السيوطي: ص ١٧١. مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩/١١٢. إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص ١٤٥. الرياض النضرة: ٢/٢٧٤. منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد: ٥/٣٨. راجع ملحق المراجعات: ص ٣٣٩.

٥ - فضائل الصحابة من فتح الباري: ص ١٤٢. وراجع هذا القول في الصواعق المحرقة: ص ١١٨. إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص ١٤٩. الرياض النضرة: ٢/٢٨٢. فتح الملك العلي: ص ٢٠.


أقوال علي

لقد جاءت أقوال علي مؤكدة للنصوص القرآنية والنبوية في الدعوة للتمسك بآل البيت والنهل من نبعهم ومن أقوالهعليه‌السلام :

١ - " أنظروا أهل بيت نبيكم، فالزموا سمتهم، واتبعوا أثرهم، فلن يخرجوكم من هدى ولن يعيدوكم في ردى، فإن لبدوا فالبدوا، وإن نهضوا فانهضوا، ولا تستبقوهم فتضلوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا "(١) .

٢ - " فأين تذهبون؟ وأنى تؤفكون؟ والأعلام قائمة، والآيات واضحة، والمنار منصوبة، فأين يتاه بكم؟ بل كيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم؟ وهم أزمَّة الحق، وأعلام الدين، وألسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورودالهيم العطاش "(٢) .

٣ - " أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا، كذباً وبغيا علينا، أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم. بنا يستعطى الهدى، ويستجلى العمى. إنَّ الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم... "(٣) .

٤ - " نحن الشعار، والأصحاب، والخزنة، والأبواب. لا تؤتى البيوت إلا من ابوابها، فمن أتاها من غير أبوابها، سُمِّيَ سارقا "(٤) .

وقال في آل البيت: " موضع سره، ولجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه، وكهوف كتبه "(٥) .

____________

١ - نهج البلاغة، محمد عبده: ٢/١٩.

٢ - نهج البلاغة، محمد عبده: ١/١٥٥.

٣ - المصدر السابق: ٢/٥٥.

٤ - المصدر السابق: ١/٢٧٨ - ٢٧٩.

٥ - المصدر السابق: ١/٢٩ - ٣٠.


٥ - " تالله لقد علمت تبليغ الرسالات، وإتمام العدات، وتمام الكلمات، وعندنا أهل البيت أبواب الحكم، وضياء الأمر "(١) .

٦ - " إنما مثلي بينكم مثل السراج في الظلمة، يستضئ به من ولجها "(٢) .

مقارنة بين أدلة الفرق

رأينا أصحاب المذاهب الأربعة والأشعري بلا دليل لهم على صحة منهجهم، فتبقى عندنا أدلة السلفية والإمامية. إنَّ الذي يقارن بين أدلة الإمامية والسلفية، سيجد أنَّ الفارق بينهما كبير، ولو جعلا على كفتي ميزان لثقلت كفة الميزان لدى المدرسة الإمامية بوضع حديث الثقلين وحده عليها!

كثر الشك والخلاف

وكل يدّعي الفوز بالصراط السوي

فا عتصامي بلا إله سواه

ثمّ وحبيّ لأحمد وعلي

فاز كلب بحب أصحاب كهف

كيف أشقى بحب آل النبي

قال استاذنا القيسي: " وإنَّ المسلم الحق إذا بلغه الحديث الصحيح، يعد نفسه كأنه سمعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهل يسوغ أن يؤخر قبوله والعمل به حتى يعرضه على آراء المذاهب؟! وهل يسوغ تأويله وحرفه عن حقيقته لأنَّه لا ينسجم مع عقله ونتاج تفكيره؟ إنَّ الواجب هو المبادرة إلى امتثال الحديث النبوي من غير التفات إلى سواه "(٣) .

هذا هو الواجب، فهل سنمتثل لحديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، القاضي بالتمسك بكتاب الله وآل البيت؟!

يحتج السلفية لمذهبهم بثناء الله على السلف. ونحن فصلنا القول في هذا الثناء، عند مناقشة أدلتهم على عدالة الصحابة، ولو كان الثناء والمدح دليلا على اتباعهم، لرجح مذهب آل البيت حالا. فآل البيتعليهم‌السلام يشتركون مع الصحابة في النصوص التي

____________

١ - المصدر السابق: ١/٢٢٠.

٢ - المصدر السابق: ١/٣٦٢.

٣ - التحفة السنية في تهذيب شرح العقيدة الطحاوية: ص ٢٩ و ٣٠.


مدحتهم، فضلا عما انفردوا به من فضائل، وحسبهم آية التطهير، والمودَّة، والمباهلة، وآية الصلاة عليهم...

ففضلا عن مدح الله لأل البيت فقد أمر الأمة باتباعهم في قرآنه كما بينا، وعلى لسان نبيه بأدلة لا يتطرق إليها شك.

حصحص الحق

بعدكل هدا،نجد أنَّ الحق واضح وبائن لطلابه،فقد رأينا أنَّ المذاهب الاربعه لا دليل عليها،و رأينا وجوب إضافة آل البيت للكتاب والسنه، لأنَّ الرسول قرنهما معا، و أمر بالتمسك بهما،و رأينا أدلة الإمامية ومدى قوتها،أصلها ثابت و فرعها في السماء

إذا أنت تبغي لنفسك مذهبا

ينجيك يوم الحشر من لهب النار

فدع عنك قول الشافعي ومالك

وأحمد والمروي عن كعب أحبار

ووال أناس نقلهم وحديثهم

روى جدنا عن جبرئيلعن الباري

قال الشافعي:

آل النبي ذريعتي

وهم إليه وسيلتي

أرجو بهم أُعطى غداً

بيدي اليمين صحيفتي(١)

وقد اُتهم الشافعي بالتشيّع(٢) لقوله:

يا راكباًقف بالمحصّب من منى

واهتف بقاعد خيفها والناهض

سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى

فيضاً كملتظم الفرات الفائض

إن كان رفضا حب آل محمد

فليشهد الثقلان أني رافضي(٣)

وقال:

أنا الشيعي في ديني وأصلي

بمكة ثم داري عسقلية

بأطيب مولد و أعز فخر

وأحسن مذهب يسمو البرية(١)


و في علي بن أبي طالب يقول ابن أبي الحديد:

ولقد رأيت دين الأعتزال وإنني

لأجلك أهوى كل من يتشيَّع

و قال الشاعر النصراني:

لا تقُل شيعة هواةُ عليٌّ

إنَّ في كلِّ مُنصفٍ شيعيّا

أدلة إضافية على أحقية منهجنا

١ - يقول النووي: " ومذهب أهل السنة أيضا: أنَّ الله تعالى لا يجب عليه شئ...

فلو عذب المطيعين والصالحين أجمعين وأدخلهم النار كان عدلا منه... ولو نعَّم الكافرين وأدخلهم الجنة كان له ذلك "(١) .

إنَّ شيعة آل البيتعليهم‌السلام في نظر بعض أهل السنة كفار ضالون، وأهل السنة هم الصالحون المطيعون لله. وأهل الحق. وبما أنَّ أهل السنة قرروا جواز إدخال الله للصالحين في النار وإدخاله للكافرين في الجنة فلعل الله - لأنه لايجب عليه شئ عند القوم - يدخل الشيعة الجنة ويدخل الصالحين والمطيعين النار!!!

فلو أغفلنا النظر في كل أدلة الشيعة على أحقية مذهبهم، فعقيدة أهل السنة هذه تجعل الشيعة معهم على قدم سواء في احتمال دخولهم في الجنة، وليس هناك مرجح عند أهل السنة بعد أن قالوا: إنه لا يجب على الله شئ.

فلماذا يصيح الواحد منهم بأن الشيعة من أهل النار بالرغم من أنَّ أمله في الجنة كأمل إبليس حسب عقيدته؟!! ولماذا يؤلف بعضهم كتبا في الفرقة الناجية ويرجح نجاة أهل السنة(٢) ؟.

____________

١ - شرح النووي على مسلم: ١٧/١٦٠.

٢ - كأبي منصور البغدادي صاحب كتاب " الفرق بين الفرق وبيان الناجية منهم " وكصاحب كتاب " عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة "!


فهذه حقيقة ستبقى تدوي وترد على كل باغ ومعتدِّ على شيعة آل البيت. فإذا كان احتمال دخول أصحاب هذه العقيدة في الجنة كاحتمال دخول إبليس، ودخول فرعون وقارون وأبي لهب فيها، فأيُّ حجة تبقى لهم على أنهم هم الناجون؟!!

٢ - قال ابن حجر الشافعي وسبط ابن الجوزي: " أخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ) " عن ولاية علي "(١) .

وأخرج الثعلبي في الكشف والبيان:( اهْدِنَا الصِّرَ‌اطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال مسلم بن حيا: سمعت أبا بريدة يقول: صراط محمد وآله(٢) .

٣ - قال السيد محمد بن يوسف الحسيني التونسي المالكي الشهير بالكافي في كتابه " السيف اليماني المسلول ": روى أبو بكر محمد بن مؤمن الشيرازي في كتابه المستخرج من التفاسير الاثني عشر قال عليعليه‌السلام : يا رسول الله من الفرقة الناجية؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

" المتمسكون بها أنت وأصحابك "(٣) .

٤ - روى الذهبي في ميزان الاعتدال عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " يا بن أبي طالب، أمَّا أنَّك وشيعتك في الجنة ".

وروى الخطيب البغدادي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " يا أبا الحسن أمَّا أنَّك وشيعتك في الجنة ".

وفي إسعاف الراغبين للصبان الشافعي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " يا أبا الحسن أما أنت وشيعتك في الجنة "(٤) .

____________

١ - الصواعق المحرقة: ٢/٤٣٧. تذكرة الخواص: ص ٢١.

٢ - وراجع: شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني: ١/٥٧ حديث ٨٦ - ٩٥ و ١٠١ - ١٠٥. الإتحاف بحب الأشراف، الشبراوي الشافعي: ص ٧٦. كفاية الطالب: ص ١٦٢. إحقاق الحق: ٣/٥٣٤.

ملحق المراجعات: ص ٣٤٣.

٣ - ص ١٦٩، مطبعة الترقي بدمشق.

٤ - راجع هذه الاحاديث في إحقاق الحق: ٧/٧٥ و ٣٠٧ و ٣٠٩.


وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " يا علي إنك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين ويقدم عليه عدوك غضابا مقمحين "(١) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي: " أنت وشيعتك موعدي وموعدكم الحوض "(٢) .

٥ - قال الأستاذ عبدالحليم الجندي - من أهل السنة -: " والتشيع لعلي مكانةٌ للفوز تقررت بالسنة. روى السيوطي عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي فأقبل علي، فقال النبي: " والذي نفسي بيده إنَّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة...

وعن أم سلمة(٣) أنَّ النبي قال لعلي: " أنت وأصحابك في الجنة ".

وفي نهاية ابن الأثير ما نصه في مادة (قمح) " وفي حديث علي قال له النبي:

" ستقدم على الله أنت (وشيعتك) راضين مرضيين، ويقدم عليها عدوَّك غضابا مقمحين ".

والزمخشري يروي في ربيع الأبرار حديث النبي عن (شيعة ولدك) وهو يتحدث إلى علي. وفي مسند أحمد بن حنبل وخصائص النسائي كثير في الدلالة على شيعة علي.

ويخصص المسلمون (الشيعة) بأنهم هم التابعون والمقتدون والمتميزون باتباعهم واقتدائهم الكامل بالإمام علي والأئمة من بنيه "(٤) .

٦ - قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " من مات على حب آل محمد مات شهيدا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة، ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس في بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في

____________

١ - الصواعق المحرقة: ٢/٤٤٩. كنوز الحقائق: ٢٠٣.

٢ - تفسير الدر المنثور: ٦/٣٧٩.

٣ - الإمام جعفر الصادق: ص ٣٠.


قبره بابان إلى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله... "(١) .

٧ - قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " اجعلوا أهل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، ولا يهتدي الرأس إلاّ بالعينين " ((٢) .

شبهة وردّها

بعد أن ثبت لنا أنَّ الشيعة الإمامية هم الفرقة الناجية قد يقول قائل كيف يصح هذا بالرغم من أنَّ أهل السنة أكثر منهم عددا وفيهم فلان وفلان من العلماء...

لقد أورد ابن عثيمين السلفي مثل هذه الشبهة على لسان الأشاعرة من أهل السنة ونحن نورد شيئا من كلامه ليكون أبلغ في الرد ومن مورد " وشهد شاهد من أهلها ". قال:

"... إنَّ الحق لا يوزن بالرجال وإنما يوزن الرجال بالحق، هذا هو الميزان الصحيح...

فإنَّ الإنسان بشر يفوته من كمال العلم وقوّة الفهم ما يفوته، فقد يكون الرجل ديّنا وذا خلق، ولكن يكون ناقص العلم أو ضعيف الفهم، فيفوته من الصواب بقدر ما حصل له من النقص والضعف، أو يكون قد نشأ على طريق معين أو مذهب معين، لا يكاد يعرف غيره، فيظن أنَّ الصواب منحصر فيه، ونحو ذلك... "(٣) .

____________

١ - الثعلبي في تفسير آية المودة. تفسير الكشاف، الزمخشري الحنفي: ٤/٢٢٠ - ٢٢١. نور الأبصار، الشبلنجي: ص ١٠٤ - ١٠٥. تفسير الفخر الرازي: ٧/٤٠٥. ينابيع المودة: ص ٢١ و ٢٦٣ و ٣٦٩.

إحقاق الحق: ٩/٤٨٦. فرائد السمطين: ٢/٢٥٥. ملحق المراجعات: ص ٣٣٣.

٢ - إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص ١١٠. الفصول المهمة، ابن الصباغ المالكي: ص ٨. مجمع الزوائد، الهيثمي الشافعي ٩/١٧٢. ملحق المراجعات: ص ٣٣٢.

٣ - القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، محمد الصالح العثيمين: ص ٨٨.


وقال استاذنا القيسي في جوابه على الشبهة نفسها: " لا أحد من الخلق سوى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمكن أن يكون حجة على دين الله، وإنما الدين حجة على كل الخلق، إضافة إلى أنَّ الحق لا يعرف بالرجال، وإنما الرجال يعرفون بالحق، فاعرف الحق تعرف أهله "(١) .

ونحن وجدنا النصوص ملزمة لنا على الرجوع لآل البيتعليهم‌السلام كحديث الثقلين، " فاتّباع النص فرض سواء أجمع الناس عليه أو اختلفوا فيه، لا يزيد النص مرتبة في وجوب الاتباع أن يجمع الناس عليه، ولا يوهن وجوب اتباعه اختلاف الناس فيه، بل الحق حقٌّ وإن اختلف فيه، وأنَّ الباطل باطلٌ وإن كثر القائلون به! "(٢) . وقال صديق حسن خان: " اعلم انه لا يضير الخبر الصحيح عمل أكثر الأمة بخلافه لأنَّ قول الأكثر ليس بحجة "(٣) .

وقال الفضيل بن عياض: " اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلَّة السالكين، وإيّاك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين "(٤) .

بعد جواب أهل السنة لأنفسهم أود أن أقول: إن كنتم أتباع الكتاب والسنة فليكونا هما الدليل الشرعي في إثبات المذهب وليس منهج السلف، فكما يوجد عندكم سلف فلشيعة آل البيت سلفٌ عظام.

قال تعالى:( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُ‌دُّوهُ إِلَى اللَّـهِ وَالرَّ‌سُولِ ) (٥) فلنرجع

____________

١ - كتيب توحيد الأسماء والصفات كان مقررا كمدخل لدراسة مساق عقيدة ٢ في كلية الشريعة في جامعة اليرموك: ص ١٧.

٢ - الإحكام في اصول الأحكام: ص ٥٠٥.

٣ - راجع قواعد التحديث للقاسمي: ص ٩١ عن حصول المأمول من علم الأصول.

٤ - الأذكار، النووي: ص ٢٣٨ - ٢٣٩.

٥ - النساء: ٥٩.


إلى الله ورسوله لنعرف الحق، وإذا رجعنا إليهما نجد النصوص القرآنية والنبوية تحثّ على حبِّ آل البيت والتمسك بهم مع القرآن وموالاتهم ومعاداة أعدائهم، ووجدنا النصوص تحذّر من اتباع الصحابة إذ إنهم يساقون إلى النار ولا يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم.

فهل سنسلم للنصوص؟!


الفصل الثاني

القول المختصر فيمن تشيع وشعر


توطئة:

كما أننا توصلنا إلى المنهج الحق، فقد سبقنا لهذا كثيرٌ من علماء أهل السنة، الذين لم يكن هدفهم إلاّ رضا الله ن فتمردوا على بيئتهم وموروثاتهم، ونظروا بعين البصيرة، وبحثوا عن الحقيقة فوجدوها في اتّباع آل البيت، فخلعوا ثوب أفكارهم الذي حاكه المجتمع، ولبسوا ثوب الحقّ المطرّز بالفكر الإسلامي الصحيح، فكر آل البيت، الذين نزل القرآن في بيوتهم، وأمرنا بالتمسك بهم مع كتاب الله.

وقام هؤلاء العلماء الأجلاء بتأليف كتب في أسباب استبصارهم وانتشرت في كل مكان. ونحن في بحثنا هذا سنقف مع بعضهم وقفةً قصيرة، مستفيدين ممّا كتبوا في دعم ما توصلنا إليه، من أنّ الفرقة الناجية هم الشيعة.

فتعال معنا - أخي المسلم - وأمعن فكرك في كلماتهم وكن من الذين قال الله فيهم:( وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرّبُونَ ) (١) فالعبرة بعموم اللفظ( وَالّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنّهُمْ سُبُلَنَا ) (٢) .

____________________

١ - الواقعة: ١٠ و ١١.

٢ - العنكبوت: ٦٩.


الشيخ محمد مرعي الأنطاكي

ولد الشيخ الأنطاكي في قرية عنصو - إحدى القرى التابعة لأنطاكية - سنة ١٣١٤ هـ.

سافر الشيخ الأنطاكي وأخوه أحمد إلى مصر لطلب العلم وأخذا جلّ العلوم عن مشايخ الأزهر ومنهم: الشيخ مصطفي المراغي شيخ الأزهر، محموداً أبو طه المهني والشيخ رحيم...

ولما برعا في التحصيل وحصل لهما شهادات راقية وأرادا العود، طلب منهما بعض أعلام مصر أن يبقيا ليكونا مدرسين بالأزهر فأبيا ووجدا أنّ بلادهما أحوج إليهما...

ذكر الشيخ الأنطاكي في بداية كتابه - لماذا اخترت مذهب الشيعة - أبياتاً من الشعر وهي:

قالوا:

لماذا اخترت مذهب آل طه

وحاربت الأقارب في ولاها

قلت:

لأني رأيت الحقَّ نصاً

ورب البيت لم يألف سواها

فمذهبي التشيّع وهو فخرٌ

لمن رام الحقيقة وامتطاها

وفرعي من علي وهو در

صفا والدهر فيه قد تباها

وهل ينجو بيوم الحشر فرد

مشى في غير مذهب آل طاها

فلا أصغي لعذلٍ بعد علمي

بأنّ الله للحق اصطفاها

ولا أهتم في الدنيا لأمرٍ

إذا ما النفس وافاها هداها

قال الأنطاكي: وبعد، فلقد هدانا الله تعالى وقدّر لنا الأخذ بالمذهب الحق،


مذهب أهل البيتعليهم‌السلام ، مذهب حفيد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام الذي تفرعت عنه واستقت منه جميع المذاهب الأربعة، فهو أصل للمذاهب وهي الفروع. إذ أنّ أوّل من أخذ عن جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام هو أبو حنيفة نُعمان بن ثابت، لما ثبت عنه حيث يقول: « لو لا السنتان لهلك النعمان » يريد بذلك السنتان اللتان حضر فيهما على الإمام الصادقعليه‌السلام وأخذ العلوم عنه.

ثم مالك أخذ العلوم عن كتب أبي حنيفة. ثم الشافعي، أخذ عن مالك، ودرس عليه، ولقنه ما أخذه عن كتاب أبي حنيفة عن الصادقعليه‌السلام . ثم أحمد بن حنبل كذلك.

- إذن فجميع المذاهب الأربعة تفرَّعت عن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهم‌السلام . وجميع المصادر التاريخية - سنيةً كانت أم شيعية - متفقة على ذلك، فما وجد في كتب المذاهب الأربعة موافقاً للمذهب الجعفري فهو عن جعفر بن محمدعليه‌السلام وما كان مخالفاً فهو عن اجتهادهم وقياسهم واستحسانهم.

وقال عن الأسباب التي دعته للأخذ بمذهب أهل البيتعليهم‌السلام : « وهي أمور كثيرة نذكر منها:

أولاً: رايت أنّ العمل بمذهب الشيعة مجزئ، وتبرأ به ذمة المكلف بلا ريب، وقد أفتى بصحته كثيرون من علماء السنة السابقين واللاحقين وأخيراً منهم الشيخ الأكبر «زميلنا» فضيلة الشيخ محمود شلتوت رئيس الأزهر مفتي السنة في دوره...

ثانياً: أنّه قد ثبت عندي بالأدلة القوية والبراهين القاطعة والحجج الدامغة الرصينة الواضحة، التي هي كالشمس الساطعة في ضاحية النهار ليست دونها سحاب، أحقية مذهب أهل البيتعليهم‌السلام وأنّه هو المذهب الحق الذي أخذه الشيعة عن أئمة أهل البيت عن جدهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن جبرائيل عن الرب الجليل، وأخذه الثقاة عن الثقاة من يوم البعثة إلى يوم البعثة لا يختلف آخرهم عن أوّلهم.

ثالثاً: أنّ الوحي نزل في بيتهم، وأهل البيت أدري وأعرف بما في البيت من غيرهم. فجدير بالعاقل المدبر أن لا يترك ما صحّ لديه من الأدلة منهم، ويأخذ من


الأجانب والدخلاء.

رابعاً: كثير من الآيات الواردة في الذكر الحكيم والقرآن المجيد الدالة على ما ندّعي...

خامساً: كثير من الأحاديث المأثورة والأخبار الواردة عن النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الدالة على ذلك وقد ذكرها الفريقان «الشيعة والسنة» في كتبهم... وقد أتينا على كثير منها في كتابناً «الشيعة وحجتهم في التشيع» فراجع هناك تجد ما فيه الكفاية...

ثم قال: ومن جملة الأسباب التي دعتنا إلى التشيّع هي وقوع كثير من المناظرات التي جرت بيني وبين بعض علماء الشيعة. وفي اثناء المناظرة كنت أجد نفسي محجوجاً معهم، غير أني أتجلَّد وأدافع دفاع المغلوب مع ما أنا عليه بحمد الله من الاطلاع الواسع.

وقد طالت المناظرة بيننا زمناً طويلاً لا يقل عن ثلاث سنين تقريباً، وقد وقع في نفسي شيءٌ من الريب في المذاهب الأربعة لكثرة الخلاف فيها...

قال: ثم أشتهر أمرنا في البلاد، وذاع وشاع وملأ الأسماع، حتى أخذ الناس يتراكمون علينا يسألوننا عن السبب الذي دعانا إلى الأخذ بمذهب أهل البيت مذهب الحق، وترك المذهب الشافعي، وكنا نجيبهم بأنّ الأدلة قامت لدينا، فمن أراد منكم أن نوضح له المذهب الحق فليأت إلينا.

وكانوا يأتون إلينا من كل حدب وصوب من مختلف الطبقات من العلماء والأساتذة والوجهاء والتجار والكسبة والموظفين وغيرهم فكنّا نلقي عليهم الحقائق من المصادر الموثوقة من مصادرهم.

فمنهم من يسمع ويقنع ويأخذ بالمذهب (مذهب أهل البيتعليهم‌السلام ) ويرفض مذهبه، ومنهم من يتعصَّب ويبقى على مذهبه وعذره الجهل والتعصب ليس إلاّ - مع أنّه غير قادر على الدفاع عن مذهبه.

وقد عرفت بأنَّ الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة، من كلا الطرفين، طافة في كتب الفريقين بأحقية الأخذ بالمذهب الجعفري، إذ إنّه سلسلة ذهبية متراصة حلقاتها


بعضها ببعض لا تنفصم...

وبذلك وضح لنا الطريق إلى الدخول في المذهب الشيعي، فاعتنقناه بكل فرح وسرور، إذ لا مناص لنا من الأخذ به طلباً للنجاة ورجوعاً إلى الرشاد. هدانا الله وإياك إلى ما فيه رضاه وهو الموفق والمرشد والهادي لكل خير وصلاح...

وقال: ولعمري ما أدري أي معذرة أعدها القوم ليوم الحساب الذي تشخص فيه الأبصار. يوم تبلغ فيه القلوب الحناجر. فإلى متى هذا الإعراض والوقوف عن معرفة كتب الشيعة الأبرار، أتباع الأطهار؟ وإلى متى هذا الإجحاف في حق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووصيه وخدنه أمير المؤمنين؟ اللهمّ فاشهد أنّا قد أتممنا الحجة، وسهلنا السبيل لإخواننا السنّة، اللهم اهدهم كما هديتنا وأرشدهم كما أرشدتنا فإنك الهادي والمرشد إلى سواء السبيل...


الشيخ أحمد أمين الأنطاكي

هو الأخ الأكبر للشيخ محمد السابق ذكره تخرج مع أخيه في الأزهر، وكان الشيخ أحمد - قبل إظهاره التشيّع واعتناقه مذهب أهل البيتعليهم‌السلام - إماماً ومدرساً في مدينة حلب في سوريا.

قال في مقدمة كتابه «في طريقي إلى التشيّع»: «إنّ سبب تشيعي هو قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المتفق على صحته لدى المذاهب الإسلامية كلها: «مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق» فرأيت أنني لو اتبعت أهل البيتعليهم‌السلام وأخذت أحكام ديني عنهم فلا شك أني أبلغ النجاة. ولو تركتهم واستمديت أحكام ديني من غيرهم، فلا ريب أكون من الضالين...

كنت أنا وأخي الشيخ محمد مرعي أمين، ننقب ونبحث دائماً في المذاهب والديانات ونفكِّر في العقائد والمذاهب، ونتعب من الخلافات الحاصلة بين المذاهب الأربعة، وأخذنا التحير إلى أن جاء وقت من الأوقات ونحن في حلب. كان رجل في فندق يدعى عبد القادر ومعه كتاب المراجعات تأليف المغفور له السيد عبد الحسين شرف الدين، فعثر شقيقي الشيخ محمد عليه وبعد مطالعته وفهم ما حواه، أتاني وقال لي: خذ هذا الكتاب واقرأه وتعجب وفكِّر فيه. فقلت له: إليك عني أبعده فإنه ليس لي به حاجة فإني أكره الشيعة وما هم عليه لأني أعرفهم.

فقال أخي: خذه واقرأه ولا تعمل به، وماذا يضرك إن قرأته؟ فأخذت الكتاب، وجعلت أتصفحه معجباً به مكبراً لما حواه. وقفت أفكر بهذا الكتاب وما فيه من الحكميات والمحاكمات بين السيد عبدالحسين وبين شيخ الأزهر سليم البشري. والشيخ يسأل عن كل مسألة والسيد يجيبه وهكذا إلى أن كمل الكتاب والسيّد يوقع - ش -


والشيخ يوقع - س - رمزاً إلى شيعي وسني.

- فعندئذ بدأت أتدبر مقالاتهما فأعجبني ما في هذا الكتاب من البلاغة والحكمة ورأيت أنّ الذي يجيب به السيد - سائله - هو الحق المبين ولم يبق عندي أدنى شبهة البتة، وشيخ الأزهر لا يمكنه إلاّ التسليم بصحة كلما يجيبه به السيّد المعظم.

- وبدأنا نتذاكر أنا وأخي في هذا المذهب. فمرةً يجعل أخي نفسه سنياً وأنا أكون شيعياً ونبدأ بالمناظرة فنرى الحق مع الشيعي وأخرى بالعكس أجعل نفسي سنياً وأخي شيعياً فيظهر الحق أيضاً مع الشيعة. وهكذا دار الأمر بيني وبين أخي.

فلمّا يكون أخي شيعياً يطلب مني الدليل على صحة التمسّك بأحد المذاهب الأربعة فلم أر شيئاً لدي، فيقول لي ما دليلك على صحة تعبدك بمذهب الشافعي؟ هل من آية أو رواية؟ فلم أرَ أيةً ولا رواية أستدل بها على صحة التمسك بأحد المذاهب فأقول له: الإجماع. فيقول: الاجماع مفقود بل يستحيل وجود الإجماع لأنّهم اختلفوا في نفس المذاهب فكيف يكون هناك إجماع؟

وإذا أنا سألته عن صحة المذهب الجعفري وطلبت منه أن يأتي بآية أو رواية فيقول: جاء في الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «مثل أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى» وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما» الحديث المشهور بل المتواتر عند الفريقين.

- ثمّ يستدل بآيات القرآن المجيد المجمع على نزولها في أهل البيتعليهم‌السلام .

-( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى‏ ) (١) .

-( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٢) .

____________________

١ - الشورى: ٢٣.

٢ - الأحزاب: ٣٣.


فيلزمني العقل والضمير بالتسليم له وأقول أنا لم يسعني إلاّ التمسك بهذا المذهب الحق الذي هو مذهب أهل البيتعليهم‌السلام وأهل البيت أدري بما فيه. وهكذا رأينا أنّ الحق في جانب مذهب أهل البيت، فاعتنقنا المذهب الجعفري ولم يبق لنا سبيل إلى غيره كما قال الكميترحمه‌الله :

وما لي إلاّ آل أحمد شيعة

وما لي إلاّ مذهب الحق مذهب


محمد التيجاني السماوي

هذا العالم السني، يعتنق مذهب أهل البيت، بعد سنوات من البحث عن الفرقة الناجية.

ولد في تونس، وسافر إلى البلاد العربية، وفي مصر طلب منه علماء الأزهر البقاء للتدريس عندهم، وسافر إلى العراق والتقى بعلماء الشيعة ثم عاد إلى تونس وبدأ يبحث حتى هداه الله إلى التشيّع وكل هذه التفصيلات تجدها في كتابه (ثمّ اهتديت).

قال: «لكن الشيعة ثبتوا وصمدوا وصبروا وتمسكوا بالحق، لا تأخذهم في الله لومة لائم، وهم يدفعون حتى اليوم ثمن هذا الصمود، وإني اتحدى أي عالم من علمائنا أن يجلس مع علمائهم ويجادلهم فلا يخرج إلاّ مستبصراً بالهدى الذي هم عليه. نعم وجدت البديل والحمد لله الذي هداني لهذا وما كنت لأهتدي لو لا هداني الله.

الحمد لله والشكر على أن دلني على الفرقة الناجية التي كنت أبحث عنها بلهف، ولم يبق عندي أي شك في أنّ المتمسك بعلي وأهل بيته قد تمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها. والنصوص النبوية على ذلك كثيرة أجمع عليها المسلمون، والعقل وحده خير دليل لمن ألقى السمع وهو شهيد...

نعم وجدت البديل بحمد الله، وصرت أقتدي برسول الله، بأمير المؤمنين وسيّد الوصيين وقائد الغرّ المحجَّلين أسد الله الغالب الإمام علي بن أبي طالب، وبسيدي شباب أهل الجنة وريحانتي النبي من هذه الأمة الإمام أبي محمد الحسن الزكي والإمام أبي عبد الله الحسين، وبضعة المصطفى سلالة النبوة وأم الأئمة ومعدن الرسالة ومن يغضب لغضبها رب العزة والجلالة سيدة النساء فاطمة الزهراء.

وأبدلت الإمام مالك بأستاذ الأئمة ومعلّم الأمة الإمام جعفر الصادق، وتمسكت بالأئمة التسعة المعصومين من ذرية الحسين، أئمة المسلمين...


وقال في حديث الثقلين: «وإذا أمعنا النظر في هذا الحديث الشريف الذي أخرجه صحاح أهل السنة وجدنا أنّ الشيعة وحدهم هم الذين اتبعوا الثقلين (كتاب الله والعترة النبوية الطاهرة) بينما اتبع أهل السنة والجماعة قول عمر (حسبنا كتاب الله)...».

وبعد ذكره لفضائل علي وحديث (باب مدينة العلم) قال: «فلماذا لا تقلدوه في أمور دينكم ودنياكم إن كان اعتقادكم فيه صحيحاً بأنه باب مدينة العلم؟

لماذا تركتم الباب عمداً وقلّدتم أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وابن حنبل وابن تيمية الذين لا يدانوه في علم ولا عمل ولا فضل ولا شرف، فأين الثرى من الثريا...

فهل عندهم - أهل السنة - دليل من كتاب الله أو سنة رسوله على اتّباع وتقليد أولئك الأئمة الأربعة، أصحاب المذاهب؟! فأنا اتحدَّى الثقلين من الإنس والجن أن يأتوا بدليل واحد على ذلك من كتاب الله أو من سنة رسوله. فلا والله، لا ولن يأتوا به ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. لا والله، ليس هناك من كتاب الله وسنّة رسوله إلاّ على اتباع وتقليد الأئمة الطاهرين من عترة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ...».

وها هو التيجاني يبعث نداء لأهل السنة يدل على حرصه وحبه لهم قال: «يا أهلي وعشيرتي لنتجه - على هدى الله تعالى - إلى البحث عن الحق، ونبذ التعصب جانباً، فنحن ضحايا بني أمية، وبني العباس، وضحايا التاريخ المظلم، وضحايا الجمود الفكري الذي ضربه علينا الأوائل، إننا لا شك ضحايا الدهاء والمكر الذي أشتهر به معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وأضرابهم، ابحثوا في واقع تاريخنا الإسلامي لتبلغوا الحقائق الناصعة، وسيؤتيكم الله أجركم مرتين، فعسى أن يجمع الله بكم شمل هذه الأمة، التي نكبت بعد موت نبيّها، وتمزّقت إلى ثلاث وسبعين فرقة، هلموا لتوحيدها تحت راية لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، والاقتداء بأهل البيت النبوي، الذين أمرنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باتباعهم...».

و للتيجاني عدة كتب غير (ثم اهتديت) وهي (مع الصادقين)، (فاسألوا أهل الذكر)، (الشيعة هم أهل السنة)، (اتقوا الله). فما أجدر روّاد الحق بقراءة كتبه الممتعة.


صائب عبد الحميد

هو من العراق بدأ كتابه «منهج في الانتماء المذهبي» بمقدمة جميلة وما أحرى عشاق الحق بقراءة هذا الكتاب.

قال عن حديث الثقلين: «وهو من أشهر الأحاديث الشريفة، ذلك الحديث الذي يلخّص الأمانة الكبرى التي تركها رسولنا الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أعناقنا من أجل حفظ الدين وحفظ هذه الأمة بحفظ دينها...

وقد ورد هذا الحديث في أغلب كتب السنن وبطرق عديدة يمتنع معها تسرب الشك إليه بأي شكل من الأشكال.

وقد يكون هذا النص النبوي الشريف لوحده كافياً في تعيين خلفاء الرسول، وأئمة المسلمين.

فانظر إلى عبارته بدقة تجده قد جعل الكتاب وأهل البيت متلازمين أبداً:

«لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».

ثم انظر كيف توجه إليهما بلفظ واحد. ولم يفرق بينهما حتى في الخطاب، فقال: «فإنهما»، «لن يفترقا»، «حتى يردا» فهو تلازم في التعبير والإشارة. هذا بعد ما في صدر الحديث من كلام يفيد الإلزام، ويؤكد وجوب الحرص عليه، فهو إضافة إلى كونه أمر النبيّ الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتوجيهه، فهو أيضاً يمثّل خلاصة الدعوة النبوية، فإنّه:

«يوشك أن يأتي رسول ربي، فأجيب».

و «إني تارك فيكم الثقلين...»، «خليفتين».

«ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي...».

وهي أمانته في أمته: «فانظروا كيف تخلفوني فيهما». «أذكركم الله في أهل بيتي»


ونحن مسؤولون: «أيها النّاس، إنّي فرطكم، وأنتم وارديّ على الحوض، وإني سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»...

وهل يستدعي هذا النص مزيداً من الإيضاح؟ فقد أمرنا نبينا الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أمراً جلياً صريحاً بالتمسك بسببين، وصفهما أنهما سببا النجاة وطريق الهداية. «ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي» ثم هما (متلازمان) فلا يصح فصل أحدهما عن الآخر «وإنهما لن يفترقا» حتى يردا على رسول الله يوم القيامة.

ثم سمّاهما تسمية صريحة، فقال: «كتاب الله، وعترتي أهل بيتي» ثم قطع الطريق على المعتذرين، فقال: «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي»، «وإني سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما».

فهذا نصّ صريح في تعيين خلفاء الرسول من بعده. وهذا نص متفق عليه، أجمع على روايته أصحاب السنن والفضائل كافة - سوى البخاري - وذكره أيضاً أصحاب السير والتفسير...

وعلّق الأستاذ صائب على حديث السفينة فقال: «وإنّما أراد سيد الفصحاءصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من هذا التشبيه أن يرسم صورة حيّة عن حقيقة الدنيا، ورحلة الإنسان فيها إلى الآخرة، فمثّل لها بذلك الطوفان المخيف، الذي ثبتت له في أذهان المسلمين صورةً مرعبة وهم يقرؤونه في القرآن الكريم، مشهداً حيّاً.

ذلك الطوفان الذي أتى على كل شيء، فلم ينج منه إلاّ تلك السفينة ومن فيها( وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْريها وَمُرْسَاهَا إِنّ رَبّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ ) (١) .

ذلك هو مَثل أهل البيت في خضمّ الأحداث، وازدحام الفتن، واختلاف النّاس، واضطراب الأهواء في بحور متلاطمة من تنافس الأفكار، والمسالك والاهواء والعقائد،

____________________

١ - هود: ٤١ و ٤٢.


بحور لن تبقي على شيء، وسيبتلع كل شيء موجها، بل قل شررها! حتى لم ينج منها إلاّ تلك السفينة - سفينة أهل بيت المصطفى سفينة نجاة هذه الأمة - ومن تعلق بها وذاك هو الذي يرجع إليهم في أمور دينه، يأخذ عنهم الأصول، والفروع، والعقائد، وينهل من عذب كوثرهم المحمدي معالم الآداب والقيم، يحبّهم وينصرهم، ويواليهم، فهذا هو الذي أمن إذا فزع النّاس، ونجا إذا هلكوا..

بينما كان مثل الذي لجأ إلى غيرهم في أمر دينه وعقيدته، كمثل الذي قال:( سَآوِي إِلَى‏ جَبَلٍ يَعْصِمُني مِنَ الْمَاءِ ) أليست هذه هي الصورة التي يرسمها حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟».

وقال في موضع آخر ذاكراً شيئاً من تجربته: وإني اعترف على نفسي أن لو لم تتداركني رحمة ربي وتوفيقاته، لصرعتني تلك النفس (المعاندة) ولقد كادت، ونجحت مرّةً، ولكن الله أعانني عليها... وأفقت مطمئناً في أوسط سفينة النجاة، وأنهل من منهلها العذب الصافي، وها أنا أحدثك من ظلال ربيعها الزاهر.

وما أن رأوا مني هذا، حتى هجرني من كان يحبني، وجفاني من كان يقول فيّ أنّي من أهل قوله تعالى:( وَعِبَادُ الرّحْمنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرضِ هَوْناً ) (٢) .

وليس لهم حجة فيما حملوه، إلاّ الذي كان يخالطني من تلك النفس المعاندة، ولقد حاورني أحدهم، ولعلّه من أفضلهم فقال: أتدري ماذا فعلت أنت؟!

قلت: نعم، لقد أخذت بمذهب الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين، ابن سيّد شباب أهل الجنة، ابن سيد الوصيين، وسيدة نساء العالمين، وابن سيّد المرسلين فقال: ولماذا تركتنا هكذا، والناس تقول فينا ما تقول؟ قلت: لأني قلت ما يقول الله ورسوله.

____________________

١ - هود: ٤٣.

٢ - الفرقان: ٦٣.


قال: أي قول تعني؟

قلت: قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي».

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهم، أنّهم سفن النجاة التي من ركبها نجا. فقال وكأنه يقاطعني: ومن تخلف عنها غرق. أتعني أننا كلّنا غرقى؟!

قلت: لماذا؟ ألا ترى أنّك من المتمسكين بهم؟!

قال: نحن نتمسك بالخلفاء الراشدين، بحسب ترتيبهم في الخلافة، ثمّ بالمذاهب الأربعة!

فقلت له: وما ذنبي إذن تعاتبني؟ ذلك قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فمضى...

وقال الأستاذ صائب: لماذا هذا الإعراض عن فقه أهل البيتعليهم‌السلام ؟! فهل كان غيرهم من أئمة الفقه أعلم منهم؟

لقد كان رائد مدرسة أهل البيت في الفقه، الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام وقد عاصره من أئمة الفقه الذين اعتمد فقههم، وأوقف العمل على فتاويهم: أبو حنيفة، ومالك بن أنس، ثم تلاهم الشافعي، وأحمد بن حنبل، فهل كان معاصروه، أو التابعون له أعلم منه وأفضل؟...

فلماذا إذن لا يؤخذ الفقه من أفضل الناس، وأعلمهم، وأعلمهم باختلاف الناس؟ دع عنك الخلاف في أمر الإمامة، وإن بايعوا من بايعوا ووالوا من والوا، ولكن هذه مسائل الفقه، والحلال والحرام، فما الذي يمنع أن نأخذها من أعلم الناس؟!... أم يقال: إنَّ الشيعة قد كذبوا على أئمة أهل البيت. إذا كانت هذه الطائفة من المسلمين قد كذبت على أئمة أهل البيت، وابتدعت لها طريقاً نسبته إليهم، فمال بال أصحاب هذه الدعوى من طلاّب الحق لم يأخذوا الصحيح عنهم عليهم السلام ويتمسكوا به ويحفظوه لنا، لنعرف فقه أهل بيت نبيّنا عليه وعليهم الصلاة والسلام؟!


إن كانوا يتحرون الحق، ويوالون أهله، فما بالهم لم يأخذوا دينهم - بأصوله وفروعه - عن أئمة الهدى، وزعماء الدين، ورواد العلم، والفقه، والشرف، والتقوى؟!

لماذا تركوهم وأعرضوا عنهم، وراحوا يلتمسون العقائد والأصول والفروع وكل شيء ممن هو دونهم بلا ريب؟!

وليس هذا فقط، بل إذا رأوا من يحفظ حديثهمعليهم‌السلام قالوا: هذا رافضي. وتركوه!

هذه هي حقيقة تلك الدعوى، فلو صدقوا فيما زعموا لاتبعوهم وهم يشهدون لهم بالفضل...

فلماذا هذا الإعراض عنهم، والتمسك بمن هو دونهم في الدرجات؟!...

ثمّ ألا يكفينا حجةً للتمسك بهمعليهم‌السلام أنّهم الثقل الملازم للقرآن، فلاهما يفترقان، ولا يضل متمسِّك بهما أبداً؟!...».

وللأستاذ صائب عبدالحميد عدة كتب منها: (ابن تيمية - حياته - عقائده - موقفه من الشيعة وأهل البيت)، (حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي)، وتاريخ الإسلام الثقافي والسياسي - مسار الإسلام بعد الرسول ونشأة المذاهب).


أحمد حسين يعقوب

الأستاذ المحامي أحمد حسين يعقوب، من الأردن. قام المحامي بكتابة عدّة مقالات في جريدة اللواء الأردنية ولفت انتباهي مرةً بعض المقالات القيّمة عنونها: بـ (إشكالات الفكر السياسي على الساحة الأردنية) بسبع حلقات.

ونظراً لأهمية هذه المقالات فسأثبتها هنا ملخصه حتى تحيا من جديد فربما تحيا بها القلوب. وقبل الشروع بالكتابة أودّ وبعد استئذان المحامي الكريم أن أجعل العنوان: (إشكالات الفكر السياسي على الساحة الإسلامية).

وملخص ما كتبه كالتالي:

(كل فرقة من الفرق الدينية الـ (٧٣) تزعم أنّها الفرقة الناجية، وأنّ الدواء الذي تقدِّمه هو الدواء الأمثل للحالة المرضية الإسلامية، وأنّ مخطط مشروعها النهضوي هو عين المخطط الواجب التنفيذ، وأنّ فهمها للدين هو عين المقصود الإلهي، وهو فهم قائم على الجزم واليقين، وأنّ قيادة الفرقة هي القيادة المثلى التي أختارتها العناية الإلهية لانقاذ الأمة، وتكرر هذه المقولات (٧٣) مرّة من (٧٣) فرقة بنفس الوقت، وهذا غير معقول؛ لأنّ النص الشرعي الذي أجمعت عليه الأمة يؤكد أنّه لا يوجد إلاّ حق واحد، ومقصود إلهي واحد، وقيادة شرعية واحدة، لأمة إسلامية واحدة. فبالضرورة ومع عميق الاحترام، فإنّ ادعاء واحد من هذه الادعاءات صحيح وأنّ (٧٢) ادعاءً، غير صحيح.

والإشكال الحقيقي عند دعاة هذا التيار هو، من هو الطبيب الشرعي الذي يشخص الداء تشخيصاً يقينياً، ويصف الدواء المطلوب وضعاً قائماً على الجزم واليقين؟ من المهندسين القادر على تقديم مخططات يقينية لنهضة الأمة أو مشروعها النهضوي على حد تعبيرهم؟ ومن يشهد للطبيب وللمهندس بأنّهما المؤهلان لذلك، وبفكر من


نسترشد؟ لماذا تعددت الصحاح؟ ولماذا تناقضت أحياناً؟ ولماذا تعددت المذاهب وتضاربت أحياناً؟ لماذا انهارت الخلافة وتعددت صورها...؟ من هو المبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، بياناً قائماً على الجزم واليقين؟ من الذي يفهم النص الشرعي فهماً يقينياً يتفق تماماً مع المقصود الإلهي من ايجاد هذا النص؟. لا خلاف بين أبناء الملَّة بأنّ محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو المبين بالشرع والعقل( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ ) (١) بمعنى أنّ مهمة النبي لم تكن مقصورة على تلاوة القرآن الكريم فحسب، إنما تنصب بالدرجة الأولى والأخيرة على بيان هذا القرآن، بياناً قائماً على الجزم واليقين، ومتفقاً تماماً مع المقصود الإلهي من أحكام هذا القرآن. بمعنى أنّ مهمة النبي أن يوصل الكلمة الإلهية للناس كما أوحيت إليه، ثمّ يقوم ببيانها بياناً قائماً على الجزم واليقين، من خلال نقلها من الكلمة إلى الحركة، ومن النظر إلى التطبيق من خلال قوله وفعله وتقريره. واستمرت عملية البيان، حتى أكمل الله الدين، وأتمّ النعمة، وبيّن كلَّ شيء على الإطلاق، من خلال نواة دعوة الإيمان التي تمخضت عن نواة دولة الإيمان...

عبدٌ لا ينطق عن الهوى، مهمته أن يبين للناس ما نزِّل إليهم من ربهم، وكتاب من عند الله يتضمن الأهداف والوسائل والأحكام المتعلقة بكل شيء على الإطلاق، فالصلة عضوية بين العبد وبين الكتاب، بين النص وبين المبيّن لهذا النص. والإسلام رسالة عالمية، ومهمة أتباعه أن ينشروا هذا الخير ليعم العالم، بمعنى أنَّ البيان مستمر إلى يوم القيامة، فهل تتفضل الأحزاب الدينية مجتمعة ومنفردة، فتدلنا مشكورة على هذا الذي أنيطت به مهمة بيان القرآن الكريم في كل زمان، بياناً قائماً على الجزم واليقين ومتفقاً تماماً مع المقصود الإلهي، من ايجاد النص الشرعي؟ قد يقول كل حزب: رئيس الحزب هو المخول بالبيان!! أو أمير الجماعة!! أو المراقب العام أو الخليفة الغالب!! فهل تتفضل الأحزاب مجتمعة ومنفردة فتأتي بالبرهان الشرعي على ذلك؟ فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا -

____________________

١ - النحل: ٤٤.


بإذن الله - فليعترفوا أنّ هذا أعظم إشكال سياسي يواجه التيار الديني في كل مكان من العالم...

من يبين لكم الحق من الباطل، والصدق من الكذب، والناسخ من المنسوخ، والعام من الخاص، والمحكم من المتشابه والحفظ من الوهم، بياناً قائماً على الجزم واليقين لا على الفرض والتخمين؟...

من هو هذا الشخص؟...

الفرق الدينية العربية(١) ، تدور في فلك المذاهب الأربعة، وتحصل على الأجوبة التي تريدها من أقوال أصحاب هذه المذاهب وعلمائها، ومن هنا تولى قادة الفرق الإسلامية، مهمة بيان الإسلام في العصر الحديث، وقدمت كل فرقة بيانها على أساس أنه هو الإسلام...

الأسرة، والبيت، والبطن، نريد أن نستعرض هذه المؤسسات الثلاثة استعراضاً علمياً وشرعياً ونبحث فيها عن هذا الذي يبين لنا ديننا بياناً قائماً على الجزم واليقين، لا على الفرض والتخمين، بياناً يتفق مع المقصود الإلهي تماماً، فإذا عثرنا عليه فقد أعدنا الرأس الطبيعي لجسد الأمة. عندئذٍ تجري الدماء في عروقها، وتتابع رسالتها، وتجد الحكم الشرعي لكل شيء، فتنقذ العالم معها...

هل نبحث عنه في أسرة ابن تيمية؟ أم في أسرة ابن عبد الوهاب، بوصفها أوّل من أنشأ الفرق الإسلامية المعاصرة، أم في أسرة الإمام البنا؟ أم في أسرة النبهاني؟ أم حتى تنتهي قادة الفرق إلى ٧٢؟ أم في أسرة كل واحد من أصحاب المذاهب الأربعة رحم الله الجميع ورضي عنهم؟ أم أنّ هناك شواخص ومنابع للأمور، وقمم شامخة تتضعضع دونها كل القمم، وشرف باذخ يطأطأ لها دونه كل شرف؟...

وقد رأينا أنَّ البحث عن المنقذ والمبين في الأسر والبيوت والبطون هو أنجع وسائل

____________________

١ - يقصد السلفية، وحركة الإخوان المسلمين، وحزب التحرير...


البحث، وراينا أنَّ الأنسب والأسلم والأجدى أن نبدأ حيث أمرنا الله أن نبدأ بأسرة محمد وبيت محمد، وبطن محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعلَّنا نجد ضالتنا فيه، بالدليل الشرعي لا بالاجتهاد، بالنص لا بالهوى، أنا أعلم أنّ الفرق الدينية تتوجَّس مني خيفة...

هوّني عليك أيتها الفرق، ألم تعلمينا أنّ الحقيقة ضالة المؤمن، أخذها أنّى وجدها؟ فدعوني أعرض بضاعتي حتى وإن كانت مزجاةً في نظركم وإن لم تروها، وبعد ذلك اشتروا أو امضوا في سبلكم، فالدليل الذي لا يعجبكم طالبوا بغيره، والحجّة التي لا تقرعكم نقرعكم بسواها...

