أعلام الهداية
الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام
المجمع العالمي لأهل البيتعليهمالسلام
قم المقدسة
اسم الكتاب: أعلام الهداية(ج١) الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام .
المؤلف: لجنة التأليف.
الموضوع: كلام وتاريخ.
الناشر: مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيتعليهمالسلام .
الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ ق.
الطبعة الثانية: ١٤٢٥ هـ ق.
الطبعة الثالثة: ١٤٢٧ هـ ق.
المطبعة: ليلى.
الكمية: ٥٠٠٠.
isbn: ٩٦٤- ٥٦٨٨-١٨-٣
حقوق الطبع والترجمة محفوظة للمجمع العالمي لأهل البيتعليهمالسلام
www.ahl-ul-bayt-org
أهل البيت في القرآن الكريم
( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )
الأحزاب: ٣٣ / ٣٣
أهل البيت في السنة النبويّة
(إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبد)
(الصحاح والمسانيد)
المقدمة
الحمد لله الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، ثم الصلاة والسلام على من اختارهم هداةً لعباده، لا سيَّما خاتم الأنبياء وسيّد الرسل والأصفياء أبو القاسم المصطفى محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلى آله الميامين النجباء.
لقد خلق الله الإنسان وزوّده بعنصري العقل والإرادة، فبالعقل يبصر ويكتشف الحقّ ويميّزه عن الباطل، وبالإرادة يختار ما يراه صالحاً له ومحقّقاً لأغراضه وأهدافه.
وقد جعل الله العقل المميِّز حجةً له على خلقه، وأعانه بما أفاض على العقول من معين هدايته ; فإنّه هو الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، وأرشده إلى طريق كماله اللائق به، وعرّفه الغاية التي خلقه من أجلها، وجاء به إلى هذه الحياة الدنيا من أجل تحقيقها.
وأوضح القرآن الحكيم بنصوصه الصريحة معالم الهداية الربّانية وآفاقها ومستلزماتها وطرقها، كما بيّن لنا عللها وأسبابها من جهة، وأسفر عن ثمارها ونتائجها من جهة أخرى.
قال تعالى:
( قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَی ) (الأنعام (٦:(٧١)
( وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (البقرة (٢): ٢١٣(.
( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) (الأحزاب (٣٣): ٤(.
( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (آل عمران (٣): ١٠١(.
( قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (يونس (١٠(: ٣٥ (
( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) (سبأ (٣٤): ٦(.
( ومن أضلّ ممن اتّبع هواه بغير هدىً من الله ) (القصص ( ٢٨ :(٥٠)
فالله تعالى هو مصدر الهداية. وهدايته هي الهداية الحقيقية، وهو الذي يأخذ بيد الإنسان إلى الصراط المستقيم وإلى الحقّ القويم.
وهذه الحقائق يؤيدها العلم ويدركها العلماء ويخضعون لها بملء وجودهم.
ولقد أودع الله في فطرة الإنسان النزوع إلى الكمال والجمال ثمّ مَنّ عليه بإرشاده إلى الكمال اللائق به، وأسبغ عليه نعمة التعرّف على طريق الكمال، ومن هنا قال تعالى: ( وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّ ليعبدونِ ) (الذاريات (٥١): ٥٦). وحيث لا تتحقّق العبادة الحقيقية من دون المعرفة، كانت المعرفة والعبادة طريقاً منحصراً وهدفاً وغايةً موصلةً إلى قمّة الكمال.
وبعد أن زوّد الله الإنسان بطاقتي الغضب والشهوة ليحقّق له وقود الحركة نحو الكمال; لم يؤمَن عليه من سيطرة الغضب والشهوة; والهوى الناشئ منهما، والملازم لهما فمن هنا احتاج الإنسان ـ بالإضافة إلى عقله وسائر أدوات المعرفة ـ إلى ما يضمن له سلامة البصيرة والرؤية; كي تتمّ عليه الحجّة، وتكمل نعمة الهداية، وتتوفّر لديه كلّ الأسباب التي تجعله يختار طريق الخير والسعادة، أو طريق الشرّ والشقاء بملء إرادته.
ومن هنا اقتضت سُنّة الهداية الربّانية أن يُسند عقل الإنسان عن طريق الوحي الإلهي، ومن خلال الهداة الذين اختارهم الله لتولِّي مسؤولية هداية العباد وذلك عن طريق توفير تفاصيل المعرفة وإعطاء الإرشادات اللازمة لكلّ مرافق الحياة.
وقد حمل الأنبياء وأوصياؤهم مشعل الهداية الربّانية منذ فجر التاريخ وعلى مدى العصور والقرون، ولم يترك الله عباده مهملين دون حجة هادية وعلم مرشد ونور مُضيء، كما أفصحت نصوص الوحي ـ مؤيّدةً لدلائل العقل ـ بأنّ الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه، لئلاّ يكون للناس على الله حجّة، فالحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق، ولو لم يبق في الأرض إلاّ اثنان لكان أحدهما الحجّة، وصرّح القرآن ـ بشكل لا يقبل الريب ـ قائلاً: ( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) )الرعد (١٣): ٧(.
ويتولّى أنبياء الله ورسله وأوصياؤهم الهداة المهديّون مهمّة الهداية بجميع مراتبها، والتي تتلخّص في:
١ ـ تلقِّي الوحي بشكل كامل واستيعاب الرسالة الإلهية بصورة دقيقة. وهذه المرحلة تتطلّب الاستعداد التام لتلقّي الرسالة، ومن هنا يكون الاصطفاء الإلهي لرسله شأناً من شؤونه، كما أفصح بذلك الذكر الحكيم قائلاً: ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) ) الأنعام (٦(: ١٢٤) و( اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ) ) آل عمران (٣): ١٧٩(.
٢ ـ إبلاغ الرسالة الإلهية إلى البشرية ولمن أرسلوا إليه، ويتوقّف الإبلاغ على الكفاءة التامّة التي تتمثّل في (الاستيعاب والإحاطة اللازمة) بتفاصيل الرسالة وأهدافها ومتطلّباتها، و (العصمة) عن الخطأ والانحراف معاً، قال تعالى: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) (البقرة (٢): ٢١٣(.
٣ ـ تكوين اُمة مؤمنة بالرسالة الإلهية، وإعدادها لدعم القيادة الهادية من أجل تحقيق أهدافها وتطبيق قوانينها في الحياة، وقد صرّحت آيات الذكر الحكيم بهذه المهمّة مستخدمةً عنواني التزكية والتعليم، قال تعالى: ( يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) (الجمعة(٦٢(: ٢) والتزكية هي التربية باتجاه الكمال اللائق بالإنسان. وتتطلّب التربية القدوة الصالحة التي تتمتّع بكلّ عناصر الكمال، كما قال تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (الأحزاب(٣٣(: ٢١).
٤ ـ صيانة الرسالة من الزيغ والتحريف والضياع في الفترة المقرّرة لها، وهذه المهمة أيضاً تتطلّب الكفاءة العلمية والنفسية، والتي تسمّى بالعصمة.
٥ ـ العمل لتحقيق أهداف الرسالة المعنوية وتثبيت القيم الأخلاقية في نفوس الأفراد وأركان المجتمعات البشرية وذلك بتنفيذ الأطروحة الربّانية، وتطبيق قوانين الدين الحنيف على المجتمع البشري من خلال تأسيس كيان سياسيٍّ يتولّى إدارة شؤون الأمة على أساس الرسالة الربّانية للبشرية، ويتطلّب التنفيذ قيادةً حكيمةً، وشجاعةً فائقةً، وثباتاً كبيراً، ومعرفةً تامةً بالنفوس وبطبقات المجتمع والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية وقوانين الإدارة والتربية وسنن الحياة، ونلخّصها في الكفاءة العلمية لإدارة دولة عالمية دينية، هذا فضلاً عن العصمة التي تعبّر عن الكفاءة النفسية التي تصون القيادة الدينية من كلّ سلوك منحرف أو عمل خاطئ بإمكانه أن يؤثّر تأثيراً سلبيّاً على مسيرة القيادة وانقياد الأمة لها بحيث يتنافى مع أهداف الرسالة وأغراضها.
وقد سلك الأنبياء السابقون وأوصياؤهم المصطفون طريق الهداية الدامي، واقتحموا سبيل التربية الشاقّ، وتحمّلوا في سبيل أداء المهامّ الرسالية كلّ صعب، وقدّموا في سبيل تحقيق أهداف الرسالات الإلهية كلّ ما يمكن أن يقدّمه الإنسان المتفاني في مبدئه وعقيدته، ولم يتراجعوا لحظة، ولم يتلكّأوا طرفة عين.
وقد توّج الله جهودهم وجهادهم المستمرّ على مدى العصور برسالة خاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وحمّله الأمانة الكبرى ومسؤولية الهداية بجميع مراتبها، طالباً منه تحقيق أهدافها. وقد خطا الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا الطريق الوعر خطوات مدهشة، وحقّق في أقصر فترة زمنية أكبر نتاج ممكن في حساب الدعوات التغييرية والرسالات الثورية، وكانت حصيلة جهاده وكدحه ليل نهار خلال عقدين من الزمن ما يلي:
١ ـ تقديم رسالة كاملة للبشرية تحتوي على عناصر الديمومة والبقاء.
٢ ـ تزويدها بعناصر تصونها من الزيغ والانحراف.
٣ ـ تكوين اُمة مسلمة تؤمن بالإسلام مبدأً، وبالرسول قائداً، وبالشريعة قانوناً للحياة.
٤ ـ تأسيس دولة إسلامية وكيان سياسيٍّ يحمل لواء الإسلام ويطبّق شريعة السماء.
٥ ـ تقديم الوجه المشرق للقيادة الربّانية الحكيمة المتمثّلة في قيادتهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ولتحقيق أهداف الرسالة بشكل كامل كان من الضروري:
أ ـ أن تستمرّ القيادة الكفوءة في تطبيق الرسالة وصيانتها من أيدي العابثين الذين يتربّصون بها الدوائر.
ب ـ أن تستمرّ عملية التربية الصحيحة باستمرار الأجيال; على يد مربٍّ كفوء علمياً ونفسياً حيث يكون قدوة حسنة في الخلق والسلوك كالرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، يستوعب الرسالة ويجسّدها في كل حركاته وسكناته.
ومن هنا كان التخطيط الإلهيّ يحتّم على الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم إعداد الصفوة من أهل بيته، والتصريح بأسمائهم وأدوارهم; لتسلّم مقاليد الحركة النبويّة العظيمة والهداية الربّانية الخالدة بأمر من الله سبحانه وصيانة للرسالة الإلهية التي كتب الله لها الخلود من تحريف الجاهلين وكيد الخائنين، وتربية للأجيال على قيم ومفاهيم الشريعة المباركة التي تولّوا تبيين معالمها وكشف أسرارها وذخائرها على مرّ العصور، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وتجلّى هذا التخطيط الربّاني في ما نصّ عليه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله:(إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) .
وكان أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم خير من عرّفهم النبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم بأمر من الله تعالى لقيادة الأمة من بعده.
إنّ سيرة الأئمّة الاثني عشر من أهل البيتعليهمالسلام تمثّل المسيرة الواقعية للإسلام بعد عصر الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ودراسة حياتهم بشكل مستوعب تكشف لنا عن صورة مستوعبة لحركة الإسلام الأصيل الذي أخذ يشقّ طريقه إلى أعماق الأمة بعد أن أخذت طاقتها الحرارية تتضاءل بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأخذ الأئمة المعصومونعليهمالسلام يعملون على توعية الأمة وتحريك طاقتها باتجاه إيجاد وتصعيد الوعي الرساليِّ للشريعة ولحركة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وثورته المباركة، غير خارجين عن مسار السنن الكونية التي تتحكّم في سلوك القيادة والأمة جمعاء.
وتبلورت حياة الأئمّة الراشدين في استمرارهم على نهج الرسول العظيم وانفتاح الأمة عليهم والتفاعل معهم كأعلام للهداية ومصابيح لإنارة الدرب للسالكين المؤمنين بقيادتهم، فكانوا هم الأدلاّء على الله وعلى مرضاته، والمستقرّين في أمر الله، والتامّين في محبّته، والذائبين في الشوق إليه، والسابقين إلى تسلّق قمم الكمال الإنسانيّ المنشود.
وقد حفلت حياتهم بأنواع الجهاد والصبر على طاعة الله وتحمّل جفاء أهل الجفاء حتّى ضربوا أعلى أمثلة الصمود لتنفيذ أحكام الله تعالى، ثم اختاروا الشهادة مع العزّ على الحياة مع الذلّ، حتى فازوا بلقاء الله سبحانه بعد كفاح عظيم وجهاد كبير.
ولا يستطيع المؤرّخون والكتّاب أن يلمّوا بجميع زوايا حياتهم العطرة ويدّعوا دراستها بشكل كامل، ومن هنا فإنّ محاولتنا هذه إنّما هي إعطاء قبسات من حياتهم، ولقطات من سيرتهم وسلوكهم ومواقفهم التي دوّنها المؤرّخون واستطعنا اكتشافها من خلال مصادر الدراسة والتحقيق، عسى الله أن ينفع بها إنّه وليّ التوفيق.
إنّ دراستنا لحركة أهل البيتعليهمالسلام الرسالية تبدأ برسول الإسلام وخاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتنتهي بخاتم الأوصياء، محمد بن الحسن العسكري المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه وأنار الأرض بعدله.
ويختصّ هذا الكتاب بدراسة حياة الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام ، أول أئمة أهل البيتعليهمالسلام بعد رسول الله ، وهو المعصوم الثاني من أعلام الهداية والذي جسد الإسلام في كل مجالات حياته الشريفة فكان نبراساً ومتراساً ومثلاً أعلى للبشرية بعد رسول الله محمد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ولا بدَّ لنا من تقديم الشكر إلى كل الإخوة الأعزّاء الذين بذلوا جهداً وافراً وشاركوا في إنجاز هذا المشروع المبارك وإخراجه إلى عالم النور، لا سيَّما أعضاء لجنة التأليف بإشراف سماحة السيد منذر الحكيم (حفظه الله تعالى).
ولا يسعنا إلاّ أن نبتهل إلى الله تعالى بالدعاء والشكر لتوفيقه على إنجاز هذه الموسوعة المباركة فإنه حسبنا ونعم النصير.
للمجمع العالمي لأهل البيتعليهمالسلام
قم المقدسة
الباب الأول: فيه فصول:
الفصل الأول: الإمام عليعليهالسلام في سطور.
الفصل الثاني: انطباعات عن شخصية الإمامعليهالسلام .
الفصل الثالث: مظاهر من شخصية الإمامعليهالسلام .
الفصل الأوّل: الإمام المرتضى عليّ بن أبي طالبعليهالسلام في سطور
* ـ هو أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين وأوّل خلفاء الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم المهديّين ـ بأمر من الله ونصّ من رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ وقد صرّح القرآن بعصمته وتطهيره من كلّ رجس، وباهل به وبزوجته وولديه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نصارى نجران، واعتبره من القربى الذين وجبت مودّتهم مصرّحاً غير مرّة بأنّها عِدل الكتاب المجيد الموجبين للمتمسّك بهما النجاة وللمتخلّف عنهما الردى .
* ـ نشأ الإمام في حجر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منذ نعومة أظفاره، وتغذّى من معين هديه، فكان المتعلّم الوفيّ والأخ الزكيّ، وأوّل من آمن وصلّى وأصدق من تفانى في سبيل ربّه وضحّى في سبيل إنجاح رسالته في أحرج لحظات صراعها مع الجاهلية العاتية في كلّ صورها في العهدين المكّي والمدني وفي حياة الرسول وبعد رحيله ذائباً في مبدئه ورسالته وجميع قيمه مجسّداً للحقّ بكلّ شُعَبِه من دون أن يتخطّاها قيد أنملة أو ينحرف عنها قيد شعرة .
* ـ لقد وصفه ضرار بن ضمرة الكناني لمعاوية بن أبي سفيان حتى أبكاه وأبكى القوم وجعله يترحّم عليه، بقوله : (كان والله بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلاً ويحكم عدلاً، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة طويل الفكرة، يقلّب كفّه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما جشب. وكان فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه، وينبّئنا إذا
استنبأناه. ونحن والله مع تقريبه إيّانا وقربه منّا لا نكاد نكلّمه هيبةً له، فإن ابتسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظّم أهل الدين ويقرّب المساكين، لا يطمع القويّ في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله(١) .
* ـ لقد آزر الإمامعليهالسلام رسول الله منذ بداية الدعوة، وجاهد معه جهاداً لا مثيل له في تأريخ الدعوة المباركة حتى تفرّى الليل عن صُبحه وأسفر الحقّ عن محضه ونطق زعيم الدين وخرست شقاشق الشياطين بعد أن مُني بذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب(٢) .
* ـ وبعد أن خطا الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم لتغيير المجتمع الجاهلي خطواته المدهشة في تلك الفترة القصيرة كان الطريق أمام الإسلام لبلوغ أهدافه الكبرى شاقاً وطويلاً يتطلّب التخطيط الكامل والقيادة الواعية التي لا تقلّ عن شخصية الرسول القائد إيماناً وكمالاً وإخلاصاً ودرايةً وحنكةً، وكان من الطبيعي للرسالة الخاتمة أن تخطّط لمستقبل هذه الدعوة التي تعتبر عصارة دعوات الأنبياء جميعاً ووريثة جهودهم وجهادهم المتواصل عبر التأريخ.. وهكذا كان إذ اختار النبيّ الخاتمصلىاللهعليهوآلهوسلم بأمر من الله سبحانه شخصاً رشّحه عمق وجوده في كيان الدعوة حتى تفانى في أهدافها وخلص من جميع شوائب الجاهلية ورواسبها وتحلّى بأعلى درجات الكفاءة وعياً وإيماناً وإخلاصاً وتضحيةً في سبيل الله.
لقد كان عليّ بن أبي طالبعليهالسلام هو ذلك البديل الذي أعدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إعداداً رسالياً خاصّاً ليحمّله المرجعية الفكرية والسياسية من بعده ، كي يواصل عملية التغيير الطويلة الرائدة بمساندة القاعدة الواعية التي أعدّها الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم له من المهاجرين والأنصار.
* ـ ولكنّ الجاهلية المتجذّرة في أعماق ذلك المجتمع ما كانت لتندحر في بدر وحُنين وخلال عقد واحد من الصراع والكفاح، وكان من الطبيعي أن تظهر من جديد متستِّرة بشعار إسلامي كي تستطيع أن تظهر على المسرح الاجتماعي من جديد ولو بعد عقود من الزمن، وكان من الطبيعي أيضاً أن تتسلّل إلى المواقع القيادية بشكل مباشر أو غير مباشر.. ومن هنا كانت الردّة إلى المفاهيم والعادات الجاهلية ـ من خلال الالتفاف على القيادة الشرعية للمجتمع الإسلامي الفتي الذي كانت تحدق به الأخطار من كلّ جانب، ولم تكتمل قواعده وعياً ونضجاً ـ أمراً محتملاً بل متوقّعاً لكلّ قياديّ يمتلك أدنى وعي سياسيّ واجتماعيّ، فكيف برسول الله وخاتم أنبيائهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
ــــــــــــ
(١) الاستيعاب (المطبوع بهامش الإصابة) : ٣/٤٤، ط دار إحياء التراث العربي بيروت.
(٢) من خطبة الزهراءعليهاالسلام المعروفة أَمام أبي بكر وعمر وسائر المهاجرين والأنصار بُعَيد رحيل الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وغصبهم للخلافة .
* ـ وإذا كانت الرسالة الإسلامية تهدف إلى تغيير الواقع الاجتماعي الجاهلي، فلابدّ أن تلاحظ هذا الواقع بكل ملابساته ورسوباته، وتخطّط للتغيير الشامل على المدى القريب والبعيد معاً... وهكذا كان، فقد رسمت الرسالة الخط الطبيعي الذي يفرضه المنطق التشريعي للمسيرة الإسلامية الرائدة، حيث تجلّى ذلك في إرجاع الأُمّة فكرياً وسياسياً إلى الأئمّة المعصومين من كلّ رجس جاهلي، بعد أن نصب النبيّ عليّاً في غدير خم أميراً للمؤمنين، وأحكم له الأمر بأخذ البيعة له من عامّة المسلمين .
* ـ لقد اصطدم التخطيط الرائد بواقع كان متوقّعاً للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وبتيّار جارف يعود إلى نقصان الوعي عند الأمة التي تشكّل القاعدة الأمينة لحماية القيادة الرشيدة، بحيث لم يكن يدرك عامّة المسلمين بعمق أنّ الجاهلية تتآمر وراء الستار عليهم وعلى الثورة الإسلامية الفتيّة، وأنّ القضية ليست قضية تغيير شخص القائد بقائد آخر، وإنّما القضية قضية تغيير خط الإسلام المحمدي الثوري بخط جاهلي متستّر بالإسلام .
* ـ وهكذا أجهضت السقيفةُ التخطيطَ الرائدَ للنبيّ القائدصلىاللهعليهوآلهوسلم حينما وجدت أنّ الساحة قد خلت منه، وتحقّقت نبوءة القرآن العظيم حين قال: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) (١) ؟!! .
لقد كان النبيّ جعل عليّاً أميناً على رسالته وأمته ودولته، وكلّفه بحفظ الرسالة والشريعة كما كلّفه بتربية الأمة الفتيّة وصيانة الدولة التي لم تترسخ جذورها بعد.
وحاول الإمام عليّعليهالسلام إرجاع الأمور إلى مجاريها بإدانة السقيفة ونتائجها وبالامتناع من البيعة والتصدّي للمؤامرة ، ولكن دون جدوى، بل كان الأمر قد دار بين انهيار الدولة سياسياً ودولياً وبين حفظها مع تصدّي غير الأكفّاء للقيادة.
* ـ لقد وقف الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام موقفاً مبدئياً سجّله له التأريخ حيث قال :(فأمسكت يديّ حيث رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله; أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما يتقشّع السحاب) (٢) .
* ـ وتلخّصت مواقف هذا الإمام العظيم خلال خمسة وعشرين عاماً من
ــــــــــــ
(١) آل عمران (٣) : ١٤٤.
(٢) بحار الأنوار: ٣٣/٥٩٦ و ٥٩٧ باب الفتن الحادثة بمصر ط وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي سنة١٣٦٨ هـ ش.
المحنة وهو يلعق الصبر الأمرّ من العلقم ـ على حدّ تعبيرهعليهالسلام ـ في الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية وعدم تصدّع الدولة النبويّة الفتيّة ولو بالتنازل عن حقّه الشرعي مؤقّتاً، وتقديم المشورة للخلفاء وإسداء النصح لهم، مع التوجّه إلى جمع القرآن وتفسيره، وتثقيف الأمة على مفاهيمه وتوعيتها على حقائقه، وكشف النقاب عن حقيقة المؤامرة التي دانت لها طوائف من المسلمين، والتصدّي لأخطاء الحكّام في الفهم والتطبيق لأحكام الشريعة الإسلامية، وإيجاد كتلة صالحة تؤمن بالتخطيط النبويّ الرائد للقيادة الإسلامية، وتسهر على نشره وتبليغه، وتضحّي من أجل تطبيقه وتنفيذه.
* ـ واستطاع الإمام بعد عقدين ونصف من الصبر والكدح أن يقتطف ثمار سعيه ، وبعد أن تكشّفت حقائق كانت وراء الستار وتجلّى للأمة بجيليها الطليعي والتابع أنّ عليّاًعليهالسلام هو الجدير بالخلافة دون غيره، وأنّه هو الذي يستطيع إصلاح ما فسد بالرغم من تعقّد الظروف وتبلبل القلوب واشتداد زاوية الانحراف عن نهج الحقّ القويم، حتى قالعليهالسلام : (والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة، ولكنّكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها ( (١) .
* ـ وأعلن الإمام عن سياسته قائلاً:(واعلموا أنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب ) (٢) . وقال أيضاً : ( اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنردّ المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطّلة من حدودك) (٣) .
ــــــــــــ
(١) بحار الأنوار: ٣٢/٥٠ باب بيعة أمير المؤمنين عليهالسلام ط وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامية.
(٢) بحار الأنوار: ٣٢ / ٣٦ .
(٣) بحار الأنوار : ٣٤/١١١ باب الفتن التي وقعت في زمان علي عليهالسلام .
وأجهد الإمامعليهالسلام نفسه على أن يحقّق بين الناس العدل الاجتماعي والسياسي وفي طريق لا التواء فيه، وأن يسود الأمن والحرية والرخاء والاستقرار مع الاحتفاظ بوحدة الأمة مع السعي في تربيتها وتعليمها وإعطائها كامل حقوقها، وعزل الجهاز الإداري الفاسد واستبداله بالولاة والعمّال الصالحين أو المعروفين بالصلاح ومراقبتهم أشدّ المراقبة، حيث أقصى عن دائرة المسؤولية كل الانتهازييّن والطامعين، والتزم الصراحة والحقّ والصدق في كلّ مجال ، فلم يخادع ولم يوارب، فسارعليهالسلام على منهاج أخيه وابن عمّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
* ـ وبدأت تتحرّك كلّ القوى الطامعة والانتهازية التي خسرت مواقعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ضدّ الإمام، وأخذت تتكاتف كلّ القوى التي دعت لمقاتلة عثمان والتحريض عليه يوم أمس، رافعة شعار المطالبة بدم عثمان مندّدة بسياسة الإمام الحكيمة والنزيهة، فنكثت طائفة وقسطت أُخرى ومرقت ثالثة، وإذا بالإمام بعد كفاح مرير يقع شهيداً مخضّباً بدمائه الطاهرة في محراب عبادته وفي مسجد الكوفة وفي ليلة القدر من عام (٤٠) من الهجرة النبوية، إنّه الفوز بالشهادة والفوز بالثبات على القيم الرسالية الفريدة والثبات على الحقّ اللاحب والجهاد في سبيل إرساء قواعد الدين ، إنّها ثورة القيم الإلهية على القيم الجاهلية بكل شُعبها وفروعها.
فسلام عليك يا أمير المؤمنين وقائد الغر المحجّلين يوم ولدت ويوم رُبّيت في حجر الرسالة، ويوم جاهدت من أجل أن تعلو راية الإسلام خفّاقة، ويوم صبرت ونصحت، ويوم بويعت وحكمت، ويوم كشفت النقاب عن براثن الجاهلية المتستّرة بشعار الإسلام، ويوم استشهدت وأنت تروّي بدمك الطاهر شجرة الإسلام الباسقة، ويوم تبعث حيّاً وأنت تحمل وسام الفوز في أعلى علّيّين.
الفصل الثاني: انطباعات عن شخصيّة الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام
لقد عاصر الإمام عليّعليهالسلام حركة الوحي الرسالي منذ بدايتها حتى انقطاع الوحي برحيل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكانت له مواقفه المشرّفة والتي يغبط عليها في دفاعه عن الرسول والرسالة طيلة ثلاثة وعشرين عاماً من الجهاد المتواصل والدفاع المستميت عن حريم الإسلام الحنيف، وقد انعكست مواقفه وإنجازاته وفضائله في آيات الذكر الحكيم ونصوص الحديث النبويّ الشريف.
قال ابن عباس: قد نزلت ثلاثمئة آية في عليّعليهالسلام (١) . وما نزلت:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلاّ وعليّ أميرها وشريفها(٢) . ولقد عاتب الله أصحاب محمّد في آي من القرآن وما ذكر عليّاً إلاّ بخير(٣) .
ولكثرة ما نزل في عليعليهالسلام من الآيات المباركة; خصّص جمع من المتقدّمين والمتأخرين كتباً جمعت ما نزل فيهعليهالسلام . ونشير إلى بعض الآيات التي صرّح المحدّثون بنزولها في حقّه منها:
١ ـ ما عن ابن عباس: أنه كان مع عليّ بن أبي طالب أربعة دراهم لا يملك غيرها، فتصدّق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم سرّاً وبدرهم علانيةً، فأنزل الله
ــــــــــــ
(١) الفتوحات الإسلامية: ٢ / ٥١٦.
(٢) كشف الغمة: ٩٣.
(٣) ينابيع المودّة: ١٢٦.
سبحانه وتعالى:( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (١) .
٢ ـ وعن ابن عباس أيضاً: أنّ عليّاًعليهالسلام تصدّق بخاتمه وهو راكع، فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم للسائل:من أعطاك هذا الخاتم؟ قال: ذاك الراكع، فأنزل الله:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (٢) .
٣ ـ وقد اعتبرت آية التطهير(٣) عليّاًعليهالسلام من أهل بيت الوحي المطهَّرين من كلّ رجس، واعتبرته آية المباهلة(٤) نفس النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
٤ ـ وشهدت سورة الإنسان بإخلاص عليّ وأهل بيته وخشيتهم من الله، وتضمّنت الشهادة الربّانية لهم بأنّهم من أهل الجنّة(٥) .
وعقد أرباب الصحاح وغيرهم من المحدّثين فصولاً خاصّة بفضائل عليّعليهالسلام في أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولم تعرف الإنسانية في تأريخها الطويل رجلاً أفضل من عليّعليهالسلام بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولم يسجّل لأحد من الفضائل ما سجّل لعليّ بن أبي طالب بالرغم من كلّ ما ناله عليّعليهالسلام من سبّ وشتم على المنابر طوال حكم بني أُمية وما تداوله مبغضوه. وهم في صدد انتقاصه حتى لم يجدوا للعيب موضعاً فيه، ومما قاله عمر بن الخطّاب أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال:( ما اكتسب مكتسب مثل فضل عليّ، يهدي صاحبه إلى الهدى ويردّه عن الردّى) (٦) .
وقيل لعليّعليهالسلام : ما لك أكثر أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حديثاً؟ فقال :) إنّي
ــــــــــــ
(١) البقرة (٢) : ٢٧٤، وراجع: ينابيع المودّة: ٩٢.
(٢) المائدة (٥) : ٥٥، وراجع: تفسير الطبري: ٦ / ١٦٥ والبيضاوي وغيرهما.
(٣) الأحزاب (٣٣) : ٣٣، وراجع: صحيح مسلم ، فضائل الصحابة.
(٤) آل عمران (٣) : ٦١ ، صحيح الترمذي: ٢ / ٣٠٠.
(٥) راجع: الكشّاف للزمخشري، والطبري في الرياض النضرة: ٢ / ٢٠٧.
(٦) الرياض النضرة: ١ / ١٦٦.
كنت إذا سألته أنبأني، وإذا سكت ابتدأني ( (١) .
وعن ابن عمر : أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم آخى بين أصحابه وجاء عليّ وعيناه تدمع قالصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّعليهالسلام :) أنت أخي في الدنيا والآخرة ( (٢) .
وعن أبي ليلى الغفاري أنّه قال : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول :) سيكون من بعدي فتنة ، فإذا كان ذلك فألزموا عليّ بن أبي طالب فإنّه أول من آمن بي ، وأوّل من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصدّيق الأكبر ، وهو فاروق هذه الأمة ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب المنافقين ( (٣) .
واعترف الخلفاء جميعاً بأنّ عليّاً أعلم الصحابة وأقضاهم ، وأنّه لولا عليّ ؛ لهلكوا حتى صارت مقولة عمر مضرب الأمثال : لولا عليّ ؛ لهلك عمر(٤) .
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه قال : ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ ببغض عليّ بن أبي طالب(٥) .
ولمّا بلغ معاوية مقتل عليّعليهالسلام قال : ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب(٦) .
وقال الشعبي : كان عليّ بن أبي طالب في هذه الأمة مثل المسيح بن مريم في بني إسرائيل ، أحبّه قوم فكفروا في حبّه ، وأبغضه قوم فكفروا في بغضه (٧) .
وكان أسخى الناس ، وكان على الخلُق الذي يحبّه الله : السخاء والجود ، ما قال :
ــــــــــــ
(١) طبقات ابن سعد: ٢ / ٣٣٨، وحلية الأولياء: ١ / ٦٨.
(٢) سنن الترمذي: ٥ / ٥٩٥ الحديث ٣٧٢٠.
(٣) الإصابة لابن حجر: ٤ / ١٧١ الرقم ٩٩٤ ، ومجمع الزوائد: ١ / ١٠٢.
(٤) شرح نهج البلاغة: ١ / ٦ ، وتذكرة الخواص: ص٨٧ .
(٥) الاستيعاب بهامش الإصابة: ٣ / ٤٥.
(٦) المصدر السابق.
(٧) العقد الفريد: ٢ / ٢١٦.
لسائل قطّ(١) .
وقال صعصعة بن صوحان لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام يوم بويع: والله يا أمير المؤمنين لقد زيّنت الخلافة وما زانتك ورفعتها وما رفعتك، ولَهي إليك أحوج منها إليك.
وعن ابن شبرمة: أنّه ليس لأحد من الناس أن يقول على المنبر: (سلوني) غير علي بن أبي طالب(٢) .
وقام القعقاع بن زرارة على قبره فقال: رضوان الله عليك يا أمير المؤمنين، فوالله لقد كانت حياتك مفتاح الخير، ولو أنّ الناس قبلوك; لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولكنّهم غمطوا النعمة وآثروا الدنيا(٣) .
وقال (المسيحي) جورج جرداق في كتابه (الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانية): إنّ عليّ بن أبي طالب من الأفذاذ النادرين، إذا عرفتهم على حقيقتهم بعيداً عن الصعيد التقليدي عرفت أنّ محور عظمتهم إنّما هو الإيمان المطلق بكرامة الإنسان وحقّه المقدّس في الحياة الحرّة الشريفة، وبأنّ هذا الإنسان منظور أبداً، وبأن الجمود والتقهقر والتوقّف عند حال من أحوال الماضي أو الحاضر ليست إلاّ نذير الموت ودليل الفناء(٤) .
وقال شبلي شميل: الإمام عليّ بن أبي طالب، عظيم العظماء، نسخة مفردةٌ لم يرَ لها الشرق ولا الغرب صورةً طبق الأصل لا قديماً ولا حديثاً(٥) .
وبقدر ما بقي عليّ رمزاً وقيادةً عمليةً معاً، ملتزماً مع جيل الصحابة الكبار بالمفهوم الأوّل للإسلام كهداية وتضحية من أجل إصلاح العالم ودفعه إلى طريق
ــــــــــــ
(١) شرح نهج البلاغة: ١ / ٧.
(٢) أئمتنا: ١ / ٩٤ ، عن أعيان الشيعة: ج٣ / القسم ١ / ص١٠٣ .
(٣) تأريخ اليعقوبي: ٢ / ٢١٣.
(٤) الإمام علي صوت العدالة الإنسانية: ١ / ١٤.
(٥) المصدر السابق: ص٣٥.
الحقّ والعدل، أي بمفهوم الدين كثورة دائمة ومستمرّة. كان معاوية يبرز من خلال صراعه مع عليّ ممثلاً لجيل المسلمين الجديد الذي وضعته الفتوحات في قمّة السلطة من جهة، وفرضت عليه أن يرى الأُمور أيضاً من وجهة نظر الحفاظ على المكتسبات المادية... وفي مثل هذه المواجهة العنيدة القاسية الممزّقة المدمّرة فقط كان معاوية يستطيع أن يولّد المشاعر الدنيويّة القويّة ويمزّق وحدة المسلمين ويشقّ وعيهم، وينتزع للسياسة السلطانية والدولة في مواجهة الروح الرسالية والثورية أرضاً جديدة من أملاك الدين الشامل(١) .
وكتب الأستاذ هاشم معروف: لقد كان الإمام عليّ بن أبي طالب حدثاً تأريخياً غريباً عن طباع الناس وعاداتهم منذ ولادته وحتى النفس الأخير من حياته، فقد أطلّ على هذه الدنيا من الكعبة... فكانت ولادته في ذلك المكان حدثاً تأريخياً لم يكن لأحد قبله ولم يحدث لأحد بعده، وكما دخل هذه الدنيا من بيت الله فقد خرج منها حين أقبل عليه الموت من بيت الله وقال: ولم يحدث لإنسان غيره ما حدث له، فقد وضعه من لا يؤمنون به إيمان شيعته ومحبّيه في طليعة قادة الفكر وعباقرة العصور، ووصفه المعتدلون من محبّيه إلى جانب الأنبياء والمرسلين، والمغالون منهم في مستوى الآلهة(٢) .
ــــــــــــ
(١) نقد السياسة، الدولة والدين، برهان غليون: ص٧٨ ، الطبعة الثانية ١٩٩٣، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
(٢) سيرة الأئمة الاثني عشر: ١ / ١٤١ ـ ١٤٢.
الفصل الثالث: مظاهر من شخصية الإمام عليّعليهالسلام
اجتمع للإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام من صفات الكمال، ومحمود الشمائل والخِلال ، وسناء الحسب وعظيم الشرف، مع الفطرة النقيّة والنفس المرضيّة ما لم يتهيّأ لغيره من أفذاذ الرجال.
تحدّر من أكرم المناسب وانتمى إلى أطيب الأعراق، فأبوه أبو طالب عظيم المشيخة من قريش، وجدّه عبد المطلب أمير مكّة وسيّد البطحاء، ثمّ هو قبل ذلك من هامات بني هاشم وأعيانهم(١) .
واختص بقرابته القريبة من الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فكان ابن عمّه وزوج ابنته وأحبّ عترته إليه، كما كان كاتب وحيه، وأقرب الناس إلى فصاحته وبلاغته، وأحفظهم لقوله وجوامع كلمه.
أسلم على يديه قبل أن تمسّ قلبه عقيدة سابقة، أو يخالط عقله شوبٌ من شرك ، ولازمه فتىً يافعاً في غدوّه ورواحه وسلمه وحربه حتى تخلّق بأخلاقه واتّسم بصفاته، وفقه عنه الدين وتفقّه ما نزل به الروح الأمين، فكان من أفقه أصحابه وأقضاهم وأحفظهم وأدعاهم وأدقّهم في الفتيا وأقربهم إلى الصواب، حتى قال فيه عمر: لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن(٢) .
ــــــــــــ
(١) مقدمة شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١ / ٣ .
(٢) مناقب آل أبي طالب: ٢/٣٦١ ط دار الأضواء.
فكان العالم المجرّب الحكيم والناقد الخبير، وكان لطيف الحسّ، نقيّ الجوهر، وضّاء النفس، سليم الذوق، مستقيم الرأي، حسن الطريقة، سريع البديهة، حاضر الخاطر، عارفاً بمهمّات الأُمور(١) .
عبادته وتقواهعليهالسلام :
اشتهر عليّ بن أبي طالب بتقواه التي كانت علّة الكثير من تصرّفاته مع نفسه وذويه والناس... وفيما ترى العبادة لدى المعظم رجع أصداء الضعف في نفوسهم أحياناً، ومعنىً من معاني التهرّب من مواجهة الحياة والأحياء أحياناً أُخرى، وهوساً موروثاً ثمّ مدعوماً بهوس جديد مصدره تقديس الناس والمجتمع لكلّ موروث في أكثر الأحيان... تراها تشتهر عند الإمام أخْذاً من كلّ قوّة ووصلاً لأطراف الحلقة الخلقية التي تشتدّ وتمتدّ حتى تجمع الأرض والسماء، ومعنىً من معاني الجهاد في سبيل ما يربط الأحياء بكلّ خير، وهي على كلّ حال شيء من روح التمرّد على الفساد يريد محاربته من كلّ صوب، ثمّ على النفاق وروح الاستغلال والاقتتال من أجل المنافع الخاصّة.. وعلى المذلّة والفقر والمسكنة والضعف، ثمّ على سائر الصفات التي تميّز بها عصره المضطرب القلق.
إنّ من تبصّر في عبادة الإمام، تبيّن له أنّ عليّاً متمرّد في عبادته وتقواه، كما هو متمرّد في أُسلوبه في السياسة والحكم، ففي عبادته افتتان الشاعر يقف في هيكل الوجود الرحب صافي النفس ممتلئ القلب، حتى إذا انكشفت له جمالات هذا الكون; تجاوبت وما في كيانه من أصداء وأظلال وموازين، فأطلق هذه الكلمة الرائعة التي نرى فيها دستوراً كاملاً لتقوى الأحرار وعبادة عظماء النفوس: (وإنّ قوماً عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجّار، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد، وإنّ
ــــــــــــ
(١) راجع: مقدمة شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم.
قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار)(١) .
إنّ عبادة الإمام ليست شيئاً من سلبيّة الخائف الهارب أو التاجر الراغب كما هي الحال عند الكثيرين من المتعبّدين، بل هي شيء من إيجابية الإنسان العظيم الواعي نفسه والكون على أساس من خبرة المجرّب وعقل الحكيم وقلب الشاعر.
وبهذا المفهوم للتقوى والعبادة كان عليّ يوجّه الناس إلى أن يتّقوا الله في سبيل الخير الإنساني العام، أو قل: في سبيل أمر أجلّ من رغبة تجّار العبادات في نعيم الآخرة، كان يوجّههم إلى التقوى لعلّ فيها ما يحملهم على أن يعدلوا وينصفوا المظلوم من الظالم فيقول:) عليكم بتقوى الله وبالعدل على الصديق والعدوّ ( (٢) . ولا خير في التقوى في نظر الإمام; إلاّ إذا دفعتك إلى أن تعترف بالحقّ قبل أن تشهد عليه، وألاّ تحيف على من تبغض ولا تأثم، والحياة ـ بهذا المعنى للعبادة ـ لا تبتغى لمتاع ولا تُرجى للذّة عابرة.
زُهدهعليهالسلام :
لقد زهد عليّ في الدنيا وتقشّف، وكان صادقاً في زهده كما كان صادقاً في كلّ ما نتج عن يمينه أو بَدَر من قلبه ولسانه، زهد في لذّة الدنيا وسبب الدولة وعلّة السلطان وكلّ ما يطمح لبلوغه الآخرون، ويَرَوْن أنّه مرتكز وجودهم، فإذا هو يسكن مع أولاده في بيت متواضع تأوي إليه الخلافة لا المُلك، وإذا هو يأكل الشعير تطحنه امرأته بيديها فيما كان عمّاله يعيشون على أطايب الشام وخيرات مصر ونعيم العراق، وكثيراً ما كان يأبى على زوجته أن تطحن له، فيطحن لنفسه وهو أمير المؤمنين، ويأكل من الخبز اليابس الذي يكسره على ركبته، وكان إذا أرعده البرد واشتدّ عليه الصقيع لا يتّخذ له عدّة من دثار يقيه أذى البرد، بل يكتفي بما رقّ من لباس الصيف إغراقاً منه في صوفيّة الروح.
ــــــــــــ
(١) نهج البلاغة طبعة صبحي الصالح : ٥١٠ الحكمة ٢٣٧ ط دار الهجرة قم.
(٢) بحار الأنوار: ٧٧/٢٣٦ باب وصيّة أمير المؤمنين عليهالسلام ط الوفاء .
روى هارون بن عنترة عن أبيه، قال: دخلتُ على عليّ بالخورنق، وكان فصل شتاء، وعليه خلق قطيفة هو يرعد فيه، فقلت: يا أمير المؤمنين! إن الله قد جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيباً وأنت تفعل ذلك بنفسك؟ فقال: (والله ما أرزؤكم شيئاً، وما هي إلاّ قطيفتي التي أخرجتها من المدينة) (١) .
وأتى أحدهم عليّاً بطعام نفيس حلو يقال له: الفالوذج، فلم يأكله عليّ ونظر إليه يقول:(والله إنّك لطيّب الريح حسن اللون طيّب الطعم، ولكن أكره أن أُعوِّد نفسي ما لم تعتد) (٢) .
ولعمري إنّ زهد عليّ هذا ليس إلاّ معنىً ومزاجاً من معاني فروسيّته ومزاجها وإن بدا للبعض أنّهما مختلفان.
وقد حملت هذه السيرة الطيّبة عمر بن عبد العزيز ـ أحد خلفاء الأسرة الأموية التي تكره عليّاً وتختلق له السيّئات وتسبّه على المنابر ـ على أن يقول: أزهد الناس في الدنيا عليّ بن أبي طالب(٣) .
والمشهور أنّ عليّاً أبى أن يسكن قصر الإمارة الذي كان معدّاً له بالكوفة، لئلاّ يرفع سكنه عن سكن أولئك الفقراء الكثيرين الذين يقيمون في خِصاصهم البائسة، ومن كلامه هذا القول الذي انبثق عن أُسلوبه في العيش انبثاقاً:) أأقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر؟ !( (٤) .
إباؤه وشهامتهعليهالسلام :
مثّل عليّ بن أبي طالب الفروسيّة بأروع معانيها وبكلّ ما تنطوي عليه
ــــــــــــ
(١) بحار الأنوار : ٤٠/٣٣٤ ط الوفاء.
(٢) المصدر السابق : ٤٠/٣٢٧.
(٣) المصدر السابق : ٤٠/٣٣١ باب ٩٨ ذ ح ١٣ ط الوفاء.
(٤) نهج البلاغة طبعة صبحي الصالح: ٤١٨ الكتاب ٤٥ .
من ألوان الشهامة. والإباء والترفّع أصلان من أصول روح الفروسيّة، فهما إذن من طبائع الإمام، لذلك كان بغيضاً لديه أن ينال أحداً من الناس بالأذى وإن آذاه، وأن يبادر مخلوقاً بالاعتداء ولو على ثقة بأنّ هذا المخلوق يقصد قتله.
وروح الإباء والترفّع هذه هي التي ارتفعت به عن مقابلة الأمويين بالسباب يوم كانوا يرشقونه به.. بل إنّه منع على أصحابه أن ينالوا الأمويين بالشتيمة المقذعة حتى قال لهم: (إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم; كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إيّاهم: اللهمّ احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم حتّى يعرف الحقّ مَن جهله، ويرعوي عن الغيّ والعدوان مَن لهج به ) (١) .
مروءتهعليهالسلام :
إنّ مروءة الإمام أندر من أن يكون لها مثيل في التأريخ، وحوادث المروءة في سيرته أكثر من أن تعدّ، منها أنّه أبى على جنده ـ وهم في حال من النقمة والسخط ـ أن يقتلوا عدوّاً تراجع، كما أبى عليهم أن يكشفوا ستراً أو يأخذوا مالاً، ومنها: أنّه حين ظفر بألدّ أعدائه الذين يتحيّنون الفرص للتخلّص منه; عفا عنهم وأحسن إليهم وأبى على أنصاره أن يتعقّبوهم بسوء وهم على ذلك قادرون(٢) .
صدقه وإخلاصهعليهالسلام :
وتتماسك هذه الصفات الكريمة في سلسلة لا تنتهي; وبعضها على بعض دليل، ومن أروع حلقاتها: الصدق والإخلاص، وقد بلغ به الصدق مبلغاً أضاع به الخلافة، وهو لو رضي عن الصدق بديلاً في بعض أحواله; لما نال منه عدوّ ولا انقلب عليه صديق.. لقد رفض أن يقرّ معاوية على عمله وقال:( لا أداهن في ديني
ــــــــــــ
(١) نهج البلاغة طبعة صبحي الصالح: ٣٢٣ ، الخطبة ٢٠٦.
(٢) البداية والنهاية: ٧ / ٢٧٦.
ولا أعطي الدنيّة في أمري ) ولمّا ظهرت حيلة معاوية; أطلق عبارته التي صحّت أن تكون صيغة للخلق العظيم:( والله ما معاوية بأدهى منّي، ولكنّه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر; لكنت من أدهى الناس ) (١) . وقال مشدّداً على ضرورة الصدق مهما اختلفت الظروف:( الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك ، على الكذب حيث ينفعك ) (٢) .
شجاعتهعليهالسلام :
إن شجاعة الإمام هي من الإمام بمنزلة التعبير من الفكرة وبمثابة العمل من الإرادة، لأنّ محورها الدفاع عن طبع في الحق وإيمان بالخير، والمشهور أنّ أحداً من الأبطال لم ينهض له في ميدان.. فقد كان لجرأته على الموت لا يهاب صنديداً، بل إنّ فكرة الموت لم تجل مرة في خاطر الإمام وهو في موقف نزال، وأنّه لم يقارع بطلاً إلاّ بعد أن يحاوره لينصحه ويهديه.
وكان عليّ مع قوته البالغة يتورّع عن البغي أيّاً كان الظرف، وأجمع المؤرّخون على أنّه كان يأنف القتال إلاّ إذا حُمِل عليه حملاً، فكان يسعى أن يسوّي الأُمور مع خصومه على وجوه سلميّة تحقن الدم وتحول دون النزال.
وطبيعة التورّع عن البغي أصل من أصول نفسيّة عليّ وخلق من أخلاقه، وهي متّصلة اتّصالاً وثيقاً بمبدئه العام الذي يقوم بمعرفة العهد وصيانة الذمّة والرحمة بالناس حتى يخونوا كلّ عهد ويقسوا دون كلّ رحمة.
وما كان لعليّ أن يستنجد الصداقة على العداوة; لولا ذلك الفيض العظيم من الوفاء والحنان الذي تزخر به نفسه ويطغى على جنانه.
ولكنّ صاحب المودّات لم يرعَ أصدقاؤه له مودّة، لأنّهم لم يكونوا ليطمعوا
ــــــــــــ
(١) نهج البلاغة، الخطبة : ٢٠٠.
(٢) نهج البلاغة، قصار الحكم: ٤٥٨.
بأن يحولوا بينه وبين نفسه، فيطلق أيديهم في خيرات الأرض دون سائر الخلق، يقول عليّعليهالسلام :( والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلُبها جَلبَ شعيرة ما فعلتُ، وإنّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة ) (١) وليس عليّ في هذا المجال قائلاً ثمّ عاملاً، بل هو القول يجري من طبيعة العمل الذي يُعمل والشعور الذي يُحَسّ... فعليّ أكرم الناس مع الناس، وأبعد الخلق عن أن ينال الخلق بالأذى، وأقربهم إلى بذل نفسه في سبيلهم على أن يقتنع ضميره بضرورة هذا البذل، أوَليست حياته كلّها سلسلة معارك في سبيل المظلومين والمستضعفين، وانتصاراً دائماً للاُمّة دون من يريدونه آلة إنتاج لهم من السادة ورثة الأمجاد العائلية، أولم يكن سيفاً صارماً فوق أعناق القرشيّين الذين أرادوا استغلال الخلافة والإمارة للسلطان والجاه وتكديس الأموال ؟! أَلمْ يَضع الخلافةَ والحياةَ على الأرض لأنّه أبى مسايرة أهل الدنيا في استعباد إخوانهم الضعفاء والفقراء والمظلومين ؟
عدلهعليهالسلام :
ليس غريباً أن يكون عليٌّ أعدل الناس، بل الغريب أن لا يكونَهُ، وأخبار عليّ في عدله تراثٌ يشرّف المكانة الإنسانية والروح الإنساني.
وكان الإمام يأبى الترفّع عن رعاياه في المخاصمة والمقاضاة، بل إنّه كان يسعى إلى المقاضاة إذا وجبت لتشبّعه بروح العدالة.
وتجري في روحه العدالة حتى أمام أبسط الأُمور، ووصايا الإمام ورسائله إلى الولاة تكاد تدور حول محور واحد هو العدل، وقد انتصر العدل في قلب عليّ وقلوب أتباعه وإن ظلموا وظلم.
ــــــــــــ
(١) نهج البلاغة، الخطبة: ٢٢٤.
تواضعهعليهالسلام :
إنّ من أصول أخلاق الإمام أنّه كان يعتمد البساطة ويمقت التكلّف. وكان يقول:( شر الإخوان من تكلّف له ) (١) . ويقول:( إذا احتشم المؤمن أخاه فقد فارقه ) (٢) ويقصد بالاحتشام مراعاته حتى التكلّف.
وكان لا يتصنّع في رأي يراه أو نصيحة يسديها أو رزق يهبه أو مال يمنعه. وكانت هذه الطبيعة تلازمه حتى يسأم أصحاب الأغراض من استرضائه بالحيلة. وإذا هم ينسبون إليه القسوة والجفوة والزهو على الناس، وليس صدق الشعور وإظهاره زهواً وليس جفوة، بل إنّه كان يمقت الزهو والعجب.. ولطالما نهى ولدَه وأعوانه وعمّاله عن الكبر والعجب قائلاً:( إيّاك والإعجاب بنفسك، واعلم أنّ الإعجاب ضد الصواب وآفة الألباب ) (٣) . وكره التكلّف في محبّيه الغالين كما كره التكلّف في مبغضيه المفرطين فقال:( هلك فيّ اثنان: محبٌ غال ومبغضٌ قال ) (٤) .
لقد كان يخرج إلى مبارزيه حاسر الرأس ومبارزوه مقنعون بالحديد، أفعجيب أن يخرج إليهم حاسر النفس وهم مقنعون بالحيلة والرياء؟.
نقاؤهعليهالسلام :
وتميّز عليّ بسلامة القلب، فهو لا يحمل ضغينة على مخلوق ولا يعرف حقداً على ألدّ أعدائه ومناوئيه ومن يحقدون عليه حسداً وكرهاً.
كرمهعليهالسلام :
وكان من خلقه أنّه كان كريماً ولا حدود لكرمه، ولكنّه الكرم السليم
ــــــــــــ
(١) نهج البلاغة، قصار الحكم: ٤٧٩.
(٢) المصدر السابق: ٤٨٠.
(٣) المصدر السابق من كتاب ٣١ رقم ٥٧.
(٤) نهج البلاغة : ١١٧.
بأصوله وغاياته لا كرم الولاة الذين (يكرمون) بأموال الناس وجهودهم. وهذا الكرم لم يعرفه عليٌّ مرّة في حياته، وإنّما كرمه هو الذي يعبّر عن جملة المروءات، ففيما كان يزجر ابنته زجراً شديداً إذ هي استعارت من بيت المال قلادة تتزيّن بها في عيد من الأعياد. كان يسقي بيده النخل لقوم من يهود المدينة حتى تمْجلَ يده فيتناول أجرته فيهبها لأهل الفاقة والعوز ويشتري بها الأرقاء ويحرّرهم في الحال.
وقد شهد معاوية على كرم عليّ قائلاً: لو ملك عليّ بيتاً من تبر وبيتاً من تبن لأنفد تبره قبل تبنه(١) .
علمه ومعارفهعليهالسلام :
قال ابن أبي الحديد: (وما أقول في رجل تُعزى إليه كلّ فضيلة، وتنتمي إليه كلّ فرقة، وتتجاذبه كلّ طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وأبو عُذْرِها، وسابق مضمارها، ومجلّي حَلْبتها، كلّ من بزغ فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى. وإنّ أشرف العلوم ـ وهو العلم الإلهي ـ من كلامهعليهالسلام اقتبس وعنه نقل وإليه انتهى ومنه ابتدأ... وعلم الفقه هو أصله وأساسه وكلّ فقيه في الإسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقهه... وعلم تفسير القرآن عنه أُخذ ومنه فُرّع وعلم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوّف(؟!) إنّ أرباب هذا الفنّ في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون، وعنده يقفون.. وعلم النحو والعربية قد علم الناس كافة أنّه هو الذي ابتدعه وأنشأه، وأملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعَه وأصوله...)
ثم قال: (وأمّا الفصاحة، فهوعليهالسلام إمام الفصحاء وسيّد البلغاء، وفي كلامه قيل: (دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين)، ومنه تعلّم الناس الخطابة والكتابة ..
ــــــــــــ
(١) تاريخ دمشق لابن عساكر : ٤٣/٤١٤ ترجمة علي بن أبي طالب عليهالسلام .
فوالله ما سنّ الفصاحة لقريش غيره، ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالةً على أنّه لا يجارى في الفصاحة ولا يُبارى في البلاغة...)
ثم قال: (وأمّا الزهد في الدنيا، فهو سيّد الزهاد، وبدل الأبدال، وإليه تشدّ الرحال، وعنده تُنْفَضُ الأحلاس، ما شبع من طعام قطّ، وكان أخشنَ الناس مأكلاً وملبساً(.
وأمّا العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاةً وصوماً، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد وقيام النافلة، وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على وِرده أن يُبسَط له نِطَعٌ بين الصفّين ليلةَ الهرير(١) فيصلّي عليه ورده والسهام تقع بين يديه وتمرّ على صِماخيه يميناً وشمالاً، فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته... وأنت إذا تأمّلت دعواته ومناجاته ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وإجلاله وما يتضمّنه من الخضوع لهيبتهِ والخشوع لعزّته والاستخذاء له; عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص، وفهمت من أيّ قلب خرجت، وعلى أيّ لسان جَرَت. وقال عليّ بن الحسين وكان الغاية في العبادة:عبادتي عند عبادة جدّي كعبادة جدّي عند عبادة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
وأمّا قراءته القرآن واشتغاله به فهو المنظور إليه في هذا الباب; اتّفق الكلّ على أنّه كان يحفظ القرآن على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولم يكن غيره يحفظه، ثمّ هو أوّل من جمعه. وإذا رجعت إلى كتب القراءات وجدت أئمّة القرّاء كلّهم يرجعون إليه.
وما أقول في رجل تحبّه أهل الذمّة على تكذيبهم بالنبوّة، وتعظّمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملّة، وتصوِّر ملوك الإفرنج والروم صورته في بِيَعها وبيوت عباداتها، حاملاً سيفه؟ وما أقول في رجل أحبّ كلُّ واحد أن يتكثّر به، وودّ كلُّ أحد أن يتجمّل ويتحسّن بالانتساب إليه؟
ــــــــــــ
(١) هي أشد ليلة مرّت على الجيشين في معركة صفّين، راجع مروج الذهب : ٢ / ٣٨٩ .
وما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى.. لم يسبقه أحد إلى التوحيد إلاّ السابق لكلّ خير محمد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (١) ؟
ــــــــــــ
(١) من مقدمة ابن أبي الحديد لشرح نهج البلاغة ١ / ١٦ ـ ٣٠ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
الباب الثاني: فيه فصول:
الفصل الأول: نشأة الإمام عليعليهالسلام .
الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام عليعليهالسلام .
الفصل الثالث: من الولادة إلى الإمامة.
الفصل الأول: نشأة الإمام عليعليهالسلام
نسبه الوضّاء :
هو الإمام أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إياس بن مضر بن نزار ابن معد بن عدنان.
جدّه الكريم :
عبد المطلب شيبة الحمد، وكنيته أبو الحرث، وعنده يجتمع نسبه بنسب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان مؤمناً بالله تعالى، ويعلم بأنّ محمداً سيكون نبيّاً(١) .
ولمّا حضرت عبد المطلب الوفاة دعا ابنه أبا طالب، فقال له: يا بني! قد علمت شدّة حبّي لمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ووجدي به أنظر كيف تحفظني فيه قال أبو طالب: يا أبه! لا توصني بمحمّد فإنّه ابني وابن أخي(٢) .
ــــــــــــ
(١) الطبقات لمحمد بن سعد: ١ / ٧٤ ط. ليدن.
(٢) كمال الدين للصدوق : ١٧٠ ط النجف الأشرف و ١٧٢ ط طهران عن ابن عباس. وفي موسوعة التاريخ الإسلامي: ١/٢٨٥.
والده :
عبد مناف، وقيل: عمران، وقيل: شيبة، وكنيته أبو طالب، وهو أخو عبد الله والد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لأُمه وأبيه. ولد أبو طالب بمكّة قبل ولادة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بخمس وثلاثين سنة، وانتهت إليه بعد أبيه عبد المطلب الزعامة المطلقة لقريش، وكان يروي الماء لوفود مكّة كافّة لأنّ السقاية كانت له، ورفض عبادة الأصنام فوحّد الله سبحانه، ومنع نكاح المحارم وقتل الموؤدة والزنا وشرب الخمر وطواف العراة في بيت الله الحرام(١) . ولمّا توفّي عبد المطلب; تكفّل أبو طالب رعاية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فكان أبو طالب يحبّه حبّاً شديداً لا يحبّه ولده، وكان لا ينام إلاّ إلى جنبه، ويخرج فيخرج معه، وكان يخصّه بالطعام دون أولاده.
وروي أنّ أبا طالب دعا بني عبد المطلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وما اتّبعتم أمره، فاتّبعوه وأعينوه ترشدوا. وما زالت قريش كافّة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى مات أبو طالب(٢) .
توفّي أبو طالب قبل الهجرة بثلاث سنين وبعد خروج بني هاشم مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من الشِعب وعمره بضع وثمانون سنة(٣) ، وكان للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم تعلّق شديد بأبي طالب، فقد عاش في كنفه (٤٣) عاماً منذ الثامنة من عمره الشريف حينما توفّي جدّه عبد المطلب.. وقد ثبت أنّ أبا طالب كان موحّداً مؤمناً بالله ومعتقداً بالإسلام أرسخ الاعتقاد، وبقي على حاله هذه حتى وافاه الأجل، وإنّما أخفى إيمانه ليتمكّن أن يكون له شأن واتّصال مع كفّار مكّة، وليطّلع على
ــــــــــــ
(١) روضة الواعظين للفتال: ١٢١ ـ ١٢٢ وصية أبي طالب لبني هاشم.
(٢) الطبقات لابن سعد: ١ / ٧٥.
(٣) الكامل في التأريخ لأبن الأثير: ٢ / ٩٠، راجع : موسوعة التاريخ الإسلامي : ١/٤٣٦.
مكائدهم ومؤامراتهم، فكان يعيش حالة التقيّة، وكان مثله كأصحاب الكهف في قومهم، وهو ممّن آتاهم الله أجرهم مرّتين لإيمانه وتقيّته(١) .
أُمّه :
فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، تجتمع هي وأبو طالب في هاشم، أسلمت وهاجرت مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وكانت من السابقات إلى الإيمان وبمنزلة الأُم للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم (٢) ربّته في حجرها، ولمّا ماتت فاطمة بنت أسد; دخل إليها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فجلس عند رأسها وقال:( رحمك الله يا أُمي، كنت أُمي بعد أُمي، تجوعين وتشبعيني، وتعرين وتكسيني، وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعميني، تريدين بذلك وجه الله والآخرة ) .
وغمّضها، ثمّ أمر أن تغسل بالماء ثلاثاً، فلمّا بلغ الماء الّذي فيه الكافور سكبه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بيده، ثمّ خلع قميصه فألبسه إيّاها وكفّنت فوقه ودعا لها أسامة بن زيد مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطّاب وغلاماً أسود فحفروا لها قبرها، فلمّا بلغوا اللّحد حفره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بيده، وأخرج ترابه ودخل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قبرها فاضطجع فيه، ثمّ قال:( الله الّذي يحيي ويميت، وهو حيّ لا يموت، اللّهمّ اغفر لأُمّي فاطمة بنت أسد بن هاشم، ولقّنها حجتها، ووسّع عليها مدخلها بحقّ نبيّك والأنبياء من قبلي، فإنّك أرحم الراحمين ) وأدخلها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اللحد والعباسُ وأبو بكر(٣) .
