علي الأكبر ابن الإمام الحسينعليهما‌السلام

(أبطال الهاشميّين)

بقلم: علي محمّد علي دخيل


السلسلة: أبطال الهاشميّين

العدد: ٤

الكتاب: علي بن الحسين الأكبرعليه‌السلام

المؤلّف: علي محمّد علي دخيِّل

الناشر: دار الكتاب الإسلامي بيروت - لبنان

التاريخ: ١٤٠٠ - هـ ١٩٧٩ م

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف


الإهداء

سيدي أبا عبد الله، هذه صفحة غرّاء من حياة ولدك (علي الأكبر)، وشعلة وضّاءة من سيرته، واستعراض لموقفه المشرّف يوم عاشوراء، اُقدّم يا سيدي هذا الكتاب مشاطرة مني لمصيبتك العظيمة فيه، ومؤمّلاً أن يجد فيه شبابنا دروساً في التضحية والجهاد في سبيل الإسلام وإعلاء كلمته؛ فينهجوا هذا النهج، ويسلكوا هذا الطريق.

علي محمّد علي دخيِّل



بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الكتاب

قرأت فيما سبق من هذه السلسلة بعض الجوانب التاريخيّة لمأساة كربلاء، وتقرأ في هذا الكتاب جانباً جديداً منها قام به بطل من الأبطال لم يتجاوز العقد الثالث من عمره، فكان أسمى مثال للشباب، وأفضل مقتدى للجيل المسلم.

لقد سبق علي الأكبر شهداء كثيرون، كما تأخر عنه شهداء كثيرون، ولكن هناك مميزات كثيرة بينه وبين غيره من الشهداء؛ فالسائرون إلى الحرب يتأرجحون بين النصر والفوز، وبين الشهادة والخلود، فهم وإن قابلوا جيوش الأعداء وجحافل الكفر والضلال لم يفتهم الأمل بالظفر وكسب الحرب ونيل المغانم؛ وعلي الأكبر كان يعلم بأنه سائر إلى الشهادة، وأنها هي النصر والفتح المبين.

وهناك مميزات له عن غيره من الشهداء، منها: حصول الإذن له من الحسينعليه‌السلام بالإنصراف، والأمان الذي عرضه عليه ابن سعد، وقبل هذا وذاك تصميمه على الموت


بشكل غريب أعجب به سيد الشهداءعليه‌السلام .

ولعلك تحسبني أيها القارئ الكريم أني أطلب منك أن تكون مثل علي الأكبر في إيمانه وتفانيه في سبيل الحق، وإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، وتقول: كيف يتسنى لي أن أكون كذلك وقد رُبي علي في حجر ثلاثة من الأئمة الهداةعليهم‌السلام ، وتخلَّق بأخلاقهم، وتأدّب بآدابهم، فنهج نهجهم في طلب مرضاة الله تعالى والجهاد في سبيله ؟

وأنا يا أخي معك أنّ منزلة علي الأكبر لا يبلغها كبار العلماء فضلاً من أن أبلغها أنا وأنت، ولكن الذي اُريده لي ولك أن نسير في الطريق الذي سلكه، وننهج النهج الذي نهجه؛ فنسعد حينئذ بوحدة الهدف ورضى الله سبحانه وتعالى.

أخذ الله بأيدينا للسير في طريق الشهداء والصالحين، وجعلنا ممن يهتدي بهم، ويتبع آثارهم إنه ولي حميد.


في سطور

* جدّه: الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام .

* جدّته: فاطمة بنت رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

* أبوه: الإمام الحسينعليه‌السلام .

* عمّه: الإمام الحسنعليه‌السلام وبقيّة أولاد أمير المؤمنينعليه‌السلام .

* عمّته: زينب، أُمّ كلثوم، وبقيّة بنات أمير المؤمنينعليه‌السلام .

* إخوته: الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، عبد الله الرضيع.

* أخواته: فاطمة، سكينة، رقيّة.

* أُمّه: ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي.

* ولد في المدينة ١١ شعبان سنة ٣٣ هـ.

* كان يشبه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً.

* كُنيته: أبو الحسن.

* لقبه: الأكبر.

* استشهد مع أبيه الحسينعليه‌السلام في كربلاء.


* دُفن عند أبيه الحسينعليه‌السلام في قبر متصل بقبره، عليه صندوق نفيس مطعّم بالعاج، وفوقه قفص فضّي يزدحم المسلمون من جميع أنحاء العالم للسلام عليه، والدعاء عند قبره الشريف.

* عمره: ٢٧ سنة.


الإمام الحسينعليه‌السلام

هو سبط الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله وحبيبه، وخامس أهل الكساء، ومن المخصوصين بآية التطهير، وسيّد شباب أهل الجنّة، فهو ابن الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهو ابن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمينعليها‌السلام ، وهو أخو الإمام الحسينعليه‌السلام ، هو الإمام، ابن الإمام، أخو الإمام، أبو الأئمّة.

هو الشهيد، ابن الشهيد، أخو الشهيد، أبو الشهداء.

هو سيد أهل الإباء، ومَنْ علّم الناس على الحياة الكريمة تحت ظلال السيوف.

هو المعني بقوله تعالى:( وَجَعلَها كَلِمةً باقِيَةً في عَقِبهِ لَعَلّهم يَرجِعُون ) ، أي جعل الإمامة في عقب الحسينعليه‌السلام إلى يوم القيامة(١) .

هو الذي كان يُصلّى في اليوم والليلة ألف ركعة(٢) .

هو الذي حجّ خمساً وعشرين حجّة ماشياً على القدمين ونجائبه تُقاد معه(٣) .

هو الذي دخل على أسامة بن زيد وهو مريض وهو يقول: وا غمّاه ! فقال:(( وما غمّك يا أخي ؟ )) . قال: دَيني،

____________________

(١) ينابيع المودة / ١١٧.

(٢) أعيان الشيعة ١ / ١٢٤.

(٣) مطالب السؤول ٢ / ٢٨، أُسد الغابة ٢ / ١٢٠، الشرف المؤبد لآل محمّد / ٧، تاريخ ابن عساكر ٤ / ٣٢٣، تذكرة الخواصّ / ٢٤٤، العقد الفريد ٤ / ٣٨٤.


وهو ستون ألف درهم. فقال الحسينعليه‌السلام :(( هو عليّ )) . قال: إنّي أخشى أن أموت. فقال الحسينعليه‌السلام :(( لن تموت حتّى أقضيها )) . فقضاها قبل موته(١) .

هو الذي وجد على ظهره يوم الطفّ أثر، فسُئل عنه زين العابدينعليه‌السلام فقال:(( هذا ممّا كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين )) (٢) .

هو الذي وصله معاوية بمال كثير، وثياب وافرة، وكسوة وافية، فردّ الجميع عليه ولم يقبله منه، وهذه سجيّة الجواد، وشنشنة الكريم، وسمة ذي السماحة، وصفة مَنْ قد حوى مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم(٣) .

هو الذي دعا بهذا الدعاء بعد أن سقط على الأرض صريعاً وجراحاته تنزف دماً:(( اللّهمّ متعالي المكان، عظيم الجبروت، شديد المحال، غنيّ عن الخلائق، عريض الكبرياء، قادر على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النعمة، حسن البلاء، قريب إذا دُعيت، مُحيط بما خلقت، قابل التوبة لمَنْ تاب إليك، قادر على ما أردت،

____________________

(١) بحار الأنوار ١٠ / ١٤٣.

(٢) أعيان الشيعة ١ / ١٣٢.

(٣) إسعاف الراغبين / ١٨٣.


تُدرك ما طلبت، شكور إذا شُكرت، ذكور إذا ذُكرت. أدعوك محتاجاً، وأرغب إليك فقيراً، وأفزع إليك خائفاً، وأبكي مكروباً، وأستعين بك ضعيفاً، وأتوكّل عليك كافياً. اللّهمّ احكم بيننا وبين قومنا؛ فإنّهم غرّونا وخذلونا، وغدروا بنا وقتلونا، ونحن عترة نبيّك، وولد حبيبك محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، الذي اصطفيته بالرسالة، وائتمنته على الوحي، فاجعل لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً يا أرحم الراحمين .

صبراً على حكمك يا غياث مَنْ لا غياث له، يا دائماً لا نفاد له، يا محيي الموتى، يا قائماً على كلّ نفسٍ بما كسبت، احكم بيني وبينهم وأنت خير الحاكمين )) (١) .

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام - للمقرّم.


العصمة

وعلي الأكبرعليه‌السلام من معصومي أهل البيت (صلوات الله عليهم)، إلاّ أنّ عصمته غير واجبة كالأنبياء والأئمّةعليهم‌السلام ؛ لأنّهم (صلوات الله عليهم) واقعون في طريق تبليغ الرسالة؛ لذا وجبت عصمتهم.

أمّا علي الأكبر، والعباس، وزينبعليهم‌السلام فهم معصومون بمعنى آخر، فهم منزّهون عن عمل القبيح، معصومون من الذنوب بملكة اكتسبوها، ومرتبة سامية حصلوا عليها؛ لطفاً من الله سبحانه وتعالى بهم، لعلمه بصحّة ضمائرهم، وصدق نيّاتهم، وإخلاصهم في طاعته، وانقيادهم لأمره جلّ شأنه.

وتُعرف هذه الملكة السامية لهؤلاء السادة بأمرين:

الأمر الأوّل: شهادة المعصوم بحقّهم، فهو لا يُعطيها اعتباطاً؛ لتنزّهه عن الخطأ في القول والعمل.

الأمر الثاني: مرورهم بالأزمات العظيمة والخطوب المذهلة، ومع ذلك لا يصدر منهم إلاّ الرضا والتسليم لأمره سبحانه وتعالى، فإذا كان هذا حالهم في أيام البؤس والمحن، فهم أولى بالشكر في حال اليسر والرخاء.

وتحقّق الأمر الأوّل لعلي الأكبر (عليه السلام) بـ:

١ - دفن الإمام زين العابدينعليه‌السلام له في قبر مستقل


محاذياً لقبر أبيه سيّد الشهداءعليه‌السلام ؛ تمييزاً له عن بقية الشهداء (رضوان الله عليهم أجمعين).

٢ - إفراد الأئمّةعليهم‌السلام له بزيارات مستقلّة؛ إشعاراً بسموّ مقامه، وعظيم درجته عند المولى سبحانه وتعالى.

٣ - كلماتهم (صلوات الله عليهم) فيه، لا سيّما في زياراته(١) .

وأنت إذا تأمّلت كلمة الإمام الحسينعليه‌السلام عندما وقف على مصرعه [ فقال ]:(( قتل الله قوماً قتلوك، ما أجرأهم على الرحمن، وعلى انتهاك حرمة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ! )) .

ويستشف من هذه الكلمة عظمة الشهيد؛ فحرمة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله لا تُنتهك بقتل فرد من المسلمين مهما بلغت منزلته، إلاّ أن يكون القتيل الإمام أو مَنْ يليه في السموّ والرفعة والقرب من الله سبحانه وتعالى.

وتحقّق الأمر الثاني للشهيد الأكبرعليه‌السلام - أعني الصبر في الأزمات - كلامه مع أبيه سيّد الشهداءعليه‌السلام عند قصر بني مُقاتل(٢) ، والثبات معه رغم رخصته لجيشه في الانصراف، وأهم من هذا وذاك ردّهعليه‌السلام لأمان أهل الكوفة وتصميمه على الشهادة من أجل إعلاء كلمة الحقّ، ورفع راية الإسلام خفّاقة، وسحق الطغاة الظالمين.

____________________

(١) انظر فصل كلمات الأئمّةعليهم‌السلام من هذا الكتاب.

(٢) انظر فصل (أوَلسنا على الحق) من هذا الكتاب.


( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (١) .

____________________

(١) سورة يوسف / ١١.


