بسمه تعالى
الحمد لله الذي زيّن سماء الحوزات العلمية بأشعة أنوار علوم العلماء العاملين وأوضح مسالك الحلال والحرام بمساعى الفقهاء البارعين ورجّح ميزان شرائع الإسلام بتثقيل موازين حملة آثار الأئمة الرّاشدين والصلاة والسلام الازكيان على أشرف الأنبياء محمد وعترته الأقدسين ثم رحمة الله ورضوانه على متابعيهم والمقتفين لآثارهم والمقتبسين من أنوارهم من الأولين والآخرين الى يوم الدين.
وبعد فيقول العبد العاصي المحتاج الى بحر مغفرته مهدي بن أبى الفضل ابن عباس اللاجوردي الحسيني الكاشاني أصلا ومحتدا القمي منشئا ومولدا: السعادة كل السعادة التفقه في الدين والنظر في أقوال الأئمة الطاهرين المطهّرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وملاحظة كلماتهم والغور فيما ورد عنهمعليهمالسلام تعليما للأمة وتزكية للملة، لأنها المتكفلة لما هو المراد لكل عاقل ويرومه اللبيب ( وكل ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل وعاطل ).
وانى مذ عرفت نفسي ألزمتها بالسير في تحصيل علومهم وخدمة خدام معارفهم وحفظ آثارهم ونشر أخبارهم وحفظ تراثهم ومن نعم الله الجميلة ومواهبه السنية على هذا العبد الضعيف المستضعف أنه رزقني في طيلة أسفاري إلى البلاد والممالك الإسلامية لتحصيل التراث الديني وآثار الشيعة الإمامية وغيرهم كتاب ( الفوائد الطوسية ) لمؤلفه الشهير خريت فن الحديث محمد بن الحسن الحرّ
العاملي « قده » ( ١٠٣٣ - ١١٠٤ ه ) صاحب كتاب وسائل الشيعة الذي هو قطب رحى الاستنباط وكنت آسفا ان هذه الدرّة اليتيمة تركت في مخازن الكتب الخطية ولم ينتشر الى الان الى أن ساعدت السواعد الإلهية صديقي في الله المحب لنشر آثار أجدادي الطاهرين حجة الإسلام الشيخ محمد درودي التفرشي فشمر الذيل لطبعه ونشره ووفقنا الله تعالى في إعانته للتصحيح والتعليق عليه ومراجعة المصادر والمدارك فانتشر بعون الله تعالى فوق ما يؤمل من حسن الطبع والصحة الكاملة وجودة التجليد والوراقة.
ثم ان لي حق رواية هذا الكتاب وسائر مؤلفاته « قده » بطرقي المذكورة في إجازاتي فليروها كل من شاء وأحب أن يروى عنّي جميع ما صحت لي روايته وصلحت منى أجازته بحق رواياتي عن مشايخي الأعلام وآيات الله في الأنام القاطنين في العراق وإيران والطيبة وبيت الله الحرام وأخص منهم بالذكر الشيخ الجليل والأستاد الكبير المبرء من كل شين التقي النقي صاحب التأليفات الممتعة القيمة آيت الله العظمى الشيخ آغا بزرگ الطهراني « قده » وأول من ألحقه بالشيوخ خاتمة المحدثين والمجتهدين ثالث المجلسين الحاج الميرزا حسين النوري الطبري المتوفى (١٣٢٠) بطرقه الخمسة المفصلة المسطورة في خاتمة المستدرك والمشجرة في مواقع النجوم المطبوع أخيرا.
اللهم انصرنا على القوم الكافرين واقطع الأيادي الاستعمارية عن الممالك الإسلامية الموجبة لتضعيف الإسلام والمسلمين وثبتنا على ما ينفعنا في الدنيا والدين وأيدنا لتقرير قواطع البراهين ورفع وساوس الشياطين في تبيين قوانين دين سيد المرسلين. في ليلة العشرين من رجب المرجب في عام ١٤٠٣ من الهجرة النبوية على صاحبها آلاف التحية والثناء.
قم - الحوزة العلمية
أقل عباد الله عملا وأوفرهم هواء وزللا. مهدي اللاجوردي الحسيني
كلمة المصحح
الحمد لله الذي رجح مداد العلماء الداعين اليه والدالين عليه والذابين عن دينه والمنقذين ضعفاء عباده من شباك إبليس ومردته أفضل من دماء الشهداء.
والصلاة والسلام على خير أبواب رحمته محمد وآله المعصومين النجباء واللعنة الدائمة على أعاديهم الأشقياء.
أما بعد فانى بعد ما وفقني الله تعالى لطبع كتابي « الاثني عشرية » في الرد على الصوفية، ورسالة « تنزيه المعصوم » عن السهو والنسيان لمؤلفه العلامة الحبر المتبحر خريت علمي الحديث والفقه صاحب كتاب « الوسائل » الشيخ « محمد بن الحسن » الحر العاملي ره كنت أتمنى أن أقوم بنشر بعض آثار اخرى له.
فأنبأنى بعض رجال الفقه والمعرفة بكتاب له طيب الله رمسه يسمى بـ « الفوائد الطوسية » وحثني على نشره بالتأكيد فأخذت أهبتى لطبعه ونشره بين رواد الفضيلة والعلم ايفاء لحق مؤلفه على معاشر الطائفة المحقة الاثني عشرية وهو كما ترى خير كتاب في موضوعه.
قال العلامة النسابة السيد شهاب الدين الحسيني المرعشي دامت بركاته في سجع البلابل في ترجمة صاحب الوسائل: كتاب الفوائد الطوسية يشتمل على فوائد كثيرة ومطالب متنوعة في فنون العلم وهو حسن جدا(١) .
__________________
(١) راجع مقدمة كتاب إثبات الهداة ج ١.
والعلامة الرازي في الذريعة: الفوائد الطوسية للشيخ المحدث الحر العاملي ره مشتمل على مائة واثنين فائدة أو ثلاث كما في فهرسه الموجود لبعض الفضلاء أو للمصنف نفسه وهو في مطالب جليلة متفرقة، وحل بعض الأحاديث المشكلة وفيه نحو عشرة رسائل يحسن إفراد كل منها الى أن قال رأيت منه نسخا عديدة(١) .
وقد اعتمدت في تصحيحه على نسختين.
١ - نسخة مخطوطة لخزانة مكتبة آية الله العظمى السيد شهاب الدين الحسيني المرعشي وهذه النسخة سقط من أواسطها وريقات بخط عبد الله العاشقابادى في أواخر شهر رمضان المبارك سنة ١١٢٨ ثمانية عشر ومأة بعد الألف.
٢ - نسخة مخطوطة ثمينة مصححة أخرى من مكتبة الحجة العلامة السيد مهدي اللاجوردي الحسيني دام توفيقه تفضل بإرسالها علينا للطبع وجعلها في متناول أيدينا بخط محمد تقي الكرماني سنة عشر ومأة بعد الالف.
ثم أقدم ثنائي العاطر وشكري المتواصل إلى الأخ الأمجد الأعز الوجيه « الحاج أبو القاسم » السالك حفظه الله بإعطائه نفقة طبع الكتاب فعلينا شكره وعلى الله اجره.
ولا يسعني أيضا إلا أن اثني واشكر صديقي في الله الحجة المتتبع السيد مهدي اللاجوردي الحسيني دام ظله حيث وازرني في التصحيح والتعليق فلله درّة وعليه أجره.
وأنا العبد الحقير محمد بن الحسن التفرشي
الشهير بـ - درودي
__________________
(١) راجع الذريعة ج ١٦ ص ٣٤٧.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله على إفضاله والصلاة والسلام على محمد وآله
وبعد فيقول الفقير الى عفو الله الغنى: محمد بن الحسن بن على الحرّ العاملي عامله الله بلطفه الخفي والجلي.
هذه فوائد في حل بعض الأحاديث المشكلة. وفرائد في تحقيق بعض المسائل المعضلة التي كان يسئلنى في طوس عنها بعض أهل العلم والكمال فاكتب لهم في شرحها ما يقتضيه الحال، ويخطر بالبال فأردت جمعها بعد الشتات ليستعان بها على حل بعض المشكلات.
فقد جمعت من الفوائد ما لا يجمعه شيء من المصنفات ومن تأمّلها وجد فيها من النكت والتحقيقات والغرائب والتدقيقات وجواب الشبهات وتوجيه المتشابهات ورفع التمويه(١) والمغالطات ورد ما اشتهر من التدليسات والتلبيسات وإبطال ما ظهر في بعض كتب الإمامية من أباطيل العامة المزخرفات وإيقاظ الغافل عن بعض المشهورات المخالفة للروايات المتواترات ما لا يوجد في شيء من المؤلفات، والمسئول من الناظر فيها إصلاح الخلل والعفو عن الهفو والزلل ( وسميتها الفوائد الطوسية ) والله الموفق.
__________________
(١) التمويه: بمعنى التلبيس.
فائدة (١)
اعلم ان محمد بن على بن الحسين بن موسى بن بابويه « ره » لم يوثقه الشيخ ولا النجاشي ولا غيرهما من علماء الرجال المشهورين ولا العلامة صريحا، لكنهم مدحوه مدائح جليلة لا تقصر عن التوثيق ان لم ترجح عليه وانما تركوا التصريح بتوثيقه لعلمهم بجلالته واستغنائه عن التوثيق لشهرة حاله وكون ذلك من المعلومات التي لا شك فيها.
فمما قالوا فيه انه جليل القدر حفيظ بصير بالفقه والاخبار والرجال شيخنا، وفقيهنا ووجه الطائفة لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه وذكروا له مدائح أخر.
والحاصل ان حاله أشهر من أن يخفى ومع ذلك فان بعض المعاصرين الآن يتوقف في توثيقه بل ينكر ذلك لعدم التصريح به والحق ان التوقف هنا لا وجه له بل لا شك ولا ريب في ثقته وجلالته وضبطه وعدالته وصحة حديثه وروايته وعلو شأنه ومنزلته، ويدل على ذلك وجوه اثنا عشر.
أحدها: أنهم صرحوا بل أجمعوا على عدّ رواياته في الصحيح ولا ترى أحدا منهم يتوقف في ذلك كما يعلم من تتبع كتب العلامة كالخلاصة والمختلف والمنتهى والتذكرة وغيرها. وكتب الشهيدين والشيخ حسن والشيخ محمد والسيد محمد وابن داود وابن طاوس والشيخ على بن عبد العالي والمقداد وابن فهد والميرزا
محمد والشيخ بهاء الدين وغيرهم.
بل جميع علمائنا المتقدمين والمتأخرين لا ترى أحدا منهم يضعّف حديثا بسبب وجود ابن بابويه في سنده حتى ان الشيخ حسن في المنتقى(١) مع زيادة تثبته واختصاصه باصطلاح في الصحيح معروف: يعدّ حديثه من الصحيح الواضح عنده.
وفعلهم هذا صريح في توثيقه بناءا على قاعدتهم واصطلاحهم إذ لا وجه له غير ذلك فهذا إجماع من الجميع على صحة روايات الصدوق وثقته.
وقد صرحوا بأن قولهم: فلان صحيح الحديث يفيد التعديل ويدل على التوثيق والضبط، وصرحوا بأن قولهم وجه يفيد التعديل، وأن الثقة بمعنى العدل الضابط فقولهم فيما مرّ وجه الطائفة مع قولهم في حفظه يفيد التوثيق.
والحق ان العدالة فيه زيادة على معنى الثقة بل بينهما عموم من وجه ومعلوم ان توثيق كل واحد من المذكورين مقبول فكيف الجميع؟!
وثانيهما: أنهم أجمعوا على مدحه بمدائح جليلة عظيمة واتفقوا على تعظيمه وتقديمه على جملة من الرواة وتفضيله على كثير من الثقات مع خلوة من الطعن بالكلية وحاشاه من ذلك مضافا الى كثرة رواياته جدا.
وقد قالواعليهمالسلام اعرفوا منازل الرجال منا على قدر رواياتهم عنا(٢) وغير ذلك.
وثالثها: ما هو مأثور مشهور من ولادته ببركة دعاء صاحب الأمرعليهالسلام واعتناؤه واهتمامه بالدعاء لأبيه بولادته وما ورد في التوقيع إلى أبيه من الامامعليهالسلام مشهور(٣) مع أنه رئيس المحدثين وقد صنّف ثلاثمائة كتاب في الحديث ولو كان فاسقا والعياذ بالله لوجب التثبت عند خبره وقد شاركه في الدعاء والثناء اخوه
__________________
(١) راجع مقدمة منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان.
(٢) راجع الوسائل كتاب القضاء ج ١٨ ص ٩٩ ح ٣.
(٣) راجع كتاب الغيبة تأليف شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي ره ص ١٨٨.
الحسين وقد صرحوا بتوثيقه ومعلوم ان محمدا أجل قدرا في العلم والعمل. وأعظم رتبه في الفقه والرواية من أخيه.
ورابعها: ما صرح به الشهيد الثاني في شرح دراية الحديث من توثيق جميع علماءنا المتأخرين عن زمان الشيخ محمد بن يعقوب الكليني ره الى زمانه والمعاصرين له ومدحهم زيادة على التوثيق وقد دخل فيهم الصدوق ومعلوم ان توثيق الشهيد الثاني مقبول.
قال في شرح الدراية(١) في الباب الثاني: « تعرف العدالة » المعتبرة(٢) في الراوي « بتنصيص عدلين » عليها « أو بالاستفاضة » بأن تشتهر عدالته بين أهل النقل أو غيرهم من العلماء كمشايخنا السالفين من عهد الشيخ محمد بن يعقوب الكليني وما بعده الى زماننا هذا لا يحتاج أحد من هؤلاء المشايخ المذكورين المشهورين الى تنصيص على تزكية ولا تنبيه على عدالة لما اشتهر في كل عصر من ثقتهم وضبطهم وورعهم زيادة على العدالة وانما يتوقف على التزكية غير هؤلاء من الرواة الذين لم يشتهروا بذلك ككثير ممن سبق على هؤلاء وهم طرق الأحاديث المدونة في الكتب غالبا وفي الاكتفاء بتزكية الواحد « العدل » « في الرواية قول مشهور لنا » ولمخالفينا « كما يكتفى به » أى بالواحد « في أصل الرواية » وهذه التزكية فرع الرواية فكما لا يعتبر العدد في الأصل فكذا في الفرع وذهب بعضهم الى اعتبار اثنين كما في الجرح والتعديل في الشهادات فهذا طريق معرفة عدالة الراوي السابق على زماننا، والمعاصر يثبت بذلك وبالمباشرة الباطنة المطلعة على حاله واتصافه بالملكة المذكورة « انتهى »(٣) .
__________________
(١) فائدة - يعرف عدالة الراوي بالشهرة وبتصديق العدلين بلا اشكال وهل يكفى فيها العدل الواحد، نعم، كما هو المشهور لعموم حجية قول العدل، وفيه ان الأصل حجية قول العدل الواحد خرج منه اعتبار التعدد في الشهادات فبقي الباقي.
(٢) الغريزية نسخة المصدر.
(٣) الدراية في علم مصطلح الحديث ص ٦٩.
وخامسها: انا نجزم جزما لا ريب فيه بان الصدوق ابن بابويهرحمهالله ما كان يكذب في الحديث قطعا ولا يتساهل فيه أصلا وانه كان ضابطا حافظا عدلا لما بلغنا بالتتبع من آثاره واخباره وفضائله وعبادته وورعه وعلمه وعمله وهذا هو معنى الثقة بل أعظم رتبة من التوثيق.
والفرق بين هذا وما قبله ظاهر فان دعوى الشهيد الثاني هناك لدخول المذكورين في هذا القسم ونصّه على توثيقهم بتلك الطريق [ كائنا من كان ] كافيان ولو فرضنا ان تلك الأحوال لم تصل إلينا لنستدل بها كما استدل والحاصل ان الاحتجاج هناك بالنقل وثقة الناقل وهنا بالمنقول نفسه.
وسادسها: ان جميع علماء الإمامية أجمعوا على اعتبار الكتب الأربعة واعتمادها والعمل بها والشهادة بكونها منقولة من الأصول الاربعمأة المجمع عليها المعروضة على الأئمةعليهمالسلام كما صرح به الشهيد الثاني والشيخ بهاء الدين في درايتهما(١) بل بعضهم يدعى انحصار الأخبار المعتمدة في الفروع أو الكتب المتواترة فيها من غير فرق بين كتاب الصدوق وغيره بل كثير منهم يرجحونه على الباقي فيقبلون مراسيله فضلا عن مسانيده وضعاف مسانيده باصطلاحهم فضلا عن صحاحها، وهذا التصريح واقع من الأصوليين وهو صريح في توثيق مؤلفه والفرق بين هذا والأول واضح فان هذا أبلغ من الأول ولا تلازم بينهما بل يكفى هنا ان نقول: هذا الاعتبار والاعتماد والتلقي بالقبول والترجيح على كتب الثقات يمتنع عادة اجتماعها مع عدم ثقة المؤلف بدلالة الوجدان والاستقراء والإجماع هنا على النقل وهو تواتر.
وقد نقل ابن طاوس في كشف المحجة من كتاب من لا يحضره الفقيه وقال:
__________________
(١) راجع الوجيزة في الدراية ص ١٦.
وهو ثقة معتمد عليه(١) ، وقال الشيخ بهاء الدين في الأربعين(٢) عن ثقة الإسلام محمد بن على بن الحسين بن بابويه، وصرح ابن طاوس أيضا بتوثيقه في كتاب فلاح السائل ونجاح المسائل وذكر(٣) انه ذكر الثناء عليه في كتاب غياث الورى في سكان الثرى.
وسابعها: ان علماء الحديث والرجال المتقدمين منهم والمتأخرين كلهم يقبلون توثيق الصدوق للرجال ومدحه للرواة بل يجعلون مجرد روايته عن شخص دليلا على حسن حاله خصوصا مع ترحمه عليه وترضيه عنه بل ربما يجعلون ذلك دليلا على توثيق ذلك الشخص ولا يتصور منهم ان يقبلوا توثيق غير الثقة قطعا لتصريحهم في الأصول والدراية والفقه باشتراط عدالة الراوي والمزكى والشاهد.
وثامنها: ان جماعة من أجلاء علمائنا الإمامية استجازوا من الصدوق ونقلوا عنه أكثر الأصول الاربعمأة بل أكثر كتب الشيعة ومن جملة المشار إليهم الشيخ المفيد وناهيك به ولا يتصور منه ومن أمثاله طلب الإجازة وقبولها الى مثل تلك الكتب من غير ثقة.
وتاسعها: انه بالتتبع للأخبار والآثار وكتب علمائنا ومؤلفات الصدوق وغيره يعلم انه أعظم رتبة وأكثر اعتبارا عندهم من أبيه وأخيه بل أكثر معاصريه ان لم يكن كلهم وهم على قوله أشد اعتمادا وفي نقله وحديثه أعظم اعتقادا وقد صرحوا بتوثيقهما وهو يدل على اعتقادهم ثقته وقد علم انه كان وصي أبيه وشرط الوصي
__________________
(١) كشف المحجة لثمرة المهجة ص ١٢٢ - ١٢٣ في قولهرحمهالله : ولا تكره انى ما اخلف لك ولإخوتك ذهبا ولا فضة بعد الممات فهذه سيرة جدك ومولاك على صلوات الله عليه الى أن قال: ووجدت أيضا في كتاب « من لا يحضره الفقيه » وهو ثقة معتمد عليه عن زرارة عن الصادقعليهالسلام ما يخاف الرجل بعد شيئا أشد عليه من الحال الصامت قال قلت: كيف يصنع؟ قال يضعه في الحائط والبستان والدار.
(٢) الأربعين ص ٧ ح ١.
(٣) فلاح السائل ص ١٢٧ - ١٤٤.
العدالة فهذا توثيق من أبيه له وما يتوجه عليه يعلم جوابه فيما مرّ كما ان الذي قبله يدل على توثيق المفيد له.
وعاشرها: نقلهم لفتواه وأقواله واحتجاجه واستدلاله في مختلف الشيعة وأمثاله وطعنهم في دعوى الإجماع مع مخالفته واعتمادهم [ واعتبارهم خ ] لروايته وأقواله وأدلته ولا يجامع ذلك عدم ثقته إذ شرط المفتي العدالة والثقة والامانة اتفاقا ولم ينقلوا في مثل تلك المواضع فتوى غير الثقة على وجه الاعتبار أصلا بل قد صرح العلامة في أواخر بحث الأذان من المختلف بتوثيقه وجلالته(١) وحجية مرسلاته.
وحادي عشرها: انهم اتفقوا على وصفه بالصدوق وبرئيس المحدثين ولا شيء منها بلقب وضعه أبوه له بل وصف وصفه به علماء الشيعة لما وجدوا المعنيين فيه وقد ذهب جمع من العلماء الى ان لفظ الصدوق يفيد التوثيق وأوضح منه رئيس المحدثين فان المحدثين ان لم يكن كلهم ثقات فأكثرهم، ومحال عادة ان يكون رئيسهم غير ثقة وانما وجه ترك توثيقه اعتقادهم انه غير محتاج الى نص على توثيقه لشهرة أمره ووضوح حاله(٢) ومثله جماعة منهم السيد مرتضى علم الهدى و
__________________
(١) قال العلامة « قده » في مسئلة تحريم أخذ الأجرة على الأذان: روى ابن بابويه قال رأى أمير المؤمنين (ع) رجلا فقال: يا أمير المؤمنين إني لأحبك فقال له: ولكني أبغضك، قال: ولم؟ قال لأنك تبغي في الأذان كسبا وتأخذ على تعليم القرآن الأجر.قال قدسسره: وان كان مرسلا: لكن الشيخ أبا جعفر بن بابويه من أكابر علماءنا وهو مشهور بالصدوق والثقة والفقه والظاهر من حاله انه لا يرسل الا مع غلبة ظنه بصحة الرواية إلخ « ص ٩٠ ط ١٣٢٣ ه.
(٢) كفى في وثاقته أنه من مشايخ الإجازة وروى عنه الأعاظم مضافا الى صاحب السرائر وابن طاوس قد صرحا بتوثيقه والتوثيق انما يتوقع في حق غير المشايخ وأما المشايخ فشأنهم أجل.
ووجدت مكتوبا من خط بعض الأعاظم أن المرحوم الخاقان فتحعلى شاه قاجار سمع ان جسده الشريف طريا في سرداب مع صبي عنده وعلى أظفاره أثر الحناء فلما سمع
جميع من تأخر عنه كما تقدم ولا يرد على ذلك توثيقهم لمثل الشيخ والمفيد والكليني لأن ذلك احتياط غير لازم وتوضيح للواضحات والراجح الذي لم يصل الى حد اللزوم لا حرج في فعله تارة وتركه أخرى ولا تجب المداومة عليه ولعلهم كانوا يعتقدون الصدوق أعظم رتبة من غيره ممن ذكر لجميع ما مرّ.
وثاني عشرها: اجتماع هذه الوجوه كلها وغيرها مما لم نذكره فان كان بعضها غير كاف فمجموعها كاف شاف.
واعلم ان بين العدالة والثقة عموما وخصوصا من وجه لأن الثقة يجامع الفسق والكفر ومعناها كون الإنسان يؤمّن منه الكذب عادة وهذا كثيرا ما يتحقق من الكافر فضلا عن الفاسق وهذا هو المعتبر في النقل الموجود في الأحاديث المتواترة.
وقد أطلق الشيخ في كتاب العدة(١) العدالة بمعنى الثقة فحكم بأنها تجامع فساد المذهب ثم صرح بأن المراد بالعدالة ما قلناه ومعلوم ان العدل قد يكون كثير السهو فلا يكون ثقة وقد يكون كذبه لم يظهر بحيث ينافي العدالة لكن لم يظهر أنه يؤمن منه الكذب عادة فإن عدم الظهور أعم من ظهور العدم وهو ظاهر واضح والله اعلم.
__________________
السلطان بذلك زاره مع جمع من الخوانين العظام والعلماء الأعلام فدخلوا السرداب فأمر بالبناء والتعمير لقبره الشريف.
(١) قال الشيخ الطائفة أبو جعفر « قده » في العدة وأما العدالة المراعاة في ترجيح أحد الخبرين على الأخر فهو أن يكون الراوي معتقدا للحق مستبصرا ثقة في دينه متحرجا من الكذب غير متهم إلخ « ص ٩٤ من الجزء الأول من النسخة المخطوطة في مكتبة صديقنا العلامة الحاج السيد مهدي اللاجوردي الحسيني. دام تأييده ».
فائدة (٢)
قال الفخر الرازي في تفسيره الكبير عند قوله تعالى:( وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ) (١) هيهنا دقيقة وهي ان الرافضة تمسكوا بقولهعليهالسلام لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » ثم ان هارون ما منعته التقية في مثل هذا الجمع العظيم بل صعد المنبر وصرح بالحق ودعا الناس الى متابعة نفسه والمنع من متابعة غيره فلو كانت امة محمدصلىاللهعليهوآله على غير حق لوجب على علىعليهالسلام ان يفعل مثل ما فعله هارون وان يصعد المنبر من غير تقية ولا خوف وان يقول( فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ) فلما لم يفعل ذلك علمنا ان الأمة كانوا على الصواب « انتهى »(٢) .
والجواب: أما بإثبات المساواة بين الفعلين أو بعدم لزوم المماثلة بينهما في ذلك لوجود الفارق وعدم دخول هذا الحكم الخاص في المنزلة المحكوم بثبوتها.
وقد خطر بخاطري القاصر وجوه اثنا عشر كل منها يصلح جوابا.
الأول: ان الحديث المتواتر بين الفريقين الخاصة والعامة هكذا: « على
__________________
(١) طه ٩٣.
(٢) التفسير الكبير الجزء الثاني والعشرون ص ١٠٦.
منى بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي »(١) فاستثناء منزلة النبوة التي هي مختصة بهارون يوجب استثناء توابعها ولوازمها ومن جملة ذلك عدم جواز التقية على النبيصلىاللهعليهوآله وكما هو متفق عليه عند العامة ومشهور بين الخاصة وان كان فيه ما فيه ولما كان هارون نبيا لم تجز له التقية ولما كان علىعليهالسلام اما ما جازت.
وهذا مما تقرر عندهم فتكون شبهة الفخر الرازي مما خرج بالاستثناء المذكور في هذا الحديث.
الثاني: لو سلمنا تساوى الحالين في جواز التقية لقلنا أنها مشروطة بالخوف قطعا فلعل هارون لم يخف بما قاله وعلىعليهالسلام خاف فلم يقل مثله لو سلمنا انه ترك الإنكار ولا يلزم تسليمه لما يأتي ان شاء الله تعالى وهذا وجه آخر للفرق بين الحالين وهو يظهر لمن تتبع الاخبار والآثار.
الثالث: ان هارون صرح بما صرح لأنه كما كان له ناصر وهو موسى فكان واثقا بأنه يكشف لهم الحال ويبين لهم الحق من الضلال وهم مقرّون بنبوته وهو غير متهم عندهم في صدق مقالته وعلىعليهالسلام لم يصرح كما زعمتم لأنه لم يكن له ناصر بعد موت النبيصلىاللهعليهوآله والحسنانعليهماالسلام كانا متهمين عندهم في ذلك فظهر الفرق، وفي الاستثناء المذكور اشارة اليه واشعار به ومعلوم ان اختلاف الأحوال هنا يستلزم اختلاف الأحكام والفرق بين هذا والذي قبله ظاهر، فإنه مع وجود الناصر يجب إظهار الحق وان بقي بعض الخوف والا سقط الجهاد.
الرابع: انه انما يلزم تساوى هارون وعلىعليهالسلام في المنزلة والتقرب الحاصلين لهما من موسى ومحمدصلىاللهعليهوآله وهذا هو الذي يفهم من الحديث فمن أين انه يجب تساويهما في جميع الأوصاف والأحوال والأفعال والأقوال وكيف يتصور ذلك مع ان الضرورة تدفعه فان هارون مات في زمان موسى، وعلىعليهالسلام مات بعد محمدعليهمالسلام بثلاثين سنة وبينهما تفاوت عظيمة في العمر والأزواج والأولاد، وهارون كان يعبد الله
__________________
(١) إحقاق الحق ج ٥ ص ١٨٦.
على شرع خاص وعلىعليهالسلام على خلافه واختلافهما في الأحوال الواقعة في زمانهما من الكليات والجزئيات كالحروب وغيرها أكثر من أن تحصى.
وهل يقدر الرازي أو غيره على إثبات هذه المماثلة؟ ودون إثباتها خرط القتاد بل شيب الغراب وانما اللازم ثبوت جميع المنازل المشار إليها وكل ما دخلا فيها عدا ما استثنى ومعلوم ان ما فعله هارون وعلىعليهالسلام هنا ليس من جملتها ولا داخلا فيها بل هو خارج قطعا والعجب العجيب من اشتباه مثل هذا على الرازي! لكن هذا بمصداق قولهعليهالسلام حبك الشيء يعمى ويصم والفرق بين هذا والأول ان هذا مستفاد من لفظ المنزلة والأول من الاستثناء.
الخامس: ان فعلهماعليهماالسلام متفق نوعا إذ كل واحد منهما موافق للصواب والشرع ومطابق لمقتضى الحال ولا تلزم الموافقة في أكثر من ذلك إذ لا دليل عليه والشرعان مختلفان ولعل النص من موسىعليهالسلام ومحمدصلىاللهعليهوآله بعين ما فعله هارون وعلىعليهالسلام كما ترويه الشيعة في الثاني.
السادس: ان هارون ترك الحرب والجهاد مع عباد العجل وقال( إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) (١) وقال( إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ ) (٢) فظهر انه منعه الخوف من المبالغة في ذلك واقتصر على مجرد القول مكان المانع من كون علىعليهالسلام قد قال لهم نحو ما قاله هارون مكان لم يقبلوا فتركهم كما تركهم هارون وما الدليل على عدمه؟ مع انه الشيعة تروى وقوع ذلك بل قد روته العامة أيضا كما هو منقول في كتب الفريقين من دعواه الإمامة وتقاعده عن بيعة ابى بكر مدة طويلة وإظهاره للإنكار مرارا متعددة ففعلهما أولا وآخرا واحد ولا أقل من الاحتمال، وعدم الوجدان لو سلم لا يدل على عدم الوجود.
__________________
(١) طه - ٩٤.
(٢) الأعراف - ١٥٠
السابع: ان علياعليهالسلام علم ان إظهار هارون لم يفد شيئا مع ان دعوى بني إسرائيل كانت أوضح بطلانا وأبعد من الشبهة من دعوى الصحابة وعلى تقدير المساواة فالمطلب حاصل وعلى تقدير المرجوحية أيضا في هذا الجانب لظهور رجحان النبي على الوصي في احتمال القبول وإقبال القلوب قطعا فيقابل المرجوحية لو فرضت فلذلك لم يظهر إلا الإنكار لكونه عبثا لا فائدة فيه.
هذا ان سلمنا عدم إظهار الإنكار وتنزلنا عن النقل المتواتر من الجانبين الذي يفيد العلم مع خلو خاطر الناظر فيه من الشبهة والتقليد كما أشار إليه المحققون.
الثامن: انا لو قطعنا النظر أيضا عن ثبوت الإنكار من علىعليهالسلام لقلنا لكل مقام مقال ويرى الحاضر ما لا يراه الغائب فلعل هارون علم حصول المصلحة في الإنكار فضلا عن انتفاء المفسدة وكان إنكاره سببا لتوبة جماعة كثيرة وانه لو لم يظهر ما أظهر وينكر ما أنكر لوقع أعظم مما حصل من الفساد واستولى الكفر والارتداد وعلم علىعليهالسلام حصول المفسدة في الإنكار فضلا عن عدم المصلحة فلعله لو أظهر مثل هارونعليهالسلام على قول الرازي أو حارب القوم على قولنا لارتد كل من كان أظهر الإسلام أو أكثرهم أو ادعوا النبوة لشخص منهم أو أكثر أو نحو ذلك من الفساد فاختلاف الفعلين لاختلاف المصلحتين.
التاسع: انه لا يمتنع حصول القدرة لهارون دون علىعليهالسلام الإظهار والإنكار وصعود المنبر والنهى عن المنكر وعدم حصول القدرة لعليعليهالسلام بل حصول العجز له فقد بايع الناس غيره واستولى على المنبر ومنعوه منه ومعلوم ان تكليف مالا يطاق قبيح لا يجوز على الله عند أهل العدل، والأدلة العقلية والنقلية واضحة كقوله تعالى( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلّا وُسْعَها ) .
العاشر: ان هارون لم يكن متهما في إظهار ما أظهر فإنه لم يدع الى نفسه وانما دعا الى عبادة ربه ونهاهم عن عبادة العجل فقال( إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ
الرَّحْمنُ ) وعلىعليهالسلام كان متهما عندهم في الإظهار لأنه كان يدعو الى نفسه بحسب الظاهر وان كانت المصالح في إمامته في نفس الأمر لجميع الأمة فكان فعل هارون أقرب الى القبول وكان فعل علىعليهالسلام أبعد منه لو سلم ما ادعاه الرازي من الترك.
الحادي عشر: ان علياعليهالسلام علم ان إنكار هارون لم يفد شيئا مع انه نبي مرسل وشريك لموسىعليهالسلام في النبوة فلذلك لم ينكر كما ادعاه الخصم وللعلم بعدم الفائدة وبطريق الأولوية.
الثانى عشر: انه على قول الرازي وأمثاله من المجبرة لا قدرة لهارون ولا لعلىعليهالسلام على خلاف ما وقع بل ولا على ما وقع ولا قدرة لأحد من الخلق على فعل ولا ترك فسقطت الشبهة وبطل الاعتراض لان الجميع عند الخصم من فعل الله أو من فعل المكلف بطريق الجبر وعدم القدرة على الفعل والترك فلا يصح قوله: الرافضة تمسكوا، ولا قوله: صعد المنبر ودعا الناس، ولا ان هارون فعل وعلياعليهالسلام ترك.
وأيضا فإن العصمة منفية عنده عن النبي والامام فترك علىعليهالسلام لهذه الكلمة التي قالها هارون لو سلم لا يقدح في إمامته لكونها من الصغائر وهذا إلزامي للرازى بحسب ما يعتقده وهذه الوجوه، وان كان فيها بعض التداخل فبينها فرق ولا يخفى والداعي إلى جمعها التيمن بالعدد والله تعالى أعلم.
فائدة (٣)
في توضيح حديث محمد بن عبيد في باب الرؤية من الكافي(١) قولهعليهالسلام فيه: اتفق الجميع لا تمانع بينهم ان المعرفة من جهة الرؤية ضرورة فإذا جاز أن يرى الله بالعين وقعت المعرفة ضرورة.
أقول: ربما يستدل بهذا الحديث على حجية الإجماع وفيه انه يحتمل كونه احتجاجا على العامة بما هو حجة عندهم لأن السائل سئله عما ترويه العامة والخاصة في الرؤية فيفهم منه انه يريد الاحتجاج على العامة في إبطال رواياتهم، ويحتمل ان يكون إشارة الى أن إجماع الخاصة حجة بل مشتمل على الحجة مع دخول المعصوم كما في هذه الصورة فلا يدل على حجية إجماع خلا من المعصوم.
ويحتمل ان يكون إشارة الى ان هذا الحكم لاتفاق العقول على الجزم به على انه حق أو بديهي أو ضروري مع قطع النظر عن الإجماع بل هو استدلال بصريح العقل والدليل العقلي القطعي لا ريب في حجيته هنا، فالملاحظة هو حكم العقول لا أقول كما في صورة الإجماع فهذه ثلاثة احتمالات ومع قيام الاحتمال لا يجوز الاستدلال.
والحاصل انه يجوز ان يراد بقوله اتفق الجميع المخالف والموافق اى الخاصة والعامة ويجوز ان يراد جميع فرق العامة وعلى كل تقدير فالاحتجاج تام
__________________
(١) ج ١ ص ٩٦ ط الغفاري.
لأنه على المخالفين مع فرض صحة قولهم وبيان ما يترتب عليه من الفساد ليظهر من بطلان اللازم بطلان الملزوم والله اعلم، وجواز استدلالهعليهالسلام بالإجماع لا يستلزم جوازه لنا لأنهمعليهمالسلام قد استدلوا بالقياس والمصالح المرسلة وما هو أضعف منها ونهونا عن الاستدلال بها ووجهه ما ذكرناه.
قولهعليهالسلام فيه: ثم لم تخل تلك المعرفة من أن تكون ايمانا أو ليست بإيمان فان كانت تلك المعرفة من جهة الرؤية ايمانا فالمعرفة التي في دار الدنيا من جهة الاكتساب ليست بإيمان لأنها ضده فلا يكون في دار الدنيا مؤمن لأنهم لم يروا اللهعزوجل .
أقول: هذا ظاهر وتوضيحه ان الايمان المقيد أو المشروط بالرؤية ضد الايمان غير المقيد والمشروط بها من حيث الاشتراط وعدمه أو من حيث ان الرؤية يستلزم الجسمية والاكتساب ينفى ذلك فظهران الايمان بأحدهما ضد الايمان بالآخر وتبين ان الايمان يتحقق بدون الرؤية فلا يكون شرطا فيه بل يكون عدمها شرطا وربما يعترض على ظاهره بأنه يمكن كون الايمان والمعرفة حاصلين بكل من القسمين وان كان أحدهما أقوى من الأخر.
والجواب: انه يمكن كونه إلزاميا للسائل بما يعتقده ويقبله فهمه، أو لمن سأل السائل وامتحنه وكان ذلك حجة عظيمة عليهما كما في أمثال هذا الحديث ونظائره من احتجاج الأئمةعليهمالسلام على المخاصمين والمعترضين بحسب ما كان يقتضيه الحال وإلزامهم بأشياء بحيث لا يستطيعون الجواب عنها أصلا ويتركون مذاهبهم لأجلها، وغيرهم يمكنهم الجواب عنها بسهولة بحسب الظاهر وهو من فضائل الأئمةعليهمالسلام وكمال فصاحتهم وبلاغتهم وتمام ملاحتهم لمقتضيات الأحوال وانهم كانوا يكلمون الناس على قدر عقولهم.
ويمكن كون الجواب احتجاجا على العامة القائلين بصحة القياس فإنه يلزمهم استحالة كون حكم الضدين واحدا لوجوب قياس كل ضد على ما يوافقه في العلة فيختلف الحكمان البتة فتأمل.
قولهعليهالسلام : وان لم تكن تلك المعرفة التي من جهة الرؤية ايمانا لم تخل هذه المعرفة التي من جهة الاكتساب ان تزول « أ » ولا تزول في المعاد.
أقول: يعنى إذا تبين فساد اللازم الذي هو القول بعدم وجود مؤمن في الدنيا أصلا بالنص والإجماع والضرورة تبين فساد الملزوم الذي هو انحصار الايمان في المعرفة الضرورية فثبت ان المعرفة الكسبية ايمان ويلزم زوالها في الآخرة واليه أشار بقولهعليهالسلام لم تخل هذه المعرفة ان تزول اى لم تخل من حكم الزوال اى لا بد من زوالها.
وبعض الأصحاب قال: ان النقطة زائدة من النساخ لتقدم مثل هذا اللفظ وهو هناك بالمعجمة قطعا فتوهم انه هنا كذلك وانما هو بالمهملة وتشديد اللام والمعنى لم يجز أو لم يحل اعتقاد ان تزول بل تبقى « انتهى » وفيه بعد وعلى ما قلناه معناه صحيح.
والحاصل ان المراد انه لا بد من زوال المعرفة الكسبية عند حصول المعرفة الضرورية لاستحالة اجتماع الضدين في محل واحد والا لزم أن يكون في القلب معرفة ضرورية وكسبية فيجوز اجتماع ظنين مختلفين أو يقينين كذلك أو ظن ويقين بشيء واحد من غير ان يزيل أحدهما الأخر أو اتصاف الظن أو اليقين بضعف وشدة باعتبار معلوم واحد أو مظنون واحد وكل ذلك محال فعلم من ذلك انه يجب زوال المعرفة الكسبية في الآخرة إذا حصلت المعرفة اليقينية فيلزم عدم وجود مؤمن في الآخرة.
وأيضا فقد ثبت ان الايمان في الدنيا مشروط باعتقاد ان الله لا يرى فان زال ذلك في المعاد لزم المحال لان الله واحد لا يتغير حاله ولا يتبدل حكم رؤيته في الدنيا والآخرة فالأيمان بأنه لا يرى لا يجوز تغيره في المعاد لأن العلة في عدم رؤيته واحدة في الحالين وإذا قلنا ان الايمان هو المعرفة الكسبية المشروطة بعدم الرؤية فلا شك ان الضرورية ضدها ومع قطع النظر عن التضاد اما ان يفيد الرؤية المعرفة فيلزم
تحصيل الحاصل أولا فيلزم ان يكون الكسب أقوى من الرؤية حيث يحصل به الايمان دونها وهو معلوم البطلان وليس الخبر كالعيان.
وقوله: ولا يزول في كتاب التوحيد للصدوقرحمهالله ولن تزول(١) وهو أبلغ لدلالته على التأبيد على قول أكثر النحويين ولا يخفى ان عدم الزوال مسبب عن عدم إمكان الرؤية بقوله لم تخل تلك المعرفة ان تزول والله اعلم.
قولهعليهالسلام فهذا دليل على ان الله تعالى لا يرى بالعين إذا العين تؤدى الى ما وصفناه.
أقول: هنا تقدير مضاف أي إذ رؤية العين بل لا بد من تقدير جملة من المضافات كما في قوله تعالى: حكاية عن السامري( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) (٢) حيث قدّروه من اثر حافر فرس الرسول، وهنا ذات العين لا تؤدى الى هذه المفاسد بل تقديره إذ جواز رؤية العين واعتقاد جواز رؤية العين تؤدى الى ما وصفناه اى لوازم فاسدة يدل فسادها على فساد ملزوماتها وهي ان لا يكون في الدنيا مؤمن أولا يكون في الآخرة مؤمن أو تحصيل الحاصل أو اجتماع الضدين في محل واحد أو اجتماعهما في حكم واحد عند أصحاب القياس أو عدم تضاد الضرورة والكسب والظن واليقين أو اليقينين المتفاوتين أو الظنين كذلك وكل ذلك محال وبعض هذه اللوازم مصرح بها والباقي يفهم مما تقدم تقريره والله اعلم.
__________________
(١) وفي المطبوعة من نسخ التوحيد عندنا أولا تزول مكان ولن تزول.
(٢) طه: ٩٦.
فائدة (٤)
في توضيح حديث أحمد بن إسحاق في باب الرؤية أيضا من الكافي قولهعليهالسلام لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر(١) .
أقول: لا يخفى ان من أعجب حواس الحيوانات البصر وقد تحير العقلاء والعلماء في وجه إدراكه الأشياء هل هو بخروج الشعاع من العين واتصاله بالمرئى فيلزم الحركة والانتقال على العرض، أو خروج جوهر من العين مع صغرها فيتصل بنصف كرة العالم ونحوها وكلاهما محال أم هو بانطباع صورة المرئي في العين فيلزم انطباع العظيم في الصغير مع بقاء كل منهما على حاله وهو محال أم بقوة خلقها الله للنفس تدرك المرئي عند حصول الشرائط ولعله أقرب فإن فيه الاعتراف بالعجز عن الإحاطة بكنه الأسرار الإلهية والإقرار بالقصور عن ادراك غايات الحكم الربانية، والشرائط عشرة، سلامة الحاسة وكثافة المبصر وعدم القرب والبعد المفرطين والمقابلة أو حكمها ووقوع الضوء على المرئي وكونه غير مفرط وعدم الحجاب والتعمد للابصار وتوسط الشفاف. وعند اجتماعها تجب الرؤية والمخالف مكابر لا يلتفت الى خلافه وما قلناه مع كونه من القطعيات البديهية يدل عليه أحاديث رؤية الهلال وغيرها.
ثم لا يخفى ان أكثر هذه الشرائط بل كلها يستفاد من كلام الامامعليهالسلام
__________________
(١) ج ١ ص ٩٧
مع اختصاره وبلاغته فان نفوذ البصر مع اختلال شرط منها محال أو ليس بلازم
قولهعليهالسلام فيه: فاذا انقطع الهواء عن الرائي والمرئي لم تصح الرؤية.
أقول: هذا يتحقق مع فقد كل واحد من الشرائط السابقة ولو بالتأمل والعناية على ان تحققه مع فقد البعض كاف في ثبوت أصل المطلب وما يترتب عليه إثباتا ونفيا أو المراد الهواء المعهود أي الذي ينفذه البصر فاللام للعهد الذكرى وكونه للجنسية ممكن لأنه عبر ثانيا بانقطاعه لا بعد منه كما اعتبر في الأول وجوده فتغيير الأسلوب قرينة على ذلك ومع اختلال اى شرط كان ينقطع الهواء عن الرائي من حيث كونه رائيا أو مطلقا أو عن المرئي كذلك أو عنهما فلا تصح الرؤية.
قولهعليهالسلام : وكان في ذلك الاشتباه.
أقول: يحتمل معنيين أحدهما: أن يراد وكان في ذلك اشتباه المرئي على الرائي اى كان في انقطاع الهواء عدم الرؤية وبقاء المرئي على اشتباهه فلا تصح الرؤية ولا تتضح حاله للرائى بها وهذا الوجه قريب يناسب ما قبله دون ما بعده.
وثانيهما: ان يراد وكان في ذلك اى الحكم المذكور وحصول الرؤية مع الشروط وعدمها مع عدمها الاشتباه بين الرائي والمرئي في الشرائط المعتبرة بينهما والأوصاف الموجودة فيهما المجوزة لكون كل واحد منهما رائيا للآخر من المقابلة وكون كل منهما في جهة وكونه جسما مركبا ومغايرته لبصره واحتياجه إلى الشرائط وافتقاره الى آلة يبصر بها وغير ذلك مما يمتنع نسبته الى الله سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا وهذا الوجه يناسب ما بعده من التعليل الاتى.
قولهعليهالسلام فيه: لأن الرائي متى ساوي المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه وكان في ذلك التشبيه.
أقول: لا يخفى ان المساواة في الأسباب والشرائط يلزم منها الاشتباه في الأوصاف وان لم يلزم منها المساواة في كل وجه فيلزم هنا كون الله في مكان
وكونه مقابلا أو حكمه الى غير ذلك من الأشياء المذكورة سابقا وغيرها من الأشياء المقتضية لكونه تعالى مرئيا وما يترتب على ذلك وما يستلزمه فيلزم مشابهته تعالى لخلقه فيما يوجب نسبة النقص والاحتياج اليه المستلزمين للإمكان والحدوث المنافيين للوجوب والقدم وهذه كلها مفاسد معلومة البطلان فيلزم بطلان ملزومها الذي هو الرؤية لما علم من الأدلة القطعية على بطلان المشابهة المذكورة.
قولهعليهالسلام فيه: لأن الأسباب لا بد من اتصالها بالمسببات.
أقول: يعنى انه لا بد من حصول الشروط واتصالها بالمشروط بها في الوجود فلو لم يكن بينهما اتصال بان كان أحد الشرائط معدوما أو الجميع لم يمكن كون المشروط موجودا ويمكن ان يراد بالأسباب العلل التامة وان مسبباتها اعنى معلولاتها لا تنفك عنها اى لا توجد بدون وجودها ولا يتأخر وجود أحدهما عن الأخر كما اشتهر بينهم وفيه ما فيه وكلا الوجهين يناسب خصوص المقام.
إذا عرفت هذا فهنا فائدة تترتب على بعض ما تقدم وهي ان المرئي في حال حكم المقابلة كما يرى الشيء في المرآت هل هو عين المرئي أم شبح آخر يغايره وان شابهه يبنى ذلك على الخلاف السابق في حصول الرؤية ويفهم من كلام بعضهم ان الصورة المرئية في المرآت ليست عين المرئي ولا غيره وهو غير معلوم(١) ثم ان الذي يترجح ويظهر مما تقدم انها عين المرئي وكذلك ما رواه الكليني(٢) في آخر باب الرؤية عن هشام بن الحكم في جملة كلام ان البصر إذا لم يجد له منفذا لرجع راجعا فحكى ما رواه كالناظر في المرآة فتدبر ويتفرع على ذلك ما لو رأى صورة المرآة في المرآة إذا قابلتها ببعض أعضائها التي تحرم رؤيتها في غير هذه الصورة وكذا إذا قابلت الماء الصافي أو نحوهما هل تكون تلك الرؤية محرمة أم لا وكذا حيث يكون النظر ينشر الحرمة هل يحكم بان مثل هذه الرؤية ينشر الحرمة أم لا.
__________________
(١) وهو غير معقول - خ ل
(٢) ج ١ ص ٩٩ ح ١٢.
وكذا في صورة النذر والعهد واليمين إذا كان متعلق هذه الأشياء النظر إلى شيء أو عدم النظر هل يحصل الوفاء أو الحنث بهذه الصورة أم لا والذي يظهر مما أشرنا إليه سابقا التحريم هنا ونشر الحرمة وثبوت الوفاء أو الحنث لما ذكر لكن لا يمكن الاعتماد في الفتوى على مثله كما لا يخفى ولا يتبادر فهم هذا المعنى من إطلاق لفظ الرؤية فالأولى التمسك بالاحتياط في الفتوى والعمل بل يتعين ذلك.
وقد روى الشيخ والكليني بإسنادهما ان يحيى بن أكثم سأل أبا الحسنعليهالسلام عن الخنثى وقول علىعليهالسلام انه يورث من المبال ومن ينظر إليه إذا بال أو عسى أن يكون امرأة وقد نظر إليها الرجال أو عسى أن يكون رجلا وقد نظر اليه النساء وهذا ما لا يحل فأجاب أبو الحسن الثالثعليهالسلام عنها قول علىعليهالسلام في الخنثى انه يورث من المبال فهو كما قال وينظر قوم عدول يأخذ كل واحد منهم مرآة، ويقوم الخنثى خلفهم عريانة فينظرون في المرآة فيرون شبحا فيحكمون عليه(١) .
وهذا الحديث الشريف غير صريح في جواز الرؤية هنا مطلقا بل هو مخصوص بهذه الصورة وهي محل ضرورة لا شبهة في جواز الرؤية فيها والظاهر ان الجواب اقناعى لإسكات الخصم يعنى انه يمكن الاحتياط والاستظهار بهذا الوجه وبالجملة ليس بصريح في مغايرة المرئي هنا في المرآة اعنى الصورة العضو الذي يراد رؤيته والا لما جاز لهم الحكم على ذلك الشبح فلا يلزم جواز الرؤية مطلقا لأنه قياس ونحن لا نقول به وما قلناه يؤيده الاعتبار والاستظهار وموافقة الاحتياط المأمور به في كثير من الاخبار والله تعالى اعلم.
__________________
(١) التهذيب ج ٩ ص ٣٥٦، كا - ج ٧ ص ١٥٩.
فائدة (٥)
في الكافي(١) والتهذيب والاستبصار عن حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن ابى عبد اللهعليهالسلام ، انه سئل عن التيمم فتلا هذه الآية( وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ) (٢) ، وقال( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) (٣) قال: فامسح على كفيك من حيث موضع القطع وقال( وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) (٤) .
أقول: في هذا الحديث إجمال واشكال من عدة وجوه.
منها: ان السؤال وقع عن التيمم فاما أن يكون سؤالا عن الكيفية أو الكمية أو الوقت أو العذر المسوغ له أو ما يتيمم به أو ما يوجبه أو ما ينقضه أو ما يبيحه أو نحو ذلك والجواب لا يطابق شيئا من المذكورات.
والجواب: انه تضمن بيان بعض الكيفية وهو مسح الكفين وحد ما يمسح منهما وذلك كاف ولعل الامامعليهالسلام فهم من السائل اختصاص سؤاله بذلك أو اقتضى الحال الاقتصار في الجواب عليه كما في قوله تعالى:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ) (٥)
__________________
(١) الكافي ج ٣ ص ٦٢ التهذيب ج ١ ص ٢٠٦ ح ٢.
(٢) المائدة - ٣٨
(٣) المائدة: ٦
(٤) مريم: ٦٤.
(٥) البقرة ١٨٨ - ٢١٨.
( يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ ) الا ترى ان السائل قبل ذلك ونقله ولم يراجع الامامعليهالسلام
ومنها: تلاوة الآيتين في الجواب مع انه لا يظهر بهما دلالة على الحكم المذكور الموافق لعمل الشيعة أصلا بل ربما ظهر منهما دلالة على ما يناقضه كما لا يخفى.
والجواب: لعل غرض الامامعليهالسلام ان الأيدي تطلق على إطلاقات شتى كما كما في آيتي الوضوء والسرقة وغيرهما وانه لا يجوز إنكار ما ذهبنا اليه لجواز إطلاق الأيدي عليه، ووجه آخر ربما كان أقرب هو انه لما قيد في آية الوضوء الأيدي بقوله( إِلَى الْمَرافِقِ ) والتأسيس أولى من التأكيد فهم ان القيد محتاج اليه والا لكان بمنزلة الزائد والعبث فيلزم ارادة ما دون ذلك المفصل من إطلاق اليد كما هو ثابت في آية القطع إجماعا إذ لا قائل بوجوبه من المرفق فيكون الغرض منه الرد على العامة القائلين باستيعاب اليدين الى المرفقين في التيمم وجوبا فكأنه قال آية التيمم مطلقة كآية السرقة فلم قيد تموها بما لا يدل عليه دليل إذ تقييدها في الوضوء لا يوجب تقييدها في التيمم بوجه كما لا يخفى والأصل عدم التناول لما زاد على مضمون آية السرقة.
ومنها: ان المعتبر عند الشيعة في القطع هو قطع الأصابع الأربع وترك الإبهام والكف وهذا القدر في التيمم لا يجزى عندهم ولا عند غيرهم وان كان المقصود بالاستشهاد آية الوضوء فذلك القدر غير واجب عند الشيعة إلا القليل وهو مخالف لصريح هذا الحديث أيضا ولغيره من الأحاديث الكثيرة.
والجواب: لعل المراد الاستشهاد على ورود الأيدي مطلقة إطلاقات متعددة كما ذكرناه ويكون إشارة الى ان ما كان مقيدا منصوصا كآية الوضوء لا يجوز العدول عنه وما لم يكن كذلك كآية التيمم وآية السرقة علم بيانه من جهة السنة
وجواب آخر هو ان مذهب بعض العامة في القطع انه من مفصل الزند فيكون احتجاجا عليهم بما يعتقدونه وهو ان الأيدي أطلقت على قولكم في آية السرقة على هذا القدر وأطلقت في آية التيمم أيضا فيجب حمله على ذلك لأصالة
عدم الزيادة ولعدم النص على التقييد ولما تقدم ولا ينافيه ان الاحتجاج عليهم في هذا الحكم المخالف لمذهبهم ينافي ملاحظة التقية في الحكم الأخر لأنه يمكن ان تقتضي الحال التقية في أحد الحكمين دون الثاني كما هو ظاهر أو يكون المحتج عليهم مصرين على حكم القطع جازمين به دون حكم التيمم بل كان عندهم فيه شك وتردد على ان الاحتجاج عليهم بما يعتقدونه لا يلزم منه موافقتهم فيه بل يمكن مجامعته للتصريح بمخالفتهم إذا اقتضاه الحال.
ومنها: ان في هذه الضمائر تشويشا لان الضمير « تلا » عائد الى الامام وضمير قال الاولى الى الله والثانية الى الامام والثالثة الى الله وهو غير مستحسن. والجواب: لا يمتنع ان تكون الضمائر كلها عائدة الى الامامعليهالسلام كما لا يخفى غايته ان تكون قال الاولى والثالثة بمعنى تلا أو تمثل أو نحوهما وهو غير بعيد أو تقول الضمير الثالث والرابع عايدان الى الامام فلا تشويش سلمنا لكن نقول مثل هذا واقع في التنزيل وهو فن من فنون البلاغة كما في قوله تعالى:( لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ ) (١) وغير ذلك على ان هذه العبارة المشتملة على الضمائر واقعة في كلام الراوي الذي نقل عنه حماد فلعله لم يكن من أهل البلاغة.
ومنها: ان قوله( وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) (٢) لا يظهر مناسبته للحكم ولا - للاستشهاد.
والجواب: ان الغرض منه كما يفهم من أحاديث كثيرة هو الله لم يترك شيئا بغير حكم ولا حكما بغير دليل حتى بيّن جميع ذلك في القرآن اما في ظاهره أو باطنه وهمعليهمالسلام اعلم به كقوله تعالى( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) -( وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) (٣) وغير ذلك أو المراد ان الله لم ينس تقييد آية التيمم بقوله الى المرافق وقولكم يشعر بنسبة النسيان اليه تعالى عن ذلك والله تعالى اعلم.
__________________
(١) الفتح - ٨.
(٢) مريم - ٦٣.
(٣) الانعام ٣٧، النحل ٨٩
فائدة (٦)
حديث قياس إبليس مروي عن عدة طرق في الكافي وغيره وفي بعضها ان أول من قاس إبليس حيث قاس نفسه بآدم فقال خلقتني من نار وخلقته من طين فلو قاس الجوهر الذي خلق منه آدم بالنار كان ذلك أكثر نورا وضياء من النار(١)
أقول: لا يخفى ان المراد من الأحاديث المشار إليها ذم القياس وإبطاله بإبطال هذه الصورة ليظهر فساد القياس المتعارف وذلك من وجوه اثنا عشر.
أحدها: ان يكون المراد أن إبليس قاس نفسه بآدم فدله قياسه الفاسد على انه خير من آدم حيث انه خلق من النار وخلق آدم من طين وأخطأ في القياس فإنه لو عرف حقيقة ما خلق منه آدم وهو النور الذي هو أشرف من النار وأكثر ضياء منها لعلم ان قياسه معكوس عليه فان كان جاهلا بحال المقيس والمقيس عليه لم يجز القياس وكان فاسدا وان كان عالما كان أشد فسادا وكان كقول أبي حنيفة قال على وقلت انا.(٢) .
فعلى التقدير الأول لا يعلم القياس وجه القياس فلا يحصل له العلم بالمساواة بين المقيس والمقيس عليه وقد يكون في الواقع القياس كقياس إبليس وعلى التقدير الثاني فالأمر أوضح فسادا حيث ترك ما يعلم الى ما لا يعلم كما ترك أبو حنيفة قول
__________________
(١) كاج ١ ص ٥٨ ح ١٨.
(٢) كا ج ١ ص ٥٧ ح ١٣.
أمير المؤمنينعليهالسلام الذي لا حجة فوقه الى القياس فظهر بطلان قياس إبليس وان لم يكن من قبيل قياس أبي حنيفة وأمثاله ومنه يظهر بطلان قياسهم من حيث انهم في أكثر المواضع التي عملوا فيها بالقياس خالفوا الأئمةعليهمالسلام فاما ان يكونوا جاهلين بحال الأصل والفرع فلا يجوز لهم القياس أو عالمين فهمعليهمالسلام اعلم منهم وعلى التقديرين يلزم بطلان القياس.
وثانيها: أن يكون المراد ان أصحاب القياس على تقدير علمهم بحال الأصل والفرع انما يعلمون الظاهر من حالهما وحكم اللهعزوجل غالبا يكون متعلقا ببواطن الحقائق وأكثر الحكم الشرعية غير ظاهرة لنا فكل صورة من صور القياس يمكن ان تكون كقياس إبليس حيث قاس على ما ظهر له من حال النار والطين وغفل عن حال ذلك الجوهر والنور ولو علم به لعلم ان القياس باطل منعكس عليه.
وثالثا: أن يكون المراد ان ما من صورة من صور القياس الا ويمكن معارضتها بما هو مثلها أو أقوى منها كهذه الصور لكثرة الأصول التي يمكن القياس عليها وكثرة العلل التي يمكن استنباطها بل المنصوصة أيضا كما يظهر لمن نظر أحاديث العلل.
ورابعها: ان يكون المراد أن في هذه الصورة يدل القياس على بطلان القياس وكذلك أكثر صورة فيلزم منه بطلانه مطلقا هذا على تقدير كون قاس الثاني على وجه الحقيقة وهذا الوجه قريب من الذي قبله وفيه إشارة إلى جواز الاستدلال على الخصم بما يعتقده حجة وان كان في نفسه باطلا ولذلك ترى المتقدمين من أصحابنا يستدلون على المسائل في الظاهر بطريقة المخالفين وفي الباطن عملهم انما هو بقول المعصومينعليهمالسلام صرح بذلك السيد المرتضى ره في رسالة أفردها لذلك.
وخامسها: ان يكون المراد ان أول من قاس إبليس الذي هو أعدى أعداء
أعداء الله وأصفيائه وهو دال على ذم مطلق القياس بل إبطاله لأنه سنة عدو الله والباعث على خلاف مراد الله.
وسادسها: ان يكون المراد ان أول صورة اتفق العمل فيها بالقياس كان قياسها فاسدا باطلا منتقضا وهو دليل على ذم مطلق القياس أيضا.
وسابعها: ان يكون المراد ان أول قياس عمل به كان في مقابلة النص الصحيح الصريح الذي لا معدل عن العمل به بعد المراجعة والممانعة وهو دليل على ذم مطلق القياس كما مر ويشير اليه قولهمعليهمالسلام ان أبا حنيفة كان يقول قال على وقلت ويضاف الى ذلك ما تقرر من ان لله في كل مسئلة حكما معينا منصوصا عليه عند الأئمةعليهمالسلام فكل قياس لا تعلم موافقته النص ويحتمل كونه مقابلا فيكون فاسدا كقياس إبليس وما كان منه موافقا لا حاجة إليه بل يجب ان يكون العمل بالنص.
وثامنها: ان يكون المراد ان أول صورة عمل فيها بالقياس كانت مستلزمة للتكبر والافتخار والحسد، ونحوها من المفاسد القبائح فظهر بطلان القياس وفساده.
وتاسعها: ان يكون المراد ان أول قياس عمل به كان سببا للفساد الكلى والجزئي الواقع في العالم(١) وناهيك بذلك دليلا على فساده وبطلانه فقد عرفت ان ذلك كان سبب كفر إبليس وعداوته لبني آدم وتسليطه عليهم فانجر الأمر الى كل فساد وقع في الأرض وكل فساد يقع الى يوم القيمة بل ولعذاب من يعذب ويخلد في النار أبد الآباد.
وعاشرها: ان القياس كان أول باعث على إنكار الشريعة ومقابلتها بالتكذيب واستعمال الظن في مقابلة العلم والعمل بالهوى والرأي وفي ذلك مفاسد لا تحصى وحاديعشرها. ان أول صورة عمل فيها بالقياس كانت كبيرة وذنبا لا يغفر
__________________
(١) في العلم - خ
ولا يكفره شيء.
وثاني عشرها: ان يكون المراد ان قياس إبليس بحسب الظاهر كان واضح الصحة والرجحان من حيث ان المخلوق من التراب مستحق لان تسجد له الملئكة فالمخلوق من النار يجب أن يكون أعظم رتبة منه فلا يجب السجود عليه لمن خلق من التراب كما لا يجب السجود على الثاني للأول وهو مع كونه بحسب الظاهر جليا فاسدا فكيف بالخفي ولا يدل على جواز القياس في منصوص العلة ولا قياس الأولوية لما يظهر من آخر الحديث من عدم استدلالهعليهالسلام بالقياس على حكم أصلا ولو سلمنا استدلالهعليهالسلام بصورة من القياس لم يدل على جوازه مطلقا لان من المعلوم ان علمهمعليهمالسلام غير مستند الى القياس بل مأخوذ عن النبيصلىاللهعليهوآله عن اللهعزوجل بل لو فرض استناد علمهم اليه وجوازه لهم لم يدل على جوازه لغير المعصوم كما لا يخفى والله تعالى اعلم.
وقد روى على بن إبراهيم في تفسيره بإسناده عن إسحاق بن جرير قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام أى شيء يقول أصحابك في قول إبليس خلقتني من نار وخلقته من طين قلت جعلت فداك قد قال ذلك وذكره الله في كتابه قال كذب إبليس لعنه الله يا إسحاق ما خلقه الله الا من طين ثم قال قال الله( الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ) خلقه الله من تلك النار وخلق النار من تلك الشجرة والشجرة أصلها من طين(١) .
واعلم انه يفهم من الأحاديث المشار إليها ومن عدة أحاديث ومن عبارات جماعة من فقهائنا ان القياس كان يطلق عندهم على مطلق الاستنباط والاستدلال الظني لأنه يرجع الى القياس أو يكون دليل حجية القياس ومن تأمل الأحاديث تحقق ذلك ولهذا كانوا يطلقون المقاييس على جميع طرق الاجتهاد كما في مناقشات الصدوق ابن بابويه مع الفضل بن شاذان ويونس بن عبد الرحمن وهنا كلام آخر يأتي في بعض الفوائد ان شاء الله تعالى.
__________________
(١) تفسير القمي ج ٢ ص ٢٤٤ ط النجف.
فائدة (٧)
في شرح الرضى وشرح ابن الناظم وغيرهما في بحث المعرف بالألف واللام عبارة استشكلها بعض الأصحاب فسأل عنها وهي هذه ومذهب الخليل أقرب لسلامته من دعوى الزيادة في الحرف ومن التعرض لالتباس الاستفهام بالخبر أو بقاء همزة الوصل في غير الابتداء مسهلة أو مبدلة(١) .
أقول: يعنى انه يلزم على مذهب سيبويه من ان المعرف هي اللام وحدها وان الهمزة زائدة لكن الابتداء بالساكن جملة من المحذورات أولها دعوى الزيادة في الحرف أي زيادة الهمزة مع ان الأصل عدم الزيادة فمعنى الزيادة في الحرف القول في بعض الحروف بأنه زائد أو الزيادة في جنس الحرف ويحتمل كون المراد من دعوى الزيادة في الحرف الذي هو ال بان يلزمه كونها مركبة من حرفين أحدهما أصلي والأخر زائد مع ان الزيادة في الحروف غير جايزة والمحذور الثاني مركب من أمرين أحدهما: التباس الاستفهام بالخبر وثانيهما: بقاء همزة الوصل في الدرج فهما محذور واحد لازم على تقديرين لا محذوران ليرد الاعتراض
__________________
(١) شرح ابن الناظم ص ٤٠ ط النجف
بان ذلك غير لازم أو مشترك وهذا محل الاشكال وعلى ما قلناه يزول ذلك ويتضح بالمثال وله أمثلة كثيرة منها: قوله تعالى:( قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ ) وتقريره ان نقول على مذهب سيبويه من ان همزة أل زائدة للوصل اما أن يجب عنده هنا حذفها أو إبقاؤها فإن وجب حذفها بقي همزة واحدة فيشتبه الاستفهام بالخبر ولا ينافي الاشتباه وجود أم لأنه يمكن فرض عدمها في مثال آخر ولأنها تجامع الخبر أيضا في غير هذه الصورة واما ان يجب عنده إبقاؤها فيلزم الشق الثاني وهو بقاء همزة الوصل في غير الابتداء وهو خلاف للقاعدة وهذا لا يلزم الخليل لأنه يختار أبقاهما كما هو الأصل في الحرف الأصلي ان لا يحذف فلا يلزم اشتباه لوجود همزتين ولا الشق الثاني إذ ليست هذه همزة الوصل والله أعلم.
فائدة (٨)
في توضيح حديث في باب أرواح الكفار من الكافي قولهعليهالسلام في وادي برهوت يرد عليه هام الكفار وصداؤهم(١) .
أقول: ذكر صاحب الصحاح ان الهامة الرأس والجمع هام، وهامة القوم رئيسهم. وذكر صاحب القاموس: ان الصدا: الرجل اللطيف الجسد، والجسد من الإنسان بعد موته وحشو الرأس والدماغ وطائر يصر بالليل يقفز قفزانا وطائر يخرج من رأس المقتول إذا بلى بزعم الجاهلية والعطش.
وقال أيضا في القاموس الهامة: رأس كل شيء وطائر من طير الليل وهو الصدى ورئيس القوم « انتهى » فقد ظهر ان الهام والصدى في المعنى متقاربان أو متحدان إذا عرفت هذا ففي معنى الحديث المذكور وجوه.
منها: ان يراد الورود على وادي برهوت في الآخرة من حيث انه واد من جهنم فهو مضاف إليها أي ترد على المضاف إليه وادي برهوت اعنى جهنم وذلك ليوافق بقية الأحاديث فإن المستفاد منها اختصاص الورود في الدنيا على وادي برهوت بأرواح الكفار وورود أبدانهم يوم القيمة على النار.
ومنها: ان يراد الورود في الدنيا ويراد بالأجسام اللطيفة نفس الأرواح على طريق التشبيه أو الاستعارة للمشاركة في مجرد اللطافة على ان الذي يفهم من كثير
__________________
(١) كا - ج ٣ ص ٢٤٦ ح ٥ ط الإسلامية
من الاخبار وصرح به جمع من العلماء ان الروح جسم لطيف وعلى تقدير عدمه فلعل النكتة فيه تهجين حال أرواح الكفار وتخييل انها في الكثافة بمنزلة الأجسام اللطيفة.
ومنها: ان يراد الورود في الدنيا أيضا ويراد بالأجسام اللطيفة القوالب التي تتعلق بها الأرواح كما ورد في أهل الجنة وعدم التصريح به في غيره غير ضائر لأن هذا الحديث كاف ولعل التعلق ليمكن الشعور المعتد به لهم وفيه ان الخبر غير صريح فيه وتعلق أرواح الكفار بأجسام غير أجسامهم في البرزخ مع دخولهم نار الدنيا ظلم. اللهم الا ان يقال الورود لا يستلزم العذاب أو يقال باختصاص العذاب هنا بالروح.
ومنها: ان يكون هام مشدد إذ لم يثبت تخفيفه فهو من هم إذا دب اى مشى رويدا أو من هم إذا قصد أو من هم إذا حزن وعلى كل تقدير هو من أوصاف الأرواح وكون الصدى على هذا بمعنى حشو الرأس والدماغ ممكن بمعنى الشعور والعقل فهو من وصف الأرواح أيضا بمعنى ان لها في حال ورودها على وادي برهوت شعورا في الجملة.
ومنها: ما نقل عن نهاية ابن الأثير انه قال الهامة: رأس كل شيء ج ها م وطائر من طير الليل وهو الصدى ثم قال الصدى طائر يخرج من رأس المقتول إذا بلى بزعم الجاهلية.
قيل كانت العرب يزعم ان روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة فيقول اسقوني اسقوني فإذا أدرك بثأره طارت.
وقيل كانوا يزعمون ان عظام الميت وقيل روحه تصير هامة فتطير ويسمونه الصدى « انتهى » وقد ذكر بعضه صاحب القاموس كما مر فتدبر والله أعلم.
فائدة (٩)
اعلم ان اسم الجنس ما دل على ذات صالحة لأن تصدق على كثيرين ولو كان على سبيل البدلية وهو على قسمين جمعى وأفرادي.
فالأول: ما خص في الاستعمال بالصدق على الثلاثة فما فوقها وهو على ثلاثة أقسام.
الأول: ما يفرق بينه وبين واحدة بالتاء والتاء في واحدة كتمر وتمرة.
والثاني: ما تكون فيه دون مفردة ككما وكمأة.
والثالث: ما يفرق بينه وبين واحده بياء النسب كروم ورومي وزنج وزنجي.
والثاني: على قسمين أحدهما: ما يكون صادقا على الكل وعلى أى بعض فرض منه كالماء والعسل والثاني ما لا يكون كذلك كالإنسان ورجل فإن الإنسان مثلا يصدق على اى فرد فرض من افراده ولا يصدق على جملة الأفراد فلا يقال القوم إنسان بل يقال زيد إنسان والسر في ذلك ان أفراده أشخاص وهو انما يصدق عليها وأكثر من فرد(١) ليس بشخص فلا يصح صدقه عليه وبهذا ظهر ان ما قيل من ان اسم الجنس يصدق على القليل والكثير فاسد لأنه من خلط قسم من أحد قسمي اسم الجنس الأفرادي بالآخر.
__________________
(١) وأكثر بمعنى فرد - خ ل.
فائدة (١٠)
في حاشية الخطائي اللهم الا ان يفرق بين التصريح بالفعل وتقديره.
قال المحقق اليزدي: قيل هذا مناف لما سبق من تصريحهم بكون الجملة التي خبرها فعلية كالفعلية في مجرد افادة التجدد لا ينافي صحة الفرق بينهما يأن الأولى تنصرف الى الدوام عند وجود الداعي والثانية لا تقبل ذلك وهو ظاهر « انتهى »
وتوضيحه ان الاسمية التي خبرها فعلية والفعلية المحضة سيان بالنظر الى ذاتيهما في إفادة التجدد وهذا لا ينافي الفرق بينهما من حيث ان الاولى تفيد الدوام من حيث وجود الداعي اليه وأما الثانية فلا تقبل ذلك من حيث ان الفعل فيها وضع لان ينسب الى الفاعل ولا ريب في إفادة التجدد وحاصل كلام صاحب القيل الرد على المحقق الخطائي من حيث انه فرق بين التصريح بالفعل وتقديره في الجملة الاسمية من ان الاولى تفيد الدوام دون الثانية بأن هذا مناف لتصريحهم بان الاسمية التي خبرها فعلية تفيد التجدد كالفعلية المحضة والمحقق اليزدي تسلم له هذا ولكن حكم بأنه لا ينافي الفرق بينهما من حيث وجود الداعي إلى الدوام في جانب الاولى دون الثانية لكونها لا تقبله لان الفعل وضع لان ينسب الى الفاعل والنسبة فيه تدل على التجدد فتأمل.
فائدة (١١)
الرطل العراقي مائة وثلاثون درهما، والرطل المدني مائة وخمسة وتسعون درهما، والصاع ستة أرطال بالمدني وتسعة أرطال بالعراقي وهو الف ومائة وسبعون درهما.
وهذه التقديرات عندنا منصوصة في أحاديث الفطرة وغيرها والدرهم ستة دوانيق والدانق ثماني حبات من أوسط حب الشعير يكون مقدار العشرة دراهم سبعة مثاقيل فالمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم والدرهم نصف المثقال وخمسة.
فالرطل العراقي أحد وتسعون مثقالا والرطل المدني مائة وستة وثلاثون مثقالا ونصف مثقال.
والصاع ثمانمائة وتسعة عشر مثقالا والرطل المدني مائة وستة وثلاثون مثقالا ونصف مثقال والصاع ثمانمائة وتسعة عشر مثقالا.
والكر الف ومأتا رطل بالعراقي وثمانمائة رطل بالمدني يكون مائة ألف مثقال وتسعة آلاف مثقال ومأتي مثقال:
والمن الشاهي ألف ومأتا مثقال يكون ألفا وسبعمائة وخمسة عشر درهما تقريبا كل عشرة أمنان اثنا عشر الف مثقال والمن التبريزي نصفه.
والرطل الدمشقي اثنا عشر أوقية والأوقية خمسون درهما فالرطل ستمائة درهم يكون أربعمائة وعشرين مثقالا فالكر مئتان وستون رطلا بالدمشقى.
ونصاب الغلات خمسة أوسق والوسق ستون صاعا فالوسق أربعون منا وثلثا من
الا عشرين مثقالا وبالدمشقى مائة وسبعة عشر رطلا فالنصاب بالعراقي ألفان وسبعمائة رطل وبالمدني ألف وثمانمائة رطل وبالدمشقى خمسمائة رطل وثلاثة وثمانون رطلا
وزكاة النقدين ربع العشر ونصاب الذهب عشرون دينارا ففيها عشرة قراريط ثم أربعة دنانير ففيها قيراطان وهكذا دائما والدينار هو المثقال وهو عشرون قيراطا.
ونصاب الفضة مائتا درهم ففيها خمسة دراهم ثم كلما زاد أربعين ففيها درهم فظهر ان زكاة النقدين ربع العشر فلو اخرج ربع عشر ما عنده منهما برئت ذمته لأنه بقدر الواجب أو أزيد لاحتمال عدم تمام النصاب الأخير والصاع أربعة أمداد فالمد رطلان وربع بالعراقي ورطل ونصف بالمدني يكون ثلاثمأة درهم الا ثمانية دراهم والصاع بالرطل الدمشقي رطلان الا ثلثين درهما.
والمسافة ثمانية فراسخ بريدان أو نصفها لمريد الرجوع وهو بريد والبريد أربعة فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال والميل أربعة آلاف ذراع والذراع أربعة وعشرون إصبعا وقد روى في الحديث ان صاع النبيصلىاللهعليهوآله كان خمسة أمداد وان المد مائتان وثمانون درهما والدرهم ستة دوانيق والدانق وزن ست حبات والحبة وزن حبتين من أوسط حب الشعير(١) والإطلاق محمول على الأول لوروده في عدة أحاديث والعمل عليها والحديث المشار إليه أخيرا انما ورد في مقام استحباب الغسل بصاع ولعل الصاع المقدر فيه هو صاع الغسل الذي كان يستعملهعليهالسلام .
فقد روى انه كان يغتسل بخمسة أمداد هو وزوجته(٢) والأمر الاستحباب سهل لجواز الزيادة والنقصان فيه ويظهر من بعض الاخبار ان الصاع كان على عهدهصلىاللهعليهوآله خمسة أمداد وانه تغير في عهدهمعليهمالسلام وفي أحاديث الفطرة والزكاة ما يدل على ان المعتبر هو ما كان في زمانهمعليهمالسلام وهو ما اشتمل على التقديرات المذكورة سابقا والله تعالى اعلم.
__________________
(١) الفقيه ص ٣٤ ج ١
(٢) كا - ج ٣ ص ٢٢ ح ٥
فائدة (١٢)
في توضيح حديث خلق العقل وهو مشهور ورد من عدة طرق بأسانيد مختلفة تزيد على عشرين متفرقة في كتب الحديث فمن تلك الطرق ما رواه الكليني بإسناده الصحيح عن ابى جعفرعليهالسلام قال: لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له اقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر ثم قال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب الى منك ولا أكملتك إلا فيمن أحب أما إني إياك آمر وإياك أنهى وإياك أعاقب وإياك أثيب(١) .
أقول: قد أورد بعضهم على هذا الحديث الشريف جملة من الإشكالات ترد عليه بحسب الظاهر ويندفع بعد التأمل.
أحدها وثانيها: قوله استنطقه اى طلب منه النطق مع انه ليس من أفعال العقل ولا له عليه قدرة فطلبه منه مع ذلك قبيح ويلزم منه تكليف ما لا يطاق وهو باطل بالضرورة من مذهب الإمامية.
والجواب أولا: ان معنى استنطقه غير منحصر في طلب النطق بل جملة معانيه ما قاله صاحب الصحاح ان استنطقه بمعنى كلمه وكثيرا ما يكلم الإنسان ما لا يفهم الكلام لغرض آخر كما يكلم الدار وغرضه التحسر أو الاعتبار.
وقال الشاعر:
قف بالديار وسلها عن أهاليها |
عسى ترد جوابا من يناديها |
__________________
(١) كا - ج ١ ص ١٠ ح ١
وقد ورد في الحديث ان تفكر ساعة خير من قيام ليلة.
وسئل الإمامعليهالسلام عن معنى هذا التفكر فقال ان يمر بالديار الخربة فيقول أين بانوك أين ساكنوك مالك لا تتكلمين(١) فالمراد من مكالمة العقل مجرد إظهار انقياده وطاعته لا نطقه بالجواب.
وثانيا: يحتمل ارادة المعنى المذكور في السؤال ويكون تعالى أراد النطق من العقل مع أقداره عليه فإنه لا يمتنع ان يكون الله سبحانه جعل فيه قوة للنطق والاقتدار على التعبير عما يريده من الاعتراف له.
وثالثا: يحتمل ان يراد بالنطق الفهم والإدراك فإنه أحد معانيه وكثيرا ما يستعمل فيه.
واعلم ان الوجه الأول والثاني متقاربان فان كلمه يتضمن معنى طلب منه النطق لان الكلام يستلزم طلب الجواب غالبا والوجه الثاني قريب باعتبار كمال قدرته تعالى على مثل ذلك وما هو أعظم منه ومن أنكر ذلك فقد أنكر قدرته تعالى ولا يخفى ان النطق لا يتوقف على وجود الجوارح من اللسان ونحوه باعتبار كمال القدرة وان توقف على ذلك في بنى آدم لا يلزم توقفه عليه في المجردات لو سلم تجرد العقل ح فان لها حكما آخر ومما يقرب ذلك.
قوله( أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) (٢) ( قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) (٣) ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) (٤) .
ورابعا: يحتمل ان يريد بالنطق المجازي أعني الإخبار بلسان الحال والدلالة على المقصود بأي وجه كان اى طلب تعالى من العقل ان يكون دليلا لعباده على وحدانيته ومخبرا لهم بربوبيته بالتفكر فيه أو به
__________________
(١) كا - ج ٢ ص ٥٤ ح ٢
(٢) فصلت ٢١ - ١١
(٣) فصلت ٢١ - ١١
(٤) الاسراء - ٤٤
وثالثها ورابعها قولهعليهالسلام ثم قال له اقبل فأقبل ثم قال وعزتي إلخ فإن لفظة ثم موضوعة للتراخي ولا تراخى هنا بحسب الظاهر.
والجواب أولا ان التراخي غير معلوم الانتفاء إذ يحتمل تخلل زمان طويل أو كلام كثير بين كل واحد من الأمور المذكورة وبين أبعده.
وثانيا: ان ثم تأتي أيضا بمعنى الفاء أى لمجرد التعقيب من غير تراخ كما في قوله جرى في الأنابيب ثم اضطرب
وثالثا: ان التراخي يعتبر في كل مقام بحسبه كما قالوه في التعقيب كما في قولهم تزوج فولد له والأمور العظيمة المهمة تستعمل فيها ثم دون الفاء وان لم يكن تراخ ظاهر لعظم قدرها ينبغي ان تكون في أزمنة متباعدة لقصور الزمان القليل عنها ولو باعتبار والادعاء أو لأنها لكثرة الاحتياج إليها واهميتها وتشوق النفوس الى العلم بها بعد الزمان القصير المتخلل دونها أو بينها طويلا متراخيا عما قبله يشهد بذلك من تتبع كلام الفصحاء وتراكيب البلغاء.
وخامسها: ان الإقبال والأدبار لا يتصوران من العقل بحسب الظاهر ولا تظهر لهما فائدة.
والجواب: انه لا بعد في اتصاف العقل بالإقبال والأدبار بمعنى الذهاب والإياب وكذا النفوس والحواس ونحوها فإنها تذهب وتجيء وتفارق على وجه تصح نسبته إليها ولا ينحصر ذلك فيما يعهد من إقبال الإنسان بوجهه وإعراضه به والغرض في الأمر بالإقبال والأدبار كالغرض في جميع التكاليف من إظهار الانقياد واختبار العباد وبيان امتثال الأمر كما ان من أراد اختبار طاعة عبده يقول له اذهب ثم يقول له ارجع لإظهار الطاعة وإلزام الحجة ولا بعد في ان يخلقه الله تعالى أولا على حالة يمكن اتصافه بالإقبال والأدبار الحقيقيين وقد اعطى الله الجن والملائكة قدرة التشكل بأشكال بنى آدم وغيرهم فلا يبعد ان يعطى الله العقل ذلك ولو في حال الأمر بالإقبال والأدبار على نحو ما مر في الاستنطاق.
وسادسها: ان الإقبال والأدبار انما يتصور أن بالنسبة إلى مكان والله سبحانه منزه عن المكان.
وأيضا قد ورد ان أول ما خلق الله العقل فعلم انه لم يكن ح مكان.
والجواب: ان ذلك ممنوع بل الإقبال والأدبار قد يكونان لا بالنسبة إلى مكان كما يقال اقبل على العلم واعرض عن الجهل ولا يلزم نسبتها الى اللهعزوجل ولا الى مكان سلمنا لكن لا تعلق لهما يكون الباري سبحانه وتعالى في مكان بل يمكن ان يعين للعقل مكانا للإقبال والأدبار كما يختاره ويريده وقولهمعليهمالسلام أول ما خلق الله العقل على تقدير ثبوته يحتمل ان يكون الأولية فيه مخصوصة ببعض الأقسام لما ورد في حديث آخر من أحاديث العقل وهو أول ما خلق من الروحانيين فلا يلزم تقدم خلقه على خلق المكان مطلقا أو تقدم خلق الروحانيين كذلك يرجع الأمر إلى الجواب الأول.
وسابعها: ان التكليف متوقف على كمال العقل وقد تضمن هذا الحديث الشريف انه لا يكمل الا فيمن أحبه الله فيلزم ان يكون كل من أبغضه الله غير مكلف وهو خلاف المعلوم ضرورة بالنص ويلزم أن يكون كل مكلف ممن يحبه الله وان كان مرتكبا لجميع المعاصي والكفر وهو باطل ضرورة.
والجواب: ان العقل على مراتب وينقسم إلى أقسام وكمال العقل أيضا له مراتب ودرجات فالاكمال المذكور في الحديث أعلى درجة مما يتوقف عليه التكليف ألا ترى ان النبي والأئمةعليهمالسلام كانوا يحكمون على أهل زمانهم بأحكام الشريعة مع ان المعلوم من حالهم وحال أهل كل زمان انهم في غاية التفاوت في العقول ولا يخصون الأحكام التكليفية بأهل الدرجة العالية في العقل ووجه إكمال العقل اما ان يكون تفضلا من الله على بعض العباد بواسطة عملهم الصالح أو تفضلا محضا أو بتوفيقهم للعمل بمقتضى ما وهبهم من العقل.
ويشير الى ذلك ما في الحديث القدسي وانه ليتقرب الى بالنوافل حتى أحبه
فإذا أحبته كنت سمعه الذي يسمع به الحديث(١) . فيرجع الى الاختبار من العبد الطاعة فالعقل يكون ناقصا على الأول بالنسبة الى عدم العمل بمقتضاه وعلى الثاني بالنسبة الى ما أضيف إليه من العقل الكامل وفي هذا الحديث إشارة إلى تعلق التكليف بالعقل وصاحبه قبل إكماله ويأتي تأويل هذا الحديث إن شاء الله.
وثامنها: ان العقل لم يثبت انه من جملة أهل التكليف فما وجه قوله إياك آمر وإياك أنهى إلخ ثم ان اختصاصه المستفاد من تقديم المعمول غير واضح فكثرة الأوامر والنواهي المتوجهة إلى غيره والثواب والعقاب الذين يستحقهما غيره وان كان قصرا إضافيا بالنسبة الى من ليس بمكلف فما مزيته على المكلفين.
والجواب: لا شبهة ان العقل كان مكلفا في ذلك الوقت بالإقبال والأدبار وقد ثبت ذلك بهذه الأحاديث وهو كاف ويحتمل كونه مكلفا بغير ذلك أيضا من تحصيل المعارف والاعتقادات ولا بعد في استمرار تكليفه بمثل ذلك واما الاختصاص فقد يكون قصرا حقيقيا في ذلك الوقت أو يكون الحصر مخصوصا بالأمر والنهى المذكورين.
ويحتمل ان يكون وجهه ان العقل علم انه مناط التكليف، وانه حجة الله الباطنة على العباد فظن انه بذلك خارج من تعلق التكليف به فنبهه تعالى على فساد الظن بالنص على توجه الأمر والنهى المذكورين إليه خاصة.
ويحتمل ان يكون من باب( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ) اى أهل القرية يعني انما يتوجه التكليف والأمر والنهى والثواب الى أهل العقل فكأن العقل هو المخصوص بذلك وربما يقرب هذا الإتيان بصيغة المضارع دون الماضي وان كانت هذه العبارة قد تستعمل فيما تقدم من الأمر ونحوه كما إذا أمرت شخصا ثم قلت له إياك أعني فإن ما قارب الحال من الماضي يمكن إدخاله في حكم الحال إذ هو في الحقيقة اجزاء
__________________
(١) كافي ج ٢ ص ٣٥٢
من أواخر الماضي وأوائل المستقبل وان لم يتم ذلك حقيقتا فمجازا.
وتاسعها: ان هذا معارض بما ورد في غيره من أحاديث العقل بك آخذ وبك اعطى وبك أثيب وبك أعاقب وهذا تضمن انه هو المخصوص بذلك.
والجواب: لا منافاة في ان يكون العقل مكلفا بتكليف خاص ويكون هو للمكلفين دليلا على التكليف ومناطا له وكل من الفريقين يؤمر وينهى ويعاقب ويثاب( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) فليس المراد ان العقل يثاب ويعاقب بفعل صاحبه قطعا ولعل الكلينيقدسسره لاحظ إيراد ما يدل على التكليف العقل نفسه أولا ثم ما يدل على انه شرط التكليف ثانيا.
وبالجملة فلا معارضة بين الأحاديث هنا ولا منافاة وعلى تقدير الإضمار في الحديث المذكور وأمثاله يتحد مضمون الأحاديث لكنه تقدير لا ضرورة إليه لاستقامة المعنى بدونه.
وعاشرها:
وحادي عشرها: ان العقل إذا كان من المجردات كما قيل فلا يتصور تعلق الثواب والعقاب به وان جعل متشكلا بشكل ليمكن تعلق الثواب والعقاب فذلك الشكل لا يستحق ثوابا ولا عقابا.
والجواب: ان الله قادر على أن يوصل اليه ثوابا وعقابا بما يناسبه بل قد وقع ذلك بالفعل كما دل عليه حديث جنود العقل والجهل فإنه ظاهر واضح في ذلك ولم يثبت تجرد العقل.
وثاني عشرها: ان الله سبحانه كان عالما بطاعة العقل فلا وجه للأمر.
والجواب: انه تعالى عالم بطاعة كل مطيع ومعصية كل عاص ومع ذلك يحسن التكليف إظهارا للطاعة، أو المعصية ليستحق صاحبها الثواب أو العقاب ولعله من قبيل قوله تعالى:( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) وإن كان يؤمن منه الشرك ليكون
أبلغ في الأمر للغير بالطاعة وفي الزجر عن المعصية وحيث ان العقل بهذه الطاعة اليسيرة حصل له الثواب بهذا الشرف العظيم والجهل على قياس ذلك مع انه لو لا هذه المعصية لكان بمنزلة العقل ففي ذلك من التنبيه والموعظة ما لا يخفى وقد استدل بعض المحققين من المعاصرين بحديث العقل والجهل على وجوب العمل بالنص. وعدم جواز العمل بخلافه أصلا.
وهو استدلال حسن عند التأمل لكن لا حاجة إليه لكثرة الأدلة والنصوص الصريحة والله أعلم بحقائق أحكامه ودقائق كلامه.
فائدة (١٣)
في تأويل حديث سأل عنه بعض الطلبة وذكر انه وجده في بعض الكتب ولفظه: من عرف الحق لم يعبد الحق(١)
أقول: مثل هذا لا ضرورة بنا الى النظر في تأويله وتوجه الفكر الى توجيهه إذ لم يصح له سند ولا يثبت في كتاب معتمد مع أنه مخالف لصريح العقل معارض بصحيح النقل بل يقتضي بطلان ضروريات الدين ويضادّ الكتاب والسنة وإجماع المسلمين فيحتاج إلى إثبات صحته أولا ثم النظر من صرفه عن ظاهره ثانيا فإنه غير صحيح على قاعدة الأصوليين ولا الاخبار بين، ويقرب الى الاعتبار انه من كلام بعض الصوفية الذين نقل عنهم القول بسقوط العبادات عمن وصل الى مرتبة الكشف والوصول وبعد التنزل وتسليمه يجب تأويله لما مر وذلك ممكن من وجوه اثنى عشر.
أحدها: ان يكون المراد بالعبادة الجحود والإنكار فإنه أحد معانيها اللغوية صرح به في القاموس وغيره وذكروا ان الفعل منه كفرح وعليه حمل قوله( إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ) (٢) في بعض الوجوه فيكون المعنى والله اعلم من عرف
__________________
(١) رواه أيضا السيد عبد الله الشبر ره في مصابيح الأنوار عن المؤلف ره واخرج الوجوه التي ذكره المصنف ره هنا راجع الجزء الأول ص ٤٣٢.
(٢) الزخرف - ٨١
الحق معرفة صحيحة ثابتة لم يجحده ولم ينكره بعد معرفته ويكون إشارة الى أن من جحد الحق لم يكن معرفته السابقة صحيحة كما ذهب اليه المرتضى وجماعة من العلماء ودل عليه بعض النصوص المعتمدة وعلى هذا الوجه يحتمل كون الجملة الخبرية هنا مرادا بها النهى كقولهعليهالسلام لا ضرار على وجه.
وثانيها: أن يكون يعبّد مشدّد الباء من عبده بالتشديد أى ذلله ومنه طريق معبد إذ لم يثبت ضبط هذه اللفظة بالتخفيف اى من عرف الحق لم يذلله ببذله لغير أهله أو بترك التقية به أو بالإهانة له والاستخفاف به أو بفعل المعاصي والمحرمات الموجبة لنقص الايمان ويكون المراد بالحق الثابت من حق يحق إذا ثبت ولا يكون اسما من أسمائه تعالى مع احتمال التوجيه مع كونه من أسمائه تعالى أيضا على بعض الوجوه وعلى هذا اما ان يراد المعرفة التامة أو مطلق المعرفة مع كون الجملة في معنى النهى كما سبق.
وثالثها: أن يراد بالحق الثابت كما ذكر ويخص بغيره تعالى حيث ان كنه ذاته تعالى لا يعرف وانما تتعلق المعرفة بصفاته تعالى وأسمائه وأفعاله وأنبيائه وحججه ونحوها مما لا يجوز عبادته فمن عرفه علم انه غير مستحق للعبادة فلم يعبده ومن عبده لم يكن عرف الله ولا عبده.
ورابعها: أن يكون المراد من عرف الحق أي حق المعرفة وأقواها اعنى الضرورية الحاصلة يوم القيمة وهناك يسقط التكاليف قطعا فيخصص بذلك لضرورة الجمع بينه وبين الضروريات ولا يخفى ان هذا ليس ببعيد، وما نقل من الصوفية من حصول هذه المعرفة في الدنيا لبعضهم مردود إذ هي دعوى بلا دليل بل الدليل قائم على فسادها وترتب المفاسد عليها ولو سلمنا فالدليل قائم على عدم سقوط التكاليف في الدنيا وان حصلت وقد أفردنا ذلك مع أمثاله في محل آخر.
وخامسها: ان من عرف الله حق المعرفة أي غاية ما يمكن منها في الدنيا لم يعبده حق العبادة فكيف من دونه في الرتبة والمعرفة فيجب الاعتراف بالتقصير في
عبادته تعالى من كل أحد وله شواهد ليس هذا محل إيرادها وهذا الوجه قريب ويزيده قربا ما هو معلوم من ان كل من زادت معرفته بالله زاد خوفه منه ورجاؤه له وعبادته إياه البتة كما ان من عرف الأسد أو الملك أو نحوهما كذلك وله شواهد كثيرة من الكتاب والسنة كقوله تعالى( إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) وقولهعليهالسلام : من عرف الله وعظمه منع فاه من الكلام وبطنه من الطعام وعنا نفسه بالصيام والقيام(١) الى غير ذلك مما هو كثير وفيه ردّ على الصوفية في هذا المقام كما لا يخفى.
وسادسها: ان يكون المراد كل من عرف الله لم يعبده حق العبادة فيبقى العام على عمومه وبين هذا الوجه والذي قبله فرق ظاهر وهذا أيضا قريب.
وسابعها: ان يكون من اسم استفهام والاستفهام إنكاريا فيصير المعنى اىّ شخص عرف الحق ولم يعبد الحق ويكون الحق من أسمائه تعالى في الموضعين اى ولم يعبد مسمى هذا الاسم وحذف الواو هنا غير ضائر وان كان إثباته أكثر ونظير هذا التركيب قول المتنبي: أي يوم سررتني بوصال. لم ترعني ثلاثة بصدود(٢) وهذا أيضا وجه قريب وفيه إشارة الى ان من ترك العبادة مع معرفته فهو خارج عن حقيقة المعرفة المطلوبة منه أو عن كمالها أو كأنه لم يعرف لعدم عمله بمقتضاها والاستفهام الإنكاري يقتضي نفى متعلقة والكلام هنا مقيد ويجب رجوع النفي في مثله الى القيد وهو منفي فيلزم إثباته لأن نفى النفي إثبات فالمعنى كل من عرف الحق وعمل بمقتضى المعرفة عبد الحق.
وثامنها: أن يكون من اسما موصولا عبارة عن الله سبحانه فإنه هو الذي عرف حقائق الأشياء كلها على ما هي عليه دون غيره فان معرفته مشوبة بالجهل فيكون حاصل المعنى ان الذي عرف حقائق الأشياء كلها هو الخالق المعبود لا المخلوق العابد.
__________________
(١) أخرجه في الوسائل ج ١ في باب تأكد استحباب الجد والاجتهاد في العبادة ح ١٢
(٢) راجع ديوان المتنى ص ٢٠ صادر بيروت
ولا يرد عليه ان العارف لم يعهد إطلاقه على الله تعالى وأسماؤه توقيفية.
لأنا نجيب أولا: بان ذلك مسموع في كلام أمير المؤمنينعليهالسلام في نهج البلاغة.
وثانيا: بجواز إطلاقه على وجه المجاز على ما ذكر بعض العلماء.
وثالثا: انه يجوز كونه أطلق عليه تعالى باعتبار العموم في لفظ من وان المراد به خاصا.
ورابعا: انه لا يلزم استعمال العارف بل استعمال الفعل وله نظائر.
وخامسا: ان هذا على تقدير كونه حديثا يفيد الجواز ويصير مسموعا مع عدم تمام غير هذا من وجوه التوجيه وان تم غيره استغنى عنه.
وتاسعها: ان يكون من اسما موصولا كذلك ويعبد مبنيا للمفعول إذ لم يثبت بناؤه للفاعل ويكون المعنى ان الله سبحانه الذي علم الحقائق كلها لم يعبده أحد حق عبادته.
وعاشرها: ان يكون من شرطية والحق الأول من أسمائه تعالى ويعبد مبنيا للمجهول والمعنى ان من عرف الله سبحانه بأنه ربه لم يعبده اى ذلك العارف أحد حقا أو بالحق لامتناع كونه ربا مربوبا وإلها مألوها فأل زائدة في الحق الثاني أو عوض عن المضاف اليه كما في نظائره فيكون حكما ببطلان قول الغلاة.
وحاديعشرها: ان يكون المراد بالحق الواجب ويعبد مشددا اى بذلك فيكون المعنى ان من عرف الواجب للمؤمنين لم يذلل ذلك الحق الواجب بتركه وعدم القيام به ولم يذلل صاحبه باهانته والتقصير في حقه على الإضمار والمجاز العقلي.
وثاني عشرها: ان يكون عرف بالتشديد إذ لم يتحقق ضبطه بالتخفيف ويعبد مشددا أو مبنيا للمفعول وعلى هذا يستقيم جملة من الوجوه السابقة غير ما ذكرناه ولا يخفى تقريرها على أهل الاعتبار والله أعلم.
فائدة (١٤)
في الكافي عن ابى عبد اللهعليهالسلام في قول اللهعزوجل ( اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ ) فاطمة عليما السّلام( فِيها مِصْباحٌ ) الحسنعليهالسلام ( الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ ) الحسينعليهالسلام ( الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ) فاطمةعليهاالسلام كوكب دري بين نساء أهل الدنيا(١) .
أقول: في تفسير على بن إبراهيم أورد الحديث المذكور الا انه قال: المصباح الحسين في زجاجة إلخ وظاهر ان الحديث صريح في تفسير المشكوة بفاطمة والمصباح الأول بالحسن والنظر فيه هنا باعتبار الاشتمال منها عليه بالأمومة والحمل ونحوهما وقوله: المصباح في زجاجة الحسين المتبادر منه الى الفهم انه تفسير للزجاجة بالحسين لا للمصباح الثاني به كما في تفسير على بن إبراهيم وذلك بناء على القاعدة المقررة ان النكرة إذا أعيدت معرفة فالمراد بالثاني هو الأول كما في قوله تعالى:( كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ) ونظائره والا لبقي الكلام غير مرتبط بما قبله، فالمراد بالمصباح الثاني الحسن أيضا ويحتاج في توجيه الظرفية إلى وجه لعدم ظهورها بالنسبة إلى الظرفية الاولى.
ووجهها قريب وهو تقدير مضاف أي امامة الحسن مستقرة في الحسين وأولاده لا في الحسن وأولاده ويكون المراد بالزجاجة الثانية الحسين أيضا و
__________________
(١) الكافي ج ١ ص ١٩٥ ح ٥
بالكوكب الدري فاطمة كما هو مصرح به ويكون التشبيه للحسين بفاطمة اما في الصورة أو الفضل والكمال وهذا الوجه لا قصور فيه ولا مخالفة للظاهر بل الذي يظهر انه أقرب ولا ينافيه ما في التفسير لاختلاف الروايتين كما في نظائره.
ولعل ما في رواية الكليني أصح فان الوثوق بضبط نسخ الكافي أعظم وثبوت تواترها إجمالا والاعتبار بتصحيحه تفصيلا أوضح وبخصوص هذا نقول لا بعد في ان يراد معنيان فصاعدا من آية واحدة كما هو مروي مأثور مصرح به في عدة أحاديث.
ويحتمل ان تحمل رواية الكليني على ما يطابق رواية على بن إبراهيم بأن يكون الحسين تفسيرا للمصباح الثاني وفاطمة تفسيرا للزجاجة الثانية بل والأولى أيضا بمقتضى القاعدة المشار إليها وهذا الوجه يقربه حصول الجمع بين الحديثين وزوال الاختلاف عنهما ويبعده مخالفة القاعدة في المصباح لكن لا محذور في مخالفتها من حيث انها أغلبية كأكثر قواعد العربية ويظهر هذا من المعنى وغيره ولكن فيه أيضا اختلاف المصباحين معنى من غير قرينة، والفصل بين المفسر اعنى المصباح والزجاجة والمفسر اعنى الحسين وفاطمةعليهماالسلام وإيهام خلاف المقصود ولان الظاهر المتبادر ما قدمناه وعود التفسير إلى الأبعد مع إمكان عوده إلى الأقرب وترك التشبيه بالكلية في قوله فاطمة كركب فلو كانت تفسيرا للزجاجة تعين التصريح بالتشبيه وإمكان جعله تشبيها بليغا يقتضي صيرورة التفسير أخفى من المفسر فهذه ستة وجوه تقوى الاحتمال الأول وتضعف الثاني والله أعلم.
فائدة (١٥)
في معنى حديث ما أكل رسول الله (ص) متكئا قط(١) قال صاحب القاموس في وكأن قوله (ع) أما انا فلا آكل متكئا اى جالسا جلوس المتمكن والمتربع ونحوه من الهيئات المستدعية لكثرة الأكل بل كان جلوسه للأكل مستوفزا(٢) مقعيا غير متربع ولا متمكن وليس المراد الميل على شق كما يظنه عوام الطلبة انتهى.
وقال صاحب النهاية فيه: لا آكل متكئا المتكى في العربية كل من استوى قاعدا على وطاء متمكنا، والعامة لا تعرف المتكى الا من مال في قعوده معتمدا على أحد شقيه والتاء فيه بدل من الواو أصله من الوكاء وهو ما يشد به الكيس وغيره كأنه أوكأ مقعدته وشدها بالقعود على الوطأ الذي تحته.
ومعنى الحديث انى إذا أكلت لم اقعد متمكنا فعل من يريد الإكثار منه ولكن آكل بلغة فيكون قعودي له مستوفزا، ومن حمل الاتكاء على الميل على أحد الشقين تأوله على مذهب الطب فإنه لا ينحدر على مجاري الطعام سهلا ولا يسقيه هنيئا وربما تأذى به انتهى.
قال بعض فضلاء المعاصرين: ما ذكره صاحب النهاية وصاحب القاموس مخالف لما ذكره الأئمةعليهمالسلام في أحاديثهم كما رواه محمد بن يعقوب الكليني عن أبي
__________________
(١) الكافي ج ٦ ص ٢٧٢ ح ٩
(٢) استوفز في قعدته: انتصب فيها غير مطمئن أو وضع ركبتيه ورفع اليتيه أو استقل على رجليه. ق
خديجة قال: سأل البشير الدهان أبا عبد اللهعليهالسلام وأنا حاضر فقال هل كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يأكل متكئا على يمينه ولا على يساره فقال: ما كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يأكل متكئا على يمينه ولا على يساره ولكن كان يجلس جلسة العبد.
قلت: ولم ذاك؟ قال تواضعا للهعزوجل (١) . فهذا صريح في ان المراد بالاتكاء الميل على أحد الشقين اليمين واليسار فليس من ظنه من عوام الطلبة بل من خواصها وأيضا ما ذكره صاحب النهاية بأن من حمل الاتكاء على هذا المعنى تأوله على مذهب الطب غير سديد فان الصادقعليهالسلام علل تركه بالتواضع لله والخضوع له كما هو دأب العبيد لا كما هو شأن الملوك والمتكبرين انتهى
وأقول: لا يخفى انه لا منافاة بين كلام أهل اللغة وبين كلام الصادقعليهالسلام لأنهم إنما فسروا الاتكاء المطلق وكلام الامامعليهالسلام جاء على مطابقة سؤال السائل والاتكاء في السؤال والجواب مقيد بكونه على اليمين أو اليسار ولا يلزم كون الاتكاء المقيد بمعنى المطلق ولا العكس كما هو واضح بل لا يبعد ان يكون في ذكر القيد اشعار بالاحتياج اليه فيكون المطلق معنى آخر والا لكان القيد مستغنى عنه وهو بعيد لذكره في السؤال والجواب.
ثم ان صاحب النهاية قد جوز الحمل على المعنى المفهوم من الحديث وبالجملة فالحديث المنقول وحده لا ينافي ذلك التفسير ولا يبعد ان يكونعليهالسلام كان يترك الاتكاء بالمعنيين ولا يأتي بواحد من القسمين لا المطلق ولا المقيد وكذا لا منافاة بين التعليلين لأن الأول لعدم التمكن والثاني لجلوسه جلسة العبد ولم يتحقق تساويهما ولا تلازمهما ولو سلم فلا مانع من صحة التعليلين معا إذ اجتماعهما هنا ممكن بل كل فعل من أفعالهعليهالسلام كان له أسباب متعددة وفوائد كثيرة في الدنيا والدين غير ان المصلحة للمكلفين في إظهار العلة المذكورة في الحديث كما لا يخفى والله تعالى أعلم.
__________________
(١) الكافي ج ٦ ص ٢٧١ ح ٧
فائدة (١٦)
في شرح اللمعة: كل طواف ركن يبطل النسك بتركه عمدا الا طواف النساء الى قوله ويتحقق البطلان بخروج ذي الحجة قبله ان كان طواف الحج مطلقا وفي عمرة التمتع بضيق وقت الوقوف الا عن التلبس بالحج قبله(١) .
أقول: تقرير معنى العبارة انه يتحقق بطلان العمرة المتمتع بها بسبب ترك الطواف إذا ضاق وقت وقوف عرفة عن كل شيء إلا عن التلبس بالحج قبل الوقوف أي إذا لم يبق الوقوف الا مقدار ما يتلبس فيه بالحج ثم يدرك الوقوف بعده بلا فصل سوى قطع الطريق فحينئذ يحكم ببطلان العمرة لتعمد ترك ركن منها حتى فات وقته ويجب عليه التلبس بالحج وتحرير المقام ان هنا صورا.
الاولى: ان يبقى من الوقت ما يسع الطواف والتلبس.
الثانية: ان يسع الطواف والسعي معه.
الثالثة: ان يسع الطواف والسعي والتقصير معه.
الرابعة: ان يسع أحد الأمرين الأولين معه.
الخامسة: ان يسع الأمور أحد الصور الثلاثة معه.
السادسة: أن يسع بعض واحد من الثلاثة معه ولهذه الصورة صور لا تخفى.
السابعة: ان يقصر عن كل واحد من الأمور الأربعة.
الثامنة: أن يقصر عنها جميعا وعن الوقوف فهذه ثمان صور بعضها فرض
__________________
(١) كتاب الحج ج ١ ص ٢٣٨
فيه زيادة الضيق وبعضها فرض فيه نقصانه بالنسبة إلى صورة تحقق بطلان العمرة ولا ريب ان في الخمس الأول لا يتحقق بطلانها بسبب ترك الطواف بل يجب عليه الإتيان به لإمكانه وركنيته وتوقف صحة النسك عليه ثم ليشرع ( يشرع - خ ل ) في الحج ان لم يكن ترك ركنا آخر أو كان قد تركه وأمكن تداركه فيتلبّس بعد التدارك أو تبطل العمرة لكن بسبب آخر غير ترك الطواف فتبين عدم تحقق البطلان بل تبين تحقق عدمه في هذه الصور وظهر صحة عبارة الشارح.
واما السادسة: فلم يعتبرها لأنها لا تفيد صحة العمرة حيث ان الإتيان ببعض الركن مع ترك بعضه عمدا أو جهلا كما هو المفروض يوجب بطلان الركن فيلزم بطلان النسك الذي هو ركن فيه وشرط في صحته فلا يلتفت الى هذه الصورة بل ينبغي جعلها داخلة فيما ذكره المصنف بان يعتبر الحصر إضافيا بالنسبة إلى مجموع الطواف والقرينة واضحة لأن سياق الكلام يقتضي ذلك والبحث انما هو عن الطواف وإدراكه لا في حكم إدراك أبعاضه مضافا الى ما هو مقرر معلوم مما ذكرناه وغيره مع رعاية الاختصار والإيجاز.
واما السابعة: فداخلة فيما ذكره والعدول الى حج الإفراد لا يحتاج الى زمان يستلزم فوت الوقوف أو غيره بل هو مجرد قصد قلبي.
واما الثامنة: فلها صور منها: مالا يستلزم فوت الحج بان يدرك الاضطراري أو المشعر على الوجه المقرر ومنها: ما لا يستلزمه لكن لا قصور في عدم تناول العبارة له لان الكلام في بطلان العمرة خاصة بترك الطواف لا مع فوت الحج بل هو أمر آخر خارج عن موضوع البحث.
إذا عرفت ذلك فقد ظهر انه لا يعتبر في بطلان العمرة في هذه المسئلة أقل مما ذكره ولا أكثر مما اعتبره فتعين الاقتصار على ما قرره ولهذا عبر بهذه العبارة جماعة من المحققين كالشيخ في شرح القواعد والسيد محمد في المدارك وغيرهما.
وقد ذكر السائل وجها بعيدا فقال: يفهم من هذه العبارة ان المراد ضيق
الزمان عن التلبس بالإحرام من مكة للحج يكون غير ضائر، لأن إدراك عرفات باق وهذا الضيق لا يمتنع [ لا يمنع - خ ] من ادراك الطواف للعمرة فيطوف ويحرم بالحج من حيث أمكن ولو بعرفات فيكون حاصل الكلام استثناء هذا الضيق من السابق ويكون الاستثناء متصلا « انتهى ».
وقد أجبته أو لا بان التلبس في عبارته غير مقيد بكونه بمكة فلا يفهم من العبارة بل على تقدير تعينه فهو مفهوم من خارج وثانيا: انه قد تعارض هنا أمران الإتيان بواجب وهو الطواف وترك واجب وهو الإحرام فيحتاج الى الترجيح ولا ريب ان هنا صورة شرعية لا يستلزم أحدهما وهي العدول الى الإفراد وذلك منصوص هنا في مثل هذا الضيق ولما قلناه فقد اختار الشارح ذلك كما يفهم من عبارته وهذا الترك للإحرام عمد والدليل انما هو هنا [ دلها - خ ] على الفرق بين السهو والعمد لا بين الضيق والسعة بل لا ضرورة هنا لما مر وترك الإحرام هنا مستلزم لفساد الحج كما صرحوا به حيث ذكروا من شرائط صحة الحج التمتع الإحرام له من مكة وانه لو أحرم له من غير مكة بطل ولا يظهر منهم من فرق بين الضرورة والاختيار مع انه لا ضرورة كما عرفت والحاصل ان الوجه الذي ذكره السائل يقتضي اما إدخال الحج على العمرة عمدا ان لم يحل واما ترك الإحرام عمدا ان أحل وكلاهما غير جائز فلا وجه للاحتمال الذي ذكره ولا يمكن فهمه من العبارة بل هو نقيض معناها عند التأمل.
فائدة (١٧)
في باب النذر من التهذيب حديث موضع الاشكال منه هذا سأله رجل جعل عليه أيمانا ان يمشي إلى الكعبة أو صدقة أو نذرا أو هديا ان هو كلم أباه أو امه أو أخاه أو ذا رحم أو قطع قرابة أو مأثما يقيم عليه أو أمرا لا يصلح له فعله فقال: لا يمين على معصية الله الحديث(١) .
أقول: هذا يحتمل وجوها. أحدها: ما وجهه به بعض الأصحاب حيث قال:سأله عن رجل جعل عليه أيمانا اى الزم على نفسه بالايمان أو لأجل الايمان ان يمشى إلى الكعبة أو صدقة أو نذرا أو هديا ان كلم اى ان شاجر ونازع أباه أو امه أو أخاه أو ذا رحم أو قطع قرابة اى ان قطع قرابة أو مأثما يقيم عليه أو أمرا لا يصلح فعله.
فحاصل معناه انه ألزم على نفسه بالايمان التي هي اما مشى أو صدقة أو عتق مشاجرة أبيه أو امه أو أخيه أو قطع قرابة أو الإصرار على المأثم إلخ فقال لا يمين على معصية الله لان كل هذه الأفعال معصية وانما عد لنا من قراءة الكسر الى الفتح ومن معنى التكلم الى التشاجر والنزاع ليلايم قوله أو قطع قرابة، وعلى قراءة الكسر فاليمين على قطع القرابة ليس بمعصية ولو قرئ قطع على لفظ المصدر المضاف عطفا على تفسير مضمون المذكور يعنى ترك كلام الأب يستقيم ولكن لا يخلو عن تغيير في نظم العبارة وجعل المعصية فعلين وتركين بخلاف ما ذكرناه فان كلها
__________________
(١) التهذيب ج ٨ ص ٣١١ ط الاخوندى
أفعال « انتهى » وهي كما ترى.
وثانيها: ما وجهه به بعض الأصحاب أيضا من الحمل على ان فيه تقديما وتأخيرا وان أصله أو ذا رحم أو قرابة أو قطع مأثما وفيه أيضا بعد لاتفاق النسخ على ما نقلناه.
وثالثها: قراءة إن بالكسر على الشرطية كما هو الظاهر وقطع على المصدرية ويكون يمشى وما عطف عليه متعلق اليمين وكلم وما عطف عليه شرطه ويكون المقصد الزجر على كلام أبيه وما بعده فيتم قوله لا يمين على معصية الله، والمصدر على هذا معطوف على محذوف يدل عليه الكلام دلالة ظاهرة اى كان مطلبه عقوقا أو قطع قرابة أو مأثما إلخ وهذا الوجه لا يخلو من قرب وان كان غيره أقرب.
ورابعها: ان يبقى الكلام على ظاهره ويقرأ إن بالكسر فقطع بصيغة الماضي من غير تكلف شيء بما ذكر ويكون السؤال عما لو كان متعلق اليمين معصية وغير معصية أو كان المقصد الزجر عن محرم أو غيره أو الشكر على نعمة أو غيرها ولا يلزم كون السؤال على نسق واحد أو عن قسم واحد فورد الجواب بالتفصيل بان ما كان على معصية لم ينعقد وما عداه ينعقد وهذا أقرب الوجوه.
وخامسها: ان يقرأ كما هو الظاهر وكما مرّ في الرابع ويكون المطلب الزجر في الأربعة الأول أعني قوله ان كلم أباه أو امه أو أخاه أو ذا رحم والشكر في الثلاثة الأخيرة أعني قوله أو قطع قرابة أو مأثما أو أمرا لا يصلح فعله فيصير معصية أيضا ويطابق الجواب وهذا وان كان له وجه فلا يخلو من بعد والله أعلم.
فائدة (١٨)
في كتاب من لا يحضره الفقيه روى جميل عن ابى عبد اللهعليهالسلام انه قال لا بأس بأن تصلي المرأة بحذاء الرجل وهو يصلى فإن النبيصلىاللهعليهوآله كان يصلى وعائشة مضطجعة بين يديه وهي حائض وكان إذا أراد ان يسجد غمز رجليها فرفعت حتى يسجد(١) .
أقول: هذا الحديث صحيح السند على اصطلاح المتأخرين ورواه الشيخ في التهذيب بإسناد مرسل عن جميل بن دراج عن ابى عبد اللهعليهالسلام في الرجل يصلى والمرأة تصلي بحذاه قال: لا بأس(٢) هذا آخر الحديث في التهذيب وليس فيه الزيادة التي في الفقيه ويحتمل أن يكون فيه تحريف قريب الى الاعتبار وهو أن يكون قوله فان بالفاء أصله وان بالواو فتكون الجملة معطوفة على قوله لا بأس ويكون فائدة مستقلة لا تعليلا للحكم السابق.
فيمكن كونه من كلام الصادق ومن كلام الصدوق فهو مرسل كأمثاله ولو لا هذا التقدير أو نحوه لما كان الكلام منتظما لان التعليل لا يناسب الحكم المذكور.
__________________
(١) الفقيهصلىاللهعليهوآله ٢٤٧ ج ١
(٢) التهذيب ج ٢صلىاللهعليهوآله ٢٣٢
ويحتمل وجه آخر هو قريب على تقدير صحة الفاء وانتفاء التحريف وهو أن يكون قوله وهو يصلى جملة معطوفة على قوله لا بأس أو على قوله يصلى وعلى التقديرين يكون الحكم مطلقا غير مقيد بحالة الاجتماع في الصلاة في وقت واحد ليلزم المحذور اللازم من كون الجملة حالية وهو عدم مناسبة التعليل للحكم بل يكون مخصوصا بحالة كون أحدهما غير مصل بقرينة التعليل والتقدير على ما قلناه لا بأس ان تصلى المرأة بحذاء الرجل ولا بأس ان يصلى هو بحذاء المرأة فإن النبيصلىاللهعليهوآله إلخ فيفيد الحديث جواز اجتماعهما في حالة كون أحدهما مصليا والآخر غير مصل كما تضمنه التعليل وقد جزم بذلك صاحب المنتقى وهو الوجه.
ويحتمل على بعد أن يكون التعليل تاما باعتبار ان غير الحائض أشرف من الحائض والمصلى أشرف من غيره وإذا جاز الاجتماع في الصورة المذكورة جاز في الصلاة بطريق الأولوية كذا قال بعض المعاصرين.
وفيه نظر بل هو غير صحيح لان مقتضى الشرف هنا المنع من الاجتماع فلا أولوية بل يمكن عكس القضية إذ النص على جواز هذه الصورة من الاجتماع وقد كثر الخلاف في النص والفتوى في الاجتماع حال الصلاة حتى منع منه جماعة وذلك يدفع الأولوية التي توهمها هذا القائل.
واعلم ان الشيخ بهاء الدينقدسسره في الحبل المتين نقل هذا الحديث الى قوله تصلى مقتصرا عليه تاركا للتعليل وهو قرينة على وجود الواو موضع ألفا في قوله فان في النسخة التي كانت عنده من الفقيه والا لكان التعليل من جملة الحديث فعلى تقدير ما قلنا سابقا لا إشكال في حكمه ولا مخالفة له لشيء من الاخبار وعلى تقدير ان يفهم منه الاجتماع حال صلاة كل منهما يمكن حمله على نفى التحريم دون الكراهة جمعا بين الاخبار والله تعالى أعلم.
فائدة (١٩)
في الاحتجاج في حديث واما رحمك فمنكورة وقرابتك فمجهولة وما قرابتك [ وما رحمك ] منه الا كبنات الماء من خشفان الظباء(١) .
أقول: ذكر أهل اللغة ان بنيات الطريق هي الطريق للصغار وان البنات التماثيل وخشفان الظباء أولاد الغزلان فالمعنى والله اعلم ان رحمه ورحمك في غاية التباعد كبعد دواب البر مثل الظبا عن طريق البحر والماء إذ لا يمكن سلوكه(٢) بوجه أو كبعد دواب البر التي لا تعيش في الماء عن دواب البحر التي لا تعيش في البر إذ لا قرابة بينهما ولا نسب غير الاجتماع في الجنسية وكذلك هنا فإن الأجنبي حقيقة أو مجازا كذي الرحم الكافر بالنسبة إلى المسلم لا يبقى ببنه وبين الأخر رحم ولا قرابة غير الاندراج تحت جنس واحد أو نوع واحد كالإنسان.
ويحتمل أن يكون قوله بنات الماء من النسبة إلى الأوطان فإنها متعارفة فيقال بنات أصفهان وأولاد خراسان فينسب الإنسان إلى وطنه كما ينسب الى أمه وأبيه والمعنى بذلك على هذا المخلوقات التي نشأت في الماء فنسب اليه كالسمك
__________________
(١) الاحتجاج ج ١صلىاللهعليهوآله ٤١٨ باب مفاخرة الحسن بن على (ع) على معاوية لعنه الله وفيه. واما وصلتك فمنكورة إلخ.
(٢) إذ لا يمكنها سلوكه - خ
ونحوه ولا شبهة في حصول إتمام المقابلة بين دواب البرّ ودوابّ البحر ولا حاجة على هذا الوجه الى اعتبار تفسير البنات بالتماثيل الصغار فلا يرد ما قد يرد عليه على ذلك التقدير من ان التماثيل مغايرة للممثلات وإطلاقها عليها نوع من المجاز وهو خلاف الظاهر ويناسب هذا من النثر قولهم هذا لا يكون حتى يجتمع النصب والنون ومن الشعر قول الشاعر:
ايها المنكح الثريا سهيلا |
عمرك الله كيف يجتمعان |
|
هي شامية إذا ما استقلت |
وسهيل إذا استقل يمان |
ويحتمل كون النبات بتقديم النون على الباء وهو يفيد البعد إذا النبات الذي في الماء لا يصل اليه الظبا بل هي أبعد رحما منه لاختلافهما في الجنسية ويبقى لفظ الرحم مجازا وأما نسخة الظنا بالنون فلا يظهر لها وجه مناسب ويقرب انها تصحيف والأولى هي الصحيحة والله تعالى أعلم.
فائدة (٢٠)
في عيون الاخبار عن الرضاعليهالسلام بعد الاحتجاج على سليمان المروزي في ان الإرادة حادثة وانها ليست عين ذاته تعالى يقول الرضاعليهالسلام يا سليمان هل يعلم ان إنسانا يكون ولا يريدان يخلق إنسانا أبدا وان إنسانا يموت اليوم ولا يريد ان يموت اليوم؟ قال سليمان نعم قال الرضاعليهالسلام فيعلم انه يكون ما يريد أن يكون، أو يعلم انه يكون ما لا يريد أن يكون قال: يعلم انهما يكونان جميعا قال الرضا (ع) إذا يعلم ان إنسانا حي ميت قائم قاعد أعمى بصير في حالة واحدة وهذا هو المحال قال جعلت فداك فإنه يعلم انه يكون أحدهما دون الأخر قال: لا بأس فأيهما يكون الذي أراد ان يكون أو الذي لم يرد أن يكون قال سليمان الذي أراد ان يكون فضحك الرضا (ع) والمأمون وأهل المقالات الحديث(١) .
أقول: هذه العبارة تحتمل وجهين أحدهما: ان يكون غلطا من سليمان وتحيرا منه في الأجوبة فإن هذا الحديث يتضمن كثيرا منه من هذا القبيل مع انه كان متكلم خراسان وأحضره المأمون طمعا في أن يقطع الرضا (ع) في الاحتجاج ويظهر جهله وعجزه فظهر من سليمان ما هو عجيب من الجهل والعجز والتحير والرجوع عن مذاهبه والتمسك بأشياء ضعيفة واهية وله وجهان أحدهما: هيبة الامام
__________________
(١) عيون الاخبار ج ١صلىاللهعليهوآله ١٨٩
عليهالسلام وذلك من كراماتهم ومعجزاتهم كما اتفق لهشام بن الحكم مع الصادق (ع) رواه الكشي وغيره.
وثانيهما: ما أشار إليه الأئمةعليهمالسلام من قولهم ما قام حق قط بإزاء باطل الأغلب الحق الباطل وذلك قوله تعالى:( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ) وعنهمعليهمالسلام في قوله تعالى:( إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) نحو ذلك وان النصرة في الدنيا بالحجة على الخصوم وعلى هذا يكون الرضاعليهالسلام سأله هل يتعلق العلم بإيجاد شيء ولا تتعلق الإرادة بإيجاده أصلا فقال سليمان نعم وهذا غلط من سليمان فيتعين من الامام (ع) بيان هذا الغلط له وللحاضرين ولا قصور فيه كما قد ظن فإن إظهار غلط الخصم المبطل لا ينافي الحكمة بوجه بل هو من مقتضاها
وقوله (ع) فإنه يكون ما يريد إلخ أي هل يتعلق العلم بوجود ما تعلقت الإرادة بوجوده أو بغيره فأجاب سليمان بان العلم يتعلق بوجود القسمين معا وظاهر هذا انه غلط من سليمان وتحير فلهذا الزمه الرضا (ع) بجواز تعلق العلم باجتماع النقيضين وهو محال فرجع سليمان عنه وهو انه يكون أحدهما وهو ما تعلقت به الإرادة خاصة فضحك الحاضرون من غلطه ورجوعه وتحيره.
والثاني: أن يكون المراد بالسؤال الأول هنا هل يتعلق العلم في الحال بما لا تتعلق الإرادة به في الحال بل في الاستقبال فيكون المراد بقوله ولا يريد أن يخلق إنسانا أبدا أي في هذا الوقت وفي مدة طويلة بعده لا دائما فيكون التأبيد بمعنى الزمان الطويل كما قالوه في تأويل ما احتج به اليهود من الرواية التي نسبوها الى موسى (ع) تمسكوا بالسبت ابدا.
واحتجوا بما ورد في التورية من إطلاق التأبيد على ذلك في استخدام العبد أو بمعنى آخر على وجه المجاز ومن القرائن على ذلك قوله ولا يريد ان يموت اليوم فان ظاهره انه يريد أن يموت في وقت آخر فيكون جواب سليمان صحيحا ويكون غرض الامام (ع) والله اعلم أن يقرره بان العلم يتعلق قبل تعلق الإرادة
فتكون الإرادة غير العلم وتكون من صفات الفعل لا من صفات الذات وعلى هذا فجواب سليمان الثاني غلط ويكون السؤال الثاني لأجل إثبات ان الإرادة من صفات الفعل من حيث ان العلم يتعلق بوجود الشيء الذي تتعلق الإرادة به لا بغير ما يتعلق بوجوده.
وهكذا كان ينبغي ان يكون جواب سليمان فلما صرح بتعلقه بالقسمين الزمه ما لزمه ولا يجوز حمل السؤال على انه عام في أفعال الله وأفعال العباد والا لكان إلزام الإمام له غير لازم مع ان العموم بعيد جدا عن السؤال بل لا وجه له والله أعلم.
فائدة (٢١)
في باب ما يعاين المؤمن والكافر من الكافي حديث يقول فيه الامام هلكت المحاضرون ونجا المقربون.(١)
أقول: في الصحاح: الحضر بالضم العدو وفرس محضير ومحضار كثير العدو الحاضر الحي العظيم يقال حاضر طي أو هو جمع كسامر للمسمار وحاج للحجاج الحاضر المقيم ويقال على الماء حاضر وقوم حضار إذا حضروا المياه محاضر قال لبيد وعلى المياه محاضر خيام وحاضرته جاثيته عند السلطان وهو كالمغالبة والمكاثرة وقال قبل ذلك في الصاد المهملة حصره ضيق عليه وأحاط به يقال حصره العدو والحصر الضيق البخيل والحصير الملك لأنه محجوب والحصر العي وضيق الصدر أيضا والبخل والامتناع.
أقول: الحديث فيه ذكر لخروج صاحب الأمرعليهالسلام وفي ذلك المقام أورد هذا الكلام وفي بعض كتب الحديث بالصاد المهملة وفي الكافي النسخ التي حضرت الآن بالضاد المعجمة.
فعلى الأول معناه هلك المستعجلون في غيبة المهدىعليهالسلام التاركون للتسليم والصبر وانتظار الفرج ونجا المقربون المسلمون لأمر الله الصابرون لحكم
__________________
(١) في المطبوع عندنا: هلكت المحاضير ونجى المقربون ج ٣صلىاللهعليهوآله ١٣٢.
الله وعلى هذا فالهلاك بمعنى حرمان الثواب واستحقاق العقاب بترك الصبر والتسليم الواجبين.
وعلى الثاني فالمعنى هلك أكثر الأحياء والقبائل لكثرة الشك والشكاك منهم في أمر القائم (ع) أو لكثرة ما يقتل منهم أصحاب المهدىعليهالسلام ونجا المقربون منهم.
وعلى الثالث المعنى هلك أكثر الحاضرين في ذلك الوقت.
وعلى الرابع هلك الذين يكاثرون الامام ويغالبونه ويحاربونه.
وعلى الخامس فالمعنى كالأول.
وعلى السادس قريب من الثاني وعلى المعنى الأخيرة قريب من السابعة فتدبر والله أعلم.
فائدة (٢٢)
روى انكم تلقنون موتاكم عند الموت لا إله إلا الله.(١)
أقول: يحتمل كونه خطابا لأهل مكة(٢) فإنهم يقولون عند الجنازة لا إله إلا الله فقط فكان المراد بالتلقين ذكر ذلك عنده لحضور الروح فوق السرير حينئذ كما روى وقوله ونحن إلخ يكون إشارة الى أهل المدينة بمعنى انهم يلقنون موتاهم لا إله إلا الله محمد رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
ويحتمل كون الكلام على هذا خبرا على ظاهره فيفيد التقرير بمعنى ان كل واحد من الأمرين جائز فالأول أقل المجزى في الفضيلة والثاني أفضل.
ويحتمل كونه على وجه الإنكار على المقتصرين على التهليل ويمكن ان يريد ان أهل المدينة يلقنون الشهادة بالرسالة فقط اما لكونه متضمنة للشهادة بالوحدانية أو لأنهم لا يعتريهم عنها ذهول عند السؤال ولا ينافي ذلك ما ورد من الأمر بتلقين أسماء الأئمةعليهمالسلام للاستحباب فيجوز ترك الكل فكيف البعض، والاقتصار على الشهادتين أو إحديهما اما لبيان الجواز والنص على نفى الوجوب كما قلناه أو لمراعاة التقية أو لأن الشهادة بالنبوة تستلزم الشهادة بالإمامة لأنها تستتبع الشهادة بأوصياء النبيصلىاللهعليهوآله .
__________________
(١) الكافي ج ٣صلىاللهعليهوآله ١٢٢.
(٢) لبعض أهل مكة خ ل.
ويحتمل كون الحديث خطابا للعامة بمعنى انهم وان لقنوا موتاهم الشهادتين الا ان شهادتهم بالنبوة بمنزلة العدم لما تقدم بل لا يشهد بها كما ينبغي الا الخاصة فكان العامة يلقنون موتاهم لا إله إلا الله وحدها.
ويحتمل كونه خطابا للشيعة يعنى انكم تلقنون موتاكم الوحدانية والنبوة والولاية وتختمونه بلا إله إلا الله كما روى لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فان من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة.(١) يعني إنكم تلقنون موتاكم لا إله إلا الله في أول التلقين وآخره وتكثرون من تلقينها وتؤكّدونها بالتكرار وفيه ما فيه وانما جوزنا الترديدات السابقة لجهالة حال الراوي وبلده والله أعلم.
__________________
(١) الوسائل باب استحباب تلقين المحتضرصلىاللهعليهوآله ١٢٥.
فائدة (٢٣)
في تفسير القاضي( وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ) أي إذا بلغوا، واليتامى جمع يتيم وهو من مات أبوه من اليتم وهو الانفراد ومنه الدرة اليتيمة وهو اما على انه لما اجرى مجرى الأسماء كفارس وصاحب جمع على يتائم ثم قلب فقيل يتامى أو انه جمع على يتمى كأسرى لأنه من باب الآفات ثم جمع على يتامى كأسرى وأسارى(١) .
