اليتيم في القرآن والسنة
بسم الله الرحمن الرحيم
مع الكتاب في طبعته الثانية
قارئي الكريم :
عذراً إذا لم يوف حق اليتيم في الطبعة الأولى من كتابنا هذا « اليتيم في القرآن والسنّة » فقد فوجئت في حينها من قبل إدارة « دار الزهراء للطباعة والنشر » الموقرة بطلب طبع مالي من نتاج كتابي ، وكنت يومها في سفرة إلى ربوع لبنان ، ولم أكن قد صحبت معي في تلك السفرة إلا هذا الموضوع ، وهو محاضرة من سلسلة محاضرات كنت ألقيها على بعض الأخوان من طلاب العلوم الدينية ممن تضمهم الحوزة العلمية في النجف الأشرف.
والقارئ العزيز يدرك أن طبيعة المحاضرات في مثل هذه الجلسات لا تسمح للمحاضر بالكتابة الشاملة لاستيعاب الموضوع من جميع جوانبه التي تحيط به ، لذلك كانت على جانب من الإختصار وأخيراً طلبت مني الدار ـ مشكورة ـ الإذن في إعادة طبع الكتاب بعد أن نفذت النسخ التي طبعت منه.
لذا رأيت لزاماً عليّ ـ وأنا ألبّي الطلب ـ أن أعيد النظر في بعض فصوله وإضافة مواضيع جديدة له تعميماً للفائدة. ولعلني ـ في الوقت نفسه ـ أكون قد أديت بعض ما لليتيم من حق في التنويه عن حقوقه المادية ، والاجتماعية بشكل أوسع مما سبق في الطبعة الأولى.
والله الموفق ، وهو المسدد للصواب.
النجف الأشرف : عز الدين السيد علي بحر العلوم
بسم الله الرحمن الرحيم
للطفل في الشرائع السماوية مكانة محفوفة باللطف ، والرعاية ، فهي تستثنيه من التكاليف التي لا تمس حقوق المكلفين كما توجه أبنائها إلى الإِهتمام بتوجيهه ، وتربيته وله حقوقه الثابتة فيها ، ويستطيع معرفتها كل من يراجع الكتب السماوية ، ولا سيما القرآن الكريم ، والسنة النبوية. ولا تحتاج معرفة سبب هذا الإِهتمام إلى دراسة ، وتفكير. فأهمية الطفل في المجتمع الإِنساني العام واضحة تماماً ، فهو اللبنة المقومة لبناء المجتمع. والعناية به عناية بالبناء نفسه.
وبما أن الطفل في عالمه الطفولي لا يتمكن من تربية نفسه وتوجيهها إلى صالحه ، وصالح مجتمعه لذلك نرى العناية الإِلهية تولي هذه الناحية الإِهتمام الوافر ، فتوجد في نفس الأبوين عاطفة جياشة تشدهما شداً وثيقاً إلى الطفل من اللحظات الأولى التي تبدأ فيها مسيرته التكوينية ، فعواطف الأبوين هي المادة الحيوية في توجيه حياة الطفل ، وتقويمها.
وفي سبيل تنمية هذه العواطف ، وتصعيدها نرى الرسول الاكرم (ص) يخاطب زوجته أم سلمه قائلاً :
« إذا حملت المرأة كانت بمنزلة الصائم. القائم. المجاهد بنفسه وماله في سبيل الله ، فإذا وضعت كان لها من الأجر ما لا يدري أحد ما هو لعِظَمه ، فإذا أرضعت كان لها بكل مصةٍ كعدل عتق محررٍ من ولد إسماعيل ، فاذا فرغت من رضاعه ضرب ملك كريم على جنبها وقال :
إستأنفي العمل فقد غفر لك »(١)
.
لقد تناول الحديث الشريف مرحلتين من أهم المراحل التي يمر بها الوليد ، وهما :
مرحلة الحمل ، ومرحلة التغذية في دورها الرضاعي. وعلى هاتين القاعدتين تبتني الحياة.
ويأتي التشويق للمحافظة على الجنين في المرحلة الاولى في أروع صورة عندما يقول النبي (ص) إذا حملت المرأه كانت بمنزلة الصائم القائم المجاهد ».
لقد منح الحديث المرأة الحامل ثواب :
١ ـ الصائم.
٢ ـ القائم : وهو الذي يقضي وقته بالعبادة لله سبحانه.
٣ ـ المجاهد : ولم يحدد الحديث الجهاد ، بل كان مطلقاً يشمل الجهاد على الصعيدين : بالنفس ، وبالمال في سبيل الله.
وثواب هؤلاء : طفحت ببيانه كتب الحديث من جميع المذاهب فأسهبت في تقديره.
كل ذلك تناله المرأة الحامل ، ولكن لماذا كانت موضع عناية الله في الحصول على كل هذا الثواب ؟
فهل قضت تلك المرأة أيامها صائمة ؟.
أو هل اتعبت بدنها بالعبادة المتواصلة ؟.
أو هل ضربت بسيف في معركة جهادية مع الكفار ؟.
__________________
(١) وسائل الشيعة : حديث (١) من الباب (٦٧) من أبواب أحكام الأولاد.
أو هل أنفقت من مالها إلى الفقراء ، والمعوزين لتنال بواحدٍ من هذه الأمور ، أو بأكثر كل هذا الثواب ؟.
ويأتي الجواب عقب هذه التساؤلات بكلمة ( لا ) ..
وإذا فلماذا نالت المرأة كل ذلك ؟.
ونتلمس الجواب واضحاً من خلال الحديث نفسه في قوله (ص) : « إذا حملت المرأة » الخ ...
فالحمل : هو السبب في نيلها هذه الدرجات الرفيعة. وأي إمرأة لا تحافظ على حملها إذا كان الأجر بهذا النوع من العطاء الجزل من الله سبحانه ؟.
أما في المرحلة الثانية : وهي المرحلة المتعقبة للولادة فنرى الحديث يشوق الأم لتغذية الطفل وضمه إلى صدرها بأن يمنحها بكل مصةٍ من ثديها ثواب عتق رقبة مؤمنة. وأخيراً يختتم الحديث بأن يزف إلى تلك الام المرعضة البشرى الكبرى بأنه بانتهاء عملية الرضاع لكل وجبة غذاء يقول لها ملك كريم : « إستأنفي العمل فقد غفر لك ».
بهذا الأسلوب الرقيق جاءت الشريعة لتحث الوالدة لتتولى بنفسها تغذية الولد في أدواره الاولى من هذه الحياة ولا تتركه عرضة تتلاقفه المرضعات بين أحضانهن لان لبنها مكيف تكييفاً مناسباً لحال الطفل ، وبنيته فالام تعذي الطفل بلبن دافىء معقم طبيعي حي غير متغير بالتسخين ، أو فاسد بالجراثيم أو مختلف عليه لو كان من مرضعة أخرى.
والطفل حين تضمه الأم إلى صدرها تلاعبه وتلاطفه وتغذيه من لبنها تشعره بدفء الحنان الأنثوي ، وبعاطفة الأمومة فيأنس الطفل بهذه العاطفة ، ويطمئن إلى مصدر هذا اللطف.
ولهذا نرى الأطباء ينصحون الامهات اللاتي يرضعن أولادهن
بالزجاجة أن لا يحرمن الطفل من هذه المداعبة والملاطفة لئلا يفقد الصغير الغذاء الروحي كما فقد اللبن منها.
وبنفس التقام الطفل لحلمة الثدي فائدة عظيمة حيث تتهيج الام بدغدغة هذا الموضع منها فتهيج عواطفها مما يبعثها على تقريب الطفل ، وضمه إليها وهي تشعر بالعطف المتزايد عليه وبهذا تشتد أواصر المحبة بينهما.
ويستمر التوجيه من الشارع المقدس للأبوين ليكملا ما بعد هذا الدور من أدوار الطفولة لينال الطفل تربية صالحة فالتربية الصالحة كفيلة بخلق جيل يحقق للأمة سعادتها وهنائها.
أما الأهمال ، وعدم الرعاية فنتيجته الحتمية هو ايجاد جيل ينخر في كيان الامة مما يؤدي إلى تدهورها ، وسقوطها.
ومن خلال هذه العناية بالطفل نرى اللطف الإِلهي يتجلى في أظهر صوره حيث يتبنى مشكلة يعاني المجتمع منها في جميع الادوار والمراحل تلك هي مشكلة ( اليتامى ) الذين يفقدون اليد التي تحنو عليهم ، ويبقون عرضة لاعاصير هذه الحياة العاتية ومورداً خصباً لتجمع الرذائل ، والموبقات وبذلك تفقد الامة من أعضائها ما بهم تشد أزرها ، ويخسر المجتمع أفراداً كانت الاستفادة منهم حتمية لو حصل لهم من يبادلهم العطف ، واللطف ، والرعاية الطيبة.
ولذلك نرى الدين الاسلامي الحنيف يفرض على مجتمعه ويكلف كل فردٍ من أبنائه برعاية اليتيم ، والعناية به في سائر شؤون الحياة لئلا ينشأ فاقد التوجيه ، ويصبح عاهة في المجتمع العام ، فإهمال اليتيم يساوي إهمال المجتمع ، وهدم كيانه الحافظ للحياة الإِنسانية العامة.
وإذاً فلكي نحافظ على مجتمعنا ، وندافع عن مصالحه يلزمنا القيام
برعاية اليتيم ، وسد الفراغ العاطفي منه ، وذلك باشغال شعور الطفل بما ينسى به فقد أبيه.
اليتيم : كما تطالعنا به كتب اللغة هو :
الفرد من كل شيء. يقال : بيت يتيم ، وبلد يتيم. ومن الناس من فقد أباه.
ومن البهائم من فقد أمه.
وحيث كانت الكفالة في الإِنسان منوطة بالاب كان فاقد الاب يتيماً دون من فقد أمه.
وعلى العكس في البهائم ، فإن الكفالة حيث كانت منوطة بالام كذلك كان من فقد أمه يتمياً.
وقد حدد اللغويون نهاية هذا العنوان فقال الليث : اليتيم ، الذي مات أبوه ، فهو يتيم حتى يبلغ الحلم فإذا بلغ زال عنه إسم اليتم.
وهكذا قال غيره من علماء اللغة.