أوَلَسنا على الحقّ

والموت مرّ وكريه مطعمه؛ لأنّه الباب المُفضي لما بعده من الأهوال والمشاق، ولكن هناك أشخاص استعذبوه من أجل الحقّ، وإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، ولأنّه يؤدي بهم إلى رضوان الله وجنانه.

وفي طليعة هؤلاء أصحاب الحسينعليه‌السلام وأهل بيته، فقد كان سرورهم بالشهادة أعظم من سرور عدوّهم بالظفر والغلبة.

صحيح أنّ كلّ جندي في الجيش الإسلامي مستعدّ للموت، بل كلّ جندي في ساحة الحرب، ولكن هناك فوارق ومميّزات؛ فأصحاب الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله وإن وطّنوا أنفسهم على الموت إيماناً بعدالة قضيّتهم وإعلاء لكلمة ربّهم، ولكنّهم كانوا يتأرجحون بين الموت والنصر، ولكن جنود سيّد الشهداءعليه‌السلام لم يكن أمامهم سوى الموت المحتّم؛ فقد خطبهم الحسينعليه‌السلام في صبيحة يوم عاشوراء قائلاً:(( إنّ الله قد أذن في قتلكم فعليكم بالصبر )) (١) ؛ وبذلك فضّلوا على غيرهم من الشهداء.

____________________

(١) كامل الزيارات / ٧٣.


وفارق آخر بين أصحاب الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحاب الحسينعليه‌السلام ؛ فقد كان فرار الأوّلين من الحرب النار، العار،( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ ) (١) ، بينما أصحاب الحسينعليه‌السلام أذن لهم بالانصراف فأبوا، فقد خطبهمعليه‌السلام ليلة عاشوراء قائلاً:(( ألا وإنّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منّي ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً )) (٢) .

ولم يكن هذا بأوّل إذن لهم بالتفرّق والانصراف، ففي زبالة أخرجعليه‌السلام للناس كتاباً فقرأه عليهم:(( بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإنّه قد أتانا خبر فظيع؛ قتل مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة، وعبد الله بن يقطر، وقد خذلتنا شيعتنا، فمَنْ أحبّ منكم الانصراف فلينصرف، ليس عليه منّا ذمام )) (٣) .

كذلك الإعلام بالشهادة كان مسبقاً، فهوعليه‌السلام من حين خرج من مكّة يلهج بذكر يحيى بن زكرياعليه‌السلام وما أصابه، ويقول:(( إنّ من هوان الدنيا على الله أن يُهدى رأس يحيى بن زكريا لبغيٍّ من بغايا بني إسرائيل )) .

____________________

(١) سورة آل عمران / ١٥٥.

(٢) الإرشاد / ٢٣١.

(٣) تاريخ الطبري ٦ / ٢٢٦.


وفي طليعة الموكب الحسيني المستميت على الحقّ والعدالة ابنه علي الأكبرعليه‌السلام .

ذكر أهل المقاتل والسير عن عقبة بن سمعان قال: لمّا كان السحر من الليلة التي بات بها الحسينعليه‌السلام عند قصر بني مقاتل، أمرناعليه‌السلام بالاستسقاء من الماء، ثمّ أمرنا بالرحيل ففعلنا، فلمّا ارتحلنا عن قصر بني مقاتل خفق برأسه خفقة ثمّ انتبه وهو يقول:(( إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين )) .

ثمّ كرّرها مرتين أو ثلاثاً، فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين، وكان على فرس له، فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين، يا أبتِ جُعلت فداك ! ممّ استرجعت وحمدت الله ؟

فقال الحسينعليه‌السلام :(( يا بُنيّ، إنّي خفقت برأسي خفقة فعنَّ لي فارس على فرس فقال: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم، فعلمت أنّها أنفسنا نُعيت إلينا )) .

فقال له: يا أبتِ، لا أراك الله سوءاً، ألسنا على الحقّ ؟

قال:(( بلى والذي إليه مرجع العباد )) .

قال: يا أبتِ، إذاً لا نبالي نموت محقّين.

فقال له:(( جزاك الله من ولد خير ما جزى ولداً عن والده )) (١) .

____________________

(١) أبصار العين / ٢٥.


( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (١) .

____________________

(١) سورة آل عمران / ٣٣.


أمـان

يخطب سيد الشهداءعليه‌السلام بذي حسم فيقول:(( فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً )) (١) . فكان هذا شعاره حتّى آخر لحظة من حياته، كما كان شعار الهاشميّين والأنصار.

إنّ من أهم الأسباب التي تجعل أهل الحقّ أسرع استجابة لدواعي الموت من أهل الباطل، هو علمهم بما أعدّ الله سبحانه وتعالى لهم من النعيم الدائم، [قال تعالى]:( قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيراً * لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُولاً ) (٢) .

( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً ) (٣) ،( وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) (٤) ،( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ

____________________

(١) تاريخ الطبري ٦ / ٢٢٩.

(٢) سورة الفرقان / ١٥ - ١٦.

(٣) سورة مريم / ٦٣.

(٤) سورة آل عمران / ١٣٣


يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (١) .

( وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ) (٢) ،( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ) (٣) ،( أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ) (٤) .

( قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) (٥) ،( فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ) (٦) .

( لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً

____________________

(١) سورة الحديد / ٢١.

(٢) سورة الإنسان / ١٢.

(٣) سورة الرحمن / ٤٦.

(٤) سورة الكهف / ٣١.

(٥) سورة آل عمران / ١٥.

(٦) سورة آل عمران / ١٩٥.


رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (١) ،( يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (٢) .

( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ) (٣) ، ( أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) (٤) ،( يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ ) (٥) ،( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ ) (٦) .

فالمؤمنون وإن كانوا في هذه الدنيا في أرغد عيش وأهنأه لا يُقاس بالجنّة ونعيمها، كما إنّ الكافرين وأهل الجحود

____________________

(١) سورة المائدة / ١١٩.

(٢) سورة الحديد / ١٢.

(٣) سورة البروج / ١١.

(٤) سورة آل عمران / ١٣٦.

(٥) سورة التوبة / ٢١.

(٦) سورة الشورى / ٢٢.


والعصاة مهما كانوا في تعاسة وشقاء في الحياة الدنيا، فهو لا شيء بلحاظ ما أعدّ الله جلّ جلاله لهم من العذاب والهوان.

ومن طريف ما ورد عن الإمام الحسنعليه‌السلام أنّه اغتسل وخرج من داره في بعض الأيام، وعليه حلّة فاخرة، ووفرة ظاهرة، ومحاسن سافرة، بنفحات طيّبات عاطرة، ووجهه يشرق حسناً، ووجهه قد كمل صورة ومعنى، والسعد يلوح على أعطافه، ونضرة النعيم تعرف من أطرافه.

وقد ركب بغلة فارهة غير عسوفة، وسار وقد اكتنفه من حاشيته صفوف، فعرض له شخص من محاويج اليهود، وعليه مسح من جلود، وقد أنهكته العلّة والذلّة، وشمس الظهيرة قد شواه، وهو حامل جرّة ماء على قفاه، فاستوقف الحسنعليه‌السلام فقال: يابن رسول الله، سؤال.

فقال له:(( ما هو ؟ )) .

قال: جدّك يقول:(( الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر )) ، وأنت المؤمن وأنا الكافر، فما أرى الدنيا إلاّ جنّة لك تنعم فيها وأنت مؤمن وتستلذّ بها، وما أراها إلاّ سجناً قد أهلكني حرّها وأجهدني فقرها !

فلمّا سمع الحسنعليه‌السلام كلامه أشرق عليه نور التأييد، واستخرج الجواب من خزانة علمه، وأوضح


لليهودي خطأ ظنّه، وخطل زعمه، وقالعليه‌السلام :(( يا شيخ، لو نظرت إلى ما أعدّ الله لي وللمؤمنين في دار الآخرة ممّا لا عين رأت، ولا اُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر لعلمت قبل انتقالي إليه في هذه الحالة في سجن، ولو نظرت إلى ما أعدّ الله لك ولكلّ كافر في الدار الآخرة من سعير جهنّم، ونكال العذاب الأليم المقيم لرأيت قبل مصيرك إليه في جنّة واسعة ونعمة جامعة )) (١) .

وظنّ أهل الكوفة يوم عاشوراء أنّ ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وحفيد أمير المؤمنينعليه‌السلام مؤثراً الدنيا على ما أعدّ الله لأوليائه من الجنّة ونعيمها، فناداه مناديهم وقد حمل عليهم: إنّ لك رحماً بأمير المؤمنين يزيد بن معاوية.

فقالعليه‌السلام : لَقرابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أحق أن تُرعى من قرابة يزيد بن معاوية. ثمّ شدّ عليهم(٢) .

( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخَافُوا ولا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) (٣) .

____________________

(١) الفصول المهمة / ١٤٠، كشف الغمة.

(٢) سر السلسلة العلوية / ٣٠، والرحم التي أشاروا إليها هي من جهة اُمّ علي الأكبر ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي، واُمّها ميمونة بنت أبي سفيان.

(٣) سورة فصلت / ٣٠.


الشهادة

وطلع فجر اليوم العاشر من المحرّم، فصلّى الحسينعليه‌السلام بأصحابه صلاة الصبح، ثمّ خطبهم قائلاً:(( إنّ الله قد أذن في قتلكم فعليكم بالصبر )) (١) .

ثمّ عبّأهم للحرب، فجعل على الميمنة زهير بن القين البجلي، وعلى المسيرة حبيب بن مظاهر الأسدي، وثبتعليه‌السلام وأهل بيته في القلب، وأعطى رايته أخاه العباس بن أمير المؤمنينعليه‌السلام . ثمّ تقدّم خطيباً في أهل الكوفة، فعن الضحّاك المشرقي: فوالله، ما سمعت متكلّماً قطّ قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه(٢) ! كما خطب بعض أصحابه (رضوان الله عليهم).

والتحق الحرّ الرياحي وآخرون بالحسينعليه‌السلام بعد أن وضحت لهم معالم الحقّ والرشاد، وخاف ابن سعد أن يفلت من يده الزمام، فتقدّم نحو عسكر الحسينعليه‌السلام ورمى بسهم وقال: اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل مَنْ رمى. ثمّ رمى الناس، فلم يبقَ من أصحاب الحسينعليه‌السلام أحد إلاّ أصابه من سهامهم، فقالعليه‌السلام لأصحابه:(( قوموا

____________________

(١) كامل الزيارات / ٧٣.

(٢) تاريخ الطبري ٦ / ٢٤٢.


رحمكم الله إلى الموت الذي لا بدّ منه؛ فإنّ هذه السهام رسل القوم إليكم )) .

فحمل أصحابه حملة واحدة، واقتتلوا ساعة، فما انجلت الغبرة إلاّ عن خمسين صريعاً(١) . ثمّ أخذوا يحملون فرادى ومجموعات صغيرة حتى استشهدوا عن آخرهم (رضوان الله عليهم أجمعين).

وتقدّم الهاشميّون يودّع بعضهم البعض، وأوّل مَنْ تقدّم منهم للحرب أبو الحسن علي الأكبرعليه‌السلام ، فلمّا رآه الحسينعليه‌السلام رفع شيبته نحو السماء وقال:(( اللّهمّ اشهد على هؤلاء القوم، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكنّا إذا اشتقنا إلى وجه رسولك نظرنا إلى وجهه. اللّهمّ فامنعهم بركات الأرض، وإن متّعتهم ففرّقهم تفريقاً، ومزّقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترضِ الولاة عنهم أبداً؛ فأنّهم دعونا لينصرونا ثمّ عدوا علينا يُقاتلونا ويقتلونا )) .

ثمّ صاح الحسينعليه‌السلام بعمر بن سعد:(( ما لك ؟! قطع الله رحمك، ولا بارك لك في أمرك، وسلّط عليك مَنْ يذبحك على فراشك (٢) كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله )) .

ثمّ رفع صوته وقرأ:(( إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام - للمقرّم / ٢٩٢.