أقول ومحل السؤال والاشكال قوله: لأنه من باب الآفات ووجهه ان التتبع قاضٍ بان ما كان على وزن فعيل يجمع على فعلى بفتح ألفا وسكون العين لكن لا يجمع على هذا الوزن الّا بشرطين أن يكون متضمنا للآفات والمكاره وغير منتقل إلى الاسمية فلا يجمع نحو حميد على حمدي لفوت الشرط الأول ولا ذبيح على ذبحي لفوت الثاني إذ ليس بمعنى المذبوح بل هو مختص بما بعد الذبح من الغنم فنقل إلى الاسمية وفي الحقيقة الأول شرط والثاني مانع فاذا حصل الشرط وانتفى المانع جمع فعيل على فعلى إذا كان بمعنى مفعول وإذا كان بمعنى فاعل فقد يحمل عليه من المشابهة في المعنى فيجمع مثله وذلك كثير من المقسمين لكن يفهم من معنى سائر أمثلة الآفات والمكاره كجريح وجرحى وقتيل وقتلى وأسير واسرى
__________________
(١) أنوار التنزيل ج ٢صلىاللهعليهوآله ٦٤ ط بيروت
ومريض ومرضى وشتيت وشتى وغريق وغرقى وغير ذلك وقد أشار الى ذلك بعض المحققين.
ولا يعترض بان فعلى في جمع يتيم غير مستعمل لان له نظائر كثيرة من الجموع النادرة الاستعمال بل المهجورة ولا بان اليتيم ليس من الآفات المختصة بالموصوف بفعيل إذ هي واقعة بغيره لأنه يمكن باعتبار ذلك فيه ويجوز وصفه بحصول الآفة له باعتبار ذلك قطعا ولم يثبت الاختصاص بذلك المعنى من الاختصاص على ان اعتبار الحمل ممكن للمشاركة العنوية فقد حملوا كثيرا على المشابه معنى في الأحكام بل على الأضداد كما تقرر في محله.
وأيضا فليس الوزن مختصا بالآفات بل شامل للمكاره كما مر وقد صرحوا به فيمكن كون القاضي أشار الى الباب بذكر الآفات وجعلها كالعنوان اختصارا لظهور الحال أو تغليبا لأحد القسمين على الآخر.
ويمكن أن يقال بعدم الاحتياج الى هذا التوجيه وان الجمع بين اللفظين هناك لأجل الاستظهار في شمول الإفراد ليدخل ما يمكن المنازعة في دخوله في مفهوم الآفات وقوله إذا بلغوا من جملة الاحتمالات.
وقد ذكر بعض المفسرين وجها آخر أقرب وهو أن الخطاب للأوصياء اليتامى اى أعطوهم أموالهم بالإنفاق عليهم في حال الصغر وبالتسليم إليهم عند بلوغهم ورشدهم ووجه الأقربية ان المفهوم كون الخطاب لمن له أهلية الإيتاء كالوصي ومن كان له أهلية القبض والإيتاء كان له أهلية الإنفاق الا نادرا وربما يرد عليه انه أعم من الأوصياء أيضا لشموله سائر الأولياء شرعا.
ويمكن أن يجيب القائل به ان المدعى نزولها في الأوصياء وحكم غيرهم مستفاد من غيرها وتسميتهم يتامى بعد البلوغ مجاز وتوسع لقولهعليهالسلام لا يتم بعد احتلام ونظيره قولهم للنبيصلىاللهعليهوآله يتيم ابى طالب لأنه كان ربّاه فاستعملوه بعد بلوغه وقوله تعالى:( وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ) اى الذين كانوا سحرة ومثله كثير بل
استعمال المشتق بمعنى الحال والماضي حقيقة فلا اشكال.
والحاصل ان الأول أعم بالنسبة إلى فاعل الإيتاء والثاني أعم بالنسبة إلى أوقاته مع انه لا يظهر مانع من الجمع بينهما فان اللفظ محتمل والعمل بالعام والمطلق متعين حتى يثبت المخصص والمقيد فيحكم بالتقييد والتخصيص وليس هذا من قسم احداث قول ثالث كما هو ظاهر ولو سلم لم يلزم منه رفع ما أجمعوا عليه.
[ ولو سلم فلا دليل على امتناعه ] وهذا بيان للاحتمالات ومما شاة للقاضي في اعتقاده والا فعندنا لا يمكن الجزم بتعيين مراد اللهعزوجل بغير نص من الراسخين في العلمعليهمالسلام .
فائدة (٢٤)
في تفسير القاضي أيضا(١) ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) نهى للأولياء عن أن يؤتوا الذين لأرشد لهم أموالهم فيضيعوها وانما أضاف الأموال إلى الأولياء لأنها في تصرفهم وتحت ولايتهم وهو الملائم للآيات المتقدمة والمتأخرة وقيل نهى لكل أحد أن يعمد الى ما خول الله من المال فيعطى امرأته وأولاده ثم ينظر إلى أيديهم وانما سمّاهم سفهاء استخفافا بعقلهم واستهجانالجعلهم قواما على أنفسهم وهوالحق وموافق لقوله( الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً ) .
أقول: الإشكال في قوله نهى لكل أحد وقوله فيعطى امرأته وأولاده فإنه ينافي العموم فلا يكون كل أحد منهيا عن إيتاء السفهاء فإنه لو كان كل أحد فاعلا لم يبق مفعول يتعلق به الفعل وحل الاشكال من وجهين.
أحدهما: ان يكون مراده كل أحد غير النساء والأولاد من حيث انهم أزواج أو آباء فان الأولاد إذا كانوا أزواجا أو آباء كانوا منهيين من تلك الحيثية وقرينة سياق الكلام يدل على ذلك إذ لا ريب أن الإيتاء لا بد له من فاعل ومفعول بل مفعولين وفي هذا الوجه فسر المنهي والسفهاء وادعى العموم في الأول فوجب حمله على ما عدا الثاني ليكون المنهي صنفا من الناس والمفعول الأول صنفا منهم.
والثاني الأموال وبتقرير آخر [ يقول ] يفهم منه انه أراد العموم بمعنى نهى كل
__________________
(١) أنوار التنزيل للبيضاوى ج ٢ ص ٦٨ ط بيروت.
أحد له زوجة أو ولد أوهما عن الإيتاء فلا يدخل الزوجة إذ لا يمكن أن يفرض لها زوجة ولا الولد من حيث كونه كذا وكله واضح.
وثانيهما: أن يكون المراد العموم في كل أحد من المكلفين باعتبار كل فرد فكل واحد سفيها كان أو غير سفيه منهي عن إيتاء ماله سفيها آخر لأنه لا يتصور إيتاء الإنسان نفسه مع ان له وجها أيضا باعتبار الحجر عليه ومنعه من الإنفاق فكل واحد من غير السفهاء منهي عن إيتاء ماله كل واحد من السفهاء وكل سفيه منهي عن إيتاء ماله السفهاء ومنهي عن إيتائه المال والاختلاف والمغايرة بين الفاعل والمفعول بحسب الاعتبار في الصورة الثانية والحكمان ثابتان لكل سفيه ولا منافاة لما ذكرنا وهذا يتم من حيث ان الحكم على المرأة ليس من حيث كونها زوجة لفاعل الإيتاء بل من حيث كونها ضعيفة العقل كما صرح به فيتصور كونها منهية عن إيتاء امرأة أخرى أو ولدا وكذا الولد لم يثبت له الحكم من حيث كونه ولدا بل من حيث عدم أهلية الولاية على أبيه فيمكن كونه منهيا عن إيتاء ولده وعن إيتاء النساء وكل من خرج عن الأهلية ولا قصور في تناول المنهي للسفهاء وغيرهم لما مر.
ونظير العبارة السابقة قوله تعالى:( زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ ) (١) فان الناس يفيد العموم فيرد الاشكال السابق في النساء والبنين لدخولهم أولا إذا الناس بمعنى كل إنسان وهو مثل قوله كل أحد فلا بد من أحد التوجيهين أو نحوها ويحتاج التقرير إلى مغايرة ما، وقد نقل الطبرسي عن جماعة من المفسرين ان السفهاء النساء والصبيان قال ورواه أبو الجارود عن ابى جعفرعليهالسلام وعن بعضهم ان المراد النساء خاصة وعن بعضهم انه عام في كل سفيه من صبي أو مجنون أو محجور عليه للتبذير قال: وقريب منها روى عن ابى عبد اللهعليهالسلام قال: السفيه شارب الخمر ومن جرى مجراه(٢) قال الطبرسي: وهذا القول أولى لعمومه انتهى.
__________________
(١) آل عمران ١٣
(٢) مجمع البيان ج ٣ ص ٥ - ٦
وأقول: الوجه الأول يؤيد ما ذكرناه أخيرا في الجملة والخلاف في اشتراط الصغر إذ هو الذي يفهم من الصبيان دون الأولاد.
وقد استشكل السائل هذه العبارة من وجه آخر فقال: الظاهر منها ان الذي يعمد الى ما خوله الله من المال هو المسمى بالسفيه ويدل عليه قوله واستهجانا لجعلهم فيكون السفهاء الأزواج والآية تدل على انهم غيرهم والنهى متعلق بهم.
والحاصل ان قول صاحب القيل يدل على ان السفيه الباذل والآية يدل على انه هو المبذول اليه فأجبته بأن [ في ] كون الظاهر هو هذا بعدا، ولو سلم نقول الظاهر هنا غير مراد لمنافاته لأول الكلام وآخره وللآية إذا الغرض تفسير من توجه إليه النهى وتفسير السفهاء والفعل الصادر عن المنهي مستهجن باعتبار تعلقه بالسفهاء ولولاه ما توجه إليه النهى.
وبالجملة الحمل على خلاف الظاهر متعين مع قرينة وصارف عن الظاهر أو نقول هذا القول غير سديد أو غير خال من التعقيد على ان الظاهر الذي يمكن فهمه هو ما ذكرناه سابقا وذلك ان قوله وقيل هو نهى لكل أحد أن يعمد الى ما خوله الله من المال فيعطى امرأته وأولاده صريح في ان كل أحد هو المنهي وان المرأة وأولادهم السفهاء وان مفعول الإعطاء هو السفيه لا فاعله وقول القابل لا يدل على ان الباذل هو السفيه لوجه من الوجوه.
ويدل على ما قلناه صريحا قوله: وانما سماهم سفهاء استخفافا بعقلهم فإنه بيان لعلة السفه في النساء بل والأولاد أيضا وعلى الأول: فالتذكير باعتبار كونهم سفهاء وعلى الثاني. تغليبا كأمثاله وقوله واستهجانا لجعلهم لا ينافيه إذا الملاحظة في السفه حال المجعولين لا حال الجاعلين وكله ظاهر واضح والله أعلم.
فائدة (٢٥)
حديث من عرف نفسه فقد عرف ربه(١) قد خطر ببالي وجوه اثنى عشر وقد ذكر العلماء بعضها.
الأول: انه لما حركت النفس البدن والروح الجسد لزم من معرفة ذلك له معرفة أن للعالم مدبرا وللسكون محركا فمعرفة النفس من جملة الأدلة الموصولة إلى معرفة الرب.
الثاني: ان من عرف ان نفسه واحدة وانها لو كانت اثنتين لا مكن التعارض والممانعة عرف ان الرب واحد و( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا ) .
الثالث: من عرف ان النفس تحرك بالجسد بإرادتها علم انه لا بد للعالم من محرك مختار للقطع بوجوب كمال الخالق وتنزهه عن النقص وللعلم بامتناع الحركة والتأثير ممن عدمت نفسه وفارقت بدنه.
الرابع: من عرف انه لا يخفى على النفس أحوال الجسد علم انه لا يعزب عن الباري مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء لامتناع علم المخلوق وجهل الخالق تعالى.
الخامس: من عرف ان النفس ليست إلى شيء من الجسد أقرب منها إلى
__________________
(١) أخرجه أيضا المحدث القمي ره في السفينة ج ٢ ص ٦٠٣ والسيد عبد الله الشبر في مصابيح الأنوار ص ٢٠٤ ج - ١
شيء منه علم ان نسبة الأشياء كلها الى قدرة الله تعالى وعلمه على السواء.
السادس: من عرف ان النفس موجودة قبل البدن باقية بعده عرف ان ربه كان موجودا قبل المخلوقات وهو باق بعدها لم يزل ولا يزال.
السابع، من عرف ان نفسه لا يعرف كنه ذاتها وحقيقتها عرف ان ربه كذلك بطريق اولى.
الثامن: من عرف انه نفسه لا يعرف لها مكان ولا يعلم لها اينية عرف ان ربه منزه عن المكان والاينية.
التاسع: من عرف ان النفس لا تحس ولا تمس ولا تدرك بالحواس الظاهر عرف ان الله سبحانه كذلك.
العاشر: من عرف نفسه علم انه أمارة بالسوء فاشتغل بمجاهدتها وبعبادة ربه ومن عبد الله وأطاعه كانت معرفته صحيحة ومن عصاه فكأنه لم يعرفه إذ لم ينتفع بمعرفته فهو أسوأ حالا ممن لم يعرفه فكأنه قال من عرف نفسه جاهده وعبد ربه ومن عبده فقد عرفه حق المعرفة وحصل له ثمرة العلم به وهذا ما خطر بخاطري ولم يذكره أحد فيما اعلم.
الحادي عشر: من عرف نفسه بصفات النقص عرف ربه بصفات الكمال إذ النقص دل على الحدوث فيلزم ملازمة الكمال المقدم.
الثانى عشر: انه علق محالا على محال اى كما لا يمكن معرفة حقيقة النفس كذلك لا يمكن معرفة حقيقة الرب فيجب ان يوصف بما وصف نفسه تعالى والله أعلم.
فائدة (٢٦)
في الحديث القدسي ما تقرب الى عبدي ( عبد من عبادي - خ ) بشيء أحب الى مما افترضت عليه وانه ليتقرب الى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها ان دعاني أجبته وان سألني أعطيته.(١)
أقول: هذا له عدة معان صحيحة يمكن حمله على كل منها.
الأول: ان يراد ان العبد إذا فعل ذلك أدركه الله تعالى بلطفه الزائد وعنايته الشاملة بحيث لا ينظر الى غير ما يرضى الله ولا يستمع الى غير ما فيه رضاه ولا ينطق ولا يبطش على نحو ذلك ذكر هذا بعض مشايخنا.
الثاني: أن يكون المعنى من أحببته كنت ناصره ومؤيده ومعينة ومسدده والدافع عنه كسمعه وبصره ولسانه ويده.
الثالث: ان يكون المعنى فإذا أحببته أحبني وأطاعني فكنت عنده بمنزلة سمعه وبصره ولسانه ويده في المحبة والاحترام والعزة والإكرام وهذا شائع فكثيرا ما يقال في الشيء المحبوب هو أحب الى وأعز عندي من سمعي وبصري. قال السيد الرضى وان لم يكن عندي كسمعي وناظري فلا نظرت عيني ولا سمعت أذنى ومثله كثير جدا
__________________
(١) الوسائل ج ١ ص ٢٢١.
الرابع: أن يكون المعنى إذا فعل ذلك أحببته ووفقته فصار لا يستعين الابى ولا يعول في المأمول والمحذور الا على كما ان من دهمه أمر مشكل استعان بسمعه وبصره وغيرهما وفي تمام الكلام اشعار بذلك وهذا قريب من الثاني وبينهما فرق لا يخفى.
الخامس: أن يكون المعنى كنت بمنزلة سمعه وبصره ولسانه ويده في الحضور عنده والقرب منه وعدم التأخر عن مراده والبعد عنه من غير إرادة الحقيقة من الحضور في القرب بل بمعنى العلم والاطلاع والقدرة والإحسان ونحو ذلك مثله في الكتاب والسنة كثير من الألفاظ التي يتعذر حملها على حقائقها في هذا المقام وأما ما فهمه الصوفية من مثله وحملوه على الحلول والاتحاد فقد صرح العلامة وسائر علمائنا بأنه كفر والأحاديث المتواترة عن أئمتناعليهمالسلام دالة على ما قالوه والله أعلم.
فائدة (٢٧)
في الكافي في آخر باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن عن على بن أبي حمزة عن ابى بصير عن ابى جعفر ( عليهالسلام ) قال قلت له إذا قرأت القرآن فرفعت صوتي جاءني الشيطان فقال إنما ترائي بهذا أهلك والناس فقال يا أبا محمد اقرأ قراءة بين القرائتين تسمع أهلك ورجّع بالقرآن صوتك فان الله يحب الصوت الحسن يرجع به ترجيعا(١) .
أقول: الاستدلال بهذا على جواز قسم من الغنا باطل لا وجه له وذلك من وجوه اثنى عشر.
الأول: انه ضعيف لمعارضته للقران في عدة آيات وردت الأحاديث الصحيحة عن الأئمةعليهمالسلام بأنها نزلت في الغناء وانه هو المراد منها نحو قوله تعالى:( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) ويظهر منها أنه من الكبائر ووقع التصريح به في الحديث والجزم به من جماعة من علمائنا وكذا قوله تعالى:( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) وقوله( وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ) فقد روى عدة أحاديث في ان المراد بلهو الحديث وقول الزور هو الغنا.
فان قيل: الآيات مطلقة يجوز تخصيصها بغير القرآن بدلالة هذا الحديث.
__________________
(١) الكافي ج ٢ ص ٦١٦
قلت: انه لا يصلح لتقييد القرآن والخروج عن الأدلة الآتية وغيرها وإثبات الأحكام الشرعية لأنه غير صحيح السند ولا صريح الدلالة ولا سالم من المعارضة بما هو أقوى منه عموما وخصوصا فلا يتم الاحتجاج به على مذهب الأصوليين ولا الأخباريين.
الثاني: انه ضعيف أيضا لمعارضته للسنة المطهرة المنقولة عن النبي والأئمةعليهمالسلام في أحاديث كثيرة متواترة معنى صريحة في تحريم الغناء وقد اعتبرتها في جميع كتب الحديث التي عندي فوجدتها تقارب ثلاثمائة حديث وردت بلفظ الغناء وبألفاظ أخر يوافق معناه ولا ريب في تجاوزها حد التواتر فلا يجوز العدول عن الأحاديث الصحيحة المتواترة إلى الأحاديث الشاذة النادرة فكيف الى حديث واحد عرفت بعض ما فيه من الضعف ويأتي جملة أخرى من ذلك ان شاء الله تعالى الثالث: انه ضعيف أيضا لضعف سنده فلا يعارض الأحاديث الصحيحة السند وهذا مستقيم على مذهب الأصوليين مطلقا وعلى مذهب الأخباريين عند التعارض كما هنا إذ من جملة المرجحات عدالة الراوي كما أمر به الأئمةعليهمالسلام ولو كان القسمان محفوفين بالقرائن وكيف يعدل عن أحاديث الثقات الإثبات إلى حديث يرويه مثل على بن أبي حمزة البطائني الذي ضعفه علماء الرجال وذكروا أنه أحد عمد الواقفة وانه كذاب متهم ملعون وانه لا يجوز ان تروى أحاديث وانه أصل الوقف وأشد الخلق عداوة للولي بعد أبي إبراهيمعليهالسلام .
وروى الكشي عن الثقات أحاديث كثيرة في مذمته وكذا رواه الشيخ في كتاب الغيبة وابن بابويه في كتاب كمال الدين وغيرهما ولا ريب عند أحد من أهل الممارسة لكتب الرجال والحديث أن على بن أبي حمزة الراوي هنا هو البطائى وهو قائد أبي بصير يحيى بن القاسم أو ابن ابى القاسم وأبو بصير هذا هو الراوي في هذا السند وهو ان وثقه النجاشي وحده الا انه واقفي فقد ورد في الواقفة على العموم ما يطول ذكره.
الرابع: انه ضعيف أيضا لمخالفته لإجماع الشيعة على تحريم الغنا بل ولإجماع الأئمةعليهمالسلام فان دخول المعصوم هنا معلوم بالنصوص الكثيرة المشار إليها عنهمعليهمالسلام وقد صرحوا بعموم التحريم لما كان في الأذان والقرآن والشعر وغير ذلك ولا يظهر منهم مخالف أصلا بل صرح به الجميع.
وممن صرح بنقل الإجماع على التحريم، هنا الشيخ في الخلاف والعلامة وابن إدريس وغيرهم من المتقدمين ونقلوا القول بالتحريم أيضا عن أكثر الصحابة.
الخامس: انه ضعيف أيضا لمخالفته لعمل الطائفة المحقة كما أشرنا اليه وموافقته لمذهب العامة فيجب حمله على التقية والعمل بما يعارضه كما أمر به الأئمةعليهمالسلام في أحاديث كثيرة في أماكنها مذكورة بل هذا أقوى وجوه الترجيح لان سبب اختلاف الأحاديث هو ضرورة التقية في أكثر مواضعه ان لم يكن كلها وقد نقلوا القول بإباحة الغنا عن معاوية والمغيرة بن شعبة وابن الزبير وعبد الله بن جعفر ويزيد بن معاوية وأمثالهم وكان ذلك بعد من مطاعن معاوية ومن وافقه.
قال ابن الحديد في شرح نهج البلاغة ما ينسب الى معاوية من شرب الخمر سرا لم يثبت الا انه لا خلاف في انه كان يسمع الغناء.
وفي بعض كتب التواريخ ان عمرو بن عاص وأمثاله كانوا يعيرون عبد الله بن جعفر بإباحة الغنا.
ونقل الشيخ في الخلاف عن أبي حنيفة ومالك والشافعي كراهة الغنا وعدم تحريمه.
وحكى بعضهم عن مالك إباحته بغير كراهة.
وحكى أبو حامد الأسفرائني عن فقهاء الشافعية إجماعهم عن إباحته ونقل الإباحة عن جماعة آخر منهم والأحاديث عن أئمتناعليهمالسلام متواترة لوجوب مخالفة العامة عند اختلاف الاخبار بل كثير من تلك الروايات صريح في كل مسئلة لم يعرف الإنسان فيها نصا.
السادس: انه ضعيف أيضا لاحتماله التأويل وعدم احتمال معارضه له لكثرة النصوص وكونها صريحة مشتملة على عبارات شتى وأنواع من التأكيد مما لا سبيل إلى تأويله ولا ريب في وجوب العمل بالنص الصحيح الصريح وتأويل ما يعارضه فكيف إذا تأيد بالوجوه السابقة والاتية ويأتي له تأويلات متعددة إن شاء الله تعالى وقد تقرر انه إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال والاحتمال هنا راجح مع ان المساوي كاف في هذا المقام.
السابع: انه ضعيف أيضا لمخالفته للاحتياط وموافقة معارضه له.
الثامن: انه ضعيف أيضا لمخالفته للأصل فإنه يقتضي عدم التخصيص والتقييد وإبقاء العموم على حاله ولا ريب في وجوب العمل بالعام والمطلق حتى يتحقق التخصيص والتقييد ولم يتحقق هنا لكثرة الاحتمالات والتأويلات الاتية لهذا الحديث.
فان قلت: هذا موافق للأصل الدال على الإباحة ولم يتحقق ما يعارضه لإمكان حمل العام على الخاص بل وجوبه.
قلت: هذا موافق للأصل الدال على الإباحة ولم يتحقق ما يعارضه لإمكان حمل العام على الخاص بل وجوبه.
قلت: هذا ساقط وذلك ان الأصل على تقدير تسليمه والاعتراف بحجيته قد تحقق النقل عنه وارتفاعه هنا قطعا بالأدلة الصحيحة العامة والخاصة من الكتاب والسنة لمعارضة هذا الخبر وقد عرفت جملة من ذلك.
وبعد هذا نقول قد ثبت الدليل العام فيجب العمل به الى أن يتحقق المخصص وهذا الحديث لم يثبت في نفسه بحيث يصلح لإثبات حكم شرعي ولا يقاوم معارضة الخاص والعام ولا تصريح فيه كما يأتي ان شاء الله تعالى.
التاسع: انه ضعيف لمخالفته للقاعدة المعلومة من وجوب الحمل على الحقيقة وهذا يستلزم الصرف عنها واستعمال العام في الخصوص فيلزم ارادة المجاز من جميع أحاديث الغنا وأدلته بناء على ما هو الأصح من ان لفظ العام حقيقة في العموم مجاز في الخصوص وهذا المجاز لا قرينة له.
العاشر: انه ضعيف أيضا لمخالفته لضرورة المذهب فان تحريم الغنا من
ضروريات مذهب الإمامية كما عرفت وعرف كل موافق للإمامية أو مخالف لهم
الحادي عشر: انه ضعيف أيضا لمخالفته للدليل الخاص الصريح في معارضته كما رواه الكليني ره في هذا الباب قبل هذا الحديث بإسناده عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله أقروا القرآن بألحان العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسق والكبائر فإنه سيأتي من بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغنا لا يجوز تراقيهم قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبهم شأنه.(١)
ورواه الطبرسي أيضا في مجمع البيان والشيخ بهاء الدين في الكشكول وغيرهم وفي معناه أحاديث أخر ذكرنا بعضها في كتاب وسائل الشيعة فهذا صريح كما ترى في تحقق الغنا في القرآن كما صرح به الأصحاب ويدل على تحريمه في القرآن وغيره دلالة واضحة مشتملة على ضروب من التأكيد وعلى تفسيره بالترجيع المطرب أو مطلقا على جعل اضافة ترجيع الغنا بيانية وبذلك فسره علماؤنا فإنهم أجمعوا ان ما اشتمل على الترجيع المطرب غناء محرم واختلفوا في مجرد الترجيع كما يأتي ان شاء الله.
الثاني عشر: انه ضعيف أيضا لمخالفته لمجموع ما تقدم من الأدلة والوجوه السابقة وبعضها كاف لمن يغلب عليه الهوى وتقليد السادات والكبراء وحب الشهوات والدنيا فكيف إذا اجتمع الجميع فظهر ان أكثر أدلة أحكام الشرعية بل كلها دالة على تحريم الغنا وعلى تضعيف هذا الحديث ان حمل على ظاهره.
واعلم أن إيراد الكليني له لا قصور فيه بوجه وان ذكر في أول كتابه ان أحاديثه صحيحة فإن مراده ثبوت مضمونها بالقرائن وثبوت نقل المضمون عن المعصوم لا يوجب العمل بظاهره مع وجود معارضه على انه قد أورد في هذا الباب ما هو صريح في معارضته وأورد في باب الغنا ما يزيل عن سامعه كل شك وشبهة وهذا الحديث أورده في آخر الباب كما هي عادتهم في تأخير الأحاديث المنافية لما هو
__________________
(١) مستدرك الوسائل ج ١ ص ٢٩٥.
مقرر معلوم ولهذا نظائر كثيرة في الكافي وغيره حتى في مثل أحاديث الجبر والتشبيه وأحاديث التقية على كثرتها مع ان الأصوليين لا يحكمون بصحة أحاديث الكافي(١) ولا يقلدونه في شهادته وبطريقة الأخباريين أيضا لا يمكن الاحتجاج بهذا لان ما عارضة أقوى منه فهو ضعيف عندهم وان يثبت بالقرائن والله اعلم.
ومن أعجب العجب ان الفاضل الأردبيلي في شرح الإرشاد(٢) اعتمد في تحريم الغنا على الإجماع وذكر انه لولاه لما جزم بتحريمه وادعى ضعف الاخبار ونقل يسيرا من الاخبار واكتفى بما وجد في كتب الاستدلال وببعض أحاديث التهذيب وذكر انه لم يجد حديثا صحيحا يستدل به وغفل عن تواترها بل تجاوزها حد التواتر فقد ذكروا ان التواتر ليس له عدد خاض وأنكروا على من اشترط فيه نقل خمسة فصاعدا وذكروا انه قد يتحقق بما دونها وغفل عن أحاديث الكافي وسائر كتب الحديث الموجودة الإن وهي تزيد على مائة كتاب ولعل عذره تشتت الاخبار وتباعد أماكنها وعدم استحضاره لها وعدم إمكان ضبطها ويظهر لي ان عذره في عدم الرجوع الى أحاديث الكافي مع صحة أسانيد جملة منها باصطلاح المتأخرين ان المسئلة مذكورة في كتب الفقه وفي التهذيب في كتاب التجارة وباب الغنا في الكافي في آخر كتاب الأطعمة والأشربة فلذلك غفل عنه.
إذا عرفت هذا وظهر لك تحريم الغنا في جميع صوره عدا ما استنى بدليل خاص بل عرفت تحريمه في خصوص هذه الصورة بما مر من الأدلة وغيرها وجب تأويل الحديث المسئول عنه وتعين حرفه عن ظاهره لعدم إمكان العمل به من غير تأويل وذلك ممكن من وجوه اثنى عشر.
الأول: الحمل على التقية لأنه موافق لمذهب أكثر العامة وقد تقدم ذلك وعرفت انه أقوى أسباب الترجيح في الأحاديث المختلفة.
الثاني: أن يكون المراد بالترجيع مجرد رفع الصوت من غير أن يصل الى
__________________
(١) يعنى يضعفون بعض أحاديثه على مصطلحهم.
(٢) ج ٢ ص ٥٦٥
حد الغنا لان السؤال في صدر الحديث انما هو رفع الصوت وان الشيطان يوسوس للسائل إذا رفع صوته بالقرآن بأنه يريد الرياء فأمره الإمام (ع) ان لا يلتفت الى هذا الوسواس وان يقرء قراءة متوسطة ويرفع صوته بالقرآن فأجاز له التوسط ورفع الصوت فاما ان يكون الواو في ورجّع بمعنى أو كما ذكروه في مواضع وذكروا له شواهد ويكون معنى الواو الجمع بين الأمرين في الحكم بالجواز هنا أي في خصوص الصورة المذكورة في السؤال أو أمر له بالأمرين في وقتين بان يقرء قراءة متوسطة مرة ويرفع صوته أخرى أو يكون رفع الصوت هنا بما لا يخرج عن حد التوسط بان لا يبلغ العلو المفرط بل يكون من المراتب المتوسطة فيستقيم معنى الجمع وقد ورد استعمال الترجيع في رفع الصوت وفهم منه بعض علماء العرب هذا المعنى كما يأتي ان شاء الله تعالى.
الثالث: ان يكون المراد بالترجيع في الحديث مجرد مد الصوت كما مر تقريره والفرق بينه وبين ما قبله ظاهر إذ لا ملازمة بينهما وقد استعمل الترجيع في مد الصوت ورفعه كما ذكره بعض العلماء في تفسير مثل هذا اللفظ.
قال صاحب كتاب قصص الأنبياء بعد ذكر أحاديث من طرق العامة في قصة الأذان ما هذا لفظه قال أبو محمد سمعت الخليل من أحمد قاضي سجستان يقول معنى الترجيع في هذا الخبر هو الذي في الخبر الثاني قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ارجع فامدد من صوتك وهو انه كان لا يرفع صوته فيه ويحتمل أن يكون إنما أمره بالرجوع ليكرره فيحفظه كما يعلم المتلقى للقرآن الآية فيكررها عليه ليحفظها « انتهى » وناقل هذا الوجه والمنقول عنه من أمل اللسان والفصاحة والمعرفة باللغة العربية وان كانا من علماء العامة على ان هذا وأمثاله من قسم المجاز وبابه واسع وهو غير موقوف على نقل وان حصل به تأييد وتأكيد.
الرابع: ان يكون قوله ورجع بالقرآن صوتك استعارة تبعية ويكون المراد مجرد تحسين الصوت كما ان الترجيع يحصل منه التحسين كأنه قال وحسّن بالقرآن
صوتك تحسينا يشبه الترجيع وقوله: يرجع به ترجيعا اى يحسن به أى بالقرآن تحسينا كالترجيع على اعتبار مغايرة المشبه للمشبه به فيهما ولا ينافيه وصف الصوت بالحسن قبل ذكر الترجيع ثانيا لان الحسن يحتمل التحسين فيزيد معروضه حسنا والضمير في به راجع الى القرآن كما قلناه على هذا الوجه وما قبله لا الى الصوت وان أمكن على وجه وحمل هذا اللفظ على الاستعارة المذكورة متجه وقرينتها امتناع حمله على ظاهره شرعا كما هو معلوم من مذهبهم فنزل الامتناع الشرعي منزلة الامتناع العقلي في قولهم نطقت الحال بكذا.
الخامس: أن يكون المراد بالترجيع تكرار الآيات وترديد الكلمات فان ذلك يلزم منه ترجيع الصوت والرجوع إليه مرة بعد مرة وقد ورد الأمر بذلك في آيات الرحمة والعذاب وغيرهما وكونه خلاف الظاهر لا يضرنا لضرورة الحمل على مثله عند تعذر الحمل على الظاهر وقد ذكر الفقهاء انه يكره الترجيع في الأذان وفسروا الترجيع بتكرار التكبير والشهادتين وهو يقرب هذا الوجه وكذا قول أهل اللغة ترجع الكلام تكراره ومراجعة الخطاب معاودته وكذلك ما تقدم نقله من كتاب قصص الأنبياءعليهمالسلام .
السادس: ان يكون حثا على كثرة قراءة القرآن والاشتغال به في جميع الأوقات كما ورد الأمر به في أحاديث كثيرة إذ يلزم منه ترجيع الصوت كما مر فاستعمل اللفظ وأريد به ملزوم معناه وله نظائر وهذا قريب من الذي قبله وهما من وجوه المجاز لهذا اللفظ وربما يقرب هذا ما تضمنه السؤال من ان الشيطان يوسوس له بإرادة الريا ليمنعه من قراءة القرآن فاقتضت الحكمة مجاهدة الشيطان وتحصيل ضد مقصوده لئلا يطمع في المكلف.
السابع: أن يكون المراد بترجيع الصوت قراءته على وجه الحزن كما ورد الأمر به صريحا في قولهمعليهمالسلام ان القرآن نزل بالحزن فاقرأوه بالحزن ووجهه ان ترجيع الصوت في النوح وغيره لما كان يقتضي زيادة الحزن جاز ان يستعمل في
مطلق الصوت الحزين ويكون استعارة تبعية كما مر ويخص بما لا يرجع الترجيع الذي يحصل به الغنا لما عرفت من تحريمه.
الثامن: أن يكون الترجيع استعارة أيضا لكن بمعنى التبيين من حيث ان الترجيع يستلزمه غالبا أو دائما فأطلق على التبيين الحاصل بدونه.
وقد روى عن ابى عبد اللهعليهالسلام في قول اللهعزوجل ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ) قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام بيّنه تبيينا ولا تهذه هذا الشعر ولا تنثره نثر الرمل ولكن اقرعوا به قلوب القاسية(١) ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة فهذا الحديث شاهد لهذا التأويل مع صحته بحسب القواعد العربية والبيان.
التاسع: ان يكون الترجيع أيضا استعارة لكن بمعنى جعل الصوت بحيث يؤثر في القلب من حيث ان الترجيع يستلزم ذلك غالبا كما مر تقريره والحديث السابق شاهد له أيضا ولا ريب انه يجب حمل الترجيع على بعض المعاني المأمور بها ولا يجوز حمله على المعنى المنهي عنه.
العاشر: أن يكون مخصوصا بالترجيع الذي لا يصل الى حد الغنا اعنى ما ليس بمطرب ولا تصدق عليه الغنا ولا ينافي ما ورد في تحريمه وهذا وان كان قريبا لكن جماعة من الفقهاء عرفوا الغناء بأنه الصوت المشتمل على الترجيع وان لم يطرب وذكر بعضهم ان التلازم حاصل بين الترجيع والطرب ولو بنسبة بعض الأشخاص وهو غير بعيد وذكر بعضهم انه راجع الى العرف اى عرف العرب وهو لا يخرج عما تقدم ويمكن الجمع بحمل المطرب في التعريف الأول على انه وصف للتوضيح لا للتخصيص.
وفي القاموس: الغنا ككسا من الصوت ما طرب به وهو يدل على اعتبار الوصف فان لم يكن ملازما فهو كالتعريف الأول والحاصل انه مع اجتماع الترجيع والاطراب يتحقق الغنا بإجماع الفقهاء واللغويين والعرب.
__________________
(١) تفسير البرهان ج ٤ ص ٣٩٧
الحادي عشر: ان يكون المراد بالترجيع في الصوت ترديده من مخرج حرف الى مخرج حرف آخر أي إخراج الحروف من مخارجها كما ينبغي من غير ان يكون النطق بواحد منها مشابها للنطق بآخر فيكون حاصل الترجيع بيان الحروف في النطق بيانا تاما فإنه يستلزم اللطف في رجوع الصوت من كيفيته إلى أخرى ومن مخرج حرف الى آخر وهذا قريب من الثامن وبينهما فرق ما.
الثاني عشر: ان يكون المراد بترجيع الصوت رده باشتغاله بالقرآن عن الشعر والغنا ونحوهما فيكون امرا بالاشتغال به عن غيره والرجوع عن غيره إليه لأن صاحب الصوت الحسن يستعمله غالبا في الغنا فأمره بالرجوع عنه الى قراءة القرآن لا على وجه الغنا فيرجع الى معنى الرجوع مع معنى التكثير(١) وكذا قوله يرجع به ترجيعا ويكون الضمير للقرآن اى ان الله يحب الصوت الحسن الذي يرده صاحبه عن المحرمات فيرجع الى الاشتغال بالعبادات كالقراءة على وجه مباح شرعي. وان نوزع في بعض هذه الوجوه بأنه بعيد فأكثرها قريب سديد ومن نظر في كلام الفصحاء علم ان أكثره مجازات واستعارات وكنايات وقد اجمع البلغاء على ان المجاز أبلغ من الحقيقة بل لا مبالغة في استعمال اللفظ في حقيقته والمبالغة في مثل هذه المقامات مطلوبة خصوصا مع شدة ظهور الحال لو لا تمويهات أهل الضلال.
ولا بأس بذكر نبذة من عبارات الفقهاء وعلماء اللغة في تفسير الغناء ومعلوم ان تفسيرهم حجة فإنها لفظة موضوعة لمعنى ونقلهم لمعناها رواية لا اجتهاد ولا تناقض في نقلهم لتقارب مدلوله وشمول الغنا لما ذكروه.
قال المحقق في الشرائع مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب يفسق فاعله وترد شهادته سواء كان في شعر أو قرآن ولا بأس بالحداء(٢) .
__________________
(١) مع معنى حمله التكثير خ ل
(٢) راجع كتاب الشهاداتصلىاللهعليهوآله ٣٣ في صفات الشهود
وقال العلامة في التحرير الغنا حرام وهو مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب يفسق فاعله وترد شهادته سواء كان في القرآن أو شعر وكذا مستعملة سواء اعتقد إباحته أو تحريمه ولا بأس بالحداء وهو الإنشاد الذي تساق به الإبل يجوز فعله واستماعه وكذا نشيد الاعراب وسائر أنواع الإنشاد وما لم يخرج الى حد الغناء(١) .
وقال الشهيد في الدروس ويفسق القاذف الى أن قال: والمغني بمد الصوت المطرب المرجع وسامعه وان كان في القرآن(٢) .
وقال العلامة في الإرشاد: وترد شهادة اللاعب بآلات القمار الى ان قال وسامع الغناء وهو مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب وان كان في القرآن وفاعله.
وقال الشيخ على في شرح القواعد ليس مطلق مدّ الصوت محرّما وان مالت النفوس اليه ما لم ينته الى حدّ يكون مطربا بسبب اشتماله على الترجيع المقتضى لذلك(٣) .
وقال الجوهري في الصحاح: الطرب خفة تصيب الإنسان لشدة حزن أو سرور.
وقال صاحب القاموس: تخصيص الطرب بالفرح وهم وقال الزمخشري في الأساس: هو خفة من سرور أو همّ.
وقال صاحب الصحاح أيضا التطريب في الصوت مده وتحسينه وقال أيضا الترجيع في الأذان وترجيع الصوت وترديده في الحلق كقراءة الأصحاب الالحان.
وقال صاحب القاموس الترجيع في الأذان تكرير الشهادتين جهرا بعد إخفائها
__________________
(١) التحرير ج ٢صلىاللهعليهوآله ٢٠٩ في صفات الشاهد
(٢) الدروسصلىاللهعليهوآله ١٩٠ كتاب الشهادة
(٣) إيضاح الفوائد في شرح القواعد ج ٤صلىاللهعليهوآله ٤٢٤ في الشهادات
وفي الصوت ترديده في الحلق كقراءة أصحاب الالحان.
وقال صاحب كتاب شمس العلوم: ودو الكلام العرب من الكلوم على ما نقل عنه الترجيع ترديد الصوت في الحلق مثل ترجيع أصل الالحان في القراءة والغنا.
وقال أيضا طرب في صوته إذا مده وطرب في القراءة والأذان كذلك.
وقال ابن إدريس في السرائر فأما المحظور على كل حال فهو كل محرم الى أن قال وترجيع ما يطرب من الأصوات والأغاني(١) .
وقال العلامة في القواعد: الغنا حرام يفسق فاعله وهو ترجيع الصوت ومده وكذا يفسق سامعه قصدا سواء كان في قرآن أو شعر.
وذكر الشهيد الثاني ان الغنا راجع الى العرف وذكر بعض التفسيرات السابقة أيضا والظاهر أنه أراد إدخال ما لم يدخل في التعريف السابق إذا سمى في العرف غناء(٢) .
قال في شرح اللمعة: الغنا مدّ الصوت(٣) المشتمل على الترجيع المطرب أو ما يسمى في العرف غناء وان لم يطرب سواء كان في شعر أم قرآن أو غيرهما وكلام سائر الفقهاء واللغويين يقارب ما نقلناه والتعريفات متقاربة كما عرفت ولا مانع من الجمع بينهما لعدم تناقضها وهو ظاهر ويفهم من كتب اللغة ان التغني والتطريب والترجيع واللحن والتغريد والترنم ألفاظ متقاربة المعنى لأنهم يذكرون بعضها في تفسير بعض ومن أراد الوقوف على عباراتهم فليرجع إليها وتلك العبارات تزيد الغنا وضوحا وربما تدخل فيه إفراد يسيرة لم تدخل فيما نقلناه وعلى تقدير الشك في دخول بعض الإفراد يتعين اجتنابه عند من يخاف الله واما الإفراد الظاهرة الفردية فلا عذر لأحد فيها.
__________________
(١) السرائر كتاب الشهاداتصلىاللهعليهوآله ١٨٣
(٢) المسالك ج ٢ كتاب الشهادات فيمن ترد شهادته.
(٣) شرح اللمعة ج ٣صلىاللهعليهوآله ٢١٢
فائدة (٢٨)
روى تغنوا بالقرآن فمن لم يتغن بالقرآن فليس منا(١) .
أقول: هذا لا حجة فيه بل هو ضعيف لاجتماع جميع وجوه الضعف السابقة فيه ولأن أصله من أحاديث العامة وكل من نقله منهم أو من الخاصة أو له فلم يحمل أحد منهم على ظاهره فذلك إجماع منهم على صرفه عن ظاهره لمخالفته للمعهود المقرر من عدم جواز الغنا في القرآن ولا في غيره ولأنه يدل بظاهره على وجوب الغنا في القرآن مع زيادة التأكيد والتهديد ولان قوله فليس منا لا يجامع الاستحباب فضلا عن الجواز ولا قائل بالوجوب ولا بالاستحباب بل هو مخالف للإجماع في ذلك من الخاصة والعامة وقد أولوه تارة بتزيين الصوت وتحسينه بحيث لا يصدق عليه الغنا كما ذكرناه سابقا وتارة بحمل تغنوا على معنى استغنوا كما ورد في حديث آخر من قرء القرآن فهو غنى لا غنى بعده(٢) وغير ذلك.
وقال السيد المرتضى في الدرر والغرر قال أبو عبيد القسم بن سلام فيما يروى عن النبيصلىاللهعليهوآله ليس منا من لم يتغن بالقرآن(٣) قال أراد يستغنى به واحتج بقولهم
__________________
(١) أخرجه العلامة النوري ره في المستدرك عن جامع الاخبار ومعاني الأخبار للصدوق والغرر والدرر للسيد المرتضى ره راجع ج ١صلىاللهعليهوآله ٢٩٥
(٢) في الكافي: فهو غنى لا فقر بعده. وفي الوسائل: القرآن غنى لا غنى دونه ولا فقر بعده راجع ج ١صلىاللهعليهوآله ٣٦٧
(٣) مستدرك ج ١صلىاللهعليهوآله ٢٩٥
تغنيت تغنيا وتغانيت تغانيا وانشد كلانا غنى عن أخيه حبالة ونحن إذا متنا أشد تغانيا واحتج بقول ابن مسعود من قرأ سورة آل عمران فهو غنى اى مستغن [ متغن ] واحتج بحديث روى عن النبيصلىاللهعليهوآله وهو انه لا ينبغي لحامل القرآن ان يظن ان أحدا أعطي أفضل مما اعطى، وبخبر روى عن عبد الله بن نهيك انه دخل على سعد وإذا مثال رث ومتاع رث فقال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليس منا من لم يتغن بالقرآن، فذكر المثال الرث والمتاع الرث يدل على ان التغني بالقران الاستغناء به عن الكثير من المال والمثال الفراش قال أبو عبيد ولو كان معناه الترجيع لعظمت المحنة علينا إذ كان من لم يرجع القرآن ليس منهعليهالسلام .
وذكر عن ابى عبيد جواب آخر: انه أراد من لم يحسن صوته بالقرآن ويرجع فيه. وقد ذكر أبو بكر بن الأنباري وجها ثالثا وهو انه قال أرادعليهالسلام من لم يتلذذ بالقرآن ويستحله استحلاء أصحاب الطرب والغنا والتذاذه به وفي الخبر وجه رابع خطر لنا هو أن يكون من غنى الرجل بالمكان إذا مقامه به.
ومنه قيل المغني والمغانى قال الله تعالى( كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ) وقال تعالى( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ) اى لم يقيموا بها فيكون معناه من لم يقم على القرآن وتجاوزه الى غيره ولم يتخذه مغني وينزل فليس منا اى لا يكون على خلاقنا أو على ديننا لشهر بالخضاء من كلام السيد المرتضى وما نقله عن المذكورين في الدرر والغرر والله أعلم.
فائدة (٢٩)
روى ان الله قسم الشهوة عشرة أجزاء تسعة في النساء وواحد في الرجال ولو لا ما جعل الله فيهن من الحياء لكان لكل رجل تسع نسوة متعلقات به(١) .
أقول: ذكر بعض المحققين ان للولاء دلالتين دلالة بحسب المنطوق ودلالة بحسب المفهوم.
فالأولى هي أن تدل على استلزام انتفاء شرطها لتحقق جوابها.
والثانية: هي أن تدل على استلزام شرطها لانتفاء جوابها وما موصولة مبتدا وخبره محذوف وجوبا لأنه كون عام كما هو القاعدة بعد لو لا ومن الحيا بيان لما اى لو لا الحياء الذي أودعه الله فيهن لكان إلخ ووجهه مبني على مساواة الرجال للنساء وان كل واحد من الاجزاء التسعة للشهوة تفتقر الى رجل وتفصيل المقام انه لو كان الرجال ألفا والنساء كذلك مثلا لكان كل امرأة باعتبار كل جزء من الاجزاء المذكورة تتعلق برجل غير من تعلقت به قبله فيلزم أن يكون لكل رجل تسع نسوة متعلقات به ويلزم من هذا أن يكون لكل امرأة تسعة رجال لكن لما كان المقصود التنبيه على توفر شهوتهن وفرط رغبتهن في النكاح وكان المانع من إظهار ذلك الحياء الذي أودعه الله فيهن صرحعليهالسلام بالشق الأول الذي هو الملزوم للشق الثاني فإن تعدد الرجال انما حصل من تعدد أجزاء الشهوة التي في كل امرأة فعلى دلالة المنطوق يصير المعنى استلزام انتفاء الحياء لتحقق تعلق تسع نسوة بكل رجل(٢) وعلى دلالة المفهوم يصير المعنى استلزام وجود الحياء لانتفاء تعلق تسع نسوة بكل رجل والله اعلم.
__________________
(١) راجع الوافي ج ٢ باب ١٤ من أبواب النكاحصلىاللهعليهوآله ١٧
(٢) وفي مخطوطة أخرى العبارة هكذا: فعلى دلالة المنطوق يصير المعنى استلزام وجود التحقق تعلق تسع نسوة بكل رجل إلخ
فائدة (٣٠)
روى ان الله تطول على عباده بثلاث: القى عليهم الريح بعد الروح ولو لا ذلك ما دفن حميم حميما، والقى عليهم السلوة بعد المصيبة ولو لا ذلك لا نقطع النسل، وسلط على الحبّة هذه الدابّة(١) ولو لا ذلك لكنزها ملوكهم كما يكنزون الذهب والفضة(٢) .
أقول: هذا مذكور في الفقيه والخصال وغيرهما وفي بعض تلك المواضع القى عليهم الروح بعد الروح والمعنى واحد لان الرّوح الأول بفتح الراء بمعنى نسيم الروح(٣) كما في القاموس وغيره، والثاني على التقديرين بضم الراء ما به حياة الأنفس وقوله: بعد الروح اى بعد خروجها ومفارقتها للبدن وفي معنى هذا الكلام ثلاثة احتمالات.
الأول: أن يكون المراد بالريح النفس الذي يجذبه الإنسان إلى الباطن بأنفه وفمه ليخفف عنه الحرارة الباطنية والمعنى لو لا هذه الريح التي تروح القلب وتخفف عنه الغم والحزن بعد خروج الروح من الميت القرابة لما سمحت نفس أحد بدفن قرابته لشدّة حزنه وعظيم مصيبته في أول أمره ولا ينافي ذلك وجود هذه
__________________
(١) في الفقيه: والقى على هذه الحبة الدابة - أقول: والمراد بالحبة: الحنطة والشعير وأمثالهما
(٢) الفقيه ج ١صلىاللهعليهوآله ١٨٧
(٣) نسيم الريح - خ ل
الريح قبل وبعد وعدم اختصاصها كما قيل لان هذه التخفيف من جملة فوائدها بل من أعظمها والتخصيص غير لازم ولا مفهوم من الكلام.
الثاني: ان يكون المراد الريح الموجودة بين السماء والأرض التي تأخذ الروائح الطيبة والخبيثة وتتحرك بها فتنتقل عن محلها وتتفرق وتذهب، والمعنى ح لو لا هذه الريح وذهابها برائحة الميت الردية وتخفيفها أو إزالتها عنه بالكلية لما قدر على الدنو منه قرابته فضلا عن غيره ولا أمكن دفنه لذلك.
الثالث: ان يكون المراد الريح الحاصلة في جوف الميت عند انتفاخه إذا ترك مدّة والمعنى ح لو لا ما قدر الله من انتفاخ الميت وكثرة رائحة الردية وانفجار بطنه إذا ترك بغير دفن لما كان الإنسان يدفن قرابته بل كان يحفظه عنده فهذه الآثار مستندة الى الريح وهي موجبة للدفن وهذا الوجه ربما كان أقرب وآخر الحديث يناسبه وقوله بعد الروح اى خروجها يؤيده ويقربه والله اعلم.
فائدة (٣١)
روى عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال ثلاثة لا أدرى أيهم أعظم جرما الذي يمشى مع الجنازة بغير رداء، والذي يقول: ارفقوا به والذي يقول: استغفر والله غفر الله لكم وفي بعض النسخ استغفروا له غفر الله لكم(١) .
أقول: قولهصلىاللهعليهوآله لا أدرى أيهم أعظم جرما غير صريح في تحريم هذه الأشياء وانما يدل على نفى العلم بمن هو أعظم جرما وذلك يصدق مع كونهم متساوين في عظم الجرم أو مطلق الجرم ومع كونهم ليس أحد منهم صاحب جرم لاستحالة جهل الرسولعليهالسلام بالشريعة أو اعترافه به مع خلوة من الفائدة فلو كان أحدهم أعظم جرما لعلمه وعلمه ولان المعهود منه في مثله انتظار الوحي، وعلى هذا فلا يلزم إثبات الجرم لهم مع هذا الاحتمال المتوجه في الجملة غير ان مثل هذه العبارة يفهم منها الحكم بالمرجوجية والتنفير والتحذير من هذه الأشياء والا فإنه لا يدل على رجحانها قطعا ولا على إباحتها وتساوى الطرفين فيها ولو لم يدل على المرجوحية لخلا من الفائدة.
هذا على تقدير كون جرما بضم الجيم وكونه بمعنى الذنب أو الجناية ولا يبعد حمله على معنى الاكتساب فقد ورد استعماله فيه أيضا وهو أعم من الأجر والإثم فيمكن ارادة اكتساب الخير كما يأتي ان شاء الله ويمكن كونه جرما بكسر الجيم بمعنى
__________________
(١) الخصال ص ١٧٥ ط النجف
الخلق ويؤيده قوله تعالى:( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) مع انهعليهالسلام مشى مع جنازة جماعة من أصحابه بغير رداء وكان يأمر بالرفق والاستغفار عموما وخصوصا للأحياء والأموات من المؤمنين وكل ذلك مروي مأثور وعلى هذا يدل على رجحان هذه الأمور الثلاثة.
وينبغي تخصيص الجنازة بجنازة المؤمن والأمر بالرفق بمحل الحاجة حيث يحصل العنف به مع كون الرفق المأمور به لا ينافي تعجيل التجهيز بان يصل الى حد الإفراط وعلى الأول الذي هو الظاهر المتبادر بتعين توجيه المرجوحية في الأمور الثلاثة.
أما وضع الرداء في جنازة الغير فقد ورد النهى عنه ليعرف صاحب المصيبة وقد حملوه على الكراهة وفعلهعليهالسلام له أحيانا على بيان الجواز ونفى التحريم أو على ان مصيبة المؤمن مصيبة على المؤمنين فيخرج عن مصيبة الغير و( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) .
وأما الأمر بالرفق فيحمل على كونه في غير محله ومع عدم الاحتياج اليه أو منافاته لتعجيل التجهيز أو كونه في وقت الخوف على الجنازة مع التأخير ويلزم التحريم على الأخير.
واما الأمر بالاستغفار فيحمل على انه يأمر به ولا يفعله كما هو ظاهر اللفظ فهو أمر بالجمع بينهما أو على الأمر به مع الجزم باحتياج الميت اليه وصدور الذنب عنه فهو سوء ظن بالمؤمن أو على الجزم بترتب المغفرة لهم على الاستغفار له فيلزم احتقارهم ذنوبهم وعدم خوفهم من الله وعلى الرواية الأخرى من عدم وجود لفظ له فيحتمل كون المرجوحية من حيث ان المقام مقام استغفار هم للميت لا لأنفسهم فهذه عدة وجوه للمرجوحية في الأمرين الأخيرين فيزول الاشكال والله أعلم بحقيقة الحال.
فائدة (٣٢)
في باب ان الأئمة أركان الأرض من الكافي عن ابى عبد اللهعليهالسلام في وصف حال الأئمةعليهمالسلام جعلهم الله أركان الأرض ان تميدها بأهلها وحجته البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى الحديث(١) .
أقول: ظاهر قوله ومن تحت الثرى يقتضي إرادة المخلوقات الكائنة في باطن الأرض ولا يلزم من ذلك الخلأ هناك كما لا يلزم من وجود المخلوقات على وجه الأرض عند كثير من العلماء بل يتأتى ذلك على المذهبين وقد ثبت عموم دعوة الرسولعليهالسلام ويتبعها عموم حجيتهمعليهمالسلام .
ويحتمل أن يكون مبنيا على كروية الأرض وتكون الفوقية والتحتية بالنسبة، فحاصل المعنى على هذا أنهم حجة الله على كل من على وجه الأرض وهذا كما يتم مع الكروية يتم مع كونها مكعبة.
أو المراد كل من كان على وجه الأرض أو وجه البحر المحيط بها من المكلفين، لأنهم بالنسبة إلينا تحت الثرى، ويمكن أن يريد الأحياء والأموات الذين دفنوا ويرجعون في الرجعة أو القيمة وقد وقع تصريح بنحو هذا في عدة اخبار.
والوجه الأول مبني على الظاهر، والوجه الثاني قريب ولا يخلو من لطف فتدبر.
__________________
(١) الكافي ج ١ ص ١٩٦ ط الغفاري ح ١
قولهعليهالسلام : وكان أمير المؤمنينعليهالسلام كثيرا ما يقول أنا قسيم الله بين الجنة والنار ولقد أقرت لي جميع الملئكة والروح والرسل بمثل ما أقروا به لمحمدصلىاللهعليهوآله ولقد حملت على مثل حمولته وهي حمولة الرب(١) .
أقول: الحمولة ما احتمل عليه القوم من بعير وحمار كانت عليه أثقال أو لم يكن قاله صاحب القاموس، والحمولة هنا اما مجازية فيكون استعارة للدين والهدى ونحوهما [ واما ان يكون حقيقة فقد ركب مراكبه في زمانه وهو مما اختص به ] واما ان تكون الإضافة بيانية اى الحمولة التي هي هوعليهالسلام ويكون إشارة إلى صعوده على كتف الرسولعليهالسلام لكسر الأصنام.
وقولهعليهالسلام : وهي حمولة الرب على كل تقدير مستقيم اى ان ذلك كان بأمر الله سبحانه « أ » ويكون حملت ماضيا بمعنى المستقبل نحو ونفخ في الصور فقد روى عنهمعليهمالسلام عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حديث الركبان الأربعة يوم القيمة ما يدل عليه والمماثلة ح على ظاهرها بخلاف كون الإضافة بيانية ففي الحديث المشار إليه انه يأتي راكبا على ناقة من نوق الجنة ويصدق عليها أنها حمولة الرب كما في حمولة النبيصلىاللهعليهوآله يومئذ أعنى البراق والله أعلم.
__________________
(١) الكافي ج ١ ص ١٩٦ ح ١
فائدة (٣٣)
في باب ما فرض الله من الكون مع الأئمة من الكافي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: من سره أن يحيى حياتى ويموت ميتتي ويدخل الجنة التي وعدنيها ربي ويتمسك بقضيب غرسه ربي بيده فليتول على بن أبي طالب وأوصيائه من بعده الحديث.(١)
أقول: التمسك بالقضيب إما كناية عن دخول الجنة وتأكيد لما تقدمه أو عن دخول موضع خاص منها وعن دخولها مع مزيد قرب وإكرام من حيث ان التصريح يغني عن الكناية أو كناية عن الوصول إلى الحق.
والقضيب على الأول شجرة في الجنة وعلى الثاني: أعني الوصول إلى الحق عبارة عن الإمامة ولعل الأول أقرب لأنه ح حقيقة أو أقرب الى الحقيقة وغرسه بيده كناية عن مزيد الاعتناء والاهتمام والتشريف، واليد بمعنى القدرة أو النعمة وله نظائر كثيرة لامتناع حمله على ظاهره والله أعلم.
__________________
(١) الكافي ج ١ ص ٢٠٩ ح ٦
فائدة (٣٤)
في باب ان أهل الذكر الذين أمر الله بسئوالهم هم الأئمةعليهمالسلام من أصول الكافي عن ابى عبد اللهعليهالسلام في قول اللهعزوجل ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ ) فرسول اللهصلىاللهعليهوآله الذكر وأهل بيته المسئولون وهم أهل الذكر.(١)
أقول: هذا الحديث لا يخلو من اشكال ولا يظهر لها مناسبة في تفسير الآية مع أنه معارض بعدّة أحاديث موجودة في الباب المذكور وغيره من كتب أصحابنا.
فمنها: ما رواه الكليني بإسناده الصحيح عن ابى عبد اللهعليهالسلام في قول اللهعزوجل ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ ) قال: الذكرالقرآن ونحن قومه ونحن المسئولون(٢) .
وهذا الحديث وأمثاله أرجح من الحديث السابق لكثرتها وقوة أسانيدها وموافقتها لظاهر الآية بل هي نص في توجه الخطاب الى الرسولعليهالسلام ولا ريب له بتعين كون خبر انّ محمولا على اسمها في المعنى فهو خبر عنه ووصف له ولا معنى لكونه ذكرا لنفسه وقد قيل لتوجيهه ما لا يليق نقله وحيث وجب تأويله لقوة معارضه تعين التعرض لبيان ما تحمل [ يحتمل - خ ] تأويله به وقد خطر في الخاطر الفاتر لذلك وجوه.
__________________
(١) الكافي ج ١ ص ٢١١ ح ٤
(٢) الكافي ج ١ ص ٢١٠ ح ٥.
أحدها: أن يقدر مضاف محذوف كقوله تعالى( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ) أى أهل القرية يعنى فرسول اللهصلىاللهعليهوآله صاحب الذكر اى القرآن أو نحو ذلك من التقديرات وهذا قريب مع انه يحتمل سقوطه من بعض النساخ وان اتفقت فيه النسخ.
وثانيها: ان يكون الذكر في كلام الامامعليهالسلام مصدر بمعنى المفعول كقوله تعالى( هذا خَلْقُ اللهِ ) وقولهم ثوب نسج اليمن وغير ذلك فالتقدير رسول اللهصلىاللهعليهوآله المذكور ويخصّ المذكور(١) في قوله( لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) يعنى ان الخطاب له.
وثالثها: ان يكون المراد بالذكر في كلامهعليهالسلام القرآن وحمله على الرسولعليهالسلام على وجه المبالغة لاختصاصه بعلمه ونزوله عليه وكونه حافظه ومفسرة وغير ذلك.
ورابعها: أن يكون فيه وهم من بعض الرواة ويكون في تفسير قوله تعالى:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) أو يكون سقط منه شيء أوجب ذلك اما من الحفظ أو الكتابة ويكون في تفسير الآيتين أو يكونا حديثين سقط عجز الأول وصدر الثاني من أصل الكتاب والقرينة على ذلك عدم ذكر القوم فيه وعدم ذكر الأهل في الآية مع تكرر ذكر الآيتين في أحاديث الباب المذكور وذكر القوم في تفسير تلك الاية، والأهل في التفسير هذه الآية، وهو الذي ينبغي ويناسب بلاغتهمعليهمالسلام فصار محل الاشتباه.
وخامسها: انه يفهم من كلام بعض قدماء النحويين انهم يسمون الضمير كناية ويسمونه ذكرا وزمان المشار إليهم قريب من زمان الأئمةعليهمالسلام فيمكن ان يراد بالذكر في الحديث الضمير في( لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) دون ضمير انه وذلك للقرب والتكرار وكونه أخص وأعرف مع امتناع ارادة ضمير انه كما عرفت.
وسادسها: ان يكون المراد بالذكر في الآية الرسول كما هو ظاهر الحديث وتكون الكاف في( لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) غير متوجه الى مخاطب معين بل الى كل من
__________________
(١) فالتقدير رسول الله (ص) حد المذكور في قوله لك ولقومك خ.
يصلح للخطاب كما في قوله تعالى:( وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ ) وغير ذلك من المواضع الكثيرة.
وقوله( وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ ) على هذا خطاب للرسولصلىاللهعليهوآله على وجه الالتفات وله أيضا نظائر في القرآن من الانتقال من خطاب مخاطب الى غيره ولا بعد في ان يراد من آية معنيان اما باستعمال المشترك في أكثر من معنى أو على وجه الحقيقة والمجاز أو على أن المراد منها ما يعم المعنيين وذلك مفهوم من كلامهمعليهمالسلام فقد نصوا على ان للقرآن ظاهرا وباطنا وان لكثير من الآيات معاني متعددة متكثرة وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم وبهذا يندفع التنافي بين الأحاديث في هذه الاية وأمثالها أيضا والله أعلم.
فائدة (٣٥)
في الكافي في باب ان الأئمةعليهمالسلام لو ستر عليهم لأخبروا كل امرء بماله وعليه.
عن ابى بصير قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام من أين أصاب أصحاب علىعليهالسلام ما أصابهم مع علمهم بمناياهم وبلاياهم قال: فأجابني شبه المغضب ممن ذلك؟ الا منهم فقلت ما يمنعك جعلت فداك قال: ذاك باب أغلق الا أن الحسين بن علىعليهالسلام فتح منه شيئا يسيرا ثم قال يا أبا محمد ان أولئك كانت على أفواههم أوكية(١) .
أقول: لعل السؤال عن وقوع القتل ونحوه بهم مع علمهم المذكور الذي يقتضي تحرزهم مما وقع فيكون إشارة إلى قوله تعالى:( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (٢) أو عن حصول القتل والإذلال ونحوهما لهم مع اختصاصهم بعليعليهالسلام كما يظهر من معرفتهم بمكنون علمه وذلك يقتضي قربهم عنده وكمال ايمانهم فيكون إشارة إلى قوله تعالى:( إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ) (٣) أو عن وجه اختصاصه بالعلم المذكور المشتمل على أكثر ما يحتاج اليه من أحكام الشرع مع العلم بما ليس بلازم من علم المنايا والبلايا أو عمن أخذوا تلك العلوم المصونة والأسرار المكنونة
__________________
(١) الكافي ج ١ ص ٢٦٥
(٢) البقرة ١٩٥
(٣) الشورى ٣٠
أى من أين وصلت إليهم فهذه عدة وجوه.
وعلى الأول: فقوله منهم لعل المراد منه انه من تقصيرهم وقلة كتمانهم والعلم بقصورهم عن الحفظ وترك الاذاعة لم يعلموا أوقات ما يصيبهم من القتل ونحوه وانما عرفوه إجمالا فلم يقدروا على التحرز.
وعلى الثاني: لعل المراد بكون ذلك منهم انه من ذنوب سلفت منهم أراد الله تكفيرها عنهم كقوله تعالى( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) أو أنه بسبب اختيارهم للايمان المستلزم لاختيار الآخرة على الدنيا توجه إليهم البلاء في دنياهم.
وعلى الثالث: فقوله منهم اى من قابليتهم وأهليتهم لذلك بسبب تمام الانقياد وكمال الاعتقاد اختصوا بمثل ذلك أو من جدهم واجتهادهم في طلب العلم منهعليهالسلام
وعلى الرابع: فقوله منهم أى من أهل العصمةعليهمالسلام يعنى من رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعلى والحسنينعليهمالسلام والإلهام لأجل عدم إمكان التصريح والإضمار اتكالا على العلم بالمطلوب وتخييلا لان المرجع لا تغيب عن القلب هذا وبعض الوجوه تصلح لغير ما جعلت له كما لا يخفى والله اعلم.
ولا بد في بعض ما تقدم من تقدير مضاف الى ضميرهم كما عرفت وبعضها مستغن عنه وأولئك يمكن كونه إشارة إلى أصحاب علىعليهالسلام ويمكن كونه إشارة إلى أصحاب الحسينعليهالسلام ولا مانع من الجمع أيضا وعلى الأول هو بيان العلة التي منعت الصادقعليهالسلام عن تعليم أصحابه مثل ما علم علىعليهالسلام أصحابه وحاصله عدم وثوق الصادقعليهالسلام بالكتمان منهم وخوفه من ترتيب المفسدة على إعلامهم وعلى الثاني هو بيان للعلة التي اقتضت فتح الحسينعليهالسلام لذلك الشيء اليسير وتعليمه له أصحابه.
وفي كتاب بصائر الدرجات روى هذا الحديث وفيه من علمهم بمناياهم(١) وح لا اشكال والله أعلم.
__________________
(١) بصائر الدرجات ص ٢٦١ ط التبريز.
فائدة (٣٦)
في باب تسمية من رآهعليهالسلام من الكافي بإسناده عن عبد الله بن جعفر الحميري انه سأل العمرى ره فقال يا أبا عمرو انى أريد أن أسألك عن شيء وما أنا بشاك فيما أريد أن أسألك عنه فإن اعتقادي وديني ان الأرض لا تخلو من حجة إلا إذا كان قبل يوم القيمة بأربعين يوما فاذا كان ذلك رفعت الحجة وأغلق باب التوبة فلم يكن ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا فأولئك أشرار من خلق الله تعالى وهم الذين تقوم عليهم القيمة ولكني أحببت أن ازداد يقينا الحديث(١) .
أقول: اعتقاد الحميري هنا لا يخلو ظاهره من اشكال لان من ضروريات المذهب الذي قامت عليه الأدلة العقلية والنقلية والنصوص المتواترة ان الأرض لا تخلو من حجة ما دام فيها مكلف وان الحجة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق وكل ذلك مقرر لا شك فيه وهو محرر في محله فالواجب توجيه هذا الكلام ليوافق ما أشرنا اليه واعتقاده مروي في بعض الاخبار لكن له معارض خاص ومعارضه العام متواتر فنقول هذا يحتمل وجهين.
الأول: ان يكون خلو الأرض من الحجة قبل القيمة بأربعين يوما ويكون فناء الخلق كلهم قبل الأربعين بل قبل القيمة بأزيد من أربعين يوما ورفع الحجة
__________________
(١) الكافي ج ١ ص ٣٢٩ ح ١.
بعد فنائهم جميعا والرفع عبارة عن موته وخروج روحه وصعودها الى محل أعدّه الله لها أو إشارة إلى رفع بدنه ولحمه وعظمه الى السماء كما روى في الأنبياء والأئمةعليهمالسلام انهم يرفعون بعد ثلاثة أيام(١) وذلك في حديث صحيح الطريق وان كان ظاهر جملة من الأحاديث معارضة ويمكن الجمع بان يقال بالعود بعد الرفع أو بحمل العام على ما عدا الخاص ولتحقيقه محل آخر ولا ينافي ذلك ما روى من خروج صاحب الزمانعليهالسلام من الدنيا شهيدا مقتولا فإنه يمكن ان يسقيه أحد السم أو يضر به بالسيف كابن ملجم ثم يموت القاتل وسائر الرعية قبل موت الامام، وان استبعد هذا في القتل بالسيف ونحوه فالاستبعاد ليس بحجة كما تقرر وهو في السم غير بعيد فإنه قد يتأخر الموت به كثيرا جدا كما في موت الرسولعليهالسلام بالسم الذي كان في الذراع على المشهور ويكون إغلاق باب التوبة باعتبار عدم بقاء من يحتمل توبته وانقطاع زمان التكليف بالتوبة وغيرها فلا ينفع نفسا إيمانها لأن جميع النفس [ و ] قد فارقت الأبدان فلا يقبل منها الايمان في زمان البرزخ ولا في القيمة ولا يدل هذا على بقاء الأنفس في أبدانها لينافى ما تقدم.
وعلى هذا فالمشار إليهم بأولئك هم أصحاب الأنفس التي لم تؤمن قبل الموت أو لم تكسب في إيمانها خيرا وذلك غير بعيد لقرب المشار إليهم في الذكر ويكون قيام القيمة عليهم إشارة إلى أنها عليهم لا لهم بخلاف غيرهم فإنها عليهم ولهم أو لهم لا عليهم ونحوه( لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) على وجه، والحاصل انه لا يلزم حمله على بقاء المحجوج بعد فناء الحجة.
الثاني: وهو المتبادر الى الفهم من اللفظ ولا يخلو من بعد بحسب المعنى وهو أن يكون قوله أولئك أشرار من خلق الله إشارة إلى جماعة لا يموتون عند موت صاحب الزمانعليهالسلام أو عند النفخ في الصور لكن يصيرون في حكم الأموات وبمنزلة المعدومين لارتفاع التكليف منهم بفقدهم للعقل أو غيره أو لانتهاء مدة التكليف.
__________________
(١) الوسائل ج ٢ ص ٣٧٨.
وربما يوافق ذلك قوله تعالى:( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلّا مَنْ شاءَ اللهُ ) (١) هذا بحسب ظاهر الآية لكنهم لم يذكروا ذلك في التفاسير المشهورة فمعنى ما أشرنا إليه من دوام الحجة مع الخلق وبعدهم دوامه في جميع زمان التكليف وعلى هذا يمكن أن يراد بالحجة المذكورة أولا الامام، والمذكورة ثانيا العقل كما روى عنهمعليهمالسلام : ان لله على الناس حجتين فالحجة الظاهرة الأنبياء والحجة الباطنة العقل(٢) ويكون ذلك وجه إغلاق باب التوبة وعدم إفادة الايمان واكتساب الخير الا انه لم يثبت بقاء جماعة كذلك بعد موت الامام ولا تصريح بذلك في الآية ولا في هذا الكلام لقيام الاحتمال الأول ولا يمكن الجزم به على ما ذكر غير انه محتمل ولا ينافي ما تقرر من الأدلة والنصوص على تقدير حصوله.
__________________
(١) الزمر - ٦٨
(٢) الكافي ج ١ ص ١٦
فائدة (٣٧)
في الكافي في باب ان الأئمةعليهمالسلام ورثة العلم بأسانيد صحيحة عنهمعليهمالسلام انهم قالوا لا يموت عالم الا ويترك(١) من يعلم من علمه أو ما شاء الله(٢) وفي بعض الروايات لم يهلك منا عالم قط الا خلفه من اهله من علم مثل علمه أو ما شاء الله(٣)
أقول: مما تثبت وتقرر عقلا ونقلا امتناع تقديم المفضول على الفاضل واستحالة جهل الإمام بشيء من الأحكام الشرعية بل بشيء مما يحتاج إليه الرعية فلا يمكن حمل قوله أو ما شاء الله على ان علم الإمام المتأخر ينقص عن علم الإمام أو النبي المتقدم على وجه الإطلاق فلا بد من توجيه الاشكال هنا وهو يحتمل وجوها.
الأول: ان يراد من قوله ما شاء الله الزيادة في علم الامام اللاحق على علم السابق وقد روى ما يدل على ذلك في أصول الكافي وغيره وانه إذا كان بحسب ما يتجدد من الوقائع والحوادث نزل علمه وعرض على السابقين ثم على امام العصر فيكون علم الأخير به في زمن الحيوة ومدة التكليف والعلم فيضاف ذلك العلم إليه حقيقة ويكون إضافته الى من مات منهم مجازا فلا ينافي قوله مثل علمه إلخ.
وحاصله ان علم الثاني لا ينقص عن علم الأول بل يعلم اما جميع علم الأول خاصة أو ما شاء الله من الزيادة المضافة الى ما سبق كما تقرر لكن تلك الزيادات
__________________
(١) الا وترك من يعلم خ م
(٢) الكافي ج ١ ص ٢٢٢ ح ٢
(٣) الكافي ج ١ ص ٢٢٣ ح ٨
ليست من الأحكام الشرعية قطعا لاشتراكهمعليهمالسلام فيها بل هي من علم ما كان وما يكون أو من تفاصيله وجزئياته فإن علمهم يزيد فيها ليلة القدر وليلة الجمعة وغيرها كما روى تواترا.
الثاني: انه لو لا قوله أو ما شاء الله لتوهم انه لا آخر للأئمة ولا ينحصرون في عدد بل كلما مات منهم واحد ورثه آخر الى ما لا نهاية له فقال أو ما شاء الله اى من هلاك الخلق وقيام الساعة فإنه لا يبقى بعد موت الامام من يعلم مثل علمه بل لا يبقى بعده أحد من الأئمة ولا من الرعية وهذا الوجه لا يخلو من قرب.
الثالث: أن يكون قوله أو ما شاء الله يعنى به من النقصان من علم الأول لكن لا مما يحتاج إليه الرعية ولا مما يتعلق بالأحكام الشرعية التي يجب العمل بها على الأمة بل مثل بعض علم ما كان وما يكون « أ » وبعض تفاصيل ذلك فإن معرفة هذه الأقسام والاطلاع عليها ليس بشرط في الامام وان ظهر من بعض الاخبار خلافه فان المراد ان هذه قضية اتفاقية في أئمتناعليهمالسلام فقد خصهم الله من العلوم بما يزيد على القدر المشترط في الإمام مع ان العموم الوارد في علمهم بما كان وما يكون ونحو ذلك معارض بعدة اخبار تستلزم التخصيص فيتعين الجمع بحمل العموم على الأكثر بالنسبة إلى قدرة البشر أو على الإجمال دون التفاصيل أو على أحكام ما كان وما يكون شرعا مع أنه ما من عام الا وقد خص حتى هذا العام.
الرابع: أن لا يكون الكلام مخصوصا بالأئمةعليهمالسلام فإنه على تقدير ارادة العلماء غير الأئمة لا إشكال فإنه يصدق كلما مات عالم جاء بعده من يعلم مثل علمه أو أقل أو أكثر أو جاء من لا يعلم شيئا أو لم يجيء أحد أصلا فيحمل ما شاء الله على كل واحد من الوجوه المذكورة أو على الجميع باعتبار عموم ما شاء الله وسياق تلك الأحاديث وان رجح إرادة الأئمة لكن لا ينفى الاحتمال الأخير والله اعلم:
فائدة (٣٨)
حديث الاثني عشر بعد الاثني عشر عليهمالسلام اعلم انه قد ورد هذا المضمون في بعض الاخبار وهو لا يخلو من غرابة واشكال ولم يتعرض له أصحابنا إلا النادر منهم على ما يحضرني الإن ولا يمكن اعتقاده جزما قطعا لان ما ورد بذلك لم يصل الى حد اليقين بل تجويزه احتمالا على وجه الإمكان مشكل لما يأتي ان شاء الله تعالى من كثرة معارضه وبالجملة فهو محل التوقف الى ان يتحقق وتظهر قوته على معارضه والذي يحضرني الان من ذلك انه ورد من طرق.
أحدها: ما رواه الشيخ في كتاب الغيبة في جملة الأحاديث التي رواها من طريق المخالفين في النص على الأئمةعليهمالسلام قال أخبرنا جماعة عن ابى عبد الله الحسين بن على بن سفيان البزوفري عن على بن سنان الموصلي العدل عن على بن الحسين عن أحمد بن محمد بن الخليل عن جعفر بن أحمد البصري(١) عن عمه الحسن بن على عن أبيه عن ابى عبد الله جعفر بن محمد عن أبيه الباقر عن أبيه ذي الثفنات سيد العابدين عن أبيه الحسين الزكي الشهيد عن أبيه أمير المؤمنينعليهمالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في الليلة التي كانت فيها وفاته لعلىعليهالسلام يا أبا الحسن أحضر دواة وصحيفة فاملى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وصيته حتى انتهى الى هذا الموضع.
فقال يا على انه يكون بعدي اثنا عشر اماما ومن بعدهم اثنا عشر مهديا فأنت
__________________
(١) المصري خ م.
يا على أول الاثني عشر اماما وذكر النص عليهم بأسمائهم وألقابهم الى ان انتهى الى الحسن العسكريعليهمالسلام فقال فاذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه محمد المستحفظ من آل محمدعليهمالسلام فذلك اثنا عشر اماما ثم يكون من بعده اثنا عشر مهديا فاذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه أول المقربين، له ثلاثة أسامي اسم كاسمى واسم كاسم ابى(١) وهو عبد الله وأحمد والاسم الثالث المهدى وهو أول المؤمنين(٢) .
قال الشيخ بعد ما ذكر عدة أخبار أخر في النص في الأئمة الاثني عشرعليهمالسلام فهذا طرف من الاخبار قد أوردناه ولو شرعنا في إيراد الاخبار من جهة الخاصة لطال به الكتاب وانما أوردنا ما أوردناه ليصح ما قلناه من نقل الطائفتين المختلفتين « انتهى »
الثاني: ما رواه أيضا في آخر كتاب الغيبة فقال محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن محمد بن عبد الحميد ومحمد بن عيسى عن محمد بن الفضيل عن أبي حمزة عن ابى عبد اللهعليهالسلام في حديث طويل انه قال يا أبا حمزة ان ما بعد القائم أحد عشر مهديا من ولد الحسينعليهالسلام (٣) . ورواه بعض أصحابنا عن أحمد بن عقبة عن أبيه عن الصادقعليهالسلام .
الثالث: ما رواه الشيخ أيضا في المصباح الكبير حيث أورد دعاء ذكر انه مروي عن صاحب الزمان خرج الى ابى الحسن الضراب الأصفهاني بمكة بإسناده لم نذكره اختصارا هذا عبارة الشيخ ثم أورد الدعاء بطوله الى أن قال اللهم صلّ على محمد المصطفى وعلى المرتضى وفاطمة الزهراء والحسن الرضا والحسين المصفى وجميع الأوصياء مصابيح الدجى الى أن قال وصل على وليّك وولاة عهدك والأئمة من ولده ومدّ في أعمارهم وزد في آجالهم وبلغهم أقصى آمالهم دينا
__________________
(١) في المصدر: اسم كاسمى واسم أبى.
(٢) كتاب الغيبة ص ٩٧ ط طهران.
(٣) ارجع ص ٢٨٥.
ودنيا وآخرة انك على كل شيء قدير(١) .
الرابع: ما أورده بعده بغير فصل فقال الدعاء لصاحب الأمر المروي عن الرضاعليهالسلام روى يونس بن عبد الرحمن عن الرضاعليهالسلام انه كان يأمر بالدعاء لصاحب الأمرعليهالسلام بهذا الدعاء اللهم ادفع عن وليك وخليفتك الى ان قال اللهم صل على ولاة عهده والأئمة من بعده وزد في آجالهم وبلغهم آمالهم الدعاء والذي حذفناه [ منه ] في صدره يشتمل على أوصاف وألقاب وعبارات لا تكاد تستعمل في غير المهدىعليهالسلام (٢) .
أقول: هذه الروايات غير موجبة للعلم واليقين لكثرة معارضاتها فإن الأحاديث المعتبرة والروايات الصحيحة المتواترة صريحة في حصر الأئمة في اثنى عشرعليهمالسلام وان الثاني عشر منهم خاتم الأوصياء والأئمة والخلفاء وانه لا يبقى بعده أحد من الخلق ولو شرعنا في إيراد بعض ما أشرنا إليه لطال الكلام وحصلت الأمة والملل ومثل هذا المطلب الجليل يجب تواتر الاخبار به كأمثاله على تقدير وجوب اعتقاده علينا فكيف ورد من طريق شاذ وورد معارضه بهذه القوة المشار إليها.
وقد نقل عن سيدنا المرتضى « رض » انه جوز ذلك على وجه الإمكان والاحتمال وانه قال لا نقطع بزوال التكليف عند موت المهدىعليهالسلام بل يجوز ان يبقى بعده أئمة يقومون بحفظ الدين ومصالح أهله ولا يخرجنا هذا من التسمية بالاثني عشرية لأنا كلفنا ان نعلم إمامتهم وقد بينا ذلك بيانا شافيا ودللنا عليهم فانفردنا بهذا عن غيرنا « انتهى ».
وربما كان في الحديثين السابقين على هذا البحث اشارة ما الى هذا المضمون وفي هذا التجويز نظر لما أشرنا إليه سابقا ولأن الأول من طريق العامة فلا يعتد به فيما لا يوافق التصريحات الثابتة من طريق الخاصة والباقي ليس بصريح مع ان بين
__________________
(١) مصباح المتهجد ص ٢٦٦.
(٢) مصباح المتهجد ص ٢٦٦.
الأول والثاني تعارضا ظاهرا في العدد وليس في الثالث والرابع حصر لعددهم وأقل الجمع ثلاثة والزيادة غير معلومة وليس في الرابع تصريح لان صاحب الأمر أعم من المهدىعليهالسلام بحسب أصل وضعه على انه يستعمل في كل واحد منهمعليهمالسلام .
فلا يبعد أن يكون الرضاعليهالسلام أمر بالدعاء لإمام العصر مطلقا وللأئمة من أولاده وتلك الألقاب والأوصاف لا يمتنع إطلاقها على الرضاعليهالسلام وكل واحد من أولادهعليهمالسلام وان كان فيه بعد فإنه لا يصل الى حد الامتناع بل هو تأويل صالح للجمع بين الاخبار المختلفة وهنا احتمالات أخر.
أحدها: ان يقال البعدية لا يتعين كونها زمانية بل يمكن كونها بمعنى المغايرة بمنزلة البعدية في قوله تعالى:( فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ ) وعلى هذا يجوز كونهم في زمانه ويكونون نوابهعليهالسلام وهذا لا ينافيه سوى قوله في الأول فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه وقد عرفت انه من طريق العامة فلا حجة فيه ويجوز حمله على ان المهدىعليهالسلام يوصى الى ولده ليخرج عن حد قولهعليهالسلام من مات بغير وصية مات ميتة جاهلية(١) فيوصي ليفوز بفضيلة الوصية ويقوم بتكليفها ويخرج من عهدة تركها ثم يموت ولده قبله وباقي الاثني عشر كما قلناه وكما في موسى وهارون.
وثانيها: ان قوله من بعده لا بد له من تقدير مضاف اليه فيمكن ان يقدر من بعد ولادته أو من بعد غيبته ويكون إشارة إلى السفراء والوكلاء من ثقاته وأصحابه والعلماء من شيعته الموجودين في غيبته الداعين الى دينه ودين آبائه (ع) كما قال اللهم ارحم خلفائي قيل ومن خلفاؤك قال الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي(٢) ولا ينافي الحصر في الاثني عشر لان مفهوم العدد ليس بحجة ولان حمله على السفراء والوكلاء ممكن وهم لا يزيدون عن ذلك.
__________________
(١) الوسائل ج ٢ ص ٦٦١.
(٢) الوسائل ج ٣ ط القديمة كتاب القضا ص ٣٧٩.
والثالث والرابع: لا حصر فيهما فيمكن حملها على العلماء بل على جميع ما ذكرناه من الأقسام.
وثالثها: ان يقدر المضاف المشار إليه في قوله من بعده اى من بعد خروجه فإنه لا يلزم أن يقدر من بعد موته ويكون المشار إليهم في زمانه وهم نوابه أو خواصه كما أشرنا إليه في الوجه الأول، وبينه وبين هذا الوجه فرق في التوجيه ظاهر ومآل الأمرين واحد كما لا يخفى.
وروى الصدوق في كتاب إكمال الدين وتمام النعمة عن على بن أحمد بن موسى الدقاق عن محمد بن ابى عبد الله الكوفي عن موسى بن عمران النخعي عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي عن على بن أبي حمزة عن ابى بصير قال قلت للصادقعليهالسلام سمعت من أبيك انه قال يكون بعد القائم اثنا عشر مهديا فقال قد قال اثنا عشر مهديا، ولم يقل اثنا عشر أماما ولكنهم قوم من شيعتنا يدعون الناس الى ولايتنا ومعرفة حقنا(١) .
أقول: وهذا الحديث يقارب هذا الوجه والأول فتدبر.
ورابعها: أن يكون ذلك محمولا على الرجعة فقد رويت أحاديث كثيرة في رجعتهم (ع) على وجه الخصوص ورويت أحاديث كثيرة جدا متجاوزة حد التواتر في صحة الرجعة على وجه العموم باعتبار التجويز والإمكان بل ورد ما ظاهره عمومها لجميع المكلفين غير ان لها معارضات متواترة دلت على انها مختصة بمن محض الايمان محضا أو محض الكفر محضا الا ان أصل الرجعة وثبوتها مما لا خلاف فيه بين الشيعة ولا اختلاف فيه في أحاديث الأئمة (ع) بل هي من ضروريات مذهبهم واحتجوا على إثباتها بوجوه عقلية ونقلية مذكورة في محلها وعلى هذا فالائمة من بعده هم الأئمة من قبله وانما رجعوا بعد حصول غيبته أو بعد خروجه على اختلاف الروايتين وهذا الوجه يرجح رواية الأحد عشر أعنى الحديث الثاني ولا ينافيه الثالث والرابع.
__________________
(١) كمال الدين ج ٢ ص ٣٥٨ ص ٥٦ ط الإسلامية.
وأما الأول فقد عرفت انه من روايات العامة ومع ذلك يمكن حمله على دخول النبيصلىاللهعليهوآله مع الأحد عشر كما في أحاديث الرجعة والأقوى في الأحاديث ان رجعة الأئمةعليهمالسلام بعد وفاة المهدىعليهمالسلام وان المهدىعليهالسلام أيضا يرجع بعد وفاته وبعد رجعة آبائه (ع) ووفاتهم وانه لا دولة لهم ( لأحد - خ ل ) بعد ذلك بل يقوم القيمة ويظهر من بعض أحاديث الرجعة ان أهلها غير مكلفين وقد أوضحنا الأمر بعض الإيضاح في آخر رسالة الرجعة.
وقد روى الصدوق في آخر الخصال حديثين بسندين معتبرين عن ابى جعفرعليهالسلام انه إذا كان يوم القيمة ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار خلق الله خلقا يعبدونه وخلق لهم أرضا وسماء أليس الله يقول( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ ) وقال اللهعزوجل ( أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) (١) .
وروى أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره حديثين بسند معتبر عن ابى عبد اللهعليهالسلام في هذا المعنى. قال بعض مشايخنا المعاصرين لم أر أحدا من المتكلمين تعرض لهذا بنفي ولا إثبات وأدلة العقل لا تنفيه بل يؤيده لكن الأخبار الواردة في ذلك لم تصل الى حدّ يوجب القطع به والله اعلم انتهى.
__________________
(١) أقول لم نجد في الخصال المطبوع الا حديثا واحدا
فائدة (٣٩)
قولهم نقيض الموجبة الجزئية سالبة كلية. اعترض عليه بعض المعاصرين بأنه لو كان كذلك فقولنا عشرون رجلا في الدار مثلا قضية مهملة في قوة الجزئية وفي حكمها بمنزلة قولنا بعض الرجال في الدار، فلو كان نقيض الموجبة الجزئية سالبة كلية يلزم أن يكون نقيضه لا شيء من الرجال في الدار ولو كان كذلك يلزم جواز أن يكون النقيض مع الأصل كلاهما كاذبا وهو محال.
بيان الملازمة ان قولكم عشرون رجلا في الدار كاذبا إذا كان أقل منه في الدار ويلزم أن يكون قولكم لا شيء من الرجال في الدار كاذبا لان على هذا التقدير يكون بعض الرجال في الدار لكن أقل منه وأجاب المعترض بان لا شيء من الرجال من حيث كونه نقيض هذه القضية يلزم كذبه على تقدير صدقها وبالعكس ومن حيث انه نقيض أقلها كان كاذبا انتهى.
وأقول: قولنا عشرون رجلا في الدار غير مشتملة على سؤر الكلية ولا الجزئية وهو واضح ولا هي كالمهملة التي في قوة الجزئية إذ ليس معناها معنى قولنا بعض الرجال في الدار كما ان قولنا الإنسان في خسر لا يزيد عن معنى قولنا بعض الإنسان في خسر بل المراد هنا الحكم على بعض خاص وهو العشرون لا ما زاد أو نقص أو كان مجهول العدد وهذا على انهم صرحوا بأن القضية ان لم يبين فيها كمية الإفراد المحكوم [ المحكومة - خ ] عليها وصلحت مع ذلك لان تكون كلية وجزئية سميت مهملة لأن الحكم فيها على أفراد موضوعها وقد أهمل بيان كميتها كقولنا
الإنسان في خسر، الإنسان ليس في خسر وهذا الكلام ينفى كون القضية مهملة لعدم صلاحيتها للكلية والجزئية والا لكان مثل زيد في خسر ورجل في خسر مهملة وهو باطل.
ولا شك ان قولنا بعض الرجال في الدار لا يناقضه قولنا بعض الرجال ليس في الدار بل يجتمعان في الصدق بخلاف قولنا في الدار عشرون رجلا وليس في الدار عشرون رجلا فإنهما نقيضان لا يجتمعان في الصدق فلا يبعد أن يقال قولنا عشرون رجلا في الدار له اعتبارات بسبب ما فيه من القيد بخصوص العدد فباعتبار شموله لافراد كثيرة متعددة يكون كالكلية في استغراقها لأفرادها وتكون العشرون كالسور لها فيناقضها قولنا بعض العشرين ليس في الدار كقولنا كل إنسان حيوان يناقضه بعض الإنسان ليس بحيوان وباعتبار اشتمالها على بعض الأفراد اعنى إفراد جنس مميز العشرين وان كان بعضا خاصا يكون كالجزئية أو كالمهملة التي هي في قوة الجزئية مع القيد فيناقضها قولنا(١) لا شيء من الرجال في الدار وهذا ضعيف كما مر الا ان يقطع النظر عن قيد العشرين أو يقال بجواز تعدد النقيض لقضية واحدة باعتبار ملاحظة القيد وعدمها ومن حيث دلالتها على هذا العدد من حيث هو وقطع النظر عن تعدد الإفراد تكون كالشخصية فيناقضها مثلها كما مر فتدبر والله اعلم.
__________________
(١) فيناقضها قولنا بعض العشرين في الدار - خ ل
فائدة (٤٠)
قولهم كل ما هو لازم العام لازم الخاص لان العام لازم الخاص وكل ما هو لازم اللازم لازم.
يرد عليه ان من جملة لوازم العام انه أعم من الخاص ومن جملتها انه ينقسم الى الخاص والى غيره وذلك مما يمتنع لزومه للخاص لأنه ليس أعم من نفسه ولا ينقسم الى نفسه وغيره وهو واضح فظهر ان هذه المقدمة ليست كلية فلا تصلح كبرى للشكل الأول وقد استعملوها كذلك ورتبوا عليها كثيرا من أحكام القضايا واللازم من ذلك بطلان تلك الأحكام وجوابه ممكن من وجهين. أحدهما: أن يراد كل ما هو لازم العام لازم الخاص الا ما هو من خواص العموم فينافي الخصوص لذلك وقرينته قولهم ان العام لازم الخاص فإنه لا يلزمه مع بقائه على عمومه بل مع سلب منافيات الخصوص وفيه بحث.
وثانيهما: ان المراد باللازم هناك اللازم الاتصالى لا اللازم الحملى وهذا هو الصحيح فتبقى كلية وتتم تلك الأحكام ويدل على ذلك لزوم العام الخاص فإنه لزوم اتصالي لا حملى والله أعلم.
فائدة (٤١)
روى الشيخ في الاستبصار عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن عيسى عن عمرو بن سعيد قال كتب اليه جعفر بن أحمد(١) يسئله عن السفر وفي كم التقصير فكتب بخطه وأنا أعرفه قال كان أمير المؤمنينعليهالسلام إذا سافر وخرج في سفر قصر في فرسخ ثم أعاد عليه من قابل(٢) المسئلة فكتب إليه في عشرة أيام(٣) .
أقول: هذا لا يخلو من إجمال واشكال ولا يبعد ان يقال ان السؤال في السنة الأولى كان عن محل الترخص الذي يجب فيه الشروع في الصلاة قصرا والإفطار في الصيام بعد قصد المسافة فقوله وفي كم التقصير أي في كم ابتداء التقصير فأجابه بأن أمير المؤمنينعليهالسلام كان يقصر في فرسخ ووجهه ان الفرسخ يقارب خفاء الجدران والأذان غالبا وليس بصريح في التحديد بفرسخ من غير زيادة ولا نقصان بحيث لا يجوز قبله كما هو واضح ولعله كان يؤخر التقصير قليلا احتياطا واستظهارا.
__________________
(١) محمد - خ م
(٢) من قابل - خ م
(٣) الاستبصار ج ١ ص ٢٢٦.
ومما يؤيد ما قلناه قوله إذا سافر وخرج في سفر قصر في فرسخ فإنه يفهم منه قصد مسافة في الجملة إذ لا يطلق السفر شرعا على قصد فرسخ وقطعه بل لا يكاد يطلق عليه عرفا أيضا وخصوصا مع تأكيد معنى الجملة الشرطية بالمعطوفة عليها ومع ملاحظة التنوين الذي لا يناسب هنا جعله للتحقير بل المناسب جعله للتعظيم.
وبالجملة فما قلناه قرينة على قصد مسافة مضافا الى الأحاديث الكثيرة في تحديد المسافة وعدم جواز القصر فيما نقص عنها فيتعين ذلك جمعا ويكون السؤال في السنة الثانية عن التقصير في كم هو أى بعد قصد المسافة والشروع في قطعها في كم يوم يجب التقصير وهل يشترط قطعها في يوم أو يومين أو ثلاثة فأجاب بأنه لو قطعها في عشرة أيام لوجب عليه التقصير لأنه لا يشترط قطعها في يوم واحد بالإجماع ولا له حد معين بالأيام في غير هذا الحديث.
ولا يرد انه لا فرق بين العشرة وما فوقها وما دونها لان ما زاد عليها ربما يصل الى حد يخرج به عن صدق السفر عليه عرفا على ان دلالة المفهوم تكون هنا غير معتبرة ولا قصور فيه أو يحمل ذلك على المبالغة فإن الغالب في العادات عدم الانتهاء في الإبطاء الى هذا الحد في السفر فضلا عن الزيادة عليه مع كون المسافة ثمانية فراسخ أو أربعة ذهابا ومثلها عودا ولا قصور في اتحاد السؤال واختلاف الجواب فإنهمعليهمالسلام اعرف بمراد السائل.
ومن المستبعد أن يسأل في سنة ثم يعود الى ذلك السؤال بعينه في سنة أخرى من غير تغيير في المراد مع أنه كثر من السائلين لهم (ع) ارادة خلاف الظاهر من السؤال على وجه الامتحان وطلب المعجز والبرهان.
وهذا هو السر في حصول الإجمال في كثير من الأحاديث وان كان له أسباب أخر وهنا وجه آخر وهو أن يكون السؤال في أول الحديث عمن قصد مسافة وشرع في السفر ثم حصل له التردد في السفر والرجوع ففي كم فرسخ
يجب عليه التقصير فأجابه بأنه إذا وصل الى حد الترخص ثم حصل له التردد وجب عليه التقصير الى أن يرجع عن السفر ويكون السؤال في آخره عمن وصل الى ذلك الحد أو الى رأس المسافة ففي كم يوم يجب عليه التقصير فقال في عشرة أيام يعني إذا نوى اقامة عشرة أيام وكان يوم السفر محسوبا منها اعنى يوم الذي قطع فيه الفرسخ أو الذي وصل فيه كان ذلك أقل من عشرة أيام وهو واضح فاذا نوى اقامة عشرة أيام غير ذلك اليوم أو ملفقة وجب عليه التمام فيصدق عليه في هذه الصورة انه يجب عليه التقصير في عشرة أيام لعدم انقطاع السفر بنيتها(١) لنقص اليوم الأول ويصدق عليها العشرة عرفا لعدم الاعتداد بالاجزاء القليلة في المحاورات وثبوت الاعتداد بها شرعا فتأمل ولا ينبغي ان يستعبد مثل هذه التأويلات فقد صرح الأئمةعليهمالسلام بأمثالها.
فمن ذلك ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابى عبد اللهعليهالسلام ان رجلا سأله عن النافلة فقال هي فريضة ففزع الرجل فقال أبو عبد اللهعليهالسلام إنما أعني صلاة الليل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله الحديث(٢) .
وكل من نظر في كتاب معاني الأخبار لابن بابويه تحقق ما قلناه وبالجملة يتعين حمل الحديث على مجمل يوافق ما هو معلوم من الأحاديث الصحيحة الصريحة ومن المعلوم ان كل حديث ورد على قدر فهم السائل وبحسب ما علمه الأئمةعليهمالسلام من حاله.
ولذلك ورد عنهمعليهمالسلام حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله الا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للايمان(٣) وان كان هذا له وجه آخر.
__________________
(١) بينها خ ل.
(٢) التهذيب ج ٢ ص ٢٤٢ ح ٢٨.
(٣) بصائر ج ١ ص ٢١.
واعلم ان الشيخ قال بعد ذكر هذا الحديث الوجه في قوله قصر في فرسخ وما جرى مجراه هو ان المسافة إذا كانت على الحد الذي يوجب التقصير فصاعدا فسأله المسافر يوما أو أكثر منه أو فرسخا أو أقل منه أو أكثر يجب عليه التقصير لأن المسافة حصلت على الحد الذي يجب فيه التقصير وليس الاعتبار بما يسير الإنسان بل الاعتبار بالمسافة المقصودة وان لم يسرها في دفعة واحدة « انتهى »(١) ولا يخلو من إجمال ولعل ما ذكرناه أبلغ في دفع الاشكال والله أعلم بحقيقة الحال.
__________________
(١) راجع الاستبصار ج ١ ص ٢٢٦.
فائدة (٤٢)
قال العلامة ره في الخلاصة محمد بن القسم وقيل ابن ابى القاسم الأسترآبادي روى عنه أبو جعفر بن بابوبه ضعيف كذاب، روى عنه تفسيرا يرويه عن رجلين مجهولين أحدهما: يعرف بيوسف بن محمد بن محمد بن زياد والأخر على ابن محمد بن يسار عن أبويهما عن ابى الحسن الثالثعليهالسلام والتفسير موضوع عن سهل الديباجي بأحاديث من هذه المناكير « انتهى ».
وقال بعض المتأخرين كيف يكون محمد بن القسم ضعيفا كذابا والحال ان رئيس المحدثين كثيرا ما يروى عنه في الفقيه وكتاب التوحيد وعيون اخبار الرضاعليهالسلام وفي كل موضع يذكره يقول بعد ذكر اسمهرضياللهعنه أورحمهالله والمتتبع يعلم أنه أجل شأنا من أن يروى الحديث عمن لا اعتماد عليه ولا يوثق به ويذكره على جهة التعظيم ولو كان المروي عنه ضعيفا في نفسه فروايته عنه تكون بعد علمه بصحة الرواية بالقرائن والأمارات.
ومما يدل على كمال احتياطه وعدم نقله حديثا لم يثبت صحته عنده بوجه من الوجوه ما ذكره في عيون الاخبار بعد نقل حديث رواه بسنده عن الرضاعليهالسلام في الحديثين المختلفين فقال كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد سيء الرأي في محمد بن عبد الله المسمعي راوي هذا الحديث وانما أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب لأنه كان في كتاب الرحمة لسعد بن عبد الله وقد قرأته عليه ولم ينكره
ورواه لي « انتهى »(١) .
قال ولكن فيما ذكره العلامةرضياللهعنه إشكالات.
أحدها: ان الامام المروي عنه ليس أبا الحسن الثالثعليهالسلام بل هو أبو محمد الحسن بن على العسكريعليهماالسلام وهذا التفسير بهذا الاسم مشهور بين الشيعة.
وثانيها: ان أبويهما غير داخلين في سلسلة الرواية بل هما رويا عن المعصوم بلا واسطة.
وثالثها: ان سهلا وأباه غير داخلين في سند هذا التفسير فان سنده على ما رأيناه من النسخ المعتبرة هكذا قال محمد بن على بن جعفر بن محمد الدقاق حدثنا الشيخان الفقيهان أبو الحسن محمد بن أحمد بن على بن الحسن بن شاذان وأبو محمد جعفر بن محمد بن على القميرضياللهعنه قالا حدثنا الشيخ الفقيه أبو جعفر محمد بن على بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي قال أخبرنا أبو الحسن محمد بن القسم المفسر الخطيب ره قال حدثنا أبو يعقوب يوسف بن محمد بن زياد وأبو الحسن على بن محمد بن سيار وكانا من الشيعة الإمامية قالا كانا أبو انا اماميين وكانت الزيدية هم الغالبين على أسترآباد وكنا في إمارة الحسين بن زيد العلوي امام الزيدية وكان كثير الاسفار إليهم يقتل الناس بسعاياتهم فخشينا على أنفسنا فخرجنا بأهلينا الى حضرة الامام ابى محمد الحسن بن على (ع) ابى القائمعليهالسلام وأنزلنا عيالاتنا في بعض الخانات ثم استأذنا على الامام الحسن بن على (ع) الى أن قال أمرعليهالسلام أبوينا بالرجوع وقال لهما خلفا ولديكما لأفيدهما العلم « انتهى ».
قال: وإذا كان الأمر على ذلك فلا ينطبق كلام العلامة على التفسير الذي هو مشهور بين الشيعة وينسبونه الى مولانا الحسن العسكريعليهالسلام فلعله رأى تفسيرا
__________________
(١) عيون الاخبار ج ٢ ص ٢١
آخر روياه عن أبويهما عن ابى الحسن الثالث على بن محمد (ع) وكان سهل بن أحمد الديباجي وأبوه داخلين في سلسلة ذلك التفسير والله اعلم « انتهى ».
أقول: وهو تحقيق جيد لكن في دعواه المنافاة بين ضعف محمد بن القسم ورواية الصدوق عنه مترحما ومترضيا نظر، فإنه قد روى جميع مؤلفات الشيعة المعتمدة وغير المعتمدة بالإجازة وغيرها ولا يلزم صحتها كلها ولا توثيق جميع رواتها والدعاء بالرحمة والرضا للشيعة جائز والنصوص دالة على ذلك من غير تقييد بكون المدعو له ثقة.
نعم يفيد حسن حاله في الجملة فهو بمنزلة المدح له بل يفيد جلالته أيضا بشرط الخلو من التضعيف.
ويحتمل ان ابن بابويه كان يعتقد ثقته الا انه لم ينقل إلينا تصريحه بتوثيقه وما ذكره أعم منه والجارح مقدم على المعدل لو كان مصرحا فكيف هنا وباقي كلام الفاضل المنقول حسن جيد، وقد صرح جماعة من المحققين بصحة التفسير المشهور الان واعتمدوا اليه والله أعلم.
فائدة (٤٣)
في الكافي في باب دعائم الإسلام عن زرارة عن ابى جعفرعليهماالسلام قال بني - الإسلام على خمسة أشياء على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية قال زرارة فقلت وأيّ شيء من ذلك أفضل؟ قال: الولاية أفضل لأنها مفتاحهن والوالي هو الدليل عليهن قلت ثم الذي يلي ذلك في الفضل فقال: الصلاة ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال الصلاة عماد دينكم.
قال قلت ثم الذي يليها في الفضل قال: الزكاة لأنه قرنها بها وبدأ بالصلاة قبلها وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله الزكاة تذهب بالذنوب قلت فالذي يلي ذلك في الفضل؟قال الحج قال الله تعالى( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) الى أن قال:
قلت ثم ماذا يتبعه قال: الصوم قلت وما بال الصوم صار آخر ذلك أجمع؟قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله الصوم جنة من النار قال ثم قال: ان أفضل الأشياء ما إذا فاتك لم يكن منه توبة دون ان ترجع اليه فتؤديه بعينه ان الصلاة والزكاة والحج والولاية ليس يقع شيء مكانها دون أدائها وان الصوم إذا فاتك أو قصرت أو سافرت فيه أديت مكانه أياما غيرها وجزيت ذلك الذنب بصدقة ولا قضاء عليك وليس من تلك الأربعة شيء يجزيك مكانه غيره. الحديث(١) .
__________________
(١) الكافي ج ٢ ص ١٨ ح ٥
أقول: فيه إشكالان.
أحدهما: قوله: وما بال الصوم صار آخر ذلك أجمع إلخ فإن التعليل والاستشهاد بالحديث لا يفهم منه وجه كون الصوم متأخرا عن الأربعة في الفضيلة فلا يكون الجواب مطابقا للسؤال.
وثانيهما: وجه الفرق بين الأربعة والصوم بحيث يلزم تفضيلها عليه فإنه غير ظاهر مما ذكره بل ربما ظهر منه التساوي لتصريحه بوجوب القضاء في الصوم وأيضا لا يخلو ظاهره من تناقض لتضمنه إثبات القضاء ونفيه.
والجواب من الأول ان سؤال زرارة يحتمل معنيين.
أحدهما: أن يكون مراده ما وجه كون الصوم متأخرا في الفضل عن الأربعة فكانت هي بل كل واحد منها أفضل منه فأجاب بالاستدلال بالحديث وأشار بأن هذا النعت للصوم والمدح له قليل بالنسبة إلى مدح الأربعة مما تقدم ذكره وغيره خصوصا مع ملاحظة كون الجنة منكرة ومذكورة بلفظ الإفراد واللام في الصوم للجنس أو الاستغراق والتنوين يحتمل كونه للتحقير.
وأين هذا من كون الولاية مفتاحهن والدليل عليهن وكون الصلاة عماد الدين فيلزم خرابه وفساده بتركها ومن اقتران الزكاة بها وورد ما ورد في ثوابها وكون الآية دالة على كفر تارك الحج فكل واحد من هذه الأشياء أعظم تأكيدا من الحديث المذكور.
وثانيها: أن يكون سؤاله عن وجه كون الصوم ملحقا بهذه الأربعة معدودا معها مع انه أمر سهل وتكليف خفيف بالنسبة إلى الأربعة وغيرها فإنه مجرد ترك اكلة واحدة بالنهار واستيفائها بالليل والزيادة عنها فكيف صار من جملة ما بنى عليه الإسلام مع انه بحسب الظاهر لا نسبة له إلى الأربعة.
فإن الصلاة تكليف شاق واشتغال للظاهر والباطن مع تكررها كل يوم مرارا متعددة واشتمالها على أحكام كثيرة تزيد على أربعة آلاف وكون الزكاة مشتملة
على بذل المال الذي يسمح كثير من العقلاء ببذل الأرواح دونه وما يشتمل عليه الحج من المشقة الشديدة جدا غالبا بنص القرآن والتعرض للخطب العظيم على النفس والمال وكثرة الأفعال والأحكام التي لا تقصر عن أحكام الصلاة كما يدل عليه الحديث المشهور انه لا تفنى مسائله في أربعين عاما(١) .
وكون الولاية مشتملة على فرض الطاعة والإقرار بها لصاحبها وهي لا تقصر عن العبودية وناهيك بها بل لا نسبة للصوم بحسب الظاهر إلى بقية التكاليف الشاقة التي لم تذكر كالجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وغير ذلك.
فأجابعليهالسلام بأنه أيضا عظيم الشأن والمنزلة شرعا فإن النبيصلىاللهعليهوآله قال فيه ما قال ومعلوم ان اتقاء النار واجب ولا يحصل إلا بعبادة عظيمة واجتهاد زائد وعلى هذا فالتنوين يترجح حمله على التعظيم وحاصله انه يحسن لذلك الحاقة بالأربعة في الحكم وان قصر عنها في الفضيلة ويكون بقية التكاليف داخلة في معنى الإسلام المبنى على الخمسة أو شرطا له ويبقى وجه ترتيب الأربعة، ونصهمعليهمالسلام كاف، وما ذكر من التأويل والتوجيه في الحديث من المؤيدات والمؤكدات وكذا ما قدمناه.
ولعل الجواب على التقديرين اقناعى بحسب فهم زرارة والممتحنين له من العامة كما هو معلوم من حاله معهم وحال الأئمةعليهمالسلام معه من تلقينه ما يقرب الحكم الى فهمه ويصلح للاحتجاج به عليهم.
وهنا وجه آخر قريب وهو أن يكون التوجيه مجموع الأمرين من الحديث والفرق المذكور في القضاء يعنى ان الحديث دل على ان الصوم من الفرائض الجليلة التي بنى عليها الإسلام واقتضى إلحاقها بالأربعة وهذا الفرق بينه وبينها يوجب تأخره عنها فيتم التوجيه والتعليل، ولفظ ثم في أمثال هذه المواضع منسلخ عن معنى التراخي كما يفهم بالتتبع.
__________________
(١) الوسائل ج ٢ ص ١٣٦
والجواب عن الإشكال الثاني ان حاصل معناه إذا كانت الأشياء على قسمين قسم إذا تركه المكلف به لم تقبل تويته من تركه الا أن يأتي به ويقضيه بعينه، وقسم لا يلزم قضاء، ومتعين كون الأول أفضل والأربعة من القسم الأول، والصوم من الثاني فثبت المطلوب وما ذكرهعليهالسلام في تطبيق التقسيم على الخمسة يحتمل وجوها.
أحدها: أن يكون المراد ان الأربعة أفعال مخصوصة إما لسانية أو أركانية أو جنانية وان كان فيها تروك أيضا ولها شروط منها النية والوقت وغيرهما فاذا فاتت خرج وقتها وجب الإتيان بها بعينها خارج الوقت وهو معنى القضاء.
واما الصوم فهو ترك الأفضل بناء على مذهب من قال به وهو الظاهر فإذا أخل به ثم ادى مثله في وقت آخر لم يكن قضاء حقيقيا حيث ان الركن الأعظم فيه الوقت الا ترى انه لم يزل مقيدا به ولا يتصور انفكاكه عنه بخلاف الأربعة فإن الصلاة كانت واجبة أولا غير موقته، وهي موسعة أيضا وكذا الزكاة يمكن تقديمها أو تأخيرها على الوجه الشرعي ونحوهما فظهر ان الركن الأعظم في الصوم الوقت فيكون إطلاق القضاء فيه مجازا وفيه ما لا يخفى.
وثانيها: أن يكون المراد ان الصوم في الحقيقة هو احترام أيام هذا الشهر بترك المفطرات فاذا فات واحترم أياما غيرها لم يكن قضاء حقيقة بل هو عوض عما أخل به أو كفارة وعقوبة ولم يلزم وقوع ذلك في شهر رمضان آخر ليحصل تلافى احترامه بخلاف الأربعة فإن معنى القضاء منها حاصل وهذا قريب من الأول ويفهم كل واحد منهما من قوله أياما غيرها.
وثالثها: ان يكون المراد بالقضاء الأداء كقوله تعالى( فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ ) -( فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ ) ويكون المراد بالأداء معناه الحقيقي أعني الفعل في الوقت وبالفوات التأخر عن أول الوقت لا عن جميعه وعليه فالمعنى ان الأربعة إذا تأخرت عن أول أوقاتها الشرعية وجب المبادرة بفعلها والإتيان بها فلا تسقط عن أحد تمكن من فعلها بخلاف الصوم فإنه يسقط في مواضع متعددة مع إمكان فعله كالمريض
والمسافر غالبا والحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن وغير ذلك.
ورابعها: ان يكون المراد ان كل واحد من الأربعة لا بد من قضائه والإتيان به بعينه ولا يجزى عنه ان يتصدق بدله بصدقة بخلاف الصوم فإنه في عدة صور تجزى الصدقة عنه كما تقرر في محله وهذا أحسن الوجوه وعلى هذا قالوا وفي قوله وجزيت ذلك الذنب بصدقة بمعنى أو، فقد وردت بمعناها فظهر الفرق إذ الأربعة لا بد من قضائها وهو شرط في التوبة منها.
وأما الصوم فتارة يجب قضاؤه وتارة لا يجب بل تجزى الصدقة عنه كما تقرر شرعا فأشار الى القسم الأول بقوله: أديت مكانها أياما غيرها والى الثاني بقوله ولا قضاء عليك فيرتفع التناقض والحمل على المجاز ولك ان تجمع وجهين فصاعدا فتجعلها وجه الفرق بحسب الإمكان والله أعلم.
فائدة (٤٤)
في الكافي أيضا في باب ما جاء في الاثني عشر عن ابى جعفرعليهالسلام قال:الاثني عشر الامام من آل محمد كلهم محدث من ولد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومن ولد على بن ابى طالبعليهماالسلام فرسول الله وعلى هما الوالدان(١) وعنهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله انى واثنى عشر من ولدي وأنت يا على زرّ الأرض يعني أوتادها وجبالها بنا أوتد الله الأرض أن تميد [ تسيخ - خ ] بأهلها فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي ساخت الأرض بأهلها ولم ينظروا(٢) .
وعنهعليهالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من ولدي اثنا عشر نقيبا نجباء محدثون مفهّمون آخرهم القائم بالحق الحديث(٣) .
أقول ظاهر هذه الاخبار بل الخبر الأول خاصة يستلزم كون الأئمة ثلاثة عشر ويرده النصوص المتواترة.
وتوجيهه بوجوه:
منها: ان يحمل الولادة على الأعم من الحقيقة كما في الأحد عشر والمجازية كعليّعليهالسلام فإنه باعتبار دخوله في أمة محمدصلىاللهعليهوآله يجوز ان يطلق عليه انه ولده
__________________
(١) الكافي ج ٢ ص ٥٣١
(٢) الكافي ج ١ ص ٥٣٤ ح ١٧.
(٣) الكافي ج ١ ص ٥٣٤ ح ١٨.
فقد ورد في الحديث انه قال يا على أنا وأنت أبوا هذه الأمة فمن عق والديه فعليه لعنة الله(١) .
وأوضح من ذلك قوله تعالى:( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ )
وقد نقل ان في مصحف ابن مسعود وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم(٢) .
وروى في بعض الاخبار ان النبيصلىاللهعليهوآله أب لأمته وحمل عليه قول لوطعليهالسلام ( هؤُلاءِ بَناتِي ) فيستقيم الحكم بأن الجميع من ولد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ويجمع بين الاية والخبر السابق بما لا يخفى بل لا منافاة بين كونهما أبوي الأمة وأحدهما أبا الأخر إذ هو من أمته، ويقرء قوله وولد على بالرفع اى كذلك فهو مبتداء خبره محذوف.
ومنها: أن يكون الظرفان بل كل واحد منهما خبر مبتداء محذوف اى بعضهم من ولد رسول اللهصلىاللهعليهوآله وبعضهم من ولد علىعليهالسلام أو يكون الظرف الأول خبر مبتداء محذوف، والثاني عطفا عليه وتقديره بعضهم أو أكثرهم فيكونان خبرا واحدا أو خبرين لمبتداء واحد من باب تعدد الخبر بالعطف.
ومنها: أن يكون حكما على الأكثر من غير تقدير فيبقى بمنزلة التغليب في الحكم وله نظائر في كلام البلغاء كما يطلقون وصف أهل بلد والحكم عليهم بالخير والصلاح أو بالشر والفسق أو بقتل أحد أو نهب بلد أو خروج على امام ونحو ذلك.
ومنها: ان يكون عاما مخصوصا فإنه ما من عام الا وقد خص كما اشتهر عن ابن عباس وغيره والمختص معلوم قطعي صريح متواتر وعلى هذا والذي قبله يكون الظرفان خبرين للمبتدإ المذكور من باب تعدد الخبر أيضا.
__________________
(١) أنوار البهية للمحدث القمي ص ٦٣.
(٢) الناقل هو الطبرسي ره في مجمع البيان عن ابى وابن مسعود وابن عباس قال:
وروى ذلك عن ابى جعفر وابى عبد الله (ع) راجع ج ٨ ص ٣٣٨.
ومنها: أن يكون الإمامة أعم من الحقيقة كما في الأحد عشر (ع) والمجازية كما في فاطمةعليهاالسلام فإنها لكونها معصومة وقولها حجة وطاعتها مفروضة جاز إطلاق الإمام عليها مجازا واستعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز جائز كما تقرر في الأصول والعربية وامامة علىعليهالسلام معلومة من أدلة أخر كثيرة ونصوص متواترة بل متجاوزة حد التواتر اللفظي والمعنوي كنص الغدير وغيره وهذا الوجه اعنى دخول فاطمةعليهاالسلام يتعين في الثاني والثالث من غير احتياج الى المجاز فإنه لا محذور في دخولها فيهما وشمول الأحكام المذكورة فيهما لها والله أعلم.
فائدة (٤٥)
في الفقيه قال سأل محمد بن عمران أبا عبد الله (ع) فقال لأي علة يجهر في صلاة الجمعة وصلاة المغرب وصلاة العشاء الآخرة وصلاة الغداة وسائر الصلوات الظهر والعصر لا يجهر فيهما؟
ولأيّ علة صارت التسبيح في الركعتين الأخيرتين أفضل من القراءة قال لأن النبيصلىاللهعليهوآله لما اسرى به الى السماء كان أول صلاة فرضها الله تعالى عليه الظهر يوم الجمعة فأضاف الله إليه الملائكة تصلي خلفه وأمر نبيهصلىاللهعليهوآله ان يجهر بالقراءة ليبين لهم فضله ثم فرض الله العصر ولم يضف إليه أحدا من الملائكة وأمره أن يخفى القراءة لأنه لم يكن وراه أحد ثم فرض عليه المغرب وأضاف إليه الملائكة فأمره بالإجهار وكذلك العشاء الآخرة فلما كان قرب الفجر نزل ففرض اللهعزوجل عليه الفجر فأمره بالإجهار ليبين للناس فضله كما بين للملائكة فلهذه العلة يجهر فيها الحديث(١)
أقول: فيه كما ترى اشكال من حيث ان الاسراء كان ليلا كما هو صريح القرآن ونزل قبل الفجر كما هو متفق عليه في الحديث والنقل.
وحل الاشكال من وجوه:
أولها: ما رواه الكليني في باب تاريخ مولد النبيصلىاللهعليهوآله ان أبا بصير سأل أبا عبد اللهعليهالسلام كم عرج برسو اللهصلىاللهعليهوآله فقال مرتين الحديث(٢) .
__________________
(١) الفقيه ج ١ ص ٣٠٩ ط الغفاري
(٢) الكافي ج ١ ص ٤٤٣ ح ١٣.
ورواه الصدوق أيضا في كتاب المجالس.
وروى في بعض الاخبار انه عرج به مائة وعشرين مرة كما في الخصال(١) وبصائر الدرجات وغيرهما فيجوز كون الإسراء في إحدى المرات أو المرتين ليلا وفي الأخرى نهارا أو مستمرا الى النهار وهذا قريب.
وما روى من ان الصلوات صارت واجبة وقت الأسرى يمكن حمله على النهارى ويمكن توجيهه بوجوبها إجمالا في أحدهما وتفصيلا في الأخر.
وثانيهما: أن يحمل على كون الوجوب حصل وتقرر في الأسراء الليلي ووقوع الصلاة وكون الصلوات كانت واجبة أولا غير مقيدة بوقت فقد روى ذلك في بعض الاخبار وإذا وجب خمس صلوات مطلقة غير مقيدة لوقت، فلا قصور في إيقاعها ليلا في السماء أو أكثرها وتكون متميزة بالأولى والثانية إلخ ولا ينافي ذلك الإضافة إلى الظهر وغيره أو تسميتها بها لوجوه.
أحدها: كون التسمية غير ملاحظ فيها معنى الوقت بل هي ألفاظ مشتركة وثانيها: أن يكون معنى الوقت فيها ملاحظا لآية سيصير وقتها لها.
وثالثها: ان نقول التسمية في كلام الصادقعليهالسلام وذلك بعد التوقيت فلا محذور وثالثها: أن نقول لعلها كانت مطلقة وكان التوقيت ثالثا على وجه الندب فحسن أن تضاف الى الوقت وجاز أن تقع في غيره وترك المندوب ذلك الوقت لحصول مرجح آخر أفضل منه.
ورابعها: ان نقول لعله كان التوقيت كما ذكر في الحديث ثم نسخ بالنص في الكتاب والسنة والإضافة ح باعتبار الحكم الناسخ لا المنسوخ كما مر في بعض الوجوه.
وخامسها: انه قد تقرر ان الليل هو مدة كون الظل الأرض فوقها بالنسبة إلى
__________________
(١) الخصال ص ٥٦٦ وأورده العلامة المجلسي ره أيضا في البحار عن العيون والخصال ج ١٨ ص ٣٨٧.
الربع المسكون بل الى كل مكان باعتباره كذلك ومعلوم ان الشمس أكبر جرما من الأرض بكثير حتى انهم قرروا وبرهنوا على ان الشمس مقدار الأرض مأة وستة وستين مرة وربع مرة وثمن مرة ويلزم من ذلك كون المضيء من الأرض أكثر من نصفها دائما كما هو شأن كل كرة استضاءت من كرة أكبر منها كما في الشمس والقمر وغير ذلك واللازم من ذلك كون ظل الأرض مخروطا مستدقا تدريجا مثل شكل الصنوبرة واقعا في خلاف جهة الشمس دائما متحركا بحركتها وينتهي في ما بين الأفلاك كما هو مقرر أيضا.
فليس للأرض ظل عند السماء السابعة قطعا فضلا عما فوقها والزوال هو وقت وقوع الشمس على دائرة نصف النهار وميلها عنها يسيرا الى طرف المغرب وهو مختلف باختلاف الأماكن فلعل صلاته (ص) كانت في مكان تكون الشمس واقعة على تلك الدائرة اعنى دائرة سمت الرأس وبالنسبة إليه (ص) هناك وهو يجامع كون ذلك في الليل بالنسبة الى أهل مكة قطعا وعلى هذا فيحمل قرب الفجر على ما هو بالنسبة إليهم كما هو ظاهره فتدبر.
واما ما اشتهر بين أهل الهيئة من امتناع الخرق والالتئام في الأفلاك فإن الأدلة العقلية لم تقم على ذلك والنقلية منافية له ومعلوم انه ليس بممتنع لذاته وأدلة الاسراء وغيرها يدل على بطلانه وعموم القدرة الإلهية يدل على الإمكان والنقل المتواتر على الوقوع وما يدعيه بعض المنجمين والحكماء من الأفلاك والكواكب تؤثر في كل شيء ولا يؤثر فيها شيء فهو باطل بالضرورة عند أهل الشرع ولم يثبت له دليل معقول ولا ريب في ان اعتقاد ذلك يوجب الكفر وينافي الإسلام ويستلزم من المفاسد الدينية ما لا يعد ولا يحصى كبطلان الاسراء وسقوط التكليف وغير ذلك والله اعلم.
فائدة (٤٦)
في شرح خطبة لأمير المؤمنين (ع) التمسه منى بعض الرؤساء على وجه الاختصار يتحقق بعض لغتها وبيان نبذة من نكتها.
روى الصدوق في المجالس(١) بإسناده عن الصادق عن آبائه (ع) قال قال أمير المؤمنينعليهالسلام والله ما دنياكم عندي. إضافتها إليهم للتشنيع عليهم بحبها وكسبها [ وكسبهم - خ ] حتى كأنها مقصورة عليهم فحسنت إضافتها إليهم والغرض التزهيد فيها وإظهار ما هو ظاهر من تركه لها حتى لا يمكن إضافتها إليه ليقتدى به في ذلك.
الا كسفر: - أى كقوم مسافرين وهو من قصر الموصوف على الصفة قصرا إضافيا أو للمبالغة وهو من قصر القلب باعتبار ان حال المخاطبين في حب الدنيا والاقتصار عليها يقتضي اعتقادهم دوامها فلذلك اثبت فناؤها بطريق القصر مع التوكيد وان لم يكونوا منكرين فجعلهم كالمنكرين لما لاح عليهم من أمارات الإنكار.
على منهل: - وهو اما مصدر بمعنى أول الشرب كالنهل محركة أو بمعنى المشرب اى الموضع الذي فيه الشرب أو المنزل الذي بالمفازة ذكر ذلك صاحب القاموس وعلى الأولين هو إشارة إلى سرعة فناء الدنيا حال كون أهلها مغمورين في لذاتها وعلى الرابع الى كون صاحبها على خطر عظيم وخوف ويقين بانقضائها حلو: - من الحلول ضد الارتحال لمقابلته به.
__________________
(١) ٦٢٠ ط الإسلامية
إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا:
الإتيان بإذا الفجائية مع الفاء، وذكر الصياح، والسائق للمبالغة في سرعة الارتحال بغتة وعدم التمكن من الإقامة وان أرادوها ويؤيد المعنيين الأولين ولا ينافي مناسبة الأخير لدلالته على زيادة أسباب السرعة.
ولا لذاتها في عيني -: اما ان يراد باللذات ما يحصل منه كالمآكل والملابس والمناكح ونحوها أو يراد بالعين عين القلب والا فهي أمور معنوية غير محسوسة بالعين الباصرة أو يكون الكلام على طريق التمثيل.
الا كحميم -: وهو الماء الحار والماء البارد أيضا فهو من أسماء الأضداد.
أشربه غساقا -: بالتخفيف كسحاب أو بالتشديد كشداد وهو البارد المنتن ومن هنا يظهر انه يتعين ارادة البارد من الحميم وهذا الحصر كالأول.
أو علقم -: وهو الحنظل وكل شيء مرّ وأشد الماء مرارة.
أتجرعه -: اى ابتلعه بتكلف ومشقة.
زعاقا -: اى مرا وهو حال من ضمير المفعول.
وسم أفعى: وهو مثلث السين المهملة هذا القاتل المعروف والأفعى الحية الخبيثة تكون أسماء وصفة.
أو أسقاه دهاقا:يقال وهو الكأس ملأه ودهق الماء أفرغه إفراغا شديدا فهو من أسماء الأضداد أيضا وكلاهما متجه.
وقلادة من نار أوهقها خناقا -: الوهق محركة ويسكن الحبل في الشوطه يرمى فيها وتؤخذ به الدابة أو الإنسان وهقه كوحده حبسه والظاهر ان أصله أوهق بها بالبناء للمجهول فحذف الحرف وعدى الفعل بنفسه والخناق ككتاب: الحبل يخنق به.
فقد ظهر انه حصر لذات الدنيا في أربعة أقسام كل واحد منها تنفر منه الطباع إذ المقصود التنفير والتزهيد ولعل وجه الحصر أنها اما أن تكون مستلزمة للمشقة
الشديدة أو قاتله والأول اما متناه في المشقة أو دونه والثاني اما ظاهر واما خفي هذا على تقدير كون الواو بمعنى أو كما هو وارد كثيرا في مثل هذا المقام والا فيكون حصر اللذات في مشابهة مجموع الأربعة ولعل الترقي من الأدنى إلى الا على للدلالة على ان بعضها ينجر الى ما هو أعظم منه.
ولقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها -: شرععليهالسلام في وصف حاله ليقتدى به من تأخر عنه وان كانت ظاهرة لمن كان في زمانه ليعلم ان من أمر بشيء ينبغي أن يبدأ بنفسه فيأمرها والمدرعة: كمكنسة ثوب غليظ كالدراعة ورقع الثوب إصلاحه بالرقعة وهي خرقة تخاط على الموضع التالف [ التأليف - خ ] ولعل وجه الاستحياء خوفه من أن ينسبه راقعها الى البخل والدناءة والخسة وقصر الهمة وذلك لبعد طباع أهل الدنيا عن معرفة خستها وغلبة حبها عليهم وما أحسن قول مهيار قنعت منها بما بل الصدى كبرا(١) في همتي ظن قوم انه صغر.
وقال لي اقذف بها قذف الأتن لا ترتضيها لبرادعها. [ ليرقعها خ م ] القذف الرمي يقال: قذف بالحجارة أى رمى بها والأتن الحمير جمع اتان أنثى الحمر والبرادع جمع بردعة بالدال المهملة والمعجمة معا وهي الحلس يلقى تحت الرحل والحلس الكساء الذي على ظهر الدابة يعنى ان الراقع قال له ارم بهذه المدرعة كما ترمى بها الحمير التي لا ترتضيها مطروحة على ظهورها تحت رحالها فكيف ترضى بلبسها الأكابر الأجلاء من بنى آدم مثلك هذا على تقدير كون الجملة الفعلية صفة المعرف بلام الجنس.
نحو ولقد أمر على اللئيم يسبني.
واحتمال الاستئنافية أيضا متوجه بيانا لسبب القذف.
فقلت له اعزب عنى. العزوب: الذهاب والغيبة.
عند الصباح يحمد القوم السري: يعنى السير بالليل.
__________________
(١) قنعت منها حويل الصدى
وتنجلي عنهم عيابات(١) الكرى. أى تنكشف عنهم حجب النوم وغواشيه التي كانت تغشاهم وهو قريب من قولهعليهالسلام الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا، فكان للعبادة في الدنيا سير بالليل وما يعرض للناس فيها من الفترات والميل الى الكسل بمنزلة النعاس والنوم فاذا جاء النهار ظهرت نتيجة السفر وزالت عوارض السهر وتبين فضل المجاهدين وخيبة الراقدين أو المراد بالليل والنوم ما يعرض في الدنيا من الشبهات في الدين والشكوك المعارضة لليقين وبالصباح انكشاف جميع ذلك في القيمة.
ولو شئت لتسربلت: أى تقمصت أو تدرعت أو لبست.
بالعبقري وهي نسبة الى قرية ثيابها في غاية الحسن، والعبقري أيضا الكامل من كل شيء وضرب من البسط وعبقر اسم امرأة.
المنقوش من ديباجكم: الديباج معروف وهو فارسي معرب والمعنى انى قنعت وزهدت في دنياكم لا عن عجز بل مع غاية القدرة ولو أردت للبست أفخر الملابس بحسب اعتقادكم بناء على الظاهر كما في خبر الصناديق الأربعة في كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة وفيه موعظة بليغة.
ولا كلت لباب هذا البر بصدور دجاجكم. اللباب الخالص من كل شيء ومن الجوز ونحوه قلبه، والبر بالضم الحنطة والمعنى ظاهر.
وقد روى انهعليهالسلام ما أكل خبز البر ولا شبع من خبز الشعير(٢) .
ويروى عنه أيضا أنه سئل أنت أفضل أم أبوك آدم فقال ان آدم نهاه الله عن الشجرة فأكل منها وأحلها لي فتركتها(٣) .
__________________
(١) علالات - خ م. عنايات خ ل
(٢) حلية الأبرار للبحرانى ص ٣٥٢ - ٣٥٧.