تحديد عنوان اليتيم :
ويتفق الفقهاء مع اللغويين بتحديد اليتيم إلى هذا الحد ، فهم يرون أن هذا العنوان يتمشى مع الطفل إلى حد البلوغ الشرعي ، والذي تقرره الشريعة المقدسة بظهور واحدٍ من علامات ثلاث :
١ ـ إنهاء الطفل خمسة عشر عام من عمره إذا كان ذكراً ، وتسعة إذا كان إنثى.
٢ ـ إنبات الشعر على عانته.
٣ ـ الإِحتلام بخروج المني منه ، أو الحيض من الأنثى.
حيث تنبىء هذه العلامات بوصوله إلى مدارك الرجال. وحينئذٍ ، فينتقل من مرحلة الطفولة ، وهي مرحلة عدم المسؤولية إلى مرحلة العبء الإِجتماعي ، والمسؤولية الشرعية التي تفرض على الرجال البالغين.
ولم يقتصر إطلاق عنوان اليتيم على الطفل قبل بلوغه بل أطلق على البالغين أيضاً ، ولكنه إطلاق مجازي ، وليس باطلاق حقيقي كما كانوا يسمون النبي (ص) وهو كبير : « يتيم أبي طالب » ( عليه السلام ) لانه رباه بعد موت أبيه وفي الحديث : « تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو أدنها ».
أراد باليتيمة : البكر البالغة التي مات أبوها قبل بلوغها ، فلزمها إسم يتيم ، فدعيت به ، وهي بالغة مجازاً.
الذي يظهر مما يقوله أهل اللغة في هذا الصدد هو : أن التسمية بهذا الاسم منشأها عدم الاعتناء الذي يلاقيه من فقد كفيله وهو بهذا السن من العمر حيث صرح بمثل ذلك من تضلع بتتبع هذا النوع من المصطلحات.
يقول المفضل : أصل اليتم الغفلة ، وبه سمي اليتيم يتيماً لانه يتغافل عن بره.
أما أبو عمر فقال اليتم : الإِبطاء ، ومنه أخذ اليتيم لأن البر يبطىء عنه(١) .
__________________
(١) لاحظ للموضوع من ناحيته اللغوية : لسان العرب / مادة يتم. ومن الناحية الفقهية كافة المصادر الفقهية لجميع المذاهب.
ليس من السهل ضبط حصة اليتيم من السنة الكريمة على النحو الدقيق.
أمّا حصته في القرآن الكريم فقد تعرضت الآيات له في اثنين وعشرين آية(١) مقسّمة إلى أقسام ثلاثة :
تعرض القسم الأول منها إلى بيان شمول اللطف الإِلهي له في الشرائع السابقة ، والايصاء به.
أمّا القسم الثاني : فقد تعرض إلى بيان حقوقه الاجتماعية. وقد تركز القسم الثالث على بيان حقوقه المالية.
كما وقد تناولت الآيات الكريمة بشكل خاص يتامى آل النبي محمد (ص) تمييزاً لهم في بعض الحقوق المالية عن بقية اليتامىٰ لاداء بعض ما للنبي الاكرم (ص) من حقٍ على الناس.
لو لاحظنا اليتيم لرأيناه : طفلاً من الاطفال فقد كفيله ، وحرم من تلك العواطف الابوية ، ولكنه لم يفقد الرحمة الإِلهية حيث إحاطته فكانت
__________________
(١) وهي كما يلي :
سورة البقرة : آية (٨٣ ، ١٧٧ ، ٢١٥ ، ٢٣٠).
وسورة النساء : آية (٢ ـ ٣ ، ٦ ، ٨ ، ١٠ ، ٣٦ ، ١٣٧).
وسورة الأنعام : (١٥٣) ، وسورة الانفال آية (٤١) وسورة الاسراء آية : (١٧) وسورة الكهف : آية (٨٢) ، وسورة الحشر : آية (٧) وسورة الإِنسان : آية (٨) وسورة الفجر : آية (١٧) وسورة البلد : آية (١٥) وسورة الضحى آية (٦ ، ٩) وسورة الماعون آية (٢).
له الحصة الوافرة في التشريع من الحث على ضرورة التزامه ، والامن بعدم التجاوز على حقوقه ، والترغيب في جلب مودته ، والتلطف به لئلا يشعر بالوحدة والانعزال ، ولئلا يكون فريسة لشهوات أولئك الذين لم تجد الرحمة إلى قلوبهم سبيلاً.
ولم يكن هذا المعنى من مختصات شريعتنا الاسلامية المقدسة بل كانت هذه الرعاية سنة الله في خلقه قبل أن يقوم للاسلام كيان ، فرعاية اليتيم ، والمحافظة عليه كانت من جملة بنود الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل من قبل. فالقرآن الكريم يحدث النبي (ص) عن هذا الميثاق المقدس ويوضح له ذلك في الآية الكريمة التالية :
( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) (١) .
ولسنا الآن بصدد بيان أين ، ومتى أخذ هذا الميثاق ، بل المهم هو أن القرآن الكريم يعرض بنود هذا الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل ، والذي هو ميثاق إلى جميع البشر من غير الاسرائيليين لعدم إختصاصهم به لانه الركائز الحقيقية لدين الله الحنيف في جميع شرائعه المقدسة ، وهي الاصول الثابتة لبناء مجمتمع متماسك الاطراف.
ومع الميثاق في بنوده :
١ ـ لا تعبدون إلا الله:
الاقرار بالله ، والتوحيد لذاته المقدسة هو البند الاول في هذا الميثاق الانساني ، وهو كل شيء ، وقبل كل شيء في هذه الحياة. فلا عبادة لغير
__________________
(١) سورة البقرة آية (٨٣).
الله ، ولا خضوع لغير ذاته المقدسة ، فاليه لابد من الاتجاه في كل صغيرة وكبيرة. وفي السراء والضراء لا بد من التوكل عليه ، والاتجاه لغيره هو الشرك الذي يفسد على الكون نظامه.
( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا ) (١) .
فلا يستقيم نظام الكون لو فسحنا المجال لشريك يعبده الفرد. وكيف نتصور كوناً تحكمه إرادتان ، ولنفرض ان إحدى الارادتين توجهت لسلب شيء ، بينما كانت الاخرى تريد الايجاب. وهكذا في بقية المجالات التي يحصل فيها الاختلاف فأي الارادتين تتقدم ؟.
إذاً فلا بد من السير على النهج الذي يضمن للحياة استقامتها وللمجتمع سعادته ، وهذا ما لا يحصل إلا بتوحيد الله سبحانه والعبودية له.
( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ .اللهُ الصَّمَدُ .لَمْ يَلِدْ .وَلَمْ يُولَدْ .وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) (٢) .
والشرك بعد كل هذا يسد طريق المغفرة على الانسان( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) (٣) .
وإذا انسدّ باب المغفرة في وجه الفرد ، فمصيره جهنم. وإذاً فالتوحيد هو اللبنة الاولى في سعادة الفرد ومن وراء ذلك سعادة المجتمع الموحد المتماسك الاطراف وإذا ما انتقلت الآية الكريمة تطالع الرسول الاعظم ببيان البند الثاني من ذلك الميثاق فاذا بها تصرح :
__________________
(١) سورة الانبياء : آية (٢٣).
(٢) سورة الاخلاص : الآيات (١ ـ ٤).
(٣) سورة النساء : آية (٤٨).
٢ ـ وبالوالدين إحساناً :
لقد تكفلت الفقرة الاولى من هذا الميثاق ببيان عرى الوحدة الإِلهية وأن الفرد لا بد أن يتخذ إلهاً واحداً لا شريك له ، لذلك جاء البند الثاني يبين للاجيال عرى الوحدة الاجتماعية ، وفي مقدمتها الاحسان إلى المجموعة البشرية.
فبالاحسان إلى الآخرين تتماسك أواصر المجتمع ، وبالعطف على الضعيف تموت العوامل التي تهدم بناء الامم ، فتحل بمكانها المحبة ، والسلام ، والعطف ، والرعاية من البعض إلى الآخرين حيث يتحسس القوي أحوال الضعيف ، فيبادله الآخر عطفه ومحبته ، وبذلك يجد الخير طريقه إلى قلوب الوادعة الآمنة دون أن تكون موطناً للحسد ، والنفاق ، والحقد ، وبقية الموبقات التي تجر على المجتمع آلاماً ومصائب.
ولكن للاحسان درجات يتقدم البعض منها على البعض الآخر طبقاً لقانون : تقديم الاهم ، ورعاية لما يقتضيه تأخير المهم. فالاحسان حسن ، ولكن في الدرجة الاولى لا بد وان يكون إلى الابوين لانهم الاصل الطيب لهذا الفرع ، وعلى هذا الأصل يتكيء الفرع وما تليه من ثمرات.
فالابوان : مصدر العاطفة ، ومنبع الحنان ، ومهد اللطف والرعاية ، ولا بد من مقابلة جهودهما المبذولة بالبر ، والاحسان وهما ـ في الوقت نفسه ـ أقرب حلقة إلى الانسان لذلك نرى الاهتمام بهما من قبل الشارع المقدس ملحوظاً في أكثر من مورد.
ونستعرض إلى عرض الكثير من هذه الموارد في فصل قادم.
٣ ـ وذي القربى :
فقرابة الانسان هم الاوراق المتدلية من أغصان شجرة الاسرة. وهم
ـ في الوقت نفسه ـ الحواشي ، والاطراف والايصاء بهم من جملة ما يحقق البر والاحسان ، ويحقق الرحمة ، والتآلف بين الافراد.
يقول أحد الرواة قلت لأبي عبدالله الصادق ( عليه السلام ) « إن آل فلان يبر بعضهم بعضاً »(١) ويتواصلون فقال : إذاً تنمىٰ أموالهم ، وينمون ، فلا يزالون في ذلك حتى يتقاطعوا ، فاذا فعلوا ذلك انقشع عنهم.
والمجتمع ليس إلا هؤلاء الافراد المجتمعون ، وسعادته تتوقف على ما يربط بينهم من التودد ، والتحابب ، وهذا ما يتمثل في صورة الاحسان ، والخير. وحواشي المحسن بعد أصوله مقدمون على غيرهم.