فقيل: يا رسول الله رأيناك وضعت شيئاً لم تكن وضعته بأحد من قبل:
ــــــــــــ
(١) بحار الأنوار: ٣٥ / ٧٢. وانظر: منية الطالب في إيمان أبي طالب للشيخ الطبسي، وأبو طالب مؤمن قريش للشيخ عبد الله الخُنيزي وموسوعة التاريخ الإسلامي: ١/٥١٤ ـ ٥١٧ و ٥٩٦ ـ ٦٠١.
(٢) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ٣١.
(٣) بصائر الدرجات : ٧١ عن الصادق عليهالسلام ، وراجع: موسوعة التاريخ الإسلامي: ٢/٤٣٣ ـ ٤٣٧ .
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :(ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنّة، واضطجعت في قبرها ليخفّف عنها من ضغطة القبر، إنّها كانت من أحسن خلق الله صُنعاً إليّ بعد أبي طالب رضي اللّه عنهما ورحمهما ( (١) .
الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام عليّعليهالسلام
ولد الإمام عليعليهالسلام قبل البعثة النبوية بعقد واحد، وعاصر إرهاصات البعثة وكل حركة الرسالة خلال العهد المكّي ـ وهو عهد بناء الأمة المسلمة وتكوين القاعدة الرسالية الصلبة ـ كما عاصر كل أحداث العهد المدني، حيث تم فيه بناء الدولة الإسلامية بقيادة سيّد المرسلينصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وساهم بكل وجوده في بناء هذا الكيان الشامخ حتى تجلّى للجميع عمق وجوده في هذا البناء الرسالي الفريد.
وحمل الإمامعليهالسلام بأمر من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مشعل الهداهية الربّانية والقيادة الإسلامية بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم رغم تراجع جمع من الصحابة وتمرّدهم على نصوص الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وخذلانهم للإمامعليهالسلام والحيولة دون استلامه للقيادة السياسية ولكنه استمر في انجاز مهمامّه الرسالية في تلك الظروف العصيبة وعايس الخلفاء رغم انه كان يرى محلّه من القيادة محل القطب من الرحى فصبر وفي العين قذى مدة عقدين وصنف عقد حتّى انكشفت للأمة جملة من نتائج انحرافها الخطير عن تخطيط الرسول الأمين.
من هنا التجأت الأمة إلى الإمام لتسلم له زمام أمرها بعد تلك الخطوب وذلك التصدع الذي طال كيانه فحمل عبء القيادة بكل جدارة خلال نصف عقد فقط حتّى قدّم دمه الطاهر في سبيل الله رخيصا يبتغي به رضوان الله تعالى تثبيتا للقيم الرسالية التي جاهد من أجل إرسائها في وجدان المجتمع الإسلامي وضمير المجتمع الإنساني.
وعلى هذا تنقسم حياة الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام إلى شطرين رئيسين:
الشطر الأول: حياته منذ ولادته وحتّى وفاة سيد المرسلينصلىاللهعليهوآلهوسلم .
الشطر الثاني: حياته من حين وفاة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم وتولّيه لمهامّ الإمامة الشرعية وحتّى استشهادهعليهالسلام في محراب العبادة.
ــــــــــــ
(١) الفصول المهمة لابن الصباغ: ٣٢، وفي فرائد السمطين: ١ / ٣٧٩: (صنعت شيئاً لم تصنعه بأحد) وروى إسلام فاطمة بنت أسد وهجرتها وحنانها ورعايتها للرسول ووفاتها وما قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في فضلها كثير من الحفّاظ والمؤلّفين في كتبهم كابن عساكر وابن الأثير وابن عبد البرّ ومحب الدين الطبري ومحمد بن طلحة والشبلنجي وابن الصبّاغ البلاذري وغيرهم.
ونظرا لتنوّع الأدوار والظروف التي عاشهاعليهالسلام يمكننا أن نصنّف حياته إلى عدّة مراحل:
المرحلة الأولى: من الولادة إلى البعثة النبويّة المباركة.
المرحلة الثانية: من البعثة إلى الهجرة.
المرحلة الثالثة: من الهجرة إلى وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وهذه المراحل الثلاث تدخل في الشطر الأول من حياته وقد تجلّى فيها انقياده المطلق للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم والدفاع المستميت عن الرسالة والرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
المرحلة الرابعة: حياة الإمام في عهد (أبي بكر وعمر وعثمان(.
المرحلة الخامسة: حياته في عهد دولته.
وسوف ندرس المراحل الثلاث الأولى في الفصل الثالث من الباب الثاني.
كما نبحث عن المرحلة الرابعة من حياته في الباب الثالث بفصوله الأربعة، ونخصص الباب الرابع بالمرحلة الخامسة من حياتهعليهالسلام .
الفصل الثالث: المرحلة الأولى : من الولادة إلى البعثة النبوية المباركة
ولادته :
قال عليّعليهالسلام :(فإنّي ولدتُ على الفطرة وسَبقتُ إلى الإيمان والهجرة ( (١) .
ولِد الإمام عليّعليهالسلام بمكّة المشرّفة داخل البيت الحرام وفي جوف الكعبة في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب سنة ثلاثين من عام الفيل قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة، ولم يولد في بيت الله الحرام قبله أحد سواه، وهي فضيلة خصّه الله تعالى بها إجلالاً له وإعلاءً لمرتبته وإظهاراً لتكرمته(٢) .
ــــــــــــ
(١) نهج البلاغة (صبحي الصالح): الخطبة ٥٧ ص٩٢، وأمالي الطوسي: ص٣٦٤ الرقم ٧٦٥، ومناقب آل أبي طالب: ٢ / ١٠٧، وشرح النهج لابن أبي الحديد: ٤ / ١١٤، وبحار الأنوار: ٤١ / ٢١٧.
(٢) خصائص أمير المؤمنين للشريف الرضي: ٣٩، والغدير للأميني: ٦ / ٢٢، والمستدرك للحاكم النيشابوري: ٣/٤٨٣، والكفاية للحافظ الكنجي الشافعي والخريدة الغيبيّة في شرح القصيدة العينيّة للآلوسي صاحب التفسير، ومروج الذهب للمسعودي، والسيرة النبوية، وموسوعة التاريخ الإسلامي: ١/٣٠٦ ـ ٣١٠.
روي عن يزيد بن قعنب أنّه قال: كنت جالساً مع العباس بن عبد المطلب وفريق من بني عبد العزّى بإزاء بيت الله الحرام إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنينعليهالسلام ، وكانت حاملاً به لتسعة أشهر وقد أخذها الطلق، فقالت: يا ربّ إنّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإنّي مصدّقة بكلام جديّ إبراهيم الخليلعليهالسلام وإنّه بنى البيت العتيق، فبحقّ الّذي بنى هذا البيت، وبحقّ المولود الّذي في بطني إلاّ ما يسّرت عليَّ ولادتي.
قال يزيد: فرأيت البيت قد انشق عن ظهره، ودخلت فاطمة فيه، وغابت عن أبصارنا وعاد إلى حاله والتزق الحائط، فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح، فعلمنا أنّ ذلك أمر من أمر الله عَزَّ وجَلَّ، ثمّ خرجت في اليوم الرابع وعلى يدها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام (١) .
وأسرع البشير إلى أبي طالب وأهل بيته فأقبلوا مسرعين والبِشر يعلو وجوههم، وتقدّم من بينهم محمّد المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم فضمّه إلى صدره، وحمله إلى بيت أبي طالب ـ حيث كان الرسول في تلك الفترة يعيش مع خديجة في دار عمه منذ زواجه ـ وانقدح في ذهن أبي طالب أن يسمّي وليده (عليّاً) وهكذا سمّاه، وأقام أبو طالب وليمةً على شرف الوليد المبارك، ونحر الكثير من الأنعام(٢) .
كناه وألقابه :
إن لأمير المؤمنين عليّعليهالسلام ألقاباً وكنىً ونعوتاً يصعب حصرها والإلمام بها، وكلّها صادرة من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في شتى المواقف والمناسبات العديدة التي وقفهاعليهالسلام لنشر الإسلام والدفاع عنه وعن الرسول.
فمن ألقابهعليهالسلام : أمير المؤمنين، ويعسوب الدين والمسلمين، ومبير(٣) الشرك والمشركين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، ومولى المؤمنين، وشبيه هارون، والمرتضى، ونفس الرسول، وأخوه، وزوج البتول، وسيف الله المسلول، وأمير البررة، وقاتل الفجرة، وقسيم الجنّة والنار، وصاحب اللواء، وسيّد
ــــــــــــ
(١) علل الشرائع للصدوق: ص٥٦، وروضة الواعظين للفتال النيسابوري: ص٦٧، وبحار الأنوار: ٣٥ / ٨ ، وكشف الغمة للأربلي: ١ / ٨٢ .
(٢) بحار الأنوار: ٣٥ / ١٨.
(٣) اليعسوب: يقصد به هنا سيّد قومه. المبير: المهلك.
العرب، وخاصف النعل، وكشّاف الكرب، والصدّيق الأكبر، وذو القرنين، والهادي، والفاروق، والداعي، والشاهد، وباب المدينة، والوالي، والوصيّ، وقاضي دين رسول الله، ومنجز وعده، والنبأ العظيم، والصراط المستقيم، والأنزع البطين(١) .
وأمّا كناه فمنها: أبو الحسن، أبو الحسين، أبو السبطين، أبو الريحانتين، أبو تراب.
الإعداد النبويّ للإمام عليّعليهالسلام :
كان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يتردّد كثيراً على دار عمّه أبي طالب بالرغم من زواجه من خديجة وعيشه معها في دار منفردة، وكان يشمل عليّاًعليهالسلام بعواطفه، ويحوطه بعنايته، ويحمله على صدره، ويحرّك مهده عند نومه إلى غير ذلك من مظاهر العناية والرعاية(٢) .
وكان من نِعَم الله عزّ وجلّ على عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وما صنع الله له وأراده به من الخير أنّ قريشاً أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم للعبّاس ـ وكان من أيسر بني هاشم ـ : يا عبّاس، إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد ترى ما أصاب الناس من هذه الأزمة، فانطلق بنا، فلنخفّف عنه من عياله، آخذُ من بيته واحداً، وتأخذ واحداً، فنكفيهما عنه ، قال العباس: نعم.
فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له:إنّا نريد أن نخفّف عنك من عيالك حتّى ينكشف عن الناس ما هم فيه ، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا
ــــــــــــ
(١) كشف الغمة للأربلي: ١ / ٩٣. وقد وردت ألقاب أُخرى عديدة لأمير المؤمنين في مصادر الرواة والمحدّثين منها: صحيح الترمذي والخصائص للنسائي والمستدرك للحاكم النيسابوري وحلية الأولياء للأصفهاني وأُسد الغابة لابن الأثير وتأريخ الإسلام للذهبي وغيرهم.
(٢) بحار الأنوار: ٣٥ / ٤٣.
ما شئتما، فأخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاًعليهالسلام فضمّه إليه وكان عمره يومئذ ستة أعوام، وأخذ العبّاس جعفراً، فلم يزل عليّ بن أبي طالب مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى بعثه الله نبيّاً، فاتّبعه عليّعليهالسلام فآمن به وصدّقه، ولم يزل جعفر عند العبّاس حتّى أسلم واستغنى عنه(١) .
وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد أن اختار عليّاًعليهالسلام : (قد اخترت من اختاره الله لي عليكم عليّاً ( (٢) .
وهكذا آن لعليّعليهالسلام أن يعيش منذ نعومة أظفاره في كنف محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث نشأ وترعرع في ظل أخلاقه السماويّة السامية، ونهل من ينابيع مودّته وحنانه، وربّاهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفقاً لما علّمه ربّه تعالى، ولم يفارقه منذ ذلك التأريخ.
وقد أشار الإمام عليّعليهالسلام إلى أبعاد التربية التي حظي بها من لدن أستاذه ومربّيه النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ومداها وعمق أثرها، وذلك في خطبته المعروفة بالقاصعة: (وقد علمتم موضعي من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة (٣) ، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسّني جَسده، ويشمّني عَرْفه (٤) ، وكان يمضع الشيء ثمّ يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة (٥) في فعل) .
إلى أن قال:(ولقد كنت أتّبعه اتباع الفصيل (٦) أثر أمه، يرفع لي في كلّ يوم من
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري: ٢ / ٥٨ ط مؤسسة الأعلمي بيروت، وشرح ابن أبي الحديد: ١٣ / ١٩٨، وينابيع المودة: ٢٠٢، وكشف الغمة: ١ / ١٠٤، وموسوعة التاريخ الإسلامي : ١ / ٣٥١ ـ ٣٥٦.
(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١ / ١٥ ، نقلاً عن البلاذري والأصفهاني.
(٣) الخصيصة: الخاصة.
(٤) عرفه (بالفتح): رائحته، وأكثر استعماله في الطيب.
(٥) الخطلة: الخطأ ينشأ من عدم الرؤية.
(٦) الفصيل: ولد الناقة.
أخلاقه علماً (١) ، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء (٢) ، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة، ولقد سمعت رنّة (٣) الشيطان حين نزل الوحي عليه صلىاللهعليهوآلهوسلم فقلت: يا رسول الله، ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان آيس من عبادته، إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلاّ أنّك لست بنبيّ، ولكنّك وزير، وأنّك لعلى خير) (٤) .
المرحلة الثانية : من البعثة إلى الهجرة
عليّعليهالسلام أول المؤمنين برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
لقد نشأ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على قيم إلهية سامية كما صرّح بذلك القرآن الكريم بقوله تعالى:( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (٥) ، فكان النموذج المغاير لإنسان الجزيرة في معتقده وتفكيره وسلوكه وأخلاقه، فسلك منذ نعومة أظفاره خطّاً موازياً لقيم رسالات الأنبياء سيَّما شيخهم إبراهيم الخليلعليهالسلام ، وكان في قناعة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ هذا الخطّ لا يلتقي بقيم المجتمع الجاهلي، من هنا بدأصلىاللهعليهوآلهوسلم بإنشاء نواة الأسرة المؤمنة المتكونة منه وخديجة وعليّعليهمالسلام .
وقرّر أن يشقّ مجرى التأريخ، وأن يفتح طريقاً وسط التيار العام، وأن يقاوم بتلك الأسرة الانحراف السائد، وأن يُحدث موجاً هادراً يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى تيار جارف للوثنية والجاهلية من ربوع الأرض، إنّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام والذي تربّى في حِجر الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يسجد لصنم قطّ، ولم يُشرك بالله طرفة
ــــــــــــ
(١) عَلَماً: فضلاً ظاهراً.
(٢) حراء: جبل قرب مكّة.
(٣) رنّة الشيطان: صوته.
(٤) شرح نهج البلاغة للفيض: ٨٠٢ ، الخطبة ٢٣٤.
(٥) القلم (٦٨) : ٤.
عين. وعندما نزل الوحي على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان عليّعليهالسلام إلى جانبه، وكان أوّل من آمن برسالتهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما شهدت بذلك عامّة مصادر التأريخ.
وعن أنس بن مالك قال : أنزلت النبوّة على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الاثنين وصلّى عليّعليهالسلام يوم الثلاثاء(١) .
كما روي عن سلمان الفارسي أَنّه قال: أوّل هذه الأمة وروداً على نبيّهاصلىاللهعليهوآلهوسلم الحوض، أوّلها إسلاماً عليّ بن أبي طالبعليهالسلام (٢) .
وعن العباس بن عبد المطلب أنّه سمع عمر بن الخطاب وهو يقول: كفّوا عن ذكر عليّ بن أبي طالب إلاّ بخير، فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: في عليّ ثلاث خصال، وددت أنّ لي واحدةً منهنّ، كلّ واحدة منهنّ أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس، وذلك أنّي كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجرّاح ونفر من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ ضرب النبي على كتف عليّ بن أبي طالب وقال: يا عليّ، أنت أوّل المسلمين إسلاماً، وأنت أول المؤمنين إيماناً، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى، كذب من زعم أنّه يحبّني وهو مبغضك (٣) .
وإذ اتّفق المؤرّخون على أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام أوّل الناس إسلاماً(٤) ; فقد
ــــــــــــ
(١) تأريخ دمشق لابن عساكر: ١ / ٤١، والكامل في التأريخ: ٢ / ٥٨، وتأريخ الطبري: ٢ / ٥٥، وسنن الترمذي: ٥ / ٦٠٠ الحديث ٣٧٣٥.
(٢) الاستيعاب لابن عبد البرّ المالكي بهامش الإصابة: ٣ / ٢٩، وتأريخ الطبري: ٢ / ٥٥ وفيه: عليّ أول من أسلم، وفي تأريخ دمشق لابن عساكر: ١ / ٣٢، ٣٦، ٦٥ ذكر أنّ عليّاً أول من أسلم، وتأريخ بغداد: ٢ / ٨١ رقم ٤٥٩.
(٣) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ١٢٦، وتأريخ دمشق لابن عساكر: ١ / ٣٣١ رقم الحديث ٤٠١.
(٤) من مصادر حديث أنّ علي بن أبي طالب أول من أسلم: سنن البيهقي: ٦ / ٢٠٦، ومسند أبي حنيفة: رقم ٣٦٨ ص١٧٣، وتأريخ الطبري: ٢ / ٥٥ ط مؤسسة الأعلمي، والكامل في التأريخ: ٢ / ٥٧، واُسد الغابة: ٤ / ١٦، تاريخ ابن خلدون : ج٣ / ص٧١٥ ، بدء الوحي والسيرة النبوية: ١ / ٢٦٢، والسيرة الحلبية: ١ / ٤٣٢، ومروج الذهب: ٢ / ٢٨٣، وعيون الأثر: ١ / ٩٢، والإصابة في معرفة الصحابة: ٢ / ٥٠٧، وتأريخ بغداد للخطيب البغدادي: ٢ / ١٨.
اختلفوا في سنّه حين أعلن إسلامه، والخوض في تحديد عمر الإمامعليهالسلام حين إسلامه لا يُجدي نفعاً بعد أن عرفنا أنّه لم يكفر حتى يُسلم ولم يشرك حتّى يؤمن، ولقد قال سلام الله عليه:( ولدت على الفطرة ) ، ومن هنا اتّفقت كلمة المحدّثين جميعاً على احترام هذه الفضيلة وتقديسها بقولهم له حين ذكره: )عليّ كرّم الله وجهه)، فكان الإسلام في أعماق قلبه بعد أن احتضنه حجر الرسالة، وغذّته يد النبوّة، وهذّبه الخلق النبوّي العظيم.
قال الأستاذ العقّاد وهو يتحدّث عن الإمام عليّعليهالسلام : لقد ولد مسلماً على التحقيق إذا نحن نظرنا إلى ميلاد العقيدة والروح، لأنّه فتح عينيه على الإسلام، ولم يعرف قطّ عبادة الأصنام، فهو قد تربّى في البيت الّذي انطلقت منه الدعوة الإسلاميّة، وعرف العبادة من صلاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وزوجته الطاهرة قبل أن يعرفها من صلاة أبيه وأمه(١) .
علّيعليهالسلام أوّل من صلّى :
عاش الإمام عليّعليهالسلام مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كلّ متغيّرات حياة الرسول الأعظم، فكان يرى في محمّد المثل الكامل الّذي يُشبع تطلعاته وعبقرياته، فكان يحاكيه في أفعاله ويرصده في حركاته ويقتدي به ويطيعه في كلّ أوامره ونواهيه قبل البعثة النبويّة الشريفة وحتى آخر لحظة من عمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما أجمع المؤرّخون على أنّه لم يردّ على رسول الله كلمة قطّ.
وقد صرّح الإمامعليهالسلام بأنّه أوّل من صلَّى بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قائلاً:(لم يسبقني إلاّ رسول الله بالصلاة) (٢) .
ــــــــــــ
(١) عبقرية الإمام علي، عباس محمّود العقّاد: ص٤٣. وقد ذكر العلاّمة الأميني في كتابه الغدير: ٣ / ٢٢٠ ـ ٢٣٦ ما يربو على ٦٦ حديثاً في أسبقية إسلام الإمام عليّعليهالسلام على غيره من الصحابة.
(٢) نهج البلاغة للفيض: ٣٩٧ الخطبة ١٣١.
كما روي عن حبّة العرني أنّه قال: رأيت عليّاًعليهالسلام يوماً ضحك ضحكاً لم أره ضحك ضحكاً أشدّ منه حتى أبدى ناجذه، ثمّ قال:(اللّهم لا أعرف أنّ عبداً من هذه الأمة عبدك قبلي غير نبيّها صلىاللهعليهوآلهوسلم ) (١) .
وجاء في تفسير قوله تعالى: ( وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) (٢) عن ابن عباس: أنّها نزلت في رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّ بن أبي طالب وهما أول من صلّى وركع(٣) .
كما جاء عن أنس بن مالك: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (صلّت الملائكة عليَّ وعلى عليٍّ سبعاً، وذلك أنّه لم يرفع إلى السماء شهادة لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله إلاّ منّي ومنه) (٤) .
أوّل صلاة جماعة في الإسلام :
وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل بدء أمره إذا أراد الصلاة خرج إلى شعاب مكّة مستخفياً، وأخرج عليّاًعليهالسلام معه فيصلّيان ما شاء الله، فإذا قضيا رجعا إلى مكانهما، فمكثا يصلّيان على استخفاء من أبي طالب وسائر عمومتهما وقومهما، ثمّ إنّ أبا طالب مرّ عليهما فقال لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما هذا الذي أراك تدين به؟
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم :(هذا دين الله وملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم، بعثني الله به نبيّاً إلى العباد، وأنت ياعمّ أحقّ من أبديتُ النصيحة له ودعوتُه إلى الهدى، وأحقّ من أجابني إليه وأعانني عليه) .
وقال عليّعليهالسلام :(يا أبت، قد آمنت برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم واتّبعته وصلّيت معه لله) .
ــــــــــــ
(١) تأريخ دمشق لابن عساكر: ١ / ٤٩ رقم الحديث ٨٨ .
(٢) البقرة (٢) : ٤٣.
(٣) شواهد التنزيل للحسكاني: ١ / ٨٥ .
(٤) المناقب لابن المغازلي: ١٤ رقم الحديث ١٩، وروى نحوه الشيخ المفيد في الإرشاد: ٣٠ الفصل ١ الباب ٢، وأسد الغابة لابن الأثير: ٤ / ١٨ مثله.
فقال له: يا بُنيّ، أما إنّه لم يدعك إلاّ إلى الخير فالزمه(١) .
وهناك موقف آخر لعمّه العباس رواه عفيف الكندي حيث قال: كنت إمرأً تاجراً فقدمت الحجّ، فأتيت العباس بن عبد المطّلب لأبتاع منه بعض التجارة، فوالله إنّي لعنده بمنى إذ خرج رجل من خِباء قريب منه، فنظر إلى الشمس فلمّا رآها قد مالت قام يصلّي، ثمّ خرجت امرأة من ذلك الخباء الذي خرج منه ذلك الرجل، فقامت خلفه تصلّي، ثمّ خرج غلام راهق الحلم من ذلك الخِباء فقام معه يصلّي، فقلت للعبّاس: ما هذا يا عبّاس؟ قال: هذا محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي، فقلت: من هذه المرأة؟ قال: امرأته خديجة بنت خويلد، قلت: من هذا الفتى؟ قال: عليّ بن أبي طالب ابن عمّه، قلت: ما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلّي وهو يزعم أنّه نبيّ، ولم يتبعه على أمره إلاّ امرأته وابن عمّه هذا الغلام، وهو يزعم أنّه سيفتح على أمته كنوزَ كسرى وقيصر(٢) .
نعم، بعد أن تشكّلت نواة الأمة الإسلامية المباركة من رسول الله وعليّ وخديجة، وأخذ خبر الدين الجديد يتفشّى في صفوف القرشيين، وطفق الذين هداهم الله للإيمان يتقاطرون على الإسلام، وأخذ عود المسلمين يقوى ويشتدّ أزره، وبعد عدّة سنوات تحوّل إلى كيان قويّ وقادر على الإعلان عن نفسه على الجماهير والمواجهة والتحدّي من أجل الدين والعقيدة فأمر الله سبحانه وتعالى نبيّه الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يصدع بما يؤمر، وكان أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل ذلك إذا أرادوا الصلاة يذهبون إلى الشعاب فيستخفون، فلما صلّى بعض الصحابة في الشعب اطّلع عليهم نفر من المشركين منهم أبو سفيان بن حرب والأخنس بن
ــــــــــــ
(١) الفصول المهمّة لابن الصباغ: ٣٣، والكامل في التأريخ: ١ / ٥٨ ، وأخرج مثله الطبري في تأريخه: ٢ / ٥٨.
(٢) مسند أحمد: ١ / ٢٩، والخصائص للنسائي: ٣، وتأريخ دمشق لابن عساكر: ١ / ٥٨، وكفاية الطالب للكنجي: ١٢٩، والكامل في التأريخ: ٢ / ٥٧.
شريق وغيرهما، فسبّوهم وعابوهم حتى قاتلوهم(١) .
عليٌّعليهالسلام حين إعلان الرسالة :
حديث يوم الإنذار :
وحديث يوم الإنذار هو الحديث الخاص عن اجتماع عشيرة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بدعوة منه لغرض دعوتهم إلى بيعته ومؤازرته، وكان أوّل من أعلن استجابته لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك اليوم من عشيرته الأقربين: هو عليّ بن أبي طالبعليهالسلام . وقد ذكر المفسّرون والمؤرّخون ومنهم الطبري في تأريخه وتفسيره معاً أنّه لمّا نزلت ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وضاق ذرعاً لما كان يعلم به من معاندة قريش وحسدهم، فدعا عليّاًعليهالسلام ليعينه على الإنذار والتبليغ.
قال الإمام عليّعليهالسلام :دعاني رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا عليّ، إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت ذرعاً وعلمت أنّي متى أبادرهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمتّ عليه حتى جاءني جبرئيل فقال: يا محمّد إلاّ تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربّك. فاصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عُسّاً من لبن، واجمع لي بني عبد المطّلب حتى أُكلّمهم وأُبلّغهم ما أمرت به .
فصنع عليّعليهالسلام ما أمره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ودعاهم وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه، منهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب فأكلوا، قال عليّعليهالسلام :فأكل القوم حتى ما لهم بشيء من حاجة، وما أرى إلاّ موضع أيديهم، وأيم الذي نفس عليّ بيده إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمتُ لجميعهم .
ثمّ قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : إسقِ القوم، فجئتهم بذلك العسّ فشربوا منه حتى رووا منه جميعاً، وأيم الله إنّه كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله . فلمّا أراد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أن
ــــــــــــ
(١) الكامل في التأريخ: ٢ / ٦٠، السيرة النبوية: ١/٣١٥ ط دار الفرقان بيروت ـ لبنان.
يكلّمهم بادره أبو لهب فقال: لقد سحركم صاحبكم، فتفرّق القوم ولم يكلّمهم الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم فأَمَرَ عليّاً في اليوم الثاني أن يفعل كما فعل آنفاً، وبعد أن أكلوا وشربوا قال لهم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : يا بني عبد المطّلب! إنّني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فأحجم القوم عنه جميعاً إلاّ عليّاً، فقد صاح في حماسة: أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه، فأخذ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم برقبة عليّ وقال : إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع (١) .
إذاً كان يوم الدار يوم الإعلان الصريح عن بداية مرحلة جديدة في حياة النبيّ وحياة الدعوة الإسلامية، وقد اتّسمت بالتحدّي المتبادل ثمّ المواجهة السافرة بين الإسلام والشرك.
ومن تتبّع سيرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأحاط علماً بجميع شؤونها وتفاصيلها في بدء تشكيل الحكومة الإسلامية وتشريع أحكامها وتنظيم شؤونها ومجرياتها وفق الأوامر الإلهية; يرى أنّ علياًعليهالسلام وزير النبيّ في كلّ أمره وظهيره على عدوّه، وساعده الّذي يضرب ويبني به وصاحب أمره إلى نهاية عمره الشريف. وكان يوم الدار والإنذار يوم المنطلق الذي لم يشهد ناصراً لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كعلي بن أبي طالب، شعاراً وشعوراً وجهاداً وفداءً.
عليٌعليهالسلام من إعلان الرسالة إلى الهجرة النبويّة المباركة :
عجزت قريش عن إيقاف مدّ الدعوة الإسلاميّة ومنع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من التبليغ
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري: ٢ / ٦٣ ط مؤسسة الأعلمي، والكامل في التأريخ: ٢ / ٦٢، ومثله في الإرشاد للمفيد: ٤٢ الباب ٢ الفصل ٧، وأيضاً في تفسير مجمع البيان: ٧ / ٢٠٦ وتأريخ دمشق لابن عساكر: ١ / ٨٦ .
والهداية، فقد خابت مؤامراتهم ودسائسهم، وفشلت تهمهم وتهديداتهم، لأنّ أبا طالب كان الكهف الحصين لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي لم يزل يدفع عنه أذى قريش وجبروتها، فلجأت قريش إلى طريقة جبانة تنمُّ عن حقدها وضعفها فدفعت بالصبيان والأطفال للتعرّض للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ورميه بالحجارة، وهنا كان الدور الحاسم لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام إذ لا يتسنّى لأبي طالب ـ وهو شيخ الهاشميّين الكبير ـ مطاردة الصبيان، فكان عليّ يطارد الصبيان المترصّدين للنبيّ ويذودهم عنه(١) .
عليّعليهالسلام في شِعب أبي طالب :
وحين أسرع الإسلام ينتشر في مكّة وأصبح كياناً يقضّ مضاجع المشركين وخطراً كبيراً يهدّد مصالحهم; عمد المشركون إلى اُسلوب الغدر والقهر لإسكات صوت الرسالة الإسلاميّة، فشهروا سيوف البغي ولم يتوانَ أبو طالب في إحكام الغطاء الأمين للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لما له من هيبة ومكانة شريفة في نفوس زعماء قريش الذين لم يجرؤا على النَيْلِ من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لأنّ ذلك يعني مواجهة علنية مع أبي طالب وبني هاشم جميعاً، وقريش في غنىً عن هذه الخطوة الباهضة التكاليف.
فاتّجهوا نحو المستضعفين المسلمين من العبيد والفقراء فأذاقوهم ألوان التعذيب والقهر والمعاناة ليردّوهم عن دينهم وتمسّكهم بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم . ولم تلق قريش غير الصمود والإصرار على الإسلام والالتزام بنهج الرسالة الإسلامية، فوجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أفضل حلّ لتخليص المستضعفين من المسلمين هو الخروج من مكّة إلى الحبشة(٢) .
ولمّا لم يبقَ في مكّة من المسلمين إلاّ الوجهاء والشخصيات فقد كانت
ــــــــــــ
(١) الاختصاص للمفيد : ١٤٦.
(٢) سيرة ابن هشام: ١ / ٣٢١.
المواجهة الدموية هي أبعد ما يكون، وعندها سقطت كلّ الخيارات، ولم يبق أمام قريش إلاّ أن تلجأ إلى عمل يضعف الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ويجنّبها القتال، فكان قرارهم حصار بني هاشم ومن معهم إجتماعياً واقتصادياً باعتبارهم الحماية التي تقي الرسول من بطش قريش، فبدأت معركتها السلبية مع بني هاشم.
وتجمّع المسلمون وبنو هاشم في شِعب أبي طالب لتوفير سبل الحماية بصورة أفضل، حيث يمكن إيجاد خطوط دفاعية لمواجهة أيِّ محاولة هجومية قد تقوم بها قريش(١) .
وللمزيد من الاحتياط والحرص على سلامة حياة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم كان أبو طالب يطلب من ولده عليّ أن يبيت في مكان الرسول ليلاً حرصاً على سلامته من الاغتيال والمباغتة من قبل الأعداء من خارج الشِعب(٢) ، وكان عليّعليهالسلام يُسارع إلى الامتثال لأوامر والده ويضطجع في فراش النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فادياً نفسه من أجل الرسالة وحاملها.
ولم يكتف عليّعليهالسلام بهذا القدر من المخاطرة بنفسه، بل كان يخرج من الشِعب إلى مكّة سرّاً ليأتي بالطعام إلى المحاصرين(٣) ، إذ اضطرّوا في بعض الأيام أن يقتاتوا على حشائش الأرض.
لم يكن لأحد أن يقوم بمثل هذه الأعمال في تلك الفترة العصيبة إلاّ من ملك جناناً ثابتاً وقلباً شجاعاً ووعياً رسالياً وحبّاً متفانياً للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ذلك هو عليّ ابن أبي طالبعليهالسلام الذي قضى في الشِعب جزءً من زهرة شبابه حيث دخله وعمره سبعة عشر عاماً وخرج منه وعمره عشرون عاماً، فكانت تجربة جديدة في
ــــــــــــ
(١) سيرة ابن هشام: ١ / ٣٥٠، وإعلام الورى: ١ / ١٢٥.
(٢) البداية والنهاية لابن كثير: ٣ / ٨٤ .
(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١٣ / ٢٥٦.
حياته عَوَّدته على الاستهانة بالمخاطر، وأهّلته لتلقّي الطوارئ والمهام الجسام، وجعلته أكثر التصاقاً بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كما عوّدته على الصبر والطاعة والتفاني في ذات الله تعالى وحبّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
عليعليهالسلام والهجرة إلى الطائف :
لقد تراكمت الأحداث على الرسول، واشتدّت قريش في تحدّيه وإيذائه بعد وفاة عمّه أبي طالب، ولم يعد في مكّة من تهابه قريش وترعى له حرمة، حتى قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :( ما زالت قريش كاعّةً عنّي حتى مات أبو طالب ) (١) فكان عليه أن يُغيّر مكانه ويستبدله بمكان أكثر أمناً يستطيع منه الانطلاق لنشر الدعوة الإسلاميّة إلى أرجاء الجزيرة العربية والعالم أجمع، فأخذ يعرض نفسه على القبائل وابتدأ أوّلاً بالطائف، وبعد عشرة أيام من مكوثه هناك لم تتجاوب معه ثقيف، بل أغْرت به الصبيان والخدم والعبيد ليرشقوه بالحجارة، فوقف عليّعليهالسلام ومعه زيد بن حارثة يتلقّيان الضربات ويمنعان الصبية عن مواصلة الاعتداء حتى أصيبا بجروح في جسدهما، ومع ذلك تعرّض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم للإصابة وسالت الدماء من ساقيه(٢) .
وروي أنّه كان للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عدّة هجرات أُخرى تحرّك خلالها لعرض نفسه على القبائل لنشر الدعوة الإسلامية وتحصين دعوته، ولم يكن معه في حركته إلاّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام فخرج إلى بني عامر بن صعصعة والى ربيعة وبني شيبان(٣) . وعليّ يلازمه في كلّ خطواته.
ــــــــــــ
(١) أعيان الشيعة: ١ / ٢٣٥، وسيرة ابن هشام : ٢ / ٥٧، ٥٨.
(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١ / ١٢٧.
(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٤ / ١٢٥.
عليعليهالسلام في بيعة العقبة الثانية :
وحين تمّ الاتّفاق على اللقاء التأريخي بين طلائع المسلمين القادمين من المدينة مع قائدهم الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في بيت عبد المطلب سرّاً وقف إلى جانب الرسول عمّه حمزة وعليّ والعباس(١) ، وتمّت البيعة على أفضل شكل.
وعلى رغم كلّ التدابير التي اتّخذت لسرّيّة اللقاء وإنجاحه إذ تمّ انعقاده دون علم أحد حتى من المسلمين، إلاّ أنّ أنباءه قد تسرّبت إلى المشركين، فتجمّعوا وأقبلوا مع أسلحتهم إلى مكان الاجتماع، فخرج إليهم حمزة ومعه عليّعليهالسلام بسيفهما، فسألوا حمزة عن الاجتماع فأنكر ذلك فرجعوا خائبين.
إنّ حضور عليّعليهالسلام في هذا الحدث الهام والاجتماع التأريخي يكشف عن دور عليّعليهالسلام في أهمّ لحظات الدعوة وتأريخ الرسالة، لأنّه كان يعطي الأنصار صورة جيدة عن رسول الإسلام وعن حماية بني هاشم لهصلىاللهعليهوآلهوسلم فتزداد ثقتهم واطمئنانهم بالدعوة والرسالة الإسلامية.
وكان تخطيطاً مُوفّقاً وتدبيراً محكماً من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ استعان بأشجع رجال بني هاشم حمزة وعليّعليهماالسلام فهما اللّذان عُرفا بالبأس والشدّة في توفير القدر الكافي من الحماية للرسول وللرسالة معاً.
عليّعليهالسلام ليلة هجرة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى المدينة
كان الانفتاح الرسالي العظيم الذي قام به النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إثر المعاهدة التي أبرمها مع الأوس والخزرج في بيعة العقبة الثانية(٢) ، والذي كان نقطة انطلاق الدعوة الإسلامية إلى العالم الأوسع، والخطوة الكبيرة لبناء المجتمع الرسالي
ــــــــــــ
(١) السيرة الحلبية: ٢ / ١٧٤.
(٢) السيرة النبوية لابن هشام: ١ / ٤٤٠، وموسوعة التاريخ الإسلامي: ١/٧٠٠.
المؤمن، بعد أن انتشر الإسلام في يثرب بجهود الصفوة من الدعاة المخلصين والمضحّين من أجل الله ونشر تعاليم الإسلام، وبذا أصبح للمسلمين بقعة آمنة تمثّل محطة مركزية ومهمة لبلورة العمل الثقافي والتربوي والدعوة الإلهية في مجتمع الجزيرة العربية.
وحين تمادى طغاة قريش في إيذاء المسلمين والضغط عليهم لإرغامهم على ترك الدين الإسلامي وفتّهم عن نصرة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وحين كثر عتوّهم واضطهادهم; أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أصحابه بالهجرة إلى يثرب، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : (إنّ الله قد جعل لكم داراً تأمنون بها وإخواناً) ، فخرجوا على شكل مجاميع صغيرة وبدفعات متفرّقة خفيّة عن أنظار قريش(١) .
ومع كلّ المعاناة التي لاقاها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من القريب والبعيد والضغوط والتكذيب والتهديد حتى قالصلىاللهعليهوآلهوسلم :(ما أوذي أحد مثل ما أوذيت في الله) (٢) فإنّ أمله بالنصر على الأعداء والنجاح من تبليغ الدعوة الإسلامية لم يضعف، وثقته المطلقة بالله كانت أقوى من قريش ومؤامراتها، وقد عرفت قريش فيهصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك وتجسّدت لديها الأخطار التي ستكشف عنها السنون المقبلة إذا تسنّى لمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يلتحق بأصحابه ويتّخذ من يثرب مستقراً ومنطلقاً لنشر دعوته، فأخذوا يعدّون العدّة ويخطّطون للقضاء عليه قبل فوات الأوان على شرط أن لا يتحمّل مسؤولية قتله شخص معيّن أو قبيلة لوحدها، فلا تستطيع بنو هاشم وبنو المطلب مناهضة القبائل جميعاً في دم صاحبهم فيرضون حينئذ بالعَقل منهم.
ــــــــــــ
(١) السيرة النبوية لابن هشام: ١ / ٤٨٠، والمناقب لابن شهرآشوب: ١ / ١٨٢، وموسوعة التاريخ الإسلامي: ١/٧١٧.
(٢) كنز العمال : ٣/١٣٠ ، ح ٥٨١٨، حلية الأولياء: ٦/٣٣٣.
فكان القرار بعد أن اجتمعوا في دار الندوة وقد كثرت الآراء بينهم أن يندبوا من كلّ قبيلة فتىً شابّاً جلداً معروفاً في قبيلته، ويعطى كلّ منهم سيفاً صارماً ثم يجمعون على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في داره، ويضربونه ضربة رجل واحد فيقتلونه، واتّفقوا على ليلة تنفيذ الخطة، فأتى جبرئيل إلى النبيّ وأخبره بذلك، وأمره أن لا يبيت في فراشه، وأذن له بالهجرة، فعند ذلك أخبر عليّاً بأمورهم وأمره أن ينام في مضجعه على فراشه الذي كان ينام فيه، ووصاه بحفظ ذمّته وأداء أمانته، وقال له أيضاً:(إذا أبرمت ما أمرتك به; فكن على أُهبة الهجرة إلى الله ورسوله، وسر لقدوم كتابي عليك) (١) ، وهنا تتجلى صفحة من صفحات عظمة عليعليهالسلام ، إذ استقبل أمر الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بنفس مؤمنة صابرة مطمئنّة، فرسم لنا أكمل صورة للطاعة المطلقة في أداء المهمّات استسلاماً واعياً للقائد وتضحية عظيمة من أجل العقيدة والمبدأ، فما كان جوابهعليهالسلام إلاّ أن قال للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم :(أوتسلم يا رسول الله إن فديتك نفسي؟) .
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : (نعم، بذلك وعدني ربّي) ; فتبسّم عليعليهالسلام ضاحكاً، وأهوى إلى الأرض ساجداً ، شكراً لما أنبأه به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من سلامته(٢) .
ثمّ ضمّه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى صدره وبكى وَجْداً به، فبكى عليّعليهالسلام لفراق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (٣) .
وعندما جاء الليل; اتّشح عليّعليهالسلام ببرد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي اعتاد أن يتّشح به، واضطجع في فراش النبيّ مطمئن النفس رابط الجأش ثابت الجنان مبتهجاً بما أوكل إليه فرحاً بنجاة النبيّ، وجاء فتيان قريش والشرّ يملأ نفوسهم
ــــــــــــ
(١) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ٤٥، وبحار الأنوار: ١٩ / ٥٩ ـ ٦٠.
(٢) ذكر قصّة مبيت الإمام عليّعليهالسلام في فراش النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عدد كبير من العلماء والمؤرّخين منهم: الطبري: ٢ / ٩٩، وأحمد بن حنبل في مسنده: ١ / ٣٣١، وأسد الغابة: ٤ / ٤٥، وابن عساكر في تأريخ دمشق: ١ / ١٣٧، والحاكم في المستدرك: ٣ / ٤ ، وبحار الأنوار : ١٩ / ٦٠ .
(٣) أعيان الشيعة: ١ / ٢٧٥.
ويعلو سيوفهم، وأحاطوا بالبيت وجعلوا ينظرون من فرجة الباب إلى حيث اعتاد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أن ينام فيه فرأوا رجلاً ينام على فراشه، فأيقنوا بوجود النبيّ، واطمأنت قلوبهم على سلامة خطّتهم، فلمّا كان الثلث الأخير من الليل خرج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من الدار وقد كان مختبئاً في مكان منها، وانطلق إلى غار (ثور) وكَمَنَ فيه ليواصل بعد ذلك هجرته المباركة.
ولمّا حانت ساعة تنفيذ خطّتهم; هجموا على الدار، وكان في مقدّمتهم خالد ابن الوليد، فوثب عليّعليهالسلام من فراشه فأخذ منه السيف وشدّ عليهم فأجفلوا أمامه وفرّوا إلى الخارج، وسألوه عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : فقال: لا أدري إلى أين ذهب.
وبذلك كتب الله السلامة لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم والانتشار لدعوته.
بهذا الموقف الرائع والإقدام الشجاع والمنهج الفريد سنّ عليّعليهالسلام سنّة التضحية والفداء لكلّ الثائرين من أجل التغيير والإصلاح والسائرين في دروب العقيدة والجهاد. لم يكن همّ عليّعليهالسلام إلاّ رضا الله وسلامة نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وانتشار دعوته المباركة، فنزلت في حقّه الآية المباركة: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (١) .
مباهاة الله ملائكته بموقف عليّعليهالسلام :
كان مبيت عليّعليهالسلام على فراش رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خذلاناً سافراً لقريش المعتدية، فقد خابت آمالهم وفشلت خططهم في قتل الرسول، وكان فيها إرغام الشيطان وعلو شأن الإيمان، ولم يكن أيّ عمل نظيراً للمبيت في الثواب والقيمة،
ــــــــــــ
(١) البقرة (٢) : ٢٠٧. راجع في شأن نزول الآية شرح النهج لابن أبي الحديد: ١٣ / ٢٦٢، وإحياء العلوم للغزالي: ٣ / ٢٣٨، والكفاية للكنجي: ١١٤، والتذكرة لسبط ابن الجوزي: ٤١، ونور الابصار للشبلنجي: ٨٦، والطبقات لابن سعد: ١ / ٢١٢، وتأريخ اليعقوبي: ٢ / ٢٩، وسيرة ابن هشام: ٢ / ٢٩١، والعقد الفريد لابن عبد ربّه: ٣ / ٢٩٠، وتفسير الرازي: ٥ / ٢٢٣، وشواهد التنزيل للحسكاني: ١ / ٩٦.
كيف وقد باهى الله بهذه التضحية ملائكته، كما روي:
أنه ليلةَ بات عليّ بن أبي طالبعليهالسلام على فراش رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ; أوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل:إنّي قد آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟
فاختار كلاهما الحياة وأحبّاها، فأوحى الله تعالى إليهما: أفلا كنتما مثل عليّ ابن أبي طالب حين آخيت بينه وبين محمّد، فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه، فهبط جبرئيل فجلس عند رأسه وميكائيل عند رجليه، وجعل جبرئيل يقول: بخ بخ، من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة فوق سبع سماوات (١) ؟
مهامّ ما بعد ليلة المبيت :
مع إطلالة فجر اليوم الأوّل للهجرة المباركة وظِلال السلام والأمان الإلهي تحوط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في كلّ خطوة يخطوها نحو يثرب مقرّ الرسالة الإسلامية الجديد، انفرجت أسارير قلب عليّعليهالسلام ، فقد انصرم الليل الرهيب باحتمالاته العديدة ومكارهه الكثيرة دون أن يقع شيء يمس حياتهعليهالسلام بخطر أو مكروه، واستطاع أن يؤدّي المهمّة على أكمل وجه، فقد كان على قدر عال من الانضباط والدقّة والوعي في التنفيذ.
وبقيت أمام عليّعليهالسلام مهمات أُخرى لم يكن بمقدور أحد أن يقوم بها، منها: أداء الأمانات التي كانت مودعة عند النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى أصحابها ـ وهم من المشركين ـ الذين وثقوا بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمانته وإخلاصه، فقد اشتهر بين قريش بالصادق الأمين، وكذلك من يقدم من العرب في الموسم فأودعوا عنده الحلي
ــــــــــــ
(١) تذكرة الخواص: ٤١، والسيرة الحلبية بهامشه السيرة النبوية: ٢ / ٢٧، والفصول المهمّة لابن الصبّاغ: ٤٨، والمناقب لابن شهرآشوب: ٢ / ٦٥، وبحار الأنوار: ١٩ / ٣٩، وأسد الغابة لابن الأثير: ٤ / ٢٥.
والأموال، ولم يكن الرسول ممّن يخل بتعهداته أو يخون أماناته حتى ولو كانت الظروف المحيطة صعبة والخطورة تهدّد حياته الشريفة في تلك اللحظات المتسارعة التي يطير لبّ العاقل فيها، لم ينس النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يوكل هذه المهمّة إلى رجل يقوم بها خير قيام، ولم يكن إلاّ عليّعليهالسلام لأنّه الأعرف بشؤون رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبالمودعين وأموالهم وهو القويّ الأمين.
فأوصلعليهالسلام الأمانات إلى مَن كان من أصحابها، ثم قام على الكعبة منادياً بصوت رفيع:يا أيّها الناس هل من صاحب أمانة؟ هل من صاحب وصيّة؟ هل من صاحب عدة له قبل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ فلمّا لم يأت أحد لحق بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان مقام عليّ بن أبي طالب بعد النبي بمكّة ثلاثة أيام(١) .
هجرة الإمام عليّعليهالسلام :
وصل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى (قُبا) بسلام، واستقبلته جموع الأنصار، ومن هناك بعث بكتابه إلى عليّعليهالسلام يأمره فيه بالمسير إليه والإسراع في اللحاق به، وكان قد أرسل إليه أبا واقد الليثي، وحين وصل إليه كتاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اشترى عليّعليهالسلام الركائب وأعدّ العدّة للخروج، وأمر من بقي معه من ضعفاء المسلمين أن يتسلّلوا ويتخفّفوا(٢) إذا ملأ الليل بطن كلّ واد إلى ذي طوى(٣) ، وبدأت المهمّة الشاقّة الثالثة أمام عليّعليهالسلام وهي الرحيل برفقة النساء نحو يثرب، وخرج هو ومعه الفواطم: فاطمة بنت رسول الله، واُمّه فاطمة بنت أسد، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب، وفاطمة بنت حمزة، وتبعهم أيمن مولى
ــــــــــــ
(١) المناقب لابن شهرآشوب: ٢ / ٥٨، ومروج الذهب للمسعودي: ٢ / ٢٨٥.
(٢) يتخفّفوا: لا يحملوا معهم شيئاً يثقل عليهم.
(٣) ذي طوى: موضع قرب مكة .
رسول الله وأبو واقد الليثي(١) .
وتولّى أبو واقد الليثي سوق النياق، ولشدّة خشيته كان يحثّ الخطى سريعاً حتى لا يلحق بهم الأعداء.
وعزّ على عليّعليهالسلام أن يرى نساء بني هاشم على تلك الحالة من الجهد والعناء من سرعة الحركة، فقالعليهالسلام :ارفق بالنسوة أبا واقد، إنّهن من الضعائف .
وأخذعليهالسلام بنفسه يسوق الرواحل سوقاً رقيقاً، وهو ينشد ليبعث الطمأنينة في نفوس من معه:
وليس إلاّ الله فارفع ظنَّكا |
يكفيك ربّ الناس ما أهمّكا |
واستمرّ عليّعليهالسلام على هدوئه في قيادة الركب حتى شارف على قرية في الطريق تُسمى (ضجنان) وهناك أدركته القوّة التي أرسلتها قريش للقبض عليه ومن معه وإعادتهم إلى مكّة ، وكانوا سبعة فوارس من قريش ملثّمين معهم مولىً لحرب بن اُمية اسمه (جناح) ، فقال عليعليهالسلام لأيمن وأبي واقد : أنيخا الإبل واعقلاها ، وتقدّم هو فأنزل النسوة ثمّ استقبل الفوارس بسيفه ، فقالوا له : أظننت يا غدّار أنّك ناجٍ بالنسوة ، إرجع لا أباً لك .
فقالعليهالسلام : فإنلم أفعل ؟ فازدادوا حنقاً وغيظاً منه ، فقالوا له : لترجعنّ راغماً أو لنرجعنّ بأكثرك شعراً وأهون بك من هالك .
ودنا بعضهم نحو النياق ليفزعوها حتى يُدخلوا الخوف والرعب إلى قلوب النسوة ، فحال عليّعليهالسلام بينهم وبين ذلك ، فأسرع نحوه جناح وأراد ضربه بسيفه فراغ عنه عليّعليهالسلام وسارعه بضربة على عاتقه فقسمه نصفين حتى وصل السيف إلى كتف فرس جناح (٢) ، ثمّ شدّ على بقية الفرسان وهو راجل، ففرّوا من بين يديه فزعين خائفين.
ــــــــــــ
(١) أمالي الطوسي : ٢ / ٨٤ ، وعنه بحار الأنوار : ١٩ / ٦٤ .
(٢) بحار الأنوار : ١٩ / ٦٥ .
وقالوا: احبس نفسك عنّا يا ابن أبي طالب، فقال لهم:فإنّي منطلق إلى أخي وابن عمّي رسول الله، فمن سرّه أن أفري لحمه وأُريق دمه فليدنُ منّي ، فهرب الفرسان على أدبارهم خائبين.
ثمّ أقبلعليهالسلام على أيمن وأبي واقد وقال لهما:أطلقا مطاياكما ، فواصل الركب المسير حتّى وصلوا (ضجنان) فلبث فيها يوماً وليلة حتى لحق به نفر من المستضعفين، وبات فيها ليلته تلك هو والفواطم يصلّون ويذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم حتى طلع الفجر، فصلّى بهم عليّعليهالسلام صلاة الفجر، ثمّ سار لوجهه يجوب منزلاً بعد منزل لا يفتر عن ذكر الله حتى قدموا المدينة.
وقد نزل الوحي قبل قدومهم بما كان من شأنهم وما أعدّه الله لهم من الثواب والأجر العظيم بقوله تعالى:( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ * * * فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ ... وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ) (١) .
وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في (قباء) نازلاً على عمرو بن عوف، فأقام عندهم بضعة عشر يوماً يصلّي الخمس قصراً، يقولون له: أتقيم عندنا فنتّخذ لك منزلاً ومسجداً؟ فيقولصلىاللهعليهوآلهوسلم :لا، إنّي أنتظر عليّ بن أبي طالب، وقد أمرته أن يلحقني، ولست مستوطناً منزلاً حتى يقدم عليٌّ، وما أسرعه إن شاء الله ! (٢)
وحين وصل عليّعليهالسلام ; كانت قدماه قد تفطّرتا من فرط المشي وشدّة الحرّ، وما أن رآه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم على تلك الحالة; حتى بكى عليه إشفاقاً له، ثمّ مسح
ــــــــــــ
(١) آل عمران (٣) : ١٩١ ـ ١٩٥ ، راجع بحار الأنوار : ١٩ / ٦٦ ـ ٦٧ .
(٢) روضة الكافي: ٣٣٩.
يديه على قدميه فلم يشكهما بعد ذلك(١) .
ثمّ إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمّا قدم عليه عليّعليهالسلام ; تحوّل من قباء إلى بني سالم ابن عوف وعلي معه، فخطّ لهم مسجداً، ونصب قبلته، فصلّى بهم فيه ركعتين، وخطب خطبتين، ثمّ راح من يومه إلى المدينة على ناقته التي كان قدم عليها وعليّ لا يفارقه، يمشي بمشيه، وأخيراً نزل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عند أبي أيوب الأنصاري وعليّ معه حتى بنى له مسجده وبنيت له مساكنه، ومنزل عليّعليهالسلام فتحوَّلا إلى منازلهما(٢) .
من معاني مبيت الإمامعليهالسلام في فراش النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :
١ ـ إنّ مبيت الإمامعليهالسلام ليلة الهجرة في فراش النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بمثابة إعلان عن نضج شخصية الإمام علي الرسالية، وأهليّته في أن يمثّل شخصيّة الرسول الّذي يعهد إليه في كلّ أمر مستصعب وخطب جليل ودعوة مهمّة.
٢ ـ كانت عملية التمويه على قريش بارتداء الإمامعليهالسلام رداء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومبيته في فراشه ربطاً لصلة القرابة بالعلاقة المبدئية، وتأكيداً لمبدأ أنّ نفس علي هي نفس الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وخصوصاً حين أتمّ مهامّه الأخرى التي تصرّف فيها الإمام بالأمور المالية والاجتماعية الخاصة بالرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
٣ ـ إنّ ثبات الإمامعليهالسلام ثلاثة أيام في مكّة كان تأكيداً لشجاعته حين أعلن الإمام بكلّ جرأة وثقة موقفه المبدئي بأنّه ثابت على خطى الرسول، وقد نفّذ أوامره وأنجز مهامه بهدوء ودقة تامّة، ثمّ هجرته العلنية أمام أنظار قريش.
٤ ـ تجلّت في عملية المبيت بعض الجوانب العظيمة من شخصيّة الإمامعليهالسلام والتي أوجزت حقيقة شجاعة الإمام وقوّته النفسية والبدنية ونضوجه الذهني ووعيه الرسالي واستيعابه للأوامر الآلهية.
ــــــــــــ
(١) بحار الأنوار: ١٩ / ٦٤، والمناقب لابن شهرآشوب: ١ / ١٨٢، والكامل لابن الأثير: ٢ / ١٠٦.
(٢) روضة الكافي: ٣٣٩ ـ ٣٤٠.
المرحلة الثالثة : عليّعليهالسلام من الهجرة إلى وفاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم
١ ـ عليّعليهالسلام والمؤاخاة :
حين شرع الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بتكوين نواة المجتمع الإسلامي وأراد أن يزيد من تماسك عرى العلاقات بين أفراد المجتمع ؛ أخيصلىاللهعليهوآلهوسلم بين المسلمين في موقف صريح بيّن ليرسّخ مبدأً أساسياً من مبادئ الإسلام الحنيف ، وهو ما تتطلبه الدعوة الإسلامية في مرحلتيها السرية والعلنية ، فوقعت أوّل مؤاخاة في الإسلام في مكّة قبل الهجرة ، حيث آخى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بين المهاجرين والأنصار ، وحين نتفحّص عملية المؤاخاة نجد أنّ الرسول ضمّ الشكل إلى الشكل والمثل إلى المثل(١) ، لأنّ الأخوة عملية استراتيجية واسعة ذات معاني ودلالات حركيّة في مسيرة الدعوة الإسلاميّة ، فعبر جسر الأخوة تتماسك العلاقات بين المسلمين كما تنضج الأفكار ويتحقّق الإبداع .
روي أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لمّا آخى بين أصحابه آخى بين أبي بكر وعمر ، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف ، ولم يؤاخِ بين عليّ بن أبي طالب وبين أحد منهم(٢) .
فقال عليّعليهالسلام :يا رسول الله ! لقد ذهبت روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت بغيري ، فإن كان هذا من سخط عليَّ ؛ فلك العُتبى والكرامة .
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :والذي بعثني بالحق ما أخّرتك إلاّ لنفسي ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبيّ بعدي ، وأنت أخي ووارثي .
فقالعليهالسلام :وما أرث منك ؟
ــــــــــــ
(١) كفاية الطالب للحافظ الكنجي : ١٩٤ .
(٢) الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكي : ٣٨ ، والغدير للعلاّمة الأميني : ٣ / ١١٢ .
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم :ما ورّث الأنبياء من قبلي ، كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم ، وأنت معي في قصري في الجنّة (١) .
وأمّا المؤاخاة الثانية فكانت في المدينة بعد الهجرة بأشهر قليلة(٢) .
٢ ـ اقتران عليّعليهالسلام بالزهراءعليهاالسلام :
بعد أن استقرّ المقام بالمسلمين وبدأت مبادئ الإسلام وتعاليمه تترسّخ في نفوس المسلمين وظهرت يدهم القويّة في الدفاع عن الرسالة والرسول ؛ تفتّحت العلاقات بين المسلمين في صورة مجتمع متمدّن ونهضة ثقافية اجتماعية شاملة ، يتزعّمها الرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي عصمه الله في الفهم والتلقّي والإبلاغ والتربية والتنفيذ ، وها هو عليّعليهالسلام قد تجاوز العشرين من عمره الشريف وهو يصول في سوح الجهاد والدفاع عن العقيدة والدعوة الإسلامية ، ويقف مع الرسول في كلّ خطواته ، وقد بلغ من نفس الرسول أعلى منزلة ، يعيش معه وهو أقرب من أيّ واحد من المسلمين ، وبعد أن انقضت سنتان من الهجرة وفي بيت الرسول بلغت ابنته الزهراءعليهاالسلام مبلغ النساء ، وشرع الخطّاب بما فيهم أبو بكر وعمر(٣) يتسابقون إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يطلبونها منه وهو يردّهم ردّاً جميلاً ويقول : إنّي أنظر فيها أمر الله ، وكان عليّ من الراغبين في الزواج منها .
ولكن كان يمنعه عن مفاتحة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الحياء وقلّة ذات اليد ، فلم يكن
ــــــــــــ
(٢) أخرجه أحمد بن حنبل في مناقب عليّعليهالسلام ، وتأريخ دمشق لابن عساكر : ٦ / ٢٠١ ، وكنز العمال للمتّقي الهندي : ٥ / ٤٠ ، وكشف الغمة : ١ / ٣٢٦ .
(٢) كفاية الطالب للكنجي : ٨٢ ، تذكرة الخواص : ١٤ ، والفصول المهمّة : ٣٨ .
كما وردت أحاديث المؤاخاة بين النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّعليهالسلام يصيغ مختلفة ومصادر عديدة منها : تأريخ ابن كثير : ٧ / ٢٣٥ ، والفصول المهمّة : ٢٢ ، ومسند أحمد : ١ : ٢٣ ، وتأريخ ابن هشام : ٢ : ١٣٢ ، وتأريخ دمشق : ٦ / ٢٠١ ، وفرائد السمطين : ١ / ٢٢٦ ، والغدير : ٣ / ١١٥ ، وكفاية الطالب : ١٨٥ .
(٣) كشف الغمة : ١ / ٣٥٣ .
عليّعليهالسلام من الذين يملكون الأموال ن وبتشجيع من بعض أصحاب الرسول تقدّم عليّ لخطبة الزهراء ، فدخل على النبيّ وهو مطرق إلى الأرض من الحياء ، فأحسّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بما في نفسه فاستقبله ببشاشته وطلاقة وجهه الكريم ، وأقبل عليه يسأله برفق ولطف عن حاجته ، فأجابهعليهالسلام بصوت ضعيف :يا رسول الله تزوّجني من فاطمة ؟
فردّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قائلاً :مرحباً وأهلاً ، ودخل على بضعته الزهراء ليعرض عليها رغبة عليّعليهالسلام فيها ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم لها :لقد سألت ربّي أن يزوّجك خير خلقه وأحبّهم اليه ، وقد عرفت عليّاً وفضله ومواقفه ، وجاءني اليوم خاطباً فما ترين ؟ فأمسكت ولم تتكلّم بشيء ، فخرج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يقول :سكوتها رضاها وإقرارها .
ثمّ إنّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم جمع المسلمين وخطب فيهم ، فقال :إنّ الله أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ ...
ثمّ التفت إلى عليّعليهالسلام فقال :
لقد أمرني ربّي أن أزوجك فاطمة أرضيت هذا الزواج يا عليّ ؟ فقالعليهالسلام :رضيته يا رسول الله ، وخرّ ساجداً لله .
فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :بارك الله فيكما ، وجعل منكما الكثير الطيب .
وجاء عليّعليهالسلام بالمهر الذي هيّأه من بيع درعه فوضعه بين يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأمر الرسول أبا بكر وبلالاً وعمّاراً وجماعةً من الصحابة وأم أيمن لشراء جهاز الزواج ، ولمّا تم الجهاز وعرض على الرسول ؛ جعل يقلّبه بيده ويقول : بارك الله لقوم جلّ آنيتهم من الخزف .
وبيسر وبساطة ودون تكاليف تمت الخطبة والزواج ، وكان الجهاز من أبسط ما عرفته المدينة ، واحتفل النبيّ وبنو هاشم بهذا الزواج الميمون(١) .
وروي أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عوتب في زواج فاطمةعليهاالسلام فقال :لو لم يخلق الله عليّ بن أبي طالب لما كان لفاطمة كفؤ .
وفي خبر آخر أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال مخاطباً عليّاًعليهالسلام :لولاك لما كان لها كفؤ على وجه الأرض (٢) .