(٢) وقد استجاب الله جلّ جلاله دعاء سيد الشهداءعليه‌السلام ؛ فقد أرسل إليه المختار (رضوان الله عليه) مَنْ قتله على فراشه.


عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ )) (١) .

ثمّ حمل علي بن الحسينعليه‌السلام وهو يقول:

أنا عليُّ بنُ الحسين بنِ علي

نحن وبيتِ الله أولى بالنبي

واللهِ لا يحكم فينا ابن الدعي

أطـعنكم بالرمح حتى ينثني

أضربكم بالسيف حتى يلتوي

ضربَ غلامٍ هاشميٍّ علوي

فلم يزل يُقاتل حتى ضجّ أهل الكوفة لكثرة مَنْ قُتل منهم، حتى روي أنّه قتل على عطشه مئة وعشرين رجلاً، ثمّ رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة، فقال: يا أبه، العطش قد قتلني، وثقل الحديد قد أجهدني، فهل إلى شربة ماء من سبيل أتقوّى بها على الأعداء ؟

فبكى الحسينعليه‌السلام وقال:(( يا بُني، عزّ على محمّد وعلى عليّ وعلى أبيك أن تدعوهم فلا يجيبونك، وتستغيث بهم فلا يغيثونك. يا بُني، هات لسانك )) . فأخذ لسانه فمصّه، ودفع إليه خاتمه وقال له:(( خذ هذا الخاتم في فيك، وارجع إلى قتال عدوّك؛ فإنّي أرجو أن لا تُمسي حتّى يسقيك جدّك

____________________

(١) سورة آل عمران / ٣٣ – ٣٤.


بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً )) .

فرجع علي بن الحسين إلى القتال، وحمل وهو يقول:

الحرب قد بانت لها حقائقْ

وظهرت من بعدها مصادقْ

والله ربّ العرش لا نفارقْ

جموعكم أو تُغمد البوارقْ

وجعل يُقاتل حتى قتل تمام المئتين، ثمّ ضربه منقذ بن مرّة العبدي على مفرق رأسه ضربة صرعه فيها، وضربه الناس بأسيافهم؛ فاعتنق الفرس فحمله إلى عسكر عدوّه فقطّعوه بأسيافهم إرباً إرباً، فلمّا بلغت روحه التراقي نادى بأعلى صوته: يا أبتاه، هذا جدّي رسول الله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً، وهو يقول لك:(( العجل؛ فإنّ لك كأساً مذخورة )) .

فصاح الحسينعليه‌السلام :(( قتل الله قوماً قتلوك يا بُني، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة رسول الله ! على الدنيا بعدك العفا )) (١) .

____________________

(١) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي ٢ / ٣١.


مرقدهعليه‌السلام

وفي اليوم الحادي عشر من المحرّم دفن عمر بن سعد قتلاه وترك الحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأنصاره تصهرهم الشمس، وفي اليوم الثالث عشر جاء بنو أسد لدفن الأجساد الطاهرة، وقبل أن يُباشروا مهمّتهم جاء الإمام زين العابدينعليه‌السلام من الكوفة للمهمّة نفسها، وأخذ يعاونهم في عملهم.

فدفن أباه الحسينعليه‌السلام في قبر مستقل، كما دفن جميع الشهداء في قبر واحد - عدا حبيب بن مظاهر - كما دفن عمّه العباسعليه‌السلام على العلقمي حيث مصرعه، ودفن أخاه علياً عند رجلي أبيهعليه‌السلام . وسبق لنا القول إنّ الإمامعليه‌السلام يعمل وفقاً لتعاليم السماء، ويتصرّف حسبما يؤمر به.

وتكشف الأيام بعض هذا السرّ، فإذا بضريحه الطاهر يطوف به المسلمون من جميع أقطار المعمورة، متوسّلين به إلى الله سبحانه في قضاء حوائجهم، وكشف كربهم، وطلب المغفرة منه سبحانه وتعالى بشفاعته، كما بقي هذا الأثر الرفيع شاهد عدل على ظلم الأولين وعتوّهم.


ويقول الشيخ جعفر الشوشتري (رحمه الله): وملاحظة انكسار القلب عند النظر إلى قبره وقبر والده عند رجليه كما في الرواية(١) .

____________________

(١) الخصائص الحسينية / ٧، والرواية التي أشار الشيخ إليها عن الصادقعليه‌السلام .


كلمات الأئمّةعليهم‌السلام

في هذا الفصل تتبيّن عظمة الشهيد، فكلّ مؤلّف مهما كان من الورع والتقوى والضبط ربّما يجنح به القلم فيطنب مادحاً فوق الاستحقاق، أو يقدح ذاماً بأكثر من المطلوب، ولكنَّ الأئمّة (صلوات الله وسلامه عليهم) منزّهون عن ذلك، فلا يستهويهم حبّ فيمدحون، ولا يستفزّهم بغض فيذمّون، بل كلامهم المعيار الحقيقي لتقييم الشخص.

وبين يديك بعض كلماتهم (صلوات الله عليهم) في الشهيد الأكبرعليه‌السلام ، وبيان منزلته الرفيعة، ومقامه السامي عند الله والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

١ - قال الإمام الحسينعليه‌السلام وقد وقف على مصرعه:(( قتل الله قوماً قتلوك، ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ! )) . وانهملت عيناه بالدموع، ثمّ قال:(( على الدنيا بعدك العفا )) (١) .

٢ - قال الإمام الصادقعليه‌السلام في زيارته:(( السّلام عليك يابن رسول الله، السّلام عليك يابن

____________________

(١) الإرشاد / ٢٣٩.


أمير المؤمنين، السّلام عليك يابن الحسين، السّلام عليك يابن خديجة الكبرى وفاطمة الزهراء، صلّى الله عليك - ثلاثاً -لعن الله مَنْ قتلك - ثلاثاً -أنا إلى الله منهم بريء )) (١) .

وقال الإمام الصادقعليه‌السلام في زيارة له اُخرى:(( سلام الله وسلام ملائكته المقرّبين، وأنبيائه المرسلين، عليك يا مولاي وابن مولاي ورحمة الله وبركاته، صلّى الله عليك وعلى أهل بيتك، وعترة آبائك الأخيار الأبرار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً )) (٢) .

وقالعليه‌السلام في زيارة اُخرى:(( السّلام عليك يابن رسول الله ورحمة الله وبركاته، وابن خليفة رسول الله، وابن بنت رسول الله ورحمة الله وبركاته، مضاعفة كلّما طلعت شمس أو غربت. السّلام عليك وعلى روحك وبدنك، بأبي أنت واُمّي من مذبوح ومقتول من غير جرم ! بأبي أنت واُمّي دمك المرتقى به إلى حبيب الله ! بأبي أنت وأُمي من مقدّم بين يدي أبيك يحتسبك ويبكي عليك، محترقاً عليك قلبه، ويرفع دمك بكفّه إلى عنان السماء لا يرجع منه قطرة، ولا تسكن من أبيك عليك زفرة.

____________________

(١) كامل الزيارات / ٢٠٠.

(٢) كامل الزيارات / ٢٠٤.


ودّعك للفراق، فمكانكما عند الله مع آبائك الماضين، ومع اُمّهاتك في الجنان منعّمين. أبرأ إلى الله ممّن قتلك وذبحك )) .

ثمّ انكب على القبر وضع يديك عليه وقل:(( سلام الله وسلام ملائكته المقرّبين، وأنبيائه المرسلين، وعباده الصالحين، عليك يا مولاي وابن مولاي ورحمة الله وبركاته، صلّى الله عليك وعلى عترتك وأهل بيتك، وآبائك وأبنائك واُمّهاتك الأخيار الأبرار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

السّلام عليك يابن رسول الله، وابن أمير المؤمنين، وابن الحسين بن علي ورحمة الله وبركاته، لعن الله قاتلك، ولعن الله مَنْ استخفّ بحقّكم وقتلكم، لعن الله مَنْ بقي منهم ومَنْ مضى، نفسي فداؤكم ولمضجعكم، صلّى الله عليك وسلّم تسليماً كثيراً )) .

ثمّ ضع خدّك على القبر وقل:(( صلّى الله عليك يا أبا الحسن - ثلاثاً -بأبي أنت واُمّي، أتيتك زائراً وافداً عائذاً ممّا جنيت على نفسي، واحتطبت على ظهري، أسأل الله وليّك وليّي أن يجعل حظّي من زيارتك عتق رقبتي من النار )) (١) .

____________________

(١) كامل الزيارات / ٢٤٠.


وقال أيضاً في زيارة اُخرى:(( السّلام عليك يا وليّ الله وابن وليّه، السّلام عليك يا حبيب الله وابن حبيبه، السّلام عليك يا خليل الله وابن خليله، عشت سعيداً، ومتَّ فقداً، وقتلت مظلوماً، يا شهيد ابن الشهيد عليك من الله السّلام )) (١) .

وقال الإمام المهديعليه‌السلام في زيارة الناحية:(( السّلام عليك يا أوّل قتيل من نسل خير سليل، من سلالة إبراهيم الخليل، صلّى الله عليك وعلى أبيك )) (٢) .

____________________

(١) المزار الكبير (مخطوط).

(٢) الإقبال / ٤٤.


موكب الشعراء

وعلي الأكبرعليه‌السلام يتلو الأئمّة (صلوات الله وسلامه عليهم) في الفضائل والمكارم، ولا يقصر عنهم إلاّ في الإمامة التي خصّهم بها الله سبحانه وتعالى من بين خلقه؛ لنا على ذلك شواهد كثيرة مرّ عليك بعضها.

وليس هذا وحده هو الموجب لرثائهعليه‌السلام ، بل إنّ في ندبته مواساة لسيد الشهداءعليه‌السلام في مصابه بشبله، كما إنّ رثاءهعليه‌السلام شجب لعمل العتاة لظالمين، ونصرة لأئمّة الحقّ (صلوات الله عليهم أجمعين)، وتعرّض لدخول الجنّة لما ورد في الحديث.

وبين أيدينا مجموعة كبيرة من الشعر في رثائهعليه‌السلام ، وبعضها من غرر الشعر وجيّده نسجّل منها:

١ - قال أبو الحسن التهامي:

يا كوكباً ما كان أقصرَ عمرَه

وكذا تكون كواكبُ الأسحارِ

وهلالُ أيامٍ مضى لم يستدر

بدراً ولم يُمهل لوقت سرارِ


عـجل الخسوفُ عليه قبل أوانه

فـمحاه قـبل مـظنّة الإبـدارِ

فـكـأنَّ قـلبي قـبرُه وكـأنه

فـي طـيِّه سـرٌّ من الأسرارِ

جـاورتُ أعـدائي وجاور ربّه

شـتان بـين جـوارِه وجواري

هيهات قد علقتك أشراكُ الردى

وأبـاد عـمرَك قـاطعُ الأعمارِ

ولـقد جـريتَ كما جريتُ لغاية

فـبلغتها وأبـوك في المضمارِ

واُخفِّض الزفراتِ وهي صواعدٌ

واُكفكفُ العبراتِ وهي جوارِ(١)

٢ - قال المرحوم السيد إبراهيم الطباطبائي:

قـف بي على ذاك الضريحِ الأنورِ

بـتـفجّعٍ لـنوى عـلي الأكـبرِ

وضـع الـشفاه عليهِ وانشق تربة

نـفحت بـطيبِ شـذى نسيم العنبرِ


طـوبى لـها مـن بـقعةٍ خُـلديةٍ

عـبقت لـزائرها بـمسكٍ أذفـرِ

وابـكِ وخـصَّ أبـاهُ عنه معزّياً

بـتـفـجّعٍ وتـلـدّدٍ وتـحـسّرِ

لـلهِ قـبرٌ ضـمّ مـنهُ ضـريحه

مـكـنونَ لـؤلؤهِ بـعقدٍ جـوهرِ

مـولىً تـطاولتِ الصفوفُ برمسهِ

شـرفاً على هامِ السهى والمشتري

مـولىً عـلى الدنيا العفا من بعدهِ

قـالَ الـحسينُ لـهُ بـقلبٍ مسعرِ

أفـديه مـن شـبلٍ لأحمد قد حوى

سـمةَ الـنبيِّ لـهُ وسـطوةَ حيدرِ

إن قـالَ قـيلٌ لا مـراً هـو جدّه

أو صـالَ قـيلَ أبوهُ ساقي الكوثرِ

لـم يـحو عمراً غيرَ أربعَ عشرة

وا حـرّ قـلبي لـلصغيرِ الأكـبرِ

يـختالُ بين الخيلِ حشرَ مضاضةٍ

حـصداً ويسحبُ فضلَ ذيلِ سنورِ

الـمصدر الـفرسان وهي نواكصٌ

مـا بـينَ شـبهِ مـكوّرٍ ومـكوَّرِ


غـيران غـير مـقطّر عن مهره

ولـكم بـهِ قـد داس شأو مقصّرِ

حـدث وإن سـيمَ الـهوان فأكبر

مـتـنمّر لـلـحادثِ الـمـتنمّرِ

وأغـرّ تـحسبهُ الـعدى لـحبائهِ

غـرّاً ويـطعنُ طـعن غير مغرّرِ

لـم يـثنهِ الـطعنُ الدراك بصدرهِ

ولـكادَ يـثني الطعنَ صدرُ الأشقرِ

قـرمٌ يـردّ الـجيشَ وهو عرمرمٌ

ويـفلُّ صـفَ الـجحفلِ المتجمهرِ

لـلـهِ من قـمرٍ أبـي لـعلوّه

ويـهوي إلـى الغبرا بوجهٍ مزهرِ

فـانصاعَ مـعتنقاً هـنالك مـهرهُ

والـقـومُ بـين مـهلهلٍ ومـكبّرِ

لـم أنـسَ إذ ولّـى الجوادُ مبادراً

يـنحو الـعداةِ بـهِ لـذاك العسكرِ

فـاسـتقبلوهُ وقـطّـعوا جـثمانهُ

إرباً فـإرباً بـالسيوفِ الـبتّرِ

يـلقى الـسيوفَ بطلقِ وجهٍ أزهرِ

كـالبدرِ يشرقُ في العجاجِ الأكدرِ


تـركت سـيوفُ أمـيّةٍ جـثمانَهُ

مـتـوزّعاً بـين الـقنا الـمتكسّرِ

تـعدو الـجيادُ عليهِ وهي ضوابحٌ

عـقر لـهاتيك الـجياد الـضمّرِ

أبكيكَ أبيضَ تطفو في بحرِ الردى

والـخيلُ تـرسبُ بالنجيعِ الأحمرِ

أبـكـيكَ أبـلجَ يـستهلُّ بـطلعةٍ

غرّاءَ مـسفرة بـصبحٍ مـسفرِ

أبـكيكَ بـالمسترسلاتِ الـمعصرا

ت دماً على طولِ المدى والأعصرِ

أبـكيكَ مـا انهلّت سواجمُ عبرتي

ووددت لو أجرت دموعيَ محجري

مَـنْ مـبلغ الزهراءَ بضعةَ أحمدٍ

أنّ ابـن بـضعتها لقىً في العثيرِ

مَـنْ مـبلغ الـزهرا بنجلِ سليلها

شـلواً عـلى الـبوغا بوجهٍ أنورِ

مَـنْ مـبلغ الـزهرا بنجلِ سليلها

نـهبَ الـسيوفِ بـمسمعٍ وبمنظرِ(١)

____________________

(١) شعراء الغري ١ / ١٢٣.


٣ - قال المرحوم الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء (طاب ثراه):

هـو الوجدُ يذكيهِ الجوى في الجوانحِ

فـيجري بـمنهلِ الـدموعِ السوافحِ

لآلِ عـلـيٍّ يـوم سـيموا بـفادحٍ

لهُ عـقـمت اُمُّ الـرزايا الفوادحِ

فـساروا سـراعاً لـلمنايا مـوارحا

تـهـبُّ بـجردٍ لـلطعانِ مـوارحِ

أهـابـوا إلـيها سـيّداً بـعدَ سـيّدٍ

وخـفّوا إلـيها صـالحاً إثـرَ صالحِ

وأبـدوا لـحرّ الـطعنِ حرَّ محاسنٍ

وسـمنَ بـني حربٍٍ بخزي المقائحِ

فـمَنْ يـفع لـفّ الـكهورِ بـمثلها

ومَـنْ جـذعٍ أدمـى قروحَ القوارحِ

وذي نـجدةٍ يـستقبلُ الـخيلَ أعزلاً

فـيفتكُ فـيها رمـحهُ فـتكَ رامـحِ

إذا أظـلمت من عجّها حومةُ الوغى

رمـاها مـحيّاهُ بـضوءِ الـمصابحِ

وأشـبـههم خـلقاً وخُـلقاً ومـنطقاً

بـأحمدَ فـي غـرِّ الـثنا والـمدايحِ


وكـانوا إذا اشـتاقوا لـوجهِ مـحمّدٍ

عـنوا لـمحيّاًً مـنهُ بـالشبهِ واضحِ

فـلهفي لـبدرٍ مـن مـحيّاهُ ساطعٌ

ولـكن بـبحرٍ مـن دمِ النحرِ سابحِ

يـموجُ بـماءِ الـحسنِ مـاءُ شبابهِ

ويـوري الظما جمراًً وراءَ الجوانحِ

تـمـيسُ عـلى أعـطافهِ وفـراتهُ

فـقل سـود أعـلامِ القنا المتطاوحِ

إذا نـشرتها هـبّة الـعزم لـم تجد

سـوى لـفّ راياتِ الكماةِ الجحاجحِ

ومـا بـلغَ الـعشرينَ ريعانُ عمرهِ

وألـقى المئينَ البهمَ فوقَ الصحاصحِ

أجال الوغى جولَ الرحى وانكفى إلى

أبـيهِ بـقلبٍ عـن سنا الجمرِ قادحِ

دعـاهُ بـصوتٍ يصدعُ الصمَّ شجوهُ

ويـفجعُ حـتّى الساجعاتِ الصوادحِ

دعـاهُ أبـي هـل من سبيلٍ لشربةٍ

تـعينُ عـلى ضربِ العدى والتكافحِ

جـهدتُ بـأثقالِ الـحديدِ وكـضّني

ضـماي بـحرِّ الـهاجراتِ البوارِحِ


فـلهفي لـهُ يـشكو ظـماهُ لـمثلهِ

ويـرجـعُ مـن تـأميلهِ غـير ناجحِ

فـقالَ لـهُ: ارجـع يابُني إلى العدى

لـتُمسي قـريرَ الـعينِ ريّا الجوانحِ

وتـشربها مـن كـأسِ جدّكَ شربةً

تـقيكَ الـظما والـضيمَ بـعدُ بفادحِ

فـعرّج لـلهيجاءِ لـيس بـناكـلٍ

ولـجّج فـي الأوسـاطِ لا مـتجانحِ

فـللهِ ذاكَ الـغصن غـضاً شـبابهُ

ذوى فـهوى فـوقَ الصفا والصفايحِ

بـكتهُ مـواضيهم دمـاً وتـشاجرت

عـليهِ وشـيجاتِ الـقنا الـمتناوحِ

كـأنّ بـهِ بـيضُ الـصفايحِ ولّـعاً

فـكـم لاعـتناقٍ تـنثني وتـصافحِ

تـصافحُ بـيضَ الـهندِ صفحةُ خدّهِ

وتـهـفو لـهُ أعـلامهم كـالمراوحِ

إلـى أن غـدا فـي اللهِ شلواً موزّعاً

لـسمرِ الـعوالي أو لبيضِ الصفايحِ

تـحنُّ عـليهِ الـخيلُ عـندَ صهيلها

إذا مـا عـلا بـالويلِ نوحُ النوائحِ


فـيا مـأتماً بـالطفِّ بـين صواهلٍ

أُقـيمَ عـلى ذهـرٍ وبـين صوايحِ

أهـابَ بـربّاتِ الحجى من حجالها

وكنَّ مـكـانَ الـنيّراتِ لـلائحِ

فـأبرزها حـرُّ الـمصابِ حواسراً

تـعادى على جمرِ الجوى والجوانحِ

بُـنيَّ عـلى الـدنيا العفا مذ تركتها

ورحـتَ إلـى دارِ الـمنى والمنايحِ

فـأمسيتَ مـا بـينَ الـنبيِّ وفاطمٍ

وأمـسيتُ مـا بينَ العدى والكواشحِ

كـدحتَ إلى الرضوانِ لكن تركتني

وراءكَ فـي بـؤسٍ من العيشِ كادحِ

فـلـستُ لـرزءٍ بـعدَ ذاكَ بـواجدٍ

ولا بـنـعيمٍ عن لـقاكَ بـفادحِ

أعده عـدنـان وبـجدة هـاشمٍ!

ونـجدة فـهر يـوم ضـيق المنادحِ

نـعت مـضرُ الحمراء فيكَ فخارها

وأثـكلتَ بـالعليا قـريش الأبـاطحِ

مُـنى الـنفس لا تبعد فإنّ جوانحي

لـغيركَ مـا عـمّرت غـير جوانحِ


تـقاصرتُ عـمراً واستطلتُ مفاخراً

فـكنتُ كـلمعِ الـسقطِ من زندِ قادحِ

ولـولا حذار السمرِ صيّرتُ موضعاً

لـشلوكَ فـي أحشاي لا في القرائحِ

فـإن تـقضَ ظـمآناً فـلي بكَ أدمعٌ

سـتغني ثـرى مثواكَ عن كلِّ دالحِ

وهـيهات أن ترقى وكيفَ وقد غدتْ

تـدفّع عـن قـلبٍ من الحزنِ طافحِ

وشـدّ عـليهم شـدّةَ الـليثِ مغضباً

يـطارحهم بـالعضبِ شرَّ المطارحِ

صـفوحٌ عن الجاني فإن سيمَ بالأذى

وشـرب الـقذى سل الظّبا غير صافحِ

حـريبٌ لـغيرِ الصلحِ غير محاربٍ

ولـكن لـغيرِ الـموتِ غير مصالحِ

وقـالَ خذيني يا سيوفُ فليسَ لي

وراءهمُ بـالعيشِ بـلغةَ نـاجحِ

وعادَ لأطـرافِ الأسـنّةِ مـنهباً

جـراحاتها مـنهُ بـملءِ الـجوارحِ

ألا يـا بـني الهادي يعزُّ على الهدى

مـصارعكمْ تـحتَ السوافي اللوافحِ


فـلهفي عـليكم لـلرماحِ رؤوسـكمْ

وأجـسـامكم لـلعادياتِ الـضوابحِ

دمـاؤكمْ شـربَ الـعواسلِ والظّبا

وأشـلاؤكم طـعمَ الطيورِ الجوراحِ

عطاشى على شاطي الفراتِ فلا هنتْ

مواردهُ شـربـاً لـغادٍ ورائـحِ

ألا لا جـرى مـن بعدكم ماءُ منهلٍ

جـزرتم عـلى شاطيهِ جزرَ الذبايحِ

وأنـكى رزايـا الـدهرِ أنّ حريمكمْ

تـجشّم لـلشاماتِ طـي الصحاصحِ

سـباياً بـأيدي الـظالمينَ طـلائحاً

تُـساقُ عـلى حـلاّسِ عجقٍ طلايحِ

تـحـنُّ حـنينَ الـفاقداتِ فـصيلها

روازح ثـكلٍ فـوقَ هـزلِ روازحِ

تـجاري مـلثّ الـمزنِ من عبراتها

بـجاري دمـوعٍ كـالغوادي روايحِ

سـوى أنّـها تـنهلُّ من صفحِ ناظرٍ

يـسيرُ بـدمعٍ عـن دمِ القلبِ ناضحِ

فـيا لـرزاياكم عـلى بُـعدِ عهدها

تـقرّبُ لـي مـن لوعتي كلَّ نازحِ


رمـتكم بنو سفيانَ عن قوسِ كفرها

بـجائحةٍ أنـست أمـضّ الـجوانحِ

ذهـبتم بـها مـلء الـسماءِ مناقباً

وراحـوا بـها ملء الفضا بالفضائحِ

لـئن فـاتني بـالطفِّ حظي ولم أقم

لـديكم مـقامَ الـناصحِ الـمتناصحِ

فـفي كـبدي قـرحٌ بكم لم أزل بهِ

أجـودُ بـنفسي أو تـجودُ قـرائحيِ

قـوافي لـم تـصلح ولـكن أعدّها

لـذكركمُ فـي الـباقياتِ الـصوالحِ

سـقيمات صـوغ اللفظِ لكن عقودها

أتـت عـن نوايا في ولاكم صحائحِ

عـساها بكم إن خفّ ميزانُ طاعتي

تـردّ بـميزانٍ مـن الـعفو راجحِ(١)

٤ - قال الشيخ عبد الحسين صادق (طاب ثراه):

عـهـدي بـربعهمُ أغـنّ الـمعهدِ

ونـديّه يـفترُّ بـالروضِ الـندي

____________________

(١) شعراء الغري ٨ / ١٦٠.