(٣) منهاج الحق واليقين في تفضيل أمير المؤمنين (ع) على سائر الأنبياء والمرسلين تأليف ولي الله بن نعمة الله الحسيني الرضوي المخطوط في مكتبة صديقي العلامة اللاجوردي ص ٤٨ وفقنا الله لطبعه ونشره ومؤلفه كان معاصرا لوالد الشيخ البهائي العاملي ره كما يظهر من كتاب كنز المطالب الذي ألفه سنة ٩٨١ وهو صاحب مجمع البحرين في فضائل السبطين وقد جمع فيه الأدلة والبراهين على تفضيله من كتب الفريقين راجع الذريعة ج ٢٣ ص ١٦٠
ولشربت ماء الزلال برقيق زجاجكم. الزلال كغراب سريع المرّ في الحلق والبارد والعذب الصافي السهل السلس، والزجاج معروف مثلث الزاي وصانعه الزجاج وبائعه الزجاجي وقد ذكر الملابس والمآكل والمشارب لأنها أعم الشهوات واللذات المقصودة للعقلاء في الجملة وترك المناكح إذ لم يكن تاركا لها ولان الشرع ورد بالترغيب في المباح منها لبقاء النسل وتكثير الأمة ودفع الشهوة الداعية إلى الحرام وغير ذلك من المصالح المهمة فكان التزهيد فيها منافيا للحكمة
ولكني أصدق الله جلت عظمته حيث يقول( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النّارُ ) (١) .
فيه تعريض بالمخاطبين حيث يريدون الدنيا والآخرة واشارة إلى انهما لا يجتمعان على وجه الكمال بل لا بد من دخول نقص في إحديهما أو فيهما وهذا وأمثاله ذم الدنيا المحرمة أو لما زاد عن أقل الكفاية مطلقا ولعله يفهم من لفظ الزينة هنا فان ما لا يزيد عليه من الحلال مأمور بطلبه بل تحصيله واجب فهو من العبادات وبهذا الاعتبار يجمع بين ما ورد من الاخبار من النهى والأمر والذم والمدح أو يقال ان مطلق الدنيا المباحة إنما أمر بطلبها ورغب في تحصيلها كما في كتاب التجارة وغيره لتكون وسيلة إلى تحصيل الثواب وفعل الخير ومعونة على العبادة والعلم وبهذا الاعتبار هي من قسم الآخرة كما ورد التصريح به ويحمل الذم على ما كان المراد منه مجرد الجمع والتلذذ والتنعم ونحو ذلك من الأغراض الفاسدة.
فكيف أستطيع الصبر على نار لو قذفت بشررة. وهي ما يتطاير من النار.
__________________
(١) هود - ١١
إلى الأرض لا حرقت نبتها.
اى كله فإن إضافة المصدر تفيد العموم حيث لا عهد نحو أكل زيد وضرب عمرو فإنه يصح الاستثناء من مثله وهو دليل العموم والحكم بذلك مع كون الذي يطير من النار في غاية القلة والصغر نهاية الترهيب والتحذير.
ولو اعتصمت: اى امتنعت وتمسكت.
نفس بقلة: بالضم أعلى الرأس والسنام والجبل أو كل شيء.
لا نضجها: أى طبخها حتى أدركت وتلاشت اجزاؤها.
وهج النار: أى توقدها واضطرامها.
في قلتها: الضمير راجع الى النفس وفي الإضافة إشارة إلى شدة الاعتصام ومزيد الاختصاص.
وأيما خير لعلى أن يكون عند ذي العرش مقربا أو يكون في لظى: أي في جهنم.
خسيئا: أى مطرودا.
مبعدا مسخوطا: مغضوبا عليه. بجرمه: اى بذنبه.
مكذبا: لو أنكر واعتذر وهذا على سبيل الفرض والتقدير في الثاني فإن الأول محقق والشيء يقاس بضده أو من تعليق المحال على المحال.
والله لأن أبيت على حسك السعدان: وهو نبت له شوك والحسك شوك.
مرقدا: اى مكرها على الرقاد.
وتحتي اطمار على سفاها: الاطمار جمع طمر بالكسر الثوب الخلق أو الكساء البالي والسفا بالسين المهملة قالوا التراب وكل شجر له شوك ولا يخفى حسن موضع الإضافة هنا.
ممددا: حال كمرقدا.
أو أجر في الأغلال: جمع غل وهو ما يوضع في اليدين والعنق للأسير ونحوه
مصفدا: أى مشدودا موثقا والأصفاد القيود والمراد اجتماع الأمور الثلاثة واستيعابها لحالاته ولا يخفى انها بالنسبة إلى مثله في شرف النفس وعلو الهمة وإباء الضيم من أعظم البلايا وأشد الشدائد.
أحب الىّ ان القى في القيمة محمداصلىاللهعليهوآله خائنا في ذي يتمة: وهي بالضم الانفراد وفقدان الأب ومن البهائم فقدان الام وقد جاءت بمعنى الهم وكل منها هنا متجه والثاني أقرب.
أظلمه بفلسة متعمدا: تخصيص اليتم والتنصيص على النعمة لزيادة التقبيح والذم لعاقبة حب الدنيا وهو انه ينجر الى مثل هذه الكبائر وذكر الفلس مناسبة للمقام وارادة للمبالغة في التحرز من الظلم، وتقرير لأنه من أعظم الذنوب أو إشارة إلى أنه أدنى ما يستلزمه ما تقدم والحكم بالتفصيل في المحبة هنا كقوله تعالى حكاية عن يوسف( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) (١) ومعلوم أنهماعليهماالسلام لا يحبان شيئا من الأمور المذكورة إلا باعتبار أن العاقل يختار ادنى الشرين على أعظمها محبة أحد الشرين لا لذاته بل لكونه مصرفا عما هو أعظم منه.
ولم أظلم اليتيم وغير اليتيم: استفهام إنكاري للإبطال ونفى ما بعده كقوله تعالى:( أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ ) أى ولأي شيء أظلم الناس.
لنفس يسرع الى البلى قفولها: اى رجوعها أو سفرها الذي يتعقبه الرجوع كما يسمى الجماعة المبتدئة في السفر قافلة تقاولا بالرجوع.
ويمتد في إطباق الثرى حلولها: اى يطول بين التراب يعني في القبر إقامتها
وان عاشت رويدا: اى مهملة قليلة وهو تصغير رود بالضم.
فبذي العرش نزولها: يعنى لزهده النفس التي هذا وصفها من سرعة ذهابها وقصر عمر صاحبها وطول زمان موته وكون آخر أمره العود الى دار الجوا ليس لها قابلية لتحمل ظلم الناس لأجلها.
__________________
(١) سورة يوسف ٢٣
معاشر شيعتي احذروا فقد عضتكم الدنيا بأنيابها: خص شيعته المضافين الى نفسه لزيادة الاعتناء بشأنهم وصلاح حالهم وكونهم المتأهبين للامتثال المنتفعين بصالح الاقوال والأعمال وحذرهم من الدنيا والغفلة فيها وعرفهم انها تمكنت منهم وعضتهم بأنيابها فأشرفت على اتلافهم وإهلاكهم وقد شبه الدنيا بالحية واثبت لها الأنياب والعض على سبيل الاستعارة بالكناية والتخييلية والترشيحية.
تختطف منكم نفسا بعد نفس كدأبها: الخطف والاختطاف الاستلاب أي الأخذ بسرعة والد أب الشأن والعادة والجد والمعنى كما هي عادتها مع غيركم من قبلكم وفي منزلكم أو مطلقا.
وهذه مطايا الرحيل قد أنيخت لركابها: كناية عن قرب المعرف وسرعة الانتقال من الدنيا الى الآخرة.
ألا ان الحديث ذو شجون: أى فنون وأغراض وشعب يعنى له محامل ومعان شتى وفيه مطالب مختلفة وكثيرا ما يراد به غير الظاهر وقد يراد به الظاهر وغيره.
فلا يقولن قائلكم ان كلام علي متناقض: حيث ان كثيرا من كلامه في ذم الدنيا وبعضه في مدحها كخطبة المشهورة وغير ذلك من كلامه المتعلق بالمواعظ وردع الناس عن الإفراط ولتفريط في كل شيء واحتجاجه على جماعة تركوا الدنيا بالكلية ونهيهم عن ذلك ونحو كلامه في المكروهات والمستحبات.
فقد رويت عنه أحاديث في مثل ذلك تارة بالأمر وتارة بالنهي وأخرى بالتخيير ومرّة بالترغيب ومرة بإذن في الترك بحسب ما يقتضيه الحال من تقرير الشريعة وردع الناس عن الإفراط والتفريط وكذا ورد عن أبنائه (ع) بل أكثر كلامهم الذي ظاهره الاختلاف مخصوص بنحو ذلك لا يكاد يخرج عنه الا الى التقية كما يظهر بالتتبع.
لان الكلام عارض: يقال عرض الشيء بدأ وظهر، اى انه يأتي من المتكلم بحسب ما يبدو له من حال المخاطب ومن المطالب والأغراض من المدح والذم
والترغيب والترهيب وغير ذلك.
ولقد بلغني ان رجلا من قطان المدائن: أى سكانها والمقيمين بها وهي بلاد قرب بغداد وتسمى مدائن كسرى سميت مدائن لكبرها.
تبع بعد الحنيفية: اى الملة المستقيمة يعنى الإسلام.
علوجه: اى رفقائه وخلطاؤه من كفار العجم والظاهر ان المراد انه ارتد عن الإسلام حبا للدنيا والشهوات لما يأتي من استحقاقه حد المرتد وانه اشتغل بالدنيا عن الدّين بالكلية أو صرف جميع ماله في الشهوات لما يأتي من استحقاقه حدّ المرتد أو انه اشتغل بالدنيا عن الدين بالكلية أو صرف جميع ما له في الشهوات فمنع الحقوق والزكوات لقوله فيما يأتي فما واساهم وكل ذلك موجب للارتداد على وجه أو متابعة الكفار في طرائقهم.
ولبس من نالة دهقانه: بالكسر والضم القوى على التصرف والتاجر ورئيس الإقليم فارسي معرب، وزعيم فلاحى العجم والمناسب هنا كون المراد به التاجر وغيره ممكن أيضا فيكون المراد ان ملبوسه غصب.
منسوجة وتضمخ: اى تلطخ بالطيب ودهن جسده به حتى كأنه يقطر منه.
بمسك هذه النوافج: جمع نافجة وهي وعاء المسك فارسي معرب.
صباحه وتبخر بعود الهند رواحة: أى آخر النهار.
وحوله يحان: وهو نبت معروف.
حديقة: وهي الروضة ذات الشجر والبستان من النخل والشجر أو كل ما أحاط به البناء والقطعة من النخل.
يشم تفاحة وقد مد له مفروشات الروم على سريرة(١) .
تعسا له: دعا عليه بالتعس وهو الهلاك والعثار والسقوط والشر والبعد والانحطاط.
__________________
(١) على سرره: خ م.
بعد ما ناهز: اى قارب السبعين من عمره وحوله شيخ يدب على أرضه أي يمشى على هنيئة مشيا ضعيفا.
من هرمة: وهو أقصى الكبر.
وذو يتمه: اى الانفراد أو فقدان الأب أي يتيم.
تضور اى يتضرر ويتلوى من ألم الجوع.
من ضره ومن قرمه: محركة اى شهوة اللحم وكثر استعماله أيضا حتى في الشوق الى الحبيب.
فما وأساهم: أي فما أنالهم ولا أعطاهم من ماله شيئا وضمير الجمع باعتبار ان المراد بالشيخ واليتيم غير معين فيصدق كل منهما على أفراد متعددة أو إطلاق للجمع على اثنين مجازا على الأصح.
بفاضلات من علقمة: اى مأكله الردى العاقبة السريع الفنا وقد مرّ تفسير العلقم وهو هنا مجازا كما قلنا.
لئن امكننى الله منه لأخضمنه: الخضم الأكل بأقصى الأضراس أو ملؤ الفم بالمأكول أو خاص بالشيء الرطب كالقثاء.
خضم البر بالضم: الحنطة.
ولا فيمن عليه حد المرتد: لاتباعه الكفار كما مر أو لاستحلال تركه الضروريات من الواجبات.
ولأضربنه الثمانين بعد حدّ: لعله على وجه حدّ التعزير بما اقتضاه نظرهعليهالسلام أو لعلمه بإتيانه بموجب الحد والتعزير ويكونان مقدمين على القتل كما تقرر.
ولأسدّن من جهله كل مسد: بإقامة الحجة والبرهان أو حبسه أو قتله.
تعسا له: دعا عليه وقد مر تفسيره.
أفلا شعر أفلا صوف أفلا وبر أفلا رغيف قفار: اى غير مأدوم.
الليل إفطار مقدم: اى يقدمه ذخيرة لآخرته.
أفلا عبرة: أى دمعة.
على خد في ظلمة ليل تنحدر: أى تتساقط بسرعة.
ولو كان مؤمنا لاتسقت: اى انتظمت وتمت له الحجة إذ ضيع ما لا يملك: أي أنفق ما لا يجوز له إنفاقه شرعا أو غصب أموال الناس وأنفقها وأتلفها.
والله لقد رأيت عقيلا أخي وقد أملق: اى افتقر.
حتى استماحني: أى سألني أن أعطيه.
من بركم هذا صاعا وعاودني في عشر وسق: وهو ستة أصواع - وفي رواية أخرى في صاع.
من شعيركم يطمعه جياعه.
ويكاد يلوى: اى يطوي كما في نسخة أخرى.
ثالث أيامه خامصا: اى جائعا.
ما استطاعة أي يقدر قدرته من الاستماحة والمعاودة أو من الجوع.
ورأيت أطفاله شعث الألوان: اى قد تغيرت وجوههم واغبرت من ضرهم كأنما اشمأزت وجوههم: اى انقبضت واقشعرت.
من قرّهم: بضم القاف أى من بردهم.
فلما عاودني في قوله، وكرره أصغيت اليه سمعي: اى ملت اليه بأذنى.
فغرة: من الغرور ولعل وجه الإصغاء الثاني رجاء الانزجار اختبارا منه.
وظننى أوبغ ديني: بالباء الموحدة والغين المعجمة يقال: وبغه كوعده عابه أو طعن عليه والوبغ محركة داء يأخذ الإبل فيرى فساده في أو بارها ويقال وثغ رأسه بالثاء المثلثة اى شدخه والنسخ هنا مختلفة.
فاتبع ما سره فأحميت له حديدة كير: وهو مزق ينفخ فيه الحداد.
لينزجر: أى ليمتنع.
إذ لا يستطيع منها دنوا ولا يصطبر.
فضج: اى صاح وجزع.
من ألمه: لعل المراد به ألم الخوف من الإحراق إذ لم يعلم أنه أحرقه بالفعل بل ورد أنه أدناها من جسمه وكأنه خوفه تخويفا فظن انه يريد إحراقه ويمكن ان يكون أوصلها إلى جسمه فالالم ألم الإحراق ووجهه انه لم يكن ازالة المنكر الا بذلك ولا ريب انه لم يقدر في ذلك الوقت على إيصاله ما طلب على وجه شرعي.
ضجيج ذي الم يأن: اى يتأوه.
من سقمه وكاد يسبني سفها من كظمه: يقال كظم الغيظ اى رده وحبسه ويقال رجل كظم ومكظوم أى مكروب والثاني أقرب وأنسب لتعليل قرب السبب والأول لتعليل عدمه وتركه المفهوم من المقاربة
ولحرقة في لظى: أى جهنم
أضنى له: يقال ضنى اى مرض مرضا مخامرا كلما ظن برءه نكس وأضناه المرض.
من عدمه: وهو ضد الوجود
فقلت له ثكلتك الثواكل: الثكل فقدان الحبيب أو الولد وامراة ثاكل فقدت ولدها
يا عقيل أتأنّ من حديدة أحماها إنسانها لدعبه: أى لمزاحه ولعبة وفهم من هذا انه لم يرد إحراقه فضلا عن أن يكون فعله.
وتجرني الى نار سجرها: اى أحماها.
جبارها لغضبه أتان من الأذى: أى أذى حرارة النار فاللام للعهد.
ولا أئن من لظى والله لو سقطت المكافاة عن الأمم وتركت في مضاجعها اى مراقدها يعنى القبور.
بأليات في الرمم: جمع رمة بالكسرة وهي العظام البالية أي في جملة الرمم أو في رمم القبور.
لاستحييت من مقت رقيب: أى بعض مراقب.
يكشف فاضحات من الأوزار تنسخ: اى تكتب في الصحائف وقتا بعد وقت فصبرا على دنيا تمر بلأوائها: أى بشدتها.
كليلة بأحلامها: وهي ما يرى في النوم تسلخ: اى تمضى يعنى ان أحوال الدنيا مع انها كلها أو أكثرها شدة تنقضي كما تنقضي ليلة بأحلامها.
كم بين نفس بين خيامها ناعمة: اى متنعمة في خفض ودعة.
وبين أثيم: أي صاحب اثم وذنب عظيم.
في جحيم يصطرخ: اى يصيح صياحا شديدا.
فلا تعجب من هذا وأعجب بلا صنع منا: وفي نسخة بلا منع منا يقال: هو صنعي وصنيعي اى اصطنعته ورتبته وخرجته والصنع التكلف في حسن السمت والتزين والمصانعة الرشوة والمداراة والمداهنة والصنع بالضم فعل المعروف وبالفتح والضم مطلق العمل ويمكن توجيه العبارة بكل واحد من هذه المعاني وأكثرها والمنع معروف.
وكان مرادهعليهالسلام بلا منع منا من عوض الهدية يعنى الباعث على عدم القبول ليس ارادة المنع من العوض أو بلا منع منا من القبول أى ليس تركه اقتراحا لمجرد المنع أو بلا منع من الإهداء أو من التعجب يعنى انه رخص للسامع في بلوغ غاية التعجب.
من طارق طرقنا: أى أتانا ليلا أو مطلقا.
بملفوفات زملها في انائها: التزميل الإخفاء واللف في الثوب وتزمل تلفف والإناء: الوعاء والمراد نوع من الحلواء الجيدة.
ومعجونة بسطها في وعائها فقلت له أصدقه أم نذر أم زكاة وكل ذلك محرم علينا أهل البيت:
لعل هذا الحكم مختص بهم لا عام في جميع بنى هاشم والا فالحكم فيهم مخصوص ببعض الأقسام ويمكن إرادة الصدقة الواجبة التي هي الزكاة وذكرهما
للمغايرة اللفظية أو في اعتقاد المخاطب وربما يفهم من قوله لإذا أو ذاك انهما قسمان لا غير.
ويحتمل كون التحريم بمعنى انهم حرموه على أنفسهم اى حرموها إياه فالتحريم مجاز بمعنى الحرمان وانما فعلوا ذلك زهدا ودفعا لتهمة الطمع والرشوة وتأديبا للحكام.
وعوضنا منه خمس ذوي القربى: وهو سهم الله وسهم الرسول وسهم ذي القربى اعنى نصف الخمس.
في الكتاب والسنة فقال لي؟ لا ذاك ولا ذاك ولكنه هدية.
فقلت ثكلتك الثواكل: تقدم تفسيره.
أعن دين الله تخدعني: يقال خدعه كمنعه خدعا وبكسر ختله وأراد به المكروه من حيث لا يعلم.
بمعجونه غرقتموها: اى جعلتموها غارقة مغمورة:
بقندكم: وهو عسل قصب السكر إذا جمد.
وخبيصة صفراء: من خبصه يخبصه أى خلطه.
أتيتمونى بها بعصير تمركم: يحتمل ارادة العصير المحرم أو الأعم وان كان ارادة المحال أقرب فإن الظاهر انه انما تركها لكراهة التلذذ والنعم بالمآكل الطيبة ولما يأتي من ذكر العصيان ربما أشار الى الأول.
أمختبط أنت: يقال اختبطه الشيطان وتخبطه إذا مسه بأذى.
أم ذو جنة: أى جنون.
أم تهجر: اى تهذى.
أليست النفوس عن مثقال حبة من خردل: وهو حب شجر معروف.
مسئولة فما ذا أقول في معجونة أتزقمها: أى التقمها وابتلعها والزقوم طعام أهل النار ولعل فيه اشارة اليه معمولة.
والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها واسترق لي: أي صار ملكا.
قطانها: اى سكانها.
مذعنة: اى مقرة معترفة.
بأملاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها شعيرة فألوكها: اللوك أهون المضغ أو مضغ صلب أو علك الشيء.
ما قبلت ولا أردت، ولدنياكم أهون عندي من ورقة في فم جرادة تقضمها: يقال قضمه كسمع أكل بأطراف أسنانه أو أكل يابسا.
وأقذر عندي من عراقة خنزير: العرق اللحم بعظمه فإذا أكل لحمه فعراق أو كلاهما لكليهما وكغراب وغرابة القطعة من المأكل.
يقذف بها أجذمها وأمر على فؤادي من حنظلة يلوكها: تقدم تفسيرها.
ذو سقم فيشمها فكيف اقبل ملفوفات عكمتها: أى شددتها بثوب.
في طيها ومعجونة كأنما عجنت بريق حية أو قيئها: هذا الوصف لزيادة التفسير منها والتقبيح لها ووجهه ما فيها من الاخطار والتبعات والشبهات المهلكة كالسم القاتل.
اللهم انى نفرت منها نفار المهرة: وهي الأنثى من ولد الفرس وأول ما تنتج من راكبها وفي نسخة من كيها: وهو أبلغ في شدة النفار.
أريه السها ويريني القمر: السها كوكب خفي في بنات نعش الصغرى وهذا مثل لطيف يعنى أريه الآخرة ويريني الدنيا فالاخرة أمر خفي لاحتياجها الى الفكر والاستدلال وكونها غايبة لا تدرك بالحس الظاهر، والدنيا ظاهرة مشاهدة بالعيان لا تحتاج الى برهان. أو المراد انه يريني الظواهر الواضحة من الواجبات والمحرمات ويدعى ان ملاحظة ذلك كاف واريه الأمور المخفية في المندوبات والمكروهات والآداب والفضائل كترك الدنيا وغير ذلك.
أأمتنع من وبرة: واحدة الوبر وهو صوف الإبل والأرانب ونحوها.
من قلوصها: وهي من الإبل الشابة أو الباقية على السير أو أول ما يركب من إناثها
ساقطة. صفة الوبرة وهو إشارة إلى تحقيرها وعدم الاعتداد بها وعدم المبالاة بمن يأخذها.
وابتلع إبلا في مبركها رابطة: اى باركة يعنى انى امتنع من إعطاء صاع واحد لأخي مع شدة احتياجه أو من أكل حلوى أهديت الى مع ميلى إليها طبعا فإن المؤمن حلوى كما ورد في الخبر أو من لبس ما زاد على المدرعة وأكل ما زاد على خبز الشعير فكيف أميل إلى الدنيا وأظلم اليتيم وغيره وأتساهل في ديني.
دبيب العقارب: وهو سريان سمعها وأذاها في البدن أو مشيها الخفي لتؤذى الإنسان.
من وكرها التقط: الوكر عش الطائر وكان المراد به مكان العقارب توسعا ويظهر من هذا ان لفظ دبيب فعيل بمعنى فاعل اى العقارب التي تدب.
أم قواتل الرقش: من إضافة الصفة إلى الموصوف والرقش جمع رقشاء وهي الحية المنطقة بسواد وبياض.
في مبيتي ارتبط فدعوني اكتفى من دنياكم بملحى وقراصى فبتقوى الله أرجو خلاصي ما لعلى ونعيم يفنى ولذة تنتجها المعاصي سألقى وشيعتي: أي من شايعنى وتابعنى في الزهد أو من اعتقد امامتى.
ربنا بعيون ساهرة وبطون خماص: اى خالية وهو من الجوع أو الصوم.
( لِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ) : يقال محص الذهب بالنار خلصه مما يشوبه ذكره صاحب القاموس وكذا ما أوردته من تفسير الألفاظ الغريبة والظاهر ان مراده انى انا وشيعتي مظلومون في الدنيا تاركون لها فنحن ممنوعون من بعضها تاركون للباقي بسبب نهى الله لنا عنه وان الله مكن أعدائنا من منعنا من بعضها ونهانا عن الباقي ليمحص إلخ مع إمكان التخصيص بكونه تعليلا للترك وحده أو تعليلا لتشديد أمر الدنيا وما فيها من الأذى لصاحبها والوبال لطالبها كما يفهم من مواضع في الخطبة والله اعلم بمقاصد أوليائه.
فائدة (٤٧)
في باب الدعاء في أدبار الصلوات من أصول الكافي عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن بعض أصحابه قال: من قال بعد كل صلاة وهو آخذ لحيته بيده اليمنى يا ذا الجلال والإكرام ارحمني وأجرني من النار ثلث مرات ويده اليسرى مرفوعة بطنها الى ما يلي السماء ثم يقول أجرني من العذاب الأليم ثم يؤخر يده عن لحيته [ ثم يرفع يده ] ويجعل بطنها مما يلى السماء ثم يقول يا عزيز يا كريم يا رحمان يا رحيم، ويقلب يديه ويجعل بطونهما مما يلي السماء ثم يقول أجرني من العذاب الأليم ثلث مرات صل على محمد وآل محمد والملائكة والروح غفر له ورضي عنه ووصل بالاستغفار له حتى يموت جميع الخلائق إلا الثقلين الجن والإنس(١) .
أقول: موضع الإشكال الذي فيه قوله الا الثقلين فان ظاهره انه مستثنى من جميع الخلائق الذي هو فاعل يموت ومعناه حينئذ فاسد لان موت باقي الخلائق غير متقدم على موت الثقلين ولا على موت بعضهما بل الأمر بالعكس، وأيضا فالاستثناء لا يناسب المقام لو صح التقدم ولا يظهر له معنى يعتد به هذا ما أورده السائل.
والجواب: ان هنا مقدمة يحتاج إليها وهي ان غفر له ورضي عنه فعلان ماضيان مبنيان للمجهول قطعا، واحتمال كونهما مبنيين للمعلوم والضمير راجعا الى الله
__________________
(١) الكافي ج ٢ ص ٥٤٦ ح ٤
سبحانه بعيد جدا على انه غير مذكور الا ببعض أسمائه على وجه الخطاب دون الغيبة وكون مرجع الضمير أحدها(١) لا يخفى ما فيه من البعد وعدم الربط.
وقوله ووصل فعل ماض والأقرب فيه كونه مبنيا للمجهول ومرجع الضمير المستتر فيه مرجع ضميري له وعنه ويحتمل كونه مبنيا للمعلوم وجميع الخلائق فاعلا له وعلى هذا ينبغي تقدير ضمير فيه اى وصله فهو أنسب بالربط في مثل هذا الترتيب « التركيب - خ » وعلى هذا يموت فيه ضمير مستتر راجع الى صاحب الضمائر السابقة وهو مسند الى ذلك الضمير لا الى جميع كما كان على التقدير الأول بحسب الظاهر والا فلفظ جميع على الأول كان يحتمل فيه ثلاثة أوجه كونه فاعل يموت والضمير نائب فاعل وصل وكونه فاعل فعل محذوف كأنه قيل من يصله الاستغفار أو من يستغفر له فقيل جميع الخلائق.
كما في قوله تعالى:( يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ ) على قراءة يسبح مبنيا للمجهول.
وكقول الشاعر: ليبك يزيد ضارع لخصومة.
وكونه فاعل المصدر الذي هو الاستغفار بصحة حلول ان والفعل محله تقول ووصل بأن يستغفر له جميع الخلائق إذا عرفت هذا فحلّ الاشكال من وجوه
أحدها: ان إلا هنا ليست للاستثناء بل هي وصفية بمعنى غير كما في قوله تعالى:( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا ) (٢) وتلك يوصف بها وبتاليها جمع منكر أو ما في حكمه فالأول كالآية.
والثاني نحو قول الشاعر.
أنيخت فالفت بلدة فوق بلدة |
قليل بها الأصوات الانعامها |
فان تعريف الأصوات تعريف الجنس وهو في اللفظ معرفة وفي المعنى
__________________
(١) أحدهما خ
(٢) الأنبياء - ٢٢.
كالنكرة وكذا في كثير من الأحكام وقد تقرر ان ما أضيف إلى شيء من المعارف فحكمه حكم ما أضيف اليه الا ما استثنى وحينئذ فوصف جميع الخلائق بمغايرة الثقلين من حيث العموم والخصوص والكلية والجزئية والمغايرة صادقة بهذا القدر يعنى ان المراد بجميع الخلائق غير الثقلين وان كان كثيرا ما يطلق عليها خاصة بل المراد منهما الأعم من ذلك.
ويحتمل ان يراد المغايرة الحقيقية يعني حتى يموت جميع الخلائق الذين هم غير الثقلين من الملائكة وغيرهم ووجهه واضح فان موتهم متأخر عن موتهما أو موت بعضهم متأخر عن موت جميعها وهذا الوجه أقرب.
وثانيها: كون الا هنا عاطفة بمنزلة الواو وفي التشريك لفظا ومعنا كما قاله الأخفش والفراء، وأبو عبيدة وجعلوا منه قوله تعالى:( لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (١) .
وقوله تعالى:( إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ ) (٢) .
ااى ولا الذين ظلموا ولا من ظلم ولا يخفى ان لهما وجها آخر على تقدير الاستثناء المنقطع.
اما الأول: فإن الذين ظلموا يدعون الحجة مجرى الكلام على دعواهم واعتقادهم أو يقدر المستثنى منه فيقال ولا يدعيها أحد إلا الذين ظلموا.
وأما الثاني: فأوضح بناء على ما تقرر من عدم وجوب قبول التوبة وعدم ثبوت وجوب التكفير فإنه مثله يخاف من جزاء ظلمه وان بدل حسنا بعد سوء واما من لم يبدل، فإنه لا يخاف لغلبة الشقا عليه، ان الخوف إذ فرض كان حسنا بعد سوء.
__________________
(١) البقرة - ١٥٠
(٢) النمل - ١١.
ولا يخفى ان ما ذكروه أقرب من مثل هذه الوجوه والمذكورون ممن يقبل قوله في اللغة والعربية. وعلى قولهم يمكن تخريج الحديث بأن يكون الثقلين عطفا على الخلائق من عطف الخاص على العام للاعتناء والاهتمام كقوله تعالى:( فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ ) للتنصيص على دخول الثقلين وظهور كثرتهم لأكثر الناس.
وثالثها: أن تكون إلا زائدة كما ذكره الأصمعي وابن جنى من معاني الا وحملوا عليه.
قول الشاعر:
جراجيح ما تنفك الا مناخة |
على الخنفساء أو يرمي بها بلدا قفرا |
وقول الأخر: أرى الدهر الا منحنونا بأهله. وأوله بعضهم على تقدير صحة الرواية فإن المحفوظ وما الدهر بأن ارى جواب قسم محذوف وان حرف النفي أيضا محذوف مثل قوله( تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ ) وهو كما ترى ويمكن تأويل الأول ربما يحتاج الى تطويل ويظهر عند التأمل وعلى القول بجواز زيادتها يجوز حمل الحديث على البدلية بأن يكون لفظ الثقلين بدلا من الخلائق بدل بعض من كل.
ورابعها: ولعله الأقرب أن يكون جميع الخلائق فاعل وصل أو يصله أو الاستغفار كما مر والا للاستثناء اى يستغفر له جميع الخلائق إلا الثقلين ووجهه اما غفلة الثقلين فإنهم مشغولون عن هذا الاستغفار باللهو والشهوات غالبا واما كونهم لا يعلمون من دعا بهذا الدعاء ولا يعرفونه فيستغفرون له لقلة اطلاعهم بالنسبة إلى الملائكة ونحوهم واما لأنه يستحق هذا القدر من الاستغفار لا استغفار الجميع بغير استثناء.
واما الإرادة المبالغة بالنص على الفريق الأكثر فإن الملائكة أكثر المخلوقات
كما تقرر وثبت بالنصوص مع انضمام باقي المخلوقات إليهم وملاحظة طول المدة واستمرارها مع وجود الثقلين وبعد موتهم جميعا وعصمة الملائكة وكون دعائهم مستجابا والاستغفار دعاء بالمغفرة وانضمام باقي المخلوقات إليهم وأكثرهم خال من الذنوب أو كلهم وكون الثقلين « من » مظنة كثرة الذنوب وعدم اجابة الدعاء وبهذه الوجوه وأمثالها تظهر المبالغة بالنسبة الى ما لو أطلق لفظ المخلوقات خاليا من الاستثناء فإنه غير صريح في الاستغراق بل ربما يفهم منه ارادة الثقلين والله أعلم.
فائدة (٤٨)
رأيت في بعض مصنفات المعاصرين استدلالا على جواز العمل في الأحكام النظرية بظواهر القرآن المحتملة لوجوه متعددة: من النسخ، ولتقييد والتخصيص والتأويل وغير ذلك وان لم يرد نص في موافقة مضمونها عنهمعليهمالسلام ولا في تفسيرها منهم ولما رأيت ذلك خلاف النصوص المتواترة أحببت نقلها والجواب عنها.
فنقول: عرف المعاصر أولا النص بأنه اللفظ الدال على معنى راجح لا يحتمل النقيض، وعرف الظاهر بأنه اللفظ الدال على أحد محتملاته دلالة راجحة لا ينتفي معها الاحتمال ثم استدل على جواز العمل بالظاهر بوجوه.
الأول: قوله تعالى:( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ) (١) والرد الى الله هو الرد الى محكم كتابه كما جاءت به الرواية.
الثاني: قوله تعالى:( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ ) الاية(٢) ذمهم على اتباع المتشابه دون المحكم فلو كان المحكم مثله لم يكن كذلك.
الثالث: قوله تعالى:( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ) (٣) ذم
__________________
(١) النساء - ٥٩
(٢) آل عمران - ٦
(٣) النساء - ٨٢
على ترك تدبره ولا ريب ان المراد بذلك الحث على العمل بمقتضاه إذ الشيء انما يكون مطلوبا لغايته.
الرابع: قوله تعالى:( بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) (١) فالغرض منه وضوح المعنى.
الخامس: قوله تعالى:( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (٢) فاثبت العلماء استنباطا ومعلوم انه وراء المسموع منهم (ع).
السادس: أمر بالأخذ به في الحديث المشهور على الإطلاق خرج منه المتشابه بالإجماع وبقي ما عداه.
السابع: الأمر بعرض الحديث المشكوك في صحته عليه.
الثامن: التوبيخ على ترك العمل به كما رواه ابن بابويه عن الصادقعليهالسلام في جواب من قاله له ان لي جيرانا يتغنين ويضربن بالعود فربما دخلت المخرج فأطيل الجلوس استماعا منى لهن فقال له الصادقعليهالسلام بالله أنت أما سمعت اللهعزوجل يقول( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ) (٣) .
التاسع: تعليم الاستدلال به كقول الباقرعليهالسلام لزرارة في صحيحة المشهورة لمكان الباء وقول ابى عبد اللهعليهالسلام في رواية عبد الا على مولى آل سام حيث قال له عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء قال تعرف هذا وأشباهه من كتاب الله قال الله تعالى( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) امسح عليه(٤) .
العاشر: وقوع الاحتجاج به في كلام الرواة وأقرهم عليه الأئمة على ذلك
__________________
(١) الشعراء - ١٩٥
(٢) النساء - ٨٣
(٣) الفقيه ج ١ ص ٨٠ والآية في سورة الإسراء
(٤) راجع الوافي ج ١ ص ٥٥ باب وضوء من بأعضائه آفة.
مثل قول زرارة ومحمد بن مسلم للباقرعليهالسلام انما قال الله( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ) ولم يقل افعلوا فكيف أوجب ذلك.
الحادي عشر: قول علىعليهالسلام في وصف القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق(١) ومعنى الأنيق الحسن المعجب فالظاهر غير بعيد من الفهم فيجب التعلق به لعدم المانع
الثاني عشر: قولهعليهالسلام الا أن يؤتى عبد فهما في القرآن ولو لم يكن إلا الترجمة المنقولة منهم فما فائدة ذلك الفهم؟!.
الثالث عشر: ما رواه الكليني في الكافي وغيره عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال للقرآن ظهر وبطن فظاهره حكم وباطنه علم ظاهره أنيق وباطنه عميق له تخوم وعلى تخومه تخوم(٢) .
الرابع عشر: قولهعليهالسلام جعله الله ريا لعطش العلماء وربيعا لقلوب الفقهاء، ومحاج لطرق الصلحاء، وشاهدا لمن خاصم به، وحاملا لمن حمله ومطية لمن أعمله وآية لمن توسم، وجنة لمن استسلم وعلما لمن وعى، وحديثا لمن روى وحكما لمن قضى(٣) .
الخامس عشر: قول فاطمة (ع) في خطبتها لله عهد قدمه إليكم وبقية استخلفها عليكم كتاب الله بينة بصائره وآي منكشفة سرائره، وبرهان متجلية ظواهره(٤) .
السادس عشر: ان سد باب الظواهر يقطع الحجج على العامة فيما ابتدعوا من غسل الرجلين في الوضوء ونحوه.
هذا ما استدل به المعاصر على ذلك ثم اعترض على نفسه بان كثيرا ما يدل الاية على شيء بحسب الظاهر ويفسرها الأئمةعليهمالسلام بأمر غيره.
__________________
(١) نهج البلاغة ص ٦٦ ط فيض الإسلام.
(٢) الكافي ج ٢ ص ٥٩٩ ح ٢
(٣) نهج البلاغة ط فيض الإسلام خطبة ١٨٩ ص ٦٣٢
(٤) البحار للعلامة المجلسي ره ج ٩٢ ص ١٣ ح ٥
وأجاب بأنه لا محذور في ذلك إذ إرادة المعنى الظاهري لا ينافي إرادة المعنى الباطني.
ثم اعترض أيضا على نفسه بان قال يتطرق القدح الى الاستدلال بالآيات المذكورة بأن يقال انها دالة على وجوب اتباع المحكم وذم اتباع المتشابه ونحن في شك من دخول الظاهر في المحكم لإمكان دعوى الخصم كونه من المتشابه بل ربما صرح بذلك ثم استدل على دخول الظاهر في المحكم بأمور.
الأول: ما دل على جواز العمل بالظاهر دل على كونه محكما إذ لو كان متشابها لما جاز العمل به.
الثاني: لو لم يكن الظاهر من المحكم لوجب أن يكون من المتشابه واللازم باطل لان المتشابه المتماثل الذي لا يمتاز عن صاحبه إلا في يسير من المخالفة كما قالوه في قوله( وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً ) والظاهر راجح فلا يشابه المرجوح واعترض بان الاشتباه لعله من جملة الإرادة خصوصا في العام فإنه ما من عام الا وقد خص.
وأجاب بأنه يجب الفحص ومع عدم الظفر يترجح انتفاءه واعترض بان التمسك بالعام مشروط بالقطع لعدم المخصص وعدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود.
وأجاب بأن اللازم من ذلك تعطيل أكثر الأدلة.
الثالث: بما روى عن الصادقعليهالسلام وقد سئل عن القرآن والفرقان أهما شيء واحد فقال: القرآن جملة الكتاب والفرقان المحكم الواجب العمل به(١) واعترض بأنه قيد للتخصيص فالذي يجب العمل به بعض المحكم لا الجميع وأجاب بأن اللازم من ذلك تقسيم المحكم الا ما يعمل به وهو باطل قطعا.
الرابع: قول الرضاعليهالسلام من رد متشابه القرآن إلى محكمه فقد هدى الى
__________________
(١) البرهان ج ١ ص ٢١ ح ٥
صراط مستقيم(١) والمراد به رد العام الى الخاص كرد المجمل الى المبين لكن ذلك لا يخرجه من الدلالة على بقية العموم والا فلا فائدة في الرد.
الخامس: ان الأمر الوارد باتباع المحكم يقتضي كون الظاهر منه لندرة النص بالنسبة إليه.
السادس: لا وجه لجعل الظواهر من الكتاب من المتشابه ومن اخبار أهل البيت من المحكم لأنها لو كانت من المحكم كانت منه في كليهما وان كانت من المتشابه كانت منه في كليهما.
وقد ورد عن الرضاعليهالسلام ان في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن ومحكما كمحكم القرآن فردوا متشابهها الى محكمها ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا(٢) :
السابع: ان المشهور في تفسير المحكم وجوه.
الأول: انه ما اتضح معناه وظهر لكل عارف باللغة.
الثاني. انه ما كان محفوظا من النسخ.
الثالث: ما كان محفوظا من التخصيص.
الرابع: ما كان محفوظا منهما.
الخامس: ما كان متضمنا لترتيب الإفادة اما مع تأويل أو بدونه والظواهر من المحكم لإيضاح معناها ولأنه لا يعمل بها الا بعد التفحص عن الناسخ والمخصص وظن عدمهما، ثم اعترض على نفسه بان المحكم هو المضبوط المتيقن ولا شيء من الألفاظ كذلك سوى النص، وعرفه بعضهم بأنه ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا.
وأجاب بأن الواجب في كلام الشارع حمله على المعاني الشرعية ثم نقل
__________________
(١) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٢ باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة
(٢) عيون الاخبار ج ١ ص ٢٩٠
عنهمعليهمالسلام انهم قالوا: المنسوخات من المتشابهات والمحكمات من الناسخات وقال: هذا شامل للنص فإن أريد به غير المنسوخ فهو شامل للظاهر المحفوظ من النسخ المطابق للحق واعترض بان رد المحكم الى المتشابه انما يكون بالتأويل والتأويل فيه يختص علمه بالله أو يختص بالأئمة (ع) على القرائتين بالوقف على الا الله.
وأجاب بأن المروي العطف والحمل قولهم نحن الراسخون على كمال الرسوخ فيه وان كان مجازا يدل عليه أمرهم بردّ المحكم الى المتشابه ثم نقل عن المانعين انهم احتجوا بالأخبار الواردة بالنهي عن التفسير القرآن إلا بالأثر وأجاب عنها عين محل النزاع إذا التفسير مخصوص ببيان غير الظاهر كالمجمل والمشترك ولا ريب في افتقار مثله الى النص والأثر والاجتراء على القول فيه بغيرهما افتراء على الله وقول عليه بغير علم فيكون باطلا بالعقل والنقل انتهى كلام المعاصر وهو ظاهر الضعف.
والجواب عن الآيات المذكورة من وجوه.
أحدها: ان الاستدلال بها دوري لأنه استدل بالقرآن على العمل بالقرآن وكونه دور واضح وحجية الدليل هنا موقوفة على حجية المدلول وبالعكس.
وثانيها: انه دوري من وجه آخر وهو انه استدلال بالظاهر على العمل بالظاهر وفساده واضح.
وثالثها: انه دوري باعتبار آخر وهو ان هذه الظواهر تفيد الظن والظواهر المستدل عليها كذلك فهو استدلال على الظن بالظن وقد اعترف الأصوليون بأن القرآن ظني الدلالة قطعي المتن وان الحديث بالعكس.
ورابعها: ان هذه الظواهر تفيد الظن كما قلناه وكما اعترفوا به لتوقف دلالتها على عدم النسخ والتخصيص والتقييد والتأويل وغير ذلك والنصوص الدالة على النهى عن العمل بالظن من الكتاب والسنة كثيرة وقد خصها الأصوليون
بالأصولين فكيف يجوز لهم الاستدلال بدليل ظني في الأصول وهم لا يقولون بجوازه.
وخامسها: انه لا نزاع في وجوب العمل بالقرآن وانما الكلام في جواز العمل به من غير نص من الأئمةعليهمالسلام في تفسيره موافقة ظاهره ونفى النسخ والتقييد والتخصيص والتأويل ونحوه ولا دلالة لهذه الآيات على جواز العمل بالظواهر من غير نص يوافقها من الحديث ومن غير ورود تفسيرها عنهمعليهمالسلام بل هي قابلة للتقييد بذلك والنصوص الدالة على اشتراط ما قلناه كثيرة متواترة قد جمعنا منها في محل آخر ما يزيده على مائة وعشرين(١) حديثا يشتمل على تصريحات ومبالغات وعبارات لا تحتمل التأويل أصلا.
وسادسها: ان الآيات المذكورة محتملة للاحتمالات السابقة والآتية وغيرها وقد تقررانه إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال.
وسابعها: انها معارضة بالاية التي يأتي ذكرها وما أجبتم به فهو جوابنا هنا ولعل تلك الآيات محكمة وهذه متشابهة أو تلك ناسخة وهذه منسوخة مع انه لا يرد هناك اعتراض بالدور ونحوه لأنه دليل إلزامي لكم بما تعتقدونه مع وجود الأحاديث المتواترة الصريحة في موافقة مضمونها وارادة ظاهرها وتلك الأحاديث غير محتملة للتقية بخلاف المذكورة في الاستدلال.
وثامنها: ان الاستدلال بهذه الآيات موقوف على ثبوت كونها محكمة غير متشابهة ولا منسوخة ولا مؤولة الى غير ذلك ولا سبيل اليه.
وتاسعها: انه لا دلالة في شيء من الآيات المذكورة على المطلوب بل هي دالة على نقيضه.
أما الأولى: فإنما تضمنت الأمر بالرد الى الله والرسول معا عند التنازع كما تدل عليه الواو العاطفة ولا دلالة لها على الاكتفاء بالرد إلى أحدهما وذلك
__________________
(١) على مائتين وعشرين - خ
مطلوبنا لا مطلوبكم فان كل آية تحتمل وجوها كثيرة من النسخ وغيره ولا بد من التفحص عن ذلك ولا يتم الا بوجود نص صحيح صريح في معناها عن الرسول أو عن الامام فالآية مطلقة مطابقة لما ندعيه نهاية المطابقة.
وقد تواترت الاخبار عنهمعليهمالسلام بوجوب العمل بالكتاب والسنة والعطف بالواو هنا أيضا يدل على ما قلناه.
ثم ان هذه الآية معارضة على تقديران يراد بها ما قلتم بآيات أوضح منها دلالة وأعظم مبالغة وهي قوله تعالى:( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) (١) .
وليس فيها تقييد بوجود آية موافقة لقوله وكذا قوله تعالى:( وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (٢) وقوله تعالى:( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (٣) وقوله تعالى:( لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (٤) وقوله تعالى:( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (٥) وقوله تعالى:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي ) (٦) الى غير ذلك من الآيات التي يؤيدها النصوص المتواترة والأدلة العقلية الدالة على وجوب الرجوع الى النبي والامام وحجية قولهما مطلقا فظهران الآية دالة على خلاف مطلوب المعاصر.
وأما الثانية: فهي كذلك أيضا تدل على مطلوبنا لا على مطلوب المستدل لأنها صريحة في ان في القرآن محكما ومتشابها وان له تأويلا لا يعلمه الا الله والراسخون في العلم.
__________________
(١) النساء - ٦٥.
(٢) الحشر - ٥٩.
(٣) الأحزاب - ٣٣.
(٤) النحل - ٤٤.
(٥) النساء - ٨٣.
(٦) آل عمران: - ٣١.
وقد تواترت النصوص عنهمعليهمالسلام بذلك وصرحت بأنه لا يعلم المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والتأويل ونحو ذلك غيرهمعليهمالسلام وذلك غير محتاج الى النص أيضا لظهور ان كثيرا من الآيات يحصل الشك فيها عند العلماء أنها محكمة أو متشابهة وخصوصا مع ما ذكره المعاصر وغيره من العلماء من اعتبار قيد عدم النسخ والتخصيص والتقييد ونحوها في المحكم.
وقد ورد به النص الصحيح عنهمعليهمالسلام فتبين انه ما من آية الا وهي تحتمل ان تكون متشابهة لاحتمال كونها منسوخة ودلالة الروايات على ان المنسوخات من المتشابهات فلا بد من انضمام قول الرسول أو الإمامعليهماالسلام ليحصل الأمر من ذلك والآيات السابقة والأحاديث المشار إليها سابقا دالة على ذلك نصا صريحا لا يقدر على دفعه منصف.
ثم قوله: ذمهم على اتباع المتشابه دون المحكم، فيه أولا: انه انما ذمهم على اتباع المتشابه مع إرادة الفتنة وارادة تأويله فيكون الذم مقيدا بثلاثة أشياء فكيف يجعله شاملا للأول بانفراده أو لاثنين مع فقد الثالث.
وثانيا: ان الآية لا تدل على نفى الواسطة بين المحكم والمتشابه ولا فيها شيء من أدوات الحصر لأنه قال فيه آيات محكمات وأخر متشابهات ولعل هناك واسطة أو وسائط متعددة فلا بد من دليل الحصر.
ويحتمل كون الظواهر خارجة عن القسمين أو يكون بعضها من المحكم وبعضها من المتشابه فلا بد من التمييز وكل ذلك واضح والنصوص متواترة في ان المراد بالراسخين في العلم في هذه الآية الأئمةعليهمالسلام .
واما الثالثة: فلا تدل على خلاف مطلبنا بل هي مؤيدة له وذلك ان ما قبلها وما بعدها خطاب للكفار بل جميع السورة من أولها إلى آخرها متعلقة بالأصول من التوحيد والنبوة والمعاد وبعض الضروريات من الفروع كالجهاد وذم الدنيا.
ومن المعلوم ان هذه المطالب وأمثالها: لها أدلة عقلية قطعية ولها نصوص
نقلية متواترة فالآيات الواردة في مثل ذلك يجوز العمل بها لورود ما يوافقها وحصول الأمن من كونها منسوخة والعمل هنا بالآيات مع الأدلة العقلية والنقلية وهذا غير محل النزاع ولا اشعار لها بجواز استنباط الأحكام النظرية من الآيات التي لم يرد نص يوافقها أصلا وهذه الآية موجودة في سورة محمدصلىاللهعليهوآله وقد عرفت الكلام فيها وهي موجودة أيضا في سورة النساء.
والأمر فيها أيضا كذلك لان ما قبلها وما بعدها يتعلق بالأصول على انها هناك صريحة في مطلبنا لأنها هكذا( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) الاية(١) .
وقد ظهر منها توقف الاستنباط من القرآن على الرد الى الرسول والأئمةعليهمالسلام بالنص وأيضا فظاهر الآية ان ضمير يتدبرون عائد إلى الكفار المذكورين سابقا المنكرين للنبوة والمعاد فلعلهم أمروا بالتدبر للقرآن ليفهموا ما فيه من الأدلة العقلية الدالة على نبوة محمدصلىاللهعليهوآله وعلى صحة المعاد.
أو لعلهم أمروا بالتدبر ليعلموا ان القرآن معجز دال على صدق الذي جاء به فيؤمنوا ويطيعوا أو ليعلموا عدم الاختلاف فيه فيعلموا انه ليس من كلام البشر كما يفهم من سورة النساء على ان الأمر بالتدبر لا يستلزم وجوب الجزم بإرادة ظاهر القرآن [ ونفى النسخ ونحوه عنه بل لا يستلزم فهم القرآن ] كما هو معلوم من أكثر الآيات قد تدبرها العلماء وعجزوا عن فهمها والفهم لا يستلزم وجوب العمل لإمكان كونه موقوفا على شرط آخر وهو الذي ذكرناه سابقا ولا تستلزم جواز الاستنباط منه من غير نص، ولا يخفى على منصف ان التدبر لا يدل على جواز الاستنباط ولا على العمل بالظاهر بشيء من الدلالات على الظواهر المبحوث عنها لا يحتاج فهمها الى تدبر
__________________
(١) النساء ٨٣
وعند أكثر العارفين بلغة العرب فتعين توجه الأمر بالتدبر الى غيرها فلا دلالة للاية على المطلوب.
واما الرابعة: فالاستدلال بها غلط لان الظاهر منها ان الرسولصلىاللهعليهوآله ينذر الناس بلسان عربي مبين لأنه قال( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) (١) فيجوز كون الجار متعلقا بالمنذرين بل هذا أقرب فلا يكون فيه دلالة على مطلب المعاصر لأنه ليس صفة للقرآن بل للسان الرسولصلىاللهعليهوآله فيدل [ على ] مطلبنا وعلى تقدير كونه وصفا للقرآن لا دلالة فيه لان لفظ مبين صفة للسان أو عربي ومن المعلوم ان اللسان العربي من شأنه أن يبين المعاني ويدل عليها دلالة أبلغ من دلالة غيره من الألسن لكي لا يلزم أن يكون كل كلام عربي ظاهر الدلالة واضح المعنى وليس في الكلام شيء من ألفاظ العموم وعلى تقديره فلا بد من تخصيصه فيخرج منه أفراد أكثر من أن تحصى وبعد تسليم عدم التخصيص لا ينتفي احتمال النسخ لوجوده فيه كثيرا فلا بد من موافقة قول الامام لما تواترت به النصوص المشار إليها.
واما الخامسة: فالاستدلال بها عجيب فإنها نص صريح في خلافه لأنه قال( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) وهي واضحة الدلالة على توقف الاستنباط من القرآن على رده الى الرسول والى الأئمةعليهمالسلام ، والنصوص في ان المراد بأولى الأمر الأئمة كثيرة ولا شبهة في ذلك فلا دلالة لها على جواز العمل بالظواهر من غير معرفة تفسيرها بالنص منهم وورود ما يوافقها عنهم ليعلم عدم النسخ والتأويل ونحوهما، على ان ضمير ردوه لا يلزم عوده الى القرآن بل الأقرب عوده الى الأمر المذكور في الآية فلا دلالة له على الاستنباط من القرآن أصلا بل لا يدل على استنباط حكم ذلك الأمر من الأمن والخوف بعد رده الى الرسول والأئمة (ع) فيكون استنباط الحكم منهم (ع).
__________________
(١) الشعراء - ١٩٣
وأما قوله اثبت للعلماء استنباطا وراء المسموع منهم.
فجوابه من وجهين:
أحدهما: لعل المراد لعلمه الذين يريدون الاستنباط منه كما في قوله تعالى:( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) وغير ذلك لأنه لا يستقيم ربطه مع اشتراط الرد الى الرسول والأئمة إلا بذلك.
وثانيهما: ان يستنبطونه فعل مضارع للاستقبال ولا شك في وقوع الاستنباط من القرآن بعد الرسولصلىاللهعليهوآله لكن الآية لا تدل على جواز ذلك الاستنباط كله بل هي دالة على ان من رده الى الأئمة (ع) استنبطه منه بعلم ومن لم يرده إليهم استنبط منه بغير علم وفيها دلالة على ذم هذا القسم والمنع منه كما هو ظاهر مع تصريحات النصوص المتواترة المشار إليها.
ومن المعلوم ان من رده إليهم (ع) وعلم من جهتهم معنى الآية عرف منها حكما كليا تستنبط منه أحكام جزئياته وأفراده التي لا تحصى وليس فيها اذن في استنباط شيء سوى ذلك للتصريح بالشرط وذلك كله واضح عند المنصف فظهر ان الآيات لا دلالة في شيء منها على المطلوب بل هي دالة على خلافه.
والجواب عن الوجه السادس: ان الحديث المشار إليه ينبغي ذكر لفظه لنتكلم عليه وقد ذكر انه يدل بطريق الإطلاق وهو قابل للتقييد بكل شرط يدل عليه دليل معتبر شرعا وقد عرفت ما يدل على الشرط الذي ندعيه من النص المتواتر ويأتي الجواب عنه بوجوه أخر.
وعن السابع من وجوه:
أحدها: ان أكثر الأحاديث تضمنت الأمر بعرض الحديثين المختلفين المشهورين الذين رواهما الثقات على الكتاب والسنة كما في حديث عمر بن حنظلة وغيره من الأحاديث الكثيرة والمفروض ثبوت الحديثين بقرائن أخر وبالتواتر والغرض انما هو للترجيح فيكون العمل حينئذ بالقرآن والحديث معا
لا بتلك الظواهر وحدها، وهذا لا نزاع فيه وعلى تقدير وجود نص مطلق يمكن حمله على ثبوت الحديث بوجوه أخر ووجود معارض له كما وقع التصريح به.
وثانيهما: بعد تسليم وجود نص صريح بالعرض عند الشك في الصحة لا يحتمل التأويل يمكن حمله على التقية لموافقته لمذهب جميع العامة ورواياتهم وهذا أقوى وجوه الترجيح والأحاديث التي أشرنا إليها سابقا لا يحتمل التقية.
وثالثها: ان الحديث المدعى وان كان مطلقا يمكن حمله على ما يوافق الأحاديث الكثيرة من عرض الحديث المشكوك فيه على الكتاب والسنة وقد صرح بذلك الكليني في أول كتابه(١) وفي أواخر كتاب العلم وقد تقرر عندهم حمل المطلق على المقيد يمنعونه هنا ولا أقل من الاحتمال فيبطل الاستدلال ويصير استدلالا بظاهر ظن الدلالة [ في مقابله نص متواتر قطعي الدلالة ].
ورابعها: انه عام قابل للتخصيص أو مطلق قابل للتقييد بالآيات التي علم تفسيرها وعدم نسخها وتأويلها من جهتهم (ع) وقد تواترت النصوص باشتراط ذلك فلا وجه للتوقف فيه.
وخامسها: ان الحديث المذكور ينبغي ثبوت صحة سنده وكونه محفوفا بالقرائن خاليا من معارض أقوى منه ولم يثبت شيء من ذلك فلا يجوز الاحتجاج به على المطلب عندهم ولا عندنا كما لا يخفى.
وسادسها: انه بعد ثبوت صحة سنده لا يفيد عندهم الا الظن فكيف يجوز لهم ان يستدلوا به في الأصول وهو خلاف طريقتهم.
وسابعها: انه خبر واحد فلا يعارض المتواتر من الأحاديث المشار إليها التي لا يحتمل التقية.
وثامنها: بعد التنزل عن جميع ذلك نقول هذا يدل على جواز العمل بالآيات مع الأحاديث المفروضة فيكون موافقتها قرينة على ثبوت الحديث ولا يدل على انها حجة مستقلة عند الانفراد وذلك واضح عند الإنصاف.
__________________
(١) الكافي ج ١ ص ٨ - ٦٩
وتاسعها: انه يمكن كونه مخصوصا بآية يوافق ظاهر الاحتياط فيجوز العمل بها عند الاشتباه والحديث الضعيف مع عدم المعارض للنص المتواتر بالأمر بالاحتياط في هذه الصورة.
وعاشرها: ان الاستدلال بحديث عرض الحديث على القرآن دوري لأنه بحسب عرضه أيضا على القرآن، فان وافقه كان استدلالا بالقرآن على العمل بالقرآن وان خالفه لم يجز العمل به ومهما أجبتم فهو جوابنا.
والجواب عن الثامن: من وجوه:
أحدها: احتمال التقية كما مر.
وثانيها: انه خبر واحد لا يعارض المتواتر.
وثالثها: ان النزاع في آية لا يوافقها حديث عنهم (ع) والآية المذكورة يوافقها أحاديث كثيرة تجاوزت حد التواتر في تحريم سماع بعض المسموعات ويؤمن من نسخها وتأويلها ونحوهما بالنسبة إلى الحكم المذكور فلا يدل على خلاف مطلوبنا.
ورابعها: ان النزاع انما هو في الأحكام النظرية وتحريم سماع بعض المسموعات ضروري بديهي وقد جزم السائل بعد تحريم سماع شيء كما يظهر من كلامه فلا يجوز الاستدلال بذلك على الآيات التي مضمونها نظري ليس فيه نص.
وخامسها: ان الإنكار مخصوص بهذه الآية فحمل غيرها عليها قياس لا يليق بالإمامية الاحتجاج به والالتفات اليه وكيف يجوز الاستدلال بفرد واحد على أمر كلي وعلى تقدير جواز العمل بالقياس كيف يجوز العمل به في الأصول وهو ظن
وسادسها: انا نقول إذا لم يرد نص يوافق ظاهر الآية ولا يخالفها واحتملت النسخ والتقييد والتأويل وغير ذلك لا يجوز الجزم بإرادة ظاهرها ولا الجزم بمخالفته ويجب التوقف عن الأمرين والعمل بالاحتياط وإنكار الامام على السائل للجزم بخلاف
مضمون الآية بغير دليل ولعدم توقفه واحتياطه لا لعدم جزمه بظاهرها والواسطة موجودة وهي التوقف فلا يدل على مطلوبكم.
وسابعها: ان الكلام في آية لا نص في مضمونها والنص هنا في تحريم سماع الغنى والملاهي متواتر، قد تجاوز حد التواتر ويبعد جدا أن لا يكون سمع السائل شيئا من تلك النصوص أصلا مع ان اشتهارها في ذلك الزمان كان أقوى من هذا الزمان فلعل الإنكار لعدم العمل بظاهر آية قد وردت بمضمونها الروايات فلا يدل على مطلب المعاصر والفرق بين هذا والثاني ان هذا أخص منه.
والجواب عن الاخبار الباقية السبعة من وجوه.
أحدها: ان الاستدلال بها دوري لأنه استدلال بالظواهر على العمل بالظواهر وليس شيء منها نصا لما يأتي من الاحتمالات الكثيرة القريبة.
وثانيها: ان الاستدلال بها دوري لأنها لا تفيد الظن وكذلك الظواهر المستدل بها فيكون استدلالا بالظن على الظن وفساده واضح.
وثالثها: انها اخبار آحاد فلا تعارض المتواترات.
ورابعها: انها موافقة للتقية فتضعف عن معارضتها ولا تقاومه ويحمل على التقية.
وخامسها: انها أخبار آحاد فلا يكون حجة في الأصول اتفاقا.
وسادسها: انها لا تفيد الا الظن فلا يحتج بها في الأصول باعترافهم والا لزم رد الآيات والنص المتواتر في النهي عن العمل بالظن لأنهم يدعون انهم يخصونها بالأصول فلا يجوز لهم الاستدلال فيه بدليل ظنّي.
وسابعها: انها محتملة للاحتمالات الكثيرة ويأتي بعضها وتقدم أيضا بعضها وإذا قام الاحتمال بطل الاستدلال.
وثامنها: انا نقول بمضمونها بشرط معرفة تفسير الآيات من الأئمةعليهمالسلام أو ورود نص يوافقها ليندفع الاحتمالات وتكون قد تمسكنا بالثقلين معا الذين من تمسك بهما لن يضل والنصوص على شرطية هذا الشرط صحيحة صريحة متواترة
وليس في هذه الروايات تصريح بنفي شرطية هذا الشرط فنحن نعلم بالدليلين معا لعدم تنافيهما، والمعاصر ومن تابعة يردون النص المتواتر الصريح المخالف لطريقة العامة الموافق للاحتياط ويعملون بالآحاد التي ليست بصريحة ولا موافقة للاحتياط ولا سالمة من احتمال التقية.
وتاسعها: ان الاخبار المشار إليها ينبغي ثبوت أسانيدها أو صحّة سند واحد منها ولم يثبت ذلك على قاعدتهم واما على قاعدتنا فلا بد من ظهور القرائن على صحتها وانتفاء معارض لها أقوى منها صحيحا فتكون ضعيفة على المذهبين اما في نفسها أو بالنسبة إلى معارضها وما كان منها صحيحا عندهم على تقديره لا دلالة فيه لما يأتي.
وعاشرها: انا نقول: بمضمونها لكنها غير دالة على جواز الاستنباط من الآيات لكل أحد سواء فهم معناها أم لا فلعلها مخصوصة بمن فهم معناها وعرف عدم نسخها وهو الإمام أو من عرف ذلك بالسماع منه أو النقل عنه.
وحاديعشرها: أن يخصها بالآيات التي يوافق ظاهرها الاحتياط لما مرّ.
وثاني عشرها: انه لا دلالة في شيء منها على المطلوب أمّا رواية زرارة وقوله لمكان الباء فهو استدلال من الامامعليهالسلام ولا شك في جوازه له لعلمه ولا يلزم جوازه لغيره لجهله وأيضا فهو استدلال بآية واحدة فالعمل به في غيرها قياس ولفظ الحديث لا عموم فيه أصلا وأيضا فلعله لتعليم الاحتجاج بالقرآن على العامة وجعله دليلا إلزاميا وهذا يظهر من زرارة التشوق اليه واستدعاء الرخصة فيه من مواضع متعددة.
وأيضا فهو استدلال بالقرآن مع ورود النصوص الكثيرة في موافقته فلا دلالة فيه على جوازه فيما لا نص فيه أصلا.
وأيضا فهو يحتمل الحمل على التقية لموافقته للعامة.
ومن هنا يظهر الجواب عن رواية عبد الا على وقوله فيها تعرف هذا إلخ يحتمل
الاستفهام بحذف أداته بل ربما كان أقرب وعلى تقدير الاخبار فقد تقدم وجهه.
وأيضا فالنصوص في هذه المسئلة كثيرة فهي دالة على معنى الآية والدليل العقلي والنقلي دالان على بطلان تكليف ما لا يطاق وعلى سقوط كل واجب عند تعذره ولا نزاع في العمل بالآيات التي توافقها الأدلة العقلية والنقلية ولا دلالة له على غير ذلك الّا بطريق القياس وهو باطل ومن المعلومات قطعا ان نفى الحرج بالكلية غير مراد والّا لزم ارتفاع التكليف لأنه يستلزم الحرج فتعين صرفه الى ما قلناه عقلا ونقلا.
وأيضا فهذا تصريح من الامامعليهالسلام بدخول هذه المسئلة في مضمون الآية ولو لا الاحتياج الى النص في مثلها لكان عبثا ولعله ليس باستدلال بل هو حكم بدخول هذا الفرد في العموم ومن هنا يظهر أيضا وجه تقريرهمعليهمالسلام زرارة على الاستدلال على انه استدلال من طريق العامة كما صرح به في أول الخبر وأراد أن يتعلم ما يجيبهم به واستدلاله بعدم الأمر على عدم الوجوب لا يدل على ان الأمر للوجوب بل هو أعم منه بل يمكن كون بعضه للوجوب وبعضه لغير الوجوب.
وأما بقية الأخبار فظاهر عدم صراحتها في المطلوب وعدم ظهور دلالتها عليه بل بعضها دال على مطلبنا كما لا يخفى.
ثم ان ما ذكره المعاصر هنا معارض بما ورد عنهمعليهمالسلام من الاستدلال بالقياس في أحاديث كثيرة جدا بل متواترة معنى فما أجبتم به فهو جوابنا وقد تقدّم ذلك ونحن نذكر نبذة يسيرة منه فان هذا القسم أكثر من أن يحصى ويستقصي.
فمن ذلك حديث عبد الله بن يزيد عن ابى عبد اللهعليهالسلام قال: ليس في حب القرع والديدان الصغار وضوء انما هو بمنزلة القمل(١) .
وفي حديث زرارة عنهعليهالسلام في المذي والوذي لا ينقض الوضوء وان بلغ
__________________
(١) الوافي ج ١ باب الأحداث التي توجب الوضوء
عقبيك فإنما ذلك بمنزلة النخامة الحديث(١) .
وفي حديث بريد بن معاوية قال سألت أحدهماعليهماالسلام عن المذي فقال: لا ينقض الوضوء ولا يغسل منه ثوب ولا جسد انما هو بمنزلة المخاط والبصاق(٢) .
وفي حديث محمد بن مسلم عن ابى جعفرعليهالسلام في المذي قال: لا يقطع صلاته ولا يغسله انما هو بمنزلة النخامة(٣) .
وفي حديث زيد الشحام عن ابى عبد اللهعليهالسلام في المذي أينقض الوضوء قال: لا ولا يغسل منه الثوب والجسد انما هو بمنزلة البزاق والمخاط(٤) .
وفي حديث عبد الله بن سنان عنهعليهالسلام قال: والمذي ليس فيه وضوء انهما هو بمنزلة ما يخرج من الأنف(٥) .
وفي حديث حريز عنهعليهالسلام قال: المذي لا ينقض الوضوء انما هو بمنزلة المخاط والبصاق(٦) .
وفي حديث آخر ان المذي والوذي بمنزلة البصاق والمخاط فلا يغسل منهما الثوب ولا الإحليل(٧) .
وفي حديث الفضل بن شاذان عن الرضاعليهالسلام قال: لو لم يجب القصر في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة ألف سنة لأن كل يوم بعد هذا اليوم فإنما هو نظير هذا اليوم فلو لم يجب في هذا اليوم لما وجب في نظيره إذ كان نظيره مثله لا فرق بينهما(٨) .
وحديث يونس بن يعقوب عن ابى عبد اللهعليهالسلام في الجنازة يصلى عليها على
__________________
(١) الوسائل ج ١ ص ٣٧
(٢) الوسائل ج ١ ص ٣٧
(٣) أيضا ص ٣٧
(٤) أيضا ص ٣٧ ط القديمة
(٥) الوسائل ج ١ ص ٣٨ ص ٣٧
(٦) الوسائل ج ١ ص ٣٨ ص ٣٧
(٧) الوسائل ج ١ ص ٣٨ ص ٣٧
(٨) الفقيه ج ١ ص ٤٥٥ ط الغفاري
غير وضوء قال: نعم انما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل كما تكبر وتسبح في بيتك على غير وضوء(١) .
وحديث ابن مسكان عنهعليهالسلام في رجل قطع رأس ميت قالعليهالسلام عليه الدية لأن حرمته ميتا كحرمته حيا(٢) .
وحديث الفضيل بن يسار عن ابى جعفرعليهالسلام فيمن وجد غمزا في بطنه أو أذى أو ضربانا وهو في الصلاة فقال انصرف ثم توضأ وابن على ما مضى من صلاتك وان تكلمت ناسيا فلا شيء عليك فهو بمنزلة من تكلم في الصلاة ناسيا. الحديث(٣) .
وحديث زرارة عن ابى عبد اللهعليهالسلام فيمن فرّ بماله من الزكاة قال عليه أن يؤدّى ما وجب عليه وما لم يجب عليه فلا شيء عليه فيه ثم قال أرأيت لو ان رجلا أغمي عليه يوما ثم مات فذهبت صلاته أكان عليه وقد مات أن يؤديها؟ أرأيت لو ان رجلا مرض في شهر رمضان ثم مات فيه أكان يصام عنه؟ قلت: لا قال فكذلك الرجل لا يؤدى عن ماله الا ما حلّ عليه(٤) .
وحديث زرارة ومحمد بن مسلم عنهعليهالسلام قال: أيما رجل كان له مال فحال عليه الحول فإنه يزكيه قلنا فان وهبه قبل حله بشهر أو يوم قال: ليس عليه شيء أبدا قال وقال انما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوما في إقامته ثم خرج في آخر النهار في سفر فأراد بسفره ذلك إبطال الكفارة التي وجبت عليه الحديث(٥)
وحديث الحسين بن زيد عنهعليهالسلام ان عمر قال لعلىعليهالسلام فهل يجوز شهادة
__________________
(١) الكافي ج ٣ ص ١٧٨
(٢) الوسائل ج ٣ ص ٥٠٠ ط القديمة
(٣) الوسائل ج ١ ص ٤٤٢ ط القديمة
(٤) في المصدر: الا ما حال عليه الحول. ارجع ج ٣ ص ٥٢٦
(٥) الكافي ج ٣ ص ٥٢٥ ح ٤
الخصى فقال ما ذهاب لحيته الا كذهاب بعض أعضائه(١) .
وحديث الحلبي عنهعليهالسلام قال أيما رجل فجر بامرأة ثم بدا له ان يتزوجها حلالا قال: أو له سفاح وآخره نكاح ومثله مثل النخلة أصاب الرجل من ثمرها حراما ثم اشتراها بعد فكانت له حلالا(٢) .
وحديث زرارة عن ابى جعفر (ع) قال: لا بأس إذا زنا رجل بامرأة أن يتزوجها بعد وضرب مثل ذلك برجل سرق ثمرة نخلة ثم اشتراها بعد(٣) .
أقول وأمثال ذلك كثير جدا وليس ذلك من المهمات والا كنا جمعنا من ذلك ما يتجاوز حد التواتر وانما أوردت منها ما خطر بخاطري في الحال ومن نظر الى كتاب العلل وغيره تبين ذلك وعلم أنهمعليهمالسلام كانوا يحتجون على العامة بما يعتقدونه من قياس وإجماع واستصحاب وأصل ومفهوم لقب ومصالح مرسلة ونحو ذلك ثم يصرحون بعدم حجيته ويعلمون الشيعة ما يحتجون به على العامة والا فإن من قال بإمامتهم لا يطلب منهم دليلا، بل رأيناهمعليهمالسلام يستدلون بالشعر الذي لا حجة فيه كما تضمنه كتاب الزكاة من الكافي وغيره فيقولون أما سمعت قول الشاعر أما سمعت قول حاتم الطائي وأمثال ذلك كثير مما استدلوا فيه ببيت شعر على مطلب مهم ووجهه ما قلنا ومعلوم انه يحصل من مثل ذلك تقريب الحكم الى فهم السامع ويصير أقرب الى القبول والبلاغة في كلام المطابق لمقتضى الحال.
وفي بعض الاخبار عن الصادقعليهالسلام انما سمى البليغ بليغا لأنه يبلغ حاجته بأهون سعيه(٤) .
__________________
(١) الوسائل ج ٣ ط القديمة
(٢) الكافي ج ٥ ص ٣٥٦
(٣) الوسائل ج ٣ ص ٥٥ - ص ٤١٨
(٤) راجع البحار ج ٧٨ ص ٢٤١
والجواب عن السادس عشر: ظاهر بعد ما تقدم لان لنا ان نستدل عليهم بما يعتقدونه ولا يقدرون على رفعه وخصوصا في مثل غسل الرجلين في الوضوء الذي هو ضروري منصوص نصا متواترا وانما الكلام في الظواهر التي لم يرد تفسيرها ولا يوافقها نص.
وقد ثبت عنهمعليهمالسلام من اعتقد شيئا لزمه حكمه وروى ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم.(١)
وأما الجواب عما استدل به على دخول الظاهر في المحكم فهو ظاهر وتوضيحه فنقول.
أما الأول: فجوابه ان ما استدللتم به قد ظهر عدم دلالته وكثرة معارضه.
وأما الثاني: فجوابه انه لا محذور فيه بل هو محتمل والتبعيض أيضا غير بعيد خصوصا مع ملاحظة ما يأتي التصريح منه به في تفسير المتشابه وقد عرفت عدم الانحصار في المحكم والمتشابه واحتمال الواسطة وقوله بوجوب الفحص ان أراد من جهة الأئمةعليهمالسلام فهو عين ما نذهب اليه وان أراد أعم فهو دعوى في محل المنع.
وإذا وقع التفحص ولم يوجد نص لم يمكن القطع على نفى الاحتمالات وتعطيل أكثر الأدلة ممنوع، بل لا يأتي بشيء منها لكثرة النصوص في تفسير آيات الأحكام وغيرها وكثرة وجود نصوص توافق تلك الظواهر أو تخالفها ولا يكاد يوجد انه خالية من ذلك عند التتبع التام الا القليل النادر والتوقف والاحتياط راجح هناك إجماعا وانما الخلاف في وجوبه.
وأما الثالث: فقد ظهر جوابه مما مر.
وأما الرابع: فالجواب ان قوله من رد متشابه القرآن إلى محكمه لا يدل على إمكان ذلك لكل أحد ولا على الأمر به ولا يبعد أن يراد به ان الأئمةعليهمالسلام ومن
__________________
(١) الوسائل ج ٣ ص ٣٥١ ط القديمة.
يتعلم ذلك منهم أو من أحاديثهم بل لا بد من التخصيص بذلك لما أشرنا إليه من النص المتواتر بأنه لا يعلم المحكم والمتشابه والعام والخاص وأمثال ذلك غيرهمعليهمالسلام وانه يجب على الناس الرجوع إليهم فيه وفي أمثاله على ان الخبر المشار اليه ضعيف جدا عندهم فكيف يجوز لهم الاستدلال به خصوصا في الأصول مع ما قلناه وكيف يجوز قول معارضه وهو متواتر.
وأما الخامس: فالجواب عنه انا نمنع من وجود تلك الأوامر ان ادعى كونها مطلقة بل النص دال على وجوب العمل بها بعد معرفة المحكم والمتشابه من جهتهمعليهمالسلام والعلم بعدم النسخ ونحوه لما ذكرنا ولما يأتي.
واما السادس: فالجواب عنه انه لا مانع من جعل الظواهر القرآن من المتشابه وظواهر الأحاديث من المحكم ووجهه ان ظواهر القرآن تحتمل من النسخ والتأويل وغيرهما: ما لا يحتمله ظواهر الأحاديث وهذا واضح أيضا فإنا مأمورون برد القرآن الى الامام وسؤاله عن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ونحو ذلك وقد وردت النصوص بأنه لا يعلم ذلك أحد غير الامام ولسنا بمأمورين برد الأحاديث التي سمعناها من الامام أو ثبت عندنا نقلها الى أحد فظهر الفرق.
وأيضا لا مانع من كون بعض الظواهر من المحكم وبعضها من المتشابه كما تقدم بل تحتمل كونها واسطة بينهما غير داخلة في أحدهما إذ لا دليل على الحصر ولا على تمييز كل من القسمين.
وأما حديث الرضاعليهالسلام ولا دلالة فيه على مطلب المعاصر لوجوه.
أحدها: انه خبر واحد ولا يكون حجة في الأصول.
وثانيها: انه ضعيف السند على مذهب المعاصر فلا يجوز الاستدلال به في الفروع ولا في الأصول.
وثالثها: انه يمكن كونه مخصوصا باحاديثهم التي ينقلونها عن النبيصلىاللهعليهوآله وقد وردت روايات كثيرة صريحة في ذلك وفي أن أحاديثهعليهالسلام يقع فيها النسخ
والتأويل وغير ذلك كما يقع في القرآن بخلاف أحاديث الأئمةعليهمالسلام ووقع التصريح في بعض النصوص المعتمدة بأن القرآن ورد على قدر فهم النبيصلىاللهعليهوآله وأحاديثهعليهالسلام على قدر فهم الأئمةعليهمالسلام وأحاديث الأئمة على قدر فهم الأمة.
ورابعها: انه لمخصوص بالأحاديث المختلفة لقولهمعليهمالسلام فردوا متشابهها الى محكمها وهذا صريح في التعارض والا لم يكن الرد.
وخامسها: ان الأمر بالرد صريحا هنا، وعدم الأمر به في القرآن كما نقله المعاصر وهو حديث واحد يدل على إمكان ذلك في الحديث لا في القرآن وقد وقع التصريح به في نصوص كثيرة.
وأما السابع: فالجواب عنه ظاهر بعد ما تقدم وما أشرنا إليه بل جميع ما أورده فيه وفيما بعده دال على مطلبنا وقد علم أن معنى المتشابه أيضا متشابه وكذلك معنى المحكم وقد اختلفوا في تفسيرهما فكيف يدعى أن أفرادهما متميزة لا يشتبه بعضها ببعض مع أن كل آية خصوصا آيات الأحكام بالنسبة إلى الأحكام النظرية إذا قطعنا النظر عما عداها محتملة بالاحتمالات الكثيرة جدا وأقلها النسخ والتأويل فلا بد من الرجوع الى المعصوم لما مر.
ثم ان إيجاب العمل بالظاهر والجزم بأنه من المحكم وعدم تجويز الحكم بإرادة الظاهر والمنع من تفسيره تناقض عجيب فان العمل به يستلزم الحكم بإرادة ظاهره وجواز تفسيره وكيف يجوز عند العاقل أن يجزم بظاهر آية ويستبيح بها الفروج والأموال واراقة الدماء ثم يقول لا أعرف معناها ولا يجوز لي تفسيرها ولا أعلم أن ظاهرها مراد أم لا ولا أعرف شمولها بهذه الإفراد ولا أدرى هي ناسخة أم منسوخة مخصصة أو عامة مطلقة أو مقيدة ويجوز عندي كون ظاهرها غير مراد ويمكن أن يكون له تأويل آخر لم يخطر ببالي ولا ببال أحد فإنه لا يعلم تأويله إلا الله وكل ذلك تناقض يمتنع منه العقل والنقل وهذا ظاهر واضح قطعي عند كل من له أدنى انصاف والله الهادي.
فصل
في الاستدلال على عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القران المحتملة للنسخ والتخصيص من التقييد والتأويل وغيرها الا بعد معرفة تفسيرها من الأئمةعليهمالسلام وانتفاء تلك الاحتمالات ولو بنص عنهم يوافق ظاهرها.
اعلم ان لنا ان نستدل بالقرآن ولا يلزم التناقض لوجهين.
أحدهما: انه دليل إلزامي للخصم لأنه يعتقد حجية تلك الظواهر مطلقا.
وثانيهما: وجود النصوص المتواترة المخالفة للتقية الموافقة لتلك الظواهر فاستدلا لنا في الحقيقة بالكتاب والسنة معا ولا خلاف في وجوب العمل بهما.
إذا عرفت ذلك فنقول: الأدلة على ذلك كثيرة جدا ولنذكر هنا وجوها.
أحدها: قوله تعالى في سورة النساء( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) (١) ( وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (٢) دلت على وجوب رد القرآن الى الرسول والأئمةعليهمالسلام وعلى توقف الاستنباط منه على ذلك وهذا نص واضح صريح وقد وردت الأحاديث الكثيرة في تفسيرها بذلك
__________________
(١) آية ٨٠
(٢) آية ٨١
وان المراد بأولى الأمر الأئمةعليهمالسلام وعلى تقدير عود ضمير ردوه الى الأمر فالقرآن داخل فيه.
وثانيها: قوله تعالى في سورة النساء( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) (١) دلت على وجوب الرجوع إليهما معا فلا يبرء المكلف من العهدة بالرد إلى أحدهما لكن من رد الى الرسول فقد رد إليهما للآيات الكثيرة والروايات المتواترة وما دل على الأمر باتباع الرسولصلىاللهعليهوآله ، ومن رد الى الكتاب وحده لم يكن راد إليهما لاحتمال النسخ وغيره وعدم العلم بتفسير الرسول له
وثالثها: قوله تعالى: فيها( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ) (٢) دلت على وجوب الرجوع إليهما معا كما تقدم.
ورابعها: قوله تعالى فيها( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (٣) وهي صريحة في العموم وتمييز الناسخ من المنسوخ والعام من الخاص ونحو ذلك مما يحتاج إليه في فهم القرآن مما شجر بينهم فمن لم يرجع فيه الى الرسولعليهالسلام لم يكن مؤمنا بحكم الآية ومعلوم بالنصوص الى من رد إلى الأئمة فقد رد اليه وان علمه عندهم وان علمهم منه.
وخامسها: قوله تعالى فيها( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلّى
__________________
(١) آية ٥٨
(٢) النساء ٦١
(٣) النساء - ٦٢
فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) (١) دلت على تهديد من تولى عن طاعته وترك الرجوع اليه وعمومها شامل لمن تولى عنه في تمييز الناسخ من المنسوخ والعام من المخصوص وعمل برأيه وظنه القاصر في تفسير القران وتأويله وهو المطلوب.
وسادسها: قوله تعالى فيها( وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ ) (٢) الاية ذمهم على اتباع الظن عند الاختلاف والشك وهو شامل لما نحن فيه وهذا دال على عدم حجية شيء من الاستنباطات الظنية.
وسابعها: قوله تعالى في سورة البقرة( كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) (٣) جعل الحكمة الداعية إلى إرسال الرسول تلاوة الآيات على الناس وتعليم الكتاب وما لا يعلمون.
فقد اثبت الاحتياج الى تعليم الكتاب بعد تلاوة الآيات وكذلك كل ما لا يعلم ومن جملته بيان الناسخ من المنسوخ وتفسير القرآن وتأويله وهي نص في ذلك ودلالتها على وجوب العمل بالعلم لا بغيره واضحة والأحاديث في ذلك متواترة.
وثامنها: قوله تعالى: في سورة آل عمران( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ ) (٤)
وهي نص صريح في أن فيه محكما ومتشابها وان له تأويلا لا يعلمه الا الله والراسخون.
__________________
(١) آية ٨٠
(٢) النساء ١٥٧
(٣) آية ١٥٠
(٤) آية ٦
وقد تظافرت الاخبار بأنهم الأئمةعليهمالسلام وانه لا يعلم تأويل القرآن الا الله وهم، وان أكثر الآيات لها تأويل خلاف ظاهرها وانه لا يعلم الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والعام والخاص والتفسير والتأويل غيرهم وانه يجب الرجوع في جميع ذلك إليهم ودلالة الآية على ذلك ظاهرة بل نص.
وتاسعها: قوله تعالى:( لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (١) ومثلها في سورة الجمعة ودلالتها على المطلوب ظاهرة كما مر.
وعاشرها: قوله تعالى: في سورة بني إسرائيل( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ) (٢) وهي نص واضح في النهي عن اتباع ما لا يفيد العلم وتلك الظواهر لا تفيد الا الظن كما اعترفوا به.
وحادي عشرها: قوله تعالى في سورة الأنبياء( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (٣) وقد ورد نصوص كثيرة جدا ان المراد بأهل الذكر الأئمةعليهمالسلام فوجب سؤالهم عن كل ما لا يعلم ومن جملة ما نحن فيه ولا شبهة ان الشك والظن غير العلم وإنكاره مكابرة.
وثاني عشرها: قوله تعالى: في سورة يونس( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلّا يَخْرُصُونَ ) (٤) ذمهم على اتباع الظن والظواهر المذكورة لا تفيد غير الظن كما اعترفوا به ولو كان جائزا لاستحقوا المدح لا الذم ولا يرد انهم يخصونه بالأصول لأنه تخصيص بغير دليل لما يأتي من رد شبهتهم وقد ذكروا ان خصوص السبب
__________________
(١) آية ١٦٤
(٢) آية ٢٥
(٣) آية ٦
(٤) آية ٦٥
لا يخصص العام فكيف اغمضوا عنه هنا على أنا نراهم يعتمدون في الأصولين على أدلة ظنية أو بعض مقدماتها ظنية خصوصا أصول الفقه فإنه لا يكاد يوجد لهم فيه دليل غير ظني.
وثالث عشرها: قوله تعالى: في سورة حم السجدة( وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ ) (١) والاستدلال بها قد مر توجيهه بل هذه الآية دالة على أن العمل بالظن من الكبائر للوعيد عليه بالنار وقد تقدم الجواب عن تخصيصه بالأصول على أن ذلك من العامة ونحن مأمورون باجتناب طريقتهم في النصوص المتواترة.
ورابع عشرها: قوله تعالى في سورة الجاثية( وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلّا يَظُنُّونَ ) (٢) ودلالتها واضحة بعد ما تقدم وفيها تصريح بليغ بمباينة كل من العلم والظن الأخر، ومثلها كثير فبطل قول العامة وبعض المتأخرين من الخاصة بأن العلم المأمور بتحصيله والعمل به هو مطلق الرجحان الشامل للقطع والظن وهذا يستلزم التناقض في كلام الله والرسول والأئمةعليهمالسلام لتواتر الأمر بالعمل بالعلم والنهى عن العمل بالظن فكيف يدعى عاقل مسلم أن أحدها هو الأخر وانما ذلك من تمويهات العامة ومغالطاتهم.
وخامس عشرها: قوله تعالى في سورة الحجرات( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) (٣) وهذا دال على مطلبنا ان كل فرد من إفراد الظن يحتمل كونه إثما فتعين اجتنابه وليس فيها تصريح بجواز ترك اجتناب بعض الإفراد لما تقرر من صدق الموجبة الجزئية في عادة الموجبة الكلية ولو تنزلنا لقلنا لا يخرج من ذلك الا ظن دل على جوازه أو حجيته دليل شرعي تام كظن الخير بالمؤمنين كما
__________________
(١) آية ٢٢
(٢) آية ٢٤
(٣) آية ١١.
هو المناسب لسياق الآية وما قبلها فبقي الباقي.
وسادس عشرها: قوله تعالى في سورة النجم( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ ) (١) ذمهم على اتباع الظن فلا يكون جائزا والا لاستحقوا المدح.
وسابع عشرها: قوله تعالى فيها( وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) (٢) وهي نص واضح الدلالة مشتمل على التأكيد والمبالغة.
وثامن عشرها: قوله تعالى في سورة الانعام( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلّا يَخْرُصُونَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (٣) دلالتها واضحة على تحريم العمل بالظن وعدم جواز تقليد من يعمل بالظن ومعلوم ان تلك الظواهر لا تفيد غيره.
وتاسع عشرها: ان النصوص المتواترة دلت على وجوب مخالفة طريقة العامة وما اخترناه مباين لها وقد دلت عليه الأحاديث المتواترة وكل ما كان كذلك فهو حق وما اختاره المعاصر موافق للعامة مخالف للنصوص المتواترة وكل ما كان كذلك فهو باطل يتعين رده أو حمله على التقية وموافقته للعامة أوضح من أن يحتاج الى بيان، وأصله قول ابى بكر وعمر حسبنا كتاب الله(٤) .
والمتمم العشرين:
الأحاديث المتواترة عن الأئمةعليهمالسلام الصريحة فيما اخترناه
وقد أوردنا منها في كتاب القضا من وسائل الشيعة ما تجاوز حد التواتر وجمعنا باقيها في موضع آخر وهي تزيد على مأتين وعشرين حديثا لا تقصر سندا
__________________
(١) آية ٢٣ - ٢٨
(٢) آية ٢٣ - ٢٨
(٣) آية ١١٦.
(٤) البحار ج ٨ ط القديمة ص ٢٦٢ - ٢٦٥.
ودلالة عن النصوص على كل واحد من الأئمةعليهمالسلام فمن أرادها فليرجع إليها ان شاء الله ودلالتها في غاية الصراحة والوضوح، وقد تضمنت انه لا يعلم المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والعام والخاص وغير ذلك إلا الأئمة (ع) وانه يجب الرجوع إليهم في ذلك وانه لا يعلم تفسيره ولا تأويله ولا ظاهره ولا باطنه غيرهم ولا يعلم القرآن كما انزل غيرهم وان الناس غير مشتركين فيه كاشتراكهم في غيره وان الله انما أراد بتعميته ان يرجع الناس في تفسيره الى الامام وانه كتاب الله الصامت والامام كتاب الله الناطق ولا يكون حجة إلا بقيم وهو الامام وانه لا ورث علمه إلا الأئمة ولا يعرف ألفاظه ومعاينة غيرهم وانه لاحتماله للوجوه الكثيرة يحتج به كل محق ومبطل وانه انما يعرف القرآن من خوطب به(١) الى غير ذلك من التصريحات التي هو أوضح دلالة من النصوص كنص الغدير ونحوه وأظهر تواترا من أكثر النصوص.
الحادي والعشرون: ان كل آية يحتمل النسخ والتأويل وغيرهما إذا قطعنا النظر عما سواها فلا يوثق بجواز العمل بها من غير أن يقترن بها حديث عن الأئمةعليهمالسلام .
الثاني والعشرون: ان تعريف المتشابه صادق على كل آية من آيات الأحكام بالنسبة إلى الأحكام النظرية لاحتمال كل واحدة منها بل كل لفظه بوجهين فصاعدا إذا قطعنا النظر عن الأحاديث مضافا الى احتمال النسخ وغيره.
الثالث والعشرون: ان النص المتواتر وإجماع الإمامية دلا على ان الذي نزل من القرآن قراءة واحدة وان الباقي رخص في التلاوة به في زمن الغيبة وليس عندنا دليل على جواز العمل بكل واحدة من القراءات مع كثرتها جدا وكونها مغيرة للمعنى غالبا
الرابع والعشرون: ان ظواهر القرآن أكثرها متعارضة بل كلها عند التحقيق وليس لنا قاعدة يدل عليها دليل يعتد به المنصف في الترجيح هناك وانما وردت
__________________
(١) راجع البرهان ج ١ ص ١٨ ح ٣
المرجحات المنصوصة في الأحاديث المختلفة مع قلة اختلافها بالنسبة إلى اختلاف ظواهر الآيات فلو كنا مكلفين بالعمل بتلك الظواهر القرآنية من غير رجوع في معرفة أحوالها الى الامام لوردت عنهم (ع) مرجحات وقاعدة كلية يعمل بها كما وردت هناك.
الخامس والعشرون: انا وجدنا جميع أهل المذاهب الباطلة والاعتقادات الفاسدة يستدلون بظواهر القرآن استدلالا أقوى من الاستدلال على الأحكام التي استنبطها المتأخرون من آيات الأحكام بآرائهم فلو كان العمل بتلك الظواهر من غير رجوع إلى الأئمة (ع) في تفسيرها ومعرفة أحوالها من نسخ وتأويل وتخصيص وغيرها لزم صحة جميع تلك المذاهب الباطلة من الجبر والتفويض والتشبيه وخلافة ابى بكر وعمر وغيرهما، بل الشرك والإلحاد ونفى الإمامة والعصمة بل مذهب المباحية بل مذهب النصيرية كما تضمنت كتاب كنز الفوائد وغيره من استدلالهم وكذا جميع المذاهب الباطلة والى هذا أشار الصادقعليهالسلام بقوله احذروا فكم من بدعة قد زخرفت بآية من كتاب الله بنظر الناظر إليها فيراها حقا وهي باطل(١) .
السادس والعشرون: ان ذلك لو جاز لزم الاستغناء عن الامامعليهالسلام لأنه ما من مطلب من مطالب الأصول والفروع الا يمكن بان يستنبط من ظاهر آية وآيات فأي حاجة الى الامام وقد صرح بنحو ذلك القاضي عبد الجبار(٢) وغيره من علماء العامة وذلك مباين لطريقة الإمامية معارض لأدلة الإمامية واللازم باطل فكذا الملزوم
السابع والعشرون: الأحاديث المتواترة الدالة على وجوب الرجوع الى الامام في جميع الأحكام وانه لا يجوز العمل فيها الا بقوله وقد جمعنا في كتاب وسائل الشيعة منها ما فيه كفاية وجميع أدلة الإمامة توافقها وتؤيدها وليس لها معارض يقاومها كما عرفت.
__________________
(١) أقول وفي البحار: وكم من ضلالة زخرفت بآية من كتاب الله. وهو من كلام المسيح (ع) راجع ج ٢ ص ٩٦
(٢) في كتابه المغني
الثامن والعشرون: الحديث المتواتر بين الفريقين وهو قولهعليهالسلام انى تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض(١) دل على وجوب التمسك بهما معا فمن تمسك بالكتاب ولم يرجع في تفسيره ومعانيه إلى العترة لم يكن قد تمسك بهما والا لزم كون العامة المستدلين بتلك الظواهر قد تمسكوا بهما، لأنهم يعترفون بفضل العترة وهو واضح البطلان ولو علم معاني الكتاب وقدر على الاستنباط منه غير العترة لافترقا وهو خلاف النص لكن من تمسك بالعترة كان قد تمسك بهما لأنهم لا يخالفون الحق من تلك الظواهر المتعارضة وأكثر تلك الظواهر مخالفة للعترة فظهر الفرق والى هذا المعنى أشار أمير المؤمنينعليهالسلام بقوله: هذا كتاب الله الصامت وانا كتاب الله الناطق(٢) فظهر الترجيح.
فان قلت: فما فائدة ذكر الكتاب مع العترة قلت: له فوائد منها: ان الكتاب معجزة النبوة ودليل صحة الإسلام.
ومنها: ان امامة العترة وحجية أقوالهمعليهمالسلام تعلم من الكتاب وروايات غير العترة النص عليهم لا منهم للزوم الدور.
ومنها: انه مرجح قوى عند تعارض أخبار العترة.
ومنها: انه يمكن الاحتجاج به على العامة لأنهم يعتقدون حجية تلك الظواهر، فلنا ان نحتج به عليهم فيما وافق أحاديث العترة.
ومنها: انه مؤيد عظيم لأحاديث العترة.
ومنها: انه مشتمل على مطالب مهمة متواترة فيه صريحة مؤيدة للأدلة العقلية القطعية كآيات التوحيد والعدل والاخبار بالقيمة وبطلان تكليف ما لا يطاق وغير ذلك.
__________________
(١) أخرجه البحراني ره في البرهان من طريق الخاصة والعامة راجع ج ١ ص ٩ - ٢٦
(٢) أورده أيضا في الوسائل مرسلا راجع ج ٣ كتاب القضاء ص ٣٧١ وفي البحار ج ٨ كتاب الخلفاء ص ٢٦٤.
ومنها: ان فيه من الحكم والآداب النافعة المتواترة الضرورية ما لا يحصى من آيات الرهب والوعظ والتذكير وغير ذلك من المطالب النافعة في الدين والدنيا.
ومنها: انه دال على وجوب الرجوع الى العترة في تفسيره وتأويله والاستنباط منه والاستدلال به كما ذكرناه سابقا الى غير ذلك فهذه جملة من المقام ونبذة من الاستدلال اقتضاها الحال مع ضيق المجال وهي كافية لأرباب الكمال الذين يعرفون الرجال بالحق لا الحق بالرجال ولا يضرها عدم قبول الجهال والله تعالى أعلم بحقائق الأحوال.
فائدة (٤٩)
وجدت كلاما لبعض المعاصرين في حجية البراءة الأصلية والاستصحاب والتشنيع على من ينكرها أحببت إيراده والجواب عنه.
فأقول: قال المعاصر: قد أوردت شبهة في كون البراءة الأصلية لا تصلح الاستدلال بها وحاصلها انه قد ورد في الحديث ما معناه ان في كل شيء حكما حتى أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة وإذا كان في كل شيء حكم فكيف يقال براءة الذمة بعد أن ورد ما يقتضي اشتغالها.
ثم أجاب المعاصر بانا مكلفون بما يصل إلينا حكمه على وجه يجوز لنا العمل به وقد نهينا عن قبول خبر الفاسق والمخالف لدين الحق وقد ورد عنهمعليهمالسلام كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهى،(١) والناس في سعة مما لم يعلموا،(٢) ولا تنقض اليقين بالشك أبدا.(٣) وما حجب الله عن العباد فهو مرفوع عنهم(٤) واليقين لا يدفعه الا يقين مثله(٥) وقد ورد كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه
__________________
(١) أخرجه العلامة المجلسي ره في البحار عن « فقيه » ج ٢ ص ٢٧٤.
(٢) أخرجه صاحب الحدائق في المقدمة الثالثة وفيه: الناس في سعة ما لم يعلموا - ج ١ ص ٤٣.
(٣) التهذيب ج ١ ص ٤٢٢.
(٤) أخرجه في البحار عن « يد » ج ١ ص ٢٨٠.
(٥) وفي الوسائل ولا تنقض اليقين الا بيقين آخر.
فتدعه،(١) وكل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر(٢) ونحوه مما فيه تأييد لذلك.
ومما ورد مما تضمن النهى عن تكذيب ما جاء عنهمعليهمالسلام وان جاء به قدري أو غيره(٣) لا دلالة فيه لأن النهي عن التكذيب وهو الجزم بكونه كذبا لا يدل على العمل به ولا العمل بخبر كل مخبر وبمثل هذا يحصل التساهل في الدين لأنه لا ينظر الى ما حققه العلماء بل ينظر الى كل ما ورد ويعمل به.
نعم إذا حصل قرائن تدل على صدقه عمل به ولهذا كان المتقدمون يعمل الواحد منهم بخبر لا يعمل منه الآخر ولا يعتمد على مجرد روايته له أو العمل به كما يظهر من عدم عمل الصدوق بكل ما يرويه محمد بن يعقوب وكما يرد الشيخ روايات كثيرة رواها الكليني والصدوق تارة بالضعف وتارة بأنها أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا وكما يعمل به الصدوق مخالفا لوالده وكما يغلط الفضل بن شاذان في عدة مسائل في الميراث والسيد المرتضى له يجوز العمل بالأخبار من حيث هو لكونها أخبار آحاد والعجب من دعوى حصول علم لم يحصل لمتقدم ولا لمتأخر ولم يوافق عليه أحد.
ثم قال المعاصر وهب ان كل شيء ورد فيه حكم فذلك الحكم امّا ان يكون موافقا الحكم قبل ذلك أو مخالفا ومن المعلوم انا غير مكلفين بذلك الحكم ما لم يصل إلينا وقد نهينا عن أخذه عمن لا يعتمد على قوله والا لزم تكليف ما لا يطاق فمن لم يعمل بالخبر الضعيف عنده ويستند إلى البراءة الأصلية مراده بها هذا انتهى
__________________
(١) الوسائل ج ٣ ط القديمة ص ٢٦٢.
(٢) أخرجه صاحب الحدائق ره في المقدمة الثالثة راجع ج ١ ص ٤٢. والمؤلف ره في الوسائل ج ١ ص ٢٠٠.
(٣) ونص الحديث: هكذا عن ابى بصير عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (ع) قال سمعته يقول ولا تكذبوا الحديث وأن أتاكم به مرجئ ولا قدري ولا خارجي نسبه إلينا فإنكم لا تدرون لعله شيء من الحق فتكذبون اللهعزوجل فوق عرشه. راجع البرهان للبحرانى ره ج ٤ ص ٥٤٩ ح ٢١.
كلام المعاصر ملخصا محذوفا منه ما لا دخل له في الاستدلال أصلا.
ثم انه بعد ذلك أطال المقال في التشنيع الشنيع على من يعمل بالأحاديث ولا يعمل بالبراءة الأصلية ونسبهم الى الجهل والكذب والافتراء والتسامح والتساهل والخروج عن حكم العقل والنقل وتخريب الدين وترك الاحتياط والميل الى الكسل وغير ذلك مما لا فائدة في نقله ومقابلته بمثله.
وأقول: في الجواب والله الموفق للصواب. قوله: أوردت شبهة.
أقول: هذا الذي سماه شبهة لا شبهة فيه كما يأتي تحريره وتقريره ان شاء الله على ان الذي لا يعتقد حجية البراءة الأصلية لا يحتاج الى دليل لأنه ناف لا مثبت ومنكر لا مدع والشبهة كافية هنا فإنه ما لم يتحقق حجية البراءة الأصلية كيف يجوز الجزم بحجيتها وضعف دليل الحجية وفساده كاف، فكيف والأدلة العقلية والنقلية على نفى الحجية البراءة الأصلية كثيرة جدا يأتي الإشارة إلى بعضها ان شاء الله.
وانما يطلب الدليل من المدّعى المثبت لا من المنكر النافي كما صرّح به المحققون في محله وجزم به أكثرهم والقول بخلافه لا يخفى ضعفه وضعف دليله.
قوله: في كون البراءة الأصلية لا يصلح الاحتجاج بها.
أقول: ظاهره ان الاحتجاج بها جائز ولم يصرّح فيه بالوجوب وكذا غيره من الأصوليين وذلك ان مخالفتها والعمل بالاحتياط راجح قطعا وانما الخلاف في وجوب مخالفتها واستحبابه فالمعاصر لا ينكر الاستحباب لكن يظهر منه في آخر الكلام التشنيع على من يترك العمل بها لا بمجرد ترك العمل بها بل لعمله بأحاديث ضعيفة عنده، وكفى بهذا ضعفا لحجية البراءة الأصلية حيث انها دائما مخالفة للاحتياط والعمل بالاحتياط راجح اتفاقا وانما الخلاف في وجوبه واستحبابه.
واعلم ان كلام المعاصر وغيره هنا مجمل يحتاج الى التفصيل لتحقق محل النزاع ونحن نفصل ونقول الأصل يطلق على معان ويستدل به في مواضع اثنى عشر:
الأول: نفى الوجوب في فعل وجودي الى ان يثبت دليله.
الثاني: نفى التحريم في فعل وجودي الى ان يثبت دليله.
الثالث: نفى تخصيص العام الى أن يثبت المخصص.
الرابع: نفى تقييد المطلق الى أن يثبت المقيد وفي معناه نفى النسخ الى ان يثبت.
الخامس: نفى الاشتراط بشرط مختلف فيه الى أن يثبت وهو راجع الى حدّ السابقين.
السادس: نفى مطلق الحكم الى ان يثبت دليله.
السابع: نفى تغير الحكم الشرعي في الحالة السابقة وهو المسمى بالاستصحاب في نفس الحكم الشرعي إثباتا ونفيا.
الثامن: نفى تغير الحالة السابقة الى أن يثبت تغيرها وهو المسمى بالاستصحاب في غير نفس الحكم الشرعي.
التاسع: القاعدة الكلية كما يقال الأصل في الكلام الحمل على الحقيقة ونحو ذلك.
العاشر: الحالة الراجحة وهي قريبة من سابقها.
الحادي عشر: الدليل والبرهان كما يقال الأصل في هذه المسئلة الكتاب والسنة
الثاني عشر: الكتاب المعتمد كما يقال كتاب حريز أصل وكتاب محمد بن مسلم من جملة الأصول وهذا مخصوص بكتب الحديث وهو راجع الى سابقة وربما يطلق على غير ذلك. فاذا عرفت هذا فنقول.
اما الأول: فلا خلاف فيه بين العقلاء إذ لم يذهب أحد منهم إلى أصالة الوجوب حتى تثبت عدمه واستلزام ذلك تكليف ما لا يطاق ظاهر، وبطلانه أظهر مع انه كثيرا ما يحصل الشك في وجوب الفعل ووجوب الترك وقد ورد التصريح بما قلناه في عدة أحاديث ولم يقل أحد أيضا بوجوب الاحتياط هنا وان كان مستحبا حيث لا يكون الفعل مترددا بين الوجوب والتحريم نعم قد حكموا بوجوب الاحتياط إذا علم
اشتغال الذمة بعبادة وحصل التخيير في نوعها كالقصر والتمام والظهر والجمعة وصلاة الفريضة إلى أربع جهات ونحو ذلك مع عدم إمكان الترجيح بالمرجحات المنصوصة وله تفصيل آخر مذكور في محله.
واما الثاني: ففيه خلاف مشهور ومذاهبهم فيه ثلاثة، أصالة الإباحة حتى تثبت التحريم، وأصالة التحريم الى ان تثبت الإباحة، ووجوب التوقف والاحتياط وعدم الجزم بأحد الطرفين ودليل الأولين ضعيف وكل منهما يدفع الأخر والأدلة العقلية والنقلية دالة على الثالث
واليه ذهب رئيس الطائفة في كتاب العدة وجماعة من المتقدمين والمتأخرين وقد اتفق الجميع على رجحان ذلك لم يخالف فيه عاقل وانما اختلفوا في الوجوب كما مر ولا يخفى ان الأصل بهذا المعنى نوع من الاستصحاب لأنه استصحاب لحكم الأشياء قبل ورود الشرع أو قبل تعلق التكليف بالمكلف ولا يتصور وجوب التوقف والاحتياط في مقام الوجوب والتحريم معا لأنه يستلزم اجتماع النقيضين وغير ذلك من المفاسد والنصوص الصريحة دلت على الفرق بين المقامين.
وأما الثالث والرابع والخامس: فلا خلاف فيها أيضا الا انهم اختلفوا في الحكم بالنفي قبل التفحص وعدمه والمحققون على اشتراط التفحص وهو الأحوط
وذهب العلامة إلى جواز الحكم قبل التفحص هذا في أحاديث الأئمة (ع) وأما في القرآن ففي ذلك خلاف مشهور والأحاديث المتواترة التي تزيد على المائتين دالة على عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهره الا بعد معرفة أحوالها وتفسيرها من الأئمة (ع) ولو بحديث يوافق مضمونها ليؤمن من النسخ والتخصيص والتقييد وغير ذلك مما هو كثير جدا في القرآن وقد جمعناها في محل آخر ودلالتها ظاهرة واضحة غير محتملة للتقية وقد تجاوزت حد التواتر وما يتخيل من معارضاتها محتمل للتقية على انها ظواهر لا تعارض النص الصريح.
واما السادس: ففيه خلاف مشهور وقد خصه المحقق بما يعلم انه لو كان هناك
دليل يوصل إلينا والا لم يكن معتبرا ومع فرض تحقق العلم بذلك تسهل الخطب الا ان هذا فيه إجمال لا بد فيه من التفصيل السابق.
وأما السابع: ففيه أيضا خلاف مشهور وقد ذهب الى بطلانه المحققون كالسيد المرتضى والشيخ الطوسي والمحقق الحلي والشيخ حسن ومولانا محمد أمين وصاحب المدارك وغيرهم ومثلوا له بالمتيمم إذا دخل في الصلاة ثم رأى الماء في أثنائها الاتفاق واقع على وجوب المضي فيها قبل الرؤية فهل يستمر على فعلها بعدها استصحابا للحكم الأول أم يستأنفها بالوضوء.
وقال صاحب المدارك في أوائل كتاب الطهارة: الحق ان الاستصحاب ليس بحجة إلا ما دل الدليل على ثبوته ودوامه كاستصحاب الملك عند جريان سبب الملك الى ان يثبت الانتقال وكشغل الذمة عند جريان الإتلاف الى ان يتحقق البراءة « انتهى »(١) وأدلة التوقف والاحتياط شاملة له ودليل حجيته ضعيف باطل كما يأتي ان شاء الله تعالى.
وأما الثامن: فلا خلاف فيه والنصوص الشرعية دالة عليه عموما وخصوصا وأما باقي المعاني فلا اشكال فيها وأمرها واضح الا انه لا بد من تحققها وإثباتها ولا يكفى فيها الدعوى المجردة عن الدليل ولا الاستدلال بالفرد على الطبيعة كما اشتهر بين جماعة من المتأخرين من قولهم هذا الحديث مخالف للأصول فيردونه ومرادهم بالأصول قواعد كلية قد استنبطوها من صور حديث وهذا عند التحقيق لا يتم الا على قواعد العامة القائلين بالقياس فإنهم يستدلون بجزئي على جميع أفراد الكلي الشامل له ومن تبعهم من الخاصة فيه فقد غفل عن مبناه اللهم الا ان يدل القرائن الظاهرة الواضحة على ان ذلك الفرد انما ورد بطريق المثال وان الحكم عام.
وقد أشار الى بطلانه الصادقعليهالسلام في حديث عبد الرحمن بن الحجاج حيث قال في الرد عليهم انهم جعلوا الأشياء شيئا واحدا ولم يعلموا السنة. وغير ذلك من
__________________
(١) المدارك ص ١٥ في ذيل عبارة، ولا يطهر بزوال التغير من نفسه إلخ
الأحاديث وقد ظهر ان عمدة الاختلاف هنا في أصالة الإباحة وفي الاستصحاب في نفس الحكم الشرعي الا ان الاستصحاب يطلق عليه الأصل لا البراءة الأصلية ففي استدلال المعاصر تسامح كما يأتي بيانه وباقي المعاني أمرها ظاهر.
أقول: وإذا كان في كل شيء حكم فكيف يقال ببراءة الذمة.
أقول: هذه الأحاديث المشار إليها كثيرة جدا قد تجاوزت حد التواتر بما تزيد على خمسمائة حديث ويوافقها آيات كثيرة من القرآن ودلالة هذه الآيات ظاهرة ودلالة الروايات قطعية وإذا كان في كل واقعة حكم شرعي وقد علمنا اشتغال الذمة بتكليفات لا بد من القيام بها وقد علمنا أيضا انه لم يبق شيء على إباحته الأصلية والإباحة الشرعية مغايرة لها ومن المعلوم انه لا يجوز إثبات حكم شرعي إلا بدليل شرعي حتى الإباحة الشرعية وهذا صريح كلام المعاصر وغيره في عدة مواضع مما قلناه وغيره فترى آخر كلامه يناقض أوله.
قوله: انا مكلفون بما يصل إلينا حكمه على وجه يجوز لنا العمل به.
أقول: ان أراد الحكم الخاص خاصة فهو ممنوع بل العمل بالحكم العام واجب كما ان العمل بالحكم الخاص واجب بشرط ان يكون الفرد الذي يراد إثبات حكمه بالنص العام بين الفردية والا لاحتاج الى دليل آخر وقد وصل إلينا النص العام المتواتر الصريح بانا مكلفون في كل واقعة بحكم شرعي وبالتوقف والاحتياط إذا لم يعلمه واشتباه بعض الأحكام علينا مع إمكان تحصيل براءة الذمة لنا في مقام التحريم بترك الفعل الوجودي المحتمل له دون مقام الوجوب لما مضى ويأتي لا يكون عذرا لنا في الجزم بالإباحة الشرعية مع عدم الدليل ولا بالإباحة الأصلية للعلم بالانتقال عنها الى الوجوب أو الاستحباب أو التحريم أو الكراهة أو الإباحة الشرعية ولو لم يكن النص العام حجة لزم رفع التكليف الان إذ لا نص خاصا في وجوب الصلاة على زيد في سنة كذا في بلد كذا والنصوص على عموم التكاليف عدا ما استثنى كثيرة جدا بل متواترة.
قوله: وقد ورد عنهمعليهمالسلام .
أقول: استدل على حجية الأصل والاستصحاب بستة أخبار لا دليل في شيء منها على مطلبه.
والجواب عنها بالتفصيل يأتي ان شاء الله والجواب عنه إجمالا من وجوه اثنى عشر.
الأول: أنها اخبار آحاد وقد تقرر عندهم عدم حجيتها في الأصول:
الثاني: انها ظواهر ليست بنص صريح وقد اعترفوا بعدم جواز الاستدلال بظاهر في الأصل.
الثالث: ان الاستدلال بها دوري لأن سندها ودلالتها ظنيان اما عندهم فظاهر واما عندنا فلكثرة معارضاتها وموافقتها للتقية والأصل والاستصحاب دليلان ظنيان فكيف يجوز الاستدلال بالظن على الظن.
الرابع: أنها اخبار آحاد ومعارضها متواتر كما يأتي الإشارة إليه فيكون ضعيفة عندنا وعندهم ولو بالنسبة إلى قوة معارضها وعلى تقدير جواز العمل في الأصول بخبر الواحد لا بد من عدم معارض أقوى منه أو مساو.
والخامس: انها لا تفيد غير الظن وقد تواتر النهى عن العمل به في الآيات والروايات وقد ادعوا تخصيصه بالأصول فلا يجوز لهم الاستدلال فيها بدليل ظني
السادس: موافقتها للتقية وعدم موافقة معارضها لها فان مدار علماء العامة على العمل بالأصل والاستصحاب ومخالفة التقية أقوى المرجحات المنصوصة.
السابع: كثرة احتمالاتها وقد تقرر انه إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال
الثامن: انها انما تدل على بعض الإفراد المتفق عليها ولا ظهور لها في شيء مما هو مختلف فيه كما سنبينه.
التاسع: انها خلاف الاحتياط في الأصل دائما وفي الاستصحاب غالبا كما يأتي ومعارضها موافق للاحتياط فالعدول عنها والعمل بمعارضها راجح قطعا عندنا وعند الخصم فكفاها بذلك ضعفا، وانما الخلاف في وجوب مخالفتها واستحبابه.
العاشر: انه لا دلالة فيها على حجية الأصل والاستصحاب بوجه كما يأتي فبقيت معارضاتها المتواترة بغير معارض.
الحادي عشر: ان المفروض فيها عدم ورود النهى وعدم حصول العلم وقد ورد النهي في معارضاتها وحصل العلم بها كما يأتي بيانه ان شاء الله فبقي موضوعها غير موجود الان عند العلماء العارفين بعارضاتها ويأتي توضيحه ولا يجوز الاستدلال بها.
الثاني عشر: انها معارضة للدليل العقلي والنقلي من الكتاب والسنة فلا يجوز العمل بها لأنها عدول عن يقين الى ظن وبطلانه لا يحتاج الى دليل.
ومن المعلوم الذي لا شك فيه ان القائلين بالقياس والاستحسان بل بالجبر والتشبيه والتفويض بل بإنكار الإمامة والعصمة قد استدلوا بما هو أقوى وأوضح وأظهر مما استدل به المعاصر على حجية الأصل والاستصحاب وما أجاب به فهو جوابنا وذلك انه ظن تعارض اليقين وشبهة تعارض العلم وكل ما كان كذلك فهو باطل قطعا فهذا جواب إجمالي والتفصيلي مذكور في محله وهذا الإجمالي كاف لمن عجز عن حل الشبهة بالوجه التفصيلي ولا يكلف الله نفسا الا وسعها على ان الجواب، التفصيلي لا يخفى على اللبيب ويأتي هنا ما يقتضيه الحال.
وليت شعري أي حق لا تعارضه شبهة أقوى مما ذكره المعاصر وفي ذلك من الحكم والأسرار ما يطول الكلام ببيانه ومن جملتها تشديد التكليف والتعريض لزيادة الثواب وعدم كون التكليف ضروريا فتسقط المشقة فيه، ولا يقدر أحد على مخالفته كما في المعاد وهذا هو السر في نصب جميع الشبهات وإنزال المتشابهات وخلق الشهوات والشياطين وغير ذلك.
وفيه أيضا أسرار أخر قد ورد النص بها وليس هذا محل بيانها والا فإن الله اقدر على رفع الاختلاف( وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) .
وقد كان الله قادرا على إنزال جميع الأحكام التي يحتاج إليه الأمة في القرآن
بدلالات ظاهرة واضحة قطعية خالية من المعارض وكذا كان الرسولعليهالسلام قادرا على تأليف كتاب كذلك وكذا كل واحد من الأئمة (ع) ولكن لم يكن ذلك موافقا لحكمة التكليف وكان يكون ذلك مغنيا عن الامام كما ورد النص بان ذلك وجه الحكمة في تعمية القرآن.
ومع ذلك فان تحصيل العلم بما يحتاج اليه غير متعذر والاحتياط فيما لم يحصل فيه العلم كما أمرنا به ممكن والنصوص عندنا في كل ما كلفنا به من الأمور المهمة كثيرة لمن تتبع والله الهادي.
قوله: كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهى.
أقول: هذا الخبر هو عمدة المعاصر في الاستدلال ولذلك لم يستدل غيره بغيره فان ما عداه لا دلالة له أصلا كما يأتي.
والجواب عنه من وجوه اثنى عشر: قد عرفت جملة منها ونحن نشير اليه توضيحا.
الأول: انه خبر مرسل لا سند له أصلا وينبغي ان يذكر المعاصر سنده ثم أثبت صحته ولا سبيل له اليه فلا يعارض الأخبار المسندة.
الثاني: انه خبر واحد فلا يكون حجة في الأصول اتفاقا.
الثالث: انه خبر واحد يعارض المتواتر الذي يأتي الإشارة إليه:
الرابع: انه ظني السند والدلالة فلا يجوز الاستدلال به على حجية دليل ظني لأنه دوري.
الخامس: انه ظن فلا يكون حجة في الأصول أما عندهم فظاهر واما عندنا فلكثرة معارضاته.
السادس: انه محمول على التقية لموافقته للعامة وقد ورد مثله وما هو أقوى منه في القياس وفي الجبر والتشبيه وفي نفى العصمة ونحو ذلك ووجهه ما قلناه ولو لا خوف التطويل لاوردنا من ذلك ما يتجاوز حد التواتر.
السابع: انه معارض بما هو أقوى منه فلا يجوز ترجيح الأضعف على الأقوى
الثامن: انه مخالف للاحتياط والعمل بالاحتياط راجح قطعا كما عرفت.
التاسع: انه محتمل للاحتمالات الكثيرة ومن جملتها اختصاصه بما ليس من نفس الأحكام الشرعية واختصاصه بمقام احتمال الوجوب اى بمقام احتمال الوجوب لأن الأصل عدمه اتفاقا وغير ذلك مما مضى ويأتي وإذا قام الاحتمال بطل الاستدلال
العاشر: ان النهى قسمان خاص وعام ولم يقل حتى يرد فيه نهى خاص، والنهى العام قد بلغنا وهو النهى عن ارتكاب الشبهات والقول بغير علم وما تضمن الأمر بالتوقف والاحتياط في كل ما لم يكن حكمه ظاهرا واضحا والنهى عن العمل بالظن الى غير ذلك مما تضمن معارضه وقد جمعناه في محله وهو يقارب مائة حديث واما ما يدل على ذلك عموما فهو يزيد على ألف حديث كما يأتي الإشارة إليه.
الحادي عشر: ان يكون مخصوصا بالخطابات الشرعية ووجهه انه لم يبق شيء لم يرد فيه خطاب شرعي فإن الله قد أكمل الدين وبين الأحكام فحاصل معناه ان كل خطاب شرعي فهو باق على إطلاقه وعمومه حتى يرد فيه نهى عن بعض الإفراد بقيد ذلك الإطلاق ويخص ذلك العموم ولا شك في إمكان التخصيص الذي ذكرناه واحتمال الخبر له ووجود دليله وعدم الخلاف فيه فتعين ذلك لتواتر معارضه لو حمل على ظاهره.
ومثاله قولهمعليهمالسلام كل ماء طاهر حتى تعلم انه قذر.
فإنه محمول على ظاهره من العموم والإطلاق فلما ورد النهى عن استعمال الإنائين الذين أحدهما نجس والأخر مشتبه به خرجت هذه الصورة من الدخول في العموم والإطلاق وقد فهم الصدوق هذا المعنى من الخبر فاستدل به على جواز القنوت بالفارسية لأن أحاديث القنوت متواترة وفيها عموم وإطلاق ولم يصل اليه نهى عن القنوت بالفارسية والا فإن العبادة لا يستدل فيها بأصالة الإباحة بل لا بد فيها من دليل الرجحان الشرعي.
الثاني عشر: ان يكون مخصوصا بما قبل إكمال الشريعة أو بمن لم يبلغه النهى العام المعارض لهذا الخبر هنا، ويحتمل غير ذلك من الوجوه الكثيرة واقتصرنا على هذا القدر تبركا بالعدد.
قوله: والناس في سعة مما لم يعلموا.
أقول: قد عرفت الجواب بوجوه متعددة عن مثله فلا وجه للإطالة بإعادته وقوله مما لم يعلموا انما يجوز ان يستدل به قبل حصول العلم بمعارضة المتواتر المشتمل على الأمر بالتوقف والاحتياط في مقام التحريم أما بعد العلم به فالاستدلال به مكابرة ولم يقل: الناس في سعة مما علموا ومما لم يعلموا.
ومع هذا فتخصيصه بغير الحكم الشرعي أو بمقام الوجوب قريب متعين بوجود ما يؤيده وعدم ما ينافيه دون مقام التحريم على ان هذا الخبر فيه تغيير فاحش قد وقع من المعاصر اما سهوا أو عمدا والا فإنه لا عموم فيه.
وانما ورد في حديث سماعة في الجماعة الذين وجدوا السفرة ولا يعلمون انها سفرة مجوسي أو مسلم فقالعليهالسلام هم في سعة حتى يعلموا.
فقوله: هم، راجع الى الذين وجدوا السفرة ليس بعام في جميع الناس وتغييره غير جائز وهو في جماعة مخصوصين وفي قضية خاصة فتعديته الى غيرها قياس باطل ومع ذلك انما ورد في غير الأحكام الشرعية لأن قولنا هذه سفرة مسلم ليس بحكم شرعي وكذا قولنا هذه سفرة مجوس ولو سئل النبي والامام عن ذلك ربما يعلمه لأنه لا يلزم علمهما بجميع علم الغيب(١) .
فكيف يقاس الأحكام الشرعية على الأمور الدنيوية ونحن نطالب المعاصر بسند الخبر فنقول من رواه بهذا اللفظ وفي أي كتاب ورد وعلى تقدير ثبوته في
__________________
(١) ولكن نحن نعتقد أن الأئمة (ع) يعلمون جميع الجزئيات سوى البداء والذي يختص بذاته سبحانه وتعالى بمعنى أنهم (ع) عالمون بالأشياء لكن لا مطلقا بل بالأمور التي لم يرد الله تعالى إخفائه عنهم.
كتب الحديث المعتمدة بسند صحيح بهذا اللفظ بعينه قد عرفت الجواب عنه بوجوه متعددة.
قوله: ولا تنقض اليقين بالشك أبدا.
أقول: هذا انما يدل على حجية الأصل بمعنى الاستصحاب لا بمعنى الأصالة الإباحة ولا دلالة له على الاستصحاب في الحكم الشرعي بل هو مخصوص باستصحاب الحالة السابقة التي ليست من نفس الأحكام الشرعية سواء كانت مخالفة للأصل أم موافقة له مثاله إذا تيقن الإنسان انه توضأ ثم شك في انه أحدث وبالعكس أو تيقن دخول الليل ثم شك في طلوع الصبح وبالعكس أو تيقن وقوع العقد ثم شك في التلفظ بالطلاق أو تيقن وقوع الطلاق ثم شك في الرجعة أو في تجديد العقد أو تيقن طهارة ثوبه ثم شك في ملاقاة البول له أو نحو ذلك مما ليس من نفس الأحكام الشرعية وان ترتب عليه بعضها فان هذه الأشياء لا يحتاج الى نص والا لزم تكليف ما لا يطاق لان المكلف لا يمكنه الرجوع في هذه الأشياء وأمثالها إلى المعصوم وإذا رجع إليه فإنه لا يعلم الغيب كله.
وهل يتصور عاقل ان يقول للنبيصلىاللهعليهوآله أخبرني هل أحدثت بعد وضوئي أم لا وهل خرج مني منى بعد الغسل أم لا وهل طلقت زوجتي أم لا ولما اقتضت الحكمة لدفع الحرج والمشقة ان ينص الشارع على العمل في هذه الأشياء التي ليست الأحكام الشرعية بقواعد كلية من أصل واستصحاب ونحوهما على تفصيل يستفاد من النص المذكور في محله حكم العامة بمساواة الأحكام الشرعية الإلهية لتلك الأمور الدنية الدنيوية بناء على أصلهم من حجية القياس.
وغفل عن الفرق بين الأمرين بعض المتأخرين من الخاصة مع ان النصوص بالفرق بين المقامين كثيرة والا لزم تكليف ما لا يطاق أو رفع التكاليف كلها أو أكثرها والاستغناء عن النبي والامام بالأصل والاستصحاب كما صرح به بعض علماء العامة ولا يمكن المعاصر ان يجب بما ورد من وجوب طلب العلم لأنه يقول لا المراد بالعلم
الظن الحاصل من الدليل الشرعي كالأصل والاستصحاب ولا يجب بعد ذلك الرجوع الى المعصوم عندهم ولأنهم يدعون انه لا يحصل من الاخبار غير الظني حتى مع المشافهة لأن دلالة الألفاظ ظنية كما زعموا فيلزم من وجوب الرجوع بعد حصول الظن الشرعي تحصيل الحاصل.
ومما يؤيد الاختصاص هنا بما ليس من نفس الأحكام الشرعية ان هذا الحديث انما ورد في نواقض الوضوء إذا حصل الشك في غلبة النوم على السمع وعدمه وفي الشك بين عدد الركعات الصادرة عن المصلى ومما يؤيد ذلك أيضا.
وتوضيحه انهمعليهمالسلام قالوا لا تنقض اليقين بالشك ابدا وانما تنقضه بيقين آخر فاذا لم يحصل للمكلف يقين بتجدد حالة أخرى ( يمكنه الاستدلال بهذا الحديث وإذا حصل له اليقين بتجدد حالة أخرى - خ ) كخروج المذي من المتوضى ووجود الماء عند المصلى بتيمم وحصل عنده شك في حكمها الشرعي وهو الذي ينصرف إليه إطلاق الاستصحاب عندهم فلا يمكن الاستدلال بهذا الحديث لأنه قد نقض اليقين السابق بيقين وشك لا بشك منفرد ولم يقل في الحديث لا تنقض اليقين بالشك ولا باليقين والشك وانما تنقضه بيقينين آخرين.
[ فلا يكون ذلك دليلا على الاستصحاب على انه ان يدل على ان الشك لا تنقض اليقين - خ ].
فلا دلالة على عدم نقض الشك بالظن ولا الظن بالشك ولا اليقين بالظن ولا الظن بالظن ولا اليقين باليقين والشك أو به وبالظن وهم يستدلون في جميع تلك الصور بالاستصحاب فلا دلالة للحديث على حجيته مطلقا على ان اللام في اليقين يحتمل كونها للعهد الذكرى لأنه قال والا فإنك على يقين من وضوئك ولا تنقض اليقين ابدا بالشك فلا دلالة له على غير الصورة المفروضة التي هي موضوع بالحديث وهي ليست من نفس الأحكام الشرعية والقياس باطل والاستدلال بالفرد على الطبيعة غير معقول خصوصا في الأصول.
هذا وقد استدل المعاصر بهذا الحديث على حجية البراءة الأصلية وقد عرفت ما فيه من التسامح فان الاستصحاب قد يدل على التحريم وعلى الوجوب ونحوهما والأحكام الشرعية والوضعية وهو ينافي البراءة الأصلية فهو في كثير من الصور يدل على بطلانها على ان لمن قال: بوجوب التوقف والاحتياط ان يستدل بهذا الحديث بعينه.
فنقول: قد حصل لنا اليقين بشغل الذمة بالتكليف وبأن في كل مسئلة حكما شرعيا فلا يجوز لنا نقض اليقين في شيء من الأشياء إلا بيقين مثله فبطلت حجية البراءة الأصلية ويتعين العمل بالنص الخاص ان وجد والا فبالعام الدال على الاحتياط الذي يحصل منه اليقين ببراءة الذمة وأقله ان يقال تعارضا فتساقطا مع التنزل على رجحان المعارض، وهذا كله واضح عند المنصف الخالي الذهن من الشبهة والتقليد.
قوله: وما حجب الله عن العباد فهو موضوع عنهم.
أقول: هذا الحديث أيضا فيه تغيير ولفظ ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم، وقد عرفت الجواب عن مثله بوجوه كثيرة وهو ظاهر الدلالة على حكم الشك في وجوب فعل وجودي لا في مقام التحريم سلمنا لكن لا دلالة فيه على ما لم يحجب علمه عن العباد لحصول العلم بالنص المتواتر بوجوب التوقف والاحتياط في مقام التحريم.
قوله: واليقين لا يدفعه الا يقين مثله.
أقول: وجود هذا الحديث بهذا اللفظ ممنوع فعلى المعاصر البيان وانما الموجود هو اللفظ السابق وقد عرفت الجواب عنه بوجوه كثيرة على ان كلام المعاصر غير صريح في ان هذا حديث بل ظاهره انه كلام منه في أثناء الاستدلال وانه قد عبر به عن مضمون الحديث السابق وفيه نوع من التسامح مع ان لفظ مثله غير صريح في عموم المماثلة والا هو من ألفاظ العموم والا لزم الاتحاد والجواب عن الحديث السابق كاف.
قوله: وقد ورد كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه.
أقول: هذا الحديث الموجود في الكافي والتهذيب والفقيه هكذا كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال ابدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه.
وهذا لا دلالة على حجية الأصل ولا الاستصحاب في نفس الأحكام الشرعية لأن موضوعه مخصوص بما يكون نوعا ينقسم الى قسمين حكمها الشرعي معلوم أحدهما حلال والأخر حرام كاللحم الذي فيه ميتة ومذكى والخبز الذي منه ما هو ملك لبائعه ومنه ما هو سرقة وكالخبز الذي منه ما عمل من لبن طاهر ومنه ما عمل من لبن النجس أو من لبن مأكول اللحم وغيره وكجوائز الظالم وجميع ما في الأسواق وفي أيدي الناس فان وجود حلال وحرام في جميع ذلك معلوم مقطوع به وهذا كله ليس من نفس الأحكام الشرعية وهذا الحديث ظاهر الدلالة على هذا المعنى ولا ظهور له في غيره.
وقد ورد التصريح بذلك في هذا الحديث بعينه في رواية أخرى رواها الكليني والشيخ عن مسعدة عن ابى عبد اللهعليهالسلام قال كل شيء هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل الثوب فيكون عليك قد اشتريته وهو سرقة والمملوك عندك وهو حر قد باع أو خدع فبيع قهرا أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة فهذا الحديث واضح فيما قلناه وقد صرح فيه بان موضوعه ما ليس من نفس الأحكام الشرعية [ وقوله: البينة دالان على ذلك والقرائن والتصريحات فيه وفي غيره مما ذكرنا واضحة وهذا غير محل النزاع ولو كان صريحا في نفس الأحكام الشرعية ] لكان محتملا للتقية وغيرها مما مضى ويأتي.
وأحاديث اختلاط الحلال بالحرام واشتباهه به كثيرة مذكورة في كتاب التجارة وكتاب الصيد والذبائح والأطعمة والأشربة وغير ذلك وفي بعضها تصريح باختصاص الحكم بهذا القسم وقياس غيره عليه مع وجود الفارق باطل بل بدونه وبعد التسليم كيف يجوز تقديم الظاهر على النص وما وافق العامة على ما خالفهم.
قوله: وكل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر أقول: هذا أخص من المدعى لأنه مخصوص بالطهارة لا دلالة له على مطلق الإباحة على انه انما يدل على ان ما علمت طهارته وشك في ورود النجاسة عليه حكم عليه بالطهارة عملا بالأصل والاستصحاب وهذا ليس من نفس الأحكام الشرعية ولا أقل من الاحتمال وفي جملة من أحاديث الطهارة دلالة على ذلك كحديث اعارة الثوب للذمي وغيره وفي لفظ قذر الذي هو صفة مشبهة وفي بعض الروايات حتى تعلم انه نجس دلالة على ما قلناه إذ لم يقل حتى تعلم أنه نجاسة ولا أقل من الاحتمال فكيف يتم الاستدلال، وعلى تقدير التصريح بنفس الحكم الشرعي هنا مخصوص بقسم واحد مع معارضة ما دل على التوقف والاحتياط والنهى عن ارتكاب الشبهات في نفس الأحكام وعن العمل بالظن مع احتمال التقية وغيرها وضعفه عن معارضه لو كان صريحا في محل النزاع وقد تقدم الجواب بوجوه أخر.