٣ ـ عليّعليهالسلام مع الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في معاركه :
أ ـ عليّعليهالسلام في معركة بدر :
فتح رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بهجرته عهداً جديداً في تأريخ البشرية بشكل عامّ وفي تأريخ الرسالة الإسلامية بشكل خاص ، وبدأت معالم الدولة تتوضّح ومظاهر قوة المسلمين تبدو للعيان ، وفي الجانب الآخر لم تتوقّف قريش ومن والاها من المشركين ويهود المدينة الذين أظهروا السلم نفاقاً وتغطيةً على التخطيط السرّي للقضاء على الإسلام وأهله ، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يعالج الأمور بحكمة ورويّة ، ومن الطبيعي أن لا يقف النبيّ من مؤامرات أعداء الإسلام وتحرّشاتهم موقف الضعيف المتخاذل ، فأخذ يرسل السرايا ليهدّدهم ويطاردهم أحياناً .
ولما كان للمدينة موقع استراتيجي مهم في طرق التجارة والمواصلات في الجزيرة العربية ؛ فقد أصبح المسلمون بعد تزايد عددهم قوّة ضغط لابدّ من وضعها في الحسبان ، ومنذ أن وطأت قدم عليّعليهالسلام مدينة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ بدأ العمل في كلّ جوانب الحياة وما تتطلبه الرسالة الإسلامية جنباً إلى جنب الرسول من بناء الدولة ونشر الرسالة مندفعاً بطاقة ذاتية هائلة بما وهبه الله من قوّة وعزيمة لا توازيها قوّة وطاقة مجموعة كبيرة من الأفراد ، فكان الذراع القويّ التي يضرب
ــــــــــــ
(١) كشف الغمة : ١ / ٣٤٨ ، وبحار الأنوار : ٤٣ / ٩٢ ، ودلائل الإمامة للطبري : ١٦ ـ ١٧ .
(٢) المناقب لابن شهر آشوب : ٢ / ١٨١ .
بها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ونجد هذا واضحاً جليّاً في كلّ وقعة ومعركة دخل فيها عليّعليهالسلام ، وكان من طبيعة المعارك أنّها تتوقّف في العادة على الجولة الأولى ، فمن يفوز فيها تحسم المعركة لصالحه ، كما في معركة بدر(١) التي كانت عنواناً لبداية اُفول كلّ القوى العسكرية في الجزيرة وخصوصاً قريش ، ومنطلقاً للانتصارات والفتوحات التي حقّقها المسلمون .
روي أنّ عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة خرجوا ودعوا إلى المبارزة ، فخرج إليهم في البداية عوف ومُعَوِّذ ابنا عفراء وعبد الله بن رواحة وكلّهم من الأنصار ، فقالوا لهم : من أنتم ؟ قالوا : من الأنصار ، فقالوا : أكفاء كرام وما لنا بكم من حاجة ، ليخرج الينا أكفاؤنا من قومنا .
فأمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عمّه حمزة وعبيدة بن الحارث وعليّاً بمبارزتهم ، فدنا بعضهم من بعض فبارز عبيدة بن الحارث عتبة ، وبارز حمزة شيبة ، وبارز عليّعليهالسلام الوليد ، فأمّا حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله ، وقتل عليٌّعليهالسلام الوليد ، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما قد أثبت صاحبه ، وكرّ حمزة وعليّعليهالسلام على عتبة فقتلاه(٢) .
ثمّ نشبت المعركة بين طرفين غير متكافئين بالموازين العسكرية : جبهة المسلمين وعددها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، تقاتل عن إيمان وعقيدة ، تدافع عن الحقّ وتدعو إليه ، وجبهة قريش وعددها تسعمائة وخمسون رجلاً تقاتل عن حميّة وعصبيّة جاهلية ، وهنا دخلت عناصر جديدة في الحرب منها : دعاء الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وثباته وبسالة حمزة وقوّة عليّعليهالسلام ، فغاص عليّ وحمزة وأبطال المسلمين في وسط قريش ، ونسي كلّ واحد منهم نفسه وكثرة عدوه ، فتطايرت الرؤوس عن الأجساد ، وأمدّ الله المسلمين بالقوة والعزيمة والثبات ، واسر المسلمون كلّ من عجز عن الفرار حتى بلغ عدد الأسرى سبعين رجلاً ، وعدد القتلى اثنين وسبعين رجلاً .
ــــــــــــ
(١) يقال لها : معركة بدر العظمى ، وقعت في السنة الثانية للهجرة في السابع عشر من شهر رمضان ، وقيل : في التاسع عشر منه .
(٢) الكامل في التأريخ : ٢ / ١٣٤ و ١٣٥ ط مؤسسة الأعلمي ، وتأريخ الطبري : ٣ / ٣٥ .
وتنصّ الروايات على أنّ عليّاًعليهالسلام قتل العدد الأكبر منهم ، فعلى أقل التقادير أنّهعليهالسلام قتل أربعة وعشرين ، وشارك في قتل ثمانية وعشرين آخرين ، ويبدو أنّ الذين قتلهم عليّعليهالسلام هم أبطال قريش وصناديدها(١) .
في هذه المعركة المهمّة كان عليّعليهالسلام صاحب راية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إضافة إلى دوره الحاسم لنتيجة المعركة(٢) .
وروي أنّ رجلاً من بني كنانة دخل على معاوية بن أبي سفيان فقال له : هل شهدت بدراً ؟ قال : نعم ، قال : فحدّثني ما رأيت وحضرت .
قال : ما كنّا شهوداً إلاّ كغياب ، وما رأينا ظفراً كان أوشك منه ، قال : فصف لي ما رأيت .
قال : رأيت عليّ بن أبي طالب غلاماً شابّاً ليثاً عبقرياً يفري الفري ، لا يثبت له أحد إلاّ قتله ، ولا يضرب شيئاً إلاّ هتكه ، ولم أر من الناس أحداً قطّ أنفق منه يحمل حملته ويلتفت التفاتة ، كأنّه ثعلب روّاغ ، وكأنَّ له عينان في قفاه ، وكأنّ وثوبَه وثوبُ وحش(٣) .
ب ـ عليّعليهالسلام في معركة اُحد :
لم تكن قريش لتنسى هزيمتها الساحقة في معركة بدر ومقتل صناديدها
ــــــــــــ
(١) الإرشاد للمفيد : ٦٤ الفصل ١٩ الباب ٢ ، وكشف الغمّة : ١ / ١٨٢ .
(٢) الاستيعاب لابن عبد البرّ المالكي بهامش الإصابة : ٣ / ٣٣ ، وتأريخ دمشق لابن عساكر : ١ / ١٤٢ .
(٣) حلية الأولياء لأبي نعيم : ٩ / ١٤٥ .
ورجالها وكثير من أبطالها فعزمت على الثأر من المسلمين ردّاً لاعتبارها الذي فقدته ، ولم يمضِ سوى عام حتى استكملت قريش عدّتها ، واجتمع إليها أحلافها من المشركين واليهود ، وانضمّ اليهم كلّ حاقد وناقم على الدين الإسلامي ، فاتّفقت كلمة الكفر ، واتّحدت قوى الباطل لمواجهة الحقّ ، وخرج جيش الكفر باتّجاه المدينة وقد تجاوز عدده ثلاثة آلاف ، وذلك في أوائل شوال من السنة الثالثة للهجرة ، وما أن وصل خبرهم إلى مسامع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى جمع المسلمين واستشارهم في الموقف المناسب الذي يجب أن يتّخذوه ، تمّ خطب فيهم وحثّهم على القتال والصبر والثبات ، ووعدهم بالنصر والأجر ، وتجهّز للخروج بمن معه وكانوا ألفاً أو يزيدون ، ودفع لواءه لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام ووزّع الرايات على وجوه المهاجرين والأنصار ، وأبى النفاق إلاّ أن يأخذ دوره في إضعاف المسلمين ، فرجع عبد الله ابن أبي بمن تبعه في منتصف الطريق ، وكان عددهم يناهز الثلاثمائة(١) .
واستمرّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في مسيره قدماً حتى بلغ أُحداً ، فأعدّ أصحابه للقتال ووضع تخطيطاً سليماً محكماً للمعركة يضمن لهم النصر ، حيث أمر خمسين رجلاً من الرماة أن يكونوا من وراء المسلمين إلى جانب الجبل ، وأكّد عليهم بأن يلزموا أماكنهم ولا يتركوها حتى لو قُتل المسلمون جميعاً(٢) .
ووصلت قريش إلى (أُحد) وأعدّوا أنفسهم للقتال ، فقسّموا الأدوار ووزّعوا المهام كما بدا لهم ، وأعطوا لواءهم لبني عبد الدار ، وأوّل من استلمه منهم طلحة بن أبي طلحة ، ولمّا علم النبيّ بذلك أخذ اللواء من عليّعليهالسلام وسلّمه إلى مصعب بن عمير وكان من بني عبد الدار ، وبقي معه إلى أن قُتل ، وحينئذٍ ردّه
ــــــــــــ
(١) الكامل في التأريخ : ٢ / ١٥٠ ، وسيرة ابن هشام : ٣ / ٦٤ .
(٢) مغازي الواقدي : ١ / ٢٢٤ ، والكامل في التأريخ : ٢ / ١٥٢ ، وسيرة ابن هشام : ٣ / ٦٦ .
النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى عليّعليهالسلام (١) ، وكانت معركة (أُحد) قد وقعت في شوال من العام الثالث من الهجرة .
وفي اللحظة التي كمل فيها التنظيم انطلقت شرارة المعركة عندما برز كبش الشرك وحامل رايتهم طلحة بن أبي طلحة الذي كان يُعدّ من شجعان قريش ، يتقدّم نحو المسلمين رافعاً صوته متحدّياً لهم مستخفّاً بجمعهم قائلاً : يا معشر أصحاب محمد ! إنّكم تزعمون أنّ الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنّة ؛ فهل أحد منكم يعجله سيفي إلى الجنّة أو يعجلني سيفه إلى النار ؟
فخرج إليه عليّعليهالسلام (٢) وبرزا بين الصفّين ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جالس في عريش أُعدّ له يشرف على المعركة ويراقب سيرها ، فضرب عليّ طلحة فقطع رجله وسقط على الأرض وسقطت الراية ، فذهب علي ليجهز عليه فكشف عورته وناشده الله والرحم ، فتركه عليّعليهالسلام فكبّر رسول الله وكبّر معه المسلمون فرحاً بنتيجة هذه الجولة .
ثمّ تقدّم أخوه عثمان بن أبي طلحة فحمل الراية فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب فضربه فقتله ، فحمل اللواء من بعده أخوهما أبو سعيد ، فحمل عليه عليّعليهالسلام فقتله ، ثمّ أخذ اللواء أرطاة بن شرحبيل فقتله عليّ ، وهكذا تعاقب على حمل اللواء تسعة من بني عبد الدار قُتلوا بأجمعهم بسيف عليّ(٣) أو سيف حمزة ، وكان آخر من حمل اللواء هو غلام لبني عبد الدار يُدعى (صواب) فحمل عليه عليّ وقتله ، وسقط اللواء من بعده في ساحة المعركة ولم يجرؤ أحد أن يحمله ، فدبّ الرعب في قلوب المشركين ، وانهارت معنوياتهم ، وانكشف المشركون لا يلوون على شيء حتى أحاط المسلمون بنسائهم ، وبدت المعركة وكأنّها قد حُسمت لصالح المسلمين .
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٢ / ١٩٩ ط مؤسسة الأعلمي .
(٢) سيرة ابن هشام : ٣ / ٧٣ .
(٣) الكامل في التاريخ : ٢ / ١٥٢ ـ ١٥٤ .
وهنا عصفت النازلة العظمى بالمسلمين حيث ترك الرماة موقعهم فوق الجبل ، وانحدروا يشاركون إخوتهم غنائم المعركة ، ولم يثبت على الجبل إلاّ عشرة رماة .
فنظر خالد بن الوليد ـ وكان على خيل المشركين ـ خلوّ الجبل وقلّة الثابتين صاح بخيله ، وكرّ يحمل على الرماة وتبعه عكرمة فقتلوهم ، وهنا تغيّر ميزان القوة ورجحت كفّته لصالح المشركين ، فاستطاعوا أن ينفذوا ويشقّوا صفوف المسلمين(١) ، وكانت المأساة التي لم يعرف المسلمون لها مثيلاً ، فارتبك المسلمون وضاع صوابهم ، فكانت هزيمة بعد نصر وانكساراً بعد انتصار ، وتفرّق الناس كلّهم عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأسلموه إلى أعدائه بعد أن استشهد عمّه حمزة ومصعب بن عمير ، ولم يبق معه أحد إلاّ عليّ ونفر قليل من المهاجرين والأنصار .
في هذه اللحظات الحاسمة والحرجة سجّل التأريخ موقف الصمود والفداء الذي وقفه عليّعليهالسلام من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقف ليدافع عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بكلّ قوة وبسالة وهمّه سلامة الرسول والرسالة ، إذ كان يحمل الراية بيد والسيف بالأخرى يصدّ الكتائب ويردّ الهجمات عن الرسول ، وكأنّه جيش بكامل عِدَّته وعُدَّته ، وكان الرسول كلّما رأى جماعة تهجم عليه قال لعليّعليهالسلام :يا عليّ احمل عليهم ، فيحمل عليهم ويفرّقهم ، فلم يزل عليّ يقاتل حتى أثخنته جراحات عديدة في وجهه ورأسه وصدره وبطنه ويديه(٢) .
فأتى جبرئيلعليهالسلام النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال :إنّ هذه لهي المواساة ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٢ / ١٩٤ ط مؤسسة الأعلمي .
(٢) الكامل في التأريخ : ٢ / ١٥٤ ، وأعيان الشيعة : ١ / ٢٨٨ ، وبحار الأنوار : ٢٠ / ٥٤ .
إنّه منّي وأنا منه ، فقال جبرئيل :وأنا منكما ، فسمعوا صوتاً في السماء ينادي :لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ عليّ (١) .
وهكذا استطاع أمير المؤمنينعليهالسلام أن يحافظ على حياة الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأن يوصل نتيجة المعركة إلى حالة من التوازن دون أن يحرز أحد الطرفين نصراً حاسماً.
مواقف بعد معركة (أُحد( :
ولمّا انصرف أبو سفيان ومن معه ؛ بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاًعليهالسلام فقال : اخرج في آثار القوم وانظر ماذا يصنعون ، فإن كانوا قد جنّبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنّهم يريدون مكّة ، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة .
قال عليّعليهالسلام :فخرجتُ في آثارهم فرأيتهم جنّبوا الخيل وامتطوا الإبل يريدون مكّة (٢) .
ولمّا رجع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمةعليهاالسلام وقال :اغسلي عن هذا دمه يا بنية ، وناولها عليّعليهالسلام سفيه وقد خضّب الدم يده إلى كتفه ، فقال لها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :خذيه يا فاطمة فقد أدّى بعلك ما عليه ، وقد قتل الله بسيفه صناديد قريش (٣) .
كانت معركة أُحد قاسية نتيجتها ، شديدة وطأتها ، باهضة مكلّفة خسارتها ، ورغم مرارة المعركة نلمح فيها ومضات ساطعة من مواقف عليّعليهالسلام ، فقد امتاز بأمور دون أن يشاركه فيها أحد :
ــــــــــــ
(١) الكامل في التأريخ : ٢ / ١٥٤ ، وفرائد السمطين للحمويني : ١ / ٢٥٧ الحديث ١٩٨ ، ١٩٩ ، وتأريخ دمشق لابن عساكر : ١ / ١٤٨ ، وروضة الكافي : الحديث : ٩٠ .
(٢) أعيان الشيعة : ١ / ٣٨٩ ، والسيرة النبوية لابن هشام : ٣ / ٩٤ .
(٣) أعيان الشيعة : ١ / ٣٩٠ .
١ ـ أنه كان صاحب راية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والتي لم تسقط إلى الأرض رغم فرار أغلب المسلمين .
٢ ـ قتلهعليهالسلام أصحاب راية المشركين الذين تصدّوا لحملها ، وقد أظهر بذلك حنكة عسكرية وشجاعة فذّة ، وأحدث بذلك شرخاً كبيراً في صفوف المشركين كان سبباً في هزيمتهم في أوّل المعركة .
٣ ـ ثباتهعليهالسلام مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعدم فراره بعدما فرّ عنه الناس يدلّ على إيمانه المطلق بالمعركة ، والذي يكشف عن عمق العقيدة ورسوخها في نفسهعليهالسلام .
٤ ـ أنه كان هو المحامي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والدافع عنه كتائب المشركين الذين قصدوا قتل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فكانعليهالسلام يمثّل الدرع التي تقي رسول الله عن وصول مكروه إليه ، وهذا يدلّ على عظيم حبّه للرسول وتفانيه في الحرص على سلامته .
٥ ـ أنّ أكثر المقتولين من المشركين يومئذٍ قتلاه(١) ، وهذا يدلّ على فاعليته القتالية العالية وقوّته وشجاعتهعليهالسلام .
٦ ـ الأخلاق والقيم العالية التي عكسها في المعركة حيث ترك الإجهاز على طلحة بن أبي طلحة عندما كشف عن عورته حياءً منهعليهالسلام وتكرّماً .
٧ ـ أنّهعليهالسلام كان قريباً من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ملازماً له حيث كان الرسول يوجّهه ليرد الهاجمين عليه ، وأيضاً هو الذي أخذ بيد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لمّا سقط في إحدى الحفر التي حفرها أبو عامر الراهب في ساحة المعركة ليقع فيها المسلمون(٢) .
ــــــــــــ
(١) الإرشاد : ٨٢ ، الفصل ٢٣ الباب ٢ .
(٢) سيرة ابن هشام : ٣ / ٨٠ .
كما أنّه هو الذي حمل الماء بدرقته إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ليغسل الدم والتراب عن وجهه ورأسه .
٨ ـ ورغم الجراحات التي تعرّض لها عليّعليهالسلام والجهد الذي بذله ؛ فقد أرسله النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد انصراف قريش عن المعركة ليستطلع أخبارهم ، وهذا يدلّ على ثقة الرسول بقدرة عليّ ودقّة ضبطه للمعلومات وحنكته في معالجة الأمور الطارئة ، فالمعركة لم تنته بعد تماماً(١) .
ج ـ عليّعليهالسلام في معركة الخندق :
تمثّل أمام قريش الفشل في القضاء على المسلمين حقيقة واضحة ن ولكنّها الجاهلية والعناد والإصرار على الكفر ، فعادت قريش تتهيّأ مرةً أخرى لتوجيه الضربة القاضية للمسلمين ، وذلك بالتحالف مع القبائل الجاهلية الأخرى واليهود أيضاً ، حتى بلغ عددهم عشرة آلاف يقودها أبو سفيان(٢) ، وازداد غيظ وحقد المشركين حين واجهوا الأسلوب الدفاعي والتكتيك الحربي الّذي اتّخذه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بعد أن استشار أصحابه فأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق ، غير أنّ الاندفاع والحماس والغرور بالعدّة والعدد كان قويّاً في نفوس الأحزاب المجتمعة لقتال المسلمين والقضاء على الإسلام نهائياً .
وتمكّن بعض فرسان قريش من عبور الخندق من مكان ضيّق فيه ، فأصبحوا هم والمسلمون على صعيد واحد ، فازداد المسلمون خوفاً على خوفهم وخرج عليّ بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذ عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم .
ــــــــــــ
(١) هذه الامتيازات لعليّعليهالسلام في غزوة أُحد قد ذكرها العلاّمة السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة : ١ : ٣٩٠ فراجع .
(٢) السيرة الحلبية : ٢ / ٦٣١ .
فوقف عمرو بن عبد ودّ يطلب المبارزة ويتحدّى المسلمين ، وهدأت أصوات المسلمين أمام صيحاته وكأنّ على رؤوسهم الطير ، كلّ يفكر في نفسه ويحسب لهذا الفارس ألف حساب .
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :هل يبارزه أحد ؟ فبرز إليه عليّعليهالسلام فقال :أنا له يا رسول الله ، فأجلسه النبيّ ، وللمرّة الثانية والثالثة طالب عمرو المبارزة فلم يكن يجيبه إلاّ عليّعليهالسلام وفي كلّ مرّة كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يطلب منه الجلوس(١) ثم أذن النبيّ لعليّ بعد أن عمّمه بعمامته وقلّده بسيفه وألبسه درعه ، ثمّ رفع يديه وقال :) اللّهم إنّك أخذت عبيدة يوم بدر وحمزة يوم أُحد وهذا عليّ أخي وابن عمّي فلا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين) (٢) .
وبرز عليّعليهالسلام إلى ساحة المعركة بعد أن قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :) برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه ( (٣) .
وانحدر عليّعليهالسلام نحو عمرو والثقة بنصر الله تملأ قلبه ، أمّا عمرو فقد كان لقاؤه مع عليّ مفاجأة له ، وفي هذا الموقف تردّد عمرو في مبارزة عليّعليهالسلام فقال له :يا عمرو ، إنّك كنت في الجاهلية تقول : لا يدعوني أحد إلى ثلاثة إلاّ قبلتها أو واحدة منها ، قال : أجل .
قال عليّعليهالسلام :فإنّي أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله وأن تسلم لربّ العالمين ، قال : أخّر عني هذه ، قال عليعليهالسلام :أما إنّها خير لك لو أخذتها ، ثمّ قال : ترجع من حيث جئت ، قال: لا تتحدّث نساء قريش بهذا أبداً ، قال عليّعليهالسلام : تنزل تقاتلني .
ــــــــــــ
(١) السيرة النبوية لابن هشام : ٣ / ٢٢٤ ، تاريخ الطبري : ٣ / ١٧٢ ، والكامل في التاريخ : ٢ / ١٨٠ ، والسيرة الحلبية : ٢ / ٣١٨ .
(٢) موسوعة التاريخ الإسلامي : ٢ / ٤٩١ و ٤٩٢ ، عن شرح نهج البلاغة : ١٩ / ٦١ ، وراجع المناقب للخوارزمي : ١٤٤ ، السيرة الحلبية : ٢ / ٣١٨ .
(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٩/ ٦١ ، ينابيع المودة : الباب الثالث والعشرون ، رواه عن ابن مسعود ورواه الميلاني في قادتنا : ٢ / ١٠٨ عن الدميري في حياة الحيوان : ١ / ٢٤٨ وعن الفضل بن روزبهان : انّه حديث صحيح لا ينكره إلاّ سقيم الرأي ضعيف الإيمان ولكنه ليس نصّاً في الإمامة .
فغضب عمرو عند ذلك ونزل عن فرسه وعقرها ، ثمّ أقبل على عليّعليهالسلام فتقاتلا ، وضربه عمرو بسيفه فاتّقاه عليّ بدرقته ، فأثبت فيها السيف وأصاب رأسه ، ثمّ ضربه عليّ على عاتقه فسقط إلى الأرض يخور بدمه ، وعندها كبّر عليعليهالسلام وكبّر المسلمون خلفه ، وانجلت الواقعة عن مصرع عمرو ، وفرّ أصحابه من هول ما شاهدوه ، فلحق بهم عليّ فسقط نوفل بن عبد الله في الخندق فنزل إليه علي فقتله(١) .
وتلقّت الأحزاب هذه الضربة القاسية بدهشة واستغراب ، لأنّها لم تكن تتوقّع أنّ أحداً يجرؤ على قتل عمرو بن عبدودّ ، فدبّ الخوف في نفوسهم ولم يجسر أحد منهم على تكرار المحاولة إلاّ أنّهم بقوا محاصرين للمدينة فترة من الزمن حتى أذن الله بهزيمتهم حين استخدم رسول الله أسلوباً آخر لمحاربتهم .
وامتاز عليّعليهالسلام على جميع من حضروا غزوة الخندق بأمور :
١ ـ مبادرته لحماية الثغرة التي عبر منها عمرو وأصحابه ، والتي تدلّ على الحزم والإقدام في مواجهة الطوارئ في ساحة المعركة .
٢ ـ مبارزته عَمْراً وقتله ، وقد تردّد المسلمون في مبارزته فلم يخرج إليه أحد ، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مشيداً بموقف عليّعليهالسلام :(لمبارزة عليّ بن أبي طالب لعمرو بن عبدودّ يوم الخندق أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة) (٢) .
٣ ـ الشجاعة والقوّة الفائقة التي ظهرت منهعليهالسلام طوال المعركة تمثلت واضحة حينما لحق المنهزمين الذين عبروا مع عمرو بن عبدود ، وهو راجل وهم فرسان .
ــــــــــــ
(١) تاريخ دمشق : ١ / ١٥٠ ، وراجع أيضاً موسوعة التاريخ الإسلامي : ٢ / ٤٩٥ .
(٢) مستدرك الحاكم : ٣ / ٣٢ ، نقلاً عن هامش تأريخ دمشق : ١ / ١٥٥ ، وفرائد السمطين : ١ / ٢٥٥ حديث ١٩٧ .
٤ ـ الأخلاق العالية التي كان يتميز بهاعليهالسلام في شتّى المواقف ، مظهراً فيها عظمة الرسالة والرسول ، منها أنه لم يسلب عَمْراً درعه مع أنّها من الدروع الممتازة بين دروع العرب .
٥ ـ إن قتلهعليهالسلام عَمْراً ونوفلاً ولحوقه بالمنهزمين كان سبباً في إعادة الثقة للمسلمين بنفوسهم بعدما رأوا الجمع الكبير لقريش وأحلافها ، وأيضاً كان سبباً لهزيمة المشركين مع ما أصابهم من الريح والبرد وسبب خوفهم من أن يعاودوا الغزو .
٦ ـ الشرف الرفيع الذي ناله عليّعليهالسلام بشهادة الرسول حين قالصلىاللهعليهوآلهوسلم عند مبارزة عليّعليهالسلام :( برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه ) (١) .
د ـ عليّعليهالسلام في صلح الحديبية(*) :
بعد الأحداث المتغيّرة والمؤلمة والمعارك الدامية التي خاضها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والمسلمون مع قريش واليهود ؛ تمكّنت الرسالة الإسلاميّة أن تخطو خطوات بعيدة المدى تحقّق من خلالها للمسلمين كياناً واضحاً ووجوداً مستقلاً وقوة لابدّ من حسابها في شتى الميادين .
وكان المسلمون يشغفون شوقاً لزيارة الكعبة ويتذكّرونها كلّما وقفوا في صلاتهم متّجهين نحوها في هذا الوقت من عمر الرسالة الإسلامية عزم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم على أداء فريضة من فرائض الإسلام بأمر من الله ، فقرّر الحجّ واتّخذ كلّ الإجراءات والتدابير اللازمة لمثل هذه الخطوة حتّى أعلنصلىاللهعليهوآلهوسلم مراراً أنّه لا يريد الحرب ضد قريش أو غيرها .
ــــــــــــ
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ك ١٩ / ٦١ .
(*) كان خروج النبي لأداء العمرة في مطلع ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة المباركة .
ولمّا علمت قريش بالخبر ، اجتمعت كلمتهم على منعهصلىاللهعليهوآلهوسلم من دخول مكّة مهما كلّفهم ذلك من جهد وخسائر ، وأرسلوا خالد بن الوليد على رأس جماعة من الفرسان ليقطع عليه الطريق .
وحين نزل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والمسلمون منطقة (الجحفة) ؛ كان الماء قد نفد لديهم ولم يجدوا ماءً ، فأرسلصلىاللهعليهوآلهوسلم الروايا فلم يتمكّنوا من جلب الماء لتردّدهم وخوفهم من قريش ، عندها دعاصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاًعليهالسلام وأرسله بالروايا لجلب الماء ، وخرج السقاة وهم لا يشكّون في رجوعه لمّا رأوا من رجوع من تقدّمه ، فخرج عليٌّعليهالسلام حتى وصل (الحرار) واستقى ، ثمّ أقبل بها إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ولها زَجَل ، فلمّا دخل كبّر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ودعا له بالخير(١) .
ثم إن قريشاً اضطرّت النبيّ أن يعدل عن الطريق المؤدّي إلى مكّة ، وانحرف به رجل من (أسلم) إلى طريق وعرة المسالك خرجوا منها إلى ثنية المراد ، فهبط الحديبيّة ، وحاولت قريش أكثر من مرّة التحرّش بالمسلمين ومهاجمتهم بقيادة خالد بن الوليد ، لكنّ عليّاًعليهالسلام وجماعة من المسلمين الأشدّاء كانوا يصدّون تلك الغارات ويفوّتون الفرصة على قريش في جميع محاولاتها العدوانية(٢) .
واضطرّت قريش أن تفاوض النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعدما رأت العزيمة والإصرار منه ومن المسلمين على دخول مكّة ، فأرسلت إليه مندوبين عنها للتفاوض ، وكان آخرهم سهيل بن عمر وحويطب من بني عبد العزّى ويبدو أنّ المفاوضات لم
ــــــــــــ
(١) الإرشاد : ١٠٨ ، الفصل ٣٠ الباب ٢ ، وكشف الغمة : ١ / ٢٨٠ باب المناقب مثله .
(٢) سيرة الأئمّة الاثني عشر للحسني : ١ / ٢١٧ نقلاً عن ابن إسحاق .
تنحصر بخصوص قضيّة الدخول إلى مكّة في ذلك العام(١) بل تناولت أموراً أخرى لصالح الطرفين .
فقد روي أنّ عليّاًعليهالسلام قال : لمّا كان يوم الحديبيّة ؛ خرج إلينا ناس من المشركين فقالوا لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : يا محمد ! خرج إليك أناس من أبنائنا وإخواننا وأرقّائنا وليس لهم فقه في الدين ، وإنّما خرجوا فراراً من أموالنا وضياعنا فارددهم إلينا ، فقال : إذا لم يكن لهم فقه في الدين كما تزعمون سنفقّههم فيه ، وأضاف إلى ذلك : يا معشر قريش ! لتنتهنّ أو ليبعثنّ الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف قد امتحن الله قلبه بالإيمان ، فقال له أبو بكر وعمر والمشركون : من هو ذلك الرجل يا رسول الله ، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : هو خاصف النعل ، وكان قد أعطى نعله لعليّعليهالسلام يخصفها(٢) .
وبعد أن تمّ الاتّفاق بين الطرفين على بنود الصلح ؛ دعا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّ بن أبي طالب فقال له :اُكتب يا عليّ ، بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال سهيل : أمّا الرحمن فو الله ما أدري ما هو لكن اكتب باسمك اللّهمّ ، فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلاّ بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :اُكتب باسمك اللّهمّ ، هذا ما قاضى عليه محمّد رسول الله ، فقال سهيل : لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب محمّد بن عبد الله ، فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :إنّي لرسول الله وإن كذّبتموني ، ثمّ قال لعليّعليهالسلام : امحِ رسول الله ، فقالعليهالسلام :يا رسول الله ، إنّ يدي لا تنطلق لمحو اسمك من النبوّة ، فأخذه رسول الله فمحاه ، ثمّ قال له : أما إنّ لك مثلها وستأتيها وأنت مضطرّ لذلك (٣) .
ــــــــــــ
(١) كنز العمال : ١٠ / ٤٧٢ ، غزوة الحديبية .
(٢) ينابيع المودة للقندوزي : ٥٩ ، وكنز العمال : ١٣ / ١٧٣ ، وفضائل الخمسة للفيروزآبادي : ٢ / ٢٣٧ .
(٣) تأريخ الطبري : ٢ / ٢٨٢ ط مؤسسة الأعلمي ، والكامل لابن الأثير : ٢ / ٤٠٤ .
هـ ـ عليّعليهالسلام في غزوة خيبر(*) :
لمّا تم عقد صلح الحديبية اطمأن النبيّ على مصير الرسالة الإسلاميّة من ناحية قريش وباقي أطراف عرب الجزيرة الذين كانوا على شركهم ، لأنّ بنود الصلح كانت تميل غلى ترجيح كفّة المسلمين ، يضاف إلى ذلك تنامي قوّة المسلمين عِدّة وعُدّة ، فقد أقبل على الإسلام خلق كثير ، والعرب أدركوا أنّ قريشاً على عتوّها وطغيانها وقوّتها قد انكسرت شوكتها وفشلت خططها في القضاء على الإسلام عن طريق القوّة ، ولذا بدا التوقيع على عقد الصلح استسلاماً من جانب قريش .
وبقيت قوّة أخرى تثير الشغب وتمثّل النفاق والغدر ، تلك هي جموع اليهود الذين كانوا خارج المدينة ، فكان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يراقبهم خشية أن يقوموا بعمل معادي بدعم خارجي ، وخصوصاً أنّ تأريخ اليهود مليء بالغدر ونقض العهود ، لذا قرّر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم غزو (خيبر) معقل اليهود وحصنهم فأمرصلىاللهعليهوآلهوسلم أصحابه أن يتجهّزوا للغزو بأسرع وقت ، فتمّ ذلك فخرج من المدينة وأعطى الراية لعليّعليهالسلام ومضى يجدّ السير باتّجاه خيبر ، فوصل إليهم ليلاً ولم يعلم به أهلها ، فخرجوا عند الصباح ، فلمّا رأوه عادوا وامتنعوا في حصونهم ، فحاصرهم النبيّ وضيّق عليهم ونشبت معارك ضارية بين الطرفين حول الحصون ، وتمكّن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من فتح بعض حصونهم ، واستمرّ الحال هذا من الحصار والقتال بضعاً وعشرين يوماً ، وبقيت بعض الحصون المنيعة ، فبعث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم برايته أبا بكر فرجع ولم يصنع شيئاً ، وفي اليوم الثاني بعث بها عمر بن الخطاب فرج خائباً
ــــــــــــ
(*) خيبر : مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع ونخل كثير ، تقع خارج المدينة على بعد حوالي (٩٠) ميلاً ، وقعت الغزوة في بداية محرّم من العام السابع للهجرة .
كصاحبه يجبّن أصحابه ويجبّنه أصحابه ، وهنا عزَّ على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يعقد بيده لواءً فيرجع خائباً ، أو يوجّه أحداً نحو هدف فيرتد منهزماً ، فأعلنصلىاللهعليهوآلهوسلم كلمة خالدة تتضمّن معان عميقة ومغاز جليلة ، فقال بصوت رفيع يسمعه أكثر المسلمين : ( لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، كرّاراً غير فرّار يفتح الله عليه ، جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله ) (١) .
فاشرأبّت الأعناق وامتدّت وتمنّى كلّ واحد أن يكون مصداق ذلك ، حتى أنّ عمر بن الخطاب قال : ما أحببت الإمارة إلاّ يومئذٍ ، وتمنّيت أن أعطى الراية(٢) .
فلمّا طلع الفجر ، قام النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فدعا باللواء والناس على مصافّهم ، ثمّ دعا عليّاًعليهالسلام ، فقيل : يا رسول الله ! هو أرمد ، قال :فأرسلوا له ، فذهب إليه سلمة ابن الأكوع وأخذ بيده يقوده حتى أتى به النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد عصّب عينيه ، فوضع النبيّ رأس عليّ في حجره ، ثمّ بلَّ يده من ريقه ومسح بها عيني عليّ فبرأتا حتى كأن لم يكن بهما وجع ، ثمّ دعا النبيّ لعليّ بقوله :اللّهمّ أكفه الحرّ والبرد (٣) .
ثمّ ألبسه درعه الحديد وشدَّ ذا الفقار الّذي هو سيفهصلىاللهعليهوآلهوسلم في وسطه وأعطاه الراية ووجّهه نحو الحصن ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثمّ ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله تعالى فيه ، فو الّذي نفسي بيده ، لإن يهدي بهداك ـ أو لغن يهدي الله بهداك ـ رجلاً واحداً خير من أن يكون لك حمر النعم ) .
قال سلمة : فخرج والله يهرول هرولةً وإنّا لخلفه نتّبع أثره حتّى ركز رايته في رخم من حجارة تحت الحصن ، فأطلع إليه يهوديّ من رأس الحصن ، فقال : من أنت ؟ قال :(أنا عليّ بن أبي طالب) .
ــــــــــــ
(١) تاريخ الطبري : ٢ / ٣٠٠ ط مؤسسة الأعلمي ، وتأريخ دمشق لابن عساكر : ١ / ١٦٦ ترجمة الإمام عليعليهالسلام ، تذكرة الخواص لابن الجوزي الحنفي : ٣٢ ، والسيرة الحلبية بهامش السيرة النبوية : ٣ / ٣٧ .
(٢) تذكرة الخواص : ٣٢ .
(٣) تأريخ الطبري : ٢ / ٣٠١ ط مؤسسة الأعلمي ، والكامل لابن الأثير : ٢ / ٢٢٠ ، وفرائد السمطين : ١ / ٢٦٤ ، حديث ٢٠٣ .
قال : قال اليهودي لأصحابه : غلبتم ، وما أُنزل على موسى(١) .
ثمّ خرج إليه أهل الحصن ، وكان أوّل من خرج إليه الحارث أخو (مرحب) وكان معروفاً بالشجاعة ، فانكشف المسلمون ووثب عليّعليهالسلام ، فتضاربا وتقاتلا فقتله عليّعليهالسلام وانهزم اليهود إلى الحصن ، ثمّ خرج مرحب وقد لبس در عين وتقلّد بسيفين واعتمّ بعمامتين ومعه رمح لسانه ثلاثة أسنان .
فاختلف هو وعليّ بضربتين ، فضربه عليٌّ بسيفه فقدّ الحجر الذي كان قد ثقبه ووضعه على رأسه ، وقدّ المغفر ، وشقّ رأسه نصفين حتى وصل السيف إلى أضراسه ، ولمّا أبصر اليهود ما حلّ بفارسهم (مرحب) ؛ ولّوا منهزمين إلى داخل الحصن وأغلقوا بابه .
فصار عليّعليهالسلام إليه فعالجه حتى فتحه ، وأكثر الناس من جانب الخندق ـ الّذي حول الحصن ـ لم يعبروا معهعليهالسلام فأخذ باب الحصن فقلعه وجعله على الخندق جسراً لهم حتى عبروا وظفروا بالحصن ونالوا الغنائم(٢) .
وروي : أنّه اجتمع عدّة رجال على أن يحرّكوا الباب فما استطاعوا .
قال ابن عمرو : ما عجبنا من فتح الله خيبر على يدي عليّعليهالسلام ولكنّا عجبنا من قلعه الباب ورميه خلفه أربعين ذراعاً ، ولقد تكلّف حمله أربعون رجلاً فما أطاقوه ، فأخبر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك فقال :( والذي نفسي بيده لقد أعانه عليه أربعون ملكاً ) .
ــــــــــــ
(١) أعيان الشيعة : ١ : ٤٠١ .
(٢) تأريخ الطبري : ٢ / ٣٠١ ط مؤسسة الأعلمي ، والإرشاد للمفيد : ١١٤ ، الفصل ٣١ من باب ٢ ، وبحار الأنوار : ٢١ / ١٦ .
وروي أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام قال في رسالته إلى سهل بن حنيف :والله ما قلعت باب خيبر ورميت به خلف ظهري أربعين ذراعاً بقوّة جسدية ولا حركة غذائية ، لكنّي أيّدت بقوّة ملكوتية ونفس بنور ربّها مضيئة ، وأنا من أحمد كالضوء من الضوء (١) .
و ـ عليّعليهالسلام في فتح مكّة(*) :
ساد الهدوء والسلم الأجواء المحيطة بقريش والمسلمين ، والتزم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بكامل بنود الحديبية ، غير أنّ قريشاً كانت تنوي نقض المعاهدة ، وقد تصوّرت أن ضعفاً أصاب المسلمين بعد انسحابهم من معركة (مؤتة) منهزمين ، فأدّى استخفافها بالمسلمين إلى التآمر على أحلاف النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من خزاعة ، فحرّضت بعض أحلافها من بني بكر ، فوقعت بينهما مناوشات فتغلّب بنو بكر بمعونة قريش على خزاعة ، وبهذا فقد نقضت قريش المعاهدة وأعلنت الحرب على المسلمين .
فعزم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم على محاربة قريش ، وقال كلمته المشهورة :( لا نصرت إن لم أنصر خزاعة ) وأخذ يستعدّ لذلك وهو يحرص على أن لا يذاع هذا الأمر ، ولكن حاطب بن أبي بلتعة سرّب الخبر ، فأرسل كتاباً إلى قريش مع امرأة يخبرهم بما عزم عليه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقبل خروجها من ضواحي المدينة ؛ نزل الوحي على النبيّ وأخبره بذلك ، فأرسل خلفها بالفور عليّاً والزبير ، وأمرهما بأن يجدّا السير في طلبها قبل أن تفلت منهما ، فأدركاها على بعد أميال من المدينة ، فأسرع إليها الزبير وسألها عن الكتاب فأنكرته وبكت فرقّ لها الزبير ، ورجع عنها ليخبر عليّاً ببراءتها وقال له : ارجع لنخبر الرسول بذلك ، فقال عليّعليهالسلام :إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يخبرنا بأنّها تحمل كتاباً وتقول أنت بأنّها لا تحمل شيئاً ، ثمّ شهر عليّ عليهالسلام سيفه
ــــــــــــ
(١) الأمالي للصدوق : المجلس السابع والسبعون ، الحديث ١٠ .
(*) كان فتح مكة في شهر رمضان سنة ثمانٍ من الهجرة النبويّة .
وأقبل عليها حتى استخرج الكتاب منها ، ورجع إلى النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وسلّمه إيّاه (١) .
ولمّا أتمّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الاستعدادات والتجهيزات اللازمة للخروج إلى مكّة ؛ أعطى لواءه إلى عليّعليهالسلام ووزّع الرايات على زعماء القبائل ومضى يقطع الطريق باتّجاه مكّة .
ولمّا رأت قريش أنّها لا طاقة لها أمام النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والمسلمين ؛ استسلمت ولم تجد بُدّاً من أن يدخل كلّ فرد منهم داره ليأمن على نفسه انقياداً للأمان الذي أعلنه النبيّ لهم(٢) .
وروي : أنّ سعد بن عبادة كان معه راية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على الأنصار ولمّا مرَّ على أبي سفيان وهو واقف بمضيق الوادي ( في الطريق إلى مكّة ) قال أبو سفيان : من هذه ؟ قيل له : هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة مع الراية ، فلمّا حاذاه سعد قال : يا أبا سفيان ، اليوم يوم الملحمة ، اليوم تُستحلّ الحرمة ، اليوم أذلّ الله قريشاً ، فلمّا مرَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأبي سفيان وحاذاه أبو سفيان ناداه : يا رسول الله ! أمرت بقتل قومك فإنّه زعم سعد ومن معه حين مرّ بنا أنه قاتلنا فإنّه قال : اليوم يوم الملحمة أنشدك الله في قومك ، فأنت أبرّ الناس وأرحمهم وأوصلهم .
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :( كذب سعد ، اليوم يوم المرحمة ، اليوم أعزَّ الله فيه قريشاً ، اليوم يعظّم الله فيه الكعبة ، اليوم تكسى فيه الكعبة ) .
وأرسل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى سعد بن عبادة عليّاًعليهالسلام أن ينزع اللواء منه ، وأن يدخل بها مكّة(٣) .
ودخل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مكّة بذلك الجيش الكبير الذي لم تعرف له مكة نظيراً في تأريخها الطويل ، ولواؤه بيد عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وأعلن العفو العامّ وهو على أبواب مكّة .
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٢ / ٣٢٨ ط مؤسسة الأعلمي ، والسيرة الحلبية بهامشه السيرة النبويّة : ٣ / ٧٥ .
(٢) تأريخ الطبري : ٢ / ٣٣٢ ، والكامل في التأريخ لابن الأثير : ٢ / ٢٤٣ .
(٣) تأريخ الطبري : ٢ / ٣٣٤ ط مؤسسة الأعلمي ، الإرشاد للمفيد : ١٢١ الفصل ٣٤ الباب ٢ .
صعود عليّعليهالسلام على منكب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لتحطيم الأصنام :
وروي عن عليّعليهالسلام أنّه قال :انطلق بي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى كسر الأصنام ، فقال لي : اجلس ، فجلست إلى جنب الكعبة ، ثمّ صعد الرسول على منكبي فقال لي : انهض بي ، فنهضت به ، فلمّا رأى ضعفي تحته قال : اجلس ، فجلست ونزل عنّي ، وقال : يا عليّ اصعد على منكبي ، فصعدت على منكبيه ، ثمّ نهض بي حتى خيل لي أن لو شئت نلت السماء ، وصعدت على الكعبة فألقيت الصنم الأكبر وكان من نحاس موتداً بأوتاد من حديد ، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : عالجه ، فلم أزل أعالجه ورسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : إيه إيه ، حتّى قلعته ، فقال : دقّه ، فدققته وكسّرته ونزلت (١) .
ز ـ عليّعليهالسلام في غزوة حنين(*) :
بعد أن كتب الله النصر والفتح لرسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم حين دخل مكّة واستسلمت قريش وأذعنت له أجمعت قبيلة (هوازن) وقبيلة (ثقيف) على محاربة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والمبادرة إليه قبل أن يغزوهم ، وأعدّ لهم النبيّ العدّة لمّا سمع بذلك ، وعبّأ المسلمين الذين تجاوز عددهم اثني عشر ألفاً وخرج اليهم من مكّة .
ولمّا قربوا من موقع العدوّ صفّهمصلىاللهعليهوآلهوسلم ووزّع الألوية والرايات على قادة الجيش وزعماء القبائل ، فأعطى عليّاً لواء المهاجرين(٢) ، ولكنّ هوازن أعدّت خطّةً للغدر بالمسلمين على حين غفلة منهم ، فكمنوا لهم في شعاب وادٍ من أودية
ــــــــــــ
(١) المستدرك على الصحيحين : ٢ / ٣٦٧ و ٣ / ٥ وروى ابن الجوزي في تذكرة الخواص : ٣٤ مثله ، ينابيع المودة للقندوزي : ٢٥٤ .
(*) وقعت غزوة (حنين) في شوال سنة ثمانٍ للهجرة النبويّة .
(٢) السيرة الحلبية : ٣ / ١٠٦ .
تهامة حيث لا مفرّ لهم من المرور فيه .
وحين انحدر المسلمون في وادي (حنين) باغتتهم كتائب هوازن من كلّ ناحية ، وانهزمت بنو سليم وكانوا في مقدّمة جيش المسلمين وانهزم مَنْ وراءهم ، وخلّى الله تعالى بينهم وبين عدوّهم لإعجابهم بكثرتهم ، ولم يثبت مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلاّ نفر قليل من بني هاشم وأيمن بن عبيد(١) .
ووقف عليّعليهالسلام كالمارد يضرب بسيفه عن يمينه وشماله ، فلم يدن أحد من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ إلاّ جَنْدَلَه بسيفه ، وكان لثبات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ودفاع عليّعليهالسلام ومن معه أن عادت الثقة إلى نفوس بعض المسلمين ، فأعادوا الكَرّة على هوازن وخرج رجل من هوازن يدعى (أبو جرول) حامل رايتهم وكان شجاعاً ، فتحاماه الناس ولم يثبتوا له ، فبرز إليه عليّعليهالسلام وقتله ، فدبَّ الذعر في نفوس المشركين كما دبَّ الحماس في نفوس المسلمين ، ووضع المسلمون سيوفهم في هوازن وأحلافها يقتلون ويأسرون وعليّعليهالسلام يتقدّمهم حتى قتل بنفسه أربعين رجلاً من القوم ، فكان النصر للمسلمين(٢) .
ح ـ عليّعليهالسلام في غزوة تبوك(*) :
استعدّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لمواجهة الروم حين علم أنّهم يريدون الإغارة والهجوم على الجزيرة ، فأعدّ بما يملك من استراتيجية محكمة العدّة والعدد ، وقرّر ـ لأهمية الموقف والنزال ـ أن يكون على رأس الجيش المتقدّم ، ولكنّ الظروف السياسية والعسكرية لم تكن تدعو للاطمئنان التامّ ونفي الاحتمال من هجوم المنافقين أو المرجفين على المدينة أو قيامهم بأعمال تخريبية أخرى ، لذا يتطلّب الأمر أن يبقى في المدينة من يتمتّع بمؤهّلات ولياقات عالية وحكمة بالغة ودراية تفصيلية في جميع الاُمور وحرص على العقيدة كي يتمكّن من مواجهة الطوارئ ، فاختار النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاً لهذه المهمّة الحسّاسة كي يقوم مقام النبيّ في غيابه .
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٢ / ٣٤٧ ، وأعيان الشيعة للأمين : ١ / ٢٧٩ .
(٢) روضة الكافي : ص ٣٠٨ رقم الحديث ٥٦٦ ، والمغازي للواقدي : ٢ / ٨٩٥ ، وكشف الغمّة : ١ / ٢٢٦ .
(*) وقعت غزوة (تبوك) في شهر رجب سنة تسعٍ من الهجرة النبويّة .
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( يا عليّ ، إنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك ) .
ولمّا تحرّك النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم باتّجاه (تبوك) ؛ ثقل على أهل النفاق بقاء عليّعليهالسلام على رأس السلطة المحليّة في عاصمة الدولة الإسلاميّة ، وعظم عليهم مقامه ، وعلموا أنّها في حراسة أمينة ولا مجال لمطمع فيها ، فساءهم ذلك ، فأخذوا يردّدون في مجالسهم ونواديهم أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يستخلفه إلاّ استثقالاً ومقتاً له ، فبهتوا بهذا الإرجاف عليّاً ، كبهت قريش للنبي بالجِنّة والسِّحر .
فلمّا بلغ عليّاً عليهالسلام إرجاف المنافقين به أراد تكذيبهم وإظهار فضيحتهم ، فأخذ سيفه وسلاحه ولحق بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : يا رسول الله ، إنّ المنافقين يزعمون أنّك خلّفتني استثقالاً ومقتاً ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ارجع إلى مكانك فإنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك ، فأنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي وقومي ، أما ترضى ـ يا عليّ ـ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي .
فرجع عليّعليهالسلام ومضى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في سفره(١) .
تبليغ سورة براءة :
استمرّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يبلّغ رسالته المباركة وينشر الإسلام في ربوع
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٢ / ٣٦٨ ط مؤسسة الأعلمي ، والإرشاد للمفيد : ١٣٨ ، الفصل ٤٣ ، والسيرة الحلبية بهامش السيرة النبوية : ٣ / ١٣٢ ، وصحيح البخاري : باب غزوة تبوك ٦ / ٣ ، وصحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة : ٥ / ٢٣ الحديث ٢٤٠٤ والترمذي : ٢ / ٣٠٠ ومسند أحمد : ١ / ١٨٥ و ٢٨٤ الحديث ٥٠٨ وسنن ابن ماجة : ١ / ٤٢ الحديث ١١٥ وتاريخ بغداد : ١ / ٤٣٢ رقم ٦٣٢٣ .
الجزيرة العربية ، وفي ذات الوقت يطارد فلول الشرك عسكرياً حتى أشرفت السنة التاسعة للهجرة على نهايتها ، فأصبح للإسلام كيان سياسي مستقلّ وأمة تسودها علاقات متينة وأرض مترامية الأطراف وحدود منيعة ، ولم يعد لقوى الشرك وجود معتبر ، فكان لابدّ من تصفيتهم ، ونزلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سورة (براءة) الّتي تسنّ التشريعات الّتي تحدّد موقفه من المشركين والعهود والأحلاف الّتي كان قد أبرمها معهم وكان أفضل مكان لإعلان هذا القرار وقراءة هذا البيان الرسمي الإلهي هو البيت الحرام ، وأفضل وقت له هو اليوم العاشر من ذي الحجّة حيث يجتمع المشركون من أطراف الجزيرة ، فأرسل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أبا بكر ليحجّ بالناس ويبلّغ سورة (براءة) ، ولمّا انتهى إلى (ذي الحليفة ) وهو المكان المعروف اليوم بمسجد الشجرة ، وإذا بالوحي ينزل على النبيّ ويأمره أن يرسل مكانه عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فأرسل النبيّ عليّاً وأمره أن يأخذ الآيات من أبي بكر ويبلّغها بنفسه ، فمضى نحو مكّة وهو على ناقة النبيّ حتى التحق بأبي بكر ، فلمّا سمع رغاء الناقة عرفها فخرج فزعاً وهو يظنّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإذا هو عليّ ، فأخذ منه الآيات ورجع أبو بكر إلى المدينة خائفاً أن يكون قد نزل فيه ما يُغضب النبيّ ، فقال : يا رسول الله ! اَنزل فيَّ شيء ؟ فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :لا ، ولكنّي أمرت أن أُبلّغها أنا أو رجل منّي (١) .
وانطلق عليّعليهالسلام في طريقه حتى بلغ مكّة ، وعندما اجتمع الناس لأداء مناسكهم ؛ قرأ عليهم الآيات الأولى من السورة ، ونادى في الناس : لا يدخل مكّة مشرك بعد عامه هذا ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدّته(٢) .
ــــــــــــ
(١) الكامل في التأريخ لابن الأثير : ٢ / ٢٩١ ، وفضائل الخمسة من الصحاح الستة : ٢ / ٣٤٣ .
(٢) البداية والنهاية لابن كثير : ٥ / ٤٥ .
عليّعليهالسلام في اليمن :
استمراراً في نشر الإسلام أرسل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى اليمن خالد بن الوليد وجمعاً من الصحابة ليدعوا قبيلة (همدان) إلى الإسلام ، وظلّ خالد نحواً من ستة أشهر دون أن يحقّق نجاحاً ، فلم يتمكّن من إقناع همدان في اعتناق الإسلام ، فبعث إلى النبيّ يخبره بعدم إجابة القوم له وانصرافهم عنه ، عند ذاك بعث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وطلب منه أن يُعيد خالداً إلى المدينة ويحلّ محلّه في مهمّته ، ويبقي معه من يشاء من المجموعة المرسلة مع خالد .
روي عن البراء بن عازب الّذي كان مع خالد وبقي في سريّة عليّعليهالسلام : كنت ممّن خرج مع خالد فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا ، ثمّ إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعث عليّاًعليهالسلام وأمره أن يقفل خالداً ويكون مكانه ، فلمّا دنونا من القوم ؛ خرجوا إلينا وصلّى بنا عليّعليهالسلام ثمّ صفّنا صفاً واحداً ثمّ تقدّم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بإسلامهم ، فأسلمت همدان جميعاً وأرسل عليّعليهالسلام إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالخبر السارّ ، فخرّ رسول الله ساجداً ثمّ رفع رأسه وقال : السلام على همدان(١) .
وروي : أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أرسل عليّاً في مهمّة ثانية إلى اليمن ليدعو (مذحج) إلى الإسلام ، وكان معه ثلاثمائة فارس ، وعقد رسول الله له اللواء وعمّمه بيده ، وأوصاه أن لا يقاتلهم إلاّ إذا قاتلوه ، فلمّا دخل إلى بلاد مذحج ؛ دعاهم إلى الإسلام فأبوا عليه ورموا المسلمين بالنبل والحجارة ، فأعدّ عليّعليهالسلام أصحابه للقتال ، وهجم عليهم فقتل منهم عشرين رجلاً فتفرّقوا وانهزموا فتركهم ، ثمّ دعاهم إلى الإسلام ثانية فأجابوه لذلك ، وبايعه عدد من رؤسائهم ، وقالوا : له نحن على من وراءنا من قومنا وهذه صدقاتنا فخذ منها حقّ الله .
ــــــــــــ
(١) أعيان الشيعة : ١ / ٤١٠ ، والكامل في التأريخ لابن الأثير : ٢ / ٣٠٠ ، والسيرة النبوية لابن كثير ك ٤ / ٢٠١ .
وروي : أنّ عليّاًعليهالسلام قال :بعثني رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى اليمن ، فقلت : يا رسول الله ، تبعثني إلى قومٍ وأنا حديث السنّ لا أبصر القضاء ، فوضع يده على صدري وقال : اللّهمّ ثبت لسانه واهدِ قلبه ، ثمّ قال : إذا جاءك الخصمان فلا تقضِ بينهما حتى تسمع من الآخر ، فإنّك إذا فعلت ذلك ؛ تبيّن لك القضاء . قال عليّعليهالسلام :والله ما شككت في قضاءٍ بين اثنين (١) .
ثمّ إنّ عليّاً جمع الغنائم فأخرج منها الخمس وقسّم الباقي على أصحابه ، وبلغه خبر خروج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى مكّة لأداء فريضة الحجّ ، فتعجّلعليهالسلام السير ليلتحق بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في مكّة ، وروي أنّ بعض من كان في سريّة عليّعليهالسلام اشتكى من شدّته في إعطاء الحقّ ، فلمّا سمع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك قال :أيّها الناس ، لا تشتكوا عليّاً فو الله إنّه لأخشن في ذات الله من أن يشتكى منه (٢) .
وعن عمرو بن شاس الأسلمي أنّه قال : كنت مع عليّعليهالسلام في خيله التي بعثه بها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى اليمن ، فوجدت في نفسي عليه(٣) ، فلمّا قدمت المدينة شكوته في مجالس المدينة وعند من لقيته ، فأقبلت يوماً ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جالس في المسجد ، فلمّا رآني أنظر إلى عينيه نظر إليَّ حتى جلست إليه ، فقال :إيه يا عمرو ، لقد آذيتني ، فقلت :إنّا لله وإنّا إليه راجعون أعوذ بالله والإسلام من أن أؤذي رسول الله ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :( من آذى عليّاً فقد آذاني ) (٤) .
ــــــــــــ
(١) السيرة النبوية لابن كثير : ٤ / ٢٠٧ .
(٢) سيرة ابن هشام : ٤ / ٦٠٣ ، والسيرة النبوية لابن كثير : ٤ / ٢٠٥ مثله .
(٣) المستدرك على الصحيحين : ٣ / ١٣٤ .
(٤) السيرة النبوية لابن كثير : ٤ / ٢٠٢ .
طبيعة عمل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :
إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي كان يعيش همّ الرسالة الإسلامية بذل قصارى جهده في التبليغ والنصح لبناء مجتمع رسالي رصين يقاوم كلّ الظروف حتى يسود الإسلام بقاع الدنيا ، وقد عملصلىاللهعليهوآلهوسلم على محورين رئيسين هما : توعية الأمة بوصفها الرعيّة بالمقدار الذي تتطلبه الرعيّة الواعية من فهم وثقافة وقدرة على ممارسة الحياة الإسلامية كما أرادها الله سبحانه , وكان لعليّعليهالسلام دور فاعل في هذا المحور ، فانّه يمكننا القول بأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان مشغولاً بتوسيع رقعة المجتمع الإسلامي طولياً ، وكان عليّعليهالسلام مشغولاً بتعميق الرقعة عرضياً ، فكانت مهمّته تكملة لمهمّة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
والمحور الآخر هو إعداد وتوعية الصفوة التي اختارها الله سبحانه لِتَخْلُفَ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في غيابه لقيادة المجتمع والرسالة الإسلاميّة وصيانتها عن الانحراف والزيغ ، إعداداً على مستوى قيادة التجربة وعلى مستوى الحاكمية عليها ، وقد أعدّ النبيّ عليّاً ليتسلّم التجربة الإسلاميّة من بعده من خلال إشراكه في كلّ المواقف المهمّة والمعقّدة والصعبة ومن خلال تثقيفه ثقافة خاصة لم يشاركه أحد فيها ، فقد روي عنهعليهالسلام أنه قال :( علّمني رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من العلم ألف باب يفتح من كلّ باب ألف باب ) (١) .
وكان عليّعليهالسلام يتمتّع بمؤهّلات ولياقات عالية أهّلته أن ينال ثقة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم المطلقة في قوله وفعله ، فنجد أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أخذ عليّاً صغيراً وتعهّده وربّاه ، فلازمه طوال فترة حياته ، وما أن مضت فترة على الدعوة الإسلامية ؛ حتى أعلن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عن اتّخاذه عليّاًعليهالسلام أخاً ومؤازراً له في دعوته ، وكرّر هذا الإعلان في مواطن عديدة ، بل اتّخاذه أخاً ومساوياً له في كلّ شيء ما عدا النبوّة .
ــــــــــــ
(١) أئمّة أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف ، الشهيد السيد محمد باقر الصدر ك ٩٥ .
وحين توضّحت شخصيّة عليّعليهالسلام ؛ بدأ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يكلّفه نيابةً عنه في المهمّات التي لا يمكن أن يقوم بها أحد غير النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أو شخص كنفسه ، مثل : المبيت في فراش النبيّ ليلة الهجرة ؛ وردّ الودائع ، وحمل الفواطم إلى المدينة ومن درجة اهتمام النبيّ بعليّ في هذه المرحلة ؛ أنّه لم يدخل المدينة عند هجرته إليها ، وصرّح بعدم اتّخاذها مقرّاً جديداً له حتى يلتحق عليّ به ، وتبليغ سورة (براءة) مثال آخر فقد أخذ عليّعليهالسلام السورة من أبي بكر وبلّغها .
وحين اضطرّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم للمواجهات العسكرية لم يكن يعطي رايته إلاّ لعليّعليهالسلام ، وكان يرسله في كلّ المواقف المستعصية التي تتطلّب كفاءة عالية ، فكان عليّعليهالسلام يؤدّيها على أتمّ وجه .
وفي مرحلة جديدة بعد أن امتاز عليّعليهالسلام من غيره من الصحابة بصدق سريرته وعمق إيمانه وتفانيه من أجل العقيدة والمبدأ أشار النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى أهميّة أهل بيتهعليهمالسلام ووجودهم وعظيم حبّه لهم ، وميّز عليّاًعليهالسلام ، وقد دعم القرآن الكريم موقف النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله :( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) .
وأشار النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى طهارة عليّ وأهل بيته من الرجس المادي والمعنوي ، ولم يأذن لأحد بالمرور بمسجده على كلّ حال إلاّ لعليّ .
ولم يزل النبيّ يوجّه القاعدة الشعبية للالتفات حول عليّ ، ويأمرهم بحبّه والتعلّق به عند حلول المشاكل أو المستجدات المستعصية ، ووضّح لهم ضرورة فهم شخصية عليّعليهالسلام في شدّة إيمانه وقوّته في ذات الله وعمق فهمه للعقيدة الإسلامية وسعة علمه ، فكانت الأحاديث :(أقضاكم عليّ أعلمكم عليّ أعدلكم عليّ ) وقد أثبتت الأحداث والوقائع صحّة ذلك .
ــــــــــــ
(١) الشورى (٤٢) : ٢٣ .
وفي آخر منسك من مناسك الإسلام أشرك النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاً في حجّة دون غيره من المسلمين وقد صرّح بذلك ، وقاما معاً بنحر الهدي .
كانت هذه الخطوات إعداداً وتهيئة الأرضية لإعلان الغدير حين وقف النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد إتمام مراسم حجّة الوداع ليعلن للملأ أنّه سيغادر الدنيا ويخلف عليّاً كقائد ومرجع للاُمّة بعده ، وأنّ هذا الإعلان والتنصيب صادر عن الله تعالى ، وتمّت بيعة الناس لعليّعليهالسلام بإمرة المؤمنين ونزل الوحي الإلهي ببلاغ تمام النعمة وكمال الدين .
