الأقسام في القرآن الكريم
التجميع مفاهيم القرآن
الکاتب الشيخ جعفر السبحاني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

الأَقْسام في القُرآنِ الكريم

دراسةٌ مُبَسَّطةٌ حَول الأَقسامِ الوارِدَة في الكتابِ العَزيزِ

العَلاّمة المُحَقِّق جَعفر السُبحاني


بسم اللّه الرحمن الرحيم

القُرآنُ والآفاق اللامُتَناهية

الحمد للّه الّذي علَّم بالقلم ، علّم الإنسان ما لم يعلم ، والصلاة والسلام على سيِّدنا ونبيّنا محمّد ، خير من طاف الأرض وحَكَم ، وعلى آله الأئمّة السادة ، هُداة الأُمّة إلى الطريق الأقوَم

نزل القرآن الكريم على قلب سيّد المُرسَلين هادياً للإنسان ومنيراً له طريق السعادة ، وقد وضع علماء الإسلام علوماً جَمَّة لفهم حقائقه وكشف أسراره ومعانيه ، وعلى الرغم من ذلك ، لم يزل المُفسّرون في كلّ عصر يستخرجون منه حقائق غفلَ عنها الأقدمون ، وكأنّ الإنسان أمام بحر موّاج بالحقائق العلميّة ، لا يُدرَك غوره ، ولا يُتوصّل إلى أعماقه ، ولا يمكن لأحد الإحاطة بأسراره وعجائبه

وكأنّ القرآن هو النسخة الثانية لعالم الطبيعة ، الّذي لم يزل يبحث عن أسراره الباحثون ، وهم بعدُ في الأشواط الأُولى من الوقوف على حقائقه الكامنة

ولا غروَ أن يكون الكتاب العزيز كذلك أيضاً ، لأنّه كتاب صدر من لَدُن حكيم عليم ، لا نهاية لوجوده وعلمه ، فيجب أن يكون كتابه المُنزّل رَشحَة من رَشَحات وجوده


وهذا هو مُتكلّمُ قريش وخطيبهم الوليد بن المغيرة المخزومي ، لمّا جلس إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمع شيئاً من آيات سورة غافر ، ذهب إلى قومه ليُبيِّن موقفه من الكتاب ، وقال : واللّه قد سمعتُ من محمّد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنِّ ، وإنّ له لحلاوَة ، وإنّ عليه لطلاوَة ، وإنّ أعلاه لمُثمِر ، وإنّ أسفلَه لمُغدِق ، وإنّه ليعلو وما يُعلَى عليه(١)

فقد أدرك مُنطيق قريش ، بصفاء ذهنه ، ما يحتوي عليه القرآن من أسرارٍ وكنوز

نعم ، قد سبقه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك ، حيث عَرّف القرآن بقوله :

( له ظَهرٌ وبَطن ، وظاهره حُكْم ، وباطنُه عِلْم ، وظاهره أنيق ، وباطِنه عَميق ، له نجوم وعلى نجومه نجوم ، لا تُحصَى عجائبه ، ولا تبلى غرائبه ، فيه مصابيح الهدى و منار الحكمة ) .(٢)

وقد أفاض الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام في بيان أبعاد القرآن غير المتناهية ، وقال في خطبةٍ يصف فيها القرآن بقوله :( أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ نُوراً لا تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ وَسِرَاجاً لا يَخْبُو تَوَقُّدُهُ وَبَحْراً لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ ـ إلى أن قال : ـوَيَنَابِيعُ الْعِلْمِ وَبُحُورُهُ وَرِيَاضُ الْعَدْلِ وَغُدْرَانُهُ وَأَثَافِيُّ الإِسْلامِ وَبُنْيَانُهُ وَأَوْدِيَةُ الْحَقِّ وَغِيطَانُهُ وَبَحْرٌ لا يَنْزِفُهُ الْمُسْتَنْزِفُونَ وَعُيُونٌ لا يُنْضِبُهَا الْمَاتِحُونَ وَمَنَاهِلُ لا يَغِيضُهَا الْوَارِدُونَ ) .(٣)

وقد أثبت توالي التأليف حول القرآن الكريم ، على مُختلَف الأصعدة ، أنّه كتاب القرون والأعصار ، وحُجّة خالدة للناس إلى يوم القيامة ، وقد استحوذ الكتاب العزيز على اهتمام بالغ لم يَحظ به أيّ كتاب آخر

ــــــــــــــــ

(١) مجمَع البيان : ١٠/٣٨

(٢) الكافي : ٢/٥٩٩ ، كتاب القرآن

(٣) نهج البلاغة : ٢/٢٠٢ ، طبعة عبده


إلماعٌ إلى بعض آفاقه اللامتناهية :

إنّ من آفاق القرآن و معانيه السامية هو أَقسامه ، فقد أقسمَ القرآن الكريم بأُمور مختلفة ، ربّما يبلغ عدد أقسامه إلى أربعين حِلفاً أو أكثر ، وتمتاز عن الأقسام الرائجة في العصر الجاهلي بأنّها انصبّت على ذوات مُقدَّسة أو ظواهر كونيّة ذات أسرار عميقة ، في حين امتاز القَسَمُ في العصر الجاهلي بالحلف بالمغاني والمُدام(١) وجمال النساء ، إلى غير ذلك من الأمور المادِّية الساقطة

حلف سبحانه في كتابه ـ مضافاً إلى ذاته ـ بـ : القرآن ، الملائكة ، النفس ، الشمس ، القمر ، السماء ، الأرض ، اليوم ، الليل ، القلم و غير ذلك من الموضوعات الّتي تحتوي على أسرار مَكنونة ، ويصحّ في حقّها ، قوله سبحانه :( وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) (٢) .

ينقل السيوطي أنّ أوّل من أفرد أقسام القرآن بالتأليف هو شمس الدِّين محمد بن أبي بكر ، المعروف بابن قيم الجوزيّة (المتوفّى٧٥١هـ) ، ولم يذكر كتاباً غيره ، ثُمّ جمع السيوطي أقسام القرآن و جعله نوعاً من أنواع علومه ، فبحث عنها بحثاً موجزاً لا يتجاوز عن خمس صفحات .(٣)

وقال الكاتب الچلبي في ( كشف الظنون ) ـ بعد سرد ما قام به السيوطي ـ : وتبعه صاحب مفتاح الكرامة ، حيث أورده من فروع علم التفسير .(٤)

ولم نقف على كتاب مفرد حول أقسام القرآن في الأوساط الشيعيّة ، مع ما

ــــــــــــــــ

(١) المدام والمدامَة : الخمر

(٢) الواقعة : ٧٨

(٣) الإتقان في علوم القرآن : ٤ / ٤٦ ـ ٥١

(٤) كشف الظنون : ١ / ١٣٧ـ ١٣٨


فيها من بحوث هامّة ، سوى ما ألّفه ولدي العزيز الروحاني ، الحائز على مقام الشهادة ، الشيخ أبو القاسم الرزّاقي (١) تحت عنوان ( سوگندهاى قرآن ) ، و هو كتاب قَيِّم ، حافل بنقل الآراء حول القَسَم في القرآن ، وقد طُبع في حياته بتقديم منّا ، تغمَّده اللّه برحمته وأسكنه فسيح جناته

ثُمّ إنّ ابن قيم الجوزيّة وإن كان أوّل من ألّفَ ـ حسب ما نعلم ـ ، ولكن كتابه يعوزه المنهجيّة في البحث ؛ حيث لم يذكر الأقسام الواردة واحداً تلو الآخر ، حسب حروف التهجّي أو حسب سور القرآن ، وإنّما ذكر أقسام كلّ سورة في فصل واحد

لكن ما ألّفه الشيخ الرزّاقي خال من هذه النقيصة ، فانّه ألّف كتابه على نمط التفسير الموضوعي ، فجعل لكلّ حلفٍ فصلاً خاصاً ، وذكر جميع الآيات الواردة في خصوص ذلك الحلف مثلاً : ذكر الآيات الّتي أقسم اللّه فيها بنفسه في فصل خاصّ ، كما جمع ما أقسم اللّه فيه بالليل في سور وآيات مختلفة في مكان واحد

ولمّا كان ما ألّفه ابن قيم غير خال عن النقيصة ، كما أنّ ما ألّفه ولدنا البارّ لا ينتفع به القارئ العربي ؛ لأنّه أُلّف باللغة الفارسيّة ، عزمت على تأليفٍ مفرد في هذا الصدَد ، بُغيَة تعميم الفائدة

وأُردِفه ـ إن شاء اللّه ـ بالبحث عن أمثال القرآن

ــــــــــــــــ

(١) استشهد مع مجموعة من العلماء أثر إسقاط الطائرة الّتي كانت تقلّهم أثناء رحلة داخلية خلال الحرب العراقية الإيرانية من قبل النظام البعثي الغاشم عام ١٤٠٨ هـ / ١٣٦٧هـ .ش


بحوثٌ تمهيديَّة في أقسام القرآن

إنّ البحث عن الأقسام الواردة في القرآن الكريم رهن استعراض أُمور ، في معنى القسم و ما يتبعه من المُقسَم به والمُقسَم عليه وأبحاث أُخرى ، فنقول :

١ـ تفسير القَسَمِ :

إنّ لفظة القَسَمِ واضحة المعنى ، تُعادل الحلف واليمين في لغة العرب ، ولها مُعادل في عامّة اللغات ، وإنّما يُؤتى به لأجل تأكيد الخبر والمضمون ، قال الطبرسي : القَسَم جملة من الكلام يؤكَّد بها الخبر ، بما يجعله في قسم الصواب .(١)

قال السيوطي : القصد بالقَسَمِ تحقيق الخبر وتوكيده ، حتى جعلوا مثل :( وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقينَ لَكاذِبُون ) (٢) قسماً ، وإن كان فيه إخبار بشهادة ؛ لأنّه لمّا جاء توكيداً للخبر سُمّي قسماً .(٣)

ولذلك نُقِل عن بعض الأعراب أنّه لمّا سمع قوله تعالى :( وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ ) (٤) صرخ وقال : مَن ذا الّذي أغضب الجليل حتى ألجأه إلى اليمين .(٥)

ــــــــــــــــ

(١) مجمع البيان : ٥/٢٢٥

(٢) المنافقون : ١

(٣) الإتقان : ٤/٤٦

(٤) الذاريات : ٢٢ـ ٢٣

(٥) الإتقان : ٤/٤٦


٢ ـ أَرْكانُ القَسَمِ :

إنّ القَسَم من الأمور ذات الإضافة ، وهو فعل فاعل مختار ، له إضافة إلى أُمور أربعة :

أ ـ الحالِف ، ب ـ ما يُحلَف به ، ج ـ ما يُحلَف عليه ، د ـ الغاية من القَسَمِ

أمّا الأوّل : فالحلف عبارة عن فعل الفاعل المختار ، فلا يصدر إلاّ منه ، سواء أكان واجباً كاللّه سبحانه ، أم مُمكناً كالإنسان وغيره

والّذي يتناوله بحثنا في هذا الكتاب هو : القسم الّذي صدرَ عن الواجب في كتابه العزيز دون سواه

فلا نتعرَّض لما حلف به الشيطان في القرآن وقال :( فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) .(١)

ثُمّ إنّ أدوات القَسَم عبارة عن الأمور الأربعة ، أعني : ( الباء ، والتاء ، والواو ، واللام ) وأمثلة الكُلّ واضحة

وأمّا الأخير فكقول الشاعر :

للّهِ لا يبقى على الأيّامِ ذُو حَيَدٍ

بمُشمَخَرٍّ به الظيّانُ والآسُ(٢)

وسيوافيك أنّ حرف الباء يجتمع مع فعل القسم دون سائر الأدوات ، إذ يحذف فيها فعله ، أعني : أُقسم

وأمّا الثاني ـ أي : ما يُحلَف به ـ : فانّ لكلّ قوم أُموراً مُقدّسة يحلفون بها ، وأمّا القرآن الكريم فقد حلَفَ سبحانه بأُمور تجاوزت عن الأربعين مُقسَماً به

وأمّا الثالث ـ أي : ما يُحلَف عليه ـ : والمُراد هو جواب القَسَم الّذي يُراد منه التأكيد عليه وتثبيته وتحقيقه ، وهذا ما يقال : القصد بالقَسَم تحقيق الخبر وتوكيده

ــــــــــــــــ

(١) ص : ٨٢

(٢) والحَيَد ـ كعَنَب ـ : جَمْع حيدة ، وهو القرن فيه عقد

والمُشمَخَرّ : الجبل العالي

والظيّان : الياسمين الصحرائي

والآس : شجر معروف


ففي الآية التالية تتجلّى الأركان الثلاثة ، وتقول :( وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ ) .(١)

فقوله :( وأقسَمُوا ) فهو الركن الأوّل

وقوله :( باللّهِ ) هو المُقسَم به

وقوله :( لا يبعثُ اللّه مَن يموتُ ) هو المُقسَم عليه

وكثيراً ما يُحذف الفعل ؛ وذلك لكثرة تردّد القَسَم في كلامهم ، ويُكتفى بالواو أو التاء في أسماء اللّه

نعم ، يلازم الأقسام بالباء ذكر الفعل ، كما في الآية السابقة ، وقوله :( يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ) .(٢)

وعلى ضوء ذلك ، فباء القَسَم تُلازم ذكر فعله ، كما أنّ واو القَسَم وتاءه تلازم حذفه ، فيقال : أُقسِم باللّه ، ولا يقال : أُقسِم تاللّه أو أُقسِم واللّه ، بل يُقتصَر على قوله : تاللّه ، واللّه يقول سبحانه :( وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ) (٣) ، وقوله :( ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) .(٤)

ــــــــــــــــ

(١) النحل : ٣٨

(٢) التوبة : ٦٢

(٣) الأنبياء : ٥٧

(٤) الأنعام : ٢٣ .


وثَمَّة نكتة جديرة بالإشارة ، وهي أنّ أكثر المفسّرين حينما تطرّقوا إلى الأقسام الواردة في القرآن الكريم ، ركّزوا جهودهم لبيان ما للمُقسَم به من أسرار و رموز ، كالشمس والقمر في قوله سبحانه :( والشَّمْسِ وَضُحاها * وَالْقَمرِ إِذا تَلاها ) (١) ، أو قوله :( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون ) (٢) ، ولكنّهم غفلوا عن البحث في بيان الصلة والعلاقة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه

لاحظ مثلاً قوله سبحانه :( وَالضُّحى * وَالليلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ) (٣) ، فالضحى والليل مُقسَم بهما ، وقوله :( ما ودَّعَكَ ربُّك وما قَلَى ) هو جواب القَسَم الّذي نُعبِّر عنه بالمُقسَم عليه ، فهناك صلة في الواقع بين المُقسَم به والمُقسَم عليه ، وهو أنّه لماذا لم يُقسم بالشمس ولا بالقمر ، ولا بالتين ولا بالزيتون ، بل حلف بالضحى والليل لأجل المُقسَم عليه ، أعني قوله :( ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ) ؟

وصفوة القول : إنّ كلّ قَسَم جدير لتحقيق الخبر ، ولكن يقع الكلام في كلّ قَسَم ورد في القرآن الكريم أنّه لماذا اختار المُقسَم به الخاصّ دون سائر الأُمور الكثيرة الّتي يُقسَم بها ؟!

فمثلاً : لماذا حلفَ في تحقيق قوله :( ما ودَّعَكَ ) بقوله :( والضُحى والليل ) ولم يُقسِم بالشمس والقمر ؟! وهذا هو المهمّ في بيان أقسام القرآن

ولم يتعرّض له أكثر المُفسّرين ، ولا سيّما ابن قيم الجوزيّة في كتابه ( التبيان في أقسام القرآن ) إلاّ نَزرَاً يسيراً

ــــــــــــــــ

(١) الشمس : ١ـ٢

(٢) التين : ١

(٣) الضحى : ١ـ٣


ثُمّ إنّ الغالب هو ذكر جواب القَسَم ، وربّما يُحذَف كما يُحذَف جواب ( لو ) كثيراً ، أمّا الثاني فكقوله سبحانه :( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ) (١) ، فانّ الجواب محذوف ، وهو نظير قوله :( لما آمنوا )

وأمّا الأوّل ، فكقوله سبحانه :( ص والقُرآنِ ذِي الذِّكر ) (٢) ، فانّ الحلف بالقرآن الكريم المُعرب عن تعظيمه ووصفه بأنّه مُذكِّر للعباد ، يدلّ على جوابه ، وهو أنّه مُنزَّل من عنده سبحانه غير مُفتَرى ، وما أشبه ذلك

وعلى كلّ حال ، فالغالب هو الأوّل أي : الإتيان بالجواب

إلى هنا تمَّ بيان أركان القَسَم الثلاثة ، وثَمّة رُكن رابع ، وهو : الغاية المُتوخّاة من القَسَم

فنقول : إنّ الغاية إمّا هي تحقيق الخبر ودعوة المخاطَب إلى الإيمان والإذعان به ، كما هو الغالب ، أو إلفات النظر إلى عظمة المُقسَم به ، وما يكمُن فيه من أسرار ورموز ، أو لبيان قداسته وكرامته ، كما في قوله :( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) .(٣)

ومن خلال هذا البيان ، يتّضح الجواب على ما ربّما يقال من أنّ حلفه سبحانه إن كان لأجل المؤمن ، فهو يصدّقه بلا حلف ، وإن كان لأجل الكافر فلا يفيده

والجواب : إنّ إيمان المؤمن بصدقِ إخباره سبحانه لا يُنافي تأكيده بالحلف ، مضافاً إلى ما عرفت من أنّ حلفه سبحانه بشيء إشارة إلى كرامته وقداسته أو إلى عظمته وما يكمن فيه من أسرار ورموز

ــــــــــــــــ

(١) الرعد : ٣١

(٢) ص : ١

(٣) الحجر : ٧٢


٣ جَوازُ الحلف بغير اللّه سبحانه :

تضافر الحلف بغيره سبحانه في الكتاب العزيز والسُنّة النبويّة

أمّا الكتاب ، فسيُوافيك حلفه بأشياء كثيرة ، وأمّا السُنّة فقد حلف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غير مورد بغير اسم اللّه

١ ـ فقد أخرج مسلم في صحيحه : أنّه جاء رجل إلى النبي فقال : يا رسول اللّه ، أيّ الصدقة أعظم أجراً ؟ فقال :( أمَا و أبيكَ ، لتُنَبَّأنَّه أن تصدّقَ وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء ) .(١)

٢ ـ أخرج مسلم أيضاً : جاء رجل إلى رسول اللّه ، من نَجْد ، يسأل عن الإسلام ، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( خمس صلوات في اليوم والليل

فقال : هل عليَّ غيرهُنّ ؟

قال : لا ، إلاّ أن تطَّوَّع ، وصيام شهر رمضان .

فقال : هلّ عليَّ غيره ؟

قال : لا ، إلاّ تطَوَّع ، وذكر له رسول اللّه الزكاة .

فقال الرجل : هل عليّ غيره ؟

قال :لا ، إلاّ أن تطَّوَّع

فأدبر الرجل وهو يقول : واللّه لا أزيد على هذا ولا أنقص منه

فقال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أفلح وأبيه إن صدقَ .

أو قال : دخل الجنة ، و أبيه ، إن صدقَ ) .(٢)

ــــــــــــــــ

(١) صحيح مسلم : ٣/٩٤ ، باب أفضل الصدقة من كتاب الزكاة

(٢) صحيح مسلم : ١/٣٢ ، باب ما هو الإسلام


وقد حلف غير واحد من الصحابة بغيره سبحانه ، فهذا أبو بكر بن أبي قحافة على ما يرويه مالك في مُوطّئه : أنّ رجلاً من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم فنزل على أبي بكر ، فشكا إليه أنّ عامل اليمن قد ظلمه ، فكان يُصلِّي من الليل ، فيقول أبو بكر : وأبيك ، ما ليلُك بليلِ سارقٍ ) .(١)

وهذا علي بن أبي طالبعليه‌السلام قد حلف بغيره سبحانه في غير واحد من خُطبه :

١ ـ( وَلَعَمْرِي ، مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الْحَقَّ وَخَابَطَ الْغَيَّ مِنْ إِدْهَانٍ وَلا إِيهَانٍ ) .(٢)

٢ ـ( وَلَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ وَلا بِهِمُ الْعُهُودُ ) .(٣)

إلى غير ذلك من الأقسام الواردة في كلامهعليه‌السلام ، وسائر أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام

نعم ، ثَمَّة أحاديث استُدلَّ بها على المنع عن الحلف بغير اللّه ، غير أنّها ترمي إلى معنى آخر كما سيوافيك

الحديث الأوّل :

إنّ رسول اللّه سمع عُمَر وهو يقول : ( وأبي ) ، فقال :( إنّ اللّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، ومَن كان حالفاً فليحلف باللّه أو يسكُت ) .(٤)

ــــــــــــــــ

(١) شرح الزرقاني على موطّأ مالك : ٤/١٥٩ برقم : ٥٨٠

(٢) نهج البلاغة : الخطبة : ٢٣و٨٥

(٣) نهج البلاغة : الخطبة : ٢٣و٨٥

(٤) سُنن ابن ماجة : ١/٢٧٧ سُنن الترمذي : ٤/١٠٩


والجواب : إنّ النهي عن الحلف بالآباء ؛ قد جاء لأنّهم كانوا ـ في الغالب ـ مشركين وعبَدَة للأوثان ، فلم يكن لهم حرمة ولا كرامة حتى يحلف أحد بهم ، ولأجلذلك نرى أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعل آباءَهم قرناء مع الطواغيت مرّة ، وبالأنداد ـ أي الأصنام ـ ثانية ، وقال : ( لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت ) . (١)

وقال أيضا :( لا تحلفوا بآبائكم ولا بأُمَّهاتكم ولا بالأنداد ) .(٢)

وهذان الحديثان يؤكّدان على أنّ المنهيّ عنه هو الحلف بالآباء الكافرين ، الّذين كانوا يعبدون الأنداد والطواغيت ، فأين هو من حلف المسلم بالكعبة والقرآن والأنبياء والأولياء ، في غير القضاء والخصومات ؟!

الحديث الثاني :

جاء ابنَ عُمَر رجل فقال : أحلفُ بالكعبة ؟ قال له : لا ، ولكن احلف بربِّ الكعبة ، فانّ عُمَر كان يحلف بأبيه ، فقال رسول اللّه له :( لا تحلف بأبيك ، فانّ مَن حلف بغير اللّه فقد أشرك ) .(٣)

إنّ الحديث يتألّف من أمرين :

أ ـ قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن حلف بغير اللّه فقد أشرك )

ب ـ اجتهاد عبد اللّه بن عُمَر ، حيث عدَّ الحلف بالكعبة من مصاديق حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

أمّا الحديث ، فنحن نذعنُ بصحَّته ، والقدر المتيقَّن من كلامه : ما إذا كان المحلوف به شيئاً يُعدّ الحلف به شركاً ، كالحلف بالأنداد والطواغيت ، والآباء الكافرين ، فهذا هو الّذي قصده النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا يعمّ الحلف بالمُقدَّسات كالقرآن وغيره

ــــــــــــــــ

(١) سُنن النسائي : ٧/٧ سُنن ابن ماجة : ١/٢٧٨

(٢) سُنن النسائي : ٧/٩

(٣) سُنن النسائي : ٧/٨ .


وأمّا اجتهاد ابن عُمَر ، حيث عدَّ الحلف بالكعبة من مصاديق الحديث ، فهو اجتهاد منه وحُجّة عليه دون غيره

وأمّا أنّ الرسول عدَّ حلف عُمَر بأبيه من أقسام الشرك ، فلأجل أنّ أباه كان مُشركاً ، وقد قلنا إنّ الرواية ناظرة إلى هذا النوع من الحلف

ومُجمَل القول : إنّ الكتاب العزيز هو الأُسوة للمسلمين عبر القرون ، فإذا وردَ فيه الحلف من اللّه سبحانه بغير ذاته سبحانه ، من الجماد والنبات والإنسان ، فيُستكشَف منه أنّه أمر سائغ ، لا يمُتّ إلى الشرك بصِلة ، وتصوّر جوازه للّه سبحانه دون غيره أمر غير معقول ؛ فانّه لو كان حقيقة الحلف بغير اللّه شركاً ، فالخالق والمخلوق أمامه سواء

نعم ، الحلف بغير اللّه لا يصحّ في القضاء وفضّ الخصومات ، بل لا بدّ من الحلف باللّه (جلّ جلاله) ، أو بإحدى صفاته الّتي هي رمز ذاته ، وقد ثبت هذا بالدليل ، ولا علاقة له بالبحث

وأمّا المذاهب الفقهيّة ، فغير مُجمعين على أمر واحد

أمّا الحنفيَّة ، فقالوا : بأنّ الحلف بالأب والحياة ، كقول الرجل : وأبيك ، أو : وحياتك ، وما شابه ، مكروه

وأمّا الشافعيَّة ، فقالوا : بأنّ الحلف بغير اللّه ، لو لم يكن باعتقاد الشرك ، فهو مكروه

وأمّا المالكيَّة ، فقالوا : إنّ في القَسَم بالعظماء والمُقدّسات ـ كالنبيِّ و الكعبة ـ فيه قولان : الحرمة والكراهة ، والمشهور بينهم : الحرمة

وأمّا الحنابلة ، فقالوا : بأنّ الحلف بغير اللّه وبصفاته سبحانه حرام ، حتى لو كان حلفاً بالنبيِّ أو بأحد أولياء اللّه تعالى


هذه فتاوى أئمّة المذاهب الأربعة(١) ، ولسنا الآن بصدَد مناقشتهم

وكان الحريّ بفقهاء المذاهب الأربعة ـ ولا سيّما في العصر الراهن ـ فتح باب الاجتهاد ، والرجوع إلى المسألة والنظر إليها بمنظار جديد ؛ إذ كم ترك السَلَف للخَلَفِ

على أنّ نسبة الحرمة إلى الحنابلة غير ثابتة أيضاً ؛ لاَنّ ابن قدامة يُصرّح في كتاب ( المُغني ) ـ الّذي كتبه على غرار فقه الحنابلة ـ : أنّ أحمد بن حنبل أفتى بجواز الحلف بالنبيّ ، وأنّه ينعقد لأنّه أحد رُكني الشهادة

وقال أحمد : لو حلف بالنبيِّ انعقد يمينه ، فإن حنث ، لَزَمَته الكفّارة .(٢)

إكمال :

قد ذكر السيوطي في كتاب ( الإتقان ) وقال : كيف أُقسم بالخلق وقد ورد النهي عن القَسَمِ بغير اللّه ؟!

ثُمَّ ذكر أجوبة ثلاثة ، وهي :

الأوّل : إنّه على حذف مضاف ، أي : وربِّ التين وربِّ الشمس ، وكذا الباقي

الثاني : إنّ العرب كانت تُعظّم هذه الأشياء وتُقسِم بها ، فنزل القرآن على ما يعرفون

ــــــــــــــــ

(١) انظر : الفقه على المذاهب الأربعة : ٢/٧٥ ، كتاب اليمين ، مبحث الحلف بغير اللّه تعالى

(٢) المُغني : ١١/٢٠٩


الثالث : إنّ الأقسام إنّما تكون بما يُعظّمه المُقسِم أو يُجلُّه وهو فوقه ، واللّه تعالى ليس شيء فوقه ، فأقسمَ تارة بنفسه ، وتارة بمصنوعاته ، لأنّها تدلّ على بارئ وصانع

وقال ابن أبي الأصبع في ( أسرار الفواتح ) : القَسَم بالمصنوعات يستلزم القَسَم بالصانع ؛ لاَنّ ذكر المفعول يستلزم ذكر الفاعل ، إذ يستحيل وجود مفعول بغير فاعل

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الحسن ، قال : إنّ اللّه يُقسِم بما شاء من خلقه ، وليس لأحدٍ أن يُقسِم إلاّ باللّه .(١)

ولا يخفى ضعف الأجوبة

أمّا الأوّل : فانّ معنى ذلك إرجاع الأقسام المختلفة إلى قِسمٍ واحد ، وهو الربّ ، مع أنّه سبحانه تارة يُقسِم بنفسه ويقول :( فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطين ) (٢) ، وأُخرى بالتين والزيتون والصافات والشمس ، فلو كان الهدف القسَم بالربِّ ، فما فائدة هذا النوع من الأقسام ، حيث يضيف نفسه إلى واحد من مخلوقاته ؟! فانّ العظمة للّه لا للمضاف إليه ، ولو كانت له عظمة فإنّما هي مقتبسة من الربِّ

وأمّا الثاني : فمعنى ذلك أنّه سبحانه جرى على ما كان عليه العرب في العصر الجاهلي ، وقد هدمَ بعمله ما شرَّعه من النهي عن القسم بغير اللّه

وأمّا الثالث : فيكتنفه كثير من الغموض ، ولا يعلم كيفيّة رفع الإشكال ، وأمّا ما نقله عن ابن أبي الأصبع ، فيرجع إلى المعنى الأوّل ، وهو أنّ القَسَم بالمخلوق قَسَم بالخالق

ــــــــــــــــ

(١) الإتقان : ٤/٤٧

(٢) مريم : ٦٨


وما نقله عن ابن أبي حاتم ، من أنّ اللّه يُقسِم بما شاء من خلقه ، وليس لأحد أن يُقسِم إلاّ باللّه ، أمر غير واضح ، لاَنّ إقسام المخلوق بغير اللّه لو كان من مقولة الشرك ، فالقاعدة لا تقبل التخصيص ، فيكون قَسَمه سبحانه بغير اللّه أيضاً شركاً وعبادة

وإن كان قَسَمه سبحانه لأجل بيان قداسته وعظمته ، أو الأسرار المكنونة فيه ، فهو أمر مشترك بين الخالق والمخلوق

والجواب : إنّ النهي عن الحلف بغير اللّه مُختصّ بالطواغيت والأنداد والمشركين من الآباء ، وأمّا غيرهم فلم يرد فيهم نهي

منهجنا في تفسير أقسام القرآن :

إنّه سبحانه تبارك و تعالى حلف بذوات مُقدَّسة بما يربو على الأربعين مرَّة ، فتفسيرها يُمكن أن يتمَّ بإحدى الصور التالية :

أ ـ أن نتناول تلك الأقسام بالبحث طِبق حروف التَهجّي ، ككتاب اللغة

ب ـ أن نتناولها بالبحث حسب أفضليّة المُقسَم به ، فنُقدِّم الحلف باللّه أو الربّ على الحلف بعُمْرِ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحياته ، وهو على الحلف بالملائكة ، وهكذا

وعلى ذلك ، يجب عقد واحد وأربعين فصلاً على النحو التالي :

١ـ الحلف بلفظ الجلالة ، وفيه فصلان :

أ ـ الحلف بلفظ الجلالة

ب ـ الحلف بالربِّ

٢ ـ الحلف بالنبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفيه فصلان :

أ ـ بعُمْرِ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ب ـ شاهد

٣ ـ الحلف بالقرآن ، وفيه فصلان :

أ ـ بالقرآن

ب ـ بالكتاب


٤ ـ الحلف بالملائكة ، وفيه أربعة فصول :

أ ـ الصافّات ، الزاجرات ، التاليات

ب ـ الذاريات ، الحاملات ، الجاريات ، المقسّمات

ج ـ المُرسَلات ، العاصفات ، الناشرات ، الفارِقات ، المُلقيات

د ـ النازعات ، الناشطات ، السابحات ، السابقات ، المُدبِّرات

٥ ـ الحلف بالقَلَمِ ، وفيه فصلان :

أ ـ القلم

ب ـ وما يسطرون

٦ ـ الحلف بالقيامة ، وفيه ثلاثة فصول :

أ ـ القيامة

ب ـ اليوم الموعود

ج ـ مشهود

٧ ـ الحلف بالنفس

٨ ـ الحلف بالشفع والوتر

٩ ـ الحلف بالوَلد والوالِد

١٠ ـ الحلف بالأمكنة ، وفيه ثلاثة فصول :

أ ـ الحلف بالبلد الأمين

ب ـ الحلف بطورِ سينين

ج ـ الحلف بالبيت المَعمور

١١ ـ الحلف بالأزمنة ، وفيه ثمانية فصول :

أ ـ الحلف بالصبح

ب ـ الحلف بالفجر

ج ـ الحلف باليوم

د ـ الحلف بالضحى

هـ ـ الحلف بالنهار


و ـ الحلف بالشفق

ز ـ الحلف بالليل

ح ـ الحلف بالعصر

١٢ ـ الحلف بالأرض والأجرام السماويّة ، وفيه ثمانية فصول :

أ ـ الحلف بالشمس وضحاها

ب ـ الحلف بالكواكب

ج ـ الحلف بالنجم

د ـ الحلف بمواقع النجوم

هـ ـ الحلف بالأرض

و ـ الحلف بالقمر

ز ـ الحلف بالخُنَّسِ الجَوار

ح ـ الحلف بالطارِق

١٣ ـ الحلف بالظواهر الجوِّيّة ، وفيه أربعة فصول :

ا ـ الحلف بالسماء

ب ـ الحلف بالذاريات

ج ـ الحلف بالحاملات

د ـ الحلف بالجاريات

ج ـ أن نتناولها حسب السور القرآنيّة ، فنُفسِّر ما ورد من الأقسام في سورة الشمس مرّةً واحدةً ، أو نُفسِّر ما ورد في سورة الفجر أو البلد في مكان واحد ، وعلى ذلك يجب عقد عدّة فصول حسب عدد السور الّتي وردَ فيها الحلف

وقد سلك ابن قيم الجوزيّة (المتوفّى٧٥١هـ) هذا المنهج ، فراح يبحث عن أقسام القرآن حسب السور


فابتدأ بتفسير الأقسام الواردة بالنحو التالي :

١ ـ القيامة ، ٢ ـ الشمس ، ٣ ـ الفجر ، ٤ ـ البلد ، ٥ ـ التين ، ٦ ـ الليل ، ٧ ـ الضحـى ، ٨ ـ١٠ ـ البـروج ، ١١ ـ الطارق ، ١٢ ـ الانشقاق ، ١٣ ـ التكوير ، ١٤ ـ النازعات ، ١٥ ـ المُرسَلات ، ١٦ ـ القيامة ، ١٧ ـ المُدَّثِّر ، ١٨ ـ الحاقّة ، ١٩ ـ المعارج ، ٢٠ ـ القلم ، ٢١ ـ الواقعة ، ٢٢ ـ النجم ، ٢٣ ـ الطور ، ٢٤ ـ الذاريات ، ٢٥ ـ ق ، ٢٦ ـ يس ، ٢٧ ـ الصافّات ، ٢٨ ـ الحِجْر ، ٢٩ ـ النساء

فقد عقد ٢٩ فصلاً حسب عدد السور الّتي وردت فيها الأقسام ، وهذا المنهج لا يخلو من مناقشة

لأنّه سبحانه ربّما حلف بالربِّ في سوَر مختلفة ، فلو كان مِحور البحث هو السور ، يلزم عليه تكرار البحث حسب تعدّد وروده في السور المختلفة ، وهذا بخلاف ما إذا جمع الآيات الّتي حلف فيها القرآن بربوبيَّته ، ويبحث فيها دفعة واحدة ، فهذا النوع من البحث يكون خالياً عن التكرار والتطويل

مضافاً إلى أنّه لم يُراعِ ترتيب السور حتى فيما اختاره ، من ذكر السور القصيرة مُتقدِّمة على السور الطويلة ، والعجب أنّه بحث عن الحلف الوارد في سورة القيامة مرّتين .(١)

د ـ وهناك منهج رابع ، سلكه ولدنا الروحاني الشهيد الشيخ أبو القاسم الرزّاقي (قدس اللّه سرّه) ، فقد أفرد لكلّ قَسَمٍ فصلاً خاصاً

ويُؤخَذ على هذا المنهج أنّه سبحانه حلف في بعض السور بموضوعات مُختلفة ، كسورة الشمس ، حيث حلف فيها بالشمس والقمر ، وفي الوقت نفسه بالنفس الإنسانيّة ، وجعل للجميع جواباً واحداً

وبما أنّ من البحوث المُهمَّة في أقسام القرآن هو بيان الصِلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه ، فعلى ذلك المنهج يجب أن يتكرَّر البحث في أكثر الفصول ، بالنسبة إلى أُمور حلف بها سبحانه مرّة واحدة ، وذلك كالشمس و القمر والنفس الإنسانيّة ، وهذا مُستلزِم للإطناب

ــــــــــــــــ

(١) تارة في ص ٣٥ من كتابه المعروف ( التبيان في أقسام القرآن ) تحت عنوان : ( فَصْلٌ / القَسَم في سورة القيامة ) ، وأُخرى بنفس العنوان في ص ١٤٧ ، فلاحظ


ومن أجل أن نتلافى هذه المشكلة ، نقول :

إنّ أقسام القرآن على قِسمين :

الأوّل : ما نُطلِق عليه الحلف المُفرَد ، والمُراد منه : ما إذا حلف سبحانه بشيءٍ مُفرَد ، و لم يضمّ إليه حلفاً آخر ، سواء تكرَّر في سوَر أُخرى أم لا ، مثلاً : حلف بعُمْر النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحياته مرّةً واحدةً ولم يُقرِن به حلفاً آخر ، بخلاف لفظ الربِّ ، فقد حلف به مفرداً ، ولكنّه تكرّر في بعض السور

الثاني : ما نُطلِق عليه الحلف المُتعدِّد ، والمراد منه : ما إذا حلف سبحانه بأُمور مختلفة ، جمعها في آيةٍ واحدة أو آيتين ، وجعل للجميع جواباً واحداً ، كالحلف بالشمس والقمر إلى أن يصل إلى النفس الإنسانيّة

فنعقد لكلّ حلف مُفرَد فصلاً على حدة ، سواء تكرَّر بهذا النحو في سور أُخرى أم لا ، مُراعين في ذلك الأفضل فالأفضل ، فنُقدِّم الحلف باللّه والربِّ على حياة النبيِّ وعُمْره ، وهو على الملائكة

وأمّا الحلف المُتعدِّد ، فنعقد لكلّ سورة تضمّ ذلك الحلف فصلاً ، كما عقدنا لسورة الشمس فصلاً ، ولسورة الليل فصلاً آخر ، وإن تكرَّر فيه المحلوف فيه ، أعني ( الليل ) ، و بذلك يمتاز هذا المنهج عن سائر المناهج المذكورة ، ويجمع كافَّة محاسنها ، ويُصان عن المؤاخذات الّتي ربّما تُطرَح على المنهجَين الأخيرين

وأخذنا بتقسيم الكتاب إلى قِسمين ، وخصَّصنا القِسم الأوّل بالأحلاف المُفرَدة ، والثاني بالأحلاف المُتعدِّدة ، وإليك إجمال فصول القِسمين :


القِسْمُ الأوّل ، وفيه فصول :

الفصل الأوّل : القَسَم بلفظ الجلالة

الفصل الثاني : القَسَم بالربِّ

الفصل الثالث : القَسَم بعُمْرِ النبيِّ

الفصل الرابع : القَسَم بالقرآن الكريم

الفصل الخامس : القَسَم بالعصر

الفصل السادس : القَسَم بالنجم

الفصل السابع : القَسَم بمواقع النجوم

الفصل الثامن : القَسَم بالسماء ذات الحُبُك

القِسْمُ الثاني ، وفيه فصول :

الفصل الأوّل : القَسَم في سورة الصافّات

الفصل الثاني : القَسَم في سورة الذاريات

الفصل الثالث : القَسَم في سورة الطُور

الفصل الرابع : القَسَم في سورة القلم

الفصل الخامس : القَسَم في سورة الحاقّة

الفصل السادس : القَسَم في سورة المُدَّثِّر

الفصل السابع : القَسَم في سورة القيامة

الفصل الثامن : القَسَم في سورة المُرسَلات

الفصل التاسع : القَسَم في سورة النازعات

الفصل العاشر : القَسَم في سورة التكوير

الفصل الحادي عشر : القَسَم في سورة الانشقاق

الفصل الثاني عشر : القَسَم في سورة البروج

الفصل الثالث عشر : القَسَم في سورة الطارق


الفصل الرابع عشر : القَسَم في سورة الفجر

الفصل الخامس عشر : القَسَم في سورة البلد

الفصل السادس عشر : القَسَم في سورة الشمس

الفصل السابع عشر : القَسَم في سورة الليل

الفصل الثامن عشر : القَسَم في سورة الضحى

الفصل التاسع عشر : القَسَم في سورة التين

الفصل العشرون : القَسَم في سورة العاديات

القِسْم الأوّل : القَسَم المُفرَد

وفيه فصول :

الفصل الأوّل : القَسَمُ بلَفظِ الجَلالة

حلف سبحانه تبارك وتعالى بلفظ الجلالة مرّتين ، ضِمن آيتين من سورة النحل ، وهو أعظم قَسَم ورد في القرآن الكريم

قال سبحانه :

أ ـ( وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ) .(١)

ب ـ( تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .(٢)

تفسير الآية الأُولى :

دلّت الآية الأُولى على جهل المشركين ، حيث كانوا يجعلون نصيباً ممّا رزقوا للأصنام الّتي لا تضرّ ولا تنفع ، ويتقرَّبون بذلك إليها ، وقال سبحانه :( وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ )

ــــــــــــــــ

(١) النحل : ٥٦

(٢) النحل : ٦٣ .