قوله: نعم إذا حصل قرائن تدل على صدقه عمل به.
أقول: هذا اعتراف بما لا يزالون ينكرونه على الأخباريين من إمكان الاطلاع على القرائن والعمل لها وإذا اعترفوا بإمكانه لم يجز لهم دعوى انسداد باب العلم لان الخبر المحفوف بالقرائن يفيد العلم باتفاق الخصم والمثال الذي أورده له لا نسبة له الى هذه الاخبار المحفوفة بالقرائن بل كلها أقوى منه كما لا يخفى على المنصف إذا عرف تلك القرائن المفصلة في أماكنها وقد صرح بذلك المتقدمون والمتأخرون ومن هنا يظهر أيضا ضعف الاصطلاح الجديد في تقسيم الأخبار المعتمدة المحفوفة بالقرائن إلى أربعة أقسام بناء على انسداد باب العلم بالقرائن ولتفصيل الكلام وبيان القرائن وتنقيح البحث محل آخر.
قوله: ولهذا كان المتقدمون يعمل أحدهم بخبر لا يعمل به الأخر ولا يعتمد على مجرد روايته له أو العمل به.
أقول: هذا لا محذور فيه ولا منافاة فيه لقاعدتهم بل هو مؤيد لها لأنهم كانوا
يعملون بالخبر المحفوف بالقرينة وربما ظهرت لبعضهم وخفيت عن الأخر ولا يطعنون في المعارض بل يرجحون الحديث الذي عملوا به بمرجحات منصوصة عندهم وربما عمل بعضهم بحديث ولم يطلع على معارضه ولا ينافي ذلك حصول العلم بحكم ورد عن المعصوم فان ثبوت حديثين متعارضين عن المعصوم بطريق القطع بالمشافهة أو بالقرائن أو بالتواتر لا يستلزم التناقض لأنه يمكن كون أحدهما تقية أو مخصوصا ببعض الحالات.
وانما يلزم التناقض لو جزم كل واحد منهم بان هذا حكم الله في الواقع وذلك غير لازم بل يكفي أحد العلمين كما دل عليه العقل والنقل ولا تراهم اختلفوا إلا في مقام اختلاف الاخبار بخلاف الذين يعملون بالاجتهاد والظن ووجوه الاستنباطات الظنية فإنهم كثيرا ما يختلفون في مسئلة لا نص فيها بل كثيرا ما يردون النص لظنهم ضعفه ويختلفون في حكمه.
ثم لو سلمنا ان بعض الأخباريين أفتى بخلاف الحق سهوا أو عمدا فذلك لا يدل على بطلان طريقتهم كما هو ظاهر للمنصف ومن المعلوم ان فعل غير المعصومعليهالسلام وقوله ليس بحجة شرعية وان كانت روايته حجة بشروطها.
قوله: ومن العجب من دعوى حصول علم لم يحصل لمتقدم ولا لمتأخر.
أقول: ان أراد دعوى حصول العلم في جميع المسائل فهذا لا يدعيه أحد من الأخباريين كيف وهم يقولون بالتوقف والاحتياط عند عدم العلم بالحكم وان أراد دعوى حصول العلم في بعض الأحكام التي ورد فيها نص متواتر أو محفوف بالقرائن فلا يحسن التعجب منه فان الفريقين قائلون به.
وقد قال المفيد والمرتضى والشيخ ان الأحاديث المتواترة في كتبنا لا تعد ولا تحصى ومن المعلوم ان الأحاديث المحفوفة بالقرائن أكثر منها وقد صرح المتقدمون والمتأخرون بما هو أبلغ من ذلك ونقل عباراتهم يلزم منه الاطناب.
وناهيك بالسيد المرتضى الذي ينكر اخبار الآحاد الخالية عن القرائن فقد
نقل عنه صاحب المنتقى والمعالم انه قال ان أكثر أخبارنا المروية في كتبنا معلومة مقطوع على صحتها اما بالتواتر من طريق الإشاعة والإذاعة واما بأمارة وعلامة دلت على صحتها وصدق رواتها فهي موجبة للعلم مقتضية للقطع وان وجدناها مودعة في الكتب بسند معين مخصوص من طريق الآحاد.
ونقل الشيخ حسن أيضا عنه انه قال ان معظم الفقه تعلم مذاهب أئمتناعليهمالسلام بالضرورة وبالأحاديث المتواترة وما لم يتحقق ذلك فيه لعله الأقل « انتهى »(١)
وعبارات علمائنا المتقدمين والمتأخرين توافق ذالك وبعضها أبلغ وكفاك بالمرتضى علم الهدى، فكيف يحسن من المعاصر ان يتعجب من دعوى حصول العلم ويدعى انه لم يحصل [ لمتقدم ومتأخر ينسب إلى أصحاب الأئمة وأمثالهم العمل بالظن في جميع الأحكام وانه لم يحصل ] لأحد من الإمامية علما في مسئلة من المسائل
وهذا الذي ادعاه هذا المعاصر أعجب مما تعجب منه على ان الأخباريين إذا نزلوا عن دعوى العلم بالحكم وقالوا هذا ظن قد حصل لنا العلم لوجوب العمل به ونحن مأمورون بذلك بالنص المتواترة فلا محذور فيه ويسقط التشنيع عليهم ولا يلزمهم العمل بكل ظن لبطلان القياس وعدم الدليل.
ومن جملة تمويهات علماء العامة ومغالطاتهم انهم قالوا لا يمكن تحصيل العلم في الفروع ولا تحصيل(٢) الا الظن فكل ما حصل منه ظن بحكم شرعي فهو دليل شرعي وانما قالوا: ذلك لعدم وجود نص عندهم متواتر ولا محفوف بالقرينة في الفروع ولعلمهم بالقياس فقاسوا ما لم يؤمروا بالعمل به ولا عذر للإمامية في مثل ذلك.
قوله: وهب ان كل شيء ورد فيه حكم.
أقول: هذا الكلام يظهر منه الإنكار بمضمون تلك الاخبار مع أنها متواترة
__________________
(١) راجع المعالم في مبحث حجية خبر الواحد.
(٢) ولا يحصل - خ
صريحة الدلالة وقد دل على ذلك آيات من القرآن ولا يحسن إنكار مثل ذلك، وعدم وصول بعض تلك الأحكام إلينا مع وصول النص المتواتر بالأمر بالتوقف والاحتياط لا يستلزم العمل بالبراءة الأصلية ولا تكليف ما لا يطاق.
قوله: فمن لم يعمل بالخبر الضعيف عنده ويستند إلى البراءة الأصلية مراده بهما هذا.
أقول: هذا ينافي تصريحاتهم فكيف يجوز حمل كلامهم عليه وهو مجمل تقدم تفصيله وتقدم الجواب عنه وعلى كل حال لا بد من إثبات الحجية بدليل قطعي لا سبيل اليه كما عرفت على ان هذا الاخبار التي يدعي المعاصر والأصوليون ضعفها ويدعى الأخباريون صحتها اما ان يكون موافقة للأصل ومخالفة له.
وعلى الأول: لا ينبغي الإنكار عليهم لأن الأصل دال على صحتها ومآل الأمرين واحد.
وعلى الثاني: فهي موافقة للاحتياط ولا يحسن من عاقل إنكاره واما التشنيع بالأمور السابقة التي نسبها المعاصر الى الأخباريين فلا يخفى على المنصف انهم بريئون منها وطريقتهم في نهاية البعد عنها وان كان المشار اليه بها شخصا معينا منهم فلا يجوز نسبة ذلك الى الجميع وجعله دليلا على بطلان مذهبهم نسئل الله العصمة من ذلك.
فصل
واستدل العلامة ره وجماعة من المتأخرين على حجية أصالة الإباحة بأن لهذه الأشياء منافع خالية من أمارات المفسدة فكانت مباحة كاستظلال بحائط الغير.
وقال بعضهم في تقريره: انها منافع خالية من الضرر على المالك.
واستدل الشيخ بهاء الدين وجماعة من المتأخرين على حجية الاستصحاب بان ثبوت الحكم أولا وعدم ثبوت ما يزيله يستلزم ظن بقائه وبأنه لولاه بعد إرسال المكاتيب والهدايا من البعد سفها وبأنه لولاه لكان الشك في الزوجية كالشك في بقائها
هذا ما استدلوا به وهو غنى عن الجواب مبني على القياس وليس بصواب ومعارضته بما هو أقوى منه لا يخفى على اولى الألباب ولذلك اعرض عن الأصل والاستصحاب المحققون من الأصحاب وقد تقدم ذكر بعضهم ولا يخفى ان قولهم خالية من المفسدة وقولهم خالية من الضرر على المالك مصدرة ظاهرة فإنه عين محل النزاع.
ثم اى ضرر في المحرمات على المالك الذي هو الله فكيف يصح القياس مع الفارق وكيف يجوز الجزم بانتفاء المفسدة والضرر مع احتمال وجودهما وكيف يجوز قياس أحكام الشرعية الإلهية على الأمور الدنية الدنيوية لو لا تمويهات العامة ومقاييسهم الفاسدة.
ثم كيف يجوز العمل في الأصول بالدليل الظني خصوصا في الاستدلال على
حجية الدليل الظني وهل هذا الا مبني على قواعد العامة من ان كل ما يفيد الظن فهو دليل شرعي مع ان الظن لا يغني من الحق شيئا.
والقائلون بعدم حجية الأصل والاستصحاب مع عدم احتياجهم الى الاستدلال على النفي استدلوا على بطلانهما بوجوه واقتصرنا منها على اثنى عشر تبركا بالعدد
أحدها: ان في العمل بهما مع عدم دليل قطعي على حجيتهما خطر أو خوف ودفع الخوف عن النفس واجب وكذا دفع الضرر المظنون وهذا دليل استدل به المتكلمون والحكماء على وجوب المعرفة وعلى وجوب شكر المنعم وغير ذلك وقد حرروه وقرروه في محله وأشار إليه الشيخ في كتاب العدة وذكروا ان العقلاء مطبقون على أن يحتمل كونه طعاما وكونه سما يتعين اجتنابه ومن أقدم على تناوله أجمعوا على ذمه وفي بعض أحاديث التوحيد إشارة الى هذا الدليل واستدلال به.
وثانيها: ما استدلوا به على صحة المعاد بأنه ممكن وقد أخبر الصادق به فيكون حقا وقد قرروه في محله ولا ريب ان عدم حجية الأصل والاستصحاب ممكن ولا يرتاب عاقل في إمكانه والنصوص الدالة على عدم حجيتهما في نفس الأحكام الشرعية عموما وخصوصا كثيرة كما يأتي الإشارة إلى بعضها.
وثالثها: انهما راجعان الى القياس كما هو ظاهر من مواقع استعمالها ومن دليل حجيتهما وكل ما دل على بطلان القياس فهو دال على بطلانهما وناهيك بذلك ومما استدلوا به على بطلان القياس ان كثيرا من الأحكام مخالفة له كما هو ظاهر وعلى هذا فالدليل جار في الاستصحاب لأنه كالقياس لمخالفته كثير من الأحكام له وجريان هذا الدليل في الأصل أوضح لأنه مخالف لجميع الأحكام الشرعية حتى الإباحة على قول من قال بأصالة الإباحة لأن الشرعية غير الأصلية، وتخالف دلالة القياس والأصل والاستصحاب ونحوهما في بعض المواضع كاف في نفى الحجية واعتبارها في بعض المواضع ولو ثبت غير كاف في إثبات الحجية وهذا مما لا يشك فيه منصف.
ورابعها: انهما دليلان ظنيان اتفاقا ولم يقم على حجيتهما دليل قطعي والعمل فيهما بالدليل الظني دوري.
وخامسها: انهما لا يفيدان الا الظن وقد تواتر النهى عن العمل به في الآيات والروايات وتخصيصه بالأصول غير معقول لعدم وجود المخصص ولان كثيرا من أدلة الفروع أقوى من كثير من أدلة الأصول لكثرة المقدمات الظنية كما يظهر بالتتبع على ان ما نحن فيه من الأصول.
وسادسها: ما استدلوا به على وجوب عصمة الامام حيث قالوا لو لم يكن الامام معصوما لزم أمره تعالى عباده باتباع الخطاء والأمر باتباع قبيح قطعا فهذا الدليل الذي لا يدفعونه وارد عليهم هنا، فإنه كما ان قول غير المعصوم يحتمل الخطاء كذلك حكم الأصل والاستصحاب على ان إنكار الأئمةعليهمالسلام على من عمل بهما عموما وخصوصا كثير جدا في الروايات بل متواتر معنى ومن تتبع حق التتبع جزم بذلك.
وسابعها: النصوص المتواترة الدالة على وجوب التوقف والاحتياط في كل ما لم يعلم حكمه بالنص عنهم (ع) وقد جمعناها في محل آخر وهي واضحة الدلالة لا يمكن حملها على الاستحباب لكثرة المبالغة والقرائن والتأكيد والتهديد والوعيد على الترك بالهلاك وبالكفر الى غير ذلك.
وثامنها: النصوص المتواترة الدالة على وجوب طلب العلم والعمل به وعدم جواز العمل بغير علم ومعلوم انه لا يحصل من الأصل والاستصحاب غير الظن ولم يحصل العلم بحجيتهما أيضا فهما ظن خاص ولا ريب ان العلم العادي نوع من العلم لا يطلق عليه الظن لغة ولا شرعا ولا عرفا والوجدان شاهد بالفرق ولتحقيقه محل آخر والعلم لعادى غير حاصل من الأصل والاستصحاب اتفاقا.
وتاسعها: النصوص المتواترة الدالة على النهى عن ارتكاب الشبهات في مقام التحريم وانه لا يجوز العمل فيها الا باليقين خرج منها الشبهات التي ليست من نفس
الأحكام الشرعية مما عرفت سابقا ولنصوص أخر فبقي الشبهات التي هي من نفس الأحكام الشرعية.
وعاشرها: النصوص الدالة على انه لا يجوز العمل في شيء من الأحكام الا بما ثبت عنهم (ع) وهي متواترة بل قد تجاوزت حد التواتر ودلالتها على المطلوب ظاهرة لأنها صريحة في الحصر بل جميع أدلة الإمامية والعصمة دالة على ذلك ولم يثبت عنهم (ع) حجية الأصل والاستصحاب بل ثبت عدمها بالأحاديث المتواترة الدالة عموما وخصوصا وهي تزيد على ألف حديث.
وحادي عشرها: انك قد عرفت ان مخالفتهما راجحة إذا كان الاستصحاب خلاف الاحتياط وانما الخلاف في وجوب المخالفة وعدمها واختيار المرجوح على الراجح في الدين غير معقول فكيف والدليل على المنع من المرجوح قائم.
وثاني عشرها: ما استدل به السيد الأجل المرتضى علم الهدى على بطلان الاستصحاب والبراءة الأصلية نوع منه لما ذكرنا سابقا وقد نقل هذا الاستدلال عن السيد المرتضى صاحب المعالم واستحسنه ووافقه عليه وكذلك جماعة من علمائنا.
قال في المعالم: احتج المرتضى بان في استصحاب الحال جمعا بين حالين في حكم من غير دلالة لان الحالين مختلفان من حيث كان غير واجد للماء في إحديهما واجدا له في الأخرى فكيف سوى بين الحالين من غير دلالة.
قال: وإذا كنا أثبتنا الحكم في الحالة الأولى بدليل فالواجب ان ينظر فان كان الدليل يتناول الحالين سوينا بينهما وليس هناك استصحاب وان كان تناول الدليل انما هو للحال الاولى فقط والحالة الثانية عارية من دليل فلا يجوز إثبات مثل هذا الحكم لها من غير دليل، وجرت هذه الحال مع الخلو من الدليل مجرى الاولى لو خلت من دليل، فاذا لم يجز إثبات الحكم للأولى إلا بدليل فكذلك الثانية
ثم أورد سؤالا حاصله ان ثبوت الحكم في الحالة الأولى يقتضي استمراره الا لمانع إذ لو لم يجب ذلك لم يعلم استمرار الأحكام في موضع وحدوث الحوادث
لا يمنع من ذلك كما لا يمنع حركة الفلك وما جرى مجراه من الحوادث فيجب استصحاب الحال ما لم يمنع مانع وأجاب بأنه لا بد من اعتبار الدليل على ثبوت الحكم في الحالة الاولى وكيفية إثباته وهل يثبت ذلك في حالة واحدة أو على سبيل الاستمرار وهل تعلق بشرط مراعى أو لم يعلق.
قال: وقد علمنا ان الحكم الثالث في الحالة الأولى انما تثبت بشرط فقد الماء والماء في الحالة الثانية موجود واتفقت الأمة على ثبوته في الاولى واختلفت في الثانية؟ فالحالتان مختلفان وقد ثبت في العقول ان من شاهد زيدا في الدار ثم غاب عنه لا يحسن بأن يعتقد استمرار كونه في الدار الا بدليل متجدد وحال كونه في الدار في الثاني وقد زالت الرؤية بمنزلة كون عمرو فيها مع فقد الرؤية.
فاما القضا بان حركة الفلك وما جرى مجراها لا يمنع من استمرار الحكم فذلك معلوم بالأدلة وعلى من ادعى ان رؤية الماء لم تغير الحكم الدلالة.
ثم قال: فبمثل ذلك نجيب من قال فيجب ان لا يقطع بخبر من أخبرنا عن مكة وما جرى مجراها من البلدان على استمرار وجودها وذلك لأنه لا بد للقطع على الاستمرار أما عادة أو ما يقوم مقامها ولو كان البلد الذي أخبرنا عنه على ساحل البحر لجوزنا زواله لغلبة البحر الا ان يمنع من ذلك خبر متواتر فالدليل على ذلك كله لا بد منه انتهى ما نقله صاحب المعالم عن السيد المرتضى(١) .
ولا يخفى ان ما تضمنه ذلك السؤال استدلال من السائل بالقياس مع الفارق وهو باطل بدون فارق هذا ما اقتضاه الحال مع تشتت البال وضيق المجال ولو لا خوف الملال لطال المقال وزاد الاستدلال وفيما أوردناه كفاية لأرباب الكمال الذين يعرفون الرجال بالحق لا الحق بالرجال(٢) .
__________________
(١) راجع أواخر المعالم.
(٢) وجدنا نسخة في إثبات البراءة الأصلية والاستصحاب في الرد على ما قاله المؤلف ره في مكتبة صديقنا العلامة اللاجوردي بخط مؤلفه ره.
فائدة (٥٠)
روى الصدوق في معاني الاخبار قال حدثنا أبو القاسم على بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاقرضياللهعنه قال حدثنا محمد بن ابى عبد الله الكوفي قال حدثنا سهل بن زياد الآدمي عن عبد العظيم بن عبد الله الحسنى قال حدثني سيدي على بن محمد بن على الرضا عن أبيه عن آبائه عن الحسين بن علىعليهمالسلام قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ان أبا بكر منى لبمنزلة السمع(١) وان عمر منى لبمنزلة البصر وان عثمان منى لبمنزلة الفؤاد قال فلما كان من الغد دخلت اليه وعنده أمير - المؤمنينعليهالسلام وأبو بكر وعمر وعثمان فقلت له يا أبة سمعتك تقول في أصحابك هؤلاء قولا فما هو؟ فقالصلىاللهعليهوآله نعم ثم أشار إليهم فقال: هم السمع والبصر والفؤاد وسينالون عن ولاية وصيي هذا، وأشار الى على بن أبي طالب صلوات الله عليه ثم قال ان اللهعزوجل يقول( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ) ثم قالصلىاللهعليهوآله وعزة ربي ان جميع أمتي لموقوفون يوم القيمة ومسئولون عن ولايته وذلك قول اللهعزوجل ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) (٢) .
أقول: استشكل بعض الطلبة هذا الحديث فقال: كيف يجوز لعن سمعه وبصره وفؤادهعليهالسلام وكيف يجوز تكذيب دعواهم وهل هو الّا سند قوى العامة في اعتقاد
__________________
(١) في المصدر المطبوع بمنزلة السمع إلخ.
(٢) معاني الأخبار ص ٣٦٨ باب نوادر المعاني.
حسن حالهم بل جعله دليلا على عصمتهم لعصمة سمعه وبصره وفؤادهعليهالسلام ولا يجوز عليه التقية عندنا كما قيل ولا عندهم.
والجواب من وجوه اثنى عشر.
الأول: انه ضعيف السند على المشهور فلا يصلح حجيته لا سيما في الأصول وضعف سنده معلوم لمن تتبع كتب الرجال فلا حاجة الى بيانه.
الثاني: ضعف دلالته لما يأتي بيانه من الاحتمالات الظاهرة القوية وإذا قام الاحتمال بطل الاستدلال بل لا يمكن فهم ما ذكره السائل منه لما يأتي.
الثالث: انه خبر واحد فلا يجوز الاستدلال في الأصول اتفاقا.
الرابع: انه ظني السند والمتن فلا يجوز الاستدلال به في الأصول عند العامة ولا عند الخاصة لأنهم خصوا النهى عن العمل بالظن بالأصول فكيف يجوز لهم ان يعملوا فيهما بدليل ظني واللازم منه رد الآيات الكثيرة والروايات المتواترة وهو غير جائز.
الخامس: انه خبر واحد فلا يعارض المتواتر ومن تتبع علم ان معارضة متواتر عند العامة والخاصة كما يظهر لمن تتبع كتاب الطرائف والشافي ونهج الحق وكتاب الألفين ومثالب الصحابة وغير ذلك.
السادس: انه ظني السند والمتن ومعارضة قطعيهما فلا يجوز الالتفات إليه فإن الظن لا يعارض اليقين قطعا ومن تأمل علم انه لا تداخل في هذه الأوجه فإن منها ما اعتبر فيه وجود المعارض ومنها ما لم يعتبر فيه.
السابع: انه يحتمل الحمل على التقية في الرواية لأن العامة يروون صدره ولعل عجزه قد وقع فأراد الإمام الجمع بينهما ليحصل تأويل ما نسبوه اليهعليهالسلام على تقدير تسليمه وله نظائر كثيرة جدا يعرفها المتتبع الماهر.
والشيخ كثيرا يحمل الحديث النبويصلىاللهعليهوآله في كتاب الاخبار على التقية ومراده التقية في الرواية على ان استحالة التقية على النبيصلىاللهعليهوآله مطلقا محل تأمل وليس هذا محل تحقيقه.
الثامن: انه يحتمل الحمل على النسخ فان كثيرا من معارضاته متأخر فتعين حمل المتقدم على النسخ كما هو مقرر.
التاسع: انه محتمل لوجوه(١) كثيرة لما مر ويأتي فظهر كونه متشابها ومعارضه محكم( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ) ولا يجوز العمل بالمتشابه وترك المحكم اتفاقا.
العاشر: انه كثير الاحتمالات كما عرفت فينبغي حمله على أحدها جمعا بين الدليلين ومعارضه غير محتمل لكثرته وتواتره وتعاضد أسانيده ودلالته فهو من حيث المجموع غير محتمل.
الحادي عشر: انه قد تقرر ان وجه الشبه ليس من ألفاظ العموم بل يكفى فيه صفة واحدة كما يقال زيد كالأسد أي في الشجاعة ولا يلزم المشاركة في غيرها وتقرر أيضا ان المشبه به يكون أقوى في وجه الشبه ولا ريب ان التشبيه يقتضي المغايرة وان تشبيه الشيء بنفسه غير جائز ولا متصور من مثلهعليهالسلام والاشكال الذي وقع في خاطر السائل من خطوات الشيطان مبني على الاتحاد وهو بعيد من الحديث بل لا وجه له أصلا والحديث تضمن ان وجه الشبه هو كون كل من المشبه والمشبه به مسئولا عن الولاية يوم القيمة فلا يدل على حصول صفة أخرى لهم تدل على حسن الحال أو عدم إمكان اللعن.
الثاني عشر: انه يمكن كون وجه الشبه هو العزة ويكون مشروطا بالبقاء على تلك الحال وعدم ظهور ما يقتضي سوء الحال فلما ظهر منهم إنكار النص وعدم قبوله يوم الغدير وغير ذلك مما وقع منهم في حياتهعليهالسلام عدم الشرط والشروط ولا يخفى انه لم يقل بمنزلة سمعي وبصري وفؤادي بل قال بمنزلة السمع. ويحتمل ان يراد سمع الأمة ولو صرح بذلك لم يلزم مفسدة بأن يقول إنهم مني بمنزلة سمع أمتي في العزة بذلك الشرط أو في كونهم مسئولين عن الولاية كما يظهر من الاستدلال والاستشهاد بالاية والله أعلم.
__________________
(١) يحتمل وجوه كثيرة - خ ل
فائدة (٥١)
اعلم ان بعض المتأخرين من علمائنا ذهب الى تحريم شرب التتن وألف في ذلك رسالة استدل فيها بوجوه.
الأول: انه من الخبائث التي دل على تحريمها الكتاب قال: والخبيث ما استخبثه الطبائع السليمة المستقيمة وتنفر عنه ابتداء قبل اعتياده وإدمانه بتوقع نفعه بتسويل الشيطان عدو الإنسان وكون الدخان كذلك في عهدة الوجدان والإنصاف
الثاني: انه من نزعات الشيطان بشهادة شدة رغبته طبائع البطلة والجهلة والفساق وملازمتهم في أكثر الأزمان والمجالس وبه حصل التزايد في الفسق والفساد واستعمال آنية الذهب والفضة وقسوة القلوب الى غير ذلك والدخان المذكور انما حدث ابتداء من الكفار ومشركي الفرنج ثم من المخالفين ثم من المستضعفين الذين ازلهم الشيطان عن قبحه وقد قال تعالى( وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ) وفي الحديث القدسي ولا تسلكوا مسالك أعدائي فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي(١) .
الثالث: قاعدة الضرر المنفي فإن كل من أدمنه يخبر بضرره وكذا الأطباء وقد صرح الصادقعليهالسلام بان الضرر علة الحرمة بقوله ان الله خلق الخلق الى أن قال وعلم ما يضرهم فنهاهم عنه وحرمه عليهم ثم اباحه للمضطر بقدر البلغة لا غير ذلك(٢) .
__________________
(١) أورده المؤلف ره في الجواهر السنية عن الفقيه راجع ص ٣٤٣
(٢) الكافي ج ٦ ص ٢٤٢
وقال أيضا إنما الإسراف فيما أتلف المال وأضر بالبدن(١) .
والإسراف حرام بل كثيرة لقوله تعالى( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النّارِ ) (٢)
الرابع: ضياع المال بسببه من دون ان يترتب عليه نفع يعتد به، وإضاعة المال منهي عنه. قال أبو الحسنعليهالسلام ان الله نهى عن القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال(٣) .
الخامس: انه يشبه بالزمار وقد مر في الحديث القدسي: لا تسلكوا مسالك أعدائي فتكونوا أعدائي.
وقال الشهيد في قواعده: ذكر الأصحاب انه لو شرب المباح تشبها بشارب المسكر فعل حراما لا بمجرد النية بل بانضمام فعل الجوارح إليها(٤) وقد ورد النهى عن مجالسة أهل المعاصي ومصاحبة أهل الريب والبدع لئلا يسير الإنسان شبيها بهم وكواحد منهم، وفي الأحاديث الصحيحة دلالة على تحريم التشبيه بفاعل المحرم السادس: انه تفأل بدخان مبين يغشى الناس وسعير الجحيم نعوذ بالله منه.
وقال الطبرسي في سورة الرحمن: قد عد من أشراط الساعة الدخان وأورد فيه حديثا(٥) .
السابع: انه لغو فان المروة توجب إلقاؤه وإطراحه والاعراض عن اللغو واجب بنص القرآن.
ثم أورد كلام ملا أحمد في آيات الأحكام الى ان قال: وقد وصف سبحانه طعام أهل النار بأنه( لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ) وفيه تأييد للمرام.
__________________
(١) الوافي ج ١ ص ٩٤ باب التدلك بالدقيق بعد النورة
(٢) غافر ٤٣
(٣) الكافي ج ١ ص ٦٠ ح ٥
(٤) في الفائدة الحادية والعشرون ص ١٠٧ « القسم الأول » والمراد ببعض الأصحاب أبو الصلاح الحلبي صاحب الكافي وطبع أخيرا بقم المحمية عش آل محمد (ص).
(٥) مجمع البيان الجزء الخامس والعشرون ص ٦٢.
الثامن: سلوك سبيل الاحتياط وسلوك سبيله فيما نحن فيه واجب لقولهعليهالسلام حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم(١) ولا ريب ان شرب الدخان المذكور ليس من الحلال البين مع ظهور خبثه فتركه واجب وقالعليهالسلام دع ما يريبك.
التاسع: وجوب اجتناب أكل الرماد فان الدخان المذكور لا ينفك عنه قطعا، وإدمانه يدخل في الحلق غالبا ولما كان أكل التراب حراما بالنص والإجماع كان أكل الرماد لكونه خبيثا بالحرمة أولى وتحريم شرب الدخان المذكور على الصائم ليس من باب إلحاق الدخان بالغبار كما ظن، بل من باب تعمد شرب الدخان المشتمل على الرماد الذي هو في معنى أكل التراب المحرم والرماد موجود في ماء الغليان وقصبته الى آخرها.
العاشر: انه من محدثات الأمور بعد عهد النبيصلىاللهعليهوآله وقالعليهالسلام شر الأمور محدثاتها(٢) رواه الصدوق في الفقيه وغيره فيكون بدعة.
وقد قالعليهالسلام كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها الى النار(٣) .
الحادي عشر: كونه قبيحا مذموما عند كافة المسلمين من مدمنيه وغيرهم حتى نظمه حكيم الشعراء ثم ذكر إشعاره وقد نقل العلامة في نهاية الأصول عنهعليهالسلام قال ما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح.
الثاني عشر: اعتبار أولي الأبصار امتثالا لأمر( فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ) ومعلوم ان صلاح الإنسان في التنزل والتسفل الى خروج القائمعليهالسلام ولا يكون الا على رأس شرار الناس كما أخبر به الصادقعليهالسلام وقد بعث الله الأنبياء والرسل في كل زمان يعبرون عنه إلى خلقه وعباده ويدلونهم على مصالحهم فلو كان في شرب
__________________
(١) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٧ كتاب القضاء.
(٢) البحار ج ٢ ص ٢٩٨
(٣) الكافي ج ١ ص ٥٦
الدخان صلاح وخير لهم لكان شائعا ومعمولا في الأزمنة الخالية أكثر من هذا الزمان ولما لم يكن كذلك ظهر انه من شرور الأمور المحدثة المتزايدة في آخر الزمان.
ثم شرع في ذكر شأن المتقين وطريقتهم والزهد والورع والاحتياط وذكر الآيات والروايات انتهى ملخصا مختصرا.
واعلم ان الرواية المنقولة عن النهاية من طريق العامة لا يلتفت إليها ولا يعتمد عليها، وان أريد منها جميع المسلمين فلا يمكن الاطلاع عليه وان أريد البعض فلا دلالة لها عليه.
وبعض علمائنا المتأخرين ذهب الى تحريم القهوة المعمولة من اللبن وألف في ذلك رسالة استدل فيها بالوجوه السابقة بأدنى تغيير وزاد فيها ان استدل بأنها في الغالب تحترق حتى تصير أكثرها فحما والفحم من الخبائث واعترض على نفسه بان فيها منافع كثيرة يدعيها شرابها كلهم أو أكثرهم.
وأجاب بوجوه.
منها: ان وجود المنافع لا يستلزم كون الشيء من الطيبات فان الخمر فيها منافع بنص القرآن ولا يلزم كونها من الطيبات.
ومنها: ان المنافع معارضة بالمضار وأكثر الأطباء على انها باردة يابسة وانها تنقص القوة ويحصل منها جملة من المضار والمفاسد.
ومنها: ان المنافع التي يدعونها انما هي من الماء الحار ولما رواه الكليني في الروضة عن ابى عبد اللهعليهالسلام قال: ما دخل جوف الإنسان شيء أنفع له من ثلاثة أشياء الماء الفاتر والرمان الحلو والحجامة.
واستدل أيضا بما رواه الطبرسي في مكارم الأخلاق في آخره عن ابن مسعود عن النبيصلىاللهعليهوآله في وصية له: سيأتي أقوام يأكلون طيب الطعام وألوانها ويركبون الدواب ويتزينون زينة المرأة لزوجها ويتبرجون تبرج النساء وزيهنّ مثل زي الملوك الجبابرة وهم منافقوا هذه الأمة في آخر الزمان شاربون بالقهوات لاعبون بالكعبات راكبون الشهوات تاركون الجماعات راقدون عن العتمات مفرطون في الغداوات
يقول الله تعالى( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) (١) .
وما رواه الكراجكي في كتاب معدن الجواهر عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: خمسة لا ينظر الله إليهم يوم القيمة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم وهم النائمون عن العتمات الغافلون عن الغداوات اللاعبون بالساعات الشاربون بالقهوات المتفكهون بسب الإباء والأمهات.
واعترض صاحب الرسالة على نفسه بوجهين أحدهما: ان القهوة من أسماء الخمر ولها أسماء كثيرة مبلغ الف اسم كما ذكره علماء اللغة. منها القهوة فلعل المراد بها الخمر فلا دلالة له على قهوة اللبن لبقاء الاحتمال.
وثانيهما: انه يدل على الذم لا على التحريم فلعلها مكروهة غير محرمة بل لعل الذم متوجه الى المجموع لا الى كل واحد.
وأجاب عن الأول بوجوه.
منها: ان قوله سيأتي وقوله في آخر الزمان يدلان على انه ليس المراد الخمر بوجودها في زمانهعليهالسلام وقبله وكثرة شربهم لها.
ومنها: قوله بالقهوات والجمع يدل على العموم هنا فدخلت قهوة اللبن ان لم يكن مراده وحدها لدخولها في إفراد العام.
ومنها: ان تحريم الخمر كان معلوما عند ابن مسعود وأمثاله فتعين المعنى الأخر لأن التأسيس أولى من التأكيد صونا لكلام المعصوم على الخلو من الفائدة
وأجاب عن الثاني: بأنه يشتمل على الذم البليغ والتشديد والتهديد المفهوم من الآية بقوله( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) وذلك دليل التحريم لا الكراهة وأيضا فالأمور المذكورة أكثرها محرم والباقي أكثر أفراده محرم وينبغي كون الجميع على نسق واحد فلا وجه لذكر المكروه بينها ولا لتعلق الذم بالمجموع لا بكل فرد فإنه لا يجوز
__________________
(١) أخرجه العلامة النوري ره في المستدرك ج ٢ ص ٣٩٠
من مثلهعليهالسلام الذم على ما لا يخالف الشرع.
والعجب ان ذم العقلاء دليل على القبح والتحريم العقلي وذم الشارع لا يكون دليلا على القبح والتحريم الشرعي هذا ما ذكره في رواية الطبرسي.
وأما رواية الكراجكي فإنها أبلغ ولا يتوجه عليها كل ما ذكر ولم يتكلم عليها ثم اعترض صاحب الرسالة بأن هذه الوجوه الخمسة عشر فيها احتمال وإذا قام الاحتمال بطل الاستدلال.
وأجاب بأن الاحتمال الضعيف لإتمامه(١) الدليل والا لم يبق دليل تام الا ترى إلى أدلة الأصول والفروع لا تخلو من احتمالات أقوى مما أشير اليه.
وأيضا فإن كثرتها وتعاضدها يرد الاحتمال ويحصل منه القوة.
وأيضا فإنه لا معارض لها يقاومها عند الإنصاف ويوجهه المستدل على الإباحة لم يجد الا دليلا عاما يعارضه الأدلة العامة والخاصة فالعام يقاومه والخاص يخصصه والاحتياط يخالفه ولو لا معارضة العادة والشهرة بين العوام لما توقف أحد في قبول أدلتنا فان المحرمات أدلة تحريمها منها: ما يدل على المرجوحية والذم.
ومنها: ما يدل على المنع من الفعل وحقيقة التحريم مركبة من القيدين.
وكذا أدلة الوجوب منها: ما دل على الرجحان ومنها: ما دل على المنع من الترك والأدلة على المنع في المقامين أقل من الأدلة على الرجحان والمرجوحية والله اعلم انتهى ما نقلنا من الرسالة ملخصا مختصرا وأطال الكلام في آخرها في الورع والتقوى والاحتياط وجعله مؤيدا لأدلته.
ولا يخفى انه مع تعارض الأدلة أو عدم الدليل بالكلية لا طريق أسلم ولا أقرب الى النجاة من التوقف، والاحتياط يقتضي الترك مع عدم الجزم بالتحريم وبالكراهة لاحتمال تحريم الجزم بذلك بل قيام الدليل على عدم جواز القول بغير علم وكذا
__________________
(١) كذا في النسختين عندنا ولكن الظاهر لا يمانع:
لا ينبغي الجزم بالإباحة ولا يجوز النهى عن مثل ذلك ولا الحكم بفسق فاعله لاحتمال كونه غافلا عن ذلك فلا يكون مكلفا به بدلالة العقل والنقل ولاحتمال كونه قد عرف الإباحة بدليل تام والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مشروطان بالعلم بالمعروف والمنكر بدلالة العقل والنقل والمفروض عدم العلم اما لعدم الدليل أو لتعارض الأدلة
وقد سألني الملك الأعظم أشرف ملوك العالم أيده الله عن سبب عدم شربى القهوة والتتن فأجبته انهما لا يوافقان مزاجى ولا يلائمان طبيعتي كراهة للبحث والخوض في المسائل الشرعية التي ليست لها أدلة واضحة فقال: قد بلغني أنك تستشكلهما وتحتاط في تركهما فقلت نعم الأمر كذلك لكني لا أجزم بالتحريم ولا بالكراهة لعدم دليل واضح أيضا إذ لم يكونا في زمن النبي ولا في زمن الأئمةعليهمالسلام ، فليس فيهما نص خاص والعمومات متعارضة وارى الاحتياط أولى.
فقال: هذا الاحتياط واجب أم مستحب.
فقلت: اختلف علماؤنا في ذلك على قولين واتفقوا على رجحان الاحتياط سواء كان واجبا أم مستحبا قد أتيته.
فقال: أو ليس الأصل إباحة.
فقلت: هذه مسئلة خلافية قد أجمعوا على رجحان التوقف والاحتياط وعدم الجزم بالإباحة والتحريم في مثله فاستحسن الجواب واستصوب الاحتياط.
فائدة (٥٢)
اعلم ان الموجود من الرجال في كتاب الرجال لميرزا محمد بن على الأسترآباديرحمهالله وهو أحسن كتب الرجال واجمعها سبعة آلاف الا خمسين لكن فيها تكرار في الأسماء قليل وفي الكنى والألقاب كثير حيث يذكر الرجل باسمه ثم كنيته ثم لقبه والموجود فيه من أسماء مصنفات الرواة المذكورين ستة آلاف وستمائة كتاب وزيادة يسيرة، وقد أشاروا إلى وجود غيرها من مصنفات المذكورين لم يذكروه لكثرته أو لعدم وصوله إليهم ووقوفهم عليه.
والموجود فيه من أصحاب الصادقعليهالسلام الفان وثمانمائة وزيادة يسيرة وهم من جملة السبعة آلاف وليس الرواة وخواص الأئمةعليهمالسلام منحصرين في المذكورين لان غرض أصحاب الرجال ضبط أسماء المصنفين غالبا والباعث على هذا الضبط ان الشيخ المفيد قال في الإرشاد كان الصادقعليهالسلام أعظم اخوته قدرا الى أن قال وان الأصحاب نقلوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات وكانوا أربعة آلاف رجل « انتهى »(١) .
وقد ذكر مثل ذلك ابن شهرآشوب في المناقب ووثق الأربعة آلاف(٢) ونحو العبارتين عبارة الطبرسي في إعلام الورى الا انه مدح الأربعة آلاف مدحا جليلا(٣)
__________________
(١) الإرشاد ص ٢٧٠ باب أحوال الإمام الصادق (ع)
(٢) المناقب ج ٤ ص ٢٤٧
(٣) أعلام الورى ص ٢٨٤
واللازم من هذه العبارات توثيق جميع المذكورين في كتب رجالنا من أصحاب الصادقعليهالسلام الا من نصه على ضعفه بل ربما يقال بالتعارض فيمن على ضعفه بين التوثيق والتضعيف ولم أجد من علمائنا من تفطن لذلك لكن يحصل الشك من حيث ان الأربعة آلاف غير منصوص على أعيانهم في عبارة المفيد، وابن شهرآشوب، والطبرسي فلعلهم غير المذكورين في كتب الرجال أو بعضهم من المذكورين وبعضهم من غيرهم ولا يخفى بعد احتمال المغايرة على من تتبع كتب الرجال:
وقد اختلفوا في جواز توثيق غير المعين الا ان ابن شهرآشوب في المناقب صرح بأن الجماعة الموثقين أعني الأربعة آلاف هم الذين ذكرهم ابن عقدة في كتاب الرجال فصاروا معينين ومنهم جماعة مذكورون في كتاب النجاشي وغيره من أصحاب الصادقعليهالسلام وقع التصريح بان ابن عقدة ذكرهم في كتاب الرجال وحالهم على ما وصل إلينا غير معلوم لكنهم داخلون في التوثيق المذكور كما عرفت
وذكر العلامة في الخلاصة في ترجمة أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة ما هذا لفظه: له كتب ذكرناها في كتابنا الكبير منها: كتاب أسماء الرجال الذين رووا عن الصادقعليهالسلام أربعة آلاف رجل اخرج لكل الحديث الذي رواه « انتهى » وهو يوافق رواية ابن شهرآشوب في عددهم.
وهذه فائدة جليلة من لاحظها عرف توثيق الأربعة آلاف المشار إليهم ومدحهم وجلالتهم فلا تغفل والله الموفق.
وقد ورد عندنا روايات كثيرة وأحاديث متعددة عن الأئمةعليهمالسلام في مدح أصحاب الباقر والصادقعليهماالسلام بطريق العموم والإطلاق وفي الثناء عليهم والعمل بكتبهم ورواياتهم والرجوع إليهم ولعل هذه الأحاديث المشار إليها هي مستند الشيخ المفيد وابن شهرآشوب في توثيق الأربعة آلاف ومستند الشيخ الطبرسي في مدحهم والثناء عليهم مع ما بلغهم من آثارهم واخبارهم.
وقريب من توثيق الأربعة آلاف ومدحهم، بل أوضح وأنفع وأشمل توثيق الشهيد الثاني في شرح دراية الحديث في بحث عدالة الراوي لجميع علماؤنا
ورواتنا الذين كانوا في زمان الشيخ محمد بن يعقوب الكليني وجميع من تأخر عنه الى زمان الشهيد الثاني وذكر انه قد شاع وذاع وتواتر من أحوالهم ما هو أعلى مرتبة من التوثيق فلا يحتاج أحد منهم الى نص على عدالته ولا تصريح بتوثيقه وهو كلام جيد جدا.
وبالتتبع والنقل يعلم انه قد وقع التسامح في نقل الحديث في زمان الأئمةعليهمالسلام من بعض الرواة بل وضعوا أحاديث ولم يقع شيء من ذلك من أحد من علماء الإمامية في زمان الغيبة وقد ورد عندنا أحاديث كثيرة من الأئمةعليهمالسلام في مدح علماء الشيعة ورواتهم الموجودين في زمان الغيبة والثناء عليهم والأمر بالرجوع الى رواياتهم والعمل باحاديثهم وتفضيلهم على أصحاب الأئمةعليهمالسلام وانهم أعظم الناس ايمانا وأشدهم يقينا وانهم آمنوا بسواد على بياض.
وهذه الأحاديث يصلح ان تكون مستند الشهيد الثاني مضافا الى ما ذكر من الشياع والتواتر فلا تغفل عن هاتين الفائدتين الجليلتين الذين توافق فيهما العقل والنقل والله أعلم.
فائدة (٥٣)
فضلا مصدر فعل محذوف وجوبا تقع متوسطة بين نفى وإثبات لفظا أو معنى
فالأول: نحو فلان لا ينظر الى الفقير فضلا من إعطائه.
والثاني: نحو تقاصرت الهمم عن أدنى العدد فضلا عن أن ترفاه: اى لم تبلغه فضلا عن الترقي والقصد فيه الى استبعاد الأدنى أعني ما دخله النفي بمعنى عده بعيدا عن الوقوع كالنظر الى الفقير وبلوغ الهمم واستحالة ما فوقه اعنى ما دخله عن بمعنى عده بمنزلة المحال كالإعطاء والترقي، والحق انه لا محل لهذه الجملة وان جعلها بعضهم حالا وقد نقل ان ابن هشام صنف كتابا في إعراب فضلا وهلم جرا ولم يصل إلينا ذلك الكتاب.
فائدة (٥٤)
اعلم ان العلامة في التهذيب لم ينقل خلافا عن أحد من علماء الإمامية في شيء من مسائل الأصول سوى الشيخ والمرتضى ونقل الخلاف والأقوال عن علماء العامة وهم أبو حنيفة، والأشعري والمعتزلة والأشاعرة والحنفية والقاضي عبد الجبار وابن فورك وأبو هاشم الجبائي وأبو إسحاق والظاهريون وابن عباس والجبائيان والكرخي والكعبي والغزالي والواقفية وأبو الحسين وأبو ثور وابن ابان وابن شريح والشافعي وأبو عبد الله البصري وأبو الهذيل وأبو على والفضلية والحشوية وأبو بكر الرازي وأبو مسلم بن بحر والخياط من الخوارج والطبري ومالك والسمنية وابن الحاجب وكذا غير العلامة في كتب الأصول لم ينقلوا عن علماء الإمامية قولا في الأصول إلا عن السيد المرتضى والشيخ المفيد.
وقد صرح الشيخ في العدة(١) والمرتضى في الذريعة وغيرها بأنه لم يصنف أحد من أصحابنا في الأصول شيئا إلا الشيخ المفيد فإنه ألف رسالة غير وافية بما يحتاج اليه لاختصارها وذكروا ان التصنيف في هذا الفن قبل زمان الشيخ انما كان من العامة والله اعلم.
وعند التحقيق يعلم ان الشيخ والسيد المرتضى انما صنفا في رد الأصول لا في إثباتهما لأنهما صرحا ببطلان الاجتهاد والعمل بالظن وإبطال الاستنباطات الظنية
__________________
(١) راجع العدة ص ١.
الا النادر الذي غفلا عن مخالفته لأحاديث الأئمةعليهمالسلام ومن العجائب قول الشهيد الثاني في شرح اللمعة لما ذكر المنطق والأصول من شرائط الاجتهاد وهذا لفظه بل يشتمل كثير من مختصرات أصول الفقه كالتهذيب والمختصر الأصول لابن الحاجب على ما يحتاج اليه من شرائط الدليل المدون في علم الميزان « انتهى »(١) مع انه ليس في تهذيب الأصول شيء مما يتعلق بعلم الميزان فضلا عن اشتماله على جميع ما يحتاج اليه منه.
وقد ذكر بعض المحققين بأن الذي وضع أصول الفقه أبو حنيفة واستخرج مائة قاعدة لاستنباط الظن ولم يؤلف فيه من الإمامية إلا المفيد فإنه الف رسالة ذكرها الشيخ في العدة ولم نرها وبعده الشيخ فإنه الف العدة وهي في الحقيقة رد لقواعد الأصول
قال بعض علمائنا المتأخرين: الوجه في عدم تصنيف علماء الإمامية في علم الأصول من أول زمان النبوة الى أوائل زمان الغيبة الكبرى في مدة تزيد على ثلاثمائة وخمسين سنة وانما ألفوا فيه بعدها بمدة طويلة هو انهم ما كانوا يعتقدون حجية المدارك الظنية التي وضعها علماء العامة ولا يعتدون على المفهومات الا ان تدل عليها قرائن كثيرة أو يعضدها نصوص أخر وانما يعتمدون على الكتاب والسنة ويعتمدون منها على الدلالات الظاهرة الواضحة والله اعلم.
__________________
(١) راجع ج ٣ ص ٦٥
فائدة (٥٥)
قوله تعالى( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ ) (١) ، وأشباهها من الآيات الدالة على ان الباعث على الفعل علم الله أو حصول علمه مع انه تعالى يعلم ذلك في الأزل قبل الفعل يحتمل وجوها من التأويل.
أحدها: ان يريد به نفى متعلق العلم لان العلم لما كان متعلقا بمعلوم لزم نفى المعلوم منزلة نفى متعلقة لأنه ينتفي بانتفائه [ تقول: ] ما علم الله في فلان خيرا يعنى ما فيه خير حتى يعلم الله.
وثانيها: ان يريد ان الله يفعل فعل من يريد ان يعلم وان كان عالما فيكون من باب التمثيل كما في قوله تعالى( لِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ) (٢) أى يفعل بهم فعل من يريد ان يعلم من الثابت على الايمان من غير الثابت.
وثالثها: ان تكون المراد يعلم علما يتعلق به الجزاء ويترتب عليه الثواب والعقاب وهو أن يظهر وجود ما تعلق به العلم لئلا يكون لهم حجة ويقولون ما وقع منا شيء يوجب العذاب مثلا.
ورابعها: أن يكون العلم مضمنا معنى فعل يناسب المقام ففي الآية تضمن معنى التمييز اى ولما يتميز الثابت على الايمان من غيره ويحتمل غير ذلك والله اعلم
__________________
(١) آل عمران ١٤٢
(٢) آل عمران ١٤٠
فائدة (٥٦)
قوله تعالى( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) اعترض عليه بعض العامة انه يستلزم وجود الرجس فيهم ليمكن إذهابه وهو ينافي مذهب الإمامية من ان النبي والامام (ع) معصومان من أول العمر الى آخره
والجواب من وجوه أحدها: الجواب الإجمالي عن جميع أمثال هذه الشبهة بأن نقول الذي ذهبت إليه الإمامية هنا قد ثبت بالأدلة العقلية وبالنصوص المتواترة النقلية وقد حصل اليقين به لمن اطلع عليها وهذه شبهة معارضة لليقين وكل ما كان كذلك فهو باطل.
وثانيها: ان الفصحاء كثيرا ما يستعملون الإذهاب في مادة لا يكون ذلك الشيء حاصلا فيها لكنه محتمل كما يقولون مصيبة فلان أذهبت عني البارحة النوم إذا كان لم ينم فيها أصلا، ويقولون أذهب حبك عنى السلو عنك، ومعلوم انه لا سلو قبل الحب ولا معنى له وقد حكم بنفيه بعده ومثل هذا كثير جدا في كلام البلغاء فظهر ان إذهاب الرجس لا يستلزم وجوده سابقا.
وثالثها: ان ارادة إذهاب الرجس لا يستلزم وجوده قطعا ألا ترى انه يمكن التصريح هنا بان يقال ان الله يريد إذهاب الرجس عنكم لو كان فيكم رجس لكنه غير موجود ولا يلزم من ذلك تناقض في الكلام ولعل هذا وجه إدخال الإرادة هنا لدفع الإبهام.
__________________
(١) الأحزاب ٣٣
ورابعها: انه يحتمل الإضمار بأن يكون المراد ليذهب عنكم احتمال الرجس واحتمال المذكور على تقدير وجوده لا ينافي العصمة وانما ينافيها وجوده بالفعل لان وجود هذا الاحتمال ليس بمعصية ولا هو من فعل الإنسان واحتمال الرجس قبل العصمة لا بعدها لا منافاة له بالعصمة قطعا.
وخامسها: ان يكون المراد إذهاب أسباب الرجس التي تؤدى الى وجوده وإطلاق السبب على المسبب وبالعكس كثير جدا بل مدار كلام الفصحاء عليه وتلك الأسباب منها الشهوات الغالبة والشبهات العارضة والميل القلبي(١) ونحو ذلك ومعلوم انه لا ينافي شيء من ذلك العصمة لكن كثيرا ما تنجر الى ما ينافيها.
وسادسها: ان يكون إذهاب وساوس الشيطان عنهم فان تلك الوساوس كثيرا ما تؤدى الى الرجس لكنها ليست رجسا حقيقيا بل هي من أسبابه فلا تنافي العصمة وقد وسوس الشيطان للأنبياءعليهمالسلام كما تضمنه نص القرآن في مواطن كثيرة لكن لم يطيعوه في ترك واجب ولا فعل محرم والنصوص الدالة على تفضيلهمعليهمالسلام في ذلك على الأنبياء السابقينعليهمالسلام كثيرة وقد روى عن ابن عباس ان الرجس هنا وسواس الشيطان(٢) .
وسابعها: انه قد روى في بعض الاخباران الرجس الشك ومعلوم ان الشك على تقدير وجوده لا ينافي العصمة لأن المعصوم يشك فيما لا يعلمه ولا يحكم بشيء حتى يعلمه بالوحي أو بإلهام أو تعليم من قبله ولو لا جواز الشك عليه بل وقوعه لما احتاج الى علم من قبله من نبي أو إمام أو ملك وتبقى دلالتها على العصمة من حيث ان كل من قال بزوال كل شك عنهم قال بعصمتهم.
ويمكن ان يكون ما ورد بتفسير الرجس بالشك ورد الشك فيه على وجه المثال وذكر فرد من إفراد الرجس لا على وجه الانحصار فيه، أو ورد بالنوع الموجود
__________________
(١) واعتبار القلبي خ ل
(٢) في المجمع عن ابن عباس: الرجس عمل الشيطان
فيهم منه فيكون معنى إذهابه سرعة زواله عنهم وعدم استمراره واستقراره لما روى في عدة أحاديث ان الامام إذا أراد ان يعلم شيئا أعلمه الله إياه في الحال.
وثامنها: انه يكفى في جواز إذهاب الرجس عنهم على ما ذكره المعترض وجود بعض افراده ولا يلزم وجود الجميع قطعا وهو أعم من منافيات العصمة فلعل الأفراد التي كانت موجودة فيه على تقدير التسليم من غير منافيات العصمة ثم اذهب جنس الرجس كله.
وتاسعها: انه يكفى في وجود الرجس على تقدير وجوده في بعضهم فلعله كان موجودا في غير البالغ منهم، ومعلوم ان وقوع شيء من غير البالغ وان كان بصورة ذنب لا يكون ذنبا لعدم تحريمه عليه وعدم كونه مكلفا بتركه اللهم الا ان تفرض في بعض تلك الإفراد حصول التغير إذ لا دليل على استحالة غيره كترك الصلاة وهو ابن شهر أو ستة ولا يمكن القول باستحالة ترك الصلاة مثلا على الامام من أول وقت ولادته مع انها من أعظم المعاصي فإذا كان نوع من الرجس موجودا في بعضهم ثم ذهب عنه صدق إذهابه عن الجميع.
وعاشرها: ان يكون المراد بإذهاب الرجس استمرار ذهابه وكثيرا ما يطلق الفعل على استمراره كقول المصلى اهدنا الصراط المستقيم وليس اعترافا منه بعدم الهداية ولا إقرارا بالضلالة بل طلبا منه استمرار الهداية وارادة الاستمرار لا يلزم منها احتمال عدم الاستمرار بوجه وهو ظاهر ولعله السر في ذكر ارادة الإذهاب دون الإذهاب أو إشارة إلى احتياج الباقي الى المؤثر.
وربما جعل إشارة الى عدم احتياجه اليه والحق انه لا اشعار له بأحدهما وان مثل هذه الدلالات لا ينبغي الالتفات إليها ولا التعويل عليها وما يتخيل من ارادة الإذهاب لا يستلزم الإذهاب فيحتمل ان يكون أراد ولم يفعل لا وجه له فإن الذي صرح به جميع المحققين ودلت عليه الأدلة العقلية والنقلية هو ان صفاته تعالى الذاتية عين ذاته وصفاته الفعلية عين فعله فلا محل لتأخر الفعل عنها وهي عينه و( إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) والله تعالى اعلم.
فائدة (٥٧)
قال الشيخ بهاء الدين في شرح الأربعين في الحديث الأول قولهعليهالسلام : من حفظ على أمتي أربعين حديثا مما يحتاجون إليه في أمر دينهم بعثه اللهعزوجل يوم القيمة فقيها عالما.
ما هذا لفظه: من حفظ الظاهر ان المراد الحفظ عن ظهر القلب فإنه هو المتعارف المعهود في الصدر السالف، فان مدارهم كان على النقش في الخواطر لا على الرسم في الدفاتر حتى منع بعضهم بعضهم من الاحتجاج بما لم يحفظه الراوي عن ظهر القلب وقد قيل ان تدوين الحديث من المستحدثات في المائة الثانية من الهجرة ولا يبعد ان يراد بالحفظ الحراسة على الاندراس بما يعم الحفظ من ظهر القلب والكتابة والفعل بين الناس ولو من كتاب وأمثال ذلك انتهى(١) .
وقال الشهيد الثاني في شرح الدراية: اختلفوا في ما تجوز به رواية الحديث فأفرط قوم وفرط آخرون الى ان قال واما من فرط وشدد فمنهم من قال لا حجة فيما رواه الراوي من حفظه وتذكره وهذا المذهب يروى عن مالك وابى حنيفة وبعض الشافعية ومنهم من أجاز الاعتماد على الكتاب بشرط بقائه في يده ولو بإعارة ثقة والا لم يجز الرواية منه لغيبته عنه المجوزة لتغييره وهو دليل من منع الاعتماد على الكتاب والحق المذهب الوسط وهو جواز الرواية بهما ولكن أعلاها ما اتفق من حفظه ويجوز من كتابه وان خرج من يده مع أمن المتغير على الأصح « انتهى »
__________________
(١) الأربعين ص ٧.
أقول للعبارة الأولى فيها غفلة عجيبة جدا وأصلها من علماء العامة قطعا كما يشعر به العبارة الثانية وصرح به في غيرها وهو من جملة تمويهاتهم الواهية ومغالطاتهم الواضحة كما ستطلع عليه ان شاء الله ومعلوم ان أحاديثهم لم تدون ولم تكتب الا بعد مائة سنة من الهجرة بل بعض علمائهم ذكر ان كتابة حديثهم انما وقعت في آخر المائة الثانية أو بعدها، صرح بذلك ابن ابى العزافر من علماء العامة فيكف يجوز لعلماء الخاصة نقل هذه العبارة وقبولها وعدم تقييدها بأحاديث العامة ولو قيدت بذلك لخلت عن الفائدة وبالتتبع يظهر ان سلفهم لم يكن لهم مزيد اعتناء واهتمام برواية الأحاديث كما كان لسلف الإمامية وأحاديث العامة أيضا قليلة جدا بالنسبة إلى أحاديث الخاصة خصوصا في الأحكام الشرعية.
وقد صرح بهذا المعنى الشيخ بهاء الدين في رسالته في دراية الحديث(١) وقبله الشهيد في الذكرى وغيرهما والتتبع شاهد صدق به وكانت قد كثرت عندهم الأحاديث جدا وما كانوا يرجعون فيها الى نقل الأئمة المعصومينعليهمالسلام فصارت أخبار آحاد خالية من القرائن ثم جاء المتأخرون منهم فدونوها بعد مدة طويلة واعتذروا للسلف بما ذكره الشيخ بهاء الدين.
وهو عذر غير صحيح منهم وانما نشأ لحسن ظنهم بسلفهم مع انهم كانوا منافقين أو أكثرهم ولو كان الحفظ أوثق من الكتابة لما أمر النبيصلىاللهعليهوآله بكتابة الوحي وهو معصوم من الخطأ والنسيان وفي الأمة حينئذ مثل أمير المؤمنين وفاطمة والحسنين (ع) والجميع أيضا معصومون من النسيان، والقرآن قليل جدا بالنسبة إلى الأحاديث التي لا تكاد تحصى كيف وفي كل أسبوع كان يتجدد منها أضعاف القرآن غالبا.
وقال ابن شهرآشوب في معالم العلماء(٢) الصحيح ان أول من صنف في الإسلام أمير المؤمنينعليهالسلام جمع كتاب الله ثم سلمان الفارسي ثم أبو ذر الغفاري ثم الأصبغ بن نباته ثم عبد الله بن ابى رافع ثم الصحيفة الكاملة عن زين العابدينعليهالسلام « انتهى ».
__________________
(١) راجع ص ١٥ من الوجيزة في الدراية في الخاتمة
(٢) ص ١ بعد المقدمة.
وقد تواتر النص بأن النبيصلىاللهعليهوآله أمر أمير المؤمنينعليهالسلام بكتابة جميع التنزيل والتأويل بل بكتابة جميع السنة وما ألقاه إليه من الأحاديث والأحكام الشرعية بل بكتابة ما كان وما يكون الى يوم القيمة وامره أن يكتب ذلك لشركائه فقال من شركائى قال الأئمة من ولدك مع عصمتهم وكتاب علىعليهالسلام ومصحف فاطمة (ع) والخبر والجامعة وصحيفة الفرائض وغير ذلك مما كتبه علىعليهالسلام بيده واملاءه عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآله أكثر ان من يحصى وأشهر من ان يخفى قد تجاوز النص به حد التواتر.
وحديث اللوح الذي نزل من السماء مكتوبا فاخده جابر من يد فاطمة وكتبه وهو مشتمل على أسماء الأئمة (ع) وأحوالهم والنص عليهم وكتابة الأئمة (ع) له ومقابلة الباقرعليهالسلام له مع جابر لا يمكن إنكاره ولا الشك فيه وكتاب سلمان مشهور في الاخبار مذكور في الآثار ومصحف ابن مسعود ورواياته المدونة مشهورة أيضا لا تنكر
وكتب ابن عباس التي ألفها وكتبها ودونها في التفسير وغيره كثيرة مشهورة بين العلماء إلى الان مروية بالطرق الكثيرة.
وهذا كتاب سليم بن قيس الهلالي الذي صنفه في زمان أمير المؤمنينعليهالسلام وكتبه وعرضه على الأئمة (ع) مشهور معروف مذكور في كتب الرجال موجود إلى الإن وعندنا منه نسختان ونسخته كثيرة متعددة في أصفهان وقم وقزوين وكاشان وجبل عامل وغير ذلك.
وهذا كتاب ابن ابى رافع مذكور في كتب الرجال وهو كتاب كبير من أول الفقه الى آخره ومصنفه من أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام وهذه عهود النبيصلىاللهعليهوآله قد كتبت في زمانه بامره لعماله ليعملوا بها هم وأهل ذلك الزمان ومن بعدهم وهي مروية في كتب الاخبار والآثار.
وهذه كتب النبيصلىاللهعليهوآله التي كتبت في زمانه بامره مشهورة مروية وهذه عهود أمير المؤمنينعليهالسلام والحسنين وسائر الأئمةعليهمالسلام التي كتبوها بخطوطهم وبأمرهم وكذلك كتبهم ووصاياهم، ورسائلهم وجوابات مسائلهم المدونة مروية في الكتب
المعتمدة كما تضمنه نهج البلاغة في باب مفرد طويل جدا.
وكتاب الاحتجاج وكتاب الرسائل للكليني وغير ذلك وهذه الكتب المؤلفة في زمان الأئمةعليهمالسلام بأمرهم المعروضة عليهم صححوها وأثنوا على مصنفيها وأمروا بالعمل بها كثيرة مذكورة في كتب الرجال يطول الكلام بذكرها وتفصيلها.
وهذه الأصول الاربعمأة التي كتبت وصنفت في زمان الأئمةصلىاللهعليهوآله أشهر من أن يخفى.
وقال النجاشي في أول كتاب الرجال ذكر الطبقة الأولى: أبو رافع مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآله اسمه أسلم كان للعباس بن عبد المطلب فوهبه للنبيصلىاللهعليهوآله فلما بشره بإسلام العباس أعتقه الى ان قال وكان من خيار الشيعة وابناه عبيد الله وعلى كاتبا أمير المؤمنينعليهالسلام « انتهى »(١) .
ومعلوم ان كل ما كتباه بامرهعليهالسلام كان من الحديث وهذا من الصحابة.
ثم قال النجاشي: ولأبي رافع كتاب السنن والأحكام والقضايا وذكر سنده إلى رواية الكتاب عن ابى رافع ( عن على بن ابى رافع ) عن على بن ابى طالبعليهالسلام انه كان إذا صلى قال في أول الصلاة ثم ذكر الكتاب بابا بابا الصلاة والصيام والحج والقضايا « انتهى ».
ثم قال النجاشي ولابن ابى رافع كتاب آخر وهو على بن ابى رافع تابعي من خيار الشيعة كانت له صحبة من أمير المؤمنينعليهالسلام وكان كاتبا له وحفظ كثيرا وجمع كتابا في فنون من الفقه، الوضوء والصلاة وسائر الأبواب ثم ذكر سنده إلى رواية الكتاب ثم قال ربيعة بن سميع روى عن أمير المؤمنينعليهالسلام له كتاب في زكوات النعم ثم ذكر سنده إلى رواية ذلك الكتاب.
ثم قال سليم بن قيس الهلالي له كتاب ثم ذكر سنده إلى رواية ذلك الكتاب ثم قال الأصبغ بن نباتة كان من خاصة أمير المؤمنينعليهالسلام روى عهد الأشتر
__________________
(١) النجاشي ص ١ - ٥
ووصيته الى ابنه ثم ذكر سنده الى روايتهما.
ثم قال عبد الله بن الحر الجعفي الفارس الفاتك الشاعر له نسخة يرويها عن أمير المؤمنينعليهالسلام .
ثم ذكر ابان بن تغلب وانه روى عن على بن الحسين وله كتب منها تفسير غريب القرآن وكتاب الفضائل وغير ذلك، ثم ذكر انه روى ثلثين الف حديث.
وقال الشيخ الأجل محمد بن شهرآشوب في كتاب معالم العلماء(١) نقلا عن المفيد انه قال صنف الإمامية في عهد أمير المؤمنينعليهالسلام الى عهد ابى محمد الحسن العسكري أربعمائة كتاب يسمى الأصول فهذا معنى قولهم له أصل.
وقال المحقق في المعتبر روى عن الصادقعليهالسلام من الرجال ما يقارب أربعة آلاف رجل الى أن قال حتى كتبت من أجوبة مسائله أربعمائة مصنف لأربعمائة مصنف سموها أصولا « انتهى »(٢) .
ولا منافاة بين العبارتين « إذ » لا مانع من الجميع بل ينبغي الجزم به بل بأكثر منه فان كثيرا من الرواة صنف ثلاثين كتابا وبعضهم مائة كتاب وبعضهم الف كتاب وهو يونس بن عبد الرحمن فإنه صنف الف كتاب في الرد على العامة وثلثين كتابا في غير ذلك.
وقد روى حيدر بن محمد بن نعيم السمرقندي عن مشايخه الف كتاب من كتب الحديث كما ذكروه.
وتضمن كتاب الرجال لميرزا محمد بن على الأسترآبادي ستة آلاف وستمائة كتاب وزيادة من مؤلفات علماء الإمامية وروايتهم ولعل أكثرها قد صنف في المائة الاولى ولا ريب ان هذه الثمانمأة كتاب المذكورة في العبارتين أكثرها قد كتب
__________________
(١) ص ١ بعد المقدمة.
(٢) المعتبر ص ٤ ط الحجرية القديمة.
وصنف في المائة الاولى والأحاديث الدالة على الأمر بكتابة الحديث والقرآن أكثر من أن تحصى قد تجاوزت حد التواتر فلو كان مرجوحا وغيره أوثق منه لتعين الأمر بالراجح والنهى عن المرجوح ولا يوجد ذلك أصلا.
وهذه أدعية الصحيفة الكاملة وكتابة الباقرعليهالسلام لها بإملاء أبيهعليهالسلام إياها وكتابة زيد بن على لها بإملاء أبيه مشهورة متواترة ومقابلتها مذكورة مروية وهذا حديث بلال رواه الصدوق رئيس المحدثين في كتاب من لا يحضره الفقيه(١) وفي كتاب الأمالي وغيرهما في فضل الأذان ووصف الجنة وغير ذلك وهو طويل كتبه عبد الله بن على بإملاء بلال وهو من الصحابة والحديث مشتمل على أحاديث كثيرة.
والكتب التي كانت عند أمير المؤمنينعليهالسلام ودفعها عند موته الى الحسنعليهالسلام ثم دفعها الى الحسين (ع) ثم أودعها الحسين عند أم سلمة لما توجه الى كربلاء وخاف ان يقتل وتقع الكتب في يد الأعداء أو تيقن ذلك فلما رجع على بن الحسينعليهماالسلام دفعتها اليه ثم دفعها إمام الى امام وردت لها الاخبار والآثار التي لا تدفع وكانت كلها من الأحاديث المكتوبة في زمن الرسول (ص) وما قاربه(٢) .
وقال الصدوق في أول كتاب إكمال الدين ان الأئمة (ع) قد أخبروا بالغيبة ووصفوها لشيعتهم واستحفظ في الصحف ودون في الكتب المؤلفة من قبل ان تقع الغيبة بمأتي سنة أو أقل أو أكثر فليس أحد من اتباع الأئمة الا وقد ذكر ذلك في كثير من كتبه ورواياته ودونه في مصنفاته وهي الكتب التي تعرف بالأصول المدونة مستحفظة عند شيعة آل محمدعليهمالسلام قبل الغيبة بما ذكرنا من السنين « انتهى »(٣) .
__________________
(١) ج ١ ص ٢٩٢.
(٢) راجع كتاب الحجة من الكافي.
(٣) إكمال الدين ص ١٩.
ومعلوم ان الغيبة كانت سنة مأتين وستين فظهر ان الكتب المشار إليها كلها أو أكثرها قد كتب في المائة الأول وكلها كانت من الأحاديث.
وروى الطبرسي في الاحتجاج عن أمير المؤمنين انه لما افتتح البصرة اجتمع الناس عليه ومنهم حسن البصري ومعه الألواح فكان كلما لفظ أمير المؤمنينعليهالسلام بكلمة كتبها الحديث(١) وانظر الى باب ما عند الأئمةعليهمالسلام من الكتب في الأصول في أصول الكافي والى باب فضل الكتابة والتمسك بالكتب وغيرهما من أبواب الكتاب الكافي فإنه كاف في ذلك فكيف إذا انضم الى غيره من كتب الحديث والرجال.
ولو أطلقنا عنان القلم في هذا المجال لأكثر وأطال وأورث الملال وأعقب الكلام بما كتب وقال ولم يقدر على استيفاء المقام والمقال فلا تفتر بأمثال هذا الكلام الذي أصله من العامة ونقله بعض المتأخرين من الخاصة على وجه الغفلة فلا تظن ان كتاب الحديث ومقابلته لم يقعا في زمن الرسولصلىاللهعليهوآله وما قاربه ولا تظن ان الحفظ عن ظهر القلب أوثق من الكتابة بل الأمر بالعكس والوجدان شاهد به فان النسيان كالطبيعة الثانية للإنسان والنص المتواتر دال على ان الكتابة أوثق من الحفظ، وانه ينبغي كتابة الحديث وانه يعتمد على الكتابة بعد التصحيح والمقابلة ولنتبرك بإيراد شيء يسير من الأحاديث المشار إليها.
روى الشيخ الجليل ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني في الكافي بسنده عن ابى عبد اللهعليهالسلام قال القلب يتكل على الكتابة(٢) .
وعن ابى عبد اللهعليهالسلام اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا(٣) .
وعنهعليهالسلام قال: احتفظوا بكتبكم فإنكم سوف تحتاجون إليها(٤) .
وعنهعليهالسلام قال: اكتب وبث علمك في إخوانك فإذا مت فأورث كتبك بنيك
__________________
(١) الاحتجاج ج ١ ص ٢٥١.
(٢) ج ١ ص ٥٢ ح ٨.
(٣) ج ١ ص ٥٢ ح ٩.
(٤) ج ١ ص ٥٢ ح ١٠.
فإنه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون إلا بكتبهم(١) .
وعنهعليهالسلام قال أعربوا حديثنا فانا قوم فصحاء(٢) .
وعنهعليهالسلام انه ذكر حديثا في فضل زيارة أمير المؤمنينعليهالسلام ثم قال اكتب هذا الحديث بماء الذهب(٣) .
وعنه (ع) في حديث فضل الأئمة (ع) الى أن قال يجب ان يكتب هذا الحديث بماء الذهب(٤) .
وعن الرضاعليهالسلام في حديث الكنز الى ان قال فقلت جعلت فداك أريد أن اكتبه فضرب يده والله الى الدواة ليضعها بين يدي فتناولت يده فقبلتها وأخذت الدواة فكتبته(٥)
وعن ابى جعفر الثانيعليهالسلام انه قيل له ان مشايخنا رووا عن ابى جعفر وابى عبد اللهعليهماالسلام وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم ولم يرووا عنهم فلما ماتوا صارت تلك الكتب إلينا فقال حدثوا بها فإنها حق(٦) .
وعن حمزة بن الطيار انه عرض على ابى عبد اللهعليهالسلام بعض خطب أبيه. الحديث
وعن ابن فضال ويونس قالا عرضنا كتاب الفرائض عن أمير المؤمنينعليهالسلام على ابى الحسن الرضاعليهالسلام فقال هو صحيح(٧) .
__________________
(١) الكافي ج ١ ص ٥٢.
(٢) ص ٥٢.
(٣) الوافي ج ٢ ص ٢٠٨ أبواب الزيارات.
(٤) أورده المحدث القمي في سفينة البحار ج ٢ ص ٤٦٩ والمؤلف في الوسائل عن الصفار.
(٥) الكافي ج ٢ ص ٥٩.
(٦) الكافي ج ١ ص ٥٣.
(٧) الوسائل ج ٣ ص ٣٧٨.
وروى الشيخ الجليل رئيس المحدثين أبو جعفر بن بابويه في كتاب الأمالي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال المؤمن إذا مات فترك ورقة واحدة عليها علم تكون تلك الورقة يوم القيمة سترا بينه وبين النار وأعطاه الله تعالى بكل حرف مكتوب عليها مدينة أوسع من الدنيا سبع مرات الحديث(١) .
أقول: والأحاديث في ذلك كثيرة جدا اقتصرنا على اثنى عشر منها للتبرك.
وينبغي ان نذكر نبذة من الأحاديث الشريفة في التحذير من طريقة العامة والاغترار بكلامهم وتتبع كتبهم ونقتصر من ذلك أيضا على اثنى عشر حديثا.
فنقول روى الكليني بإسناده عن ابى عبد اللهعليهالسلام قال: بادروا أحداثكم بالحديث قبل ان تسبقكم اليه المرجئة(٢) .
وعنهعليهالسلام لا خير فيمن لا يتفقه من أصحابنا يا بشير ان الرجل منهم إذا لم يستغن بفقهه احتاج إليهم فإذا احتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم(٣)
وعنهعليهالسلام قال: فليذهب الحكم يمينا وشمالا فإنه فو الله لا يؤخذ العلم الا عند أهل بيت نزل عليهم جبرئيل(٤) .
وعنهعليهالسلام قال اما انه شر عليكم ان تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا(٥) .
وعن ابى جعفرعليهالسلام قال ليس عند أحد من الناس حق ولا صواب ولا أحد من الناس يقضى بقضاء حق الا ما خرج من عندنا أهل البيت وإذا تشعبت لهم الأمور كان الخطاء منهم والصواب من على(٦) .
__________________
(١) الأمالي المجلس العاشر ص ٣٨ ح ٣.
(٢) الكافي ج ٦ ص ٤٧.
(٣) الكافي ج ١ ص ٣٣.
(٤) الكافي ج ١ ص ٤٠٠.
(٥) الوسائل ج ٣ ص ٣٧٦.
(٦) الكافي ج ١ ص ٣٩٩.
وروى ابن بابويه في العلل وعيون الاخبار والشيخ في التهذيب عن على
بن أسباط قال قلت للرضاعليهالسلام يحدث الأمر لا أجد بدا من معرفته وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك قال: ائت فقيه البلد فاستفته في أمرك فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه فان الحق فيه(١) .
وفي العلل عن ابى عبد اللهعليهالسلام قال أتدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامة فقلت لا أدرى فقال ان علياعليهالسلام لم يكن يدين الله الا خالف عليه الأمة إلى غيره ارادة لا بطال أمره وكانوا يسئلون أمير المؤمنينعليهالسلام عن الشيء لا يعلمونه فإذا أفتاهم جعلوا له ضدا من عندهم ليلبسوا على الناس(٢) .
وفي رسالة القطب الراوندي عن ابن بابويه بإسناده عن ابى عبد اللهعليهالسلام قال ما أنتم والله على شيء مما هم فيه ولا هم على شيء مما أنتم فيه فخالفوهم فما هم من الحنيفية على شيء(٣) .
وعنهعليهالسلام قال والله ما جعل الله لأحد خيرة في اتباع غير ناوان من وافقنا خالف عدونا ومن وافق عدونا في قول أو عمل فليس منا ولا نحن منهم(٤) .
وفي عيون الاخبار عن الرضا عن آبائهعليهمالسلام قال من أصغى الى ناطق فقد عبده فان كان الناطق ينطق عن الله فقد عبد الله وان كان ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان ثم قال الرضاعليهالسلام إذا أخذ الناس يمينا وشمالا فالزم طريقتنا وانه من لزمنا لزمناه ومن فارقنا فارقناه(٥) .
وفي آخر السرائر عنهعليهالسلام انه قيل له انا نأتي هؤلاء المخالفين فنستمع منهم الحديث فيكون حجة لنا عليهم فقال لا تأتهم ولا تسمع منهم لعنهم الله ولعن مللهم
__________________
(١) عيون الاخبار ج ١ ص ٢٧٥ علل الشرائع ص ٥٣١.
(٢) علل الشرائع ج ٢ ص ٥٣١.
(٣) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٢ كتاب القضاء ح ٣٥.
(٤) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٢ كتاب القضاء ح ٣٦.
(٥) عيون الاخبار ج ١ ص ٣٠٤.
المشركة(١) .
وروى الكشي بسنده عن ابى الحسنعليهالسلام قال لا تأخذ دينك عن غير شيعتنا فإنك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم إنهم ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه فعليهم لعنة الله ولعنة رسوله ولعنة ملائكته ولعنة آبائي البررة الكرام ولعنتي ولعنة شيعتي إلى يوم القيمة.
فإن قلت: قد ورد الأمر بترجيح ما خالف مذاهب العامة من الأحاديث المختلفة فلا بد من الاطلاع على مذاهبهم لأجل ذلك وأيضا فإنا ننظر في كتبهم ونقبل منها ما يوافق مذهب الإمامية لا ما يخالفه.
قلت: اللازم بعد التسليم هو النظر في كتبهم لتحقيق مسئلة خاصة قد وردت فيها أحاديث مختلفة مع عدم حسن الظن بهم لا مطالعة جميع الكتاب وانما ننظر مذهبهم بقصد مخالفته لا لأجل الاستفادة من ذلك الكتاب ومع ذلك فإن مطالعة كتبهم مفاسدها كثيرة مشاهدة أقلها حسن الظن بهم فيما لا يعلم انه موافق للإمامية أو مخالف لهم كما تقدمت الإشارة إليه في قولهم (ع) فاذا احتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم.
وعنهم (ع) انهم قالوا احذروا فكم من بدعة زخرفت بآية من كتاب الله ينظر الناظر إليها فيحسبها حقا وهي باطل.
وعنهم (ع) انهم نهوا عن الكلام الذي ليس بمنقول عنهم (ع) فقيل لهم انا نحتاج الى الكلام لنستدل به على الخصم فقالوا خاصموهم بما بلغكم من علومنا فان خصموكم فقد خصمونا.
ولا يخفى ان من صرف برهة من عمره الشريف في مطالعة كتاب لا تنفك عن حسن الظن به وبمصنفه، فان كل حزب بما لديهم فرحون وقد قال أمير المؤمنين
__________________
(١) السرائر ص ٤٧٥ بحار الأنوار ج ٢ ص ٢١٦ أورده في الوسائل أيضا عن الكشي ج ٣ ص ٣٨٧.
عليهالسلام ان قلب الحدث كالأرض الخالية ما القى فيها من شيء قبلته(١) وقال الشاعر:
أنا في هواها قبل ان أعرف الهوى |
فصار وقلبا خاليا فتمكنا |
ولنا أيضا مندوحة عن النظر في كتبهم الفقهية لأجل المطلب المفروض إذ يمكن أخذ ذلك من كتب الخاصة، كما تضمنه التهذيب والاستبصار وكتب العلامة في الاستدلال ونحوها.
سلمنا لكن هذا لو تم مخصوص بكتب الفروع فالعذر في مطالعة كتب العامة أعداء الدين في الأصولين والتفسير والحديث وغيرها فقد شاعت مطالعتها وتدريسها واستحسانها وقبول ما فيها وعدم مخالفتها بل بعضهم الان ربما ادعى وجوب تتبعها كفاية حتى ان كثيرا منهم الان يرجحون كلام العامة على كلام الخاصة وربما رجحوه على أحاديث الأئمة (ع) لشدة حسن الظن بهم والاغترار بتمويهاتهم وتدقيقاتهم الواهية نسأل الله العفو والعافية.
والاعتذار بانا نقبل ما وافق الحق ولا نقبل مما خالفه فيه.
أولا: ان ما وافق الحق لا يجوز قبوله من غير اهله فقد ورد عندنا أحاديث متواترة بأنه لا يجوز أخذ شيء من الأحكام الشرعية عن غير أهل العصمةعليهمالسلام وإذا كنتم تردون ما خالف الحق فما الداعي إلى مطالعته وصرف الأوقات الشريفة فيه.
وثانيا: ان دعوى جواز ذلك تحتاج إلى إثبات ودليل معقول.
فإن المناهي هنا فيها عموم وإطلاق ولا يظهر لها مخصص ومقيد يمكن الاعتماد على مثله.
وثالثا: بعد التسليم نقول تبقى القسم الثالث الذي لا يعلم موافقته ولا مخالفته وهذا القسم عند التأمل أكثر من القسمين الأولين كما لا يخفى على المنصف هذا والعذر ينبغي ان ينظر صاحبه ويتحقق انه يقبل منه يوم القيمة أم لا.
وقد قال بعض العلماء: إياك ومعالجة من قوى فساده فإنه يحيلك الى الفساد
__________________
(١) نهج البلاغة خطبة ٣١ وفيه وانما قلب الحدث كالأرض الخالية.
قبل ان تحيله الى الصلاح.
وما يدعى من حديث خذ الحكمة ولو من أهل الضلال.
فيه أولا: انه من روايات العامة فالاستدلال بها هنا دوري.
وثانيا: بعد تسليم سنده نقول ان له معارضا أقوى منه وما أشرنا إليه سابقا فكيف يرجح الأضعف على الأقوى.
وثالثا: انه يمكن كونه مخصوصا بما فيه منافع دنيوية لا أحكام دينية فان الحكيم لا يأمر بأخذ الدين عن أعداء الدين مع ثبوت النهى عن مثله بل مع عدم ثبوته أيضا على انه لا بد من ثبوت كون المأخوذ حكمه فإذا ثبت بنص الامام والأخذ عنه لا عن العامة فصار الكلام خاليا عن الفائدة وتخصيصه بالموعظة التي لا تتضمن شيئا من الأحكام النظرية ممكن ومن تتبع كلام أهل العصمةعليهمالسلام يجد فيه من العلوم والفوائد العقلية والنقلية ما يغني عن غيره ولا يجد في غيره ما يغني عنه ولا ريب انه أحوط وأسلم وأقرب الى النجاة وعلو الدرجات والله الهادي.
فائدة (٥٨)
الكعبة زادها الله شرفا بقعة مخصوصة من كرة الأرض لها نسبة الى خط الاستواء وقدر معين من الطول والعرض فالمكان الموازي لها المقابل لبقعتها من الجهة الأخرى من كرة الأرض المقاطر لها اى الواقع على طرف القطر الخارج من وسطها المارة بمركز الأرض إلى محيط كرة الأرض أو كرة الماء تتساوى الخطوط الخارجة منه الى الكعبة من جميع الجهات فيشكل أمر تعيين جهة القبلة فيه.
وقد حكم بعض العلماء هنا بالتخيير حيث ان سمت القبلة لا يتعين بل هو في حكم وسط الكعبة( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) .
وفي هذا الاستدلال نظر فإنه قياس والقياس باطل والآية لا عموم فيها قد ورد انها نزلت في قبلة المتحير لكن النص أيضا لا عموم فيه سلمنا لكنه معارض بما ورد من الأمر بالصلاة إلى أربع جهات عند التحير وبما ورد من الأحاديث الكثيرة التي تقارب السبعين(١) في الأمر بالاحتياط والتوقف في كل ما لم يعلم حكمه، ولا ريب في رجحان هذا الوجه واللازم منه الصلاة إلى أربع جهات هنا.
ويؤيده قولهمعليهمالسلام لا تنقض اليقين أبدا بالشك(٢) وانما تنقضه بيقين آخر وغير ذلك ولكن فرض تحصيل هذا الموضع على التحقيق وعدم إمكان الانتقال منه نادر جدّا فان الظاهر انه في البحر المحيط وانما يتصور بان يسافر الإنسان فيه فيصل
__________________
(١) التسعين خ ل
(٢) الكافي ج ٦ ص ٢٤٢
الى ذلك المكان ثم تسكن الريح فتبقى السفينة هناك يوما أو أياما والا فلو أمكن الانتقال منه لتعين تحصيلا ليقين البراءة عن التكليف المتعين وح يتعين سمت القبلة فإنه اقصر الخطوط إلى الكعبة ولا تظن ان المكان المفروض بقدر الحرم ولا بقدر مكة ولا بقدر المسجد الحرام ولا بقدر الكعبة بل هو مكان بسيط مقابل لمنتصف الكعبة على قول ومنتصف الحرم على آخر وليس فيه أتساع إلا بسبب الاشتباه وبقدر تعيينه على التحقيق غالبا حتى عند الماهر في هذا الفن.
وهل يعتبر كون المكان المفروض في منتصف ما بين قدمي المصلى أو في منتصف ما بين موقفه ومسجده يحتمل الأمر ان ولا يخفى ما يترتب عليهما واما عرض تسعين فهو أشكل فإن تحصيل سمت القبلة موقوف على تعيين المشرق والمغرب والجهات هناك غير متعينة لكون الدور وجوبا والطلوع والغروب لا يحصل إلا بالحركة الخاصة للشمس والقمر وغيرهما فيكون السنة يوما وليلة ومعدل النهار منطبقا على الأفق.
اللهم الا ان يمكن رصد الحوادث الفلكية كالخسوف للقمر مع العلم بمداره ومدار الشمس ونسبتهما إلى مكة فيتعين سمت ما في الجملة ولعله كاف في القبلة والاحتياط يقتضي الصلاة إلى أربع جهات لكن البحث في هاتين المسئلتين قليل الفائدة لأن المكانين المذكورين من الأماكن الخراب التي لا يكاد يمكن الوصول إليها إلا نادرا وكذا الاطلاع عليهما على وجه التحقيق والله أعلم.
فائدة (٥٩)
قال الشهيد الثاني في شرح بداية الدراية قد يعلم صدق الخبر ضرورة كالمتواتر لفظا فإنه لو كان نظريا لما حصل لمن ليس من اهله كالصبيان والبله والعوام، وقد يعلم صدقه كسبا كخبر الله وخبر الرسول وخبر الامام والخبر المتواتر معنى كشجاعة علىعليهالسلام وكرم حاتم والخبر المحفوف بالقرائن كمن يخبر عن مرضه عند الحكيم ونبضه ولونه يدلان عليه وكذا من يخبر بموت أحد، والنوح والصياح في بيته وكنا عالمين بمرضه وأمثال ذلك كثيرة.
وإنكار جماعة أهل العلم به للتخلف خطأ لجواز عدم الشرائط في صورة التخلف وقد يحتمل الأمرين كأكثر الاخبار وتنقسم الخبر الى متواتر وآحاد فالأول ما بلغت رواية في الكثرة مبلغا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب واستمر ذلك في جميع الطبقات حيث تتعدد فيكون أوله كآخره ووسطه كطرفيه وبهذا ينتفي التواتر عن كثير من الاخبار التي قد بلغت في زماننا ذلك الحد لكن لم يتفق ذلك في غيره خصوصا في الابتداء وظن كونها متواترة من لم يتفطن لهذا الشرط ولا ينحصر ذلك في عدد خاص على الأصح بل المعتبر العدد المحصل للوصف فقد يحصل في بعض المخبرين بعشرة وأقل وقد لا يحصل بمائة بسبب قربهم الى وصف الصدق وعدمه وشرط حصول العلم به انتفاؤه اضطرارا عن السامع وان لا تسبق شبهة اليه ولا تقليد ينافي موجب خبره وهذا شرط اختص به السيد المرتضى وتبعه
عليه جماعة من المحققين وهو جيد واستناد المخبرين الى إحساس، وهو متحقق في أصول الشرائع كوجوب الصلاة والزكاة والحج كثيرا ومرجع إثباته إلى المعنوي لا اللفظي وقليل في الأحاديث الخاصة وان تواتر مدلولها في بعض الموارد كشجاعة علىعليهالسلام وكرم حاتم ونظائرهما فإن القدر المشترك بينهما متواتر.
وعلى هذا ينزل ما ادعى المرتضى ومن تبعه تواتره من الاخبار الدالة على النص وغيره إذ لا شبهة في ان كل واحد من تلك الاخبار آحاد حتى قيل والقائل أبو الصلاح من سئل عن إبراز مثال لذلك أعياه طلبه.
وحديث انما الأعمال بالنيات ليس منه وان نقله الآن عدد التواتر لان ذلك قد طرء في وسط إسناده وأكثر ما ادعى تواتره من هذا القبيل.
ونازع بعض المتأخرين في ذلك وادعى وجود المتواترة بكثرة وهو غريب نعم حديث من كذب على متعمدا فليتبؤ مقعده من النار: قد نقله من الصحابة الجم الغفير قيل أربعون قيل نيف وستون ولم يزل العدد في ازدياد انتهى ملخصا(١) .
وأقول أولا: من المعلومات التي لا يشك فيها أحد انه لم يصنف في دراية الحديث أحد من علمائنا قبل الشهيد الثاني وانما هو من علوم العامة التي اخترعوها موافقا لما اتفق في أحاديثهم.
وممن صرح بذلك صاحب المنتقى واعترض على والده بان تلك الاصطلاحات وما يتفرع عليها أو أكثرها مخصوصة باحاديثهم غير موجودة أمثلتها في أحاديثنا ومن المعلوم أيضا ان الكلام الأخير من العامة وهو منهم تمويه ومغالطة أو موضوعة أحاديثهم خاصة والذي يظهر للنظر ان مقصدهم بذلك خبيث فاسد وهو إنكار تواتر نص الغدير وغيره فلا ينبغي للخاصة الاغترار به وقبوله منهم وحسن الظن بهم وقد صرح بذلك جماعة من علماء العامة.
قال الشيخ الطيبي من علمائهم في الخلاصة في معرفة الحديث الذي جمعه
__________________
(١) شرح البداية ص ٥٩ - ٦٩ من انتشارات المسجد الجامع
من كتاب ابن الصلاح ومن كتاب النووي وكتاب ابن جماعة في بحث شروط التواتر ما هذا لفظه.
الثاني: ان يستوي طرفاه والواسطة في عدم تواطئهم على الكذب لكثرتهم ويدوم هذا الحد فتكون أوله كآخره ووسطه كطرفيه نحو القرآن والصلوات الخمس وعدد الركعات وما أشبه ذلك ولهذا لم يحصل لنا العلم بصدق اليهود مع كثرتهم في نقلهم ان موسى كذب كل ناسخ لشريعته ولا ينقل الشيعة في نقلهم النص على امامة على (ع) لان هذا وضعته الآحاد أولا وأفشوه ثم كثر الناقلون في عصره وبعده من الأعصار.
قال ابن الصلاح: من سئل عن مثال لذلك فيما يروى من الحديث أعياه طلبه « انتهى ».
ثم ذكر حديث الأعمال بالنيات وحديث من كذب على متعمدا وقال كما قال الشهيد الثاني.
وثانيا: ان هذا الكلام الذي أصله من علماء العامة مخالف لكلام المحققين من علماء الخاصة فكيف يجوز ترجيح الأضعف على الأقوى.
وقال السيد المرتضى علم الهدى كما نقله عنه الشيخ حسن وكذا ولد الشهيد في المعالم والمنتقى ما هذا لفظه ان أكثر أحاديثنا المروية في كتبنا معلومة مقطوعة على صحتها اما بالتواتر من طريق الإشاعة والإذاعة واما بعلامة وامارة دلت على صحتها وصدق رواتها « انتهى »، والظاهر انه أراد التواتر اللفظي وعلى تقدير إرادة المعنوي أو الأعم فهو موافق لغرضنا هنا.
وقال أيضا على ما نقله عنه في الكتابين ان معظم الفقه تعلم مذاهب أئمتنا فيه بالضرورة وبالأخبار المتواترة وما لم يتحقق فيه ذلك فلعله الأقل « انتهى » ومراده بالضرورة أيضا التواتر ولا يصلح غيره من أقسام الضروريات الستة هنا.
وقال الشيخ المفيد والشيخ الطوسي والسيد المرتضى وغيرهم من أصحابنا في عدة مواضع ان الأحاديث المتواترة عندنا لا تعدو لا تحصى فكيف يدعى قلة
التواتر واختصاص المعنوي بأصول الشرائع فيكون قليلا جدا وهو خلاف ما صرح به أعيان علماؤنا ويأتي مزيد توضيح له وكيف ينسب القول بكثرة المتواتر الى بعض المتأخرين ويستغرب منه مع انهم ذكروا ان التواتر غير منحصر في عدد بل ربما حصل بما دون الخمسة وأنكروا على من حده الخمسة [ بخمسة - خ ل ] وكان هذا الكلام أيضا من العامة لأجل ذلك المطلب الفاسد وكيف يدعى عدم وجود التواتر اللفظي وأمثلته أكثر من ان تحصى ويأتي نبذة منها ان شاء الله.
وثالثا: انه قد تقرر ان الشهادة على النفي غير المحصور لا تقبل وان عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود وان المثبت مقدم على النافي سيما والمثبت هنا عظماء علماء الخاصة، والنافي بعض العامة فلعل قائل ذلك الكلام من العامة فإن قليل التتبع أو الاستحضار أو جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم.
ونقله الشهيد الثاني وقبله قبل التأمل فيه اما غفلة أو حسن ظن بقائله بزيادة تحقيقه فان علماء العامة ما زال يغرون الناس بما يظهرونه من التحقيق والتدقيق حتى إذا وصلوا الى ما خالفوا فيه الخاصة مثل بحث الإمامة والعصمة وبحث الاخبار والتواتر ونحو ذلك انتهى أمرهم إلى المجاز فات والتمويهات والمغالطات وإنكار البديهيات ونحو ذلك فلعل هذا منها ولا ينبغي حسن الظن بهم في مثل هذا فإنهم متهمون فيه لما قلناه.
ورابعا: ان عدم وجود التواتر في أحاديثهم لا يستلزم عدم وجوده في أحاديثنا بل الفرق بين الأمرين أظهر من الشمس فإنهم لا ينقلون الا عن النبيصلىاللهعليهوآله ونقلهم عنه قليل بالنسبة الى ما نقله أصحابنا عنه لان قدماء العامة لم يكن لهم اهتمام تام بنقل الحديث وتدوينه خصوصا أحاديث الأحكام الفقهية لقلة المؤمنين جدا وكثرة المنافقين وكون اخبارهعليهالسلام مقصورة على تقدير الأصول غالبا وغير ذلك من الأسباب ولم ينقلوا عن أئمتناعليهمالسلام بل اجتنبوا أحاديثهم وتعمدوا مخالفتها وطال عليهم العهد.
وقد قال الطيبي من علماء أهل السنة نقلا عن أحمد بن حنبل صح من الأحاديث سبعمائة ألف وكسر قال وقرء عليه مستنده، فقال هذا كتاب جمعته وأنقيته من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألفا فما اختلف المسلمون فيه من الحديث فارجعوا اليه فما لم تجدوه فيه فليس بحجة.
فإن قيل كلما يحوي مسنده أربعون ألف حديث منها عشرة آلاف مكررة فكيف تقول صح سبعمائة ألف وكسر؟ فأجبت بأن المراد بهذا العدد الطريق لا المتون « انتهى ».
ومن هنا يظهر ان عدد مجموع أحاديثهم ثلاثون ألفا ومعلوم ان أكثر من نصفها مقصور على نقل أقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم بقي أقل من خمسة عشر ألفا أكثره لا يتعلق بشيء من الأصول ولا الفروع بقي نحو سبعة آلاف والذي يتعلق منها بالفروع قليل جدا كما يظهر بالتتبع.
واما أصحابنا الإمامية فقد كان لهم نهاية الاهتمام والاعتناء بنقل الحديث وروايته وتدوينه وكتابته وعرضه وتصحيحه في زمان ظهورهمعليهمالسلام من أول زمان النبوة إلى زمان الغيبة الكبرى في مدة ثلاثمائة واثنتين وخمسين سنة وكان منهم في كل عصر من هذه المدة المديدة ألوف متعددة يزيدون على عدد التواتر أضعافا مضاعفة وكان الأئمة الاثنتا عشر (ع) في نهاية الحرص على تبليغ الشريعة وإلقاؤها إليهم وتعليمهم كل ما يحتاجون اليه أو يحتاج اليه من بعدهم.
وكان كل واحد من علماء الإمامية ورواتهم ومحدثيهم في زمان ظهورهمعليهمالسلام يسألهم عن كل ما يحتاج اليه وعن كل ما يخطر بباله من مهمات الأصول والفروع وغيرها وكان الأئمةعليهمالسلام يلقون إليهم الاخبار أيضا ابتداء من غير سؤال مشافهة ومكاتبة حتى نقل عظماء علماؤنا انه روى عن الصادقعليهالسلام أربعة آلاف رجل من الثقات وانهم كتبوا من أجوبة مسائل أربعمائة مصنف سموها أصولا وانهم صنفوا أكثر من الف كتاب لأكثر من الف عالم من علماء أصحاب الأئمةعليهمالسلام في طول
المدة المذكورة بل المذكور في كتاب الرجال لميرزا محمد بن على الأسترآبادي من رواة أحاديثنا سبعة آلاف رجل ومن مصنفاتهم ستة آلاف وستمائة وزيادة ولم يشتمل ذلك الكتاب على جميع الرواة ولا على جميع المصنفات بل هي أكثر من ذلك
وكل ذلك يعلم قطعا من تتبع الاخبار وكتب الحديث وكتب الرجال وآثار السلف فينبغي الجزم بصحة دعوى علمائنا المذكورين سابقا حيث ذكروا ان أكثر مطالب الأصول والفروع قد تواترت.
ولو أردنا نقل جميع عباراتهم وشهادتهم بتواتر الأحاديث إجمالا وتفصيلا بطريق العموم والخصوص في كتب الحديث والرجال وفي كتب الاستدلال وغيرها من مصنفاتهم لطال الكلام فان ذلك كثير جدا في عبارة ابن إدريس في السرائر وابن الجنيد وابن ابى عقيل كما نقله العلامة عنهما في المختلف وغيره.
وفي عبارة العلامة في المنتهى والمختلف والتذكرة وغيرهما وفي عبارة المرتضى والمفيد في كتبهما ورسائلهما وفي عبارة الشيخ في التهذيب والاستبصار والخلاف والمبسوط وغيرهما وكذا باقي علماؤنا المتقدمين والمتأخرين.
ومن تتبع وجد أكثر المسائل والمطالب من هذا القبيل وتوجد فيه هذه الشهادة من جماعة منهم ولو أردنا جمع تلك المسائل التي نصوا على تواتر الاخبار بها لجمعنا ما يزيد على عشرة آلاف مسئلة من الأصول والفروع.
وبالجملة يتعين القطع إجمالا بكثرة التواتر المعنوي واللفظي وعدم اختصاصه بأصول الشرائع التي هي قليلة جدا.
ومن تتبع حق التتبع لم يبق عنده شك في شيء من ذلك وعلم ان حال أحاديثنا على طرف النقيض من أحاديث العامة وان كثيرا من الاخبار كان متواترا في أول إسناده وفي وسطه ثم انقطع التواتر الان لاندراس كثير من تلك الأصول بل أكثرها وما كان متواترا وبقي تواتره الى الان كثير جدّا.
وخامسا: ان نقل الشهيد الثاني قول ابن الصلاح السابق وعدم إنكاره وترك
مناقشته من جملة العجائب مع شدة تدقيقه وتحقيقه ولعله صدر ذلك منه للعجلة في التصنيف أو لعدم استحضار الأمثلة والا فلا ريب انه قائل بتواتر الأمثلة الاتية.
واعلم ان ابن الصلاح المذكور من علماء العامة بغير شبهة.
وسادسا: انه قد ذكر الشيخ بهاء الدين في رسالته في دراية الحديث(١) ان ما تضمنته كتب الخاصة من الأحاديث يزيد على ما في الصحاح الست للعامة بكثير كما يظهر لمن تتبع كتب الفريقين.
وذكر الشهيد في الذكرى ان كتاب الكافي وحده يزيد على ما في صحاح الست للعامة متونا واسانيدا.
وان التهذيب والاستبصار كذلك، وان من لا يحضره الفقيه ومدينة العلم نحو ذلك وذكر علماء الرجال ان ابان بن تغلب روى عن الباقرعليهالسلام ثلثين الف حديث(٢) .
وان محمد بن مسلم روى عنه أيضا ثلثين الف حديث وعن الصادقعليهالسلام ستة عشر الف حديث(٣) .
وان جابر بن يزيد الجعفي روى عن الباقرعليهالسلام سبعين الف حديث كان مأمورا باظهارها وسبعين الف حديث كان مأمورا بكتمانها(٤) .
وان يونس بن عبد الرحمن صنف الف كتاب في الرد على العامة(٥) .
وان الحسن بن على الوشاء أدرك في مسجد الكوفة ستمائة شيخ كلهم يقول حدثني جعفر بن محمدعليهالسلام (٦) .
__________________
(١) راجع الخاتمة من الوجيزة في الدراية ص ١٥
(٢) أورده المؤلف ره في خاتمة الوسائل عن النجاشي ص ٥٣٥.
(٣) رجال الكشي ص ١٦٣ - ١٦٧
(٤) رجال الكشي ص ١٩٤
(٥) راجع رجال الكشي ص ٤٨٥
(٦) أورده المؤلف ره في خاتمة الوسائل عن العلامة والنجاشي ص ٥٤٢
وان جعفر بن محمد بن نعيم روى عن مشايخه الف كتاب من كتب الإمامية وان أصحاب كل واحد من الأئمة (ع) كانوا يزيدون على الف وألفين وانهم سألوا الجوادعليهالسلام في كل يوم واحد عن ثلثين الف مسئلة فأجابهم عنها.
وان الحسن بن خالد البرقي أخا محمد بن خالد روى تفسير العسگرىعليهالسلام من إملاء الإمامعليهالسلام مأة وعشرين مجلدة ذكره ابن شهرآشوب وغيره وأمثال ذلك مما لا يعد ولا يحصى فكيف يدعى عدم وجود التواتر اللفظي أصلا وقلة التواتر المعنوي جدا واختصاصه بأصول الشرائع مع قلتها.
ولو أردنا ذكر ما يناسب المقام ويدل على ما قلنا من كلام علماء الرجال وغيرهم من أصحابنا المتقدمين والمتأخرين لطال الكلام جدا.
وسابعا: ان قوله من سئل عن إبراز مثال لذلك أعياه طلبه، ان كان قائله من العامة فليس بعجب فان أحاديثهم كما عرفت وما تواتر عندهم من النص لا يعترفون بتواتره، وان كان من الخاصة فهو صادر اما عن غفلة أو قلة تتبع الأحاديث لزيادة الاشتغال بجميع العلوم والكتب من مؤلفات العامة والخاصة وصرف أكثر العمر في ذلك.
ونحن نورد له جملة من الأمثلة التي لا يقدر على إنكارها.
فمنها: نص الغدير وهو قولهعليهالسلام ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا بلى قال من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه كيفما دار(١) .
فهذه الألفاظ صدرت عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله على المنبر على رؤس الاشهاد في حضور جماعة كثيرين، روى انهم كانوا خمسين ألفا، وروى أكثر وروى أقل ولا يقدر ممن له ادنى تتبع ان يدعى انتهاء عدد الحاضرين إلى أدنى مراتب التواتر بل من المعلوم قطعا انهم كانوا أضعاف أضعاف عدد التواتر وطار الخبر منهم إلى الأقطار ولم يزل الى الان في الاشتهار، وكان ذلك في حجة الوداع في حال اجتماع أهل البلدان
__________________
(١) راجع إحقاق الحق للقاضي نور الله ره ج ٢ ص ٤١٥ - ٥٠١ والبرهان للعلامة السيد هاشم البحراني ره ج ١ ص ٤٩٠
وأكثر أهل مكة والمدينة وغيرهم من أهل البوادي.
وروى العياشي أن الموجودين ممن سمعوا ذلك النص يوم بيعة ابى بكر كانوا اثنى عشر ألفا سوى من مات منهم ومن كان في مكة وغيرها من الأمصار وان شئت فانظر الى كتاب الاحتجاج وتفسير العسكريعليهالسلام وكتاب البرهان وكتب الكلام وغير ذلك، فإنها تضمنت ان أمير المؤمنينعليهالسلام احتج بهذا الخبر في زمان أبو بكر ثم في زمان عمر ثم في زمان عثمان ثم بعده وكان كل ما استدل به وطلب من الناس الشهادة قام أربعون رجلا ممن اتفق حضورهم في مجلس واحد وقد يقوم أكثر منهم فيشهدون انهم سمعوه وقد تلقاه جميع الإمامية بالقبول وحفظوه ورووه ولم يزداد عدد رواته حتى في زمان بنى أمية وبنى العباس لم يبق أحد من علماء الإمامية ولا علماء العامة الا وقد نقله ورواه إلى الان لا يكاد يخلو منه كتاب من كتب الفريقين حتى الف ابن عقدة الحافظ الزيدي(١) كتابا في إثباته أورد فيه مائة وخمسة وعشرين طريقا على ما قيل ولم يصل إلينا ذلك الكتاب وبدون هذا يثبت التواتر ولم يختلف ألفاظه ليكون تواترا معنويا(٢) .
ومنها: قولهعليهالسلام سلموا على على بإمرة المؤمنين(٣) فإن هذا اللفظ بعينه قد تكلم بهعليهالسلام في ذلك اليوم الشريف بمحضر من ذلك المجمع العظيم الذين هم ألوف كثيرة لا يحصى عددهم ولم يزل عدد رواته في ازدياد والكلام فيه قريب من نص الغدير بل لا يقصر عنه.
ومنها: قولهعليهالسلام على منى بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي(٤) فإن هذا اللفظ بعينه قد صدر عنه مرارا كثيرا جدا، وفي المجالس والمحافل وعلى المنابر وحال اجتماع العساكر ولم يزل عدد رواته في ازدياد ولا يكاد يخلو منه كتاب
__________________
(١) أحمد بن محمد بن سعيد ثقة زيدي مولده ٢٤٩ توفي بالكوفة سنة ٣٣٣
(٢) راجع إحقاق الحق ج ٢ وكتاب الغدير للعلامة الأميني ره
(٣) راجع إحقاق الحق ج ٤ ص ٢٧٧
(٤) إحقاق الحق ج ٥ ص ١٣٣
بل سمعه جميع الصحابة ونقله جميع التابعين وهو أشهر من نص الغدير.
ومنها: قولهعليهالسلام أنا مدينة العلم وعلى بابها(١) فإنه تكرر منهعليهالسلام التلفظ بهذا اللفظ بعينه حتى سمعه الصحابة أو أكثرهم ولا يخفى وفور عددهم وتجاوزهم حد التواتر بمراتب، وتواتره الى الان أوضح من أن يخفى حتى نقله العوام الان وفي كل زمان فضلا عن العلماء والرواة وكذا أمثاله مما مضى ويأتي.
ومنها: قولهعليهالسلام أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك(٢) فان هذا اللفظ بعينه قد تكرر منهعليهالسلام حتى تجاوز حد التواتر ولم يزل كذلك إلى الإن وحكمه كما مر ودلالته على تعيين الفرقة الناجية ظاهرة واضحة.
ومنها: قولهعليهالسلام جهزوا جيش أسامة لعن الله من تخلف عن جيش أسامة فإنه تكرر منه حتى سمعه أكثر الصحابة ونقله التابعون واستمر نقله بما يزيد على عدد التواتر إلى الإن(٣) .
ومنها: قولهعليهالسلام فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها.(٤) فإنه هذا اللفظ بعينه صدر منهعليهالسلام مرارا متعددة حتى سمعه جميع الصحابة ولم يزل يزداد اشتهارا
ومنها: قولهعليهالسلام في حق علىعليهالسلام لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرارا غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه(٥) فإنه قالهعليهالسلام بمحضر ألوف كثيرين من عساكر المسلم وسائر الصحابة ولم يزل العدد في ازدياد.
ومنها: قولهعليهالسلام الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة فإنه تكرر منه
__________________
(١) إحقاق الحق ج ٥ ص ٤٨٩
(٢) أخرجه المؤلف ره في إثبات الهداة ج ١ ص ٦٤٢ وفي إحقاق الحق ج ٩ ص ٢٧٠.
(٣) أورده العلامة المجلسي (ره) في البحار ج ٢٢ ص ٤٦٨
(٤) راجع البحار ج ٤٣ ص ٢٦ - ٣٩
(٥) أورده المؤلف ره في إثبات الهداة ج ١ ص ٢٨٧ - ٣٥٧.
عليهالسلام حتى سمعه جميع الصحابة وهو الى الان قد تجاوز حد التواتر(١) .
ومنها: قولهعليهالسلام انى تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض(٢) فهذا اللفظ بعينه قد تواتر بين الفريقين وسمعه أكثر الصحابة أو كلهم وهو نظير الأمثلة السابقة.
ومنها: قولهعليهالسلام ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة فرقة منها ناجية والباقي في النار(٣) فان هذا اللفظ قد تكرر منهعليهالسلام حتى سمعه ونقله جميع الصحابة والتابعين والمتقدمين والمتأخرين وفي حديث سفينة نوح وغيره تعيين لتلك الفرقة الناجية فقد ثبت هذا المطلب بتمامه وجميع مقدماته بطريق التواتر.
ومنها: قوله (ع) يكون من بعدي اثنا عشر اماما.
وقوله (ع) الأئمة من بعدي اثنا عشر اماما(٤) وقولهعليهالسلام : الأئمة من بعدي اثنا عشر(٥) فإنه تكرر منه (ع) أيضا ونقله جميع علماء العامة والخاصة وهو كأمثاله.
ومنها: قولهعليهالسلام ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين(٦) فان هذا اللفظ بعينه نظير ما سبق.
ومنها: قوله (ع) له أنت أخي وأنا أخوك(٧) فإنه كأمثاله مما مر.
ومنها: قوله (ع) له أنت وصيي ووارثي وخليفتي وقاضي ديني ومنجز عداتي
__________________
(١) إثبات الهداة للمؤلف (ره) ج ٢ ص ٥٥٠ - ٥٤٤.
(٢) إثبات الهداة ج ١ ص ٦٩٠ ط الافستية وقد سمعت من بيان استأذنا الأعظم آيت الله العظمى الطباطبائي البروجردي: أن هذا الحديث من أحسن ما يستدل به على وجود الحجة في كل زمان
(٣) راجع البحار ج ٢٨ ص ٣ - ٤ - ٥
(٤) راجع إثبات الهداة ج ١ باب نصوص العامة على امامة الأئمة (ع)
(٥) راجع إثبات الهداة ج ١ باب نصوص العامة على امامة الأئمة (ع)
(٦) أخرجه المجلسي ره في البحار ج ١٨ ص ١٣٢
(٧) إحقاق الحق ج ٤ ص ٣٧٤
فهو كنظائره مما تقدم(١)
ومنها: قولهعليهالسلام عمار تقتله الفئة الباغية(٢) لا أنالهم الله شفاعتي.
ومنها: قوله: سلمان منا أهل البيت(٣) .
ومنها: قولهعليهالسلام : أقضاكم على(٤) .
ومنها: قوله لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا على(٥) .
ومنها: قولهعليهالسلام وقد جمع عليا وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا(٦) .
ومنها: قولهعليهالسلام على قسيم الجنة والنار(٧) .
ومنها: قولهعليهالسلام من حفظ على أمتي أربعين حديثا بعثه الله يوم القيمة فقيها عالما(٨) .
ومنها: قوله (ع) من كذب على معتمدا فليتبوء مقعده من النار(٩) وقد اعترف بتواتره منكر التواتر كما مر نقله.
ومنها: قول علىعليهالسلام علمني رسول اللهصلىاللهعليهوآله الف باب يفتح كل باب الف
__________________
(١) راجع إثبات الهداة ج ٢ باب النصوص على امامة أمير المؤمنين (ع)
(٢) راجع المجلد الثامن، من البحار ص ٤٨٧ وملحقات إحقاق الحق ج ٨ ص ٤٢٢ - ٤٦٤.
(٣) البحار ج ٢٢ ص ٣٢٦
(٤) إحقاق الحق ج ٤ ص ٣٢٣ - ٣٢٢ إثبات الهداة ج ٢ ص ١٧
(٥) إثبات الهداة ج ٢ ص ٣٧ - ١٩
(٦) إثبات الهداة ج ١ ص ٦٨٩
(٧) البحار ج ٣٩ ص ١٩٣ باب انه « ع » قسيم الجنة والنار
(٨) الكافي ج ١ ص ٤٩
(٩) البحار ج ٢ ص ١٦١ الكافي ج ١ ص ٦٢
باب(١) .
ومنها: قولهعليهالسلام : سلوني قبل ان تفقدوني فو الله لا تسألون عن شيء إلا أنبأتكم به(٢) .
ومنها: قولهعليهالسلام له ما زلت مظلوما(٣) .
ومنها: قول النبيصلىاللهعليهوآله ان أمتي ستقتل ولدي هذا.(٤)
ومنها: قولهعليهالسلام حب الدنيا رأس كل خطيئة(٥) ومنها: قولهعليهالسلام البينة على المدعى واليمين على من أنكر(٦) ومنها: قول عمر لو لا على لهلك عمر(٧) ومنها: قوله: كانت بيعة ابى بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها فمن عاد الى مثلها فاقتلوه(٨) ومنها. قول ابى بكر على المنبر مرارا لست بخيركم وعلى فيكم(٩) ومنها: قول النبيصلىاللهعليهوآله على مع الحق والحق معه لا يفترقان(١٠) ومنها: قولهعليهالسلام ائتوني بدواة وصحيفة بيضاء اكتب لكم كتابا لن يضلوا بعده أبدا وقول عمران نبيّكم ليهجر(١١)
__________________
(١) البحار ج ٤٠ ص ١٢٧
(٢) إحقاق الحق ج ٧ ص ٥٨٩
(٣) سفينة البحار ج ٢ ص ١٠٨ إثبات الهداة ج ١ ص ٢٩٩
(٤) إحقاق الحق ج ١١ ص ٣٣٩ - ٤١٣
(٥) الوسائل ج ٢ ص ٤٧٣
(٦) مستدرك الوسائل ج ٣ ص ١٩٩
(٧) إحقاق الحق ج ٨ ص ١٨٣
(٨) البحار ج ٨ كتاب الخلفاء ص ٢٤٨
(٩) ابن ابى الحديد ج ١ ص ١٦٩ البحار ج ٨ ص ٢٥٩ إحقاق الحق ج ٢ ص ٣٢٥.
(١٠) إحقاق الحق ج ٥ ص ٦٣٣ إثبات الهداة ج ٢ ص ١١٢ - ٢٠٩
(١١) البحار ج ٨ ص ٢٦١
ومنها: قولهعليهالسلام حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات(١) .
ومنها: قولهعليهالسلام جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا(٢) : فإنه كأمثال ما مر قد تكرر منهعليهالسلام حتى سمعه أكثر الصحابة ولم يزل عدد رواته في ازدياد والأمثلة في هذا المعنى أكثر من ان تعد وتحصى.
ولو أردنا ذكر بعض أمثلة التواتر المعنوي الذي يدعون قلة واختصاصه بأصول الشرائع مع قلتها لطال الكلام وان نازعوا في تواتر الأمثلة المذكورة نازعناهم فيما أقروا به من التواتر المعنوي فبأي وجه اثبتوا التواتر هناك أثبتناه هنا وإذا نازعهم منازع في تواتر الأول والوسط هناك فما أجابوا به فهو جوابنا بعينه أو ما هو أقوى منه.
ولكن نقول بطريق الإجمال ان العقل يجزم بعد تبليغ الآثار بان الرسولصلىاللهعليهوآله كان في نهاية الحكمة والعصمة والشفقة على الأمة والحرص على تبليغ الشريعة وكذلك الأئمة (ع) وانهم كانوا يبلغون الأحكام في مواضع متعددة ويريدون بقاء الشريعة لتعمل بها الأمة إلى يوم القيمة وتصل الى كل مكلف في كل زمان على وجه يقطع العذر ويفيده العلم بشرط ان يتفحص عن ذلك ويطلب من اهله ويبذل جهده في طلبه والا لم تكونوا مبلغين للشريعة كما ينبغي.
وقد كان يعلمون ما كان وما يكون كله أو أكثره بتعليم الله إياهم وانهم لذلك كانوا يبلغون الأحكام في المجالس والمجامع والمحافل والمساجد وعلى المنابر وعلى رؤس الاشهاد وحال اجتماع العساكر وتوفر الدواعي على النقل لتثبت عليهم الحجة وتشتهر بينهم الأحكام والأحاديث وكانوا يبلغون أكثر الأحكام في حضور مآت من الناس بل ألوف متعددة ويكررون التبليغ في مجالس كثيرة حتى تثبت الحجة على جميع أهل ذلك الزمان وتشهر بينهم وينقلوا الى من بعدهم.
__________________
(١) الكافي ج ١ ص ٦٨
(٢) مستدرك الوسائل ج ١ ص ١٥٦
فينبغي القطع بأن أكثر المطالب قد تجاوزت حد التواتر اللفظي والمعنوي أو كليهما وخصوصا الخطب المروية عن النبي وعلىعليهماالسلام فإنهما ما خطبا قط في حضور جماعة أقل من عدد التواتر وأن ما كان متواترا الان كان كذلك في أول إسناده ووسطه غالبا وان ما سواه نادر والا لكان سوء ظن منّا بهم (ع).
وانظر الى الحديث المشهور بين الفريقين انهعليهالسلام في أواخر عمره قال مرارا متعددة في المسجد وعلى المنبر وغير ذلك في حضور ألوف من المسلمين ألست قد بلغت ما أرسلت به إليكم قالوا بلى قال اللهم فاشهد وكان الذين قالوا بلى يزيدون على عدد التواتر فلو لا انهم علموا ذلك وسمعوا أكثر الأحكام أو كلها لما قالوا بلى وشهدوا له مع ان كثيرا منهم كانوا منافقين معاندين لكن لم يقدروا على الإنكار لأنه كان صار عندهم ضروريا متواترا والعجب من ينكر التواتر في أحاديث الأئمة (ع) يعترف بتواتر مؤلفات الإمامية والعامة أيضا وتواتر آثار علماء الفريقين ومذاهبهم وأكثر أحوالهم مع ان الداعي إلى نقل آثار النبي والأئمة (ع) أقوى والاعتناء بنقلها أعظم وهذا واضح لو لا الشبهة والتقليد.
واعلم ان بعض المتعصبين من المقلدين اعترض هنا بما نقله الشيخ حسن في إجازته من ان الإجازات مع كثرتها انحصرت في الشهيد الثاني ثم في الشهيد الأول ثم في الشيخ الطوسي وان كل من تأخر عن أحد الثلاثة لم يرو الا عنه الا نادرا.
وأجبته بان انحصار الإجازة لا يستلزم انحصار نقل الكتب والأحاديث فإنه غير موقوف عليها كنقل القرآن نعم هؤلاء الثلاثة لجلالتهم في زمانهم طلب كل واحد من معاصريهم من شركائهم في الدرس والرواية والإجازة منهم وقد كان في زمان كل واحد من العلماء والفضلاء والرواة ألوف كثيرون من مشايخهم وتلامذتهم وشركائهم والتتبع دال عليه.
ولقد كلمني بعض الناس الذين غلب عليهم الوسواس وصرفوا أكثر أعمارهم في العلوم الفاسدة التي اخترعها العامة ولم يصرفوا من أعمارهم في تتبع آثار النبي
المختار والأئمة الأطهار (ع) الا القليل ولم يعرفوا قدر علوم أهل العصمة (ع) على التفصيل وطلبوا العلم من أهل الجهل وأنكروا وجود المتواتر مطلقا ثم أنكر اللفظي وادعى قلة المعنوي فكلمته وذكرت له أكثر ما تقدم ثم أوردت له مثالا لم يقدر على دفعه وإنكاره فقلت له انا نجزم بوجود ملك في الهند يقال له فلان فقال نعم.
فقلت: ولا نعرف شيئا من أحواله بطريق اليقين والتواتر من طوله ولونه وسنّه وخلقه وخلقه وطبعه ووصفه ومجلسه وطعامه وعسكره وخزائنه وعلمه وفصاحته وشجاعته ونحو ذلك وسبب جهلنا بأحواله عدم تفحصنا عنها وقلة تتبعنا لها ولو أردنا ذلك وصرفنا في تحقيقه أياما يسيرة لوجدنا في هذا البلد الذي نحن فيه أكثر من الف رجل من التجار وغيرهم ممن رأى ذلك الملك وجالسة وعاشره واطلع على أحواله فلو سألناهم وتتبعنا آثاره لعرفنا أكثر أحواله بطريق القطع والتواتر والاخبار المحفوفة بالقرائن بحيث لا يبقى عندنا فيها شك الا نادرا وبدون تفحص لا نطلع على تواتر شيء منها.
وهكذا من تتبع الأحاديث حق التتبع ومن لم يتتبع ومن عرف أحوال الرواة والكتب حق المعرفة ومن لم يعرف. ومن تأمل كتابنا الموسوم بتفصيل وسائل الشيعة علم ان أكثر مطالب الفروع انتهى الى حد التواتر المعنوي وكثير منها بلغ حد التواتر اللفظي حتى انا جمعنا في كتاب الطهارة وحده قريبا من أربعة آلاف حديث جمعناها من كتب كثيرة تقارب مائة كتاب وهو ثلاثة مسائل الوضوء والغسل والتيمم وكذلك سائر الكتب والأبواب ومن تأمل كتابنا في النصوص والمعجرات(١) تيقن انها كلها تجاوزت حد التواتر المعنوي وكثير منها تجاوزت حد التواتر اللفظي بشرط ان لا يغلب عليه الوسواس وان يعرف أحوال الرواة وأحوال الكتب حق معرفتها وانتفاء الشبهة والتقليد ولقد طال الكلام في هذا المرام لاقتضاء الحال والمقام وكونه من أمهات الأحكام ومن أكثر مطالب اولى الافهام والله الهادي
__________________
(١) وقد طبع أخيرا في ثلاث مجلدات بهمة بعض اصدقائنا من أهل الخير.
فائدة (٦٠)
اشتهر بين جماعة من الطلبة الان حيلة في إسقاط العدة وبعضهم ينسبها الى شيخنا المحقق الشيخ على وصورتها انه لو تزوج رجل امرأة بالعقد الدائم ودخل بها ثم طلقها بعد الدخول وجبت عليها العدة فلو عقد عليها بعد الطلاق ثم طلقها قبل الدخول فلا عدة عليها فتدخل تحت النص المتضمن لعدم لزوم العدة مع الطلاق قبل الدخول والعدة السابقة سقطت بالعقد الثاني إذ لا عدة عليها منه.
وكذلك لو تمتع رجل بامرأة ودخل بها ثم وهبها المدة وانقضت مدتها ثم عقد عليها أيضا متعة ثم وهبها المدة قبل الدخول أو انقضت قبله فان المرأة لا عدة عليها ثانيا والعدة الأولى بطلت بالعقد الثاني.
وأقول: نسبة هذه الحيلة إلى الشيخ على لم تثبت وعلى تقدير الثبوت هو مطالب بالدليل التام فإن ما أوردوه هنا غير تام بل هو مشتمل على تسامح وتساهل وغفلة عجيبة عن نكتة وهي ان العدة الأولى لم تسقط بالعقد الثاني الا بالنسبة الى صاحب العدة واما بالنسبة إلى غيره فهي باقية ولا دليل عندنا على إسقاطها.
نعم الطلاق الثاني وانقضاء المدة الثانية أو هبتها ليس شيء منها موجبا للعدة والنص انما دل على هذا القدر ولا دلالة له على سقوط العدة السابقة بوجه وانما العدة، المنفية فيه العدة الثانية بل نصوص وجوب العدة في الطلاق بعد الدخول وانقضاء المدة وهبتها بعده فيها عموم وإطلاق شامل لهذه الصورة وغيرها بل وقع التصريح في
الأحاديث الكثيرة في فتوى علمائنا بأن العدة هنا واجبة على المرأة بالنسبة الى غير الزوج ساقطة عنها بالنسبة إليه فمن ادعى تخصيص هذا العام وتقييد هذا المطلق فعليه البيان وإثبات الدعوى بالدليل.
فان استدل بعموم ما دل على سقوط العدة في الحالة الثانية أجبنا بوجهين.
أحدهما: منع العموم فإنه إنما دل على عدم وجوب عدة جديدة بالسبب الحادث ولا دلالة له على سقوط الاولى بعموم ولا خصوص.
وثانيهما: بعد التسليم نقول قد تعارض العمومان وكل منهما قابل للتخصيص بالآخر والنص والفتوى والاحتياط يؤيد ما قلناه وكذا قولهمعليهمالسلام لا تنقض اليقين بالشك ابدا وانما تنقضه بيقين آخر والعدة الأولى متيقنة حتى يحصل اليقين بسقوطها والله اعلم.
ويحسن ان ينشد صاحب هذه الحيلة قول أبي فراس.
فقل لمن يدعى خيرا ومعرفة |
حفظت شيئا وغابت عنك أشياء |
فائدة (٦١)
روى الصدوق في الأمالي وعيون الأخبار بإسناده عن الصادقعليهالسلام عن آبائه عن علىعليهالسلام قال: عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم(١) .
أقول: معناه يحتمل وجوها.
أحدها: ان يراد انه ينبغي ان يكتفى بجمالهن ولا يراد منهن العقول لندرتها فيهن فكأنه قال عقول النساء موجودة في جمالهن حيث ان الجمال يعنى عنها وهو عوض منها ولا يراد منهن ما يراد من العقلاء من التدبير والرأي.
وثانيهما: ان يراد ان عقلهن لازم لجمالهن غالبا فالتي هي أجمل أعقل من غيرها وإذا كبرت وذهب جمالها ذهب عقلها وقد قيل من حسن خلقه حسن خلقه والجمال يطلق على الحسن والخلق والخلق.
وثالثها: ان يكون المراد ان عقولهن مصروفة في جمالهن اى ان همتهن في التجمل وكسب الجمال بالأدوية والأغذية والمحسنات من الدهن والصبغ والطيب، وجمال الرجال في عقولهم، فهمة الرجال ليست في التجمل بل في كسب العقل وتكميله وتحصيل العلم فان العقل ورد بمعنى العلم لأنه مصدر بمعنى التعقل ولذلك يقال العلم والجهل والعقل والجهل والعقل والجنون فمقابلته بالجهل قرينة على ارادة معنى العلم منه.
__________________
(١) الأمالي ص ٢٢٨ ح ٩ المجلس الأربعون
ورابعها: ان يراد عقول النساء مخفية في جمالهن لان جمالهن ظاهر للناس منظور للعقلاء، وعقولهن لضعفها وندورها لا تظهر بالنسبة إلى الجمال فكأنه سترها وغطاها وأخفاها والقول في عقول الرجال وجمالهم بالعكس.
وخامسها: ان يراد عقول النساء كائنة في جمالهن بمعنى ان ذات الجمال منهن تميل النفوس إليها وتقبل القلوب عليها وترضى الناس عقلها وان كان ضعيفا فإن زيادة الجمال تجبره وغير ذات الجمال لا تميل إليها النفوس وان كان عقلها أحسن من عقل الجميلة فكان عقل كل واحدة منهن كائن في جمالها فالجمال يبديه ويقويه وعدمه يخفيه ويوهيه وان كان قربا بالنسبة الى ما دونه.
وسادسها: ان يكون استفهاما إنكاريا في الفقرتين كأنه قال أتظنون ان عقول النساء في جمالهن فأنتم تميلون الى الجميلة ولا تسئلون عن عقلها ليس الأمر كذلك بل العقل ينفك عن الجمال فيوجد منهما بدون الأخر فينبغي ان لا تكتفوا فيهن بالجمال بدون العقل بل يكون الغرض الأهم عندكم العقل ويكون الجمال مقصودا لكم بالتبعية لا بالأصالة.
ويؤيد ذلك ما روى في عدة أحاديث من النهى عن تزويج المرأة لأجل مالها أو جمالها والأمر بتزويجها لدينها(١) .
وفي الحديث من كان عاقلا كان له دين(٢) .
ومن المعلوم ان العقل الصحيح يدعو الى الدين ويهدى اليه ويدل عليه فوجود الدين دليل على وجود العقل وبالعكس وفي الفقرة الثانية كأنهعليهالسلام يقول تظنون ان جمال الرجال في عقولهم وحدها، ليس الأمر كذلك بل لا بد من وجود العلم والدين والصلاح والكرم والشجاعة والمروة الى غير ذلك من أقسام صفات الجمال والكمال فان العقل المنفرد عن هذه الصفات وأمثالها ناقص غير كامل فلا تكتفوا بمسمى العقل بل اعتبروا تمامه ونقصانه بوجود جنوده وعلاماته التي هي المقصودة من جهال
__________________
(١) الكافي ج ٥ ص ٣٣٣
(٢) الكافي ج ١ ص ١١ ح ٦
فائدة (٦٢)
روى الصدوق في عقاب الأعمال والبرقي في المحاسن بسندهما عن ابى جعفرعليهالسلام قال: ان الله فوض الأمر إلى ملك من الملئكة فخلق سبع سموات وسبع أرضين فلما رأى الأشياء قد انقادت له قال: من مثلي فأرسل الله إليه نويرة من النار قلت: وما النويرة؟ قال نار مثل الأنملة(١) فاستقبلها بجميع ما خلق فتخللت حتى وصلت الى نفسه لما [ أن ] دخله العجب(٢) .
أقول: فيه اشكال ثلاثة أحدها: انه يدل على التفويض بمعنى ان الله فوض أمر الخلق الى غيره والأحاديث دالة على بطلانه، والأصحاب متفقون على ذلك فقد أنكروا على من ادعى ان الله فوض أمر الخلق والرزق الى محمد وآل محمد ص وسموهم المفوضة.
والجواب: ان الأحاديث دلت على إنكار التفويض بطريق العموم باعتبار مجموع الخلق والرزق لا باعتبار كل فرد ألا ترى انهم يقولون بصدور أفعال العباد عنهم ألا ترى الى قوله تعالى:( فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ) . والى ما روى في عدة اخبار ان الله يبعث الى الجنين ملكين خلاقين يصوران ما يأمرهما(٣) .
__________________
(١) نار بمثل أنملة خ م
(٢) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال ص ٢٩٩ المحاسن ص ١٢٣
(٣) علل الشرائع ص ٣٠٠ الكافي ج ٣ ص ١٦٢
الى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة على ان الخلق له معان متعددة فلعل معنى المنفي غير معنى المثبت فالخلق بمعنى إنشاء صورة خاصة ونحو ذلك من الاعراض كالصور التي كان يضعها عيسىعليهالسلام من الطين وكالصور التي يضعها أحدنا من طين أو شمع أو غيرهما فإن الصورة من الاعراض وقد دلت الأدلة العقلية والنقلية على ان الله هو المخصوص بخلق الأجسام والأرواح والعقول وغيرها.
وقد روى ان الصادقعليهالسلام أنكر على رجل من المفوضة واحتج عليه بقوله تعالى( أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ ) فأفحم الرجل ولم يحر جوابا(١) ومثله كثير على انه يحتمل ان يكون الله يخلق الصورة عند فعل المخلوق ولا يكون المخلوق فاعلا لتلك الصورة
وثانيها: ان عصمة الملائكة مما دل عليه النص المتواتر وإجماع الإمامية وهذا الحديث ينافيها.
