الأجوبة الوافية في رد شبهات الوهابية
المجلّد الأول
تأليف: مؤسسة الكوثر للمعارف الإسلامية
لجنة التحقيق: الشيخ قيصر التميمي، الشيخ علي حمود العبادي، الشيخ شاكر عطية الساعدي
تصحيح: الشيخ عبد السادة الساعدي والشيخ أمير كاظم حسون
مراجعة وتقويم: السيد حاتم البخاتي والسيد ميثم الخطيب
الناشر: دهكده جهاني آل محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم
الطبعة الأولى: / ١٤٢٨ هجري قمري
التنضيد والإخراج الفني : مؤسسة الكوثر للمعارف الإسلامية / محسن الجابري
الطبع: أميران ـ قم المقدسة
سعر الدوره : ٩٠٠٠ تومان
العدد: ٢٠٠٠
شابك: ٤ ـ ٧ ـ ٩٤٣٨٨ ـ ٩٦٤ ـ ٩٧٨
جميع حقوق الطبع والترجمة محفوظة للمؤسسة الكوثر للمعارف الإسلامية
هاتف: ٧٧٣٠٩٤٤ ـ ٢٥١ ـ ٠٠٩٨
سايت: www.Annalat.org
العنوان : قم / الشارع سمية / زقاق ١٨ / رقم الدار ١٥
مقدّمة الكتاب
الحوار والمناظرة من الفنون العريقة وذات الجذور المتأصّلة في التاريخ ، وقد يصعب على الباحث ـ بحسب ما بحوزته من التراث ـ أن يعطي صورة واضحة عن انطلاقة هذا الفن وبداياته .
ولكن القرآن الكريم أطلعنا على حوار جرى بين الله تعالى وبين ملائكته ، حينما أراد أن يخلق الإنسان ويجعله خليفة في الأرض ، وذلك في قوله تعالى : ( وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (١) ، فالله تعالى قد فسح المجال أمام الملائكة للإدلاء برأيهم في خلافة الإنسان ، وقد افترضوا أنّ خليفة الله عزّ وجلّ لا يمكن أن يكون مفسداً ولا سفّاكاً للدماء ، فأقرّهم الله تعالى على ذلك ولم يبطل حجّتهم ، إلاّ أنّه أجابهم من جهة أخرى ، وهي أنّهم لم يطّلعوا على الحقيقة كاملة ، وأنّ هناك أهدافاً وغايات سامية تترتب على خلافة الإنسان في الأرض قد خفيت عليهم ، ولا يحقّ لهم أن يدخلوا الحوار والمناظرة إلاّ عن علم واطلاع ، وقد أذعنوا بذلك عندما قالوا : ( سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاّ مَا عَلّمْتَنَا إِنّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) (٢) .
ـــــــــــــ
(١) البقرة : ٣٠ .
(٢) البقرة : ٣١ .
ونفهم من ذلك أنّ الحوار من الأبواب التي فتحها الله تعالى أمام كل مفكّر عاقل قادر على إدراك الحقائق والاطلاع على مجريات الأحداث ؛ ومن هذا المنطلق أيضاً نجد أنّ الله تعالى قد أعطى إبليس حرية الرأي وإبداء الملاحظات في المسألة ذاتها ، مع سابق علمه تعالى ببطلان حجته ، وقد حكى لنا القرآن الكريم حواراً ومناظرة استدلالية قد دارت ـ في ذلك الحين ـ بين الله تعالى وبين إبليس عندما أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم عليهالسلام : ( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَالَكَ أَلاّ تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنّكَ رَجِيمٌ ) (١) .
هذه الحرية في الحوار وإبداء الرأي تعطينا صورة واضحة عن أهمية هذا المبدأ الذي تقوم عليه ركائز العلاقة بين الله تعالى وبين مخلوقاته .
ثم إنّنا عندما نتابع سيرة الأنبياء الذين بعثهم الله تعالى لهداية الخلق ، نجدها قائمة على التمسّك بمبدأ الحوار والحرص على إيصال الرأي الآخر إلى الطرف المخالف ، من قبيل ما جرى بين إبراهيم عليهالسلام وبين النمرود ، قال تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِي حَاجّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّيَ الّذِى يُحْيِيْ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنّ اللهَ يَأْتِي بِالشّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ ) (٢) .
وهذا ما أمر الله تعالى به نبيّه الأكرم محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما في قوله تعالى : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ رَبّكَ هُوَ
ـــــــــــــ
(١) الحجر : ٣٠ ـ ٣٤ .
(٢) البقرة : ٢٥٨ .
أَعْلَمُ بِمَن ضَلّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (١)
إذن فالنتيجة التي نخلص إليها : أنّ الحوار ومبدأ المناظرة مقدّس ديني وإلهي قبل أن يكون من مقدّسات البشر .
ولكن المؤسف هو أنّ بعض القنوات الفضائية قد أساءت إلى هذا المقدّس الديني والبشري ، عندما استضافت للحوار أشخاصاً لا يؤمنون به ، بل يرفعون شعار التكفير والقتل والإرهاب بوجه كل مَن يخالفهم الرأي .
وقناة المستقلّة الفضائية ـ سيّئة الصيت ـ من تلك القنوات التي كانت ولا زالت تستدعي للحوار المتعجرفين من أتباع الفرقة الوهابيّة الضالّة ، من أمثال عثمان الخميس والدمشقية والبلوشي ، وغيرهم من التكفيريين ، الذين ما فتئوا يكفّرون المسلمين بكافة طوائفهم ، مستندين في ذلك إلى حجج واهية أملتها عليهم نفوسهم الضعيفة .
وبهذا أصبحت قناة المستقلّة الفضائية من القنوات المشبوهة ؛ إذ ابتعدت عن عنوانها الذي تسمّت به ، محاولة ـ بواسطة أولئك الضالّين ـ أن تزرع الحقد والكراهية في نفوس المسلمين ، وهدفها من وراء ذلك إثارة النعرات الطائفية ، وإحداث الفرقة بين أبناء أمتنا الإسلاميّة الواحدة ، مع أنّ المسلمين في وقتنا الحاضر بأمس الحاجة إلى التماسك والوحدّة ، ورصّ الصفوف ؛ للوقوف أمام التحدّيات التي يواجهونها .
ـــــــــــــ
(١) النحل : ١٢٥ .
ومن منطلق الشعور بالمسؤولية كانت مؤسّسة الكوثر للمعارف الإسلامية تتابع ما يجري على تلك القناة عن كثب وحرص شديدين ، وكانت تسعى جادّة أيضاً لدراسة هذه الظاهرة الخطيرة والهدّامة ، وقد ساهمت في ذلك الحين للعمل على إزاحة الشبهات التي قد تستحدثها أبواق الضلال في نفوس المسلمين .
ولكي تكون هذه المؤسسة المباركة فاعلة في هذا الميدان ، ومؤثّرة في أداء ما تشعر به من المسؤولية تجاه ما يجري في العالم الإسلامي ؛ بادرت ـ من خلال قسم البحوث والدراسات ـ إلى دراسة أهم الشبهات العقائدية التي أثارها التكفيريون من الفرقة الضالة ، ثم تصدّت وبكل جدارة للإجابة عن هذه الشبهات بأجوبة محكمة ورصينة ، كشفت القناع عن زيف ما يزعمه المبطلون .
وقد استجاب لإنجاز هذه المبادرة الطيبة كل من : فضيلة الشيخ علي حمود الشطري العبادي ، وفضيلة الشيخ قيصر التميمي ، وفضيلة الشيخ شاكر عطية الساعدي ، فجزاهم الله عن الإسلام خيراً ، وجعل عملهم هذا خالصاً لوجهه الكريم ، ونافعاً في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلاّ مَن أتى الله بقلب سليم .
وحاولوا في أجوبتهم هذه جاهدين أن يبتعدوا عن لغة السب والتكفير والتجاوز على آراء وعقيدة المذاهب الإسلامية الأخرى ، ومعتمدين في كل ذلك على الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة ، مستنيرين بهدي الكتاب الكريم والسنّة النبوية المباركة ، التي وردت في الكتب المعتمدة عند أبناء الطائفة السنّيّة .
لقد التزمنا في الإجابة عن الشبهات في فصول هذا الكتاب منهجاً واضحاً يستند إلى الأساليب العلمية والمعتمدة في مجال البحث والتحقيق ، ويمكن تلخيص تلك الأساليب بالنقاط التالية :
١ ـ اعتماد التحليل والوصف في عرض الأجوبة ، ثم الحكم عليها من خلال نصوص القرآن الكريم والسنّة النبوية المباركة .
٢ ـ اعتماد المصادر الحديثية والروائية المعتمدة والمعتبرة عند علماء الطائفة السنّية .
٣ ـ اعتماد الكتب الرجالية والدرائية في تصحيح طرق الروايات والأحاديث الواردة عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، والاستناد في توثيق أو تضعيف الرواة على أصحّ المباني المعتمدة لدى كبار علماء الطائفة السنّية .
٤ ـ اعتماد أقوال علماء الطائفة السنية من خلال الرجوع إلى أهم المصادر والكتب المعتبرة .
٥ ـ الابتعاد عن لغة السب والتكفير والتجاوز على آراء وعقيدة المذاهب الإسلامية الأخرى ، معتمدين في ذلك كلّه على الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة في سبيل الوصول إلى الحقيقة ، بعيداً عن التعصّب المذهبي والجدال بالباطل .
جاء البحث على النحو التالي :
تقسيم البحث إلى جزئيين ، وكل جزء يتضمّن على عدّة فصول .
وقد تضمّن الجزء الأول الفصول التالية :
الفصل الأول : وقد تناول الإجابة عن شبهة عدم الجعل الإلهي للإمامة .
أمّا الفصل الثاني : فقد اختصت الإجابة فيه عن الشبهة القائلة بأن حديث الأثني عشر فكرة يهودية .
وأمّا الفصل الثالث : فقد تضمّن الإجابة عن الشبهات الواردة حول الإمام المهدي عليهالسلام ، والفائدة من وجوده وغيبته عليهالسلام .
وأمّا الفصل الرابع : فأجبنا فيه عن شبهة استبعاد عصيان الصحابة لما أوصى به الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم .
أمّا الفصل الخامس : فقد اعتني بالإجابة عن الشبهة القائلة بوجود النص على خلافة أبي بكر .
وأمّا الفصل السادس : فقد خصّصناه للإجابة عن شبهة الغلو في مسألة إمامة أهل البيت عليهمالسلام .
أمّا الجزء الثاني فتضمّن الفصول التالية :
الفصل الأول : وقد كُرّس للإجابة عن الشبهة القائلة بأنّ الشعائر الحسينية بدعة .
أمّا الفصل الثاني : فتضمّن الإجابة عن الشبهة القائلة بأنّ التوسّل بأهل البيت عليهمالسلام شرك .
وأمّا الفصل الثالث : فهو يجيب عن شبهة عدم مشروعية اللعن في القرآن الكريم والسنّة الشريفة .
أمّا الفصل الرابع : فقد تصدّى للإجابة عن شبهة تحريف القرآن المنسوبة إلى الشيعة .
وأمّا الفصل الخامس : فقد أجاب عن شبهة عدم مشروعيّة التقيّة .
وأمّا الفصل السادس : فقد اعتني بالإجابة عن شبهة عدم مشروعية الزواج المؤقّت ( المتعة ) .
ولا يفوتنا أن نتقدّم بالشكر الجزيل لكل مَن ساهم في إنجاز هذا الكتاب ، لا سيّما الأخ السيد حاتم الموسوي ، والشيخ فلاح عبد الحسن الدوخي ، لما بذلاه من جهد ومتابعة .
وأخيراً نرجوا الله تعالى أن نكون قد وفقنا فيما قصدناه من الدفاع عن العقيدة والحرص على وحدة الأمة الإسلامية ، والله من وراء القصد .
لجنة التأليف في قسم الدراسات والبحوث
مؤسسة الكوثر للمعارف الإسلامية
٢٥ / ذي القعدة / ١٤٢٨ هـ
الفصل الأوّل: هل الإمامة جعل إلهي؟
١ ـ شبهات حول الإمامة
هل الإمامة جعل إلهي ؟
الإمامة في القرآن
٢ ـ شبهات حوله آية الولاية
١ ـ آية الولاية لا تختصّ بعلي عليهالسلام .
٢ ـ آية الولاية لا تعني الأولى بالتصرّف
٣ ـ آية الولاية لا تشمل بقيّة الأئمّة
٤ ـ كيف يستدل الشيعة بشأن النزول ؟
٥ ـ المعروف أنّ عليّاً فقير فكيف يتصدّق ؟
٣ ـ آية البلاغة تدل على أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لم يبلّغ سابقاً
٤ ـ لا وجود لاسم علي في القرآن
٥ ـ آية التطهير لا تختصّ بأئمّة الشيعة
الفصل الأوّل: هل الإمامة جعل إلهي ؟
إنّ الإمامة غير مجعولة من الله تعالى ؛ لأنّها لو كانت كذلك فإمّا أن يكون المراد منها الحكومة أو الهداية ، مع أنّنا نعلم أنّ الأئمّة لم يحكموا ، إلاّ الإمام علي والحسن ، وإن كانت الإمامة هي إمامة هداية فأين آثارهم وأقوالهم ؟
ينبغي لكل إنسان أن يؤسّس عقيدته على قواعد معرفية صحيحة ؛ لأنّ العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق ، لا يزيده سرعة السير إلاّ بعداً(١) .
وكما قال الله عزّ وجلّ : ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطّيّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ ) (٢) .
وعلى ضوء ذلك يجب علينا أن نعي ونتفهّم بيانات القرآن الكريم جيداً ، الذي هو تبيان لكل شيء ، قال تعالى: ( وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (٣) .
ومن أبرز المفاهيم التي أولاها القرآن الكريم عناية خاصة ، هي مسألة الإمامة ، وقد طفحت النصوص القرآنية بذكرها والتأكيد عليها ، والمهمّة ذاتها تنهض بها النصوص النبوية الشريفة .
فالقول بأنّ الإمامة لا ذكر لها في القرآن ، أو أنّها لا فائدة منها ، أو لا
ـــــــــــــ
(١) انظر : أصول الكافي ، محمد بن يعقوب الكليني : ج ١ ص ٤٣ .
(٢) فاطر : ١٠ .
(٣) النحل : ٨٩ .
معنى لها ، أو غير ذلك ، لا يستبطن إلاّ الجهل بالقرآن الكريم .
وقبل الدخول في البحث ـ الذي نستهدف فيه إعطاء لمحة تصوّرية عامة عن الإمامة في القرآن الكريم ـ نبدأ بتقديم نقطة منهجية تساهم في إيضاح المطلوب ، ضمن العناوين التالية :
عندما نقف على نصّ قرآني واحد يلتقي في الدلالة على المطلوب مع عدّة نصوص قرآنية أخرى ، وهو قاله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (١) ، نجد أنّه يكشف وبكل وضوح عن كون الإمامة عهداً وجعلاً واصطفاءً واختياراً من الله تعالى لذلك الإنسان الذي يرى الله عزّ وجلّ فيه القابلية والاستعداد لتسنّمه هذا المنصب الإلهي .
من ذلك يتضح أنّ الرؤية القرآنية للإمام الهادي أن يكون بجعل وعهد من الله تعالى : ( إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (٢) ، وقوله تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (٣) ، وقوله تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) (٤) ، وقوله تعالى : ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتّقِينَ إِمَاماً ) (٥) ، وقوله تعالى :
ـــــــــــــ
(١) البقرة : ١٢٤ .
(٢) البقرة : ١٢٤ .
(٣) السجدة : ٢٤ .
(٤) الأنبياء : ٧٣ .
(٥) الفرقان : ٧٤ .
( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (١) .
وكذلك تكشف الآية المباركة ( إِنّي جَاعِلُكَ ) عن أنّ الإمامة غير النبوّة ، وممّا يؤكّد هذا المعنى :
أوّلاً : أنّ نبي الله إبراهيم عليهالسلام مُنِحَ هذا المقام بعد تعرّضه لسلسلة من الابتلاءات والاختبارات ، وكان ذلك في أواخر عمره الشريف ؛ لأنّه طلبها لذرّيته ، وهو لا يتناسب إلاّ مع حصول الذرّية له ، وتجاوزه مرحلة الشباب والفتوّة ، خصوصاً وأنّه عليهالسلام لم يُرزق الذريّة إلاّ بعد فترة مديدة من الزمن تجاوز فيها تلك المرحلة ، في حين أنّه عليهالسلام عندما أعلن دعوته كان شاباً يافعاً ، كما هو مفاد قوله تعالى : ( قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ) (٢) .
ثانياً : إنّ اسم الفاعل في ـ الآية المباركة ـ ( جاعل ) لا يعمل في المفعول ( إماماً ) إلاّ إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال ، ولا يعمل في الماضي ، وحيث إنّ النبوّة كانت ثابتة مسبقاً لإبراهيم عليهالسلام ، فلابد أن يكون إعطاء الإمامة لإبراهيم عليهالسلام في الحال أو الاستقبال ، أي بعد نبوّته(٣) .
وبالتأمّل في حصيلة ما ذكرناه يحصل الاطمئنان بأنّ منصب الإمامة أُعطي لإبراهيم بعد أن كان رسولاً نبيّاً ، ولم يكن إماماً .
ـــــــــــــ
(١) القصص : ٥ .
(٢) الأنبياء : ٦٠ .
(٣) شرح الرضي على الكافية ، رضي الدين الأسترابادي : ج ٣ ص ٤١٥ .
إنّ الإمامة والهداية الإلهية استمرار وامتداد لمهام الرسالات السماوية ، المتمثّلة بذكر تفاصيلها وبيان مبهماتها ومحكمها ومتشابهها وتفعيلها في الأمة وغير ذلك ؛ وذلك لأنّ عمر الرسول عادة يكون أقصر من عمر الرسالة ، ومن هنا فقد تستمر الرسالة من خلال الأنبياء التابعين للرسل من أُولي العزم ، أو من خلال الأئمّة والأوصياء عندما تنقطع النبوّة ويرتفع الوحي ، كما في الرسالة الخاتمة ، فلابد من بقاء الهداية واستمرارها ، قال تعالى : ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (١) ؛ وذلك هو مفاد آيات البلاغ والولاية وحديث الثقلين وحديث الاثني عشر وحديث لا تخلو الأرض من حجّة وغيرها ، فيكون الإمام هو الهادي للأمة بعد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا تقتصر إمامته على عصر دون آخر ، وإنّما هي دائمة مستمرّة ، وهذا ما يمليه عليه موقعه من الدين الإسلامي ، وكونه هادياً للأمة بجعل ربّاني دائم ، لا أنّه أمر مؤقّت يتعلّق بمقطع خاص من الزمان والمكان ، وإنّما هو سنّة إلهية ثابتة ، وحجّة لله في الأرض ، قال تعالى : ( وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) (٢) .
قال الآلوسي في تفسيره : ( ولم تزل تلك الخلافة في الإنسان الكامل إلى قيام الساعة وساعة القيام ، بل متى فارق هذا الإنسان العالِم مات العالَم ؛ لأنّه الروح الذي به قوامه ، فهو العماد المعنوي للسماء ، والدار الدنيا جارحة من جوارح جسد العالم الذي الإنسان روحه ، ولمّا كان هذا الاسم الجامع قابل الحضرتين بذاته ؛ صحّت له الخلافة وتدبير العالم ، والله
ـــــــــــــ
(١) الزخرف : ٢٨ .
(٢) الرعد : ٧ .
سبحانه الفعّال لما يريد ولا فاعل على الحقيقة سواه )(١) ، ويلتقي هذا المعنى مع قوله تعالى : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (٢) ، وقوله تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) (٣) ، ويؤكّد ذلك أيضاً ما ذكره السيوطي في تفسيره ، قال : ( أخرج ابن مردويه عن برزة الأسلمي ، قال : سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : ( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ) ، ووضع يده على صدر نفسه ، ثم وضعها على صدر علي عليهالسلام ويقول : ( وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) (٤) ، وفي موضع آخر عن ابن جرير وابن مردويه و... أنّه قال : ( وضع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يده على صدره ، فقال :أنا المنذر ، وأومأ بيده إلى منكب علي رضياللهعنه فقال :أنت الهادي يا علي ، بك يهتدي المهتدون من بعدي )(٥) ، وأخرج الحاكم في المستدرك : ( عن علي : ( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) ، قال علي :رسول الله المنذر ، وأنا الهادي ، ثم قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه )(٦)
إذن تبيّن من جميع ما تقدّم ضرورة وجود الإمام الهادي في كل زمان ، وهذا ما أجمع عليه المسلمون كافة إلاّ أنّهم اختلفوا في أنّ الإمام
ـــــــــــــ
(١) روح المعاني ، الآلوسي : ج ١ ص ٢٢٠ ـ ٢٢١.
(٢) السجدة : ٢٤ .
(٣) الأنبياء : ٧٣ .
(٤) الدر المنثور ، جلال الدين السيوطي : ج ٤ ص ٦٠٨ ؛ وكذا ما في شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج ١ ص ٣٨٦ ؛ وجامع البيان ، محمد بن جرير الطبري : ج ١٣ ص ١٤٢ ؛ وقال الشوكاني في فتح القدير : ج ٣ ص ٧٠ ، ( وصحّحه ابن مردويه وابن عساكر عن علي بن أبي طالب ) .
(٥) الدر المنثور ، جلال الدين السيوطي : ج ٤ ص ٦٠٨ .
(٦) لاحظ : جامع البيان ، محمد بن جرير الطبري : ج ١٣ ص ١٤٢ ؛ الدر المنثور ، جلال الدين السيوطي : ج ٤ ص ٦٠٨ ؛ المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ١٣٠ .
الذي يخلف الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، هل هو بجعل ونص إلهي أم لا ؟ وقد صرّح بذلك ابن حجر المكّي في ( صواعقه ) ، حيث قال : ( اعلم أيضاً أنّ الصحابة (رضوان الله عليهم) اجمعوا على أنّ نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوّة واجب واختلافهم في التعيين لا يقدح في الإجماع المذكور )(١) .
كذلك كشفت الآية المباركة : ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (٢) النقاب عن قاعدة أساسية وسنّة إلهية مُحكمة ، وهي أنّ العهد والجعل لا ينال الظالمين ، ومن الواضح أنّ إطلاق ( الظالمين ) شامل لكل ظلم ، سواء كان على الغير أم على النفس ، وشامل أيضاً لكل معصية صغيرة أو كبيرة ارتكبها الإنسان في بعض مراحل حياته ، ومن أظهر مصاديق الظلم هو الشرك بالله تعالى وعبادة غيره ، قال عزّ وجلّ : ( إِنّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (٣) ، فإذا انطبق عليه عنوان الظلم يكون غير صالح لهذا المقام الإلهي ؛ وبذلك اتضح أن الإمام ـ بعد كون إمامته مجعولة من الله عزّ وجلّ ـ لابد أنّ يكون معصوماً ، وهذا الشرط ـ وهو العصمة ـ قد أكّدته آية التطهير ، وحديث الثقلين وغيرهما ، حيث دلّت على عصمة الأئمّة الاثني عشر عليهمالسلام بعد الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم .
ـــــــــــــ
(١) الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيتمي : ص ١٥ .
(٢) البقرة : ١٢٤ .
(٣) لقمان : ١٣ .
وانطلاقاً من تسالم المسلمين على أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يشغل جميع مناصب القيادة والإمامة من الحكومة السياسية ، والمرجعية الدينية والفكرية والقضائية والإجرائية وغيرها ، فالولاية الثابتة لرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم شاملة لجميع تلك المناصب ، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، والذي ينهض بأعباء هذه المهمّة بعد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، هم أهل بيته عليهمالسلام ، الذين نصّبهم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وجعلهم هداة من بعده ، وأمر المسلمين بالتمسّك بهديهم ، كما نصّ على ذلك حديث الغدير ، الذي جاء فيه قول الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم :( من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللّهمّ والِ مَن والاه وعاد مَن عاداه ) (١) ، وكذا ما جاء في حديث الثقلين ، عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :( أنا تارك فيكم الثقلين : أولاهما كتاب الله فيه الهدى والنور ، فاخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ) (٢) ، ليكملوا مسيرته صلىاللهعليهوآلهوسلم وترشيد
ـــــــــــــ
(١) مسند أحمد بن حنبل : ج ١ ص ٨٤ ، ص ١١٨ ، ص ١١٩ ، ص ١٥٢ ، ج ٤ ص ٢٨١ ، ص ٣٧٠ ، ص ٣٧٢ ، ج ٥ ص ٣٤٧ ، ص ٣٦٦ ، ص ٣٧٠ ؛ سنن ابن ماجه : ج ١ ص ٤٣ ؛ سنن الترمذي : ج ٥ ص ٢٩٧ ؛ المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ١٠٩ ـ ١١٦ ، ص ١٣٤ ، ص ٣٧١ ، ص ٥٣٣ ؛ مجمع الزوائد ، نور الدين الهيثمي : ج ٧ ص ١٧ ، ج ٩ ص ١٠٤ ؛ وقال فيه : (عن سعيد بن وهب راوه أحمد ورجاله رجال الصحيح) ؛ فتح الباري : ج ٧ ص ٦١ ؛ وقال فيه : ( فقد أخرجه الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق جداً ، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد ، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان ) ؛ صحيح ابن حبان: ج ١٥ ص ٣٧٦ وما بعد ، وغيرها من المصادر الكثيرة جداً ، فراجع .
(٢) صحيح مسلم : ج ٤ ص ١٨٧٣ ح ٢٤٠٨ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ١ ص ١٧٠ ، قال الهيثمي : رواه الطبري في الكبير ورجاله ثقات ؛ ج ٩ ص ١٦٢ ـ ١٦٣ ؛ الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيتمي : ص ٣٤١ ـ ٣٤٢ ، وقال : ( وفي رواية صحيحة : كأنّي قد دعيت ) ، تفسير ابن كثير : ج ٤ ص ١٢٢ ، قال فيه : ( وقد ثبت في الصحيح أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال في خطبته بغدير خم ( الحديث ) ؛ صحيح الترمذي ، الألباني : ج ٣ ص ٥٤٣ ح ٣٧٨٨ ، قال : ( صحيح ) ؛ وصحّحه أيضاً في صحيح الجامع الصغير : ج ١ ص ٨٤٢ ، ح ٢٤٥٧ ؛ والمصادر في ذلك كثيرة جداً ، وبطرق تبلغ حد التواتر ؛ فراجع .
الأمة الإسلامية من بعده ، وهدايتها وقيادتها في جميع المجالات ، كما كان ذلك لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ لأنّ هذا هو ما تقتضيه عصمتهم عليهمالسلام ، ومع وجود المعصوم لا يحق لغيره التقدم ؛ فإنّ العقل والفطرة السليمة تأبى تقديم من يجوز فيه الخطأ على مَن لا يخطأ أبداً وهو المعصوم .
وكيف يجوز أن يقدّم أحد على إنسان طاعته طاعة الله ، ومعصيته معصية الله ، قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( مَن أطاعني فقد أطاع الله ومَن عصاني فقد عصى الله ، ومَن أطاع عليّاً فقد أطاعني ومَن عصى عليّاً فقد عصاني ) ، قال الحاكم النيسابوري في المستدرك : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(١) .
وعلى هذا الأساس تكون هداية الإمام المعصوم عليهالسلام شاملة لكل المناصب القيادية التي ترتبط بهداية الناس ، من المرجعية الدينية والفكرية والاجتماعية والسياسية والقضائية ، ولا ينحصر دور الإمام في الحكومة السياسية فقط ، وهذه نقطة مهمّة كانت وما زالت محل التباس في الوعي الإسلامي عند أهل السنّة ؛ ظنّاً منهم أنّ الشيعة تقول بانحصار دور الإمام في الحكم السياسي فحسب ، فإذا لم يكن حاكماً لم يكن إماماً ، مع أنّ الأمر ليس كذلك ، بل الإمامة قيادة وهداية للأمة في كل مجالات الحياة وعلى جميع الأصعدة ، فأهل البيت عليهمالسلام الذين ثبتت عصمتهم وشرافة علمهم هم الأجدر والأحق في تسنّم تلك المناصب ؛ ولذلك نصّب الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاً عليهالسلام من بعده للإمامة بكافّة أبعادها ومن ذلك كلّه يتضح أنّ إقصاء أهل البيت عليهمالسلام عن موقعهم ، وهو القيادة والحكومة السياسية ـ التي تعتبر أحد أبعاد الإمامة ـ لا يعني زوال إمامتهم التي ثبتت بجعل إلهي وتنصيب نبوي ، بل على الأمة تقديمهم واتباعهم والإقتداء بهم .
ـــــــــــــ
(١) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ١٢١ ، ص ١٢٨ ؛ تاريخ مدينة دمشق : ج ٤٢ ص ٣٠٧ .
ومن هنا نعلم أنّ الإمامة من المسائل الأساسية في الإسلام وذات مناصب متعددة ، ولكن مع ذلك قد يعتدى على بعض تلك المناصب فيقع التجاوز على حق الإمام المعصوم ، كما في الجانب الحكومي والجانب العلمي والقضائي في الأمة ، وذلك باستحداث مرجعيات حكومية مزيّفة في قبال مرجعية المعصوم الإلهية الحقّة ، وقد تحوّل بسبب ذلك نظام القيادة والخلافة في الإسلام إلى قشور لا لباب فيها ، لا سيّما في العصر الأموي ، الذي أصبح الحكم الإسلامي فيه ملكاً عضوضاً لا يحمل من الإسلام إلا اسمه ، ولكن هذا لا يعني سقوط ذلك الحق وإيقاف مسيرة الهداية ، التي تسير بقيادة أهل البيت عليهمالسلام ، كما هو الحال في الأنبياء عليهمالسلام ، فهم هداة للبشرية جمعاء ، وإعراض أكثر الناس عنهم لا يسقطهم عن كونهم هداة للبشرية ، فالإمامة هداية في كل تلك الجوانب ، والإمام يهدي مَن أراد الهداية والرشاد ، وأمّا الإعراض عن الاستهداء بالإمام المعصوم عليهالسلام فلا يعني ذلك إسقاط الإمام عن إمامته وهدايته ، ولا يخفى دور أهل البيت عليهمالسلام في هداية الأمة والمحافظة على رسالة الإسلام ، فضلاً عمّا خلّفوه من تراث ثر في مختلف العلوم رغم قساوة الظروف وشدّتها عليهم عليهمالسلام
وهذا التراث الشيعي زاخر بأحاديثهم وأقوالهم الشاملة لجميع مجالات الحياة المختلفة ، وهذا ما لا يكاد يخفى أيضاً على كبار أعلام أهل السنّة ، الذين استفادوا من هذا التراث ، وقد ورد في حق أئمّة أهل البيت شهادات كثيرة من قبل أهل السنّة تكشف وتبيّن فضلهم وعلو منزلتهم وصلاحيّتهم للخلافة والإمامة ، وكذا تبيّن دورهم المحوري والفاعل في الأمة ، نكتفي بذكر بعضها :
إنّ الروايات في فضل الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام وفضائله في الإسلام كثيرة جداً ، تجاوزت حدّ الإحصاء ، وقد أُلّفت الكتب وسطّرت الروايات في ذلك ، وقد قال أحمد بن حنبل : ( ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من الفضائل ما جاء لعلي عليهالسلام )(١) ، وقال ابن حجر في صواعقه : ( وهي كثيرة عظيمة شهيرة حتى قال أحمد ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي ، وقال إسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري لم يرد في حق أحد من الصحابة في الأسانيد الحسان أكثر ما جاء في علي )(٢) ، ولا يخفى دور الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام في الإسلام في زمن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وبعده .
لا يخفى فضل الإمام الحسن والإمام الحسين عليهماالسلام ودورهما في
ـــــــــــــ
(١) المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري : ج٣ ص ١٠٧ .
(٢) الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيتمي : ص ١٨٦ .
الإسلام ، ودفاعهما عن شريعة جدّهما صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما قاما به من إصلاح في الأمة الإسلامية ، ووقوفهما سداً منيعاً أمام كل المحاولات التي تستهدف النيل من الرسالة الإسلامية ؛ لما يحملانه من خصائص ، ومميّزات ، وقد تواترت الروايات في علو شأنهما وسمو مقامهما ، كل ذلك جعل لهما الدور الفاعل في التأثير البالغ في المسلمين ، سواء على الصعيد الفكري أم الاجتماعي أم غيرهما ، كل ذلك في زمن أصبحت الحياة الإسلامية فيه مسرحاً للخلافات ، والجرائم والآثام ، وأصبحت فيه الحكومة ملكاً عضوضاً يتوارثه بنو أمية فيما بينهم بالقهر والغلبة ، وقد انبرى الإمام الحسن والإمام الحسين عليهماالسلام في ذلك الحين لمعالجة الواقع المرير ، وقد جاء في مجامع أحاديث السنّة أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال في حق ابنه الحسن عليهالسلام : ( إنّ ابني هذا سيّد ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين )(١) ، وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم في حق ابنه الحسين عليهالسلام :( حسين منّي وأنا منه أحبّ الله مَن أحبّه ، الحسن والحسين سبطان من الأسباط ) (٢)
ولذا قام الإمام الحسين عليهالسلام ثائراً على الظلم آمراً بالمعروف ، ناهياً عن المنكر ، مضحّياً بنفسه وأهل بيته في سبيل إعلاء كلمة الحق ، طالباً
ـــــــــــــ
(١) صحيح البخاري : ج ٢ ص ١٧٩ ح ٢٧٠٤ ؛ الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيتمي : ص ٢٩١ ، وغيرها من المصادر الكثيرة جداً من الفريقين .
(٢) التاريخ الكبير ، البخاري : ج ٨ ص ٤١٥ ح ٣٥٣٦ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ٨ ص ٢٢٤ ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٣ ص ٣٢ ح ٢٥٨٦ ، ج ٢٢ ص ٢٧٤ ؛ الجامع الصغير ، السيوطي : ج ١ ص ٥٧٥ ح ٣٧٢٧ ؛ فيض القدير في شرح الجامع الصغير ، المناوي : ج ٣ ص ٥١٣ ؛ وفي صحيح الجامع الصغير ، الألباني : ج ١ ص ٦٠١ ـ ٦٠٢ ح ٣١٤٦ ، قال عن الحديث بأنّه ، (حسن) ، وغيرها من المصادر الكثيرة .
الإصلاح في أمة جده صلىاللهعليهوآلهوسلم عندما لاحظ الممارسات البعيدة عن روح الدين والأخلاق من قِبَل الحكومة آنذاك ، حينما اتخذت الإسلام ستاراً لتغطية جرائمها وممارساتها المتهتّكة ؛ ولذا قال عليهالسلام عندما خرج متوجّهاً إلى الكوفة :( إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنّما خرجت أطلب الإصلاح في أمة جدي محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ) (١) .
وقد قال الذهبي في مدحهما وبيان موقعهما القيادي في الأمة عليهماالسلام : ( فمولانا الإمام علي من الخلفاء الراشدين ، وابناه الحسن والحسين : فسبطا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وسيّدا شباب أهل الجنة ، لو استخلفا لكانا أهلاً لذلك )(٢)
ولا نطيل الحديث في ذلك بعد أن ثبت أنّهما عليهماالسلام إمامان قاماً أو قعداً(٣) .
قال في حقّه محمد بن إدريس الشافعي : ( هو أفقه أهل المدينة )(٤) .
وقال محمد بن أحمد الذهبي ( ت ٧٤٨ ) : ( كان له جلالة عجيبة ، وحق له والله ذلك ، فقد كان أهلاً للإمامة العظمى لشرفه ، وسؤدده وعلمه وتألّهه وكمال عقله )(٥) . وقال أيضاً : ( وزين العابدين : كبير القدر ، من سادة
ـــــــــــــ
(١) مقتل الحسين : الخوارزمي : ص ٢٧٣ ؛ الفتوح ، ابن أعثم الكوفي : ج ٥ ص ٣٤.
(٢) سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج ١٣ ص ١٢٠ .
(٣) شرح إحقاق الحق ، السيد المرعشي : ج ١٩ ص ٢١٦ ؛ نقلاً عن أهل البيت ، الأستاذ توفيق أبو علم : ص ١٩٥ ، طبعة مطبعة السعادة ـ القاهرة .
(٤) نقله الجاحظ في رسائله : ص ١٠٦ .
(٥) سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج ٤ ص ٣٩٨ .
العلماء العاملين يصلح للإمامة )(١) .
وقال ابن حجر العسقلاني : ( علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهالسلام الهاشمي زين العابدين ، ثقة ، ثبت ، عابد ، فقيه ، فاضل ، مشهور ، قال ابن عيينة عن الزهري : ما رأيت قرشياً أفضل منه )(٢) .
وقال ابن حجر في الصواعق : ( وأخرج أبو نعيم والسلفي لمّا حجّ هشام بن عبد الملك في حياة أبيه أو الوليد لم يمكنه أن يصل للحجر من الزحام ، فنُصب له منبر إلى جانب زمزم ، وجلس ينظر إلى الناس ، وحوله جماعة من أعيان أهل الشام ، فبينا هو كذلك إذ أقبل زين العابدين ، فلمّا انتهى إلى الحجر تنحّى له الناس حتى استلم ، فقال أهل الشام لهشام ، مَن هذا ؟ قال : لا أعرفه ؛ مخافة أن يرغب أهل الشام في زين العابدين ، فقال الفرزدق : أنا أعرفه ، ثم أنشد :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته |
والبيت يعرفه والحلّ والحرمُ |
|
هذا ابن خير عباد الله كلّهمُ |
هذا التقي النقي الطاهر العلمُ |
|
إذا رأته قريشٌ قال قائلها |
إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ |
|
ينمي إلى ذروة العِزّ التي قصرت |
عن نيلها عرب الإسلام والعجمُ |
ـــــــــــــ
(١) سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج ١٣ ص ١٢٠ .
(٢) تقريب التهذيب ، ابن حجر : ج ١ ص ٦٩٢ .
وكذا من أبيات تلك القصيدة :
هذا ابن فاطمةٍ إن كنت جاهله |
بجدّه أنبياءُ الله قد خُتموا |
|
فليس قولك من هذا بضائره |
العرب تعرف مَن أنكرت والعجمُ |
ثم قال :
من معشرٍ حبّهم دين وبغضهم |
كفرٌ وقربهم منجى ومعتصمُ |
|
لا يستطيع جواد بعد غايتهم |
ولا يدانيهم قومٌ وإن كرموا |
فلمّا سمع هشام غضب ، وحبس الفرزدق بعسفان )(١) .
قال في حقّه أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ : ( وهو سيّد فقهاء الحجاز ، ومنه ومن ابنه جعفر تعلّم الناس الفقه ، وهو الملقّب بالباقر ، باقر العلم ، لقبّه به رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يخلق بعد ، وبشّر به ووعد جابر بن عبد
ـــــــــــــ
(١) الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيتمي : ص ٣٠٣ ـ ٣٠٤ .
الله برؤيته ، وقال : ستراه طفلاً ، فإذا رأيته فبلّغه عنّي السلام ، فعاش جابر حتى رآه ، وقال له ما وصّى )(١) .
وقال الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء : ( ومنهم الحاضر الذاكر الخاشع الصابر أبو جعفر محمد بن علي الباقر ، كان من سلالة النبوّة ، وممّن جمع حسب الدين والأبوّة ، تكلّم في العوارض والخطرات ، وسفح الدموع والعبرات ، ونهى عن المراء والخصومات )(٢) .
وقال سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص : ( قال عطاء : ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر ، لقد رأيت الحكم عنده كأنّه مغلوب ، يعني بالحكم الحكم بن عيينة ، وكان عالماً نبيلاً جليلاً في زمانه )(٣) .
وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات : ( سمّي بذلك ؛ لأنّه بقر العلم أي شقّه وعرف أصله وعرف خفيّه وهو تابعي جليل ، إمام بارع ، مجمع على جلالته ، معدود في فقهاء المدينة وأئمّتهم )(٤) .
وقال ابن خلكان : ( كان الباقر علماً ، سيّداً ، كبيراً ، وإنّما قيل له الباقر
ـــــــــــــ
(١) رسائل الجاحظ : ص ١٠٨ ؛ جمعها ونشرها حسن السندوبي .
(٢) حلية الأولياء ، أبو فرج الأصفهاني : ج ٣ ص ١٨٠ ، وكذا بألفاظ مختلفة في البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ٩ ص ٣٣٩ .
(٣) تذكرة الخواص ، الذهبي : ص ٣٠٢ .
(٤) تهذيب الأسماء واللغات : ج ١ ص ١٠٣ .
لأنّه تبقر في العلم )(١) .
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء : ( أبو جعفر الباقر : سيّد ، إمام ، فقيه ، يصلح للخلافة )(٢) ، وفي هذا المضمون ما قاله صلاح الدين الصفدي(٣) .
وقال محمد بن المنكدر : ( ما رأيت أحداً يفضّل على علي بن الحسين ، حتى رأيت ابنه محمداً ، أردت يوماً أن أعظه فوعظني )(٤) .
وقال ابن كثير في البداية والنهاية : ( وهو تابعي جليل ، كبير القدر كثيراً ، أحد أعلام هذه الأُمّة ، علماً وعملاً ، وسيادة وشرفاً )(٥) .
وقال الهيتمي في صواعقه بعد أن ذكر علي بن الحسين عليهماالسلام ما نصّه : ( وارثه منهم ، عبادة وعلماً وزهادة ، أبو جعفر محمد الباقر سمّي بذلك : من بقر الأرض ، أي شقّها فلذلك هو أظهر من مخبآت كنوز المعارف ، وحقائق الأحكام والحكم واللطائف ، ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة ، أو فاسد الطويّة والسريرة ، ومن ثَمّ قيل فيه : هو باقر العلم ، وجامعه ، وشاهر علمه ، ورافعه صفا قلبه وزكى علمه وعمله ، وطهرت نفسه ، وشرف خلقه وعمرت أوقاته بطاعة الله ، وله من الرسوم في مقامات العارفين ما تكل عنه ألسنة الواصفين ، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحملها هذه العجالة ، وكفاه شرفاً أنّ ابن المديني روى عن جابر أنّه قال له وهو صغير : رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يسلّم عليك ، فقيل له وكيف
ـــــــــــــ
(١) وفيات الأعيان ، ابن خلكان : ج ٤ ص ٣٠ .
(٢) سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج ١٣ ص ١٢٠ .
(٣) الوافي بالوفيات ، صلاح الدين الصفدي : ج ٤ ص ١٠٤ .
(٤) نقلاً عن تهذيب التهذيب : ج ٩ ص ٣١٣ .
(٥) البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ٩ ص ٣٣٨ .
ذاك ؟ قال : كنت جالساً عنده والحسين في حجره وهو يداعبه ، فقال :يا جابر ، يولد له مولود اسمه علي ، إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ ليقم سيّد العابدين فيقوم ولده ، ثم يولد له ولد اسمه محمد ، فإن أدركته يا جابر فأقرئه منّي السلام ) (١) .
وقال أبو الحنبلي : ( قال عبد الله بن عطاء : ما رأيت العلماء عند أحد أصغر منهم علماً عنده ، وله كلام نافع في الحكم والمواعظ )(٢) .
وقال محمد بن علي الصبان في إسعاف الراغبين : ( وأما محمد الباقر رضياللهعنه فهو صاحب المعارف وأخو الدقائق واللطائف ، ظهرت كراماته وكثرت في السلوك إشاراته ، لقب بالباقر لأنّه بقر العلم ، أي شقّه وعرف أصله وخفيّه )(٣) .
نقل عن أبي حنيفة أنّه قال : ( ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمد لمّا أقدمه المنصور الحيرة بعث إليّ ، فقال : يا أبا حنيفة ، إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيّئ له من مسائلك الصعاب ، قال : فهيّأت له أربعين مسألة ، ثم بعث إليّ أبو جعفر فأتيته بالحيرة ، فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه ، فلمّا بصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لم يدخل لأبي جعفر ، فسلّمت وأذن لي ، فجلست ، ثم ألتفت إلى جعفر ، فقال : يا أبا عبد
ـــــــــــــ
(١) الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيتمي : ص ٣٠٤ ـ ٣٠٥ .
(٢) شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب : ج ١ ص ٢٦٠ .
(٣) إسعاف الراغبين : ص ٢٥٠ .
الله ، تعرف هذا ؟ قال : نعم ، هذا أبو حنيفة ، ثم أتبعها : قد أتانا ، ثم قال : يا أبا حنيفة ، هات من مسائلك نسأل أبا عبد الله ، وابتدأت أسأله ، وكان يقول في المسألة : أنتم تقولون فيها : كذا وكذا ، وأهل المدينة يقولون : كذا وكذا ، ونحن نقول : كذا وكذا ، فربّما تابعنا ، وربّما تابع أهل المدينة ، وربّما خالفنا جميعاً ، حتى أتيت على أربعين مسألة ثم قال أبو حنيفة : أليس قد روينا أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس )(١) .
وقال في مختصر التحفة الاثني عشرية : ( لو لا السنتان لهلك النعمان )(٢) ، يعني السنتين اللتين نهل فيهما أبو حنيفة من بحر علم الإمام الصادق عليهالسلام .
وقال الحافظ شمس الدين الجزري : ( وثبت عندنا أنّ كلاً من الإمام مالك ، وأبي حنيفة (رحمهما الله تعالى) صحب الإمام أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهالسلام حتى قال أبو حنيفة : ما رأيت أفقه منه ، وقد دخلني منه من الهيبة ما لم يدخلني للمنصور )(٣) .
وقال الجاحظ بعد مدح عشرة من أهل البيت عليهمالسلام ، ومن ضمنهم الإمام الصادق عليهالسلام فقال : ( ومن الذي يُعد من قريش ، أو من غيرهم ما يعدّه الطالبيون عشرة في نسق ، كل واحد منهم عالم زاهد ناسك شجاع جواد طاهر زاك فمنهم خلفاء وهذا لم يتفق لبيت من بيوت العرب ولا بيوت العجم )(٤) .
ـــــــــــــ
(١) تهذيب الكمال ، المزي : ج ٥ ص ٧٩ ؛ نشر مؤسسة الرسالة .
(٢) نقلاً عن أسنى المطالب عمّا في مناقب سيّدنا علي بن أبي طالب : ص ٥٥ .
(٣) المصدر نفسه : ص ٥٥ .
(٤) رسائل الجاحظ : ص ١٠٦ .
وقال الذهبي في ترجمة مطوّلة للإمام الصادق عليهالسلام في كتابه تاريخ الإسلام ، قال في آخرها : ( مناقب جعفر كثيرة ، وكان يصلح للخلافة ، لسؤدده وفضله وعمله وشرفه (رضوان الله عليه) )(١) .
وقال أبو عبد الله سلمان اليافعي في كتابه مرآة الجنان ، في أحداث سنة (٤٨ هـ) : ( الإمام السيد الجليل سلالة النبوّة ومعدن الفتوّة أبو عبد الله جعفر الصادق عليهالسلام ، ودُفن بالبقيع في قبر فيه أبوه محمد الباقر وجدّه زين العابدين وعمّ جده الحسن بن علي (رضوان الله عليهم أجمعين) ، وأكرم بذلك القبر وما جمع من الأشراف الكرام أُولي المناقب ، وإنّما لقّب بالصادق لصدقه في مقالته ، وله كلام نفيس في علوم التوحيد وغيرها ، وقد ألّف تلميذه جابر بن حيان الصوفي كتاباً يشتمل على ألف ورقة يتضمّن رسائله ، وهي خمس مائة رسالة )(٢) .
وقال ابن حجر العسقلاني : ( جعفر بن محمد المعروف بالصادق ، صدوق ، فقيه ، إمام )(٣) .
قال الملا أبو علي القاري في شرح الشفا : ( جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني المعروف بالصادق متفق على إمامته وجلالته وسيادته )(٤) .
وقال محمد بن عبد الرؤوف المناوي القاهري في الكواكب الدريّة :
ـــــــــــــ
(١) تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات سنة ١٤١ ـ ١٦٠) ، الذهبي : ص ٩٣ .
(٢) مرآة الجنان وعبرة اليقظان : ج ١ ص ٢٣٨ .
(٣) تقريب التهذيب ، ابن حجر : ج ١ ص ١٦٣ .
(٤) شرح الشفا ، أبو علي القاري : ج ١ ص ٤٣ ـ ٤٤ .
( جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب إماماً وله كرامات كبيرة ومكاشفات شهيرة منها أنّه سُعي به عند المنصور ، فلمّا حجّ أحضر الساعي ، وقال للساعي أتحلف ؟ قال : نعم ، فحلف ، فقال : جعفر المنصور حلّفه بما رآه ، فقال : قل برئت من حول الله وقوّته ، والتجأ إلى حولي وقوّتي ، لقد فعل جعفر كذا وكذا ، فامتنع الرجل ، ثم حلف فمات مكانه ، ومنها أنّ بعض الطغاة قتل مولاه فلم يزل يصلّي ، ثم دعا عليه عند السحر فسمعت الضجّة بموته ، ومنها أنّه لمّا بلغه قول الحكم بن عباس الكلبي في عمّه زيد :
صَلَبْنا لكم زيْداً على جِذْعِ نَخْلَةٍ |
ولم نرَ مَهْديّاً على الجذْعِ يُصْلَبُ |
قال اللّهمّ سلّط عليه كلباً من كلابك ، فافترسه الأسد )(١) .
وقال ابن حجر الهيتمي في صواعقه : ( ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان )(٢) .
قال في حقّه محمد بن إدريس المنذر ، أبو حاتم (ت ٢٧٧ هـ) : ( ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين )(٣) .
وقال الفخر الرازي في بيان معنى الكوثر : ( والقول الثالث : الكوثر
ـــــــــــــ
(١) الكواكب الدريّة : ص ٩٤ .
(٢) الصواعق ، ابن حجر الهيتمي : ص ٣٠٥ .
(٣) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء : ج ٦ ص ٢٧٠ .
أولاده الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا عليهمالسلام )(١) .
وقال ابن حجر الهيتمي قال : ( موسى الكاظم : وهو وارثه [ أي جعفر الصادق ] علماً ومعرفةً وكمالاً وفضلاً ، سُمّي الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه ، وكان معروفاً عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله ، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم .
وسأله الرشيد كيف قلتم : إنّا ذرّية رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وأنتم أبناء علي ؟ فتلى : ( ومِن ذُرّيّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلّ مِنَ الصّالِحِينَ ) (٢) ، [وعيسى] ليس له أب ، وأيضاً قال تعالى : ( فَمَنْ حَاجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (٣) ، ولم يدعُ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم عند مباهلته النصارى غير علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم) ، فكان الحسن والحسين هما الأبناء )(٤) .
وقال خير الدين الزركلي (ت ١٣٩٦) : ( كان من سادات بني هاشم ، ومن أعبد أهل زمانه ، وأحد كبار العلماء الأجواد )(٥) .
ـــــــــــــ
(١) التفسير الكبير ، الفخر الرازي : ج ١٦ ص ١٢٥ .
(٢) الأنعام : ٨٤ ـ ٨٥ .
(٣) آل عمران : ٦١ .
(٤) الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيتمي : ص ٣٠٧ ـ ٣٠٨ .
(٥) الأعلام ، خير الدين الزركلي : ج ٧ ص ٣٢١ .
قال في حقّه ابن حبان (ت ٣٥٤ هـ) : ( وهو علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو الحسن ، من سادات أهل البيت وعقلائهم وجلة الهاشميين ونبلائهم وقبره بسناباذ خارج النوقان مشهور يزار بجنب قبر الرشيد ، قد زرته مراراً كثيرة ، وما حلّت بي شدّة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر علي بن موسى الرضا (صلوات الله على جدّه وعليه) ودعوت الله إزالتها عنّي إلا أستجيب لي وزالت عنّي تلك الشدّة ، وهذا شيء جرّبته (صلّى الله عليه وسلام الله عليه وعليهم أجمعين) )(١) .
وقال الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) في سير أعلام النبلاء : (علي الرضا الإمام السيد ، أبو الحسن ، علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين ، الهاشمي العلوي المدني وكان من العلم والدين والسؤدد بمكان ، يقال : أفتى وهو شاب في أيام مالك وقد كان علي الرضا كبير الشأن أهلاً للخلافة )(٢) .
وقال أيضاً : ( علي بن موسى الرضا كبير الشأن ، له علم وبيان ، ووقع في النفوس ، صيّره المأمون ولي عهده لجلالته )(٣) .
وقال الحاكم النيسابوري في تاريخه : ( كان يفتي في مسجد رسول
ـــــــــــــ
(١) الثقات ، الألباني : ج ٨ ص ٤٥٦ ـ ٤٥٧ .
(٢) سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج ٩ ص ٣٨٧ ـ ٣٩٢ .
(٣) المصدر نفسه : ج ١٣ ص ١٢١ .
الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو ابن نيّف وعشرين سنة )(١) .
قال في حقّه محمد بن طلحة الشافعي : ( عُرف بأبي جعفر الثاني ، وهو وإن كان صغير السن ، فهو كبير القدر رفيع الذكر )(٢) .
وقال ابن الجوزي : ( كان على منهاج أبيه في العلم والتقى والزهد والجود )(٣) .
وقال ابن تيمية : ( كان من أعيان بني هاشم معروف بالسخاء والسؤدد ، ولهذا سُمّي الجواد)(٤) .
وقال الذهبي : ( كان من سروات آل بيت النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم )(٥) ، وقد أشار إلى فضله وشرفه صلاح الدين الصفدي في مرآة الجنان(٦) .
وقال الذهبي أيضاً : ( محمد الجواد من سادة قومه )(٧) .
وقال ابن الصباغ المالكي : ( وإن كان صغير السن ، فهو كبير القدر رفيع الذكر ، القائم بالإمامة بعد علي بن موسى الرضا )(٨) .
ـــــــــــــ
(١) نقل قوله ابن حجر في تهذيب التهذيب : ج ٧ ص ٣٣٩ .
(٢) مطالب السؤول في مناقب الرسول ، كمال الدين الشافعي : ج ٢ ص ١٤٠ .
(٣) تذكرة الخواص ، السبط ابن الجوزي : ص ٣٢١ .
(٤) منهاج السنّة ، ابن تيمية : ج ٤ ص ٦٨ .
(٥) تاريخ الإسلام: (حوادث ووفيات سنة ٢١١ ـ ٢٢٠) ، الذهبي : ص ٣٥٨ .
(٦) مرآة الجنان ، عبد الله بن أسعد المكي: ج ٢ ص ٦٠ ـ ٦١ .
(٧) سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج ١٣ ص ١٢١ .
(٨) الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة ، ابن الصباغ المالكي : ص ٢٥٣ .
وقال يوسف بن إسماعيل النبهاني (ت ١٣٥٠ هـ) : ( محمد الجواد بن علي الرضا أحد أكابر الأئمّة ومصابيح الأُمّة من سادات أهل البيت توفّى وله من العمر (٢٥) سنة وشهر رضي الله عليه وعن آبائه الطيبين الطاهرين وأعقابهم أجمعين ونفعنا ببركتهم آمين )(١) .
وقال محمود بن وهيب : ( وهو الوارث لأبيه علماً وفضلاً ، وأجلّ أخوته قدراً وكمالاً )(٢) .
وقال السيد محمد عبد الغفار الهاشمي الأفغاني : ( خاف الملك المعتصم على ذهاب ملكه إلى الإمام محمد الجواد عليهالسلام إذ كان له قدر عظيم علماً وعملاً )(٣) .
قال في حقّه شمس الدين الذهبي في ( العبر ) : ( وفيها ـ أي سنة ٢٥٤ هجرية ـ توفّي أبو الحسن علي بن الجواد محمد ابن الرضا علي بن الكاظم موسى العلوي الحسيني المعروف بالهادي ، توفّي بسامراء وله أربعون سنة ، وكان فقيهاً إماماً متعبّداً )(٤) . وفي مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نجده عليهالسلام يستثمر الفرص لإبداء النصح ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث قال
ـــــــــــــ
(١) جامع كرامات الأولياء : ج١ : ص ١٦٨ ـ ١٦٩ .
(٢) أئمّتنا : محمد علي دخيل : ج ٢ ص ٢٠٦ .
(٣) شرح إحقاق الحق ، السيد المرعشي النجفي : ج ١٢ ص ٤١٧ ، نقلاً عن كتاب أئمّة الهدى : ص ١٣٥ ـ ط ١ القاهرة .
(٤) العبر في أخبار مَن غبر : ج ١ ص ٢٢٨ ؛ وكذا مرآة الجنان وعبرة اليقظان : ج ٢ ص ١١٩ .
ابن خلكان في وفيات الأعيان : ( وهو أحد الأئمّة الاثني عشر عند الإمامية ، كان قد سُعي به إلى المتوكل ، وقيل : إنّ في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته ، وأوهموه أنّه يطلب الأمر لنفسه ، فوجّه إليه بعدّة من الأتراك ليلاً ، فهجموا عليه في منزله على غفلة ، فوجدوه وحده في بيت مغلق ، وعليه مدرعة من شعر يترنّم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد ، ليس بينه وبين الأرض بساط إلاّ الرمل والحصى ، فأخذ على الصورة التي وجد عليها ، وحُمل إلى المتوكل في جوف الليل ، فمثُل بين يديه ، والمتوكل يستعمل الشراب وفي يده كأس ، فلمّا رآه أعضمه وأجلسه إلى جنبه ، ولم يكن في منزله شيء ممّا قيل عنه فناوله المتوكل الكأس الذي كان بيده ، فقال : اعفني ، ما خامر لحمي ودمي قط ، فاعفني منه ، فأعفاه وقال : أنشدني شعراً استحسنه ، فقال : إنّي لقليل الرواية للشعر ، قال : لابد أن تنشدني ، فأنشده :
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم |
غلبُ الرجال فما أغنتهم القللُ |
|
واستُنزلوا بعد عز من معاقلهم |
فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا |
|
ناداهم صارخٌ من بعد ما قُبروا |
أين الأسرة والتيجان والحللُ |
|
أين الوجوه التي كانت منعمةً |
من دونها تُضرب الأستار والكللُ |
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم |
تلك الوجوه عليها الدود يقتتلُ |
|
قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا |
فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا(١) |
وبنفس هذا المضمون قال ابن الوردي في كتابه أخبار مَن غبر(٢) ، وكذا أبو صلاح الصفدي(٣) .
وقال ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمّة : ( قال بعض أهل العلم : فضل أبي الحسن علي بن محمد الهادي قد ضرب على الحرة بابه ، ومدّ على نجوم السماء أطنابه فما تعدّ منقبة إلاّ وإليه نحلتها ، ولا تذكر كريمة إلاّ وله فضيلتها ، ولا تورد محمدة إلاّ وله تفضلها وجملتها فكانت نفسه مهذّبة وأخلاقه مستعذبة وسيرته عادلة وخلاله فاضلة جرى على الوقار والسكون والطمأنينة والعفّة والنزاهة ، والخمول في النباهة على وتيرة نبوية وشنشنة علوية ونفس زكية وهمّة عليّة )(٤) .
وقال ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة : ( توفّى [ الجواد ] وعمره خمس وعشرون سنة عن ذكرين وبنتين أجلّهم علي العسكري وكان وارث أبيه علماً وسخاءً )(٥) .
ـــــــــــــ
(١) وفيات الأعيان ، ابن خلكان : ج ٣ ص ٢٣٨ ؛ دار الكتب العلمية .
(٢) العبر في أخبار من غبر: ج ١ ص ٣٦٤ .
(٣) الوافي بالوفيات ، الصفدي : ج ٢٢ ص ٧٢ ـ ٧٣ .
(٤) الفصول المهمّة : ص ٢٧٠ .
(٥) الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيتمي : ص ٣١٢ .
وقال ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب : ( أبو الحسن المعروف بالهادي كان فقيهاً إماماً متعبّداً )(١) .
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء : ( وكذا ولده الملقّب بالهادي شريف جليل )(٢) .
قال في حقّه محمد بن طلحة الشافعي : ( اعلم أنّ المنقبة العليا والمزية الكبرى التي خصّه الله عزّ وجلّ بها ، وقلّده فريدها ، ومنحه تقليدها ، وجعلها صفة دائمة لا يبلي الدهر جديدها ، ولا تنسى الألسن تلاوتها وترديدها ، أنّ المهدي محمد من نسله المخلوق منه وولده المنتسب إليه ، وبضعته المنفصلة عنه )(٣) .
وقال ابن الجوزي : (... كان عالماً ثقة )(٤) وقال ابن الصباغ المالكي : ( مناقب سيّدنا أبي محمد العسكري دالة على أنّه السري ابن السري ، فلا يشك في إمامته أحد ولا يمتري واحد زمانه من غير مدافع ، ويسبح وحده من غير منازع ، وسيد أهل عصره ، وإمام أهل دهره ، أقواله سديدة وأفعاله حميدة كاشف الحقائق بنظره الصائب ، ومظهر الدقائق بفكره الثاقب ، المحدّث في سرّه بالأمور الخفيات ، الكريم
ـــــــــــــ
(١) شذرات الذهب ، عماد الحنبلي : ج ٢ ص ٢٧٢ .
(٢) سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج ١٣ ص ١٢١ .
(٣) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول : ج ٢ ص ١٤٨ .
(٤) تذكرة الخواص : ص ٣٢٤ .
الأصل والنفس والذات ، تغمّده الله برحمته وأسكنه فسيح جنانه بمحمد صلىاللهعليهوآلهوسلم آمين )(١) .
وقال العباس بن نور الدين المكي (ت ١١٨٠ هـ) : ( أبو محمد الإمام الحسن العسكري : نسبه أشهر من القمر ليلة أربعة عشر يعرف هو وأبوه بالعسكري ، وأمّا فضائله فلا يحصرها السن )(٢) .
وعن الشريف علي بن الدكتور محمد عبد الله فكري الحسيني القاهري : ( قال نسبه ولمّا ذاع خبر وفاته ارتجّت سُرّ مَن رأى وقامت صيحة واحدة ، وعطلت الأسواق ، وأغلقت الدكاكين ، وركب بنو هاشم والقوّاد والكتّاب والقضاة وسائر الناس إلى جنازته ، وكانت سرّ مَن رأى يومئذ شبيه بالقيامة )(٣) .
وقال الحضرمي الشافعي : ( أبو محمد الحسن الخالص بن علي العسكري ، كان عظيم الشأن جليل المقدار ووقع له مع المعتمد لما حبسه كرامة ظاهرة مشهورة )(٤)
وقد جمع مدحهم عليهمالسلام الذهبي في عبارة جامعة حيث قال : ( إنّ بني هاشم أفضل القريش ، وقريشاً أفضل العرب ، والعرب أفضل بني آدم ، كما صحّ عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قوله في الحديث الصحيح :إنّ الله اصطفى بني
ـــــــــــــ
(١) الفصول المهمة : ص ٢٧٩ ؛ وقال بمضمونه نور الدين السمهودي في كتابه الإتحاف بحب الأشراف .
(٢) حياة الإمام العسكري ، القرشي : ص ٦٩ .
(٣) شرح إحقاق الحق : ج ٢٩ ص ٦٠ ـ ٦١ ، نقلاً عن أحسن القصص : ج ٤ ص ٣٠٤ .
(٤) قادتنا كيف نعرفهم ، السيد الميلاني : ج ٧ ص ١١٥ ، عن وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل : ص ٤٢٦ .
إسماعيل ، واصطفى كنانة من بني إسماعيل ، واصطفى قريشاً من كنانة ، واصطفى بني هاشم من قريش )(١) .
وقال الذهبي في ترجمته للإمام المهدي المنتظر عليهالسلام : ( ومحمد هذا هو الذي يزعمون أنّه الخلف الحجّة ، وأنّه صاحب الزمان ، وأنّه حي لا يموت ، حتى يخرج ، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلئت ظلماً وجوراً .
فوددنا ذلك ، والله .
فمولانا الإمام علي : من الخلفاء الراشدين ، وابناه الحسن والحسين : فسبطا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وسيّدا شباب أهل الجنة ، لو استخلفا لكانا أهلاً لذلك .
وزين العابدين : كبير القدر ، من سادة العلماء العاملين ، يصلح للإمامة .
وكذلك ابنه أبو جعفر الباقر : سيد ، إمام ، فقيه ، يصلح للخلافة .
وكذلك ولده جعفر الصادق : كبير الشأن ، من أئمّة العلم ، كان أولى بالأمر من أبي جعفر المنصور .
وكان ولده موسى : كبير القدر ، جيد العلم ، أولى بالخلافة من هارون .
وابنه علي بن موسى الرضا : كبير الشأن ، له علم وبيان ، ووقع في النفوس ، صيّره المأمون ولي عهده لجلالته .
وابنه محمد الجواد : من سادة قومه .
وكذا ولده الملقّب بالهادي : شريف جليل .
وكذلك ابنه الحسن بن علي العسكري رحمهم الله تعالى )(٢) .
ـــــــــــــ
(١) رأس الحسين ، ابن تيمية : ص ٢٠٠ ـ ٢٠١ .
(٢) سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج ١٣ ص ١٢٠ ـ ١٢١ .
ومن جميع ما تقدّم يتضح ـ لمَن له أذن واعية ـ بطلان المقولة القائلة بأنّ الإمامة لا فائدة منها ، وأنّ الأئمّة الاثني عشر من آل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين) لم يمارسوا دورهم القيادي في الحكومة وهداية الأمة ؛ وذلك لقيام الأئمّة بمسؤوليتهم وأداء دورهم في حياة الأمة في الحفاظ على الرسالة ، وتحصينها ضد التردّي والسقوط في الهاوية .
وإنّ إقصاءهم عن تسلّم الحكم لا يعني تخلّيهم عن مسؤوليتهم في تحمّل أعباء الإمامة بما لها من أبعاد أخرى .
وأمّا قول المستشكل : أين هي أقوال أئمّة الاثني عشرية ؟
فنقول : ما عليك إلاّ بمراجعة يسيرة للتراث الشيعي حتى تجده زاخراً بروايات وتوصيات وتوجيهات أهل البيت عليهمالسلام في كل المجالات ، ولم تقتصر الاستفادة منها على شيعتهم وأتباعهم فقط ، وإنّما عمّت الفائدة لكل الطوائف الأخرى ، كما تقدّم .
١ ـ لا ريب أنّ الإمامة جعل إلهي ، كما نصّ على ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (١) .
٢ ـ من خلال الآية السابقة يتضح أنّ منصب الإمامة غير منصب النبوّة ؛ وذلك من خلال دعاء إبراهيم عليهالسلام الذي طلب هذا المنصب لذرّيته وهو في أواخر عمره الشريف ، مع أنّه كان نبيّاً في بداية حياته .
٣ ـ استمرار الإمامة في ذرّية إبراهيم كما في قوله تعالى : ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) (٢) ، وقوله تعالى : ( وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) (٣) ، وممّن ذهب إلى هذا القول من أهل السنّة القندوزي في ينابيع المودّة(٤) .
وقد أكّد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم على أنّ الهادي من بعده هو علي عليهالسلام .
٤ ـ بمقتضي قوله تعالى ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (٥) ، يتضح أنّ الإمام المنصوب من قبل الله تعالى لابد أن يكون معصوماً ؛ لأنّ الظالم لا ينال هذا العهد الإلهي ، ومن المعلوم أنّ المذنب والعاصي ولو مرة في حياته فهو ظالم لنفسه ، فلا يشمله العهد الإلهي .
٥ ـ إنّ منصب الإمامة شامل لكل المناصب القيادية التي ترتبط بهداية
ـــــــــــــ
(١) البقرة : ١٢٤ .
(٢) الزخرف : ٢٨ .
(٣) الرعد : ٧ .
(٤) ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ١ ص ٣٥٣ ـ ٣٥٤ ، ج ٢ ص ٢٤٨ ـ ٢٤٩ .
(٥) البقرة: ١٢٤ .
الناس من المرجعية الدينية والفكرية والاجتماعية والسياسية والقضائية ونحوها ، كما هو الحال في رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الذي شغل جميع المناصب القيادية ، وعلى هذا الضوء فليس من الصحيح اختزال دور الإمام في القيادة السياسية فحسب ، وهذه نقطة مهمّة جداً في معرفة الإمام .
٦ ـ ممّا تقدم يتضح أن إقصاء أهل البيت عليهمالسلام عن موقعهم وقيادتهم للجانب السياسي لا يعني تخلّيهم عن دور الإمامة ؛ لأنّ الإمامة لا يمكن أن تزول ؛ لكونها جعلاً إلهيّاً ، فهي ذات أدوار ومناصب متعددة في كل المجالات القيادية في الأمة ، كالجانب العلمي وجانب الهداية ونحوها ، وممّا يشهد لذلك ما خلّفوه عليهمالسلام من تراث ضخم جداً في مختلف العلوم على الرغم من شدّة وقساوة الظروف التي عاشوها .
٧ ـ وردت شهادات كثيرة جداً من أعلام السنّة في حق أهل البيت عليهمالسلام تبيّن أفضليتهم وأعلميتهم بين الأمة ، وأنّ لهم دوراً كبيراً في هداية وتوعية الأمة .
الإمامة في القرآن
عدم وجود الإمامة في القرآن الكريم دعا الشيعة إلى القول بتحريفه .
تمهيد :
إنّ تهمة التحريف التي حاول البعض مراراً وتكراراً إلصاقها بمذهب أهل البيت عليهمالسلام ، تهمة لا أساس لها من الصحّة ؛ إذ إنّ من الحقائق الأساسية الثابتة عند الشيعة أنّها لا تقول بالتحريف ، وهذا ما نراه واضحاً وجليّاً عند مراجعة ما كتبه علماء الشيعة في هذا المجال .
وحاصله : إنّ القرآن الذي بين أيدينا اليوم هو القرآن ذاته الذي نزل على نبينا محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم .
وكيف يمكن أن يدّعي أحد من المسلمين التحريف وهو يتلو قوله تعالى : ( لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) (١) .
وكيف يدّعي أحد من المسلمين التحريف وهو يقرأ ما تواتر عن الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم قوله :( إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً ) ؟!! .
وكيف تقول الشيعة بالتحريف وقد أمرهم أئمّتهم عليهمالسلام بترك ما خالف
ـــــــــــــ
(١) فصلت : ٤٢ .
كتاب الله من الروايات ، كما ورد ذلك صحيحاً في كتبهم المعتبرة ، وعلى سبيل المثال ما ورد : ( عن أيوب بن الحر قال : سمعت أبا عبد الله عليهالسلام يقول :كل شيء مردود إلى الكتاب والسنّة ، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف )(١) .
فالحكم والفيصل في قبول رواية أو ردّها هو كتاب الله تعالى ؛ لحقّانيّته وعصمته عن الخطأ والتحريف .
ولذا أطبق مشهور علماء الشيعة على أنّ القرآن جاءنا متواتراً عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم منزّهاً عن كل نقص وتحريف .
فالسيد الخوئي مثلاً في تفسيره ( البيان في تفسير القرآن ) يقول : ( وممّا ذكرناه : قد تبين للقارئ أن حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال ، لا يقول به إلاّ مَن ضعف عقله ، أو مَن لم يتأمّل في أطرافه حق التأمّل )(٢) .
هذه إطلالة سريعة تمهّد لنا الدخول في البحث ، أمّا البحث المفصّل عن عدم تحريف القرآن الكريم فسيأتي في محلّه الخاص به ( عندما نجيب عن شبهة تحريف القرآن )
إذن رمي الشيعة بتهمة القول بتحريف القرآن ينبثق من أصحاب النفوس المريضة والمغرضة ، الذين لا يجدون غير الاتهامات والافتراءات ملجأً .
بعد هذا التمهيد المختصر نجيب بما يلي :
ـــــــــــــ
(١) وسائل الشيعة ، الحر العاملي : ج ٢٧ت : ص ١١١ .
(٢) البيان في تفسير القرآن ، السيد الخوئي : ص ٢٥٩ .
إنّ القرآن لم يفقد هدايته للإمامة لكي نلتجئ إلى القول بتحريفه ، بل القرآن يهدي إليها بالصراحة والنص وقبل أن نطلعك على الآيات التي صرّحت بالإمامة ، لابد من التنبيه على مفهوم الإمام ، وما هو المراد منه في القرآن الكريم ؟ وإليك إيجازاً في ذلك :
عُرّف الإمام في اللغة : بالإنسان الذي يؤتمّ به ويقتدى بقوله أو فعله محقّاً كان أو مبطلاً(١) ، وبهذا المعنى جاء قوله تعالى : ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) (٢) ، وقوله تعالى : ( فَقَاتِلُوا أَئِمّةَ الْكُفْرِ إِنّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلّهُمْ يَنتَهُونَ ) (٣) .
أمّا الإمام الحق في الإسلام فهو الهادي إلى سبيل الله بأمر منه عزّ وجل ، سواء كان إنساناً ، كما في قوله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (٤) ، وقوله تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) (٥) .
أم كان كتاباً ، كما في قوله تعالى : ( وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً ) (٦) .
ـــــــــــــ
(١) انظر : لسان العرب ، ابن منظور : ج ١٢ ص ٢٤ ـ ٢٥ .
(٢) الإسراء : ٧١ .
(٣) التوبة : ١٢ .
(٤) البقرة : ١٢٤ .
(٥) الأنبياء : ٧٣ .
(٦) هود : ١٧ .
ومن حصيلة هذه النصوص القرآنية يتضح أنّ من شروط الإمام الحق في القرآن الكريم ؛ إن كان كتاباً فلابد أن يكون منزلاً من قبل الله تعالى على رسله لهداية الناس ، كما كان ذلك شأن كتاب خاتم الأنبياء محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن قبله كتاب موسى عليهالسلام ، وذلك أيضاً شأن سائر كتب الأنبياء عليهمالسلام وإن كان إنساناً فلابد أن تكون إمامته مجعولة من قبل الله تبارك وتعالى ، كما في قوله تعالى : ( إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً ) (١) وقوله تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) (٢) وكذلك لابد أن يكون هذا الإنسان غير ظالم لنفسه ولا لغيره ، أي منزّه عن عصيان الله تعالى كما هو مقتضى قوله تعالى : ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (٣) ، وإطلاق الظالمين شامل لكل ظلم سواء كان على الغير ، أو على النفس ، وكل معصية صغيرة أو كبيرة تُعد ظلماً ، لا يصلح مرتكبه لهذا المقام الشامخ ، ومن أبرز مصاديق الظلم هو الشرك بالله وعبادة غيره حيث قال تعالى : ( إِنّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (٤) .
وبذلك يتضح أنّ الإمام في الاصطلاح القرآني هو :
الإنسان المعصوم من الذنوب والمجعول من قِبَل الله تعالى لهداية الناس .
الكتاب المنزل من قِبل الله تعالى على رسله لهداية الناس .
هذا إيجاز ، وتفصيله قد ذُكر في الجواب عن الشبهة السابقة ؛ فراجع .
ـــــــــــــ
(١) البقرة : ١٢٤ .
(٢) الأنبياء : ٧٣ .
(٣) البقرة : ١٢٤ .
(٤) لقمان : ١٣ .
وإذا اتضح ذلك ، نذكر لك جدولة سريعة على سبيل الاختصار لبعض الآيات القرآنية التي هدت وأرشدت إلى الإمام والإمامة ، وصرّحت بهما ، والتي ترسم وتحدد معالم أطروحة الإمامة في القرآن الكريم :
قوله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (١) ، ومن الواضح من لحن الآية وسياقها أنّ الله تعالى جعل إبراهيم إماماً في أواخر عمره الشريف ، بعد أن كان نبيّاً ورسولاً وخليلاً ، فكيف يقال إنّ القرآن لا يهدي إلى الإمامة ؟!! .
قوله تعالى : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (٢) ، فإنّ هذه الآية تدلّ على أنّ الإمامة جعل وتنصيب من قِبل الله تعالى .
٣ ـ قوله تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) (٣) .
٤ ـ قوله تعالى : ( وَنُرِيدُ أَن نّمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (٤) .
٥ ـ قوله تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ ) (٥) ، وهذه الآية تشرح مفهوم الإمامة وتشبعه إشباعاً رائعاً ، حيث قرنت طاعة أُولي الأمر بطاعة الله تعالى ، ممّا يكشف عن أنّ هذه الولاية
ـــــــــــــ
(١) البقرة : ١٢٤ .
(٢) السجدة : ٢٤ .
(٣) الأنبياء : ٧٣ .
(٤) القصص : ٥ .
(٥) النساء : ٥٩ .
متفرّعة عن ولاية الله وولاية الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهي شاهد على أنّ الولاية والإمامة ، وقيادة الناس ليس من صلاحيتهم ولا بتنصيبهم ؛ لأنّ ما هو اللازم عليهم المتابعة والانقياد في ذلك وحسب ، وعلى هذا الأساس نقول أيضاً : كيف أنّ القرآن لا يهدي إلى الإمامة ؟!! .
٦ ـ قوله تعالى : ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (١) ، وتحتشد في هذه الآية الكريمة دلالات كثيرة لإثبات الإمامة ، وبشكل خاص إمامة علي بن أبي طالب عليهالسلام ، وهذا ما نجده واضحاً عندما نرجع إلى مصادر الفريقين في هذا المجال ، وملاحظة الروايات الواردة في شأن نزول الآية المباركة(٢) .
٧ ـ قوله تعالى : ( يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ) (٣) ، حيث تكشف هذه الآية بشكل صريح وواضح النقاب عن أهمّيّة وجود الإمام بعد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإنّ عدم وجود الإمام بعد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم يساوق انتفاء الرسالة ( وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ) ، فلولا الإمامة يغدو كل شيء وكأنّه لم يكن ، أي لا يبقى نسيج متماسك للإسلام ، بل يهوي ويتمزّق ، وأروع ما يرشدنا
ـــــــــــــ
(١) المائدة : ٥٥ .
(٢) انظر : الدر المنثور ، السيوطي : ج ٣ ص ١٠٥ ـ ١٠٦ ؛ تفسير المنار ، محمد رشيد رضا : ج ٦ ص ٤٦٣ ؛ تنزيل الآيات : ص ٥٤ ؛ التهذيب في التفسير : ج ٣ ص ١٠٦ ؛ توضيح الدلائل : ص ١٥٨ ؛ مودّة القربى : ص ٥٥ ؛ ينابيع المودّة : ج ١ ص ١١ ـ ١٢ ، ص ٣٤٧ ـ ٣٤٨ ، الفصول المهمّة : ص ١١٧ ـ ١١٨ ؛ تفسير الثعلبي : ج ٤ : ص ٨٠ ـ ٨١ ؛ أسباب النزول ، الواحدي : ص ١٥٣ ؛ أرجح المطالب : ص ٦٧ ، ص ٢٠٣ ؛ مناقب المغازلي : ص ١٨ ؛ تفسير القرطبي : ج ٢ ص ٧٣ ـ ٧٤ ، وغيرها من المصادر .
(٣) المائدة : ٦٧ .
إلى اهتمام القرآن بالإمامة هو التعبير الذي ورد في الآية المباركة بإكمال الدين ورسالة الله تعالى ، ورضاه عزّ وجلّ بالإسلام ديناً بعد تنصيب الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم لعلي عليهالسلام خلفاً وإماماً بعده ، حيث قال تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) (١) .
فهذه لمحة عامة تكشف عن اهتمام القرآن بالإمامة ، فهل بعد هذا كلّه يمكن أن يقال : إنّ القرآن الكريم لا يهدي إلى الإمامة ؟!! .
إنّ القرآن الكريم أمرنا وبكل صراحة أن نأخذ بما يأمرنا به رسوله الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال عزّ وجلّ : ( وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (٢) ؛ وذلك لأنّ النبي الأعظم صلىاللهعليهوآلهوسلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى ، وعلى هذا الأساس فإنّ هناك الكثير من النصوص الواردة عن الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم التي نلمس منها عمق اهتمامه بالإمامة والخلافة من بعده ، وقد طفحت بها كتب الفريقين ، كحديث الغدير والثقلين وحديث المنزلة والدار ، وغيرها من الأحاديث الكثيرة المتواترة من طرق الفريقين ؛ فراجع .
ـــــــــــــ
(١) المائدة : ٣ .
(٢) الحشر : ٧ .
أوّلاً : إنّ شبهة القول بتحريف القرآن لا أساس لها من الصحّة عند مشهور الطائفة الشيعية الإمامية ، وسيوافيك الكلام عنها مفصّلاً مشفوعاً بالأدلة القطعية عند الجواب عنها في محلّه .
ثانياً : تبيّن ممّا تقدّم أنّ القرآن الكريم يهدي بصراحة للإمامة ، وبيان معالمها ، ويحدّد أطروحتها بشكل واضح لا غبار عليه .
ثالثاً : إنّ السنّة النبوية قد هدى إليها القرآن وأمر بوجوب التمسّك بها ، وهي بدورها تهدي أيضاً إلى الإمامة بنحو صريح ومفصّل ومتواتر .
آية الولاية لا تختصّ بعلي عليهالسلام
إنّ قوله تعالى : ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (١) ، لا تدل على ولاية وإمامة علي بن أبي طالب عليهالسلام ؛ لأنّ الآية جاءت بصيغة الجمع ( الذين ) مع أنّ أقل الجمع ثلاثة ، فكيف تدّعي الشيعة أنّ المراد من الآية هو علي عليهالسلام ؟
إنّ استعمال لفظ الجمع وإرادة الواحد المفرد ورد في القرآن الكريم في موارد متعدّدة : منها قوله تعالى : ( الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ) (٢) ، ذكر المفسّرون أنّ المراد به في الآية شخص واحد ، وهو نعيم بن مسعود الأشجعي(٣) ، قال النسفي في تفسيره : ( هو جمع أريد به الواحد )(٤) وقال القرطبي في تفسيره : ( واللفظ عام ومعناه خاص كقوله : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ) يعني محمّداً صلىاللهعليهوآلهوسلم )(٥) ، وقوله تعالى : ( يَقُولُونَ لَئِن رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ الأَعَزّ مِنْهَا الأَذَلّ ) (٦) ، وقد صحّ أنّ القائل به هو
ـــــــــــــ
(١) المائدة : ٥٥ .
(٢) آل عمران : ١٧٣ .
(٣) انظر : تفسير القرطبي : ج ٤ ص ٢٧٩ ؛ تفسير الجلالين ، السيوطي : ص٩١ .
(٤) تفسير النسفي ، النسفي : ج ١ ص ١٩٢ .
(٥) تفسير القرطبي : ج ٤ : ص ٢٧٩ .
(٦) المنافقون : ٨ .
عبد الله ابن أُبي بن سلول(١) ، وهكذا جاء في آية المباهلة ، قوله تعالى : ( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (٢) ، حيث جاء لفظ ( أنفسنا ) بصيغة الجمع مع أنّ المراد به واحد ، وهو علي بن أبي طالب عليهالسلام ، وكذا ( نساءنا ) جاء بلفظ الجمع مع أنّ المراد منه امرأة واحدة ، وهي فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، وكذا ( أبناءنا ) مع أنّهما اثنان ، وهما الحسن والحسين عليهماالسلام (٣) ، وكذا قوله تعالى : ( الّذِينَ قَالُوا إِنّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ) (٤) ، فقد ذكر الحسن : ( أنّ قائل هذه المقالة هو يحيى بن أخطب ، وقال عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق : هو فنحاص بن عازوراء )(٥) ، وقوله تعالى : ( وَمِنْهُمُ الّذِينَ يُؤْذُونَ النّبِيّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ) (٦) ، نزلت في رجل من المنافقين : ( إما في الجلاس بن سويد ، أو في نبتل بن الحرث ، أو عتاب بن قشير )(٧) ، وقوله تعالى : ( وَالّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ) (٨) ، نزلت في صبيح مولى حويطب بن عبد العزى(٩) ، وغيرها من
ـــــــــــــ
(١) جامع البيان : الطبري : ج ٢٨ ص ١٣٨ ح ٢٦٤٦٣ ؛ تفسير القرطبي : ج ٨ ص ٢٠٦ ؛ وغيرها من كتب التفسير الأخرى الكثيرة .
(٢) آل عمران : ٦١ .
(٣) صحيح مسلم : ج ٤ ص ١٨٧١ ح ٢٤٠٤ ؛ تفسير الطبري : ج ٣ ص ٤٠٤ ـ ٤١٠ ؛ تفسير الكشاف ، الزمخشري : ج ١ ، ٣٦٨ ـ ٣٧٠ ؛ تفسير القرطبي : ج ٤ ص ١٠٤ ؛ سنن الترمذي : ج ٥ ص ٣٠١ ـ ٣٠٢ : ح ٣٨٠٨ ؛ أحكام القرآن ، للجصاص : ج ٢ ص ١١٥ ؛ فرائد السمطين : ج ١ ص ٣٧٧ : ب ٦٩ : ح ٣٠٧ ؛ الإصابة ، ابن حجر العسقلاني : ج ٢ ص ٥٠٩ ؛ وغيرها من كتب الفريقين .
(٤) آل عمران : ١٨١ .
(٥) انظر تفسير القرطبي : ج ٤ ص ٢٩٤ .