عليّعليهالسلام في حجّة الوداع :
بشوق غامر وغبطة تملأ القلوب تطلّع المسلمون إلى اللقاء العبادي السياسي الذي لم يشهد التأريخ نظيراً له من قبل عندما تحرّك موكب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في أواخر شهر ذي القعدة من السنة العاشرة للهجرة باتجاه مكّة ليؤدّي مناسك الحجّ وحيث اللقاء مع الجموع القادمة من أطراف الجزيرة العربية يحدوها هدف واحد وتحت راية واحدة يردّدون شعاراً إلهياً واحداً(١) :
وكان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قد كتب إلى عليّعليهالسلام في اليمن يأمره أن يلتحق به في مكّة ليحجّ معه ، وأسرع عليّ بالخروج من اليمن ومعه الغنائم والحلل التي أصابها من اليمن ، والتقى بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد أشرف على دخول مكّة ، فاستبشر بلقائه وأخبره بما صنع في اليمن ، ففرح النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك وابتهج وقال له :بِمَ أهللت ؟
ــــــــــــ
(١) يرى بعض المؤرّخين أنّ من خرج مع النبيّ يبلغ تسعين ألفاً ، والبعض الآخر مائة وعشرين ألفاً ، عدا من حجّ من أهالي مكّة وضواحيها واليمن وغيرها راجع السيرة الحلبية : ٣ / ٢٥٧ ، وكنز العمّال : ١١ / ٦٠٩ .
فقال عليّعليهالسلام :يا رسول الله ! إنّك لم تكتب إليّ بإهلالك ولا عرفته فعقدتث نيّتي بنيّتك ، وقلت اللّهمّ إهلالاً كإهلال نبيّك ، وسقت معي من البدن أربعاً وثلاثين ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :الله أكبر وأنا قد سقت معي ستاً وستين ، فأنت شريكي في حجّي ومناسكي وهديي ، فأقم على إحرامك وعد إلى جيشك وعجّل به حتى نجتمع بمكّة ، وكان عليّعليهالسلام قد سبق الجيش حينما بلغ مشارف مكّة وأَمّر عليهم رجلاً منهم(١) .
وأدى النبيّ مناسك العمرة والحجّ وعلي معه ، وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :منى كلّها منحر ، فنحر بيده الكريمة ثلاثة وستين ، ونحر عليّعليهالسلام سبعة وثلاثين تمام المائة ، ثمّ اجتمع الناس فخطب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم خطاباً جامعاً وعظ المسلمين فيه ونصحهم(٢) .
أتمَّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والمسلمون مناسكهم في منى ، ثمّ رجع إلى مكّة فدخل فيها ، وطاف طواف الوداع ، ثمّ اتّجه إلى المدينة .
عليّعليهالسلام في غدير خم أميراً للمؤمنين :
ولمّا انصرف النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم راجعاً إلى المدينة ومعه تلك الحشود الغفيرة من المسلمين ؛ وصل إلى غدير خمّ من الجحفة التي تتشعّبُ فيها طرق أهل المدينة والعراق ومصر ، وذلك في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة ، نزل إليه الوحي عن الله بقوله :( يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ ) (٣) وأمره أن يقيم عليّاً علماً للناس ويبلّغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطاعة على كلّ أحد ، وقد ضمن الوحي للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يكفيه شرّ الحاقدين والحاسدين من الناس ، وكان أوائل القوم قريباً من الجحفة ، فأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يردّ من تقدّم منهم ، ويحبس من
ــــــــــــ
(١) الإرشاد للمفيد : ١ / ١٧٢ ، والسيرة النبوية لابن كثير : ٤ / ٢٠٥ .
(٢) السيرة الحلبية : ٣ / ٢٨٣ ن والسيرة النبوية لابن كثير : ٤ / ٢٩١ .
(٣) المائدة (٥) : ٦٧ .
تأخّر عنهم في ذلك المكان الذي لم يكن منزلاً لأحد من قبله ، ولم يكن هوصلىاللهعليهوآلهوسلم ينزل فيه لو لا خطاب الوحي له ، ثمّ وقفصلىاللهعليهوآلهوسلم بين تلك الجموع وقال بصوت يسمعه الجميع :أيّها الناس كأنّي قد دعيت فأجبت ، إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض .. ثمّ قال :إنّ الله مولاي وأنا وليُّ كلّ مؤمن ومؤمنة ، وأخذ بيد عليّعليهالسلام وقال :( من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه ، اللّهم وال من والاه ، وعادِ من عاداه ، وأنصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأَدر الحق معه حيث دار ، أَلا فليبلّغ الشاهد الغائب ) .
ثمّ لم يتفرّقوا حتّى نزل أمين الوحي بقوله : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً ) .
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :(الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ، ورضى الرب برسالتي والولاية لعلّي من بعدي) ثمّ طفق القوم يهنّئون أمير المؤمنينعليهالسلام وممّن هنّأه في مقدّم الصحابة الشيخان أبو بكر وعمر ، كلٌّ يقول :بخ بخ لك يا ابن أبي طالب ، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة (١) .
وروي : أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أمر بنصب خيمة لعليّعليهالسلام وأمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً ويسلّموا عليه بإمرة المؤمنين ، ففعل ذلك كلّهم حتّى من كان معهصلىاللهعليهوآلهوسلم من أزواجه ونساء المسلمين(٢) .
ــــــــــــ
(١و٢) السيرة الحلبية بهامشه السيرة النبوية : ٣ / ٢٧٤ ، والمناقب لابن المغازلي الشافعي ك ١٦ ، والفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكي : ٤٠ ، وينابيع المودة للقندوزي : ٤٠ .
وقد ورد حديث الغدير في مصادر كثيرة جدّاً يضاف لما ذكرنا منها : أسباب النزول للنيشابوري ، مطالب السؤول لكمال الدين الشافعي ، تفسير مفاتيح الغيب للرازي ، تفسير المنار لمحمّد عبده ، تفسير ابن شريح ، تذكرة الخواص لابن الجوزي ، مسند الإمام أحمد ، ذخائر العقبى للطبري ، الرياض النضرة لمحبّ الدين الطبري وغيرها من الجوامع الحديثية والتأريخية والتفسيرية ، راجع الغدير للعلامة الأميني.
واقعة الحارث بن النعمان ونزول آية( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) :
لمّا شاع وانتشر قول النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :( من كنت مولاه فعليّ مولاه ) فَبلغ الحارث ابن النعمان الفهري ، فأتى النبيّ على ناقته وكان بالأبطح ، فنزل وعقل ناقته وقال للنبيّ وهو في ملأ من الصحابة : يا محمّد ! أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله فقبلنا منك ، ثمّ ذكر سائر أركان الإسلام وقال : ثمّ لم ترض بهذا حتّى مددت بضبعي ابن عمك وفضّلته علينا وقلت :( من كنت مولاه فعليّ مولاه ) فهذا منك أم من الله ؟
فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم :( والله الذي لا إله إلاّ هو ، هو أمر الله ) فولّى الحارث يريد راحلته وهو يقول : اللّهمّ إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامّته وخرج من دبره ، وأنزل الله تعالى :( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) (١) (٢)
محاولات الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لتثبيت بيعة عليّعليهالسلام :
لقد كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على علمٍ تامٍّ بما سيؤول إليه وضع المسلمين من بعده ، لأنّه كان يراقب العلل والأمراض التي ابتلي بها هذا المجتمع ن وكان على يقين بأن أوّل ضربة من بعده ستوجّه إلى الخطّ الرسالي الذي أرسى قواعده هو وعليّ ، وإلى الزعامة التي أشار إليها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في أن تخلفه في الخطّ الصحيح للدعوة الإسلاميّة ، لانّ هذا يهدّد مصالح الكثير ممّن كانوا يريدون أن يستفيدوا من الإسلام ويتنعّموا بإشباع رغباتهم في ظلاله لا أن يقدّموا جهداً وفائدة للإسلام ، ويتزّعموا هذا الكيان الكبير الذي بناه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ــــــــــــ
(١) المعارج (٧٠) : ١ .
(٢) تفسير المنار : ٦ / ٤٦٤ ، وتذكرة الخواص : ص ٣١ مع اختلاف في اللفظ ، والفصول المهمّة لابن الصبّاغ : ٤٢ ، أبو اسحاق الثعلبي في تفسيره والحاكم الحسكاني في كتابه دعاة الهداة ، والقرطبي في تفسيره ، والحمويني في فرائد السمطين ، والزرندي الحنفي في معارج الوصول ودرر السمطين ، والسمهودي في جواهر العقدين ، والعماري في تفسيره ، والشربيني القاهري الشافعي في تفسيره ، والمناوي الشافعي في فيض القدير ، والحلبي في السيرة الحلبية والحفني الشافعي في شرح الجامع الصغير ، والزرقاني المالكي في شرح المواهب اللدنية ، والشبلنجي الشافعي في نور الأبصار ، وغيرهم كما تجد تفصيل ذلك في الجزء الأول من موسوعة (الغدير) .
وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم يتخوّف من أن تتحول الشريعة الإسلامية إلى شيء آخر غير الذي أنزله الله عليه ، وتكون خاضعة للأهواء والرغبات ، وكمصداق على تخوف النبيّ هو واقعة الحارث بن النعمان الذي جاء يشكّك ويستنكر على النبيّ مواقفه .
فما كان منهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلاّ وأن يعلن موقفه من الاتّجاه الصحيح لخطّ الدعوة الإسلامية عبر مراحل وفترات عديدة ، فكان يكرّر لأصحابه : غن تستخلفوا عليّاً ـ وما أراكم فاعلين ـ تجدوه هادياً مهدياً يحملكم على المحجّة البيضاء(١) .
وروي أنّ سعد بن عبادة قال في ملأ من الناس : فو الله لقد سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول :إذا أنا متُّ تضلّ الأهواء بعدي ويرجع الناس على أعقابهم ، فالحقّ يومئذٍ مع عليّ عليهالسلام .
وحديث الثقلين شاهد آخر على ضرورة التمسّك بطاعة عليّعليهالسلام والسير على هَدْيه ومنهاج ولايته لضمان سلامة العقيدة الإسلامية وتحصينها من الانحراف .
ثمّ بدأ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بإعداد خطّة جديدة لإتمام الأمر الإلهي بتنصيب عليٍّ أميراً للمؤمنين ، فحاول أن يعدّ جيشاً كبيراً يضمّ فيه كلّ العناصر التي من الممكن أن تدخل في حلبة الصراع السياسي مع الإمام عليّعليهالسلام وتناوئه على زعامة الساحة الإسلاميّة ، ومن ثَمّ سينحرف مسار الرسالة الإسلامية عن طريقها القويم ، أو على الأقل أنّها تطالب بمكانة سياسية أو إدارية في جهاز الدولة ، وقد تظهر موقفاً معادياً في حالة رفض الإمام عليّعليهالسلام ذلك ، ممّا قد يثير الكثير من المشاكل للأمة وهي في حالة ارتباك بفقدهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ــــــــــــ
(١) حلية الأولياء لأبي نعيم : ١ / ٦٤ ، ومختصراً تأريخ دمشق لابن عساكر : ١٨ / ٣٢ .
مرض النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وسريّة أسامة :
حياة عليّعليهالسلام هي حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والرسالة الإسلامية ، فالمواقف المهمّة والصعبة في الكثير من الصراعات والأزمات والمنعطفات التي وقف فيها عليّ بكلّ بسالة وشجاعة مع رسول الله حتى آخر لحظات عمره الشريف تكشف عن مدى القرب والاتصال والتلاحم المصيري بين الرسول وعليّ ، وتفهّمنا جيّداً من خلال الآيات والروايات وحوادث التأريخ أنّ عليّاً هو الامتداد الطبيعي لرسول الإسلامصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو المؤهّل لقيادة الأمة الإسلامية بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وليس ثمة إنسان آخر .
لقد أودع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاًعليهالسلام أسرار النبوّة وتفاصيل الرسالة وحمّله عبء مسؤولية رعايتها وصيانتها ، حتى أنّه أوكل إليه أمر تجهيزه ودفنه دون غيره ، لعلمه وثقته بأنّ عليّاًعليهالسلام سينفّذ أوامره ولا يحيد عنها قيد أنملة ولا يتردّد طرفة عين ، ولم يكن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يطمئنّ لغيره هذا الاطمئنان .
وكان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يُصرّ على تبيان خلافة عليّعليهالسلام وأنّه الوصيّ من بعده حتى في آخر لحظات حياته المباركة مضافاً إلى كلّ التصريحات والتلميحات التي أبداها في شتى المناسبات ومختلف المواقف .
لمّا رجع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من حجّه إلى (يثرب) ، أقام فيها أيّاماً حتى اعتلّت صحّته واشتدّ به ألم المرض ، وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول :( ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السمّ ) (١) وتقاطر المسلمون عليه يعودونه وفي نفوسهم القلق والأسى وفي أذهانهم الحيرة والتساؤل عن مصير الأيّام الآتية والرسالة السماوية ، فنعىصلىاللهعليهوآلهوسلم إليهم نفسه وأوصاهم بما يضمن لهم استمرار مسيرة الرّسالة وتحقيق السعادة والنجاح ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :(أيها الناس ! يوشك أن أُقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي وقدّمت إليكم القول معذرة إليكم ألا إنّي مخلّف فيكم كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي) ثمّ أخذ بيد عليّعليهالسلام وقال :(هذا عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض) .
ــــــــــــ
(١) المستدرك على الصحيحين : ٣ / ٥٨ .
وأرادصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يتمّم مساعيه لكي يهيئ الأمور لتنصيب عليٍّ خليفةً من بعده من دون أن تؤثّر عليه قوى التنافس أو مؤامرات المغرضين ودسائس المنحرفين ، فقد أجمع المؤرّخون على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في الأيّام الأخيرة من حياته المباركة لم يكن يعنيه شيء أكثر من تجهيز جيش يضمّ أكبر عدد من المسلمين بما في ذلك أبو بكر وعمر ووجوه المهاجرين والأنصار ، وأمّر عليهم أسامة بن زيد وإرساله إلى الحدود الشمالية لمنطقة الجزيرة العربية واستثنى عليّاًعليهالسلام .
ولكنّ عدداً من الصحابة لم يَرُقْ لهم أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فتثاقلوا عن الخروج في جيش أسامة واعتذروا بأعذار واهية ، وانطلقت ألسنتهم بالنقد اللاذع والاعتراض المرّ على تأمير أسامة ، فخرجصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ رغم كلّ الآلام ـ وخطب فيهم وحثّهم على الانضواء تحت قيادة أسامة ، وقد بدا عليه الانفعال والتصلّب ، واستمرّ يلحّ على إنفاذ الجيش والخروج نحو هدفه ، وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :أنفذوا جيش أسامة ، لعن الله من تخلّف عن جيش أسامة (١) .
ونجد هنا غرابةً في الموقف ، وهي إلحاح الرسول على ضرورة مسير جيش أسامة إلى الوجهة التي وجّهها إيّاه على الرغم من مرضه وعلمه بدنوّ أجله ، فلو كان لأحد ممّن كان تحت إمرة أسامة أهميّة في حالة وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ لاستثناه .
ــــــــــــ
(١) السيرة الحلبية : ٣ / ٣٤ .
وأعجب من ذلك هو تلكّؤ القوم وتملّصهم عن تنفيذ أمر النبيّ ، فكأن هناك أمراً خفياً يريدون إبرامه(١) .
ويبدو أنّ الرسول استشفّ من التحركات التي صدرت من الصحابة أنّهم يبغون لأهل بيته الغوائل ويتربّصون بهم الدوائر ، وأنّهم مجمعون على صرف الخلافة عنهم ، فرأىصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يصون أمته عن الانحراف ويحميها من الفتن ، فأراد أن يحاول معهم محاولة جديدة لتثبيت ولاية عليّعليهالسلام وخلافته لهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال :( إئتوني بالكتف والدواة أكتب إليكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً ) .
فتنازعوا ـ ولا ينبغي عند نبيّ أن يتنازع ـ فقالوا : ما شأنه ؟ أَهَجَر ؟ استفهموه فذهبوا يردّدون عليه القول : فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه وأوصاهم بثلاث ، قال :أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت اُجيزهم . وسكت عن الثالثة عمداً أو قال : فنسيتها(٢) .
رأي :
دوّن أكثر المؤرّخين هذا الحديث في كتبهم على هذا النحو ، ولم يذكروا من وصاياه إلاّ وصيّتين وسكتوا عن الثالثة أو تناسوها مجاراةً للحاكمين الّذين تقمّصوا الخلافة بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، في حين أنّه لم يسبق لأحد من الرواة لأحاديثهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن نسي شيئاً أو فاته دون أن يدوّنه حتى يمكن القول بأنّهم
ــــــــــــ
(١) وممّا يؤكّد هذا الظنّ أنّ الصحابة الذين أبوا الخروج في جيش أسامة كانوا يخشون تكرار الموقف الذي حصل في غزوة تبوك عندما استخلف النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاً في المدينة ومن ثمّ تصريحه(أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي) ممّا أثار الريب والحسد في نفوسهم .
بل إنّهم أدركوا أنّ الأمر في هذه المرّة يحمل أبعاداً أخرى تتعدّى مسألة الخروج مع جيش أسامة ، خاصةً بعد أن رأوا الرسول يصرّ على خروجهم ويستثني عليّاً ، وعلامات المرض تشتد عليه ، وفي هذه الفترة كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يكرّر عليهم بأنّي أوشك أن أُدعى فأجيب .
(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد : ٤ / ٦٠ ، وتأريخ الطبري : ٢ / ٤٣٦ ط مؤسسة الأعلمي ، والكامل في التأريخ لابن الأثير : ٢ / ٣٢٠ ، والإرشاد للمفيد : ١ / ١٨٤ .
أحصوا حتى أنفاسهصلىاللهعليهوآلهوسلم فكيف نسي الحاضرون على كثرتهم وازدحامهم عنده وصيّته الثالثة وهو في حالة الوداع لهم ؟ وهم ينتظرون كلّ كلمة تصدر منه تهدّئ من روعهم وتبعث الأمل في نفوسهم نحو المستقبل ؟ ولولا أنّ الثالثة تأكيد لنصوصهصلىاللهعليهوآلهوسلم السابقة على خلافة عليّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ لم ينسها أو لم يتغافل عنها أحد من الرواة أولئك(١) !
عليّعليهالسلام مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في اللحظات الأخيرة:
اشتدّ المرض على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فأغمي عليه ، فلمّا أفاق قالصلىاللهعليهوآلهوسلم :(أُدعوا لي أخي وصاحبي) وعاوده الضعف فقالت عائشة : لو بعثت إلى أبي بكر ، وقالت حفصة : لو بعثت إلى عمر ، فاجتمعوا عنده جميعاً فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :(انصرفوا فإن تك لي حاجة أبعث إليكم) (٢) .
ثمّ دُعي عليّعليهالسلام فلمّا دنا منه أومأ إليه ، فأكبَّ عليه ، فناجاه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم طويلاً ، ثمّ ثقل النبيّ وحضره الموت ، فلمّا قارب خروج نفسه قال لعليّعليهالسلام :( ضع رأسي في حجرك ، فقد جاء أمر الله تعالى ، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك ، وامسح بها وجهك ، ثمّ وجّهني إلى القبلة وتولّ أمري وصلِّ عليَّ أوّل الناس ، ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي ، واستعن بالله تعالى ) (٣) .
وهكذا انتقل الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى جوار ربّه راضياً مرضيّاً بعد أن أدّى رسالته بأحسن وجه ، وأوضح السبيل للأمة من بعده وعلي بن أبي طالبعليهالسلام يلازمه ملازمته الظل لذي الظل ويتابعه متابعة التلميذ لأستاذه في جميع لحظات حياته الرسالية المباركة .
ــــــــــــ
(١) سيرة الأئمة الإثني عشر ، للحسني : ١ / ٢٥٥ .
(٢) تأريخ الطبري : ٢ / ٤٣٩ ط مؤسسة الأعلمي .
(٣) الإرشاد للمفيد : ١ / ١٨٦ .
الباب الثالث : فيه فصول :
الفصل الأوّل : عصر الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام
الفصل الثاني : الإمام عليّعليهالسلام في عهد أبي بكر
الفصل الثالث : الإمام عليّعليهالسلام في عهد عمر
الفصل الرابع : الإمام عليّعليهالسلام في عهد عثمان
الفصل الأوّل: عصر الإمام عليّعليهالسلام
حديث الوفاة :
لم يكن حول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في اللحظات الأخيرة من حياته سوى عليّعليهالسلام وبني هاشم ، وقد علم الناس بوفاته من الضجيج وعويل النساء ، فأسرعوا وتجمّعوا في المسجد وخارجه وهم في حالة من الارتباك والدهشة لا يحيرون جواباً إلاّ البكاء والنواح ، وهم على هذه الحالة وإذا بموقف غريب يصدر من عمر إذ خرج بعد أن دخل على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والسيف في يده يهزّه ويقول : إن رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله قد مات ، إنّه والله ما مات ولكنّه قد ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران(١) ولم يهدأ عمر حتى وصل أبي بكر(٢) إلى بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فكشف عن وجه النبيّ وخرج مسرعاً ، وقال : أيّها الناس ، من كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت ، ثمّ تلا الآية : ( وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ ... ) (٣) .
ثمّ خرج عمر وأبو بكر وأبو عبيدة الجرّاح من البيت الذي فيه جثمان النبي المبارك وتركوه إلى عليّ وأهل بيته المفجوعين بوفاته ، وقد أذهلهم المصاب عن كلّ شيء ن وقام عليّعليهالسلام وأهل بيتهعليهمالسلام بتجهيز النبيّ والصلاة عليه ودفنه ، وفي الوقت نفسه كانت قد عقدت الأنصار اجتماعاً لها في سقيفة بني ساعدة لتدبير أمر الخلافة .
ــــــــــــ
(١) الكامل في التأريخ : ٢ / ٣٢٣ .
(٢) يروى أنّ أبا بكر كان في (السنح) وهو محل يبعد عن المدينة بميل واحد أو أكثر قليلاً .
(٣) آل عمران (٣) : ١٤٤ .
الحزب القرشي والأنصار في السقيفة :
ما أن سمع عمر خبر اجتماع الأنصار في السقيفة ؛ حتى أتى منزل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفيه أبو بكر ، فأرسل إليه أن أُخرج إليَّ ، فأجابه بأنّه مشغول ، فأرسل إليه عمر ثانيةً أن أُخرج فقد حدث أمر لا بدّ أن تحضره .
فخرج إليه أبو بكر ، فمضيا مسرعين نحو السقيفة ومعهما أبو عبيدة ومن ثَمّ لحقهم آخرون ، فأدركوا الأنصار في ندوتهم ولمّا يتمّ بعدُ الاجتماع ولم ينفضّ أصحابه ، فتغيّر لون سعد بن عبادة وأُسقط ما في أيدي الأنصار وساد عليهم الوجوم والذهول ، ونفذ الثلاثة في تجمّع الأنصار أتمّ نفوذ وأتقنه ، ينمّ عن معرفتهم بالنفوس ونوازعها ورغباتها ومعرفتهم بنقاط الضعف التي من خلالها تسقط ورقة الأنصار .
أراد عمر أن يتكلّم فنهره أبو بكر لعلمه بشدّته وغلظته والموقف خطير وملبّد بالأحقاد والأضغان ، ويجب أن يستعمل فيه البراعة السياسية والكلمات الناعمة لكسب الموقف أوّلاً ثمّ يأتي دور الشدّة والغلظة .
وافتتح أبو بكر الحديث بأسلوب لبق فخاطب الأنصار باللطف ، ولم يستعمل في خطابه أيّ كلمة مثيرة فقد قال : نحن المهاجرون أوّل الناس إسلاماً ، وأكرمهم أحساباً ، وأوسطهم داراً ، وأحسنهم وجوهاً ، وأمسّهم برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رحماً ، وأنتم إخواننا في الإسلام ، وشركاؤنا في الدين ، نصرتم وواسيتم ، فجزاكم الله خيراً ، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء ، لا نفتات عليكم بمشورة ، ولا نقضي دونكم الأمور ، فقال الحباب بن المنذر بن الجموح : يا معشر الأنصار ! املكوا عليكم أمركم ، فإنّ الناس في ظلكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ، ولا يصدر أحد إلاّ عن رأيكم ، أنتم أهل العزّة والمنعة ، وأولو العدد والكثرة ، وذوو البأس والنجدة ، وإنّما ينظر الناس ما تصنعون فلا تختلفوا فتفسد عليكم أموركم ، فإن أبى هؤلاء إلاّ ما سمعتم فمنّا أمير ومنهم أمير ، فقال عمر : هيهات لا يجتمع سيفان في غمد ، والله لا ترضى العرب أن تؤمّركم ونبيّها من غيركم ، ولا تمتنع العرب أن تولّي أمرها من كانت النبوّة منهم ، فمن ينازعنا سلطان محمّد ونحن أولياؤه وعشيرته .
فقال الحباب بن المنذر : يا معشر الأنصار ! املكوا أيديكم ، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر ، فإن أبوا عليكم ؛ فاجلوهم من هذه البلاد ، وأنتم أحقّ بهذا الأمر منهم ، فإنّه بأسيافكم دانَ الناس بهذا الدين ، أنا جذيلها المحكك وعُذيقها المرجَّب ، أنا أبو شبل في عرينة الأسد ، والله إن شئتم لنعيدها جذعة .
وهنا تأزّم الموقف وكاد أن يقع الشرّ بين الطرفين ، فوقف أبو عبيدة بن الجرّاح ليحول دون ذلك ويتدارك الفشل ، فقال بصوت هادئ مخاطباً الأنصار : يا معشر الأنصار ! أنتم أوّل من نصر وآوى ، فلا تكونوا أوّل من بدّل ، وانسلت كلماته هادئةً إلى النفوس ، فسادَ الصمت لحظات على الجميع ، فاغتنمها بشير بن سعد لصالح المهاجرين هذه المرّة ، يدفعه لذلك حَسده لسعد بن عبادة فقال : يا معشر الأنصار ! ألا إنّ محمّداً من قريش وقومه أولى به ، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر .
فاغتنم المهاجرون الثلاثة هذه الثغرة في جبهة الأنصار ، فطفقوا يقدّم بعضهم بعضاً ، فبدا أنّهم لم يروا أنّ واحداً منهم يدعمه نصّ شرعيّ أو يختص بميزة ترفع من رصيده مقابل غيره فتؤهّله للخلافة .
فقال أبو بكر : هذا عمر وأبو عبيدة بايِعوا أيّهما شئتم(١) ، وقال عمر:
ــــــــــــ
(١) الإمامة والسياسة : ١ / ١٥ ، وتأريخ الطبري : ٢ / ٤٥٨ ط مؤسسة الأعلمي ، والكامل في التأريخ : ٢ / ٣٢٥ .
يا أبا عبيدة، ابسط يدك أبايعك ، فأنت أمين هذه الأمة(١) ، فقال أبو بكر : يا عمر ! ابسط يدك نبايع لك ، فقال عمر : أنت أفضل منّي ، قال أبو بكر : أنت أقوى منّي ، قال عمر : قوّتي لك مع فضلك ابسط يدك أبايعك(٢) فلمّا بسط يده ليبايعاه سبقهما بشير بن سعد فبايعه ، فناداه الحباب بن المنذر : يا بشير ! عَقَّتك عقاق، أنفِستَ على ابن عمّك الإمارة ؟
ولمّا رأت الأوس ما صنع بشير وما تطلب الخزرج من تأمير سعد ؛ قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن خضير وكان نقيباً : والله لئن وليتها الخزرج مرّة ؛ لا زالت عليكم بذلك الفضيلة أبداً ، فقوموا فبايعوا أبا بكر ، فانكسر على سعد والخزرج ما أجمعوا عليه ، وأقبل أصحاب أسيد يبايعون أبا بكر(٣) ، وقالت بعض الأنصار : لا نبايع إلاّ عليّاً(٤) .
ثم أقبل أبو بكر والجماعة التي تحيط به يزفّونه إلى المسجد زفاف العروس(٥) والنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لازال ملقىً على فراش الموت ، وعمر يهرول بين يديه وقد نبر حتى أزبد شدقاه وجماعته تحوطه وهم متّزرون بالأُزر الصنعانية ، لا يمرّون بأحد إلاّ خبطوه وقدّموه ، فمدّوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبى(٦) .
لقد كانت حجّة الحزب القرشي في السقيفة ضد الأنصار مبنيّة على أمرين :
١ ـ إنّ المهاجرين أوّل الناس إسلاماً .
٢ ـ إنّهم أقرب الناس إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأمسّهم به رحماً .
ــــــــــــ
(١) الطبقات الكبرى : ٣ / ١٨١ .
(٢) تأريخ الخلفاء للسيوطي : ٧٠ .
(٣) الكامل في التأريخ : ٢ / ٣٣٠ .
(٤) تأريخ الطبري : ٢ / ٤٤٣ ط مؤسسة الأعلمي .
(٥) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٦ / ٨ .
(٦) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١ / ٢١٩ ط دار إحياء الكتب العربية .
وقد أدان هؤلاء القادة أنفسهم بهذه الحجّة ، وذلك لأنّ الخلافة إذا كانت بالسبق إلى الإسلام والقرابة القريبة من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ كما يدّعون ـ فهي لعليّعليهالسلام وحده ، لأنّه أوّل الناس إسلاماً وإيماناً وتصديقاً بالرسالة الإسلامية ، وأخوه بمقتضى المؤاخاة التي عقدها النبيّ بينه وبين عليّ يوم آخى بين المهاجرين في مكّة ، وبينهم وبين الأنصار في المدينة ، وابن عمّه نسباً وأقرب الناس إلى نفسه وقلبه بلا شكّ في ذلك .
تحليل اجتماع السقيفة :
سارع الأنصار إلى سقيفة بني ساعدة ، وعقدوا لهم اجتماعاً سرّياً أحاطوه بكثير من الكتمان والتحفّظ ، وأحضروا معهم شيخ الخزرج سعد بن عبادة الذي كان مريضاً ، فقال لبعض بنيه : إنّه لا يستطيع أن يسمع المجتمعون صوته لمرضه ، وأمره أن يتلقّى منه قوله ويردّده على مسامع الناس ، فكان سعد يتكلّم ويستمع إليه ابنه ، ويرفع صوته بعد ذلك ، قال سعد مخاطباً الحاضرين :
إنّ لكم سابقةً إلى الدين وفضيلةً في الإسلام ليست لقبيلة من العرب ، إنّ رسول الله لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأوثان ، فما آمن من قومه إلاّ قليل ، حتى أراد بكم خير الفضيلة ، وساق إليكم الكرامة ، وخصّكم بدينه ، فكنتم أشد الناس على من تخلّف عنه ، وأثقلهم على عدوّه من غيركم ، ثمّ توفّاه الله وهو عنكم راضٍ فشدّوا أيديكم بهذا الأمر فإنّكم أحقّ الناس وأولاهم .
لكنّ المتتّبع للأحداث يلمح أنّ اجتماع الأنصار لم يكن في بداية أمره للاستئثار بتراث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم واغتصاب الخلافة من أهلها الشرعيّين ، وذلك من خلال ملاحظة ما يلي :
١ ـ عدم حضور خيار الأنصار وهم البدريّون في الاجتماع ، مثلُ : أبي أيوب الأنصاري ، حذيفة بن اليمان ، البراء بن عازب ، عبادة بن الصامت .
٢ ـ إنّ الأنصار كانوا يعلمون جيّداً النصوص النبويّة ويحفظونها ، ومنها :(إنّ الأئمة من قريش) ، وعرفوا جيّداً الأحكام الواردة في شأن العترة الطاهرة وشهدوا تنصيب عليّعليهالسلام في غدير خم ، وأوصاهم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعليّ وأهل بيتهعليهمالسلام ، وحين أدركوا أنّه ليس له دور رئيس في الحكم أخذوا يقولون : لا نبايع إلاّ عليّاً(١) .
٣ ـ ثمّ إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لا زال مسجّىً ولم يُدفن بعدُ ، فهل يعقل أن لا يشارك خيارهم في شرف حضور مراسم الدفن وينشغلوا في اجتماع انتخاب الخليفة ؟
٤ ـ من الممكن تفسير اجتماعهم هذا بأنّه لتقرير مصيرهم من الحكم الجديد بعد علمهم بما تخطّط له قريش من تطبيق قرارهم (لا تجتمع النبوّة والخلافة في بني هاشم) ، وهم ليست لهم دوافع كالتي كانت في نفوس زعماء قريش ، ثمّ إنّ تخوّفهم هذا له سوابق فبعد فتح مكّة ؛ خشيت الأنصار أن لا يعود معهم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان طبيعيّاً أن يتخوفوا من العزلة السياسية والإداريّة .
وإذا قرّرت قريش صرف الخلافة عن صاحبها الشرعيّ، وهو عليّعليهالسلام ؛ فما دور الأنصار وهم الثقل الأكبر في جمهور المسلمين ، ولهم الدور الفاعل والرئيس في نشر الرسالة الإسلاميّة ؟!
إنّ اجتماع الأنصار في السقيفة لم يكن حاسماً في قراراته ، فقد عُقد لدراسة الاحتمالات المتوقّعة للخلافة بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأيضاً لم يكن جميع الأنصار على رأي واحد ، فقد كانت تختفي في أفق الاجتماع نوايا متنافرة وتنطوي النفوس على رغبات متضادّة ، فنجد بعضهم يجيب سعداً قائلاً : وفّقت في الرأي وأصبت في القول ، ولن نعدو ما رأيت ، نولّيك هذا الأمر .
ثمّ ترادّوا في الكلام فقالوا : فإن أبى المهاجرون وقالوا نحن أولياؤه وعشيرته .
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٢ / ٤٤٣ ط مؤسسة الأعلمي .
وهنا انبرى آخرون فقالوا : نقول : منّا أمير ومنكم أمير ، فعلّق سعد على هذا الاقتراح قائلاً : فهذا أوّل الوهن(١) .
إنّ الأنصار بموقفهم هذا قد هيَّئوا فرصة سياسية ثمينة ما كانت لتفوت الجناح المترقّب للفوز بالسلطة ، وفتحوا باب الصراع على مصراعيه بعيداً عن القيم والأحكام الإسلامية ؛ إذ قدّمت فيه الحسابات القبلية على الحسابات الشرعية ، وتقدّمت فيه مصلحة القبيلة على مصلحة الرّسالة الإسلامية .
وقد اعتذر عمر من مباغتة الأنصار في السقيفة فقال : وإنّا والله ما وجدنا أمراً هو أقوى من مبايعة أبي بكر ، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة ، فإمّا أن نتابعهم على ما لا نرضى أو نخالفهم فيكون الفساد(٢) .
وهكذا أخذ الموقف السياسي يزداد تعقيداً وإعضالاً .
نظرة قريش للخلافة :
حين انطلقت الرسالة الإسلامية في مكّة وبين ظهراني قريش ؛ لم تتمكّن قريش من تحمّل ظهور نبيّ في بطنٍ من خيار بطونها ، بل أفضلها وهي بنو هاشم ، فاجتمعت كلمة قريش على محاربة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وبني هاشم بكلّ وسائل الحرب ومقاومتهم بشتّى فنون المقاومة وخطّطت للتآمر لا حُبّاً بالأصنام وما هم عليه من العبادة ولا كراهية للدعوة الجديدة ، فليس في الإسلام ما لا ترتضيه الفطرة السليمة(٣) ، لكن قريشاً لا تريد أن تغيّر صيغتها السياسية القائمة على اقتسام مناصب الشرف والسيادة ، وخصوصاً أنّ مجتمع الجزيرة كانت تحكمه النزعة القبلية .
ــــــــــــ
(١) تاريخ الطبري : ٢ / ٤٤٤ ط مؤسسة الأعلمي حوادث سنة ١١ هـ .
(٢) صحيح البخاري : كتاب المحاربين ٦ ح ٦٤٤٢ ، وسيرة ابن هشام : ٤ / ٣٠٨ ، وتأريخ الطبري : ٢ / ٤٤٧ ط مؤسسة الأعلمي .
(٣) يروى أنّ كثيراً من زعماء قريش كانوا يجاهرون بالعداء للدين ولكنّهم يذهبون خلسةً لاستماع القرآن .
من هنا لم تكن قريش تريد أن يتميّز البطن الهاشمي عن بقيّة بطونها ولا أن يتفوّق عليها ، وقد تصوّرت أنّ التفاف الهاشميّين حول النبوّة ودفاعهم المستميت عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم هو إصرار هاشمي على التميّز والرغبة بالتفوّق على الجميع ، فحاصرت قريش الهاشميّين في شِعب أبي طالب ، وتآمرت على قتل النبيّ ، وفشل الحصار وفشلت كلّ محاولات الاغتيال لشخص النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعلا طوفان الرسالة الإسلامية على كلّ القوى المناوئة ، وأسلمت قريش طوعاً أو كرهاً ، فلم تعد لقريش قدرة على الوقوف في وجه النبوّة .
ولكنّ إعداد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم العدّة لتكون الخلافة من بعده لعليّ ولذرّيّتهعليهمالسلام بأمر من الله تعالى وباعتبارهم أجدر وأعلم بأصول الشريعة وأحكامها ، وأنّهم الأفضل من كلّ أتباعه ، والأنسب لقيادة الأمة ، قد أثار هذا المنطق في نفوس قريش النزعة القبلية والحقد الجاهلي فعزمت أن لا تجمع النبوّة والخلافة في بني هاشم ، فالنبوة والخلافة في عرف قريش سلطان وحكم كما صرّح بذلك أبو سفيان يوم فتح مكّة بقوله للعباس : لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً(١) .
هذه الفكرة والعقلية سادت في الأجواء السياسية المحمومة في آخر أيّام النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقريش مدركة أنّ النبيّ ميّت لا محالة في مرضه هذا ، وقد أخبرهمصلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك ، وأيضاً لو تركت الأمور على مجراها الطبيعي فالخلافة ستئول إلى عليّعليهالسلام حتماً من هنا كان تحرّك الحزب المناوئ لبني هاشم بصورة عامّة ولعليّعليهالسلام خاصّة ، فكانت السقيفة .
ونجد فكرة عدم اجتماع النبوّة والخلافة في بني هاشم من خلال المحاورة
ــــــــــــ
(١) شرح نهج البلاغة : ١٧ / ٢٧٢ .
بين عمر وابن عباس في زمن خلافة عمر ، حين قال له عمر : يا ابن عباس ! أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال ابن عباس : فكرهت أن أجيبه فقلت : إن لم أكن أدري فإنّ أمير المؤمنين يدري ، فقال عمر : كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة فتجحفوا على قومكم ، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت(١) .
وثمّة أمر آخر يتعلّق بموضوع تحويل الخلافة عن عليّعليهالسلام وهو أنّ عليّاًعليهالسلام قد وتر قريشاً في حروبها ضد الإسلام وإنّ كلّ دم أراقه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بسيف عليّعليهالسلام وسيف غيره فإنّ العرب بعد وفاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم عصبت تلك الدماء بعليّ وحده ، لأنّه لم يكن في رهط النبيّ مَن يستحق في شرع قريش وعاداتهم أن يعصب به تلك الدماء إلاّ عليّ وحده(٢) .
ملامح التخطيط لإقصاء الإمام عليّعليهالسلام عن الخلافة :
نلاحظ أنّ هناك تخطيطاً محكماً لدى الخطّ المناوئ لعليّعليهالسلام لأخذ الخلافة منه من خلال ما يلي:
١ ـ بقاؤهم في المدينة ومحاولتهم عدم الخروج منها مهما يكن من أمر ، وذلك عندما عرفوا أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قد تدهورت صحّته، كما لاحظوا بأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في تلك الأيام كان يكثر من التوصية بعليّعليهالسلام وضرورة اتّباعه لسلامة الدين والدولة.
٢ ـ حضورهم الدائم قرب الرسول ومحاولتهم الحيلولة دون حصول شيء يدعم ولاية عليّعليهالسلام ، فكان الشغب في مجلس النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم تحت الشعار الذي رفعه عمر :( حسبنا كتاب الله ) ثمّ اتهام النبيّ المعصومصلىاللهعليهوآلهوسلم بغلبة الوجع ممّا أزعج النبيّ ، حيث إنّ قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم :( إئتوني بدواة وكيف ) من غير المعقول أن يثير النفور والشكّ في نفوس الجميع دون سابق مضمر في نفوس البعض ، فلم يكن داعٍ لاعتراضهم إلاّ إثارة الشغب ومنع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عن الكتابة .
ــــــــــــ
(١) مروج الذهب : ٢ / ٢٥٣ ، وشرح النهج لابن أبي الحديد : ١ / ١٨٩ ط دار إحياء التراث العربي ، الكامل في التأريخ : ٣ / ٦٣ و ٦٤ .
(٢) نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٣ / ٢٨٣ .
٣ ـ السرعة في البتّ بموضوع الخلافة وإتمام البيعة عبر استغلالهم الفرصة بانشغال الإمام عليعليهالسلام وبني هاشم بمراسم تجهيز النبيّ ودفنه ، فحين علم عمر بنبأ الاجتماع في السقيفة ؛ أرسل إلى أبي بكر حين دخل إلى بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن اُخرج فقد حدث أمر لابدّ أن تحضره ، ولم يوضّح ذلك خشية أن يطّلع عليه عليّ أو أحد من بني هاشم ، وإلاّ لماذا ؟ فهل كان هذا الأمر المهمّ يعني أبا بكر دون بقيّة المسلمين وفيهم من هو أحرص على الإسلام من أبي بكر وعمر ؟ ولماذا لم يدخل عمر بنفسه إلى داخل دار النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث يجتمع الناس فيتحدّث إليهم ؟ يدخل عمر بنفسه إلى داخل دار النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث يجتمع الناس فيتحدّث إليهم ؟
٤ ـ سعيهم لضمان حياد الأنصار وإبعادهم عن ميدان التنافس السياسي بدعوى أنّهم ليسوا عشيرة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
٥ ـ الترتيب في أخذ البيعة أوّلاً من الأنصار ، لأنّ قريشاً لو بايعت الخليفة الجديد ؛ لما كان لبيعتها أدنى قيمة واقعية ، ولأمكن الإمام فيما بعد أن يقيم الحجّة على قريش ، ولا يمكن لأيّ فرد أن يقف في موقع الندّ لعليّعليهالسلام إذا كانت الأنصار في كفّة الإمام .
ويمكن ملاحظة ذلك من طريقة أخذ البيعة بعد الخروج من السقيفة ، إذ كان الناس مجتمعين في المسجد فقال عمر : ما لي أراكم مجتمعين حلقاً شتّى ؟! قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعته الأنصار ، فقام عثمان ومن معه من بني أمية فبايعوا ، وقام سعد وعبد الرحمن ومعهما بنو زهرة فبايعوا .
٦ ـ دخول عناصر من خارج المدينة معدّةً سلفاً لتأييد الطرف المناوئ لبني هاشم ، بدليل قول عمر : ما هو إلاّ أن رأيت ( أسلم ) فأيقنتُ بالنصر(١) .
٧ ـ محاولتهم التعتيم على الإجراءات التي تمّت مخاتلةً ، واتهامهم لكلّ مَن يعارضهم بأنّه يريد الفتنة وشقّ عصا المسلمين ، وقد اتّضح ذلك من خلال الحوادث التي تتابعت فيما بعدُ ، والقضاء على من ثبت على عدم البيعة وخالف قرار السقيفة(٢) .
٨ ـ ومن الأدلّة على التخطيط السابق : أنّ عثمان بن عفّان كتب اسم عمر في الوصية كخليفة من بعد أبي بكر(٣) من دون أن يأمره بذلك ، فقد كان مغمىً عليه ، فمن أين علم عثمان أنّ عمر هو الخليفة بعد أبي بكر ؟
٩ ـ ثمّ إنّ عمر وضع عثمان ضمن مجموعة أحدها يكون خليفة المسلمين بحيث يضمن ترشيحه مؤكّداً ، وأيّ خبير بالتأريخ مُلمّ بمجريات الأمور وتركيبة المرشّحين الستّة يستطيع أن يحلّل ذلك كما حلل الإمام عليّعليهالسلام الموقف بوضوح(٤) .
١٠ ـ حين تشكّلت الحكومة التي تمخّضت عن اجتماع السقيفة ؛ توّلى أبو بكر الخلافة ، وأبو عبيدة المال ، وعمر القضاء(٥) ، وهذه هي أهمّ المناصب وأكثرها حساسيةً في مناهج الحكم والدولة ، هذه التركيبة لجهاز الدولة والعناصر الحاكمة لا تتأتّى صدفةً ولا يتمّ ذلك إلاّ عن تخطيط سابق .
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٢ / ٤٥٩ ط مؤسسة الأعلمي .
(٢) راجع طبقات ابن سعد : ٣ / ق ٢ / ١٤٥ ، وأنساب الأشراف : ١ / ٥٨٩ ، والعقد الفريد : ٤ / ٢٤٧ ، السقيفة والخلافة لعبد الفتاح عبد المقصود : ١٣ ، والسقيفة انقلاب أبيض : اغتيال خالد بن سعيد بن العاص ، وابن عساكر : ترجمة سعد بن عبادة وكنز العمّال : ٣ / ١٣٤ .
(٣) تأريخ الطبري : ٢ / ٦١٨ ط مؤسسة الأعلمي ، وسيرة عمر لابن الجوزي : ٣٧ ، والكامل في التأريخ : ٢ / ٤٢٥ .
(٤) أنساب الأشراف : ٥ / ١٩ .
(٥) الكامل في التأريخ : ٢ / ٤٢٠ .
١١ ـ قول عمر حين حضرته الوفاة : لو كان أبو عبيدة حيّاً استخلفته(١) .
وليس كفاءة أبي عبيدة هي التي أوحت إلى عمر بهذا التمنّي ، لأنّه كان يعتقد أهليّة عليّعليهالسلام للخلافة ، ومع ذلك لم يشأ أن يتحمّل أمر الأمة حيّاً كان أو ميّتاً .
١٢ ـ اتّهام معاوية لأبي بكر وعمر بالتخطيط لاستلاب الخلافة من عليّعليهالسلام ، كما جاء ذلك في كتابه إلى محمّد بن أبي بكر إذ قال : فقد كنّا وأبوك نعرف فضل ابن أبي طالب وحقّه لازماً لنا مبروراً علينا ، فلمّا اختار الله لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما عنده وأتمّ وعده وأظهر دعوته وأفلج حجّته وقبضه إليه ؛ كان أبوك والفاروق أوّل من ابتزّه حقّه وخالفه على أمره ، على ذلك اتّفقا واتّسقا ، ثمّ إنّهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما وتلكّأ عليهما فهمّا به الهموم وأرادا به العظيم(٢) .
١٣ ـ قول أمير المؤمنين عليّعليهالسلام لعمر :احلب يا عمر حلباً لك شطره ، اشدد له اليوم أمره ليرد عليك غداً (٣) .
١٤ ـ اتهام الزهراءعليهاالسلام للحاكمين بالحزبيّة السياسية والتآمر للانقضاض على السلطة وتجريد بني هاشم منها(٤) بقولها :(فوسمتم غير إبلكم ، وأوردتم غير شربكم ابتداراً زعمتم خوف الفتنة ؟ ( أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنّ جَهَنّمَ لَُمحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) ) .
سلبيّات حادثة السقيفة :
١ ـ الاستبداد بالرأي والقرار ، فقد استهان المشاركون في السقيفة بوصايا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم للمسلمين بالاهتمام بعترته الطاهرة ، واستخفّوا بأوامره المصرّحة
ــــــــــــ
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١ / ١٩٠ ط دار إحياء التراث العربي ن وتأريخ الطبري : ٣ / ٢٩٢ قصة الشورى ، والكامل في التأريخ : ٣ / ٦٥ .
(٢) مروج الذهب للمسعودي : ٣ / ١٩٩ ، وقعة صفّين لنصر بن مزاحم ك ١١٩ .
(٣) الإمامة والسياسة : ٢٩ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٦ / ١١ .
(٤) راجع خطبة الزهراء في مسجد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبحار الأنوار ك ٢٩ / ٢٢٠ .
بلزوم الاقتداء بهم والتمسّك بحبلهم ، ولو فرض ـ جدلاً ـ أنّه لا نصّ بالخلافة من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على أحد من آل محمد وفرض كونهم غير متميّزين في حسب أو نسب أو أخلاق أو جهاد أو علم أو عمل أو إيمان أو إخلاص ، بل كانوا كسائر الصحابة ، فهل كان ثمّة مانع شرعيّ أو عقليّ أو عرفيّ يمنع تأجيل عقد البيعة إلى حين الانتهاء من تجهيز رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (١) ؟!
إن هذا الاستعجال من المبادرين لسدّ الفراغ الذي خلّفته وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على وجود نصوص أو أرضية تشريعية كان ينبغي تفويتها والمبادرة لأخذ زمام الأمر ، لئلاً تأخذ النصوص فاعليتها إن جرت الأمور بشكل طبيعي ، ولهذا قال عمر عن بيعة أبي بكر : إنّها كانت فلتة وقى الله المسلمين شرّها ألا ومن عاد لمثلها فاقتلوه(٢) .
٢ ـ البيعة لم تكن جامعة لأهل الحلّ والعقد الذي يعتبر شرطاً أساسياً في حصول الإجماع وفي مشروعية الانتخاب ، إذ اُلغي في السقيفة استشارة الطبقة الرفيعة من الصحابة مثل عليّعليهالسلام والعباس وعمار بن ياسر وسلمان وخزيمة بن ثابت وأبي ذر وأبي أيوب الأنصاري والزبير بن العوام وطلحة وأبي بن كعب ، وغيرهم كثير .
٣ ـ استعمال العنف والقسوة في طريقة أخذ البيعة من المسلمين ، فإنّ كثيراً من المسلمين قد أرغموا عليها ، وقد لعبت دِرَّة عمر في سبيل تحقيقها وإيجادها دوراً كبيراً .
٤ ـ لقّنت السقيفة مفاهيم منحرفة للأمة ، منها :
أ ـ الاستعلاء على الأمة والاستخفاف بشأنها تحت شعار (مَن ذا ينازعنا سلطان محمّد ؟ ! ) .
ــــــــــــ
(١) النص والاجتهاد للسيد شرف الدين : ٢٥ ط اُسوة .
(٢) تذكرة الخواص : ٦١ ، وراجع صحيح البخاري : كتاب الحدود ، باب رجم الحبُلى .
ب ـ تحويل مفهوم النبوّة الرّبانية وخلافة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى مفهوم السلطة العشائرية التي تستمد قوّتها وشرعيتها من انتخاب أبناء العشيرة وليس من نصوص الشريعة المقدّسة .
ج ـ فسح المجال أمام المسلمين لطرح التعددية في السلطة ومنافسة مَن فرض الله طاعته بالنصّ ، وتشجيع التمرّد على الحاكم المعصوم المنصوب بأمر من الله تعالى ، كما قالوا : منّا أمير ومنكم أمير .
د ـ هيّأ اجتماع السقيفة الأرضيّة المناسبة لتجاوز وجود الأمة وتجاوز رأيها السياسي كما حصل ذلك مرة أخرى عند تعيين عمر ، وثالثة عند وفاة عمر متمثلاً في الشورى التي فرضها عمر على المسلمين .
موقف الإمامعليهالسلام من اجتماع السقيفة :
لم يكن الإمام عليّعليهالسلام طامعاً وساعياً في استلام الخلافة والتربّع على عرشها مثل الآخرين ، إذ كان همّه الأوّل والأخير تثبيت دعائم الإسلام ونشره ، وإعزاز الدين وأهله ، وإظهار عظمة الرسول وبيان سيرته ، وحثّ الناس على الاقتداء بمنهجهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فانشغل بمراسم تجهيز النبيّ والصلاة عليه ودفنه ، وما كان يدور في خَلَده أنّ الخلافة تعدوه وهو المؤهّل لها رسالياً والمرشّح لها نبوّياً ، ولكنّ نفوس القوم أضمرت ما ينافي وصايا نبيّهم في غزوتي أُحد وحنين ، وأغراهم الطمع في سلطان بغير حقّ ، فتركوا نبيّهم مطروحاً بلا دفن كما تركوه وفرّوا عنه في حياته عند الشدائد والهزائز .
لقد وصل خبر اجتماع السقيفة إلى بيت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث يجتمع عليّعليهالسلام وبنو هاشم والمخلصون من الصحابة حول جسد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال العباس عمّ الرسول لعليّ : يا ابن أخي ، اُمدد يدك أبايعك ، فيقال : عمّ رسول الله بايع ابن عمّ رسول الله ، فلا يختلف عليك اثنان .
فقالعليهالسلام :يا عمّ ، وهل يطمع فيها طامع غيري ؟
قال العباس : ستعلم .
غير أنّ الإمامعليهالسلام لم يكن ليخفى عليه ما كان يجري في الساحة من مؤامرات آنذاك فأجابه بصريح القول :( إنّي لا أحب هذا الأمر من وراء رِتاج ) (١) .
موقف أبي سفيان :
روي : أنّ أبا سفيان جاء إلى باب دار رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّعليهالسلام والعباس موجودان فيه ، فقال : ما بال هذا الأمر في أقلّ حيّ من قريش ؟! والله لئن شئت لأملأنّها عليهم خيلاً ورجالاً ، فقال عليّعليهالسلام :ارجع يا أبا سفيان ! طالما عاديت الإسلام وأهله فلم تضرّه بذاك شيئاً .
وروي أيضاً : أنّه لمّا اجتمع الناس على بيعة أبي بكر ؛ أقبل أبو سفيان وهو يقول : والله إنّي لأرى عجاجةً لا يطفئها إلاّ دم ، يا آل عبد مناف فيم أبو بكر من أموركم ! أين المستضعفان عليّ والعباس ، وقال : أبا حسن ، ابسط يدك أبايعك ، فأبى عليّعليهالسلام عليه وزجره وقال :إنّك والله ما أردت بهذا إلاّ الفتنة ، وإنّك طالما بغيت الإسلام شرّاً ، لا حاجة لنا في نصيحتك (٢) ولمّا بويع أبو بكر قال أبو سفيان : ما لنا ولأبي فصيل ، إنما هي بنو عبد مناف !
فقيل له : إنّه قد ولّى ابنك ، قال : وصلته رحم(٣) .
لم تكن معارضة أبي سفيان للسقيفة عن إيمانه بحقّ الإمام عليّعليهالسلام وبني هاشم ، وإنّما كانت حركة سياسية ظاهرية أراد بها الكيد بالإسلام والبغي عليه ، فإنّ
ــــــــــــ
(١) الإمامة والسياسة : ٢١ والرِتاج : الباب المغلق .
(٢) تاريخ الطبري : ٢ / ٤٤٩ ، والكامل في التاريخ : ٢ / ٣٢٦ ط دار الفكر .
(٣) تأريخ الطبري : ٢ / ٤٤٩ ط دار الأعلمي ، والكامل في التأريخ : ٢ / ٣٢٦ .
علاقة أبي بكر مع أبي سفيان كانت وثيقة للغاية(١) .
أقطاب المعارضة للسقيفة :
كان من الطبيعي أن تبرز أطراف معارضة لنتائج السقيفة التي لم تتمتّع بالأهليّة الكافية والاحقيّة في الزعامة ، فبرزت ثلاثة أطراف :
الأوّل : الأنصار باعتبارهم كتلة سياسية واجتماعية كبيرة لابدّ من حسابها في ميزان الترشيح والانتخاب ، فنازعوا الخليفة الفائز وصاحبيه في سقيفة بني ساعدة ، ووقعت بينهم المنازعة التي انتهت بفوز قريش .
وقد انتفع أبو بكر وحزبه في مواجهة الأنصار من :
١ ـ تركّز فكرة الوراثة الدينية في الذهنية العربية في قوله بأنّهم شجرة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأقربهم إليه ، فهم أولى به من سائر المسلمين ، وأحق بخلافته وسلطانه .
٢ ـ انشقاق الأنصار على أنفسهم بين مؤيّد ومعارض لأبي بكر ، نتيجة تجذّر النزعة القبلية من نفوسهم ، أو لحسد بعضهم لبعض ، أو الرغبة في نيل الحظوة والقُربة لدى السلطة الحاكمة الجديدة ، حتى برزت هذه الظاهرة واضحة في قول أسيد بن حضير في السقيفة : لئن ولّيتموها سعداً عليكم مرة واحدة لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة ولا جعلوا لكم نصيباً فيها أبداً فقوموا فبايعوا أبا بكر(٢) .
ــــــــــــ
(١) فقد روي أنّ أبا سفيان اجتاز على جماعة من المسلمين منهم أبو بكر وسلمان وصهيب وبلال ، فقال بعضهم : أما أخذت سيوف الله من عنق عدّو الله مأخذها ؟ فزجرهم أبو بكر وقال لهم : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيّدهم ؟ ومضى مسرعاً إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يخبره بمقالة القوم فردّ عليه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم قائلاً : يا أبا بكر لعلك أغضبتهم ؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت الله صحيح البخاري : ٢ / ٣٦٢ .
(٢) الكامل في التأريخ : ٢ / ٣٣١ .
لقد أعطى اجتماع السقيفة لأبي بكر القوّة من ناحيتين :
١ ـ إضعاف دور القاعدة الشعبية للإمام عليّعليهالسلام فإنّ الأنصار سجّلوا على أنفسهم بذلك مذهباً لا يسمح لهم بأن يقفوا بعد السقيفة إلى صفّ الإمام ويخدموا قضيته وأحقّيته في الخلافة .
٢ ـ بروز أبي بكر كمدافع وحيد عن حقوق المهاجرين بصورة عامّة وعن قريش خاصّة في مجتمع الأنصار ، حيث إنّ الظرف كان مناسباً جدّاً ، إذ خلا من أقطاب المهاجرين الذين لم يكن لتنتهي المسألة في محضرهم إلى نتيجتها التي انتهت إليها .
الثاني : الأمويون الذين كان لديهم مطمع سياسيّ كبير في نيل نصيب مرموق من الحكم ، واسترجاع شيء من مجدهم السياسي في الجاهلية وعلى رأسهم أبو سفيان ، وقد تعامل معهم أبو بكر وحزبه وفق معرفتهم بطبيعة النفس الأموية وشهواتها السياسيّة والمادية ، فكان من السهل على أبي بكر أن يتنازل عن بعض المبادئ والحقوق الشرعية ، فدفع لأبي سفيان جميع ما في يده من أموال المسلمين وزكواتهم التي جمعها من سفره الذي بعثه فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لجباية الأموال ، ولم يعبأ الفائزون بالسقيفة بمعارضة الأمويين وتهديد أبي سفيان وما أعلنه من كلمات الثورة والرغبة في تأييد الإمامعليهالسلام وبني هاشم .
بل استفاد أبو بكر وحزبه من الأمويين في إضعاف دور بني هاشم حاضراً ومستقبلاً بأن جعلوا للأمويين حظّاً في العمل الحكومي في عدّة من المرافق الهامّة في الدولة .
الثالث : الهاشميّون وأخصّاؤهم كعمار وسلمان وأبي ذر والمقداد رضوان الله عليهم ، وجماعات كثيرة من الناس الذين كانوا يرون البيت الهاشمي هو صاحب الحقّ الشرعي بالخلافة ، وهو الوارث الطبيعي لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بحكم نصّ الغدير ومناهج السياسة التي كانوا يألفونها .
ولم تكن لتنطلي عليهم الحجج الواهية التي طرحتها أطراف السقيفة ، فرأت فيهم تيارات تسعى للاستئثار بالحكم لإرضاء شهواتهم ونذيراً بانحراف التجربة الإسلامية من مسارها الصحيح .
نتائج السقيفة :
نجح أبو بكر وحزبه في مواجهة الأنصار والأمويين ، وكسب الموقف بأن أصبح خليفة للمسلمين ، ولكنّ هذا النجاح جرّه إلى تناقض سياسي واضح ، لأنّه لم يملك في السقيفة من رصيد إلاّ أن يجعلوا حجّتهم مبنيّة على أساس القرابة من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن ثَمّ يقرّوا مذهب الوراثة للزعامة الدينية .
غير أنّ وجود بني هاشم كطرف معارض بدّل الوضع السياسي ، واحتجّت المعارضة على أبي بكر وحزبه بنفس حجّتهم على باقي الأطراف ، وهي إذا كانت قريش أولى برسول الله من سائر العرب فبنو هاشم أحقّ بالأمر من بقية قريش .
وهذا ما أعلنه الإمام عليّعليهالسلام حين قال :إذا احتجّ المهاجرون بالقُرب من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كانت الحجّة لنا على المهاجرين بذلك قائمة ، فإن فلجت حجّتهم كانت لنا دونهم ، وإلاّ فالأنصار على دعوتهم .
وأوضحه العباس في حديث له مع أبي بكر إذ قال له : وأمّا قولك نحن شجرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فإنكم جيرانها ونحن أغصانها(١) .
فالإمام عليّعليهالسلام كان مصدر رعب ورهب في نفوس الفائزين في لعبة السقيفة وسدّاً منيعاً إزاء رغباتهم وطموحاتهم ، وكان بإمكانه أن يستغلّ النفعيّين ـ وما أكثرهم ! ـ والذين يميلون مع كلّ ريح وينعقون مع كلّ ناعق والذين يعرضون أصواتهم ومواقفهم رخيصة في الأسواق السياسية ، وأن يشبع نهمهم ممّا خلّفه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم من الخمس وغلاّت أراضي المدينة ونتاج (فدك) التي كانت تدرّ بالخيرات ، إلاّ أنّهعليهالسلام أبى عن كلّ ذلك لكمال شخصيّته وسموّ منزلته ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر كان بوسعهعليهالسلام أن يتحرّك محتجّاً أمام أرباب السقيفة بمبدأ القرابة الذي يعدّ ورقة رابحة بيده حتى ألمح لذلك بقولهعليهالسلام :(احتجوّا بالشجرة وأضاعوا الثمرة) وكان السواد الأعظم من الناس يقدّسون أهل البيت ويحترمونهم لذلك السبب ، وبالتالي سيدفع السلطة الحاكمة إلى أزمة سياسية حرجة لا مخرج منها ، بيد أنّهعليهالسلام كان أسمى من ذلك وأجلّ ، حيث قدّمعليهالسلام المصلحة الإسلامية العليا على كلّ المصالح الخاصة .
ــــــــــــ
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٦ / ٥ .
ولتلافي احتمال تحرّك الإمام على هذا المسار تردّدت السلطة بين موقفين :
أوّلاً : أن لا تقرّ للقرابة بشأن في الخلافة ، وهذا معناه نزع الثوب الشرعي عن خلافة أبي بكر الذي تقمّصه يوم السقيفة .