ما بـالهُ درسَ الـجديدَ جـديدُهُ

ومـحـا مـحاسنَ خـدّهِ الـمتورّدِ

أفـلـت أهـلّته وغـابت شـهبُهُ

في رائـحٍ لـلنائباتِ ومـغتدي

زمَّـت ركـابُ قـطينهِ أيدي سبا

تـفـلي الـفلاةَ بـمتهمٍ وبـمنجدِ

ولـقد وقـفتُ بـه ومعتلج الجوى

بـجوانحي عن حبسِ دمعيَ مقعدي

فـتخالني لـضناي بـعض رسومهِ

ولـحرِّ أحـشائي أثـافي ومصعدِ

أرنو إلـيه ونـاظري مـتقسّمٌ

بـطـلـولهِ لـمـصوّب متوقّـدِ

ما إن أرى إلاّ الـحمائم هـتّفاً

مـا بـين غـرّيدٍ وصـيداحٍ شدي

نـاحت ونـحتُ وأين منّي نوحُها

شـتّانَ نـوحُ شـجٍٍ وسـجعٌ مفردِ

لـي لا لـها العينُ المرقرقُ دمعها

والـمهجةُ الـحرّاءُ والقلبُ الصدي

حـجرٌ عـلى عيني يمرُّ بها الكرى

مـن بـعدِ نـازلةٍ بـعترةِ (أحمدِ)


أقـمارُ تـمّ نـالها خـسفُ الردى

واغـتالها بـصروفهِ الزمنُ الردي

شـتـى مـصائبُهمْ فـبينَ مـكابدٍ

سـمّـاً ومـنحورٍ وبـينَ مـصفّدِ

سـل كـربلا كـم مهجةٍ (لمحمّدٍ)

نُـهبت بـها وكـم استجذّت من يدِ

ولـكـم دمٍ زاكٍ أُريـقَ بـها لـكم

جـثمان قـدسٍ بـالسيوفِ مـبدّدِ

وبـها على صدرِ الحسينِ ترقرقتْ

عـبـراتهُ حـزنـاً لأكـرمِ سـيّدِ

وعـليُّ قـدرٍ مـن ذؤابـةِ هـاشمٍ

عـبقت شـمائلهُ بـطيبِ الـمحتدِ

أفـديـهِ من ريـحانةٍ ريّـانةٍ

جـفّت بـحرِّ ظـما وحـرّ مـهنّدِ

بـكر الـذبولِ على نضارةِ غصنهِ

إنّ الـذبولَ لآفـةُ الـغصنِ الندي

مـاءُ الـصبا ودمُ الـوريدِ تجاريا

فـيهِ ولاهـبُ قـلبهِ لـم يـخمدِ

لـم أنـسهُ مـتعمّماً بـشبا الـقنا

بـينَ الـكماةِ وبـالأسنّةِ مـرتدي


يـلـقى ذوابـلها بـذابلِ مـعطفٍ

ويـشـيمُ أنـصلها بـجيدٍ أجـيدِ

خـضبت ولـكن مـن دمٍ وفـراته

فـاحمرّ ريـحانُ الـعذارِ الأسـودِ

جـمعَ الـصفاتِ الغرَّ وهي تراثهُ

مـن كـلِّ غـطريفٍ وشهمٍ أصيدِ

في بأسِ (حمزةَ) في شجاعةِ (حيدرٍ)

بـإبى (الحسين) وفي مهابةِ (أحمدِ)

وتـراهُ فـي خـلقٍ وطيبِ خلائقٍ

وبـليغِ نـطقٍ كـالنبي (مـحمدِ)

يـرمي الـكتائبَ والفلا غصّت بها

فـي مـثلها مـن عـزمهِ المتوقّدِ

فـيـردّها قـسراً عـلى أعـقباها

فـي بـأس عـرّيسِ العرينةِ ملبدِ

ويـؤوبُ لـلتوديعِ وهـو مـكابدٌ

لـظما الـفؤادِ ولـلحديدِ الـمجهدِ

صـادي الـحشا وحسامهُ ريّان من

مـاءِ الـطلا وغـليلهُ لـم يـبردِ

يـشكو لـخيرِ أبٍ ظماهُ وما اشتكى

ظمأ الحشا إلاّ إلى الضامي الصدي


فـانـصاعَ يـؤثرهُ عـليه بـريقهِ

لـو كـانَ ثـمّةَ ريـقُه لـم يجمدِ

كـلُّ حـشاشتُهِ كـصاليةِ الـغضا

ولـسـانُهُ ظـمـأٍ كـشقّةِ مـبردِ

ومـذ انـثنى يـلقى الكريهة باسماً

والـموتُ مـنهُ بـمسمعٍ وبـمشهدِ

لـفّ الـوغى وأجالها جولَ الرحى

بـمـثقّفٍ من بـأسهِ ومـهنّدِ

عـثر الـزمان بـهِ فغودرَ جسمه

نـهبَ الـقواضبِ والـقنا المتقصّدِ

ويـحُ الردى يا بئسَ ما غال الردى

مـنهُ هـلال دجـى وغـرّة فرقدِ

يـا نجعةَ الـحيينِ هاشم والـندى

وحـمى الـذمارينِ الـعُلا والسؤددِ

كـيف ارتقت هممُ الردى لكَ صعدةً

مـطـرودةُ الـكعبينِ لـم تـتأوّدِ

فـلتذهب الـدنيا عـلى الدنيا العفا

مـا بـعدَ يـومكَ من زمانٍ أرغدِ(١)

____________________

(١) ديوانه (عرف الولاء) ٢ / ١٣١.


٥ - قال الشيخ جعفر النقدي (رحمه الله):

لـتبك بـقاني الـدمعِ بينَ الملاحمِ

لـشبهِ رسـولِ اللهِ أسـيافُ هاشمِ

وتـلطمُ لـكن فـي رؤوسِ اُمـيّة

عـليهِ دوامَ الدهرِ بيضُ الصوارمِ

فـقد وزّعـت أشلاءهُ في جموعهمْ

ومـا قـرعت حـربٌ لهُ من نادمِ

صبيحة أضحى السبطُ لم يرَ ناصراً

يـدافعُ عـنهُ غـيرَ رمحٍ وصارمِ

هـناك عـليُّ الأكـبر الطهر للقا

تـحلّى بـعضبٍ لـلأباطلِ حاسمِ

وحـزمٌ يـزيلُ الراسياتِ وعزمهُ

أحـدُّ وأمضى من حدودِ الصوارمِ

ووجـهٌ كـبدرِ الـتمِّ يشرقُ نورُهُ

ولا لـيل غـير الـعثير المتراكمِ(١)

سـطا كـالعفرنى في جيوشِ اُميّةٍ

فـفرّت عـلى وجهِ الثرى كالبهائمِ

كـأنّ الـظبا الـبتّارَ ظـامٍ بكفّهِ

ولا ورد إلاّ فـي الـكلا والجماجمِ

____________________

(١) لا يخفى ما في البيت من خلل عروضي واضح.(موقع معهد الإمامين الحسنين)


فـماجت بـنو سفيانَ تحتَ حسامهِ

وقـد بـلغت أرواحُـها لـلحلاقمِ

فـمن قـائلٍ هذا هو الندب حيدرٌ

ومـن قـائلٍ ذا أحـمد ذو المكارمِ

وزاغـت بهِ أبصارُ أعداه مذ رأت

لـهُ سـطوات أقـعدت كـلّ قائمِ

فـما أحـدٌ مـنهم تـلقّى حـسامهُ

هـنالك غـير الرجس بكر بن غانمِ

فـبادرهُ شـبلُ الـحسينِ بـضربةٍ

لـها خـضعت شمّ الجبالِ العظائمِ

فأودى إلى الغبراءَِ من فوقِ سرجهِ

صريعاً بأنفٍ منه في الأرضِ راغمِ

وسـارعت الأبـطالُ رعباً لوجهها

عـلى حـذرٍ فـي خطبها المتفاقِمِ

فـكرّ بـماضي الـعزمِ شبهُ محمّدٍ

عـليهم كمثلِ الصقرِ خلفَ الحمائمِ

بـدت آيـةُ الـفتحِ الـمبينِ لسيفهِ

ولـلنصرِ بـانت واضحاتُ العلائمِ

فـحالَ القضا والسيفُ أودى لرأسهِ

فـخرَّ عـلى الغبراءَ بينَ الملاحمِ


ودارَ عـليهِ الـقومُ من كلِّ جانبٍ

بـبيضٍ مـواظيها وسـمرِ اللهازمِ

فـحـيّا أباهُ بـالسلامِ ورزؤهُ

يـموجُ كـموجِ الـعيلمِ الـمتلاطمِ

ولـبّاهُ سـبطُ الـمصطفى لحشاشةٍ

بـها ظـفرت أيدي الجوى والمآتمِ

وشقّ صفوفَ القومِ بالسيفِ وانحنى

عـليهِ بـقلبٍ فـي الصبابةِ هائمِ

وأحـنى عـليهِ واضـعاً حرّ خدِّهِ

عـلى خـدّهِ والـدمعُ شبهُ الغمائمِ

ونـادى على الأيامِ من بعدكَ العفا

ولا زهـت الـدنيا بـمقلةِ شـائمِ

بـنيَّ فـدتكَ النفسُ نهضاً فإنّ بي

أحـاطَ العدى من كلِّ رجسٍ وظالمِ

لـقد فـتّتَ الأحشاءَ منّي وأوهنتْ

قـواي وكـلّت يـابُنيَّ عـزائمي

فـلهفي عـلى ذاكَ الـمحيّا معفّراً

ولـهفي عـلى تلكَ الخدودِ النواعمِ


ولـهفي عـلى ذاكَ الـقوامِ مجدّلاً

ولـهفي عـلى تلكَ الثغورِ البواسمِ

٦ - قال السيد محمّد جمال الهاشمي (رحمه الله):