أخفقت الفرق الدينية مجتمعة ومنفردة بالإجابة على هذا السؤال؟ وهي تكرر مقولتها: (الإسلام هو الحل). ولكن كيف؟ ولكن كيف؟ ومن هو الذي يبينه بياناً قائماً على الجزم واليقين؟ فهذا الذي كانوا فيه طرائق قدداً؟ فالعامة تقول: أصحاب المذاهب الأربعة، ومنها حجة العامة إذا عرفوا أنّ المذاهب الأربعة قد سادت رسمياً منذ عام (٦٦٥ هـ) أي بعد النبي الأعظم. وانّه لم يكن في عهده الأمجد مذاهب أربعة!! ثمّ إنّ أصحاب المذاهب ينعمون الآن في رحمة الله، فمن يبين لكم دينكم نيابة عنهم أثناء موتهم؟

فتأخذ الحمية الفرقة السلفية فتقول إنّ ابن تيمية هووحده المبين للشرع وهو الداعي الفرد إلى سيرة السلف الصالح وهم يعرفون أنّه شيخ الحنابلة وأنّه لم يأت بجديد للمذهب الحنبلي وأنّ هدفه كان منصباً على إزالة الآثار التي تركها الأشعري عندما ترك الاعتزال وانخرط بالحنابلة، وابن عبد الوهاب لم يأت بجديد. ثمّ إنّ الإثنين ينعمون برضوان الله فكيف يبينون للمسلمين دينهم وهما في قبريهما؟

ينتفض الإخوان غضباً ويقولون: الإمام البنا هو المبين، فأُثني عليه وأسأله تعالى له الرضوان. وتتنادى أركان حزب التحرير ويقولون: النبهاني هو المبين. يرحمه الله وأسأله يسكنه فسيح جنانه، ولكن! أرجوكم كيف يبينون لنا وهم في رحمة الله وهكذا كل فرقة... الخ.

سيجن جنون الفرق الدينية وقد أحيط بها وأقيمت عليها الحجة فتصيح بصوت


واحد: نهتدي بهداهم، ونقتفي آثارهم ونستضيء بفكرهم!! عفواً يا سادتي لماذا (الاندايركت) ما الذي يمنعكم أن تقتدوا بالنبي مباشرةً؟!! ثمّ إنّه لا بد لكل فرقة من مبين يبين لها دينها، ابحثوا عن آل ابن تيمية، وآل ابن عبد الوهاب، وآل البنا وىل النبهاني... الخ فقد تعثرون على خليفة لكل واحد من هؤلاء المؤسسين الفضلاء يرحمهم الله ولكنكم ستبقون ٧٢ فرقة بالوقت الذي ترددون فيه بالعشي والأبكار بأنّ أمتكم واحدة.

فهل أدلكم على البطن المبارك الذي تجدون فيه المبين لدينكم، والموحد لأمتكم، والقادر على أن يجيب على كافة تساؤلاتكم... فيقودكم من الفُرقة إلى الوحدة، ومن المرض إلى الصحة، ومن الشك إلى اليقين، ومن العجز إلى القادم! ستقولون بغير اكتراث ويحك من هو؟ وما هو دليلك؟ ومن هو أفضل من بيان أصحاب المذاهب ومن بيان ابن تيمية وابن عبد الوهاب والإمام البنا، والنبهاني وبقية قادة الفرق الدينية؟...

نزولاً عند رغبة الفرق الدينية، فإننا نؤكد لقادة ومشاة هذه الفرق وعشاق الحقيقة المجرّدة، أنّ المبين والمنقذ والقائد هو بالضرورة من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لأن محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو القاسم المشترك بين المسلمين... والمرجعية بآله الكرام... تمثل البعد التواصلي لقيادة النبي الأعظم... لقد انتقل الصحابة الكرام إلى جوار ربهم، وسقط نظام الخلافة فأين نتجه؟ الفرق الدينية لا تتوقف عن القول: نتجه إلى كتاب الله وسنة نبيه.

نعم، هذا هو الجانب الحقوقي، فأين هو الجانب الشخصي الذي سيقود ويرشد ويبين؟

إنّ الحجة لا تقوم على العباد لو أنّه تعالى أرسل إلى كل مكلف نسخاً من الكتب السماوية؛ لذلك اقتضت حكمته أن تكون رسالة معها رسول وان يكون كتاب ومعه عبد، وأن يكون بيان ومعه المبين، وأنّ بإمكان غلام بالصف الثالث الابتدائي أن يقرأ نصاً قانونياً، وأن يفهم منه شيئاً، وبإمكان عضو محكمة التمييز الأردنية أن يقرأ ذات النص؟ فهل نساوي بين الفهمين؟ ماذا يكون الموقف لو تمسك الغلام بفهمه وأصرّ على القول أنّ فهمه هو عين مقصود الشارع الوضعي، ما لكم كيف تحكمون؟ فلا بدّ من وجود


مرشد ومبين، وقد تظافرت النصوص القرآنية والنبوية القولية والفعلية والتقريرية حول هذه، ولكن تمّ إنكارها أو تمّ تأويلها؛ لأنّ الحكم عند الفرق، هو التاريخ السياسي الإسلامي، وليس الشرع، وأنّ صاحب السلطان المطلق عندهم، هو التقليد واتّباع ما تهوى الأنفس، وليس العقل...

والخلاصة أنّ الأمة يمكنها إذا أرادت الفلاح والوحدة والنهوض من كبوتها... فإنّ عليها أن تبحث عن المنقذ والقائد والمبين عند القرابة الطاهرة، عند بني هاشم عند آل محمد...

فلو صليت على محمد وحده، فانّ صلاتك لا تجزيك، فيجب أن تصلي وتبارك على محمد وعلى الآل(١) ... بمعنى أنّ المسلم إذا لم يصلِّ على النبي وآله معاً في صلاته، فإنّ هذه الصلاة لا تقبل. لماذا هذه الوحدة العضوية بين النبي وآله؟ لماذا فرضت على كل مسلم ومسلمة؟ لماذا ربطت صحة الصلاة بهذه الصيغة والكيفية؟ وهل يمكننا أن نُدخل مع النبي وآله سواهم؟ وهل في الأمة الإسلامية من يتمتع بهذه المزية غير الآل الكرام؟ هل يتمتع قادة الفرق الإسلامية وقادة التاريخ الإسلامي بهذه المزية؟...

هل تجرؤ الفرق الدينية مجتمعة ومنفردة أن تشكك بحديث الثقلين، أو تقول أنه غير صحيح؟ الفرق الدينية مجتمعة ومنفردة أعقل من أن تفعل ذلك فقد روى هذا الحديث ٣٥ صحابياً...

وإنني لأذكر أنني أوردت النص الحرفي لحديث الثقلين بعشر صيغ في إحدى مقالاتي، وذكرت ١٨٥ مرجعاً من عيون المراجع المعتمدة عند أهل الملة، ولو كان مجدياً أن أعيد الكرة لأعدتها. لله أبوك أيتها الفرق، والله لو كانوا غير آل محمد لأقنعكم معشار ما ذكرناه. فالله يقضي بيننا وبينكم بالحق وهو خير الحاكمين...

____________________

١ - ذكر اثنين وعشرين مصدراً لهذه الخصوصية مثلاً: البخاري (كتاب الدعوات) باب الصلاة على النبي. صحيح مسلم (كتاب الطلاق) باب الصلاة على النبي بعد التشهد. النسائي. ابن ماجة...


تتصايح الفرق الدينية.. داعية عليّ بالويل والثبور وعظائم الأمور، ويحك أيها المحامي نحن نحب آل محمد ونصلي عليهم في كل صلواتنا! عفواً أيتها الفرق، إنّ تكييف الحب الذي أمركم الله به، هو أن يحب الواحد منكم النبي وآله، أكثر من ماله وولده، وأكثر من نفسه التي بين جنبيه فهل هذه طبيعة حبكم للآل الكرام، فإن أجبتم بالإيجاب، فَلِمَ تتقدمون عليهم؟ ولم تعطون أموركم دون مشهورتهم؟ بل، ولم تقدمون عليهم من هو أقل منهم في كل شأن؟ وأنتم العجز وهم القادم، وأنتم البدن وهم الرأس بالنص الشرعي، ومتى تقدم العجز على القادم؟ ومتى اعتلى البدن الرأس؟ ما لكم كيف تحكمون؟! أم أنّ لكم لما تخيرون؟! وما معنى حبي لكم إذا أعطيت صوتي بالانتخابات النيابية لغيركم؟!..

لقد قطعتم الرأس الذي خلقه الله لهذه الأمة وركّبه عليها، وفصّله لها، وخصصه إليها، وربطه بها ربطاً محكماً، فقمتم وبدون دراية بالطب بقطع رأس الأمة وتركيب (٧٢) رأس بلاستيكية لتحل محل الرأس الطبيعي، ثم أخذتم تقيمون الأفراح لنجاح العملية وترقصون فوق جسد الأمة التي قطعتم رأسها، وهكذا بضربة فنية ساحقة كسرتم العمود الفقري للنظام السياسي الإسلامي، بعدما دمّرتم المنظومة الحقوقية الإلهية، فأغضبتم ربكم وكسرتم خاطر نبيكم، وأوردتم أمتكم مورد الردى، وفوق الأشلاء ناديتم بأنّ الإسلام هو الحل، وزعمتم أنكم دعاته، لغرض في نفس يعقوب...

ضعوا الرأس في مكانه، وضعوا القلب في موضعه وهو يدبر أمور الجسد!! ذلك أخف كلفة من قطع الرأس الذي لا تريدون، وإجراء عمليات فاشلة لتركيب رأس صناعي تمّ خلعه وإجراء عملية جديدة...».

وبهذا نكون قد أتينا على الحلقات السبع مع العلم أننا اختصرناها اختصاراً شديداً. بقي أن نذكر أنّ للمحامي عدة مؤلفات وهي: (النظام السياسي في الإسلام)، (مرتكزات الفكر السياسي)، (نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام)، (الخطط السياسية في توحيد الأمة الإسلامية).


نصيحتي لكل سني

كلمات نابعة من أعماق قلبي كتبتها وانهمرت دموعي دون أن أشعر.

يا إخواني يا سادتي، إنَّ الفرصة ما زالت سانحة، وسفينة النجاة منتظرة، ما زالت تطلق صفارات من النداء النبوي «من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق»، «تركت فيكم... كتاب الله وعترتي» هلموا أيها النّاس واستجيبوا لنداء السماء. ها نحن قد أوضحنا السبيل. وأقول مقالة أحد الأصدقاء:

لو كان عندي بيان ما بخلت به

وما تركت همومي ترتقي هممي

والحق أني لا أقرأ كتاباً لشيعي، إلاّ وأجد مؤلفه يحتج لما يقول بصحاحنا المعتبرة. أفلا يكفي هذا دليلاً على أحقية هذا المذهب؟

وماذا في التشيّع؟ أليس قد أثبتنا أنه أطروحة الإسلام؟ يقول الأستاذ محمود الكردي: «ومع ذلك فإنّ كل مسلم على وجه الأرض لابدّ أن يكون (شيعياً) من جانب ما، وهو (حبه) لآل بيت الرسول الكريم و (نقمته) على من ألحقوا بهم الأذى والإهانة»(١) .

وأذكر أنني عندما واجهت الحقيقة اصطنعت تبريرات أبرّد بها جوفي واهدئ من روعي. كنت أخاطب نفسي بكلمات لا وزن لها، كنت أقول: لو كان الحق مع الشيعة لأدرك هذا علماؤنا واتبعوهم! وهكذا، ولكن هيهات للوهم أن يصمد أمام الحق، وهيهات أن يصير اللبُّ قشراً والقشر لبّاً...

نعم اصطنعت مجموعة تبريرات، ولكنّ نداء الحق كان يقرعني دائماً. وبقي يلاحقني وأنا أهرب منه. فالحق لقمة صعبة لا تستسيغه النفس. وبقيت هكذا إلى أن خضعت لنداء الله ورسوله فقلت: سمعاً وطاعة يا رسول الله - بأبي أنت وأمي - إذا لم

____________________

١ - مأساة الخلافة في الإسلام: ص ١٧٩.


نسمع كلامك، فكلام من نسمع؟!

هل نتبع هذا الطريق لأنّ فيهم فلاناً وفلاناً؟! فما لنا ولهم؟ ومتى كان الحق يعرف بالرجال؟ والمثل السائر يقول: (عقلك برأسك اعرف خلاصك)(١) .

لقد أمرنا الله ورسوله باتباع آل البيت، فمالنا لا نطيع أمرهما؟ فهل سنجد ناصح أفضل من رسول الله؟!

قال الله تعالى:( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (٢) فما لنا نقف أمام قضاء الله ورسوله ونجعل لأنفسنا الخيرة من أمرهما؟!

أليس الله هو القائل:( فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ) (٣) ؟ فما لنا لا نرضى إلاّ مخالفة أمر الرسول؟!

فيا أخي المسلم! إنني أجعل كتابي هذا حجة عليّ وعليك وأقول هذا بكل طمأنينة فلا تغضب لفلان وفلان وتذكر يوم تقف بين يدي الله، وأعدّ للسؤال جواباً وللجواب صواباً.

إلى كل من يريد معرفة الحق...

قال إحسان ظهير في الإهداء الذي جعله لكتابه (الشيعة والتشيّع) - والذي حمل فيه على الشيعة: «إلى كل من يريد معرفة الحق والحقيقة من السنة أم من الشيعة أهدي كتابي هذا».

نعم يا ظهير لقد وجدنا الحق والحقيقة!!

وتشيّع كثير من أهل السنَّة فضلاً عن علمائهم وهذه بعض أسمائهم:

____________________

١ - يعني: أنت عندك عقل فاعرف طريقَ النجاة بنفسك.

٢ - الأحزاب: ٣٦.

٣ - النور: ٦٣.


١ - سعيد أيوب: من علماء مصر المعروفين له كتاب (معالم الفتن) في جزءين.

٢ - الدكتور حسين الضرغامي: من علماء الأزهر.

٣ - إدريس الحسيني: من المغرب صاحب كتاب (الانتقال الصعب) وكتاب (الخلافة المغتصبة أزمة تاريخ أم أزمة مؤرخ).

٤ - أسعد وحيد قاسم: من فلسطين صاحب كتاب (حقيقة الشيعة الاثني عشرية).

٥ - عيدروس بن أحمد السقاف (ابن رويش الشافعي): في كتابه (المقتطفات).

٦ - صالح الورداني: من علماء مصر له أكثر من خمسة عشر كتاباً منها كتاب (الخدعة رحلتي من السنة إلى الشيعة).

٧ - الدكتور محمد بيومي مهران: من علماء مصر له كتاب (الإمامة وأهل البيت) في ثلاثة مجلدات وله أكثر من ستين كتاباً.

٨ - الشيخ معتصم سيّد أحمد من علماء السودان، له كتاب (الحقيقة الضائعة رحلتي نحو مذهب آل البيت).

( وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدَى‏ آمَنّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً ) (١) .

( رَبّنَا إِنّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبّكُمْ فَآمَنّا رَبّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنّا سَيّآتِنَا وَتَوَفّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ) (٢) .

____________________

١ - الجن: ١٣.

٢ - آل عمران: ١٩٣.


الفصل الثالث

المرجعية السياسية



توطئة:

لقد أثبتنا في البحوث السابقة، ضرورة وجود مرجعية دينية بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، متمثلة بآل البيتعليهم‌السلام وبق ي أن نسلط الضوء على المرجعية السياسية بعد النبي، مع العلم بأنه لا انفصال بين المرجعيتين.

قال أهل السنة: إنَّ النبي ترك أمر الخلافة لأمته، يختارون الخليفة من بينهم، ولكننا وجدنا - ومن كتب أهل السنة - أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عيَّن خليفته من بعده، وهو علي بن أبي طالب وولده الأحد عشرعليهم‌السلام ، والأدلة فيما يأتي:

الأدلة من السنة

حديث الدار:

لما نزل قول الله تعالى:( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (١) في السنة الثالثة من البعثة. دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عشيرته إلى دار عمه أبي طالب. وبعد أن اكلوا وشربوا قال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " أيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي من بعدي. فأحجم القوم.

فقال عليعليه‌السلام : أنا يا نبي الله. وحين قالها لثالث مرَّةٍ وعليٌّ يقول: أنا يا نبي الله، أخذ برقبة علي وقال: إنَّ هذا أخي ووصيي وخليفتي من بعدي فاسمعوا

____________

١ - الشعراء: ٢١٤.


له وأطيعوا... "(١) .

في هذا الحديث دلالةٌ واضحة على استخلاف الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليعليه‌السلام من بعده.

مع صاحب البينات:

قال صاحب كتاب البينات في رده على المراجعات: " إنَّ الذي في الصحاح من نزول هذه الآية، غير هذا. ففي الصحيحين من رواية ابن عمر وأبي هريرة وغيرهما، يناقض هذه الرواية ونحن نسوق رواية واحدة... عن ابن عمر وأبي هريرة - واللفظ له عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - لما نزلت - وأنذر عشيرتك الأقربين - دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قريشا فاجتمعوا فخصَّ وعمَّ فقال: يابني كعب بن لؤي انقذوا أنفسكم من النار... يابني عبد المطلب انقذوا انفسكم من النار. يافاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار... "(٢) .

____________

١ - راجع: تاريخ الطبري: ٢/٣١٩ - ٣٢١. الكامل في التاريخ، ابن الأثير الشافعي: ٢/٦٢ و ٦٣.

شرح النهج، ابن أبي الحديد وصححه: ١٣/٢١٠ و ٢٤٤. السيرة الحلبية، الحلبي الشافعي: ١/٣١١.

منتخب كنز العمال بهامش المسند: ٥/٤١ و ٤٢. شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني: ١/٣٧١.

كنز العمال: ١٥/١١٥. ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق، ابن عساكر: ١/٨٥. التفسير المنير لمعالم التنزيل، الجاوي: ٢/١١٨. تفسير الخازن، علاء الدين الشافعي: ٣/٣٧١ و ٣٩٠. حياة محمد، محمد حسنين هيكل: ص ١٠٤. تفسير الطبري: ١٩/١٢١ وفيه بترٌ لآخر الحديث! وقريب من هذا اللفظ يوجد في خصائص أمير المؤمنين، النسائي: ص ٨٦. كفاية الطالب، الكنجي الشافعي: ص ٢٠٥.

كنز العمال: ١٥/١٠٠. نظم درر السِمطين: ص ٨٣. مجمع الزوائد: ٨/٣٠٢ و ٩/١١٣.

فرائد السِمطين: ١/٨٦. وراجع مسند أحمد: ١/١١١ و ١٥٩. وملحق المراجعات.


نلاحظ أنَّ الله أمر نبيه بإنذار عشيرته الأقربين، فكيف يدعو النبي قريشا وهم ليسوا عشيرته الأقربين؟! هذا أولا.

ثانيا: هلا قلت لنا يا صاحب البينات كيف علم أبو هريرة بمجرى الحادثة التي ذكرت مع أنه أسلم بعد نزول آية الإنذار بسبعة عشر عاما؟!!

وكذلك ابن عمر، كان عمره قرابة السنة!! عند نزول هذه الآية!!

وإن كان الصحابة يرسلون الروايات عن بعضهم بعضا، لكن المفروض عليهم أن يرسلوها عن علي كما أوردناها، وكما أرسلها ابن عباس، وهذا يؤكد لنا عدم صحة هذه الرواية، فالكذب حبائله ضعيفة وثغراته كثيرة.

وأمامنا ثغرة أخرى فقد ذكر صاحب البينات أن الرسول قال: " يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار " فكيف يخاطب الرسول بنتا لم تولد بعد؟!! ففاطمةعليها‌السلام حسب روايات آل البيت - وآل البيت بالذي فيه أعلم - ولدت في السنة الخامسة من البعثة أي بعد نزول هذه الآية بسنتين. وحتى على روايات أهل السنة يبقى الإشكال قائما، فعندهم أنَّ فاطمةعليها‌السلام ولدت في سنة احدى وأربعين من مولد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) ، أو قبل البعثة بخمس سنين.

وعلى فرض انها ولدت قبل البعثة بخمس سنين فيكون عمرها عند نزول الآية، ثمان سنوات. فكيف يخاطب الرسول بنتا بهذا العمر، وسط حشود الناس والزعماء الكبار؟! وهي غير مكلّفة، ولا يجري عليها الخطاب ولا العتاب. وفي الفقه السني أنَّ البنت تخاطب بالتكاليف الشرعية إذا بلغت خمسة عشر عاما!!

ألاحظتم مواطن الضعف في هذه الرواية؟! إنَّ هذا من المضحكات يا صاحب البينات(٢) !

____________

١ - الاستيعاب: ٤/١٨٩٣.

٢ - وكان الأجدر بك تسمية كتابك ب‍: المضحكات في الرد على بينات المراجعات!! وقد تصدى السيد علي الميلاني للرد على كتاب البينات في كتابه " تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات ".


سند الحديث:

لو نظرنا في سند الحديث، لوجدنا رواته كلهم ثقات، إلاّ أنَّ علماء الحديث ضعَّفوا أبا مريم الأنصاري، أحد رجال السند، ولم تكن تهمته إلاّ أنه أدى أجر الرسالة المحمدية فودَّ ذوي القربى. فذنب الرجل أنه تمسك بالثقلين. نعم كان لا بد من الطعن به، لأنَّ تعديله يعني صحة الحديث...

وهذا ديدن علماء الحديث، في التعامل مع فضائل آل البيت، وقد أشار لها ابن قتيبة حيث قال: " وإنّ ذكر قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " من كنت مولاه " و " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " واشباه هذا، التمسوا لتلك الأحاديث الصحاح المخارج، لينقصوه ويبخسوه حقّه، وهذا هو الجهل بعينه ".

وقال أحمد محمود صبحي: " لما كان أهل الظاهر والسلفيون يوالون معاوية فإنه لم يكن لديهم مفرٌّ عن اختيار: إما ترك هذه الموالاة، أو القدح بشتى الوسائل في الحديث، وبالرغم من أنه من المفروض أن تخضع العقائد للنصوص، إلا أنَّ كثيرا من أصحاب المذاهب قد اخضعوا الأحاديث لأهوائهم ومذاهبهم "(١) .

ومع طعن الطاعنين بأبي مريم، فقد اثنى عليه وأطراه الحافظ ابن عقدة كما في لسان الميزان. وقال ابن حجر فيه: " كان ذا اعتناء بالعلم وبالرجال "، وقال شعبة: " لم أر أحفظ منه ".

وكفى الرجل فخرا أنه صحب ثلاثة من أئمة آل البيت هم: علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد.

وهو ثقة عند الإمامية باتفاق. فيكون الحديث صحيحا عند الأحرار المنصفين.

____________

١ - راجع روح التشيع، عبد الله نعمة: ص ١٥٢ - ١٥٣.


وما الغرابة في هذا الحديث؟ هذا النبي موسىعليه‌السلام مع محدودية رسالته، مكانا وزمانا، إلاّ أنه احتاج إلى معين ووزير، فكان أخاه هارون، وكذا النبي يحتاج إلى معين ووزير، خاصة أنه مبعوث للعالمين حتى قيام الساعة وهذا في حق النبي أولى؟!

حديث الغدير:

حينما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في طريق العودة من حَجّة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجة وفي مكان يقال له غدير خُم نزل عليه(١) قول الله تعالى:

____________

١ - راجع: أسباب النزول للواحدي النيسابوري: ١١٥، الدر المنثور: ٢/٢٩٨، فتح القدير للشوكاني: ٢/٦٠، تفسير الفخر الرازي: ١٢/٥٠، الملل والنحل للشهرستاني الشافعي: ١/١٦٣، ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر: ٢/٨٦، فتح البيان في مقاصد القرآن للعلامة السيد صديق حسن خان ملك بهوبال: ٣/٦٣، شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: ١/١٨٧، مطالب السؤول لابن طلحة: ١/٤٤، الفصول المهمة لابن الصباغ: ٢٥، ينابيع المودة: ١٢٠ و ٢٤٩، فرائد السمطين للحمويني: ١/١٥٨.

والغدير للعلامة الأميني: ١/٢١٤ عن كتاب: الولاية في طرق حديث الغدير لابن جرير الطبري صاحب التاريخ المشهور، الأمالي للمحاملي، ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين لأبي بكر الشيرازي، الكشف والبيان للثعلبي مخطوط، ما نزل من القرآن في علي لأبي نعيم الأصبهاني، كتاب الولاية لأبي سعيد السجستاني، تفسير الرسعني الموصلي الحنبلي، الخصائص العلوية للنطنزي، عمدة القاري للقسطلاني الحنفي: ٨/٥٨٤، مودة القربى للهمداني، شرح ديوان أمير المؤمنين للميبدي: ٤١٥ مخطوط، تفسير النيسابوري: ٦/١٧٠، تفسير القرآن لعبد الوهاب البخاري عند تفسير آية المودة، الأربعين لجمال الدين الشيرازي، مفتاح النجا للبدخشي: ٤١ مخطوط، المصنف لابن أبي شيبة، مسند أحمد: ٤/٢٨١، الحافظ أبو العباس الشيباني النسوي، الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده، الطبري في تفسيره: ٣/٤٢٨، الحافظ ابن عقدة في كتاب الولاية الحافظ أبو عبد الله المرزباني في سرقات الشعر، الدارقطني حكاه عنه ابن حجر في الصواعق ص ٢٦، الحافظ ابن بطة الحنبلي في كتاب الإبانة، الباقلاني في: التمهيد في أصول الدين: ١٧١، الحافظ أبو سعيد الخركوشي في شرف المصطفى، الحافظ ابن مردويه في تفسيره، الحافظ ابن السمان الرازي راجع الرياض النضرة: ٢/١٦٩. ورواه الحافظ البيهقي كما في الفصول. =


( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (١) وبنزول هذه الآية، جهز النبي الترتيبات اللازمة لتبليغ ما أنزل الله إليه. فنادى الصلاة جامعة وكسح تحت شجرتين فصلى الظهر وأخذ بيد عليعليه‌السلام فقال: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم. قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه. قالوا: بلى. فأخذصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من

____________

= المهمة لابن الصباغ: ٢٥، درر السمطين، ورواه الخطيب البغدادي بسندين صحيحين، وابن المغازلي في المناقب، والعاصمي في زين الفتى، والسمعاني في فضائل الصحابة، والغزالي في سر العالمين: ٩، الشهرستاني في الملل والنحل المطبوع في هامش الفصل. الخوارزمي في المناقب: ٩٤. ابن الجوزي في المناقب. ابن الأثير في النهاية: ٤/٢٤٦. ابن الأثير الشيباني صاحب الكامل. الكنجي في كفاية الطالب: ١٦. سبط ابن الجوزي في تذكرته: ١٨. عمر بن محمد الملا في وسيلة المتعبدين. ولي الدين الخطيب في مشكاة المصابيح: ٥٥٧. أبو الفداء في البداية والنهاية: ٥/٢٠٩ - ٢١٠. المقريزي في الخطط: ٢٢٣.

القاضي الأذرعي في بديع المعاني: ٥٧. السيوطي في جمع الجوامع كما في كنز العمال: ٦/٣٩٧. السمهودي في وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى: ٢/١٧٣. القسطلاني في المواهب اللدنية: ٢/١٣. شهاب الدين الهمداني في مودة القربى. محمود الشيخاني القادري في الصراط السوي في مناقب آل النبي. المناوي في فيض القدير: ٦/٢١٨. أحمد باكثير الشافعي في وسيلة المآل في عد مناقب الآل. الزرقاني في شرح المواهب: ٧/١٣. حسام الدين السهارينوري في مرافض الروافض. البدخشاني في مفتاح النجا. محمد صدر العالم في معارج العلى. محمد الصنعاني في الروضة الندية شرف التحفة العلوية. أحمد زيني دحلان في الفتوحات الإسلامية: ٢/٣٠٦. محمد الشنقيطي المالكي في كفاية الطالب: ٢٨.

وانظر تاريخ دمشق لابن عساكر: ٢/٥٠. المناقب، الخوارزمي: ٩٤. الحاوي للفتاوي، السيوطي: ١/١٢٢، علم الكتاب، خواجة الحنفي: ١٦١. راجع ملحق المراجعات: ٤٠٣.

١ - المائدة: ٦٧.


والاه وعاد من عاداه(١) . فلقيه عمر بعد ذلك فقال له: هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة(٢) .

____________

١ - وقد صحح الألباني هذا الحديث، وأكد أن طرفه الأول متواتر ورد قدح ابن تيمية فيه، راجع: سلسلة الأحاديث الصحيحة: المجلد السادس حديث رقم ٢٩٨٢. مسند أحمد: ٤/٢٨١. مجمع الزوائد: ٧/١٧ و ٩/١٠٤ - ١٠٨. المستدرك: ٣/١١٦ و ٣٧١. الاستيعاب بهامش الإصابة: ٣/٣٦. الصواعق المحرقة وصححه: ٢٥. كنز العمال: ١٥/١٣٨. تاريخ بغداد: ١٤/٢٣٦ صفوة الصفوة، ابن الجوزي: ١/١٢١.

البداية والنهاية ٥/٢١٠. الكاف الشاف، ابن حجر العسقلاني ٢٩. وراجع ترجمة الإمام من تاريخ دمشق:

١/٢١١. خصائص أمير المؤمنين، النسائي: ٩٦ و ١٠٠ و ١٠٤. كفاية الطالب، الكنجي الشافعي: ٥٦ و ٥٩ و ٦٢. مناقب علي بن أبي طالب، ابن المغازلي: ١٦. شواهد التنزيل: ١/١٩٠ و ٢٤٥ و ٢٤٧ و ٢٤٨. ينابيع المودة: ٢٩ - ٣٣ وصححه. أنساب الأشراف للبلاذري: ٢/١١٢. تاريخ اليعقوبي:

٢/٩٣. تاريخ الخلفاء، السيوطي: ١٦٩. تفسير الثعلبي (مخطوط). الاعتقاد على مذهب السلف، البيهقي: ١٩٥. حلية الأولياء: ٥/٢٦. ومصادر كثيرة أخرى، راجع ملحق المراجعات: ٤٠٤ - ٤٠٧.

٢ - ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق، ابن عساكر الشافعي: ٢/٢ ح ٥٤٨ و ٥٤٩ و ٥٥٠.

مسند أحمد بن حنبل: ٤/٢٨١. المناقب، الخوارزمي الحنفي: ٩٤. الفصول المهمة، ابن الصباغ المالكي:

٢٤. الحاوي للفتاوي، السيوطي: ١/١٢٢. ذخائر العقبى: ٦٧. فضائل الصحابة، السمعاني (مخطوط). تاريخ الإسلام، الذهبي: ٢/١٩٧. علم الكتاب، خواجه الحنفي: ١٦١. وذكره في نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي: ١٠٩. ينابيع المودة، القندوزي الحنفي: ٣٠ و ٣١ و ٣٤٩. تفسير الفخر الرازي: ٣/٦٣. تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي: ٢٩. مشكاة المصابيح: ٣/٢٤٦. فرائد السمطين، الحمويني: ١/٧٧ باب ١٣. وذكره في الغدير: ١/٢٧٢ عن المصنف، ابن أبي شيبة. المسند الكبير، أبي العباس الشيباني. المسند، أبي يعلى الموصلي. تفسير ابن مردويه. الكشف والبيان، الثعلبي. الرياض النضرة ٢/١٦٩. المناقب، ابن الجوزي الحنبلي. الخصائص العلوية النطنزي. وسيلة المتعبدين، عمر بن محمد الملا. البداية والنهاية، ابن كثير: ٥/٢١٢. الخطط، المقريزي: ٢٢٣. بديع المعاني، الأذرعي الشافعي: ٧٥. كنز العمال: ٦/٣٩٧. وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى، السمهودي الشافعي: ٢/١٧٣. الصراط السوي في مناقب آل النبي، محمود الشيخاني المدني. وسيلة المآل، الشيخ أحمد باكثير الشافعي. مفتاح النجا، البدخشي. نزل الأبرار له أيضا. الروضة الندية، الصنعاني. معارج العلى، الشيخ محمد صدر العالم، راجع ملحق المراجعات: ص ٤٠٣ و ٤٠٤ و ٤٠٧.


وبعد أن هنأ المسلمون عليا، نزل قول الله تعالى:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (١) .

فقال حينها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي "(٢) .

فقال حسان بن ثابت: يا رسول الله، أتأذن لي أن أقول أبياتا؟ فقال: قل ببركة الله تعالى فقال:

يناديهم يوم الغدير نبيهم

بخم وأسمع بالنبي مناديا

وقال فمن مولالكم ووليكم

فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا وأنت ولينا

ولا تجدن في الخلق للأمر عاصيا

فقال له: قم يا علي فإنني

رضيتك من بعدي إماما وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليه

فكونوا له أنصار صدق مواليا(٣)

____________

١ - المائدة: ٣.

٢ - ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق، ابن عساكر ٢/٧٥. شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني ١/١٥٧.

مناقب علي، ابن المغازلي: ١٩. تاريخ بغداد: ٨/٢٩٠. تفسير الدر المنثور: ٢/٢٥٩. الإتقان، السيوطي: ١/٣١. روح المعاني، الآلوسي: ٦/٥٥. المناقب، الخوارزمي: ٨٠. تذكرة الخواص: ٣٠.

تفسير ابن كثير: ٢/١٤. مقتل الحسين، الخوارزمي. ينابيع المودة: ١١٥. فرائد السمطين: ١/٧٢ و ٧٤ و ٣١٥. تاريخ اليعقوبي: ٢/٣٥ وصححه. وفي الغدير، الأميني: ١/٢٣٠ عن كتاب الولاية، ابن جرير الطبري. مفتاح النجا، البدخشي (مخطوط). ما نزل من القرآن في علي، أبي نعيم. كتاب الولاية، أبي سعيد السجستاني. الخصائص العلوية، أبي الفتح النطنزي. توضيح الدلائل على تشريح الفضائل، شهاب الدين أحمد. تاريخ ابن كثير ٥/٢١٠. كتاب النشر والطي، ونقله في إحقاق الحق عن المناقب، عبد الله الشافعي: ١٠٦ (مخطوط). أرجح المطالب، عبيدالله الحنفي الامرتسري: ٦٦ - ٦٨ و ٥٦٦ و ٥٦٧ و ٥٧٠. الكشف والبيان، الثعلبي (مخطوط)، راجع ملحق المراجعات: ٤١٠ - ٤١١.

٣ - راجع الغدير: ١/٢٣٢، عن كتاب مانزل من القرآن في علي، أبي نعيم الأصبهاني وذكرها ابن الجوزي في تذكرة الخواص: ٣٣. الخوارزمي في مقتل الحسين: ١/٤٧. الجويني في فرائد السمطين ١/٧٣، ٧٤.


صحة الحديث:

وحديث الغدير مشهور بين الناس متواتر في جميع طبقاته ولم يلق حديث من العناية مثل ما لقي هذا الحديث.

رواه من الصحابة ١١٠ صحابي، ورواه من التابعين ٨٤ تابعيا، ورواه ٣٦٠ عالما من علماء الإسلام، ابتداءا من القرن الثاني الهجري حتى القرن الرابع عشر(١) .

وقد اعتنى العلماء بشأن هذا الحديث فأفردوه في مجلدات خاصة وممن ألف فيه:

١ - محمد بن جرير الطبري: له كتاب الولاية في طرق حديث الغدير. يقول ابن كثير: " وقد رأيت له كتابا جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين " ((٢) .

قال الذهبي: " رأيت مجلدين من طرق الحديث لابن جرير فاندهشت له ولكثرة تلك الطرق "(٣) .

٢ - الحافظ ابن عقدة: له كتاب الولاية في طرق حديث الغدير رواه ب‍(١٠٥) طرق قال ابن حجر في حديث الغدير: " صححه واعتنى بجمع طرقه أبو العباس ابن عقدة فأخرجه من حديث سبعين صحابيا أو أكثر "(٤) .

٣ - أبو بكر الجعابي: له كتاب " من روى حديث غدير خم " ذكره من(١٢٥) طريقا(٥) .

____________

١ - راجع تفصيل هذا الأمر في الغدير، الأميني: ١/١٤ - ١٥١.

٢ - البداية والنهاية: ٦/١٤٧.

٣ - طبقات الحفاظ: ٢/٥٤.

٤ - تهذيب التهذيب: ٧/٣٣٧.

٥ - الغدير: ١/١٥٤.


٤ - علي بن عمر الدارقطني: قال الكنجي الشافعي: " جمع الحافظ الدارقطني طرقه في جزء "(١) .

٥ - الذهبي: له كتاب (طرق حديث الولاية) وذكره لنفسه في تذكرة الحفاظ(٢) قال: " وأما حديث: من كنت مولاه، فله طرق جيدة وقد أفردت ذلك أيضا ".

٦ - الجزري الشافعي: أفرد رسالة في إثبات تواتر حديث الغدير وأسماها (أسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب) رواه من ثمانين طريقا(٣) .

٧ - إمام الحرمين الجويني: قال الشيخ سليمان الحنفي: " حكي عن أبي المعالي الجويني الملقب بإمام الحرمين أستاذ أبي حامد الغزاليرحمهما‌الله يتعجب ويقول: رأيت مجلدا في بغداد في صحاف، فيه روايات خبر غديرخم، مكتوبا عليه المجلدة الثامنة والعشرون، من طريق قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من كنت مولاه فعلي مولاه، ويتلوه المجلدة التاسعة والعشرون(٤) .

وقد صحح هذا الحديث كثير جدا من علماء الحديث وأساطين هذا الفن ومنهم:

١ - الترمذي قال فيه: " هذا حديث حسن صحيح "(٥) .

٢ - أبو جعفر الطحاوي قال: " هذا الحديث صحيح الإسناد ولا طعن لأحد في رواته "(٦) .

٣ - ابن عبد البر قال عن حديث الموآخاة ورواية خيبر والغدير: " هذه كلها آثار ثابتة "(٧) .

____________

١ - الغدير: ١/١٥٤.

٢ - تذكرة الحفاظ: ٣/٢٣١.

٣ - الغدير المجلد الأول.

٤ - المصدر السابق عن ينابيع المودة: ص ٣٦.

٥ - صحيح الترمذي: ٢/٢٩٨.

٦ - مشكل الآثار: ٢/٣٠٨.

٧ - الاستيعاب: ٢/٣٧٣.


٤ - قال سبط ابن الجوزي: " وكل هذه الروايات - لحديث الغدير - خرجها أحمد بن حنبل في الفضايل بزيادات، فإن قيل: فهذه الرواية التي فيها قول عمررضي‌الله‌عنه :

أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. ضعيفة. فالجواب: إنَّ هذه الرواية صحيحة "(١) .

٥ - يقول الآلوسي: " نعم ثبت عندنا أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قاله في حق علي " وقال فيه:

" حديثٌ صحيح لا مرية فيه " " إنه متواترٌ عن النبي ومتواترٌ عن أمير المؤمنين أيضا رواه الجم الغفير ولا عبرة بمن حاول تضعيفه ممن لا اطلاع له في هذا العلم "(٢) .

٦ - قال ابن حجر: " وأما حديث من كنت مولاه فعلي مولاه " فقد أخرجه الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق جدا، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان، وقد روينا عن الإمام أحمد قال: ما بلغنا عن أحد من الصحابة ما بلغنا عن علي بن أبي طالب "(٣) .

٧ - الحاكم في المستدرك قال: " صحيح على شرط الشيخين ".

٨ - ابن الجوزي في المناقب.

٩ - الذهبي.

١٠ - الألباني قال: " وجملة القول إنّ حديث الترجمة - حديث الغدير - حديث صحيح بشطريه، بل الأول منه متواتر عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما يظهر لمن تتبع أسانيده وطرقه "(٤) .

وصححه غير هؤلاء الكثير.

____________

١ - ثم فصل ذلك، تذكرة الخواص: ص ١٨.

٢ - راجع هذه المعلومات في الغدير: ١/٣١٥.

٣ - فضائل الصحابة من فتح الباري: ص ١٥٦.

٤ - سلسلة الأحاديث الصحيحة: ٦/١٢٠٢، رقم الحديث ٢٩٨٢.


دلالة الحديث:

بعد أن اتفق السنة والشيعة على صحة الحديث وملابساته، اختلفوا في مراد النبي بقوله: " من كنت مولاه فعلي مولاه " قال أهل السنة: أراد بيان محبة علي ونصرته.

والشيعة يرون هذا الحديث نصا من النبي على خلافة عليعليه‌السلام .

مقدمة لفهم الواقعة:

وصل النبي والحجيج منطقة خم، وهو مكان تفرق الحجاج، فنزل قول الله:

( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) فبلغ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما أنزل إليه، فنزل قوله تعالى:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) .

ثم هنأ الصحابة، يتقدمهم أبو بكر وعمر عليا، إذ قال كل منهما: " بخٍّ بخٍّ لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ".

هذه الأحداث حصلت في يوم واحد ومكان واحد على مَرأى ومسمع الغالبية المطلقة من الصحابة.

ومن المعروف أنَّ الله(١) إذا فرض شيئا جديدا على المسلمين، لا يجعل له مقدمات ولا ترتيبات، فحين فرض الصلاة أخبر المسلمين بذلك مباشرةً وهكذا سائر الفرائض كالصوم والزكاة.

وفي حادثة الغدير نجد الأمر قد اختلف، فقد نزلت آية تأمر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتبليغ ما أنزل الله إليه.. وبعد أن بلغه النبي نزلت آية الإكمال. وكأنَّ إكمال الدين متوقف على هذا الأمر فما هو؟! أهو نص على خلافة علي أم بيان محبته؟!


شرف الدين يحسم الخلاف:

لقد قيل:لا تنظرإلى من قال ولكن أنظر إلى ما قيل,نعم _ أخي المسلم _ تابع معنا هذا الكلام كلمة بكلمة لترى معنى حديث الغدير.

أوَّل سليم البشري - شيخ الأزهر - كلمة مولى بالناصر والمحب... ليحمل الصحابة على الصحة.

فأجابه عبد الحسين شرف الدين: " لو سألكم فلاسفة الأغيار عما كان منه يوم غدير خم فقال: لماذا منع تلك الألوف المؤلفة يومئذ عن المسير(١) ؟ وعلى م حبسهم في تلك الرمضاء بهجير؟ وفيم اهتم بإرجاع من تقدم منهم وإلحاق من تأخر؟ ولم أنزلهم جميعا في ذلك العراء على غير كلاء ولا ماء؟ ثم خطبهم عن الله(٢) في ذلك المكان الذي منه يتفرقون ليبلغ الشاهد منهم الغائب، وما المقتضى لنعي نفسه إليهم في مستهل خطابه؟ إذ قال: " يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني لمسؤول وإنكم لمسؤولون "، وأي أمر يسأل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن تبليغه؟ وتسأل الأمة عن طاعتها فيه، ولماذا سألهم: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدا رسول الله؟... قالوا: بلى، ولماذا أخذ حينئذ على سبيل الفور بيد علي فرفعها إليه حتى بان بياض إبطيه، فقال:

" ياأيها الناس إنَّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين "، ولماذا فسر كلمته - وأنا أولى المؤمنين - بقوله: وأنا أولى بهم من أنفسهم؟ ولماذا قال بعد هذا التفسير: " فمن كنت مولاه، فهذا علي مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله "؟

ولم خصه بهذه الدعوات التي لا يليق لها إلاّ أئمة الحق، وخلفاء الصدق؟...

ولماذا قرن العترة بالكتاب، وجعلهم قدوة لأولي الألباب؟ وفيم هذا الاهتمام العظيم من هذا النبي الكريم؟ وما المهمة التي احتاجت إلى كل هذه المقدمات؟.. وما الشئ الذي أمره الله بتبليغه؟... وأيّ مهمة استوجبت من الله التأكيد، واقتضت الحضّ على تبليغها بما يشبه التهديد؟ وأي أمر يخشى النبي الفتنة بتبليغه ويحتاج إلى عصمة الله؟

____________

١ - ما يذكره شرف الدين هنا أمر ثابت في الروايات ومن أراد تفصيلها فليراجع الجزء الأول من الغدير.


أكنتم - بجدك لو سألكم عن هذا كله - تجيبونه بأنَّ الله(١) ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنما أرادا بيان نصرة عليّ للمسلمين وصداقته لهم ليس إلاّ؟ ما أراكم ترتضون هذا الجواب، ولا أتوهّم أنكم ترون مضمونه جائزا على رب الأرباب ولا على سيد الحكماء وخاتم الرسل والأنبياء، وأنتم أجل من أن تجوزوا عليه أن يصرف هممه كلها وعزائمه بأسرها إلى تبيين شئ بيّنٌ لا يحتاج إلى بيان ولا شك، أنكم تنزهون أفعاله وأقواله عن أن تزدري بها العقلاء أو ينتقدها الفلاسفة والحكماء... "(٢) .

ولنأخذ هذا النص ثم نقف - للتأمل - عنده قليلا. عن حذيفة بن أسيد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا عبده ورسوله... " قالوا: بلى نشهد بذلك. قال: " اللهم اشهد - ثم قال -: يا أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا مولاه ".

أولا: نلاحظ أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استدرج المسلمين فأخذ منهم الشهادة لله بالوحدانية ولنفسه بالنبوة، كي يمهِّد للأمر المراد تبليغه. فالرسول ذكر أصلين من أصول الدين:

التوحيد والنبوة. فما علاقة محبة عليّ ونصرته للمسلمين بهذين الأصلين؟! وهل بيان محبة علي يستلزم ذكر التوحيد والنبوة؟! لعَمري إنها لا تجتمع معهما. فإرادة المحبة هنا غير واردة.

نعم، إنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخذ الشهادة من الناس بالتوحيد، ثم بالنبوة، فثلّثَ بالإمامة. وهذا ما يقبله السياق. أما إرادة المحبة فلا تجتمع مع التوحيد والنبوة.

ثانيا: قال النبي في كلامه " إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا - علي - مولاه ".

____________

١ - المراجعات: ص ١٩٤ - ١٩٥ المراجعة - ٥٨.


فحين قال النبي: " وأنا أولى بهم من أنفسهم "، قال مباشرة: " فمن كنت مولاه ".

أي من كنت أولى به من نفسه فعلي كذلك. ففسر النبي كلمة (مولى) بكلمة (أولى)(١) .

وكلمة (أولى) هنا أعم من الخلافة، فكما أنَّ طاعة النبي أولى من طاعة الناس لأنفسهم، فكذا علي!!

فهل هناك قرينة أوضح من هذه؟! وهل يجوز تأويل النص الظاهر في دلالته لتصحيح أخطاء الخلفاء؟! (إنه لقول رسول كريم).

ثالثا: إنَّ محبة علي ونصرته للمسلمين يعرفها الجميع، وقد فرض الله مودَّته في القرآن داعيا المسلمين إلى حبه وطاعته، وجعل النبي حبه علامة الإيمان. وفي خيبر قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " لأعطينَّ الراية غدا لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله "، فكان علياعليه‌السلام .

فمحبة علي، ونصرته للمسلمين، أمر مفروغ منه، فلا يمكن تفسير الحديث بدعوة الناس لمحبة علي، لأنَّ محبته مفروضة بالقرآن. فإذا كان النبي دعا الناس لحب علي، فهو لم يأت بشئ جديد - حاشاه - وليس هذا إكمالا للدين!

رابعا: لقد فهم الصحابة وعلى رأسهم أبو بكر وعمر ما فهمه شيعة آل البيت.

فبعد أن بلغ النبي أمر الله، قال أبو بكر وعمر لعلي: بخ بخ لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، وتبع الصحابة أبا بكر وعمر ببيعة علي - وهم أكثر من مائة ألف - ولمدة ثلاثة أيام.

____________

١ - ذهب إلى تفسير كلمة مولى بأولى كثير من العلماء ونص ابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول: ص ١٦ على ذهاب طائفة إلى حمل اللفظ في الحديث على الأولى. وذهب لهذا الرأي المبرد، والزجاج، وابن الانباري، والفراء، وثعلب، وابن المبارك، وابن الملقن، والجوهري ومن المفسرين: الطبري، والبغوي، والنسفي، وأبو حيان الاندلسي، والبيضاوي والثعالبي، وأبو السعود، والرازي، والبخاري، وسبط ابن الجوزي. راجع منهج في الانتماء المذهبي، صائب عبد الحميد: ١١٠ - ١١٤.


إنَّ أبا بكر وعمر قالا لعلي: (أصبحت مولاي...) فلو كان قصد النبي بيان محبة عليعليه‌السلام ودعوة الناس لهذا، فمعنى ذلك أنَّ الشيخين لم يمتثلا لأمر الله في حب علي إلا في هذه اللحظة، لذلك قالا: (أصبحت)، ولا أعتقد أنَّ أحدا يقبل هذا التفسير ويرضاه للشيخين!

فقولهما: (أصبحت مولاي) يدل على أمر جديد. ولنعم ما قال محمد جواد مغنية:

" أي عاقل يهنئ غيره بحبه له "(١) ؟!!

فلا أدري هل نحن أعلم من الصحابة بلغة العرب وملابسات الحادثة؟ فما بال العلماء يشرِّقون ويغرِّبون في معنى المولى؟ وما لنا لا نفهم الواقعة كما فهمها الصحابة؟ هذا حسّان بن ثابت الشاعر الفصيح فهم منها ولاية الأمر فأنشد:

فقال له قم يا علي فإنني

رضيتك من بعدي إماما وهاديا

هذا ما قاله حسان، فهل أخطأ بفهمه للحديث؟! فالعجب ممن لم يحضر الحادثة ويفهم منها ما لم يفهمه حسان والصحابة!

خامسا: إنَّ قول الرسول بعد نزول آية الإكمال: " الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي " فيه دلالةٌ واضحة على ما نقول، فالنبي قرن النبوة بولاية علي، فالنبوة بالإضافة إلى محبة علي، لا تستقيم المعادلة.

ولكن النبوة بالإضافة إلى إمامة علي، تستقيم المعادلة.

سادسا: لو افترضنا أنَّ الحديث يدعو لحب علي ونصرته، فهل امتثل السلف لهذه الوصية النبوية؟ سل الجمل وصفين والنهروان و... و...

____________

١ - الشيعة في الميزان.


احتجاج علي بحديث الغدير:

في مسجد الكوفة وبعد أن عادت الخلافة لعليعليه‌السلام خطب بالناس: " أنشد الله من سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه، لما قام فشهد.

فقام اثنا عشر بدريا فقالوا: نشهد أنا سمعنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول يوم غدير خم:

" ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجي أمهاتهم؟ ". فقلنا: بلى يا رسول الله. قال:

" فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". وكتم الشهادة بعض الصحابة فدعا عليهم فأصابتهم دعوته "(١) .

هذا الإمام عليعليه‌السلام يعيد ذكرى الغدير على الناس. فماذا أراد من ذلك؟ هل أراد بيان نصرته ومحبته للمسلمين؟! لا وربي ليس ذلك هو الأمر، بل إنه أمرٌ أكبر من ذلك، فما طلب شهادتهم إلاّ ليؤكد حقه في الخلافة، وما أصابت منكري الشهادة دعوته إلاّ لإنكارهم لأمر عظيم.

____________

١ - راجع مسند أحمد: ١/١١٩. مجمع الزوائد، الهيثمي: ٩/١١ وقال: اسناده حسن. فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل: ٢/٥٨٥. أسدالغابة: ٢/٢٣٣. خصائص النسائي: ص ٢٢ - ٢٥. الإصابة: ٤/١٨٢.

السيرة الحلبية: ٣/٣٠٢ و ٣٣٧. تاريخ بغداد: ١٤/٢٣٦. صفوة الصفوة: ١/٣١٣. تاريخ الخلفاء: ١٣٤. حلية الأولياء: ٥/٢٦. الرياض النضرة: ٣/١٢٧. ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق: ٢/٥ - ٢٥. الكنى والأسماء، الدولابي. شرح النهج، ابن أبي الحديد: ١/٣٦٢. المناقب، ابن المغازلي الشافعي. مطالب السؤول: ص ٥٤. البداية والنهاية: ٥/٢١٠ و ٧/٣٤٨. تذكرة الخواص:

ص ١٧. جمع الجوامع، السيوطي. وابن أبي عاصم في السنة كما في كنز العمال: ٦/٤٠٧.

شرح المواهب، الزرقاني: ٧/١٣. ذخائر العقبى: ص ٦٧. خصائص النسائي: ص ٢٢. جواهر العقدين، السمهودي. وسيلة المآل، الفضل بن باكثير الشافعي. المناقب، الخوارزمي: ص ٩٤.

العاصمي في زين الفتى. مشكل الآثار، الطحاوي: ٢/٣٠٨. فرائد السمطين الباب العاشر.