ثانياً : أن تناقض السلطة الحاكمة نفسها وإصرارها على مبادئها التي أعلنتها في السقيفة مقابل بقيّة الأطراف ، فلا ترى أيّ حق للهاشميّين في السلطة وهم أقرب الناس إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو تراه لهم ، ولكن في غير ذلك الظرف الذي يكون معنى المعارضة مقابلة حكم قائم ووضع قد تعاقد عليه الناس .
وكان الخيار الثاني هو خيار السلطة(١) .
ــــــــــــ
(١) راجع تفصيل ذلك في ( فدك في التأريخ ) للشهيد الصدر ك ٨٤ ـ ٩٦ ، وتأريخ الطبري : ٢ / ٤٤٩ و ٤٥٠ ( أحداث السقيفة ) .
الفصل الثاني: الإمام عليّعليهالسلام في عهد أبي بكر
خطوات السلطة لمواجهة المعارضة :
ما كانت الفئة المسيطرة لتتنازل عن السلطة بعد أن سعت وخطّطت للاستيلاء عليها ، فثبتت على آرائها التي روّجتها في السقيفة ودعمتها بشتّى الوسائل والسبل بغض النظر عن شرعيّتها أو صحّتها في المحافظة على سلامة الدعوة الإسلامية ، لذا فإنّنا نلاحظ بعض الظواهر والخطوات السياسية التي اتّبعتها هذه الفئة من أجل إبعاد آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم عن الحكم نهائياً والقضاء على الفكرة التي أمدّت الهاشميين بالقوة ، بل القضاء على كلّ معارضة محتملة مستقبلاً ، وهي:
١ ـ إنّ السلطة الجديدة أخذت على المعارضين أنّ مخالفتهم الخليفة الجديد ليس إلاّ إحداثاً للفتنة المحرّمة في شريعة الإسلام ، وكان يدعم إدانتهم للمعارضة هذه أنّ ظروف الدولة الإسلامية كانت غير مستقرّة بعد ، وكان الأعداء من خارج البلاد يهدّدون الدولة الإسلامية إضافة إلى أحداث الردّة التي حصلت بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم داخل حدود الدولة الإسلامية الفتيّة .
٢ ـ أسلوب الشدّة والعنف الذي اتّبعه الخليفة وحزبه مع الإمام عليّعليهالسلام ومن معه بنفس الطريقة التي اتّبعوها مع سعد بن عبادة في السقيفة ، فقد بلغت الشدّة منهم أنّ عمر هدّد بحرق بيت الإمام عليّعليهالسلام وإن كانت فاطمةعليهاالسلام فيه(١) ، ومعنى هذا أنّ فاطمة وغيرها من آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ليس لهم حرمة تمنعهم عن أن يتّخذ الجهاز الحاكم الطريقة نفسها معهم .
٣ ـ إنّ أبا بكر ومن معه لم يشرك شخصاً من الهاشميّين في شأن من شؤون الحكم المهمّة خشية أن يصل الهاشميّون إلى الخلافة(٢) ولا جعل منهم والياً على شبر من الدولة الإسلامية الواسعة .
٤ ـ إعداد وتهيئة كتلة سياسية ضخمة تنافس آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وتعاديهم ، لنيل الخلافة والمركز الأعلى في الحكم ، فإنّنا نلاحظ أنّ الأمويين ذوي الألوان والطموحات السياسية الواضحة قد احتلوا الصدارة في المناصب الإداريّة أيام أبي بكر وعمر ، وإضافة إلى ذلك أنّ مبدأ الشورى الذي ابتكره الخليفة الثاني سوف يجعل من عثمان بن عفّان المرشح الأوفر حظّاً من غيره من المنافسين .
هذه الكتلة السياسية من شأنها أن تطول وتتّسع لأنّها ليست متمثلة في شخص بل في بيت كبير ، وبالتالي سوف لن تكون الظروف مهيأة لصعود آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى سدّة الخلافة بسهولة على أقلّ تقدير .
٥ ـ عزل كلّ العناصر التي تميل إلى بني هاشم ، فقد روي أنّ أبا بكر عزل خالد بن سعيد بن العاص عن قيادة الجيش الذي وجّهه لفتح الشام بعد أن أسندها إليه لا لشيء إلاّ لأنّ عمر نبّهه إلى نزعته الهاشمية وميله إلى آل محمد ، وذكّره بموقفه المعارض لهم بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (٣) .
٦ ـ إضعاف القدرة الاقتصادية للإمام عليّعليهالسلام خشية أن يستثمرها الإمام في الدعوة لاستعادة حقّه الشرعي في الخلافة ، فقام الخليفة بمصادرة فدك من الزهراءعليهاالسلام لعلمه أنّهاعليهاالسلام كانت سنداً قوياً لقرينها في دعوته إلى نفسه ، هذا إذا علمنا أنّ أطرافاً سياسية باعت صوتها للحكومة ، فمن الممكن أن تفسخ المعاملة إذا عرض عليها ما ينتج ربحاً أكبر ، كما
ــــــــــــ
(١) بحار الأنوار : ٤٣ / ١٩٧ ط دار الوفاء .
(٢) تأريخ الطبري : ٢ / ٦١٨ ، ومروج الذهب على هامش تأريخ ابن الأثير : ٥ م ١٣٥ .
(٣) تاريخ الطبري : ٢ / ٥٨٦ ط مؤسسة الأعلمي .
وأنّ الخليفة أبا بكر نفسه اتّخذ المال وسيلة من وسائل الإغراء وكسب الأصوات(١) .
وإذا أضفنا لذلك أنّ الزهراء كانت دليلاً يحتجّ به أنصار الإمام عليّعليهالسلام على أحقّيته بالخلافة نستوضح أنّ الخليفة كان موفَّقاً كلّ التوفيق في مسعاه السياسي لإظهار موقف الزهراءعليهاالسلام الداعم لأمير المؤمنينعليهالسلام موقفاً محايداً ، وذلك بأسلوب لبق وغير مباشر لإفهام المسلمين أنّ فاطمةعليهاالسلام امرأة من النساء ولا يصحّ أن تؤخذ آراؤها ودعاويها دليلاً في مسألة بسيطة كفدك ، فضلاً عن موضوع مهم كالخلافة ، وأنّها إذا كانت تطلب أرضاً ليس لها بحقّ ؛ فمن الممكن أن تطلب(٢) لقرينها الدولة الإسلامية كلّها ، وليس له فيها حقّ كما يدّعيه هؤلاء الصحابة الذين رشّحوا أنفسهم لخلافة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيطروا على زمام الأمر .
فقد روي أنّه لمّا استقرّ الأمر لأبي بكر ، بعث إلى وكيل الزهراء فأخرجه منها واستولى على فدك ، واحتجّ بحديث لم يروه غيره ، وهو أنّه سمع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : ( إنّا معاشرَ الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه صدقة ) فالنبيّ لا يورث وإنّما ميراثه في المساكين وفقراء المسلمين(٣) .
الاحتجاجات على خلافة السقيفة :
إنّ الصفوة الخيّرة من الصحابة الذين وقفوا مع الإمام عليّعليهالسلام في المطالبة بحقّه الشرعي في الخلافة احتجّوا بصلابة وثقة وعلانية وبحجّة واضحة دامغة وبدليل شرعيّ منصوص وبأسلوب يدلّ على الحرص على إصابة الحقّ وصيانة الحكم الإسلامي من الانحراف على الحكومة ، فقد وقفوا في مسجد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم فانبرى الصحابيّ الجليل خزيمة بن ثابت فقال : أيّها الناس ! ألستم تعلمون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قَبِل شهادتي وحدي ، ولم يرد معي غيري ؟ فقالوا : بلى ، قال : فأشهد أنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول :(أهل بيتي يفرّقون بين الحقّ والباطل ، وهم الأئمّة الذين يقتدى بهم) ، وقد قلت ما علمت ، وما على الرسول إلاّ البلاغ المبين .
ــــــــــــ
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد : ٣ / ١٨٢ ، وشرح النهج لابن أبي الحديد : ١ / ١٣٣ .
(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٦ / ٢٨٤ ط المحققة / أبو الفضل إبراهيم وفيه جواب مدرس المدرسة الغربية علي بن الفارقي بهذا المعنى عندما سأله ابن أبي الحديد .
(٣) راجع سنن البيهقي : ٦ / ٣٠١ ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١٦ / ٢١٨ ـ ٢٢٤ ، ودلائل الصدق للمظفر : ٣ / ٣٢ .
واحتجّ عمار بن ياسر فقال : يا معاشر قريش ويا معاشر المسلمين ! إن كنتم علمتم وإلاّ فاعلموا أنّ أهل بيت نبيّكم أولى به وأحقّ بإرثه وأقوم باُمور الدين وآمن على المؤمنين وأحفظ لملّته وأنصح لاُمّته ، فمروا صاحبكم فليردّ الحقّ إلى أهله قبل أن يضطرب حبلكم ويضعف أمركم ويظهر شقاقكم وتعظم الفتنة بكم .
ووقف سهل بن حنيف فقال : يا معشر قريش ! أشهد على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد رأيته في هذا المكان ـ يعني مسجد النبيّ ـ وقد أخذ بيد عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وهو يقول :( أيّها الناس ، هذا عليّ إمامكم من بعدي ووصيّي في حياتي وبعد وفاتي ، وقاضي ديني ، ومنجز وعدي ، وأوّل من يصافحني على حوضي ، وطوبى لمن تبعه ونصره ، والويل لمن تخلّف عنه وخذله ) .
ثمّ قام أبو الهيثم بن التيهان فقال : وأنا أشهد على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه أقام عليّاً يوم غدير خم ، فقالت الأنصار : ما أقامه إلاّ للخلافة ، وقال بعضهم : ما أقامه إلاّ ليعلم الناس أنّه مولى من كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مولاه ، وكثر الخوض في ذلك فبعثنا رجلاً منّا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فسألوه عن ذلك ، فقال :( هو وليّ المؤمنين بعدي وأنصح الناس لأمتي ) ، وأنا أشهد بما حضرني ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، إنّ يوم الفصل كان ميقاتاً .
ثمّ قام آخرون منهم أبو ذر وأبو أيوب الأنصاري وعتبة بن أبي لهب والنعمان بن عجلان وسلمان الفارسي فاحتجّوا على القوم(١) .
محاولة إرغام الإمامعليهالسلام على البيعة :
كان لامتناع الإمام عن البيعة وقيام عدد من الصحابة الأجلاّء بالاحتجاج العلني ومطالبة السلطة بالتنحّي عنها وتسليمها إلى صاحبها الشرعي الأثر الفعّال في تحريك مشاعر المسلمين وتعبئتهم في صف أمير المؤمنينعليهالسلام ، هذا بالإضافة إلى وجود بعض العشائر المؤمنة المحيطة بالمدينة مثل أسد وفزارة(٢) وبني حنيفة وغيرهم ممن شاهد بيعة يوم الغدير (غدير خم) التي عقدها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّعليهالسلام بإمرة المؤمنين من بعده الذين رفضوا بيعة أبي بكر ، وامتنعوا عن أداء الزكاة للحكومة الجديدة باعتبارها غير شرعية ، وكانوا يقيمون الصلاة ويؤدّون جميع الشعائر ، كلّ هذا كان يشكّل خطراً على الحكم القائم ، فرأت السلطة الحاكمة أن تصنع حدّاً لهذا الخطر ، وذلك بإجبار رأس المعارضة وهو عليّ بن أبي طالبعليهالسلام على بيعة أبي بكر .
وذكر بعض المؤرّخين أنّ عمر أتى أبا بكر فقال له : ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة ؟ يا هذا لم تصنع شيئاً ما لم يبايعك عليّ ! فابعث إليه حتى يبايعك .
فأجمعوا آراءَهم على إرغام الإمامعليهالسلام وقسره على البيعة لأبي بكر ، فأرسلوا قوة عسكرية فأحاطت بداره فدخلوا داره بعنف(٣) ، وأخرجوه منها بصورة لا تليق بمكانة شخص قال عنه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ) .
ــــــــــــ
(١) تأريخ أبي الفداء : ١ / ١٥٦ ، والخصال للصدوق : ٤٣٢ ، والاحتجاج للطبرسي : ١ / ١٨٦ .
(٢) تأريخ الطبري : ٢ / ٤٧٦ ط مؤسسة الأعلمي .
(٣) الإمامة والسياسة : ٣٠ ، وتأريخ الطبري : ٢ / ٤٤٣ .
وجيء به إلى أبي بكر ، فصاحوا به بعنف : بايع أبا بكر ، فأجابهم الإمام بمنطق الواثق الجريء الشجاع :( أنا أحقّ بهذا الأمر منكم ، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم الأمر من الأنصار ، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وتأخذونه منّا أهل البيت غصباً ! ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لمّا كان محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم منكم فأعطوكم المقادة ، وسلّموا إليكم الإمارة ؟ وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار ، نحن أولى برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم حيّاً وميّتاً ، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون وإلاّ فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون ) (١) .
وبهذا الموقف الصريح أوضح الإمام الحقيقة من الحجّة السياسية التي اتّخذوها ذريعة للوصول إلى الحكم ، فلم يكن لهم بدّ من التسليم أو الردّ بما تحويه أفكارهم وتضمره نفوسهم ، فثار ابن الخطّاب بعد أن أعوزته الحجّة في الردّ على الإمام ، فسلك طريق العنف قائلاً له : إنّك لست متروكاً حتى تبايع ، فزجره الإمام قائلاً :( احلب حلباً لك شطره ، واشدد له اليوم يردده عليك غداً ، والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه ) (٢) .
هنا كشف الإمامعليهالسلام عن سرّ اندفاعات عمر وحماسه من أجل البيعة ، فإنّ موقفه هذا من أجل أن ترجع إليه الخلافة وشؤون الملك بعد أبي بكر .
وخاف أبو بكر من تطوّر الأحداث في غير ما يحب ، وخشي من عواقب غضب الإمام فقال له : إن لم تبايع فلا أكرهك ، ثمّ تكلّم أبو عبيدة بن الجرّاح محاولاً تهدئة الإمام عليّعليهالسلام وكسب ودّه ، فقال : يا ابن عم ! إنّك حديث السنّ وهؤلاء مشيخة قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ، ولا أرى أبا بكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك وأشد احتمالاً
ــــــــــــ
(١) الإمامة والسياسة : ٢٨ .
(٢) أنساب الأشراف : ١ / ٥٨٧ ، وشرح نهج البلاغة : ٢ / ٢ ـ ٥.
واضطلاعاً به ، فسلّم لأبي بكر هذا الأمر ، فإنّك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق من فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك(١) .
إنّ هذه التصريحات السياسية غايتها تضليل الآراء وتسويف المواقف ، وهي لم تكن لتنطلي على وعي الإمامعليهالسلام بل أثارت في نفسه الألم والاستياء من بوادر الانحراف ، فاندفع يخاطب القوم في محاولة لتنبيههم بخطئهم ، فقال :( الله الله يا معشر المهاجرين ! لا تخرجوا سلطان محمّد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقّه ، فو الله يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ الناس به ، لأنّا أهل البيت ، ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم ، ما كان فينا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول الله ، المضطلع بأمر الرعيّة ، الدافع عنهم الاُمور السيّئة ، القاسم بينهم بالسويّة ، والله إنّه لفينا ، فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحقّ بُعداً ) (٢) .
وروي : أنّ الزهراءعليهاالسلام خرجت خلف أمير المؤمنين من أجل الدفاع عن الإمامعليهالسلام لأنّها خشيت أن يكون القوم قد أعدّوا السوء لإيقاعه بالإمام ، وقد أخذت بيد ولديها الحسن والحسينعليهماالسلام وما بقيت هاشمية إلاّ وخرجت معها ، فوصلت مسجد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وهدّدت القوم بالدعاء عليهم إن لم يتركوا الإمام فقالتعليهاالسلام :( خلّوا عن ابن عمّي ، خلّوا عن بعلي ، والله لأنشرنّ شعري ولأضعنّ قميص أبي على رأسي ولأدعونّ عليكم ، فما ناقة صالح بأكرم على الله منّي ، ولا فصيلها بأكرم على الله من ولدي ) (٣) .
ــــــــــــ
(١) شرح نهج البلاغة : ٢ / ٢ ـ ٥ و ١ / ١٣٤ .
(٢) الإمامة والسياسة : ٢٨ .
(٣) الإحتجاج للطبرسي : ١ / ٢٢٢ .
الإمام عليّعليهالسلام ومضاعفات السقيفة :
إذا كانت مواقف الإمام عليّعليهالسلام كلّها رائعة ؛ فموقفه من الخلافة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من أكثرها روعةً ، فالعقيدة الإلهية تريد في كلّ زمان بَطَلاً يفتديها بنفسه ونفيسه ويعزّز به المبدأ ، وهذا هو الذي بعث بعليّ إلى فراش الموت ، وبالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى مدينة النجاة يوم الهجرة ، ولم يكن ليتهيّأ للإمامعليهالسلام في محنته بعد وفاة أخيه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يضحّي لها كلا ولديه الحسن والحسين ؛ لأنه لو ضحّى بنفسه في سبيل توجيه الخلافة إلى مجراها الشرعي في رأيه ؛ لما بقي بعده من يمسك الخيط من طرفيه ، وسبطا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم طفلان لا يتهيّأ لهما من الأمر ما يريد .
إنّ عليّاً الذي كان على أتمّ استعداد لتقديم نفسه قرباناً للمبدأ في جميع أدوار حياته منذ ولد في الكعبة والى أن استُشْهِدَ في مسجد الكوفة ؛ قد ضحّى بموقعه الذي نصبه فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتنازل عن القيادة السياسية الظاهرة في سبيل المصالح العليا التي جعله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وصيّاً عليها وحارساً لها .
وقف عليّعليهالسلام عند مفترق طرق ، كلٌ منها حرج وكلٌ منها شديد على نفسه :
١ ـ أن يبايع أبا بكر دون ممانعة ، ويكون حاله مثل بقية المسلمين ، بل ويحافظ على وجوده ومنافعه الشخصية ومصالحه المستقبلية وينال المكانة والتكريم والاحترام لدى الجهاز الحاكم وهذا غير ممكن ، لأنّه يعني إمضاءهعليهالسلام لبيعة أبي بكر وولايته ، وهذا مخالف لأوامر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومؤدٍّ إلى انحراف الخلافة والولاية والإمامة عن مسارها الأصلي ومعناها الحقيقي إلى الأبد ، وتبدّد الجهود والتضحيات التي بذلها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والإمام عليعليهالسلام من أجل إرساء قواعد الإسلام وتحكيم أصول الخلافة الشرعية ، وبالتالي انحراف التجربة الإسلامية كلّها .
٢ ـ أن يسكت وفي العين قذىً وفي الحلق شجا ، ويحاول أن يسلك سبيلاً معتدلاً يحفظ كيان الإسلام ويصون المسلمين ووجودهم وأن يجني ثماره متأخّراً .
٣ ـ أن يعلن الثورة المسلّحة على خلافة أبي بكر ، ويدعو الناس إليها ويدفعهم نحوها .
ولكن ماذا كان يترقّب للثورة من نتائج ؟ هذا ما نريد أن نتبيّنه على ضوء الظروف التأريخية لتلك الساعة العصيبة .
ومن المألوف أن الحاكمين لم يكونوا ينزلون عن مراكزهم بأدنى معارضة تواجههم وهم من عرفناهم حرصاً وشدّةً في أمر الخلافة ، معنى هذا أنّهم سيقابلون ويدافعون عن سلطانهم الجديد ، ومن المعقول جدّاً حينئذٍ أن يغتنم سعد ابن عبادة الفرصة ليعلنها حرباً اُخرى لإشباع أهوائه السياسية ، لأنّنا نعلم أنّه هدّد الحزب المنتصر بالثورة عندما طلب منه البيعة وقال :(لا والله حتّى أرميكم بما في كنانتي وأُخضّب سنان رمحي وأضرب بسيفي وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني ولو اجتمع معكم الإنس والجنّ ما بايعتكم) (١) .
وأكبر الظنّ أنّه تهيّب الغقدام على الثورة ولم يجرؤ على أن يكون أوّل شاهر للسيف ضدّ الخلافة القائمة ، وإنّما اكتفى بالتهديد الشديد الذي كان بمثابة إعلان الحرب ، وأخذ يترقّب تضعضع الأوضاع ليشهر سيفه بين السيوف ، فكان حريّاً به أن تثور حماسته ويزول تهيّبه ويضعف الحزب القائم في نظره إذا رأى صوتاً قويّاً يجهر بالثورة فيعيدها جذعة محاولاً إجلاء المهاجرين من المدينة
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٢ / ٤٥٩ ط مؤسسة الأعلمي .
بالسيف(١) ، كما أعلن ذلك المتكلّم عن لسانه في مجلس السقيفة .
ولا ننسى بعد ذلك الأمويين وتكتّلهم السياسي في سبيل الجاه والسلطان ، وما كان لهم من نفوذ في مكّة في سنواتها الجاهلية الأخيرة ، فقد كان أبو سفيان زعيمها في مقاومة الإسلام والحكومة النبويّة ، وكان عتاب بن أسيد بن أبي العاص ابن أُمية أميرها المطاع في تلك الساعة .
وإذا تأمّلنا ما جاء في تأريخ تلك الأيام(٢) من أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمّا توفّي وبلغ خبره إلى مكّة وعامله عليها عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أُمية استخفى عتاب وارتجّت المدينة وكاد أهلها يرتدّون ، فقد لا نقتنع بما يعلّل به رجوعهم عن الارتداد من العقيدة والإيمان ، وليس مردّ ذلك التراجع إلى أنّهم رأوا في فوز أبي بكر فوزهم وانتصارهم على أهل المدينة كما ذهب إليه بعض الباحثين ؛ لأنّ خلافة أبي بكر كانت في اليوم الذي توفّي فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأكبر الظنّ أنّ خبر الخلافة جاءهم مع خبر الوفاة ، بل تعليل القضية : أنّ الأمير الأموي عتاب بن أسيد شاء أن يعرف اللون السياسي الذي اتّخذته أسرته في تلك الساعة ، فاستخفى وأشاع بذلك الاضطراب حتّى إذا عرف أنّ أبا سفيان قد رضي بعد سخط وانتهى مع الحاكمين إلى نتائج تصبّ في صالح البيت الأموي ؛(٣) ظهر مرّة أخرى للناس وأعاد الأمور إلى مجاريها .
وعليه فالصلة السياسية بين رجالات الأمويين كانت قائمة في ذلك الحين ، وهذا ما يفسِّر لنا القوّة التي تكمن وراء أقوال أبي سفيان حينما كان ساخطاً على
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٢ / ٤٥٩ ، قصة السقيفة ، قول الحبّاب بن المنذر : ( أمّا والله لئن شئتم لنعيدنّها جذعَة ) .
(٢) الكامل في التأريخ / لابن الأثير : ٣ / ١٢٣ وصلَ خبر وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أُمية أميراً على مكّة .
(٣) تاريخ الطبري : ٢ / ٤٤٩ ، هدأت ثائرة أبي سفيان بعد أن ولّى الخليفة الأوّل ابنه معاوية ، فقال : وصلته رحم .
أبي بكر وأصحابه ، إذ قال : إنّي لأرى عجاجة لا يطفيها إلاّ الدمّ ، وقال عن عليّ والعبّاس : أما والذي نفسي بيده لأرفعنّ لهما من أعضادهما(١) .
فالأمويون كانوا متأهّبين للثورة والانقلاب ، وقد عرف عليّعليهالسلام منهم ذلك بوضوح حينما عرضوا عليه أن يتزعّم المعارضة ولكنّه عرف أنّهم ليسوا من الذين يعتمد على تأييدهم ، وإنّما يريدون الوصول إلى أغراضهم عن طريقه ، فرفض طلبهم ، وكان من المنتظر حينئذٍ أن يشقّوا عصا الطاعة إذا رأوا الأحزاب المسلّحة تتناحر ، ولم يطمئنّوا إلى قدرة الحاكمين على ضمان مصالحهم ، ومعنى انشقاقهم حينئذٍ إظهارهم للخروج عن الدين وفصل مكّة عن المدينة .
إذاً كانت الثورة العلويّة في تلك الظروف إعلاناً لمعارضة دموية تتبعها معارضات دموية ذات أهواء شتّى ، وكان فيها تهيئة لظرف قد يغتنمه المشاغبون ثمّ المنافقون .
ولم تكن ظروف المحنة تسمح لعليّ بأن يرفع صوته وحده في وجه الحكم القائم ، بل لتناحرت وتقاتلت مذاهب متعدّدة الأهداف والأغراض ، ويضيع بذلك الكيان الإسلامي في اللحظة الحرجة التي يجب أن يلتفّ المسلمون حول قيادة موحّدة ، ويركّزوا قواهم لصدّ ما كان يترقّب أن تتمخّض عنه الظروف الدقيقة من فتن وثورات(٢) .
ومن هنا كان على الإمام عليّ أن يختار الطريق الوسط ليحقّق أكبر قدر ممكن من الأهداف الرسالية التي جعله الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وصيّاً عليها .
ومن هنا نعرف أن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم كان قد أعدّ للإمام عليّعليهالسلام خطّتين أو خطّة واحدة ذات مرحلتين ، فالمرحلة الأولى هي نصبه إماماً شرعياً وخليفةً له بشكل رسمي بعد الإعلان الصريح وأخذ البيعة له من المسلمين وإتمام الحجّة على جميع من حضر وغاب عن مشهد يوم الغدير .
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٢ / ٤٤٩ .
(٢) فدك في التاريخ ، الشهيد السيد محمد الصدر : ١٠٢ ـ ١٠٥ .
وحين كان الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك القائد السياسي المحنّك الذي أثبت للتأريخ ولمن عاصره جميعاً نفاذ بصيرته وبُعد نظره وشفقته على أمته وارتباطه المستمر بعالم الغيب والعلم الإلهي الذي شاء للشريعة الإسلامية أن تكون خاتمة الشرائع وعلى أساسها ينبغي أن تتحقّق أهداف الرسالات الإلهية جميعاً فمن هنا ومن حيث علمهعليهالسلام بمدى وعي الأُمة للرسالة الإسلامية في عصره ومدى اندماجها وذوبانها في قيم الرسالة ، وطبيعة المجتمع الذي أسلم أو استسلم لدولة الرسول بما كان يشتمل عليه من عصبيات وقيم جاهلية يصعب اجتثاثها بسرعة وبخطوات تربوية قصيرة لكلّ هذا وغيره ممّا يمكن أن يدركه المتأمّل في الظروف المحيطة بالرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وبدولته ، يشعر المتأمّل بضرورة وجود تخطيط بعيد المدى يتكفّل تحقيق الأهداف الرسالية الكبرى على المدى البعيد بعد أن كان يستحيل أو يصعب اجتناء الثمار المرجوّة من حركة الرسالة في تلك الفترة وفي ذلك المجتمع على المدى القريب بعد ملاحظة منطق العمل التغييري بشكل خاص .
إذن كانت المرحلة الثانية بعد إعراض الأُمة أو عدم انقيادها للأطروحة النبويّة الإلهية هي الصبر والحزم والتخطيط العملي الواقعي لعمل تربوي جذري في ظلّ الدولة الإسلامية الفتيّة ، ريثما تُهيَّأ الظروف اللازمة لاستلام الحكم وتحقيق تلك الأطروحة ، لتتحقّق جميع الأهداف الممكنة لتطبيق هذه الشريعة الخالدة تطبيقاً صحيحاً رائعاً .
الإمام عليّعليهالسلام ومهمّة جمع القرآن :
اتّفقت كلّ الروايات الصحيحة على أنّ الإمام عليّاًعليهالسلام ما أن انتهى من تجهيز النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ومواراته الثرى ؛ حتى اعتكف في داره منشغلاً بجمع آيات القرآن وترتيبها حسب نزولها بعد أن كانت مبعثرة في الألواح .
وروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام : أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعليّعليهالسلام :يا عليّ ! القرآن خلف فراشي في المصحف والحرير والقراطيس فخذوه ، واجمعوه ، ولا تضيّعوه كما ضيّعت اليهود التوراة ، فانطلق عليّ عليهالسلام فجمعه في ثوب أصفر (١) وجاء أيضاً أنّ الإمام عليّاًعليهالسلام رأى من الناس طيرة عند وفاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فأقسم أنّه لا يضع على ظهره رداءه حتى يجمع القرآن ن فجلس في بيته ثلاثة أيام حتى جمع القرآن(٢) .
كما روي أنّ عليّاًعليهالسلام انقطع عن الناس مدّةً حتى جمع القرآن ، ثمّ خرج إليهم في إزار يحمله وهم مجتمعون في المسجد ، فلمّا توسّطهم وضع الكتاب بينهم ثمّ قال :إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : ( إنّي مخلّف فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) وهذا كتاب الله وأنا العترة (٣) ، وقال لهم : لئلاّ تقولوا غداً إنّا كنّا عن هذا غافلين .
ثمّ قال : لا تقولوا يوم القيامة إنّي لم أدعُكُمْ إلى نصرتي ولم أذكركم حقّي ولم أدعكم إلى كتاب الله من فاتحته إلى خاتمته(٤) .
فقال له عمر : إن يكن عندك قرآن فعندنا مثله فلا حاجة لنا فيكما .
ــــــــــــ
(١) المناقب لابن شهر آشوب : ٢ / ٤١ ، وفتح الباري : ١٠ / ٣٨٦، والإتقان للسيوطي : ١ / ٥١ .
(٢) الفهرست لابن النديم : ٣٠ .
(٣) المناقب لابن شهر آشوب : ٢ / ٤١ .
(٤) كتاب سليم بن قيس : ٣٢ ، ط مؤسّسة البعثة .
ويبدو أنّ الإمام لم يكتف بجم الآيات القرآنية بل قام أيضاً بترتيبها حسب النزول ، وأشار إلى عامّه وخاصّه ومطلقه ومقيّده ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وعزائمه ورخصه وسننه وآدابه ، كما وأشار إلى أسباب النزول وأملى ستّين نوعاً من أنواع علوم القرآن ، وذكر لكلّ نوعٍ مثالاً يخصّه ، وبهذا العمل الكبير استطاع الإمام أن يحافظ على أهمّ أصل من أصول الإسلام ، وأن يوجّه العقل المسلم نحو البحث عن العلوم التي يزخر بها القرآن ، ليصبح المنبع الرئيسي للفكر والمصدر المباشر الذي تستمد منه الإنسانية ما تحتاجه في حياتها .
إنّ أمير المؤمنين كان جديراً بما فعل ، فإنّه قال :ما نزلت على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم آية من القرآن إلاّ أقرأنيها وأملاها عليَّ فكتبتها بخطّي ، وعلّمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها ، ودعا الله عزّ وجلّ أن يعلّمني فهمها ، فما نسيت آيةً من كتاب الله عزّ وجلّ ولا علماً أملاه عليّ فكتبته وما ترك شيئاً علّمه الله عز وجل من حلال وحرام ولا أمر ولا نهي وما كان أو يكون من طاعة أو معصية إلاّ علّمنيه وحفظته ، فلم أنس منه حرفاً واحداً (١) .
من مواقف الإمامعليهالسلام في عهد أبي بكر :
قال الإمامعليهالسلام :( فو الله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلىاللهعليهوآلهوسلم عن أهل بيته ، ولا أنّهم مُنَحّوهُ عنّي من بعده ، فما راعني إلاّ انثيال الناس إلى أبي بكر يبايعونه ، فأمسكت بيدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمّد ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به أعظم من فوت ولايتكم التي هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما يتقشّع السحاب ، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل
ــــــــــــ
(١) كفاية الطالب للكنجي : ١٩٩ ، والاتقان للسيوطي : ٢ / ١٨٧ ، وبحار الأنوار : ٩٢ / ٩٩ .
وزهق واطمأن الدين وتنهنه )(١) .
كلّ الأحداث التي جرت بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وما سادها من أجواء المشاحنات وما حفّها من ابتعاد عن الحقّ وانجراف في غير الطريق الذي كان على المسلمين سلوكه لم تَنس عليّاً أنّه الوصيّ على هذه الأُمة وعلى تطبيق الرسالة الإسلامية .
كانت بيعة أبي بكر قد استلبت حقّ الإمام في إدارة شؤون الأُمة مباشرة واضطرّته إلى أن يعتزل إلى حين فإنّ وصايا الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم له وعهده إليه بالتكليف الإلهي برعاية الأُمة ثمّ حرصه العميق على الرسالة الإسلامية والمجتمع من التمزّق والضياع جعل من أمير المؤمنين القدوة المُثلى للمدافعين عن الكيان الإسلامي في كل الميادين .
من هنا وقف عليعليهالسلام ليدلي بآرائه الصائبة ، موضّحاً قواعد الدين الصحيحة في كلّ موقف يستعصي على الماسكين بزمام إدارة الدولة في زمن عصيب ، وفي اُمّة لم تترسّخ العقيدة الإلهية في نفوس أبنائها ، فكان عليّعليهالسلام ميزان القضاء والإفتاء في شؤون الحياة الإسلامية من قضاء واجتماع وإدارة في عهد أبي بكر وما تلاه من فترات حكم الخلفاء .
وقف عليعليهالسلام ليدافع عن المدينة ويصدّ هجوم المرتدّين عن الإسلام ومعه الصفوة من الصحابة الذين ساندوه في محنته .
وصيّة أبي بكر إلى عمر :
لم يزل الإمام عليّعليهالسلام مظلوماً يدفع بحقّه بعيداً عنه ، يتألّم على الخلافة إذ تلكّأت وعلى الرسالة إذ ضمرت ، لا يجد سبيلاً إلاّ الصبر وهو الحليم ولا يجد إلاّ الأناة وهو البصير ، وقد عبّر عن أحزانه وآلامه في خطبته الشهيرة بالشقشقيّة إذ قال :
ــــــــــــ
(١) نهج البلاغة : الكتاب ٦٢ .
( أما والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة ، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى ، ينحدر عنّي السيل ولا يرقى إليّ الطير ، فسدلت دونها ثوباً ، وطويت عنها كشحاً ن وطفقت أرتئي بين أن أصول بيدٍ جذّاء أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه ، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا ، أرى تُراثي نهباً ، حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى ابن الخطاب بعده ، فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته (١) إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشدّ ما تشطّرا ضرعيها ، فصيّرها في حوزة خشناء ، يغلظ كلمها ، ويخشن مسها ، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها ) (٢) .
لم تطل أيّام أبي بكر فقد ألمّت به الأمراض وأشرف على الموت ، وقد صمّم على أن يولي عمر الخلافة من بعده ، فاعترض أكثر المهاجرين والأنصار ، وأعلنوا كراهيّتهم لهذا القرار لما علموا من خشونة أخلاق عمر وسوء تعامله مع الناس(٣) .
لكنّ أبا بكر أصرّ على موقفه .
ثمّ إنّ أبا بكر أحضر عثمان بن عفّان لوحده ليكتب عهده لعمر ، فقال له : اُكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين ، أما بعد ثمّ أغمي على أبي بكر ، فكتب عثمان : فإنّي قد استخلفت عليكم عمر بن الخطّاب ولم آلكم خيراً ، ثمّ أفاق أبو بكر فقال : إقرأ عليّ ، فقرأ عليه فكبّر أبو بكر
ــــــــــــ
(١) إشارة إلى قول أبي بكر : أقيلوني فلست بخيركم ، راجع تذكره الخواص : ٦٢ .
(٢) نهج البلاغة : الخطبة ٣ .
(٣) الإمامة والسياسة : ٣٦ ، وتأريخ الطبري : ٢ / ٦١٨ و ٦١٩ ط مؤسسة الأعلمي ، والكامل في التأريخ : ٢ / ٤٢٥ .
وقال : أراك خِفتَ أن يختلف الناس إن مُتُّ في غشيتي ، قال : نعم ، قال : جزاك الله خيراً(١) .
مآخذ على وصية أبي بكر :
لم يكن عليّعليهالسلام راضياً بما فعله أبو بكر للأسباب التالية :
١ ـ إنّ أبا بكر لم يستشر أحداً من المسلمين في تقرير مصير الخلافة إلاّ عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفّان اللذين كانا على معرفة تامّة بميول أبي بكر لاستخلاف عمر من بعده ، خشية أن يدفعه أهل الرأي من الصحابة المخلصين على تغيير رأيه في اختيار عمر .
٢ ـ الإصرار على إبعاد الإمام عليّعليهالسلام عن الساحة السياسية ومسألة تقرير مصير الخلافة فلم يستشره في أمر الخلافة ، في حين أنّ أبا بكر كان يفزع إلى الإمام في حلّ المشاكل المستعصية ، أو أنّ آراء الإمام ومواقفه في خلافة أبي بكر هي الناصحة والصائبة دون من عداها .
٣ ـ إنّ أبا بكر فرض عمر فرضاً على المسلمين ، وكأنّ له الوصاية عليهم حيّاً وميّتاً وذلك بقوله : استخلفت عمر بن الخطاب عليكم فاسمعوا له وأطيعوا ، رغم أنّه رأى الغضب ظاهراً في وجوه الكثيرين من الصحابة .
٤ ـ إنّه ناقض نفسه في دعواه بالسير على منهاج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأنّه كان يدّعي أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم توفّي ولم يعهد لأحدٍ في شأن الخلافة ، في حين نجده يوصي لصاحبه عمر من بعده(٢) .
ــــــــــــ
(١) الكامل في التأريخ : ٢ / ٤٢٥ .
(٢) وهو من العجائب ؛ لأنّه لمّا أفاق من الإغماء واستمع إلى ما كتبه عثمان من تعيين الخليفة بعده ، قال : أراك خفت أن يختلف الناس إن متّ في غشيتي قال : نعم ؛ كيف هو وعثمان خافا من اختلاف الناس ؟! وأمّا الرسول الأعظم الحكيمصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يخف من اختلاف أمته ؟! لأنهم يصرّحون بأن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مات ولم يعيّن أحداً تباً لهم فما لهم كيف يحكمون ؟!
بل نلاحظ عمر يمنع الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم من كتابة وصيّته في لحظاته الأخيرة بينما يجلس وبيده جريدة ومعه شديد مولى لأبي بكر معه الصحيفة التي فيها استخلاف عمر وعمر يقول : أيّها الناس اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله إنه يقول غني لم آلكم نصحاً راجع الطبري ط أوربا ١ / ٢١٣٨ أرأيت التناقض بين موقفيه ؟! وهل هناك من تفسير غير التآمر على تخطيط الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
٥ ـ هيّأ الملك لبني أُمية ، الذي جلب الويلات للإسلام والمسلمين ، وذلك من خلال إثارة طمعهم في الخلافة وتشجيعهم عليها بقوله لعثمان : لو لا عمر ما عدوتك(١) وأبو بكر يعلم أنّ عثمان عاطفي ضعيف يميل لبني أُمية ، وأنّهم سيغلبونه على أمره ، وهذا ما حصل .
ــــــــــــ
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١ / ١٦٤ .
الفصل الثالث: الإمام عليعليهالسلام في عهد عمر(*)
مهّد أبو بكر كرسيّ الخلافة لعمر بن الخطاب فتولاّها بسهولة ويسر دون معارضة تذكر من أقطاب المهاجرين والأنصار ، وقد قبض على زمام الحكم بقوة وساس الأمة بشدّة ، حتى تحامى لقاءه أكابر الصحابة(١) وحقّقت جاهلية قريش انتصاراً سياسياً آخر ومضت بخطّها على أن لا تعطي حقّاً لبني هاشم ، وأتقن عمر هذا السير أيّما إتقان .
أمّا أمير المؤمنينعليهالسلام فلم يثأر لحقه المغتصب بعدما شاهد من سيرة السلطة الحاكمة وحركة الفئة غير الواعية في ركبها ، من تعنت وإصرار على الانحراف بالخلافة ، فوقف الإمام موقف الناصح الأمين للخليفة الجديد شعوراً منه بالمسؤولية الكبيرة ، فهو الأمين على سلامة الرسالة والأمة ، لقد ساهم أمير المؤمنين في الحياة العامّة ما وسعه من جهد ، وأدّى ما عليه من تكليف في تعليم وتفقيه وقضاء بصورة أوسع من دوره في عهد أبي بكر حيث اقتضت الضرورة ذلك ، فقد اتّسعت رقعة البلاد الإسلامية واستجدّت أحداث جديدة طارئة كان يعجز عنها الخليفة الجديد وكلّ من معه من الصحابة ، ولم يكن يجد لها حلولاً إلاّ
ــــــــــــ
(*) استخلاف عمر بن الخطاب في جمادى الآخرة عام (١٣) هـ .
(١) تأريخ الطبري : ٢ / ٦١٧ و ٦١٨ .
ممّن عصمه الله عن الذنب والخطأ ، ولذا كان عمر يقف متصاغراً أمام أمير المؤمنين ويحترم رأيه ويمضي حكمه وقراره حتى روي عنه لأكثر من مرّة وفي أكثر من موقف حرج قوله : لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن(١) .
فقد روي أنّ عمر أراد أن يرجم امرأةً مجنونةً اُتّهمت بالزنا ، فردّ الإمام عليّعليهالسلام قضاء عمر وذكّره بحديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :(رفع القلم عن ثلاث : عن المجنون حتى يبرأ ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبيّ حتى يعقل) حينذاك قال عمر : لو لا عليّ لهلك عمر(٢) .
ملامح من سيرة عمر(٣) :
١ ـ الشدّة والقسوة في التعامل مع الناس ، وفرض السلطان بالعنف والقوة ، فخافه القريب والبعيد ، وكان من شدته أنّ امرأةً جاءت تسأله عن أمر وكانت حاملاً ولشدّة خوفها منه أجهضت حملها وقصّته مع جبلّة وعنفه معه ممّا سبب ارتداد جبلّة وهروبه إلى بلاد الروم(٤) .
٢ ـ عدم مساواته في العطاء بين المسلمين ، فقد ميّز بينهم على أساس غير مشروع من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ولا موجّه في القرآن ، بل على أساس عصبي(٥) ، وكان من آثاره أن ظهرت الطبقية في العهود التي تلته ، فنشط النسّابون لتدوين الأنساب وتصنيف القبائل بحسب اُصولها ممّا أدّى إلى حنق الموالي على العرب وكراهيتهم لهم والتفتيش عم مثالبهم ، وقد خالف بذلك سيرة الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيرة صاحبه أبي بكر أيضاً .
ــــــــــــ
(١) اُسد الغابة ٤ / ٢٢ ، وتهذيب التهذيب : ٧ / ٢٩٦ ، وتاريخ دمشق : ٣ / ٣٩ حديث ١٠٧١ ، والرياض النضرة : ٢ / ١٩٧ ، وكنز العمال : ٥ / ٨٣٢ .
(٢) تذكرة الخواص : ٨٧ ، وكفاية الطالب : ٩٦ ، وفضائل الخمسة من الصحاح الستة : ٢ / ٣٠٩ .
(٣) راجع النص والاجتهاد للسيد شرف الدين : ١٤٨ .
(٤) الطبقات الكبرى : ٣ / ٢٨٥ ، وتأريخ الطبري : ٣ / ٢٩١ ، والعقد الفريد : ٢ / ٥٦ .
(٥) تأريخ الطبري : ٣ / ٢٩١ و ٢٩٢ .
وندم عمر على تصرّفه هذا في آخر فترة حكمه حينما رأى الثراء الفاحش عند كثير من الصحابة ، ولم تطب به نفسه ، وإنّما راح يقول : لو استقبلت من الأمر ما استدبرت لأخذت من الأغنياء فضول أموالهم فرددتها على الفقراء(١) .
٣ ـ عدم الدقّة والموضوعية في اختيار العمّال والولاة على أسس إسلاميّة تخدم مشروع الحكومة الإسلامية وتحافظ على كيان الأمة ، فإنّه استعمل مَنْ عُرف بالفساد وعدم الإخلاص للدين ، وأصرّ بموقفه هذا على إبعاد كلّ ما يمتّ إلى الخلافة بصلة ، عن الإمام عليّعليهالسلام والصحابة الأجلاّء الذين وقفوا معه(٢) .
٤ ـ استثناء معاوية من المحاسبة والمراقبة التي كان يشدّدها على ولاته ، وتركه على هواه يعمل ما يشاء لسنين طويلة ، ممّا أعان معاوية على طغيانه واستقلاله بالشام في عهد عثمان ، كما اُثر عنه قوله في توجيه تصرفات معاوية : إنه كسرى العرب(٣) .
محنة الشورى :
إذا كانت السقيفة وبيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها ـ كما قال عمر ـ ؛ فإنّ الشورى أشدّ فتنةً وأكبر انحرافاً عن مسير الرسالة الإسلامية ، فقد امتُحن المسلمون فيها امتحاناً عسيراً ، وزرعت لهم الفتن والمصاعب وجلبت لهم الويلات والخطوب ، وألقتهم في شرّ عظيم ، إذ تبيّن التآمر علناً لإقصاء الإمام عليٍّ عن الحكم وتسليم زمام الأمة الإسلامية بيد المنحرفين من دون واعز من الضمير أو حرص على المصير .
ــــــــــــ
(١) شرح النهج : ٩ م ٢٩ .
(٢) شيخ المضيرة أبو هريرة : ٨٤ .
(٣) المستدرك على الصحيحين : ٤ / ٤٧٩ ، وكنز العمال : ٦/٣٩.
فلمّا يئس عمر من حياته وأيقن برحيله عن الدنيا أثر الطعنات التي أصابته قيل له : استخلف علينا ، قال : والله لا أحملكم حيّاً وميّتاً ، ثمّ قال : إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منّي ـ يعني أبا بكر ـ وإن اَدَع من هو خير منّي ـ يعني النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ(١) ، ثمّ أبدى أسفه وحسرته على بعض من شاركه مسيرته للخلافة فقال : لو كان أبو عبيدة حيّاً لاستخلفته لأنّه أمين هذه الأمة ، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لاستخلفته لأنّه شديد الحبّ لله ، فقيل له : يا أمير المؤمنين لو عهدت عهداً .
قال : قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأُولّي رجلاً أمركم هو أحراكم أن يحملكم على الحقّ ـ وأشار إلى الإمام عليّعليهالسلام ـ ورهقتني غشية فرأيت رجلاً دخل جنّة قد غرسها ، فجعل يقطف كلّ غضّة ويانعة فيضمّه إليه ويصير تحته ، فعلمت أنّ الله غالب أمره ، ومتوفّ عمر ، فما أريد أن أتحمّلها حيّاً وميّتاً عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عنهم : إنّهم من أهل الجنّة ، وهم : عليّ وعثمان وعبد الرحمن وسعد والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله ، فليختاروا منهم رجلاً ، فإذا ولّوا والياً فأحسنوا مؤازرته وأعينوه(٢) ، وأمرهم أن يحبس هؤلاء الستّة حتى يولّوا أحدهم خلال أيام ثلاثة وأن يضرب عنق المخالف لاتّفاق الأغلبية أو الجناح المخالف للذي فيه عبد الرحمن بن عوف ، وأن يصلّي صهيب بالناس ثلاثة أيام حتى تجتمع الأمة على خليفة ، وطلب أن يحضر شيوخ الأنصار وليس لهم من الأمر شيء(٣) .
ــــــــــــ
(١) الإمامة والسياسة : ٤١ قد عرفت سابقاً أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يدع وقد عيّن خليفته مراراً كيوم الإنذار لعشيرته الأقربين وغدير خم وغيرهما .
(٢) تأريخ الطبري : ٣ / ٢٩٣ ط مؤسسة الأعلمي ، الكامل في التأريخ : ٣ / ٦٦ .
(٣) تاريخ الطبري : ٣ / ٢٩٤ ط مؤسسة الأعلمي ، طبقات ابن سعد : ٣ / ٢٦١ ، والإمامة والسياسة : ٤٢ ، والكامل في التأريخ : ٣ / ٦٨.
وحين اجتمع أعضاء الشورى لدى عمر ، وجّه إليهم انتقادات لاذعة لا تدلّ على وضوح توجّه صحيح أو ارشاد إلى انتخاب يعين الأمة في أزمتها ، فقال : والله ما يمنعني أن استخلفك يا سعد إلاّ شدّتك وغلظتك مع أنّك رجل حرب ، وما يمنعني منك يا عبد الرحمن إلاّ أنّك فرعون هذه الأمة ، وما يمنعني منك يا زبير إلاّ أنّك مؤمن الرضا كافر الغضب وما يمنعني من طلحة إلاّ نخوته وكبره(١) ، ولو وليها وضع خاتمه في إصبع امرأته وما يمنعني منك يا عثمان إلاّ عصبيتك وحبّك قومك وأهلك وما يمنعني منك يا عليّ إلاّ حرصك عليها ، وإنّك أحرى القوم إن وليتها أن تقيم على الحقّ المبين والصراط المستقيم(٢) .
مؤاخذات على الشورى :
نظام الشورى الذي وضعه عمر كان عارياً عن الصحّة والصواب يحمل التناقض بين خطواته ، فإنّنا نلاحظ فيه أُموراً يبعده عن الدقّة والموضوعية :
١ ـ إنّ الأعضاء المقترحين للشورى لم يحصلوا على هذا الامتياز بالأفضلية وفق ضوابط الانتخاب حيث لم تشترك القواعد الشعبية في الترشيح والانتخاب ، وإطلاق كلمة الشورى على هذا النظام جزاف ، لأنّه لم يكن إلاّ ترشيح فرد لجماعة وفرضهم على الأمة ومن ثَمّ أمر باجتماعهم تحت التهديد بالقتل والسلاح حتى يختاروا أحدهم .
٢ ـ عناصر الشورى متنافرة في تركيب شخصياتها وأفكارها ، ولا يمثّل كلّ فرد فيهم إلاّ رأيه الشخصي ، فكيف يمكن أن يعبّر عن رأي الأمة ؟ وقد نشب
ــــــــــــ
(١) كيف هم يدخلون الجنة ـ حسب نقل عمر عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ مع أنّ عبد الرحمن فرعون هذه الأمة وطلحة صاحب الكبر والنخوة والزبير مؤمن الرضا كافر الغضب ؟!
(٢) الإمامة والسياسة : ٤٣ .
الخلاف فيما بينهم من بعد الشورى ممّا فرّق شمل المسلمين(١) .
٣ ـ الاستهانة بالأنصار ودورهم ، فقد طلب عمر حضورهم ولا شيء لهم بل ولا رأي ، فالأمر منحصر في الستّة فما معنى حضور الأنصار ؟ بل إنّ عمر استهان بالأمة كلّها حين تمنّى حياة سالم وأبي عبيدة .
٤ ـ إنّ عمر ناقض نفسه في عمليّة اختيار العناصر ، ففي السقيفة كان يدّعي ويصرّ على أنّ الخلافة في قريش ، بينما نجده في هذا الموقف يتمنّى حياة سالم مولى أبي حذيفة ليوليه الأمر ، كما أنّه استدعى أصحاب الشورى دون غيرهم من الصحابة بدعوى أنّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم مات وهو راضٍ عنهم أو أنّهم من أهل الجنّة ، ولكنّه نسب اليهم عيوباً لا تجتمع مع الرضا عنهم ويتنزّه عنها أهل الجنة ثم إنّه أمر صهيباً أن يصلّي بالناس ثلاثة أيام ، لأنّ إمامة المصلّين لا ترتبط بالخلافة ولا تستلزمها ، وقد كان يناضل يوم السقيفة من أجل استخلاف أبي بكر ، وكات صلاته المزعومة دليله الأول على أهليّة أبي بكر للخلافة .
٥ ـ إنّه أراد أن يستخلف عليّاًعليهالسلام لأنّه سيحمل الأمة على النهج القويم والمحجّة البيضاء ، ولكنّه رأى في المنام ما رأى ، فأعرض عن الإمامعليهالسلام وكأنّه أراد بذلك التشويش على مكانة الإمام وأهليّته .
٦ ـ إنّ عمر قال : أكره أن أتحمّلها ـ يقصد الخلافة ـ حيّاً وميّتاً ، ولكنّه عاد فحدّد ستّة أشخاص من اُمّة كبيرة ، فأكّد بذلك نزعته في الاستعلاء على الأمة وقدراتها .
٧ ـ اختيار العناصر الستّة يبدو مبيّتاً بحيث يصل الأمر إلى عثمان باحتمالية أكبر من وصولها إلى الإمام عليّعليهالسلام وهو العنصر المؤهّل من الله ورسوله لخلافة الأمة ، فترشيح طلحة هو إثارة وتأكيد لأحقاد تيم ، لأنّ الإمام نافس وعارض أبا بكر في خلافته وها هو الآن ينافس مرشّحها الجديد طلحة ، وترشيحه لعثمان تأكيد منه على أحقاد أمية وإثارة نزعة السلطان والوجاهة لديها ، وأمّا ترشيحه لعبد الرحمن وسعد فهو فتح جبهة سياسية جديدة منافسة للإمام عليّعليهالسلام فهما من بني زهرة ولهما نسب أيضاً مع بني أمية ، فسوف يكون ميلهما لصالح عثمان لو تنافس مع الإمامعليهالسلام .
ــــــــــــ
(١) أنساب الأشراف : ٥ / ٥٧ ، وتذكرة الخواص : ٥٧ ، والنص والاجتهاد : ١٦٨ .
٨ ـ إنّه أمر بقتل أعضاء الشورى في حالة عدم التوصّل إلى اتّفاق أو إبداء معارضة وإصرار ، وكيف يمكن التوفيق بين هذا وبين قوله : إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مات وهو راضٍ عنهم ؟ وهل تكون مخالفة رأي عمر موجبة لقتل الصحابة(١) ؟
حوار ابن عباس مع عمر حول الخلافة :
روي أنّ حواراً وقع بين عمر وابن عباس في شأن الخلافة .
قال عمر : أما والله ، إنّ صاحبك لأولى الناس بالأمر بعد رسول الله ، إلاّ أنّنا خفناه على اثنتين ، قال ابن عباس : فما هما يا أمير المؤمنين ؟ قال عمر : خفناه على حداثة سنّه ، وحبّه بني عبد المطلب .
وفي بعض مجالس عمر بن الخطاب وقد جلس إليه نفر منهم عبد الله بن عباس ، فقال له عمر : أتدري يا ابن عباس ما منع الناس منكم ؟ قال ابن عباس : لا يا أمير المؤمنين ، قال عمر : لكنّني أدري ، قال ابن عباس : فما هو ؟ قال عمر : كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوّة والخلافة ، فتجحفوا الناس جحفاً فنظرت لأنفسها فاختارت ، ووفقت فأصابت .
فردّ عليه ابن عباس : أيميط أمير المؤمنين عنّي غضبه ؟ فأمّنه عمر قائلاً : قل ما تشاء .
ــــــــــــ
(١) تاريخ الطبري : ٣ / ٢٩٣ ط مؤسسة الأعلمي .
فقال ابن عباس : أمّا قولك : إنّ قريشاً كرهت فإنّ الله تعالى قال لقوم : ( ذلِكَ بِأَنّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) (١) وأمّا قولك : إنّا كنّا نجحف فلو جحفنا بالخلافة جحفنا بالقرابة ، ولكنّا قوم أخلاقنا من خلق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي قال ربّه فيه : ( وَإِنّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (٢) وقال له :( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (٣) وأمّا قولك : إنّ قريشاً اختارت فإنّ الله تعالى يقول :( وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) (٤) ، وقد علمت يا أمير المؤمنين أنّ الله اختار من خلقه من اختار ، فلو نظرت قريش حيث نظر الله لوفّقت وأصابت .
فتفكّر عمر هُنيئة ثمّ قال (وقد آذاه من ابن عباس هذا الحديث الصريح) : على رسلك يا ابن عباس ، أبت قلوبكم يا بني هاشم إلاّ غشّاً في أمر قريش لا يزول ، وحقداً عليها لا يحول .
قال ابن عباس : مهلاً يا أمير المؤمنين ، لا تنسب قلوب بني هاشم إلى الغش ، فهي من قلب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي طهّره وزكّاه ، وإنّهم لأهل البيت الذين قال لهم الله : ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٥) .
ثمّ قال ابن عباس : وأمّا الحقد فكيف لا يحقد من غُصب شيئه ويراه في يد غيره ؟ فغضب عمر وصاح ـ وقد حضره في هذه الآونة أمر كان يكتمه ـ ما أنت يا ابن عباس ! إنّي قد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك عندي .
قال ابن عباس : وما هو يا أمير المؤمنين ؟ أخبرني به فإن يك باطلاً فمثلي أماط الباطل عن نفسه ، وإن يك حقّاً فإنّ منزلتي عندك لا تزول به .
قال عمر : بلغني أنّك لا تزال تقول : اُخذ هذا الأمر منّا حسداً وظلماً .
ــــــــــــ
(١) محمد (٤٧) : ٩ .
(٢) القلم (٦٨) : ٤ .
(٣) الشعراء (٢٦) : ٢١٥ .
(٤) القصص (٢٨) : ٦٨ .
(٥) الأحزاب (٣٣) : ٣٣ .
فلم ينكص ابن عباس ولم يتزحزح عن مواطئ قدميه ، بل قال : نعم حسداً وقد حسد إبليس آدم فأخرجه من الجنة ، ونعم ظلماً وإنّك لتعلم يا أمير المؤمنين صاحب الحقّ من هو يا امير المؤمنين ، ألم تحتجّ العرب على العجم بحقّ رسول الله واحتجّت قريش على سائر العرب بحقّ رسول الله ؟ فنحن أحقّ برسول الله من سائر قريش وغيرها .
فقال عمر : إليك عنّي يا ابن عباس ، فلما رآه عمر قائماً يريد أن يبرح خشي أن يكون قد أساء إليه فأسرع يقول متلطّفاً به : أيّها المنصرف ! إنّي على ما كان منك لراعٍ حَقَّكَ .
فالتفت ابن عباس إليه وهو يقول ولم يزايله جدّه : إنّ لي عليك يا أمير المؤمنين وعلى كلّ المسلمين حقّاً برسول الله ، فمن حفظه فحقّ نفسه حفظ ، ومن أضاعه فحقّ نفسه أضاع(١) .
موقف الإمامعليهالسلام من الشورى :
أَلمَّ الحزن والأسى بقلب الإمام عليّعليهالسلام ، وساورته الشكوك والمخاوف من موقف عمر وترشيحه ، فأيقن أنّ في الأمر مكيدةً دبّرت لإقصائه عن الخلافة وحرف الحكومة الإسلامية عن مسارها الصحيح ، وما إن خرج الإمامعليهالسلام من عند عمر ؛ حتى تلقّاه عمّه العباس فبادره قائلاً :
يا عمّ ، لقد عُدِلَتْ عنّا ، فقال العباس : من أعلمك بذلك ، فقال عليّعليهالسلام : قُرن بي عثمان ، وقال عمر : كونوا مع الأكثر ، فإن رضي رجلان رجلاً ورجلان رجلاً فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف ، فسعد لا يخالف ابن عمّه عبد
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٣ / ٢٨٩ و ٢٩٠ ط مؤسسة الأعلمي .
الرحمن وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون ، فيوليها عبد الرحمن عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمن ، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني(١) .
وصدق تفرّس الإمامعليهالسلام فقد آلت الخلافة إلى عثمان بتواطؤ عبد الرحمن ، فقد روي أنّ سعداً وهب حقّه في الشورى لابن عمّه عبد الرحمن ، ومال طلحة لعثمان فوهب له حقّه ، ولم يبق إلاّ الزبير فتنازل عن حقّ لصالح الإمامعليهالسلام ، وهنا عرض عبد الرحمن أن يختار الإمام أو عثمان فقال عمار : إن أردت ألاّ يختلف المسلمون فبايع عليّاً ، فردّ عليه ابن أبي سرح : إن أردت ألاّ تختلف قريش فبايع عثمان فتأكّد التوجّه غير السليم للخلافة وبدت أعراض الانحراف واضحة جلية تؤجّجها نار العصبية .
فعرض عبد الرحمن بيعته بشرط السير على كتاب الله وسنّة نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيرة الشيخين ، فرفض الإمام سيرة الشيخين وقبلها عثمان فتمّت له البيعة ، فقال عليّعليهالسلام لعبد الرحمن :(حبوته حبو دهره ، ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا ، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) (٢) (والله ما فعلتها إلاّ لأنّك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه ، دقَّ الله بينكما عطر منشم) (٣) .
ثمّ التفتعليهالسلام إلى الناس ليوضّح لهم خطأهم المتكرّر في الاستخلاف ورأيه في مصير الرسالة الإسلامية فقال :
(أيّها الناس ! لقد علمتم أنّي أحقّ بهذا الأمر من غيري ، أما وقد انتهى الأمر إلى ما
ــــــــــــ
(١) المصدر السابق : ٥ / ٢٢٦ .
(٢) تاريخ الطبري : ٣ / ٢٩٧ ط مؤسسة الأعلمي .
(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١ / ١٨٨ .
ترون ، فو الله لأُسالمنّ ما سَلِمَتْ أمورالمسلمين ، ولم يكن فيها جور إلاّ عليّ خاصة ، التماساً لأجرِ ذلك وفضلِه ، وزهداً فيما تنافَسْتُموه من زُخرفه وزِبْرجه) (١) .
إنّ الإمامعليهالسلام دخل مع الباقين في الشورى وهو يعلم بما ستؤول إليه ، محاولة منه لإظهار تناقض عمر ومن سار على نهجه عند وفاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حين كان يرى أنّه لا تجتمع الخلافة والنبوّة في بيت واحد ، أمّا الآن فقد رشّح الإمامعليهالسلام للخلافة .
روي عن أمير المؤمنين : (ولكنّي أدخل معهم في الشورى لأنّ عمر قد أهَّلني الآن للخلافة ، وكان قبل ذلك يقول : إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : إنَّ النبوّة والإمامة لا يجتمعان في بيت ، فأنا أدخل في ذلك لأظهر للناس مناقضة فعله لروايته)(٢) .
وبايع الإمامعليهالسلام عثمان بن عفّان سعياً منه أن يصلح الأُمة ويوجّهها ، وأن يحافظ على كيانها ، فلم يبخل على الأُمة بالنصيحة والهداية والتربية ، فإن أبعدت الخلافة عنهعليهالسلام فإنّه لم يدّخر وسعاً إلاّ وبذله يوضّح الحقّ ويُرشد إليه ، ويهدي السبيل الصحيح ويُدلّ عليه ، ويعين الحاكم حين يعجز ، ويعلّمه إذ يجهل ، ويردعه إذ يطيش.