وقد حكى سبحانه عملهم هذا في سورة الأنعام ، وقال :( وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) .(١) فالكفّار لأجل جهلهم بمبدأ الفيض ، كانوا يتقرّبون إلى الآلهة الكاذبة ـ أعني : الأصنام والأوثان ـ بتخصيص شيء ممّا رُزقوا لها ، مع أنّه سبحانه هو الأولى بالتقرّب لا غير ؛ لأنّه مبدأ الفيض ، و ما سواه مُمكن محتاج في وجوده وفعله ، فكيف يتقرَّبون إليه ؟!

والعجب أنّهم يجعلون نصيباً للّه ونصيباً لشركائه ، فما كان للّه فهو يصل إلى شركائهم ، وما كان لشركائهم لا يصل إلى اللّه سبحانه ! وقد حكاه سبحانه في سورة الأنعام وقال :( وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) .(٢)

وحاصل الآية : أنّهم كانوا يجعلون من الزرع والمواشي حظّاً للّه وحظاً للأوثان ، وقد أسماها سبحانه ( شركائهم ) ، لأنّهم جعلوا الأوثان شركاءهم ، حيث جعلوا لها نصيباً من أموالهم ينفقونه عليها ، فشاركوها في نعمهم

وقد ذكر المُفسّرون في تفسير قوله تعالى( فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ ) وجوهاً(٣) :

أوّلها : إنّهم كانوا يزرعون للّه زرعاً وللأصنام زرعاً ، فكان إذا زكا الزرع الّذي زرعوه للّه ، ولم يزك الزرع الّذي زرعوه للأصنام ، جعلوا بعضه للأصنام وصرفوه إليها ، ويقولون إنّ اللّه غنيّ والأصنام أحوج ، وإن زكا الزرع الّذي جعلوه للأصنام ولم يزكِ الزرع الّذي زرعوه للّه ، لم يجعلوا منه شيئاً للّه ، وقالوا : هو غني

وكانوا يُقسِّمون النِعم ، فيجعلون بعضه للّه وبعضه للأصنام ، فما كان للّه أطعموه الضيفان ، وما كان للصنم أنفقوه على الصنم ، وهذا هو المرويّ عن الزجّاج وغيره

ــــــــــــــــ

(١) الأنعام : ١٣٦

(٢) الأنعام : ١٣٦

(٣) لاحظ : مجمع البيان : ٢/٣٧٠


ثانيها : إنّه كان إذا اختلط ما جُعل للأصنام بما جُعل للّه تعالى ردّوه ، وإذا اختلط ما جعل للّه بما جُعل للأصنام تركوه ، وقالوا : اللّه أغنى ، وإذا تخرق الماء من الّذي للّه في الّذي للأصنام لم يسدُّوه ، وإذا تخرق من الّذي للأصنام في الّذي للّه سدُّوه ، وقالوا : اللّه أغنى عن ابن عبّاس وقُتادة ، وهو المروي عن أئمّتناعليهم‌السلام

وثالثها : إنّه كان إذا هلك ما جُعل للأصنام بدَّلوه بما جُعل للّه ، وإذا هلك ما جُعل للّه لم يبدّلوه بما جُعل للأصنام عن الحسن والسُدِّي .(١)

وفي الحقيقة أنّ هذا النوع من العمل ، أي : توزيع القربان بين اللّه والآلهة ، كان تزييناً من شركائهم ، وهم الشياطين أو سَدَنة الأصنام ، حيث زيَّنوا لهم هذا العمل وغيره من الأعمال القبيحة ، قال تعالى :( وَكَذَلِكَ زُيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ ـ أي : ليهلكوهم ـوَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) .(٢)

تفسير الآية الثانية :

يقول سبحانه :( تَاللّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزيَّنَ لَهُمُ الشَّيطان أَعمالَهُمْ ) فهؤلاء كفروا وضلّوا وكذّبوا الرُسل ، وقد زيّن الشيطان أعمالهم( فهو وليّهم اليوم ) ، أي : الشيطان الّذي زيَّن لهم أعمالهم ، فهو أيضاً يقوم بنفس هذا العمل ، فالوليّ واحد وإن كان المُتولَّى عليه مختلفاً ، وبالتالي إنّ الشيطان وليّهم اليوم في الدنيا ، يتولَّونه ويتَّبعون إغواءه( ولهم عذاب أليم )

ــــــــــــــــ

(١) مجمع البيان : ٢/٣٧٠

(٢) الأنعام : ١٣٧


إلى هنا انتهينا من تفسير الآيتين ، فلنذكر المُقسَم به ، وجواب القَسَم ، وما هي الصِلة بينهما

المُقْسَم به :

المُقسَم به في الآيتين هو لفظ الجلالة ، الّذي جاء ذكره في القرآن الكريم حوالي ٩٨٠ مرَّة

وقد ذهب غير واحد من أصحاب المعاجم إلى أنّ أصله ، ( إله ) ، فحُذفت همزته وأُدخل عليه الألف واللام ، فخصّ بالباري تعالى ، قال تعالى :( فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ) .(١)

ثُمّ إنّ ( إله ) إمّا من أَلَه يَألَه ، فهو الإله بمعنى المعبود ، أو من أَلِه ـ بالكسر ـ أي تحيّر ، لتَحيّر العقول في كُنهه

أقول : سيوافيك بأنّ الإله ليس بمعنى المعبود ، وأنّ مَن فسَّره به فقد فسَّره بلازم المعنى ، وعلى فرض ثبوته ، فلفظ الجلالة عَلَم بالغَلَبَة ، وليس فيه إشارة إلى هذه المعاني من العبادة والتحيّر ، وقد كان مستعملاً دائراً على الألسن قبل نزول القرآن ، تعرفه العرب في العصر الجاهلي ، يقول سبحانه:

ــــــــــــــــ

(١) مريم : ٦٥


  ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّه ) (١) ، فقد أشار بلفظ الجلالة إلى خالق السماوات والأرض دون تبادر مفهوم العبادة أو التحيّر منه

وممّا يدلّ على كونه عَلَماً : أنّه يُوصَف بالأسماء الحُسنى وسائر أفعاله المأخوذة من تلك الأسماء من دون عكس ، فيُقال : اللّه الرحمن الرحيم ، أو يُقال : عِلمُ اللّه ورِزقُ اللّه ، ولا يقع لفظ الجلالة صفة لشيء منها ، ولا يُؤخَذ منه ما يُوصَف به شيء منها ، وهذا يدلّ على أنّه عَلَم وليس بوَصْف ، فيكون اسماً للذات الواجبة الوجود ، المُستجمِعة لجميع صفات الكمال

ولهذا اللفظ في جميع الألسنة معادل ، كلفظة ( خدا ) في لُغة الفُرْس ، و( god ) في لغة الإفرنج ، و ( تاري ) في لغة الترك .(٢)

جواب القَسَم :

أمّا جواب القَسَم في الآية الأُولى فهو عبارة عن قوله :( لتُسئلنّ عمّا كنتم تفترون )

كما أنّ جوابه في الآية الثانية هو قوله :( لَقَدْ أرْسلنا إِلى أُمَمٍ من قَبْلك )

فقد أقسَمَ سبحانه في هاتين الآيتين بلفظ الجلالة لغاية التأكيد على أمرين :

أ ـ أنّهم مسؤولون يوم القيامة عن افترائهم الكذب

ب ـ أنّّه سبحانه لم يترك الخلق سُدى ، بل أرسل إليهم رُسلاً ، لكن الشيطان حال بينهم و بين أُمَمهم ، وتشهد على ذلك سيرة عاد و ثمود ، بل اليهود والنصارى والمجوس

ــــــــــــــــ

(١) الزخرف : ٨٧

(٢) انظر : الميزان : ١/١٨


ما هي الصلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه ؟

هذا هو المُهمّ في أقسام القرآن ، وقد أُهمل في كثير من التفاسير ، ويمكن أن يُقال :

أمّا الآية الأُولى : فالقَسَم بلفظ الجلالة لأجل أنّ المشركين كانوا يجعلون للّه نصيباً ممّا زرعوا من الحرث والأنعام ، وكانوا يقولون : هذا للّه ، فناسب أن يُقسِم به ؛ لأجل أنّه افتراء عظيم

وأمّا الآية الثانية : فلأنّه جاء في ذيل جواب القَسَم ولاية الشيطان ، كما قال :( فهو وليّهم اليوم ) ، وبما أنّ الولاية للّه سبحانه ، كما قال تعالى :( هنالِكَ الولايةُ للّهِ الحقِّ ) (١) ، ناسبَ الحلف باللّه ، الّذي هو الوليّ دونَ الشيطان ، كما عليه المشركون

ــــــــــــــــ

(١) الكهف : ٤٤


الفصل الثاني : القَسَمُ بالرَبِّ

أقسَمَ سبحانه بلفظ ( رَبّ ) بصُورٍ مختلفة :

تارةً حلف به بلفظ ( فلا وربّك )

وأُخرى حلف به مقروناً بلفظ ( لا ) وقال : ( فلا أُقسم )

وثالثة حلف به بلفظ ( فوَرَبّك )

ورابعة بلفظ ( بلى ورَبِّـي )

وخامسة بلفظ ( إي ورَبِّي )

وسادسة بلفظ ( فو رَبِّ السماء والأرض )

وعلى أيّة حال ، فالمُقسَم به هو الرَبّ ، وإليك الآيات :

١ ـ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) .(١)

٢ ـ( فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِب إِنّا لَقادِرُونَ * عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحنُ بِمَسْبُوقينَ ) .(٢)

٣ ـ( فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطين ) .(٣)

ــــــــــــــــ

(١) النساء : ٦٥

(٢) المعارج : ٤٠ ـ ٤١

(٣) مريم : ٦٨


٤ ـ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُون ) .(١)

٥ ـ( وَقالَ الَّذينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَربّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِم الْغَيب ) .(٢)

٦ ـ( زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بلى وَربّي لَتُبعثُنّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤَنَّ بما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلى اللّهِ يَسير ) .(٣)

٧ ـ( وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إي وَرَبّي انّهُ لحقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزين ) (٤)

٨ ـ( فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرض إنّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنّكُمْ تَنْطِقُون ) (٥)

تفسير الآيات :

تُشير الآية الأُولى إلى مَقامٍ من مقامات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّ له ـ حسب ما دلّ عليه الكتاب و السُنّة في إدارة رحى المُجتمع ـ مقامات ثلاثة :

أ ـ السياسية وتدبير الأُمور : يقول سبحانه :( الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ) (٦) ، ويقول في حقِّ النبي خاصّة :( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) (٧) ، وليس الأولى بالمؤمنين من أنفسهم ـ فضلاً عن أموالهم ـ غير السائس الحاكم العامّ

ــــــــــــــــ

(١) الحجر : ٩٢ـ ٩٣

(٢) سبأ : ٣

(٣) التغابن : ٧

(٤) يونس : ٥٣

(٥) الذاريات : ٢٣

(٦) الحجّ : ٤١

(٧) الأحزاب : ٦


ب ـ القضاءُ وفضُّ الخصومات : يقول سبحانه في حقّ داود :( يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) (١) ، وفي حقّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله :( َإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) .(٢)

ج ـ الإفتاء وبيان الأحكام : يقول سبحانه :( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَة ) .(٣)

وقد كان الرسول ـ بنصِّ هذه الآيات ـ جامعاً لهذه المقامات الثلاثة ، فكان سائساً وحاكماً ، وقاضياً وفاضّاً للخصومات ، ومُفتياً ومُبيّناً للأحكام

ومن الواضح بمكان أنّ فضّ الخصومات لا يتحقَّق إلاّ بقضاء قاض مُطاع رأيه ونافذ فَصْله ، وقد كان بعض المُنتمين إلى الإسلام لم يُعيروا أهمِّيّة لقضائه ، فنزلت الآية تأمر أوّلاً بإطاعته وأنّ كلّ رسول واجب الطاعة ، يقول سبحانه :( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاع بِإِذْنِ اللّه ) .(٤)

ثُمّ تُشير الآية التالية إلى أنّ الإيمان لا يكتمل إلاّ بالانصياع ، والتسليم القلبي لما يقضي به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فمَن شهد الشهادتين وأذعن بهما ، ومع ذلك يجد في نفسه حرجاً في قضاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمْره ، فليس بمؤمن ، يقول سبحانه :( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) .(٥)

ــــــــــــــــ

(١) ص : ٢٦

(٢) المائدة : ٤٢

(٣) النساء : ١٧٦

(٤) النساء : ٦٤

(٥) النساء : ٦٥


فالآية تدلّ على أنّ الإيمان لا يكتمل بنفس الإذعان واليقين بالتوحيد والرسالة ، ما لم ينضمّ إليهالتسليم القلبي ؛ ولذلك ترى أنّ أمير المؤمنين عليّاً عليه‌السلام يصف الإسلام بالنحو التالي ويقول : ( لأَنْسُبَنَّ الإِسْلامَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسُبْهَا أَحَدٌ قَبْلِي ، الإِسْلامُ هُوَ التَّسْلِيمُ ) . (١)

وتُشير الآية الثانية إلى أنّه سبحانه قادر على أن يُهلك المشركين ويأتي بقوم آخرين( خيراً منهم ) ، من دون أن يكون مغلوباً ، قال :( فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِب إِنّا لَقادِرُونَ * عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحنُ بِمَسْبُوقينَ )

فجواب القَسَم قوله( إِنّا لَقادِرُون ) ، وقوله( وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقين ) عطف على جواب القَسَم ، والمُراد بالسبقِ الغَلَبَة ، أي : وما نحن بمَغلوبين ، ويُمكن أن يكون السبق بمعناه ، والمراد : وما نحن بمَسبوقين بفوت عقابنا إيّاهم ، فإنّهم لو سبقوا عقابنا لسبقونا

والتعبير بالمشارق والمغارب لأجل أنّ للشمس في كلِّ يوم من أيّام السنة الشمسيّة مشرقاً ومغرباً ، لا تعود إليهما إلى مثل اليوم من السنة القابلة ، كما أنّه من المحتمل أن يكون المراد بها مشارق جميع النجوم ومغاربها

ومن عجيب الأمر أنّ في الآية على قِصرها وجوهاً من الالتفات

ففي قوله :( فلا أُقْسِم ) التفات من التكلُّم مع الغير الوارد في قوله :( إِنّا خَلَقْناكُمْ ) إلى التكلُّم وحده ، والوجه فيه تأكيد القَسَم بإسناده إلى اللّه نفسه

وفي قوله : ( بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِب ) التفات من التكلّم وحده ، إلى الغَيبَة ، و الوجه فيه الإشارة إلى صفة من صفاته تعالى ، هي المبدأ في خلق الناس جيلاً بعد جيل ، وهي ربوبيَّته للمشارق و المغارب ؛ فانّ الشروق بعد الشروق والغروب بعد الغروب ، يلازم مرور الزمان الّذي له مدخليّه تامّة في تكوّن الإنسان جيلاً بعد جيل ، وسائر الحوادث العَرَضيّة المُقارنة له

ــــــــــــــــ

(١) نهج البلاغة : قسم الحِكم ، الحكمة ١٢٥


وفي قوله :( إِنّا لَقادِرُون ) التفات(١) من الغَيبَة إلى التكلُّم مع الغير ، والوجه فيه الإشارة إلى العظمة المناسبة لذكرِ القدرة ، وفي ذكر ربوبيّته للمشارق والمغارب إشارة إلى تعليل القدرة ، وهو أنّ الّذي ينتهي إليه تدبير الحوادث في تكوّنها ، لا يعجّزه شيء من الحوادث ـ الّتي هي أفعاله ـ عن شيء منها ، ولا يمنعه شيء من خلقه من أن يُبدله بخير منه ، وإلاّ شاركه المانع في أمر التدبير ، واللّه سبحانه لا شريك له في أمر التدبير .(٢)

وأمّا الآية الثالثة : فلمّا ذكر سبحانه الوَعد والوعيد والبعث والنشور ، أردفه بقول مُنكِر البعث ، وردَّ عليهم بأوضح بيان وأجلى برهان ، وقال :( أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ) (٣) ، والمراد أولا يذكر أنّ النشأة الأُولى دليل على إمكان النشأة الثانية ؟! ثُمّ أكَّده بقوله :( فوَرَبّك ) يا محمد( لنَحشِرنّهم والشياطين ) ، أي : لنَجمَعنَّهم ولنَبْعثنّهم من قبورهم مُقرَنين بأوليائهم من الشياطين

وأمّا الآية الرابعة : فسياق الآية يُندِّد بالمُقْتَسمين ، ويقول : ( كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمين ) (٤) ، ثُمّ يصفهم بقوله : ( الّذِينَ جَعَلُوا الْقُرآنَ عِضِين ) (٥) ، والعِضِين جمع عِضَة ، والتَعْضية التفريق ، فهم الّذين جزّؤوا القرآن أجزاء ، فقالوا تارةً : سِحْر ، وأُخرى : أساطير الأوَّلين ، وثالثة : مُفترى ، وبذلك صدّوا الناس عن الدخول في دين اللّه ، وعلى ذلك يكون المراد من المُقتسمين هم : كُفّار قريش

ــــــــــــــــ

(١) الالتفات في علم البيان عبارة عن : الانتقال من الغَيْبَة إلى الخطاب ، ومن الخطاب إلى الغَيْبَة ، ومن الغَيْبَة إلى التكلّم ، كما في قوله سبحانه :( مالِكِ يَوم الدِّين * إِيّاكَ نَعْبُد ) ، وقوله سبحانه :( حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم ) ، وقوله سبحانه :( وَاللّهُ الّذي أَرسلَ الرياح فتثير سَحاباً فَسُقْناهُ ) ففي الآية الأُولى عدول من الغيبة إلى الخطاب ، وفي الثانية من الخطاب إلى الغيبة ، وفي الثالثة من الغيبة إلى التكلّم .

(٢) الميزان : ٢٠/٢٢

(٣) مريم : ٦٧

(٤) الحجر : ٩١

(٥) الحجر : ٩٠


ويحتمل أن يكون المراد هم اليهود والنصارى ، الّذين فرّقوا القرآن أجزاءً وأبعاضاً ، وقالوا : نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعض

وعلى أيّة حال ، الّذين كانوا بصدَد إطفاء نور القرآن بتبعيضه أبعاض ؛ ليصدُّوا عن سبيل اللّه ، فهؤلاء هم المقصودون ، ثُمّ حلف سبحانه وقال :( فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعين َ* عَمّا كانُوا يَعْمَلُون ) من تبعيض القرآن و صدِّ الناس عن الإيمان به

وأمّا الآية الخامسة : فتَذكُر إنكار المشركين لإتيان الساعة ويوم القيامة ، وهم ينكرونه مع ظهور عموم مُلكه سبحانه ، وعلمه بكلّ شيء

وقد كان سبب إنكارهم هو زَعمهم أنّ الإنسانَ يبلى جسده بعد الموت ، وتختلط أجزاؤه بأجزاء أبدان أُخرى ، على نحوٍ لا تتميَّز ، فكيف يمكن إعادته ؟!

فأجاب سبحانه في الآية مُشيراً إلى علمه الواسع ، ويقول :( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) .(١)

فقوله :( لا تَأْتِينَا السّاعَة ) حكاية لقول المشركين

وقوله :( قل بلى وربّي ) أمر للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن يُجيبهم بأنّ إتيان الساعة أمر قطعي

وأمّا ما تُشكّكون به من اختلاط أجزاء الأموات بعضها ببعض ، فهو أمر سهل أمام سِعَة علمه سبحانه بالغيب ، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، فهو يعلم بذرَّات بدن كلّ إنسان ويُميِّزه عن غيره ، ومع علمه سبحانه فالأجزاء ثابتة في كتاب مبين ، لا تتغيَّر ولا تتبدَّل

ــــــــــــــــ

(١) سبأ : ٣


وأمّا الآية السادسة : يقول سبحانه :( زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) .(١)

تُشير الآية إلى إنكار الوَثنيِّين ، الّذين كانوا ينكرون البَعْث ، فأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالإجابة على إنكارهم بإثبات ما نَفَوه من الكلام مقروناً بأصناف التأكيد بالقَسَم واللام والنون ، وقال :( وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ )

وأشار في ذيل الآية إلى أنّ البعث أمر يسير عليه تعالى ، وأنّ ما طرحوه من شبهات حول البعث فهي ـ في الواقع ـ شبهات لا تصمد أمام قدرة اللّه وعلمه الواسع

وأمّا الآية السابعة : أعني قوله سبحانه :( وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إي وَرَبّي إنّهُ لحَقّ وما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِين ) .(٢)

سياق الآية يوحي إلى أنّ المشركين كانوا يستخبرون النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن نزول العذاب أو وقوع البعث ، فأمره سبحانه بأن يُجيب مؤكداً ، فقال :( قلْ إي ورَبِّي إنّه لحَقّ ) ، وقد أكَّد الكلام بالقَسَم والجملة الاسميّة ، و( إنّ ) المُشبَّهة ، و( اللام ) ، ثُمّ أشار إلى أنّ الكافرين لا يعجزونه سبحانه عمّا أراد ، وقال :( وَما أَنْتُمْ بِمُعجِزين ) ، وفي سورة المعارج قال مكانه :( وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقين )

ــــــــــــــــ

(١) التغابن : ٧

(٢) يونس : ٥٣


وأمّا الآية الثامنة :( فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ) .(١)

فالضمير في قوله : ( إنّه ) يعود إلى الرِزق والوَعد ، الواردين في الآية المُتقدِّمة ، قال سبحانه :( وَفِي السَّماءِ رِزْقكُمْ وَما تُوعَدُون ) والمراد من الوعد هو الجنَّة

ثُمّ أشار( إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ) ، وكما أنّ العِلم بهذا الأمر ـ أي : النطق ـ أمر ملموس لا شُبهة فيه ، فهكذا الرِزق والوعد ، من قَبيل تشبيه المعقول بالمحسوس

حكى الزمخشَري عن الأصمعي قال : أقبلتُ من جامع البصرةِ فطلع أعرابي على قعود له ، فقال : ممَّن الرجل ؟ قلتُ : من بني أصمع ، قال : من أين أقبلتَ ؟ قلتُ : من موضع يُتلَى فيه كلام الرحمان ، فقال : اتل عليَّ ، فتلوتُ ( والذاريات ) ، فلمّا بلغتُ قوله :( وَفِي السَّماءِ رزْقكُمْ ) قال : حَسْبُك ، فقام إلى ناقته فنحرها ووَزَّعها على مَن أقبلَ وأدبَر ، وعمدَ إلى سيفه وقوسه فكسرهما ووَلَّى

فلمّا حَجَجتُ مع الرشيد ، طَفََقْتُ أطوف ، فإذا أنا بمَن يهتف بي بصوت رقيق ، فالتفتُّ فإذا أنا بالإعرابي قد نحلَ واصفرّ ، فسلّم عليَّ و استقرأ السورة ، فلمّا بلغتُ الآية ، صاح وقال : قد وجدنا ما وعدنا ربُّنا حقّاً ، ثُمّ قال : وهل غير هذا ؟ فقرأتُ :( فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ) ، فصاح وقال : يا سبحان اللّه ، مَن ذا الّذي أغضب الجليل حتى حلف ، لم يصدِّقوه بقوله حتى ألجَؤوه إلى اليمين ! قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه .(٢)

إلى هنا تمَّ تفسير الآيات الّتي أقسَمَ فيها سبحانه بربوبيّته ، وإليك الكلام في المُقسَمِ به ، والمُقَسمِ عليه

ــــــــــــــــ

(١) الذاريات : ٢٣

(٢) الكشّاف : ٣/١٦٩ .


المُقسَمُ به :

إنّ المُقسَم به في هذه الآيات الثمان هو الرَبّ ، والربّ أصله من رَببَ ، يقول صاحب القاموس : رَبُّ كلّ شيء مالِكه ومُستحقّه وصاحبُه ، يُقال : رَبّ الأمر أصلحه

يقول ابن فارس : الرَبُّ ، المالِك ، الخالق ، الصاحب ، و الرَبّ المُصلح للشيء ، يقال : رَبَّ فلان ضيعته ، إذا قام على إصلاحها

والرَبُّ المُصلِح للشيء ، واللّه (جلَّ ثناؤه) الرَبُّ ؛ لأنّه مُصلِح أحوال خَلقِه ، والرابُّ : الّذي يقوم على أمر الرَبيب

هذه الكلمات ونظائرها مبثوثة في كتب القواميس واللغة ، وهي ظاهرة في أنّ للرَبِّ معاني مختلفة ، حتى أنّ الكاتب المودودي تصوّر أنّ لهذه اللفظة خمسة معانٍ ، وذكر لكلِّ معنى من المعاني الخمسة شواهد من القرآن

ولكن الحقّ أنّه ليس لتلك اللفظة إلاّ معنى واحد ، والجميع مصاديق متعدِّدة لهذا المعنى ، أو صوَر مُبسَّطة للمعنى الواحد ، وإليك هذه الموارد والمصاديق :

١ ـ التربية : مثل رَبُّ الولد ، رَبَّاه

٢ ـ الإصلاح والرعاية : مثل رَبّ الضيعة

٣ ـ الحكومة والسياسة : مثل فلان قد رَبّ قومه ، أي ساسَهم وجعلهم ينقادون له

٤ ـ المالِك : كما جاء في الخبر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أرَبّ غنمٍ أم رَبّ إبل ؟

٥ ـ الصاحب : مثل قوله : رَبُّ الدار ، أو كما يقول القرآن الكريم :( فَلْيَعْبُدُوا رَبّ هَذا الْبَيْت ) .(١)

لا ريب أنّ هذه اللفظة قد استُعملت في هذه الموارد ، ولكن جميعها ترجع إلى أصل واحد وهو : مَن فُوِّض إليه أمر الشيء المربوب ، فلو قيل لصاحب الدار ومالكها : رَبُّ الدار ، فلأنّ أمرها مفوَّض إليه ، ولو أطلق على المُصلِح و السائس ، فلأنّ بيد هؤلاء أمر التدبير والإدارة والتصرّف

ــــــــــــــــ

(١) قريش : ٣


فلو قال يوسف في حقِّ عزيز مصر :( إِنَّهُ رَبِّي أَحسَنَ مَثْواي ) (١) ، فلأجل أنّ يوسف نشأ في أحضانه وقام بشؤونه ، ولو وصف القرآن اليهودَ والنصارى بأنّهم اتّخذوا أحبارهم أرباباً ، وقال :( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ ) (٢) ، فلأجل أنّهم تسلّموا زمام سلطة التشريع ، وتصرّفوا في الأموال والأعراض كيفما شاءُوا

إنّه سبحانه وصف نفسه بقوله :( ربُّ السَّماواتِ والأرض ) (٣) ، وقال أيضاً :( رَبُّ الشِعرى ) (٤) ، كلّ ذلك لأنّه تعالى مُدبِّرها ومديرها ، ومُصلِح شؤونها والقائم عليها

وهذا البيان يكشف النقاب عن المعنى الحقيقي للرَبِّ ، وهو المعنى الجامع بين هذه الموارد ، أعني : مَن فُوِّض إليه أمر الشيء من حيث الخلق و التدبير والتربية ، وبذلك يُعلَم ما في كلام ابن فارس من تفسيره بالخالق ، فإنّه خلطَ بين المعنى ولازمه ، فالخالق ليس من معاني الرَبّ

نعم ، خالق كلّ شيء يُعدّ مُربِّياً ومُدبِّراً

وثَمَّة نكتة جديرة بالاهتمام ، وهي : أنّ الوهابيِّين قسَّموا التوحيد إلى ( التوحيد في الربوبيَّة ) و ( التوحيد في الإلوهيّة ) ، وفسَّروا الأوّل بالتوحيد في الخالقيّة ، بمعنى الاعتقاد بأنّ للكون خالقاً واحداً ، و فسَّروا الثاني بالتوحيد في العبادة ، بمعنى أنّه ليس في الكون إلاّ معبودٌ واحدٌ

ولكنّهم أخطأوا في كلا الاصطلاحين

ــــــــــــــــ

(١) يوسف : ٢٣

(٢) التوبة : ٣١

(٣) الرعد : ١٦

(٤) النجم : ٤٩


أمّا الأوّل : فلأنّ التوحيد في الربوبيَّة غير التوحيد في الخالقيّة ؛ فانّ الخالقية شيء ، والتدبير والإصلاح شيء آخر ، واللّه سبحانه وإن كان خالقاً ومُدبِّراً ، لكنّه لا يكون دليلاً على وحدة المفهومَين في الخارج

فالعرب في عصر الجاهليّة كانوا مُوحّدين في الخالقية ، وكان منطِق الجميع ما حكاه سبحانه بقوله :( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلقَ السَّماواتِ والأَرْض ليقُولُنَّ خَلَقَهُنّ َالْعَزِيزُ العَلِيم ) .(١)

وفي الوقت نفسه ، لم يكونوا موحِّدين في الربوبيَّة ، يقول سبحانه :( وَاتَّخذوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً ) (٢) ، فكانوا يعتقدون بأنّ العِزّة والتدبير من شؤون المُدبِّر ، قال سبحانه :( واتَّخذوا مِنْ دُونِ اللّه آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُون ) (٣) ، فكانوا يَرون أنّ النصر بيد الآلهة ، خلافاً للموحِّد في أمر التدبير ، فهو يرى أنّ العزَّةَ والنصر بيد اللّه سبحانه ، قال تعالى :( فَلِلّهِ العِزَّةُ جَميعاً ) (٤) ، وقال تعالى :( وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ الْعَزيز الْحَكيم ) (٥) ، إلى غير ذلك من الآيات الحاكية عن توغّلهم في الشركِ في أمر التدبير

ــــــــــــــــ

(١) الزخرف : ٩

(٢) مريم : ٨١

(٣) يس : ٧٤

(٤) فاطر : ١٠

(٥) آل عمران : ١٢٦


وأمّا الثاني : فلأنّ التوحيد في الأُلوهيّة غير العبادة ، فهو مبنيّ على أنّ الإله بمعنى المعبود ، والعبادة من لوازم الإله

ولكنّه بعيد عن الصواب ؛ لأنّ ما يتبادر من لفظ الجلالة هو المُتبادَر من لفظ الإله ، غير أنّ الأوّل جزئي موضوع لفرد واحد ، والثاني كُلّي وإن لم يوجد له مصداق آخر

والّذي يدلّ على أنّ الإله ليس بمعنى المعبود ، هو أنّه ربّما يُستعمَل لفظ الجلالة مكان الإله على وجه الكُلّيّة والوَصفيّة ، دون العلميّة ، فيصحّ وضع أحدهما مكان الآخر ، كما في قوله سبحانه :( وَهُوَ اللّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُون ) .(١)

فإنّ وِزانَ هذه الآية وِزان ، قوله سبحانه :

( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وِفِي الأرضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكيمُ الْعَليم ) .(٢)

( وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ) .(٣)

( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) .(٤)

ولا يخفى أنّ لفظ الجلالة في هذه الموارد وما يُشابهها يُراد منه ما يُرادِف الإله على وجه الكلّيّة ، أي ما معناه : ( أنّه هو الإله الّذي يتَّصف بكذا وكذا )

ــــــــــــــــ

(١) الأنعام : ٣

(٢) الزخرف : ٨٤

(٣) النساء : ١٧١

(٤) الحشر : ٢٣ـ ٢٤


ويَقربُ من الآية الأُولى قوله سبحانه :( قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيّاً ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الْحُسْنى ) .(١)

فإنّ جعْل لفظ الجلالة في عداد سائر الأسماء ، والأمر بدعوة أيٍّ منها ، ربّما يُشعِر بخلوِّه عن معنى العَلَميّة ، وتضمّنه معنى الوصفيّة الموجودة في لفظ ( الإله ) وغيره ، ومثله قوله سبحانه :( هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى ) .(٢)

فلا يبعد في هاتين الآيتين أن يكون لفظ الجلالة ملحوظاً على وجه الكلّية لا العَلَمية الجزئيّة ، كما هو الظاهر لمَن أمعن فيها

المُقْسَمُ عليه :

إنّ المُقسَم عليه عبارة عن جواب القَسَم ، وهو في تلك الآيات كالتالي :

أ ـ الدعوة إلى تحكيم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتسليم أمام قضائه:( لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ )

ب ـ التأكيد على قدرته سبحانه على أن يأتي بخير منهم :( إنّا لَقادِرُون عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً )

ج ـ التأكيد على حشرِهم وحشرِ الشياطين :( لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطين )

د ـ التأكيد على أنّهم مسؤولون يوم القيامة عن أعمالهم :( لنسئَلنَّهم أَجْمَعين )

هـ ـ التأكيد على إتيان الساعة :( لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالم الغَيب )

و ـ التأكيد على بعثِهم وآبائهم :( لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ )

ز ـ التأكيد على وقوع البعث :( إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ )

ح : التأكيد على أنّ أمر الرزق وما توعدون من الجزاء حقّ :( إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ )

ــــــــــــــــ

(١) الإسراء : ١١٠

(٢) الحشر : ٢٤


الصِلَة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه :

الصِلَة بينهما واضحة ، فإنّ المُقسَم عليه في هذه الآيات كان يدور حول أحد أمرين :

أ ـ الدعوة إلى التحكيم إلى النبي ، والتسليم أمام قضائه

ب : كون البعث والحشر والسؤال عن الأعمال أمراً حقّاً

ومن الواضح أنّ كلا الأمرين من شؤون الربوبيَّة ؛ فإنّ الرَبَّ إذا كان سائساً ومُدبِّراً فهو أعلم بصلاح المُدبّر ، فيجب أن يكون مُسلِّماً لأمرِ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونهيِه

كما أنّ حياة المربوب من شؤون الرَبّ ، دون فرق بين آجله وعاجله ، فناسب الحلف بالرَبّ عند الدعوة إلى الحشر والنشر

وبعبارة أُخرى : كان المشركون ينكرون التسليم أمام أمره ونهيه ، كما كانوا ينكرون البَعث والنَشر ، ولمّا كان الجميع من شؤون الربوبيّة حلف بالرَبِّ تأكيداً لربوبيّته

ثُمّ أنّ المُقسَم به ـ فيما مضى من الآيات ـ هو لفظ الجلالة أو لفظ الرَبّ ، المُشيرين إلى الواجب الجامع لجميع صفات الكمال والجمال

وثَمَّة آيات ربّما يُستظهَر منها أنّ المُقسَم به هو سبحانه تبارك وتعالى ، لكن بلفظٍ مُبهَم كـ ( ما ) الموصولة ، وقد جاء في آيات أربع :

١ ـ( وَالسَّماءِ وَما بَناها )

٢ ـ( والأرْضِ وما طَحيها )


٣ ـ( وَنَفْسٍ وَما سَوّاها ) .(١)

٤ ـ( وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنثى ) .(٢)

وقد اختلفت كلمة المفسّرين في تفسير لفظة ( ما ) ، فالأكثرون على أنّها ( ما ) موصولة ، كناية عن اللّه سبحانه ، وكأنّه سبحانه يقول : ( والسماء والّذي بناها ، والأرض والّذي طحاها ، ونفس والّذي سوّاها ) والواو للقَسَم

وهناك مَن يذهب إلى أنّها ( ما ) مصدريّة ، وكأنّه يقول : ( أُقسِم بالسماء وبنائها ، والأرضِ وطحائها ، والنفس وتسويتِها )

ولكنّ الرأي الأوّل هو الأقرب ؛ لاَنّ سياق الآية يؤيّد ذلك ، لأنّه سبحانه يقول :( فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ) (٣) ، فالفاعل هو الضمير المُستَتِر الراجع إلى ( ما ) الموصولة الواردة في الآيات الثلاث المتقدّمة ، والّذي يصلح للفاعليّة هو الموصول من ( ما ) ، لا المصدر وسيوافيك تفصيل ذلك عند البحث عن الحلفِ بما ورد في هذه الآيات

ــــــــــــــــ

(١) الشمس : ٥ـ٧

(٢) الليل : ٣

(٣) الشمس : ٨


الفصل الثالث : القَسَمُ بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

حلف القرآن الكريم بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرَّتين ، فتارة بعُمْره وحياته ، وأُخرى بوَصفه وكونه شاهداً ويقع البحث في مقامين :

المقام الأوّل : الحلف بعُمْر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

حلفَ سبحانه بحياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّة واحدة ، وقال حينما عرضَ قصّة لوط :( قَالَ هَؤُلاء بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ) .(١)

تفسير الآيات :

أخبر سبحانه في هذه السورة أنّ الملائكة لمّا خرجوا من عند إبراهيم ، أتوا لوطاً يبشِّرونه بهلاكِ قومه ، ولمّا حلّوا ضيوفاً عند لوط ، فرحَ الفُجّار بورودهم ، فقال لهم لوط مُشيراً إلى بناته : ( إنّ هؤلاء بناتي ) فتزوجوهنّ ( إن كنتم فاعلين ) وكانت لكم رغبة في التزويج ، ولكنّ قوم لوط أعرضوا عمّا اقترح عليهم نبيّهم لوط ، وكانوا مُصرّين على الفجور بهم ، غافلين عن أنّ العذاب سيُصيبهم ، واللّه سبحانه يحلف بحياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويقول :( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) ، فلا يُبصرون طريق الرشد( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ ) أي : الصوت الهائل ،( مُشرِقين ) أي : في حال شروق الشمس

ــــــــــــــــ

(١) الحجر : ٧١ـ ٧٣


المُقسَم به :

المُقسَم به هو عبارة عن العُمْر ، أعني في قوله : ( لعَمْرك ) يقول الراغب : العَمْر والعُمْر اسم لمدّة عمارة البدن بالحياة ، فإذا قيل طال عُمْره ، فمعناه عمارة بدنه بروحه ، إلى أن قال : والعَمْر والعُمْر واحد ، لكن خُصَّ القَسَم بالعَمْر دون العُمْر ، كقوله سبحانه :( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ )

وأمّا العُمْر ، فكما في قوله سبحانه : ( فطالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُر ) ، وفي آية أُخرى : ( لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُركَ سِنين )

فاللفظان بمعنى واحد ، لكن يختصّ القَسَم بواحد منهما .(١)

المُقسَم عليه :

هو قوله :( إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) ، والمُراد : أُقسم بحياتك وبقائك يا محمد ، إنّهم لفي سكرتهم وانغمارهم في الفحشاء والمُنكَر متحيِّرين لا يُبصرون طريق الرشد

وأمّا الصِلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه :

قال ابن عبّاس : ما خلق اللّه (عزَّ وجلّ) وما ذرَأ ولا برَأ نفساً أكرم عليه من محمد ، وما سمعتُ اللّه أقسمَ بحياة أحد إلاّ بحياته ، فقال لعَمْرك .(٢)

وجه الصِلة أنّه سبحانه بعث الأنبياء عامّة ، والنبيّ الخاتم خاصّة ؛ لهداية الناس وإنقاذهم من الضلالة ، وإيقاظهم من السكرة الّتي تعمُّ الناس ، وبما أنّ القوم كانوا في سكرتهم يعمهون ، وفي ضلالتهم مستمرّون ، حلف سبحانه تبارك وتعالى بعُمْر النبيّ الّذي هو مصباح الهداية ، والدليل إلى الصراط المستقيم

ــــــــــــــــ

(١) المفردات : ٣٤٧ ، مادّة عَمَرَ

(٢) مجمع البيان : ٣/٣٤٢


المقام الثاني : الحلف بوَصف النبي وأنّه شاهد :

حلف القرآن الكريم في سورة البروج بالشاهد والمشهود ، وقال :( وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُروج * وَالْيَومِ المَوعُودِ * وشاهدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصحابُ الأُخدُود ) .(١)

أمّا المشهود ، فسيوافيك في فصل القَسَم في سورة القيامة أنّ المراد منه يوم القيامة ، بشهادة قوله سبحانه :( ذلِكَ يَومٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاس وَذلِكَ يَومٌ مَشْهُود ) .(٢)

إنّما الكلام في الشاهد ، فالمراد منه هو : النبي الخاتمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بشهادة أنّه سبحانه وصفَه بهذا الوصف ثلاث مرّات ، وقال :

( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ) .(٣)

( إنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ ) .(٤)

( إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ) .(٥)

ــــــــــــــــ

(١) البروج : ١ـ٤

(٢) هود : ١٠٣

(٣) الأحزاب : ٤٥

(٤) المُزَّمّل : ١٥

(٥) الفتح : ٨


والآيات صريحة في حقّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي بعض الآيات عرَّفه بأنّه ( شهيداً ) ، ويقول :( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وَيَكونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) .(١)

( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ ) .(٢)

هذه الآيات تُعرب عن أنّ المُقسَم به هو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بما أنّه شاهِد على أعمال أُمّته ، وشهيداً عليها

سُئل الحسن بن عليعليهما‌السلام عن معنى الشاهد والمشهود في قوله سبحانه :( وشاهدٍ وَمَشْهُود ) ، فقال :( أمّا الشاهد فمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأمّا المشهود فيوم القيامة ، أما سمعته يقول : ( إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذيراً ) وقال تعالى : ( ذلِكَ يَومٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاس وَذلِكَ يَومٌ مَشْهُود ) ؟! ) .(٣)

معنى الشهادة وكيفيَّة شهادة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

أمّا الشهادة ، فقد فسَّرها الراغب وقال : الشهود والشهادة : الحضور مع المشاهدة ، إمّا بالبصر أو بالبصيرة ، وقد يُقال للحضور مُفرداً ، وقد نقل القرآن شهادة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على قومه يوم القيامة ، فقال :( يا رَبّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرآنَ مَهْجُوراً ) .(٤)

ــــــــــــــــ

(١) البقرة : ١٤٣

(٢) النحل : ٨٩

(٣) البحار : ١/١٣

(٤) الفرقان : ٣٠


هذه حقيقة قرآنيّة في حقّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغيره ، ولا يمكن إنكارها ؛ للتصريح بها في غير واحد من الآيات ، قال تعالى :

( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمّةٍ بِشَهيدٍ وَجِئْنا بِكَ على هؤُلاءِ شَهيداً ) .(١)

وقال تعالى :( وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُون ) .(٢)

وقال عزَّ اسمُه :( وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداء ) .(٣)

والشهادة فيها مُطلَقة ، وظاهر الجميع ـ على إطلاقها ـ هو الشهادة على أعمال الأُمَم ، وعلى تبليغ الرُسل كما يومئ إليه ، قوله تعالى :( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرسَلين ) .(٤)

وظَرف الشهادة وإن كان هو الآخرة ، لكنّ الشهداء يتحمّلوها في الدنيا قال سبحانه :( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد ) .(٥)

وعلى ضوء ذلك يُثار هذا السؤال في الذهن ، وهو :

إنّ الشهادة من الحضور ، ولم يكن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ظاهراً مع جميع الأُمّة ، بل كان بمَعزلٍ عنهم إلاّ شيئاً لا يُذكَر ، فكيف يشهد وهو لم يحضر الواقعة ، أي أفعال أُمّته قاطبة ؟!