أسنى المطالب، شمس الدين الجزري: ص ٣. راجع الغدير: ص ١٦٦ - ١٨٥.


الغزالي يعترف:

أبو حامد الغزالي الملقَّب بحجة الإسلام، يعترف بأنَّ حديث الغدير كان تنصيبا لعلي خليفةً على المسلمين قال: " ولكن أسفرت الحجة بوجهها وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في يوم غدير خم، باتفاق الجميع وهو يقول:

" من كنت مولاه فعلي مولاه " فقال عمر بخ بخ لك يا أبا الحسن، اصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. فهذا تسليم ورضا وتحكيم. ثم بعد هذا غلب الهوى بحب الرئاسة وحمل عود الخلافة وعقود البنود، وخفقان الهواء في قعقعة الرايات واشتباك ازدحام الخيول وفتح الأمصار، سقاهم كأس الهوى فعادوا إلى الخلاف الأول فنبذوا الحق وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون "(١) .

أحاديث الولاية:

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي: " انت وليي في الدنيا والآخرة "(٢) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " إنَّ عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي ". قال المحب الطبري عن هذا الحديث: " وهو أقواها سندا ومتنا "(٣) .

____________

١ - سر العالمين، المقالة الرابعة.

٢ - مستدرك الحاكم: ٥/١٣٥ وصححه.

٣ - الرياض النضرة: ١/١٥٢. صحيح الترمذي: ٥/٦٣٢. مسند أحمد: ٥/٣٥٦. الاستيعاب بهامش الإصابة: ٣/٢٨. الإصابة: ٢/٥٠٩. المستدرك، الحاكم وصححه: ٣/١٣٢. تلخيص المستدرك، الذهبي وصححه. ينابيع المودة: ص ٥٥ و ١٨٢. خصائص النسائي: ٦١ - ٦٤. ذخائر العقبى: ص ٨٧.

كفاية الطالب: ص ٢٤٠. المناقب، الخوارزمي: ص ٧٢. أنساب الأشراف، البلاذري: ٢/١٠٦.

فرائد السمطين: ١/٣٢٨. نور الأبصار: ص ١٥٨. حلية الأولياء: ٦/٢٩٤. أسد الغابة: ٤/٢٧.

مصابيح السنة، البغوي: ٢/٢٧٥. جامع الاصول، ابن الأثير: ٩/٤٧٠. كنز العمال: ١٥/١٢٤.

تذكرة الخواص: ص ٣٦. مطالب السؤول: ١/٤٨. راجع ملحق المراجعات: ص ٣٧٢ و ٣٨٢.


قال الألباني فيه: " إسناده صحيح رجاله ثقات على شرط مسلم "(١) ومرّة اصطفى عليعليه‌السلام لنفسه امرأةً من السبي فشكا بريدة ذلك للنبي، فغضبصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: " لا تقع في عليٍّ، فإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي، وإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي "(٢) .

هذه نصوصٌ صريحة في إثبات خلافة علي بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي غير قابلة لأي تأويل وتحوير. فلا يمكن تفسير الولي هنا بالمحب والناصر، لأنه يعني أنَّ عليا محب وناصر للمسلمين بعد النبي، أما في حياته فلا. وهذا هراء ما بعده هراء.

وعندما وجد أهل السنة هذا التأويل فاشلا لجأوا إلى تأويل آخر، أوهن من سابقه. وما ذلك إلاّ ليصححوا أعمال الخلفاء، ولو على حساب النص! قالوا: المقصود بقول النبي " وهو وليكم بعدي " البعديَّةُ المطلقة ولا يراد بها البعديَّة المباشرة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

لو صح هذا التأويل لما كان هناك فرق بين أن يسند النبي هذه الولاية لعلي أو لأي أحد علم أنه سيكون خليفة، فلم خص عليا بهذا الشرف دون غيره؟!

إنَّ النص قطعي الدلالة على خلافة عليٍّ بعد النبي مباشرةً، فلم لا نترك الحكم للنص وإن خالفه الرجال؟ ألم نتفق على أنَّ الحق لا يعرف بالرجال؟ ما لكم كيف تحكمون؟

وماذا نفعل بلفظ (كل) في قول النبي " وهو ولي كل مؤمن بعدي "؟! أليست هي من ألفاظ العموم؟ إذن فعليٌّ ولي كل مؤمن بعد النبي، وإن كان فيهم أبو بكر وعمر وعثمان!!

____________

١ - السنة: ابن أبي عاصم ٢/٥٥٠.

٢ - مسند أحمد: ٥/٣٥٦. المستدرك على الصحيحين: ٣/١١٠. فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل: ٢/٥٨٤.


حديث المنزلة:

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي: " ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي "(١) .

هذا حديث صحيح متفق عليه بين السنة والشيعة. نعم، لقد جعل النبي منزلة علي منه كمنزلة هارون من موسى، ولكن ما هي منزلة هارون من موسى؟ القرآن يجيبنا على هذا، قال تعالى على لسان نبيه موسىعليه‌السلام :( وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) (٢) وطلب موسى من هارون أن يخلفه في قومه:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) (٣) .

وأجاب الله طلب موسى قائلا:( قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ ) (٤) .

فبمقتضى هذه النصوص، تكون منزلة هارون من موسى، منزلة الوزارة، والخلافة عنه والنبوة كما هو معلوم. والرسول بقوله السابق منح عليا جميع منازل هارون من موسى: الوزارة، الخلافة، واستثنى النبوة، لأنه لا نبي بعد محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاستثناء النبوة دليلٌ على بقاء هاتين المنزلتين. فلو لم تكن هاتان المنزلتان لعلي لاستثناهما النبي كما استثنى النبوة التي لم تكن له! فكما أنَّ هارون خليفة موسى في قومه فكذا عليّ خليفة محمد في قومه! وكما أنَّ هارون وزير موسى فكذا علي.

____________

١ - صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة تبوك. صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي. صحيح الترمذي: ٥/٦٤١ وصححه. مسند أحمد: ٣/٥٠. سنن ابن ماجة: ١/٤٢.

المستدرك، الحاكم: ٣/١٠٩ وصححه. ومصادر هذا الحديث كثيرة جدا راجع ملحق المراجعات: ص ٣٧٣ - ٣٧٧.

٢ - طه: ٢٩ - ٣٢.

٣ - الأعراف: ١٤٢.

٤ - طه: ٣٦.


فهل ترى أي شذوذ في هذا الفهم؟ إنَّ الذي يشذ هو الذي يؤوِّل الحديث بما يتناسب مع أعمال الرجال.

ولو فرضنا أنَّ هذا الحديث مجرد فضيلة لعلي، فهي كافية لتفضيله على غيره.

فكما أنه لم يكن هناك أفضل من هارون بعد موسى، فكذلك ليس هناك أفضل من علي بعد محمد، لأنه بمنزلة هارون من موسى!

وهناك لفظ لهذا الحديث صريح في الخلافة ولا يمكن أحد تأويله والتلاعب بألفاظه، روى ابن أبي عاصم أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعليعليه‌السلام : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنك لست نبيا [ إنه لاينبغي أن أذهب إلا ] وأنت خليفتي في كل مؤمن من بعدي "(١) .

أوما كان بعد موسى أخاه

خير أصحابه و أعظم جاها

ليس تخلو إلاّ النبوة منه

ولهدا خير الورى استثناها

حديث الأئمة الاثني عشر:

روى مسلم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثناعشر خليفة، كلهم من قريش "(٢) .

وعن سماك بن حرب قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: " لايزال الاسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة " ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي:

ما قال؟ فقال: " كلهم من قريش "(٣) .

ما زال هذا الحديث لغزا عند أهل السنة، فكل من تعرض له فسَّره تفسيرا يخالف به غيره.

قال السيوطي: " وقد وجد من الاثني عشر، الخلفاء الأربعة، والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز، هؤلاء ثمانية، ويحتمل أن يضم إليهم المهدي العباسي،

____________

١ - السنة: ابن أبي عاصم: ٢/٥٥١، وقال الألباني: إسناده حسن.

٢ - كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.

٣ - نفس المصدر.


لأنه في العباسيين كعمر بن عبد العزيز في الأمويين، والظاهر العباسي أيضا لما أتيه من العدل، ويبقى الاثنان المنتظران، أحدهما المهدي من أهل البيت "(١) .

وقال ابن حجر: " وقد مضى منهم الخلفاء الأربعة ولا بد من تمام العدة قبل قيام الساعة "(٢) .

لكن العدة تمت عند شيعة آل البيت قبل أكثر من ألف سنة، وتحقق عندهم قول الرسول هذا.

أما عند أهل السنة فلا أعتقد أنَّ العدة ستكتمل ما داموا معرضين عن أئمة آل البيت، لأنهم هم مصداق الحديث.

والعجب أنَّ ابن حجر في القرن التاسع الهجري، ويرى أنَّ العدة لم تكتمل بعد. مع أنَّ الحديث ينص على أنَّ عدد الخلفاء بعد النبي اثنا عشر حتى قيام الساعة وعدد الخلفاء حتى عصر ابن حجر كثير جدا، والنبي قال: اثنا عشر لم يزد ولم ينقص عن هذا العدد.

وفي هذا الحديث قيّد النبي الخلافة بالقرشيّة. وإذا أضفنا لهذا القيد قول النبي:

" قال جبريلعليه‌السلام : قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم "(٣) .

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صحيح مسلم "... إنّ الله اصطفى قريشا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم "، يظهر لنا أنَّ الخلفاء من بني هاشم. فبما أنَّ الله اصطفى بني هاشم من قريش، فلا يبقى لقائل قول: إنّ الخلافة في غير بني هاشم، لانه بذلك يصطفي من لم يصطفه الله!!

____________

١ - تاريخ السيوطي: ص ١٢.

٢ - فتح الباري: ١٦/٣٤١.

٣ - أخرجه أحمد والمحاملي والمخلص والذهبي وغيرهم عن عائشة، انظر الصواعق: ص ١٨٩، وذكره الصبان في إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص ١٤٣.


حديث الثقلين:

في حديث الثقلين المشهور - ولا داعي لذكره - قرن الله العترة بالكتاب، فدّل هذا على أنهم مراجعٌ للمسلمين، كمرجعية القرآن لهم. ومن لا يفترق عن القرآن فجدير به أن يخلف الرسول.

والمتتبع لروايات الثقلين يجد أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعبر عنهما - أحيانا - ب‍ (خليفتين)(١) - وفي هذه الكلمة ما لايخفى من الدلالة، فالقرآن خليفة المسلمين - الجانب النظري - والعترة خلفاء المسلمين - الجانب العملي!!

حديث السفينة:

وهو قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " مثَل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق ".

وهذا الحديث يدل ضمنا على أنَّ الخلافة في آل البيت، فالنبي جعل النجاة بركوب سفينة آل البيت. وكل سفينة لا بد لها من قائد (قبطان)، وكان النبي هو القائد لسفينة الإسلام، وحين مات عهد لآل بيته بقيادتها، كما في حديث السفينة.

ولما كان التعبير بالسفينة تعبيرا مجازيا يعبر عن مسيرة الحياة، علمنا أنَّ آل بيته هم خلفاء المسلمين في هذه الدنيا!!

( هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ) (٢) .

____________

١ - انظر السنة: ابن أبي عاصم: ٢/٣٣٧، وصححه الألباني.

٢ - آل عمران: ١٣٨.


الأدلة من القرآن

الإمامة منصب إلهي:

قال تعالى مخاطبا نبيه إبراهيمعليه‌السلام : ( إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) (١) .

بعد أن أصبح إبراهيم نبيا أعطاه الله منصب الإمامة( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) فاستبشر إبراهيم بهذا وقال( وَمِن ذُرِّيَّتِي ) هل ستجعل أئمة يا رب؟ قال( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) فاستثنى الله الظالمين ومنعهم من نيل هذا المنصب.

لقد سمى الله الإمامة بالعهد( لَا يَنَالُ عَهْدِي ) وفي هذا أكبر ردٍّ على من يقول:

إنَّ الإمامة من عهود البشر. فهي من عهود ربِّ البشر، فهل سنأخذ بنص القرآن ونسلم له؟!

وفي هذه الآية منع الله الظالمين من نيل عهده " الإمامة " فكل من ظلم نفسه، أو ظلم غيره، ومن أشرك بالله( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (٢) ، لا نصيب له في الإمامة!

وليس هناك من تنطبق عليه مواصفات الآية غير علي بن أبي طالب وولده المعصومينعليهم‌السلام . وكل الذين ادّعوا الخلافة وإمامة المسلمين، من غير أهل البيتعليهم‌السلام لا يخلو أحدهم من ممارسة نوعٍ من أنواع الظلم السالفة.

قال تعالى على لسان موسىعليه‌السلام : ( وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) (٣) .

إنَّ نبي الله موسى مع عصمته يسأل الله أن يجعل له وزيرا. والوزارة فرع من الإمامة. فموسى عرف أنَّ الجعل بيد الله لذلك نسب الجعل إلى الله.

____________

١ - البقرة: ١٢٤.

٢ - لقمان: ١٣.

٣ - طه: ٢٩ - ٣٢.


إنما وليكم...:

قال تعالى: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (١) .

نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، حين تصدَّق بخاتمة وهو راكعٌ، بإجماع المفسرين.

ففي الدر المنثور: " أخرج الخطيب في المتفق عن ابن عباس قال: تصدق عليعليه‌السلام بخاتمه وهو راكع فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للسائل من أعطاك هذا الخاتم؟ قال: ذاك الراكع. فأنزل الله:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ) (٢) .

وبعد نزول هذه الآية أنشد حسّان بن ثابت:

____________

١ - المائدة: ٥٥ - ٥٦.

٢ - ٢/٢٩٣ وراجع: تفسير الطبري: ٦/١٨٦. تفسير ابن كثير: ٢/٧٤. تفسير الرازي: ٤/٣٨٣.

تفسير القرطبي: ٦/٢٢١. تفسير الكشاف: ١/٦٢٤. فتح القدير، الشوكاني: ٢/٥٣. زاد المسير في علم التفسير، ابن الجوزي: ٢/٣٨٣. التسهيل لعلوم التنزيل، الكلبي: ١/١٨١. التفسير المنير لمعالم التنزيل، الجاوي: ١/٢١٠. فتح البيان في مقاصد القرآن: ٣/٥١. أسباب النزول، الواحدي: ١٤٨.

تفسير النسفي: ١/٢٨٩. شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني: ١/١٦١. مناقب علي، ابن المغازلي:

ص ٣١١ و ٣٥٥ و ٣٥٦ - ٣٥٨. كفاية الطالب، الكنجي الشافعي: ٢٢٨ و ٢٥٠ و ٢٥١. ذخائر العقبى، محب الدين الطبري: ص ٨٨ و ١٠٢. المناقب، الخوارزمي: ص ١٨٧. ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق: ٢/٤٠٩. الفصول المهمة، ابن الصباغ: ص ١٠٨ و ١٢٣. لباب النقول، السيوطي بهامش تفسير الجلالين: ص ٢١٣. تذكرة الخواص: ص ١٨ و ٢٠٨. نور الأبصار: ص ٧١. ينابيع المودة:

ص ١٥١. أحكام القرآن، الجصاص: ٤/١٠٢. مجمع الزوائد: ٧/١٧. أنساب الأشراف: ٢/١٥٠.

كنز العمال: ١٥/١٤٦. منتخب الكنز بهامش المسند: ٥/٣٨. الرياض النضرة: ٢/٢٧٣...

ملحق المراجعات: ٣٨٤.


أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي

وكلّ بطئٍ في الهُدى ومسارعِ

أيذهبُ مدحيكَ المحبّرُ ضائعاً

وما المدحُ في جَنبِ الإلهِ بضائعِ

فأنت الذي اعطيتَ إذ كنتَ راكعاً

زكاة فدتك النفس يا خير راكعِ

فأنزل فيك الله خيرَ ولايةٍ

وبيَّنها في محكمات الشرائعِ(١)

ويشكل البعض: كيف تكون الآية نازلة في علي وقد جاءت بصيغة الجمع( والذين آمنوا ) ؟

يقول الزمخشري: " فإن قلت: كيف صح أن يكون لعليرضي‌الله‌عنه واللفظ لفظ جماعة؟

قلت: جئ به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلا واحدا ليرغب الناس في مثل فعله "(٢) .

وهذا الأسلوب موجود في لغة العرب. قال الطبري في تفسير قوله تعالى:( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّـهِ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) (٣) قال: " إنما عنى بهذه الآيات كلها عبد الله بن أبي سلول "(٤) .

في آية الولاية حصر الله الولاية بنفسه ورسوله وعليٍّ. ولا يخفى على كل بصير - جعل الحق رائده - أنَّ الولاية، المقصودة في الآية ولاية الأمر ولا معنى لكون الولاية هنا المحبة والنصرة، لاشتراك كل المؤمنين بها( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) (٥) فلما حصر الله الولاية بنفسه وبرسوله وعلي، علمنا أنها غير المحبة والنصرة.

فيبقى الوجه الثاني وهو ولاية الأمر.

____________

١ - فرائد السمطين: ١/١٨٩. المناقب، الخوارزمي: ص ١٨٦. تذكرة الخواص: ص ١٥ - ١٦.

كفاية الطالب: ص ٢٢٨ - ٢٢٩.

٢ - تفسير الزمخشري: ١/٦٢٤.

٣ - المنافقون: ١.

٤ - تفسير الطبري: ٢٨/٦٨. الدر المنثور: ٨/١٧١.

٥ - التوبة: ٧١.


عود على بدء:

إنَّ الآيات التي استدللنا بها على إمامة آل البيت الدينية، يستدل بها على إمامتهم السياسية، فأخالني لست بحاجة للإعادة، ونضعها بين أيدي القراء هنا. قال تعالى:

-( أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) (١) .

-( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (٢) .

-( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (٣) .

-( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (٤) .

-( إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (٥) .

-( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ... ) (٦) .

-( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ) (٧) .

-( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (٨) .

-( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ) (٩) .

____________

١ - النساء: ٥٩.

٢ - النحل: ٤٣.

٣ - الأحزاب: ٣٣.

٤ - الشورى: ٢٣.

٥ - الأحزاب: ٥٦.

٦ - آل عمران: ٦١.

٧ - آل عمران: ١٠٣.

٨ - الرعد: ٧.

٩ - الصافات: ٢٤.


الإمامة والعقل

بعد أن عرضنا النصوص من الكتاب والسنة، الدالة على إمامة آل البيت بقيادة عليعليه‌السلام ، بقي أن نسأل عقولنا: هل من الحكمة أن يترك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمته دون أن يستخلف عليها أحدا؟!

سيرة العقلاء توجب الاستخلاف:

تؤكد سيرة العقلاء وما جرت به العادة على أن الإنسان إذا شعر بدنو أجله أو أراد السفر، فإنه يعهد لأحد أبنائه أو أقاربه بتولي شؤون عائلته. هذا علىمستوى الأسرة، إحدى لبنات المجتمع.

وكذلك إذا أراد رئيس دائرة أو مؤسسة أو قبيلة أو مدينة أو دولة، السفر فإنه يجعل له نائبا عليها الى حين عودته.

وهذه السيرة لم تخف على الصحابة. فهذا أبو بكر حين شعر بدنو أجله عهد بالخلافة لعمر وقال: " فإنكم إن أمرتم في حياة مني، كان أجدر ألا تختلفوا بعدي "(١) .

فتأمل بربك قوله وقل لي: هل كان أبو بكر أحرص على هذه الأمة من نبي الرحمة؟!

وقالت عائشة لابن عمر: " يا بني، أبلغ عمر سلامي وقل له: لا تدع أمة محمد بلا راع، استخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملا، فإني أخشى عليهم الفتنة "(٢) !!

سبحان الله! فهل هذا يعني أنَّ النبي لا يخشى على أمته الفتنة وتركها بعده هملا؟!

وهل كانت عائشة أحرص على الأمة من سيد الخلق؟!

____________

١ - سيرة عمر، ابن الجوزي: ص ٤٤، وراجع تاريخ الطبري: ٢/٤٢٩. تاريخ ابن خلدون: ٢/٥٨.

٢ - الإمامة والسياسة: ١/٢٣.


وقال ابن عمر لأبيه: " يا أمير المؤمنين استخلف على أمة محمد، فإنه لو جاءك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله وغنمه بلا راع للمته وقلت له: كيف تركت أمانتك ضائعة؟! فكيف يا أمير المؤمنين بأمة محمد؟ "(١) .

نعم فكيف بأمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ هل يعقل أن يتركها النبي ضائعة على حد تعبير ابن عمر أم استخلف عليها؟!

وهكذا سار الخلفاء طوال فترات التاريخ فكل واحد يشعر بدنو أجله يوصي لمن بعده. فهل خفي على سيد الحكماءصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذه البديهة العقلية؟

ولو صح أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد ترك أمته بلا راع، فقد أخطأ حكام المسلمين على مر التاريخ إذ أوصوا لمن بعدهم، خلافا للنبي!

سألني أحد الأصدقاء، أن أثبت له وجوب تعيين النبي لخليفته، فقلت له: لو أنَّ عندك زوجة وأولادا، وأردت أن تسافر بضعة أيام، وتعلم أنَّ هناك من يريد الفتك بك وبعائلتك في أقرب فرصة تسنح له، فهل كنت تتركهم دون قيّم عليهم يهتم بأمورهم ويلم شملهم؟!!

قال: لا أستطيع تركهم دون قيم عليهم.

قلت: لو فعلت ذلك وتركتهم، ألا تكون بفعلك هذا ساعيا في هدم بيتك؟ قال:

نعم.

قلت: كيف توجب على نفسك وضع مسؤول على عدة أفراد ستعود إليهم بعد أيام، ولا توجب أن يضع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مسؤولا على أمة لن يعود إليها؟! أليس ذلك في حقه أولى؟! وقد كان النبي يعلم أنَّ أمته على ساحل بحر من الفتن. والمنافقون بين الصفوف يتحينون الفرص، وهاهم قبل فترة حاولوا قتل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

____________

١ - مروج الذهب: الجزء الثاني. حلية الأولياء: ١/٤٤.


وارتدت العرب، والفرس والروم تتجهزان لضرب الإسلام. فكيف يترك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمته دون خليفة في مثل هذه الظروف الخطيرة.

لقد جاهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كثيرا في سبيل بناء دولته، حتى إذا نشأت ووقفت على قدميها يتركها دون قيّم؟! لو كان قد فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا - حاشاه - ألم يكن كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا؟

النبي يستخلف في غزواته:

كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كل غزوة يغزوها يستخلف على المدينة أحد أصحابه، وما غاب عنها قط أياما معدودات إلا واستخلف عليها من ينوب عنه. ففي غزوة أحد استخلف ابن أم مكتوم، وفي غزوة بني المصطلق استخلف زيد بن حارثة، وفي غزوة ذات الرقاع استخلف عثمان بن عفان، وفي غزوة تبوك استخلف عليا. حتى أنَّ جبل أحد كان على بعد ميل من المدينة، فجعل النبي عليه خمسين من الرماة وجعل ابن جبير قيما عليهم ولم يتركهم هملا.

إذا كان هذا هو دأب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غيابه عن المدينة بضعة أيام، فهل يعقل أن يترك أمة بأسرها دون خليفة وهو سيتركها للأبد؟!

يستخلف على مدينة، ويترك أمة!! إنه أمر لا يجوز على أعظم سياسي عرفه التاريخ. أيُتَّهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بفعل المهم وترك الأهم، من أجل الحفاظ على كرامة السلف؟

لا والله، فمن كان غيورا ومحبا لنبي الإسلام، لا نتصور أنه يوافق على هذا.

وها هو النبي يبعث جيشا لمؤته ويقول: أميركم زيد، فإن قتل فجعفر، فإن قتل فعبدالله. هذا ما فعله في مؤته. أفتراهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يترك أمته ولم يبين لهم الخليفة من بعده، ليختاروا هم لأنفسهم، وكأن رأيهم واختيارهم أهدى وأرشد لهم من رأيه واختياره!!

النبي الحكيم يضع ثلاثة قواد على جيش مؤته، البالغ ثلاثة آلاف فرد، ويترك أكثر من مئة ألف دون قائد؟!


قيل لأحد العلماء الذين ينكرون النص: لما خرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المدينة ما استخلف عليهم أحدا؟ قال: بلى استخلف عليا، قال: وكيف لم يقل لأهل المدينة اختاروا فإنكم لا تجتمعون على ضلالة، قال: خاف عليهم الفتنة. قال: فلو وقع بينهم فساد لأصلحه عند عودته، قال: هذا أوفق، قال: إذن هل استخلف أحدا بعد موته؟

قال: لا، قال: ثبت أنَّ موته أعظم من سفره، فكيف أمن على الأمة بعد موته ما خافه عليها في سفره وهو حي؟ فسكت!

سئل إمام:

سئل إمام من أئمة آل البيت: أخبرني عن العلة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم؟ قال: مصلح أو مفسد؟ قيل: بل مصلح. قال: هي العلة التي أبديها لك ببرهان يقبله عقلك. قيل: نعم. قال: أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله وأنزل عليهم الكتاب وأيدهم بالوحي والعصمة، إذ هم أعلام الأمم وأهدى إلى الاختيار ومنهم موسى وعيسىعليهما‌السلام .

هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما، إذ هما بالاختيار، أن يقع خيرتهما على المنافق، وهما يظنان أنه مؤمن؟! قيل: لا.

قال: فهذا موسى كليم الله مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه، اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربه سبعين رجلا ولم يشك في إيمانهم وإخلاصهم. فوقعت خيرته على المنافقين، إذ قال(١) :( وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ) (١) فلما وجدنا من قد اصطفاه الله تعالى للنبوة واقعا على الأفسد دون الأصلح، وهو يظن أنه الأصلح دون الأفسد، علمنا أنَّ الاختيار لمن لا يعلم ما تخفى الصدور، وما تكن الضمائر ولا يعرف السرائر، مفسدةٌ، وأنَّ الأخطر اختيار

____________

١ - الأعراف: ١٥٥.


المهاجرين والأنصار، بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد، من حيث أرادوا الصلاح(١) .

لا يحل لثلاثة:

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة، إلا أمروا عليهم أحدهم "(٢) .

إنَّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يرضى أن يكون ثلاثةٌ دون أمير، فهل يعقل أن يترك أمة دون أمير؟ مفارقة تستحق التأمل.

تدبير النبي ليؤكد خلافة علي

يوم الخميس:

على الرغم من تصريحات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باستخلاف عليعليه‌السلام ، ومع انه أخذ له البيعة من أكثر من ١٠٠ ألف صحابي يوم الغدير، إلاّ أنه كان يعلم أنَّ أغلب صحابته لن يرضوا بعلي إماما.

عن ابن عباس أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعليعليه‌السلام : " أما إنك ستلقى بعدي جهدا... "(٣) .

وقال عليعليه‌السلام : " عهد إليَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنَّ الأمّة ستغدر بك من بعدي "(٤) .

____________

١ - الاحتجاج: ٢/٥٣٠ - ٥٣١.

٢ - مسند أحمد: ٢/١٧٧، وهناك لفظ آخر للحديث صححه الألباني في: سلسلة الأحاديث الصحيحة، المجلد الأول، حديث رقم ١٣٢٢.

٣ - المستدرك: ٣/١٤٠ وقال: صحيح الإسناد.

٤ - المصدر السابق وصححه، وكذا الذهبي. ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق: ٣/١٤٨. دلائل النبوة:

٦/٤٤٠. تذكرة الحفاظ: ٣/٩٩٥. البداية والنهاية: ٧/٣٣٨. تاريخ بغداد: ١١/٢١٦. كنز العمال:

١١/٢٩٧. الخصائص الكبرى: ٢/٢٣٥. شرح النهج: ٦/٤٥.


وعن عليعليه‌السلام : " بينما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آخذ بيدي ونحن نمشي في بعض سكك المدينة... فلما خلا له الطريق أعتنقني ثم أجهش باكيا.

قلت: يا رسول الله، ما يبكيك؟ قال: " ضغائن في صدور أقوام، لا يبدونها لك إلاّ من بعدي "(١) ".

لكن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - ذلك العظيم - لا ينحني أمام العاصفة، فأراد أن يقيم الحجة على الناس بأن يكتب خلافة عليعليه‌السلام على الورق.

ففي أخريات حياتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبينما كان على فراشه، قال لأصحابه: " ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي ". فقال عمر: إنَّ رسول الله قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله....

لقد (أشفق) هؤلاء الصحابة بقيادة عمر على النبي ولم يقبلوا بهذه النعمة، لكنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يشفق عليهم بل طردهم!

وعمر الشفيق علم ما سيكتبه النبي، وأنه سيعهد لهارونه، فحال دون ذلك.

وليس هذا الكلام جزافا بل هناك قرائن تؤيِّد مقالتنا. فعندما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا... علم عمر أنَّ النبي سيذكر كتاب الله وشيئا آخر كان يقرنه معه دائما. فقال فورا: حسبنا كتاب الله. أي يكفينا كتاب الله، ولا نريد ذلك الشئ الملازم له.

أجل إنَّ الرسول أراد أن يكتب شيئين أحدهما: كتاب الله كما فهم عمر وشيئا آخر ملازم له، وهم (آل البيت)، ليؤكد خلافتهم. ومما يؤكد قولنا قول النبي في يوم الخميس ".. أكتب لكم كتابا لن تضلوا.. " وقوله في حديث الثقلين " ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا " فدقق النظر في هذا واحكم.

____________

١ - مسند أبي يعلى: ١/٤٢٧. وقريب منه في المستدرك: ٣/١٣٩ وصححه، ابن أبي الحديد: ٤/١٠٧.

الرياض النضرة: ٣/١٨٤. مجمع الزوائد: ٩/١١٨. المناقب، الخوارزمي: ص ٣٦. كنز العمال: ١٣/١٧٦.


وليس هناك تفسير مقنع لمحتوى الكتاب غير هذا. قال الشيخ محمد الغزالي:

" وكان النبي نفسه قد هم بكتابة عهد يمنع شغب الطامعين في الحكم ". قال الألباني معلقا على هذا الكلام: " يشير إلى حديث ابن عباس مرفوعا: هلموا اكتب لكم كتابا... "(١) .

فالشيخ الغزالي والألباني يوافقاننا بأنَّ الكتاب عهدٌ لمنع شغب الطامعين في الحكم!

ولرب معترض يقول: حتى لو أقرّا بذلك فمن غير المعلوم أنه كان سيعهد لعلي.

قلنا: المهم إنهما أقرّا معنا على الهدف من الكتاب. والقرائن تشير إلى أنّ الكتاب هو تأكيد لحق آل البيت في الخلافة. وعمر يقول لابن عباس في حق علي: " لقد هم النبي أن يصرِّح باسمه في مرضه الذي توفي فيه، فمنعت من ذلك، إشفاقا وحيطة على الإسلام "(٢) !!

بقي إشكال يكرر وهو: لو كان محتوى الكتاب مهما، لأعاد النبي كتابته، لأنه لا يجوز للنبي أن يكتم شيئا.

لقد وقع الخلاف بين الصحابة أنفسهم، هل كان النبي يهذي - والعياذ بالله - أم لا؟

فإذا اعتقدوا أنه يهذي في كلامه وهو حي بينهم، فكذا سيكون اعتقادهم في كتابه، هل هو هذيان أم لا؟ ويدبّ الخلاف...

حقاً لقد كان الكتاب - الذي أراد النبي أن يكتبه - مهمّاً للغاية، لذلك رأينا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد طرد أصحابه. وكان ابن عباس يبكي حتى يخضب دمعه الحصباء ويقول:

إنَّ الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وشتان بين موقف عمر هنا وموقفه من كتاب أبي بكر في مرضه. فبحضرة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشفق عليه! وقال: غلبه الوجع، أما حين كتب أبو بكر كتابا يوصي له بالخلافة قال: اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله!!(٣) وهاتان الحادثتان يجدر

____________

١ - فقه السيرة: ص ٤٩٨ وكلام الألباني في الحاشية.

٢ - شرح النهج، ابن أبي الحديد.

٣ - تاريخ الطبري: ٢/٦١٨.


بكل باحث التأمل فيهما ويسأل: لماذا أشفق عمر على الرسول، ولم يشفق على أبي بكر؟! ولنعم ما قيل:

أوصى النبي فقال قائلهم

قد ظلَّ يهجر سيّدُ البشر

وأرى أبا بكر أصاب ولم

يُهجر وقد أوصى إلى عمر!!

سرية أسامة:

بعد أن منع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تحقيق ما أراد، عبأ الصحابة تحت قيادة أسامة بن زيد، بما فيهم أبو بكر وعمر وأرسلهم إلى مكان بعيد، وأبقى عنده علي بن أبي طالب.

لكنّ الصحابة تثاقلوا عن المسير، وطعنوا في الأمير، فخرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غاضبا ووبّخهم وشدّد عليهم في الذهاب، إلى آخر ما كان مما فصلناه سابقا.

لقد كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعلم بدنو أجله، ومع هذا يرسل الصحابة دون علي مع أسامة. فماذا يعني هذا؟

لو افترضنا أنَّ الجيش ذهب ومات الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فماذا سيكون حال الإسلام ولا قائد له؟! ويروي أهل السنة أنَّ النبي قال: " من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية " فماذا يكون مصير من يموت بعد النبي وقبل قدوم الجيش؟! هل يعد موته ميتةً جاهلية؟ ألم يفكِّر النبي بهذا؟ وماذا يكون الحال لو تأخر جيش المسلمين؟

المنافقون بالمرصاد ينتظرون أقرب فرصة للفتك بالإسلام. وقد ارتدت العرب، والفرس والروم يتجهزان لضرب المسلمين. فلو مات الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والحال على ماذكرنا لقضي على الإسلام؟ لكن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا تخفى عليه هذه الأمور، فحتّى لا يموت أحدٌ ميتة جاهلية، وحتى يفوت على الأعداء الفرصة، أبقى هارونه بالمدينة، ولم يبعثه مع الجيش. فإذا عاد الجيش من القتال يكون الأمر قد انتشر أنَّ عليا تسلَّم الخلافة عمليا.

وبذلك يقطع الطريق على الطامعين في الحكم!


وأي تفسير غير هذا، هو اتهام للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتضييع أمته، إذ إنه يعلم بموته ويترك أمته بلا راع مع هذا الحال؟

فلا مَندوحة عن القول: إنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اتخذ إجراءا إيجابيا إزاء هذه الأخطار، وهو إبقاء علي ليستلم الخلافة.

وبعثُ أبي بكر مع أسامة، فيه دليلٌ لا أقوى منه على أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن يفكر بأن يعهد لأبي بكر بالخلافة، كما يزعم بعضهم. فالنبي يعلم أنَّ أبا بكر قد يتعرَّض للقتل، ويعلم بإمكان تأخر الجيش بسبب القتال أو لطول المسافة. فلا يعقل أن يترك أمر الخلافة فارغا حتى يعود الجيش ويبايعوا أبا بكر. هذا على افتراض أنه لم يعيِّن خليفته، وهو مرفوض.

لكنّ هؤلاء الصحابة رفضوا الذهاب لأنهم علموا قصد النبي من بعثهم في هذه الفترة، وإبقاء علي دونهم.

( هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)

وغابت شمس النبوة

وينتقل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى جوار ربه، بعد أن بلَّغ رسالته، حزينا على أمته. وبينما كان الناس وبنو هاشم مذهولين لهول المصيبة، ويحضرون لتجهيز النبي، اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليختاروا من بينهم خليفةً. ولم يكن اجتماعهم في مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي كان ملتقى المسلمين السياسي والديني. فلماذا لم يجتمعوا في المسجد يا ترى؟ ألأنَّهم أرادوا الأمر لأنفسهم ولكي يسبقوا المهاجرين إليه؟!!

ولكنَّ الأمر لم يتم لهم فقد علم عمر بن الخطاب بخبر السقيفة، فأرسل إلى أبي بكر وحده! وأخبره باجتماع السقيفة(١) .

____________

١ - راجع تاريخ الطبري: ٢/٤٥٦.


فلماذا اختار عمر أبا بكر من دون الصحابة ليعلِّمه بالأمر وفيهم السابقون وذوو الفضل؟! ويهرع أبو بكر وعمر يتقاودان إلى السقيفة. ولكنهما لم يخبرا المهاجرين بأمر السقيفة! وكأنهما أرادا إخفاء الأمر عنهم. ويصلان السقيفة ولكن مع أبي عبيدة الذي رافقهم في الطريق!

ويأخذون الأمر من يد الأنصار ويتداولون أمر الخلافة فيما بينهم. فعمر يرشح أبا بكر وأبو بكر يرشح عمر(١) .

قيل: إنَّ اجتماع السقيفة كان ضروريا في هذا الوقت، لأنه لا يجوز أن يكون المسلمون بحال من الأحوال دون خليفة. هكذا يقال.. ولكن هل كان هدف المجتمعين تعيين شخص الخليفة - أيا كان - أم أنَّ كل فريق أراد الأمر لنفسه؟! والجواب الأخير هو ما نذهب إليه، وإلا فلماذا يحصر أبو بكر وصاحباه الأمر بأنفسهم دون سائر المهاجرين؟ ولماذا اعرضوا عن مرشحي الأنصار؟!

وهذا الحباب بن المنذر يجلي الصورة ويبين لنا هدف الاجتماع. فقد قال كما في تاريخ الطبري: " يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا - أي عمر - وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر!! "(٢) .

فالأنصار كانوا يطمعون في أن يكون لهم نصيب من هذا الأمر! لقد اتضح الحق لذي عينين.

وسعد بن عبادة المرشِّح عن الخزرج لم يعط صوته لأبي بكر، فلهذا عُرض للسب والإهانة، ففي حقه قال عمر: (قتل الله سعداً!!)(٣) وسعد من الذين آووا ونصروا. وبعد أن بايع عمر أبا بكر تبعه أسيد بن حضير زعيم الأوس والناس تبع لكبيرهم فبايع

____________

١ - راجع تاريخ الطبري: ٢/٤٤٤.

٢ - راجع تاريخ الطبري: ٢/٤٥٨.

٣ - المصدر السابق: ص ٤٤٧. شرح النهج: ٢/٢٥.


الأوس والخزرج، أبا بكر طوعا وكرها وكان أصحاب السقيفة لا يمرون بأحد من الناس إلاّ خبطوه، وقدَّموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه(١) وفي هذه الأثناء وبينما كان علي وبنو هاشم قد فرغوا من دفن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتاهم الخبر بأنَّ الناس بايعوا أبا بكر فتخلف علي وبنو هاشم عن بيعة أبي بكر ولم يبايععليه‌السلام إلاّ بعد ستة أشهر لا تنازلا عن حقه بل لرأب الصدع وحفظ البيضة.

وصبر عليّ على طول المدّة وشدّة المحنة وهو لا يتوانى لحظةً في تقديم مشورته لخدمة الإسلام(٢) .

وتتوالى الأحداث ويبايع علي بالخلافة، ولكن بعد أن اختلط الحابل بالنابل.

يحدِّثنا الإمام عليعليه‌السلام عن محنته في خطبته الثابتة المعروفة بالشِقشِقيّة فيقول:

" أما والله لقد تقمَّصها(٣) فلان وإنه ليعلم أنَّ محلِّي منها محل القطب من الرحا، ينحدر عني السيل، ولا يَرقى إلي الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه! فرأيت أنَّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا، حتى مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى فلان من بعده. ثم تمثل بقول الأعشى:

شتان ما يومي على كورها

ويوم حيان أخي جابر

فياعجبا!! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته - لشد ما تشطرا

____________

١ - راجع شرح النهج: ١/٢١٩.

٢ - هذه إطلالة سريعة على السقيفة ومن أراد المزيد فليراجع: السقيفة، محمد رضا المظفر. الخلافة المغتصبة، إدريس الحسيني وغيرهما من الكتب.

٣ - قال محمد عبده: الضمير يرجع إلى الخلافة وفلان كناية عن الخليفة الأول أبي بكررضي‌الله‌عنه ، نهج البلاغة: ١/٣٠ - ٣١.


ضرعيها! - فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم، فمني الناس - لعمر الله - بخبط وشماس، وتلون واعتراض. فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيالله وللشورى! متى اعترض الريب في مع الأول منهم، حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر! لكنني أسففت إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا، فصغا رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره، مع هن وهن، إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه، بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع، إلى أن انتكث عليه فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته!

فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلي، ينثالون علي من كل جانب، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم. فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وقسط آخرون: كأنهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين)(١) بلى! والله لقد سمعوها ووعوها، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها!

أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز!... "(٢) .

وحين أبعد الإمام عليعليه‌السلام عن مكانه، غابت شمس الإمامة وأبعد أئمة آل البيت

____________

١ - القصص: ٨٣.

٢ - راجع الخطبة في نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح: ص ٤٨ - ٥٠.


عن ممارسة دورهم الفكري والسياسي، وتعرَّض هؤلاء الأئمة لكل صنوف البلاء من قبل حكام بني أمية وبني العباس، وطورد شيعتهم في كل مكان وتحت كل حجر ومَدَر...

كل هذا يجري والناس يظنون وما زالوا يظنون أنَّ التاريخ السياسي للمسلمين هو عينه النظام السياسي الإسلامي.

وباحتلال مواقع أئمة آل البيت، عانت الأمة ما عانت، فظهرت المذاهب، وانقسمت الأمة إلى فرق، واختلق القياس والاستحسان... ليسد الفراغ الذي تركه إبعاد أئمة آل البيت. وقامت الفتن والحروب بين المذاهب، وكل مذهب يحمل على غيره بالسباب والتكفير.

وما سهلت تلك المذاهب فيهم

على الناس إلا بيعة الفلتات(١)

وتدهور حال المسلمين، فسيطر عليهم الأعداء وما زالوا حتى هذه اللحظة، وكل ما حدث في تاريخ المسلمين من جرائم وتفرّق، هو من ثِمار السقيفة. فكل بناء قام على أساس خاطئ لا بد أن ينهار في النهاية!

هذه صورةٌ سريعة عما جرى لهذه الأمة. مع الأمل كل الأمل في أن يستيقظ المسلمون من غفوتهم، ويعيدوا الرأس إلى جسد الأمة الإسلامية، لأنها بدون رأسها الحقيقي لن تفلح أبدا.

أجل، ما كان الله ليترك دينه في رحمة الآراء والمذاهب( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ ) (٢) ولم ينزل الله غيره ولا يقبل بغيره. فليس هناك مذاهب ولا فرق في الإسلام، إنما هو طريق واحد وهو طريق الكتاب والعترة، هكذا قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !

____________

١ - البيت من تائية دعبل بن علي الخزاعي الشهيرة.

٢ - آل عمران: ١٩.


وما كان الله ليترك مكان نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم السياسي شاغرا حتى يصبح ألعوبة بيد حفنة من بني أمية وبني العباس. لقد وضع الله برنامجا كاملا لإنقاذ البشرية وجعل تنفيذه بالأسباب، لكن الإنسان ذلك الظلوم الجهول، حال دون تنفيذ هذا البرنامج وصدق الله إذ قال:

( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ) (١) .

( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (٢) .

( وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا ) (٣) .

قعود الإمام عن حقه

قد يتبادر للذهن سؤالٌ: لماذا قعد عليعليه‌السلام عن حقه في الخلافة؟

قال شرف الدين في جوابه عن هذا الإشكال: "... خشيةً من عواقب الأختلاف في تلك الحال، وقد ظهر النفاق بموت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقوِّيت بفقده شوكة المنافقين، وعتَت نفوس الكافرين، وتضعضعت أركان الدين، وانخلعت قلوب المسلمين، وأصبحوا بعده كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية بين ذئاب عادية، ووحوش ضارية وارتدت طوائف من العرب، وهمت بالردة أخرى.

فأشفق عليّ في تلك الظروف أن يظهر إرادة القيام بأمر الناس، مخافة البائقة وفساد العاجلة، والقلوب على ما وصفنا، والمنافقون على ما ذكرنا، يعضون عليهم

____________

١ - إبراهيم: ٢٨، ٢٩.

٢ - الأعراف: ٩٦.

٣ - الجن: ١٦.


بالأنامل من الغيظ، وأهل الردة على ما بيناه، والأمم الكافرة على ما قدمناه، والأنصار قد خالفوا المهاجرين، وانحازوا عنهم يقولون منا أمير ومنكم أمير... و... و... فرعاه النظر للدين إلى الكف عن طلب الخلافة، والتجافي عن الأمور علما منه أنَّ طلبها - والحال هذه - يستوجب الخطر في الأمة، والتفرق في الدين، فاختار الكف إيثارا للإسلام، وتقديما للصالح العام. وتفضيلا للآجلة على العاجلة. غير أنه قعد في بيته، ولم يبايع حتى أخرجوه كرها. احتفاظا بحقه، واحتجاجا على من عدل عنه، ولو أسرع إلى البيعة ما تمت له حجة ولا سطع له برهان، ولكنه جمع فيما فعل بين حفظ الدين والاحتفاظ بحقه من إمرة المؤمنين، فدل هذا على أصالة رأيه ورجاحة حلمه، وسعة صدره، وإيثاره المصلحةَ العامة... "(١) .

سئل هشام بن الحكم: " لماذا لم يدع علي الناس إلى نفسه، فقال: لم يكن واجبا عليه. فقد دعاهم النبي إلى موالاته يوم غدير خم وغيره، فلم يقبلوا. ولو وجب ذلك لوجب على آدم أن يدعو إبليس إلى السجود "؟!!

وسئل أيضا: " كيف قعد علي عن حقه؟ فقال: كما قعد هارون عن حقه. قيل:

أكان عن ضعف منه؟ قال: كقول هارون:( قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (٢) "(٣) .

وسئل عليعليه‌السلام : " كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام، وأنتم أحق به؟ فقالعليه‌السلام :

يا أخا بني أسد، إنك لقلق الوضين، ترسل في غير سدد، ولك بعد ذمامة الصهر، وحق المسألة، وقد استعلمت فاعلم: أما الاستبداد علينا بهذا المقام - ونحن الأعلون نسبا، والأشدون برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نوطا، - فإنها كانت أثرة، شحت عليها نفوس قوم،

____________

١ - المراجعات: المراجعة رقم ٨٤.

٢ - الأعراف: ١٥٠.

٣ - راجع الاحتجاج.


وسخت عنها نفوس آخرين، والحكم الله، والمعود إليه القيامة "(١) .

وقال في موضع آخر: " فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، وأغضيت على القذى، وشربت على الشجا، وصبرت على أخذ الكظم، وعلى أمر من طعم العلقم "(٢) .

آيات الشورى

يحتج أهل السنة لإثبات أنَّ الخلافة بعد النبي شورى بين المسلمين بقول الله تعالى:

( وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ) (٣) ،( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) (٤) .

" بالنسبة للآية الأولى، معناها - كما يتبادر للذهن - أنَّ أمرهم شورى في أمر لم يرد فيه من الله ورسوله حكم، فقد قال سبحانه وتعالى( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (٥) وقد بينا قبل هذا ما ورد عن الله ورسوله في أمر الإمامة، ما لا يبقى معه مورد للتشاور.

أما الآية الثانية( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) وردت هذه الآية ضمن سلسلة من آيات ١٣٩ - ١٦٦ وهي ذات الرقم ١٥٩ وكلها في أمر غزوات الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكيف نصرهم الله فيها. وفي بعضها يخاطب المسلمين وخاصة الغزاة منهم ويعظهم وفي بعضها يخاطب الرسول خاصة ومن ضمنها( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) (٦) يظهر

____________

١ - نهج البلاغة، صبحي الصالح: الخطبة ١٦٢ ص ٢٣١.

٢ - المصدر السابق: خطبة ٢٦ ص ٦٢.

٣ - الشورى: ٣٨.

٤ - آل عمران: ١٥٩.

٥ - الأحزاب: ٣٦.

٦ - آل عمران: ١٥٩.


جليا أنَّ الأمر بالمشاورة في هذه الآية بقصد الملاينة معهم والرحمة بهم وليس مأمورا بالعمل برأيهم... ومن المجموع أنَّ مقام المشاورة الراجحة إنما هي في الغزوات "(١) .

نعم لو كان الأمر المطلوب المشاورة فيه هو الخلافة، لشاور النبي صحابته، لكن لم يرد أنَّ النبي شاور أصحابه في أمر الخلافة، فدل هذا على أنَّ المشاورة المقصودة في الآية هي غيرالخلافة، وإلاّ لكان النبي مخالفا لأمر ربه إذ أمره بمشاورة أصحابه بالخلافة ولم يفعل!!

وقول الله (وشاورهم في الأمر) - إن كان هذا الأمر هو الخلافة - فيستلزم وجود النبي بعد موته حيا بين صحابته ليشاورهم في أمر الخلافة!! وإلا كيف يشاورهم وهو في قبره؟! فدلالة الآية على أنَّ الخلافة شورى غير واردة.

و " لو كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد اتخذ من مستقبل الدعوة بعده موقفا ايجابيا يستهدف وضع نظام الشورى موضع التطبيق بعد وفاته مباشرة، وإسناد زعامة الدعوة إلى القيادة التي تنبثق عن هذا النظام، لكان من أبدَه الأشياء التي يتطلّبها هذا الموقف الإيجابي، أن يقوم الرسول القائدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعملية توعية للأمة والدعاة على نظام الشورى وحدوده وتفاصيله، وإعطائه طابعا دينيا مقدّسا، وإعداد المجتمع الاسلامي إعدادا فكريا وروحيا لتقبل هذا النظام، وهو مجتمع نشأ من مجموعة من العشائر لم تكن قد عاشت قبل الإسلام - وضعا سياسيا على أساس الشورى...

ونستطيع بسهولة أن ندرك أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يمارس عملية التوعية على نظام الشورى وتفاصيله التشريعية أو مفاهيمه الفكرية، لأنَّ هذه العملية لو كانت قد أنجزت لكان من الطبيعي أن تنعكس وتتجسَّد في الأحاديث المأثورة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو في ذهنية الأمة... مع أننا لا نجد في الأحاديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أي صورة تشريعية محددة لنظام الشورى "(٢) .

____________

١ - معالم المدرستين، مرتضى العسكري: ١/١٦٨ - ١٦٩.

٢ - بحث حول الولاية: ص ٢٨ - ٢٩.

* * *


وما كان النبي ليغفل عن هذا الجانب، وهو الذي كان يهتم بكل صغيرة وكبيرة.

فهل يعقل أن يبين لنا كيفية دخول الحمام وآدابه، ويترك مبدأ الشورى دون أي بيان؟!

إنَّ أول محاولة لتطبيق الشورى - إن كان فيها شورى - كادت أن تحدث فتنة بين أهل القرون الأولى. فقد تنازع الصحابة واختلفوا في السقيفة. فعمر كان يقول: اقتلوا سعدا قتله الله! وجمعوا الحطب لحرق بيت الزهراءعليها‌السلام ! وتأخر جماعة عن البيعة! وتأخر عليٌّ ستة أشهر! وقتل سعد بن عبادة!

فإذا كان أهل القرون الأولى قد تنازعوا ووصل الأمر بهم إلى القتل والتحريق في أول تجربة للشورى، فما هو حال من يأتي بعدهم؟!

وقد احتجّ عليّ على الصحابة بقوله:

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم

فكيف بهذا والمشيرون غيب

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم

فغيرك أولى بالنبي وأقرب

إنَّ لدى أهل السنة ثلاث طرق لتولي الخلافة هي:

١ - الشورى. ٢ - عهد الخليفة لمن بعده. ٣ - القهر والغلبة.

وهذه الطرق لا أصل لها في التشريع الإسلامي بل هي طارئة، ومستقاة من التاريخ السياسي للمسلمين.

فحين بويع أبو بكر قالوا: يتم اختيار الخليفة بالشورى. ولما عهد أبو بكر بالخلافة لعمر قالوا: ويتم اختيار الخليفة بالعهد من الخليفة الذي قبله. وحين استولى معاوية على الخلافة بالقهر قالوا: إنَّ القهر والغلبة من طرق تولى الخلافة.