هـلهلت بـاسم سـيفه كـربلاءُ

فـتهادى الـعُلا ومـاسَ الإبـاءُ

بـطل تـنطقُ الـشجاعةُ مـنه

وتـفـيضُ الـمخايلُ الـعصماءُ

وفـتى بـاسمه الـمكارمُ تـشدو

وتـشـيدُ الـحـريّةُ الـحمراءُ

عـلـويُّ الـشعاع قـد أطـلعته

مـن سـماها الـصديقةُ الزهراءُ

مـن بـني هـاشمِ الـهداة ولكن

فـضّـلـتهم آلاؤهُ الغـرّاءُ

سـبط طـاها يحكيه خَلقاً وخُلقاً

فـلـهُ مـنـهُ مـنطقٌ وبـهاءُ

وحـفيد الـوصي يـعربُ عـنه

بـأسـه إذ تـثـيره الـهـيجاءُ


ووليد الحسين حـاز مـعاليـ

ـهِ وبـالـوردِ تُـعـرفُ الأشـذاءُ

ولـدته الـشموسُ حـتّى تسامى

كـوكباً مـنهُ تـزهرُ الأجـواءُ

ونـمتهُ الـسيوفُ فـهو حـسامٌ

أرهـفـتهُ الـخطوبُ والأرزاءُ

هـلهل الـطفُّ حين لاح عليٌّ

فـارسـاً تـحتفي بـهِ الـخيلاءُ

واشـرأبّت لـهُ الـعيونُ اندهاشاً

أهـو وجـهٌ أم كـوكبٌ وضّـاءُ

طـلعة تـصعقُ الـعيونَ ونورٌ

عـنه في الجذب حدّث الكهرباءُ

بـطل يـعضدُ الشجاعةَ باللطـ

ـف ولللطف تـخـضعُ الأقـوياءُ

تـتحاشى حـسامهُ وهـو نـارٌ

تـلـتظي فـي لـهيبهِ الأشـلاءُ

فـتفرُّ الـصفوفُ مـنهُ انذعاراً

فـهو لـيثٌ فـي بأسهِ وهي شاءُ

تـترامى الـقتلى حـواليهِ أمّـاً

راعـهـم مـن حـسامهِ إيـماءُ


لـستُ أدري أسـيفهُ كانَ أمضى

فـتـكة أم عـيـونهُ الـنّجلاءُ

يـتلقّى الـسيوفَ جـذلانَ إذ في

حـدّها تـلمعُ الأمـاني الوضاءُ

ويـردّ الـرماحَ وهـي كـعوبٌ

نـثـرتهنَّ كـفّـهُ الـبـيضاءُ

آه لولا الـظما لأنـبأ عـنهُ الـ

ـطفُّ مـا تـحتفي بـهِ الأنباءُ

لاهفُ القلب يستقي المجدَ من كفْـ

ـفيـهِ ما تـرتوي بـهِ الـعلياءُ

أثّـر الـحرُّ فـي قـواهُ فراحت

تـشتكي مـن كـفاحهِ الأعضاءُ

وإذا جـفّ مـنهلُ الـحقِّ زالت

روعـةُ الزهرِ واضمحلَّ الرواءُ

فـانثنى لـلخيامِ لـهفان يـبغي

جـرعةً تـرتوي بـها الأحشاءُ

فـاستدارت بـهِ الـثكالى تفدْ

ديهِ وقـد مضّها الأسـى والبكاءُ

تـلكَ اُمٌّ ولـهى وهـاتيك أختٌ

أذهـلـتها الـحوادثُ الـسوداءُ


واحـتفت زيـنبٌ بهِ في حماسٍ

ألـهـبتهُ الـعـقيدة الـخـشناءُ

يـعربُ الـبشرَ وجـهُها وبجفنيـ

ـها شـجونٌ فـصيحةٌ خـرساءُ

مـشـهدٌ لـلـوداعِ قـد مـثّلتهُ

لـتـهزّ الـرجالَ فـيهِ الـنساءُ

وأتاهُ الـحسينُ يـسألُ عـمّا

جـاءَ فـي شـبلهِ ومـاذا يشاءُ

وهـل الـماءُ قصدهُ وهو أدرى الـ

ـناس أن لـيس في المخيّمِ ماءُ

فـرأى هـيئةً يـجنُ بـها الفنْ

نُ وتـعيا عـن وصـفها الشعراءُ

أعـلـي يراهُ أم جـبـرئيلٌ

أنـزلتهُ عـلى الـحسينِ السماءُ

لا فـقد جـاوزَ الـملائكَ حـدّاً

وتـعـالى فـمـا لهُ أكـفاءُ

قـالَ مـهلاً يابنَ الحقيقة إنّا

فـي مـجازٍ يـدبُّ فـيهِ الفناءُ

لا تـجاهر بـما تـحسُ فللنسـ

ـر مـطارٌ تـنحطُّ عـنهُ الـحداءُ


وانـبرى يـختمُ الـخزانة بـالخا

تمِ والـشرّ شـأنهُ الإخـفاءُ

وانـثنى لـلوغى عـليٌّ وفي يُمـ

ـناهُ سـيفٌ تـسيلُ مـنهُ الدماءُ

حـفّزتهُ عـلى الـشهادةِ نـفسٌ

تـتـباهى بـقـدسها الـشهداءُ

فطوى الجيشَ ينشرُ الموتَ حتّى

شـتّـته غـاراتـهُ الـشـعواءُ

آه لـولا الـقضاء لاندكّ صرحٌ

شـيّـدتهُ الـمـطامعُ الـرعناءُ

لـهف نـفسي لـهُ وقد خضّبتهُ

مـن يـدِ الـبغي ضـربةٌ نكراءُ

أدرى الـرجـسُ مـنقذٌ أنّ فـيهِ

فـجعَ الـبأسَ والإبـا والـفتاءُ

واُصـيب الـنبيُّ فـيهِ وأنّـت

مـن شـجاهُ الـبتولةُ الـعذراءُ

عـانقَ الـمهرَ وهـو يدعو أباهُ

بـنـداءٍ ضـجّت لـهُ الأجـواءُ

وعـليكَ الـسلامُ هـذا وداعـي

فيهِ فاضت روحي وحانَ القضاءُ


فـأتاهُ الـحسينُ كالصقر منقضْـ

ـضاً وكالرعد ماجَ فـيهِ الـفضاءُ

فرأى شـبلهُ وقـد وزّعـتهُ

قـطعاً فـي سـيوفها الأعـداءُ

يـرفعُ الـسبطُ طرفهُ وهو يدعو

ربّـهُ فـي رضـاكَ هـذا الفداءُ(١)

٧ - من قصيدة للمرحوم الشيخ محمّد الخليلي:

فـهو فـردٌ في حسنهِ لن يُضاهى

ووحـيدٌ فـي عـصرهِ لن يُراما

عـذتُه فـي عـيونٍ حـسّد قومي

بـشبابِ الـحسينِ عن أن يُضاما

شـبلُ سـبطِ النبي كوكبُ أفقِ الـ

ـطفِّ مَنْ سَنَّ في الوغى الإقداما

طـلبَ الإذنَ مـن أبيهِ لحربِ الـ

ـشركِ فـانهارَ فـارساً مـقداما

جـرّد الـسيفَ وهـو يـزأرُ ليثاً

بـيـنَ جـمـعٍ يـراهمُ أنـعاما

____________________

(١) علي الأكبر - للمقرم / ١٢٩.


فـلّ جـيشَ الـعدى بصارمِ عزمٍ

حـيـنما شـدَّ فـيهمُ ضـرغاما

قـلبَ الـقلبَ فـوقَ جـنحيهِ لما

ألـهبَ الـحربَ بالحسامِ ضراما

سوّدَ الـجـو بـالقتامِ ولـكن

بـرقَ صـمصامِه يـشقُّ القتاما

غـرسَ الـطفَّ بالجماجمِ والريْ

يُ دماهـا والـلقحُ كـانَ الـحِماما

فـانبرى حـاصداً بـعضبٍ ولولا

سـيفُ عـبديِّها لأمـست رمـاما

فـثوى فـوقَ مـهرهِ ظنَّ أنّ الـ

ـمهرَ يـنجيهِ أن يـؤمَّ الـخياما

فـجرى المهرُ قاصداً حومةَ المضـ

ـمارِ حـتّى تـوسّطَ الأقـواما

وعلا صـوتهُ عـليكَ سـلامُ الـ

ـلهِ يا والدي فوقَ الخدودِ انسجاما(١)

أسـرعَ الـسبطُ نـحوهُ ونجيعُ الـ

ـقلبِ يجري فوقَ الخدودِ انسجاما

صـارخاً أي بُـني مـا لكَ قد غا

لـكَ خـسفٌ ولـم تـلاقِ التماما

____________________

(١) يبدو أنّ هناك خطأً وقع أثناء النسخ؛ حيث إنّ عبارة(فوقَ الخدودِ انسجاما) تكررت في هذا البيت والبيت الذي يليه مباشرة، وهي هنا واضحة الإقحام.(موقع معهد الإمامين الحسنَين)


أي بُـني اسـتفق فقد كنتَ ذخري

لـمشيبي إن حـادث الدهرِ ضاما

كنتَ روحي فهل عن الروحِ سلوى

وعـجيب أن لا أُلاقـي الـحِماما

كـنتَ إنـسان نـاظري وغريب

أن أرى لـلعدى عـليكَ ازدحـاما

فـرقة بـالسيوفِ ضرباً وأخرى

بـرماحٍ نـهشاً وأُخـرى سـهاما

لا رعـى اللهُ جـانبَ القومِ إنّ الـ

قـومَ أضحت ولم يراعوا الذماما

لا ولا لاحـظوا شبيه رسولِ اللـ

ـهِ خلـقاً ومـنـطقاً وابـتـساما

وزّعـت شـلوهُ مـخالبُ غـدرٍ

إذ غـدت فـي ضـلالها تتعامى

وغـدت تـستشيطُ لـيلى ولـكن

قـلبها قـبلها اسـتشاطَ ضـراما

وجـرى ذائـباً مـن الـعينِ دمعاً

أحـمـراً قـانياً يـسحُ انـسجاما(١)

____________________

(١) شعراء الغري ١١ / ١٠١.


٨ - قال الشيخ محمّد علي اليعقوبي (رحمه الله):

عجبتُ لمَنْ صرفَ القضا طوع أمرهم

كـما شاءَ صرف الدهرِ فيهم تصرّفا

لـقد آنـسوا وادي الطفوف وأوحشوا

بـطيبة ربـعاً لـلندى بـعدهم عـفا

جـلا مـنهمُ فـي كربلا قمرُ الهدى

كـواكبٌ تـمحو غيهبَ الشركِ مسدفا

لـهم مـوقفٌ بـالطفِّ لـم نرَ مثلهُ

ولا قـبـلهُ أو بـعـدهُ قـطُّ مـوقفا

غـداة ابـن بـنت الوحي جادَ بأنفسٍ

عـلى بـذلها قـد عـاهدَ اللهَ بـالوفا

وأوّل فادٍ نـفسه لـلهدى (ابـنهُ)

فـللهِ نـفسٌ مـا أعـزّ وأشـرفا

شـبيه (رسـول اللهِ) خُـلقاً ومـنطقاً

وخَـلـقاً يـروقُ الـناظر الـمتشوّفا

رأى الـقومُ منه في الوغى بأسَ جدّهِ

فـلم تـلقَ مـأوى لـلفرارِ ومـألفا

يـكرُّ عـليهم مـن صـفيحةِ عزمهِ

بـأمضى مـن الـهنديِّ حدّاً وأرهفا


وآبَ وقـد أروى الأوامُ فؤادهُ

وأجـهـدهُ ثـقلُ الـحديدِ وأضـعفا

يُـنادى أبـاهُ هـل سـبيلٌ لـشربةٍ

تـروّي حـشا يـذكو صـدى وتلهّفا

فـعـادَ ومـا بـلّ الـمعينُ غـليلهُ

فـلا طـابَ لـلورّادِ يـوماً ولا صفا

إذا لـم يـذق مـن باردِ الماءِ رشفهُ

فـمن (كـوثرِ الخلدِ) ارتوى وترشّفا

ولـمّا انـثنى نحو الوغى شبّ نارها

وفـرّق مـن جـمعِ الـعدى ما تألّفا

بـحيث الـمواضي قـد تـكهّمَ حدّها

قـراعـاً وخـطّي الـوشيجِ تـقصّفا

إلـى أن هـوى تـحتَ العجاجِ كأنّهُ

هـلالٌ تـراءى لـلنواظرِ واخـتفى

درى مـرهفُ (الـعبديّ) أذ فلَّ هامهُ

بأنَّ شـباهُ فـلَّ لـلدينِ مـرهفا

رآهُ أبوهُ والـعـوالي تـنـاهبتْ

حـشاهُ وأهـوت فـوقهُ البيضُ عكّفا

بـكـاهُ ونـاداهُ بـصوتٍ لـو اَنّـهُ

وعـتهُ الصفا من شجوهِ صدّعَ الصفا


فـيا زهـرةً مـا خلتُ قبل اقتطافها

بـأيـدي الـمنايا أن تُـنالَ وتـقطفا

فـقد حـالت الأيـامُ بـعدكَ واكتست

أساً فـعلى الأيـامِ مـن بـعدكَ العفا(١)

٩ - قال السيد مهدي الأعرجي (رحمه الله):

على الضيمِ كم تُغضي الجفونَ اُباتُهُ

ويُـغزى الحمى منها وتُرضى حماتُهُ

عـجبتُ لـفهرٍ كـيفَ يـهدؤ حيُّها

وقد قُـتـلت أشـرافُهُ وسـراتُهُ

وتُـدركُ مـن فـهرٍ أُمـيّ تـراتها

وفـهرٍ لـديهم قـد أُضـيعت تراتُهُ

أتُـغضي لـؤيٌّ والـحسينُ زعيمها

بـهِ شـفت الـحقدَ الـقديمَ عـداتُهُ

فـفتيانهُ هاتيكَ صرعى على الثرى

وتـلكَ عـلى عـجفِ المطا فتياتُهُ

عجبتُ لمَنْ يقضي على النهرِ ظامياً

وقـد كـانَ مـهراً لـلبتولِ فـراتُهُ

____________________

(١) الذخائر / ٩٥.