والجواب: ان الحديث غير صريح في ان ذلك قد عذب وأحرقته النار بل انما قارنته النار تخويفا له على ترك الاولى كما في أمثاله من المعصومين (ع) كما تضمنه كتاب تنزيه الأنبياء وغيره.
ووصول النار الى نفسه لا يستلزم الإحراق.
ولا نسلم ان جميع مراتب العجب محرمة بل أدنى مراتبه السرور بالحسنة والعبادة وهو محمود شرعا حيث لا يترتب عليه مفسدة أخرى فلعل الصادر عن ذلك الملك كان هذا القدر.
وثالثها: ان المشهور بين العلماء استحالة الخرق والالتئام في الأفلاك.
والجواب: ان هذا المشهور ليس عليه دليل قطعي كيف والمعراج يكذبه وهو متواتر ضروري وما قلتم هناك قلنا هنا والله أعلم.
__________________
(١) أخرجه العلامة المجلسي ره في البحار عن اعتقادات الصدوق ره راجع ج ٢٥ ص ٣٤٤ ولعل المصنف ره أورد في هنا مضمون الحديث
وقد استدلوا على جواز الخرق والالتئام في الأفلاك بأنها حادثة يجوز عليها العدم فكيف لا يجوز عليها الخرق والالتئام وقد حاول بعض المتأخرين جعل هذا دليلا على قول بعض الحكماء الواحد لا يصدر عنه الا واحد.
فقلت له: هذا انما تضمن خلق سبع سموات وسبع أرضين ولا دلالة على باقي الأشياء وأيضا فهذه النار ليست من خلقه الملك فهذا بعينه يبطل الدعوى.
فائدة (٦٣)
اختلف العلماء في حجية مفهوم الشرط والخلاف مشهور ودليل حجيته لا يخفى ضعفه، وانه ظني وهي مسئلة أصولية فالعمل فيها بالدليل الظني يستلزم رد الآيات الكثيرة والروايات المتواترة بالنهي عن العمل بالظن فإنهم خصصوها بالأصول فليس لهم أن يستدلوا فيها بدليل ظني ومع ذلك فإن أكثر أدلتهم فيها ظنية ويلزم من ذلك رد الدليل القطعي السند والدلالة سواء العمل بالظني.
والذي ينبغي القطع والجزم به ويحصل منه العلم واليقين ولا يشك فيه منصف ان المتكلم قد يقصد مفهوم الشرط وقد لا يقصده وتتبع كلام الفصحاء والبلغاء يفيد القطع بذلك فكيف يوثق بقصد المتكلم له من غير قرينة ظاهرة على إرادته وأمثلة عدم إرادته أكثر من ان تحصى.
وأنا اذكر جملة منها ليعلم الناظر هذا المفهوم وهو أقوى المفهومات لا يوثق بإرادة المتكلم له فما الظن بما هو أضعف منه، واقتصر على الأمثلة القرآنية ليظهر للمنصف أن الأمثلة من الحديث وكلام من يحتج بكلامه أضعاف أضعاف ذلك ويظهر من كثرة الأمثلة هنا ضعف حجيته جدا مع عدم القرينة الواضحة فان نوقش في بعض الأمثلة فإن المناقشة في المثال عندهم غير جائزة لأن غيره يغني عنه.
وان ادعى ان بعض الأمثلة له جواب شرط مقدر والمذكور ليس بجواب
فقد تقرر عندهم انه لا يجوز تقدير شيء من غير ضرورة وأي ضرورة إلى تقدير جواب في قولنا ان كان الإنسان ناطقا فالحمار ناهق على ان غيره يغني عنه.
وكل مثال من أمثلة المفهوم الذي يدعى حجيته يحتمل كونه من هذا القبيل وان ادعى هناك قرينة سقط البحث، ولا يخفى أن النافي يكفيه مثال واحد بحيث يظهر عدم الاطراد فتنتفي الكلية ولا يمكن الاستدلال فكيف لا يقبل من النافي هذه الأمثلة الكثيرة ويقبل من مدعى الإثبات مثال واحد مع ضعف دليله واحتياجه الى القياس وغير ذلك مما ليس هذا محل ذكره وان داعي وجود القرينة في الأمثلة المذكورة على عدم ارادة المفهوم أمكن الخصم ان يدعى وجود القرينة على إرادته في الأمثلة التي قصد فيها المفهوم فيبقى ما لا قرينة فيه أصلا محتملا للأمرين.
ولعل من تتبع حق التتبع يرى ان المواضع التي لم يقصد فيها مفهوم الشرط أكثر مما قصد فيها وعلى تقدير التساوي بل أكثرية القصد فان وجود أمثلة كثيرة لم يقصد فيها كاف في ضعف حجيته نعم لو حصلت قرينة على ارادة المتكلم له فلا شك في اعتباره ولا خلاف فيه حينئذ.
فمن جملة الأمثلة التي لم يقصد فيها مفهوم الشرط قوله تعالى:( وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلّا مُبْطِلُونَ ) (١) مع انهم كانوا يقولون ذلك ويعتقدونه قبل مجيء الآية.
وقوله تعالى:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) (٢) مع اتباعه واجب على من يحب الله وعلى غيره والفريقان مأموران به.
وقوله تعالى:( وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ ) (٣) مع انها لا تنفد مع وجود الشرط وعدمه.
وقوله تعالى:( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِراً ) (٤) مع ان المذكور
__________________
(١) الروم - ٥٨.
(٢) آل عمران ٣١.
(٣) لقمان - ٢٧.
(٤) لقمان - ٧.
لم يزل موليا مستكبرا قبل التلاوة.
وقوله تعالى:( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) (١) مع انهم كانوا يقولون ذلك مع عدم الشرط ويدعونه دائما.
وقوله تعالى:( مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ ) (٢) .
وقوله تعالى:( مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ) (٣) .
وقوله تعالى:( وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) (٤) مع ان ذلك مذموم مع علمهم وجهلهم.
وقوله تعالى:( وَاشْكُرُوا لِلّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ ) (٥) مع ان شكر الله واجب عقلا ونقلا مأمور به على تقدير عبادتهم إياه وعبادة غيره خصوصا عند الإمامية وقوله تعالى:( فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (٦) .
وقوله تعالى:( فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ ) (٧) مع انه يجب عليه صومها وان لم يرجع.
وقوله تعالى:( فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ ) (٨) مع ان ذكر الله مأمور به قبل المناسك وفي حال أدائها وفي أثنائها.
وقوله تعالى:( فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (٩) وقوله تعالى:( وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) (١٠) وقوله تعالى:( فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١١)
__________________
(١) البقرة - ١١
(٢) البقرة ٩٧ - ٩٨
(٣) البقرة ٩٧ - ٩٨
(٤) البقرة - ١٠٢
(٥) البقرة - ٧٢
(٦) البقرة - ١٩٢
(٧) البقرة - ١٩٦
(٨) البقرة - ٢٠٠
(٩) البقرة - ٢٠٩
(١٠) البقرة - ٢١١
(١١) البقرة - ٢٢٦
وقوله تعالى:( وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (١) .
وقوله تعالى:( فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ ) (٢) مع ان ذكر الله مأمور به في الخوف والأمن.
وقوله تعالى:( وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ ) (٣) مع ان من لم يتب من الربا أيضا ليس له الا رأس ماله ويجب عليه رد الباقي.
وقوله تعالى:( وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ ) (٤) مع ان الرهن جائز مشروع مع عدم السفر ومع وجود الكاتب.
وقوله تعالى:( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ) (٥) .
وقوله تعالى:( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ ) (٦) .
وقوله تعالى:( بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) (٧) .
وقوله تعالى:( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) (٨)
وقوله تعالى:( وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ) (٩)
وقوله تعالى:( وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (١٠) مع ان خوف الله مع عدم الايمان واجب بل أوجب.
وقوله تعالى:( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) (١١) مع ان رد كل ما لم يعلم حكمه الى الله سبحانه والى الرسول ص واجب مأمور به مع التنازع وعدمه ومع الايمان وعدمه.
__________________
(١) البقرة - ٢٢٧
(٢) البقرة - ٢٣٩
(٣) البقرة - ٢٧٩
(٤) البقرة - ٢٨٣
(٥) آل عمران - ٦٣
(٦) آل عمران - ٦٤
(٧) آل عمران - ٧٦
(٨) آل عمران - ٩٧
(٩) آل عمران - ١٧٥
(١٠) آل عمران - ١٥٧
(١١) النساء - ٥٩
وقوله تعالى:( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (١) مع ان القصر واجب مع عدم الضرب في الأرض في حال الخوف ومع عدم الخوف في حال السفر ولا يشترط اجتماعهما.
وقوله تعالى:( فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ ) (٢) مع ان ذكر الله مأمور قبل الصلاة وفيها.
وقوله تعالى:( فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) (٣) مع ان إقامتها واجبة على كل حال.
وقوله تعالى:( وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) (٤) .
وقوله تعالى:( وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) (٥) .
وقوله تعالى:( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ ) (٦)
وقوله تعالى:( وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ) (٧)
وقوله تعالى:( قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) (٨) .
وقوله تعالى:( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ) (٩) مع ان المذكور لا يبسط يده لقتله مع عدم بسط يده أيضا.
وقوله تعالى:( إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ) (١٠) مع انه الحذر واجب مطلقا مأمور به على كل حال.
وقوله تعالى:( وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً ) (١١) مع انه لا يملك من الله شيئا لغيره.
__________________
(١) النساء - ١٠١
(٢) النساء - ١٠٣
(٣) النساء - ١٠٣
(٤) النساء - ١٢٩ - ١٣١
(٥) النساء - ١٢٩ - ١٣١
(٦) الزمر - ٧
(٧) النساء - ١٧٢
(٨) المائدة - ١٧
(٩) المائدة - ٢٨
(١٠) المائدة - ٤١. (١١) المائدة - ٤١
وقوله تعالى:( مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) (١) مع انه يأتي بهم على كل حال.
وقوله تعالى:( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) (٢) وقوله تعالى:( وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (٣) .
وقوله تعالى:( فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) (٤) وقوله تعالى:( قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (٥) مع ان ذلك مأمور به على كل حال.
وقوله تعالى:( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْلَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُالْحَكِيمُ ) (٦) .
وقوله تعالى:( وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (٧) .
وقوله تعالى:( فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ) (٨)
وقوله تعالى:( إِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ ) (٩) .
وقوله تعالى:( إِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا ) (١٠) .
وقوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) (١١) مع أنهم دائما متذكرون مبصرون.
وقوله تعالى:( وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (١٢) مع انهم مكلفون بالطاعة مأمورون بها على تقدير عدم الايمان أيضا خصوصا على مذهبنا.
وقوله تعالى:( وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ) (١٣) .
__________________
(١) المائدة - ٥٤
(٢) المائدة - ٥٦
(٣) المائدة - ٧٣
(٤) التغابن - ١٢
(٥) المائدة - ١١٢
(٦) المائدة - ١١٨
(٧) الانعام - ٨١
(٨) الانعام - ٨٩
(٩) الأعراف - ١٩٣
(١٠) الأعراف ١٩٨
(١١) الأعراف - ٢٠٠
(١٢) الأنفال - ١
(١٣) الأنفال - ٣٦
وقوله تعالى:( فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١) .
وقوله تعالى:( وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ ) (٢)
وقوله تعالى:( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ) الى قوله( إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا ) (٣) وقد تقدم مثله.
وقوله تعالى:( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (٤)
وقوله تعالى:( وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ ) (٥)
وقوله تعالى:( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ) (٦) مع ان الغلبة قد تحصل بأكثر وان لم يكن خيرا بل كان أمرا فان الأقل مأمور ندبا والأكثر وجوبا وهذا من مفهوم الشرط والعدد معا.
وقوله تعالى:( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (٧)
وقوله تعالى:( فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ) (٨) .
وقوله تعالى:( وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ ) (٩) .
وقوله تعالى:( وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ ) (١٠)
وقوله:( وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ ) (١١)
وقوله تعالى:( إِلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (١٢)
وقوله تعالى:( إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ ) (١٣)
وقوله تعالى:( فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلّا عَلَى اللهِ ) (١٤)
__________________
(١) البقرة - ١٩٢. (٢) الأنفال - ٤٠
(٣) الأنفال - ٤١
(٤) الأنفال - ٤٩
(٥) الأنفال - ٦٢
(٦) الأنفال - ٦٥
(٧) الأنفال - ٦٦
(٨) الأنفال - ٦٦
(٩) الأنفال - ٦٦
(١٠) الأنفال - ٧١
(١١) التوبة - ٢
(١٢) التوبة - ٤٠
(١٣) يونس - ٧١. (١٤) يونس - ٧٢
وقوله تعالى:( قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) (١) .
وقوله تعالى:( وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ ) .(٢)
وقوله تعالى:( أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ) (٣) .
وقوله تعالى:( وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ ) (٤) .
وقوله تعالى:( قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ) (٥) .
وقوله تعالى:( إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ ) (٦) .
وقوله تعالى:( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) (٧) .
وقوله تعالى:( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) (٨) .
وقوله تعالى:( وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ ) (٩) وقد تقدم نحوه.
وقوله تعالى:( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ) (١٠) .
وقوله تعالى:( فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى ) (١١)
وقوله تعالى:( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) الى قوله( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ ) (١٢) .
وقوله تعالى:( إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ ) (١٣)
__________________
(١) يونس - ١٠٤
(٢) يونس - ١٠٧
(٣) هود - ٦٣
(٤) يوسف - ٢٧
(٥) يوسف - ٧٧
(٦) النحل - ٣٧
(٧) النحل - ٨٢
(٨) النحل - ٩٨
(٩) النحل - ١١٤
(١٠) الكهف - ١٠٩
(١١) طه - ١٢٣
(١٢) الحج - ٤١
(١٣) الحج - ٤٢
وقوله تعالى:( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ ) (١)
مع انهعليهالسلام كان يعرف في وجوههم المنكر قبل تلاوة الآيات.
وقوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (٢) .
وقوله تعالى:( رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ ) (٣) وقوله تعالى:( إِنْ لَبِثْتُمْ إِلّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (٤) .
وقوله تعالى:( وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) (٥)
وقوله تعالى:( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) (٦) .
وقوله تعالى:( هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (٧) وقوله تعالى:( وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ) (٨)
وقوله تعالى:( لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا ) إلى قوله( فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ) (٩)
وقوله تعالى:( وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ) (١٠)
وقوله تعالى:( وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١١)
وقوله تعالى:( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ ) (١٢)
__________________
(١) الحج ٧٢
(٢) المؤمنون ٧٥
(٣) المؤمنون ٩٤
(٤) المؤمنون ١١٤
(٥) المؤمنون ١١٧
(٦) النور ٢
(٧) النور ١٧
(٨) النور ٢١
(٩) النور ٢٨
(١٠) النور ٣٤
(١١) النور ٣٤
(١٢) النور ٥٤
وقوله تعالى:( فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ) (١) .
وقوله تعالى:( وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ) (٢) .
وهذا من مفهوم الشرط والصفة جميعا.
وقوله تعالى:( قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ) (٣) .
وقوله تعالى:( رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) (٤) .
وقوله تعالى:( وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ) (٥) .
قوله تعالى:( إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) (٦) .
وقوله تعالى:( وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) (٧) .
وقوله تعالى:( فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ ) (٨) .
وقوله تعالى:( وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ ) (٩) .
وقوله تعالى:( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ) (١٠) .
وقوله تعالى:( وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا ) (١١) .
وقوله تعالى:( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ ) (١٢) .
مع انهم كانوا يقولون ذلك وان لم يسألوا.
وقوله تعالى:( وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النّارِ ) الى قوله( فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ
__________________
(١) النور ٦٢
(٢) الفرقان ١٢
(٣) الشعراء ٢٤
(٤) الشعراء: - ٢٨
(٥) العنكبوت ١٨
(٦) العنكبوت ٤١
(٧) العنكبوت ٦٤
(٨) الأحزاب ٥
(٩) فاطر ١٨
(١٠) الزمر - ٧
(١١) الزمر ٤٩. (١٢) الزمر ٣٨
وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ) (١) .
وقوله تعالى:( فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) (٢) .
وقوله تعالى:( وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ ) (٣) .
وقوله تعالى:( أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ) (٤) .
وقوله تعالى:( وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ ) (٥) .
وقوله تعالى:( وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ) (٦)
وقوله تعالى:( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ ) (٧)
وقوله تعالى:( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ) (٨) .
وقوله( لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ ) (٩) .
وقوله تعالى:( إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا ) (١٠) .
وقوله تعالى:( فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١١) .
وقوله تعالى:( لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ) (١٢) .
__________________
(١) فصلت ٢٤
(٢) فصلت ٣٨
(٣) فصلت ٥١
(٤) فصلت ٥٢
(٥) الشورى ٢٧
(٦) الشورى ٣٧
(٧) الشورى ٤٨
(٨) الزخرف ٩
(٩) الزخرف ١٣
(١٠) المجادلة: ١١
(١١) المجادلة ١٢
(١٢) الحشره ١٢
وقوله تعالى:( لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ ) إلى قوله( إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي ) (١) .
وقوله تعالى:( إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً ) (٢) .
وقوله تعالى:( وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (٣) .
وقوله تعالى:( فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) (٤) .
مع ان الحكم ثابت قبل بلوغ الأجل.
وقوله تعالى:( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ) (٥) .
مع ان الوضوء مأمور به دائما استحبابا تارة ووجوبا أخرى من غير ارادة القيام إلى الصلاة.
وقوله تعالى:( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (٦) مع ان الغسل والطهارة قد أمر بهما غير الجنب وجوبا واستحبابا.
وقوله تعالى:( إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ ) (٧) مع انها واجبة مأمور بها مع اجتماع شرائطها مع النداء وعدمه فإنها غير مشروطة به.
وقوله تعالى:( فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) (٨) .
وقوله تعالى:( وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى ) (٩) .
وقوله تعالى:( إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ) (١٠) .
وقوله تعالى:( وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ ) (١١) .
وقوله تعالى:( عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ ) (١٢) مع موتهن
__________________
(١) الممتحنة ١
(٢) الممتحنة ٢
(٣) الممتحنة ٦
(٤) الطلاق ٢
(٥) المائدة ٦
(٦) المائدة ٢
(٧) الجمعة ٩
(٨) الغابن ١٢
(٩) الطلاق ٦
(١٠) التحريم ٤
(١١) التحريم ٤. (١٢) التحريم ٥
وفي الآخرة بل روى أحاديث كثيرة ان الله أحل له ما شاء من النساء وان آية المنع في حقه منسوخة.
وقوله تعالى:( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ ) (١) مع انه لا يأتيهم بماء معين الا الله على التقديرين.
وقوله تعالى:( فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً ) (٢) مع انه مع عدم الكفر لا يمكن اتقاء ذلك اليوم خصوصا الفساق.
وقوله تعالى:( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) (٣) مع انهم لا يركعون مع القول ولا مع عدمه.
وقوله تعالى:( إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ) (٤) مع انه مع عدم الاستغناء يحصل الطغيان كثيرا بل أكثرها.
فهذا ما اقتضاه الحال وخطر بالبال مع ضيق المجال من الأمثلة القرآنية في هذا المطلب ولو أردنا إيراد الأمثلة من الحديث الشريف وكلام الفصحاء والبلغاء نظما ونثرا لطال الكلام وضاق المقام.
هذا حال مفهوم الشرط مع اتفاقهم على انه أقوى المفهومات قد وجدناه غير معتبر في القرآن في أكثر من مائة وخمسة وعشرين موضعا ولو أردنا الأمثلة من غير القرآن لوجدناه ألوفا متعددة فكيف يوثق بإرادة المتكلم له من غير قرينة واضحة فضلا عن ارادة غيره مما هو أضعف منه من المفهومات وخصوصا مع عدم قيام دليل تام قطعي على حجية شيء منها ولو أردنا إيراد أمثلة لباقي المفهومات لم يقصدها المتكلم لتعذر علينا استقصاؤها وادي ذلك الى الاطناب والملال والله أعلم بحقيقة الأحوال.
__________________
(١) الملك ٣٠
(٢) المزمل ١٧
(٣) المرسلات ٤٨
(٤) العلق ٧
فائدة (٦٤)
قال الشيخ بهاء الدين في مفتاح الفلاح روى عبد الرحمن بن عبد الله عن ابى عبد اللهعليهالسلام انه قال إذا صليت فصل في نعليك إذا كانت طاهرة فإنه يقال ذلك من السنة(١) .
وقولهعليهالسلام يقال إلخ الظاهر انه أراد به انك إذا صليت فيهما عرفت الشيعة ان الصلاة فيهما من السنة وقالوا بذلك فان هذا الراوي من أعيان أصحاب الصادقعليهالسلام الموثوق بأقوالهم وأفعالهم « انتهى ».
وهو وجه وجيه ويحتمل وجهين آخرين لعلهما أقرب مما ذكره.
أحدهما: ان يراد فإن آبائيعليهمالسلام يقولون ذلك من السنة ويكون البناء للمفعول لعدم استحسان التصريح بالفاعل لأن العامة لا يقولون بذلك أو أكثرهم لا يقولون به أو لعلم المخاطب بالفاعل بان يكون الراوي سمع ذلك من بعض آبائه (ع) ولو بواسطة فيكون تذكيرا له بالحديث الذي سمعه سابقا
ولا استبعاد في ذلك لوجود القرينة وهي قوله (ع) فإنه يقال إلخ فقد أورد ذلك على وجه الاستدلال وهو (ع) لا يستدل بقول من لا يعتقد حجيته ولا يعتقدها المخاطب أيضا فتعين الحمل على أحد آبائهعليهمالسلام وقد عرفت الحكمة في ترك التصريح.
__________________
(١) مفتاح الفلاح ص ٢٦ ط ١٣١٧ ه وقد أخرجه المؤلف عنه في الوسائل ج ١ ص ٢٧٢ ط أمير بهادر.
وثانيهما: ان يكون المراد ان ذلك يقال فينبغي لكم العمل بهذا القول وان كان يحتمل الصدق والكذب الا ان الجواز معلوم والاستحباب إذا ورد هنا وان كان بطريق ضعيف لكنه تستلزم حصول الثواب على العمل به فيدخل تحت قولهمعليهمالسلام من بلغه شيء من الثواب على شيء من العمل فصنعه كان له اجره وان لم يكن على ما بلغه(١) فإنه أعم من الثواب المذكور تفصيلا وإجمالا فصار ظاهرا فيكون أشارعليهالسلام الى مضمون تلك الأحاديث وهي كثيرة قد جمعنا منها تسعة أحاديث في محل آخر وفيها ما هو صحيح السند باصطلاح الشيخ بهاء الدين ومن وافقه من المأخرين وكلها صحيحة باصطلاح قدمائنا.
وقد ذكر الشيخ بهاء الدين في عدة مواضع من كتبه ان هذا المعنى قد روى بعدة طرق أقواها الحسن وقد ذكر ان هذا الحديث مما تفرد بروايته أصحابنا ولم يروه العامة وفي هذا أيضا نظر فإن العامة أيضا نقلوه ورواه ابن فهد في عدة الداعي من طرقهم وقال ان هذا المعنى متفق على روايته بين العامة والخاصة(٢) وعذر الشيخ عدم الاستحضار في ذلك الوقت ومثله كثيرة والله اعلم.
__________________
(١) البحار ج ٢ ص ٢٥٦ ح ٣ نقلا عن المحاسن
(٢) عدة الداعي ص ٢.
فائدة (٦٥)
قال شيخنا البهائي في مفتاح الفلاح أيضا ينبغي استقبال القبلة حال الوضوء وأكثر علماؤنارحمهمالله لم يذكروه وقد ذكره بعضهم مستدلا بما روى عن أئمتناعليهمالسلام خير المجالس ما استقبل به القبلة « انتهى »(١) وهو استدلال جيد لأنه يشمل الوضوء بعمومه وان لم يكن خاصا به الا انه أخص من المدعى إذ لا يشمل غير حالة الجلوس وقد يكون الوضوء في حال القيام أو المشي أو الاتكاء أو الاضطجاع أو الاستلقاء أو الركوب الى غير ذلك من الحالات فكان ينبغي تقييد الحكم بالاستحباب بحال الجلوس.
والاعتذار بان الغالب في الوضوء حال الجلوس وما عداه نادر اعتذار ضعيف جدا لأن إدخال بقية الحالات في الحكم دعوى بغير دليل وعمل بغير نص وقياسها على الحالة المنصوصة غير جائز لبطلان القياس وهو واضح.
ثم ان الحديث المذكور لا يحضرني بهذا اللفظ في روايات أصحابنا بل الذي رواه الكليني عن ابى عبد اللهعليهالسلام قال كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله أكثر ما يجلس تجاه القبلة(٢) غير ان الشيخ مصدق في الرواية واحتمال كونها من روايات العامة بعيد لأنها منقولة كما يروى عن أئمتناعليهمالسلام والعامة لا يروون عنهم الا نادرا ورواه المحقق في الشرائع مرسلا والله اعلم.
__________________
(١) مفتاح الفلاح ص ١٣ ط ١٣١٧ ه. وقد أخرجه المؤلف عنه في الوسائل
(٢) الكافي ج ٢ ص ٦٦١
فائدة (٦٦)
قال شيخنا البهائي في مفتاح الفلاح أيضا في شرح دعاء التعقيب لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين(١) . اى عباداتنا منحصرة فيه سبحانه حال كوننا غير خالطين مع عبادته عبادة غيره، والمراد انا لا نعبد غيره لا على الانفراد ولا علي الاشتراك « انتهى ».
فقد جعل مخلصين حالا من فاعل نعبد ومعلوم ان الحال قيد لعاملها فيختل المعنى ويفسد ولا يستقيم الحصر إذ المقصود حصر العبادة فيه سبحانه مطلقا لا في حال خاصة لأنه يستلزم تجويز الشرك في غيرها من الحالات ولو على وجه الاحتمال ولا يجوز للداعي قصده وإرادته ولا هو مقصود من الكلام بل هو ضد المقصود فتعين تقدير عامل فيقدر لا نعبد إلا إياه بل نعبد مخلصين فينتفى المفسدة ويستقيم الكلام.
فان قلت: قوله لا نعبد إلا إياه يشتمل على جملتين منفية ومثبتة والمفسدة مخصوصة بكون الحال قيد للمنفية فينبغي كونه قيد المثبتة.
قلت: عامل الحال على ما ذكره شيخنا البهائي ره من الجملة المنفية فيتوجه النفي إلى القيد كما تقرر عندهم ولا أقل من الاحتمال فتلزم المفسدة وليس في الكلام عامل للمثبتة فان قدرتموه فقد رجعتم الى ما قلناه وهو الصواب الذي لا بد منه ولا
__________________
(١) مفتاح الفلاح ص ٥١
معدل عنه ولا يمكن حمل كلام الشيخ عليه إذ هو ظاهر بل صريح في خلافه.
وما قلناه نظير ما قاله بعض المحققين من النحويين في قوله تعالى:( إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ) (١) من ان الظرف لا يجوز تعلقه بقادر ولا يرجعه لفساد المعنى لاستلزامه تخصيص القدرة على البعث بذلك اليوم وهو باطل قطعا لعموم القدرة الإلهية فلا بد من تقدير عامل للظرف فيقال انه على رجعه لقادر يرجعه يوم تبلى السرائر فيستقيم المعنى وتنتفي المفسدة وهو جيد.
ولا يخفى أن المفسدة فيما قاله شيخنا البهائي أعظم مما ذكروه بوجود الحصر في الدعاء دون الآية فتعين ما قلناه وقريب منه في فساد المعنى بسبب بناء الاعراب على ظاهر اللفظ ما ذكروه في قوله تعالى:( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ) (٢) من ان يوما لا يجوز كونه مفعولا فيه متعلقا بيخافون لفساد المعنى وانقلاب المدح ذما فان المذكورين الممدوحين لا يخافون في ذلك اليوم وهو يوم القيمة وانما يخافون في الدنيا وخوفهم فيها سبب للأمن في الآخرة بل يتعين كون يوما مفعولا به وعامله يخافون لتنتفي المفسدة ويستقيم المعنى ويبقى المدح بحاله، وهو حسن وأمثال هذا كثير مما لو بنى المعرب فيه على ظاهر اللفظ من غير تأمل للمعنى لحصل الخلل وفسد المعنى وقد جمع فيه صاحب المغني أمثلة كثيرة فليرجع إليها.
__________________
(١) الطارق - ٨ - ٩
(٢) الدهر - ٧
فائدة (٦٧)
روى الكليني بإسناده عن سليمان بن خالد قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام إياك ان تفرض على نفسك فريضة فتفارقها اثنى عشر هلالا(١) .
أقول: تستفاد من غيره من أحاديث ذلك الباب ان المراد منه الأمر بالمداومة على العبادة مدة سنة فصاعدا لا النهى عن مفارقتها والرخصة في مفارقتها في أقل من سنة.
وتوجيه استفادة المعنى الأول من الحديث أن نقول: لفظ إياك يدل على طلب الترك ولفظ تفارقها على الترك فهو بمنزلة نفى النفي وهو إثبات فصار القيد الذي هو الظرف مثبتا.
وحاصله إذا فرضت على نفسك فريضة ينبغي ان تداوم عليها سنة والقرائن والتصريحات على ارادة هذا المعنى كثيرة وان نوقش فيه ببقاء الاحتمال فالاحتمال الضعيف لا يضر بقائه مع القرائن التي تدفعه ولك ان تقدر للظرف عاملا بعد تمام الجملة التي قبله فنقول بل تداوم عليها اثنى عشر هلالا فيصير نظيرا لما تقدم والله أعلم.
__________________
(١) الكافي ج ٢ ص ٨٣ ح ٢
فائدة (٦٨)
روى العياشي في تفسيره عن المفضل بن محمد الجعفي قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول اللهعزوجل ( حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ ) قال: الحبة فاطمة (ع) والسبع السنابل سبعة من ولدها سابعهم قائمهم قلت الحسن قال ان الحسن امام من الله مفترض طاعته ولكن ليس من السنابل السبعة أو لهم الحسين وسابعهم القائم(١) فقلت: قوله( فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ) فقال: يولد للرجل منهم في الكوفة مائة من صلبه وليس ذاك إلا لهؤلاء السبعة(٢) .
أقول: في هذا الحديث إشكالات.
منها: ان هذا المعنى بعيد من ظاهر الآية جدا وكيف يجوز من الحكيم ارادة خلاف الظاهر بغير قرينة ويلزم منه تأخير البيان عن وقت الخطاب بل عن وقت الحاجة.
ومنها: ان الموجود من أولاد فاطمة (ع) من الأئمة عشرة بل أحد عشر مع الحسن فما وجه الاخبار عنهم بالسبعة.
ومنها: ان إخراج الحسنعليهالسلام منهم لا يظهر له وجه مع كثرة أولاده وكونه أفضل من الحسين (ع) كما روى في عدة أحاديث وكما دل عليه تقدمه عليه وكونه أماما له.
والجواب عن الأول انه لا مانع من ارادة الظاهر وغيره بل ورد في عدة أحاديث ان القرآن له ظاهر وباطن وأكثر الآيات لها معان متعددة وبعضها لها سبعون
__________________
(١) وآخرهم القائم خ م
(٢) العياشي ص ١٤٧ ج ١
معنى يعلمه الراسخون في العلم وهم المخاطبون به قد عرّفهم الله تفسيره وتأويله والنصوص بذلك متواترة فلا ينافي الحكمة ولا يترتب عليه المفسدة واستحالة تأخير البيان ممنوعة وسند المنع له محل آخر.
وعن الثاني: بوجوه أحدهما: ان مفهوم العدد ليس بحجة اتفاقا من علمائنا ومن كان عنده عشرة دراهم جاز ان يقول عندي سبعة دراهم وليس في الحديث حصر ليلزم الكذب ولعل الحكمة اقتضت الاخبار بهذا القدر وان لم يظهر لنا وجه الحكمة.
وثانيها: ان يكون السبعة هم الذين اعقبوا وولد لهم أولاد كثيرة فيخرج منهم الرضا (ع) إذ لم يولد له غير الجواد (ع) ويخرج الجواد إذ لم يولد له من الذكور غير الهادي (ع) ويخرج العسكري (ع) إذ لم يولد له غير المهدى (ع) ذكر ذلك المفيد ره في إرشاده أن أولاد أمير المؤمنين (ع) سبعة وعشرون ولدا، وان أولاد الحسن خمسة عشر ولد أو ان أولاد الحسين عليه ستة، وأن أولاد على بن الحسين (ع) خمسة عشر، وان أولاد الباقر (ع) سبعة وان أولاد الصادق (ع) عشرة وان أولاد الكاظم (ع) سبعة وثلاثون وان ولد الرضا (ع) واحد وهو الجواد (ع) وان ولد الجواد (ع) أربعة ذكر واحد وثلث بنات وان ولد الهادي (ع) خمسة وان ولد العسكري (ع) واحد وهو صاحب الأمر (ع) ولا غير.
وإذا كان ثلاثة منهم لا ولد له الا واحد فأولاده أولاده وحصل التداخل فرجعت العشرة إلى سبعة لأن الأولاد معتبرة هنا لقوله( فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ) .
وثالثها: ان يكون المراد سبعة من العشرة أولهم الحسين وآخرهم القائم كما صرح به في الخبر والخمسة الأخر مبهمة في جملة ثمانية لعدم اقتضاء الحكمة تعيينهم كما أخفيت أشياء كثيرة للمصلحة وتكون السبعة هم الذين يولد لكل واحد منهم مائة ولد من صلبه بالكوفة يعني في الرجعة كما صرح به في غيره لقوله( أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ) وإذا كانت أنبتت عشرا منها سبعة يولد
لكل واحد منهم مائة ولد.
وأراد المتكلم الاخبار عن السبعة دون الثلاثة لكثرة أولاد السبعة وقلة أولاد الثلاثة لم يكن ذلك منافيا للحكمة ولا مخالفا لمقتضى الحال والمقام ولا موجب لحصر الأولاد مطلقا في سبعة بل لحصر الأولاد الذين يولد لكل واحد منهم مائة ولد في سبعة فلا اشكال بعد ملاحظة القيد.
وعن الثالث: خفاء الحكمة لا يقتضي نفيها ولعل الحسن (ع) لا يولد له مائة من صلبه في الكوفة والغرض الاخبار عن أصحاب هذا العدد كما هو صريح الآية والرواية ولا ينافي ذلك الأفضلية من جهة أخرى ولا التقدم في الإمامة وهو واضح.
فائدة (٦٩)
قد ورد في عدة أحاديث ان سورة التوحيد تعدل ثلث القرآن وان سورة الجحد تعدل ربعه وان من قرء التوحيد مرة كان كمن قرء ثلث القرآن ومن قرأها مرتين كان كمن قرأ ثلثي القرآن ومن قرأها ثلثا كان كمن ختم القرآن(١) .
وفيه اشكال من وجوه.
أحدها: ان تلاوة القرآن عبادة واحدة فكيف تتفاضل اجزاؤها الى هذه الغاية فإن سورة التوحيد جزء وجزء ونصف من أربعة آلاف جزء ومن ثلث القرآن وتلاوتها ثلث مرات: تقارب ثلاثة اجزاء من اثنى عشر الف جزء من القرآن وسورة الجحد تقارب ذلك وهو بعيد جدا قليل النظير في العبادات أو عديم النظير.
وثانيها: ان ذلك يستلزم تساوى الكل والجزء فان كل واحدة من الصورتين جزء من الثلث والربع فلا يبقى فرق بين من قرأ مجموع الثلث المشتمل على التوحيد وبين من قرء التوحيد وحدها وكذا الجحد فيكون قراءة الباقي خاليا عن الثواب ومن البديهيات القطعيات ان الكل أعظم من الجزء.
وثالثها: انه يلزم ان يبرأ من نذر ختم القرآن بقراءة التوحيد ثلثا ومن نذر تلاوة الثلث بتلاوتها مرة وهو معلوم البطلان.
ورابعها: انها معارض بالحديث المشهور أفضل الأعمال أحمزها.
__________________
(١) تفسير البرهان ج ٤ ص ٥٢١ - ٥٢٢
والجواب عن الأول: ان الاستبعاد ليس بدليل شرعي مع إمكان المنع من كونها عبادة واحدة بل تلاوة كل سورة بل كل آية عبادة سلمنا لكن العبادة الواحدة لا يمتنع اشتمالها على أنواع وأصناف وإفراد تتفاوت في الثواب بل كل عبادة كذلك ونظائره كثيرة جدا.
وعن الثاني: من وجوه أحدها: انه مبني على التساوي وتلك الأحاديث لا تدل عليه بل على التشبيه ووجه الشبه لا عموم فيه والمشبه به أقوى من المشبه وعلى تقدير دلالة بعضها على التساوي فإنه لا عموم فيه أيضا والا لزم الاتحاد فتعين كون المساواة من بعض الجهات.
وثانيها: انه على تقدير كون الأحاديث صريحة في العموم يتعين تخصيصها بما ذكر في السؤال وقد اشتهر عن ابن عباس انه قال: ما من عام الا وقد خص ونقول هذا العام الذي ذكره ابن عباس أيضا مخصوص فان قوله تعالى:( أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ونحوه من العمومات ليس له مخصص.
وثالثها: ان نقول ما دل بظاهره على المساواة محمول على التشبيه كما يقال زيد أسد فالمراد ان ثواب قراءة التوحيد تقارب ثواب قراءة ثلث القرآن جدا حتى كأنه بقدره من غير نقصان.
ورابعها: ان يكون المراد ان قراءة التوحيد ثوابها بقدر ثواب ثلث القرآن وان اشتمل على التوحيد لكن بغير تضعيف الواحد بعشرة كما قال تعالى( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ) فإن كل واحد من تلك العشرة مع قطع النظر عن التضعيف مجموع ثواب تلك الحسنة.
والحاصل ان ثواب التوحيد وحدها جزء من تلك العشرة وذلك الجزء في الحقيقة هو ثواب ثلث القرآن والتسعة اجزاء تفضل محض غير مستحق فلا حاجة الى التخصيص أصلا وكذا القول في الثلثين وفي الجميع.
وخامسها: ان يكون المراد ثواب قراءته بقدر ثواب ثلث من القرآن غير
مشتمل على التوحيد اى غير ثلث الذي هي فيه أو الثلث الذي فيه مع فرض تجرده عن التوحيد وثوابها كما روى في ان ليلة القدر خير من الف شهر ليس فيها ليلة القدر وصلاة فريضة خير من عشرين حجة ليس فيها صلاة والقرينة هنا ظاهرة وهي ما ذكر في السؤال وانه مخصص بقرينة قطعية.
وعن الثالث: بأنه مبني على الاتحاد والتساوي من جميع الجهات وهما باطلان بل هو السورة ثلث مجازي لا حقيقي والثلاثة حتم مجازي أيضا والنذر ينصرف إلى الحقائق لا المجازات اللهم الا ان يقصد الناذر غير ذلك النص.
وعن الرابع: ان هذا الخبر وان كان مشهورا بين المتأخرين لكنه غير مذكور في شيء من كتب أحاديث أصحابنا فيما يحضرني فالظاهر انه من روايات العامة ولو ثبت فلا بد من تخصيصه بكثير من الصور تخرج من عمومها بالدليل فليكن هذا منها وقد وجه شيخنا البهائي (ره) بان المراد كل عمل يقع على أنحاء شتى فأفضل ذلك أحمزها كالوضوء في الصيف والشتاء والصدقة في الرخص والغلاء ونحو ذلك فيزول الاشكال والله أعلم بحقائق الأحوال.
فائدة (٧٠)
قال الشهيد في قواعده: لو صلى ما عدا العشاء بطهارة ثم أحدث وصلى العشاء بطهارة ثم ذكر فساد احدى الطهارتين احتمل وجوب الخمس بعد الطهارة ليحصل اليقين واحتمل وجوب صبح ورباعية يطلق فيها بين الظهر والعصر ثم مغرب ثم رباعية يطلق فيها بين العصر والعشاء ويردد بين الأداء والقضاء في هذه الرباعية مع بقاء وقت العشاء ومع خروجه ينوي القضاء « انتهى »(١) .
أقول: في هذه العبارة إشكال من حيث تقديم المغرب على أحد الرباعيتين فلا يتم الترتيب على تقدير كون الفائت الأربعة ولا وجه لترديد الرباعيتين معا بل ينبغي ترديد الثانية بين العصر والعشاء وتأخير المغرب عنها ليتم الأمر على التقديرين.
والجواب: ان ما ذكر دال على عدم إمكان حمل العبارة على ظاهرها وقرينة على ارادة خلاف الظاهر منها فلعل مراده انه صلى ما عدا العشاء بطهارة ولم يتيقن الأربع بل جوز كونه ثلثا واثنتين وواحدة وح يتم ما ذكره إذ لا يجب عليه الإتيان بأربع لكون الفائت أربعا إذ لا يتيقنه بل لكون الفائت يحصل في ضمن الأربع لأن المتيقن فوته ح واحدة واحتمالاتها اربع فيظهر وجه ما ذكره ويسقط الترتيب على بعض الاحتمالات لعدم تيقن وجوب الأربع وعلى تقدير الواحدة والثنتين والثلث يحصل العدد والترتيب وعلى تقدير الأربع لعله لا تعتقد وجوب الترتيب لعدم تيقن الأربع وانما المقصد الأصلي تحصيل الواحد على الاحتمالات الأربع واحتمال السهو في العبارة قائم من المصنف والناسخ الأول ويكون أصلها ثم مغرب بعد رباعيته فتأمل.
__________________
(١) قاعدة ٢٩ ص ٥٩ ط قم
فائدة (٧١)
قال الشيخ بهاء الدين في شرح الأربعين وغيره مراتب معرفة الله متفاوتة قال المحقق الطوسي في بعض مصنفاته: ان مراتبها مثل مراتب معرفة النار مثلا فإن أدناها من سمع ان في الوجود شيئا يعدم كل شيء يلاقيه ويظهر أثره في كل شيء يحاذيه وأي شيء أخذ منه لم ينقص منه شيء ويسمى ذلك الموجود نارا ونظير هذه المرتبة في معرفة الله تعالى معرفة المقلدين الذين صدقوا بالدين من غير وقوف على الحجة
وأعلى منها مرتبة من وصل اليه دخان النار وعلم انه لا بد له من مؤثر فحكم بذات لها اثر هو الدخان ونظير هذه المرتبة في معرفة الله تعالى معرفة أهل النظر والاستدلال الذين حكموا بالبراهين القاطعة على وجود الصانع وأعلى منها مرتبة من أحس بحرارة النار بسبب مجاورتها وشاهد الموجودات بنورها وانتفع بذلك الأثر.
ونظير هذه المرتبة في معرفة الله معرفة المؤمنين الخلص الذين اطمأنت قلوبهم بالله وتيقنوا ان الله نور السموات والأرض كما وصف به نفسه وأعلى منها مرتبة من احترق بالنار بكليته ولا تلاشى فيها بجملته، ونظير هذه المرتبة في معرفة الله تعالى معرفة أهل الشهود والفناء في الله وهي الدرجة العليا والمرتبة القصوى « انتهى »(١) .
__________________
(١) شرح الأربعين الحديث الثاني.
أقول: لا يليق من أمثالنا معارضة هذين الفاضلين المدققين ومناقشتهما في شيء ولكن عذرنا في ذلك يظهر من وجوه.
الأول: أنهما وسائر المحققين لا يجوزون التقليد في مثل ذلك بل يوجبون الرجوع الى الأدلة، وذم التقليد في الكتاب والسنة كثير جدا.
الثاني: انه غير معلوم منهما اعتقاد ظاهر هذا الكلام بل الظاهر انهما ناقلان عن غيرهما أما الشيخ بهاء الدين فظاهر، وأما المحقق الطوسي فإن كلامه في مواضع من مؤلفاته يخالف ظاهر هذا الكلام فظهر انه غير معتقد لما يفهم من ظاهر ألفاظه وانه ناقل له عن غيره أو يريد المبالغة واستعمال هذه الألفاظ في المجاز دون الحقيقة ويأتي له مزيد بيان.
الثالث: انه يجب نصيحة المؤمنين وبيان الحق ودفع الشبهات عن الدين وهذا الكلام بعيد من اعتقاد الإمامية مخالف لما يفهم من تصريحات الأئمةعليهمالسلام بل هو مما اختص اعتقاده بعض الصوفية من العامة وجميع ما اختصوا به مشتمل على إفراط وتفريط أو عليهما وهذا التقسيم مشتمل عليهما كما يأتي فوجب علينا تنبيه الغافل من ذلك. إذا تقرر ذلك فنقول: اما الصورتان المتوسطتان فموجودتان بغير شك وأما الاولى والأخيرة فلا وجود لهما ومدعى وجودهما يحتاج الى الدليل وما ذكر من التمثيل والقياس لا يفيد شيئا لما يأتي والبحث هنا في مقامين.
الأول: استحالة الاولى من المراتب الأربع وبيانها ان كل بالغ عاقل قد ظهر له من آثار قدرة الله ما يدل على وجود مؤثر والذي ظهر من تلك الآثار العظيمة الكثيرة أوضح من الدخان الذي يدل على وجود النار أو ليس كل عاقل عالما بوجود نفسه جازما بأنه لم يخلق نفسه ولا خلق العالم وبان له خالقا موحدا وهذا أوضح الضروريات.
وقد صرح جماعة من المحققين ان كل عاقل قابل بإثبات خالق مؤثر في العالم وانما الخلاف بين العقلاء في المعرفة التفصيلية اعنى الصفات واما الإجمالية
فلا خلاف فيها كيف وقد تضمن القرآن اعتراف الكفار حيث قال( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ) وقال( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ) وقال حاكيا عن عباد الأصنام( ما نَعْبُدُهُمْ إِلّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى ) الى غير ذلك من الآيات والروايات.
بل صرح كثير من المحققين بان تلك المعرفة الإجمالية بديهية موهبة غير محتاجة إلى كسب ونظر، بل هي حاصلة في أول وقت التمييز قبل وقت البلوغ بمدة طويلة وبعضهم ذهب الى أنها كسبية لكن إكمال ظهورها وكثرة أدلتها ووفور آثار القدرة الإلهية يظن أنها بديهية وهي تحصل في أول أوقات التمييز غالبا وبعد البلوغ بغير فصل بل قبله بيسير قطعا.
وانما يتصور وجود المقلد في تلك التفاصيل والصفات التي اختلف فيها العقلاء وليس بينهم خلاف في موجود مؤثر في الجملة وظهور اثر هذا المؤثر الذي هو أقوى من دخان النار لكل أحد بديهي ولا يمكن حمل التقسيم على معرفة الصفات بل هو في معرفة وجود الذات قطعا كما يظهر من اوله وآخره ومن التمثيل بالنار فإنه دال على ان المراد ما قلناه وشواهد الكتاب والسنة على ما ذكرناه كثير جدا صريحة فيما قلناه وفي ان المعرفة الإجمالية ليست بكسبية.
وللسيد رضي الدين على ابن طاوس (ره) هنا كلام جيد لا بأس بنقله قال في كتاب كشف المحجة لثمرة المهجة في وصيته لولده: لأجل شهادة العقول الصريحة بالتصديق بالصانع أطبقوا جميعا على فاطر وخالق وانما اختلفوا في ماهيته وحقيقة ذاته وفي صفاته الى ان قال في الاستدلال: انك تجد ابن آدم إذا كان له نحو من سبع سنين لو كان جالسا مع جماعة فالتفت الى ورائه فجعل أحدهم بين يديه مأكولا أو غيره فإنه إذا رآه سبق الى تصويره ان ذلك المأكول وغيره ما حضر بذاته وانما أحضره غيره ويعلم ذلك على غاية عظيمة من التحقيق.
ثم إذا التفت مرة أخرى إلى ورائه فأخذ بعض الحاضرين ذلك من بين
يديه فاذا التفت اليه ولم يره فلا يشك أنه أخذه أحد سواه ولو حلف له كل من حضره فإنه حضر ذلك الطعام بذاته وذهب بذاته كذب الحالف ورد عليه الى ان قال وهو يجد في القرآن الشريف( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها ) ويقول الله جل جلاله( قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ ) .
ثم استدل بحكم الشرع بارتداد من بلغ ولم يقر بالشهادتين والحكم بكفره وقتله واستباحة دمه فلو كانت المعرفة نظرية لامهلوه مدة طويلة من السنين ليعرف الاستدلال ويتعلم الكلام واستدل بأدلة متعددة الى ان قال:
ومما يدل على ذلك انك تجد الفارقين لا يعرفون وقت معرفتهم به جل جلاله ولا يوم ذلك ولا ليلته ولا شهره ولا سنته ولو كان بمجرد كسبهم ونظرهم قد عرفوه لكان وقت ذلك أو ما قاربه قد فهموه لأنك تجد العقل شاهدا ان من عرف سلطانا عظيما بعد ان كان جاهلا بمعرفته فإنه يعرف وقت المعرفة بذلك السلطان أو ما يقارب ذلك الزمان انتهى(١) .
وقد صرح بمثل ذلك جماعة من المحققين والنصوص المتواترة دالة على ما ذكرناه ولو لا خوف الإطالة لذكرنا بعضها وقد ذكرنا جملة منها في كتاب النصوص والمعجزات.
الثاني: استحالة المرتبة الرابعة من مراتب معرفة الله المذكورة وهو أوضح من استحالة الأولى لما قد تقرر ان معرفة كنه ذاته تعالى محال وكذا معرفة كنه صفاته حيث انها عين ذاته وقد صرح الفاضلان وغيرهما بذلك ونقلوا عن اعرف العارفين وأشرف الأولين والآخرين انه قال: سبحانك ما عرفناك حق معرفتك. ولو وجدت هذه المرتبة الرابعة لكانت حق المعرفة وهي ممتنعة وما هنا من التمثيل والتشبيه قياس ضعيف مع الفارق فإن أرادوا بهذه
__________________
(١) كشف المحجة ص ١٠ - ١١ في الفصل السابع عشر ط النجف
الألفاظ في المشبه به الحقيقة وفي المشبه المجاز فسد التشبيه ورجعت المرتبة الرابعة إلى الثالثة.
وان أرادوا حقيقة الاحتراق ونحوه من هذه الألفاظ في المقامين كما هو مقتضى التشبيه فلا معنى له بل الضرورة قاضية ببطلانه واستحالة كون العارف بالله موجودا معدوما متلاشيا متماسكا باقيا محترقا ظاهرة وتتبع طريقة الأنبياء والأئمةعليهمالسلام دال على استحالته وامتناعه وعدم وصولهم الى ذلك حقيقة وعدم دعواهم ذلك بل عدم خروجهم عن لوازم البشرية من الأمور الواضحة.
ولا يخفى على منصف ان هذه المرتبة إذا جعلنا هذه الألفاظ مستعملة في معانيها الحقيقية الموضوعة لها أمر لا يمكن تصوره وإذا لم يمكن تصوره كيف يمكن التصديق به أليس ذلك تكليفا بالمحال أو ليس التكليف بالتصديق قبل التصور مع إمكانه فضلا عن استحالته تكليفا بما لا يطاق، ودعوى ان فهم ذلك وتصوره والتصديق به مخصوص بزيد دون عمرو يحتاج الى دليل والعقل والنقل دالان على اشتراك المكلفين في التكاليف خصوصا الاعتقادات الا ما دل دليل واضح على استثنائه وكيف عجز الفضلاء المدققون والعلماء المحققون الذين فهموا جميع مطالب الأصول والفروع والتكاليف الشرعية والمطالب العقلية عن فهم المعنى المذكور على وجه الحقيقة وكيف أجمعوا على استحالته.
بل نقلوا في امتناعه أخبارا كثيرة متواترة عن النبيصلىاللهعليهوآله والأئمة (ع) صريحة في ان الله لا يعرف كنه ذاته ولا كنه صفاته ولا يوصف الا بما وصف نفسه وان غاية ما تصل اليه العقول وينتهى اليه الأوهام الاستدلال بآثار قدرته على وجوده وكماله وعدم مشابهته لمخلوقاته الى غير ذلك مما هو أوضح دلالة مما ذكرنا.
وليت شعري أي عارف من الأنبياء أو غيرهم احترق بنار المعرفة حتى لم يبق منه أثر وكان مع ذلك موجودا مكلفا بل ذاك محال لا وجود له وهذا ظاهر
جلي قطعي يدل عليه العقل والنقل والله الهادي.
والذي يظهر ان المراد هذه الألفاظ المبالغة في زيادة العلم بالأدلة، والتفاصيل والصفات وانهم لم يريدوا بها الحقيقة وانها قسم من المرتبة الثالثة والله اعلم.
ولا يخفى عليك ان هذه الألفاظ ان كانت حقيقة لزم من وجود هذه المرتبة عدمها ولزم كون صاحبها معدوم الوجود أو معدوما حال بلوغها أو معدوما موجودا في حالة واحدة وبطلان اللوازم بديهي والأدلة القطعية تدل على ذلك والقائل بوجود هذه المرتبة على وجه الحقيقة أو ما قاربها انما أراد فتح باب القول بالحلول والاتحاد وذلك اعتقاد باطل بإجماع جميع الإمامية وبالأدلة القطعية العقيلة والنقلية كما صرح به العلامة وغيره من علمائنا المحققين ونسبوه إلى الصوفية وأبطلوه في كتب الكلام وغيرها ورأينا الأئمة (ع) في أحاديثهم المتواترة يصرحون بإنكاره وفساده وكفر معتقده.
ودعوى بعضهم الان ان هذا المعنى دقيق لا يفهمه أحد غير أهل الباطل غير مقبولة لأن العلامة وأمثاله الذين هم اعلم علماء الأمة يستحيل ان لا يفهموا ذلك ويفهمه هؤلاء الجهال القائلون به ويكون مع ذلك امرا مطلوبا من جميع المكلفين مع عدم قدرتهم على فهمه وعجزهم عن تصوره فضلا عن التصديق به ومن المعلوم انه لا يخلو من أن يكون هذه الألفاظ المستعملة في هذا المقام اعنى مقام الحلول والاتحاد حقيقة أو مجازا والأول كفر، والثاني خال عن الفائدة بل إغراء بالجهل والضلال والإضلال وهو غير جائز شرعا ولا عقلا والله أعلم.
فائدة (٧٢)
واعلم ان الشهيد الثاني ذكر في شرح الشرائع(١) وغيره ان على بن الحكم مشترك بين ثقة وغيره وكثيرا ما يضعف الأحاديث بذلك والذي حققه ولده الشيخ حسن في المنتقى(٢) وجماعة من المتأخرين انه واحد ثقة وان سبب توهم الاشتراك ذكره في عدة مواضع من كتب الرجال موصوفا بأوصاف متعددة مختلفة لا يمتنع اجتماعهما، وقد وثقوه في بعض تلك المواضع دون بعض.
ففي باب رجال الجوادعليهالسلام من كتاب الشيخ، على بن الحكم ولم يزد على ذلك شيئا وفي باب أصحاب الرضاعليهالسلام على بن الحكم بن الزبير مولى النخع كوفي.
وفي الخلاصة ذكره مرتضى فقال على بن الحكم من أهل الأنبار ثم ذكر رواية عن الكشي تتضمن مدحا ثم قال على بن الحكم أبو الحسن كوفي ثقة جليل القدر وكذا قال الشيخ في الفهرست وزاد له كتاب يرويه محمد بن السندي وأحمد ابن محمد عنه.
وقال النجاشي على بن الحكم ابن الزبير النخعي أبو الحسن الضرير له كتاب يرويه محمد بن إسماعيل وأحمد بن ابى عبد الله « انتهى ».
__________________
(١) المشهور بمسالك الافهام راجع كتاب النكاح ص ٣٤٦ ج ١ ط الحجري
(٢) راجع الفائدة السابعة ص ٣٤
ولا يخفى أن الرتبة واحدة ورواة الكتاب في طبقة واحدة بل يحتمل الاتحاد لأن السندي لقب إسماعيل وأحمد بن محمد يحتمل كونه ابن ابى عبد الله والأوصاف يمكن اجتماعها والنجاشي لم يوثقه ولم يذكر الا واحدا وكذا الشيخ في الفهرست الا انه وثقه وذكر ان له كتابا فظهر انه الذي ذكره النجاشي، والشيخ ذكره في كتاب الرجال مرتين من غير توثيق كما هي عادته وذكره في الأسانيد كثيرا بغير قيد أصلا مع كثرة رواياته تدل على اتحاده الا ان مثل أحمد بن محمد ومحمد بن إسماعيل وغيرهما من الأسماء المشتركة يرد له في الأسانيد قيود توضيحية بخلاف على بن الحكم بن زبير الأنباري وهذا ظاهر بالتتبع.
ومما يؤيد ما قلناه بل هو نص فيه ان النجاشي ذكر في ترجمة أبي شعيب المحاملي أنه مولى على بن الحكم بن الزبيري الأنباري وقريب منه تصريح الكشي في على بن الحكم الأنباري وغير ذلك وما يؤيد ذلك ان الشيخ في الفهرست لم يذكر الا واحدا وكذا النجاشي وكذا الكشي وانما ذكره الشيخ في كتاب الرجال مرتين لروايته عن إمامين وذكره العلامة مرتين لظن التعدد ومن ثم حكم به شهيد الثاني وزاد عليه ولكن مثل هذا اتفق في كثير من الرواة الذين لا يمكن الحكم فيهم بالتعدد والله أعلم.
فائدة (٧٣)
قد تكرر الطعن في روايات ابى بصير في بعض كتب المتأخرين باشتراكه بين الثقة والضعيف وهو على إطلاقه غير مستقيم فإن القرائن على تعيينه غالبا موجودة.
وبيان ذلك ان المكنى بأبى بصير من رواة حديثنا أربعة، لا غير، أبو بصير ليث بن البختري المرادي، وأبو بصير عبد الله بن محمد الأسدي، وأبو بصير يحيى بن القسم أو ابن ابى القسم، وأبو بصير يوسف بن الحارث.
والأول: ثقة أجمعوا على تصديقه والإقرار له بالفقه.
وروى عن الباقر والصادق والكاظمعليهمالسلام ، يروى عنه عبد الله بن مسكان وعاصم بن حميد وأبو أيوب وأبو جميلة المفضل بن صالح وهشام بن سالم وغيرهم.
والثاني: ممدوح حيث أجمعوا على تصديقه والإقرار له بالفقه بل هذا الإجماع دال على التوثيق أيضا بل أقوى منه إذ لم يجمعوا على تصديق كل الثقات ولم يقروا لهم بالفقه وأقل ما يستفاد من ذلك مدحه بل روى الكشي ما يدل على توثيقه منهمعليهمالسلام والأمر بالرجوع اليه وقد روى عن الباقر والصادقعليهماالسلام روى عنه عبد الله وضاح وغيره.
والثالث: ثقة وجيه روى عن الباقر والصادق والكاظم (ع) وذكر الشيخ
انه واقفي وفيه نظر لأنهم ذكروا انه مات في حياة الكاظمعليهالسلام فكيف يكون واقفيا، والنجاشي وثقه وأثنى عليه ولم يذكر الوقف وقول النجاشي أوثق واثبت من قول علماء الرجال روى عنه على بن أبي حمزة وشعيب العقرقوفي وغيرهما ولعل سبب ظن الوقف رواية على بن أبي حمزة عنه عن ابى عبد الله (ع) ما تشعر بالوقف وتوهم الواقفية انه دليل لهم وله وجه آخر كما ذكره الشيخ في كتاب الغيبة وكما تدل تلك الرواية على صحة الوقف لا تدل على كون ابى بصير واقفيا فالظاهر ان الحكم بكونه واقفيا صدر عن اشتباه.
والرابع: بتري لم يوثقوه وذكره الشيخ في أصحاب الباقر (ع) هو أيضا اشتباه منه على ما يظهر الى من تتبع الأسانيد وكتب الحديث والرجال وذلك انهم استثنوا من رجال نوادر الحكمة(١) لمحمد بن أحمد بن يحيى.
وقد روى الشيخ في التهذيب وغيره من علمائنا روايات كثيرة جدا عن محمد بن أحمد بن يحيى عن ابى بصير يوسف بن الحارث وهو يروى فيها عن أصحاب الرضاعليهالسلام وهذا ينافي كونه من أصحاب الباقرعليهالسلام والذي يظهر ان الشيخ وجد له روايات عن ابى جعفر (ع) فظن ان المراد به الباقر (ع) كما هو المتبادر منه عند الإطلاق ومعرفة الطبقات تدل على ان المراد به الجواد (ع) ولعل الاشتباه وقع لعلماء الرجال المتقدمين على الشيخ كابن عقدة وابن بابويه وأيوب بن نوح والبرقي وغيرهم ومن أكثر الممارسة لأسانيد الأحاديث لا يشك فيما قلناه.
وإذا عرفت هذا ظهر لك ان الرابع بعيد عن الاشتباه بغيره لبعد طبقة مشاركيه في الكنية عن طبقته والثالث والثلاثة ليس فيهم ضعف أصلا بل الأول ثقة صحيح المذهب والثاني صحيح المذهب أيضا وهو اما ممدوح أو ثقة والثالث ثقة اما واقفي أو صحيح المذهب كما مر فلا يحسن تضعيف الرواية بذلك على انه كثير ما يتعين أحدهم باعتبار من يروى عنه ممن ذكرنا أو غير ذلك من القرائن الواضحة
__________________
(١) الذي عده الصدوق ره في ديباجة من لا يحضره الفقيه من الكتب المشهورة التي عليها المعول وإليها المرجع، كما هو مذكور مع تفصيل حال صاحبه في الرجال فليراجع.
وعلى تقدير الاشتباه فهو منحصر في الثلاثة وكلهم معتمدون لعدم ثبوت ضعف أحد منهم والفرق بينهم قليل.
والواقفي إذا كان ثقة لا يحسن إطلاق القول بأنه ضعيف فان المعتبر في باب النقل كون الراوي ثقة يؤمن منه الكذب عادة وان كان فاسد الاعتقاد وفاسقا بجوارحه كما نص عليه الشيخ وغيره ودلت عليه النصوص المتواترة.
وقد روى الشيخ وغيره انهم (ع) سئلوا عن كتب بنى فضال فقال: خذوا ما رووا وذروا ما رأوا(١) ومثله كثير وهنا بحث آخر وضيق عنه المقام والله اعلم
__________________
(١) كتاب الغيبة ص ٢٤٠
فائدة (٧٤)
قد تواترت الأحاديث بل تجاوزت حد التواتر المعنوي بمراتب في وجوب العمل بأحاديث الكتب المعتمدة مطلقا وفي وجوب العمل بروايات الثقات وفي الترجيح بالمرجحات المنصوصة عند التعارض لا بغيرها.
فان قلت: الأحاديث المشار إليها من جملة أحاديث الكتب المعتمدة ومن جملة روايات الثقات فالاستدلال دوري.
قلت: هذه الأحاديث موصوفة بصفات منها: كونها: موجودة في الكتب المعتمدة ومنها: كونها من روايات الثقات ومنها: كونها متواترة ومنها كونها محفوفة بالقرائن القطعية ومنها كونها مفيدة للعلم بقول المعصوم (ع) الى غير ذلك فيمكن الاستدلال بها باعتبار كل صفة من هذه الصفات على حجية الأقسام الباقية الموصوفة بباقي الصفات فاندفع الدور لاختلاف الحيثيات والاعتبارات وافادة الخبر المتواتر والخبر المحفوف بالقرائن للعلم من المقدمات العقلية العادية القطعية التي لا شك فيها والمنازع مكابر لأنه من الوجدانيات لا تقبل التشكيك إذا لم يكن هناك شبهة أو تقليد وأيضا فالاستدلال(١) بهذه الأحاديث مع أدلة أخرى مذكورة في محلها من أدلة الإمامة وغيرها بل نستدل بهذه الأحاديث على عدم جواز العمل بغيرها وأدلة الإمامة كافية في وجوب العمل بما يفيد العلم بأقوال الأئمةعليهمالسلام من
__________________
(١) فانا نستدل - خ ل
الأخبار المتواترة والمحفوفة بالقرائن على ان ذلك مسلم الثبوت لا نزاع فيه ولا يخالف فيه أحد من الأصوليين وانما الخلاف في حجية المدارك الظنية وأيضا فالاستدلال بأحاديث كل كتاب على حجية أحاديث غيره من الكتب لا على أحاديث ذلك الكتاب بعينه وبأحاديث كل ثقة على حجية أحاديث غيره من الثقات لا على حجية أحاديث ذلك الثقة بعينه كما انا نستدل بنص كل امام على امامة الإمام الذي بعده وبإعجاز كل نبي أو إمام على حجية صاحب الاعجاز بعينه مع ان الإعجاز من قوله أو من فعله وان كان بالقدرة التي أعطاه الله إياها.
فهذا الاستدلال بقول الامام على حجية قول الامام وبفعله على حجية فعله وبقول المعصوم على العصمة وبقول الإمام في الإمامة الى غير ذلك من وجوه الدور وما أجابوا به فهو جوابنا بل هو أقوى منه وهو ما قلناه سابقا بل نعارض المعترض بأنه يقول بحجية الدليل العقلي ويستدل به أيضا على حجية الدليل السمعي فما دليله على حجية الدليل العقلي فإن استدل عليه بدليل عقلي أو نقلي لزمه الدور وما أجاب به فهو جوابنا والله اعلم.
فائدة (٧٥)
في ذكر جملة من الآيات الشريفة القرآنية يمكن الاستدلال بها على جملة من مطالب الأصول الثابتة بالأحاديث المتواترة ليعلم تطابق دلالة الكتاب والسنة على تلك المسائل فكل منهما مؤيد للآخر.
فمن تلك الآيات قولهعزوجل في سورة البقرة حكاية عن الملائكة:
( قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ ) (١) .
وقوله فيها( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلّا يَظُنُّونَ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ ) (٢) .
وقوله فيها( قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٣) .
وقوله فيها( كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) (٤) .
وقوله فيها:( وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، إِنَّما يَأْمُرُكُمْ
__________________
(١) البقرة ٢٧
(٢) البقرة ٧٩
(٣) البقرة ٨٠
(٤) البقرة ١١٣
بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (١) .
وقوله فيها( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) (٢)
وقوله فيها( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (٣)
وقوله فيها( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ) (٤) .
وقوله في آل عمران( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (٥)
وقوله فيها( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) (٦)
وقوله فيها( ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (٧) .
وقوله في النساء( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (٨) .
وقوله فيها( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (٩) .
وقوله فيها( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ) الى قوله( وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ
__________________
(١) البقرة ١٦٨ - ١٦٩
(٢) البقرة ١٧٠ وفي المائدة: أو لو كان آبائهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ١٤٠
(٣) البقرة ١٨٩
(٤) البقرة ٢٢٩
(٥) آل عمران - ٧
(٦) آل عمران ١٢٨
(٧) آل عمران ٦٦
(٨) النساء ٥٩
(٩) النساء ٦٥
الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (١) .
وقوله فيها( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ ) (٢) .
وقوله فيها( لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ ) (٣) .
وقوله في المائدة( يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ) (٤)
وقوله فيها( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) (٥)
وقوله فيها( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) (٦)
وقوله فيها( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) (٧) :
وقوله في الأنعام( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) (٨) :
وقوله فيها( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلّا يَخْرُصُونَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (٩) .
وقوله فيها( وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ) (١٠)
وقوله فيها( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (١١)
وقوله فيها( وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ) (١٢) .
__________________
(١) النساء ٨٣ - ٨٢
(٢) النساء - ١٢٧
(٣) ١٠٥ النساء
(٤) المائدة - ٤
(٥) المائدة - ٤٤ - ٤٧
(٦) المائدة - ٤٤ - ٤٧
(٧) المائدة ١٤٠
(٨) الانعام: - ٣٨
(٩) الانعام ١١٦
(١٠) الانعام ١١٩
(١١) الانعام ١٤٤
(١٢) الانعام ١٢٠
وقوله فيها( ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ ) (١) .
وقوله فيها( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلّا تَخْرُصُونَ ) (٢) .
وقوله فيها( وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ) (٣) .
وقوله: في الأعراف( أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٤) .
وقوله فيها( قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٥) .
وقوله فيها( كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (٦) .
وقوله فيها( أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ) (٧) .
وقوله في سورة يونس( وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ) (٨) .
وقوله فيها:( بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ
__________________
(١) الأنعام ١٤٤
(٢) الانعام ١٤٨
(٣) الانعام ١٥١
(٤) الأعراف ٢٨
(٥) الأعراف ٣٣
(٦) الأعراف ٣٢
(٧) الأعراف ٧١
(٨) يونس ٣٦
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ ) (١) .
وقوله فيها( وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلّا يَخْرُصُونَ ) (٢) .
وقوله فيها( قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ ) (٣) .
وقوله في النحل( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (٤) .
وقوله في الأسرى( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ) (٥) .
وقوله تعالى في الكهف( ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلّا كَذِباً ) (٦) .
وقوله فيها( ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ) (٧) .
وقوله فيها( فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً ) (٨) .
وقوله في الأنبياء( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (٩) .
وقوله في الحج( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ) (١٠)
وقوله فيها( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
__________________
(١) يونس ٣٩
(٢) يونس ٦٦
(٣) يونس ٥٩
(٤) النحل ٤٣
(٥) الاسراء ٣٦
(٦) الكهف ٥
(٧) الكهف ٢٦
(٨) الكهف ٢٢
(٩) الأنبياء ٧
(١٠) الحج ٣
عَذابَ الْحَرِيقِ ) (١) .
وقوله في النور( وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (٢) .
وقوله في الروم( بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) (٣) .
وقوله فيها( كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ) (٤) .
وقوله في لقمان( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) (٥) .
وقوله في الزمر( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) (٦) .
وقوله في السجدة( وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمّا تَعْمَلُونَ وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ) (٧) .
وقوله في الشورى( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ) (٨) .
وقوله في الجاثية( ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلّا يَظُنُّونَ ) (٩) .
وقوله فيها( ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً ) (١٠) .
__________________
(١) الحج ٩
(٢) النور ١٤ - ١٥ - ١٦ - ١٧
(٣) الروم ٢٩
(٤) الروم ٦٠
(٥) لقمان ٦
(٦) الزمر ٩
(٧) السجدة ٢٢ - ٢٣
(٨) الشورى ١٠
(٩) الجاثية ٢٤
(١٠) الجاثية ١٨
وقوله في النجم( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى ) (١) .
وقوله فيها( وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) (٢) .
وقوله في المجادلة( يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ) (٣) .
وقوله في الحاقة( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ) (٤) . وغير ذلك من الآيات.
أقول: يستفاد من هذه الآيات الشريفة جملة من المطالب التي تواترت بها الأحاديث.
أحدها: ان كل واقعة لها حكم وكل حكم عليه دليل كما هو ظاهر من آيات الانعام وغيرها ولم نستقص الآيات في هذا المعنى.
وثانيها: وجوب الرجوع في جميع الأحكام الى المعصوم وهذا واضح ظاهر من عدة آيات.
وثالثها: عدم جواز العمل بالظن وهو مصرح به في آيات كثيرة كما رأيت.
منها: ما هو عام في الأصول والفروع ولا يوجد له شيء يخصصه بحيث يمكن الاعتماد عليه بل بعض الآيات الشريفة ظاهرة بل صريحة في عدم جوازه في الفروع كتحليل الانعام وتحريمها وغير ذلك.
ومنها: ما هو صريح في شمول القسمين كالآية المتضمنة للشرك والتحريم ورابعها: عدم جواز التقليد مطلقا وليس له أيضا مخصص صريح يعتد به وانما وردت الأحاديث المتواترة بالرجوع إلى الأئمةعليهمالسلام والى أحاديثهم التي
__________________
(١) النجم ٢٥
(٢) النجم ٢٨
(٣) المجادلة ١١
(٤) الحاقة ٤٥ - ٤٦
يرويها الثقات أو توجد في الكتب المعتمدة والى رواة الحديث فيما رووه من الأحكام عنهمعليهمالسلام خاصة وهذا ليس بتقليد.
وخامسها: عدم جواز العمل بالرأي والهوى وهو ظاهر من كثير منها ولم نورد الجميع.
وسادسها: عدم جواز العمل بغير علم والآيات فيه كثيرة أيضا غير ما ذكرنا وتخصيصه بالأصول لا وجه له ولا دليل عليه، ودعوى من ادعى عدم حصول العلم في الفروع ان أريد به العلم بحكم الله في الواقع فهو ليس بلازم بالنص على انه يجزى العلم بتواتر أو قرينة دالة على حكم ثبت عن المعصوم وهذا القسم كثير جدا للماهر في الحديث وتفصيل المقام في محل آخر.
وسابعها: عدم جواز تفسير القرآن بغير نص وتأويله بالرأي والاستنباط منه بغير رجوع الى الراسخين في العلم وهم الأئمة (ع) بالنص المتواتر.
وثامنها: عدم جواز الحكم بغير الكتاب والسنة.
وتاسعها: التوقف والاحتياط فيما لا يعلم حكمه وهذه المطالب كلها متواترة في الأحاديث عنهم (ع) وقد جمعنا منها ما يزيد على الف حديث في محل آخر وحققناه بما لا مزيد عليه والله الموفق.
فائدة (٧٦)
اختلف في جواز التقليد في الأصول والفروع فمنهم من منع منه فيهما، ومنهم من أجاز فيهما، ومنهم من اجازه في الفروع خاصة والخلاف مشهور وأدلة الجواز ضعيفة والآيات الشريفة صريحة في ذمه والمنع منه مطلقا بل بعض الآيات ظاهرة في تناول المنع للفروع وقد جمعنا الأحاديث والأدلة وما يرد عليها في محل آخر.
ومن اجازه في الفروع من أصحابنا المتأخرين لا يجيزون تقليد الميت والمتقدمون لا يجيزون تقليد الميت ولا الحي وقد أوردت نقل عباراتهم لاقتضاء المقام ودفع التسامح والتساهل الذي اشتهر في هذا الزمان فان الذين يقلدونهم لم يرخصوا لأحد في تقليدهم بعد موتهم وادعوا وجوب تقليدهم في حياتهم وكيف يجوز قبول دعواهم بغير دليل، ولا يجوز قبول إقرارهم وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز.
ومن نظر عباراتهم علم انهم لم يدعوا جواز تقليدهم بعد موتهم فضلا عن وجوبه بل نقلوا الإجماع على عدم الجواز.
وعبارات الذين توجد مؤلفاتهم الان متوافقة في ذلك فمن قلّدهم لزمه قبول قولهم هنا لاتفاقهم عليه وعدم اختلافهم فيه فيلزم من جواز تقليدهم عدم جوازه
ثم انهم لا يجوزون التقليد عند الاختلاف بغير ترجيح ولا خلاف بينهم في
ذلك أيضا وترجيح الأموات في الغالب غير ممكن.
ثم ان الميت إذا كان له قولان فصاعدا تعين عند من يقول بجواز التقليد العمل بالأخير وهذا لا يمكن الاطلاع عليه غالبا وكثير من أفاضل علمائنا المحققين لم يصنفوا شيئا وكثير من المصنفين اندرست مصنفاتهم فلا توجد الان وأنا انقل جملة من عباراتهم الدالة على ما نسبناه إليهم ليظهر لك انهم لا يرضون بان يقلدهم أحد بعد موتهم.
قال الشيخ حسن بن شهيد الثاني في أواخر أصول المعالم لا تعرف خلافا في عدم اشتراط مشافهة المفتي بل يجوز بالرواية عنه ما دام حيا وهل يجوز العمل بالرواية عن الميت ظاهر الأصحاب الإطباق على عدمه ومن أهل الخلاف من اجازه الى ان قال على ان القول قليل الجدوى على أصولنا لأن المسئلة اجتهادية ففرض العامي فيها الرجوع الى فتوى المجتهد وحينئذ القائل بالجواز ان كان ميتا فالرجوع اليه فيها دور ظاهر وان كان حيا فاتباعه فيها والعمل بفتاوى الموتى في غيرها بعيد من الاعتبار غالبا مخالف لما يظهر من اتفاق علمائنا على المنع من الرجوع الى فتوى الميت مع وجود المجتهد الحي بل قد حكى الإجماع فيه صريحا بعض الأصحاب « انتهى ».
وقال في رسالة له الامتزاجية في استنباط الأحكام الى فتاوى الموتى كما يصنعه بعض الأغبياء والأشقياء هذيان يدرك فساده بأدنى نظر وهوس يرى فساده كل من أبصر وأطال في الاستدلال وأبلغ في المقال الى ان قال فيحتاج في اتباع الظن الحاصل من تقليد الميت الى حجة ودليل قاطع وكيف يتصور ذلك ولا يعرف من علمائنا الماضين قائل بذلك ولا عامل به الى ان قال وكيف يتصور عاقل ان يجعل حجته وطريقه في عمله بقول المجتهد الميت بمجرد قوله ان وجد « انتهى ».
وقال الشهيد الثاني ( الشيخ زين الدين ) في شرح الشرائع في كتاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وقد صرح الأصحاب في هذا الباب من كتبهم
المختصرة والمطولة وفي غيره باشتراط حياة المجتهد في جواز العمل بقوله وان الميت لا يجوز للعمل بقوله ولم يتحقق إلى الان في ذلك خلاف ممن يعتد بقوله من أصحابنا وان كان للعامة في ذلك خلاف مشهور وتحقيق المسئلة في موضع آخر « انتهى »(١) .
وقال في كتاب آداب المفيد والمستفيد في بحث المفتي والمستفتي الرابعة في جواز تقليد المجتهد الميت مع وجود الحي أولا معه للجمهور أقوال أصحها عندهم جوازه مطلقا لان المذاهب لا تموت بموت أصحابها ولذا يعتد بها بعدهم في الإجماع والخلاف الى ان قال: الثاني لا يجوز مطلقا لفوات أهليته بالموت.
ولهذا ينعقد الإجماع بعد موته ولا ينعقد في حياته على خلافه وهذا هو المشهور بين أصحابنا خصوصا المتأخرين منهم بل لا نعلم قابلاً بخلافه صريحا ممن يعتد بقوله الى ان قال.
والثالث: المنع منه مع وجود الحي لا مع عدمه وتحقيق المقام في غير هذه الرسالة « انتهى »(٢) .
وقد صرح أيضا في شرح الألفية بعدم جواز الأخذ عن المجتهد الميت مدعيا للإجماع فقال في قوله ويكفيه الأخذ عن المجتهد. فيه اشارة لطيفة الى اشتراط حياة المجتهد المأخوذ عنه فان ذلك هو المعروف من مذهب الإمامية لا نعلم فيه مخالفا منهم وان كان الجمهور، قد اختلفوا في ذلك وتحقيق المسئلة في الأصول « انتهى »(٣) .
وقد صنف رسالة في عدم جواز تقليد المجتهد الميت مطلقا ونقل عليه إجماع
__________________
(١) راجع مسالك الافهام ج ١ ص ١٢٦
(٢) منية المريد في المسئلة الرابعة في أحكام المستفتي وآدابه ط قم ص ١٥١
(٣) المسمى بمقاصد العلية ص ٣٩ المخطوط في مكتبة صديقنا اللاجوردي
علمائنا وأطال الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه فمن أرادها فليرجع إليها فقد دللناه عليها.
ومما قال فيها لا تبطل الرواية بموت الراوي إجماعا وتبطل الفتوى به كما يأتي وقال فيها لا كلام في انه مع وجود المجتهد الحي يتعين الرجوع اليه ويبطل قول من سبقه.
وقال فيها: قد شاع في كتب العلامة الأصولية والفقهية ان الميت لا قول له ولا يحل تقليده وان كان مجتهدا فكيف يعمل بأقواله بعد موته وقد حكم بأنها باطلة لا يجوز تقليدها.
وقال فيها: في عدة مواضع ان بطلان العمل بقول الميت مجمع عليه لا خلاف فيه « انتهى ».
وقال الشيخ على بن عبد العالي في الجعفرية: طريق معرفة أحكامها يعنى الصلاة لمن كان بعيدا عن الإمام الأخذ بالأدلة التفصيلية على أعيان المسائل ان كان مجتهدا والرجوع الى المجتهد ولو بواسطة وان تعذرت ان كان مقلدا واشترط الأكثر كونه حيا « انتهى ».
ويظهر من العبارتين السابقتين ان القائل بالجواز من العامة لا من الخاصة وبعض شراح الجعفرية بعد ما استدل على عدم الجواز بان الميت لا قول له وان الإجماع ينعقد على خلافه وغير ذلك من الوجوه نقل عن بعض المتأخرين تفصيلا وهو ان الناقل عن الميت ان لم يجد الحي جاز له العمل بقوله وان وجد الحي لم يجز له.
ثم قال الشارح لا يخفى انه بعد اقامة الدليل على ان الميت لا قول له ( ولم يبق لهذا التفصيل مجال لأنه ان سلم ان الميت لا قول له ) لم يجز له العمل به مطلقا والاجاز له مطلقا لوجوب ترجيح الا علم فلا مجال للتفصيل على الاحتمالين « انتهى ».
وقال الشهيد في أوائل الذكرى(١) هل يجوز العمل بالرواية عن الميت ظاهر
__________________
(١) الذكرى ص ٣ ط الحجري
العلماء المنع منه محتجين بأنه لا قول له وبانعقاد الإجماع على خلافه ميتا وعدم انعقاد الإجماع على خلافه حيا « انتهى ».
ثم نقل قولا بالجواز وكان النقل عن بعض العامة ثم أجاب عنه بالمنع ويضعف دليله واختار عدم الجواز مطلقا وقال في شرح التهذيب في الأصول المسمى بجامع البين في الجمع بين الشرحين ما هو أبلغ من ذلك في المنع وأوضح وقد رأيته بخط الشهيد الثاني ولكن لا يحضرني الآن.
وقال المقداد في شرح المبادي: المفتي الذي ليس له أهلية بالاجتهاد هل يجوز له الإفتاء بالحكاية أم لا قيل ان حكى عن الميت لم يجز الأخذ بقوله لأنه لا قول للميت ويدل عليه ان الإجماع ينعقد مع خلافه ميتا ولا ينعقد مع خلافه حيا وان حكى عن المجتهد الحي فإن سمعه مشافهة جاز له ان يعمل به وجاز للغير أيضا ان يعمل بقوله والأشبه أن المستفتي ان وجد المجتهد الحي لم يجز له الأخذ عن الحاكي سواء عن حي أو ميت وان لم يجد فان حكى عن المجتهد الحي تعين الأخذ بقوله وان لم يجد تعين الأخذ من كتب المجتهدين الماضين « انتهى ».
وقال العيدي في شرح تهذيب الأصول اختلف في جواز إفتاء من هو حاك عن المجتهد الميت فذهب الأكثرون إلى انه لا يجوز وعليه العلامة الطوسي واختار فخر الرازي وصاحب المنهاج جواره، والحق الأول لأن الميت لا قول له بل قوله غير معتبر لانعقاد الإجماع على خلاف قوله فلو كان قوله معتبرا لم يكن الإجماع المنعقد على خلاف قوله معتبرا ولم يكن العمل بمقتضاه « انتهى ».
وقال السيد رضي الذين في شرح التهذيب: هل لغير المجتهد الفتوى بما يحكيه عن غيره من المجتهدين منع منه أبو الحسين البصري وجوزه قوم سواء قلد حيا أو ميتا وفصل آخرون فقالوا ان حكى عن ميت لم يجز العمل به إذ لا يبقى للميت قول لانعقاد الإجماع مع مخالفته وان حكى عن مجتهد حي سمعه مشافهة جاز له ولغيره العمل به « انتهى ».
والجواز في هذه العبارة وما قبلها انما هو منقول عن العامة.
وقال العلامة في الإرشاد في بحث الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يحل الحكم والإفتاء لغير الجامع للشرائط ولا يكفيه فتوى العلماء ولا تقليد المتقدمين فان الميت لا يحل تقليده « انتهى »(١) .
وقال في القواعد في هذا البحث لا يحل لفاقد الشرائط أو بعضها الحكم ولا الإفتاء ولا ينفذ حكمه ولا يكفيه فتوى العلماء ولا تقليد المتقدمين فان الميت لا قول له وان كان مجتهدا(٢) .
وقال الشيخ في شرح القواعد قوله وان كان مجتهدا مما يدل على ذلك ان الإجماع لا ينعقد مع خلافه حيا وينعقد بعد موته ولا يعتد - حينئذ - بخلافه « انتهى » وقال العلامة في مبادي الأصول في أواخره إذا أفتى غير المجتهد بما يحكيه عن المجتهد فان كان يحكى عن ميت لم يجز الأخذ بقوله إذ لا قول للميت فإن الإجماع لا ينعقد مع خلافه حيا وينعقد بعد موته وان حكى عن حي مجتهد فان سمعه مشافهة والأقرب جواز العمل به « انتهى ».
وقال في تهذيب الأصول في أواخره هل لغير المجتهد الفتوى بما يحكيه عن المجتهد الأقرب انه ان حكى عن ميت لم يجز العمل به إذ لا قول للميت ولهذا لا ينعقد الإجماع لو خالف حيا وينعقد بعد موته فان حكى عن حي فإن كان سمعه منه مشافهة جاز العمل له ولغيره « انتهى ».
وقوله الأقرب راجع الى جواز الأخذ عن الحي لا الى عدم جواز الأخذ عن الميت.
وقال الشيخ زين الدين في شرح اللمعة قد فهم من تجويز الفتوى والحكم للفقهاء المستدلين عدم جوازه لغيرهم من المقلدين وبهذا المفهوم صرح المصنف
__________________
(١) الإرشاد ص ١٢٠ النسخة المخطوطة في مكتبة صديقنا اللاجوردي
(٢) القواعد ص ٢٣٣ في صفات القاضي
وغيره قاطعين به من غير نقل خلاف في ذلك سواء قلد حيا أم ميتا نعم يجوز لمقلد الفقيه الحي نقل الحكم الى غيره « انتهى ».
وقال الشيخ بهاء الدين في الاثني عشرية في بحث واجبات الصلاة: الثاني تحصيل العلم الشرعي بوجوب ما يجب في الصلاة من الأقوال والأفعال والشروط بالاجتهاد ان كان من اهله وبتقليد المجتهد الحي العدل ولو تجزيا ان لم يكن(١)
فهذه عبارات جميع علمائنا القائلين بجواز الاجتهاد والتقليد متفقة في عدم جواز تقليد الميت وانما نقلوا جوازه عن بعض العامة ولم يصرح أحد منهم بالجواز الا الشاذ النادر ومن تقدمهم لا يجوزون العمل بقول المجتهد الحي ولا الميت ولا يقولون بجواز الاجتهاد والتقليد ولا يجيزون العمل بغير الكتاب والسنة من وجوه الاستنباطات الظنية الا على وجه إلزام الخصم بما يعتقده كما صرح به المحققون منهم وانما كانوا يعملون بالروايات الصريحة المنقولة في الكتب المعتمدة وإذا اختلف رجحوا بالمرجحات المنصوصة عنهمعليهمالسلام وكان غير الرواة يرجعون الى الرواة فاذا رووا لهم حكما عنهمعليهمالسلام عملوا به وكان الفريقان مأمورين بذلك والاحتياط عند عدم وجود النص.
وأنا انقل عبارات جماعة منهم دالة على ما ننسبه إليهم(٢) صريحة في وجود التخالف العظيم بين طريقتي المتقدمين والمتأخرين ومن المعلوم ان طريقة المتقدمين هي الموافقة للأئمةعليهمالسلام ولأحاديثهم المتواترة فإن شذ منهم شاذ أحيانا أنكر عليه الباقي وأنكر عليه الأئمةعليهمالسلام ان كان في زمان ظهورهم.
وقد روى عنهمعليهمالسلام عليكم بالتلاد(٣) .
__________________
(١) الاثنا عشرية ص ٣ من النسخة المخطوطة في مكتبة صديقنا العلامة اللاجوردي
(٢) ما نسبناه إليهم - خ ل
(٣) الوافي ج ١ ص ١٠٤ الجزء الثالث
وروى عنهمعليهمالسلام شر الأمور محدثاتها(١) الى غير ذلك من الأحاديث وهذه الطريقة مباينة لطريقة العامة مباينة كلية وطريقة المتأخرين موافقة لهم لا تخالفهم الا نادرا.
وناهيك بذلك دليلا على تحقيق الحق من الطريقتين مضافا الى وجود النص المتواتر الدال على صحة طريقة القدماء وقيام الأدلة القطعية المحررة في محلها ولا تحضرني تلك العبارات المشار إليها فأنا أنقل ما يحضرني منها.
قال الشيخ أبو جعفر الطوسي رئيس الطائفة في كتاب العدة: واما الظن فعندنا انه ليس بأصل في الشريعة تنسب الأحكام اليه وان كانت تقف أحكام كثيرة عليه نحو تنفيذ الحكم عند شهادة الشاهدين ونحو جهات القبلة وما يجرى مجراه « انتهى »(٢) .
وما جوز العمل فيه بالظن ليس بأصل من نفس الأحكام الشرعية كما لا يخفى وان كان من متعلقاتها وأسبابها.
وذكر السيد المرتضى وغيره ان هذا ليس من باب العمل بالظن بل الشارع جعل هذا الظن سببا لحكم شرعي كدلوك الشمس فيكون العمل في الحقيقة بالعلم
وقال الشيخ في موضع آخر من العدة واما القياس والاجتهاد فعندنا انهما ليسا بدليلين بل محظور في الشريعة استعمالها ونحن نبين ذلك فيما بعد « انتهى »(٣)
وقال في موضع آخر ولسنا نقول بالاجتهاد والقياس(٤)
__________________
(١) أورده المجلسي ره في البحار ج ٢ ص ٢٦٣
(٢) العدة الجزء الأول ص ٣ ط ١٣١٨
(٣) العدة ص ٣ الجزء الأول
(٤) ص ١١٦ الجزء الثاني في فصل ان النبي (ص) هل كان مجتهدا قال ان هذه المسئلة تسقط على أصولنا لأنا قد بينا ان الاجتهاد والقياس لا يجوز استعمالهما في الشرع.
وقال في مواضع من التهذيب وأنا لا أتعدى الاخبار.
وقال المرتضى في الانتصار في أول كتاب القضاء انما عول ابن الجنيد في هذه المسئلة على ضرب من الرأي والاجتهاد وخطاؤه ظاهر « انتهى »(١) ومثله كلامه في عدة مواضع من كتبه.
منها: قوله في المسئلة التي تليها من خالفنا انما اعتمد على الرأي والاجتهاد دون النص والتوقيف وذلك لا يجوز(٢) .
وقوله: في الطهارة في مسئلة مسح الرجلين انا لا نرى الاجتهاد ولا نقول به، وقوله فيها وفي غيرها ان ما يفيد الظن دون العلم لا يجوز العمل به عندنا.
وقال في الذريعة في فصل في ان الإجماع بعد الخلاف هل يزيل حكم الخلاف أم لا: الى ان قال: عندنا ان الاجتهاد باطل وان الحق مدلول عليه وان من جهله غير معذور « انتهى »(٣) .
وقال ابن إدريس في السرائر في مسئلة تعارض البينتين الترجيح عندنا ما ورد إلا بكثرة الشهود فان تساووا في العدد فالأعدل وبقديم الملك ولا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل فلم يبق إلا القرعة « انتهى »(٤) .
وقال الشيخ المفيد في جواب المسائل السروية حيث قال السائل في المسئلة الثامنة قوله: فيمن عرف طرفا من العلم ووضحت اليه الكتب المصنفة في الفقه وفيها
__________________
(١) الانتصار ص ٢٣٨ ط النجف
(٢) وفي المصدر المطبوع: ومثل ذلك الرجوع فيه الى التوقف اولى واخرى فراجع ص ٢٤٣:
(٣) الذريعة ص ٢٠٠ المخطوطة بخط صاحب المواهب السنيةقدسسره في مكتبة صديقنا اللاجوردي.
(٤) راجع السرائر ط الإسلامية ص ١٩٥
اختلاف ظاهر كما وقع الاختلاف بين ما أثبته ابن بابويه وما أثبته ابن الجنيد في كتبه من المسائل الفقهية المجردة عن الأسانيد.
الجواب لا يجوز لأحد ان يحكم على الحق فيما وقع فيه الاختلاف الا بعد إحاطة العلم بذلك والتمكن والنظر المؤدي إلى المعرفة فمتى كان مقصرا عن علم ذلك فليرجع الى من يعلمه ولا يقول برأيه وظنه فان عول على ذلك فأصاب بالاتفاق لم يكن مأجورا وان أخطأ الحق فيه كان مأزورا.
فاما كتب ابن الجنيد فقد حشاها بأحكام عمل فيها على الظن واستعمل مذهب المخالفين من القياس فخلط بين المنقولة عن الأئمة (ع) وما قاله برأيه ولم يفرد أحد الصنفين من الأخر ولو أفرد المنقول من الرأي لم يكن حجة « انتهى ».
وقد صرح الشيخ في التهذيب في بحث ميراث المجوس بان العمل بغير الكتاب والسنة باطل بالإجماع وانه لا يجوز العمل بالاعتبار ونحوه(١) .
وقال المحقق في المعتبر اعلم انك مخبر في حال فتواك عن ربك وناطق بلسان شرعه فما أسعدك إن أخذت بالجزم وما اخيبا ان بنيت على الوهم فاجعل فهمك تلقاء قوله تعالى:( وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٢) .
وقال أيضا في المعتبر في أوائله ثم ان أئمتنا (ع) مع هذه الأخلاق الطاهرة والعدالة الظاهرة يصوبون رأي الإمامية في الأخذ عنهم ويعيبون على غيرهم ممن أفتى باجتهاده وقال برأيه ويمنعون من يأخذ عنه ويستخفون رأيه وينسبونه الى الضلال يعلم ذلك منهم علما ضروريا صادرا عن النقل المتواتر فلو كان ذلك يسوغ لغيرهم لما عابوه « انتهى »(٣) .
__________________
(١) التهذيب ج ٩ ص ٣٦٤
(٢) المعتبر ص ٦ ط الحجري
(٣) المعتبر ص ٥ ط الحجري
وقال الشيخ الجليل سعيد بن هبة الله الراوندي في أول كتاب فقه القرآن ما هذا لفظه ان القياس بالدليل الواضح غير صحيح في الشريعة وهو حمل الشيء على غيره لأجل ما بينهما من الشبه فيسمى المقيس فرعا والمقيس عليه أصلا وكذلك الاجتهاد غير جائز في الشرع وهو استفراغ الجهد في استخراج أحكام الشرع وقيل هو بذل الوسع في تعرف الأحكام الشرعية فاما إذا صح بإجماع الفرقة المحقة حكم من الأحكام الشرعية بنص من الرسولصلىاللهعليهوآله مقطوع على صحته على سبيل التفصيل رواه المعصومون من أهل بيته (ع) ثم طلب الفقيه بعد ذلك دلالة عليه من الكتاب جملة أو تفصيلا ليضيفها إلى السنة حسما للشنعة فلا يكون ذلك قياسا ولا اجتهادا لان القائس والمجتهد لو كان معهما نص على وجه من الوجوه لم يكن ذلك منهما قياسا ولا اجتهادا « انتهى »(١) .
وقال في آخر الكتاب اعلم ان الله سبحانه أغنانا بفضله في الشرعيات عن ان نستخرج أحكامها بالمقاييس والاجتهادات التي تصيب مرة وتخطئ أخرى بل بين جميع ما يحتاج اليه المكلفون في تكليفهم عقلا وشرعا ووفقهم عليه في كتابه وعلى لسان نبيه وحججه (ع) فلا حاجة مع ذلك الى تعسف وتكلف « انتهى »(٢) .
وقال الصدوق في العلل: بعد ذكر حديث موسى والخضران موسى مع كمال عقله وفضله ومحله من الله لم يدرك باستنباطه واستدلاله معنى أفعال الخضر حتى اشتبه عليه وجه الأمر فيه الى ان قال فاذا لم يجز لانبياء الله ورسله القياس والاستنباط والاستخراج كان من دونهم من الأمم أولى بان لا يجوز لهم ذلك الى ان قال فاذا لم يصلح موسى للاختيار مع فضله ومحله فكيف تصلح الأمة اختيار الامام وكيف يصلحون الاستنباط الأحكام الشرعية واستخراجها بعقولهم الناقصة وآرائهم المتفاوتة
__________________
(١) فقه القرآن ج ١ ص ٦
(٢) فقه القرآن ج ٢ ص ٤٢٨
وهممهم المتباينة وإرادتهم المختلفة تعالى الله عن الرضا باختيارهم علوا كبيرا « انتهى »(١) .
وقال الكليني في أول الكافي: والشرط من الله فيما استعبد به خلقه أن يؤدوا جميع فرائضه بعلم ويقين وبصيرة الى ان قال ومن أراد الله خذلانه وان يكون ايمانه معارا مستودعا سبب له أسباب الاستحسان والتقليد التأويل بغير علم وبصيرة « انتهى ».
وروى الكشي عن حريز وهو من أجلاء أصحاب الأئمةعليهمالسلام ان أبا حنيفة قال له أنت لا تقول شيئا إلا برواية قال أجل(٢) .
وروى الكشي وغيره عن أكثر علمائنا المتقدمين وخواص الأئمةعليهمالسلام مثل ذلك بل ما هو أبلغ منه.
وقال الطبرسي في مجمع البيان: لا يجوز العمل بالظن عند الإمامية إلا في شهادة العدلين وقيم المتلفات وأرش الجنايات « انتهى » والصور الثلاثة ليست من نفس الأحكام الشرعية وهو ظاهر.
وقال في تفسير سورة الأنبياء عند قوله تعالى:( وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ ) بعد ما أبطل قول العامة بجواز اجتهاد الأنبياء ما هذا لفظه ان النبي إذا كان يوحى اليه وله طريق الى العلم بالحكم فلا يجوز ان يحكم بالظن على ان الحكم بالظن والاجتهاد والقياس قد بين أصحابنا في كتبهم انه لم يتعبد به في الشرع إلا في مواضع مخصوصة ورد النص بجواز ذلك فيها نحو قيم المتلفات وأروش الجنايات وجزاء الصيد والقبلة وما جرى هذا المجرى « انتهى »(٣) .
__________________
(١) علل الشرائع ج ١ ص ٦٢ - ٦٣
(٢) ص ٣٢٨ ط كربلاء وفي النسخة المخطوطة المصححة « لا تعلم » مكان لا تقول
(٣) مجمع البيان: الجزء السابع ص ٥٧
وقد عرفت ان المواضع المذكورة ليست بداخلة في محل النزاع وهذه العبارة كما ترى ظاهرة في نقل الإجماع الإمامية على بطلان العمل بالاجتهاد والظن في نفس الأحكام الشرعية.
وقال العلامة في النهاية: اما الإمامية فالاخباريون منهم لم يعولوا في أصول الدين وفروعه الا على اخبار الآحاد المروية عن أئمتهمعليهمالسلام « انتهى ».
ولم يصرح بأن الأخبار التي عملوا بها خالية عن القرينة بل صرح المحققون بأنها محفوفة بالقرائن المفيدة للعلم أو متواترة.
وقال السيد المرتضى كما نقله عنه صاحب المعالم العلم الضروري حاصل لكل مخالف للإمامية أو موافق لهم انهم لا يعملون في الشريعة بخبر لا يوجب العلم وان ذلك قد صار شعارا لهم يعرفون به كما ان نفى القياس في الشريعة من شعارهم الذي يعلمه منهم كل مخالط لهم « انتهى »(١) .
وصرح السيد المرتضى في الذريعة بان الإمامية لا يجوز عندهم العمل بالظن ولا الرأي ولا القياس ولا الاجتهاد وذكر نحو ذلك في كتاب الشافي بل أبلغ منه حيث قال في الرد على القاضي عبد الجبار.
وأما قولك وهذا يبطل بما دللنا عليه من صحة الاجتهاد فقد دلت الأدلة الواضحة عندنا على بطلان ما تسميه اجتهادا، واحد ما يدل على ذلك ان الاجتهاد في الشريعة عندكم هو طلب غلبة الظن فيما لا دليل عليه والظن محال ان يكون له مجال في الشريعة ثم أطال الكلام في إبطال الظن والاجتهاد الى ان قال فان قال ما ذكرتموه يؤدى الى الحيرة والى ان الناس قد كلفوا إصابة الحق من غير دليل يصلون اليه من جهته.
قيل له: ما كلف الله تعالى الا ما مكن الوصول اليه من شريعة وغيرها فما نقل من الشريعة عن الرسولصلىاللهعليهوآله نقلا يقطع العذر كلفنا فيه الرجوع الى النقل وما لم يكن فيه نقل ولا ما يقوم مقامه من الحجج السمعية اما لان الناس عدلوا عن نقله
__________________
(١) في مبحث حجية خبر الواحد نقلا من جواب المسائل التباينات.
أو لانهم لم يخاطبوا به وعول بهم على قول الإمام القائم مقام الرسولصلىاللهعليهوآله كلفنا فيه الرجوع الى أقوال الأئمة المستخلفين بعد الرسولصلىاللهعليهوآله ولهذا انجد الحكم في جميع ما يحتاج إليه في الحوادث موجودا فيما ينقله الشيعة عن أئمتهمعليهمالسلام وكل ما تكلف خصوصا فيه القياس والاجتهاد وطرق الظن عند الشيعة فيه نص اما مجمل واما مفصل الى ان قال فاما الفتاوى فلا تبطل كما ادعيت بل يتولاها من استودع حكم الحوادث وهم الشيعة بما نقلوه عن أئمتهمعليهمالسلام .
ثم نقل عن القاضي عبد الجبار انه ادعى ان الأئمة (ع) لم يمنعوا من الاختلاف والاجتهاد وان أمير المؤمنينعليهالسلام أجازه ثم أجاب السيد المرتضى فقال: اما قولك ان أمير المؤمنين وغيره من الأئمة (ع) كانوا لا يمنعون من الاجتهاد فالمعلوم من حالهم خلاف ما ادعيته ثم أطال الكلام في إبطال قول من نسب إليهم انهم لم يمنعوا من الاجتهاد ولم انقل جميع عبارته لطولها وانما نقلت مواضع الحاجة منها بلفظه وقال بعد كلام آخر وأما الاجتهاد والقياس فقد دللنا على بطلانهما في الشريعة وانهما لا ينتجان علما ولا فائدة فضلا عن أن يحفظا الشريعة.
ونقل عن القاضي عبد الجبار انه قال يجوز للإمام الاجتهاد ثم قال المرتضى واما قوله ان للإمام أن يجتهد برأيه في الأمور فمأول فيه انه ليس للإمام ولا غيره ان يجتهد في الأحكام ولا يجوز ان يعمل فيها الا على النصوص(١) .
وقد رد المرتضى والشيخ جميع المدارك الظنية والمفهومات الا النادر واختارا انها ليست بحجة وأجابا عن دليل حجيتهما وذكرا انه لم يصنف أحد قبلهما من الإمامية في الأصول ولم يعملا بالقواعد التي عمل بها العلامة ومن تأخر عنه الا في مواضع يسيرة تتعلق بالقرينة، وذكر المرتضى في رسالة الاستدلال على فروع الإمامية انهم لا يقولون بشيء من تلك الأدلة التي تقول بها العامة وانهم كثيرا ما يستدلون بالقياس واخبار الآحاد ونحوها لأجل إلزام الخصوم وان كانوا يعتقدون
__________________
(١) راجع الشافي ص ٣١ - ٤٦ ط الحجري
انها ليست بدليل بل لهم هناك دليل آخر هذا ملخص كلامه.
وروى الشيخ في التهذيب بسنده عن بعض أصحابنا عن ابى عبد اللهعليهالسلام قال قلت له ان هؤلاء المنافقين علينا يقولون إذا أطبقت علينا أو أظلمت ولم نعرف السماء كنا وأنتم سواء في الاجتهاد فقال: ليس كما يقولون إذا كان ذلك فلتصل لأربع وجوه(١) .
فهذا الحديث يدل على ان الاجتهاد كان مخصوصا بالعامة وان الشيعة لم يكونوا يعملون به وفيه كلام مذكور في محله.
وقال الشيخ الجليل محمد بن إبراهيم النعماني تلميذ الكليني في كتاب الغيبة والقرآن مع العترة والعترة مع القرآن ومن التمس علم القرآن والتأويل والتنزيل والمحكم والمتشابه والحلال والحرام والخاص والعام من عند غير من فرض الله طاعتهم وجعلهم ولاة الأمر من بعد نبيه وقرنهم الرسولصلىاللهعليهوآله بأمر الله بالقرآن وقرن القرآن بهم دون غيرهم واستودعهم الله علمه وشرائعه وفراضه وسننه فقدتاه وضل وهلك وأهلك وأطال المقال في الاستدلال بالآيات والروايات الى ان قال وأعجب من هذا ادعاء هؤلاء الصم العمى انه ليس في القرآن علم كل شيء من صغير الفرائض وكبيرها ودقيق الأحكام والسنن وجليلها.
وانهم لما لم يجدوا فيه احتاجوا الى القياس والاجتهاد في الرأي والعمل في الحكومة بهما وافتروا على رسول اللهصلىاللهعليهوآله الكذب والزور بأنه أباحهم الاجتهاد وأطلقه لهم ما ادعوا عليه الى ان قال ولو امتثلوا أمر الله في قوله( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) .
وفي قوله( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) لا وصلهم الله الى نور الهدى وعلمهم لما لم يكونوا يعلمون وأغناهم عن القياس والاجتهاد بالرأي نعوذ بالله من الخذلان ومن ان يكلنا الى أنفسنا وعقولنا واجتهادنا وآرائنا في ديننا ونسأله
__________________
(١) التهذيب ج ٢ ص ٤٥
ان يثبتنا بالقول الثابت على ما هدانا له من الموالاة لأوليائه والتمسك بهم والأخذ عنهم « انتهى »(١) .
وقال صاحب كتاب إلزام النواصب بامامة على بن أبي طالب عند ذكر مذاهب السنة وانهم أحدثوا أربعة مذاهب في زمن المنصور وعملوا فيها بالرأي والقياس والاستحسان والاجتهاد والسبب في احداث هذه المذاهب ان الصادقعليهالسلام اجتمع عليه أربعة آلاف راويا يأخذون عنه العلم وخاف المنصور ميل الناس اليه وأخذ الملك منه، فأمر أبا حنيفة ومالكا باعتزال الصادقعليهالسلام واحداث مذاهبه غير مذهبه فاعتزلا عن الصادقعليهالسلام وأحدثا مذهبا غير مذهبه وعملا فيه بالرأي والاستحسان والقياس والاجتهاد ثم تابعهما الشافعي وأحمد بن حنبل واستقرت مذاهب السنة في الفروع على هذه الأربعة مذاهب وبقيت الشيعة الإمامية على المذهب الذي كان عليه النبيصلىاللهعليهوآله والصحابة والتابعون « انتهى ».
ثم قال عند ذكر مذاهب الشيعة الاثني عشرية وأما مذهبهم في الفروع فإنهم أخذوا الأحكام الشرعية عن النبي وعن الأئمة المعصومين (ع) ولم يقولوا(٢) بالرأي ولا بالاجتهاد وحرموا القول بالقياس والاستحسان « انتهى ».
وذكر ابن ابى الحديد في شرح نهج البلاغة ان الشيعة نقلوا عن علىعليهالسلام النهى عن الاجتهاد والرأي والظن وان الزيدية رووا عنه الرخصة في ذلك بالجملة فعدم جواز الاجتهاد في نفس الأحكام الشرعية وعدم جواز العمل بالاستنباطات الظنية كان معلوما من مذهب المتقدمين من الإمامية إلى زمان العلامة بل كان معلوما عند العامة انه من اعتقادات الشيعة وقد نقلوه عن أئمتهم (ع) لتواتر النص بذلك عنهم وقد صنف علماء الإمامية في ذلك كتبا كثيرة.
منها: كتاب النقض على عيسى بن أبان في الاجتهاد وذكره النجاشي في ترجمة إسماعيل بن على بن إسحاق بن ابى سهل بن نوبخت ومدحه مدحا جليلا
__________________
(١) راجع الغيبة ص ٤٣ - ٥٠ ط الغفاري
(٢) ولم يعولوا: خ ل
ومدحه غيره أيضا وذكره الشيخ وذكر الكتاب المذكور من مصنفاته.
ومنها: كتاب نقض اجتهاد الرأي على بن الراوندي ذكره الشيخ في ترجمة إسماعيل بن على المذكور نقلا من ابن النديم انه من مصنفات ابن نوبخت المذكور.
ومنها: كتاب الاستفادة في الطعون على الأوائل والرد على أصحاب الاجتهاد والقياس من مصنفات عبد الله بن عبد الرحمن الزبيري ذكره النجاشي في ترجمته.
ومنها: كتاب الرد على من رد آثار الرسول واعتمد على تسامح العقول من مؤلفات هلال ابن إبراهيم ابن ابى الفتح المدني ذكره النجاشي، ووثقه واثنى عليه.
ومنها: كتاب النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي من مؤلفات الشيخ المفيد ذكره النجاشي وغيره الى غير ذلك من الكتب المؤلفة في ذلك ومن تأمل مصنفات الشيعة وجد أمثال ذلك كثيرة.
واما الأحاديث في هذا المعنى فقد تجاوزت حد التواتر وقد جمعنا منها في موضع آخر أكثر من ألف حديث والله الموفق.
فائدة (٧٧)
قد اشتهر في هذا الزمان في كثير من البلدان التسامح والتساهل في صلاة الجنازة وتغسيله ودفنه بغير إذن ولي الميت وامره وهذه العادة القبيحة المنكرة الظاهر ان أصلها وسببها الجهل بشرطية الاذن ثم ساعدها حب الرئاسة وجريان العادة وعدم المبالاة بالدين حتى صاروا ينكرون على من يتوقف الى أن يأذن له الولي بل كثيرا ما يأذن الولي لشخص معين فيسابقونه ويزاحمونه ويتقدمون عليه وكثيرا ما يوصى الميت بأن يصلى عليه فلان ويأذن له الولي ويتقدمون عليه ويخالفون الولي والميت الموصى ولما كان ذلك منكرا مخالفا للشرع وجب علينا إنكاره وبيانه عسى ان ينتبه الغافل ويتعلم الجاهل ويتفكر العاقل كيف سعت شياطين الانس والجن في إخفاء الحق وترويج الباطل.
ولنذكر أحاديث الأئمةعليهمالسلام في ذلك ليظهر للناظر مخالفة هذه العادة الفاسدة للنص وعدم جواز العمل بها والاغترار بمثلها من المشهورات التي لا أصل لها.
فنقول: روى الكليني والشيخ بإسنادهما عن ابى عبد الله (ع) يصلى على الجنازة أولى الناس بها أو يأمر من يحب(١) .
وروى الكليني بإسناده عن ابى عبد الله (ع) قال يصلى على الجنازة أولى الناس بها أو يأمر من يحب(٢) .
__________________
(١) الكافي ج ٣ ص ١٧٧
(٢) الكافي ص ١٧٧.
وروى الشيخ والكليني بإسنادهما عن ابى عبد الله (ع) قال: إذا حضر الإمام الجنازة فهو أحق الناس بالصلاة عليها(١) .
وروى الشيخ بإسناده عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال: إذا حضر سلطان من سلطان الله جنازة فهو أحق بالصلاة عليها ان قدمه ولى الميت والا فهو غاصب(٢) .
وروى الكليني بإسناده عن ابى عبد اللهعليهالسلام انه سئل عن المرية تموت من أحق ان يصلى عليها قال الزوج فقيل: الزوج أحق من الأب والأخ والولد قال نعم(٣) .
وروى الكليني والصدوق والشيخ بأسانيدهم عن ابى عبد الله (ع) انه سئل عن المرءة تموت من أحق بالصلاة عليها قال: زوجها فقيل الزوج أحق من الأب والولد والأخ قال نعم ويغسلها(٤) .
وروى الكليني والشيخ بإسنادهما عن ابى عبد الله (ع) قال الزوج أحق بامرأته حتى يضعها في قبرها(٥) .
وروى الشيخ بإسناده عن ابى عبد اللهعليهالسلام قال الزوج أحق بامرأته حتى يضعها في قبرها(٦) .
وروى الكليني والشيخ بإسنادهما عن ابى عبد اللهعليهالسلام ان الأخ أولى من الزوج(٧) وحمله على التقية.
__________________
(١) الكافي ص ١٧٧.
(٢) الوسائل ج ١ ط القديمة ص ١٥٢ التهذيب ج ٣ ص ٢٠٦.
(٣) الكافي ج ٣ ص ١٧٧
(٤) الكافي ج ٣ ص ١٧٧ الفقيه ج ١ ص ١٦٥ التهذيب ج ٣ ص ٢٠٥
(٥) أورده في الوسائل عن الكافي ج ١ ص ١٥٣
(٦) أورده في الوسائل أيضا ص ١٥٣ مقطوعا
(٧) أورده في الوافي ج ٣ ص ٦٤
وروى الشيخ والصدوق بإسنادهما عن ابى عبد اللهعليهالسلام ان علياعليهالسلام قال يغسل الميت أولى الناس به أو من يأمره الولي(١) .
وروى الكليني والشيخ بإسنادهما عن ابى عبد اللهعليهالسلام انه سئل عن القبر كم يدخله قال ذاك إلى الولي ان شاء ادخل وترا وان شاء شفعا(٢) .
وروى الكليني والشيخ بإسنادهما عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال: مضت السنة من رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ان المرأة لا يدخل قبرها الا من كان يراها في حياتها(٣) .
وروى الكليني والصدوق والشيخ بأسانيدهم عن ابى عبد اللهعليهالسلام في حديث الثقلين قال: إذا أفرد الميت في قبره فليستخلف عنده اولى الناس به فيضع فمه عند رأسه ثم ينادى بأعلى صوته الحديث(٤) .
وفي معنى هذه الأحاديث الشريفة أحاديث أخر.
أقول: لا يخفى صراحة الأحاديث في الحكم المذكور ولذلك لم يختلف علماؤنا فيه ولا هم لم يجدوا معارضا والله اعلم ولا حاجة الى نقل عبارات علماؤنا لسهولة الرجوع إليها.
__________________
(١) الفقيه ج ١ ص ١٤١
(٢) الكافي ج ٣ ص ١٩٣
(٣) الكافي أيضا ص ١٩٤ ج ٣
(٤) الفقيه ج ١ ص ١٧٣
فائدة (٧٨)
روى السيد الرضى في نهج البلاغة عن أمير المؤمنينعليهالسلام انه سئل عن أشعر الشعراء فقال: ان القوم لم يجروا في حلبة تعرف الغاية عند قصبتها فان كان ولا بد فالملك الضليل يعنى(١) امرء القيس(٢) .
أقول: ظاهر هذا الحديث الشريف ان امرء القيس أشعر الشعراء مع ان أكثر العلماء يرجحون شعر غيره على شعره في الحسن والجودة وجمع المحاسن
__________________
(١) وفي النسخة المخطوطة الثمينة التي بلغت المقابلة بنسخة السيد الامام الرضىقدسسره « الموجودة في مكتبة صديقنا العلامة اللاجوردي » « يريد » مكان « يعنى ».
(٢) نهج البلاغة فيض الإسلام ص ١٢٨٥ خ ٤٤٧. قولهعليهالسلام : لم يجروا في حلبة اي لم يسوقوا أفراسهم ونفوسهم، اى لم تكن لهم طريقة واحدة.
الحلبة: الخيل تجتمع للسباق. وقصبة الغاية وهي القصبة التي يحوزها السابق إلى الغاية فيعرف بحوزه إياها أنه سابق. وفي المثل قد حاز قصب السبق قيل: ان العرب تضع القصب في آخر الميدان الذي يسابق الخيل فيها للرهان فمن سبق فرسه كانت تلك القصبة في يده فلا حاجة مع ذلك الى شاهدي عدل وانما سمى امرء القيس ضليلا وهو بناء المبالغة لأنه مثل عن أمر عظيم وهو ملك أبيه بسبب قيله للشعر.
واللطائف وغير ذلك ويظهر في شعره عيوب كثيرة وأبيات ردية ومعان سخيفة ومطالب غير تامة وكثير من شعراء الإسلام وغيرهم أحسن شعرا منه بحسب الظاهر وأمتن لفظا ومعنى واجمع للمحاسن.
والجواب: من وجوه الأول: انه يمكن كونه على ظاهره وعمومه وإطلاقه ويكون أشعر الشعراء كلهم السابقين واللاحقين ويكون في شعره محاسن ذاتية لا يدركها فهم كل أحد أو يكون الجيد من شعره الذي لا يدانيه شعر شاعر في الحسن لم يصل الى هذا الزمان ويكون أشعر الشعراء بمعنى أحسنهم شعرا.
الثاني: ان يكون أشعر الشعراء بمعنى أكثرهم شعرا وان لم يكن شعره أحسن من شعر غيره، ولا ينافي ذلك قلة شعره الموجود لاحتمال اندراسه لطول العهد.
الثالث: ان يكون أشعر الشعراء بمعنى أقدرهم على نظم الشعر وان لم يكن أحسن شعرا ولا أكثر لان من كان أقدر على فعل من الأفعال لا يلزم كثرة إتيانه به ويمكن اجتماع هذا الوجه مع سابقه بل سابقيه.
الرابع: ان يكون أشعر الشعراء أى أحسنهم شعرا الى زمان أمير المؤمنينعليهالسلام فيكون أشعر المتقدمين على ذلك الوقت لا المتأخرين عنه وهذا مستقيم على التقدير الثاني والثالث أيضا.
ويؤيده ما رواه الطوسي في الأمالي في الحديث ان المتوكل سأل على بن محمد (ع) عن أشعر الشعراء فقال. فلان بن فلان العلوي(١) .
ويؤيده أيضا ما رواه الكشي عن الصادق (ع) انه قال للسيد إسماعيل بن محمد الحميري أنت سيد الشعراء.
فقال الحميري: ولقد عجبت لقائل لي مرة. وعلامة فهم من الفقهاء
__________________
(١) الأمالي ج ١ - ص ٢٩٣
سماك قومك سيدا صدقوا به |
أنت المهذب سيد الشعراء(١) |
لكن ينافيه ما رواه السيد الرضي أيضا في كتاب المجازات النبوية عنه (ع) انه قال في امرء القيس يجيء يوم القيمة يحمل لواء الشعراء الى النار(٢) .
قال الرضى المراد: النهى عن ان يكون حفظ الشعر أغلب على قلب الإنسان فيشغله عن القرآن وعلوم الدين « انتهى » ومراده الجمع بينه وبين ما روى في جواز نظم الشعر وإنشاده والرخصة فيه وكراهة إنشاده في مواضع خاصة ورواية الأئمةعليهمالسلام له وانشادهم إياه وانما ورد النهى عن الإكثار من إنشاده والإفراط فيه ويأتي احتمال آخر بحديث اللواء.
الخامس: ان الحديث غير صريح في ان امرء القيس أشعر الشعراء بل يظهر منهعليهالسلام توقف في الحكم بذلك لأنه قال ان القوم إلخ إشارة الى ان ذلك ليس بأمر محسوس كالحلبة التي ينتهي إلى الفقه وكلاهما محسوسان محصوران يعرف السابق بهما ولا يشتبه بغيره بل حسن الشعر أمر عقلي معنوي غير محسوس بل يختلف باختلاف الانظار والطباع بل كثيرا ما يتفق فيه عموم وخصوص من وجه بأن يكون جماعة من الشعراء كل واحد منهم أحسن شعرا من الأخر في فن خاص أو جماعة يكون بعض أبيات كل واحد منهم حسن من بعض أبيات الباقين أو - من أكثرها.
ولذلك قالعليهالسلام وان كان ولا بد فالملك الضليل بمعنى ان كان ولا بد من تعيين شاعر يمكن ان يكون أشعر الشعراء أو يكون داخلا في جماعة هم أشعر الشعراء فالملك الضليل ولا ينافيه حمل اللواء يوم القيمة لأن حامل اللواء قد لا يكون أفضل أهل العسكر فان الأمير أفضل منه.
السادس: ان يكون المراد أشعر الشعراء المذمومين اى أحقهم بالذم المذكور
__________________
(١) رجال الكشي ص ٢٨٨
(٢) المجازات النبوية ص ١٥١
في قوله تعالى:
( وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا ) (١) .
يعنى امرء القيس رئيس أرباب معاني الشعرية السخيفة الذميمة أو انه أكثر منها وأفرط فيها.
ويؤيد هذه التوجيه لفظ الضليل حيث انه مشتق من الضلال أو من ظل فيكون في القسم المذموم اعنى المستثنى منه لا في القسم الممدوح اعنى المستثنى ويؤيده حديث اللواء وذكر النار فيه.
السابع: ان يكون المراد انه لفرط شجاعته وكرمه وعلو همته كانت معانيه أبلغ ومطالبه في شعره أعظم كما يظهر من كلام بعض الأكابر والملوك وأرباب الهمم العالية بالنسبة إلى كلام من دونهم من الأراذل والرعية وان كان لم يظهر من ذلك في شعره الا القليل فإن أكثر شعره اندرس وقد اشتهر من كلام العلماء قولهم كلام الملوك ملوك الكلام، ويؤيد هذا الوجه قوله: الملك الضليل والله اعلم.
__________________
(١) الشعراء - ٢٢٧
فائدة (٧٩)
قد تجدد في هذا الزمان من بعض المائلين إلى العمل بالأدلة العقلية الظنية الاستدلال على ذلك بما ورد في الحديث من قولهمعليهمالسلام صديق كل امرئ عقله وعدوه جهله(١) .
وقولهم (ع) العقل دليل المؤمن(٢) .
وقولهم (ع) الحجة على الناس اليوم العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه والكاذب على الله فيكذبه(٣) .
وقولهم (ع) ان لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة فالحجة الظاهرة الأنبياء والرسل والحجة الباطنة العقل(٤) ولم يكن هذا الاستدلال معهودا في كتب الأصول.
والجواب عن ذلك من وجوه:
الأول انهم: يعتقدون ان خبر الواحد لا يجوز الاستدلال به في الأصول فكيف استدلوا به هنا على هذا المطلب الجليل وهو خلاف طريقتهم.
__________________
(١) الكافي ج ١ ص ١١
(٢) الكافي ج ١ ص ٢٥
(٣) الكافي ج ١ ص ٢٥
(٤) الكافي ج ١ ص ١٦
الثاني: ان سندها ظني عندهم ودلالتها على هذا المطلب ظنية والاستدلال بمثلها في الأصول غير جائز للنهى عن العمل بالظن.
الثالث: انه استدلال لظني على ظني وهو دوري.
الرابع: ان هذه الاخبار معارضة بما هو أقوى منها سندا ودلالة بل معارضاتها متواترة مشتملة على النص العام والخاص.
الخامس: انها غير موافقة للقرآن للنهى عنه فيه عن العمل بالظن وغير ذلك من الآيات المعارضة وقد ورد الأمر بالعرض على القرآن عند التعارض والعمل بما وافقه وترك ما خالفه.
السادس: انها موافقة لطريقة العامة ومعارضاتها غير موافقة لهم فتعين العمل بها للنص المتواتر بذلك فيحمل هذه على التقية لو كانت صريحة فيما ادعى.
السابع: انها مخالفة للاحتياط ومعارضاتها موافقة له وهو من جملة المرجحات القوية المنصوصة فتعين تركها والعمل بمعارضاتها.
الثامن: انها بالنسبة الى هذا المطلب غير صريحة بل هي محتملة للاحتمالات الكثيرة التي يأتي بعضها وإذا قام الاحتمال بطل الاستدلال.
التاسع: انها: كثيرة الاحتمالات كما عرفت فتكون متشابهة فلا يجوز العمل بها لقوله تعالى( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ) (١) وغير ذلك من الآيات والروايات وهذا بديهي.
العاشر: ان هذه الاخبار انما تدل على حجية المقدمات العقلية التي تتوقف عليها حجية المقدمات النقلية ونحوها لا مطلقا لقولهمعليهمالسلام به يعرف الصادق على الله فيصدقه ولما هو ظاهر من سياق المقام والتصريحات الواقعة في غيرها ولا شك ان الاستدلال على حجية الدليل السمعي بالدليل السمعي دوري إلا مع تخالف بين
__________________
(١) آل عمران - ٧ -
الدليلين والمدلول كالنص على امام الدال على حجية قوله ونحو ذلك وهذا المعنى غير متحققة هنا وليس في الاخبار المذكورة تصريح بدخول ما زاد عن هذا القدر على انهم استدلوا بدليل العقلي على حجية الدليل السمعي ثم حاولوا الاستدلال بدليل السمعي على حجية الدليل العقلي فوقعوا في الدور.
الحادي عشر: بعد التنزل عن جميع ذلك نقول انها غير صريحة في حجية الدليل العقلي الظني قطعا ولا ظاهرة في العموم بالنسبة إليه فلا يجوز الاستدلال بها عليه ولو سلمنا عمومها فان المخصص لها موجود وهو الآيات الكثيرة والروايات المتواترة في النهي عن العمل بالظن فاذا خصت بالدليل العقلي القطعي لم يبق لها فائدة لأن هذا القسم غير موجود في الفروع قطعا وعلى تقدير وجوده في غيرها مثل بطلان تكليف ما لا يطاق ونحو ذلك فهو مسلم لكن هناك دليل نقلي متواتر قطعا والاستقراء شاهد بذالك
الثاني عشر: ان نقول العقل يستعمل بمعان كثيرة: جدا وفي الأحاديث استعمل بثلاثة معان:
الأول: العلم المقابل للظن:
الثاني: الطبيعة الإنسانية التي تميز الخير من الشر.
الثالث: العمل بمقتضاها اعنى ترجيح الخير عن الشر والإتيان بالخير وترك الشر ومقابلته بالجهل لا بالجنون في هذه الاخبار وسائر أخبار مدح العقل دليل واضح على ان المراد به العقل المقابل للجهل اعنى لا المقابل للجنون وهو من التعقل وقد أطلق الجهل على الظن في الاخبار ولم يرد في الظن مدح صريح بل ولا ظاهر في مكان يعتد به وانما ورد فيه ذم بليغ نعم هو ضابطة شرعية في بعض المواضع التي ليست من نفس الأحكام الشرعية وذلك خارج عن محل النزاع.
واعلم ان بعض ما ذكرناه يمكن المناقشة فيه لكنه مع ذلك أقوى من
أدلتهم في الأصول ومجموع ما ذكرناه لا يمكن المناقشة فيه بل هو قطعي عند من أنصف.
وإذا عرفت ذلك فاعلم ان العقل المقابل للجنون ان كان مرادا في تلك الأحاديث أو في بعضها فلا بد من تخصيصه بأنواع اثنى عشر.
الأول: ما ذكرناه من المقدمات التي يتوقف عليها حجية الدليل السمعي من وجود خالق وكونه كاملا وانه ينبغي ان ينصب شخصا ترجع اليه الناس فيما لا يعلمون وان ذلك الشخص ينبغي ان يكون له برهان يدل على صدقه من نص أو أعجاز وان القبيح يمتنع على الله فلا يصدق الكاذب ولا يكذب الصادق، والذي دلت عليه الأحاديث المتواترة ان هذا القدر ضروري موهبي من الله لا كسبى.
الثاني: معرفة أحوال النص والاعجاز وكيفية الاستدلال بها.
الثالث: معرفة أحوال الرواة والناقلين للكتاب والسنة.
الرابع: معرفة العلم والظن وتمييز افرادهما فان بعض افرادهما ربما تشتبه وقد قال الكاظمعليهالسلام والعلم بالتعلم ولا علم الا من عالم رباني ومعرفة العلم بالعقل(١) .
الخامس: معرفة التواتر وافادته العلم.
السادس: معرفة القرائن وإفادتها العلم:
السابع: معرفة أحوال الكتب التي يرجع إليها.
الثامن: معرفة وجوه الاحتياط عند الاشتباه.
التاسع: معرفة موضوعات المسائل وتمييز بعضها من بعض كتمييز المسكر من غيره ونحو ذلك.
العاشر: معرفة إفراد الكليات التي دل عليها النص العام فان بعضها غير ظاهر الفردية.
__________________
(١) الكافي ج ١ ص ١٧
الحادي عشر: معرفة الحقائق العرفية للألفاظ المتداولة التي يحتاج إليها فأما الحقائق اللغوية فنقلية.
الثاني عشر: معرفة أحوال المدعين للنبوة والإمامة ليعلم الفاضل والمفضول ولما دل عليه الحديث الثالث السابق وبعض هذه الأنواع ربما تتداخل وأكثرها يمكن استفادته من النقل أو من النقل والعقل، ولا بد فيها كلها من الوصول الى حد العلم ومزيد التوقف والتثبت بقدر الإمكان والله الموفق.
وهذه الأنواع ليست من نفس الأحكام الشرعية التي لا يجوز أخذها الا من المعصوم بالنص المتواتر في ذلك وان كان يترتب عليها بعض الأحكام الشرعية لكن في بعضها ورد النص بالاكتفاء بالظن فصار ضابطا شرعيا كعدد الركعات الصادرة عنا في الأخيرتين وتعيين القبلة مع البعد وبعضها اعتبر فيه اليقين كحصول النواقض والنجاسات وغير ذلك وبعضها له ضوابط أخر تعلم من الأحاديث.
والحاصل انه لا يفهم من اخبار السابقة ولا من غيرها ان العقل بمجرده حجة في شيء من نفس الأحكام الشرعية أعني الوجوب والندب والكراهة والتحريم والإباحة والشرطية والسببية والمانعية ونحوها، فان تلك الأمور الدنيوية أكثرها أكثرها داخل في علم الغيب بالنسبة الى الامام قد يعلمه وقد لا يعلمه(١) . ولم
__________________
(١) وقال بعض الأعلام: في علم النبيصلىاللهعليهوآله والامامعليهالسلام : وأما ما اشتهر في البحث عن علم النبيصلىاللهعليهوآله والامامعليهالسلام من أنه حضوري أو حصولي؟ فهو على خلاف المصطلح عليه في انقسام العلم الى الحضوري والحصولي، فإن المراد بالحضورى ما إذا كان المعلوم حاضرا للعالم بعينه كما في علم الشخص بذاته فإنه بذاته حاضر لذاته غير غائب عن ذاته لأن الشيء لا يكون فاقدا لنفسه، وكما في علم العلة الحقيقية بمعلولها فان المعلول بملاحظة ارتباطه حقيقتا وذاتا بعلته يكون حاضرا لعلته بعينه بأتم أنحاء الحضور كما في علمه الفعلي تعالى بعد الإيجاد بمعاليله
والمراد بالحصولى ما إذا كان المعلوم حاضرا بصورته المجردة وماهيته للعالم في أفق نفسه كما في علم الشخص بكل ما هو يغايره وجودا فإنه لا يكون
يبلغنا ان أحدا سأل الأئمةعليهمالسلام هل أحدث بعد وضوئي أم لا؟ وهل أصاب ثوبي نجاسة وأنا نائم أم لا؟ وهل صليت الظهر أمس ثلاث ركعات أم أربع ركعات وهل كان الفجر طالعا لما تسحر البارحة أم لا؟ ولو سألوهم لم يجيبوهم الا بقواعد كلية كقولهمعليهمالسلام كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر، ولا تنقض اليقين أبدا بالشك وانما تنقضه بيقين آخر.
وإذا شككت فابن على الأكثر فإذا سلمت فأتم ما ظننت انك نقصت. ونحو ذلك والفرق بين المقامين ظاهر عقلا ونقلا ولكن العامة وبعض المتأخرين من الخاصة قاسوا أحدهما على الآخر وذلك بسبب الغفلة عن الفرق وعن الأحاديث في المقامين. والله الهادي.
__________________
الا كذلك فعلم النبيصلىاللهعليهوآله والامامعليهالسلام بما عداهما علم حصولي بهذا المعنى لا حضوري.
نعم ما ينبغي التكلم فيه هو أن الموجودات بأسرها دائمة الحصول للنبي والامامعليهالسلام كما أنهما دائمة الحضور لذاته تعالى.