وهذه الطرق الثلاثة لم يأت بها الوحي، مع العلم بأنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل أن يموت بين كل شئ للمسلمين وكان المسلمون يقرؤون( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) فالدين كامل قبل اختراع هذه الطرق، وإذا بحثت فلن تجد لهذه الطرق مستندا من كتاب أو سنة.

ولما عجز أصحاب هذه النظريات عن إيجاد مستند شرعي لهذه الطرق نظروا في تاريخ المسلمين وجعلوه جزءا من التشريع الإسلامي!

ولا ندري، هل كان فعل هؤلاء منشئا للنظام السياسي الإسلامي الذي وضحت معالمه في حياة النبي؟ أم كانوا شركاء لله في التشريع حتى يأخذ فعلهم صبغةً شرعية؟ أم ماذا؟!


إنَّ إغفال معالم نظام الحكم الإسلامي كان ضربةً للإسلام.

يقول المستشرق ويلز: " ترك محمد أمته من غير نظام لتكوين حكومة ثابتة يظهر فيها أثر الرأي العام، وكذلك لم يعيِّن لها أسلوبا عمليا لتحقيق نظام الديمقراطية ".

وقال أحمد أمين: " إنَّ ترك الأمر - الخلافة - مفتوحا لمن شاء، جعل المسلمين طوال عصرهم يختلفون على الخلافة "(١) .

وقال إبراهيم فوزي: " وعند وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن قد وضع لهذه الدولة أيُّ تشريع يبين شكل الحكم فيها "(٢) .

صلاة أبي بكر بالنّاس

يحتج أهل السنة على خلافة أبي بكر بما يروون عن النبي أمره أثناء مرضه أن يصلي بالناس. وهذا الدليل مردود من عدَّة وجوه:

أولا: نحن لا نسلم بهذه الروايات التي تقول إنَّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، لأنه ثبت أنَّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج وصلى بالناس مكان أبي بكر. وهذا الفعل من النبي مناقض لأمره إياه بالصلاة. فلو كانت صلاة أبي بكر بأمر النبي لكان خروج النبي وتنحية أبي بكر عن إمامة الصلاة والصلاة بالمسلمين كإمام إبطال لهذه الإمارة ونسخا لها إذ انه عزله عنها ولا يصح القول بأنَّ أبا بكر ائتمَّ بالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والناس ائتموا بأبي بكر، لأنه لم يحدث أن كانت صلاةً بإمامين! وليس هناك داع لأن يأتم الناس بأبي بكر مع وجود الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !

ثانيا: لو كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حقا قدَّمه للصلاة، وكان هذا التقديم دالا على إمامته، لكان هذا نصا من الرسول على خليفته. وأهل السنة ينكرون النص. فيلزم من إنكار النص إنكار أمر النبي أبا بكر الصلاة بالناس.

____________

١ - راجع روح التشيع، عبد الله نعمة: ص ١٤٦.

٢ - تدوين السنة: ص ٦٧.


ثالثا: لماذا لم يحتج أبو بكر ومؤيدوه في السقيفة بهذا الدليل؟ وكيف احتجوا بالقرابة، وأنَّ الأئمة من قريش، ونسوا هذا الدليل - إن صح -؟! مع العلم أنَّ العاقل لا يختار الأصعب مع وجود الأسهل، إلا لفقده. فلو كان هذا الخبر صحيحا ودالا على الخلافة لاحتج به أبو بكر. ولما كان هناك داع لاجتماع الأنصار في السقيفة ليختاروا خليفة من بينهم، وقد عين النبي خليفته ضمنا - كما يقال - ووجه الأنصار إليه والأنصار عدول - عند القوم - فلا يعقل أن يدل هذا الخبر على خلافة أبي بكر ويخالفوه!

رابعا: لو دل هذا الخبر على خلافة أبي بكر، لفهم ذلك أبو بكر نفسه. فها هو يقول في السقيفة: " قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين "(١) - يقصد عمر وأبا عبيدة - فلو كان خبر الصلاة - لو صح - دالا على أحقيته بالخلافة، لكان أبو بكر مخالفا للنبي بإخراج نفسه من هذا الأمر، وترشيح عمر وأبي عبيدة!! بل يكون فعله إهمالا وتوريطا للمسلمين في الخلاف والنزاع.

خامسا: لو دل هذا الخبر على خلافة أبي بكر، لفهم ذلك علي بن أبي طالب - وهو من هو - وأسرع لمبايعة أبي بكر وما تأخر ستة أشهر عن بيعته!

سادسا: من المعلوم أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استخلف عليا في تبوك على المدينة وما عزله.

فإن كان الاستخلاف بالصلاة دالا على الإمامة الكبرى، فالاستخلاف على المدينة أولى في الدلالة على الإمامة الكبرى. وقياس الاستخلاف في الصلاة على الإمامة الكبرى، قياس مع الفارق، فاسد الاعتبار، لاختلاف العلتين. فالصلاة - عند أهل السنة - جائزة خلف كل بر وفاجر، بخلاف الإمامة الكبرى التي اشترطوا فيها العدالة. وقياس الاستخلاف على المدينة على الإمامة الكبرى، قياس صحيح - على فرض صحة القياس - لأنَّ الاستخلاف على المدينة متضمن لأمور الدين والدنيا معا كالإمامة الكبرى.

____________

١ - تاريخ الطبري: ٢/٤٤٣.


سابعا: احتج أحد علماء السنة على عالم شيعي فقال: لم تنكرون خلافة أبي بكر وقد قدمه النبي للصلاة؟ فقال: نحن اقتدينا بعمر!! إذ قال إنَّ النبي يهجر فكما أنَّ كلامه عندكم ليس بحجة - يوم الخميس - فكذا في أمره أبا بكر الصلاة بالناس - إن صح الخبر.

ثامنا: من المتفق عليه أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعل أبا بكر تحت إمرة أسامة بن زيد، وأمر الجيش بالمسير لقتال الروم. فكيف يبعث النبي أبا بكر مع الجيش، ثم يجعله في الوقت نفسه إماما في المدينة؟! و نفس الرسول ما زال موجودا وقادرا على الصلاة. تلك النفس التي أذهب الله عنها الرجس من دون السلف وجعل الصلاة عليها فرضا مع كل صلاة. نعم كيف يقدَّم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحدا على نفسه؟! و إذا كانت صلاة أبي بكر لا تصح إلاّ بالصلاة على عليّعليه‌السلام ، فكيف يأتم عليٌّ به؟!!

دعوى الإجماع

ويحتج أهل السنة لإثبات خلافة أبي بكر بإجماع الصحابة على اختياره خليفة.

والحق إنه لا وجود للإجماع. فمن شروط الإجماع أن لا يتخلَّف عنه أحد، بينما تخلف عن بيعة أبي بكر الكثيرون، منهم: العباس بن عبد المطلب، الفضل بن العباس، الزبير بن العوام، خالد بن سعيد، المقداد بن عمر، سلمان الفارسي، أبو ذر الغفاري، عمار بن ياسر، البراء بن عازب، أبيّ بن كعب(١) ...

فلم تكن بيعة أبي بكر عن إجماع ولا عن مشورة لتخلّف من ذكرنا. وعمر يقول عن بيعة أبي بكر: " إنما كانت بيعة أبي بكر فلتةً وتمت وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها... من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع... "(٢) .

ولقائل أن يقول: إنَّ ما ذكرته صحيح، ولكن الصحابة المتخلفين بايعوه فيما بعد وانعقد الإجماع.

____________

١ - تاريخ الطبري: ٢/خبر السقيفة. الكامل: ٢/٣٢٥. تاريخ اليعقوبي: ٢/١٣٤.

٢ - صحيح البخاري: كتاب المحاربين، باب رجم الحبلى من الزنى.


نعم، بايعوه ولكن كانوا مكرهين، فحين قعد عليعليه‌السلام عن بيعة أبي بكر، بعث عمرا إليه وقال له: " ائتني به بأعنف العنف. فلما أتاه جرى بينهما كلام فقال: احلب حلباً لك شطره والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤثرك غدا! "(١) .

وروي أنَّ أبا بكر بعث عمر إلى المتخلفين فجاء فناداهم وهم في دار علي. فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب. وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها. فقيل له: إنَّ فيها فاطمة، فقال: وإن "(٢) .

ثم أتى عمر ومعه جماعةٌ، فأخرجوا علياعليه‌السلام ومضوا به إلى أبي بكر. فقال له: بايع فقال: " إن أنا لم أفعل فماذا؟ قالوا: إذا والله الذي لا إله إلا هو، نضرب عنقك! فقال: إذن تقتلون عبد الله وأخا رسول الله.

قال عمر: أما عبد الله فنعم. وأما أخو رسول الله فلا...

فأين الإجماع المزعوم مع وجود هذه الحقائق؟

رأيت النص يفضح جاحديه

ويلجئهم إلى ضيق الخناق

ولو كان اجتماع القوم رشدا

لما أدى إلى طول افتراق

إنَّ تخلف سعد بن عبادة وحده يلغي الإجماع.

يقول الدكتور محمد عمارة: " وفي كل الحالات، فإنَّ موقف سعد بن عبادة قد ظل ثَغرةً تمنع انعقاد الإجماع على خلافة أبي بكر ".

وقال: " إنَّ تصور الإجماع على إمارة أبي بكر، في مثل تلك الظروف والملابسات، ضربٌ من المحال "(٣) .

____________

١ - أنساب الأشراف، البلاذري: ص ٥٨٧.

٢ - راجع حادثة التحريق فيما سبق.

٣ - الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية: ص ٩٤.


عدول الصحابة عن النص

سؤال قد يرد في الأذهان: هل يعقل أن يسمع الصحابة باستخلاف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليعليه‌السلام ويبايعوه في غدير خم، ثم ينكثون بيعته؟

إنَّ من فهم موضوع عدالة الصحابة واجتهادهم أمام المحكمات لا يعرض له هذا السؤال، فالخروج عن النص أمرٌ شائع عند الصحابة. فهذا الذي لا يتصور خروج الصحابة عن النص في استخلاف علي نقول له: لماذا لا تعقل اجتهاد الصحابة أمام النص في استخلاف علي وتعقل اجتهادهم في رزية الخميس، وسرية أسامة، ويوم الحديبيّة، واجتهادهم في تحريم المتعة، وإلغاء سهم المؤلفة قلوبهم، و...؟!

فإن قيل: إنَّ خروجهم عن هذه النصوص. كان لاجتهاد رأوه، قلنا: لم لا يقال إنَّ خروجهم عن نصوص الاستخلاف من قبيل هذا؟ والملك عقيم!

وفعل الصحابة مع عليِّ ليس بأعجب من فعل بني إسرائيل مع هارون. فحين ذهب موسىعليه‌السلام لميقات ربه استخلف على أصحابه أخاه هارون ووعد قومه بأنه سيعود بعد ثلاثين ليلة، لكن الله أتمهن بعشر، فلما رجع موسى وجد قومه قد تركوا هارون وعكفوا على العِجل الذي صنعه السامري. فإذا جاز لأصحاب موسى أن يتركوا هارون، جاز لأصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يتركوا علياعليه‌السلام الذي هو بمنزلة هارون من موسىعليهما‌السلام عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فالناس هم الناس، والزمان هو الزمان!

وإعراض الصحابة عن هارون محمد مصداقٌ لقول النبي لأصحابه: " لتتبعنَّ سنن مَن قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضبٍّ لسلكتموه!! قلنا:

يارسول الله اليهود والنصارى، قال فمن؟! "(١) .

____________

١ - صحيح البخاري: كتاب الأنبياء، باب ماذكر عن بني اسرائيل.


وقد قال الصحابة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " إنا إذا كنا عندك كنا على حال وإذا خرجنا من عندك همتنا الدنيا وأهلونا "(١) .

فالصحابة ما إن افترقوا عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لاتهمهم إلاّ الدنيا أو أهلوهم، فكيف يكون حالهم إذا مات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وانقطع عنهم؟!

ولا نعجب من فعل الصحابة هذا والله يقول فيهم:( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّـهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّـهُ الشَّاكِرِينَ ) (٢) .

وكيف نعجب من فعلهم بعد إخبار النبي بورود أصحابه النار، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

" فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم " وكيف نستبعد ذلك بعد مناداة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

" إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " أو " إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى "!!

لقد كان الصحابة يصلون ويصومون ويحجون ويقومون بسائر الفرائض، فلماذا لا يخلص منهم إلا مثل همل النعم؟ نعم ليس هناك تفسير إلا أنهم نكثوا البيعة بتركهم آل البيتعليهم‌السلام .

وكيف لا نستهجن فعلهم، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لعليعليه‌السلام : " إنَّ الأمة ستغدر بك من بعدي "؟! (إنه لقول رسول كريم).

هذان طلحة والزبير بايعا عليا، وخرجا عليه، فإذا جاز لهما نكث بيعة علي، جاز لأبي بكر وعمر نكث بيعة علي ولا فرق، فالشيخان من الصحابة العدول، وطلحة والزبير من الصحابة العدول أيضا باتفاق أهل السنة.

____________

١ - مجمع الزوائد: ١٠/٣١٠، قال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.

٢ - آل عمران: ١٤٤.


وفي الختام

إنَّ إمامة عليعليه‌السلام ثابتة في الكتاب والسنة.

ربما يذكر أهل السنة أدلتهم وهي، آيات الشورى، إمامة أبي بكر في الصلاة، وإجماع الصحابة.

ونحن أثبتنا سابقا بما لا يبقى معه مجال للشك فيه: أنَّ هذه الأدلة في غير محلها، بخلاف أدلة الإمامية.

وإني لأعجب من المسلم كيف يتمسك بهذه الأدلة، ويترك الأدلة الإلهية والنصوص النبوية البينِّة كالشمس عند الزوال في ثبوتها ودلالتها.


الفصل الرابع

الأئمة الاثنا عشر



هُمُ أهلُ ميراثِ النبيِّ إذا اعَتزّوا

وهم خيرُ ساداتٍ وخير حماةٍ

مَطاعيمُ في الإعسارِ، في كلِّ مشهَدٍ

لقد شَرُفوا بالفضلِ والبركات

فإن فخروا يوماً أتوا بمحمَّدٍ

وجبريلَ والفُرقانِ ذي السوراتِ

وعدّوا عليّاً ذا المناقب والعُلا

وفاطمةَ الزهراءِ خيرَ بناتِ

مَلامكَ في أهل النبيِّ، فإنهم

أحباءي، ما عاشوا وأهلُ ثقاتي

تخيرتهم رُشداً لأمري، فإنّهم

على كلِّ حالٍ خِيرةُ الخيراتِ

* * *

من ديوان دعبل الخزاعي: ١٢٤ - ١٤٥


توطئة:

لقد بينا فيما سبق طبيعة المشروع الذي أعدَّه الله لإنقاذ البشريّة وإسعادهم، متمثلا بقيادة آل البيت، فكريا وسياسيا. وارتأيْتُ أن أقدم للقراء شيئا من سيرة هؤلاء الأئمة ومكانتهم بين العلماء.

علي بن أبي طالب (المرتضى)عليه‌السلام

(١٠ قبل البعثة - ٤٠ هـ‍)

هو أوَّل الناس إسلاماً، عرض النبي الإسلام عليه دون صبيان بني هاشم وقريش. رافق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جميع تحركاته ومات النبي في حجره.

وها هوعليه‌السلام يحدثنا عن منزلته من النبي فيقول: " وقد علمتم موضعي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمني إلى صدره، ويكنفني فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل. ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به، وقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي وأشم ريح النبوة "(١) .

____________

١ - نهج البلاغة: الخطبة القاصعة.


وقد اجتهدت كل فرقة من الفرق الإسلامية في إثبات اتصالها بعليّ. يقول المؤرِّخ الشهير ابن أبي الحديد:

" وقد عرفت أنَّ أشرف العلوم هو العلم الإلهي، لأنَّ شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم. ومن كلامهعليه‌السلام اقتبس، وعنه نقل، وإليه انتهى، ومنه ابتدأ.

فإنَّ المعتزلة الذين هم أهل التوحيد والعدل وأرباب النظر ومنهم تعلَّم الناس هذا الفن، تلامذته وأصحابه، لأنَّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه وأبوه تلميذهعليه‌السلام .

وأما الأشعرية فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن أبي بشير الأشعري وهو تلميذ أبي علي الجبائي، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة فالأشعرية ينتهون بآخرة إلى أستاذ المعتزلة ومعلمهم، وهو علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

وأما الإمامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر.

ومن العلوم: علم الفقه، وهوعليه‌السلام أصله وأساسه وكل فقيه في الإسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقهه.

أما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة.

وأما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة، وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمدعليه‌السلام وجعفر قرأ على أبيهعليه‌السلام وينتهي الأمر إلى عليعليه‌السلام .

وأما مالك فقرأ على ربيعة الرأي، وقرأ ربيعة على عكرمة، وقرأ عكرمة على عبد الله بن عباس، وقرأ عبد الله بن عباس على علي بن أبي طالب. وإن شئت فرددت إليه فقه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك، فهؤلاء الفقهاء الأربعة.

أما فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر، وأيضا فإن فقهاء الصحابة كانوا: عمر ابن الخطاب، وعبد الله بن عباس وكلاهما أخذ عن عليعليه‌السلام . أما ابن عباس فظاهر، وأما عمر فقد عرف كل أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي اشكلت عليه وعلى غيره


من الصحابة(١) وقوله غير مرة: " لولا علي لهلك عمر " وقوله: " لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن ". وقوله: " لا يفتين أحدٌ في المسجد وعلي حاضر " فقد عرف بهذا الوجه أيضا انتهاء الفقه إليه...

ومن العلوم: علم تفسير القرآن، وعنه أخذ، ومنه فرِّع، وإذا راجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك، لأنَّ أكثره عنه، وعن عبد الله بن عباس، وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له وانقطاعه إليه، وأ نه تلميذه وخريجه، وقيل له: اين علمك من علم ابن عمك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط...

ومن العلوم: علم النحو والعربية، وقد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه وانشأه وأملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه وأصوله ومن جملتها: الكلام كله ثلاثة أشياء اسم وفعل وحرف، ومن جملتها تقسيم الكلمة إلى معرفة ونكرة، وتقسيم وجوه الإعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم. وهذا يكاد يلحق بالمعجزات، لأنَّ القوة البشرية لا تفي بهذا الحصر ولا تنهض بهذا الاستنباط ".

قال - والكلام لا يزال لابن أبي الحديد -: " وأمَّا الرأي والتدبير فكان من أسدِّ الناس رأيا، وأصحهم تدبيرا، وهو الذي أشار على عمر لمّا عزم على أن يتوجه بنفسه إلى حرب الروم والفرس بما أشار، وهو الذي أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها ولو قبلها لم يحدث عليه ما حدث. وإنما قال أعداؤه لا رأي له، لأنه كان متقيدا بالشريعة لا يرى خلافها، ولا يعمل بما يقتضي الدين تحريمه.

وقد قالعليه‌السلام : " لولا الدين والتقى لكنت أدهى العرب "(٢) .

____________

١ - قال النووي: " وسؤال كبار الصحابة له، ورجوعهم إلى فتاويه وأقواله في المواطن الكثيرة، والمسائل المعضلة، مشهور ". الأسماء واللغات: ١/٢٤٦.

وقال ابن الاثير في أسد الغابة: " ولو ذكرنا ما سأله الصحابة به مثل عمر وغيره رضي الله عنهم لأطلنا ".

٢ - شرح النهج: ١/١٧ - ٢٨.


قال الشيخ أحمد الباقوري - شيخ الأزهر -: " إنَّ عليا - كرم الله وجهه - يرجع إليه فقه الأئمة الأربعة مالك والشافعي وابن حنبل وأبو حنيفة، كما يرجع إليه فقه الشيعة وفقه الصحابة(١) "(٢) .

هذا هو علي بن أبي طالب أول الأئمة الاثني عشر. وقد تركعليه‌السلام لنا ثروة إسلامية عظيمة ودونك نهج البلاغة(٣) هذا الكتاب العظيم الذي قال فيه الناقدون: إنه دون كلام الخالق، وفوق كلام المخلوقين(٤) .

فإنك إن نظرت فيه تجد جميع معارف الإسلام من توحيد، وعدل، وتنزيه للأنبياء، وتذكير بالمعاد، وسياسة، واقتصاد، وأخلاق... وكل هذا من مخزون علم النبوة.

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: " قلت لأبي: ما تقول في التفضيل؟ قال: في الخلافة أبو بكر، وعمر، وعثمان. فقلت: فعلي؟ قال: يا بني، علي بن أبي طالب من أهل بيت لا يقاس بهم أحد "(٥) .

من أقوال الإمام:

١ - كتب إلى معاوية: غرّك عزّك، فصار قصار ذلك ذلُّك، فاخش فاحش فعلك، فعلَّك تُهدى بهُدى!

٢ - أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه.

____________

١ - علي إمام الأئمة: ص ٤٧.

٢ - وقد بات واضحا لكل ذي لبٍّ أنَّ نهج البلاغة من كلام سيد الفصاحة والبلاغة علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

وهذا الموضوع أوسع من أن تتحمله هذه الأسطر، لذا فإننا نحيل الباحثين عن الحقيقة إلى كتاب " مصادر نهج البلاغة وأسانيده "، لمؤلفه عبد الزهراء الخطيب ففيه أقوى الأدلة على ما نقول.

٣ - شرح النهج، ابن أبي الحديد: ١/٢٤.

٤ - طبقات الحنابلة، أبي يعلى: ٢/١٢٠.


٣ - سأله رجل عن السنُّة والبدعة والفرقة والجماعة. فقالعليه‌السلام : أما السنة فسنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأما البدعة فما خالفها. وأما الفرقة فأهل الباطل وإن كثروا وأما الجماعة فأهل الحق وإن قلّوا.

٤ - كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلاّ وعاء العلم فإنه يتّسع.

٥ - إعجبوا لهذا الإنسان، ينظر بشحم، ويتكلّم بلحم، ويسمع بعظم، ويتنفس من خُرم.

٦ - إعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقلَ رعايةٍ لا عقل رواية، فإنَّ رواة العلم كثير ورعاته قليل.

٧ - روي أنَّ الإمام علياعليه‌السلام نظر إلى الماء ينزل من الأعلى إلى الأسفل فقال: لو شئت لجعلت من هذا الماء نورا.

والمقصود بالنور هنا الكهرباء! وهذا من مخزون علم النبوة.

٨ - كانعليه‌السلام مع بعض أصحابه في منطقة الظهران في الحجاز. فوقف في مكان فيه الرمل، فجعل يجر الرمل وينحيّه وينظر في الأرض ما تحت الرمل.

فقال له بعض أصحابه: لماذا تفعل ذلك يا أمير المؤمنين؟ قالعليه‌السلام : إنَّ في هذا المكان عينا من النفط. قيل: وما هو النفط؟ قالعليه‌السلام : عينٌ تشبه الزيت، لو أخرجتها من هذا المكان لأغنيت جميع العرب منها.


الإمام الحسن بن علي (المجتبى)عليه‌السلام

(٣ هـ‍ - ٥٠ هـ‍)

أبوه علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وأمه فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، وجده سيد الخلق محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأخوه الحسين، وهو الإمام الثاني من الأئمة الاثني عشر، وفضله أشهر من أن يذكر.

كانت صحيفة آل البيت والتي تحوي السنة النبوية عند الحسن بن علي. قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: " سألت الحسن بن علي عن قول عليِّ في الخيار، فدعا بربعة، فأخرج منها صحيفة صفراء مكتوب فيها قول علي في الخيار "(١) .

خطب الحسنعليه‌السلام بالناس بعد وفاة أبيه فقال: " نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسوله الأقربون، وأهل بيته الطيبون الطاهرون، وأحد الثقلين اللذين خلفهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أمته، فقال: " إني تارك فيكم كتاب الله وعترتي ". والتالي كتاب الله، فيه تفصيل كل شئ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالمعوَّل علينا في تفسيره، لا نتظنى تأويله بل نتيقن حقائقه. فأطيعونا فإنَّ طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله عز وجل ورسوله مقرونة ".

وقال: " أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي، وأنا ابن النبي، وأنا ابن الوصي، وأنا ابن البشير، وأنا ابن النذير، وأنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل بيت الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا "(٢) .

____________

١ - دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد الأعظمي.

٢ - منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل، عباس القمي: ١/٤٢٧. المستدرك، الحاكم: ٣/١٧٢. مقاتل الطالبيين: ص ٣٤ - ٣٥. إعلام الورى: ص ٢٠٨. تحف العقول: ص ٢٣٢.


كتب الحسن بن أبي الحسن البصري إلى أبي محمد الحسن بن عليعليهما‌السلام : أما بعد فإنكم معشر بني هاشم، الفلك الجارية في اللجج الغامرة، والأعلام النيّرة الشاهرة، أو كسفينة نوحعليه‌السلام التي نزلها المؤمنون ونجا فيها المسلمون. كتبت إليك يابن رسول الله، عند اختلافنا في القدر، وحيرتنا في الاستطاعة، فأخبرنا بالذي عليه رأيك ورأي آبائكعليهم‌السلام ، فإنَّ من علم الله علَّمكم، وأنتم شهداء على الناس، والله الشاهد عليكم، ذريةٌ بعضها من بعض والله سميع عليم.

فأجابه الحسنعليه‌السلام : بسم الله الرحمن الرحيم وصل إليَّ كتابك، ولولا ما ذكرته من حيرتك وحيرة من مضى قبلك إذن ما أخبرتك، أما بعد فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أنَّ الله يعلمه، فقد كفر. ومن أحال المعاصي على الله فقد فجر. إنَّ الله لم يطع مكرها، ولم يعص مغلوبا... "(١) .

أما قضية صلح الإمام الحسنعليه‌السلام مع معاوية، فلا تسعها هذه الأسطر، وما نوَّد قوله هو: إنَّ الإمام اضطر إلى الصلح اضطرارا، فأغلب جيشه كانوا من الخوارج وأهل النفاق والطامعين والأعراب... واستطاع معاوية ان يشتري الكثير منهم. فلم يبق مع الإمام إلاّ قلةٌ قليلة. فكان الإمام أمام خيارين إما أن يصالح أو يقاتل. ولو اختار القتال لما بقي لآل البيت وشيعته وجود، قالعليه‌السلام : " والله، ما سلّمت الأمر إلى معاوية، إلاّ أني لم أجد أنصارا، ولو وجدت أنصارا لقاتلته ليلي ونهاري، حتى يحكم الله بيني وبينه "(٢) .

وقد اشترط الحسنعليه‌السلام في الصلح، أن تعود الخلافة له إذا مات معاوية، وإذا مات الحسن تعود للحسينعليه‌السلام .

____________

١ - تحف العقول: ص ٢٣١.

٢ - الاحتجاج وراجع صلح الإمام الحسن في كتب الإمامية.


من أقوال الإمام:

١ - من اتكل على حسن الاختيار من الله له، لم يتمن أنه في غير الحال التي اختارها الله له.

٢ - ما صدَّنا عن أهل الشام شك ولا ندم، وإنما كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في مسيركم إلى صفين دينكم أمام دنياكم، فأصبحتم ودنياكم أمام دينكم، ألا وإنّا لكم كما كنا، ولستم كما كنتم لنا.

٣ - إعلموا أنَّ الحكمة زين، والوقار مروءة، والصلة نعمة، والإكثار صلف، والعجلة سفه، والسفه ضعف، والفلق ورطة، ومجالسة أهل الدناءة شَينٌ، ومجالسة أهل الفسوق ريبه.

٤ - بالعقل تدرك الداران جميعا، ومن حرم العقل حرمهما جميعا.


الحسين بن علي (الشهيد)عليه‌السلام

(٤ هـ‍ - ٦١ هـ‍)

" السيد الإمام أبو عبد الله الحسينعليه‌السلام ابن بنت رسول الله، وريحانته، وابن أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، ونشأة بيت النبوة، له أشرف نسب، وأكمل نفس، جمع الفضائل ومكارم الأخلاق،...

وكان إذا أقام بالمدينة أو غيرها مفيدا بعلمه، مهذِّبا بكريم أخلاقه، مؤدِّبا ببليغ بيانه، سخيا بماله، متواضعا للفقراء...

لقد كان الحسين في وقتٍ علَم المهتدين، ونور الأرض، فأخبار حياته فيها هدى للمسترشدين بأنوار محاسنه، المقتفين آثار فضله "(١) .

وقال العقّاد في الحسينعليه‌السلام : " وقد تعلَّم في صباه خير ما يتعلمه أبناء زمانه من فنون العلم والأدب والفروسية، وإليه يرفع كثير من المتصوفة وحكماء الدين نصوصهم التي يعولون عليها ويردونها إلى علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه .

وقد أوتي ملكة الخطابة من طلاقة لسان، وحسن بيان، وغنّة صوت، وجمال إيماء...

وقد أخذ نفسه بسمت الوقار في رعاية أسرته ورعاية الناس عامة.. فهابه الناس، وعرف معاوية عنه هذه المهابة، فوصفه لرجل من قريش ذاهب إلى المدينة

____________

١ - هذا كلام السيد علي جلال المصري راجع الشيعة في الميزان: ص ٢٢٢ عن الأعيان. وهناك لطيفه لأبي يعقوب السجستاني الإسماعيلي. قال عن أبي بكر وعمر إنَّ الحسن والحسينعليهما‌السلام : " سيديهم شاءا أم أبيا، ولأن السيد هو المطاع لا المطيع فوجب أن تلزمهم طاعة الحسن والحسين ولا تلزم الحسن والحسين طاعتهم لأنهما إمامان وسيدا شباب أهل الجنة " أنظر كتابه الافتخار: ص ٧٢، تحقيق مصطفى غالب.


فقال: اذا دخلت مسجد رسول الله فرأيت حلقة فيها قوم كأن على رؤوسهم الطير، فتلك حلقة أبي عبد الله، مؤتزرا إلى أنصاف ساقيه...

أما عاداته في معيشته، فكان ملاكها لطف الحسن، وجمال الذوق، والقصد في تناول كل مباح. كان يحب الطيب والبخور، ويأنق للزهر والريحان..

وروى أنس بن مالك أنه كان عنده، فدخلت عليه جارية بيدها طاقةٌ من ريحان، فحيَّته بها. فقال لها: " أنت حرّةٌ لوجه الله تعالى " فسأله أنس متعجبا: جارية تجيئك بطاقة ريحان فتعتقها؟ قال: " كذا أدبنا الله.. قال تبارك وتعالى:( وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) (١) .. وكان أحسن منها عتقها "..

وقد عاش سبعا وخمسين سنة بالحساب الهجري، وله من الأعداء من يصدقون ويكذبون... فلم يعبه أحد منهم بمعابة ولم يملك أحد منهم أن ينكر ماذاع من فضله، حتى حار معاوية بعيبه حين استعظم جلساؤه خطاب الحسين له "(٢) .

وقبل خروج الحسينعليه‌السلام ثائرا ضد يزيد، أوصى أخاه محمد بن الحنفية فقال:

"... وإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا، أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين "(٣) .

وخطب الحسينعليه‌السلام حين خرج إلى العراق فقال: " خُطَّ الموت على وُلد آدم مَخطَّ القَلادة على جيد الفتاة، وما أولَهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخُيّر لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطِّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشا جوفا وأجربةٍ سغباً، لا محيص عن يوم خُطَّ بالقلم، رضى الله رضانا

____________

١ - النساء: ٨٦.

٢ - راجع المجموعة الكاملة لعباس محمود العقاد، المجلد الثاني، الحسين أبو الشهداء: ص ١٩١ - ١٩٦.

٣ - نفس المهموم: ص ٢٥.


أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجر الصابرين، لن تشذ عن رسول الله لحمته، وهي مجموعة في حظيرة القدس، تقرّ بهم عينه، وينجز بهم وعده. من كان باذلا فينا مُهجته، وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا "(١) .

ويصل الحسينعليه‌السلام كربلاء، فيلتقي أهل الحق مع أهل الباطل، الخط الرسالي مع الخط الطاغوتي. وتسيل الدماء الزاكيات، دماء أهل بيت النبوة، وتختلط بتربة كربلاء لتسقي شجرة الإسلام فتبعث فيها الحياة، بعد أن كاد يقتلها الجرثوم الأموي. وتتحوّل هذه الدماء مع مرور الزمن إلى مشعلٍ ومزودٍ للأحرار، فيمرون على كربلاء ويتعلمون منها روح التضحية والفداء، ويستلهمون منها الدروس والعبر. ما أكثر الشهداء على مرِّ التاريخ، ولكنهم أحياء عند ربهم يرزقون، أما الحسين فحيٌّ في الدارين.

من أقوال الإمام:

١ - قال لأصحابه ليلة العاشر من محرم:... إني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعا في حلٍّ، ليس عليكم مني ذمام، هذا الليل فاتّخذوه جملاً، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، ثم تفرقوا في سَوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله، فإنَّ القوم إنما يطلبوني، ولو قد أصابوني للهوا عن طلب غيري.

٢ - قال يوم العاشر: ألا وإنَّ الدَّعي - يزيد - ابن الدَّعي قد ركَز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت، وانوف حمية، ونفوس أبية، وأن نؤثر طاعة اللئام على مَصارع الكرام.

٣ - الناس عبيد الدنيا، والدين لعِقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما درَّت معائشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء، قلَّ الديّانون.

٤ - موت في عزّ، خيرٌ من حياة في ذل.

٥ - من دلائل العالم انتقاده لحديثه، وعلمه بحقائق فنون النظر.

____________

١ - نفس المهموم: ص ١٠٠.


الإمام علي بن الحسين (السجاد)عليه‌السلام

(٣٨ هـ‍ - ٩٥ هـ‍)

الإمام الرابع من أئمة آل البيت، شهد كربلاء، لكنه كان مريضا فحفظ الله به نسل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وبقيت مأساة كربلاء تعيش مع الإمامعليه‌السلام . عن جعفر بن محمد: سئل علي بن الحسين عن كثرة بكائه، فقال: لا تلوموني، فإنَّ يعقوب فقد سبطاً من ولده، فبكى حتى ابيضّت عيناه ولم يعلم أنه مات، ونظرت أنا إلى أربعة عشر رجلا من أهل بيتي ذبحوا في غداة واحدة، فترون حزنهم يذهب من قلبي أبدا(١) ؟

وفي طبقات ابن سعد بسنده إلى المنهال قال: دخلت على عليِّ بن الحسين، فقلت:

كيف أصبحت أصلحك الله؟ فقال: ما كنت أرى شيخا من أهل المصر مثلك، لا يدري كيف أصبحنا، فأمّا إذ لم تدر أو تعلم فأنا أخبرك: أصبحنا في قومنا بمنزلة بني أسرائيل في آل فرعون!! إذ كانوا يذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وأصبح شيخنا وسيدنا يتقرَّب إلى عدوِّنا بشتمه أو سبه على المنابر، وأصبحت قريش تعد أنَّ لها الفضل على العرب، لأنَّ محمدا منها لا يعدّ لها فضل إلاّ به، وأصبحت العرب مقرّة لهم بذلك، فلئن كانت العرب صدقت أنَّ لها الفضل على العجم، وصدقت قريش أنَّ لها الفضل على العرب لأنّ محمدا منها، إنّ لنا أهل البيت الفضل على قريش لأنّ محمدا منا، فأصبحوا يأخذون بحقنا ولا يأخذون لنا حقا، فهكذا أصبحنا إذا لم تعلم كيف أصبحنا! قال: فظننت أنه أراد أن يسمع من في البيت "(٢) .

____________

١ - حلية الأولياء: ٣/١٣٨. تهذيب الكمال في أسماء الرجال الحافظ المزي: ٢٠/٣٩٩.

٢ - هذه صورة واضحة عن حال أبناء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خير القرون!! فراجع كلامه في طبقات ابن سعد:

٥/١١٣. تهذيب الكمال: ٢٠/٣٩٩ - ٤٠٠.


وروي " أنَّ علي بن الحسينعليه‌السلام كان يذكر حال من مسخهم الله قردةً من بني إسرائيل ويحكي قصتهم، فلما بلغ آخرها قال: إنَّ الله تعالى مسخ أولئك القوم لاصطيادهم السمك، فكيف ترى عند الله عزوجل يكون حال من قتل أولاد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهتك حريمه؟! إنَّ الله تعالى وإن لم يمسخهم في الدنيا فإنَّ المعد لهم من عذاب الآخرة أضعاف أضعاف من عذاب المسخ "(١) .

لقد كان علي بن الحسينعليه‌السلام إمام زمانه، وكانت وصايا الإمامة عنده. ورد عن جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام : " إنّ الحسين لما سار إلى العراق استودع أم سلمة(٢) الكتب والوصية فلما رجع علي بن الحسين دفعتها إليه "(٣) .

وشهادات علماء الإسلام لزين العابدين كثيرة ونحن نورد بعضا منها.

" عن العيزار بن حريث قال: كنت عند ابن عباس وأتاه علي بن الحسين فقال:

مرحبا بالحبيب ابن الحبيب "(٤) .

قال ابن سعد فيه: " وكان ثقةً مأمونا كثير الحديث عاليا رفيعا ورِعا. قال ابن عيينة، عن الزهري: ما رأيت قرشيا أفضل من علي بن الحسين "(٥) .

وقال ابن عيينة، عن الزهري أيضا: ما رأيت أحدا كان أفقه منه. وقال ابن وهب عن مالك: لم يكن في أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل علي بن الحسين(٦) .

ويروى أنَّ سعيد بن المسيب قال: ما رأيت أورع منه. وقال العجلي: مدنيٌّ، تابعي، ثقة(٧) .

____________

١ - الاحتجاج: ٢/٤٠.

٢ - إعلام الورى: ص ٢٥٢. مناقب آل أبي طالب، ابن شهرآشوب الجزء الثالث.

٣ - طبقات ابن سعد: ٥/١٠٩.

٤ - تهذيب التهذيب: ٧/٢٦٩. طبقات الحفاظ، السيوطي: ص ٣٧.

٥ - تهذيب التهذيب: ٧/٢٦٩. صفوة الصفوة: ٢/٩٩.

٦ - المصدر السابق.


وقال مصعب الزبيري، عن مالك: ولقد أحرم علي بن الحسين فلما أراد أن يقول لبيك قالها فأغمي عليه حتى سقط من ناقته فهشم. ولقد بلغني أنه كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات. وكان يسمى زين العابدين لعبادته(١) .

وقال عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه: ما رأيت هاشميا أفضل من علي بن الحسين ولا أفقه منه(٢) .

وقال له نافع بن جبير: إنك سيد الناس وأفضلهم(٣) .

قال جرير بن عبد الحميد عن عمرو بن ثابت: لما مات علي بن الحسين وجدوا بظهره أثرا، فسألوا عنه، فقالوا: هذا ما كان ينقل الجرب بالليل على ظهره إلى منازل الأرامل(٤) .

وقال جرير أيضا عن شيبة بن نعامة: كان علي بن الحسين يبخل، فلما مات وجدوه يعول مائة أهل بيت بالمدينة(٥) .

وقال فيه الشافعي: هو أفقه أهل المدينة.

وقال الواقدي: كان من أورع الناس، وأعبدهم، واتقاهم لله عز وجل، وكان إذا مشى لا يخطر بيديه(٦) .

سأل عمر بن عبد العزيز وقد قام عنده علي بن الحسينعليه‌السلام : من أشرف الناس؟

فقالوا له: أنتم. فقال: كلا، فإنَّ أشرف الناس هذا القائم من عندي آنفا، من أحب الناس أن يكونوا منه، ولم يحب أن يكون من أحد.

____________

١ - تهذيب التهذيب: ٧/٢٦٩. صفوة الصفوة: ٢/٩٩.

٢ - تهذيب الكمال: ٢/٣٨٧. تذكرة الخواص: ص ١٨٦.

٣ - صفوة الصفوة: ٢/٩٨. كشف الغمة: ص ١٩٩.

٤ - تهذيب الكمال: ٢٠/٣٩٢.

٥ - المصدر السابق.

٦ - البداية والنهاية: ٩/١٠٤.


ولما أخبر عمر بن عبد العزيز بوفاة زين العابدين قال: ذهب سراج الدين، وجمال الإسلام، وزين العابدين.

وقال عنه الفقيه ابن حجر: هذا هو الذي خلف أباه علما وزهدا وعبادة(١) .

وقال فيه ابن الصباغ المالكي المكي: وأما لقبهعليه‌السلام فله ألقاب كثيرة كلها تطلق عليه، أشهرها: زين العابدينعليه‌السلام ، وسيد الساجدينعليه‌السلام ، والزكي، والأمين، وذو الثَفَنات...

أما مناقبهعليه‌السلام فكثيرة ومزاياه شهيرة(٢) .

وقال فيه الشيخ أبو زهرة: وقد كان زين العابدين فقيها كما كان محدِّثا، وكان له شبهٌ بجدِّه علي بن أبي طالب في قدرته على الإحاطة بالمسألة الفقهية من كل جوانبها والتفريع عليها(٣) .

وقال فيه الأستاذ عبد العزيز سيد الأهل: " وزين العابدين علي بن الحسين السجاد ليس في حاجة لأن أجلوه للناس أو - على الأقل - للعارفين به أكثر من معرفتي به، ولكنَّ الذي كان في حاجة لأن يمجد، وأن يستعلي، إنما هو قلمي ودفتري، ومدادي، من حيث أخذت بهذه الأدوات أنظم في سيرة هذا البطل نظما جديدا، ربما أعجب عصرنا، وانساق في تياره، ولئن حق لشئ أن يفخر، فقد حق للقلم الذي ينظم سيرته أن يمجد ويستعلي وأن يعتز على المداد والأقلام "(٤) .

وقد قال فيه الفرزدق قصيدةً رائعة في محضر هشام بن عبد الملك نختار منها بعض الأبيات:

____________

١ - الصواعق المحرقة: ٢/٥٨٢.

٢ - الفصول المهمة في معرفة الأئمة.

٣ - الإمام زيد: ص ٣١.

٤ - الإمام زين العابدين: ص ٤.


هذا ابن خيرُ عبادِ الله كلّهم

هذا التقي النقي الطاهر العلَمُ

مشتقةٌ من رسول الله نبعته

طابت عناصرها والخيم والشيمُ

يُستدفع السوء والبلوى بحبِّهم

ويُستزاد به الإحسان والنعمُ

مقدَّم بعد ذكر الله ذكرهم

في كل حكم ومختوم به الكلمُ

إن عُدَّ أهل التقى كانوا أئمتهم

أو قيل من خير أهل الأرض قيل همُ

من يعرف الله يعرف أوّليّة ذا

فالدين من بيت هذا ناله الأممُ

ما قال لا قط إلاّ في تشهده

لولا التشهد كانت لاؤه نعمُ(١)

وقد ترك لنا السجادعليه‌السلام رسالةً تعرف ب‍ (رسالة الحقوق) كما ترك لنا ثروة روحية عظيمة في صحيفته السجادية من خلال الأدعية والمناجات وسنذكر شيئا منها في أقواله.

من أقوال الإمام:

١ - يا أيها الناس أحبُّونا حبَّ الإسلام، فما برح حُبُّكم حتى صار علينا عاراً وفي رواية: حتى بغّضتمونا إلى الناس(٢) .

٢ - قيل لعلي بن الحسين: إنَّ فلانا ينسبك إلى أنك ضال مبتدع فقال له: ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه، ولا أدَّيت حقي حيث ابلغتني عن أخي ما

____________

١ - قال أبو زهرة: " لقد روت كتب التاريخ والسير والأدب هذه القصيدة منسوبة إلى الفرزدق الشاعر، ولم يتشكك الرواة والمؤرخون في نسبتها إليه، وأكثر كتب الأدب لم تثر عجاجة شك حولها " الإمام زيد.

وراجعها في تهذيب الكمال: ٢٠/٤٠٠ - ٤٠٢. حلية الأولياء: ٣/١٣٩. الأغاني، أبي الفرج:

١٥/٣٢٥. ديوان الفرزدق.

٢ - تهذيب الكمال: ٢٠/٣٨٧. حلية الأولياء: ٣/١٣٦. ابن سعد: ٥/٢١٤. سير أعلام النبلاء: ٤/٣٨٩.


لست أعلمه. إنَّ الموت يعمّنا، والبعث يحشرنا، والقيامة موعدنا، والله يحكم بيننا.. إياك والغيبة، فإنها إدام كلاب النار.

٣ - قيل لعلي بن الحسين: مَن أعظم الناس خطرا؟ قال: من لم ير الدنيا لنفسه خطرا(١) .

٤ - وله من دعاء أبي حمزة الثمالي: "... فوعزتك يا سيدي لو انتهرتني ما برحت من بابك، ولا كففت عن تملقك، لما انتهى إلي من المعرفة بجودك... يا غفار، بنورك اهتدينا وبفضلك استغنينا، وبنعمتك أصبحنا وأمسينا، ذنوبنا بين يديك، نستغفرك اللهم منها ونتوب إليك، تتحبب إلينا بالنعم ونعارضك بالذنوب، خيرك إلينا نازل وشرنا إليك صاعد...

أنت إلهي أوسع فضلا وأعظم حلما من أن تقايسني بفعلي وخطيئتي، فالعفو العفو العفو، سيدي سيدي سيدي... فما لي لا أبكي، أبكي لخروج نفسي، أبكي لظلمة قبري، أبكي لضيق لحدي، أبكي لسؤال منكر ونكير إياي، أبكي لخروجي من قبري عريانا ذليلا حاملا ثقلي على ظهري...

إلهي ارحمني إذا انقطعت حجتي، وكَلَّ عن جوابك لساني، وطاش عند سؤالك إياي لبي، فيا عظيم رجائي لا تخيبني إذا اشتدَّت فاقتي...

وارحمني صريعا على الفراش تقلبني أيدي أحبتي، وتفضل عليَّ ممدودا على المغتسل يقلِّبني صالح جيرتي، وتحنَّن عليَّ محمولا قد تناول الأقرباء أطراف جنازتي، وجد عليَّ منقولا قد نزلت بك وحيداً في حفرتي، وارحم في ذلك البيت الجديد غربتي، حتى لا أستأنس بغيرك... "(٢) .

٥- كان الإمام يفخر و يقول:

نحن على الحوض ذوّاده

وتسعى بنا ورّادُه

وما فاز إلاّ من فاز بنا

ومن ساءنا ساء ميلاده

ومن كان غاصباً حقنا

فيوم القيامة ميعاده

____________

١ - تهذيب الكمال: ٢٠/٣٩٨. عيون الأخبار، ابن قتيبة: ١/٣٣١.

٢ - مفاتيح الجنان، عباس القمي والدعاء من ص ٢٥٠ - ٢٦٣ ومثله الكثير!


الإمام محمد بن علي (الباقر)عليه‌السلام

(٥٧ هـ‍ - ١١٤ هـ‍)

الإمام الخامس من الأئمة الاثني عشر، تسلَّم مقاليد الإمامة بعد أبيه. " كانت لديه كتب، وهي التي كانت في حوزة ابنه جعفر فيما بعد "(١) .

وهكذا تنقل الكتب التي كانت بحوزة آل البيتعليهم‌السلام من إمام إلى إمام. وكفى هذا الإمام فخرا أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث له سلاما مع جابر بن عبد الله الأنصاري.

يقول ابن حجر عن أبناء زين العابدين بعد ذكرهم: " وارثه منهم عبادةً وعلما وزهادة (أبو جعفر الباقر) سمي بذلك: من بقر الأرض أي شقَّها وأثار مخبآتها ومكامنها، فكذلك هو أظهر من مخبآت كنوز المعارف وحقائق الأحكام والحكم واللطائف، ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة فاسد الطويّة والسريرة، ومن ثَمَّ قيل فيه: هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه ورافعه. صفا قلبه، وزكا علمه وعمله، وطهرت نفسه، وشرف خلقه، وعمرت أوقاته بطاعة الله، وله من الرسوخ في مقامات العارفين ما تكلُّ عنه ألسنة الواصفين، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة، وكفاه شرفا أنَّ ابن المديني روى عن جابر أنه قال له وهو صغير: رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسلم عليك. فقيل له وكيف ذاك قال: كنت جالسا عنده والحسين في حجره وهو يداعبه، فقال: " يا جابر يولد له مولود اسمه محمد... فإن أدركته يا جابر فأقرئه منِّي السلام "(٢) .

____________

١ - التهذيب: ٢/١٠٤.

٢ - الصواعق المحرقة: ٢/٥٨٥ - ٥٨٦، وذكر سلام النبي على الباقر ابن قتيبة في عيون الأخبار: ١/٢١٢، ابن عساكر: ١٥/٣٥٢. الذهبي في السير: ٤/٤٠٤. اليعقوبي في تاريخه: ٣/٦١. سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: ٣٤٧. ابن الصباغ المالكي في فصوله المهمة: ١٩٣. الشبلنجي في نور الأبصار: ١٤٣.


وفي روايات الإمامية قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لجابر: " يوشك أن تبقى حتى تلقى ولدا لي من الحسين يقال له محمد يبقر علم الدين بقرا، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام "(١) .

وقد عظَّم علماء الإسلام الباقر أيّ تعظيم. يقول عنه عبد الله بن عطاء المكي - أحد أعلام التابعين - " ما رأيت العلماء عند أحد قط، أصغر منهم عند أبي جعفر محمد ابن علي ابن الحسين، ولقد رأيت الحكم بن عتيبة - مع جلالته في القوم - بين يديه كأنه صبي بين يدي معلمه! "(٢) .

قال محمد بن المنكدر: " ما رأيت أحدا يفضل على علي بن الحسين، حتى رأيت ابنه محمدا، أردت يوما أن أعظه فوعظني "(٣) !

قال أبو نعيم: " ومنهم الحاضر الذاكر، الخاشع الصابر، أبو جعفر محمد بن علي الباقر، كان من سلالة النبوة، وممن جمع حسب الدين والأبوة، وتكلم في العوارض والخطرات، وسفح الدموع والعبرات، ونهى عن المِراء والخصومات "(٤) .

وقال ابن سعد في طبقاته: " انه كان عالما عابدا، ثقة، روى عنه أبو حنيفة وغيره من أعلام الأمة. وقال أبو يوسف: قلت لأبي حنيفة: لقيت محمد بن علي؟ قال: نعم، وسألته يوما فقلت له: أراد الله المعاصي؟ فقال: أفيعصى الله قهرا؟ قال أبو حنيفة: فما رأيت جوابا أفحم منه ".

وجاء في تهذيب التهذيب: " روى - الباقر - عن أبيه، وجديه الحسن والحسين، وجد أبيه علي بن أبي طالب مرسلا. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال العجلي:

مدني، تابعي، ثقة. وقال ابن البرقي: كان فقيها فاضلا. وذكره النسائي في فقهاء أهل

____________

١ - الإرشاد، الشيخ المفيد: ٢/١٥٩.

٢ - المصدر السابق: ص ١٦٠. حلية الأولياء: ٣/١٨٦. مختصر تاريخ دمشق: ٢٣/٧٩.

٣ - تهذيب التهذيب: ٩/٣١٣.

٤ - الحلية: ٣/١٨٠، وراجع البداية والنهاية، ابن كثير: ٩/٣٠٩.


المدينة من التابعين "(١) .

وقال النووي فيه: " وهو تابعي جليل، إمام بارع، مجمع على جلالته، معدود في فقهاء المدينة وأئمتهم "(٢) .

وقال فيه ابن العماد الحنبلي: " كان من فقهاء أهل المدينة، وقيل له الباقر، لأنه بقر العلم، أي شقه وعرف أصله وتوسع فيه... وله كلام نافع في الحكم والمواعظ "(٣) .

قال محمد بن طلحة الشافعي: " هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه ورافعه، ومتفوق درَّه وراضعه، ومنمق درره وراصعه. صفا قلبه، وزكا عمله، وطهرت نفسه، وشرفت أخلاقه، وعمرت بطاعة الله أوقاته، ورسخت في مقام التقوى قدمه، وظهرت عليه سمات الازدلاف وطهارة الاجتباء، فالمناقب تسبق إليه، والصفات تشرف به "(٤) .