(٦) التوبة : آية ٦١ .
(٧) انظر تفسير القرطبي : ج ٨ ص ١٩٢ ؛ تفسير الخازن : ج ٢ ص ٢٥٣ ؛ الإصابة : ج ٣ ص ٥٤٩ .
(٨) النور : ٣٣ .
(٩) انظر تفسير القرطبي : ج ١٢ ص ٢٤٤ ؛ أسد الغابة ، ابن الأثير : ج ٣ ص ١١؛ الإصابة تمييز الصحابة ، ابن حجر : ج ٢ ص ١٧٦ [ ورد هذا الهامش في الكتاب المطبوع في الصفحة التالية ورقمه في متن هذه الصفحة فأدرجناه هنا تلافياً لهذا الخطأ الفني ] [ الشبكة ] .
الاستعمالات القرآنية الكثيرة في ذلك ، وعلى هذا الأساس لا مجال للإشكال والاعتراض على التعبير عن الواحد بلفظ الجمع .
إنّ استعمال لفظ الجمع وإرادة الواحد استعمال سائغ في لغة العرب ، وليس استعمالاً مستهجناً ، لا سيّما إذا كان الواحد معظّماً ، كما في قوله تعالى : ( إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (١) ، وقوله تعالى : ( وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلّ نَفْسٍ هُدَاهَا ) (٢) .
إنّ نفس الاعتراض على التعبير عن الواحد بلفظ الجمع ، يتضمّن أن لا تكون الآية المباركة ـ آية الولاية ـ نازلة بحق علي بن أبي طالب عليهالسلام بالخصوص ، وهذا تكذيب ورفض لما تضافر من الروايات من طرق الفريقين في كونها نزلت في حق علي عليهالسلام ، فقد روى الثعلبي في تفسيره : ( بينما عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم إذ أقبل رجل متعمّم بالعمامة ، فجعل ابن عباس لا يقول : قال رسول الله ، إلاّ قال الرجل : قال رسول الله ؟ فقال ابن عباس : سألتك بالله مَن أنت ؟ قال : فكشف العمامة عن وجهه وقال : يا أيّها الناس ، مَن عرفني فقد عرفني ومَن لم يعرفني فأنا
ـــــــــــــ
(١) الحجر : ٩ .
(٢) السجدة : ١٣ .
جندب بن جنادة البدري ، أبو ذر الغفاري : سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بهاتين وإلاّ صمّتا ، ورأيته بهاتين وإلا فعميتا ، يقول :علي قائد البررة ، وقاتل الكفرة ، منصور مَن نصره ، مخذول مَن خذله ، أما إنّي صلّيت مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يوماً من الأيام صلاة الظهر ، فدخل سائل في المسجد فلم يعطه أحد ، فرفع السائل يده إلى السماء وقال : اللّهمّ اشهد ، إنّي سألت في مسجد رسول الله ، فلم يعطني أحد شيئاً ، وكان علي راكعاً فأومى إليه بخنصره اليمنى ، وكان يتختّم فيها ، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره ، وذلك بعين النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلمّا فرغ النبي من الصلاة ، فرفع رأسه إلى السماء وقال :( اللّهمّ إنّ أخي موسى سألك ، فقال : ( رَبّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ) (١) الآية .
فأنزلت عليه قرآنا ناطقاً : ( سَنَشُدّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً ) (٢) اللّهمّ وأنا محمداً نبيّك وصفيّك ، اللّهمّ فاشرح لي صدري ويسّر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً أشدد به ظهري ) .
قال أبو ذر : فو الله ما استتمّ رسول الله الكلمة حتى أنزل عليه جبرئيل من عند الله ، فقال :يا محمد ، اقرأ ، فقال :وما أقرأ ؟ قال :إقرأ : ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (٣) ،(٤) .
وفي الدرّ المنثور أخرج عن الطبري في الأوسط وابن مردويه عن
ـــــــــــــ
(١) طه : ٢٥ ـ ٣١ .
(٢) القصص : ٣٥ .
(٣) المائدة : ٥٥ .
(٤) تفسير الثعلبي : ج ٤ ص ٨٠ ـ ٨١ .
عمار بن ياسر قال : ( وقف بعلي سائل وهو راكع في صلاة تطوّع ، فنزع خاتمه فأعطاه السائل ، فأتى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فأعلمه ذلك فنزلت على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم هذه الآية : ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ، فقرأ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم على أصحابه ، ثم قال :مَن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللّهمّ والِ مَن والاه ، وعاد مَن عاداه )(١) .
وأخرج أيضاً عن ابن مردويه عن علي بن أبي طالب عليهالسلام قال : ( نزلت هذه الآية على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في بيته ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ ) إلى آخر الآية ، فخرج رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فدخل المسجد ، جاء والناس يصلّون بين راكع وساجد وقائم يصلّي ، فإذا سائل فقال : يا سائل ، هل أعطاك أحد شيئاً ؟ قال : لا ، إلاّ ذاك الراكع ـ لعلي بن أبي طالب ـ أعطاني خاتمه .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن سلمة بن كهيل ، قال : تصدّق علي بخاتمه وهو راكع ، فنزلت : ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللهُ ) ، وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله : ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) الآية نزلت في علي بن أبي طالب ، تصدّق وهو راكع وأخرج ابن جرير عن السدي وعتبة بن حكيم مثله .
وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : إذ نزلت هذه الآية على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ، ونودي بالصلاة صلاة الظهر ، وخرج رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال :أعطاك أحد شيئاً ؟ قال نعم ، قال :من ؟
ـــــــــــــ
(١) الدر المنثور ، السيوطي : ج ٣ ص ١٠٥ .
قال : ذاك الرجل القائم ، قال :على أيّ حالٍ أعطاكه ؟ قال : وهو راكع قال :وذلك علي بن أبي طالب ، فكبر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عند ذلك وهو يقول : ( وَمَن يَتَوَلّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) .
وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم عن أبي رافع قال : دخلت على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وهو نائم يوحى إليه فاستيقظ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يقول : ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) الحمد لله الذي أتمّ لعلي نعمه ، وهيّأ لعلي بفضل الله إيّاه )(١)
وأخرج هذه الأحاديث أيضاً آخرون(٢) .
ـــــــــــــ
(١) الدر المنثور ، السيوطي : ج ٣ ص ١٠٥ وما بعد .
(٢) أخرج بعض تلك الروايات الطبري في تفسيره : ص ٣٨٩ ـ ٣٩٠ من طريق ابن عباس وعتبة بن حكيم ومجاهد .
وهكذا أخرجها الإسكافي في كتابه المعيار والموازنة : ص ٢٢٨ .
والزمخشري في الكشاف : ج ١ ص ٦٤٩ ، ولم يضعّف الحافظ ابن حجر العسقلاني هذه الروايات في حاشيته على الكشاف مع أنّه ضعّف غيرها .
والواحدي في أسباب النزول : ص ١٣٣ من طريقين ؛ والرازي في تفسيره : مج ٢ ج ١٢ ص ٢٨ عن عطاء عن عبد الله بن سلام وابن عباس وأبي ذر ؛ وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمّة : ص ١١٧ ـ ١١٨ .
وسبط ابن الجوزي في التذكرة : ص ٢٤ ـ ٢٥ ؛ والخوارزمي في مناقبه : ص ٢٦٤ ـ ٢٦٥ بطريقين ؛ والقاضي عضد الدين الإيجي في المواقف ج ٣ ص ٦١٤ ؛ وفي الذخائر ص ١٠٢ من طريق الواقدي وابن الجوزي .
وابن كثير في تفسيره ج ٢ ص ٧٤ بطريق عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، ومن طريق ابن أبي حاتم عن سلمة بن كهيل عن ابن جرير الطبري بإسناده عن مجاهد والسدي ، وعن الحافظ عبد الرزاق بإسناده عن ابن عباس وبطريق الحافظ ابن مردويه بالإسناد عن سفيان الثوري عن ابن عباس ، ومن طريق الكلبي عن ابن عباس .
وحديث ابن سعيد الأشج الذي ذكره ابن كثير رواته كلهم ثقات ، فالحديث صحيح على المباني الرجالية =
=وأخرجه ابن كثير أيضاً في البداية والنهاية : ج ٧ ص ٣٩٤ ـ ٣٩٥ عن الطبراني بإسناده عن أمير المؤمنين ومن طريق ابن عساكر عن سلمة بن كهيل ؛ والصواعق ، ابن حجر : ص ٦٣ ؛ وأحكام القرآن ، للجصاص : ج ٢ ص ٥٥٨ وقد ذكرها في باب العمل اليسير في الصلاة ، وقال : ( وقوله تعالى : ( ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) يدل على أنّ صدقة التطوّع تسمّى زكاة ؛ لأنّ عليّاً تصدّق بخاتمه تطوّعاً ) ، فأرسل ذلك إرسال المسلمات ؛ والآلوسي في روح المعاني : ج ٦ ص ١٦٧ وقال : ( وغالب الأخباريين على أنّها نزلت في علي عليهالسلام ، وقال في : ج ٦ ص ١٨٦ : ( والآية عند معظم المحدّثين نزلت في علي كرّم الله وجهه ) ؛ والحاكم النيسابوري في معرفة علوم الحديث : ص ١٠٢ ؛ والقرطبي في تفسيره : ج ٦ ص ٢٢١ ؛ والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل : ج ١ ص ٢٣٥ ـ ٢٣٦ ؛ والزرندي الحنفي في نظم درر السمطين : ص ٨٨؛ والسيوطي في كتابه لباب النقول في أسباب النزول ص ٨١ ، وقال بعد نقل عدة كثيرة من الروايات : ( فهذه شواهد يقوّي بعضها بعضاً ) ؛ وفي فتح القدير : ج ٢ ص ٥٣ قال المناوي : ( أخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عباس ) .
ولحسّان بن ثابت أشعار في ذلك منها قوله :
فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً |
فدتك نفوس القوم يا خير راكعِ |
|
بخاتمك الميمون يا خير سيّدٍ |
ويا خير شارٍ ثمّ يا خير بايعِ |
|
فأنزل فيك الله خير ولايةٍ |
فبيّنها في محكمات الشرائعِ |
ذكرها الخوارزمي في المناقب : ص ٣٩٦ ؛ وسبط ابن الجوزي في تذكرته : ص ٢٥ ؛ ونظم درر السمطين ، الزرندي الحنفي : ص ٨٨ .
بعد أن ثبت أنّ الآية نزلت في علي بن أبي طالب عليهالسلام ، فإنّ الكثير من الناقلين لهذه الأخبار هم من صحابة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم والتابعين المتصلين بهم زماناً ، وهؤلاء من العرب ، ولم تفسد لغتهم ، ولم تختلط بغيرها من اللغات بحيث أصبحوا لا يميّزون بين الصحيح والسقيم من الاستعمالات اللغوية ، ولو كان هذا الاستعمال لا تبيحه اللغة ، ولا يعهده أهلها ولم تقبله طباعهم لكانوا أحق بالاعتراض عليه ، ولم يؤثر ولم ينقل عن أحد منهم ذلك .
إنّ هذا التساؤل مطروح قديماً ، وقد ردّه مفسّرو أهل السنّة كالزمخشري ، حيث يقول في معرض جوابه عنه : ( فإن قلت : كيف صحّ أن يكون لعلي رضياللهعنه واللفظ لفظ جماعة ؟ قلت : جيء به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلاً واحداً ؛ ليرغّب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه ، ولينبّه على أنّ سجيّة المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان وتفقّد الفقراء ، حتى إن لزمهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة لم يؤخّروه إلى الفراغ منها )(١) .
ـــــــــــــ
(١) الكشاف ، الزمخشري : ج ١ ص ٦٤٩ .
١ – إنّ استعمال لفظ الجمع وإرادة الواحد استعمال سائغ في القرآن في موارد كثيرة .
٢ – استعمال لفظ الجمع وإرادة الواحد استعمال سائغ في لغة العرب ، لا سيّما إذا كان الواحد معظّماً ، كما في قوله تعالى : ( إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ، وقوله تعالى : ( وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلّ نَفْسٍ هُدَاهَا ) .
٣ – إنّ الاعتراض على تعبير الآية بلفظ الجمع وإرادة الواحد ، يعني إنكاراً لما تسالمت وأجمعت عليه الأمة من نزول الآية بحق علي عليهالسلام .
٤ – إنّ الناقلين للأخبار الواردة في نزول الآية في حق علي عليهالسلام هم من الصحابة والتابعين والمتصلين بهم ، وهؤلاء من العرب الفصحاء ، فلو كان هذا الاستعمال غير سائغ في اللغة لاعترضوا عليه ، مع أنّه لم ينقل عن أحد منهم ذلك .
٥ – أجاب الزمخشري عن هذا السؤال بأنّ هذا الاستعمال لأجل ترغيب الناس في مثل هذا الفعل من البر والإحسان والحرص عليه والمسارعة إليه ، وعدم تأخيره بحيث إنّ الصلاة أيضاً لا تحول دون فعل الخير إن لزم أمر لا يقبل التأخير .
آية الولاية لا تعني الأولى بالتصرّف
إنّ كلمة المولى في قوله تعالى : ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (١) لا تعني الأولى بالتصرّف ، فلا تدلّ على الإمامة ؟
في مقام الإجابة على ذلك ، ولإثبات أنّ معنى الولي هو الأولى بالتصرّف ، لدينا مديات واسعة للاستدلال وعلى كل المستويات ، سواء على المستوى اللغوي أم على مستوى الاستدلال القرآني أم الروائي .
عند التدبّر فيما ذكره اللغويون من المعاني المتعددة لكلمة المولى ؛ يتجلّى لنا أنّ هذا اللفظ ليس له إلاّ معنى واحد فقط ، وهو الأولى بالشيء ، وتختلف هذه الأولوية بحسب الاستعمال في كل مورد من موارده ، كذلك كلمة الولي لها معنى واحد فقط ، وهو الأولى ، وهذا المعنى الواحد جامع لكل المعاني الأخرى ، من الناصر والمحب و ، ولم يطلق لفظ المولى على شيء منها إلاّ بمناسبة لهذا المعنى ، فالعبد مثلاً أولى بالانقياد لمولاه من غيره ، والجار أولى بالقيام بحفظ حقوق الجوار من البُعداء ، وهكذا .
ـــــــــــــ
(١) المائدة : ٥٥ .
وهذه النظرية اختارها ابن البطريق (ت ٥٣٣ ـ ٦٠٠ هـ)(١) ، ووافقه عليها غيره .
وإذا ثبت أنّ معنى المولى هو الأولى بالشيء ، يكون ذلك هو المراد من آية الولاية ؛ لأنّه المعنى الوحداني والأصل للفظ الولي ، وتختلف الموارد بحسبها ، فيكون مفاد آية الولاية مفاد قوله تعالى : ( النّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) (٢) ، الأولى بالتصرّف ، ويشهد لذلك ما نقله ابن منظور في لسان العرب ، عن ابن الأثر قوله : ( وكأن الولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل ، وما لم يجتمع ذلك فيها لم ينطلق عليه اسم الوالي )(٣) ، وقريب من هذا المعنى ما ذكره بعض اللغويين في معاجمهم اللغوية .
إنّ الآية المباركة : ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا ) تضمّنت دلالات وافرة لإثبات المطلوب ، ومراعاة للاختصار نكتفي بالإشارة المفهمة لبعض منها :
١ – إنّ صيغة التعبير في الآية الشريفة جعلت الولاية بمعنى واحد ، حيث قال : ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللهُ و ) فلو كانت ولاية الله تعالى تختلف عن ولاية ( الّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) لكان الأنسب في التعبير أن تفرد بالذكر ولاية أخرى للمؤمنين ؛ لكي تحول
ـــــــــــــ
(١) عمدة عيون الأخبار ، ابن البطريق : ص ١١٤ ـ ١١٥ .
(٢) الأحزاب : ٦ .
(٣) لسان العرب : ابن منظور : ج ١٥ ص ٤٠٧ ؛ النهاية في غريب الحديث ، ابن الأثير : ج ٥ ص ٢٢٧ .
دون وقوع الالتباس ، نظير قوله تعالى : ( قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (١) ، فكرّر لفظ الإيمان في الموضعين ؛ بسبب تكرّر معنى الإيمان وتغايره فيهما .
إذن لابد أن تكون الولاية في الآية المباركة بمعنى واحد في جميع الموارد التي ذكرت فيها ، وهي الأصالة لله تعالى ، وبالتبع لرسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم وللذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون .
وولاية الله تعالى في الآية المباركة ولاية عامّة وشاملة لولاية التصرف ، والتدبير ، والنصرة وغيرها ، قال تعالى حكاية عن نبيّه يوسف عليهالسلام : ( أنت وليّي في الدّنيا والآخرة ) (٢) ، وقال عزّ وجلّ : ( فَمَا لَهُ مِن وَلِيّ مِن بَعْدِهِ ) (٣) ، وغيرها من الآيات الدالة على ذلك .
٢ ـ إنّ الولاية التي هي بالأصل لله عزّ وجلّ جعلها لنبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم بالتبع ، فلرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الولاية العامّة على الأمة ، من الحكم فيهم ، والقضاء في جميع شؤونهم ، وعلى الأمة التسليم والطاعة المطلقة بلا ضيق أو حرج ، كما في قوله تعالى : ( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ ) (٤) ، وقوله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (٥) .
خصوصاً وإنّنا لا نجد القرآن يعدّ النبي ناصراً للمؤمنين ولا في آية واحدة .
ـــــــــــــ
(١) التوبة : ٦١ .
(٢) يوسف : ١٠١ .
(٣) الشورى : ٤٤ .
(٤) النساء : ٥٩ .
(٥) الأحزاب : ٣٦ .
وهذا المعنى من الولاية الثابتة لله تعالى ورسوله ، عُطفت عليه ولاية : ( الذين آمنوا ) ، وهذا يعني أنّ الولاية في الجميع واحدة ؛ لوحدة السياق وهي ثابتة لله عزّ وجلّ بالأصالة ، ولرسوله وللذين آمنوا بالتبع والتفضّل والامتنان .
إذن الولاية الثابتة في الآية لعلي عليهالسلام هي ولاية التصرّف ، وإنّ معنى الولي في الآية تعني الأولى بالتصرّف ، وممّا يؤكّد ذلك مجيء لفظ ( وليّكم ) مفرداً ونسب إلى الجميع بمعنى واحد ، والوجه الذي ذكره المفسّرون لذلك هو أنّ الولاية ذات معنى واحد ، لله تعالى أصالة ولغيره بالتبع .
هناك عدّة من القرائن والشواهد الروائية لإثبات المطلوب :
أوّلاً : لو كانت الولاية الثابتة لعلي بن أبي طالب عليهالسلام بمعنى النصرة ، لما وجد فيها مزيد عناية ومزيّة ومدح لعلي عليهالسلام ؛ لأنّها موجودة بين جميع المؤمنين : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضَهُمْ أَولِياءُ بَعْضٍ ) (١) ، وعلي عليهالسلام كان متصفاً بهذه المحبّة والنصرة للمؤمنين منذ أن رضع ثدي الإيمان مع صنوه المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم .
ولكن لو أمعنّا النظر في الروايات الواردة عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عقيب
ـــــــــــــ
(١) التوبة : ٧١ .
نزول آية الولاية ، لوجدنا أنها تثبت مويّة ومنقبة عظيمة لعلي عليهالسلام ، ففي الرواية أنّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم قال بعد نزول الآية :( الحمد لله الذي أتمّ لعلي نعمه ، وهيّأ لعلي بفضل الله إيّاه ) (١) .
وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم بعد نزول الآية أيضاً :( مَن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللّهمّ والِ مَن والاه وعاد مَن عاداه ) (٢) ، إذاً في الآية الكريمة مزيد عناية تفترق عن تولّي المؤمنين بعضهم لبعض ، وليس تلك المزيّة العظيمة إلاّ ولاية التصرّف والإمرة .
ثانياً : إنّ الولاية التي خصّها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لعلي عليهالسلام يوم غدير خم ، هي ولاية تدبير وتصرّف ؛ لأنّها نفس ولاية النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذا ما نلمسه من كيفية إعلان الولاية من قِبله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، حيث قال :( ألست أولى بكم من أنفسكم ) ، وهذه الولاية ـ التي هي ولاية تصرّف ـ هي نفسها الولاية التي تثبتها الآية الشريفة : ( إنّما وليّكم ... ) لعلي عليهالسلام .
من هنا نجد أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم عقّب ـ بعد نزول آية الولاية في حقّ علي عليهالسلام ـ بقوله :( مَن كنت مولاه فعلي مولاه اللّهم والِ مَن والاه وعاد مَن عاداه ) ،
ـــــــــــــ
(١) الدر المنثور ، السيوطي : ج ٣ ص ١٠٦ .
(٢) مسند أحمد : ج ١ ص ٨٤ ، ص ١١٨ ، ص ١١٩ ، ص ١٥٢ ، ص ٣٣١ ، ج ٤ ص ٢٨١ ، ص ٣٧٠ ، ص ٣٧٢ ، ج ٥ ص ٣٤٧ ، ص ٣٦٦ ، ص ٣٧٠ ، سنن ابن ماجه : ج ١ ، ص ٤٣ ح ١١٦ ؛ الترمذي : ج ٥ ص ٢٩٧ ؛ المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ١٠٩ ـ ١١٦ ، ص ١٣٤ ، ص ٣٧١ ، ص ٥٣٣ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٧ ص ١٧ ، ج ٩ ص ١٠٤ ـ ص ١٠٨ ص ١٦٤ ؛ وقال فيه : ( عن سعيد بن وهب رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ) ؛ فتح الباري : ج ٧ ص ٦١؛ وقال فيه : ( فقد أخرجه الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق جداً ، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد ، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان ) ؛ صحيح ابن حبان : ج ١٥ ص ٣٧٦ وما بعد ، وغير ذلك من المصادر الكثيرة جداً ؛ فراجع .
وهذا يكشف عن كون الولاية ولاية تصرّف ، لا سيّما إذا أخذنا بنظر الاعتبار ذلك الحشد المتنوع من الروايات الذي يؤكّد على علي بن أبي طالب عليهالسلام ، ويقرن طاعته بطاعة الله ورسوله ، كل ذلك يكشف عن أن ولايته عليهالسلام هي ولاية التصرّف ، وأنّه الأولى بالتصرّف ؛ لذا قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في حق علي عليهالسلام :( مَن أطاعني فقد أطاع الله ، ومَن عصاني فقد عصى الله ، ومَن أطاعك فقد أطاعني ، ومَن عصاك فقد عصاني ) ، قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(١) .
وعنه صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :( مَن يريد أن يحيا حياتي ويموت موتي ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي ؛ فليتولّ علي بن أبي طالب فإنّه لن يخرجكم من هدى ولن يدخلكم في ضلالة ) ، قال الحاكم أيضاً : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(٢) .
وعن عبد الرحمان بن عثمان قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وهو آخذ بضبع علي بن أبي طالب ، وهو يقول : (هذا أمير البررة ، قاتل الفجرة ، منصور مَن نصره مخذول مَن خذله ، ثم مدّ بها صوته ) ، قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(٣) .
وغيرها الكثير من الروايات التي تشاركها بالمضمون ذاته .
ثالثاً : إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم طلب من الله تعالى أن يشدّ عضده بأخيه
ـــــــــــــ
(١) المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري : ج٣ ص ١٢٨ ، تاريخ مدينة دمشق : ابن عساكر : ٤٢ : ص ٣٠٧ .
(٢) المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ١٢٨ ـ ١٢٩ .
(٣) المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ١٢٩ .
علي عليهالسلام ، كما شدّ الله تعالى عضد موسى عليهالسلام بأخيه هارون عليهالسلام ، فنزلت الآية : ( إنّما وليّكم ) بشرى لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، بجعل علي عليهالسلام وليّاً وخليفة من بعده ، وهذا يدلل على أنّ الولاية لعلي عليهالسلام لم تكن مجرّد نصرة ومحبّة ، بل كانت ولاية أولوية بالأمر بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما هو الحال في هارون عليهالسلام ، باعتبار أولويته بالأمر والإمرة بعد موسى عليهالسلام ، عندما خلّفه في قومه .
رابعاً : احتجاج أمير المؤمنين عليهالسلام على أولويته بالأمر بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بآية الولاية ، حيث قال عليهالسلام مخاطباً لجمع من الصحابة في مسجد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( أنشدكم الله : أتعلمون حيث نزلت : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ، وحيث نزلت : ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ، وحيث نزلت : ( وَلَمْ يَتّخِذُوا مِن دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ) ، قال الناس : يا رسول الله : أخاصّة في بعض المؤمنين ، أم عامة لجميعهم ؟ فأمر الله عزّ وجل نبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم أن يعلمهم ولاة أمرهم ، وأن يفسّر لهم من الولاية ما فسّر لهم من صلاتهم ، وزكاتهم ، وحجّهم ، فنصبني للناس بغدير خم ) (١) وهذا يكشف عن كون المراد بالآية هو الأولى .
وبذلك يتحصّل أنّ معنى الولي هو الأولى بالتصرّف ، وأنّ الآية بصدد جعل الولاية لعلي عليهالسلام بعد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم .
ـــــــــــــ
(١) المناقب ، ابن المغازلي الشافعي : ص ٢٢٢ ، فرائد السمطين : ج ١ ص ٣١٢ ، ينابيع المودّة للقندوزي : ج ١ ص ٣٤٦ ، شواهد التنزيل ، الحسكاني : ج ٢ ص ٢٩٥ ، فرائد السمطين : ج ١ ص ٣١٢ .
كيف تستدلّ الشيعة بشأن النزول ؟
الشيعة يستدلّون بشأن نزول آية الولاية على الإمامة ؟
بعد أن أطبقت الأمّة وأجمع المحدّثون والمفسّرون على نزول الآية المباركة في الإمام علي عليهالسلام مع صراحة الآية في إثبات الولاية ، ومباركة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم للإمام علي عليهالسلام بقوله :( الحمد لله الذي أتمّ لعلي النعمة ) ، لا يبقى أي مجال لمثل هذه التشكيكات والشبهات ، سواء كان الاستدلال بالآية استدلالاً مباشراً ، أم كان عن طريق شأن النزول ، الذي هو عبارة عن الأحاديث المتواترة والصحيحة والصريحة عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم التي أمرنا الله تعالى بالتمسّك بها بقوله : ( وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (١) ، وعليه فلا ينبغي التهاون والتقليل من شأن هذه الأحاديث القطعيّة ، كما يظهر ذلك من كلام صاحب الشبهة .
ويمكن أن نحقق استيعاباً جيداً لمسألة ولاية علي بن أبي طالب عليهالسلام ؛ وذلك من خلال الآيات القرآنية والنصوص النبوية التي تعرّضت لبيان هذا المعنى ، فضلاً عمّا أشاعته آية الولاية من مناخ سائد حيال هذه المسألة ، من تقديم التهاني والتبريكات من قِبل الصحابة إلى علي عليهالسلام الصحابة وإنشاد الشعر والمديح بهذه المناسبة العظيمة ، وهذا يكفي لسدّ كل منافذ الريب والتشكيك ، ومعالجة ما يطرأ على الأذهان من التباسات .
ـــــــــــــ
(١) الحشر : ٧ .
لا مجال لمثل هذه التشكيكات ، بعد أن أجمعت الأمة على نزول الآية في شأن علي عليهالسلام ، وسواء كان الاستدلال بالآية ذاتها أم من طريق شأن النزول الثابت قطعاً كونه بخصوص علي عليهالسلام فهو يثبت المطلوب ، ولا معنى للإصغاء لمثل هذه الأوهام .
المعروف أنّ عليّاً فقير فكيف يتصدّق ؟
إنّ علياً كان فقيراً فكيف يتصدّق بالخاتم إيتاءً للزكاة ؟
ما أكثر المدّعيات التي تُرفع من دون أي دليل ولا برهان يدعمها ، ومن أغرب المدّعيات التي تُثار للتشكيك في صحّة نزول آية الولاية في الإمام علي عليهالسلام هذا الإشكال الآنف الذكر ، إلا أنّنا توخّياً لدرء مثل هذه التشكيكات التي تطرأ على بعض الأذهان نقول :
أوّلاً : إنّ لفظ الزكاة لغةً شامل لكل إنفاق لوجه الله تعالى ، ونلمس هذا المعنى في عدّة من الآيات المباركة ، وكقوله تعالى: ( وَأَوْصَانِي بِالصّلاَةِ وَالزّكَاةِ مَادُمْتُ حَيّاً ) (١) ، وكذا ما قاله القرآن بحق إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهمالسلام : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزّكَاةِ ) (٢) ، وغيرها من الآيات التي تشاركها في المضمون ، ومن المعلوم أنّه ليس في شرائعهم عليهمالسلام الزكاة المالية المصطلحة في الإسلام .
ـــــــــــــ
(١) مريم : ٣١ .
(٢) الأنبياء : ٧٣ .
ومن هنا فقد استعمل القرآن لفظ الزكاة في الآية الشريفة بمعناها اللغوي الشامل لكل إنفاق لوجه الله تعالى أي الزكاة المستحبّة ( زكاة تطوّع ) ؛ ولذا نرى أنّ الجصاص ـ في أحكام القرآن ـ فهم أنّ المراد بالزكاة في الآية ، هي زكاة التطوّع ، حيث قال : ( قوله تعالى : ( وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ، يدلّ على أنّ صدقة التطوّع تسمّى زكاة ؛ لأنّ عليّاً تصدّق بخاتمه تطوّعاً ، وهو نظير قوله تعالى : ( وَما آتَيْتُم مِن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ) (١) .
ثانياً : لو فرضنا أنّ المراد من الزكاة في الآية هي الزكاة الواجبة ، فليس من الغريب أن يمتلك الإمام علي عليهالسلام أوّل نصاب من مال الزكاة وهو مقدار (٢٠٠ درهم) ، ومَن ملك ذلك لا يعدّ غنيّاً ، ولا يُطلق عليه اسم الغني شرعاً .
ثالثاً : بعد أن ثبت نزول الآية في الإمام علي عليهالسلام بإجماع الأمة واتفاق المفسّرين والمحدّثين ، ولم ينكر أحد على الإمام علي عليهالسلام تصدّقه بالخاتم ، وإنّما الكل فهم المزيّة والكرامة له عليهالسلام لا يبقى أي مجال للإنكار والتشكيك .
ومن هنا نلاحظ أنّ الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم بادر المباركة للإمام علي عليهالسلام عقيب نزول الآية الكريمة ، وقام الشعراء بإنشاء القصائد الطافحة بالمديح والثناء على الإمام علي عليهالسلام ، كل ذلك نتيجة طبيعية للمناخ الذي أشاعته الآية في أوساط المسلمين ، من إثبات الولاية للإمام علي عليهالسلام ، فإذا ثبت نزول الآية في الإمام علي عليهالسلام بالدلائل والبيّنات القاطعة لا معنى للاستنكار والتشكيك ، خصوصاً وأنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم حمد الله على هذه النعمة التي اتمّها لعلي عليهالسلام ، وبارك الصحابة بأقوالهم وأشعارهم للإمام علي عليهالسلام تلك المنقبة .
ـــــــــــــ
(١) أحكام القرآن ، الجصاص : ج ٢ ص ٥٥٨ .
١ – إنّ لفظ الزكاة شامل لكلّ إنفاق لوجه الله تعالى واستعملها القرآن بذلك .
٢ ـ لو سلّمنا أنّ لفظ الزكاة في الآية استعمل في الزكاة الواجبة التي هي أقلّ نصابها ٢٠٠ درهم ، فإنّ مَن يملك هذا المبلغ لا يُعدّ غنيّاً شرعاً .
٣ – قام الإجماع على نزول آية الولاية في حق الإمام علي عليهالسلام ، ولم ينكر أحد آنذاك ما استنكره صاحب الشبهة ، بل أنشد الشعر والمديح والثناء على الإمام علي عليهالسلام ، مع مباركة الصحابة .
آية البلاغ تدلّ على أنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم لم يبلّغ سابقاً
إنّ استدلال الشيعة بآية البلاغ على الإمامة يبطل كل الاستدلالات السابقة التي يستدلّون بها ؛ لأنّ آية البلاغ مدنية ، فتدل على أنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم لم يبلّغ سابقاً .
أوّلاً : لابد أن نفهم كيفية تعاطي الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم مع المفاهيم والمبادئ الإسلامية المهمّة التي تمثّل الأساس في منظومة الدين الإسلامي ، والتي ينبغي التأكيد عليها من قِبله صلىاللهعليهوآلهوسلم أكثر من غيرها ، ومن جملة المفاهيم الأساسية هي الإمامة ، حيث نلمس غاية الانسجام ومنتهى الملائمة بين جميع البيانات السابقة لإثبات الإمامة والتنصيص عليها ، فكل تلك المواقف والبيانات كانت تتناسب مع خطورة وأهميّة مبدأ كمبدأ الإمامة والولاية بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلابد من تأسيسه وتشييد أركانه وجعله وعياً إسلامياً عاماً ، وآية البلاغ جاءت ضمن ذلك السياق وتلك الخلفية ، فهي نزلت في ذلك الظرف لتحمل في طيّاتها العديد من الأمور المهمّة التي تتعلّق بحقيقة الإمامة ، منها :
١ ـ أنّها جاءت لتصرّح بقضية مهمة جداً ، وهي أنّ ترك تنصيب علي بن أبي طالب عليهالسلام للولاية مساوق لترك تبليغ الرسالة بأكملها ، وهذا ما يتجلّى واضحاً عند التأمّل في الآية : ( وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ) (١) ، وعلى ضوء ذلك تعرف السر في نزول هذه الآية المباركة في أواخر حياة الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، حيث تكشف عن أهمية الإمامة والولاية في المنظومة الدينية ، ومن هذا المنطلق يظهر لك سبب ذلك الحشد المتنوّع من النصوص القرآنية والروائية التي تؤكّد على ضرورة وأهمية موقع الإمامة في الإسلام بأجمعه ؛ ذلك لكي ينطلق الإسلام في قيادة جديدة تكون في جميع مجالاتها وآفاقها امتداداً للقيادة النبوية ، لتبقى المسيرة مستمرة والرسالة محفوظة .
وممّا يؤكّد أهمية الإمامة والولاية هو ما نجده واضحاً في أقوال الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم بعد تبليغ مقام الولاية وتعيين الولي للناس ، حيث قال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( فليبلّغ الشاهد الغائب ) (٢) ، فإنّ اهتمامه صلىاللهعليهوآلهوسلم الشديد في إيصال خطابه الشريف إلى جميع المسلمين يكشف عن خطورة الأمر ، وأنّه ممّا تتوقّف عليه ديمومة الإسلام .
بالإضافة إلى ما يكتنف الآية المباركة من القرائن الحالية الكثيرة والواضحة الدالة على أهمية هذا الأمر ، وتأثيره المباشر على مسيرة الإسلام ، كنزوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في حرّ الهجير والسماء صافية ، والمسلمون واقفون على الحصباء والرمضاء التي كادت تتوقّد من حرارة الشمس ، حتى أنّه نقل الرواة من حفّاظ الحديث وأئمّة التاريخ أنّه لشدّة الحر وضع بعض الناس ثوبه على رأسه ، وبعضهم استظلّ بمركبه ، وبعضهم استظلّ بالصخور ، ونحو ذلك .
ـــــــــــــ
(١) المائدة : ٦٧ .
(٢) كما جاء ذلك في أكثر المصادر الروائية والتفسيرية التي نقلت حديث الغدير ، وقد ذكر ابن حجر أنها (قد بلغت التواتر) ، لسان الميزان ، ابن حجر العسقلاني : ج ١ ص ٣ .
وكذلك أمره صلىاللهعليهوآلهوسلم برجوع مَن تقدّم ، وتقدّم مَن تأخّر .
مضافاً إلى حضور ذلك الجمع الغفير من الصحابة والمسلمين الذين حضروا لأداء مناسك الحج من سائر أطراف البلاد الإسلامية ، وغير ذلك من الأمور التي تدل على خطورة الأمر وأهميته .
٢ ـ إنّ آية البلاغ التي بلّغها الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم في أواخر حياته ، جاءت تحمل في طيّاتها الإشارة إلى قضية مهمة جداً في الدين الإسلامي ، وهي تحديد معالم أطروحة الإمامة في الإسلام ، مؤكّدة على أنّ الإمامة شاملة لكل الأبعاد القيادية السياسية منها والحكومية والمرجعية وغيرها ، وأنّ منصب الخلافة والحكومة يمثّل أحد أبعاد الإمامة ، وهذا هو موضع النزاع مع أتباع مدرسة الخلفاء ، حيث إنّهم يختزلون دور الإمام في الحاكمية فقط ، فإذا لم يستلم الحكومة لا يكون إماماً ، على خلاف معتقد الشيعة الإمامية الاثني عشرية ، التي تعتقد أنّ منصب الحاكمية يمثّل أحد أبعاد الإمامة لا جميعها .
٣ ـ إنّ آية البلاغ جاء تبليغها بصيغة الإعلان الرسمي للولاية والإمامة والتتويج العام للإمام علي عليهالسلام أمام المسلمين ، ويشهد لذلك كيفية التبليغ ، حيث جمع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الناس وأمر أن يردّ مَن تقدم منهم ومَن تأخّر عنهم في ذلك المكان ، وجمعت له صلىاللهعليهوآلهوسلم أقتاب الإبل وارتقاها آخذاً بيد أخيه علي عليهالسلام معمّماً له أمام الملأ صادعاً بإبلاغ الولاية ، ثم إنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم طلب بنفسه البيعة من الناس لعلي عليهالسلام ، وبادر الناس لبيعته عليهالسلام وسلّموا عليه بإمرة
المؤمنين ، وهنّأوا النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّاً عليهالسلام ، وأوّل مَن تقدّم بالتهنئة والبخبخة ، أبو بكر ثم عمر بن الخطاب وعثمان و...(١) ، وقد روى الطبري في كتابه الولاية بإسناده عن زيد بن أرقم أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :( قولوا أعطيناك على ذلك عهداً من أنفسنا ، وميثاقاً بألسنتنا ، وصفقة بأيدينا ، نؤدّيه إلى أولادنا وأهلنا لا نبتغي بذلك بدلا ) (٢) .
ثم استئذان حسان بن ثابت من الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم لنظم أبيات في الواقعة تدل على أنّه لم يفهم من الحديث غير معنى الخلافة والولاية .
وكذلك يؤكّد كل ما قلناه احتجاج أمير المؤمنين علي عليهالسلام بحديث الغدير في مواضع عديدة ، حيث كان يحتج على أولئك الذين تركوا وصيّة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله عليهالسلام : (أنشدكم بالله أمنكم مَن نصّبه رسول الله يوم غدير خُم للولاية غيري ؟ قالوا : اللهم ، لا ) ، وفي موضع آخر ( قال :أنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول صلىاللهعليهوآلهوسلم مَن كنت مولاه ، فعلي مولاه ، اللّهمّ والِ مَن والاه وعاد مَن عاداه ، وانصر مَن نصره ، ليبلغ الشاهد الغائب ، غيري ؟ قالوا : اللّهمّ ، لا )(٣) .
ـــــــــــــ
(١) مسند أحمد : ج ٤ ص ٢٨١ ؛ المعيار والموازنة ، الإسكافي : ص ٢١٢ ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٥ ص ٢٠٣ ؛ فيض القدير شرح الجامع الصغير : ج ٦ ص ٢٨٢ ح ١٢٠ ؛ تذكرة الخواص ، ابن الجوزي : ص ٣٦ ؛ نظم درر السمطين : ص ١٠٩ ؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١٣ ص ١٣٤ ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ٥ ص ٨ ؛ المصنف لابن أبي شيبة الكوفي : ج ٧ ص ٥٠٣ ؛ شواهد التنزيل : الحاكم الحسكاني : ج ١ ص ٢٠٠ ؛ ثمار القلوب : ص ٦٣٧ ؛ وغيرها .
(٢) كتاب الولاية : محمد بن جرير الطبري : ص ٢١٤ ـ ٢١٦ .
(٣) انظر : مسند أحمد : ج ١ ص ٨٤ ؛ ج ٤ ص ٣٧٠ ؛ ج ٥ ص ٣٧٠ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ١٠٤ ، ص ١٠٧ ؛ المصنف ، أبي شيبة الكوفي : ج ٧ ص ٤٩٩ ؛ كتاب السنّة : عمرو بن أبي عاصم : ص ٥٩١ ، ص ٥٩٣ ؛ خصائص أمير المؤمنين ، النسائي : ص ٩٦ ؛ مسند أبي يعلى : ج ١ ص ٤٢٨ ـ ٤٢٩ ح ٥٦٧ ؛ ج ١١ ص ٣٠٧ ح ٦٤٢٣ ؛ المعجم الصغير : الطبراني : ج ١ ص ٦٤ ـ ٦٥ ؛ المعجم الأوسط : ج ٢ ص ٣٢٤ ؛ المعجم الكبير : ج ٥ ص ١٧١ ؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١١ ص ٣٣٢ ؛ الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيتمي : ص ١٩٥ ؛ وغيرها .
٤ ـ لم يكتف الله تبارك وتعالى بكل البيانات السابقة من النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم حتى أنزل في ولاية علي عليهالسلام تلك الآيات الكريمة تتلى على مرّ الأجيال بكرةً وعشيّاً ؛ ليكون المسلمون على ذكر من هذه القضية في كل حين ، وليعرفوا رشدهم والمرجع الذي يجب عليهم أن يأخذوا عنه معالم دينهم ويتبعوه في قيادته .
٥ ـ لو اقتصر في تبليغ الإمامة على تلك البيانات الخاصة للرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم والمقتصرة على حضور بعض الصحابة ؛ لضاعت وأصبحت روايات ضعافاً ، ولما وصلت إلينا بشكل واضح ومتواتر كما جاءتنا آيات وروايات البلاغ ؛ وذلك بسبب منع تدوين حديث رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في عهد الخلفاء ، ولتولّي بني أمية وأعداء أهل البيت عليهالسلام تدوين الحديث فيما بعد .
أوّلاً : إنّ تعاطي القرآن الكريم والرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم مع المفاهيم الأساسية في الإسلام ـ كالإمامة ـ يختلف عن غيرها من المفاهيم الأخرى ؛ ولذا نجد أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أكّد عليها مراراً وشيّد أركانها ، مستثمراً كل مناسبة يمكن استثمارها في ذلك ، ومن هنا نلتمس أسباب كثرة البيانات والتصريحات المتكرّرة من الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ وذلك لكي يكون الاهتمام والتبليغ متناسباً مع أهمية ذلك الأمر ؛ ولذا نرى الانسجام والملائمة بين التبليغات النبوية ، والآيات القرآنية الواردة في هذا الصدد ، وبالخصوص آية البلاغ التي جاءت ضمن الاهتمامات القرآنية بمسألة الإمامة ، وقد حملت آية البلاغ العديد من المعطيات المهمة في مسألة الإمامة ، منها:
١ ـ إنّ الآية المباركة جاءت لتبيّن أنّ ترك تنصيب الإمام علي عليهالسلام للولاية مساوق لترك تبليغ الرسالة بأجمعها ، كما هو واضح من قوله تعالى : ( وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ ... ) وممّا يؤكّد أهمية هذا التبليغ للإمامة ملاحظة الظروف التي رافقت عملية التبليغ من شدّة الحرّ ، وأمر الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم برجوع المتقدّم ولحوق المتأخّر ، والجمع الغفير الذي حضرها ، كل ذلك يدل على أهمية الأمر وخطورته .
٢ ـ إنّ تبليغ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم للآية في أواخر حياته جاء مؤكّداً على بيان أطروحة الإمامة في الإسلام ، وأنّها شاملة لكل الأبعاد القيادية السياسية والدينية والحقوقية والقضائية ، وأنّ منصب الخلافة والحكومة يمثّل أحد أبعاد الإمامة ، وهذا هو محل النزاع بين السنّة والشيعة ، حيث إنّ السنّة يختزلون دور الإمام في الحاكمية فقط .
٣ ـ إنّ آية البلاغ جاءت بصيغة الإعلان الرسمي لولاية الإمام علي عليهالسلام كما هو واضح من خلال عملية التنصيب وطريقته ومباركة الصحابة له بالولاية وإنشاء الشعر ونحوها ، وكذلك احتجاجه عليهالسلام بحديث الغدير في مناسبات عديدة على أحقّيّته عليهالسلام في الخلافة .
ثانياً : إنّ الله تعالى لم يقتصر على أمر الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بالتبليغ لولاية الإمام علي عليهالسلام ، بل هنالك عدّة من الآيات جاءت مؤكّدة لتلك الولاية لتتلى بكرةً وعشياً على مرّ الأجيال ، وتكون شاهدة وحجّة عليهم .
ثالثاً : لو اقتصر في تبليغ الولاية على البيانات الخاصة المقتصرة على حضور بعض الصحابة ، سوف يُعرّضها ذلك للضياع ، لا سيّما مع ملاحظة منع تدوين السنّة ، أو تكون من الأخبار الضعاف ، ولذا كان تبليغها في واقعة الغدير كفيلاً بأن يجعلها تصل إلى حدّ التواتر وإجماع المسلمين ، الذي لا يمكن تجاوزه .
لا وجود لاسم علي في القرآن
إنّ القرآن الكريم لم ينص على إمامة علي عليهمالسلام وإلاّ لذكر اسمه فيه .
لكي تكون الإجابة واضحة لابد من الالتفات إلى نقطتين أساسيتين ، هما :
لا ريب أن القرآن هو الكتاب المنزل لهداية الناس فيه تبيان كل شيء ، والسنّة النبوية مفصّلة ومبيّنة له ، قال تعالى : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ ) (١) ، فأحدهما مكمّل للآخر ، والإسلام كلّه ، من عقائد وأحكام وسائر علومه وأُصوله موجود في القرآن الكريم ، أمّا شرحه وتفسيره وتجسيده ، فنجده في سنّة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من خلال حديثه وسيرته المباركة ؛ ولذا نجد أنّ الله تعالى قرن طاعته بطاعة رسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما في قوله تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) (٢) ، وقوله عزّ وجلّ : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ) (٣) ، وكذلك قرن معصية الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بمعصيته تعالى ، حيث
ـــــــــــــ
(١) النحل : ٤٤ .
(٢) النساء : ٥٩ .
(٣) الأنفال : ٢٠ .
قال : ( وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنّ لَهُ نَارَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فَيهَا أَبَداً ) (١) ، وقوله تعالى : ( فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنّي بَرِيءٌ مّمّا تَعْمَلُونَ ) (٢) ، وقال تعالى أيضاً : ( فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُوا تَسْلِيماً ) (٣) ، وغيرها من الآيات الكريمة .
إنّ الله تعالى لم يجعل الخيرة للمؤمنين فيما يقضي الله ورسوله به ، كما في قوله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً مّبِيناً ) (٤) ، وبيّن الله تعالى أنّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم حجّة على الخلق في قوله وفعله ، وأنّ الله جعله إماماً يقتدى به ، فقال تعالى : ( وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (٥) ، وقال أيضاً : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) (٦) ، وهذه مفردة مهمة جداً يجب الالتفات إليها جيداً .
وهناك روايات كثيرة متضافرة تؤكّد وتحث على الأخذ بسنّة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتنهى عن الإعراض عن سنّته صلىاللهعليهوآلهوسلم والاكتفاء بالقرآن وحده ، وكان ذلك رائجاً ومعرفاً في أقوال الصحابة وتعاملهم ، من ذلك ما ورد في صحيح البخاري عن علقمة ، عن عبد الله قال : ( لعن الله الواشمات
ـــــــــــــ
(١) الجن : ٢٣ .
(٢) الشعراء : ٢١٦ .
(٣) النساء : ٦٥ .
(٤) الأحزاب : ٣٦ .
(٥) الحشر : ٧ .
(٦) النجم : ٣ ـ ٤ .
الموتشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن ، المغيّرات خلق الله ، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها : أم يعقوب ، فجاءت فقالت : إنّه بلغني أنّك لعنت كيت وكيت ، فقال : ومالي لا ألعن مَن لعن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ومَن هو في كتاب الله ، فقالت : لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول ، قال : لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه ، أما قرأت : ( وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (١) ؟ قالت : بلى ، قال : فإنّه قد نهى عنه )(٢) ، وكذا وردت هذه الرواية بنصها في صحيح مسلم(٣) .
ومن الروايات التي وردت عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا المجال ، ما جاء في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه ، ومسند أحمد عن أبي عبد الله بن أبي رافع عن أبيه أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :( لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري ممّا أمرت به أو نهيت عنه فيقول : لا ندري ، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ) (٤) ، وفي مسند أحمد بلفظ( ما أجد هذا في كتاب الله ) (٥) .
ومنها ما ورد في مسند أحمد أيضاً ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( لا أعرفنّ أحداً منكم أتاه عنّي حديث وهو متكئ في أريكته ،
ـــــــــــــ
(١) الحشر : ٧ .
(٢) صحيح البخاري : ج ٣ ص ٢٨٤ ح ٤٨٨٦ .
(٣) صحيح مسلم : ج ٣ ص ١٦٧٨ ح ٢١٢٥ باب تحريم فعال الواصلة والمستوصلة .
(٤) انظر : سنن أبي داود السجستاني ، باب لزوم السنّة : ج ٤ ص ٢٠٥ ح ٤٦٠٥ ؛ سنن الترمذي : ج ٤ ص ١٤٤ ح ٢٨٠١ ، كتاب العلم ؛ باب ما نهى عنه ؛ سنن ابن ماجه ، المقدّمة : ج ١ ص ٦ ـ ٧ ، باب تعظيم حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والتغليظ على مَن عارضه .
(٥) مسند أحمد : ج ٦ ص ٨ .
فيقول : أتلوا عليّ به قرآناً ) (١) ، وقال حسان بن ثابت ، كما في مقدّمة الدارمي : ( كان جبريل ينزل على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بالسنّة كما ينزل عليه بالقرآن )(٢) ، إلى غير ذلك من الروايات والأقوال ، وإنّما هذه نبذة عمّا ورد في الحثّ على الأخذ بسنّة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم والنهي عن مخالفته والتشديد على مَن يهمل السنّة بحجة الاكتفاء بكتاب الله .
وعلى هذا الأساس يتضح أنّ جميع أحكام الإسلام موجودة في القرآن الكريم ، إلاّ أنّه لا يمكن معرفة تفاصيلها والوقوف على حقائقها من دون الرجوع إلى سنّة الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّنا في إقامة الصلاة ـ مثلاً ـ لا نعرف كيف نصلّي من دون أن نأخذ من حديث الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم كيفيّتها وشروطها وعدد ركعاتها وسجداتها وأذكارها ومبطلاتها ، وكذلك في الحج ، حيث لا يمكن أداء مناسكه من دون الرجوع إلى سنّته صلىاللهعليهوآلهوسلم واستيضاح شروطه وواجباته ومواقيته وأشواط الطواف وصلاته ، وتفاصيل السعي والتقصير وسائر مناسك الحج الأخرى .
إذن لابدّ من الرجوع إلى القرآن والسنّة النبوية معاً لأخذ تعاليم الإسلام منهما ، أمّا مَن أراد الاكتفاء بالقرآن وحده دون السنّة ، فأدنى ما نقول بحقّه : إنّه جاهل بما ورد في القرآن نفسه ، الذي يدعو لإطاعة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ( وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (٣) ، وقد قال الألباني في هذا المجال : ( فحذار أيّها المسلم أن تحاول فهم القرآن مستقلاً
ـــــــــــــ
(١) مسند أحمد : ج ٢ ص ٣٦٧ ؛ سنن ابن ماجه ، المقدمة : ج ١ ص ٩ ـ ١٠ ح ٢١ ، باب تعظيم حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والتغليظ على مَن عارضه .
(٢) سنن الدارمي ، المقدّمة : ج ١ ص ١٤٥ ، باب السنّة قاضية على كتاب الله .
(٣) الحشر : ٧ .
عن السنّة ، فإنّك لن تستطيع ذلك ولو كنت في اللغة سيبويه زمانك )(١) ، فمقولة حسبنا كتاب الله مقولة مخالفة لصريح القرآن الكريم .
بعد تلك الإطلالة السريعة نقول لصاحب الشبهة بأنّ عدم ذكر اسم علي عليهالسلام صريحاً في القرآن يرجع إلى الأسباب التالية :
إنّ عدم ذكر اسم علي في القرآن لعلّه لحكمة إلهية خفيت علينا ، إذ ما قيمة عقولنا كي تحيط بكل جوانب الحكم والمصالح الإلهية ، فكم من الأمور التي قد خفيت أو أُخفيت علينا مصالحها ، قال تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) (٢) ، والاعتراض على حكم الله تعالى خلاف التسليم والخضوع لأمره عزّ وجلّ .
ثانياً : الرسول الأكرم نصّ على إمامة علي عليهالسلام
إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قد نصّ على إمامة علي أمير المؤمنين عليهالسلام باسمه الصريح كما في حديث الغدير المتواتر ، وحديث الدار ، وحديث المنزلة ، وغيرها في مواطن كثيرة جداً ، فإذا ثبت هذا بشكل قاطع عنه صلىاللهعليهوآلهوسلم وهو القرآن الناطق الذي لا ينطق عن الهوى ، وقد أقام الحجّة علينا بأنّ الإمام بعده علي عليهالسلام تثبت إمامته بلا ريب ، وإذا لم يذكر القرآن اسم عليّ
ـــــــــــــ
(١) صفة صلاة النبي ، الألباني : ص ١٧١ .
(٢) المائدة : ١٠١ .
فإنّ ذلك لا يضر ولا يؤثّر في قيمة الحجّة التي أقامها الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم على الإمامة ؛ لأنّ تبليغه وبيانه وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم هو قول الله تعالى .
وممّا يؤكّد هذا الوجه ما أجاب به الإمام الصادق عليهالسلام بسند معتبر صحيح عندنا ، حينما سأله أبو بصير عن السبب في عدم ذكر اسم علي عليهالسلام صريحاً ، عن أبي بصير حيث قال : ( سألت أبا عبد الله عليهالسلام عن قوله تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ، فقال :نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهمالسلام ، فقلت له : إنّ الناس يقولون : فما له لم يسمّ عليّاً وأهل بيته عليهمالسلام في كتاب الله عزّ وجلّ ؟ قال : فقال :فقولوا لهم : إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً حتى كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم هو الذي فسّر ذلك لهم )(١) .
من الواضح أنّ ذكر الوصف أوقع تأثيراً في تحديد المصداق من ذكر الاسم ؛ لذا ذكر علماء اللغة أنّ اسم العلم ليس أعرف المعارف ، بل الكثير منهم جعل اسم العلم أدنى درجة من أسماء المعرفة ، والسر في ذلك ، كما ينصّ عليه أهل اللغة والبلاغة ، أنّ اسم العلم قد يتوخّى منه معنى الصفة ، فإذا جاء اسم عليّ عليهالسلام في القرآن فقد يحصل إيهام بأنّ المراد منه الصفة أي العالي ، وعلى هذا الأساس بيّن القرآن الكريم المصداق بشكل صريح ، وأنّ الولي هو المتصف بكونه يؤدّي الزكاة وهو راكع ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (٢) ،
ـــــــــــــ
(١) أصول الكافي ، الكليني : ج ١ ص ٢٨٦ ـ ٢٨٧ .
(٢) المائدة : ٥٥ .
الذي تواترت الروايات من طرق الشيعة والسنّة على أنّ المراد به هو علي بن أبي طالب عليهالسلام (١) .
لو فرضنا أنّ القرآن ذكر الاسم صريحاً فلا يعني حسم الخلاف في ذلك ، بل قد يكون أدعى للخلاف ؛ لأنّه يكون وسيلة وداعية لاستعارة الأسماء والألقاب لذوي النفوس المريضة ، لكي يجعل الاسم منطبقاً عليه ، كما نلمس ذلك واضحاً من انتحال لقب أمير المؤمنين الخاص بعلي عليهالسلام ، والذي هنّأه به عمر بن الخطاب ، كما جاء ذلك في حديث الغدير الذي جاء متضافراً في كتب أهل السنّة(٢) ، حتى وصل الأمر بمعاوية ويزيد أن يلقّبوا أنفسهم بهذا اللقب حتى صار تقليداً معمولاً به فسمّي كل مَن يتولّى الحكم ولو ظلماً وعدواناً بـ ( أمير المؤمنين ) .
لو فرضنا أن القرآن ذكر اسم عليّ عليهالسلام صريحاً لبادر المنافقون لرفعه وحذفه من الكتاب الكريم فيقع التصرّف والتحريف في القرآن الكريم ، وقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يحفظ القرآن الكريم ، حيث قال : ( إِنّا نَحْنُ
ـــــــــــــ
(١) جامع البيان ، الطبري : ح ٦ ص ٣٨٩ ـ ٣٩٠ من طريق ابن عباس وعتبة بن حكيم ومجاهد ، الكشاف ، الزمخشري : ج ١ ص ٦٤٩ .
(٢) انظر : مسند أحمد : ج ٤ ص ٢٨١ ؛ المعجم الكبير : ج ٥ ص ٢٠٣ ـ ٢٠٤ ؛ فيض القدير شرح الجامع الصغير : ج ٦ ص ٢٨٢ ؛ ثمار القلوب : ص ٦٣٧ ح ١٠٦٨ ؛ المعيار والموازنة : ص ٢١٢ ؛ وما بعدها ؛ المصنف لأبي شيبة الكوفي : ج ٧ ص ٥٠٣ ؛ نظم درر السمطين : ص ١٠٩ ؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١٣ ص ١٣٤ ؛ شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج ١ ص ٢٠٠ ؛ وغيرها .
نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (١) ، ولا شك أنّ الحكمة الإلهية شاءت حفظ القرآن الكريم من طرقه الطبيعية قدر الإمكان ، كما سوف يتضح ذلك عند الإجابة عن شبهة التحريف .
إنّ ذكر الاسم صريحاً في القرآن لا يعني حسم الخلاف في ذلك من جهة أخرى ؛ لأنّنا نجد أنّ كثيراً من الأمور التي ذُكرت في القرآن بصراحة تامّة وقع الخلاف فيها بعد ذلك ، كما في المتعة التي ورد ذكرها في القرآن بكل صراحة ، وذلك في قوله تعالى : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ فَآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيَما تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ) (٢) ، ومع ذلك نجد أنّ الخلاف والنزاع وقع فيها فيما بعد ، حيث ادّعي نسخها بقول عمر بن الخطاب .
لو افترضنا أنّ اسم علي عليهالسلام ذُكر في القرآن ، فليس من البعيد أن يُقال إنّ ذلك من وضع الرافضة ، كما نجد هذا الافتراء واضحاً في الروايات الصريحة الواردة في فضائل أهل البيت عليهالسلام ، ولا غرابة في ذلك على الذين ختم الله على قلوبهم ، فإنّ الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم صرّح باسمه عليهالسلام على مرأى ومسمع (١٢٠) ألف صحابي ، بشكل لا يشوبه ريب ، ومع ذلك بادر المنافقون إلى إنكاره ورفضه ، وزعم بعضهم أنّ ذلك من الموضوعات .
ـــــــــــــ
(١) الحجر : ٩ .
(٢) النساء : ٢٤ .
على ضوء ما سلف نود أن نلفت نظر المستشكل في إمامة علي عليهالسلام بعدم ذكر اسمه في القرآن ، إلى أنّه بعد قيام الحجج والبراهين والأدلة القاطعة على الإمامة لا ينبغي التشكيك والترديد وإثارة الشبهات في ذلك ، استناداً إلى شبهات واهية كهذه ، وأن لا نكون كقوم بني إسرائيل ، الذي أخذوا يطلبون من نبي الله موسى عليهالسلام المزيد من الحجج بعد أن أظهر لهم الأدلة والبراهين على وجود الله تعالى ، حتى أنهم طلبوا من موسى أن يريهم الله تعالى جهرة ، حيث قالوا : ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً ) (١) .
في المقدّمة ينبغي الالتفات إلى نقطتين أساسيتين :
الأُولى : إنّ القرآن الكريم تبيان لكل شيء ، لكن ليس باستطاعة أحد معرفة واستخراج هذه المعارف منه ؛ لذا كانت السنّة النبوية مبيّنة ومفصّلة له ، ومن هنا قرن الله تعالى طاعته بطاعة رسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم كما في قوله تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) (٢) ، وقوله عزّ وجلّ : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ) (٣) ، إلى غير ذلك من الآيات .
الثانية :إنّ الله تعالى أمرنا بالأخذ بما بينه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا يجوز الاعتراض على حكم الله أو أي قضاء قضاه الله ورسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
ـــــــــــــ
(١) البقرة : ٥٥ .
(٢) النساء : ٥٩ .
(٣) الأنفال : ٢٠ .
وبعد هذا نقول : إنّ السبب في عدم ذكر اسم علي عليهالسلام في القرآن يرجع إلى ما يلي : ـ
أوّلاً : إنّ الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم قد نصّ على إمامة علي عليهالسلام باسمه الصريح ، ولا فرق في الحجّيّة بين القرآن وقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد تواتر ذلك عنه صلىاللهعليهوآلهوسلم في مواطن متعددة كما في حديث الغدير وحديث الدار والمنزلة ونحوها ، سيّما أنّ القرآن الكريم لم ترد فيه كثير من الأحكام الأساسية في الإسلام كتفاصيل الصلاة والصيام ونحوها .
ثانياً : نقول : إنّ عدم ذكر اسم علي عليهالسلام صريحاً في القرآن يعود لحكمة إلهية اقتضت ذلك ، وما أكثر الأشياء التي يفعلها الله تعالى ويأمر بها من دون إطلاعنا على حكمته في ذلك .
ثالثاً : إنّ ذكر الوصف أبلغ تأثيراً وتأكيداً من ذكر الاسم ، كما هو معروف عند اللغويين ، وقد ذُكر وصف الإمام علي عليهالسلام في القرآن كما في قوله تعالى : ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (١) ، وقد تواترت الروايات بعدم انطباق هذه المواصفات إلاّ على علي عليهالسلام .
رابعاً : لو فُرض ذكر اسم علي عليهالسلام في القرآن ؛ لبادر المنافقون لرفعه والتجاوز على القرآن الكريم ، فمن منطلق الحكمة الإلهية في الحفاظ على سلامة القرآن من التحريف لم يذكر اسمه عليهالسلام فيه .
خامساً : لو افترضنا أنّ اسم علي عليهالسلام ذُكر في القرآن الكريم ؛ فإنّ ذلك لا يعني حسم الخلاف ، كما هو الحال في آية المتعة الصريحة في مشروعيّتها ، والتي جُسّدت وطُبّقت تطبيقاً عملياً من قِبل الصحابة ، إلاّ أنّ عمر جاء وألغى هذا الحكم القرآني وهدّد كل مَن يمارسه .
ـــــــــــــ
(١) المائدة : ٥٥ .
سادساً : لو فُرض وجود اسم علي عليهالسلام في القرآن لقال البعض إنّه من وضع الرافضة .
سابعاً : بعد أن قامت الحجج والبراهين على ولاية علي عليهالسلام بشكل لا يشوبه ريب ، فلا معنى لمثل هذه المبررات الواهية التي لا أساس لها .
ثامناً : إنّ وجود اسم علي عليهالسلام في القرآن سيكون داعياً لاستعارته وجعله منطبقاً على بعض القيادات الحكومية ، كما هو الحال في كثير من الألقاب التي خصّها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بعلي عليهالسلام ، لكنّها نُسبت بعد ذلك إلى غيره ، كما هو الحال في لقب الصدّيق والفاروق وأمير المؤمنين .
آية التطهير لا تختصّ بأئمّة الشيعة
إنّ أهل البيت في آية التطهير تعني كل مَن يلتقي بالنبي في هاشم .
لقد شدّد القرآن الكريم والسنّة النبوية ، على تعيين المراد من مفهوم أهل البيت عليهمالسلام في موارد متعددة ، وحسبك ما ورد من الروايات الصحيحة التي تصرّح بأسمائهم على طريقة الحصر واحداً بعد الآخر ، وهم الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام .
ولعلّنا لا نجانب الصواب إذا ما قلنا بأنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كان شديد الحرص على تشخيص وحصر أهل البيت عليهمالسلام ؛ درءاً للتشكيكات التي قد تثار من ذوي النفوس المريضة .
وبالتأمّل في تفاصيل الواقعة نلمس اكتنازها الكثير من الدلائل الواضحة ، التي تثبت حصر أهل البيت في الآية المباركة بالخمسة أصحاب الكساء ، وإليك بعض تلك الشواهد والقرائن الصريحة :
تشخيص النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لأهل البيت بأسمائهم ، كما في رواية عبد الله بن جعفر ، حيث قال : ( لمّا نظر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الرحمة هابطة قال :ادعوا لي ، ادعوا لي ، فقالت صفية : مَن يا رسول الله ؟ قال صلىاللهعليهوآلهوسلم :أهل بيتي : عليّاً وفاطمة والحسن والحسين ، فجيء بهم فألقى عليهم النبي كساءه ، ثم رفع يديه ، ثم قال :اللّهم هؤلاء آلي فصلِّ على محمّدٍ وعلى آل محمّد ، وأنزل الله عزّ وجلّ : ( إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً )
قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقد صحّت الرواية على شرط الشيخين ، أنّه علّمهم الصلاة على أهل بيته كما علّمهم الصلاة على آله(١) .
ولا يخفى ما في كلمة :( اللّهمّ هؤلاء آلي ) من الدلالة على حصر أهل البيت في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام ونفي ذلك العنوان عن غيرهم ، كما لا يخفى على كلّ مَن عرف أساليب العرب في الكلام .
٢ ـ* من أجل التأكيد على الحصر وتحديد أهل البيت عليهمالسلام بأفراد معيّنين نلاحظ أنّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم يحصرهم تحت كساء واحد في مواقف متعددة وروايات متضافرة :
منها : ما جاء في رواية أبي سلمة ، حيث قال : فدعا حسناً وحسيناً ، وفاطمة ، فأجلسهم بين يديه ، ودعا عليّاً فأجلسه خلفه فتجلّل هو وهم بالكساء ، ثم قال :( هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ) (٢) .
ـــــــــــــ
(١) المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ١٤٨ .
(٢) جامع البيان ، الطبري : ج ٢٢ ص ١٢ ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٩ ص ٢٦ ؛ شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج ٢ ص ١١٩ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ١٣ ص ٢٠٣ .
* لا يوجد ١ ـ قبل هذا الرقم ، يبدوا أنّه سقط سهواً من إحدى الفقرات أعلاه .
ومنها : ما رواه ابن كثير في تفسيره قال : ( حدثنا شداد بن عمار قال :دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم ، فذكروا علياً رضياللهعنه فشتموه ، فشتمته معهم ، فلمّا قاموا ، قال لي : شتمت هذا الرجل ؟ قلت : قد شتموه فشتمته معهم ، قال : ألاّ أخبرك بما رأيت من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قلت : بلى ، قال : أتيت فاطمة (رضي الله عنها) أسألها عن علي رضياللهعنه ، فقالت : توجّه إلى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فجلست أنتظره ، حتى جاء رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ومعه علي وحسن وحسين (رضي الله عنهم) ، آخذاً كل واحد منهما بيده حتى دخل ، فأدنى عليّاً وفاطمة رضي الله عنهما وأجلسهما بين يديه ، وأجلس حسناً وحسيناً رضي الله عنهما كل واحد منهما على فخذه ، ثم لفّ عليهم ثوبه أو قال كساءه ، ثم تلا صلىاللهعليهوآلهوسلم هذه الآية : ( إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، وقال : ( اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحق ) (١) .
ومنها : ما أخرجه أحمد وغيره عن أُمّ سلمة ، قالت : ( فأخذ صلىاللهعليهوآلهوسلم فضل الكساء فغشاهم به ، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء ، ثم قال :( اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، قالت ـ أم سلمة ـ : فأدخلت رأسي البيت ، فقلت : وأنا معكم يا رسول الله ؟ قال صلىاللهعليهوآلهوسلم :إنّك إلى خير ، إنّك إلى خير ) (٢) .
ومنها : ما عن أُمّ سلمة أيضاً ، قالت : ( فلمّا رآهم مقبلين مدّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يده إلى كساء كان على المنامة ، فمدّه وبسطه ،
ـــــــــــــ
(١) تفسير ابن كثير : ج ٣ ص ٤٩٢ ، شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج ٢ ص ٦٧ .
(٢) مسند أحمد : ج ٦ ص ٢٩٢ ، تفسير ابن كثير : ج ٣ ص ٤٩٢ .
وأجلسهم عليه ، ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله فضمّه فوق رؤوسهم ، وأومأ بيده اليمنى إلى ربه ، فقال :( اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ) (١) .
ومنها : ما جاء كذلك عن أم سلمة ، قالت : فاجتمعوا حول النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم على بساط فجلّلهم نبي الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بكساء كان عليه ، ثم قال :( هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط ، قالت : فقلت : يا رسول الله ، وأنا ؟ قالت : فو الله ما أنعم ، وقال :إنّك إلى خير ) (٢) .
ومنها : ما جاء كذلك عن أمّ سلمة ، قالت : ( بينما رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في بيتي يوماً إذ قالت الخادمة : إنّ فاطمة وعليّاً بالسدّة ، قالت : فقال لي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( قومي فتنحّي عن أهل بيتي ) )(٣) .
ومنها : ما عن أمّ سلمة أيضاً ، قالت : ( إنّ هذه الآية نزلت في بيتي ( إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، قالت : وأنا جالسة على باب البيت ، فقلت يا رسول الله : ألست من أهل البيت ؟ فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( إنّك إلى خير ، أنت من أزواج النبي ) (٤) .
ومنها : ما ورد عن عائشة ، قالت : ( لقد رأيت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم دعى عليّاً وفاطمة وحسن وحسين رضي الله عنهم ، فألقى عليهم ثوباً فقال :( اللّهمّ
ـــــــــــــ
(١) تفسير ابن كثير : ج ٣ ص ٤٩٢ ـ ٤٩٣ ، مسند أحمد : ج ٦ ص ٢٩٨ .
(٢) جامع البيان ، الطبري : ج ٢٢ ص ١٢ ـ ١٣ ، تفسير ابن كثير : ج ٣ ص ٤٩٣ .
(٣) تفسير ابن كثير : ج ٣ ص ٤٩٣ .
(٤) جامع البيان : ج ٢٢ ص ١١ ، تفسير ابن كثير : ج ٣ ص ٤٩٣ .
هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ) ، قالت : فدنوت منهم ، فقلت يا رسول الله : وأنا من أهل بيتك ؟ فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم :تنحّي فإنّك على خير (١) .
ومنها : ما عن سعد ، قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : حين نزل عليه الوحي ، فأخذ عليّاً وابنيه وفاطمة رضي الله عنهم ، فأدخلهم تحت ثوبه ، ثم قال :( ربّي هؤلاء أهلي وأهل بيتي ) (٢) .
وهذا الأسلوب العملي من أبلغ أساليب الحصر ، لسدّ كل منافذ الالتباس ، حيث تخطّى الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم دلالات الكلام بحصرهم تحت كساء واحد ، ليكون أبلغ في الحصر وأقوى في الدلالة .
٣ ـ لقد صرّح الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم في نفس الآية التي هي محل البحث تصريحاً لا يبقى فيه مجال للشك والريب ، حيث قال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( نزلت الآية في خمسة ، فيّ ، وفي علي وفاطمة وحسن وحسين ) (٣) .
ومن هنا نجد أنّ كل المذاهب الإسلامية أجمعت على كيفية واقعة الكساء ، وأنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم لما نزل عليه الوحي ( بآية التطهير ) ضمّ الحسنين وأباهما وأُمّهما إليه ، ثم غشّاهم ونفسه بذلك الكساء تمييزاً لهم عن سائر الأبناء والأنفس والنساء ، ومن ثمّ بلّغ الأمة بالآية المباركة وهو على تلك الحال ،
ـــــــــــــ
(١) تفسير ابن كثير : ج ٣ ص ٤٩٤ .
(٢) تفسير ابن كثير : ج ٣ ص ٤٩٤ .
(٣) الدر المنثور ، السيوطي : ج ٦ ص ٦٠٤ ؛ خصائص الوحي المبين ، الحافظ ابن البطريق : ص ١٠٦ ؛ شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج ٢ ص ٤٠ ، ص ٤٥ ، ص ١٣٧؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ١٦٧ ؛ ترجمة الإمام الحسن ، ابن عساكر : ص ٦٩ .
لكي يقطع الطريق عن كل مَن يطمع بمشاركتهم ، سواء كان من أزواجه أم من الصحابة أم غيرهم ، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم وهم في معزل عن الناس كافة ، قال تعالى : ( إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، فأزاح النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بحجبهم في كسائه كل ما يطرأ على الأذهان من ريب وشك .
٤ ـ وإمعاناً في التأكيد ولسدّ كل منافذ التشكيك والريب ، أخذ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يتلو هذه الآية الكريمة كل يوم على باب بيت فاطمة الزهراء الذي فيه : علي والحسنان وأُمّهما عليهمالسلام ، بمرأى ومسمع من المسلمين ، وهناك عدد وافر من الروايات التي تثبت ذلك :
منها : ما ورد عن أبي الحمراء قال : رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : رأيت رسول الله إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة رضي الله عنمهما ، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( الصلاة الصلاة ( إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) ، وفي بعض الروايات تسعة أشهر ، وفي بعضها الآخر ، قال نفيع بن حارث : قلت : يا أبا الحمراء مَن كان في البيت ؟ قال : علي وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام (٢) .
ومنها : عن ابن عباس قال : ( شهدنا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم تسعة أشهر ، يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة فيقول :( السلام عليكم
ـــــــــــــ
(١) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٤ ص ٢٩٠ ؛ تفسير ابن كثير : ج ٣ ص ٤٩٢ ؛ التاريخ ، البخاري : ج ٩ ص ٢٥ ـ ٢٦ ؛ كني البخاري : ص ٢٥ ـ ٢٦ ؛ أسد الغابة ، ابن الأثير : ج ٩ ص ٦٦ ؛ جامع البيان ، الطبري : ج ٢٢ ص ١٠ ؛ الدّر المنثور : ج ٦ ص ٦٠٦ ؛ فتح القدير ، الشوكاني : ج ٤ ٢٨٠ ؛ شواهد التنزيل ، الحسكاني : ج ٢ ص ٧٤ ـ ٧٥ .
(٢) شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج ٢ ص ٧٤ ، نظم درر السمطين : ص ٢٣٩.
ورحمة الله وبركاته أهل البيت ، ( إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) كل يوم خمس مرات )(١) .
ومنها : ما ورد عن أبي بُرزة ، قال : ( صلّيت مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم سبعة عشر شهراً ، فإذا خرج من بيته أتى باب فاطمة عليهاالسلام فقال : (السلام عليكم : ( إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) كل يوم خمس مرات )(٢) .
ومنها : ما رواه ابن كثير في تفسيره عن أنس بن مالك ، قال : ( إنّ رسول الله (صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم) كان يمرّ بباب فاطمة (رضي الله عنها) ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر ، يقول (الصلاة يا أهل البيت ( إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، ثم قال ابن كثير : ورواه الترمذي عن عبد بن حميد عن عفان )(٣) .
٥ ـ كذلك من القرائن التي تشهد على حصر أهل البيت بالنبي وعلي وفاطمة والحسنين عليهمالسلام ، دون غيرهم ، وجود الحشر الكبير من الروايات الدالة على أنّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم حصرهم بالخمسة عليهمالسلام في مواقف أخرى غير حادثة الكساء :
منها : ما ورد عن سعد بن أبي وقاص قال : لمّا نزلت الآية : ( قل تعالوا ندعوا ... ) دعا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاً وفاطمة والحسن والحسين فقال :( اللّهمّ هؤلاء أهلي ) .
ـــــــــــــ
(١) الدر المنثور السيوطي : ج ٦ ص ٦٠٦ .
(٢) انظر مسند أحمد : ج ٣ ص ٢٥٩ ؛ شواهد التنزيل ، الحسكاني : ج ٢ : ص ١٣٩ ؛ انظر مجمع الزوائد : ج ٩ ص ١٦٩ ؛ المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ١٥٨ ، وقال : هذا حديث الصحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ؛ أسد الغابة ، ابن كثير : ج ٥ ص ٥٢١ ؛ مسند الطيالسي : ص ٢٧٤ ؛ وغيرها من المصادر .
(٣) تفسير ابن كثير : ج ٣ ص ٤٩٢ ؛ وكذا نقله مسند أحمد : ج ٣ ص ٢٥٩ ص ٢٨٥.
ولذا نجد الواحدي يقول بالحرف الواحد إنّ الآية( آية التطهير ) نزلت في خمسة : ( النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين )(١) .
٦ ـ ممّا يدل أيضاً على عدم شمول آية التطهير لكل بني هاشم ، أنّ الآية جاءت بصدد إثبات العصمة للخمسة أصحاب الكساء عليهمالسلام كما سيأتي ، ونحن لم نجد أحداً من بني هاشم أدّعى العصمة لنفسه غير العترة الطاهرة ، ولم تثبت العصمة بالأدلة والبراهين القاطعة إلاّ لهم عليهمالسلام دون غيرهم .
٧ ـ كذلك من الشواهد الدالة على الحصر ما ورد من الروايات الدالة على أنّ التمسّك بأهل البيت عليهمالسلام يكون عاصماً عن الضلال ، كما هو مفاد حديث الثقلين :( إنّي تارك ) الذي ورد فيه لفظ أهل البيت ، فكيف يكون كل بني هاشم من أهل البيت الذين أمرنا الله بالاقتداء بهم والتمسّك بهم ؟ مع أنّ في بني هاشم من هو الجاهل والفاسق ومن لا يصلح أن يُتمسك به وبهديه ، بل منهم مَن نزلت في ذمّه وهلاكه سورة قرآنية ، كأبي لهب : ( تَبّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِن مَسَدٍ ) (٢) .
وعلى هذا الأساس يتضح أنّ العناية والاهتمام والتأكيد الذي أولاه
ـــــــــــــ
(١) أسباب النزول ، الواحدي : ص ٢٣٩ .
(٢) المسد : ١ ـ ٥ .
الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بإعلان أهل البيت عليهمالسلام بأسمائهم ، وحصرهم بهذه الأساليب المختلفة من البيان ، مقرونة بأساليب متنوعة من العمل والتصدّي المباشر بالفعل ، فيسمّيهم حيناً بأسمائهم ، ويميّزهم حيناً آخر ، فيقول :(هؤلاء أهل بيتي) أو(اللّهمّ هؤلاء آلي) ، ويلفّهم حيناً ثالثاً بكساء واحد يجلّلهم فيه جميعاً ، لدرجة أنّ أُمّ المؤمنين زوجته صلىاللهعليهوآلهوسلم أم سلمة تمنّت ، بل طلبت منه أن تكون معهم ، إلاّ أنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم ردّها بلطف ورأفة ، قائلاً لها :إنّك على خير ، وكذا إعلانه بأسمائهم أمام الناس وأمام الملأ واحداً واحداً ، والمواظبة على تكرار هذا الإعلان لستة أشهر أو سبعة أو ثمانية أو تسعة ـ على اختلاف الروايات ـ أمام بيت الزهراء عليهاالسلام في كل يوم خمس مرات في أوقات الصلاة وفي غيرها .
مع أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لا يفعل ذلك إلاّ لحمكة وقصد ، كل ذلك يكشف عن أمر جليل و كبير له آثاره وأبعاده في تاريخ المسلمين وحياتهم ودينهم فيما بعد .
٨ ـ الملاحظة الجديرة بالذكر أيضاً أنّ الدليل الذي اعتمده القائل بدخول كل بني هاشم في أهل البيت عليهمالسلام كان معتمده رأياً لزيد بن أرقم ، ولم يكن ابن أرقم في صدد نقل رواية عن رسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإنّما هو بصدد ذكر رأيه وتحليله الخاص ، حيث أخرج أحمد في مسنده عن زيد ابن أرقم ، قال : ( قام رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يوماً خطيباً فينا بماء يُدعى خماً ، بين مكة والمدينة ، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ، ووعظ وذكّر ، ثم قال :أمّا بعد ، ألا يا أيّها الناس ، إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي عزّ وجلّ فأجيب ،
وإنّي تارك فيكم ثقلين ، أوّلهما كتاب الله عزّ وجلّ فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله تعالى واستمسكوا به ، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه ، قال :وأهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي ، أذكّركم الله في أهل بيتي ، أذكّركم الله في أهل بيتي ، فقال له حصين : ومَن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال : إنّ نساءه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته مَن حرم الصدقة بعده ، قال : ومَن هم ؟ قال : هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس ، قال : أكل هؤلاء حرم الصدقة ؟ قال : نعم )(١) .
ومن الواضح لا يمكن ترجيح تحليل ورأي زيد بن أرقم على تلك النصوص المتضافرة عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما مارسه صلىاللهعليهوآلهوسلم من أساليب مختلفة للدلالة على أنّ أهل البيت عليهمالسلام هم الخمسة أصحاب الكساء .
ـــــــــــــ
(١) مسند أحمد : ج ٤ ص ٣٦٧ .
١ ـ إنّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم شخّص وحدّد أسماء أهل البيت في آية التطهير ، وهم علي وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام ، كما في رواية عبد الله بن جعفر المتقدمة ، ثم دعاؤه بـ( اللّهمّ هؤلاء آلي ) الذي لا تخفى دلالته على الحصر في أهل البيت عليهمالسلام على كل مَن له أدنى معرفة بأساليب العرب في الكلام .
٢ ـ وجود عدد وافر من الروايات الصحيحة من طرق العامة تؤكّد على أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم جمع عليّاً وفاطمة والحسن والحسين تحت كساء واحد وقال :( هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ) وهذا أسلوب عملي من أبلغ أساليب الحصر ، لسد كل المنافذ أمام المشككين ، بحيث تجاوز صلىاللهعليهوآلهوسلم دلالات الكلام بهذا العمل ليكون أوقع وآكد في الدلالة .
٣ ـ أجمعت المذاهب الإسلامية على كيفية الواقعة ، وكيف أخذ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم الكساء ولفّ به الحسنين وأباهما وأُمّهما ، ثم غشّاهم ونفسه بذلك تمييزاً لهم عن سائر الأبناء والأنفس والنساء ، وقد صرّح صلىاللهعليهوآلهوسلم تصريحاً لا يبقى فيه مجال للشك والريب حين قال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( نزلت الآية في خمسة : فيّ وفي علي وحسن وحسين وفاطمة ) .
٤ ـ تأكيداً وإمعاناً في حصر نزول آية التطهير في عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام أخذ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يأتي في كل يوم وفي كل وقت صلاة ولمدّة سبعة أو ثمانية أو تسعة أشهر حسب اختلاف الروايات إلى بابفاطمة عليهاالسلام ويتلو الآية ( إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) وهذا الأسلوب يعتبر خطّة إعلامية متقنة ، لتأكيد اختصاص آية التطهير بأهل البيت عليهمالسلام .
٥ ـ من الشواهد الأخرى في المقام أيضاً أنّ آية التطهير جاءت بصدد إثبات العصمة لأهل البيت عليهمالسلام الذين قامت الأدلة والبراهين على عصمتهم عليهمالسلام ، وفي الوقت ذاته لم نجد أحداً سواء من بني هاشم أم من أزواج النبي ممّن ادعى العصمة لنفسه ، وهذا يُشكّل دليلاً قاطعاً على نزول آية التطهير في أهل البيت عليهمالسلام .
٦ ـ ما جاء في جملة من الروايات التي أمرنا فيها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بالتمسّك بأهل البيت عليهمالسلام ، كحديث الثقلين ونحوه ، فلو كان عنوان أهل البيت يشمل بني هاشم وأزواج النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فكيف يجوز التمسّك بهم للنجاة والفوز في الدار الآخرة مع وجود بعض الفاسقين والكافرين من بني هاشم كأبي لهب وأمثاله .
٧ ـ إنّ دليل القائل بشمول آية التطهير لبني هاشم إنّما هو رأي لزيد ابن أرقم وليس رواية يرويها عن الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ورأي زيد بن أرقم ليس وحياً لكي يكون دليلاً على المقام .
الفصل الثاني: حديث الخلفاء الاثني عشر في كتب أهل السنّة
لقد احتلّت مسألة تولّي الخلافة والقيادة بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مجالاً واسعاً وحيّزاً كبيراً في الفكر والواقع الإسلامي ، حيث كشفت سقيفة بني ساعدة عن الطموحات الواسعة لجملة من صحابة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في تولّي ذلك المنصب ، كما كشفت أيضاً عن طبيعة الصراع الشديد الذي تجاذب أطرافه المجتمعون من الصحابة آنذاك .
وانبثق عن ذلك الاجتماع قيادات لحكومة سياسية مفاجئة ، اعترض عليها زعماء الأنصار وأتباعهم ، كما غاب عنها كبار الصحابة من المهاجرين ، وفي مقدّمتهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام .
واستطاعت تلك القيادات الحكومية بتدبير مسبق بينها أن تكسب الموقف ، وتخلق رأياً عامّاً لصالحها ، وتجبر الرافضين على السكوت عن إعلان المعارضة لها .