٤ ـ واليتامى :
وحيث تم الايصاء بالاحسان بوشائج النسب ، ولحمته من الأصل ، والحواشي كانت الآية الكريمة تنحو بفقراتها الميثاقية إلى الايصاء بما يتعدى الأصل ، والاسرة النسبية فتشمل موارد الاحسان افراداً آخرين من أسرته الكبرى في هذه الحياة ، وهم : أبناء نوعه من البشر دون أن تقتصر بالاحسان على سبب قريب من أب ، أو رحم.
بل هناك في الناس من يحتاج إلى الاحسان وتتوقف حياته على الرعاية به خصوصاً إذا كان ( يتمياً ).
واليتامى هؤلاء الناس الابرياء الذين شاءت الحكمة الإِلهية أن يختطف الموت اليد الكفيلة فتعوضهم بأيدٍ أخرى محسنة تحوطهم بكل معنى الرعاية ، والمحبة فجعلت الرحمة ، والعناية من جملة القواعد التي يتركز عليها دين الله القويم ، فكانت رعاية اليتيم من جملة بنود الميثاق المأخوذ على بني اسرائيل والذي هو صورة مرسلة إلى جميع البشر لئلا
__________________
(١) أصول الكافي : حديث (٢٠) من باب صلة الرحم.
يفقد اليتيم من يرعاه ، فيبقى نتيجة الإِهمال عضواً عاطلاً ، عالة على الآخرين.
ومن خلال بعض المشاهد نرى الرحمة الإِلهية تشمل اليتيم بنحو من الرعاية حيث لم تكتف بالايصاء به ، وأخذ ذلك في الميثاق على بني إسرائيل ، بل ينتقل من الايصاء ، والترغيب إلى التطبيق ، والاظهار للآثار المترتبة على معاملة اليتيم بالحسنىٰ ، ورعاية حقوقه لتظهر إلى الناس مدى التأثير الذي يخلفه هذا العمل الانساني.
فعن رسول الله (ص) أن عيسى بن مريم ( عليه السلام ) مر بقبر يعذب صاحبه ، ثم مر به من قابل ، فإذا هو ليس يعذب فقال : يا رب مررت بهذا القبر عام أول فكان صاحبه يعذب ، ثم مررت به العام ، فاذا هو ليس يعذب فأوحى الله عز وجل إليه : يا روح الله أنه أدرك له ولد صالح ، فأصلح طريقاً ، وأوى يتيماً ، فغفرت له بما عمل إبنه(١) .
من الايصاء ، والصعيد الكلامي تنتقل الشريعة ـ كما قلنا ـ الى الصعيد العملي لترغب الافراد في التسابق على أعمال الخير ، فقد غفر الله لعبده المعذب لانه أدرك له ولد صالح ، فأصلح طريقاً يمر به الناس ، وأوى يتمياً صغيراً لا كافل له ، فمنحه من عطفه ما أنساه مرارة اليتم ، فكان جزأوه من الله النجاة من العذاب لينال بذلك ثمار تربيته لذلك الولد. أما جزاء ذلك الولد على تلك الرعاية فذاك موكول إلى لطف الله سبحانه ، وهو الكريم.
وفي مشهد آخر من المشاهد التي نرى فيها رعاية اليتيم واضحة عبر الشرائع السابقة نرى القرآن الكريم يتعرض لقصة النبي موسى (ع) مع العبد الصالح ( الخضر ) (ع) حيث وجدا في سفرهما « جداراً يريد أن
__________________
(١) سفينة البحار : مادة ( يتم ).
ينقضي فأقامه » وأصلحه الخضر بدون أجر يأخذه على ذلك العمل. لذلك كان هذا المنظر غريباً على موسى.
( قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ) (١) .
وتمر لحظات ينتظر فيها موسى الجواب الشافي من الخضر فاذا به يكشف الحقيقة قائلاً :
( وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ) (٢) .
لقد حفظ الله بعنايته لهذين اليتيمين كنزهما المذخور جزاءً لصلاح ابيهما وقد ذكرت كتب التفسير أنه كان ذلك جزاء صلاح أب لهما بينهما ، وبينه سبعة آباء.
وهكذا كان صلاح الآباء مثمراً في حفظ حقوق الذرية ورعاية ما أودع لهما من كنز مالي ، أو علمي على اختلاف ما جاء في التفسير من هذه الجهة ، وبيان نوعية الكنز.
كما كان صلاح الولد مثمراً في رفع العذاب عن الاب المقبور فيما سبق من قصة عيسى ـ عليه السلام ـ ومروره على أحد القبور.
أن هذه الآثار الدنيوية هي النتائج المترتبة على حسن نية المرء في حياته اتجاه الآخرين فكما تدين تدان.
وجلت عظمته حيث يقول :
__________________
(١) سورة الكهف : آية (٧٧).
(٢) سورة الكهف : آية (٨٢).
( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ،وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (١) .
وفي موضع آخر من كتابه الكريم قال
( وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ ) (٢) .
ولا بد للمرء أن يحب لغيره نفس ما يرغب به لنفسه ، ويدفع عن الباقين نفس ما لا يرغب به لنفسه لينتظم بذلك الاجتماع ، ويأمن الباقون من الشرور التي تصدر من الأفراد ، وبذلك تسير الحياة هادئة مطمئنة ، فيؤدي كل فردٍ الدور الذي يناط به ، ويتحمل أعباء مسؤوليته.
لقد أولت الشريعة الاسلامية اليتيم عناية فائقة ، وحثت على رعايته والمحافظة على أمواله ، وحذرت من التجاوز على حقوقه.
ومن جهة أخرى فقد أهابت بالمحسنين أن يقوموا بتهذيبه وتأديبه كما يراعي الوالد أبنائه.
ولكن الملاحظ من المشرع أنه أكد بشكل ملحوظ على رعاية حقوقه المالية ، ولربما كان هذا بشكل يفوق بقية الجهات المطلوبة في رعاية اليتيم وقد ظهر ذلك من الآيات الكريمة والاخبار الشريفة والتي تشكل بدورها مجموعة كبيرة تلفت نظر الباحثين.
ولا غرابة في هذا التأكيد المتواصل من الشريعة على هذه الجهة لو
__________________
(١) سورة الزلزلة : آية (٧ ـ ٨).
(٢) سورة لقمان : آية (١٦).
لاحظنا طبيعة القوم في أول الدعوة ، والظروف المحيطة بالمنطقة العربية مما كان يستدعي هذا الحث ، وهذا التأكيد.
لقد أطل الاسلام بنوره على الجزيرة العربية والقوم غارقون في ظلمات تقاليدهم الموحشة من الغزو ، والنهب ، وتقديم القوي على الضعيف ليكون هذا طعمة سائغة له فيرزح تحت الضغط الذي يواجهه من الطبقة المتجاوزة.
المنطقة المتكالبة لا عمل لها سوى الغزو ، والنهب والحروب المستعرة تجرها النعرات القبلية لتعيش على أسمال الغنيمة المغتصبة ولذلك كان الضعيف طعمة للقوي فكيف باليتيم ، والذي يأتي في الرعيل الاول من مسيرة الضعفاء والبائسين.
مجتمع قاسٍ لا يرى كرامة الانسان مهما كانت شخصيته ما دام لا يتمكن من حفظ نفسه أمام تيارات القوة والتعدي.
مجتمع يضفي على نفسه شكل مرير من التقوقع القبلي فتتخذ كل قبيلة لها شاعراً يمجد بها ، ويصوغ من غزوها ، ونهبها درراً يشب الصغير على ترتيلها ليكبر ، وتكبر معه روح التجاوز والانتقام.
في هذا الجو المليء بالشجون ، والمآسي يقبع اليتيم يندب حظه العاثر ليخضع لتجاوز الاولياء ، والاقوياء فلم يجد له من يمد له العون ليحفظ له حقوقه ، ويراعي شؤونه ، وقد بقي وحيداً في معركة الحياة ولكن الاسلام :
دين العدل ، والمساواة ، ومبدأ الرحمة ، والعطف جاء ليأخذ بيد الضعفاء فيرفع بهم إلى المستوى الذي يجدون فيه حقوقهم كاملة غير منقوصة مهما كلف الثمن فالقوي عنده ضعيف حتى يأخذ منه الحق ، والضعيف في نظره قوي حتى يأخذ له حقه.
بهذا المنطق القويم جاء الاسلام ليحل بين ظهراني تلك القبائل المتمردة على العرف الانساني لذلك لا نجد غرابة لو كانت حصة اليتيم وافرة في مقام التشريع فيلقى الاهمية البالغة من جانبه سواءاً في الكتاب المجيد ، أو في السنة على لسان أمناء الوحي النبي الاكرم ، وأهل بيته ومن تبعه على حق.
تناولت الموسوعة التشريعية تقييم اليتيم من الجهتين : الاجتماعية والمالية.
فشرعت له في هذين المجالين ما يحقق رعايته كفرد فقد كفيله ، فأصبح إلى من يبادله العطف ، والحنان ، والتربية الصالحة ليكون فرداً صالحاً لا تؤثر على نفسيته حياة اليتيم ولا تترك الوحدة في سلوكه انحرافاً يسقطه عن المستوى الذي يتحلى به بقية الافراد ممن يتنعم بحنان الابوة ، وعطفها.
ومن جهة أخرى أحكمت له حقوقه المالية حيث يكون ـ والحالة هذه ـ عرضة للاستيلاء من جانب الاقوياء.
لقد تنوع الاسلوب التشريعي في بيان حقوق اليتيم الاجتماعية : ولكنه شرع معه من حين الطفولة المبكرة لما لهذه المرحلة من الاهمية البالغة في احتضان اليتيم ، وإيوائه ليعيش في جو من الحنان الدافىء لينسيه مرارة اليتم ، وليعوض عليه ما فاته من عواطف الابوة.
ولذلك نرى الكتاب الكريم يسلك طريقاً جديداً للوصول إلى بيان
حقوق اليتيم الاجتماعية ذلك هو توجيه الخطاب إلى النبي الاكرم متخذاً من الواقع المرير الذي مر به وهو طفل خير درس يوجهه إلى الأفراد لرعاية هذه الزهور الذابلة.
من هذه النقطة سيكون المنطلق لمسيرة الاسلام مع الحملة التوجيهية لليتيم.