قال ابن خلكان: " كان الباقر عالما سيدا كبيرا، وإنما قيل له الباقر لأنه تبقَّر في العلم "(٥) .

قال الصبان الشافعي: " وأما محمد الباقررضي‌الله‌عنه فهو صاحب المعارف واللطائف، ظهرت كراماته، وكثرت في السلوك إشاراته "(٦) .

قال المناوي: " وله من الرسوخ في مقام العارفين ما تكل عنه ألسنة الواصفين، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف يعجز عن حكايتها الواصف. فمن كلامه:

الصواعق تصيب المؤمن وغيره، ولا تصيب ذاكر الله عز وجل. وقال: ما دخل قلب امرئ شئ من الكبر إلاّ نقص من عقله مثل ما دخله منه أو أكثر...

____________

١ - تهذيب التهذيب: ٩/٣١٢.

٢ - تهذيب الأسماء واللغات: ١/٨٧.

٣ - أسد حيدر، نقلا عن شذرات الذهب: ١/٤٩.

٤ - المصدر السابق عن مطالب السؤول: ٢/٥٠.

٥ - وفيات الأعيان: ٤/١٧٤.

٦ - إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص ٢٥٠.


من أخبار الإمام:

في حلية الأولياء: " أنَّ رجلا سأل ابن عمر عن مسألة فلم يدر ما يجيبه، فقال:

إذهب إلى ذلك الغلام - وأشار إلى الباقر - فسله، وأعلمني بما يجيبك. فسأله، وأجابه، فأخبر ابن عمر، فقال: إنهم أهل بيت مفهمون "(١) .

دخل على الإمام الباقر رجل من الخوارج فقال له: يا أبا جعفر، أي شئ تعبد؟

فقالعليه‌السلام : الله. قال الرجل: رأيته؟ قال: بلى، لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يعرف بالقياس، ولا يدرك بالحواس، ولا يشبه الناس، موصوف بالآيات، معروف بالدلالات، لا يجور في حكمه، ذلك الله لا إله إلاّ هو. فخرج الرجل وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته(٢) .

وسأل نافع بن الأزرق أبا جعفرعليه‌السلام قال: أخبرني عن الله عز وجل متى كان؟

قال: متى لم يكن حتى أخبرك متى كان؟! سبحان من لم يزل ولا يزال فردا صمدا لم يتّخذ صاحبةً ولا ولدا(٣) .

وعن أبي حمزة الثمالي قال: أتى الحسن البصري أبا جعفرعليه‌السلام فقال: جئتك لأسألك عن أشياء من كتاب الله. فقال أبو جعفر: ألست فقيه أهل البصرة؟ قال: قد يقال ذلك. فقال له أبو جعفرعليه‌السلام : هل بالبصرة أحد تأخذ عنه؟ قال: لا. قال فجميع أهل البصرة يأخذون عنك؟ قال نعم. فقال أبو جعفر: سبحان الله لقد تقلَّدت عظيما من الأمر... أرأيت من قال الله له في كتابه: إنك آمن، هل عليه خوف بعد هذا القول منه؟

فقال الحسن لا. فقال أبو جعفرعليه‌السلام : إني أعرض عليك آية وانهي إليك خطابا، ولا

____________

١ - تاريخ التشريع الإسلامي، الدكتور الفضلي: ص ٩٨ - ٩٩. الإمام جعفر الصادق، المستشار عبدالحليم الجندي: ص ١٤١.

٢ - الاحتجاج: ٢/١٦٦ - ١٦٧. التوحيد، الصدوق: ص ٩٦.

٣ - الاحتجاج: ٢/١٦٦.


أحسبك إلاّ وقد فسرته على غير وجهه، فإن كنت فعلت ذلك فقد هلكت وأهلكت.

فقال له: ما هو؟ قال: أرأيت حيث يقول:( وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ) (١) يا حسن بلغني أنك أفتيت الناس فقلت: هي مكة. فقال أبو جعفرعليه‌السلام : فهل يقطع على من حج مكة وهل يخاف أهل مكة، وهل تذهب أموالهم؟ قال: بلى. قال: فمتى يكونون آمنين؟... بل فينا ضرب الله الأمثال في القرآن، فنحن القرى التي بارك الله فيها، وذلك قول الله عز وجل... "(٢) .

من أقوال الإمام:

١ - " شيعتنا من أطاع الله عز وجل "، و " إنّ الله تعالى يلقي في قلوب شيعتنا الرعب، فإذا قام قائمنا وظهر مهدينا كان الرجل أجرأ من ليث "(٣) .

٢ - قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم، فالله يبغض اللعان السباب الطعان على المؤمنين.

٣ - قيل له: من أشد الناس زهدا، قال: من لا يبالي بالدنيا في يد من كانت.

وقيل له: من أخسر الناس صَفقةً؟ قال: من باع الباقي بالفاني.

٤ - عن جابر الجُعفي قال: قال أبو جعفرعليه‌السلام : " يا جابر يكتفي مَن اتخذ التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت؟ فوالله ما شيعتنا إلاّ من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون إلاّ بالتواضع، والتخشّع، وأداء الأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة والبرِّ بالوالدين، والتعهد للجيران من الفقراء، وأهل المسكنة، والغارمين، والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكف الألسن عن الناس إلاّ من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء.

____________

١ - سبأ: ١٨.

٢ - الاحتجاج: ٢/١٨٢ - ١٨٣.

٣ - حلية الأولياء: ٣/١٨٤.


قال جابر: يابن رسول الله ما نعرف أحدا بهذه الصفة، فقال لي: يا جابر لا تذهبنَّ بك المذاهب، حسبُ الرجل أن يقول أحب عليا صلوات الله عليه وأتولاّه، فلو قال إني أحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورسول الله خير من علي، ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه إياه شيئا، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحب العباد إلى الله وأكرمهم عليه أتقاهم له وأعملهم بطاعته، يا جابر ما يتقرب العبد إلى الله تبارك وتعالى إلاّ بالطاعة، ما معنا براءة من النار، ولا على الله لأحد منكم حجة، من كان لله مطيعا فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدو، ولا تنال ولايتنا إلاّ بالعمل والورع "(١) .

____________

١ - صفات الشيعة، الشيخ الصدوق: ص ١٨ - ١٩.


الإمام جعفر بن محمد (الصادق)عليه‌السلام

(٨٠ هـ‍ - ١٤٨ هـ‍)

وإليهعليه‌السلام ينسب مذهب الشيعة الإمامية، وذلك لأنه أتيح لهذا الإمام نشر علوم آل البيت أكثر من أيّ إمام آخر فسمي مذهب الشيعة المذهب الجعفري نسبةً للإمام جعفر الصادقعليه‌السلام مع أنَّ الإمامية يأخذون عن كل الأئمة الاثني عشر، والأئمة يأخذون عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وفي الإمام الصادق يقول أبو حنيفة: " ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد. لما أقدمه المنصور بعث إلي فقال: يا أبا حنيفة إنَّ الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمد فهيئ له من المسائل الشداد، فهيأت له أربعين مسألة.

ثم بعث إليَّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته فدخلت عليه وجعفر بن محمد جالس عن يمينه، فلما أبصرت به، دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلني لأبي جعفر!! فسلمت عليه فأومأ إلي فجلست. ثم التفت إليه فقال: يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة.

قال جعفر: نعم - ثم أتبعها - قد أتانا. كأنه كره ما يقول فيه قوم أنه إذا رأى الرجل عرفه. ثم التفت المنصور إليّ فقال:

يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد الله مسائلك. فجعلت ألقي عليه فيجيبني، فيقول:

أنتم تقولون كذا وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا. فربما تابعهم وربما خالفنا جميعا، حتى أتيت على الأربعين مسألة. ثم قال أبو حنيفة: ألسنا روينا أنَّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس "(١) .

____________

١ - مناقب أبي حنيفة، الموفق: ١/١٧٣. جامع أسانيد أبي حنيفة: ١/٢٢٢. تذكرة الحفاظ: ١/١٥٧.

سير أعلام النبلاء: ٦/١٧ - ١٨.


وكان أبو حنيفة يقول: لولا السنتان لهلك النُعمان. قال الآلوسي: " هذا أبو حنيفة وهو من أهل السنة يفتخر ويقول بأفصح لسان: لولا السنتان لهلك النعمان، يعني السنتين اللتين جلس فيهما لأخذ العلم عن الإمام جعفر الصادق "(١) .

وقال فيه الخليفة المنصور: " إنَّ جعفرا كان ممن قال الله فيهم:( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (٢) وكان ممن اصطفاه الله وكان من السابقين إلى الخيرات "(٣) .

وقال مالك بن أنس: " جعفر بن محمد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصال، إما مصلٍّ، وإما صائم، وإما يقرأ القرآن "(٤) .

وقال: " وما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علما وعبادة وورعا "(٥) .

قال إسحاق بن راهوية: قلت للشافعي: كيف جعفر بن محمد عندك؟ فقال ثقة.

وقال الدوري عن يحيى بن معين: ثقة مأمون. وقال ابن أبي خيثمة وغيره عنه:

ثقة.

وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة لا يسأل عن مثله. وقال ابن عدي: ولجعفر أحاديث ونسخ، وهو من ثقات الناس.

وقال عمرو بن المقدام: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين.

____________

١ - التحفة الاثنا عشرية. والملفت أن أبا حنيفة يقول في الإمام الصادق: لولا السنتان لهلك النعمان، ويقول عمر في علي: لولا علي لهلك عمر!!

٢ - فاطر: ٣٢.

٣ - تاريخ اليعقوبي: ٣/١٧٧.

٤ - تهذيب التهذيب: ٢/٨٩.

٥ - المجالس السنية الجزء الخامس. التوسل والوسيلة، ابن تيمية: ص ٥٢.


ذكره ابن حبّان في الثُقات وقال: كان من سادات أهل البيت فقها وعلما وفضلا، يحتج بحديثه من غير رواية أولاده عنه.

وقال الساجي: كان صدوقا مأمونا، إذا حدَّث عنه الثقات فحديثه مستقيم(١) وقال العسقلاني: فقيهٌ صدوق(٢) .

وقال الذهبي: " جعفر بن محمد، أبو عبد الله أحد الأئمة الأعلام، برٌّ صادق كبير الشأن. وقد خرج له مسلم وأصحاب السنن الأربع، ولم يرو له البخاري "(٣) .

قال النووي: " وروى عنه محمد بن إسحاق، ويحيى الأنصاري، ومالك، والسفيانان، وابن جريح، وشعبة، ويحيى القطان وآخرون... واتفقوا على إمامته وجلالته "(٤) .

قال الشهرستاني: " جعفر بن محمد الصادق، هو ذو علم غزير، وأدب كامل في الحكمة، وزهد في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وقد أقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين إليه، ويفيض على الموالين له أسرار العلوم "(٥) .

قال الجاحظ: " جعفر بن محمد، الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه، ويقال: إنَّ أبا حنيفة من تلامذته وكذلك سفيان الثوري، وحسبك بهما في هذا الباب "(٦) .

وقال ابن خلِّكان في ترجمة جعفر الصادقعليه‌السلام : " وكان من سادات أهل البيت، ولقِّب بالصادق لصدقه في مقالته، وفضله أشهر من أن يذكر، وله كلام في صناعة الكيمياء والزجر والفأل، وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيان الصوفي الطرسوسي.

____________

١ - راجع ما سبق: تهذيب التهذيب ٢/٨٨ - ٨٩، حلية الأولياء: ٣/١٩٣، صفوة الصفوة: ٢/١٦٨.

٢ - تقريب التهذيب: ص ٦٨١.

٣ - ميزان الاعتدال: ١/٤١٤.

٤ - تهذيب الأسماء واللغات: ١/١٥٥. وذكر النووي قول عمر بن المقدام المتقدم.

٥ - الملل والنحل: ١/٢٧٢.

٦ - أسد حيدر: ١/٥٥ عن رسائل الجاحظ، السندوبي: ص ١٠٦.


وقد ألف كتابا يشتمل على ألف ورقة، تتضمن رسائل جعفر الصادق، وهي خمسمائة رسالة "(١) .

وقال ابن حجر الهيتمي عن جعفر الصادقعليه‌السلام : " نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد، وابن جريج، والسفيانيين، وأبي حنيفة، وشعبة، وأيوب السختياني "(٢) .

قال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي: " جعفر بن محمد هو من علماء أهل البيت وساداتهم، ذو علوم جمَّة، وعبادةٌ موفورة، وأوراد متواصلة، وزهادة بيِّنه، وتلاوة كثيرة، يتتبع معاني القرآن ويستخرج من بحره جواهره ويستنتج عجائبه، ويقسم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تذكِّر بالآخرة، واستماع كلامه يزهد في الدنيا، والاقتداء بهديه يورث الجنة، نور قسماته شاهدٌ أنه من سلالة النبوة، وطهارة أفعاله تصدّق أنه من ذرية الرسالة، نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من أعيان الأمة وأعلامهم مثل يحيى بن سعيد الأنصاري... وعدوا أخذهم منه منقبة شرِّفوا بها، وفضيلة اكتسبوها "(٣) .

وفي تذكرة الحفّاظ " عن صالح بن أبي الاسود، سمعت جعفر بن محمد يقول:

سلوني قبل أن تفقدوني(٤) فإنه لا يحدِّثكم أحد بعدي بمثل حديثي "(٥) .

وقال المناوي في الإمام الصادق: " وكانت له كرامات كثيرة ومكاشفات شهيرة، منها:

أنه سعي به عند المنصور فلما حج احضر الساعي. وقال للساعي: أتحلف؟ قال:

____________

١ - وفيات الأعيان: ١/٣٢٧.

٢ - الصواعق المحرقة: ٢/٥٨٦.

٣ - أسد حيدر، عن مطالب السؤول: ٢/٥٥.

٤ - ذرية بعضها من بعض.

٥ - ١/١٦٦.


نعم، فحلف، فقال جعفر للمنصور: حلِّفه بما أراه فقال: حلِّفه فقال: قل، برئت من حول الله وقوته والتجأت إلى حولي وقوتي لقد فعل جعفر كذا وكذا. فامتنع الرجل، ثم حلف فما تمَّ حتى مات مكانه... "(١) .

قال الشيخ المفيد في الإمام الصادق: " وقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة عنه من الثقات، على اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل من أصحابه "(٢) .

وقال الحسن بن علي الوشّاء: " أدركت في هذا المسجد - الكوفة - تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد "(٣) .

شئ من مناظرات الإمامعليه‌السلام :

قال الصادق لأبي حنيفة - لما دخل عليه - من أنت؟ قال: أبو حنيفة. قالعليه‌السلام :

مفتي أهل العراق؟ قال: نعم. قال: بما تفتيهم؟ قال: بكتاب الله. قالعليه‌السلام : وإنك لعالم بكتاب الله، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه؟ قال: نعم. قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل:( وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ) (٤) .

أي موضع هو؟ قال أبو حنيفة: هو ما بين مكة والمدينة. فالتفت أبو عبد اللهعليه‌السلام إلى جلسائه، وقال: نشدتكم بالله هل تسيرون بين مكة والمدينة، ولا تأمنون على دمائكم من القتل، وعلى أموالكم من السرق؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام :

ويحك يا أبا حنيفة إنّ الله لا يقول إلاّ حقا. أخبرني عن قول الله عز وجل:( وَمَن دَخَلَهُ

____________

١ - أسد حيدر: ١/٦٠ عن الكواكب الدرية: ١/٩٤، وراجع هذه الكرامة وغيرها في صفوة الصفوة:

٢/١٧٣ - ١٧٤، نور الأبصار: ص ١٣٣، إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص ٢٤٨ - ٢٤٩.

٢ - الإرشاد: ص ٢٤٩.

٣ - أسد حيدر: ١/٥٥ عن المجالس، السيد الأمين: ٥/٢٠٩.

٤ - سبأ: ١٨.


كَانَ آمِنًا ) (١) ، أي موضع هو؟ قال: ذلك البيت الحرام. فالتفت أبو عبد اللهعليه‌السلام إلى جلسائه، وقال: نشدتكم بالله، هل تعلمون أنَّ عبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل؟ قالوا: اللهم نعم. قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : ويحك يا أبا حنيفة إنَّ الله لا يقول إلاّ حقا.

فقال أبو حنيفة: ليس لي علم بكتاب الله، وإنما أنا صاحب قياس. فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : فانظر في قياسك إن كنت مقيسا، أيُّما أعظم عند الله القتل أو الزنا؟ قال: بل القتل. قال: فكيف رضي في القتل بشاهدين، ولم يرض في الزنا إلاّ بأربعة؟ ثم قال له:

الصلاة أفضل أم الصوم؟ قال: بل الصلاة أفضل، قالعليه‌السلام : فيجب على قياس قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصلاة في حال حيضها دون الصيام، وقد أوجب الله تعالى عليها قضاء الصوم دون الصلاة. ثم قال له: البول أقذر أم المني؟ قال: البول أقذر قالعليه‌السلام : يجب على قياسك أن يجب الغُسل من البول دون المني، وقد أوجب الله الغُسل من المني دون البول...

قالعليه‌السلام : تزعم أنك تفتي بكتاب الله، ولست ممن ورثه. وتزعم أنك صاحب قياس، وأول من قاس إبليس، ولم يبن دين الإسلام على القياس... "(٢) .

وفي دعائم الإسلام للقاضي أبي حنيفة المغربي المالكي قالعليه‌السلام : " فاتّق الله يا نُعمان، ولا تقس، فإنا نقف غدا، نحن وأنت ومن خالفنا بين يدي الله، فيسألنا عن قولنا، ويسألكم عن قولكم، فنقول: قلنا: قال الله، وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتقول أنت وأصحابك: رأينا وقسنا، فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء "(٣) .

وقال في وفيات الأعيان: " وحكى كشاجم في كتاب (المصايد والمطارد) أنَّ

____________

١ - آل عمران: ٩٧.

٢ - الاحتجاج: ٢/٢٦٧ - ٢٧٠، وراجع حلية الأولياء: ٣/١٩٧، وإعلام الموقعين: ١/٢٥٥ - ٢٥٦، وإسلامنا، الرافعي: ص ٦٨ - ٦٩.

٣ - راجع تاريخ التشريع، الفضلي: ص ١١٥. والإحكام في اصول الأحكام، ابن حزم: ٦/٧١.


جعفر المذكور - الصادق - سأل أبا حنيفة(١) فقال: ما تقول في محْرِمٍ كسر رباعية ظبي؟

فقال: يابن رسول الله، ما أعلم ما فيه، فقال له: أنت تتداهى ولا تعلم أنَّ الظبي لايكون له رباعية وهو ثني أبداً!! "(٢) .

وفي دعائم الإسلام: أنّ الصادق قال لابن أبي ليلى: أتقضي بين الناس يا عبد الرحمن؟ فقال: نعم، يابن رسول الله. قال: تنزع مالا من يدي هذا فتعطيه هذا، وتنزع امرأة من يدي هذا فتعطيها هذا، وتحدُّ هذا وتحبس هذا؟ قال: نعم. قال: بماذا تفعل ذلك كله؟ قال: بكتاب الله. قال: كل شئ تفعله تجده في كتاب الله؟ قال: لا. قال:

فما لم تجده في كتاب الله، فمن أين تأخذه؟ قال: فآخذه عن رسول الله. قال: وكل شئ تجده في كتاب الله وعن رسول الله؟ قال: ما لم أجده في كتاب الله ولا سنَّة رسول الله أخذته عن أصحاب رسول الله. قال: عن أيهم تأخذ؟ قال: عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، وعدَّ أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قال: فكل شئ تأخذه عنهم، تجدهم قد اجتمعوا عليه؟ قال: لا. قال: فإذا اختلفوا، فبقول من تأخذ منهم؟ قال:

بقول من رأيت أن آخذ منهم أخذت.

قال: ولا تبالي أن تخالف الباقين؟ قال: لا. قال: فهل تخالف عليا فيما بلغك أنه قضى به، قال: ربما خالفته إلى غيره منهم. فسكت أبو عبد اللهعليه‌السلام ساعة، ينكت في الأرض، ثم رفع رأسه إليه، فقال: يا عبد الرحمن، فما تقول يوم القيامة إن أخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيدك وأوقفك بين يدي الله، فقال: أي رب، إنَّ هذا بلغه عني قول فخالفه؟ قال: وأين خالفت قوله يابن رسول الله؟

قال: ألم يبلغك قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأصحابه: " اقضاكم علي "(٣) ؟

____________

١ - ١/٣٢٨، وراجع: ١١/٤٧ من الوفيات ففيه مناظرة أخرى.

٢ - راجع قول النبي هذا في: التبصير في الدين، الأسفراييني: ص ١٦١. المعجم الصغير، الطبراني:

ص ١١٥. بغية الوعاة، السيوطي. الجامع الصغير، السيوطي. كفاية الطالب: ص ١٩٠. ذخائر العقبى:

ص ٨٣. الرياض النضرة: ٢/١٩٨. المقاصد الحسنة، السخاوي: ص ٧٢. إحقاق الحق: ٤/٣٢١.


قال: نعم. قال: فإذا خالفت قوله، ألم تخالف قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) ؟

فاصفرَّ وجه ابن أبي ليلى حتى عاد كالأترجه، ولم يحر جوابا "(٢) .

قال عمرو بن عبيد للإمام الصادقعليه‌السلام بعد أن أجابه الإمام على مسائله: " هلك من سلبكم تراثكم، ونازعكم في الفضل والعلم "(٣) .

هذا وللإمام الصادقعليه‌السلام كثير من النظريات العلمية التي اكتشف بعضها في هذا العصر ومن أراد حقيقة هذا القول فعليه بكتاب: " الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب "(٤) ففيه العجب العجاب، وهو إن دل على شئ فإنه يدل على أنَّ علم آل البيت من علم جدهم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن جبريل، عن الله.

من أقوال الإمام:

١ - كان رجلٌ من أهل السواد يلزم جعفر بن محمد، ففقده، فسأل عنه فقال له رجل: إنه نبطي - يريد أن يَضَعَ منه - فقال جعفر: أصل الرجل عقله، وحسه دينه، وكرمه تقواه والناس في آدم متساوون(٥) .

٢ - أرسل أبو جعفر المنصور للصادقعليه‌السلام : لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس؟

فقالعليه‌السلام : ما عندنا من الدنيا ما نخافك عليه، ولا عندك من الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنّيك عليها، ولا تعدّها نقمة فنعزيك عليها، فلم نغشاك؟ "(٦) .

____________

١ - وليت شعري ماذا تقول هذه الأمة إن كان خصمها رسول الله يوم القيامة فيقول: أي رب إنَّ هؤلاء بلغهم عني قولي في وجوب التمسك بالكتاب وآل بيتي فخالفوه؟!!

٢ - راجع تاريخ التشريع، الفضلي: ص ١٥٢ - ١٥٣.

٣ - روح التشيع، عبد الله نعمة: ص ٣٠٨ عن سيرة الأئمة الاثني عشر.

٤ - وهو مجموعة بحوث أعدها علماء الاستشراق وألقوها في ندوة نضمتها جامعة استراسبورغ الفرنسية ثم نشرتها في كتاب مستقل.

٥ - صفوة الصفوة: ٢/١٧٠ - ١٧١.

٦ - الإمام الصادق، أبو زهرة.


٣ - إنَّ الله أوجب عليكم حبنا وموالاتنا، وفرض عليكم طاعتنا، ألا فمن كان منا فليقتد بنا، وإنّ من شأننا الورع، والاجتهاد، وأداء الأمانة إلى البر والفاجر، وصلة الرحم، وإقراء الضيف، والعفو عن المسئ، ومن لم يقتد بنا فليس منا. لا تسفهوا فإن أئمتكم ليسوا بسفهاء.

٤ - سأله المنصور - والذباب يقع عليه حتى أضجره -، لم خلق الله الذباب؟

فأجابهعليه‌السلام : ليذِّل به الجبابرة(١) .

٥ - إذا صلح أمر دنياك فاتّهم دينك.

٦ - قيل له: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ فقالعليه‌السلام : لأنكم تدعون من لا تعرفونه.

____________

١ - المصدر السابق. حلية الأولياء: ٣/١٩٨. صفوة الصفوة: ٢/١٧٠. نور الأبصار: ص ١٦٣.


الإمام موسى بن جعفر (الكاظم)عليه‌السلام

(١٢٨ هـ‍ - ١٨٣ هـ‍)

الإمام السابع من الأئمة الاثني عشر. قال أبو حاتم: " ثقة، إمام من أئمة المسلمين "(١) .

وفي شذرات الذهب: " كان صالحا، عابدا، جوادا، حليما، كبير القدر. بلغه عن رجل الأذى له، فبعث [ إليه ] بألف دينار... واخباره كثيرة شهيرةرضي‌الله‌عنه "(٢) .

قال الحافظ الرازي: " موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب روى عن أبيه، روى عنه ابنه علي بن موسى وأخوه علي بن جعفر، سمعت أبي يقول ذلك. - حدثنا - عبد الرحمن، قال سئل أبي عنه فقال: ثقة صدوق، إمام من أئمة المسلمين "(٣) .

وقال فيه الخطيب البغدادي: " كان موسى يدعى العبد الصالح، من عبادته واجتهاده... وكان سخيا كريما، وكان يبلغه عن الرجل أنه يؤذيه فيبعث إليه بصرة فيها ألف دينار... كان يسكن المدينة فأقدمه المهدي بغداد وحبسه، فرأى في النوم علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه وهو يقول: يا محمد( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) (٤) "(٥) .

____________

١ - شذرات الذهب: ٢/٣٧٧. سير أعلام النبلاء: ٦/٢٧٠.

٢ - شذرات الذهب: ٢/٣٧٧.

٣ - الجرح والتعديل: ٨/١٣٩.

٤ - محمد: ٢٢.

٥ - تاريخ بغداد: ١٣/٢٧. صفوة الصفوة: ٢/١٨٤. شذرات الذهب: ٣/٣٧٧. تذكرة السبط: ٣٤٩.

سير أعلام النبلاء: ٦/٢٧٢.


فأطلقه المهدي " وأقام بالمدينة إلى أيام هارون الرشيد، فقدم هارون منصرفا من عمرة شهر رمضان سنة تسع وسبعين ومائة، فحمل موسى معه إلى بغداد وحبسه بها إلى أن توفي في محبسه "(١) .

قال ابن حجر: روى عن أبيه... قال يحيى بن الحسن بن جعفر النسابة: " كان موسى بن جعفر يدعى العبد الصالح من عبادته واجتهاده "(٢) .

وقال الذهبي: " الإمام القدوة، السيد أبو الحسن العلوي، والد الإمام علي ابن موسى الرضي مدني نزل بغداد "(٣) .

وقال: " كان موسى من أجود الحكماء، ومن عباد الله الأتقياء "(٤) .

قال ابن حجر الهيتمي فيه: " وهو وارثه - يقصد الصادقعليه‌السلام - علما ومعرفة وكمالا وفضلا. سمي الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه، وكان معروفا عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم "(٥) .

وقال فيه محمد بن طلحة الشافعي: " هو الإمام الكبير القدر، العظيم الشأن، الكبير المجتهد الجاد في الاجتهاد، المشهور بالعبادة، المواظب على الطاعة، المشهور بالكرامات، يبيت الليل ساجدا وقائما، ويقطع النهار متصدقا وصائما، ولفرط حلمه، وتجاوزه عن المعتدين عليه دعي كاظما "(٦) .

وقال ابن الجوزي: " كان يدعى العبد الصالح لأجل عبادته واجتهاده وقيامه

____________

١ - وفيات الأعيان: ٥/٣٠٨.

٢ - تهذيب التهذيب: ١٠/٣٠٢.

٣ - سير أعلام النبلاء: ٦/٢٧٠.

٤ - ميزان الاعتدال: ٣/٣٠٩.

٥ - الصواعق المحرقة: ٢/٥٩٠.

٦ - مطالب السؤول: ص ١٨.


بالليل، وكان كريما حليما إذا بلغه عن رجل أنه يؤذيه بعث إليه بمال "(١) .

قال ابن الصباغ المالكي: " قال بعض أهل العلم: الكاظم هو الإمام الكبير القدر، والأوحد الحجة الحبر، الساهر ليله قائما، القاطع نهاره صائما، المسمى لفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين كاظما، وهو المعروف عند أهل العراق بباب الحوائج إلى الله، وذلك لنجح قضاء حوائج المسلمين... وكان موسى الكاظمعليه‌السلام أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم كفا وأكرمهم نفسا "(٢) .

وقال محمد الصبان الشافعي: " أما موسى الكاظم فكان معروفا عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله، وكان من أعبد أهل زمانه ومن أكابر العلماء الأسخياء "(٣) .

وقال الشبلنجي الشافعي: " كان موسى الكاظمرضي‌الله‌عنه أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم كفا وأكرمهم نفسا، وكان يتفقد فقراء المدينة فيحمل إليهم الدراهم والدنانير إلى بيوتهم ليلا وكذلك النفقات ولا يعلمون من أي جهة وصلهم ذلك ولم يعلموا بذلك إلاّ بعد موته "(٤) .

من أخبار الإمام:

روي أنه دخل أبو حنيفة ومعه عبد الله بن مسلم فقال له الأخير: يا أبا حنيفة إنَّ هاهنا جعفر بن محمد من علماء آل محمد، فاذهب بنا إليه نقتبس منه علما، فلما أتيا إذا هما بجماعة من علماء شيعته ينتظرون خروجه أو دخولهم عليه، فبينما هم كذلك إذ خرج غلام حدث فقام الناس هيبة له، فالتفت أبو حنيفة فقال: يا بن مسلم من هذا؟

قال: موسى ابنه. قال: والله اخجله بين يدي شيعته.

____________

١ - صفوة الصفوة: ٢/١٨٤.

٢ - الفصول المهمة: ص ٢٢١ و ٢٢٧، وذكر هذا القول في نور الأبصار.

٣ - إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص ٢٤٦.

٤ - نور الأبصار: ص ١٦٦.


قال له: لن تقدر على ذلك. قال: والله لأفعلنه ثم التفت إلى موسى فقال... يا غلام ممن المعصية؟

قال: يا شيخ لا تخلو من ثلاث: إما أن تكون من الله وليس من العبد شئ، فليس للحكيم أن يأخذ عبده بما لم يفعله.

وإما أن تكون من العبد ومن الله، والله أقوى الشريكين فليس للشريك الأكبر أن يأخذ الشريك الأصغر بذنبه.

وإما أن تكون من العبد وهي منه فإن عفا فبكرمه وجوده، وإن عاقب فبذنب العبد وجريرته. قال أبوحنيفة: فانصرفت ولم ألق أبا عبد الله (الصادق)عليه‌السلام واستغنيت بما سمعت.

وفي رواية قال أبو حنيفة: "( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) "(١) .

قال الخطيب البغدادي في تاريخه: " حج الرشيد فأتى قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعه موسى بن جعفر، فقال: السلام عليك يا رسول الله، يابن عم، افتخارا على من حوله، فدنا موسى وقال: السلام عليك يا أبة. فتغير وجه هارون وقال: هذا الفخر يا أبا الحسن حقا "(٢) .

وفي صفوة الصفوة لابن الجوزي: " وعن شقيق بن إبراهيم البلخي قال: خرجت حاجا في سنة تسع وأربعين ومائتين(٣) فنزلت القادسية، فبينا أنا أنظر إلى الناس في زينتهم وكثرتهم فنظرت إلى فتى حسن الوجه شديد السمرة يعلو فوق ثيابه ثوب من صوف، مشتمل بشملة، في رجليه نعلان وقد جلس منفردا فقلت في نفسي: هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلًّا على الناس في طريقهم، والله لأمضين إليه ولأوبخنه.

فدنوت منه فلما رآني مقبلا قال: يا شقيق( اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ

____________

١ - إعلام الورى: ص ٢٩٨. الاحتجاج ٢/١٥٨ - ١٥٩. كنز الفوائد: ص ١٧١.

٢ - وفيات الأعيان: ٥/٣٠٩.

٣ - كذا في المصدر. والظاهر أن الصحيح تسع وأربعين ومئة.


إِثْمٌ ) (١) ثم تركني ومضى. فقلت في نفسي: إنَّ هذا الأمر عظيم قد تكلم على ما في نفسي ونطق باسمي وما هذا إلاّ عبد صالح لألحقنه ولأسألنه أن يحالني. فأسرعت أثره فلم ألحقه وغاب عن عيني فلما نزلنا واقصة(٢) إذا به يصلي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري فقلت، هذا صاحبي أمضي إليه وأستحله فصبرت حتى جلس وأقبلت نحوه. فلما رآني مقبلا قال: يا شقيق اتل:( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ ) (٣) ثم تركني ومضى. فقلت: إنَّ هذا الفتى لمن الأبدال وقد تكلم على سرّي مرتين، فلما نزلنا رمالا إذا بالفتى قائم على البئر وبيده ركوة يريد أن يستقي ماء فسقطت الركوة من يده في البئر وأنا أنظر إليه فرأيت قد رمق السماء وسمعته يقول:

أنت ربي إذا ظمئت من الماء

وقوتي إذا أردت الطعاما

اللهم سيدي مالي سواها فلا تعدمنيها. قال شقيق: فوالله لقد رأيت البئر قد ارتفع ماؤها فمد يده فأخذ الركوة وملأها ماء وتوضأ وصلى أربع ركعات. ثم مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحركه ويشرب. فأقبلت إليه وسلمت عليه فرد علي السلام. فقلت: أطعمني من فضل ما أنعم الله به عليك. فقال يا شقيق: لم تزل نعمة الله علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك. ثم ناولني الركوة فشربت منها فإذا سويق وسكر، فوالله ما شربت قط ألذ منه ولا أطيب ريحا منه. فشبعت ورويت، فأقمت أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا، ثم لم أره حتى دخلنا مكة فرأيته ليلة إلى جنب قبة الشراب في نصف الليل يصلي بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل.

فلما رأى الفجر جلس في مصلاه يسبح الله. ثم قام فصلى الغداة. وطاف بالبيت أسبوعا وخرج فتبعته فإذا له حاشية وموال وهو على خلاف ما رأيته في الطريق، ودار به الناس

____________

١ - الحجرات: ١٢.

٢ - جاء في حاشية صفوة الصفوة: ٢/١٨٥ ماء لبني كليب، من عمل المدينة.

٣ - طه: ٨٢.


من حوله يسلمون عليه، فقلت لبعض من رأيته يقرب منه، من هذا الفتى؟ فقال: هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام . فقلت: قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلاّ لمثل هذا السيد "(١) .

من أقوال الإمام:

١ - كتب الإمام للرشيد وهو في سجنه فقال: " لن ينقضي عني يوم من البلاء حتى ينقضي عنك يوم من الرخاء، حتى نفضي جميعا إلى يوم ليس له انقضاء، يخسر فيه المبطلون "(٢) .

٢ - رأى سفيان الثوري الإمام موسى بن جعفر وهو غلام يصلي، والناس يمرون بين يديه، فقال: إنَّ الناس يمرون بك وهم في الطواف؟ فقالعليه‌السلام : الذي أصلي له أقرب إلي من هؤلاء.

٣ - ومن وصيتهعليه‌السلام لهشام بن الحكم: " يا هشام لو كان في يدك جوزة، وقال الناس إنها لؤلؤة، ما كان ينفعك، وأنت تعلم أنها جوزة، ولو كان في يدك لؤلؤة، وقال الناس إنها جوزة، ما ضرك وأنت تعلم أنها لؤلؤة.

ياهشام: إنّ لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول.

يا هشام: قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود. يا هشام لا تمنحوا الحكمة الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها

____________

١ - راجع صفوة الصفوة: ٢/١٨٥ - ١٨٧. وذكرها الشبلنجي في نور الأبصار: ص ١٤ - ١٦٥ وقال: " هذه الكرامة رواها جماعة من أهل التأليف. رواها ابن الجوزي في كتابه مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن. ورواها الجنابذي في معالم العترة النبوية، والرامهرمزي في كتابه كرامات الأولياء ". ورواها الصبان الشافعي في إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص ٢٤٦ - ٢٤٧.

٢ - تذكرة السبط: ص ٣٥٠. تاريخ بغداد. سير أعلام النبلاء: ٦/٢٧٣.


فتظلموهم. يا هشام: إنّ كل الناس يبصر النجوم، ولكن لا يهتدي بها إلاّ من عرف مجاريها ومنازلها، وكذلك أنتم، تدرسون الحكمة، ولكن لا يهتدي بها منكم إلاّ من عمل بها... " إلى آخرها وهي طويلة.

٤ - لا تكن إمعة، فتقول: أنا مع الناس، إنّ رسول الله قال: إنما هما نجدان نجد خير ونجد شر، فلا يكن نجد الشر أحب إليك من نجد الخير.

٥ - المؤمن مثل كفتي الميزان كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه.

٦ - قال لبعض ولده: يا بني إياك أن يراك الله في معصية نهاك عنها، وإياك أن يفقدك الله عند طاعة أمرك بها.


الإمام علي بن موسى (الرضا)عليه‌السلام

(١٤٨ هـ‍ - ٢٠٣ هـ‍)

الإمام الثامن من الأئمة الاثني عشر. قال ابن حجر عن أولاد الكاظم: " منهم (علي الرضا) وهو أنبههم ذكرا وأجلّهم قدرا. ثم أحله المأمون محل مهجته، وأنكحه ابنته، وأشركه في مملكته، وفوض إليه أمر خلافته...

وروى الحاكم عن محمد بن عيسى، عن أبي حبيب قال: رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام في المنزل الذي ينزل الحُجّاج ببلدنا، فسلمت عليه فوجدت عنده طبقا من خوص المدينة فيه تمر صيحاني فناولني منه ثمانية عشر فتأولت أن أعيش عدتها، فلما كان بعد عشرين يوما قدم أبو الحسن علي الرضا من المدينة، ونزل ذلك المسجد، وهرع الناس بالسلام عليه فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه وبين يديه طبق من خوص المدينة فيه تمر صيحاني، فسلمت عليه فاستدعاني وناولني قبضة من ذلك التمر فإذا عدتها بعدد ما ناولني النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في النوم، فقلت زدني فقال: لو زادك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لزدناك.

ولما دخل نيسابور - كما في تاريخها - وشق سوقها، وعليه مظلة لا يرى من ورائها، تعرض له الحافظان أبو زرعة الرازي ومحمد بن أسلم الطوسي ومعهما من طلبة العلم والحديث ما لا يحصى، فتضرعا إليه أن يريهم وجهه ويروي لهم حديثا عن آبائه، فاستوقف البغلة وأمر غلمانه بكف المظلة، وأقر عيون تلك الخلائق برؤية طلعته المباركة، فكانت له ذؤابتان مدليتان على عاتقه والناس بين صارخ وباك ومتمرغ في التراب ومقبل لحافر بغلته فصاحت العلماء: معاشر الناس أنصتوا فأنصتوا، واستملى منه الحافظان المذكوران فقال: حدثني أبي موسى الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه


محمد الباقر عن أبيه زين العابدين عن أبيه الحسين عن أبيه علي بن أبي طالب(١) قال:

حدثني حبيبي وقرة عيني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: حدثني جبريل قال: سمعت رب العزة يقول: لا إله إلا الله حصني، فمن قالها دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي.

ثم أرخى الستر وسار. فعد أهل المحابر والدوى الذين كانوا يكتبون، فأنافوا على عشرين ألفا.

قال أحمد - ابن حنبل -: لو قرأت هذا الإسناد - المتقدم - على مجنونٍ لبُرئ من جنّته(٢) !!! ونقل بعض الحفاظ أنَّ امرأة زعمت أنها شريفة - بحضرة المتوكل - فسأل عمن يخبره بذلك، فدل على علي الرضا، فجاء فأجلسه معه على السرير وسأله، فقال:

إنّ الله حرّم لحم أولاد الحسنين على السباع، فلتلق للسباع، فعرض عليها بذلك فاعترفت بكذبها. ثم قيل للمتوكل ألا تجرب ذلك فيه؟ فأمر بثلاثة من السباع فجئ بها في صحن قصره، ثم دعاه فلما دخل بابه أغلق عليه والسباع قد أصمت الأسماع من زئيرها، فلما مشى في الصحن يريد الدرجة، مشت إليه وقد سكنت وتمسحت به ودارت حوله وهو يمسحها بكمه، ثم ربضت، فصعد للمتوكل وتحدث معه ساعة، ثم نزل ففعلت معه كفعلها الأول حتى خرج، فأتبعه المتوكل بجائزة عظيمة، فقيل للمتوكل افعل كما فعل ابن عمك، فلم يجسر عليه وقال: أتريدون قتلي؟ ثم أمرهم أن لا يفشوا ذلك "(٣) .

قال الحاكم النيسابوري في تاريخ نيسابور عن الرضاعليه‌السلام : " وكان يفتي في مسجد رسول الله وهو ابن نيف وعشرين سنة. روى عنه من أئمة الحديث، آدم

____________

١ - وهذا الإسناد الذي ذكره الإمام يعرف بسلسلة الذهب بين المحدثين. قال أبو نعيم في الحلية: ٣/١٩٢ " هذا حديث مشهور بهذا الإسناد من رواية الطاهرين عن آبائهم الطيبين، وكان بعض سلفنا من المحدثين - يعني أحمد بن حنبل - إذا روى هذا الإسناد قال: لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لأفاق ".

٢ - الصواعق المحرقة: ٢/٥٩٣ - ٥٩٦. وفي آخر القصة ذكر ابن حجر أنَّ المسعودي نقلها على أنّ صاحب القصة هو علي العسكري (الهادي) ابن ابن الرضاعليه‌السلام ، وقد صوَّب ذلك، لأنّ الرضاعليه‌السلام لم يدرك المتوكل قطعا.


بن أياس... "(١) .

وذكر أبو حاتم الرازي أنه روى عن أبيه موسى بن جعفر(٢) . وفي تهذيب التهذيب: " وكان الرضى من أهل العلم والفضل، مع شرف النسب "(٣) .

وقال الذهبي: " الإمام السيد أبو الحسن علي الرضى... وكان من أهل العلم والدين والسؤدد بمكان يقال: أفتى وهو شاب في أيام مالك "(٤) .

قال: " وقد كان علي الرضى كبير الشأن، أهلا للخلافة... "(٥) .

وقال فيه الواقدي: " كان ثقةٌ، يفتي بمسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو ابن نيف وعشرين سنه، وهو من الطبقة الثامنة من التابعين من أهل المدينة "(٦) .

وفي النجوم الزاهرة قال في الإمام الرضا " سيد بني هاشم في زمانه، وأجلهم، وكان المأمون يعظِّمه، ويجلّه، ويخضع له، ويتفانى فيه.. "(٧) .

وقال ابن طلحة الشافعي: " تقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام وزين العابدين علي بن الحسينعليه‌السلام وجاء علي بن موسى الرضا هذا ثالثهما، ومن أمعن نظره وفكره وجده في الحقيقة وارثهما. نما إيمانه وعلا شأنه وارتفع مكانه وكثر أعوانه وظهر برهانه، حتى أدخله المأمون محل مُهجته، وأشركه في مملكته، وفوَّض إليه أمر خلافته، وعقد له على رؤوس الأشهاد عقد نكاح ابنته. وكانت مناقبه عليّه، وصفاته سنيّه، ونفسه الشريفة زكية هاشمية، وأرومته الكريمة نبوية "(٨) .

____________

١ - تهذيب التهذيب: ٣/٢٣٩.

٢ - الجرح والتعديل: ج ٤/باب الجيم.

٣ - ٧/٣٤٠.

٤ - سير أعلام النبلاء: ٩/٣٨٧ - ٣٨٨.

٥ - المصدر السابق: ص ٣٩٢.

٦ - تذكرة الخواص: ص ٣٥١.

٧ - الحياة السياسية للإمام الرضا، جعفر مرتضى العاملي: ص ١٤٧.

٨ - ذكره عنه ابن الصباغ المالكي في فصوله المهمة: ص ٢٣٣.


وفي الإمام الرضاعليه‌السلام يقول أبو نؤاس:

قيل لي أنت أحسن الناس طرّاً

في فنون من الكلام النبيه

لك من جيد القريض مديح

يثمر الدرَّ في يدي مجتنيه

فعلام تركت مدح ابن موسى

والخصال التي تجمعن فيه

قلت لا استطيع مدح إمامٍ

كان جبريل خادما لأبيه(١)

وهناك كلام طويل للإمام في الإمامة، نقتطف منه اليسير. قالعليه‌السلام :

"... هل تعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة، فيجوز فيها اختيارهم؟

إنَّ الإمامة أجل قدرا، وأعظم شأنا، وأعلى مكانا، وأمنع جانبا، وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، فيقيموها باختيارهم...

إنَّ الإمامة: منزلة الأنبياء، وإرثُ الأوصياء..

إنَّ الإمامة: خلافة الله عز وجل، وخلافة الرسول، ومقام أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسينعليهم‌السلام .

إنَّ الإمامة: زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين..

إنَّ الإمامة: رأس الإسلام النامي وفرعه السامي.

بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام، والحج والجهاد، وتوفير الفئ والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف...

الإمام، كالشمس الطالعة للعالم في الافق، بحيث لا تناله الأيدي والأبصار..

الإمام: البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى، والبيداء القفار ولجج البحار..

الإمام: الماء العذب على الظماء، والدال على الهدى، والمنجي من الردى..

____________

١ - وفيات الأعيان: ٣/٢٧٠، وفي سير أعلام النبلاء نسبها للحسن بن هانئ، وراجع نور الأبصار: ١٦٨.


الإمام: النار على البقاع الحارة لمن اصطلى، والدليل على المسالك، من فارقه فهالك...

الإمام: واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عِدلٌ، ولا يوجد له بديل ولا له مثيل ولا نظير، مخصوص بالفضل كلُّه من غير طلب منه ولا اكتساب، بل اختصاص من المتفضِّل الوهاب. فمن ذا يبلغ معرفة الإمام ويمكنه اختياره؟ هيهات هيهات!! ضلَّت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وجسرت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألباب، وكلَّت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعيَت البلغاء عن وصف شأن من شأنه أو فضيلة من فضائله، فأقرّت بالعجز والتقصير.

وكيف يوصف أو ينعت بكنهه، أو يفهم شئ من أمره، أو يوجد من يقوم مقامه، ويغني غناه؟ لا وكيف وأين؟!

فأين الاختيار من هذا، وأين العقول عن هذا، وأين يوجد مثل هذا، ظنوا أن ذلك يوجد في غير آل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كذبتهم والله أنفسهم ومنَّتهم الباطل، فارتقوا مرتقى صعبا دحضا تزّل عنه إلى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة وآراء مضلة، فلم يزدادوا منه إلاّ بعدا... "(١) .

من أقوال الإمام:

١ - روى بعضهم قال: كنت مع الرضاعليه‌السلام في سفره إلى خراسان، فدعا يوما بمائدة له، فجمع عليها مواليه من السودان وغيره فقلت له: جعلت فداك، لو جعلت لهؤلاء مائدة؟ قال: إنَّ الرب تبارك وتعالى واحد، والأب واحد، والأم واحدة، والجزاء بالأعمال.

____________

١ - الاحتجاج: ٢/٢٢٦ - ٢٣١. تحف العقول: ٤٣٦ - ٤٤٢.


٢ - إنا أهل بيت نرى وعدنا علينا دينا كما صنع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٣ - قيل له: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت بأجل منقوص، وعمل محفوظ، والموت في رقابنا والنار من ورائنا، ولا ندري ما يفعل بنا.

٤ - صديق كل امرئ عقله، وعدوه جهله.

٥ - عونك للضعيف أفضل من الصدقة.

٦ - الصمت باب من أبواب الحكمة.


الإمام محمد بن علي (الجواد)عليه‌السلام

(١٩٥ هـ‍ - ٢٢٠ هـ‍)

الإمام التاسع من الأئمة الاثني عشر " وكان يروي مسندا عن آبائه إلى علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه ... "(١) .

وبعد أن ذكر سبط ابن الجوزي نسب الإمامعليه‌السلام قال: " وكان على منهاج أبيه في العلم والتقى والزهد والجود "(٢) .

قال ابن طلحة الشافعي: " هو أبو جعفر الثاني... وإن كان صغير السن فهو كبير القدر، رفيع الذكر. القائم بالإمامة بعد علي بن موسى الرضا، ولده أبو جعفر محمد الجواد، للنص عليه والإشارة له بها من أبيه، كما أخبر بذلك جماعة من الثقات العدول "(٣) .

وقال محمود بن وهيب البغدادي الحنفي: " محمد الجواد بن علي الرضا، كنيته أبو جعفر.. وهو الوارث لأبيه علما وفضلا وأجل إخوته قدرا وكمالا "(٤) .

وقال الشبلنجي الشافعي عن المأمون: " وأحسن إليه - للجواد - وقرَّبه وبالغ في إكرامه، ولم يزل مشغوفا به لما ظهر له بعد ذلك من فضله وعلمه وكمال عقله وظهور براهينه مع صغر سنه "(٥) .

____________

١ - وفيات الأعيان: ٤/١٧٥.

٢ - تذكرة الخواص: ص ٢٠٢.

٣ - راجع الفصول المهمة، ابن الصباغ المالكي: ص ٢٥٣.

٤ - جوهر الكلام: ص ١٤٧.

٥ - نور الأبصار: ص ١٧٧.


قال ابن حجر في الجوادعليه‌السلام : " ومما اتفق، انه بعد موت أبيه بسنة، واقف والصبيان يلعبون في أزِّقة بغداد، إذ مرَّ المأمون ففروا ووقف محمد وعمره تسع سنين، فألقى الله محبته في قلبه، فقال له: يا غلام ما منعك من الانصراف؟ فقال له مسرعا: يا أمير المؤمنين لم يكن بالطريق ضيق فأوسعه لك، وليس لي جرم فأخشاك، والظن بك حسن أنك لا تضر من لا ذنب له، فأعجبه كلامه وحسن صورته فقال له: ما اسمك واسم أبيك؟ فقال:

محمد بن علي الرضا، فترحم على أبيه وساق جواده. وكان معه بزاة للصيد، فلما بعد عن العمار أرسل بازا على دراجة فغاب عنه ثم عاد من الجو في منقاره سمكة صغيرة وبها بقاء الحياة فتعجب من ذلك غاية العجب، ورأى الصبيان على حالهم ومحمد عندهم ففروا إلاّ محمد، فدنا منه، وقال: ما في يدي؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنّ الله تعالى خلق في بحر قدرته سمكا صغارا، يصيدها بازات الملوك والخلفاء، فيختبر بها سلالة أهل بيت المصطفى. فقال له: أنت ابن الرضا حقا. وأخذه معه وأحسن إليه وبالغ في إكرامه. فلم يزل مشغفا به لما ظهر له بعد ذلك من فضله وعلمه وكمال عظمته وظهور برهانه مع صغر سنه. وعزم على تزويجه بابنته أم الفضل وصمم على ذلك فمنعه العباسيون من ذلك خوفا من أنه يعهد إليه كما عهد إلى أبيه، فلما ذكر لهم أنه إنما اختاره لتميزه على كافة أهل الفضل علما ومعرفة وحلما مع صغر سنه، فتنازعوا في اتصاف محمد بذلك، ثم تواعدوا على أن يرسلوا إليه من يختبره فأرسلوا إلى يحيى ابن أكثم ووعدوه بشئ كثير إن قطع لهم محمدا، فحضروا للخليفة ومعهم ابن أكثم وخواص الدولة، فأمر المأمون بفرش حسن لمحمد فجلس عليه، فسأله يحيى مسائل أجاب عنها بأحسن جواب(١) وأوضحه، فقال له

____________

١ - وسؤال يحيى هو: ما تقول - جعلني الله فداك - في محرم قتل صيدا؟ فقال الإمام أبو جعفرعليه‌السلام : قتله في حلّ أو في حرم؟ عالما كان المحرم أم جاهلا؟ قتله عمدا أو خطأ؟ حرا كان المحرم أم عبدا؟ صغيرا كان أو كبيرا؟ مبتدئا بالقتل أم معيدا؟ من ذوات الطير كان الصيدأم غيرها؟ من صغار الصيد كان أم من كبارها؟

مصرا على ما فعل أو نادما؟ في الليل كان قتله للصيد أم نهارا؟ محرما كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرما؟ ثم فصل الإمام الجواب، فراجع الاحتجاج: ٢/٢٤٠ - ٢٤٥. إعلام الورى: ص ٣٣٥ - ٣٣٨.