وحيث إنّ النظرية السنية آمنت بمبدأ الإهمال ، وأنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أهمل مسألة الخلافة ، ولم يضع مخططاً واضحاً لقيادة الأمة بعد وفاته ، كان من الطبيعي أن تكتسب الخلافة شرعيتها في الذهنية السنيّة ممّا انبثق عن السقيفة من حكومة .
وأمّا النظرية الشيعية في مسألة الخلافة ، فهي قائمة على مبدأ التخطيط الإلهي المسبق لقيادة الأمة بعد وفاة نبيّها ، ورفض فكرة الإهمال في مسألة مصيرية في حياة الأمة ، وهي الخلافة .
وإذا كانت النظرية الشيعية قائمة على فكرة التخطيط المسبق لمسألة*
وفي مقام الجواب عن هذا التساؤل نقول :
إنّ القرآن الكريم والسنّة النبويّة حافلان بالبيانات التفصيليّة لرسم معالم الحكومة والخلافة الإلهية بعد النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا نريد الخوض في كل ما ورد في هذا المجال ؛ لأنّ هذا يجرّنا إلى مبحث الإمامة ، ولكن نريد التوقّف قليلاً عند أحد جوانب السنّة النبوية المباركة ، وهو ما تضمّنته من تأكيد على فكرة الاثني عشر خليفة الذين يقومون بالأمر بعد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وتكون عزّة الإسلام باتّباعهم والتمسّك بهم .
وسنحاول في هذا الفصل استعراض أهم الروايات الشريفة التي تضمّنت مبدأ خلافة الاثني عشر خليفة من المصادر السنّية المعتبرة ، والوقوف على أهم التفسيرات والتوجيهات التي أبداها أعلام أهل السنّة حول تلك الأحاديث مع تقييم تلك التفسيرات .
ومن ثمّ ننتقل إلى بيان التفسير الواقعي لتلك الأحاديث ، مدعوماً بالشواهد الواضحة والحقائق الناصعة .
ـــــــــــــ
* الكلام غير متصل مع ما بعده ، ربّما يوجد سقط في طباعة الكتاب [ الشبكة ] .
حديث الخلفاء الاثني عشر في كتب أهل السنّة
حاول البعض أن يشكّك في فكرة الاثني عشر خليفة قائلاً : إنّ فكرة الاثني عشر التي يدّعيها الشيعة الإمامية ، فكرة يهودية تعود إلى زعيم يهودي قديم ورد في كتاب دانيال ، وأنّ دعوى وجودها في صحيح البخاري ، كذب !! .
وإنّ حديث الخلفاء الاثني عشر الموجود في صحيح مسلم يتكلّم عن أنّ الإسلام يبقي عزيزاً منيعاً في عهدهم ، وأنّ هولاء الأئمّة تجتمع عليهم الأمّة ، كما في سنن أبي داود ، وكل هذه الصفات لا تنطبق على أئمّة الشيعة !!(١) .
إنّ البعض قد يتنكّر لمبادئه التي أسّسها ، وصحّحها ، واعتمد عليها إذا وجدها تصبّ في مصلحة مَن يخالفه الرأي .
وهذا ما نلمسه عند صاحب الشبهة ، حيث أنكر حديث الاثني عشر خليفة الذي تثبته الصحاح المعتبرة ، التي اعتمد عليها وجعلها أصحّ الكتب بعد القرآن الكريم ؛ وذلك عندما وجده يسجّل رقماً إيجابياً في إثبات حقّانية المذهب الشيعي .
ولا يخفى على القارئ ما في تكذيبه للحديث من إنكار لحقيقة مهمّة يسيراً للكتب الحديثية المعتبرة عند أهل السنّة ، لوجدناها مشحونة بالروايات الصحيحة والصريحة التي نصّت على الاثني عشر خليفة بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، بمواصفاتهم وخصوصيّاتهم .
ـــــــــــــ
(١) مقتبس من كلام عثمان الخميس على قناة المستقلّة .
وإليك جملة من المصادر التي نقلت هذه الحقيقة ، المتسالم عليها عند أعلام السنّة :
١ ـ أخرج البخاري وأحمد والبيهقي وغيرهم بسندهم ، عن جابر بن سمرة ، قال : (سمعت النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول :يكون اثنا عشر أميراً ، فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي : إنّه قال :كلّهم من قريش ) (١) .
قال البغوي : هذا حديث متّفق على صحّته(٢) .
٢ ـ وأخرج مسلم عن جابر بن سمرة ، قال : ( دخلت مع أبي على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فسمعته يقول :إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة ، قال : ثم تكلّم بكلام خفي عليّ ، قال : فقلت لأبي ، ما قال ؟ قال :كلّهم من قريش )(٣) .
٣ ـ وأخرج مسلم أيضاً ، وأحمد ـ واللفظ للأول ـ عن جابر بن سمرة ، قال : ( سمعت النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول :لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً ، ثم تكلّم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بكلمة خفيت عليّ ، فسألت أبي : ماذا قال رسول
ـــــــــــــ
(١) صحيح البخاري ، كتاب الأحكام : باب ٥١ ، ج ٤ ص ٣٧٥ ح ٧٢٢٢ ـ ٧٢٢٣ ؛ مسند أحمد ، ابن حنبل : ج ٥ ص ٨٧ ص ٩٠ ص ٩٦ ؛ دلائل النبوّة ، البيهقي : ج ٦ ص ٥١٩ .
(٢) شرح السنّة ، البغوي : ج ٧ ص ٤٢٢ ح ٤١٣٢ .
(٣) صحيح مسلم ، النيسابوري : ج ٣ ص ١٤٥٢ ؛ كتاب الإمارة ، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش ؛ وقد نقل مسلم هذا الحديث بتسعة طرق .
الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ فقال :كلّهم من قريش )(١) .
٤ ـ وأخرج مسلم أيضاً ، وأحمد ، والطيالسي ، وابن حبان ، والخطيب التبريزي ، وغيرهم ، عن جابر بن سمرة قال : سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : ( لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة ، ثم قال كلمة لم أفهمها ، فقلت لأبي : ما قال ؟ فقال :كلّهم من قريش ) (٢) .
٥ ـ وأخرج مسلم ـ واللفظ له ـ وأحمد ، وابن حبان ، عن جابر بن سمرة ، قال : انطلقت إلى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ومعي أبي فسمعته يقول : (لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة ، فقال كلمة صمّنيها الناس ، فقلت لأبي : ما قال ؟ قال :كلّهم من قريش )(٣) .
٦ ـ وأخرج مسلم ـ واللفظ له أيضاً ـ وأحمد ، عن جابر بن سمرة قال : ( سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يوم جمعة ، عشيّة رجم الأسلمي يقول :لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة ، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة ، كلّهم من قريش )(٤) .
ـــــــــــــ
(١) المصدر السابق نفسه : وكذا مسند أحمد ، ابن حنبل : ج ٥ ص ٩٨ ص ١٠١ ؛ قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ج ١ ق ٢ ص ٧١٩ : ( وهذا إسناد صحيح على شرطهما ) .
(٢) صحيح مسلم ، النيسابوري : ج ٣ ص ١٤٥٣ ؛ كتاب الإمارة ، باب الناس تبع لقريش ؛ ومسند أحمد بن حنبل : ج ٥ ص ٩٠ ص ١٠٠ ؛ مسند أبي داود الطيالسي : ص ١٠٥ ص ١٨٠ ؛ مشكاة المصابيح ، الخطيب التبريزي : ج ٣ ص ١٦٨٧ ؛ وقال التبريزي : ( متفق عليه ) ؛ صحيح ابن حبان : ج ١٥ ص ٤٤ .
(٣) صحيح مسلم ، النيسابوري : ج ٣ ص ١٤٥٣ ؛ كتاب الإمارة ؛ مسند أحمد ، ابن حنبل : ج ٥ ص ٩٨ ص ١٠١ ؛ وفي ص ٩٦ قال : ( عزيزاً منيعاً ظاهراً على مَن ناواه ، ولا يضرّه مَن فارقه أو خالفه ) ؛ صحيح ابن حبان : ج ١٥ ص ٤٤ .
(٤) صحيح مسلم ، النيسابوري : ج ٣ ص ١٤٥٣ ؛ كتاب الإمارة ؛ مسند أحمد ، ابن حنبل : ج ٥ ص ٨٨ ص ٨٩ ؛ سلسلة الأحاديث الصحيحة ، الألباني : ج ١ ق ٢ ص ٧٢٠ .
* الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :يكون من بعدي اثنا عشر أميراً ، ثم تكلّم بشيء لم أفهمه ، فسألت الذي يليني ، فقال : قال :كلّهم من قريش )(١)
٨ ـ وأخرج أبو داود حديث الخلفاء الاثني عشر بطريقين صحيحين(٢) ، قال في أحدهما : ( سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول :لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة ، قال : فكبّر الناس وضجوا ، ثم قال كلمة خفيّة ، قلت لأبي ، يا أبه ما قال ؟ قال :كلّهم من قريش )(٣) .
٩ ـ وأخرج أحمد ، وأبو نعيم ، والبغوي عن جابر بن سمرة، قال : ( سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول :يكون بعدي اثنا عشر خليفة ، كلّهم من قريش )(٤) .
١٠ ـ وأخرج أحمد بن حنبل في المسند ـ واللفظ له ـ والحاكم النيسابوري في المستدرك ، عن جابر بن سمرة ، قال : ( سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول في حجّة الوداع :لا يزال هذا الدين ظاهراً على مَن ناواه ، لا يضرّه مخالف ، ولا مفارق ، حتى يمضي من أُمّتي اثنا عشر أميراً كلّهم ، ثم خفي من قول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : يقول :كلّهم من قريش )(٥) .
١١ ـ وأخرج أبو عوانة أيضاً في مسنده ، عن جابر بن سمرة، قال : ( قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :لا يزال هذا الأمر عزيزاً منيفاً لا يضرّه مَن ناوأه حتى تقوم الساعة
ـــــــــــــ
* الحديث رقم ٧ لم يرد كاملاً في متن الكتاب [ الشبكة ] .
(١) سنن الترمذي : ج ٣ ص ٣٤٠ ؛ قال الترمذي : (هذا حديث حسن صحيح) ؛ مسند أحمد ، ابن حنبل : ج ٥ ص ٩٢ ص ٩٤ ص ٩٩ ص ١٠٨ .
(٢) صححهما الألباني في صحيح سنن أبي داود : ج ٣ ص ١٩ ح ٤٢٨٠ .
(٣) سنن أبي داود : ج ٤ ص ٨٦ ؛ كتاب المهدي وفيه : ( ثم لغط القوم وتكلّموا ) وفي نفس الصفحة ( فجعل الناس يقومون ويقعدون ) .
(٤) مسند أحمد ، ابن حنبل : ج ١٥ ص ٩٢ ؛ حلية الأولياء : ج ٤ ص ٣٣٣ ؛ شرح السنّة ، البغوي : ج ٧ ص ٤٢٢ ح ٤١٣١ ؛ صحيح ابن حبان : ج ١٥ ص ٤٣ ؛ قال البغوي : (هذا حديث صحيح) .
(٥) مسند أحمد ، ابن حنبل : ج ٥ ص ٨٧ ـ ٨٨ ؛ المستدرك على الصحيحين : ج ٣ ص ٦١٨ .
إلى اثني عشر خليفة ، كلّهم من قريش )(١) .
١٢ ـ وأخرج ابن حجر والقسطلاني والخطيب البغدادي قول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( لا تهلك هذه الأمة حتى يكون فيها اثنا عشر خليفة ، كلّهم يعمل بالهدى ودين الحق ) (٢) .
١٣ ـ وأخرج أحمد ، والحاكم في المستدرك ، والهيثمي في مجمع الزوائد عن الطبراني في المعجم الأوسط ، والكبير ، أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :( لا يزال أمر أُمّتي صالحاً حتى يمضي اثنا عشر خليفة ) (٣) .
١٤ ـ وأخرج أحمد في مسنده ، والهيثمي في مجمع الزوائد ، وابن حجر في المطالب العالية ، والبوصيري في مختصر الإتحاف ، عن مسروق، قال : ( أما سألت النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كم يملك هذه الأمة من خليفة ؟ قال : ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك [ثم] قال : نعم ولقد سألناها ، فقال : اثنى عشر كعدة نقباء بني اسرائيل )(٤) .
ـــــــــــــ
(١) مسند أبي عوانة : ج ٤ ص ٣٦٩ ح ٦٩٧٦ .
(٢) فتح الباري : ج ١٣ ص ١٨٤ ؛ تاريخ بغداد : ج ٤ ص ٢٥٨ .
(٣) المستدرك على الصحيحين : ج ٣ ص ٦١٨ ؛ مسند أحمد ، ابن حنبل : ج ٥ ص ٩٧ ص ١٠٧ ؛ مجمع الزوائد : ج ٥ ص ١٩٠ ؛ قال الهيثمي : ( رجال الطبراني رجال الصحيح ) ، ورواه عن جابر في ص ١٩١ وقال : ( رجاله ثقات ) .
(٤) مختصر الإتحاف ، البوصيري : ج ٦ ص ٤٣٦ ح ٤٩٣٣ ؛ وكذا انظر مسند أحمد ، ابن حنبل ج ١ ص ٣٩٨ ؛ المستدرك ، ج ٤ ص ٥٠١ ؛ المطالب العالية : ج ٥ ص ٤٦ ؛ مجمع الزوائد : ج ٥ ص ١٩٠ ؛ وهذا حديث حسنه ابن حجر العسقلاني في فتح الباري : ج ١٣ ص ٨٣ ؛ وابن حجر الهيثمي في تطهير الجنان واللسان (ضمن الصواعق المحرقة) : ص ١٩ ، ونقله السيوطي في تاريخ الخلفاء : ص ١٥ .
* الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم من طرق أهل البيت عليهمالسلام حول الخلفاء الاثني عشر ، إلاّ أنّ ما تقدّم يكفي لإثبات المطلوب .
وعلى ضوء ما سلف يتضح أنّ حديث الاثني عشر خليفة حقيقة إسلامية صادرة عن الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، مسلّمة لا غبار عليها ، فلا مجال لما يقال من أنّها فكرة يهودية أخذها الشيعة من كتاب دانيال ! .
ولعلّ المستشكل لم يكن مطّلعاً على الشخص الذي رجع إلى كتب اليهود وأخذ منها ، بعد عجزه عن تفسير حديث الاثني عشر ، كما نقل ذلك ابن حجر العسقلاني ، عن أبي الحسين ابن المنادي ، حيث قال : ( قال أبو الحسين ابن المنادي ، في الجزء الذي جمعه في المهدي : ( يحتمل في معنى حديث( يكون اثنا عشر خليفة ) أن يكون هذا بعد المهدي ، الذي يخرج في آخر الزمان ، فقد وجدت في كتاب دانيال ، إذا مات المهدي )(١) .
ومن هنا لا نجد مجالاً لإنكار هذه الروايات المتواترة ، ولذا التجأ العلماء من الفريقين إلى تفسيرها دون تكذيبها .
بعد أن اتفق المسلمون على هذه الحقيقة التي كشف النقاب عنها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنّ الخلفاء من بعده اثنا عشر خليفة ، نجد أنّ الكثير من محدّثي ومفسّري أهل السنّة واجهوا إشكالية صعبة في تعيين الخلفاء الاثني عشر ؛ لأنّهم من جهة إن أخذوا بظواهر النصوص ـ الواردة في الخلفاء الاثني عشر ـ فإنّ ذلك يتناقض ، ويتنافى مع ما تسالموا عليه في
ـــــــــــــ
* يوجد كلام قبل كلمة الأكرم ! [ الشبكة ] .
(١) نقلاً عن فتح الباري: ج ١٣ ص ١٨٤ .
مسألة الخلافة لديهم ، ولما رووه صحيحاً عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ الخلافة من بعده ثلاثون عاماً ، ثم تكون ملكاً عضوضاً من جهة أخرى إنّ رفض هذه النصوص لا تسمح به القوّة السنَدية التي تملكها ؛ وعلى هذا الأساس تباينت الآراء وتناقضت التفاسير حول هذه الحقيقة وتضاربت التصريحات والردود بعضها مع البعض الآخر ، فتجدهم تارة يعبّرون بـ ( وقع لي فيه شيء ) أو ( قيل ) أو ( الذي يغلب على الظن ) ، أو ( والله أعلم بمراد نبيّه ) ، وإكثارهم من قول ( والله أعلم ) بين الحين والآخر ، ممّا يكشف عن تخبّطهم ، وحيرتهم في تفسير حديث الخلفاء تفسيراً واقعياً صحيحاً، وإليك أبرز تلك المحاولات التفسيرية :
محاولات أهل السنّة في تفسير حديث الخلفاء
قال : ( فعددنا بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم اثني عشر أميراً فوجدنا أبا بكر وعمر وعثمان وعليّاً والحسن ومعاوية ويزيد ومعاوية بن يزيد ، ومروان وعبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك وسليمان وعمر بن عبد العزيز ويزيد بن عبد الملك ومروان بن محمد بن مروان والسفاح ) إلى أن قال : ( وإذا عددنانهم اثني عشر انتهى العدد بالصورة إلى سليمان ، وإذا عددناهم بالمعنى كان معنا منهم خمسة : الخلفاء الأربعة وعمر بن عبد العزيز ، ولم أعلم للحديث معنى !! )(١) .
ـــــــــــــ
(١) شرح صحيح الترمذي ، ابن العربي : ج ٩ ص ٦٨ .
قال : ( لم ألق أحداً يقطع في هذا الحديث ـ يعني بشيء معيّن ـ فقوم قالوا يكونون بتوالي إمرتهم ، وقوم قالوا يكونون في زمن واحد كلهم يدعي الإمارة ، قال : والذي يغلب على الظن أنّه (عليه الصلاة والسلام) أخبر بأعاجيب تكون بعده من الفتن ، حتى يفترق الناس في وقت واحد على اثني عشر أميراً ، قال : ولو أراد غير هذا لقال يكون اثنا عشر أميراً يفعلون كذا ، فلمّا أعراهم من الخبر عرفنا أنّه أراد أنّهم يكونون في زمن واحد ) ، وعلّق ابن حجر على ذلك بقوله : ( وهو كلام مَن لم يقف على شيء من طرق الحديث غير الرواية التي وقعت في البخاري هكذا مختصرة )(١) .
قال فيها : ( فقد وجد من الثاني عشر خليفة : الخلفاء الأربعة ، والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز ، هؤلاء ثمانية ، ويحتمل أن يضم إليهم المهتدي من العبّاسيين ؛ لأنّه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية ، وكذلك الطاهر لما أوتيه من العدل ، وبقي الاثنان المنتظران أحدهما المهدي ؛ لأنّه من آل بيت محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم (٢) .
وقد علّق عليه الأستاذ أبو ريّة بقوله : ( ولم يبيّن المنتظر الثاني !! ورحم الله مَن قال في السيوطي : إنّه حاطب ليل )(٣) .
ـــــــــــــ
(١) فتح الباري ، ابن حجر : ج ١٣ ص ١٨٢ .
(٢) تاريخ الخلفاء ، جلال الدين السيوطي : ص ١٦ .
(٣) أضواء على السنّة المحمّدية : ص ٢٣٥ .
قال في الجزء الذي جمعه في المهدي : ( يحتمل في معنى حديث : ( يكون اثنا عشر خليفة ) أن يكون هذا بعد المهدي الذي يخرج في آخر الزمان ، فقد وجدت في كتاب دانيال : إذا مات المهدي ملك بعده خمسة رجال من ولد السبط الأكبر ، ثم خمسة من ولد السبط الأصغر ، ثم يوصي آخرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الأكبر ، ثم يملك بعده ولده ، فيتم بذلك اثنا عشر ملكاً كل واحد منهم إمام مهدي )(١) ، وقد ردّه ابن حجر بقوله : ( والوجه الذي ذكره ابن المنادي ليس بواضح )(٢) .
قال النووي : ( وقال القاضي عياض في جواب القول : إنّه ولي أكثر من هذا العدد ؟ ، قال : وهذا اعتراض باطل ؛ لأنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم لم يقل : لا يلي إلاّ اثنا عشر خليفة ، وإنّما قال : يلي ، وقد ولي هذا العدد ، ولا يضر كونه وجد بعدهم غيرهم ، ويحتمل أوجهاً أُخر ، والله أعلم بمراد نبيّه )(٣) .
حيث قال في كشف المشكل : ( قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث وتطلّبت مظانّه ، وسألت عنه فلم أقع على المقصود به ؛ لأنّ ألفاظه مختلفة ، ولا أشك أنّ التخليط فيها من الرواة ، ثم وقع لي فيه شيء )(٤) .
ـــــــــــــ
(١) نقلاً عن فتح الباري : ج ١٣ ص ١٨٤ .
(٢) فتح الباري : ج ١٣ ص ١٨٥ .
(٣) شرح صحيح مسلم ، النووي : ج ١٢ ص ٢٠١ ـ ٢٠٣ .
(٤) فتح الباري : ج ١٣ ص ١٨٣ .
* أمية قال : ( وأوّل بني أميّة يزيد بن معاوية ، وآخرهم مروان الحمار ، وعدّتهم ثلاثة عشر ، ولا يعدّ عثمان ومعاوية ، ولا ابن الزبير ؛ لكونهم صحابة ، فإذا أسقطنا منهم مروان بن الحكم ـ للاختلاف في صحبته ، أو لأنّه كان متغلّباً بعد أن اجتمع الناس على عبد الله بن الزبير ـ صحّت العدّة )(١) .
وقال ابن حجر في معرض تعليقه على كلام ابن الجوزي : ( وأمّا محاولة ابن الجوزي ظاهر التكلّف )(٢) .
قال فيها : ( وقد وجد هذا العدد بالصفة المذكورة إلى وقت الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، ثم وقع الهرج والفتنة العظيمة ، ثم ظهر ملك العباسية ، وإنّما يزيدون على العدد المذكور ، إذا تركت الصفة المذكورة فيه أو عدّ منهم مَن كان بعد الهرج المذكور فيه )(٣) .
وردّه ابن كثير بقوله : ( فهذا الذي سلكه البيهقي وقد وافقه عليه جماعة ، من أنّ المراد بالخلفاء الأثني عشر المذكورين في هذا الحديث هم المتتابعون إلى زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق ، الذي قدّمنا الحديث فيه بالذم والوعيد فإنّه مسلك فيه نظر وعلى كل تقدير فهم اثنا عشر ، قبل عمر بن عبد العزيز ، فهذا الذي سلكه على هذا التقدير يدخل في الاثني عشر يزيد بن معاوية ، ويخرج منهم عمر بن عبد العزيز ، الذي أطبق الأئمّة على شكره وعلى مدحه ، وعدّوه من
ـــــــــــــ
* يوجد كلام سابق ؛ لأنه كلام مبتور [ الشبكة ] .
(١) فتح الباري ، ابن حجر : ج ١٣ ص ١٨٣ .
(٢) المصدر نفسه : ج ١٣ ص ١٨٥ .
(٣) نقله عن البيهقي ابن كثير في البداية والنهاية : ج ٦ ص ٢٧٩ .
الخلفاء الراشدين )(١) .
وفي نهاية المطاف يتضح تعثّر المحاولات التي تحرّكت في إنجاز هدفها ، وأنتجت تفسيرات تختزل في داخلها التكلّف والحيرة والارتباك .
أمّا الشيعة الإمامية ، فلم يحتاجوا إلى مزيد بحث وعناء ، في تفسير أحاديث الخلفاء الاثني عشر ، وأنّهم العترة الطاهرة ، المتمثّلة في أهل البيت عليهمالسلام بشكل واضح ، لا سيّما بملاحظة الروايات التي وردت عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما تضمّنته من روح استدلالية لا تقبل الترديد في إثبات المطلوب .
وقبل أن نلج في البحث ، لابد من تقديم نقطة منهجية تساهم في بناء إطار واضح ومحدد للموضوع وتحول دون الوقوع في الاشتباه .
وهي أنّنا يتوجّب علينا أن نلقي الضوء على تلك الروايات الواردة في الخلفاء الاثني عشر ؛ لنبصر ما تضمّنته تلك الروايات من خصائص ومواصفات ومميّزات للخلفاء الاثني عشر ، حيث نجد في بعضها التعبير بأنّ ( عزّة الإسلام ونصرته تكون بهم ) ، وأنّ ( بقاء الدين إلى قيام الساعة بهم ) ، وأنّ ( وجودهم مستمر إلى آخر الدهر ) ، وأنّ ( قيام الدين إلى قيام الساعة بهم ) ، وأنّهم ( القيّمين على الدين ) ، و( إذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها ) ، وأنّ ( صلاح أمر الأمة والناس بهم ) ، وأنّهم ( كلّهم يعمل بالهدى ودين الحق ) ، وأنّهم ( كلّهم من قريش ) ، وأنّهم ( لا يضرّهم خذلان ولا عداوة مَن عاداهم ) ، وأنّهم ( كعدّة نقباء بني إسرائيل ) ، والأهم من ذلك كلّه تحديدهم بعدد ( اثني عشر ) بلا زيادة أو نقصان .
ـــــــــــــ
(١) البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ٦ ص ٢٧٩ ـ ٢٨٠ .
وبملاحظة هذه الامتيازات ، والخصوصيات ، التي يتصف بها الخلفاء الاثنا عشر ، لا يتردد أحد في صدقها ، وانطباقها على أئمّة أهل البيت عليهمالسلام .
ولكي تكون الإجابة واضحة لا تحتمل اللبس ، والإيهام ، نشير إلى عدّة قرائن وشواهد ، نلمس من خلالها جوهر وحقيقة الأحاديث ، وتفسيرها تفسيراً واقعياً ، وإليك جملة من تلك الشواهد والقرائن التي توجب القطع واليقين بأنّ المراد بالخلفاء الاثني عشر هم أهل البيت عليهمالسلام :
١ ـ إذا أنعمت النظر في بعض الخصائص والمميّزات التي تضمّنتها نصوص الاثني عشر خليفة ، من قيام الدين بهم ، وقيموميتهم على الدين فهم ( اثنا عشر قيّماً من قريش ، لا يضرّهم مَن خذلهم ، ولا عداوة مَن عاداهم )(١) ، ( لا يزال الدين قائماً )(٢) ، وكونهم ( أمان لأهل الأرض )(٣) ، ( أمان لأُمّتي )(٤) ، ( فإذا
ـــــــــــــ
(١) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٢ ص ١٩٦ ، وفي ص ٢٥٦ نقل فيها عبارة ( لا يضرهم عداوة مَن عاداهم ) ؛ المعجم الأوسط ، الطبراني : ج ٣ ص ٢٠١ ، نقل فيه عبارة ( لا يضرهم مَن خذلهم ) ؛ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، الهيثمي : ج ٥ ص ١٩١ وذكر ( أنّ رجاله ثقات ) ونقل فيه عبارة ( عداوة مَن عاداهم ) ؛ الحد الفاصل ، الرامهرمزي : ص ٤٩٤ .
(٢) صحيح مسلم ، النيسابوري : ج ٣ ص ١٤٥٣ ؛ كتاب الإمارة ؛ مسند أحمد ، ابن حنبل : ج ٥ ص ٨٦ ص ٨٨ ص ٨٩ ؛ سلسلة الأحاديث الصحيحة ، الألباني : ج ٢ ص ٦٥٤ ح ٩٦٤ .
(٣) المستدرك : ج ٣ ص ١٤٩ ؛ وقال فيه : ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) ، وغير ذلك من المصادر.
(٤) شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج ١ ص ٤٢٦ ، ذخائر العقبى ، أحمد بن عبد الله الطبري : ص ١٧ .
هلكوا ماجت الأرض بأهلها )(١) ، لا سيّما إذا ضممنا إليها ما ورد عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم صحيحاً ومتواتراً ، أنّ( الأرض لا تخلو من حجّة ) (٢) ، وكذا( مَن مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية ) (٣) ، وقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان ) (٤) ، يتجلّى لنا أنّها تسجّل بمجموعها معنى مشتركاً فيما بينها ، وهو أنّ هذه الخصوصيات لا يمكن أن تتحقق إلاّ إذا كان أولئك الخلفاء الاثنا عشر على شكل سلسلة واحدة متكاملة ومتناسقة ومتوالية زماناً ، وهذا لا ينسجم ولا ينطبق إلاّ على العترة الطاهرة عليهمالسلام ، على العكس من تفاسير علماء السنّة المتقدّمة ، التي تطغى عليها حالة من التشويش والتكّلف وعدم التناسق ، والتواصل فيما بينها .
٢ ـ من الخصوصيات الأخرى التي سجلتها روايات الاثني عشر إلى جانب الخصوصية الأولى ، هي صفة ( بقاؤهم ما بقي الدين ، حتى تقوم الساعة ) ، وهذه الحقيقة لا تتجسّد إلاّ في أئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، ومن أوضح ما يثبت ذلك :
ـــــــــــــ
(١) المعجم الكبير الطبراني : ج ٢ ص ١٩٦ ح ١٧٩٤ ؛ كنز العمال : ج ١٢ ص ٣٤ ح ٣٣٨٦١ .
(٢) انظر : تاريخ مدينة دمشق : ج ٥٠ ص ٢٥٥ ؛ انظر : المناقب ، الخوارزمي : ص ٣٦٦ ؛ انظر : تاريخ اليعقوبي : ج ٢ ص ٢٠٦ ؛ انظر : ينابيع المودة : ج ١ ص ٨٩ .
(٣) صحيح ابن حبان : ج ١٠ ص ٤٣٤ ، انظر : مسند أحمد ، ابن حنبل : ج ٣ ص ٤٤٦ ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج ١٩ ص ٣٨٨ ؛ سنن البيهقي : ج ٨ ص ١٥٦ ؛ المعيار والموازنة : ص ٢٤ ؛ المعجم الأوسط ، الطبراني : ج ٦ ص ٧٠ ؛ مجمع الزوائد : ج ٥ ص ٢١٨ ص ٢٢٤ ج ٩ : ص ١١١ ص ١٢١ ؛ مسند الطيالسي : ص ٢٥٩ ؛ مسند أبي يعلى : ج ١٣ ص ٣٦٦ ح ٧٣٧٥ .
(٤) صحيح مسلم ، النيسابوري : ج ٣ ص ١٤٥٢ ح ١٨٢٠ ؛ مسند أحمد ، ابن حنبل : ج ٢ ص ٢٩ ص ٩٣ ؛ السنن الكبرى : البيهقي : ج ٣ ص ١٢١ ؛ فتح الباري : ج ١٣ ص ١٠٤ ؛ الجامع الصغير : ج ٢ ص ٧٥٦ ح ٩٩٦٩؛ وغيرها من المصادر الأخرى .
أ ـ حديث الثقلين( إنّي تارك فيكم ما أن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي ؛ أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ؛ فانظروا كيف تخلّفوني فيهما ) (١) ، والنفي التأبيدي للافتراق بين الكتاب والعترة الطاهرة لا يتحقق إلاّ بديمومة أهل البيت عليهمالسلام ، وبقائهم ما بقي القرآن والدين ، وإلاّ فلو فرض افتقاد أهل البيت عليهمالسلام في فترة معيّنة ، يلزم من ذلك افتراق القرآن عن العترة ، وهو ينافي حديث الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم .
ب ـ الاعتقاد بوجود الإمام الثاني عشر ، وأنّه الإمام المهدي المنتظر عليهالسلام ، وأنّه من ولد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنّه حيّ يرزق ـ كما هو معتقد الشيعة الإمامية ـ يسجّل التقاءً جليّاً مع مضمون روايات الخلفاء الاثني عشر في خصوصيّة كون بقائهم ما بقي الدين إلى قيام الساعة ، لا سيّما إذا أخذنا بنظر الاعتبار الأحاديث السابقة الذكر :( لا تخلو الأرض من حجّة ) ، و( مَن مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية ) .
٣ ـ تشبيه الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم الخلفاء الاثني عشر من بعده بنقباء بني إسرائيل ، وحواريي عيسى ـ كما تقدم ـ يدل على كون الخلفاء أوصياء منصّبين بتعيين خاص ، كما هو الحال بالنسبة لنقباء موسى وحواريي عيسى عليهالسلام ، وهذا التنصيب والتعيين يفرضه عظم وحجم المسؤولية الملقاة على عاتق النقيب ، بحسب تعبير الآية ؛ لأنّ النقيب هو الأمين والرئيسالكبير ، المقدّم على القوم ، الذي يتعرّف أخبارهم ، وينقّب عن أحوالهم ، ويعرف مناقبهم ، ودخيلة أمرهم ، ويدبّر مصالحهم ، وقد أخرج السيوطي في تفسيره عن ابن
ـــــــــــــ
(١) أخرج الحديث مسلم في صحيحه : ج ٤ ص ١٨٧٣ ح ٢٤٠٨ ؛ والترمذي في سننه : ج ٥ ص ٣٢٨ ، ٣٢٩ ؛ وأحمد في مسنده : ج ٣ ص ٥٩ ؛ وغيرها من المصادر العديدة جداً ، والحديث متفق على صحّته بين الفريقين ، بل إنّ له طرقاً عديدة جداً تصل إلى حد التواتر .
جرير بن الربيع : ( قال : النقباء ، الأُمناء )(١) ، ونقل الفخر الرازي في ذيل آية ( اثني عشر نقيباً ) : ( إنّ النقيب هاهنا فعيل بمعنى مفعول ، يعني اختارهم على علم بهم ، قال الأصم : هم المنظور إليهم ، والمسند إليهم أمور القوم وتدبير مصالحهم )(٢) .
كما ورد عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال :( اثنا عشر خليفة ، كلهم يعمل بالهدى ودين الحق ، لا يضرّهم مَن خذلهم ) (٣) ، وهذا هو الدور الذي أُنيط بأهل البيت عليهمالسلام ، كما روي عن عمر ، أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :( في كل خلوف من أُمّتي عدول من أهل بيتي ، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، ألا وإنّ أئمّتكم وفدكم إلى الله عزّ وجلّ فانظروا مَن توفدون ) (٤) .
وعلى هذا الأساس يثبت لأوصياء وخلفاء نبينا صلىاللهعليهوآلهوسلم ما ثبت لأوصياء موسى وعيسى عليهماالسلام من التنصيب والتعيين الخاص ، وهو ما لم يثبت لغير أهل البيت عليهمالسلام .
٤ – المؤهّلات والخصائص الاستثنائية ، التي يمتلكها أهل البيت عليهمالسلام ، والتي يفرضها واقعهم وسيرتهم العملية بين المسلمين بإجماع أهل العلم ، وعلى جميع المستويات الفكرية ، والإيمانية والروحية والنفسية والرسالية وغيرها ، تحتّم على الباحث المنصف تفسير الحديث بهم ، ويمكن أن نلمس ذلك من خلال ما يأتي :
أوّلاً : النصوص القرآنية كآية المودّة ، وآية هل أتى ، وآية التطهير والاصطفاء وغيرها ، وكذلك الأحاديث النبوية ، من حديث الثقلين ، وحديث السفينة ، وحديث الكساء ، وغيرها .
ـــــــــــــ
(١) الدر المنثور ، جلال الدين السيوطي : ج ٣ ص ٤٠ .
(٢) التفسير الكبير ، الفخر الرازي : ج ٦ ص ١٨٨ ـ ١٨٩ .
(٣) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٢ ص ١٩٦ ، ٢٥٦ ؛ المعجم الأوسط : ج ٣ ص ٢٠١ ؛ انظر : فتح الباري : ج ١٣ ص ١٨٤ .
(٤) الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيتمي : ص ٢٣١ ؛ انظر : ذخائر العقبى ، محب الدين الطبري : ص ١٧؛ انظر : ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ٢ ص ١١٤ .
ثانياً : الواقع التاريخي الذي برهن وبكل وضوح وصدق على عمق تجسيدهم عليهمالسلام للمفاهيم الإسلامية والرسالية ، وعمق تحمّلهم لأدوارهم ، وقيامهم بالمسؤوليات التي أُوكلت لهم ، فإنّ كل الدراسات التي عنيت بتدوين ودراسة التاريخ تؤكّد حقيقة التميّز في شخصيّاتهم ، ومؤهّلاتهم العلمية والقيادية والأخلاقية والاجتماعية وغيرها ، لا سيّما إذا أبصرنا تلك التصريحات الصادرة من رجاليين ومؤرّخين وباحثين ممّن عاصروا الأئمّة عليهمالسلام ، وممّن لم يعاصروهم ، فقد أجمعت هذه الكلمات على الاعتراف لأهل البيت عليهمالسلام بالموقع المتفرّد والاستثنائي في العلم والورع والخُلُق والفضل والشرف والسمو والكمال والحسب والنسب وأهليّتهم للإمامة والخلافة ، كما نقلنا ذلك مفصّلاً في الجواب عن شبهة متقدّمة ، وإليك بعض تلك الشواهد :
أ ـ قول أحمد بن حنبل : ( ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من الفضائل ، ما جاء لعلي بن أبي طالب عليهالسلام )(١) ، وفضل أمير المؤمنين عليهالسلام ودوره في الإسلام غني عن البيان فلا نطيل فيه الحديث .
ب ـ وأمّا فضل الإمام الحسن والإمام الحسين عليهماالسلام ودورهما في الإسلام ، ودفاعهما عن شريعة جدّهما صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما قاما به من إصلاح في الأمة الإسلامية ، ووقوفهما سداً منيعاً أمام كل المحاولات التي تستهدف النيل من الرسالة الإسلامية ، لما يحملانه من خصائص ومميّزات ، وقد تواترت الروايات في علو شأنهما وسمو مقامهما ، كل ذلك جعل لهما الدور الفاعل في التأثير البليغ في المسلمين ، سواء على الصعيد الفكري ، أو الاجتماعي ، أو غيرهما ، كل ذلك في زمن أصبحت الحياة الإسلامية فيه مسرحاً للخلافات ، والجرائم والآثام ، وأصبحت فيه الحكومة ملكاً عضوضاً يتوارثه بنو أمية فيما بينهم بالقهر والغلبة ، وقد انبرى الإمام الحسن والإمام الحسين عليهماالسلام في ذلك الحين لمعالجة الواقع المرير ، وقد جاء في مجامع أحاديث السنّة أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال في حق ابنه الحسن عليهالسلام : ( إنّ ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين )(٢) ، وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم في حق ابنه الحسين عليهالسلام :( حسين منّي وأنا منه ، أحبّ الله مَن أحبّه الحسن والحسين سبطان من الأسباط ) (٣) .
ـــــــــــــ
(١) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ١٠٧ .
(٢) صحيح البخاري : ج ٢ ص ١٧٩ ح ٢٧٠٤ ؛ الصواعق المحرقة ، ابن حجر : ص ٢٩١ ، وغيرها من المصادر الكثيرة جداً من الفريقين .
(٣) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٣ ص ٣٢ ج ٢٢ ص ٢٧٤ ؛ الجامع الصغير ، السيوطي : ج ١ ص ٥٧٥ ؛ فيض القدير في شرح الجامع الصغير ، المناوي : ج ٣ ص ٥١٣ ؛ التاريخ الكبير ، البخاري : ج ٨ ص ٤١٥ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ٨ ص ٢٢٤ ؛ وفي صحيح الجامع الصغير ، الألباني : ج ١ ص ٦٠٢ ح ٣١٤٦ ، قال عن الحديث بأنّه : ( حسن ) ، وغيرها من المصادر الكثيرة .
ولذا قام الإمام الحسين عليهالسلام ثائراً على الظلم آمراً بالمعروف ، ناهياً عن المنكر ، مضحّياً بنفسه وأهل بيته في سبيل إعلاء كلمة الحق ، طالباً الإصلاح في أمة جده صلىاللهعليهوآلهوسلم عندما لاحظ الممارسات البعيدة عن روح الدين والأخلاق من قبل الحكومة آنذاك ، حينما اتخذت الإسلام ستاراً لتغطية جرائمها وممارساتها المتهتكة ، ولذا قال عليهالسلام عندما خرج متوجها إلى الكوفة :( إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنّما خرجت أطلب الإصلاح في أمة جدّي محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ) (١) ، وقد قال الذهبي في مدحهما وبيان موقعهما القيادي في الأمّة عليهماالسلام : ( فمولانا الإمام علي من الخلفاء الراشدين ، وابناه الحسن والحسين فسبطا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وسيّدا شباب أهل الجنة ، لو استخلفا لكانا أهلاً لذلك )(٢) ، ولا نطيل الحديث في ذلك بعد أن ثبت أنّهما عليهماالسلام إمامان قاماً أو قعداً .
ج ـ قول مالك في الإمام زين العابدين : ( سُمّي زين العابدين لكثرة عبادته )(٣) .
د ـ قول أبي حنيفة عندما سُئل : مَن أفقه مَن رأيت ؟ قال : ( ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمد )(٤) .
هــ قول الذهبي في ترجمته للإمام المهدي المنتظر عليهالسلام : ( ومحمد هذا هو الذي يزعمون أنّه الخلف الحجّة ، وأنّه صاحب الزمان ، وأنّه حي لا يموت حتى يخرج ، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً ، كما مُلئت ظلماً وجوراً فوددنا ذلك ـ والله ـ فمولانا علي : من الخلفاء الراشدين ، وابناه الحسن والحسين : فسبطا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وسيّدا شباب أهل الجنة ، لو استخلفا لكانا أهلاً لذلك ) .
ـــــــــــــ
(١) مقتل الحسين ، الخوارزمي : ص ٢٧٣ ، الفتوح ، ابن أعثم الكوفي : ج ٥ ص ٢١.
(٢) سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج ١٣ ص ١٢٠ .
(٣) نور الأبصار ، الشبلنجي : ص ١٩١ .
(٤) سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج ٦ ص ٢٥٧ ، تذكرة الحفّاظ ، الذهبي : ج ١ ص ١٦٦ .
وزين العابدين : كبير القدر ، ومن سادة العلماء العاملين يصلح للإمامة .
وكذلك ابنه أبو جعفر الباقر : سيّد إمام ، فقيه ، يصلح للخلافة .
وكذا ولده جعفر الصادق : كبير الشأن ، من أئمّة العلم ، كان أولى بالأمر من أبي جعفر المنصور .
وكان ولده موسى : كبير القدر ، جيّد العلم ، أولى بالخلافة من هارون .
وابنه علي بن موسى الرضا : كبير الشأن ، له علم وبيان ، ووقع في النفوس ، صيّره المأمون وليّ عهده لجلالته .
وابنه محمد الجواد : من سادة قومه .
وكذلك ولده الملقّب بالهادي : شريف جليل .
وكذلك ابنه الحسن بن علي العسكري ، رحمهم الله تعالى )(١) .
٥ – إنّ من الملاحم التي نصّت عليها أحاديث الاثني عشر خليفة ، هو حصول المعاداة والخذلان لأولئك الخلفاء بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، كالتعبير بأنّهم ( لا يضرّهم مَن خذلهم )(٢) ، ( ولا تضرّهم عداوة مَن عاداهم )(٣) .
ـــــــــــــ
(١) سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج ١٣ ص ١٢٠ ، ١٢١ .
(٢) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٢ ص ١٩٦ ، تاريخ ابن كثير : ج ٦ ص ٢٨٧ .
(٣) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٢ ص ٢٥٦ ، مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٥ ص ١٩١ ؛ فتح الباري ، ابن حجر : ج ١٣ ص ١٨٢ .
ولا يخفى أنّه جرى على أهل البيت عليهمالسلام ما لم يجر على غيرهم من خذلان ومعاداة ، ابتداءً من أمير المؤمنين عليهالسلام ، والإمام الحسن والحسين عليهماالسلام ، ومن بعدهم العترة الطاهرة من أبناء الحسين عليهالسلام ، وقد تنبّأ بذلك رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عندما قال :( إنّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ، وإنّ أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتشريداً وتطريداً ) (١) .
وهذا شاهد آخر ، يدعم كون الخلفاء الاثني عشر هم أهل البيت عليهمالسلام ، حيث خُذل أمير المؤمنين بعد أن عهد إليه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بالولاية أمام جموع الناس في واقعة الغدير وغيرها ، وقد تنبّأ أيضاً رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك الخذلان عندما قال وهو آخذ بضبع علي بن أبي طالب عليهالسلام :( هذا أمير البررة قاتل الفجرة منصور مَن نصره مخذول من خذله ) (٢) ، وقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم له :( إنّ الأُمّة ستغدر بك بعدي ) (٣) ، وكذا الإمام الحسن عليهالسلام ، حيث خذلته الأمة ، حتى تمكّن معاوية من السلطة ، ودسّ إليه السمّ فقُتل شهيداً مظلوماً .
وأمّا الإمام الحسين عليهالسلام ، فلا يخفى كيفيّة خذلان الأمة له ولأصحابه السبعين نفراً ، حتى قتلوهم ، وسبوا نساءهم وذراريهم ، وحملوهم إلى طاغية عصره يزيد بن معاوية ، وأمّا بقية الأئمّة عليهمالسلام فلا يخفى ما عافوه من جرّاء الظلم ، والتضييق عليهم ، وزجهم في السجون من قبل السلطات الحاكمة ، فكانوا ما بين مسموم وسجين و...
ـــــــــــــ
(١) سنن ابن ماجه : ج ٢ ص ١٣٦٦ وقد قوّاه من طريق صاحب المستدرك ، المصنف : ابن أبي شيبة الكوفي : ج ٧ ص ٥٢٧ ؛ كتاب السنّة : ص ٦١٩ ح ١٣٩٩ ؛ الدر المنثور ، السيوطي : ج ٦ ص ٥٨ ، ميزان الاعتدال : ج ٢ ص ٤١٦ ذكرها بطرق مختلفة ومتعددة ولم يضعّفها ، سير أعلام النبلاء : ج ٦ ص ١٣١ ؛ لسان الميزان ، ابن حجر : ج ٣ ص ٢٨٢ .
(٢) المستدرك على الصحيحين ، الحاكم : ج ٣ ص ١٢٩ قال : ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) ؛ تاريخ بغداد : ج ٣ ص ١٨١ ؛ تاريخ مدينة دمشق : ج ١٥ ص ٨٨ .
(٣) المستدرك على الصحيحين : ج ٣ ص ١٤٢ ، ١٤٣ قال : ( صحيح ) ؛ البداية والنهاية : ج ٦ ص ٢٤٤ ؛ دلائل النبوّة : ج ٦ ص ٤٤٠ ؛ تاريخ مدينة دمشق : ج ٤٢ ص ٤٤٧ ـ ٤٤٨ ؛ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ٤ ص ١٠٧ .
وعلى الرغم من كل المحاولات التي استهدفت طمس معالمهم ، وإخفاء حقيقتهم ودورهم ، إلاّ أنهم عليهمالسلام مارسوا دورهم على أكمل وجه ، وحافظوا على الخط الإسلامي الأصيل المتمثّل بتربية أمة صالحة على العكس من الحكومات الظالمة آنذاك ، التي اكتفت برفع شعار الإسلام ؛ لتمرير مخطّطاتها وأهدافها .
٦ – من الشواهد التي تكشف عن كون المقصود من الخلفاء الاثني عشر هم أهل البيت عليهمالسلام ، هو أنّ بعض روايات الاثني عشر خليفة نصّت على أنّ الخلفاء الاثني عشر كلّهم من بني هاشم ، حيث جاء عن جابر بن سمرة عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : (بعدي اثنا عشر خليفة ، ثم أخفى صوته ، فقلت لأبي : ما الذي أخفى صوته ؟ قال : قال :كلّهم من بني هاشم )(١) .
ولعلّنا لا نجانب الصواب إذا قلنا : إنّ لفظ ( كلّهم من بني هاشم ) ؛ إمّا أن يكون قد أسقط من أسقط من باقي الروايات ، أو أنّه خفي على الراوي جرّاء حصول الضجة واللغط في ذلك المجلس ، الذي ذكر فيه الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم هذا الحديث ، كما خفي عليه لفظ ( كلّهم من قريش ) فسأل مَن بجنبه ، فأثبت له لفظ ( كلّهم من قريش ) فقط ، ولعلّ الشخص الذي أثبت له اللفظ لم يسمع قول النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : ( كلّهم من بني هاشم ) فلم يثبته له ، أو لأجل مآرب وغايات في صدور القوم ، منعت من إثبات بقيّة الحديث لجابر ، وهذا يعني أنّ لفظ
ـــــــــــــ
(١) ينابيع المودّة : ج ٢ ص ٣١٥ ح ٩٠٨ .
( كلّهم من قريش ) لم يسمعها الراوي من لسان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم مباشرة ، وهذا هو ما فهمه القسطلاني في شرحه لصحيح البخاري ، حيث قال : ( وعن أبي داود من طريق الشعبي عن جابر بن سمرة : لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة ، قال : فكبّر الناس وضجّوا ، فلعلّ هذا هو سبب خفاء الكلمة المذكورة على جابر )(١) .
ولذا نقول : إنّ الرواية الواردة عن جابر عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم هي بعض حديث ، ويشهد على ذلك نفس الواقعة ، وكيفية إثبات الحديث لجابر ، حيث جاء فيه : (لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة ، قال فكبّر الناس وضجّوا فقال كلمة خفية ، فقلت لأبي يا أبه ما قال ؟ فقال أبي : إنّه قال :كلّهم من قريش )(٢) .
وفي رواية أخرى بلفظ ( صمّنيها الناس )(٣) ، قال النووي في شرحه لصحيح مسلم : ( قوله : فقال كلمة صمّنيها الناس ) هو بفتح الصاد وتشديد الميم المفتوحة ، أي أصمّوني عنها ، فلم أسمعها ؛ لكثرة الكلام ووقع في بعض النسخ ( صمّتنيها الناس ) أي سكّتوني عن السؤال عنها )(٤) ، وجاء ذلك المعنى بألفاظ أخرى من قبيل : ( فكبّر الناس وضجّوا )(٥) ، ( فضجّ الناس )(٦) ، وفي لسان آخر ( اثنا عشر كلّهم ، ثم لغط القوم ، وتكلموا ، فلم أفهم قوله بعد كلّهم )(٧) ، وممّا
ـــــــــــــ
(١) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري : ج ١٥ ص ٢١٢ ح ٧٢٢٢ .
(٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري ، ابن حجر العسقلاني : ج ١٣ ص ١٨١ ؛ انظر : سنن أبي داود ، السجستاني : ج ٤ ص ٨٦ ح ٤٢٨٠ .
(٣) صحيح مسلم : ج ٣ ص ١٤٥٣ .
(٤) شرح صحيح مسلم ، النووي : ج ١٢ ص ٢٠٣ .
(٥) سنن أبي داود ، السجستاني : ج ٤ ص ٨٦ ح ٤٢٨٠ ؛ مسند أحمد : ج ٥ ص ٩٨ ؛ تاريخ بغداد : ج ٢ ص ١٢٤ ج ١٤ ص ٣٩٦.
(٦) مسند أبي عوانة : ج ٤ ص ٣٦٩ .
(٧) مسند أحمد : ج ٥ ص ٩٩ ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٢ ص ١٩٦ .
يؤكّد كون الرواية لم تنقل كاملة ـ بل سقطت منها الكلمة التي هي على خلاف أهداف وأهواء القوم ـ ما أخرجه القندوزي الحنفي عن جابر بن سمرة قال : ( كنت مع أبي عند النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فسمعته يقول: ( بعدي أثنا عشر خليفة ) ثم أخفى صوته ، فقلت لأبي ما الذي أخفى صوته ؟ قال : قال : ( كلهم من بني هاشم ) ، وعن سماك بن حرب مثله )(١) ، ومن ذلك يتضح أنّ كلمة ( كلّهم من بني هاشم ) كانت موجودة في الحديث ، ولعلّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : ( كلّهم من قريش من بني هاشم ) ، وهذا ما استشعره بعض علماء السنّة كابن الجوزي ، حيث قال في ( كشف المشكل ) : ( قد أطلت البحث عن معني هذا الحديث ، وتطلّبت مظانه ، سألت عنه ، فلم أقع على المقصود به ؛ لأنّ ألفاظه مختلفه ، ولا أشك أنّ التخليط فيها من الرواة )(٢) ، ويدعم هذا القول ما ذهب إليه ابن العربي ، بعد عجزه عن تفسير حديث الاثني عشر ، تفسيراً واقعياً ، قال : ( ولعلّه بعض حديث )(٣) ، ممّا يؤكّد سقوط كلمة ( كلّهم من بني هاشم ) من الحديث .
٧ – الاثنا عشر خليفة أمان لأهل الأرض ، إذا ذهبوا ماجت الأرض بأهلها ، وإذا مضوا لا يبقى الدين قائماً ، ويفقد المسلمون منعتهم وصلاحهم ، وهذه المعاني التي جاءت في حديث الاثني عشر تلتقي وتلائم تمام الملائمة مع الروايات التي نقلها الفريقان بحق أهل البيت عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كقوله :( أهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب
ـــــــــــــ
(١) ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ٢ ص ٣١٥ ح ٩٠٨ .
(٢) نقلاً عن فتح الباري : ج ١٣ ص ١٨٣ .
(٣) شرح صحيح الترمذي : ج ٩ ص ٦٨ .
أهل الأرض ) (١) .
٨ ـ قد افترضت نصوص الاثني عشر أنّ أولئك الخلفاء ( كلّهم يعمل بالهدى ودين الحق ) ، كما فهم هذا المعنى أيضاً ابن كثير في تفسيره عندما قال : ( ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحاً يقيم الحق ، ويعدل فيهم )(٢) ، ولا يجد المتتبّع تفسيراً واحداً من التفاسير لهذا الحديث ، يجمع فيه اثني عشر خليفة كلّهم يعمل بالهدى ودين الحق ، خصوصاً مع ما ذكرناه من وجوب كون أولئك الخلفاء سلسلة متكاملة ، ومتناسقة ومتوالية زماناً ، وهذا ما يثبت لنا عدم مصداقية أي تطبيق واقعي للحديث ، سوى أهل البيت عليهمالسلام ، الذين جعلهم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم هداة مهديين من بعده ، وأمر بالتمسّك بهديهم ، وجعلهم عِدلاً للقرآن الكريم لا يفترقان حتى يردا عليه الحوض .
٩ ـ من الخصائص المهمّة التي تضمّنتها أحاديث الاثني عشر قيموميّة أولئك الخلفاء على الدين والأمة ( اثنا عشر قيماً ) ، ولا شك أنّ القيموميّة تستدعي الرقابة والوصاية على الدين ، وعلى الأمّة الإسلامية ، وهذا المعنى لم يُدّع لأحد ، ولا ادّعاه غير أهل البيت عليهمالسلام ، وهذا هو مقتضى كونهم عِدلاً للقرآن الكريم ، وأيضاً مقتضى قول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( في كل خلوف من أُمّتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، ألا وإنّ أئمّتكم وفدكم إلى الله عزّ وجلّ ، فانظروا مَن
ـــــــــــــ
(١) شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج ١ ص ٤٢٦ ؛ ذخائر العقبى ، الطبري : ص ١٧ ؛ انظر : المستدرك : الحاكم : ج ٢ ص ٤٤٨ ؛ قال فيه : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ؛ تاريخ مدينة دمشق : ج ٤٠ ص ٢٠ ؛ النزاع والتخاصم : المقريزي : ص ١٣٢ ؛ وغيرها .
(٢) تفسير ابن كثير : ج ٢ ص ٣٤ .
توفدون ) (١) .
١٠ ـ إنّ الصخب ، واللغط ، والضجّة المفتعلة ، وقيام القوم وقعودهم ، وتصميتهم لجابر والحاضرين يثير الانتباه ، ويستدعي الريب ، ويكشف أنّ في الأمر شيئاً ، لا يريد القوم وصوله إلى مسامع الحاضرين ، ولم تكن هذه الحادثة فريدة نوعها ، بل فعل ذلك القوم أيضاً عندما ضجّوا ، وتنازعوا عند رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم حينما قال :( ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعدي أبداً ) ، فوقعت حينها الضجّة المفتعلة ، حتى قال بعضهم : إنّ النبي ليهجر ، وليس ذلك إلاّ للحرص على الخلافة ، وطمعاً بالملك والسلطان والإمارة وهو الذي قد أخبر عنه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عند مخاطبته لأصحابه بقوله :( إنّكم ستحرصون على الإمارة ، وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة ) (٢) .
١١ ـ حديث ابن مسعود المتقدّم ، يكشف عن أنّ الصحابة هم الذين سألوا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عن الخلفاء من بعده ، وهذا يلفت النظر إلى نقطتين :
الأُولى : أنّه ليس من المنطقي أن يسأل الصحابة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عن الأُمراء الذين يتسلّطون على رقاب الناس بالقهر والغلبة ، وهو ذلك الرسول العظيم الذي ختم الرسالات فلا نبي بعده .
إذن لابد أن يكون السؤال عن الخلفاء الذين نصّبهم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من بعده ، وهم أهل بيته عليهمالسلام بنص حديث الغدير وحديث الثقلين وغيرهما ، وهذا ديدن وطريقة اعتادها الصحابة آنذلك ، فقد سألوا أبا بكر وعمر عن الذي يلي الأمر من بعدهما .
ـــــــــــــ
(١) الصواعق المحرقة : ٢٣١ .
(٢) صحيح البخاري : ج ٤ ص ٣٥٥ ح ٧١٤٨ ؛ صحيح ابن حبان : ج ١٠ ص ٣٣٤ ؛ وغيرهما من المصادر الكثيرة .
الثانية : أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أراد من الإمرة والخلافة من يكون مؤهّلاً ومستحقّاً لها ، فلا معنى لحمل الحديث على أمثال معاوية ويزيد ومروان والوليد وأمثالهم ، الذين عاثوا في الأرض فساداً ، ولعبوا بمقدّرات الأمة الإسلامية بما شاءوا ورغبوا ، فالمراد من الخليفة هو مَن يستمد سلطته من الشارع الأقدس ، ومن أجل ذلك ذكر شارح سنن أبي داود في شرحه ( عون المعبود ) أنّ : ( السبيل في هذا الحديث ، وما يتعقّبه في هذا المعنى أن يحمل على المقسطين منهم ، فإنّهم هم المستحقون لاسم الخليفة على الحقيقة )(١) .
١٢ ـ بعد أن صدع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في حجة الوداع بذكر الخلفاء من بعده ، وأنّهم اثنا عشر خليفة ، كلّهم من قريش ومن بني هاشم ، وكلّهم يعمل بالهدى ودين الحق ، لم يكتف بذلك ـ ولعلّه لما حصل من الضجّة واللغط المفتعل ـ بل قام خطيباً ، بعد رجوعه من حجّة الوداع في طريقه إلى المدينة في غدير خم ، ونصّب عليّاً خليفة من بعده ، فعيّن أوّل خليفة من الخلفاء الاثني عشر ، وبادر بعد ذلك قائلاً : ( إنّي تارك فيكم الخليفتين من بعدي ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ) (٢) ، حينها عرف الناس مَن هم الخلفاء بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فأتمّ بذلك الحجّة على الخلق ، لكي يسدّ بذلك منافذ الريب والتشكيك ، ولئلاّ يقول أحد : إنّي لم أسمع ، أو خفي علي ، أو صمّنيها ، أو صمّتنيها الناس !! .
ـــــــــــــ
(١) عون المعبود : ج ١١ ص ٢٤٥ .
(٢) المصنف ، أبي شيبة الكوفي : ج ٦ ص ٣٠٩ ، كتاب السنّة ، عمرو بن أبي عاصم: ص ٣٣٧ ح ٧٥٤ ص ٦٢٩ ح ١٥٤٩ ؛ مسند أحمد : ج ٥ ص ١٨٢ ؛ المعجم الكبير: ج ٥ ص ١٥٣ ح ٤٩٢١ ص ١٥٤ ح ٤٩٢٢ ؛ مجمع الزوائد : ج ١ ص ١٧٠ قال الهيثمي : ( رواه الطبراني ورجاله ثقات ) ، وكذا في ج ٩ ص ١٦٢ ، وقال في ص ١٦٣ : ( رواه أحمد وإسناده جيّد ) ؛ الجامع الصغير ، السيوطي : ج ١ ص ٤٠٢ ح ٢٦٣١ ؛ الدر المنثور : ج ٢ ص ٢٨٥ .
١٣ ـ ما ورد من الأحاديث المتضافرة التي نصّت على إمامة أهل البيت عليهمالسلام ، والتي تناولت الأئمّة الاثني عشر بذكر أسمائهم على نحو التفصيل ، وهي كثيرة جدّاً نكتفي بذكر بعضها :
١ ـ ما جاء في فرائد السمطين للحمويني المصري(١) : ( عن مجاهد عن ابن عباس قال : قدم يهودي على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقال له : نعثل ، فقال : يا محمد إنّي أسألك عن أشياء ـ إلى أن قال ـ : فأخبرني عن وصيّك مَن هو ؟ ، فما من نبي إلاّ وله وصي ، وإنّ نبيّنا موسى بن عمران أوصى إلى يوشع بن نون ، فقال :نعم ، إنّ وصيي والخليفة من بعدي علي بن أبي طالب عليهالسلام ، وبعده سبطاي : الحسن ثم الحسين ، يتلوه تسعة من صلب الحسين أئمّة أبرار ، قال : يا محمد فسمّهم لي ؟
قال :نعم ، إذا مضى الحسين فابنه علي ، فإذا مضى علي فابنه محمد ، فإذا مضى محمد فابنه جعفر ، فإذا مضى جعفر فابنه موسى ، فإذا مضى موسى فابنه علي ، فإذا مضى علي فابنه محمد ، ثم ابنه علي ، ثم ابنه الحسن ، ثم الحجّة ابن الحسن ، أئمّة عدد نقباء بني اسرائيل ، فهذه اثنا عشر )(٢) .
٢ ـ ونقل الحمويني أيضاً في فرائده : عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :( أيّها الناس
ـــــــــــــ
(١) أطرى عليه الذهبي ت / ٧٤٨ هـ في تذكرة الحفاظ قال : الإمام المحدث الأوحد الأكمل فخر الإسلام صدر الدين ، إبراهيم بن محمد بن المؤيد بن حمويه الخراساني الجويني شيخ الصوفية كان شديد الاعتناء بالرواية وتحصيل الاجزاء ، حسن القراءة مليح الشكل مهيباً ديّناً صالحاً مات سنة اثنتين وعشرين وسبع مائة تذكرة الحفّاظ ، الذهبي : ج ٤ ص ١٥٠٦ .
(٢) فرائد السمطين ، الحمويني : ج ٢ ص ١٣٣ ص ١٣٤ ح ٤٣١ ، وبنفس الألفاظ ما جاء في ينابيع المودة للقندوزي ، ج ٣ ص ٢٨٢.
إنّ الله عزّ وجلّ أمرني أن أنصب لكم إمامكم والقائم فيكم بعدي ووصيي وخليفتي ولكن أوصيائي منهم : أوّلهم أخي ، ووزيري ، ووارثي ، وخليفتي في أُمّتي ، وولي كل مؤمن بعدي ، هو أوّلهم ثم ابني الحسن ، ثم ابني الحسين ، ثم التسعة من ولد الحسين واحداً بعد واحد حتى يردوا عليّ الحوض ) (١) ـ وهكذا ينقل الحمويني ذلك في مواطن عديدة ، وروايات عديدة وبطرق مختلفة ؛ فراجع .
٣ ـ الحافظ أبو محمد بن أبي الفوارس في كتابه ( الأربعين )(٢) .
كذلك أخرج ذكر الخلفاء من أهل بيت النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بأسمائهم .
٤ ـ العلاّمة أبو مؤيد موفق بن أحمد المتوفّى (سنة ٥٦٨) في كتابه ( مقتل الحسين ) : ذكر الخلفاء أيضاً بأسمائهم المتقدّمة(٣) .
٥ ـ العلاّمة فاضل الدين محمد بن محمد بن إسحاق الحمويني الخراساني في ( منهاج الفاضلين )(٤) .
٦ ـ كذلك الحمويني في ( درر السمطين )(٥) .
٧ ـ العلاّمة الشيخ إبراهيم بن سليمان في كتاب ( المحجّة على ما في
ـــــــــــــ
(١) فرائد السمطين ، الحمويني ، السمط الأول : ج ١ ص ٣١٥ ـ ٣١٨ ح ٢٥٠ .
(٢) شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي : ج ١٣ ص ٥٩ ؛ نقلاً عن كتاب الأربعين ، ابن أبي الفوارس : ص ٣٨ .
(٣) مقتل الحسين ، الخوارزمي : ص ١٤٦ ـ ١٤٧ .
(٤) شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي : ج ١٣ ص ٦٨ ؛ نقلاً عن كتاب منهاج الفاضلين ، الحمويني : ص ٢٣٩ .
(٥) شرح إحقاق الحق ، السيد المرعشي النجفي : ج ٤ ص ٩٣ ـ ٩٤ ؛ نقلاً عن كتاب درر السمطين ، الحمويني : ص ٧٢٢ .
ينابيع المودّة )(١) ، أيضاً ذكرهم بأسمائهم عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
٨ ـ العلاّمة المولى محمد صالح الكشفي الحنفي الترمذي ، في كتابه ( المناقب الرضوية )(٢) .
إلى غير ذلك من الروايات المتضافرة التي تؤكّد هذا المعنى .
وعلى ضوء ما سلف ، يتحصّل أنّ العترة الطاهرة يمثّلون امتداداً طبيعياً لحركة الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم في جميع أبعاد الحياة ، وقد فرضوا شخصيّتهم رغم أنف الأعداء ، وقد أجمعت الأمة على أعلميّتهم وأهليّتهم للخلافة ، وأنّهم الأسوة الحسنة ، ويعد ذلك من أفضل الأدلة لإثبات أحقيّتهم ، وأهليّتهم للإمامة والقيادة ، وعصمتهم ؛ لأنّهم عليهمالسلام جسّدوا النظرية الإسلامية على الواقع العملي ، فعندما نرصد حياة الأئمّة عليهمالسلام ، وكيف كانوا إسلاماً متحركاً على الأرض ، وقرآناً ناطقاً يعيش بين الناس ؛ نستنتج مباشرة أن هذا المستوى الرفيع من الأسوة والقدوة لا يمكن أن تعكسه إلاّ شخصيات معصومة ، استجمعت فيها الصفات التي تؤهّلها لأن تكون منبع الهداية للبشرية ؛ لذا أجمعت الأمة على أنّ هؤلاء العترة لهم من الخصائص والمميزات ما لم تكن لغيرهم ، رغم ما عانوه من ظلم واضطهاد ، فهم الذين تنطبق عليهم خصوصيات الاثني عشر ، التي بيّنها النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في أحاديث الأثني عشر المتقدمة ، ولكن أصحاب المطامع آلوا على أنفسهم إلاّ أن يُقصوا وينحّوا أهل البيت عليهمالسلام عن مناصبهم ومراتبهم التي رتّبهم الله فيها ، ولم يكتفوا بذلك بل تمادوا في تعريض أهل البيت عليهمالسلام لألوان الظلم والاضطهاد ، والمعاملة السيّئة الفظّة الغليظة ، التي يندى لها الجبين ، وتعتصر منها القلوب ألماً ومرارة ، ولم يكن لهم ذنب سوى أنّهم كانوا الامتداد الإلهي لخط الرسالة ، وكانوا أمناءها ، والرقباء عليها ، فهم الثقل الموازي للقرآن الكريم .
ـــــــــــــ
(١) المحجّة على ما في ينابيع المودّة ، الشيخ هاشم بن سليمان : ص ٤٢٧ .
(٢) المناقب المرتضوية ، محمد صالح الترمذي : ص ١٢٧ .
إذن ، ينبغي علينا كمسلمين أن نستنير بنور هؤلاء الهداة الميامين ، ونكون بذلك ممتثلين لأوامر الله تعالى ورسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
وممّا تقدّم اتضحت الإجابة بخصوص ما قد يقال : من أنّ وصف عزّة الإسلام بأولئك الخلفاء الاثني عشر لا ينطبق على أئمّة الشيعة ، حيث الموقع السامي والريادي والمكانة العظيمة التي يمتلكها أهل البيت عليهمالسلام في نفوس الأمة الإسلامية ، وهو ما أكّده علماء السنّة في أغلب كتبهم ، وبالإضافة إلى ذلك نقول :
إنّ عزة الإسلام وصلاحه وبقائه إلى قيام الساعة ، من المهام ، والوظائف الأساسية ، التي أناط رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مسؤوليتها ، وتحقيقها بأهل البيت عليهمالسلام ، كما يكشف عن ذلك حديث الثقلين وحديث الغدير ، وأنّهم عِدل القرآن ، وأنّ النجاة والأمان والعزّة عند الله لا تنال إلاّ بالاعتصام والتمسّك بهم ، ومَن يتبعهم يكون عزيزاً بعزّة الله ، مرضيّاً عنده تعالى .
كما أخرج ذلك الحاكم في مستدركه ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأُمّتي من الاختلاف ، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس ) (١) ، ثم علّق عليه قائلاً : هذا الحديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
ـــــــــــــ
(١) المستدرك ، الحاكم : ج ٣ ص ١٤٩ .
وبنفس المضمون ما ورد في عدّة كثيرة من المصادر عن عمر : أن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :( في كل خلوف من أُمّتي عدول أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، ألا وإنّ أئمّتكم وفدكم إلى الله عزّ وجلّ ، فانظروا مَن توفدون ) (١) .
وعن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( مَن سرّه أن يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنّة عدن ، غرسها ربّي ، فليوال عليّاً ، وليوال وليّه ، وليقتد بالأئمّة من بعدي ، فإنّهم عترتي ، خُلقوا من طينتي ، رزقوا فهماً وعلماً ، ويل للمكذبين بفضلهم من أُمّتي ، القاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي ) (٢) .
وعن عمار بن ياسر ، قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( أوصي مَن آمن بي وصدّقني بولاية علي بن أبي طالب ، مَن تولاّه فقد تولاّني ، ومَن تولاّني فقد تولّى الله عزّ وجلّ ، ومَن أحبّه فقد أحبّني ، ومَن أحبّني فقد أحبّ الله تعالى ، ومَن أبغضه فقد أبغضني ، ومَن أبغضني فقد أبغض الله عزّ وجلّ ) قال الهيثمي في مجمع الزوائد : ( رواه الطبراني بإسنادين أحسب فيهما جماعة ضعفاء ، وقد وثقوا )(٣) .
وقد أخرجها ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق بطرق كثيرة(٤) .
وعن وهب بن حمزة قال : ( صحبت عليّاً إلى مكة فرأيت منه بعض ما أكره ، فقلت لأن رجعت لأشكونّك إلى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلمّا قدمت لقيت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم
ـــــــــــــ
(١) ذخائر العقبى ، محي الدين الطبري : ص ١٧ ؛ الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيتمي : ص ٣٥٢ ؛ رشفة الصادي ، أبو بكر الحضرمي : ص ١٧ ؛ ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ٢ ص ١١٤ .
(٢) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٤٢ ص ٢٤٠ ؛ حلية الأولياء ، الحافظ أبي نعيم الأصفهاني : ج ١ ص ٨٦ .
(٣) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ١٠٨ ، ١٠٩ .
(٤) تاريخ مدينة دمشق : ج ٤٢ ص ٢٣٩ وما بعدها .
فقلت : رأيت من علي كذا وكذا ، فقال :لا تقل هذا فهو أولى الناس بكم بعدي )(١) .
وعن زيد بن أرقم قال : قال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم :( مَن أحبّ أن يحيا حياتي ويموت موتتي ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي ، فإنّ ربّي عزّ وجلّ غرس قصباتها بيده ، فليتولّ علي بن أبي طالب ، فإنّه لن يخرجكم من هديي ولن يدخلكم في ضلالة ) (٢) ، قد أخرجه الحاكم في المستدرك وقال عنه : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(٣) .
إلى غير ذلك من المصادر الكثيرة ، والروايات المتواترة معنىً ومضموناً ، مع صحّتها وصراحتها ، وأدنى ما نجيب عمّن أراد التشكيك بها : أنّها تفيد القطع واليقين ؛ لتعدّد ألفاظها ، وكثرة طرقها ، والمصادر التي نقلتها ، فهي أحاديث نبويّة يقوّي بعضها بعضاً لإثبات مضمونها بالقطع واليقين ، وهو وجوب التمسّك بولاية أهل البيت عليهمالسلام واتّباع هديهم .
إذن بأهل البيت عليهمالسلام وباتباعهم تتحقق عزّة الإسلام ، والحفاظ على وجوده الحقيقي وقيمه ومبادئه الأصيلة ، من التقوى والإخلاص والاستقامة والصلاح وغيرها من المعارف الروحية والقيم الأخلاقية ، وليست عزّة الإسلام بالتظاهر بالإسلام ، واتخاذه شعاراً للتسلّط على رقاب الناس بالقهر والغلبة ، ومن هنا نجد أنّ الحكم الإسلامي على يد الظلمة تحوّل إلى ما كان عليه قبل الإسلام من كونه ملكاً عضوضاً لا يحمل من قيم الإسلام شيئاً .
إذن عزّة الإسلام لا تتحقق إلاّ في حفظ الإسلام الحقيقي ، الذي لا يتحقق إلاّ باتباع أهل البيت عليهمالسلام .
ـــــــــــــ
(١) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٢٢ ص ١٣٥ ؛ مجمع الزوائد : ج ٩ ص ١٠٩ ؛ فيض القدير شرح الجامع الصغير : ج ٤ ص ٤٧٠ ـ ٤٧١ .
(٢) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٥ ص ١٩٤ .
(٣) المستدرك ، الحاكم : ج ٣ ص ١٣٠ .
وأمّا عبارة ( كلّهم تجتمع عليه الأمة ) ، وأنّ أهل البيت عليهمالسلام ما أجتمعت عليهم الأُمّة فجوابها :
١ ـ إنّ رواية الاثني عشر خليفة المتضمّنة لعبارة ( كلّهم تجتمع عليه الأمة ) لم ترد في الكتب الحديثية ، والمصادر السنّية ، إلاّ في سنن أبي داود ومسند البزار ، ولم يخرجاها إلاّ بسند واحد ضعيف ، كما ذكر ذلك الألباني ، في سلسلة الأحاديث الصحيحة ، حيث قال : ( وأخرجه أبو داود ( ٢ / ٢٠٧) من طريق إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبيه ، عن جابر بلفظ : لا يزال هذا الدين قائماً ، حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة ، كلهم تجتمع عليه الأمة ، كلّهم من قريش ، وأخرجه البزار (١٥٨٤ ـ كشف) عن أبي جحيفة نحوه ، وهذا سند ضعيف ، رجاله كلهم ثقات ، غير أبي خالد هذا ، وهو الأحمسي ، وقد تفرّد بهذه الجملة ( كلهم تجتمع عليه الأمة ) ، فهي منكرة )(١) ، والتضعيف ذاته ذكره أيضاً في تعليقته على سنن أبي داود ، حيث قال بعد أن أورد الحديث : ( صحيح : دون قوله ( تجتمع عليه الأمة ) )(٢) .
٢ ـ من الشواهد التي تؤكّد عدم صحّة صدور هذه العبارة من النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم هو عدم انطباقها على الواقع أصلاً ، حيث لم نجد شخصاً اجتمعت عليه الأمة بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، بل البعض ممّن ادعي كونه من الخلفاء الاثني عشر ، لم يجتمع عليه أغلب الأمة ، فضلاً عن جميعها .
ـــــــــــــ
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة ، الألباني : مج ١ ، ق ٢ ، ص ٧٢٠ ح ٣٧٦ .
(٢) صحيح سنن أبي داود الألباني : ج ٣ ص ١٩ ح ٤٢٧٩ .
ولذا قال ابن كثير في البداية والنهاية ( فإن قال : أنا لا اعتبر إلاّ مَن اجتمعت الأمة عليه ، لزمه على هذا القول أن لا يعد علي بن أبي طالب عليهالسلام ولا ابنه ؛ لأنّ الناس لم يجتمعوا عليهما ؛ وذلك أنّ أهل الشام بكمالهم لم يبايعوهما ، ولم يقيّد بأيام مروان ، ولا ابن الزبير كأنّ الأمّة لم تجتمع على واحد منهما )(١) .
وهذا ما اعترف به ابن حجر العسقلاني أيضاً في فتح الباري(٢) .
٣ ـ إن أكثر مَن أدعي اجتماع الأمة عليه ، كيزيد بن معاوية ، ومروان بن الحكم ، والوليد ، و مروان الحمار ، وغيرهم لم يكن متوفّراً على خصائص الخلفاء الاثني عشر ، من كونهم يعملون بالهدى ودين الحق ، وأنّهم قيّمون على الدين ، والدين قائم بهم ، وغير ذلك من الصفات السامية ، التي تقدّم ذكر بعضها .
١ ـ إنّ حديث الاثني عشر ، حقيقة صادرة عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد تواترت الروايات من الفريقين بنقلها بألسن مختلفة ، كلّها تشير إلى مضمون واحد ، ومن هذه الروايات قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( لا يزال هذا الأمر صالحاً حتى يكون اثنا عشر أميراً ) (٣) .
ـــــــــــــ
(١) البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ٦ ص ٢٨٠ .
(٢) فتح الباري : ج ١٣ ص ١٨٢ .
(٣) مسند أحمد : ج ٥ ص ٩٧ ص ١٠٧ ؛ المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ٦١٨ ؛ انظر : مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٥ ص ١٩٠ وقد صحّحه .
٢ ـ إنّ أهل السنّة لم يتمكّنوا أن يقدّموا تفسيراً واقعيّاً لحقيقة الاثني عشر خليفة ، وإنّ تفسيراتهم المضطربة والمتناقضة فيما بينها خير شاهد على عجزهم عن فهمها وتفسيرها ، على الرغم ممّا ارتكبوه من تكلّف ظاهر على حدّ تعبير بعضهم ، لا سيّما وأنّ البعض(١) قد أوكل تفسير حديث الاثني عشر إلى الله تعالى بعد أن عجز عن تفسيره تفسيراً صحيحاً .
٣ ـ إنّ الخصائص والمميزات التي تحملها أحاديث الاثني عشر ، لا تنطبق في الواقع الخارجي إلاّ على أهل البيت عليهمالسلام ، فمثل صفة ( صلاح أمر الأُمّة والناس بهم ) و( كلّهم يعمل بالهدى ودين الحق ) و( إذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها ) ، ونحوها ، لا تنسجم ولا تنطبق إلاّ على عترة أهل البيت عليهمالسلام ، فضلاً عمّا يحمله أهل البيت عليهمالسلام من خصائص ومميّزات استثنائية ، وما يحملونه من مؤهّلات علمية وعملية بإجماع أهل العلم ، وعلى جميع المستويات الفكرية والروحية ونحوها ، كل هذا يؤكّد ويدعم كون حديث الاثني عشر لا يمكن انطباقه إلاّ على أهل البيت عليهمالسلام .
ـــــــــــــ
(١) شرح صحيح مسلم ، النووي : ج ١٢ ص ٢٠٣ .
الفصل الثالث: غيبة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشّريف)
١ ـ ما الفائدة من وجود إمام غائب ؟
٢ ـ إنّ الحجّة عند الشيعة لا تقوم إلاّ بإمام ، فكيف يترك الإمامة ويغيب ؟
قبل البدء ينبغي ذكر تمهيد مختصر له مدخليّة في الإجابة .
إنّ الشريعة التي جاء بها الدين الإسلامي ما هي ـ في مجملها ، وحقيقتها ، وبكل جوانبها ـ إلاّ خطّة إلهيّة أُعدّت بإحكام ، ووُضعت من أجل ترشيد المجتمع البشري نحو الأصلح والأقوم ، وبلوغ السعادة في الدارين .
وقد وعد الله تعالى البشرية ـ التي عانت طوال حياتها من الظلم ، والجور ـ أن يسودها العدل والأمان في الأرض .
قال تعالى : ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ ) (١) .
وقال تعالى أيضاً : ( وَنُرِيدُ أَن نمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (٢) .
إلاّ أنّ تحقق هذا الهدف على أرض الواقع يتوقّف على توفّر شرائطه ، التي شاء الله عزّ وجلّ بحكمته أن تكون من طرقها الطبيعية ، وضمن ما هو المألوف ، لا بشكل إعجازي وخارق لما هو المعتاد .
ـــــــــــــ
(١) التوبة : ٣٣ .
(٢) القصص : ٥ .
وحيث إنّ الله تعالى ـ لحكمته ولطفه بعباده ـ قد نصّب أولياء هداة معصومين ، يمثّلون امتداداً طبيعياً للرسالة المحمّديّة ، فهم أُمناء الوحي والرسالة ، وحجّة الله على العباد ، وهم الأئمّة الاثنا عشر عليهمالسلام بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أوّلهم الإمام عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، وآخرهم الإمام المهدي عليهالسلام ، وقد ثبت ذلك مسبقاً ، بمقتضى عدد وافر من الآيات القرآنية ، كآية الولاية ، وآية أُولي الأمر ، وآية التطهير ، وآيات البلاغ في الغدير ، وآية المودّة في القربى(١) وغيرها ، مضافاً إلى عدد كبير جداً من الأحاديث النبويّة التي رواها أصحاب الصحاح من أهل السنّة ، كحديث الثقلين المتواتر الذي مفاده أنّ أهل البيت عليهمالسلام لن يفترقوا عن القرآن حتى يردوا على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الحوض(٢) ، فكما أنّ القرآن باقٍ إلى يوم القيامة كذلك أهل البيت عليهمالسلام ، وكحديث الخلفاء الاثني عشر (كلّهم من قريش)(٣) ، وحديث السفينة(٤) ، وأهل بيتي عليهمالسلام أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض(٥) وأتاهم ما يوعدون ، وغير ذلك من الأحاديث الدالّة على بقاء الإمامة الإلهية ، واستمرارها في الأرض .
ـــــــــــــ
(١) الآيات : المائدة : ٥٥ ، النساء : ٥٩ ، الأحزاب : ٣٣ ، المائدة : ٦٧ .
(٢) السنن الكبرى ، النسائي : ج ٥ ص ٤٥ ص ١٣٠ ؛ خصائص أمير المؤمنين : النسائي : ص ٩٣ ؛ المعجم الصغير ، الطبراني : ج ١ ص ١٣١ ص ١٣٥ .
(٣) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٥ ص ٨٧ ـ ٨٨ .
(٤) مجمع الزوائد : الهيثمي ، ج ٩ ص ١٦٨ ، المعجم الأوسط ، الطبراني : ج ٦ ص ٨٥ .
(٥) شواهد التنزيل ، الحسكاني : ج ١ ص ٤٢٦ ، ذخائر العقبى ، الطبري : ص ١٧ .
وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( إنّ خلفائي ، وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي ، الاثنا عشر ، أوّلهم عليّ ، وآخرهم ولدي المهدي ) (١) .
وشاءت الإرادة الإلهية أن يكون الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت عليهمالسلام ـ الذي يمثّل الحلقة الأخيرة من سلسلة الأئمّة الهداة ـ مصلحاً للبشرية ، ومحققاً للهدف النهائي ، والثمرة الكبيرة والمرجوّة من رسالات السماء وبعث الأنبياء ، قال تعالى : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنّ اللهَ قَوِيّ عَزِيزٌ ) (٢) .
إذن فلابدّ ـ بحسب التخطيط الإلهي ـ من إقامة العدل ، والسلام في العالم ، بعد انتشار الظلم والجور والفساد في ربوع الأرض وأرجائها ، وهو ما نشاهده ونراه بالحس والعيان في كل حدب وصوب ، وهذا ما يتطابق مع ما تنبّأ به رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله :( تملأ الأرض ظلماً وجوراً ، ثم يخرج رجل من عترتي ، يملك سبعاً أو تسعاً ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً ) (٣) ، فكما أنّ الأرض مُلئت وستُملأ بالجور والفساد والظلم ، لابدّ لها من يوم تُملأ فيه عدلاً وقسطاً ، على يد الإمام المهديّ المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) .
ـــــــــــــ
(١) ينابيع المودّة ، القندوزي الحنفي : ج ٣ ص ٢٩٥ .
(٢) الحديد : ٢٥ .
(٣) سنن أبي داود ، السجستاني : ج ٤ ص ٧١٢ ح ٤٢٧٦ ؛ مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٣ ص ٢٨ ص ٣٦ ص ٧٠ ؛ المستدرك الحاكم : ج ٤ ص ٥٥٧ ؛ وانظر مجمع الزوائد : الهيثمي : ج ٧ ص ٣١٤ ، وقال فيه : ( رواه الترمذي وغيره باختصار ، رواه أحمد بأسانيد ، وأبو يعلى باختصار ، ورجالهما ثقات ) ؛ وانظر : المصنف : الصنعاني : ج ١١ ص ٣٧٢ ـ ٣٧٣ .