ومـن حـولهِ ثـاوٍ شـبيهُ مـحمّدٍ

ومـن دمـهِ قـد خُـضّبت وفراتُهُ

فـتىً جُـمعت فـيهِ شـمائلُ أحمدٍ

وبـأسُ عـليِّ الـمرتضى وثـباتُهُ

فـواللهِ لا أنـساهُ يـوم الوغى وقد

حـكت حـملاتِ المرتضى حملاتُهُ

تـخالُ إذا مـا شـدَّ لـيثاً غضنفراً

شـديدُ الـقوى مـرهوبةٌ سـطواتُهُ

فتىً لا يهابُ الموتَ في حومةِ الوغى

فـسـيّان فـيـها مـوتُهُ وحـياتُهُ

فـينهلُّ مـن مـاءِ الـرقابِ حسامُهُ

وتـرعى سـويداءَ الـقلوبِ قـناتُهُ

فـلو شـاءَ أفـناهم ولـكن بـكفّهِ

ويـثـنيهِ عـنـهم حـلمُهُ وأنـاتُهُ

يـكرُّ عـليهم كـرّةَ الـليثِ والظما

وقد خـفيت مـمّا بـهِ كـلماتُهُ

فـلمّا رأى مـا نـابهُ السبطُ لم تزلْ

تـصـعّد مـن أحـشائهِ زفـراتُهُ

فـلهفي لـهُ مـا كـانَ أقصرَ عمرهُ

ثـماناً وعـشراً اُحـصيت سنواتُهُ


ولـهفي لـهُ غضّ الشبيبةِ قد قضى

وعـارضـهُ مـا دبَّ فـيهِ نـباتُهُ

فـواللهِ لا أنـسى الحسينَ مذ انحنى

عـلـيهِ وسـالت بـالدما عـبراتُهُ

وحـيـنَ رأى ذاكَ الـمُحيّا مـرمّلاً

بـقاني الـدما قـد ضُرّجت وجناتُهُ

فـنادى و دمعُ العينِ من شدّةِ الجوى

يـسحُّ كـما سـحّ الـحيا قـطراتُهُ

بُـنيَّ جـرحتَ الـقلبَ منّيَ والحشا

بـفقدكَ جـرحاً مـنهُ تـعيا أساتهُ

فيالكَ غصناً قـد عراكَ الذبولُ

في الأوانِ الذي تُجنى بهِ ثمراتُهُ(١)

١٠ - من قصيدة للسيد مهدي البحراني (طاب ثراه):

أيـا حـرب باللهِ لا تصرعي

فتىً ألفَ البيضَ يوم الصيالِ

دعي ليَ ابن ليلى فلا تصدعي

بـهِ قلبَ ليلى بطعنِ العوالي

____________________

(١) علي الأكبر - للمقرم / ١٤٤.


فـلا تصدعي قلبَ أُمِّ الوحيد

بـواحدها واحـداً في المعالي

بـغضِّ الـشبيبةِ لا تـرجعي

بـخائبةِ الكفِّ والقلبِ صالي

أسـائلُ عن واحدي حيثُ ما

تـغيّبَ تـحتَ القنا والصقالِ

ومـا ضـيّعت مثلهُ العاديات

بـمضماره حيث رشّ النبالِ

وإن حـجبتهُ عـن الـعينِ إذ

عـليهِ الـنصالُ بإثرِ النصالِ

ولـكنّهُ ضـاعَ نـشرُ الأريج

كـما ضاعَ فينا أريجُ الغوالي

بُـنيّ أبيت سوى القاصرات

وخـلّفتَ عندي سمرَ العوالي

ورحـتَ لحوضِ أبيكَ النبي

وسـارعتَ بعد الظما للزلالِ

بُـنيّ اقـتطعتكَ من مهجتي

أتـقطعُ عنّي جميلَ الوصالِ

بُـنيّ عـراكَ خسوفُ الردى

وشـأنُ الخسوفِ قُبيلَ الكمالِ


بُـنيّ حـرامٌ عـليِّ الـرقاد

وأنـتَ مـكبٌّ بوجهِ الرمالِ

أبـعد ابن ليلى تطيبُ الليالي

وآمـلُ أمـراً عـزيز المنالِ

أبـعد ابن ليلي تطيبُ الحياة

وأرغـبُ بالعيشِ ما بين آلي(١)

١١ - من قصيدة للدكتور أحمد الوائلي (رحمه الله):

نـدب تـحدّرَ مـن سـلالةِ فتيةٍ

ملؤوا ربـاعَ الأرض بـالآلاءِ

بدر تـتوّجهُ خـلائقُ أحـمد

بـفـصاحةٍ وسـماحةٍ ومـضاءِ

مـتجلببٌ مـن حـيدرٍ بـشجاعةٍ

ومن الـحسينِ مـوشّحٌ بـإباءِ

سـل عنهُ أكنافَ الطفوفِ فكم بها

تـركت صـفيحتهُ مـن الأشلاءِ

وسـل الـقواضبَ والقنا عن نثرهِ

والـنظمِ فـهي بـهِ مـن الخبراءِ

____________________

(١) علي الأكبر - للمقرم / ١٣٨.


مـلكَ الـوغى بـحسامهِ فـأحالها

دهـماءَ أعـيت ألـسنَ الـبلغاءِ

خـرسـت مـقاولها فـلا مـتكلّمٌ

وغـدت تُـشيرُ إلـيهِ بـالإيماءِ

سـيّـان عـندَ سـنانهِ وحـسامهِ

يـوم الـهياجِ قـريبها والـنائي

بـطلٌ تـخبُّ بـهِ ربيبةُ سبسبٍ

يـهتزُّ صـلواها مـن الـخيلاءِ

غـرّاء تـستبقُ النواظرَ إن سرت

أوحـت لـذهنكَ لـيلةَ الإسـراءِ

غـيران يـفتكُ بـالاُلوفِ وعمرهُ

مـا جـاوزَ العقدينِ في الإحصاءِ

والـسبطُ يـرصدهُ وفـوقَ جبينهِ

لـلـناظرينَ بوادرُ الـسـرّاءِ

وأصـاخَ يُـسمعُ رجـزهُ ويجيبهُ الـ

ـميدانُ عـندَ الـرجزِ بالأصداءِ

وإذا بـهِ يـدعوهُ أدركـني فـقد

دارت عـلـيّ بـجمعها أعـدائي

فـانقضَّ مثل الصقرِ شام فريسته

وجلا الصفوفَ وجالَ في الأرجاءِ


حـتّى إذا دفـعَ الـعدى عن شبلهِ

آوى إلـيـهِ بـلـوعةٍ وبـكـاءِ

ألـفاهُ مـنعفرَ الـجبين تمازجت

حـمرُ الـدماءِ بـوجنةٍ بـيضاءِ

ورأى شـفارَ الـمرهفاتِ تلاعبت

بـجـمالِ تـلكَ الـقامةِ الـهيفاءِ

فـجـثا وأقـنعَ لـلسماءِ بـشيبةٍ

مـغـمورةٍ بـمـدامعٍ و دماءِ

يـا عـدلُ قـد قـتلوا شبيه محمّدٍ

أنـزل بـساحتهم عـظيمَ بـلاءِ

وأحـلّ رأسَ ولـيده فـي حجرهِ

وانـصاعَ يـمسحُ عـثيرَ الغبراءِ(١)

يـا نـبعةً غـذّيتُها بـدمِ الـحشا

وغـرستُها فـي روضـةٍ غـنّاءِ

ووقـيتُها لـفحَ الـهجيرِ وحـطّتا

بـأضالعي بـدلاًَ عـن الإحـناءِ

حـتّى إذا بـسقت لـدان فروعها

وتـفـتّحت عـن بـهجةٍ ورِواءِ

وتـضـوّعت نـفـحاتُها عـبّاقةً

وتـماوجت فـي رونـقٍ وسـناءِ

____________________

(١) في البيت خلل عروضي واضح.(موقع معهد الإمامين الحسنَين)


وذهبتُ أرقبُ ما رجوتُ من الجنى

ثـمراً يـعوّضني كـبير عـنائي

أودى بـها الـحدثان وهـي فتية

فـأحالَ قـفراً من خصيبِ رجائي

أبُـنيّ أقـصدني الزمانُ وفتّ في

عـضدي فلا أسطيعُ حملَ ردائي

لـم أنـسَ إذ حـملتهُ فـتيةُ هاشمٍ

لـحـرائرٍ يـندبنَ وسـطَ خـباءِ

فـحنت عـليهِ الـثاكلاتُ لواطماً

حـرَّ الـوجوهِ بـلوعةٍ وشـجاءِ

لـهفي لـزينبَ إذ رأت وفـراتهُ

مـخـضوبةً بـدمٍ عـن الـحنّاءِ

عـقد الأسى منها اللسانَ فأعولتْ

لـفـقيدها بـالـدمعةِ الـخرساءِ

أبُـنيّ كـنتَ لي الأنيسَ إذا دجى الـ

ـليلُ الـبهيمُ وكنتَ بدرَ سمائي

يـا صـرحَ آمـالٍ ألـوذُ بجنبهِ

عـند الـخطوبِ فهدّ صرحُ بنائي

فـإلى الـلقا يـومَ المعادِ فلا أرى الـ

أيامَ تـسـعدُ قـبـلهُ بـلقاءِ


١٢ - قال الشيخ عبد المنعم الفرطوسي (رحمه الله):