الخليفة: أحسنت أبا جعفر، فإن أردت أن تسأل يحيى ولو مسألة واحدة، فقال له: ما تقول في رجل نظر إلى امرأة أول النهار حراما ثم حلت له ارتفاعه ثم حرمت عليه عند الظهر ثم حلت له عند العصر ثم حرمت عليه المغرب ثم حلت له العشاء ثم حرمت عليه نصف الليل ثم حلت له الفجر، فقال يحيى: لا أدري، فقال محمد: هي أمة، نظرها أجنبي بشهوة وهي حرام، ثم اشتراها ارتفاع النهار، فأعتقها الظهر، وتزوجها العصر، وظاهر منها المغرب، وكفر العشاء، وطلقها رجعيا نصف الليل، وراجعها الفجر. فعند ذلك قال المأمون للعباسيين قد عرفتم ما كنتم تنكرون "(١) .

وفي رواية: " فأقبل المامون على من حضره من أقربائه وقال لهم: إنَّ أهل هذا البيت خصوا من دون الخلق بما ترون من الفضل، وإن صغر السن فيهم لا يمنعهم من الكمال. أما علمتم أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إفتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي، وهو ابن عشر سنين، وقبل منه الإسلام، وحكم له به. ولم يدع أحدا في سنه غيره.

وبايع الحسن والحسين، وهما دون ست سنين، ولم يبايع صبيا غيرهما. أفلا تعلمون الآن ما اختص الله به هؤلاء القوم؟ إنهم ذرية بعضها من بعض، يجري لآخرهم ما يجري لأولهم "(٢) .

أما عن موقف القاضي يحيى بن أكثم فيقول الشبلنجي الشافعي: " وظهر في وجه القاضي يحيى الخجل والتغير وعرف ذلك كل من بالمجلس "(٣) .

من أقوال الإمام:

١ - لا تكن وليُّ الله في العلانية، عدوّاً له في السر.

٢ - كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة.

____________

١ - الصواعق المحرقة: ٢/٥٩٦ - ٥٩٨.

٢ - الاحتجاج: ٢/٢٤٥. إعلام الورى: ص ٣٣٨.

٣ - نور الأبصار: ص ١٧٨.


٣ - القصد إلى الله بالقلوب أبلغ من إتعاب الجوارح بالأعمال.

٤ - من استفاد أخا في الله فقد استفاد بيتا في الجنة.

٥ - إياك ومصاحبة الشرير، فإنه كالسيف المسلول يحسن منظره ويقبح أثره.

٦ - من أطاع هواه، أعطى عدوه مناه.


الإمام علي بن محمد (الهادي)عليه‌السلام

(٢١٢ هـ‍ - ٢٥٤ هـ‍)

الإمام العاشر من الأئمة الاثني عشر " أبو الحسن علي بن محمد بن علي الرضا بن الكاظم موسى بن جعفر الصادق، العلوي الحسيني المعروف بالهادي... كان فقيها إماما متعبدا "(١) .

وقال ابن كثير: " وأما أبو الحسن علي الهادي فهو ابن محمد الجواد... أحد الأئمة الاثني عشر، وهو والد الحسن بن علي العسكري، وقد كان عابدا زاهدا، نقله المتوكل إلى سامراء وأقام بها أزيد من عشرين سنة بأشهر "(٢) .

وجاء في كتاب الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي نقلا عن الإرشاد: " الإمام بعد أبي جعفر، ابنه أبو الحسن علي بن محمد، لاجتماع خصال الإمامه فيه، ولتكامل فضله وعلمه، وأنه لا وارث لمقام أبيه سواه، ولثبوت النص عليه من أبيه "(٣) .

قال ابن الصباغ: " قال بعض أهل العلم: فضل أبي الحسن علي بن محمد الهادي، قد ضرب على الحرة قبابه، ومد على نجوم السماء أطنابه، فما تعد منقبة إلاّ وإليه نحيلتها، ولا تذكر كريمة إلاّ وله فضيلتها، ولا تورد محمدة إلاّ وله تفصيلها وجملتها، ولا تستعظم حالة سنيّه إلاّ وتظهر عليه أدلتها، استحق ذلك بما في جوهر نفسه من كرم تفرَّد بخصائصه، ومجد حكم فيه على طبعه الكريم بحفظه من الشرب حفظ الراعي لقلائصه، فكانت نفسه مهذبه، وأخلاقه مستعذبة، وسيرته عادلة، وخلاله فاضلة، وميازه إلى

____________

١ - شذرات الذهب: ٢/١٢٩.

٢ - البداية والنهاية: ١١/١٥.

٣ - الفصول المهمة: ص ٢٦٥.


العفاة واصلة، وزموع المعروف بوجود وجوده عامرة آهلة، جرى من الوقار والسكون والطمأنينة والعفة والنزاهة والخمول في النباهة، على وتيرة نبوية وشِنشِنةٍ علوية، ونفس زكية، وهمة عليّه، ولا يقاربها أحد من الأنام، ولا يدانيها، وطريقة حسنة لا يشاركه فيها خلق، ولا يطمع فيها "(١) .

وقال الشبلنجي: " ومناجاتهرضي‌الله‌عنه كثيرة، قال في الصواعق: كان أبو الحسن العسكري وارث أبيه علما وسخاءا "(٢) .

بعث المتوكل العباسي يحيى بن هرثمة لجلب الإمامعليه‌السلام . يقول يحيى: " فذهبت إلى المدينة، فلما دخلتها ضج أهلها ضجيجا عظيما، ما سمع الناس مثله، خوفا على علي، وقامت الدنيا على ساق، لأنه كان محسنا إليهم، ملازما للمسجد، لم يكن عنده ميل إلى الدنيا، قال يحيى: فجعلت أسكنهم، وأحلف لهم أني لم أؤمر فيه بمكروه، وأنه لا بأس عليه، ثم فتشت منزله، فلم أجد إلاّ مصاحف وأدعية، وكتب العلم، فعظم في عيني "(٣) .

وسُعي بالإمام الهادي إلى المتوكل مرة أخرى وهو في سامراء وقيل له: إنَّ في منزله سلاحا وكتبا وغيرها من شيعته، فوجه إليه من الأتراك وغيرهم من هجم عليه في منزله على غفلة ممن في داره، فوجده في بيت وحده مغلق عليه، وعليه مدرعة من شعر، ولا بساط في البيت إلاّ الرمل والحصى، وعلى رأسه ملحفة من الصوف، متوجها إلى ربه، يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد فأخذ كل ما وجد عليه، وحمل إلى المتوكل في جوف الليل، فمثل بن يديه، والمتوكل يشرب وفي يده كأس، فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه، ولم يكن في منزله شئ مما قيل فيه، ولا حالة يتعلل عليه بها، فناوله المتوكل الكأس الذي في يده، فقال لهعليه‌السلام : ما خامر لحمي ودمي قط، فاعفني منه

____________

١ - الفصول المهمة: ص ٢٧٠.

٢ - نور الأبصار: ص ١٤٩.

٣ - تذكرة الخواص: ص ٢٠٢.


فعافاه وقال: انشدني شعرا أستحسنه، فقال: إني قليل الرواية للأشعار، فقيل: لابد أن تنشدني فأنشد:

باتوا على قُلل الأجبال تحرسهم

غُلبُ الرجال فما أغنتهم القُللُ

واستُنزلوا بعد عزٍّ من معاقلهم

وأُسكنوا حفراً يا بئس ما نزلوا

ناداهم صارخ من بعد ما قُبروا

أين الأسرّةُ والتيجان والحُللُ

أين الوجوه التي كانت منعّمة

من دونها تُضرب الأستار والكللُ

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم

تلك الوجوه عليها الدود ينتقلُ

قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا

فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا

وطالما عمَّروا دوراً لتحصنهم

ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا

وطالما كنزوا الأموال وادّخروا

فخلّفوها على الأعداء وارتحلوا

أضحت منازلهم قفراً معطلةً

وساكنوها إلى الأحداث قد رحلوا

فبكى المتوكل بكاء طويلا حتى بلّت دموعه لحيته، وبكى من حضره، ثم أمر برفع الشراب، ثم ردَّه إلى منزله مكرما بعد أن أحسن صلته(١) .

من أقوال الإمام:

١ - الناس في الدنيا بالأموال، وفي الآخرة بالأعمال.

٢ - الدنيا سوق، ربح فيها قومٌ وخسر آخرون.

٣ - الحكمة لا تنجع في الطباع الفاسدة

٤ - من رضي عن نفسه كثر عليه الساخطون.

٥ - إنَّ العالم والمتعلم شريكان في الرشد مأموران بالنصحية.

٦ - ابقوا النعم بحسن مجاورتها، والتمسوا الزيادة فيها بالشكر عليها.

____________

١ - راجع وفيات الأعيان: ٣/٢٧٢. تذكرة الخواص: ص ٣٦١. مروج الذهب: ٣/٩٣. نور الأبصار:

ص ١٨٢ - ١٨٣.


الإمام الحسن بن علي (العسكري)عليه‌السلام

(٢٣٢ هـ‍ - ٢٦٠ هـ‍)

الإمام الحادي عشر. قال سبط ابن الجوزي: " كان عالما ثقة، روى الحديث عن أبيه عن جده "(١) .

وجاء في الفصول لابن الصباغ المالكي نقلا عن الإرشاد: " الإمام القائم بعد أبي الحسن علي بن محمد، ابنه أبو محمد الحسن، لاجتماع خلال الفضل فيه، وتقدّمه على كافة أهل عصره فيما يوجب له الإمامة، ويقضي له بالمرتبة من العلم والورع والزهد وكمال العقل وكثرة الأعمال المقربة إلى الله تعالى، ثم لنص أبيه عليه وإشارته بالخلافة إليه "(٢) .

وقال ابن الصباغ: " مناقب سيدنا أبي محمد الحسن العسكري، دالة على أنه السري ابن السري، فلا يشك في إمامته أحد ولا يمتري. واعلم أنه يبعث مكرمة فسواه بايعها وهو المشتري، واحد زمانه من غير مدافع، ونسيج وحده من غير منازع، وسيد أهل عصره وإمام أهل دهره، أقواله سديدة، وأفعاله حميدة، وإذا كانت أفاضل زمانه قصيدة فهو بيت القصيد، وإن انتظموا عقدا، كان مكان الواسطة الفريدة، فارس العلوم الذي لا يجارى، ومبين غوامضها فلا يحاول ولا يماري، كاشف الحقائق بنظره الصائب، مظهر الدقائق بفكره الثاقب، المحدث في سره بالأمور الخفيات، الكريم الأصل والنفس والذات "(٣) .

وقال ابن حجر فيه: " وكان وارث أبيه علما وسخاءا. ومن ثم جاءه أعرابي من

____________

١ - تذكرة الخواص: ص ٢٠٣.

٢ - الفصول المهمة: ص ٢٧٣.

٣ - الفصول المهمة: ص ٢٧٩.


أعراب الكوفة وقال: إني من المتمسكين بولاء جدِّك، وقد ركبني دين اثقلني حمله ولم أقصد لقضائه سواك، فقال: كم دينك؟ فقال: عشرة آلاف درهم فقال: طب نفسا بقضائه إن شاء الله تعالى، ثم كتب له ورقة فيها ذلك المبلغ دينا عليه، وقال له: ائتني به في المجلس العام وطالبني بها وأغلظ علي في الطلب، ففعل فاستمهله ثلاثة أيام، فبلغ ذلك المتوكل فأمر له بثلاثين ألفا، فلما وصلته أعطاها الأعرابي، فقال: يابن رسول الله إنَّ العشرة آلاف أقضي بها أربي فأبى أن يسترد منه من الثلاثين شيئا، فولى الأعرابي وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته "(١) .

وقال الشبلنجي: " ومناقبهرضي‌الله‌عنه كثيرة، ففي درر الأصداف وقع للبهلول معه أنه رآه وهو صبي يبكي والصبيان يلعبون، فظن أنه يتحسر على ما بأيديهم فقال له: اشتر لك ما تلعب به؟ فقال: يا قليل العقل ما للعب خلقنا. فقال له: فلماذا خلقنا؟ قال: للعلم والعبادة. فقال له: من أين لك ذلك؟ فقال: من قوله تعالى( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ) (٢) .

ثم سأله أن يعظه، فوعظه بأبيات، ثم خر الحسنرضي‌الله‌عنه مغشيا عليه، فلما أفاق قال له: ما نزل بك وأنت صغير لا ذنب لك؟ فقال: إليك عني يا بهلول، إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار فلا تتقد إلاّ بالصغار، وإني أخشى أن أكون من صغار حطب جهنم "(٣) .

وقال عبيدالله بن الخاقان الوزير العباسي لولده أحمد - وكان منحرفا عن أهل البيت شديد التعصب عليهم -: " يا بني: لو زالت الإمامة عن خلفائنا بني العباس، ما استحقها أحد من بني هاشم غيره - أبي محمد بن علي الهادي - لفضله وعفافه، وصيانته وزهده، وعبادته، وجميل أخلاقه وصلاحه، ولو رأيت أباه لرأيت رجلا

____________

١ - الصواعق المحرقة: ٢/٥٩٨ - ٥٩٩.

٢ - المؤمنون: ١١٥.

٣ - نور الأبصار: ص ١٨٣.


نبيلا فاضلا "(١) .

ودخل العباسيون على صالح بن وصيف عندما حبس أبو محمد - الإمام العسكري - فقالو له: ضيّق عليه، فقال لهم صالح: ما أصنع به؟ فقد وكلت عليه رَجلَين شرُّ من قدرت عليه، صارا من أمر العبادة والصلاة والصيام على أمر عظيم، ثم أمر بإحضار الموكلين فقال لهما: ويحكما! ما شأنكما في أمر هذا الرجل؟ فقالا: ما تقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله، لا يتكلم ولا يتشاغل بغير العبادة، وإذا نظرنا إليه أرعدت فرائصنا وداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا(٢) .

ولا بأس بوقفة قصيرة نرى فيها تفسير الإمام العسكريعليه‌السلام لبعض الآيات. قال في تفسير قوله تعالى:( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا ) جعلها ملائمة لطبايعكم، موافقة لأجسادكم، لم يجعلها شديدة الحمى والحرارة فتحرقكم، ولا شديدة البرودة فتجمدكم، ولا شديدة اللين كالماء فتفرقكم، ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في حرثكم وابنيتكم ودفن موتاكم، ولكنه جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به، وتتماسكون وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم، وجعل فيها من اللين ما تنقاد به لحرثكم وقبوركم وكثير من منافعكم، فلذلك جعل الأرض فراشا لكم.

ثم قال:( وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ) يعني: سقفا من فوقكم محفوظا، يدير فيها شمسها وقمرها ونجومها لمنافعكم.

ثم قال:( وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ) يعني: المطر ينزله من علو ليبلغ قلل جبالكم وتلالكم وهضابكم وأوهادكم، ثم فرقه رذاذا ووابلا وهطلا وطلا لينشفه أرضوكم، ولم يجعل ذلك المطر نازلا عليكم قطعة واحدة، ليفسد أرضيكم وأشجاركم وزروعكم وثماركم.

ثم قال:( فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ) يعني: مما يخرجه من الأرض

____________

١ - الإرشاد: ص ٣١٠.

٢ - إعلام الورى: ص ٣٩٠.


رزقا لكم( فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّـهِ أَندَادًا ) أشباها وأمثالا من الأصنام التي لا تعقل، ولا تسمع، ولا تبصر ولا تقدر على شئ( وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (١) أنها لا تقدر على شئ من هذه النعم الجليلة التي أنعمها عليكم ربكم(٢) .

من أقوال الإمام:

١ - أعرف الناس بحقوق إخوانه، وأشدهم قضاء لها أعظمهم عند الله شأنا، ومن تواضع في الدنيا لإخوانه فهو عند الله من الصديقين ومن شيعة علي بن أبي طالبعليه‌السلام حقا.

٢ - من التواضع السلام على كل من تمر به، والجلوس دون شرف المجلس.

٣ - من وعظ أخاه سراً فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه.

٤ - من أنس بالله استوحش من الناس.

٥ - لا تمار فيذهب بهاؤك، ولا تمازح فيجترأ عليك.

٦ - أضعف الأعداء كيدا من أظهر عداوته.

____________

١ - البقرة: ٢٢.

٢ - الاحتجاج: ٢/٢٦١ - ٢٦٢.


الإمام محمد بن الحسن (المهدي)عليه‌السلام

(٢٥٥ هـ‍ - حي غائب)

وهو آخر الأئمة الاثني عشر. والمهدي ليس " تجسيدا لعقيدة إسلامية ذات طابع ديني فحسب، بل هو عنوان لطموح اتجهت إليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها، وصياغة لإلهام فطري، أدرك الناس من خلاله - على الرغم من تنوع عقائدهم ووسائلهم إلى الغيب - أنَّ للإنسانية يوماً موعودا على الأرض، تحقِّق فيه رسالات السماء بمغزاها الكبير وهدفها النهائي "(١) .

إنَّ البشرية الآن وبمختلف تيّاراتها تنتظر المصلح والمنقذ ليخلِّصها من الظلم والجور الذي تعيشه، والفرق الإسلامية بما فيهم أهل السنة والإمامية، متفقون على ظهور رجل في آخر الزمان، يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا، ويتفقون على أنه المهديعليه‌السلام .

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " المهدي منا أهل البيت، المهدي من ولد فاطمة "(٢) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " لم تنقض الأيام والليالي حتى يبعث الله رجلا من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا "(٣) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم "(٤) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنَّ أهل بيتي

____________

١ - بحث حول المهدي، محمد باقر الصدر (قدس سره): ص ١٥.

٢ - سنن ابن ماجة.

٣ - سنن أبي داود: ٤/١٠٤.

٤ - صحيح مسلم: ١/٣٧٣.


سيلقون بعدي بلاء شديدا، حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخير فلا يعطونه فيقاتلون فينتصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطا كما ملئت جورا "(١) .

والأحاديث من هذا القبيل كثيرة جدا في كتب أهل السنة، وهي في كتب الشيعة أكثر.

قال ابن تيمية: " إنَّ الأحاديث التي يحتجّ بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة رواها أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم من حديث ابن مسعود وغيره "(٢) .

وقال ابن حجر: " تواترت الأخبار بأنَّ المهدي من هذه الأمة، وأنَّ عيسى ابن مريم سينزل ويصلي خلفه "(٣) .

قال ابن خلدون: " اعلم أنَّ المشهور بين الكافة من أهل الإسلام وعلى مر العصور أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت، يؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي "(٤) .

وقال الشوكاني في رسالته (التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والمسيح):

" والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها: خمسون حديثا، فيها الصحيح، والحسن، والضعيف المنجبر، وهي متواترةٌ بلا شك "(٥) .

إذن فالاعتقاد بالمهدي، اعتقاد إسلامي، اتفق عليه السنة والشيعة، ولكن المهم في بحثنا هو ولادة الإمام المهديعليه‌السلام : قال أهل السنة: إنه لم يولد وسيولد في آخر الزمان.

والشيعة يقولون بولادته وأنه ابن الإمام الحسن العسكري - المتقدم - ولد سنة ٢٥٥ هـ‍، وما زال حيا حتى يظهره الله.

____________

١ - سنن ابن ماجة: ٢/٩٠٨٢.

٢ - إسلامنا، الرافعي نقلا عن منهاج السنة.

٣ - فتح الباري: ٥/٣٦٢.

٤ - المقدمة: ص ٣١١.

٥ - إسلامنا: ص ١٩٥.


وأعتقد أنه ليس هناك أي صعوبة في تقبّل هذا الرأي بعد أن ثبت لنا أحقية مدرسة آل البيت في قيادة الامة. على أنَّ حديث الثقلين ينص على وجود إمام من أئمة آل البيت في كل زمان، عدلا للقرآن لا يفترق عنه.

وإذا قلنا بعدم ولادة الإمام المهدي فمعنى ذلك أنَّ هناك افتراقا بين آل البيت والقرآن، وهذا خلاف الحديث فيلزمنا إثبات ولادة المهديعليه‌السلام !

وقد كان أئمة آل البيت يبشرون بالمهدي، ويقولون إنه ابن الحسن العسكريعليه‌السلام حتى ساد هذا الاعتقاد بين الشعراء.

" يقول دعبل الخزاعي: لما أنشدت مولاي الرضا الإمام الثامن هذه القصيدة وهي قصيدة طويلة تعرف بالتائية - وانتهيت فيها إلى قول:

خروج إمام لا محالة خارجٍ

يقوم على اسم الله والبركات

يميز فينا كل حق وباطل

ويجزي على النعماء والنقمات

بكى الرضا ثم رفع رأسه إلي وقال: يا خزاعي، لقد نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين "(١) .

كانت هذه القصيدة في زمن الرضاعليه‌السلام المولود سنة ١٤٨ هـ‍ والمتوفى سنة ٢٠٣ هـ‍، والمهدي ولد سنة ٢٥٥ هـ‍.

قال الطبرسي الإمامي: " إنَّ أخبار الغيبة قد سبقت زمان الحجةعليه‌السلام بل زمان أبيه وجده، وإنَّ المحدثين من الشيعة خلَّدوها في أصولهم المؤلفة في أيام السيدين الباقر والصادقعليهما‌السلام وآثروها عن النبي والأئمة واحدا بعد واحد "(٢) .

إنَّ القول بولادة المهديعليه‌السلام وإنه ابن الحسن العسكري هو القول الصحيح، فإنَّ عدم ولادته إلى الآن لا يتناسب مع مهمته الملقاة عليه. فمن المتّفق عليه أنَّ المهدي يحيي

____________

١ - نور الأبصار: ص ١٧٠.

٢ - إعلام الورى: ص ٤١٦.


شريعة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويأتي بالإسلام الخالص كما أنزله الله، فلو قلنا إنَّ المهدي لم يولد بعد، فكيف يمكنه الأتيان بالإسلام الخالص بعد انقطاع الوحي(١) ؟! كيف سيحرز الإسلام الصحيح وسط هذه الاختلافات بين المذاهب وبعد ضياع السنة؟!!

فقول الإمامية: إنَّ الإمام المهدي ابن الحسن العسكري، وإنه ورث من أبيه الإسلام الصحيح الذي أملاه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على عليٍّعليه‌السلام وكتبه بخطه، هو القول المناسب والصحيح.

وقد ذهب كثير من جهابذة علماء أهل السنة إلى الاعتقاد بولادة المهديعليه‌السلام .

يقول الدكتور مصطفى الرافعي: " ولد الإمام المهدي في سامراء عام ٢٥٥ هـ‍ - وكان يوم الجمعة - وفي ليلة النصف من شعبان وذلك اثر عهد المعتز العباسي المعروف بأنه كان شديد القسوة على الإمام العسكري، وحريصا على القضاء عليه قبل أن ينجب آخر قادة أمة الإسلام وخاتم أوصياء نبي الإسلام المهدي المنتظر. ويشاء القدر أن يطاح بالمعتز العباسي ويبايع بالخلافة لمحمد المهتدي وتتم ولادة الإمام القائد بشكل هادئ.

وليس أدل على ابتهاج الإمام العسكري بوليده القائم المنتظر، ولِما يؤمَّل فيه من خير عميم للإسلام والمسلمين، أنه أمَر أنْ يتصدق شكرا لله على ما أنعم بعشرة آلاف رطل من الخبز ومثلها من اللحم، وأنْ يعقَّ عنه ثلاثمائة رأس من الغنم ".

قال: " وقبل أن أعرض لفكرة المهدي في ضوء الكتاب والسنة والعقل والحكمة، أودُّ أن أشير إلى أنَّ القائلين بظهور المهدي - وأنه الآن على قيد الحياة - ليسوا الشيعة الإمامية وحدهم، بل إنَّ كثيرا من علماء السنة وافقوهم في اعتقادهم هذا... "(٢) .

وقد تتبع علماء الشيعة أقوال علماء السنة الذين قالوا بولادة الإمام المهديعليه‌السلام .

وقام الأستاذ ثامر هاشم العميدي بجمع وترتيب أسماء هؤلاء العلماء بحسب القرون فكانوا(١٢٨) عالما اخترنا منهم:

____________

١ - أخذنا هذه الفكرة من كتاب (في انتظار الإمام) للدكتور عبد الهادي الفضلي فراجعه.

٢ - إسلامنا: ص ١٨٧ - ١٨٨.


١ - محمد بن هارون أبو بكر الروياني (ت/٣٠٧ هـ‍)، في كتابه: المسند (مخطوط).

٢ - أبو نعيم الأصبهاني (ت/٤٣٠ هـ‍) في: الأربعين حديثا في المهدي.

٣ - أحمد بن الحسين البيهقي (ت/٤٥٨ هـ‍) في: شعب الإيمان، ط ١، دار المعارف - الهند.

٤ - الخوارزمي الحنفي (ت/٥٦٨ هـ‍) في: مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، كما في الإمام المهدي في نهج البلاغة.

٥ - محيي الدين بن العربي (ت/٦٣٨ هـ‍) في: الفتوحات المكية، باب ٣٦٦ في المبحث الخامس والستين كما في اليواقيت والجواهر للشعراني.

٦ - كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي (ت/٦٥٢ هـ‍) في: مطالب السؤول.

٧ - سبط ابن الجوزي الحنبلي (ت/٦٥٤ هـ‍)، في: تذكرة الخواص.

٨ - محمد بن يوسف أبو عبد الله الكنجي الشافعي (المقتول سنة/٦٥٨ هـ‍) في كتابه: كفاية الطالب.

٩ - الجويني الحموئي الشافعي (ت/٧٣٢ هـ‍) في: فرائد السمطين ٢/٣٣٧، طبع بيروت.

١٠ - نور الدين علي بن محمد بن الصباغ المالكي (ت/٨٥٥ هـ‍)، في: الفصول المهمة.

١١ - جلال الدين السيوطي (ت/٩١١ هـ‍) في رسالته: إحياء الميت بفضائل أهل البيتعليهم‌السلام .

١٢ - الشيخ حسن العراقي (ت بعد/٩٥٨ هـ‍) دفن قرب كوم الريش بمصر، كما في يواقيت الشعراني، في المبحث الستين.

١٣ - عبد الوهاب بن أحمد الشعراني الشافعي (ت/٩٧٣ هـ‍) في: اليواقيت والجواهر.


١٤ - الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي الحنفي (ت/١١٧٦ هـ‍) في: المسلسلات المعروف بالفضل المبين(١) .

قال مصطفى الرافعي بعد ذكره لسبعة من علماء السنة الذين قالوا بولادة المهديعليه‌السلام : " وكثير غيرهم من علماء السنة الأجلاء الذين ذاع صيتهم ويذكرون بكل إعجاب وتقدير.

هؤلاء وكثير غيرهم ممن لا يتّسع المقام لذكرهم يقولون بمقولة الإمامية من أنَّ المهدي هو محمد بن الحسن العسكري وأنه حي.. ولا يجدون في مقولتهم هذه ما يناهض العقل، وبخاصة إذا اعتبرت حياة المهدي من الأمور الخارقة للعادة كالتي أجراها الله معجزة لبعض أنبيائه أو كرامة لبعض أوليائه، وذلك كحياة المسيح والخضر من الأتقياء وإبليس والدجال من الأشقياء "(٢) .

قال الشيخ محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كتابه " البيان في أخبار الزمان ":

" من الأدلة على كون المهدي حيا باقيا بعد غيبته وإلى الآن، أنه لا امتناع من بقائه بقاء عيسى بن مريم والخضر وإلياس من أولياء الله وبقاء الأعور الدجال وإبليس اللعين من أعداء الله تعالى وهؤلاء قد ثبت بقاوهم بالكتاب والسنة "(٣) .

وقال الشعراني في (اليواقيت والجواهر) عن الإمامعليه‌السلام : " ومولده ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى بن مريمعليه‌السلام ، وهكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي... ووافقه على ذلك سيدي علي الخاص "(٤) .

____________

١ - راجع هذه الأسماء وغيرها في كتاب: دفاع عن الكافي، ثامر العميدي: ١/٥٦٩ - ٥٩٢، ويمكن أن نضيف لهذه الأسماء الدكتور مصطفى الرافعي صاحب كتاب (إسلامنا) فيكون هناك (١٢٩) عالما سنيا يقولون بولادة الإمام المهديعليه‌السلام .

٢ - إسلامنا: ص ١٨٩ - ١٩٠.

٣ - راجع نور الأبصار: ص ١٨٦.

٤ - إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص ١٨٧.


وقال الشيخ سليمان القندوزي الحنفي: " المحقَّق عند الثقات أنَّ ولادة القائمعليه‌السلام كانت ليلة الخامس عشر من شعبان، سنة خمس وخمسين ومائتين في بلدة سامراء "(١) .

وتقول المدرسة الإمامية: إنَّ للمهدي غيبتين. قال الرافعي: " هذا وللمهدي حسب أخبار أئمة أهل البيت - غيبتان: صغرى وكبرى، فالصغرى مدتها أربع وسبعون سنة، تمتد من تاريخ ولادته(٢) إلى حين انقطاع السفارة بينه وبين شيعته، وأنّ هؤلاء السفراء كانوا يرونه وينقلون منه وإليه الأسئلة والأجوبة...

وعدد هؤلاء السفراء في زمن الغيبة الصغرى أربعة لا غير، هم: عثمان بن سعيد بن عمرو العَمْري، ومحمد بن عثمان بن سعيد العمري، والحسين بن روح بن أبي بحر النُوبَختي، وعلي بن محمد السَّمري رضوان الله عليهم.

وأما الغيبة الكبرى فهي التي تحصل بعد الأولى وفي آخرها يقوم بالسيف "(٣) .

وقال: " وبهذا يكون الأرجح صحة فكرة المهدي باعتبارها أحد الأمور الخارقة للعادة، كالنار التي جعلها الله بردا وسلاما على إبراهيم، والعصا التي صيرها ثعبانا لموسى...

ومن هنا يكون الأولى بكل مسلم والأحوط لدينه أن يعتقد وجود المهدي حيا إلى حين ظهوره ثانية!!...

ولا نقبل الاعتراض بأنَّ المهدي من المستحيل بقاؤه حيا ما ينيف على ألف سنة، لأن طول العمر هذا جرى لغيره من قبله، كنبي الله نوحعليه‌السلام الذي لبث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاما...

____________

١ - راجع: شمس المغرب: ص ١١ عن ينابيع المودة: ص ٤٥٢.

٢ - والصحيح إن الغيبة الصغرى كانت سنة ٢٦٠ هـ‍ يوم استشهاد الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام .

٣ - إسلامنا: ص ١٨٩.


روى أنس بن مالك عن النبي قوله: إنَّ نوحا عاش ألفا وأربعمائة وخمسين سنة، وإنَّ آدم عاش تسعمائة وثلاثين سنة، وإنَّ نبي الله شيث عاش تسعمائة واثنتي عشرة سنة.

وكذلك لا يقبل الاعتراض على وجود المهدي بأنه لم يشاهده أحدٌ بعد غيبته الثانية، إذ ليس كل موجود بقدرة الله يقتضي رؤيته. فالملائكة والجن من العوالم الموجودة بيننا دون أن نراها، بل الله سبحانه موجود وهو معنا أينما كنا ولكنه لا تدركه الأبصار. فهل عدم رؤيته من جانبنا دليل على عدم وجوده؟ "(١) .

" نعم، ليس هناك أية غرابة في وجود المهدي. ومن ينكر بقاءه حيا يلزمه إنكار حياة عيسى والخضر، وهما قبل المهدي بآلاف السنين.

ومن ينكر وجود المهدي لكونه غائبا فلينكر وجود إبليس فهو أيضا غائب عن أنظارنا، فغيبة الإمام ليست دليلا على عدم وجوده، كما أنَّ غياب الخضر وعيسى وإبليس والدجّال ليس دليلا على عدم وجودهم.

أما لماذا غاب الإمام؟ فهذا أمره إلى الله ولا تظهر الحكمة من ذلك إلاّ بعد ظهوره، كما أنّ الحكمة لم تظهر لموسىعليه‌السلام من قتل الخضر للصبي وخرقه للسفينة... وهدمه الجدار إلاّ فيما بعد، ولكن ينبغي الالتفات إلى حقيقة مهمة وهي: أنَّ غيبة الإمام ليست من الله ولا من الإمام نفسه. بل غيبته منا.

هذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اختفى في الغار - وإن كان لفترة قصيرة - فهل كان غيابه عن الناس من نفسه أو أنَّ الله حرم الناس رؤيته المباركة؟ أو أنَّ الناس هم السبب في غيابه إذ لاحقوه ورفضوا دعوته؟!

وهؤلاء أصحاب الكهف تواروا عن أعين الخلق وذلك بسبب الناس. وكذا الحال مع المهدي الذي كان محط أنظار الحكم العباسي.

____________

١ - إسلامنا: ص ١٩٢ - ١٩٣.


وقد ضرب أحد العلماء مثلا لتقريب الصورة فقال: لو أعطاك الطبيب وصفة وقال لك اصرفها فرميتها في البحر، فليس على الطبيب ذنب إذا تضاعف مرضك وإنما الذنب ذنبك. وهكذا الحال مع الأمة فالذنب ذنبها إذ رفضت الوصفة الإلهية في اتباع آل البيت.

وخلاصة القول: إنه لا يسوغ لمسلم أن يعتقد بأنَّ فكرة المهدي المنتظر خرافة من نسج الخيال، بل الأولى به والأجدر والأحوط لدينه اعتقادها حقيقةً ما دامت قد اعترفت بها جميع الكتب السماوية "(١) .

( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (٢) ،( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (٣)

____________

١ - إسلامنا: ص ٢٠٠ - ٢٠١.

٢ - الأنبياء: ١٠٥.

٣ - القصص: ٥.


فهؤلاء أئمتنا

نعم، هؤلاء هم أئمتنا حجج الله على عباده، وأمناؤه في بلاده. لقد تناقلوا علم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كاملا واحدا بعد واحد.

وفي أبناء عليٍّ يقول أبو زهرة: " لقد قام أولئك الأبناء بالمحافظة على تراث أبيهم الفكري، وهو إمام الهدى، فحفظوه من الضياع، وقد انتقل معهم إلى المدينة...

وبذلك ننتهي إلى أنَّ البيت العلوي فيه علم الرواية كاملة عن عليرضي‌الله‌عنه ، رووا عنه ما رواه عن الرسول كاملا! أو قريبا من الكامل! ورووا عنه فتاويه كاملة، وفقهه كاملا أو قريبا من الكمال، واستكنوا بهذا العلم المشرق في كن من البيت الكريم... ومهما يكن فقد كان جزء كبير من علم آل البيت هو علم علي، آل إليهم من تركته المثرية "(١) .

أجلْ لقد جعل النبي علمه عند حملة الإسلام من بعده وهذا الذي يفرضه العقل والشرع. والقرآن والسنة،كيان واحد لا يفهمان إذا فقد شئٌ منهما، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعلم أنَّ كثيرا من صحابته ممن حفظوا السنن وتفرَّدوا بها سيموتون في الحروب والأمراض، أو يرتدّون والسنة معهم، ولابد أنه كان يعلم أنَّ أكثر من مائة ألف صحابي لن يصل إلينا عنهم شئ وبما أنه كان يعلم كل هذا(٢) ، وجب القول: إنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اتخذ إجراءا حاسما لحفظ سنته من التشتت والضياع، وهو ما نقوله وننادي به.

والإجراء الحاسم هذا هو إنه جعل سنته وعلومه عند علي بن أبي طالبعليه‌السلام لتنتقل منه إلى ولده حتى ورود الحوض، وبذلك لا تضيع السنة.

____________

١ - الإمام الصادق: ص ١٦٣ - ١٦٤.

٢ - وإذا لم يكن يعلم فالله يعلم فيبقى الإشكال قائما!


" قال سعيد بن أبي مريم: قيل لأبي بكر بن عياش: مالك لم تسمع من جعفر - الصادقعليه‌السلام - وقد أدركته؟ قال: سألناه عما يتحدث به من الأحاديث، أشئ سمعته؟

قال: لا ولكنها رواية رويناها عن آبائنا "(١) .

وقال ابن سعد: " وسئل مرة - جعفر الصادق -: سمعت هذه الأحاديث من أبيك؟

فقال: نعم، وسئل مرَّة فقال: إنما وجدتها في كتبه "(٢) .

" وكان عند محمد بن علي الباقر بن علي بن الحسين كتب كثيرة، سمع بعضها منه ابنه جعفر الصادق وقرأ بعضها "(٣) .

نعم، فأئمة آل البيت لا يروون إلاّ عن آبائهم أو من الكتب التي يتوارثونها.

ووالِ أُناساً قولهم وحديثهم

روى جدنا عن جبرئيل عن الله

وليس عند أئمة آل البيت قياس ولا استحسان ولا رأي، وإنما هو كتاب أو سنة منقولة عن الرسول، عن جبريل، عن الله.

سئل الإمام الصادقعليه‌السلام : بأي شئ يفتي الإمام؟ فقال: بالكتاب. فقال السائل:

فما لم يكن في الكتاب؟ فقال الصادق: بالسنة. فقال السائل: فما لم يكن في الكتاب والسنة؟ فقال: ليس شئ إلاّ في الكتاب والسنة.

وقال الصادقعليه‌السلام : " حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدي حديث أبيه، وحديث أبيه حديث علي بن أبي طالب، وحديث علي حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحديث رسول الله قول الله عز وجل "(٤) .

قل لمن حجَّنا بقول سوانا

حيث فيه لم يأتنا بدليل

نحن قوم إذا روينا حديثاً

بعد آيات محكم التنزيل

____________

١ - تهذيب التهذيب: ٢/٨٨.

٢ - المصدر السابق: ص ١٠٤.

٣ - المصدر السابق.

٤ - معالم الشريعة الإسلامية، صبحي الصالح: ص ٥٢.


عن أبينا عن جدّنا ذي المعالي

سيد المرسلين عن جبريل

وكذا قال جبرائيل عن الله

بلا شبهة ولا تأويل

قال الصادقعليه‌السلام : والله ما نقول بأهوائنا ولا نقول برأينا، ولا نقول إلاّ ما قال ربنا، فمهما أجبتك فيه بشئ فهو عن رسول الله، لسنا نقول برأينا من شئ.

وسأل رجل أبا عبد الله - الصادق - عن مسألة فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيت إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها؟ فقال له: مه، ما اجبتك فيه من شئ فهو عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولسنا من: (أرأيت) في شئ.

وقال الإمام الباقرعليه‌السلام : لو حدثناكم برأينا ضللنا، كما ضل من كان قبلنا، ولكنا نحدثكم من ربنا، بينها لنبيه لنا.

وقالعليه‌السلام : إنا لو كنا نحدثكم برأينا وهوانا لكنا من الهالكين، ولكنا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم.

وقد عاتب أحدهم ابان بن تغلب على ولائه للإمام الباقرعليه‌السلام وروايته عنه فقال:

كيف تلومونني في روايتي عن رجل ما سألته عن شئ إلاّ قال: قال رسول الله(١) .

هذا هو منهج أهل البيت في الرواية. فلو قبلت الأمة بهم ومارسوا دورهم في قيادة الأمة، لما احتجنا إلى كتب الجرح والتعديل، والبحث في أحوال الرواة... فمنهج أئمة أهل البيت في الرواية هو المنهج الأصيل، الذي يحفظ السنة من الضياع والتلاعب في دلالتها.

والطريقة التي اتبعها المحدثون - من أهل السنة - في الرواية، غير مجدية قياسا لطريقة أئمة آل البيت، بل يحيطها كثير من الإشكالات وقد تحرمنا كثيرا من النصوص الصحيحة. فمثلا إذا واجه علماء الحديث حديثا في سلسلة رواته راو مجهول، فيحكمون بضعف الحديث ولا يأخذون به. واحتمال كون الراوي المجهول ثقة وارد! ومعناه احتمال

____________

١ - راجع هذه الروايات في كتب الإمامية.


كون الحديث صحيحا! ولكن لما خفي حال الراوي المجهول على المحدثين أسقطوا الحديث.

ونحن بهذه الطريقة نحرم من كثير من الأحاديث، وذلك بسبب قصور علماء الحديث عن معرفة حال الراوي المجهول. ألا يكون حال الامة لو اختارت من البداية أئمة آل البيت قادة لها أفضل؟ فلاتقع في هذه الإشكالات، ولانتوقف عن العمل بكثير من الأحاديث.

ولا يأخذ المحدثون بالحديث المنقطع(١) بسبب جهالة الراوي مع احتمال كون الراوي ثقة وارد، والذي يساوي صحة الحديث، ولكن لقصور المحدثين عن معرفة الراوي الساقط لم يأخذوا بالحديث. وهذا يحرمنا من كثير من الأحاديث!

ولا يأخذ المحدثون بالحديث المعضل(٢) بسبب عدم اتصال السند وجهالة الرواة الساقطين. واحتمال كون الحديث صحيحا وارد، ولكن لعدم معرفة علماء الحديث الرواة الساقطين حكموا عليه بالضعف، وبذلك نحرم نحن من أمثال هذه الأحاديث بسبب قصور المحدثين!

ولا يأخذ المحدثون بالحديث المرسل(٣) ، نتيجة جهالة الراوي الساقط، مع أنَّ هذا الراوي قد يكون ثقة، ولكن قصور المحدثين هو الذي حرمنا من هذه الأحاديث!

فالعلة في حرماننا من هذه الأنواع من الأحاديث هي قصور المحدثين عن معرفة الراوي المجهول، وبسبب الرواة الذين يسقطون من يروون عنه.

فبدلا من كل هذه الإشكالات التي تحرمنا من أحاديث قد تكون صحيحة، جعل الله لنا طريقة أسهل وأضمن لتلقي السنة. وهي الرجوع لأئمة آل البيت الذين يروون عن جدهم بسند متصل لا لَبسَ فيه ولا جهالة ولا أي علة.

____________

١ - هو الحديث الذي سقط من إسناده راو قبل الصحابي أو ذكر فيه رجل مبهم ويشترط أن يكون الساقط واحدا فقط أو اثنين لا على التوالي.

٢ - هو ما سقط من إسناده في أي موضع كان راويان فأكثر على التوالي كأن يقول مالك: قال رسول الله مسقطا صحابيا وتابعيا على التوالي.

٣ - هو الحديث الذي يرفعه التابعي إلى النبي من غير ذكر لمن أخذ عنه، وهو ضعيف عند جمهور المحدثين.


فطريقة أهل السنة في التعامل مع الرواية، تحرمنا كثيرا من النصوص التي تفيدنا في العقيدة والشريعة والأخلاق، وما ذلك إلاّ بسبب إهمال الرواة، إذ أسقطوا من رووا عنه، أو بسبب قصور المحدثين عن معرفة حال الراوي المجهول.

فإذا عجز المحدثون عن معرفة الرواة المجهولين، وإذا أسقط الرواة من رووا عنه، فما ذنبنا نحن أن نحرم من هذه الفيوضات النبوية والتي نحتمل صحتها؟!!

إذن يلزمنا القول بأنّ الله عزَّ وجلَّ قد تكفل بإيصال السنة النبوية كاملة صحيحة.

وليس هناك طريقة إلاّ التي ذكرنا.

ولنسأل أنفسنا: هل يقبل الله بطريقة أهل السنة في التعامل مع الأحاديث؟ هل يرضى الله بإسقاط حديث ما نتيجة جهالة الراوي عند المحدثين، مع علم الله أنَّ هذا الراوي من أضبط الناس وأعدلهم؟!

هل يقبل الله بإسقاط حديث ما نتيجة عدم معرفة المحدثين للراوي أو الرواة الساقطين عن سنده، مع علم الله بهم وبعدالتهم؟!

وهل يرضى عزوجل بتضييع سنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحرمان عباده منها وقد أمرهم بالتمسك بها. كلا إنَّ الله هيأ الأسباب لإيصال السنة كاملة صحيحة قطعية في دلالتها، ولكن الأمة هي التي جنَت على نفسها إذ أخطأت الطريق ولم تقبل الوَصفة الإلهية باتباع آل البيت.

بعد هذا أعود فأقول: لماذا لا يأخذ أهل السنة دينهم عن أئمة آل البيت؟ بل لنا أن نقول: لماذا لا نجد ذكرا لأئمة آل البيت عندهم؟

لقد بقيت أربع سنوات في دراستي وما سمعت أحد مشايخنا يذكرهم بشئ، اللهم إلاّ مرة قال أحد أساتذتنا: إنَّ جعفر الصادق كان سنيّا!! وهو قول مع احترامي لقائله يُضحك الثكلى. فإذا كان سنيا فلم لا نجد علومه - والتي ملأت الخافقين - عند أهل السنة؟! أليس هو استاذ مالك وأبي حنيفة؟! نحن لسنا بصدد مناقشة هذا القول لأنه لا يحتاج إلى نقاش، والبين لا يحتاج إلى بيان.


ما بعد الغيبة الصغرى

قلنا إنَّ الغيبة الصغرى للمهديعليه‌السلام بدأت سنة ٢٦٠ هـ‍ واستمرت حتى سنة ٣٢٩ هـ‍، والغيبة الكبرى مستمرة منذ انتهاء الغيبة الصغرى حتى يظهره الله. وقد يسأل البعض كيف نتلقى الإسلام وقد غاب الإمام الموكل ببيان الإسلام للناس؟

فنقول: إنّ أئمة أهل البيت كانوا يعلمون بغيبة الإمام المهديعليه‌السلام لذلك وضعوا برنامجا كاملا لكيفية تلقي الإسلام بعد الغيبة، وهو الرجوع إلى رواة حديثهم. وأئمة الهدى وضعوا القواعد العامة لكيفية التعامل مع الرواية إلى غيرها من تفصيلات هذا الموضوع الموجودة في كتب الإمامية الباحثة في هذا الشأن.

ولقد دأب أئمة آل البيت على نشر علوم الإسلام كلما سنحت لهم الفرصة. وفي عهد الإمام الصادقعليه‌السلام فتح المجال أمامه - أكثر من غيره - لنشر الفكر الإسلامي فكان يلقي دروسه على تلاميذه الذين بلغوا أربعة آلاف تلميذ. وكان هناك أربعمائة تلميذ من خواص الصادقعليه‌السلام ، وكان لكل واحد منهم مصنَّفٌ يتضمن ما سمعه من الإمام. وسميت هذه الأربعمائة مصنف ب‍ (الأصول الأربعمائة)، ونقلها فيما بعد محدثو الإمامية إلى كتبهم الحديثية.

وأما كتب الحديث عند الإمامية فهي:

١ - (الكافي) لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي (ت/٣٢٩ هـ‍). صنفه مؤلفه في ٣٤ كتابا و ٣٢٦ بابا، وعدَّة أحاديثه ١٦١٩٩ حديثا.

٢ - (من لا يحضره الفقيه) لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي الصدوق (ت/٣٨١ هـ‍).

جزأه مؤلفه أربعة أجزاء، وبوبه ٦٦٦ بابا وضمنه ٥٩٩٨ حديثا.

٣ - (تهذيب الأحكام) لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت/٤٦٠ هـ‍) عدة أبوابه ٣٩٣ بابا، وعدد أحاديثه ١٣٥٩٠ حديثا.


٤ - (الاستبصار فيما اختلف من الأخبار) لأبي جعفر الطوسي أيضا عدد أحاديثه ٥٥١١ حديثا.

٥ - (الوافي) للشيخ محمد بن مرتضى المدعو بمحسن الكاشاني يحتوي ١٤ كتابا و ٥٠٠٠٠ حديث.

٦ - (وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة) لمحمد بن الحسن الحر العاملي.

عدد أحاديثه ٣٥٨٥٠ حديثا.

٧ - (بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار) لمحمد باقر بن محمد تقي المجلسي طبع على الحروف في ١١٠ مجلدات.

٨ - (مستدرك الوسائل ومستنبط الدلائل) لميرزا حسين النوري. فيه زهاء ثلاثة وعشرين ألف حديث، استدركها مؤلفه على كتاب وسائل الشيعة للحر العاملي(١) .

وأشهر هذه الكتب: الأربعة الأولى، وهي تعرف بالكتب الأربعة. يقول السيد العسكري: " هكذا أصبحت الموسوعات الحديثية الأربع منذ تأليفها إلى عصرنا الحاضر محور البحوث الفقهية بمدرسة أهل البيت، يرجع إليها فقهاؤهم لاستكشاف سنة الرسول في الأحكام، ومنها يستنبطون أحكام الإسلام بعد القرآن. وقد مر بنا أنَّ الموسوعات الحديثية الأربع أخذت الحديث من الأصول والمدونات الحديثية الصغيرة، وأنّ الأصول والمدونات الحديثية الصغيرة كانت قد أخذت الحديث من أئمة أهل البيت.

وأنَّ أئمة أهل البيت كانوا يبرؤون من القول بالرأي، وإنما كانوا يعتمدون جامعة الإمام علي في بيان الأحكام، وأنَّ جامعة الإمام علي قد أملاه رسول الله على الإمام وكتبه الإمام بخطه "(٢) .

قال الشيخ البهائي - من كبار الإمامية -: " إنَّ جميع أحاديثنا إلاّ ما ندر تنتهي إلى

____________

١ - راجع هذه المعلومات في كتاب: أصول الحديث، الدكتور الفضلي: ص ٥١ - ٦١ مع تصرف منا واختصار.

٢ - معالم المدرستين: ٢/٣٢٢.


الأئمة الاثني عشر، وهم ينتمون فيها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما تضمنته كتب الخاصة - أي الشيعة - من الأحاديث المروية عن أئمتهمعليهم‌السلام تزيد على ما في الصحاح الستة بكثير كما يظهر للمتتبع، وقد بلغت مرويات راو واحد، وهو أبان بن تغلب عن الإمام الباقر ثلاثين ألف حديث، وقد جمع القدماء من المحدثين هذه المرويات في أربعمائة كتاب عرفت عند المحدثين بالأصول، ثم جمعها من تأخر عنهم في الكتب الأربعة، تسهيلا على طالب تلك الأخبار "(١) .

" وفي أعيان الشيعة أنَّ الأصول الأربعمائة قد بقي بعضها إلى العصور المتأخرة في خزائن الكتب عند علماء الشيعة كالحر العاملي والمحاسبي والمعاصر الميرزا حسين النوري، وغيرهم، وتلف أكثرها ولكن مضامينها محفوظة في مجاميع كتب الحديث، لأن علماءنا من أوائل المائة الرابعة إلى النصف الأول من القرن الخامس قد أخذوا كتبهم منها "(٢) .

قال الدكتور الفضلي: " وكانت الغيبة الصغرى، ومن خلال الدور الذي قام به السفراء تمهيدا للغيبة الكبرى، كي يعتمد الشيعة من بعد السفراء على الاستقلال بأنفسهم، وذلك بالرجوع إلى العلماء بالتشريع الذين أطلق عليهم فيما بعد ب‍ (نواب الإمام)، وقد عبر عن وظيفتهم الشرعية ب‍ (النيابة العامة).

وقد تم هذا في هدي التوقيع الشريف الصادر من الإمام المهديعليه‌السلام ، والذي يقول فيه: " وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم "(٣) .

وقد رسم الأئمة للناس طريقا يسيرون عليه وهو التقليد، يقول الإمام الحسن

____________

١ - الاصول العامة للفقه الجعفري، هاشم معروف الحسني: ص ٨٠ عن الوجيزة.