أو ان نفس النبيصلىاللهعليهوآله والامامعليهالسلام لصقالتها وتجردها عن الغواشي والحواجب وعدم توغلها في الشواغل ينطبع فيها صور الأشياء متى التفت إليها وتوجه نحوها فعقل النبيصلىاللهعليهوآله والامامعليهالسلام عقل فعلى دائما على الامام، وعقل هيولاني مع عدم التوجه والالتفات وعقل فعلى مع التوجه والالتفات على الثاني بخلاف غيرهما ممن ليست نفسه بتلك الصقالة وذلك الصفا فإنه لا ينطبع فيها الغائب عنها بمجرد التوجه بل بأسباب خاصة ربما تكون وربما لا تكون « انتهى ».
ومن أراد تحقيق مقدار معلومات النبيصلىاللهعليهوآله والامامعليهالسلام من حيث العموم والخصوص وكيفية علمهما فليراجع مبحث البراءة من الرسائل لشيخنا الأعظم الأنصاري ره وحاشية تلميذه المحقق الاشتيانى عليه في هذا المبحث وقد أوردناها في هامش كتاب الاثني عشرية للمؤلف ره مع تعليقاتنا: فراجع « ص ٨٣ - ٨٤ ».
فائدة (٨٠)
في عيون الاخبار في حديث علل الفضل في علة صوم ثلاثة أيام قال وانما جعل آخر خميس لأنه إذا عرض عمل العبد ثمانية أيام(١) والعبد صائم كان أشرف وأفضل من ان يعرض عمل يومين وهو صائم(٢) وهذا الحديث مروي في العلل الا ان فيه إذا عرض عمل العبد ثلاثة أيام.
أقول: وجه الأول انه قد ورد في أحاديث كثيرة ان الأعمال تعرض كل يوم خميس(٣) وبذلك ينحل الإشكال لأنه روى ان عمل الصائم مستقبل مرفوع فلو لم يؤمر بالصوم يوم الخميس لزم الأمر به يوم الأربعاء أو يوما آخر قبله الى يوم الجمعة فإذا صام يوم الجمعة عرض عمله يومين يوم الخميس والجمعة لأنه لا بد من عرض الأعمال الواقعة يوم الخميس بعد العرض ولم يبرء(٤) ان العرض يقع في آخر الخميس فلعله يقع في أوله أو في أثنائه وإذا صام السبت لزم عرض ثلاثة أيام أو الأحد فأربعة وهكذا فاذا صام الخميس عرض عمل ثمانية أيام وهو صائم وهو أشرف الصور المفروضة وانما ذكر اليومين لأنه الف والاخسى وأخس المراتب فمقتضى الحال الجمع بين الأعلى والأدنى فان نهاية العرض ثمانية أيام وأقله يومان.
__________________
(١) في المصدر: إذا عرض عليه عمل ثمانية أيام إلخ.
(٢) عيون الاخبار ج ٢ ص ١١٨
(٣) راجع الكافي ج ١ ص ٢١٩
(٤) ولم يرد ظ
ووجه الثاني ما روى ان الأعمال تعرض يوم الخميس ويوم الاثنين ويوم الصوم فاذا صام الخميس عرض عمله ثلاثة أيام وهو صائم الاثنين والثلاثاء والاربعا أو يترك الاثنين ويكون عوضه الخميس بنوع من التوجيه فإذا أمر بصوم يوم آخر فأقل المراتب عرض عمل يومين وهو صائم والله أعلم.
ولا منافاة بين ظواهر الاخبار حيث روى العرض يوم الخميس ويوم الاثنين وكل يوم وكل يوم جمعة.
وروى ليلة القدر وروى شهر رمضان وروى يوم الصوم لاحتمال تعدد العرض وتكراره ودون العرض تارة إجمالا وتارة تفصيلا أو تارة على الله وتارة على النبيصلىاللهعليهوآله وتارة على الأئمة (ع) وتارة على المقربين من الملائكة (ع) أو يخص كل نوع يعرض والله أعلم بحقائق الأمور.
فائدة (٨١)
في كتاب العلل حديث النملة انها قالت لسليمانعليهالسلام أنت أكبر أم أبوك قال بل ابى داود قالت النملة فلم زيد في حروف اسمك حرف على حروف اسم أبيك داودعليهالسلام فقال سليمان لا علم لي بذلك قالت النملة لان أباك داود داوى جرحه بود فسمى داود وأنت يا سليمان أرجو أن تلحق بأبيك(١) .
أقول: فيه إشكالان:
أحدهما: ان سليمانعليهالسلام اعترف بالجهل وعدم العلم وذلك لا تليق بالأنبياء (ع) فإنه يجب ان يكونوا اعلم من غيرهم عقلا ونقلا وكيف يجوز كون النملة أعلم من بعض الأنبياء.
وثانيهما: انه لا يظهر لجواب النملة معنى يعتد به.
والجواب عن الأول من وجوه.
أحدها: انه لا يلزم من علم النملة بهذه النكتة كونها أعلم من سليمان (ع) بل هو أعلم منها قطعا ومعلوماتها ليست بشيء بالنسبة إلى معلوماته ألا ترى بعض العوام قد يعلم مسئلة لا يعلمها بعض أكابر العلماء ولا يلزم كون ذلك العامي أعلم منه.
وثانيهما: ان النملة ليست من رعيته لعدم شمول التكليف لها ولا يمتنع
__________________
(١) علل الشرائع ج ١ ص ٧٢
كون غير رعية النبيصلىاللهعليهوآله أعلم منه الا ترى أن بعض الأنبياء أعلم من بعض لكن الأعلم ليس من رعية غيره وبعض الملائكة أعلم من بعض الأنبياء فلا محذور.
وثالثها: ان اعلمية النملة ليس من الأحكام الشرعية ولا تعلق له بالتكاليف ولا بالاعتقادات ولا يلزم بمثل ذلك لعدم الدليل عليه.
ورابعها: انه يحتمل كونه (ع) في ذلك الوقت عالما بجواب النملة ويكون معنى قوله (ع) لا علم لي انه لا علم له بذلك من قبل نفسه وان كان يعلمه بتعليم الله إياه كما قالت الملئكة( لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا ) فان ترك الاستثناء جائز واستعمال العام بمعنى الخصوص كثير.
وخامسها: أنه لا يبعد ان يكون الله أراد تعليم سليمان (ع) ذلك على لسان النملة وقد تعلم الأنبياء (ع) بعضهم من بعض ومن الملئكة وغيرهم وعلمهم ما يزال يزيد مدة حياتهم ولا يخفى ما في ذلك من الحكم.
وسادسها: أن يكون بعث اليه (ع) ملكا على صورة نملة ليعلم ما ذكر فقد كانت الملئكة يتشكل بغير إشكالها وصورة النملة هنا انسب من غيرها لما لا يخفى.
والجواب عن الثاني من وجوه:
أحدها: ان يكون المراد بيان اشتقاق الاسمين من المعنيين المذكورين وان زيادة حرف في اسمه على اسم أبيه ليس لكونه أكبر بل لاقتضاء الاشتقاق ذلك فاتفق زيادة حرف لا لكونه أكبر من أبيه سنا ولا فضلا ويبقى ذكر عدم كونه أكبر من أبيه إشارة إلى أن القاعدة المشهورة من أن زيادة المباني تدل على زيادة المعاني أغلبية لا كلية.
وثانيهما: أن يكون المراد أن أباك داوى جرحه الذي هو الخطيئة بود اى محبة للهعزوجل بعد التوبة والإنابة وان كانت الخطيئة مجازية كأمثالها وكما هو مقرر وأنت سليمان أى سالم من تلك الخطيئة فأبوه وأن كان أكبر منه سنا فهو
أكبر من أبيه باعتبار سلامته من الخطيئة أو زيادة علمه أو ملكه.
وثالثها: أن يكون ان أباك لما كان به جرح أوحى إليه داو بود ولما كانت الباء زائدة للتعدية سقطت عند التسمية لعدم وجود فعل يحتاج إلى التعدية فبقي داود تلفظ بواوين وتكتب بواحد ولما كان سليمان سليما أى سالما من ذلك سمى سليمان بالتصغير اما لكونه أصغر سنا أو لغير ذلك من فوائد التصغير وصار التنوين نونا لأنه كان دالا على معنى فلم يحسن سقوطه لفوات ما دل عليه.
ورابعها: أن يكون المراد انه قيل لأبيك داود فلفظ دا مبتداء خبره محذوف اى بك داء ولفظ ود خبر مبتداء محذوف اى دواءه ودّ أي محبة لله ولمن أمر بمحبته فلما سمى به حذف المد فصار داود، وأنت سليمان أى سليم بمعنى ملسوغ لديغ تسمية الشيء باسم ضده تفألا كما يقال الغافل عند الذهاب تفألا بأنها ترجع ومثله كثير فيكون جرحه باقيا وجرح أبيه زال ووجود الجرح زيادة فكانت زيادة الحرف لذلك.
وقد روى أن سليمانعليهالسلام آخر من يدخل الجنة من الأنبياء لكثرة ما أعطى في الدنيا(١) .
وقولها: أرجو أن تلحق بأبيك إشارة الى ذلك اى تعرف مداواة جرحك بود كما فعل أبوك.
وخامسها: ان يكون المراد ان الله لما علم ان داود يداوي جرحه بود أي محبة لله وحده لانقطاعه عن الدنيا سماه داود ولما طلب سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده كان سعة ملكه وكثرة دنياه جرحا له يقدر على دوائه بود خالص لان محبته لله مشوبة بمحبة غيره في الجملة وان كان ذلك راجعا إلى محبة الله ففيه إشارة الى أن الزيادة في الحروف قد يكون لنقصان المعنى كما قيل زيادة الحد
__________________
(١) البحار ج ١٤ ص ٧٤
نقص في المحدود.
وسادسها: ان يكون المراد ان أباك داوى نفسه من جرح يتوقعه ويخاف منه بود فلم تحصل له ذلك الجرح وكان دواؤه لحفظ الصحة والتحفظ وحصول المرض لا لدفع مرض قد حصل وقد قسموا الدواء والعلاج الى قسمين وان أرجو أن تلحق بأبيك فتداوى جرحك المتوقع لئلا يقع وأنت الان سليم فلذلك سميت سليمان وأرجو ان تسمى داود إذا داويت نفسك بودّ وقد ذكرنا سابقا ان زيادة المباني لا يلزم كونها لزيادة المعاني والله أعلم بحقائق الأمور.
فائدة (٨٢)
قد رأيت في المنام في طريق مكة المشرفة لما حججت الحجة الثالثة وقد كنت ماشيا من وقت الإحرام الى ان فرغت وحج معي جماعة مشاة نحو سبعين رجلا فرأيت ليلة في المنام ان رجلا سألني عن مشى الحسن (ع) والمحامل تساق بين يديه ما وجهه مع أن فيه إتلافا للمال بغير نفع وهو إسراف، فأجبته في النوم بان في ذلك حكما كثيرة.
منها: ان لا يكون المشي لتقليل النفقة.
ومنها: ان لا تظن به ذلك.
ومنها: بيان جوازه.
ومنها: بيان استحسانه.
ومنها: إنفاق المال في سبيل الله.
ومنها: سد خلل عزمات بها كما روى.
ومنها: احتمال الاحتياج للعجز عن المشي.
ومنها: ان يطيب الخاطر وتطمئن النفس بذلك، فلا تحصل المشقة الشديدة في المشي وهذا مجرب ويشير اليه قول علىعليهالسلام من وثق بماء لم يظمأ.
ومنها: الركوب في الرجوع.
ومنها: معونة العاجزين عن المشي.
ومنها: احتمال وجود قطاع الطريق والاحتياج الى الركوب والحرب.
ومنها: حضور تلك الرواحل بمكة والمشاعر للتبرك.
ومنها: إظهار حسبه وشرفه وجلاله وفيه حكم كثيرة.
ومنها: إظهار وفور نعم الله عليه( وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) الى غير ذلك.
فهذه أربعة عشر وجها في توجيه ذلك ويحتمل كونها كلها أو أكثرها مقصودة له (ع) هذا الذي بقي في خاطري مما أجبته ولما انتبهت كتبته.
فائدة (٨٣)
قد اشتهر الاستدلال الآن بأدلة كثيرة غير تامة بحسن التنبيه عليها والإشارة إليها تذكيرا للعاقل وتنبيها للغافل لا افتخارا بالتدقيق ولا تعريضا بأحد من أهل التحقيق.
منها: دعوى الإجماع فقد كثرت دعواه في محل النزاع ولا يخفى بعد تحققه واستحالة الاطلاع عليه الان وكذا زمان الذين ادعوا في كتبهم وكثيرا ما يريدون به الشهرة ولا دليل على حجيتها.
وللشهيد الثاني هنا كلام جيد في رسالة الجمعة فارجع اليه ان أردته وفرض العلم بدخول المعصوم فيه في زمان الغيبة من جملة فروض المحال وكذا الاكتفاء بوجود عالم مجهول النسب في جملة المجمعين وكذا دعوى كونه كاشفا عن دخوله بل ليس على حجيته دليل يعتد به عند القائل بل هو من مخترعات العامة كما يفهم من رسالة الصادقعليهالسلام في أول الروضة وكما صرح به السيد المرتضى وغيره وقد حققنا ذلك في رسالة مفردة.
ومنها: الاستدلال بأحاديث العامة المذكورة في كتب الاستدلال وقد استدل بها المرتضى والشيخ والمحقق والعلامة وغيرهم في كتبهم وغرضهم صحيح في الاستدلال بها وبأمثالها مما تقدم ويأتي كما فهمناه من اشاراتهم ومن تصريحات بعضهم لان كلامهم مع علماء العامة فأرادوا الاستدلال عليهم بدليل إلزامي لا يقدرون
على إنكاره لأنهم يعتقدون صحته وثبوته.
ثم استدلوا بعد ذلك بما رواه الخاصة لكن كثيرا ما يتفق في كتب بعض المتأخرين جعل ذلك الدليل الظاهري دليلا واقعيا بل كثيرا ما يردون الحديث الصحيح الصريح إذا خالف الحديث الضعيف الذي رواه العامة فلا ينبغي الغفلة عن ذلك.
فقد تواترت الأحاديث عن أئمتناعليهمالسلام بالنهي عن رواية أحاديث العامة وان كانت في مدح أهل البيت (ع) كما روى في عيون الاخبار وغيره وعن العمل بها بل ورد عنهم الأمر بمخالفتها إذا لم يكن عندنا دليل يوافقها.
ومنها: الاستدلال بظواهر الآيات في الأحكام النظرية إذا لم يكن هناك حديث عن الأئمة (ع) يوافقها فقد تواترت الأحاديث عنهم (ع) بعدم جواز ذلك وبان في القرآن ناسخا ومنسوخا ومحكما ومتشابها وعاما وخاصا وان له ظاهرا وباطنا وتفسيرا وتأويلا الى غير ذلك.
وقد جمعنا جملة من تلك الأحاديث في أول كتاب القضاء من وسائل الشيعة وحققنا المطلب في محل آخر من هذه الفوائد.
ولا يخفى على منصف ان آيات الأحكام بالنسبة إلى الأحكام النظرية متشابهة مع قطع النظر عن كل ما عداها وان النسخ فيها كثير جدا بل هو مخصوص بها وان تعريف المتشابه صادق عليها بالنسبة إلى الحكم النظري لاحتمال كل آية منها وجهين فصاعدا مع قطع النظر عما سواه فكيف يمكن الاستدلال بها وحدها مع قوله تعالى:( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ) ومع تواتر الأحاديث المشار إليها.
ومنها: الاستدلال على حكم نظري بآية اختلف فيها القراء بحيث يتغير المعنى كقوله تعالى( وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ ) وقوله( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) وغير ذلك فإن الإمامية اتفقوا وتواترت رواياتهم بأن القرآن لم ينزل
الا على قراءة واحدة وان جاز التلاوة بالجميع في زمان الغيبة لاشتباه القراءة المنزلة ولا دليل عندنا على جواز العمل بكل واحدة من القراءات التي يتغير بها المعنى ولا على ترجيح احدى القراءتين والترجيح بغير مرجح مشكل والجمع بين المتناقضين أشكل والتوقف أسلم وهذا الاستدلال لا يتم الا على قواعد العامة وقولهم ان القرآن نزل على سبعة أحرف وما علم من عادتهم من التساهل.
ومنها: الاستدلال بالأصل في نفس الحكم الشرعي في مقام التحريم بان المسئلة خلافية وقد ذهب جمع من العلماء إلى أصالة التحريم وذهب المحققون الى التوقف والاحتياط والنص به تجاوز حد التواتر، ذكرنا نبذة منه في الكتاب المذكور وحققنا ذلك في محل آخر من هذه الفوائد، ودليل أصالة الإباحة ضعيف جدا واما أصالة عدم الوجوب فلا خلاف فيها، وبعض الأحاديث دالة عليها.
ومنها: الاستدلال بالاستصحاب في نفس الحكم الشرعي فإن دليله ضعيف كما لا يخفى على المتأمل وقد حققناه في محل آخر وقد رده المحققون وحجيته أيضا خلافية.
ومنها: الاستدلال بقياس الأولوية فإن حجيته أيضا خلافية ودليلها ضعيف وأكثر المحققون لا يقولون بحجيته وأدلة بطلان القياس شاملة له ولا مخصص لها يعتد به بل النص الخاص في بطلانه صريح بل متواتر وقد ذكرنا جملة منه في الكتاب المذكور.
ومنها: الاستدلال بقياس منصوص العلة فإنه بمنزلة الذي قبله.
ومنها الاستدلال بباقي أقسام القياس ولم يقل بحجيتها أحد من علمائنا أصلا إلا ابن الجنيد على ما نقل عنه وذكروا ان كتبه تركت لذلك، ونقل انه رجع عن القول بالقياس فظهر اتفاق الأصحاب على بطلانه ومع ذلك يستدلون به في كتب الاستدلال بل هي مملوة منه للغرض الذي ذكرناه في استدلالهم بأحاديث العامة لكن كثيرا ما يغفل بعض المتأخرين فيستدل به استدلالا واقعيا بل ربما يردون الحديث
الصحيح إذا خالفه ومن تأمل كتب الاستدلال تيقن ما قلناه والغافل معذور ولكن لا يجوز متابعته عمدا فإياك أن تكون غافلا.
ومنها: الاستدلال بالمفهومات كمفهوم الشرط والصفة والغاية واللقب ونحوها فان الثلاثة الأول حجيتها خلافية وليس لها دليل تام بل له معارضات والرابع لم يعمل به أحد من علمائنا، ومع ذلك يحتجون به في كتب الاستدلال لما ذكرناه فلا تغفل.
ومنها: ترجيح التخصيص والمجاز والإضمار والنقل والاشتراك والنسخ بعضها على بعض لعدم الدليل الصالح لذلك مع تعارض الأدلة فينبغي التوقف على قرينة أخرى أو الاحتياط.
ومنها: استدلالهم بمطلق الأمر على الوجوب وبمطلق النهى على التحريم فان المقدمتين خلافيتان ودليلهما غير قوى ولا خال من المعارض وتحقيقه في محله وقد عارضوه بان المجاز الشائع مقدم على الحقيقة فينبغي تحصيل قرينة تطمئن بها النفس أو الاحتياط.
ومنها: الاستدلال بالمقدمات المختلف فيها مثل قولهم الأمر بالشيء يستلزم النهى عن ضده الخاص، والنهى في العبادة يستلزم الفساد ونحو ذلك لعدم الدليل على حجيتها.
ومنها: الترجيح بالمرجحات المذكورة في كتب أصول العامة وبعض المتأخرين من الخاصة وهي نحو خمسين مرجحا ليس في شيء منها دليل يعتد به والمرجحات المنصوصة عن أئمتنا (ع) تزيد على العشرة وهي مخالفة للمرجحات الأصولية غالبا فينبغي التأمل في ذلك والاحتياط.
ومنها: استدلالهم بالمصالح المرسلة مع انه لم يقل بحجيتها أحد من علمائنا وفسروها بأنها حكم لم يعلم علتها لشيء من الأحكام التي لم يظهر اعتبار الشارع لها وقد استدلوا بها في كتب الاستدلال في مواضع لا تحصى للغرض الصحيح
الذي ذكرناه سابقا لكن قد غفل بعض المتأخرين فاستدل بها لغير ذلك الغرض من غير أن يورد معها دليلا آخر بل ربما يردون الحديث الصحيح إذا عارضها فلا تغفل مع من غفل.
ومنها: قولهم في مواضع كثيرة عند تضعيف بعض الأحاديث الصحيحة التي يعترفون بصحتها انها مخالفة للأصول فيردونها مع ان تلك الأصول قواعد كلية ليس عليها دليل صريح في العموم وعلى تقدير وجوده كيف يجوز رد الدليل الصريح الخاص لأجله والعام قابل للتخصيص ودلالة الخاص أقوى قطعا.
ومنها: استدلالهم بالوجوب العقلي على الوجوب الشرعي وبالقبح العقلي على التحريم الشرعي ولا يخفى عدم الملازمة وان الضابط في المقامين مذمة العقلاء وهو أمر مشكل لعدم الاطلاع على مذمة الجميع وعدم الدليل على الاكتفاء بالبعض ومع ذلك فهم يذمون على فعل المرجوح وترك الراجح وان لم يكن مانعا من النقيض.
الا ترى أنهم يقولون قبيح عقلي وواجب عقلي ولا يقولون مستحب عقلي ولا مكروه عقلي ولو كان العقل مستقلا في المقامين وكان العقلي ملازما للشرعى لعرف العقلاء أو الأنبياء جميع الأحكام الشرعية من غير احتياج إلى الوحي ولا شك في ثبوت الحسن والقبح العقليين، وفي توقف الوجوب والحرمة الشرعيين على نص الشارع بما قلنا وللنصوص المتواترة نعم يصلح الاستدلال المذكور مؤيدا للنص من الشارع كأمثاله لا دليلا مستقلا فلا تغفل.
ومنها: استدلالهم في مواضع كثيرة بأن الكافر تتعذر منه نية القربة ولا يخفى انه غير تام إذ ليس كل كافر منكرا للصانع بل قد يكون الكفر بإنكار بعض الصفات الثبوتية أو السلبية أو العدل أو النبوة أو الإمامة أو المعاد أو الصلاة أو الصوم أو الزكاة أو الحج أو تحريم الزنا أو تحريم الشراب أو غير ذلك من الأقسام الكثيرة جدا.
ولا يتعذر نية القربة إلا في القسم الأول على تقدير وجوده مع أنه ذهب كثير
من العلماء الى عدم وجوده، والكتاب والسنة دالان على ذلك ولتحقيقه محل آخر سلمنا لكن الأقسام الباقية لا تعد ولا تحصى وقد حكى الله سبحانه عن عباد الأصنام انهم قالوا( ما نَعْبُدُهُمْ إِلّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى ) وقالوا( هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ ) فكيف تتعذر نية القربة في مطلق الكافر.
وهذا الاعتراض ما زال يخطر ببالي في هذا المقام ثم رأيت بعض المحققين من المتأخرين تفطن له في موضع مع أنه بعينه غفل عنه في مواضع كثيرة.
ومنها: استدلالهم في عدة مواضع بقوله تعالى( وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ) (١)
وقوله تعالى:( وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) (٢) الى غير ذلك من الآيات التي استدلوا بعمومها على إفرادها مع ان ألفاظ العموم واقعة فيها في سياق النفي فتفيد نفى العموم لا عموم النفي كما صرح به العلامة في المبادي وغيره وصرح به جماعة من علماء المعاني والاستقراء دال عليه ألا ترى ان النكرة في سياق النفي دالة على العموم دون النفي نقيض الإثبات كما صرحوا به.
ومن أمثلة ذلك: الدعاء المأثور يا من يفعل ما يشاء ولا يفعل ما يشاء غيره، فان لفظ العموم في الإثبات أفاد العموم لا في النفي والا لزم الجبر ونحو أخذت كل الدراهم ولم آخذ كل الدراهم الى غير ذلك وان كانت مستعملة في النفي بعموم النفي كقوله تعالى( وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ) (٣) ونحو ذلك بقرينة أخرى ودليل آخر والا فالاستقراء ونص علماء العربية دال على ما قلناه.
ومنها: الاستدلال بالعرف والعادة فقد استدلوا بذلك على كثير من الأحكام مع ان ذلك أمر غير مضبوط وفي الغالب يكون مخصوصا بعرف بلد المصنف وما قال بها فكيف يكون حجة على جميع أهل الدنيا وقد يتغير عرف بلد ذلك المصنف في وقت آخر فينبغي عدم الغفلة عن مثل ذلك.
وأمثال هذه الاستدلالات كثيرة جدا اكتفينا بهذا القدر ليكون ما ذكر دليلا
__________________
(١) محمد ٣٣
(٢) النساء ١٤١
(٣) آل عمران ٥٧
على ما لم يذكر فلا تغفل عن ذلك وعن أمثاله أيقظنا الله وإياكم من الغفلات، ولا يخفى عليك ان هذه الاستدلالات كلها موافقة لاستدلالات العامة وطريقتهم بل هي عين أدلتهم التي يستندون بها(١) في كتبهم من مخترعاتهم ومستحدثاتهم، وناهيك بذلك دليلا على بطلانها وبرهانا على فسادها ولو صحت لصحت مذاهب العامة واللازم باطل فكذا الملزوم ونحن مأمورون بالنص المتواتر عن أئمتنا (ع) باجتناب طريقة العامة وترك سلوك مسالكهم ومشاكلتهم في اعتقاداتهم وأعمالهم فلا ينبغي الغفلة عن ذلك.
وقد تواترت الآيات والروايات بالنهي عن العمل بالظن وهذه الأدلة ظنية باعترافهم ودليل حجيتها ظني بل هو أضعف منها فكيف يجوز الاستدلال بظنى على ظني؟! وعند التأمل يظهر انها كلها ترجع الى القياس وهو باطل أو دليل حجيتها مبني على القياس وكلها يطلق عليها لفظ المقاييس في كلام المتقدمين وفي أحاديث الأئمة (ع) والنهى عنها متواتر وكلها ظنية والنهى عن العمل بالظن متواتر.
وقد خصوا النهى عن العمل بالظن بالأصول وهو تخصيص بغير مخصص بل الأدلة المعارضة لهذا التخصيص كثيرة ليس هذا محلها سلمنا فحجية هذه الأدلة من أعظم مطالب الأصول بل عليها يتفرع جميع الأحكام فأين أدلتها القطعية ومن تتبع وأنصف تيقن ان أكثر أدلة الفروع أقوى من أكثر أدلة الأصوليين وهذه الدعوى لا ينكرها الا من قل تتبعه ولم يعرف القرائن ولأحد التواتر ولم يطلع على أحوال الكتب والرواة كما ينبغي أو من غلبت عليه شبهة أو تقليد أو من صرف عمره في تحقيق العلوم الفاسدة وفي مطالعة كتب العامة أعداء الدين وقد تواترت الاخبار عن الأئمة (ع) بوجوب الرجوع في جميع الأحكام الشرعية الى أهل العصمة (ع).
وبوجوب الاحتياط إذا لم يعلم حكمهم وهذه الطريقة اجماعية يجوز العمل
__________________
(١) يستدلون بها - خ ل
عند الأصوليين والأخباريين والعمل بوجوه الأدلة الظنية وأقسامها موافقة لطريقة الأصوليين والعامة ومخالف لطريقة الأخباريين والأئمة (ع) فظهر الترجيح عند العاقل المنصف والله الموفق.
واعلم ان انقسام الإمامية إلى الأصوليين والأخباريين مشهور بين العامة والخاصة مذكور في نهاية العلامة في بحث العمل بالخبر الواحد وفي الملل والنحل وفي شرح المواقف في آخره(١) وغيرها وقد ذكر العلامة في النهاية ان أكثر الإمامية كانوا اخباريين.
__________________
(١) قال في شرح المواقف: واما الإمامية فقالوا بالنص الجلي على امامة علىعليهالسلام وكفروا الصحابة ووقعوا فيهم الى ان قال وتشعب متأخروهم الى معتزلة والى اخبارية يعتقدون ظاهر ما ورد بالأخبار. راجع ص ٦٢٩ ط اسلامبول ١٢٦٢ ه
فائدة (٨٤)
قد روى العامة والخاصة عن النبيصلىاللهعليهوآله انه قال: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر(١) .
وظاهر الحديث مشكل فان كثيرا من المؤمنين أحوالهم في الدنيا في نهاية الاستقامة ظاهرا وباطنا، وهم في نعمه تامة وتنعم وافر فالدنيا جنة لهم وكثير من الكفار في ضيق عظيم وضر وفقر واحتياج فالدنيا سجن لهم.
والجواب من وجوه اثنى عشر.
أحدها: ان المؤمن وان كان في الدنيا في نعيم وحسن حال فإنه بالنسبة الى حاله في النار في جنة، فيكون الحكمان للدنيا بالنسبة إلى الآخرة ونحو هذا التوجيه مروي عن الحسنعليهالسلام .
وثانيها: ان يكون محمولا على الأغلبية بالنسبة إلى مجموع المؤمنين والكفار والبناء على الأغلبية جائز في المقامات الخطابية.
وثالثها: ان المؤمن في الدنيا وان كان في نعمة وتنعم فإنه في سجن من حيث انه دائما في ملاحظة العمل بالطاعات واجتناب المحرمات وملاحظة أوقات الطاعات وتحمل مشقة طلب العلم والإتيان بالواجبات والمندوبات وترك المحرمات والمكروهات فلا تكمل له لذة من اللذات والكافر مطلق من ذلك الحبس همته
__________________
(١) الوسائل ج ٢ ص ٤٧٢ ط القديمة.
مصروفة في قضاء الشهوات بقدر ما يقدر عليه فكأنه في جنة فان أورد عليه ان بعض الكفار يتحمل المشقة في عبادته الفاسدة فليخص بالأغلب.
ورابعها: ان يكون اللام في المؤمن والكافر لاستغراق أوصاف الكمال كما في قولنا الرجل زيد اى الكامل في أوصاف الرجولية فلا يكون عاما فيخرج الإفراد المشار إليها لنقصان الايمان والكفر فيهم.
وقد روى في الحديث ان أشد الناس بلاء في الدنيا الأنبياء ثم الأوصياء ثم الأمثل فالأمثل(١) وفيه دلالة على ما قلناه.
وخامسها: ان من كان في السجن فهو في مشقة وقد تحصّل له لذات كثيرة ومن كان في الجنة فهو في تنعم وقد يحصل له مشقة إذا كانت الجنة من جنان الدنيا فالدنيا سجن باعتبار المشقة التي تناله، وجنة الكافر باعتبار اللذة التي تحصل له وسجن الدنيا يجامع اللذات أحيانا وجنة الدنيا تتجامع المشقة أحيانا ألا ترى انه قد وقع التكليف في جنة الدنيا وهو مستلزم المشقة.
وسادسها: ان السجن من شأنه الضيق والجنة من شأنها السعة والدنيا ضيقة بالنسبة إلى منزل كل مؤمن في الجنة واسعة بالنسبة إلى منزل كل كافر في النار والفرق بين هذا الوجه والأول لا يخفى لاختلاف وجه الشبه فيهما.
وسابعها: ان يكون المراد ان المؤمن يريد الخروج من الدنيا والوصول إلى الجنة لأنه يعترف بالجنة وبأنها خير له من الدنيا كما ان المحبوس يريد الخروج من الحبس والكافر لا يريد الخروج من الدنيا وان كان بعضهم يريد الخروج من حالة التي هو فيها الى حال أحسن منها لكنه لا يريد الخروج من الدنيا لعدم اعترافه بدار أخرى أحسن منها كما ان من كان في الجنة لا يريد الخروج منها، فوجه الشبه ارادة الخروج منها وعدمه.
وثامنها: أن يكون خبرا بمعنى الأمر يعني ينبغي للمؤمن أن يجعل الدنيا على
__________________
(١) الكافي ج ٢ ص ٢٥٣ وفيه ثم الأماثل فالأماثل.
نغسه بمنزلة السجن كما ان المحبوس لا يريد تناول ما زاد على أقل الكفاية كسد الرمق، وفكره مصروف إلى أسباب الخروج وهذا في بقية الحديث لا يخلو من بعد ويمكن توجيهه بان الكافر ما دام كافرا غير مأمور بهذا المندوب قبل الإسلام وان كان مأمورا بالأمرين معا إذ لا يقبل منه ولا ينفعه ان لم يسلم كسائر عباداته بل يمكن كون أمر الكافر بالتنعم في الدنيا على وجه التهديد كقوله تعالى( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (١) فأمر المؤمن حقيقي وأمر الكافر مجازي.
وتاسعها: ان يكون وجه الشبه ان المؤمن لا يعمل في الأحكام الشرعية إلا بقول أهل البيتعليهمالسلام كما قالعليهالسلام مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق(٢) فهو كالمحبوس والكافر يعمل بالهوى والرأي والظن والاجتهاد والتقليد والمقاييس وجميع الاستنباطات الظنية والتصرفات العقلية فمجاله واسع بمنزلة من كان في الجنة في اتساع المجال وليس كالمحبوس المضيق عليه.
وعاشرها: أن يكون وجه الشبه ان الدنيا تمنع المؤمن من العلم والعبادة الذين هما وسيلة إلى دخول الجنة لأنه إذا مال إليها واشتغل بها فاته ذلك فهي كالحبس المانع للمحبوس عن مهماته ومطالبه بخلاف الكافر إذ ليس ذلك من مطالبه بل أهم لمن عنده قضاء اللذات والشهوات فالدنيا جنة له لا تمنعه من مطالبه بل تعينه عليها.
وحاديعشرها: ان المؤمن يعد الدنيا على نفسه سجنا فلا يرغب فيها ولا يحبها ولا يميل الى عمارتها بل هو محتقر لها بخلاف الكافر.
وثاني عشرها: ان يكون مجموع الوجوه المذكورة وجه الشبه أو ما يمكن اجتماعه منها.
ولا يخفى ان بعض الوجوه السابقة غير شامل لجميع أفراد المؤمن والكافر لكن هذا من المقامات الخطابية لا الاستدلالية فيكفي فيه ما ذكر بل
__________________
(١) فصلت - ٤٠.
(٢) إثبات الهداة ج ١ ص ٤٩٩ سفينة البحار ج ١ ص ٦٣٠.
ما دونه وهذه الوجوه لا تنافي ما روى عن الحسينعليهالسلام (١) لأنه مع قطع النظر عن كونه من روايات العامة لم يذكر فيه قرينة انه لا وجه له غير ما ذكر لعدم تصريحهعليهالسلام بالحصر والفصيح البليغ يتكلم بما يقتضيه الحال والمقام بل لو صرح بالحصر لأمكن كون الحصر إضافيا والعام قابل للتخصيص وقد وقع مثله في التعليلات المنصوصة كثيرا ومن تتبع يظهر ذلك له والوجه ما قلناه من رعاية مقتضى المقام ومثله الروايات الواردة في تفسير الآيات والله الموفق.
__________________
(١) عن الحسن (ع) خ.
فائدة (٨٥)
حديث علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل(١) . لا يحضرني ان أحدا من محدثينا رواه في شيء من الكتب المعتمدة نعم نقله بعض المتأخرين من علمائنا في غير كتب الحديث وكأنه من روايات العامة أو موضوعاتهم ليجعلوه وسيلة إلى الاستغناء بالعلماء عن الأئمةعليهمالسلام ولأنه يناسب طريقتهم فقد افرطوا في تعظيم علمائهم مع علمهم بفسق أكثرهم، واعتقادهم فيهم لا تقصر عن اعتقاد الإمامية في أئمتهم بل ربما زاد عليه كما يظهر لمن خالطهم أو تأمل كتبهم وكما دل عليه الحديث الذي رواه الطبرسي في الاحتجاج عن العسكريعليهالسلام في التقليد وهو طويل ولأنهم يعتقدون ان العلماء يغنون عن الامام كما أشار إليه القاضي عبد الجبار في المغني وهم يطلقون على علمائهم لفظ الأئمة وعلى كثير منهم لفظ الامام كما في كتب رجالهم وغيره من كتبهم ويحتمل كونه من روايات الصوفية أو موضوعاتهم لإرادة إثبات ما يدعونه من الكشف وما يترتب عليه من المفاسد التي ليس هذا محل ذكرها.
وقد نقل الشيخ زين الدين في شرح دراية الحديث عن جماعة من مشايخ الصوفية انه يجوز عندهم وضع الحديث فكيف يجوز حسن الظن بهم في نقل الحديث وعلى تقدير ثبوته في كتب حديثنا المعتمدة من غير طريق العامة والصوفية حيث انهم متهمون في نقله كما عرفت فقد تقرران وجه الشبه لا عموم له بل
__________________
(١) أخرجه العلامة المجلسي ره في البحار عن كتاب غوالي اللئالي راجع ج ٢ ص ٢٢.
يكفى صفة واحدة من الصفات المشتركة بين المشبه والمشبه به فهو يحتمل وجوها اثنى عشر:
أحدها: ان يكون المراد بعلماء الأمة الأئمة الاثني عشرعليهمالسلام ويكون وجه الشبه العصمة ولا ريب في ثبوتها في الطرفين بأدلة مذكورة في محلها.
وثانيها: ان يكون المراد بهم الأئمةعليهمالسلام ووجه الشبه كونهم حجة الله على الخلق وكون طاعتهم مفترضة.
وثالثها: ان يكون المراد بهم الأئمةعليهمالسلام ووجه الشبه الفضل والشرف وعلو المنزلة عند الله لكن اعتقاد الإمامية ان كل واحد منهم أشرف من كل واحد من أنبياء بني إسرائيل وحينئذ يكون من عكس التشبيه لان المشبه أقوى وله نظائر.
ويمكن تصيححه بحمله على الإنكار وبأن المشبه به أقوى من حيث ان المخاطبين لا ينكرونه انما ينكرون المشبه لوجه آخر وهو ان الأئمة لما كانوا اثنا عشر وأنبياء بني إسرائيل ألوفا كثيرة لا تكاد تحصى كان المشبه به أقوى إذ لا يبعد كون ثوابهم كلهم أكثر من ثواب اثنى عشر اماما.
وقد صرح السيد المرتضى في رسالة تفضيل الأنبياء على الملئكة بان الافضيلة المراعاة في هذا الباب هي زيادة ما يستحقه الأفضل من الثواب وصرح أيضا بان ذلك أمر لا يهتدى العقل بمجرده الى معرفته وانما يعرف من النقل وأجاب بمثل ما أجبنا به هنا عن قوله تعالى:( لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ) وأجاب بغير ذلك أيضا.
ورابعها: ان المراد بهم الأئمةعليهمالسلام ووجه الشبه فرض الطاعة أو كون كل واحد منهم أعلم أهل زمانه أو كونه علمه من الله ولو بالإلهام ونحو ذلك.
وخامسها: ان يكون المراد بهم الأئمةعليهمالسلام ويكون وجه الشبه انه لا يخلو زمان منهم بل في كل زمان واحد منهم أو اثنان فصاعدا لما تقرر من وجوب النبوة والإمامة.
وسادسها: ان يكونوا هم المراد من العلماء ويكون وجه الشبه كونهم مظلومين مقتولين خائفين وتارة غائبين فإن ذلك موجود في الطرفين.
وسابعها: ان يكون المراد جميع علماء الأمة ويكون وجه الشبه وجوب العمل بما يروونه عنه وعن أهل بيتهعليهمالسلام كما في طرف المشبه به إذا نقلوا عن الله أو عن صاحب الشريعة في ذلك الزمان أو أوصيائه.
وثامنها: ان يكون المراد جميع العلماء ويكون وجه الشبه كثرتهم فان هذا المعنى موجود في الطرفين ويكون حينئذ إخبارا بالغيب واعجازا لهعليهالسلام .
وتاسعها: ان يراد العلماء ويكون وجه الشبه وجودهم في كل عصر مع قطع النظر عن الكثرة وهو حينئذ اعجاز لهعليهالسلام لمطابقة الخبر الواقع الى الآن.
وعاشرها: ان يكون المراد العلماء ويكون وجه الشبه تحمل المشاق الكثيرة والمتاعب العظيمة من الظلم والخوف فان هذا الوصف موجود في المشبه والمشبه به وفيه اعجاز أيضا، وان نوقش في عدم كونه كليا أجبنا بما مرّ في حديث الدنيا سجن المؤمن.
وحادي عشرها: أن بكون المراد العلماء ويكون وجه الشبه عدم اطاعة الرعية لهم فان هذا الوصف غالب في المشبه والمشبه به وفيه حينئذ أيضا اعجاز.
وثاني عشرها: ان يكون المراد العلماء ويكون وجه الشبه كثرة العلم فان علماء الأمة إذا تعلموا العلوم المنقولة عنه وعن أهل بيتهعليهمالسلام فقد علموا علما كثيرا وحسن التشبيه بأنبياء بني إسرائيل في العلم فان المشبه به ينبغي ان يكون أقوى ولو باعتبار كثرة الأنبياء أو كثرة علومهم وزيادتها على علوم علماء الأمة لا على علوم الأئمةعليهمالسلام فإنهم أعلم قطعا ويحتمل وجوها أخر بل يحتمل كون وجه الشبه مجموع الصفات وأمثالها أو ما يمكن اجتماعه منها والله تعالى أعلم.
فائدة (٨٦)
روى الشيخ في التهذيب وغيره عن علىعليهالسلام قال: ان أول صلاة أحدكم الركوع(١) وروى أول صلاتكم. ومعلوم ان الأولية غير حقيقية فلا بد من توجيهه وهو يحتمل وجوها اثنا عشر.
أحدها: ان يكون المراد ان أول فعل وجب في الصلاة الركوع وقد نقل انه لما نزل( أَقِيمُوا الصَّلاةَ ) لم يعلموا كيف يصلون فنزل( ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ) فيكون وجوب الركوع مقدما على وجوب النية والتحريمة والقراءة والقيام وان كان متأخرا في الفعل أي الإتيان به.
وثانيها: ان يكون المراد أول فعل تمتاز صلاة المسلم به عن صلاة غير المسلم الركوع، فقد نقل انه لم يكن واجبا في بعض الملل السابقة والشرائع المتقدمة كما نقله الطبرسي في مجمع البيان ان صلاة اليهود ليس فيها ركوع فان ثبت ذلك في ملة واحدة صح التوجيه.
وثالثها: أن يكون المراد أول فعل من أفعال الصلاة يمتاز به المصلى عن غيره الركوع لأن النية أمر قلبي لا يطلع عليه أحد والتكبير أعم من أن يكون جزء من الصلاة وكذا القيام وكذا القراءة خصوصا إذا كانت سرا.
ورابعها: ان يكون المراد أول فعل من أفعال الصلاة علم من الشارع الاعتناء
__________________
(١) التهذيب ج ٢ ص ٩٧ ح ١٠٣.
والاهتمام به وترجيحه وتفضيله على غيره والحكم بأنه أوجب من سواه الركوع.
وخامسها: ان يكون المراد أول فعل يدرك المصلى فضيلة الجماعة به ويجوز له الدخول فيها الركوع.
والأحاديث به متواترة واستدلوا عليه أيضا بقوله تعالى( وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ ) .
وسادسها: ان يكون المراد أول فعل إذا دخل فيه المصلى لا يلتفت الى ما نسبه من أفعال الصلاة السابقة عليه الركوع، وقد روى ان الإنسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح ومعلوم انها يستلزم النية والا لم تكن تكبيرة الافتتاح.
وسابعها: ان المراد أول فعل إذا اتى به المصلى لم يأت بما نسبه من الأذان والإقامة الركوع وفيه خلاف معروف.
وثامنها: ان يكون المراد أول فعل إذا تركه المصلى عمدا أو سهوا أو زاده كذلك بطلت الصلاة الركوع بناء على ما مر وما يرد عليه يمكن الجواب عنه كما لا يخفى على المتأمل.
وتاسعها: ان يكون المراد أول فعل إذا اتى به المتيمم ثم وجد الماء لا يقطع الصلاة له الركوع وفيه أيضا خلاف.
وعاشرها: ان يكون الركوع عبارة عن الخشوع والخضوع والإقبال بالقلب على الصلاة والانقياد لله والتسليم وهذا معنى ركوع الباطن وهو ركوع القلب وقد أشار إليه بعض المفسرين ويكون مجازا والمراد ان أول ما ينبغي للمصلي الإتيان به قبل الشروع في الصلاة وهو إصلاح النفس والقلب لتحصيل تلك الحالة الشريفة وتكون مستمرة إلى آخر الصلاة بل الى آخر العمر.
وقال الطبرسي في مجمع البيان قيل ان الركوع مأخوذ من الخضوع.
قال الشاعر:
لا تهن الفقير علك أن |
تركع يوما والدهر قد رفعه |
ثم قال الطبرسي إنما يستعمل الركوع في الخضوع مجازا وتوسعا.
وحاديعشرها: ان يكون الأول مجازا بمعنى الأفضل وذلك ان الأول مقدم على غيره تقدما حسيا والأفضل مقدم على المفضول تقدما معنويا وهذا القسم من المجاز والتشبيه في غاية الحسن وله أمثلة ونظائر.
وثاني عشرها: أن يكون الوجه فيه مجموع ما ذكر من الوجوه أو ما يمكن اجتماعه فيها ويحتمل توجيه الحديث غير ذلك على بعد والله أعلم.
فائدة (٨٧)
حديث شهر رمضان لا ينقص أبدا(١) .
أقول: هذا الحديث يجب تأويله قطعا لما ذكره الشيخ وغيره من تضعيفه وخلو الأصول والكتب الصحيحة منه ومخالفته لظاهر القرآن والأحاديث المتواترة وإجماع الإمامية ولا يظهر منهم مخالف الا ظاهر شذاذ لا يعتد بقولهم بل ظاهر واحد منهم، وتأويله ممكن بوجوه ذكر علمائنا جملة منها وخطر بخاطري جملة أخرى وأنا اذكر من ذلك اثنى عشر وجها.
أحدها: الحمل على التقية وان لم يذكره أحد فيما أعلم لكنه متجه فقد قال الشيخ في التهذيب ان المعتبر في تعرف أوائل الشهور هو الأهلة دون العدد كما يذهب اليه شذاذ من المسلمين.
وقد ألف الشيخ المفيد رسالة في إثبات العمل بالرؤية وإبطال العدد وقال ان القول بان شهر رمضان لا ينقص ابدا قول جماعة من الغلاة والعامة فظهران جماعة من الغلاة والعامة يذهبون الى العدد فيمكن حمل حديثه على التقية هذا وان كان مذهب قليل العامة لكن يقتضي الحكمة والمصلحة التقية في مثله ويجوز إرادة إخفاء المذهب
ولعل القائل كان مشهورا ذلك الوقت أو كان هو الحاضر في ذلك المجلس
__________________
(١) التهذيب ج ٤ ص ١٦٨.
وهو السائل والناقل.
وثانيها: الحمل على ان أبدا قيد للكلام وان النفي راجع إليه خاصة كما قرره الشيخ في التهذيب وجماعة من علمائنا أي لا يكون دائما ناقصا بل يكون تارة تاما وتارة ناقصا.
ثم ان الشيخ اعترض على نفسه بما حاصله ان هذا الحكم غير مخصوص بشهر رمضان فلا وجه لتخصيصه بالذكر وافراده بهذا الحكم.
وأجاب بان له سببا أوجب التخصيص قد وردت فيه الروايات وهو أن قوما كذبوا على النبيصلىاللهعليهوآله فزعموا ان الذي صامه من شهر رمضان كان النقصان فيه أكثر من التمام وان أكثر ما يكون شهر رمضان على النقصان قابلهم آخرون فادعوا انه لم يصم الا تماما ولا يكون صيامه ابدا الا على التمام فاقتضت الحال الرد على الفريقين « انتهى ».
وثالثها: الحمل على الغالب وعلى هذا فتصح التعليلات المذكورة في بعض الاخبار ولا يلزم كونها حقيقة لأن الأمر ح سهل ولا يجب العمل بذلك لأنه غير كلي ولوجود معارضه.
ورابعها: الحمل على حالة الاستثناء وحصول المانع من الرؤية في آخر الشهر فإنه يجب الحكم بالتمام وكذا الاشتباه في أول الشهر بمعنى رجحان صوم يوم الشك وفيه مبالغة في البحث على صوم يوم الثلثين من شعبان بنية الندب وحاصله انه لا ينقص ابدا مع عدم الرؤية.
وخامسها: ان يبقى على ظاهره بان يقال انه لا يكون سنة من السنين ناقصا وان كان يجب الرؤية تسعة وعشرين فقد كان آخر شهر شعبان أول شهر رمضان في نفس الأمر مع الإمكان ولو بتجويز وقوع ذلك في رجب وصورة عدم الإمكان نادرة جدا ومع ذلك لا يجب القضاء ولا يجب العمل الا بالرؤية لأنا مكلفون بذلك
لا بنفس الأمر ذكر هذا بعض مشايخنا وربما يؤيده انك لا تجد في هذه الاخبار بقضاء يوم أصلا مع عدم تحقق الرؤية بخلاف أخبار الرؤية فإنها صريحة وكان المراد بهذه الاخبار الاعتقاد وبالأخبار الأخرى العمل ولعل هذا مراد ابن بابويه بقرينة ما أورده في باب الصوم للرؤية والفطر للرؤية(١) .
وسادسها: ان يكون المراد لا ينقص فضله ولا شرفه ابدا بالنسبة إلى غيره من الشهور وكذلك شعبان لا يتم أبدا بالنسبة اليه وان كان شهر رمضان تسعة وعشرين وشعبان ثلثين بحسب الرؤية.
وسابعها: أن يكون المراد لا يجوز إطلاق لفظ النقصان على هذا الشهر الشريف لأنه محتمل للذم بل ظاهر فيه غالب الاستعمال في ذلك وهو خلاف المطلوب كما ورد انه لا يجوز ان يقال رمضان بغير شهر لأنه من أسماء الله فلا يجوز ان يقال جاء رمضان وذهب رمضان(٢) ونظير ذلك ما روى عنهمعليهمالسلام أنهم سئلوا عن القرآن أمخلوق هو فقالوا انه ليس بمخلوق ولا خالق ولكنه كلام الله محدث(٣) فلم يطلقوا لفظ المخلوق على القرآن لأنه ورد في اللغة بمعنى مكذوب فقصدوا التزام غاية الأدب والاحترام للقرآن وله نظائر أخر متعددة في ألفاظ ورد النهى عن الإتيان بها في الدعاء لإبهامها خلاف المطلوب قد أوردتها في مقدمات الصحيفة الثانية وفي أبواب الدعاء من وسائل الشيعة.
وثامنها: ان يكون المراد لا ينقص صومه المفروض ابدا سواء كان بحسب الرؤية تاما أم لا يعنى ان الصوم الواقع فيه مجز ولا يجب قضاء يوم منه وان اتفق تسعا وعشرين، فيدل على بطلان قول أهل العدد وعلى عدم جواز إطلاق النقص على الفرض بسبب نقصان الشهر واليه الإشارة بقولهمعليهمالسلام في حديث آخر ولا تكون
__________________
(١) التهذيب ج ٤ - ص ١٥٩.
(٢) الوسائل ج ٢ ص ١٠٧ ط القديمة.
(٣) تفسير البرهان ج ١ ص ٨.
فريضة ناقصة(١) .
وتاسعها: أن يكون التأبيد محمولا على الزمان الطويل كما حملوا عليه ما تمسك به اليهود من قول موسىعليهالسلام على ما زعموا تمسكوا بالسبب ابدا وكذا بعض آيات الوعيد على بعض الحالات وحاصل المعنى حينئذ انه لا يكون أكثر الأوقات ناقصا كما قاله بعض العامة وورد به الخبر عنهم يعنى ان نقصه غير غالب على تمامه والفرق بين هذا وبين الثالث لا يخفى.
أما لفظا فلان رجوع النفي إلى المقيد يخالف رجوعه الى القيد والمقيد وأما معنا فلان نفى غلبة النقصان غير إثبات عليه التمام وان أحدها يلزم الأخر هنا غالبا لكن بقي احتمال التساوي ولا مفسدة في تجويزه ليلزم نفيه.
وعاشرها: أن يكون المراد أن شهر رمضان لا ينقص ابدا عن أقل ما يكون الشهر العربي أعني تسعة وعشرين يوما فاذا كان بحسب الرؤية ثمانية وعشرين يوما يجب قضاء يوم منه وهذا منصوص متفق عليه فالمراد لا يظن ان هذا الشهر مخصوص بهذا النقص كما في استنباط في الأشهر الرومية ولا يلزم مثل ذلك في قوله وشعبان لا يتم أبدا لأن كثيرا من الروايات خالية من تلك الزيادة وما اشتمل عليه ما تحمل الزيادة فيه على محمل آخر مما مضى ويأتي.
وحاديعشرها: ان يكون المراد لا ينقص فرض صومه ابدا بمعنى ان كل يوم ثبت كونه منه وجب صومه ويكون إشارة إلى عموم الفرض واستغراقه لجميع الأيام التي هي من الشهر واستيعابه لجميع اجزاء كل يوم منه.
كقوله تعالى( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) فلا يخرج من الفرض يوم ولا جزء من يوم والفرق بين هذا وبين الثاني واضح فان هذا باعتبار الوجوب وذلك باعتبار الاجزاء.
وثاني عشرها: أن يكون المراد لا ينقص أبدا أي بحسب القضاء أو لا ينقص
__________________
(١) الوسائل ج ٢ ص ١٠٠.
قضاؤه ابدا بمعنى انه لا يجزى في قضائه إلا عدة ما فات يوما بدل يوم فلا يظن انه إذا فات كله لسفر أو مرض أو غيرهما من الأعذار أو عمدا وكان ثلثين يوما انه يجزى صوم تسعة وعشرين يوما قضاء، عنه لان الشهر كثيرا ما يكون تسعة وعشرين.
وعلى هذا يجوز ان يكون المراد لا ينقص قضاؤه عنه.
فالثاني: قد تقرر وظهر والأول بمعنى ان قضاؤه لا يجب زيادته عليه بان يجب قضاء يومين بدلا عن يوم فلا يظن أنه شرفه يقتضي ذلك كما توهمه بعض المخالفين.
قال الشيخ في الخلاف: من أفطر يوما من شهر رمضان على وجه تلزمه الكفارة [ المجمع عليها أو الكفارة على الخلاف ] فإنه يقضى يوما آخر ( بدله )
وقال ربيعة: يقضى اثنى عشر يوما قال لان الله تعالى رضي من عباده شهرا من اثنى عشر شهرا وجب أن يكون كل يوم بإزاء اثنى عشر يوما.
وقال سعيد بن المسيب يقضى عن كل يوم شهرا وروى ذلك عن أنس عن النبي ص.
وقال النخعي يقضى عن كل يوم ثلاثة أيام.
ورووا عن علىعليهالسلام وابن مسعود انه لا قضاء عليه لعظم الجرم انتهى ملخصا(١) .
وهذه أقوال عجيبة وأعجب منها ما قاله الشيخ في الخلاف نقلا عن المخالفين حيث قال إذا اشترك اثنان في وطي امرأة في طهر واحد على وجه يصح ان يلحق به النسب وأتت بولد [ لمدة يسكن أن يكون من كل واحد منهما ] أقرعنا بينهما [ فمن خرجت قرعته ألحقنا به قال على عليه الصلاة والسلام ].
وقال الشافعي نريه القافة وبه قال عمر ومالك وربيعة وداود وعطا.
__________________
(١) الخلاف ص ٣٨٩ كتاب الصيام مسئلة ٤٥ الطبعة الثانية ج ١.
وقال أبو حنيفة الحقه بهما ولا أريه القافة فألحقه باثنين ولا الحقه بثلاثة.
وقال الطحاوي وجماعة: تلحقه بثلاثة وأكثر.
وقال المتأخرون ومنهم الكرخي والرازي يجوز ان يلحق الولد بمائة أب على قول أبي حنيفة.
وقال أبو حنيفة أيضا إذا كان لرجل أمتان فحدث ولد فقالت كل واحدة منهما هو ابني من سيدي ألحقته بهما فجعلته ابنا لكل واحد منهما وللأب أيضا « انتهى »(١) وفي مثل هذه الأقوال عبرة عظيمة للعاقل وقد ذكرتها استطرادا وبطلانها أوضح الواضحات.
__________________
(١) فقد لخص المؤلف ره كلمات الخلاف فراجع المجلد الثاني ص ٦٤٤ مسئلة ٢٣.
فائدة (٨٨)
في بعض الأدعية التي نقلها الشيخ وغيره اللهم انى أسألك برحمتك التي لا تنال منك الا بالرضا والخروج عن معاصيك والدخول في كل ما يرضيك والنجاة من كل ورطة والمخرج من كل كبيرة والعفو عن كل سيئة يأتي بها منى عمد وزل بها مني خطأ أو خطرت بها منى خطرات نسيت ان أسألك خوفا تعينني به على حدود رضاك إلخ(١) .
أقول: محل الاشكال هنا هو ان الفعل المضارع اعنى أسألك الأول لا يظهر له مفعول ولا يظهر لحذفه نكتة ولا قرينة وقد اتفقت أكثر النسخ المعتبرة على ثبوت الواو في والنجاة وغيرها من المعطوفات وبدون ذكر المفعول لا يظهر للكلام معنى يعتد به وقد سألني عنه بعض الأفاضل فخطر لي وجوه.
أحدها: ان يكون الباء في برحمتك للتبعيض كما قالوه في قوله تعالى:( عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ ) (٢) ».
وكقول الشاعر:
شرب النزيف ببرد ماء الحشرج.
وح فالباء هنا بمنزلة من التبعيضية فكأنه قال أسألك من رحمتك اى رحمة من
__________________
(١) مصباح المتهجد ص ٤٥ - وفي المصدر المطبوع اللهم انى أسألك برحمتك التي لا تنال الا برضاك والخروج من جميع معاصيك والدخول في كل ما يرضيك.
(٢) سورة الدهر - ٦.
رحمتك أو شيئا من رحمتك فتقدر المفعول لدلالة الباء عليه أو نقول انها لدلالتها عليه مغنية عن ذكره وتقديره لان معناه يفهم منها ولا يخفى ان تقدير المفعول غير ممكن على تقدير كون الباء للقسم كما هو الظاهر.
وثانيها: ان يحكم بزيادة الواو في محل يناسب كونه مفعولا ويحتمل كون الزيادة من الناسخ الأول لتوالى المعطوفات بالواو وهو محل الاشتباه ثم اتففت فيه أكثر النسخ ويؤيده أنه يوجد في نسخة بحذف الواو من والنجاة، ولا يخفى أن النجاة والمخرج والعفو لا مناسبة لعطفها على الرضا والخروج والدخول الا بتكلف بعيد وانما المناسب كونها مفعولات للفعل المضارع اعنى أسألك.
وثالثها: ان يكون هذا الفعل المتعدى قد نزل منزلة اللازم كما ذكروه في مثله لبعض الاعتبارات المناسبة هنا.
ورابعها: ان يقدر مفعول عام اى أسألك جميع ما احتاجه أو كل ما تراه لي صلاحا أو كل خير أو نحو ذلك.
وخامسها: ان يقدر مفعول خاص بحسب ما يريد الداعي وما يكون أهم عنده في ذلك الوقت ولعل تركه ليكون صالحا قابلاً لكل قسم عام أو خاص.
وسادسها: ان يكون مفعول أسألك الأول: خوفا ويكون أسألك الثاني: منزلا منزلة اللازم ويكون ذكر المفعول استدراكا للنسيان بناء على انه متوجه الى مفعول السؤال.
وسابعها: ان يكون الكلام من باب التنازع صادق على هذا التركيب واعمال كل واحد من العاملين في الاسم المذكور جائز بالتفصيل المقرر.
وثامنها: أن يكون الباء في برحمتك زائدة في المفعول كما حكموا بزيادتها في مواضع متعددة نحو هذا الموضع.
وتاسعها: كون الباء لتأكيد التعدية كما ذكروه في أمثال هذا التركيب.
فائدة (٨٩)
في التهذيب حديث صورة متنه هكذا قال قلت للعبد الصالحعليهالسلام أرضعت أمي جارية بلبني فقال: هي أختك من الرضاعة، قال قلت فتحل لأخي(١) من أمي لم ترضعها بلبنه يعني بلبن هذا الرجل(٢) ولكن ببطن آخر قال: والفحل واحد قلت: نعم، وهي أختي لأبي وأمي قال: اللبن للفحل صار أبوك أباها وأمك أمها(٣) أقول: هذا الحديث لا يخلو من اشكال وحزازة وتعقيد في السؤال والذي خطر بالبال ان قوله أرضعت أمي يعنى النسبية ويمكن ارادة الرضاعية أو الأعم، وهو وان كان بعيدا لكن الحكم صحيح قوله: جارية اى بنتا صغيرة أعم من الحرة والأمة إطلاق الجارية على هذا المعنى كثير جدا قوله: بلبني اى باللبن الذي رضعت منه اعنى لبن الفحل.
ويحتمل احتمالا قريبا ان يكون المراد بلبى اللبن الحاصل عن ولادتي يعنى رضعت أنا وتلك البنت من لبن بطن واحد والقرينة على ذلك موجودة كما ترى ولعل السائل كان يظن ان هذا الاختلاف يؤثر في الحكم المسؤل عنه أو أراد بيان الواقع.
قوله فقال: هي أختك من الرضاعة حكم بنشر الحرمة وهو مبني على اجتماع الشرائط.
__________________
(١) الأخ لي خ م
(٢) نسخة المصدر: يعنى ليس بهذا البطن
(٣) التهذيب ج ٧ ص ٣٢٢
قوله: قال قلت فتحل لأخي من أمي حرف الاستفهام هنا مقدر قطعا قوله:لم ترضعها بلبنه هذه الجملة صفة للجارية في المعنى وان كان اللفظ يأباه وانما هي حال من ضمير تحل وفي بعض النسخ زيادة لفظ أخت قبل جملة لم ترضعها.
وحينئذ تزول الحزازة والمراد انها لم ترضعها بلبنه الصادر عن ولادته اى لم ترضع معه في بطن واحد وولادة واحدة كما رضعت معى لما يأتي قوله:لبن هذا الرجل المراد به الأخ المذكور قريب الا صاحب اللبن فان ذلك لا يستقيم لفظا لأنه غير مذكور أصلا فكيف تصح الإشارة إليه بهذا الموضوعة للإشارة إلى القريب بل المشار إليه الأخ المذكور قريبا ولا يعنى ( ولا معنى ) للتصريح فيما يأتي باتحاد الفحل.
قوله: ولكن ببطن آخر قد عرفت معناه سابقا وظهر ان الامام أرضعت الأخوين والأخت لكن أرضعت السائل والجارية بلبن ولادة والأخ من لبن ولادة أخرى ويحتمل ان يكون المراد ان أمي لم ترضع هذه الجارية بلبن أخي يعنى لبن هذا الرجل أى أبي بأن يكون الأخ لم يرضع من الام ولكن ببطن آخر اى ولكن رضع ببطن آخر أي أرضعته زوجة أخرى من زوجات ابى فليس أخا للجارية من الرضاعة بل هي أختي من الولادة خاصة والضمير في لبنه راجع الى الأخ.
وقوله: يعني الى آخره ليس تفسيرا للضمير بل هو تفسير للبن أو تفسير للضمير والمراد بالرجل الأخ واضافة اللبن باعتبار حصوله عن ولادته.
قوله: قال والفحل واحد، قلت: نعم إشارة إلى مناط الحكم وان اختلاف البطنين مع اتحاد الفحل والمرضعة على أحد الاحتمالين أو مع الاختلاف المرضعة الاحتمال على الأخر لا يوجب اختلاف الحكم بنشر الحرمة ولما كان هذا السؤال غير صريح في اتحاد الفحل لما مر حسن الاستفهام عن اتحاده أو الحكم به.
قوله: وهي أختي لأبي وأمي الظاهر ان الجملة خبرية والمراد ان الجارية التي رضعت معى أختي من الرضاعة وابى من الرضاعة أبوها وأمي من الرضاعة أمها لاتحاد الفحل والمرضعة وان حكمت بان اتحاد الفحل كاف بخلاف أختي
بالنسبة إلى الجارية فإنها ليست أختي لأمه من الرضاعة بناء على أحد الاحتمالين. ويحتمل كون الجملة استفهامية فيكون استفهم عن أمرين حيث سأل عن هذه الجارية هل تحل لأخيه من أمه وهل هي أخته لأبيه وأمه اى بمنزلة الأخت من الأبوين في نشر الحرمة ارادة للمبالغة والاستفهام أقرب لما يأتي في الجواب.
قوله: قال اللبن للفحل صار أبوك أباها وأمك أمها الجملة الأولى جواب للسؤال الأول والثانية للثاني والحكم بكون اللبن للفحل كاف في إثبات نشر الحرمة وتقرير الآخرة المحكوم بها.
وقوله: صار أبوك إلخ على تقدير الخبرية في الجملة السابقة لها موقع حسن كما لا يخفى فحاصل الكلام ان اللبن للفحل فقد صار أخوك أخا للجارية على كل حال وإذا كان أبوك أباها وأمك أمها فكيف تحل لأخيك من أمك والله أعلم.
فائدة (٩٠)
في الخصال حديث ظاهره مشكل جدا سنده هكذا حدثنا أبي رضي الله قال حدثنا سعد بن عبد الله عن أحمد بن ابى عبد الله البرقي قال حدثنا محمد بن عبد الله بن مهران قال حدثني على بن الحسين بن عبيد الله اليشكري قال حدثني محمد بن المثنى الحضرمي عن عثمان بن زيد عن جابر بن يزيد عن ابى جعفرعليهالسلام ويأتي متنه ان شاء الله ومضمونه ان الله ضمن للمؤمن عشرين خصلة مع ان كثيرا منها غير مطابق للواقع بحسب الظاهر من حال المؤمنين بل من حال المعصومينعليهمالسلام فيجب تأويله لأنه ضعيف من وجوه اثنى عشر.
أحدها وجود معارضة الذي هو أرجح منه.
وثانيها: عدم وجوده في الكتب الأربعة مع وجود معارضاته فيها.
وثالثها: عدم مطابقته للواقع ومخالفته للعيان الظاهر.
ورابعها: معارضته للقرآن في آيات متعددة صريحة في ابتلاء المؤمنين ومعلوم انه يجب عرض الحديثين المختلفين على القرآن والعمل بما يطابقه كما أمر به الأئمة (ع)
وخامسها: انه خبر واحد يعارضه أحاديث كثيرة جدا
وسادسها: ان أحد رواته محمد بن عبد الله بن مهران وقد ذكروا انه غال كذاب ضعيف فاسد المذهب والحديث مشهور، بذلك متهافت متهم وذكروا في مذمته غير ذلك أيضا.
وسابعها: ان أحد رواته على بن الحسين بن عبيد الله اليشكري وهو مجهول
وليس هو الممدوح الذي هو وكيل قطعا لان ذلك هو ابن عبد ربه والرتبة تأتى الاتحاد واللقب أيضا كذلك.
وثامنها: ان أحد رواته محمد بن القسم الحضرمي وهو مجهول غير موثق وليس هو بالموثق لان ذاك ليس بحضرمى ولا رتبته موافقة لرتبة هذا.
وتاسعها: ان أحد رواته عثمان بن زيد وهو مجهول لا يعلم حاله.
وعاشرها: ان أحد رواته جابر بن يزيد وهو مختلف فيه مدحا وذما فقد روى له ذم كثير ولا شك انه روى أحاديث كثيرة متشابهة ولعل هذا منها.
وحاديعشرها: انه حديث شاذ نادر لم يوجد إلا في كتاب الخصال ولا يوجد له موافق وما هذا شأنه لا يمكن الاعتماد عليه خصوصا مع وجود معارضة فإن الأحاديث المعتبرة مكررة في الكتب.
وثاني عشرها: انه محتمل للتأويل بل للتأويلات المتعددة وعدم احتمال معارضه لها لكثرته وصراحته وموافقته للقرآن وللواقع وغير ذلك.
ولنذكر من الأحاديث المعارضة له اثنى عشر حديثا تبركا وتيمنا.
الحديث الأول: ما رواه الشيخ الجليل ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني في أصول الكافي في باب ابتلاء المؤمن عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن عبد الرحمن بن الحجاج قال:ذكر عند ابى عبد اللهعليهالسلام البلاء وما يخص اللهعزوجل به المؤمن فقال سئل رسول اللهصلىاللهعليهوآله من أشدّ الناس بلاء في الدنيا فقال النبيون ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلى المؤمن بعد على قدر أيمانه وحسن اعماله فمن صحّ ايمانه وحسن عمله أشد بلاؤه ومن سخف ايمانه وضعف عمله قل بلاؤه(١) .
__________________
(١) الكافي ج ٢ ص ٢٥٢ ونعم ما قيل بالفارسية:
هر كه در اين بزم مقرب تر است |
جام بلا بيشترش مىدهند |
الثاني: ما رواه فيه عن على بن إبراهيم عن أبيه ومحمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان عن حماد بن عيسى عن ربعي بن عبد الله عن فضيل بن يسار عن ابى جعفرعليهالسلام قال أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأوصياء ثم الأماثل فالأماثل(١) .
الثالث: ما رواه فيه عن على عن أبيه عن ابن ابى عمير عن أيوب عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: المؤمن لا يمضى عليه أربعون ليلة الا عرض له أمر يحزنه يذكّر به(٢) .
الرابع: ما رواه فيه عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن صفوان عن معاوية بن عمار عن ناجية قال قلت لأبي جعفر (ع) ان المغيرة يقول ان المؤمن لا يبتلى بالجذام ولا بالبرص ولا بكذا وبكذا فقال ان كان لغافلا عن صاحب يس انه كان مكنعا(٣) ثم رد أصابعه فقال كأني انظر الى تكنيعه أتاهم فأنذرهم ثم عاد إليهم من الغد فقتلوه ثم قال: ان المؤمن يبتلى بكل بليّة ويموت بكل ميتة ألا انه لا يقتل نفسه(٤) .
الخامس: ما رواه فيه عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن على بن الحكم عن فضيل بن عثمان عن ابى عبد اللهعليهالسلام قال ان في الجنة منزلة لا يبلغها عبد الا بالابتلاء في جسده(٥) .
السادس: ما رواه فيه عن على بن إبراهيم عن أبيه عن ابن ابى عمير عن حسين بن نعيم الصحاف عن ذريح المحاربي عن ابى عبد الله (ع) قال: كان على بن الحسين صلوات الله عليه يقول انى لأكره للرجل أن يعافي في الدنيا ولا يصيبه
__________________
(١) ج ٢ ص ٢٥٢
(٢) الكافي ج ٢ ص ٢٥٤
(٣) المكنع بتشديد النون أشل اليد
(٤) الكافي ج ٢ ص ٢٥٤
(٥) ج ٢ ص ٢٥٥
شيء من المصائب(١) .
السابع: ما رواه فيه عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن فضال عن على بن عقبة عن سليمان بن خالد عن ابى عبد اللهعليهالسلام قال: انه ليكون للعبد منزلة عند الله فما ينالها إلّا بإحدى خصلتين اما بذهاب ماله أو ببلية في جسده(٢) .
الثامن: ما رواه فيه عن على عن أبيه عن ابن ابى عمير عن حسين بن عثمان عن عبد الله بن مسكان عن ابى بصير يعني المرادي عن ابى عبد الله (ع) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله مثل المؤمن كمثل خامة الزرع تكفئها الرياح كذا وكذا وكذلك المؤمن تكفئه الأوجاع والأمراض الحديث(٣) .
التاسع: ما رواه فيه عن ابى على الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن ابن فضال عن ابن بكير قال سألت أبا عبد الله (ع) أيبتلى المؤمن بالجذام والبرص وأشباه هذا قال فقال وهل كتب البلاء الا على المؤمن(٤) .
العاشر: ما رواه فيه عن على عن أبيه عن ابن محبوب عن سماعة عن ابى - عبد اللهعليهالسلام قال: ان في كتاب علىعليهالسلام ان أشد الناس بلاء النبيون ثم الوصيون ثم الأمثل فالأمثل وانما يبتلى المؤمن على قدر أعماله الحسنة فمن صح دينه وحسن عمله اشتد بلاؤه وذلك ان اللهعزوجل لم يجعل الدنيا ثوابا لمؤمن ولا عقوبة لكافر ومن سخف دينه وضعف عمله قل بلاؤه وان البلاء أسرع إلى المؤمن التقي من المطر الى قرار الأرض(٥) .
الحادي عشر: ما رواه فيه عن على عن أبيه عن ابن ابى عمير عن هشام بن سالم
__________________
(١) الكافي ج ٢ ص ٢٥٦
(٢) ج ٢ ص ٢٥٧
(٣) ج ٢ ص ٢٥٨
(٤) الكافي ج ٢ ص ٢٥٨
(٥) الكافي ج ٢ ص ٢٥٩
عن ابى عبد اللهعليهالسلام قال: ان أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الأمثل فالأمثل(١)
الثاني عشر: ما رواه فيه عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن أحمد بن عبيد عن الحسين بن علوان عن ابى عبد اللهعليهالسلام انه قال ان الله إذا أحب عبدا غته بالبلاء غتا وانا وإياكم لنصبح به ونمسي(٢) .
أقول: والأحاديث في ذلك كثيرة جدا وإذ قد عرفت ضعف الحديث المسئول عنه وجب تأويله وذلك ممكن من وجوه اثنى عشر.
أحدها: ان نحمله على الأغلب اعنى غالب المؤمنين أو غالب حالاتهم ومعلوم ان أكثر العمومات الواردة مخصوصة وأكثر المطلقات مقيدة حتى قيل ما من عام الا وقد خص.
وثانيها: ان نحمله على غير كامل الأيمان فإن ذلك محل الامتحان كما وقع التصريح به في الأحاديث مكررا.
وثالثها: ان نحمله على ان الله لا يفعل بالمؤمن شيئا من الأشياء المذكورة بل ربما يفعلها هو بنفسه أو يكون من فعل الشيطان أو فعل بعض العباد كالذين يتركون نصرته أو يمنعونه حقه من زكاة أو خمس أو غيرهما أو يظلمونه بغير ذلك.
ورابعها: ان يحمل على ان جميع هذه الأشياء لا يقع بالمؤمن الا ان يفعل ذنبا يستحق ذلك أو يختار هو ذلك فالأول منهم.
من قوله تعالى:( إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) (٣) .
ومن قوله تعالى:( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) (٤) وغير ذلك.
__________________
(١) الكافي ج ٢ ص ٢٥٢
(٢) ج ٢ ص ٢٥٣
(٣) الرعد ١١
(٤) الشورى ٣٠
والثاني: مخصوص بالمعصوم ومن قاربه من الكاملين الذين يختارون البلا ويتمنونه لزيادة الثواب ويطلبون الشهادة ونحوها.
وقد روى ان الله أمر الملئكة والجن بنصر الحسينعليهالسلام فعرضوا ذلك عليه فلم يقبله واختار الشهادة(١) ولا ينافيه قوله( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (٢) لأنه يمكن ان يكون المراد به هلاك الدين كما في بعض الأحاديث ولاحتماله للتخصيص وله تأويلات أخر وتفاصيل ( أخر ) ليس هذا محل ذكرها.
وخامسها: ان يحمل على ان الله لا يفعل هذه الأشياء بالمؤمن لكن ربما حصلت التخلية من الله فوقع بفعل غيره والتخلية غير الفعل.
وسادسها: ان يحمل على ان المؤمن الكامل الايمان لا يصيبه شيء من ذلك إذا دعا الله وسال صرفه عنه فإنه يجيب دعاه لكن لا يجب على المؤمن ان يدعو بصرف ذلك عنه.
وسابعها: ان يقول هذه الخصال ثابتة لمجموع المؤمنين لا لكل واحد بل كل خصلة مخصوصة بأفراد معينة عند الله أو صنف من المؤمنين دون صنف وقد قال الله تعالى( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) (٣) ومعلوم ان أهل كل بلاد مخصوصون بقسم من الأقسام وكل من ملك شيئا اختص به فلم يحمل لغيره.
وثامنها: ان نقول هذه الخصال بعضها مخصوص بالآخرة وبعضها بالدنيا وبعضها بالرجعة وبعضها بالبرزخ وبعضها مشترك بحسب ما يمكن توجيهه إذ لا تصريح بخلاف ذلك ولا يلزم ان الجميع يكون حكمها واحد.
وتاسعها: ان الجبر باطل فكل ما كان من فعل الناس بالمؤمن فعلى الله ان يأمر الناس بما فيه صلاحه وينهاهم عما فيه أذاه وضرره وقد فعل ولا يمكن الا لجاء لمنافاته
__________________
(١) بحار الأنوار ج ٤٤ ص ٣٣٠
(٢) البقرة ١٩٥
(٣) البقرة: ٢٩
التكليف وجميع ما ظاهره مخالف للواقع من فعل العباد اما نفس الفعل وأسبابه.
وعاشرها: ان نقول ان المؤمن على الله هذه الخصال الا ان يكون في وجودها مفسدة أو في عدمها حكمة ومصلحة راجحة بالنسبة الى بعض الإفراد.
وحادي عشرها: ان نقول ان للمؤمن على الله هذه الخصال أو عوضها مثلها أو خيرا منها في الدنيا والآخرة أو فيهما كما ورد مثله في توجيه قوله تعالى:( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (١) .
وقوله( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ ) من ان الله يستجيب للداعي فيما سأل أو فيما هو خير منه أو يدخر له من الثواب ما هو أعظم مما طلب.
وثاني عشرها: ان نذكر ما يختص كل واحد منها على التفصيل.
فنقول: روى جابر عن ابى جعفرعليهالسلام قال للمؤمن على اللهعزوجل عشرون خصلة يفي له بها.
له على الله تبارك وتعالى: ان لا يفتنه ولا يضله: يمكن كونه مخصوصا بالكامل الايمان أو المراد ان الفتنة والإضلال ليسا من فعل الله حقيقة وانما حصل من الله التمكين لاستحالته الجبر أو غير ذلك من الوجوه السابقة.
وله على الله ان لا يعريه ولا يجوعه فان الله ضمن رزقه قطعا ولا يجوع ولا يعرى الا نادرا بسبب منع من منعه حقه أو غصب بعض الظلمة ماله وليس ذلك الأمر القبيح من فعل الله أو هو مخصوص بالرجعة أو بالجنة كما في قوله تعالى:( إِنَّ لَكَ أَلّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى ) (٢) ومعلوم ان الضميرين راجعان إلى الجنة.
وله على الله ان لا يشمت به عدوه يعني في الآخرة أو الرجعة أو شماتة خاصة بأن يزيد عن دينه أو يظهر بطلان حقه وحقية باطل خصمه كما ورد التصريح به في
__________________
(١) غافر - ٦٠
(٢) طه - ١١٨
تفسير قوله تعالى:( إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ) (١)
اى بالحجة أو في الرجعة وفي تفسير قوله تعالى:( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ) (٢) .
حيث قالوا: (ع) ما وقف حق قط بإزاء الباطل الأغلب الحق الباطل أو نقول شماتة عدوّ المؤمن به ليس من فعل الله ولا المصيبة كلها أيضا من فعل الله لأنه نهى عنهما معا.
وله على الله ان لا يهتك ستره. اى ما في الآخرة أو الرجعة أو مطلقا اى لا يظهر من أموره ما هو مستور فان حصل هتك سر نادرا فهو من فعل غير الله فان الله أمر بإظهار الجميل وستر القبيح أو المراد بهتك الستر ظهور بطلان دينه وحقيقة مذهب خصمه لكافر ولمبطل.
وله على الله ان لا يخذله ويعز أي في الآخرة أو في الرجعة أو بان يلهمه الحجة أو بان رخص له في العمل بالتقية أو بان يلطف به فلا يزيد عن دينه أو بان أمر باعزازه ونهى عن خذلانه.
وله على الله ان لا يميته غرقا ولا حرقا: أى المؤمن الكامل أو في الرجعة أو الان يذنب ذنبا يستحق به ذلك أو بأن ينهى عن ذلك من غير ان يخبر على الترك وقد فعل.
وله على الله ان لا يقع على شيء ولا يقع عليه شيء وجهه كما تقدم والوقوع اما مطلق السقوط أو المراد به اللواط.
وله على الله ان يقيه مكر الماكرين وله على الله ان يعيذه من سطوات الجبارين يعني في دينه إذ لا يقدرون ان يردوه عن دينه أو يظهروا بطلان مذهبه أو غالبا ويستقيم هنا جملة من الوجوه السابقة.
وله على الله ان يجعله معنا في الدنيا والآخرة. هذا لا اشكال فيه.
__________________
(١) غافر ٥١
(٢) الأنبياء ١٨
وله على الله ان لا يسلط عليه من الأدواء ما يشين خلقته.
وله على الله ان يعيذه من البرص والجذام، هاتان الخصلتان يمكن كونهما مخصوصتين بالمعصوم كما ورد التصريح به في الخصال وغيره أو محمولتين على الغالب، والنادر لا حكم له، وعلى غير من أذنب ذنبا يستحق به العقوبة بنحو ذلك ويمكن فيه بعض الوجوه السابقة.
وله على الله أن لا يميته على كبيرة، وله على الله ان لا ينسيه مقامه في المعاصي حتى يحدث توبة. يعني بأن يلهمه التوبة والندم فان ذلك من لوازم الايمان وغير معلوم عدم العموم هنا في جميع الإفراد فلا اشكال.
وله على الله ان لا يقرر في قلبه الباطل. فان الله لا يثبت الباطل في قلبه وان عرض في نفسه شيء لا يستقر وهو مخصوص بالمؤمن الكامل أو تقول: ان الله لا يقرر الباطل فان تقرر فهو من قبل الشيطان أو فعل شياطين الانس.
وله على الله ان يحشر يوم القيمة ونوره يسعى بين يديه هذا لا اشكال فيه.
وله على اللهعزوجل ان يوفقه لكل خير بان يرجح له أسباب الخير ويأمره به ولا يجبره عليه لبطلان الجبر عقلا ونقلا.
وله على الله ان لا يسلط عليه عدوه فيذله أي في الرجعة أولا يسلط عدوه عليه فيرده عن دينه فيذل في الآخرة ولا يظهر لعدوه بطلان مذهبه فيذل بذلك ويستقيم بعض ما تقدم هنا أيضا.
وله على الله ان يختم له بالأمن والايمان ويجعله معنا في الرفيق الا على(١) .هذه شرائط اللهعزوجل للمؤمنين تم الحديث. ولا يخفى ان بعض الوجوه السابقة متقاربة وانه لا بد من الحمل على خلاف الظاهر لضرورة الجمع بين الأحاديث كما تقدم والله اعلم.
__________________
(١) الخصال ص ٤٨٥ أبواب العشرون
فائدة (٩١)
أجمعت الطائفة المحقة على عدم جواز الفتوى والعمل في الدين بشيء من الاستنباطات الظنية في تحصيل نفس الحكم الشرعي ولم يزل ذلك مذهب جميع الأخباريين منهم يعرفه كل موافق أو مخالف لهم وهذا الإجماع حجة للعلم بدخول المعصومين فيه بدليل الأحاديث المتواترة عنهم الدالة على ان هذا الحكم مأخوذ منهم ويدل على ذلك أدلة كثيرة عقلية ونقلية.
الأول: عدم ظهور دلالة قطعية على ذلك والتمسك فيه بالظن يشتمل على دور ظاهر مع انه معارض بأقوى منه من الآيات الدالة على عدم جواز العمل بالظن المتعلق بنفس الأحكام، والروايات الصريحة في ذلك وقياسه على الظن المتعلق بالأمور العادية والوجدانية والأفعال الصادرة عنا أو غيرها مما ليس من نفس الأحكام الشرعية بل من متعلقاتها قياس فلا يجوز العمل به لما تقدم، ويأتي هذا مع وجود الفارق فإنه لو لا اعتبار الظن فيما ذكر لزم الحرج البين الواضح ولو اعتبر الظن في أحكام الله تعالى لأدى إلى الفتن والحروب كما هو المشاهد مضافا الى النصوص الدالة على اعتباره هناك وعدم اعتباره هنا.
واعلم ان كل من جوز التمسك بالاستنباطات الظنية اعترف بانحصار دليله في الإجماع.
قال العضدي في شرح مختصر ابن حاجب في بحث الإجماع والتفتازاني في التلويح وهما من علماء العامة: والتمسك بالظن انما تثبت بالإجماع ولولاه
لوجب العمل بالدلائل المانعة عن اتباع الظن « انتهى ».
وقال شيخنا الأجل المحقق ولد الشهيد الثاني في المعالم: ان التعويل والاعتماد على ظن المجتهد المطلق انما هو على دليل قطعي وهو إجماع الأمة عليه وقضاء الضرورة به « انتهى ».
والجواب: ان ثبوت الإجماع هنا مفيد للقطع ممنوع وأكثر الأدلة الاتية يصلح سندا للمنع.
وقد روى الكليني رسالة الصادقعليهالسلام ان حجية الإجماع من مخترعات العامة(١) والحق ان الإجماع انما وقع من العامة لا من الشيعة فأي حجة فيه فان الأخباريين وجميع أصحابنا المتقدمين مجتمعين على نقيضه والمعصومون داخلون في إجماعهم بدليل الأحاديث المتواترة عنهم.
ومن المعلوم الذي لا شك فيه ان هذا الطريق لم يسلكه أحد من الأصحاب المتقدمين أصلا وتقدم جملة من عباراتهم الدالة على ذلك في بحث العمل بقول الميت وقضاء الضرورة به أن أريد البداهة وانه من ضروريات الدين فمعلوم انه من النظريات وليس بديهيا قطعا وان أريد به أن الضرورة تلجئ اليه وانه لا بد منه ولا مندوحة عنه فهو ممنوع لما سيأتي بيانه إن شاء الله.
الثاني: صريح القرآن في قوله تعالى:( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ ) (٢) .
__________________
(١) وهو قولهعليهالسلام : فقالوا: نحن بعد ما قبض اللهعزوجل رسوله (ص) يسعنا أن نأخذ بما اجتمع عليه رأى الناس بعد ما قبض اللهعزوجل رسوله (ص) وبعد عهده الذي عهده إلينا وأمرنا به مخالفا لله ولرسوله (ص) إلخ. راجع كتاب الروضة ج ٨ من الطبعة الغفاري ص ٦ سطر ١٠
(٢) الأعراف ١٦٩
مع قوله تعالى:( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) (١) .
وقولهعزوجل ( إِنْ هُمْ إِلّا يَظُنُّونَ ) (٢) .
وقوله تعالى:( إِنْ هُمْ إِلّا يَخْرُصُونَ ) (٣) .
وقوله( وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٤) .
وقوله( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) (٥) .
وغير ذلك من الآيات وتقدم جملة منها.
وتخصيص هذه الآيات بأصول الدين كما وقع من الأصوليين بناء على ان الضرورة ألجأت إلى العمل بالظن اما مطلقا كما قاله العامة أو في زمن الغيبة كما قاله بعض الخاصة ضعيف لا وجه له لما يأتي.
الثالث: إجماع المتقدمين من أصحابنا قاطبة على عدم جواز التمسك بالاستنباطات الظنية مع دخول المعصوم فيه بدليل الأحاديث المتواترة وهذا دليل إلزامي للخصم كأمثاله، والا فإنه مع تحقيق دخول قول المعصوم كما هنا يكون قوله الحجة لا الإجماع.
الرابع: ان سلوك طريق الاستنباط الظني في استخراج أحكام الله سبحانه يؤدى الى الاختلاف في الدين لغير ضرورة التقية كما هو معلوم مشاهد من العلماء في الأصول والفروع فتنتفي فائدة بعث الرسل وإنزال الكتب إذ فائدتهما كما هو المشهور بين علماء الإسلام رفع الاختلاف ليتم نظام المعاش وقد تواتر من الأئمة (ع) النهى عن الاختلاف في الفتوى.
الخامس: انه يستلزم الخطاء لامتناع اجتماع النقيضين والحكيم المطلق عز شأنه يأبى ان يبنى شريعة على ما يؤدى الى الخطاء قطعا:
__________________
(١) النجم - ٢٨
(٢) الجاثية ٢٤
(٣) الانعام ١١٦
(٤) البقرة - ١٦٩
(٥) الاسراء - ٣٦
السادس: انه يستلزم اما القول بان كل مجتهد مصيب فيلزم اجتماع النقيضين وكون الحق في طرفين فيكون الشيء حلالا اما في حالة واحدة مثلا وهو محال واما القول بان أحد الاجتهادين المختلفين صواب والأخر خطأ يجب اتباعه وهو أعظم محذورا.
ولا يرد شهادة العدلين واختلاف الحديثين، لأن الأول من قبيل الأسباب للحكم كالزوال في سببية وجوب الصلاة وليس من نفس أحكام الله.
والثاني منصوص الجواز ما لم يعلم وروده للتقية كما يأتي فلا يجوز قياس أسباب الحكم على نفس الحكم ولا منصوص الجواز على منصوص التحريم بل لا يجوز قياس شيء على شيء أصلا فإنه عين محل النزاع.
السابع: انه يستلزم جواز الفتن والحروب بين المسلمين وسد هذا الباب يقتضي رفعها والتوقف والاحتياط في الدين الى ظهور الحق واليقين الا ترى ان علماء العامة وابن ابى للحديد في شرح نهج البلاغة ذكروا في الاعتذار عن الحروب الواقعة بين الصحابة أن السبب فيها اختلاف اجتهاداتهم في أحكام الله تعالى.
الثامن: انه يستلزم صحة مذاهب العامة وجواز تقليد اتباعهم لهم فإنهم أعرف بوجوه الاستخراج وطرق الاستنباط، وهم الذين فتحوا باب الاجتهاد ولو جاز لنا لجاز لهم، ولا يرد انهم لا يعلمون بأخبار الأئمة (ع) لان اجتهادهم أدى الى ضعفها فاقتصروا على الكتاب والسنة والأدلة العقلية كما إذا تبين ضعف حديث عند المجتهدين من الإمامية وهذا إلزام لا جواب عنه عند الإنصاف ولا يمكنهم دعوى عدم تجويز الاجتهاد في زمان المعصوم وإثبات الفرق بذلك لان كلام الذين جوزوا الاجتهاد من أصحابنا وغيرهم مطلق غير مخصوص بزمن الغيبة.
بل صرح الشهيد الثاني في شرح بداية الدراية في بحث الموقوف فقال: الحق كون الإجماع في زمن النبيصلىاللهعليهوآله حجة.
وقال في رسالة الاجتهاد ما هذا لفظه: الاجتهاد سائغ في زمن المعصوم والامام
بل لا ينتفع النبي والامام بالنائب إلا إذا كان مجتهدا مع انه في زمن ظهور الامام لا يمكن كل أحد قريب أو بعيد ان يسأل الإمام عن كل ما يحتاج اليه وهو واضح
التاسع: الأحاديث الصحيحة والنصوص الصريحة المتواترة عن أهل العصمةعليهمالسلام الدالة على عدم جواز ذلك المشتملة على الإنكار البليغ والذم والتشنيع على من استعمل ذلك وقال به.
العاشر: ان نقول كل ظن شبهة وكل شبهة يجب اجتنابها والاحتياط فيها.
وما يدل على الصغرى قول أمير المؤمنينعليهالسلام وانما سميت الشبهة لأنها تشبه الحق، فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ودليلهم سمت الهدى(١) وقولهمعليهمالسلام الأمور ثلاثة أمر تبين رشده فاتبعه وأمر تبين غيه فاجتنبه وأمر مشكل يرد علمه الى الله(٢) .
وقولهمعليهمالسلام حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك(٣) .
وقولهمعليهمالسلام إياكم والظن فإنه أكذب الكذب(٤) . وغير ذلك فان هذا واضح في الدلالة على ان ما عدا اليقين شبهة ويدل على الكبرى الأحاديث الكثيرة المتواترة التي جمعناها في محلها.
الحادي عشر: الأحاديث الدالة على اختلاط الباطل بالحق وامتزاجه به وعدم استقلال مجرد العقل بالتمييز بينهما واختصاص المعصومين بذلك وهي كثيرة جدا
الثاني عشر: ان جواز العمل بظن المجتهد مبني على انه ليس لله في بعض الوقائع حكم معين ان على ان لله في كل واقعة حكما معينا وليس على كل حكم دليل قطعي، والأحاديث المتواترة دالة صريحا على ان لله في كل واقعة يحتاج إليها الأمة إلى يوم القيمة حكما معينا وان على كل حكم دليلا قطعيا هو الوحي من الله الى الرسول وان جميع ذلك مخزون عند الأئمةعليهمالسلام يجب على الناس طلبه منهم
__________________
(١) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٨ كتاب القضاء
(٢) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٧ و ٣٨٨
(٣) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٧ - ٣٧٥
(٤) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٧ - ٣٧٥
والتوقف والاحتياط مع عدم العلم به بالنقل عنهم.
الثالث عشر: ان نقول لا يجوز الحكم بغير ما انزل الله قطعا.
لقوله تعالى( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) (١) والسنة المتواترة ثم نقول كل حكم يحتاج إليه الأمة إلى يوم القيمة نزل في القرآن للأحاديث الكثيرة الدالة.
ولقوله تعالى( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) (٢) وغيرها.
ثم نقول كل ما نزل في القرآن فليس فيه اختلاف لقوله( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) (٣) . فيلزم ان يكون كل من أفتى بحكمين مختلفين من غير ابتناء أحدهما على التقية فقد حكم بغير ما أنزل الله وناهيك به والاجتهاد الظني يستلزم الاختلاف(٤) كما هو معلوم مشاهد.
الرابع عشر: الأحاديث المتواترة الدالة على وجوب طلب العلم وعلى عدم جواز الفتوى والعمل بغير علم ولا ريب ان الظن غير العلم فهي دالة على عدم الاجتزاء في نفس الحكم الشرعي بالظن.
واعلم ان من جملة تمويهات العامة ومغالطاتهم انهم ذكروا في كتبهم الأصولية وغيرها ان العلم الشرعي هو التصديق المطلق المشترك بين العلم والظن وقول بعضهم ان أمثال ذلك مخصوص بالأصول دون الفروع، وقد غفل عن ذلك بعض الخاصة من الأصوليين فوافق فيه وهو دعوى ليس عليها دليل قطعي مع أن أكثر النصوص صريح في إرادة الفروع فهو أيضا تخصيص للعموم بغير دليل قطعي وتقييد للإطلاق بغير موجب شرعي والتمسك فيه بالظن دوري، والأحاديث صريحة في ان المعارف الإجمالية ضرورية موهبية وهي معرفة ان لنا صانعا ومعرفة الرسول بعد
__________________
(١) المائدة ٤٤
(٢) الانعام ٣٨
(٣) النساء ٨٢
(٤) مستلزم للاختلاف - خ
الاطلاع على المعجزة وان التكليف يتعلق بالعبد بعد ذلك بإظهار الشهادتين وغيره وان تفاصيل المعرفة يجب أخذها من الأنبياء والأئمةعليهمالسلام وان العلم الذي يجب طلبه هو المستفاد من الأدلة السمعية.
الخامس عشر: الأحاديث الكثيرة الدالة على عدم جواز العمل بالرأي في الدين ولا بالقياس والمراد بالرأي الاجتهاد الظني يفهم ذلك من القرائن الحالية والمقالية في الأحاديث المشار إليها وانهم كانوا يستعملونه في هذا المعنى.
السادس عشر: ما استدل به الإمامية على وجوب عصمة الامام وهو انه لو لا ذلك لزم امره تعالى عباده باتباع الخطاء وذلك قبيح عقلا فهذا كما ترى دال على عدم وجوب اتباع ظن المجتهد وإذا انتفى الوجوب انتفى الجواز قطعا لان الجواز يستلزم الوجوب لإجماعهم المدعى.
وقد روى البرقي رسالة عن الصادقعليهالسلام استدل فيها بهذا الدليل وهذا نقض أورده الفخر الرازي على الإمامية وجوابه انه لا يرد على الأخباريين.
السابع عشر: ان المسلك الذي مداركه غير منضبطة وكثيرا ما يقع فيها التعارضات واضطراب الأنفس ورجوع كثير من العلماء عما به أفتى لا يصلح لان يجعله الله مناط أحكامه ومن المعلوم ان اعتبار ظن المجتهد المتعلق بنفس أحكامه تعالى مستلزم لتلك المحذورات ألا ترى ان في كثير من المسائل يخطر ببال جمع من أهل الاستنباط أنواع من الترجيحات دون جمع وفي وقت دون وقت والعامة اعترفوا بذلك في بحث القياس وشروط العلة.
الثامن عشر: ان المسلك الذي يختلف باختلاف الأذهان والأحوال الذهن واحد: لا يصلح لان يجعله الله مناط أحكام مشتركة بين الأمة إلى يوم القيمة.
التاسع عشر: ان الشريعة السهلة السمحة الناسخة لكل شريعة المخصوصة باستقرار الأحكام الى يوم القيامة المبعوث بها أشرف الأنبياء الى امة هي أكثر الأمم لا يجوز ان تكون مبنية على ظنون ضعيفة مضطربة.
العشرون: إذا وقعت خصومة بين مجتهدين مبنية على اختلاف اجتهادهما في مال أو فرج أو دم يلزم ان لا يجوز لأحدهما أن يأخذ قهرا عن الأخر ما يستحقه في حكم الله تعالى، وما قالته علماء العامة انهما يرجعان الى قاضٍ منصوب من جهة السلطان فاذا قال القاضي حكمت بكذا وجب اتباعه عليهما، وقول بعضهم وبعض الأصوليين من الخاصة يرجعان الى رجل من الرعية يفصل بينهما بقوله حكمت فإنه وضع لفصل الخصومات مما لا يرضى به الذهن السليم والطبع المستقيم فكيف يرضى به السميع العليم.
الحادي عشر: العمل بتلك الظنون يستلزم تجهيل المفتي نفسه وإبطال القاضي حكمه إذا ظهر ظن أو قطع مخالف لظنه السابق لان ظاهرهم انه يجب عليه أعلام مقلديه بتغير اجتهاده ورجوعه هو وهم الى القول الثاني.
الثاني والعشرون: انه يستلزم تجويز نسخ الشريعة مرة بعد اخرى بحسب اختلاف اجتهادات الظنية وعدم استمرار الأحكام الشرعية والملة المحمدية بل يصير الحلال حراما والحرام حلالا وقد تواترت الاخبار بان حلال محمد حلال الى يوم القيمة وحرامه حرام الى يوم القيمة(١) بل استحالة النسخ لشريعة الرسولصلىاللهعليهوآله كلا وبعضا من أوضح ضروريات الدين فيلزم كون تلك الظنون ليست من شريعة الرسولصلىاللهعليهوآله .
الثالث والعشرون: ان الظن المعتبر عندهم ظن صاحب الملكة المخصوصة التي اعتبروها في معنى الفقيه والمجتهد وأيضا المعتبر عندهم من بذل الوسع في تحصيل الظن المذكور قدر مخصوص منه، ولا يخفى على اللبيب ان الملكة المذكورة والقدر المشار اليه من بذل الوسع أمران مخفيان غير منضبطين وقد مر انهم اعترفوا بان مثل ذلك لا يصلح ان يكون مناط أحكام الله تعالى.
الرابع والعشرون: ان من الأدلة التي اعتبروها بل أقواها ظواهر الكتاب وقد تواترت الأحاديث انه لا يجوز أخذ أحكام الله من تلك الظواهر الا بعد معرفة
__________________
(١) الكافي ج ١ ص ٥٨
معانيها من جهة الأئمةعليهمالسلام ومن جملتها القياس والأحاديث المتواترة بعدم جوازه بل بطلانه من ضروريات المذهب.
ومنها الإجماع وتحقيقه في المسائل النظريات لا يكاد يمكن أصلا ولا حجة فيه عند أصحابنا إلا مع العلم بدخول المعصوم ولا سبيل الى العلم بذلك الا بوجود النص الثابت عن أهل العصمة (ع) وحينئذ فالدليل هو النص خاصة.
ومنها البراءة الأصلية والأحاديث السابقة صريحة في ان لله في كل واقعة حكما معينا، فلم يبق شيء على حكم البراءة الأصلية.
ومنها الاستصحاب وقد علمنا انقطاع استمراره بورود الشريعة الكاملة التي لم تدع واقعة بغير حكم وموافقة تلك الأحكام للاستصحاب تارة ومخالفتها له في الأكثر مع مخالفته للاحتياط غالبا وكذلك جميع الأدلة التي اعتبروها لعدم إفادتها سوى الظن وعدم الاجتزاء به كما دلت عليه هذه الأدلة كلها.
الخامس والعشرون: الاحتياط فإنه لا شبهة ان سلوك طريق الأخباريين أعنى العمل بما ثبت عن المعصومين (ع) والتوقف والاحتياط فيما سواه أسلم عند الله إذ به يحصل يقين البراءة من عهدة التكليف لأنه غاية الاستظهار في الدين وسلوك طريق الأصوليين مجانب للاحتياط قطعا لعدم التزامهم بكلام المعصومين في جميع المواضع ولتعويلهم على مجرد الظن الذي اعتبروه فلا يجوز العدول عن اليقين الى الظن ولا ترك الاحتياط الى خلافه.
السادس والعشرون: ان فرض خلو الأرض من مجتهد ممكن ان لم يكن واقعا بالفعل فيلزمهم اما تجويز تكليف ما لا يطاق أو القول برفع جميع التكاليف عن العباد حينئذ.
ومع تقدير وجوده فإن أكثر البلاد خالية منه فيلزم تكليف ما لا يطاق أو الحرج البين الواضح بوجوب المهاجرة إليه عينا أو كفاية وعدم جواز العمل بما علم نقله عن المعصوم مع كونه مأخوذا من غير المجتهد المطلق والمعهود منهم
عدم جواز تقليد المجتهد الميت كما مر.
السابع والعشرون: انه يستلزم وجوب معرفة المقلد بأن الذي يقلده مجتهد مطلق ولا سبيل له الى ذلك كما لا يخفى فيلزم تكليف بما لا يطيق(١) وكذلك تكليفه بمعرفة الأعلم من المجتهدين مع التعدد.
الثامن والعشرون: انهم حكموا ببطلان أحكام المجتهد عند موته وعدم جواز عمل المقلد بها ويلزم انقلاب الحق باطلا والجائز محرما بغير سبب سوى موت شخص لا يدل العقل ولا النقل على تغير الدين بموته مع عدم تغيير الدين بموته مع عدم تغيير الدين بموت الرسول والامام ورواة الأحكام فما الفرق في هذا المقام وبالجملة فما كان حقا لا يبطل بموت أحد وما بطل بموت قائله فليس بحق.
التاسع والعشرون: ان الضرورة قاضية بأن مجرد العقل لا يستقل بتفصيل مراد الله من العباد ولو كان كافيا ما احتاج الناس الى نبي ولا امام ولا اختلف الشرائع والأديان على انه يستلزم اختلاف طبع العقول عند نسخ الشريعة حتى تهتدي إلى معرفة الأحكام التي يطلبها الله من عباده في الشريعة الجديدة ومن المعلوم انه لا سبيل للعقل الى تفصيل ذلك ولا الى ضبط الحكمة التي اقتضت العدول عن أحكام شريعة عيسى مثلا إلى أحكام شريعة محمدصلىاللهعليهوآله وقد أشار الأئمةعليهمالسلام الى هذا في كثير من الأحاديث.
وقد وجدت بخط بعض فضلاء الأصحاب ما هذا صورته هذا كتاب أرسطاطاليس الى عيسى روح اللهعليهالسلام يا طبيب النفوس المريضة بداء الجهالة المكتنفة بالاكناف الرذيلة النقمة(٢) في العلائق البدنية المكدرة بالكدورات الطبعية يا موقظ القوم
__________________
(١) بما لا يطاق.
(٢) المنفسة - خ ل
من رقدة الغفلة ومنبه العباد عن مضيق الجاهلين يا منجى الهلكى يا غياث من استغاث ان ذاتا هبطت فاغتربت وتذكرت فهل الى وصول من سبيل.
فأجاب عيسى (ع) يا من شرفه الله بالاستعدادات العقلية والرموزات النقلية كن طالبا لتنوير النفس بالأنوار الإلهية القدسية الحادثة من اللذات الدنية الفانية الى اللذات السنية الباقية التي هي محل الأرواح الطاهرة والنفوس الزكية فان مجرد العقل غير كاف في الهداية إلى الصراط المستقيم.
الثلاثون: انه لا يعصم من الخطاء الا التمسك بكلام أهل العصمة في جميع النظريات فيجب ذلك لاستحالة أن يأمر الله عباده باتباع الخطاء والاختلاف المستلزم له من علماء المنطق في ذلك الفن وفي غيره كما هو واضح مشاهد ودعوى غفلتهم عن مراعاته غير معقول والحق انه انما يعصم المنطق عن الخطأ من جهة الصورة وذلك لا يقع من العلماء وأما من جهة المادة فلا يعصم الا التمسك بأهل العصمة لأن غاية ما يدل عليه المنطق في بحث مواد الأقيسة تقسيمها بوجه كلي إلى أقسام وليس فيه قاعدة بها يعرف ان كل مادة مخصوصة داخلة في أي قسم من تلك الأقسام بل من المعلوم عدم إمكان وضع قاعدة تكفل بذلك فيجب التمسك بما يعصم عن الخطاء وهو العمل بصريح كلام المعصوم والاحتياط فيما لم يوجد فيه ذلك والتمسك بالاحتياط المذكورة مأمور به في صريح كلام أهل العصمة كما سيأتي.
الحادي والثلاثون: الحديث المتواتر بين الفريقين انى تارك فيكم الثقلين ان تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي(١) ومعناه كما يستفاد من الأحاديث الكثيرة الاتية انه يجب التمسك بكلام الأئمةعليهمالسلام خاصة إذ حينئذ يتحقق التمسك بمجموع الأمرين والسر فيه انه لا سبيل الى فهم مراد الله الا من جهتهم لأنهم هم العارفون بناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومطلقة ومقيده وعامه وخاصه والمؤل منه والباقي على ظاهره دون غيرهم خصهم الله والرسول بذلك وقد
__________________
(١) تفسير البرهان ج ١ ص ١٢
قال الله تعالى( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (١) والأحاديث كثيرة وافرة على ان المراد بهم الأئمةعليهمالسلام .
الثاني والثلاثون: قوله تعالى:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (٢) وقد صرحت الأحاديث المستفيضة بأن المراد بأهل الذكر الأئمة (ع) وانه يجب سؤالهم عن كل ما لم يعلم حكمه والظن ليس بعلم كما سبق وقد صح عن الأئمةعليهمالسلام انهم قالوا: كل ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل(٣) .
الثالث والثلاثون: ان يلزمهم ان لا يجوز لفاقد الملكة المعتبرة عندهم ان يعمل بنص صحيح صريح اطلع عليه صاحب الملكة أو بلغه ولم يطلع على صحته بل يجب عليه إطراحه بل اطراح الف نص والعمل بظن صاحب الملكة المبنى على براءة أصلية أو استصحاب أو عموم أو إطلاق أو نحوه واللازم باطل قطعا فكذا الملزوم إذ لا يجوز اطراح نص المعصوم والعمل بظن غير المعصوم.
الرابع والثلاثون: ان من اعتبر أحكام الشرع المعلومة علم ان كثيرا من الأشياء المتوافقة مختلفة الأحكام وكثيرا من الأشياء المتخالفة متفقة الأحكام فلا يجوز ان يوضع لها قواعد كلية وضوابط تستخرج منها كأصالة البراءة والظواهر والاستصحاب وغيرها مما هو مذكور في محله وهذا دليل أوردوه لإبطال القياس ومن تأمل علم انه شامل لجميع المدارك الظنية.
الخامس والثلاثون: الأحاديث الكثيرة الدالة على عدم جواز تقليد غير المعصوم فيما يقوله من عند نفسه والأحاديث الدالة على انه انما يجب الرجوع الى رواة الحديث فيما رووه من الأحكام عنهمعليهمالسلام خاصة لا فيما يقولونه من عند أنفسهم.
السادس والثلاثون: الأحاديث المتواترة الدالة على وجوب التوقف والاحتياط في كل واقعة لم نعلم حكمها من جهتهمعليهمالسلام فلو جاز الاستنباط الظني ووجب العمل
__________________
(١) آل عمران - ٧
(٢) الأنبياء - ٧.
(٣) الوسائل ج ٣ ص ٣٧٧
بظن صاحب الملكة لما وجب التوقف والاحتياط.
السابع والثلاثون: الأحاديث الكثير الدالة على عدم جواز الاجتهاد والقول بالرأي للرسول ولا للإمام وقد تقدم منها وإذا لم يجز ذالك للمعصوم عن الخطاء لم يجز لغيره قطعا وقد تواتر النص العام الشامل للجميع أيضا.
الثامن والثلاثون: ان مسئلة الاجتهاد والاستنباط من أعظم المهمات إذ عليها يبنى جميع الأحكام الشرع على قولهم فالضرورة قاضية بوجود النصوص بها كما وردت في أمثالها من المهمات بل فيما دونها كالمندوبات والمكروهات وأحكام الخلاء والجماع والنجاسات وغير ذالك من الآداب والمصالح الدنيوية كما سيأتي وعدم ظهور نص هنا يدل على عدمه بمقتضى أصولهم لتوفر الدواعي على النقل وعدم التقية المانعة هذا مع قطع النظر عن النصوص الدالة على عدم الجواز وهي متواترة.
التاسع والثلاثون: الأحاديث الدالة على تعذر المجتهد المطلق المستقل بمعرفة جميع الأحكام وانه لا يعرف ذالك كله مفصلا سوى الامام، وتجزى الاجتهاد مختلف فيه عندهم لا يمكن دعوى الإجماع عليه الذي لم يدعوا حجة على العمل بظن المجتهد المطلق سواء.
الأربعون: الأحاديث المتواترة بل المتجاوزة حدّ التواتر المعنوي الدالة على وجوب الرجوع في جميع الأحكام الى المعصومينعليهمالسلام والتوقف مع عدم النصوص عنهم.
الحادي والأربعون: ان الاعتبارات التي ذكروها والمدارك التي اعتبروها من أصالة البراءة وصورتي القياس والإجماع والاستصحاب والظواهر الظنية وغير ذلك لا يكاد يمكن الاستدلال بشيء منها على حكم الا ويمكن الاستدلال بشيء آخر منها على نقيض ذلك الحكم لكثرة التعارض فيها فيرجع الأمر إلى المرجحات التي ذكروها وهي في غاية الضعف وليس شيء منها منصوصا بل المرجحات المنصوصة مخالفة
لها غالبا والتعارض فيها كثير أيضا لا يقصر عن تعارض المدارك وجميع ذلك يظهر لمن اعتبر مسائل الاجتهاد في كتب الاستدلال فكيف يجوز بناء الأحكام الإلهية والمهمات الدينية على هذه الظنون المتعارضة والخيالات المتناقضة وقد أشار الأئمةعليهمالسلام الى هذا في بعض الأحاديث.
الثاني والأربعون: الأحاديث الكثيرة المتواترة في الثناء على الشيعة ومدحهم وتصويب طريقتهم وبشارتهم بالجنة وبالفوز يوم القيمة.
ومن المعلوم الذي لا شك فيه من اطلع على أحوالهم وعرف طريقة الأخباريين اعنى المتقدمين منهم أصحاب الأئمةعليهمالسلام ومن قرب عهده بهم من العلماء الأعلام في الغيبة الصغرى وبعدها بمدة طويلة أيضا لم يعولوا في الأحكام الشرعية على شيء من هذه الاستنباطات أصلا إلا الشاذ منهم الذي أنكر عليه الأصحاب وتركوا العمل بكتبه لذلك فعلم بطريق القطع ان الطريقة الأولى مقبولة عند الله لأن أصحابها سلكوها بأمر أهل العصمة واشارتهم وقد مدحوها وأثنوا عليها، ولم يبلغنا ما يدل على جواز سلوك الطريقة الثانية.
هذا بعد التنزل عما ورد من الذم لها والتحذير منها وتخطيئة أصحابها كما عرفت وستعرف.
الثالث والأربعون: ان الاجتهاد في تحصيل الظن والعمل بالمدارك الظنية هو عين طريقة جميع العامة والعمل بالأخبار هو طريقة الأنبياء والأئمةعليهمالسلام وخواصهم وقد تواترت الأحاديث عن أئمتناعليهمالسلام بالنهي عن سلوك طريقة العامة والأمر باجتنابها والنص في ذلك أكثر من أن يحصى حتى قال الصادق (ع) والله ما هم على شيء مما أنتم عليه ولا أنتم على شيء مما هم عليه فخالفوهم فما هم من الحنيفية على شيء(١) .
__________________
(١) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٢
وقالعليهالسلام والله لم يبق في أيديهم من الحق الا استقبال الكعبة فقط(١) فهذه نبذة من الأدلة وقد ذكر جملة منها صاحب كتاب الفوائد المدنية وما لعله يرد على بعضها يمكن الجواب عنه وإذا اجتمعت كلها لم يمكن المنصف ردها الا ان تغلب عليه الشبهة والتقليد والله الهادي.
__________________
(١) المحاسن كتاب الصفوة ص ١٥٦ المستدرك ج ١ ص ٩٦
فائدة (٩٢)
اعلم انى وقفت على رسالة لبعض المعاصرين في الاجتهاد مشتملة على حق وباطل وفيها تناقض وتعارض وتسامح وتساهل فالتمس منى بعض الأصحاب تمييز ما فيها وبيان ما وافق أحاديث الأئمة (ع) وما خالفها لئلا تدخل الشبهة على بعض الضعفاء إذ اعجزوا عن حلها ولم يهتدوا لجوابها والرسالة بالفارسية وأنا انقل منها ما يحتمل احتياجه الى الجواب وأترجمه بالعربية ملخصا مختصرا ثم أجيب عنه إن شاء الله
قال المعاصر: لا دليل الا كلام الله ورسوله والأئمة (ع) وما قالوا بحجيته وعملوا به وهو أمور - الف - العقل كما دل عليه الكتاب والسنة كما ذكر في حديث هشام في أصول الكافي ان لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة وأما الباطنة فالعقول(١) .
ولا يمكن إنكار حجية العقل إلا بإنكار حجية الكتاب والسنة وقد نص الامام (ع) في حديث محمد بن عبيد في إبطال رؤية الله(٢) على الاعتماد على العقل حيث استدل على ذلك بدليل عقلي ونص في حديث أبي قرة في إبطال الرؤية على ان الروايات إذا خالفت القرآن وإجماع المسلمين ينبغي تكذيبها كالروايات التي رووها في جواز رؤية الله ولا يكون العقل حجة إلا فيما يصل اليه بشرط عدم مخالفة الكتاب والسنة
__________________
(١) الكافي ج ١ ص ١٦
(٢) في إبطال الرؤية - خ ل
فان كان خالفها فهو شبهة لا برهان بدليل( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) .
ب - البراءة الأصلية الموافقة لمضمون كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهى(١) وهذا الدليل كان يعمل به جبرئيل والنبيصلىاللهعليهوآله فإنهما ما كان يبلغان شيئا حتى يأمرهما الله به، وظواهر الآيات والروايات دالة عليها كقوله تعالى( وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ ) (٢) . ومن المشهورات: اسكتوا عما سكت الله عنه.(٣)
ج - إجماع كل الأمة وليس بدليل مستقل بل باعتبار دخول قول الرسولصلىاللهعليهوآله .
د - إجماع الطائفة المحقة الذي هو عبارة عن دستور العمل المذكور في مقبولة عمر بن حنظلة في قوله خذ بالمجمع عليه بين أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه(٤) .
ولذلك كان الشيخ يعمل به ويعترف بأنه لم يبلغه فيه نص، وانما بلغه عن مشايخه ومثل هذا لا يقدح فيه مخالفة الواحد والاثنين والثلاثة ولا ينافي تحقق الإجماع فلا يجوز الطعن عليهم إذا ادعوا الإجماع مع وجود الخلاف كما يفعله بعض المتأخرين ومن ترك دستور العمل الذي عرض على الأئمة (ع) مرارا كثيرة في مدة تقارب ثلاثمائة سنة وعمل بأخبار بدون ملاحظة دستور العمل وخصوصا أخبار التقية والشاذة كأخبار الغلاة التي وضعوها في الجبر والتفويض ولزم من طريقته تخريب دين الإمامية كما وقع في هذا الزمان في مسئلة الرجعة ومذهب الأخباريين الذي اشتهر الان بين جماعة من أسباب تخريب الدين حيث لا يلاحظون دستور العمل بل يعملون بأخبار محضة.
__________________
(١) الفقيه ج ١ ص ٣١٧
(٢) الحديد ٢٧
(٣) الأصول الاصيلة للمحقق الكاشاني ص ٨٠
(٤) الكافي ج ١ ص ٦٧.
أما القياس فهو خارج عن الأدلة الشرعية ومنصوص العلة ان كان الحكم فيه معلقا على العلة فتلك العلة مناط الحكم وليس من القياس، وقياس الأولوية ان كان مفادا من نفس اللفظ والا فلا ومدلوله فحجة وداخل في مفهوم كلام الله والنبي والأئمة (ع) والا فلا، وحرمة الضرب داخلة في مدلول( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ) ومثله مفهوم المخالفة سواء كان مفهوم الشرط، أم مفهوم الصفة، أم مفهوم الغاية أم مفهوم اللقب.
وأما الاستصحاب: فهو راجع الى الأصل وليس بدليل على حدة.
وأما المصالح المرسلة ونحوها فليست بدليل قال: ولا يجوز العمل والفتوى في حكم الا بعد فهم جميع الأدلة الشرعية وفهم القرآن موقوف على فهم المفردات والمركبات واللغة والصرف والنحو والمعاني والبيان والبديع وكل من سمع كلاما وعلم مفردات ألفاظه فهم منه معنى ولكن في الغالب لا يعتمد على ما فهمه وقد كان الصحابة وأصحاب الأئمة (ع) مأمورين بالعمل بما يسمعونه ولم يكونوا مأمورين باستنباط الأحكام بل كانوا يرجعون فيها الى من يعلم الحلال والحرام ويفهمه كما ينبغي ولا بد من معرفة الخلاف والوفاق لئلا يخالف دستور العمل وذلك يظهر من كتب الفقه ومن ثم اشترطوا الفقاهة.
وأما العقل فهو عبارة عن فهم مقتضى العقل من المعارف الربانية من إثبات الصانع وصفاته والتوحيد والعدل وقوة التمييز بين الخطاء والصواب والحق والباطل وآلة التمييز وهي المنطق ضرورية في الجملة ولذلك اشترطوا معرفة قدر من الكلام في الحكم وأما فهم الإجماعين فقد ظهر مما مر.
واما فهم الأصل فلا صعوبة فيه وأما الحاجة الى الإحاطة بجميع الأدلة فلأنه لو لم تحصل الإحاطة بها كيف يمكن الحكم والجزم بأمر من الأمور الدينية مع احتمال النسخ والمخصص غيرهما وفعلم انه لا بد من النحو والصرف واللغة والمعاني والبيان والبديع والكلام والمنطق والإحاطة بالأدلة والا لم يكن العمل ولا الفتوى بحكم
من الأحكام الشرعية ومن لم يعلم مقتضيات المفردات والمركبات وفسر معنى الآيات والأحاديث وقع في الغلط والمعاني التي لا يعمل بها وتقررت في خاطره وخواطر الشيعة فيلزم فساد عقائد الشيعة وتخريب الدين كما هو شائع الإن ولأجل هذه المفاسد منع العامة مع فساد مذهبهم من العمل بفتوى غير الفقهاء الأربعة أبي حنيفة والشافعي ومالك وابن حنبل.
قال وقد اتفق الأخباريون والاجتهاديون على ان الجاهل والعامي لا يجوز له الا الرجوع الى العارف بالحلال والحرام، ولا يتم ذلك إلا بمعرفة جميع اخبار أهل البيتعليهمالسلام وضبطها وفهمها وعرضها على القرآن بعد معرفة العقائد وأصول الدين بيقين، والا لم يكن عارفا ولا يمكن ذلك الا بالعلوم المذكورة.
ثم استدل بأحاديث مدح العقل وقوله تعالى:( هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) (١) ( وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ -وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ ) (٢) وغير ذلك.
واستدل بان من لم يعرف علوم العربية وفهم ظواهر الألفاظ وعمل بها وقع منه فساد عظيم كما هو ظاهر مشاهد، ويفهم من باب اختلاف الحديث في الكافي انه لا بد من معرفة العام والخاص والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ وسائر مصطلحات الأصول حتى القياس والرأي وأقسام القياس، ومن لم يعرف ذلك كله لم يقدر على جميع الأحاديث المختلفة، وإذا كان في القرآن ناسخ ومنسوخ لم يجز العمل بكل آية فلا بد من العلم بالناسخ والمنسوخ والتفاسير والاخبار ولا بد من فهم العام والخاص والمجمل والمبين والمطلق والمقيد وغير ذلك.
__________________
(١) البقرة ١١١
(٢) الانعام ٨٣
ثم أورد حديث عمر بن حنظلة
ثم قال انه متفق عليه ومعمول به ودستور العمل ولا خلاف فيه وهو صريح في أمور الف - ان الحاكم والمفتي الذي يجب العمل بحكمه هو العارف بأحكام أهل البيت والناظر في حلالهم وحرامهم وذلك ليس الا الكامل في العلوم المذكورة ولهذا وقع التعبير بلفظ فقيهان فما اشتهر بين بعض الأخباريين الان من العمل بكل آية وبكل خبر من كل ناقل من غير معرفة ولا فهم ولا قابلية: خلاف النص المتفق عليه.
ب - أنه لا يجوز العمل بالحديث الشاذ وهو غير المشهور بين الإمامية فلا يجوز العمل بالحديث إذا لم يشتهر بينهم فلا بد من تتبع كتبهم الفقهية والذي ذكره مخترع الأخباريين ورئيسهم وهو صاحب الفوائد المدنية من انه وقع تخريب الدين مرتين مرة يوم موت النبيصلىاللهعليهوآله ومرة يوم أجريت القواعد الأصولية والاصطلاحات التي ذكرها العامة في كتب الأصول بين الخاصة، غير جيد لان فيه طعنا على جميع علماء الإمامية.
ج - انه صريح في حجية إجماع الشيعة وهو غير إجماع الكل ولهذا كانوا يطرحون الخبر المخالف له ولا يعملون به وان سمعوه من المعصوم مشافهة.
د - انه لا بد من رعاية مخالفة العامة وموافقتهم فيكون تتبع مذاهبهم وأقوالهم لازما في الإفتاء والعمل فلا يمكن العمل بكل خبر كما يدعى الأخباريون لأن كل خبر يحتمل الموافقة والمخالفة فإذا لم يكن الفقيه جامعا للشرائط لا يجوز له الفتوى والعمل لكن إطلاق المجتهد على الفقيه اصطلاح للعامة ولما كان يطلق عندهم على الاجتهاد بالرأي والقياس وسائر المدارك الباطلة وقع في أخبار الأئمةعليهمالسلام ذم عظيم للاجتهاد فإطلاق المجتهد على الفقيه الجامع للشرائط غير جيد لا يهامه خلاف المقصود وينبغي ان يعلم أن الاجتهاد له إطلاقات ثلاث.
الف - إطلاق المخالفين وهو استفراغ الوسع في استخراج الفروع من الأدلة
الشرعية وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب والبراءة الأصلية والاستحسان ولا شك في بطلان هذا الاجتهاد.
ب - إطلاق علماء الشيعة وهو كما نقله العلامة في تهذيب الأصول استفراغ الوسع من الفقيه لتحصيل ظن بحكم شرعي من الأدلة المعتبرة ولا من القياس والاستحسان والرأي لكن فقهاء الإمامية في عصر العلامة والمحقق وما بعده افرطوا في ذلك لحرصهم على رواج دين الإمامية ودفع طعن المخالفين فلذلك أكثروا من التصانيف فوقع منهم ميل الى طريقة العامة واستدلال برواياتهم وأدلتهم المقررة في كتبهم لإظهار الفضل وحصل قليل خلط وليس بجيد لكن لا يليق الطعن عليهم وهذا الاجتهاد غير حسن ولا جائز لكن لا ينبغي الطعن عليهم به.
ج - الاجتهاد الحق هو استفراغ وسع الفقيه الجامع للشرائط لاستنباط المسائل الشرعية من الكتاب والسنة وأخبار أهل البيت بعد الجمع والترجيح بالطرق الواردة في حديث عمر بن حنظلة وأمثاله بعد العرض على القرآن والأصول الإجماعية ودستور العمل بين الشيعة، فالذي قاله الأخباريون في بطلان الاجتهاد عند التأمل لا معنى له لوجوب العمل بالنص وعدم جواز العمل بالقياس والاستحسان والرأي والدليل العقلي وغير ذلك.
ثم نقل المعاصر هنا كلام الكليني في أول كتابه وحمله على خلاف مراده وناقشه بمناقشات غير متوجهة ولا واردة ولا فائدة في نقلها والجواب عنها ثم أكثر التشنيع على الأخباريين ونسب إليهم انهم لا يرجحون شيئا من الاخبار على معارضه بل يجوزون العمل بكل خبر وهذا ظاهر البطلان.
ونسب الى بعضهم القول بالتخيير عند العجز الترجيح ثم أورد روايات في ترجيح الأخبار المختلفة ثم ادعى انها دالة على الاحتياج الى جميع ما ذكر في كتب أصول الفقه وان مبادي اللغة ومباحث المنطوق والمفهوم الموافق والمخالف مشاركة للنحو والصرف والمعاني والبيان واللغة في أنه لا بد من معرفتها في فهم
القرآن والحديث وان سائر مباحث الأصول كذلك حتى القياس والاستحسان وان المقدمات الخمس والأصول الأربعة لا بد من معرفتها وان المعنى الذي يفهم من لا يعلمها لا يعتمد عليه ولا يجوز العمل به، وادعى ان كل ذم ورد في الاجتهاد فالمراد به اجتهاد العامة وان هذا اللفظ ورد في مقام المدح كما رواه الكليني في أحاديث العقل مرسلا انه قال: نوم العاقل أفضل من سهر الجاهل وما يضمر النبي في نفسه أفضل من اجتهاد المجتهدين وما ادى عبد فرائض الله حتى عقل عنه(١) .
ثم أورد حديثا طويلا من عيون الاخبار عن الرضاعليهالسلام في اختلاف الحديث وترجيحه ثم ذكر انه يستفاد من هذا الحديث فوائد.
الف - انه لا بد من العرض على القرآن والسنة ودستور العمل.
ب - أن ما ورد من قولهم (ع) بأيهما أخذتم من باب التسليم وسعكم: مخصوص بالمستحبات والمكروهات غير مطلق ولا عام فعلم ان توقف الاجتهادي أولى وأقوى من توسعة الاخبارى.
ج - انه لا بد من معرفة صحة الاخبار ومعلوم انه لا يحصل إلا بمعرفة أحوال الرواة والرجال فلا يكون البحث عن ذلك لغوا كما يدعيه الأخباريون وبطل قول رئيسهم ان من أسباب تخريب الدين تقسيم الحديث إلى أقسام أربعة صحيح وحسن وموثق وضعيف.
ثم استدل بأحاديث الترجيح بين الاخبار وأمر الأئمة (ع) وفعلهم له وذكر ان ذلك اجتهاد وان النزاع هنا بين الاخبارى والمجتهد لفظي.
قال: وطريق الاجتهاد الذي عمل به فقهاءنا في كتب الفقه خصوصا العلامة والمحقق ومن عاصرهما أو قاربهما من التمسك في بعض المسائل بأخبار العامة مع وجود نصوص من طريق الخاصة والتمسك بأدلة عقلية مثل القياس خصوصا المسمى بتنقيح المناط واتحاد طريق المسئلتين وغيره والاستصحاب والاستحسانات العقلية
__________________
(١) الكافي ج ١ ص ١٣
وسائر أدلة العامة والعمل بالأصل مع وجود النص وان كان ضعيفا مع شهرته والاستدلال بتفاسير العامة ومتابعة المخالفين في الاستنباط فهذا الاجتهاد ليس بجيد لكن لا ينبغي الطعن عليهم ثم أطال المقال في مناقشة صاحب الفوائد المدنية في جزئيات لا تنافي أصل مطلبه.
من جملتها قوله بحصول العلم العادي من الخبر المحفوف بالقرائن، فزعم المعاصر ان هذا العلم هو الظن بل هو ظن ضعيف أضعف من ظن المجتهد.
ومنها: قوله بان خبر الثقة من الاخبار المحفوفة بالقرينة. فزعم المعاصر انه إذا لم يكن معه قرائن خارجية لم يفد غير الظن.
ومنها: قوله لا طريق إلى الأحكام النظرية إلا السماع عن المعصوم.
فاعترض المعاصر بان الأحاديث الكثيرة دالة على جواز العمل بالقرآن فانتقضت الكلية.
ومنها: قوله ان المجتهد أن أصاب لم يوجر وان أخطأ كذب على الله.
فاعترض المعاصر بأن ذلك مخصوص باجتهاد العامة واما اجتهاد الإمامية الذي هو مجرد الترجيح بين الاخبار والجمع بينها فغير داخل في ذلك الى غير ذلك من المناقشات الظاهرة الاندفاع ثم أنه أخذ في الاعتراض على أهل الاجتهاد والمناقشة معهم ورد أكثر أدلتهم ولا فائدة في نقل ذلك انتهى ما لخصناه من الرسالة.
أقول: لا يخفى على المتتبع الماهر ان فيما ذكره هذا المعاصر تمويهات ومغالطات وتسامحات وتساهلات موافقة لطريقة العامة مخالفة للأحاديث المتواترة عن الأئمة (ع) واستدل به وأشار إليه من المتشابهات المحتملة والمجملات التي منافياتها مفصلة والمنسوخات التي معارضاتها ناسخة ومن الدلالات الظنية المعارضة للأدلة القطعية ومن الظواهر التي تنافيها النصوص الصريحة ومثل ذلك لا ينبغي الاعتماد عليه والتعويل في الأحكام الشرعية عليه، وفيما ذكره ما هو موافق للأحاديث الثابتة عن الأئمة (ع) وأنا اذكر إن شاء الله كل واحد من القسمين.
فأقول:
قوله: وما قالوا بحجيته وعملوا به.
أقول: لا يخفى ان جعل ذلك مغايرا لكلامهم (ع) غير جيد لأنه ان دل عليه كلامهم دلالة واضحة ظاهرة يعتمد على مثلها ولا يشملها النهى عن الظن ولا يوجد لها معارض أقوى منها فذلك داخل في كلامهم فلا يجوز الحكم بالمغايرة والا لم يجز العمل به والاعتماد عليه والرجوع في أصول الأحكام الشرعية اليه ولا يجوز ان ينسب إليهم القول بحجيته والاعتماد في هذا المقام على خبر الواحد الخالي عن القرينة وعلى الدلالة الظنية غير جائز حتى ان الذي يجوز العمل بالظن لا يجيزه هنا لأنه من مطالب الأصول.
وأعلم ان كثيرا مما أشار اليه انما استدل به الأئمة (ع) على وجه الإلزام للعامة بما يعتقدونه وليس بدليل في الواقع فلا يدل ظاهر كلامهم على أنهم قائلون بحجيته ولا على انهم عملوا به ولا على انهم لم يعملوا تلك الأحكام الا منه بل معلوم ان علمهم بالأحكام انما هو بالوحي والإلهام فلا يجوز ان يستدل بذلك على حجيته ولا أقل من الاحتمال فكيف يتم الاستدلال على ان ما جاز لهم الاستنباط منه والاستدلال به لا يلزم أن يجوز لنا مثله لبطلان القياس ووجود الفارق بل وجود النهى الصريح لنا عن العمل به كما يأتي بيانه إن شاء الله.
ألا ترى انهم (ع) استدلوا في أحاديث متواترة بالقياس الذي لا يجوز عندهم العمل به بل المصالح المرسلة الواضحة البطلان عندهم وعند شيعتهم بل بالشعر الذي ليس بحجة قطعا بل بالمنام ونحوه بل بروايات الكذابين والكفار والمنافقين
وفي الحقيقة ليس ذلك باستدلال حقيقي بل هو تعليم للشيعة أن يستدلوا به على العامة لقولهم (ع) ألزموهم بما الزموا به أنفسهم(١) .
وهنا مناقشة أخرى وهو ان فعلهم (ع) وتقريرهم خارجان عن الحصر مع
__________________
(١) وسائل الشيعة ج ٣ ص ٣٥١
ان المعاصر وغيره قائلون بحجيتهما ففيه غفلة أو تساهل.
قوله: العقل كما دل عليه الكتاب والسنة.