إلاّ أنّ النقطة الجديرة بالذكر هي أنّ تحقق هذا الهدف ، وهو إقامة العدل والقسط في الأرض ، يتوقّف على توفّر شرائطه التي أراد الله تعالى بحكمته أن تكون من الطريق الطبيعي لا الإعجازي ، وهذا ما جرت عليه السنن الإلهية في هذا العالم ، فقد قال تبارك وتعالى : ( لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطّيّبِ ) (١) ، وقال تعالى أيضاً : ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيّ عَنْ بَيّنَةٍ وَإِنّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (٢) ، وقال تعالى : ( وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلُِيمَحّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ ) (٣) ، وقال : ( وَتِلْكَ الأَيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَتّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ * وَلِيُمَحّصَ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ ) (٤) ، وغير ذلك من الآيات المباركة ، التي تكشف عن أنّ التخطيط الإلهي لجريان السنن في هذا العالم مبنيّ على السير الطبيعي للبشرية ، إلاّ في الظروف الخاصّة والاستثنائية ، التي تقتضي فيها الحكمة الإلهية إنجاز الهدف والوصول إليه عن طريق الإعجاز وخرق المعتاد ، وذلك كإثبات أصل نبوّة الأنبياء مثلاً .
وإقامة العدل على هذه الأرض جاء ضمن ذلك الإطار ، فلكي يتحقق على أرض الواقع ويحين أجله ، لابد من اكتمال جميع شرائطه ، وعلى ضوء ذلك كانت غيبة إمامنا المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) جزءاً من هذا التخطيط والحكمة الإلهية ، من أجل أن تكتمل باقي الشرائط لظهور الحق وإقامة العدل ، تلك الشرائط التي يتحقق معظمها في أحضان الغيبة ، وهذا ما أخبر به رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في روايات عديدة من كتب الفريقين :
ـــــــــــــ
(١) الأنفال : ٣٧ .
(٢) الأنفال : ٤٢ .
(٣) آل عمران : ١٥٤ .
(٤) آل عمران : ١٤٠ ـ ١٤٢ .
منها : ما أخرجه الإربلي ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : لمّا أنزل الله على نبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) (١) ، قلت : يا رسول الله عرفنا الله ورسوله ، فمَن أولي الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك ، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( هم خلفائي من بعدي يا جابر ، وأئمة الهدى بعدي أولهم علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر وستدركه يا جابر فإذا لقيته فاقرأه عنّي السلام ، ثم الصادق جعفر بن محمد ، ثم موسى بن جعفر ، ثم علي بن موسى ، ثم محمد بن علي ، ثم علي بن محمد ، ثم الحسن بن علي ، ثم سميّي وكنيّي ، وحجّة الله في أرضه ، وبقيّته في عباده محمد بن الحسن بن عليّ ، ذلك الذي يفتح الله عزّ وجلّ على يده مشارق الأرض ومغاربها ، وذلك الذي يغيب عن شيعته ، وأوليائه ، غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلاّ من امتحن الله قلبه للإيمان ) ، فقال جابر : فقلت : يا رسول الله فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته ؟ فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( أي والذي بعثني بالحق ، إنّهم ليستضيئون بنوره ، وينتفعون بولايته في غيبته ، كانتفاع الناس بالشمس وإن علاها سحاب ، يا جابر هذا من مكنون سر الله ، ومخزون علم الله ، فاكتمه إلاّ عن أهله ) (٢) .
وعن علي بن علي الهلالي ، عن أبيه قال : دخلت على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في شكاته التي قبض فيها فإذا فاطمة رضي الله عنها عند رأسه قال : فبكت حتى ارتفع صوتها ، فرفع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم طرفه إليها فقال :حبيبتي فاطمة ،
ـــــــــــــ
(١) النساء : ٥٩ .
(٢) ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ٣ ص ٣٩٩ .
ما الذي يبكيك ، فقالت :أخشى الضيعة بعدك ، فقال :يا حبيبتي ، أما علمت أن الله ـ عزّ وجلّ ـ اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها أباك فبعثه برسالته ، ثم أطلع إلى الأرض اطلاعه فاختار منها بعلك ، وأوحى إليّ أن أنكحك إيّاه ، يا فاطمة ، ونحن أهل بيت قد أعطانا الله سبع خصال لم تُعط لأحد قبلنا ولا تُعطى أحداً بعدنا : أنا خاتم النبيّين ، وأكرم النبيّين على الله ، وأحب المخلوقين إلى الله عزّ وجلّ وأنا أبوك ، ووصيي خير الأوصياء ، وأحبّهم إلى الله ، وهو بعلك ، وشهيدنا خير الشهداء ، وأحبّهم إلى الله ، وهو عمّك حمزة بن عبد المطلب ، وعمّ بعلك ، ومنّا مَن له جناحان أخضران يطير مع الملائكة في الجنّة حيث شاء ، وهو ابن عم أبيك ، وأخو بعلك ، ومنّا سبطا هذه الأُمّة ، وهما ابناك الحسن والحسين ، وهما سيّدا شباب أهل الجنّة ، وأبوهما ـ والذي بعثني بالحق ـ خير منهما يا فاطمة ـ والذي بعثني بالحق ـ إنّ منهما مهدي هذه الأُمّة إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً وتظاهرت الفتن ، وتقطّعت السبل ، وأغار بعضهم على بعض ، فلا كبير يرحم صغيراً ولا صغير يوقّر كبيراً ، فيبعث الله عزّ وجلّ عند ذلك منهما مَن يفتح حصون الضلالة ، وقلوباً غلفاً يقوم بالدين آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان ، ويملأ الدنيا عدلاً كما مُلئت جوراً ، يا فاطمة لا تحزني ولا تبكي ، فإنّ الله عزّ وجلّ أرحم بك وأرأف عليك منّي ؛ وذلك لمكانك من قلبي ، وزوّجك الله زوجاً ، وهو أشرف أهل بيتك حسباً وأكرمهم منصباً ، وأرحمهم بالرعيّة ، وأعدلهم بالسوية ، وأبصرهم بالقضية ، وقد سألت ربّي عزّ وجلّ أن تكوني أوّل مَن يلحقني من أهل بيتي ، قال علي رضي الله عنه :فلمّا قُبض النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لم تبق فاطمة رضي الله عنهابعده إلاّ خمسة
وسبعين يوماً حتى ألحقها الله عزّوجلّ به صلىاللهعليهوآلهوسلم رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه : الهيثم بن حبيب ، قال أبو حاتم : منكر الحديث وهو متهم بهذا الحديث(١) .
أقول : ولم يجدوا في الهيثم بن حبيب مطعناً سوى روايته لهذا الحديث في فضائل أهل البيت عليهمالسلام ، وله نظائر كثيرة !!
وعن أبي أيوب الأنصاري قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لفاطمة :نبيّنا خير الأنبياء وهو أبوك ، وشهيدنا خير الشهداء وهو عمّ أبيك حمزة ، ومنّا مَن له جناحان يطير بهما في الجنّة حيث شاء وهو ابن عمّ أبيك جعفر ، ومنّا سبطا هذه الأُمّة الحسن والحسين وهما ابناك ومنّا المهدي .
رواه الطبراني في الصغير وفيه قيس بن الربيع وهو ضعيف وقد وثق ، وبقيّة رجاله ثقات(٢) .
ومنها : ما جاء عن جابر بن عبد الله الأنصاري أيضاً : قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( المهدي من ولدي ، اسمه اسمي ، وكنيته كنيتي ، أشبه الناس بي خلقاً وخُلقاً ، تكون له غيبة وحيرة ، تضل فيها الأُمم ، ثم يقبل كالشهاب الثاقب ، فيملأها عدلاً كما مُلئت جوراً ) (٣)
وغير ذلك من الروايات ، الدالة على ضرورة الغيبة ، من أجل اكتمال شرائط الظهور ، وإقامة العدل والقسط ؛ وذلك من خلال تخطّي البشرية لمراحل عديدة من التمحيص والفتن والحيرة ، والابتلاء .
ـــــــــــــ
(١) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ١٦٥ ـ ١٦٦ .
(٢) المصدر نفسه : ج ٩ ص ١٦٦ .
(٣) ينابيع المودّة ، القندوزي الحنفي : ج ٣ ص ٣٨٦ .
وهذا ما أقرّ به الألباني أيضاً في سلسلة الأحاديث الصحيحة ، حيث قال : ( فماذا عسى أن يفعل المهدي لو خرج اليوم ، فوجد المسلمين شيعاً وأحزاباً ، وعلمائهم ـ إلاّ القليل منهم ـ اتخذهم الناس رؤوساً ! ، لما استطاع أن يقيم دولة الإسلام إلاّ بعد أن يوحّد كلمتهم ، ويجمعهم في صف واحد ، وتحت راية واحدة ، وهذا بلا شك يحتاج إلى زمن مديد ، الله أعلم به )(١) .
إنّ غيبة الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) تعني خفاء عنوانه غالباً ، وليس اختفاء شخصه عن الأنظار ، وإن كان خفاء المعنون قد يتحقق أيضاً في بعض الأحيان ، كما أشارت إلى ذلك بعض الروايات على ما سيأتي لاحقاً ، ولكي يتضح هذا المعنى يتعيّن التذكير بأنّ الإمامة لطف من الله تعالى ، ولو لا خليفة الله في الأرض لساخت بأهلها .
لا شك أنّ النبوّة وبعثة الأنبياء من أعظم الألطاف الإلهية في حق البشرية ؛ وذلك من أجل إيصالها إلى كمالها اللائق بها ، وإلى مصالحها والأهداف التي خُلقت من أجلها ، والتي لا يمكن لعقول البشر القاصرة أن تدركها أو تقف على كنهها ، فالنبوّة جاءت في ضمن سياق هداية الله عزّ وجلّ للبشر وتوجيههم الوجهة التي خُلقوا من أجلها .
ومن أعظم تلك الألطاف الإلهية بعثة نبيّنا محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم بالرسالة الخاتمة والدين الإسلامي ، ليظهره على الدين كلّه ، ولو كره المشركون .
وممّا لا ينبغي الشك فيه أيضاً أنّ الإمامة ، وقيادة الأمّة ـ في الجوانب الفكرية والدينية والسياسية ـ بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم استمرار لذلك اللطف الإلهي ، وإتمام لتلك النعمة ؛ وذلك من أجل الإبقاء والحفاظ على روح الإسلام ومعالمه ، وضمان استمرارها ورشدها ونموّها إلى قيام الساعة .
ـــــــــــــ
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة ، الألباني : ج ٤ ص ٤٢ .
فاستمرار وجود الإمام في كل زمان لطف من الله تعالى من أجل حفظ الدين وصلاحه ورفعته وعِزّته ، وكذلك لأجل الحفاظ على كرامة الأمة الإسلامية ، والإبقاء على هويتها وكيانها ، فهو أمان للأمّة من الهلاك والضلال والغواية ، بل هو أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب ذهب أهل الأرض ، ولولاه لساحت الأرض وماجت بأهلها ، وقد أكّد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم على تلك الحقيقة الخطيرة والمحورية في حياة الأمة عندما قال :( أهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض ) (١) ، وقد أمرنا بالتمسّك بهم في حديث الثقلين ، وأنبأ عن عدم افتراقهم عن القرآن الكريم ، حتى يردا عليه الحوض ، ثم قال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( أذكّركم الله في أهل بيتي ، أذكّركم الله في أهل بيتي ، أذكّركم الله في أهل بيتي ) (٢) .
ـــــــــــــ
(١) شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج ١ ص ٤٢٦ ؛ ذخائر العقبى ، محب الدين الطبري : ص ١٧ ؛ وانظر المستدرك ، الحاكم : ج ٣ ص ٤٥٧ ج ٢ ص ٤٨٨ ، حيث قال في ذيل الحديث : ( صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) .
(٢) صحيح مسلم ، مسلم : ج ٧ ص ١٢٣ ؛ مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٤ ص ٣٦٧ ؛ سنن الدارمي ، الدارمي : ج ٢ ص ٤٣٢ ؛ سنن البيهقي ، البيهقي : ج ٢ ص ١٤٨ ؛ وغيرها من المصادر .
إذن فالحجّة باقية ومستمرّة بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى يوم القيامة ، ولو لا تلك الحجّة التي نصبها من بعده صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ بأمر من الله عزّ وجلّ ـ لساخت الأرض بأهلها ، وقد تواتر هذا المضمون عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في ألسنة مختلفة من الروايات ، منها قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( النجوم أمان لأهل السماء ، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون ، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يوعدون ) (١) .
مضافاً إلى تأكيد أهل البيت عليهمالسلام على هذه الحقيقة ، كقول أمير المؤمنين علي عليهالسلام :( اللّهمّ وإنّك لا تخلي الأرض من قائم بحجّة ؛ إمّا ظاهر مشهور ، أو خائف مغمور ، لئلاّ تبطل حجج الله ، وبيّناته ) (٢) .
وكذا ما أخرجه القندوزي الحنفي ، عن الحموي المصري في كتابه ( فرائد السمطين ) عن الإمام جعفر الصادق عليهالسلام ، عن جدّه علي بن الحسين عليهالسلام قال :( نحن أئمّة المسلمين ، وحجج الله على العالمين ، وقادة الغرّ المحجّلين ، ونحن أمان لأهل الأرض ، كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء ، وبنا يمسك السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه ، وبنا ينزّل الله الغيث ، وتنشر الرحمة ، وتخرج بركات الأرض ، ولولا ما على الأرض منّا لساخت بأهلها .
ـــــــــــــ
(١) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج ٢ ص ٤٤٨ ، قال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ؛ شواهد التنزيل ، الحسكاني : ج ١ ص ٤٢٦ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٤٠ ص ٢٠ ؛ وانظر الجامع الصغير ، السيوطي : ج ٢ : ص ٦٨٠ ، وانظر فيض القدير ، المناوي : ج ٦ ص ٣٨٧ ؛ وقال المناوي : ( لكن تعدّد طرقه ربّما يصيّره حسناً ) ؛ النزاع والتخاصم ، المقريزي ص ١٣٢ ، مع اختلاف في اللفظ .
(٢) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٥٠ ص ٢٥٥ ، تاريخ اليعقوبي ، اليعقوبي : ج ٢ ص ٢٠٦ ؛ وقريب منه في تذكرة الحفّاظ ، الذهبي : ج ١ ص ١٢ ، نزهة الناظر وتنبيه الخاطر ، الحلواني : ص ٥٧ ، كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١٠ ص ٢٦٣ ، ( أخرجها عن ابن الأنباري في المصاحف ، والمرهبي في العلم ونصر في الحجّة ) ، المعيار والموازنة ، أبو جعفر الإسكافي : ص ٨١ ، مناقب أمير المؤمنين : محمد بن سليمان القاضي : ج ٢ ص ٢٧٥ ، دستور معالم الحكم : ابن سلامة : ص ٨٤ ، وقريب منه في ينابيع المودّة : القندوزي الحنفي : ج ١ ص ٧٥ .
ثم قال :ولم تخل الأرض منذ خلق الله الأرض من حجّة فيها ؛ إمّا ظاهر مشهور ، أو غائب مستور ، ولا تخلو الأرض إلى أن تقوم الساعة من حجة فيها ، ولو لا ذلك لم يعبد الله ) (١) .
قال سليمان الأعمش : فقلت ، لجعفر الصادق عليهالسلام : فكيف ينتفع الناس بالحجّة الغائب المستور ؟ قال :( كما ينتفعون بالشمس إذا سترها سحاب ) (٢) ، فنجد أنّ الإمام زين العابدين عليهالسلام يشير بقوله هذا إلى ما ذكره جدّه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، بقوله :( في كل خلوف من أُمّتي عدول من أهل بيتي ، ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، ألا وإنّ أئمّتكم وفدكم إلى الله عزّ وجلّ ، فانظروا بمَن توفدون ) (٣) ، وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم المتقدم :( أهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض ) (٤) وأولئك العدول من أهل بيته ـ الذين هم أمان لأهل الأرض ـ هم الاثنا عشر خليفة الذين نصبهم خلفاء من بعده ، وجعلهم قيّمين على هذا الدين ، وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم
ـــــــــــــ
(١) ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ١ ص ٧٥ وج ٣ ص ٣٦٠ ـ ٣٦١ .
(٢) المصدر نفسه : ج ١ ص ٧٦ ج ٣ ص ٣٦١ .
(٣) الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيتمي ، باب الأمان ببقائهم : ص ٣٥٢ ؛ ذخائر العقبى ، محب الدين الطبري : ص ١٧ ؛ ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ٢ ص ١١٤ .
(٤) المستدرك على الصحيحين ، الحاكم : ج ٢ ص ٤٤٨ ؛ قال فيه : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ؛ شواهد التنزيل ، الحسكاني : ج ١ ص ٤٢٦ ، ذخائر العقبى ، الطبري : ص ١٧ ، ونحوه النزاع والتخاصم ، المقريزي : ص ١٣٢ .
في حقّهم :( إذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها ) (١) .
إذن ، لابد في كل زمان من إمام عادل ، معصوم ، لا يفترق عن القرآن ، من أهل بيت النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، يكون أماناً لأهل الأرض ، به تتحقق عزّة الإسلام وصلاح الأمّة .
أمّا في زماننا هذا ، فإنّ الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من أهل البيت هو خليفة الله في أرضه ، كما هو واضح من الروايات المستفيضة عن الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، منها قوله : ( فإنّ فيها خليفة الله المهدي )(٢) ؛ ولذا نجد المناوي في كتابه ( فيض القدير ) في ذيل هذه الرواية يشير إلى أنّ الإمام المهدي هو الإنسان الكامل ، وهو خليفة الله في أرضه ، حيث قال : ( فإن قلت ما حكمة إضافته إلى الله ، وهلاّ قال الخليفة ؟ قلت : هو إشارة إلى أنّه إنسان كامل قد تجلّى عن الرذائل ، وتحلّى بالفضائل ، ومحل الاجتهاد والفتوّة ، بحيث لم يفته إلاّ مقام النبوّة )(٣) .
إلاّ أنّ الأمر المهم الذي ينبغي الالتفات إليه ، هو أنّه عليهالسلام غائب مستور ، إذ إنّ الإمام المهدي عليهالسلام يمتاز عن بقيّة آبائه عليهمالسلام بخصوصية إضافية ، وهي أنّ الإرادة الإلهية شاءت أن يقام العدل في هذه الأرض على يده المباركة ، وشاءت أيضاً أن لا يكون قيام العدل إلاّ في ضمن الشروط الطبيعية ، لا بالطريق الإعجازي ـ كما تقدّم ـ وحيث إنّ شرائط الظهور وإقامة العدل ـ من طرقها الطبيعية التي أرادها الله تعالى لها ـ غير متوفّرة إلى يومنا الحاضر ، فلا بد من استمرار الغيبة ، والخفاء حتى توفّر شرائط الظهور ويأذن الله عزّ وجلّ بالظهور ، هذا من جهة .
ـــــــــــــ
(١) كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١٢ ص ٣٤ ، المعجم الكبير : الطبراني : ج ٢ ص ١٩٦ ( بألفاظ أخرى ) .
(٢) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل ، ج ٥ ص ٢٧٧ ، ونحوه في المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري : ج ٤ ص ٤٦٤ ؛ الجامع الصغير ، السيوطي : ج ١ ص ١٠٠ ح ٦٤٨ .
(٣) فيض القدير شرح الجامع الصغير ، المناوي : ج ١ ص ٤٦٦ ح ٦٤٨ .
ومن جهة أخرى إنّ وجود الإمام المهدي عليهالسلام ظاهراً بين الناس يجعله عرضة للقتل ـ كما سيأتي ـ ومن هنا كانت الغيبة للإمام ، وحفظه من كيد الأعداء ، لطفاً من الله تعالى بعباده ، من أجل تحقيق الهدف الإلهي وثمرة الأديان بإقامة العدل والقسط في الأرض ، كما قال الله تعالى : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ ) (١) .
وممّا تقدّم يتبين أنّ غيبة الإمام والحجّة (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) إنّما هي حالة استثنائية في حياة البشرية ، وبالخصوص في حياة الأُمّة الإسلامية ـ لأنّ الحالة الطبيعية هي وجوده بين أشياعه وأتباعه يتعاطى معهم بشكل معلن ومباشر ـ وذلك من أجل الحفاظ عليه ، وادّخاره لذلك اليوم الموعود .
لا شك أنّ الحالات الاستثنائية يقتصر فيها على ما ترتفع به الضرورة ، وحيث إنّ الضرورة هي احتجابه عليهالسلام عن الناس ، بما يوجب نجاته والمحافظة عليه من براثن الظلم والعدوان ، فمقدار الغيبة حينئذ يقتصر فيه على خفاء العنوان ، واستتار الهوية ليس أكثر ، وإن كانت الضرورة قد تقتضي خفاء المعنون أيضاً على ما أشارت إليه بعض الروايات ؛ لأنّ هذا المقدار من الغيبة كافٍ لرفع حالة الاستثناء ، فهو (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) موجود بشخصه الكريم في وسط الناس ، وليست غيبته باختفاء جسمه عن الأنظار ، كاختفاء الجن ، أو الملائكة أو غير ذلك ، بل إنّ الناس يرون الإمام المهدي عليهالسلام بشخصه المبارك ، ولكن من دون أن يكونوا عارفين له أو ملتفتين إلى حقيقته وشخصه وهويته ، وهذا ما نصّت عليه جملة من الروايات :
ـــــــــــــ
(١) الحديد : ٢٥ .
منها : ما ورد عن الإمام علي عليهالسلام ، حيث قال :( إذا غاب المتغيّب من ولدي عن عيون الناس ، وماج الناس بفقده ، أو بقتله ، أو بموته ، اطلعت الفتنة ، ونزلت البليّة فو ربّ عليّ إنّ حجّتها عليها قائمة ، ماشية في طرقها ، داخلة في دورها وقصورها ، جوّالة في شرق هذه الأرض وغربها ، تسمع الكلام ، وتسلّم على الجماعة ، ترى ولا تُرى ، إلى الوقت والوعد ، ونداء المنادي من السماء ، ألا ذلك يوم فيه سرور ولد عليّ وشيعته ) (١) وهذه الرواية أكّدت على خفاء العنوان كما هو واضح وإن أشارت في الأثناء إلى خفاء العنوان والمعنون معاً أيضاً في بعض الأحيان .
ومنها : ما جاء عن الإمام الصادق عليهالسلام ، حيث قال: ( فما تنكر هذه الأمّة أن يكون الله يفعل بحجّته ما فعل بيوسف ، وأن يكون صاحبكم المظلوم ، المجحود حقّه ، صاحب الأمر يتردّد بينهم ، ويمشي في أسواقهم ، ويطأ فرشهم ، ولا يعرفونه ، حتى يأذن الله له أن يعرفهم نفسه ، كما أذن ليوسف ، حين قال له إخوته : ( أَءِنّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ ) (٢) ،(٣) .
ـــــــــــــ
(١) الغيبة : محمد بن إبراهيم النعماني : ص ١٤٣ .
(٢) يوسف : ٩٠ .
(٣) الغيبة ، النعماني : ص ١٦٤ .
ومنها : ما جاء أيضاً عن الإمام الصادق عليهالسلام ، قال :( في القائم سنّة من موسى ، وسنّة من يوسف ، وسنّة من عيسى ، وسنّة من محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم وأمّا سنّة يوسف فإنّ إخوته كانوا يبايعونه ، ويخاطبونه ، ولا يعرفونه ) (١) .
وفي رواية أخرى :( وسنّة من يوسف بالستر ، يجعل الله سبحانه بينه وبين الخلق حجاباً يرونه ، ولا يعرفونه ) (٢) .
ومنها : ما ورد كذلك عن أبي عبد الله عليهالسلام :( يفقد الناس إمامهم ، وإنّه يشهد الموسم ، فيراهم ولا يرونه ) (٣) والمراد من عدم الرؤية عدم معرفته (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بشخصه وعنوانه ، بقرينة ما يأتي وما تقدّم من الروايات .
ومنها : قول محمد بن عثمان العمري ، وهو أحد سفراء ووكلاء الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في غيبته الصغرى : ( والله إنّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كل سنة ، يرى الناس ويعرفهم ، ويرونه ولا يعرفونه )(٤) .
بعد الوقوف على حقيقة وهوية الغيبة ، وأنّها ليست إلاّ استتار العنوان فقط وإن كان استتار المعنون قد يحصل أيضاً كما أشارت إلى ذلك بعض الروايات ، وهو ما يقع لأجل تقدير بعض الظروف والضرورات المقتضية لذلك ، يتضح أنّ الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) حاضر بوجوده المبارك بين
ـــــــــــــ
(١) كمال الدين ، الصدوق : ص ٢٨ .
(٢) المصدر نفسه : ص ٣٥١ ؛ الخرائج والجرائح ، قطب الدين الراوندي : ج ٢ ص ٩٣٧ .
(٣) أصول الكافي ، الكليني : ج ١ ص ٣٣٨ .
(٤) مَن لا يحضره الفقيه ، الصدوق : ج ٢ ص ٥٢٠ ؛ كمال الدين وتمام النعمة ، الصدوق : ص ٤٤٠ ؛ الغيبة ، الطوسي : ص ٣٦٤ .
الناس ، ولكن ـ بعد أن أثبتنا ضرورة وجوده (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ـ قد لا يمكننا أن نشعر أو نحيط بفوائد وجوده المبارك ، كما أشار إلى ذلك الرسول الأعظم صلىاللهعليهوآلهوسلم حينما سأله جابر بن عبد الله الأنصاري عن فائدة الإمام في غيبته ، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( والذي بعثني بالحق إنّهم ليستضيئون بنوره ، وينتفعون بولايته في غيبته ، كانتفاع الناس بالشمس وإن علاها سحاب ) (١) .
ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى بعض وجوه الانتفاع منه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في غيبته ، وما يقوم به من أعمال وأدوار ، نذكرها على سبيل الإجمال والاختصار :
قد تقدّم آنفاً ضرورة وجود الحجّة من أهل البيت عليهمالسلام ، واستمراره إلى قيام الساعة ، ولولاه لساخت الأرض بأهلها ، ونضيف إلى ذلك القول : بأنّ الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) يمارس أدواره التي لا تتقاطع مع غيبته ، فهو عليهمالسلام يمارس دوره الاجتماعي والسياسي بالمباشرة ، أو بتوسّط مجموعة من رجال الغيب الذين يُصطلح عليهم بالأبدال ، والسيّاح الذين يديرون حكومته الخفيّة ، ويتصرفون في مقادير الأُمّة ، بل البشرية جمعاء ، من أجل درئها عن الانحراف ، وحفظها عن الزيغ والضلال ، والوقوع في الهاوية ، وهذا ما تشير إليه الروايات الواردة من طرق الفريقين :
١ – قال السيوطي في ( الدرّ المنثور ) : ( وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن ، عن أنس قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( لن تخلو الأرض من أربعين رجلاً ، مثل خليل الرحمان ، فبهم تسقون وبهم تنصرون ، ما مات منهم أحد إلاّ أبدل الله مكانه آخر ) .
ـــــــــــــ
(١) كشف الغمّة ، الإربلي : ج ٢ ص ٣١٥ ؛ ينابيع المودّة ، القندوزي الحنفي : ج ٣ ص ٢٣٩ .
وأخرج الطبراني في الكبير عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله (ص) :الأبدال في أُمّتي ثلاثون ، بهم تقوم الأرض ، وبهم تُمطرون وبهم تُنصرون .
وأخرج أحمد في ( الزهد ) والخلال في ( كرامات الأولياء ) بسند صحيح عن ابن عباس قال : ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله بهم عن أهل الأرض ...
وأخرج ابن جرير عن شهر بن حوشب قال : لم تبق الأرض إلاّ وفيها أربعة عشر ، يدفع الله بهم عن أهل الأرض ، ويخرج بركتها إلاّ زمن إبراهيم فإنّه كان وحده .
وأخرج أحمد في الزهد عن كعب قال : لم يزل بعد نوح في الأرض أربعة عشر يدفع الله بهم العذاب .
وأخرج الخلال في كرامات الأولياء عن زاذان قال : ما خلت الأرض بعد نوح من اثني عشر فصاعداً يدفع الله بهم عن أهل الأرض(١) .
٢ ـ ما أخرجه الهيثمي ، عن عبادة بن الصامت ، عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنّه قال :( الأبدال في هذه الأمة ثلاثون ، مثل خليل الرحمان عزّ وجلّ ، كلّما مات رجل أبدل الله تعالى مكانه رجل ) (٢) ، قال الهيثمي : رواه أحمد ، ورجاله رجال الصحيح ، غير عبد الواحد بن قيس ، وقد وثّقه العجلي ، وأبو زرعة(٣) .
ـــــــــــــ
(١) الدر المنثور ، السيوطي : ج ١ ص ٧٦٥ ـ ٧٦٦ .
(٢) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ١٠ ص ٦٢ ؛ عون المعبود ، العظيم آبادي : ح ٧ ص ١٥١ ج ١١ ص ٢٥٣ ؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١٢ ص ١٨٦ .
(٣) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ١٠ ص ٦٢ .
٣ ـ وعن عبادة بن الصامت أيضاً ، عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :( لا يزال في أُمّتي ثلاثون ، بهم تقوم الأرض ، وبهم تُمطرون ، وبهم تُنصرون ) (١) ، قال الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط ، وإسناده حسن(٢) ، وقد صحّحه العزيزي ، والمناوي ، في شرحيهما على الجامع الصغير للسيوطي(٣) .
وقال المناوي في فيض القدير : ( وهذه الأخبار وإن فُرض ضعفها جميعها ، لكن لا ينكر تقوي الحديث الضعيف بكثرة طرقه وتعدّد مخرّجيه ، إلاّ جاهل بالصناعة الحديثية ، أو معاند متعصّب ، والظن به ـ أي بابن تيمية ـ أنّه من قبيل الثاني )(٤) .
ثم إنّ أولئك الأبدال مستترون عن أعين الناس ، كما نصّ على ذلك الغزالي ، حيث قال : ( إنّما استتر الأبدال عن أعين الناس والجمهور ؛ لأنّهم لا يطيقون النظر إلى علماء الوقت ؛ لأنّهم جهّال بالله ، وهم عند أنفسهم ، وعند الجهلاء علماء )(٥) .
وبعض من الأبدال من أصحاب الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ، يخرجون معه حين يخرج ، كما أخرج ذلك نعيم بن حمّاد المروزي في ( كتاب الفتن ) عن عليّ عليهالسلام قال : ( إذا سمع العائذ الذي بمكّة بالخسف خرج مع اثني عشر ألفاً ، فيهم الأبدال )(٦) .
ـــــــــــــ
(١) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ١٠ ص ٦٢ ـ ٦٣ ؛ عون المعبود ، العظيم آبادي : ج ٨ ص ١٥١ ؛ فيض القدير شرح الجامع الصغير ، المناوي : ج ٣ ص ٢١٧ .
(٢) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ١٠ ص ٦٢ ـ ٦٣ .
(٣) نقلاً عن عون المعبود : ج ٨ ص ١٥٢ .
(٤) فيض القدير ، المناوي : ج ٣ ص ٢٢٠ .
(٥) نقلاً عن فيض القدير : ج ٣ ص ٢٢٠ .
(٦) كتاب الفتن ، المروزي : ص ٢١٥ .
إذن فهناك أوتاد وأبدال ، على درجة عالية من الإيمان والإخلاص والتضحية في سبيل الإسلام ، مستترون عن أعين الناس بخفاء عنوانهم الذي هم عليه ، يقومون بإنجاز أدوار مهمّة في الأمّة ، وقد ذكرت بعضها الروايات ـ كما تقدم ـ فلا غرابة حينئذٍ أن يستعين بهم الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في إدارة حكومته المستترة أثناء غيبته ، لا سيّما وأنّ الروايات ذكرت أنّ بعضهم من أنصاره (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) عند ظهوره ، لإقامة دولة العدل والقسط .
ولا يخفى أنّ الإدارة الخفيّة أقوى وأشد تأثيراً في الواقع من الإدارة الظاهرة ، كما هو الحال في ما نشاهده اليوم من التحكّم بمقادير الأمور ، وإدارة العالم بواسطة أجهزة المخابرات التي تعمل خلف الكواليس ، وكذا ما في السياسات الماليّة الخفيّة ، كالبنك الدولي الذي بيده مقادير سياسة العالم الاقتصادية ، ولكن بصورة مبطّنة غير معلنة .
وقد ضرب الله تعالى مَثَلاً لنا في قصة الخضر عليهالسلام مثلاً لما يقوم به الإمام المهدي عليهمالسلام ، حيث استعرض القرآن الكريم هذه القصة في وسط سورة الكهف ، هذا مع علمنا بأنّ القرآن الكريم لم يكن هدفه من طرح هذه القصة تسطير الحكايات الخياليّة التي لا واقع لها ـ والعياذ بالله ـ فالقرآن الكريم منزّه عن ذلك .
قال تعالى : ( فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلّمْنَاهُ مِن لّدُنّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلّمَنِ مِمّا عُلّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ) (١) .
فقد أمر الله عزّ وجلّ نبيّه موسى عليهالسلام بالذهاب إلى الخضر عليهالسلام المتخفّي المستتر ، حيث لم يكن أحد يعلم بمكانه إلاّ الله وموسى ، بعد أن أعلمه الله تعالى بمحلّ تواجده ؛ وذلك للتعلّم والأخذ منه ، والاطلاع على معالم الإدارة الإلهية الخفية ، التي تدار بعيداً عن أعين الناس ، فالخضر عليهالسلام مع كونه متستراً ، كما نقل ذلك النووي عن الثعلبي ، قوله : ( الخضر نبيّ معمّر على جميع الأقوال ، محجوب عن الأبصار ، يعني عن أبصار أكثر الناس )(٢) .
فهو عليهالسلام منتدب من الله تبارك وتعالى لإنجاز الأوامر الإلهيّة ، يعمل ضمن مجموعة خاصّة من البشر ، لا يعلمها أحد من عامة الناس ، وهم أوتاد الأرض وأبدالها كما تقدم ذكرهم ، وكما تصرّح بذلك الآية المباركة ، حيث جاء فيها قوله عزّ وجلّ : ( عبداً مّن عبادنا ) .
ثم إنّ الخضر عليهالسلام بنفسه قد صرّح لموسى عليهالسلام بأنّ كل ما فعله لم يكن عن أمره ، وإنّما هو بأمر من الله تعالى ، حيث قال : ( وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عّلَيْهِ صَبْراً ) (٣) .
إذن هذه السورة المباركة تشير إلى وجود منظومة ومجموعة من البشر على وجه الأرض ، هم عباد الله ، اختصهم لنفسه ، يقومون بإنجاز المهامّ الإلهية الخطيرة والمحورية التي لها الأثر البالغ والمهم على مسار البشرية ،
ـــــــــــــ
(١) الكهف : ٦٥ ـ ٦٨ .
(٢) شرح صحيح مسلم ، النووي : ج ١٥ ص ١٣٦ .
(٣) الكهف : ٨٢ .
ولم يحظ موسى عليهالسلام من ذلك ، إلاّ بعد عدّة وقائع ، استعرضها القرآن الكريم ، ولم يصبر على تلقّي المزيد من تلك الأدوار والمهام ؛ ولذا قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( رحمة الله علينا ، وعلى موسى ، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب ) (١) .
فكان الخضر عليهالسلام ، ومجموعة من عباد الله الصالحين يديرون هذا العالم بطور وطراز آخر ، على غير ما هو المألوف عندنا ، بحسب الأسباب الظاهرة والإدارة المعلنة ، وهذا ما صرّح به الكثير من المفسّرين ، كالمراغي في تفسيره تبعاً للفخر الرازي وغيره ، حيث قال : ( وأحكام هذا العالم مبنية على الأسباب الحقيقية الواقعة في نفس الأمر ، وهذه لا يطلع الله عليها إلاّ بعض خواصّ عباده )(٢) .
ثم إنّ السورة المباركة تستعرض في هذه القصّة ثلاث قضايا مهمّة وأساسية في الحياة البشرية مارسها الخضر عليهالسلام .
الأُولى : وهي قضية سفينة المساكين التي خرقها الخضر عليهالسلام حتى لا يغصبها الملك ، قال تعالى : ( أَمّا السّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم ملِكٌ يَأْخُذُ كُلّ سَفِينَةٍ غَصْباً ) (٣) .
فلو صادرها الملك لأثّر ذلك سلباً على معيشة أولئك المساكين ، حيث كانت السفينة مصدر رزقهم ؛ لذا قال الفخر الرازي في تفسيره : ( إنّ تلك
ـــــــــــــ
(١) جامع البيان ، ابن جرير الطبري : ج ١٥ : ص ٣٥٦ ؛ السنن الكبرى ، النسائي : ج ٦ : ص ٣٩١ ؛ تاريخ بغداد ، الخطيب البغدادي : ج ٦ ص ٣٩٧ ؛ تفسير القرآن العظيم : ابن كثير : ج ٣ ص ١٠٣ .
(٢) تفسير المراغي ، المراغي : ج ٦ ص ٦ ، وكذا انظر : تفسير الفخر الرازي : ج ١١ ص ١٦٠ .
(٣) الكهف : ٧٩ .
السفينة كانت لأقوام محتاجين ، متعيّشين بها في البحر ، والله تعالى سمّاهم مساكين )(١) .
وقال المراغي في تفسيره ، حكاية عن الخضر عليهالسلام : ( أما فعلي ما فعلته بالسفينة ، فلأنّها كانت لقوم ضعفاء ، لا يقدرون على دفع الظلمة ، وكانوا يؤاجرونها ويكتسبون قوتهم منها وخلاصة ذلك : إنّ السفينة كانت لقوم مساكين عجزة ، يكتسبون بها ، فأردت بما فعلت إعانتهم على ما يخافون ، ويعجزون عن دفعه ، من غصب ملك قدّامهم ، من عادته غصب السفن الصالحة )(٢) .
الثانية : قصّة الغلام ، وأنّه لو بقي حيّاً لكان في ذلك مفسدة لوالديه ، في دينهما ودنياهما ، و( لو بقي كان فيه بوارهما ، واستئصالهما )(٣) ، بل قد جاء في روايات الفريقين : أنّ الله تعالى أبدل أبويه ـ رحمة بهما ـ بجارية ولدت سبعين نبيّاً ، فالسنّة الإلهية اقتضت أن لا يُرزقا تلك الجارية المباركة ، إلاّ بعد فقدانهم ذلك الغلام .
ولا يخفى ما في الدور الكبير لوجود سبعين نبياً في حياة البشر ، وهدايتهم ورقيّهم ، كما نصّت على ذلك بعض الروايات ، فقد أخرج ابن حجر ، عن تفسير ابن الكلبي : ( ولدت [ أم الغلام ] جارية ، ولدت عدّة أنبياء ، فهدى الله بهم أمماً ، وقيل : عدّة مَن جاء من ولدها من الأنبياء سبعون نبيّاً )(٤) .
الثالثة : قصة إصلاح الخضر عليهالسلام للجدار ؛ لأنّه لو انهار ذلك الجدار لضاع
ـــــــــــــ
(١) تفسير الرازي ، الفخر الرازي : ج ١١ ص ١٦١ .
(٢) تفسير المراغي ، المراغي : ج ٦ ص ٧ .
(٣) الدر المنثور ، السيوطي : ج ٥ ص ٤٢٩ .
(٤) فتح الباري ، ابن حجر : ج ٨ ص ٣٢٠ ؛ ونحوه تفسير القرطبي : ج ١١ ص ٣٧ ؛ وانظر فتح القدير ، الشوكاني ، ج ٣ ص ٣٠٦ .
مال اليتيمين اللذين كان أبوهما صالحاً ، كما في قوله تعالى : ( وَأَمّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِن رّبّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عّلَيْهِ صَبْراً ) (١) .
لا يخفى أنّ العبر والمعطيات التي ضمّنها الله تعالى في قصة الخضر عليهالسلام كثيرة ومهمّة جدّاً ، ولكن نستعرض منها ما يتعلّق ببحثنا وموضوعنا ، وهي كالآتي :
١ ـ دوام الحاكمية الإلهية
إنّ حاكمية الله تعالى في الأرض لا تنقطع أبداً إلى يوم القيامة ، والذي يقوم بأداء وتنفيذ حكم الله في الأرض هو خليفته في أرضه ، فخليفة الله هو الواسطة المباشرة لإجراء حاكميته تعالى .
وقد جاء ذلك في قوله عزّوجلّ : ( إِنّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) (٢) سواء كان ذلك الخليفة رسولاً أم نبيّاً أم وليّاً ووصيّاً من الأوصياء .
وقال تعالى أيضاً : ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للهِ ) (٣) .
وقال عزّ وجلّ : ( إِنّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنَا ) (٤) .
ـــــــــــــ
(١) الكهف : ٨٢ .
(٢) البقرة : ٣٠ .
(٣) يوسف : ٤٠ .
(٤) النور : ٥١ .
وقال تعالى : ( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) (١) .
فحاكمية الله تعالى ـ التي لا تقتصر على سلطته في التشريع فقط ، بل يداه مبسوطتان في كل المجالات القضائية والسياسية والاقتصادية ـ يجريها على أيدي خلفائه من الرسل والأنبياء والأولياء والأوصياء .
هذا وقد أرشدنا الله عزّ وجلّ في قرآنه الكريم إلى خلفائه الذين جعلهم أئمّة وقادة للبشرية جمعاء ، ابتداءً من آدم عليهالسلام أبي البشر ، وأوّل خليفة لله على أرضه ، ومروراً بنوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى عليهمالسلام ، وانتهاء برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم خاتم الأنبياء ، وأوصيائه عليهمالسلام الهداة المهديين ، حيث قال تبارك وتعالى :
( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (٢) .
( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (٣) .
( وَنُرِيدُ أَن نمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (٤) .
( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (٥) .
ومن حصيلة هذه النصوص القرآنية وغيرها ممّا يشاركها في المضمون ؛ يتضح أنّ الله عزّ وجلّ قد جعل خلفاء له في الأرض ، ينفّذون حاكميته في الأرض ، ويمثّلون مظهراً وتجلياً لسلطنته على الخلق .
ـــــــــــــ
(١) النساء : ٥٩ .
(٢) السجدة : ٢٤ .
(٣) الأنبياء : ٧٣ .
(٤) القصص : ٥ .
(٥) البقرة : ١٢٤ .
٢ ـ شمولية الحاكمية الإلهية
ثم إنّ الحاكمية لله تعالى شاملة لكل المجالات ، ولجميع الأمور مهما كان حجمها ، وهذا ما نلمسه واضحاً من النصوص القرآنية ، حيث نجد أن الله تبارك وتعالى هو الحاكم في جميع الأمور ، وكان النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم : ( يَا أَيّهَا النّبِيّ قُل لِمَن فِي أَيْدِيكُم مِنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرَاً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِر لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١) .
وقوله : ( يَا أَيّهَا النّبِيّ جَاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) (٢) .
وقوله : ( يَا أَيّهَا النّبِيّ حَرّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ) (٣) .
وقوله : ( يَا أَيّهَا النّبِيّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنّ وَأُسَرّحْكُنّ سَرَاحاً جَمِيلاً ) (٤) .
وقوله : ( يَا أَيّهَا النّبِيّ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلّ اللهُ لَكَ ) (٥) .
وقوله : ( يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ
ـــــــــــــ
(١) الأنفال : ٧٠ .
(٢) التوبة : ٧٣ .
(٣) الأنفال : ٦٥ .
(٤) الأحزاب : ٢٨ .
(٥) التحريم : ١ .
وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ) (١) .
وقوله تعالى : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ ) (٢) .
وقوله تعالى : ( فَمَنْ حَاجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (٣) .
وقوله تعالى : ( وَإِن جَنَحُوا لِلسّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكّلْ عَلَى اللهِ إِنّهُ هُوَ الْسّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (٤) .
وغيرها من النصوص القرآنية الأخرى .
وقد خاطب الله تعالى نبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم في القرآن الكريم بـ ( قل كذا ) و ( قل كذا ) في أكثر من ( ٣٥٠) مورداً ، وكانت الأوامر الإلهية تنزل على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في كل صغيرة وكبيرة ، بدءاً من بيته وشؤونه الخاصة ، ومروراً بقضايا الحكومة والدولة وإدارة شؤون المسلمين ومسائل الحرب وقضايا الجهاد وغيرها ، فلا يُعقل أنّ هذه الحاكمية الحيّة والفعّالة من قِبل الله تعالى تجاه قضايا الإسلام والمسلمين والتي تجري وتُنفّذ عن طريق خليفته المعصوم عن الخطأ ، وهو رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، تنقطع بين ليلة وضحاها ، ويوكل الأمر إلى عامّة المسلمين ، الذين يجهلون أبسط المسائل الفقهية ، فضلاً عن غيرها من القضايا المهمّة في حياة المسلمين ، والبشرية بصورة عامة .
ـــــــــــــ
(١) المائدة : ٦٧ .
(٢) النحل : ٤٤ .
(٣) آل عمران : ٦١ .
(٤) الأنفال : ٦١ .
إذن لابد من وجود مَن ينفّذ حاكميته تعالى بعد رسوله الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذلك هو الخليفة الحقّ الذي يحمل مزايا الأنبياء والأوصياء والرسل ؛ ليكون قادراً على تحمل الأمانة ، وتنفيذ تلك الحاكمية بالنحو الذي أراده الله عزّ وجلّ ، منذ بدء الخلق إلى قيام الساعة ، وقد نصب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، بأمر من الله تعالى ذلك الخليفة من بعده ، وهم أهل بيته ، عليّ وبنوه عليهمالسلام ، وهم الخلفاء الاثنا عشر ، كلّهم يعمل بالهدى ودين الحق ، إذا ذهبوا ماجت الأرض بأهلها .
ثم إنّ هذا المعنى من الحاكمية المستمرة لله تعالى في الأرض يلتقي مع مقولة الخضر لموسى عليهالسلام : ( وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ) (١) ، أي أنّ هذه الأفعال التي قمت بها ليست بمحض إرادتي ، بل هي بأمر من الله تعالى ، وإجراء لحاكميته .
وعلى هذا الأساس نقول : إنّ خليفة الله في الأرض ، القائم بهذا الدور في هذا العصر ، هو الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ، فهو الذي يقوم بتنفيذ أوامر الله سبحانه وتعالى ، ولكن في الخفاء ، لأجل الحكمة والأسباب التي اقتضت ذلك ، إلى أن يأتي أمر الله سبحانه بالظهور ، وإقامة دولة العدل والقسط ، فيكون الحق معلناً ، والباطل ضامراً خاسئاً .
وقد جاء ذكر ذلك الدور الفاعل للإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في عصر الغيبة في كثير من الروايات على لسانه عليهالسلام ، منها قوله عليهالسلام :( فإنّا نحيط علماً
ـــــــــــــ
(١) الكهف : ٨٢ .
بأنبائكم ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم ) (١) ، وقوله عليهالسلام :( إنّا غير مهملين لمراعاتكم ، ولا ناسين لذكركم ، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء ، واصطلمكم الأعداء ، اتقوا الله جلّ جلاله ، وظاهرونا على انتياشكم من فتنة ، قد أنافت عليكم ، يهلك فيها مَن حمّ أجله ، ويحمى عنها مَن أدرك أمله ) (٢) .
من الأدوار الأساسية التي يقوم بها خليفة الله في الأرض ، هو منع البشرية من الانحدار في الهاوية ، ودرء خطر استئصالها ، والإبادة التامة والشاملة لها ، سواء كان ذلك نتيجة للحروب ، أم لتفشّي الظلم والجور والفساد ، وانتشار الأمراض والأوبئة وغيرها من الأمور التي تهدّد البشرية بالانقراض .
وهذا المعنى أشار إليه القرآن الكريم ، عند ذكره لاعتراض الملائكة ، في معرض تعريفه للخليفة ، وذلك في قوله تعالى ـ حكاية عن الملائكة : ( قَالُوا أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (٣) ، فالملائكة افترضت أنّ خليفة الله لا يفسد ، ولا يسفك الدماء ، بل هو الذي يقف حائلاً أمام ذلك ، وقد أقرّهم الله تبارك وتعالى على ذلك ، وأجابهم من جهة أخرى ، حيث قال : ( إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) .
إذن أوّل دور من الأدوار الأساسية التي يقوم بها خليفة الله في الأرض ، هو درء الفساد ، وممانعة سفك الدماء وهذا ما يلتقي مع التصريحات الكثيرة للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا المجال ، كقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( لا تخلوا الأرض من حجّة ) ، وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( أهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض ) وغير ذلك من التصريحات النبويّة ، التي تؤكّد على أنّ من بين الأدوار الأساسية للخلفاء حفظ البشرية من الهلاك ، ومنع وقوعها في الفساد .
ـــــــــــــ
(١) الاحتجاج ، الطبرسي : ج ٢ ص ٣٢٣ ، الخرائج والجرائح ، قطب الدين الراوندي : ج ٢ ص ٩٠٢ .
(٢) الاحتجاج ، الطبرسي : ج ٢ ص ٣٢٣ .
(٣) البقرة : ٣٠ .
ثم إنّ السؤال الأساس يقع عمّا هو المراد بالفساد ؟ وهل يشمل كل فساد ولو كان جزئياً ؟
وفي مقام الإجابة عن ذلك نقول : ليس المراد من الفساد ما يشمل الفساد الجزئي والمقطعي ، وذلك بمقتضى اعتراف الملائكة ، حيث إنّهم لم يعترضوا على الفساد القليل ؛ لأنّ الفساد القليل يقابله الخير الكثير ، فاعتراض الملائكة إنّما كان على الفساد المطبق ، والشامل للأرض ومَن عليها ، المستأصل للبشرية ، والموجب لاجتثاثها وهلاكها .
فدور الخليفة إذاً لا يقتصر على فئة معيّنة من الناس ، أو على المسلمين فحسب ، وإنّما هو شامل لكل البشرية ؛ لذا قال تعالى شأنه : ( إنّي جاعل في الأرض ) ، وكذا قول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( لا تخلو الأرض من حجّة ) (١) وقوله :( إذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها ) ، وقوله :( أهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض ) ، فلم يقل هلك أو ذهب المسلمون خاصة ، أو ماجت الأرض بهم .
فالإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) الذي هو خليفة الله في الأرض ، يمارس دوراً كبيراً في حياة البشرية ، وإن لم يتقلّد الحكومة الرسمية الظاهرة ، فهو (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) كما هو الحال في الخضر عليهالسلام ، الذي هو وليّ من أولياء الله تعالى ، وعبد من عباده ، قلّده مناصب عالية وحكومة رائدة ، يديرها بالسر والخفاء .
فقصّة الخضر عليهالسلام ـ الذي هو عبد من مجموعة عباد جعلهم الله أوتاداً للأرض ـ ذكرها الله عزّ وجلّ في قرآنه الخالد ، عظة وعبرة لنا ، وليست هي مجرّد قصة خيالية لا واقع لها ، وإنّما الغاية من هذه القصّة هي الاعتقاد بوجود أولياء وحجج لله تعالى ، يقومون بمهام إلهية ، ويديرون دفّة الحكم الإلهي في الأرض .
إذن ليست الغيبة بمعنى التعطيل والجمود ، كما قد يتخيلها البعض .
إذن فالإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) له دور كبير في فترة غيبته .
ـــــــــــــ
(١) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٢ ص ١٩٦ ح ١٧٩٤ ؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١٢ ص ٣٤ ح ٣٣٨٦١ ؛ وانظر : تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٥٠ ص ٢٥٥ ؛ وانظر تاريخ اليعقوبي ، اليعقوبي : ج ٢ ص ٢٠٦ ؛ وانظر ينابيع المودة ، القندوزي الحنفي : ج ١ ص ٨٩ ؛ وانظر المناقب ، الخوارزمي : ص ٣٦٦ .
أضف إلى ذلك كله ، أنّ هناك أعمالاً وأفعالاً أوكل الإمام عليهالسلام مهمّة القيام بها إلى من قلّدهم النيابة العامة في زمن الغيبة ، وهم العلماء والفقهاء العدول ؛ ليكونوا بذلك ممثّلين له عليهالسلام ، ينوبون عنه في بعض المهام التي أُوكلت إليهم ، كما ورد ذلك عنه عليهالسلام ، حيث قال :( وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ، فإنّهم حجّتي عليكم ، وأنا حجّة الله عليهم ) (١) .
وقد أشار باقي الأئمّة عليهمالسلام أيضاً إلى هذا الدور المهم للعلماء في عصر الغيبة الكبرى ـ فمثلاً ـ ما عن الإمام الهادي عليهالسلام أنّه قال :( لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم عليه الصلاة والسلام من العلماء الداعين إليه ، والذّابين عن دينه بحجج الله ، المنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته ، ومن فخاخ النواصب ، لما بقي أحد إلاّ ارتد عن دينه ، ولكنّهم الذين يمسكون أزمّة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكّانها ، أولئك هم الأفضلون عند الله ) (٢) .
ونقتصر في هذا المجال على ما أفاده الشيخ المفيد رحمهالله ، حيث قال بعد تعرّضه لبعض مهام الغيبة : ( ولا يحتاج هو عليهالسلام إلى تولّي ذلك بنفسه ، كما كانت دعوة الأنبياء عليهمالسلام تظهر بأتباعهم والمقرّين بحقّهم ، وينقطع العذر بها فيما ينأى عن ملتهم ومستقرهم ، ولا يحتاجون إلى قطع المسافات لذلك بأنفسهم ، وقد قامت أيضاً بأتباعهم بعد وفاتهم وكذلك إقامة الحدود وتنفيذ الأحكام ، وقد يتولاّها أُمراء الأئمّة ، وعمّالهم دونهم ، كما كان يتولّى ذلك أُمراء الأنبياء عليهمالسلام وولاتهم ، ولا يخرجون هم إلى ذلك بأنفسهم ، وكذلك القول في الجهاد ، ألا ترى أنّه يقوم به الولاة من قبل الأنبياء والأئمّة دونهم ، ويستغنون عن توليه بأنفسهم ، فعُلم بما ذكرناه أنّ الذي أحوج إلى وجود الإمام ، ومنع من عدمه ، ما أختص به من حفظ الشرع ، الذي لا يجوز ائتمان غيره عليه ، ومراعاة الخلق في أداء ما كلّفوه
ـــــــــــــ
(١) الغيبة ، الطوسي : ص ٢٩١ ؛ الاحتجاج : الطبرسي : ج ٢ ص ٢٨٣ ؛ الخرائج والجرائح ، قطب الدين الراوندي : ج ٣ ص ١١١٤ .
(٢) الاحتجاج ، الطبرسي : ج ٢ ص ٢٦٠ .
من أدائه )(١) .
والحاصل : إنّ للإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) طوراً آخر من أطوار الإدارة والحكم في زمن الغيبة ، وأمّا تنفيذ الكثير من الأمور التي تحتاج إلى إجراء بحسب ما هو الظاهر والمعلن ، فقد أوكل ذلك عليهالسلام إلى العلماء والفقهاء .
من أهم فوائد غيبة الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هي حفظ شخصيته (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) من القتل والاغتيال ؛ لأنّ هذه الأمة الإسلامية لا تعدو خطى الأمم السابقة ، كما صرّح بذلك رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنّ هذه الأمة ستتبع خطى الأمم السالفة ، حذو النعل ، والقذّة بالقذّة ، وقد وقعت الغيبة لكل من إدريس وصالح وإبراهيم ويوسف عليهمالسلام ، وقد اضطّر موسى عليهالسلام إلى الهرب من قومه ( فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ ) (٢) ، وكذلك رفع الله عيسى عليهالسلام ، عندما أراد بنو إسرائيل قتله ، قال تعالى : ( بَل رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً ) (٣) كذلك كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يحتجب عن قومه في غار حراء فترة مديدة من الزمن ، وقد اضطر للاعتزال عنهم في الشعب ثلاث سنين ، وأخرج أحمد بن حنبل عن عكرمة قوله : مكث النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم خمس عشرة سنة ، منها أربع أو
ـــــــــــــ
(١) مسائل عشر ، الشيخ المفيد : ص ١٠٦ ـ ١٠٧ .
(٢) الشعراء : ٢١ .
(٣) النساء : ١٥٨ .
خمس يدعو إلى الإسلام سرّاً وهو خائف(١) .
فإذا كانت غيبة واحتجاب أولئك الأنبياء عليهمالسلام لا تضر ، ولا تقدح في نبوّتهم وبعثتهم للأمم ، بل يعد ذلك من الأساليب المهمة في سبيل انجاز وتحقيق الغاية ، لا سيّما وأنّه امتثال لمشيئة الله تعالى وإرادته ، كذلك ما نجده في غيبة الإمام المهدي عليهالسلام ، إذ إنّ غيبته كغيبتهم عليهمالسلام ، وظروفه كظروفهم ، من متابعته ومحاولة قتله والقضاء عليه ، بل ما نجده في حياة الإمام المهدي عليهالسلام من الظروف التي تستدعي الغيبة كثيرة جداً ، وفي غاية الوضوح ، حيث كانت السلطات العباسية تسعى حثيثاً للقبض عليه وقتله ، كما نصّ على ذلك المؤرخون والمحدثون :
منهم : ابن الصباغ المالكي ، حيث قال : ( خلّف أبو محمد الحسن ابنه الحجّة القائم المنتظر لدولة الحق ، وكان قد أخفى مولده ، وستر أمره ، لصعوبة الوقت ، وشدّة طلب السلطان ، وتطلّبه للشيعة ، وحبسهم ، والقبض عليهم )(٢) .
ومنهم : ابن أبي الفتح الإربلي في كتابه ( كشف الغمّة ) ، وعبارته قريبة من عبارة ابن الصباغ المتقدمة ، وينقل بالإضافة إلى ذلك رواية أحمد بن عبيد الله بن خاقان ، والي الضياع والخراج بقم ، وجاء فيها : ( وخرجنا وهو على تلك الحال ، والسلطان يطلب أثر ولد الحسن بن علي اليوم ، وهو لا يجد إلى ذلك سبيلاً ، والشيعة مقيمون على أنّه مات وخلّف ولداً ، يقوم مقامه بالإمامة ) (٣) وغيرهم كثير ؛ فراجع .
ـــــــــــــ
(١) كتاب العلل ، أحمد بن حنبل : ج ٢ ص ٥٩٠ ج ٣ ص ٤٢٦ ، وكذا في الدر المنثور السيوطي ج ٥: ص ١٠٢ ، المصنف : الصنعاني ج ٥ ص ٣٦١ .
(٢) الفصول المهمة ، ابن الصباغ المالكي : ص ١٠٩١ .
(٣) كشف الغمة ، الإربلي : ج ٣ ص ٢٠٥ .
وهذا السبب وإن كان غير مختص به دون آبائه عليهمالسلام ، حيث تعرّضوا للمطاردة والقتل والاغتيال ، إلاّ أنّ السبب الأساس الذي يقف وراء اختصاص الإمام المهدي بالغيبة دونهم عليهمالسلام ، هو أنّه عليهالسلام مكلّف بإقامة الدولة الإسلامية العالمية ، وعلى يديه يحقق الله تعالى العدل والقسط على هذه الأرض ، وبواسطته يُظهر الله عزّ وجلّ الإسلام على الدين كلّه ولو كره المشركون ، فلا بد من المحافظة على وجوه المبارك لإنجاز هذه المهمة التي جعلها الله تعالى الغاية الأساسية من بعثة الأنبياء والرسل .
ولا تعني غيبتة واختفاؤه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) انتفاء إمامته ، أو تخلّيه عن المسؤوليات المُناطة به ، بل هو الحجّة القائمة لله على خلقه ، ولكن ستره الله تعالى عن خلقه خوفاً على حياته من الظالمين ، كما صرّح بذلك أمير المؤمنين علي عليهالسلام ، حيث قال :( اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجّة ، إما ظاهر مشهور ، وإما خائف مغمور ، لأن لا تبطل حجج الله ، وبيّناته ) (١) ، وخائف مغمور أي خائف مختف ، وقد بيّنا سابقاً أنّ الغيبة لا تعني أنّه ناءٍ وبعيد وعديم الدور في الأمّة ، وإنّما الغيبة هي إدارة الأمور والعمل بالخفاء .
ومعنى الخوف من القتل ليس ما يتبادر إلى الأذهان الساذجة ، من المعاني الأوّلية للخوف ؛ لأنّ هذا النوع من الخوف غير متصوّر في أولياء
ـــــــــــــ
(١) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٥٠ ص ٢٥٥ ، وانظر تاريخ اليعقوبي : ج ٢ ص ٢٠٦ ، وانظر كنز العمال : ج ١٠ ص ٢٦٣ ـ ٢٦٤ ( أخرجها عن ابن الأنباري في المصاحف والمرهبي في العلم ونصر في الحجّة ) ، المعيار والموازنة ، الإسكافي : ص ٨١ ؛ مناقب أمير المؤمنين ، محمد بن سليمان القاضي : ج ٢ ص ٩٦ ؛ دستور معالم الحكم : ابن سلامة : ص ٨٤ ، ينابيع المودّة ، القندوزي الحنفي : ج ١: ص٨٩ .
الله تعالى وحججه الذين يأنسون بالموت ولقاء الله عزّ وجلّ ، وإنّما المقصود من خوف القتل هنا هو الخوف على ضياع الغرض والهدف الإلهي الذي أنيط به عليهالسلام ، حيث إنّ مسؤوليته عليهالسلام جسيمة وعظيمة تشبه مسؤولية الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، الذي صدع بأمر الله تعالى ، لنشر الدين على وجه الأرض ، كما قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( هو رجل من عترتي ، يقاتل على سنّتي ، كما قاتلت أنا على الوحي ) (١) .
فالخوف المقصود إنّما هو الخوف من استئصال الحجج الإلهية على الخلق ، كما ورد ذلك في الروايات متضافراً :
منها : ما جاء عن زرارة قال : سمعت أبا عبد الله يقول :إنّ للغلام غيبة قبل أن يقوم ، قال : ( قلت ولم ؟ قال :يخاف ، وأومأ إلى بطنه ، ثم قال :يا زرارة وهو المنتظر )(٢) .
ومنها : ما عن أبي عبد الله عليهالسلام أيضاً قال : (للقائم غيبة قبل قيامه قلت : ـ أي زرارة ـ وَلِمَ ؟ قال :يخاف على نفسه الذبح )(٣) .
ومنها : ما جاء عن أبي بصير قال : سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول :( في صاحب هذا الأمر أربعة ، من سنن أربعة أنبياء فأمّا من موسى : فخائف يترقب ) (٤) .
ـــــــــــــ
(١) كتاب الفتن ، المروزي : ص ٢٢٩ ؛ ينابيع المودة ، القندوزي : ج ٣ ص ٢٦٣ .
(٢) الكافي ، الكليني : ج ١ ص ٣٣٧ ؛ تاريخ آل زرارة ، أبو غالب الزراري : ج ١ : ص ٢١ ؛ كمال الدين ، الشيخ الصدوق : ص ٣٤٦ ؛ الغيبة : النعماني : ص ١٧٧ .
(٣) كمال الدين وتمام النعمة ، الصدوق : ص ٤٨١ .
(٤) الإمامة والتبصرة : ص ٩٤ ، كمال الدين ، الصدوق : ص ٢٨ ؛ دلائل الإمامة ، محمد بن جرير الطبري : ص ٤٧٠ ؛ كتاب الغيبة ، الطوسي : ص ٤٢٤ .
ومنها : ما عن المفضل بن عمر ، عن أبي عبد الله عليهالسلام قال : ( إذا قام القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قال : ففررت منكم لمّا خفتكم فوهب لي ربي حكماً )(١) .
ومنها : ما جاء في كشف الغمة للإربلي ، عن الإمام الحسين عليهالسلام قال :( في القائم منّا سنن من الأنبياء ، سنّة من نوح ، وسنّة من إبراهيم ، وسنّة من موسى ، وسنّة من عيسى ، وسنّة من أيوب ، وسنّة من محمد وأمّا من موسى فالخوف ، والغيبة ) (٢) .
وكذلك في كشف الغمّة ، في حديث محمد بن مسلم ، قال : سمعت أبا عبد الله عليهالسلام يقول : ( إن قدام القائم بلوى من الله ، قلت : وما هو جعلت فداك ؟ فقرأ : ( وَلَنَبْلُوَنّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالّثمَرَاتِ وَبَشّرِ الصّابِرِينَ ) (٣) ، ثم قال : الخوف من ملوك بني فلان ، والجوع من غلاء الأسعار ، ونقص الأموال من كساد التجارات ، وقلّة الفضل فيها ، ونقص الأنفس بالموت الذريع ، ونقص الثمرات بقلّة ريع الزرع ، وقلّة بركة الثمار ، ثم قال : وبشّر الصابرين عند ذلك بتعجيل خروج القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف)(٤) .
معنى التمحيص : هو التطهير مع شدّة الاختبار ؛ لأنّ مادة ( محص ) تدلّ على الخلوص ، والتطهير من كل عيب ، كما يقال محّص الذهب بالنار ، أي خلّصه ممّا يشوبه .
ـــــــــــــ
(١) الغيبة ، محمد بن إبراهيم النعماني : ص ١٧٤ .
(٢) كشف الغمّة ، الإربلي : ج ٣ ص ٣٢٩ ، إكمال الدين وإتمام النعمة ، الصدوق : ص ٣٢٢ .
(٣) البقرة : ١٥٥ .
(٤) كشف الغمّة ، الإربلي : ج ٣ ص ٢٦٠ .
وعلى ضوء ذلك كان التمحيص والابتلاء والاختبار سنّة إلهيّة رافقت البشرية منذ بداية خلقها ، قال تعالى : ( مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطّيّبِ ) (١) .
وكذا قال تبارك وتعالى : ( وَلِيُمَحّصَ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) (٢) ، وكقوله تعالى : ( وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلُِيمَحّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ ) (٣) ، فمن خلال التمحيص يتعيّن مركز الفرد وواقعه تجاه عقيدته وإيمانه ، استقامة أو انحرافاً ، كما يكشف التمحيص عن عناصر القوة والضعف في نفسية الإنسان ، فهو طريق لاستكمال النفوس ورقيّها ، فإذا ورد التمحيص على جماعة من الناس فإنّه يقتضي امتياز المؤمنين من المنافقين .
وتتضاعف أهميّة التمحيص في عصر الغيبة فيما إذا اقترن بالإعداد ليوم الظهور ، لتحمّل المسؤولية ، والمشاركة في إنقاذ العالم من الظلم والجور الذي يفترض فيه وجود عدد كاف ممحص ومطهر من شوائب الكفر والشرك والنفاق ، ليكونوا من المخلصين الذين لهم شرف المشاركة في الدولة الكريمة العادلة بقيادة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) .
ومن هذا المنطلق نعرف أهمية التمحيص والاختبار الذي أشارت إليه الروايات بكثافة .
وممّا يشهد على أهمية التمحيص ودوره في تمييز الخبيث من الطيب ، ما لمسناه واضحاً من الردّة والانقلاب على الأعقاب بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، حيث وجدنا أنّ الكثير ممّن رافقوا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لم يصمدوا أمام غربال التمحيص والاختبار ، بل انحرفوا عمّا رسمه لهم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في وصاياه الكثيرة والمتعددة في شأن الإمامة والخلافة ، فضلاً عما صرّح به القرآن الكريم في هذا الشأن ، وهذا يدل على أن كثيراً من هؤلاء الأصحاب لم يكونوا ممحصين ، ولا قادرين على تحمل المسؤولية .
ـــــــــــــ
(١) آل عمران : ١٧٩ .
(٢) آل عمران : ١٤١ .
(٣) آل عمران : ١٥٤ .
ومن هنا نفهم سرّ عدم جعل الأئمة عليهمالسلام الكفاح العسكري المسلح هو الخيار والحل الوحيد لإقامة الحق والعدل ؛ وذلك لأنّهم لا يرون القيام بالعمل العسكري وحده كافياً للانتصار وإقامة دعائم الحكم الصالح ، بل يتوقّف ذلك على إعداد جيش عقائدي ممحص مطهّر مخلص يؤمن بالإمام وعصمته وحاكميته إيماناً مطلقاً ، ويعي أهدافه الكبيرة ، ويدعم تخطيطه الواسع .
وعلى هذا الأساس نجد أنّ من شرائط ظهور الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) الأساسية هو ظهور عدد من الأصحاب والأنصار المخلصين للإسلام وللإمام عليهالسلام القادرين على تحمّل المسؤولية ، وهذا لا يتحقّق إلاّ من خلال مرور البشرية بالظروف القاسية والفتن الشديدة .
وممّا ينبغي الإشارة إليه ، هو أنّ التمحيص المقصود الذي من خلاله تتهيّأ البشرية لليوم الموعود ، هو تمحيص البشرية بشكل عام ، وعلى طول امتدادها التاريخي ، بالنحو الذي ينتج أفراداً مخلصين قادرين على تحمّل المسؤولية في الدولة الكريمة .
أمّا روايات التمحيص والابتلاء في زمن الغيبة ، وقبل قيام الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) فهي كثيرة جداً ، وقد وردت في كتب الفريقين :
منها : رواية ابن عباس المتقدمة ، عندما قال جابر لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : ( يا رسول الله وللقائم من ولدك غيبة ؟ قال:إي وربي ، ليمحص الله الذين آمنوا ، ويمحق الكافرين )(١) .
ومنها : ماجاء على لسان الإمام علي عليهالسلام ، عندما قال للإمام الحسين عليهالسلام :( التاسع من ولدك يا حُسين هو القائم بالحق ، والمظهر للدين ، والباسط للعدل ، قال الحسين عليهالسلام :فقلت : وإن ذلك لكائن ؟ فقال عليهالسلام : أي والذي بعث محمّداً بالنبوّة ، واصطفاه على جميع البرية ، ولكن بعد غيبة وحيرة لا يثبت على دينه إلاّ المخلصون المباشرون لروح اليقين الذين أخذ الله ميثاقهم بولايتنا ، وكتب في قلوبهم الإيمان ، وأيدهم بروح منه) (٢) ، فالمخلصون بحسب هذه الرواية هم حاصل ذلك الابتلاء والتمحيص .
ومنها : ما جاء أيضاً عن الإمام علي عليهالسلام ، حيث قال للأصبغ بن نباته :( الحادي عشر من ولدي هو المهدي ، يملأها عدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً ، تكون له حيرة وغيبة ، يضلّ فيها أقوام ، ويهتدي فيها آخرون ، فقلت : يا أمير المؤمنين وإنّ هذا لكائن ؟ فقال :نعم ، كما أنّه مخلوق ، وأنّى لك بالعلم بهذا الأمر يا أصبغ ، أولئك خيار هذه الأمّة ، مع أبرار هذه العترة ) (٣) .
ـــــــــــــ
(١) ينابيع المودة ، القندوزي : ج ٣ ص ٢٩٧ وص ٣٨٧ ، كشف الغمّة : الإربلي : ج ٣ ص ٣٢٨ .
(٢) كشف الغمة ، الإربلي : ج ٣ ص ٣٢٨ .
(٣) الإمامة والتبصرة ، ابن بابوية القمّي : ص ١٢١ ؛ الغيبة ، النعماني : ص ٦١ ؛ كفاية الأثر ، الخزاز القمّي : ص ٢٢٠ .
ومنها : ما ورد عن الإمام محمد الباقر عليهالسلام ، في قوله تعالى : ( فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنّسِ * الْجَوَارِ الْكُنّسِ ) (١) ، قال :( هذا مولود في آخر الزمان ، هو المهدي من هذه العترة ، تكون له حيرة وغيبة ، يضلّ فيها أقوام ، ويهتدي فيها أقوام ) (٢) .
ومنها : ما ورد عن أبي جعفر الباقر عليهالسلام أيضاً ، قال:( والله لتميزنّ ، والله لتمحصنّ ، والله لتغربلنّ ، كما يغربل الزؤان من القمح ) (٣) .
ومنها : ما ورد عنه أيضاً عليهالسلام ، قال :( هيهات هيهات ، لا يكون الذي تمدّون إليه أعناقكم حتى تمحصوا ، هيهات ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم ، حتى تميزوا ، ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى تغربلوا ، ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم إلاّ بعد إياس ، ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى يشقى مَن شقي ، ويسعد مَن سعد ) (٤) .
ومنها : ما ورد عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهالسلام :( والله لتُمحصنّ ، والله لتطيرن يميناً وشمالاً ، حتى لا يبقى منكم إلاّ كل امرئ أخذ الله ميثاقه ، وكتب الإيمان في قلبه ، وأيده بروح منه ) (٥) .
ومنها : ما ورد عن أبي عبد الله عليهالسلام أيضاً قال :( لابدّ للناس أن يمحّصوا ويميّزوا ويغربلوا ، وسيخرج من الغربال خلق كثير ) (٦) .
ـــــــــــــ
(١) التكوير : ١٥ ـ ١٦ .
(٢) إكمال الدين وإتمام النعمة ، الصدوق : ص ٣٣٠ ، انظر : الغيبة ، الطوسي : ص ٣٣٦ .
(٣) الغيبة ، الطوسي : ص ٣٤٠ ، الغيبة ، النعماني : ص ٢٠٥ .
(٤) الغيبة ، النعماني : ص ٢٠٩ .
(٥) المصدر نفسه : ص ٢٦ .
(٦) المصدر نفسه : ص ٢١٢ ؛ دلائل الإمامة : ابن جرير الطبري (الشيعي) : ص ٤٥٦ ؛ العدد القوية ، العلاّمة الحلّي : ص ٧٤ ؛ الكافي ، الكليني : ج ١ ص ٣٧٠ .
ومنها : ما جاء عنه أيضاً عليهالسلام :( لتُمحصنّ يا شيعة آل محمد ، تمحيص الكحل في العين ) (١) .
ومنها : كذلك ما ورد عنه عليهالسلام قوله : ( والله لتكسّرن تكسّر الزجاج ، وإنّ الزجاج ليعاد فيعود كما كان ، والله لتكسّرن تكسّر الفخار وإنّ الفخار ليتكسّر فلا يعود كما كان ، ووالله لتغربلن، والله لتميزن ، والله لتمحّصن حتى لا يبقى منكم إلا الأقل ، وصعّر كفه )(٢) .
ومنها : ما ورد عنه أيضاً عليهالسلام ، قال :( والله لتمحصنّ ، والله لتميزن ، والله لتغربلن ، حتى لا يبقى منكم إلاّ الأندر ) (٣) .
ومنها : ما عن صفوان بن يحيى ، قال : قال أبو الحسن الرضا عليهالسلام :( والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تمحصوا ، وحتى لا يبقى منكم إلاّ الأندر ، فالأندر ) (٤) .
وأخيراً : يضرب الإمام أمير المؤمنين علي عليهالسلام لنا مثلاً في ذلك ، حيث يقول :( وسأضرب لكم مثلاً ، وهو مثل رجل كان له طعام فنقّاه ، وطيّبة ثم أدخله بيتاً ، وتركه فيه ما شاء الله ، ثم عاد إليه ، فإذا هو قد أصابه السوس ، فأخرجه ونقّاه وطيّبه ثم أعاده إلى البيت ، فتركه ما شاء الله ، ثم عاد إليه ، فإذا هو قد أصابته طائفة من السوس ، فأخرجه ونقّاه ، وطيّبه ، وأعاده ، ولم يزل كذلك حتى بقيت منه رزمة
ـــــــــــــ
(١) الغيبة ، النعماني : ص ٢٠٦ ؛ الغيبة ، الطوسي : ص ٣٣٩ .
(٢) المصدر نفسه : ص ٢٠٧ ؛ المصدر نفسه : ص ٣٤٠ .
(٣) تفسير العياشي ، محمد بن مسعود العياشي : ج ١ ص ١٩٩ ؛ وانظر : الغيبة ، النعماني : ص ٢٠٨ ؛ وانظر : الغيبة ، الشيخ الطوسي : ص ٣٣٧ .
(٤) غيبة ، النعماني : ص ٢٠٨ ؛ الغيبة ، الشيخ الطوسي : ص ٣٣٧ ؛ الخرائج والجرائح : الراوندي : ج ٣ ص ١١٧٠ ؛ انظر : تفسير العياشي : ج ١ ص ١٩٩ .
كرزمة الأندر ، لا يضره السوس شيئاً ، وكذلك أنتم تُميزون ، حتى لا يبقى منكم إلاّ عصابة لا تضرها الفتنة شيئاً ) (١) ، وبنفس المضمون ما جاء عن الإمام الباقر عليهالسلام (٢) .
وكذلك ما جاء أيضاً على لسان حكيمة عمّه الإمام عليهالسلام ، عندما قالت لمحمد بن عبد الله المطهري : (لا بد للأمّة من حيرة ، يرتاب فيها المبطلون ، ويخلص فيها المُحقّون ، كيلا يكون للناس على الله حجّة )(٣) .
هذا مضافاً إلى روايات الفتن ، والابتلاء في آخر الزمان التي نقلها الفريقان بنحو التواتر ، والتي لا يخلو منها كتاب واحد من كتب الحديث ، بل عُقدت لروايات الفتن في آخر الزمان كتب وأبواب خاصّة ، وهذا يكشف عن أهمية التمحيص والغربلة في عصر الغيبة لمعرفة وتمييز المخلصين الصالحين للقيام بشؤون الدولة العالمية ، تحت راية الإمام المهدي عليهالسلام عن غيرهم ، ومن تلك الروايات :
١ ـ قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( إنّ بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح فيها الرجل مؤمناً ويُمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ) (٤) .
٢ ـ قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( ثم فتنة الدهيماء ، لا تدع أحداً من هذه الأُمّة إلاّ
ـــــــــــــ
(١) الغيبة ، النعماني : ص ٢١٠ .
(٢) كمال الدين وتمام النعمة ، الصدوق : ص ٤٢٦ .
(٣) المصدر نفسه : ص ٤٢٦ .
(٤) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٤ ص ٢٧٧ ، البداية والنهاية ، ابن كثير ج ٨ ص ٢٦٧ ؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١٤ ص ٢٢٩ ؛ النهاية في الفتن والملاحم : ابن كثير الدمشقي : ج ١ ص ٥٩ ؛ سنن أبي داود ، السجستاني : كتاب الفتن ، ص ٧٠٨ ح ٤٢٥٣ ؛ سنن الترمذي ، الترمذي : كتاب الفتن ؛ باب ما جاء في اتخاذ سيف من خشب في الفتنة : ص ٢٣٠ ، ح ٢٢٩٣ ؛ كما أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن ، باب التثبيت في الفتنة : ص ١٣١٠ ، ح ٣٩٦١ .
لطمته ، حتى إذا قيل انقضت عادت ، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً حتى يصير الناس فسطاطين ، فسطاط إيمان لا نفاق فيه ، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه ، فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غده) (١) .
٣ ـ قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتن كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل ؛ المتمسّك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر ـ أو قال ـعلى الشوك ) (٢) .
لا ريب أنّ الغيبة تساهم في إثبات عجز أو فشل المدارس والأطروحات الأخرى التي تدعي تحقيق السعادة والعدل والكمال المنشود للمجتمع البشري ، وهذا بدوره يكون دافعاً للمجتمع عموماً للتفاعل الإيجابي مع المهمّة الإصلاحية الكبرى للإمام المهدي عليهالسلام .
ومن ثم يزيل العقبات التي تمنع عن حصول هذا التفاعل المطلوب ، لتحقيق الأهداف الإلهية ، التي يقوم بإنجازها الإمام عليهالسلام .
ـــــــــــــ
(١) النهاية في الفتن والملاحم : ابن كثير الدمشقي : ج ١ ص ٦١ ؛ وكذا لاحظ : سنن أبي داود ؛ كتاب الملاحم ، باب الأمر والنهي : ج ٢ ص ٢٢٩ ، ح ٤٣٤٢ ؛ تهذيب الكمال ، المزي : ج ٢٢ ص ٥٢٧ ؛ مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٢ ص ١٣٣ باختلاف في اللفظ ؛ المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج ٤ ص ٤٦٧ .
(٢) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٢ : ص ٣٩٠ ؛ النهاية في الفتن والملاحم : ابن كثير الدمشقي : ج ١ ص ٥٥ تاريخ دمشق ، ابن عساكر : ج ٧٠ ص ٣٥ ؛ سير أعلام النبلاء ، الذهبي : ج ٢ ص ٦٢٣ ، ج ٨ ص ٢٨؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١١ : ص ١٥٨ ؛ انظر صحيح البخاري : كتاب أحاديث الأنبياء : باب قصة يأجوج ومأجوج : ج ٢ ص ٣٤٧ ح ٣٣٤٦ ؛ وانظر صحيح مسلم ؛ كتاب الفتن ، باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج : ص ٢٢٠٧ ح ٢٢٨٠ .
إذن فالغيبة تفسح المجال لكي يتضح بطلان كل ما يرفع من شعارات مُزيّفة ومُغرضة ، مهما كان مصدرها ، سواء أكانت من المدارس المادّية أم من مدارس ذات أصول سماوية منحرفة ؛ وبذلك يتبين فشل كل ما يرفع من الشعارات التي نراها براقة في يومنا هذا ، كأطروحة العدالة العالمية ، ومحاربة الإرهاب ، ومنظمة حقوق الإنسان وغيرها ، ومن ثم تسقط مصداقيتها لدى الناس ، وينكشف زيفها وكذبها ، وتتضح سياساتها العنصرية ونواياها السيئة ، وكذا يتضح عجز العقل البشري عن تلبية ما تطمح إليه الفطرة البشرية من السعادة الكاملة ، وإقامة العدل على هذه الأرض .
وهذا بدوره يشكّل عاملاً مهمّاً في نجاح الأطروحة الإلهية على يد الإمام المهدي عليهالسلام ، بإقامة دولته العالمية ، وتفاعل الناس معه .
ولعلّ روايات الفتنة والتمحيص المتقدمة تشير إلى ذلك ، وتؤكّد على عجز الإنتاج البشري عن تقديم ما تطمح إليه البشرية من العدل ، ورفاهية العيش والأمن في هذه الدنيا .
إنّ إحساس الفرد المؤمن بوجود الإمام عليهالسلام ، واطّلاعه عن كثب على أوضاع المجتمع عموماً ، يساهم في حصول الاطمئنان والثبات النفسي عند المؤمنين ، وبذلك تزداد صلتهم بالإمام عليهالسلام ، ويتغلغل إيمانهم به وبعقيدته إلى داخل أعماقهم ، ومن ثمّ تكون عقيدتهم بإمامهم عقيدة راسخة ، وهو معنى الانتظار الذي يعد من الركائز الأساسية التي اهتمّ بها القرآن الكريم
والرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته عليهمالسلام ، في عملية إعداد الفرد والمجتمع قال تعالى : ( فَانْتَظِرُوا إِنّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) (١) .
وقد أولى النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم عناية خاصة بمفهوم الانتظار ، وهذا ما نجده واضحاً من خلال كثافة الروايات الواردة في هذا السياق ، فقد جاء عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قوله :( أفضل العبادة انتظار الفرج ) (٢) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( انتظار الفرج بالصبر عبادة ) (٣) .
وعنه صلىاللهعليهوآلهوسلم :( أحب الأعمال إلى الله انتظار الفرج ) (٤) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( انتظار الفرج من الله عبادة ) (٥) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج ) (٦) .
وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( أفضل جهاد أُمّتي انتظار الفرج ) (٧) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( أفضل العبادة انتظار الفرج ، أي انتظار الفرج بظهور المهدي ) (٨) .
ـــــــــــــ
(١) الأعراف : ٧١ .
(٢) سنن الترمذي ، الترمذي : ج ٥ ص ٢٢٦ ، مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ١٠ ص ١٤٧ ، الجامع الصغير ، السيوطي : ج ١ ص ١٩٢ ؛ المعجم الكبير للطبراني : ج ١٠ ص ١٠١ ، المعجم الأوسط للطبراني : ج ٥ ص ٢٣٠ .
(٣) الجامع الصغير : الطبراني : ج ١ص ٤١٧ ؛ لسان الميزان ، ابن حجر : ج ٤ ص ٣٦٢ ، مسند ابن سلامة : ج ١ ص ٦٢ .
(٤) دستور معالم الحكم ، ابن سلامة : ص ١٠٣ .
(٥) الجامع الصغير ، السيوطي : ج ١ ص ٤١٧ .
(٦) الفرج بعد الشدّة ، القاضي التنوخي : ج ١ ص ٢٧ ؛ مناقب آل أبي طالب : ابن شهر آشوب : ج ٣ ص ٥٢٧ .
(٧) تحف العقول ، ابن شعبة : ص ٣٧ .
(٨) ينابيع المودّة ، القندوزي الحنفي : ج ٣ ص ٣٩٧ ؛ لسان الميزان ، ابن حجر : ج ٣ ص ٩٣ .
فالانتظار يمثّل عنصر التوازن في حياة المؤمن وحالة وسطى بين القنوط واليأس من روح الله ، وبين حرمة الأمن من مكر الله ، قال تعالى : ( وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رّوْحِ اللهِ إِنّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَوْحِ اللهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (١) .
ومن خلال الانتظار يتوجه الإنسان إلى ربّه ، ويتمسّك بإمامه ، ويطلب الفرج من الله تعالى ، وهذا ما كشف النقاب عنه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، بقوله :( أفضل العبادة انتظار الفرج ) (٢) .
كذلك نجد أنّ الانتظار في واحدة من أبعاده هو الإيمان بالغيب ، ومن ثمّ يحمل الفرد على العمل والتعبد بعقيدته ، ويكون محبّاً للعدل كارهاً للظلم ، وبذلك يوجّه نفسه ، وسائر إخوانه المؤمنين إلى ما فيه الخير والصلاح للمجتمع .