٢ - المصدر السابق: ص ٩٤.

٣ - تاريخ التشريع الإسلامي: ص ٢٢٢ - ٢٢٣.


العسكريعليه‌السلام : " فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلِّدوه "(١) .

ومن هنا فإنَّ الشيعة يرجعون للعلماء لمعرفة أحكام الإسلام. فبعد دراسة لمختلف العلوم الإسلامية يقوم المجتهد - الذي تتوفر فيه شروط المرجعية ويسمى بالمَرجِع - بكتابة رسالةٍ عمليِّة وهي عبارة عن كتاب يحوي مسائل الفقه فيأخذه العامي ويطبِّق ما فيه من أحكام. والتقليد يكون في المسائل الشرعية، أما الجانب العقيدي فلا تقليد فيه.

هذه صورةٌ مختصرة عن كيفية تلقي الإسلام بعد الغيبة الصغرى، ومن أراد التوسّع في هذا الموضوع فليرجع إلى كتب الإمامية المختصة بهذا الشأن.

ولا بد من القول أنّ علماء الإمامية يعتمدون في استنباط الأحكام الشرعية على الكتاب والسنة وكفى بهما من مصدرين.

قال أحمد أمين: " ومنحى الفقه الشيعي يشبه الفقه السني في اعتماده على الكتاب والسنة "(٢) .

وقال أبو زهرة: " ولا شك أنها - الشيعة - في كل ما تقول تتعلق بنصوص قرآنية أو أحاديث منسوبة إلى النبي "(٣) .

وقال الأستاذ محمد النبهان - مدير دار الحديث الحسنية الرباط -: " ونستطيع أن نقول أنَّ المنهج الاجتهادي للمذهب الشيعي مستمد من المنهج الذي اعتمده الإمام الصادق "(٤) .

____________

١ - الاحتجاج: ٢/٢٦٣.

٢ - ضحى الإسلام: ٣/٢٧٦.

٣ - تاريخ المذاهب الإسلامية: ص ٣٩.

٤ - المدخل للتشريع الإسلامي: ص ٢٩٩.


علم الإمام

يتهم بعضهم الشيعة بأنَّهم يعتقدون بأنَّ الأئمة يعلمون كل شئ. وهذا كذب على الشيعة، وما يوجد في بعض كتبهم من هذه الأقوال فهي ساقطة. ولا يعتد بها لمخالفتها صريح القرآن، والقاعدة في المدرسة الإمامية لقبول أي رواية هو عرضها على كتاب الله، فإن وافقته يؤخذ بها وإن خالفته يضرب بها عرض الجدار. والقرآن يقول:( قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّـهُ ) (١) فأي رواية عند الإمامية تخالف هذا النص فإنه يضرب بها عرض الجدار.

والله عزوجل أطلع نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على بعض الغيبيات( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ) (٢) وعلم الأئمة هو علم الرسول فقط.

قال الإمام الصادقعليه‌السلام مخاطبا أبا بصير المرادي: إنَّ علم علي بن أبي طالبعليه‌السلام من علم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعلمناه نحن فيما علمناه، فاللهَ  فاعبد وإياهُ  فارجُ.

وقالعليه‌السلام : أترون الأمر إلينا نضعه حيث نشاء؟ كلا والله، إنه لعهد من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى رجل فرجل حتى ينتهي إلى صاحبه.

يقول المفسر الإمامي الطبرسي: " لقد ظلم الشيعة الإمامية مَن نسب إليهم القول بأنَّ الأئمة يعلمون الغيب، ولا نعلم أحدا منهم استجاز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق. فأما ما نقل عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ورواه الخاص والعام من الإخبار بالغائبات في خطب الملاحم وغيرها مثل الإيماء إلى صاحب الزنج، وإلى ما ستلقاه الأمة من بني مروان، وما إلى ذلك مما أخبر به هو وأئمة الهدى من ولده. أمَّا هذه الأخبار فإنها متلقّاةٌ عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مما أطلعه الله عليه، فلا معنى لنسبة مَن يروي عنهم هذه الأخبار

____________

١ - النمل: ٦٥.

٢ - الجن: ٢٧ و ٢٦.


المشهورة إلى أنه يعتقد كونهم عالمين الغيب وهل هذا إلاّ سب قبيح وتضليل لهم، بل تكفير، لا يرتضيه من هو بالمذاهب خبير، والله هو الحاكم وإليه المصير "(١) .

لا غلو في الأئمة

واتهم الشيعة بأنهم يقولون بألوهية الأئمة وأنهم يرزقون ويميتون...

وهذه الأقوال لبعض الفرق الغالية ولكنها نسبت للإمامية جهلا أو تجاهلا.

فالإمامية تبعا لأئمة الهدى تبرأوا من هذه الأقوال وكفروا قائليها.

قال الإمام الصادقعليه‌السلام لصالح بن سهل: " يا صالح، إنا والله عبيد مخلوقون، لنا رب نعبده، وإن لم نعبده عذَّبنا "(٢) .

وقال الإمام الرضاعليه‌السلام : " من قال بالتناسخ فهو كافر، ثم قال: لعن الله الغلاة، ألا كانوا يهودا، ألا كانوا مجوسا، ألا كانوا نصارى، ألا كانوا قدريّة، ألا كانوا مرجئة، ألا كانوا حَرورية، وقال: لا تقاعدوهم، ولا تصادقوهم، وابرأوا منهم، برئ الله منهم "(٣) .

قال الشيخ المفيد: " والغلاة من المتظاهرين بالإسلام، هم الذين نسبوا أمير المؤمنين والأئمة من ذريتهعليهم‌السلام إلى الألوهية والنبوة، ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا إلى ما تجاوزوا فيه الحد، وخرجوا عن القصد، وهم ضلال كفار، حكم فيهم أمير المؤمنينعليه‌السلام بالقتل والتحريق بالنار، وقضت الأئمة عليهم بالاكفار والخروج عن الإسلام "(٤) .

إنَّ الأئمة عباد لله مخلوقون وفيهم جميع صفات البشر إلاّ أنَّ الله اصطفاهم وجعلهم

____________

١ - مجمع البيان - تفسير سورة هود، الآية: ١٢٣.

٢ - شرح اعتقادات الصدوق.

٣ - عيون أخبار الرضا، الصدوق.

٤ - شرح اعتقادات الصدوق.


حججا على خلقه كي يستقيم أمر الدين ولا يقول أحد لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك.

قال مصطفى الشكعة: الإمامية " يبرؤون من المقالات التي جاءت على لسان بعض الفرق ويعدّونها كفراً وضلالا "(١) .

وقال محمد فريد وجدي: " الزيدية والإمامية الذين يؤلِّفون المذهب الوسط يحاربون الشيعة الحلوليين حربا شعواء ويعتبرونهم غلاة يسيئون إلى المذهب بل يعتبرونهم مارقين عن الإسلام "(٢) .

وقال عرفان عبد الحميد - استاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة بغداد -: " لذا فليس إلاّ من قبيل التشويه المخزي درج تعاليم الغلاة تحت مصطلح الشيعة، ومن هنا ظهر فساد الأحكام التعسفيَّة التي أطلقها البعض على الشيعة والصور المنافية للحقيقة التي كوَّنوها عنهم، ومن قبيل ذلك ما قاله جولد زيهر، وفريد لندر، وأحمد أمين، والآخرون عن الشيعة "(٣) .

إنَّ الإمامية لا يغلون في أئمتهم ولكن من يقول: إنَّ مائة وأربعة عشر ألف صحابي كلهم عدول، هو الذي يغلو!

ومن يقول: إنَّ النبي يخطئ ويصوِّب له عمر ست مرات، هو الذي يغلو! والذي يغلو هو الذي ينسب للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قول: لو وقع العذاب لما نجا منه إلاّ ابن الخطاب. والذي يغلو من قال: إنَّ الشيطان يهرب من عمر، ولا يهرب من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . والذي يغلو من يجعل صحيحي البخاري ومسلم معصومين! فالإمامية معتدلون ولم يقولوا هذه المقالات!

____________

١ - إسلام بلا مذاهب.

٢ - دائرة المعارف الإسلامية: ١٤/٦٣.

٣ - دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية: ص ٣٢.


عصمة الإمام

يعتقد الإمامية أنَّ الأئمة الاثني عشر معصومون كعصمة الأنبياء. وأعتقد أنّ من فهم نظرية الإمامة سيقتنع حتما بوجوب عصمة الإمام. فكما أنَّ الأنبياء يحتاجون إلى العصمة في أداء مهمتهم فكذا الأئمة. فهم والأنبياء سواء في المهام الملقاة على عاتقهم، لذلك وجبت عصمتهم. والقرآن يمنع غير المعصوم من نيل الإمامة قال تعالى:( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) وقد تبين ذلك في بحثنا عن الإمامة.

وعصمة آل البيت أثبتها الله في قرآنه كما في آية التطهير. وحديث الثقلين خير دليل على عصمة الأئمة، فمن لا يفترق عن القرآن فهو معصوم. وإخال أنني لست بحاجة إلى إعادة.

لقد قال أهل السنة بعدالة كل الصحابة لأنهم حملة الشريعة قال الجويني:

" والسبب في عدم الفحص عن عدالتهم، أنهم حملة الشريعة " وقال القرشي: " إنّ حفظ الدين يقتضي عدالة الصحابة إذ كيف يعد الله سبحانه بحفظ دينه( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (١) . بينما حملته ونقلته عن نبيه مطعون في عدالتهم ونزاهتهم ".

فالعلة التي أوجب أهل السنة لأجلها عدالة الصحابة - وهي كونهم حملة الشريعة - هي نفسها التي أوجب الشيعة من أجلها عصمة الأئمة. والعدالة ذاتها لا تكفي لحفظ الإسلام، فقد يكون إنسان ما من أعدل الناس ولكنه يخطئ وينسى. ولو كانت العدالة كافية فيمن يبلِّغ عن الله لا كتفى الله بصفة العدالة في أنبيائه ولم يلتفت للعصمة.

ولكن الله عز وجل يعلم أنَّ العدالة غير كافية لحفظ الإسلام نصا ودلالة، لذلك أوجب العصمة فيمن يبلغ عنه. والعصمة تشمل العدالة، فكل معصوم عادل وليس كل عادل معصوم. وبهذا نرى عظمة الفكر الشيعي في طرحه لنظرية العصمة.

____________

١ - الحجر: ٩.


والشيعة لم ينفردوا بالقول بالعصمة بل شاركهم أهل السنة هذا المقال. فأهل السنة يقولون بعصمة الأمة، فلم التشنيع على الشيعة؟ ومن كان بيته من زجاج لا يضرب بيوت الناس بالحجارة!

والقول بعصمة اثني عشر إماما هو دون القول بعدالة مائة وأربعة عشر الف صحابي.

ولابن كثير كلام في ابن تيمية يستفاد منه عصمة ابن تيمية! قال: " وبالجملة كانرحمه‌الله من كبار العلماء ممن يخطئ ويصيب، ولكن كان خطؤه بالنسبة لصوابه كنقطة في بحر لجي "(١) .

إذا كان ابن تيمية يخطئ ويصيب فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - عند أهل السنة - يخطئ ويصيب.

وقوله: " كان خطؤه بالنسبة لصوابه كنقطة في بحر لجي "، يعني أنّ احتمال خطئه نادر جدا فماذا تساوي النقطة في البحر اللجي؟!! وأهل السنة يقولون: إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يخطئ - والعياذ بالله - وصحح له عمر أخطاءه ست مرات - نعوذ بالله - فإذا كان خطأ ابن تيمية كنقطة في بحر لجي فهو أكثر عصمة من النبي!! أليس هذا معنى كلامه؟!

وقد ذهب الحافظان نور محمد وشمس الدين الأصفهاني - وهما من علماء أهل السنة - إلى عصمة الخليفة عثمان(٢) .

إنَّ مسألة العصمة ليست بذاك الأمر الذي يصعب قبوله فهي صفة ضرورية للأنبياء والأئمة، تتطلبها طبيعة وظيفتهم الإلهية.

____________

١ - البداية والنهاية: ٧/١٣٨.

٢ - راجع الغدير/الأميني.


الفصل الخامس

شبهات ليست بشبهات



« يخطئ كثيرا من يدَّعي أنه يستطيع أن يقف على عقائد الشيعة الإمامية وعلومهم وآدابهم مما كتبه عنهم الخصوم، مهما بلغ هؤلاء الخصوم من العلم والإحاطة، ومهما أحرزوا من الأمانة العلمية في نقل النصوص والتعليق عليها باسلوب نزيه بعيد عن التعصّب الأعمى. أقول ذلك جازماً بصحة ما أدَّعي... ».

حامد داود حنفي          

- من علماء مصر         

من تقديمه لكتاب عقائد الإمامية

« ومن هنا كان الطعن على مذهب الإمامية الاثني عشرية بما وجد محشوّاً في بعض الكتب، والآراء، لا تمثل إلاّ قائلها وهو طعن لا يستحق الرد عليه من فقيه متدين.

ويكفي للرد على أمثال هذا الطعن أن نحيل الطاعن إلى أصول الإسلام عند أهل هذا المذهب والتي لا يكون المسلم مسلما إلاّ بها، وأن نرجع إلى أهل التحقيق منهم في كشف الحقيقة عن هذه الادعاءات المزعومة ».

الاستاذ أحمد الحصري     

من علماء الأزهر          

من كتابه: من الفقه الاسلامي ص ١١٠


لماذا هذه الصورة المشوَّهة عن الشيعة؟

أكثر الباحثين - بعد ثبوت أحقية مدرسة آل البيت - يتساءلون: كيف يكون اتباع آل البيت هم الناجون مع أنهم يقولون بتحريف القرآن، والتقية، والبَداء، والرَجعة...

إنَّ أغلب الناس يحملون هذه الصورة المشوّهة عن الشيعة، وهذه نتيجة حتميةٌ، فمن أراد أن يقوِّم جماعة من خلال أقوال خصومهم فإنه حتما سيخفق في نتائجه وهذا هو الحال لأكثر من درسوا التشيع.

هذا الدكتور حامد داود حفني درس التشيع من كتب أهل السنة فأخفق في نتائجه، يقول في ذلك: " فما خرجت من هذه الدراسة الطويلة التي قضيتها متصفحا في كتب المؤرخين والنقَّاد من أهل السنة بشئ ذي بال. وما زادني اشتياقي إلى هذه الدراسة وميلي الشديد في الوقوف على دقائقها إلاّ بعداً عنها وخروجا عما أردت من الوصول إلى حقائقها...

ذلك لأنها كانت دراسة بَتراء!! أحلْت نفسي فيها على كتب الخصوم لهذا المذهب، وهو المذهب الذي يمثل شطر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها "(١) .

إنَّ من يريد الحكم على جماعة فعليه بدراسة فكرها من خلال كتبها المعتمده دون بتر وتحريف للنصوص! وبهذه الخطوة نكون قد وضعنا أرجلنا على الطريق الصحيح للبحث. " ومن البديهي أنَّ رجال المذهب أشدُّ معرفة لمذهبهم من معرفة الخصوم به، مهما

____________

١ - تقديم عقائد الإمامية: ص ١٣.


بلغ أولئك الخصوم من الفصاحة والبلاغة ومهما أوتوا حظاً من اللسن والإبانة عمّا في النفس... وإنَّ الباحث الذي يريد أن يدرس مجموعة ما من الحقائق في غير مصادرها الأولى ومظانها الأصيلة إنما يسلك شطَطاً ويفعل عبثا، ليس هو من العلم في شئ "(١) .

ومن العوامل التي ساعدت على تكوين هذه الصورة المشوهة عن الشيعة، هو خلط كثير من المؤرِّخين والكتَّاب، بين الجعفريَّة وغيرها من الفرق. فلا أدري كيف يتربَّع على كرسي البحث من لا يستطيع الإلمام بالأمور الأولية لبحثه؟!

يقول علي عبد الواحد وافي - من علماء أهل السنة -: " إنَّ كثيرا من مؤلفينا، بل من كبارهم، أنفسهم قد خلط بين الشيعة الجعفرية وغيرها من فرق الشيعة، فنسب إلى الجعفرية عقائد وآراء ليست من عقائدهم ولا من آرائهم في شئ، وإنما ذهبت إليها فرق أخرى من فرق الشيعة ".

وقال في الحاشية: " تبدو هذه الظاهرة حتى في مؤلفات العلامة ابن تيمية! "(٢) .

أضف لما سبق عاملا آخر مهما وهو أنَّ الكتابات التي صدرت حديثا كلها تهاجم الشيعة، وهي تربو على مائتي كتاب. وهؤلاء الكتَّاب قد شرَّقوا وغرَّبوا فجاءوا بكل ما كتب عن التشيع قديما ولم يقصرّوا هم في الدَجَل والكذب، قاتلهم الله أنَّى يؤفكون.

وتناقل الناس هذه التهم وأصبحت مع تردادها كأنها حقائق ثابتة. ومن أغرب ما سمعت أنَّ أحد علماء السنة سأل عالما شيعيا عما إذا كان للشيعة ذيل!!

وحدثني أحد الأصدقاء من عمان قال: كنت في مطعم فأتاني شاب وقد عرف أنني شيعي فنظر إلي متعجبا وأنا آكل فقال: أنتم تأكلون مثلنا؟!!

إذا فهمنا العوامل السابقة، أستطيع أن أقول لأخي الباحث: تعال لنرى هذه الشبهات، هل هي شبهات حقا؟ أم إنها وجدت لصدِّ الناس عن الحق؟!

____________

١ - تقديم عقائد الإمامية: ص ١٤ - ١٥.

٢ - بين الشيعة وأهل السنة: ص ١١.


عبد الله بن سبأ وبدء التشيّع

أخطأ كثير من الكتاب قديما وحديثا حين قالوا: إنّ عبد الله بن سبأ مؤسس التشيع. فلقد ذهب بعض المحققين إلى أنَّ عبد الله بن سبأ شخصيّة لا وجود لها في التاريخ، وإنما هي من المختلقات التي انطلت على المحدِّثين.

أول من ذكر قصة عبد الله بن سبأ، ابن جرير الطبري في تاريخه، حيث ذكرها في حوادث سنة ٣٠ هـ‍. وجاء المؤرِّخون والكتّاب بعده ونقلوا عنه ونقلوا فيما نقلوا قصة ابن سبأ بدون فحص ولا تمحيص. ولاكتها الألسن وجرت بين الخاص والعام.

وقصة ابن سبأ التي ذكرها الطبري تنحصر روايتها بطريق سيف بن عمر التميمي.

وسيف هذا متهم بالوضع والزندقة فلا يؤخذ برواياته.

قال فيه يحيى بن معين: " ضعيف الحديث، فلسٌ خيرٌ منه ".

وقال أبو داود: " ليس بشئ، كذاب "، وقال النسائي: " ضعيف متروك الحديث، ليس بثقة ولا مأمون "، وقال ابن أبي حاتم: " متروك الحديث "، وقال ابن السكن " ضعيف "، وقال ابن حبان: " يروي الموضوعات عن الأثبات اتهم بالزندقة "، وقال: " كان يضع الحديث ".

وقال ابن عدي: " ضعيف، بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة، لم يتابع عليها "، وقال الحاكم: " متروك اتهم بالزندقة " ووهاه الخطيب البغدادي(١) .

وممن شك في وجود شخصية ابن سبأ الدكتور طه حسين في (الفتنة الكبرى) والدكتور علي سامي النشار. قال الأخير: " من المحتمل أن تكون شخصية عبد الله بن سبأ شخصية موضوعة، أو أنها رمزت إلى شخصية ابن ياسر كما فعل الأمويون بكلمة أبي تراب والترابيين، ومن المحتمل أن يكون عبد الله بن سبأ هو مجرد تغليف لأسم

____________

١ - راجع هذه الأقوال في كتاب: عبد الله بن سبأ، مرتضى العسكري: ١/٧٤ - ٧٥.


عمار بن ياسر "(١) .

وشك في شخصية ابن سبأ، الدكتور محمد عمارة(٢) ، والدكتور أحمد محمود صبحي في (نظرية الإمامة)، والدكتور حامد داود حفني، والدكتور علي الوردي، والدكتور كامل الشبيبي، وعلي عباس صالح، والدكتور برناد لويس، وفلهوزن، وفريد ليندر، وكايتاني(٣) .

ونفى محمد كرد علي أن يكون التشيع من بدعة عبد الله بن سبأ، يقول في هذا: " وأما ما ذهب إليه بعض الكتاب من أنَّ مذهب التشيع من بدعة عبد الله بن سبأ المعروف بابن السَوداء، فهو وهمٌ وقلة علم بتحقيق مذهبهم، ومن علم منزلة هذا الرجل عند الشيعة وبراءتهم منه ومن أقواله وأعماله، وكلام علمائهم في الطعن فيه بلا خلاف بينهم في ذلك، علم مبلغ هذا القول من الصواب "(٤) .

بعد سقوط النظرية القائلة بأنَّ مؤسس التشيع عبد الله بن سبأ بقي أن نعرف مؤسس التشيع الحقيقي.

إنَّ التشيع معناه: المشايعة والمتابعة لآل البيت(٥) . ومن المعلوم قطعا أنَّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا لحب آل بيتهعليهم‌السلام ومتابعتهم في أحاديث كثيرة مرت فنقول:

التشيع يعني حب ومتابعة آل البيتعليهم‌السلام . والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في دعوته إلى حب ومتابعة آل البيتعليهم‌السلام يعني أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا للتشيع!!

ويبدو لي أنَّ الغرابة في قبول هذا الرأي عند بعضهم هو كلمة (التشيع) مع أنَّ الأسماء لا قيمة لها ما دام المضمون نفسه لم يتغيَّر، فالفكر الشيعي هو الفكر الذي طرحه

____________

١ - نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام: ٢/٢٨.

٢ - راجع كتابه: تيارات الفكر الإسلامي: ص ٢٠٣.

٣ - راجع هوية التشيع/الوائلي: ص ١٣٧ - ١٤٠.

٤ - خطط الشام ١/٢٥١.

٥ - راجع لسان العرب، ابن منظور ٨/١٨٩ مادة " شيع ".


الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإن غلب على أتباع آل البيت اسم الشيعة، فهذا لا يغير من المضمون شيئا، تماما كما لو كتبنا على زجاجة فيها عسل: (زيت)، فيبقى العسل عسلا.

وقد نطق الرسول نفسه بهذه اللفظة، فقد قال حين نزل قول الله( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (١) : " يا علي هم أنت وشيعتك ".

وهو الذي بذر بذرة التشيع حيث كان يدعو الصحابة إلى موالاة آله وحبهم حتى اثمرت جهوده عن التفاف ثُلَّة من الصحابة حول عليعليه‌السلام .

قال أبو حاتم الرازي: " إنَّ أول اسم ظهر في الإسلام على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، هو الشيعة، وكان هذا لقب أربعة من الصحابة هم: أبو ذر، وسلمان، والمقداد، وعمار "(٢) .

ذكر الخطيب البغدادي في الكفاية عن أبي عبد الله بن الأخرم الحافظ " أنه سئل: لم ترك البخاري الرواية عن الصحابي أبي الطفيل؟ قال: لأنه كان متشيِّعاً لعلي بن أبي طالب ".

قال ابن حزم: " وروينا عن نحو عشرين من الصحابة أنَّ أكرم الناس على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علي بن أبي طالب! "(٣) .

قال ابن خلدون: " كان جماعة من الصحابة يتشيَّعون لعلي، ويرون استحقاقه على غيره، ولمَّا عُدل به إلى سواه تأفَّفوا من ذلك وأسفوا له، إلاَّ أنَّ القوم لرسوخ قدمهم في الدين، وحرصهم على الالفة لم يزيدوا في ذلك على النجوى بالتأفف والأسف "(٤) .

وقال الأستاذ محمد كرد علي: " عرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة علي في عصر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مثل سلمان الفارسي القائل: بايعنا رسول الله على النصح

____________

١ - البينة: ٧.

٢ - روضات الجنات: ص ٨٨.

٣ - الفصل في الملل والأهواء والنحل: ٣/٣٢.

٤ - تاريخ ابن خلدون: ٣/٣٦٤.


للمسلمين والائتمام بعلي بن أبي طالب والموالاة له، ومثل أبي سعيد الخدري الذي يقول: أمر الناس بخمس فعملوا بأربع وتركوا واحدةً. ولما سئل عن الأربع قال:

الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان والحج وقيل: فما الواحدة التي تركوها؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب!! قيل له: وإنها لمفروضةٌ معهنَّ؟ قال: نعم!! ومثل أبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت، وأبي أيوب الأنصاري، وخالد بن سعيد بن العاص، وقيس بن سعد بن عبادة "(١) .

قال الدكتور صبحي الصالح: " كان بين الصحابة حتى في عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيعة لربيبه عليٌّ، منهم:

أبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وجابر بن عبد الله، وأبي بن كعب، وأبو الطفيل عمر بن وائلة، والعباس بن عبد المطلب وجميع بنيه، وعمار بن ياسر، وأبو أيوب الأنصاري "(٢) .

وقال عبد الله الأمين عن الشيعة: " وترجع إلى صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذين شايعوا وناصروا سيدنا عليارضي‌الله‌عنه في خلافة المسلمين لقناعتهم بأحقيَّته لهذا المنصب الخطير "(٣) .

وقال الاستاذ محمد عبد الله عنان: " من الخطأ أن يقال: إنَّ الشيعة ظهرت ولأول مرة عند انشقاق الخوارج. بل كان بدء الشيعة وظهورهم في عصر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أمره الله بإنذار عشيرته في الآية ٢١٤ من الشعراء:( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) ولبَّى النبي فجمع عشيرته في بيته وقال لهم مشيرا إلى علي: هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا "(٤) .

____________

١ - خطط الشام: ٥/٢٥١.

٢ - النظم الإسلامية: ص ٩٦.

٣ - روح التشيع، عبد الله نعمة، عن دراسات في الفرق والمذاهب القديمة.

٤ - روح التشيع: ص ٢٠ عن الجمعيات السرية.


الشيعة والصحابة

قد فصَّلنا القول فيما مضى في عدالة الصحابة ورأينا أنَّ فيهم المؤمن والمنافق...

والشيعة ينظرون للصحابة نظرة القرآن لهم، يقول السيد مرتضى العسكري: " فإنَّ مدرسة أهل البيت ترى، تبعا للقرآن الكريم، أنَّ في الصحابة منافقين مردّوا على النفاق، ورموا فراش النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالإفك. وحاولوا اغتيال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأخبر عنهم الرسول أنهم يوم القيامة يختلجون دون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فينادي: أصيحابي فيقال له:

إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، لم يزالوا مرتدِّين على أعقابهم منذ فارقتهم. وأنَّ منهم مؤمنين أثنى الله عليهم والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أحاديثه، وأنهم المقصودون في ما ورد من الثناء في القرآن والحديث، وقد عين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العلامَةُ الفارقة بين المؤمن والمنافق:

حب الإمام علي، وبغضه، ومن ثمَّ فإنهم ينظرون في حال الراوي فإن كان ممن قاتل عليا أو الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام وعاداهم فإنهم لا يلتزمون بأخذ ما يروي أمثال هؤلاء، صحابيا كان أو غير صحابي "(١) .

ويجلي السيد شرف الدين رأي الإمامية بالصحابة فيقول: " إنَّ من وقف على رأينا في الصحابة علم أنه أوسط الآراء، إذ لم نفرط تفريط الغلاة الذين كفروهم جميعا، ولا أفرطنا إفراط الجمهور الذين وثَّقوهم أجمعين، فإنَّ الكامليَّة ومَن كان في الغلو على شاكلتهم، قالوا: بكفر الصحابة كافة، وقال أهل السنة: بعدالة كل فرد ممن سمع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو رآه من المسلمين مطلقا...

أما نحن فإنَّ الصحبة بمجردها وإن كانت عندنا فضيلة جليلة، لكنها، - بما هي ومن حيث هي - غير عاصمة. فالصحابة كغيرهم من الرجال فيهم العدول، وهم عظماؤهم وعلماؤهم، وأولياء هؤلاء، وفيهم البغاة، وفيهم أهل الجرائم من المنافقين، وفيهم مجهول الحال، فنحن نحتج بعدولهم ونتولاهم في الدنيا والآخرة، أما البغاة

____________

١ - معالم المدرستين: ١/١٤٠ - ١٤١.


على الوصي، وأخي النبي، وسائر أهل الجرائم والعظائم كابن هند، وابن النابغة، وابن الزرقاء، وابن عقبة، وابن أرطأة، وأمثالهم فلا كرامة لهم، ولا وزن لحديثهم، ومجهول الحال نتوقف فيه حتى نتبين أمره.

هذا رأينا في حملة الحديث من الصحابة وغيرهم، والكتاب والسنة بيننا على هذا الرأي، كما هو مفصل في مظانه من أصول الفقه، لكن الجمهور بالغوا في تقديس كل من يسمونه صحابيا...

وما أشد إنكارهم علينا حين يروننا نرد حديث كثير من الصحابة، مصرحين بجرحهم أو بكونهم مجهولي الحال، عملا بالواجب الشرعي في تمحيص الحقائق الدينية، والبحث عن الصحيح من الآثار النبوية، وبهذا ظنوا بنا الظنونا، فاتهمونا بما اتهمونا، رجماً بالغيب، وتهافتا على الجهل، ولو ثابت إليهم أحلامهم، ورجعوا إلى قواعد العلم، لعلموا أنَّ أصالة العدالة في الصحابة مما لا دليل عليه، ولو تدبروا القرآن الحكيم لوجدوه مشحونا بذكر المنافقين منهم... "(١) .

هذا هو رأي الشيعة في الصحابة، يقول الدكتور المصري حفنى داود: " إنَّ طريقة الشيعة في نقد الصحابة وتقسيمهم إلى عادل وجائر منهج علمي... "(٢) .

أما ما ينسب للشيعة من القول بارتداد الصحابة إلاَّ أربعة فإن كان هذا الارتداد بمعنى الرجوع عن الإسلام فهذا لا تقول به الشيعة، وأغلب هذه الروايات غير صحيحة.

ومسألة سب الصحابة ينهى عنها علماء الإمامية باستمرار. يقول الدكتور علي عبد الواحد وافي مدافعا عن الإمامية: " ونستبعد كذلك ما يصدر من عوامهم من أقوال وأعمال لا يقرّها فقهاؤهم، ويعتبرونها مخالفة لأصول مذهبهم، فمن ذلك أنَّ عوامهم يسبون الشيخين.

____________

١ - أجوبة موسى جار الله: ص ١٤ - ١٥.

٢ - نظرات في الكتب الخالدة: ص ١١١.


لكن أمثال هذه الأقوال والأفعال لا يرضى عنها شيوخهم ويحكمون بحرمتها...

وإذا كنا سنحاسب الطوائف بما يفعله عوامهم وسفهاؤهم، فإنَّ حسابنا سيكون عسيرا لكثير من جماعات أهل السنة أنفسهم فلا تكاد توجد جماعة من جماعاتنا لا يصدر من عوامها وسفهائها أعمال وأقوال لا يقرها الإسلام "(١) .

وقد قيل: إنَّ الإسلام شئ والمسلمين شئٌ آخر. والإسلام عند الشيعة ينهى عن السب، فلا يحمل أخطاء المسلمين الشيعة.

ثم لماذا هذه الضجة على الشيعة؟ هذه عائشة خرجت مع طلحة والزبير على الإمام الشرعي وتسببوا بقتل ثلاثين ألفا، وقال أهل السنة إنهم مجتهدون ولهم أجر! وحارب معاوية علياعليه‌السلام وتسبب بقتل مائة ألف، وقال أهل السنة: هو مجتهد له أجر!

فلماذا لا يقال: إنَّ عوام الشيعة مجتهدون ولهم أجر؟! مع العلم أنَّ السب دون القتل، هذا معاوية تسبب لقتل مائة ألف إنسان ويعطى أجرا ولا يعطى المتكلم بضع كلمات أجراً!! فأين هذا من هذا؟!

فليقال إذن: إنَّ عوام الشيعة مجتهدون ولهم أجر، وتنتهي المسألة على أنَّ العوام حين يتكلمون على الصحابة فإن عندهم أدلة على صحة كلامهم خلافا لمعاوية وأصحاب الجمل الذين اجتهدوا أمام النصوص فالشيعة أولى منهم بالأجر!

وقد سب الصحابة أنفسهم، ومعاوية أمر بلعن علي وبقي أهل القرن الأول يلعنون عليا على المنابر ستين عاما! فكل حكم يصدر على الشيعة فإنه موجه لأهل القرن الأول فالحذر الحذر من إصدار أي حكم جزافي!!

وحتى يتأكد إخواننا الباحثون من أنَّ الشيعة يقدسون صحابة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المؤمنين فإننا نورد نبذة من هذا الدعاء الذي يردده الشيعة في أدعيتهم.

____________

١ - بين الشيعة وأهل السنة: ٣٢ - ٣٤ باختصار.


يقول الإمام زين العابدينعليه‌السلام : "... اللهم وأصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خاصة الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث اسمعهم حجة رسالاته. وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته وانتصروا به، وما كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك، وارضهم من رضوانك... "(١) .

القرآن الكريم

كثيرا ما قرأت لكتّاب من أهل السنة يدَّعون بأنَّ الإمامية يقولون بتحريف القرآن. وقام علماء الإمامية برد هذه الافتراءات، ولا يوجد كتاب شيعي في العقائد إلاَّ ويتناول هذا الموضوع ويبرئ ساحة الإمامية من القول بالتحريف. ولكن الشئ العجيب: إنَّ هذا الاتهام ما زال يكرر:( فَمَالِ هَـٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ) ؟(٢) .

إنَّ الله أوكل حفظ الكتب السماوية - كالتوراة والإنجيل - إلى الناس، قال تعالى عن علماء اليهود والنصارى:( بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّـهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ) (٣) لهذا وقع التحريف فيها، أما القرآن فقد تكفل الله بحفظه، قال تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (٤) لهذا فهو مصون من التحريف، والإمامية يقولون: إن القرآن الذي بين أيدينا هو نفسه القرآن الذي نزل على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لا نقص به ولا زيادة ولا تحريف.

____________

١ - الصحيفة السجادية: الدعاء الرابع.

٢ - النساء: ٧٨.

٣ - مائدة: ٤٤.

٤ - الحجر: ٩.


وقد قام علماء أهل السنة المنصفون بالرد على أولئك الكتاب المشعوذين من أمثال ظهير والخطيب ومال الله.

يقول الشيخ محمد أبو زهرة: " القرآن بإجماع المسلمين هو حجة الإسلام الأولى وهو مصدر المصادر له، وهو سجل شريعته، وهو الذي يشتمل على كلها وقد حفظه الله تعالى إلى يوم الدين كما وعد سبحانه إذ قال:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (١) .

وإنَّ إخواننا الإمامية على اختلاف منازعهم يرونه كما يراه كل المؤمنين "(٢) .

وقال: " إنَّ الشريف المرتضى وأهل النظر الصادق من إخواننا الاثني عشرية قد اعتبروا القول بنقص القرآن أو تغييره أو تحريفه تشكيكا في معجزة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واعتبروه إنكارا لأمر علم من الدين بالضرورة "(٣) .

وقال الدكتور محمد عبد الله دراز: " ومهما يكن من أمر فإنّ هذا المصحف هو الوحيد المتداول في العالم الإسلامي، بما فيه فرق الشيعة، ومنذ ثلاثة عشر قرنا من الزمان. ونذكر هنا رأي الشيعة الإمامية - أهم فرق الشيعة - "(٤) .

وقال الشيخ رحمة الله الهندي: " القرآن المجيد عند جمهور علماء الشيعة الإمامية الاثني عشرية محفوظ من التغيير والتبديل، ومن قال منهم بوقوع النقصان فيه، فقوله مردود غير مقبول عندهم "(٥) .

وقال الشيخ محمد الغزالي: " سمعت من هؤلاء يقول في مجلس علم: إنَّ للشيعة قرآنا آخر يزيد وينقص عن قرآننا المعروف فقلت له: أين هذا القرآن؟ ولماذا لم يطّلع

____________

١ - الحجر: ٩.

٢ - الإمام الصادق: ص ٢٩٦.

٣ - المصدر السابق: ص ٣٢٩.

٤ - مدخل إلى القرآن الكريم: ٣٩ - ٤٠.

٥ - إظهار الحق، تعليق الدكتور أحمد حجازي: ص ٤٣١.


الإنس والجن على نسخة منه خلال هذا الدهر الطويل؟ لماذا يساق هذا الافتراء؟...

ولماذا هذا الكذب على الناس وعلى الوحي "(١) .

وقال الأستاذ محمد المديني - عميد كلية الشريعة بالجامعة الأزهرية -: " وأما أنَّ الإمامية يعتقدون نقص القرآن، فمعاذ الله. إنما هي روايات رويت في كتبهم، كما روي مثلها في كتبنا. وأهل التحقيق من الفريقين قد زيَّفوها، وبيَّنوا بطلانها وليس في الشيعة الإمامية أو الزيدية من يعتقد ذلك كما أنه ليس في السنة من يعتقده "(٢) .

وقال البهنساوي - من مفكري الأخوان المسلمين -: " إنَّ الشيعة الجعفرية الاثني عشرية يرون كفر من حرف القرآن الذي أجمعت عليه الأمة منذ صدر الإسلام... وأنّ المصحف الموجود بين أهل السنة هو نفسه الموجود في مساجد وبيوت الشيعة "(٣) .

وقال مصطفى الرافعي: " والقرآن الكريم هو الموجود الآن بأيدي الناس من غير زيادة ولا نقصان. وما ورد من أنَّ الشيعة الإمامية يقولون بأنَّ القرآن قد اعتراه النقص... هذا الادعاء أنكره مجموع علماء الشيعة الأعلام...

فالقرآن الكريم - إذن - هو عصب الدولة الإسلامية، تتفق مذاهب أهل السنة مع مذهب الشيعة الإمامية على قداسته ووجوب الأخذ به. وهو نسخة موحدة لا تختلف في حرف ولا رسم لدى السنة والشيعة الإمامية في مختلف ديارهم وأمصارهم "(٤) .

وقال الدكتور علي عبد الواحد وافي: " يعتقد الشيعة الجعفرية كما يعتقد أهل السنة، أنَّ القرآن الكريم هو كلام الله عزوجل المنزل على رسوله المنقول بالتواتر والمدوَّن بين دفَّتي المصحف بسوره وآياته المرتبة بتوقيف من الرسول صلوات الله وسلامه عليه،

____________

١ - دفاع عن العقيدة والشريعة.

٢ - مع الصادقين، الدكتور التيجاني: ص ٢٠١ عن مقال الاستاذ محمد المديني - مجلة رسالة الإسلام - العدد الرابع في السنة الحادية عشرة ص ٣٨٢ و ٣٨٣.

٣ - السنة المفترى عليها: ص ٦٠.

٤ - إسلامنا: ص ٧٥.


وأنه الجامع لأصول الإسلام عقائده وشرائعه وأخلاقه، والخلاف بيننا وبينهم في هذا الصدد يتمثّل في أمور شكلية وجانبية لا تمس النص القرآني بزيادة ولا نقص ولا تحريف ولا تبديل، ولا تثريب عليهم في اعتقادها "(١) .

وقال: " أمَّا ما ورد في بعض مؤلفاتهم من آراء تثير شكوكا في النص القرآني وتنسب إلى بعض أئمتهم، فإنهم لا يقرونها ويعتقدون بطلان ما تذهب إليه، وبطلان نسبتها إلى أئمتهم. ولا يصح كما قلنا فيما سبق أن نحاسبهم على آراء حكموا هم ببطلانها وبطلان نسبتها إلى أئمتهم ولا أن نعدها من مذهبهم، مهما كانت مكانة رواتها عندهم ومكانة الكتب التي وردت فيها...

وقد تصدى كثير من أئمة الشيعة الجعفرية أنفسهم لرد هذه الأخبار الكاذبة وبيان بطلانها وبطلان نسبتها إلى أئمتهم وأنها ليست من مذهبهم في شئ "(٢) .

هذه ثماني شهادات لعلماء من أهل السنة تدفع عن الإمامية تهمة القول بتحريف القرآن. أما كلمات أعلام الشيعة في نفي التحريف عن القرآن فلا يسعها مجلد، ونضع بين يدي القراء بعضها.

قال الشيخ الصدوق (ت/٣٨١ هـ‍) - الذي يُعدّ شيخ المحدثين -: " اعتقادنا في القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو ما بين الدفتين، وهو مافي أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، ومن نسب إلينا أنا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب "(٣) .

قال الشيخ المفيد (ت/٤١٣ هـ‍) - أحد عظماء الإمامية -: " وأما النقصان وقد قال جماعة من أهل الإمامة إنه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة... وأما الزيادة فيه فمقطوع بفسادها "(٤) .

____________

١ - بين الشيعة وأهل السنة: ص ٣٥.

٢ - بين الشيعة وأهل السنة: ص ٣٧ - ٣٨.

٣ - رسالة الاعتقادات.

٤ - أوائل المقالات: ص ٥٥.


وقال الشيخ الطوسي - تلميذ المفيد - (ت/٤٦٠ هـ‍): " أما الكلام في زيادة القرآن ونقصه فمما لا يليق به، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، وأما النقصان فالظاهر من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى، وهو الظاهر في الروايات "(١) .

وقال الطبرسي - الملقب بأمين الإسلام - " أما الزيادة في القرآن فمجمع على بطلانها، وأما النقيصة فروى جماعة من أصحابنا، وقوم من حشوية العامة أنَّ في القرآن نقصا. والصحيح من مذهبنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى "(٢) .

وقال الشيخ بهاء الدين العاملي: " اختلفوا في وقوع الزيادة والنقصان فيه والصحيح أنَّ القرآن العظيم محفوظ عن ذلك زيادةً ونقصا، ويدل عليه قوله تعالى:

( وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) "(٣) .

وقال المرجع الكبير محمد حسين آل كاشف الغطاء: " إنّ الكتاب الموجود بين المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه للإعجاز والتحدّي، وأنه لا نقص ولا تحريف ولا زيادة فيه، وعلى هذا إجماعهم "(٤) .

وقال السيد محسن الأمين - صاحب أعيان الشيعة -: " لا يقول أحد من الإمامية لا قديما ولا حديثا، أنَّ القرآن مزيد فيه قليل أو كثير فضلا عن كلهم، بل كلهم متفقون على عدم الزيادة، ومن يعتد بقوله من محققيهم متفقون على أنه لم ينقص منه "(٥) .

وقال المرجع السيد أبو القاسم الخوئي: " وقد تبين للقارئ مما ذكرناه، أنَّ حديث تحريف القرآن حديثٌ خيالي لا يقول به إلاّ من ضعف عقله، أو من لم يتأمل في أطرافه حق التأمل، أو من ألجأه إليه حب القول به، والحب يعمي ويصم. أما العاقل المنصف

____________

١ - مقدمة تفسير البيان: ص ٣.

٢ - مقدمة تفسير مجمع البيان.

٣ - راجع آلاء الرحمن، البلاغي: ١/٢٥ - ٢٦.

٤ - أصل الشيعة واصولها.

٥ - أعيان الشيعة: ١/١٠٨.


المتدبر فلا يشك في بطلانه "(١) .

هذه ثمانية أقوال لكبار علماء المدرسة الإمامية وهناك الكثير غيرهم ينفون التحريف. حتى لقد صنف الكركي المعروف بالمحقق الثاني رسالةً في نفي النقيصة بعد الإجماع على عدم الزيادة. وصنف محمد حسين الشهرستاني: (رسالة في حفظ الكتاب الشريف عن شبهة القول بالتحريف) ورد فيه على فصل الخطاب. وصنف آغا بزرك:

(النقد اللطيف في نفي التحريف عن القرآن الشريف).

ومن علماء الإمامية الذين ينفون التحريف، الشيخ جعفر كاشف الغطاء في (كشف الغطاء)، والعلامة محمد إبراهيم الكرباسي في " الإشارات "، والمفسر المتكلم محمد جواد البلاغي في تفسيره (آلاء الرحمن)، ومحمد النهاوندي في تفسيره (نفحات الرحمن)، والمرجع محمد رضا الكلبايكاني، ومجدد العلم البروجردي، والمحقق البغدادي، والحر العاملي صاحب الوسائل، والتستري صاحب الصوارم، والعلامة المظفر في (عقائد الإمامية)، والعلامة الطباطبائي في (تفسير الميزان)، والعلامة ابن المطهر الحلي، والأميني، وشرف الدين... هذا هو قول الإمامية المعتد به ومن قال غير ذلك فقوله مردود.

فصل الخطاب في نفي تحريف عن الكتاب

ألّف أحد الإمامية كتاب: " فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب " حاول فيه مؤلفه إثبات تحريف القرآن، ولكن النوري مؤلف الكتاب تراجع عن إقرار صحة ما فيه وكان يقول: " أخطأت في تسمية الكتاب، وكان الأجدر أن يسمَّى بفصل الخطاب في عدم تحريف الكتاب "(٢) .

____________

١ - تفسير البيان وراجع من: ص ١٩٥ - ٢٣٦ حيث ناقش روايات التحريف وكل الشبهات.

٢ - ذكر ذلك عنه تلميذه الثقة آغا بزرك راجع: مع الخطيب، لطف الله الصافي: ص ٥٩.


واعتمادا على كتاب فصل الخطاب حاول بعض الكتّاب نسبة القول بتحريف القرآن إلى الإمامية، مع أنَّ هذا الرأي الذي تراجع عنه النوري لا يمثِّل إلاّ رأيه فلا يصح نسبته للإمامية. وقد قام علماء الإمامية وفي وقته بالرد عليه منهم: المحقق محمود الطهراني في كتابه كشف الارتياب(١) .

وقد وجد من أهل السنة من يؤلف في تحريف القرآن ولم يشن عليه حملة كهذه الحملة المسعورة التي تشن على الشيعة. يقول الأستاذ محمد محمد المديني: " وقد ألف أحد المصريين في سنة ١٩٤٨ م كتابا اسمه (الفرقان) حشاه بكثير من أمثال هذه الروايات السقيمة المدخولة المرفوضة، ناقلا لها عن الكتب والمصادر عند أهل السنة، وقد طلب الأزهر من الحكومة مصادرة هذا الكتاب بعد أن بين بالدليل والبحث العلمي أوجه البطلان والفساد فيه. فاستجابت الحكومة لهذا الطلب وصادرت الكتاب، فرفع صاحبه دعوى يطلب فيها تعويضا، فحكم القضاء الإداري في مجلس الدولة برفضها.

أفيقال إنَّ أهل السنة ينكرون قداسة القرآن؟ أو يعتقدون نقص القرآن لرواية رواها فلان؟ أو لكتاب ألفه فلان؟ فكذلك الشيعة الإمامية، إنما هي روايات في بعض كتبهم كالروايات التي في بعض كتبنا "(٢) .

وقال الدكتور علي عبد الواحد وافي - بعد أن ذكر روايةً من الكافي في تحريف القرآن -: " ولدينا نحن معشر أهل السنة في بعض كتبنا التي نعتز بها آراء من هذا القبيل تصل بصاحبها - والعياذ بالله - إلى شفا حفرة من النار ومن الكفر، فمن ذلك مثلا ما يذكره السيوطي في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) من قول بأنَّ القرآن الكريم هو معاني الآيات فحسب، وأما ألفاظها فمن الرسول عليه الصلاة والسلام...

فكما لا يصح أن يحاسبنا أحد على مثل هذه الأقوال التي نحكم ببطلانها، لا يصح

____________

١ - راجع مع الخطيب.

٢ - مجلة رسالة الإسلام: العدد الرابع ص ٣٨٢ و ٣٨٣.


أن نحاسب الجعفرية على ما ذكره الكليني... ويقاس على ذلك جميع الآراء التي وردت في مؤلفاتهم أو عن شيوخهم ويحكمون بعدم صحتها ولا يعدونها من مذهبهم "(١) .

ونحن نقول لأولئك المعاندين الذين يتهمون الإمامية بتحريف القرآن: ما رأيكم بالروايات التي جاءت في صحيحي البخاري ومسلم وبقية كتب السنن والتي تنص على تحريف القرآن؟

إنَّ الروايات التي عند الإمامية روايات ساقطة وهم غير ملزمين بها فليس عندهم كتاب صحيح بأجمعه إلاَّ كتاب الله. ولكن المشكلة عند الذين ألزموا أنفسهم باعتماد الصحيحين مطلقا فكيف سيعالجون أمر الروايات فيهما؟ ونضع بين يدي الباحثين بعضها.

عن الخليفة عمررضي‌الله‌عنه أنه قال وهو على المنبر: "... إنَّ الله بعث محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله (آية الرجم) فقرأناها وعقلناها ووعيناها، ورجم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف. ثم إنا كنا نقرأ في ما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إنَّ كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم... "(٢) .

فأين (آية الرجم) وآية (أن لا ترغبوا عن آبائكم) من القرآن الآن؟!

وقال أبو موسى الأشعري كما في صحيح مسلم: "... وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها!! غير أني قد حفظت منها (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب)!!

____________

١ - بين الشيعة وأهل السنة: ص ٣٠ - ٣١.

٢ - صحيح البخاري: كتاب المحاربين، باب رجم الحبلى من الزنا.


وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها!! غير أني حفظت منها (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة)(١) !!

وعن عائشة أنها قالت: " كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن "(٢) .

وروى أحمد في مسنده عن أبي بن كعب آية: (... وما تفرَّق الذين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءتهم البينة، إنّ الدين عند الله الحنفيَّة غير المشركة ولا اليهوديّة ولا النصرانية، ومن يفعل خيرا فلن يكفره)(٣) .

وفي مسند أحمد عن أبي بن كعب قال: " كم تقرأون سورة الأحزاب؟ قال: بضعا وسبعين آية، قال: لقد قرأتها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل البقرة!! أو أكثر! وإنَّ فيها آية الرجم "(٤) .

هذه الروايات غيض من فيض - في مصادر أهل السنة - وكلها صريحة في نقصان القرآن. ولو تتبعنا أمثال هذه الروايات في كتب السنن لجئنا ب‍ (الفرقان) من جديد.

ولابد من أنَّ المنصفين من أهل السنة يرفضون هذه الروايات. ولكننا لم نأت بها إلاّ لتلك الفئة التي لا تفتأ توجه التهم للإمامية.

والحق: إني في شوق لأرى ماذا يقولون عنها بعد أن أخرجها مسلم والبخاري؟

فإن أجابوا بأنها نسخت تلاوة وبقي حكمها، قلنا إنَّ الروايات نفسها ترد هذا الجواب، ففي صحيح مسلم عن عائشة إنها قالت: " كان فيما أنزل من القرآن (عشر رضعات معلومات) فتوفي رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن ".

____________

١ - صحيح مسلم: كتاب الزكاة، باب لو أنَّ لابن آدم واديين لابتغى ثالثا.

٢ - صحيح مسلم: كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات.

٣ - مسند أحمد: ٥/١٣٢، سنن الترمذي: ٥/٦٦٥ - ٦٦٦.

٤ - المصدر السابق.


نعم، إذا كانت هذه الآية نسخت تلاوة فكيف يتوفى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي في القرآن؟

فإن كانت قد نسخت تلاوة وجب على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يمحوها من القرآن. ومن المعلوم أنه لا نسخ بعد النبي. فمن الذي تجرأ وأزال هذه الآية من القرآن، وقد مات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يمحها؟!!

بقيت شبهة أخرى وهي ظن البعض في أنَّ لدى الإمامية مصحفا آخر غير القرآن، يسمى مصحف فاطمة. والحق أنَّ " مصحف فاطمة ليس فيه شئ من القرآن، وإنما فيه ما سمعته من أخبار من يحكم الأمة الإسلامية "(١) .