وهناك إشكال آخر أكثر غموضاً ، وهو : أنّ الشهادة على ظاهر الأعمال ليست مفيدة يوم القيامة ، بل الشهادة على باطن الأعمال ، من كون الصلاة للّه أو للرياء وللسمعة ، وأنّ إيمانه هل كان إيماناً نابعاً من صميم ذاته أو نفاقاً لأجل حطام الدنيا ، فهذا النوع من الأعمال لا يمكن الشهادة عليها ، حتى بنفس الحضور عند المشهود عليه

ــــــــــــــــ

(١) النساء : ٤١

(٢) النحل : ٨٤

(٣) الزمر : ٦٩

(٤) الأعراف : ٦

(٥) المائدة : ١١٧ .


وهذا يدفعنا إلى القول بأنّ لشهداء الأعمال عامّة ، والنبيّ الخاتم خاصّة ، قدرة غيبيّة خارقة ، يطّلع من خلالها على أعمال العباد ظاهرها وباطنها ، وذلك بقُدرة من اللّه سبحانه

وعلى ذلك ، فهذه الشهادة عبارة عن الاطّلاع على أعمال الناس في الدنيا ، من سعادة أو شقاء ، وانقياد وتمرّد ، وإيمان وكفر ، وأداء ذلك في الآخرة ، يوم يستشهد اللّه من كلّ شيء حتى من أعضاء الإنسان ، وعند ذلك يقوم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقول :( يا رَبِّ إِنَّ قَوْمي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرآن مَهْجُوراً )

فإذا كانت الشهادة بهذا المعنى ، فلا ينالها إلاّ الأمثَل فالأمثَل من الأُمّة ، لا الأُمّة بأسرِها

وعلى ضوء ذلك ، يكون المراد من قوله سبحانه :( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً ) (١) هم الكاملين من الأُمّة ، لا المُتوسّطين وما دونهم

وأمّا نسبة الشهادة إلى قاطبة أُمّة النبي في قوله تعالى :( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسطاً ) ، فليس بشيء بديع ، إذ ربّما يكون الوصف لبعض الأُمّة ويُنسَب الحكم إلى جميعهم ، كما في قوله سبحانه في حقّ بني إسرائيل :( وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً ) ، على الرغم من أنّ الملوك فيهم لم يكن يتجاوز عددهم عدَد الأصابع

وثَمّة حديث منقول عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، في تفسير قوله تعالى : ( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وَيَكونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً ) يؤيِّد هذا المعنى ( الشهادَة للأمْثَل ): ( فإن ظنَنتَ أنّ اللّه عَني بهذه الآية جميع أهل القبلة من المُوحِّدين ، أفترى أنّ مَن لا تجوز شهادته في الدنيا على صاعٍ من تمر يَطلبُ اللّهُ شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الأُمَم الماضية ؟!

كلاّ ، لم يعنِ اللّه مثل هذا من خَلْقه

ــــــــــــــــ

(١) البقرة : ١٤٣


يعني الأُمّة الّتي وجبت لها دعوة إبراهيم ( كُنْتُم خَير أُمّة أُخرِجَت للناسِ ) ، وهم الأُمّة الوسطى ، وهم خير أُمّة أُخرجت للنّاس ) .(١)

الحلف بالنبيّ كناية :

ربّما يحلف القرآن الكريم بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كناية قال سبحانه :( لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَد * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَد * وَوالدٍ وَما وَلَد * لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ في كَبَد ) .(٢)

والحِلُّ بمعنى المُقِيم ، وكأنّه سبحانه يقول : وأنتَ يا محمد مُقيم به ، وهو مَحلّك ، وهذا تنبيه على شَرفِ البلد بشَرفِ مَن حلَّ به ، وهو الرسول الداعي إلى توحيده وإخلاص عبادته ، وبيان أنّ تعظيمه له وقَسَمه به لأجله ، ولكونه حالاًّ فيه ، كما سُمِّيت المدينة ( طيبة ) لأنّها طابت به حيّاً وميتاً(٣)

وكأنّ الآية تُشير إلى المَثلِ المعروف ( شَرفُ المكانِ بالمَكين ) ، وأنّ قداسةَ مكّة ، والداعي إلى الحلف بها ، هو احتضانها للنبي

يقول العلاّمة الطباطبائي : والحِلّ مصدر كالحلول بمعنى الإفاضة والاستقرار في مكان ، والمصدر بمعنى الفاعل ، والمعنى : أُقسِمُ بهذا البلد ، والحال أنّك حالّ به مُقيم فيه ، وفي ذلك تنبيه على تشرّف مكّة بحلوله فيها وكونها مولده ومقامه(٤)

ــــــــــــــــ

(١) الميزان : ١/٣٣٢

(٢) البلد : ١ـ٤

(٣) مجمع البيان : ١٠|٤٩٢

(٤) الميزان : ٢٠/٢٨٩


الفصل الرابع : القَسَمُ بالقرآنِ الكَريم

القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الّذي أنزلَه سبحانه على رسوله ليكون للعالمين نذيراً ، وبما أنّ القرآن كتاب هداية للناس ، فقد نال من الكرامة بمكان حلف به سبحانه ، فتارة بلفظ ( القرآن ) وأُخرى بلفظ ( الكتاب )

فقد حلف بالقرآن في ثلاث آيات :

( يس * وَالقُرآنِ الحَكيم * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * على صراطٍ مُسْتَقيم ) .(١)

( ص وَالقُرآنِ ذي الذِّكْر * بَلِ الَّذينَ كَفَرُوا في عِزَّة وَشِقاق * كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلهِِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوا وَلاتَ حينَ مَناص * وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذّاب * أَجَعلَ الآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنّ هذا لشيءٌ عُجاب ) .(٢)

( ق وَالقُرآنِ المَجيد * بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الكافِرُونَ هذا شَيءٌ عَجيب ) .(٣)

ــــــــــــــــ

(١) يس : ١ـ٤

(٢) ص : ١ـ٥

(٣) ق : ١ـ٢


كما حلف سبحانه بلفظ الكتاب مرّتين ، وقال :

( حم * وَالكِتاب الْمُبين * إِنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرينَ * فِيها يُفرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكيم * أَمراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرسِلين ) .(١)

( حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا جَعَلْناهُ قُرآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكيمٌ ) .(٢)

وقبل الخوض في تفسير الآيات نذكر أُموراً :

الأوّل : أنّه سبحانه صدَّر هذه الأقسام بالحروف المُقطَّعة كما هو واضح ، وهذا يؤيّد أنّ كلمة ( يس ) من الحروف المُقطَّعة

والحروف المُقطّعة : عبارة عن الحروف الّتي صُدِّرَ بها قِسم من السور ، يجمعها قولنا : ( صراط علي حق نمسكه )

وعند التحليل يرجع إلى :

ا ، ح ، ر ، س ، ص ، ط ، ع ، ق ، ك ، ل ، م ، ن ، هـ ، ي

والعجب أنّ هذه الحروف هي نصف الحروف الهجائية !

الثاني : ما هو المراد من الحروف المقطعة ؟

افتتح القرآن الكريم قِسماً من السور بحروف مُقطّعة ، أعني السور التالية :

١ ـ البقرة ، ٢ ـ آل عمران ، ٣ ـ الأعراف ، ٤ ـ يونس ، ٥ ـ هود ، ٦ ـ يوسف ، ٧ ـ الرعد ، ٨ ـ إبراهيم ، ٩ ـ الحجر ، ١٠ ـ مريم ، ١١ ـ طه ، ١٢ ـ الشعراء ، ١٣ ـ النمل ، ١٤ ـ القصص ، ١٥ ـ العنكبوت ، ١٦ ـ الروم ، ١٧ ـ لقمان ، ١٨ ـ السجدة ، ١٩ ـ يس ، ٢٠ ـ ص ، ٢١ ـ غافر ، ٢٢ ـ فُصّلت ، ٢٣ ـ الشورى ، ٢٤ ـ الزخرف ، ٢٥ ـ الدخان ، ٢٦ ـ الجاثية ، ٢٧ ـ الأحقاف ، ٢٨ ـ ق ، ٢٩ ـ القلم

فهذه السور الّتي يبلغ عددها ٢٩ سورة ، اُفتتحت بالحروف المُقطّعة

ــــــــــــــــ

(١) الدخان : ١ـ٥

(٢) الزخرف : ١ـ٤


وقد تطرَّق المُفسِّرون إلى بيان ما هو المقصود من هذه الحروف ، وذكروا وجوهاً كثيرة ، نقلها فخر الدِّين الرازي في تفسيره الكبير تربو على عشرين وجهاً(١)

وها نحن نقدِّم المختار ثُمَّ نلمِّح إلى بعض الوجوه

إلماع إلى مادَّة القرآن :

إنّ القرآن الكريم تحدّى المشركين بفصاحته وبلاغته ، وعذوبة كلماته ورصانة تعبيره ، وادّعى أنّ هذا الكتاب ليس من صنع البشر ، بل من صنع قدرة إلهيّة فائقة لا تبلغ إليها قدرة أيِّ إنسان ، ولو بلغ في مضمار البلاغة والفصاحة ما بلغَ

ثُمّ أنّه أخذ يورد في أوائل السور قِسْماً من الحروف الهجائيّة ؛ للإلماع إلى أنّ هذا الكتاب مؤلّف من هذه الحروف ، وهذه الحروف هي الّتي تلهجون بها صباحاً ومساءً فلو كنتم تزعمون أنّه من صُنْعي فاصنعوا مثله ؛ لأنّ المواد الّتي تركّب منها القرآن كلّها تحت أيديكم ، واستعينوا بفصحائكم وبُلغائكم ، فإن عجزتم ، فاعلموا أنّه كتاب مُنزَّل من قبل اللّه سبحانه على عبد من عباده ، بشيراً ونذيراً

وهذا الوجه هو المرويّ عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، وهو خيرة جَمْع من المُحقّقين ، وإليك ما ورد عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام في هذا المقام :

ــــــــــــــــ

(١) تفسير الفخر الرازي : ٢/٥ـ ٨


أ ـ روى الصدوق بسنده عن الإمام العسكريعليه‌السلام ، أنّه قال :( كذَّبتْ قريش واليهود بالقرآن ، وقالوا : هذا سِحر مُبين تقوَّله ، فقال اللّه : ( الم * ذلِكَ الكتاب ) أي : يا محمّد ، هذا الكتاب الّذي أنزلته إليك هو الحروف المُقطّعة الّتي منها ( الم ) ، وهو بلُغَتِكم وحروف هجائكم ، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين ، واستعينوا بذلك بسائر شهدائكم ، ثُمّ بيَّن أنّهم لا يقدرون عليه ، بقوله : ( لَئِن اجْتَمَعتِ الإنْس وَالجِنّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذا القُرآن لا يَأْتُونَ بِمِثْلِه وَلَو كانَ بَعضهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيراً ) (١) ) . (٢)

وبه قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني (٢٥٤ـ ٣٢٢هـ) ـ من كبار المُفسّرين ـ حيث قال : إنّ الّذي عندنا أنّه لمّا كانت حروف المُعجَم أصل كلام العرب ، وتحدَّاهم بالقرآن ، وبسورة من مثله ، أراد أنّ هذا القرآن من جنس هذه الحروف المُقطّعة ، تعرفونها وتقتدرون على أمثالها ، فكان عجزكم عن الإتيان بمثل القرآن وسورة من مثله دليلاً على أنّ المنع والتعجيز لكم من اللّه على أمثالها ، وأنّه حُجّة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

قال : وممّا يدلّ على تأويله ، أنّ كلّ سورة افتُتحَت بالحروف الّتي أنتم تعرفونها بعدها إشارة إلى القرآن ، يعني : أنّه مؤلّف من هذه الحروف ، الّتي أنتم تعرفونها وتقدرون عليها

ثُمّ سأل نفسه وقال : إن قيل : لو كان المراد هذا ، لكان قد اقتصر اللّه تعالى على ذكر الحروف في سورة واحدة ؟!

فقال : عادة العرب التكرار عند إيثار إفهام الّذي يخاطبونه(٣)

واختاره الزمخشري (٤٦٧ـ ٥٣٨هـ) في تفسيره ، وقال : واعلم أنّك إذا تأمَّلت ما أورده اللّه (عزّ سُلطانه) في الفواتح من هذه الأسماء ، وجدتها نصف أسامي حروف المُعجَم : ( ١٤ ) سِواه ، وهي : الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون في تسع وعشرين سورة ، على عدد حروف المعجم !

ثُمّ إذا نظرت في هذه الأربعة عشر ، وجدتها مُشتمِلة على أنصاف أجناس الحروف !

ــــــــــــــــ

(١) الإسراء : ٨٨

(٢) تفسير البرهان : ١/٥٤ ، تفسير الآية الثالثة من سورة البقرة ، رقم : ٩

(٣) تاريخ القرآن للزنجاني : ١٠٦


بيان ذلك :

إنّ فيها من المهموسة نصفها : الصاد والكاف والهاء والسين والحاء

ومن المهجورة نصفها : الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون

ومن الشديدة نصفها : الألف والكاف والطاء والقاف

ومن الرخوة نصفها : اللام والراء والصاد والهاء والعين والسين والحاء والياء والنون

ومن المُطبقة نصفها : الصاد والطاء

ومن المنفتحة نصفها : الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والعين والسين والحاء والقاف والياء والنون

ومن المُستعلِية نصفها : القاف والصاد والطاء

ومن المُنخفضة نصفها : الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء و الياء والعين والسين والحاء والنون

ومن حروف القَلْقَلة نصفها : القاف والطاء

ثُمّ إذا استقريت الكَلِم وتراكيبها ، رأيت الحروف الّتي ألغى اللّه ذكرها من هذه الأجناس المعدودة ، مكثورة بالمذكورة منها ، فسبحان الّذي دقَّت في كلّ شيء حكمته ، وقد علمت أنّ معظم الشيء وجُلّه ينزل منزلة كلّه ، وهو المُطابق للطائف التنزيل


فكأنّ اللّه (عزّ اسمه) عدّد على العرب الألفاظ الّتي منها تراكيب كلامهم ؛ إشارة إلى ما ذكرتُ من التَبْكيتِ لهم ، وإلزام الحُجّة إيّاهم(١)

ومن المُتأخّرين مَن بيَّن هذا الوجه ببيانٍ رائع ، ألا وهو المُحقّق السيّد هبة الدِّين الشهرستاني (١٣٠١ـ ١٣٨٦هـ) ، قال ما هذا نصّه :

إنّ القرآن مجموعة جُمَل ليست سوى صبابة أحرف عربيّة ، من جنس كلمات العرب ، ومن يسير أعمال البشر ، وقد فاقت مع ذلك عبقريّةً ،

وكلّما كان العمل البشري أيسر صدوراً وأكثر وجوداً ، قلّ النبوغ فيه ، وصعب افتراض الإعجاز والإعجاب منه ، فإذا الجُمَل القرآنيّة ليست سوى الحروف المتداولة بين البشر ! فهي عبارة عن ( الم ) و ( حمعسق ) ، فلماذا صار تأليف جملة أو جُمَل منه مستحيل الصدور؟!

هذا ونجد القرآن يُكرِّر تحدّي العرب وغير العرب بإتيان شيء من مقولة هذا السهل المُمتنِع ، كالطاهي يُفاخر المُتطاهي بأنّه يصنع الحلوى اللذيذة من أشياء مبذولة لدى الجميع ، كالسمنِ واللوز ودقيق الرز ، بينما المُتطاهي لا يتمكَّن من ذلك مع استحضاره الأدوات ، وكذلك الكيمياوي الماهر ، يستحضر المطلوب المُستجمع لصِفات الكمال ، وغيره يعجز عنه مع حضور جميع الأدوات والأجزاء

وكذلك القرآن ، يقرع ويسمع قومه بأنّ أجزاء هذا المُستحضَر القرآني موفورة لديكم ، من ( ح ) و ( م ) و ( ل ) و ( ر ) و ( ط ) و ( هـ ) ، وأنتم مع ذلك عاجزون(٢)

ــــــــــــــــ

(١) الكشّاف : ١/١٧ ، ط دار المعرفة

(٢) المعجزة الخالدة : ١١٥ـ ١١٦


ويُؤيّد هذا الرأي أنّ أكثر السور الّتي صدرت بالحروف المُقطَّعة جاء بعدها ذكر القرآن الكريم بتعابير مختلفة ، ولم يشذَّ عنها إلاّ سور أربع ، هي : مريم والعنكبوت ، والروم ، والقلم ففي غير هذه السور أردف الحروف المقطعة بذكر الكتاب والقرآن ، وإليك نماذج من الآيات :

( الم * ذلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فيهِ هُدىً لِلْمُتَّقين ) (١)

( الم نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالْحَقّ مُصدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوراةَ والإنجِيل ) (٢)

( المص * كِتابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ) (٣)

( الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكيم ) (٤)

إلى غير ذلك من السور ، ما عدا الأربع الّتي أشرنا إليها

ثمّ إنّ هذا الوجه هو الوجه العاشر في كلام الرازي ، ونسبَه إلى المبرّد وإلى جمعٍ عظيم من المُحقّقين ، وقال :

إنّ اللّه إنّما ذكرها احتجاجاً على الكُفّار ، وذلك أنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا تحدّاهم أن يأتوا بمِثلِ القرآن ، أو بعشر سورٍ أو بسورة واحدة ، فعجزوا عنه ، أُنزلت هذه الحروف تنبيهاً على أنّ القرآن ليس إلاّ من هذه الحروف ، وأنتم قادرون عليها ، وعارفون بقوانين الفصاحة ، فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن ، فلمّا عجزتم عنه ؛ دلّ ذلك على أنّه من عند اللّه ، لا من عند البشر(٥)

هذا هو الرأي المختار ، وقد عرفت برهانه

وثَمّة رأي آخر أقل صحَّة من الأوّل ، وحاصله : أنّ كلّ واحد منها دالٌّ على اسم من أسماء اللّه تعالى ، وصفة من صفاته

ــــــــــــــــ

(١) البقرة : ١ـ٢

(٢) آل عمران : ١ـ٣

(٣) الأعراف : ١ـ٢

(٤) يونس : ١

(٥) تفسير الفخر الرازي : ٢/٦


قال ابن عبّاس في( الم ) : الألف إشارة إلى أنّه تعالى أَحَدُ ، أوّل ، آخر ، أزليّ ، أبدي ، واللام إشارة إلى أنّه لطيف ، والميم إشارة إلى أنّه مَلك ، مجيد ، مَنّان

وقال في( كهيعص ) : إنّه ثناء من اللّه تعالى على نفسه ، والكاف يدلّ على كونه كافياً ، والهاء يدلّ على كونه هادياً ، والعين يدلّ على العالم ، والصاد يدلّ على الصادق

وذكر ابن جرير عن ابن عبّاس أنّه حمل الكاف على الكبير والكريم ، والياء على أنّه يُجير ، والعين على العزيز والعدل(١)

ونقل الزنجاني في تأييد ذلك الوجه ما يلي :

وفي الحديث :( شعارُكم حم لا يُنصَرُون ) ، قال الأزهري : سُئل أبو العبّاس ، عن قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( حم لا ينصرون ) ، فقال : معناه واللّه لا ينصرون

وفي لسان العرب ، في حديث الجهاد :( إذا بُيّتم فقولوا حاميم لا يُنصَرُون ) ، قال ابن الأثير : معناه اللّهمّ لا ينصرون(٢)

إذا عرفت هذه الأمور ، فلنرجع إلى تفسير الآيات الّتي حلف فيها سبحانه بالقرآن والكتاب ، وإليك البيان :

١ ـ( يس * والْقُرآن الحَكيم * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرسَلين ) ، فالمُقسَم به هو القرآن ، والمُقسَم عليه قوله :( إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرسَلين ) ، والصِلة بين القرآن وبين كونه من المُرسَلين واضحة ، لاَنّ القرآن أداةُ تبليغهِ ورسالته ومعجزته الخالدة

ــــــــــــــــ

(١) تفسير الفخر الرازي : ٢/٦

(٢) تاريخ القرآن : ١٠٥


وأمّا وصف القرآن بالحكيم ، فلأنّه مُستقرٌ فيه الحكمة ، وهي : حقائق المعارف وما يتفرَّع عليها من الشرائع والعِبر و المواعظ(١)

٢ ـ( ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ )

وُصف القرآن بكونه ( ذي الذكر ) ، كما وصفه في الآية السابقة بكونه ( حكيماً ) ، ووصفه تارة ثالثة بـ ( المجيد ) ، والمُراد بالذِكر هو : ذكر ما جُبِلَ عليه الإنسان من التوحيد والمعاد

قال الطبرسي : فيه ذكر اللّه وتوحيده وأسماؤه الحسنى وصفاته العلى ، وذكر الأنبياء ، وأخبار الأُمَم ، وذكر البَعْث والنُشور ، وذكر الأحكام وما يحتاج إليه المُكلّف من الأحكام ، ويُؤيّده قوله :( ما فَرَّطنا في الكتاب من شيء ) (٢)

قال الطباطبائى في تفسيره : المراد بالذِكر : ذكر اللّه تعالى وتوحيده ، وما يتفرّع عليه من المعارف الحقّة ، من المعاد والنبوّة وغيرهما

ويؤيِّد ذلك إضافة الذكر في غير واحد من الآيات إلى لفظ الجلالة ، قال سبحانه :( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ) (٣) ، وقال :( استَحْوَذَ عَلَيهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكرَ اللّه ) (٤) إلى غير ذلك

وأمّا المُقسَم عليه : فمَحذوف ، معلوم من القرينة ، هو ( أنّك لمِن المُنذرين ) ، ويدلّ على ذلك : التنديد بالّذين كفروا وأنّهم في عزّة وشقاق ، أي : في تكبُّر عن قبول الحقّ وحميّة جاهليّة ، وشقاق أي : عداوة وعصيان ومخالَفة ، لأنّهم يأنفون عن متابعة النبي ، ويُصرّون على مخالفته ثُمّ خوّفهم اللّه سبحانه فقال : كمْ أهلكنا من قبلهم من قرنٍ بتكذيبهم الرُسل ، فنادوا عند وقوع الهلاك بهم بالاستغاثة ، ولاتَ حين مناص

ــــــــــــــــ

(١) تفسير الميزان : ١٧/٦٢

(٢) مجمع البيان : ٨/٤٦٥

(٣) الحديد : ١٦

(٤) المجادلة : ١٩


والصِلة بين المُقسَم به( القُرآن ذي الذِّكر ) ، والمُقسَم عليه المُقدّر( إِنَّكَ لَمِنَ الْمُنْذَرين ) واضحة ؛ لاَنّ القرآن من أسباب إنذاره وأدوات تحذيره

٣ ـ( ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ) (١)

المُقسَم به هو القرآن ، ووَصَفه بالمجيد

قال الراغب : المَجْدُ : السِعة في المقام والجلال ، وقد وُصف به القرآن الكريم ، فلأجل كثرة ما يتضمّن من المكارم الدنيويّة والأُخرويّة ، فالمجيد مبالَغة في المَجد

وقال الطبرسي : المجيد أي الكريم على اللّه ، العظيم في نفسه ، الكثير الخير والنفع(٢)

والمُقسَم عليه محذوف ، تدلّ عليه الجُمل التالية ، والتقدير : والقرآن المجيد انّك لمِن المنذرين ، أو أنّ البعث حقّ والإنذار حقّ

وقد ركَّزت السورة على الدعوة إلى المعاد ، ووبّخت المشركين باستعجالهم على إنكاره ، ونقد زَعمهم

والصِلة بين المُقسَم به وجواب القَسَمِ واضحة ، سواء أقلنا بأنّ المُقسَم عليه ( إِنّك مِنَ المنذرين ) أم أنّ البعث والنشر حقّ ، أمّا على الأوّل ؛ فلأنّ القرآن أحد أدوات الإنذار ، وأمّا على الثاني فلاَنَّ القرآن يتضمّن شيئاً كثيراً عن الدعوة إلى المعاد

ــــــــــــــــ

(١) ق : ١ـ٢

(٢) مجمع البيان : ٩|١٤١ .


ثُمّ إنّ القرآن في الأصل مصدر نحو رجحان ، قال سبحانه :( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ ) .(١)

قال ابن عبّاس : إذا جمعناه وأثبتناه في صدرك فاعمل به

وقد خُصّ بالكتاب المُنزَّل على نبيِّنا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فصار له كالعَلَم ، كما أنّ التوراة لمّا أُنزل على موسىعليه‌السلام ، والإنجيل لمّا أُنزل على عيسىعليه‌السلام

قال بعض العلماء : تسمية هذا الكتاب قُرآناً من بين كتب اللّه ، لكونه جامعاً لثَمرَة كُتبِه ، بل لجمعه ثَمرَة جميع العلوم ، كما أشار تعالى إليه بقوله :( وَتَفصيلاً لكلِّ شيء ) .(٢)

وعلى هذا ، فالقرآن مِن قَرَأَ بمعنى : جمع ، ولكن يُحتمل أن يكون بمعنى القراءة ، كما في قوله سبحانه : ( وَقُرآنَ الفَجْر ) (٣) ، أي : قراءته

الحلف بالكتاب :

حلف سبحانه بالكتاب مرَّتين وقال :

١ ـ( حم * والكتابِ المُبِين * إِنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرين ) (٤)

٢ ـ( حم * وَالكتابِ المُبِين * إِنّا جَعَلْناهُ قُرآناً عَرَبياً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون ) (٥)

ــــــــــــــــ

(١) القيامة : ١٧ـ ١٨

(٢) الأنعام : ١٥٤

(٣) الإسراء : ٧٨

(٤) الدخان : ١ـ٣

(٥) الزخرف : ١ـ٣


فالمُقسَم به هو الكتاب ، والمُقسَم عليه في الآية الأولى قوله :( إِنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَة مُباركة ) ، والصِلة بينهما واضحة ، حيث يحلف بالكتاب على أنّه مُنزَّل من جانبه سبحانه في ليلة مباركة

كما أنّ المُقسَم به في الآية الثانية هو الكتاب المبين ، والمُقسَم عليه هو الحلف على أنّه سبحانه جعله قرآناً عربيّاً للتعقّل ، والصِلة بينهما واضحة

ووُصف الكتاب بالمُبين دون غيره ؛ لاَنّ الغاية من نزول الكتاب هو إنذارهم وتعقّلهم ، كما جاء في الآيتين ، حيث قال :( إِنّا كُنّا مُنذرين ) ، وقال :( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون ) ، وهذا النوع من الغاية ، أي : الإنذار والتعقّل ، يطلب لنفسه أن يكون الكتاب واضحاً مفهوماً ، لا مجهولاً ومعقداً

والكتاب في الأصل مصدر ، ثُمّ سُمّي المكتوب فيه كتاباً

إلى هنا تمّ الحلف بالقرآن والكتاب

بقي هنا الكلام في عظمة المُقسَم به

ويكفي في ذلك أنّه فعله سبحانه ، حيث أنزله لهداية الناس وإنقاذهم من الضلالة

وقد تكلّم غير واحد من المُفكّرين الغربيّين حول عظمة القرآن ، والأحرى بنا أن نرجع إلى نفس القرآن ونَستنطِقه حتى يُبدي رأيه في حقِّ نفسه

أ ـ القرآن نور ينير الطريق لطلاّب السعادة ، قال سبحانه :( قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِين ) (١)

ب ـ إنّه هدى للمُتَّقين ، قال سبحانه : ( هُدىً لِلْمُتَّقين ) (٢) فهو وإن كان هدى لعامّة الناس ، إلاّ أنّه لا يستفيد منه إلاّ المُتَّقون ؛ ولذلك خصَّهم بالذِكر

ــــــــــــــــ

(١) المائدة : ١٥

(٢) البقرة : ٢


ج ـ هو الهادي إلى الشريعة الأقوَم ، قال سبحانه :( إِنَّ هذا القُرآنَ يَهدِي لِلَّتي هِي أَقْوم ) (١)

د ـ الغاية من إنزاله قيام الناس بالقِسط ، قال سبحانه :( وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ ) .(٢)

هـ ـ لا يتطرَّق إليه الاختلاف في فصاحته وبلاغته ، ولا في مضامينه ولا محتواه ، قال سبحانه :( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللّهِ لوَجَدُوا فِيهِ اختلافاً كَثِيراً ) (٣)

و ـ يحثّ الناس إلى التدبُّر والتفكّر فيه :( كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُباركٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ) (٤)

ز ـ تبيان لكلّ شيء :( وَنَزلْنا عَليْكَ الكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيء ) (٥)

ح ـ نذير للعالمين :( تَبارَكَ الَّذي نَزَّل الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ) (٦)

ط ـ فيه أحسن القَصص :( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَص ) (٧)

ــــــــــــــــ

(١) الإسراء : ٩

(٢) الحديد : ٢٥

(٣) النساء : ٨٢

(٤) ص : ٢٩

(٥) النحل : ٨٩

(٦) الفرقان : ١

(٧) يوسف : ٣


ي ـ ضُرب فيه للناس من كلِّ مَثل :( وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هذا الْقُرآنِ لِلنّاسِ من كُلِّ مَثَل ) (١)

هذه نماذج من الآيات الّتي تصف القرآن ببعض الأوصاف

وللنبي والأئمّة المعصومين كلمات قيِّمة حول التعريف بالقرآن ، ننقل شذرات منها :

قام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطيباً ، فقال :( أيّها الناس ، إنّكم في دار هُدنة ، وأنتم على ظَهرِ سفر ، والسير بكم سريع ، وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يُبليان كلّ جديد ، ويُقرّبان كلّ بعيد ، ويأتيان بكلّ موعود ، فأعدّوا الجهاز لبُعد المُجاز )

فقام المُقداد بن الأسود وقال : يا رسول اللّه ، و ما دار الهُدنة ؟

قال : ( دار بلاغٍ وانقطاعٍ .

فإذا التبست عليكم الفِتن كقطع اللّيل المُظلِم ، فعليكم بالقرآن ، فإنّه شافِع مُشفَّع وماحِل مُصدَّق ، ومَن جعله أَمامَه قادَه إلى الجنّة ، ومَن جعله خلفه ساقه إلى النار

وهو الدليل ، يدلُّ على خير سبيل ، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل ، وهو الفَصل ليس بالهَزل ، وله ظَهْر وبَطْن ، فظاهره حكم وباطنه عِلم ، ظاهره أنيق وباطنه عَميق ، له نجوم وعلى نجومه نجوم ، لا تُحصى عجائبه ولا تبلَى غرائبه ، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة ، ودليل على المعرفة لمَن عرف الصِفة

فليَجل جال بَصَره ، وليبلغ الصِفة نظره ، ينج مَن عطب ، ويتخلَّص مَن نشب ، فإنّ التَفكُّر حياة قلبِ البصير ، كما يمشي المُستنير في الظلمات بالنور ، فعليكم بحُسنِ التخلّص وقلَّة التربّص ) (٢)

ــــــــــــــــ

(١) الكهف : ٥٤

(٢) الكافي : ٢/٥٩٩ ، كتاب فضل القرآن


وقال الإمام علي أمير المؤمنينعليه‌السلام في وصف القرآن :

( ثُمّ أنزلَ عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه ، وسراجاً لا يخبُو توقُّده ،وبحراً لا يُدرك قعرُه ، فهو ينابيع العلم وبحوره ، وبحر لا يَنزِفه المُستنزفون ، وعيون لا يُنضِبُها الماتِحُون ، ومناهل لا يَغيضُها الواردون ) (١)

إلى غير ذلك من الخُطب والكلم حول التعريف بالقرآن ، الواردة عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام

ــــــــــــــــ

(١) نهج البلاغة : الخطبة ١٩٨


الفصل الخامس : القَسَمُ بالعَصْر

حلف سبحانه بالعصر مرّةً واحدة ، دون أن يقرنه بمُقسَمٍ به آخر ، وقال :( وَالعَصْر * إِنّ الإنْسانَ لَفي خُسْر ) (١)

تفسير الآيات :

العَصْر يُطلق ويراد منه تارة : الدَهر ، وجَمْعه عصور

وأُخرى : العَشيّ مقابل الغداة ، يُقال : العصران : الغداة والعشي ، والعصران : الليل والنهار ، كالقمرين للشمس و القمر

وثالثة : بمعنى الضَغْط ، فيكون مصدر عَصَرْتُ ، والمَعصور الشيء العصر ، والعُصارة نفاية ما يُعصَر ، قال سبحانه :( أَراني أَعْصِرُ خَمراً ) (٢) ، وقال :( وفيهِ يَعْصِرُون ) (٣) ، وقال :( وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً ) (٤) أي : السُّحُب الّتي تعتصرُ بالمَطَر

ورابعة : بمعنى ما يُثير الغبار ، قال سبحانه :( فَأَصابَها إعصار ) (٥) .(٦)

والمُراد من الآية أحد المَعنيين الأوّليين :

الأوّل : الدَهر والزمان

الثاني : العَصْر مقابل الغداة

ولا يناسب المعنى الثالث ، أعني : الضغط ، ولا الرابع ، كما هو واضح

ــــــــــــــــ

(١) العصر : ١ـ٢

(٢) يوسف : ٣٦

(٣) يوسف : ٤٩

(٤) النبأ : ١٤

(٥) البقرة : ٢٦٦

(٦) مفردات القرآن : مادّة عصر ، و مجمَع البيان : ٥/٥٣٥


وإليك بيان المَعنَيين الأوّلين

١ ـ العَصْر : الدَهْر . وإنّما حلف به ؛ لأنّ فيه عبرة لذوي الأبصار من جهة مرور الليل والنهار

وقد نُسب ذلك القول إلى ابن عبّاس ، والكلبي ، والجبائي

قال الزَمخشري : وأقسَمَ بالزمان ؛ لما في مروره من أصناف العجائب(١)

ولعلّ المُراد من الدهر والزمان اللّذين يُفسِّرون بهما العصر هو تاريخ البشريّة ؛ وذلك لأنّه سبحانه جعل المُقسَم عليه كون الإنسان لفي خسر إلاّ طائفة خاصّة ، ومن المعلوم أنّ خسران الإنسان أنّه هو مِن تصرّم عُمْره ، ومضي حياته من دون أن ينتفع بأغلى رأس مالٍ وقع في يده

وقد نقل الرازي هنا حكاية طريفة ، نأتي بنصِّها :

قال : وعن بعضِ السَلَف ، تعلّمتُ معنى السورة من بائع الثلج ، كان يصيح ويقول : ارحموا مَن يذوب رأس ماله ، ارحموا مَن يذوب رأس ماله ، فقلت : هذا معنى أنّ الإنسان لفي خُسْر ؛ يمرّ به العصر فيمضي عمره ولا يكتسب ، فإذا هو خاسر(٢)

٢ ـ العصر : أحدُ طَرفَي النهار . وأقسم بالعَصر كما أَقسم بالضُحى ، وقال :( والضحى * واللَّيل إذا سَجى ) (٣) ، كما أقسم بالصبح وقال :( والصُّبح إِذا أَسفَر ) (١)

وإنّما أقسَمَ بالعَصرِ لأهمّيّته ، إذ هو في وقت من النهار يحدث فيه تغيير في نظام المَعيشة وحياة البشر ، فالأعمال اليوميّة تنتهي ، والطيور تعود إلى أوكارها ، وتبدأ الشمس بالميل نحو الغروب ، ويستولي الظلام على السماء ، ويخلد الإنسان إلى الراحة

ــــــــــــــــ

(١) الكشّاف : ٣/٣٥٧

(٢) تفسير الفخر الرازي : ٣٢/٨٥

(٣) الضحى : ١ـ٢


وهناك قولان آخران :

أ ـ المرادُ عَصْر الرسول ذلك لما تضمَّنته الآيتان التاليتان من شمول الخسران للعالم الإنساني ، إلاّ لمَن اتَّبع الحقّ وصبر عليه ، وهم المؤمنون الصالحون عملاً ، وهذا يؤكّد على أن يكون المراد من العصر عصر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو عصر بزوغ نجم الإسلام في المجتمع البشري ، وظهور الحقّ على الباطل

ب ـ المراد به وقت العصر وهو المروي عن مقاتل ، وإنّما أقسَمَ بها ، لفضلها ، بدليل قوله :( حافِظُوا عَلى الصَّلواتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطى ) (٢) ، كما قيل أنّ المراد من قوله تعالى :( تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللّهِ ) (٣) هو صلاة العصر

أضف إلى ذلك ، أنّ صلاة العصر يحصل بها ختم طاعات النهار ، فهي كالتوبةِ تُختَم بها الأعمال.