أقول: هذا الكلام مجمل لا يخلو من تسامح وقد صرح في موضع آخر مما نقلناه بأن العقل عبارة عن فهم المعارف من إثبات الصانع وصفاته والتوحيد والعدل والتمييز بل الخطاء والصواب فعلى هذا لا يكون حجة عنده الا فيما يتوقف عليه حجية الدليل السمعي فإن أراد هذا سقط النزاع لأن الأخباريين قائلون بحجية هذا القدر وأحاديث الأئمة (ع) ناطقة به ولا خلاف فيه إذ لا يمكن إثبات حجية الدليل السمعي بالدليل السمعي والحديث الذي أورده لا يدل على أكثر من ذلك.
وح فجعل العقل من جملة الأدلة قليل الفائدة لأن الكلام في أدلة الأحكام الشرعية الفرعية.
ولا يخفى انه قد استعمل العقل بمعان كثيرة في كلام العلماء تزيد على عشرة معان واستعمل في الأحاديث بمعنى الطبيعة الإنسانية التي تميز بين الخير والشر
وبمعنى الطبيعة التي ترجح الخير على الشر وتدعو الى العمل بمقتضى العقل وبمعنى العلم واليقين ولذلك يقابل غالبا بالجهل لا بالجنون.
ومعلوم ان أكثر الآيات والروايات الواردة في مدح العقل يراد بها المعنى الثالث ولا شبهة في وجوب العمل بالعلم واليقين ولا ريب ان العقل انما يحصل منه العلم واليقين ببعض مطالب الأصول لا بجمعها ولا شيء(١) من مطالب الفروع ولا دليل على حجية المقدمات العقلية الظنية ومعلوم بالتتبع ان كل مقدمة عقلية قطعية تتعلق بالأصول والاعتقادات ففيها، نص متواتر وهذا ظاهر لمن تتبع.
وعلى تقدير ثبوت حجية العقل مطلقا بالمعنى الأول والثاني لا يمكن إثبات حجية المقدمات الظنية المستفادة منه لأن أدلة حجيته عند التأمل ظاهرة لا نص إذ هي اما عمومات أو إطلاقات فهي ظنية ولا يجوز الاستدلال بالظن على الظن والآيات
__________________
(١) ولا لشيء خ
الكثيرة والروايات المتواترة في النهي عن العمل بالظن نص واضح الدلالة وقد اعترفوا بشموله للأصول بل ادعوا اختصاصه بها فتعين تخصيص تلك الظواهر به والا لزم الحكم بالدليل الظني الدلالة الموافق للعامة وترك العمل بالقطعي وهو باطل قطعا اتفاقا.
وليت شعري أي دليل دلت على ان المقدمات العقلية الظنية حجة في أصول الاعتقادات واى عالم من علماء الإمامية قال بذلك ومن هنا يعلم ما في كلام المعاصر وأمثاله في هذا المقام من الإجمال والتسامح والتمويه لأن أصل هذا الاستدلال من العامة وعادتهم التسامح والتساهل في الدين فلا تغفل.
ومن المعلوم المتفق عليه انه لا يوجد دليل عقلي قطعي في شيء من مسائل فروع الفقه والعقلي الظني فيها ليس على حجيته دليل يعتد به بل النهى عن الظن شامل له ولدليل حجيته مع موافقته لطريقة العامة ومعارضته بما هو أقوى منه كما يأتي إن شاء الله.
قوله: ولا يمكن إنكار حجية العقل.
أقول: قد عرفت ما فيه من الإجمال وانه ان أراد حجية العقل في إثبات الدليل السمعي فمسلم ولا ينفعه وان أراد فيما زاد عن ذلك من تفاصيل الأصوليين التي يمكن إثباتها بالدليل السمعي وفي الفروع الفقهية فليس على ذلك دليل واضح الدلالة أصلا خصوصا إذا جعل موضوع البحث ومحل النزاع الأدلة العقلية الظنية أو أعم منها ومن القطعية ويأتي لهذا مزيد تحقيق إن شاء الله تعالى ومعلوم ان معارضات تلك الظواهر أقوى منها دلالة وناهيك بان حجية العقل مطلقا من غير تفصيل موافق لاعتقاد العامة ونحن مأمورون بمخالفتهم بنصوص متواترة.
قوله: في إبطال الرؤية حيث استدل على ذلك بدليل عقلي.
أقول: في هذا تسامح عظيم في الاستدلال.
أما أولا: فلان استدلالهعليهالسلام بدليل عقلي لا يستلزم جوازه لغيره لبطلان القياس.
وأما ثانيا: فلانة لا يستلزم جوازه لغيره لكمال عقله ونقص عقل غيره فظهر
الفرق وكيف يجوز قياس الأضعف على الأقوى والقياس مع عدم الفارق لا يجوز فكيف معه
واما ثالثا: فلانة استدلال بدليل خاص فلا يدل على حجية غيره من الأدلة إلا بالقياس
وأما رابعا: فلانة استدلال في مسئلة خاصة فلا دلالة له على جواز الاستدلال في غيرها بمثله
وأما خامسا: فلانة استدل بدليل قطعي فلا يدل على حجية الظني
وأما سادسا: فلانة ليس فيه شيء من ألفاظ العموم.
وأما سابعا: فلانة موافق للعامة فيحتمل التقية
وأما ثامنا: فلانة استدلال على العامة بدليل إلزامي فلا يدل على حجية مثله كما انهم يستدلون عليهم بروايات المنافقين والضعفاء وأهل البدع لأنهم يعتقدون حجية رواياتهم
واما تاسعا: فلانة استدلعليهالسلام في ذلك الحديث بالعقل والنقل معا فلا يدل على حجية العقل وحده
ولا يخفى على منصف ما في قول المعاصر وقد نص الإمام إلخ من التسامح فان هذا الاستدلال ليس بظاهر فيما ادعاه خصوصا مع ملاحظة ما قلناه فكيف يكون نصا
قوله: ونص في حديث أبي قرة إلخ
أقول: ذكر هذا الكلام غير مناسب لهذا المقام إذ لا دخل له في إثبات حجية العقل أصلا واما ما تضمنه من رد الروايات في الرؤية فوجهه انها من روايات العامة مع وجود معارض أقوى منها من المقدمات العقلية القطعية والأحاديث المتواترة من طريق الأئمةعليهمالسلام ، فلا يدل على جواز رد الروايات مطلقا ولعل وجه ردها مخالفتها للدليل العقلي القطعي وللدليل النقلي المتواتر فلا يدل على أحدهما منفردا
وقد عرفت تلازمهما ومن تتبع جزم بصحة ما قلناه.
قوله: بشرط عدم مخالفة الكتاب والسنة.
أقول: لا يخفى عليك ان هذا يستلزم خروج جميع الأدلة العقلية الظنية عن الحجية لما علم من حجية الكتاب والسنة ولما أشرنا إليه من كثرة الآيات وتواتر الروايات في النهي عن العمل بالظن بل يستلزم خروج الدليل العقلي القطعي عن الحجية لما قلناه فهذا رجوع منه عما ادعاه ولا ريب انه لو كان مطلق الدليل العقلي حجة وان كان ظنيا لزم صحة جميع المذاهب الباطلة والاعتقادات الفاسدة لأن أهلها نظروا بعقولهم واستدلوا بها على مطالبهم بأدلة عقلية ظنية وبأدلة نقلية أيضا ظنية اما باعتبار السند أو باعتبار الدلالة أو بالاعتبارين وهنا كلام آخر يطول بيانه وله محل آخر.
قوله: البراءة الأصلية.
أقول: هذا أيضا مجمل لان النزاع في مقام التحريم لا في مقام الوجوب وقد جمع المعاصر في الدعوى بينهما والخلاف في الأول مشهور لا في الثاني واستدلاله بعمل جبرئيل والنبيصلىاللهعليهوآله بها على تقدير تسليمه وعدم وصول نص إليهما في ذلك أصلا انما وقع منهما في نفى الوجوب لا في نفى التحريم وكذا الآية التي أوردها وأما في مقام التحريم فالأقوال فيه ثلاثة والذي اختاره الشيخ في العدة ونقله عن المفيد وجماعة من علمائنا هو التوقف والاحتياط مع عدم النص أو تعارض النصوص من غير ترجيح وهذا الذي دلت عليه النصوص المتواترة والآيات بل الدليل العقلي أيضا وقد جمعنا من الروايات في هذا المعنى في كتاب وسائل الشيعة في أول كتاب القضاء ما تجاوز حد التواتر بمراتب وحققنا البحث في محل آخر من هذه الفوائد.
وحديث كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهى: ذكرنا وجهه هناك وانه يحتمل التقية وغيرها على ان النهى عن ارتكاب الشبهات والقول بغير علم والعمل بغير نص متواتر، فالحديث مخصوص بمن لم تبلغه تلك الروايات على ان في كلامه تسامحا
آخر حيث انه مخصوص بالتبليغ فلعله قد بلغهما نص صريح فيه ولم يعملا فيه بالبراءة الأصلية، والتبليغ ليس بواجب علينا فالدليل مبني على القياس إذ لا عموم له بحيث يشمل غير التبليغ.
ثم يقال للمعاصر انهماعليهماالسلام ما كان يعملان الا بالنص الصريح لا باجتهاد ولا ظن ولا دليل عقلي ظني ولا دليل نقلي ظني السند ولا ظني الدلالة( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحى ) فعلم انهما كانا من الأخباريين لا من الأصوليين المجتهدين فوجب أتباعهما بنص الكتاب والسنة( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) -( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ) فقد انقلب دليله عليه والنصوص المتواترة صريحة فيما قلناه وكذلك باقي الأنبياء والأئمةعليهمالسلام ألا ترى الى قول نبيناصلىاللهعليهوآله ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت انه سيورثه وما زال يوصيني بالمرئة حتى ظننت انه لا ينبغي طلاقها الا من فاحشة مبينة وما زال يوصيني بالسواك حتى ظننت انه سيجعله فريضة، وما زال يوصيني بالمملوك حتى ظننت انه سيجعل له أمدا يعتق فيه.
رواه الصدوق في الفقيه(١) وغيره من محدثينا في الكتب المعتمدة ومثله كثير مما تضمن لفظ الظن ومعلوم انهعليهالسلام لم يعمل بهذا الظن الشريف ولم يحكم به ولم يكن أيضا مطابقا للواقع في شيء من المواضع الأربعة فما الظن بالظن السخيف الحاصل لغيره.
والحاصل ان البراءة الأصلية دليل عقلي ظني لا يجوز الاستدلال عليه بدليل ظني ودليله الذي أوردوه في الأصول قياس ظاهر البطلان قد أوردناه في محله واجبنا عنه.
وان قيل ما الفرق بين مقام الوجوب والتحريم أليس ما دل على أحدهما دل على الأخر فإن ترك الواجب حرام وترك الحرام واجب.
قلنا: الفرق من وجوه كثيرة نذكر منها اثنى عشر:
أحدها: انه لم يقل أحد من العقلاء بأن الأصل في كلشيء الوجوب حتى يثبت عدمه وقد قال كثير من العقلاء والعلماء بأن الأصل في كل شيء التحريم الا
__________________
(١) الفقيه ج ١ ص ٥٢
الأفعال الضرورية حتى ثبت الإباحة وقال قوم بالعكس وقال قوم بالتوقف والاحتياط
وثانيها: ان القول بأصالة الوجوب في كل فعل يحتمله يستلزم تكليف ما لا يطاق لان كل فعل أو أكثر الأفعال يحتمل الوجوب.
وثالثها: انه لو وجب الاحتياط في المقامين لزم تكليف ما لا يطاق لأن أكثر الأشياء يحتمل الوجوب والتحريم ولا يمكن الجمع بين الفعل والترك ولا ترجيح الوجوب على التحريم لما تقدم ويأتي فتعين العكس.
ورابعها: ان الترك أيسر من الفعل إذ لا يمكن الإتيان بفعلين معا في وقت واحد ويمكن ترك مائة ألف فعل في وقت واحد فاقتضت الحكمة تخفيف التكليف ورفع الحرج
وخامسها: ان رفع الضرر أوجب عند العقلاء من جلب النفع لاتفاقهم على ذم تارك الأول دون الثاني كما ذكروه في دليل وجوب المعرفة وغيره مما يعدون مقدماته قطعية.
وسادسها: انه قد تقرر عندهم ان الكمال نوعان اجتناب واكتساب وان الأول أقوى وأوجب من الثاني كالمريض فان الحمية له أنفع من الدواء وقد روى ان الحمية رأس الدواء(١) .
وسابعها: ان المحرمات موانع والواجبات أسباب وقد تقرر أن الموانع أقوى تأثيرا فان واحدا منها يغلب الأسباب كلها.
وثامنها، ان أحاديث التوقف والاحتياط فيها إشارات وتصريحات بالفرق كقولهعليهالسلام حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات الحديث(٢) ولم يرد مثله في الواجب انه واجب بين وغير بين وشبهات ومعلوم ان مالا يحتمل التحريم وقد حصل الشك في وجوبه أو استحبابه أو كراهته فهو حلال بين وكذا ما علم اتصافه بأحد الأوصاف الثلاثة أيضا حلال بين فليس محل الاحتياط.
__________________
(١) سفينة البحار ج ١ ص ٣٤٥
(٢) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٧
وتاسعها: الأحاديث الواردة في مقام الوجوب دالة على ما قلناه.
كقولهمعليهمالسلام ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم(١) . فان هذه العبارة مخصوصة بسقوط الواجب عن المكلف لا بالمحرم بل لا معنى لوضع المحرم وسقوطه ولا تستعمل هذه العبارة فيه
وكذا قولهعليهالسلام : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان الى قوله وما لا يعلمون(٢) فان صدق الرفع على رفع الوجوب أظهر وأوضح.
وعنهمعليهمالسلام أنهم سئلوا عمن لم يعلم شيئا هل عليه شيء قالوا لا.(٣)
فان لفظ عليه ظاهر في الوجوب والأفعال الوجودية. وفي حديث الحائض التي شكت في الميقات بين وجوب الإحرام عليها وتحريمه فتركته خوفا من التحريم فاستحسن الامامعليهالسلام فعلها وأثنى عليها دلالة على ذلك وأمثاله كثيرة:
وعاشرها: ان غير المكلف من الأطفال يمنع كثير من المحرمات على المكلفين مع أنها غير محرمة عليه ولا يجبر على الواجبات الا ترى انه لو أراد قتل رجل لمنع وضرب وأدب بل يقتل ان لم يكن دفعه بدونه ويحكم على عاقلته بضمان بعض جنايته لتقصير هم في تأديبه ومنعه من مثلها ولو أتلف مال الغير لحكم عليه بالضمان في ماله ولو زنا أو لاط لعزر وأدب ولو أراد ذلك لمنع أشد المنع وكذا لو أراد شرب الخمر ونحوه ولو سرق لقطعت أنامله ثم أصابعه ثم يده على تفصيل وخلاف مذكور في محله ولو ترك الصلاة ونحوها من الواجبات لم يقتل ولم يقطع يده فعلم ان التحريم أقوى من الوجوب.
وحادي عشرها: ان الكافر يمنع من المحرمات ويعاقب عليها ويقتل بسببها ولا يجبر على العبادات الواجبة ولا يفتل لأجلها إذا تركها مع انها واجبة عليه عندنا.
وثاني عشرها: ان البهائم التي لا تعقل تمنع من المحرمات وتضرب لأجلها بل تقتل
__________________
(١) التوحيد للصدوق (ره) ص ٤١٣
(٢) التوحيد ص ٣٥٣
(٣) البحار ج ٢ ص ٢٨١
دفاعا عن أموال المسلمين ودمائهم ولا يتصور ضربها لغير ذلك ومن هنا ومن النص العام والخاص يعلم ان النية والإخلاص ليس بشرط في ترك المحرمات بل يجزى تركها لغير الله ويحصل به براءة الذمة والخلاص من العقاب وان كان حصول الثواب موقوفا على النية والإخلاص، وفي بعض هذه الوجوه يمكن المناقشة ويمكن الجواب عنها لكن المجموع لا يمكن المناقشة فيه وما يمكن المناقشة فيه فيكون مؤيدا للنص المتواتر ولباقيها والله الهادي.
قوله: إجماع كل الأمة إلخ أقول: قد حققنا أحوال الإجماع وأحكامه في رسالة مفردة ونقول هنا: ان أراد المعاصر الإجماع الذي تحقق دخول المعصوم فيه فمسلم وان أراد انه حجة فممنوع بل هو مشتمل على الحجة ولكن لا يحسن جعله قسيما للأخبار بل هو داخل فيها فلا يجوز افراده عنها وان أراد مطلقا منعنا الحجية فان أدلتها في غاية الضعف كما يظهر لمن نظر فيها وبعد التسليم نمنع من إمكان الاطلاع عليه ولا يمكنهم تحقيق المقامات الثلاثة بدليل شاف.
ولقد أحسن وأجاد بعض المحققين من المعاصرين حيث قال: أدلة الإجماع لو تمت لدلت على حجية قول جميع الأمة لا بعضها وجميع الأمة هو جميع الانس والجن من أول زمان النبوة إلى يوم القيمة ومن المعلوم انه لا يمكن الاطلاع على أقوال الجن ولا على أقوال الذين لم يوجدوا بعد ولا على أقوال المتقدمين ولا على أقوال جميع الموجودين.
وتخصيص الإجماع بأهل الحل والعقد وبأهل عصر واحد من مخترعات العامة ولا دليل عليه وقول بعض « من » الخاصة بأنه كاشف عن دخول المعصوم أيضا لا وجه له ولا دليل عليه ولا يمكن تحصيل العلم بدخوله فيهم ولا الظن به بعد غيبته مدة تقارب ألف سنة فلا يدرى انه في البر أم في البحر في المشرق أم في المغرب.
وقولهم باشتراط دخول مجهول النسب فيهم أعجب وأغرب واى دليل
دل عليه وكيف يحصل مع ذلك العلم بكونه هو المعصوم أو الظن به.
والذي يظهر بالتتبع ودل عليه الحديث المروي في أول الروضة عن الصادقعليهالسلام ان حجية الإجماع من مخترعات العامة وجعلوه وسيلة إلى غصب الخلافة ثم إلى إثبات كل باطل أرادوه، ويأتي كلام آخر في تحقيق المقام إن شاء الله.
قوله: إجماع الطائفة المحقة إلخ.
أقول: الكلام فيه قريب من سابقة لعدم حجية قول غير المعصومعليهالسلام وان كان من الطائفة المحقة وذلك ضروري يظهر من المعاصر ان الإجماع السابق أقوى من هذا وفيه غفلة عن انه يستلزم اعتبار أقوال أعداء الدين في الإجماع مع انا مأمورون بمخالفتهم فينبغي إسقاط الإجماع السابق بالكلية كما لا يخفى بل لو علمنا دخول المعصوم فيه فاحتمال التقية ظاهر بل راجح.
قوله: خذ بالمجمع عليه بين أصحابك.
أقول: هذا لا دلالة على حجية الإجماع بوجه أما أولا فلان المراد بالمجمع عليه الحديث المجمع عليه لا الرأي والظن المجمع عليه ألا ترى ان موضوع حديث عمر بن حنظلة هو ترجيح أحد الخبرين المختلفين على معارضه فاللام للعهد الذكرى، وكذا قوله فان المجمع عليه لا ريب فيه انما يراد به الخبر المجمع عليه لما ذكرنا لا الرأي والظن فإنه مع قطع النظر عن تواتر الأحاديث عنهم (ع) بالنهي عن العمل بهما لم يجز لهما ذكر في الخبر أصلا ولا أقل من الاحتمال فلا يتم الاستدلال.
وأما ثانيا: فلان قوله خذ وقوله أصحابك، ليس شيء منهما من ألفاظ العموم أما الأول: فلأنه خطاب لشخص واحد، واما الثاني: فهو من خطاب المشافهة وحاله معلوم مقرر في محله وإذا لم يكن فيه عموم لم يكن حجة.
وأما ثالثا: فلان الظاهر من أصحابك هم أصحاب عمر بن حنظلة ولا يعرف الان فتوى أحد منهم في مسئلة من المسائل ولا دلالة له على جميع الموجودين في
زمانه فضلا عن غيرهم.
وأما رابعا: فلان الأصحاب في ذلك الوقت وما قاربه كانوا كلهم أخباريين قطعا كما يعلم بالتواتر وتصريحات علمائنا فيدل على ان إجماع الأخباريين حجة لا مطلق الإجماع.
وأما خامسا: فلان أصحابه كانوا في زمان الأئمةعليهالسلام وكانوا متمكنين من معرفة قول الامام المعصوم فما الدليل على دخول قول أهل زمان الغيبة مع تعذر اطلاعهم على قول امامهم قطعا أليس هذا قياسا مع الفارق.
وأما سادسا: فلانة استدلال بخبر واحد في الأصول سنده ظني عندهم وكذا دلالته وهم لا يجوزون الاستدلال بمثله كما صرحوا به.
وأما سابعا: فلانة معارض بالنصوص المتعددة الدالة على نفى حجية الإجماع وان حجيته من مخترعات العامة فإذا تعارضا تساقطا.
وأما ثامنا: فلانة يحتمل التقية فيمكن حمله عليها ومعارضه أرجح منه لبعده عن الأقوال العامة جدا.
وأما تاسعا: فلانة تضمن ترجيح ما خالف العامة وترك ما وافقهم فينبغي أن يقول المعاصر بأن مخالفة العامة دليل شرعي وهو لا يقول به والا لزمه ان يقول من شك في وجوب الصلاة أو تحريم الخمر يكفيه الحكم بما يخالف اعتقاد العامة وهو ظاهر البطلان ومع ذلك يستلزم عدم حجية الإجماع لقولهم بها وهذه المعارضة لا يمكن دفعها عند الإنصاف وما أجاب به فهو جوابنا وهو أن هذه الأمور المذكورة مرجحات للغير على معارضه لا أدلة مستقلة إلا ما دل على حجته دليل آخر تام.
قوله: ولذلك كان الشيخ يعمل به إلخ.
أقول: هذا ممنوع بل كلام الشيخ في المواضع المشار إليها يدل على رده وعدم العمل به وبعد التسليم نقول: عمل غير المعصوم ليس بحجة قطعا وهو معارض بمن
صرح بخلافه وبالأحاديث المتواترة الدالة على الرجوع الى الامام في جميع الأحكام والعجب من حكمه بأنه لا ينافي الإجماع مخالفة الثلاثة وهذا الإجمال(١) في بيان الإجماع غير مستحسن فليت شعري ما حده فان كان اتفاق الأكثر كافيا فمن أين يعرف حد الكثرة سلمنا فينبغي إذا مات منهم واحد أو أكثر حتى صار الطرف الأخر أكثر ان ينقلب الحق باطلا والباطل حقا مع ان ذلك غير منضبط قطعا وما الدليل على هذه التفاصيل.
قوله: ومن ترك دستور العمل إلخ.
أقول: هذا اللفظ من مخترعات المعاصر لا توجد في كلام غيره من علمائنا ولا معنى لها أيضا يعتد به ولا تصدق الا على ضروري المذهب لقوله عرض على الأئمةعليهمالسلام مرارا والغرض من هذا الكلام التشنيع على الأخباريين مع انه مشترك بين الفريقين فإن الأصوليين والأخباريين: منهم من يحتاط ومنهم من يتساهل ومعلوم ان التساهل في الدين مذموم محرم ومعلوم ان من يكتفى بحصول الظن سندا ودلالة أقرب الى التسامح ممن يشترط حصول العلم فيهما بالتواتر أو القرائن وحاصل كلامه يرجع الى ذم من عمل بالخبر المرجوح الذي معارضه راجح عليه وهذا أمر مفروغ عنه متفق عليه لا ينازع فيه أحد غير ان بعض الإفراد ربما تشتبه قبل التأمل.
قوله: كما وقع في هذا الزمان في مسئلة الرجعة.
أقول: هذا الكلام عجيب جدا وظاهره انه منكر للرجعة وانه يعتقدان أحاديثها مرجوحة وان معارضها راجح وهو خلاف أقوال جميع علماء الإمامية وخلاف ما تواتر من أحاديث الأئمةعليهمالسلام .
وقد اتفق جميع العامة على إنكارها ونحن مأمورون بمخالفتهم وقد حققناها في رسالة شريفة تضمنت أدلة عقلية ونقلية واشتملت على عبارات جميع علمائنا وعلى أربعة وستين آية من القرآن وعلى ما يزيد على ستمائة حديث من روايات
__________________
(١) وهذا الاحتمال - خ
الإمامية نقلناها من أكثر من سبعين كتابا من الكتب المعتمدة(١) وبعد التتبع التام لا يظهر لها معارض أصلا وان أحاديثها تجاوزت حد التواتر فان كان مراد المعاصر الإنكار على من أنكرها فله وجه لكن لا يناسب المقام لعدم وجود أخبار يقتضي إنكارها.
قوله: أما القياس إلخ.
أقول: كلامه في المقام لا يخلو من اضطراب وإجمال وحجية الأشياء المذكورة مختلف فيها عند الأصوليين وهي أدلة ظنية ودليل حجيتها الذي أورده في محله ضعيف جدا ظني والاستدلال به دوري وهو مع ذلك معارض بما هو أقوى منه وموافق للعامة أعداء الدين ولا حاجة الى نقله وإبطاله لظهوره وقد اتفق الأخباريون على عدم حجيتها والنصوص المتواترة التي يضيق عنها المقام دالة على ذلك وهي تزيد على الف حديث منقولة في أكثر من مائة كتاب من الكتب المعتمدة المشهورة بين الإمامية الإن وقد جمعناها أو أكثرها في أوائل كتاب القضا من وسائل الشيعة وذكرنا ما يؤيدها في خاتمة ذلك الكتاب ولا يظهر لها معارض عند التأمل.
وعلى تقدير ظهوره يتعين حمله على التقية لموافقته للعامة ولعل مراد المعاصر ان هذه الأشياء ليس بحجة ولا معتبرة إلا مع قرائن قطعية ونصوص خاصة أو عامة تدل عليها وتضاف إليها كقوله( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ) فإن أراد ذلك هان الخطب ومع ذلك يبقى فيه شيء لا يخفى على المتأمل.
قوله: ولا يجوز الفتوى في حكم الا بعد فهم جميع الأدلة الشرعية إلخ.
أقول: هذا لا يوافقه عليه أكثر الأصوليين فضلا عن الأخباريين والأحاديث المتواترة أيضا دالة على بطلانه وانما اعتبروا ما يتوقف عليه ذلك الحكم ويتعلق به فمن أراد تحقيق مسئلة من مسائل الوضوء كيف يشترط أن يعلم أحكام الطلاق والمزارعة والمساقاة والمواريث والشهادات والحدود والديات الى غير ذلك.
__________________
(١) المسماة ب إيقاظ الهجعة في إثبات الرجعة.
وقد صرح المحققون بجواز تجزى الاجتهاد واستدلوا بحديث ابى خديجة وغيره والحق ان الاجتهاد الظني غير جائز وان العلم يحصل بمسئلة دون مسئلة والنص دال على جواز العمل حينئذ.
وان أراد المعاصر جميع الأدلة الشرعية المتعلقة بتلك المسئلة هان الخطب ومع ذلك فيه خلاف بينهم في وجوب البحث عن المخصص والمقيد والناسخ ونحوها والاحتياط البحث عن ذلك ولا شك ان معرفة النحو والصرف والمعاني والبيان واللغة مما يعين على فهم الكتاب والسنة.
وفهم الكلام العربي موقوف عليها بالنسبة الى بعض المكلفين لا كلهم كما صرح به الشهيد الثاني وغيره وليس فهم كل حديث وكل آية موقوفا على جميع تلك العلوم خصوصا بالنسبة إلى العرب ومن ادعى ذلك لم يقدر على إثباته وليس كل من عرف هذه العلوم يفهم جميع متشابهات القرآن والحديث بل من البديهيات ان حال المكلفين في ذلك مختلفة وحال الآيات والروايات كذلك فالإجمال هنا غير جيد بل الضابط عند الأخباريين حصول العلم فيعتبر كل ما يتوقف عليه وعند الأصوليين حصول الظن ويعتبر أيضا ما يتوقف عليه عندهم وقد صرح المحققون من الأصوليين بالتفصيل الذي أشرنا اليه.
وقد صرح الشهيد الثاني في رسالة الاجتهاد بأن أكثر ما ذكره المعاصر غير موقوف عليه وبالغ في الإنكار على من يدعى انها موقوف عليها خصوصا في المنطق والكلام، والعجب من ذكر المعاصر لعلم البديع مع انه لم يذكر أحد من الأصوليين أصلا ولا شبهة في عدم توقف شيء من الأدلة عليه بل أكثر مسائل المعاني والبيان كذلك بل جميع العلوم الثلاثة غير موقوف عليها عند المحققين من علماء الأصول وانما يعتبر قدر الحاجة منها ولا دليل على ما ادعاه بل كلامه دعوى مجردة عن برهان.
قوله: ولكن في الغالب لا يعتمد على فهمه.
أقول: من عرف هذه العلوم أيضا كثيرا ما يفهم شيئا ولا يعتمد على ما فهمه بل يظهر لغيره أو له في وقت آخر انه غلط فما أجابوه به فهو جوابنا والضابط هو ما قلناه سابقا من حصول العلم عندنا والظن عندهم والذي يقع فيه الأشياء المذكورة هو الدلالات الظنية والمفهومات وهي غير معتمد عليها عند الأخباريين ولا يعتقدون حجيتها فكان المفسدة على قولهم قليلة:
قوله ولا بد من معرفة الخلاف والوفاق.
أقول: هذا متفرع على حجية الإجماع مع عدم العلم بدخول المعصومعليهالسلام وأصحابنا يصرحون بنفي حجيته ولا دليل عليها أصلا كما مر ومن عمل بالنص الصحيح الصريح الخالي من المعارض الراجح لا حاجة الى معرفة قول غير المعصوم فإنه إذا خالف قول الامام فليس بشيء فإن وافقه فالمعتبر قول الامام لا قول غيره ولا شك ان الرواة إذا رووا حديثا لم يوردوا له معارضا ولا تعرضوا لتأويله ولا تضعيفه بل دونوه في كتبهم المعتمدة فهم قائلون بمضمونه كما يعلم بالتتبع قطعا.
وصرح به جماعة من علمائنا على انه لا حاجة الى عمل أحد به بعد ثبوته وخلوة عن المعارض كما قلنا ومن ادعى الاحتياج الى ذلك لم يجد عليه دليلا ويلزمه ترجيح قول غير الامام على قول الامام.
واعلم ان جميع ما ادعى المعاصر وغيره في هذا المقام انه محتاج اليه وموقوف عليه ليس له دليل صالح الا انهم يدعون توقف معرفة الأحكام عليه وهي مصادرة والكثرة مختلف فيه وكثير من علمائنا يصرحون بنفي الاحتياج اليه والضابط ما قلناه سابقا من حصول العلم وهو يختلف باختلاف المسائل والأدلة والمكلفين كما هو ظاهر، وليس شيء من هذه الأمور المذكورة مقصودا لذاته وكل ما كان منها مما لا يتعلق بالعربية وهو مبني على الإنظار العقلية والأدلة الظنية فهو من مخترعات العامة أعداء الأئمةعليهمالسلام ومفاسده كثيرة جدا وبعضها مشاهد فكم قد رأينا ممن تعاطى هذه العلوم الفاسدة مع اعتقاده صحتها واعتماده عليها يحصل له غرور عظيم بعقله الناقص
ويعتمد على كل ما يلقيه الشيطان في قلبه حتى انتهى أمر الناس الان الى ما لا يمكن وصفه بسبب شؤم هذه العلوم حتى ربما رجحوا دليلا عقليا ظنيا ضعيفا غير تام على ألف حديث صحيح وعلى مائة آية من القرآن حتى انهم يردون ما يقدرون على رده ويأولون ما لا يقدرون على رده تأويلا أقبح من الرد أعاذنا الله من ذلك.
قوله: وذلك ليس الا الكامل في العلوم المذكورة.
أقول: هذا عجيب مع ان أكثر العلوم المذكورة لم يكن في زمان الصادقعليهالسلام موجودا بين المسلمين وانما وجد في أواخر زمان الأئمةعليهمالسلام وبعضها لم يكن موجودا بين الإمامية.
وقد صرح الشيخ الطوسي في العدة بأنه لم يصنف أحد من الإمامية في الأصول شيئا قبله الا الشيخ المفيد فإنه الّف رسالة مختصرة والشيخ في العدة من عادته رد قواعد العامة وأدلتهم فلم يقبل منها الا النادر حتى انه صرح ببطلان الاجتهاد والعمل بالظن وكذا كل من تقدم على العلامة على أنه قد ورد النهى عن أكثر العلوم المذكورة بنص خاص أو عام سوي علوم العربية فكيف يكون شرطا في جميع الأحكام مع عدم وجود نص صريح في اعتبارها بل عدم وجودها في مدة تزيد على مائتي سنة والنقل المتواتر دال على ان أكثر الرواة الذين كانوا مرجعا لأهل بلادهم لم يكونوا عارفين بهذه العلوم كما هو ظاهر لمن تتبع الآثار.
فان قلت انهم كانوا مستغنين عن هذه العلوم لظهور الأئمة (ع) ومشافهتهم بخلاف أهل هذا الزمان.
قلت: ان بعض الشيعة في ذلك الوقت كانوا متمكنين من سؤالهم عن بعض الأحكام لا عن كلها وأكثر الشيعة في ذلك الوقت لم يقدروا على سؤالهمعليهمالسلام عن شيء فأي فرق والذي قدر على سؤال الإمام عن مسئلة أو مسئلتين أو عشرة كيف استغنى عن هذه العلوم فيما في المسائل وفي فهم الأحاديث التي سمعها مشافهة وفي فهم القرآن بل كثير من المطالب الآن قد تحققت عند كثير من أهل زمان الغيبة
ولم يكن تحققت عند أكثر خواص الأئمةعليهمالسلام كما يعلم بالتتبع مع انه لا مدخلية لتلك العلوم في تحقيقها غالبا بل بين الزمانين عموم وخصوص من وجه وهو ظاهر عند المتتبع المنصف وكيف يكون هذه العلوم واجبة ولا يأمر الأئمةعليهمالسلام بتعليمها ولا يعلمونها الناس مدة ظهورهم بل ينهون عنها عموما وخصوصا.
قوله: من العمل بكل آية وكل خبر.
أقول: هذا التشنيع الشنيع مشترك بين الأصوليين والأخباريين ومن المعلوم ان بعض إفراد الفريقين يتسامحون وبعضهم يحتاطون فلا وجه لما قاله المعاصر وحيث ان الأخباريين لا يعملون بخبر الواحد الخالي عن القرينة ولا بالدلالات الظنية ولا بغير الكتاب والسنة من وجوه الاستنباطات كان التشنيع عليهم أبعد من الإنصاف ودعوى انهم يعلمون بكل آية وكل خبر مردودة بل لا يعملون الا بآية ثبت عند هم تفسيرها عن الأئمةعليهالسلام أو استدلالهم بها أو حكمهم بما يوافقها ليأمنوا عن النسخ والتخصيص والتأويل ونحوها ولا يعملون بخبر لا يكون متواترا أو محفوفا بالقرائن الكثيرة موجودا في الكتب المعتمدة ظاهر الدلالة بحيث يفيد العلم خاليا من المعارض أو راجحا على معارضه بالمرجحات المنصوصة عنهمعليهمالسلام ، فظهر ان طريقهم أقرب الى الاحتياط وأبعد من التشنيع.
قوله: لا يجوز العمل بالحديث إذا لم يشتهر بينهم فلا بد من تتبع كتبهم الفقهية.
أقول: هذا تمويه ومغالطة لأنه مخصوص في حديث عمر بن حنظلة وغيره بحديث له معارض فحمله على العموم قياس لا وجه، وقد صرح الشيخ في أول الإستبصار بأن الحديث الذي لا معارض له من الاخبار المحفوفة بالقرائن فإنه مجمع على صحته ولا خلاف في ان شهرة رواية الحديث أو العمل به مرحج فاما ما لا معارض له فلا حاجة الى ترجيحه ولا وجه للفتوى بخلافه ولا لترجيح فتوى بعض الفقهاء على فتوى المعصوم الثابتة عنه فان الفتوى بخلافه إذا لم يوجد نص يدل عليها غير معتبر
فكيف يرد لأجلها النص الثابت عن الأئمةعليهالسلام أو يتخيل معارضتها له مع عدم ظهور دليل لها من الأحاديث خصوصا مع كون صاحب تلك الفتوى يحكم تارة بالنص وتارة بالاجتهاد كما هو شأن بعض المتأخرين.
قوله: لان فيه طعنا على جميع علماء الإمامية.
أقول: الذين عرض صاحب الفوائد المدنية بالطعن عليهم وهم خمسة لا غير كما يأتي، قد عرض المعاصر بالطعن عليهم في أواخر رسالته كما عرفت بل صرح بذلك ولم يصرح صاحب الفوائد المدنية بالطعن عليهم وانما رجح طريقية القدماء على طريقة المتأخرين بالنصوص المتواترة وذكر ان القواعد الأصولية التي تضمنتها كتب العامة غير موافقة لأحاديث الأئمةعليهمالسلام وقد اثبت تلك الدعوى بما لا مزيد عليه ومن أنصف لم يقدر أن يطعن على أصل مطلبه ولا ان يأتي بدليل تام على خلاف ما ادعاه.
قوله: في حجية إجماع الشيعة قد تقدم الكلام فيه ومن أنصف تحقق ان الحديث يدل على حجية الحديث المجمع عليه لا الظن المجمع عليه الذي لا نص فيه لان موضوع ذلك الحديث الحديثان المختلفان كما عرفت فالاستدلال به على حجية الإجماع في غير تلك الصورة قياس باطل.
وأما ترجيح الإجماع على النص فإنما يجوز إذا ظهر نص موافق للإجماع وحينئذ لا نزاع، والعجب ان المعاصر وبعض المتأخرين يقولون لا بد من معرفة أقوال الفقهاء المتقدمين لئلا يفتي بما يخالف إجماعهم مع انهم كلهم صرحوا بان قول الميت لا يعتبر في الإجماع وانما المعتبر فيه أهل عصر واحد ولذلك اتفقوا على عدم جواز العمل بقول المجتهد الميت ولو كان إجماع الفقهاء السابقين شرطا في إجماع أهل العصر وأقوالهم معتبرة فيه لكانت أقوال الفقهاء اللاحقين أيضا معتبرة فيه كما لا يخفى فمتى يتحقق الإجماع قبل يوم القيمة؟.
فإن كان الإجماع هو الاتفاق من جميع الأمة من أول وقت النبوة إلى يوم القيمة لزم ما قلنا ولزم اعتبار أقوال الجن أيضا لأنهم من الأمة، والمعاصر وسائر
الأصوليين لا يقولون به فهذا تناقض واضح في كلامه وكلام أمثاله فلا تغفل.
قوله: الاجتهاد له إطلاقات ثلاثة.
أقول: هذا الاصطلاح من خواص المعاصر لا يوافقه عليه أحد وقد اعترف هو بعدم جواز العمل بالقسمين الأولين ظاهرا وعند التأمل يعلم انه يعمل بهما ويظهر انهما واحد لا اثنان لتساوى التعريفين والطريقتين في الاستدلال واعتبار الظن ودليل الحجية وغير ذلك والاختلاف في حجية بعض المدارك والظنون لو كان موجبا لجعلهما قسمين لكان موجبا لجعلهما عشرين قسما، بل أكثر لاختلاف الأصوليين من العامة في أكثر من عشرين نوعا هل هو حجة أم لا وكذا المتأخرون من الخاصة ودعوى المعاصر أن القسم الثالث اجتهاد لا وجه لها، فإنه عمل بالنص وإطلاق الاجتهاد على مجرد ترجيح الاخبار بالمرجحات المنصوصة عنهمعليهمالسلام في غاية الغرابة كما إذا أطلق على ذلك اسم البدعة أو الفسق أو الذنب أو نحو ذلك مما هو منهي عنه كما ان الاجتهاد منهي عنه بأبلغ نهى كما اعترف به المعاصر سابقا.
وتخصيص النهى باجتهاد العامة بمنزلة تخصيص النهى عن شرب الخمر بشرب العامة لها وتخصيص الغنا بمجالس الشرب كما فعله جماعة من الصوفية ولو ان أحدا ادعى ان وجوب الصلاة والزكاة وتحريم الزنا والسرقة مخصوص بالعامة لما كان أعجب من هذه الدعوى ونظيرها تخصيص الصوفية ما ورد من النص المتواتر في ذم التصوف والصوفية با العامة فإنا لله وانا إليه راجعون.
كيف بلغ الهرج والمرج في زمان الغيبة الى هذه الغاية من التخليط والتخبيط ودعوى المعاصر ان جميع ما في كتب الأصول حتى القياس والاستحسان لا بد من معرفتها قد تكرر منه ذكرها بغير دليل ولو وجد دليلا لاورده قطعا والنهى المتواتر عن الاجتهاد والظن والرأي والقياس ومخترعات العامة ونحوها شامل لما ذكر المعاصر انه لا بد من معرفته لأنه لا يخرج عن تلك الأنواع قطعا ولا كان موجودا بين الإمامية في زمان ظهور الأئمةعليهمالسلام ولا في أوائل الغيبة.
فإن أراد انه لا بد من معرفة هذه الأشياء لأجل اجتنابها لا العمل بها هان الخطب مع أنها معروفة لا تخفى، ومن شك فيها أمكنه معرفتها من اللغة ومن كتب الاستدلال التي ألفها الشيعة
قوله: وهذا اللفظ ورد في مقام المدح إلخ
أقول: هذا عجيب جدا والجواب عن استدلاله بالخبر المذكور من وجوه.
أحدها: انه خبر واحد لا يعارض المتواتر
وثانيها: ان دلالته ظنية فالاستدلال بها على الاجتهاد الظني دوري
وثالثها: انه محتمل للاحتمالات الكثيرة وإذا قام الاحتمال بطل الاستدلال كما يعترفون به.
ورابعها: انه نظير قولهمعليهمالسلام قليل من سنة خير من كثير في بدعة(١)
وقولهم (ع) الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة(٢) وغير ذلك وهو مما شاة مع الخصم
وخامسها: ان الاجتهاد هناك مخصوص بالاجتهاد في العبادة لا في تحصيل الظن المنهي عنه قطعا وهو مثل قولهم (ع) نوم العالم أفضل من عبادة العابد لان قبله نوم العالم أفضل من سهر الجاهل وبعد هذه العبارة وما يضمر النبي في نفسه أفضل من اجتهاد المجتهدين(٣) .
فالقرينة فيه ظاهرة واضحة في المراد الاجتهاد في العبادة كما روى عليكم بالورع والاجتهاد(٤) فان ذكر الورع قرينة ظاهرة واضحة ان المراد به الاجتهاد في العبادة لا في تحصيل أمر منهي عنه ولا أقل من الاحتمال ولو جاز الاستدلال بمثل هذه العبارة على الاجتهاد في تحصيل الظن لجاز الاستدلال على جواز التقليد
__________________
(١) البحار ج ٢ ص ٢٦١ وفيه فعمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة.
(٢) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٧
(٣) الكافي ج ١ ص ١٢
(٤) الكافي ج ٢ ص ٧٦
بأحاديث الاشعار والتقليد الواردة في كتاب الحج فإن الاشعار هناك دال على معنى التقليد، والورع هنا دال على معنى الاجتهاد وأمثال هذه التمويهات والمغالطات قبيحة ممن ينسب الى الفضل.
وسادسها: ان الخبر المذكور في مدح العقل وقد قوبل هنا بالجهل فعلم ان المراد به العلم بقرينة مقابلة الجهل دون الجنون فدل على ذم الظن وهو نقيض مطلب المعاصر وذم الظن قد تجاوز حد التواتر في الآيات والروايات فلا يعارض بمثل هذا الشبهات والتمويهات.
وسابعها: انه يتعين حمله على التقية لو كان صريحا لأنه موافق لجميع العامة
وثامنها: انه يحتمل ارادة الاجتهاد في تحصيل العلم لا الظن وهو غير محل النزاع بل هو حينئذ موافق للاخباريين، فقد ظهر لك انه من المتشابهات لكثرة الاحتمالات ومعارضته للمتواترات.
قوله: فلا يكون البحث عن الرجال لغوا كما يدعيه الأخباريون.
أقول: هذا أيضا عجيب جدا فإن الأخباريين لا يدعون ذلك وكيف وهم يصرحون بان أحوال الرجال خصوصا المصنفين من جملة القرائن على ثبوت الاخبار وأحوال الرواة من جملة المرجحات المنصوصة وعلماء الرجال كلهم من الأخباريين بل جميع الإمامية المتقدمين على العلامة يصرحون ببطلان الاجتهاد والعمل بالظن والعلامة والشهيدان والشيخ على والشيخ بهاء الدين لا غير يصرحون بجواز الاجتهاد والعمل بالظن بل وجوبهما وقد اعترف المعاصر بعدم جواز سلوك طريقهم ونسب الى جميع الأخباريين التسامح والتساهل وهذا عجيب فان منهم خواص الأئمة (ع) بل جميع علماء الإمامية الا خمسة فكيف ينسب إليهم التساهل في الدين بل هذا المعاصر قد نسب التسامح الى المجتهدين أيضا كما مر نقله فلم يبق أحد بزعمه بريئا من ذلك وهذا أعجب وأغرب وأقبح وتناقض رسالة المعاصر في مواضع أخر أظهر من ذلك وأوضح وبين الطريقتين في التسامع عموم وخصوص من وجه
كما تقدم ويأتي وليس كل من لم يعمل بالاصطلاح الجديد الموافق للعامة الذي قد تجدد بين الشيعة في زمن العلامة يلزمه ان يكون البحث عن أحوال الرجال عبثا
ومن العجب دعواه ان صاحب الفوائد المدنية رئيس الأخباريين وكيف يقدر على إثبات هذه الدعوى مع ان رئيس الأخباريين هو النبيصلىاللهعليهوآله ثم الأئمة (ع) لأنهم ما كانوا يعملون بالاجتهاد وانما كانوا يعملون في الأحكام بالأخبار قطعا ثم خواص أصحابهم ثم باقي شيعتهم في زمانهم مدة ثلاثمائة وخمسين سنة وفي زمان الغيبة إلى تمام سبعمائة سنة.
فالذي يظهر من النقل المتواتر عنهم وتصريحاتهم خصوصا الشيخ الطوسي رئيس الطائفة والسيد المرتضى علم الهدى انه لا يجوز عندهم العمل بالاجتهاد ولا الظن وانما كانوا يعملون في نفس الأمر بالأخبار وقد جمعت جملة من عباراتهم في محل آخر والاخبار المتواترة عن النبيصلىاللهعليهوآله والأئمة (ع) دالة على ذلك ومما تواتر بين الفريقين قوله (ع) انى تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي.
ولا ترى الاجتهاد والظن مذكورين في كلام أهل العصمةعليهمالسلام الا بالذم والنهى والتهديد كما هو ظاهر بالتتبع وانما ورد الأمر بالاجتهاد في جهة القبلة لأنها ليست من نفس الأحكام الشرعية بل هي من الأمور الدنيوية كسائر موضوعات الأحكام وانما محمولاتها أحكام شرعية يجب أخذها من المعصومعليهالسلام كما وقع التصريح به في المقامين في عدة أخبار معتمدة ولتحقيق ذلك محل آخر.
قوله: والنزاع هنا بين الاخبارى والمجتهد لفظي.
أقول: ان أراد بقوله هنا تقسيم الحديث إلى أربعة أقسام فكون النزاع لفظيا ظاهر الفساد، وان أراد ترجيح الاخبار فهو أيضا غير صحيح لأن الأصول يرجح بالمرجحات المذكورة في كتب الأصول وهي تزيد على خمسين مرجحا ليس على شيء منها دليل يعتد به ومغايرتها للمرجحات المنصوصة وهي اثنا عشر ظاهره لا يخفى.
واعلم ان كثيرا ما يقول من يتعصب لأهل الأصول ان النزاع بينهم وبين الأخباريين لفظي وذلك عند العجز عن استدلال وبعضهم يقول ذلك جهلا منه بمحل النزاع وينبغي ان يقال لهذا القائل إذا كان النزاع لفظيا فانكارك على الأخباريين لا وجه له بل هو إنكار على جميع الإمامية فلا يجوز التشنيع على الأخباريين والحق ان النزاع بينهم لفظي في مواضع يسيرة جدا لا في جميع المواضع ولا في أكثرها ونظير هذا قول من يزعم ان النزاع بين الشيعة والسنة لفظي لاتفاقهم على القول بالتوحيد والنبوة والمعاد والصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك وبطلان هذا واضح كبطلان الذي قبله.
وينبغي ان نذكر هنا جملة من الاختلاف المعنوي بين الفريقين ونقتصر على وجوه.
الالف - ان الأصوليين يقولون بجواز الاجتهاد في الأحكام بل وجوبه، والأخباريون يقولون بعدم جواز العمل بغير نص.
ب - ان الأصوليين يقولون بجواز العمل بظن المجتهد بل بوجوبه لا بغيره والأخباريون يقولون بعدم جوازه.
ج ان الأصوليين يقولون بجواز العمل بخبر الواحد الخالي عن القرينة والأخباريون يقولون بعد جوازه.
د - ان الأصوليين يقولون بجواز العمل بالمرجحات غير المنصوصة مما ذكر في الأصول والأخباريون يقولون بعدم جوازه.
ه - ان الأصوليين يقولون بجواز العمل بالخبر الظني السند، والأخباريون يقولون بعدم جوازه.
و - الخبر الظني الدلالة كذلك.
ز - الأصل كذلك.
ح - الاستصحاب كذلك.
ط - مفهوم الشرط كذلك.
ى - مفهوم الصفة كذلك.
يا - مفهوم الغاية كذلك.
يب - سائر المفهومات التي قال بحجيتها جماعة من الأصوليين كذلك.
يج - قياس الأولوية كذلك.
يد - قياس منصوص العلة كذلك يه - الإجماع كذلك
يو - ظواهر القرآن التي لا يوافقها نص أصلا كذلك
يز - سائر المدارك الظنية كذلك
وقد عدها الشهيد الثاني في تمهيد القواعد مائتين مائة قاعدة أصولية ومائة قاعدة نحوية يستنبطون منها الظنون مع انهعليهالسلام قال انى تارك فيكم أمرين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي فكيف جعلوا الاثنين مائتين وأكثر تلك الوجوه لا يستفاد من الكتاب ولا من أهل البيت بل يستفاد منهم إنكارها وابطالها وناهيك بأنها عين طريقة العامة بعيدة من طريقة الأئمةعليهالسلام وخواصهم
يح - ان من علم حكما ثابتا عنهمصلىاللهعليهوآله ولم يكن بلغ رتبة الاجتهاد يجوز له العمل به عند الأخباريين ولا يجوز له ذلك عند الأصوليين بل يجب عليه العمل بظن المجتهد.
يط - ان من لم يبلغ رتبة الاجتهاد إذا بلغه ألف حديث صحيح صريح في مسئلة وسمع فتوى من مجتهد صادرة عن ظن منه بأصل أو نحوه من طرق حصول الظن يجب عليه العمل بذلك الظن عند الأصوليين ومخالفة تلك الأحاديث ويجب عليه العمل بالأحاديث، ومخالفة ذلك الظن عند الأخباريين
ك - ان المجتهد إذا قال لم يبلغني في مسئلة كذا حديث أصلا لا عام ولا خاص لكني اجتهدت فيها فحصل لي ظن بكذا، فعند الأخباريين لا يجوز العمل بذلك الظن
بل يجب تحصيل حديث يعمل به، والا عمل بالاحتياط لتواتر النص به وعند الأصوليين يجب العمل بذلك الظن وان خالف الاحتياط والقائلون بالاجتهاد كثيرا ما يعترفون في المسائل بعدم النص ثم يفتون فيها ومن تتبع وجد بعض تلك المسائل منصوصة بما يخالف تلك الفتوى أو يوافقها ومن تتبع كتب الاستدلال وكتب الحديث تحقق صدق هذه الدعوى.
كا - ان المجتهد إذا أفتى بظنه وكان الظن موافقا لألف حديث ثم مات فعند الأصوليين لا يجوز للمقلد أن يعمل بذلك الظن ولا بتلك الأحاديث بل يجب عليه العمل بظن مجتهد آخر حيّ وان كان مخالفا لتلك الأحاديث المتواترة وعند الأخباريين يجب العمل بتلك الأحاديث ان كانت دلالتها مفيدة للعلم ولو بانضمام القرائن والا فبالاحتياط
كب - ان من كان من العلماء عارفا بالأحاديث كلها مطلقا على جميع المقدمات المعتبرة في الاجتهاد إلا مقدمة واحدة أو نصف مقدمة أو مسئلة واحدة منها، فعند الأصوليين لا يجوز له ان يعمل بعلمه ولا بشيء من تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة وان كانت متواترة بل يجب عليه الرجوع الى المجتهد وان لم يكن في تلك البلاد مجتهد وجب عليه السفر اليه وان كان في بلاد بعيدة مسيرة سنة أو عشر سنين أو أكثر فإذا وصل اليه وجب عليه العمل بظنه وان خالف تلك الأحاديث كلها وكان خلاف الاحتياط أيضا، وعند الأخباريين يجب عليه العمل بتلك الأحاديث التي استفاد منه العلم.
كج - ان الأصوليين في هذه الصورة يقولون يجب على هذا العالم ترك علمه ويقينه والعمل بظن غيره وان كان جاهلا بتلك الأحاديث إذا كان مجتهدا وعند الأخباريين لا يجوز ترك العلم واليقين والعمل بالظن، وأمثال هذه الوجوه كثيرة جدا لا يخفى على من عرف الطريقتين
واعلم ان هذه الوجوه مبنية على اعتقاد أكثر الفريقين فان بين كل فريق
منهم اختلافا في بعض الجزئيات مذكورا في محله.
قوله: ان هذا العلم هو الظن بل هو ظن ضعيف إلخ
أقول: دعوى المعاصر وبعض من وافقه ان العلم العادي ظن بل ظن ضعيف محض مكابرة وتمويه ومغالطة، بل نوع من السفسطة ينتهي إلى الزندقة كما يأتي بيانه إن شاء الله ومعلوم ان علماء الأصول فضلا عن الأخباريين يعدون العلم العادي من اليقينيات ولا يرتاب في ذلك أحد من العقلاء ولو ان أحدا سمع الاخبار عن وجود مكة وبغداد والخضر وذي القرنين من عشرة آلاف رجل أو أقل أو أكثر ممن يستحيل اجتماعهم على الكذب عادة ثم قال لم يحصل لي من اخبار هؤلاء العلم بل حصل لي ظن ضعيف لحكم العقلاء بجنونه، بل حكم أهل الشرع بكفره لأنه ينكر صحة نقل القرآن وجميع الأحكام الشرعية ومعجزات النبي والأئمةعليهمالسلام والنصوص عليهم واخبار المعاد وأمثال ذلك وهو كفر والحاد فان العلم الحاصل من التواتر ومن الخبر المحفوف بالقرائن من جملة أنواع العلم العادي ويلزم هذا القائل أن يقول بأن العلم لا وجود له وان الأمر بطلب العلم تكليف ما لا يطاق وان النهى عن الظن في الآيات والروايات كذلك إذ لا يوجد غيره ولا يمكن العمل الا به والعلماء كلهم يصرحون حتى الأصوليون بأن العلم العادي ليس من الظن وبان العلم ممتاز من الظن وان الحاصل من التواتر ومن الخبر المحفوف بالقرائن هو العلم لا الظن، وقد تعين علينا نقل جملة من عباراتهم لدفع تمويه المعاصر وأمثاله حيث يقولون تارة بأنه لا يمكن ان يحصل من الاخبار الا الظن وتارة بأن العلم لعادى الظن.
قال العلامة في التهذيب: الفقه العلم بالأحكام الشرعية.
ثم قال: وظنية الطريق لا تنافي علمية الحكم وليس المراد العلم بالجميع فعلا بل قوة قريبة منه ثم قال والظن اعتقاد راجح يجوز معه النقيض ثم قال ويستجمع العلم المطابقة والجزم والثبات ولا ينتقض بالعاديات لحصول الجزم وإمكان النقيض باعتبارين « انتهى ».
ومراده ان الجزم باعتبار العادة واحتمال النقيض باعتبار قدرة الله كانقلاب الجبل ذهبا والبحر دما ومن المعلومات العادية وجود الكليني والصدوق والمفيد والشيخ والمرتضى والعلامة وأمثالهم وكونهم رجالا لا نساء ولا خناثى وكونهم من الشيعة الإمامية لا من المعتزلة والاشاعرة والحنفية والشافعية، فعلى قول المعاصر كل ذلك ظن ضعيف لا علم فإن العمامة واللحية ونحوها لا تنافيان كون الشخص خنثى أو أنثى بالنسبة إلى قدرة الله وكثير من غير الشيعة يدعون التشيع ومثل هذه الاحتمالات المتوجهة على قول المعاصر وسواس وخبط وجنون لا يعتد به بل يوجد في المشاهدات احتمالات بالنسبة إلى قدرة الله بل بالنسبة إلى فعل ساحر أو مشعبد أو نحوهما أو تشكلات من الملائكة والجن والشياطين وغير ذلك من الاحتمالات يخرج المشاهدات على قول المعاصر من إفراد العلم ويجعلها ظنا ضعيفا وعلى قوله لا يبقى للعلم عين ولا أثر وهو باطل باتفاق العقلاء وشهادة الوجدان والعقل والنقل.
وقال العلامة أيضا في التهذيب في بحث الخطاب قيل الدلائل اللفظية ظنية لتوقفها على نقل اللغة والنحو والتصريف وعدم الاشتراك والمجاز وغير ذلك ولا شك ان هذه ظنية فالموقوف عليها ظني والحق خلافه لان بعض اللغة والنحو والتصريف متواتر وعدم الأشياء التي ذكرها قد يعلم من محكمات القرآن فثبت القطع ثم قال في بحث التخصيص يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، وتوقف القاضي ومنع غيره لان العام قطعي.
والجواب - ان متنه قطعي ودلالته ظنية وخبر الواحد بالعكس فتساويا « انتهى ».
ومراده خبر الواحد الخالي عن القرينة ولا ريب ان العلم بالقرآن علم عادى كما عرفت وقد اعترف هنا بأن دلالة الخبر الخاص قطعية مفيدة للعلم ثم قال في بحث الاخبار: الخبر اما ان يعلم صدقه أو كذبه أو يخفى الأمر ان والأول أما ضروري
كالمتواتر أو ما علم أن وجود مخبره بالضرورة واما كسبى كالخبر المطابق الذي علم وجود مخبره اكتسابا وخبر الله وخبر رسوله وخبر الأئمة (ع) والخبر المتواتر معنى والخبر المحتف بالقرائن.
ثم قال إنكار السمنية(١) افادة التواتر العلم ضروري البطلان وتجويز الكذب على كل واحد لا يستلزمه على الجميع والحق ان العلم عقيبه ضروري والا لافتقر الى دليل فلم يحصل للعوام.
وقال أبو الحسين(٢) والكعبي والجويني والغزالي انه نظري لتوقفه على العلم بمقدمات نظرية كانتفاء المواطاة والدواعي إلى الكذب وكون المخبر عنه محسوسا لا لبس فيه واستحالة كون الخبر كذبا عند هذه فيجب كونه صدقا وهو ضعيف لأن المقتضي لحصول هذه الأشياء العلم.
والسيد المرتضى توقف في القولين ثم قال يشترط في العلم انتفاؤه اضطرارا عن السامع لاستحالة تحصيل الحاصل ومثله وتقوية الضروري وان لا يسبق شبهة الى السامع أو تقليد ينافي موجب الخبر وهذا شرط اختص به السيد المرتضى وهو جيد وان يستند المخبرون الى الإحساس واستواء الطرفين والواسطة في ذلك ولا يشترط العدد خلافا للقاضي من حيث اعتبره وتوقف في الخمسة والمتواتر معناه يفيد العلم بأمر مشترك تدل عليه الجزئيات آحادا بالتضمن « انتهى ».
ومثل هذه العبارات في التهذيب كثيرة سوى ما ذكرناه وفي غيره من مؤلفاته كالمبادي والنهاية وغيرهما وفي مؤلفات غيره كالشيخ والمرتضى والشهيدين وغيرهم أيضا كثيرة لا يخفى.
وقال الشيخ البهائي في الزبدة: المتواتر خبر جماعة يفيد بنفسه القطع وشبهة السمنية واهية وحصر أقلهم في عدد مجازفة وما لم يتواتر آحاد ولا يفيد بنفسه
__________________
(١) السمنية بالضم وفتح الميم: قوم بالهند دهريون يقولون بالتناسخ وينكرون وقوع العلم بالأخبار زاعمين ان لا طريق للعلم سوى الحس وهي نسبة الى سومنات بلد بالهند يقال: ذهب مذهب السمنية.
(٢) أبو الحسن - خ
الا ظنا ومدعى القطع مكابر وقد يفيده ان حف بالقرائن والمنازع مباهت « انتهى » ولا خلاف بين علمائنا في ذلك وعباراتهم صريحة فيه فلا وجه لجعل المعاصر ذلك العلم ظنا.
قوله: ان خبر الثقة من الاخبار المحفوفة بالقرينة.
أقول: اعتراض المعاصر على هذا لا وجه له بعد ملاحظة معنى الثقة حيث ان معناه الذي يؤمن منه الكذب عادة وقد استعمل بهذا المعنى في الأحاديث كما ورد في سفراء المهدىعليهالسلام وغير ذلك ويظهر أنه حقيقة عرفية في ذلك الوقت وفيه ورد التوثيق ولو لا ذلك لم يكن بين خبر الثقة وخبر الضعيف فرق في ترتب الأثر ولا في الاعتماد وهو واضح البطلان وهذه قرينة قوية جدا ربما ينتهي في بعض الإفراد الى حد لا يبقى لاحتمال النقيض مجال والوجدان شاهد صدق بذلك
والأحاديث المتواترة دالة على وجوب العمل بخبر الثقة وبأنه لا يجوز العمل بالظن فيكون مفيدا للعلم وقد صرح بذلك صاحب المدارك كما أشرنا إليه سابقا وقد صرح المحققون من علماء الأصول بأن القرائن لا يلزم كونها خارجة عن الخبر والمخبر بل أحوالهما من جملتها والوجدان دال على ما قالوه وكذا النص المشار اليه
ويظهر من المعاصر أنه قائل بأن أحوال الراوي لا تكون قرينة وهذا عجيب جدا لمنافاته للوجدان كما ذكرنا وكل أحد يجزم بالفرق الظاهر بين نقل الكليني ونقل البخاري وبين رواية سلمان ورواية أبي هريرة ويلزم من بعض كلام المعاصر ان لا يفيد خبر المعصوم العلم إلا بقرينة أخرى غير العصمة لأنها من أحوال المخبر وهو خبر واحد محفوف بقرينة من أحوال المخبر به وهي العصمة وكيف لا يكون ثقة الراوي إذا انتهت الى حد يؤمن معها الكذب عادة كما هو معلوم من أحوال بعض الناقلين وكما هو المفروض موجبة للعلم حتى يقترن إليها قرينة أخرى هذا بعيد عن الإنصاف على ان المعاصر قائل بوجوب العمل بخبر الثقة وان لم يفد الا الظن فالاعتراض قليل الجدوى.
قوله: فانتقضت الكلية.
أقول: الانتقاض ممنوع لان الرجوع الى القرآن إذا ثبت بشروطه عن الأئمةعليهمالسلام فهو داخل في السماع منهم للنص العام بذلك عنهم ووجه آخر وهو ان الأحاديث المتواترة دالة على وجوب الرجوع الى الأئمةعليهمالسلام في تفسير القرآن وتأويله وبيان ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وخاصه وعامه ونحو ذلك مما يتوقف عليه العمل به فصحت الكلية واندفعت المناقشة.
واعلم ان صاحب الفوائد المدنية ادعى أمرين.
أحدهما: عدم جواز العمل بغير نص وعدم حجية الاستنباطات الظنية المقررة في الأصول المأخوذة من كتب العامة.
وثانيهما: كون أحاديث الكتب المعتمدة قسمين بعضها متواتر، وبعضها محفوف بالقرائن وان كلا منهما يفيد العلم ويوجب العمل مع عدم المعارض، وأن تقسيم الحديث إلى أربعة أقسام مستحدث لا دليل عليه ولا يجوز العمل به وقد أثبت الأمرين بما لا مزيد عليه وأورد جملة من الأدلة العقلية ونقل أحاديث متواترة فلا يمكن إبطال أصل مطلبه.
وقد أوردنا في كتاب وسائل الشيعة جملة مما يدل على تلك المطالب وقسمناها إلى أقسام أفردنا لكل قسم بابا وذكرناها في أول كتاب القضاء وذكرنا في خاتمة ذلك الكتاب جملة من القرائن والأدلة وجواب الاعتراضات فمن أراد فليرجع الى ذلك الكتاب ولو لا خوف الإطالة والملالة لذكرت هنا أحاديث متواترة واضحة الدلالة تدل على إثبات هذه المقالة لكني اذكر عنوان تلك الأبواب وعدد أحاديث كل باب ليطلع على مضمون الأحاديث المشار إليها من لم يتيسر له الرجوع الى ذلك الكتاب وقد بذلت الجهد في تطبيق العنوان على أحاديث ذلك الباب ولم اعتمد الا على الدلالات الظاهرة الواضحة المفيدة للعلم وهذا فهرست عنوان تلك الأبواب وعدد أحاديثها.
باب انه ليس لأحد ان يحكم إلا الإمام أو من يروي حكمه فيحكم به وقد أوردت فيه عشرة أحاديث وفيه إشارة الى ما مر مما يدل عليه والى ما يأتي أيضا كذلك لوجود أحاديث كثيرة دالة على هذا المضمون في غير هذا الباب
باب عدم جواز القضاء والإفتاء بغير علم بورود الحكم عن المعصومينعليهمالسلام وفيه ستة وثلاثون حديثا واشارة الى ما تقدم ويأتي مما يدل على ذلك أيضا.
باب تحريم الحكم بغير الكتاب والسنة ووجوب نقض الحكم مع ظهور الخطاء وفيه خمسة عشر حديثا واشارة الى ما تقدم ويأتي.
باب عدم جواز الحكم بالرأي والاجتهاد والمقاييس ونحوها من الاستنباطات الظنية في نفس الأحكام الشرعية فيه خمسون حديثا واشارة الى ما تقدم ويأتي.
باب وجوب الرجوع في جميع الأحكام الى المعصومينعليهمالسلام فيه اثنان وأربعون حديثا واشارة الى ما تقدم ويأتي.
باب وجوب العمل بأحاديث النبي والأئمةعليهمالسلام المنقولة في الكتب المعتمدة ورواياتها وصحتها وثبوتها فيه ثمانية وثمانون حديثا واشارة الى ما تقدم ويأتي وفي هذه الأحاديث دلالة على وجوب العمل بالكتب المعتمدة على عدم جواز العمل بغيرها.
باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة وكيفية العمل بها فيه خمسون حديثا واشارة الى ما تقدم ويأتي وفيه الأمر بالترجيح بزيادة العدالة والثقة والفقه والورع وإجماع الشيعة والشهرة بينهم ومخالفة العامة ومخالفة المشهور عندهم وموافقة الكتاب والسنة وتأخر زمان الحديث الى غير ذلك من المرجحات وفيه أحاديث متواترة دالة على وجوب اجتناب طريقة العامة وعدم جواز العمل بشيء منها.
باب عدم جواز تقليد غير المعصوم فيما يقوله برأيه وفيما لا يعمل فيه بنص منهمعليهمالسلام فيه اثنان وثلاثون حديثا واشارة الى ما تقدم ويأتي.
باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى الى رواة الحديث من الشيعة فيما
رووه عنهمعليهمالسلام من أحكام الشريعة لا فيما يقولونه برأيهم فيه سبعة وأربعون حديثا واشارة الى ما مر وفي هذه الأحاديث وغيرها تصريحات بالأمر بالعمل برواية الثقة حتى مع التمكن من مشافهة المعصوم.
باب وجوب التوقف والاحتياط في القضاء والفتوى والعمل في كل مسئلة نظرية لم يعلم حكمها بنص منهمعليهمالسلام فيه سبعة وستون حديثا واشارة الى ما مر.
باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن الا بعد معرفة تفسيرها من الأئمةعليهمالسلام فيه ثمانون حديثا واشارة الى ما تقدم ويأتي.
باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر كلام النبيصلىاللهعليهوآله المروي من غير جهة الأئمة (ع) الا بعد معرفة تفسيره منهم فيه أربعة أحاديث.
فهذا فهرست عنوان الأبواب وعدد أحاديثها مع انه يوجد في كتب الحديث غير ما جمعته مما يوافق معناه لكني اقتصرت على ذالك لتجاوزه حد التواتر ومع ذلك فاحاديث كل باب منها تدل على مضمون بابين وثلاثة وأربعة وخمسة وأكثر لتقارب مضمون الأبواب.
ولا ريب ان كل من طالعها وتأمل ما فيها من التصريحات والمبالغات وكان خالي الذهن من الشبهة والتقليد لخلاف مضمونها لا يبقى عنده شك في صحة جميع ما قلناه ومن كان طالبا للحق قنع بها بل بما دونها وإفادتها العلم واليقين والله الهادي.
وفي الخاتمة التي أشرنا إليها من القرائن والأدلة وشهادات المتقدمين والمتأخرين من علمائنا ما يؤيد تلك الأحاديث المتواترة ما ان كانت تحتاج إلى التأييد فظهر ان هذه طريقة الأئمة (ع) وخواصهم، وان ما خالفها طريقة العامة وقد تواتر الأمر بمخالفتهم.
ومن تأمل هذه الأحاديث علم انها لا تكاد تقصر عن أحاديث النص على بعض الأئمة (ع) كالرضا (ع) مثلا فإنها تزيد على تلك النصوص كثرة وقوة وسندا ودلالة ومبالغة كما يظهر لمن تتبع القسمين وكذا أحاديث وجوب الصلاة لا تزيد عليها
وكذلك جميع أدلة أصول الفقه لا تقاوم تلك الأحاديث والأدلة ولا تقاربها وناهيك بذلك والله الموفق.
قوله: واما اجتهاد الإمامية الذي هو مجرد الجمع بين الاخبار إلخ.
أقول: قد عرفت ان هذا ليس باجتهاد ان كان الترجيح بالمرجحات المنصوصة الاثني عشر المروية عن الأئمة الاثني عشرعليهمالسلام والا فهو اجتهاد وعمل بغير نص فيتوجه عليه ما يتوجه على غيره من أقسام الاجتهاد وكيف يكون هذا القسم اجتهادا ممدوحا إذا وقع من الشيعة ويكون بعينه اجتهادا مذموما إذا وقع من العامة هذا بعيد من الإنصاف بل هو قسمان كما عرفت
وربما يزعم بعض المعاصرين من المتعصبين ان الأصوليين من الخاصة لا يعملون بغير نص وانما يعملون بالظن الحاصل من الأحاديث لا غير وهو الذي يسميه الأخباريون علما وهذه الدعوى عجيبة ممن يدعى الفضل والعلم كيف وقد قال العلامة ومن تابعة بوجوب الاجتهاد في تحصيل الظن بالأحكام الشرعية وبوجوب العمل بظن المجتهد واعترفوا بأن دلالة بعض الأحاديث قطعية وبعضها ظنية وقالوا بحجية مفهوم الصفة ومفهوم الشرط ومفهوم الغاية وغيرها من المفهومات الا القليل وبحجية الأصل والاستصحاب وقياس الأولوية وقياس منصوص العلة والإجماع المنقول بخبر الواحد وأكثر وجوه الاستنباطات الظنية
وذكروا في الأصول انهم لا يعملون بقياس مستنبط العلة لكن من تأمل كتبهم الاستدلالية يعلم انهم يعملون به لا على كونه دليلا إلزاميا للخصم بل يستدلون به وحده أحيانا، وكذا المصالح المرسلة كما هو ظاهر من المختلف والتذكرة وغيرهما حتى بلغت طرق تحصيل الظن عندهم الى مائتي طريق كما أشرنا اليه وأكثرها لا نص فيه وكثيرا ما يحكمون في مسئلة ويعترفون بعدم النص وكتبهم مملوة بذلك.
وقد اعترف بذلك المعاصر في رسالته وذكر انه لا ينبغي الطعن عليهم مع
انه نفسه طعن عليهم وبالغ في الطعن فان كان قصده تحذير الناس من سلوك تلك الطريق الكثيرة الاخطار الموافقة لطريقة المخالفين للأئمة الأطهار التي لا يعذر من سلكها الا أن يكون غافلا كما وقع من بعض المتأخرين فهو مطلب صحيح ولو لا الخوف من ان يظن بنا ارادة التشنيع لا وردنا من تلك المواضع أكثر من ألف مسئلة ومن أراد تتبع الكتب لبيان هذا المطلب هان عليه ذلك واستغنى عن جمعنا تلك المسائل والله الموفق.
فائدة (٩٣)
روى عن الصادقعليهالسلام قال ان أيام زائري الحسينعليهالسلام لا تعد من آجالهم(١) .
وقد سأل عنه بعض الطلبة واستشكله بعضهم.
أقول: الذي يفهم من الحديث الشريف ان عمر زائر الحسينعليهالسلام يزيده الله سبحانه بقدر أيام زيارته وقد رواه الشيخ في التهذيب هكذا، ورواه ولده في الأمالي في جملة حديث هكذا: ولا تعد أيام زائريه يعني الحسينعليهالسلام جائيا وراجعا من عمره.
وفي التهذيب أيضا بإسناد معتبر جدا عن ابى جعفرعليهالسلام قال مروا شيعتنا بزيارة الحسينعليهالسلام فإن إتيانه يزيد في الرزق ويمد في العمر ويدفع مصارع(٢) السوء الحديث.
وفي حديث آخر في فضل زيارتهعليهالسلام قال: من أتى عليه حول لم يأت قبر الحسينعليهالسلام نقص الله من عمره حولا ولو قلت ان أحدكم يموت قبل اجله بثلاثين سنة لكنت صادقا وذلك أنكم تتركون زيارته فلا تدعوها يمد الله في أعماركم ويزيد في أرزاقكم وإذا تركتم زيارته نقص الله من أعماركم وأرزاقكم فتنافسوا في زيارته(٣)
__________________
(١) التهذيب ج ٦ ص ٤٣
(٢) مدافع خ م - التهذيب ج ٦ ص ٤٢
(٣) التهذيب ج ٦ ص ٤٣
وفي مزار ابن قولويه بإسناده عن ابى عبد اللهعليهالسلام قال من لم يزر قبر الحسينعليهالسلام فقد حرم خيرا كثيرا ونقص من عمره سنة(١) .
وبإسناد معتمد عن ابى عبد الله (ع) قال لا تدع زيارة الحسين بن على ومر أصحابك بذلك يمد الله في عمرك ويزيد في رزقك الحديث(٢) وأمثال هذه الأحاديث الشريفة كثيرة متفرقة في كتب الحديث وهي واضحة الدلالة على ما ذكرنا من ان الله يزيد عمر زائر الحسين (ع) بقدر زيارته ذاهبا وعودا وان تركها يوجب نقص العمر.
ويحتمل على بعد أن يكون المراد ان زائرهعليهالسلام لا يكتب عليه الذنوب في تلك المدة ولا يحسب ما انتفع به فيها من رزقه المقدر له فكأنها ليست من عمره لعدم مؤاخذته بالذنوب فيصير الكلام مجازا لكن الحقيقة مقدمة يتعين الحمل عليها مع الإمكان، وان كانت الأحاديث الدالة على انه لا يكتب عليه الذنوب تلك المدة مروية أيضا.
وعلى الأول: يكون المراد بآجالهم مجموع أعمارهم ويمكن أن يراد بها وقت الموت يعنى ان أيام زيارته لا تكون وقتا يموت زائره فيه أو في بعض اجزائه بل ان كان بقي من عمر الزائر يوم أو ساعة أو لم يبق منه شيء وسافر للزيارة يزيد عمره بحيث يذهب إلى الزيارة ويزور بل يقيم هناك المدة التي يريد الإقامة فيها ويرجع الى منزله ثم يموت إذا استوفى بقية عمره ان كان بقي منه شيء قبل سفره والا مات عند دخول منزله إذا رجع.
وقد قال صاحب الصحاح الأجل مدة الشيء وهو موافق لما قلناه فيراد به اما مدة الحيوة وهي العمر أو مدة الموت أى الوقت الذي يموت فيه الإنسان أو الحيوان.
__________________
(١) كامل الزيارات ص ١٥١.
(٢) كامل الزيارات ص ١٥٢
فان قلت: يلزم من ذلك ان لا يموت أحد من زوارهعليهالسلام في طريق الزيارة ذهابا ولا عودا ولا مشهدهعليهالسلام ومعلوم ان ذلك خلاف الواقع المشاهد المتواتر.
قلت الجواب عن ذلك من وجوه:
أحدها: ان أسباب زيادة العمر كثيرة جدا من الزيارة والحج والصدقة وصلة الرحم وغير ذلك من الأسباب الكثيرة المأثورة في أحاديث ثواب الأعمال وغيره، وأسباب نقص العمر أيضا كثيرة جدا كترك الزيارة وقطيعة الرحم وغير ذلك مما اشتملت عليه أحاديث عقاب الأعمال وغيره وحينئذ نقول لعل سبب زيادة العمر وطوله يعارضه في بعض الإفراد سبب قصر العمر ويكون مساويا أو أقوى فلا يترتب اثر على السبب.
وثانيها: ان أنواع ثواب العبادات كثيرة كما يدل عليه أحاديث ثواب الأعمال من طول العمر وسعة الرزق وصحة البدن ودفع البلايا والأمراض وحصول العز والجاه وكثرة المال ومغفرة الذنوب ومضاعفة الأعمال وحصول الثواب ودفع العقاب الى غير ذلك ويدل على ذلك في خصوص الزيارة اختلاف أنواع الثواب التي تضمنتها أحاديثها فكل فرد من إفراد الزائرين يحصل له نوع من الثواب الموعود به أو نوعان فصاعدا فلعل من مات في الطريق أو هناك يكون استحق نوعا آخر من الثواب غير زيادة العمر بحسب ما اقتضته الحكمة الإلهية.
وثالثها: ان شروط القبول كثيرة وموانعه كثيرة وناهيك بقوله تعالى( إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) فلعل من مات من الزائرين قبل العود لم يقبل منه وذلك لطف للمكلف ليعمل الأعمال الصالحة ويكون بين الخوف والرجاء.
ورابعها: ان يكون طول العمر وزيادته بقدر الذهاب والعود كليا حاصلا لكل أحد ويكون على قسمين حاصل قبل الموت وحاصل بعده في الرجعة بعد أن يحشر هذا الزائر إلى الدنيا وقت الرجعة كما ورد في أحاديث متواترة تزيد على ستمائة حديث قد جمعناها في رسالة مفردة(١) ونقلناها من كتب تزيد على سبعين
__________________
(١) المطبوعة ببلدة قم المسماة بإيقاظ الهجعة في إثبات الرجعة.
من الكتب المعتمدة.
وخامسها: أن يكون ذلك مخصوصا بالأجل الموقوف الذي يحتمل الزيادة والنقصان بإذن الله سبحانه دون الأجل المحتوم الذي لا يحتمل كما دلت عليه الآيات والروايات فلعل الذي يموت قبل الرجوع من الزيارة كان اجله محتوم لا يحتمل الزيادة.
وسادسها: ان يكون هذا العلوم مخصوصا بغير تلك الأفراد فإنه ما من عام الا وقد خص والعام الذي لا تخصيص له أصلا نادر جدا وتلك الإفراد وقد تخص بسبب كما أشرنا اليه وقد تخص بغير سبب لان ذلك تفضل من الله بزيادة العمر فلا يلزم عمومه ولا بأس بالحكم العام مع كونه مخصوصا في المقامات الخطابية ويمكن التوجيه بوجوه أخر لا تخلو من بعد وفيما ذكرناه كفاية ان شاء الله.
فائدة (٩٤)
روى عن الصادق (ع) انه قال علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع(١) .
وفي رواية: إنما علينا ان نلقى إليكم الأصول وعليكم ان تفرعوا.
أقول: قد ظن بعض المعاصرين ان الخبر دال على جواز الاجتهاد والاستنباط الظني وهذا الاستدلال ضعيف جدا بل لا وجه له أصلا والعجب ان المقداد أورده في أول التنقيح واستدل به على ذلك وفساد هذا الاستدلال يظهر من وجوه اثنى عشر.
أحدها: انه خبر واحد لا يكون حجة عندهم في الأصول كما اعترفوا به.
وثانيها: انه خبر واحد ومعارضه متواتر ان كان المراد منه ما فهموه فكيف يعمل بخبر الواحد مع مخالفة المتواتر.
ثالثها: ان سنده ودلالته ظنيان عند هم فكيف يجوز لهم الاستدلال به على جواز الاجتهاد الظني والاستنباطات الظنية والاستدلال دوري:
ورابعها: انه لا يفيد الا الظن بما قالوه وقد تقرر عندهم انه لا يجوز العمل بالدليل الظني في الأصول وقد خصوا الآيات والروايات المتواترة في النهي عن العمل بالظن بالأصول والحق انه تخصيص بغير مخصص فلا يجوز عندهم الاعتماد على مثله.
__________________
(١) السرائر ص ٤٧٧.
وخامسها: انه معارض بما هو أقوى منه كما أشرنا إليه فلا يجوز العمل بالأضعف.
وسادسها: انه موافق للعامة كافة كما لا يخفى ومعارضه غير موافق للعامة فتعين حمل هذا على التقية.
وسابعها: انه يحتمل للاحتمالات المتعددة التي يأتي بعضها وإذا قام الاحتمال بطل الاستدلال كما هو مشهور عندهم.
وثامنها: ان الأصوليين لا يجب عندهم الرجوع في الأصول الى الاخبار بل لا يجوز وانما يعتمدون فيها على الدليل العقلي كما صرحوا به في مواضع فلا بد من تأويل الخبر عندهم بما يأتي أو نحوه.
وتاسعها: انه لا تصريح فيه بالتفريع بالوجوه الظنية بل الآيات والاخبار المتواترة دالة على تخصيص التفريع المأمور به بما كان بالوجوه القطعية المفيدة للعلم وهو موافق لطريقة الأخباريين فلا بد من حمله على ذلك ولا ظهور له في التفريع الظني قطعا وعلى تقدير ظهوره فيه يتعين حمله على خلاف ظاهره جمعا.
وعاشرها: انه أخص من المدعى لأنه دال على التفريع على أصول الأئمةعليهمالسلام المسموعة منهم الثابتة عنهم وهذا لا يشمل عشر معشار موضوعات الاجتهاد والاستنباط كما هو ظاهر لمن أنصف
وحاديعشرها: انه مخصوص بالتفريع على أصول الأئمة (ع) فما الدليل على جواز التفريع على أصول العامة المشهورة بين المتأخرين، وعلى الأصول التي أثبتوها بالأدلة العقلية الظنية وهي أكثر من أن تحصى.
وثاني عشرها: انه لا يفهم منه الا التفريع على القواعد الكلية والعمل بالنص العام واستخراج أحكام جزئياته منه لأن الأصول هنا بمعنى القواعد الكلية قطعا، وقد شاع في أحاديثنا استعمال الأصول بهذا المعنى ففي حديث دم البكارة عن ابى الحسنعليهالسلام قال: سر الله فلا تذيعوه ولا تعلموا هذا الخلق أصول دين الله ثم
ذكر قاعدة كلية يعرف منها دم البكارة من دم الحيض(١) .
وفي حديث السهو والشك عن الصادقعليهالسلام قال إذا شككت فابن على الأكثر فإذا سلمت فأتم ما ظننت انك نقصت فقيل له هذا أصل قال: نعم(٢)
وسئلعليهالسلام عن قضاء صلاة المغمى عليه فقال كل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر ثم قال هذا من الالف باب التي علمها رسول اللهصلىاللهعليهوآله علياعليهالسلام يفتح كل باب منها ألف باب(٣)
ومثل هذا في الأحاديث كثير جدا والغرض منه النص على حجية العمومات وشمولها لجميع الإفراد بشرط أن تكون ظاهرة الفردية ثم انه دال على وجوب الاقتصار في الأصول على ما ثبت عنهمعليهمالسلام كما هو ظاهر من الحصر وأين هذا من قول الأصوليين، ولا يظن ان اجراء حكم الكلى على جزئياته وحكم العام في أفراده ليس من التفريع بل ذلك من التفريع قطعا
وقد صرح علماء المعاني والبيان وغيرهم في مواضع كثيرة بقولهم هذه قاعدة كلية يتفرع عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية.
وقد صرح الشهيد الثاني في تمهيد القواعد بأن الأصل يستعمل بمعنى القاعدة الكلية التي يتفرع عليها جزئياتها وذكر أنه منه قولهم لنا أصل وهو ان الأصل مقدم على الظاهر، وقولهم: الأصل في البيع اللزوم، والأصل في تصرفات المسلم الصحة أي القاعدة التي وضع عليها البيع بالذات وحكم المسلم بالذات هذه عبارته قال: وأما قولهم الأصل في الماء الطهارة فيجوز كونه من هذا القسم وهو الأنسب وأن يكون من قسم الاستصحاب « انتهى »
__________________
(١) فروع الكافي ج ٣ ص ٩٣.
(٢) الفقيه ج ١ ص ٣٤٠ - ٣٥١.
(٣) أقول: المنقول في الخصال والوسائل هكذا - من الأبواب التي يفتح كل باب منها الف باب، ولم نجد عين ما نقله المؤلف ره هنا في مظان الحديث ولعله كان في نسخته أو استنبط من الأحاديث الواردة ان رسول الله (ص) علم عليا (ع) الف باب يفتح من كل باب الف باب.
ومن تأمل كتاب تمهيد القواعد ظهر له انه كله(١) من باب تفريع الكليات على الجزئيات وتفريع أحكام إفراد العام عليه لكن بعضها أكثر عموما من بعض كما ذكروه في الأنواع العالية والسافلة والمتوسطة والأجناس كذلك
وبالجملة فلا ريب انه لا يفهم من الحديث المذكور الا ان القاعدة الكلية المنصوصة عنهمعليهمالسلام يجوز العمل بها في جميع أفرادها وان النص العام كان في الحكم على جميع افراده وانه لا يجب الاقتصار على النص الخاص ولا يشمل هذا الحديث جميع أقسام الاجتهاد والاستنباط إذ لا يفهم منه الا الرخصة في التفريع على الأصول التي يلقيها إلينا الأئمةعليهمالسلام خاصة ومن نازع في ذلك فهو مكابر خارج عن الإنصاف وخالف المتواتر من أحاديث الأئمةعليهمالسلام
__________________
(١) ظهر لذاته كله - خ ل
فائدة (٩٥)
استشكل بعض الفضلاء حمل بعض الأحاديث على التقية وقال: ان مذهب الإمامية في حل الأحكام موافق لمذهب من المذاهب الأربعة التي عليها المدار بين العامة لا سيما مذهب الشافعي وكلهم مصوبة لا يخطؤن المجتهد المخطى بل يقولون انه مأجور، فعلى هذا يمكن الفتوى في أكثر الأحكام بالحق من غير تقية غايته أن تكون الفتوى خطأ بزعم أكثرهم وان كانت صوابا باعتقاد بعضهم مع اتفاق كلهم على نفى التخطئة وعدم التفسيق.
لا يقال: قد يكون مذهب الإمامية معروفا بين العامة فلو أفتى به لتحقق الضرر
لأنا نقول: معلومية مذهب الإمامية في جميع المسائل معلومة البطلان ولم يكن للإمامية كتب فقه معروفة ولو سلم فالتقية لا تنفع فيما كان معلوما من مذهبهم خاصة كما في قول الباقر (ع) ثلاثة لا أتقى منهن أحدا(١) .
لا يقال التقية غير منحصرة في أن يكون من علماء العامة بل قد يكون التقية من سلاطين الجور وحكام الضلالة.
لأنا نقول يستبعد ذلك لأنهم لم يكونوا أرباب رأى واجتهاد ولو فرض ذلك كان في قليل من المسائل.
لا يقال قد يكون بعض المذاهب أشهر وأعرف فيتقى بالإفتاء بما يوافقه.
__________________
(١) الوسائل ج ١ ص ٦١ باب عدم جواز المسح على الخفين.
لأنا نقول: شهرته لا يوجب عندهم تخطئة غيره لأنهم قائلون بالتصويب هذا حاصل ما حرره بعض الفضلاء في الاعتراض
والجواب من وجوه اثنى عشر أحدها: ان الأحاديث المتواترة دلت على عموم التقية إلا ما استثنى كالقتل ونحوه.
قال الباقر (ع) التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به(١)
وقالعليهالسلام التقية في كل شيء يضطر اليه ابن آدم فقد أحله الله له(٢) .
إذا عرفت هذا فلعل الامامعليهالسلام في تلك المسئلة الخاصة قد اضطر إلى التقية وهو أعلم بنفسه وخوف الضرر وجداني وأسبابه كثيرة لا يطلع عليها غير صاحبها غالبا ألا ترى انهمعليهمالسلام كثيرا ما كانوا يعملون بالتقية في جزئيات يسيرة من المستحبات والمكروهات ويتركون التقية في الكليات كذم أئمة الضلال ولعنهم وقد سمعنا من بعض الثقات ان المخالفين قتلوا بعض الشيعة لتركه وضع احدى اليدين على الأخرى مع انهم لا يعتقدون وجوبه وكثير منهم لا يعتقدون استحبابه وقتلوا بعض الشيعة لتركه التحيات لله في التشهد وهو كذلك.
وثانيها: ان موافقة اعتقاد الشيعة لبعض العامة لا تفيد شيئا إلا إذا كان الإنسان عندهم غير متهم بالتشيع فأما من يتهم بالتشيع فلا يقبلون له عذرا وهذا معلوم لكل من عاشر المخالفين.
وثالثها: ان موافقة قول الشيعة في تلك المسئلة لبعض العامة قد لا يطلع عليها من تجب التقية منه في ذلك الوقت وتخاف ضرره فليس كل واحد منهم قد عرف جميع أقوالهم ومذاهبهم في آحاد المسائل وقد كانوا خمسة وثلثين مذهبا وروى أكثر ثم اتفقوا على أربعة وليس أحد من الأربعة يعرف جميع فروع الباقي بل ولا جميع فروع مذهبه الا النادر منهم فلعل الذي يخاف الضرر منه يعتقد إجماع
__________________
(١) الوسائل ج ٢ ص ٥٠٢
(٢) الوسائل ج ٢ ص ٥٠٢
المسلمين على قوله في تلك المسئلة فلا يمكن مخالفته ولا يقبل لمن خالفه عذرا.
ورابعها: انا نمنع كون كل العامة مصوبة بل ولا أكثرهم فإن الخلاف شائع بينهم كما نقله العلامة وغيره من علمائنا عنهم وكما يظهر لمن نظر في شرح المختصر كيف وقد تواتر عندنا وعندهم ان أبا بكر وعمر كانا مخطئان ابن عباس وابن مسعود وغيرهما في مسائل كثيرة كالعول وغيره وكانوا يخطؤنهما وكان يخطئ أحدهما الأخر وقد رووا ان للمجتهد المصيب أجرين وللمخطئ أجر.
وحينئذ فلعل الذي يتقى منه ويخاف ضرره لا يعتقد التصويب بل يقول بتخطئة من خالفه.
وخامسها: أن كون الفتوى خطأ باعتقاد أكثرهم، صوابا باعتقاد بعضهم لا يفيد شيئا لأن المعتبر هو من يخاف منه الضرر لا غيره فلعله يعتقد قول الشيعة في تلك المسئلة خطأ فلا بد من موافقته في الفتوى لدفع الضرر ولا يخفى ان في تقرير الاعتراض هنا تناقضا بين دعوى إجماعهم على التصويب وقوله غايته إلخ.
وسادسها: ان مذهب الإمامية في تلك المسئلة قد يكون معروفا عند العامة أو عند من يتقى شره ويخاف ضرره ولا يمكن الفتوى به وان كان غير معروف عند باقي العامة فلا يمكن دفع الضرر إلا بموافقة من يخاف منه ولا حاجة الى معرفة جميع اعتقادات الإمامية وكون مذهب الإمامية معروفا في تلك المسئلة لا ينافي وجوب التقية لأنه يندفع الضرر بها وان علم المخالفون مذهب الإمامية لأنهم لا يريدون منهم الموافقة في الظاهر في الفتوى والعمل وهذا ظاهر لكل من عاشر المخالفين وعمل بالتقية فيما بينهم.
وسابعها: ان التقية قد يكون من سلاطين الوقت في مجالسهم أو غيرها لدفع ضررهم وقد ذكر ذلك الشيخ في كتاب الاخبار في مواضع ولا يعترض بأنهم لم يكونوا أهل رأى واجتهاد [ فإنهم ادعوا الإمامة بخلافه وكانوا كلهم أو أكثرهم
أهل رأى واجتهاد ] وعلم فلا بد من موافقتهم ظاهرا في الفتوى والعمل بقدر دفع الضرر، وكونهم من أهل الرأي في بعض المسائل كاف في وجوب التقية في تلك المسائل.
وثامنها: انه قد يكون بعض المذاهب أشهر وأعرف فلا بد من التقية بالموافقة له ولا يندفع الضرر غالبا الا بذلك وقد يكون صاحبه قائل بالتصويب ولقد بلغنا ان بعض بلاد المغرب كلهم مالكية وانهم يقتلون من يدعى انه شافعي لقربه من مذهب الشيعة، فكيف يتصور في تلك البلاد الفتوى بما يخالف قول مالك وكذا في كل بلد الا نادرا.
وتاسعها: ما أشار إليه الشهيد في الذكرى حيث قال قد كانت الأئمة (ع) في زمان تقية واستتار من مخالفيهم فكثيرا ما يجيبون السائل على وفق معتقده أو معتقد بعض الحاضرين أو معتقد من عساه يصل اليه من المناوين(١) « انتهى » ويفهم منه ما يغاير الوجوه السابقة كما لا يخفى.
وعاشرها: انه يستفاد من أحاديث كثيرة انه قد فوض إليهم (ع) أمور الدين وانهم فوضوا الى شيعتهم والأحاديث المشار إليها ظاهرة في التقية وبعضها صريح فيه وهذا أحد معاني التفويض المستعملة في الأحاديث ويظهر من ذلك التخيير عند تعارض أقوال العامة في التقية مع عدم الترجيح بل التخيير بين التقية، وعدمها عند الضرر اليسير كما يفهم من تتبع أقوالهم وأفعالهمعليهمالسلام وحينئذ فلا اعتراض عليهم فهم أعلم بما ينبغي فعله والحاضر يرى ما لا يراه الغائب كما هو مشهور بل مأثور.
وحاديعشرها: ما أشار إليه الشيخ حسن في المنتقى في عدة مواضع بأنه قد تقع التقية لأجل تقليل المخالفة وإخفاء المذهب ولذلك تراهم (ع) كثيرا ما
__________________
(١) من المنادين
يوافقون التقية في إحدى قسمي المسئلة ويخالفونها في القسم الأخر بحسب مقتضى الحال.
وثاني عشرها: ان أكثر الأخبار المحمولة على التقية يتعلق بالاستحباب والكراهة والأمر فيهما سهل جدا لجواز الفعل والترك في المقامين من غير تقية بل أكثر الأحاديث المختلفة تتعلق بهذين القسمين، كما يظهر لمن تأمل كتاب الاستبصار الجامع للمختلف من الاخبار ويمكن إيراد وجوه آخر وفيما أوردناه كفاية إن شاء الله تعالى.
فائدة (٩٦)
قد وقفت على رسالة لبعض المعاصرين في مسئلة الأصل في الأشياء وزعم انه اثبت الإباحة فيها بالآيات والاخبار وفيها أنواع من التشكيك والاستدلال الركيك وفنون من التمويهات وضعف التوجيهات لا يحسن نقلها والجواب عنها، وأحببت أن أذكر شبهاتها وأجيب عنها لئلا تدخل الشبهة على من نظر فيها فيقوى طريق التسامح والتساهل ويضعف طريق التوقف والاحتياط أعاذ الله المؤمنين من ذلك وأنجاهم من مثل هذه المهالك.
قال المعاصر: اختلفوا في الأفعال الاختيارية التي لا يحكم العقل فيها بحسن ولا قبح قبل ورود الشرع على ثلاثة مذاهب.
الأول: ذهب بعض المعتزلة إلى تحريم هذه الأفعال.
الثاني: ذهب بعض المعتزلة والإمامية إلى الإباحة.
والثالث: ذهب الأشعري إلى التوقف.
أقول: قوله قبل ورود الشرع ينافي استدلاله بالآيات والروايات لأنها أدلة شرعية، والمعهود من علماء الأصول إنهم يستدلون هنا بوجوه عقلي ضعيف جدا واضح الفساد لان المفروض عدم ورود الشرع بحكمها وهذا تناقض ظاهر بل فرض وجود المكلفين قبل ورود الشرع لا يتم على مذهب الإمامية إذ هم قائلون بوجوب النبوة والإمامة وأن الشرع موجود في جميع زمان التكليف وان كل واقعة لها حكم معين وعلى كل حكم دليل شرعي فلا يكون محل النزاع
موجودا، والذي ثبت بالآيات والروايات على تقدير دلالتها وعدم المعارض لها هو الإباحة الشرعية لا الإباحة الأصلية حتى قبل تمام شريعة نبيناصلىاللهعليهوآله مع ان البحث عنه لا فائدة فيه لا يتم أيضا وجود الإباحة الأصلية لأنها إباحة مستفادة من الشريعة السابقة في بعض الجزئيات قبل نسخها أو من العمومات والإطلاقات أو من تقريرهعليهالسلام وكل نوع من الأنواع يفيد الإباحة الشرعية لا الأصلية.
وأما بعد إكمال الدين وورود حكم شرعي في كل شيء حتى فيما لا نص فيه وفي المشتبهات التي لا يظهر حكمها للرعية، وفيما لا يعلم اندراجه في أحد الكليات وفيما تتعارض فيه الأدلة وفيما فيه نص خاص أو عام لم يصل إلينا، فإن الأحاديث في جميع هذه المطالب كثيرة ببركات الأئمةعليهمالسلام وانما يستقيم الفرض المذكور على مذهب العامة القائلين بأن كثيرا من الوقائع ليس لها حكم شرعي وانما الحكم فيها ما أدى اليه ظن المجتهد.
وأما قولنا بوجوب التوقف فيما لا نص فيه فالمراد به ما لا نص فيه بغير التوقف وقرينة ظاهرة واضحة فانا نستدل على وجوب التوقف بالنص المتواتر فالمفسدة واردة على فرض المعاصر لا على قولنا ومع ذلك مرادنا بعدم النص عدم وصوله إلينا لا عدمه في الواقع ولعل مرادهم بما قبل ورود الشرع ما قبل وقت البلوغ أو ما قبل وصول النص الى المكلف وفيه تأمل مع انه لا فائدة فيه بعد البلوغ وبعد وصول النص التوقف والاحتياط.
إذا عرفت هذا فاعلم ان في نقل المعاصر الخلاف في المسئلة تمويها عجيبا لأنه يشعر بأن جميع الإمامية قائلون بالإباحة لأنه لم ينقل عن أحد منهم قولا بغير الإباحة وهو عجيب مع أن الشيخ أبا جعفر الطوسي رئيس الطائفة وشيخ الإمامية في كتاب العدة نقل القول بأصالة الحظر عن جماعة من الإمامية اختار التوقف والاحتياط ونقله عن الشيخ المفيد أيضا حيث قال في العدة وهو الذي كان
ينصره شيخنا أبو عبد اللهرحمهالله « انتهى ».
ويظهر من المرتضى ره في الانتصار وغيره اختيار ذلك أيضا حيث استدل في عدة مواضع به وان كان نقل عنه القول بالإباحة فلعل له في المسئلة قولين.
ويظهر من المحقق في أول المعتبر القول بذلك أيضا بل صرح به وقد صنف في آخر عمره ووافق الشيخ في العدة قال في أوائل المعتبر وأما الاستصحاب فأقسامه ثلاثة.
الأول: استصحاب حال العقل وهو التمسك بالبراءة الأصلية كما نقول ليس الوتر واجبا لأن الأصل براءة العهدة.
الثاني: ان يقال عدم الدليل على كذا فيجب نفيه وهذا يصح في ما يعلم انه لو كان هناك دليل لظفر به(١) .
اما لا مع ذلك فإنه يجب التوقف ولا يكون ذلك الاستدلال حجة، ومنه القول بالإباحة لعدم دليل الوجوب والحظر.
الثالث: استصحاب حال الشرع كالمتيمم يجد الماء في أثناء الصلاة فيقول المستدل على الاستمرار صلاة مشروعة قبل وجود الماء فتكون مشروعة بعده، وليس هذا حجة لأن شرعيتها بشرط عدم الماء لا يستلزم الشرعية معه « انتهى »،
وهو صريح في انه لا يعمل بأصالة الإباحة إلا إذا علم أنه لو كان حكم يخالف الأصل لوصل إلينا كما في الأشياء التي تعم به البلوى.
وحينئذ فتقرير النبي (ص) والأئمة (ع) دليل شرعي، وقد صرح بوجوب التوقف في غير هذه الصورة.
وأما ما اختار في القسم الأول من أصالة عدم الوجوب فلا نزاع فيه بين العقلاء والنص المتواتر دال عليه لا على أصالة عدم التحريم والفرق بينهما من وجوه كثيرة ذكرنا بعضها في الفوائد السابقة ولم يصرح بالقول بحجيته في غير الصورة المزبورة سابقا.
__________________
(١) نظفر به - خ ل
وقال في موضع آخر فعليك بإمعان النظر فيما يقال مستفرغا وسعك في رد الاحتمال فاذا تبين لك الوجه فهناك فقل والا فاعتصم بالتوقف فإنه ساحل الهلكة.
وقال بعده بغير فصل: انك مخبر في حال فتواك عن ربك وناطق بلسان شرعه فما أسعدك بأن أخذت بالجزم وما أخيبك ان بنيت على الوهم فاجعل فهمك تلقاء قوله تعالى:( وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (١) .
فانظر الى قوله تعالى:( قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ ) (٢) .
وأنظر كيف قسم مستند الحكم الى القسمين فيما لم يتحقق الإذن فأنت مفتر « انتهى ».
وفي هذه العبارة والتي قبلها دلالة صريحة على اختيار التوقف وقد اختار وجوب التوقف والاحتياط أيضا صاحب الفوائد المدنية وجماعة من المتقدمين والمتأخرين.
وقال العلامة في التهذيب: ذهب جماعة من الإمامية ومعتزلة بغداد الى تحريم الأشياء التي ليست اضطرارية قبل ورود الشرع وذهب معتزلة البصرة إلى الإباحة « انتهى » ولم ينقل الإباحة عن أحد من الإمامية.
واعلم ان المعاصر قد استدل بآيات.
والجواب عنها إجمالا من وجوه اثنى عشر.
أحدها: أن الأحاديث المتواترة دالة على عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن الا بعد معرفة تفسيرها عن الأئمة (ع) وتلك الأحاديث تزيد على مأة وعشرين حديثا مروية في كتب تزيد على سبعين كتابا ولا معارض لها عند التأمل أصلا
__________________
(١) البقرة - ١٦٩
(٢) يونس ٩٥
وبعض الآيات أيضا دالة على ذلك واستدلالنا بالآيات مع النص المتواتر الصريح لا يرد عليه شيء وقد حققناه في محل آخر واجبنا هناك عما يتخيل من المعارض.
وثانيها: بعد التنزل نقول: كل آية مما ذكره المعاصر هنا فيها اشكال وإجمال واحتمال لوجوه متعددة فتكون متشابهة فلا يجوز الاستدلال بها اتفاقا وسيأتي بعض الاحتمالات
وثالثها: ان المسئلة أصولية ودلالة الآيات ظنية فلا يجوز الاستدلال بها اتفاقا.
ورابعها: ان أصالة الإباحة دليل ظني فلا يجوز الاستدلال عليه بدليل ظني للزوم الدور.
وخامسها: ان الآيات كثيرة الاحتمالات كما يأتي وإذا قام الاحتمال بطل الاستدلال.
وسادسها: انها معارضة بالآيات والروايات الاتية لو حملت وسلمت من المعارض الراجح دلت على الإباحة الشرعية لا الأصلية.
وسابعها: انها ان كانت عامة فهي مخصوصة قطعا وفي حجية مثلها خلاف سلمنا لكنها مخصوصة بمحل أعنى الطيبات والخبائث فلا حجة فيها أيضا اتفاقا
وثامنها: انها محتملة للنسخ والتخصيص والتقييد وغير ذلك فلا تفيد العلم.
وتاسعها: انها معارضة بالآيات الاتية التي هي أقوى دلالة منها.
وعاشرها: انها معارضة بالنصوص المتواترة التي يأتي بعضها وهي صريحة.
وحاديعشرها: انها دلت على أنواع خاصة لا على جميع الأنواع.
وثاني عشرها: أنها معارضة بالأدلة العقلية التي يأتي بعضها إن شاء الله تعالى
قال المعاصر: عند ذكر الآيات الاولى( وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ
وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ) (١) ثم أطال الكلام فيها بما لا يزيد دلالتها الا ضعفا وإشكالا.
أقول: لا يخفى على المنصف ضعف دلالتها وانها بالنسبة الى هذا الحكم متشابهة تحتمل احتمالات كثيرة وليس فيها شيء من ألفاظ العموم سوى لفظ كل وكون لفظ من للتبعيض يعارض العموم.
سلمنا لكن لفظ فيها ليس بمعنى عليها فدلت على ما هو في باطن الأرض خاصة.
سلمنا لكن خطاب المشافهة لا عموم فيه.
سلمنا لكن لفظ معايش ليس من ألفاظ العموم فصارت القضية جزئية لا كلية سلمنا لكنه مخصوص بالذكور لقوله لكم.
سلمنا لكن أنبتنا وجعلنا فعلان ماضيان لا يدلان على الحال والاستقبال.
سلمنا لكن لفظ أنبتنا ولفظ موزون مجملان متشابهان.
سلمنا لكنه مخصوص بالنبات الموزون.
سلمنا لكن المعايش بمعنى محل التعيش فدلت على جواز السكنى في الأرض لا غير.
سلمنا لكن تدل على ما يضطر إليه في التعيش وهو غير محل النزاع.
قال صاحب القاموس المعيشة التي يتعيش بها من المطعم والمشرب وما يكون الحيوة وما يعاش به أو فيه الجمع معايش « انتهى » فظهر كونه مشتركا ولعل المراد المعنى الأخير كما ذكرنا فهل يحسن من منصف يخاف الله ان يستدل بمثل هذه الدلات الضعيفة في مطالب الأصول واى مذهب من المذاهب الباطلة لا يمكن الاستدلال عليه بما هو أقوى دلالة من مثل هذه المتشابهات.
قال المعاصر: الثانية( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) (٢)
__________________
(١) الحجر ٢٠
(٢) الحجر ٢١
ثم أطال الكلام في وجه الاستدلال وذكر ما لا يليق نقله.
أقول: هذه الآية لا شبهة فيها ولا دلالة لها بوجه وقد عرفت سابقا جملة من الأجوبة الإجمالية وانى لا عجب ممن يستدل بها على مثل هذا المطلب.
قال المعاصر: الثالثة( يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً ) (١) ثم أطال الكلام فيها من غير طائل.
أقول: قد عرفت جملة من الأجوبة الإجمالية والتفصيلية خصوصا كونها متشابهة ومن خطاب المشافهة وليس بخطاب عام ولفظ من للتبعيض قطعا فزال عموم ما كما لو قيل خذ من الدراهم فصار اللفظ خاصا والقضية جزئية ولفظ في دالة على ما في بطن الأرض فلا يدخل ما عليها والتأويل لا بد له من دليل على انها مخصوصة بنوع واحدا عنى الأكل فأين الأنواع الباقية والأجناس الكثيرة والقياس باطل وفي الأرض تقديره حصل، أو استقر، أو هو مستقر في الأرض فهو حينئذ مخصوص بما كان موجودا وقت الخطاب لا دلالة له على ما يتجدد بعد ألف سنة وقوله( حَلالاً طَيِّباً ) حال مقيدة للعامل فلا بد من تحقق وجود الحال بل عموم غيرها على تقدير وجوده مخصوص بها وإطلاق غيرها على تقدير تحققه مقيد بها ويخرج منها الخبائث وهي مجملة والآية تصلح دليلا لنا لا للخصم بل لا شبهة فيها أصلا عند المنصف وما نقله عن الطبرسي لا حجة فيه بل هو في محل المنع وأصله من علماء العامة القائلين بالإباحة وناهيك به ضعفا لأن غاية ما تدل عليه اباحة بعض الحلال الطيب بوجود من التبعيضية لا جميع حلال الطيب فضلا عن جميع ما في الأرض.
قال المعاصر: الرابعة( خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) (٢) ثم أطال الكلام بما لا فائدة في نقله ولا شبهة في فساده.
أقول: قد عرفت جملة من الأجوبة التي يمكن ان يقال هنا ولا شبهة في أنها متشابهة فان كل لفظة فيها تحتمل وجوها كثيرة خصوصا اللام في لكم فقد ذكر
__________________
(١) البقرة - ١٦٨
(٢) البقرة - ٢٩
بعض المحققين من علماء العربية ان اللام تأتى لخمسة وثلثين معنى فأي تشابه أوضح من ذلك وليس فيها شيء من ألفاظ العموم بالنسبة إلى المنافع والانتفاعات أصلا فلا دلالة فيها بل ورد عندنا في بعض الأحاديث المعتمدة عن أمير المؤمنينعليهالسلام انه قال في تفسيرها، خلق لكم ما في الأرض لتعتبروا به(١) وعلى هذا فلا يمكن الجزم بدخول شيء من باقي المنافع وقد أشار الى هذا الشيخ في العدة.
سلمنا ولكن المخاطب بقوله لكم يحتمل احتمالا قريبا ان يكون المراد بالنبي والأئمة (ع) وقد تواتر عنهم (ع) انهم قالوا ان الأرض كلها لنا(٢)
وعنهم (ع) ان الله خلق الدنيا كلها لمحمد وآل محمد.
وعنهمعليهمالسلام ان الله جعل الأرض كلها مهرا لفاطمةعليهاالسلام (٣) .
وعنهمعليهمالسلام ان الأرض كلها للإمام، وأمثال هذه العبارات كثيرة فلا دلالة فيها على إباحة شيء لغيرهم وبعد التنزل عن جميع ذلك نقول انها دالة على خلق المجموع للمجموع إذ لم يقل خلق لكل واحد منكم ما في الأرض فلا دلالة لها على العموم لكل أحد بالنسبة الى جميع الأنواع ولا يلزم العبث بعد ورود النص على إباحة أنواع كثيرة وإمكان الانتفاع بالباقي بالاعتبار ولكل ما يضطر الإنسان اليه مع عدم النهى.
وقد عرفت ما يتوجه على قوله في الأرض وقوله جميعا متشابه أيضا يمكن كونه تأكيدا للضمير وللموصول.
وقد قال العلامة في النهاية بعد الاستدلال بالاية ما هذا لفظه: والاعتراض من وجوه.
__________________
(١) البرهان ج ١ ص ٧٢.
(٢) الكافي ج ١ ص ٤٠٧.
(٣) وفي البحار عن ابن عباس ان النبي (ص) قال لعلى (ع) ان اللهعزوجل زوجك فاطمة وجعل صداقها الأرض فمن مشى عليها مبغضا لك مشى عليها حراما ج ٤٣ ص ١٤٥
ألف - نمنع اقتضاء اللام الاختصاص بجهة الانتفاع لقوله( وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها -لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) وليس المراد فيهما المنافع ولان اللام عند النحاة للتمليك وهو غير ما قلتم.
ب - سلمنا ذلك لكن تفيد مسمى الانتفاع لا كل الانتفاع ويكفى حصول فرد من الانتفاعات مثل الاستدلال بها على الصانع تعالى.
ج - سلمنا عموم الانتفاعات لكن بالخلق لدخول اللام عليه ونمنع ان المخلوق كذلك.
د - سلمنا إفادة الانتفاع بالمخلوق لكن كل واحد في مال واحد لان هذا مقابلة الجميع بالجميع فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد.
ه - سلمنا إفادة العموم لكن في للظرفية فيدل على اباحة كل ما في بطن الأرض كالركاز والمعادن فلم قلتم ان ما على الأرض كذلك.
و - سلمنا اباحة كل ما على الأرض لكن في ابتداء الخلق لان قوله خلق يدل على انه حال خلقها انما خلقها لنا فلم قلتم انه في الدوام كذلك وكونه مباحا صفة ولا بقاء للصفات.
ز - سلمنا الإباحة للكل حدوثا وبقاء لكن الموجودين حال الخطاب لان قوله لكم خطاب مشافهة فيختص بالحاضرين.
ح - سلمنا اختصاصها بنا لكن قوله( لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) ينافيه « انتهى ثم أجاب عنها بأجوبة ضعيفة وعلى كل حال يظهر مما ذكر كونها متشابهة.
قال المعاصر: الخامسة( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ) (١) ثم أطال فيها.
__________________
(١) البقرة ٣٧
أقول أكثر الأجوبة السابقة تصلح جوابا هنا بل هذه الشبهة أضعف من كل ما سبق فلا حاجة الى الكلام فيها مع كونها خطابا لآدم وحواء بقرينة أولها وآخرها وكون النكرة المفردة لا عموم فيها في الإثبات أصلا وغاية ما تدل عليه جواز الاستقرار في الأرض وليس في المتاع عموم ولا في حين وانما تدل على وقت نزولها خاصة لما مر في تقدير متعلق الظرف اسما، وعلى ما قبل وقت نزولها على تقديره فعلا.
قال المعاصر: السادسة( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ ) (١) .
السابعة( كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ ) (٢)
أقول: قد نقل المعاصر عن الإمامية والمعتزلة ان الرزق مخصوص بالحلال ورجحه
وحينئذ لا دلالة للآيتين أصلا مع وجود من التبعيضية وكونهما مخصوصين بالأكل والشرب والثمرات ولا دلالة لهما على أكثر من اباحة بعض الثمرات وبعض الحلال مع ورود أكثر ما سبق هنا وبالجملة فلا إشكال في فساد الاستدلال.
قال المعاصر: الثامنة( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) (٣) ( وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) و( كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً ) (٤) ثم أطال الكلام فيها من غير طائل.
أقول: هذه تقدمت بعينها وعرفت جوابها وأولها لا شبهة فيه أصلا.
والعجب ان المعاصر نقل خبرا في سبب نزولها أن عشرة من الصحابة منهم علىعليهالسلام اتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوم الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا يقربوا النساء والطيب فنزلت الآية.
ولا يخفى أنها مع ملاحظة سبب نزولها دالة على إباحة الأشياء المذكورة
__________________
(١) البقرة: ٢٢
(٢) البقرة: ٦٠
(٣) المائدة: ٨٧
(٤) البقرة: ١٦٨
واى نزاع فيها، سلمنا لكن اختصاصها بالطيبات واضح فلا دلالة لها على الخبائث ولا المشتبهات بها وهي محل النزاع.
قال المعاصر:
التاسعة( يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ) (١) .
العاشر( كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ ) (٢) .
الحادية عشر( يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ) (٣) .
الثانية عشرة( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ) (٤) .
الثالثة عشر( وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ) (٥) وتكلم في هذه الآيات بما لا فائدة فيه والجواب ظاهر مما سبق ولا عموم فيها بل هي نصوص خاصة لا نزاع فيها ولا دلالة على غير ما ذكر فيها والطيبات غير شاملة للافراد المشتبهة بالخبائث فضلا عن الخبائث لعدم كونها ظاهرة الفردية قال المعاصر:
الرابعة عشر( فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ ) (٦)
الخامسة عشر( يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ ) (٧)
السادسة عشر( وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ) (٨) .
السابعة عشر( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) (٩)
الثامنة عشر( فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ ) (١٠) .
__________________
(١) المائدة: ٤
(٢) المائدة: ٨٨
(٣) الأعراف: ٢٦
(٤) الأعراف: ١٥٧
(٥) النحل: ٥
(٦) طه: ٥٤
(٧) المؤمنون: ٥١
(٨) المؤمنون: ٢١
(٩) لقمان - ٢٠
(١٠) السجدة: ٢٧
التاسعة عشرة( قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا ) (١) .
العشرون( قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ) (٢) .
ثم تكلم على كل آية بما لا فائدة فيه.
أقول: لا يخفى عليك الجواب بعد ما سبق فإنها إنما تضمنت افرادا خاصة لا نزاع فيها والعجب من استدلاله بخطاب الرسل السابقين وأمرهم بالأكل من الطيبات فأيّ دلالة لذلك على غيرهم أو غيرها وأى قياس أضعف من ذلك وأي فائدة لإثبات إباحة ما في السموات مع ان التسخير أعم من المطلوب.
وغاية ما تدل الآيات على النبات والزرع وهما واحد وعلى الأنعام فأين العموم في محل النزاع من المشتبهات بين الحلال والحرام وما لا نص فيه أصلا غير نص التوقف وأين العموم في قوله ان الله حرم هذا وما المانع ان يكون الذين فصل لهم هم النبي والأئمةعليهمالسلام وفصل المحرمات في آيات لم تصل إلينا أو في الظاهر والباطن أو في الكتاب والسنة وقد تواترت الروايات بأنه لم يجمع القرآن كله الأئمة (ع) وان من ادعى انه جمعه كله فهو كاذب(٣) وورد النص الصحيح بأن القرآن الذي نزل على محمدصلىاللهعليهوآله كان سبعة عشر ألف آية(٤) والموجود الان نحو الثلث باعتبار العدد.
ويحتمل كون تلك الآيات أطول من الآيات الموجودة ويكون الموجود منه هو العشر أو أقل وتواتر النص بأن المهدىعليهالسلام إذا خرج يخرج القرآن بتمامه فينفر أكثر الناس منه ولا يقبله الا القليل(٥) .
فكيف يقال: ان جميع المحرمات قد فصلت لنا في هذا القرآن الموجود ليمكن الحكم بإباحة ما ليس فيه وهذا لا يتم الا على طريقة العامة وهذا الاستدلال
__________________
(١) الانعام: ١٥٠
(٢) الانعام ١١٩.
(٣) الكافي ج ١ ص ٢٢٨
(٤) الكافي ج ٢ ص ٦٣٤
(٥) راجع كتاب الزهد للحسين بن سعيد الأهوازي ص ١٠٤ ح ٢٨٦ والبحار ج ٥٢ ص ٣٢٦ ح ٤٢.
لا يليق صدوره عن أحد من العقلاء فضلا عن الفضلاء.
قال المعاصر: الحادي والعشرون( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ) (١) وأطال الكلام فيها بما لا طائل تحته.
أقول: لا يخفى ضعف دلالتها لاختصاصها بمن جمع الصفات المذكورة كلها من الايمان والعمل الصالح والتقوى والإحسان بل هي مخصوصة بمن آمن وعمل صالحا قبل نزول الآية كما دل عليه الفعلان الماضيان لعدم دلالتهما على الحال والاستقبال قطعا ثم لا بد من اتصافهم بباقي الصفات وهي مخصوصة أيضا بالطعام لا دلالة لها على غيره بل بالطعام الذي طعموه في الزمان الماضي لقوله فيما طعموا وبذلك صرح الطبرسي فخصه بما وقع قبل نزول الآية فكيف يستدل بها بعد نزولها بأكثر من ألف سنة وبعد التنزل عن جميع ذلك نقول انها مخصوصة بغير الخبائث والمشتبهات بها بدلالة الآيات السابقة وغيرها وقد ورد فيها بعينها حديث معتمد تضمن ان أهل هذه الاية لا يأكلون ما لا يحل لهم ومعلوم ان مثلهم يترك ما زاد عن قدر الكفاية بل عن قدر الضرورة من المحرمات والشبهات بل المباحات لقولهمعليهمالسلام في حد الزاهد، من ترك حرامها مخافة عقابه وحلالها مخافة حسابه.
قال المعاصر: الثانية والعشرون( وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ) إلى قوله( لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ ) (٢) .
الثالثة والعشرون( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ ) (٣) .
الرابعة والعشرون( وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ ) (٤) .
__________________
(١) المائدة: ٩٣
(٢) يس: ٣٥
(٣) يس: ٧٣
(٤) ق: ١٠
الخامسة والعشرون( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ) (١) .
السادسة والعشرون( وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً ) (٢) .
السابعة والعشرون( وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها وَالْجِبالَ أَرْساها مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ) (٣) .
أقول: فهذه الآيات التي ذكرها لم اترك منها الا المكررات فإنه ذكر آيتين منها مرتين ولا يخفى ما فيها بعد ما أحطت خبرا مما تقدم فإنه ليس فيها شيء من ألفاظ العموم بل دلت على اباحة الثمر والانعام والحب فأين العموم وانما هي أفراد جزئية خاصة والآية الدالة على سلوك السبل أى عموم فيها يشمل ما زاد عن سلوك الطريق والآية الدالة على اباحة الماء والمرعى للمخاطبين وأنعامهم، لا تدل على اباحة غير الماء لهم بل لانعامهم بل لا تصريح فيها بذلك أيضا لاحتمال العكس ووجود من التبعيضية تدل على اباحة بعض الثمر وبعض الرزق وقد خصه المعاصر بالحلال فلا دلالة لها على شيء يعتد به في هذا المقام وقوله( وَمِنْها تَأْكُلُونَ ) يفيد الحصر كما تقرر فان كان خبرا لزم الكذب وان كان إنشاء دل على نقيض مطلب المستدل وكذا قوله( فَمِنْها رَكُوبُهُمْ ) ولا عموم في الجمع المنكر مع انه يلزم ان يكون كل أحد من المخاطبين مالكا لجميع أفراد الانعام وهو فاسد فظهر عدم العموم وضعف الاستدلال.
قال المعاصر: فيما استدل به من الاخبار قولهعليهالسلام كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهى(٤) .
وقول ابى عبد اللهعليهالسلام كل شيء يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه.(٥)
__________________
(١) الملك: ١٥
(٢) نوح: ٢٠
(٣) النازعات: ٣٣
(٤) أورده المجلسي ره في البحار ج ٢ ص ٢٧٤
(٥) البحار ج ٢ ص ٢٧٤
وفي معناه حديث آخر.
وقولهعليهالسلام في إبل اصطاده رجل فقطعه الناس والذي اصطاده يمنعه ففيه نهى، قال ليس فيه نهى وليس به بأس(١) .
وقوله (ع): وقد سئل عن سباع الطير والحمير والبغال ليس الحرام الا ما حرم الله في كتابه(٢) .
وقوله (ع): ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم(٣) وفي معناه خبر آخر.
وقوله (ع) رفع عن أمتي وعد منها لا يعلمون(٤) .
وقولهعليهالسلام وللناس على الله ان يعرفهم(٥) .
وخبر حصر محرمات الأطعمة واباحة ما سواها وتكلم في كل واحد من هذه الاخبار بكلام طويل لا طائل فيه.
أقول: هذه ثمانية أخبار مجملة متشابهة لا تدل على مطلبه ولا تقاوم معارضها سندا ولا دلالة ولا كثرة.
أما الأول: فقد تكلمنا عليه في بعض الفوائد السابقة وفي كتاب وسائل الشيعة وذكرنا فيه وجودها واحتمالات.
منها: الحمل على التقية لموافقته للعامة أو أكثرهم واعترض المعاصر بان بعض العامة قائل بالوقف كالأشعري.
والجواب: ان مخالفة بعض العامة لمضمون هذا الخبر لا ينافي الحمل على التقية لأن أكثرهم يعملون به وذلك كاف وقد حمل الشيخ في كتابي الأخبار أخبارا كثيرة على التقية مع اختلاف العامة هناك والتقية تابعة للمصلحة فقد يقتضي المصلحة
__________________
(١) الوسائل ج ٣ ص ٢٣٥
(٢) الوسائل ج ٣ ص ٢٥٠
(٣) الكافي ج ١ ص ١٦٤
(٤) البحار ج ٢ ص ٢٨٠
(٥) في الكافي: وللخلق على الله أن يعرفهم: ج ١ ص ١٦٤
التقية من الأقل دون الأكثر ومن القرائن على التقية كثرة معارضاته ورجحانها فان باقي الأخبار التي ذكرها المعاصر لا دلالة لها كما يأتي.
ولا ريب ان أكثر العامة قائلون بمضمونه وح يتعين حمله على التقية وقد دل على ما قلناه حديث عمر بن حنظلة حيث قال فان وافقهم الخبر ان جميعا قال ينظر ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر. ولو لم نذكر احتمالا سوى التقية لم يتجه المناقشة لأن احتمال التقية قائم قطعا فكيف وقد ذكرنا وجوها كثيرة فالاعتراض هنا بعيد عن الإنصاف.
ومنها: ان النهى قسمان نهى عام ونهى خاص والنهى العام بلغنا وهو النهى عن ارتكاب الشبهات والنهى عن القول بغير علم والنهى عن العمل على غير بصيرة وهذا وجه أشار إليه صاحب الفوائد المدنية ولم يذكره المعاصر لأنه لا يتجه عليه اعتراض.
وح لا يفيد الحديث الان الّا من لم تبلغه أحاديث التوقف والاحتياط وكان غافلا عنها ولا نزاع فيه لبطلان تكليف الغافل ومن بلغه ذلك النهى البليغ لم يكن كل شيء مطلقا له الا ما كان فيه نص عام أو خاص بالإباحة ولا معارض له أقوى منه فالحديث موافق لما نقوله. وبهذا يظهر بطلان ما نسبه المعاصر الى الصدوق من القول بأصالة الإباحة في الاعتقادات والفقه لان القدر الذي دل عليه الخبر يقول به أهل التوقف والاحتياط مع انه قد روى أحاديث التوقف والاحتياط في الفقيه وفي سائر كتبه ولم يتعرض لتأويلها ولا تضعيفها ولا أورد لها معارضا صريحا فكيف لا يكون قائلاً بمضمونها وكذلك الكليني وجميع علمائنا المحدثين.
والعجب ان المعاصر ادعى ان الكليني روى الخبر المذكور أنه قائل بأصالة الإباحة وهذا كذب وافتراء فان كتاب الكافي خال منه قطعا مشتمل على أحاديث التوقف والاحتياط من غير تأويل ولا تضعيف ولا معارض صريح في مقام التحريم فكيف لا يكون عالما بها(١) قائلاً بمضمونها وأي فائدة لقول غير المعصوم مع انه ليس بحجة.
__________________
(١) عاملا بها - خ ل
ومنها: أن يكون مخصوصا بالخطابات الشرعية يعنى ان كل شيء من الخطابات الشرعية مطلق حتى يرد فيه نهى عن بعض الإفراد يقيده ويخصصه ولذلك استدل به الصدوق (ره) على جواز القنوت بالفارسية لأن أحاديث القنوت عامة مطلقة لم يرد نهى عن القنوت بالفارسية يقيدها أو يخصصها وأعترض المعاصر له مع ان له مائة وخمسين معارضا بل نصفه الثاني معارض لنصفه الأول بالنسبة إلى محل النزاع كما عرفت فلا يدل على مطلب المعاصر الان وقد ذكرنا وجوها أخر في محلها.
وأما الثاني فهو صريح فيما يكون فيه نوعان أحدهما نص الشارع على إباحته والأخر نص على تحريمه فاشتبها فيكون الاشتباه هنا في غير نفس الحكم الشرعي بل في طريقه وموضوعه كجوائز الظالم فان ماله فيه حلال وحرام وكاللحم الذي يشترى من السوق فان فيه مذكى وميتة وملك وسرقة ونحو ذلك والا فإذا شك الإنسان في ان الخمر حلال أو حرام كيف يقال الخمر بالنسبة الى هذا الشخص فيه حلال وحرام فيكون بالنسبة إليه حلالا.
وبالجملة فهذا واضح عند المنصف خارج عن محل النزاع فإن الأشياء اختلط حلالها بحرامها وطاهرها بنجسها من زمان آدم إلى الان فالذي لا يعلم الغيب كيف يقدر على اجتناب الحرام منها والنجس مع ان كل نوع منها فيه إفراد مباحة في الواقع وإفراد محرمة في الواقع، ولا يتصور أن يسأل النبي والامام عن ذلك لأنه من علم الغيب وانما يسأل عن نفس الحكم الشرعي بل ورد النهى عن الاحتياط هنا والأمر به هناك.
فقد روى اشتر من سوق المسلمين ولا تسأل عنه(١) وكذا ورد ان كل ما في أيدي الناس يحكم بملكهم له.
وأما الثالث: فلا دلالة له على ان كل مالا نهى فيه فهو مباح لأن السائل إنما سأل عن وجود النهي فأجابعليهالسلام بأنه ليس فيه نهى ثم قال وليس به بأس ولو كان كل ما ليس فيه نهى لا بأس به لكان آخر الحديث عبثا والعطف بالواو لا دلالة
__________________
(١) الوسائل ج ٣ ص ٢٤٥ باب ٢٩ من أبواب الذبائح
له على مدعاه ووجود الضميرين دل على اختصاصه بفرد معين هو مرجع الضمير فأين العموم، والقياس باطل والنص العام المطلق موجود في جواز صيد الإبل واكله وقد سأل السائل عن تقطيع الناس له هل نهى عن أكل بقيته لأجله فأجاب بنفي النهي ثم صرح بنفي البأس فبقي النص فيه على عمومه، وإطلاقه شامل لجميع الحالات ومع ذلك فانا لا نقول بوجود البأس في غير محل النهى بل نقول وجود البأس مخصوص بحالة وجود نهى خاص أو عام كالنهي عن ارتكاب الشبهات والقول والعمل بغير علم كما مر.
واما الرابع: فقد مرّ الجواب عنه في قوله تعالى:( قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ) وناهيك بكونه عاما مخصوصا بمجمل اعنى الطيبات والخبائث فلا حجة فيه عند المحققين.
وأما الخامس: فهو ظاهر الاختصاص بما يحتمل الوجوب خاصة دون التحريم بقرينة الوضع ولا معنى لوضع التحريم فالمعنى ما حجب الله علم وجوبه فهو ساقط عن المكلفين وهذا لا نزاع فيه سلمنا لكن احتمال التقية كما عرفت قائم ويمكن حمله عليها سلمنا لكن مع حصول العلم بالنص المتواتر بوجوب التوقف والاحتياط لا ينفى موضوع الحديث موجودا الا عند من لم يبلغه ذلك النص.
ولا يرد انه لم يبق شيء غير منصوص لان المراد المنصوص بغير النص التوقف والاحتياط كما مر والقرينة هنا ظاهرة في نصوص التوقف وفي كلام من أوجبه فيما لا نص فيه والا فنحن نحكم بأنه ليس شيء خاليا من النص ولا نمنع العمل بالنص العام ولا ننكر وجود نص عام في جملة وافرة من الأنواع وانه حجة في أفراده الظاهرة الفردية الا أنه ليس عندنا نص صريح العموم في جميع الأنواع خال من المعارض والذي يتخيل دلالته على ذلك ظاهر في طريق الحكم الشرعي بل ليس بمحل اشتباه
وقد ورد في ما لا نص فيه بخصوصه نص متواتر بالتوقف والاحتياط. وزعم المعاصر ان فيه نصا عاما بالإباحة وقد عرفت عدم وجوده فيما سوى الحديث الذي
نصفه الثاني يعارض نصفه الأول وعلى تقدير صراحته يضعف عن مقاومة النص المتواتر من وجوه كثيرة كما عرفت من التقية وغيرها
وأما السادس والسابع: قد عرفت جوابهما مما سبق.
وأما الثامن: فقد مر أيضا انه أخص من المدعى لأنه نوع واحد أعني الأطعمة مع كونه مخصوصا بمجمل بل معارض بما دل على حصر المباح في الطيبات وهذا ظاهر واضح لا شبهة فيه عند الإنصاف.
واعلم ان المعاصر نقل عن بعض الأفاضل ان الشبهة محتمل اختصاصها بما ورد فيه نصان متعارضان بلا مرجح واستدل بورود ذلك في حديث عمر بن حنظلة ويحتمل أن يراد بها الاخبار المتشابهة التي لا يتبين معناها ويحتمل أن يراد بها ما لا يتبين للإنسان انه ناسخ أو منسوخ أو غيرهما لعدم الترجيح على المعارض لقولهمعليهمالسلام ان حديثنا صعب مستصعب.