لماذا لم يوافق الإمامعليهالسلام على شرط عبد الرحمن بن عوف ؟
لم يقف الإمام عليّعليهالسلام موقف المعارض للخليفتين لمصلحة خاصّة أو غاية شخصية ، إنّما لصالح الدين والأمة والعقيدة الإسلامية ، مبتعداً عن الأهواء والرغبات ، مستنداً على القرآن والسنّة في كلّ مواقفه ، حريصاً على الموضوعية والرسالية في كل قرار يتّخذه وهو الراعي لشؤون الرسالة والأمة في غياب الرّسول الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لئلاّ يشوب الرسالة الإسلامية شيء يحيد بها عمّا نزلت من أجله .
وموقفه من رفض البيعة بشرط سيرة الشيخين نابع من هذا المنطلق ، فلا يوجد في أصل العقيدة شيء يصحّ أن يسمّى بسيرة الشيخين ، وإنّما هناك القرآن والسنّة النبوية ، فلو أنّ الإمام وافق بهذا الشرط ؛ لكان معناه إمضاء سيرة الشيخين كالسنّة النبويّة ، وإنّ في سيرة الشيخين أنواع التناقض والتفاوت فيما بينهما معاً ، بل فيما بينهما وبين القرآن والسنّة النبويّة الشريفة .
ــــــــــــ
(١) نهج البلاغة : الخطبة رقم ٧٤ ، طبعة صبحي الصالح .
(٢) شرح النهج لابن أبي الحديد : ١ / ١٨٦ .
ثمّ إنّ الإمامعليهالسلام يرى أنّ دوره دور المربي بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في هذه الأُمة ، فلم يكن من شأنه أن يوافق على أن يسير بسيرة الشيخين ثم يخالفها كما فعل عثمان حيث رضي بهذا الشرط ولكنّه لم يفِ به .
الفصل الرابع: الإمام عليعليهالسلام في عهد عثمان(*)
قال أمير المؤمنين عليّعليهالسلام واصفاً عهد عثمان :
(إلى أن قام ثالثُ القوم نافجاً حضنيه بين نَثيله ومعتلَفِه ، وقام معه بنو أبيه يخضَمون مال الله خِضْمَةَ الإبل نِبْتَةَ الربيع ، إلى أن انتكث عليه فتلُه ، وأجهز عليه عملُه ، وكبَتْ به بِطْنَتُهُ) (١) .
لم يكن عثمان كسابقيه سياسياً ماكراً يدير شؤونه بدقّة ، فما أن فرضه ابن عوف خليفة للمسلمين وجاءوا به يزفّونه إلى مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ليعلن سياسة حكومته الجديدة وما أعدّ من مواقف لمستجدات الأمور ؛ صعد على المنبر فجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولم يجلس فيه أبو بكر ولا عمر ، إذ كان أبو بكر يجلس دونه بمرقاة ، وعمر كان يجلس دونه أيضاً بمرقاة ، وتكلّم الناس في ذلك فقال بعضهم : اليوم ولد الشرّ(٢) .
ولم يستطع أن يتكلّم ، فقال : أمّا بعد ، فإنّ أول مركب صعب ، وما كنا خطباء ، وسيعلم الله وإنّ أمراً ليس بينه وبين آدم إلاّ أب ميّت لموعوظ(٣) .
ــــــــــــ
(*) استخلاف عثمان بن عفان في ذي الحجّة سنة (٢٣) هـ .
(١) نهج البلاغة : من الخطبة الشقشقية .
(٢) تاريخ اليعقوبي : ٢ / ١٦٣ ، والبداية والنهاية : ٧ / ١٦٦ ن وتأريخ الخلفاء : ١٦٢ .
(٣) راجع الموفقيات : ٢ / ٢ .
وقال اليعقوبي : فقام مليّاً لا يتكلّم ثم قال : إن أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالاً وأنتم إمام عادل أحوج منكم إلى إمام يشقّق الخطب وإن تعيشوا فسيأتيكم الخطْب ، ثم نزل(١) .
استهلّ عثمان أعماله بأمور جعلت عامّة المسلمين ينقمون عليه سوى أفراد عشيرته ـ بني أُمية ـ فقد جاهر بقبيلته وأظهر ميله لقوم معلناً أمويَّته ، فأخذ يسوّدهم ويرفعهم فوق رقاب الناس ، فوزّع مناصب الولاية على بني أُمية وسلّم إليهم مقاليد الأمور يعبثون بلا رادع لهم .
وقد تجاوز عثمان حدود سياسة سلطة العشير التي رسمها أبو بكر وعمر ، وحصر المناصب والمهامّ الرسمية ضمن دائرة ضيّقة هي بني أُمية .
ولم يعبأ بنصح وتحذير الصحابة وعلى رأسهم أمير المؤمنينعليهالسلام ، فإنّ عثمان وصل إلى الحكم وقد استفحل التوجّه القبلي في مقابل النهج الصحيح للحكومة الإسلامية ، وقد ضعف دور العناصر الصالحة في تغيير سياسة الحاكم مباشرة ، فقد كان لسياسة أبي بكر وعمر من إبعاد أمير المؤمنينعليهالسلام عن الحكم واعتمادهم على آرائهم الأثرُ الكبيرُ في انحراف خطّ السلطة الحاكمة وظهور التيار المعادي لخطّ أهل البيتعليهمالسلام ، لذا فليس من السهل أن ينصاع الخليفة الجديد للنصح وحوله تيار المنافقين والطلقاء وذوو المصالح .
أبو سفيان بعد بيعة عثمان :
بعد أن تمّت بيعة عثمان ؛ أقبل أبو سفيان إلى دار عثمان بن عفان وقد غصّت بأهله وأعوانه تسودهم نشوة النصر والفوز بالحكم ، وقد بدت على ملامحه علامات الفرح والسرور ، تعلو شدقه بسمة حقود شامت ، ففي الأفق تلوح بوادر الاستعلاء بعدما أذلّ كبرياءَهم الإسلام ، فأدار وجهه يميناً وشمالاً قائلاً للحاضرين
ــــــــــــ
(١) تاريخ اليعقوبي : ٢ / ١٦٣ .
المجتمعين في دار عثمان : أفيكم أحد من غيركم ؟ فأجابوه بالنفي فقال : يا بني أُمية ! تلقّفوها تلقّف الكرة ، فو الذي يحلف به أبو سفيان ما من جنّةٍ ولا نارٍ ، ولا حسابٍ ولا عقابٍ ولقد كنت أرجوها لكم ، ولتصيرنّ إلى صبيانكم وراثة(١) .
ثمّ سار إلى قبر سيّد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، فوقف على القبر وركله برجله وقال : يا أبا عمارة ! إنّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غلماننا يتلعّبون به(٢) .
ملامح سلبيّة في حكم عثمان :
تعايش الإمام عليّعليهالسلام مع أبي بكر وعمر ، ولم يظهر معارضته العلنية لهما ، فقد كان الانحراف في مسيرة الحكومة الإسلامية مستتراً ، وكان الإمامعليهالسلام يتدخّل في أحيان كثيرة لإصلاح موقف الخليفة الخاطئ فيستجيب له ، ولم يخشَ أبو بكر وعمر من الإمامعليهالسلام إلاّ لكونه الممثّل الشرعي للأمة وصاحب الحقّ في الخلافة وقائداً لتيار المعارضة الذي يضمّ أجلاّء الصحابة ، ولكنّ الإمام تنازل عن حقّه في الخلافة فأمّن القوم من جانبه ، ولكنه لم يتنازل عن المبدأ الذي ورثه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بكونه المراقب والمحافظ للعقيدة الإسلامية .
أمّا في فترة حكم عثمان فقد استشرى الفساد ودبَّ في أجهزة الدولة بصورة علنية مكشوفة ، وانتقلت العدوى إلى فئات المجتمع الإسلامي ، فوقف الإمام معلناً رفضه واستنكاره على عثمان بصورة علنية ، ووقف معه الصحابة الأجلاّء أمثال عمّار بن ياسر وأبي ذر ، بل حتّى الذين وقفوا موقف المعارض لخلافة أمير المؤمنين لم يرضوا على عثمان سوء إدارته وفساد حكومته ، ويمكن لنا أن نجمل طبيعة حكم عثمان وملامحه فيما يلي :
ــــــــــــ
(١) مروج الذهب : ١ / ٤٤٠ .
(٢) راجع الغدير : ٨ / ٢٧٨ ، والاستيعاب : ٢ / ٦٩٠ ، وتأريخ ابن عساكر : ٦ / ٤٠٧ ، والأغاني : ٦ / ٣٣٥ .
إن عثمان وصل إلى الحكم وقد تجاوز السبعين عاماً ، وكان وصولاً لأرحامه ولوعاً بحبّهم وإيثارهم ، فقد روي عنه قوله : لو أن بيدي مفاتيح الجنّة لأعطيتها بني أُمية حتى يدخلوا من عند آخرهم كما أنّ عثمان عاش غنيّاً مترفاً قبل الإسلام ، وظلّ على غناه في الإسلام ، فلم يكن ليتحسّس معاناة الفقراء وآلام المحرومين ، فكانت شخصيته مزدوجة في التعامل مع الجماهير المحرومة التي تطالبه بالعدل والسوية ، فيعاملها بالشدّة والقسوة ، كما في تعامله مع عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وأبي ذر وغيرهم .
وأمّا من جهة أقربائه وقلّدهم الأمور ، فاستعمل الوليد بن عقبة ابن أبي معيط على الكوفة وهو ممّن أخبر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه من أهل النار ، وعبد الله ابن أبي سرح على مصر ، ومعاوية بن أبي سفيان على الشام ، وعبد الله بن عامر على البصرة ، وصرف الوليد بن عقبة عن الكوفة وولاّها سعيد بن العاص(١) .
وكان عثمان ضعيفاً أمام مروان بن الحكم ، يسمع كلامه وينفّذ رغباته ، حتى أنّه عندما تألّبت الأمصار على عثمان وتأزّمت الأوضاع ؛ تدخّل الإمام ليهدّئ الحالة ويرجع الثائرين ـ الذين جاءوا يطالبون بإصلاح السياسة الإدارية والمالية وتبديل الولاة ـ إلى بلدانهم ، وأخذ من عثمان شرطاً أن لا يطيع مروان بن الحكم وسعيد بن العاص .
ولكن بمجرد أن هدأت الأوضاع ؛ عاد مروان وحرّض عثمان على أن يخرج وينال من الثوار ، فخرج إليه الإمام عليّعليهالسلام مغضباً فقال :(أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلاّ بتحرفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الضعينة يُقاد
ــــــــــــ
(١) تأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٦٠ وتأريخ الطبري : ٣ / ٤٤٥ ط مؤسسة الأعلمي ، وأنساب الأشراف للبلاذري : ٥ / ٤٩ ، وحلية الأولياء : ١ / ١٥٦ ، وشيخ المضيرة أبو هريرة : ١٦٦ ، والغدير : ٨ / ٢٣٨ ـ ٢٨٦ والنص والاجتهاد : ٣٩٩ .
حيث يُسار به ، والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه) (١) ؟
وفي موقف آخر مع الوليد بن عقبة أنّ الخليفة عثمان غضب على الشهود الذين شهدوا على الوليد بشربه الخمر ودفعهم ، وهنا تدخّل الإمام وهدّد عثمان من عواقب الأمور ، فأمره الإمامعليهالسلام باستدعاء الوليد ومحاكمته وإقامة الحد عليه ، وحين اُحضر الوليد وثبتت عليه شهادة الشهود ؛ أقام الإمامعليهالسلام عليه الحدّ ممّا أغضب عثمان ، فقال للإمام : ليس لك أن تفعل به هذا ، فأجابه الإمام بمنطق الحقّ والشرع قائلاً :(بل وشرّ من هذا إذا فسق ومنع حقّ الله أن يؤخذ منه) (٢) .
وأمّا سياسة عثمان المالية فقد كانت امتداداً لسياسة عمر من إيجاد الطبقية وتقديم بعض الناس على بعض في العطاء ، إلاّ أنّها أكثر فساداً من سياسة سابقه ، فقد أثرى بني أميّة ثراءً فاحشاً ، وحين اعترض عليه خازن بيت المال قال له : إنّما أنت خازن لنا ، فإذا أعطيناك فخذ وإذا سكتنا عنك فاسكت ، فقال : والله ما أنا لك بخازن ولا لأهل بيتك ، إنّما أنا خازن للمسلمين وجاء يوم الجمعة وعثمان يخطب فقال : أيّها الناس ! زعم عثمان أنّي خازن له ولأهل بيته ، وإنّما كنت خازناً للمسلمين ، وهذه مفاتيح بيت مالكم ، ورمى بها(٣) .
موقف للإمام عليعليهالسلام مع عثمان :
نقم المسلمون على عثمان ، وتصلّب خيار الصحابة في مواقفهم تجاه انحراف الخليفة وجهازه الحاكم ، وفي قبال ذلك أمعن عثمان بالتنكيل بالمعارضين والمندّدين بسياسته المنحرفة ، وبالغ في ذلك دون أن يرعوي لصحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فمن ذلك أنّ أبا ذر الصحابيّ الجليل أكثَرَ من اعتراضه
ــــــــــــ
(١) الطبري : ٣ / ٣٩٧ ط مؤسسة الأعلمي .
(٢) مروج الذهب : ٢ / ٢٢٥ .
(٣) الطبقات لابن سعد : ٥ / ٣٨٨ ، وتاريخ اليعقوبي : ٢ / ١٥٣ ، وأنساب الأشراف : ٥ / ٥٨ ، والمعارف لابن قتيبة : ص ٨٤ ، وشيخ المضيرة أبو هريرة : ١٦٩ ، والغدير : ٨ / ٢٧٦ .
على مساوئ عثمان ، فسيّره إلى الشام ، ولم يطق معاوية وجوده فأرجعه إلى المدينة ، واستمرّ أبو ذر بجهاده وإنكاره السياسة الأموية ، فضاق عثمان به ذرعاً فقرّر نفيه إلى الربذة ومنع الناس من توديعه.
ولكنّ الإمام عليّاًعليهالسلام خفّ لتوديعه ومعه الحسنان وعقيل وعبد الله بن جعفر ، فاعترضهم مروان بن الحكم ليردّهم ، فثار الإمام عليّعليهالسلام فحمل على مروان ، وضرب أذني دابته وصاح به :تنحَّ نحّاك الله إلى النار (١) ، ووقف الإمام عليّعليهالسلام مودّعاً أبا ذر فقال له :(يا أبا ذر ! إنّك غضبت لله فَارْجُ من غضبت له ، إنّ القوم خافوك على دنياهم ، وخفتهم على دينك ، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه ، واهرب بما خفتهم عليه ، فما أحوجهم إلى ما منعتهم ! وما أغناك عمّا منعوك ! وستعلم مَن الرابح غداً والأكثر حسداً !) (٢) .
فلمّا رجع عليّعليهالسلام من توديع أبي ذر ؛ استقبله الناس فقالوا له : إنّ عثمان عليك غضبان ، فقال عليّعليهالسلام :(غضب الخيل على اللجم) .
الآثار السلبية لحكومة عثمان في الأُمة :
كانت حكومة عثمان استمراراً للخطّ السياسي الحاكم غير الواعي لمحتوى الرسالة سلوكاً ومعتقداً ، فتركت آثارها السيّئة على مسيرة الحكومة الإسلامية والأمة ككل ، وأضافت مثالب ومطاعن في وضوح الرسالة الإسلامية لدى الجماهير الإسلامية التي لم تعش مع القائد المعصوم ـ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ سوى عقد واحد رأته فيها حاكماً ومربيّاً ، واشتعلت نار الفتن في أطراف البلاد الإسلامية والتي جرّت على المسلمين الويلات والملمّات ، فإنّنا من خلال سبرنا أغوار التأريخ نستنتج ما يلي .
ــــــــــــ
(١) مروج الذهب : ٢ / ٣٥٠ .
(٢) شرح النهج : ٣ / ٥٤ ، وذكر ذلك أبو بكر أحمد بن عبد العزيز في كتابه السقيفة ، وأعيان الشيعة : ٣ / ٣٣٦ .
١ ـ إنّ حكومة عثمان ابتعدت عن نهج الشريعة الإسلامية ، فعطّلت الحدود وأشاعت الفساد وتهاونت في محاسبة المسؤولين عن ذلك ، وهذا ما فسح المجال لشيوع الفوضى في السلوك الاجتماعي وبثّ روح التمرّد على القانون وكان من مظاهر الفساد شيوع الاستهتار والاستخفاف بالقيم والأحكام الإسلامية ، فنجد أنّ بيوت الولاة والشخصيّات المتنفّذة تعجّ بحفلات الغناء ومجالس الخمرة(١) .
٢ ـ ركّزت حكومة عثمان على روح العصبية القبلية التي شرّعها أبو بكر في نهجه السياسي القبلي ، فتوضّح في بروز سلطة بني أُمية كاُسرة لها سلطتها على جميع مرافق الدولة لا لشيء سوى أنّها ترى لنفسها السيادة الملطقة التي انتزعها الإسلام منها ، لأنّها ليس لها أساس شرعي، وأصبح بنو أُمية جبهة سياسية قويّة لها توجّهها المناوئ للإسلام وخصوصاً لخطّ آل البيتعليهمالسلام فأصبحوا فيما بعد العقبة الرئيسة أمام حكم الإمام عليّعليهالسلام ، حيث تكتّلوا حول معاوية بن أبي سفيان في مواجهة الإمام عليّعليهالسلام .
٣ ـ اعتبرت حكومة عثمان أنّ الحكم حقّ موهوب لهم ولا يحقّ لأحد انتزاعه ، واتخذوه وسيلةً لإرضاء رغباتهم المنحرفة وشهواتهم الشيطانية ، ولم تجعل من الحكم وسيلةً للإصلاح الاجتماعي ونشر الرّسالة الإسلامية في بقاع الأرض(٢) ممّا شجّع الكثيرين في السعي للتسلّق إلى الحكم للتمتّع بالسلطة والجاه ، فعمرو بن العاص ومعاوية وطلحة والزبير لم يكونوا ينشدون من السعي للحكم أيّ هدف إنساني أو اجتماعي يعود بالنفع والمصلحة على الأُمة .
٤ ـ خلقت حكومة عثمان طبقة كبيرة من الأثرياء(٣) تتضرّر مصالحها مع الحكومة القائمة في مواجهةِ حكومة تطالب بتطبيق الحقّ والشرع ، ممّا أدّى إلى
ــــــــــــ
(١) الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني : ٧ / ١٧٩ .
(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد : ٣ / ٦٤ ، وتأريخ الطبري : ٥ / ٣٤١ ـ ٣٤٦ .
(٣) مروج الذهب : ٢ / ٣٤٢ .
تحرّك قطعات المسلمين الفقراء للمطالبة بالقوّة في إصلاح النظام المالي وتطوير الحياة الاقتصادية وتنظيم الدخل الفردي وحركة أبي ذرّ تجاه الفساد المالي للحكومة خير شاهد ودليل على عمق تفشّي الفقر في أوساط الأُمة .
٥ ـ إنّ استعمال العنف والقوّة والشدّة والقسوة في التعامل مع المعترضين وإهانتهم ولّد ردّة فعل معاكسة للثورة على النظام القائم عسكرياً ، وكان مقتل عثمان نقطة تحوّل في الصراعات الدائرة بين وجهات نظر المسلمين ، فعمل السيف عمله في أفراد الأُمة وأجّجه وزاد فيه تعنّت بني أمية ومن والاهم على تحدّي الحقّ ورغبة الأُمة في الإصلاح .
وهذا ما فسح المجال أمام النفعيّين في الوصول إلى الحكم بقوّة السيف بعد أن افترقت الأُمة الإسلامية في توجّهاتها السياسية ، كلّ فرقة تريد الحكم لنفسها .
٦ ـ خلّف مقتل عثمان فتنةً يتأجّج أوارها كلّ حين ، وشعاراً يرفعه النفعيّون والخارجون على الطاعة والبيعة لإثارة المشاكل والحروب تجاه حكومة شرعية جماهيرية بزعامة الإمام عليّعليهالسلام ، وتكامل دور الفتنة والشقاق على يد معاوية فيما بعد ، فحارب الإمامعليهالسلام وسالت دماء المسلمين كثيراً ، ثمّ حرّفوا التوجّه الديني الصحيح إلى ثقافة مشبوهة يحرّكون بها المجتمع لغرض إدامة سلطانهم الذي تحوّل إلى ملك متوارث ، يساعدهم على ذلك سعة الدولة الإسلامية الجديدة ووجود فئات واسعة من المجتمع الإسلامي لم تفهم العقيدة الإلهية بوعي وبصيرة .
٧ ـ من نتائج الثورة على عثمان أن وجدت فئات مسلّحة من مختلف الأقطار الإسلامية لا زالت تحيط بالمدينة تنتظر مصير الحكومة ، كما أنّ الأحداث أثبتت وشجّعت على تحرّك الجماهير لتغيير الحكم بالقوّة ، وهذا يعتبر ورقةَ ضغطٍ قويّةً تؤثّر على الحكم الجديد .
الباب الرّابع فيه فصول :
الفصل الأوّل : الإمام عليّعليهالسلام بعد مقتل عثمان.
الفصل الثاني : الإمام عليّعليهالسلام مع الناكثين.
الفصل الثالث : الإمام عليّعليهالسلام مع القاسطين.
الفصل الرابع : الإمام عليّعليهالسلام مع المارقين.
الفصل الخامس : الإمام عليّعليهالسلام شهيد محراب.
الفصل السادس : تراث الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
الفصل الأول: الإمام عليّعليهالسلام بعد مقتل عثمان
بيعة المسلمين للإمام عليّعليهالسلام (*) :
سادت الفوضى أرجاء المدينة بعد مقتل عثمان ؛ فاتّجهت الأنظار والآراء إلى الإمام عليّعليهالسلام لينقذ الأمة من محنتها وتخبّطها ، ولم يتجرّأ أحد أن يدّعي أحقيّته بالخلافة التي تكتنف طريقها المشاكل المستعصية ، كما أنّ الظرف السياسي لم يمهل عثمان أن يتّخذ قراراً بشأن الخلافة كما اتّخذ صاحباه من قبل ، ولم يكن المتبقّي من أصحاب الشورى يملك مؤهّلات الخلافة أصلاً ، فكيف وقد تعقّدت الأمور وتدهور وضع الدولة وكيانها ، ولابدّ أن يتزعّم الأمة قائدٌ يملك القدرة للنهوض بالأمة بعد انحطاطها وقيادتها لاجتياز الأزمة وصيانتها عن الضياع ، ولم يكن من شخص إلاّ الإمام عليّعليهالسلام راعيها وسيّدها .
تحرّكت جماهير المسلمين بإصرار نحو الإمام عليّعليهالسلام لتضغط عليه كي يقبل قيادتها ، ولكنّ الإمامعليهالسلام استقبل الجماهير المندفعة بوجوم وتردّد ، فقد حُرِم منها وهو صاحبها وجاءته بعد أن امتلأت الساحة انحرافاً والأمة تردّياً ، وتجذّرت فيها مشاكل تستعصي دون النجاح في المسيرة ، فقال لهم :(لا حاجة لي
ــــــــــــ
(*) تمّت بيعة الإمام عليّعليهالسلام في ذي الحجّة عام (٣٥) هـ.
في أمركم أنا معكم فمن اخترتم رضيت به فاختاروا) (١) وقالعليهالسلام :(لا تفعلوا فإنّي أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً) (٢) .
وأوضح لهم الإمامعليهالسلام عمّا سيجري فقال :(أيّها الناس ! أنتم مستقبلون أمراً له وجوه وألوان ، لا تقوم به القلوب ، ولا تثبت له العقول ...) (٣) وأمام إصرار الجماهير على توليته الأمر قال لهم :(إنّي إن أجبتُكم ركبتُ بكم ما أعلم وإن تركتموني فإنّما أنا كأحدكم ، ألا وإني من أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم ) (٤) وتكاثرت جموع الناس نحو الإمام وقد وصفعليهالسلام توجّههم نحوه مطالبين قبوله بالخلافة بقوله :(فما راعني إلاّ والناس كعرف الضبع ينثالون عليَّ من كلّ جانب حتى لقد وطئ الحسنان وشقّ عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم) (٥) .
لم يكن الإمام حريضاً على السلطان ، بل كان حرصه أن ينقذ ما بقي من الأمة ، وأن يحافظ على الشريعة الإسلامية نقيّةً من الشوائب والبدع ، فَقبِلَ أن يتولّى أمر الخلافة ولكنّه أخَّر القبول إلى اليوم الثاني ، وأن تكون بيعة الجماهير علنيةً في المسجد ، رافضاً بذلك أسلوب بيعة السقيفة والتوصية والشورى ، وفي الوقت ذاته ليعطي الأمة فرصةً أخرى كي تمتحن عواطفها وقرارها في الخضوع له ، فقد ضَيَّعَتْ فيما سبق نصوص النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم على خلافته فانحرفت ومن هنا قالعليهالسلام :(والله ما تقدّمت عليها ـ أي الخلافة ـ إلاّ خوفاً من أن ينزو على الأمة تيسٌ علج من بني أمية فيلعب بكتاب الله عَزَّ وجَلَّ) (٦) .
لقد كانت خطورة الموقف من نفوذ بني أمية في مراكز الدولة وطمعهم الشديد للسلطان في حالة من غياب الوعي الرسالي في المجتمع .
ــــــــــــ
(١) تاريخ الطبري : ٣ / ٤٥٠ ط مؤسسة الأعلمي .
(٢) المصدر السابق .
(٣) و (٤) نهج البلاغة : الكلمة (٩٢) .
(٥) نهج البلاغة : الخطبة (٣) المعروفة بالشقشقية .
(٦) عن أنساب الأشراف ١ : ق ١ / ١٥٧ .
وما أن أقبل الصباح ؛ حتى حفّت الجماهير بالإمامعليهالسلام تسير نحو المسجد ، فاعتلى المنبر وخاطب الجماهير :(يا أيّها الناس ! إنّ هذا أمركم ليس لأحدٍ فيه حقّ إلاّ من أمَّرْتُم ، وقد افترقنا بالأمس وكنت كارهاً لأمركم ، فأبيتم إلاّ أن أكون عليكم ، ألا وإنّه ليس لي أن آخذ درهماً دونكم ، فإن شئتم قعدت لكم ، وإلاّ فلا آخذ على أحد ...) .
فهتفت الجماهير بصوت واحد : نحن على ما فارقناك عليه بالأمس وقالوا : نبايعك على كتاب الله ، فقالعليهالسلام :اللّهمّ اشهد عليهم (١) .
وتدافع الناس كالموج المتلاطم إلى البيعة ، فكان أوّل من بايع طلحة بيده الشلاّء والذي سرعان ما نكث بها عهد الله وميثاقه ، وجاء بعده الزبير فبايع ، ثمّ بايعه أهالي الأمصار وعامّة الناس من أهل بدر والمهاجرين والأنصار عامّة .
كانت بيعة الإمام عليّعليهالسلام أول حركة انتخاب جماهيرية ، ولم يحضَ أحد من الخلفاء بمثل هذه البيعة ، وبلغ سرور الناس ببيعتهم أقصاه ، فقد أطلّت عليهم حكومة الحقّ والعدل ، وتقلّد الخلافة صاحبها الشرعي ناصر السمتضعفين والمظلومين ، وفرحت الأمة بقبول الإمام للخلافة كما وصف الإمامعليهالسلام ذلك بقوله :(وبلغ سرور الناس ببيعتهم إيّاي أن ابتهج بها الصغير ، وهَدَجَ اليها الكبير ، وتحامل نحوها العَليل ، وحَسَرَتْ إليها الكِعاب) (٢) .
المتخلّفون عن بيعة الإمامعليهالسلام :
إنّه لأمر طبيعيّ أن يقف ضد الحقّ أو يحايد من ساءت سريرته وضعف يقينه وأضمرت نفسه الحقد والحسد ، فرغم أنّ الإمام علياًعليهالسلام هو الخليفة الشرعي كما نصّت على ذلك الأحاديث النبويّة الشريفة ، وأكدّها تأريخ الرسالة الإسلامية بأنّ خير من يصون الأمة والرسالة بعد غياب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم هو الإمام
ــــــــــــ
(١) أنساب الأشراف : ٥ / ٢٢ .
(٢) نهج البلاغة : الكلمة (٢٢٩) .
عليّعليهالسلام لما له من قابليات ومؤهّلات لا تتوفر لغيره من المسلمين ، كما وأنّ الأمة هي التي فزعت إلى الإمام بكل شرائحها وفئاتها ترتجي منه قبول الخلافة ، لكنّنا نجد أنّ فئة قليلة اتّسمت بالانحراف عن الحقّ والجبن في مواجهته بدأت ترتدّ عن بيعتها .
لقد كان تخلّفهم خرقاً لإجماع الأمة وتحدّياً لبيعتها ، وبذلك فتحوا باباً جديدة في تأجيج الفتنة واستمرار الصراع الداخلي ، ومن هؤلاء المتخلّفين : سعد ابن أبي وقّاص ، وعبد الله بن عمر ، وكعب بن مالك ، ومسلمة بن مخلد ، وأبو سعيد الخدري ، ومحمد بن مسلمة ، والنعمان بن البشير ، ورافع بن خديج ، وعبد الله بن سلام ، وقدامة بن مظعون ، وأسامة بن زيد ، والمغيرة بن شعبة ، وصهيب بن سنان ، ومعاوية بن أبي سفيان(١) .
ولكنّ بعضهم ندم على تفريطه في أمر بيعة الإمام ، وأما موقف الإمامعليهالسلام من هؤلاء فإنّه لم يتعرّض لأحد منهم بأيّ سوء ، وتركهم وحالهم في الأمة لهم ما للناس وعليهم ما على الناس .
عقبات في طريق حكومة الإمامعليهالسلام :
وصل الإمام عليّعليهالسلام إلى الحكم بعد ربع قرن من عزله عن ممارسة الحكم الإسلامي وقيادة الأمة والدولة ، وهما يسيران في مسارات منحرفة للسلطات التي حكمت طيلة هذه الفترة ، فكان هذا عاملاً مؤثّراً في إضعاف موقف الإمامعليهالسلام من الأحداث ، فطوال الفترة السابقة أَلِفَ الناس أن يروا الإمام محكوماً لا حاكماً ، محكوماً لأناس أقلّ كفاءةً وشأناً منه كما أنّ عدداً من الشخصيات تنامى لديها الشعور بالمنافسة وبلوغ قمّة السلطة لتحقيق أغراضهم الشخصية ، فالزبير في السقيفة كان يدافع عن حقّ الإمامعليهالسلام مقابل الفئات المندفعة نحو السلطة ، ثمّ نجده اليوم ينازع الإمام على السلطة ، ومعاوية الطليق ابن الطليق أصبح بعد هذه المدّة مناوئاً قويّاً يهدّد كيان الدولة .
وأيضاً ممّا أعاق حركة الإمام أنّ العناصر التي وقفت ضدّه على الخطّ المنحرف كان أغلبهم ممّن له صحبة مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهذا ممّا انخدع به أعداد كبيرة من المسلمين ، وعقّد الأمر على نجاح حكومتهعليهالسلام واستمراره في الحكم .
ــــــــــــ
(١) تاريخ الطبري : ٣ / ٤٥٢ ط مؤسسة الأعلمي .
إضافة إلى أنّ الإمامعليهالسلام استلم دولة مترامية الأطراف ، ففي زمن أبي بكر لم تكن تتجاوز الدولة الإسلامية حدود الجزيرة والعراق ، أمّا في عهد الإمام فإنّها تمتد إلى شمال أفريقيا وأواسط آسيا إضافةً إلى تمام الجزيرة والعراق والشام ، وقد دخل في الإسلام أقوام من غير العرب ، وهؤلاء المسلمون الجدد فتحوا عهدهم مع الإسلام في ظلّ حكومة غير معصومة ، بل منحرفة عن الخطّ الصحيح للرسالة الإسلامية ، وكان على حكومة الإمام القيام بمهامّ رئيسية في أقصر وقت مع وجود الصراع الداخلي فمنها :
١ ـ هدم الكيان الطبقي الذي أنشأه الخلفاء وذلك عبر :
أ ـ المساواة في العطاء بين المسلمين جميعاً ، متّبعاً في ذلك سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم التي أهملها من كان قبله من الخلفاء ، وقد أوضح في خطبته سياسة التوزيع النابعة من حكم الله( إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ ) فقال :
(ألا وأيّما رجلٍ استجاب لله وللرسول فصدّق ملّتنا ودخَل في ديننا واستقبل قبلتنا ؛ فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده ، فأنتم عباد الله ، والمال مال الله ، يُقسّم بينكم بالسويّة ، لا فضل فيه لأحد على أحد ، وللمتّقين عند الله غداً أحسن الجزاء وأفضل الثواب) (١) .
ب ـ استرجاع الأموال المنهوبة من بيت المال في عهد عثمان ، فقد أعلن الإمام أنّ الأموال المأخوذة بغير حقّ ـ وما أكثرها في عهد عثمان ـ لابدّ أن ترجع
ــــــــــــ
(١) بحار الأنوار : ٣٢ / ١٧ و ١٨ .
إلى بيت المال ، حيث كانت الأموال الطائلة عند طبقة محيطة بالخليفة أو أنّ عثمان كان يعطيها ليستميلها إليه فقالعليهالسلام :(ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان وكلّ مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال ، فإنّ الحقّ لا يبطله شيء ، ولو وجدته قد تُزوج به النساء ومُلك به الإماء وفرِّق في البلدان لرددته ، فإنّ في العدل سعةً ، ومن ضاق عليه العدل ، فالجور عليه أضيق) (١) .
هذه السياسة المالية لم ترق لقريش ، فقد كان العايد من أقطابها تنالهم قرارات الإمام وهم في أنفة الطغيان والتكبّر والاستعلاء ، مثل : مروان بن الحكم وطلحة والزبير ، فما أن استوثقوا الجدّ في عمل الإمام حتى بدأوا بإثارة الفتن والإحَن أمام حكومة الإمام ، حتى أن طلحة والزبير جاء إلى الإمامعليهالسلام يعترضان على ذلك فقالا : إنّ لنا قرابةً من نبي الله وسابقةً وجهاداً ، وإنّك أعطيتنا بالسوية ولم يكن عمر ولا عثمان يعطوننا بالسوية ، كانوا يفضّلونا على غيرنا .
فقالعليهالسلام :فهذا كتاب الله فانظروا ما لكم من حقٍّ فخذوه ، قالوا : فسابقتنا ! قالعليهالسلام :أنتما أسبق منّي ؟ قالا : لا ، فقرابتنا من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ! قالعليهالسلام :أقرب من قرابتي ؟ قالا : لا ، فجهادنا ، قالعليهالسلام :أعظم من جهادي ؟ قالا : لا ، قالعليهالسلام :فو الله ما أنا في هذا المال وأجيري إلاّ بمنزلة سواء (٢) .
ج ـ المساواة أمام حكم الله تعالى : لم يكن الإمامعليهالسلام غافلاً عن تطبيق أحكام الشريعة في عهد من سبقه من الخلفاء ، فكان يحكم ويفصل بالحقّ والعدل ، إذ يعجز غيره ، وما أن استلم زمام أمور الدولة ؛ حتى ضرب أروع صنوف العدل وسلك أوضح سبل الحقّ مظهراً عدل الشريعة الإلهية وقدرة الإسلام على إقامة دولة تنعم بالحرية والأمان والعدل .
ومواقف الإمامعليهالسلام كثيرة وما كان يتحرّج أن يجري القانون على نفسه وأهل
ــــــــــــ
(١) نهج البلاغة : الخطبة (١٥) .
(٢) بحار الأنوار : ٤١ / ١١٦ .
بيته وأصحابه ، فقد ترافع مع اليهودي إلى شريح القاضي ليفصل بينهم في درع افتقدهعليهالسلام (١) .
وقد كانت أحكام الإمام في فصل القضاء نابعة من عمق الشريعة وسعة علم الإمام بأمور الدين والدنيا ، وتدلّ على العصمة في الفكر والعمل .
٢ ـ التنظيم الإداري وإعادة السيطرة المركزية للدولة :
فقد قام الإمامعليهالسلام بإعفاء الولاة الذين عيّنهم عثمان من مناصبهم ، ونصب ولاة كانوا جديرين بهذه المهمّة ، وهم محلّ ثقة المسلمين ، فأرسل عثمان بن حنيف الأنصاري بدلاً عن عبد الله بن عامر إلى البصرة ، وعلى الكوفة أرسل عمارة بن شهاب بدلاً عن أبي موسى الأشعري ، وعلى اليمن عبيد الله بن عبّاس بدلاً عن يعلى بن منبه ، وعلى مصر قيس بن سعد بن عبادة بدلاً عن عبد الله بن سعد ، وعلى الشام سهل بن حنيف بدلاً من معاوية بن أبي سفيان ، كلّ هذا لسوء سيرة الولاة السابقين وفساد إداراتهم حتى آخر لحظة ، فقد استولى يعلى بن منبّه على بيت مال اليمن وهرب به ، وحرّك معاوية قوّة عسكرية لصدّ سهل بن حنيف عن ممارسة مهامّه الجديدة(٢) .
وفي عملية اختيار الولاة الجدد كان الإمامعليهالسلام دقيقاً وموضوعياً وحريصاً على تطبيق الشريعة الإسلامية بجهازه الإداري الجديد ، وقد أعاد الثقة للأنصار بأنفسهم ورفع معنويّاتهم ، إذ أشركهم في الحكم ، كما أنّ الإمام لم يكن مستعدّاً لقبول الحلول المنحرفة أو أنصاف الحلول ، فقد كان حازماً في اجتثاث الفساد ، فقد رفضعليهالسلام اقتراح إبقاء معاوية على الشام حتّى يستقر حكم
ــــــــــــ
(١) السنن الكبرى : ١٠ / ١٣٦ ، وتأريخ دمشق : ٣ / ١٩٦ ، وقد وردت مواقف الإمام هذه في عدّة مصادر منها : الأغاني : ١٦ / ٣٦ ، والبداية والنهاية : ٨ / ٤ ، والكامل في التأريخ : ٣ / ٣٩٩ ، والصواعق المحرقة : ٧٨ .
(٢) تأريخ الطبري : ٣ / ٤٦٢ ط مؤسسة الأعلمي .
الإمام ثمّ تنحيته فيما بعد(١) .
حاول الإمام فرض سيطرة الخلافة المركزية على ولاية الشام بعد أن امتنع معاوية فيها عن البيعة ، فدفع الراية إلى ولده محمد بن الحنفية ، وولّى عبد الله بن عبّاس على ميمنته وعمر بن أبي سلمة على الميسرة ، ودعا أبا ليلى بن عمر بن الجرّاح فجعله على مقدّمة الجيش ، وخطب في أهل المدينة وحثّهم على القتال ، ولكن حال دون التحرّك وصول خبر خروج طلحة والزبير على حكم الإمام إلى البصرة بعد أن كانا قد استأذناه في الخروج للعمرة فأذن لهم ، وكان قد حذّرهم من نكث البيعة(٢) .
محاور عمل الإمامعليهالسلام في الأمة :
هناك دور مفروض في الشريعة الإسلامية لشخصيّة يرعى شؤون الرسالة الإسلامية وديمومتها في الحياة ومقاومتها في الصراع مع التيارات المختلفة بعد غياب النبيّ القائدصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد نصّت الشريعة على أنّ الإمام عليّاًعليهالسلام ومِن بعده أبناءه هم المعنيّون بذلك .
وممارسة دور الراعي والقائد لشؤون الرسالة تقتضي أن يتولّى الإمام المعصوم أعلى السلطات في الدولة ، ولكن بعد وفاة الرسول تدخّلت عناصر غير مؤهّلة لذلك في ظرف معقّد فاستولت على السلطة ، ولم يكن ذلك ليمنع الإمامعليهالسلام عن ممارسة دوره ، ولكن طبيعة الصراع تقتضي تعدّد الدور وتنوّعه ، فعمل الإمام عليّعليهالسلام على محورين في محاولة منه لإصلاح انحراف الأمة والمحافظة على عقائدها ومقدّساتها :
المحور الأول : السعي لاستلام مقاليد الحكم وزمام التجربة ، والنهوض بالأمة
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٣ / ٤٦١ و ٤٦٢ ط مؤسسة الأعلمي ، والبداية والنهاية : ٧ / ٢٥٥ .
(٢) تأريخ الطبري : ٣ / ٤٦٩ .
في الاستمرار بمسيرتها نحو هدفها السماوي الذي فرضه الله سبحانه وتعالى وقد عمل الإمام على هذا المحور بعد وفاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مباشرة ، كما عبّر عن مسؤوليته تجاه هذا الأمر بقولهعليهالسلام :(لو لا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم ؛ لألقيت حبلها على غاربها) (١) .
فحاول الإمامعليهالسلام تعبئة الأمة ، ولكنّه لم يتمكّن أن يصل إلى حدّ إنجاح هذه المحاولة لأسباب منها :
١ ـ عدم وعي الأمة لرزيّة يوم السقيفة وما جرى فيها من مؤامرات سياسية وتوجّها خاطئة كانت خافية على شريحة كبيرة من الأمة .
٢ ـ عدم فهم دور ومسؤولية الإمام والإمامة ، فقد تصوّروه مطلباً شخصياً وهدفاً فردياً ، ولكنّ الحقيقة أنّ دخول الإمام في مواجهة الحاكمين كان بوعي رسالي وإرادة صادقة لاستمرار الرّسالة الإسلامية نقيةً كما شرّعها الله بعيدةً عن الزيغ والانحراف ، ومضحّياً بكلّ شيء من أجل ذلك حتى لو كان ذلك تعدّياً على حقّ الشخصيّ ، فالمقياس هو سلامة الرسالة وديمومتها على أسس الحقّ والعدل الإلهي وهو القائل :(إعرف الحقّ تعرف أهله) (٢) وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :(عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ) (٣) .
كما أنّ الإمام عليّاًعليهالسلام عمل بشمولية وعلى جميع المستويات موفّقاً بين النظرية والتطبيق ، فربّى أصحابه على أنّهم أصحاب الأهداف الرسالية لا أصحاب الأشخاص يميلون مع هذا الطرف أو ذاك، ونجد أنّ الإمام رفض أن يستلم الحكم بشرط السير بسيرة من قبله ، إذ كانت تسيء إلى الرسالة والمجتمع .
٣ ـ الرواسب الجاهلية المتأصّلة في فكر الأمة ، فالعهد قريب ولم تدرك الأمة عمق الرسالة والرسول ودور الإمام ، فتصوّروا أنّ عهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالوصاية للإمامعليهالسلام مجرّد عملية ترشيح لأحد أعضاء أسرته ، وإنّه قد يهدف لإحياء أمجاد أسرة متطلّعة للمجد والسلطان كما هو دأب غالب الحكّام قبل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وبعده .
ــــــــــــ
(١) نهج البلاغة : الخطبة الشقشقية .
(٢) بحار الأنوار : ٦ / ١٧٩ ط الوفاء .
(٣) راجع سنن الترمذي : ٢ / ٢٩٨ وتاريخ بغداد : ١٤ / ٣٢١ .
٤ ـ دور المنافقين وأطماعهم في زعزعة الاستقرار الأمني والاجتماعي ، ومحاولة إثارة النوازع والأحقاد بين صفوف المسلمين ، وتغلغلهم في صفوف الجهاز الحاكم والدولة ويزدادون توغّلاً إذا كان الحاكم ضعيفاً أو منحرفاً .
٥ ـ الأمراض النفسية لدى المتصدّين للزعامة ، فكان الشعور بالنقص لديهم تجاه الإمام عليّعليهالسلام بدرجة عالية ، حيث كان الإمامعليهالسلام يمثّل تحدّياً بوجوده ، بصدقه ، بجهاده ، بصراحته ، باستبساله وشبابه (كما ورد في كتاب معاوية لمحمد ابن أبي بكر)(١) .
المحور الثاني : وحين لم يفلح المحور الأوّل في بلوغ هدفه عمل الإمامعليهالسلام بمنهجية أخرى ، ألا وهي تحصين الأمة ضد الانهيار التامّ وإعطاؤها من المقوّمات القدر الكافي كي تتمكّن من البقاء صامدة في مواجهة المحنة بعد استيلاء فئة غير كفوءة على السلطة وانحدار الأمة عن جادّة الحقّ والصواب بسببها .
فاجتهد الإمامعليهالسلام في تعميق الرسالة فكرياً وروحياً وسياسياً في صفوف الأمة ، وتقديم الوجه الحقيقي للنظرية الإسلامية عبر أساليب منها :
١ ـ التدخّل الإيجابي في عمل الزعامة المنحرفة بعد أن كانوا لا يحسنون مواجهة ومعالجة القضايا الكثيرة البسيطة منها والمعقدة وتوجيههم نحو المسار الصحيح لإنقاذ الأمة من مزيد الضياع ، فكان دور الإمامعليهالسلام دور الرقيب الرسالي الذي يتدخّل لتقويم الأود.
ونجد الإمام يتدخّل للردّ على شبهات المنكرين للرسالة بعد أن عجز
ــــــــــــ
(١) وقعة صفّين : ١١٩ .
المتصدّي للزعامة عن ذلك ، ونجده أيضاً يتدخّل ليعطي للخليفة نصائح عسكرية أو اقتصادية ، وما أكثر نصائحه ومعالجاته القضائية(١) !
٢ ـ توجيه مسار سياسة الخليفة ومنعها من المزيد من الانحراف من خلال الوعظ والنصيحة ، وبدا هذا الأسلوب جليّاً في عهد عثمان بن عفان حيث كان لا يقبل التوجيه والنصيحة .
٣ ـ تقديم المثل الأعلى للإسلام والصورة الحقيقية لطبيعة وشكل الحكم والمجتمع الإسلامي ، وقد ظهر هذا واضحاً في فترة حكومة الإمامعليهالسلام ، وعلى هذا الأساس استند قبول الإمام للحكم بعد أن رفضه ، فقد مارس دور القائد السياسي المحنّك والحاكم العادل ونموذج الإنسان الذي صاغته الرسالة الإسلامية وكان مثالاً يُحتذى به لبلوغ هدف الرسالة ، فهو المعصوم عن الخطأ والزلل والدنس في الفكر والعمل والسيرة .
٤ ـ تربية وبناء ثلّة صالحة من المسلمين تُعين الإمامعليهالسلام في حركته الإصلاحية والتغييرية ، وذلك عبر تحرّكها في وسط الأمة لإنضاج أفكارها وتوسيع قاعدة الفئة الواعية الصالحة ، وتستمر في مسيرها عبر التأريخ لتتواصل الأجيال اللاحقة في العمل وفق النهج الإسلامي(٢) .
٥ ـ إحياء سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والتنبيه عليها وتدوينها والاهتمام بالقرآن تلاوةً وحفظاً وتفسيراً وتدويناً ، إذ هما عماد الشريعة، ولابدّ أن تدرك الأمة حقائق القرآن والسنّة كما شُرّعت وكما أريد لها أن تفهمها .
الثقافة الإسلامية في حكم الخلفاء(*) :
من أخطر المشاكل التي تواجهها الرسالات والعقائد هو تصدّي الفئات
ــــــــــــ
(١) تأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٣٣ ، ١٤٥ .
(٢) أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف للشهيد السيد محمّد باقر الصدر : ٥٩ ـ ٦٩ .
(*) للمزيد من التفصيل راجع معالم المدرستين للسيد مرتضى العسكري : ٢ / ٤٣ .
العاجزة والفارغة فكرياً للدفاع عنها أو تطبيقها ، وحين يتعرّض المتصدّون للزعامة للاختبار لمعرفة رأي الرسالة ومدى علمهم بها فإنّ سكوتهم أو اختلافهم سيزرع شكّاً لدى الجماهير ويزعزع ثقتهم بالرسالة ومقدرتها على مجاراة الحياة ، ومن ثَمّ يتحوّل الشكّ إلى حالة مرضية تجعل الأمة تتقاعس عن التفاعل مع الرسالة أو الدفاع عنها في معترك الصراعات وخضمّ الأزمات ، ومن هنا نجد تصدّي النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لكلّ قضيّة غامضة أو مجهولة تبدو هنا أو هناك في حياة الأمة حيث يعطي الموقف الواضح للرسالة منها ، كما ترى ذلك جليّاً في سيرة الإمام عليّعليهالسلام من بعده خلال حكم الخلفاء الثلاثة حين كان يظهر للناس عجزهم وقصورهم العلمي والعملي ، إذ فسحعليهالسلام المجال إلى أقصاه للبحث والسؤال عندما تسلّم زمام الحكم.
وحين أدركت الفئة الحاكمة أنّها ليست المؤهّلة للحكم وأنّها قاصرة علمياً ؛ اتّخذت عدّة إجراءات لمعالجة هذه المثالب منها :
١ ـ منع نشر أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لما فيها من التوجيه العلمي والبعث نحو الوعي والفاعلية في الحياة ، إضافةً إلى أنّ أحاديث الرسول تعلن بوضوح أنّ أهل البيت هم المعنيّون بالخلافة وشؤون الرسالة دون من عداهم ، ومن هنا نعلم السرّ في رفع شعار (حسبنا كتاب الله) الذي تحدّى قائله به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في مرضه عندما أراد أن يدوّن كتاباً لن تضلّ الأمة من بعده .
ويبدو أنّ ظاهرة تحديد أو منع نشر أحاديث النبيّ بدأت قبل هذا التأريخ ، وذلك عندما منعت قريش عبد الله بن عمرو بن العاص بن كتابة الأحاديث(١) ، كما قامت السلطة الحاكمة بحرق الكتب التي تضمّنت نصوصاً من أحاديث الرسول(٢) .
ــــــــــــ
(١) سنن الدارمي : ١ / ١٢٥ ، وسنن أبي داود : ٢ / ٢٦٢ ، ومسند أحمد : ٢ / ١٦٢ وتذكرة الحفّاظ : ١ / ٢ .
(٢) طبقات ابن سعد : ٥/ ١٤٠ ط ، بيروت .
٢ ـ إنّ ظاهرة النهي عن السؤال عمّا لا يُعلم من معاني الآيات القرآنية تعني تجريد الأمة من سلاح البحث والتحقيق والتعلّم للقرآن نفسه بعد عزل السنّة عن القرآن ، والاهتمام بظواهر القرآن من دون فسح المجال للتدبّر والتفقّه في آياته وأحكامه حتى أوصى عمر عمّاله قائلاً : (جرّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن محمّد وأنا شريككم) بل إنّه عاقب كلّ من يسأل عن تفسير آيات القرآن(١) .
٣ ـ فتح باب الاجتهاد في مقابل النصّ ، فقد اجتهد أبو بكر في جملة من الأحكام من دون أن يستند إلى نصّ قرآني أو حديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن ذلك مصادرة تركة النبيّ ومنع أهل البيت من حقّهم في الخمس ، وإحراقه الفجاءة السلمي(٢) وفتواه في مسألة الكلالة(٣) وفتواه في إرث الجدّة(٤) ، كما اجتهد عمر بن الخطّاب في التمييز في العطاء خلافاً لسنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (٥) واجتهد في منع متعتي الحجّ والنساء وغيرها ممّا تجده في كتاب (النصّ والاجتهاد)(٦) ، وقد اجتهد عثمان بن عفّان في إسقاط القود عن عبيد الله بن عمر(٧) وتأوّل في جملة من الأحكام الصريحة خلافاً لما قرّره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى ثار عليه المسلمون كما عرفت .
كلّ هذه الأمور وغيرها أثارت للدولة الإسلامية وللأمة المسلمة الكثير من المصاعب والمصائب التي كانت السبب الرئيس في انحراف المسيرة المقرّرة للرسالة الإسلامية ووقوع الكثيرين في شِباك الفتن والضلالة حتى قال الإمام عليّعليهالسلام عن ذلك :
ــــــــــــ
(١) تاريخ ابن كثير : ٨ / ١٠٧ ، وسنن الدارمي : ١ / ٥٤ ، وتفسير الطبري : ٣ / ٣٨ والإتقان للسيوطي : ١ / ١١٥.
(٢) تأريخ الطبري : ٢ / ٤٤٨ ط مؤسسة الأعلمي .
(٣) سنن الدارمي : ٢ / ٣٦٥ ، والسنن الكبرى للبيهقي : ٦ / ٢٢٣ .
(٤) سنن الدارمي : ٢ / ٣٥٩ ، واُسد الغابة : ٣ / ٢٩٩ .
(٥) فتوح البلدان : ص ٥٥ ، وتأريخ الخلفاء للسيوطي : ١٣٦ .
(٦) كنز العمال : ١٦ / ٥١٩ الحديث ٤٥٧١٥ ، وزاد المعاد لابن القيم : ٢ / ٢٠٥ ز
(٧) راجع منهاج السنّة لابن تيمية : ٣ / ١٩٣ ، وهناك اجتهادات كثيرة للخلفاء تذكرها كتب التأريخ .
(إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع وأحكام تبتدع ، يخالف فيها كتاب الله ، ويتولّى عليها رجالٌ رجالاً على غير دين الله ، فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحقّ ؛ لم يخف على المرتادين ، ولو أنّ الحقّ خلص من لبس الباطل ، انقطعت عنه ألسن المعاندين ، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه ، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى)(١) .
جهود الإمامعليهالسلام في إحياء الشريعة الإسلامية :
كان الإمام عليّعليهالسلام يرى أن من أوليّات مهامّه بعد غياب الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم هو صيانة الشريعة المقدسة من الزيغ والانحراف ورعاية شؤون الدّولة الإسلامية حتى تستمر من دون تلكؤ أو توقّف ، وقد بذل جهده في ذلك أثناء حكم الخلفاء متغاضياً بمرارة وألم عن حقّه في إدارة شؤون الأمة مباشرة ، وما أن أمسك زمام الحكم ؛ حتى خطا خطوات عظيمة في إحياء سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفي الدعوة إلى الحياة في ظلّها ، واهتم اهتماماً كبيراً بالقرآن الكريم وتفسيره وتربية الأمة وإصلاح الفساد أَينما وجد ، ويمكننا أن نلحظ الخطوات التي قام بها الإمام عليّعليهالسلام كما يلي :
١ ـ فتح باب الحوار والسؤال عن القرآن والسنّة وكلّ ما يتعلّق بالشريعة المقدّسة أمام الجماهير المسلمة وبصورة علنية وعامّة من دون أن يتردّد حتى في جواب مخالفيه وأعدائه الحاقدين عليه .
٢ ـ الاهتمام بالقرّاء مراعياً لشؤونهم ومتّبعاً فيهم سنّة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في التعليم ، فكان تعليم قراءة القرآن مقروناً بتعلّم ومعرفة ما فيه من العلم والعمل والتفقّه في أحكام الدين .
ــــــــــــ
(١) نهج البلاغة : الخطبة (٥٠) .
٣ ـ الاهتمام بقراءة المسلمين من غير العرب ، أو من الذين لا يحسنون اللغة العربية بصورة صحيحة ، فوضع علم النحو لتقويم اللسان عن اللحن في الكلام(١) .
٤ ـ دعا الإمامعليهالسلام إلى رواية السنّة النبوية وتدوينها ومدارستها ، فكان يقول :(قيّدوا العلم بالكتابة) (٢) وأمرعليهالسلام بالبحث في علوم السنّة فيقول :(تزاوروا وتدارسوا الحديث ولا تتركوه يدرس) (٣) .
٥ ـ ركّز الإمام على مصدرية القرآن والسنّة في التشريع والأحكام ، وأدان المصادر الأخرى كالاستحسان والقياس وغيرهما ممّا لا يكون مصدراً شرعياً للأحكام الإلهية(٤) .
كما أنّ الإمامعليهالسلام أحيى سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في سيرته العبادية والأخلاقية ، فعالج البدع التي طرأت على الشريعة نتيجة اجتهاد وإبداع من سبقه من الخلفاء(٥) .
٦ ـ استطاع الإمام أن يبني ثلّةً صالحةً من المؤمنين تتحرّك في المجتمع الإسلامي للمساهمة في قيادة التجربة الإسلامية والمحافظة على المجتمع الإسلامي .
ويبدو أنّ الإمام عليّاًعليهالسلام بدأ عملياً في هذا المسار منذ حياة الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم وبأمر منه ، فنجد أن النبيّ كان يُوكل مهمّة تعهّد ورعاية من يجد فيهم الرغبة والوعي في التحرك الإسلامي إلى الإمام عليعليهالسلام ، وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم يحثّ على التمسّك في العمل بخط عليّ حتى تكوّنت جماعة عرفت بشيعة عليّ في حياة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم مثل : عمار بن ياسر ، وسلمان الفارسي ، وأبي ذر ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، والمقداد بن الأسود ، وعبد الله بن عباس ، ممّن ثبتوا على هذا الخطّ رغم كلّ الظروف الصعبة التي مرّت بها التجربة الإسلامية بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وحين استلم أمير المؤمنينعليهالسلام الخلافة ؛ احتفّت به جماعة من المؤمنين الأوفياء الأشدّاء ، فازداد الإمامعليهالسلام اعتناءً بهم وأعدّهم إعداداً رسالياً خاصاً ، وأودعهم علوماً شتّى في مختلف نواحي الحياة ،
ــــــــــــ
(١) الأغاني : ١٢ / ١٣ ، الفهرست لابن النديم : ٥٩ ، وفيات الأعيان ك ٢ / ٢١٦ ، والبداية والنهاية ك ٨ / ٣١٢ .
(٢) الطبقات الكبرى : ٦ / ١٨٦ ، وتدوين السنّة الشريفة للسيد الجلالي : ١٣٧ .
(٣) كنز العمال ك ١٠ حديث ٢٩٥٢٢ .
(٤) نهج البلاغة : الخطبة (١٢٥) .
(٥) صحيح مسلم : كتاب صلاة التراويح ، ومسند أحمد : ٥ / ٤٠٦ ، وصحيح البخاري : كتاب الخمس : باب ٥ / حديث ٢٩٤٤ ، وسنن أبي داود : ٢ / حديث ١٦٢٢ .
وقام هؤلاء الصحابة الأجلاّء بدورهم في دعم الرسالة الإسلامية ومساندة الإمامة والمحافظة على الشريعة من الزيغ والانحراف والاندثار ، فكانت مواقفهم رائعة وبطولية مقابل الحكّام الطواغيت والمتسلّطين بغير حقّ على أمور المسلمين ، ومن هؤلاء : مالك الأشتر ، كميل بن زياد النخعي ، محمد بن أبي بكر ، حجر بن عدي ، عمرو بن الحمق الخزاعي ، صعصعة بن صوحان العبدي ، رشيد الهجري ، هاشم المرقال ، قنبر ، سهل بن حُنيف وغيرهم .
الفصل الثاني: الإمام عليعليهالسلام مع الناكثين(*)
مثيروا الفتن :
كانت بيعة الناس لأمير المؤمنينعليهالسلام بمنزلة صاعقة حلّت بقريش وكلّ من يكنّ العداء للإسلام ، فحكومة الإمام هي امتداد لحكومة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم التي أذلّت الظلم والعدوان والبغي ، وجاءت بالعدل والمساواة والحقّ والفضيلة ، وحطّمت المصالح الاقتصادية القائمة على الربا والاحتكار والاستغلال ، فعزّ على كثير من كبار قريش أن يكونوا على قدم المساواة مع أيّ مواطن آخر من أيّ فئة كانت في حكومة الإمام عليّعليهالسلام الذي طالت إصلاحاته ولاة عثمان .
وقد كان كلّ من طلحة والزبير يرى نفسه قريناً لأمير المؤمنينعليهالسلام ، بعدما رشّحهما عمر للخلافة فكان يتوقّع كلّ منهما أن يلي حكومة جزء كبير من البلاد الإسلامية على أقلّ تقدير ، وكان لعائشة المقام المرموق لدى الخلفاء السابقين حيث كانت تتحدّث كما تشاء ، وهي الآن تعلم أن لا مجال لها في حكومة تعتمد القرآن والسنّة مصدراً ودستوراً للتشريع والتنفيذ .
وكان معاوية يتصرّف في الشام تصرّف الحاكم المطلق المتفرّد والمطامع في السيادة الإسلامية العظمى جادّاً في تولّي أمور الأمة الإسلامية بصورة تامّة ، فكانت المفاجأة لجميع هؤلاء بقرارات الإمام وتخطيطه للإصلاح الشامل إضافةً إلى تضرّر مجموعة أو مجموعات كانت تستغل مناصبها في عهد عثمان وهي الآن قد فقدت مصدر ثرواتها ، فإنّ وجود الإمام في قمّة السلطة كان يُعدّ تهديداً صارخاً للخطّ القبلي المنحرف الذي سارت عليه قريش لأنّ الإمام عليّاًعليهالسلام قد عرف بأنّه القادر على رفع راية الإسلام الحق من دون أن تأخذه في الله لومة لائم ، ولهذا فهو سيكشف زيف الخطّ المنحرف دون تردّد .
ــــــــــــ
(*) وقعت معركة الجمل في جمادي الآخرة عام (٣٦) هـ.
من هنا اجتمعت آراؤهم وأهواؤهم على إثارة الفتن للحيلولة دون استقرار الحكم الجديد ، ولم يكن تقلّب الوضع السياسي ووجود العناصر المعادية للاتّجاه الصحيح لمسيرة الحكومة الإسلامية غريباً على الإمام عليّعليهالسلام ؛ فقد أخبره النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بتمرّد بعض الفئات على حكمه ، وعهد إليه بقتالهم كما أنّه قد سمّاهم له بالناكثين والقاسطين والمارقين(١) .
عائشة تعلن التمرّد :
كان موقف السيّدة عائشة من عثمان غريباً متناقضاً لا يليق بمقام امرأة تعدّ من نساء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فكانت تردّد قولها : (اقتلوا نعثلاً) ، وتحرّض الناس على التمرّد عليه وعلى قتله(٢) ، وقد خرجت من المدينة إلى مكّة أثناء محاصرة عثمان من قبل الثوار وهي تتوقّع النهاية السريعة لعثمان ، ومن ثمَّ فوز قريبها طلحة بالخلافة ، والاستيلاء على الحكم .
وحين فوجئت بأنّ الأمر قد استقرّ ـ بعد بيعة الناس إلى الإمام عليّعليهالسلام ، كرّت راجعة نحو مكّة بعد أن كانت قد عزمت على الرجوع إلى المدينة(٣) ، وأعلنت حزنها وتظلّمها على عثمان ، فقيل لها : أنتِ التي حرّضت على قتله
ــــــــــــ
(١) مستدرك الحاكم : ٣ / ١٣٩ ، وتأريخ بغداد : ٨ / ٣٤٠ ، ومجمع الزوائد : ٩ / ٢٣٥ ، وكنز العمال : ٦ / ٨٢ .
(٢) شرح ابن أبي الحديد : ٦ م ٢١٥ ، وكشف الغمة ك ٣ / ٣٢٣ .
(٣) الكامل في التأريخ : ٣ / ٢٠٦ .
فاختلقت عذراً واهياً ، فقالت : إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه(١) . وكأنّها كانت حاضرة تشهد مقتله .