ولا يخفى أنّ القول الأخير في غاية الضعف ؛ إذ لا صِلة بين القَسَم بصلاة العصر والمُقسَم عليه ، أعني :( الإنْسان لفي خُسر ) ، على أنّه لو كان المُقسَم به هو صلاة العصر ، لماذا اكتفى بالمضاف إليه وحذف المضاف ، مع عدم توفُّر قرينة عليه ؟! ومنه يظهر حال الوجه المُتقدّم عليه

والظاهر أنّ الوجه الأوّل هو الأقوى ؛ حيث أنّ الحلف بالزمان وتاريخ البشرية يتناسب مع الجواب ، أي : خسران الإنسان في الحياة ، كما سيوافيك بيانه

ــــــــــــــــ

(١) المُدّثّر : ٣٤

(٢) البقرة : ٢٣٨

(٣) المائدة : ١٠٦


وأمّا المُقسَم عليه ، فهو قوله سبحانه :( إِنَّ الإنسانَ لَفي خُسْر ) ، والمراد من الخسران هو : مضيّ أثمَن شيء لديه وهو عمره ، فالإنسانُ في كلّ لحظة يفقد رأس ماله ، بنحوٍ لا يُعوَّض بشيء أبداً ، وهذه هي سُنَّة الحياة الدنيويّة ، حيث ينصرم عمره ووجوده بالتدريج ، كما تنصرم طاقاته إلى أن يهرم ويموت ، فأيُّ خسران أعظم من ذلك ؟!

وأمّا الصِلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه فأوضح من أن يخفى ؛ لاَنّ حقيقة الزمان حقيقة مُتصرّمة غير قارة ، فهي تنقضي شيئاً فشيئاً ، وهكذا الحال في عمر الإنسان ، فيخسر وينقص رأس ماله بالتدريج

ثُمّ أنّه سبحانه استثنى من الخسران مَن آمن وعمل صالحاً ، وتواصى بالحقِّ وتواصى بالصبر

ووجه الاستثناء واضح ؛ لأنّه بدَّلّ رأس ماله بشيء أغلى وأثمَن ، يستطيع أن يقوم مقام عمره المُنقضي ، فهو بإيمانه وعمله الصالح اشترى حياة دائمة ، حافلة برضوانه سبحانه ونِعمه المادِّية والمعنويّة

يقول سبحانه :( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (١)

ــــــــــــــــ

(١) التوبة : ١١١


الفصل السادس : القَسَم بالنَجْم

وردتْ كلمة النجم في القرآن الكريم أربع مرّات في أربع سور(١) ، وحلف به مرَّة واحدة وقال :( وَالنَّجمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهوى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى ) (٢) ، وهي من السور المكِّية

تفسير الآيات :

النَجْمُ في اللغة : الكوكب الطالِع ، وجمعه نُجوم ، فالنجوم مرّة اسم كالقلوب والجيوب ، ومرّة مصدر كالطلوع والغروب

وأمّا ( هوى ) في قوله :( إِذا هَوى ) ، فيُطلق تارة على ميل النفس إلى الشهوة ، وأُخرى على السقوط من علوٍ إلى سفل

ولكنّ تفسيره بسقوط النجم وغروبه لا يُساعده اللفظ ، وإنّما المُراد هو ميله

وسيوافيك وجه الحلف بالنجم إذا هوى ، أي : إذا مالَ

ثُمّ إنّ المراد من النجم أحد الأمرين :

أ ـ أمّا مُطلَق النجم ، فيشمل كافّة النجوم الّتي هي من آيات عظمة اللّه سبحانه ، ولها أسرار ورموز يعجز الذهن البشري عن الإحاطة بها

ــــــــــــــــ

(١) وهي : النحل : ١٦ ، النجم : ١ ، الرحمن : ٦ ، الطارق : ٣

(٢) النجم : ١ـ٤


ب ـ المراد هو نجم الشِعْرَى ، الّذي جاء في نفس السورة ، قال سبحانه :( وَانَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعرى ) (١)

ونظيره القول بأنّ المراد هو الثُريّا ، وهي مجموعة من سبعة نجوم ، ستَّة منها واضحة وواحد خافت النور ، وبه تُختبر قوَّة البَصَرِ

وربّما فُسّر بالقرآن الّذي نزل على قلب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طيلة ٢٣ سنة ؛ لنزوله نجوماً(٢) ، لكنّ لفظ الآية لا يُساعد على هذا المعنى ، فاللّه سبحانه إمّا أن يحلف بعامّة النجوم ، أو بنجم خاصِّ يهتدي به السائر

ويدلّ على ذلك أنّه قيَّد القَسَم بوقت هويِّه ، ولعلّ الوجه هو أنّ النجم إذا كان في وسط السماء يكون بعيداً عن الأرضِ لا يهتدي به الساري ، لأنّه لا يعلم به المشرق من المغرب ولا الجنوب من الشمال ، فإذا زال ، تبيَّن بزواله جانب المغرب من المشرق(٣)

وأمّا المُقسَم عليه ، فهو قوله سبحانه :( ما ضَلَّ صاحِبكُمْ وَما غوى * وما ينطق عن الهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحيٌ يُوحى )

جمع سبحانه هناك بين الضلال والغَيِّ فنفاهما عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والقرآنُ يستعمل الضلالة في مقابل الهدى ، يقول سبحانه :( يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذا اهْتَدَيْتُمْ ) (٤)

ــــــــــــــــ

(١) النجم : ٤٩

(٢) انظر الميزان : ١٩/٢٧ ، مجمع البيان : ٥/١٧٢

(٣) تفسير الفخر الرازي : ٢٨/٢٧٩

(٤) المائدة : ١٠٥


كما يستعمل الغَيّ في مقابل الرُشد ، يقول سبحانه :( وَإِنْ يَرَوا سَبيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخذوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوا سَبيلَ الغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبيلاً ) (١)

والمُهمُّ بيان الفرق بين الضلالةِ والغواية ، فنقول :

ذكرَ الرازي : أنّ الضلال أن لا يجد السالك إلى مقصَده طريقاً أصلاً ، والغِواية أن لا يكون له طريق مُستقيم إلى المقصَد يدلّك على هذا أنّك تقول للمؤمن الّذي ليس على طريق السَداد : إنّه سَفيه غير رشيد ، ولا تقول إنّه ضالّ ، والضالّ كالكافر ، والغاوي كالفاسق(٢)

وإلى ذلك يرجع ما يقول الراغب : الغيّ جهلٌ من اعتقادٍ فاسد ، وذلك أنّ الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد اعتقاداً لا صالحاً ولا فاسداً ، وقد يكون من اعتقاد شيء ، وهذا النحو الثاني يُقال له : غَيّ(٣)

وعلى هذا ، فالآية بصَدَد بيان نفي الضلالة والغَي عن النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وردّ كلّ نوع من أنواع الانحراف والجهل والضلال والخطأ عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ليردّ به التُهم المُوجّهة إليه من جانب أعدائه

وأمّا بيان الصِلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه فواضح ، لما ذكرنا من أنّ النجم عند الهوى والميل يهتدي به الساري ، كما أنّ النبي يهتدي به الناس ، أي : بقوله وفعله وتقريره

فكما أنّه لا خطأ في هداية النجم لأنّها هداية تكوينيّة ، وهكذا لا خطأ في هداية الوحي المُوحى إليه ، ولذلك قال :( إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى )

ــــــــــــــــ

(١) الأعراف : ١٤٦

(٢) تفسير الفخر الرازي : ٢٨/٢٨٠

(٣) مفردات الراغب : ٣٦٩


الفصل السابع : القسم بمواقع النجوم

حَلَفَ سبحانه وتعالى في سورة الواقعة بمواقع النجوم وقال :( فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظيم * إِنَّهُ لَقُرآنٌ كَرِيم * فِي كِتابٍ مَكْنُون * لا يَمَسُّهُ إِلاّ المُطَهَّرُون ) (١)

تفسير الآيات :

المُراد من مواقع النجوم مساقِطها حيث تغيب

قال الراغب : الوقوع : ثبوت الشيء وسقوطه ، يُقال : وقع الطائر وقوعاً ، وعلى ذلك يراد منه مطالِعها ومَغاربها ، يقال : مواقع الغَيث أي : مَساقِطه(٢)

ويدلُّ على أنّ المراد هو مطالع النجوم ومغاربها ، أنّ اللّه سبحانه يُقسِم بالنجوم وطلوعها وجَريها وغروبها ، إذ فيها وفي حالاتها الثلاث آية وعبرة ودلالة ، كما في قوله تعالى :( فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الجَوارِ الكُنَّس ) (٣) ، وقال :( وَالنَّجْم إِذا هَوى ) ، وقال :( فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِب )

ــــــــــــــــ

(١) الواقعة : ٧٥ـ ٧٩

(٢) مفردات الراغب : ٥٣٠ ، مادَّة وَقَعَ

(٣) التكوير : ١٥ـ ١٦ .


ويرجح هذا القول أيضاً : أنّ النجوم حيث وقعت في القرآن ، فالمراد منها الكواكب ، كقوله تعالى :( وَإدْبار النُّجوم ) (١) ، وقوله :( وَالشَّمْسُ وَالْقَمرُ وَالنُّجُوم ) (٢)

وأمّا المُقسَم عليه : فهو قوله سبحانه :( إِنَّهُ لَقُرآنٌ كَريم * في كِتابٍ مَكْنُون * لا يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَّهَرُون )

وصفَ القرآن بصفاتٍ أربع :

أ ـ ( لقُرآنٌ كَريم ) والكريم هو البَهيّ الكثير الخير العظيم النفع ، وهو من كلّ شيء أحسنه وأفضله ، فاللّه سبحانه كريم ، وفعله ـ أعني القرآن ـ مثله

وقال الأزهري : الكريم : اسم جامع لما يُحمَد ، فاللّه كريم يُحمَد فِعاله ، والقرآن كريم يُحمَد ؛ لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة

ب ـ( في كتابٍ مَكنُون ) ولعلّ المراد منه هو اللوح المحفوظ ، بشهادة قوله :( بَلْ هُوَ قُرآنٌ مَجيد * في لَوحٍ مَحْفُوظ ) (٣) ويُحتمَل أن يكون المراد الكتاب الّذي بأيدي الملائكة ، قال سبحانه :( في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرةٍ * بِأَيدِي سَفَرَةٍ * كِرامٍ بَررَةٍ ) (٤)

ج ـ( لا يَمَسُّه إِلاّ المُطهَّرون ) فلو رجع الضمير إلى قوله :( لقُرآنٌ كَريم ) ، كما هو المتبادَر ، لأنّ الآيات بصَدَد وصفه وبيان منزلته ، فلا يمسّ المصحف إلاّ طاهر ، فيكون الإخبار بمعنى الإنشاء ، كما في قوله سبحانه :( وَالمُطلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء ) (٥)

ــــــــــــــــ

(١) الطور : ٤٩

(٢) الحجّ : ١٨

(٣) البروج : ٢١ ـ ٢٢

(٤) عبس : ١٣ ـ ١٦

(٥) البقرة : ٢٢٨


ولو قيل برجوع الضمير إلى ( كتابٍ مَكنُون ) ، فيكون المعنى لا يمسّ الكتاب المَكنون إلاّ المطهَّرون

وربّما يُؤيَّد هذا الوجه بأنّ الآية سيقت تنزيهاً للقرآن من أن ينزل به الشياطين ، وأنّ محلّه لا يصل إليه ، فلا يمسّه إلاّ المطهّرون ، فيستحيل على أخابثِ خلق اللّه وأنجسِهم أن يصلوا إليه أو يَمسُّوه ، قال تعالى :( وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطين * وَما يَنْبَغي لَهُمْ وَما يَسْتَطيعُون ) (١)

د ـ( تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمين ) وهذا هو الّذي يُركِّز عليه القرآن في مواقف مختلفة ، وأنّه كتاب اللّه وليس من صنع البشر

وأمّا الصِلة بين القَسَمِ والمُقسَم به فهو واضح ؛ فلاَنّ النجوم بمواقعها ـ أي طلوعها وغروبها ـ يهتدي بها البشر في ظلمات البرِّ والبحر ، فالقرآن الكريم كذلك ، يهتدي به الإنسان في ظلمات الجهل والغَي ، فالنجوم مصابيح حسّية في عالم المادَّة ، كما أنّ آيات القرآن مصابيح معنويَّة في عالم المُجرَّدات

إكمال :

إنّه سبحانه قال :( فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُوم ) ، فالمراد منه القَسَم بلا شكّ ، بشهادة أنّه قال بعده :( وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظيم ) ، فلو كان معنى الآية هو نفي القَسَم ، فلا يُناسب ما بعده ؛ حيث يصفه بأنّه حلف عظيم

وقد اختلف المفسِّرون في هذه الآيات ونظائرها إلى أقوال :

١ ـ ( لا ) زائدة ، مثلها قوله سبحانه :( لئلاّ يَعْلَم )

٢ ـ أصلها ( لأُقسِمُ ) بلام التأكيد ، فلمّا أُشبعَت فتحتها صارت ( لا ) كما في الوقف

٣ ـ ( لا ) نافية ، بمعنى نفي المعنى الموجود في ذهن المُخاطَب ، ثُمّ الابتداء بالقَسَمِ ، كما نقول : لا واللّه ، لا صحَّة لقول الكفّار ، أُقسِم عليه

ــــــــــــــــ

(١) الشعراء : ٢١٠ـ٢١١


ثُمّ إنّه سبحانه يصف هذا القَسَم بكونه عظيماً ، كما في قوله :( وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) ، فقوله : ( عظيم ) وصف ( القَسَم ) ، أُخِّر لحفظِ فواصل الآيات

وهذا القَسَم هو القَسَم الوحيد الّذي وصفه سبحانه بأنّه عظيم

فالحديث هنا هو حديث على الأبعاد ، أبعاد النجوم عنّا وعن بعضها البعض ، في مجرّتنا وفي كلّ المَجرّات

ولأنّها كلّها تتحرَّك ، فإنّ الحديث عن مواقعها يصير أيضاً حديثاً على مداراتها ، وحركاتها الأُخرى العديدة ، وسرعاتها ، وعلى علاقاتها بالنجوم الأُخرى ، وعلى القوى العظيمة والحسابات المُعقَّدة الّتي وضعت كلّ نجم في موقعه الخاصّ به ، وحفظته في علاقات متوازنة دقيقة مُحكمَة ، فهي لا يعتريها الاضطراب ، ولا تتغيَّر سُنَنها وقوانينها ، وهي لا تسير خَبطَ عَشواء ، أو في مساراتٍ متقاطعةٍ أو متعارضة ، بل هي تسير كلّها بتساوق وتناغم ، وانسجام وانتظام تامّين دائمين ، آيات على قدرة القادر سبحانه(١)

يقول الفلكيُّون : إنّ من هذه النجوم والكواكب ـ الّتي تزيد على عدَّة بلايين نجم ـ ما يمكن روَيته بالعين المُجرَّدة ، وما لا يُرى إلاّ بالمجاهر والأجهزة ، وما يمكن أن تَحسَّ به الأجهزة دون أن تراه

هذه كلّها تسبحُ في الفلك الغامض ، ولا يوجد أيّ احتمال أن يقترب مجال مغناطيسي لنجمٍ من مجال نجمٍ آخر ، أو يصطدم كوكب بآخر ، إلاّ كما يُحتمَل تصادم مركب في البحر الأبيض المتوسّط بآخر في المحيط الهادي ، يسيران في اتّجاه واحد وبسرعة واحدة ، وهو احتمال بعيد ، وبعيداً جداً ، إن لم يكن مستحيلاً(٢)

ــــــــــــــــ

(١) أسرار الكون في القرآن : ١٩٢

(٢) اللّه والعلم الحديث : ٢٤


الفصل الثامن : القَسَمُ بالسماءِ ذات الحُبُك

حَلَفَ سبحانه في سورة الذاريات بأُمورٍ خمسة ، وجعل للأربعة الأُوَل جواباً خاصّاً ، كما جعل للخامس من الأقسام جواباً آخر ، وبما أنّ المُقسَم عليه مُتعدِّد ؛ فصلنا القَسَم الخامس عن الأقسام الأربعة ، وعقدنا له فصلاً في ضمن فصول القَسَمِ المُفرَد

قال سبحانه :( وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ) (١)

ترى أنّه ذكر للأقسام الأربعة جواباً خاصاً ، أعني قوله :( إِنّما تُوعَدُون لَصادِق * وانّ الدِّين لواقِع )

ثُمّ شرع بحلفٍ آخر ، وقال :( وَالسَّماءِ ذات الحُبُكِ * إِنَّكُم لَفِي قَولٍ مُختَلِف ) (٢)

فهناك قَسَم خامس وهو : ( والسماء ذات الحُبُك ) ، وله جواب خاصّ لا يمتّ لجواب الأقسام الأربعة ، وهو قوله :( إِنَّكُمْ لَفي قولٍ مختلِف )

ــــــــــــــــ

(١) الذاريات : ١ـ ٦

(٢) الذاريات : ٧ـ ٨


تفسير الآيات :

الحُبُك : جمع الحِباك ، كالكتب جمع كتاب ، تُستعمَل تارة في الطرائق ، كالطرائق الّتي تُرى في السماء ، وأُخرى في الشَعْرِ المجعد ، وثالثة في حُسن أثرِ الصنعة في الشيء واستوائه

قال الراغب :( والسَّماء ذات الحُبُك ) أي : ذات الطرائق ، فمن الناس مَن تصوّر منها الطرائق المحسوسة بالنجوم والمجرّة

ولعلّ المراد منه هو المعنى الأوّل ، أي : السماء ذات الطرائق المختلفة ، ويؤيّده جواب القَسَم ، وهو اختلاف الناس وتشتُّت طرائقهم ، كما في قوله :( إنّكم لفي قولٍ مختلِف )

وربّما يحتمل أنّ المراد هو المعنى الثالث ، أي : أُقسم بالسماء ذات الحُسنِ والزينة ، نظير قوله تعالى :( إِنّا زَيَّنا السَّماءَ الدُّنيا بزِينةٍ الكَواكِب ) .(١)

ولكنّه لا يناسبه الجواب ، إذ لا يصحّ أن يحلفَ حالِف بالأمواج الجميلة الّتي ترتَسِم بالسُحب أو بالمجرّات العظيمة ، الّتي تبدو كأنّها تجاعيد الشَعْرِ على صفحة السماء ، ثُمّ يقول :( إِنّكم لفي قولٍ مختلِف ) ، أي : إنّكم متناقضون في الكلام

وعلى كلّ حال ، فالمُقسَم عليه هو : التركيز على أنّهم متناقضون في الكلام ، فتارة ينسبون عقائدهم إلى آبائهم وأسلافهم ، فينكرون المعاد ، وأُخرى يستبعدون إحياء الموتى بعد صيرورتهم عظاماً رميم ، وثالثة يرفضون القرآن والدعوة النبويّة ويصفونه بأنّه قول شاعر ، أو ساحر ، أو مجنون ، أو ممّا علّمه بشر ، أو هي من أساطير الأوَّلين

وهذا الاختلاف دليل على بطلان ادّعائكم ، إذ لا تعتمدون على دليلٍ خاصّ ، فانّ تناقض المُدَّعي في كلامه أقوى دليل على بطلانه ونفاقه

ــــــــــــــــ

(١) الصافّات : ٦


ثُمّ إنّه سبحانه يقول : إنّ الإعراض عن الإيمان بالمعاد ليس أمراً مختصَّاً بشخصٍ أو بطائفة ، بل هو شيمة كلّ مُخالِف للحقِّ يقول :( يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ) . (١)

والأفْك : الصَرف ، والضمير في ( عنه ) يرجع إلى الكتاب ، من حيث اشتماله على وعد البأس والجزاء ، أي : يُصرَف عن القرآن من صُرف وخالفَ الحقّ

وأمّا الصِلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه فقد ظهر ممّا ذكرنا ؛ لما عرفتَ من أنّ معنى الحُبُك هو الطرائق المختلفة المتنوِّعة ، فناسب أن يحلفَ به سبحانه على اختلافهم وتشتّت آرائهم ، في إنكارهم نبوّة النبي ورسالته ، والكتاب الّذي أُنزل معه ، والمعاد الّذي يدعو إليه

ــــــــــــــــ

(١) الذاريات : ٩


القسم الثاني : القَسَم المُتَعدِّد

وفيه فصول :

الفصل الأوّل : القَسَم في سورة الصافّات

حلف سبحانه بالملائكة في السور الأربع التالية :

١ ـ الصافّات ، ٢ ـ الذاريات ، ٣ ـ المُرسلات ، ٤ ـ النازعات

وليس المُقسَم به هو لفظ المَلَكِ أو الملائكة ، وإنّما هو الصِفات البارزة للملائكة ، وأفعالها ، وإليك الآيات :

١ ـ( وَالصّافاتِ صَفّاً * فَالزّاجراتِ زَجْراً * فَالتّالياتِ ذِكراً *إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحد ) .(١)

٢ ـ( والذّارِياتِ ذَرْواً * فَالحامِلاتِ وِقْراً * فَالجارِياتِ يُسراً * فَالمُقَسِّماتِ أَمْراً * إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادق * وَانَّ الدِّين لواقع ) (٢)

٣ ـ( وَالْمُرسَلات عُرفاً * فَالعاصِفاتِ عَصْفاً * وَالنّاشراتِ نَشْراً * فالفارِقات فَرقاً * فالمُلقِياتِ ذِكراً * عُذراً أَو نُذراً * إنّما تُوعَدُونَ لَواقِع ) (٣)

ــــــــــــــــ

(١) الصافّات : ١ـ٤

(٢) الذاريات : ١ـ٦

(٣) المُرسَلات : ١ـ٧


٤ ـ( وَالنّازِعاتِ غَرْقاً * وَالنّاشِطاتِ نَشْطاً * وَالسّابِحاتِ سَبْحاً * فَالسّابِقاتِ سَبْقاً * فَالمُدَبِّراتِ أَمْراً * يَوْمَ تَرجُف الراجِفَة * تَتْبَعُها الرّادِفَة ) (١)

وهانحن نبحث عن أقسام سورة الصافّات والذاريات في فصلَين مُتتالين ، ونُحيل بحث أقسام سورة المُرسَلات والنازعات إلى محلّها ، حسب ترتيب السور

وقبل الخوض في تفسير الآيات ، نُقدِّم شيئاً من التوحيد في التدبير :

إنّ من مراتب التوحيد في الربوبيّة التدبير ، بمعنى أنّه ليس للعالم مُدبِّر سواه ، يقول سبحانه :( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) (٢)

فصَدر الآية يُركّز على حصر الخالق في اللّه ، كما يُركِّز على أنّه هو المُدبّر ، وأنّه لو كان هناك سبب في العالم ( شفيع ) فإنّما هو يؤثَر بإذنه سبحانه ، فاللّه هو الخالق وهو المُدبِّر ، قال سبحانه :( اللّهُ الّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْر عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ يَجرِي لأجَلٍ مُسمّى يُدبِّرُ الأمْرَ يُفصِّلُ الآيات لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُون ) (٣)

ويظهر من الآيات الكريمة أنّ العرب في العصر الجاهلي كانوا موحّدين في الخالقيّة ، ولكن مشركين في الربوبيَّة والتدبير ، وكانوا ينسبون التدبير إلى الآلهة المكذوبة ، ولذلك قرَّر سبحانه في الآيتين كلتا المرتبتين من التوحيد ، وأنّه خالق ، وأنّه مُدبِّر ، غير أنّ معنى التدبير في التوحيد ليس عزل العِلل والأسباب المادِّية والمجرَّدة في تحقّق العالم وتدبيره ، بل المراد أنّ للكون مُدبِّراً قائماً بالذات ، مُتصرفاً كذلك ، لا يشاركه في التدبير شيء ، ولو كان هناك مُدبِّر وحافظ ، فإنّما هو يُدبِّر بأمره وإذنه

ــــــــــــــــ

(١) النازعات : ١ـ٧

(٢) يونس : ٣

(٣) الرعد : ٢


فعندما يُحصر القرآن الكريم التدبير في اللّه ، يريد التدبير على وجه الاستقلال ، أي : مَن يُدبِّر بنفسه غير مُعتمِد على شيء ، وأمّا المُثبّت لتدبير غيره ، فالمراد منه أنّه يُدبِّر بأمره وإذنه ، وحوله وقوَّته ، على النحو التَبَعِي ، فكلّ مُدبِّر في الكون فهو مَظْهرُ أمره ومُنفِّذ إرادته ، وقد أوضحنا ذلك في الجزء الأوّل من مفاهيم القرآن

ويظهر من غير واحد من الآيات ، أنّ الملائكة من جنوده سبحانه ، وأنّها وسائط بين الخالق والعالَم ، وأنّهم يقومون ببعض الأعمال في الكون بأمر من اللّه سبحانه ، وستتَّضح لك أعمالهم في إدارة الكون في تفسير هذه الآية

إنّ للعلاّمة الطباطبائي كلاماً في كون الملائكة وسائط بينه سبحانه و بين الأشياء ، حيث يقول : الملائكة وسائط بينه تعالى و بين الأشياء بِدءاً وعَوداً ، على ما يعطيه القرآن الكريم ، بمعنى أنّهم أسباب للحوادث فوق المادِّية في العالم المشهود ، قبل حلول الموت والانتقال إلى نشأة الآخرة وبعده

أمّا في العود ، أعني : حال ظهور آيات الموت ، وقبض الروح ، وإجراء السؤال ، وثواب القبر وعذابه ، وإماتة الكلّ بنَفْخِ الصور وإحيائهم بذلك ، والحشر وإعطاء الكتاب ، ووضع الموازين والحساب ، والسَوْق إلى الجنَّة والنار ، فوساطتهم فيها غنيّة عن البيان ، والآيات الدالَّة على ذلك كثيرة لا حاجة إلى إيرادها ، والأخبار المأثورة فيها عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأئمّة أهل البيتعليهم‌السلام فوق حدِّ الإحصاء

وكذا وساطتهم في مرحلة التشريع من النزول بالوحي ، ودفع الشياطين عن المُداخلة فيه ، وتسديد النبي وتأييد المؤمنين ، وتطهيرهم بالاستغفار


وأمّا وساطتهم في تدبير الأمور في هذه النشأة ، فيدلّ عليها ما في مُفتَتح هذه السورة ، من إطلاق قوله :( والنازِعاتِ غَرقاً * وَالناشِطاتِ نَشطاً * وَالسّابِحاتِ سَبحاً * فَالسابِقاتِ سَبْقاً * فَالمُدبِّراتِ أَمْراً ) (١)

الصافّات والقَسَم بالملائكة :

لقد حلف سبحانه بوصف من أوصاف الملائكة وقال :

أ ـ( وَالصّافّاتِ صَفّاً )

ب ـ( فَالزّاجِراتِ زَجْراً )

ج ـ( فالتّاليات ذِكراً * إِنَّ إلهَكُم لواحِد ) (٢)

وكلّ هذه الثلاثة مُقسَم به ، والمُقسَم عليه هو قوله :( إِنَّ إلهكم لواحد )

وإليك تفسير المُقسَم به فيها :

فالصافّات : جمع صافَّة ، وهي من الصفِّ بمعنى جعل الشيء على خطٍّ مستوٍ ، يقول سبحانه :( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفّاً ) (٣)

والزاجرات : من الزَجْرِ ، بمعنى الصرفِ عن الشيء بالتخفيف والنهي

والتاليات : من التلاوة ، وهي جمع تالٍ أو تالية

غير أنّ المهمّ بيان ما هو المقصود من هذه العناوين ، ولعلّ الرجوع إلى القرآن الكريم يُزيح الغموض عن كثير منها

ــــــــــــــــ

(١) الميزان : ٢٠/١٨٢ـ ١٨٣

(٢) الصافّات : ١ـ٤

(٣) الصف : ٤


يقول سبحانه حاكياً عن الملائكة :( وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُوم * وَإِنّا لَنَحْنُ الصّافُّون * وَإِنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُون ) (١)

فينطبق على الملائكة أنّهم الصافّون حول العرش ، ينتظرون الأمر والنهي من قبل اللّه تعالى

نعم ، وصفَ سبحانه الطير بالصافّات وقال :( وَالطَّيرَ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسبِيحَهُ ) (٢) ، وقال :( أَوَ لَمْ يَرَوا إِلَى الطَّيْرِ صافّاتٍ وَيَقْبضْنَ ) (٣) ، كما أمر سبحانه على أن تُنحر البُدن وهي صوافّ ، قال سبحانه :( وَالبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ لَكُمْ فِيها خَيرٌ فاذْكُرُوا اسمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافّ ) (٤)

والمعنى : أن تُعقَل إحدى يديها وتقوم على ثلاث ، فتُنحَر كذلك ، فيُسوّى بين أظلفتها لئلاّ يتقدَّم بعضها على بعض

وعلى كلّ تقدير ، فمن المحتمَل أن يكون المحلوف به هو الملائكة صافّات ، ويمكن أن يكون المحلوف به كلّ ما أطلق عليه القرآن ذلك الاسم ، وإن كان الوجه الأوّل هو الأقرب

وأمّا الثانية ، أي الزاجرات : فليس في القرآن ما يدلّ على المقصود به ، فلا محيص من القول بأنّ المراد : الجماعة الّذين يزجرون عن معاصي اللّه ، ويحتمل أن ينطبق على الملائكة ، حيث يزجرون العباد عن المعاصي بالإلهام إلى قلوب الناس

قال سبحانه : ( وَما أُنْزِلَ عَلى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ) (٥) ، كما أنّ الشياطين يوحون إلى أوليائهم بالدعوة إلى المعاصي

ــــــــــــــــ

(١) الصافّات : ١٦٤ـ ١٦٦

(٢) النور : ٤١

(٣) المُلك : ١٩

(٤) الحجّ : ٣٦

(٥) البقرة : ١٠٢


قال سبحانه :( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) (١)

والتاليات : هنّ اللواتي يتلون الوحي على النبي المُوحى إليه

فالمرادُ من الجميع الملائكة

وثَمَّة احتمال آخر ، وهو أنّ المراد من الصفات الثلاث هم العلماء ، فإنّهم هم الجماعة الصافّة أقدامها بالتهجّد وسائر الصلوات ، وهم الجماعة الزاجرة بالمواعظ والنصائح ، كما أنّهم الجماعة التالية لآيات اللّه والدارِسة شرائعه

كما أنّ ثَمّة احتمالاً ثالثاً ، وهو أنّ المراد هم الغزاة في سبيل اللّه ، الّذين يصفّون أقدامهم ، ويزجرون الخيل إلى الجهاد ، ويتلون الذكر ، ومع ذلك لا يشغلهم تلك الشواغل عن الجهاد

وأمّا المُقسَم عليه : فهو قوله سبحانه :( إِنَّ إِلهكم لَواحد )

والصِلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه : هي أنّ الملائكة أو العلماء أو المجاهدين الّذين وصفوا بصفات ثلاث ، هم دعاة التوحيد وروّاده ، وأبرز مصاديق من دعا إلى التوحيد على وجه الإطلاق ، وفي العبادة خاصّة

ــــــــــــــــ

(١) الأنعام : ١١٢


الفصل الثاني : القَسَم في سورة الذاريات

لقد حلف سبحانه بأُمور أربعة مُتتابعة وقال :

( وَالذّارِياتِ ذَرْواً )

( فَالحامِلاتِ وِقْراً )

( فَالجارِياتِ يُسْراً )

( فَالمُقسِّمات أمراً * إِنّما تُوعدونَ لصادِقٌ * وإنَّ الدِّينَ لَواقِع ) (١)

ثُمّ حلف بخامس فرداً ، أي قوله :( وَالسَّماءِ ذاتِ الحُبُك )

أمّا الأوّل ، أعني :( والذارِيات ذَرواً ) : فهي جمع ذارية ، ومعناها الريح الّتي تنشر شيئاً في الفضاء ، يقول سبحانه :( فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ) (٢) ، ولعلّ هذه قرينة على أنّ المراد من الذاريات هي الرياح

وأمّا الحاملات : فهي من الحِمل ، والوِقرـ على زنة الفِكْر ـ ذو الوزن الثقيل

والمراد منه : السحب ، يقول سبحانه :( هُوَ الَّذي يُريكُمُ البَرقَ خَوفاً وَطَمَعاً وَيُنشىَُ السَّحابَ الثِّقال ) (٣) ، وقال سبحانه :( حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ

ــــــــــــــــ

(١) الذاريات : ١ـ٦

(٢) الكهف : ٤٥

(٣) الرعد : ١٢ .


مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الماء ) (١)

وأمّا الجاريات ، فهي جمعُ جارية ، والمراد بها السُفن ، بشهادة قوله سبحانه :( حَتّى إِذا كُنْتُمْ في الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة ) (٢) ، وقال :( وَالفُلْكِ الّتي تَجْري فِي البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاس ) (٣) ، وقال سبحانه :( إِنّا لَمّا طَغا الماءُ حَمَلْناكُمْ في الجارِيَة ) (٤)

وأمّا المُقسِّمات ، فالمراد الملائكة الّتي تُقسَّم الأرزاق بواسطتها ، الّتي ينتهي إليه التقسيم

يقول العلاّمة الطباطبائي : وإقسام بالملائكة الّذين يعملون بأمره ، فيقسِّمونه باختلاف مقاماتهم ، فانّ أمر ذي العرش بالخلق والتدبير واحد ، فإذا حمله طائفة من الملائكة ، على اختلاف أعمالهم ، انشعب الأمر وتقسَّم بتقسيمهم ، ثُمّ إذا حمله طائفة هي دون الطائفة الأُولى تَقسَّم ثانياً بتقسيمهم وهكذا ، حتى ينتهي إلى الملائكة المباشرين للحوادث الكونيّة الجزئية ، فيَنقسم بانقسامها ويتكثّر بتكثُّرها

والآيات الأربع تُشير إلى عامّة التدبير ، حيث ذكرت أنموذجاً ممّا يدبَّر به الأمر في البرِّ ، وهو الذاريات ذرواً ، وأنموذجاً ممّا يدبَّر به الأمر في البحر ، وهو الجاريات يسراً ، وأنموذجاً ممّا يدبَّر به الأمر في الجوّ ، وهو الحاملات وقراً ، وتمَّم الجميع بالملائكة الّذين هم وسائط التدبير ، وهم المقسِّمات أمراً

فالآيات في معنى أن يقال : أُقسم بعامَّة الأسباب الّتي يتمَّم بها أمر التدبير في العالم ، أن كذا كذا.

ــــــــــــــــ

(١) الأعراف : ٥٧

(٢) يونس : ٢٢

(٣) البقرة : ١٦٤

(٤) الحاقّة : ١١


وقد ورد من طرق الخاصّة والعامّة عن عليعليه‌السلام تفسير الآيات الأربع(١)

وبذلك يُعلَم قيمة ما روي عن الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام في تفسير الآية ، عندما سأله ابن الكوا عن هذه الأقسام الأربعة ـ وهو يخطب على المنبر ـ ، فقال :

قال : ما الذاريات ذرواً ؟

قال عليه‌السلام : الرياح . قال : فالحاملات وقراً ؟

قال عليه‌السلام : السَحاب قال : فالجاريات يسراً ؟

قال عليه‌السلام : السُفن قال : فالمقسِّمات أمراً ؟

قال عليه‌السلام : الملائكة .

ثُمّ إنّه سبحانه حلفَ بالذاريات بواو القَسَم ، وحلف بالثلاثة بعطفها على الذاريات بالفاء ، فيحمل المعطوف معنى القَسَمِ أيضاً

هذا كلّه حول المُقسَم به

وأمّا المُقسَم عليه : هو قوله :( إِنّما تُوعَدُونَ لَصادِق * وَإِنَّ الدِّين لواقِع ) ، أي إنّما توعدون من الثواب و العقاب والجنّة والنار لصادق ، أي : صِدقٌ لابدّ من كونه ، فهو اسم الفاعل موضع المصدر ، وإنّ الدِّين أي : الجزاء لواقع ، والحساب لكائن يوم القيامة

وعلى ذلك ،( إِنَّما تُوعَدونَ لَصادق ) جواب القَسَم ، وقوله :( إنّ الدِّين لواقِع ) معطوف عليه بمنزلة التفسير ، والمعنى : أُقسِم بكذا وكذا ، إنّ الّذي توعدونه من يوم البعث ، وإنّ اللّه سيجزيهم فيه بأعمالهم ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشرّ ، لَصادِق وإنّ الجزاء لواقِع(٢)

ــــــــــــــــ

(١) الميزان : ١٨/٣٦٥

(٢) الميزان : ١٨/٣٦٦


وأمّا وجه الصِلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه هو ، أنّه سبحانه أقسمَ بعامّة الأسباب الّتي يتمّ بها أمر التدبير في العالم ، لغايةِ أنّ هذا التدبير ليس سُدى وبلا غاية ، والغاية هي يوم الدِّين والجزاء ، وعود الإنسان إلى المعاد ، إذ لولا الغاية ، لأصبح تدبير الأمر في البرّ والبحر والجوّ وتدبير الملائكة ، شيئاً عبثاً بلا غاية ، فهو سبحانه يحاول أن يُبيِّن أنّما يقوم به من أمر التدبير لغاية البعث ، وانتقال الإنسان من هذه الدار إلى دار أُخرى هي أكمل

وفي ختام البحث نودّ أن ننقل شيئاً عن عظمة الرياح والسحاب ، والّتي كشف عنها العلم الحديث فالرياح هي حركة الهواء الموجود في الطبقات السفلى من الجوِّ ، إذا سارت متوازية مع سطح الأرض ، وتختلف سرعة الرياح حتى تصل إلى مئة كيلومترٍ في الساعة ، فتُسمَّى زوبعة ، وإذا زادت على مئة ، سُمّيَت إعصاراً ، وقد تصل سرعة الإعصار إلى ٢٤٠ كيلومتراً في الساعة

والرياح هي العامل المهمّ في نقل بخار الماء وتوزيعه ، وتكاثف هذا البخار في الهواء بالتبريد ، بعد أن تصل حالته إلى ما فوق التشبُّع تتكوّن السُحب ويختلف ارتفاع السُحب على حسب نوعها ، فمنها ما يكون على سطح الأرض كالضباب ، ومنها ما يكون ارتفاعه بعيداً إلى أكثر من ١٢ كيلومترا كسَحاب السيرس الرقيق وعندما تكون سرعة الرياح الصاعدة أكثر من ثلاثين كيلومتراً في الساعة ، لا يمكن نزول قطرات المَطر المتكوِّن ؛ وذلك بالنسبة لمقاومة هذا الريح لها ، ورفعها معه إلى أعلى ، حيث ينمو حجمها ، ويزداد قطرها ومتى بلغت أقطار النقط نصف سنتيمتر ، تتناثر إلى نقط صغيرة ، لا تلبث أن تكبر بدورها ، ثُمّ تتجزّأ بالطريقة السابقة وهكذا

وكلمّا تناثرت هذه النقط ، تُشحَن بالكهرباء الموجبة وتنفصل الكهرباء السالبة الّتي تحمل الرياح.