وكذلك نجد أيضاً أنّ الانتظار يحمل في طيّاته دفع المؤمن وحثّه على الامتثال والالتزام الكامل بتطبيق الأحكام الإلهية ، ليكون فرداً صالحاً مؤهّلاً للعضوية في مجتمع العدالة الكبرى ، ومن ثمّ يكتسب المؤمن الإرادة القوية ، والإخلاص الحقيقي الذي يؤهّله للمشاركة والتشرّف بتحمل المسؤولية الكبيرة في اليوم الموعود ، فيزداد تعلّقه بالأنبياء ورسالاتهم ، وتجديد العهد معهم ، ومع الإمام عليهالسلام الذي يحقق هدف الأنبياء على هذه الأرض ، وكل هذا إنّما يتجلّى وتشتعل جذوته إذا أحس الإنسان بوجود المصلح حيّاً يرزق قد حفظه الله تعالى وادخره لإنجاز مهمّة الإصلاح .
ـــــــــــــ
(١) يوسف : ٨٧ .
(٢) سنن الترمذي ، الترمذي : ج ٥ ص ٢٢٦ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ١٠ ص ١٤٧ ؛ الجامع الصغير ، السيوطي : ج ١ ص ١٩٢ ؛ المعجم الأوسط ، الطبراني : ج ٥ ص ٢٣٠ .
إنّ الغيبة من الوسائل المهمة للحفاظ على وجود الحجّة الإلهية في الأرض ، وعدم خلوّها من تلك الحجّة ، كما قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( لا تخلو الأرض من قائم بحجّة ) (١) .
ولا يخفى الأثر المهم والدور الأساس لوجود حجّة الله في الأرض ، من كونها أماناً لأهل الأرض ، كما قال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( النجوم أمان لأهل السماء ، إذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء ، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض ) (٢) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( لن يزال الدين قائماً إلى اثني عشر من قريش ، فإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها ) (٣) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح ، مَن ركب فيها نجا ، ومَن تخلّف عنها غرق ، ومَن قاتلنا في آخر الزمان فكأنّما قاتل مع الدجال ) (٤) .
ـــــــــــــ
(١) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٥٠ ص ٢٥٥ ؛ ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ١ ص ٨٩ ؛ المناقب ، الخوارزمي : ص ٣٦٦ ، وانظر تاريخ اليعقوبي ، اليعقوبي : ج ٢ ص ٢٠٦ .
(٢) فضائل الصحابة ، أحمد بن حنبل : ج ٢ ص ١٦٥ ؛ شواهد التنزيل ، الحسكاني : ج ١ ص ٤٢٦ ؛ ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ١ ص ٧١ وح ٢ ص ١١٤ ؛ ذخائر العقبى ، محب الدين الطبري : ص ١٧ ؛ ونحوه في المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج ٢ ص ٤٤٨ ج ٣ ص ١٤٩ ص ٤٥٧ ؛ جواهر المطالب : ابن الدمشقي الشافعي : ج ١ ص ٣٤٣ .
(٣) المعجم الكبير ، الطبراني ج : ٢ ص ١٩٦ ؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١٢ ص ٣٤ .
(٤) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٣ ص ٤٥ ، ح ٢٦٣٦ ؛ مسند ابن سلامة : ج ٢ ص ٢٧٣ .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( النجوم جُعلت أماناً لأهل السماء ، وإنّ أهل بيتي أمان لأُمّتي ) (١) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( كيف تهلك أمّة أنا أوّلها ، وعيسى بن مريم آخرها ، والمهدي من أهل بيتي في وسطها ) (٢) .
مضافاً إلى أنّ غيبة الإمام عليهالسلام تؤمّن إتيانه بالإسلام الخالص ، كما أنزله الله تعالى حين الظهور ؛ لأنّه سوف يكون وارثاً عن أبيه عن آبائه عليهمالسلام عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الإسلام الصحيح ، وتفاصيله التي أملاها الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم على الإمام علي عليهالسلام وكتبها بخطّه .
بخلاف ما لو قلنا إنّ المهدي عليهالسلام لم يولد بعد ، فإنّه حينئذ كيف يمكنه الإتيان بالإسلام الخالص بعد انقطاع الوحي ، وكيف يحرز الإسلام الصحيح وسط هذه الاختلافات بين المذاهب ، وبعد تضييع سنّة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
أضف إلى ذلك أنّ وجود الحجّة والإمام في الأرض لطف من الله تعالى ـ كما تقدم ـ وإتمام للحجّة البالغة على خلقه ، أمّا الغيبة فهي لأسباب وظروف اقتضت ذلك ، وقد تقدم ذكر بعضها .
وهذا من معطيات الغيبة أيضاً ؛ لأنّ أئمّة أهل البيت عليهمالسلام كلّهم أُجبروا وأُكرهوا على البيعة للحكّام الظالمين ، ابتداءً من الإمام علي عليهالسلام إلى الإمام الحسن العسكري عليهالسلام .
والبيعة من الإمام المعصوم تعني إعطاء عهد يطوق به عنقه ويكبله ويقضي بعدم محاربة الظالم في حال لزومها .
ـــــــــــــ
(١) المعجم الكبير : ج ٧ ص ٢٢ .
(٢) الدر المنثور : ج ٢ ص ٧٤٢ ؛ الجامع الصغير السيوطي : ج ٢ ص ٤٢٣ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٤٧ ص ٥٢٢ ، ونحوها في المستدرك : الحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ٤١ ؛ قال فيه : ( حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) ، فيض القدير : ج ٥ ص ٣٨٣ .
وهذا قضاء إلهي لآباء الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بعد استشهاد الإمام الحسين عليهالسلام ، كما قال هو عليهالسلام :( وأما علّة ما وقع من الغيبة ، فإن الله عزّ وجل يقول : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) (١) ، إنّه لم يكن أحد من آبائي إلاّ وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه ، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي ) (٢) .
فالإمام المهدي عليهالسلام لكونه معدّاً سلفاً من قِبل الله تعالى ، ومرصوداً لإبادة الظلم والظالمين ، فإذا كانت في عنقه بيعة ، فكيف يقاتلهم ؟
وإذا بادرهم بالقتال بدل الغيبة مع عدم توفّر شرائط القيام والمواجهة مع الطواغيت ، فسيؤدّي ذلك إلى عدم الوصول لهدفه المرصود له ، ولذا وردت الروايات من الفريقين تقرّر هذا المعنى :
١ ـ عن أمير المؤمنين عليهالسلام :( إنّ القائم منّا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة ؛ فلذلك تخفى ولادته ويغيب شخصه ) (٣) .
٢ ـ ما أخرجه الأربلي عن الإمام الحسن بن علي عليهالسلام قال :( أما علمتم أنّه ما منّا أحد إلاّ ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه ، إلاّ الإمام القائم ، الذي يصلّي روح
ـــــــــــــ
(١) المائدة : ١٠١ .
(٢) الغيبة ، الطوسي : ص ٢٩٢ ؛ كشف الغمّة ، الإربلي : ج ٣ ص ٣٤٠ .
(٣) كمال الدين وتمام النعمة ، الصدوق : ص ٣٠٣ .
الله عيسى بن مريم عليهالسلام خلفه ، فإنّ الله عزّ وجلّ يخفي ولادته ، ويغيب شخصه ؛ لئلاّ يكون في عنقه بيعة إذا خرج ، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين ، ابن سيّدة الإماء ، يطيل الله عمره في غيبته ، ثم يظهره بقدرته ) (١) .
٣ ـ ما أخرجه أيضاً عن الإمام الحسين عليهالسلام :( القائم منّا ، يخفى عن الناس ولادته ، حتى يقولوا لم يولد بعد ، ليخرج حين يخرج وليس لأحد في عنقه بيعة ) (٢) .
٤ ـ عن الإمام علي بن الحسين عليهالسلام :( القائم منّا تخفى ولادته على الناس حتى يقولوا : لم يولد بعد ، ليخرج حين يخرج وليس لأحد في عنقه بيعة ) (٣) .
٥ ـ عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهالسلام :( يقوم القائم وليس لأحد في عنقه بيعة ) (٤) .
٦ ـ عن الإمام علي بن موسى الرضا عليهالسلام قال :( كأنّي بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي ، كالنعم يطلبون المرعى فلا يجدونه ، قلت له : وَلِمَ ذاك يا بن رسول الله ؟ قال عليهالسلام :لأنّ إمامهم يغيب عنهم ، فقلت وَلِمَ ؟ قال عليهالسلام :لئلاّ يكون لأحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف ) (٥) .
مضافاً إلى أنّ وجود الإمام عليهالسلام ، مع غيبته له الأثر البالغ في إثارة الخوف والرعب في صفوف الظالمين ، وهذا ما نلمسه ونشاهده بالوجدان في تصريحات كبار المسؤولين في دول العالم كأمريكا وغيرها من دول الغرب ، من تخوّفهم من ظهور رجل من حضارة بابل يقضي عليهم ؛ لذا نجد أنّهم حشّدوا قواهم لمواجهته .
ـــــــــــــ
(١) كشف الغمّة ، الإربلي : ج ٣ ص ٣٢٨ ـ ٣٢٩ .
(٢) المصدر نفسه : ج ٣ ص ٣٢٩ .
(٣) المصدر نفسه : ج ٣ ص ٣٢٣ .
(٤) الإمامة والتبصرة ، ابن بابويه القمّي : ص ١١٦ ؛ الكافي ، الكليني : ج ١ ص ٣٤٢ .
(٥) علل الشرائع ، الصدوق : ج ١ ص ٢٤٥ ، عيون أخبار الرضا ، الصدوق : ج ٢ ص ٢٤٧ ، بحار الأنوار : ج ٥١ ص ١٥٢ .
في البداية نقول : ما كل ما يعلم يقال : ولا كل ما يقال حان وقته ، ولا كل ما حان وقته حضر أهله .
ومن هنا ينبغي علينا عدم إغفال الجانب الغيبي في الدين ، إذ إنّ الكثير من الأمور لم يطلعنا الله تعالى على حكمتها والغاية منها ، فليس كل ما يفعله الله تعالى نستطيع أن نعرف وجه الحكمة من ورائه ، وإلاّ فما هي الحكمة في حياة نبيّين رفعهما الله تعالى إليه ؟ وما الحكمة من حياة نبيّين يسيران في الأرض ؟ وما الحكمة من نزول عيسى عليهالسلام مع المهدي عليهالسلام ؟ ولماذا لا يخبرنا القرآن بذلك ؟
فالغيبة سرّ على حدّ أسرار الغيب ، التي لا يكشفها الله تعالى إلاّ لمَن ارتضى من أوليائه ، ويبقى الأمر الذي خفيت الحكمة من ورائه مثاراً للتعجّب والاستغراب ، فهذا موسى عليهالسلام ، وهو نبي من أنبياء الله تعالى ، كان يظهر التعجّب من عمل الخضر عليهالسلام ، فكيف بمَن هو مثلنا ، نحن القاصرون عن إدراك كنه الحقائق ، ثم نأتي لنجادل فيها ؟!
هذا وقد تضافرت الروايات الواردة عن أهل البيت عليهمالسلام في أنّ للغيبة حكمة لا يعلمها إلاّ الله تعالى ، ومَن ارتضى من أوليائه .
فقد جاء عن الإمام الصادق عليهالسلام :( إنّ للقائم منّا غيبة يطول أمدها ، فسأله
سدير : وَلِمَ ذاك يا بن رسول الله ؟ قال عليهالسلام :إن الله عزّ وجلّ أبى إلاّ أن يجري فيه سنن الأنبياء عليهمالسلام في غيباتهم ، وأنّه لابد له يا سدير من استيفاء عدد غيباتهم ، قال تعالى : ( لَتَرْكَبُنّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ ) (١) ،(٢) .
ثم إنّه مع الإيمان بضرورة الإمامة ، والاعتقاد بأئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، بمقتضى الأدلّة الثابتة في محلّها ، من الآيات والأحاديث ، لا يبقى مجال للتساؤل ، والتشكيك في وجود الإمام ؛ لكونه غائباً .
فلعلّ في عدم الوقوف على العلّة الأساسية من الغيبة ، سر من أسرار غيب الله تعالى ، لم يطلعنا عليه ، لا سيّما مع إنباء وتصريح الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم بغيبة الإمام المهدي عليهالسلام ، كما مرّ ذكره في رواية جابر ، ورواية ابن عباس وغيرها ، وفي رواية أخرى لجابر : قال : قال رسول الله :( المهدي من ولدي ، اسمه اسمي ، وكنيته كنيتي ، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقا ، تكون له غيبة وحيرة ، تضل فيها الأمم ، ثم يقبل كالشهاب الثاقب ، فيملؤها عدلاً ، كما ملئت جوراً ) (٣) .
وذلك فضلاً عن الروايات المتواترة عن أوصياء رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، التي جاء فيها ذكر الغيبة ، وقد تقدم ذكر بعضها سابقاً .
وكذا تقدم في بعض الروايات عدم اشتراط كون الحجّة والإمام ظاهراً ، كما ورد عن أمير المؤمنين عليهالسلام قوله : ( اللّهمّ كلاّ ! لا تخلوا الأرض من قائم بحق ، إما ظاهر مشهور ، وإمّا خائب(٤) ، مغمور ، لئلاّ يبطل حجج الله عزّ وجلّ ،
ـــــــــــــ
(١) الانشقاق : ١٩ .
(٢) علل الشرائع ، الصدوق : ج ١ ص ٢٤٥ ؛ كمال الدين وتمام النعمة ، الصدوق : ص ٤٨٠ ـ ٤٨١ .
(٣) كشف الغمّة ، الإربلي : ج ٣ ص ٣٢٧ ؛ ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ٣ ص ٣٨٦.
(٤) ولعلّ الصحيح كما في كثير من المصادر (خائف) .
وبيّناته )(١) .
وعنه عليهالسلام قال :اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجّة إمّا ظاهر مستور ، وإما خائف مغمور ، لأن لا تبطل حجج الله وبيّناته (٢) .
هذا وقد تتضح الحكمة حينما يأتي الوقت المناسب لها ، ولذا نجد أنّ الخضر عليهالسلام يقول لموسى عليهالسلام لو صبرت لاتضحت الحكمة .
وقال الله تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) (٣) .
إذن بعد أن قامت لدينا الأدلّة القاطعة على ضرورة وجود حجّة الله في الأرض ، وآمنّا بأنّه الإمام المهدي الحجّة ابن الحسن العسكري ، وأنّه مولود وقد طوّل الله عمره الشريف بحكمته ، فإنّ النتيجة الحتمية هي الإيمان بغيبته الطويلة ، فإنّ الإمام إمام قام أو قعد ، غاب أو ظهر ، وسواء اطّلعنا على سرّ من أسرار غيبته أم لم نطلع ، ولا غرابة في ذلك بعد أن كانت حياة الأمّة وحركة البشرية حافلة بالأمور التي خفيت علينا أسبابها ، وغابت عنا حكمتها .
ـــــــــــــ
(١) تاريخ اليعقوبي ، اليعقوبي : ج ٢ ، ص ٢٠٦ ؛ تاريخ مدينة دمشق : ج ٥٠ ص ٢٥٥ ؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١٠ ص ٢٦٣ ، ( أخرجها عن ابن الأنباري في المصاحف ، والمرهبي في العلم ، ونصر في الحجّة ) ؛ المعيار والموازنة ، أبو جعفر الإسكافي : ص ٨١ ؛ مناقب أمير المؤمنين ، محمد بن سليمان القاضي: ج ٢ ص ٢٧٥ ؛ دستور معالم الحكم ، ابن سلامة : ص ٨٤ .
(٢) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٥٠ ص ٢٥٥ ، وانظر كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١٠ ص ٢٦٣ ، ( أخرجها عن ابن الأنباري في المصاحف ، والمرهبي في العلم ، ونصر في الحجّة ) ؛ مناقب أمير المؤمنين ، محمد بن سليمان القاضي : ج ٢ ص ٢٧٥ ؛ وانظر دستور معالم الحكم ، ابن سلامة : ص ٨٤ ؛ وانظر ينابيع المودة ، القندوزي الحنفي : ج ٣ ص ٤٥٤ .
(٣) المائدة : ١٠١ .
في خاتمة هذا البحث نود إلقاء الضوء على ظاهرة ادعاء المهدوية والسفارة عن الإمام المهدي عليهالسلام كذباً وزوراً ، مستغلّين السذاجة والبساطة وغياب الوعي الديني الذي يعيشها بعض الناس ، مستخدمين في ذلك شتى الوسائل الشيطانية ، من قبيل السحر والشعوذة وتسخير الجن ونحوها ، مضافاً إلى ما يتلقّاه هؤلاء المدّعين للمهدوية والسفارة من دعم كبير من السياسات الاستعمارية ، التي جهدت إلى بروز وانتشار هذه الدعوات .
ذكر الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة عدد ممّن ادعوا النيابة والسفارة الخاصة للإمام المهدي عليهالسلام كذباً ، منهم :
١ ـ الرجل المعروف بالشريعي
حيث قال : ( كان الشريعي يكنّى بأبي محمد وكان من أصحاب الإمام أبي الحسن علي بن محمد عليهالسلام وهو أول مَن ادعى مقاماً لم يجعله الله فيه ولم يكن أهلاً له وكذب على الله وعلى حججه عليهمالسلام ، ونسب إليهم ما لا يليق بهم وما هم منه براء ، فلعنته الشيعة وتبرأت منه ، وخرج توقيع الإمام عليهالسلام بلعنه والبراءة منه ثم ظهر منه القول بالكفر والإلحاد )(١) ، وقد كانت دعوته تقتصر على السذج من الناس الذين لم يتسلحوا بالوعي الديني .
ـــــــــــــ
(١) الغيبة ، الطوسي : ص ٣٩٧ .
٢ ـ محمد بن نصير النميري
حيث قال الشيخ الطوسي : ( كان محمد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهالسلام ، فلمّا توفّي أبو محمد عليهالسلام ادعى أنّه صاحب إمام الزمان وادعى له البابية ، وفضحه الله تعالى بما ظهر منه من الإلحاد والجهل وكان يقول بالتناسخ ويغلو في أبي الحسن عليهالسلام ويقول فيه بالربوبية ويقول بالإباحة للمحارم )(١) .
٣ ـ أحمد بن هلال الكرخي
حيث كان من أصحاب أبي محمد عليهالسلام فلمّا اجتمعت الشيعة على وكالة محمد بن عثمان (رض) بنص الإمام الحسن عليهالسلام في حياته ، وبعد وفاة الإمام الحسن العسكري عليهالسلام قالت الشيعة له : ألا تقبل أمر أبي جعفر محمد بن عثمان وترجع إليه وقد نصّ عليه الإمام المفترض الطاعة ؟ فقال لهم : لم أسمعه ينص عليه بالوكالة فقالوا له قد سمعه غيرك ، فقال : أنتم وما سمعتم ، عند ذلك نفته الشيعة وتبرؤوا منه ، ومن ثمّ لعنه وتبرأ منه الإمام صاحب الزمان عليهالسلام في التوقيع على يد أبي القاسم بن روح بلعنه والبراءة منه في جملة مَن لعن )(٢) .
٤ ـ أبو طاهر محمد بن علي بن بلال
وله قصة معروفة حيث إنّه تمسّك بأموال الإمام عليهالسلام التي كانت عنده وامتنع عن تسليمها ، بذريعة أنّه وكيل الإمام المهدي عليهالسلام ؛ ولذا تبرأت منه
ـــــــــــــ
(١) الغيبة ، الشيخ الطوسي : ص ٣٩٨ ح ٣٦٩ وح ٣٧١ .
(٢) المصدر نفسه .
الشيعة ولعنوه )(١) .
٥ ـ الحسين بن منصور الحلاج
وقد فضحه الله تعالى وأخزاه ، وذلك عندما ادعى الوكالة والنيابة الخاصة للإمام المهدي عليهالسلام كذباً .
٦ ـ محمد بن علي بن أبي العزاقر المعروف بالشلمغاني
كان من أعلام الشيعة وألّف كتباً في التشيّع ولكنّه لمناقشة جرت بينه وبين الحسين بن روح النوبختي أعلى الله مقامه الشريف النائب الثالث للإمام المهدي عليهالسلام خرج عن طوره ، وراح يدّعي دعاوى باطلة ويدّعي أخباراً كاذبة عن الإمام عليهالسلام إلاّ أنّ الإمام عليهالسلام لعنه في أحد توقيعاته ومن ثمّ ظهر أمره وشاع كذبه .
وغير ذلك كثيرون ، إذ يصعب بل من المستحيل إحصاء عدد الذين ادعوا المهدوية أو النيابة الخاصة في التاريخ الإسلامي ؛ وذلك لأنّ منهم مَن اقتصرت دعوته على عدد ضئيل من المغفّلين ولم تحصل لهم قوّة وشوكة ، فبقيت أمانيهم وأحلامهم مدفونة في صدورهم ، ولذا أغفل التاريخ ذكر أسمائهم ومدّعياتهم .
هناك مدّاً استدلالياً واسعاً لإبطال دعوى المهدوية والسفارة للإمام المهدي في عصر الغيبة الكبرى ، منها : قيام الإجماع على انقطاع النيابة الخاصة للإمام المهدي عليهالسلام ، بل ضرورة المذهب على ذلك :
انقطاع السفارة والنيابة الخاصة للإمام المهدي من ضروريات مذهب الإمامية .
ـــــــــــــ
(١) المصدر السابق نفسه .
إنّ مسألة انقطاع النيابة الخاصة والسفارة للإمام المهدي عليهالسلام في عصر الغيبة الكبرى من ضروريات مذهب الشيعة الإمامية التي تعلو على البرهنة والاستدلال ، ومن جملة ما ورد في ذلك التوقيع المبارك( بسم الله الرّحمن الرّحيم : يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك ، فإنّك ميت ما بينك وبين ستة أيام ، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم أمامك بعد وفاتك ، فقد وقعت الغيبة التامّة فلا ظهور إلاّ بعد إذن الله تعالى ذكره ؛ وذلك بعد طول الأمد ، وقسوة القلوب ، وامتلاء الأرض جوراً ، وسيأتي شيعتي مَن يدعي المشاهدة ، إلاّ مَن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة ، فهو كذّاب مفتر ، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم ) (١) .
وقد روي الشيخ الطوسي : ( إنّ كل مَن ادعى الأمر [ أي أمر السفارة للإمام المهدي عليهالسلام ] بعد السمري [ آخر السفراء الأربعة للإمام عليهالسلام ] رحمه الله فهو كافر منمس ضال مضل وبالله التوفيق )(٢) .
وقد تواترت الروايات على انقطاع النيابة الخاصة عن الإمام إلى حين حصول الصيحة السماوية التي هي من العلامات المحتومة لظهور الإمام عليهالسلام ، فقبل ظهور الصيحة لا نيابة خاصة ولا سفارة ، وكل مَن ادعى ذلك فهو كاذب مفترٍ .
والمقصود من ادعاء المشاهدة هو السفارة أو النيابة الخاصة في عصر الغيبة الكبرى .
ـــــــــــــ
(١) الغيبة ، الطوسي : ٣٩٥ .
(٢) المصدر نفسه : ص ٤١٢ .
إنّ بعض علامات الظهور تمتاز بخصوصية معيّنة ، وقد استغلّ أدعياء المهدوية والسفارة الخاصة هذه الخصوصية للحصول على مآربهم وأغراضهم .
عند إجراء مسح ميداني لعلامات الظهور نجد أنّ جملة منها تنطوي على لغة الرمز والإشارة التي تجعل إمكان تطبيق هذه العلامات على أكثر من مصداق وفي كل الأوقات ، من قبيل ما أشار إليه الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم في أحاديث متظافره أنّ المهدي لا يخرج إلاّ بعد انتشار الظلم والفساد .
ومن الواضح أنّ مثل هذه العلامة للظهور وهي انتشار الظلم والفساد نجدها تنطبق على كثير من الأزمنة إن لم نقل جميعها ، وهذا ما نلمسه من الأسئلة الموجه لأهل البيت عليهمالسلام وفي زمن حضورهم وقبل مولد الإمام المهدي عليهالسلام حيث كان الناس يسألون الأئمّة عليهمالسلام بأن الظلم قد انتشر فأين المهدي الموعود ، وغير ذلك من الاستفهامات .
وهذه الحالة وهي ملائمة بعض علامات الظهور لكل زمان استغلها المدعون للمهدوية في حملاتهم الدعائية للتأثير على الناس ، وإغرائهم بأن وقت الظهور بسبب انتشار الظلم والفساد في الأرض .
وعلى هذا الضوء يجب الالتفات إلى مثل هذه الأساليب التي يستغلّها هؤلاء الدجّالين لإضلال الناس وإغرائهم ، لكي لا نكون فريسة سهلة لمثل هذه الدعوات الضالة والمنحرفة التي تستهدف العمل على تشويه حركة الإمام عليهالسلام .
١ ـ إنّ الله تعالى قد وعد في كتابه الكريم بإقامة العدل الإلهي في كل ربوع الأرض ، كما في قوله تعالى : ( وَنُرِيدُ أَن نمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (١) .
٢ ـ إنّ تحقق هذا الهدف يكون على يد الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، بمقتضى كونهم يمثّلون امتداداً للرسالة المحمدية ، وأنّهم المعصومون المطهّرون كما نص على ذلك القرآن الكريم في عدد من الآيات كآية التطهير والمودة والمباهلة ، فضلاً عن السنّة النبوية كحديث الغدير والثقلين وحديث الاثني عشر .
٣ ـ شاءت الحكمة الإلهية أن يكون تحقق هذا الهدف بشكل طبيعي وليس إعجازياً ، وهو ما جرت عليه السنن الإلهية في هذا العالم ، إلاّ في الظروف الاستثنائية التي تتوقف على الإعجاز ، وعلى هذا الضوء فلابد من اكتمال جميع الشرائط لكي يتحقق الهدف والغرض الإلهي .
٤ ـ إنّ من أهم العوامل المساهمة في تحقيق واكتمال شرائط إقامة العدل هو غيبة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ، فجاءت الغيبة ضمن تخطيط إلهي محكم ، لكي تتولّد شرائط وأجواء مهمة النهوض بالعدل العالمي في دولة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ، وقد أشارت لذلك نصوص نبوية وافرة .
ـــــــــــــ
(١) القصص : ٥ .
٥ ـ حيث إنّ استمرار ودوام الإمامة لطف إلهي ، لحفظ الدين وعزّته ، وكذلك للحفاظ على الرسالة الإسلامية من الانحراف والاندراس ؛ لأنّهم عِدل القرآن الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، وهذا ما أكدته جملة من الروايات التي نصّت على ضرورة وجود الحجّة في الأرض ؛ لأنّه لو لا الحجّة لساخت الأرض بأهلها إلى جانب تأكيد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم على ضرورة التمسّك بأهل البيت عليهمالسلام ، وأنّهم هم الأمان لأهل الأرض ، فعلى هذا الأساس تمثّل الغيبة لطف إلهي ، لحفظ وجود الإمام من خلالها ، وإلاّ يكون الإمام عرضة للقتل ، وبالتالي لا يتحقق الهدف والغاية الإلهية من وجوده المبارك عليهالسلام .
٦ ـ إنّ هوية وحقيقة الغيبة هي خفاء العنوان واستتار الهوية وليس خفاء شخص الإمام عليهالسلام ، وإن كان ذلك قد يحصل أيضاً إذا اقتضت الضرورة ؛ وذلك لأنّ الغيبة حالة استثنائية يقتصر فيها على القدر الذي ترفع به الضرورة ، وهو خفاء العنوان لا غير ، وقد سلّطت الروايات الضوء على هذه الحقيقة ، مشيرة في بعضها إلى أنّ غيبة الإمام عليهالسلام كانت سنّة شبيهة بغيبة بعض الأنبياء ، كما هو الحال في غيبة موسى وعيسى عليهالسلام .
٧ ـ أمّا الفائدة من الإمام الغائب فقد وردت روايات متضافرة في بيان فائدة الإمام في غيبته ، من قبيل روايات الانتفاع بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن علاها السحاب(١) ، ونحوها وأخيراً ذكرنا أنّ من جملة فوائد وجود الإمام عليهالسلام غائباً هو ممارسة دوره بشكل خفي .
ـــــــــــــ
(١) ينابيع المودّة ، القندوزي الحنفي : ج ١ ص ٦٧ ج ٣ ص ٢٣٩ ص ٣٩٩ .
الفصل الرابع: بطلان دعوى النص على خلافة أبي بكر
خلافة أبي بكر
كيف يُعترض على خلافة أبي بكر مع وجود النص عليها من قِبل الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
ليس المهم المدعيات وما ترفع من متبنّيات ، بل المهم طبيعة الأدلة التي يقيمها كل طرف على صحّة موقفه ومتبنّياته ، ومن تلك الدعاوى الباطلة ، هي دعوى البعض بوجود النص على خلافة أبي بكر ، إلاّ أنّ بطلان هذه الدعوى من البديهيات المستغنية عن البرهنة والاستدلال ، لكنّنا ولأجل أن تكون الإجابة واضحة ينبغي أن نقف على جذور هذه الشبهة ودوافعها ، وفي بداية الولوج في المناقشة نذكر :
١ ـ ما ورد عن أبي بكر ، أنّه قال في مرضه الذي مات فيه : ( وددت أنّي سألت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لمَن هذا الأمر ؟ فلا ينازعه أحد ، ووددت أنّي كنت سألته ، هل للأنصار في هذا الأمر نصيب ؟ ) (١) ، ولا ريب إنّ حقيقة التعبير بـ ( وددت أنّي كنت سألته ) ، يكشف عن عدم وجود نص على أبي بكر ، وإلاّ فلا معنى لقوله ( وددت ) .
ـــــــــــــ
(١) تاريخ الأمم والملوك ، محمد بن جرير الطبري : ج ٢ ص ٦٢٠ ؛ وتاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر: ج ٣٠ ص ٤١٨ .
٢ ـ قول أبي بكر : ( إنّ الله بعث محمّداً صلىاللهعليهوآلهوسلم نبيّاً ، وللمؤمنين وليّاً ، فمنّ الله تعالى بمقامه بين أظهرنا ، حتى اختار له الله ما عنده ، فخلّى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم ، متفقين غير مختلفين ، فاختاروني عليهم والياً ولأمورهم راعياً )(١) .
٣ ـ ما صحّ عندهم ، عن عمر أنّه قال : ( ثلاث لأن يكون رسول الله بيّنهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم : الخلافة ، الكلالة ، الربا )(٢) .
٤ ـ ما ورد عن عمر أيضاً ، قوله : ( لأن أكون سألت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عن ثلاث أحبّ إليّ من حمر النعم ، من الخليفة من بعده ، قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) .
٥ ـ كذلك عن عمر أنّه قال : ( إنّ الله تعالى يحفظ دينه ، وإنّي إن لا أستخلف فإنّ رسول الله لم يستخلف )(٣) .
٦ ـ ما ورد عن عائشة قولها : ( لو كان رسول الله مستخلفاً لأستخلف أبا بكر أو عمر) [ قال الحاكم في مستدركه ] ( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه )(٤) .
٧ ـ ما روي عن ابن عباس قال : ( قالوا للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : يا رسول الله ، استخلف علينا بعدك رجلاً نعرفه وننهي إليه أمرنا ، فإنّا لا ندري ما يكون بعدك ، فقال :
ـــــــــــــ
(١) الإمامة والسياسة ، ابن قتيبة الدينوري : ج ١ ص ٣٢ .
(٢) السنن الكبرى ، البيهقي : ج ٦ ص ٢٢٥ ؛ ونحوه المصنف ، الصنعاني : ج ١٠ ص ٣٠٢ .
(٣) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ١ ص ٤٧ ؛ السنن الكبرى ، البيهقي : ج ٨ ص ١٤٩ .
(٤) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٦ ص ٦٣ ؛ المستدرك ، الحاكم : ج ٣ ص ٧٨ ؛ وغيرها من المصادر .
إن استعملت عليكم رجلاً فأمركم بطاعة الله فعصيتموه كان معصيته معصيتي ، ومعصيتي معصية الله عزّ وجلّ ، وإن أمركم بمعصية الله فأطعتموه ، كانت لكم الحجّة عليّ يوم القيامة ، ولكن أكلكم إلى الله عزّ وجلّ )(١) .
٨ ـ أخرج الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في كتابه ( دلائل النبوة ) عن عبد الله بن مسعود ، يحكي عن ليلة الجن إلى أن قال : ( ثم شبك أصابعه في أصابعي ، وقال : إنّي وعدت أن يؤمن بي الجنّ والإنس ، فأمّا الإنس فقد آمنت بي ، وأمّا الجن فقد قال وما أظن أجلي إلاّ قرب ، قلت : يا رسول الله ألا تستخلف أبا بكر ، فأعرض عنّي ، فرأيت أنّه لم يوافقه ، قلت يا رسول الله ألا تستخلف عمر ، فأعرض عنّي فرأيت أنّه لم يوافقه ، قلت يا رسول الله : ألا تستخلف عليّاً ، قال :ذلك والذي لا إله غيره لو بايعتموه وأطعتموه أدخلكم الجنة )(٢) ، وهذه الرواية تدل دلالة واضحة وبشكل لا يقبل اللبس على عدم النص على أبي بكر ، بل هي نصّ على العدم .
١ ـ ما ذكره القرطبي في تفسيره : ( والدليل على فقد النصّ وعدمه على إمام بعينه ، هو أنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم لو فرض على الأمّة طاعة إمام بعينه ، بحيث لا يجوز العدول عنه إلى غيره لعُلِم ذلك ، لاستحالة تكليف الأُمّة بأسرها طاعة الله في غير معيّن ، ولا سبيل لهم إلى العلم بذلك التكليف ، وإذا وجب العلم به لم
ـــــــــــــ
(١) تاريخ بغداد ، الخطيب البغدادي : ج ١٣ ص ١٦٢ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٦٠ ص ١١٠؛ ونظر : كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١١ ص ٦٣٢ .
(٢) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ١٠ ص ٦٧ .
يخل ذلك العلم من أن يكون طريقه أدلة العقول ، أو الخبر ، وليس في العقل ما يدلّ على ثبوت الإمامة لشخص معين ، وكذلك ليس في الخبر ما يوجب العلم بثبوت إمام معيّن وبطل أن يكون معلوماً بأخبار الآحاد ، لاستحالة وقوع العلم به وإذا بطل ثبوت النصّ لعدم الطريق الموصل إليه ، ثبت الاختيار والاجتهاد ثم لا شك في تصميم من عدا الإمامية على نفي النصّ ، وهم الخلق الكثير ، والحجم الغفير )(١) .
٢ ـ ما ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم : ( سُئلت عائشة : مَن كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مستخلفاً لو استخلفه ؟ قالت : أبو بكر ) ، قال : ( وفيه دلالة لأهل السنّة أنّ خلافة أبي بكر ليست بنصّ من النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم على خلافته صريحاً ، بل أجمعت الصحابة على عقد الخلافة له وتقديمه لفضيلته ، ولو كان هناك نصّ عليه أو على غيره لم تقع المنازعة من الأنصار وغيرهم أولاً ، ولذكر حافظ النص ما معه ، ولرجعوا إليه ، لكن تنازعوا أولاً ، ولم يكن هناك نصّ ، ثم اتفقوا على أبي بكر واستقر الأمر )(٢)
وقد قرّره على كل ذلك القاري في كتابه المفاتيح(٣) .
٣ ـ وقال ابن حجر في فتح الباري : ( قال القرطبي في المفهم : لو كان عند أحد من المهاجرين والأنصار نصّ من النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم على تعيين أحد بعينه للخلافة لما اختلفوا في ذلك ، ولا تفاوضوا فيه ، قال : وهذا هو جمهور أهل
ـــــــــــــ
(١) تفسير القرطبي ، القرطبي : ج ١ ص ٢٦٥ ، ص ٢٦٦ .
(٢) شرح صحيح مسلم ، النووي : ج ١٥ ص ١٥٤ .
(٣) مرقاة المفاتيح : ج ٩ ص ٣٨٨٥ .
السنّة )(١) .
وقال ابن حجر أيضاً : ( وأفرط المهلب فقال : فيه دليل قاطع في خلافة أبي بكر ، والعجب أنّه قرر بعد ذلك أنه ثبت أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لم يستخلف )(٢) .
٤ ـ قال المراغي في تفسيره : ( وأوّل ما تشاور فيه الصحابة الخلافة ، فإنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لم ينص عليها حتى انتهى أمرهم إلى تولية أبي بكر )(٣) .
٥ ـ قال الباقلاني في تمهيده : ( وعلمنا بأنّ جمهور الأمّة ، والسواد الأعظم منها ينكر ذلك ـ النصّ ـ ويجحده ويبرأ من الدائن به )(٤) .
٦ ـ قال الخضري في المحاضرات : ( الأصل في انتخاب الخليفة رضا الأمّة ، فمن ذلك يستمدّ قوّته ، هكذا رأى المسلمون عند وفاة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد انتخبوا أبا بكر الصدّيق اختياراً منهم لا استناداً إلى نصّ ، أو أمر من صاحب الشريعة صلىاللهعليهوآلهوسلم )(٥) .
٧ ـ قال ابن حجر الهيتمي في صواعقه : ( وقال جمهور أهل السنّة والمعتزلة والخوارج : لم ينص على أحد )(٦) .
٨ ـ وقال ابن أبي الحديد المعتزلي : ( فلمّا رأت البكرية ما صنعت الشيعة ، وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث ، نحو : ( لو كنت متخذاً
ـــــــــــــ
(١) فتح الباري ، ابن حجر : ج ٧ ص ٢٦ .
(٢) المصدر نفسه : ج ١٣ ص ١٧٧ .
(٣) تفسير المراغي ، المراغي : ج ٩ ص ٤٣ ؛ ونحوه تفسير القرطبي ، القرطبي : ج ١٦ ص ٣٧ .
(٤) التمهيد ، الباقلاني : ص ٤٤٤ .
(٥) الغدير ، الأميني : ج ٥ ص ٣٥٧ ؛ عن المحاضرات ، الخضيري : ص ٤٦ .
(٦) الصواعق المحرقة ، ابن حجر : ص ٤٢ .
خليلاً ) ، فإنّهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء ، ونحو سدّ الأبواب )(١) .
٩ ـ وقال النووي أيضاً : ( إنّ المسلمين أجمعوا على أنّ الخليفة إذا حضرته مقدّمات الموت ، وقبل ذلك يجوز له الاستخلاف ، ويجوز له تركه ، فإن تركه فقد اقتدى بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا ، وإلاّ فقد اقتدى بأبي بكر )(٢) .
١٠ ـ قال عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق في معرض بيانه عقائد أهل السنّة : ( وقالوا : ليس من النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم نصّ على إمامة واحد بعينه )(٣) .
١١ ـ وقال أبو حامد الغزالي : ( ولم يكن نصّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم على إمام أصلاً ، إذ لو كان لكان أولى بالظهور مَن نصبه آحاد الولاة والأُمراء على الجنود ، ولم يحق ذلك ، فكيف خفي هذا ؟ وإن ظهر ، فكيف اندرس حتى لم ينقل إلينا ؟ فلم يكن أبو بكر إماماً إلاّ بالاختيار والبيعة )(٤) .
١ ـ ما اكتنفته السقيفة من أجواء الإرهاب ، والصراع الذي بلغ أوجه إلى درجة أنّه وصل حدّ العنف وإشهار السلاح ، وما احتواه مؤتمر السقيفة من أدلّة ، واحتجاجات بين الأطراف المتنازعة ، وما تضمّنه من عبارات ، من قبيل ( أنتم أحق الناس به ) و( منّا أمير ومنكم أمير ) و( نحن الأُمراء وأنتم الوزراء ) ، وغيرها من العبائر ، ولم نجد أنّ أبا بكر احتجّ بالنص على خلافته ، مع حاجته الماسّة إلى ذلك ، كحجّة دامغة للغلبة على الطرف
ـــــــــــــ
(١) شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ١١ ص ٤٩ .
(٢) شرح صحيح مسلم ، النووي : ج ١٢ ص ٢٠٥ .
(٣) الفرق بين الفرق ، البغدادي : ص ٣٤٠ .
(٤) إحياء علوم الدين ، الغزالي : ج ١ ص ١٣٩ .
الآخر ، وممّا يدلّل على عدم النص أيضاً قول أبي بكر : بايعوا عمر بن الخطاب ، أو ابن عبيدة الجراح ، وقد كشف عمر عن تلك الأجواء في خطبة له يصف فيها أحداث السقيفة ، إذ قال في ختامها : ( فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف فقلت : أبسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته )(١) .
٢ ـ تعبير عمر بقوله : إنّ بيعة أبي بكر فلتة ـ فإنّ التعبير بذلك دليل بحد ذاته على عدم النص لأبي بكر ، بأي تفسير فسّرنا معنى الفلتة ، وإلاّ فلماذا تكون بيعة أبي بكر فلتة على حدّ تعبير عمر ؟!! .
٣ ـ اعتراف عمر بالنص لعلي عليهالسلام لا غيره ، وأنّه منع الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم من كتابة ما أراد كتابته حين وفاته .
فعن عمر في حديث له مع ابن عباس ، يذكر فيه أمر الخلافة وحق علي عليهالسلام فيها ، قال : ( لقد كان في رسول الله من أمره ذرو من قول ، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه ، فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام ! وربّ هذه البنية لا تجتمع قريش عليه أبداً )(٢) ، وهو يلتقي مع مقولة أخرى له لابن عباس : ( فما منع قومكم منكم قلت لا أدري : قال لكنّي أدري : يكرهون ولايتكم لهم ، قلت لِم ونحن لهم كالخير ، قال اللّهمّ غفرا يكرهون أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة فيكون بجحاً بجحاً )(٣) .
ـــــــــــــ
(١) صحيح البخاري ، البخاري : ج ٤ ص ٢٧٥ ح ٤٤٣٥ .
(٢) شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ١٢ ص ٢١ .
(٣) تاريخ الطبري ، الطبري : ج ٣ ص ٢٨٨ ؛ ونحوه الكامل في التاريخ ، ابن الأثير : ج ٣ ص ٦٣ ؛ ونحوه شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ١٢ ص ٥٣ .
وفي ثالثة قال : ( ما أظن القوم منعهم من صاحبك إلا أنّهم استصغروه )(١) .
وفي رابعة قال في عليّ عليهالسلام : ( والله لو لا سيفه لما قام عمود الإسلام ، وهو بعد أقضى الأمة ، وذو سابقتها ، وذو شرفها .
فقيل له ذلك القائل : فما منعكم عنه يا أمير المؤمنين ؟ قال : كرهناه على حداثة السن وحبّه بني عبد المطلب )(٢) .
وقد صرّح بذلك أيضاً أبو عبيدة بن الجراج ـ أحد أعضاء الحزب ـ عندما قال لعلي عليهالسلام : ( يا ابن عم إنّك حديث السن ، وهؤلاء ـ يعني أبا بكر وعمر ـ مشيخة قومك فسلّم لأبي بكر هذا الأمر )(٣) .
٤ ـ ما تجلّى بصورة واضحة ، من اعتراف أبي بكر أنّه أراد إكراه علي عليهالسلام على البيعة لولا وجود فاطمة إلى جنبه ، حيث قال لعمر : ( لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه ) (٤) ، وهذا يعني أنّ استيلاءه على السلطة لم يكن بطريقة شرعية ولا منصوص عليها ، وإلاّ لو كان على الحق ، فلماذا يكره عليّاً ، ويتخوّف من وجود فاطمة إلى جنبه ، وهما اللذان لا يفترقان عن الحق ، وقد أعرب علي عليهالسلام عن إكراهه على البيعة بقوله ، عندما لحق بقبر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو يصيح ويبكي وينادي : ( يا ابن أُمّ إنّ القوم استضعفوني ، وكادوا يقتلونني ) (٥) ، مع أنّ عدم شرعية خلافة أبي بكر لخّصها أمير المؤمنين علي عليهالسلام بعد إكراهه على البيعة ، قال : ( وإنّ بيعتي لا تحق لهم باطلاً ولا توجب لهم حقّاً ) .
ـــــــــــــ
(١) شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ٦ ص ٤٥ .
(٢) المصدر نفسه : ج ١٢ ص ٨٢ .
(٣) الإمامة والسياسة ، الدينوري : ج ١ ص ٢٩ ؛ السقيفة ، الجوهري : ص ٦٣ ؛ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ٦ ص ١٢ .
(٤) الإمامة والسياسة ، الدينوري : ج ١ ص ٢٠ .
(٥) شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ١١ ص ١١١ .
ثم إنّ مقتضى الحديث الوارد عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ الذي صحّحه الذهبي ـ أنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :( مَن أطاعني فقد أطاع الله ، ومَن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع عليّاً فقد أطاعني ، ومَن عصا عليّاً فقد عصاني ) (١) ، وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( فاطمة بضعة منّي مَن أغضبها أغضبني ) (٢) ، وقال أيضاً لفاطمة عليهاالسلام :( إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك ) ، قال الحاكم : ( هذا حديث صحيح الإسناد )(٣) ، وحيث إنّ أبا بكر وعمر آذيا عليّاً وفاطمة عليهاالسلام ، وقال أيضاً لفاطمة :( إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك ) (٤) ، صحّحه الذهبي ، وأجبروا عليّاً على البيعة ، التي حاججهم فيها وأنكرها مراراً ، وهذا يكشف عن بطلان أمرهم ومفارقتهم للحق ، فلو كانوا على حق لما فارقوا علياً ، لا سيّما وأنّ فاطمة عليهاالسلام ماتت وهي واجدة عليهما ، كما ذكرت ذلك عائشة ، حيث قالت : ( فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فهجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت )(٥) ، وقد قالت عليهاالسلام لهما :( فإني أشهد الله وملائكته
ـــــــــــــ
(١) المستدرك ، الحاكم : ج ٣ ص ١٢١ ، هذا الحديث صحيح الأسناد ولم يخرجاه ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٤٢ ص ٢٧٠ .
(٢) صحيح البخاري ، البخاري : ج ٢ ص ٤٣٥ ؛ السنن الكبرى ، النسائي : ج ٥ ص ٩٧ ، ص ١٤٨ ؛ خصائص أمير المؤمنينعليهالسلام : النسائي : ص ١٢١ ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٢٢ ص ٤٠٤ ؛ كشف الخفاء ، العجلوني : ج ٢ ص ٨٦ ؛ الجامع الصغير ، السيوطي : ج ٢ ص ٢٠٨ ؛ وغيرها من المصادر.
(٣) المستدرك ، الحاكم : ج ٣ ص ١٥٤ .
(٤) ميزان الاعتدال ، للذهبي : ج ١ ص ٥٣٥ وج ٢ ص ٤٩٢ .
(٥) صحيح البخاري ، البخاري : ج ٢ ص ٢٨٢ ؛ صحيح مسلم ، مسلم : ج ٥ ص ١٥٤؛ مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ١ ص ٦ ؛ السنن الكبرى : ج ٦ ص ٣٠١ .
أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لأشكونكما إليه ) (١) .
٥ ـ كشفُ معاوية بطلان خلافة أبي بكر ، وهذا ما نلمسه واضحاً في رسالته لمحمد بن أبي بكر حيث جاء فيها : ( فقد كنّا وأبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب ، وحقّه لازماً لنا مبروراً علينا ، فلمّا اختار الله لنبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم ما عنده ، وأتمّ له ما وعده ، وأظهر دعوته ، وأبلج حجته ، وقبضه الله إليه صلوات الله عليه ، فكان أبوك وفاروقه أول مَن ابتزّ حقّه ، وخالفه على أمره ، على ذلك اتفقا واتسقا ، ثم أنهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما ، وتلكأ عليهما ، فهمّا به الهموم ، وأرادا به العظيم ثم أنه بايع لهما وسلّم لهما ، وأقاما لا يشركانه في أمرهما ، ولا يطلعانه على سرّهما أبوك مهّد مهاده وبنى لملكه وسادة ، فإن يك ما نحن فيه صواباً ، فأبوك استبدّ به ونحن شركاؤه ، ولو لا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ، ولسلّمنا إليه ، ولكنا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا ، فأخذنا بمثله ، فعبّ أباك بما بدا لك ، أو دع ذلك ، والسلام على من أجاب )(٢) .
٦ ـ لو فرض وجود نص على أبي بكر ، فإنّه يلزم التناقض مع حشد وافر من الآيات القرآنية والنصوص النبوية ، الدالة على إمامة علي بن أبي طالب عليهالسلام ، كآية الولاية ، وآية أولي الأمر ، وآية المباهلة ، وآيات البلاغ ، وحديث الدار ، وحديث المنزلة ، وحديث الطير ، وواقعة الغدير وآياتها التي كان فيها أبوبكر وعمر من أول المهنئين للإمام علي عليهالسلام ، وحديث
ـــــــــــــ
(١) الإمامة والسياسة ، الدينوري : ج ١ ص ٣١ .
(٢) مروج الذهب ، المسعودي : ج ٣ ص ٢٢ ؛ أنساب الأشراف ، البلاذري : ص ٣٩٧ ؛ وقعة صفين ، المنقري : ص ١٢٠ ـ ١٢١ ؛ النزاع والتخاصم ، المقريزي : ص ١٠٢ ؛ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد: ج ٣ ص ١٩٠ .
الثقلين ، التي لا شك في دلالتها على ذلك ، وكما قال ابن أبي الحديد المعتزلي : لو كانت هناك نصوص على أبي بكر فهي من وضع البكرية لكي تكون في قِبال ما يستند إليه الشيعة من نصوص على ولاية علي عليهالسلام (١) .
٧ ـ لا أدري أي معنى للنص على أبي بكر ، مع أنّه لو كان أبو بكر مؤهلاً أن يقود سرية صغيرة للجيش لأمّره رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قائداً لسرية أُسامة بن زيد بدل أن يضعه جندياً عادياً ، وهو ذو الشيبة البيضاء ، تحت إمرة أسامة بن زيد الذي لم يتجاوز عمره العشرين سنة .
٨ ـ احتجاج أبي بكر في السقيفة على أنّ الإمامة من قريش ، فلو كان منصوصاً عليه لاحتج بذلك النص ، وقوله : ( أقيلوني أقيلوني فلست بخيركم ) ، يكشف عن عدم وجود نص ، وعدم أفضليته على الآخرين ، وعدم أهليته لذلك المقام .
٩ ـ قول عمر لأبي عبيدة بن الجراح : ( ابسط يدك أبايعك ) ، فلو كان هناك نصّ على أبي بكر لما جاز لعمر أن يبايع أبا عبيدة ابن الجراح .
١٠ ـ ذكرنا في الجواب عن حديث الاثني عشر : أنّه ليس له تفسير صحيح ، ولا تطبيق واقعي ، إلاّ على إمامة وولاية أهل البيت عليهمالسلام ، أوّلهم علي عليهالسلام وآخرهم المهدي عليهالسلام ، كما ثبت ذلك بالأدلة القاطعة ، وعلى هذا الأساس لا معنى لكون أبي بكر منصوصاً عليه ، أو هو الخليفة الشرعي ، بأيّ وجهٍ كان ، وإلاّ فسيكون حديث الاثني عشر خليفة كلّهم من قريش باطلاً ، وبطلانه يتنافى مع صحة الحديث وتسالم الفريقين على نقله في المصادر المعتبرة .
ـــــــــــــ
(١) راجع : شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ١١ ص ٤٩ .
كانت وفاة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من أخطر التجارب والمنعطفات التي مرّ بها المجتمع الإسلامي ، بعد كل التضحيات التي بذلت من أجل الدين ، وبعد كل التوصيات والأوامر القرآنية والنبوية على لزوم اتباع عليّ عليهالسلام بعد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنّه وصي رسول الله ، إلاّ أنّ القوم تمردوا على إرادة الله ورسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
وقد برز هذا المنحى للتمرد على أوامر الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بشكل واضح ، عندما تخلف البعض ـ لا سيّما أبو بكر وعمر ـ عن الالتحاق بجيش أسامة ، ومن ثم تبعها تمردهم على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومنعه من كتابة ما أراد كتابته حين وفاته صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فباعتراف عمر أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أراد أن يكتب كتاباً يوصي فيه بالولاية والخلافة لعلي ، وإنّي علمت ذلك فمنعته ، وهذا الاعتراف الصريح بعصيان الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، مع أن الله تعالى يقول : ( وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً مّبِيناً ) (١) ، وقد برّز منعه للرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم حين وفاته ، بأن الرسول يهجر ، وهذا خلاف القرآن الكريم ، قال تعالى : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) (٢) .
والمصيبة الأعظم ، هي تركهم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بعد وفاته مسجىً على فراشه ، واجتماعهم في سقيفتهم ، يتداولون فيها مستقبلهم السياسي ، والأغرب من ذلك أنّهم لم يكن بينهم وبين واقعة الغدير ـ التي نصّب فيها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاً عليهالسلام إماماً ووليّاً ـ إلاّ سبعون يوماً فقط .
ـــــــــــــ
(١) الأحزاب : ٣٦ .
(٢) النجم : ٣ ـ ٤ .
وبالتأمّل في سلسلة الأحداث التي كانت في حياة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو بعد وفاته صلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ نجد أنّ هنالك خيوطاً مرتبطة ومتشابكة فيما بينها ، حيث توجد شواهد تاريخية متضافرة تكشف عن وجود تحرّك قرشي كان يعمل منذ عهد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، يحاول أن يكون له دور متميز في الصحبة والوجاهة والقيادة ، ويسعى لاحتواء الدور القيادي بديلاً عن العترة الطاهرة الذي كان يصرح رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بخلافتهم وقيادتهم للأمة من بعده ، ومن أبرز معالم هذا التحرّك الذي يعتبر شاهداً على وجود هذه النزعة لمثل هذا التحرّك هي :
١ ـ النزعة العامة عند أقطاب هذا التوجه لأن يكون لهم دور متميز في المسيرة ، كما في مبادراتهم إلى الظهور والتقدم بين يدي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، لا سيّما المبادرات والاقتراحات المثيرة للالتفات التي لم تعهد من أحد من الصحابة والقريبين من الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن جملة محاولاتهم الظهور في المواقع التي لا ينبغي لأحد أن يكون له رأي ، كإبداء الرأي في مقابل قول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، بل يبدو من بعض المواقف أيضاً أنّهم كانوا يتدخلون فيما ليس من شأنهم التدخل فيه ، كمطالبات عمر المتكررة من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بالإذن له في ضرب الأعناق ، خاصة وأن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كان في جميع هذه الحالات لا يريد قتل أولئك الأشخاص ، ولم يأذن لهم بواحدة منها ، كما في قول عمر في حق ابن صياد : ( دعني يا رسول الله أضرب عنقه ، فقال
النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم :إن يكنه فلن تسلط عليه ، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله )(١) ، وكقوله أيضاً في عبد الله بن ذي الخويصرة عندما قال لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : ( اعدل يا رسول الله ، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم :ويلك مَن يعدل إذا لم أعدل ، قال عمر : دعني أضرب عنقه )(٢) ، وعن أنس قال : جاء رجل من أهل الكتاب فسلّم على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : ( السلام عليكم ، فقال عمر يا رسول الله ألا أضرب عنقه ، قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : لا ) قال الهيثمي في مجمع الزوائد : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح(٣) ، هذا مع أنّ عمر لم يعرف منه في مواطن الجد والضرب إلاّ الهرب كما هو الحال في معركة أُحد ، وبالإسناد عن عبد الرحمان بن رافع أخو بني النجارة قال : انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر وطلحة بن عبد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم ، فقال : ما يجلسكم ؟ قالوا : قد قتل محمد رسول الله قال : فما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ! فاستقبل القوم فقاتل حتى قتل(٤) ، والخندق وحنين وغيرها(٥) ، ولم ينقل لنا التاريخ أنّه قتل كافراً في معركة ، أو غزوة مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
ـــــــــــــ
(١) صحيح البخاري ، البخاري : ج ١ ص ٣٥٩ ، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلّى عليه ؛ صحيح مسلم ، مسلم : ج ٨ ص ١٩٢ .
(٢) صحيح البخاري ، البخاري : ج ٤ ص ٣٠٠ ، باب مَن ترك قتال الخوارج للتآلف وأن لا ينفر الناس عنه ؛ صحيح مسلم ، مسلم : ج ٣ ص ١١٢ .
(٣) مجمع الزوائد، الهيثمي : ج ٨ ص ٤١ .
(٤) جامع البيان ، الطبري : ج ٤ ص ١٥٠ ، البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ٤ ص ٣٩ ، الدّر المنثور، السيوطي : ج ٢ ص ٨٠ ـ ٨١.
(٥) المستدرك ، الحاكم : ج ٣ ص ٢٧ ، مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٦ ص ١١٢ ؛ وصحّحه الذهبي في تلخيصه ؛ التفسير الكبير ، الرازي : ج ٩ : ص ٦٧ ؛ الدّر المنثور : السيوطي : ج ٢ ص ٨ .
٢ ـ النزعة والأمل عندهم في أن يكون لهم دور كدور علي بن أبي طالب عليهالسلام ومميزاته وخصوصياته التي خصه بها الله ورسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذا ما نلمسه واضحاً في تصرفاتهم وأفعالهم أمام المسلمين ، كمبادرتهم إلى الإتيان بأعمال إعلامية من أجل التمويه بأنهم هم المعنيون في بعض الأحاديث والآيات والمواقف التي هي خاصة بعلي عليهالسلام ، منها :
أ ـ ما كان يتطلّع له أبو بكر وعمر من تقمّص دور الإمام عندما قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لجماعة من قريش : (لن تنتهوا يا معشر قريش ، حتى يبعث الله رجلاً امتحن الله قلبه بالإيمان يضرب أعناقكم وأنتم مجفلون عنه إجفال النعم .
قال أبو بكر : أنا هو يا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : لا ، قال له عمر : أنا هو يا رسول الله ، قال صلىاللهعليهوآلهوسلم :لا ، ولكنّه خاصف النعل ، قال وفي كف علي نعل يخصفها لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم )(١) .
ب ـ أمنية عمر في واقعة خيبر ، عندما كان علي عليهالسلام أرمد لا يبصر ، فلم يستطع التواجد في بداية المعركة ، وقد قاتل المسلمون يومين ، يوماً كانت الراية فيه بيد أبي بكر ، ويوماً كانت بيد عمر ، فلم يفلحوا في الفتح ، فقال النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم :لأدفعنّ اللواء غداً إلى رجل يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، كرار غير فرار يفتح الله عليه ، جبريل عن يمينه ، وميكائيل عن
ـــــــــــــ
(١) راجع : تاريخ بغداد ، الخطيب البغدادي : ج ١ ص ١٤٤ ؛ ج ٨ ص ٤٣٣ ؛ وقد وثّق رواته الخطيب البغدادي ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٤٢ ص ٢٤٢ ؛ المناقب ، الخوارزمي : ص ١٤٢ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١٣ ص ١١٥ .
يساره ، قال عمر ما تمنيت الإمرة إلاّ يومئذٍ ، فلما كان الغد تطاولت لها ، وفي رواية ( فبات الناس متشوقين ) ، ما إلى ذلك من التعابير والتصريحات التي تكشف عن تمنّي كثير من الصحابة أن تكون الراية له ، وأمّا عمر فقد صرّح بقوله : تطاولت لها(١) ، فلمّا أصبح قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : (ادعوا إليّ عليّاً رضي الله عنه ، فأوتي به أرمد ، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ، ففتح الله عليه )(٢) ، وقد صحّحها الهيثمي في مجمع الزوائد(٣) .
ج ـ عندما قدم وفد ثقيف على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال لهم : ( لتسلمنّ ، أو لأبعثَنَّ إليكم رجلاً منّي ـ أو قال مثل نفسي ـ فليضربنَّ أعناقكم ، وليسبينّ ذراريكم ، وليأخذن أموالكم ، قال عمر : والله ما اشتهيت الإمارة إلاّ يومئذ فجعلت أنصب صدري ، رجاء أن يقول هو هذا ، فالتفتَ إلى علي فأخذ بيده ، ثم قال : هو هذا ، هو هذا )(٤) ، وفي رواية أخرى قول عمر : ( فو الله ما تمنّيت الإمارة إلاّ يومئذ ، فجعلت أنصب صدري رجاء أن يقول هو هذا )(٥) ، وفي رواية ثالثة : ( فما أحببتُ الإمارة قبل يومئذٍ ، فتطاولت لها واستشرفت )(٦) ، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة : ( أخرجه الطيالسي (رقم ٢٤٤١)
ـــــــــــــ
(١) صحيح البخاري ، البخاري : ج ٥ ص ٧٦ ؛ صحيح مسلم ، مسلم : ج ٧ ص ١٢١ ؛ طبقات ابن سعد ، ابن سعد : ج ٢ ص ١١٠ ؛ مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٢ ص ٣٨٤ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٤١ ص ٢١٩ وغيرها من المصادر .
(٢) صحيح مسلم ، مسلم : ج ٧ ص ١٢٠ ؛ وانظر صحيح البخاري ، البخاري : ج ٢ ص ٢٦١ ؛ مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ١ ص ١٨٥ .
(٣) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ١٢٤ .
(٤) أنساب الأشراف ، البلاذري : ص ١٢٣ ـ ١٢٤ .
(٥) جواهر المطالب في مناقب الإمام عليعليهالسلام ، ابن الدمشقي الشافعي : ج ١ ص ٦٠ ؛ ذخائر العقبى : ص ٦٤ ؛ ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ٢ ص ١٥٣ .
(٦) سلسلة الأحاديث الصحيحة ، الألباني : مج ١ ؛ القسم الثاني : ص ٧٦٦ .
ومن هذا الوجه أخرجه أحمد أيضاً وهذا سند صحيح على شرط مسلم ، وصححه ابن حبان (٩ / ٤٣ ـ ٤٤) )(١) .
وفي خصائص النسائي : ( فما راعني إلاّ كف عمر في حجزتي من خلفي ، وقال : مَن يعني ؟ قلت إيّاك يعني وصاحبك ، قال : فمَن يعني ؟ قلت خاصف النعل )(٢) ، وفي رواية أخرى : ( ما إيّاك يعني ولا صاحبك ، قال : فمَن يعني : قلت : خاصف النعل )(٣) ، والحديث روي في ينابيع المودّة من عدّة مصادر .
د ـ وعن أبي سعيد الخدري قال : ( كنّا جلوساً ننتظر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فخرج إلينا فانقطع شسع نعله ، فرمى به إلى علي عليهالسلام فقال :إنّ منكم رجلاً يقاتل الناس على تأويل القرآن ، كما قاتلت على تنزيله : قال أبو بكر أنا ، قال عمر: أنا ، قال :لا ، ولكن خاصف النعل )(٤) ، وفي رواية أخرى : (أنا هو يا رسول الله قال : لا ، قال عمر أنا هو يا رسول الله قال : لاولكن خاصف النعل )(٥) ، وفي رواية : ( فقال بعضهم أنا هو يا رسول الله ، قال صلىاللهعليهوآلهوسلم لا وقال :
ـــــــــــــ
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة ، الألباني : مج ١ ؛ القسم الثاني : ص ٧٦٦ .
(٢) خصائص أمير المؤمنين ، النسائي : ص ٨٩ .
(٣) السنن الكبرى ، النسائي : ج ٥ ص ١٢٧ ـ ١٢٨ ؛ مناقب أمير المؤمنين : القاضي محمد بن سليمان الكوفي: ج ١ ص ٤٦١ ؛ ونحوه شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ٩ ص ١٦٧ ؛ ينابيع المودة ، القندوزي : ج ١ ص ١٦٦ .
(٤) خصائص أمير المؤمنينعليهالسلام ، النسائي : ص ١٣١ ؛ ونحوه تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر: ج ٤٢ ص ٤٥٣ .
(٥) مستدرك الحاكم ، الحاكم النيسابوري : ج ٢ ص ١٣٨ ، قال فيه : ( هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه ) ؛ صحيح ابن حبان ، ابن حبان : ج ١٥ ص ٣٨٥ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٥ ص ١٨٦ ، قال فيه : ( رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح ) ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ٦ ص ٢٤٣ ؛ المصنف ، الصنعاني : ج ٧ ص ٤٩٧ ؛ خصائص أمير المؤمنين ، النسائي : ص ١٣١ ؛ مسند أبي يعلى ، أبي يعلى الموصلي : ج ٢ ص ٣٤١ .
آخر أنا هو قال :لا ولكن خاصف النعل )(١) ، وقد صحّحه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة(٢) .
هـ ـ وعن عمران بن حصين قال : ( بعث رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم جيشاً ، واستعمل عليهم علي بن أبي طالب ، فمضى في السَّرِيّة ، فأصاب جارية ، فأنكروا عليه ، وتعاقدوا أربعة من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فقالوا : إن لقينا رسول الله أخبرناه بما صنع علي ، وكان المسلمون إذا رجعوا من سفر بدأوا برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فسلّموا عليه ، ثم انصرفوا إلى رحالهم ، فلما قدمت السرية سلّموا على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقام أحد الأربعة فقال : يا رسول الله ! ألم تر إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا ، فأعرض عنه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثم قام الثاني ، فقال مثل مقالته ، فأعرض عنه ، ثم قام إليه الثالث ، فقال مثل مقالته ، فأعرض عنه ، ثم قام الرابع ، فقال مثل ما قالوا ، فأقبل إليه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم والغضب يعرف في وجهه ، فقال :ما تريدون من علي ؟ إنّ عليّاً منّي ، وأنا منه ، وهو وليّ كل مؤمن بعدي )(٣) .
وقد لوحظ استمرار هذه النزعة وانعكاسها على حياة الشيخين وأتباعهما ، حتى آخر لحظات حياة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذه الظاهرة تلتقي وتنسجم مع ما افتعله عمر من تشويش على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما أحدثه من ضجّة لمنع الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم من كتابة الكتاب الذي أراد تدوينه ؛ وذلك يلتقي أيضاً مع ما فعله عمر يوم وفاة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويتناغم كذلك مع ما صرّح به لابن عباس كما سلف .
ـــــــــــــ
(١) المعجم الأوسط ، الطبراني : ج ٤ ص ١٥٨ .
(٢) سلسلة الأحاديث الصحيحة ، الألباني : مج ٥ : ص ٦٣٩ ح ٢٤٨٧ .
(٣) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٤ ص ٤٣٧ ؛ سنن الترمذي ، الترمذي : ج ٥ ص ٢٩٦ ح ٣٧٩٦ ؛ خصائص أمير المؤمنين ، النسائي : ص ٩٧ ؛ صحيح ابن حبان ، ابن حبان : ج ١٥ ص ٣٧٣ ؛ مستدرك الحاكم ، الحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ١١٠ ، [ وقال الحاكم : ] ( هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه ) ؛ سلسلة الأحاديث الصحيحة ، الألباني : ج ٥ ص ٢٦١ ح ٢٢٢٣ .
٣ ـ العلاقات التي كانت قائمة بين قادة التحرّك لم تكن عفوية ، بل كانت هادفة ، ومشفوعة بشيء من الثقافة في مجال الولاية ، بمعنى أنّهم يدركون أنّ الولي الشرعي بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم هو علي عليهالسلام ، ولا يخفى على المتأمّل البصير كيف كان تركيزهم على حديث أنّ الخلفاء ( كلّهم من قريش ) دون باقي الأحاديث التي هي أخص من ذلك ، كحديث ( كلّهم من بني هاشم ) ، وعلى ضوء ذلك يتضح ما افتعله البعض من ضجّة ، حينما بيّن الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم مَن هم الأئمة من بعده ، بحيث ما سُمح للرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم من إيصال كلامه لبعض الحاضرين ، حتى أنّ الراوي ـ جابر بن سمرة ـ عندما لم يسمع الحديث بكامله من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم استفهم من بعض الحاضرين ، كأبيه وعمر ، فأثبتوا له الحديث .
وممّا يؤكّد انسجام فكرة التحرّك وسبق التثقيف عليها عند أقطاب هذا الاتجاه وقواعده ، هو ما حصل في السقيفة من احتجاجات إعلامية منسجمة مع بعضها البعض ، مع أنّ تلك الاحتجاجات كانت تعتمد على أمرين بينهما تناقض واضح ، ومع ذلك فإنّهما تمّ عرضهما بأسلوب مهذّب ومنمّق ، يوهم عدم التناقض بينهما ، وهما :
أولاً : ولاية قريش
وثانياً : استبعاد أهل البيت عليهمالسلام ، وإهمال ذكرهم ، كأن لا وجود ولا دور لهم في مجال القيادة والخلافة .
فأوحوا إلى الذين حضروا مؤتمر السقيفة ، أنّ ورثة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم هم قريش ، وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر ، هذا مع قدرة عالية على توظيفهم السوابق وما قام به الشيخان من الأعمال التمهيدية التي افتعلاها في زمن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومحاولات أخذ دور علي عليهالسلام ، بشكل منمّق ومنسّق كما تقدم ، وتوظيف قضية هجرة أبي بكر مع النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، مع أنّها لا تعني شيئاً من معاني القرب والأفضلية والتقديم على الآخرين ، فكثير ما يتخذ القادة رفقاء لهم في الهجرة مع الأتباع العاديين .
فصُوّر الشيخان وكأنّهما أكثر التصاقاً بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من علي عليهالسلام ، ولا يخفى ما في ذلك من حسد ...
٤ ـ ممّا يشهد بوجود التنسيق المسبق بين أقطاب هذا التحرك ، هو شكل الحكومة التي تمخّضت عن السقيفة ، الخلافة ، قال ابن الأثير : ( لمّا ولي أبو بكر قال له أبو عبيدة : أنا أكفيك المال وقال له عمر : أنا أكفيك القضاء)(١) ، وفي المصطلح المعاصر أنّ الأول تولّى السلطة العليا ، والثاني تولّى السلطة الاقتصادية ، والثالث تولّى السلطة القضائية ، وهذه أهم الوظائف الرئيسية في نظام الحكم الإسلامي ، فإنّ تقسيم هذه المراكز الحيوية في الحكومة الإسلامية بهذا الشكل على هؤلاء الثلاثة الذين قاموا بدور كبير في اجتماع السقيفة ، لا يأتي عن صدفة ، ولم يكن أمراً عفوياً ومرتجلاً .
ـــــــــــــ
(١) الكامل في التاريخ ، ابن الأثير : ج ٢ ص ٤٢٠ .
وممّا يدعم ذلك قول أبي بكر : ( إنّي لا آسى على شيء من الدنيا إلاّ على ثلاثة فعلتهن ، وودت أنّي تركتهن ، وودت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين عمر وأبا عبيدة فكان أحدهما أميراً وكنت وزيراً )(١) ، وكذلك قول عمر حين حضرته الوفاة : ( لو كان أبو عبيدة حيّاً لاستخلفته )(٢) ، وهذا يلتقي مع رواية أبي مليكة ، قال : ( سئلت عائشة مَن كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مستخلفاً لو استخلفه ؟ قالت : أبو بكر ، فقيل لها : ثم مَن بعد أبي بكر ؟ قالت : عمر ، ثم قيل لها : مَن بعد عمر ؟ قالت : أبو عبيدة بن الجراح )(٣) ، وفي رواية أخرى عن عبد الله بن شقيق قال : ( سئلت عائشة ، أي أصحاب رسول الله كان أحب إليه ؟ قالت : أبو بكر ، ثم عمر ، ثم أبو عبيدة بن الجراح ، قلت: ثم مَن ؟ فسكتت )(٤)
وكل هذه الشواهد تؤكّد وجود التناغم والتنسيق بينهم ، ويبدو أنّ عائشة كان لها اطّلاع على هذا الأمر ، بل قد تكون شريكة لهم في الحزب وأحد أعضائه .
٥ ـ من الأدلة على وجود التخطيط المسبق ، ما فعله عثمان بن عفّان عندما كتب اسم عمر في الوصية ، كخليفة من بعد أبي بكر ، من دون أن يأمره أبو بكر بذلك ، حيث كان مغمىً عليه ، فمن أين علم عثمان أنّ عمر هو خليفة أبي بكر ، مع أنّه كان مغمىً عليه ، ومن أعجب المفارقات أنّ أبا بكر تُكتب وصيّته وهو مغمىً عليه ، ورسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى ـ يقال : إنّه ليهجر ، حينما أراد أن يكتب كتاباً للأُمّة لن تضل بعده أبداً !!!
ـــــــــــــ
(١) تاريخ الأمم والملوك ، الطبري : ج ٢ ص ٦١٩ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٣٠ ص ٤١٨ ، ص ٤٢٠ .
(٢) تاريخ الطبري ، الطبري : ج ٣ ص ٢٩٢ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٥٨ ص ٤٠٤ ؛ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ١ ص ١٩٠ .
(٣) صحيح مسلم ، مسلم : ج ٧ ص ١١٩ ؛ فضائل الصحابة ، أحمد بن حنبل : ص ٣٠ ؛ فتح الباري : ج ٧ ص ٢٥ ، وغيرها من المصادر الكثيرة .
(٤) فضائل الصحابة ، أحمد بن حنبل : ص ٣٠ ؛ سنن الترمذي ، الترمذي : ج ٥ ص ٢٦٨ .
٦ ـ قول علي عليهالسلام لعمر :( احلب يا عمر حلباً لك شطره ، اشدد له اليوم أمره ليردّ عليك غداً ، ثم قال :والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه ) (١) .
٧ ـ ممّا يكشف عن وجود هذا المنحى التحزّبي ، هو أنّ قريشاً التي كانت في مجتمع الجزيرة الذي تحكمه النزعة القبلية كانت ترفض اجتماع القيادة في بيت واحد ، فقريش لم تكن تتحمّل ظهور نبي في بطن من خيار بطونها ، بل أفضلها ، وهم بنو هاشم ؛ لذلك اجتمعت كلمتها على محاربة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فكيف تتحمّل أن يستمر بنو هاشم بالخلافة بعد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، لا سيّما وأنّ قريشاً كان الطابع السياسي فيها قائم على اقتسام مناصب الشرف والسيادة ، ومن هنا لم تكن قريش تريد أن يتميّز البطن الهاشمي عن بقية بطونها ، وأن يتفوق عيها ، وقد سادت هذه الفكرة والعقلية الأجواء السياسية المحمومة في أواخر حياة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقريشاً مدركة أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ميّت لا محالة في مرضه هذا ، وقد أخبرهم صلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك ، فلو تركت الأمور على مجراها الطبيعي ، فالخلافة ستؤول إلى علي عليهالسلام حتماً ، من هنا تحرّك الحزب المناوئ لبني هاشم ، وهذه الفكرة أفصح عنها عمر في محاورته مع ابن عباس قائلاً : ( أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمد ؟ قال ابن عباس : فكرهت أن أجيبه ، فقلت : إن لم أكن أدري ، فإنّ أمير المؤمنين يدري ؟ فقال عمر : كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة )(٢) .
ـــــــــــــ
(١) الإمامة والسياسة ، الدينوري : ج ١ ص ٢٩ ؛ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ٦ ص ١١ .
(١) تاريخ الطبري ، الطبري : ج ٣ ص ٢٨٩ ؛ الكامل في التاريخ ، ابن الأثير : ج ٣ ص ٦٣ .
بل نجد أنّ حالة التطلّع إلى السلطة والقيادة كان موجوداً حتى عند القبائل النائية ، فكيف بقريش ، يقول الطبري في تاريخه : ( كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يعرض نفسه في المواسم ـ إذا كانت ـ على قبائل العرب يدعوهم إلى الله وإلى نصرته ـ إلى أن يقول ـ إنّه أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم نفسه ، فقال رجل منهم ، يقال له بيحرة بن فراس : والله لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ، ثم قال له : أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ، ثم أظهرك الله على مَن خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء ، قال : فقال له : أفتهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا ظهرت كان الأمر لغيرنا ؟! لا حاجة لنا بأمرك ، فأبوا عليه )(١) .
فإذا كان هذا حال القبائل الصغيرة والمتوسطة والنائية في تطلّعها إلى السلطة والحكم بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فكيف بقريش وهي تعد نفسها أشرف قبائل العرب ، لا سيّما وأنّ الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم : ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ، وقد أخبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم عن مستقبل الدين الإسلامي ، وأنّه سوف يسود العالم ، وكذلك ما تنبأت به الكهنة والمنجّمون الذين تعتمد عليهم قريش كثيراً ، وقد ذكرت إخباراتهم بمستقبل النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما يؤول إليه الدين الإسلامي ، في كتب السير والتواريخ ؛ لذا كانت اليهود والنصارى كثيراً ما تتوعّد المشركين بالظفر عليهم عند بعثة خاتم النبيين من مكّة المكرّمة ؛ ولذا هاجروا من بلاد الشام ، واستوطنوا الحجاز انتظاراً لبعثة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد أشار القرآن الكريم
ـــــــــــــ
(١) تاريخ الطبري ، الطبري : ج ٢ ص ٨٣ ـ ٨٤ .
لذلك بقوله تعالى : ( وَلَمّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (١) .
٨ ـ عندما تخلّف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ، ومالوا مع علي بن أبي طالب عليهالسلام ، وتحصّنوا في دار فاطمة عليهاالسلام : ( أرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة ، فقال : ما الرأي ؟ قالوا : الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب فتجعل له في هذا الأمر نصيباً ، يكون له ولعقبه من بعده ، فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب ، حجّة لكم على علي إذا مال معكم ، فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح والمغيرة حتى دخلوا على العباس ليلاً )(٢) .
إذن قريش كانت تعلم أنّ مستقبل الدين هو سيادته على جميع البلدان ، وعلى ضوء ذلك يتضح تخطيط الحزب القرشي في الاستحواذ على السلطة وإبعاد بني هاشم عنها ، وأنّه كان في مقدمة أهدافها ، فلم تكن المسألة مسألة نص ، أو تعيين لأبي بكر من قِبل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، بل هو أمر دُبّر بليل .
ما أن سيطر الحزب القرشي على مواقع السلطة في الدولة ، حتى بدت بعض الظواهر والممارسات المنحرفة ، التي اتبعها الحزب ، والتي تكشف عن نواياه الباطلة وغير الشرعية .
ـــــــــــــ
(١) البقرة : ١٩ .
(٢) تاريخ اليعقوبي : ج ٢ ص ١٢٤ ـ ١٢٥ ؛ ونحوه الإمامة والسياسة ، الدينوري : ج ١ ص ٢١ ؛ السقيفة ، أبو بكر الجوهري : ص ٤٩ ؛ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد المعتزلي : ج ٢ ص ٥٢ .
ومن أبرز تلك السياسات هي موقفهم من بني هاشم .
فإنّ الخطوة الأولى التي ابتدأها الحزب القرشي ، هي إبعاد بني هاشم عن الحكم نهائياً ؛ للقضاء على كل معارضة محتملة مستقبلاً ، حيث اعتمدوا لإنجاز هذا الإجراء عدّة آليات ، منها :
١ ـ اتهام بني هاشم بإحداث وإثارة الفتنة ، التي تؤدّي إلى ضعف الكيان الإسلامي ، كقول أبي بكر في حق علي عليهالسلام : ( مربّ لكل فتنة )(١) ، وقد ساعدهم على التبجّح بهذا الاتهام الظروف الإسلامية آنذاك ، من وجود الأعداء خارج البلاد كالروم وبلاد فارس واليهود وغيرها ، الذين يهددون الدولة الإسلامية ، مضافاً إلى أحداث الردة وغيرها .
٢ ـ أسلوب الشدّة والعنف مع الإمام علي عليهالسلام ومَن معه ، بنفس الطريقة التي اتبعوها مع سعد بن عبادة في السقيفة ، حتى بلغ العنف والشدة في عمر أن هدد بحرق بيت علي عليهالسلام وإن كانت فاطمة فيه ، حيث قال : ( والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على مَن فيها ، فقيل له : يا أبا حفص : إنّ فيها فاطمة ؟ فقال : وإن فوقفت فاطمة (رضي الله عنها) على بابها ، فقالت :لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم ، تركتم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم جنازة بين أيدينا ، وقطعتم أمركم بينكم ، لم تستأمرونا ولم تردّوا لنا حقاً ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة فدقوا الباب ، فلمّا سمعت أصواتهم
ـــــــــــــ
(١) السقيفة ، أبو بكر الجوهري : ص ١٠٤ ؛ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ١٦ ص ٢١٥ .
نادت بأعلى صوتها : يا أبتي يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة ، فلمّا سمع القوم صوتها وبكاءها صرخوا باكين وبقي عمر ومعه قوم فمضوا به إلى أبي بكر فقالوا له : بايع ، فقال : إن أنا لم أفعل ، فمه ؟ قالوا : إذاً والله الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك )(١) ، ومن صور ذلك العنف أيضاً وصف أبي بكر لعلي عليهالسلام بأنّه مرّب لكل فتنة ، وتشبيهه له ( بأُمّ طحال أحب أهلها إليها البغي )(٢) .
٣ ـ إنّ الحزب القرشي ـ وعلى رأسهم أبو بكر ـ لم يشركوا أي شخص من الهاشميين في شأن من شؤون الحكم ، المهمّة خشية أن يصل الهاشميون إلى الخلافة ؛ لذا لم يجعلوا أي واحد منهم والياً على شبر من الدولة الإسلامية ، وخوفاً من افتضاح هذا الأمر دعوا العباس لإعطائه نصيباً في الأمر ؛ وذلك عندما قال المغيرة ابن شعبة : ( الرأي يا أبا بكر أن تلقوا العباس ، فتجعلوا في هذه الإمرة نصيباً يكون له ولعقبه ، وتكون لكما الحجّة على علي وبني هاشم إذا كان العباس معكم )(٣) .
٤ ـ تهيئة وإعداد كتلة ضخمة مادية لأهل البيت عليهمالسلام ومنافسة لهم في الوصول إلى المناصب العالية في الحكم ، ويحتل الأمويون موقع الصدارة في هذا المضمار ؛ لما تميّزوا به من طموحات عالية في السلطة والخلافة ؛ لذا نجدهم قد احتلوا المناصب الإدارية المهمة أيام أبي بكر وعمر ، مضافاً لمبدأ الشورى الذي ابتدعه عمر ، ليعطي الحظ الأوفر لعثمان بن عفان للوصول إلى دفّة الحكم ، وقد أخذت هذه الكتلة تزداد وتتسع يوماً بعد يوم حتى استتبت لها الأمور ؛ وذلك لأنّها لم تكن متمثّلة في شخص واحد ، بل كانت في بيت كبير من قريش ، وبالتالي سوف يكون وصول آل محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى سدّة الحكم متعذّراً ، أو ليس سهلاً على أقل تقدير .
ـــــــــــــ
(١) الإمامة والسياسة ، الدينوري : ج ١ ص ٣٠ .
(٢) السقيفة ، أبو بكر الجوهري : ج ص ١٠٤ ؛ شرح نهج البلاغة ، أبن أبي الحديد : ج ١٦ ص ٢١٥ .
(٣) الإمامة والسياسة ، الدينوري : ج ١ ص ٣٢ .
٥ ـ عزل كل العناصر التي تميل إلى بني هاشم ؛ ولذا عزل أبو بكر خالد بن سعيد بن العاص عن قيادة الجيش الذي وجّهه لفتح الشام ؛ لأن عمر نبّه أبا بكر إلى نزعة خالد الهاشمية ، وميله لآل محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذكّره بموقفه المعارض لهم بعد وفاة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم (١) .
٦ ـ السعي لإضعاف القدرة الاقتصادية خشية أن يستثمرها الإمام عليهالسلام في الدعوة لاستعادة حقّه الشرعي في الخلافة ؛ لذلك قام أبو بكر بمصادرة فدك من الزهراء عليهاالسلام ؛ لعلمه أنّها كانت سنداً قوياً لعلي عليهالسلام ، لا سيّما وأنّ أبا بكر نفسه اتخذ المال وسيلة من وسائل الإغراء وكسب الأصوات ، وإليك بعض تلك الشواهد :
منها : عندما عاد أبو سفيان إلى المدينة سأل عما جرى أثناء غيبته عنها : ( فقالوا : مات رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : مَن ولي بعده ؟ قيل : أبو بكر ، قال : أبو فصيل ؟! قالوا : نعم ، قال : ما فعل المستضعفان علي والعباس ؟ أما والذي نفسي بيده لأرفعن لهما من أعضادهما ، قال أبو بكر ، وذكر الراوي وهو جعفر بن سليمان : أنّ أبا سفيان قال : شيئاً آخر لم تحفظه الرواة ، فلمّا قدم المدينة قال : إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلاّ دم ، فكلّم عمر أبا بكر ، فقال : إنّ
ـــــــــــــ
(١) تاريخ الطبري ، الطبري : ج ٢ ص ٥٨٦ .
أبا سفيان قدم وإنّا لا نأمن شرّه ، فدفع إليه ما في يده فتركه ورضي )(١) .
وكان في يد أبي سفيان في ذلك الحين صدقات كثيرة للمسلمين قد جمعها منهم ؟!
ومنها : مفاوضاتهم مع العباس بن عبد المطلب ، ومحاولة إغرائه عندما قالوا له : ( نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيباً ، يكون لك ولعقبك من بعدك )(٢) .