لقد مرت هذه الادوار بالرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله ـ يوم فقد أباه وهو طفل فقيض الله له جده عبد المطلب ( شيخ الابطح ) ليقوم برعايته ، وتربيته فقد شاءت الحكمة الإِلهية أن يذوق المنقذ الاول للانسانية مرارة اليتم ، فيفقد الحنان الابوي لولا أن يعوضه الله بمن سد له هذه الخله ليطبق الدرس تطبيقاً عملياً فتسير الامة على هداه ، وتنحو هذا النحو من السلوك الذي تتمخض نتائجه بالتوجيه الصالح للافراد.
١ ـ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ ) .
٢ ـ( وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَىٰ ) .
٣ ـ( وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَىٰ ) .
٤ ـ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ) (١) .
هذه الآيات الكريمة جمعت بين طياتها درساً كاملاً لكل ما يحتاجه اليتيم في الحياة الاجتماعية.
فهي الدستور الذي لا بد من تطبيقه للوصول إلى الغاية السامية من رعاية حقوق الضعفاء.
وهي بمجموعها تشكل بيان المراحل التي لابد للكبار من اجتيازها للوصول بهذا الانسان إلى الهدف المنشود.
__________________
(١) سورة الضحى : الآيات ( ٦ ، ٧ ، ٨ ، ٩ ).
فالمشاكل التي يواجهها اليتيم في بداية الشوط ثلاث :
ـ المسكن الذي يلجأ إليه.
ـ والتربية الصالحة بما تشتمل عليه من تأديب وتعليم.
ـ والمال الذي ينفق عليه منه.
( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ ) .
أول ما يحتاجه اليتيم في هذه الحياة هو :
الحضن الذي يضمه.
والصدر الذي يغمره بدفئه.
والبيت الذي يمرح فيه.
فإذا تهيأت هذه الثلاث كان بالامكان أن يحفظ هذا الطفل المهمل ليقوم بالانفاق عليه مادياً ، ومعنوياً.
ومن هنا جاءت فكرة الملاجيء للأيتام ومدى ما تسديه من خدمة للمجتمع في محافظتها على هذه الفئة من الاطفال.
لذلك يبدأ الكتاب المجيد بتذكير المشرع الاعظم بأولى مراحل احتياجاته وهو طفل يتيم فيخاطبه بهذا الاسلوب الهاديء لينقله إلى ذلك الدور الذي مر عليه.
أنت أيها المشرّع أحسست بهذا الشعور يوم ودع أبوك هذه الدنيا وهو في ريعان شبابه فكنت مشتبكاً لهذه الحوادث القاسية فأواك الله ، وعطف عليك قلوب الحواضن ، وإذا بجدك عبد المطلب يحتضنك فيوليك من حنانه ما يعوضك عن حنان الابوة ، ويوصي بك لعمك أبي طالب فيكفلك ويفضلك على أولاده وليكن بعد ذلك خير ساعد لك على دعوتك المقدسة ووسط هذا العطف تنعمت بما أنساك مرارة الوحدة الابوية وذل اليتم.
هذا العم الحنون الذي جاهد ، وكافح في سبيل رعاية ابن أخيه في الوقت الذي كانت العرب تنظر إليه كسير الجناح مهيض الجانب يتيماً لا أب له.
ان أبناء الجزيرة ـ كما أسلفنا ـ كانوا قد فقدوا القيم الرفيعة بتكالبهم الوحشي على اغتصاب الآخرين.
لذلك كانت الشريعة المقدسة قد غيرت المفاهيم الخاطئة وأصلحت ما كان منها فاسداً ، فاختارت من بين هذه المجموعة الضعيفة يتيماً كان محطاً للرحمة الإِلهية في تبليغ رسالة السماء إلى أبناء الارض ليعطي صورة واضحة عن القيم ، والاخلاق وليزيل عن الاذهان الصور الخاطئة ، والتي كانت تعبر عن الانحراف الذهني لابناء الجزيرة العربية في عصورها المظلمة.
إذاً فلا بد من المأوى لليتيم ، ولا بد من تهيئة الملجأ لليتيم فبلا مأوىً سيصبح هذا الطفل متسولاً تتلاقفه ارصفة الشوارع ، ومنعطفات الأزقة ، فيكون عالة على بلده ، ويكون هذا التسيب مبدأ مسيرته الاجرامية ، فلا مخدع يؤيه ، ولا رقيب ينتظره يقطع ساعات الليل متسكعاً ليلحقها في نهارة منبوذاً تحتضنه تكايا الرذيلة فاذا به عضو فاسد تخسره الامة ، ويكون وبالاً عليها وعلى أبنائها.
وقد جاء في الخبر عن النبي (ص) قوله « خير بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه ، وشر بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه »(١) .
فلماذا هذه الاساءة لطفل لا ذنب له ، ولا دخل له في تحقق اليتم ،
__________________
(١) أخرجه ابن ماجة تحت رقم (٣٦٧٩).
وإنطباقه عليه. إنه كبقية الاطفال ، وقد شاءت الاقدار أن تخطف منه من يحنو عليه ، فهل يكون ذلك سبباً في تسويغ الاساءة إليه.
إن العطف الانساني ، واللطف ، والرعاية ليدعو كل ذلك إلى تقديم هذا المحروم على بقية الاولاد ممن يضمهم البيت لئلا يشعر اليتيم بذل الوحدة ، ومرارة الوحشة. وإلا فإن البيت الذي لا يجد هذا الصغير فيه المعاملة الحسنة هو شر البيوت كما يحدث عنه الخبر ، وبالعكس إن وجد اليتيم اليد الحانية في ذلك البيت ، والعطف الذي يدغدغ قلبه الكسير كان ذلك البيت خير بيت تحوطه البركة ، وتشمله الرعاية الإِلهية.
( وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَىٰ ) .
وسواء كان الغنى المقصود هو الانفاق من أبي طالب ، أو الاموال التي صرفتها خديجة على النبي الاكرم فان المال هو العصب الذي يقوم بحفظ حياة الانسان ليحقق له احتياجاته كإنسان يأكل ، ويشرب ، ويلبس.
ان الغنى هو ما يقابل الفقر على كل حال ، ولذلك أخذت الآية الكريمة تذكر نبي الرحمة بهذه النقطة الحساسة لتدفع في نفسه الهمة على مساعدة الضعفاء ممن مروا بهذه المرحلة العسيرة.
فاليتيم وهو فقير بحاجة إلى من يمد له يد العون فيشبع له بطنه ، ويستر له عريه ولذلك تنوعت دعوة القرآن إلى مساعدة الضعفاء ، والاخذ بأيديهم لتأمين احتياجاتهم المعاشية.
ولنستعرض معاً هذه الطرق التي سلكها الكتاب الكريم لحث الناس على الانفاق والعطاء.
ومن بين تلك الاساليب التي تجلب الانتباه هو ما يسلكه القرآن في سبيل تشويق الافراد الى الانفاق بجعل عملية العطاء عملية مقايضة بين الانفاق ، والجزاء منه على هذا العمل الانساني.
وبذلك يكون المنفق قد سد خلة اجتماعية بمساعدته لهؤلاء المحتاجين والله لا يحرمه على هذه الاريحية بل يعوضه في الدارين :
في هذه الدنيا بزيادة الربح ، والبركة في ماله. وفي الآخرة بالثواب الجزيل.
وتتوالى الآيات الكريمة لتعطينا صورة واضحة عن هذه الاتفاقية بين العبد ، وربه.
( وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ) (١) .
( آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ) (٢) .
( مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (٣) .
( وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (٤) .
__________________
(١) سورة فاطر : آية (٢٩).
(٢) سورة الحديد : آية (٧).
(٣) سورة البقرة : آية (٢٦١).
(٤) سورة البقرة : آية (٢٦٥).
ولم تكن هذه الآيات الكريمة هي كل ما تعرض له القرآن الكريم في التشويق على الانفاق ، بل هناك أمثالها تحتوي عليها السور القرآنية ، وهي بمجموعها تصور اسلوباً دقيقاً في الحث على المساعدة ، ودفع الافراد إلى سبيل الخير.
وبهذا الاسلوب كانت الآيات تستنهض همم الاغنياء إلى مساعدة البائسين من الايتام وغيرهم.
ولكن الروعة النفسية تظهر في اختيار هذا النوع من الحث على المساعدة بهذا الاطار الترغيبي المحبب.
فالآيات الكريمة تحرك من الافراد جوانبهم العاطفية فتبدأ معهم بلهجة يلاحظ القارىء فيها آثار الشدة ، وأن الله ليس بمحتاج إلى العبد في ترغيبه إلى هذه المشاريع الخيرية ، بل على العكس من ذلك فان الله يمن على العبد بإرشاده إلى ما فيه خيره ، وصلاحه.
( هَا أَنتُمْ هَٰؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم ) (١) .
وإذا ما التفت الفرد ، وعرف أنه الفقير إلى تقديم الخير لينتفع بهذا الاحسان ، فيخفف به عما يلحقه من الذنوب رأينا هناك حقيقة أخرى تتكشف له لتدفعه بشكل عنيف إلى اعتناق مبدأ الانفاق ، والاحسان ، وتتجسد في قوله تعالى :
( وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ) .
أنها ليست مسألة خسارة من جانب المنفقين ، كما وأنها ليست
__________________
(١) سورة محمد : آية (٣٨).
عملية كاسدة حينما يجد العبد جزاء ما يقدمه موجوداً عند الله فهو بهذه العملية يتاجر مع الله عز وجل وهي تجارة ـ حتماً ـ رابحة ، ومضمونة تجر لصاحبها الربح الوفير.
ان العمليات التجارية المتضمنة لمبدأ الربح هي الطريقة التي يسير عليها في حياتهم المعاشية لتأمين الكسب ، والنفع ولذلك اختار الاسلوب القرآني هذه الطريقة ليصل إلى النتائج المطلوبة من النافذة التي يطل منها الفرد في حياته اليومية.
وأنها صورة حية مستوحاة من الحياة العملية الدارجة ليلتفت اليها الفرد فيقارن بينها ، وبين ما هو مألوف له فيما يسير عليه كل يوم لئلا تحتاج العملية إلى تصور دقيق وبحث عميق.
( مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (١) .
وهذه صورة أخرى من صور الحياة التي يمارسها الفرد.
أنها حياة الزراعة ، والنمو.
وحياة الربح ، والاستفادة.