وبعد مُدَّة تصير السُحب مشحونة شحناً وافراً بالكهرباء ، فعندما تقترب الشُحنتان بعضهما من بعض ـ بواسطة الرياح كذلك ـ يتمّ التفريغ الكهربائي ، وذلك بمرور شرارة بينهما ، ويستغرق وَميض البرق لحظة قصيرة ، وبعده يُسمَع الرَعد ، وهو عبارة عن : الموجات الصوتيَّة الّتي يُحدِثها الهواء ، وما هي إلاّ بُرهة حتى تُخيِّم على السماء سحابة المطر القاتمة اللون ، ثُمّ تظهر نقط كبيرة من الماء تسقط على الأرض ، وفجأة يشتدّ المطر ويستمرّ حتى تأخذ الأرض ما قدَّر اللّه لها من الماء(١)

ــــــــــــــــ

(١) اللّه والعلم الحديث : ١٣٥ـ ١٣٦


الفصل الثالث : القَسَم في سورة الطُور

حلف سبحانه في سورة الطور بأُمور ستّة وقال :

( وَالطُّور * وَكِتابٍ مَسْطُور * في رقٍّ مَنْشُور * وَالْبَيتِ المَعْمُور * وَالسَّقْفِ المَرْفُوع * وَالْبَحْرِ المَسْجُور * إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِع * ما لَهُ مِنْ دافِع ) (١)

تفسير الآيات :

الطُور : اسم جبل خاصّ ، بل اسم لكلِّ جبل ، ولو قلنا بصحّة الإطلاق الثاني ، فالمراد الجبل المخصوص بهذه التسمية ، لا كلّ جبل ؛ بشهادة كونه مقروناً بالألف واللام

ومَسطور : من السَطر ، وهو الصفّ من الكتابة ، يُقال : سطَّر فلان كذا ، أي : كتب سطراً سطراً

والظاهر أنّ المراد من ( مَسطور ) هنا هو المُثبّت بالكتابة ، قال سبحانه :( كانَ ذلِكَ في الكِتابِ مَسْطُوراً ) ( أي : مُثبَّتاً ومحفوظاً )

و رَقّ : ما يُكتَب فيه ، ( شبه الكاغَد )

ــــــــــــــــ

(١) الطور : ١ـ ٨


ومنشور : من النَشْرِ ، وهو البَسط والتفريق ، يقال : نشر الثوب والصحيفة وبسطَهما ، قال سبحانه :( وَإِذا الصُّحُف نُشرَت ) ، وقال :( وَإِلَيْهِ النُّشور )

والمَسجُور : من السَجر وهو : تَهييج النار ، يقال : سَجرتُ التنّور ، ومنه البحر المَسجور ، وقوله :( وإِذَا البِحارُ سُجِّرت ) ، وربّما يُفسَّر المسجور بالمملوء

والمراد من الطُور ـ كما تشهد به القرائن ـ : هو الجبل المعروف الّذي كلّم اللّه فيه موسىعليه‌السلام ، ولعلّه هو جبل طور سينين ، قال سبحانه :( وَطُورِ سِينِين ) (١) ، وقال سبحانه :( وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ ) (٢) ، وقال في خطابه لموسىعليه‌السلام :( فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالواد المُقدَّس طُوىً ) (٣)

وقال سبحانه :( نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ ) (٤)

وهذه الآيات تُثبِت أنّ المُقسَم به جبل مُعيَّن ، ومع الوصف يحتمل أن يُراد مطلَق الجبل ؛ لما أُودع فيه من أنواع نعمه ، قال تعالى :( وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوقِها وَبارَك فِيها ) (٥)

والمراد من كتاب مَسطور : هو القرآن الكريم ، الّذي كان يُكتَب في الورق المأخوذ من الجِلد

وأمّا وصفه بكونه منشوراً ، مع أنّ عظمة الكتاب بلفظه ومعناه لا بخطِّه ووَرَقه ، هو الإشارة إلى الوضوح ؛ لاَنّ الكتاب المَطوي لا يُعلَم ما فيه ، فقال هو فيرَقٍّ منشور ، وليس كالكتب المَطويَّة ،

ــــــــــــــــ

(١) التين : ٢

(٢) مريم : ٥٢

(٣) طه : ١٢

(٤) القَصص : ٣٠

(٥) فُصّلت : ١٠


ومع ذلك ، يُحتمَل أن يُراد منه صحائف الأعمال ، وقد وصفه سبحانه بكونه منشوراً وقال : ( وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتاباً يَلقاهُ مَنْشُوراً ) (١) ، كما يُحتمَل أن يراد منه اللوح المحفوظ ، الّذي كتب اللّه فيه ما كان وما يكون وما هو كائن ، تقرأه ملائكة السماء

وهناك احتمال رابع ، وهو أنّ المراد هو التوراة ، وكانت تُكتَب بالرَقِّ وتُنشَر للقراءة ، ويُؤيّده اقترانه بالحلفِ بالطُور

وأمّا البيت المعمور : فيحتمل أن يراد منه الكعبة المُشرَّفة ، فإنّها أوّل بيت وُضع للناس ، ولم يزل معموراً منذ أن وضع إلى يومنا هذا ، قال تعالى :( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذي بِبَكَّة مُباركاً وَهُدى لِلْعالَمين ) (٢)

ولعلّ وصفه بالعمارة لكونه معموراً بالحجّاج الطائفين به والعاكفين حوله

وقد فُسِّر في الروايات ببيتٍ في السماء إزاء الكعبة ، تزوره الملائكة ، فوصفه بالعمارة لكَثرةِ الطائفين به

والسَقف المرفوع : والمراد منه هو السماء ، قال سبحانه :( والسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعََ الْمِيزان ) (٣)

وقال :( اللّهُ الّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْر عَمَدٍ تَرَونَها ) (٤)

قال سبحانه :( وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعرِضُون ) .(٥)

ولعلّ المراد هو البحر المحيط بالأرض ، الّذي سيلتهب قبل يوم القيامة ثُمّ ينفجر

ــــــــــــــــ

(١) الإسراء : ١٣

(٢) آل عمران : ٩٦

(٣) الرحمن : ٧

(٤) الرعد : ٢

(٥) الأنبياء : ٣٢


قال سبحانه :( وَإِذَا البِحارُ سُجِّرَت ) (١) ، وقال تعالى :( وَإِذَا البِحارُ فُجِّرَت ) (٢)

ثُمّ إنّ هذه الأقسام الثلاثة الأُولى يجمعها شيء واحد ، وهو صِلتها بالوحي وخصوصيّاته ، حيث أنّ الطور هو محلّ نزول الوحي ، والكتاب المسطور هو القرآن أو التوراة ، والبيت المعمور هو الكعبة أو البيت الّذي يطوف به الملائكة ، الّذين هم رُسل اللّه

وأمّا الاثنان الآخران ، أعني : السَقف المرفوع والبحر المَسجور ، فهما من الآيات الكونيّة ، ومن دلائل توحيده ووجوده وصفاته

لكنّ الرازي ذهب إلى أنّ الأقسام الثلاثة الّتي بينها صِلة خاصّة ، هي : ( الطُور والبيت المعمور والبحر المسجور ) ، وإنّما جمعها في الحلف بها ؛ لأنّها أماكن لثلاثة أنبياء ، ينفردون بها للخلوة بربِّهم ، والخلاص من الخلق ، والخطاب مع اللّه

أمّا الطُور فانتقل إليه موسى ، والبيت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والبحر المَسجور يونسعليه‌السلام ، وكلٌّ خاطب اللّه هناك ، فقال موسى :( أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاء ) (٣) ، وقال أيضاً :( أرِني أنظر إليك ) ، وأمّا نبيّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال :( السلامُ علينا وعلى عبادِ اللّه الصالحين ، لا أُحصي ثناء عليك كما أثنيتَ على نفسك ) ، وأمّا يونس فقال :( لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمين ) (٤)

فصارت الأماكن شريفة بهذه الأسباب ، وحلف اللّه تعالى بها

وأمّا ذكر الكتاب ؛ فانّ الأنبياء كان لهم في هذه الأماكن مع اللّه تعالى كلام ، والكلام في الكتاب واقترانه بالطُور أدلّ دليل على ذلك ؛ لاَنّ موسىعليه‌السلام كان له مكتوب ينزل عليه وهو بطُور

ــــــــــــــــ

(١) التكوير : ٦

(٢) الانفطار : ٣

(٣) الأعراف : ١٥٥

(٤) الأنبياء : ٨٧


وأمّا ذكر السَقف المرفوع ومعه البيت المعمور ؛ ليُعلَم عظمة شأن محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١)

وأمّا المُقسَم عليه ، فهو قوله :( إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِع * ما لَهُ مِنْ دافِع ) (٢)

وأمّا وجه الصِلة بين المُقسَم به ـ على تعدّده ـ والمُقسَم عليه ، هو أنّ المُقسَم عليه عبارة عن وقوع العذاب لا محالة ، وعدم القدرة على دفعه

فإذن ، ناسب أن يقسم بالكتاب ـ أي : القرآن ـ والتوراة اللَذين جاء فيهما أخبار القيامة وحتميَّتها

كما ناسب أن يحلف بمظاهر القدرة وآيات العظمة ، كالسقف المرفوع والبحر المسجور ، حتى يُعلَم أنّ صاحب هذه القدرة لقادر على تحقيق هذا الخبر ، وهو عبارة عن أنّ عذابه لواقِع ، وليس له دافع

ويكفيك في بيان عظمة البحار أنّها تشغل حيّزاً كبيراً من سطح الأرض ، يبلغ نحو ثلاثة أرباعه ، وتختلف صفات الماء عن الأرض بسهولة تدفّقه من جهة إلى أُخرى ، حاملاً الدفء أو البرودة ، وله قوّة انعكاس جيّدة لشعاع الشمس ، ولذا فإنّ درجة حرارة البحار لا ترتفع كثيراً أثناء النهار ، ولا تنخفض بسرعةٍ أثناء الليل ، فلا تختلف درجة الحرارة أثناء الليل عن النهار بأكثر من درجتين فقط

ويقول أحد العلماء : إنّ البحر يُباري الزمان في دوامه ، ويُطاول الخلود في بقائه ، تمرّ آلاف الأعوام ، بل وعشرات الأُلوف والملايين ، وهو في يومه هو أمْسه وغَده ، تنقلب الجبال أوديَة ، والأوديَة جبالاً ، ويتحوّل التراب شجراً ،والشجر تراباً ، والبحر بحرٌ ، لا يتحوّل ولا يتغيَّر

ــــــــــــــــ

(١) تفسير الفخر الرازي : ٢٨/٢٤٠

(٢) الطور : ٧ـ ٨


وقد دلَّت الأبحاث العلميّة أنّ أقصى أعماق البحار تُعادل أقصى علوّ الجبال(١)

كما ناسب أن يحلف بالطور ؛ لاَنّ بعض المجرمين كانوا يتصوّرون أنّ الجبال الشاهقة ستدفع عنهم عذاب اللّه ، كما قال ابن نوحعليه‌السلام ( سَآوي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُني مِنَ الماء ) ، قال :( لا عاصِمَ اليَوم مِنْ أَمْرِ اللّه إِلاّ مَنْ رَحِمَ ) (٢)

فحلف بالطُور إيذاناً إلى هذه الحقيقة ، وهي أنّ هذه الجبال أقلّ من أن تدفع العذاب ، أو تَحوْل بين اللّه ووقوع المعاد

كما يمكن أن يكون الحلف بالطُور لأجل كونه آية من آيات اللّه الدالّة على قدرته ، الّتي لا يحوْل بينه و بين عذابه شيء

ــــــــــــــــ

(١) اللّه والعلم الحديث : ٧٥

(٢) هود : ٤٣


الفصل الرابع : القَسَم في سورة القَلَم

حلف سبحانه بالقلم وما يسطرون معاً ، مرّة واحدة ، وقال :( ن والقَلَمِ وَما يَسْطُرُون * ما أَنْتَ بِنعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُون * وَإِنَّكَ لَعلى خُلُقٍ عَظيم ) (١)

وقبل تفسير الآيات ، نُقدّم شيئاً وهو : أنّ لفظة ( ن ) من الحروف المُقطّعة ، وقد تقدَّم تفسيرها

وهناك وجوه أُخرى نذكرها تباعاً :

أ ـ ( ن ) هو السمكة الّتي جاء ذكرها في قصّة يونسعليه‌السلام ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً ) (٢)

ب ـ إنّ المراد به هو الدواة ، ومنه قول الشاعر :

إذا ما الشَوقُ يَرجِع بي إليهِم

ألقتُ النُون بالدَمْعِ السُجُوْم

ج ـ إنّ ( ن ) هو المداد الّذي تكتب به الملائكة

ولكنّ هذه الوجوه ضعيفة ؛ لاَنّ الظاهر منها أنّها مُقسَم به ، وعندئذٍ يجب أن يُجَرّ لا أن يُسَكَّن

يقول الزمخشري : وأمّا قولهم هو الدواة ، فما أدري أهو وضع لغوي أم شرعي ؟!

ولا يخلو إذا كان اسماً للدواة ، من أن يكون جنساً أو علماً ، فإن كان جنساً ، فأين الإعراب والتنوين ؟! وإن كان علماً فأين الإعراب ؟!

ــــــــــــــــ

(١) القلم : ١ـ ٤

(٢) الأنبياء : ٨٧


وأيّهما كان ، فلابُدّ له من موقع في تأليف الكلام(١)

وبذلك يُعلَم وجه تجريد ( ن ) عن اللاّم ، واقتران القَلمِ بها

تفسير الآيات :

١ ـ حلف سبحانه بالقلم وقال :( والقَلَمِ وما يسطُرون ) ، وهل المراد منه جنس القلمِ الّذي يَكتب به مَن في السماء ومَن في الأرض ؟!

قال تعالى :( وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) (٢)

فمنَّ سبحانه وتعالى بتيسير الكتابة بالقلم ، كما منَّ بالنُطق ، وقال :( خَلَقَ الإنسانَ * عَلَّمَهُ البَيان ) (٣)

فالقلم والبيان نعمتان كبيرتان ، فبالبيان يخاطب الحاضرين ، كما أنّه بالقلم يخاطب الغائبين ، فتمكّن بهما تعريف القريب والبعيد بما في قرارة ذهنه

وربّما قيل : إنّ المراد هو القلم المعهود الّذي جاء في الخبر :( إنّ أوّل ما خلق اللّه هو القلم ) ، ولكنّه تفسير بعيد عن أذهان المخاطبين في صدر الإسلام ، الّذين لم يكونوا عارفين بأوّل ما خلق اللّه ولا بآخره

ثُمّ إنّه سبحانه حلف بـ( ما يسطُرون ) ، فلو كانت ( ما ) مصدريّة ، يكون المراد ( وسَطْرهم ) ، فيكون القَسَم بنفس الكتابة

ــــــــــــــــ

(١) الكشّاف : ٤/١٢٦ ، تفسير سورة القلم

(٢) العلق : ٣ ـ ٥

(٣) الرحمن : ٣ ـ ٤


كما يحتمل أن يكون المراد المَسطور والمكتوب ، وعلى ذلك حلف سبحانه بجنس القلم وبجنس الكتابة ، أو بجنس المكتوب ، كأنّه قيل : ( أحلفُ بالقلم وسَطرهم ، أو مسطوراتِهم )

ثُمّ أنّ في الحلف بالقلم والكتابة والمكتوب إلماعاً إلى مكانة القلم والكتابة في الإسلام ، كما أنّ في قوله سبحانه :( علّمَ بالْقَلم ) إشارة إلى ذلك

والعجب أنّ القرآن الكريم نزل وَسطِ مجتمع سادَه التخلّف والجهل والأُميَّة ، وكان مَن يجيد القراءة والكتابة في العصر الجاهلي لا يتجاوز عدد الأصابع !

وقد سردَ البلاذري في كتابه ( فتوح البلدان ) أسماء سبعة عشر رجلاً في مكَّة ، وأحد عشر من يثرب(١)

وهذا ابن خلدون يحكي في مقدِّمته : أنّ عهد قريش بالكتابة لم يكن بعيداً ، بل كان حديثاً وقريباً بعهد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢)

ومع ذلك ، يعود القرآن ليؤكّد بالحلف بالقلم على مكانة القلم والكتابة في الحضارة الإسلاميّة ، وجعل في ظلّ هذا التعليم أُمّة متحضّرة ، احتلّت مكانتها بين الحضارات

وليس هذه الآية وحيدٌ نَسْجها في الدعوة إلى القلم والكتابة ، بل ثَمَّة آية أُخرى هي أكبر آية في الكتاب العزيز ، يقول سبحانه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ) (٣)

كما أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حثّ على كتابة حديثه ، الّذي هو المصدر الثاني بعد القرآن الكريم :

ــــــــــــــــ

(١) فتوح البلدان : ٤٥٧

(٢) مقدّمة ابن خلدون : ٤١٨

(٣) البقرة : ٢٨٢ .


١ ـ أخرج أبو داود في سُننه ، عن عبد اللّه بن عمرو ، قال : كنتُ أكتب كلّشيء أسمعه من رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أريد حفظه ، فنهتني قريش وقالوا : أتكتُب كلّ شيء تسمعه ورسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشر يتكلَّم في الغضب والرضا ؟! فأمسكتُ عن الكتابة ، فذكرت ذلك لرسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأومأ بإصبعه إلى فِيه وقال : ( اكتبْ ، فوالّذي نفسي بيدِه ، ما يخرج منه إلاّ حقّاً ) (١)

٢ ـ أخرج الترمذي في سُنَنه عن أبي هريرة ، قال : كان رجل من الأنصار يجلس إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيسمع من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحديث فيعجبه ولا يحفظه ، فشكا ذلك إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : يا رسول اللّه ، إنّي أسمع منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه ، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( استَعن بيمينِك ) وأومأ بيده للخطِّ(٢)

٣ ـ أخرج الخطيب البغدادي عن رافع بن خديج ، قال : مرّ علينا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً ، ونحن نتحدّث ، فقال :( ما تحدّثون ؟ )

فقلنا : نتحدّث عنك يا رسول اللّه

قال : ( تحدَّثوا ، وليَتبوّأ مَن كذّبَ عليّ مقعداً من جهنّم ) .

ومضى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحاجته ، ونكس القوم رؤوسهم فقال : ( ما شأنكم ، ألا تحدّثون ؟! ) .

قالوا : الّذي سمعنا منك يا رسول اللّه

قال : ( إنّي لم أُرد ذلك ، إنّما أردتُ مَن تعمَّد ذلك ) .

قال : فتحدَّثنا

قال : قلتُ : يا رسول اللّه ، إنّا نسمعُ منك أشياء فنكتبها

ــــــــــــــــ

(١) سُنن أبي داود : ٣/٣١٨ ، برقم : ٣٦٤٦ ، باب في كتابة العلم مسند أحمد : ٢/١٦٢. سُنَن الدارمي : ١/١٢٥ ، باب من رخص في كتابة العلم

(٢) سُنَن الترمذي : ٥/٣٩ ، برقم : ٢٦٦٦


قال : ( اكتبوا ولا حرج ) .(١)

وبعد هذه الأهمّيّة البالغة الّتي أولاها الكتاب العزيز والنبي للكتابة ، أفهل من المعقول أن يُنسَب إليه أنّه منع من كتابة الحديث ؟! مع أنّها أحاديث آحاد ، تضادّ الكتاب العزيز والسُنّة والسيرة المتواترة

ونجلُّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الحيلولة دون كتابة السُنّة

هذا والكلام ذو شجون ، وقد أسهبنا البحث حوله في كتاب ( الحديث النبوي بين الرواية والدراية )(٢)

هذا كلّه حول المُقسَم به

وأمّا المُقسَم عليه ، فقد جاء في قوله سبحانه :( ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون )

والمراد من النعمة : النبوّة والإيمان ، والباء للسَببيَّة ، أي : لستَ أنتَ بسبب هذه النعمة بمجنون ؛ ردّاً على مَن جعل نبوّته ونزول القرآن عليه دليلاً على جنونه ، قال سبحانه :( وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ) (٣)

ويُحتمل أن يكون المراد من النعمة كلّ ما تفضَّل عليه سبحانه من النِعَم وراء الإيمان والنبوّة ، كفصاحته ، وبلاغته ، وعقله الكامل ، وخُلقه الممتاز ، فإنّ هذه الصفات تُنافي حصول الجنون

واحتمل الرازي أن يكون جملة ( بِنعْمة رَبّك ) مقطوعة عمّا قبلها و ما بعدها ، وانّ وِزانها وزِان ( بحمد اللّه ) في الجمل التالية :

أنتَ ـ بحمدِ اللّه ـ عاقل

ــــــــــــــــ

(١) تقييد العلم : ٧٢و٧٣

(٢) انظر : صفحة ١٢ـ ٣٢ من نفس الكتاب

(٣) القلم : ٥١ـ ٥٢


أنتَ ـ بحمدِ اللّه ـ لستَ بمجنون

أنتَ ـ بنعمةِ اللّه ـ فَهيم

أنتَ ـ بنعمةِ اللّه ـ لستَ بفقير

وعلى هذا التقدير ، يكون معنى الآية : ( ما أنتَ ـ في ظلِّ نعمة ربِّك ـ بمجنون )(١)

وهناك احتمال ثالث ـ وهو نفس هذا الاحتمال ـ ، جعلَ الباء حرف القَسَم ، وعلى ذلك يكون الحلف مقروناً بالدليل ، وهو : أنّ مَن أُنعِم اللّه عليه بهذه النعم الإلهيّة ، كيف يتَّهمونه بالجنون

مضافاً إلى أنّ لك في الآخرة لأجراً غير ممنون ، كما قال سبحانه :( وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غير مَمنون ) ، والممنون مُشتقّ من مادّة ( مَنَّ ) بمعنى القطع ، أي الجزاء المتواصل إلى الأبد

ثُمّ إنّه سبحانه يستدلّ بدليل آخر على نزاهته من هذه التُهمة ، وهي قوله سبحانه :( وَإِنَّكَ لَعلى خُلقٍ عَظيم ) ، فمَن كان على خُلقٍ يعترف به القريب والبعيد ، فكيف يكون مجنوناً ؟!

فقد تجسَّم في شخصيّة الرسول العَطفُ والحنان إلى القريب والبعيد ، والصبر والاستقامة في طريق الهَدَف ، والعفو عن المُتجاوز بعد التمكّن والقُدرة ، والتجافي عن الدنيا وغرورها ، إلى غير ذلك من محاسن الأخلاق

وبذلك ظهر أنّ الحلف صار مقروناً بالدليل

وأمّا الصِلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه ، فهو أنّ القلم والكتابة آية العقل والدراية ، فحلف به لغاية نفي الجنون عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ــــــــــــــــ

(١) تفسير الفخر الرازي : ٢٩/٧٩


يقول المراغي : أقسَمَ رَبُّنا بالقلم وما يُسطَر به من الكتب : أنّ محمّداً ، الّذي أنعم اللّه عليه بنعمة النبوّة ، ليس بمجنون كما تدَّعون ، وكيف يكون مجنوناً والكتب والأقلام أُعدِّت لكتابة ما ينزل عليه من الوحي ؟!(١)

ونختم البحث بحديث رواه الشيخ يحيى البحراني عن النبيّ ، في كتابه ( الشهاب في الحِكم والآداب )

قال : قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( ثلاثةٌ تَخرِق الحُجبَ وتنتهي إلى ما بين يدي اللّه :

١ ـ صرير أقلام العلماء

٢ ـ وطء أقدام المجاهدين

٣ ـ صوت مغازل المُحسِنات ) (٢)

ــــــــــــــــ

(١) تفسير المراغي : ٢٩/٢٧

(٢) الشهاب في الحِكم والآداب : ٢٢


الفصل الخامس : القَسَمُ في سورة الحاقَّة

حلف سبحانه بما يُبصِر وبما لا يُبصِر ، قال سبحانه :( فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (١)

تفسير الآيات :

قوله :( بما تُبصِرون ومالا تُبصِرون ) يعمّ ما سوى اللّه ؛ لأنّه لا يخرج عن قسمين : مُبصِر ، وغير مُبصِر ، فيشمل الدنيا والآخرة ، والأجسام والأرواح ، والإنس والجنّ ، والنِعم الظاهرة والباطنة ، كما يشمل الخالق والمخلوق ، فانّ الخالق داخل في قوله : ومالا تُبصِرون ، وعلى هذا الوجه ، فقد حلف سبحانه بعالم الوجود وصحيفته

ولكن استبعده السيِّد الطباطبائي قائلاً : بأنّه من البعيد ، [ وليس ] من أدب القرآن أن يجمع الخالق والمخلوق في صفٍّ واحد ، ويُعظِّمه تعالى وما صنعَ ، تعظيماً مُشترَكاً في عرضٍ واحد(٢)

ــــــــــــــــ

(١) الحاقّة : ٣٨ـ ٤٣

(٢) الميزان : ١٩/٤٠٣


ولكن يُلاحَظ عليه : بأنّه سبحانه ربّما جمع بين نفسه والرسول ، وقال :( وَما نَقَمُوا إِلاّ أن أغناهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ) (١) ، وقوله سبحانه :( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤمِنُون ) (٢) ، إلى غير ذلك من الآيات فلاحظ

وأمّا المراد من قوله : ( لا ) ، فقد سبق كلام المُفسّرين في توجيهه ، وقد اخترنا أنّ قوله : ( لا ) ردّ لكلامٍ مسبوق أو مقدَّر ، ثُمّ يبتدئ بقوله أُقسِم

لقد أقسم سبحانه بشيء يخصّ البصر دون سائر الحواس وقال :( فلا أُقسِمُ بِما تُبصِرون وما لا تُبصِرون )

هو أقسَمَ بما نُبصِر ، وما أقلَّه ، وأقسَمَ بما لا نُبصِر وما أكثره وأعظم خطره ، أقسَمَ الحقُّ سبحانه هذا القَسَم العظيم بما له علاقة بالبَصَر ، ولم يُقسِم بغيره ممّا هو محسوس ؛ ذلك لأنّه رغم كونه يُعطينا أوسع إحساس وأبعده ، وأسرعه بما يحيط بنا ، فانّه رغم ذلك لا يصِلنا منه إلاّ أقلّ القليل

هذا كلّه حول المُقسَم به ، وأمّا المُقسَم عليه ، فهو قوله :( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ، فالمُقسَم عليه مركَّب من أُمور إيجابيّة ، أعني : ( كونه قول رسول كريم ، وأنّه تنزيل من ربِّ العالمين ) ، وسلبية وهي : ( أنّ القرآن ليس بقول شاعرٍ ولا كاهن )

إنّما الكلام في ما هو المراد من قوله : ( رسول كريم ) ، وقد ذُكر هذا أيضاً في سورة التكوير ، قال سبحانه :( إِنَّهُ لَقولُ رَسُولٍ كَريم * ذي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرشِ مَكِين * مُطاعٍ ثَمَّ أَمين * وما صاحِبكُمْ بِمَجْنُون *وَلَقد رَآهُ بالأُفُق المُبِين * وَما هُوَ عَلى الغَيْبِ بِضَنِين *وَما هُوَ بِقَولِ شَيْطانٍ رَجِيم ) (٣)

ــــــــــــــــ

(١) التوبة : ٧٤

(٢) التوبة : ١٠٥

(٣) التكوير : ١٩ـ ٢٥


ولا شكّ أنّ المراد من( رسول ) في سورة التكوير هو أمين الوحي جبرائيل ، بشهادة وصفه بقوله : ( ذي قُوّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكين )

مضافاً إلى قوله :( وَلَقَدْ رَآهُ بالأُفُقِ الْمُبين ) ، فإنّ الضمير يرجع إلى رسول كريم ، كما أنّ قوله :( وَما هُوَ بِقَولِ شَيطانٍ رَجيم ) معناه : إنّما هو قول المَلَك ، فانّ الشيطان يقابل المَلَك

وأمّا المقام ، فيحتمل أن يراد منه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ وذلك لأنّه وصفه بقوله :( لَيْسَ بِقَولِ شاعِرٍ وَلا كاهن ) ، والقوم كانوا يصفون محمّداً بالشِعر والكهانة ، ولا يصفون جبرائيل بهما

والغَرضُ المُتوخّى من عزوِ القرآن إلى رسول كريم هو : نفي كونه كلام شاعر أو كاهن ، ولا يُنافي ذلك أن يكون القرآن كلامه سُبحانه ، وفي الوقت نفسه كلام أمين الوحي ، وكلام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لصحّة الإضافة إلى الجميع

فالقرآن كلامه سبحانه ؛ لأنّه فعله وهو الذي أنشأه ، وكلام جبرائيل ؛ لأنّه هو الّذي أنزله من جانبه سبحانه على قلب سيّد المُرسَلين ، وفي الوقت نفسه كلام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لأنّه أظهره وبَيَّنه للناس ، ويكفي في النسبة أدنى مناسبة

وأمّا الصِلة فقد بَيّنها السيّد الطباطبائي بالنحو التالي ، وقال :

وفي اختيار ما يُبصِرون ومالا يُبصِرون للإقْسام به على حقّيّة القرآن ما لا يخفى من المناسبة ، فإنّ النظام الواحد المُتشابِك أجزاؤه ، الجاري في مجموع العالم ، يقضي بتوحّده تعالى ، ومصير الكُلّ إليه ، وما يترتّب عليه من بعث الرُسل وإنزال الكتب ، والقرآن خير كتاب سماوي يَهدي إلى الحقّ في جميع ذلك ، وإلى طريقٍ مستقيم(١)

ــــــــــــــــ

(١) الميزان : ١٩/٤٠٣


وبتعبير آخر : إنّه سبحانه تبارك وتعالى حلفَ بعالم الغيب والشهادة ـ أي : بمجموع الخليقة والنظام السائد على الوجود الإمكاني ـ على وجود هدف مُشتَرك لهذا النظام ، وهو صيرورة الإنسان في هذا الكوكب إنساناً كاملاً ، مَظهراً لأسمائه وصفاته ، ولا يتمّ تحقيق ذلك الهدف إلاّ من خلال بعث الرُسل وإنزال الكتب ، والقرآن كتاب سماوي أُنزل إلى الإنسان

ثُمّ أنّه سبحانه دعم حِلفَه بالبُرهان على المُقسَم عليه ، فإنّ المُقسَم عليه عبارة عن : كون القرآن كلام رسول كريم ، أخذه من أمين الوحي ، وهو من اللّهِ سبحانه ، وليس من مُبدَعاته ومُتَقوَّلاته ؛ وإلاّ لعمَّه العذاب فوراً قال سبحانه :( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ) (١)

فإذا حالَفَ الرسول النجاح في الدعوة إلى رسالته ، والتفَّت حوله طوائف كثيرة ، فهو أوضح دليل على أنّه غير كاذب في دعوته ، وصادق في عَزوِها إلى اللّه ، وإلاّ لما أمهله اللّه سبحانه هذا المقدار من الزمان

وثَمَّة سؤال يُثار ، وهو : إنّ هذه الآيات توعد المُتنبّئ الكاذب على اللّه سبحانه بالهلاك ، فلو كان هذا مفاد الآية ، لزم تصديق كلّ مَن ادّعى النبوّة ولم يشمله العذاب والهلاك ، إذ لو كان كاذباً ، لأخذه سبحانه باليمين ، وقطع منه الوَتين ، فإذا لم يفعل ، فهذا دليل على صدق كلامه وفِعاله ، مع أنّه أمر لا يُمكن الالتزام به ؟!

والجواب : أنّ القرآن الكريم ليس بصدَد بيان أنّ كلّ مَن تقوَّل على اللّه سوف يَعمّه العذاب والهلاك ، وإنّما هو بصدَد بيان بعض الفئات المُتقوِّلة ، الّتي تدَّعي صِلتها باللّه سبحانه ، خلال معجزة قاهرة خلاّبَة للعقول ، فهذا النوع منالتقوّل يدخل تحت هذه القاعدة ، كما في ادّعاء رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الرسالة ، الّتي أرفقها بمُعجزة أبهرت العقول ، وأدهشت الألباب ، فخضع له العرب والعجم في ظلِّ هذه المُعجزة ، فلو تقوّلَ ـ والعياذ باللّه ـ يَعمّه العذاب ؛ لأنّه من القبيح أن تقع المُعجِزة على يدِ الكاذب

ــــــــــــــــ

(١) الحاقّة : ٤٤ـ ٤٧


فسيرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومُضيّه قُدماً في الدعوة إلى ربّه حتّى وافته المنية ، أوضح دليل على أنّه صادق في رسالته ، وأنّ كلامه كلام ربّه ، وأنّه ليس بكاهن ولا شاعر

وأمّا قوله سبحانه :( لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِين ) ، ففيه وجوه أربعة :

١ ـ أخذنا بيمينه كما يؤخَذ المُجرِم بيَده

٢ ـ أو سلبنا عنه القوَّة ، فانّ اليَدَ اليمنى شارة القوّة

٣ ـ أو لقَطعنا منه يدَه اليُمنى

٤ ـ أو لانتَقمْنا منه بقوَّة

والآية بمنزلة قوله سبحانه :( وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً * إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ) (١)

ــــــــــــــــ

(١) الإسراء : ٧٤ـ٧٥


الفصل السادس : القَسَم في سورة المُدّثِّر

حلف سبحانه في سورة المُدّثِّر بأُمور ثلاثة ، هي : القمر ، و الليل عند إدباره ، والصبح عند ظهوره

قال :( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ * كَلاَّ وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ * إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ) (١)

تَفسير الآيات :

حلف سبحانه في هذه الآيات بأُمور ثلاثة ، ترتبط بعضها بالبعض ، ويأتي الثاني عقب الأوّل

فأمّا القمر يتجلّى في اللّيل ، ولولا الليل لما كان لضوئه ظهور ، لأنّه يختفي نوره في النهار ؛ لتأثير الشمس ، فإذا تجلّى القمر في الليل شيئاً فشيئاً فيأتي نهاية الليل ، الّذي عبَّرَ عنه سبحانه :( إِذا أدْبر ) ، وتكون النتيجة طلوع الفجر ، الّذي عبَّر عنه سبحانه( والصُّبحِ إِذا أَسْفَر ) ، فكأنّه سبحانه يقول : أحلفُ بتَجلِّي القمر في وسط السماء ، الّذي يسير مع الليل شيئاً فشيئاً ، إلى أن يُدبِر ويُسفر الصُبح ، هذا مفاد الآيات الّتي تضمّنت المُقسَم به

ثُمّ إنّ الكُبَـر جمع الكُبرى ، وهي العُظمى ، أي إحدى العظائم ، وأمّا ما هو المراد من العظائم ، فسيوافيك بيانه عن قريب

ثُمّ إنّه سبحانه حلف في هذه الآيات بأُمور ثلاثة :

١ ـ القمر على وجه الإطلاق

٢ ـ الليل إذا أدبر ، أي : الليل عند انتهائه

٣ ـ الصبح حينما يُسفِر ويَتَجلّـى

ــــــــــــــــ

(١) المُدّثِّر : ٣١ـ ٣٧


وأمّا المُقسَم عليه ، فهو عبارة عن قوله :( إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ )

والكلام في مرجع الضمير ، في قوله ( إنّها ) ، ففيه وجهان :

الأوّل : إنّ الضمير يرجع إلى ( سَقَر ) الواردة في الآيات المُتقدِّمة ، أعني قوله تعالى :( وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ * لا تُبقي وَلا تَذَر * لَواحَةٌ لِلْبَشَر * عَلَيها تِسْعَةُ عَشَر ) (١)

أي : أنّ سَقَر هي إحدى الدواهي الكُبرى ، فهي نذيرة للبشر ، ومُخوِّفة لمَن شاء منكم أن يتقدَّم في طاعة اللّه ، أو يتأخّر عنها بالمعصية

ولفظة ( سقر ) من المؤنّثات السماعيَّة ، وقد جاء ذكرها في قصيدة ابن الحاجب ، الّتي جمع فيها المؤنّثات السماعيّة في أحدى وعشرين بيتاً ، وقال :

وكذاك في كَبدٍ وفي كَرشٍ وفي

سَقَرٍ ومنها الحَربُ والنَعلان(٢)

الثاني : أنّ الضمير يرجع إلى الآيات في قوله سبحانه :( كَلاّ إِنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنيداً ) ، وعلى هذا ، فالآيات القرآنيّة لإحدى الدواهي ، وهي النذيرة لمَن تقدَّم في مجال الطاعة أو تأخَّر ، لكن المُتقدِّم ينتفع دون المُتأخِّر

ــــــــــــــــ

(١) المُدّثِّر : ٢٧ـ٣٠

(٢) روضات الجنات : ٥/١٨٦


هذا كلّه حول المُقسَم به ، وأمّا المُقسَم عليه ، فهو قوله :( إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ )

وأمّا الصلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه ، فعلى التفسير الثاني من الوضوح بمكان ، حيث أنّ القمر في الليل الدامس يهدي السائرين ، كما أنّ الصبح وطروء النهار يُبدِّد الظلام ويُظهر النور ، فناسب أن يحلف سبحانه بأسباب الهداية ، ومعادن النور ومظاهره ، بُغيَة إثبات أنّ القرآن إحدى المعاجز الكبرى الّتي تهدي البشر إلى سبيل الرشاد

وأمّا على التفسير الأوّل ، ورجوع الضمير إلى سَقر ، فالمناسبة خفيّة ، إلاّ أن يقال : بأنّ المُقسَم به ـ أي : القمر في وسط السماء ، وانجلاء الليل وطلوع الفجر ـ من آياته الكبرى ، كما أنّ سَقراً أيضاً كذلك

ولا يخفى أنّ القَسَم بالقمر جاء للتأكيد على عظمته ، فهو أقرب الأجرام السماوية للأرض ، وأقل حجماً منها ، يدور حول الأرض مرّة كلّ شهر ، وجاذبيّة القمر مع جاذبيّة الشمس هي سبب المدِّ والجَزْر

وتبلغ درجة حرارة جانب القمر المواجه للشمس ١٢٠ درجة مئويَّة ، أي أعلى من درجة غليان الماء ، ودرجة حرارة الجانب المظلم أقل من درجة تجمّد الماء بقدر يبلغ ١٥٠ درجة

كما أنّ سطحه صحارى وقفار ، تتناهض فيها البراكين الخامدة ، وجباله ضخمة عظيمة يبلغ ارتفاعها ٤٢ ألف قدم ، بزيادة تقرب من ١٣ ألف قدم عن أعلى جبل على الأرض ، وفوهات البراكين هائلة العظمة ، يبلغ قطر أكبرها١٠٠ ميل ، وجباله أقدم بكثير من سلاسل الجبال الأرضيّة بملايين السنين(١)

ــــــــــــــــ

(١) اللّه والعلم الحديث : ٢٧


الفصل السابع : القَسَم في سورة القِيامة

حلف سبحانه في سورة القيامة بأمرين : ١ ـ يوم القيامة ، ٢ ـ النفس اللوامة ، وقال :

( لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ) (١)

تفسير الآيات :

اختلف المُفسِّرون في كلمة ( لا ) على أقوال :(٢)

الأوّل : أنّ لا أُقسِم كلمة قَسَم ، وأنّ العرب تزيد كلمة لا في القَسَم ، كما قال امرؤ القيس :

لا وأبِيك ابنةَ العامـريِّ

لا يَدَّعي القـومُ أني أَفِر

الثاني : أن لا نافية ، ردّ لكلامٍ قد تقدَّم ، وجواب لهم ، وذلك هو المعروف في كلام الناس في محاوراتهم ، فإذا قال أحدهم : لا ، واللّه ما فعلت كذا قصدَ بقوله : ( لا ) ردّ الكلام السابق ، فهم لمّا أنكروا البعث ، قيل لهم : ليس الأمر على ما ذكرتم ، ثُمّ أقسَمَ بيوم القيامة وبالنفس اللوامة أنّ البعث حَقّ

ــــــــــــــــ

(١) القيامة : ١ـ ٦

(٢) مرّ الكلام فيه أيضاً ، لاحظ : ص : ٨١ .