ومنها : ( لمّا اجتمع الناس على أبي بكر قسّم قسماً بين نساء المهاجرين والأنصار ، فبعث إلى المرأة من بني عدي بن النجار قسماً مع زيد بن ثابت ، فقالت : ما هذا ؟ قال : قسم قسمه أبو بكر للنساء ، قالت : أتراشونني عن ديني ، والله لا أقبل منه شيئاً فردّته عليه )(٣) .
ومنها : منح أبو بكر مزايا خاصة لابنته عائشة ، إذ إنّه جعل زيادة في عطائها ألفي دينار بعدما جعل عطايا أمهات المؤمنين ستة آلاف دينار لكل واحدة(٤) ، واستمرّت عائشة بأخذ الزيادة في عهد أبيها وعمر الذي أوصى له بالخلافة ممّن بعده .
ـــــــــــــ
(١) السقيفة ، أبو بكر الجوهري : ص ٣٩ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ٢ ص ٤٤ .
(٢) تاريخ اليعقوبي ، اليعقوبي : ج ٢ ص ١٢٥ ؛ الإمامة والسياسة ، الدينوري : ج ١ ص ٤٢ ؛ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد المعتزلي : ج ١ ص ٢٢٠ .
(٣) السقيفة وفدك : ص ٥١ ؛ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ٢ ص ٥٣
(٤) راجع : تاريخ اليعقوبي ، اليعقوبي : ج ٢ ص ١٥٣ .
أوّلاً : وجود روايات كثيرة صحيحة تنص على عدم وجود نص على أبي بكر ، من قبيل قول عائشة في مقام نفي النص : ( لو كان رسول الله مستخلفاً لاستخلف أبا بكر أو عمر )(١) ونحوها من الروايات .
ثانياً : اعتراف عدد كبير من أعلام السنّة بعدم وجود النص على أبي بكر وإنكارهم على مَن ادعى ذلك ، من قبيل القرطبي والنووي في شرحه لصحيح مسلم وابن حجر في فتح الباري ناسباً ذلك إلى جمهور أهل السنّة ، والمرغي في تفسيره والباقلاني في تمهيده والخضري في المحاضرات وابن حجر الهيتمي وعضد الدين الإيجي وابن أبي الحديد المعتزلي والغزالي والبغدادي وغيرهم .
ثالثاً : وجود شواهد قطعية كثيرة تدل على عدم النص على أبي بكر ، منها :
١ ـ ما حصل في السقيفة من نزاعات وتهديدات فيما بين الصحابة على الخلافة ، ولم يدّعِ أبو بكر ولا غيره وجود النص ، مع أنّه كان بأمس الحاجة إليه كحجّة دامغة .
٢ ـ تعبير عمر بقوله : ( إنّ بيعة أبي بكر فلتة ) .
٣ ـ اعتراف عمر بالنص لعلي عليهالسلام لا غير ، وأنّه هو الذي منع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من كتابة الوصية يوم وفاته .
٤ ـ اعتراف أبي بكر بإرادته لإكراه علي عليهالسلام على البيعة لولا وجود فاطمة عليهاالسلام إلى جنبه ، وهذا يكشف عن كون استيلائه على السلطة غير شرعي .
٥ ـ قول علي عليهالسلام إنّ بيعتي لا تحق لهم باطلاً ولا توجب لهم حقّاً .
ـــــــــــــ
(١) صحيح مسلم ، مسلم : ج ٤ ص ١٨٥٦ ؛ مستدرك الحاكم ، الحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ٧٨ ، قال الحاكم ( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) ؛ مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٦ ص ٦٣ ، وغيرها من المصادر .
٦ ـ الأحاديث الكثيرة المتواترة في حق علي عليهالسلام وأنّه مع الحق ومع القرآن ، ومَن يطع عليّاً عليهالسلام فقد أطاع الله ورسوله ، وأنّ مَن فارق علياً فقد فارق رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وبالتالي فارق الله تعالى ، وكذا حديث الغدير والثقلين ، وكل هذه الأحاديث صحيحة ومن المصادر المعتبرة ، فإنّ هذه الأحاديث الشريفة تدل على عدم النص على غير علي عليهالسلام .
٧ ـ إنّ فاطمة عليهاالسلام ماتت وهي واجدة وغاضبة وغير راضية على أبي بكر ، ومن المعلوم إنّ عدم رضا فاطمة عليهاالسلام يدل على عدم رضا الله تعالى وغضبه على أبي بكر وعمر ، كما قال صلىاللهعليهوآلهوسلم مخاطباً فاطمة عليهاالسلام : ( إنّ الرب يغضب لغضبك ويرضى لرضاك ) .
٨ ـ اعتراف معاوية بغصب أبي بكر للخلافة ، كما في رسالته التي أرسلها إلى محمد بن أبي بكر .
٩ ـ إنّ أبا بكر لم يكن مؤهّلاً لقيادة سرية صغيرة فضلاً عن خلافة المسلمين ، ولو كان أهلاً للقيادة والخلافة لما أمّر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أسامة بن زيد الذي لا يتجاوز عمره عشرين سنة قائداً على السرية ، وكان أبو بكر جندياً عادياً في تلك السرية .
١٠ ـ أحقّيّة أمير المؤمنين في الخلافة لا غير ، كما جاء ذلك في نصوص كثيرة ، مضافاً لدلالة حديث الاثني عشر المتسالم عليه عند الفريقين ، والذي لا يمكن تفسيره إلاّ بإمامة أهل البيت عليهمالسلام دون غيرهم .
رابعاً : وجود تخطيط قرشي سابق للاستيلاء على السلطة ، ولهذا التخطيط شواهد كثيرة ، منها :
١ ـ محاولات أقطاب هذا التوجّه أن يكون لهم دور متميّز في حياة المسلمين ومبادراتهم للظهور والتقدّم ، وإن استلزم ذلك إيذاء الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، من قبيل إبداء الرأي مقابل رأي الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ونحوها ، كما هو الحال بالنسبة لعمر بن الخطاب وأبي بكر .
٢ ـ الأمل والشوق الكبيريان في نفوس رجالات الحزب بأن يكون لهم دور كدور علي عليهالسلام ، وما خصّه الله ورسوله به من امتيازات خاصة عبر عدد من الآيات والروايات .
٣ ـ ملاحظة العلاقات القائمة بين قادة هذا التحرّك ، حيث لم تكن عفوية فطرية ، وإنّما كانت علاقات هادفة يجمعها قاسم مشترك ، وهو الاستيلاء على السلطة بعد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذا ما نلمسه واضحاً عند إثارتهم للضجّة وتعالي الأصوات حين بيّن الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم الخلفاء من بعده .
ومن الشواهد الأخرى على هذا التنسيق :
١ ـ تقاسمهم للخلافة بعد وفاة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم واستيلاؤهم على أهم المناصب الحكومية في الدولة حينما استولى أبو بكر على الخلافة وأخذ عمر القضاء وأبو عبيدة المال ، وتعد هذه المناصب من أهم المراكز في الدولة لهؤلاء الثلاثة الذين كان لهم الدور الكبير في التخطيط المسبق ، ولا يمكن أن يكون قد حصل ما حصل صدفة أو أنّه أمر عفوي ارتجالي .
٢ ـ ما فعله عثمان بن عفان حيث كتب اسم عمر في وصيّة أبي بكر من دون أن يأمره أبو بكر بذلك ؛ لأنّه كان مغمىً عليه ، وهذا يدل على اطلاع عثمان وعلمه بهذا التخطيط والتقسيم فيما بينهم .
٣ ـ وجود النزعة القبلية عند قريش التي كانت ترفض اجتماع القيادة في بيت واحد ، فهي لم تكن تتحمّل ظهور بطن من خيار بطونها وأفضلها وهم بنو هاشم ونيلهم مقام النبوّة ، فكيف تتحمّل استمرار السلطة في هذا البيت ؟
خامساً : السياسات التي اتبعتها السلطة الحاكمة تكشف عن عدم شرعيتها وتخطيطها لاستلام الحكم مسبقاً ؛ ولذلك شواهد كثيرة ، منها :
١ ـ اتهام بني هاشم بإحداث وإثارة الفتنة ، لا سيّما اتهام أبي بكر لعلي عليهالسلام بذلك .
٢ ـ أسلوب الشدّة والعنف مع الإمام علي عليهالسلام ومَن معه من أتباعه .
٣ ـ عدم إشراك أي شخص من الهاشميين في شؤون الحكم ، خشية أن يصل الهاشميون إلى الخلافة ؛ ولذا لم يجعلوا أي واحدٍ منهم والياً على شبر من الدولة الإسلامية .
٤ ـ تهيئة وإعداد مجموعة كبيرة معادية لأهل البيت عليهمالسلام ، منافسة لهم في الوصول إلى المناصب العالية في الحكم ، كما هو الحال في الأمويين .
٥ ـ عزل كل العناصر التي تميل إلى بني هاشم ، كما هو الحال في عزل
أبي بكر لخالد بن سعيد بن العاص عن قيادته للجيش ، لولائه لآل محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم .
٦ ـ غصبهم لفدك في محاولة منهم لإضعاف القدرة الاقتصادية للإمام علي عليهالسلام خشية استثمارها في الدعوة لاستعادة حقّه الشرعي .
الفصل الخامس: عصيان الصحابة
عصيان الصحابة
كيف أوصى الرسول وأشهد الصحابة على الولاية ثم عصوه ؟
وكيف أجبر أبو بكر وعمر وأبو عبيدة الناس على البيعة ؟
تمهيد :
بادئ ذي بدء ، نقول : إنّ خير دليل على الإمكان هو الوقوع ، وهذا التاريخ بين أيدينا يحدثنا عن وقوع هذه الحوادث وعدول الصحابة عن وصية نبيهم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، إلاّ مَن امتحن الله قلبه للإيمان ، وهم : علي عليهالسلام وأتباعه ، ولا يمكن التشكيك بصحة هذه الوقائع ، بعدما نطقت به أحاديث الفريقين .
والملاحظة الجديرة بالذكر ، أنّ ما حصل من انحراف عن وصايا الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، والعدول عن الوصي الشرعي ، وهو علي بن أبي طالب عليهالسلام ، ليس غريباً إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار طبيعة النفس الإنسانية ، وما فيها من تجاذبات ميّالة إلى التسلّط والزعامة والظلم وغيرها ، كما أعرب القرآن الكريم عن ذلك في كثير من الآيات المباركة : كقوله تعالى : ( إِنّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ ) (١) .
وقوله تعالى : ( وَكَانَ الإِنسَانُ كَفُوراً ) (٢) .
ـــــــــــــ
(١) إبراهيم : ٣٤ .
(٢) الإسراء : ٦٧ .
وقوله تعالى : ( قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ) (١) .
وممّا يؤكّد ذلك سيرة هذا الإنسان مع أنبياء الله ورسله وأوصيائهم ، وسائر حججه تعالى على خلقه ، حيث نجد إعراض أغلب الناس عن دعوة الأنبياء وهدايتهم ، فهذا شيخ الأنبياء نوح لبث في قومه ( أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عَاماً ) (٢) ، فلم يؤمن به إلاّ قليلٌ منهم .
وقد كشف القرآن الكريم هذه الحقيقة في كثير من الآيات ، كقوله تعالى في قوم نوح عليهالسلام : ( وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ ) (٣) ، وقوله عزّ وجلّ في قوم موسى عليهالسلام : ( ثُمّ تَوَلّيْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ) (٤) ، وقوله تبارك وتعالى : ( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشّكُورُ ) (٥) ، وقوله : ( إِلاّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ) (٦) ، وغيرها من الآيات .
فإذا كان هذا حال الأمم الماضية مع أنبيائها من الإعراض والتمرّد ، كذلك ما حصل في أُمّتنا الإسلامية ، التي أنبأ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم عن أنّها يجري فيها ما جرى في الأمم السالفة ، كما هو وارد في الأحاديث المتفق عليها عند الفريقين .
منها ما ورد في صحيح البخاري ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( لتتبعنّ سنن مَن كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع ، حتى لو
ـــــــــــــ
(١) عبس : ١٧.
(٢) العنكبوت : ١٤ .
(٣) هود : ٤٠ .
(٤) البقرة : ٨٣ .
(٥) سبأ : ١٣ .
(٦) سورة ص : ٢٤ .
دخلوا جحر ضبّ تبعتموهم ، قلنا : يا رسول الله ، اليهود والنصارى ؟ قال :فمن ؟! ) (١) .
وفي نص آخر أخرجه الحاكم في مستدركه ـ ووافقه الذهبي في تلخيصه ـ عن عمرو بن عوف المزني ، عن أبيه ، قال : كنّا قعوداً حول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في مسجده ، فقال :( لتسلكن سنن مَن قبلكم حذو النعل بالنعل ، ولتأخذنّ مثل أخذهم إن شبراً فشبر ، وإن ذراعاً فذراع ، وإن باعاً فباع ، حتى لو دخلوا جحر ضب دخلتم فيه ، ألا إن بني إسرائيل افترقت على موسى على إحدى وسبعين فرقة كلها ضالّة إلاّ فرقة واحدة ) (٢) .
لا عجب ممّا فعله الصحابة ، من إعراضهم عن وصايا النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، لا سيّما إذا أخذنا بنظر الاعتبار طبيعة قريش وما تحمله من تطلّع نحو الزعامة والملك والسلطان ، وذلك ما كان يتخوّف منه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عندما قال :
ـــــــــــــ
(١) صحيح الخباري : ج ٤ ص ٤٠٠ ح ٧٣٢٠ ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة ، باب لتتبعن سنن مَن كان قبلكم .
(٢) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج ١ ص ١٢٩ ؛ وكذا : مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٧ : ص ٢٦٠ ؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١ ص ٢١١ ح ١٠٥٩ ؛ تحفة الأحوذي ، المباركفوري : ج ٦ ص ٣٤٠ ؛ قال فيه : ( هذا حديث حسن صحيح ، وأخرجه أحمد في مسنده ) ؛ السنن ، الترمذي : ج ٤ ص ١٣٥ ح ٢٧٧٩ ، قال فيه : ( هذا حديث حسن غريب ) ، سلسلة الأحاديث الصحيحة ، الألباني : ج ٣ ص ٣٣٤ ، ح ١٣٤٨ ، وفيه زيادة : ( وحتى لو أنّ أحدهم ضاجع أُمّه بالطريق لفعلتم ) ، قال الألباني : رجاله رجال الصحيح غير موسى بن ميسرة الديلمي وهو ثقة على أنّه متابع .
( أكثر ما أتخوّف على أُمّتي من بعدي رجل يتأوّل القرآن يضعه على غير مواضعه ، ورجل يرى أنّه أحق بهذا الأمر من غيره ) (١) .
إنّ وجود عدد كبير من المنافقين في صفوف المسلمين ، الذين ما فتئوا يتربّصون الدوائر للإطاحة بالإسلام ، له دور مهم في إيجاد حالة إعلامية وخلق أجواء سياسية مناهضة للخلافة الشرعية ، وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : ( أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان )(٢) ، وكذلك وجود طائفة من مرضى القلوب ، كقوله تعالى : ( إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ غَرّ هؤُلاَءِ دِينُهُمْ ) (٣) .
لقد كان لطبيعة العلاقات التي كانت سائدة بين القبائل في المدينة المنوّرة دور مؤثّر في هذا المجال ، حيث كان التنافس والنزاع سائداً بين تلك القبائل ، كما هو الحال في قبيلتي الأوس والخزرج ، فلم تكن قبائل المدينة المنورة موحّدة ، بل إنّ قبلتي الأوس والخزرج ـ وهما قبيلتان كبيرتان من الأنصار ـ كانتا متنازعتين متنافستين على الزعامة في الجاهلية ،
ـــــــــــــ
(١) المعجم الأوسط ، الطبراني : ج ٢ ص ٢٤٢ ـ ٢٤٣ ؛ الجامع الصغير ، السيوطي : ج ١ ص ٢٠٥ ح ١٣٨٣ ؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١٠ ص ٢٠٠ ح ٢٩٠٥٢.
(٢) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، الهيثمي : ج ١ ص ١٨٧ ، قال فيه : ( رواه الطبراني في الكبير والبزار ، ورجاله رجال الصحيح ) .
(٣) الأنفال : ٤٩ .
وسكنت فورتهم بوجود رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بين ظهرانيهم ، وقد كانت تطفح فورة التنازع بينهم في حياة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بين الحين والآخر ، كما نقل ذلك البخاري ، ومسلم في صحيحيهما ، وكذا غيرهما ، من ذلك المقطع التالي : ( فقام رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم على المنبر ، فقال : يا معشر المسلمين ، مَن يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي ، فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل ، فقال : أنا يا رسول الله أعذرك ، فإن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج ، أمرتنا ففعلنا أمرك ، فقام رجل من الخزرج [هو سعد بن عبادة] ، فقال لسعد : [ والمقصود به ابن معاذ الأنصاري ] كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل ، فقام أسيد بن حضير ، وهو ابن عم سعد ، فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه ، فإنّك منافق تجادل عن المنافقين ، فثار الحيّان الأوس والخزرج ، حتى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قائم على المنبر )(١) .
وكذلك نقل الطبري في تفسيره ، وغيره : ( عن زيد بن أسلم قال : مرَّ شاس بن قيس ـ وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية ، عظيم الكفر ، شديد الضغن على المسلمين ، شديد الحسد لهم ـ على نفر من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من الأوس والخزرج ، في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه ، فغاظه ما رأى من جماعتهم ، وإلفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام ، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية ، فأمر فتىً شاباً من اليهود ، وكان معه ، فقال : اعمد إليهم فاجلس معهم ، وذكّرهم يوم بعاث وما كان قبله ، وأنشدهم بعض
ـــــــــــــ
(١) صحيح البخاري : ج ٣ ص ٥٤ ـ ٥٥ ح ٤١٤١ ، كتاب المغازي ، باب حديث الإفك ؛ صحيح مسلم : ج ٤ ص ٢١٢٩ ـ ٢١٣٤ ح ٢٧٧٠ ، كتاب التوبة ، باب في حديث الإفك .
ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار ، ففعل فتكلّم القوم عند ذلك ، فتنازعوا وتفاخروا ، حتى تواثب رجلان من الحيّين على الركب ، فتقاولا ، ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم والله رددناها الآن جذعة ، وغضب الفريقان ، وقالوا : قد فعلنا ، السلاح السلاح ، موعدكم الظاهرة ، فخرجوا إليها ، وتحاور الناس ، فانضمت الأوس بعضها إلى بعض ، والخزرج بعضها إلى بعض ، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية ، فبلغ ذلك رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فخرج إليهم ، فقال : يا معشر المسلمين ، الله الله ، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام )(١) .
إذن كان للخلاف العريق بينهم الدور الكبير في حسم الموقف في السقيفة لصالح زعماء الحزب القرشي ، وهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ابن الجراح .
ويتضح من ذلك أنّ الأجواء التي كان يتعايش فيها الأوس والخزرج ، أجواء مضطربة هيّأت الأرضية المناسبة لانقلاب الأمر في السقيفة لمَن حضرها من المهاجرين ؛ ومن هنا نجد أنّ المنازعة ذاتها تكررت في السقيفة بين الأوس والخزرج ، عندما قام بشير بن سعد ، فقال : ( يا معشر الأنصار ، إنّا والله لئن كنّا أولي فضيلة في جهاد المشركين وسابقة في هذا الدين ، ما أردنا به إلا رضى ربنا ، وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ، ولا نبتغي به من الدنيا عرضاً ، فإنّ الله ولي المنّة علينا بذلك ، ألا إنّ محمّداً صلىاللهعليهوآلهوسلم من قريش ، وقومه أحق به وأولى ، فناداه الحباب بن المنذر : يا بشير بن سعد ، عققت عقاق ، ما أحوجك إلى ما
ـــــــــــــ
(١) جامع البيان ، الطبري : ج ٤ ص ٣٢ ـ ٣٣ .
صنعت ، أنفّست على ابن عمّك الإمارة ، ولمّا رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد ، فقاموا إليه [ أبو بكر ] فبايعوه )(١) .
فكان ذلك الاختلاف والتنازع بين القبيلتين من العوامل المساعدة في حسم الموقف في تلك الأجواء الملتهبة لصالح المهاجرين ، وبالخصوص مَن حضر منهم ، ولم يكن ذلك كاشفاً عن الرأي السديد والشرعي في الخلافة ، بل هي ظروف وأجواء مهّدت لذلك .
ومن هنا نجد أنّ عليّاً عليهالسلام عندما تكلّم عن فضله ، وسابقته في الإسلام ، وأحقّيّته برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في مسجد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أمام أبي بكر وعمر وجمع من الناس ، قال : ( الله يا معشر المهاجرين ، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقّه ، فوالله ، يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به ؛ لأنّا أهل البيت ونحن أحق بهذا الأمر منكم والله إنّه لفينا ، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله ، فتزدادوا من الحق بعداً )(٢) فقام أحد الحاضرين ، وقال : ( لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ، ما اختلف عليك اثنان )(٣) .
ـــــــــــــ
(١) تاريخ ، الأمم والملوك ، الطبري : ج ٢ ص ٤٥٨ ؛ الإمامة والسياسة ، الدينوري : ج ١ ص ٢٦ .
(٢) الإمامة والسياسة ، الدينوري : ج ١ ص ٢٩ ؛ انظر : السقيفة وفدك ، أبو بكر الجوهري : ص ٦٣ ؛ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ٦ ص ١٢ .
(٣) الإمامة والسياسة ، الدينوري : ج ١ ص ٢٩ ؛ السقيفة وفدك ، أبو بكر الجوهري : ص ٦٣ .
إنّ التناحر والتحاسد ـ الذي كان بين الأوس والخزرج ـ كان ذاته بين المهاجرين والأنصار ، ولهذه الحقيقة شواهدها الكثيرة أيضاً في حياة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما أخرج ذلك البخاري في صحيحه ، عن جابر بن عبد الله ، قوله : ( كنّا في غزاة ، قال سفيان : مرةً في جيش فكسع(١) رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار ، فقال الأنصاري : يا للأنصار ، وقال المهاجري : يا للمهاجرين ، فسمعها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار ، فقال الأنصاري : يا للأنصار ، وقال المهاجري : يا للمهاجرين ، فقال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم :دعوها فإنها منتنة )(٢) .
وقد كان الأنصار يعلمون أنّ قريشاً سوف لا تسمح لعلي في تسلّم الخلافة بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنّهم سوف يزوونها عنه ، فكان الشغل الشاغل لهم ، أن يحصلوا على ضمانات تؤمّن لهم مصيرهم بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذلك لأنّهم هم الذين قتلوا سادات قريش وأبطالها ، فكانوا يخشون أن تحيف عليهم قريش بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ ومن هنا نجد أنّ عمر رتّب كلاماً ونمّقه لإقناع الأنصار وطمأنتهم بإعطائهم دوراً في الخلافة ، والموقف ذاته اتخذه أبو بكر في السقيفة ، حيث خاطب الأنصار بقوله : ( وأنتم يا معشر الأنصار مَن لا ينكر فضلهم في الدين ، ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام ،
ـــــــــــــ
(١) كسع : أن تضرب بيدك أو برجلك بصدر قدمك على دبر إنسان أو شيء ، وفي حديث زيد بن أرقم : إنّ رجلاً ضرب رجلاً من الأنصار ، أي : ضرب دبره بيده ؛ لسان العرب ، ابن منظور : ج ٨ ص ٣٠٩ .
(٢) صحيح البخاري : ج ٣ ص ٢٩١ ح ٤٩٠٧ ، كتاب التفسير ، سورة المنافقون ، باب ( يقولون لإن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل ) .
ورضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله ، وجعل إليكم هجرته ، وفيكم جلةّ أزواجه وأصحابه ، فليس بعد المهاجرين الأوّلين عندما بمنزلتكم ، فنحن الأُمراء وأنتم الوزراء )(١) .
لم تكن بيعة أبي بكر تتمتع بأجواء من الحرية والاختيار ، بل خيّمت عليها أجواء الرعب والقسوة والغلظة والإكراه ، فلم يُفسح المجال للصحابة كي يدلوا برأيهم بوافر من الحرية والاختيار ، بل السرعة والعجلة والإكراه زوت الخلافة عن صاحبها الشرعي بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ ولذا يقول ابن أبي الحديد في شرح النهج : ( وعمر هو الذي شد بيعة أبي بكر ، ورقم المخالفين فيها ، فكسر سيف الزبير لما جرّده ، ودفع في صدر المقداد ، ووطئ في السقيفة سعد بن عباده ، وقال : اقتلوا سعداً قتل الله سعداً ، وحطّم أنف الحباب بن المنذر ، الذي قال يوم السقيفة : أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب .
وتوعّد مَن لجأ إلى دار فاطمة عليهاالسلام من الهاشميين ، وأخرجهم منها ، ولولاه لم يثبت لأبي بكر أمر ، ولا قامت له قائمة )(٢) .
وقال البراء بن عازب : ( فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة ، وهم محتجزون بالأزر الصنعانية ، لا يمرون بأحد إلاّ خبطوه وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر ،
ـــــــــــــ
(١) تاريخ الأمم والملوك ، الطبري : ج ٢ ص ٤٥٧ .
(٢) شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ١ ص ١٧٤ .
يبايعه ، شاء ذلك أو أبى ، فأنكرت عقلي وخرجت )(١) .
وعندما جاء عمر إلى بيت فاطمة عليهاالسلام ( وخرج إليهم الزبير بسيفه ، فقال عمر : عليكم الكلب )(٢) .
لقد حدثنا التاريخ عن مخالفات كثيرة حصلت من المهاجرين والأنصار لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلم يكن إطباق أكثرهم على مخالفة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم أول قارورة انكسرت في الإسلام ، وقد اتخذت المخالفات صوراً وأشكالاً متعددة ومتنوعة منها :
إنّ المواقف التي وقفها بعض الصحابة الذين يعتبرون من المقربين من الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم تكشف عن عدم معرفتهم به صلىاللهعليهوآلهوسلم وجهلهم بمكانتة القدسية بحيث أدى بهم الأمر إلى عصيان أوامره وكأنّه شخص عادي ، وقد جاء في الصحاح والكتب الأخرى ما يكشف عن ذلك ومنها :
أ ـ أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن جابر بن عبد الله : ( إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان حتى بلغ كراع الغميم ، فصام الناس ثم دعا بقدح من ماء ، فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب ، فقيل له بعد ذلك : إنّ بعض الناس قدم صام فقام :أولئك العصاة ، أولئك العصاة )(٣)
ـــــــــــــ
(١) شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ١ ص ٢١٩ .
(٢) السقيفة ، أبو بكر الجوهري : ص ٦٢ ؛ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ٦ ص ١١ .
(٣) صحيح مسلم ، محمد بن مسلم النيسابوري : ج ٢ ص ٧٨٥ ح ١١١٤ ، كتاب الصيام .
( وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً مّبِيناً ) (١) .
ب ـ وأخرج مسلم في صحيحه أيضاً بسنده عن عائشة أنّها قالت : ( قدم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لأربع مضين من ذي الحجة أو خمس ، فدخل عليّ وهو غضبان ، فقلت : مَن أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار ، قال :أوَما شعرت أنّي أمرت الناس بأمر فإذا هم يتردّدون )(٢) .
ج ـ وأخرج الهيثمي في مجمع الزوائد عن البزار قال : ( خرج رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وأصحابه فأحرمنا بالحج ، فلمّا أن قدمنا مكة ، قال :اجعلوا حجّكم عمرة ، قال الناس : يا رسول الله أحرمنا بالحج فكيف نجعلها عمرة ، قال :انظروا ما آمركم به فاعملوا قال : فردّوا عليه القول ، فغضب ثم انطلق حتى دخل على عائشة غضبان ، قال : فعرفت الغضب في وجهه ، قالت : مَن أغضبك أغضبه الله ، قال :مالي لا أغضب وأنا آمر بالأمر لا يتّبع ) .
قال الهيثمي : ( رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح )(٣) .
د ـ وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس قال : ( لمّا اشتد بالنبي وجعه قال : ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده ، قال عمر : إنّ النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا ، فاختلفوا وكثر اللغط ، قال : قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع ، فخرج ابن عباس يقول : إنّ الرزيّة كل الرزيّة ما حال بين رسول الله وبين كتابه )(٤) .
ـــــــــــــ
(١) الأحزاب : ٣٦ .
(٢) صحيح مسلم ، محمد بن مسلم النيسابوري : ج ٢ ص ٨٧٩ ح ١٢١١ ، كتاب الحج .
(٣) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٣ ص ٢٣٣ .
(٤) صحيح البخاري : ج ١ ص ٧٣ ـ ٧٤ ح ١١٤ ، كتاب العلم ، باب كتابة العلم .
أخرج البخاري ، عن أنس قال : ( لمّا كان يوم أُحد انهزم الناس عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم )(١) .
وأخرج أيضاً في نفس الواقعة : ( فأقبلوا منهزمين ، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم ، فلم يبق مع النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم غير اثني عشر رجلاً )(٢) .
وأخرج أيضاً ، عن أنس : ( إنّ عمّه قال : فهزم الناس ، فقال : اللّهمّ إنّي أعتذر إليك ممّا صنع هؤلاء [ يعني المسلمين ] ، وأبرأ إليك ممّا جاء به المشركون )(٣) .
أخرج البخاري ، عن أبي إسحاق قوله : ( قال رجل للبراء بن عازب : أفررتم عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يوم حنين ؟ فقال : لكنّ رسول الله لم يفر )(٤) .
وأخرج الطبراني بسنده عن زيد بن أرقم قال : ( انهزم الناس عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يوم حنين ، فقال :أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب )(٥) ، وقال
ـــــــــــــ
(١) صحيح البخاري : ج ٢ ص ٢٣٠ ح ٢٨٨٠ ، كتاب الجهاد والسير ، باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال .
(٢) المصدر نفسه : ج ٢ ص ٢٦٧ ح ٣٠٣٠ ، كتاب الجهاد والسير ، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب .
(٣) المصدر نفسه : ج ٣ ص ٢٩ ح ٤٠٤٨ ، كتاب المغازي ، باب غزوة أحد .
(٤) صحيح البخاري : ج ٣ ص ٩٢ ح ٤٣١٧ ، كتاب المغازي ، باب قوله تعالى : ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ) ؛ صحيح مسلم : ج ٣ ص ١٤٠١ ح ١٧٧٦ ، كتاب الجهاد والسير ، باب في غزوة حنين ؛ صحيح ابن حبان : ج ١١ ص ٩٠ ح ٤٧٧٠ .
(٥) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٥ ص ١٩٠ .
الهيثمي: (رواه الطبراني ورجاله ثقاة)(١) .
أخرج البخاري أيضاً قول عمر : ( فأتيت نبي الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقلت : ألست نبي الله حقاً ؟
قال : بلى .
قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟
قال : بلى .
قلت فلمَ نعطي الدنية في ديننا ؟ ـ إلى أن قال : ـ فلمّا فرغ من قضية الكتبا ، قال رسول صلىاللهعليهوآلهوسلم لأصحابه : قوموا ثم احلقوا ، قال : فوالله ما قام منهم رجل ، حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فلمّا لم يقم منهم أحد دخل على أُمّ سلمة فذكر لها ما لقي في الناس ، فقالت أُم سلمة : يا نبي الله أتحب ذلك ؟ أخرج ثم لا تكلّم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك ، وتدعو حالقك فيحلقك ، فخرج فلم يكلّم أحداً منهم حتى فعل ذلك ، نحر بدنه ، ودعا حالقه فحلقه ، فلمّا رأوا ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضاً ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمّاً )(٢) .
ـــــــــــــ
(١) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٦ ص ١٨٢ .
(٢) صحيح البخاري : ج ٢ ص ١٩٠ ـ ١٩١ ح ٢٧٣١ ـ ٢٧٣٢ ، كتاب الشروط ، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب ؛ مسند أحمد : ج ٤ ص ٣٣٠ ـ ٣٣١ ؛ صحيح مسلم ، محمد بن مسلم النيسابوري : ج ٣ ص ١٤١١ ـ ١٤١٢ ح ١٧٨٥ ، كتاب الجهاد والسير ، باب صلح الحديبية ؛ نيل الأوطار ، الشوكاني ج ٨ ص ١٨٧ ؛ صحيح ابن حبان : ج ١١ ص ٢٢٤ ؛ وغيرها من المصادر الكثيرة .
وذلك قوله تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرّسُولَ فَقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَمْ تَجِدُوا فَإِنّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ * ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصّلاَةَ وَآتُوا الزّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (١) .
وفي فتح الباري : أخرج سفيان بن عيينة في جامعه عن عاصم الأحول قال : ( لمّا نزلت كان لا يناجي النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أحد إلاّ تصدق ، فكان أوّل مَن ناجاه علي بن أبي طالب ، فتصدّق بدينار ، ونزلت الرخصة ( فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ ) الآية ، وهذا مرسل رجاله ثقات )(٢) ، وفي تحفة الأحوذي قال : ( فلمّا أُمروا بالصدقة كفّوا عن مناجاته ، فأمّا الفقراء وأهل العسرة فلم يجدوا شيئاً ، وأمّا الأغنياء وأهل الميسرة فضنوا واشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فنزلت الرخصة ، وبعده ( ذلك خير لّكم ) يعني تقديم الصدقة على المناجاة لما فيه من طاعة الله وطاعة رسوله ( وأطهَرُ ) (٣) ، وفي موضع آخر نقل صاحب تحفة الأحوذي ، عن أبي يعلى ، وابن جرير، والمنذر عن مجاهد ، قال : ( فلم يناجه إلاّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه قدّم ديناراً ، فتصدق به ، ثم أنزلت الرخصة في ذلك ) )(٤) .
ـــــــــــــ
(١) المجادلة : ١٢ ـ ١٣ .
(٢) فتح الباري ، ابن حجر : ج ١١ ص ٦٨ .
(٣) تحفة الأحوذي ، المباركفوري ج ٩ ص ١٣٧ .
(٤) المصدر نفسه : ج ٩ ص ١٣٨ .
حيث تخلّف القوم عن إنفاذ جيش أسامة ورسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يكرّر قوله :( أنفذوا بعث أسامة ، لعن الله مَن تخلّف عنه ) (١) ، ويقول صلىاللهعليهوآلهوسلم أيضاً :( أنفذوا بعث أسامة ، فلعمري لأن قلتم في أمارته لقد قلتم في أمارة أبيه من قبله ، وإنّه لخليق بالإمارة ) (٢) .
فإذا كانت تلك المخالفات الكثيرة والجماعية من الصحابة في عهد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو بين أظهرهم ، فلا غرابة أن تقع ذلك بعد وفاته صلىاللهعليهوآلهوسلم .
وإذا كانوا قد تكلّموا في إمارته زيد ، وابنه أسامه لصغر سنّه ، فلا عجب أن يتكلّموا مَن في إمارة علي عليهالسلام وخلافته ، خصوصاً وأنّ الحزب القرشي قد صرّح بأنّهم استصغروا سنّ علي عليهالسلام ، فنحّوه عن الخلافة .
إنّ الارتداد والانقلاب والعصيان من الأمور التي صرّحت بها الآيات المباركة ، والروايات الواردة عن الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد جاء في قوله تعالى : ( وَمَا مُحمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ ) (٣) .
ـــــــــــــ
(١) السقيفة ، أبو بكر الجوهري : ص ٧٧ ؛ انظر : شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج ١ ص ٣٣٨ ؛ انظر : المعيار والموازنة ، الإسكافي : ص ٢١١ ؛ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ٦ ص ٥٢ .
(٢) الطبقات الكبرى ، ابن سعد : ج ٢ ص ٢٤٩ ؛ سيرة ابن هشام : ج ٤ ص ١٠٦٤ .
(٣) آل عمران : ١٤٤ .
وأخرج البخاري عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قوله :( يا أيّها الناس إنّكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً (١) ، ثم قال : ( كَمَا بَدَأْنَا أَوّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنّا كُنّا فَاعِلِينَ ) (٢) ، إلى آخر الآية ، ثم قال :ثم إنّ أوّل مَن يكسى يوم القيامة إبراهيم ، ألا إنّه يجاء برجال من أُمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : يا رب ! أصحابي ، فيقال : لا تدري ما أحدثوا بعدك ؟ فأقول كما قال العبد الصالح : ( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) ، فيقال : إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم ) (٣) .
وروى البخاري أيضاً ، عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :( أنا فرطكم على الحوض ، ليرفعنّ إليّ رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني ، فأقول : أي ربّ أصحابي ، فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك ) (٤) وروى أيضاً عن سهل بن سعد قال : سمعت النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول :( أنا فرطكم على الحوض ، مَن ورده شرب منه ، ومَن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً ، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثم يحال بيني وبينهم ) (٥) .
وروى مسلم في صحيحه ، في كتاب الطهارة في الوضوء بسنده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( ترد عليّ أُمّتي الحوض ، وأنا أذود الناس عنه ، كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله وليصدّن عنّي طائفة
ـــــــــــــ
(١) غرلاً : جمع الأغرل ، ورجل غرل : مسترخي الخلق ، لسان العرب ، ابن منظور : ج ١١ ص ٤٩٠.
(٢) الأنبياء : ١٠٤ .
(٣) صحيح البخاري : ج ٣ ص ٢٢٨ ـ ٢٢٩ ح ٤٧٤٠ ، كتاب التفسير ،( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ) .
(٤) المصدر نفسه : ج ٤ ص ٣٣٤ ح ٧٠٤٩ ؛ كتاب الفتن ، باب ما جاء في قوله تعالى :( وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ) .
(٥) صحيح البخاري : ج ٤ ص ٣٣٤ ح ٧٠٥٠ ، ح ٧٠٥١ ، كتاب الفتن ، باب ما جاء في قوله تعالى :( وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ) .
منكم فلا يصلون ، فأقول : يا ربّ ! هؤلاء من أصحابي ، فيجيبني مَلَك ، فيقول : وهل تدري ما أحدثوا بعدك ؟ ) (١) .
وروى مسلم أيضاً ، عن أنس بن مالك ، قال : إنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :( ليردنّ عليّ الحوض رجال ممّن صاحبني حتى إذا رأيتهم ، ورفعوا إليّ ، اختلجوا دوني ، فلأقولنّ : أي ربّ أصيحابي أصيحابي ، فليقالنَّ لي : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ) (٢) .
وروى ابن جرير الطبري في تفسيره بسنده عن قتادة في تفسير قوله تعالى : ( يَوْمَ تَبْيَضّ وُجُوهٌ ) (٣) ، لقد كفر أقوام بعد إيمانهم كما تسمعون ، ولقد ذكر لنا أنّ نبي الله كان يقول :( والذي نفس محمد بيده ، ليردنّ عليّ الحوض ممّن صحبني أقوام ، حتى إذا رفعوا إليّ ورأيتهم اختلجوا دوني ، فلأقولن : ربّ أصحابي أصحابي ، فليقالنّ : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ) (٤) .
وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، قال : ( وكان يقال : أطوع الناس في قومه الجارود بن بشر بن المعلّى ، لمّا قُبض رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فارتدّت العرب ، خطب قومه فقال : أيّها الناس ، إن كان محمد قد مات فإنّ الله حي لا يموت )(٥) . وقد أنبأ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاً عليهالسلام بذلك الارتداد
ـــــــــــــ
(١) صحيح مسلم ، محمد بن مسلم النيسابوري : ج ١ ص ٢١٧ ح ٢٤٧ ، كتاب الطهارة باب استحباب إطالة الغرة والتجميل في الوضوء .
(٢) صحيح مسلم ، النيسابوري : ج ١ ص ١٨٠٠ ح ٢٣٠٤ ، كتاب الفضائل ، باب فضل نسب النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم .
(٣) آل عمران : ١٠٦ .
(٤) جامع البيان ، الطبري : ج ٤ ص ٥٥ .
(٥) شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ١٨ ص ٥٧ .
وغدر الأمة له ، حيث قال صلىاللهعليهوآلهوسلم :( إنّ الأمة ستغدر بك بعدي ، وأنت تعيش على ملّتي وتُقتل على سنّتي ، مَن أحبك أحبّني ، ومَن أبغضك أبغضني ، وإن هذه ستخضب ) (١) ، وسنده صحيح ولم يتكلّموا فيه إلاّ من جهة ثعلبة بن يزيد الحماني ولكن قال النسائي فيه : إنّه ( ثقة )(٢) وقال ابن عدي : ( لم أر له حديثاً منكراً )(٣) وقال ابن حجر : ( صدوق شيعي )(٤) ، وقال الحاكم فيه : ( صحيح )(٥) .
وأخرج الحاكم في المستدرك ، عن علي عليهالسلام أنّه قال :( إنّ ممّا عهد ليّ النبي : إنّ الأمة ستغدر بي بعده ) (٦) قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
والحاصل أنّ الانقلاب والزيغ عن جادة الصواب في أمر الخلافة ممّا تنبّأ به القرآن والرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم .
وبعد هذا كلّه ، كيف يستغرب في عصيان الصحابة ، ومخالفتهم في أمر الخلافة والإمامة التي هي من أصعب المنعطفات التي مرّت بها الأمة الإسلامية بعد وفاة الرسول الأكرم ، كما عبّر عن ذلك الشهرستاني في
ـــــــــــــ
(١) التاريخ الكبير : البخاري : ج ٢ ص ١٧٤ ح ٢١٠٣ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٤٢ ص ٤٤٨ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ٦ ص ٢٤٤ ـ ٣٦٠ ؛ تهذيب الكمال ، المزي : ج ٤ ص ٣٩٩ ؛ تاريخ بغداد ، الخطيب البغدادي : ج ١١ ص ٢١٦ ح ٥٩٢٨ ؛ كنز العمال ، المتقي الهندي : ج ١١ ص ٢٩٧ ح ٣١٥٦٢ .
(٢) ميزان الاعتدال ، الذهبي : ج ١ ص ٣٧١ .
(٣) المصدر نفسه .
(٤) تهذيب الكمال ، المزي : ج ٤ ص ٣٩٩ .
(٥) المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ١٤٣ .
(٦) المصدر نفسه : ج ٣ ص ١٤٠ ؛ وجاء بهذا اللفظ في مجمع الزوائد : ج ٩ ص ١٣٧ .
كتابه ( الملل والنحل ) بقوله : ( ما سُلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان )(١) .
إنّ انحراف الناس عن الأنبياء عليهمالسلام في الأمم السابقة أمر معهود في التاريخ ، كما يحدثنا القرآن الكريم والتاريخ بذلك ، وعلى هذا الضوء فإنّ الأُمّة الإسلامية لم يستثنها الله تعالى من باقي الأمم التي يجمعها قاسم مشترك ، وهو طبيعة النفس الإنسانية وميلها للشهوات والأطماع ، لا سيّما وأنّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم نصّ وأكّد على أنّ الأمة الإسلامية تحذو حذو هذه الأمم السابقة في كل شيء .
ومن هنا فعدول الصحابة عن وصية نبيهم صلىاللهعليهوآلهوسلم أمر لا يخرج عن الأسباب التي دفعت الأمم السابقة بالعدول عن أنبيائهم ، ويمكن إجمال خلفيات عدول الصحابة فيما يلي :
١ ـ طبيعة قريش وما تحمله من تطلّع نحو الزعامة والملك والسلطان .
٢ ـ وجود عدد كبير من المنافقين ومرضى القلوب في صفوف المسلمين .
٣ ـ التنافس والنزاع بين القبائل كما هو الحال بين قبيلتي الأوس والخزرج .
٤ ـ التناحر والتحاسد بين المهاجرين والأنصار .
ـــــــــــــ
(١) الملل والنحل ، الشهرستاني : ج ١ ص ٢٠ .
٥ ـ سياسة الإرهاب في السقيفة .
٦ ـ تجاسر الصحابة على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، حيث أحصى التاريخ عدداً وافراً من المخالفات للرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم منها :
أ ـ مخالفة أوامر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عند فرارهم في معركة أحد .
ب ـ عصيانهم لله ورسوله بفرارهم من الزحف كما في يوم حنين .
ج ـ اعتراض الصحابة على الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم في الحديبية ، حيث أمرهم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بالنحر فاعترضوا عليه ولم يقم منهم أحد .
د ـ الإشفاق من التصدّق عندما أمر الله تعالى بتقديم صدقة عند مناجاة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فتركوا مناجاة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم خشية من دفع الصدقة .
هـ ـ تخلّف القوم عن الالتحاق بجيش أُسامة الذي أمرهم الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بإنفاذه .
٧ ـ إنّ ارتداد الصحابة قد أنبأنا به القرآن الكريم ، كما في قوله تعالى : ( وَمَا مُحمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ ) (١) .
بالإضافة إلى إنباء رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في روايات مستفيضة بارتداد بعض أصحابة .
ـــــــــــــ
(١) آل عمران : ١٤٤ .
الفصل السادس: العصمة والغلو
العصمة والغلو
عصمة أهل البيت من أبرز مظاهر الغلو .
لكي تتضح عصمة أهل البيت عليهمالسلام بشكل واضح ، ينبغي أن نقف قليلاً لنفهم معنى وحقيقة العصمة ، فنقول :
العصمة لغةً :
العصمة : هي المنع والوقاية ، قال في القاموس : ( أعصم ، يعصم : اكتسب ومنع ، ووقى والعصمة بالكسر المنع )(١) .
وجاء في كتاب العين : ( أن يعصمك الله من الشر ، أي : يدفع عنك واعتصمت بالله ، أي : امتنعت به من الشر واستعصمت ، أي : أبيت وأعصمت ، أي : لجأت إلى شيء اعتصمت به )(٢) .
وقال في لسان العرب : ( العصمة في كلام العرب : المنع وعصمة الله عبده : أن يعصمه ممّا يوبقه عصمه يعصمه عصماً : منعه ووقاه ، وفي التنزيل : لا عاصم اليوم من أمر الله إلاّ من رحم ، أي لا معصوم إلاّ المرحوم )(٣) .
وجاء في مختار الصحاح : ( ع ص م العصمة المنع ، يقال عصمه الطعام ،
ـــــــــــــ
(١) القاموس، الفيروزآبادي : ج ٤ ص ١٥١ .
(٢) كتاب العين ، الخليل أحمد الفراهيدي : ج ١ ص ٣١٣ .
(٣) لسان العرب ، ابن منظور : ج ١٢ ص ٤٠٣ .
أي منعه من الجوع ، والعصمة أيضاً الحفظ ، وقد عصمه يعصمه بالكسر عصمة فانعصم ، واعتصم بالله أي امتنع بلطفه من المعصية )(١) .
العصمة اصطلاحاً :
لا يختلف معنى العصمة اصطلاحاً عن المعنى اللغوي إلاّ في خصوصيات مصداق العصمة الشرعية من أجزاء وشرائط مرتبطة بالأفراد المعصومين ، فالعصمة لدى الأنبياء والرسل والأولياء والأئمّة عليهمالسلام تعني المنع من ارتكاب المعصية والوقاية من كل رجس ، فلابد أن نعرف أسباب هذا المنع وموجبات هذه الوقاية .
إنّ الأساس الذي تعتمد عليه العصمة هو العلم ، وهذا الضرب من العلم ليس من سنخ العلم العادي الموجود عند جميع أفراد البشر على السواء ، والذي يسمّى في الاصطلاح العلمي بالعلم الحصولي ، وهو الذي أشارت إليه الآية المباركة بقوله تعالى : ( وَاللهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (٢) وهذا النوع من العلم موجود عند كل إنسان سواء كان فاسقاً فاجراً أم مؤمناً عادلاً .
وقد أشار القرآن الكريم إلى حقيقة العلم الذي يكون منشأ للعصمة في موارد متعددة :
١ ـ قوله تعالى في حكايته عن النبي يوسف عليهالسلام : ( وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنّي كَيْدَهُنّ
ـــــــــــــ
(١) مختار الصحاح ، محمد بن عبد القادر : ص ٢٣٠ .
(٢) النحل : ٧٨ .
أَصْبُ إِلَيْهِنَ وَأَكُن مِنَ الْجَاهِلِينَ ) (١) .
فالآية تؤكّد بكل صراحة أنّ الذي يصبو إلى المعصية هو الجاهل الذي يقوده هوى النفس إلى ارتكاب ما حرّمه الله تعالى .
فإذا كان الجهل هو الذي يقود إلى المعصية فالعلم هو المانع والحائل عن المعصية ؛ ولذلك قال عليهالسلام ( وَأَكُن مِنَ الْجَاهِلِينَ ) ولم يقل : ( وأكن من الظالمين ) كما قال لامرأة العزيز : إنّه لا يفلح الظالمون أو أكن من الخائنين ، وكما قال للملك : ( وَأَنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ) .
فالنبي يوسف عليهالسلام فرّق في الخطاب بينه وبين امرأة العزيز والملك من جهة ، وبينه وبين ربّه من جهة أخرى ، فخاطب امرأة العزيز والملك ( بالظلم ، والخيانة ) ، وأنّ الظالم لا يفلح ، والله لا يهدي كيد الخائنين ، وخاطب ربّه تعالى بخطاب آخر وهو أنّ الصبوة إليهن من الجهل .
فيتضح من هذه الآية أن منشأ العصمة هو العلم .
٢ ـ قوله تعالى : ( وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَن يُضِلّوكَ وَمَا يُضِلّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) (٢) .
وهذه الآية واضحة الدلالة على أنّ المنشأ الرئيس للعصمة هو العلم الذي أنعم الله به على الأنبياء عليهمالسلام ، فالآية أشارت إلى أنّ المنافقين لا يتمكّنون من إضلال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أو التأثير عليه وذلك لما منحه الله تعالى من
ـــــــــــــ
(١) يوسف : ٣٣ .
(٢) النساء : ١١٣ .
قدرات علمية خاصة جعلته في حصانة تامة من الضلال ؛ ولذا يقول الفخر الرازي في صدر تفسيره للآية : ( وهذا من أعظم الدلائل على أنّ العلم أشرف الفضائل والمناقب )(١) .
وهذا بدوره يكشف عن سر تركيز القرآن الكريم وتأكيده على أهمية العلم الذي يحمله الأنبياء عليهمالسلام ، وهو العلم الذي يحمل في طيّاته خصائص ومميّزات عديدة تؤهّل الإنسان لأن يكون نبيّاً مرسلاً من الله تبارك وتعالى
قال تعالى حكاية عن النبي يوسف عليهالسلام : ( وَلَمّا بَلَغَ أَشُدّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ) (٢) ، وقال تعالى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً ) (٣) .
أمّا حقيقة هذا العلم ـ كما ستأتي الإشارة إليه في مبحث علم الإمام ـ هو سنخ علم ليس كالعلوم التي يتعلّمها الناس ، وإنّما هو علم يلقيه الله تعالى على قلب مَن يشاء ، وهو من سنخ العلم الذي كان وصي سليمان ( آصف بن برخيا ) يتصرف في التكوين بواسطته ، مع أنّه كان عنده بعض هذا العلم لا كلّه ، كما في قوله تعالى : ( قَالَ الّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هذَا مِن فَضْلِ رَبّي ) (٤) .
ومن الواضح أنّه تعالى قال : ( عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ ) فإنّ ( من ) تفيد التبعيض ، وبهذا البعض من العلم استطاع نقل عرش بلقيس من مملكتها إلى مقام سليمان في لحظة واحدة .
وعلى هذا الأساس ، فإنّ هذا السنخ من العلم كلّه موجود عند أهل البيت وسنشير إلى جملة من الشواهد الروائية التي تثبت ذلك في مبحث (علم الإمام) ، ونكتفي هنا بالإشارة لروايتين فقط .
ـــــــــــــ
(١) التفسير الكبير ، الفخر الرازي : مج ٦ ، ج ١١ ص ٤٠ .
(٢) يوسف : ٢٢ .
(٣) النمل : ١٥ .
(٤) النمل : ٤٠ .
الرواية الأولى : أخرج القندوزي الحنفي عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّه قال : ( علم الكتاب والله عندنا وما أعطي وزير سليمان بن داود ، إنّما عنده حرف واحد من الاسم الأعظم ، وعلم بعض الكتاب كان عنده وقال في علي عليهالسلام ومن عنده علم الكتاب وعلم بعض الكتاب سمّاه عنده الكتاب )(١) .
وعنه عليهالسلام أيضاً عن آبائه عليهمالسلام أنّه قال :( ألا وإنّا أهل بيت من علم الله علمنا وبحكم الله حكمنا ) (٢) .
الرواية الثانية : ما أخرجه ابن المغازلي عن علي عليهالسلام قال :قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : ( أعطينا أهل البيت سبعةً لم يُعطَها أحدٌ قبلنا ، ولا يعطاها أحد بعدنا : الصباحة والفصاحة والسماحة والشجاعة والحلم والعلم والمحبّة من النساء ) (٣) .
إذن هذا العلم الخاص إفاضة منه تعالى لأهل البيت عليهمالسلام وهو منشأ عصمتهم ، مضافاً إلى جملة وافرة من الأدلة العقلية والنقلية الدالة على عصمتهم عليهمالسلام .
ـــــــــــــ
(١) ينابيع المودة ، القندوزي : ج ١ ص ٣٠٦ .
(٢) شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ١ ص ٢٦٧ ؛ جواهر المطالب في مناقب الإمام الجليل علي بن أبي طالب : أحمد بن محمد الدمشقي الشافعي : ج ١ ص ٣٤٣ ؛ ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ١ ص ٨٠؛ ج ٣ ص ٤٠٨ .
(٣) مناقب علي بن أبي طالبعليهالسلام ، ابن المغازلي : ص ٢٩٥ ، ط ٢ .
تقدم سابقاً أنّ الإمامة متمّمة للنبوّة في مجال الدين بمعنى أنها واجبة لأداء وظيفة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في بيانه لأحكام الدين والعمل لهداية الناس إلى مصالحهم الواقعية وتزكية الناس وتربيتهم على الكمال اللائق بهم وحفظ التشريع عن التحريف والزيادة والنقصان .
وعلى هذا يعود الدليل الدال على عصمة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بعينه ليكون دليلاً على وجوب عصمة الإمام .
فالدليل العقلي القائم على عصمة النبي ، من أنّه لو جاز على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم الخطأ والمعصية ، مع أنّ الله تعالى أمر باتباعه والاقتداء به والانصياع والطاعة لإوامره ، فإنّ هذا يعني أنّ الله تعالى جوّز لنا ارتكاب المعصية والخطأ الذي يصدر من النبي ، وهذا محال لأنّ الله تعالى لا يأمر بالمعصية والانحراف عن المسار الصحيح الذي رسمه للبشرية .
إذن بالنظر إلى موقعية الإمام من الدين وكونه حافظاً للشريعة وقيّماً عليها لابد من القول بعصمته ، كما هو الحال بالنسبة للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فحيث لا يخامرنا الشك بعصمة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وأنّها أمر واضح ، وخلافها لا ينسجم مع الحكمة الإلهية ، فكذلك الإمام بعد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم للسبب ذاته .
وبذلك يتضح ضرورة عصمة الأئمّة عليهمالسلام بعد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنّها واجبة كعصمة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم .
مضافاً إلى أنّه لو افترضنا إمكان صدور الخطأ أو الوقوع في الذنب من النبي أو الإمام فإنّ هذا بدوره يؤدّي إلى إنكار الآخرين عليه ونفورهم منه ، وهو أمر ينافي ويضادد ما أمر الله تعالى به من طاعته ، وبالتالي يؤدّي الإنكار عليه إلى تفويت غرض الله تعالى من وصول الناس إلى كمالهم المرسوم ، الناتج عن طاعتهم للنبي أو الإمام .
يطالعنا القرآن الكريم بعدّة من الآيات الصريحة الدالة على عصمة الأئمّة عليهمالسلام :
الآية الأُولى : قوله تعالى ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (١) .
لا ريب أنّ الظالم في منطق الشريعة هو كل مَن يعصي الله تعالى ؛ لأّنه ظالم لنفسه على أقل تقدير ، أمّا العهد في الآية المباركة فالمراد منه الإمامة ، بقرينه قوله تعالى في نفس الآية : ( إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً ) ، فالظالم المرتكب للمعصية في أي فترة من فترات حياته لا يمكن أن يكون إماماً .
وربّما يُعترض على ذلك بالقول : إنّ الإنسان قد يرتكب في شوط من أشواط حياته معصية ما ، وقد يكون ظالماً لنفسه في مرتبة من مراتب عمره ثم يتوب ، فما المانع من أن يشمله اللطف الإلهي بالإمامة ؟
ـــــــــــــ
(١) البقرة : ١٢٤ .
يمكننا تصنيف الناس إلى أربعة أصناف لا خامس لها :
الصنف الأول : مَن كان ظالماً من أوّل عمره إلى آخره .
الصنف الثاني : مَن كان ظالماً في بداية عمره فحسب ، وكان تائباً مؤمناً في أواخر حياته .
الصنف الثالث : مَن كان مؤمناً أوّل عمره ، ظالماً في آخره .
الصنف الرابع : مَن كان في كل مراحل حياته مؤمناً من أوّلها إلى آخرها.
وبالعودة إلى إبراهيم ودعائه وطلبه الإمامة لذرّيته نجد أنّه من غير المعقول أن يطلب الإمامة لمَن كان ظالماً في جميع عمره أو ظالماً آخر عمره وإن كان في أوّله مؤمناً ، وهذا واضح .
إذن يبقى الصنف الثاني والثالث هما اللذان طلب إبراهيم عليهالسلام لهما الإمامة ، وقد نصّ الله تعالى في الآية المباركة على أنّ العهد والإمامة لا ينالها الظالم ، وينحصر المقصود بالظالم لا محالة بالصنف الثاني ، وهو مَن يكون ظالماً في بداية عمره فحسب ، وتائباً في آخر حياته .
وحينئذٍ يبقى الصنف الرابع وهو مَن كان مؤمناً في طول حياته ، وهو المعصوم عن الخطأ .
لا سيّما مع الالتفات إلى أنّ النبي إبراهيم من أنبياء أُولي العزم ، وقد تحدّث القرآن الكريم عن خلقه وأدبه مع الله تعالى في الطلب والمسألة .
كما في قوله تعالى : ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاّ عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أَنّهُ عَدُوّ للهِِ تَبَرّأَ مِنْهُ إِنّ إِبْرَاهِيمَ لأَوّاهٌ حَلِيمٌ ) (١) .
فالنبي إبراهيم عليهالسلام تبرأ من عمّه آزر بعد اطلاعه وعلمه بأنّه عدو لله .
ـــــــــــــ
(١) التوبة : ١٤ .
إذن إبراهيم عليهالسلام يتبرأ من كل عدو وعاص لله تعالى ؛ لأنّ العاصي هو عدو لله بمرتبة من المراتب ، وعلى هذا الأساس فإنّ كل ظالم لنفسه ولو مرة واحدة في حياته يخرج عن محوطة دعاء إبراهيم عليهالسلام له ، بعد أن أعلمه الله تعالى بأنّ هذا الصنف غير مستحق لعهد الإمامة ، وبذلك يخرج كل مَن كان ظالماً لنفسه في أي مقطع من مقاطع حياته ، فيبقى القسم الرابع وهو مَن كان غير ظالم من أوّل عمره إلى آخره .
إذن الآية الشريفة تدل بكل وضوح على عصمة كل مَن ينال ويستحق مقام الإمامة منذ اليوم الأول ، فلابد أن يكون الإمام معصوماً قبل الإمامة وبعدها .
وبذلك تدل الآية المباركة على عصمة أهل البيت عليهمالسلام ، بعد ثبوت إمامتهم للأُمّة بالأدلة القرآنية والروائية المذكورة في محلّها .
الآية الثانية : قوله تعالى : ( إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) وهذه الآية المباركة تبيّن كيفية تعلّق إرادة الله تعالى بإذهاب الرجس عن أهل البيت عليهمالسلام وأن يكونوا مطهّرين معصومين ، ولمّا كانت إرادة الله تعالى لا تنفك عن مراده سبحانه فإنّ الذي أراده الله تعالى وهو تطهير أهل البيت عليهمالسلام واقع لا محالة .
وقد نوقش الاستدلال بالآية في قوله تعالى ( إنّما يريد ... ) فإنّه إما يقصد الإرادة التشريعية وهي تتخلّف عن المراد ، مضافاً لعدم اختصاصها بأهل البيت عليهمالسلام ، حيث إنّ الله تعالى أراد من الناس كافة أن يطّهروا بأن يكونوا طائعين مهتدين سائرين في طريق الكمال ، ونهاهم عن الرجس وارتكاب المحرمات كشرب الخمر والفسق والفجور وغيرها ، فهذه الإرادة التشريعية تعلقت بكل البشرية ولا خصوصية لها بأهل البيت عليهمالسلام .
ـــــــــــــ
(١) الأحزاب : ٣٣ .
وإمّا أن تكون تلك الإرادة تكوينية وقد تعلقت بطهارة أهل البيت عليهمالسلام فهذا يعني أنّهم مطهّرون جزماً ، إذ يستحيل أن تتخلّف إرادة الله التكوينية عن المراد ، لكن الملاحظة التي تقف بوجه هذا التقريب من الاستدلال ، هي أنّ هذا هو الجبر بعينه ، وأنّ أهل البيت عليهمالسلام مجبورون عن الابتعاد عن الرجس بإرادة الله التكوينية التي لا تتخلف عن المراد ، وهذا يعني أنّ عصمة أهل البيت عليهمالسلام ليست شرفاً أو مدحاً لهم ؛ لأنّ العصمة لم تكن باختيارهم .
والجواب على ذلك سيأتي مفصّلاً في مبحث علم الإمام بالغيب ، إلاّ أنّه يمكننا أن نكتفي بالإشارة المفهمة للجواب ، فنقول : حيث إنّ الله تعالى عالم بكل شيء لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء ، فهو يعلم بأفعال عبيده قبل خلقهم ويعلم ما يصدر من الإنسان قبل أن يخلقه ، ومحيط بما هو صائر إليه .
وعلى هذا الأساس : فإنّ الله تعالى لمّا علم من هؤلاء النفر وهم أهل البيت عليهمالسلام بأنّهم لا يريدون لأنفسهم إلاّ الطاعة المطلقة لله سبحانه أعانهم على ذلك ، وأراد لهم من الطهارة ما يتناسب مع ما علمه من إرادتهم ؛ لأنّه علم منهم أنّهم لا يريدون لأنفسهم إلاّ الطاعة ، فلم تتعلّق إرادته التكوينية بعصمتهم إلاّ بعد العلم بأنّهم سوف لا يكون لهم همّ إلاّ الطاعة والعبودية .
وقد ركّزت الآيات القرآنية على هذه الحقيقة ، كما في قوله تعالى :
( كُلّاً نمدّ هؤُلاَءِ وَهؤُلاَءِ ) (١) وقوله عزّ وجلّ : ( وَإِن من شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) (٢) وقوله تعالى : ( أَنزَلَ مِنَ السّماءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةُ بِقَدَرِهَا ) (٣) ، وهكذا قوله تبارك وتعالى : ( إِنّا هَدَيْنَاهُ السّبِيلَ إِمّا شَاكِراً وَإِمّا كَفُوراً ) (٤) .
إذن فالمسألة لا ترجع إلى اختيار جزافي بل تتحرّك في إطار هادف ، وعلمه تعالى بهم صار منشأ لهذه الإرادة التكوينية ؛ وبذلك يتبين عدم التنافي بين كون الله تعالى علم منهم أنّهم يريدون طاعة الله باختيارهم ، وبين تعلّق إرادته عزّ وجلّ التكوينية بتطهيرهم وإذهاب الرجس عنهم ، النابع عن ذلك الاختيار بعد علم الله تعالى به ، ويمكن استظهار ما ذكرناه من الآية ذاتها ، حيث إنّها عبرت بـ ( إنّما يريد ) ومن الواضح أنّ الفعل المضارع دالّ على الاستمرارية ، أي أنّ النفر والأشخاص الذين أخبرت الآية عن عصمتهم متصفون بهذه الصفة على الدوام والاستمرار ، وهذا لا ينطبق إلاّ على العترة خاصة دون سواهم ، مع مطابقة ذلك التسديد الإلهي لما يريدونه من الطهارة حيناً فحيناً .
فالآية المباركة تدل على عصمة أهل البيت عليهمالسلام ، وقد تقدّم(٥) ما يدل على عدم مشاركة غير أهل البيت في الآية الشريفة ، وهنالك قرائن قطعية
ـــــــــــــ
(١) الإسراء : ٢٠ .
(٢) الحجر : ٢١ .
(٣) الرعد : ١٧ .
(٤) الإنسان : ٣ .
(٥) راجع : بحث آية التطهير السابق عند ردّ شمولها لبني هاشم عامة .
وشواهد روائية صريحة تؤكّد على انحصار هذه الآية الشريفة بأهل البيت عليهمالسلام .
ومنها مثلاً اهتمام وحرص الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم على تشخيص عنوان أهل البيت عليهمالسلام بالعترة الطاهرة والمنع من استعمال هذه الكلمة في غير عترته عليهمالسلام وإدخال المسيء فيهم ، وقد جاء ذلك في روايات كثيرة ، منها :
ما ورد عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : (ادعوا لي ، ادعوا لي ، فقالت صفية : مَن ؟ قال صلىاللهعليهوآلهوسلم :أهل بيتي عليّاً وفاطمة والحسن والحسين ، فجيء بهم فألقى عليهم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كساءه ، ثم رفع يديه ، ثم قال :اللّهمّ هؤلاء آلي فصلّي على محمد وعلى آله محمّد ، وأنزل الله عز وجلّ ، ( إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) ، ثم يؤكّد صلىاللهعليهوآلهوسلم هذا الحصر والتشخيص بقوله:( اللّهمّ هؤلاء آلي فصل على محمّد وآل محمّد ) ، فنزّل الله تعالى فيهم قرآناً محكماً ، وهو قوله تعالى: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ولا يخفى ما في هذه الكلمة :( اللّهمّ هؤلاء آلي ) من الدلالة على حصر أهل البيت .
ـــــــــــــ
(١) المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ١٤٨ والآية ٣٣ من سورة الأحزاب .
الأدلة الروائيّة
عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :( إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) (١) ، وأوّل سؤال يطالعنا في هذا المجال : هل صدر هذا الحديث عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أم لا ؟
والجواب : إنّ هذا الحديث ما لا شك في صدوره عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد نقله أهل السنّة ، وروه في كتبهم أكثر من نقل الشيعة له .
وهذا الحديث وإن قيل إنّه صدر بصيغة ( وسنّتي بدل وعترتي ) إلاّ أنّه لا تنافي بينهما ؛ لأنّ العترة هي في موقع بيان السنّة ، فالعترة هي المبيّن الواقعي للسنّة ، وإنّ السنّة بتمامها لدى العترة ، وفحوى ( كتاب الله وعترتي ) يتمثّل بوجوب تلقيّنا السنّة عن العترة ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أنّه إذا كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قد صرّح بعبارة ( وسنّتي ) في موطن واحد فإنّه قد نطق بصيغة ( كتاب الله وعترتي ) في مواطن متعددة ومتواترة(٢) .
ـــــــــــــ
(١) المعجم الكبير ، الطبري : ج ٥ ص ١٧٠ ص ١٨٦ ؛ تفسير ابن كثير : ج ٤ ص ١٢٢ ؛ قال فيه : ( وثبت في الصحيح أنّ الرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال في خطبة بغدير ( الحديث ) ، ونحوه صحيح مسلم : ج ٤ ص ١٨٧٣ ؛ ونحوه مجمع الزوائد : ج ٩ ص ١٦٢ ـ ١٦٣، وقال فيه : ( رواه أحمد وإسناده جيد ) ؛ الصواعق المحرقة : ص ٣٤١ ، ونحوه صحيح الترمذي : ج ٥ ص ٣٢٩ ؛ ونحوه السنن الكبرى ، النسائي : ج ٥ ص ٤٥ .
(٢) المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٥ ص ١٧٠ وص ١٨٦ ؛ السنن الكبرى ، النسائي : ج ٥ ص ٤٥ وص ١٣٠ وغيرها من المصادر .
فمن الملاحظ أنّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم قد حثّ أُمّته على الالتزام والتمسّك بالثقلين ، وأخذ دينهم من هذين المصدرين : ( الكتاب والعترة ) ، فكما أنّ القرآن معصوم عن الزيغ ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ بلا خلاف في ذلك ـ كذلك يكون العدل الآخر له معصوماً أيضاً ؛ لأنّه من المحال أن يدعو النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى أخذ الدين من مرجع بشكل حاسم ، ثم يتخلّل الخطأ والسهو والزيغ بعض كلام ذلك المرجع .
فالعترة مرجع إلهي عيّنه الله تعالى لهذا الموقع إلى جوار القرآن الكريم بالنحو الذي لا يمكن الأخذ بأحدهما دون الآخر ، وإلاّ سوف ينتهي الأخذ بأحدهما دون الآخر إلى الضلال .
وعليه فإنّه من المحال أن يدعو الله تعالى ورسوله إلى مصدر ومرجع في حال يمكن فيه المعصية والخطأ والاشتباه ؛ لأنّ ذلك يعني تجويز الله سبحانه وتعالى المعصية والخطأ ، وهو أمر مستحيل ، وعلى هذا الأساس يتعيّن القول بعصمة أهل البيت عليهمالسلام .
كما في قول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهّرون معصومون ) (١) .
وهو صريح الدلالة في إثبات العصمة لأهل البيت عليهمالسلام .
ـــــــــــــ
(١) ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ٢ ص ٣١٦ وج ٣ ص ٢٩١ وص ٣٨٤ .
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لعلي أمير المؤمنين عليهالسلام :( مَن أطاعني فقد أطاع الله ومَن عصاني فقد عصا الله ، ومَن أطاع عليّاً فقد أطاعني ، ومَن عصا عليّاً فقد عصاني ) (١) .
ومن مميّزات هذا الحديث أنّ الذهبي الذي هو إمام النقد والتجريح عند السنّة ، والذي عمل كل ما يستطيع لإسقاط عمدة أحاديث فضائل أمير المؤمنين عليهالسلام ، قد صحّح هذا الحديث ، ففي هذا الحديث النبوي الكريم أصل وفرع ، وشجرة وثمرة فالأصل والشجرة هو النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والفرع هو علي عليهالسلام ، وهذا الحديث واضح الدلالة في عصمة الإمام علي عليهالسلام ؛ لأنّه يدل على أنّ إرادة علي عليهالسلام لا يمكن أن تتخلّف عن إرادة الله تعالى ، ولا تتخلّف كراهته عن كراهته الله تعالى ، ولو أمكن أن تتخلّف لكان قوله : ( ومَن أطاعه فقد أطاع الله ) خطأ واشتباهاً ، والعياذ بالله .
وحيث تثبت عصمة الإمام علي عليهالسلام تثبت عصمة بقيّة أهل البيت عليهمالسلام ؛ لأنّهم نور واحد وورثة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وخلفاؤه كما هو واضح .
ثم إنّه بعد ثبوت العصمة لأهل البيت عليهمالسلام في العقل والقرآن والسنّة ، لا يبقى مجال لدعوى الغلو في مبدأ العصمة لأهل البيت عليهمالسلام .
ـــــــــــــ
(١) المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ١٢١ ؛ وقال فيه : ( حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) .
إنّ عصمة أهل البيت عليهمالسلام أمر لا يمكن التردد فيه بعد الوقوف على حقيقة العصمة والأدلة القرآنية والروائية .
فالعصمة لغةً : المنع والوقاية أي إنّ العصمة مَلَكة تمنع صاحبها من ارتكاب المعصية ، وهذا هو المعنى الاصطلاحي للعصمة .
إنّ منشأ العصمة هو العلم ، إلاّ أنّه ليس العلم العادي الموجود عند جميع أفراد البشر المسمّى بالعلم الحصولي ، بل هو سنخ علم خاص يفيضه الله تعالى على قلب من يشاء من عباده ، وقد أشارت إلى هذا النمط من العلم عدة من الآيات القرآنية ، كما هو الحال في قضية وصي سليمان آصف بأقل من طرفة عين ، كما في قوله تعالى : ( قَالَ الّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هذَا مِن فَضْلِ رَبّي ) (١) .
ولا ريب أنّ هذا السنخ من العلم ، هو في صدور أهل البيت عليهمالسلام ، وقد تقدّمت عدّة شواهد وأدلة على ذلك .
إذن منشأ وسبب العصمة إنّما هو العلم الخاص الذي عند أهل البيت عليهمالسلام .
ـــــــــــــ
(١) النمل: ٤٠ .
إنّ الدليل القائم على عصمة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم هو بعينه يكون دليلاً على عصمة خلفاء النبي وهم أهل البيت عليهمالسلام ؛ وذلك لأنّ خطورة دور الإمام وكونه حافظاً للشريعة وقيّماً عليها يوازي خطورة الدور النبوي ، فلو كان الإمام غير معصوم ويخطأ ويعصي مع أنّ الله تعالى ورسوله أمرنا باتباعه فهذا يعني تجويز الله لنا بارتكاب المعصية ، وهو محال .
هنالك عدة آيات قرآنية يستدل بها على العصمة :
منها : قوله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ ) (١) .
فالآية المباركة تدل بكل وضوح على أنّ مَن ينال منصب الإمامة لابد أن يكون معصوماً قبل تقلّد الإمامة .
كذلك قوله تعالى : ( إنّما يريد الله ليذهب ) التي لا يشك في اختصاصها بأهل البيت عليهمالسلام .
منها : حديث الثقلين :( إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) .
حيث أكّد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم على لزوم التمسّك بالكتاب والعترة على هذا الأساس ، فلو لم تكن العترة معصومة ، لا يمكن أن يأمر الرسول بلزوم اتباعها ، مضافاً إلى عدة أحاديث أخرى .
ـــــــــــــ
(١) البقرة : ١٢٤ .
مقام الوصي
إنّ منزلة الوصي عند الشيعة تعادل منزلة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإنّ الوصي يوحى إليه .
يجدر بالقارئ الكريم أن يلتفت إلى أنّ صاحب هذه الشبهة يحاول أن ينسب إلى الشيعة أمرين :
الأوّل : أنّ الأوصياء أنبياء .
الثاني : أنّ الأوصياء يوحى إليهم .
وينتج عن ذلك هو توريط الشيعة الاثني عشرية واتهامهم بفكرة الغلو ، وبالتالي ارتباطهم بالسبئية ، إلاّ أنّ هذا باطل وغير صحيح ، وسوف نتناول ذلك إجمالاً ، فنقول :
أوّلاً : لو أُريد من كون الأوصياء بمنزلة الأنبياء أنّهم أنبياء ، فهذا ما لا نريده ، ولم يدون في كتاب من كتب الشيعة ؛ ولذا روى الفريقان عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال لعلي :( أنتَ منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي ) (١) ، فالرسول الأكرم في هذا الحديث جعل الإمام عليّاً عليهالسلام
ـــــــــــــ
(١) صحيح مسلم : ج ٤ ص ١٨٧٠ ـ ١٨٧١ باب فضائل عليعليهالسلام ، المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٦ ص ١٤٨ ؛ الثقات ، ابن حبان : ج ١ ص ١٤٢ ، المناقب ، الخوارزمي : ص ١٥٢ ؛ ونحوه الدر المنثور ، السيوطي : ج ٤ ص ٣٢٢ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٢٠ ص ٣٦٠ وج ٢١ ص ٤١٥ وج ٤٢ ص ٥٣ ؛ صحيح ابن حبان : ج ١٥ ص ١٦ وص ٣٧١ ؛ مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ١٠٩ ؛ سنن الترمذي ، الترمذي : ج ٥ ص ٣٠٤ ؛ المعجم الصغير ، الطبراني : ج ٢ ص ٥٤ ؛ المعجم الأوسط ، الطبراني : ج ٦ ص ٧٧ ؛ المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ١٠٩ ؛ ونحوه السنن الكبرى ، البيهقي: ج ٩ ص ٤٠ ؛ شرح صحيح مسلم ، النووي : ج ١٥ ص ١٧٤ ؛ مسند الطيالسي : ص ٢٩ ؛ مسند ابن راهويه : ج ٥ ص ٣٧ ؛ مسند أبي يعلى : ج ٢ ص ٦٦ وص ١٣٢ ؛ وغيرها من المصادر .
بمنزلة هارون ـ الذي هو نبي من الأنبياء ـ من موسى على أنه لا نبي بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذا يكشف عن أنّ التنزيل بحدّ ذاته لا يعني التنزيل من جميع الجهات حتى من جانب النبوّة ، كما أكّد على ذلك الأئمّة عليهمالسلام :
١ ـ قال أبو عبد الله الصادق عليهالسلام :( إنّما الوقوف علينا في الحلال فأمّا النبوّة فلا ) (١) .
٢ ـ وعن بريد بن معاوية عن أحدهما ـ أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهماالسلام ، قال : ( قلت له : ما منزلتكم ؟ ومَن تشبهون ممّن مضى ؟ قال :صاحب موسى وذو القرنين كانا عالمين ولم يكونا نبيّين )(٢) .
٣ ـ كذلك عن سدير قال : قلت لأبي عبد الله عليهالسلام : ( وعندنا قوم يزعمون أنّكم رسل يقرؤون علينا بذلك قرآنا ( يَا أَيّهَا الرّسُلُ كُلُوا مِنَ الطّيّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) ، فقال :يا سدير سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء براء ، وبرئ الله منهم ورسوله ، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي ، والله لا يجمعني الله وإيّاهم يوم القيامة إلاّ وهو ساخط عليهم ، قال : قلت : فما أنتم ؟ قال :نحن خزّان علم الله ، نحن تراجمة أمر الله ، نحن قوم معصومون أمر الله تبارك وتعالى بطاعتنا ، ونهى عن معصيتنا ، نحن الحجّة البالغة على مَن دون السماء وفوق الأرض )(٣) .
٤ ـ عن محمد بن مسلم قال : ( سمعت أبا عبد الله عليهالسلام يقول :الأئمّة بمنزلة
ـــــــــــــ
(١) الكافي ، الكليني: ج ١ ص ٢٦٨ .
(٢) الكافي ، الكليني: ج ١ ص ٢٦٩ .
(٣) الكافي ، الكليني: ج ١ ص ٢٦٩ .
رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، إلاّ أنّهم ليسوا بأنبياء ، ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأمّا ما خلا ذلك فهم فيه بمنزلة رسول صلىاللهعليهوآلهوسلم )(١) .
٥ ـ عن أبي أيوب بن الحر ، قال : ( سمعت أبا عبد الله يقول :إنّ الله عزّ ذكره ختم بنبيّكم النبيّين ، فلا نبيّ بعده أبداً ، وختم بكتابكم الكتب ، فلا كتاب بعده أبداً ، وأنزل فيه تبيان كل شيء )(٢) .
ثم كيف يدعي الشيعة أن الأئمة أنبياء ، أو أنهم يوحى إليهم ، وهم يرتلون القرآن بكرة وعشياً : ( مَا كَانَ مُحَمّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رجَالِكُمْ وَلكِن رّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النّبِيّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً ) (٣) .
وقال الشيخ المفيد : ( فإن قيل : هل علمتم من دينه أنّه خاتم الأنبياء أم لا ؟
فالجواب : علمنا ذلك من دينه صلىاللهعليهوآلهوسلم .
فإن قيل : بما علمتموه ؟ .
فالجواب : علمنا ذلك بالقرآن والحديث ، أمّا القرآن فقوله تعالى : ( مَا كَانَ مُحَمّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رجَالِكُمْ وَلكِن رّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النّبِيّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً )
وأمّا الحديث فقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم لعلي عليهالسلام :
ـــــــــــــ
(١) الكافي ، الكليني: ج ١ ص ٢٧٠ .
(٢) المصدر نفسه : ج ١ ص ٢٦٩ .
(٣) الأحزاب : آية ٤٠ .
( أنتَ مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) (١) .
قال الشيخ الطوسي رحمهالله : ( مسألة : نبينا محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم خاتم الأنبياء والرسل بدليل قوله تعالى : ( مَا كَانَ مُحَمّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رجَالِكُمْ وَلكِن رّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النّبِيّينَ ) (٢) .
وقال القاضي ابن براج : ( مسألة : نبينا خاتم النبيين والمرسلين بمعنى أنّه لا نبي بعده إلى يوم القيامة ، يقول تعالى : ( مَا كَانَ مُحَمّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رجَالِكُمْ وَلكِن رّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النّبِيّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً ) (٣) .
واستدلّ بذلك أيضاً علي بن يونس العاملي في كتابه الصراط المستقيم(٤) ، وقال الشيخ الطوسي في تفسير هذه الآية ( وَخَاتَمَ النّبِيّينَ ) أي : ( آخرهم ؛ لأنّه لا نبي بعده إلى يوم القيامة )(٥) .
وقال الشيخ الطبرسي : ( ( وَخَاتَمَ النّبِيّينَ ) أي : وآخر النبيين ختمت النبوة به ، فشريعته باقية إلى يوم الدين ، وهذا فضيلة له صلىاللهعليهوآلهوسلم اختص بها من بين سائر المرسلين )(٦) .
وأقوال علمائنا في ذلك كثيرة جدّاً فوق حدّ الإحصاء .
ـــــــــــــ
(١) النكت الاعتقادية ، المفيد : ص ٣٨ .
(٢) الرسائل العشر ، الطوسي : ص ٩٧ .
(٣) جواهر الفقه ، ابن البراج : ص ٢٤٨ .
(٤) الصراط المستقيم ، علي بن يونس العاملي : ج ١ ص ٦١ .
(٥) التبيان ، الطوسي : ج ٨ ص ٣٤٦ .
(٦) مجمع البيان ، الطبرسي : ج ٨ ص ١٦٦ .
أمّا بالنسبة إلى الوحي فإنّه انقطع بموت النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذا يعد من الضروريات والبديهات في مذهب أهل البيت عليهمالسلام ، ولو تصفّحنا سريعاً ما ورد في الكتب الروائية الشيعية لوجدناها زاخرة بهذا المعنى .
فمن باب المثال لا الحصر ما جاء في ( الوسائل ) عن أبي أيوب الخراز أنّه قال : ( أردنا أن نخرج فجئنا نسلّم على أبي عبد الله عليهالسلام ، فقال :كأنّكم طلبتم بركة الاثنين ؟ قلنا : نعم ، قال : فأيّ يوم أعظم شؤماً من يوم الاثنين ، فقدنا فيه نبيّنا صلىاللهعليهوآلهوسلم وارتفع الوحي عنا )(١) .
وعن أبي عبد الله بن أبي الكرام قال : تهيّأت للخروج إلى العراق ، فأتيت أبا عبد الله عليهالسلام لأسلّم عليه وأودّعه ، فقال : ( أين تريد قلتُ : أريد إلى العراق ، فقال لي : في هذا اليوم ـ وكان يوم الاثنين ـ ؟ فقلتُ : إنّ هذا اليوم يقول الناس : إنّه يوم مبارك فيه وُلد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال : والله ما يعلمون أيّ يوم وُلد فيه النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، إنّه يوم شؤم ، فيه قُبض النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وانقطع الوحي )(٢) .
وعن جامع الأخبار في كتاب التعبير عن الأئمّة عليهمالسلام :( إنّ رؤيا المؤمن صحيحة ؛ لأنّ نفسه طيّبة ويقينه صحيح ، وتخرج فتتلقى من الملائكة ، فهي وحي من الله العزيز الجبّار ، وقال عليهالسلام :انقطع الوحي وبقي المبشّرات ألا وهي نوم الصالحين والصالحات ) (٣) .
وسيأتي أنّ من معاني الوحي هو ما يحصل في المنام ، كما في الإيحاء إلى أُمّ موسى عليهاالسلام .
ـــــــــــــ
(١) الوسائل ، الحر العاملي : ج ١١ ص ٣٥١ : ح ١ ؛ باب آداب السفر إلى الحج وغيره ، الباب الرابع ( باب كراهة اختيار الاثنين للسفر ) ؛ وكذا الباب السابع : ح ٩ ص ٣٦٠ .
(٢) وسائل الشيعة ، الحر العاملي : ج ١١ ص ٣٦٠ .
(٣) نقلاً عن بحار الأنوار ، المجلسي : ج ٥٨ ص ١٧٦ .
وأخرج البخاري في صحيحه في باب الرؤيا الصالحة ، عن عبد الله بن سلمة ، عن مالك بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :( الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة ) ، وكذا ذكرها بعدّة أسانيد في باب الرؤيا الصالحة ( جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة ) كما عن عبادة بن الصامت وأبي هريرة وأنس(١) .
ذكر المفسّرون أنّ للوحي أكثر من معنى ، استعملها القرآن الكريم : كالإيحاء إلى النحل وإلى أُمّ موسى ونحوها .
وعلى هذا الأساس ، فلو عُبّر في بعض الروايات بالوحي لا يعني ذلك أنّ المقصود منه هو الوحي الرسالي والنبوّة أبداً ، بل لابد أن يكون المراد غير ذلك ، ومن أقسام الوحي في القرآن الكريم ما يلي :
١ ـ الوحي بمعنى الإلهام : كما في قوله تعالى : ( وَأَوْحَى رَبّكَ إِلَى النّحْلِ أَنِ اتّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً ) (٢) ، كما نصّ على ذلك النحّاس ، حيث قال : روي عن الضحّاك أنّه قال : ألهمها ، وأصل الوحي في اللغة الإعلان بالشيء في
ـــــــــــــ
(١) صحيح البخاري ، البخاري : ج ٨ ص ٦٨ ، ص ٧٠ .