ومن منّا لم يشاهد الزرع ، وكيفية نموه ، والربح المتوخى من وراء الزرع أنها حبة واحدة إذا بارك الله فيها تقدم لزارعها سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. والنسبة الحسابية لهذه العملية هي.
واحد في قبال سبعمائة ، وهو ربح وفير مغرٍ يناله الزارع من الارض الميتة ، والانفاق في سبيل الله مثله كمثل الحبة تزرع في الارض.
__________________
(١) سورة البقرة : آية (٢٦١).
وليقارن الفرد بين العمليتين الحبة يزرعها في الارض فيجني من وراء هذه النبتة سبعمائة حبة.
والدرهم ينفقه الانسان في سبيل الله يجني من ورائه سبعمائة درهم ، أو بمقدار هذه النسبة من الأجر عند الله.
فما ينفقه الملي لانتشال الضعيف من برائن المرض ، والجهل والفقر يساعده على السير إلى الامام ، ومن ثم تحويله إلى المجتمع عضواً صالحاً تستفيد الامة من مواهبه ينتج له بالاضافة إلى هذه الخدمة التي ترضي ضميره ربحاً من الثواب ينتفع به يوم لا ينفع مال ، ولا بنون ، ومن ثم فلطف الله لم يقف عند حد ورحمته أوسع من أن تقدر بقدر ، وبعد كل هذا الربح المعاوضي.
( وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ) .
وليقدر العبد هذه المضاعفة حيث لم تحدها الآية الكريمة إلى مرة ، أو مرتين بل الله يضاعف ، ولتقر عين العبد إذا كان ربه أحد طرفي هذه العملية ، وليس كأحد التجار يحسب معه الحساب الدقيق ، بل هو كريم بلطفه ، ورحيم بعطفه.
ولربما يستكثر البعض أن يكون هذا العمل الانساني مثمراً بهذه الكثرة كمثل الحبة تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، وبعد كل ذلك فالله يضاعف لمن يشاء.
ويجاب عن ذلك : وهل يحد فضل الله ، وإحسانه ، أو تقف رحمته عند حد أنها العناية الإِلهية هي التي تؤلف بين هذه القلوب الانسانية فتهب الخير ، والثواب ازاء عمل يخدم به مصلحة الآخرين ليكون أداة لتشجيع الباقين.
وتتوالى الصور الحية يعرضها القرآن الكريم ليهيج مشاعر الانسان
لتوجيهه نحو عمل الخير ، ومن جملة هذه الصور المعروضة.
( وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ) .
ويحاول القرآن الكريم أن يعيش مع الافراد ليدخل إلى قلوبهم ، ويعرض عليهم صوراً من الدروس الحية فيمثل لهم أمثلة نابعة من صميم حياتهم اليومية ليكون ذلك أبلغ في الوصول إلى المقصود.
فمرة يمثل الانفاق بالتجارة.
وأخرى يمثله بالزراعة.
وثالثة يعرض أمام القارىء صوراً لحبة على ربوة وإذا بالمطر يغمرها فتقدم نتاجها المضاعف.
كل ذلك ليصل ممن وراء هذه الصور الى القلوب ليغرس فيها حُب الخير بالانفاق الى الضعفاء ، والمعوزين لئلا يبقى فقير جائع بين المجموعة.
وإذا ما أذكى نغم القرآن العذب لهب العزم على الخير في تلك القلوب التي استجابت لنداء الحق ، وقرب إلى أذهانهم نتائج أعمالهم الطيبة كحبة أثمرت سبعمائة حبة ، أو كحبة أتت أكلها ضعفين.
وأنهم بذلك يربحون صفقة تجارية رابحة أحد طرفيها ـ الله عز وجل ـ هرع الناس إلى النبي الاكرم يسألونه عن بنود هذه العملية الرابحة ، ويتكشفون منه حقيقة هذا الانفاق الذي يريده الله.
ماذا ولمن ؟.
فنوعية الانفاق ، وكيفيته ، وجنس ما ينفق ، ولمن يكون الانفاق ، وعلى من يلزمهم الصرف ، والعطاء.
( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ) (١) .
والسؤال في ظاهر الآية عما ينفق بينما جاء الجواب عمن ينفق عليه ولرفع هذا الالتباس يقول علماء التفسير.
فان قلت : كيف طابق الجواب السؤال في قوله( مَا أَنفَقْتُم ) وهم قد سألوا عن بيان ما ينفقون واجيبوا ببيان المصرف.
قلت : قد تضمن قوله( مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ ) بيان ما ينفقونه وهو كل خير ، وبين الكلام على ما حداهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها »(٢) .
وقال الطبرسي : « السؤال عن الانفاق يتضمن السؤال عن المنفق عمله فانهم قد علموا أن الأمر وقع بإنفاق المال فجاء الجواب ببيان كيفية النفقة وعلى من ينفق »(٣) .
لقد كان التحضير من الآيات الكريمة السابقة في الترغيب والتشويق الى الانفاق هو الذي دعاهم للسؤال عن كيفية الإِنفاق.
لذلك بدأ القرآن يبين لهم مراحل الإِنفاق بجهتيه :
نوعيته ، ومصرفه.
فعن النوعية لم يحدد لهم شيئاً يفرض فيه الانفاق ، بل ترك ذلك إلى تقديرهم.
فالاطعام خير ، والكساء خير ، والمال خير.
__________________
(١) سورة البقرة : آية (٢١٥).
(٢) الكشاف للزمخشري : في تفسيره لهذه الآية.
(٣) مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية.
وهكذا نرى الشارع المقدس يترك الباب مفتوحاً ، فلم يحدد نوعية الانفاق ، بل يصفه بالخير جاء ذلك في آيات عديدة قال تعالى فيها :
( وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ ) (١) .
( وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ) (٢) .
( وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ) (٣) .
وعن المصرف ، وهو المنفق عليه : بدأ الكتاب الكريم بأسرتي الإِنسان الخاصة ، والعامة ليحيط بره جميع الاطراف التي تضم الانسان.
فالاسرة الخاصة : وتتألف من الابوين العمودين ومن ثم الحواشي ، وهم الاطراف النسبية قال تعالى :
( قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ) .
واذا ما تجاوزنا أسرة الانسان الخاصة رأينا القرآن الكريم يلحق بهذه الاسرة المكونة من الوشائج النسبية الاسرة العامة ، وتتألف من :
اليتامى ، والمساكين ، وأبناء السبيل.
وهذا التدرج هو الذي تقتضيه طبيعة الاجتماع في هذه الحياة ، وقوانينه.
فالوالدان عمودا الانسان ، ومن ثم حواشيه وهم أطرافه وكلالته على حد تعبير الفقهاء لهم حصة في الميراث حسب التدرج في الطبقات لانهم يحيطون بالرجل كالاكليل الذي يحيط بالرأس.
ومن ثم يتعدى في المراحل إلى الجماعة العامة من أصناف المعوزين.
__________________
(١ ، ٢ ، ٣) سورة البقرة : الآيات ( ٢٧٢ ـ ٢٧٣ ).
ولا بد للمنفق من السير على هذا الخط الذي رسمته الآية الكريمة فانه من الايحاءات في البيئة المتقاربة ، والتي هي كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً كما يقوله الحديث الشريف.
واذا ما عرضنا فقرات الآية الكريمة على هذا النحو من الاجمال فلا بد لنا من الاحاطة بكل فقرة على نحو من التفصيل لنصل من وراء ذلك إلى ما يعطيه هذا التموج التدريجي في التركيب الفني الجميل.
وقد قلنا بانها تتكون من الوالدين ، والاقربين حسبما جاء في الآية الكريمة من قوله تعالى :
( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ) (١) .
الابوة : لفظة بنفسها تعطي ما تحمله هذه الكلمة بين طياتها من الحنان ، والعطف نحو زهرة الحياة ، وبراعم العمر.
والامومة : أنها الشمعة الزاهية باضوائها الحلوة تذيب نفسها لتنير الطريق إلى الآخرين.
ولا يمكن لاي وليدٍ أن يؤدي بعض الحق المفروض عليه تجاه أبويه ، فلطالما سهر الليالي لينعم الوليد بلذة النوم ، ولكم ضمه صدر أم
__________________
(١) سورة البقرة : آية (٢١٥).
حنون ليشعر بدفء لذيذ حتى قال الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) يخاطب ولده الامام الحسن (ع).
« وجدتك بعضي بل وجدتك كلي ، حتى لو أن شيئاً أصابك أصابني »(١) .
هذا الانصهار في الكيان بين الوليد ، ووالده ، وهذه الوحدة في الذات هما اللذان أوجبا أن يصور لنا الامام (ع) هذا الانشداد ليبين أن ما يصيب الولد يصيب الوالد لانهما شيء واحد بفارق يميز أحدهما أنه فرع ، والآخر أنه الأصل ، والنبتة التي كانت منشأ ، لذلك الفرع الجميل.
وإنما أولادنا في الورى |
أكبادنا تمشي على الارض |
وإذا ما أردنا أن نتبع هذه العواطف الجياشة الكامنة في قلب الاب تجاه وليده لوجدنا مشهداً من هذه المشاهد حيث تنعكس على صفحاته آيات الحب ، والعطف الابوي بين وليد يتمتع بنظارة الشباب ، وشيخ أحنت عليه السنون.
ففي خضم من القلق ، والاضطراب يتجه الشيخ الكبير يحمل فوق كتفيه متاعب القرون الماضية ليستعطف ربه بلهجة كلها الرقة ، والكلمات تتكسر بين شفتيه :
( رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ ) .
إنه نوح ( نبي الله ) أبو البشر الثاني كما تعتبر عنه كتب التأريخ والعبد الصالح المجاهد في سبيل الله. دعى قومه إلى عبادة الله والتوحيد به ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعاؤه إلا فراراً.
__________________
(١) مقطع من وصية الامير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) أوصى بها ولده الامام الحسن (ع) قالها عند رجوعه من صفين.
وكان يضربه قومه حتى يغشى عليه فلما يفيق يتجه إلى ربه وبفمٍ تتصاعد منه الحسرات يناجي ربه قائلاً :
« اللهم إهدِ قومي فانهم لا يعلمون ».
وتشاء القدرة الإِلهية أن ينزل العذاب على هؤلاء المعاندين ويكتب لهم الغرق.
( وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ *وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ) .
وانتهى كل شيء وأصبحت السفينة ، وهي سفينة الامان ، جاهزة ووقت اليوم المعلوم لينفذ العذاب في هؤلاء.
( حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ) .
وكانت هذه العلامة ساعة الصفر. ولندع المفسرين ، وخلافاتهم في هذا التنور أين كان ، وفي أي بقعة من الأرض كان قابعا. المهم أنه كان مصدر نبع الماء ، وإندفعت المياه من السماء ضباباً بلا قطرات ، وتفجرت الأرض عيوناً منهمرة ، وفاضت البحار ، وطفحت الانهار ، وكان نوح قد أمر أن يحمل في سفينته :
( مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) .
من كل جنس من الحيوان زوجين أي ذكراً ، وأنثى.
( وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ) .
أي من سبق الوعد بإهلاكه ، والمقصود بذلك أمرئته الخائنة وأضيف إلى أسرة السفينة من الراكبين فيها.
( وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ) .
واقصر ما قيل في عدد من آمن به ثمانين نفر.
وتكامل العدد ، وسارت السفينة وسط دنياً من المياه المنهمرة من كل حدب ، وصوب.
( وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالجِبَالِ ) .
والرياح العاتية تهبط بالسفينة ، وترفعها ، وكسفت الشمس.
تمر تلك اللحظات ، ويتفقد ربان السفينة ، نبي الله نوح فلم يجد إبنه كنعان من ضمن الراكبين ، وحانت منه التفاتة وإذا بالولد يهرب صوب الجبال التي بعد لم يصل إليها الماء والهلع يأخذ منه مأخذه.
( وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ ) .
يا بني : إنه نداء الابوة الحنون ينبثق من القلب العطوف يرتل هذا النغم الهاديء ليصل إلى مسامع الولد المذهول من هذا المنظر المخيف يطلب إليه أن يلحتق بسفينته لينجو من عذاب الله المحتم.
ولكن الولد المذعور يهرب من هذا النداء الابوي ليطلقها صيحة مدوية تضيع بين زمجرة الامواج العالية.
( قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المَاءِ ) .
فهو يحاول عبثاً أن يأوي إلى جبلٍ يعصمه من الماء ، ويبعد عنه شبح الموت الذي يتراءى له من بين هذه المياه المتدفقة من جميع الجهات.
وعلى العكس فلم ييأس الشيخ الوقور ، وأعاد الكرة ، وظن أنه سيفلح في إقناع ولده ، فعاد إليه ، والحسرة تأكل قلبه متوسلاً وهو يقول :
( لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ) .
وضاعت التوسلات وسط الامواج ، وبعد الشبح ، وذهب الولد هارباً ، وأسدل الستار على الحوار العاطفي.
( وَحَالَ بَيْنَهُمَا المَوْجُ فَكَانَ مِنَ المُغْرَقِينَ ) .
وابتلعت المياه كل شيء ، ولم يبق من مخلوقات الله إلا :
( مَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ) .
وهم ركاب السفينة.
وصدرت الأوامر الإِلهية :
( وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ المَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .
وتنفس الشيخ الهرم الصعداء ، فلقد أخذت المياه كل أولئك الذين كفروا برسالته ، واذاقوه ألوان العذاب.
ولم تشغل هذه المناظر المرعبة ، والنتائج التي حصل عليها في التغلب على الاعداء من التفكير في ولده بعد أن ضاعت توسلاته بابنه المغرور لذلك اتجه إلى ربه يذكره بوعده بأن أهله من ضمن الناجين من العذاب إلا إمرأته التي خانته في الإِيمان به ، وولده من أهله.
( وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ ) .
أنه بهذا التضرع يعترف من طرف خفي بحقيقة العاطفة الطاغية على مركز النبوة ، والعصمة.
وماتت البسمة ، وانطفأ الأمل ، ومات شبح الابن حينما جاءه النداء :
(
قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا
لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ
)
.
لقد أرخى الشيخ الكبير لعاطفته العنان فتجاوز الحد المرسوم ، وطالب بما ليس له أن يطالب فيه ، وها هو يتلقى التهديد بالترك عما يطلب ، وإذا به يعود إلى لطفه وعطفه فيتضرع من أجل هذا الالحاح قائلاً :
( رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ ) (١) .
بماذا تجازى هذه العواطف الجياشة من الآباء.
وما هو الاسلوب الذي يلزمنا تجاه هذا البركان المتفجر من العطف أنه القرآن الكريم حدد لنا ، وتكفل ببيان هذه الكيفية التي لا بد من تطبيقها نحو هذين الملاكين في المجالين التربوي ، والمالي.
( وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ،وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) (٢) .
درس بليغ في الادب نستوضحه من خلال هذه الآية الكريمة حيث تدرج الشارع المقدس ببيان المراحل السلوكية مع الابوين على النحو التالي :
الاولى : |
بيان مكانة الابوين ، وقيمتهما المعنوية ، ويبدو هذا واضحاً في اعتبار الاحسان اليهما بالدرجة التالية مباشرة لعبادة |
__________________
(١) الآيات المتقدمة من سورة هود : ( ٣٦ ، ٤٧ ).
(٢) سورة الاسراء آية ( ٣٣ ـ ٣٤ ).
الله ، وبذلك نعرف مدى الواجب على الابناء في تقدير الابوين ، وقد جاء مثل هذا الايصاء في آيات أخرى فقد قال تعالى : |
( وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) (١) .
( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المَصِيرُ ) (٢) .
لقد أتى رجل إلى رسول الله (ص) فقال : ( يا رسول الله : أوصني فقال : لا تشرك بالله شيئاً ، وإن حرقت بالنار ، وعذبت إلا وقلبك مطمئن بالايمان. ووالديك ، فأطعمهما ، وبرهما حيين كانا ، أو ميتين ، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ، ومالك فافعل ، فان ذلك من الايمان »(٣) .
إن هذه الوصية من النبي (ص) تعطينا مدى اهتمام المشرع بالوالدين ، فقد قرن الايصاء بالاحسان إليهما بعبادة الله وعدم الشرك به ، وجعل ذلك من الايمان ، ثم أنه لم يكتف بالايصاء بالبر بهما في حياتهما بل أمر بذلك بعد موتهما. ولما يتسائل عن كيفية البر بالوالدين بعد الموت ذلك لأن الاحسان إنما يكون لمن هو حي يتقبل ما يجود به الانسان عليه ، أما إذا مات الانسان فقد انقطعت عنه الحياة ومات فيه الشعور فكيف يكون الاحسان إليه ؟
لقد أوضح الامام أبو عبد الله الصادق ( عليه السلام ) هذه الجهة عندما قال :
« من يمنع الرجل منكم أن يبر بوالديه حيين ، وميتين يصلي عنهما ، ويتصد عنهما ، ويحج عنهما ، ويصوم عنهما ، فيكون الذي صنع
__________________
(١) سورة : آية (٣٦).
(٢) سورة لقمان آية (١٤).
(٣) اصول الكافي : حديث (٢) باب البر بالوالدين.
لهما ، وله مثل ذلك ، فيزيده الله عز وجل ببره وصلته خيراً كثيراً »(١) .
وصحيح أن الانسان إذا مات انقطع شعوره ، وتوقفت الحركة الحياتية عنده إلا أن الله سبحانه لا يصفي حسابه معه رحمة منه ، ومنّة عليه ، فلعل من يقدم إليه خيراً من ولدٍ بارٍ به ، أو صديق يشفق عليه ، فيكتب ذلك له ليخفف به عن سيئاته ، أو ليزيد في حسناته.
الثانية : |
وبعدما تعرضت الآية لمنزلة الابوين إنتقلت بنا لتعطينا درساً في كيفية المعاشرة معهما. |
( فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ) .
أنه غاية في الحشمة ، والادب أن يقف الابن حيال أبويه فلا يفتح شفتيه بأدنى ما يعبر عن الضجر ، والسأم ، ولو بحرفين من الكلام فلا يجوز للابن أن ينهر أبويه ، ففي ذلك سخط الرب لانه تجاوز ، وتعدٍ على حقوقهما.
يقول الامام الكاظم ( عليه السلام )
« لو علم الله شيئاً هو أدنى من أفٍ لنهى عنه وهو من أدنى العقوق »(٢) .
وإذاً فلا بد من تجنب كل ما يزعجهما ، ولو بأدنى كلام وإبدال ذلك بمخاطبتهما بلطف ، وإحترام ، وبرفق وخضوع.
( وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ) .
ليبادل الولد أباه العطف ، فيجد الاب ثمرة عطفه وحنانه فيقطف من هذه الثمرة ، وهو على قيد الحياة وليجني ما زرعته ابوته فيحصد حباً كان
__________________
(١) اصول الكافي باب بالوالدين ( حديث ٧ ).
(٢) جامع السعادات : ٢ / ٢٦٣ مطبعة النجف الاشرف.
قد غرس بذوره قبلاً حيث كان يطبع على جبين الصبي القبل في الليالي الحالكة.
الثالثة : |
وفي مقام الاطاعة والانتقال من حيز القول والعمل الخارجي لا بد أن يكون كما تريده الآية. |
( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) .
وليتصور الانسان ما بين هذين المعنيين ، وكيفية الجمع بين جناحي الذل ، والرحمة من عطاء شامخ ، ومرمى بعيد يتجسد في مثول البنوة المؤدبة أمام الابوة الرحيمة إنه تعبير على إيجازه مفصل الأسلوب دقيق المضمون.
الرابعة : |
وفي غيابهما لابد أن يحفظ لهما غيبتهما فيتضرع إلى الله بقلب ملؤه العطف ، والانكسار فيدعو لهما. |
( وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) .
فيبادلهما حبهما وعطفهنما بالدعاء لهما ، وطلب الرحمة من الله فقد ربياه صغيراً يوم كان طفلاً لا يقدر على شيء ، وحيث شب ونمى لا بد أن يقوم بعمل يجازيهما به ، وهو الدعاء بطلب الخير لهما.
وفي مقام الانفاق ، والاحسان لا بد أن يقدمهما على كل أحد جزاء رعايتهما له لذلك كانت الآية في بيان مراحل الانفاق وجعل الوالدين في مقدمة من ينفق عليهم من أسرته الخاصة.