وأعلنت السيدة عائشة حربها ضدّ الإمام عليّعليهالسلام في خطابها الذي ألقته في مكّة محرّضة أتباعها على الحرب(٢) .
وطمعت السيدة عائشة في توسيع جبهتها ضدّ الإمام عليّعليهالسلام فحاولت مخادعة أزواج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم للخروج معهنّ ضدّ الإمام ، فامتنعن من ذلك ، وحاولت أم سلمة أن تنصحها عسى أن ترجع عن غيّها ، وتجنّب الأمة البلاء والدماء ، فقالت لها : إنّك كنت بالأمس تحرّضين على عثمان وتقولين فيه أخبث القول وما كان اسمه عندك إلا نعثلاً ، وإنّك لتعرفين منزلة عليّ بن أبي طالب عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أفأذكِّرك ؟ قالت أم سلمة : أتذكرين يوم أقبلعليهالسلام ونحن معه حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال خلا بعليّ يناجيه ، فأطال فأردت أن تهجمين عليهما فنهيتك فعصيتِني فهجمتِ عليهما ، فما لبثتِ أن رجعت باكية ، فقلتُ : ما شأنك ؟ فقلتِ : إنّي هجمت عليهما وهما يتناجيان ، فقلتُ لعليّ : ليس لي من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلاّ يوم من تسعة أيام أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي ؟ فأقبل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليَّ وهو غضبان محمرّ الوجه ، فقال :(ارجعي وراءك والله لا يبغضه أحدٌ من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلاّ وهو خارج من الإيمان) ، فرجعتِ نادمة ساخطة ، قالت عائشة : نعم أذكر ذلك ، قالت أم سلمة : أيّ خروج تخرجين بعد هذا ؟ فقالت عائشة : إنّما أخرج للإصلاح بين الناس ، وأرجو فيه الأجر إن شاء الله ، فقالت أم سلمة : أنتِ ورأيكِ ، فانصرفت عائشة عنها(٣) .
وروي : أنّ نساء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم خرجن مع عائشة إلى منطقة (ذات عرق)
ــــــــــــ
(١) الكافي في التأريخ : ٣ / ٢٠٦ .
(٢) تأريخ الطبري : ٣ / ٤٧٤ .
(٣) شرح النهج لابن أبي الحديد : ٦ / ٢١٧ ، وبحار الأنوار ك ٣٢ / ١٤٩ .
ويبدو أنّهنّ حاولن إرجاع عائشة إلى المدينة والحيلولة دون وقوع الفتنة ، فلم يتوصّلن إلى حلّ فبكين على الإسلام وبكى الناس معهنّ ، وسمّي ذلك اليوم بـ (يوم النحيب)(١) .
مكر معاوية ونكث الزبير وطلحة للبيعة :
كان معاوية يتمتّع بسيطرة إدارية على شؤون الشام ، ولديه أجهزة يستطيع بها أن يحرّكها وفق رغباته وأهوائه ، وما كانت لديه مشكلة مع جماهير الشام لأنّ بلاد الشام منذ عرفت الإسلام عرفت آل أبي سفيان ولاة عليها من قبل الخليفة ، فقبله كان أخوه يزيد والياً عليها ، كما أنّ بلاد الشام بعيدة عن عاصمة الخلافة ممّا أعطاه قدراً كافياً من الاستقرار والقوّة وبدأ معاوية تحرّكه السياسي لتأجيج الفتنة المشتعلة بسبب مقتل عثمان ، ومن ثَمَّ ليستثمرها لصالحه ، فخاطب الزبير وطلحة بصيغة تحرّك فيهما الأطماع والرغبات للدخول في الصراع الجديّ ضدّ الإمامعليهالسلام فتزداد الفتنة في العاصمة المركزية فكتب رسالة إلى الزبير جاء فيها :
لعبد الله الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان سلام عليك ، أمّا بعد ، فإنّي قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا واستوسقوا كما يستوسق الجلب ، فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقك إليها ابن أبي طالب ، فإنّه لا شيء بعد هذين المصرين ، وقد بايعت لطلحة بن عبيد الله من بعدك فأظهر الطلب بدم عثمان وادعوا الناس إلى ذلك ، وليكن منكما الجدّ والتشمير ، أظفركما الله وخذل مناوئكما(٢) .
ولمّا وصلت رسالة معاوية إلى الزبير ؛ خفّ لها طرباً واطمأنّ إلى صدق نيّة معاوية ، واتفق هو وطلحة على نكث بيعة الإمام والخروج عليه ، فأظهر الحسرة
ــــــــــــ
(١) الكامل في التاريخ: ٢٠٩/٣.
(٢) شرح النهج لابن أبي الحديد: ٢٣١/١.
والتأسف على بيعتهما للإمام مردّدين : بايعنا مكرهين ، وما أن وصلت إلى أسماعهما صيحة السيدة عائشة محرّضة على الإمام ؛ حتى اجتهدا في إيجاد الحيلة للخروج إليها وروي أنّهما جاءا يطلبان من الإمام المشاركة في الحكم فلم يتوصّلا إلى شيء ، فقرّرا الالتحاق بعائشة ثمّ عادا ثانية إلى الإمامعليهالسلام ليستأذناه للخروج للعمرة ، فقال لهما الإمامعليهالسلام :نعم، والله ما العمرة تريدان وإنّما تريدان أن تمضيا لشأنكما (١) وروي أنّهعليهالسلام قال لهما :بل تريدان الغدرة (٢) .
لقد أجمع رأي الخارجين على بيعة الإمامعليهالسلام في بيت عائشة في مكّة بعد أن كانوا متنافرين متحاربين في عهد عثمان ، فضمّ الاجتماع الزبير وطلحة ومروان بن الحكم على أن يتّخذوا من دم عثمان شعاراً لتعبئة الناس لمحاربة الإمام عليّعليهالسلام ، فرفعوا قميص عثمان كشعار للتمرّد والعصيان ، وأنّ الإمام عليّاًعليهالسلام هو المسؤول عن إراقة دم عثمان ، لأنه آوى قتلته ولم يقتصّ منهم ، وقرّروا أن يكون زحفهم نحو البصرة واحتلالها واتّخاذها مركزاً للتحرّك ومنطلقاً للحرب ، حيث أنّ معاوية يسيطر على الشام ، والمدينة لا زالت تعيش حالة الاضطراب(٣) .
حركة عائشة ومسيرها نحو البصرة :
مضت عائشة في خطّتها لإثارة الفتنة والدخول في المواجهة المسلّحة مع الإمام عليّعليهالسلام الخليفة الشرعي ، فحشدت أعداداً من الناس يدفعهم الحقد والكراهية للإسلام وللإمام عليّعليهالسلام ويحدوهم الطمع بالدنيا ونيل السلطان ، وجهّزهم يعلى بن منية بمستلزمات الحرب من السيوف والإبل التي سرقها من اليمن عندما عزله الإمام عنها ، وقدم عليهم عبد الله بن عامر بمال كثير من البصرة
ــــــــــــ
(١) الإمامة والسياسة لابن قتيبة : ٧٠ .
(٢) شرح النهج : ١ / ٢٣٢ .
(٣) تأريخ الطبري : ٣ / ٤٧١ ط مؤسسة الأعلمي .
سرقه أيضاً(١) وجهّزوا لعائشة جملها المسمّى (عسكر) وقد احتفّ بها بنو أمية وهي تتقدّم أمام الحشد الزاخر متوجّهين نحو البصرة ، تسبقهم كتبهم التي أرسلوها إلى عدد من وجوه البصرة ، يدعونهم فيها للخروج على بيعة الإمامعليهالسلام بدعوى المطالبة بدم عثمان(٢) .
وبدرت سمة المكر والخداع ـ التي تكاد تكون ملازمة لكلّ من ناوأ الإمام عليّاًعليهالسلام ـ من زعماء الفتنة ، فلمّا خرجوا من مكّة أذّن مروان بن الحكم للصلاة ، ثمّ جاء حتّى وقف على طلحة والزبير محاولاً إثارة الوقيعة بين الرجلين وغرس فتنة ليستغلّها إن تمكّن من الأمر ، فقال : على أيّكما أُسلِّم بالإمرة وأُؤذَّن بالصلاة ، فتنافس أتباع الرجلين كلّ يريد تقديم صاحبه ، فأحسّت عائشة بوقوع التفرقة فأرسلت أن يصلّي بالناس ابن أختها عبد الله بن الزبير .
وحين وصل جيش عائشة إلى منطقة (أوطاس) ؛ لقيهم سعيد بن العاص والمغيرة بن شعبة ، وحين علم سعيد بدعوى عائشة (الطلب بدم عثمان) استهزأ ضاحكاً وقال : فهؤلاء قتلة عثمان معك يا أم المؤمنين(٣) ! .
وروي : أنّ سعيداً قال : أين تذهبون وتتركون ثأركم وراءكم على أعجاز الإبل(٤) ؟! ، يقصد بذلك طلحة والزبير وعائشة ، ووصل الجيش إلى مكان يقال له : (الحوأب) فتلقّتهم كلاب الحيّ بنباح وعواء ، فذعرت عائشة وسألت محمد بن طلحة عن المكان فقالت : أيّ ماء هذا ؟ فأجابها : ماء الحوأب يا أم المؤمنين فهلعت وصرخت : ما أراني إلاّ راجعة ، قال : لِمَ ، قالت : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول لنسائه : كأنّي بإحداكنّ قد نبحها كلاب الحوأب وإيّاك أن تكوني يا
ــــــــــــ
(١) الإمامة والسياسة : ٧٩ ، والكامل في التأريخ : ٣ / ٢٠٧ .
(٢) الإمامة والسياسة : ٨٠ ، الكامل في التأريخ : ٣ / ٢١٠ .
(٣) الإمامة والسياسة : ٨٢ .
(٤) الكامل في التأريخ : ٣ / ٢٠٩ .
حميراء(١) ثمّ ضربت عضد بعيرها فأناخته وقالت : ردّوني ، أنا والله صاحبة ماء الحوأب ، فأناخوا حولها يوماً وليلة ، وجاءها عبد الله بن الزبير فحلف لها بالله انه ليس ماء الحوأب ، وأتاها ببيّنة زور من الأعراب فشهدوا بذلك(٢) فكانت أوّل شهادة زور في الإسلام .
مناوشات على مشارف البصرة :
حين شارف جيش عائشة مدينة البصرة ؛ قام عثمان بن حنيف والي الإمامعليهالسلام على البصرة موضّحاً أمر الجيش المتقدم إليهم ، ومحذّراً الناس من الفتنة وبطلان وضلالة موقف زعماء الجيش ، وأعلن المخلصون للإسلام وللإمامعليهالسلام استعدادهم للدفاع عن الحقّ والشريعة المقدّسة وصدّ الناكثين عن الاستيلاء على البصرة(٣) .
وفي محاولة من عثمان بن حنيف ـ الذي يتأسّى بأخلاق الإسلام ويطيع إمامهعليهالسلام ـ سعى أن يثني عائشة ومَن معها من غيّهم لتجنّب وقوع القتال ، فأرسل إليهم عمران بن حصين وأبا الأسود الدؤلي ليحاججوا عائشة ومن معها ببطلان موقفهم ، ولكن محاولات الرجلين باءت بالفشل ، فقد كانت عائشة ومعها طلحة والزبير مصرّين على نيّتهم في إثارة الفتنة وإعلان الحرب(٤) .
وأقبلت عائشة ومن معها حتى انتهوا إلى (المربد) فدخلوا من أعلاه وخرج إليهم عثمان بن حنيف ومن معه من أهل البصرة ، فتكلّم طلحة والزبير وعائشة يحرّضون الناس على الخروج على بيعة الإمامعليهالسلام بدعوى الثأر لعثمان ، فاختلف الناس بين معارض ومؤيّد .
ــــــــــــ
(١) الإمامة والسياسة : ٨٢ ، وأخرج الحديث أحمد في مسنده : ٦ / ٥٢١ ، وشرح النهج لابن أبي الحديد : ٢ / ٤٩٧ .
(٢) الإمامة والسياسة : ٨٢ ، مروج الذهب : ٢ / ٣٩٥ .
(٣) الإمامة والسياسة : ٨٣ .
(٤) تاريخ الطبري : ٣ / ٤٧٩ ط مؤسسة الأعلمي ، والكامل في التأريخ : ٣ / ٢١١ .
وأقبل جارية بن قدامة السعدي لينصح عائشة عسى أن يردّها عن تأجيج الفتنة ، فقال : يا أم المؤمنين ! والله لقتل عثمان بن عفان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون ، عرضة للسلاح ، إنّه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكتِ سترك وأبحت حرمتك ، إنّه من رأى قتالك ؛ فإنّه يرى قتلك ، لئن كنت أتيتنا طائعةً فارجعي إلى منزلك، وإن كنت أتيتنا مستكرهة فاستعيني بالناس(١) .
الاقتتال ـ الهدنة ـ الغدر :
افتتن الناس بقدوم عائشة على البصرة ، فبين منكر ومؤيّد ومصدّق ومكذّب افترقت جماهير البصرة ، وتأزّم الموقف ، فاصطدم الناس واقتتلوا على فم السكّة ، ولم يحجز بينهم إلاّ الليل ، وكان عثمان بن حنيف لا يريد إراقة الدماء ويجنح للسلم وينتظر قدوم الإمام عليّعليهالسلام إلى البصرة ، فلمّا عضّت الحرب الطرفين ؛ تنادوا للصلح ، فكتبوا كتاباً لعقد هدنة مؤقّتة على أن يبعثوا رسولاً إلى المدينة يسأل أهلها ، فإن كان طلحة والزبير اُكرها على البيعة ؛ خرج ابن حنيف عن البصرة ، وإلاّ خرج عنها طلحة والزبير(٢) .
وعاد كعب بن مسور رسول الطرفين إلى المدينة بادّعاء أسامة بن زيد أنّ طلحة والزبير بايعا مكرهين ومخالفة أهل المدينة لرأي أسامة فاستغلّها زعماء جيش عائشة ، فهجموا في ليلة ذات رياح ومطر على قصر الإمارة حيث يتواجد عثمان بن حنيف فقتلوا أصحابه وأسروا ونتفوا لحيته ورأسه وحاجبيه ، ولكنّهم خافوا من قتله لأنّ أخاه سهل بن حنيف والي الإمام على المدينة(٣) .
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٣ / ٤٨٢ ط مؤسسة الأعلمي ، والكامل في التأريخ : ٣ / ٢١٣ .
(٢) الإمامة والسياسة : ٨٧ ، والطبري : ٣ / ٤٨٣ ط مؤسسة الأعلمي ، وراجع الكامل في التأريخ : ٣ / ٢١٥ .
(٣) الإمامة والسياسة : ٨٩ ، وتأريخ الطبري : ٣ / ٤٨٤ ط مؤسسة الأعلمي ، ومروج الذهب للمسعودي : ٢ / ٣٦٧ .
حركة الإمامعليهالسلام للقضاء على التمرّد(١) :
حين استلم الإمام عليّعليهالسلام زمام الحكم كانت هناك عقبة أمام استقرار الأمن وسيطرة الحكومة الشرعية المركزية ، وهي إعلان معاوية بن أبي سفيان تمرّده على خلافة الإمام ، فشرععليهالسلام بالاستعداد العسكري والسياسي لإيقاف التمزّق في كيان الأمة ومنع سفك الدماء .
وما أن اُحيط الإمامعليهالسلام علماً بحركة عائشة وطلحة والزبير نحو البصرة وإعلانهم العصيان عدل عمّا كان يخطّط لمعالجة موقف معاوية والشام ، فاتّجهعليهالسلام نحو البصرة بجيش يضمّ وجوه المهاجرين والأنصار .
وصل الإمامعليهالسلام إلى منطقة (الربذة) فكتب إلى الأمصار يستمدّ العون ويوضّح الأمر ، كي يتوصّل إلى إخماد نار الفتنة وحصرها في أضيق نطاق ، فأرسل إلى الكوفة محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر ، فأبى أبو موسى الأشعري الاستجابة للإمام ومارس دور المثبّط عن مناصرة الإمامعليهالسلام في موقفه ، ثمّ أرسل عبد الله بن عباس ولم يتمكّن من إقناع أبي موسى بالانصياع والكفّ عن تثبيط الناس عن نصرة الإمام ، فأرسلعليهالسلام ولده الحسن وعمار بن ياسر ثمّ تبعهم مالك الأشتر فعزلوا أبا موسى ، وتحرّكت الكوفة بكلّ ثقلها تنصر أمير المؤمنينعليهالسلام ، فلحقت به في (ذي قار) .
وفي هذا الأثناء لم يتوقّف الإمامعليهالسلام في مراسلة طلحة والزبير وإيفاد الرسل إليهم ، عسى أن يعودوا لرشدهم ويدركوا خطورة فتنتهم فيجنّبوا الأمة المصائب والبلايا وسفك الدماء ، فأوفد إلى عائشة زيد بن صوحان وعبد الله بن عباس وغيرهما ، فحاوروهم بالحجّة والدليل والعقل حتى أنّ عائشة قالت لابن
ــــــــــــ
(١) الإمامة والسياسة : ٧٤ ، وتأريخ الطبري : ٥ / ٥٠٧ .
عباس : لا طاقة لي بحجج عليّ ، فقال ابن عباس : لا طاقة لك بحجج المخلوق فكيف طاقتك بحجج الخالق(١) ؟!
آخر النصائح :
أكثر الإمامعليهالسلام من مراسلة طلحة والزبير بعد أن شارفت قواته على أبواب البصرة ، فخشيت عائشة ومن معها من اقتناع قادتها وجموع الناس معها بحجج الإمامعليهالسلام فخرجوا لملاقاته ، فلمّا توقّفوا للقتال أمر الإمامعليهالسلام منادياً ينادي في أصحابه :لا يرمينّ أحد سهماً ولا حجراً ولا يطعن برمح حتى أُعذر القوم فأتّخذ عليهم الحجّة البالغة (٢) .
فلم يجد الإمامعليهالسلام منهم إلاّ الإصرار على الحرب ، ثمّ خرج الإمامعليهالسلام إلى الزبير وطلحة فوقفوا ما بين الصفّين ، فقال الإمامعليهالسلام لهما :لعمري لقد أعددتما سلاحاً وخيلاً ورجالاً ، إن كنتما أعددتما عند الله عذراً فاتّقيا الله ولا تكونا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً ، أَلم أكن أخاكما في دينكما ؟ تحرّماني دمي وأُحرّم دمكما فهل من حدث أحلّ لكما دمي ؟
ثمّ قالعليهالسلام لطلحة :أجئت بعرس رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم تقاتل بها وخبّأت عرسك في البيت ؟! أما بايعتني ؟ ثمّ قالعليهالسلام للزبير :قد كنا نعدّك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء عبد الله ففرّق بيننا ، ثمّ قالعليهالسلام :أتذكر يا زبير يوم مررت مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في بني غنم ، فنظر إليّ فضحك وضحكت إليه فقلتَ له : لا يدع ابن أبي طالب زهوه ، فقال لك رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : ليس بِمُزهٍ ـ أي : ليس به زهو ـلتقاتله وأنت له ظالم ؟! قال الزبير : اللَّهُم نعم .
وروي : أنّ الزبير اعتزل الحرب وقتل بعيداً عن ساحة الحرب بعد أن
ــــــــــــ
(١) الإمامة والسياسة ك ٩٠ ، وبحار الانوار : ٣٢ / ١٢٢ .
(٢) الإمامة والسياسة : ٩١ ، ومروج الذهب : ٢ / ٢٧٠ .
استعرت الفتنة(١) كما أنّ طلحة قتله مروان بن الحكم في ساحة المعركة(٢) .
نشوب المعركة :
كان الإمامعليهالسلام طامحاً حتى آخر لحظة قبل نشوب القتال أن يرتدع الناكثون عن غيّهم ، فلم يأذن بالقتال رغم ما شاهد من إصرار زعماء الفتنة على المضي في الحرب ، فقالعليهالسلام لأصحابه :(لا يرمينّ رجل منكم بسهم ، ولا يطعن أحدكم فيهم برمح حتى اُحدث إليكم ، وحتى يبدؤوكم بالقتال والقتل) (٣) .
وشرع أصحاب الجمل بالرمي فقتل رجل من أصحاب الإمام ، ثمّ قتل ثانٍ وثالث ، عندها أَذِنَعليهالسلام (٤) بالردّ عليهم والدفاع عن الحقّ والعدل .
التحم الجيشان يقتتلان قتالاً رهيباً ، فتساقطت الرؤوس وتقطّعت الأيادي وأثخنت الجراحات في الفريقين ، ووقف أمير المؤمنين ليشرف على ساحة المعركة فرأى أصحاب الجمل يستبسلون في الدفاع عن جملهم فنادى بأعلى صوته :(ويلكم اعقروا الجمل فإنّه شيطان ...) .
فهجم الإمامعليهالسلام وأصحابه حتى وصلوا الجمل فعقروه ، ففرّ من بقي من أصحاب الجمل من ساحة المعركة فأمرعليهالسلام بعد ذلك بحرق الجمل وتذريّة رماده في الهواء لئلاّ تبقى منه بقية يفتتن بها السذّج والبسطاء ، ثمّ قال الإمامعليهالسلام :لعنه الله من دابّة ، فما أشبهه بعجل بني إسرائيل .
ومدّ بصره نحو الرماد الذي تناثر في الهواء فتلا قوله تعالى :( ... وَانظُرْ إِلَى إِلهِكَ الّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لّنُحَرّقَنّهُ ثُمّ لَنَنسِفَنّهُ فِي الْيَمّ نَسْفاً ) (٥) .
ــــــــــــ
(١) الإمامة والسياسة : ٩١ ، ومروج الذهب ٢ / ٢٧٠ .
(٢) الطبقات الكبرى : ٣ / ١٥٨ ، والإمامة والسياسة : ٩٧ .
(٣) شرح النهج : ٩ / ١١١ .
(٤) الإمامة والسياسة : ٩٥ .
(٥) طه (٢٠) : ٩٧ .
مواقف الإمام بعد المعركة :
كتب الله النصر لأمير المؤمنينعليهالسلام على مخالفيه ، ووضعت الحرب أوزارها ، وانقشع غبار المعركة ، ونادى منادي الإمامعليهالسلام يعلن العفو العام :ألا لا يجهز على جريح ولا يتبع مول ولا يطعن في وجه مدبر ، ومن ألقى السلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، وأن لا يؤخذ شيء من أموال أصحاب الجمل إلاّ ما وجد في عسكرهم من سلاح أو غيره ممّا استخدم في القتال ، وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم (١) .
وأمر الإمام عليّعليهالسلام محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر أن يحملوا هودج عائشة من بين القتلى وسط ساحة المعركة وينحّوه جانباً ، وأن يتعهّد محمد أمر أخته عائشة ، فلمّا كان من آخر الليل أدخلها محمد البصرة فأنزلها في دار عبد الله ابن خلف الخزاعي .
وطاف الإمامعليهالسلام في القتلى من أصحاب الجمل ، وكان يخاطب كلاًّ منهم ويكرّر القول :قد وجدتُ ما وعدني ربّي حقاً فهل وجدتَ ما وعدك ربّك حقاً .
وقال أيضاً :ما ألوم اليوم من كفّ عنّا وعن غيرنا ولكنّ المليم الذي يقاتلنا (٢) .
وأقام الإمامعليهالسلام في ظاهر البصرة ولم يدخلها ، وأذن للناس في دفن موتاهم فخرجوا إليهم فدفنوهم(٣) ، ثمّ دخلعليهالسلام مدينة البصرة معقل الناكثين ، فانتهى إلى المسجد فصلّى فيه ثمّ خطب في الناس وذكّرهم بمواقفهم ومواقف الناكثين لبيعته ، فناشدوه الصفح والعفو عنهم ، فقالعليهالسلام :(قد عفوت عنكم ، فإيّاكم والفتنة ، فإنّكم أوّل الرعيّة نكث البيعة ، وشقّ عصا هذه الأمة) ثمّ أقبلت الجماهير
ــــــــــــ
(١) تأريخ اليعقوبي : ٢ / ١٧٢ ، ومروج الذهب : ٢ / ٣٧١ .
(٢) الإرشاد للمفيد : ١ / ٢٥٦ ط مؤسسة آل البيتعليهمالسلام .
(٣) الكامل في التأريخ : ٣ / ٢٥٥ .
ووجوه الناس لمبايعة الإمامعليهالسلام (١) .
وبعد ذلك دخل أمير المؤمنين بيت المال في البصرة ، فلمّا رأى كثرة المال قال :(غُرّي غيري ..) وكرّرها مراراً ، وأمر أن يقسّم المال بين الناس بالسوية ، فنال كلّ فرد منهم خمسمائة درهم ، وأخذ هو كأحدهم ، ولم يبقَ شيء من المال فجاءه رجل لم يحضر الوقعة يطالب بحصّته ، فدفع إليه الإمام ما أخذه لنفسه ولم يصب شيئاً(٢) .
ثمّ أمر أمير المؤمنين بتجهيز عائشة وتسريحها إلى المدينة ، وأرسل معها أخاها وعدداً من النساء ألبسهنّ العمائم وقلّدهن السيوف لرعاية شؤونها وأوصلنها إلى المدينة ، ولكنّ عائشة لم تحسن الظنّ بأمير المؤمنين وتصوّرت أنّ الإمام لم يرعَ حرمتها ، وما أن علمت أنّ الإمامعليهالسلام بعث معها النساء ، أعلنت ندمها على خروجها وفشلها وإثارتها للفتنة ، فكانت تكثر من البكاء(٣) .
نتائج حرب الجمل :
خلّفت حرب الجمل نتائج سلبيّة على واقع المجتمع الإسلامي منها :
١ ـ توسّعت مسألة قتل عثمان بن عفّان حتى أصبحت قضية سياسية كبيرة جرّت من ورائها ظهور تيارات مناوئة فعلاً وقولاً لمسيرة الرسالة الإسلامية ، فأطلّ معاوية بن أبي سفيان ليكمل مسيرة الانحراف الدموي في الجمل .
٢ ـ شاعت الأحقاد بين المسلمين ، وفتحت باب الحرب والاقتتال فيما بينهم ، فكانت الفرقة بين أهل البصرة أنفسهم وبين باقي الأمصار الإسلامية ، فكانت العداوة لمطالبة بعضهم البعض الآخر بدماء أبنائهم في حين كان المسلمون
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٣ / ٥٤٤ ، والإرشاد للشيخ المفيد : ١٣٧ .
(٢) شرح النهج : ١ / ٢٥٠ .
(٣) الإمامة والسياسة : ٩٨ ، ومروج الذهب للمسعودي : ٢ / ٣٧٩ ، والمناقب للخوارزمي : ١١٥ ، والتذكرة للسبط ابن الجوزي : ٨٠ .
يتحرّجون من إراقة دمائهم .
٣ ـ توسّعت جبهة الانحراف الداخلي في المجتمع الإسلامي ، وازدادت العراقيل أمام حكومة الإمام عليّعليهالسلام فبعد أن كان تمرّد معاوية في الشام فقط انفتحت جبهة أُخرى ممّا أدّى إلى انحسار التوسّع الخارجي ، وكذلك انحسار الأعمال الإصلاحية والحضارية التي كان يمكن أن تنمو في المجتمع الإسلامي .
٤ ـ إنّ الأحقاد والانحراف فتحا الطريق على المخالفين في المعتقد السياسي للّجوء فوراً إلى حمل السلاح والقتال .
الكوفة عاصمة الخلافة :
بعد أن هدأت الاُمور تماماً تحرّك الإمام عليّعليهالسلام نحو الكوفة ليتّخذها مقرّاً بعد أن بعث إليهم برسالة أوضح فيها بإيجاز تفاصيل الأحداث(١) ، كما أنّ الإمام أمّر عبد الله بن عباس على البصرة وشرح له كيفية التعامل مع سكّانها بعد الذي وقع بينهم(٢) .
وكان لاختيار الإمامعليهالسلام الكوفة عاصمةً جديدةً للدولة الإسلامية أسباب عديدة منها :
١ ـ توسّع رقعة العالم الإسلامي ، ولابدّ أن تكون العاصمة الإدارية والسياسية للدولة في موقع يُعين الحكومة في التحرّك نحو جميع نقاط الدولة .
٢ ـ إنّ الثقل الأكبر الذي وقف مع الإمامعليهالسلام في القضاء على فتنة أصحاب الجمل هم كبار شخصيّات العراق ووجهاء الكوفة وجماهيرها .
٣ ـ الظروف السياسية والتوتّرات الناجمة عن مقتل عثمان وحرب أصحاب الجمل كلّ ذلك جعل الإمامعليهالسلام أن يستقرّ في الكوفة، ليعيد الأمن والاستقرار للمنطقة .
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٣ / ٥٤٥ و ٥٤٦ .
(٢) تاريخ الطبري : ٣ / ٥٤٦ ط مؤسسة الأعلمي .
الفصل الثالث: الإمام عليعليهالسلام مع القاسطين(*)
استعدادات معاوية لمحاربة الإمامعليهالسلام :
ساورت المخاوف معاوية من استقرار الإمام في الكوفة ومضيّهعليهالسلام في خطّته لتوحيد الدولة وبناء الحضارة الإسلامية على منهج القرآن والسنّة النبويّة ، فسارع معاوية إلى الاستعانة بعمرو بن العاص لما يتمتّع به من حيلة وغدر ، وتوافق معه في العداء للإسلام وللإمامعليهالسلام ، ولم يتردّد عمرو طويلاً أمام رسالة معاوية ، ولم يكن ليختار على طمعه في الدنيا شيئاً حتى لو كان دينه الذي يُدخله الجنّة(١) .
وما أن وصل عمرو إلى الشام حتى جعل يبكي ويولول كالنساء(٢) مبتدئاً خطّته في التضليل وخداع الجماهير ، وبعد مراوغة ومكايدة بين معاوية وعمرو تمّت المساومة على أن تكون حصّة عمرو ولاية مصر مقابل مواجهة الإمامعليهالسلام ومحاربته ، وكتب معاوية كتاباً بذلك(٣) .
وشرعاً يخطّطان لمواجهة الإمام والوضع القائم ، فكان الاتّفاق على المضيّ
ــــــــــــ
(*) وقعت معركة صفّين في صفر من عام (٣٧) هـ ، وكانت المناوشات بين الطرفين بدأت في ذي الحجّة عام (٣٦) هـ .
(١) وقعة صفّين : ٣٤ ، والإمامة والسياسة : ١١٦ ، والكامل في التأريخ : ٣ / ٢٧٥ .
(٢) الكامل في التأريخ : ٣ / ٢٧٤ .
(٣) وقعة صفّين : ٤٠ ، والإمامة والسياسة : ١١٧ .
في هذا المسار العدائي المشوب بالظلم والغدر والبغي ، إذ لا سبيل للوصول إلى أهدافهم وغاياتهم إلاّ مواجهة الإمامعليهالسلام وهو الوريث الشرعيّ للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وحامل راية الحقّ والعدل، واصطدم الرجلان إذ كلاهما خذلا عثمان فكانت خطّتهم تتطلب التشبّث بقميص عثمان كشعار لتحريك مشاعر وعقول الجماهير غير الواعية ، فرفعاه على المنبر بعد أن قَدِم به عليهما النعمان بن بشير ، فكان الناس يضجّون بالبكاء حتى سرت فيهم روح الحقد والكراهية والعمى عن هدى الحقّ(١) .
ولتحريك جماهير الشام لمؤازرة معاوية وحشدهم للحرب اقترح عمرو أن يكون شرحبيل بن السمط الكندي المحرّك الأول ، لما عرف عنه من عبادة ووجاهة في قبائل الشام وكراهية لجرير مبعوث الإمامعليهالسلام إلى معاوية ، كما أنّ شرحبيل ممّن لا يتقصّى الحقائق من مصادرها ، وتمّت مخادعة شرحبيل الذي انطلق مطالباً معاوية بالأخذ بثأر عثمان بن عفان ، ويتحرّك بنفسه لحشد الناس للحرب(٢) .
السيطرة على الفرات :
بعد تعبئة الشام للحرب ؛ أخذ معاوية منهم البيعة وكتب بالحرب كتاباً أرسله مع جرير(٣) الذي أبطأ كثيراً على الإمامعليهالسلام ، ثمّ سارع معاوية بتحريك قوّاته نحو أعالي الفرات في وادي صفّين لاحتلالها ومنع تقدّم قوات الإمامعليهالسلام وحبس الماء عنهم ، وتصوّر معاوية أنّ هذا أوّل نصر يحقّقه على الإمامعليهالسلام وطلب الإمامعليهالسلام من معاوية أن يسمح لجيشه بالاستقاء بعد أن وصلوا متأخرين إلى صفّين ، وأبى معاوية وجيشه ذلك ، وأضرّ الظمأ كثيراً بأهل العراق وازداد الضغط على الإمامعليهالسلام لكسر الحصار ، فأذن لهم بالهجوم على شاطئ الفرات ، وتمّ إزاحة قوّات معاوية عن ضفّة النهر.
ــــــــــــ
(١) وقعة صفّين : ٣٧ ، الكامل في التأريخ : ٣ / ٢٧٧ .
(٢) المصدر السابق : ٤٦ .
(٣) المصدر السابق : ٥٦ .
ولكنّ الإمامعليهالسلام لم يقابل أهل الشام بالمثل ، ففسح لهم المجال لأخذ الماء دون معارضة(١) .
محاولة سلمية :
رغم أنّ الإمامعليهالسلام أكثر من مراسلة معاوية وفتح عدّة قنوات للحوار محاولاً كسبه وإدخاله في بيعته لكنّ ردّ معاوية كان هو الحرب والسعي للقضاء على الإمام وجيشه بكلّ وسيلة ، وبيد أنّ الإمامعليهالسلام كان يأمل في محاولة سلمية أُخرى بعد أن استقرّ وجيشه ضفّة الفرات ، فسادت هدنة مؤقّتة بعث خلالها الإمامعليهالسلام مندوبين عنه إلى معاوية وهم بشير بن محصن الأنصاري وسعيد بن قيس الهمداني وشبث بن ربعي التميمي ، فقالعليهالسلام لهم :(إئتوا هذا الرجل ـ أي معاوية ـوادعوه إلى الله وإلى الطاعة والجماعة) .
وما كان جواب معاوية إلاّ السيف والحرب ، فقال للمندوبين : انصرفوا من عندي فليس بيني وبينكم إلاّ السيف(٢) .
الحرب بعد الهدنة :
جرت مناوشات بين الجيشين ولم تستعر الحرب بعدُ ، فكانت خرج فرقة منكلا الطرفين فيقتتلان ، وما أن حلّ شهر محرّم من عام (٣٧ هـ) حتى حصلت موادعة بين الطرفين ، حاول من خلالها الإمامعليهالسلام التوصّل إلى الصلح ، وكانت طروحاتهعليهالسلام هي الدعوة إلى السلم وجمع الكلمة وحقن الدماء ، ودعوات
ــــــــــــ
(١) مروج الذهب : ٢ / ٣٨٤ ، وشرح النهج لابن أبي الحديد : ٣ / ٣٢٠ ، والكامل في التأريخ : ٣ / ٢٨٣ .
(٢) تأريخ الطبري : ٣ / ٥٦٩ ، والكامل في التأريخ : ٣ / ٢٨٤ .
معاوية وأهل الشام رفض بيعة الإمامعليهالسلام والطلب بدم عثمان بن عفان(١) .
واستمرّت الهدنة مدّة شهرٍ واحدٍ ، ولمّا طالت فترة المناوشات ؛ سئم الفريقان من ذلك فعبّأ الإمامعليهالسلام جيشه تعبئة عامة ، وكذلك فعل معاوية ، والتحم الجيشان في معركة رهيبة ، وكان الإمام يوصي جنوده دائماً فيقول :(لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم فأنتم بحمد الله عزّ وجلّ على حجّة) ثمّ قال :(فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبراً ولا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورة ولا تمثّلوا بقتيل) (٢) .
واستمرت الحرب بين كرٍّ وفرّ حتى سقط خلالها أعداد كبيرة من المسلمين صرعى وجرحى بلغت عشرات الألوف .
مقتل عمار بن ياسر :
روي : أنّ عمار بن ياسر خرج بين الصفوف فقال : إنّي لأرى وجوه قوم لا يزالون يقاتلون حتى يرتاب المبطلون ، والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر ؛ لكنّا على الحقّ وكانوا على الباطل ثمّ تقدّم نحو جيش معاوية وهو يرتجز :
نحن ضربناكم على تنزيله |
واليوم نضربكم على تأويله |
|
ضرباً يزيل الهام عن مقيله |
ويذهل الخليل عن خليله |
أو يرجع الحقّ إلى سبيله
فتوسّط فيهم ببسالته التي قاتل بها مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم صادقاً مخلصاً ، فاشتبكت عليه الرماح فطعنه أبو العادية وابن جون السكسكي ، وروي أنّهما اختصما في رأس عمار إلى معاوية وعبد الله بن عمرو بن العاص جالس فقال لهم ك ليطب به أحدكما نفساً لصاحبه، فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول له :(يا عمّار تقتلك الفئة الباغية) (٣) .
ــــــــــــ
(١) وقعة صفّين : ١٩٥ ، وتأريخ الطبري : ٣ / ٥٧٠ .
(٢) وقعة صفّين : ٢٠٢ ، وتأريخ الطبري : ٤ / ٦ .
(٣) وقعة صفّين : ٣٤٠ ، وتأريخ الطبري : ٤ م ٢٧ ط مؤسسة الأعلمي ، والعقد الفريد : ٤ / ٣٤١ .
وكان الإمام قلقاً لا يقرّ له قرار حين برز عمار للقتال في ذلك اليوم ، وأكثر من السؤال عليه حتى جاءه خبر استشهاده ، فأسرع إلى مصرعه كئيباً حزيناً تفيض عيناه دمعاً ، فقد غاب عنه الناصر الناصح والأخ الأمين ، ثمّ صلَّى عليه الإمامعليهالسلام ودفنه .
وسرى خبر استشهاد عمار بين الجيشين فوقعت الفتنة بين صفوف جيش معاوية ، لما يعلمون من مكانة عمار وحديث الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم له ولكنّ المكر والحيلة كانا بالمرصاد لكلّ ساذج جاهل ، فأشاع معاوية أنّ الذي قتل عماراً من جاء به وأذعن بسطاء أهل الشام لهذه الضلالة(١) .
وروي : أنّ ذلك بلغ الإمام علياًعليهالسلام فقال :ونحن قتلنا حمزة لأنّا أخرجناه إلى أُحد؟ (٢)
خدعة رفع المصاحف :
استمرّ القتال أياماً أظهر خلالها أصحاب الإمام صبرهم وتفانيهم من أجل انتصار الحقّ ، ثمّ إنّ الإمامعليهالسلام قام خطيباً يحثّ على الجهاد فقال :(أيّها الناس ! قد بلغ بكم الأمر وبعدوّكم ما قد رأيتم ، ولم يبق منهم إلاّ آخر نفس ، وإنّ الأمور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأوّلها وقد صبر لكم القوم على غير دين حتى بلغنا ، منهم ما بلغنا وأنا غادٍ عليهم بالغداة أحاكمهم إلى الله عزّ وجلّ) (٣) .
فبلغ ذلك معاوية وقد بدت الهزيمة على أهل الشام فاستدعى عمرو بن العاص يستشيره ، وقال له : إنّما هي الليلة حتى يغدو عليّ علينا بالفيصل فما ترى ؟
قال عمرو : أرى أنّ رجالك لا يقومون لرجاله ولست مثله ، وهو يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على غيره ، أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء ، وأهل العراق
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٥ / ٦٥٣ .
(٢) العقد الفريد : ٤ / ٣٤٣ ، وتذكرة الخواص : ٩٠ .
(٣) كتاب سليم بن قيس : ١٧٦ ، والكامل في التأريخ : ٣ / ٣١٠ .
يخافون منك إن ظفرت بهم وأهل الشام لا يخافون عليّاً إن ظفر بهم ، ولكن ألقِ إليهم أمراً إن قبلوه اختلفوا وإن ردّوه اختلفوا ،أ ُدعهم إلى كتاب الله حكماً فيما بينك وبينهم(١) .
فأمر معاوية في الحال أن ترفع المصاحف على الرماح ، ونادى أهل الشام : يا أهل العراق ! هذا كتاب الله بيننا وبينكم من فاتحته إلى خاتمته من لثغور أهل الشام من بعد أهل الشام ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق ؟
وكانت هذه الدعوى المضلّلة كالصاعقة على رؤوس جيش الإمام ، فهاج الناس وكثر اللغط بينهم ، وقالوا : نجيب إلى كتاب الله وننيب إليه، وكان أشدّ الناس في ذلك أحد كبار قادة جيش الإمام عليّ الأشعث بن قيس .
فقال لهم الإمامعليهالسلام :(عباد الله ! امضوا على حقّكم وصدقكم وقتال عدوّكم ، فإنّ معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وحبيب بن أبي مسلمة وابن أبي سرح والضحّاك ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، أنا أعرف بهم منكم ، قد صحبتهم أطفالاً ثمّ رجالاً فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال ، وَيْحَكُم ! والله ما رفعوها إلاّ خديعةً ووهناً ومكيدةً ، إنّها كلمة حقّ يراد بها باطل) .
فخاطبوا أمير المؤمنين باسمه الصريح قائلين : يا عليّ ، أجب إلى كتاب الله عزّ وجلّ إذ دعيت إليه وإلاّ ندفعك برمّتك إلى القوم أو نفعل كما فعلنا بابن عفّان .
ولم يجد الإمامعليهالسلام مع المخدوعين سبيلاً فقال :فإن تطيعوني فقاتلوا وإن تعصوني فاصنعوا ما شئتم (٢) .
وكان في ساحة المعركة مالك الأشتر يقاتل ببسالة ويقين حتى كاد أن يصل إلى معاوية فقالوا لأمير المؤمنين : ابعث إلى الأشتر ليأتينّك ولكنّ الأشتر لم ينثنِ عن عزمه في القتال ، لأنه يعلم أنّ الأمر خدعة فهدّدوه بقتل الإمامعليهالسلام ، فعاد الأشتر يؤنّبهم فقال لهم : خُدعتم والله فانخدعتم ودُعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم ، يا أصحاب الجباه السود كنّا نظن أنّ صلاتكم زهادة إلى الدنيا وشوق إلى لقاء الله ، فلا أرى فراركم إلاّ إلى الدنيا من الموت.
ــــــــــــ
(١) وقعة صفّين : ٣٤٧ ، وتأريخ الطبري : ٤ / ٣٤ .
(٢) وقعة صفّين : ٤٨١ ، وتأريخ الطبري : ٤ / ٣٤ و ٣٥ ط مؤسسة الأعلمي .
وأقبل الناس يقولون قد رضي أمير المؤمنين ، والإمامعليهالسلام ساكت لا يفيض بكلمة مطرق الرأس حزيناً ، فقد انطلت على جيشه فتمرّد عليه ، ولم يعد باستطاعته أن يفعل شيئاً ، وقد أدلىعليهالسلام بما مني به بقوله :(لقد كنت أمسِ أميراً فأصبحت اليوم مأموراً ، وكنت بالأمسِ ناهياً فأصبحت اليوم منهيّاً) (١) .
التحكيم وصحيفة الموادعة :
لم تتوقّف محنة الإمامعليهالسلام بتخاذل الجيش ، وكان بالإمكان أن يحقّق مكسباً سياسياً عن طريق المفاوضات التي دُعي إليها لو أطاعه المتمرّدون في اختيار الممثّلين عنه إلى التحكيم ، فأراد الإمامعليهالسلام ترشيح عبد الله بن عباس أو مالك الأشتر لما يعلم عنهما من إخلاص ووعي ، وأصرّ المخدوعون على ترشيح أبي موسى الأشعري، فقال الإمامعليهالسلام :(إنّكم قد عصيتموني في أوّل الأمر فلا تعصوني الآن ، إنّي لا أرى أن أولِّي أبا موسى فإنّه ليس بثقة ، قد فارقني وخذّل الناس عنّي ـ بالكوفة عند الذهاب لحرب الجمل ـ ثمّ هرب منّي حتى أمّنته بعد أشهر) (٢) .
وتمكّن معاوية وابن العاص من مأربهم في تفتيت جيش الإمامعليهالسلام ، يساعدهم في ذلك الأشعث بن قيس من داخل قوّات الإمام .
حضر عمرو بن العاص ممثّلاً عن أهل الشام بدون معارضة من أحد لتسطير بنود الاتّفاق مع أبي موسى الأشعري ، ولم يقبل عمرو كتابة اسم (أمير المؤمنين) في الصحيفة ، فقال الإمامعليهالسلام :إنّ هذا اليوم كيوم الحديبية إذ قال سهيل ابن عمر للنبي : لست رسول الله ، ثمّ قالعليهالسلام :فقال لي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : أما
ــــــــــــ
(١) نهج البلاغة الخطبة ٢٠٨ ط مؤسسة النشر الإسلامي .
(٢) وقعة صفّين : ٤٩٩ ، وتأريخ الطبري : ٤ / ٣٦ ، والكامل في التأريخ : ٣ / ٣١٩ .
إنّ لك مثلها ستعطيها وأنت مضطهد (١) .
وأهمّ ما جاء في الصحيفة هو إعلان الهدنة ووقف القتال ، وأن يلجأ الطرفان إلى كتاب الله وسنّة نبيّه لحلّ قضاياهم ، وأُجّل البتّ في قرار الحكمين إلى رمضان (٣٧ هـ) ، حيث كتبت الصحيفة في صفر من العام نفسه والغريب أنّ مسألة الأخذ بثأر عثمان لم ترد ولو بإشارة بسيطة في كتاب الموادعة مع أنّها أس الفتنة التي تحرّك فيها معاوية وحزبه من أبناء الطلقاء(٢) ، واتّفقوا على أن يكون موضع اجتماع الحكمين في (دومة الجندل) .
موقف واع وتقييم :
روي : أنّه طلب من الأشتر أن يشهد في الصحيفة ، فقال : لا صبّحتني يميني ولا نفعتني بعدها شمالي إن خُطّ لي في هذه الصحيفة اسم أوَلست على بيّنة من ربّي من خلال عدوّي ؟ أو لستم قد رأيتم الظفر(٣) ؟
وقيل لأمير المؤمنين : إنّ الأشتر لا يقرّ بما في الصحيفة ولا يرى إلاّ قتال القوم .
فقالعليهالسلام :(وأنا والله ما رضيت ولا أحببت أن ترضوا) ثمّ قالعليهالسلام :(يا ليت فيكم مثله اثنين ، يا ليت فيكم مثله واحداً يرى في عدوّي ما أرى ، إذاً لخفّت عليّ مؤنتكم ، ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم وقد نهيتكم فعصيتموني ، والله لقد فعلتم فِعلة ضعضعت قوّة وأسقطت مُنّة وأورثت وهناً وذلّة) (٤) .
رجوع الإمامعليهالسلام واعتزال الخوارج :
قفل أمير المؤمنين راجعاً إلى الكوفة مثقلاً بالهموم والآلام ، يرى باطل معاوية قد استحكم ، وأمره أوشك أن يتمّ ، وينظر إلى جيشه وقد فتّته التمرّد لا يستجيب لأَمره .
ــــــــــــ
(١) وقعة صفّين : ٥٠٨ ، وشرح نهج البلاغة : ٢ / ٢٣٢ .
(٢) تأريخ الطبري : ٤ / ٤٠ .
(٣) وقعة صفّين : ٥١١ ، والكامل في التأريخ : ٣ / ٣٢١ .
(٤) وقعة صفّين : ٥٢١ ، وتأريخ الطبري : ٤ / ٤٢ و ٤٣ ، والكامل في التأريخ : ٣ / ٣٢٢ .
ودخل الإمامعليهالسلام الكوفة فرأى لوعة وبكاء ، قد سادت جميع أرجائها حزناً على من قتل في صفّين ، واعتزلت فرقة تناهز اثني عشر ألف مقاتل عن جيش الإمام ، ولم يدخلوا الكوفة فلحقوا بحروراء ، وجعلوا أميرهم على القتال شبث بن ربعي ، وعلى الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكري ، وخلعوا بيعة الإمامعليهالسلام يدعون إلى جعل الأمر شورى بين المسلمين وكان أمر هؤلاء قد بدأ منذ كتابة صحيفة الموادعة ، إذ لم يعجبهم الأمر فاعترضوا وقالوا : لا نرضى لا حكم إلاّ لله ، واتّخذوه شعاراً لهم رغم أنّهم هم الذين أصرّوا على الإمامعليهالسلام لقبول التحكيم .
وسعى أمير المؤمنين لمعالجة موقفهم بالحكمة والنصيحة ، فأرسل إليهم عبد الله بن عباس وأمره أن لا يعجل في الخوض معهم في جدال وخصومة ، ولحقه الإمامعليهالسلام فكلّمهم وحاججهم وفنّد كلّ دعاويهم ، فاستجابوا له ودخلوا معه إلى الكوفة(١) .
اجتماع الحكمين :
حان الأجل الذي ضرب الحكمين ، فأرسل الإمامعليهالسلام أربعمائة رجل عليهم شريح بن هاني ، وبعث معهم عبد الله بن عباس ليصلّي بهم ويلي أمورهم وأبو موسى الأشعري معهم ، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة رجل من أهل الشام حتى توافوا في دومة الجندل .
وقد سارع عدد من أهل الرأي والحكمة ممّن أخلصوا للإمامعليهالسلام بتقديم النصح والتحذير لأبي موسى ، باذلين جهدهم في حمله على التبصرة والرويّة في
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٤ / ٥٤ ، والكامل في التأريخ : ٣ / ٤٢٦ .
اتّخاذ القرار ، وخشية منهم من مكر عمرو وخداعه(١) .
قرار التحكيم :
اجتمع الحكمان : أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص ، والأوّل يحمل الغباء السياسي وضعف الانتماء العقائدي وقلّة الولاء لإمامه عليّعليهالسلام والثاني هو الماكر المخادع ذو السجيّة الغادرة والطامع إلى إقصاء خطّ أهل البيتعليهمالسلام تماماً عن الميدان السياسي ، يدفعه لذلك طمعه للملك وشركته مع الطليق ابن الطليق معاوية .
ولم يطل الاجتماع طويلاً حتى تمكّن ابن العاص من معرفة نقاط الضعف في شخصية الأشعري والسيطرة عليه وتوجيهه نحو ما يريد ، واتفق الإثنان في اجتماع مغلق على خلع الإمام عليّعليهالسلام ومعاوية عن ولاية أمر المسلمين ، واختيار عبد الله بن عمر بن الخطاب ليكون الخليفة المقترح .
وبادر ابن عباس محذّراً الأشعري من أن ينساق في لعبة ابن العاص ، فقال له : ويحك ، والله إنّي لأظنّه قد خدعك إن اتّفقتما على أمر ، فقدّمه فليتكلّم بذلك الأمر قبلك ثمّ تكلّم أنت بعده ، فإنّ عَمْراً رجل غادر لا آمن من أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه ، فإذا قمت في الناس خالفك .
فقام الأشعري فخطب وخلع الإمام عليّاًعليهالسلام ، ثمّ انبرى عمرو فخطب وأكّد خلع الإمام وثبّت معاوية لولاية الأمر(٢) .
وبتلك الغدرة ظفر معاوية بالنصر ، وعاد إليه أهل الشام يسلّمون عليه بإمرة المؤمنين ، وأمّا أهل العراق فغرقوا في الفتنة وأيقنوا بضلال ما أقدموا عليه ، وهرب أبو موسى إلى مكّة ، ورجع ابن عباس وشريح إلى الإمام عليّعليهالسلام .
ــــــــــــ
(١) وقعة صفّين : ٥٣٤ ، وشرح نهج البلاغة : ٢ / ٢٤٦ ط دار إحياء التراث العربي .
(٢) تأريخ الطبري : ٤ / ٥٢ ، ومروج الذهب : ٢ / ٤١١ ، والكامل في التأريخ : ٣ / ٣٢٢ .
الفصل الرابع: الإمام عليعليهالسلام مع المارقين
بمكن أن نقول : إن ظهور الخوارج إفراز طبيعي للصراع الدموي في الجمل وصفّين ، كما أنّنا لا يمكننا أن نعزل انحرافهم بمعزل عن انحراف الخلافة عن خطّ أهل البيتعليهمالسلام ، لقد كان من أهمّ صفات الخوارج هو التحجّر والتمسّك بالظواهر والتعصّب والخشونة وعدم التمييز بين الحقّ والباطل ، وأنّهم سريعو التأثّر بالشائعات ، فيتردّدون عند أدنى شكّ .
ونجد أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أخبر عن صفتهم ، إذ روي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :(يخرج في هذه الأمة ـ ولم يقل منها ـقوم تحقّرون صلاتكم مع صلاتهم ، يقرءون القرآن ولا يجاوز حلوقهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية) (١) .
ولم يتمكّن الإمامعليهالسلام من معالجة أمراضهم وانحرافاتهم ، فقد عاجلته الحروب والتمرّدات في الجمل وصفّين في فترة قصيرة جدّاً ، ويمكن أن نعزو ظهور الخوارج إلى :
١ ـ الإحباط النفسي والفشل في تحقيق النصر ، وخصوصاً أنّ معارك الإمامعليهالسلام ضد متمرّدين هم مسلمون في الظاهر ، فلم يتمكّن الخوارج من فهم
ــــــــــــ
(١) انظر البداية والنهاية : ٧ / ٣٢١ ـ ٣٣٧ وصحيح البخاري : ٩ / ٢١ ـ ٢٢ باب ترك قتال الخوارج ، وصحيح مسلم :٢ / ٧٤٤ الحديث ١٠٦٤ ، ومسند أحمد : ٣ / ٥٦ دار صادر .
معالجة الإمام للمتمرّدين ، ولم يتمكّنوا من تحمّل نتيجة التحكيم ، في حين هم الذين أجبروه على قبول التحكيم ، ولم يواجهوا أنفسهم بمواقفهم المنحرفة ، فسعوا إلى تعليق أخطائهم وتحميل أوزارها إلى طرف آخر غيرهم ولم يكن إلاّ الإمام عليّعليهالسلام (١) .
٢ ـ استغلالهم الحرية الفكرية التي فتحها الإمامعليهالسلام لكي تمارس الأمة وعيها الرسالي ، فقد روي أنّهم كانوا يعترضون على الإمام حتى أثناء خطبته بدعوى لا حكم إلاّ لله ، وما كان الإمام يجيبهم إلاّ بـ(كلمة حقّ يراد بها باطل) . وقال الإمامعليهالسلام لهم :(لكم عندنا ثلاث خصال : لا نمنعكم مساجد الله أن تصلّوا فيها ، ولا نمنعكم الفيء ما كانت أيديكم في أيدينا ن ولا نبدؤكم للحرب حتى تبدؤونا) (٢) فتحوّلت حركتهم من حالة فردية إلى حالة جماعية .
ردّ الإمامعليهالسلام على قرار الحكمين :
ولمّا بلغ خبر التحكيم إلى الإمامعليهالسلام تألّم كثيراً ن وخطب في الناس يحثّهم ويدلّهم على إصلاح الخطأ الذي تورّطوا فيه وذكّرهم بنصحه لهم ، فقالعليهالسلام :(إنّ مخالفة الناصح الشفيق المجرّب تورث الحسرة وتعقب الندامة ، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، ونخلت لكم مخزون رأيي لو كان يطاع لقصير أمر فأبيتم عليَّ إباء المخالفين الجفاة المنابذين العصاة حتى ارتاب الناصح بنصحه وضّنَّ الزند بقدحه ، فكنت وإيّاكم كما قال أخو هوازن :
أمرتكم أمري بمنعرج اللوى |
فلم تستبينوا النصح إلاّ ضحى الغد |
ألا إنّ هذين الرجلين ـ أبا موسى الأشعري وابن العاص ـاللّذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما ، وأحييا ما أمات القرآن ، واتّبع كلّ واحد منهما
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٤ / ٥٣ ـ ٥٨ .
(٢) تأريخ الطبري : ٤ / ٥٤ ، والكامل في التأريخ : ٣ / ٣٣٤ ، ومستدرك وسائل الشيعة : ٢ / ٢٥٤ .
هواه بغير هدىً من الله ، فحكما بغير حجّة بيّنة ولا سنّة ماضية ، واختلفا في حكمهما وكلاهما لم يرشد ، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين ، استعدوا وتأهّبوا للمسير إلى الشام ، وأصبحوا في معسكركم إن شاء الله (١) .
وكتب الإمام إلى عبد الله بن عباس أن يعبّئ أهل البصرة للالتحاق بالإمامعليهالسلام لقتال معاوية ، فالتحقت جموع البصرة بالكوفة ، ولكن عبث الخوارج الذين تجمّعوا من البصرة والكوفة متّجهين نحو النهروان وفسادهم في الأرض أقلق أصحاب الإمامعليهالسلام من تركهم خلفهم لو توجّهوا إلى الشام فطلبوا من الإمام أن يقضي على الخوارج أوّلاً(٢) .
وكان من عيث الخوارج أنّهم قبضوا على عبد الله بن خباب وزوجته فقتلوه ، وبقروا بطن امرأته ، وألقوا ما فيها من دون مبرّر ، وكذلك قتلوا الحارث بن مرّة العبدي رسول الإمامعليهالسلام إليهم(٣) .
المواجهة مع الخوارج :
تجمّعت قوات المارقين عن الدين قرب النهروان بعد أن التحقت بهم مجاميع من البصرة وغيرها ، وحاول الإمامعليهالسلام مراراً أن يقنعهم بالتخلي عن فكرتهم وتمرّدهم وسعيهم للحرب ، ولم يجد فيهم إلاّ الفساد والجهل والإصرار ، فعبّأ جيشه ونصحهم بأخلاق الإسلام في كيفية التعامل في مثل هذه الظروف كما هو شأنه في كلّ معركة ولمّا انتهى الإمامعليهالسلام ؛ إليهم بعث لهم رسولاً يطلب منهم قتلة عبد الله بن خباب وقتلة رسوله الحارث بن مرّة ، فردّوا عليه مجمعين : كلّنا قتلناهم وكلّنا مستحلّ لدمائكم ودمائهم .
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٤ / ٥٧ .
(٢) تأريخ الطبري : ٤ / ٥٧ و ٥٨ ، والبداية والنهاية : ٧ / ٢٨٦ .
(٣) تأريخ الطبري : ٤ / ٦١ ، والبداية والنهاية : ٧ / ٢٨٦ ، والفصول المهمة لابن الصبّاغ : ١٠٨ .
وبعث الإمامعليهالسلام قيس بن سعد وأبا أيوب الأنصاري لينصحوا القوم عساهم أن يفهموا واقع الأحداث ، ويجنّبوا الأمة مزيداً من الدماء، ثمّ أتاهم الإمامعليهالسلام فقال لهم :
(أيّتها العصابة التي أخرجها عداوة المراء واللجاجة ، وصدّها عن الحقّ الهوى ، وطمع بها النزق ، وأصبحت في الخطب العظيم ! إنّي نذير لكم أن تصبحوا تلعنكم الأمة غداً صرعى بأثناء هذا الوادي ، وبأهضام هذا الغائط بغير بيّنة من ربّكم ولا برهان مبين) ثمّ بيّن لهمعليهالسلام أنّه كره التحكيم وعارضه ، وشرح سبب معارضته بوضوح لهم ، ولكنّهم أنفسهم أجبروا الإمام على قبول التحكيم ، وأنّ الحكمين لم يحكما بالقرآن والسنّة ، وها هو الإمام يعدّ العدّة لملاقاة معاوية ثانية ، فلا معنى لخروج المارقين ، ولم يرعِو المارقون لقول الإمام وطالبوه بتكفير نفسه وإعلان توبته ، فقالعليهالسلام :
(أصابكم حاصب ولا بقي منكم آثر أبعد إيماني برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وهجرتي معه وجهادي في سبيل الله أشهد على نفسي بالكفر، لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين) ثمّ انصرف عنهم ، وتقدّم الخوارج فاصطفّوا للقتال وعبّأ الإمامعليهالسلام جيشه لملاقاتهم ، وفي محاولة أخيرة أمر الإمام أبا أيوب الأنصاري أن يرفع راية أمان للخوارج ، ويقول لهم :(من جاء إلى هذه الراية فهو آمن ومن انصرف إلى الكوفة والمدائن فهو آمن إنّه لا حاجة لنا فيكم إلاّ فيمن قتل إخواننا) .
فانصرفت منهم مجاميع كثيرة ، وقال الإمامعليهالسلام لأصحابه :كفّوا عنهم حتّى يبدؤوكم بقتال .
وهجم الخوارج وهم يتصايحون : لا حكم إلاّ لله الرواح الرواح إلى الجنّة ، ولم تمضِ إلاّ ساعة حتى أبيد أكثرهم ، ولم ينجُ منهم إلاّ أقلّ من عشرة ، ولم يُقتل من أصحاب الإمام إلاّ أقلّ من عشرة أشخاص(١) .
ــــــــــــ
(١) نهج البلاغة الخطبة ٥٩ ط مؤسسة النشر الإسلامي ، ومروج الذهب : ٢ / ٣٨٥ ، والبداية والنهاية : ٧ / ٣١٩ .
وبعد أن سكنت أوار المعركة ؛ أمر الإمامعليهالسلام بطلب (ذي الثُّدية) ـ أحد قادة الخوارج ـ وألحَّ في ذلك لأنّ في ذلك مصداقاً لوصايا الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بمقاتلة المارقين عن الدين الذين فيهم ذو الثدية(١) ولمّا وجدوه أخبروا الإمامعليهالسلام فقال :(الله أكبر ما كذبت ولا كذّبت ، لو لا أن تنكلوا عن العمل ؛ لأخبرتكم بما قصّ الله على لسان نبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم لمن قاتلهم مستبصراً في قتالهم ، عارفاً للحقّ الذي نحن عليه) وسجدعليهالسلام شكراً لله(٢) .
احتلال مصر :
بعد مقتل عثمان بن عفان ولّى أمير المؤمنين قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ولاية مصر ، ثمّ كلّف محمد بن أبي بكر ليقوم مقام قيس بن سعد لرأي رآهعليهالسلام ، وبقيت مصر الجناح الآخر الذي يقلق معاوية ، فما أن ساد الاضطراب والتخاذل في المجتمع الإسلامي بعد المعارك ونتائجها ؛ تحرّك معاوية وعمرو بن العاص لاحتلال مصر التي كانت ثمناً لجهود عمرو بن العاص لتخريب حكومة الإمام وتهديم الدين ، وحاولعليهالسلام أن يمدّ محمد بن أبي بكر بالعِدّة والعُدّة عند سماعه بزحف معاوية نحو مصر ، فلم يلبث إلاّ قليلاً حتى أتت الأخبار باحتلال مصر واستشهاد محمد بن أبي بكر ، وحزن الإمامعليهالسلام على محمد(٣) ، ثمّ كان قد كلّفعليهالسلام مالك الأشتر بولاية مصر وكتب إليه عهده المشهور في إدارة الحكم وسياسة الناس ، ولكن معاوية وما يملك من وسائل الشيطان والخداع تمكّن من دسّ السم لمالك(٤) .