مـصرعُ الـحقِّ في جهادِ لؤيٍّ

خـضّبَ الأُفـقَ من دماءِ عليِّ

شـفقٌ كُـحّلت بـهِ كـلُّ عينٍ

واكـتسى مـنهُ كلّ قلبٍ شجيِّ

قـبّلتهُ شـمسُ الضحى بسناها

فـسقاها مـن لـونهِ العسجديِّ

مـصرعٌ لـلإباءِ والفخرُ صنوٌ

هـو مـهدٌ لـكلِّ حـرٍّ أبـيِّ

سـاحةٌ لـلجهادِ أُوكـلت الأعـ

ـمار فيها لـرمحهِ الـسمهريِّ

أمّـها الـصقرُ فاستطارَ بغاثُ الـ

ـطيرِ رعباً من بطشهِ العلويِّ

حـامَ فـيها وسـيفهُ بـالمنايا

خـافقٌ فـوقَ رأسِ كـلِّ كميِّ

كـم نـفوسٌ سالت عليهِ بحوراً

وهو ظامي الأحشاءِ من كلّ ريِّ

وجـموعٌ سـودٌ وبـيضُ بنودٍ

قـد أُصـيبت منهُ بنشرٍ وطيِّ


أروعٌ هزّتِ الـحميّةُ مـنهُ

عـاطفاتٍ تـهزُّ كـلَّ حـميِّ

بـاسمٌ والـكماةُ تـعبسُ مـنهُ

فـرقاً فـي زحـامِ يـومٍ دجيِّ

فـالمجلّي هـو الـمجلّي فراراً

مـن حـسامٍ بـكفّهِ مـشرفيِّ

والـشجاعُ الـذي تـحدّقُ فيهِ

مـقلتاهُ مـن الـمكانِ الـقصيِّ

وهـو لـولا شـهادةٌ وقـضاءٌ

كُـتبا فـوقَ لـوحةِ الأزلـيِّ

لـمحا بـالحسامِ وهـو سـعيدٌ

كـلَّ رجـسٍ من الأعادي شقيِّ

وشـهيدٌ مـجدُ الـشهادةِ فـيهِ

يـتـسامى بـأروعٍ مـضريِّ

يـنتمي الـفخرُ والـعلاءُ إليهِ

وهـو يُـنمى لـفاطمٍ وعـليِّ

فـي حياءِ العذراءِ في جرأةِ الليـ

ـثِ بـيومِ الندى ويومِ النديِّ


يـتلاشى الـفجرُ الـبهي حياءً

حـينَ يـبدو لـهُ بـوجهٍ بهيِّ

وتـميدُ الأغـصانُ قصفاً إذا ما

يـتهادى زهـواً بـقصدٍ طريِّ

وتـغارُ الحسناءُ وهو خضيبٌ

بـدماهُ مـن شـعرهِ الـذهبيِّ

والأقـاحي تـودُّ لـو أنّ فيها

بـسمةً مـن جـمالِ ثغرٍ شذيِّ

نـفّست نـينوى الدراري عليهِ

إذ زهـت مـنهُ بـالفمِ الدرّيِّ

لـهفَ نفسي يُزفُّ للخلدِ والدمـ

ـعُ نثـارٌ لـعـرسهِ الـدمويِّ

ومـن الـنحرِ في يديهِ خضابٌ

أيـنَ مـنهُ خـضابُ كلِّ فتيِّ

ومن العادياتِ في السوقِ رقصٌ

ومـن البيضِ خيرُ لحنٍ شجيِّ

أهـو عـرسٌ أم مأتمٌ فيهِ يعلو

لـبـناتِ الـزهـراء أي دويِّ


وذبـيحٌ يـحقُّ فـي كلِّ عضوٍ

مـنهُ أن يُـفتدى بـذِبحٍ زكيِّ

تـتوارى الأقـمارُ حـينَ تراهُ

من مُـحيّاً مـعفّرٍ قـمريِّ

ولـقد كـانَ أشـبَه الناسِ خَلقاً

خُـلِـقاً مـنطقاً بـخيرِ نـبيِّ

بـعدما أنـقذَ الـرشادَ عـلاهُ

بـحسامِ الـضلالِ مـنقذُ غيِّ

فـهوى البدرُ باسمُ الثغرِ بُشراً

دامـيَ النحرِ والجبينِ الوضيِّ

فـوقَ مـهدٍ من السيوفِ وثيرٍ

تـحتَ ظـلٍّ من القنا والقسيِّ

وهـو يدعو أباهُ شجواً بصوتٍ

مـتـلاشٍ مـمّا عـراهُ خـفيِّ

أبـتـاهُ عـليكَ مـنّى سـلامٌ

قـد سـقاني جـدّي بريٍّ هنيِّ

فـأتاهُ الـحسينُ يسرعُ بالخطـ

ـو ويعدو وقور آلِ لـويِّ

فـرأى جـسمهُ الموزّعُ أضحى

قـطعاتٍ عـلى الصعيدِ السويِّ


فـرمى نـفسهُ عـليهِ حـزيناً

بـفـؤادٍ دامٍ وطرفٍ بـكيِّ

نـادياً عـندهُ بُـنيّ عـلى الدنـ

ـيا الـعفا بـعدَ خـيرِ صفيِّ

قـتلَ اللهُ شـرّ قـومٍ أضاعوا

حـرمةَ الـمصطفى بقتلِ عليِّ(١)

____________________

(١) ديوان الفرطوسي ١ / ٨٥.


كلمات العلماء والعظماء

وليست هذه الكلمات ممّا يُستدل بها على عظمة شهيد الطفّ، فهو أجلّ وأرفع من ذلك، لكن هذه الكلمات تُعطي القارئ الكريم صورة على إجماع السلف والخلف، والمؤالف والمخالف على عظمة شهيد الإباء.

كما إنّ هذه الكلمات تكشف عن جوانب مختلفة من حياة الشهيد العظيم (رضوان الله عليه وصلواته)، فهي حرية أن يطّلع عليها القرّاء؛ لهذا وذاك سجّلنا منها:

١ - قال معاوية: من أحقّ الناس بهذا الأمر ؟

قالوا: أنت.

قال: لا، أولى الناس بهذا الأمر عليُّ بن الحسين بن علي؛ جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفيه شجاعة بني هاشم، وسخاء بني أُمية، وزهو ثقيف(١) .

٢ - قال الشيخ الدربندي: إنّه كان أفضل من جميع حواري رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهم: سلمان وأبو ذر ومقداد، ومن جميع

____________________

(١) مقاتل الطالبيين / ٥٢.


حواري أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهم: عمرو بن الحمق الخزاعي، وميثم التمّار، وأويس القرني، ومحمد بن أبي بكر(١) .

٣ - قال الشيخ حسين البلادي: وكُنيته أبو الحسن، ولقبه الأكبر؛ لأنّه الأكبر على الأصح، والسقّا؛ لأنّهعليه‌السلام سقى عيالات أبيه. وكان (سلام الله عليه) عالي الشأن، فارس الفرسان، ومن المودّة والمواساة لأبيه في أعلى مكان(٢) .

٤ - قال السيد هبة الدين الشهرستاني: سُمّي شبيه النبي، فترعرع الصبي وترعرع معه جمال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونما فيه الكمال، وأزهرت حوله الآمال، وبلغ تصابي آل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه مبلغ الوله والعشق؛ فكان إذا تلا آية، أو روى رواية مثُل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في كلامه ومقامه.

وأضاف على شبه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في الجسم شبهاً بجدّه عليعليه‌السلام في الاسم، كما شابهه في الشجاعة، وفي تعصّبه للحقّ(٣) .

____________________

(١) أسرار الشهادة / ٣٦٩.

(٢) كتاب (مقتل علي الأكبر) / ٣.

(٣) نهضة الحسينعليه‌السلام / ١١٩.


٥ - قال الشيخ حبيب آل إبراهيم في شجاعتهعليه‌السلام : فدعا ابن سعد بطارق بن كثير، وكان فارساً منّاعاً، فخرج إلى علي فاقتتلا؛ فضربه علي فقتله، فخرج إليه أخوه فقتله، وطلب البراز فلم يبرز إليه أحد(١) .

٦ - قال الشيخ محمّد علي الزهيري: فإنّه كان في منتهى الشرف والفضيلة، وكبر النفس، ولقد جمع العلم والحلم، والتقى والورع، والهيبة والنباهة، والسخاء والشجاعة، إلى غير ذلك من الصفات الحميدة، والنعوت الكريمة(٢) .

٧ - قال الشيخ عبد الواحد المظفّر: إنّ الكاتب القدير، والخطيب المتضلّع، إذا همّ بتحديد ناحية من نواحي فضائله الجمّة، ومكارمه العديدة، ورام أن يبرزها للمجتمع بصفتها الحقيقية، جاذبته الناحية الاُخرى؛ فالشجاعة، فالعلم، فالكرم، فالسؤدد، فالفصاحة، فالبصيرة، فالتقوى، فاليقين، فالإخلاص، فالتفاني في الدين إلخ(٣) .

____________________

(١) ذكرى الحسينعليه‌السلام ٢ / ١١٦.

(٢) المعارف الإسلاميّة ١ / ٢٥.

(٣) الأمالي المنتخبة / ١٥٢.


٨ - قال إسماعيل اليوسف: خرج علي بن الحسين الأكبرعليه‌السلام وكان من أصبح الناس وجهاً، وأحسنهم خلقاً، وكان في الخامسة والعشرين من عمره، وهو أوّل شهيد يوم كربلاء من آل أبي طالب(١) .

٩ - قال خير الدين الزركلي: علي الأكبر بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي، من سادات الطالبيين وشجعانهم، قُتل مع أبيه الحسين السبط الشهيد في وقعة الطفّ (كربلاء)، وكان أوّل مَنْ قُتل بها من أهل الحسين(٢) .

١٠ - قال خالد محمّد خالد: وكان أوّلهم انطلاقاً علي بن الحسين، فتى لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره. انظروا ها هو ذا في نضرة شبابه وريعان إهابه، في روعة بأسه وشرف نفسه يتوسّط حراب الأعداء وسيوفهم، وهو ينشد:

أنا عليُّ بنُ الحسين بنِ علي

نحن وربّ البيت أولى بالنبي

تالله لا يحكم فينا ابنُ الدعي

____________________

(١) شهيد كربلاء الحسين بن عليعليه‌السلام / ٨٠.

(٢) الأعلام ٥ / ٨٦.


تماماً كما كان يصنع من قبل جدّه الإمام عليعليه‌السلام حين كان يقتحم المعارك في عنفوانه اللجب، وهو يزأر:

أنا الذي سمّتني أُمي حيدره

كليـث غاباتٍ كريهِ المنظره

أكيلهم بالصاع كيلَ السندره

ها هو ذا ابن التاسعة عشرة يعيد إلى الحياة مرّة اُخرى بطولات جدّه العظيم، ذرّية بعضها من بعض(١) .

١١ - وقال أميل حبش الأشقر: وهذا علي الأكبر بن الحسين، وأُمّه ليلى بنت أبي مرّة، يحمل على القوم وهو يقول:

أنا عليُّ بنُ الحسين بنِ علي

نحن وربِّ البيت أولى بالنبي

تالله لا يحكم فينا ابنُ الدعي

فعل ذلك مراراً، لا يبالي بالعاصفة الهوجاء تضيع فيها نفوس الرجال حتّى طعنه مرّة بن منقذ العبدي طعنة لفظ بعدها الروح(٢) .

____________________

(١) أبناء الرسول في كربلاء / ١٧٢.

(٢) فاجعة كربلاء / ٢٦.


خاتمة المطاف

وخليق بشيعة أهل البيتعليهم‌السلام الذين دأبوا على إحياء أمرهم، وتعداد مناقبهم، وإقامة مآتمهم أن يسلكوا طريقهم، ويأتمروا بأوامرهم، وينتهوا بنواهيهم. وقد تكرر منهم القول:(( شيعتنا من شايعنا بأعماله وأقواله )) .

وهذه الصفحات إشعاعة من حياة شبلهم المقدام قرأنا فيها الإيمان الصادق، والعقيدة الراسخة، والتضحية في سبيل المبدأ، والاستهانة بالموت من أجل الإسلام، وهي مدعاة لنا للسير في الطريق الذي سلكه، والمنهج الذي اختاره،( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١) .

____________________

(١) سورة آل عمران / ٣١.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين


الفهرس

الإهداء ٣

هذا الكتاب.. ٥

في سطور ٧

الإمام الحسين عليه‌السلام.... ٩

العصمة ١٢

أوَلَسنا على الحقّ. ١٥

أمـان. ١٩

الشهادة ٢٤

مرقده عليه‌السلام.... ٢٨

كلمات الأئمّة عليهم‌السلام.... ٣٠

موكب الشعراء ٣٤

كلمات العلماء والعظماء ٧٦

خاتمة المطاف.. ٨١