(٢) النحل : آية ٦٨ .
ستره ، فيقع ذلك بالإلهام وبالإشارة وبالكتابة وبالكلام الخفي )(١) ، وكذا قيل إنّ من الوحي الرحماني بمعنى الإلهام ، قوله تعالى : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمّ مُوسَى ) (٢) .
٢ ـ الوحي بمعنى الخلق : عن السدّي ( أَوْحَى فِي كُلّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ) (٣) ، قال : ( خلق في كل سماء خلقها من الملائكة ، والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلم ، وعن قتادة ( وَأَوْحَى فِي كُلّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ) : خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وصلاحها )(٤) .
٣ ـ الوحي بمعنى إلقاء القول بخفاء : كما في قوله تعالى : ( إِذْ يُوحِي رَبّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ ) (٥) .
٤ ـ الوحي بمعنى الإشارة والكتابة : كما نقل القرطبي في تفسير قوله تعالى : ( فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ) (٦) ، عن الكلبي وقتادة وابن منبه : أوحى إليهم أشار ، وعن القتبي : أومأ ، وعن مجاهد : كتب على الأرض ، وأمّا عكرمة فيقول : كتب في كتاب ، والوحي في كلام العرب الكتابة ...(٧) .
٥ ـ الوحي بمعنى الإسرار : كما في قوله تعالى : ( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ
ـــــــــــــ
(١) معاني القرآن ، النحاس : ج ٤ ص ٨٣ .
(٢) القصص : آية ٧ .
(٣) فصلت : آية ١٢ .
(٤) جامع البيان : ابن جرير الطبري : ج ٢٤ ص ١٢٥ .
(٥) الأنفال : آية ١٢ .
(٦) مريم : آية ١١ .
(٧) تفسير القرطبي ، القرطبي: ج ١١ ص ٨٥ ؛ وكذا ما في : جامع البيان : ابن جرير الطبري : ج ١٦ ص ٦٨ ؛ وتفسير ابن كثير ، ابن كثير : ج ٣ ص ١١٩ .
زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ) (١) .
٦ ـ الوحي بمعنى الإلقاء في الروع : كما في قوله تعالى : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ) (٢) .
قال الجبائي : ( كان الوحي رؤيا منام ) ، وقال الزجاج : ( معنى أوحينا إلى أُمّ موسى أعلمناها ) ، وقال عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره : ( عن قتادة في قوله وأوحينا إلى أُمّ موسى ، قذف في نفسها )(٣) .
وفي زاد المسير لابن الجوزي : ( فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنّه إلهام قاله ابن عباس ، والثاني : إنّ جبرائيل أتاها ، وبذلك قاله مقاتل ، والثالث : أنّه كان رؤيا منام )(٤) .
٧ ـ الوحي بمعنى الأمر : كما في قوله تعالى ( بِأَنّ رَبّكَ أَوْحَى لَهَا ) (٥) ، ذكره القرطبي في تفسيره(٦) .
إذن للوحي معان عديدة ، فمن السذاجة حصره بالوحي الرسالي وممّا يؤيّد جميع ما ذكرنا ما جاء في كتاب التعبير عن الأئمّة عليهمالسلام :( إنّ رؤيا المؤمن صحيحة ؛ لأنّ نفسه طيّبة ويقينه صحيح ، وتخرج فتتلقى من
ـــــــــــــ
(١) الأنعام: آية ١١٢ .
(٢) القصص : آية ٧ .
(٣) تفسير الصنعاني ، عبد الرزاق الصنعاني : ج ٣ ص ٨٧ ؛ وكذلك في : تفسير الطبري : ج ٢ ص ٣٧؛ ومعاني القرآن: النحاس : ج ٥ ص ١٥٧ .
(٤) زاد المسير ، ابن الجوزي : ج ٦ ص ٨٧ ؛ وهكذا انظر : تفسير القرطبي : ج ٦ ص ٣٦٣؛ ج ١٣: ص ٢٥٠ .
(٥) الزلزلة : آية ٥
(٦) تفسير القرطبي ، القرطبي : ج ٦ : ص ٣٦٣ .
الملائكة ، فهي وحي من الله العزيز الجبّار ، وقال عليهالسلام :انقطع الوحي وبقي المبشرات ألا وهي نوم الصالحين والصالحات ) (١) .
والنتيجة : هي أنّ الوحي انقطع والائمّة عليهمالسلام ليسوا بأنبياء .
١ ـ إنّ انقطاع النبوّة والوحي الرسالي بعد موت النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من بديهيات وضروريات مذهب أهل البيت عليهمالسلام ، والتراث الشيعي مليء بالروايات التي تنطق بهذه الحقيقة .
٢ ـ مضافاً إلى ما سبق من وجود الجمّ الغفير من الروايات التي تؤكّد هذه الحقيقة ، فقد أجمع علماؤنا على انقطاع الوحي بعد موت نبيّنا صلىاللهعليهوآلهوسلم وأنّه خاتم النبيين .
٣ ـ ورد الوحي في القرآن الكريم على معان عديدة ؛ لذا فإطلاق الوحي ـ لو وجد في بعض الروايات ـ لا يعني ذلك أنّ المراد هو وحي النبوّة والرسالة .
ـــــــــــــ
(١) نقلاً عن بحار الأنوار : المجلسي : ج ٥٨ : ص ١٧٦ .
تأليه الإمام عند الشيعة
الشيعة يؤلّهون أئمّتهم ويتخذونهم أرباباً من دون الله .
تمهيد :
أوّلاً : إنّ هذا القول والادعاء باطل لا أساس له من الصحّة أبداً ، فهذه كتب الشيعة ومؤلّفاتهم حَكَمَاً بيننا ، فهي تصرح بأنّ الأئمّة عليهمالسلام عباد لله تعالى ، بل إنّ سيّدهم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم نال جميع المقامات السامية والرفيعة بالعبودية لله تعالى ، حيث قال الله عزّ وجلّ : ( سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (١) .
ومجاميع الشيعة الحديثية مليئة بالروايات الصحيحة والصريحة التي تحذّر من فرق المغالين وعقيدتهم الفاسدة ، وإليك بعضها على سبيل الاختصار :
ـــــــــــــ
(١) الإسراء : آية ١ .
أولاً* : نهي أهل البيت عليهمالسلام عن الغلو :
١ ـ ما جاء عن الإمام الرضا عليهالسلام عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قوله :( لا ترفعوني فوق حقّي فإنّ الله تبارك وتعالى اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبيّاً ) (١) .
٢ ـ قال أمير المؤمنين عليهالسلام :( إيّاكم والغلو فينا ، قولوا عبيد مربوبون ، وقولوا في فضلنا ما شئتم ) (٢) .
٣ ـ ما جاء عن الإمام الرضا عليهالسلام عن أمير المؤمنين عليهالسلام أيضاً :( أنا أبرأ إلى الله تبارك وتعالى ممّن يغلو فينا ويرفعنا فوق حدّنا كبراءة عيسى بن مريم من النصارى ) (٣) .
٤ ـ وعنه أيضاً عليهالسلام :( فمَن ادعى للأنبياء ربوبية وادعى للأئمّة ربوبية أو نبوّة أو لغير الأئمّة إمامة فنحن منه براء في الدنيا والآخرة ) (٤) .
٥ ـ عن مرازم قال : قال الإمام الصادق عليهالسلام :( قال للغالية توبوا إلى الله فإنّكم كفّار فسّاق مشركون ) (٥) .
٦ ـ ما عن سدير قال : ( قلت لأبي عبد الله عليهالسلام : إنّ قوماً يزعمون أنّكم آلهة ، يتلون بذلك علينا قرآناً ( وَهُوَ الّذِي فِي السّماءِ إِلهٌ وَفِي الأَرْضِ إِله ) (٦) ، فقال :يا سدير سمعي وبصري ولحمي ودمي وشعري من هؤلاء براء ،
ـــــــــــــ
* للتنويه فقط : نشير هنا إلى أن لا وجود لـ ( ثانياً ) ؛ فإمّا وردت ( أوّلاً ) عن غير قصد ، أو لم تذكر بقيّة النقاط سهواً أو غير ذلك ! [ الشبكة ] .
(١) عيون أخبار الرضا ، الصدوق : ص ٢١٧ .
(٢) الخصال : الصدوق : ص ٦١٤ .
(٣) عيون الأخبار ، الصدوق : ج ١ ص ٢١٧ .
(٤) المصدر نفسه : ج ١ ٢١٧ .
(٥) رجال الكشي : ج ٢ ص ٥٨٧ ح ٥٢٧ .
(٦) الزخرف : ٨٤ .
وبرئ الله منهم ، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي ، والله لا يجمعني الله وإيّاهم يوم القيامة إلاّ وهو ساخط عليهم ، قال : قلت : وعندنا قوم يزعمون أنّكم رسل يقرأون علينا بذلك قرآناً ( يَا أَيّهَا الرّسُلُ كُلُوا مِنَ الطّيّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) (١) ، فقال :يا سدير سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء براء وبرئ الله منهم ورسوله ، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي ، والله لا يجمعني الله وإيّاهم يوم القيامة إلاّ وهو ساخط عليهم ، قال : قلت : فما أنتم ؟ قال :نحن خزّان علم الله ، نحن تراجمة أمر الله ، نحن قوم معصومون ، أمر الله تبارك وتعالى بطاعتنا ونهى عن معصيتنا ، نحن الحجّة البالغة على مَن دون السماء وفوق الأرض )(٢) .
٧ ـ وقال الإمام الصادق عليهالسلام :( احذروا على شبابكم من الغلاة لا يفسدونهم فإنّ الغلاة شر خلق الله يصغّرون عظمة الله ويدّعون الربوبية لعباد الله ، والله إنّ الغلاة شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا ) (٣) .
١ ـ قال الشيخ الصدوق رحمهالله : ( اعتقادنا في الغلاة والمفوّضة أنّهم كفّار بالله تعالى ، وأنّهم شر من اليهود والنصارى والمجوس والقدرية والحرورية ومن جميع أهل البدع والأهواء المضلّة )(٤) .
ـــــــــــــ
(١) المؤمنون : آية ٥١ .
(٢) الكافي ، الكليني : ج ١ ص ٢٦٩ ، ص ٢٧٠ .
(٣) الأمالي ، الطوسي : ص ٢٥٠ .
(٤) الاعتقادات الصدوق : ص ٩٧ .
٢ ـ قال الشيخ المفيد رحمهالله : ( والغلاة من المتظاهرين بالإسلام هم الذين نسبوا أمير المؤمنين والأئمّة من ذريته عليهمالسلام إلى الألوهية وهم ضلاّل كفّار ، حكم فيهم أمير المؤمنين عليهالسلام بالقتل والتحريق بالنار ، وقضت الأئمّة عليهمالسلام بالإكفار والخروج عن الإسلام )(١) .
٣ ـ وقال الشيخ كاشف الغطاء رحمهالله : ( أمّا الشيعة الإمامية وأئمّتهم عليهمالسلام فيبرؤن من تلك الفرق براءة تحريم ويبرؤون من تلك المقالات ، ويعدّونها من أشنع الكفر والضلالات ، ليس دينهم إلاّ التوحيد المحض وتنزيه الخالق عن كل مشابهة للمخلوق )(٢) .
٤ ـ وقال الشيخ المظفّر رحمهالله : ( لا نعتقد في أئمّتنا عليهمالسلام ما يعتقده الغلاة والحلوليون ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ) (٣) ، بل عقيدتنا الخاصة أنّهم بشر مثلنا لهم ما لنا وعليهم ما علينا ، وإنّما هم عباد مكرّمون اختصهم الله بكرامته وحباهم بولايته إذ كانوا في أعلى درجات الكمال اللائقة في البشر من العلم والتقوى والشجاعة والكرم والفقه ، وجميع الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة ، لا يدانيهم أحد من البشر فيما اختصوا به ، قال إمامنا الصادق عليهالسلام :( ما جاءكم عنّا ممّا يجوز أن يكون في المخلوقين ولم تعلموه ولم تفهموه فلا تجحدوه وردّوه إلينا ، وما جاءكم عنّا ممّا لا يجوز أن يكون في المخلوقين فاجحدوه ولا تردوه إلينا ) )(٤) .
ـــــــــــــ
(١) تصحيح الاعتقادات ، المفيد : ص ١٣١ .
(٢) أصل الشيعة وأُصولها ، كاشف الغطاء : ص ٣٨ ، نشر دار الأعلمي ، ١٣٩٧ هـ .
(٣) الكهف : آية ٥ .
(٤) عقائد الإمامية ، محمد رضا المظفّر : ص ٧٣ ـ ٧٤ .
وكيف نغالي في أهل البيت عليهمالسلام وندعي لهم الألوهية ونحن نروي أن الإمام الرضا عليهمالسلام كان يقول في دعائه :
( اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من الحول والقوّة ، فلا حول ولا قوّة إلاّ بك ، اللّهم لا تليق الربوبية إلاّ بك ، ولا تصلح الإلهية إلاّ لك ، فالعن النصارى الذين صغّروا عظمتك ، والعن المظاهين لقولهم من بريتك ، اللّهمّ إنّا عبيدك لا نملك لأنفسنا ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً ، اللّهمّ مَن زعم أنّنا أرباب ، فنحن إليك منه براء ) (١) .
ثانياً : إنّ ما تمسّك به المستشكل عبارة عن روايتين ضعيفتين ، أحداهما رواية واردة في البحار ، عن تفسير العياشي ضعيفة السند ، مضافاً إلى جهالة الجعفري إذ لم يذكر له توثيق في كتب الرجال .
وكذا ما في الرواية الأخرى التي وردت في كتاب تأويل الآيات للسيد علي الأسترآبادي ، (عن علي بن أسباط ، عن إبراهيم الجعفري ، عن أبي الجارود ، عن أبي عبد الله عليهالسلام في قوله تعالى : ( أَءِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) ، قال : أي إمام هدى مع إمام ضلال في قرن واحد )(٢) فطريق السيد إلى علي بن أسباط مجهول ، فالرواية مقطوعة السند ولا يمكن الاعتماد عليها ، بالإضافة إلى ما في نسبة الكتاب إلى السيد من كلام .
فلا اعتماد على هذه الرواية ولا على أختها في المسائل الفرعية ، فضلاً عمّا إذا كانت من المسائل الاعتقادية .
ـــــــــــــ
(١) الاعتقادات ، المفيد : ص ٩٩ ـ ١٠٠ .
(٢) تأويل الآيات ، الأسترآبادي : ج ١ ص ٤٠١ .
ثالثاً : إنّ الإمامية الاثني عشرية لديهم مباني وأُصول أصّلها لهم الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته عليهمالسلام يسيرون على طبقها في قبول الرواية أو ردّها ، ومن تلك الأصول هي : إنّ كل ما يخالف العقل الصريح والقرآن الكريم من الروايات يردّ ولا يقبل :
١ ـ فعن هشام بن الحكم وغيره ، عن أبي عبد الله عليهالسلام قال :( خطب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : يا أيّها الناس ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنا قلته ، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله ) (١) .
٢ ـ وقد ورد في صحيح محمد بن الحر قال : ( سمعت أبا عبد الله عليهالسلام يقول :كل شيء مردود إلى الكتاب والسنّة ، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف )(٢) .
٣ ـ وجاء عن أبي عبد الله عليهالسلام :( إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وإلاّ فالذي جاءكم به أولى به ) (٣) .
٤ ـ وعنه أيضاً عليهالسلام :( ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف ) (٤) .
٥ ـ وعنه أيضاً عليهالسلام :( الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة ، إنّ على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نوراً فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه ) (٥) .
٦ ـ عن سدير قال : ( قال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهمالسلام :لا تصدق علينا إلاّ ما
ـــــــــــــ
(١) وسائل الشيعة ، الحر العاملي : ج ٢٧ : ص ١١١ .
(٢) المصدر نفسه : ج ٢٧: ص ١١١ .
(٣) المصدر نفسه : ج ٢٧: ص ١٠٧ .
(٤) المصدر نفسه : ج ٢٧: ص ١١٠ .
(٥) المصدر نفسه : ج ٢٧: ص ١١٩ .
وافق كتاب الله وسنّة نبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم )(١) .
وغيرها من الروايات التي بهذا المضمون .
ولا شك أنّ تأليه الإمام وجعل المخلوق في مرتبة الخالق ، والفقير في مرتبة الغني ممّا يرفضه صريح العقل ، وصريح القرآن الكريم ، كقوله تعالى : ( إِن كُلّ مَن فِي السّماوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرّحْمنِ عَبْداً ) (٢) .
وعلى هذا الأساس فإذا جاءتنا رواية يظهر منها تأليه الإمام نردّها ولا نقبلها ولو كانت صحيحة السند ، فضلاً عمّا لو كانت ضعيفة ، خصوصاً فيما لو كانت المسألة من المسائل الاعتقادية ، بل من أساس العقائد .
رابعاً : لو فرضنا جدلاً وجود رواية صحيحة ومقبولة من الناحية الاعتقادية إلاّ أنّه يمكن القول أنّها تستهدف الإشارة إلى أمر دقيق وحسّاس يحتاج إلى المزيد من النباهة والفطنة وإمعان النظر ، إلاّ أنّه قبل الولوج في بيان المقصود والذي تستهدفه الرواية ينبغي الإشارة إلى نقطة أساسية تساهم في توضيح المراد وتحول دون وقوع الالتباس فيه :
وملخّصها :
إنّ القرآن الكريم يؤكّد على وجود إمام هدى وإمام ضلال في هذا العالم ، كما في قوله الله تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) (٣) ، ( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (٤) ، وقوله تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ
ـــــــــــــ
(١) المصدر السابق نفسه : ج ٢٧ : ص ١٢٣ .
(٢) مريم : آية ٩٣ .
(٣) الأنبياء : ٧٣ .
(٤) القصص : ٥ .
الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ ) (١) ، وقوله تعالى : ( فَقَاتِلُوا أَئِمّةَ الْكُفْرِ إِنّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ) (٢) فهناك أئمّة هدى وأئمّة كفر وضلال .
ولا شك أنّ إمام الهدى من الله تعالى ، وإمام الضلال من الطاغوت والشيطان .
وعلى ضوء هذه النقطة ، نقول : إنّ الرواية تنبّه على أمر بالغ الخطورة على واقع الإنسان العملي ، حيث إنّها تخاطبه ، وتقول : أيّها الإنسان لا تتخذ في حياتك وفي سلوكك وتعاملك إمامين ، إمام هدى وإمام ضلال ، فإنّ مَن يتخذ ويتبع هذين الإمامين معاً سوف يقع في الشرك بالله تبارك وتعالى من حيث لا يشعر ؛ إذ معنى ذلك هو الإيمان بجاعل أئمّة الهدى وهو الله تعالى ، وجاعل أئمّة الضلال وهو غيره تعالى ، وهو عين الشرك به عزّ وجلّ ، وهذا المعنى بنفسه يلتقي مع قوله تعالى: ( لاَ تَتّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ ) (٣) ، فالإمام عليهالسلام يريد أن يشير إلى إنّ نتيجة اتخاذ الإنسان إمامين في آن واحد ( إمام هدى مع إمام ضلال )(٤) ، حصيلته الشرك بالله عزّ وجلّ .
فمَن أراد الالتزام بمبدأ التوحيد وأن لا يتخذ إلهين اثنين ، عليه أن لا يتبع إمامين : إمام حق من الله وإمام باطل من غيره تعالى ؛ لأنّ هذا هو الشرك الذي ينافي مضمون الآية المباركة .
وهذا المعنى بنفسه هو الذي ذكرته بعض الروايات ومنها تلك الرواية
ـــــــــــــ
(١) القصص : ٤١ .
(٢) التوبة : ١٢ .
(٣) النحل : ٥١ .
(٤) تأويل الآيات ، الأسترآبادي النجفي : ج ١ ص ٤٠١ .
التي نقلها السيد شرف الدين علي الأسترآبادي : ( عن علي بن أسباط ، عن إبراهيم الجعفري ، عن أبي الجارود ، عن أبي عبد الله عليهالسلام في قوله تعالى : ( أَءِلهٌ مَعَ اللّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) قال : أي إمام هدى مع إمام ضلال في قرن واحد )(١) ، فهذه الرواية تؤكّد المعنى الذي قرّرناه آنفاً ، ولهذا فهم السيد الأسترآبادي من الرواية نفس المعنى الذي فهمناه ، حيث قال في كتابه تأويل الآيات تفسيراً لمعنى الرواية : ( يعني كما أنّه لا يجوز أن يكون إله مع الله سبحانه كذلك لا يجوز أن يكون إمام هدى مع إمام ضلال في قرن واحد ؛ لأنّ الهدى والضلال لا يجتمعان في زمن من الأزمان ، والزمان لا يخلو من إمام هدى من الله يهدي الخلق )(٢) .
فعندما نجد بعض الروايات الضعيفة في بعض الكتب ، فليس من الصحيح أن ننسب شيئاً إلى طائفة بكاملها اعتماداً عليها أو على رواية ضعيفة واحدة ، وهذا لا يختص بمذهب الشيعة فقط ، بل كتب أهل السنّة ومنها الكتب المعتبرة كالصحاح والسنن وغيرها ممّا تحتوي على مثل هذه الروايات الضعيفة بشهادة كبار علمائهم بتضعيفها .
١ ـ إنّ ما ذكر في الشبهة مجرّد ادعاء لا أساس له في مذهب أهل البيت عليهمالسلام ، وقد صرّح وأكّد الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم على أنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم مهما بلغ من مقامات فهو في إطار العبودية ، وفي هذا المقام روايات متضافرة ، فإذا كان هذا الحال مع الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم بهذه الكيفية ، فكيف بأهل البيت عليهمالسلام وهم يأتون بعد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في الدرجة والمقام .
ـــــــــــــ
(١) تأويل الآيات ، الأسترآبادي النجفي : ج ١ ص ٤٠١ .
(٢) المصدر نفسه : ج ١ ص ٤٠١ .
٢ ـ إنّ وصف الإمام عليهالسلام بصفة الألوهية يعد من الغلو ، ولا يخفى موقف أهل البيت عليهمالسلام من الغلو والمغالين ، حيث تبرّأ أئمّة أهل البيت عن هؤلاء المغالين ، وكل مَن يصفهم بالربوبية والألوهية .
٣ ـ إنّ مواقف علمائنا واضحة تجاه المغالين فقد وصفوهم بأنّهم أنجس من اليهود والنصارى .
٤ ـ لو فرض وجود رواية صحيحة في المقام إلاّ أنّه لا يمكن قبولها لتعارضها مع كتاب الله تعالى ، وقد أمرنا النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته عليهمالسلام ألاّ نأخذ إلاّ بما وافق القرآن الكريم وترك كل ما خالفه ، فيما إذا لم يكن هناك طريق لتوجيه الرواية الصحيحة المفروض صحتها .
٥ ـ لو فرضنا جدلاً وجود رواية مثل هذه وكانت صحيحة إلاّ أنّه يمكن أن يقال : إنّها ترمي الإشارة إلى مطلب آخر حاصله أنّها تحذّر الإنسان من اتخاذه إمامين في آن واحد ، إمام هدى وإمام ضلال ، كما حكى ذلك الحق تعالى بقوله : ( لاَ تَتّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ ) ؛ لأنّه يؤدّي إلى الشرك والضلال .
الولاية عند الشيعة أهمّ من التوحيد
ولاية أهل البيت عليهمالسلام عند الشيعة أهمّ من التوحيد .
إنّ أصل التوحيد عند الشيعة الإمامية ، يأتي في الذروة ويحتل موقع الصدارة في المنظومة الدينية ، هذا ما نلمسه واضحاً عند مراجعة بسيطة لمصادر الشيعة في ذلك ، ويكفي للقارئ مراجعة سريعة لمجامعنا الحديثية ليجد الأحاديث المتضافرة والمتواترة في ذلك ، والتي تؤكّد على أنّ كل الكمالات لله تعالى ، بحيث لا يشذّ عنه كمال ، بل له من كل كمال وجودي أعلاه وأشرفه ، وهذا يعد من الأصول الأساسية عند الشيعة .
ومَن يتأمّل في حصيلة النصوص الروائية الشريفة الواردة عن أهل البيت عليهمالسلام يتضح له أنّ مفتاح الولوج إلى عالم التوحيد الرحيب يكمن في معرفته تعالى معرفة حقيقية ، وهذه الفكرة لخّصها أمير المؤمنين عليهالسلام في أوّل خطب النهج بقوله :( أوّل الدين معرفته ) (١) ، وبموازاة هذا المعنى سارت بيانات أهل البيت عليهمالسلام ، وهذا المعنى يبرز في المحاورة التي دارت بين الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام والحبر اليهودي عندما جاء إلى الإمام يسأله
ـــــــــــــ
(١) نهج البلاغة : الخطبة الأُولى ، صبحي الصالح : ج ١ ص ١٤ ؛ وقد نقلها أكثر علمائنا في مجامعهم الحديثية .
قائلاً : ( يا أمير المؤمنين متى كان ربّك فقال له :ثكلتك أُمّك ، ومتى لم يكن حتى يقال متى كان ؟! كان ربّي قبل القبل بلا قبل ، وبعد البعد بلا بعد ، ولا غاية له ، ولا منتهى لغايته ، انقطعت الغايات عنده ، فهو منتهى كل غاية ) ، وهنا يبهت الرجل ، وتبهره هذه الكلمات ، فيبادر الإمام بقوله : ( يا أمير المؤمنين أفنبي أنت ؟! فقال :ويلك أنا عبد من عبيد محمد )(١) أي بمعنى التلميذ الذي أخذ عنه علمه ومعرفته في أمر دينه ودنياه .
هذا مضافاً إلى أنّ الكثير من الروايات الواردة عن أهل البيت عليهمالسلام في هذا المجال والتي ترشد إلى أهمية معرفة التوحيد معرفة صحيحة ، ودورها في انشراح النفوس والصدور ، وما تكتنزه من الثواب والأجر الكبير للموحّدين ، ولذا نجد أنّ أحد كبار علمائنا المحدّثين ، وهو أبو جعفر بن علي بن الحسين المشهور بالصدوق ، قد أفرد كتاباً خاصاً في التوحيد وحقيقته وفضله ، ونجده يخصص باباً خاصاً بعنوان ( ثواب الموحدين ) ، يسرد فيه عدداً كبيراً من الأحاديث الشريفة في هذا المضمار ، منها ما جاء عن الإمام الصادق عليهالسلام قال : ( خير العبادة قول لا إله إلاّ الله ) (٢) ، وروى أيضاً رحمهالله في كتابه المذكور عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّه قال : ( إنّ أساس الدين التوحيد والعدل ) (٣) ، وجاء أيضاً عن الإمام علي بن موسى الرضا عليهالسلام عن آبائه عليهمالسلام عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : ( قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : التوحيد ثمن الجنّة ) (٤) ، وعن علاء بن الفضل عن أبي عبد الله عليهالسلام قال سألته عن قول الله عزّ وجلّ :
ـــــــــــــ
(١) أصول الكافي : الكليني ، ج ١ ص ٨٧ ، باب الكون والمكان : ح ٥ .
(٢) التوحيد ، الصدوق : ص ١٨ .
(٣) المصدر نفسه : ص ٩٦ .
(٤) بحار الأنوار ، المجلسي : ج ٣ ص ٣ .
( فِطْرَتَ اللهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا ) ، ( قال :التوحيد )(١) ، وما إلى ذلك من الروايات المتضافرة في هذا المجال ، كل ذلك يكشف عن صرح بناء المعرفة التوحيدية عند الشيعة ، ويكون ذلك ردّاً قاصماً لأصحاب الأفكار المغلقة التي تكيل الاتهامات للآخرين من دون روية .
إنّ الشيء الذي يسترعي الالتفات إلى أنّ المنظومة الدينية عبارة عن مركّب ذي حلقات مترابطة : التوحيد ، النبوّة ، العدل ، المعاد ، الإمامة ، فهي كالصلاة التي يُعبّر عنها بالمركّب الارتباطي ، بتحقّقها مجتمعة يتحقق الكل .
وعلى هذا الأساس فإنّ التوحيد الحق والمطلوب المرضي عند الله تعالى لا يتحقق إلاّ اعتقد الإنسان بهذه الأصول الخمسة ، وأنّ الإخلال بأيّ حلقة من حلقات هذا المركّب يؤدّي إلى الإخلال بالتوحيد المطلوب المرضي عند الله تعالى ، الذي هو غاية الغايات وليس وراءه غاية .
ومن هنا فإنّ الروايات المختلفة لدى السنّة والشيعة تشير إلى أنّ كفر إبليس ليس كفر شرك ؛ لأنّه لم يعبد غير الله ، وإنّما كان جحوده واستكباره على الله عزّ وجلّ في توحيده في مقام الطاعة ، وقد ورد في بعض الروايات أنّه طلب من الله تعالى إعفاءه من السجود لآدم عليهالسلام ،
ـــــــــــــ
(١) بحار الأنوار المجلسي : ج ٣ ص ٢٧٧ .
وسوف يعبده عبادة لا نظير لها ، وما كان الجواب من الحق تعالى هو : ( إنّي أحب أن أطاع من حيث أريد )(١) ، وفي رواية أخرى : ( إنّما أريد أن أعبد من حيث أريد لا من حيث تُريد )(٢) .
وبناءً على ما سبق وتأسيساً عليه ، فإن التوحيد الحق والمطلوب والمرضي عند الله تعالى لا يتحقق إلاّ من خلال الطريق الذي رسمه الله لنا ، قال تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) (٣) ، وقال تعالى : ( وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (٤) ، فأهمية الإمامة تكمن في دورها الأساسي في رسم معالم التوحيد المرضي عند الله عزّ وجلّ .
وبعد هذه الإطلالة السريعة اتضح لنا أهمية التوحيد عند الشيعة ، وزيف قول صاحب الشبهة : إنّ الإمامة أهم من التوحيد لدى الشيعة .
إنّ الروايات التي جاءت في تعظيم شأن الولاية جعلتها في قِبال الصلاة والصوم والزكاة والحج ، وذكرت أنّ الولاية أعظم منها ، ولم تجعل الولاية في قِبال التوحيد ، فضلاً عن تفضيلها عليه ، كما جاء ذلك :
١ ـ عن أبي جعفر عليهالسلام :( بُني الإسلام على خمس : على الصلاة والزكاة
ـــــــــــــ
(١) بحار الأنوار ، المجلسي ، ج ٢ : ص ٢٦٢ ، ج ١١ ص ١٤٥ .
(٢) المصدر نفسه : ج ١١ ص ١٤١ .
(٣) النساء : ٥٩ .
(٤) الحشر : ٧ .
والصوم والحج والولاية ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية ) (١) .
٢ ـ عنه أيضاً عليهالسلام :( بُني الإسلام على خمس : إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم شهر رمضان ، والولاية لنا أهل البيت ، فجعل في أربعة منها رخصة ، ولم يجعل في الولاية رخصة ) (٢) .
وأين هذا من تفضيل الولاية على التوحيد ؟!!
بل لعلّ هذه الروايات صريحة في أنّ الولاية ليست بمستوى التوحيد ، بل هي فرع هذه الشجرة الطيّبة ، وهي شجرة التوحيد .
١ ـ إنّ التراث الشيعي الضخم يشهد على مكانة وعظمة التوحيد عند الشيعة ، وهذا واضح لمَن كان له أدنى اطلاع على روايات أهل البيت عليهمالسلام وكيفية تعظيمهم وتقديسهم للذات الإلهية ، كما قال أمير المؤمنين عليهالسلام :( أوّل الدين معرفته ) .
٢ ـ إنّ التوحيد المرضي عند الله تعالى إنّما يتحقق من حيث يريد هو عزّ وجلّ لا من حيث يريد العبد ، وقد رسم الله تعالى الطريق في قوله : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) وقد تضافرت الروايات عنه صلىاللهعليهوآلهوسلم على وجوب مودّة أهل البيت عليهمالسلام وموالاتهم واتباعهم والتمسّك بهم ، كما هو مقتضى حديث الثقلين والسفينة والغدير ونحوها .
إذن الجحود بحق أهل البيت عليهمالسلام وعدم موالاتهم ونصب العداوة لهم تعني عدم طاعة الله ورسوله ، وبالتالي لا يتحقق التوحيد المرضي عنده تعالى .
ـــــــــــــ
(١) الكافي : الكليني : ج ٢ : ص ١٨ .
(٢) الخصال : الصدوق : ص ٢٧٨ .
٣ ـ الروايات التي اعتنت بالولاية إنّما جعلتها قِبال الصلاة والصوم والحج ونحوها ، ولم تجعلها في قبال التوحيد .
علم أهل البيت عليهمالسلام بالغيب غلو
إنّ علم الغيب مختص بالله تعالى لقوله تعالى : ( فَقُلْ إِنّمَا الْغَيْبُ للهِ ) فكيف يدّعي الشيعة أنّ أهل البيت يعلمون الغيب ؟
لكي تتضح الصورة في هذه المسألة ، ينبغي أن نتوقّف قليلاً عند حقيقة علم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم للتعرّف على مقدار وحدود ونوع هذا العلم ، وما هي نوع العلاقة بين أهل البيت عليهمالسلام وبين النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهل توارث أهل البيت عليهمالسلام علمهم من النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أم لا ؟
وسوف نخوض في تحقيق هذه المعاني بشكل إجمالي مكتفين بالإشارة المفهمة ، التي من خلالها يمكن إيصال المطلوب ، وسيتجلّى إن شاء الله تعالى ، أنّ أهل البيت عليهمالسلام هم ورثة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في العلم اللدني الخاص من الله تعالى .
ولكي نصل إلى معرفة علم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ينبغي الإجابة على تساؤل مسبق ، يثار على ضفاف هذه المسألة يسهم في بناء الرؤية الفكرية الصحيحة حول العلم بالغيب .
وفي مقام الجواب على ذلك نقول :
إنّ علم النبي هو سنخ علم خاص يختلف عن علوم سائر البشر المتعارفة ، التي تسمّى بالاصطلاح العلمي بالعلوم الحصولية ، وقد سجّل القرآن الكريم هذه الحقيقة ، كما في قوله تعالى :
( وَعَلّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلّهَا ثُمّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (١) إلى أن قال تعالى : ( قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاّ مَا عَلّمْتَنَا إِنّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) (٢) ، ثم انعطف بتوجيه الخطاب إلى آدم عليهالسلام ، فقال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم ، حيث نجد أنّ المشهد القرآني استبدل صيغة التعبير من ( التعليم ) الذي استخدمه مع آدم إلى التعبير ( بالإنباء ) الذي استخدمه مع الملائكة ، وتغيّر التعبير لم يكن بسبب التفنن الأدبي فحسب ، لأنّنا بإزاء كلام الله تعالى ، الذي وصفه في قرآنه بأنه : ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمّ فُصّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) (٣) ، إذن التعبير بهذه الصيغة يحمل في طياته مغزى يتمثّل في أنّ ما حصل لآدم هو تعليم ، وأنّه عليهالسلام كان فيه القابلية والاستعداد لتحمل هذا العلم الإلهي الذي لم يتحمله غيره ، أمّا الملائكة فلم يتجاوز تحمّلهم سوى الإنباء لهم بالواسطة ، لعدم استعدادهم لتلقّي الفيض من الله تعالى بالمباشرة ؛ لأنّ نشأتهم الوجودية لا تؤهّلهم لتعلّم ذلك العلم وحمله بتمامه وبالمباشرة ، وإنّما ما يمكنهم هو الإنباء والاطلاع على الواقعة بعد تمامها بالواسطة .
ـــــــــــــ
(١) البقرة : ٣١ .
(٢) البقرة : ٣٢ .
(٣) هود : ١ .
وتشير الآية المباركة الآنفة الذكر إلى نقطة بالغة الأهمية ، تتمثّل فيموقع ومنزلة العلم الذي تعلّمه آدم عليهالسلام ، فلأهمية وعظمة هذا العلم ؛ حاز عليهمالسلام به الموقع الوجودي الذي أهّله ليكون مسجوداً للملائكة ( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلّهُمْ أَجْمَعُونَ ) ، ولا يخفى أنّ لفظة الملائكة المحلاّة بالألف واللام تفيد العموم والشمول ، ولفظة كلّهم لزيادة التأكيد ، ثم عاد ليؤكّده بالمزيد في قوله تعالى : ( أجمعون ) ممّا يفيد عدم تخلّف أحد من الملائكة في السجود إلى هذا الخليفة الإلهي الأرضي ؛ ولذا نجد الكثير من المفسرين ذهبوا لذلك ، كما يومئ إليه قول الفخر الرازي في تفسيره : ( قال الأكثرون إنّ جميع الملائكة مأمورون بالسجود لآدم ) (١) ثم ذكر الأدلة التي احتجّوا بها على رأيهم .
اتفقت كلمة المسلمين على أفضلية نبيّنا محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم على بقيّة الأنبياء من أُولي العزم من الرسل وغيرهم من الأنبياء والمرسلين ، وجاء هذا الإجماع على ضوء أدلّة قرآنية وروائية ، منها قوله تعالى : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النّبِيّين مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَاقاً غَلِيظاً ) (٢) فمع أنّ نبيّنا آخر النبيين مبعثاً ، إلاّ أنّ القرآن الكريم يقدّمه في أخذ الميثاق على نوح عليهالسلام الذي هو أوّل أنبياء أُولي العزم ، ثم يأتي مَن يليه من أُولي العزم ، ولم يأتِ هذا التقديم جزافاً ؛ إذ لا موضع للجزاف في القرآن الكريم ، الذي هو كتاب الله وكلماته ، وقد ذكر الآلوسي في تفسير الآية
ـــــــــــــ
(١) التفسير الكبير : الفخر الرازي ، مج ١ ، ج ٢ ص ٢٥٩ ، دار الفكر ـ بيروت ، ١٤١٥ هـ .
(٢) الأحزاب : ٧ .
قائلاً : ( تخصيصهم بالذكر مع اندراجهم في النبيين اندراجاً بيّناً للإيذان بمزيد مزيتهم وفضلهم وكونهم من مشاهير أرباب الشرائع ، واشتهر أنّهم أُولو العزم صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين ، وأخرج البزاز عن أبي هريرة أنّهم خيار ولد آدم عليهالسلام ثم أضاف : ( وتقديم نبيّنا صلىاللهعليهوآلهوسلم ثم أضاف : ( وتقديم نبيّنا صلىاللهعليهوآلهوسلم مع أنّه آخرهم بعثة للإيذان بمزيد خطره الجليل ، أو لتقدّمه في الخلق )(١) .
والأحاديث المشهورة في هذا المضمار كثيرة ، لا سيّما الأحاديث التي تركز على حقيقة مهمّة ، وهي أنّ نبيّنا صلىاللهعليهوآلهوسلم هو أوّل مخلوق خلقه الله سبحانه وأنّه المصداق الأتم ، والتجسيد الأكمل للخلافة الإلهية ، وقد أشار الآلوسي لهذا المعنى بقوله : ( فهو عليه الصلاة والسلام الكامل المكمّل للخليقة ، والواسطة في الإفاضة عليهم على الحقيقة ، وكل مَن تقدّمه عصراً من الأنبياء وتأخّر عنه من الأقطاب والأولياء ، نوّاب عنه مستمدّون منه )(٢) .
وقد جاء في العديد من الروايات أنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم أفضل الأوّلين والآخرين ، ومن هنا نجد القرآن الكريم بيّن عظمة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم في عدّة من آيات أخرى ، منها : قوله تعالى : ( لَعَمْرُكَ إِنّهُمْ لَفِي سْكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (٣) ، وقال القاضي عياض في ذيل هذه الآية : ( اتفق أهل التفسير في هذا أنّه قسم من الله جلّ جلاله بمدّة حياة محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم وهذه نهاية التعظيم وغاية البر والتشريف ، قال ابن عباس : ما خلق الله تعالى وما ذرأ وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم وما سمعت الله أقسم بحياة غيره ، وقال أبو الجوزاء : ما أقسم الله بحياة أحد غير
ـــــــــــــ
(١) روح المعاني ، الآلوسي : ج ٢١ ص ١٥٤ ، نشر : دار إحياء التراث العربي .
(٢) روح المعاني ، الآلوسي : ج ٢٢ ص ٢٠ .
(٣) الحجر : ٧٢ .
محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ لأنّه أكرم البرية عنده )(١) .
وقد تضافرت الروايات في هذا المعنى :
منها : ما جاء عن واثلة بن الأسقع قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة ، واصطفى بني هاشم من قريش ، واصطفاني من بني هاشم ، فأنا سيّد ولد آدم ولا فخر ، وأوّل مَن تنشق عنه الأرض ، وأوّل شافع وأوّل مشفّع ) (٢) .
ومنها : ما روته عائشة عنه صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :( أتاني جبرائيل فقال : قلّبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أرَ رجلاً أفضل من محمد ، ولم أرَ بني أب أفضل من بني هاشم ) (٣) .
ومنها : ما ورد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ، وأوّل مَن ينشق عنه القبر ، وأوّل شافع وأوّل مشفّع ) (٤) .
ونحوها من الروايات التي تؤكّد وتثبت أفضلية نبيّنا محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم على سائر الأنبياء عليهمالسلام ، وهذه الحقيقة ممّا لا خلاف فيها بين المسلمين ، فهي محل اتفاق الجميع .
ـــــــــــــ
(١) الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ، القاضي عياض : ج ١ ص ٣١ ـ ٣٢ ؛ فتح القدير ، الشوكاني : ج ٣ ص ١٣٨ ؛ وانظر : تفسير القرطبي : ج ١ ص ٣٩ .
(٢) صحيح ابن حبان ، ابن حبان : ج ١٤ ص ١٣٥ .
(٣) تفسير ابن كثير ، ابن كثير : ج ٢ ص ١٧٩ ـ ١٨٠ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير: ج ٢ ص ٣١٧ ؛ الجامع الصغير ، الطبراني : ج ٢ ص ٢٤٧ ؛ دلائل النبوة ، البيهقي : ج ١ ص ١٧٦ ؛ الشفاء ، القاضي عياض ، ج ١ ص ١٦٦ الباب الثالث الفصل الأول .
(٤) تفسير ابن كثير ، ابن كثير : ج ٣ ص ٦٢ ؛ صحيح مسلم ، مسلم النيسابوري : ج ٧ ص ٥٩ ؛ مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٢ ص ٥٤٠ ؛ سنن ابن ماجة : ج ٢ ص ١٤٤٠ ؛ سير أعلام النبلاء : ج ٨ ص ٢٩٤ وج ١٠ ص ٢٢٣ ؛ وغيرها .
اتضح ممّا تقدم آنفاً أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أفضل الأولين والآخرين ، وأفضل الأنبياء على الإطلاق ، فمن البديهي أن يكون صلىاللهعليهوآلهوسلم أعلم الأنبياء جميعاً ؛ وإلاّ فلا يكون هناك معنى للأفضلية والقرب والرفعة والمقام المحمود عند الله تعالى .
وقد تبيّن أنّ علم الأنبياء والمرسلين سيما نبيّنا صلىاللهعليهوآلهوسلم هو سنخ علم خاص ليس من العلم الاكتسابي المتعارف عند سائر الناس ، كما هو الحال في علم التلميذ الذي يأخذ علمه من المعلم ، فعلم الأنبياء هو علم يلقيه الله سبحانه في قلب مَن يشاء ، وهو مفاد قوله تعالى : ( فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلّمْنَاهُ مِن لدُنّا عِلْماً ) (١) وكذلك العلم الذي أفاضه تعالى على آدم عليهالسلام وألقاه في قلبه مرة واحدة ، بقوله تعالى : ( وَعَلّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلّهَا ) (٢) .
إذن علم الأنبياء هو علم خاص يلقيه الله تعالى في قلب مَن يشاء وعلى هامش هذا المعنى تنبثق إثارة أخرى ، محصّلها : هل الأنبياء يعلمون الغيب أم لا ؟
ـــــــــــــ
(١) الكهف : ٦٥ .
(٢) البقرة : ٣١ .
إنّ المتأمّل في هذه الإثارة يجد أنّ منشأها من قِبَل البعض الذين يجمدون على ظواهر بعض الآيات القرآنية ، التي تنفي العلم للغيب لغير الله تعالى ، كقوله تعالى : ( قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِنَ الرّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ) (١) ، وكذا قوله تعالى : ( قُل لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنّي مَلَكٌ ) (٢) وقوله تعالى : ( قُل لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسّنِيَ السّوءُ ) (٣) .
إلاّ أنّ الملاحظة التي تستدعي الالتفات ، والتي غفل عنها أصحاب الشبهة ، وأخذوا ينظرون إلى القرآن بعين واحدة ، هي أنّ القرآن الكريم يفسر بعضه بعضاً ، فقد ورد في آية واحدة بيان شافٍ لذلك ، وهو قوله تعالى : ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاّ مَنِ ارْتَضَى مِن رسُولٍ فَإِنّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلّ شَيءٍ عَدَداً ) (٤) نعم ( وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَاءَ ) (٥) .
إذن على ضوء هذه الآية المباركة ( إِلاّ مَنِ ارْتَضَى مِن رّسُولٍ ) يتضح تخصيص الأنبياء والرسل المرضيين عند الله تعالى ، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم ، بأنّ الله تعالى أوصى إلى الأنبياء والرسل وأطلعهم على
ـــــــــــــ
(١) الأحقاف : ٩ .
(٢) الأنعام : ٥٠ .
(٣) الأعراف : ١٨٨ .
(٤) الجن : ٢٦ ـ ٢٨ .
(٥) البقرة : ٢٥٥ .
الغيب : ( إِنّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنّبِيّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسى وَأَيّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنَا دَاوُود زَبُوراً ) (١) .
مضافاً إلى ما صرّحت به الروايات من اطلاع الأنبياء على الغيب ، وبعبارة أخرى : إنّ الآيات التي تنفي بظاهرها علم الغيب عن الأنبياء واختصاصه بالله تعالى ، إنّما يكون المقصود منها هو نفي علم الغيب من الأنبياء بالاستقلال والأصالة ومن دون الإذن الإلهي ، وليست هذه الآيات في مقام نفي العلم بالغيب عن الأنبياء إذا كان بنحو التبعية والتعليم من قِبل الله وبإيحاء منه تعالى ، كما قال تعالى حكاية عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم : ( لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنّي مَلَكٌ ) (٢) ، مضافاً لحكم العقل القاضي باستلزام موقع الخلافة الإحاطة والعلم بكلّ شيء .
إذن لا إشكال في علم الأنبياء بالمغيبات إذا كان بإذن الله تعالى ، وإليك جملة من الشواهد القرآنية على ذلك :
ثمّة عدد من النصوص الأخرى القرآنية التي تشهد على علم الأنبياء بالغيب ، منها :
١ ـ ما قاله وبيّنه نبي الله صالح لقوله ، كما في قوله تعالى : ( فَعَقَرُوهَا فَقَالَ
ـــــــــــــ
(١) النساء : ١٦٣ .
(٢) هود : ٣١ .
تَمَتّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ) (١) .
٢ ـ كلام نبي الله عيسى عليهالسلام وأخباره لبني إسرائيل بما يأكلون وما يدخرون ، كما في قوله تعالى: ( وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنّ فِي ذلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (٢) .
٣ ـ ما ورد في القرآن من مواعيد الأنبياء بالملاحم والإخبار بالغيب ، وقد وقع ذلك كلّه كوعيد نوح بحدوث الطوفان ، وإنذار هود وشعيب ولوط بوقوع العذاب ، وغير ذلك .
ونجد في هذا الحقل إخبارات غيبية كثيرة ، سطّرها القرآن الكريم منها :
١ ـ إخباره صلىاللهعليهوآلهوسلم بانهزام الفرس على يد الروم ، كما في قوله تعالى : ( الم * غُلِبَتِ الرّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ) (٣) .
٢ ـ إخباره لأصحابه بأنّهم سيدخلون المسجد الحرام في مكة ، كما في قوله تعالى : ( لَتَدْخُلُنّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصّرِينَ ) (٤) ، وقد تحقق الأمر بذلك الدخول كما أخبر به الله تعالى ، ورسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
ـــــــــــــ
(١) هود : ٦٥ .
(٢) آل عمران : ٤٩ .
(٣) الروم : ١ ـ ٤ .
(٤) الفتح : ٢٧ .
٣ ـ ما أخبر به صلىاللهعليهوآلهوسلم بالغيب في مقام التحدّي وإعجاز القرآن ، وأنّه لم يستطع أحد أن يأتي ولو بسورة واحدة ، كما قال تعالى : ( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ) (١) ، وكذا قوله تعالى : ( فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ) (٢) .
٤ ـ إخباره بالفتوحات والمغانم الكثيرة ، كما في قوله تعالى : ( وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا ) (٣) .
٥ ـ إخباره تعالى أنّه يحفظ نبيّه من أذى المنافقين ، كما في قوله تعالى : ( وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ) (٤) هذا وإن كان إخبار بالغيب من قِبل الله تعالى على لسان رسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم ولكن ذلك لا ينافي أن يكون النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم يعلم الغيب بالتبع عن طريق إعلام الله تعالى له .
بعد أن تبيّن أنّ علم الأنبياء عليهمالسلام هو سنخ علم خاص يتلقّاه النبي من الله تعالى سواء أكان عن طريق الإلهام أم التلقين ، ينبغي الالتفات إلى أنّ الله سبحانه وتعالى هو العالم وحده بالاستقلال ولا يشاركه غيره ، نعم قد يفيض الله تعالى من علمه على بعض المخلوقات كالأنبياء عليهمالسلام على وفق حكمته تعالى ، ومَن ثمّ قد تتفاوت درجات إفاضة هذا العلم من قِبله تعالى حسب ما تقتضيه حكمته .
وعلى هذا الأساس نقول : إنّ الله تعالى خصّ أهل البيت عليهمالسلام أيضاً بهذا النوع من العلم ؛ لكونهم ورثة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وهم الثقل والعِدْل الآخر للقرآن الكريم ، وسوف نلج في هذا المبحث من خلال بوّابة العقل ، وبوّابة القرآن الكريم ، والروايات الخاصة بذلك وبعض الشواهد الأخرى .
ـــــــــــــ
(١) يونس : ٣٨ .
(٢) هود : ١٣ .
(٣) الفتح : ٢٠ .
(٤) المائدة : ٦٧ .
بما أنّه ثبت في محلّه أنّ الأئمّة عليهمالسلام خلفاء الله في أرضه ، ومقام الخلافة الإلهية في الأرض هو سنخ مقام لحكم الله في أرضه ، وهو ما تسجّله الأبحاث التفسيرية على هدي قوله تعالى : ( إِنّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) (١) ومن هنا نجد الآلوسي يقول : ( ومعنى كونه خليفة أنّه خليفة الله تعالى في أرضه ، وكذا كل نبي ، استخلفهم في عمارة الأرض وسياسة الناس ، وتكميل نفوسهم ، وتنفيذ أمره فيهم لا لحاجة به تعالى ، ولكن لقصور المستخلف عليه ؛ لما أنّه في غاية الكدورة والظلمة والجسمانية ، وذاته تعالى في غاية التقدس ، والمناسبة شرط في قبول الفيض على ما جرت به العادة الإلهية ، فلابدّ من متوسّط ذي جهتي تجرّد وتعلّق ؛ ليستفيض من جهة ويفيض بأخرى )(٢) .
إذن تبيّن أنّ الخليفة موجود أرضي له بعدان : أحدهما روحي ، والآخر معنوي وبشري يؤهّله للنهوض بدوره في العالم ليمثّل سلطان الله في أرضه ، وعلى هذا الأساس فلابدّ من أن يتمتع بمواصفات ومزايا خاصة ، فينبغي أن يكون أعلم ممّا سواه ليمثّل علم الله تعالى ، وأن يكون قادراً على تحمّل منصب الخلافة في القدرة والسمع والبصر الإلهي على هذه الأرض ، ومن هنا نجد نصوصاً روائيةً وافرةً تشهد على أنّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته عليهمالسلام لهم هذه القدرة بإذن الله تعالى .
ـــــــــــــ
(١) البقرة : ٣٠ .
(٢) روح المعاني ، الآلوسي : ج ١ ص ٢٢٠ .
ففي الحديث ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :( هل ترون قبلتي ها هنا فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم وإنّي لأراكم من وراء ظهري ) (١) .
وقد ذكر ابن حبان: ( بأنّ المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يرى من خلفه كما يرى بين يديه فرقاً بينه وبين أُمّته )(٢) .
ولا غرابة في ذلك ، كما يحدثنا القرآن عن كثير من الأنبياء بامتلاكهم مثل هذه القدرة ، فهذا نبي الله عيسى عليهالسلام له قدرة على الخلق وإحياء البشر وشفاء المرضى ، قال تعالى : ( وَيُعَلّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِن رَبّكُمْ أَنّي أَخْلُقُ لَكُم مِنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ ) (٣) .
ومن هنا نجد أنّ ابن كثير يقول في تفسيره في ذيل الآية : ( وكذلك كان يفعل : يصوّر من الطين شكل طير ثم ينفخ فيه ، فيطير عياناً بإذن الله عزّ وجلّ الذي جعل هذا معجزة له تدل على أنّ الله أرسله )(٤) .
ـــــــــــــ
(١) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ٢ ص ٣٠٣ ؛ صحيح ابن حبان ، ابن حبان ج ١٤ ص ٢٥٠ .
(٢) صحيح ابن حبان ، ابن حبان : ج ١٤ ص ٢٥٠ .
(٣) آل عمران : ٤٩ .
(٤) تفسير القرآن العظيم ، ابن كثير ، ص ٤٨٥ .
وقد جاء في روايات الخلفاء الاثني عشر ( كلّهم يعمل بالهدى ودين الحق ) ولا ريب أنّ مَن يعمل بالهدى لا بد أن يكون على علم خاص من الله سبحانه وتعالى ، وإلاّ فوقوعه في الخطأ لا شك فيه .
إذن تبيّن أنّ الإمام ( الخليفة ) لابدّ أن يتوفّر على علم خاص منه تعالى ليؤهّله لأداء مسؤوليته وتمثيله في الأرض .
نستعرض فيما يلي جملة من الآيات القرآنية الواردة بشأن اختصاص أهل البيت عليهمالسلام بنوع خاص من العلم يختلف عن علم سائر الناس .
الدليل الأوّل :
قوله تعالى : ( ثُمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لنَفْسِهِ وَمِنْهُم مّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) (١) وتقريب الاستدلال بهذه الآية يتطلّب منّا أن نمكث قليلاً لمعرفة حقيقة الوراثة القرآنية واختلافها عن الوراثة الترابية ( المادية ) ، لا سيّما مع ملاحظة أنّ أوّل ما يطالعنا القرآن به من الوراثة هي وراثة الإمامة المستمرّة إلى يوم القيامة التي نلمسها بوضوح من خلال دعوة النبي إبراهيم لذرّيته .
إنّ منصب الإمامة وما يمثّله من حالة تكاملية للإنسان الذي يعد من أرقى درجات التكامل الإنساني ، شاء الله تعالى بلطفه وكرمه وفضله على الأنبياء ، أن يجعل من ذريتهم أئمة وهداة يؤدون الواجب الإلهي تكريماً لهم ونعمة ومنة منه تعالى على أنبيائه عليهمالسلام .
ـــــــــــــ
(١) فاطر : ٣٢ .
وفي الوقت نفسه كان هذا التكريم يمثّل رغبة وأمنية من أمنيات الأنبياء ، تفصح عن حالة فطرية عند الإنسان في الرغبة والبقاء والاستمرار من خلال ذريته الصالحة ، وهذا بحث اجتماعي مهم يرتبط بدراسة علاقة الإنسان بذريته وشعوره بالبقاء من خلالها .
فالقضية إذاً ترتبط بكلا الجانبين : الجانب الإلهي ، وهو تعالى الجواد المتفضّل على أنبيائه المجيب لدعائهم ، والجانب الإنساني العبودي المتمثّل بهؤلاء الأنبياء الذين أخلصوا لله تعالى في العبودية .
وهذا ما نشاهده واضحاً على لسان نبي الله إبراهيم عليهالسلام الذي هو شيخ الأنبياء ، عندما امتحنه الله تعالى ، ونجح في ذلك الابتلاء والاختبار ، كان أوّل شيء طلبه من الله تعالى هو أن تكون هذه الإمامة التي حمّله الله مسؤوليتها ، أن تكون في ذرّيته أيضاً ، كما في قوله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (١) ، وكذا وقوله تعالى : ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبّنَا تَقَبّلْ مِنّا إِنّكَ أَنْتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيّتِنَا أُمّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنّكَ أَنْتَ التّوّابُ الرّحِيمُ ) (٢) حيث طلبا من الله تعالى في البداية قبول هذا العمل العظيم ، ثم دعيا أيضاً أن يشرك معهما في إسلامهما لله عزّ وجلّ ذريتهما من المسلمين المهتدين المقبولين لديه ، ولم يقتصرا على ذلك وإنّما طلبا من الله تعالى أن تكون هذه الذرية ذرية تتحمّل مسؤولية النبوّة والرسالة أيضاً ، كما بيّنته الآية الشريفة ، حيث جاء فيها : ( رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ إِنّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) .
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى : ( فَهَبْ لِي مِن لّدُنكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي ) .
ـــــــــــــ
(١) البقرة : ١٢٤ .
(٢) البقرة : ١٢٧ ـ ١٢٩ .
ولذلك نلاحظ أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يفتخر ويقول :( أنّا دعوة إبراهيم ) (١) أي في جعله من ذرية إبراهيم عليهالسلام ، وأنّه الرسول الذي يتلو الآيات ، ويعلّم الناس الكتاب والحكمة ويزكّيهم .
عندما نرجع إلى القرآن ومفاهيمه وتصويره لحركة الأنبياء والرسالات الإلهية ، نجد أنّ هذا التكريم الإلهي للأنبياء ، وهو أن يجعل من ذريتهم أنبياء وأئمّة يقومون بالواجب الإلهي ، فصار ذلك سنّة من السنن الإلهية الواضحة في تاريخ الرسالات والأنبياء ، كما في قوله تعالى : ( وَتِلْكَ حُجّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَات مَن نَشَاءُ إِنّ رَبّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرّيّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلّ مِنَ الصّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرّيّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (٢) .
ـــــــــــــ
(١) الجامع الصغير ، الطبراني : ج ١ ص ٤١٤ ؛ فيض القدير شرح الجامع الصغير ، المناوي : ج ٣ ص ٥٩٠ ؛ كنز العمال : ج ١١ ص ٣٨٤ ـ ص ٤٠٥ .
(٢) الأنعام : ٨٣ ـ ٨٧ .
حيث يشير القرآن الكريم في الآيات المباركة إلى هذه السنّة التاريخية وتعميمها لتشمل الآباء والإخوان ، كما في قوله تعالى ومن آبائهم وذريتهم وإخوانهم ، وكذلك ما ورد في سورة مريم عندما تحدث القرآن عن عدد من الأنبياء ، وهم إبراهيم وبعض ذريته ، وإدريس من قبل إبراهيم ، وبعد ذلك يذكر القانون العام في الذرية ( أُولئِكَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِنَ النّبِيّينَ مِن ذُرّيّةِ آدَمَ وَمِمّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرّيّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرّحْمنِ خَرّوا سُجّداً وَبُكِيّاً ) (١) ، ويشير القرآن الكريم إلى هذا المعنى عندما يتحدث عن نوح وإبراهيم ، وأنّه تعالى جعل في ذريّتهما النبوّة ، قال تعالى : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرّيّتِهِمَا النّبُوّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) (٢) .
وغيرها من الموارد الكثيرة التي لا يسع المجال لاستعراضها .
وبعد أن اتضح أنّ هذه سنّة إلهية تحكم مسيرة وحركة الأنبياء ، ويبرز لنا عنوان آخر في عدد من الآيات القرآنية ، ولعلّه يعد السبب الرئيس من وراء جعل هذه السنّة في حركة الأنبياء وكونهم من ذرية واحدة ، وهو ما تحدث عنه القرآن الكريم في مناسبات متعددة ، ذلك هو الاصطفاء والاجتباء .
الاصطفاء لغة هو الاختيار والاجتباء ، فمعنى اصطفاهم أي جعلهم
ـــــــــــــ
(١) مريم : ٥٨ .
(٢) الحديد : ٢٦ .
صفوة خلقه ، كما في قوله تعالى لموسى عليهالسلام : ( قَالَ يَا مُوسَى إِنّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى الْنّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ ) (١) ، وقال في إبراهيم عليهالسلام : ( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبصَارِ * إِنّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ * وَإِنّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ ) (٢) ، فالاصطفاء يمثّل ظاهرة واضحة في حركة الأنبياء ، كما جاء ذلك أيضاً في قوله تعالى : ( إِنّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (٣) ، فنلاحظ أنّ الله تعالى اصطفى آدم اصطفاءً واختياراً خاصاً ثم اختار نوحاً ، ثم اختار إبراهيم وآل إبراهيم ثم عمران ، وآل عمران مضافاً إلى تأكيد القرآن الكريم إنّ هذا الاختيار والاصطفاء ليس أمراً واقفاً على هذه الأسماء وهذه الجماعات ، وإنّما هي قضية ذات امتداد في هذه الذرية ( ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ) .
إنّ اصطفاء واختيار الله تعالى للأنبياء ، إنّما جاء وفقاً للعدالة الإلهية ووفقاً لقوله تعالى : ( وَأَن ليْسَ للإنسان إِلاّ مَا سَعَى ) (٤) و ( إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ) (٥) إلاّ أنّ النقطة الجديرة بالالتفات ، هي أنّ الكيفية والآلية التي اختارهم الله عزّ وجلّ على أساسها ، إنّما جاءت نتيجة علمه تعالى بأن هؤلاء الأنبياء مطيعون له طاعة لا نظير لها دون غيرهم ، ويمتلكون إرادة واستعداداً خاصاً لتحمّل المسؤولية ، والفناء في ذات الله تعالى وإرادته ، بحيث يعجز غيرهم عن الوصول لما وصلوا إليه .
ـــــــــــــ
(١) الأعراف : ١٤٤ .
(٢) ص : ٤٥ ـ ٤٧ .
(٣) آل عمران : ٣٣ ـ ٣٤ .
(٤) النجم : ٣٩ .
(٥) الحجرات : ١٣ .
إذن ، لعلمه تعالى السابق بهم وبكفاءتهم في تحمّل المسؤولية اصطفاهم واختارهم دون غيرهم من الناس ؛ لأنّه تعالى يعلم بأفعال المكلّفين قبل حصولها ؛ ولا ينافي ذلك اختيارهم كما هو واضح .
وعلى هذا الأساس ، فإنّ الله تعالى ، بعد علمه السابق بهم ، وأنّهم يفوقون غيرهم ، سوف يوليهم عناية خاصة لكي يكونوا قادرين على تحقيق ما كانوا مستعدين لتحقيقه .
ولا ريب أنّ هذا المنطق هو منطق عقلائي ، يمارسه العقلاء في حياتهم ، ألا ترى لو وجد بين طلاب مدرسة ، طالب يمتاز بنبوغ عال ، فهل من العدالة والإنصاف أن يترك مع بقية الطلبة ، ويعامل بمستواهم العلمي الذي يقلّ عن مستواه بمراتب ؟ طبعاً لا ، وإنّما من العدالة أن يحضى برعاية استثنائية ، ويُوفّر له من الإمكانيات ما يجعله قادراً على الإنتاج وتحقيق الغايات المرجوة من نبوغه بحسب قابليته ، بل لو كان لديك أولاد ، وكان لأحدهم نبوغ وكفاءة ، فالمنطق العقلائي يُحتم عليك أن توفّر وتهيّئ له الظروف وتهتم به وترعاه ، ومن الظلم له أن تتركه وتساويه مع غيره في العناية ؛ لأنّ قوام العدل وأساسه ليس التساوي ، وإنّما هو إعطاء كل ذي حق حقّه ، فمن حق الذي تتوفّر فيه القابلية والكفاءة أن تهيّئ له ما يستلزم استثمار كفاءته واستعداده .
وعلى ضوء هذا نجد أنّ الله تعالى أولى عناية خاصة بالأنبياء والمرسلين ، لعلمه السابق تعالى بهم وبقابليتهم على طاعته بتلك الدرجة دون غيرهم ، بل نجد الآن في علم الهندسة الوراثية أنّهم يدرسون جينة الشخص ؛ ليتمكنوا من تشخيص قابلياته ، ومعرفة كفاءته واستعداده ليضعوه في الموضع المناسب ، وأنّه هل له قدرة على القيادة والعطاء أم لا ؟ وهذا هو منهج الاصطفاء .
من الواضح أنّ الوراثة والأبوّة والجدودة من الأمور التي لها نوع تأثير ومدخلية على تركيبة وشخصية الإنسان ومزاجه ، بما ينسجم مع عالم الدنيا المادي الذي نعيش فيه ؛ ولذلك شاء الله تعالى لهؤلاء الأنبياء والمرسلين والأئمة الذين اصطفاهم واختارهم أن يجعلهم من ذرية صالحة وأرحام مطهّرة ، وهذا ما نلمسه في روايات متضافرة في هذا الصدد .
وهو ما يسمّى بأخبار الطينة والأصلاب المطهّرة ، فقد أخرج بن مردويه عن ابن عباس ، قال : سألت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فقلت : بأبي أنت وأمي أين كنت وآدم في الجنة ؟ فتبسّم حتى بدت نواجذه ، ثم قال :( إنّي كنت في صلبه وهبط إلى الأرض وأنا في صلبه ، وركبت السفينة في صلب أبي نوح ، فقذفت في النار في صلب أبي إبراهيم ، لم يلتق أبواي قط على سفاح ، لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيّبة إلى الأرحام الطاهرة ، مصفّى مهذباً ، لا تتشعب شُعبتان إلاّ كنت في خيرهما ، قد أخذ الله بالنبوّة ميثاقي ، وبالإسلام هداني ، وبيّن في التوراة والإنجيل ذكري ، وبيّن كل شيء من صفتي في شرق الأرض وغربها ، وعلّمني كتابه في سمائه ، وشق لي من أسمائه ، فذو العرش محمود وأنا محمد ، ووعدني أن يحبوني بالحوض وأعطاني الكوثر ، وأنا أوّل شافع وأوّل مشفّع ، ثم أخرجني في خير قرون أُمّتي ، وأُمّتي الحمادون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) (١) .
وعن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :( ما بال أقوام ينتقصون عليّاً ، مَن تنقّص عليّاً فقد تنقّصني ، ومَن فارق عليّاً فقد فارقني وإنّ عليّاً منّي وأنا منه ، خلق من طينتي وخلقت من طينة إبراهيم وأنا أفضل من إبراهيم ، ذريّة بعضها من بعض ، والله سميع عليهم ) (٢) .
وعن رسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :( خُلقت أنا وهارون ابن عمران ويحيى بن زكريا وعلي بن أبي طالب من طينة واحدة ) (٣) .
إذن ظاهرة اختيار واصطفاء الأنبياء والمرسلين والأئمّة ، وجعلهم في ذرية واحدة ، لا ينحصر أثرها في عناية الله تعالى بهم وجعلهم في أصلاب وأرحام مطهّرة فحسب ، وإنّما نجد لهذه الظاهرة أبعاداً وأهدافاً أخرى ذات أهمية فائقة ، منها :
ـــــــــــــ
(١) الدر المنثور ، السيوطي : ج ٦ ص ٣٣٢ ؛ تاريخ مدينة دمشق ابن عساكر: ج ٣ ص ٤٠٨ ، وكذلك البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ٢ ص ٣١٨ ، وكذلك اليرة النبوية : ابن كثير : ج ١ ص ١٩٦ .
(٢) مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٩ ص ١٢٨ .
(٣) تاريخ بغداد ، الخطيب البغدادي : ج ٦ ص ٥٦ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٤٢ ص ٦٣ .
وهذا واضح كما في اختيار الله تعالى أوصياء الأنبياء ، حيث نجد أنّ اختياره تعالى للأوصياء يتركّز على أولئك المقرّبين للأنبياء من أقاربهم أو ذراريهم ممّن يرتبطون بالنبي أو الرسول القائد ارتباطاً نسبياً ، كما في قوله تعالى : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرّيّتِهِمَا النّبُوّةَ وَالْكِتَابَ ) (١) وغيرها من الآيات(٢) .
ونقصد بذلك ما يترتّب على الذرية الصالحة للأنبياء من تحقيق مصالح الرسالة ، وإعداد الأفراد المؤهّلين للقيام بمهامّها وتحمّل أعبائها الثقيلة ؛ وذلك لأنّ عُمر الرسول ـ عادة ـ يكون أقصر من عمر الرسالة ، ومن ثمّ يحتاج إلى مَن يقوم بتحمّل أعبائها ومسؤولياتها ، وهذا إنّما يحتاج إلى إعداد يتناسب مع طبيعة وحكم هذه الأعباء والمسؤوليات الضخمة ، ولا ريب أنّ الإعداد الأفضل والأكمل لا يتم إلاّ في داخل البيت الرسالي ، ومن الأفراد الذين انحدروا من صاحب الرسالة الذين لم يروا النور إلاّ في كنفه وفي إطار تربيته ، دون غيرهم من الأفراد الذين يفتقرون إلى الكفاءة والاستعداد ، وإن كانوا من نفس ذرية النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما في قوله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (٣) .
ـــــــــــــ
(١) الحديد : ٢٦ .
(٢) الأنعام : ٨٣ ـ ٨٧ .
(٣) البقرة : ١٢٤ .
على ضوء ما سلف آنفاً يتضح أنّ وراثة الأنبياء أعم من الوراثة المتعارفة ، فهي شاملة لوراثة العلم والنور والملك ، ومن هنا نجد الفخر ، الرازي يفسّر آية ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ) (١) على أنّها أعمّ من وراثة النبوّة والمال حيث قال : ( الله تعالى جعل سبب الإرث فيمن يرث الموت على شرائط ، وليس كذلك النبوّة ؛ لأنّ الموت لا يكون سبباً لنبوة الولد فمن هذا الوجه يفترقان ، وذلك لا يمنع من أن يوصف بأنّه ورث النبوة لما قام به عند موته ، كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته ) ، ثم ذكر وجوهاً عديدة لشمول الإرث للمال والنبوّة والمقامات الرسالية ، إلى أن قال : ( فبطل بما ذكرنا قول مَن زعم أنّه لم يرث إلاّ المال )(٢) .
فمن أبرز ما يورث في أُسرة التوحيد بين الأنبياء والمرسلين والأئمّة هو العلم ، ولا يخفى ما في العلم من فضل ومزية ، ولذا فإنّ الفخر الرازي في ذيل الآية المباركة : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ الْحَمْدُ للهِِ الّذِي فَضّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ) (٣) ، قال : ( في الآية دليل على علوّ مرتبة العلم ؛ لأنّهما أوتيا من الملك ما لم يؤت غيرهما ، إن تلك الفضيلة ليست إلاّ ذلك العلم )(٤) .
وبهذا يتبيّن أنّ الأنبياء والمرسلين والأئمّة وراثتهم نورية ، فضلاً عن الوراثة المتعارفة ، وأن أبرز شيء متوارث فيما بينهم هو العلم والنبوة والحكمة ، كما في قوله تعالى : ( ثُمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) قال الثعلبي في مراثي المجالس في آية ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُد ) : ( يعني نبوّته وحكمته وملكه ) .
ـــــــــــــ
(١) النمل : ١٦ .
(٢) التفسير الكبير ، للفخر الرازي : المجلد الثاني عشر ج ٢٤ ص ١٨٧ .
(٣) النمل : ١٥ .
(٤) التفسير الكبير ، الفخر الرازي : المجلّد الثاني عشر : ج ٢٤ ص ١٨٦ .
وحيث إنّ أهل البيت عليهمالسلام من تلك الشجرة المباركة ، ومن أسرة التوحيد ، ومن تلك الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة المصطفاة المجتباة المتمثّلة بالأنبياء والمرسلين ، وعلى رأسهم سيّدهم وأفضلهم نبيّنا محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهم عليهمالسلام ورثة الأنبياء وممّن اصطفاهم واختارهم واجتباهم الله سبحانه وتعالى لسابق علمه بطاعتهم وحبّهم وفنائهم في ذات الله تعالى .
وإليك نموذجاً من الشواهد الروائية المؤكّدة لوراثة أهل البيت عليهمالسلام للأنبياء :
ففي المناقب للخوارزمي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عند المؤاخاة أنّه قال :( والذي بعثني بالحق ما أخّرتك إلاّ لنفسي فأنت عندي بمنزلة هارون من موسى ووارثي ، فقال :يا رسول الله ما أرث منك ؟ قال :ما ورثت الأنبياء ، قال :وما أورثت الأنبياء قبلك ؟ قال :كتاب الله وسنة نبيّهم ) (١) .
وفي ينابيع المودّة ، عن أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام قال :قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : ( يا
ـــــــــــــ
(١) المعجم الكبير ، الطبراني: ج ٥ ص ٢٢١ ؛ وذكره ابن حبان في الثقات : ج ١ ص ١٤٢؛ تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ج ٢١ ص ٤١٥، ج ٤٢ ص ٥٣؛ مناقب الخوارزمي : ص ١٥٢ .
علي أنت أخي ووارثي ووصيي ، محبّك محبّي ، ومبغضك مبغضي ، يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأُمّة ، يا علي أنا وأنت والأئمّة من ولدك سادات في الدنيا وملوك في الآخرة ، مَن عرفنا فقد عرف الله عزّ وجلّ ، ومَن أنكرنا فقد أنكر الله عزّوجلّ ) (١) .
وعن أبي ذر رضياللهعنه أنّه قال :
( أيّها الناس مَن عرفني فقد عرفني ، ومَن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري ، أنا جندب بن جنادة الربذي ، إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض ، والله سميع عليم ، محمد الصفوة من نوح ، فالأوّل من إبراهيم ، والسلالة من إسماعيل ، والعترة الهادية من محمد ، إنّه شرف شريفهم ، واستحقوا الفضل في قوم هم فينا كالسماء المرفوعة وكالكعبة المستورة ، أو كالقبلة المنصوبة ، أو كالشمس الضاحية ، أو كالقمر الساري ، أو كالنجوم الهادية ، أو كالشجر الزيتونية أضاء زيتها ، وبورك زبدها ، ومحمد وارث علم آدم وما فضل به النبيون ، وعلي بن أبي طالب وصيّ محمد ، ووارث علمه ، أيّتها الأمة المتحيّرة بعد نبيها ! أما لو قدّمتم مَن قدّم الله ، وأخّرتم مَن أخّر الله ، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم لأكلتم من فوق رؤوسكم ، ومن تحت أقدامكم ، ولما عال ولي الله ، ولا طاش سهم من فرائض الله ، ولا اختلف اثنان في حكم الله ، إلاّ وجدتم على ذلك عندهم من كتاب الله وسنّة نبيّه ، فأمّا إذ فعلتم ما فعلتم ، فذوقوا وبال أمركم ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون )(٢) .
ـــــــــــــ
(١) ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ١ ص ٣٧٠ .
(٢) تاريخ اليعقوبي ، اليعقوبي : ج ٢ ص ١٧١ .
أخرج الحاكم الحسكاني في شواهده : ( إنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ليلة أُسري به جمع الله تعالى بينه وبين الأنبياء ، ثم قال : سلهم يا محمد على ماذا بُعثتم ؟ [ فسألهم ] فقالوا : بُعثنا على شهادة أن لا إله إلا الله ، وعلى الإقرار بنبوّتك ، والولاية لعلي بن أبي طالب )(١) .
وأخرج أيضاً عن أنس أنّه قال : ( قلنا لسلمان : سل النبي مَن وصيّه فقال له سلمان : يا رسول الله مَن وصيّك ، قال :( يا سلمان مَن كان وصيّ موسى ؟ فقال : يوشع بن نون قال :فإنّ وصيّي ووارثي يقضي ديني وينجز موعودي علي بن أبي طالب ) (٢) .
وعن الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال :( إنّ الفضل والشرف والمنزلة والولاية لرسول الله وذرّيته فلا تذهب بكم الأباطيل ) (٣) ، ونحوها من الروايات الكثيرة .
وهذه الروايات فيها دلالة صريحة على وراثة الإمام علي وأهل البيت عليهمالسلام لعلم النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن الواضح أنّ إقرار الأنبياء بولاية الإمام علي عليهالسلام يستلزم كونه حامل علم الأنبياء عليهمالسلام وإلاّ فلا معنى لكونه وليّاً لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
لقد وردت جملة من الروايات تؤكّد على أنّ أهل البيت عليهمالسلام هم ورثة الكتاب الكريم .
ـــــــــــــ
(١) شواهد التنزيل : الحاكم الحسكاني : ج ٢ ص ٢٢٤ .
(٢) المصدر نفسه : ج ١ ص ٩٩ .
(٣) ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ١ ص ٧٨ .
منها : ما أخرجه السيوطي في تفسيره عن قتادة في قوله تعالى : ( إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) قال : ( هم أهل بيت طهّرهم الله من السوء واختصهم برحمته ، قال : وحدّث الضحاك بن مزاحم أنّ نبي الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يقول :نحن أهل بيت طهّرهم الله ، من شجرة النبوّة ، وموضع الرسالة ، ومختلف الملائكة وبيت الرحمة ومعدن العلم )(١) .
ومنها : ما أخرجه الحاكم الحسكاني في شواهده ، عن الحرث ، قال سألت أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام عن هذه الآية: ( فَسْأَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ ) قال :( والله إنّا أهل الذكر ، ونحن أهل العلم ، ونحن معدن التأويل والتنزيل ، وقد سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، فمَن أراد العلم فليأت من بابه ) (٢) .
ومنها : ما ورد عن عبد الله بن أعين قال : سمعت جعفر الصادق عليهمالسلام يقول :( قد ولدني رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وأنا أعلم كتاب الله ، وفيه بدء الخلق وما هو كائن إلى يوم القيامة ، وفيه خبر السماء وخبر الأرض ، وخبر الجنة وخبر النار ، وخبر ما كان وخبر ما يكون ، وأنا أعلم ذلك كلّه كأنّما أنظر إلى كفّي ، وأنّ الله يقول : ( تِبْيَاناً لِكُلّ شَيْءٍ ) ويقول تعالى : ( ثُمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) فنحن الذين اصطفانا الله جلّ شأنه ، وأورثنا هذا الكتاب ، فيه تبيان لكل شيء ) (٣) .
ـــــــــــــ
(١) الدر المنثور ، السيوطي : ج ٦ ص ٦٠٦ .
(٢) شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج ١ ص ٤٣٢ .
(٣) ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ١ ص ٨١ .
ومنها : ما جاء عن أمير المؤمنين علي عليهالسلام أنّه قال :( لا يقاس بآل محمد صلّى الله عليه من هذه الأمة أحد ، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً ، هم أساس الدين ، وعماد اليقين ، إليهم يفيء الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حق الولاية ، وفيهم الوصيّة والوراثة ، الآن إذ رجع الحق إلى أهله ونقل إلى منتقله ) (١) .
ومنها : ما في ينابيع المودّة عن الإمام الباقر عليهالسلام قال :( ونحن مستودع مواريث الأنبياء ونحن العلم المرفوع للحق ) (٢) .
وغيرها من الروايات التي لا يسع المجال لذكرها ، ولا يخفى ما في دلالتها على أنّ أهل البيت عليهمالسلام ورثة علم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن هنا نجد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يؤكّد على بيان منزلة أهل البيت وفضلهم في الأُمّة ، كما في قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( إنّ الفضل والشرف والمنزلة والولاية لرسول الله وذرّيّته فلا تذهبنّ بكم الأباطيل ) (٣) .
من الأدلة القرآنية على أعلمية أهل البيت عليهمالسلام مضافاً إلى ما تقدّم :
قوله تعالى : ( كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (٤) .
ففي هذه الآية المباركة يبيّن الله تعالى لرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم كيفية الإجابة والمحاججة مع الكفّار الذين ينكرون نبوّته ورسالته ، بقوله تعالى : ( وَيَقُولُ الّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) حيث لقّن الله تعالى نبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم في مقام إثبات نبوّته بأن يستشهد بشهادتين :
ـــــــــــــ
(١) شرح نهج البلاغة ، ابن أبي حديد : ج ١ ص ٣٠ .
(٢) ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ١ ص ٧٧ .
(٣) نظم درر السمطين ، الزرندي : ص ٢٠٨ ؛ ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ١ ص ٧٨، ج ٢ ص ٤٥، ٣٨٢، ٤٦٥ .
(٤) الرعد : ٤٣ .
الشهادة الأُولى : وهي شهادة الله تعالى : ( قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ) وأنّه تعالى هو الذي أوحى إليه القرآن الكريم ، وأنّه معجزة خالدة ، وهذه شهادة إلهية عظيمة لا تعدلها شهادة ، ولا يضر معها جحود هؤلاء الكافرين .
الشهادة الثانية : شهادة من عنده علم الكتاب: ( قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) فجعل شهادة الذي عنده علم الكتاب لإثبات رسالته وصحّة دعوته ، وكفى بهذه الشهادة كرامة وفضلاً ، لاقترانها بشهادة الله تعالى .
ولكي نقف على عظمة هذه الشهادة ينبغي التعرّف على حقيقة علم الكتاب :
لمعرفة حقيقة علم الكتاب ينبغي أن نقف متأمّلين قليلاً عند قوله تعالى : ( قَالَ يَا أَيّهَا الملأ أَيّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مّنَ الْجِنّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مّقَامِكَ وَإِنّي عَلَيْهِ لَقَوِيّ أَمِينٌ * قَالَ الّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هذَا مِن فَضْلِ رَبّي لِيَبْلُوَنِي ءَأَشْكُرُ أَم أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنّ رَبّي غَنِيّ كَرِيمٌ ) (١) .
فإنّ هذه الآية المباركة تبيّن أنّ وصي سليمان عليهالسلام كان عنده بعض علم الكتاب وليس علم الكتاب كلّه ، كما هو واضح من قوله : ( قَالَ الّذِي عِندَهُ عِلْمٌ منَ الْكِتَابِ ) حيث إنّ ( من ) في الآية الكريمة تبعيضية ، أي عنده بعض علم الكتاب ، وبهذا البعض من العلم من الكتاب كان لوصي سليمان ( آصف بن برخيا ) القدرة على الإتيان بعرش بلقيس من سبأ في اليمن إلى بيت المقدس في أقل من طرفة عين ، فكيف بمَن عنده علم الكتاب كلّه ؟!
ـــــــــــــ
(١) النمل: ٣٨ ـ ٤٠ .
وُصِف الكتاب في القرآن الكريم بأنّه يحتوي على كل شيء ، قال تعالى : ( وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (١) .
وكلمه ( شيء ) في الآية مفهوم مطلق لا يوجد أعم منه ، فلا يخرج من هذا التعميم مخلوق من الأزل إلى الأبد ، لا سيّما مع ملاحظة أنذ الشيء في الآية جاء مشفوعاً بكلمة ( كل ) التي تؤكّد العموم ، إذن الكتاب بيان لكل شيء .
ومن البديهي أنّ هذا الضرب من العلم بالكتاب الذي تشير إليه الآية الكريمة آنفة الذكر : ( قَالَ الّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ ) والآية المباركة : ( قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَاب ) (٢) أنّ هذا العلم ليس هو العلم المتعارف بين الناس المسمّى بالعلم الحصولي ، بل هو سنخ آخر من العلم ميزته أنّ لصاحبه القدرة على التصرّف بنظام التكوين ، وبواسطته استطاع وصي سليمان ـ الذي عنده علم من الكتاب ـ أن يأتي بعرش بلقيس من سبأ إلى بيت المقدس في أقلّ من طرفة عين .
ـــــــــــــ
(١) النحل : ٨٩ .
(٢) الرعد : ٤٣ .
استفاضت الروايات ، واحتشدت دلالاتها على أنّ المراد بمَن عنده علم الكتاب في الآية : ( قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَاب ) أنّه الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام ، فقد جاءت هذه الشواهد الروائية بألسنة مختلفة ملتقية في نقطة واحدة ، وهي أنّ الذي عنده علم الكتاب في الآية هو علي بن أبي طالب عليهالسلام ، منها :
١ ـ أخرج القندوزي في ينابيع المودّة بسنده عن الحسين بن علي عليهالسلام :لما نزلت هذه الآية : ( وَكُلّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) قالوا يا رسول الله هو التوراة أو الإنجيل أو القرآن ؟ قال : ( لا ، فأقبل أبي عليهالسلام فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : هذا هو الإمام الذي أحصى الله فيه علم كل شيء ) (١) .