وهذه الأخبار أخذتها عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما كان يخبره به جبرائيلعليه‌السلام . هذه هي حقيقة مصحف فاطمة فلم هذه الفرية؟

وفي نهاية هذا الموضوع نوّد القول " أنّ القرآن الكريم لا تحريف فيه سواء عند السنة أو عند الشيعة وهو النسخة نفسها التي كانت عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

يقول الأستاذ أحمد الحصري الأزهري: " يعيب بعض الناس على الإمامية مذهبهم، لحجة أنَّ هناك أشياء وجدت مكتوبة في بعض كتبهم لا تتفق والمتواتر في الدين. ويجب أن يكون مفهوما في الذهن أنَّ هذا الذي يؤخذ على الإمامية هم منه براء، وأنَّ الأساس الذي بني عليه هذا الاتهام فيه كثير من الخلط، فمجئ شئ على لسان شيعي، أو في كتاب لشيعي لا يقتضي أنَّ هذا الأمر هو مذهب الشيعة. بل قد يكون مذهبا لصاحبه ولا بد من الرجوع إلى أهل التحقيق في هذا المذهب لمعرفة الحقيقة وتحري الصواب حتى لا تكال التهم جزافا لمذاهب هي منها براء، وحتى لا نتسبب في زيادة الفرقة بين المسلمين أكثر مما هم عليه الآن...

ولو أننا أمعنا النظر بالعين المجردة عن الهوى، وتركنا للفكر الفقهي السليم حرية البحث في بعض كتب أهل السنة لوجدنا أنَّ في بعضها ما لا يتلاءم مع آراء أهل السنة أنفسهم، ومع ذلك لا ننسبها إلى أهل السنة جميعا، بل إلى القائل بها فقط، وننقده بها.

____________

١ - معالم المدرستين: ٢/٣٤.


ومن هذه القضايا ما ينسب إلى الشيعة من أنهم ينكرون شيئا من القرآن أو يعتقدون نقصه إلى آخر ما حشيت به بعض الكتب، مع أنها ليست آراء للمذهب ولا يقول بها علماؤهم. فالتحقيق أنّ هذه أقوال منثورة في بعض كتبهم كما يوجد في بعض كتب أهل السنة نظيرها، مع أنَّ علماءها ومحققيها مجمعون على بطلانه. أما لماذا وجدت هذه الآراء في بعض كتبهم؟ فللحق والعدالة يجب أن نرجع إلى الماضي لنستخلص منه الحاضر.

فمع الأسف كان التأليف القديم يحرص على ذكر كل الآراء وتسجيلها ولو تبين بطلانها، حرصا على الأمانة العلمية فيما يظنون، وذكرت هذه الآراء في بعض الكتب وهي لا تمثل المذهب، وينكرها جميع العاملين. ويبرأون منها، ويطعنون عليها بالبطلان "(١) .

التقيَّة

التقية تعني: إظهار خلاف الواقع في الأمور الدينية بالقول أو الفعل لحفظ النفس أو المال أو العرض، وقد عرفها الشيخ الأنصاري في كتابه (المكاسب) بأنها " التحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق "(٢) .

قال الرافعي: " والتقية عمل مشروع في الإسلام كما كان مشروعا من قديم الزمان لدى جميع الشعوب والأمم والأديان، ودليل مشروعيتها: الكتاب والسنة والعقل.

فدليلها في القرآن قول الله تعالى: ( لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّـهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) (٣) .

____________

١ - من الفقه الإسلامي: ص ١٠٩ - ١١٠.

٢ - إسلامنا: ص ١٣٢.

٣ - آل عمران: ٢٨.


وهذا يعني أنه تجوز مداراتهم من قبيل التقية دفعا لأذاهم ومن غير أن يؤمن المرء بجواز ذلك "(١) .

قال الرازي في تفسير آية:( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) : " روي عن الحسن - أي البصري - أنه قال: التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة، وهذا القول أولى، لأنّ دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان ".

أجل ينعى البعض على الشيعة استخدامهم التقية، مع أنّ التقية مشروعة في الإسلام كما مر عليك. حتى لقد مارسها الصحابة.

لقد أظهر عمار بن ياسررضي‌الله‌عنه بلسانه الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان فنزل قول الله( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) (٢) وقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " إن عادوا فعد، فقد أنزل الله فيك قرآنا، وأمرك أن تعود إن عادوا إليك ".

فالشيعة يستخدمون التقية تماما كما استخدمها عماررضي‌الله‌عنه ، وهذا التشريع الذي نزل من أجل عمار هو تشريع لجميع المسلمين، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فهذا الذي يزري على الشيعة استخدامهم التقية في حالات خاصة، يزري على هذا التشريع الإسلامي.

وماذا يقول أولئك الذين يعدون التقية نفاقا، ماذا يقولون في تقية عمار؟ هل هي نفاق - والعياذ بالله -؟ وماذا يقال عن مؤمن آل فرعون الذي مدحه الله بقوله( وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) (٣) ؟ فهؤلاء إما أن يقولوا أنّ الله أخطأ - نستغفر الله - إذ مدح هذا الرجل، أو يعذرون الشيعة في استخدامهم التقية!

وقد طبق الصحابة التقية عمليا في مواقف كثيرة منها: إنّ مسلمي المدينة واعدوا

____________

١ - إسلامنا: ص ١٣٥.

٢ - النحل: ١٠٦.

٣ - غافر: ٢٨.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المجئ إلى العقبة في منى خارج مكة. يقول كعب بن مالك " وكنا نكتم من معنا من قومنا المشركين أمرُنا!! ثم قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان... "(١) .

والذي يدرس تاريخ الشيعة يعذِّرهم لاستخدامهم التقية، فقد لاقوا من الحكام ظلما عجيبا، بل من المجتمع المسلم، لذلك اشتهروا دون غيرهم باستخدام هذا المبدأ، وعلى هذا فهم كمؤمن آل فرعون ممدوحون عند الله!

قال الرافعي مدافعا عن الإمامية: " على أنَّ الذين يأخذون على الشيعة الإمامية لجوءهم إلى التقية من أجل حفظ حياتهم وحقن دمائهم ويتناولونهم بالنقد اللاذع الحاد لانصرافهم إلى التقية عوضا عن المقاومة والجهاد، ألم يلق هؤلاء الناقدون نظرة إلى الوراء ليروا بيقين أنَّ التقية عند البشر مشروعة ومستمرة من لدن نبي الله نوحعليه‌السلام إلى مؤمن آل فرعون إلى كليم الله موسىعليه‌السلام الذي خرج من مصر خائفا يترقب حيث قال:

( فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ) (٢) إلى أخيه هارونعليه‌السلام الذي قال:( إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (٣) إلى لوطعليه‌السلام حين قال:( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ) (٤) إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ...

فهل يجسر أحد على اتهام هؤلاء الأنبياء وجلهم من اولي العزم بركونهم إلى الخداع ونكولهم عن الجهاد مثلما يتهم المغرضون الشيعة الإمامية؟...

ولا أتصور إنسانا عاقلا منصفا لا يعذرهم في استعمال التقية، بل ويوجبها عليهم

____________

١ - سيرة ابن هشام: ٢/٤٩.

٢ - الشعراء: ٢١.

٣ - الأعراف: ١٥٠.

٤ - هود: ٨٠.


بدل أن ينسبهم - بسببها - إلى الغش والحيلة والنفاق و... "(١) .

وقال: " وليست - التقية - واجبة عندهم كما يتوهم البعض في جميع الحالات، فما أكثر المواقع التي يحرم الشيعة الإمامية استعمال التقية فيها. وذلك كما لو افضت التقية إلى إهدار دم أو أوجبت فسادا في الدين أو تعمدت إنزال الضرر بالمسلمين فإنه في مثل هذه الحالات ونحوها تصبح التقية غير جائزة ويحرم استعمالها.

يؤيد هذا ما روي عن الإمام محمد الباقر - والد الإمام جعفر الصادق - أنه قال:

" إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية " على أنَّ الشيعة الإمامية إذا كانوا قد استعملوا التقية - فيما مضى من العصور - فإنهم استعملوها - كما بينا أكثر من مرة - حقنا لدمائهم وحفاظا على كرامتهم وصونا لأعراضهم وأموالهم.

ومعاذ الله أن يكون استعمالهم للتقية نفاقا أو رياء أو قعودا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو فرارا من النضال والكفاح والجهاد في سبيل الله عند النفير العام أو عندما يكون القتال أفضل من التقية.

ويبدو لي هنا أنَّ الجماعات الإنسانية كلها لو تفاخرت فيما بينها، أيها كان ولم يزل أصلب عودا في الكفاح، وأيها كان أقدر على البذل والفداء، لكان لجماعة الشيعة من هذه المفاخرة أرفع المكانة وأوفى نصيب!! والتاريخ أبلغ شاهد وأعظم رواية... "(٢) .

إنَّ التقية ليست حالة طبيعية يطبقها الشيعة في سلوكهم وأقوالهم أينما حلوا، بل هي كما عبر عنها أحد العلماء " إستثناء "(٣) وما أبلغها من عبارة!

قال الدكتور علي عبد الواحد وافي: " فإننا نتفق معهم - الإمامية - في جواز التقية في المواطن التي يشيرون إليها والتي أجازها القرآن الكريم وأجازتها السنة النبوية الشريفة!

____________

١ - إسلامنا: ص ١٣٣ - ١٣٤.

٢ - إسلامنا: ص ١٣٩ - ١٤٠.

٣ - راجع: الإسلام ومنطق القوة، العلامة محمد حسين فضل الله.


ونستبعد كذلك ما يزعم بعضهم من أنَّ الشيعة الجعفرية يخفون كثيرا من الآراء ولا يجهرون بها تقيةً وخوفا. فلا يصح أن نحاسبهم إلاّ على ما يبدونه من آراء. وأما ما يتهمون بكتمانه فعلمه عند الله، ولسنا مكلفين أن نشق عن صدورهم "(١) .

ومهما يكن من أمر هذا الاختلاف بشأن التقية بين المذاهب الإسلامية، فإنه لا يعدو عن كونه اختلافا في الفروع، التي لا يكون فيها تكفير لمذهب من المذاهب الإسلامية المعتمدة ولا تضليل، وما كان ليسوغ - عبر العصور - بعد الذي ذكرناه عن التقية من الأدلة النقلية والعقلية أن يتهم أتباع المذهب الإمامي بالغش في الدين والكيد للمسلمين وأنهم يبطنون خلاف ما يظهرون، إذ معاذ الله أن يكونوا كذلك، فهم إن لم يكونوا أكثر المسلمين إيمانا!! فليسوا أقلهم على كل حال. وحسبهم أنهم اتخذوا خط أهل بيت رسول الله سبيلا يسلكونه في أصولهم وفروعهم، وهم بلا ريب صادقون فيما يقولون وفيما يفعلون. وإذا كان المرء لا يكذب على أهله فإن فقه هؤلاء يكون مأخوذا حقا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والقرآن الكريم صريح في أمره إيانا( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (٢) (٣) .

بقي أن نقول: إنَّ الأدلة على مشروعية التقية كثيرة جدا في الكتاب والسنة، لا يسعنا استقصاؤها الآن. وقد الفت بها عدة رسائل. وإخال أنني بما قدمت قد أوضحت الصورة في أذهان القراء الكرام.

البَداء

" والبداء شبهةٌ من الشبهات التي يثيرها خصوم الإمامية ضدهم بدافع التقليد لمذاهبهم من غير أن يتعمَّقوا في درس الأدلة التي فهم منها الشيعة الإمامية ما ذهبوا إليه

____________

١ - بين الشيعة وأهل السنة: ص ٦٣.

٢ - الحشر: ٧.

٣ - إسلامنا: ص ١٤١.


ولا المفهوم الذي قصدوه منه. بل بالغ خصوم الشيعة في توجيه النقد إليهم والتشنيع عليهم بسببه، حتى غدا البداء واحدا من الفوارق المذهبية التي باعدت بين الإمامية وبين سواهم "(١) .

" والبداء في الإنسان: يبدو له رأي في الشئ لم يكن له ذلك الرأي سابقا، بأن يتبدل عزمه في العمل الذي كان يريد أن يصيغه، إذ يحدث عنده ما يغيِّر رأيه وعلمه به، فيبدو له تركه بعد أن كان يريد فعله، وذلك عن جهل بالمصالح وندامةً على سبق منه.

والبداء بهذا المعنى يستحيل على الله تعالى، لأنه من الجهل والنقص، وذلك محال عليه تعالى، ولا تقول به الإمامية. قال الصادقعليه‌السلام : " من زعم أنَّ الله تعالى بدا له في شئ بداء ندامةٍ فهو عندنا كافر بالله العظيم "، وقال أيضا: " من زعم أنَّ الله بدا له في شئ ولم يعلمه أمس فابرأ منه ".. "(٢) .

" والبداء عند الإمامية هو الزيادة في الآجال والأرزاق، والنقصان منها بالأعمال "(٣) .

لقد زعم بعض الكتّاب أنَّ البداء الذي تقول به الإمامية، هو الظهور لله ما كان خافيا عنه! قالوا هذا إما جهلا أو عمدا، وهذا قول باطل لا تقول به الإمامية وحاشا لله من هذا الشَطَط " ولكن البداء (وفق مفهوم الشيعة) يعني (الإظهار بعد الإخفاء) وليس (الظهور بعد الخفاء)(٤) .

وعبارة (الإظهار بعد الإخفاء) كافية لتعطينا حقيقة البداء. إنَّ البداء نسخ في التكوين لمصلحة معينة كما هو النسخ في التشريع. وهذه عقيدة إسلامية لا غبار عليها ولكن ما نقول لمن يصرون على وضع الغبار عليها؟

____________

١ - إسلامنا: ص ٢١٠.

٢ - عقائد الإمامية: ص ٤٥.

٣ - أوائل المقالات، المفيد.

٤ - إسلامنا: ص ٢١٠.


قال الإمام الصادقعليه‌السلام : " ما بدا لله في شئ إلاّ كان في علمه قبل أن يبدو له ".

وقالعليه‌السلام : " إنَّ الله لم يبد له من جهل "(١) .

وهؤلاء الذين يشنِّعون على الإمامية القول بالبداء كأنهم قد خفي عليهم أنَّ أهل السنة يقولون بالبداء. روى البخاري عن أبي هريرة أنه سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: " إنَّ ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم... "(٢) والقصة طويلة في الصحيح ولكن موضع الشاهد قول الرسول: " بدا لله... " فالرسول نسب البداء - الذي تقول به الإمامية - إلى الله، فماذا سيقول أولئك المغرورون؟ هل سيردون على رسول الله؟!

وأليس في انتقادهم لعقيدة الشيعة في البداء هو انتقاد لعقيدة إسلامية؟

وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن عليرضي‌الله‌عنه أنه سأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن هذه الآية( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (٣) فقال له:

" لأقرن عينيك بتفسيرها، ولأقرن عين أمتي بعدي بتفسيرها، الصدقة على وجهها وبر الوالدين، واصطناع المعروف، يحول الشقاء سعادة، ويزيد في العمر، ويقي مصارع السوء "(٤) .

وقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا هو نفس عقيدة البداء عند الإمامية، والآية المذكورة خير دليل على البداء.

وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه أنه قال وهو يطوف بالبيت: " اللهم إن كنت كتبت عليَّ شقاوةً أو ذنبا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء

____________

١ - أصول الكافي: ١/١٤٨.

٢ - صحيح البخاري: كتاب الأنبياء، حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني اسرائيل.

٣ - الرعد: ٣٩.

٤ - أنظر كنز العمال: ١/٤٤٣، الدر المنثور: ٤/٦٦١.


وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة "(١) . هذا عمر بن الخطاب يقول بالبداء الذي تقول به الإمامية فكل من ينقد عقيدة البداء عند الإمامية فهو ينقد عمر!!

وعن ابن عباس قال: " لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر "(٢) .

فهذا حبر الأمة يقول بالبداء الذي تقول به الإمامية!

وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: " من سره أن يبسط عليه رزقه أو ينسأ في أثره فليصل رحمه ".

قال النووي في شرح الحديث: " وأما التأخير في الأجل ففيه سؤال مشهور وهو أنَّ الآجال والأرزاق مقدرة لا تزيد ولا تنقص فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون وأجاب العلماء بأجوبة، الصحيح منها....

والثاني - أي الجواب - أنه بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة وفي اللوح المحفوظ ونحو ذلك فيظهر لهم في اللوح أنَّ عمره ستون سنة إلاّ أن يصل رحمه، فإن وصلها زيد له أربعون، وقد علم الله سبحانه وتعالى ماسيقع له من ذلك وهو من معنى قوله تعالى( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ ) ويثبت فيه النسبة إلى علم الله تعالى وما سبق به قدره ولا زيادة بل هي مستحيلة، وبالنسبة إلى ما ظهر للمخلوقين تتصور الزيادة وهو مراد الحديث "(٣) .

وهذا الذي ذكره النووي هو البداء بعينه الذي تقول به الإمامية. والآية التي استدل بها لتأييد هذه العقيدة هي نفسها التي يستدل بها الإمامية.

فالإمامية مع إخوانهم من أهل السنة شركاء في هذه العقيدة الإسلامية. فالعجب من هذا الذي ينعى على الإمامية قولهم بالبداء وينسى أهل ملته الذين يقولون به وحاله كحال

____________

١ - الدر المنثور، السيوطي: ٤/٦٦١، وهذا الذي يقوله عمر مذهب ابن مسعود وأبي وائل وقتادة راجع نقض الوشيعة: ص ٨٢.

٢ - مستدرك الحاكم: ٢/٣٥٠ وصححه، وكذا الذهبي.

٣ - صحيح مسلم بشرح النووي: ١٦/١١٤.


ذلك الرجل الذي قيل له: لماذا تلفظون القاف غينا والذال زايا؟ فقال: نحن لانغول زلك!!

قال الدكتور حامد داود حفني: " ولما كان البداء من صفات المخلوقين، لأنَّ فعل الشي ثم محوه يدل على التفكير الطارئ وعلى التصويب بعد الخطأ وعلى العلم بعد الجهل فإنَّ كثيرا من المفكرين سفَّهوا عقول الشيعة في نسبة البداء إلى الله سبحانه، والشيعة الإمامية براء مما فهمه الناس عن البداء، إذ المتفق عليه عندهم وعند علماء السنة أنَّ علم الله قديم منزه عن التغيير والتبديل والتفكير الذي هو من صفات المخلوقات، أما الذي يطرأ عليه التغيير والمحو بعد الإثبات فهو في اللوح المحفوظ بدليل قوله تعالى( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ) .

ولنضرب مثالا لذلك يبين معنى البداء عند الإمامية: فلان من الناس كتب عليه الشقاء في مستهل حياته، وفي سن الأربعين تاب إلى الله فكتب في اللوح المحفوظ من السعداء. فالبداء هنا، محو: اسمه من باب الأشقياء في اللوح، وكتابته في باب السعداء.

أما ما في علم الله فيشمل جميع تاريخ هذه المسألة من إثبات ومحو بعد التوبة. أي أنه سبق في علم الله أنَّ هذا الشخص سيكون شقيا ثم يصير سعيدا في وقت كذا حين التوبة.

إنَّ البداء الذي تقول به الإمامية هو قضية الحكم على ظاهر الفعل الإلهي في مخلوقاته بما تتطلبه حكمته. فهو قول بالظاهر المتراءى لنا. وإذن فوجه الإشكال في الذين خطؤوا الشيعة في قولهم بالبداء إنما جاء من زعمهم أنَّ الشيعة ينسبون البداء إلى علم الله القديم لا إلى ما في اللوح المحفوظ.

ولعلك فيما قدّمته لك من بيان ضاف تكون وقفت معي على ما في عقائد الإمامية من وجاهة في قولهم بالبداء!! وما في تفكيرهم من عمق في الحكم به لأنَّ معناه - في نظري - أنَّ الله سبحانه يطوِّر خلقه وفق مقتضيات البيئة والزمان اللذين خلقهما وأودع فيهما سر التأثير على خلقه، ولو ظاهرا. إنَّ القول بالبداء هو المقالة الوحيدة التي نستطيع بهديها أن نفسر لك سر الناسخ والمنسوخ في القرآن... "(١) .

____________

١ - تقديمه لعقائد الإمامية: ص ٢٥ - ٢٦.


الرجعة

تعني الرجعة عند الشيعة، أنَّ الله يعيد في آخر الزمان قوما من الأموات وهم الذين محضوا الإيمان محضا والذين محضوا الكفر محضا فيقتص لهؤلاء من هؤلاء.

قد يكون هذا الاعتقاد صعب القبول عند من لا يعيش في ظلال المدرسة الإمامية ولكن الأمر يسهل بعد ثبوت أحقية مدرسة آل البيتعليهم‌السلام . والأخبار تواترت عن أئمة الهدى بوقوع الرجعة. ومع هذا فالرجعة محل خلاف بين علماء الإمامية فمنهم من أثبتها ومنهم من أنكرها.

وهي ليست مستحيلة بعد أن حدثت في الأقوام السابقة. فهذا عزير، مات مائة سنة، ثم رجع إلى الدنيا. قال الله تعالى:( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَـٰذِهِ اللَّـهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّـهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ) (١) .

فلا غرابة إذن في إرجاع الأموات الى الحياة الدنيا، وإذا جاز حدوثها في الأزمنة الغابرة فلم لا يجوز حدوثها مستقبلا؟

على أنَّ القول بحدوثها لم يكن اعتباطا وإنما استنادا لروايات وردت عن أئمة الهدى. فهذا عزير عندما تبين له أنه مات مائة عام ثم أحياه الله قال:( أَعْلَمُ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (٢) فالله قادر على إحياء الأموات في آخر الزمان.

وهؤلاء أصحاب موسىعليه‌السلام طلبوا رؤية الله فأخذتهم الصاعقة وبعد أن أماتهم الله أحياهم من جديد( ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (٣) فهذه رجعة أخرى!

____________

١ - البقرة: ٢٥٩.

٢ - البقرة: ٢٥٩.

٣ - البقرة: ٥٦.


وقصة أصحاب الكهف معروفة، فقد ردهم الله بعد ثلاثمائة وتسع سنين.

والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخبر أنه سيحدث في هذه الأمة ما حدث في الأمم السابقة حذو النعل بالنعل، فلماذا نستغرب الرجعة بعد هذا؟!

قال تعالى:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّـهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ) (١) . فهذه رجعة أخرى!

ويستدل الإمامية على الرجعة بقول الله تعالى:( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ) (٢) .

فالمقصود بالميتتين ميتة عند انتهاء آجالهم والميتة الثانية بعد رجوعهم. أما تفسير الموت الثاني بأنه قبل خلقهم حين كانوا عدما - كما ذهب إليه منكري الرجعة - فهذا لا يستقيم، لأن الموت لا يكون إلاّ للحي، فيلزم هذا وجودهم أحياء وهم في العدم!!

فلا يبقى إلاّ تفسيرنا للخروج من هذا التناقض.

سئل الإمام أبو عبد اللهعليه‌السلام عن قول الله تعالى:( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ) (٣) .

قالعليه‌السلام : ما يقول الناس فيها؟ قلت: يقولون إنها في القيامة.

فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : ليس كما يقولون، أيحشر الله في القيامة من كل أمة فوجا ويترك الباقين؟ إنما ذلك في الرجعة.

فأما آية القيامة فهذه:( وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) (٤) .

في الآية الأولى أخبر الله أنه يحشر من كل أمة فوجا، وفي الآية الثانية يحشر

____________

١ - البقرة: ٢٤٣.

٢ - غافر: ١١.

٣ - النمل: ٨٣.

٤ - الكهف: ٤٧.


الناس جميعا( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) فدل هذا على أنَّ هناك حشرين، حشر يحشر الله فيه من كل أمة فوجا وهو الرجعة، وحشر للناس جميعا وهو يوم القيامة، ولا يمكن تفسير الحشر الأول بيوم القيامة لأننا سنوقع التناقض في حق الله، فكيف يقول عز وجل: سنحشر من كل أمة فوجا يوم القيامة، وسنحشر الناس جميعا يوم القيامة؟!

وقد قال الحافظ جلال الدين السيوطي بالرجعة لكن بمعنى مختلف عن الذي تقول به الإمامية. فقد ادعى إمكانية رؤية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في اليقظة وأ لف رسالة في ذلك هي:

(إمكان رؤية النبي والملك في اليقظة) وادعى السيوطي رؤيته للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بضعا وسبعين مرة كلها في اليقظة!

واعتقاد السيوطي هذا شبيه باعتقاد الشيعة بالرجعة وقوله برجوع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في اليقظة لا يختلف عن قول الشيعة برجوع بعض الأموات إلى الحياة. فلماذا يشنع على الشيعة لاعتقادهم بالرجعة ولا يشنع على السيوطي؟! بل إنه ما زال محل احترام وتقدير من جميع المذاهب.

فكل من يطعن بعقيدة الشيعة في الرجعة فهو طاعن بالسيوطي الملقب بشيخ الإسلام! وحين تكلم محمد بن علي الصبان - وهو من أهل السنة - عن طرق معرفة عيسىعليه‌السلام الأحكام الإسلامية بعد ظهوره قال: "... ومنها - أي الطرق - أنَّ عيسى إذا نزل يجتمع بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا مانع من أن يأخذ عنه ما يحتاج إليه من أحكام شريعته "(١) .

وقول الصبان هذا يعني رجعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فماذا يفرق عن قول الشيعة برجوع المؤمنين والكافرين ممن محضوا الإيمان والكفر محضا؟

ومسألة الرجعة ليست بذاك الحجم، فهي ليست من اصول الدين كما يزعم بعضهم، فمن اعتقدها فله ذلك، ومن لم يفعل فلا تثريب عليه.

____________

١ - إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ص ١٦١.


يقول كاشف الغطاء: " ليس التدين بالرجعة في مذهب الشيعة بلازم، ولا إنكارها بضار، ولا يناط التشيع بها وجودا وعدما، وليست هي إلاّ كبعض أنباء الغيب، وحوادث المستقبل، وأشراط الساعة، مثل نزول عيسى من السماء، وظهور الدجال، وخروج السفياني وأمثالها من القضايا الشائعة عند المسلمين، وما هي من الإسلام في شئ، ليس إنكارها خروجا منه، ولا الاعتراف بها بذاته دخولا فيه، وكذا حال الرجعة عند الشيعة "(١) .

نعم، هذه هي الرجعة، أمر غيبي، لا يقدم ولا يؤخر، تماما كمسألة الدجال...

فهل الإيمان بظهور الدجال أو عدمه ذو أثر على إيمان الإنسان. وهل يخدش في إسلامه؟

وكذا الرجعة، فلماذا هذا التفخيم للمسألة؟!

قال الدكتور علي عبد الواحد وافي: " ومهما يكن من أمر فإن الاعتقاد بإحدى الرجعتين أو بكلتيهما لا يخرج صاحبه عن الإسلام "(٢) .

لقد قلنا إنَّ الإمامية أنفسهم مختلفون في الرجعة فهناك من أنكرها.

يقول أبو زهرة: " ويظهر أنَّ فكرة الرجعة على هذا الوضع ليست أمرا متفقا عليه عند الاثني عشرية، بل فريق لم يعتقده "(٣) .

وكلمة أخيرة نقولها لأولئك المتعصبين الذي يحملون بخيلهم ورجلهم على مدرسة الإسلام الأصيل، أنَّ عمر بن الخطاب قد قال بالرجعة قبل الشيعة!! فحين مات النبي قال فيما قال " والله ليرجعن رسول الله "(٤) !! فعمر كان يعتقد أنَّ النبي سيرجع فلم نر أحدا يقول شيئا فيه؟ لكن لما قالت الإمامية بالرجعة قامت الزوابع. فنقول لهؤلاء المتشدقين بالتهم الباطلة: إحذروا أن تطعنوا بعمر!

____________

١ - أصل الشيعة واصولها: ص ٦٨.

٢ - بين الشيعة وأهل السنة: ص ٥٧.

٣ - الإمام الصادق: ص ٢٤٠.

٤ - تاريخ الطبري: ٢/٤٤٢، سيرة ابن هشام: ٤/٣٠٥.


التربة الحسينية

القاعدة في مدرسة آل البيتعليهم‌السلام تقول: إنه لا يجوز السجود إلاّ على الأرض أو ما أنبتت، ما عدا المأكول والملبوس. وبعد استشهاد الحسينعليه‌السلام دأب الشيعة - وبتوجيه من أئمتهم - بالسجود على تربة كربلاء. وفي هذه الأيام تعمل التربة على شكل قرص ويسجد عليها، هذا كل ما في الأمر.

لكن خصوم الشيعة لم يتركوا شيئا اختلف فيه الشيعة مع أهل السنة إلاّ كبّروه وطرّزوه ببهتانهم، فقالوا: إنَّ الشيعة يعبدون التراب.

وهذا افتراء على الإمامية. فإن كلمتهم مجتمعة على أنّ السجود لله فقط ومن سجد لغير الله فقد كفر. فهم يسجدون على التراب لا له، وأهل السنة حين يسجدون على السجاد يسجدون عليه لا له!!

وماذا يقول هؤلاء عن الصحابة الذين كانوا يسجدون على الحصى؟!

أخرج النسائي عن جابر بن عبد الله قال: " كنا نصلي مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الظهر فآخذ قبضة من حصى في كفّي أبرِّده ثم أحوله في كفي الآخر فإذا سجدت وضعته لجبهتي "(١) .

هذا جابر سجد على الحصى كما تسجد الشيعة على التربة فهل سجوده هذا على الحصى أم له؟! أم كان جابر عابدا للحصى بسجوده عليه؟ وهؤلاء الذين يتهمون الإمامية بالشرك لسجودهم على التربة يتهمون جابر الانصاري بهذه التهمة من حيث لا يشعرون، بل توجه التهمة للرسول والصحابة إذ إنهم يعلمون ما فعل ولم ينكروا عليه!

فالعجب كأنَّ هؤلاء أعلم من جابر ونبي الله بالإسلام!

وقد كان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسجد على التراب حتى الطين كما في صحيح البخاري(٢)

____________

١ - سنن النسائي: الجزء الثاني - باب تبريد الحصى.

٢ - كتاب الصيام، باب الاعتكاف في العشر الأواخر.


وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا "(١) فالسجود على التراب جائز ولا فرق بين أن يسجد الإنسان على التراب أو يعمل قرصا منه يسجد عليه. فهذا تراب وهذا تراب ولا عبرة بالشكل!

أذكر أنني كنت يوما مع أستاذ الطهارة والصلاة، فقلت له: على ماذا كان يسجد الرسول؟ فقال: كان يسجد على الحصير والتراب فقلت: بما أنَّ الرسول كان يسجد على التراب والحصير فالسجود عليهما مستحب ويلزمنا السجود عليهما اقتداءا بالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !

فتلعثم الأستاذ وقال: لا لا لا يجوز ذلك، ألا تعلم أنَّ الشيعة يسجدون على التراب؟!!!

وتبقى مسألة السجود على التربة مسألة فقهية انفرد بها الإمامية عن المذاهب الأربعة، وهذا لا يؤثر عليهم كما لم يؤثر تجويز أبي حنيفة السجود على العذرة(٢) ! على المذهب الحنفي. فاختلاف الإمامية عن المذاهب الأربعة في هذه المسألة هو كاختلاف المذاهب الأربعة بعضها عن بعض فالمسألة لا تحتمل كل هذه الضجّة. وإني لأعجب من هذا الذي ينكر على الشيعة سجودهم على التراب ويرضى لنفسه أن يسجد على السجاد مما لم يكن على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم !

هذه أهم الشبهات المثارة على الشيعة الإمامية وهي كما رأينا ليست بشبهات وإنما وجدت لتصد الناس عن الحق. ومن كان في نفسه شئ فليراجع كتب الإمامية فإنها لم تترك شبهةً إلاّ وردتها بالحجج الدامغة ولم تترك أي إشكال إلاّ وأجابت عنه.

____________

١ - صحيح البخاري: كتاب التيمم، حديث رقم ٢.

٢ - راجع بداية المجتهد، ابن رشد: ج ١.


حصحص الحق

بعد كل هذا، نجد الحق واضحا لطلابه. فقد رأينا المذاهب الأربعة بلا دليل لها عليه، ورأينا وجوب إضافة آل البيتعليهم‌السلام للكتاب والسنة، لأن الرسول قرنهما معا، وأمر بالتمسك بهما، ورأينا أدلة الإمامية ومدى قوتها، أصلها ثابت وفرعها في السماء.

إذا أنت تبغي لنفسك مذهبا

ينجيك يوم الحشر من لهب النار

فدع عنك قول الشافعي ومالك

وأحمد والمروي عن كعب أحبار

ووال أناسا نقلهم وحديثهم

روى جدنا عن جبرئيل عن الباري

وقال أحدهم:

كثر الشك والخلاف وكل

يدعي الفوز بالصراط السوي

فاعتصامي بلا إله سواه

ثم حبي لأحمد وعلي

فاز كلب بحب أصحاب كهف

كيف أشقى بحب آل النبي

وقد اتهم الشافعي بالتشيع(١) لقوله:

يا راكبا قف بالمحصب من منى

واهتف بساكن خيفها والناهض

سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى

فيضا كما نظم الفرات الفائض

إن كان رفضا حب آل محمد

فليشهد الثقلان أني رافضي(٢)

وفي علي بن أبي طالبعليه‌السلام يقول ابن أبي الحديد:

ولقد رأيت دين الأعتزال وإنني

لأجلك أهوى كل من يتشيع

وقال الشاعر النصراني

لا تقل شيعة هواة علي

إن في كل منصف شيعيا

____________

١ - حيث اتهمه كل من ابن النديم وأبي عبيدة ويحيى بن معين وابن أبي حاتم الرازي.

٢ - تفسير الرازي: ٩/٥٩٥، تاريخ مدينة دمشق: ٥/٣١٧.


وختاما نضع بين أيدي الباحثين مجموعة من الكتب لمن أراد المزيد من البحث في هذا الموضوع:

١ - الغدير: للأميني ورد في كتابه على ابن حزم وابن تيمية وابن كثير وابن عبدربه والآلوسي وجار الله والقصيمي...

٢ - الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: أسد حيدر.

٣ - إحقاق الحق: للتستري.

٤ - الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة: للتستري.

٥ - عبقات الأنوار: اللكهنوي.

٦ - منهاج الشريعة في الرد على منهاج السنة: للسيد مهدي بن صالح القزويني.

٧ - هوية التشيع: الدكتور أحمد الوائلي.

٨ - معالم المدرستين: مرتضى العسكري.

٩ - بحوث في الملل والنحل: جعفر السبحاني.

١٠ - شبهات حول الشيعة: عباس الموسوي.

١١ - المراجعات: عبد الحسين شرف الدين.

١٢ - كتب معتنقي مذهب أهل البيتعليهم‌السلام المذكورة.

وبهذا نكون قد أتينا على نهاية ما أردنا ثبته بحمد الله وتوفيقه. اللهم اجعله عملا خالصا لوجهك الكريم وتقبله منا واعف عنا واغفر لنا بجاه محمد وآله الطاهرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.


الفهرس

كلمة المركز ٧

تقديم. ١١

مقدمة الطبعة الثانية ١٥

مقدمة الطبعة الأولى. ١٧

بداية الرحلة ١٩

لماذا هذا الموضوع؟ ٢٢

توطئة ٢٤

في عهد النبي. ٢٨

على طاولة البحث.. ٢٩

الباب الأول: الأشعري والمذاهب الأربعة ٣٠

الفصل الأول: تقليد الأئمة الأربعة ٣٠

ما الدليل على مشروعية المذاهب؟ ٣٢

الأئمة ينهون الناس عن تقليدهم. ٣٢

أقوال أبي حنيفة: ٣٢

أقوال مالك بن أنس: ٣٤

أقوال الشافعي: ٣٦

أقوال أحمد بن حنبل: ٣٨

أقوال العلماء ٤٠

وماذا بعد هذا؟ ٦٣

الفصل الثاني: عقبات عدة أمامنا ٦٤

الأئمة الأربعة أموات.. ٦٦

لا ترجيح بين المذاهب.. ٦٦

الأئمة الأربعة لم يروا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ٦٦

الأئمة الأربعة يختلفون. ٦٧


الائمة الأربعة والفقه ٧٢

السياسة أوجدت المذاهب.. ٧٦

قيل في الأئمة الأربعة ٧٦

الأئمة الأربعة والسنة الشريفة ٧٩

الخلاصة ٨٠

الباب الثاني: مدرسة السلفية ٨٢

الفصل الأول: اشكالات في الطريق. ٨٢

سؤال وجواب.. ٨٤

الكتاب والسنّة ٨٤

القرآن حمّال أوجه ٨٨

اختلاف السلف في الفقه ٨٩

صيغ التشهدات: ٩١

اختلاف السلف في العقيدة ٩٦

أئمة السلف والتأويل. ٩٨

قيل في أهل الحديث.. ١٠١

قالوا في ابن تيمية: ١٠٣

للسلفية شطحات.. ١٠٧

رؤية السلفية للأنبياء: ١١٤

الفصل الثاني: ضياع السنة ١٢٠

في عصر الصحابة ١٢٢

أحاديث علي بن أبي طالب عليه‌السلام: ١٢٢

أحاديث فاطمة الزهراء عليها‌السلام: ١٢٨

أحاديث الحسن والحسين عليهما‌السلام: ١٢٩

مع أحاديث أهل البيت عليهم‌السلام.... ١٣٠

أحاديث أبو بكر: ١٣١

أحاديث عمر بن الخطاب: ١٣٤


أحاديث عثمان بن عفان: ١٣٦

أحاديث أُبيّ بن كعب: ١٣٧

أحاديث سلمان الفارسي رضي‌الله‌عنه: ١٣٨

أحاديث أبي ذر الغفاري رضي‌الله‌عنه: ١٣٩

أحاديث طلحة بن عبيدالله: ١٤٠

أحاديث الزبير بن العوام: ١٤٠

أحاديث عبد الرحمن بن عوف: ١٤١

أحاديث زيد بن ثابت الأنصاري: ١٤١

أحاديث عبد الله بن عمر بن الخطاب: ١٤٢

أحاديث عبد الله بن عمرو بن العاص: ١٤٤

أحاديث عبد الله بن مسعود: ١٤٥

أحاديث عمران بن حصين: ١٤٧

أحاديث عبد الله بن عباس: ١٤٨

أحاديث زيد بن أرقم: ١٥٢

أحاديث معاذ بن جبل: ١٥٢

أحاديث أبي هريرة: ١٥٤

أحاديث أنس بن مالك: ١٥٥

أحاديث حسان بن ثابت: ١٥٦

أحاديث صهيب الرومي: ١٥٦

أحاديث أبي أسيد الساعدي: ١٥٧

من لم يرو شيئا من الصحابة: ١٥٧

من روى حديثا واحدا: ١٥٨

من روى حديثين: ١٥٨

مائة واثنا عشر ألف صحابي لم يرووا شيئا!!! ١٥٩

خاتمة المطاف في أحاديث الصحابة ١٦٠


ضياع السنّة في عهد التابعين. ١٦٥

أبو قلابة عبد الله بن زيد البصري: ١٦٥

ذكوان أبو صالح السمان: ١٦٥

الشعبي: ١٦٦

عبيدة بن عمرو السلماني المرادي: ١٦٦

عروة بن الزبير بن العوام: ١٦٦

أبو بكر بن حزم الأنصاري: ١٦٧

الحسن البصري: ١٦٨

سفيان بن عيينة: ١٦٨

يحيى بن أبي كثير اليماني: ١٦٩

عبد الملك بن جريج: ١٦٩

كثير بن مرة الحضري: ١٧٠

عبد الرحمن الأوزاعي: ١٧٠

خاتمة المطاف في أحاديث التابعين: ١٧٢

ضياع السنة بعد التابعين. ١٧٢

تسعة وثلاثون موطأ مفقود!!! ١٧٥

عشرات المسانيد مفقودة!!! ١٧٦

مؤيّدات وشهادات في ضياع السنّة ١٨٢

إشكالٌ ودَفعُهُ ١٨٥

بيت القصيد. ١٨٩

الفصل الثالث: إشكالات على مرجعية الصحابة ١٩٢

بين يدي البحث.. ١٩٤

الصحابة يُقلِّون السؤال. ١٩٤

قلّة الرواية ومنع كتابة السنّة ١٩٦

تعليق. ٢٠١

قلة تلقّي الصحابة عن النبيّ وانشغالهم. ٢٠٥


الصحابة ينقلون آخر الحديث أحياناً! ٢٠٨

الصحابي يأخذ عن مخبر وينسب للنبيّ. ٢١١

الصحابة يخطئون بالنقل. ٢١٤

صحابة مشكوك في روايتهم. ٢١٩

الصحابة يروون عن أهل الكتاب.. ٢٢٢

الصحابة ينسون. ٢٢٤

الصحابة يخطئون في الجواب.. ٢٢٥

بين الصحابة منافقون ومرتدّون. ٢٣٠

صحابة يساقون إلى النار ٢٣٢

طريقة تلقّي الصحابة ٢٣٣

الصحابة والرواسب الجاهلية ٢٣٤

الصحابة يفتون بآرائهم. ٢٣٨

الصحابة يعترفون بأنهم ليسوا نَقَلَةَ الإسلام!! ٢٣٨

الفصل الرابع: عدالة الصحابة ٢٤٠

بادئ ذي بدء: ٢٤٢

تعقيبٌ: ٢٤٣

تعريف الصحابي: ٢٤٣

عطفاً على ما تقدم آنفا: ٢٤٤

الصحابة في القرآن. ٢٤٤

الصحابة والنفاق: ٢٤٤

الصحابة الأعراب: ٢٤٧

الصحابة والصلاة: ٢٤٩

الصحابة والزكاة: ٢٥٠

مسجد ضرار: ٢٥٠

عدالة الصحابة في القرآن: ٢٥٠


الصحابة في السنّة ٢٥١

الصحابة والارتداد: ٢٥١

الصحابة يتنزَّهون عن فعل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم!! ٢٥٥

أولئك هم العصاة: ٢٥٦

الصحابة في غزوة أحد: ٢٥٦

عدالة الصحابة في السنة: ٢٥٧

الفصل الخامس: الصحابة في حياة النبي. ٢٥٨

الصحابة يقتلون رجلاً في الحرم! ٢٦٠

سلَّم رجل على الصحابة فقتلوه! ٢٦٠

صحابي يحب وفاة النبيّ!! ٢٦١

صحابةٌ ينتحرون! ٢٦١

رزية الخميس.. ٢٦٢

سريَّة أُسامة ٢٦٤

صلح الحُديبيَّة ٢٦٦

التفتازاني يعترف! ٢٦٨

الخلاصة ٢٦٩

الفصل السادس: صور من حياة الصحابة ٢٧٠

أبو بكر وميراث الزهراء ٢٧٢

محاولة حرق بيت الزهراء ٢٧٥

موقعة الجمل! ٢٧٦

الفصل السابع: أربعة نماذج من الصحابة ٢٨٠

خالد بن الوليد. ٢٨٢

خالد، مبلِّغ عن الله؟ ٢٨٦

المغيرة بن شعبة ٢٨٧

المغيرة مبلِّغ عن الله! ٢٩٠


الوليد بن عقبة ٢٩٢

الوليد مبلّغ عن الله! ٢٩٤

معاوية بن أبي سفيان. ٢٩٥

معاوية يشرب الخمر! ٢٩٥

معاوية يأكل الربا ٢٩٦

معاوية يستلحق زياداً! ٢٩٧

معاوية يقاتل عليّاً: ٢٩٨

معاوية يلعن علياً: ٣٠٠

مجموعة جرائم لمعاوية: ٣٠٤

شهادات في معاوية: ٣٠٥

معاوية مبلِّغ عن الله!! ٣٠٧

الفصل الثامن: أدلة أهل السنة على عدالة الصحابة ٣١٠

نظرة مجملة: ٣١٢

أدلتهم من القرآن. ٣١٣

أدلتهم من السنّة ٣١٦

عود على بدء ٣٢١

الفصل التاسع: بحث حول قيمة الصحبة ٣٢٢

توطئة: ٣٢٤

محاكمة: ٣٢٦

إبليس طاووس الملائكة: ٣٢٦

قابيل وهابيل: ٣٢٧

زوجتا نوح ولوط: ٣٢٧

نساء النبي: ٣٢٨

النبي يقول لأسامة: ٣٢٩

حتى النبي: ٣٢٩

الخلاصة ٣٣٠


الفصل العاشر: اجتهاد الصحابة في المحكمات   ٣٣٦

توطئة: ٣٣٨

المؤلفة قلوبهم. ٣٣٨

نكاح المتعة ٣٤٠

صلاة التراويح. ٣٤٥

الطلاق الثلاث.. ٣٤٦

الصلاة خير من النوم ٣٤٧

عمر ينهى النبي...!! ٣٤٨

عمر ينهى النبي ثانيةً!! ٣٤٩

عثمان وعائشة اجتهدا أمام النص.. ٣٥١

معاوية أيضاً ٣٥٢

تعليق لا غنى عنه لكل باحث.. ٣٥٤

أهل السنة يخالفون السنة ٣٦٢

تكبيرات صلاة الجنازة ٣٦٣

حي على خير العمل. ٣٦٤

الجمع بين الصلاتين. ٣٦٤

كلام أئمة السنة في ترك السنة ٣٦٧

وقفة مهمة ٣٦٩

النتيجة ٣٧٠

مناقشة أدلة السلفية على صحّة منهجهم. ٣٧١

ما أنا عليه وأصحابي: ٣٧١

ومن يشاقق الرسول: ٣٧٢

خلاصة الأبحاث السابقة ٣٧٣


الباب الثالث: مدرسة آل البيت عليهم‌السلام.... ٣٧٤

الفصل الأول: شهادات.. ٣٧٤

مدخل لفهم الموضوع. ٣٩٠

اطروحة الشيعة ٣٩٠

الأدلة من السنة ٣٩٢

حديث الثقلين: ٣٩٢

صحة الحديث ومصادره: ٣٩٣

كلمات مضيئة في الحديث: ٣٩٧

دلالة الحديث: ٤٠١

محاولة تأويل فاشلة: ٤٠١

لن يفترقا: ٤٠٣

كتاب الله وسنتي: ٤٠٥

حديث السفينة: ٤١٠

صحة الحديث ومصادره: ٤١٠

دلالة الحديث واضحة: ٤١٢

حديث باب مدينة العلم: ٤١٥

حديث الأمان: ٤١٦

علي مع القرآن: ٤١٧

علي مع الحق: ٤١٧

علي المبين: ٤١٨

علي مني: ٤١٩

النبي يوصي باتباع علي: ٤١٩


الأدلة من القرآن. ٤٢٢

أولئك هم خير البرية: ٤٢٢

واعتصموا بحبل الله جميعا: ٤٢٢

فاسألوا أهل الذكر: ٤٢٣

كونوا مع الصادقين: ٤٢٤

أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم: ٤٢٥

إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت: ٤٢٧

قل تعالوا ندع أبناءنا...: ٤٣٠

قل لا أسألكم عليه أجرا...: ٤٣٤

إن الله وملائكته يصلون على النبي...: ٤٣٦

إنما أنت منذر: ٤٣٨

تعليق. ٤٤٠

أقوال علي. ٤٤٢

مقارنة بين أدلة الفرق. ٤٤٣

حصحص الحق. ٤٤٤

أدلة إضافية على أحقية منهجنا ٤٤٥

شبهة وردّها ٤٤٨

الفصل الثاني: القول المختصر فيمن تشيع وشعر ٤٥١

توطئة: ٤٥٢

الشيخ محمد مرعي الأنطاكي. ٤٥٣

الشيخ أحمد أمين الأنطاكي. ٤٥٧

محمد التيجاني السماوي. ٤٦٠

صائب عبد الحميد. ٤٦٢

أحمد حسين يعقوب.. ٤٦٧

نصيحتي لكل سني. ٤٧٤

إلى كل من يريد معرفة الحق... ٤٧٥


الفصل الثالث: المرجعية السياسية ٤٧٧

توطئة: ٤٧٩

الأدلة من السنة ٤٧٩

حديث الدار: ٤٧٩

مع صاحب البينات: ٤٨٠

سند الحديث: ٤٨٢

حديث الغدير: ٤٨٣

صحة الحديث: ٤٨٧

دلالة الحديث: ٤٩٠

مقدمة لفهم الواقعة: ٤٩٠

شرف الدين يحسم الخلاف: ٤٩١

احتجاج علي بحديث الغدير: ٤٩٥

الغزالي يعترف: ٤٩٦

أحاديث الولاية: ٤٩٦

حديث المنزلة: ٤٩٨

حديث الأئمة الاثني عشر: ٤٩٩

حديث الثقلين: ٥٠١

حديث السفينة: ٥٠١

الأدلة من القرآن. ٥٠٢

الإمامة منصب إلهي: ٥٠٢

إنما وليكم...: ٥٠٣

عود على بدء: ٥٠٥


الإمامة والعقل. ٥٠٦

سيرة العقلاء توجب الاستخلاف: ٥٠٦

النبي يستخلف في غزواته: ٥٠٨

سئل إمام: ٥٠٩

لا يحل لثلاثة: ٥١٠

تدبير النبي ليؤكد خلافة علي. ٥١٠

يوم الخميس: ٥١٠

سرية أسامة: ٥١٣

وغابت شمس النبوة ٥١٤

قعود الإمام عن حقه ٥١٩

آيات الشورى. ٥٢١

صلاة أبي بكر بالنّاس. ٥٢٤

دعوى الإجماع. ٥٢٦

عدول الصحابة عن النص.. ٥٢٨

وفي الختام ٥٣٠

الفصل الرابع: الأئمة الاثنا عشر ٥٣١

علي بن أبي طالب (المرتضى) عليه‌السلام.... ٥٣٤

من أقوال الإمام: ٥٣٧

الإمام الحسن بن علي (المجتبى) عليه‌السلام.... ٥٣٩

من أقوال الإمام: ٥٤١

الحسين بن علي (الشهيد) عليه‌السلام.... ٥٤٢

من أقوال الإمام: ٥٤٤

الإمام علي بن الحسين (السجاد) عليه‌السلام.... ٥٤٥

من أقوال الإمام: ٥٤٩


الإمام محمد بن علي (الباقر) عليه‌السلام.... ٥٥١

من أخبار الإمام: ٥٥٤

من أقوال الإمام: ٥٥٥

الإمام جعفر بن محمد (الصادق) عليه‌السلام.... ٥٥٧

شئ من مناظرات الإمام عليه‌السلام: ٥٦١

من أقوال الإمام: ٥٦٤

الإمام موسى بن جعفر (الكاظم) عليه‌السلام.... ٥٦٦

من أخبار الإمام: ٥٦٨

من أقوال الإمام: ٥٧١

الإمام علي بن موسى (الرضا) عليه‌السلام.... ٥٧٣

من أقوال الإمام: ٥٧٧

الإمام محمد بن علي (الجواد) عليه‌السلام.... ٥٧٩

من أقوال الإمام: ٥٨١

الإمام علي بن محمد (الهادي) عليه‌السلام.... ٥٨٣

من أقوال الإمام: ٥٨٥

الإمام الحسن بن علي (العسكري) عليه‌السلام.... ٥٨٦

من أقوال الإمام: ٥٨٩

الإمام محمد بن الحسن (المهدي) عليه‌السلام.... ٥٩٠

فهؤلاء أئمتنا ٥٩٩

ما بعد الغيبة الصغرى. ٦٠٤

علم الإمام ٦٠٨

لا غلو في الأئمة ٦٠٩

عصمة الإمام ٦١١

الفصل الخامس: شبهات ليست بشبهات.. ٦١٣

لماذا هذه الصورة المشوَّهة عن الشيعة؟ ٦١٦

عبد الله بن سبأ وبدء التشيّع. ٦١٨


الشيعة والصحابة ٦٢٢

القرآن الكريم. ٦٢٥

فصل الخطاب في نفي تحريف عن الكتاب.. ٦٣٠

التقيَّة ٦٣٥

البَداء ٦٣٩

الرجعة ٦٤٤

التربة الحسينية ٦٤٨

حصحص الحق. ٦٥٠