الثالث : أنّها للنفي ، على معنى : إنّي لا أعظّمه بأقسامي به حقّ إعظامه ، فانّه حقيق بأكثر من هذا ، وهو يستحقّ فوق ذلك

فعلى المعنى الأوّل ( لا ) زائدة ، ولكنّه بعيد في كلام ربّ العزّة ، والمُتعيّن أحد المعنيين الأخيرين

أمّا المُقسَم به ، فهو أمران :

أ ـ يوم القيامة

ب ـ النفس اللوامة

أمّا الأوّل : فهو يوم البعث الّذي يجمع اللّه فيه الناس على صعيد واحد ، وإنّما سُمِّي يوم القيامة ، لأجل أنّه يقوم به الحساب ، قال سبحانه ـ حاكياً عن إبراهيم ـ :( رَبَّنا اغْفِر لي وَلِوالِدَيّ وللمُؤمِنينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِساب ) (١)

وأنّه يوم يقوم به الأشهاد ، قال سبحانه :( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ) (٢)

وأنّه يوم يقوم فيه الروح ، قال سبحانه :( يَومَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالمَلائِكةُ صَفّاً ) (٣)

وأنّه يوم يقوم الناس لربّ العالمين ، كما قال سبحانه :( يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِين ) (٤) إلى غير ذلك من الوجوه الّتي توضِّح وجه تسمية اليوم بالقيامة

وقد جاء يوم القيامة في القرآن سبعين مرّة ، فلم تستعمل القيامة إلاّ مضافة إلى يوم

ــــــــــــــــ

(١) إبراهيم : ٤١

(٢) غافر : ٥١

(٣) النبأ : ٣٨

(٤) المُطفّفين : ٦


وأمّا الثاني : أي النفس اللوامة ، صيغة مبالغة من اللوم ، وهي عَدل الإنسان بنسبته إلى ما فيه لوم ، يقال : لِمْتَه فهو مَلوُم ، قال سبحانه :( فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ ) (١) ، إلى غير ذلك من الآيات الّتي ورد فيها اللوم وما اشتقَّ منه

واختلف المُفسِّرون في المراد من النفس اللوامة على أقوال :

الأوّل : هي نفس آدم الّتي لم تزل تتلوّم على فعلها الّذي خرجت به من الجنّة والظاهر أنّ هذا القول من قبيل تطبيق الكُلِّي على مصداقه ، وليس هناك قرينة على أنّها المراد فقط

الثاني : مُطلَق النفس ، إذ ليس من نفس برَّة ولا فاجرة إلاّ وهي تلوم نفسها يوم القيامة ، إن كانت عملتْ خيراً قالت : هلا ازدَدتُ ، وإن كانت عملت سوءاً قالت : يا ليتني لم أفعل

الثالث : وربّما تختصّ بالنفس الكافرة الفاجرة

الرابع : عكس ذلك ، والمراد نفس المؤمن الّتي تلومه في الدنيا على ارتكاب المعصية ، وتُحفِّزه على إصلاح ما بدا منه

والظاهر أنّ القول الثاني هو المُتعيِّن ، أي : مُطلَق النفس الّتي تلوم صاحبها ، سواء أكان لأجل فوت الخير أم ارتكاب الشرِّ

وعلى كلّ حال ، فالآية تحكي عن المنزلة العظيمة الّتي تتمتَّع بها النفس اللَوامة ، إلى حدّ أقسَمَ بها سبحانه ، وإلاّ لما حلف بها

وأمّا المُقسَم عليه فمحذوف ، أي : لتُبْعثُنَّ

وأمّا الصِلة بين المُقسَم عليه ـ أعني قوله : لتبعثن ـ والحلف ( بالنفس اللوامة ) ، فهي ظهور اللوم من هذه النفس يوم القيامة ، فإنّ نفس الكافر لا تلومه في الدنيا إلاّ قليلاً ، في حين يتجلّـى اللوم ويتجسّد يوم القيامة أكثر فأكثر

ــــــــــــــــ

(١) إبراهيم : ٢٢


وأمّا كرامة النفس اللوامة فواضحة جداً ؛ لأنّها تردع الإنسان عن اقتراف الذنوب ، ولا يمكن خداعها ، وهي يقظة تزجر الإنسان دائماً بالنسبة إلى ما عمله وقصَده

إنّ إبراهيم لمّا حطّمَ الأصنام وجعلها جذاذاً ، إلاّ كبيراً لهم لعلّ القوم يرجعون إليه ويرتدعون عن عقيدتهم بإلوهيتها ، فلمّا رجعوا ووقفوا على أنّه عمل إبراهيم ، أحضروه للاقتصاص منه ، وخاطبوه بقولهم :( أأنتَ فعَلْتَ هذا بآلهتنا ) ، فأجابهم إبراهيم :( بل فَعَلَهُ كَبيرهُم ) ، ثُمّ أمرهم بسؤاله عن الجريمة الّتي ارتكبها ، فبُهِتَ الجَمعُ من هذا السؤال ، وظلّوا صامتين لعجزهم عن الإجابة

فعندئذ تبين لهم أنّ مثل هذا الصنم أحطّ من أن يُعبَد ، فاستيقظ وجدانهم ، وأخذت نفوسهم تلومهم على النهج الّذي اختطّوه ، بل الآلهة الّتي عبدوها ، حيث وجدوا أنّها غير خليقة بالعبادة والخضوع ، وهذا ما يحكي عنه القرآن بقوله :( فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ) ، أي : خاطبوا أنفسهم بالظلم ، فكأنّه قال بعضهم لبعض : أنتم الظالمون ، حيث تعبدون مالا يقدر عن الدفع عن نفسه ، وما نرى الأمر إلاّ كما قال هذا الفتى

هذه هي النفس اللوامة الّتي تظهر بين الحين والآخر ، وتزجر الإنسان عن ارتكاب الذنوب

وهذا الّذي يُسمِّيه علم النفس في يومنا هذا بالوجدان الأخلاقي ، ويصِفون الوجدان : ( مَحكمَة لا تحتاج إلى قاضٍ سوى النفس ) ، وهي الّتي تقوم بتأسيس المحكمة ، وتُشخِّص المُجرم ، وتُصدر الحكم بلا هوادة ، ودون أيّ تهاون


وفي الآيات القرآنية الأُخرى إشارة إلى تلك المرتبة من النفس ، يقول سبحانه :( وَنَفْسٍ وَما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ) (١)

يقول الإمام الصادق في تفسير الآية :( بَيِّن لها ما تأتي وما تَتْرك ) (٢)

إنّ اللوم والعزم فرع معرفة النفس بخير الأُمور وشرّها ، فلو لم تكن عالمة من ذي قبل ، لم تصلح للوعظ ولا للزجر ، ولأجل ذلك يقول سبحانه :( أَلَمْ نَجْعَل لَهُ عَينَين * وَلِساناً وَشَفَتَيْن * وَهَدَيْناهُ النَّجْدَين ) (٣)

يقول الإمام الصادقعليه‌السلام :( هداه إلى نجد الخيرِ والشرِّ ) (٤)

ثُمّ إنّ مراتب الزجر تختلف حسب صفاء النفس وكدورتها وابتعادها عن ممارسة الشرِّ ، يقول الإمام الصادقعليه‌السلام :( إنّ اللّه إذا أراد بعبدٍ خيراً ، طيَّبَ روحه ، فلا يسمع معروفاً إلاّ عرفه ، ولا مُنكَرَاً إلاّ أنكرَه ) (٥)

نعم ، ما حَبَاه اللّه سبحانه لكلّ إنسانٍ ، من النفس اللوامة ، كرامة ونعمة عظيمة ، حيث يعرف على ضوئها الحسن من القبيح ، والخير من الشرّ ، ولكنّه لو مارس الشرّ مدّة لا يُستهان بها ، ربّما تعوق النفس عن القضاء في الخير بالخير ، والشرّ بالشرّ ، بل ربّما يرى الشرّ خيراً والخير شراً ، وذلك فيما إذا زاوله الإنسان كثيراً ، بنحو تركَ بصَماته على روحه ونفسه ، وقضائه وتفكيره

وقد أشار سبحانه إلى أنّ قبح وأدِ البنات وقتل الأولاد ـ لأيّ غاية من الغايات كانت ـ أمر يدركه كلّ إنسان ، ولكن ترى أنّ بعض المشركين يستحسن عمله هذا ، ويعدّه من مفاخره

ــــــــــــــــ

(١) الشمس : ٧ـ ٨

(٢) الكافي : ١/١٦٣

(٣) البلد : ٨ ـ ١٠

(٤) الكافي : ١/١٦٣

(٥) إثبات الهداة : ١/٨٧


وكراماته ، يقول سبحانه : ( وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِكَثيرٍ مِنَ الْمُشْرِكينَ قَتْلَ أَولادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ ) (١)

فقد أثّر الشركاء في عقول الوثنيِّين وتفكيرهم ، فصار القبيح حسناً ، والشرّ خيراً ، يقول سبحانه :( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرآهُ حَسَناً فَإنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاء ) (٢)

وعلى هذا ، فليست النفس اللوامة باقية على صفاتها وقضائها الحقّ في جميع الظروف والحالات ، بل ربّما يكون قضاؤها على خلاف ما هو الحقّ ، لا سيّما في مَن يُزاول الجُرم طيلة عُمُره ، فربّما يعود في آخر عُمُره يتنكَّر لجميع المُقدّسات ، ويسيطر فعله القبيح على آفاق فكره وإيمانه ، يقول سبحانه :( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ ) (٣)

مراتِب النَفْس في الذِكر الحَكيم :

إنّ القرآن الكريم جعل للنَفْسِ الإنسانيّة مراتب :

١ ـ النفس الأمَّارَة ، ٢ ـ النفس اللَوّامَة ، ٣ ـ النفس المُطمئنَّة ، ٤ ـ النفس الراضية المَرضيَّة

وإليك وصف هذه المراتب بنحوٍ موجَز :

١ ـ النَفس الأمّارة :

إنّ النفس بطبعِها تدعو إلى مُشتهياتها من السيّئات ، فليس للإنسان أن يُبرِّئ

ــــــــــــــــ

(١) الأنعام : ١٣٧

(٢) فاطر : ٨

(٣) الروم : ١٠


نفسه من الميل إلى السوء ، وإنّما له أن يكفّ عن أمرها بالسوء ودعوتها إلى الشرّ ، وذلك برحمة من اللّه سبحانه يقول سبحانه ـ نقلاً عن يوسف عليه‌السلام ـ : ( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١)

فما أَبرَأ يوسف نفسَه عن أمرها بالسوء ، وإنّما كفَّها عن ارتكاب السوء ، لاَنَّ النفس طُبِعَت على حُبِّ الشهوات الّتي تدور عليها رحى الحياة

والأخلاق جاءت لتعديل ذلك الميل ، وجعله في مسير السعادة ، وحفظه عن الإفراط و التفريط

فالمادّية نادت بالانصياع لرغبات اللَذاتِ مهما أمكن ، والرُهبانيّة نادت بكَبحِ جُماحِ اللَذات والشهوات ، والعزوف عن الحياة واللَوذ في الكهوف والأديرة ، ولكنّ الإسلام راح يدعو إلى منهج وسط بينهما ، ففي الوقت الّذي يدعو إلى أكلِ الطيّبات ويُندّد بمَن يُحرّمها ، ويقول :( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَة اللّهِ الّتي أَخْرجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيّباتِ مِنَ الرِّزْق ) (٢) ، يأمر بكَبْحِ جُماح النفس عن ارتكاب المعاصي والسيئات ، الّتي تُوجب الفوضى في المجتمع ، وتَسوْقه إلى الانحلال الأخلاقي

٢ ـ النَفس اللَوّامة :

النفس اللَوامة هي : الضمير الّذي يُؤنِّب الإنسان على ما اقترفه من السيّئات و الآثام ، خصوصاً بعد ما تفيق من سكراتها ، فيجد نفسه تنحدر في دوّامة النَدَمِ على ما ارتكبه ، وإنابة إلى الحقِّ

وهذا يدلّ على أنّ النفس ممزوجة بالميل إلى الشهوات ، وفي الوقت نفسه فيها مَيل إلى الحقِّ والعَدل ، ولكلٍّ تجلٍّ خاصّ ، فإنّ غَلَبة الشهوات يحول دون ظهور نور العقل ، فيقترف المعاصي والآثام ، ولكنّه ما أن تَخمُد شهوته ، حينها يصفو أمامه جمال الحياة ، وتنكشف مضرّات اللَذة ، فتستيقظ النفس اللَوامة وتأخذ باللوم والعذل ، إلى حدٍّ ربما تدفع بصاحبها إلى الانتحار ، لعدم تحمّله وطأة تلك الجريمة

ــــــــــــــــ

(١) يوسف : ٥٣

(٢) الأعراف : ٣٢


وهذه النفس حيّة يقظة ، لا تتصدع بكثرة الذنوب ، وإن كانت تضعف بمُمارَستها

٣ ـ النفس المُطمئنَّة :

وهي النفس الّتي توصلها النفس اللوّامة إلى حدٍّ لا تَعصِف بها عواصف الشهوة ، وتطمئنّ برحمة الرَبّ ، وتحسّ بالمسؤوليّة الموضوعة على عاتقها أمام اللّه وأمام المجتمع ، يقول سبحانه :( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّة ) (١) ، فصاحب هذه النفس يمتلئ بالسرور والفرح عند الطاعة ، وتجد في صميمها لذَّة للطاعة ، وحلاوة للعبادة لا يمكن وصفها بالقلم واللسان

وبعبارة أُخرى : النفس المُطمئنّة هي الّتي تسكن إلى ربِّها وترضى بما رضي به ، فترى نفسها عبداً لا يملك لنفسه شيئاً من خيرٍ أو شرٍّ ، أو نفعٍ أو ضرّ ، ويرى الدنيا دار مَجاز ، وما يستقبله فيها من غنى أو فَقر ، أو أيّ نفع وضرّ ، ابتلاءً وامتحاناً إلهيّاً ، فلا يدعوه تواتر النِعم عليه إلى الطغيان وإكثار الفساد ، والعلو والاستكبار ، ولا يُوقِعه الفقر والفقدان في الكُفرِ وترك الشُكر ، بل هو في مُستقَرّ من العبوديّة ، لا

ــــــــــــــــ

(١) الفجر : ٢٧ـ ٢٨


ينحرف عن مستقيم صراطه بإفراط أو تفريط (١)

وهناك كلمة قيّمة للحكيم محمد مهدي النراقي حول واقع النفوس الثلاث ، يقول :

والحقّ أنّها أوصاف ثلاثة للنفس بحسب اختلاف أحوالها ، فإذا غلبت قوّتها العاقلة على الثلاثة الأُخر ، وصارت مُنقادة لها مقهورة منها ، وزال اضطرابها الحاصل من مُدافَعتِها ، سُمِّيَت ( مُطمَئنَّة ) ؛ لسكونها حينئذٍ تحت الأوامر والنواهي ، وميلها إلى ملائماتِها الّتي تقتضي جِبلتها

وإذا لم تَتُمّ غلبتها ، وكان بينها تنازع وتدافع ، وكلّما صارت مغلوبَة عنها بارتكاب المعاصي حصل للنفس لوم وندامة ، سُمِّيت ( لوَّامَة )

وإذا صارت مغلوبة منها ، مُذعنة لها من دون دفاع ، سُمّيَت ( أمّارَة بالسوء ) ؛ لأنّه لمّا اضمحلَّت قوَّتها العاقلة ، وأذعنت للقوى الشيطانيّة من دون مدافعة ، فكأنّما هي الآمرة بالسوء(٢)

٤ ـ النَفس الراضية المَرضيّة :

وهي النفس المُتكامِلة الراضية من ربّها رِضا الربّ منها ، واطمئنانها إلى ربِّها يستلزم رضاها بما قدّر وقضى ، تكويناً أو حكم به تشريعاً ، فلا تسخطها سانحة ولا تزيغها معصية ، وإذا رضي العبد من ربِّه ، رضي الربّ منه ، إذ لا يُسخِطه تعالى إلاّ خروج العبد من زيِّ العبوديَّة ، فإذا لزم طريق العبوديّة استوجب ذلك رضا ربّه ، ولذا عقَّب قوله : ( راضِية ) بقوله : ( مَرضيّة )

وقوله تعالى :( فَادْخُلِي فِي عِبادي * وَادْخُلي جَنّتي ) تفريع على قوله :( ارجعي إِلى رَبِّكِ ) ، وفيه دلالة على أنّ صاحب النفس المُطمئنّة في زُمرة عباد اللّه ، حائز مقام العبوديّة ، وذلك أنّه لمّا اطمأنّ إلى ربِّه انقطع عن دعوى الاستقلال ، ورَضى بما هو الحقِّ من ربِّه ، فرأى ذاته وصفاته وأفعاله مُلكاً طلقاً لربِّه ، فلم يرد فيما قدَّر وقضى ، ولا فيما أمر ونهى ، إلاّ ما أراده ربّه ، وهذا ظهور العبوديّة التامّة في العبد ، ففي قوله :( فَادْخُلي في عِبادي ) تقرير لمقام عبوديّتها

ــــــــــــــــ

(١) الميزان : ٢٠/٢٨٥

(٢) جامع السعادات : ١/٦٣ـ ٦٤


وفي قوله :( وادْخُلي جَنَّتي ) تعيين لمُستقرّها ، وفي إضافة الجنّة إلى ضمير المُتكلّم تشريف خاصّ ، ولا يوجد في كلامه تعالى إضافة الجنّة إلى نفسه (تعالَى وتقدَّس) إلاّ في هذه الآية(١)

هذا كلّه حول المُقسَم به

وأمّا المُقسَم عليه : فهو محذوف معلوم بالقرينة ، أي : ( لتَبْعَثُنّ ) ، وإنّما حُذِف للدلالة على تفخيم اليوم وعَظَمَةِ أمرِه ، قال تعالى :( ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً ) (٢) ، وقال :( إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخفِيها لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ) (٣) ، وقال :( عَمّ يَتَساءَلُونَ * عَنِ النَبَأ العَظيم ) (٤) (٥)

وأمّا وجه الصِلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه فواضح ، فإنّ الإنسان إذا بُعث يوم القيامة ، يلوم نفسه لأجل ما اقترف من المعاصي ، إذ في ذلك الموقف الحَرجِ تنكشف الحُجب ، ويقف الإنسان على ما اقترف من المعاصي والخطايا ، فيندم على ما صدر منه قال سبحانه :( وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (٦) ، وقال سبحانه :( وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (٧)

وبالجملة ، فيوم القيامة يوم الندم والملامَة ، ولاتَ حين مَناص

ــــــــــــــــ

(١) الميزان : ٢٠/٢٨٦

(٢) الأعراف : ١٨٧

(٣) طه : ١٥

(٤) النبأ : ١ـ٢

(٥) الميزان : ٢٠/١٠٤

(٦) يونس : ٥٤

(٧) سبأ : ٣٣


الفصل الثامن : القَسَمُ في سورةِ المُرسَلات

لقد حلفَ سبحانه بأوصاف الملائكة وقال :

أ ـ( وَالمُرسَلاتِ عُرْفاً )

ب ـ( فَالعاصِفاتِ عَصْفاً )

ج ـ( وَالنّاشِراتِ نَشْراً )

د ـ( فَالفارِقاتِ فَرْقاً )

هـ ـ( فَالْمُلْقِياتِ ذِكراً * عُذْراً أو نُذْراً * إِنَّما تُوعَدونَ لَواقعٌ ) (١)

حلفَ سبحانه في هذه الآيات بأُمور يعبّر عنها بـ : ( المُرسَلات ، فالعاصِفات ، والناشرات ، فالفارقات ، فالملقيات ذكراً ، عُذراً أونُذراً )

وقد اختلفت كلمة المُفسّرين في تفسير هذه الأقسَام ، وقد غلب عليهم تفسيرها بالرياح المُرسلة العاصفة الناشرة ، بَيْدَ أنّ وحدة السِياق تبعثنا إلى تفسيرها بأمر واحد تنطبق عليه هذه الصفات ، فنقول :

١ ـ( المُرْسَلاتِ عُرفاً ) أي : أُقسِم بالجماعات المُرسَلات من ملائكة الوحي ، والعُرْف ـ بالضمِّ فالسكون ـ الشَعرُ الثابت على عُنق الفرس ، وتُشبّه به الأُمور إذا تتابعت ، يقال : جاءُوك كعُرفِ الفَرس ، يقول سبحانه :( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ

ــــــــــــــــ

(١) المُرسَلات : ١ ـ ٧


بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) (١) ، ومع ذلك فقد فُسّر بالرياح المُرسلة المُتتابعة

٢ ـ( فَالعاصِفاتِ عَصْفاً ) والعصف هو سرعة السَير ، والريح العاصفة بمعنى سرعة هبوبها ، والمراد : أُقسم بالملائكة الّذين يُرسلون مُتتابعين فيُسرعون في سيرهم كالرياح العاصفة

ومع ذلك فُسّر بالرياح الشديدة الهبوب

٣ ـ( وَالنّاشِراتِ نَشْراً ) قسم آخر ، والمراد : نشر الصحيفة والكتاب ، والمعنى : أُقسم بالملائكة الناشرين للصحف ، المكتوب عليها الوحي للنبي ليَتلقّاه ، ومع ذلك فقد فُسِّرت بالرياح الّتي تنشر السَحاب نشراً للغيث كما تلقحه للمطر

٤ ـ( فَالفارِقات فَرقاً ) .المراد به : الملائكة الّذين يفرِّقون بين الحقّ والباطل ، والحلال والحرام ، وذلك لأجل حمل الوحي المُتكفّل ببيان الحقّ والباطل ، ومع ذلك فقد فُسّر بالرياح الّتي تفرّق بين السحاب فتُبدِّده

٥ ـ( فَالْمُلْقياتِ ذِكراً ) المراد به : الملائكة ، تُلقِي الذكر على الأنبياء ، وتلقيه الأنبياء إلى الأُمم

وعلى ذلك ، فالمراد بالذكر هو : ( القرآن ) ، يقرءونه على النبيّ ، أو مُطلَق الوحي النازل على الأنبياء المَتلوّ عليهم

ثُمّ يُبِّن أنّ الغاية من إلقاء الوحي أحد الأمرين : إمّا الإعذار أو الإنذار ، والإعذار : الإتيان بما يصير به معذوراً ، والمعنى : إنّهم يُلقون الذكر ليكون عُذراً لعباده المؤمنين بالذكر ، وتخصيصاً لغيرهم

ــــــــــــــــ

(١) النحل : ٢


وبعبارة أُخرى ، يُلقون الذكر ليكون إتماماً للحُجّة على المُكذِّبين ، وتخويفاً لغيرهم ، هذا هو الظاهر من الآيات

وأمّا المُقسَم عليه ، فهو قوله :( إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِع ) ، وما موصولة ، والخطاب لعامّة البشر ، والمراد : إنّما توعدون يوم القيامة ، بما فيه من العقاب والثواب ، أمر قطعي وواقع وإنّما عبَّر بواقع دون كائن ، لأنّه أبلغ في التحقّق

ثُمّ إنّ الصِلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه واضحة ؛ لأنّ أهمّ ما تحمله الملائكة وتلقيه هو الدعوة إلى الإيمان بالبعث والنشور ، ويؤيّد ذلك قوله :( عُذراً أو نُذراً ) ، أي إتماماً للحُجّة على الكُفّار وتخويفاً للمؤمنين ، كلّ ذلك يدلّ على معادٍ قطعيّ الوقوع ، يحتجّ به على الكافر ، ويجزي به المُؤمن

وهناك بيان للعلاّمة الطباطبائي ، حيث يقول : من لطيف صُنعة البيان في هذه الآيات الستِّ أنّها مع ما تتضمّن الأقسام لتأكيد الخبر الّذي في الجواب ، تتضمّن الحُجّة على مضمون الجواب ، وهو وقوع الجزاء الموعود ، فإنّ التدبير الربوبي الّذي يُشير إليه القَسَم ، أعني : إرسال المُرسَلات العاصفات ، ونشرها الصحف وفَرقِها ، وإلقاءها الذِكر للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تَدبيرٌ لا يتمّ إلاّ مع وجود التكليف الإلهي ، والتكليف لا يتمّ إلاّ مع تَحتّم وجود يوم معه للجزاء ، يجازي فيه العاصي والمطيع من المُكلّفين

فالّذي أقسَمَ تعالى به من التدبير ، لتأكيد وقوع الجزاء الموعود ، هو بعينه حُجّة على وقوعه ، كأنّه قيل : اُقسِم بهذه الحُجّة أنّ مدلولها واقع(١)

ــــــــــــــــ

(١) الميزان : ٢٠/١٤٧


الفصل التاسع : القَسَمُ في سورة النازعات

حلفَ سبحانه بأوصاف الملائكة خمس مرّات ، وقال :

( وَالنّازِعـاتِ غَرْقــاً )

( وَالنّاشِطاتِ نَشْـطاً )

( وَالسّابِحاتِ سَبْحـاً )

( فَالسّابِقـاتِ سَبْقــاً )

( فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً * يَوْمَ تَرْجُفُ الرِّاجِفَةُ * تَتْبَعُها الرّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَومَئذٍ واجِفَةٌ * أَبْصارُها خاشِعَةٌ ) (١)

حلفَ سبحانه في هذه السورة بطوائف وصفها بـ : النازعات ، الناشطات ، السابحات ، السابقات ، المُدبِّرات

النازعات : من النَزْعِ ، يُقال : نَزَعَ الشيء ، جذبه من مَقرِّه ، كنزعِ القوس عن كنانته

والناشطات : من النَشْطِ وهو النزع أيضاً ، ومنه حديث أُمّ سلمة : ( فجاء عمّار ـ وكان أخاها من الرضاعة ـ ونشط زينب من حجرها ) ، أي : نَزَعها

ونشطَ الوحشُ من بلد إلى بلد ، إذا خرج

ــــــــــــــــ

(١) النازعات : ١ ـ ٩ .


والسابحات : من السَبح السريع في الماء وفي الهواء ، ويُقال : سَبَحَ سَبْحاً وسِباحَة ، واستعير لمَرِّ النجوم في الفلك ، ولجَري الفرس

والسابقات : من السَبق

والمُدبِّرات : من التدبير

وأمّا الغَرق ، اسم أُقيم مقام المصدر ، وهو الإغراق ، يُقال : غَرِقَ في النزع ، إذا استوفى في حدِّ القوس وبالغ فيه

هذه هي معاني الألفاظ ، وأمّا مصاديقها ، فيحتمل أن تكون هي الملائكة ، فهي على طوائف بين نازع وناشط وسابح وسابق ومُدبِّر ، قال الزمخشري : أقسَمَ سبحانه بطوائف الملائكة الّتي تنزع الأرواح من الأجساد ، وبالطوائف الّتي تنشطها ، أي تخرجها ، وبالطوائف الّتي تسبح في مُضيّها ، أي تسرع فتسبق إلى ما أُمروا به ، فتُدبِّر أمراً من أُمور العباد ، ممّا يصلحهم في دينهم أو دنياهم(١)

والمُقسَم عليه محذوف ، وهو ( لتُبعَثنَّ ) ، يدلّ عليه ما بعده من ذكر القيامة

ولا يخفى أنّ الطائفة الثانية على هذا التفسير نفس الطائفة الأُولى ، فالملائكة الّذين ينزعون الأرواح من الأجساد ، هم الّذين ينشطون الأرواح ويخرجونها ، ولكن يمكن التفريق بينهما ، بأنّ الطائفة الأُولى هم الموكّلون على نزع أرواح الكُفّار من أجسادهم بقَسوة وشدّة ، بقرينة قوله غرقاً ، وقد عرفت معناه ، وأمّا الناشطات ، هم المُوكلون بنزع أرواح المؤَمنين برِفْقٍ وسهولة

والسابحات هم الملائكة الّتي تقبض الأرواح ، فتُسرِع بروح المؤَمن إلى الجّنة ، وبروح الكافر إلى النار ، والسَبح الإسراع في الحركة ، كما يقال للفَرسِ : سابح ، إذا أسرع في جَريه

ــــــــــــــــ

(١) الكشّاف : ٣/٣٠٨


والسابقات وهم ملائكة الموت ، تسبق بروح المؤَمن إلى الجنّة ، وبروح الكافر إلى النار

فالمُدبِّرات أمراً ، المراد مطلَق الملائكة المُدبّرين للأُمور ، ويمكن أن يكون قِسم من الملائكة ، لكلّ وظيفة يقوم بها ، فعزرائيل مُوكّل بقبض الأرواح ، وغيره موكَّل بشيء من التدبير

ثُمّ إنّ الأشدَّ انطباقاً على الملائكة هو قوله :( فالمُدَبِّراتِ أمْراً ) ، وهو قرينة على أنّ المراد من الأخيرين هم الملائكة

وبذلك يُعلَم أنّ سائر الاحتمالات الّتي تعجّ بها التفاسير ، لا تلائم السياق ، فحِفظُ وحدة السياق يدفعنا إلى القول بأنّهم الملائكة

وبذلك يتّضح ضعف التفسير التالي :

المراد بالنازعات : الملائكة القابضين لأرواح الكفّار ، وبالناشطات : الوحش ، وبالسابحات : السفن ، وبالسابقات : المنايا ، تسبق الآمال ، وبالمُدبّرات : الأفلاك

ولا يخفى أنّه لا صِلة بين هذه المعاني وما وقع جواباً للقَسَم ، وما جاء بعده من الآيات الّتي تذكر يوم البعث وتحتجّ على وقوعه

والآيات شديدة الشَبَه سياقاً بما مرّ في مفتتح سورة الصافّات والمُرسَلات ، والظاهر أنّ المراد بالجميع هم الملائكة

يقول العلاّمة الطباطبائي : وإذ كان قوله : ( فالمُدبّرات أمْراً ) مُفتتحاً بفاء التفريع ، الدالّة على تفرّع صفة التدبير على صفة السبق ، وكذا قوله :( فَالسّابِقاتِ سَبْقاً ) مقروناً بفاء التفريع الدالّة على تفرع السبقِ على السبح ، دلّ ذلك على مُجانسة المعاني المرادة بالآيات الثلاث :( وَالسّابِحاتِ سَبحاً * فَالسّابِقاتِ سَبْقاً *


فَالمُدبِّراتِ أَمْراً ) ، فمدلولها أنّهم يُدبّرون الأمر بعدما سبقوا إليه ، ويسبقون إليه بعد ما سبحوا ـ أي أسرعوا إليه عند النزول ـ ، فالمراد بالسابحات والسابقات هنّ المُدبّرات من الملائكة ، باعتبار نزولهم إلى ما أُمروا بتدبيره (١)

تدبير الملائكة :

إنّ القرآن الكريم يُعرِّف اللّه سبحانه هو المُدبِّر ، والتوحيد في التدبير من مراتبه ، فلَه الخلق والتدبير ، ولكنّ هذا لا ينافي أن يكون بينه سبحانه وبين عالم الخلق وسائط في التدبير ، يُدبِّرون الأُمور بإرادته ومشيئته ، ويؤدُّون علل الحوادث وأسبابها في عالم الشهود ، والآيات الواردة حول تدبير الملائكة كثيرة ، تدلّ على أنّهم يقومون بقبض الأرواح وإجراء السؤال ، وإماتة الكلّ بنفخ الصور وإحيائهم بذلك ، ووضع الموازين والحساب ، والسوق إلى الجنّة والنار

كما أنّهم وسائط في عالم التشريع ، حيث ينزلون مع الوحي ، ويدفعون الشياطين عن المداخلة فيه ، وتسديد النبي وتأييد المؤمنين

وبالجُملة هم :( عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون ) .(٢)

فاللّه سبحانه يجري سُنَنه ومشيئته بأيديهم ، فيقبض الأرواح بواسطتهم ، ويُنزِل الوحي بتوسيطهم ، وليس لواحد منهم في عملهم أيّ استقلال واستبداد ، وفي الحقيقة جنوده سبحانه يقتفون أمره(٣)

قال أمير المؤمنينعليه‌السلام في حقّ الملائكة :( مِنْهُمْ سُجُودٌ لا

ــــــــــــــــ

(١) لميزان : ٢٠/١٨١

(٢) الأنبياء : ٢٦ ـ ٢٧

(٣) الميزان : ٢٠/١٨٨ ، نقل بتلخيص


يَرْكَعُونَ ، وَرُكُوعٌ لا يَنْتَصِبُونَ ، وَصَافُّونَ لا يَتَزَايَلُونَ ، وَمُسَبِّحُونَ لا يَسْأَمُونَ ، لا يَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُيُونِ وَلا سَهْوُ الْعُقُولِ ، وَلا فَتْرَةُ الأَبْدَانِ وَلا غَفْلَةُ النِّسْيَانِ ، وَمِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ وَأَلْسِنَةٌ إِلَى رُسُلِهِ ، وَمُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَأَمْرِهِ ، وَمِنْهُمُ الْحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ وَالسَّدَنَةُ لأَبْوَابِ جِنَانِهِ ، وَمِنْهُمُ الثَّابِتَةُ فِي الأَرَضِينَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ ، وَالْمَارِقَةُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا أَعْنَاقُهُمْ ، وَالْخَارِجَةُ مِنَ الأَقْطَارِ أَرْكَانُهُمْ ، وَالْمُنَاسِبَةُ لِقَوَائِمِ الْعَرْشِ أَكْتَافُهُمْ ، نَاكِسَةٌ دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ ، مُتَلَفِّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ ، مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزَّةِ وَأَسْتَارُ الْقُدْرَةِ ، لا يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بِالتَّصْوِيرِ وَلا يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفَاتِ الْمَصْنُوعِينَ ، وَلا يَحُدُّونَهُ بِالأَمَاكِنِ وَلا يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالنَّظَائِر ) (١)

وقد عرفت أنّ المُقسَم عليه هو كـ ( تُبْعَثنَّ ) ، وأمّا الصِلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه هو ما قدَّمناه في الفصل السابق ، وهي أنّ الملائكة هم وسائط التدبير وخلق العالم ، وتدبيره لم يكن سُدى ولا عبثاً ، بل لغاية خاصّة ، وهو عبارة عن بعث الناس ومحاسبتهم وجزائهم بما عملوا

ــــــــــــــــ

(١) نهج البلاغة : ١٩ ـ ٢٠ ، الخطبة الأولى


الفصل العاشر : القًسَمُ في سورة التكوير

قد حلف سبحانه في سورة التكوير بالكواكب بحالاتها الثلاث ، مُضافاً إلى الليل المُدبِر ، والصبح المُتنفِّس ، وقال :

( فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَولُ رَسُولٍ كَريمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ * مطاعٍ ثَمَّ أَمِين ) (١)

تفسير الآيات :

أشار سبحانه إلى الحلف الأول ، أي الحلف بالكواكب بحالاتها الثلاث ، بقوله :

الخُنَّس ، الجَوار ، الكُنَّس

كما أشار إلى الحلف بالليل إذا أدبر ، بقوله :( وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَس )

وإلى الثالث ، أي الصبح المُتنفّس ، بقوله :( والصُّبْحِ إِذا تَنَفَّس )

وجاء جواب القَسَم في قوله :( إِنَّهُ لَقَولُ رَسُولٍ كَريم ) ، فوصف الرسول بصفات خمس : كريم ، ذي قوّة ، عند ذي العرش مَكين ، مُطاع ، ثَمّ أمين

فلنرجع إلى إيضاح الأقسام الثلاثة ، ثُمَّ نُعرِّج إلى بيان الرابطة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه

أمّا الحلف الأوّل ، فهو رهن تفسير الألفاظ الثلاثة

فقد ذكر سبحانه أوصافاً ثلاثة :

ــــــــــــــــ

(١) التكوير : ١٥ ـ ٢١


الأوّل : الخُنَّسْ : وهو جمع خَانِس ، كالطُلَّب جمع طالِب ، فقد فسَّره الراغب في مفراداته بالمُنقبِض ، قال سبحانه :( مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الخَنّاس ) أي : الشيطان الّذي يَخنس ، أي ينقبِض إذا ذُكِر اللّه تعالى

وقال تعالى :( فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّس ) ، أي : بالكواكب الّتي تَخنس بالنهار

وقيل : الخُنَّس من ( زُحَل ، والمُشتري ، والمرّيخ ) ؛ لأنّها تخنس في مجراها ، أي ترجع

وأخنستُ عنه حقّه ، أي أخّرْتُه(١)

فاللفظ هنا بمعنى الانقباض أو التأخّر ، ولعلّهما يرجعان إلى معنى واحد ، فانّ لازم التأخّر هو الانقباض

الثاني : الجَوَار : جمع جارية ، والجَري السير السريع ، مُستعار من جَريِ الماء

قال الراغب : الجَري ، المَرّ السريع ، وأصله كمَرِّ الماء

قال سبحانه :( وَمِنْ آياتِهِ الجوارِ فِي البَحْرِ كالأعْلام ) (٢) ، أي : السفينة الّتي تجري في البحر

الثالث : الكُنَّسْ : جمع كَانِس ، والكُنوس : دخول الوحش ـ كالظبي والطير ـ كَناسه ، أي بيته الّذي اتَّخذه لنفسه واستقراره فيه ، وهو كناية عن الاختفاء

فالمُقسَم به في الواقع هي الجواري ، بما لها من الوصفين : الخُنوس والكنوس ، وكأنّه قال : فلا أُقسِم بالجوار الخُنَّس والكُنَّس ، فقد ذهب أكثر المفسِّرين أنّ المراد من الجواري الّتي لها هذان الوصفان هي الكواكب الخمسة السيَّارة الّتي في منظومتنا الشمسيّة ، والّتي يمكن رؤيتها بالعين المُجرَّدة ، وهي : ( عطارد ، الزهرة ، المرّيخ ، المُشتري ، زُحَل ) ، ويُطلق عليها السيّارات المُتغيِّرة

ــــــــــــــــ

(١) مفردات الراغب : مادّة خنس

(٢) الشورى : ٣٢


وتسمية هذه الخمسة بالسيّارات والبواقي بالثابتات ، لا يعني نفي الجري والحركة عن غيرها ، إذ لاشكّ أنّ الكواكب جميعها مُتحرّكات ، ولكنّ الفواصل والثوابت بين النجوم لو كانت ثابتة غير مُتغيّرة ، فتطلق عليها الثابتات ، ولو كانت مُتغيِّرة ، فتُطلق عليها السيّارات ، فهذه السيّارات الخمسة تتغيَّر فواصِلها عن سائر الكواكب

إذا عرفت ذلك ، فهذه الجواري الخمس لها خنوس وكنوس ، وقد فُسّرا بأحد وجهين :

الأوّل : أنّها تختفي بالنهار ، وهو المراد من الخُنَّس ، وتظهر بالليل وهو المراد من الكُنَّس