ومن جهة أخرى نرى الشارع المقدس يحذر الفرد من مغبة عقوق الوالدين ، والاعراض عنهما حتى جاء في بعض الأخبار عن الله سبحانه في الحديث القدسي أنه قال :
« بعزتي وجلالي ، وارتفاع مكاني لو أن العاق لولديه يعمل بأعمال
الأنبياء جميعاً لم أقبلها منه »(١) .
بعزتي ، وجلالي ، وإرتفاع مكاني. إنه قسم مغلظ يخبر الحديث عنه ـ جلّت قدرته ـ عن أنه سيرفض أعمال من يعق والديه حتى لو كانت تلك الاعمال موازية لاعمال جميع الأنبياء ، أو الاعمال التي يعملها الانبياء.
على أن للبر بالوالدين ، أو عقوقهما الاثار الوضعية في هذه الدنيا قبل الاخرى ، وقد وردت بذلك الاخبار العديدة حيث أوضحت لنا أن من يبر بوالديه يتفضل الله عليه ليمنحه من لطفه ، وعطفه كاحسان معجل ، وله أضعاف ذلك في الحياة الأخرى ، كما أن لمن بعق والديه من المشاق ، والعذاب ما هو معجل له أيضاً في حياته قبل مماته.
وإذا ما تعدينا هذه الحلقة وهي التي تحيط بالانسان وتلتصق به في تكوينه الأولى ، فإن أقرب حلقة تأتي بعد الأبوين يرتبط بها الفرد هي ما ذكرته الآية في قوله تعالى :( وَالأَقْرَبِينَ ) فمن هم :
إنهم رحم المنفق ، ولحمته ، وقد جاءت الآيات الكريمة مكررة في الكتاب الكريم لتنوه بالاقرباء ، وانهم عصب الانسان وبهم يشد أزره فلا بد من أن ينالوا من عطفه ، وإحسانه.
فعن الرسول الاعظم (ص) بعدما سئل :
« أي الناس أفضل ؟ فقال : أتقاهم لله ، وأوصلهم للرحم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر »(٢) .
__________________
(١) جامع السعادات : ٢ / ٢٦٣ ـ مطبعة النجف / سنة ١٣٨٣.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده : ٦ ـ ٤٣٢ من حديث درة بنت أبي لهب بأسناد حسن.
صلة الرحم تجعل المنفق من أفضل الناس ، وفي عداد المتقين ولم يأت في الحديث الشريف تحديد لمقدار. وكيفية صلة الرحم بل ذلك يترك للشخص نفسه كما هي عادة الكتاب الكريم يترك هذه الجهة تابعة لما يصدق عليه في النظر العرفي أنه من مصاديق الصلة.
وعن الامام الباقر عليه السلام :
« إن صلة الرحم ، وحسن الجوار يعمران الديار ، ويزيدان في الأعمار »(١) .
أما أنها تزيد في العمر فقد جاء هذا في أكثر من حديث وخبر فعن علي بن الحسين عن رسول الله (ص) أنه قال : « من سره أن يمد الله في عمره وأن يبسط له في رزقه فليصل رحمه »(٢) .
وليس في هذا أي تأمل فالاعمار بيد الله ، ومن جاء بهذه الحسنة فله عند الله أن يزيد عمره ، والله يضاعف لمن يشاء.
ولكن للانسان أن يقف عند الفقرة الاولى من الحديث المتقدم فيتأمل كيف أن صلة الرحم تعمر الديار.
وبطبيعة الحال أن المفهوم لهذه الجملة هو أن القطيعة مما تساعد في تهديم الديار.
شيء ملفت في النظرات الاولى أن يكون الاتفاق على الهوامش مما يحقق للانسان هذا المعنى.
ولكن هذه الغرابة سوف تتبدد لو علمنا أن الخبر يرمز إلى معنى كنائي سامي ، فبقاء الدور على ما هي عليه ببقاء أصحابها ، وبقاء أصحابها منوط بما يحافظ عليهم من التعدي والتجاوزات من الآخرين.
__________________
(١ ، ٢) الكافي باب صلة الرحم.
ومن أقرب من الرحم يحافظ على الانسان ، ويحفظ له حقوقه وهم لحمته المقربة فبهم يرتفع الرأس عالياً ، ويقف الانسان مزهواً يحيطون به كما يحيط الاكليل بالرأس يذبون عنه ويفدونه بنفوسهم ، وأموالهم.
وعلى العكس لو قطعهم ، وحصلت الجفوة بين الطرفين ، فانه سيقف بمفرده في معترك هذه الحياة ان لم يكونوا يعينوا عليه أعدائه ( فأهل الدار أدرى بمن فيها ) وهم أقدر من غيرهم على تسليمه إلى الغير عند الوثبة ، فعمران الديار بصفاء ساكنيها وتخريبها به ينشأ من تعكر الود بين هؤلاء الاحبة.
ويأتي هذا المعنى موضحاً على لسان الامام جعفر الصادق (ع) حيث يقول : « قال أمير المؤمنين (ع) لن يرغب المرء عن عشيرته ، وإن كان ذا مال ، وولد ، وعن مودتهم ، وكرامتهم ، ودفاعهم بأيديهم ، وألسنتهم. هم أشد الناس حيطة من ورائه ، وأعطفهم عليه ، وألّمّهم لشعثه ، ان أصابته مصيبة ، أو نزل به عبض مكاره الأمور ، ومن يقبض يده عن عشريته ، فإنما يقبض عنهم يداً واحدة ، و عنه منهم أيدي كثيرة ، ومن يكن حاشيته يعرف صديقه منه المودة » الخ(١) .
هذا التحليل من الامام (ع) ليعطينا صورة واضحة عن التشابك الذي يحصل بين الارحام في صورة تواصلهم ، وتقاربهم ، والفوائد التي يجنيها الفرد من وراء تجمهر هذه المجموعة ، ودفاعهم بأيديهم ، وألسنتهم ، فالفرد يقبض عنهم يداً واحدة وهي كناية عن بعده عنهم بينما يحرم هو عن كل مجموعتهم.
فهم أعطف الناس عليه ، وأنفعهم إليه ، وأضرهم في الوقت نفسه عليه.
__________________
(١) الكافي : ج ٢ ـ ١٥٤ تحت رقم ١٩.
كل ذلك لقربهم ، وإتصالهم النسبي به ، ولأجل ذلك نرى القرآن الكريم يجعل اكرامهم ، والاحسان إليهم يأتي في المرحلة التالية لاكرام الابوين فالفرع يتقوم بأصله والكل يتقوم بالحواشي المحيطة بهما.
واذا ما إنتهى التدرج من بيان أسرة الانسان الخاصة جاء الدور لبيان من ينفق عليه من أسرة الانسان العامة. فقد رتبت الآية الكريمة على الوالدين ، والاقربين ، قوله تعالى :
( وَالْيَتَامَىٰ وَالمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ) .
اليتامى أولاً ، ثم المساكين ، وبعدهم ابن السبيل ، وهو المنقطع في بلاد الغربة حيث يفقد ما يوصله إلى أهله من مال ، أو راحلة.
« اليتامى » فيهم ما في المساكين من العوز ، والفقر ، وزيادة وهي مشكلة اليتم ، والانفراد ، وفقدان الكفيل ، والمربي لذلك كانوا في التدرج مقدمين على من كانت به مسكنة ، وعوز سواء كان المسكين أسوأ حالاً من الفقير ، أو العكس.
فاليتيم : في الحقيقة مسكين زائداً ذل اليتم ، والانفراد ، وهما معاً مقدمان على ابن السبيل ، ولكن ليس في هذا التقدم ما يمنع من اعطاء ابن السبيل ، وإيصاله إلى بلده ما دام في البلد يتيم ، أو مسكين ، بل التدرج لبيان حالة السوء في الوضع الاجتماعي.
وابن السبيل بطبيعة الحال ليس في الغالب بيتيم ، ولا مسكين وان كان قد تجتمع هذه الخصال في واحد.
هذه هي جهات الانفاق يحددها الكتاب الكريم ليحصل المنفق من وراء كل حبة سبعمائة حبة ، وليشاهد عطائه ينمو فيحصل هذا الربح الوفير لقرابته ، والبعيدة ولاسرتيه الخاصة والعامة.
لم يواجه القرآن الافراد بادىء الامر ببيان درجات الانفاق وتنوعه بل كان الحث على أصل الانفاق هو المطلوب الأولي في سبيل تحويل النفوس ، وإلفاتها إلى هذه الحقيقة الانسانية.
وإذا ما اكتملت هذه الجهة ، وتطامنت إليها النفوس رأينا الكتاب الكريم يفتح أمام المحسنين آفاقاً أخرى ليطل منها على معاني جديدة ليمهد بذلك لتهذيب النفوس بشكل يجمع بين عنواني الرحمة ، والقيام بوظائف العبودية لله عز وجل ليكون الأجر مضاعفاً ، وليكون المكسب أوفر ما دام الله يريد لبعاده الخير ، وهو بعد ذلك يضاعف لمن يشاء.
( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ،إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا ) (١) .
وصحيح أن اطعام الطعام هو أحد مصاديق الاحسان لان أول ما يحتاجه الضعيف هو القوت لسد جوعه والمحافظة على حياته.
ولكن عباد الله المكرمون لا يطعمون الطعام طمعاً في شيء كما يصنع ذلك الكثير من أبناء الجزيرة العربية طلباً للفخر ومباهاة بالسمعة لينالوا بذلك الرفعة في نظر القبائل ـ وعلى سبيل المثال ـ فقد ذكرت مصادر التأريخ أن أحد الرؤوساء خاطب عبده عندما رآه يضرم النار ، يأججّها ليهتدي الضعيف على ضوئها ، فيأتي ، ويحل ضيفاً عندهم قال وقد أخذه العجب :
« إن جلبت ضيفاً فأنت حر ».
__________________
(١) سورة الانسان : آية ( ٨ ـ ٩ ).
لا بل عباد الله المكرمون يطعمون الطعام ، ويمدوا يد المساعدة لا لشيء بل لوجه الله تعالى ، وابتغاء لمرضاته.
فهم يقومون بذلك بنفس طيبة لحب الله ، وفي ذات الله.
( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ ) .
ان الغاية من الانفاق عند هؤلاء هي التقرب إلى الله جلّت عظمته ، والعبودية لذاته المقدسة ، وان ما يقدمه الفرد منهم إنما هو شوقاً إلى الخير ، وتشوقاً لله عز وجل ، فلا يشركون معه أحداً في أعمالهم التي من ورائها النفع.