ــــــــــــ
(١) صحيح مسلم : كتاب الزكاة ، باب ذكر الخوارج وصفاتهم والتحريض على قتالهم .
(٢) تأريخ الطبري : ٤ / ٦٦ ، وشرح نهج البلاغة : ٢ / ٢٦٦ ، والبداية والنهاية : ٢٩٧ .
(٣) شرح النهج لابن أبي الحديد : ٦ / ٨٨ .
(٤) تأريخ الطبري : ٤ / ٧٢ .
انهيار الأمة وتفكّكها :
بدأت بوضوح ملموس ملامح وآثار الانحراف الذي حصل يوم السقيفة في نهاية أيّام حكم الإمامعليهالسلام حيث بدأ معاوية ومن اقتفى أثره في محاربة الإسلام من داخل الإسلام بتفكيك ما بقي من أواصر تماسك المجتمع الإسلامي وتخريبه وبناء مجتمع ينسجم وفق رغباتهم وأهوائهم، ويمكننا أن نلحظ حال الأمة بعد خوض الإمامعليهالسلام ثلاث معارك فيصلية لاجتثاث الفساد فيما يلي :
١ ـ مُني الإمامعليهالسلام والأمة بفقد خيار الصحابة الواعين والمؤثِّرين في المجتمع وحركة الرسالة الإسلامية الذين كان يمكن من خلالهم بناء الأمة الصالحة وفق نهج القرآن والسنّة بإشراف الإمامعليهالسلام ، وقد بلغ الحزن في نفس الإمام مبلغاً عظيماً نجده في نعيه لهم بقوله :
(ما ضرّ إخواننا الذين سفكت دماؤهم بصفّين أن لا يكونوا اليوم أحياءً يسيغون الغصص ويشربون الرنق ، قد والله لقوا الله فوفّاهم أجورهم وأحلّهم دار الأمن بعد خوفهم أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحقّ ؟ أين عمار ؟ وأين ابن التيهان ؟ وأين ذو الشهادتين ؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على النيّة واُبرد برؤوسهم إلى الفجرة ؟) .
ثمّ وضع يده على كريمته فأطال البكاء ثمّ قال :(أَوِّه على إخواني الذين قرءوا القرآن فأحكموه وتدابروا الفرض فأقاموه ، أحيوا السنّة وأماتوا البدعة ، دعوا للجهاد فأجابوا ، ووثقوا بالقائد فاتّبعوه) (١) .
٢ ـ تمرّد الجيش وتفكّكه وظهور الضعف والسأم من الحرب لكثرة مَن قتل من أهل العراق الذين يشكّلون العمود الفقري لفرق جيش الإمامعليهالسلام ، ولم
ــــــــــــ
(١) شرح النهج لابن أبي الحديد : ١٠ / ٩٩ .
يتمكنعليهالسلام بما يملك من قدرة خطابية رائعة وحجّة بالغة أن يبعث الاندفاع والحزم في قاعدته الشعبية لمواصلة الحرب ، وممّا زاد من تفتيت الجيش عدم توقّف معاوية من مخاطبة زعماء القبائل والعناصر التي يبدو منها حبّ الدنيا ، فمنّاهم بالأموال والهبات والمناصب إذا قاموا بكلّ ما يؤدي إلى إضعاف قوّة الإمامعليهالسلام وجماهيره المؤيدة ، حتى أنّ الإمامعليهالسلام لم يستطع أن يعبّئ في معسكر النخيلة بعد معركة النهروان استعداداً لقتال معاوية ن فقد تسلّل أغلب أفراد الجيش إلى داخل الكوفة ممّا أدّى بالإمامعليهالسلام أن يلغي المعسكر ويؤجّل الحرب(١) .
٣ ـ لقد أتاح الظرف الذي مرّ به الإمامعليهالسلام والاُمّة الإسلامية لمعاوية أن يقوم بشنّ غارات على أطراف البلاد الإسلامية ، فمارس القتل والسبي والإرهاب ، فبدأ بالهجوم على أطراف العراق فأرسل النعمان بن بشير الأنصاري للإغارة على منطقة (عين التمر) ، ووجّه سفيان بن عوف للإغارة على منطقة (هيت) ثم على (الأنبار والمدائن) ، وإلى (واقصة) وجّه معاوية الضحّاك بن قيس الفهري وفي كلّ مرّة يحاول الإمامعليهالسلام دعوة الجماهير لمقاومة غارات معاوية فلم يلق الاستجابة السريعة ، وأدرك معاوية ضعف قوة حكومة الإمامعليهالسلام وتزايد قوّته(٢) .
وبعث معاوية بسر بن أُرطاة للغارة على الحجاز واليمن ، فعاث في الأرض فساداً وقتلاً للأبرياء(٣) وبلغ الأسى والأسف في نفس الإمامعليهالسلام مبلغاً عظيماً ممّا يفعل المجرمون ومن تخاذل الناس عنه، فكان يصرّح بضجره من تخاذلهم وتقاعسهم فقال :(اللّهمّ إنّي قد مللتهم وملّوني وسئمتهم وسئموني فأبدلني بهم خيراً منهم
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٤ / ٦٧ .
(٢) الغارات للثقفي : ٤٧٦ ، وتأريخ الطبري : ٤ / ١٠٢ و ١٠٣ .
(٣) الغارات للثقفي : ٤٧٦ ، وتأريخ الطبري : ٤ / ١٠٦ ط مؤسسة الأعلمي .
وأبدلهم بي شراً منّي) (١) .
وقد أنذر الإمامعليهالسلام الأمة الإسلامية بمستقبل مظلم وآلام كثيرة تحلّ بها نتيجة لما آلت إليها من تقاعس وتخاذل عن نصرة الحقّ ، فقالعليهالسلام :(أما إنّكم ستلقون بعدي ذلاًّ شاملاً ، وسيفاً قاطعاً ، وأثرةً يتّخذها الظالمون فيكم سنّة ، فيفرّق جماعتكم ، ويبكي عيونكم ، ويدخل الفقر بيوتكم ، وتتمنّون عن قليل أنّكم رأيتموني فنصرتموني ، فستعلمون حقّ ما أقول لكم) (٢) .
آخر محاولات الإمامعليهالسلام :
بعد الاضطرابات المتعدّدة وتمكّن معاوية من فساد ونشر الرعب في أطراف الدولة الإسلامية ؛ عزم الإمامعليهالسلام أن يقوم بحملة واسعة يستنهض فيها الاُمّة ، فخاطب الجماهير وهدّدهم فقال :
(أما إنّي قد سئمت من عتابكم وخطابكم ، فبيّنوا لي ما أنتم فاعلون ، فإن كنتم شاخصين معي إلى عدوّي فهو ما أطلب وما أحب ، وإن كنتم غير فاعلين فاكشفوه لي عن أمركم ، فو الله لئن لم تخرجوا معي بأجمعكم إلى عدوّكم فتقاتلوه حتى يحكم الله بيننا وبينه وهو خير الحاكمين لأدعوّن الله عليكم ثمّ لأسيرنّ إلى عدوّكم ولو لم يكن معي إلاّ عشرة) (٣) .
وأيقظ هذا التهديد الحازم نفوس الناس ، وأيقنوا أنّ الإمامعليهالسلام سيخرج بنفسه وأهله وخاصّته إلى معاوية وإن لم ينصروه ، فسيلحق العار والذلّ بهم إلى يوم القيامة ، فتحرّك وجهاء الناس للاستعداد لملاقاة معاوية والقضاء على الفساد ، وخرج الناس إلى معسكراتهم في منطقة (النخيلة) خارج الكوفة ، وتحرّكت بعض قطعات الجيش تسبق البقيّة مع الإمامعليهالسلام الذي بقي ينتظر انقضاء شهر رمضان .
ــــــــــــ
(١) نهج البلاغة : الخطبة (٢٥) .
(٢) أنساب الأشراف : ١ / ٢٠٠ ، نهج البلاغة : الكلمة (٥٨) .
(٣) سيرة الأئمة الإثني عشر : ١ / ٤٥١ عن البلاذري في أنساب الأشراف .
الفصل الخامس: الإمام عليعليهالسلام شهيد المحراب(١)
تواطأت زمر الشرّ على أن لا تبقي للحقّ راية تخفق أو يداً تطول فتصلح أو صوتاً يدوّي فيكشف زيغ وفساد الظالمين والمنحرفين ، فبالأمس كان أبو سفيان يمكر ويغدر ويفجر ويخطّط لقتل النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم لوأد الرسالة الإلهية في مهدها ، ولكنّ الله أبى إلاّ أن يتمّ نوره .
وها هو معاوية بن أبي سفيان يستفيد من نتائج انحراف السقيفة ، ويتمّم ما بدأه أبوه سعياص للقضاء على الرسالة الإسلامية ، تعينه في ذلك قوى الجهل والضلالة والعمى ، فخطّطوا لقتل ضمير الأمة الحيّ وصوت الحقّ والعدل وحامل لواء الإسلام الخالد ومحيي الشريعة المحمديّة السمحاء .
واجتمعت ضلالتهم على أن يطفئوا نور الهدى ليبقى الظلام يلفّ انحرافهم وفسادهم ، فامتدّت يد الشيطان لتصافح ابن ملجم في عتمة الليل، وفي ختلة وغدرة هوت بالسيف على هامة طالما استدبرت الدنيا واستقبلت بيت الله وهي ساجدة ، وغادرتها منها في تلك الحال .
لقد اجتمعت عصابة ضالّة على قتل أمير المؤمنينعليهالسلام لا يبعد أن كان محرّكها معاوية ، واتفقوا أن يداهموا الإمام عند ذهابه لصلاة الفجر ، فما كان أحد يجرؤ على مواجهة الإمامعليهالسلام .
ــــــــــــ
(١) استشهد أمير المؤمنين في شهر رمضان عام (٤٠) هـ .
ولمّا كانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان ؛ كان الإمامعليهالسلام يكثر التأمل في السماء وهو يردّد :(ما كذبت ولا كذّبت إنّها الليلة التي وعدت بها) (١) وأمضىعليهالسلام ليلته بالدعاء والمناجاة ، ثمّ خرج إلى بيت الله لصلاة الصبح فجعل يوقظ الناس على عادته إلى عبادة الله فينادي :الصلاة الصلاة .
ثمّ شرععليهالسلام في صلاته ، وبينما هو منشغل يناجي ربّه إذ هوى المجرم اللعين عبد الرحمن بن ملجم وهو يصرخ بشعار الخوارج (الحكم لله لا لك) ووقع السيف على رأسه المبارك فقدّ منه فهتف الإمامعليهالسلام :(فزت وربّ الكعبة) (٢) .
ولمّا علت الضجّة في المسجد ؛ أقبل الناس مسرعين فوجدوا الإمامعليهالسلام طريحاً في محرابه ، فحملوه إلى داره وهو معصّب الرأس والناس يضجّون بالبكاء والعويل ، واُلقي القبض على المجرم ابن ملجم ، وأوصى الإمامعليهالسلام ولده الحسن وبنيه وأهل بيته أن يحسنوا إلى أسيرهم وقال :(النفس بالنفس ، فإن أنا مُتّ فاقتلوه كما قتلني ، وإن أنا عشت رأيت فيه رأيي) (٣) .
وصيّة الإمامعليهالسلام :
أوصى الإمامعليهالسلام ولديه الحسن والحسينعليهماالسلام وجميع أهل البيت بوصايا عامّة فقال :
(أوصيكما بتقوى الله ، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما ، وقولا بالحقّ واعملا للأجر ، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً ، واعملا بما في
ــــــــــــ
(١) الصواعق المحرقة : ٨٠ ، وبحار الأنوار : ٤٢ / ٢٣٠ .
(٢) الإمامة والسياسة : ١٨٠ أو : ١٣٥ ط بيروت و ١٥٩ ط مصر ، وتأريخ دمشق : ٣ / ٣٦٧ ترجمة الإمام عليّعليهالسلام .
(٣) مقاتل الطالبيين : ٢٢ ، شرح النهج لابن أبي الحديد : ٦ م ١١٨ ، وبحار الأنوار : ٤٢ / ٢٣١ .
الكتاب ، ولا تأخذكما في الله لومة لائم) (١) .
ولم يمهل الجرح أمير المؤمنين طويلاً لشدّته وعظيم وقعته ، فقد دنا الأجل المحتوم ، وكان آخر ما نطق به قوله تعالى : ( لِمِثْلِ هذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ) ثمّ فاضت روحه الطاهرة إلى جنّة المأوى .
دفن وتأبين الإمامعليهالسلام :
نهض الإمامان الحسن والحسينعليهماالسلام بتجهيز أمير المؤمنين وما يترتّب عليهما من إجراءات الدفن من غسل وتكفين ، ثمّ صلى الإمام الحسنعليهالسلام على أبيه ومعه ثلّة من أهل بيته وأصحابه ، ثمّ حملوا الجثمان الطاهر إلى مثواه الأخير ، فدفن في النجف قريباً من الكوفة ، وتمّت كلّ الإجراءات ليلاً(٢) .
ثمّ وقف صعصعة بن صوحان يؤبّن الإمامعليهالسلام فقال :
هنيئاً لك يا أبا الحسن ! فلقد طاب مولدك ، وقوي صبرك ، وعظم جهادك ، وظفرت برأيك ، وربحت تجارتك ، وقدمتَ على خالقك فتلقّاك الله ببشارته وحفّتك ملائكته ، واستقررتَ في جوار المصطفى فأكرمك الله بجواره ، ولحقتَ بدرجة أخيك المصطفى ، وشربت بكأسه الأوفى ، فأسأل الله أن يمنَّ علينا باقتفائنا أثرك ، والعمل بسيرتك ، والموالاة لأوليائك ، والمعاداة لأعدائك ، وأن يحشرنا في زمرة أوليائك ، فقد نلتَ ما لم ينله أحد ، وأدركت ما لم يُدركه أحد ، وجاهدت في سبيل ربّك بين يدي أخيك المصطفى حقّ جهاده ، وقمت بدين الله حقّ القيام ، حتى أقمتَ السنن وأبرت الفتن واستقام الإسلام وانتظم الإيمان ، فعليك منّي أفضل الصلاة والسلام .
ــــــــــــ
(١) تأريخ الطبري : ٤ / ١١٤ ط مؤسسة الأعلمي ، راجع أيضاً نهج البلاغة : باب الكتب ٤٧ طبعة صبحي الصالح .
(٢) بحار الأنوار ك ٤٢ / ٢٩٠ .
ثمّ قال : لقد شرّف الله مقامك ن وكنت أقرب الناس إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نسباً ، وأوّلهم إسلاماً ، وأوفاهم يقيناً ، وأشدّهم قلباً ، وأبذلهم لنفسه مجاهداً ، وأعظمهم في الخير نصيباً ، فلا حرمنا أجرك ، ولا أذلّنا بعدك ، فو الله لقد كانت حياتك مفاتح الخير ومغالق الشر ، وإنّ يومك هذا مفتاح كلّ شر ومغلاق كلّ خير ، ولو أنّ الناس قبلوا منك ؛ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ولكنّهم آثروا الدنيا على الآخرة(١) .
* * *
ــــــــــــ
(١) بحار الأنوار : ٤٢ / ٢٩٥ .
الفصل السادس: تراث الإمام المرتضى علي بن أبي طالبعليهالسلام
إنّ أوّل عمل اهتمّ به الإمامعليهالسلام بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ وقد كان بوصية منهصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ هو جمعه للقرآن الكريم ، وامتاز بترتيبه حسب النزول وتضمّن معلومات فريدة عن شأن النزول والتفسير والتأويل الذي تحتاجه اُمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد عرضه على الخليفة الأوّل فقال : لا حاجة لنا به ، فأشارعليهالسلام إلى أنّهم سوف لا يحصلون عليه بعد ذلك اليوم ، وهكذا كان ، والمعروف أنّه يتوارثه الأئمّة من أبنائهعليهمالسلام .
واُثر عن الإمام ما سمّي بالصحيفة التي تضمّنت أحكام الدّيات ، وقد روى عنها البخاري ومسلم وابن حنبل ، كما اُثر عه ما سمّي بالجامعة التي تضمّنت أو جمعت كلّ ما يحتاج إليه الناس من حلال و حرام ، ووصفها الإمام الصادق بأنّ طولها سبعون ذراعاً ، وليس من قضية إلاّ وهي فيها حتى أرش الخدش .
وتضمّن كتاب الجفر ما يرتبط بحوادث المستقبل وصحف الأنبياء السابقين ، وقد يشبهه مصحف فاطمة وهو ما أملته عليه فاطمة الزهراءعليهاالسلام بعد وفاة أبيها ممّا كانت تُلهم به من مفاهيم(١) وكلّ هذه الكتب تعتبر من مواريث الإمامة التي يتناقلها الأئمّةعليهمالسلام إماماً بعد إمام .
ــــــــــــ
(١) أصول الكافي : الجزء الأول باب ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة وراجع : سيرة الأئمّة الاثني عشر : ١ / ٩٦ ـ ٩٩ و ٢٧٤ ـ ٢٩٤ .
وقد تصدّى جمع من علماء الأمة إلى جمع ما اُثر عن الإمامعليهالسلام من خطب ورسائل وكلمات ، وسمّيت بأسماء تتناسب مع أغراض جامعيها ، وأوّلها وأشهرها ما سمّي بـ (نهج البلاغة) للشريف الرضي المتوفى (٤٠٤ هـ) ، وقد انطوى على روائع فكر الإمام في شتى المجالات العقائدية والأخلاقية وأنظمة الحكم والإدارة والتأريخ والاجتماع وعلم النفس والدعاء والعبادة وسائر العلوم الطبيعية والإنسانية ، وهو ما اختاره الشريف الرضي من خطبه ورسائله ووصاياه وكلماته البليغة ومن هنا فقد تصدّى علماء آخرون لجمع ما لم يجمعه الشريف الرضي وسمّي بمستدرك نهج البلاغة .
وجمع النسائي المتوفى (٣٠٣ هـ) ما رواه الإمام علي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسمَّاه بـ (مسند الإمام عليّعليهالسلام ) .
وجمع الآمدي (المتوفّى بين ٥٢٠ و ٥٥٠ هـ) قصار كلماته الحكمية وسمّاها بـ (غررالحكم ودرر الكلم) .
وجمع أبو إسحاق الوطواط (المتوفّى بين ٥٥٣ و ٥٨٣ هـ) من كلامه ما سمّاه بـ (مطلوب كلّ طالب من كلام عليّ بن أبي طالب) وأثرت عن الجاحظ المتوفى (٢٥٥ هـ) (مائة كلمة) للإمام عليّعليهالسلام و (نثر اللئالي) جمع الطبرسي صاحب مجمع البيان ، وكتاب صفّين لنصر بن مزاحم اشتمل على مجموعة من خطبه وكتبه و(الصحيفة العلوية) وهي مجموعة من الأدعية التي أثرت عنهعليهالسلام .
في رحاب نهج البلاغة :
إذا كان (القرآن الكريم) هو معجزة النبوة ؛ فإنّ (نهج البلاغة) معجزة الإمامة فليست هذه العقلية العظيمة المتجلّية بذلك الأسلوب العلوي الواضحة في كلّ فقرة من فقرات (النهج) وفي كلّ شذرة من تلك الشذور إلاّ غرس ذلك النبيّ العظيم المستمدّ من وحي الله تعالى ، فما من موضوع يطرقه الإمام إلاّ وترى نور الله
يشعّ أمامه وهدي الرسول ينير له الطريق)(١) .
وقال الشريف الرضيقدسسره : كان أمير المؤمنينعليهالسلام مشرّع الفصاحة وموردها ومنشأ البلاغة ومولّدها ، ومنهعليهالسلام ظهر مكنونها وعنه أخذت قوانينها ، وعلى أمثلته حذا كلّ قائل خطيب ، وبكلامه استعان كلّ واعظ بليغ ، ومع ذلك فقد سبق وقصّروا ، وقد تقدّم وأخّروا ، لأنّ كلامهعليهالسلام الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهي ، وفيه عبقة من الكلام النبويّ .
في رحاب العقل والعلم والمعرفة :
١ ـلا غنى كالعقل ولا فقر كالجهل ، والعقل ينبوع الخير وأشرف مزيّة ، وأجمل زينة .
٢ ـالعقل رسول الحقّ العقل أقوى أساس والإنسان بعقله وبالعقل صلاح كلّ أمر .
٣ ـالعلم غطاء وساتر والعقل حسام قاطع ، فاستُر خلل خُلقك بحلمك، وقاتل هواك بعقلك والفكر مرآة صافية .
٤ ـالعقل صاحب جيش الرحمن ، والهوى قائد جيش الشيطان ، والنفس متجاذبة بينهما فأيّهما غلب كانت في حيّزه .
٥ ـأفضل حظّ الرجل عقله ، إن ذلّ أعزّه ، وإن سقط رفعه ، وإن ضلّ أرشده ، وإن تكلّم سدّده .
٦ ـإنّ أفضل الناس عند الله من أحيا عقله وأمات شهوته وأتعب نفسه لإصلاح آخرته .
٧ ـعلى قدر العقل يكون الدين ما آمن المؤمن حتى عقل قيمة كلّ امرئ عقله .
٨ ـ وعرّف العقل بما يلي :
أ ـإنّما العقل التجنّب من الإثم والنظر في العواقب والأخذ بالحزم .
ب ـالعقل أصل العلم وداعية الفهم .
ــــــــــــ
(١) حياة أمير المؤمنين في عهد النبي : ٤٠٢ ، تأليف : محمد صادق الصدر .
ج ـالعقل غريزة تزيد بالعلم وبالتجارب .
د ـللقلوب خواطر سوء والعقول تزجر عنها .
هـغريزة العقل تأبى ذميم الفعل .
و ـالعاقل من يعرف خير الشرّين .
في رحاب القرآن الكريم والسنّة النبويّة المباركة :
١ ـ قالعليهالسلام :وأنزل عليكم الكتاب تبياناً لكلّ شيء وعَمَّر فيكم نبيّه أزماناً حتى أكمل له ولكم ـ فيما أنزل من كتابه ـ دينه الذي رضي لنفسه .
٢ ـذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق ، ولكن أخبركم عنه ، ألا إنّ فيه علم ما يأتي ، والحديث عن الماضي ، ودواء دائكم ، ونظم ما بينكم ، وينطق بعضه ببعض ، ويشهد بعضه على بعض ، ولا يختلف في الله ولا يخالف بصاحبه عن الله ، ولا يَعوَجُّ فيقام ولا يزيغ فيستعتب ولا تخلقه كثرة الردّ وولوج السمع لا تفنى عجائبه ، ولا تنقضي غرائبه ن ولا تكشف الظلمات إلاّ به .
وفيه ربيع القلب وما للقلب جلاء غيره فهو معدن الإيمان وبحبوحته ، وينابيع العلم وبحوره ورياض العدل وغدرانه ، وأثافيّ الإسلام وبنيانه ، وأودية الحق وغيطانه ، وبحر لا ينزفه المستنزفون ، وعيون لا ينضبها الماتحون ، ومناهل لا يغيضها الواردون جعله الله ريّاً لعطش العلماء وربيعاً لقلوب الفقهاء ، ومحاجَّ لطرق الصلحاء وعلماً لمن وعى ، وحديثاً لمن روى ، وحكماً لمن قضى وشفاءً لا تخشى أسقامه ودواءً ليس بعده داء فاستشفوه من أدوائكم ، واستعينوا به على لأوائكم ؛ فإنّ فيه شفاءً من أكبر الداء وهو الكفر والنفاق والغيّ والضلال (١) .
وأما سُنَّةُ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقد دعا الإمام إلى العمل بها، وبيَّن موقع الأئمّة وموقفهم المشرّف في إيصال السنّة الصحيحة إلى الأمة وإحياء ما أماته المبطلون من سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأسباب انحراف من انحرف عن مدار السُّنة .
ــــــــــــ
(١) راجع الخطبة ١٧٦ من نهج البلاغة ، طبعة صبحي الصالح .
قالعليهالسلام :اقتدوا بهدي نبيّكم فإنّه أفضل الهدي ، واستنّوا بسنّته فإنّها أهدى السنن .
وقالعليهالسلام :أحبّ العباد إلى الله المتأسّي بنبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم والمقتصّ أثره وقالعليهالسلام :إرض بمحمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم رائداً والى النجاة قائداً .
وقالعليهالسلام :إنّ في أيدي الناس حقّاً وباطلاً وصدقاً وكذباً وناسخاً ومنسوخاً وعامّاً وخاصّاً ومحكماً ومتشابهاً وحفظاً ووهماً ، ولقد كذب على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم على عهده حتى قام خطيباً فقال : من كذّب عليّ متعمّداً ؛ فليتبوأ مقعده من النار .
وقالعليهالسلام :لا يُقاس بآل محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم من هذه الأمة أحد هم عيش العلم وموت الجهل لا يخالفون الحقّ ولا يختلفون فيه هم دعائم الإسلام وولائج الاعتصام ، بهم عاد الحقّ في نصابه ، وانزاح الباطل عن مقامه ، وانقطع لسانه عن منبته عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع ورواية هم موضع سرّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وحماة أمره وعيبة علمه وموئل حكمه وكهوف كتبه وجبال دينه ، هم مصابيح الظلم وينابيع الحِكمَ ومعادن العلم ومواطن الحلم .
وقالعليهالسلام :وإنّي لعلى بيّنة من ربّي ومنهاج من نبيّي ، وإنّي لعلى الطريق الواضح ألفظه لفظاً (١) .
في رحاب التوحيد والعدل والمعاد :
قالعليهالسلام في مجال إثبات وجوده تعالى :الحمد لله الدالّ على وجوده بخلقه وبمحدث خلقه على أزليته وباشتباههم على أن لا شبه له وقال :عجبت لمن شكّ في الله وهو يرى خلق الله بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن والقضاء المبرم .
وحين سُئلعليهالسلام : هل رأيت ربّك ؟ أجاب :وكيف أعبد ربّاً لم أره ؟ ثمّ قال :لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان عظم عن أن تثبت ربوبيّته بإحاطة قلب أو بَصَر .
وجاء في دعائه المعروف بدعاء الصباح :يا من دلّ على ذاته بذاته ، وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته ، وجلّ عن ملائمة كيفياته يا من قرب من خطرات الظنون وبَعُد عن لحظات العيون ، وعلم بما كان قبل أن يكون ...
ــــــــــــ
(١) راجع المعجم الموضوعي لنهج البلاغة : ٤٢ ـ ٥٣ و ١٠١ وتصنيف غرر الحكم : ١٠٩ ـ ١١٧ .
لقد شحن الإمام خطبه العلوية بآيات القدرة الإلهية السماوية والأرضية ، وأطنب فيها إطناب الخبير البصير ، ففصّل آيات القدرة والعظمة تفصيلاً يعطي للمطالع إيماناً وخشوعاً لله وخضوعاً لعظمته ، بحيث يلمس السامع لخطبهعليهالسلام أنّه كما قال : والله لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً .
وقدّم الإمام تصويراً دقيقاً لصفاته تعالى بحيث صار معياراً للبحوث الفلسفية الدقيقة ومفتاحاً للدخول إلى مثل هذه البحوث التي تضلّ فيها الأفكار لو لا الهداية الربّانية الموجّهة .
قالعليهالسلام :وكمال توحيده الإخلاص له وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة ، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزّأه ، ومن جزّأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ، ومَن أشار إليه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كلّ شيء لا بمقارنة وغير كلّ شيء لا بمزايلة .
وقالعليهالسلام : مستدلاً على وحدانيته :واعلم يا بني ، إنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ، واعلم يا بُني أنّ أحداً لم ينبئ عن الله سبحانه كما أنبأ عنه الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم فارض به رائداً .
وقال عن عدله تعالى :وارتفع عن ظلم عباده وقام بالقسط في خلقه وعدل عليهم في حكمه وعدل في كلّ ما قضى وقال :فإنّه لم يأمرك إلاّ بحسن ولم ينهك إلاّ عن قبيح وإنّ حكمه في أهل السماء والأرض لواحد وما كان الله ليدخل الجنّة بشراً بأمرٍ أخرج به منها ملكاً .
في رحاب القيادة الإلهية (النبوّة والإمامة) :
الهداية الإلهية عبر القادة المهديّين الذين اختارهم الله لهداية عباده هي سنّة الله الدائمة لخلقه الذين زوّدهم بالعقل والعلم وسلّحهم بسلاح الإرادة والاختيار .
وتبدأ هذه السُنّة لهذه البشرية باختيار آدم خيرة من خلقه :فأهبطه بعد التوبة ليعمر أرضه بنسله وليقيم الحجّة به على عباده ، ولم يخلهم بعد أن قبضهم ممّا يؤكد عليهم حجّة ربوبيّته ويصل بينهم وبين معرفته ، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه ومتحمّلي ودائع رسالاته قرناً فقرناً فاستودعهم في أفضل مستودع ، وأقرّهم في خير مستقر ، تناسختهم كرائم الأصلاب إلى مطهّرات الأرحام حتى أخرج آخرهم نبيّنا محمداً صلىاللهعليهوآلهوسلم من أفضل المعادن منبتاً وأعزّ الأُرومات مغرساً ، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه وانتجب منها أمناءه .
ووصف الإمامعليهالسلام زهد الأنبياء وشجاعتهم وتواضعهم ورعاية الله لهم وتربيته لهم بالاختبار والابتلاء وتعريضهم للأذى في سبيل الله ، وبيّن وظائفهم المتمثّلة في التبليغ والدعوة إلى الله سبحانه والتبشير والإنذار وإقامة حكم الله في الأرض وهداية الناس بإخراجهم من الجهل والضلالة ومجاهدة أعداء الله .
وتستمرّ مسيرة الهداة الربّانيين على مدى العصور إلى يوم القيامة ، فلا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة ، إمّا ظاهراً مشهوراً وإمّا خائفاً مستوراً لئلاّ تبطل حجج الله وبيّناته وحيث خُتمت النبوة بمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم انتهى أمر الهداية إلى عترته التي هي خير العتر ، إن نطقوا صدقوا وإن صمتوا لم يسبقوا ، وهم شجرة النبوّة ومحطّ الرسالة ومختلف الملائكة ومعادن العلم وينابيع الحكم ، والأعظمون عند الله قدراً يحفظ الله بهم حججه وبيّناته بهم عُلِم الكتاب وبه عُلموا ، فيهم كرائم القرآن وكنوز الرحمن ، فهم الراسخون في العلم يخبركم حلمهم عن علمهم وظاهرهم عن باطنهم وصمتهم عن حكم منطقهم ، لا يخالفون الحقّ ولا يختلفون فيه ، وهم دعائم الإسلام وولائج الاعتصام ، بهم عاد الحقّ إلى نصابه وانزاح الباطل عن مقامه ، فهم أساس الدين وعماد اليقين ، إليهم يفيء الغالي وبهم يلحق التالي ، لهم خصائص حقّ الولاية وفيهم الوصية والوراثة .
لقد أكّد الإمام على موقف أهل البيت القيادي الفكري والسياسي وأدان زحزحة القيادة عن موقعها الذي عيّنه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم واعترض على خطّ الخلفاء جملةً وتفصيلاً ، بالرغم من اضطراره للتنازل عن حقّه وجهد في تقديم الأطروحة النبويّة للقيادة بعد الرسول بشكل ناصع ، وجاهد من أجل إحقاق الحقّ بشكل حكيم وأسلوب كان ينسجم مع حساسية الظرف التي كانت تمرّ بها الدولة والاُمّة الإسلامية حينذاك ، واستطاع أن يقدّم النظرية كاملة ويعدّ العدّة لتطبيقها حينما تسمح له الظروف(١) .
في رحاب الإمام المهديعليهالسلام :
استأثر التبشير بقضيّة الإمام المهدي (عج) اهتمام القرآن الكريم والنبيّ العظيم والإمام المرتضى على الرغم من التشتّت الذي كان يعيشه ذلك المجتمع المضطرب بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قالعليهالسلام :ألا وفي غدٍ ـ وسيأتي غدٌ بما لا تعرفون ـ يأخذ الوالي من غيرها عمّالَها على مساوئ أعمالها ، وتُخرج له الأرض أفاليذ كبدها ، وتلقي إليه سِلْماً مقاليدَها ، فيريكم كيف عدلُ السيرة ، ويُحيي ميِّت الكتاب والسُنّة (٢) .
إنّها رؤية دقيقة محدّدة مضيئة واضحة المعالم ، تتمثّل في قيام ثورة عالمية تصحّح وضع العالم الإسلامي بل الإنساني أجمع ، قالعليهالسلام عن قائدها :يعطف الهوى على الهدى إذا عطفوا الهدى على الهوى ، ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا
ــــــــــــ
(١) راجع المعجم الموضوعي لنهج البلاغة : ٨٧ ـ ١١٦ و ٣٧٤ ـ ٤٤٥ .
(٢) من الخطبة ١٣٨ من نهج البلاغة .
القرآن على الرأي (١) .
وقد تصدّت مؤسّسة نهج البلاغة لجمع الأحاديث التي وردت عن الإمام عليّعليهالسلام حول الإمام المهدي (عج) وقد اجتمعت في جزء واحد وبلغ مجموعه (٢٩١) حديثاً ، أربعة عشر منها عن اسم المهدي وصفاته ودعائه وسبعة وسبعون منها عن نسب الإمام وأنّه من قريش وبني هاشم ومن أهل البيت ومن ولد عليّ ، وأنّه من ولد فاطمة ، بل من ولد الحسين وأحد الأئمّة الإثني عشر ن وخمسة وأربعون منها ترتبط بالمهدي في القرآن ونهج البلاغة وشعر أمير المؤمنينعليهالسلام ، وثلاثة وعشرون منها حول أنصار المهدي والرايات السود ، واثنا عشر منها حول السفياني والدجّال ، وستة وعشرون منها عن غيبة المهدي ومحن الشيعة عند الغيبة وفضيلة انتظار الفرج ، وخسمة وسبعون منها حول الفتن قبل المهدي وعلائم الظهور وما بعد الظهور ودابّة الأرض ويأجوج ومأجوج ، وتسعة عشر منها ترتبط بفضل مسجد الكوفة وخروج رجل من أهل بيتهعليهمالسلام بأهل المشرق يحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر حتى يقولوا : والله ما هذا من ولد فاطمة ثم يبيّن حكم الأرض عند ظهور القائمعليهالسلام وحكومته وكيفية ختم الدين به .
قالعليهالسلام :يا كميل ، ما من علم إلاّ وأنا أفتحه ، وما من سرٍّ إلاّ والقائم عليهالسلام يختمه يا كميل ، لا بدّ لِماضيكم من أوبة ، ولابدّ لنا فيكم من غلبة ... (٢) .
بنا يختم الدين كما بنا فُتح ، وبنا يستنقذون من ضلالة الفتنة كما استنقذوا من ضلالة الشرك ، وبنا يؤلّف الله قلوبهم في الدين بعد عداوة الفتنة كما ألّف بين قلوبهم ودينهم بعد عداوة الشِرك (٣) ولو قد قام قائمنا ؛ لأنزلت السماء قطرها وأخرجت الأرض نباتها ،
ــــــــــــ
(١) المصدر السابق .
(٢) عن بشارة المصطفى ك ٢٤ ـ ٣١ .
(٣) عن ملاحم ابن طاووس : ٨٤ ـ ٨٥ .
وليذهب الشحناء من قلوب العباد ، وأصلحت السباع والبهائم حتى تمشي المرأة من العراق إلى الشام لا تضع قدمها إلاّ على النبات وعلى رأسها زينتها لا يهيجها سبع ولا تخافه (١) .
في رحاب الحكم الإسلامي : فلسفته وأصوله
لقد قدَّم الإمامعليهالسلام نموذجاً عمليّاً فريداً في الحكم الإسلامي بعد عصر الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد قرن ذلك بنظرية كاملة منسجمة الأبعاد والجوانب تمثّلت في كتابه وعهده المعروف لمالك الأشتر حين ولاّه مصر ، وقد اهتمّ الاجتماعيون بهذا العهد شرحاً وتعليقاً وتبييناً ومقارنةً بأنظمة الحكم الأخرى ، ويعتبر هذا النص دليلاً من أدلّة إمامتهعليهالسلام وبه تتميّز مدرسة أهل البيت عن سائر الاتّجاهات التي حملت اسم الإسلام والخلافة الإسلامية ، وبالإضافة إلى هذا النصّ المعجز نجد في نهج البلاغة وغيره من النصوص التي وصلتنا عنهعليهالسلام ما يعيننا على كشف نظرية الإمام ونظرية الإسلام الفريدة عن فلسفة الحكم ونظامه أصولاً وفروعاً ، ونشير إلى الخطوط العريضة بإيجاز .
لقد أكّد الإمامعليهالسلام على أنّ الحكم ضرورة اجتماعية بقوله :لابدّ للناس من أمير برّ أو فاجر ، والإمامة نظام الأمة وبيّن أنّ الحكم مختبر الحياة قائلاً :القدرة تُظهر محمود الخصال ومذمومها .
وأوضح أنّ الحكم عرض زائل فلا ينبغي الاغترار به بقوله :الدولة كما تُقبل تُدبر ثمّ أفاد أنّ الحكم النموذجي هو الذي يكون ذا قيمة ويستحقّ التمهيد والتخطيط له .
وأمّا الخطوط العريضة لنظام الحكم الإسلامي ومهام الدولة النموذجية فتتمثّل في : ١ ـ تثقيف الأمة ٢ ـ إقامة العدل ٣ ـ حماية الدين ٤ ـ إقامة الحدود ٥ ـ تربية المجتمع .
٦ ـ الاجتهاد في النصيحة والإبلاغ في الموعظة. ٧ ـ توفير الفيء وتحسين الوضع المعيشي للناس ٨ ـ الدفاع عن استقلال وكرامة الأمة ٩ ـ توفير الأمن الداخلي .
١٠ ـ نصرة المستضعفين ١١ ـ إغاثة الملهوفين ١٢ ـ الاهتمام بالعمران .
ــــــــــــ
(١) عن خصال الصدوق : ٢ / ٤١٨ وراجع موسوعة أحاديث أمير المؤمنين ، الجزء الأول ما روى عنه حول الإمام المهديعليهالسلام . مؤسّسة نهج البلاغة .
وأمّا الحاكم النموذجي فينبغي له أن يتمتّع بجملة من الصفات والتي تكون من أهمّ عوامل ثبات حكمه ، وهي ملخّصاً كما يلي : ١ ـ الانقياد للحقّ ٢ ـ تفهّم الأمور ٣ ـ سطوع البيان ٤ ـ الشجاعة في إقامة الحقّ ٥ ـ حسن النيّة ٦ ـ الإحسان إلى الرعية ٧ ـ عفّة النفس ٨ ـ عموم العدل ٩ ـ التدبير والاقتصاد ١٠ ـ الإنصاف ١١ ـ الرفق ١٢ ـ الحلم ١٣ ـ الدفاع عن الدين ١٤ ـ كثرة الورع ١٥ ـ الشعور بالأمانة والمسؤولية ١٦ ـ اليقظة ١٧ ـ التكليف بما يُطيقه الشعب ١٨ ـ عدم الاغترار بالقدرة ١٩ ـ التوزيع الصحيح للأعمال وتعيين مسؤولية كلّ فرد بما يناسبه ٢٠ ـ البذل والجود من غير إسراف من كلّ ما يملك .
وقد طفحت كلمات الإمامعليهالسلام بعوامل سقوط الدول وآفات الحكم محذّراً الحكّام والعمّال والولاة منها ، ويمكن إيجازها كما يلي :
١ ـ الجهل ٢ ـ الاستبداد بالرأي وترك المشورة ٣ ـ إتّباع الهوى ٤ ـ تعدّد مراكز القرار ٥ ـ إتّباع الباطل والاستخفاف بالدين ٦ ـ البغي والظلم ٧ ـ التكبّر والفخر ٨ ـ منع الإحسان. ٩ ـ الإسراف والتبذير ١٠ ـ الغفلة ١١ ـ الانتقام ١٢ ـ سوء التدبير ١٣ ـ قلّة الاعتبار وعدم الانتفاع بالتجارب ١٤ ـ كثرة الاعتذار وتراكم الأخطاء ١٥ ـ تضييع الأصول ١٦ ـ تقديم الأراذل وغير الجديرين للمناصب الإدارية على الأفراد الأكفاء ، قالعليهالسلام :تولّي الأراذل والأحداث الدُوَل دليل انحلالها وإدبارها .
١٧ ـ الخيانة ، قالعليهالسلام : إذا ظهرت الخيانات ارتفعت البركات ، ومن خانه وزيره فسد تدبيره ١٨ ـ ضعف السياسة ، قالعليهالسلام : آفة الزعماء ضعف السياسة ، وآفة القوي استضعاف الخصم ، ومن تأخّر تدبيره تقدّم تدميره ، ١٩ ـ سوء السيرة ، قالعليهالسلام : آفة الملوك سوء السيرة ٢٠ ـ عجز العمّال والولاة ٢١ ـ ضعف الحماية الشعبية للحاكم ، قالعليهالسلام : آفة المُلك ضعف الحماية ٢٢ ـ سوء الظنّ بالنصيح من علامات الإدبار ٢٣ ـ طمع القادة وحرصهم وجشعهم على ملذّات الحياة الدنيا، قالعليهالسلام : السيّد من لا يصانع ولا يخادع ولا تغرّه المطامع ، وقالعليهالسلام : الطمع يذلّ الأمير ٢٤ ـ وفقدان الأمن .
في رحاب العبادات والفرائض :
قالعليهالسلام :إنّ الله سبحانه فرض عليكم فرائض فلا تضيّعوها ، وحدّ لكم حدوداً فلا تعتدوها ، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء ولم يدعها نسياناً فلا تتكلّفوها ، ولم يأمركم إلاّ بحسن ، ولم ينهكم إلاّ عن قبيح .
وقالعليهالسلام :عليك بحفظ كلّ أمر لا تعذر بإضاعته وقال : أوّل ما يجب عليكم لله سبحانه شُكر أياديه وابتغاء مراضيه ، وطوبى لمن حافظ على طاعة ربّه ، وسارعوا إلى فعل الطاعات وسابقوا إلى فعل الصالحات ، فإن قصّرتم فإيّاكم أن تقصّروا عن أداء الفرائض ، ولا قربة بالنوافل إذا أضرّت بالفرائض ، ولا عبادة كأداء الفرائض واهتمّ الإمامعليهالسلام ببيان فلسفة جملة من التشريعات قائلاً :فرض الله سبحانه الإيمان تطهيراً من الشرك ، والصلاة تنزيهاً عن الكبر ، والزكاة تسبيباً للرزق ، والصيام ابتلاءً لإخلاص الخلق ، والحجّ تقوية للدين ، والجهاد عزّاً للإسلام ، والأمر بالمعروف مصلحة للعوام، والنهي عن المنكر ردعاً للسفهاء ، وصلة الأرحام منماةً للعدد ، والقصاص حقناً للدماء ، وإقامة الحدود إعظاماً للمحارم ، وترك شرب الخمر تحصيناً للعقل ، ومجانبة السرقة إيجاباً للعفّة ، وترك الزنا تحصيناً للأنساب ، وترك اللواط تكثيراً للنسل ، والشهادة استظهاراً على المجاحدات ، وترك الكذب تشريفاً للصدق ، والإسلام أماناً من المخاوف، والإمامة نظاماً للأمة ، والطاعة تعظيماً للإمامة .
وقالعليهالسلام أيضاً :زكاة البدن الجهاد والصيام ، وزيارة بيت الله أمن من عذاب جهنّم .
وقالعليهالسلام :وَامر بالمعروف تكن من أهله ، وأنكر المنكر بيدك ولسانك وباين من فعله بجُهدِك ، وغاية الدين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود ، والجهاد عماد الدين ومنهاج السعداء، ومن جاهد على إقامة الحقّ وفِّق ، والمجاهدون تفتّح لهم أبواب السماء ، وثواب الجهاد أعظم الثواب (١) .
في رحاب الأخلاق والتربية :
اعتنى الإمام المرتضى بتربية المجتمع وحاول أن يعالج الانحراف الأخلاقي في الإنسان من جذوره العميقة ، فوصف الداء الأساسي بقولهعليهالسلام :ألا وإنّ حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة ثمّ بيّن السبب الأعمق في هذا الحبّ حينما أوضح الأسباب العميقة التي كانت تكمن وراء التآمر على الأطروحة النبويّة للخلافة والسرّ في استلاب الحكم منه بالرغم من تواتر النصوص النبويّة الكثيرة وإتمام الحجّة على المسلمين قائلاً :بلى لقد سمعوها ووعَوْها ولكن حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها .
ويترتّب على هذا الحبّ الشديد أنّ الإنسان سوف يستخدم مختلف الوسائل للوصول إلى ما يصبوا إليه فإنّ حبّ الشيء يُعمي ويصمّ ولهذا برّر الخلفاء تقمّصهم الخلافة بمختلف التبريرات التي دحضتها حجج الإمامعليهالسلام الدامغة ، ولكن استمرّ التصلّب على الموقف الذي أدانه الإمامعليهالسلام وإذا سألنا الإمامعليهالسلام عن الدواء الناجع لعلاج هذا السبب الأعمق في الانحراف ؛ وجدناه العلاج في وصفه الدقيق للمتّقين في الخطبة المعروفة بخطبة همّام حيث وضّح السرّ الذي أوصلهم إلى هذه المرتبة من الكمال المتمثّلة بالتقوى بقوله :لقد عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم . وهكذا تكون المعرفة الحقيقية بالله العظيم سبباً في حقارة الدنيا في أعين عباده المتّقين ، وإذا صغرت الدنيا في أعينهم ؛ لم تكن الدنيا غاية همّتهم ولم يجدّوا في اقتنائها ، بل يحرصوا عليها وعلى ملكها كما لم يحرص عليّ بن أبي طالبعليهالسلام عليها فقد تنازل عن الخلافة حينما استبدّت بها قريش قائلاً :فإنّها كانت إثرة شحّت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين والحَكَم الله والموعد القيامة .
ــــــــــــ
(١) تصنيف غرر الحكم : ١٧٥ ـ ١٩٠ و ٣٣١ ـ ٣٣٥ ، والمعجم الموضوعي لنهج البلاغة : ١٤٠ ـ ١٥٠ و ٢١٦ ـ ٢٣٩ .
ومن هنا نشأت في المجتمع الإسلامي أخلاقيتان متميّزتان : أخلاقية عليّ النموذجية التي تدين السياسة الميكافيلية ، وأخلاقية الخلفاء التي كانت ترى مشروعية الوصول إلى الحكم بأيّة وسيلة ممكنة ، ومن هنا كان زهد عليّ في الحكم وحرص غيره عليه(١) .
في رحاب الدعاء والمناجاة :
اهتمّ الإمام عليّعليهالسلام كما اهتم سائر الأئمة من أهل البيتعليهمالسلام بحقل الدعاء والمناجاة بعد أن فتح القرآن الكريم هذا الباب قائلاً للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم :( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ) وبيّن أهميّة الدعاء بنصوصه وسيرته فقالعليهالسلام :(الدعاء سلاح الأولياء ) .
وتضمّن نهج البلاغة مجموعة من الأدعية العلويّة لشتى الأغراض والمجالات ، وجمعت أدعيتهعليهالسلام فيما يُسمّى بالصحيفة العلوية. ومن غرر أدعيته الدعاء المعروف بدعاء كميل ودعاء الصباح والمناجاة الشعبانية ، ونشير إلى مقطع من مناجاته المنظومة التي أثرت عنه ، قالعليهالسلام :
لك الحمد يا ذا الجود والمجد والعلى |
تباركت تعطي من تشاء وتمنعُ |
|
إلهي وخلاّقي وحرزي وموئلي |
إليك لدى الإعسار واليُسر أفزعُ |
ــــــــــــ
(١) المعجم الموضوعي لنهج البلاغة : ٢٨٢ ـ ٣٥٦ و ١٩٤ ـ ٢١٤ و ١٥٢ ـ ١٦٩ و ٣٧٤ ـ ٣٧٩ ، وتصنيف غرر الحكم : القسم الأخلاقي : ٢٠٥ ـ ٣٢٣ و ١٢٧ ـ ١٤٧ .
إلهي لئن جلّت وجمّت خطيئتي |
فعفوك عن ذنبي أجلّ وأوسعُ |
|
إلهي ترى حالي وفقري وفاقتي |
وأنت مناجاتي الخفيةَ تسمعُ |
|
إلهي فلا تقطع رجائي ولا تُزغ |
فؤادي فلي في سيب جودك مطمعُ |
|
إلهي لئن خيّبتني أو طردتني |
فمن ذا الذي أرجو من ذا اُشفِّعُ؟ |
|
إلهي أجرني من عذابك إنّني |
أسير ذليل خائف لك أخضعُ |
|
إلهي لئن عذّبتني ألف حجّة |
فحبل رجائي منك لا يتقطّعُ |
|
إلهي إذا لم تعفُ عن غير محسن |
فمن لمسيء بالهوى يتمتّعُ؟ |
|
إلهي حليف الحبّ في الليل ساهر |
يناجي ويدعو والمغفّل يهجعُ (١) |
في رحاب أدب الإمامعليهالسلام :
لقد تعرّفنا على مجموعة من النصوص المنثورة والمنظومة التي أثرت عن الإمامعليهالسلام في نهج البلاغة أو غيره من الكتب التي اهتمّت بتراث الإمامعليهالسلام ، ولاحظنا القمّة الشاهقة التألّق التي بلغها الإمام سواء في ميدان الخطابة أو الكتب والرسائل أو الكلمات الحكمية والمواعظ أو ميدان الشعر ، ولا نبالغ إذا قلنا ـ كما قال متخصّصو الأدب ـ إنّ أجود نتاج أدبي عرفه التأريخ فنّاً وعمقاً وفكراً هو نتاج الإمام عليّعليهالسلام (٢) .
ونختار نماذج منظومة من أدبهعليهالسلام في مختلف المجالات ، علماً بأنّ هناك ديوان شعر منسوباً إليه ، وقد اعتمده بعض المؤرّخين واستشهدوا بنماذج أدبيّة من نصوصه(٣) .
قالعليهالسلام في رثاء أبيه أبي طالب رضوان الله تعالى عليه .
أبا طالبٍ عصمة المستجير |
وغيث المحول ونور الظُلَم |
ــــــــــــ
(١) الصحيفة العلوية ومفاتيح الجنان .
(٢) تأريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي للدكتور محمود البستاني : أدب الإمام عليعليهالسلام .
(٣) راجع : في رحاب أئمّة أهل البيتعليهمالسلام للسيد محسن الأمين : ٢ / ٣٠١ ـ ٣١٣ .
لقد هدّ فقدُكَ أهل الحفاظ |
فصلّى عليك وليّ النِعَم |
|
ولقّاك ربّك رضوانه |
فقد كنت للمصطفى خير عمّ (١) |
وجاء عن الجاحظ والبلاذري : أن عليّاً أشعر الصحابة وأفصحهم وأخطبهم وأكتبهم ، وممّا قاله يوم بدر :
نصرنا رسول الله لمّا تدابروا |
وثاب إليه المسلمون ذوو الحجى |
|
ضربنا غواة الناس عنه تكرّماً |
ولمّا يروا قصد السبيل ولا الهدى |
|
ولما أتانا بالهدى كان كلّنا |
على طاعة الرحمن والحقّ والتقى |
وممّا أورده سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص قولهعليهالسلام :
للناس حرص على الدنيا بتدبير |
وصفوها لك ممزوج بتكدير |
|
لم يرزقوها بعقل حينما رزقوا |
لكنّما رزقوها بالمقادير |
|
لو كان عن قوّة أو عن مغالبةٍ |
طار البزاة بأرزاق العصافير |
وعنهعليهالسلام :
داؤك فيك وما تشعر |
وداؤك منك وما تبصر |
|
وتحسب أنّك جرم صغير |
وفيك انطوى العالم الأكبر |
فسلام عليك يا أبا الحسن والحسين يا سيّد البلغاء والشعراء يوم ولدت ويوم آمنت وجاهدت ويوم صبرت وآثرت ويوم أقمت حدود الله واستشهدت صابراً محتسباً ويوم تبعث حياً ، تقود أحبّاءك على الحوض إلى جنّات النعيم .
والحمد لله ربّ العالمين
ــــــــــــ
(١) راجع : الغدير : ٣ / ١٠٦ و ٧ / ٣٧٨ , ٣٧٩ .
الفهرست
المقدمة ٤
الباب الأول: فيه فصول: ١٠
الفصل الأوّل: الإمام المرتضى عليّ بن أبي طالب عليهالسلام في سطور ١٠
الفصل الثاني: انطباعات عن شخصيّة الإمام عليّ بن أبي طالب عليهالسلام.... ١٥
الفصل الثالث: مظاهر من شخصية الإمام عليّ عليهالسلام.... ٢٠
عبادته وتقواه عليهالسلام: ٢١
زُهده عليهالسلام: ٢٢
إباؤه وشهامته عليهالسلام: ٢٣
مروءته عليهالسلام : ٢٤
صدقه وإخلاصه عليهالسلام: ٢٤
شجاعته عليهالسلام: ٢٥
عدله عليهالسلام: ٢٦
تواضعه عليهالسلام: ٢٧
نقاؤه عليهالسلام: ٢٧
كرمه عليهالسلام: ٢٧
علمه ومعارفه عليهالسلام : ٢٨
الباب الثاني: فيه فصول: ٣١
الفصل الأول: نشأة الإمام علي عليهالسلام.... ٣١
نسبه الوضّاء : ٣١
جدّه الكريم : ٣١
والده : ٣٢
أُمّه : ٣٣
الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام عليّعليهالسلام .... ٣٤
الفصل الثالث: المرحلة الأولى : من الولادة إلى البعثة النبوية المباركة ٣٥
ولادته : ٣٥
كناه وألقابه : ٣٦
الإعداد النبويّ للإمام عليّ عليهالسلام : ٣٧
المرحلة الثانية : من البعثة إلى الهجرة ٣٩
عليّ عليهالسلام أول المؤمنين برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : ٣٩
علّي عليهالسلام أوّل من صلّى : ٤١
أوّل صلاة جماعة في الإسلام : ٤٢
عليٌّ عليهالسلام حين إعلان الرسالة : ٤٤
حديث يوم الإنذار : ٤٤
عليٌ عليهالسلام من إعلان الرسالة إلى الهجرة النبويّة المباركة : ٤٥
عليّ عليهالسلام في شِعب أبي طالب : ٤٦
علي عليهالسلام والهجرة إلى الطائف : ٤٨
علي عليهالسلام في بيعة العقبة الثانية : ٤٩
عليّ عليهالسلام ليلة هجرة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى المدينة ٤٩
مباهاة الله ملائكته بموقف عليّ عليهالسلام: ٥٢
مهامّ ما بعد ليلة المبيت : ٥٣
هجرة الإمام عليّ عليهالسلام : ٥٤
من معاني مبيت الإمام عليهالسلام في فراش النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم : ٥٧
المرحلة الثالثة : عليّ عليهالسلام من الهجرة إلى وفاة النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم..... ٥٨
١ ـ عليّ عليهالسلام والمؤاخاة : ٥٨
٢ ـ اقتران عليّ عليهالسلام بالزهراء عليهاالسلام : ٥٩
٣ ـ عليّ عليهالسلام مع الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم في معاركه : ٦١
أ ـ عليّ عليهالسلام في معركة بدر : ٦١
ب ـ عليّ عليهالسلام في معركة اُحد : ٦٣
مواقف بعد معركة (أُحد( : ٦٧
ج ـ عليّ عليهالسلام في معركة الخندق : ٦٩
د ـ عليّ عليهالسلام في صلح الحديبية(*) : ٧٢
هـ ـ عليّ عليهالسلام في غزوة خيبر(*) : ٧٥
و ـ عليّ عليهالسلام في فتح مكّة(*) : ٧٨
صعود عليّ عليهالسلام على منكب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لتحطيم الأصنام : ٨٠
ز ـ عليّ عليهالسلام في غزوة حنين(*) : ٨٠
ح ـ عليّ عليهالسلام في غزوة تبوك(*) : ٨١
تبليغ سورة براءة : ٨٢
عليّ عليهالسلام في اليمن : ٨٤
طبيعة عمل النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم : ٨٦
عليّ عليهالسلام في حجّة الوداع : ٨٨
عليّ عليهالسلام في غدير خم أميراً للمؤمنين : ٨٩
واقعة الحارث بن النعمان ونزول آية (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ) : ٩١
محاولات الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم لتثبيت بيعة عليّ عليهالسلام : ٩١
مرض النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وسريّة أسامة : ٩٣
رأي : ٩٥
عليّ عليهالسلام مع النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم في اللحظات الأخيرة: ٩٦
الباب الثالث : فيه فصول : ٩٧
الفصل الأوّل: عصر الإمام عليّ عليهالسلام.... ٩٧
حديث الوفاة : ٩٧
الحزب القرشي والأنصار في السقيفة : ٩٨
تحليل اجتماع السقيفة : ١٠١
نظرة قريش للخلافة : ١٠٣
ملامح التخطيط لإقصاء الإمام عليّ عليهالسلام عن الخلافة : ١٠٥
سلبيّات حادثة السقيفة : ١٠٨
موقف الإمام عليهالسلام من اجتماع السقيفة : ١١٠
موقف أبي سفيان : ١١١
أقطاب المعارضة للسقيفة : ١١٢
نتائج السقيفة : ١١٤
الفصل الثاني: الإمام عليّ عليهالسلام في عهد أبي بكر ١١٦
خطوات السلطة لمواجهة المعارضة : ١١٦
الاحتجاجات على خلافة السقيفة : ١١٨
محاولة إرغام الإمام عليهالسلام على البيعة : ١٢٠
الإمام عليّ عليهالسلام ومضاعفات السقيفة : ١٢٣
وصيّة أبي بكر إلى عمر : ١٣٠
مآخذ على وصية أبي بكر : ١٣٢
الفصل الثالث: الإمام علي عليهالسلام في عهد عمر(*) ١٣٤
ملامح من سيرة عمر(٣) : ١٣٥
محنة الشورى : ١٣٦
مؤاخذات على الشورى : ١٣٨
حوار ابن عباس مع عمر حول الخلافة : ١٤٠
موقف الإمام عليهالسلام من الشورى : ١٤٢
الفصل الرابع: الإمام علي عليهالسلام في عهد عثمان(*) ١٤٥
قال أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام واصفاً عهد عثمان : ١٤٥
أبو سفيان بعد بيعة عثمان : ١٤٦
ملامح سلبيّة في حكم عثمان : ١٤٧
موقف للإمام علي عليهالسلام مع عثمان : ١٤٩
الآثار السلبية لحكومة عثمان في الأُمة : ١٥٠
الباب الرّابع فيه فصول : ١٥٣
الفصل الأول: الإمام عليّ عليهالسلام بعد مقتل عثمان. ١٥٣
بيعة المسلمين للإمام عليّ عليهالسلام(*) : ١٥٣
المتخلّفون عن بيعة الإمام عليهالسلام : ١٥٥
عقبات في طريق حكومة الإمام عليهالسلام : ١٥٦
١ ـ هدم الكيان الطبقي الذي أنشأه الخلفاء وذلك عبر : ١٥٧
٢ ـ التنظيم الإداري وإعادة السيطرة المركزية للدولة : ١٥٩
محاور عمل الإمام عليهالسلام في الأمة : ١٦٠
المحور الأول : السعي لاستلام مقاليد الحكم وزمام التجربة ، والنهوض بالأمة ١٦٠
الثقافة الإسلامية في حكم الخلفاء(*) : ١٦٣
جهود الإمام عليهالسلام في إحياء الشريعة الإسلامية : ١٦٦
الفصل الثاني: الإمام علي عليهالسلام مع الناكثين(*) ١٦٨
مثيروا الفتن : ١٦٨
عائشة تعلن التمرّد : ١٦٩
مكر معاوية ونكث الزبير وطلحة للبيعة : ١٧١
حركة عائشة ومسيرها نحو البصرة : ١٧٢
مناوشات على مشارف البصرة : ١٧٤
الاقتتال ـ الهدنة ـ الغدر : ١٧٥
حركة الإمام عليهالسلام للقضاء على التمرّد(١) : ١٧٦
آخر النصائح : ١٧٧
نشوب المعركة : ١٧٨
مواقف الإمام بعد المعركة : ١٧٩
نتائج حرب الجمل : ١٨٠
الكوفة عاصمة الخلافة : ١٨١
الفصل الثالث: الإمام علي عليهالسلام مع القاسطين(*) ١٨٢
استعدادات معاوية لمحاربة الإمام عليهالسلام : ١٨٢
السيطرة على الفرات : ١٨٣
محاولة سلمية : ١٨٤
الحرب بعد الهدنة : ١٨٤
مقتل عمار بن ياسر : ١٨٥
أو يرجع الحقّ إلى سبيله ١٨٥
خدعة رفع المصاحف : ١٨٦
التحكيم وصحيفة الموادعة : ١٨٨
موقف واع وتقييم : ١٨٩
رجوع الإمام عليهالسلام واعتزال الخوارج : ١٨٩
اجتماع الحكمين : ١٩٠
قرار التحكيم : ١٩١
الفصل الرابع: الإمام علي عليهالسلام مع المارقين. ١٩٢
ردّ الإمام عليهالسلام على قرار الحكمين : ١٩٣
المواجهة مع الخوارج : ١٩٤
احتلال مصر : ١٩٦
انهيار الأمة وتفكّكها : ١٩٧
آخر محاولات الإمام عليهالسلام : ١٩٩
الفصل الخامس: الإمام علي عليهالسلام شهيد المحراب(١) ٢٠٠
وصيّة الإمام عليهالسلام : ٢٠١
دفن وتأبين الإمام عليهالسلام : ٢٠٢
الفصل السادس: تراث الإمام المرتضى علي بن أبي طالب عليهالسلام.... ٢٠٤
في رحاب نهج البلاغة : ٢٠٥
في رحاب العقل والعلم والمعرفة : ٢٠٦
في رحاب القرآن الكريم والسنّة النبويّة المباركة : ٢٠٧
في رحاب التوحيد والعدل والمعاد : ٢٠٨
في رحاب القيادة الإلهية (النبوّة والإمامة) : ٢٠٩
في رحاب الإمام المهدي عليهالسلام : ٢١١
في رحاب الحكم الإسلامي : فلسفته وأصوله ٢١٣
في رحاب العبادات والفرائض : ٢١٥
في رحاب الأخلاق والتربية : ٢١٦
في رحاب الدعاء والمناجاة : ٢١٧
في رحاب أدب الإمام عليهالسلام : ٢١٨