يُلاحَظ عليه : أنّ تفسير ( الخُنَّس ) بالاختفاء لا يناسب معناها اللغوي ، أعني : الانقباض والتأخّر ، إلاّ أن يكون كناية عن الاختفاء

كما أنّ تفسير ( الكُنَّس ) بالظهور ، خلاف ما عليه أهل اللغة في تفسيره بالاختفاء ، وما ربّما يُقال : من أنّها تظهر في أفلاكها كما تظهر الظباء في كنسها(١) ، لا يخلو من إشكال ؛ فأنّ الظباء لا تظهر في كنسها ، بل تختفي فيها

ولو سَّمنا ذلك ، فالأولى أن تُفسر الجواري بمُطلَق الكواكب ، لا الخمسة المُتغيّرة

ــــــــــــــــ

(١) تفسير المراغي : ٣٠/٥٧


الثاني : أن يُقال : إنّ خنوسَها وانقباضها كناية عن قرب فواصلها ، ثُمّ هي تجري وتستمرّ في مجاريها ، وكنوسها عبارة عن قربها و تراجعه

قال في اللسان : وكَنسَت النجوم كَنساً ، كنوساً : استمرّت من مجاريها ثُمَّ انصرفت راجعة(١)

وعلى ذلك ، فاللّه سبحانه يحلف بهذه الأنجم الخمسة بحالاتها الثلاث المُترتّبة في الليل ، وهي أنّها على أحوالٍ ثلاثة

مُنقبضات حينما تقرب فواصلها ، ثُمّ أنّها بالجري يبتعِد بعضها عن بعض ، ثُمّ ترجع بالتدريج إلى حالتها الأُولى ، فهي بين الانقباض والابتعاد بالجري ، ثُمّ الرجوع إلى حالتها الأُولى

( واللّيل إِذا عَسْعَس ) : وقد فُسِّر ( عَسْعَس ) بإدبار الليل وإقباله ، فإقباله في أوّله وإدباره في آخره

والظاهر أنّ المراد هو إقباله

قال الزَجَّاج : عَسْعَس الليل إذا أقبل ، وعَسْعَس إذا أدبر ، ولعلّ المراد هو الثاني ، بقرينة الحلف الثالث أعني :( وَالصُّبح إِذا تَنَفَّس ) ، والمراد من تَنَفَّس الصبح هو انبساط ضوئه على الأُفق ، ودفعه الظلمة الّتي غشيَته ، وكأنّ الصبح موجود حيوي يغشاه السواد عند قبض النَفَس ، ويعلوه الضوء والانبساط عند التنفّس قال الشاعر :

حتى إذا الصبْح لها تَنَفَّسـا

وانجابَ عنها لَيلُها وعَسْعَس

هذا كلّه حول المُقسَم به ، وأمّا المُقسَم عليه ، فهو قوله :( إِنَّهُ لَقَولُ رَسُولٍ كَريم )

ــــــــــــــــ

(١) لسان العرب : مادّة كنس


الضمير في قوله :( إِنَّهُ لَقَولُ رَسُولٍ كَريم ) يرجع إلى القرآن ، بدليل قوله :( لقولُ رَسُولٍ ) ، والمراد من( رسول ) هو جبرائيل ، وكون القرآن قوله لا ينافي كونه قول اللّه ، إذ يكفي في النسبة أدنى مناسبة ، وهي أنّه أنزله على قلب سيّد المرسلين قال سبحانه :( قُلْ مَنْ كانَ عَدُوّاً لِجِبْريلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّه ) (١) ، وقال :( نَزلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِين ) (٢)

ثُمّ إنّه سبحانه وصفه بصفات ستّ :

١ ـ رسول : يدلّ على وساطته في نزول الوحي إلى النبيِّ

٢ ـ كريم : عزيز بإعزاز اللّه

٣ ـ ذي قوّة : ذي قُدرة وشدَّة بالغة ، كما قال سبحانه :( عَلَّمَهُ شَديدُ القُوى * ذُو مِرّةٍ فَاسْتَوى ) (٣)

٤ ـ عِنْدَ ذِي الْعَرش مَكين : أي صاحب مكانة ومنزلة عند اللّه ، وهي كونه مقرَّباً عند اللّه

٥ ـ مُطاع : عند الملائكة ، فله أعوان يأمرهم وينهاهم

٦ ـ أمين : لا يخون بما أُمِر بتبليغه ما تحمّل من الوحي

وعطف على جواب القَسم قوله :( وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُون ) (٤) ، والمراد هو نبيّنا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكأنّ صاحبه حلف بما حلف ، للتأكيد على أمرين :

ــــــــــــــــ

(١) البقرة : ٩٧

(٢) الشعراء : ١٩٣ ـ ١٩٤

(٣) النجم : ٥ ـ ٦

(٤) التكوير : ٢٢


أ ـ القرآن نزل به جبرائيل

ب ـ إنّ محمّداً ليس بمجنون

ثُمّ إنّ الصلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه هي : أنّ القرآن ـ المُقسَم عليه ـ حاله كحال هذه الكواكب الثوابت لديكم ، فكما أنّ لهذه الكواكب انقباض وجَري وتراجع ، فهكذا حال الناس مع هذا القرآن ، فهُم بين منقبض من سماع القرآن ، وجار وسار مع هُداه ، ومُدبِر عن هديه إلى العصر الجاهلي

ثُمّ إنّ القرآن أمام المُستعدّين للهداية كالصبح في إسفاره ، فهو لهم نور وهداية ، كما أنّه للمُدبرين عنه كالليل المُظلِم ، وهو عليهم عمى ، واللّه العالم

ثُمَّ إنّ في اتّهام أمين الوحي بالخيانة ، والنبي الأعظم بالجنون ، دلالة واضحة على بلوغ القوم القسوة والشقاء حتى سوَّغت لهم أنفسهم هذا العمل ، فزيَّن لهم الشيطان أعمالهم

وأخيراً نودًّ الإشارة إلى كلمة قيّمة لأحد علماء الفَلَك ، نكشف من خلالها عظمة تلك الكواكب والنجوم ، حيث يقول :

لا يستطيع المرء أن يرفع بصره نحو السماوات العلى إلاّ ويَغْضِي إجلالاً ووقاراً ، إذ يرى ملايين من النجوم الزاهرة الساطعة ، ويراقب سيرها في أفلاكها وتنقّلها في أبراجها ، وكلّ نجم وأيّ كوكب ، وكلّ سَديم وأي سيّار ، إنّما هو دنياً قائمة بذاتها ، أكبر من الأرض وما فيها وما عليها وما حولها(١)

ــــــــــــــــ

(١) اللّه والعلم الحديث : ٢٥


الفصل الحادي عشر : القَسَم في سورة الانشقاق

حلف سبحانه تبارك و تعالى بأُمور أربعة : ( الشَفَق ، والليل ، وما وَسَقَ ، و القمر ) ، فقال :( فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ *وَاللَّيلِ وَما وَسَقَ * وَالقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ * فَما لَهُمْ لا يُؤمِنُونَ * وَإِذا قُرِىََ عَلَيْهِمُ الْقُرآنَ لا يَسْجُدُون ) (١)

تفسير الآيات :

الشَفَق : هو الحمرة بين المغرب والعشاء الآخرة ، والمراد منه في الآية الحمرة الّتي تبقى عند المغرب في الأُفق ، وقيل : البياض فيه

والوَسَق : جمع المُتفرّق ، يقال : وَسَقْتُ الشيء إذا جَمعتَه ، ويُسمّى القدر المعلوم من الحمل ـ كحمل البعير ـ وَسَقاً ، فيكون المعنى : والليل و ما جَمَعَ وضَمَّ ممّا كان منتشراً بالنهار ، وذلك أنّ الليل إذا أقبل آوى كلّ شيء إلى مأواه ، وربّما يقال : بمعنى ( ما ساق ) ؛ لأنّ ظلمة الليل تسوق كلّ شيء إلى مَسكنِه

واتَّسَقَ : من الاتّساق ، بمعنى الاجتماع والتكامل ، فيكون المراد امتلاء القمر

والطَبَق : الحال ، والمراد لتركبنّ حالاً بعد حال ، ومنزلاً بعد منزل ، وأمراً بعد أمر

ــــــــــــــــ

(١) الانشقاق : ١٦ ـ ٢١


وحاصل معنى الآيات :

لا أُقسِم بالشَفَق ،وقد ذكرنا حديث ( لا ) ، وأنّ معنى الجملة هو الحلف ، ومعناه أُقسِم بالحمرة الّتي تظهر في الأُفق الغربي عند بداية الليل ، وما يظهر بعد الحمرة من بياض

والمعروف بالشَفَقِ في لسان الأُدباء هو الحمرة ، ولذلك يُشبِّهون دماء الشهداء بالشَفق ، غير أنّه ربّما يستعمل في البياض الطارئ على الحمرة ، الّذي هو آية ضعف الشَفَق ونهايته

وأُقسم بالليل ، لما فيه من آثار و أسرار عظيمة ، فلولا الليل لما كان هناك حياة كالضياء ، فكلّ من الليل والنهار دعامتا الحياة ، قال سبحانه :( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جعلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمداً إِلى يَوْمِ القِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُون * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرمداً إِلى يَومِ القِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيرُ اللّهِ يَأتِيكُمْ بِلَيلٍ تَسْكُنُون فيهِ أَفَلا تبصِرُون ) (١)

ثُمّ إنّه سبحانه أشار إلى ما يترتَّب على الليل والنهار من البركات ، فقال :( وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون ) (٢) ، فخلق النهار لطلب الرزق والمعاش ، كما خلق الليل لرفع التعب عن البدن بالنوم فيه والسكن إليه ، وسيوافيك التفصيل في الفصول القادمة إن شاء اللّه

وأقسَمَ بما وَسَقَ ، أي : بما جمع الليل ، ولعلّه إشارة إلى عودة الإنسان والحيوانات والطيور إلى أوكارها عند حلول الليل ، فيكون الليل سَكَناً عامّاً للكائنات الحيّة

حلف بالقمر عند اتّساقه واكتماله في الليالي الأربع ؛ لما فيه من روعةٍ وجمال ، ولذلك يُشبَّه الجميل بالقمر ، مضافاً إلى نوره الهادئ الرقيق ، الّذي يُغطّي سطح الأرض ، وهو من الرقّة واللطافة بمكانٍ لا يَكسر ظلمة الليل ، وفي الوقت نفسه يُنير الطُرق و الصحاري

ــــــــــــــــ

(١) القصص : ٧١ ـ ٧٢

(٢) القصص : ٧٣


فهذه أقسام أربعة بينها ترتّب خاصّ ، فإنّ الشفق أوّل الليل ، يطلع بعده القمر في حالة البَدْر ، فهذه الموضوعات الأربع أُمور كونيّة يقع كلّ بعد الآخر ، حاكية عن عظمة الخالق

وأمّا المُقسَم عليه فهو قوله سبحانه :( لَتَرْكَبُنَّ طَبقاً عَنْ طَبَق ) ، وهي إشارة إلى المراحل الّتي يمرّ بها الإنسان في حياته ، وأوضحها هي الحياة الدنيويّة ، ثُمّ الموت ثُمّ الحياة البرزخيّة ، ثُمّ الانتقال إلى الآخرة ثُمّ الحياة الأُخرويّة ، ثُمّ الحساب والجزاء

وفي هذه الآية إلماع إلى ما تقدّم في الآية السادسة من هذه السورة ، أعني قوله سبحانه :( يا أَيُّهَا الإنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ) (١)

والكدح بمعنى السعي ، والعناء يتضمّن معنى السير

فالآية تشير إلى أنّ الحياة البشريّة تتزامن مع التعبِ والعناء ، ولكن الغاية منها هو لقاء اللّه سبحانه ، وكأنّ هذا الكدح باقٍ إلى حصول الغاية ، أي لقاء جزائه من ثواب وعقاب ، أو لقاء اللّه بالشهود

وأمّا وجه الصِلة وهو : بيان أنّ الأشواط الّتي يمرّ بها الإنسان أُمور مترتِّبة متعاقبة ، كما هو الحال في المُقسَم به ، أعني الشفق الّذي يعقبه الليل الدامس ويليه ظهور القمر

توضيحه : إنّ القرآن يُحدِّث عن أُمور متتابعة الوقوع ، وبذات تسلسل خاصّ ، فعندما تغيب الشمس يظهر الشفق مُعلِناً عن بداية حلول الليل ، الّذي تتَّجه الكائنات الحية إلى بيوتها وأوكارها ، ثُمّ يخرج القمر بدراً تاماً

ــــــــــــــــ

(١) الانشقاق : ٦


فإذا كان المُقسَم به ذات أُمور متسلسلة ، يأتي كلّ بعد الآخر ، فالطبقات الّتي يركبها الإنسان مثل المُقسَم به ، مُترتِّبة متتالية ، فيبدأ بالدنيا ثُمّ إلى عالم البرزخ ، ومنه إلى يوم القيامة ومنه إلى يوم الحساب

وبذلك يُعلَم وجه استعجابه سبحانه عن عدم إيمانهم ، حيث قال :( فَما لَهُمْ لا يُؤمِنُون ) ، فانّ هذا النظام الرائع في الكون ، وحياة الإنسان من صباه إلى شبابه ومن ثمّ إلى هرمه ، لدليل واضح على أنّ عالم الخِلقة يُدبَّر تحت نظر خالق مدبِّر ، عارف بخصوصيّات الكون

يقول أحد علماء الطبيعة في هذا الصدَد : إنّ جميع ما في الكون يشهد على وجود اللّه سبحانه ، ويدلّ على قدرته وعظمته ، وعندما نقوم ـ نحن العلماء ـ بتحليل ظواهر هذا الكون ودراستها ، حتى باستخدام الطريقة الاستدلالية ، فإنّنا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي اللّه وعظمته ذلك هو اللّه الّذي لا نستطيع أن نصل إليه بالوسائل العلمية المادِّية وحدها ، ولكننا نرى آياته في أنفسنا وفي كلّ ذرة من ذرَّات هذا الوجود(١)

ــــــــــــــــ

(١) اللّه يتجلّى في عصر العلم : ٢٦ .


الفصل الثاني عشر : القَسَم في سورةِ البروج

حلف سبحانه في سورة البروج بأُمورٍ أربعة :

أ ـ( السَّماءُ ذات البُرُوج ) : المنازل

ب ـ( اليَوم المَوعُود ) : القيامة

ج ـ شاهد

د ـ مشهود

قال سبحانه :( وَالسَّماءِ ذاتِ البُروجِ * وَاليَومِ المَوعُودِ * وشاهدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصحابُ الأُخدُودِ * النارِ ذاتِ الوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ * وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمْؤمِنينَ شُهُودٌ * وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤمِنُوا بِاللّهِ العَزيزِ الحَمِيد ) (١)

فأقسمَ سبحانه بالعالم العُلوي وهو : السماء وما فيها من المنازل ، الّتي هي أعظم الأمكنة وأوسعها ، ثمّ أقسم بأعظم الأيّام وأجلّها ، الّذي هو مظهر مُلْكه وأمره ونهيه ، وثوابه وعقابه ، ومجمَع أوليائه وأعدائه ، والحكم بينهم بعلمه وعدله

ثُمّ أقسمَ بكلّ شاهد ومشهود ـ إذا كان اللام للجنس ـ فيكون المراد : كلُّ مُدرِك ومُدرَك وراعٍ ومَرعيّ ، والمصداق البارز له هو النبي الّذي سُمِّي شاهداً كما سيوافيك ، كما أنّ المصداق البارز للمشهود هو يوم القيامة

فلنرجع إلى تفسير الآيات

ــــــــــــــــ

(١) البروج : ١ ـ ٨


تفسير الآيات :

أمّا السماء : فكلّ شيء عَلاكَ فهو سماء ، قال الشاعر في وصف فَرَسِه :

وَأَحمَرَ كَالديباجِ أَمّا سَماؤُهُ

فَرَيّا وَأَمّا أَرضُهُ فَمُحولُ

وقال بعضهم : كلّ سماء بالإضافة إلى ما دونها فسماء ، وبالإضافة إلى ما فوقها فأرض وسُمّي المطر سماءً لخروجه منها

وأمّا البروج : واحدها بُرْج ، ويُطلق على الأمر الظاهر ، وغلب استعماله في القصر العالي لظهوره للناظرين ، ويُسمّى البناء المعمول على سور البلد للدفاع بُرجاً

والمراد هنا مواضع الكواكب من السماء

وربّما يُفسّر بالمنازل الاثنى عشر للقمر ؛ لأنّ القمر يصير في كلّ بُرجٍ يومين وثلث يوم ، وذلك ثمانية وعشرون يوماً ، ثُمّ يستَتِر ليلتين ثُمّ يظهر

وربّما يفسّر بمنازل الشمس في الشمال والجنوب ، ولكن الأولى ما ذكرناه ( منازل النجوم على وجه الإطلاق )

واليوم الموعود : عَطف على السماء ، وهو يوم القيامة الّذي وعد اللّه سبحانه أن يجمع فيه الناس ، ويوم الفصل والجزاء الّذي وعد اللّه به على ألسنة رُسله ، وفيه يتفرَّد ربّنا بالمُلك والحُكم

وقد وُعِد اللّه سبحانه به في القرآن الكريم غير مرَّةٍ وقال :

( وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقين ) (١)

ــــــــــــــــ

(١) يونس : ٤٨


وقال :( أَلا إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلكِنّ أَكْثَرهُمْ لا يََعْلَمُون ) (١)

وقال تعالى :( وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ ) (٢)

إلى غير ذلك من الآيات الّتي سَمَّى اللّه سبحانه فيها ذلك اليوم بوَعد اللّه

وشاهِد ومَشهود : اللفظان معطوفان على السماء ، والجميع قَسَم بعد قَسَم ، وأمّا ما هو المقصود ؟

فالظاهر أنّ الشاهد هو مَن عاين الأشياء وحضرها ، وأوضحه مِصداقاً هو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لأنّه سبحانه وصفه بكونه شاهداً ، قال :( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَداعِياً إِلى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنيراً ) (٣)

نعم ، تفسيره بالنبي الخاتمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من باب الجَري والتطبيق على أفضل المصاديق ، وإلاّ فله معنى أوسع ، يقول سبحانه :( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٤) ، فقد عدّ المؤمنين شهوداً على الأعمال ، فإنّ الغاية من الرؤية هي الشهود

وتدلّ الآيات على أنّ نبي كلّ أُمّة شاهد على أُمّته ، قال سبحانه :( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ) (٥)

وأمّا المشهود ، فالمراد منه يوم القيامة ؛ لأنّه من صفات يومها ، قال سبحانه :

ــــــــــــــــ

(١) يونس : ٥٥

(٢) الكهف : ٢١

(٣) الأحزاب : ٤٥

(٤) التوبة : ١٠٥

(٥) النساء : ١٥٩


( ذلِكَ يَومٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَومٌ مَشْهُود ) (١) ، والمراد به :( ذلك يومٌ مجموعٌ له الناسُ ) أي : يُجمَع فيه الناس كلّهم ، الأولون والآخرون منهم ، للجزاء والحساب ، والهاء في ( له ) راجعة إلى اليوم( وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُود ) ، أي : يَشهده الخلائق كلّهم ، من الجنِّ والإنس ، وأهل السماء وأهل الأرض ، أي يحضره

ولا يوصف بهذه الصفة يوم سواه ، وفي هذا دلالة على إثبات المعاد وحشر الخلق(٢)

هذا كلّه حول المُقسَم به ، وأمّا المُقسَم عليه ، فيحتمل أن يكون أحد أمرين :

أ ـ ( قُتِلَ أَصحابُ الأُخْدُود ) ، وفسَّره بقوله :( النّارِ ذات الوقُود ) ، أي : أصحاب الأُخدُود هم أصحاب النّار الّتي لها من الحَطَب الكثير ما يشتدّ به لهيبُها ، ويكون حريقها عظيماً ، ولهيبها متطايراً

ثُمّ أشار إلى وصف آخر لهم( إِذْ هُمْ عَلَيها قُعُود ) ، أي : أحرقوا المؤمنين بالنار وهم قاعدون حولها يُشرفون عليهم ، وهم يُعذّبون بها ، ويوضّحه قوله في الآية اللاحقة :( وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤمِنينَ شُهُود ) ، أي : أُولئك الجبابرة الّذين أحرقوا المؤمنين ، كانوا حضوراً عند تعذيبهم ، يشاهدون ما يُفعَل بهم ، وفي هذا إيماء إلى قَسوَة قلوبهم ، كما فيه إيماء إلى قوَّة اصطبار المؤمنين وشدَّة جَلدهم ورَباطة جَأشِهم

وأمّا الصِلة بين ما حلف به من ( السماء ذات البروج ، واليوم الموعود ، وشاهد ومشهود ) ، وجواب القَسَم فهي : أنّه سبحانه حلف بالسماء ذات البروج ، والبروج آية الدفاع ، حيث كان أهل البلد يدافعون من البروج المبنيَّة على سور البلد عن بلدهم ، قال سبحانه :( وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظرين * وَحَفِظْناها مِنْ كُلّ

ــــــــــــــــ

(١) هود : ١٠٣

(٢) مجمع البيان : ٥/١٩١


شَيطانٍ رَجِيم ) (١)

فحلف سبحانه بالسماء ذات البروج في المقام ، مبيِّناً بأنّ اللّه الّذي كما يدفع بالبروج عن السماء كيد الشياطين ، كذلك يدفع عن إيمان المؤمنين كيد الشياطين وأوليائهم من الكافرين

ثُمّ أقسمَ باليوم الموعود ، الّذي يجزي فيها الناس بأعمالهم ، فهو يجزي أصحاب الأُخدُود بأعمالهم

وأقسمَ بالشاهِد الّذي يُشاهِد أعمال الآخرين ، وأقسمَ بمشهود ، أي كلّ ما يَشهده الشاهِد ، وهو أنّه سبحانه تبارك وتعالى يُعاين أعمالهم ويشاهدها

ويمكن أن يكون جواب القَسَم قوله سبحانه :( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤمِنينَ وَالْمُؤمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَريق * إِنَّ الَّذينَ آمنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهارُ ذلِكَ الْفَوزُ الكَبير ) (٢)

فاللّه سبحانه يوعد الكفّار ويعد المؤمنين

وأمّا وجه الصِلة فواضح أيضاً بالنسبة إلى ما ذكرنا في الوجه الأوّل ، ويُحتمل أن يكون الجواب قوله :( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشدِيد * إِنَّهُ هُُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيد ) (٣)

والمناسبة تلك المناسبة ، فلا نُطيل

ويحتمل أن يكون الجواب محذوفاً ، تدلّ عليه الآيات المُتقدِّمة ، والمحذوف كالتالي :

إيعاد الفاتنين ووعد المؤمنين ، وهكذا

ــــــــــــــــ

(١) الحجر : ١٦ـ ١٧

(٢) البروج : ١٠ـ ١١

(٣) البروج : ١٢ـ ١٣


الفصل الثالث عشر : القَسَم في سورة الطارِق

حلف سبحانه بأمرين : بـ( السماء والطارق ) ، ثُمّ فسَّر الطارق بالنجم الثاقب

حلف بهما بُغية دعوة الناس إلى الإذعان بأنّ لكلّ نفس حافظ

قال سبحانه :( وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ * وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ * النَّجْمُ الثاقِبُ * إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظ ) (١)

أمّا السماء : فقد مرّ البحث فيها

والطارق : من الطَرق ، ويُسمَّى السبيل طريقاً ، لأنّه يُطرَق بالأرجل ، أي يُضرَب ، لكن خُصّ ـ في العُرف ـ بالآتي ليلاً ، فقيل : إنّه طرقَ أهله طروقاً ، وعبّر عن النجم بالطارق ؛ لاختصاص ظهوره بالليل

النجم الثاقب : والثاقب الشيء الّذي يَثقب بنوره وإصابته ما يقع عليه ، قال سبحانه :( فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ) (٢)

( إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظ ) : فلفظة ( لمّا ) بمعنى إلاّ ، نظير قوله سبحانه :( وإنَّ كُلاً لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعمالَهُم ) (٣) ، ونظيره قولك : ( سألتُك باللّه لمّا فَعَلْت )

ــــــــــــــــ

(١) الطارق : ١ـ ٤

(٢) الصافّات : ١٠

(٣) هود : ١١١


والمراد من حافظ : هم الموكلون على كتابة أعمال الإنسان ، حسنها وسيِّئها ، يُحاسَب عليها يوم القيامة ويُجزَى بها

فالحافظ هو المَلَك ، والمحفوظ هو العَمَل ، قال تعالى :( وإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظينَ * كِراماً كاتِبين * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُون ) (١) ، ويحتمل أن يُراد من حافظ هو : القوّة الحافظة للإنسان من الموت وفساد البدن ، ولعلّه إليه يُرشِد قوله سبحانه :( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ) (٢)

والقوى الظاهريّة والمادّية والمعنويّة الّتي هي من جنود ربّنا ، والّتي وُكِّلت لحفظ الإنسان من الشرِّ إلى أن ينقضي عُمُره ، هم الحَفَظَة ، ولكنّ المعنى الأوّل هو الأنسَب

بقي هنا أمران :

الأوّل : إنّ المراد من النجم الثاقب هو كوكب زُحَل ؛ فإنّه من أبعد النجوم في مجموعتنا الشمسيّة الّتي يمكن رؤيتها بالعين المجرَّدة ، وقيل لزُحَل عشرة أقمار ، يمكن رؤية ثمانية منها بالناظور العادي

ولا يمكن رؤية الآخرين إلاّ بالنواظير الكبيرة

والظاهر أنّ المراد مُطلَق النجم الّذي يثقب ضوءه ، وإن كان زُحَل من أظهرِ مصاديقه

وأمّا المُقسَم عليه ، فهو قوله :( إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظ )

وأمّا الصِلة بينهما فبالنحو التالي :

هو أنّ السماء العالية ، والنجوم الّتي تتحرَّك في مدارات مُنظَّمَة ، دليلُ النظم والحساب الدقيق ، فليَعلم الإنسان بأنّ أعماله أيضاً تخضع للحساب الدقيق ، فانّ هناك مَن يحفظ أعماله ويُسجّلها إن خيراً فخير ، وإن شرّاً فشَر ، وأنّها لمسؤوليّة عظيمة يحملها الإنسان ، إذ ما من أحد إلاّ وهو مراقَب ، تُكتَب عليه كلّ أعماله من المهد إلى اللحد ، فليس من شيء يضيع في هذه الدنيا أبداً

ــــــــــــــــ

(١) الانفطار : ١٠ ـ ١٢

(٢) الأنعام : ٦١


هذا إذا قلنا بأنّ المراد من ( حافظ ) هو حافظ الأعمال ، وأمّا إذا فسّرت مَن يحفظ الإنسان من الحوادث والمهالك ، فالصلة بالنحو التالي :

وهو أن للنفوس رقيباً يحفظها ويدبِّر شؤونها في جميع أطوار وجودها حتى ينتهي أجَلُها ، كما أنّ للسماء مدبِّراً لشؤونها بما تحتويه من أنظمة رائعة ومعقَّدة ، فالفضاء الكوني فسيح جدّاً ، تتحرّك فيه كواكب لا حصر لها بسرعة خارقة ، بعضها يواصل رحلته وحده ، ومنها أزواج تسير مثنى مثنى ، ومنها ما يتحرّك في شكل مجموعات ، والكواكب على كثرتها يواصل كلّ واحد منها سفره على بُعدٍ عظيم يفصله عن الكواكب الأُخرى

إنّ هذا الكون يتألّف من مجموعات كثيرة من الكواكب والنجوم تسمّى مجاميع النجوم ، وكلّها تتحرّك دائماً وتدور في نظام رائع

ومع هذا الدوران تجري حركة أُخرى ، وهي أنّ هذا الكون يتّسع من كلّ جوانبه ، كالبالون المُتَّخذ من المطّاط وجميع النجوم تبتعد في كلّ ثانية بسرعة فائقة عن مكانها ، هذه الحركة المُدهشة تَحدث طِبقاً لنظام وقواعد محكمة ، بحيث لا يصطدم بعضها ببعض ، ولا يحدث اختلاف في سرعتها(١)

ــــــــــــــــ

(١) الإسلام يتحدّى : ٥٨


الفصل الرابع عشر : القَسَم في سورة الفجر

حلف سبحانه في سورة الفجر بأُمورٍ خمسة :

١ ـ الفجر ، ٢ ـ ليالٍ عشر ، ٣ ـ الشَفْع ، ٤ ـ الوَتر ، ٥ ـ الليل إذا يَسر

وقال :( وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفعِ وَالْوَتْرِ * واللَّيلِ إِذا يَسْرِ * هَلْ في ذلِكَ قَسَمٌ لِذي حِجْر ) (١)

تفسير الآيات :

اختلف المفسّرون في تفسير هذه الأقسام إلى أقوال كثيرة ، غير أنّ تفسير القرآن بالقرآن يدفعنا إلى أن نُفسِّره بما ورد في سائر الآيات

أمّا الفَجْر : فهو في اللغة ، كما قال الراغب : شَقّ الشيء شقّاً ، قال سبحانه :( وَفَجَّرنا الأرضَ عُيُوناً ) ، وقال :( وَفجّرنا خلالها نَهْراً ) ، ومنه قيل للصبح الفجر ؛ لكونه يُفجِّر الليل ، وقد استعمل الفجر بصورة المصدر في فجر الليل ، قال :( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْس إِلى غَسَقِ اللَّيل وَقُرآنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) (٢) ، وقال سبحانه :( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ

ــــــــــــــــ

(١) الفجر : ١ـ ٥

(٢) الإسراء : ٧٨


ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) (١) ، وقال سبحانه : ( سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْر ) (٢)

وعلى ضوء هذا ، فلو كانت اللام للجنس ، فهو محمول على مطلَق الفجر ، أعني : انفجار الصُبح الصادق ، وإن كانت تشير إلى فجر ليل خاصّ ، فهو يتّبع القرينة ، ولعلّ المراد فجر الليلة العاشرة من ذي الحجّة الحرام

( وليالٍ عَشر ) : فقد اختلف المفسّرون في تفسير الليالي العشر ، فذكروا احتمالات ليس لها دليل

أ ـ الليالي العشر من أوّل ذي الحجّة إلى عاشرها ، والتنكير للتفخيم

ب ـ الليالي العشر من أوّل شهر محرم الحرام

ج ـ العَشر الأواخر من شهر رمضان ، وكلّ محتمَل ، ولعلّ الأوّل أرجَح

وأمّا الشَفْع : فهو لغة ضمّ الشيء إلى مثله ، فلو قيل للزوج شفع ، لأجل أنّه يضمّ إليه مثله

والمراد منه هو الزوج ، بقرينة قوله ( والوتر ) ، وقد اختلفت كلمتهم فيما هو المراد من الشفع والوتر

١ ـ الشَفع هو يوم النَفْرِ ، والوَتر يوم عرفة ، وإنّما أقسَمَ اللّه بهما لشرفهما

٢ ـ الشَفع يومان بعد النحر ، والوتر هو اليوم الثالث

٣ ـ الوتر ما كان وِتراً من الصلوات كالمغرب ، والشفع ما كان شفعاً منها

إلى غير ذلك من الأقوال الّتي أنهاها الرازي إلى عشرين وجهاً ، ويحتمل أن يكون المراد من الوتر هو اللّه سبحانه ، والشفع سائر الموجودات

ــــــــــــــــ

(١) البقرة : ١٨٧

(٣) القدر : ٥


  ( وَاللّيل إذا يَسر ) : أمّا الليل فمعلوم ، وأمّا قوله ( يَسْر ) ، فهو من سَرَى يسري ، فحذف الياء لأجل توحيد فواصل الآيات ، ويستعمل الفعل في السير في الليل ، كما في قوله سبحانه : ( سُبْحانَ الّذي أَسرى بِعَبْدِهِ لَيلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرامِ إِلى الْمَسْجِدِ الأقصى ) (١) ، فالليل ظرف والساري غيره ، ولكن الآية نسبت الفعل إلى نفس الليل ، فكأنّ الليل موجود حقيقي له سير نحو الأمام ، فهو يسير إلى جانب النور ، فاللّه سبحانه حلف بالظلام المُتحرّك الّذي سينجلي إلى نور النهار

مضافاً إلى ما في الليل من عظائم البركات الّتي لا تقوم الحياة إلاّ بها

هذا ما يرجع إلى مجموع الآية ، ونعود إلى الآيات بشكل آخر ، فنقول : أمّا الفجر ، فقد حلف به سبحانه بصورةٍ أُخرى أيضاً ، وقال :( وَالصُّبح إِذا أَسْفَرَ ) .(٢)

وقال تبارك وتعالى :( وَالصُّبح إِذا تَنَفَّس ) ، والمراد من الجميع واحد ، فإنّ إسفار الصبح في الآية الأُولى هو طلوع الفجر الصادق ، فكأنّ الصبح كان مستوراً بظلام الليل ، فهو رفعَ الستارَ وأظهرَ وجهه ؛ ولذلك استخدم كلمة ( أسفر ) ، يقال : أسفرت المرأة : إذا رُفع حجابها

ويعود سَبَب تعاقب الليل والنهار إلى دوران الأرض حول الشمس ، فبِسبب كرويّتها لا تضيء الشمس سائر جهاتها في آن واحد ، بل تضيء نصفها فقط ، ويبقى النصف الآخر مُظلماً حتّى يحاذي الشمس بدوران الأرض ، فيأخذ حظّه من الاستنارة ، وتتمّ الأرض هذه الدورة في أربعة وعشرين ساعة

كما أنّ المراد من الآية الثانية أعني : ( والصبح إِذا تَنَفَّس ) هو انتشار نوره ، فعبَّر عنه بالتنفّس ، فكأنّه موجود حيّ يبثّ ما في نفسه إلى الخارج ، أمّا عَظَمَة الفجر فواضحة ؛ لأنّ الحياة رهن النور ، وطلوع الفجر يثير بارقة الأمل في القلوب ، حيث تقوم كافّة الكائنات الحيّة إلى العمل وطلب الرزق

ــــــــــــــــ

(١) الإسراء : ١

(٢) المدّثِّر : ٣٤

(٣) التكوير : ١٨


وأمّا الليالي العشر ، فهي عبارة عن الليالي الّتي تنزل فيها بركاته سبحانه إلى العباد ، سواء فُسّرت بالليالي العشر الأُولى من ذي الحجّة ، أم الليالي العشر من آخر شهر رمضان

فالليل من نعمه سبحانه حيث جعله سكناً ولباساً للإنسان وقال :( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ) (١) ، كما جعله سكناً للكائنات الحيَّة ، حيث ينفضون عن أنفسهم التعب والوَصب ، قال سبحانه :( فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ) (٢)

وأمّا الشفع والوَتر ، فقد جاء مُبهَماً وليس في القرآن ما يُفسَّر به ، فينطبق على كلِّ شفع ووتر ، وبمعنى آخر ، يمكن أن يراد منه صحيفة الوجود من وتره ، كاللّه سبحانه وشفعه كسائر الموجودات

وأمّا قوله :( واللَّيل إِذا يسر ) ، أقسمَ بالليل إذا يمضي ظلامه ، فلو دام الليل دون أن ينجلي لزالت الحياة ، يقول سبحانه :( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إن جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْل سَرْمداً إِلى يَومِ القِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِضياءٍ أَفَلا تسْمَعُون ) (٣)

فتبيَّن ممّا سبق منزلة المُقسَم به في هذه الآيات ، وأنّها تتمتّع بالكرامة والعظمة

وأمّا المُقسَم عليه ، فيحتمل وجهين :

أحدهما : أنّه عبارة عن قوله سبحانه :( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) (٤)

ــــــــــــــــ

(١) النبأ : ١٠

(٢) الأنعام : ٩٦

(٣) القصص : ٧١

(٤) الفجر : ١٤


ثانيهما : إنّ المُقسَم عليه محذوف ، يُعلَم من الآيات الّتي أعقبت هذه الأقسام ، قال سبحانه :( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ * إِرَمَ ذاتِ الْعِماد * التّي لَمْ يُخْلَق مِثْلُها فِي البِلاد * وَثَمُودَ الّذِينَ جابُوا الصَّخرَ بِالواد * وَفرْعَونَ ذِي الأَوْتاد * الَّذينَ طَغَوْا فِي البِلاد * فَأَكْثَروا فِيهَا الفَسادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبّكَ سَوطَ عَذابٍ * إِنَّ رَبّكَ لَبِالْمِرصاد ) (١)

فالمفهوم من هذه الآيات أنّه سبحانه حلف بهذه الأقسام بغيَة الإيعاد بأنّه يعذِّب الكافرين والطاغين والعُصاة ، كما عذّب قوم عاد وثمود ، فالإنسان العاقل يعتبر بما جرى على الأُمم الغابرة من إهلاك وتدمير

أمّا وجه الصِلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه فهو : أنّ مَن كان ذا لُبٍّ ، علم أنّ ما أقسم اللّه به من هذه الأشياء فيه دلائل على قدرته وحكمته ، فهو قادر على أن يكون بالمرصاد لأعمال عباده ، فلا يعزب عنه أحد ولا يفوته شيء من أعمالهم ؛ لأنّه يسمع ويرى جميع أقوالهم وأفعالهم ، خصوصاً بالنظر إلى ما أدَّبَ به قوم عاد وثمود ، مع ما كان لهم من القوّة والمِنعَة

ــــــــــــــــ

(١) الفجر : ٦ـ ١٤ .


الفصل السابع عشر : القَسَم في سورةِ اللَيل

حلف سبحانه في سورة الليل بأُمور ثلاثة :( اللَّيل إِذا يَغْشى ) ،( النَّهار إِذا تَجَلّى ) ،( مَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى )

وقال سبحانه :( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ) (١)

تفسير الآيات :

١ ـ( وَاللَّيل إِذا يَغْشى ) : أقسَمَ بالليل إذا يغشى النهار ، أو يغشى الأرض ، ويدلّ على الأوّل ، قوله :( يُغشِي اللَّيلَ النَّهارَ ) (٢) ، بمعنى يأتي بأحدهما بعد الآخر ، فيجعل ظلمة الليل بمنزلة الغشاوة للنهار

ويحتمل المعنى الثاني ، كما في قوله في سورة الشمس :( وَاللَّيل إِذا يَغْشاها )

٢ ـ( وَالنَّهار إِذا تَجَلّى ) : عطف على الليل ، والتَجلّـي ظهور الشيء بعد خفائه ، وقد جاء الفعل في الآية الأُولى بصيغة المضارع ، وفي الآية الثانية بصورة الماضي ، وفقاً لسورة الشمس كما مَرّ

٣ ـ ( وَما خَلَقَ الذَّكَر والأُنثى ) : و ( ما ) موصولة ، كناية عن الخالق البارئ للذَكَرِ والأُنثى ، سواء أكان من جنس الإنسان أم من جنس الحيوان وتطبيقه في بعض التفاسير على أبينا آدم وزوجه حوّاء ، من باب التمثيل لا التخصيص

ــــــــــــــــ

(١) الليل : ١ـ ٤

(٢) الأعراف : ٥٤


وأمّا جواب القَسَم : هو قوله :( إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى ) ، وشَتّى جمع شَتِيت ، كمَرضى جمع مَريض ، و المراد تَشتُّت السَعْي ، فإنّ سعي الإنسان لمختلف ، وليس منصبَّاً على اتّجاه واحد ، فمن ساعٍ للدنيا ومن ساعٍ للعقبى ، ومن ساع للصلاحٍ والفلاح ومن ساعٍ للهلاك والفساد

ثُمّ إنّه سبحانه صنّف المساعي إلى قِسمين ، وقال في الآيات التالية بأنّ الناس على صنفين : فصِنْف يصبُّ سعيه في طريق العطاء والتُقى والتصديق بالحسنى ، فيُيَسّـر لليسرى ، وصِنف آخر يصبُّ سعيه ضدّ ما ذُكر ، فيبخل ويستغني بما لديه ، ويكذِّب بالحسنى ، فيُيسّر للعسرى

قال :( فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسرى * وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ) (١)

والصِلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه واضحة ، وهي : أنّه سبحانه أقسَمَ بالمُتفرّقات خلقاً وأثراً ، على المساعي المُتفرّقة في أنفسها وآثارها ، فأين التقوى والتصديق من البُخل والتكذيب ؟!