ولما روى ان الحديث محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ ويحتمل أن يراد بالشبهة ما تشتبه على المكلف فلا يعلم انه خاص أو عام لعدم الترجيح أيضا وان يراد بها ما يشتبه على المكلف بسبب اختلاف أهل اللغة أو اختلاف العلماء ويحتمل أن يراد بها ما يشتبه على المكلف من تحقق المرجح بعدالة الراوي ويحتمل حمل التوقف فيما لا نص فيه على الإفتاء ويحتمل ان يخص بالمسائل الغامضة كالقضاء والقدر
وأقول: فيما ذكر قصور ظاهر لان الاحتمالات وان قامت إذا لم يدل عليها دليل صريح في الحصر لا تصلح مخصصة للنص العام المتواتر الواضح العموم والإطلاق وبطلان التخصيص بغير مخصص أظهر من أن يخفى، وليت شعري ما المانع من دخول جميع الأنواع ونحوها في المشتبهات مع ظهور عمومها وعدم وجود مخصص صريح لها وتواتر النص بها، وحديث عمر بن حنظلة لا يدل على الحصر ثم انهم سلموا وجوب التوقف فيما تعارضت فيه الاخبار وما لا نص فيه باعترافهم قد تعارضت فيه الاخبار لان المعاصر أورد ثمانية أحاديث تدل بزعمه على الإباحة
وتسعة أحاديث تدل على التوقف فان لم تكن أحاديث التوقف راجحة يلزم وجوب التوقف أيضا من جهة التعارض كما اعترفوا به فتدبر.
والعجب ان المعاصر قد تكرر منه دعوى لزوم تكليف الغافل ولزوم تكليف ما لا يطاق على تقدير وجوب التوقف والاحتياط في الشبهات المذكورة وفيما لا نص فيه بخصوصه وهذه الدعوى ظاهرة البطلان ولما أشرنا إليه سابقا من كثرة النص الخاص والعام في كثير من الأنواع ولا يقول بعدم حجية النص العام أحد.
لكن الأنواع التي لم يرد فيها نص عام على قلتها ان كانت مما يعم به البلوى وكانت موجودة في زمانهمعليهمالسلام فتقريرهم لها وعدم وجود النهى بعد التتبع كاف في إباحتها فتبقى الأنواع النادرة والتي لا تعم به البلوى والمتجددة التي لم يظهر دخولها تحت نص عام وما اشتبه دخوله في أحد النصين المتعارضين وأقامت(١) .شبهة تحريمه كحديث ضعيف والإفراد التي ليست بظاهرة الفردية مثل ما اختلف العقلاء في كونه من الطيبات والخبائث ونحو ذلك من الأقسام المنقولة سابقا عن بعض الأفاضل وأمثالها.
واعلم ان المعاصر ادعى ان وجوب التوقف يستلزم وجوب الترك وهو يستلزم التحريم وهو ينافي التوقف في الحكم بالتحريم وهذا الكلام كما ترى محض مغالطة لأن وجوب الترك احتياط لا يستلزم الجزم بالتحريم لوجود الواسطة وهي الاشتباه والتوقف ونظيره الأمر باجتناب الإنائين إذا كان أحدهما نجسا والأخر مشتبها به فإنه يجب اجتنابهما لا لكونهما نجسين لأن أحدهما طاهر قطعا فمن حكم بوجوب اجتنابهما يلزم ان يكون حكم بنجاستهما وكذا من اشتبهت عليه القبلة ووجب الصلاة عليه إلى أربع جهات فوجوب الصلاة إلى الجهات لا يستلزم الجزم بكون كل واحدة منها هي الكعبة فكذا مسئلة التوقف وكلام المعاصر هنا عند التأمل لا وجه له أصلا حتى انه انتهى في أواخر الرسالة الى ان ادعى ان فعل ما يحتمل الإباحة والتحريم أحوط
__________________
(١) وما قامت - خ ل
من تركه وأرجح وهذا أعجب وأغرب.
ولقد أكثر التشنيع على من يقول بالتوقف ظنا منه انه يلزمه الجزم بالتحريم وهذا ظن فاسد مع أن القائل بالإباحة قائل باستحباب التوقف والاحتياط: فيرد عليه أكثر تلك التشنيعات بحسب الظاهر لان وجوب التوقف يستلزم وجوب الجزم بالتحريم بزعمه فاستحباب التوقف يستلزم استحباب الجزم بالتحريم وكيف يجتمع مع جزمه بالإباحة وفساد هذا ظاهر وفي الواقع تندفع الاعتراضات عن القائل بالتوقف بعد ملاحظة ما قلناه وما ذكره من حمل أحاديث التوقف على الاستحباب يأتي جوابه إن شاء الله.
واعلم ان الشيخ في كتاب العدة استدل على وجوب التوقف بدليل عقلي وهو دليل وجوب المعرفة فمن قال باستقامته هناك وعدم استقامته هنا خرج عن الإنصاف وهذه عبارة الشيخقدسسره في العدة قال بعد ما اختار الوقف والذي يدل على ذلك انه قد ثبت في العقول ان الاقدام على ما لا يأمن المكلف كونه قبيحا مثل الاقدام على ما لا يعلم قبحه ألا ترى ان من أقدم على الاخبار بما لا يعلم صحة مخبره جرى في القبح مجرى من أخبر مع علمه بان مخبره على خلاف ما أخبر به على حد واحد وإذا ثبت ذلك وفقدنا الأدلة على حسن هذه الأشياء قطعا فينبغي أن يجوز كونها قبيحة وإذا جوزنا ذلك فيها قبح الاقدام عليها « انتهى » ثم أطال الكلام في دفع ما لعله يرد على هذا الدليل فمن أراد عبارته بتمامها فليرجع الى كتاب العدة فقد بالغ في ذلك.
وأقول: يمكن الاستدلال على وجوب التوقف والاحتياط الان بآيات كثيرة وروايات متواترة ووجوه عقلية ولا فائدة في تحقيق حكم الأشياء قبل ورود الشرع كما عرفت والأدلة الشرعية دالة على ما اخترناه ولا يرد علينا المناقشات السابعة لأنا نستدل بآيات واضحة الدلالة موافقة للأحاديث المتواترة الصريحة فقد علمنا بالكتاب والسنة والعقل والنقل معا وستعرف قوة هذه الأدلة ورجحانها على ما مر إن شاء الله تعالى.
أما الآيات فمنها قوله تعالى:( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ) (١) والأنواع التي هي محل النزاع مختلفة فيها والآية دلت على عدم جواز الحكم لغير الله وبغير نص واذن منه وهو معنى التوقف ويلزمه ترك ما يحتمل التحريم مع عدم الجزم بتحريمه.
ومنها: قوله تعالى:( وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ) (٢) دلت على الأمر باجتناب باطن الإثم ولا يتم الا باجتناب الشبهات مما لا نص فيه وهو يحتمل التحريم وسائر الأقسام المشار إليها سابقا.
ومنها: قوله تعالى:( وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ) (٣) وهي كالتي قبلها ويظهر ما قلناه من الاستدلال بالآيتين على هذا المطلب من رسالة الصادقعليهالسلام التي رواها الكليني في أول الروضة بأسانيده الصحيحة فارجع إليها
ومنها قوله تعالى:( قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٤)
وقد عرفت وجه دلالتها وفي آخرها أيضا دلالة واضحة لأن الجزم بالإباحة في الشبهات وما لا نص فيه قول بغير علم لما هو معلوم من ظنية دليله وضعفه وفساده
ومنها: قوله تعالى:( قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ ) (٥) دلت على عدم جواز تحليل شيء ولا تحريم شيء بغير اذن من الله وقد عرفت عبارة المحقق في أوائل المعتبر حيث استدل بها على التوقف ففي الإفراد المحتملة للإباحة والتحريم التي لا نص فيها سوى أحاديث التوقف يتعين عدم الحكم بها ويلزمه الترك بغير جزم بالتحريم وفي تقديم الحرام
__________________
(١) الشورى: ١٠
(٢) الانعام: ١٢٠
(٣) الانعام: ١٥١
(٤) الأعراف: ٣٣
(٥) يونس: ٥٩
وتأخير الحلال ترق من الأدنى إلى الأعلى حيث ان اباحة الحرام أعظم مفسدة من تحريم الحلال لأن غاية ما يترتب عليه ترك شيء حلال وذلك ليس بمحرم فزيادة المفسدة باعتبار ما يترتب عليها.
ومنها: قوله تعالى:( يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ ) (١) دلت على عدم جواز الفتوى فيما لا نص فيه وهي بإطلاقها شاملة للحكم بالإباحة والتحريم فيبقى التوقف.
ومنها: قوله تعالى:( يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ) (٢) وهي كالتي قبلها.
ومنها: قوله تعالى:( قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٣) دلت على عدم جواز القول بغير علم وأصالة الإباحة لم يحصل من دليلها العلم والجزم بإباحة الشبهات والمشتبهات وما لا نص فيه بغير أحاديث التوقف أيضا لم يحصل فيه العلم فتعين التوقف وترك ما يحتمل التحريم من غير جزم بالتحريم لحصول العلم من أدلته من الآيات والروايات ولحصول العلم ببراءة الذمة عند الاحتياط ولا ريب انه مع إمكان تحصيل العلم لا يجوز العمل بالظن ولا خلاف في ذلك وهو ممكن بالاحتياط.
ومنها: قوله( وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٤) والتقريب ما تقدم.
ومنها: قوله تعالى:( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) (٥) وهي كالآية الاولى بل أبلغ منها.
ومنها: قوله تعالى:( فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ) (٦) وقد عرفت وجه دلالتها.
__________________
(١) النساء: ١٧٦
(٢) النساء: ١٢٧
(٣) البقرة: ٨٠
(٤) البقرة: ١٦٩.
(٥) آل عمران: ١٢٨
(٦) آل عمران: ٦٦
ومنها: قوله تعالى:( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) (١) ولا ريب ان دليل أصالة الإباحة ظني كما هو ظاهر وكما اعترفوا به، وبالتوقف والاحتياط يحصل العلم واليقين ببراءة الذمة والخروج من العهدة فيتعين.
ومنها: قوله تعالى( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ) (٢) والجزم بالإباحة من غير نص وترك التوقف تقول، فدخل في التهديد.
ومنها: قوله تعالى( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) (٣) والمفروض العلم بجواز الترك وعدم العلم بجواز الفعل لاحتمال التحريم فتعين التوقف.
ومنها قوله تعالى( فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ ) (٤) دلت على وجوب الاتقاء وذلك بترك المحرم وما يحتمل التحريم.
ومنها: قوله تعالى( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ) (٥) وهي كالتي قبلها.
ومنها: قوله تعالى( قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً ) (٦) وهي كسابقيها والحذر من الحضر متعين وان لم يكن متعينا بل الظن والخوف منه كاف ويأتي حديث دال على ان من حكم بحق أو باطل وهو لا يعلم فهو في النار فتعين التوقف.
ومنها: قوله تعالى( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ) (٧) وهي صريحة في التوقف وعدم الحكم بغير نص والأقسام السابقة فيها النزاع ومنها:قوله تعالى( إِنِ الْحُكْمُ إِلّا لِلّهِ ) .
ومنها جميع الآيات الدالة على النهى عن العمل بالظن والأمر بالعمل بالعلم وهي
__________________
(١) النجم: ٢٨
(٢) الحاقة: ٤٦
(٣) الاسراء: ٣٦
(٤) البقرة: ٢٤
(٥) البقرة: ٢٨١
(٦) التحريم: ٦
(٧) النساء: ٥٩
كثيرة جدا وقد تقدم وجه الاستدلال وما عساه يرد على بعضها يندفع بانضمام الباقي اليه مع الأحاديث الصريحة والأدلة العقلية التي يأتي بعضها ومن أنصف وتأمل في آيات الأحكام تيقن انه لا يوجد في شيء من الأحكام نص في القرآن أكثر ولا أقوى دلالة من هذه الآيات حتى وجوب الصلاة والزكاة ونحوهما.
وأما الأحاديث الشريفة الدالة على ذلك فهي كثيرة جدا نذكر جملة منها للتبرك محذوفة الأسانيد لتواترها وللاختصار، ولوجود أسانيد أكثرها في كتاب القضاء من وسائل الشيعة فمن أرادها فليرجع إليها ومن أنصف وعرف أحوال رواتها وأحوال الكتب الكثيرة المنقولة منها تيقن تجاوزها حد التواتر ورجحانها سندا ودلالة على أدلة أكثر الأحكام أعاذ الله الناظر فيها من الوسواس والتعنت والمكابرة والتعصب والشبهة والتقليد.
فمنها: قولهمعليهمالسلام في محرمين أصابا صيدا الجزاء بينهما وعلى كل واحد منهما جزاء قال بل عليهما ان يجزى كل واحد منهما الصيد قلت ان بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه فقال إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا(١)
وفي رواية فعليكم الاحتياط وهذا ظاهر في الوجوب كما ترى دال على ان محل الاحتياط ما لم يعلم حكمه وانه واجب الى ان يعلم الحكم فدخلت الأقسام السابقة ونحوها.
ومنها: قولهمعليهمالسلام الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة(٢) وهو ظاهر في ان من لم يقف عند الشبهة اقتحم في الهلكة ولفظ خير ليس للتفضيل قطعا إذ لا خير في الاقتحام في الهلكة أصلا وانما هو مثل قولهمعليهمالسلام قليل في سنة خير من كثير في بدعة(٣) لوجوب اتباع السنة وتحريم اتباع البدعة.
__________________
(١) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٧
(٢) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٨
(٣) البحار ج ٢ ص ٢٦١
ومنها قولهمعليهمالسلام انه لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون الا الكف عنه والتثبت والرد إلى أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه على القصد ويجلو عنكم فيه العمى، ويعرفوكم فيه الحق قال الله تعالى( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (١) وهو كالأول مع زيادة التصريح بالوجوب وبالعموم فيما لا يعلم والتوكيد بان والاستدلال بالاية الكريمة والأمر فيها للوجوب بلا خلاف ومنافاة هذه المبالغة والتصريحات للاستحباب واضحة لا يخفى.
ومنها: قولهمعليهمالسلام حق الله على خلقه أن يقولوا ما يعلمون ويكفوا عما لا يعلمون فاذا فعلوا ذلك فقد أدوا الى الله حقه(٢) وهو أيضا نص في الوجوب ولا خلاف في وجوب القول بما يعلم، فالمعطوف عليه كذلك وعمومه ظاهر واضح وعموم آخره في القول والفعل ظاهر ودلالته أوضح وهو نص في أن الضابط عدم العلم وهو موجود فيما لا نص فيه وسائر الأقسام السابقة وصراحته في العموم وعدم ظهور مخصص يمنع من التخصيص ولا وجه للاستحباب لعدم معارض صريح يعتد به
ومنها: قولهعليهالسلام لا يفلح من لا يعقل ولا يعقل من لا يعلم الى أن قال ومن فرط تورط ومن خاف العاقبة تثبت عن التوغل فيما لا يعلم ومن هجم على أمر بغير علم جدع أنف نفسه ومن لم يعلم لم يفهم ومن لم يفهم لم يسلم ومن لم يسلم لم يكرم ومن لم يكرم تهضم ومن تهضم كان ألوم ومن كان كذلك كان أحرى أن يندم(٣) ولا يخفى ما فيه من المبالغة والدلالة على الوجوب والتصريح بالعمومات وانه لا وجه للحمل على الاستحباب للحكم بعدم الفلاح وجدع الأنف وعدم السلامة وثبوت الندامة وغير ذلك.
ومنها: قولهمعليهالسلام لا تتخذوا من دون الله وليجة فلا تكونوا مؤمنين فإن
__________________
(١) الكافي ج ١ ص ٥٠ والآية في النحل: ٤٣
(٢) الكافي ج ١ ص ٥٠
(٣) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٧
كل سبب ونسب وقرابة ووليجة وبدعة وشبهة باطل مضمحل الا ما أثبته القرآن(١) وهذا أيضا صريح الدلالة على الوجوب والحكم بان كل شبهة باطل مضمحل، وليت شعري أي بدعة واى شبهة أثبتها القرآن ليخرج من البطلان ومنافاة الايمان فيظهر ان الاستثناء منقطع وفيه توكيد بان واسمية الجملة وتصريح بالعموم.
ومنها: قولهم (ع) من شك أو ظن فأقام على أحدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة(٢) وهذا صريح في تحريم العمل بالشك والظن فمن شك أو ظن فعمل بالاحتياط فقد عمل باليقين وامتثل ما أمر به من العمل بالعلم ولا وجه للحمل على الاستحباب بعد قوله فقد حبط عمله وحكمه بأن حجة الله واضحة، ووجهه انه إذا طلب العلم قدر عليه لأنه اما ان يعلم أو يعمل بالاحتياط الذي يحصل به العلم ببراءة الذمة واليقين بالخروج من العهدة ومن عمل بأصالة الإباحة فقد عمل بالشك والظن قطعا.
ومنها: قولهم (ع) لا يحل مال الا من وجه أحله الله(٣) وهو صريح في الحصر والعموم بالإفراد التي لا نص فيها بغير التوقف والإفراد المشتبهة بين الحلال الحرام والطيبات والخبائث بل الأشياء التي فرضوها قبل ورود الشرع لا يمكن الجزم بإباحتها لعدم العلم بان الله أحلها لأنه المفروض، ودليل الإباحة ظني كما عرفت بل باطل إذا أنصفت.
ومنها: قولهم (ع) الأمور ثلاثة أمر بين رشده فيتبع وأمر بين غيه فيجتنب
__________________
(١) الكافي ج ١ ص ٥٩، وليجة الرجل بطانته وخاصته والمراد هنا المعتمد عليه في أمر الدين.
(٢) الوسائل ج ٣ ص ٣٧٢
(٣) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٧ وفيه عن صاحب الزمان (ع) لا يحل لأحد ان يتصرف في مال غيره بغير اذنه ج ٣ ص ٣٢٥ وفي المستدرك عن النبي (ص) المسلم أخو المسلم لا يحل ماله الا عن طيب نفسه ج ٣ ص ١٤٦
وأمر مشكل يرد علمه الى الله والى رسوله(١) وهذا صريح في الحصر وفي وجوب الرد فمن جزم بأحد الأمرين لم يكن رادا الى الله ورسوله فتعين التوقف وعدم الحكم ويلزمه ترك ما يحتمل التحريم كما عرفت من غير جزم بالتحريم ومن ارتكبه فقد جزم بالإباحة ومن تركه للتوقف لم يجزم بالتحريم ولا بالإباحة.
ومنها: قولهم (ع) حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم(٢) ودلالته كما ترى واضحة وهو صريح في الوجوب لذكر الهلاك وأىّ مندوب إذا تركه الإنسان هلك، ومعلوم ان النجاة من المحرمات تحصيلها واجب وقد حكمعليهالسلام بان من ترك الشبهات نجا من المحرمات وعموم القضية واضح، وأوضح من الجميع قوله من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات مع صراحتها بالعموم والمقام مقام فتوى واستدلال لا من المقامات الخطابية فهو صريح في تحريم الارتكاب ووجوب الاجتناب وفي الاختصاص بمقام التحريم دون مقام الوجوب لقوله حلال بين وحرام بين ولم يقل واجب بين ومندوب بين مضافا الى نصوص آخر.
واختصاصه بنفس الحكم الشرعي أعني الشك في نفس الإباحة والتحريم دون طريق الحكم وموضوعه أظهر من أن يخفى لأنه لو كان شاملا لطريق الحكم كاشتباه الإفراد في جوائز الظالم والوقف المختلط والأموال التي في الأسواق وفي أيدي الناس لم يكن للحلال البين ولا للحرام البين وجود أصلا فتبطل القسمة.
ومنها قولهم (ع) ان كنت على بينة من ربك ويقين من أمرك وتبيان من شأنك فشأنك والا فلا ترومن أمرا أنت منه في شك وشبهة(٣) ولا يخفى ما فيه من التوكيد والمبالغة وقوة الدلالة والتصريح بالعموم.
ومنها: قولهعليهالسلام لو ان العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا، وفي رواية لم يجحدوا ولم يكفروا(٤) ودلالته على وجوب التوقف واضحة لا تخفى
__________________
(١) الوسائل ص ٣٨٧
(٢) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٧
(٣) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٧
(٤) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٧
ومنافاته للحمل على الاستحباب أيضا واضحة لدلالته على ان من ترك التوقف جحد وكفر ووجهه ان من لم يتوقف جزم بأحد الطرفين وجحد الآخر وقد عرفت ان مصداق التوقف ترك ما يحتمل التحريم مع عدم الجزم بالتحريم وترك المباح لا يستلزم الجزم بتحريمه، وفعله يستلزم الجزم بإباحته.
ومنها: قولهمعليهمالسلام في امرأة حاضت فتركت الإحرام لاحتمال وجوبه وتحريمه حتى قدمت مكة تحرم مكانها فقد علم الله نيتها(١) دل على تصويب فعلها واستحسان نيتها مع كونها تركت واجبا في الواقع خوفا من كونه محرما وهذا ظاهر في قوة احتمال التحريم بالنسبة إلى احتمال الوجوب.
ومنها: قولهم (ع) ان أمر الفرج شديد ومنه يكون الولد ونحن نحتاط فلا يتزوجها(٢) ودلالته ظاهرة على أن لازم الاحتياط والتوقف الترك لما يحتمل التحريم واختصاصه بالنكاح غير معلوم لعدم التصريح بالحصر ولما فيه من إطلاق الاحتياط والتصريحات باقي الأدلة بالعموم والجملة من بقية الإفراد.
ومنها: قولهم (ع) لا تجامعوا في النكاح على الشبهة وقفوا عند الشبهة فإن الوقف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة(٣) وقد عرفت دلالته وهو أبعد مما قبله من احتمال الاختصاص.
ومنها قولهمعليهمالسلام انظر ما تقضمه من هذا المقضم فما اشتبه عليك علمه فالفظه وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه(٤) ودلالته ظاهرة واضحة في اجتناب الشبهة وفي اشتراط العلم واليقين.
ومنها: قولهم (ع) لا تقولوا ما لا تعرفون فإن أكثر الحق فيما تنكرون(٥) دل على عدم جواز القول بغير علم فتعين التوقف وترك إنكار ما لا يعلم كونه باطلا
__________________
(١) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٧
(٢) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٨
(٣) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٨
(٤) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٨
(٥) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٨
ومنها: قولهم (ع) دع القول فيما لا تعرف والخطاب فيما لا تكلف وأمسك من طريق إذا خفت ضلالته فان الكف عند حيرة الضلالة خير من ركوب الأهوال(١) ودلالته ظاهرة كما مر في مثله.
ومنها: قولهم (ع) من ترك قول لا أدرى أصيبت مقاتله(٢) دل على وجوب التوقف وترك الحكم بما لا يعلم وقد عرفت مصداقه.
ومنها: قولهم (ع) لا ورع كالوقوف عند الشبهة(٣) دل على انه أوجب أنواع الورع وأعظمها.
ومنها قولهمعليهمالسلام وانما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ودليلهم سمت الهدى وأما أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال ودليلهم العمى(٤) دل على ان ما عدا اليقين شبهة وأنه لا يجوز العمل فيها الا بيقين وهو نوعان العلم بحكمها الخاص والعمل به أو بحكمها العام من التوقف والعمل بالاحتياط الذي يحصل منه اليقين ببراءة الذمة من التكليف.
ومنها: قولهمعليهالسلام حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له اترك(٥) ودلالته ظاهرة مما سبق.
ومنها: قولهم (ع) أورع الناس من وقف عند الشبهة(٦) وقد ثبت وجوب الورع بالتواتر.
ومنها: قولهم (ع) الورع الذي يتورع عن محارم الله ويجتنب هؤلاء فإذا لم يتق الشبهات وقع في الحرام وهو لا يعرفه، ودلالته ظاهرة مما سبق ويأتي.
ومنها: قولهم (ع) ان الشك والمعصية في النار ليسا منا ولا إلينا(٧) ودلالته على
__________________
(١) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٨
(٢) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٨
(٣) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٨
(٤) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٨
(٥) ج ٣ ص ٣٨٨
(٦) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٨
(٧) ج ٣ ص ٣٨٨
تحريم العمل بالشك والجزم بأحد الطرفين ظاهرة كدلالته على تحريم ارتكاب المعصية فتعين العمل في الشك بما يفيد اليقين كما مر بيانه.
ومنها: قولهم (ع) حجة الله على العبادان يقولوا ما يعلمون ويقفوا عند ما لا يعلمون(١) وقد عرفت وجه دلالته وعمومه وان آخره أعم من القول وغيره.
ومنها: قولهم (ع) في اختلاف الحديثين عليك بالكف والتثبت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا(٢) ودلالته لا يخفى وإطلاقه شامل لغير اختلاف الحديث.
ومنها: قولهم (ع) ان من أجاب في كل ما يسأل عنه فهو المجنون(٣) دل على وجوب التوقف فيما لا يعلم.
ومنها: قولهم (ع) أورع الناس من وقف عند الشبهة وأعبد الناس من أقام الفرائض وأزهد الناس من ترك الحرام(٤) ودلالته على الوجوب ظاهرة مع ملاحظة باقي الفقرات.
ومنها قولهمعليهمالسلام الإثم ما تردد في الصدر وجال في القلب وان أفتاك الناس وأفتوك(٥) على ان ارتكاب الشبهات أثم ولا ريب في وجوب ترك الإثم.
ومنها: قولهم (ع) ان وضح لك أمر فاقبله والا فاسكت تسلم ورد علمه الى الله(٦) ودلالته واضحة.
ومنها: قولهم (ع) العامل على غير بصيرة كالسائر على سراب بقيعة لا يزيده سرعة السير الا بعدا(٧) ودلالته على وجوب اجتناب الشبهات واضحة لعدم البصيرة في ارتكابها.
__________________
(١) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٨
(٢) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٨
(٣) أيضا ج ٣ ص ٣٨٨
(٤) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٩
(٥) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٩
(٦) أيضا ج ٣ ص ٣٨٩
(٧) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٩
ومنها: قولهم (ع): دع ما يريبك الى ما لا يريبك(١) . ودلالته وعمومه ظاهران.
ومنها: قولهم (ع) ان لكل ملك حمى وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى أو شك ان يقع فيه(٢) ودلالته على ذم ارتكاب المشتبهات ظاهرة مع قرينة التصريح في غيره.
ومنها: قولهم (ع) المعاصي حمى الله فمن يرتع حولها أو شك ان يدخلها(٣) وهو كالذي قبله.
ومنها: قولهم (ع) ان لكل ملك حمى وحمى الله حلاله وحرامه والمشتبهات بين ذلك كما لو ان راعيا رعى إلى جانب الحمى لم تثبت غنم ان تقع في وسطه فدعوا المشتبهات(٤) . وهذا أوضح مما قبله ودلالته على الوجوب لا تخفى
ومنها: قولهمعليهالسلام أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت(٥) دل على الأمر بالاحتياط للدين وعلى التخيير عند تعدد طرف الاحتياط.
ومنها قولهمعليهمالسلام القضاة أربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنة رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة(٦) .
وهذا كما ترى صريح في وجوب التوقف في كل ما لا يعلم حكمه من الأقسام السابقة ولا مجال الى حمله على الاستحباب للتصريح باستحقاق أشد العذاب وفيه تصريح بأن الضابط عدم العلم فمن حكم بحق أو باطل وهو لا يعلم دخل في التهديد والوعيد، ومن توقف واحتاط عمل على علم ويقين، ودليله يقيني وعمله يفضي
__________________
(١) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٩
(٢) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٩
(٣) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٨
(٤) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٩
(٥) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٩
(٦) الوسائل ج ٣ ص ٣٩٠
اليه والقضاء هو الحكم قطعا فمن اجترى على الشبهات وما لا نص فيه فقد حكم لنفسه ولغيره.
ومنها: قولهمعليهمالسلام أوصيك بالصلاة عند وقتها والزكاة في أهلها عند محلها والصمت عند الشبهة وأنهاك عن التسرع بالقول والفعل والزم الصمت تسلم(١) وهو صريح كما ترى.
ومنها: قولهمعليهمالسلام انما هلك الناس العجلة ولو ان الناس تلبثوا لم يهلك أحد(٢) ودلالته على وجوب التوقف وان من تركه هلك واضحة وهو صريح في حصر سبب الهلاك في ترك التوقف ولا يخفى ما فيه من المبالغة والمنافاة للحمل على الاستحباب.
ومنها قولهم:عليهمالسلام الأناة من الله والعجلة من الشيطان(٣) وهو أيضا صريح في وجوب التوقف في الأحكام الشرعية التي لا يعلم حكمها لان طاعة الله واجبة وطاعة الشيطان محرمة انما يأمركم بالسوء والفحشاء فهو مناف للقول بالاستحباب كأمثاله مما لا يعد ولا يحصى.
ومنها: قولهمعليهمالسلام إذا اشتبه عليكم الأمر فقفوا عنده وردوه إلينا حتى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا(٤) ودلالته على الأمر بالتوقف قطعية ولازمه ترك المشتبه من غير جزم بجواز ولا تحريم الى ان يعلم حكمه.
ومنها: قولهصلىاللهعليهوآله حلالي حلال الى يوم القيمة وحرامي حرام الى يوم القيمة الى ان قال وبينهما شبهات من الشيطان من تركها صلح له أمر دينه ومن تلبس بها وقع فيها وان لكل ملك حمى وان حمى الله محارمه فتوقوا حمى الله ومحارمه(٥) وهو واضح الدلالة كما عرفت سابقا.
__________________
(١) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٩
(٢) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٩
(٣) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٩
(٤) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٩
(٥) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٩
ومنها: قولهمعليهمالسلام ابدأ بالاستعانة بإلهك والرغبة إليه في التوقف ونبذ كل شائبة أدخلت عليك شبهة أو أسلمتك إلى ضلالة(١) . ودلالته ظاهرة وعمومه واضح ومبالغته.
ومنها: قولهمعليهمالسلام ان القوم سنح لهم شيطان اغترهم بالشبهة بل كان الفرض عليهم والواجب لهم من ذلك الوقوف عند التحير ورد ما جهلوه من ذلك الى عالمه ومستنبطه لأن الله يقول( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) يعنى آل محمدعليهمالسلام (٢) . وهذا صريح قطعي الدلالة ينافي الحمل على الاستحباب ويدل على ان الضابط العلم بالحكم والواجب التوقف عند عدم العلم.
ومنها: قولهم (ع) ما من أحد أغير من الله ومن أغير ممن حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن(٣) ، ودلالته واضحة كما عرفت في الآيات.
ومنها: قولهم (ع) في قوله تعالى( وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ ) قال هؤلاء أهل البدع والشبهات والشهوات يسود الله وجوههم يوم يلقونه(٤) ودلالته واضحة ومنافاته للحمل على الاستحباب ظاهرة.
ومنها: قولهم (ع) في قوله تعالى( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) قال هم النصارى والقسيسون والرهبان وأهل الشبهات والأهواء من أهل القبلة والحرورية وأهل البدع(٥) وهذا كالذي قبله دال ودلالته واضحة على وجوب اجتناب الشبهات.
ومنها: قولهم (ع) إياك أن تعمل برأيك شيئا وخذ بالاحتياط في جميع
__________________
(١) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٩ وفيه والرغبة إليه في التوفيق: مكان في التوقف
(٢) أيضا ج ٣ ص ٣٨٩
(٣) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٩.
(٤) أيضا ج ٣ ص ٣٨٩.
(٥) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٩
أمورك ما تجد اليه سبيلا واهرب من الفتيا هربك من الأسد(١) وهو صريح في الأمر والعموم.
ومنها: قولهم (ع) من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه(٢) ، ومعلوم ان الاحتياط في الدين عند أهل الدين واجب كما ان الاحتياط في الدنيا عند أهلها واجب.
ومنها: قولهم (ع) لبعض الزنادقة وان كان القول قولكم وليس هو كما تقولون ألسنا نحن وإياكم شرعا سواء لا يضرنا ما صلينا وصمنا وحججنا(٣) وان كان القول قولنا وهو قولنا ألستم قد هلكتم ونجونا(٤) وهذا استدلال على عدم جواز إنكار التوحيد والمعاد وحدوث العالم بوجوب دفع الضرر والخوف عن النفس فصار ذلك دليلا تاما عقليا نقليا لا مجال لحمله على الاستحباب وهو بعينه شامل فما نحن فيه جار في مسئلة التوقف والاحتياط في الأقسام السابقة.
فهذه جملة من الأحاديث تجاوزت حد التواتر بمراتب لأنا أوردنا أكثر من خمسين حديثا وقد صرح علمائنا بأنه قد يحصل التواتر بما دون الخمسة وهو هنا كذلك قطعا عند من عرف أحوال رواتها والكتب المنقولة منها ودلالتها لا تقصر عن دلالة شيء من أدلة الأحكام الشرعية إلا نادرا وتصريحاتها كما رأيت كثيرة ولو تتبعنا كتب الحديث لأمكن جمع أضعاف ما جمعنا وفيما ذكرناه كفاية للمنصف إن شاء الله وليت شعري أي مسئلة فيها أدلة وروايات أكثر وأوضح دلالة من هذه المسئلة.
وأما الوجوه العقلية فمنها ما ذكره الشيخ في العدة وقد تقدمت عبارته وقد عرفت انه منصوص أيضا وحاصله ان دفع الضرر واجب عقلا فان العقلاء يذمون تاركه كما إذا شك أحد في شيء انه غذاء أو سم قاتل فتناوله فان كل عاقل يذمه وهذه المناهي الواردة في الشبهات ونحوها تحتمل الكراهة والتحريم على قولكم
__________________
(١) الوسائل ج ٣ ص ٣٩٠
(٢) أيضا ج ٣ ص ٣٩٠
(٣) وزكينا. مكان حججنا - خ م
(٤) الكافي ج ١ ص ٧٨
واحتمال استحقاق العقاب أقوى وأعظم خطرا وضررا من الضرر المفروض.
ومنها: ان العقلاء اتفقوا على انه مع إمكان تحصيل العلم واليقين في الحكم الشرعي لا يجوز العمل بالظن والعقلاء يذمون من فعل ذلك قطعا وفي هذه المسئلة تحصيل العلم واليقين ببراءة الذمة بالتوقف والاحتياط ممكن لأنه المفروض فيتعين.
ومنها: ان الناس يعملون في الأمور الدنيوية بنهاية الجزم والاحتياط فيقبح منهم التسامح والتساهل والتهاون بالأمور الدينية بل العقل يجزم بوجوب العكس أو الاحتياط فيهما.
ومنها: ان الاحتياط في الدين راجح إجماعا من جميع العلماء والعقلاء وتركه مرجوح كذلك والعقلاء يذمون تارك الراجح ومرتكب المرجوح.
ومنها: ان ترك المباح لا مفسدة فيه ولا خطر بخلاف فعل الحرام والمشتبه به فيتعين على العاقل اجتناب ما فيه مفسدة وخطر.
ومنها: ان العبد إذا عرض له طريقان فقال له مولاه ان سلكت اليمنى لم أعاقبك ابدا وان سلكت اليسرى فقد أعاقبك وقد لا أعاقبك فاختار اليسرى ذمه العقلاء وهو معنى الواجب العقلي.
ومنها: ان العبد إذا شك بين فعلين فصاعدا ان السيد نهاه عن بعضها أو عن جميعها ثم اجترأ وارتكب الجميع فإنه يستحق الذم من العقلاء والعقاب من السيد وكذلك المكلف فإنه يجزم بتحريم بعض الشبهات ويجوز تحريم الجميع.
ومنها: ان اليقين حاصل بتحريم محرمات كثيرة بعضها نعلمه وبعضها لا نعلمه وانه لا يقاوم اليقين الظن لذم العقلاء من فعل ذلك وبالتوقف والاحتياط يحصل اليقين فيقاوم اليقين السابق فيتعين.
ومنها: ان من شك في الإفراد المفروضة بين الإباحة والتحريم فان جزم بأحدهما لزم الترجيح بغير مرجح وهو محال عندهم وان جزم بهما لزم اجتماع الضدين وكذا ان جزم بنفيهما فتعين التوقف ومصداقه الترك بغير حكم بأحدهما.
ومنها: ان المكلف حينئذ أوجب عليه الحكم بغير دليل لزم تكليف مالا يطاق والمفروض عدم الدليل وان جاز له ولم يجب لزم المحذورات السابقة فلم يبق الا الاختيار.
ومنها: ان الدليل الذي استدلوا به على الإباحة ضعيف جدا جوابه ظاهر ولا يجوز الحكم بغير دليل فتعين التوقف فإن العامة والخاصة القائلين بأصالة الإباحة استدلوا عليها بدليل واحد فقالوا: هذه منافع خالية من المفسدة والضرر على المالك فكانت مباحة كاستظلال بحائط الغير.
وجوابه ظاهر لأنه قياس وهو باطل ولأنه مصادرة فان الخلو عن المفسدة والضرر عين محل النزاع وإذا كان المالك هو الله فأي ضرر يتوجه عليه بالمحرمات التي تحريمها ثابت فظهر ان وجود الضرر على المالك هنا ليس بضابط للتحريم فلا وجه لذكره، ودعوى عدم المفسدة لا يمكن إثباتها فكيف يقبله الخصم ومن تأمل ظهر له أنه استدلال بأصالة الإباحة على أصالة الإباحة
ومنها: ان ما استدل به المعاصر لو تم وخلا عن المعارض لا يدل على الإباحة الأصلية بل الشرعية فالدليل لا يطابق الدعوى ولا تثبت الشرعية بما ذكره إلا في أنواع خاصة لا نزاع فيها لا في جميع الأنواع إلا في طريق الحكم كما مر
ومنها: ان ما ذكروه من دليل الإباحة يعارضه دليل التحريم وضعفهما التوقف
ومنها ما اتفق العقلاء عليه من قبح التصرف في مال الغير بغير اذنه بل هو قبيح عقلا ونقلا فامتنع الجزم بالإباحة والتحريم وتعيين التوقف وهذا دليل القابل بأصالة التحريم ودلالته على التوقف يظهر لان الجزم بالتحريم أيضا تصرف بغير اذن بخلاف التوقف والاحتياط الثابت عقلا ونقلا
ومنها: ان التصرف في مال المخلوق وولايته وما يختص به قبيح عقلا ونقلا بغير اذن فكيف يجوز ذلك في مال الخالق وما يختص به من الأمور الدينية والأحكام الإلهية مع ان احترامه أوجب وعقوبته أبلغ وأشد فتعين التوقف مع عدم ظهور الاذن.
ومنها: ان العقلاء والعلماء اتفقوا على حسن التوقف في الأشياء المذكورة ورجحانه وانما الخلاف في وجوبه واستحبابه وترك فعل المستحب لا مفسدة فيه بخلاف ترك الواجب فتعين التوقف.
فهذه من الوجوه العقلية بعضها يدل على رجحان التوقف مع المنع من النقيض وبعضها على رجحانه لان الوجوب مركب من القيدين فيندفع المناقشة المتجهة على بعضها وإذا جمعت الآيات والروايات وهذه الوجوه تم الدليل والله الهادي إلى سواء السبيل.
فان قلت: الخلاف في أصالة الإباحة مخصوص بما قبل ورود الشرع وأما بعده فلا خلاف فيها فان الشيخ في العدة استدل من جانب القائل بالإباحة بقوله تعالى( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ) وأجاب بأنا لا نمنع ان يدل الدليل السمعي على ان الأشياء على الإباحة بعد أن كانت على الوقف بل عندنا ان الأمر على ذلك واليه نذهب انتهى.
قلت: الإجماع ممنوع بل كثير من المتقدمين والمتأخرين يصرحون بخلاف ذلك وعبارة الشيخ لا اشعار لها بدعوى الإجماع ومعلوم ان الشيخ يقول بالإباحة بعد ورود الشرع في الأشياء التي ورد فيها النص بالإباحة لا الأشياء التي ورد النص فيها بالتحريم ولا الأشياء التي ورد النص فيها بالتوقف أعنى الشبهات، وتصريحاته وتصريحات غيره بما قلناه كثيرة.
الا ترى أنه قال في ترجيح الاخبار ما حاصله ان من قال بأصالة الإباحة يرجح خبر الإباحة عند التعارض ومن قال بأصالة التحريم يرجح حديث التحريم ونحن نقول بالوقف فلا ترجيح عندنا ومعلوم ان ترجيح حديث التحريم ونحن نقول بالوقف فلا ترجيح عندنا ومعلوم ان ترجيح الاخبار بعد ورود الشرع لا قبله ويعلم من هنا ان من قال بالإباحة والحظر أو الوقف قبل ورود الشرع قائل بذلك القول بعينه بعد ورود الشرع في محله لكن لا مطلقا، بل في مسئلة لم يرد فيها شرع فان ورود الشرع في مسئلة أخرى غير المسئلة المتنازع فيها لا فائدة فيه.
ويظهر من كلام الشيخ وغيره ان المراد بورود الشرع وصول النص الشرعي إلى المكلف وبعدم ورود الشرع عدم وصول نص الشارع إليه في تلك المسئلة فتبقى على حكم ما قبل ورود الشرع والا فإن زمان عدم ورود الشرع لا وجود له والشبهات انما هي مشتبهة بالنسبة الى حال المكلف لا انها مشتبهة في نفس الأمر أو بالنسبة الى الامام وهذا كله ظاهر والله الموفق.
فائدة (٩٧)
اعلم ان كثيرا من علماء العامة ينكرون لعن الكفار والفساق، وبعضهم لا يجوز لعن أحد أصلا وكذلك جماعة من الصوفية لأن قدماءهم كلهم من العامة حتى ان الغزالي صرح في كتاب احياء العلوم بعدم جواز لعن قاتل الحسين (ع) وبعضهم صرح بعدم جواز لعن إبليس وقد أرادوا سد هذا الباب لوجود جميع أسباب اللعن أو أكثرها في أئمتهم ورؤسائهم وقد مال الى ذلك بعض الإمامية الإن وذلك عجيب جدا.
وقد سألني بعض الأصحاب ان اجمع له جملة من الآيات والروايات تصلح للرد عليهم.
فاما الآيات.
فالأولى - قوله تعالى: في سورة البقرة( وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ ) (١) .
الثانية قوله تعالى فيها( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ ) (٢) .
__________________
(١) البقرة - ٨٩
(٢) البقرة - ١٥٩
الثالثة: قوله تعالى فيها( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ ) (١) .
الرابعة: قوله تعالى في آل عمران( ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) (٢) .
الخامسة: قوله تعالى فيها( وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ ) (٣) .
السادسة: قوله تعالى في سورة النساء( وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلّا قَلِيلاً ) (٤) .
السابعة: قوله تعالى فيها( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ) (٥) .
الثامنة: قوله تعالى فيها( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً ) (٦) .
التاسعة: قوله تعالى فيها( وَإِنْ يَدْعُونَ إِلّا شَيْطاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اللهُ ) (٧) .
العاشرة: قوله تعالى: في سورة المائدة( فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ ) (٨) .
الحادي عشرة قوله تعالى فيها( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ) (٩) .
الثانية عشر: قوله تعالى فيها( وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا ) (١٠) .
__________________
(١) البقرة - ١٦١
(٢) آل عمران - ٦١
(٣) آل عمران - ٨٧
(٤) النساء - ٤٦
(٥) النساء - ٥٢
(٦) النساء - ٩٣
(٧) النساء - ١١٧
(٨) المائدة - ١٣
(٩) المائدة - ٧٨
(١٠) المائدة - ٦٤
الثالثة عشرة قوله تعالى: في سورة الأعراف( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ ) (١) .
الرابعة عشرة قوله تعالى: في سورة براءة( وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ) (٢) .
الخامسة عشرة قوله تعالى: في سورة هود.( وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ) (٣) .
السادسة عشرة قوله تعالى فيها.( فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً ) (٤) .
السابعة عشرة قوله تعالى في سورة الرعد( وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ ) (٥) .
الثامنة عشرة: قوله تعالى في سورة الحجر( قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ ) (٦)
التاسعة عشرة: قوله تعالى في سورة الأسرى( وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) (٧) .
العشرون: قوله تعالى في سورة الأحزاب( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً ) (٨) .
الحادية عشرة قوله تعالى فيها:( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
__________________
(١) الأعراف ٤٤
(٢) التوبة ٦٨
(٣) هود - ٦٠
(٤) هود ٩٩
(٥) الرعد: ٢٥
(٦) الحجر - ٣٥
(٧) الاسراء - ٦٠
(٨) الأحزاب ٥٧
وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلّا قَلِيلاً مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً ) (١) .
الثانية والعشرون قوله تعالى فيها( وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ) (٢) .
الثالثة والعشرون: قوله تعالى: في سورة ص( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلّا إِبْلِيسَ ) إلى قوله( وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ ) (٣) .
الرابعة والعشرون: قوله تعالى في سورة محمدصلىاللهعليهوآله ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ ) .
الخامسة والعشرون: قوله تعالى: في سورة الفتح( وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ ) (٤) فهذه جملة من الآيات الشريفة القرآنية الواردة في اللعن والأسباب التي تظهر منها أنواع أحدها: الكفر وهو أنواع وله معان مشهورة
وثانيها: كتم العلم ولا بد من تقييده بإمكان الإظهار للدليل.
وثالثها: الكذب.
ورابعها: الظلم ولا يخفى أنه شامل لترك كل واجب وفعل كل حرام لأنه ظلم اما للنفس أو للغير، ولأنه وضع الشيء في غير موضعه وهو حقيقة.
وخامسها: الايمان بالجبت والطاغوت.
وسادسها: قتل المؤمن.
وسابعها: الشيطنة وتعاطي اعمال الشياطين.
وثامنها: نقض الميثاق.
__________________
(١) الأحزاب - ٦١
(٢) الأحزاب - ٦٨
(٣) ص ٧٨
(٤) الفتح - ٦
وتاسعها: فعل المعصية ولا يخفى عمومه وإطلاقه.
وعاشرها: التعدي على الناس وتجاوز الحد.
وحاديعشرها: عدم التناهي عن المنكر.
وثاني عشرها: القول بأن يد الله مغلولة وفسر بأنه فرغ من الأمر فلا يغير شيئا.
وثالث عشرها: النفاق.
ورابع عشرها: إنكار آيات الله.
وخامس عشرها: متابعة أمر الجبارين.
وسادس عشرها: نقض العهد.
وسابع عشرها: الإفساد في الأرض وعمومه في جميع المعاصي ظاهر.
وثامن عشرها: ترك السجود الذي أمر الله به.
وتاسع عشرها: قطيعة الرحم.
والعشرون: الكون من الشجرة الملعونة في القرآن وفسرت ببني أمية.
والحادي والعشرون: إيذاء الله ورسوله.
والثاني والعشرون: الكون من سادات الضلال وكبرائهم.
والثالث والعشرون: الشرك.
والرابع والعشرون: ظن السوء بالله الى غير ذلك مما يفهم من الآيات الشريفة.
وأما الروايات الشريفة فهي أكثر من أن تحصى ومن أرادها فليرجع الى كتب الحديث المشتملة على الأحكام الشرعية بل وأحاديث الأصول وغيرها فإن أكثر الواجبات ان لم يكن كلها: قد ورد لعن تاركها، وأكثر المحرمات ان لم يكن كلها قد ورد لعن فاعلها وأكثر الاعتقادات الصحيحة قد ورد كفر منكرها ولعنه وأكثر الاعتقادات الفاسدة قد ورد كفر صاحبها ولعنه، وأما لعن المتقدمين على أمير المؤمنينعليهالسلام والمحاربين له فالذي ورد فيه أكثر من ان يحصى واجتماع أسباب اللعن فيهم أو أكثرها أوضح من أن يخفى، قد وردت به روايات علماء السنة
فضلا عن روايات الشيعة وكذا لعن كل من خالف في الإمامة وكذا لعن بنى أمية وكذا لعن الصوفية عموما وخصوصا
وقد روى الشيخ الثقة الجليل عمر بن عبد العزيز الكشي في كتاب الرجال عن محمد بن قولويه والحسين بن الحسن بن بندار القمي جميعا عن سعد بن عبد الله عن إبراهيم بن مهزيار ومحمد بن عيسى عن على بن مهزيار عن ابى جعفر يعني الثانيعليهالسلام في حديث قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله من تأثم أن يلعن من لعنه الله فعليه لعنة الله(١)
وناهيك بهذا الحديث الشريف الصحيح السند الصريح الدلالة وما اشتمل عليه من التأكيد والمبالغة مع ضم الآيات القرآنية السابقة حجة على من توقف في ذلك، وقد روى في عدة أحاديث معتمدة أن ولاية النبي والأئمة (ع) لا تقبل إلا بالبراءة من أعدائهم وانه تجب عداوة الكافر والفاسق وتحرم محبتهما وموالاتهما.
وقد كنت أردت أن اجمع جملة من الأحاديث الواردة في هذا المعنى ثم وقفت على رسالة للمحقق الشيخ على بن عبد العالي العاملي(٢) في تحقيق أمر اللعن وذكر جملة من الأدلة العقلية والنقلية من الآيات والروايات من طريق العامة والخاصة، فلم اجمع الأحاديث واكتفيت بالإشارة الا انه لم يجمع من الأحاديث إلا القليل والقدر الذي جمعه يشفي العليل ويروى القليل.
وقد قالرحمهالله في تلك الرسالة لا ريب ان اللعن من الله هو الطرد والابعاد من الرحمة وإنزال العقوبة بالمكلف وكل فعل أو قول اقتضى نزول العقوبة بالمكلف من فسق أو كفر فهو يقتضي لجواز اللعن، ويدل عليه قوله تعالى( وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ ) رتب اللعن على الكذب وهو انما يقتضي الفسق.
وقوله تعالى:( أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ ) اى على كل ظالم لان الجمع المعرف
__________________
(١) الكشي ط كربلاء ص ٤٤٤ وط دانشگاه ص ٥٢٩
(٢) المطبوعة جديدا في بلدة طهران
للعموم، والفاسق ظالم لنفسه كما يرشد اليه قوله تعالى( فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ) حيث جعله سبحانه قسيما للمقتصد وقسيما للسابق بالخيرات.
وقد روى أن النبيصلىاللهعليهوآله قال: لعن الله الكاذب ولو كان مازحا، ولعن جمعا من ذوي المعاصي.
فإن قيل فيجوز اللعن لكل ذنب.
قلنا: لا ريب ان الكبائر مجوزة للعن، وأما الصغائر فإنها تقع مكفرة نعم لو أصر عليها ألحقت بالكبائر وصار اللعن بها سائغا انتهى؟ ثم بين ان اللعن يجب تارة ويستحب أخرى وأطال المقام في الاستدلال(١)
__________________
(١) راجع نفحات اللاهوت للمحقق الكركي ص ٤٤ - ٤٥ ط طهران مكتبة نينوى
فائدة (٩٨)
سأل بعض الفضلاء عن الشبهة التي يجب اجتنابها كيف خصصتموها بالشبهة في نفس الحكم الشرعي دون طريق الحكم وما حدهما وما الدليل على التقسيم وعلى هذا يكون شرب التتن داخلا في القسم الثاني.
الجواب: حد الشبهة في نفس الحكم الشرعي ما اشتبه حكمه الشرعي أعني الإباحة والتحريم كمن شك في ان أكل الميتة حلال أو حرام، وحد الشبهة في طريق الحكم الشرعي ما اشتبه فيه موضوع الحكم الشرعي مع كون محموله معلوما كما في اشتباه اللحم الذي يشترى من السوق انه مذكى أم ميتة مع العلم بأن الميتة والمذكى حلال، وهذا التقسيم يستفاد من أحاديث الأئمة (ع) ومن وجوه عقلية مؤيدة لتلك الأحاديث ويأتي جملة منها ويبقى قسم آخر متردد بين القسمين وهو الأفراد التي ليست بظاهرة الفردية لبعض الأنواع وليس اشتباهها بسبب شيء من الأمور الدنيوية كاختلاط الحلال بالحرام بل اشتباهها بسبب أمر ذاتي أعنى اشتباه صفتها في نفسها كبعض إفراد الغناء الذي قد ثبت تحريم نوعه واشتبهت أنواعه في إفراد يسيرة وبعض أفراد الخبائث الذي قد ثبت تحريم نوعه واشتبهت بعض افراده حتى اختلف العقلاء فيها، ومنه شرب التتن.
وهذا النوع يظهر من الأحاديث دخوله في الشبهات التي ورد الأمر باجتنابها وهذه التفاصيل تستفاد من مجموع الأحاديث ونذكر مما يدل على ذلك وجوها.
منها: قولهم (ع) كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه.
فهذا وأشباهه صادق على الشبهة التي في طريق الحكم الشرعي فإن اللحم الذي فيه حلال وهو المذكى وحرام وهو الميتة قد اشتبهت أفراده في السوق ونحوه كالخبز الذي هو ملك لبائعه أو سرقة مغصوب من مالكه وكذلك سائر الأشياء داخل تحت هذه القاعدة الشريفة المنصوصة فإذا حصل الشك في تحريم الميتة مثلا لا يصدق عليها ان فيها حلالا وحراما.
ومنها: قولهم (ع) حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك وهذا انما ينطبق على ما اشتبه فيه نفس الحكم الشرعي والا لم يكن الحلال البين موجودا لوجود الاختلاط والاشتباه في النوعين من زمان آدم إلى الان بحيث لا يوجد الحلال البين ولا الحرام البين ولا يعلم أحدهما من الأخر الأعلام الغيوب وهذا ظاهر واضح
ومنها: أنه قد ورد الأمر البليغ باجتناب ما يحتمل التحريم والإباحة بسبب تعارض الأدلة وعدم النص ونحوهما وذلك واضح الدلالة على اشتباه نفس الحكم الشرعي.
ومنها: أنه قد ورد النهى عن اجتناب كثير من إفراد الشبهات في طريق الحكم الشرعي كقولهم (ع) في اللحم والجبن ونحوهما اشتر من أسواق المسلمين وكل ولا تسأل عنه ونحو ذلك.
ومنها: ان ما ورد في وجوب اجتناب الشبهات ظاهر العموم والإطلاق شامل لاشتباه نفس الحكم الشرعي وللافراد الغير الظاهرة الفردية وغير ذلك، خرج منه الشبهات في طريق الحكم الشرعي بالأحاديث التي أشرنا إليها والوجوه التي يؤيدها فبقي الباقي ليس له مخصص صريح.
ومنها: ان في ذلك وجه الجمع بين الاخبار لا يكاد يوجد وجه أقرب منه.
ومنها: ان نفس الحكم الشرعي يجب سؤال النبي والامام عنه وكذا الأفراد التي ليست بظاهرة الفردية وقد سئل الأئمة (ع) عنه من ذلك فأجابوا
وطريق الحكم الشرعي لا يجب سؤال الأئمة (ع) عنه ولا كانوا يسألون عنه وهو واضح بل علمهم بجميع أفراده غير معلوم أو معلوم العدم لكونه من علم الغيب فلا يعلمه الا الله وان كانوا يعلمون منه ما يحتاجون اليه وإذا شاءوا أن يعلموا شيئا علموه.
ومنها: ان اجتناب الشبهة في نفس الحكم الشرعي أمر ممكن مقدور لأن أنواعه قليلة لكثرة الأنواع التي ورد النص بإباحتها والأنواع التي ورد النص بتحريمها وجميع الأنواع التي تعم بها البلوى منصوصة وكل ما كان في زمان الأئمة (ع) متداولا ولم يرد النهى عنه فتقريرهم فيه كاف.
واما الشبهة في طريق الحكم الشرعي فاجتنابها غير ممكن لما أشرنا إليه سابقا وعدم وجود الحلال البين فيها وتكليف ما لا يطاق باطل عقلا ونقلا ووجوب اجتناب كل ما زاد على قدر الضرورة حرج عظيم وعسر شديد وهو منفي لاستلزامه وجوب الاقتصار في اليوم والليلة على نعمة واحدة وترك جميع الانتفاعات الا ما استلزم تركه الهلاك، والاعتذار بإمكان الحمل على الاستحباب لا يفيد شيئا لأن تكليف ما لا يطاق باطل بطريق الوجوب والاستحباب كما لو كان صعود الإنسان إلى السماء واجبا أو مستحبا فلان كلاهما محال من الحكيم
ومنها: انه قد ثبت وجوب اجتناب الحرام عقلا ونقلا ولا يتم الا باجتناب ما يحتمل التحريم مما اشتبه حكمه الشرعي ومن الإفراد التي ليست بظاهرة الفردية وما لا يتم الواجب الا به وكان مقدورا فهو واجب عندهم الى غير ذلك من الوجوه وأن أمكن المناقشة فيه في بعضها فمجموعها دليل تام كاف شاف في هذا المقام والله أعلم بحقائق الأحكام.
وأما حصر المطعومات والمشروبات فلا يفيد هنا لعدم صدق الوصفين على شرب التتن، والتعبير عنه بالشرب مجاز قطعا كما في قوله تعالى( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) (١) وقولهم (ع) أبى الله لصاحب البدعة بالتوبة(٢) لأنه قد اشرب
__________________
(١) البقرة: ٩٣
(٢) الكافي ج ١ ص ٥٤
حبها، والحصر أنما هو للشرب الحقيقي فإن إدخال الدخان الى الفم وإخراجه منه ليس بشرب حقيقي قطعا ولو سلم فهو مخصوص بغير الخبائث فالأفراد المشتبهة منها داخلة في الشبهات ويعارض الحصر المذكور بحصر المباح من الأطعمة والأشربة في الطيبات وليس عندنا نص صريح في حصر نوع من الأنواع غير هذين النوعين كما يعلم بالتتبع والله أعلم.
فائدة (٩٩)
ادعى بعض المعاصرين ان التياسر في ان مثل خراسان عن سمت القبلة غير جائز واستدل بأنه إذا تياسر المصلى ولو قليلا انحرف عن الكعبة بنحو ثلاثمائة فرسخ.
وأقول: هذا بعيد من التحقيق والحق ان مسمى التياسر لا يستلزم انحرافا كثيرا على ان المصلى غير مأمور بالعلم واليقين مع البعد بعين الكعبة بل الواجب العمل بالظن بالجهة كما تقرر والجهة تتسع مع البعد كلما زاد كما صرحوا به فبعد تحصيل سمت القبلة في خراسان ان تياسر الإنسان يسيرا كان أولى من تيامنه قليلا كما وقع التصريح به في النص معللا بزيادة الحرم عن يسار الكعبة مما عن يمينها وقد قال جماعة من علمائنا بوجوب التياسر، واحتمال التيامن يعارض ما يتخيل في احتمال التياسر ولا شك ان سمت القبلة في خراسان له عرض وهو خط يشتمل على اجزاء كثيرة فاستقبال الأجزاء التي إلى يسار المصلى بعد تجاوز نصف الخط أولى خصوصا أقرب الاجزاء الى النصف بل لو تياسر عن مجموع السمت يسيرا لم يخرج عن القبلة
وبيانه ان المصلى إذا تياسر بقدر عشر عرض إصبع مثلا فقد حصل في مسافة ثلاثة اذرع شرعية تقريبا وهي ما بين قدميه ومحل سجوده بسبب التياسر عشر عرض إصبع من الانحراف ففي ثلثين ذراعا يحصل انحراف بقدر عرض إصبع والذراع الشرعي أربع وعشرون إصبعا ففي سبعمائة وعشرين ذراعا يحصل من الانحراف
قدر ذراع لان الانحراف يحصل متساوي النسبة والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع وهو ستة عشر ميلا وكسر(١) بالنسبة إلى سبعمائة وعشرين.
فيحصل في الفرسخ انحراف قدر ستة عشر ذراعا وكسر تقريبا(٢) نضربها في اثنين وعشرين تبلغ ثلاثمائة واثنين وخمسين ذراعا وذلك لان اثنين وعشرين فرسخا وكسر درجة من ثلاثمائة وستين درجة من درجات العرض أو الطول.
وقد ذكروا ان عرض مكة أحد وعشرون درجة وعرض طوس سبع وثلاثون فتزيد عن عرض مكة ستة عشر درجة تضرب ستة عشر درجة في ثلاثمائة واثنين وخمسين ذراعا وهو الانحراف الحاصل في كل درجة تبلغ خمسة آلاف وأربعمائة واثنين وأربعين ذراعا وهو أقل من ميل ونصف، وقد تقرر ان الحرم اثنا عشر ميلا أربعة عن يمين الكعبة وثمانية عن يسارها.
وذكر بعض المحققين ان بعد طوس عن مكة أربعمائة وخمسون فرسخا والظاهر أنه أقل من ذلك وعلى تقدير ما قاله تضرب ستة عشر ذراعا في أربعمائة وخمسين فرسخا تبلغ ستة آلاف وتسعمأة ذراع.
وانما قلنا ان الدرجة اثنان وعشرون فرسخا وكسر لان محيط كرة الأرض ثمانية آلاف فرسخ وهي مقابلة لدوائر العرض والطول وكل دائرة تنقسم الى ثلاثمائة وستين درجة فإذا قسمنا ثمانية آلاف على ثلاثمائة وستين درجة قابل كل درجة اثنان وعشرون فرسخا وكسرا وهو تسعان من فرسخ الذي ذكرناه تقريبي كما أشرنا اليه ويزيد الحساب يسيرا باعتبار تفاوت الطول كما يفهم من حساب بعض المحققين الذي من نقله.
ومع ذلك لا يزيد عدد الأنواع عن ميل ونصف الا يسيرا فاذا تياسر الإنسان مقدار خمس إصبع انحرف هناك قدر ثلاثة أميال تقريبا وان تياسر قدر نصف عرض
__________________
(١) وهو خمسة عشر ميلا وكسر - خ ل
(٢) قدر خمسة أذرع ونصف تقريبا - خ ل
إصبع انحرف هناك قدر ستة أميال تقريبا وتحقيق ضبطه ليس من المهمات والغرض نفى المفسدة التي توهمها ذلك الفاضل على انه إذا دل الدليل على استحباب التياسر أو وجوبه تعين العمل به من غير بحث وعلى ما قلناه من ترجيح النصف الأيسر من سمت القبلة على الأيمن لا إشكال أصلا لجواز استقبال تلك الاجزاء ابتداء والله الهادي.
فائدة (١٠٠)
ادعى بعض الطلبة الآن انه لا يحصل من الاخبار الا الظن لا يحصل من شيء منها العلم لا من جهة السند ولا من جهة الدلالة ولا يخفى على أحد ان هذا إفراط عظيم بليغ ما سبقه أحد اليه والحق ان خبر الواحد المحفوف بالقرائن يفيد العلم من جهة السند والخبر المتواتر كذلك والخبر الذي لم يتواتر ولم يكن محفوفا بالقرائن يفيد الظن لا العلم وان اخبار الكتب المعتمدة بعضها متواتر والباقي محفوف بالقرائن وان الخبر من أى قسم من الأقسام الثلاثة كان تنقسم دلالته الى قسمين قطعية وظنية فمن ادعى خلاف ذلك فقد غلط غلطا فاحشا وقد استدل هذا القائل بشبهات غير دالة على مطلبه.
وأنا أجيب عنها إجمالا ثم تفصيلا فالجواب الإجمالي من وجوه.
أحدها: ان ما ادعاه من العموم مخالف للوجدان والضرورة والبديهة، أما سندا فلانا في كل يوم نسمع اخبارا ممن لا يتهم ولا يشتبه عليه مثل ذلك الخبر ويكون من أهل الصلاح والعلم والثقة وقد أخبر عن محسوس مع كمال اطلاعه عليه واعتنائه به فلا يبقى عندنا شك ولا ريب خصوصا إذا انضم الى ذلك كتابة ذلك الخبر بخطه وإرساله من بلاد الى بلاد وتحرزه من فضيحة نفسه بظهور كذبه وتجنبه للإثم الى غير ذلك فكثيرا ما يحصل من هذا الخبر اليقين بحيث لا يبقى شك وتخلف ذلك في بعض القبور لا يستلزم عدم حصول اليقين في شيء منها لأن القرائن هناك
لم تصل الى حد اليقين هذا في المحفوف بالقرائن.
وأما التواتر فهو أوضح من ذلك فانا في كل يوم إذا سمعنا خبرا من جماعة عشرة أو عشرين أو أكثر أو أقل وكان المخبر عنه أمرا محسوسا ولم يكونوا متهمين لا يبقى عندنا شك أيضا ومن نازع في ذلك وادعى انه لا يعلم شيئا مما في الدنيا أصلا وانما يظن ظنا فقد كابر.
وأما من جهة الدلالة فكذلك فان من حصل بيننا وبينه محاورة يحصل العلم واليقين ببعض مراده ومعاني كلامه والظن ببعضها وذلك أمر وجداني لا يقبل التشكيك وكذلك المكاتبات بل أبلغ من ذلك كما قيل في الأمثال كتابك أبلغ ما يظن(١) عنك.
وثانيها: ان ما ادعاه من عموم نفى العلم مخالف للضرورة من جهة أخرى وهي الاعتقادات التي جزم بها الناس من الأمور النقلية الثابتة بالأخبار كوجود عيسى وموسى وداود وسليمان ونوح والطوفان وذي القرنين ودعوى نبيناصلىاللهعليهوآله للنبوة وظهور المعجزات على يده وكذا أئمتنا (ع) ووجود مكة واليمن والهند وسائر المدن المشهور ووجوب الصلاة والصوم والحج والزكاة وسائر الواجبات وتحريم الزنا واللواط والربا والقتل والسرقة والخمر وسائر المحرمات وغير ذلك من أمور الدنيا والدين، ونسبة الكتب المشهورة إلى مصنفيها من كتب الصرف والنحو والمنطق والحكمة والكلام والأصول والفقه والحديث والتفسير والرجال والتواريخ وغير ذلك وأكثر اعتقادات أرباب المذاهب كالشيعة والسنة والزيدية والأشاعرة والمعتزلة وغيرهم
ودعوى انه لا يحصل في جميع تلك المواضع الا الظن مكابرة بل جنون محض ومعلوم ان ذلك العلم واليقين حصل في بعض تلك المواضع من التواتر وفي بعضها من خبر الواحد المحفوف بالقرائن وان دلالتها وسندها أفاد العلم واليقين
__________________
(١) ما ينطق عنك - خ ل
فكيف يحكم بعموم نفى العلم
وثالثها انه يستلزم أن يكون العمل في النبوة والإمامة والمعاد وأمثالها من أصول الاعتقادات على الظن سندا ودلالة دون العلم وبطلانه واضح وكثير من أخبار الفروع لا يقصر عن أخبار النص على امام من الأئمة (ع) كالعسكرى مثلا سندا ودلالة ورابعها: ان ذلك يستلزم عدم وجود العلم أصلا لأن كل ما يدعى انه علم يرد عليه أقوى من تلك الشبهات.
وخامسها: انه يلزم منه تكليف ما لا يطاق لتواتر الأمر بطلب العلم واليقين والنهى عن العمل بالظن وعلى تقدير تخصيص الجميع بالأصول مع انه لا دليل عليه فان شبهات هذا القائل عامة شاملة للأصول والفروع.
وسادسها: انه يلزم منه التناقص الفاحش في كلام الشارع حيث تواتر النص على وجوب طلب العلم وتحريم العمل بالظن وعلى قول هذا القائل العلم هو الظن والظن هو العلم فيكون واجبا محرما ومثل هذا التناقض لا ينسب الى المجانين فكيف ينسب الى الشارع الحكيم المطلق فثبت ان بعض الاخبار يفيد العلم سندا ودلالة وبعضها يفيد الظن وهو المطلوب.
وسابعها: ان ذلك مخالف لصريح القران في آيات كثيرة دلت على وجوب العمل بالعلم وعدم جواز العمل بالظن مطلقا كقوله تعالى( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلّا يَظُنُّونَ ) (١) .
وقوله تعالى:( أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٢) .
وقوله تعالى:( وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٣) .
وقوله( ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ) (٤)
__________________
(١) البقرة: ٧٨
(٢) البقرة: ٨٠
(٣) البقرة ١٦٩
(٤) آل عمران: ٦٦
وقوله تعالى:( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلّا يَخْرُصُونَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (١)
وقوله تعالى:( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (٢)
وقوله تعالى:( ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) الى قوله( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ ) (٣) .
أقول: هذه الآية الشريفة صريحة في عدم جواز العمل بالظن في الفروع لان التحريم للضأن ليس من الأصول.
وقوله تعالى:( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلّا تَخْرُصُونَ ) (٤) أقول هذه الآية كما ترى صريحة في الأصول والفروع لان الشرك من الأصول والتحريم من الفروع وقوله تعالى:( أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) .
وقوله تعالى:( وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) (٥) .
وقوله تعالى:( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلّا يَخْرُصُونَ ) (٦)
وقوله تعالى:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (٧) .
وقوله تعالى:( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) (٨) وقوله تعالى:( وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ ) (٩) .
__________________
(١) الانعام: ١٧٠
(٢) الانعام: ١٤٤
(٣) الانعام: ١٤٤
(٤) الانعام: ١٤٨
(٥) يونس: ٣٦
(٦) يونس: ٦٦
(٧) الأنبياء: ٧
(٨) الاسراء: ٣٦
(٩) النور: ١٥
قوله تعالى( وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (١) .
وقوله تعالى:( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى ) (٢) .
وقوله تعالى:( وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) (٣)
وقوله تعالى:( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) (٤) الى غير ذلك من الآيات الكثيرة جدا الدالة على حصول العلم من الكتاب والسنة أو من بعضها وذلك يبطل عموم النفي للعلم والإثبات للظن.
وثامنها: ان ذلك مخالف للأحاديث المتواترة الصحيحة الصريحة التي لا تحصى.
فمنها: قول ابى جعفرعليهالسلام من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته مليكة الرحمة ومليكة العذاب(٥) .
وقول الصادقعليهالسلام : أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال أن تدين بالباطل وتفتي الناس بما لا تعلم(٦) وقول ابى جعفرعليهالسلام ما علمتم فقولوا وما لم تعلموا فقولوا الله اعلم(٧) .
وفي حديث القضاة أربعة رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار الحديث(٨)
وقولهعليهالسلام : حق الله على العباد ان يقولوا ما يعلمون ويقفوا عند ما لا يعلمون(٩)
__________________
(١) الجاثية: ١٨
(٢) النجم - ٢٣
(٣) النجم: ٢٨
(٤) الحجرات: ٦
(٥) الوسائل ج ٣ ص ٣٦٩
(٦) أيضا ج ٣ ص ٣٦٩
(٧) أيضا ج ٣ ص ٣٦٩
(٨) الوسائل ج ٣ ص ٣٦٩
(٩) الوسائل ج ٣ ص ٣٧٠
وقول علىعليهالسلام : العلم مخزون عند اهله وقد أمرتم بطلبه من اهله فاطلبوه(١) وقول الصادقعليهالسلام : انه لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون الا الكف عنه والتثبت والرد إلى أئمة الهدى الحديث(٢) .
وقولهعليهالسلام طلب العلم فريضة على كل مسلم(٣) .
وقول علىعليهالسلام : ايها الناس اتقوا الله ولا تفتوا الناس بما لا تعلمون(٤) .
وقولهعليهالسلام : طلب العلم فريضة من فرائض الله(٥) .
وقولهعليهالسلام : ان طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال(٦) .
وقولهعليهالسلام : من أفتى الناس بغير علم لعنته مليكة السماء والأرض(٧) .
وقولهعليهالسلام : من عمى نسي الذكر واتبع الظن وبارز خالقه ومن نجا من ذلك فمن فضل اليقين(٨) .
وقول الصادقعليهالسلام : من شك أو ظن فأقام على أحدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة(٩) .
وقول ابى جعفرعليهالسلام من أفتى الناس برأيه فقد دان الله بما لا يعلم(١٠) .
وقول ابى الحسن موسىعليهالسلام انما العلم ثلاثة آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنة قائمة(١١) .
وقول الرضاعليهالسلام في الرجل يعطى الرجل الكتاب إذا علمت ان الكتاب له فاروه عنه(١٢) .
__________________
(١) الوسائل ص ٣٧٠
(٢) الكافي ج ١ ص ٥٠
(٣) أيضا ج ١ ص ٣٠
(٤) الوسائل ج ٣ ص ٣٧٠
(٥) الوسائل ج ٣ ص ٣٧٠
(٦) أيضا ص ٣٧٠
(٧) أيضا ج ٣ ص ٣٧٠
(٨) الوسائل ج ٣ ص ٣٧٢
(٩) أيضا ج ٣ ص ٣٧٢
(١٠) أيضا ص ٣٧٢
(١١) أيضا ج ٣ ص ٣٧٢
(١٢) الوسائل ج ٣ ص ٣٧٧
وقول الصادقعليهالسلام : القلب يتكل على الكتابة(١) .
وقولهم (ع): إياكم والظن فان الظن أكذب الكذب(٢) .
وقولهمعليهمالسلام إذا تطيرت فامض وإذا ظننت فلا تقض(٣) .
وقول ابى الحسنعليهالسلام وقد سئل عن اختلاف الحديث ما علمتم انه قولنا فالزموه وما لم تعلموا فردوه إلينا(٤)
وفي وصية النبي لعليعليهماالسلام قال يا على أعجب الناس ايمانا وأعظمهم يقينا قوم يكونون في آخر الزمان لم يلحقوا النبيصلىاللهعليهوآله وحجب عنهم الحجة فآمنوا بسواد على بياض(٥)
وقولهمعليهالسلام طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة(٦) .
وقول ابى جعفر الثانيعليهالسلام وقد سئل عن كتب أصحاب أبي جعفر وابى عبد اللهعليهمالسلام حدثوا بها فإنها حق(٧) .
وقولهعليهالسلام : وقد سئل عن كتب بنى فضال خذوا بما رووا وذروا بما رأوا(٨) الى غير ذلك من الاخبار المتواترة الدالة على افادة بعض الاخبار العلم أو أكثرها.
وتاسعها: ان ما ذكره هذا القائل مخالف لعبارات أكثر علمائنا المتقدمين والمتأخرين فإنهم يصرحون بأن بعض الاخبار يفيد العلم سندا ودلالة وبعضها يفيد الظن ولا تحضرني عباراتهم كلها فلننقل بعضها ولنشر إلى الباقي.
قال السيد المرتضى على ما نقله صاحب المعالم أن أكثر أخبارنا المروية في كتبنا معلومة مقطوع على صحتها اما بالتواتر من طريق الإشاعة والإذاعة، واما بأمارة وعلامة دلت على صحتها وصدق رواتها فهي مفيدة للعلم مقتضية للقطع وان
__________________
(١) الوسائل ج ٣ ص ٣٧٧
(٢) الوسائل ج ٣ ص ٣٧٥
(٣) الوسائل ج ٢ ص ١٨٠
(٤) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٣
(٥) الوسائل ج ٣ ص ٣٧٩
(٦) المستدرك ج ٣ ص ١٧٤
(٧) الوسائل ج ٣ ص ٣٧٨
(٨) الوسائل ج ٣ ص ٣٨٠
وجدناها مودعة في الكتب بسند مخصوص معين من طريق الآحاد « انتهى ».
ونقل عنه أيضا صاحب المعالم انه قال: ان معظم الفقه تعلم مذاهب أئمتناعليهمالسلام فيه بالضرورة وبالأخبار المتواترة وما لم يتحقق ذلك فيه لعله الأقل « انتهى ».
وقد صرح علماؤنا في كتب الأصول كالتهذيب وشروحه والنهاية والمبادي وشروحه والمعالم والزبدة وشروحهما وتمهيد القواعد وأصول المحقق والمعتبر والعدة وغير ذلك بان الخبر المتواتر يفيد العلم وان الخبر المحفوف بالقرينة يفيد العلم وان المنازع مكابر، وانه يجوز نسخ القرآن وتخصيصه بالخبر المتواتر وبالخبر المحفوف بالقرينة لان سندهما قطعي كما ان سند القرآن قطعي وجوزوا تخصيص القرآن بل نسخه بخبر الواحد أيضا لأن سند القرآن قطعي ودلالته ظنية وخبر الواحد بالعكس وفيه خلاف وان شئت فارجع الى عباراتهم.
وكذلك جملة من عبارات الصدوق والكليني والشيخ وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين قد صرحوا وأجمعوا على ان بعض الاخبار يفيد العلم سندا ودلالة وبعضها مفيد للظن.
وعاشرها: ان هذه الشبهات لو تمت وبقيت على عمومها وإطلاقها لزم أن لا يحصل العلم بنقل القرآن وهو باطل بالضرورة.
وحاديعشرها: أنه يلزم عدم وجود مؤمن ولا ايمان لأن الظن غير معتبر هناك وانما المعتبر العلم واليقين ومقتضى تلك الشبهات عدم وجود العلم أصلا والعقل لا يدل على ان فلانا نبي وفلانا امام بل هذا أمر نقلي.
وثاني عشرها: انه يلزم ان يكون لفظ العلم واليقين مهملين غير موضوعين لمعنى، لعدم وجود شيء يصدقان عليه فان خصصها ذلك القائل بالمشاهدات فان فيها احتمالات أقوى مما تضمنته تلك الشبهات بالنسبة إلى قدرة الله وغير ذلك من تشكلات الجن والملئكة والشياطين وعمل ساحر ومشعبد وغير ذلك.
وثالث عشرها: ان ما ادعاه هذا القائل مخالف لإجماع العقلاء فان كل أحد
منهم يستفيد من بعض الاخبار العلم سندا ودلالة ومن بعضها الظن.
ورابع عشرها: ان هذا من مطالب الأصول وقد اتفقوا على انه لا يجوز العمل فيها بدليل ظني وما استدل به على عموم نفى العلم ظنّي فلا يجوز العمل به اتفاقا.
وخامس عشرها: انه استدل بدليل ظني على ظنية الاخبار وهو دوري فيكون باطلا.
وسادس عشرها: انه ما أوردناه من الأجوبة الإجمالية والتفصيلية مفيدة للعلم والظن لا يعارض العلم بل يجب ردّه.
وسابع عشرها: ان جميع ما استدل به أخص من المدعى لأنه مخصوص بنوع واحد فتحتاج الأنواع الباقية الى القياس والّا لم تدخل تحت الدليل والقياس باطل.
وثامن عشرها: انه استدل بأخبار على ان الاخبار لا تفيد العلم فان كانت هذه الاخبار التي استدل بها تفيد العلم انتقض مطلبه وان كانت تفيد الظن فلا دليل على حجيته هيهنا فينبغي أن يأتي بدليل الحجية فان أتى به دل على حجية باقي الأخبار فدليله ينافي مطلبه على التقديرين.
وتاسع عشرها: ان الفرض النادر والاحتمال البعيد لو نافى العلم لم يكن العلم موجودا أصلا وهو بديهي البطلان لان اليقينيّات الستة المشهورة لا تخلو من احتمال وان كان ضعيفا وأيضا فالعلم العادي لا ينافيه الاحتمال العقلي كالعلم بعدم انقلاب الجبل ذهبا والبحر دما.
قال العلامة في التهذيب: العلم يستجمع الجزم والمطابقة والثبات ولا ينتقض بالعاديات لحصول الجزم واحتمال النقيض باعتبارين « انتهى ».
والعشرون: كلام علمائنا المتقدمين والمتأخرين صريح في ان أصحاب الأئمة (ع) كانوا يعملون بالأخبار المتواترة والمحفوفة بالقرائن ويستفيدون منهما
العلم وينكرون العمل بالظن وذلك في زمن الأئمةعليهمالسلام بأمرهم وتقريرهم.
والقول بعدم وجود المتواتر وقلته وعدم وجود القرائن أو قلتها من أقوال العامة المخالفين للأئمة (ع) فلا يجوز الالتفات اليه، ومعلوم ان أخبارنا أوثق من اخبارهم والتواتر والقرائن فيها أكثر ودلالتها أقوى.
ودعوى اندراس القرائن غير مسموعة لأن المستفاد من أحاديث الأئمة (ع) ومن كلام علمائنا المتقدمين والمتأخرين كالكليني وابن بابويه والشيخ في العدة والاستبصار، والبهائي في مشرق الشمسين والمحقق في الأصول والمعتبر والشهيد في الذكرى، والشهيد الثاني في شرح الدراية وغير ذلك ان القرائن أنواع بعضها يدل على كون المضمون حكم الله في الواقع وبعضها على ثبوت الحكم عنهم (ع) وان احتمل كونه من باب التقية ونحوها وبعضها على ترجيحه على معارضه.
فمنها: كون الراوي ثقة لأن معناه الذي يؤمن منه الكذب عادة.
ومنها: كونه ممدوحا مدحا جليلا.
ومنها: كون الحديث موجودا في كتاب من الكتب المجمع عليها كالأصول الاربعمأة ونحوها وذلك يظهر من كتب الرجال ومن كتاب الاخبار للشيخ ومن كتاب من لا يحضره الفقيه وغير ذلك.
ومنها: وجوده في كتب الثقات المعتمدين وان لم يكن من الأصول:
ومنها: وجوده في كتاب أحد من أصحاب الإجماع.
ومنها: وجوده في أحد الكتب المتواترة المشهود لها كالكتب الأربعة ونحوها ومنها: كون راويه من أصحاب الإجماع وقد صح عنه وان رواه عن ضعيف أو مجهول.
ومنها: كونه موافقا للقرآن أعنى الآيات الواضحة الدلالة والمروي تفسيرها عنهم (ع)
ومنها: موافقته للسنة المتواترة أو المحفوفة بالقرينة.
ومنها: تكرره في أصلين فصاعدا.
ومنها: كونه للضروريات لأنه راجع الى التواتر:
ومنها: عدم وجود معارض فان ذلك إجماع على نقله والعمل به كما ذكره الشيخ في الاستبصار وغيره.
ومنها: عدم احتماله للتقية.
ومنها: تعلقه بالاستحباب مع ثبوت الجواز لحديث من بلغه شيء من الثواب.
ومنها: موافقته لدليل عقلي قطعي كحديث بطلان تكليف مالا يطاق وهو أيضا راجع الى التواتر لأنه لا ينفك منه.
ومنها: اجتماع قرينتين فصاعدا مما ذكر.
ومنها: موافقته لإجماع المسلمين.
ومنها: موافقته لإجماع الإمامية.
ومنها: موافقته للمشهور بينهم.
ومنها: كون الراوي غير متهم في تلك الرواية.
ومنها: وجوده في أحد الكتب المعروضة على الأئمة (ع) ككتاب ظريف المروي في الكتب الأربعة إلا الاستبصار وسائر الكتب المذكور في كتاب الرجال.
ومنها: كون راويه من الجماعة الذين وثقهم الأئمة (ع).
ومنها: كون راويه أوثق أو أعدل أو أفقه.
ومنها: كون دلالته أقوى من دلالة معارضة الى غير ذلك من القرائن الكثيرة
ولا يخفى على من تتبع كتب الحديث والرجال ان أكثر هذه القرائن باقية لم تندرس وأكثر أخبار الكتب المعتمدة محفوف بأكثر هذه القرائن فينبغي ترك الشك والتشكيك والمكابرة والوسواس ومن تتبع علم ان أكثر المطالب الشرعية. بلغت حد التواتر وان شئت فارجع الى ما ذكرناه سابقا في بحث التواتر.
والحادي والعشرون: ان قول القائل بنفي افادة الاخبار العلم وإثبات افادة
الظن مجمل يحتاج الى التفصيل ويبقى واسطة وهي ما يفيد العلم من جهة والظن من جهة فإن الخبر المحفوف بالقرائن قد يفيد العلم بان مضمونه حكم الله في الواقع والظن بصدوره عن المعصوم لاحتمال كونه كذبا موضوعا موافقا للحق وذلك إذا كان موافقا لمحكمات القرآن والمتواتر من الاخبار كوجوب الصلاة وقد يكون بالعكس فيفيد العلم بثبوته عن المعصوم والظن بكون مضمونه حكم الله في الواقع كالخبر المحفوف بجملة من القرائن السابقة مع احتماله للتقية ونحوها.
وقد يكون سنده قطعيا ودلالته ظنية وقد يكون بالعكس وقد يكون سنده ودلالته ظنيتين ووجوب العمل به قطعيا وفي جميع هذه الأقسام مذهب المتقدمين من الإمامية والأخباريين من المتأخرين الى ان مناط العمل العلم لا الظن ومذهب العامة المخالفين لأئمتنا (ع) وبعض الأصوليين من الإمامية ان مناط العمل الظن مع انه لا دليل على جوازه بل الدليل قائم على المنع كما مضى ويأتي.
الثاني والعشرون: انه قد تواتر النهى عن العمل بالظن في الكتاب والسنة ودل الدليل العقلي على المنع منه أيضا وهو كثير جدا ليس هذا محل جمعه ومعلوم انه لو جاز العمل بالظن لزم الفساد العظيم بل لزم صحة جميع المذاهب الفاسدة وحقية جميع الاعتقادات الباطلة لأن كل أحد له ظن بصحة اعتقاده وكل مذهب له دليل ظني، اما عقلي أو نقلي من متشابهات الكتاب والسنة( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ ) وقد تواتر الأمر بطلب العلم والعمل به في الكتاب والسنة وقد تواتر الأمر بالعمل بأحاديث الكتب المعتمدة وأحاديث الثقات، فاما أن يكون ذلك مفيدا للعلم وهو المطلوب، واما ان يكون مفيدا للظن ونحن مأمورون بالعمل به فيكون مستثنى من الظن المنهي عنه فلو سلمنا كونه ظنا يجب العمل به صار النزاع لفظيا لا يترتب عليه شيء فلا ينبغي الإنكار والتشنيع على الأخباريين بذلك.
لكن قد عرفت بطلان القول بأن الجميع ظني فوجب القول بان بعضه قطعي وبعضه ظني أو بعضه قطعي من جهة، ظني من جهة أخرى كما مر فلو سلمنا دعواهم
لم يضرنا شيئا ولم ينفعهم لكن مطلب العامة هنا فاسد خبيث لأنهم جعلوه دليلا على حجية كل ظن، ومعلوم ان أسباب الظن كثيرة جدا ليس على حجية شيء منها دليل يعتد به غير هذا النوع لو سلم كونه ظنيا حتى انتهى حال العامة وبعض المتأخرين من أصحابنا الى أن قالوا في عدة مواضع في الاستدلال على المدارك الظنية لنا انه مفيد للظن فيجب العمل به ولا يخفى عليك ما في هذا الاستدلال من القصور والتسامح
الثالث العشرون: انه يلزم مما ذكره هذا القائل ومن أدلته أن لا يحصل العلم لنا بأن الكليني والصدوق والمفيد والشيخ والمرتضى والمحقق والعلامة والشهيدان وأمثالهم من الشيعة ولا من المسلمين وانما يحصل لنا الظن من هذا النقل سندا ودلالة وكذا علماء السنة المشهورون وذلك باطل بالضرورة فهذه جملة من الأجوبة الإجمالية عن تلك الشبهات، وأما التفصيلية فنقول: استدل هذا القائل على ظنية الأخبار بوجوه.
أحدها: ما ملخصه انهم (ع) علموا ان في الناس قويا وضعيفا فاحتاجوا الى وضع قانون فيه رعاية حال الكل فلا بد من استعارات ومجازات وأنحاء من المعاني بعض للعوام وبعض للخواص، وأيضا أرادوا إصلاح الناس بالتدريج ومداواتهم من الجهل بما يوافق عقولهم.
والجواب: أما أولا - فبالمنع من ذلك التفاوت بالنسبة إلى أصول الاعتقادات والواجبات والمحرمات فان القدر المشترك من العقل والفهم بين المكلفين كاف في ذلك نعم التفاوت موجود بالنسبة إلى معرفة باقي العلوم كالمندوبات والمكروهات وتفسير القرآن وفهم المعاني الدقيقة والأدلة المتعددة وذلك غير محل النزاع. وأما ثانيا: فلان القانون الذي فيه رعاية حال الكل ينبغي ان يفيد الكل العلم لان ذلك ممكن لله وللنبي وللأئمة (ع) ومقدور لهم.
وأما ثالثا: فلان تعدد الأدلة مع اتحاد المدلول هو مقتضى ذلك القانون فكون بعض الأدلة ظنيا عند البعض قطعيا عند الباقي لا يستلزم ظنية المدلول ألا ترى ان
التوحيد له الف دليل والعدل كذلك والنبوة والإمامة ضعف ذلك وكذا المعاد وأكثر الواجبات والمحرمات قريب من ذلك فلا يلزم ظنية كل حكم من الأحكام
وأما رابعا: فلا الاستعارات والمجازات لا بد لها من قرائن وأدلة تدل عليها ولا يجوز من الحكيم ان يخاطب بها من لا يفهمها ومن تتبع كلامهم (ع) وجد التصريحات أيضا فصار المجموع يفيد العلم.
وأما خامسا: فلان الأدلة السابقة والجوابات الإجمالية دالة على اختصاص هذا على تقدير تسليمه بغير الأحكام الشرعية.
وأما سادسا: فلان هذه شبهة ظنية ومعارضاتها قطعية فتكون باطلة أو مأولة.
وأما سابعا: فلانة لو لم يحصل لأحد منهم العلم لاختل القانون واضطربت الظنون وزاد الفساد وانتقض الغرض من خلق العباد وهذا الاختلال سوء الأحوال
وثانيها: قولهعليهالسلام نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم(١) ما كلمهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، العباد بكنه عقله(٢) والجواب بعد الوجوه الإجمالية انه لا يدل على مطلبه.
أما أولا: فلان كلامه الناس على قدر عقولهم لا يدل على حصول الظن لهم من كلامه بل يدل على حصول العلم لهم بالكلام الذي يفيدهم العلم ولا أقل من الاحتمال فبطل الاستدلال.
وأما ثانيا: فلان العقل في تلك الاخبار قد قوبل بالجهل فعلم ان المراد به العلم فصار المعنى انه كلم الناس على قدر علمهم اى بقدر ما يستفيدون منه العلم لا الظن فالحديث حجة لنا لا لهم.
وأما ثالثا: فلان العقل له مراتب وكذا العلم وهذه الصفة لا تختص بالظن قطعا ألا ترى الى قولهعليهالسلام لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا(٣) .
__________________
(١) البحار ج ١ ص ٨٥
(٢) البحار ج ١ ص ٨٥
(٣) الأنوار النعمانية ج ١ ص ٥٣، ومصابيح الأنوار للسيد الشبر ره ج ١ ص ٣٠
وقوله تعالى:( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً ) (١) والظن ليس بإيمان
وقوله تعالى:( وَزِدْناهُمْ هُدىً ) (٢) .
وقوله تعالى:( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) (٣) .
وأما رابعا: فلانة مخصوص بكلام الأنبياء فحمل كلام الأئمة عليه قياس مع الفارق.
وأما خامسا: فلانة ليس بصريح في الأحكام الشرعية وعلى تقدير صراحته ليس بصريح في الواجبات والمحرمات فلا بد من التخصيص بما ذكر لما مر.
وثالثها: ان الايمان والعقل على أربعين جزءا.
والجواب: هو ما تقدم وهذا أضعف شبهة لأن الإيمان ليس من الظنون وانما يدل على تفاوت درجات العمل ومراتب العلم اما في الكمية واما في الكيفية وهذا لا ينكره عاقل.
ورابعها: قوله (ص) رحم الله امرءا سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه الى من هو أفقه منه(٤) .
والجواب: بعد الجوابات الإجمالية.
أما أولا: فلان قولهعليهالسلام كما سمعها يدل على رجحان الرواية باللفظ ولا يجوز حمله على الوجوب لتواتر النصوص في جواز الرواية بالمعنى.
وأما ثانيا: فلانة لا اشعار له بذكر الظن أصلا.
وأما ثالثا: فلان رب للتقليل فيدل على ان بعض الدلالات ظنية وبعضها قطعية وهو موافق لقولنا لا لقول الخصم.
وأما رابعا: فان الفقه لغة الفهم وهو شامل للعلم والفهم والظن فلا يجوز للخصم تخصيصه بالظن لعدم المخصص وفي الاصطلاح الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية
__________________
(١) التوبة: ١٢٤
(٢) كهف: ١٣
(٣) يوسف: ٧٦
(٤) المستدرك للعلامة النوري ره ج ٣ ص ١٨٢
لا الظن فلهذا احتاجوا الى الجواب المشهور من ان ظنية الطريق لا تنافي علمية الحكم ورده شيخنا البهائي في الزبدة وبالجملة الفقه غير الظن لغة واصطلاحا.
وأما خامسا: فإنه مخصوص بقول النبيصلىاللهعليهوآله وهو محتمل للنسخ وغيره مما لا يحتمله كلام الأئمةعليهمالسلام والقياس باطل.
وأما سادسا: فلا دليل فيه على الأحكام الشرعية نصا فيخص بغيرها ويؤيده ان كلامهعليهالسلام غالبا مخصوص بالأصول دون الفروع أو بالعلم دون الظن ولا ريب ان مراتبه تختلف كمية وكيفية كما مر.
وخامسها: قوله (ع) من استوى يوماه فهو مغبون(١) ولا يمكن حمله على العمل لاستلزامه تكليف ما لا يطاق فيكون في الاعتقادات.
والجواب: بعد الجوابات الإجمالية أما أولا: فلا نسلم امتناع حمله على العمل بل هو متعين نعم يخص بما لا ينتهي إلى تكليف ما لا يطاق والمخصص قطعي
وأما ثانيا: فلان الاعتقادات لا يكفى فيها الظن قطعا عندنا ولا عندكم فما أجبتم به فهو جوابنا.
وأما ثالثا: فلان الاعتقادات ان كانت متناهية بطل الاستدلال والا لزم تكليف ما لا يطاق فقد وقع الخصم فيما هرب منه وبالجملة فهذا أضعف الشبهات بل لا مناسبة له بهذا المطلب أصلا.
وأما رابعا: فلعل المراد باليومين الدنيا والآخرة وهذا لا يرد عليه شيء بل يجب على العاقل العمل ليكون حاله في الآخرة خيرا من حاله في الدنيا فان كان في الدنيا بغير عمل وفي الآخرة بغير ثواب لعدم عمله فهو مغبون وله توجيهات أخر يطول بيانها.
وسادسها: قولهعليهالسلام : لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله(٢) .
والجواب بعد الجوابات الإجمالية أما أولا: فلأنه لا اشعار له بالظن والعلم كما ترى.
__________________
(١) المستدرك ج ٢ ص ٣٥٢
(٢) الكافي ج ١ ص ٤٠١
وأما ثانيا: فيحتمل التخصيص بالعلم لما مر وبغير الأحكام الشرعية وقد عرفت المخصصات السابقة.
وأما ثالثا: فإنه لا بد لكم ان تقولوا ان سلمان قد حصل له العلم ولأبي ذر الظن وهو نقيض قولكم ان الاخبار لا تفيد الا الظن ويدل على قولنا من ان بعض الاخبار يفيد العلم وبعضها يفيد الظن.
وأما رابعا: فإنه يلزم عدم إيمان أبي ذر لأن الإيمان ليس بظنى فان قلتم بإيمانه بطل قولكم وثبت قولنا.
وأما خامسا: فإنه يلزم عدم علم ابى ذر بشيء من الأحكام وكونه جاهلا بالجميع لأن الظان ليس بعالم وهو باطل قطعا.
وأما سادسا: فإنه لو تم لزم عدم حصول العلم من المشافهة لأن علم سلمان وابى ذر حصل من المشافهة فيلزم عدم وجود العلم بالكلية وبطلانه بديهي.
وأما سابعا: فإنه يستلزم كون خبر النبيصلىاللهعليهوآله عن الله لا يفيد الا الظن وهو باطل اتفاقا لعصمته.
وأما ثامنا: فلاستلزامه مساواتهما في الجهل وعدم العلم لاشتراك العلة فلا وجه للقتل.
وسابعها: قولهعليهالسلام من سمع شيئا من الثواب(١) دل على ان الفروع يكفى فيها ظن الصحة.
والجواب: بعد الأجوبة الإجمالية أما أولا: فإنه مخصوص بما تضمن الثواب فهو أخص من المدعى والحكم بالثواب ليس من الأحكام الشرعية.
وأما ثانيا: فإنه مخصوص بما علم مشروعيته فلو دل حديث ضعيف على أن من شرب الخمر يوم الأربعاء كان له من الثواب كذا لم يصح العمل به قطعا.
وأما ثالثا: فإنه لا اشعار فيه بالظن والعلم.
__________________
(١) راجع الكافي ج ٢ ص ٨٧ باب من بلغه ثواب من الله.
وأما رابعا: فعدم إفادة الخبر العلم بثبوت نفس الخبر لا ينافي العلم بثبوت مضمونه وبالعكس لما مر تفصيله.
وأما خامسا: فان هذا نوع خاص وحمل غيره عليه قياس وهو باطل.
وثامنها: ما ملخصه انه قال: الأدلة العقلية والنقلية دالة على ان مدرك العلم أمور كثيرة كالكلام والحكمة والمنطق والمعاني والبيان والنحو وغير ذلك والمكاشفات أيضا أحد مدارك العلم. والجواب: أما أولا: فإنه يوافق قولنا لا قول الخصم لأنه يقول بأن الأحكام كلها ظنية.
وأما ثانيا: فإن أكثر هذه الأشياء لم تكن موجودة في زمان النبيصلىاللهعليهوآله والأئمة (ع) الى أواخر زمان الرضاعليهالسلام فإن المأمون أخذ تلك الكتب والنقل مشهور فكيف حصل العلم قبل وجود هذه الأشياء.
وأما ثالثا: فانا نمنع حصول العلم من أدلة هذه الأشياء إلا نادرا لكثرة احتمالاتها وضعف دلالتها وتعارض أدلتها وكون أكثرها ظنيا ان لم يكن كلها وأضعفها المكاشفات فإنه لا يؤمن كون أكثرها من الأفكار الفاسدة والخيالات الكاسدة من وسواس الشيطان ولا دليل على حجيتها في أحكام الشرع.
وأما رابعا: فيلزم كون هذه الأشياء أقوى من قول المعصوم (ع) وبطلان اللازم قطعي معلوم فالعجب ممن يدعى ان قول المعصوم وان كان مشافهة لا يفيد شيء منه العلم وانما يفيد الظن وان هذه الأشياء الواهية تفيد العلم هذا بعيد من الإنصاف.
وتاسعها: ان العلم بالوضع يتوقف على عصمة رواة اللغة عن الغلط والكذب وعدم النقل والاشتراك وعدم المعارض العقلي والا وجب تأويل النقلي.
والجواب أما أولا: فإنه يلزم منه عدم وجود العلم أصلا وهو ضروري البطلان ومخالف للوجدان لما مر.
وأما ثانيا: فإنه يخالف ما مر من اعتراف الخصم بحصول العلم مما هو أضعف الطرق عند التأمل.
وأما ثالثا: فإنه يستلزم ان لا يعمل الا بقول المعصوم وروايته بغير واسطة وهو ضروري البطلان.
وأما رابعا: فإنه يلزم منه عصمة أهل التواتر والمخبر الواحد المحفوف خبره بالقرائن وبطلان اللازم ظاهر وحصول العلم من القسمين بديهي إجماعي.
وأما خامسا: فإن أهل اللغة كثيرون جدا وكتبهم لا تحصى حتى ان القاموس قد جمعه مؤلفه من ألفي كتاب من كتب اللغة كما ذكره في أوله والموجود الان من كتب اللغة يقارب مائة كتاب وقد اتفقوا على نقل وضع أكثر الألفاظ فيكون الوضع متواترا غالبا.
وأما سادسا: فان قول كل واحد منهم لو انفرد عن غيره لكان خبر واحد محفوفا بالقرينة بل بالقرائن لأن كل واحد منهم غير متهم في نقل اللغة والاخبار بالوضع ومع ذلك لا فائدة ولو كذب لفضح نفسه وبطلت رئاسته في فنه ولقل اعتماد الناس على كتابه وقول كل منهم مؤيد لقول غيره ولأنهم كانوا في غاية الاعتناء والاهتمام بهذا الفن.
وأما سابعا: فإنه قد تواترت الاخبار عن الأئمةعليهمالسلام في الأمر بتعلم العربية وقد انحصر طريق ذلك في النقل من علمائها(١) .
وأما ثامنا: فلو كان احتمال وجود المعارض العقلي كافيا في عدم حصول العلم لما حصل العلم من الأدلة العقلية فما أجبتم به فهو جوابنا.
وأما تاسعا: فقد قال العلامة في التهذيب معرفة الوضع مستفادة من النقل المتواتر والآحاد والمركب من النقلين كالاستثناء من الجمع وكون الاستثناء إخراجا « انتهى » وهو دال على ما قلناه من ان بعض الدلالات قطعية وبعضها ظنية لا على قول الخصم.
وأما عاشرا: فقد قال العلامة في التهذيب أيضا يمتنع أن يخاطب الله تعالى
__________________
(١) يعنى علماء العربية
بشيء ويريد خلاف ظاهره من دون البيان والا لزم الإغراء بالجهل ولأنه بالنسبة الى غير ظاهره مهمل ثم قال: قيل الدلائل اللفظية ظنية لتوقفها على نقل اللغة والنحو والتصريف وعدم الاشتراك والمجاز والنقل والتخصيص والإضمار والتقديم والتأخير والناسخ والمعارض العقلي الذي لو رجح النقل عليه لزم إبطال النقل إذ بطلان الأصل يستلزم بطلان الفرع ولا شك ان هذه ظنية فالموقوف عليها ظنيّ والحق خلاف هذا لان بعض اللغة والنحو والتصريف متواتر النقل وعدم الأشياء التي ذكرها فلم تعلم من محكمات القرآن فثبت القطع « انتهى » ومراده القطع في بعض الدلائل القطعية أو في أكثرها لا في كلها وهو عين ما قلناه.
وعاشرها: قولهعليهالسلام ان في أيدي الناس حقا وباطلا وناسخا ومنسوخا ومحكما ومتشابها وعاما وخاصا(١) .
والجواب بعد الجوابات الإجمالية.
أما أولا: فإن المراد بالناس المخالفون فلا تدخل الشيعة بقرينة السؤال لأن السائل سأل علياعليهالسلام عن روايات المخالفين ومخالفتها لروايات أمير المؤمنينعليهالسلام وشيعته.
وأما ثانيا: فان ذلك مخصوص بأحاديث النبيصلىاللهعليهوآله فإنها محتملة للنسخ والمتشابه فيها كثير جدا وقد صرح في آخر ذلك الحديث بوجوب الرجوع فيها الى الامام واما أحاديث الأئمةعليهمالسلام فلم نؤمر بردها الى امام آخر والا لكانت عبثا ولزم إثبات إمام آخر وتسلسل.
وأما ثالثا: فلأنها مخصوصة بالأحاديث المختلفة فحمل غيرها عليها قياس وهو باطل.
وأما رابعا: فإنها تضمنت الترجيح عند الاختلاف وذلك غير محل النزاع وقد تواترت الأحاديث به، وتضمنت مرجحات منصوصة تزيد على العشرة فلا ينافي
__________________
(١) الكافي ج ١ ص ٦٢
حصول العلم تارة والظن أخرى.
وأما خامسا: فبالمعارضة بآيات القرآن فان فيه الأقسام كلها ولا شك في إفادته للعلم سندا وأما الأدلة فبعضه ظني وبعضه قطعي وهو عين قولنا فاذا لم يحصل العلم فالاحتياط طريق الى العلم ببراءة الذمة ولا ضرورة لنا الى العمل بالظن.
فان قلت: سلمنا ان الاخبار المتواترة تفيد العلم وكذلك الأخبار المحفوفة بالقرينة لكن مع قرب العهد لا مع بعد العهد كما إذا مضى سبعمائة سنة أو ألف سنة كما في هذا الزمان فإن القرائن تندرس والتواتر لا يوثق بحصوله في جميع الطبقات والحوادث اليومية انما تفيد العلم أحيانا لمشاهدتنا لأكثرها:
قلت: الشبهات التي استدلوا بها شاملة لقرب العهد وبعده وأيضا فالقرائن المعتبرة هنا قد تقدم جملة منها ولم تندرس بل هي محفوظة في كتب الرجال والحديث وأيضا فالتواتر والقرائن لما كانا موجودين في زمان الطبقة الأولى فقبول أهل الطبقة الثانية للأخبار وروايتهم لها وعملهم بها وتدوينهم إياها في مصنفاتهم قرائن مفيدة للعلم بل هي أقوى من القرائن السابقة وهكذا جميع الطبقات وكذا التواتر فإنه ما زال يزيد كما يظهر من كتب الرجال وكما هو ظاهر في تواتر النصوص والقرآن وأمثالهما وأيضا لا يظهر فرق بين الحوادث اليومية في وقت الطبقة الاولى وبين الأحكام الشرعية ولا بعد ذلك الوقت بل الوجدان حاكم فيهما بل حكمه في الأحكام الشرعية أقوى غالبا والحوادث اليومية التي وقعت في أول الإسلام بل في زمان بني إسرائيل أكثرها معلوم الان.
فان قلت: ما نسب الى الخصم من ادعائه نفى العلم من الاخبار مطلقا غير صحيح لأنه انما يقول بذلك في الخبر المجرد عن القرائن خاصة.
قلت: ان اعترفت بذلك سقط النزاع بيننا وبينه ولكنه صريح بلسانه وقلمه بالعموم وأدلته واضحة الدلالة على ذلك ولا يكاد يعترف بحصول العلم في غير الأصول إلا نادرا فيبقى النزاع.
فان قلت: الخصم انما يدعى ان الاخبار لا تفيد العلم الا مع الأدلة العقلية من الكلام ونحوه.
قلت: ذلك مخصوص بالأصول بل ببعضها لاختصاص الدليل العقلي القطعي بها والنزاع انما هو في الفروع وليس فيها دليل عقلي قطعي أصلا.
فإن قلت: استدلالكم بالقرآن والاخبار مصادرة لأنه لا نزاع الا فيهما.
قلت: النزاع في الاخبار غير المتواترة من جهة السند وأما سند القرآن فلا نزاع فيه ومع ذلك أدلة عقلية أيضا كما مر فلا مصادرة على ان الخصم أيضا استدل بالأخبار على من لا يعمل الا بالعلم وذلك مصادرة وأخبارنا متواترة صحيحة السند دون اخباره فان قلت: لو أفادت الاخبار العلم لأفادتنا العلم ولما وقع نزاع بين العلماء المتبحرين.
قلت: قد قلنا ان بعض الاخبار يفيد العلم وبعضها يفيد الظن ولعل النزاع في الثاني أو في الدلالات الظنية خاصة أو لعله لظهور العلم للبعض دون البعض فقد يكون العالم غافلا عن بعض الاخبار أو القرائن في ذلك الوقت ولو طلبه وبذل جهده في ذلك لحصل له العلم أو عمل بالاحتياط وهو أيضا مفيد للعلم كما مر وعدم حصول العلم للخصم اما لعدم بذل جهده في طلبه أو للشبهة والتقليد كما في المخالفين.
فان قلت: لما تعذر علينا العمل جاز لنا العمل بالظن لدفع الضرورة كأكل الميتة لأنا نحن السبب في غيبة الإمام (ع).
قلت: أولا تعذر العلم ممنوع وسند المنع ما مر سلمنا لكن لا ضرورة إلى العمل بالظن لإمكان الاحتياط وسنده قطعي وهو أيضا مفيد للعلم ببراءة الذمة وقد دل عليه العقل والنقل.
وثانيا: على تقدير ظهور الامام هل يحصل العلم للبعض أم للجميع أم الثاني فظاهر البطلان خصوصا في حق الغائب البعيد.
وأما الأول: فغاية ما يحصل له المشافهة والدلالات على قولكم ظنية فلا فرق
بين الحالين على ان احتمال التقية والنسيان من الراوي والاشتباه بعد يوم واحد قائم فلا يحصل العلم أيضا على قولكم.
فان قلت: كيف يدعى حصول العلم مع كثرة اختلاف الاخبار.
قلت: لا نسلم كثرة الاختلاف الحقيقي بل هو نادر والاختلاف الظاهري مع إمكان الجمع لا ينافي ثبوت الجميع بالتواتر أو القرائن كما في آيات القرآن المحكمة والمتشابهة والناسخة والمنسوخة والعامة والخاصة ونحوها على ان ذلك الاختلاف وقع كثيرا مع المشافهة فلا فرق بين ظهور الامام وغيبته في ذلك.
وأيضا فالاختلاف مع وجود المرجحات المنصوصة لا ينافي العلم والاختلاف مع عدم وجود المرجح نادر جدا بل يمكن ان يقال لا وجود له ولا يقدر الخصم على على إبراز مثال له ثم يعارض ذلك بالأدلة العقلية فإنها أكثر اختلافا وتعارضا وتناقضا كما هو ظاهر من أدلة الأصوليين خصوصا أصول الفقه وما أجبتم به فهو جوابنا على ان الاختلاف مع عدم المرجح ينافي العلم بالحكم الواقعي لا بالحكم الذي ثبت عن المعصوم وهو نوع من العلم يجب العمل به.
فان قلت: العلم يطلق بمعنى الظن والعلم العادي نوع من الظن لاحتمال النقيض عقلا.
قلت: بعد تواتر الأمر بالعمل بالعلم والنهى عن العمل بالظن لا يمكن الحكم بالترادف ولا اشتراك لفظ العلم بين المعنيين قطعا للزوم التناقض الواضح والإغراء بالقبيح وعلى تقدير كونه حقيقة ومجازا فالمجاز لا بد له من القرينة على ان الإطلاق المدعى ممنوع فعليكم البيان وعلى تقدير وجوده فهو مجاز لا ينفك من القرينة واما عد العلم العادي من أنواع الظن فبطلانه ظاهر عند المنصف وقد صرح العلامة ببطلانه في أول التهذيب.
فائدة (١٠١)
روى الصدوق في التوحيد عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن محمد بن عيسى قال قرأت في كتاب على بن بلال الى العالم يعني أبا الحسنعليهالسلام قد روى أصحابنا عن آبائكعليهمالسلام انهم نهوا عن الكلام في الدين فتأول مواليك المتكلمون بأنه انما نهى من لا يحسن ان يتكلم فيه فاما من يحسن ان يتكلم فيه فلم ينهه فهل ذلك كما تأولوا أم لا؟ فكتبعليهالسلام المحسن وغير المحسن لا يتكلم فإن إثمه أكبر من نفعه(١)
أقول: وفي معناه أحاديث كثيرة جدا متواترة معنى وقد اعترض بعضهم بان ذلك معارض بما دل على حسن المجادلة بالتي هي أحسن وما دل على حجية العقل كقولهمعليهمالسلام العقل دليل المؤمن وغير ذلك.
والجواب: أما الأمر بالجدال بالتي هي أحسن، فليس بصريح في جواز الاستدلال والجدال بما لم يثبت عن الأئمةعليهمالسلام دليله ولا مدلوله وليس فيه تصريح بجواز الاستدلال بدليل عقلي ظني ومعلوم ان أكثر أدلتهم ظنية داخلة في النهى وأما ما دل على حجية العقل فما دل منه على حجية الدليل السمعي مسلم، وذلك القدر قليل قطعي وما زاد لا دليل عليه وعلى تقدير العموم لا ريب انه مخصوص بغير الدليل
__________________
(١) التوحيد ص ٤٥٩
الظني وبغير الأحكام الفقهية الفرعية لأن العقل لا يستقل بمعرفة شيء منها كما اعترف به العلماء والمخصص متواتر على ان العقل ورد بمغى العلم واليقين ولذلك يقابل بالجهل لا بالجنون.
وقد تواتر النهى عن إثبات صفات الله من غير الكتاب والسنة فليخص الجدال بالتي هي أحسن بالاستدلال على ما ثبت في الكتاب والسنة بأدلة عقلية مؤيدة لها.
ومن فعل ذلك فقد استدل بالعقل والنقل وسلم من ارتكاب النهى والخطر فان قلت: قد روى الكشي بإسناده عن الطيار قال قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام انك كرهت منا مناظرة الناس وكرهت الخصومة فقال أما كلام مثلك للناس فلا نكرهه من إذا طار أحسن أن يقع وان وقع يحسن أن يطير فمن كان هكذا فلا نكره كلامه(١) .
قلت: هذا غير صريح في ان لهذا الرجل ان يتكلم بعقله ويستدل بالدليل الظني أو بدليل غير منقول عنهمعليهمالسلام أو في إثبات شيء لم يرد عنهمعليهمالسلام نص في إثباته كيف، وقد روى الكشي بإسناده عن الطيار انه قال لأبي عبد اللهعليهالسلام لو فلقت رمانة فأحللت بعضها وحرمت بعضها لشهدت ان ما حرمت حرام وما أحللت حلال فقال:فحسبك أن تقول بقوله(٢) يعنى بقول ابى جعفرعليهالسلام . فهذا الحديث يدل على ان الطيار ما كان يتكلم الا بكلام سمعه من الامامعليهالسلام أو سمع مدلوله.
وروى علماؤنا بأسانيدهم ان هشام بن الحكم سأل أبا الحسنعليهالسلام بمنى عن خمسمائة مسئلة من الكلام فقال يقولون كذا فقال قل لهم كذا فأجابه عنها وكان يتكلم بها.
ومعلوم ان مطالب الكلام لا تزيد عن ذلك ومن كان ملتزما بذلك لم يكن داخلا في النهي.
__________________
(١) معرفة الرجال ص ٣٤٨
(٢) معرفة الرجال ص ٣٤٩
وقد روى عن الصادقعليهالسلام انه قال متكلموا هذه العصابة من شر من هم منه(١)
وعنهعليهالسلام قال أما انه شر عليكم ان تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا(٢) .
وعنهعليهالسلام هلك المتكلمون ونجا المسلمون(٣) .
وعنهعليهالسلام انه نهى عن الكلام فقيل له انا نحتاج إليه لإلزام الخصوم فقال: خاصموهم بما بلغكم من علومنا فان خصموكم فقد خصمونا(٤) .
وعنهعليهالسلام انه سأل هشام بن الحكم عن كلامه مع عمرو بن عبيد فأخبره فاستحسنه وقال من علمك هذا فقال هذا شيء سمعته منك وألفته فقال: هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى(٥) .
وروى الكشي عن المشرقي انه قال للصادقعليهالسلام والله ما نقول الا بقول آبائكعليهمالسلام عندنا كتاب سميناه الجامع، فيه جميع ما يتكلم الناس فيه عن آبائك (ع) وانما نتكلم عليه، فاقبل عليه جعفرعليهالسلام فقال: إذا كنتم لا تتكلمون بكلام آبائي فبكلام ابى بكر وعمر تريدون ان تتكلموا(٦) .
وفي هذه الأحاديث وأمثالها وهو كثير جدا دلالة على ان الكلام في المرخص فيه هو ما ثبت عن الأئمة (ع) اما بلفظه أو بمعناه والغرض المطلوب منه.
وهذا بعيد من الكلام المشهور الان بل أدلة علم الكلام في أكثر التفاصيل مخالفة لأحاديث الأئمة (ع) كما لا يخفى على من تتبع تلك الإله وأحاديثهم (ع) وأما ما ذكره بعض المتأخرين من ان ذلك من فروض الكفاية لرد الشبهات من الضعفاء فقد عرفت جوابه على أنه لا يستقيم الا على مذهب العامة لأنهم يقولون ان أهل الحل والعقد حافظون للدين والشريعة وأما على قول الإمامية فلا حاجة إليه لأن ذلك من
__________________
(١) التوحيد ص ٤٦٠
(٢) الوسائل ج ٣ ص ٣٧٦
(٣) مستدرك الوسائل ج ٢ ص ٣٧٣
(٤) لم نجد الرواية في مظانه
(٥) معرفة الرجال ص ٢٧٢
(٦) معرفة الرجال ص ٤٩٩
وظائف الامام على ان من حصل له اليقين بالاعتقاد قدر على رد جميع الشبهات بدليل إجمالي.
ومن تتبع أحاديث الأئمة (ع) الواردة في مطالب الكلام المروية في كتاب أصول الكافي والروضة والاحتجاج والتوحيد وعيون الاخبار وإكمال الدين وكتاب الغيبة ونهج البلاغة وأمثالها وهو كثير جدا قدر على دفع جميع الشبهات بالأدلة التفصيلية ولا يقدر أحد من المعاندين والملحدين وأعداء الدين على إلزامه ولا تشكيكه فان المخالفين ما زالوا يعترضون على الأئمة (ع) فيجيبونهم بأجوبة إجمالية أو تفصيلية عقلية ونقلية فيها الكفاية.
وكذا كانوا يعترضون على علماء الإسلام في كل زمان فيعجزون غالبا عن الجواب ويجيبهم امام ذلك الزمان وذلك في مدة تزيد على ثلاثمائة وخمسين سنة وتلك الاعتراضات والأجوبة مروية مدونة في الكتب السابقة وأمثالها ولا يحتاج من اطلع عليها وفهمها أو فهم بعضها الى غيرها وأكثر تلك المطالب متواترة عند المتتبع الماهر وما لم يتواتر منها فهو محفوف بالقرائن الكثيرة ومن اطلع عليها لا يحتاج الى تمويهات المخالفين والفلاسفة والملاحدة التي لا يحصل منها الا الشكوك والشبهات كما هو مشاهد من كل من مال إليها واعتمد عليها والله الهادي.
فائدة (١٠٢)
قد تواتر في الكتاب والسنة ذم الكثرة ومدح القلة ومن تأمل ذلك ظهر له نفى حجية الإجماع لأنه عند التحقيق يرجع الى الشهرة والكثرة كما ذكره الشهيد في الذكرى ولو علم دخول المعصوم انتفت فائدته مع ان ذلك أمر قد اعترفوا باستحالته في زمان الغيبة مع ان كل إجماع ادعوه في زمان الغيبة بل ذهب جماعة الى عدم إمكان تحققه وجماعة الى عدم إمكان الاطلاع عليه والاعتبار الصحيح شاهد به والعلم العادي حاصل بأنه غير مقدور وان الاعتقاد أمر خفي غير محسوس وكثيرا ما يمنع من إظهاره موانع.
ومن هنا يظهر ضعف دليل العامة على امامة أئمتهم فإنه منحصر عند التحقيق في الإجماع المدعى بل في الشهرة والكثرة، وذلك مطلب جليل كثير الفائدة.
فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى( فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ ) (١) .
وقوله تعالى:( إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلّا قَلِيلاً مِنْهُمْ ) (٢) .
وقوله تعالى:( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ ) (٣) .
__________________
(١) البقرة: ٢٤٦
(٢) البقرة ٢٤٩
(٣) البقرة: ٢٤٩
وقوله تعالى:( وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ) (١) .
وقوله تعالى:( وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلّا قَلِيلاً ) (٢) .
وقوله تعالى:( وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلّا قَلِيلاً ) (٣) .
وقوله تعالى:( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلّا قَلِيلاً مِنْهُمْ ) (٤) .
وقوله تعالى:( قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) (٥) .
وقوله تعالى:( لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ) (٦) .
وقوله تعالى:( وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) (٧) .
وقوله تعالى:( وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ) (٨) .
وقوله تعالى:( وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) (٩) .
وقوله تعالى:( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (١٠) .
وقوله تعالى:( فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ ) (١١) .
__________________
(١) آل عمران ١١٠
(٢) النساء: ٤٦
(٣) النساء: ١٥٥
(٤) المائدة: ١٣
(٥) المائدة: ٢٥
(٦) المائدة: ١٠٠
(٧) المائدة: ١٠٣
(٨) الأعراف: ١٧٩
(٩) الأعراف - ١٥٩
(١٠) الأنفال: ٦٥
(١١) الأنفال: ٦٦
وقوله تعالى:( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ) .(١)
وقوله تعالى:( وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) .(٢)
وقوله تعالى:( فَما آمَنَ لِمُوسى إِلّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ ) .(٣)
وقوله تعالى:( وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ) .(٤)
وقوله تعالى:( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلّا يَخْرُصُونَ ) .(٥)
وقوله تعالى:( وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) .(٦)
وقوله تعالى:( ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَالنّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) (٧)
وقوله تعالى:( أَمَرَأَلّا تَعْبُدُواإِلّا إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَالنّاسِ لايَعْلَمُونَ ) .(٨)
وقوله تعالى:( وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) .(٩)
وقوله تعالى:( وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) (١٠) .
وقوله تعالى:( وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) (١١) .
وقوله تعالى:( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (١٢) .
وقوله تعالى:( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا
__________________
(١) التوبة: ٢٥
(٢) يونس: ٣٦ (٣) يونس: ٨٣
(٤) يونس: ٩٢ (٥) الانعام: ١١٦
(٦) يونس: ٢١ (٧) يوسف: ٣٨
(٨) الروم: ٣٠
(٩) يوسف: ٦٨
(١٠) يوسف: ١٠٣
(١١) يوسف: ١٠٦
(١٢) النحل: ٣٧
رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (١) .
وقوله تعالى:( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ) (٢) .
وقوله تعالى:( وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (٣) .
وقوله تعالى:( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلّا إِبْلِيسَ قالَ: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلّا قَلِيلاً ) (٤) .
وقوله تعالى:( قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلّا قَلِيلٌ ) (٥) .
وقوله تعالى: في عدة مواضع( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) (٦)
وقوله تعالى:( فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ ) (٧) .
وقوله تعالى:( قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلّا قَلِيلٌ ) (٨) .
وقوله تعالى:( وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (٩)
وقوله تعالى:( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ) (١٠)
وقوله تعالى:( فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) .(١١)
وقوله تعالى:( وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) .(١٢)
__________________
(١) النحل: ٧٥
(٢) النحل: ٨٣
(٣) النحل: ١٠١
(٤) الاسراء: ٦٢
(٥) الكهف: ٢٢
(٦) الشعراء: ١٠٣
(٧) الشعراء: ٥٦
(٨) هود: ٤٠
(٩) النمل - ٦١
(١٠) النمل: ٧٣
(١١) القصص: ١٣. (١٢) الروم: ٦
وقوله تعالى:( فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) .(١)
وقوله تعالى:( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) .(٢)
وقوله تعالى:( اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ) .(٣)
وقوله تعالى:( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (٤)
وقوله تعالى:( وَما أَرْسَلْناكَ إِلّا كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراًوَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَالنّاسِ لايَعْلَمُونَ ) .(٥)
وقوله تعالى:( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) .(٦)
وقوله تعالى:( لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) .(٧)
وقوله تعالى:( وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ) .(٨)
وقوله تعالى:( وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ ) .(٩)
وقوله تعالى:( قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (١٠)
وقوله تعالى:( اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) .(١١)
وقوله تعالى:( اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ
__________________
(١) يوسف: ٤٠
(٢) لقمان: ٢٥
(٣) السبأ: ١٣
(٤) السبا: ٢٠
(٥) السبا: ٢٨
(٦) السبا: ٣٦
(٧) يس: ٧
(٨) الصافات: ٧١
(٩) ص: ٢٤
(١٠) الزمر: ٤٩
(١١) الغافر: ٦١
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) .(١)
وقوله تعالى:( فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) .(٢)
وقوله تعالى:( وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (٣)
وقوله تعالى:( ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ ) (٤) .
وقوله تعالى:( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) (٥) .
وغير ذلك من آيات الكثيرة ومثلها أحاديث متواترة وآيات والروايات الدالة على ذم الناس أو أهل الدنيا أو أهل الأرض والمخلوقات كثيرة جدا والمراد به أكثرهم قطعا لخروج الأنبياء والأوصياء والمؤمنين والصلحاء وقد ظهر من ذلك ذم الكثرة ومدح القلة والتتبع والاستقراء شاهدان بكثرة أهل الباطل وقلة أهل الحق في كل زمان وكل مكان والله المستعان.
تنبيه
وقع الخطاء في ص ١٦ سطر ١٦
والصحيح: وما المانع من كون عليعليهالسلام قد قال لهم إلخ - مكان المانع من كون عليعليهالسلام إلخ:
وهكذا في سطر ١٧: ولم يقبلوا فتركهم - مكان لم يقبلوا إلخ.
__________________
(١) الجاثية: ٢٦
(٢) الذاريات: ٣٦
(٣) الطور: ٤٨
(٤) الواقعة: ١٦
(٥) الحديد - ٢٧
الفهرس
كلمة المصحح. ٤
فائدة (١) في أن الصدوق ره أجل من أن يوثق. ٧
فائدة (٢) جواب شبهة في خبر المنزلة ١٤
فائدة (٣) حديث في الرؤية ١٩
فائدة (٤) حديث آخر في الرؤية ٢٣
فائدة (٥) حديث المسح في التيمم. ٢٧
فائدة (٦) حديث قياس إبليس.. ٣٠
فائدة (٧) في بحث المعرف باللام ٣٤
فائدة (٨) حديث أرواح الكفار ٣٦
فائدة (٩) اسم الجنس.. ٣٨
فائدة (١٠) عبارة في حاشية الخطائي. ٣٩
فائدة (١١) التقديرات الشرعية ٤٠
فائدة (١٢) حديث العقل. ٤٢
فائدة (١٣) حديث من يعرف الحق لم يعبد الحق. ٤٩
فائدة (١٤) حديث المشكاة والمصباح. ٥٣
فائدة (١٥) حديث الأكل متكئا ٥٥
فائدة (١٦) عبارة في الطواف من شرح اللمعة ٥٧
فائدة (١٧) حديث اليمين في المعصية ٦٠
فائدة (١٨) حديث محاذاة المرأة ٦٢
فائدة (١٩) حديث وأما رحمك منكورة ٦٤
فائدة (٢٠) حديث الإرادة ٦٦
فائدة (٢١) حديث هلكت المحاضير. ٦٩
فائدة (٢٢) حديث تلقنون موتاكم لا إله إلا الله. ٧١
فائدة (٢٣) في تفسير اليتامى. ٧٣
فائدة (٢٤) تفسير ولا تؤتوا السفهاء ٧٦
فائدة (٢٥) حديث من عرف نفسه ٧٩
فائدة (٢٦) حديث إذا أحببته كنت سمعه ٨١
فائدة (٢٧) حديث ترجيع القرآن ٨٣
فائدة (٢٨) حديث التغني بالقرآن. ٩٥
فائدة (٢٩) حديث إن الشهوة عشرة أجزاء ٩٧
فائدة (٣٠) حديث الربح بعد الروح. ٩٨
فائدة (٣١) حديث لا أدرى أيهم أعظم جرما ١٠٠
فائدة (٣٢) حديث إنهم حجة الله على من تحت الثرى. ١٠٢
فائدة (٣٣) حديث المستمسك بالقضيب.. ١٠٤
فائدة (٣٤) حديث وأنه لذكر لك ولقومك.. ١٠٥
فائدة (٣٥) حديث علمهم بالمنايا ١٠٨
فائدة (٣٦) حديث الأرض لا تخلو من حجة إلا أربعين يوما ١١٠
فائدة (٣٧) حديث الإمام يعلم علم ما قبله إلا ما شاء الله. ١١٣
فائدة (٣٨) حديث الاثني عشر بعد الاثني عشر ١١٥
فائدة (٣٩) نقيض الموجبة الجزئية ١٢١
فائدة (٤٠) قولهم لازم العام لازم الخاص ١٢٣
فائدة (٤١) حديث القصر في فرسخ وفي عشرة أيام ١٢٤
فائدة (٤٢) حال تفسير العسگري (ع) ١٢٨
فائدة (٤٣) حديث بني الاسلام على خمسة ١٣١
فائدة (٤٤) حديث الاثني عشر من ولد علي (ع) ١٣٦
فائدة (٤٥) حديث الصلاة ليلة المعراج. ١٣٩
فائدة (٤٦) شرح خطبة لأمير المؤمنين (ع) ١٤٢
فائدة (٤٧) حديث حتى تموت جميع الخلائق إلا الثقلين. ١٥٨
فائدة (٤٨) في العمل بظواهر القرآن. ١٦٣
فائدة (٤٩) في البراءة الأصلية والاستصحاب.. ١٩٦
فائدة (٥٠) حديث إن أبا بكر بمنزلة السمع. ٢٢١
فائدة (٥١) دليل من منع من التتن والقهوة ٢٢٤
فائدة (٥٢) عدد الرواة والمصنفات وتوثيق أصحاب الصادق (ع) ٢٣١
فائدة (٥٣) إعراب فضلا عن كذا ٢٣٤
فائدة (٥٤) في أن أكثر علماء الأصول من العامة ٢٣٥
فائدة (٥٥) تأويل ما دل على أن الباعث على الفعل علم الله. ٢٣٧
فائدة (٥٦) في أن اذهاب الرجس لا يستلزم وجوده ٢٣٨
فائدة (٥٧) في رد من زعم ان كتابة الحديث مستحدثة ٢٤١
فائدة (٥٨) قبلة المكان المقابل الكعبة المشرفة ٢٥٤
فائدة (٥٩) رد قول من زعم عدم وجود التواتر ٢٥٦
فائدة (٦٠) رد حيلة اسقاط العدة ٢٧٢
فائدة (٦١) حديث عقول النساء في جمالهن. ٢٧٤
فائدة (٦٢) حديث التفويض إلى ملك في خلق السماوات.. ٢٧٦
فائدة (٦٣) في نفي حجية مفهوم الشرط. ٢٧٩
فائدة (٦٤) حديث يقال ذلك من السنة ٢٩٢
فائدة (٦٥) في استقبال القبلة حال الوضوء ٢٩٤
فائدة (٦٦) إعراب لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين. ٢٩٥
فائدة (٦٧) حديث إياك أن تفرض فريضة ٢٩٧
فائدة (٦٨) تفسير سبع سنابل. ٢٩٨
فائدة (٦٩) حديث ان سورة التوحيد تعدل ثلث القرآن. ٣٠١
فائدة (٧٠) عبارة من قواعد الشهيد «ره». ٣٠٤
فائدة (٧١) عبارة في مراتب المعرفة ٣٠٥
فائدة (٧٢) في نفي اشتراك علي بن الحكم. ٣١١
فائدة (٧٣) في نفي اشتراك أبي بصير وتعيينه ٣١٣
فائدة (٧٤) في جواب من أنكر الاستدلال بالاخبار على العمل بالأخبار ٣١٦
فائدة (٧٥) في الاستدلال بآيات قرآنية على طريقة الأخباريين. ٣١٨
فائدة (٧٦) في تقليد الميت والحي والمنع منهما ٣٢٦
فائدة (٧٧) في اشتراط أحكام الميت بإذن الولي. ٣٤٣
فائدة (٧٨) حديث أشعر الشعراء أمرء القيس.. ٣٤٦
فائدة (٧٩) في عدم حجية الدليل العقلي الظني. ٣٥٠
فائدة (٨٠) حديث صوم الثلاثة ٣٥٦
فائدة (٨١) حديث النملة ٣٥٨
فائدة (٨٢) حديث مشي الحسن عليه السلام والمحامل معه ٣٦٢
فائدة (٨٣) الأدلة الضعيفة ٣٦٤
فائدة (٨٤) حديث الدنيا سجن المؤمن. ٣٧٢
فائدة (٨٥) حديث علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل. ٣٧٦
فائدة (٨٦) حديث أول صلاة أحدكم الركوع. ٣٧٩
فائدة (٨٧) حديث شهر رمضان لا ينقض أبدا ٣٨٢
فائدة (٨٨) توجيه دعاء أسئلك برحمتك.. ٣٨٨
فائدة (٨٩) حديث في الرضاع. ٣٩٠
فائدة (٩٠) حديث إن الله ضمن للمؤمن عشرين خصلة ٣٩٣
فائدة (٩١) عدم جواز الاستنباطات الظنية ٤٠٢
فائدة (٩٢) جواب رسالة في الاجتهاد ٤١٧
فائدة (٩٣) حديث أيام زائري الحسين لا تعد من أعمارهم. ٤٥٩
فائدة (٩٤) حديث علينا ألقاه الأصول وعليكم التفريع. ٤٦٣
فائدة (٩٥) حمل الأخبار على التقية ٤٦٧
فائدة (٩٦) في مسئلة أصالة الإباحة ٤٧٢
فائدة (٩٧) حديث لعن الكفار والفساق. ٥١١
فائدة (٩٨) تحقيق أقسام الشبهة ٥١٨
فائدة (٩٩) التياسر في القبلة ٥٢٢
فائدة (١٠٠) جواب من أنكره إفادة بعض الأخبار العلم. ٥٢٥
فائدة (١٠١) حديث النهي عن الكلام ٥٤٨
فائدة (١٠٢) آيات في ذم الكثرة ومدح القلة ٥٥٢