٢ ـ أخرج الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ، في هذا المجال ستة أحاديث عن ابن عباس ، وأبي صالح ، والإمام الباقر عليهالسلام ومحمد بن الحنفية ، وأبي سعيد الخدري ، نكتفي بنقل حديث واحد منها ، وهو ما جاء عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري قال : ( سألت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عن قول الله تعالى : ( وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) قال :ذاك أخي علي بن أبي طالب )(٢) .
ـــــــــــــ
(١) ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ١ ص ٢٣٠ .
(٢) شواهد التنزيل ، الحسكاني عبد الله بن أحمد : ج ١ ص ٤٠٠ ـ ٤٠٥ .
٣ ـ أخرج أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره حديثين ، الأول عن ابن عبد الله بن عطاء أنّه قال : ( كنتُ جالساً مع أبي جعفر في المسجد فرأيت ابن عبد الله بن سلام جالساً في ناحية ، فقلت : لأبي جعفر : زعموا أنّ الذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام ، فقال :إنّما ذلك علي بن أبي طالب عليهالسلام ، والثاني ؛ عن أبي عمر زاذان ، عن أبن الحنفية : ( ( وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) ، قال : هو علي بن أبي طالب )(١) .
٤ ـ أخرج القرطبي في تفسيره ، عن عبد الله بن عطاء أنّه قال : ( قلت : لأبي جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهالسلام ، زعموا أنّ الذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام ، فقال : (إنّما ذلك علي بن أبي طالب عليهالسلام ، وكذلك قال محمد بن الحنفية )(٢) .
٥ ـ أخرج الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في كتابه ( ما نزل من القرآن في علي عليهالسلام ، عن إسماعيل بن سليمان : عن [محمّد] بن الحنفية في قوله عزّ وجلّ : ( قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) قال : ( هو علي بن أبي طالب عليهالسلام )(٣) .
٦ ـ قال الآلوسي في تفسيره : ( قال محمد بن الحنفية ، والباقر كما في البحر : المراد بـ ( من ) ، علي (كرّم الله تعالى وجهه) ، الظاهر أنّ المراد بالكتاب حينئذٍ القرآن ، ولعمري إنّ عنده رضياللهعنه علم
ـــــــــــــ
(١) الكشف والبيان ، الثعلبي أبو إسحاق أحمد : ج ٥ ص ٣٠٣ ـ ٣٠٢ .
(٢) الجامع الأحكام القرآن ، القرطبي محمد بن أحمد : ج ٩ ص ٣٣٦ .
(٣) النور المشتعل من كتاب ما نزل من القرآن في عليعليهالسلام ، الأصبهاني ؛ أحمد بن عبد الله بن أحمد (أبو نعيم) : ص ١٢٥ ؛ تحقيق محمد باقر المحمودي .
الكتاب كملاً )(١) ! .
٧ ـ ابن مردويه(٢) روى في كتابه ( مناقب علي بن أبي طالب عليهالسلام ، عن ابن عباس في قوله تعالى : ( وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) قال : ( هو علي بن أبي طالب )(٣) .
بعد أن اتضح أنّ الذي عنده علم الكتاب هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام بمقتضى الروايات الآنفة الذكر ، فهنالك عدّة آيات قرآنية تشير إلى اختصاص رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل البيت عليهمالسلام علم الكتاب فضلاً عن الروايات الصحيحة ، ومن جملة هذه الآيات ما يلي :
أولاً : قوله تعالى : ( وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلّ شَيْءٍ ) (٤) ، وقوله تعالى : ( مَا فَرّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) ، حيث دلّت هاتان الآيتان على أنّ القرآن فيه تبيان كل شيء ، ثم إنّنا لو سألنا القرآن الكريم عن سبب وجود الاختلافات الكثيرة بين المسلمين مع أنّ القرآن الكريم موجود بين أيديهم ؟ لأجابنا بأنّ هذا الكتاب الذي فيه تبيان لكل شيء يحمله ثلّة
ـــــــــــــ
(١) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، الآلوسي : ج ١٣ ص ١٧٦ .
(٢) قال الذهبي في حقّه : ابن مردويه الحافظ ، المجوّد ، العلاّمة ، محدّث أصبهان ، كان من فرسان الحديث ، فهماً يقظاً متقياً كثير الحديث جداً ، ومن نظر في تواليفه عرف محلّه من الحفظ ، راجع : الذهبي : سير أعلام النبلاء : ج ١٧ : ص ٣٠٨ ـ ٣٠٩ .
(٣) مناقب علي بن أبي طالبعليهالسلام ، الأصبهاني ؛ ابن مردويه أحمد بن موسى : ص ٢٦٨ ؛ جمعه وقد له عبد الرزاق محمد حسين حرز الدين .
(٤) النحل : ٨٩ .
مطهّرة من الأمة ، وهم الثقل الآخر للقرآن الكريم بتعبير حديث الثقلين وهو :( إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً ) وهذا الحديث متواتر سنداً ومضموناً ، وصريح من حيث الدلالة على أنّ أهل البيت عليهمالسلام هم الثقل الآخر في الأمة ، وأنّهم عِدل للقرآن ، وهذا المعنى يلتقي مع قوله تعالى ـ الذي يدلنا على مكان وموضع علم الكتاب ـ ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيّنَاتٌ فِي صُدُورِ الّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاّ الظّالِمُونَ ) (١) ولم يدّعِ أحد من المسلمين أنّه عنده علم ما في القرآن إلاّ هم عليهمالسلام لا يفترقون عنه إلى قيام الساعة ، فقد ورد عن عمر أنّه قال : ( سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقرأ قوله تعالى : ( وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) ، وسمعته يقول : ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيّنَاتٌ فِي صُدُورِ الّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) ، وقد أثبتنا أنّ الذي عنده علم الكتاب هو الإمام علي وولده عليهمالسلام وهذه دلالة واضحة على أنّ المراد بـ ( صُدُورِ الّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) هم أهل بيت النبي عليهمالسلام وفي مقدّمتهم أمير المؤمنين عليهالسلام .
ثانياً : قوله تعالى : ( إِنّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسّهُ إِلاّ الْمُطَهّرُونَ ) .
ولأجل أن نتفهّم الآية المباركة ينبغي بيان مقدّمة تساهم في الوصول إلى المطلوب : وملخّص هذه المقدّمة : هي أنّ لكلّ شيء أربعة وجودات :
الوجود الأوّل : وهو الوجود الكتبي مثل كتابة ( زيد ) .
الوجود الثاني : الوجود اللفظي كما لو تلفّظنا بكلمة ( زيد ) فقط .
الوجود الثالث : الوجود الذهبي كوجود صورة زيد في ذهننا .
الوجود الرابع : الوجود الخارجي وهو وجود زيد حقيقة في الخارج .
ـــــــــــــ
(١) العنكبوت : ٤٩ .
والقرآن الكريم لا يخرج عن هذه الحقيقة التكوينية ، فهو له أربعة وجودات أيضاً ، فوجوده اللفظي هو القرآن المصوت به ، وكذا له وجود كتبي وهو هذه النسخة الشريفة الموجودة والتي لها أحكام شرعية خاصة بها .
ووجوده الذهني الذي هو عبارة عن تدبّر معانيه السامية ، والتأمّل فيها ، وهي ما دعانا الباري تعالى إلى التدبّر والتأمّل فيها .
ووجوده الخارجي هو نفس حقيقة القرآن الكريم ، وهي التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى : ( لَوْ أَنزَلْنَا هذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ ) ، فتصدع الجبل لا يحصل بوجود القرآن اللفظي أو الكتبي بتلاوته أو كتابته أو وضعه على الجبل ، ولا بوجود القرآن الذهني بل تصدّع الجبل فيما إذا نزلت حقيقة القرآن الخارجية على الجبل ، وهذا هو ما نصّت عليه الآية المباركة .
وبعد أن اتضحت هذه المقدمة وهي أنّ للقرآن حقيقة خارجية تكوينية سامية ، فإنّ هذه الحقيقة لا يمكن أن يصل إليها إلاّ المطهّرون ، كما في قوله تعالى : ( إِنّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسّهُ إِلاّ الْمُطَهّرُونَ ) ومعنى ( مكنون ) أي محفوظ ؛ ولذا قال الراغب الأصفهاني في مفرداته في معنى قوله تعالى: ( ( لا يَمَسّهُ إِلاّ الْمُطَهّرُونَ ) أي لا يبلغ حقائق معرفته إلاّ مَن طهّر نفسه وتنقّى من درن الفساد )(١) .
ـــــــــــــ
(١) المفردات في غريب القرآن ، الراغب : ص ٣٠٨ .
لقد بادر القرآن الكريم لبيان ماهية وحقيقة المطهّرين ، وأنّهم أهل البيت عليهمالسلام ، قال تعالى : ( إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، وقد بيّن الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم في روايات متضافرة بأنّ المطهّرين هم أهل بيته عليهمالسلام ، ومن هذه الروايات :
١ ـ ما ورد عن عبد الله بن جعفر لمّا نظر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الرحمة هابطة قال :( ادعوا لي ، ادعوا لي ، فقالت صفية : مَن ؟ قال صلىاللهعليهوآلهوسلم :أهل بيتي : عليّاً وفاطمة والحسن والحسين ، فجيء بهم فألقى عليهم كساءه ، ثم رفع يديه ، ثم قال :اللّهمّ هؤلاء آلي فصلّ على محمد وعلى آل محمد ، وأنزل الله عزّ وجلّ ، ( إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ) ، [قال الحاكم] : ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقد صحّت الرواية على شرط الشيخين ، أنّه علّمهم الصلاة على أهل بيته كما علّمهم الصلاة على آله )(١) .
٢ ـ ما ورد عن أبي سلمة : فدعا حسناً وحسيناً ، وفاطمة ، فأجلسهم بين يديه ، ودعا عليّاً فأجلسه خلفه فتجلّل هو وهم بالكساء ، ثم قال :( هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ) (٢) .
ومنها : ما رواه ابن كثير في تفسيره قال : ( حدثنا شداد بن عمار قال دخلت على واثلة بن الأسقع رضي الله عنه ، وعنده قوم فذكروا عليّاً رضي
ـــــــــــــ
(١) المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري : ج ٣ : ص ١٤٨ .
(٢) جامع البيان ، الطبري : ج ٢٢ : ص ١٢ ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج ٩ : ص ٢٦ ؛ شواهد التنزيل : الحاكم الحسكاني : ج ٢ : ص ١٢٠ ؛ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ١٤ ص ١٤٥ .
الله عنه فشتموه ، فشتمته معهم ، فلمّا قاموا قال لي شتمت هذا الرجل ؟ قلت : قد شتموه فشتمته معهم ، ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قلت : بلى ، قال : أتيت فاطمة رضي الله عنها أسألها عن علي رضي الله عنه ، فقالت توجّه إلى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فجلست أنتظره ، حتى جاء رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ومعه علي وحسن وحسين رضي الله عنهم آخذاً كل واحد منهما بيده حتى دخل فأدنى علياً وفاطمة رضي الله عنهما وأجلسهما بين يديه ، وأجلس حسناً وحسيناً رضي الله عنهما كل واحد منهما على فخذه ثم لفّ عليهم ثوبه ، أو قال : كساءه ، ثم تلى صلىاللهعليهوآلهوسلم هذه الآية ( إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، وقال :اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحق )(١) .
٣ ـ وعنه أيضاً في رواية أخرى عن أُمّ سلمة قالت : ( فأخذ صلىاللهعليهوآلهوسلم فضل الكساء فغطاهم به ، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء ، ثم قال :اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، قالت ـ أم سلمة ـ : فأدخلت رأسي البيت ، فقلت وأنا معكم يا رسول الله ؟ فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم :إنّك إلى خير ، إنك إلى خير )(٢) .
٤ ـ وفي رواية ثالثة عنها أيضاً قالت : ( فلمّا رآهم مقبلين مدّ صلىاللهعليهوآلهوسلم يده إلى كساء كان على منامه ، فمدّه وبسطه ، وأجلسهم عليهم ، ثم أخذ بأطرف الكساء الأربعة بشماله فضمّه فوق رؤوسهم وأومأ به بيده اليمنى إلى ربّه ، فقال :اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي
ـــــــــــــ
(١) تفسير ابن كثير، ابن كثير : ج ٣ : ص ٤٩٢ .
(٢) المصدر نفسه : ج ٣ ص ٤٩٢ .
فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً )(١) .
٥ ـ وفي رواية رابعة كذلك قالت : ( فاجتمعوا فجلّلهم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بكساء كان عليه ثم قال :اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط ، قالت ، فقلت : يا رسول الله وأنا ؟ قالت : فو الله ما أنعم ، وقال :إنّك إلى خير )(٢) .
٦ ـ وفي رواية خامسة عن أُمّ سلمة أيضاً : ( بينما رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في بيتي يوماً ، إذ قالت : الخادم إنّ فاطمة وعلياً بالسدة ، قالت: فقال لي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :قومي فتنحّي عن أهل بيتي )(٣) .
٧ ـ وفي رواية سادسة عن أم سلمة : ( قالت : إنّ هذه الآية نزلت في بيتي ( إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، قالت : وأنا جالسة على باب البيت ، فقلت يا رسول الله : ألست من أهل البيت ؟ فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم :إنّك إلى خير ، أنت من أزواج النبي ... )(٤) .
وهذه الروايات وغيرها صريحة في الدلالة على أنّ المراد بأهل البيت هم : علي وفاطمة والحسن والحسين وتسعة من أولاد الحسين عليهمالسلام .
وممّا يزيد هذه الحقيقة تأكيداً ـ وهي أنّ أهل البيت عليهمالسلام لديهم علم وحقيقة القرآن ـ قوله تعالى : ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) ،
ـــــــــــــ
(١) تفسير ابن كثير ، ابن كثير : ج ٣ ص ٤٩٣ ؛ جامع البيان ، الطبري : ج ٢٢ ص ١١ ؛ شواهد التنزيل ، الحسكاني : ج ٢ ص ١٠٣ .
(٢) تفسير ابن كثير ، ابن كثير : ج ٣ ص ٤٩٣ ؛ وانظر : المعجم الأوسط ، ج ٤ ص ١٣٤ ؛ وانظر : شواهد التنزيل ، الحسكاني : ج ٢ ص ١٠٢ .
(٣) تفسير ابن كثير : ج ٣ ص ٤٩٣ .
(٤) تفسير ابن كثير ، ابن كثير : ج ٣ ص ٤٦٦ .
وقد ورد عن أمير المؤمنين علي عليهالسلام أنّه خطب الناس قائلاً :( أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا ، كذباً وبغياً علينا ، أن رفعنا الله ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم ، بنا يستعطى الهدى ، ويستجلى العمى إنّ الأئمة من قريش ، غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاة من غيرهم ) (١) .
إذن تبيّن من هذه الروايات أنّ علم الكتاب إنّما هو عند أهل البيت عليهمالسلام بفضل الله تعالى واصطفائه لهم .
وأمّا على صعيد البحث الروائي فقد تواترت الروايات المؤكِّدة على أعلمية أهل البيت عليهمالسلام ، فضلاً عن كونهم ورثة النبي عليهمالسلام ، منها :
أخرج القندوزي الحنفي في الينابيع ، عن عمر بن أذينة عن جعفر الصادق عليهالسلام قال : قال أمير المؤمنين :( ألا إنّ العلم الذي هبط به آدم عليهالسلام من السماء إلى الأرض وجميع ما فضلّت به النبيّون إلى خاتم النبيّين في عترة خاتم النبيّين ) (٢) .
أخرج القندوزي الحنفي عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّه قال : (علم الكتاب والله عندنا ، وما أُعطي وزير سليمان بن داود ، إنّما عنده حرف واحد من
ـــــــــــــ
(١) شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد : ج ٢ ص ٢٧، ج ٩ ص ٨٤؛ ينابيع المودة، القندوزي: ج ٣ ص ٢٩٣.
(٢) ينابيع المودة، القندوزي: ج ١ ص ٣٠٦ .
الاسم الأعظم ، وعلم بعض الكتاب كان عنده ... وقال في علي عليهالسلام ومن عنده علم الكتاب )(١) ، وعن الإمام علي عليهالسلام أنّه قال :( ألا وإنّا أهل بيت من علم الله علمنا وبحكم الله حكمنا ) (٢) .
٣ ـ أُعطي أهل البيت سبعاً لم يعطها أحد قبلهم
أخرج ابن المغازلي عن علي عليهالسلام قال :( قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : أُعطينا أهل البيت سبعةً لم يُعطَها أحدٌ قبلنا ، ولا يُعطاها أحدٌ بعدنا : الصباحة والفصاحة والسماحة والشجاعة والحلم والعلم ) (٣) .
٤ ـ الإمام علي عليهالسلام عيبة علم الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم
أخرج ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق عن ابن عباس قال :( علي عيبة علمي ) (٤) .
٥ ـ الإمام علي عليهالسلام يعلم ظاهر القرآن وباطنه
أخرج القندوزي الحنفي في ينابيع المودّة عن ابن مسعود أنّه قال : ( نزل القرآن على سبعة أحرف له ظهر وبطن ، وأنّ عليّاً عليهالسلام علم القرآن ظاهره وباطنه )(٥) .
ـــــــــــــ
(١) ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ١ ص ٣٠٦ .
(٢) شرح نهج البلاغة : ج ١ ص ٢٧٦ ؛ جواهر المطالب : أحمد بن محمد الدمشقي الشافعي : ج ١ ص ٣٤٣ ؛ ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ١ ص ٨٠ ؛ ج ٣ ص ٤٠٨ .
(٣) مناقب علي بن أبي طالبعليهالسلام : ابن المغازلي ص ٢٩٥ ، ط ٢ .
(٤) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج ٤٢ ص ٣٨٥ ، وكذا جاء في الكامل : ج ٤ ص ١٠١ ؛ ميزان الاعتدال : ج ٢ ص ٣٢٧ ؛ فيظ القدير في شرح الجامع الصغير : ج ٤ ص ٤٦٩ .
(٥) ينابيع المودّة ، القندوزي ج ١ ص ٢١٥ ، ٢٢٣ ، ج ٣ ص ١٤٦ .
إنّ جدلية العلم بالغيب من قبل الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل البيت عليهمالسلام من الجدليات التي اتخذها المناوئون ذريعة للنيل من مذهب الشيعة الاثني عشرية ، وهذه الجدلية قائمة على مغالطة واضحة .
محصّل ومنشأ هذه المغالطة وجود بعض الآيات القرآنية التي تنفي علم الغيب عن الأنبياء ، كما في الآية الكريمة : ( مَا كُنتُ بِدْعاً مِنَ الرّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ) (١) وكذا قوله تعالى : ( قُل لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنّي مَلَكٌ ) ، وقوله تعالى : ( قُل لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسّنِيَ السّوءُ ) (٢) .
إذن على ضوء هذه الآيات يتبين عدم اطّلاع الأنبياء مطلقاً على الغيب ، وأنّ علم الغيب مختص بالله تعالى .
والمغالطة المخبوءة في هذا الاستدلال هو أنّ المستدل بالآيات على نفي علم الغيب عن الأنبياء كما تقدّم اقتصر على بعض الآيات ، بل في آية واحدة اقتصر على صدر الآية وطرح ذيلها ، مع أنّ هذا الأسلوب من التعامل مع القرآن الكريم من الوقوف على آية واحدة فقط ، أو صدر آية وطرح ذيلها ، أو غض النظر عن الآيات الأخرى أسلوب يخالف حتى أسلوب المحاورات العرفية ؛ فإنّ المتكلم لا يصح نسبة الكلام إليه إلاّ بعد ملاحظة مجموع كلامه ، ولبيان ذلك نقول :
ـــــــــــــ
(١) الأحقاف : ٩ .
(٢) الأنعام: ٥٠ .
إنّ صدر الآية وإن كان يحكي قول النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بأنّه لا يعلم الغيب ، إلاّ أنّه ورد في ذيلها استثناء ـ وهو الذي أغفله المستشكل ـ وهو قوله تعالى : ( إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيّ ) ، فالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يريد القول بأنّ علم بالغيب بنحو الاستقلال مختص بالله تعالى ولا يشاركه أحد في ذلك قط ، بل يستحيل أن يشاركه فيه أحد ، ولكن قد يفيض الله تعالى من علوم الغيب على بعض عباده كالأنبياء والمرسلين والأئمّة عليهمالسلام ، ولا ينافي ذلك كونهم عليهمالسلام مخلوقين ، فقراء إلى الله تعالى ، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً إلاّ ما شاء الله ، وهذا لا ينافي استقلاله تعالى بعلم الغيب ، وهذا ما تكفلت ببيانه آيات كثيرة منها :
١ ـ قوله تعالى : ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاّ مَنِ ارْتَضَى مِن رّسُولٍ فَإِنّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ) (١) .
٢ ـ قوله تعالى : ( إِنّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنّبِيّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسى وَأَيّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنَا دَاوُود زَبُوراً ) (٢) ، وقوله تعالى : ( قُل لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنّي مَلَكٌ إِنْ أَتّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكّرُونَ ) (٣) ، وقوله تعالى : ( تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ مَا
ـــــــــــــ
(١) الجن: ٢٦ ـ ٢٧ .
(٢) النساء : ١٦٣ .
(٣) الأنعام : ٥٠ .
كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هذَا فَاصْبِرْ إِنّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتّقِينَ ) (١) ، وغيرها هذه الآيات ممّا يشاركها في هذا المعنى ، من هنا قال الآلوسي في تفسيره للآية المباركة ( قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السّماوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللهُ ) (٢) : ( لعلّ الحق أن يقال إنّ نفي علم الغيب عن غيره جلّ وعلا ، هو ما كان للشخص بذاته أي بلا واسطة في ثبوته لهم ، وما وقع للخواص ليس من هذا العلم المنفي في شيء ، وإنّما هو من الواجب عزّ وجلّ إفاضة منه عليهم بوجه من الوجوه ، فلا يقال إنّهم علموا بالغيب بذلك المعنى [ يعني الاستقلال ] ، فإنّ ذلك كفرٌ ، بل يقال إنّهم أظهروا وأطلعوا على الغيب )(٣) .
وهذا المعنى يلتقي مع ما أثر عن أهل البيت عليهمالسلام ، فقد ورد عن الإمام الباقر عليهالسلام أنّه قال :( يبسط لنا العلم فنعلم ، ويقبض عنّا فلا نعلم ) (٤) وهو عين معنى الآية ، هي قوله تعالى : ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاّ مَنِ ارْتَضَى مِن رسُولٍ فَإِنّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ) (٥) ولا شك أنّ الرسول هو المرتضى ، وأهل البيت عليهمالسلام ورثته .
ـــــــــــــ
(١) هود : ٤٩ .
(٢) النمل : ٦٥ .
(٣) تفسير روح المعاني ، الآلوسي : ص ٩ .
(٤) أصول الكافي ، الكيني : ج ١ ص ٢٥٦ ، بصائر الدرجات ، الصفار : ص ٥٣٣ .
(٥) الجن : ٢٦ ـ ٢٧ .
إنّ الآيات الدالة على اختصاص علم الغيب به سبحانه ، هو ما يليق بساحة الواجب الذي لا يشاركه فيه أحد ، وهو العلم الذاتي بالاستقلال والأصالة ، بل هذا النوع من العلم يمتنع أن يشاركه أحد فيه ؛ لاستلزامه الشرك وتعدد الواجب الغني ، فإطلاع غير الله تعالى إنما يكون بالتبع ، نظير قوله تعالى : ( اللهُ يَتَوَفّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) (١) الذي يكون ظاهراً في أنّ التوفّي منحصر بالله تعالى ، مع أنّه تعالى أسنده إلى ملك الموت في موارد ، وإلى رسله في موارد أخرى ، كما في قوله تعالى : ( قُلْ يَتَوَفّاكُم مَلَكُ الْمَوْتِ الّذِي وُكّلَ بِكُمْ ثُمّ إِلَى رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ ) (٢) ، وقوله تعالى : ( تَوَفّتْهُ رُسُلُنَا ) (٣) .
إذن لا إشكال في علم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بالغيب بإذن الله تعالى وفضله ، بل هنالك موارد لا يمكن التغاضي والتغافل عنها ، كالتي أخبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم عن بعضها بما يتعلّق بالمغيّبات ، كما تقدّمت الإشارة إليه .
بعد أن تبيّن أنّ المراد بعلم الغيب الممتنع هو العلم بالأصالة والاستقلال ، وهو خاص بالله تعالى ، وأمّا العلم بالغيب بإذن الله تعالى وبمشيئته وبإفاضته على من يرتضيه فلا إشكال فيه ، يثبت على هذا الأساس أن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم إنّما يعلم الغيب بإذن الله تعالى ومشيئته .
ـــــــــــــ
(١) الزمر : ٤٢ .
(٢) السجدة : ١١ .
(٣) الأنعام : ٦١ .
وعلى ضوء ما تقدّم من أنّ أهل البيت هم ورثة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ كما أشرنا إليه ـ يثبت علمهم عليهمالسلام بالغيب بإنباء الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك ، وقد ورد في الأثر إخبار أمير المؤمنين علي عليهالسلام بالغيب في مواطن متعددة ، منها :
أوّلاً : إخباره عليهالسلام بقتل ( ذي الثدية ) من الخوارج وعدم عبور الخوارج النهر ، بعد أن قيل له قد عبروا(١) .
ثانياً : إخباره بمقتل ولده الحسين عليهالسلام لما اجتاز أرض كربلاء ، حيث بكى عليهالسلام وقال :( هاهنا ناخ ركابهم وهاهنا موضع رحالهم وها هنا مهراق دمائهم فتية من آل محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم يقتلون بهذه العرصة تبكي عليهم السماء والأرض ) (٢) .
ثالثاً : قوله عليهالسلام قبل قتاله الفرق الثلاث : ( أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ) والمقصود من هؤلاء هم أصحاب الجمل وأصحاب معاوية وخوارج النهروان ، الذين قاتلهم في الجمل وصفين والنهروان ، فقاتلهم عليهالسلام وكان الأمر كما أخبر به عليهالسلام (٣) .
رابعاً : إخباره بملك معاوية من بعده ، وإخباره بعدّة الجيش الوارد إليه من الكوفة لما شخص لحرب البصرة ، وإخباره بمَن يقتل من أصحابه أو يصلب ، وإخباره عن مقتل عبد الله بن الزبير ، وإخباره عن هلاك أهل
ـــــــــــــ
(١) مروج الذهب ، المسعودي : ج ٢ ص ٤٢٥ ، الكامل في التاريخ ، ابن الأثير ، ج ٣ ص ٣٤٧ ، شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ١٩ ص ١١٩ .
(٢) ذخائر العقبى : ص ٩٧ ؛ ينابيع المودّة ، القندوزي : ج ٢ ص ١٨٦ ؛ وانظر شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد ج ٣ ص ١٦٩ ـ ١٧١ .
(٣) النهاية في غريب الحديث ، ابن الأثير : ج ٥ ص ١١٤ ؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج ٧ ص ٣٨٨ ؛ جواهر المطالب في مناقب الإمام عليعليهالسلام ، ابن الدمشقي : ج ٢ ص ٨١ .
البصرة بالغرق ، وإخباره عن النفس الزكية ونحوها(١) .
خامساً : قال الحافظ الجويني في فرائد السمطين : ( الإمام الثامن [ علي بن موسى الرضا ] مظهر خفيات الأسرار ، ومبرز خبيات الأمور والواقف على غوامض السر المكتوم والمخبر بما هو آتٍ وعمّا غبر ومضى والمرضي عند الله )(٢) .
عرّفوا الغلو : بأنّه مجاوزة الحد ، يقال غلا فلان في الدين غلوّاً تشدّد حتى تجاوز الحد(٣) ، وكل مَن تجاوز حد الاعتدال وغلا ، يصح لُغوياً تسميته بالمتطرّف ، جاء في المعجم الوسيط في معنى تطرف ( تجاوز حد الاعتدال ولم يتوسط )(٤) .
وقد عرّف ابن تيمية الغلو شرعاً ( بأنّه مجاوزة الحد بأن يزاد في الشيء في حمده أو ذمّه على ما يستحق )(٥) .
وجاء في فتح الباري : ( إذ إنّ الغلو هو المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد )(٦) .
وبذلك تبين أنّ الغلو هو تجاوز الحد الذي حدده الله تعالى ورسوله للشيء ، فالمغالي هو الذي يتجاوز ما حدده الله ورسوله لذلك الشيء اتّباعاً للهوى ، وخروجاً عن الحق إلى الباطل ، بحيث يصفه بوصف لم يسبق أن يصفه الله ورسوله به من غير دليلٍ عقلي عليه .
ـــــــــــــ
(١) شرح نهج البلاغة : ج ٧ ص ٤٧ ـ ٤٩ .
(٢) فرائد السمطين : ج ٢ ص ١٨٧ .
(٣) انظر : الصحاح للجوهري مادة (غلا) واللسان لابن منظور (غلو) .
(٤) المعجم الوسيط : مادة (طرف) .
(٥) اقتضاء الصراط المستقيم ، ابن تيمية : ج ١ ص ١٠٦ .
(٦) فتح الباري ، ابن حجر : ج ١٣ ص ٢٣٤ .
وعلى ضوء ما سلف هل يمكن إطلاق الغلو على مَن قال : إنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أخبر بالمغيبات كما تقدم إثبات ذلك ؟ وهل من الغلو أنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم أعلم وأفضل الأنبياء السابقين ؟ وهل من الغلو أن نقول : إنّ الله تعالى اصطفاه واختاره ؟
وهل من الغلو أن نقول : إنّ علم أهل البيت من علم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ورّثهم إيّاه كما ثبت ذلك في جملة من الروايات المتضافرة ؟
هل تعظيم الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته من الغلو ؟
ولكي تكون الإجابة واضحة بعيدة عن الملابسات ، ينبغي أن نعرض هذا السؤال على الشريعة الإسلامية :
وبدءاً نقول : إنّ الذي نلمسه من الشريعة هو أنّه ليس كل تعظيم وإكبار واحترام يكون تأليهاً للشخص المعظّم ، وغالباً ما نجد أنّ الأمر بتعظيم واحترام هذه المخلوقات مشفوع ببيان السبب من وراء ذلك التعظيم ، وهو أنّ نفس الإعظام والإكبار بأمر من الله لمخلوق معين هو طاعة لله تعالى وتعظيم له ، ومَن استكبر وأبى ورفض تعظيم مَن أمر الله تعالى بتعظيمه يُعدّ عصياناً لله تعالى وإنكاراً عليه .
وهذا ما يتجلّى واضحاً من أمر الله تعالى للملائكة بالسجود لآدم ، فهو إعظام لآدم بأمر منه تعالى ، وحاشا لله تعالى أن يشرك أحداً في كبريائه .
إذن إعظام الملائكة لآدم إنّما هو إعظام لله تعالى ؛ لأنّه متسبّب عن أمره تعالى ، ولذا نجد أنّ الله جعل مصير إبليس مرهوناً بإعظام آدم والسجود له ، فرفض إبليس لإعظام آدم يعدّ استكباراً على الله تعالى ، كما هو صريح قوله تعالى : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوْا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) (١) .
وهذا الأمر يكشف عن حقيقة مهمّة جدّاً على صعيد العقيدة أو الإيمان ، وهي أنّ تعظيم أولياء الله تعالى يعتبر طاعة وامتثالاً لأوامر الله عزّ وجلّ ، وما إبليس إلاّ مثل ضربة الله تعالى للذين ينكرون ذلك ؛ إذ لم يكن عصيان إبليس لربّه إنكاراً لتوحيده تعالى .
ومن هنا فإنّ الروايات المختلفة لدى الشيعة والسنّة تشير إلى أنّ كفر إبليس لم يكن كفر شرك كما تقدم ؛ لأنّه لم يعبد غير الله ، وإنّما كان جحوده واستكباره على الله عزّ وجلّ في توحيده في مقام الطاعة ، وقد ورد في بعض الروايات أنّه طلب من الله تعالى إعفاءه السجود لآدم عليهالسلام ، وسوف يعبده لا نظير لها ، وكان الجواب من الحق تعالى هو : ( إنّي أُحب أن أطاع من حيث أريد )(٢) ، وفي رواية أخرى : ( إنّما أريد أن أعبد من حيث أريد لا من حيث تُريد )(٣) .
ومن موارد أمر الله تعالى بتعظيم مخلوقاته ، أمره تعالى بتعظيم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد ورد ذلك في آيات عديدة :
ـــــــــــــ
(١) البقرة : ٣٤ .
(٢) بحار الأنوار ، المجلسي : ج ٢ ص ٢٦٢ ، وج ١١ ص ٤٥ .
(٣) المصدر نفسه : ج ١١ ص ١٤١ .
منها : قوله تعالى : ( لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ وَتُسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) (١) ، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية : تُعَزّروه : تجُلوه ، وقال المبرد : تُعزّروه : تبالغوا في تعظيمه(٢) .
ومنها : قوله تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * إِنّ الّذِينَ يَغُضّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتّقْوَى لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنّ الّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ) (٣) .
وليست هذه الأوامر من الله تعالى إلاّ لبيان وجوب احترام النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وتعظيمه ، وقد نقل القاضي عياض أنّ هذه الآية نزلت في محاورة كانت بين أبي بكر وعمر بين يدي النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم واختلاف جرى بينهما ، حتى ارتفعت أصواتهما(٤) ، فهنا يأمر الله تعالى بوجوب إعظام النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وتوقيره ، وأن ترك الأدب بين يدي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يؤدّي إلى حبط العمل ، والخروج عن ربقة الإيمان ؛ ولذا ورد عن الفريقين أنّ الشاتم للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أو الذي يستهزئ به صلىاللهعليهوآلهوسلم يقتل ، ويحكم عليه بالكفر .
ومنها : قوله تعالى : ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرسُولِهِ وَاتّقُوا اللهَ إِنّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (٥) وهذه الآية صريحة في وجوب التعظيم والخضوع بين يدي الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم .
ـــــــــــــ
(١) الفتح : ٩ .
(٢) انظر : الشفا بتعريف حقوق المصطفى ، القاضي عياض : ج ٢ ص ٣٥ ط بيروت ـ دار الفكر ، ١٤٠٩ هـ .
(٣) الحجرات : ٢ ـ ٤ .
(٤) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ، القاضي عياض : ج ٢ ص ٣٦ .
(٥) الحجرات : ١ .
ومنها : قوله تعالى : ( لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً ) ونقل القاضي عياض أنّ معنى ذلك : أن لا تسابقوه بالكلام ، وتُغلظوا له بالخطاب ، ولا تنادوه باسمه نداء بعضكم بعضاً ، ولكن عظّموه ووقّروه بأشرف ما يحب أن ينادى به : يا رسول الله ، يا نبي الله(١) .
وقد بلغ الأمر في شدّة تعظيم الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم من أهل البيت عليهمالسلام أنّ مالك بن أنس قال : ( لقد كنت أرى جعفر بن محمد الصادق ، وكان كثير الدعابة والتبسّم ، فإذا ذكر عنده النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم اصفرّ ، وما رأيته يحدث عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلاّ على طهارة ، وقد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلاّ على ثلاث خصال : إمّا مصلّياً ، وإمّا صامتاً ، وإمّا يقرأ القرآن ، ولا يتكلّم فيما لا يعنيه ، وكان من العلماء والعبّاد الذين يخشون الله عزّ وجلّ)(٢) ، وكان مالك نفسه إذا ذكر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يتغيّر لونه(٣) ، إلى غير ذلك من إعظام المسلمين للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والتبرّك به بما لا يسع المقام ذكره .
إنّ التعظيم الإلهي لأهل البيت عليهمالسلام يمكن أن نلمسه من خلال عدّة إضاءات قرآنية في آيات متعددة كما في آية المباهلة التي أمر الله تعالى نبيّه فيها بأن يباهل النصارى بهؤلاء الخمسة ، فهم عليهمالسلام شركاء للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في إثبات أحقّية وصدق رسالته صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكذا آية التطهير : ( إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، وآية المودّة : ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) ونحوها .
ـــــــــــــ
(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ، القاضي عياض : ج ٢ ص ٣٥ ـ ٣٦ .
(٢) المصدر نفسه : ج ٢ ص ٤٢ .
(٣) المصدر نفسه : ج ٢ ص ٤٢ .
إذن القرآن الكريم يعظم هؤلاء النخبة من البشر وهم الأئمّة المطهّرون .
فضلاً عن الروايات الكثيرة التي تعظّم أهل البيت عليهمالسلام وتأمر المسلمين بذلك ، وإليك بعضها :
منها : قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( إنّي تارك فيكم ثقلين أوّلهما كتاب الله عزّ وجلّ فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله تعالى واستمسكوا به ، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه ، ثم قال :وأهل بيتي أذكّركم في أهل بيتي ، أذكّركم في أهل بيتي ، أذكّركم في أهل بيتي ) (١) ومن الواضح أن تكراره صلىاللهعليهوآلهوسلم من قول :( أذكّركم في أهل بيتي ) ثلاث مرات يدل بوضوح على وجوب تعظيمهم عليهمالسلام .
ومنها : ما أخرجه الخوارزمي في مناقبه عن أُمّ سلمة أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال لها : (قومي فافتحي له الباب ، فقالت : يا رسول الله من هذا الذي بلغ من خطره ما أفتح له الباب فأتلقاه بمعاصمي ، وقد نزلت فيّ آية في كتاب الله بالأمس ؟ فقال لها كالمغضب :إنّ طاعة الرسول طاعة [الله] ومَن عصى الرسول فقد عصى [الله] إنّ بالباب رجلاً ليس بالنزق ولا بالخرق ، يحب الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، ففتحت له الباب ، فأخذ بعضادتي الباب
ـــــــــــــ
(١) صحيح مسلم ، مسلم : ج ٧ ص ١٢٣ ؛ مسند أحمد بن حنبل ، أحمد بن حنبل : ج ٤ ص ٣٦٧ ، وانظر : مجمع الزوائد ، الهيثمي : ج ٥ ص ١٦٣ .
حتى إذا لم يسمع حسّاً ولا حركة وصرت إلى خدري استأذن فدخل ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :أتعرفينه ؟ قلت : نعم ، هذا علي بن أبي طالب ، قال :صدقت ، سحنته من سحنتي ، ولحمه من لحمي ، ودمه من دمي ، وهو عيبة علمي ، اسمعي واشهدي )(١) .
ومنها : قال الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم :( فلا تقتلوهم ولا تقهروهم ، ولا تقصروا عنهم ، وإنّي سألت لهم اللطيف الخبير فأعطاني أن يردوا عليّ الحوض كهاتين ، وأشار بالمسبحتين ،ناصرهما إليّ ناصر ، وخاذلهما إليّ خاذل ، ووليهما إليّ والي ، وعدوهما لي عدو) (٢) .
ومنها : قول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :(من حفظني في أهل بيتي فقد اتخذ عند الله عهداً ) (٣) .
ومنها : قول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( استوصوا بأهل بيتي خيراً ، فإنّي أخاصمكم عنهم غداً ، ومَن أكن خصمه أخصمه ، ومَن أخصمه دخل النار ) (٤) .
ومنها : عن ابن عمر قال : كان آخر ما تكلّم به رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( اخلفوني في أهل بيتي ) (٥) .
ومنها : ما ورد في شرح نهج البلاغة عن أمير المؤمنين الإمام علي عليهالسلام أنّه قال :( أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا ، كذباً وبغياً علينا ،
ـــــــــــــ
(١) المناقب ، الخوارزمي : ص ٨٧ .
(٢) نظم درر السمطين ، الزرندي الحنفي : ص ٢٣٤ .
(٣) ذخائر العقبى ، أحمد بن عبد الله الطبري : ص ١٨ .
(٤) المصدر نفسه : ص ١٨ .
(٥) المعجم الأوسط ، الطبراني : ج ٤ ص ١٥٧ ؛ الجامع الصغير ، السيوطي : ج ١ ص ٥٠ .
أن رفعنا الله ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم ، بنا يُستعطى الهدى ويُستجلى العمى ، إنّ الأئمّة من قريش ، غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاة من غيرهم ) (١) .
ومنها : ما أخرجه الحاكم الحسكاني أنّ الحسن بن علي عليهالسلام خطب الناس حين قُتل علي عليهالسلام ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : ( وساق كلامه عليه السلام إلى أن قال :أيّها الناس مَن عرفني فقد عرفني ، ومَن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي ، وأنا ابن الوصي وأنا ابن البشير ، وأنا ابن النذير ، وأنا ابن الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير ، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودّتهم على كل مسلم ، فقال لنبيّه : ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ) ، فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت )(٢) .
ولا يخفى ما في هذه الروايات من دلالة واضحة وصريحة على عظمة ومكانة أهل البيت عليهمالسلام ووجوب تعظيمهم وإكرامهم وتوقيرهم .
عند التأمّل في السرّ الذي يكمن وراء أمر الله بتعظيم بعض مخلوقاته ، وما هي الحقيقة التي تنضوي تحت هذا الأمر ؛ نجد أنّ هذا الأدب يصب في دائرة التوحيد ، بحيث إنّ الاعتقاد بالنبي والإمام وتوقيرهما وتعظيمها هو إعظام لله تعالى ، وتوحيد له عزّ وجلّ ، وهو عين طاعة الله تعالى وتوحيده ؛ لأنّه نابع عن الانقياد للأوامر الإلهية ، وهذا بنفسه يعد دليلاً عقلياً على وجوب إعظام الأنبياء لا سيّما خاصتهم ، وهو نبيّنا الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته عليهمالسلام بحدود ما أمرنا به الله تعالى .
ـــــــــــــ
(١) شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج ٩ ص ٨٤ .
(٢) شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج ٢ ص ٢٠٦ ؛ وانظر : ذخائر العقبى ، الطبري : ص ١٣٨ .
ومن هنا نجد أنّ استكبار إبليس ـ كما مرّ سابقاً ـ وعدم سجوده لآدم عليهالسلام كان سبباً لخروجه من رحمة الله ، وموجباً لكفره ، قال تعالى : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوْا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) (١) فعدم إعظامه واحترامه لآدم عليهالسلام كان موجباً لحبط عمله وخروجه من رِبقة الإيمان بالله تعالى إلى الكفر .
وممّا تقدّم يتحصّل أنّ تعظيم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته بما وصفهم الباري عزّ وجلّ ليس من الغلو بشيء ، بل يُعدّ امتثالاً لما أمرنا به الله ورسوله .
لقد واجه أهل البيت عليهمالسلام ظاهرة الغلو بقوّة وشدّة ، وعبّأوا كل إمكاناتهم وقدراتهم من أجل تقويض أركان الغلو ، معتبرين الغلو أحد أقسام الكفر الذي يجب محاربته ، ومحذّرين شيعتهم وأتباعهم من مغبّة الانخراط في مخاطر العقيدة الفاسدة ، وقد ورد في هذا السياق جملة من الأخبار منها :
ما جاء عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال :( إيّاكم والغلو ، فإنّما أهلك مَن كان قبلكم الغلو في الدين ) (٢) .
وعن أمير المؤمنين عليهالسلام قال :( بُني الكفر على أربع دعائم : الفسق والغلو
ـــــــــــــ
(١) البقرة : ٣٤ .
(٢) مسند أحمد ، أحمد بن حنبل : ج ١ ص ٢١٥ وص ٣٤٧ .
والشك والشبهة ) (١) .
كذلك عن أمير المؤمنين عليهالسلام قال :( لعن الله مَن قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا ، لعن الله مَن أزالنا من العبودية لله الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا ) (٢) .
وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهالسلام ، قال :( احذروا على شبابكم الغلاة لا يفسدونهم ، فإنّ الغلاة شرّ خلق الله ، يصغرون عظمة الله ، ويدّعون الربوبية لعباد الله ، والله إنّ الغلاة شرّ من اليهود والنصارى والمجوس الذين أشركوا ) (٣) .
أمّا موقف ورأي علماء الشيعة في الغلاة ، فقد كان موقفاً ورأياً مستمدّاً من بيانات أهل البيت عليهمالسلام ، حيث كان موقفاً يتّسم بالشدّة والرفض لمثل هذه الظواهر الفاسدة .
فعلى سبيل المثال نجد الشيخ المفيد وسم الغلاة بالكفّار الضلاّل ، حيث قال : ( والغلاة من المتظاهرين بالإسلام هم الذين نسبوا أمير المؤمنين والأئمّة من ذرّيته إلى الألوهية والنبوّة ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا إلى ما تجاوزوا فيه الحد ، وخرصوا عن القصد ، وهم ضلاّل كفّار حكم فيهم أمير المؤمنين بالقتل والتحريق بالنار ، وقضت الأئمّة عليهم
ـــــــــــــ
(١) أُصول الكافي ، الكليني : ج ٢ ص ٣٩١ .
(٢) بحار الأنوار ، المجلسي : ج ٢٥ ص ٢٩٧ .
(٣) الأمالي ، الطوسي : ص ٦٥٠ ح ١٣٤٩ / ١٢ .
بالكفر والخروج عن الإسلام )(١) .
وقد وصف الشيخ الصدوق الغلاة بأنّهم شرّ من اليهود والنصارى والمجوس ، حيث قال : ( اعتقادنا في الغلاة والمفوضية أنّهم كفّار بالله تعالى ، وإنّهم شرّ من اليهود والنصارى والمجوس والقدرية والحرورية ، ومن جميع أهل البدع والأهواء المعتلّة )(٢) .
أمّا الشيخ كاشف الغطاء فقد برّأ الأئمّة عليهمالسلام والشيعة من هؤلاء الغلاة ، حيث قال : ( أمّا الشيعة الإمامية وأئمّتهم فيبرأون من تلك الفرق براءة التحريم )(٣) ، وقال أيضاً ( أما الشيعة الإمامية ويبرأون من تلك الفرق المقالات ويعدّونها من أشنع [ إشكالات ] الكفر والضلالات ، وليس دينهم إلاّ التوحيد المحض ، وتنزيه الخالق عن كل مشابهة للمخلوق )(٤) .
١ ـ اتضح أنّ حقيقة وجوهر علم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم سنخ علم خاص يفترق عن علوم سائر البشر التي تسمّى بالعلوم الحصولية .
وقد سجل القرآن الكريم هذه الحقيقة إلى جوار حقيقة أخرى ، شاطرت الروايات الشريفة القرآن في النصّ عليها ، وهي أفضلية نبيّنا صلىاللهعليهوآلهوسلم على كل الأنبياء ، وأنّه أعلمهم على الإطلاق .
٢ ـ وقد اتضح أيضاً أنّ علم الغيب وإن كان منحصراً بالله تعالى إلاّ أنّ هناك آيات عديدة تصرّح بأنّ الله تعالى يفيض هذا العلم على مَن ارتضى من عباده المنتجبين ، وعلى هذا الأسس يتضح أنّ علم الله بالغيب بنحو الاستقلال لا يشاركه فيه غيره ، أمّا علم الأنبياء فهو بالتبع ، أي بإرادة الله تعالى وعطائه لهم ، وقد تقدّمت عدّة شواهد قرآنية وروائية دلّت على علم الأنبياء بالغيب .
ـــــــــــــ
(١) تصحيح اعتقادات الإمامية ، المفيد : ص ١٣١ .
(٢) اعتقادات الإمامية ، الصدوق : ص ٩٧ .
(٣) أصل الشيعة وأُصولها ، كاشف الغطاء : ص ١٧٣ .
(٤) المصدر نفسه : ص ١٧٧ .
٣ ـ كذلك ثبت أنّ علم أهل البيت عليهمالسلام امتداد لعلوم النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وأنّهم ورثته بروايات متضافرة ، فتكون حقيقة علمهم عليهمالسلام هي من سنخ علم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو سنخ علم إفاضي خاص يفيضه الله تعالى على بعض عباده .
٤ ـ ثبت أنّ الإمام هو خليفة الله تعالى في الأرض ، فلابد أن يتوفّر على علم خاص يؤهّله لأداء مسؤوليته ، وتمثيل الله تعالى في الأرض .
٥ ـ يتجلّى في عدة من الآيات أنّ علم الكتاب إرث للمصطفين المنتجبين من الله تعالى ، ولا ريب أنّ أهل البيت عليهمالسلام ورثة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهم الذين اصطفاهم واختارهم .
وإنّ هذه الوراثة أعمّ من كونه وراثة مادية ، أو وراثة نورية جعلها الله تعالى في صلب الأنبياء ، كما في قوله تعالى :
( أُولئِكَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِنَ النّبِيّينَ مِن ذُرّيّةِ آدَمَ وَمِمّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرّيّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرّحْمنِ خَرّوا سُجّداً وَبُكِيّاً ) (١) .
ـــــــــــــ
(١) مريم : ٨٥ .
٦ ـ إنّ الاصطفاء والاختيار الإلهي إنّما جاء وفقاً للعدالة الإلهية ، ووفقاً لقوله تعالى : ( إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ) (١) ، والسبب في ذلك هو أنّ الاصطفاء والاختيار ناشئ من علمه تعالى بحقائق الأشياء ، وأنّ علمه محيط بكل شيء ، فالله تعالى لعلمه السابق بما للمصطفين من قدرة على تحمّل المسؤولية ، وإرادتهم لذلك وانصهارهم في ذات الله تعالى ، اختارهم الله تعالى دون غيرهم من الناس ، وهذا منطق عقلائي يمارسه العقلاء في حياتهم اليومية .
٧ ـ إنّ الذرية من الآباء والأجداد من الأمور التي لها مدخلية وتأثير على شخصية الإنسان ومزاجه ، ولذا شاء الله تعالى أن يجعل هؤلاء الأنبياء والمرسلين والأئمّة المصطفين من ذرّية واحدة ، من أصلاب شامخة وأرحام مطهّرة ، وهذا ما نلمسه من أخبار الطينة الواردة في كتب الفريقين .
وذكرنا أنّ لظاهرة الاختيار والاصطفاء وجعلهم في ذرّية واحدة أبعاداً مهمة لها أثر كبير في حفظ الرسالة ، منها :
البعد التاريخي : حيث نجد أنّ اختيار الله للأوصياء يتركّز على أولئك المقرّبين للأنبياء من أقاربهم أو ذرّياتهم ، أو ممّن يرتبطون بالنبي والرسول ارتباطاً نَسَبيّاً .
البعد الرسالي :وهو ما يترتّب على الذرّية من تحقيق مصالح الرسالة ، وإعداد أفراد صالحين يتحمّلون أعباءها الثقيلة ؛ وذلك لأنّ عمر الرسول يكون أقصر من عمر الرسالة ، فتحتاج لمَن يقوم بأعبائها ومسؤولياتها ، وممّا لا شك فيه أنّ الإعداد الأفضل لا يتم إلاّ في داخل البيت الرسالي ومن الأفراد المقرّبين نَسَبيّاً من صاحب الرسالة .
ـــــــــــــ
(١) الحجرات : ١٣ .
٨ ـ إنّ أهل البيت هم ورثة الأنبياء ، واستدللنا على ذلك بأدلة متعددة .
٩ ـ أثبتنا في الجواب عن هذه الشبهة أعلمية أهل البيت عليهمالسلام على سائر البشر ، كما في قوله تعالى : ( قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (١) ، ولا شك أنّ المراد بمَن عنده علم الكتاب هو ( الإمام علي بن أبي طالب ) كما في الروايات الواردة من طرق الفريقين .
١٠ ـ قلنا إنّ حقيقة علم الكتاب عبارة عن سنخ علم خاص ، يمنح لصاحبه القدرة على التصرّف في الكون كما في تصرّف آصف بن برخيا ، حيث تمكّن من نقل عرش بلقيس من اليمن إلى بيت المقدس بأقل من طرفة عين ، مع أنّه لم يكن عنده إلاّ بعض علم الكتاب ، كما هو مقتضى نص الآية المباركة : ( قَالَ الّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) (٢) .
١١ ـ بيّنا أيضاً اختصاص أهل البيت عليهمالسلام بعلم الكتاب ، وهو ما تشير إليه بعض الآيات القرآنية ، كما في قوله تعالى : ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيّنَاتٌ فِي صُدُورِ الّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) (٣) ، وقوله تعالى : ( وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلّ شَيْءٍ ) (٤) ، فالقرآن فيه تبيان كل شيء يحمله ثلّة مطهّرة من الأُمّة ، وهم أهل البيت عليهمالسلام ، كما هو مقتضى حديث الثقلين .
ـــــــــــــ
(١) الرعد : ٤٣ .
(٢) النمل : ٤٠ .
(٣) النحل : ٨٩ .
(٤) العنكبوت : ٤٩ .
مضافاً لقوله تعالى : ( إِنّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسّهُ إِلاّ الْمُطَهّرُونَ ) (١) ، وهذا يدلّنا على حقيقة مهمة وهي أنّ حقيقة وكنه القرآن لا يمكن أن يصلها إلاّ المطهّرون ، وهم أهل البيت عليهمالسلام كما هو مقتضى جملة وافرة من الروايات .
ذكرنا أنّ المراد بعلم الغيب هو علم خاص بالله تعالى بالأصالة والاستقلال ، ولا مانع من إفاضته على غيره من عباده فيعلمون الغيب بإرادته ومشيئته تعالى ، وهنالك روايات عديدة تشهد على أنّ أهل البيت أخبروا ببعض المغيّبات .
قلنا إنّ الغلو هو مجاوزة الحدّ الذي حدّد الله تعالى ورسوله ، وعلى هذا الأساس فلا يمكن إطلاق الغلو على مَن يعتقد أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل البيت يعلمون الغيب بإذن الله تعالى وتبعاً لإرادته ؛ لأنّه لا يعدّ تجاوزاً لحدود الله تعالى ، بل موافقاً لها طبقاً للآيات والروايات .
اتضح أنّ تعظيم الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته عليهمالسلام ليس من الغلو ؛ لأنّ احترام وتعظيم رسول الله وأهل بيته عليهمالسلام لا يعدّ تجاوزاً لحدود الله تعالى أبداً ؛ وذلك لأنّه تعالى هو الذي أمرنا بتعظيم رسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته بنصّ القرآن الكريم والسنّة الشريفة .
أمّا فلسفة هذا التعظيم ، فهو أنّ الاحترام والتعظيم يعدّ من الأدب مع هذه الثلّة الطاهرة ، وتركه مع أمر الله به يوجب الكفر ، كما هو الحال بالنسبة لإبليس حيث أدّى به استكباره ، وعدم تعظيمه لنبي الله آدم عليهالسلام ـ بعد الأمر الله بتعظيمه والسجود له ـ إلى حبط أعماله وخروجه من رِبقة الإيمان بالله تعالى .
هذا وقد واجه أهل البيت عليهمالسلام ظاهرة الغلو بشدّة وقوّة وعبّأوا جهدهم من أجل تقويض أركانه ، معتبرين الغلو أحد أقسام الكفر الذي يجب محاربته ، وفي هذا المقام يوجد عدد وافر من الروايات الواردة عنهم عليهمالسلام في التشديد والإنكار لهذه الظاهرة .
ـــــــــــــ
(١) الواقعة : ٧٧ ـ ٧٩ .
ووقف علماء الشيعة موقفاً صارماً من الغلاة ، مستمدّين ذلك من توجيهات أهل البيت عليهمالسلام في محاربة هذه الظاهرة .
ميزان قبول الأعمال
الأعمال لا تُقبل إلاّ بولاية أهل البيت عليهمالسلام .
تمهيد :
من المعالم البارزة في العقيدة الوهابية اتهام الكثير من الطوائف والمذاهب الإسلامية بالشرك والكفر ، وهذا أشهر من نار على علم .
وصاحب الشبهة يريد أن يتهم المذهب الشيعي بذلك الداء العضال الذي ابتلى به المذهب الوهابي ، فيقول : إنّ الشيعة يحكمون بكفر وهلاك جميع المسلمين ؛ لعدم قبول أعمالهم .
مع أنّ كتب علماء الشيعة قد صرّحت بإسلام مَن تشهد الشهادتين ، ولم يحكموا إلاّ بهلاك المبغض لقربى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وهم أهل البيت عليهمالسلام تبعاً للآيات ، والروايات ؛ كما هو مفاد آية المودّة : ( قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى )
لقد حكم أكثر مفسّري أهل السنّة بأنّ المودّة الواجبة هي عدم البغض مع درجة من درجات الحب ولو أدنى درجاتها ، ومع فقدانها يكون الشخص مجاهراً بالرد على الله ورسوله ، وهذا أيضاً ما يؤكّده حديث الثقلين المتواتر ، ولذا فإنّ جميع المسلمين هم من المحبّين لأهل البيت عليهمالسلام ، وهذه هي أدنى درجات الولاية ، التي تحفظ للمسلم هويّته الإسلامية ، وترفع عنه حتمية الهلاك ، بخلاف المبغض الذي نصّت الروايات الكثيرة على هلاكه .
أمّا الحقّانيّة والمقبولية التامّة للأعمال بالولاية ، فهو حالة طبيعية ومنهجية يستدعيها نفس تعدد المذاهب ، وكون هذا المذهب في قِبال مذهب آخر ، وهذا ما يقرّه علم المناهج قديماً وحديثاً ، فصاحب كل منهج وعقيدة يرى أنّ النتائج الصحيحة والمقبولة لابد أن تكون ضمن بوتقة المنهج العقيدي والرؤية الكونية التي يرى أنّها هي الحق ، فالمنظومة الاعتقادية الصحيحة هي التي تحتوي على أُسس وضروريات الاعتقاد ، وهي الكلم الطيب الذي يرتفع بالعمل وتكون الأعمال مقبولة بسببه ، وإلاّ فما هو سبب تعدد المذاهب الاعتقادية ؟ !! .
وهذا هو مضمون ما جاء متواتراً عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من افتراق أُمّته على ثلاث وسبعين فرقة واحدة منها هي المحقّة(١) ، وقد جاء في صحيح مسلم :
ـــــــــــــ
(١) تفسير ابن كثير ، ابن كثير : ج١ ص٣٥٤ وج٢ ص١٤٨ وص٤٨٢ ؛ راجع تفسير القرطبي ، القرطبي : ج٢ ص٩ ، ج٤ ص١٦٠ ، ج٧ ص١٤١ ، ج١٢ ص١٢٩ ؛ المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج١ ص٦ وص١٢٨ ؛ المستدرك على الصحيحين : ج١ ص١٢٨ ، وج٥ ص٨٣٢ قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وسنن الدارمي : ج٢ ص٣١٤ ، ج٨ ص٢٥١ ، وكتاب الأحاديث المختارة : ج٧ ص٩٠ ح٢٤٩٩ وح٢٥٠٠ وعبّر عن الأول بأنّ إسناده صحيح ، وعن الثاني أنّ إسناده حسن ، ومجمع الزوائد : ج١ ص١٨٩ وقال : إنّ رواته رواة الصحيح إلاّ واحد وقد وثّقه ؛ مصباح الزجاجة : ج٤ ص١٨٠ ، وسنن البيهقي ج١٠ ص٢٠٨ ، وسنن أبي داود ج٢ ص٣٩٠ ح٤٥٩٦ و٤٥٩٧ باب شرح السنّة ؛ مسند أحمد : ج٤ ص١٠٢ ، ومسند أبي يعلى ، أبو يعلى الموصلي : ج١٠ ص٣١٧ وص٥٠٢ ، ومسند الشامين ، الطبراني : ج٢ ص١٠٨ ؛ افتراق الأمة ، محمد بن إسماعيل الصنعاني : ص٤٨ ؛ المعجم الكبير ، ج٨ ص٢٧٣ وج١٨ ص٥١ وص٧٠ ؛ سنن الترمذي ، الترمذي : ج٤ ص١٣٤ ـ ١٣٥ ح٢٧٧٨ ح٢٧٧٩ باب افتراق هذه الأمة .
( عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : يكون في أُمّتي فرقتان فيخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق )(١) .
ونحن نعتقد أنّ الولاية الكاملة والحقّة ، التي أمر الله تعالى ورسوله بها ، من حب وطاعة وتسليم وانقياد ، هي ميزان قبول الأعمال بنحو الاستحقاق .
والولاية في أدنى درجاتها وهي المحبّة فقط ، وعدم البغض موجودة عند جميع المسلمين ، وأمّا من كان مبغضاً لأهل البيت عليهمالسلام فلا يمكن الحكم بإسلامه لرفضه وردّه لصريح القرآن ، وتلك الولاية مقبولة بمقدار أن تحفظ للشخص إسلامه وتنجيه من حتمية الهلاك في النار ، ولابد أن لا يرتجى منها أن ترتقي إلى مستوى المقبولية التامة الناتجة عن الولاية الكاملة والصحيحة التي هي جزء من الأصول الاعتقادية بحسب اعتقادنا .
وهذا هو معنى ما جاء في بعض الروايات كما في الخصال ، عن أبي عبد الله عليهالسلام عن جده عن علي عليهالسلام قال :( إن للجنّة ثمانية أبواب باب يدخل منه النبيّون والصدّيقون ، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون ، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبّونا ، فلا أزال واقفاً على الصراط أدعو وأقول : ربّ سلّم شيعتي ومحبيّ وأنصاري ومن تولاّني في دار الدنيا ، فإذا النداء من بطنان العرش ، قد أُجيبت دعوتك وشفّعّت في شيعتك ، ويشفع كل رجل من شيعتي ومَن تولاّني ونصرني وحارب مَن حاربني بفعل أو
ـــــــــــــ
(١) صحيح مسلم ، النيسابوري : ج٣ ص١١٣ .
قول في سبعين ألفاً من جيرانه وأقربائه ، وباب يدخل منه سائر المسلمين ممّن شهد أن لا إله إلاّ الله ، ولم يكن في قلبه مقدار ذرّة من بغضنا أهل البيت ) (١) .
إذن ، كما للولاية مراتب ودرجات أدناها الحب وعدم البغض ، كذلك قبول الأعمال له مراتب مختلفة بحسب اختلاف درجات الولاية ، فعامّة المسلمين الذين يحبّون أهل البيت عليهمالسلام بمقتضى صريح آية المودّة ولا يبغضونهم ، لهم درجة من الولاية ودرجة من المقبولية ، وأدنى درجات المقبولية كونهم مسلمين وغير محكوم عليهم بحتمية الهلاك الأبدي في النار بخلاف المبغض والمحارب الذي جزمت الروايات بخروجه عن رِبقة الإسلام ، وهلاكه الأبدي .
وقد جاء ذلك أيضاً في مجامع أحاديث أهل السنّة :
١ ـ أخرج الحاكم في المستدرك ، وابن حبان في صحيحه : عن عطية عن أبي سعيد قال : قتل قتيل بالمدينة على عهد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وصعد المنبر خطيباً ، وقال : ( والذي نفس محمد بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلاّ أكبّه الله عزّ وجلّ بالنار على وجهه ، رواه جماعة عن إسحاق ) (٢) ، قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي في التلخيص .
ـــــــــــــ
(١) الخصال : الشيخ الصدوق : ص٤٠٨ .
(٢) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج٤ ص٣٥٢ ؛ ونحوه صحيح بن حبان ، ابن حبان : ج١٥ ص٤٣٥ ؛ شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج١ ص٥٤٩ وص٥٥٠ ، ونحوه ترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام من تاريخ دمشق ، ابن عساكر : ج١ ص١٤٩ ح١٨٣ ـ ط٢ وقد نقل روايات كثيرة بذلك المضمون فراجع .
٢ ـ وأخرج الحاكم الحسكاني وغيره : عن أبي الزبير عن جابر قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( يا علي لو أنّ أُمّتي صاموا حتى صاروا كالأوتاد وصلّوا حتى صاروا كالحنايا ، ثمّ أبغضوك لأكبّهم الله على مناخرهم في النار ) . رواه جماعة من أصحابنا عن عثمان(١) .
٣ ـ وأيضاً عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك قالا : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( يا علي لو أنّ أُمّتي أبغضوك لأكبّهم الله على مناخرهم في النار ) (٢) .
٤ ـ وأيضاً عن أبي أمامة الباهلي ، قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :( إنّ الله خلق الأنبياء من شجرٍ شتّى وخلقني وعليّ من شجرة واحدة ، فأنا أصلها ، وعلي فرعها ، والحسن والحسين ثمارها ، وأشياعنا أوراقها ، فمَن تعلّق بغصن من أغصانها نجا ، ومَن زاغ هوى ، ولو أنّ عابداً عبد الله ألف عام ، ثم ألف عام ، ثم ألف عام ، ثم لم يدرك محبتنا أهل البيت أكبّه الله على منخريه في النار ، ثم تلا ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) ) (٣) .
وهذه الروايات من طرقنا صحيحة ومتواترة ونؤمن بمضمونها ، هذا بالنسبة للمبغض .
ـــــــــــــ
(١) شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج١ ص٥٥٠ ؛ ونحوه ترجمة الإمام علي من تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ج١ ص١٥٠ ح١٨٤.
(٢) شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج١ ص٥٥١ .
(٣) المصدر نفسه : ج١ ص٥٥٤ ، والآية ٢٣ من سورة الشورى .
أمّا المحب غير المبغض لأهل البيت عليهمالسلام ، فله درجة من المقبولية ، لكنّها لا تصل إلى حد ودرجة مقبولية الشيعي المتولّي الناصر لأهل البيت عليهمالسلام ؛ وهذا هو مقتضى اعتقادنا بحقّانية مذهبنا ، وأنّ الولاية فيه معنى التولّي والنصرة والطاعة والاتّباع والتسليم لهم عليهمالسلام ، وعلى طبق ذلك حكم محدّثونا وفقهاؤنا ومتكلّمونا .
قال المجلسي رحمهالله في البحار : ( وأمّا غير الشيعة الإمامية من المخالفين وسائر فرق الشيعة ممّن لم ينكر شيئاً من ضروريات دين الإسلام ، فهم فرقتان : إحداهما المتعصّبون المعاندون منهم ممّن قد تمّت عليهم الحجّة ، فهم في النار خالدون ، والأخرى المستضعفون منهم وهم الضعفاء العقول مثل النساء العاجزات ، والبُلّه وأمثالهم ومَن لم يتم عليه الحجّة ممّن يموت في زمان الفترة ، أو كان في موضع لم يأت إليه خبر الحجّة فهم المرجون لأمر الله ، إمّا يعذبهم وإمّا يتوب عليهم ، فيرجى لهم النجاة من النار )(١) وليس هذا إلاّ لدرجة من المقبولية لعدم البغض والعناد .
وذكر مراجعنا في كتبهم الفقهية : أنّ الإسلام هو الإقرار بوحدانية الله تعالى ونبوّة محمد وبما جاء به من عند الله تعالى ، فالكافر هو الذي لا يتديّن بذلك ، إمّا لعدم اعتقاده بدين أصلاً أو لتديّنه بدين غير الإسلام بالمعنى المذكور ، وأنّ إنكار الضروري من الدين إن رجع إلى عدم الإقرار به بعد العلم بإنزاله من قِبل الله تعالى أو إلى تكذيب النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في
ـــــــــــــ
(١) بحار الأنوار ، المجلسي : ج٨ ص٣٦٣ .
تبليغه به بعد العلم بتبليغه له كان موجباً للكفر ، وإن رجع إلى عدم العلم بثبوته في الدين أو تبليغ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لم يوجب الكفر ، كما إذا نشأ من الجهل بتحريمه ، أو من شبهة اعتقد معها عدم التحريم(١) .
وقال الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء : فمَن اعتقد بالإمامة بالمعنى الذي ذكرناه فهو عندهم مؤمن بالمعنى الأخص وإذا اقتصر على ترك الأركان الأربعة فهو مسلم ، ومؤمن بالمعنى الأعم وتترتّب عليه جميع أحكام الإسلام من حرمة دمه وماله وعرضه ووجوب حفظه وحرمة غيبته ، وغير ذلك ، لا أنّه بعدم الاعتقاد يخرج عن كونه مسلماً ـ معاذ الله ـ نعم يظهر أثر التدين في منازل القرب والكرامة يوم القيامة ، أمّا في الدنيا فالمسلمون بأجمعهم سواء ، وبعضهم لبعض أكفاء ، وأمّا في الآخرة فلا شك أنّ المسلمين تتفاوت درجاتهم ومنازلهم ، حسب نيّاتهم وأعمالهم ، وأمر ذلك وعلمه إلى الله سبحانه ، ولا مسوّغ للبت به لأحد من الخلق(٢) .
والحاصل : هو تفاوت الولاية ودرجاتها وتفاوت المقبولية ودرجاتها إلاّ المبغضين المعاندين فهم لا خلاق لهم ، ولا يقام لهم يوم القيامة وزن ، وفي النار هم خالدون .
ولا تعجب من ذلك فإنّ هذا مقتضى تعدّد المذاهب واعتقاد الحقانية في واحد منها ؛ ولذا حكم البعض بكفر الشيعة الاثني عشرية ؛ لأنّهم لا يقدّمون الشيخين ، فضلاً عمّن يبغضهما ، كما جاء ذلك في صحيح سنن
ـــــــــــــ
(١) راجع كتبنا الفقهية في هذا المجال .
(٢) انظر : أصل الشيعة وأُصولها ، الشيخ كاشف الغطاء : ص٩٩ .
أبي داود بتعليق الألباني (عن سفيان قال : مَن زعم أنّ عليّاً كان أحق بالولاية منهما فقد خطّأ أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار ، ولا أراه يرتفع له مع هذا عمل إلى السماء ) ، وقد صحّحه الألباني(١) .
فالمذهب الحق له الدرجات العالية من المقبولية ، والمذاهب الباطلة بحسب اعتقادنا على فرقتين كما ذكر المجلسي ، منهم مَن هو إلى جهنّم وبئس المصير ، ومنهم مَن يرجى لهم النجاة من النار ، وهذه درجة من المقبولية ، كما أسلفنا ، وهذا شيء وحقّانية المذهب شيء آخر .
فالشيعة إذن يقولون بإسلام جميع الطوائف إلاّ النواصب مع أنّ الوهّابية كفّروا الشيعة لكونهم شيعة !!
١ ـ اعتماداً على القرآن وروايات نبيّنا صلىاللهعليهوآلهوسلم ، يتبيّن أنّ الولاية لأهل البيت عليهمالسلام واجبة على الجميع ، وأدنى درجاتها هي المحبّة .
٢ ـ صرّحت الروايات المتواترة عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بأنّ مبغض أهل البيت عليهمالسلام من الهالكين ، ويكبّه الله على وجهه في نار جهنّم .
٣ ـ أمّا الذي ليس في قلبه ذرّة من بغض أهل البيت عليهمالسلام ، وكان في قلبه درجة من درجات الولاية والمحبّة لأهل البيت عليهمالسلام ، ولم يكن على المذهب الحق فهو المرجى لأمر الله تعالى .
ـــــــــــــ
(١) سنن أبي داود ، أبي داود : ج٣ ص١٢٦ .
الفهرست
مقدّمة الكتاب.. ٣
منهج البحث.. ٧
خطّة البحث.. ٧
الفصل الأوّل: هل الإمامة جعل إلهي ؟ ١١
الشبهة : ١١
الجواب : ١١
الإمامة جعل وعهد إلهي : ١٢
الإمامة غير النبوّة : ١٣
أهمّيّة الإمامة واستمرارها : ١٤
عصمة الإمام ١٦
دور الإمام في الأمة : ١٧
أقوال علماء السنّة في حق أهل البيت عليهمالسلام.... ٢٠
الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام.... ٢٠
الإمام الحسن والإمام الحسين عليهماالسلام..... ٢٠
الإمام زين العابدين عليهالسلام : ٢٢
الإمام الباقر عليهالسلام : ٢٤
الإمام الصادق عليهالسلام : ٢٧
الإمام الكاظم عليهالسلام : ٣٠
الإمام الرضا عليهالسلام : ٣٢
الإمام الجواد عليهالسلام : ٣٣
الإمام الهادي عليهالسلام : ٣٤
الإمام العسكري عليهالسلام : ٣٧
تراث زاخر ٤٠
الخلاصة ٤١
الإمامة في القرآن. ٤٣
الشبهة : ٤٣
الجواب : ٤٣
أوّلاً : القرآن ينصّ على الإمامة ٤٥
ثانياً : السنّة النبويّة تنصّ على الإمامة ٤٩
الخلاصة ٥٠
آية الولاية لا تختصّ بعلي عليهالسلام.... ٥١
الشبهة : ٥١
الجواب : ٥١
أولاً : كثرة استعمال الجمع وإرادة المفرد في القرآن. ٥١
ثانيا : استعمال الجمع وإرادة المفرد سائغ في لغة العرب.. ٥٣
ثالثاً : الاعتراض المذكور يتنافى مع الروايات المتواترة ٥٣
رابعاً : الاعتراض غريب لهم يعهد من الصحابة ولا من التابعين. ٥٨
خامساً : جواب الزمخشري. ٥٨
الخلاصة ٥٩
آية الولاية لا تعني الأولى بالتصرّف.. ٦٠
الشبهة : ٦٠
الجواب : ٦٠
الاستدلال على المستوى اللغوي : ٦٠
الاستدلال على المستوى القرآني : ٦١
الاستدلال على المستوى الروائي : ٦٣
كيف تستدلّ الشيعة بشأن النزول ؟ ٦٧
الشبهة : ٦٧
الجواب : ٦٧
الخلاصة ٦٨
المعروف أنّ عليّاً فقير فكيف يتصدّق ؟ ٦٨
الشبهة : ٦٨
الجواب : ٦٨
الخلاصة ٧٠
آية البلاغ تدلّ على أنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم لم يبلّغ سابقاً ٧٠
الشبهة : ٧٠
الجواب : ٧٠
الخلاصة ٧٤
لا وجود لاسم علي في القرآن. ٧٥
الشبهة : ٧٥
تمهيد: ٧٦
الأُولى : القرآن تبيان لكل شيء ٧٦
الثانية : يجب اتباع ما أمر به الله ورسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم..... ٧٧
الجواب : ٨٠
أوّلاً : عدم ذكر الاسم لحكمة إلهيّة ٨٠
ثالثا : ذكر الوصف أبلغ في التأثير من ذكر الاسم. ٨١
رابعاً : ذكر علي في القرآن يدعو البعض لانتحال اسمه ٨٢
خامساً : لو ذُكر اسم علي لحذفه المنافقون. ٨٢
سادساً : ذكر الاسم لا يعني حسم النزاع. ٨٣
سابعاً : ذكر الاسم في القرآن داعية لاتهام الشيعة ٨٣
ثامناً : لا ينبغي التشكيك في إمامة علي عليهالسلام.... ٨٤
الخلاصة ٨٤
آية التطهير لا تختصّ بأئمّة الشيعة ٨٦
الشبهة : ٨٦
الجواب : ٨٦
الخلاصة ٩٦
الفصل الثاني: حديث الخلفاء الاثني عشر في كتب أهل السنّة ٩٧
مدخل. ٩٧
حديث الخلفاء الاثني عشر في كتب أهل السنّة ٩٩
الشبهة المطروحة حول الحديث.. ٩٩
وفي مقام الجواب عن هذه الشبهة نقول : ٩٩
حديث الاثني عشر في كتب أهل السنّة : ١٠٠
مَن هم الخلفاء الاثنا عشر ؟ ١٠٤
محاولات أهل السنّة في تفسير حديث الخلفاء ١٠٥
المحاولة الأُولى : لابن العربي. ١٠٥
المحاولة الثانية : لابن المهلب.. ١٠٦
المحاولة الثالثة : للسيوطي. ١٠٦
المحاولة الرابعة : لأبي الحسين ابن المنادي. ١٠٧
المحاولة الخامسة : للقاضي عياض.. ١٠٧
المحاولة السادسة : لابن الجوزي. ١٠٧
المحاولة السابعة : للبيهقي. ١٠٨
التفسير الواقعي لحديث الاثني عشر ١٠٩
جملة من الشواهد على المراد الواقعي. ١١٠
الأُمّة لم تجتمع على أهل البيت عليهمالسلام.... ١٣١
الخلاصة ١٣٢
الفصل الثالث: غيبة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشّريف) ١٣٤
الشبهة : ١٣٤
الجواب : ١٣٤
تمهيد : ١٣٤
هوية الغيبة ١٤١
دوام الإمامة واستمرارها لطف إلهي. ١٤١
لو لا الحجّة لساخت الأرض بأهلها ١٤٣
الغيبة لطف إلهي. ١٤٥
حقيقة الغيبة : خفاء الهوية والعنوان لإخفاء الشخصية ١٤٦
ما الفائدة من الإمام الغائب ؟ ١٤٨
إدارة الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في زمن الغيبة ١٤٩
وجه التشابه بين الخضر عليهالسلام والإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ١٥٢
قصّة الخضر ١٥٣
خصائص الحكم الإلهي. ١٥٦
دور الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في درء الفساد ١٦١
خلفيات وفوائد أُخرى للغيبة ١٦٤
أوّلاً : حفظ شخصية الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ١٦٤
ثانياً : التمحيص.. ١٦٨
ثالثاً : انكشاف عجز وبطلان الأطروحات الأخرى. ١٧٥
رابعاً : تجلّي مفهوم الانتظار في أحضان الغيبة ١٧٦
خامساً : عدم انقطاع سلسلة حجج الله في الأرض.. ١٧٩
سادساً : لكي لا تكون في عنقه بيعة لظالم. ١٨٠
سابعاً : الغيبة سرٌّ الهي. ١٨٣
دعوى المهدوية والسفارة ١٨٦
مدّعي المهدوية والسفارة في التاريخ الإسلامي. ١٨٦
الدليل على بطلان دعوى المهدوية والسفارة في عصر الغيبة الكبرى. ١٨٨
الفهم الصحيح لعلامات الظهور ١٩٠
الخلاصة ١٩١
الفصل الرابع: بطلان دعوى النص على خلافة أبي بكر ١٩٣
الشبهة : ١٩٣
الجواب : ١٩٣
أوّلاً : الروايات الصحيحة وأقوال الصحابة الصريحة الدالة على عدم النص على أبي بكر : ١٩٣
ثانياً : إنكار علماء السنّة وجود نص دال على خلافة أبي بكر منها : ١٩٥
ثالثاً : الشواهد القطعية على عدم النص على أبي بكر ، منها : ١٩٨
رابعاً : معالم تحرك الحزب القرشي : ٢٠٤
خامساً : سياسات السلطة الحاكمة يكشف عن عدم الشرعية ٢١٦
الخلاصة ٢٢١
الفصل الخامس: عصيان الصحابة ٢٢٤
الشبهة : ٢٢٤
الجواب : ٢٢٤
خلفيات عدول بعض الصحابة عن وصيّة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم..... ٢٢٧
أوّلاً : الحرص على كرسي الزعامة ٢٢٧
ثانياً : دور المنافقين والذين في قلوبهم مرض.. ٢٢٨
ثالثاً : التنافس والنزاع بين القبائل. ٢٢٨
رابعاً : التناحر والتحاسد بين المهاجرين والأنصار ٢٣٢
خامساً : سياسة الإرهاب في السقيفة ٢٣٣
سادساً : مخالفات الصحابة لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم..... ٢٣٤
١ ـ عصيان أوامر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم..... ٢٣٤
٢ ـ الفرار في معركة أحد. ٢٣٦
٣ ـ الفرار في يوم حنين. ٢٣٦
٤ ـ اعتراض الأصحاب على الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم في الحديبية ٢٣٧
٥ ـ الإشفاق من التصدّق. ٢٣٨
٦ ـ عدم إنفاذ جيش أسامة ٢٣٩
٧ ـ الارتداد والانقلاب على الأعقاب.. ٢٣٩
الخلاصة ٢٤٣
الفصل السادس: العصمة والغلو ٢٤٥
الشبهة : ٢٤٥
الجواب : ٢٤٥
منشأ العصمة : ٢٤٦
الدليل العقلي على عصمة أهل البيت عليهمالسلام.... ٢٥٠
الأدلة القرآنية على عصمة الأئمّة عليهمالسلام.... ٢٥١
بيان الاستدلال : ٢٥١
والجواب عن ذلك بالبيان التالي : ٢٥٢
الأدلة الروائيّة ٢٥٧
أوّلاً : حديث الثقلين. ٢٥٧
دلالة الحديث على عصمة أهل البيت عليهمالسلام.... ٢٥٨
ثانياً : النص على العصمة والطهارة ٢٥٨
ثالثاً : طاعتهم طاعة لله ولرسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم..... ٢٥٩
الخلاصة ٢٦٠
منشأ العصمة ٢٦٠
الدليل العقلي على عصمة أهل البيت عليهمالسلام.... ٢٦١
الأدلة القرآنية على عصمة الأئمّة عليهمالسلام.... ٢٦١
الأدلة الروائية على عصمة أهل البيت عليهمالسلام.... ٢٦١
مقام الوصي. ٢٦٢
الشبهة : ٢٦٢
الجواب : ٢٦٢
أقوال علماء الشيعة ٢٦٤
الوحي انقطع بموت النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم..... ٢٦٦
أقسام الوحي. ٢٦٧
الخلاصة ٢٧٠
تأليه الإمام عند الشيعة ٢٧١
الشبهة : ٢٧١
الجواب : ٢٧١
مواقف علمائنا من الغلاة ٢٧٣
الخلاصة ٢٧٩
الولاية عند الشيعة أهمّ من التوحيد. ٢٨١
الشبهة : ٢٨١
الجواب : ٢٨١
أوّلاً : التوحيد أساس الدين. ٢٨١
ثانياً : ترابط أُصول الدين. ٢٨٣
ثالثاً : الولاية فرع التوحيد. ٢٨٤
الخلاصة ٢٨٥
علم أهل البيت عليهمالسلام بالغيب غلو ٢٨٦
الشبهة : ٢٨٦
تمهيد : ٢٨٦
علم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم..... ٢٨٦
والسؤال هو : ما هي حقيقة وجوهر علم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ ٢٨٧
أفضلية نبيّنا صلىاللهعليهوآلهوسلم على سائر الأنبياء ٢٨٨
الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم أعلم الأنبياء على الإطلاق. ٢٩١
الأنبياء يعلمون الغيب.. ٢٩٢
شواهد من علم الأنبياء بالغيب.. ٢٩٣
إخبار نبيّنا محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم بالغيب.. ٢٩٤
علم أهل البيت عليهمالسلام.... ٢٩٥
الدليل العقلي على علم الإمام ٢٩٦
الأدلة القرآنية على علم الإمام ٢٩٨
دعوة النبي إبراهيم لذرّيته ٢٩٨
الإمامة في الذرّية سنّة قرآنية ٣٠٠
ما هو الاصطفاء ؟ ٣٠١
الاصطفاء والعدالة الإلهية ٣٠٢
الذرية الصالحة للأنبياء عناية إلهية ٣٠٣
تقلّبهم في الأرحام المطهّرة ٣٠٤
أبعاد أُخرى. ٣٠٤
أوّلاً : البعد التاريخي. ٣٠٥
ثانياً : البعد الرسالي. ٣٠٥
ما هي حقيقة وراثة الأنبياء ؟ ٣٠٦
أهل البيت عليهمالسلام ورثة الأنبياء ٣٠٧
١ ـ الإمام علي وذرّيته عليهمالسلام وارثو رسول الله. ٣٠٧
٢ ـ الأنبياء يقرّون بولاية على وذرّيته عليهمالسلام.... ٣٠٩
٣ ـ أهل البيت عليهمالسلام ورثة الكتاب.. ٣٠٩
أعلميّة أهل البيت في القرآن الكريم. ٣١١
حقيقة علم الكتاب.. ٣١٢
حدود علم الكتاب.. ٣١٣
مَن الذي عنده علم الكتاب ؟ ٣١٤
الإمام علي عليهالسلام أحصى علم كلّ شيء ٣١٤
اختصاص أهل البيت عليهمالسلام بعلم الكتاب.. ٣١٦
مَن هم المطهّرون ؟ ٣١٩
الروايات الخاصة في علم أهل البيت عليهمالسلام.... ٣٢٢
١ ـ علم الأنبياء عند أهل البيت عليهمالسلام : ٣٢٢
٢ ـ علم الكتاب كلّه عند أهل البيت عليهمالسلام : ٣٢٢
هل أنّ أهل البيت عليهمالسلام يعلمون الغيب ؟ ٣٢٤
وجه المغالطة ٣٢٤
وحاصل ما تقدّم : ٣٢٧
أهل البيت عليهمالسلام يعلمون الغيب.. ٣٢٧
هل الاعتقاد بعلم النبي وأهل بيته بالغيب غلو ؟ ٣٢٩
تعظيم أهل البيت عليهمالسلام جذره قرآني. ٣٣٣
فلسفة هذا التعظيم. ٣٣٦
أهل البيت عليهمالسلام وظاهرة الغلو ٣٣٧
موقف علماء الشيعة من الغلاة ٣٣٨
الخلاصة ٣٣٩
أهل البيت عليهمالسلام وعلمهم بالغيب.. ٣٤٣
هل التعظيم للرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته غلو ؟ ٣٤٣
ميزان قبول الأعمال. ٣٤٤
الشبهة : ٣٤٤
الجواب : ٣٤٤
الولاية في نظر أعلام السنّة ٣٤٤
قبول الأعمال بالولاية ٣٤٥
روايات الولاية في الكتب السنّيّة ٣٤٧
رأي علماء الشيعة في قبول الأعمال. ٣٤٩
الخلاصة ٣٥١