ــــــــــــــــ

(١) الليل : ٥ ـ ١٠


الفصل الثامن عشر : القسم في سورة الضحى

حلف سبحانه في تلك السورة بأمرين ، أحدهما الضحى ، والآخر :( اللَّيل إِذا سَجى ) ، وقال :( وَالضُّحى * وَاللَّيلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى * وللآخِرةُ خَيرٌ لَكَ مِنَ الأُولى * وَلَسوفَ يُعْطيكَ رَبُّكَ فَتَرضى ) (١)

تفسير الآيات :

المراد من الضحى وقت الضحى ، وهو صَدر النهار حتى ترتفع الشمس وتُلقي شعاعها ، قال سبحانه :( وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحى ) (٢)

وقوله :( وَالليلِ إذا سَجى ) ، أي : والليل إذا سَكَن ، يقال : سَجى البحر سجوّا ، أي سَكَنَت أمواجه ، ومنه استعير تَسْجِية الميِّت ، أي تغطيته بالثوب والمراد إذا غطّى الليلُ وجه الأرض ، وعمَّت ظلمتُه جميع أنحاء البسيطة ، هذا هو المُقسَم به

وأمّا المُقسَم عليه ، فهو ما جاء عَقبه ، أي : ما تركَك يا محمد ربّك ، وما أبغضَك منذ اصطفاك

( وللآخِرةُ خَيرٌ لَكَ من الأُولى ) ، أي ثواب الآخرة والنعيم الدائم فيها خير لك من الدنيا الفانية ( ولَسَوفَ يُعْطيكَ رَبُّكَ فَتَرضى ) ، أي سوف يعطيك ربّك في الآخرة ما يرضيك من الشفاعة والحوض وسائر أنواع الكرامة

ــــــــــــــــ

(١) الضحى : ١ ـ ٥

(٢) طه : ٥٩


وروي أنّ محمد بن علي بن الحنفيّة قال : يا أهل العراق ، تزعمون أنّ أرجَى آية في كتاب اللّه عزّ وجلّ هو قوله تعالى :( قُلْ يا عِبادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّه ) (١) ، وإنّا أهل البيت نقول : أرجى آية في كتاب اللّه ، هو قوله :( وَلَسَوفَ يُعطيكَ رَبُّكَ فَتَرضى ) ، وهي واللّه الشفاعة ، ليعطينّها في أهل لا إله إلاّ اللّه حتى يقول : ربّي رضيت(٢)

وقد ذكر المفسّرون في شأن نزول الآية : أنّه احتبس الوحي عنه خمسة عشر يوماً ، فقال المشركون : إنّ محمّداً قد ودّعه ربّه وقَلاه ، ولو كان أمره من اللّه تعالى ، لتَتَابَع عليه ، فنزلت هذه السورة

هذا ما يذكره المفسّرون ، ولكن الحقّ أنّه لم يكن هناك أيُّ احتباس وتأخير في نزول الوحي ؛ وذلك لأنّه جرت سُّنّة اللّه تعالى على نزول الوحي تدريجاً ، لغايات معنوية واجتماعية ، وقد أشار الذكر الحكيم إلى حكمة نزوله نُجوماً في غير واحدة من الآيات ، قال سبحانه :( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَولا نُزّلَ عَلَيْهِ الْقُرآن ُجُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً ) .(٣)

فالآية تعكس فكرة المشركين حول نزول القرآن ، وكانوا يتصوّرون أنّ القرآن كالتوراة ، يجب أن ينزل جملة واحدة لا نجوماً ، وعلى سبيل التدريج ، فأجاب عنه الوحي ، بأنّ في نزوله التدريجي تثبيتاً لفؤاد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لتداوم الصلة بين المُوحي والموحَى إليه بين الحين والحين

ــــــــــــــــ

(١) الزمر : ٥٣

(٢) مجمع البيان : ٥/٥٠٥

(٣) الفرقان : ٣٢


وهذا بخلاف ما لو نزل جملة واحدة ، وأُوصد فيها باب الوحي وانقطعت صِلة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالسماء

ففي صورة استدامة الوحي والصلة بينه وبين اللّه سبحانه ، يعيش النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحت ظلّ إمدادات غيبية ، تعقبه إزالة الصدأ العالق على قلبه من خلال مجابَهة المشركين والكافرين ، بخلاف الثاني ، ففيه إيماء إلى انقطاع الصلة ، حينها يجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفسه وحيداً ، دون مَن يعضده ويُسلّيه ويذهب عنه همَّ القلب

ففي الحقيقة ، لم تكن هناك طارئة باسم احتباس الوحي أو تأخيره ، وإن زَعم المشركون نزول الوحي نجوماً ، احتباساً وتأخيراً له

وأمّا الصِلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه ، فلا تخلو من وضوح :

١ ـ لأنّ نزول الوحي يناسب الضحى ، كما أنّ انقطاعه يناسب الليل

٢ ـ لأنّ عماد الحياة هو مجيء الليل عقب النهار ، لا استدامة النهار ولا استدامة الليل ، فهكذا الحال في عماد الحياة النبويّة الّذي هو نزول الوحي نجوماً ، تثبيتاً لقلب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

٣ ـ ولأنّ الضحى والليل نعمة من نعم اللّه سبحانه ، مَنَّ بها على عباده لِما لهما من تأثير مباشر في استقرار الحياة ، وهكذا الحال في نزول الوحي نجوماً


الفصل التاسع عشر : القَسَم في سورة التِين

حلف سبحانه في سورة التين بأُمور أربعة : ( التين ، الزيتون ، طور سينين ، البلد الأمين ) ، قال سبحانه : ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينينَ * وَهذَا الْبَلَدِ الأمين * لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسانَ في أَحْسَنِ تَقْويمٍ * ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلينَ * إِلاّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) (١)

تفسير الآيات :

( التين والزَّيتُون ) : فاكِهتان معروفتان ، حلف بهما سبحانه لما فيهما من فوائد جمّة وخواصّ نافعة ، فالتِين فاكهة خالصة من شائب التَنغيص ، وفيه أعظم عبرة ؛ لأنّه عزّ اسمه جعلها على مقدار اللقمة ، وهيّأها على تلك الصورة إنعاماً على عِباده بها

وقد روى أبو ذر الغفاري عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :( لو قلتُ : إنّ فاكهة نزلتْ من الجَنّة ، لقلتُ : هذه هي ؛ لأنّ فاكهة الجَنّة بلا عَجَمْ (٢) ، فإنّها تقطع البواسير ، وتنفع من النقرص ) (٣)

وأمّا الزيتون ، فإنّه يُعتصَر منه الزيت الّذي يدور في أكثر الأطعمة ، وهو إدام ، والتين فاكهة فيها منافع جمّة

ــــــــــــــــ

(١) التين : ١ ـ ٦

(٢) ٢ ـ العَجَمْ : نوى التَمْر ، أو كلّ ما كان في جوف مأكول كالزبيب

(٣) مجمع البيان : ٥/٥١٠


ذكر علماء الأغذية أنّه يمكن الاستفادة من التين كسُكّر طبيعي للأطفال ، ويمكن للرياضيّين ولمَن يعانون ضعف كبر السنّ أن ينتفعوا منه للتغذية ، حتى ذكروا أنّ الشخص إن أراد توفير الصحّة والسلامة لنفسه ، فلابُدّ له أن يتناول هذه الفاكهة ، كما أنّ زيت الزيتون هو الآخر له تأثير بالغ في معالجة عوارض الكُلَـى ، حتى وصفها سبحانه بأنّه مأخوذ من شجرة مباركة ، ولا نطيل الكلام في سرد فوائدهما(١)

هذا وربّما يُفسَّر التين بالجبل الّذي عليه دمشق ، والزيتون بالجبل الّذي عليه بيت المَقدِس

وهذا التفسير وإن كان بعيداً عن ظاهر الآيات ، ولكنّ الّذي يدعمه هو القَسَم الثالث والرابع ـ أعني : الحلف بـ( طور سينين * والبلد الأمين ) ـ ، إذ على ذلك يكون بين الأمور الأربعة السالفة الذكر صلة واضحة ، ولعلّ إطلاق اسم الفاكهتين على الجبلين لكونهما مَنبتيهما ، والإقسام بهما لأنّهما مَبعثي جَمّ غفير من الأنبياء

ثُمّ إنّ المراد من طور سينين ، هو الجبل الّذي كلّم اللّه فيه موسىعليه‌السلام ، وقال :( إِنَّي أَنَا رَبّكَ فَاخْلََعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالوادِ المُقدَّسِ طُوى ) (٢) ، وقال :( إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ المُقَدَّسِ طُوى ) (٣) ، وقال سبحانه مخاطباً موسىعليه‌السلام :( وَلكِنِ انْظُر إِلى الْجَبَل فَإِن اسْتَقَرَ مَكانَهُ فَسَوفَ تَراني فَلَمّا تَجلّـى رَبّه لِلجَبَل جَعَلهُ دَكّاً وخَرّ مُوسى صَعِقاً ) (٤)

ــــــــــــــــ

(١) فمَن أراد التفصيل ، فليرجع إلى كتب علماء الأغذية وما أُلّف في هذا المضمار

(٢) طه : ١٢

(٣) النازعات : ١٦

(٤) الأعراف : ١٤٣


  ( البلد الأمين ) : وقد ذكر لفظ البلد في دعاء إبراهيم حيث قال :( وَإِذْ قالَ إِبْراهيم رَبِّ اجْعَل هذا بَلَداً آمِناً وَارزُق أَهْلهُ مِنَ الثَّمراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخر ) (١) ، وقال أيضاً :( رَبِّ اجْعَل هذا البلد آمناً وَاجْنُبْني وَبَنيّ أن نَعْبُد الأصنام ) (٢)

وقد أمر سبحانه نبيّه الخاتم ، أن يقول :( إِنَّما أُمرت أن أَعبُدَ ربَّ هذه البَلْدة الّذي حرّمها ولَهُ كُلّ شيء وَأُمرت أن أكون من المُسلمين ) (٣)

وقد جاء ذكر البلد في بعض الآيات كناية ، قال سبحانه :( إنّ الّذي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرآن لَرادّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَم مَنْ جاءَ بِالهُدى وَمَنْ هُوَ في ضَلالٍ مُبين ) (٤)

والمراد من قوله( إلى معاد ) هو : موطنه الّذي نشأ فيه

وقد روى المفسّرون في تفسير الآية : أنّه لمّا نزل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالجُحفَة ـ في مسيره إلى المدينة لمّا هاجر إليها ـ اشتاق إلى مكّة ، فأتاه جبرائيلعليه‌السلام فقال : أتشتاق إلى بلدك ومولدك ؟ فقال :نعم . قال جبرائيل : فإنّ اللّه يقول :( إنَّ الّذي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرآن لَرادّكَ إِلى مَعاد ) يعني مكّة ظاهراً عليها ، فنزلت الآية بالجُحفَة ، وليست بمكّيّة ولا مَدنيّة ، وسُمّيت مكّة معاداً لعَودَه إليها ( عن ابن عّّباس )(٥)

ــــــــــــــــ

(١) البقرة : ١٢٦

(٢) إبراهيم : ٣٥

(٣) النمل : ٩١

(٤) القصص : ٨٥

(٥) مجمع البيان : ٧/٢٦٨


كما ذكر أيضاً في آية أُخرى بوصفه وقال :( أَوَ لَمْ يَرَوا أنّا جَعَلْنا حَرماً آمِناً وَيُتَخَطَّف النّاسُ منْ حَولهِم أَفَبالباطِل يُؤمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللّه يكْفُرون ) (١)

وقد وصف سبحانه البلد بالآمن ، وأصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف ، وقد جعله وصفاً في بعض الآيات للحَرَمِ ، قال سبحانه :( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (٢)

وفي آية أُخرى يقول :( أَوَ لَمْ يَرَوا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمناً وَيُتَخَطَّف النّاسُ من حَولهِمْ أَفَبالباطل يؤمنون وبنعمة اللّه يكفرون ) (٣)

والمراد من هذا الأمن هو الأمن التشريعي ، بمعنى أنّه سبحانه حرَّم فيه القتل والحرب ، حتى قطع الأشجار والنباتات ، إلاّ بعض الأنواع ممّا تحتاج إليه الناس

والّذي يوضح أنّ المراد من الأمن هو الأمن التشريعي لا التكويني قوله سبحانه :( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذي بِبَكّة مُباركاً وَهُدىً لِلْعالَمين * فِيه آياتٌ بَيِّنات مَقامُ إِبراهيم وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَللّه عَلى النّاسِ حِجُّ الْبَيْت مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً وَمَنْ كَفَرَ فإِنَّ اللّه غَنِيٌّ عَن الْعالَمين ) (٤)

فالآية الأُولى تحكي عن تشريع خاصّ ، وهو أنّ الكعبة أوّل بيت وضعت لعبادة الناس ، ويدلّ على ذلك أنّ فيه مقام إبراهيم ، كما أنّ الآية الثانية تُبيّن تشريعاً آخر ، وهو وجوب حجّ البيت لمَن استطاع إليه ، وبين هذين التشريعين جاء قوله :( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) ، وهذا دليل على أنّ المراد من الأمن هو الأمن التشريعي لا التكويني ، ولذلك كان الطغاة يسلبون الأمن عن هذا البلد بين آونة وأُخرى

ــــــــــــــــ

(١) العنكبوت : ٦٧

(٢) القصص : ٥٧

(٣) العنكبوت : ٦٧

(٤) آل عمران : ٩٦ـ ٩٧


ويشير إلى الأمن بقوله سبحانه :( جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الحَرام قِياماً لِلنّاسِ وَالشَّهْرَ الحَرامَ ) (١) ، وصف البيت بالحرام ، حيث حرّم في مكانه القتال ، وجعل الناس فيه في أمنٍ من حيث دمائهم وأعراضهم وأموالهم

فهذه الآيات تشير إلى مكانة البلد الّذي احتضن البيت الحرام ، ذلك المكان المقدَّس الّذي حاز على أهمِّية بالغة عند المسلمين على اختلاف نِحلِهم ، فإليه يُوجِّه الناس وجوههم في صلواتهم وفي ذبائحهم وعند احتضار أمواتهم

وفضلاً عن ذلك ، فانّه يُعدّ ملتقىً عباديّاً وسياسيّاً لحشودٍ كبيرة من المسلمين ، وما يترتّب عليه من نتائج بنّاءة على صعيد مدِّ جسور الثقة بين كافة النِحل الإسلامية ، وبتبعه حاز البلد على مكانة مقدّسة جعلته صالحاً للقَسَم به

المُقسَم عليه :

المُقسَم عليه للأقسام الأربعة ـ أعني : التين ، الزيتون ، طور سينين ، البلد الأمين ـ هو قوله سبحانه :( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسانَ في أَحْسَنِ تَقْويم * ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلين )

فيقع الكلام في أمرين :

أ ـ ما هو المراد من خلقِ الإنسان في أحسن تقويم ثُمّ ردّه إلى أسفل سافلين ؟

ب ـ ما هي الصلة بين الأقسام الأربعة وهاتين الآيتين ، اللتين هما المُقسَم عليه للأقسام الأربعة ؟

أمّا الأوّل ، فربّما يقال : إنّ المراد من خلق الإنسان في أحسن تقويم هو جَودة

ــــــــــــــــ

(١) المائدة : ٩٧ .


خَلْقه واستقامة وجوده ، من صباه إلى شبابه إلى كماله ، فيتمتّع بكمال الصورة وجمال الهيئة وشدّة القوّة ، فلم يزل على تلك الحال حتى يواجَه بالنزول ، أي ردّه إلى الهرم والشيخوخة والكهولة ، فتأخذ قِواه الظاهرة والباطنة بالضَعف ، وتنكس خِلقته ، قال سبحانه : ( وَمَنْ نُعَمِّرهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ) (١)

لكن هذا التفسير لا يناسبه الاستثناء الوارد بعده ، قال سبحانه :( إِلاّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون ) ، أي غير مقطوع

فلو كان المراد من الآية ما جرت عليه سُنّة اللّه تعالى في خلق الإنسان ، فهي سُنّة عامّة تعمّ المؤمن والكافر والصالح والطالح ، مع أنّه يستثني المؤمن الصالح من تلك الضابطة

فالأولى تفسير الآيتين بالتقويم المعنوي ، وردّه إلى أسفل سافلين هو : انحطاطه إلى الشقاء والخسران ، بأن يقال :

إنّ التقويم جعل الشيء ذا قوام ، وقوام الشيء ما يقوم به ويثبت ، فالإنسان بما هو إنسان ، صالح ـ حسب الخلقة ـ للعروج إلى الرفيق الأعلى والفوز بحياة خالدة عند ربّه ، سعيدة لا شَقوَة فيها ، قال سبحانه :( وَنَفْسٍ وَما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ) (٢) ، فإذا آمن بما عَلِم ومارس صالح الأعمال ، رفعه اللّه إليه ، كما قال :( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ ) (٣) ، وقال عزّ اسمه :( يَرفَعِ اللّهُ الّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجات ) (٤)

إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على ارتفاع مقام الإنسان وارتقائه بالإيمان والعمل الصالح ، مقاماً عالياً ذا عطاء من اللّه غير مَجذُوذ وقد أشار في آخرهذه السورة إلى العطاء الدائم ، بقوله : ( فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُون )

ــــــــــــــــ

(١) يس : ٦٨

(٢) الشمس : ٧ـ ٨

(٣) فاطر : ١٠

(٤) المجادلة : ١١


وعلى ذلك ، يكون المراد من أسفل سافلين هو تردّي الإنسان إلى الشَقوَة والخسران(١)

وأمّا وجه الصِلة ، فلو قلنا بأنّ المراد من التين الجبل الّذي عليه دمشق ، وبالزيتون الجبل الّذي عليه بيت المَقدِس ـ وهما مَبعثا جَمّ غفير من الأنبياء ـ ، فالصلة واضحة ؛ لأنّ هذه الأراضي أراضي الوحي والنبوّة ، فقد أوحى اللّه سبحانه إلى أنبيائه في هذه الأمكنة ، ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى أحسن تقويم ، ويصدّهم عن التردِّي إلى أسفل سافلين

وبعبارة أُخرى : إنّ هذه الأماكن مبعث الأنبياء ومهبط الوحي ، فهؤلاء بفضل الوحي يَهدون المجتمع الإنساني إلى الرُقيِّ والسعادة الّتي يُعبِّر عنها القرآن بـ( أحْسَن تَقويم ) ، ويحذِّرونه من الانحطاط والسقوط في الهاوية ، الّتي يُعبِّر عنها سبحانه بـ( أَسْفَلَ سافِلين )

إنّما الكلام فيما إذا كان المراد من التين والزيتون الفاكهتين المعروفتين ، اللَتين أقسَمَ اللّه بهما لما فيهما من الفوائد الجَمّة والخواصّ النافعة ، فعندئذٍ لا تخلو الصِلة من غموض ، فليُتَدَبَّر

ولا يخفى أنّ كلّ المخلوقات ، من حيوان ونبات ، توحي بالجلال و الاحترام لها ، وبالجمال وكمال الخلق ، وهي تبدو مُبرمَجة أو مخلوقة هكذا ، لا تحيد عن ذلك

فهل رأيت طيراً لا يبني عشّه أو لا يُطعمُ فراخه ؟! أم رأيت حيواناً لم يهبه اللّه الذكاء والمقدرة على تحصيل رزقه ، أو الدفاع عن نفسه ؟!

حقّاً إنّ هذه المخلوقات لا تعرف الهَزل ، فهي جدّيّة ولكن في وداعة ، غريبة ولكن في جمال ، وبسيطة ولكن في جلال آسِرْ

ــــــــــــــــ

(١) الميزان : ٢٠/٣١٩ـ ٣٢٠


إنّ كُلاًّ منها تسير على الطريق الّتي اختطّها الخالق لها ، طائعة مُلبّية ، وهي تُسبّح بحمد ربّـها كلّها إنّها لا تعرف الكذب أو المصانعة ، بل هي مُتّسقة مع نفسها ومع ما حولها ، بل و مع الكون جميعاً ، في تناغم عجيب وجمال بديع ، فتعالَى اللّه الظاهر بعجائب تدبيره للناظرين ، والباطن بجلال عزّته عن فكرة المُتوهّمين(١)

ــــــــــــــــ

(١) أسرار الكون في القرآن : ٢٨٣


الفصل العشرون : القَسَم في سورة العاديات

حلف سبحانه في هذه السورة بأُمور ثلاثة : ( العاديات ، المُوريات ، المُغيرات ) ، قال سبحانه :( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا * إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) (١)

تفسير الآيات :

( العادِيات ) : من العَدْوِ وهو الجري بسرعة

( الضَبْح ) : صوت أنفاس الخيل عند عَدوها ، وهو المعهود المعروف من الخيل ومعنى الآية : أُقسم بالخيل الّتي تعدو وتَضبح ضبحاً

( فَالمُوريات قدحاً ) : فالموريات من الإيراء ، وهو إخراج النار ، والقَدْح : الضَرْب ، يقال : قَدَحَ فأورى : إذا أخرج النار بالقَدْحِ ، والمراد بها الخيل الّتي تُخرِج النار بحوافرها حين ضربها الأحجار

( فالمُغيرات صبحاً ) : الإغارة الهجوم على العدوِّ بغتَةً بالخيل ، وهي صفة أصحاب الخيل ، ونسبتها إلى الخيل بالمجاز والمناسبة ، والمعنى : أُقسِم بالخيل المُغيرة على العَدوِّ بغتَةً في وقت الصُبح

( فَأَثَرْنَ بهِ نَقْعاً ) : والنَقْع الغبار ، والمراد إثارة الغبار حين العَدْو ؛ لِما في الإغارة على العَدُوِّ بالخيل من إثارة الغبار ، والضمير في ( به ) يرجع إلى العَدْوِ المُستفاد من قوله :( والعاديات ) ، والباء للسببيَّة

ــــــــــــــــ

(١) العاديات : ١ـ ٨


( فوَسَطْنَ به جَمعاً ) : فلو قلنا بتشديد السين ، يكون المعنى حاصروا الأعداء ، ولكنّ القراءة المعروفة هي بلا تشديد الفعل ، فيكون معناه : أي صاروا في وسط الأعداء ، بما أنّ هجومها كان مُباغِتاً خاطفاً ، استطاعت في بضعٍ من اللَحظات أن تشقَّ صفوف العَدُوِّ وتشنّ حملتها في قلبه ، وتُشتِّت جَمْعَه

ثُمّ الضمير إمّا يرجع إلى العَدْوِ المُستفاد من قوله :( والعاديات ) ، أو إلى النَقْعِ ، فيكون المعنى : فوَسَطن صباحاً ، أو في خِضمِّ النَقْع ، صفوف الأعداء

ويحتمل أن يرجع الضمير إلى الصُبح ، ويكون الباء بمعنى ( في ) ، أي : وَسَطن في الصبح جَمْعاً

وعلى كلّ حال ، فالآيات تحلف بالخيول الّتي تُسرع إلى ميدان الجهاد ، بسرعة حتى تضبح ويتطاير الشَرَر من تحت حوافرها باستدامة ضرب الحافر للأحجار ، وعند انجلاء الصُبح تشنّ هجوماً شديداً يُثير الغبار في كلِّ جانب ، ثُمّ تتوغَّل إلى قلب العَدُوِّ وتُشتِّت صفوفه

وهذا يُعرب أنّ الجهاد له منزلة عظيمة ، إلى حدِّ استحقَّ أن يُقسَم بخيوله والشَرَر الّذي يتطاير من حوافرها ، والغبار الّذي تثيره في الهواء

هذا كلّه حول الإقسام ، وأمّا جواب القَسَم ، فهو قوله :( إِنَّ الإنسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود ) ، والكَنُود : اسم للأرض الّتي لا تُنبِت ، ويُطلَق على الإنسان الكافر والبخيل ، فكأنّه جُبِل على نكران الحقّ وجُحوده ، وعدم الإقرار بما لَزِمه من شكر خالقه والخضوع له يقول سبحانه :( إِنَّ الإنسانَ لَكَفُور ) (١) ، وهو إخبار عمّا في طبعِ الإنسان من اتّباع الهوى والانكباب على الدنيا ، والانقطاع بها عن شُكر ربّه ، وفيه تعريض للقوم المُغار عليهم ، بأنّهم كانوا كافرين بنعمة الإسلام ، وهذا على وجه يُشهِد الإنسان على كفران نفسه ، كما يقول :( وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهيد )

ــــــــــــــــ

(١) الحجّ : ٦٦ .


ثُمّ إنّه يدلّل شهادته على ذلك بقوله :( وَإِنَّهُ لحُبّ الخَير لَشَديد ) ، والمراد من الخير المال

ثُمّ إنّ هذه الآيات لا تنافي ما دلَّت عليه آية الفطرة ، قال سبحانه :( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ حَنيفاً فِطْرَة اللّهِ الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيها لا تَبديلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّم وَلكِنّ أَكْثَر النّاسِ لا يَعْلَمُون ) (١)

وجه عدم التنافي : أنّ الإنسان كما جُبِل على الخير ، جُبل على الشَرِّ أيضاً ، فكما ألهَمَها تقواها ، ألهَمَها فجورها ، وكما أنّه هداه إلى النَجدين ولكنّ السعادة هي مَن يستخدم قوى الخير ويتجنّب قوى الشرِّ

والحاصل ، أنّ الآيات القرآنية على صنفين : فصِنف يصف الإنسان بصفات سلبيّة ، مثل قوله : ( لَيَئُوسٌ ) (٢) ( لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) (٣) ( عَجُولاً ) (٤) ( كَفُوراً ) (٥) ( أكثرَ شيءٍ جَدلاً ) (٦) ، ( ظَلُوماً جَهُولاً ) (٧) ( لَكَفُورٌ مُبِينٌ ) (٨) ( هَلُوعاً ) (٩) إلى غير ذلك من الصفات السلبيّة الواردة في القرآن الكريم

ــــــــــــــــ

(١) الروم : ٣٠

(٢) هود : ٩

(٣) إبراهيم : ٣٤

(٤) الإسراء : ١١

(٥) الإسراء : ٦٧

(٦) الكهف : ٥٤

(٧) الأحزاب : ٧٢

(٨) الزخرف : ١٥

(٩) المعارج : ١٩


وصنف آخر يصفه بصفات إيجابيّة ، تجعله في قمّة الكرامة والعَظمة ، فقد بلغت به الكرامة أنّه صار :( مسجوداً للملائكة ) (١) ،( مخلوقاً بفطرة اللّه ) (٢) ، ( مُنشَأ بأحسن تقويم ) (٣) ،( مُفضّلاً على كثير من المخلوقات ) (٤) ،( حاملاً لأمانة اللّه ) (٥) ،( سائراً في البرِّ والبحر ومرزوقاً من الطيِّبات ومُكرَماً عند اللّه ) (٦) إلى غير ذلك من الآيات الّتي تصف الإنسان بصفات إيجابيّة

ولا منافاة بين الصنفين من الآيات ؛ وذلك لأنّ تلك الكرامة إنّما هي للإنسان الّذي تمتّع بكلا الوَصفين ، فهو عندما يُلبّي نداء العقل والشرع ، يَنَل كرامته العُليا ، ويكون مظهراً لقوله :( وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفضيلاً ) (٧) ، ولو خضع لدعوة النفس والهوى ، يكون مظهراً للصفات السلبيّة ، ( كفوراً ، يؤوساً ، هلوعاً ، كنوداً ، إلى غير ذلك من الصفات الذميمة )

فالكمال كلّ الكمال لإنسانٍ تكمُن فيه قوى الخير والشرّ ، فيُقوّي إحداهما على الأُخرى بإرادة واختيار ، دون أيّ وازع ، فلو جُبل على إحدى القوّتين دون الأُخرى لما استحقّ المدح ولا اللوم ، دون ما إذا كان فيه أرضيّة الخير والشرّ ، فيُعالج أرضيّة الشرّ بتوجيهها نحو الخير والكمال ؛ ولذلك نرى أنّه سبحانه يستثني ـ بعد الحُكم على الإنسان بقوله :( ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ

ــــــــــــــــ

(١) الأعراف : ١١

(٢) الروم : ٣٠

(٣) التين : ٤

(٤) الإسراء : ٧٠

(٥) الأحزاب : ٧٢

(٦) الإسراء : ٧٠

(٧) الإسراء : ٧٠


سافِلين ) ـ الفئة المؤمنة العاملة بالصالحات ، ويقول : ( إِلاّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون ) (١)

إلى هنا تبيّن المُقسَم به والمُقسَم عليه

بقي الكلام في الصِلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه ، فنقول :

إنّه سبحانه بعث الأنبياء لهداية الناس ، فمنهم مَن يهتدي بكتابه وسُنّته ، فهذه الطائفة تكفيها قوّة المنطق ، وثَمّة طائفة أُخرى لا تهتدي ، بل تُثير العراقيل في سبيل دعوة الأنبياء ، فهداية هذه الطائفة رهن منطق القوّة ، ولذلك يقول سبحانه :( لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلنا بِالبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتاب وَالمِيزان لِيَقُوم النّاس باِلقِسْط وَأَنْزَلْنا الحَديد فيهِ بَأْسٌ شَديدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاس ) (٢)

فهذه الآية مؤلَّفة من فقرتين :

الفقرة الأُولى : الّتي تتضمّن البحث عن إرسال الرسل بالبيّنات وإنزال الكتب والميزان ، راجعة إلى مَن له أهليّة للهداية ، فيكفيه قوّة المنطق

والفقرة الثانية : أعني :( وَأَنْزَلْنَا الحَديد ) ، فهي راجعة إلى مَن لا يستلهم من نداء العقل والفطرة ولا يهتدي ، بل يثير الموانع ، فلا يُجدِي معهم سوى الحديد الّذي هو رمز منطق القوَّة

وبذلك يعلم وجه الصِلة بين إنزال الحديد وإرسال الكتب ، وبهذا تبيَّن أيضاً وجه الصِلة بين الإقسام والمُقسَم عليه ، ففي الوقت الّذي كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يَعِظُ ويبعث رجال الدعوة لإرشاد الناس ، اجتمعت طائفة لمُباغَتَة المسلمين والهجوم على المدينة ، والإطاحة بالدولة الإسلامية الفتيَّة ، فبعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاً مع سَريّة ، فأمر أن تُسرج الخيل في ظلام الليل وتُعدّ إعداداً كاملاً ، وحينما انفلق الفجر ، صلّى بالناس الصبح وشنَّ هجومه وباشر ، وما انتبه العَدُوّ حتى وجد نفسه تحت وطأة خيل جيش الإسلام

ــــــــــــــــ

(١) التين : ٥ـ ٦

(٢) الحديد : ٢٥


فهذه الطائفة لا يُصلِحهم إلا العاديات والمُوريات والمُغيرات ، الّتي تهاجمهم كالصاعقة

نقل الفيض الكاشاني في تفسيره عن تفسير القمّي ، عن الصادقعليه‌السلام :( إنّها [سورة العاديات]نزلتْ في أهل وادي اليابس ، اجتمعوا اثنا عشر ألف فارس وتعاقدوا وتعاهدوا وتواثقوا ، أن لا يتخلّف رجل عن رجل ، ولا يخذل أحد أحداً ، ولا يفرّ رجل عن صاحبه ، حتى يموتوا كلّهم على حلفٍ واحد ، ويقتلوا محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلي بن أبي طالب عليه‌السلام

إلى أن قال :

فخرجَ عليعليه‌السلام ومعه المهاجرون والأنصار ، وسار بهم غير سير أبي بكر ، وذلك أنّه أعنف بهم في السير ، حتى خافوا أن ينقطعوا من التَعَب وتحفى دوابّهم ، فقال لهم : لا تخافوا ، فإنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أمرَني بأمرٍ ، وأخبرني أنّ اللّه سيَفتح عليَّ وعليكم ، فابشروا فإنّكم على خيرٍ وإلى خير ، فطابتْ نفوسهم وقلوبهم ، وساروا على ذلك السير التَعِب حتى إذا كانوا قريباً منهم ، حيث يرونهم ويروهم ، أمر أصحابه أن ينزلوا ، وسمع أهل وادي اليابس بمَقدَم عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام وأصحابه ، فأخرجوا إليهم منهم مئتي رجل ، شاكّين بالسلاح ، فلمّا رآهم عليعليه‌السلام ، خرج إليهم في نفرٍ من أصحابه

فقالوا لهم : مَن أنتم ، ومن أين أنتم ، ومن أين أقبلتُم ، وأين تريدون ؟

قال : أنا علي بن أبي طالب ، ابن عمّ رسول اللّه وأخوه ، ورسوله إليكم

ادعوكم إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، ولكم إن آمنتم ما للمسلمين ، وعليكم ما على المسلمين من خيرٍ وشرّ

فقالوا له : إيّاك أرَدنا ، وأنت طَلِبَتنا قد سمعنا مقالتك ، فخُذ حذرَك واستعدّ للحرب العَوان ، واعلم أنّا قاتلوك وقاتلوا أصحابك ، والموعد فيما بيننا وبينك غداً ضحوة ، وقد اعذرنا فيما بيننا وبينك

فقال لهم عليعليه‌السلام : وَيلَكم ، تُهدّدوني بكثرتِكم وجَمعِكم ؟! فأنا أستعين باللّه وملائكته والمسلمين عليكم ، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العلي العظيم

فانصرفوا إلى مراكزِهم وانصرف عليّ إلى مركزِه ، فلمّا جَنَّه الليل ، أمر أصحابه أن يُحسنوا إلى دوابِّهم ، ويُقْضِموا ويُسرِجوا ، فلمّا انشقَّ عمود الصبح ، صلّى بالناس بغلس ، ثُمَّ غارَ عليهم بأصحابه ، فلم يعلموا حتى وطأهم الخيل ، فما أدرك آخر أصحابه حتى قتل مقاتليهم وسبى ذراريهم واستباح أموالهم وخرَّب ديارهم ، وأقبل بالأُسارى والأموال معه


فنزل جبرائيل وأخبر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما فتح اللّه على عليّعليه‌السلام وجماعة المسلمين

فصعدَ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المنبرَ فحمد اللّه وأثنى عليه ، وأخبر الناس بما فتح اللّه على المسلمين ، وأعلمَهُم أنّه لم يُصَب منهم إلاّ رجلين ، ونزل فخرج يستقبل عليّاًعليه‌السلام في جميع أهل المدينة من المسلمين ، حتى لَقِيه على ثلاثة أميال من المدينة ، فلمّا رآه عليعليه‌السلام مُقبِلاً ، نزلَ عن دابّته ، ونزل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى التزمه وقَبَّل ما بين عينيه ، فنزل جماعة المسلمين إلى عليعليه‌السلام حيث نزل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأقبلَ بالغنيمة والأُسارى ، و ما رزقهم اللّه من أهل وادي اليابس

ثُمّ قال جعفر بن محمدعليهما‌السلام :ما غنمَ المسلمون مثلها قطّ ، إلاّ أن يكون من خيبر ، فإنّها مثل خيبر ، وأنزل اللّه تعالى في ذلك اليوم هذه السورة :

( وَالعاديات ضَبحاً ) يعني بالعاديات : الخيل تعدُو بالرجال ، والضَبح صيحتها في أعِنَّتِها ولَجمِها .

( فالمُوريات قَدحاً * فالمُغيرات صُبحاً ) فقد أخبرك أنّها غارت عليهم صُبحاً .

( فأثَرنَ به نَقعاً ) قال : يعني الخيل يأثرنَ بالوادي نَقْعَاً .

( فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا * إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ )

قال : يعنيهما قد شهدا جميعاً وادي اليابس وكانا لحُبِّ الخير حريصَين ) (١) .

بلغ الكلام إلى هنا في شهر جمادي الأُولى

من شهور عام ١٤٢٠ هـ من الهجرة النبويّة

في قم المَحميّة وحوزتها المَصونَة

وتمّ بيد مُؤلّفه الآثِم المحتاج إلى ربِّه العاصم جعفر السُبحاني

ابن الفقيه الشيخ محمد حسين الخياباني التبريزي تغمَّده اللّه برحمته الواسعة

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين

ــــــــــــــــ

(١) تفسير الصافي : ٥ / ٣٦١ ـ ٣٦٥.


الفهرست

القُرآنُ والآفاق اللامُتَناهية ٢

إلماعٌ إلى بعض آفاقه اللامتناهية : ٤

بحوثٌ تمهيديَّة في أقسام القرآن. ٦

الحديث الأوّل : ١٢

الحديث الثاني : ١٣

منهجنا في تفسير أقسام القرآن : ١٧

القِسْم الأوّل : القَسَم المُفرَد ٢٣

الفصل الأوّل : القَسَمُ بلَفظِ الجَلالة ٢٣

تفسير الآية الأُولى : ٢٣

تفسير الآية الثانية : ٢٥

الفصل الثاني : القَسَمُ بالرَبِّ.. ٢٩

الصِلَة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه : ٤٢

الفصل الثالث : القَسَمُ بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... ٤٤

المقام الأوّل : الحلف بعُمْر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ٤٤

وأمّا الصِلة بين المُقسَم به والمُقسَم عليه : ٤٥

المقام الثاني : الحلف بوَصف النبي وأنّه شاهد : ٤٦

معنى الشهادة وكيفيَّة شهادة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ٤٧

الحلف بالنبيّ كناية : ٥٠

الفصل الرابع : القَسَمُ بالقرآنِ الكَريم. ٥١

الثاني : ما هو المراد من الحروف المقطعة ؟ ٥٢

إلماع إلى مادَّة القرآن : ٥٣

الفصل الخامس : القَسَمُ بالعَصْر ٦٦

الفصل السادس : القَسَم بالنَجْم. ٧٠


الفصل السابع : القسم بمواقع النجوم ٧٣

الفصل الثامن : القَسَمُ بالسماءِ ذات الحُبُك.. ٧٧

القسم الثاني : القَسَم المُتَعدِّد ٨٠

الفصل الأوّل : القَسَم في سورة الصافّات.. ٨٠

الصافّات والقَسَم بالملائكة : ٨٣

الفصل الثاني : القَسَم في سورة الذاريات.. ٨٦

الفصل الثالث : القَسَم في سورة الطُور ٩٠

الفصل الرابع : القَسَم في سورة القَلَم. ٩٦

الفصل الخامس : القَسَمُ في سورة الحاقَّة ١٠٣

الفصل السادس : القَسَم في سورة المُدّثِّر ١٠٨

الفصل السابع : القَسَم في سورة القِيامة ١١١

الفصل الثامن : القَسَمُ في سورةِ المُرسَلات.. ١٢١

الفصل التاسع : القَسَمُ في سورة النازعات.. ١٢٤

الفصل العاشر : القًسَمُ في سورة التكوير ١٢٩

الفصل الحادي عشر : القَسَم في سورة الانشقاق. ١٣٥

الفصل الثاني عشر : القَسَم في سورةِ البروج. ١٣٩

الفصل الثالث عشر : القَسَم في سورة الطارِق. ١٤٤

الفصل الرابع عشر : القَسَم في سورة الفجر ١٤٧

الفصل السابع عشر : القَسَم في سورةِ اللَيل. ١٥٢

الفصل الثامن عشر : القسم في سورة الضحى. ١٥٤

الفصل التاسع عشر : القَسَم في سورة التِين. ١٥٧

الفصل العشرون : القَسَم في سورة العاديات.. ١٦٥