فلا سمعة ، ولا مفاخرة ، ولا جزاء ، ولا شكوراً.
هذه الامور هي التي تبعد الانسان من الواقع الخالص بما هو واقع ، وتفقده نشوة الانصهار ، والفناء في حب الخالق.
( لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا ) .
الجزاء ، والمعاوضة هي عملية تجارية يتوخى المعطي بازاء ما يقدم شيئاً يريد وصوله إليه ليكون ذلك عوضاً عن هذا.
وآل بيت محمد (ص) هم أرفع من أن تجلبهم البهارج الدنيوية ، أو تنعشهم الألقاب الفارغة ، أو الاحاديث المعسولة بالمديح ليكيل المادح أمامهم من البيان أعذبه بل يريدون من وراء كل ذلك وجه الله ، والقرب منه لأنه أهل للعبادة ، والخشوع.
يقول الرازي عند تفسيره لهذه الآية الكريمة :
والواحدي من أصحابنا ذكر أنها نزلت في حق علي (ع).
وصاحب الكشاف ذكر : « أنه روي عن ابن عباس ان الحسن والحسين ( عليهما السلام ) مرضا فعادهما رسول الله (ص) في أناس معه
فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك فنذر علي ، وفاطمة ، وفضة جارية لهما ان عافاهما الله تعالى ان يصوموا ثلاثة أيام فشفيا ، وما معهم شيء فاستقرض علي من الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير فطحنت فاطمة ( عليها السلام ) صاعاً وخبزته خمسة أقراص على عددهم ، ووضعوها بين أيديهم ليفطروا ، فوقف عليهم سائل فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين أطعموني ( أطعمكم الله ) من موائد الجنة ، فآثروه ، وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء فأصبحوا صائمين فلما أمسوا ، ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم ، فآثروه وجاءهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك ، فلما أصبحوا أخذ علي (ع) بيد الحسن ، والحسين عليهما السلام ، ودخلوا على الرسول (ص) فلما أبصرهم ، وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال : ما أشد ما أرى بكم ، وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها ، وقد التصق بطنها بظهرها ، وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبرائيل بالسورة وقال :
« خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك فأقرها السورة »(١) .
هؤلاء هم آل البيت المحمدي ، وهؤلاء هم لبنات الاسلام الاولى يعيشون مشاكل الاسرة الاسلامية الكبرى ، ويشاركون مر العيش كل ضعيف سواء كان مسكيناً ، أو يتيماً ، أو أسيراً.
( وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) (٢) .
فالمتمسك بالدين لا يبيت مبطاناً وهناك من يتلظى بآلام الجوع وهناك كبد حرى ليس لها ما تسد به الثورة العارمة من الجوع الممض وفي هذا الصدد يقول الامام أمير المؤمنين (ع) :
__________________
(١) تفسير الكشاف في تفسيره هذه السورة.
(٢) سورة الحشر : آية (٩).
« ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخير الاطعمة ، ولعل بالحجاز ، أو اليمامة من لا طمع له بالقرص ولا عهد له بالشبع ، أو أبيت مبطاناً ، وحولي بطون غرثي وأكباد حرى ، أو أكون كما قال القائل :
وحسبك عاراً أن تبيت ببطنة |
وحولك أكباد تحــن إلى القد |
أأقنع من نفسي أن يقال لي : هذا أمير المؤمنين ، ولا أشاركهم مكاره الدهر ، أو أكون أسوة لهم في خشونة العيش »(١) .
وهكذا فلتكن القادة ، ولمثل ابن أبي طالب (ع) فلتكن إمرة المؤمنين أنه القلب العطوف كيف يتخير الأطعمة ؟ وهي في متناول يده ، ولعل في طرف الدنيا بأس لا طمع له بالقرص.
وكيف يستسيغ لنفسه أن يبيت مبطاناً ، والمآكل تملأ جوفه وحوله بطون خاوية تتلهف إلى لقمة من الخبز تسد بها المعدة الخالية ، وتخفف بها آلام الجوع.
أنه ( عليه السلام ) لا يقنع من نفسه أن يقال له : بأمرة المؤمنين ولا يشارك الطبقات الفقيرة البائسة جوعها ، وبؤسها.
وكيف يقنع لنفسه بهذا المنصب ، وهو بعيد عن واقع الظروف الأليمة التي تحيط بهؤلاء الناس ، وهو العديد الاكبر من المجتمع الذي يشكل القاعدة ، والصعيديه للقيادة ، أو الامرة ،
لا انه ( عليه السلام ) يعتبر نفسه ـ وذلك هو المفروض في كل
__________________
(١) نهج البلاغة.
قائد ـ فرداً منهم يتحسس بما يؤلمهم ، ويفرح بما يسرهم وبالتالي يعيش أجواءهم المحيطة بهم : إن خيراً ، فخير ، وإن شراً فشر.
هذه النفسية الجبارة المتطامنة ، وهذا الحس المرهف الرقيق ، وهذه الهمة العالية ، وتلك الرحمة التي ينبع منها ، ويصب فيها ذلك القلب العطوف كل ذلك ، وأمثاله من الصفات الانسانية الطموح التي كانت تنحدر من علياء نفسية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هي التي أهلته لأن يكون موضعاً للعناية الإِلهية يوم نزلت في حقه.
( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (١) .
وهكذا تتوالى الصور الحية لتعرض الآيات الكريمة هذا النوع من الانفاق المزدوج من حب الخير وتقديمه لوجه الله.
( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَآتَى المَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ) (٢) .
الانفاق المشرب بحب الله ، والانفاق المطعم بالتقرب إليه هو الداعي لهؤلاء للقيام بأعمالهم الخيرة لا اتيان المال ، وإنفاقه لاغراض دنيوية لا يراد بها وجه الله ، والدار الآخرة.
دروس بليغة يلقيها القرآن الكريم ليهذب النفوس ليؤطرها باطار الايمان ، والعبودية لله عز وجل لتكون بعيدة عن الصور المزيفة والتي لا يكون الخير فيها لانه خير ، وإحسان ، بل لانه مدعاة للعزة ، والرفعة وفي
__________________
(١) سورة المائدة : آية (٦٧).
(٢) سورة البقرة : آية (١٧٧).
هذا الصدد يعرض القرآن صورة أخرى من هذه الصور التي يكون الاحسان فيها مشوباً بالمنة.
لقد سأل الحرث بن نوفل بن عبد مناف النبي الأكرم (ص) في ذنب أذنبه فيأمره رسول الله (ص) أن يكفر فقال :
« لقد ذهب مالي في الكفارات ، والنفقات منذ دخلت دين محمد ».
ويحدث القرآن عن هذا بقوله تعالى :
( يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَدًا ) .
وفي اطار هذا الجواب تتمثل نفسية هذا المخلوق الشحيح الذي يهرب من طرق الخير الموصلة إلى النتائج الحسنة.
ولكن هل يترك ، وشأنه يكيل الدعاوي جزافاً ، وبغير حساب انه يقول ذهب مالي ، وأنفقت كثيراً منذ دخلت في دين محمد.
ومن وراء هذا الجواب يريد الاعتراض على الشريعة المقدسة المتمثلة في نظره بأنها تبتز أموال الناس ، وتلقي بها من هنا وهناك.
ولكن القرآن الكريم يقف له بالمرصاد ليحاسبه فيما ادعاه.
( أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ ) .
لماذا أهلك ماله ؟.
ألم تكن له حاسة البصر يتمتع بها في مشاهدة صور الحياة ويتوصل بها إلى عظمة الله ، وقدرته في هذا الكون ، فيتدبر هذه القدرة الجبارة ، ويتعظ من وراء ذلك كله بما أودعه الله في عينيه من نعمة النظر ، ويفكر بعد ذلك فيما يوصله إلى ما فيه خيره ، وسعادته ؟.
( وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ) .
وبهذه الاعضاء يتمكن من التعبير عما يجيش في النفس من متطلبات. فاللسان عضو وظيفته نقل ما ينطبع في النفس ليبرزه إلى الخارج وحينئذ ان خيراً فخير ، وإن شراً فشر.
فهو المرأة الحقيقية لما ينطبع على شاشة النفس.
وبالشفتين تتم مقاطع الكلام فيمكنه بذلك أن يظهر بهما الكلام الطيب الذي ينفع المجموعة ، ويأمر بمعروف ، وينهى عن منكر ، ويصلح بين اثنين.
( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) .
وبعد أن أكمل عليه حواسه أوضح له طرق الخير من الشر وأبان كل ذلك له ، وخيره بما أودع فيه من طاقة عقلية ، وفكرية أن يختار أحد الطريقين الخير ، والشر.
فلماذا يقف إذاً مكتوف اليد بين هذين النجدين لا يبصر طريق الخير ، فيسلكه ، أو لماذا يقدم طريق الشر ، فيسلكه فتستحق عليه الكفارات المرتبة على الذنوب ، وله العذر في اختيار هذا الطريق الوعر والذي جعلت الكفارة حاجزاً من سلوكه مرة أخرى ـ وحينئذ ـ :
( إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ) .
وهذه نتيجة حتمية تتعقب سلوكه ، واختياره لاحد النجدين : نجد الخير ، ونجد الشر.
فان اختار الاول فهو شاكر على نعمه تعالى ، وان سلك الطريق الثاني فهو كافر بنعم الله تعالى بعد أن منحه كل وسائل الادراك ، والتمييز من عين ، ولسان ، وعقل ، وتفكير فلماذا بعد كل ذلك يختار نجد الشر ليسلكه ، فيقف جزعاً من الجزاء الذي يرتبه الله على ذنبه الذي اقترفه ؟
( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ،وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ) .
لماذا بعد كل هذه النعم لم يقتحم العقبة التي لا بد لمن يريد الخلود في الآخرة من اجتيازها ليصل منها إلى حيث الراحة والسعادة بدلاً من الجحيم الدائم ، وانها العقبة في طريق الانسان يقتحمها ليخلص من جهنم بتعبيد طريقه بسلوك هذه المراحل التي رتبها القرآن على النحو التالي :
( فَكُّ رَقَبَةٍ *أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ *يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ *أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) (١) .
هذه الفقرات الثلاث والتي يرتكز عليها حقيقة الاحسان والتحسس بشعور الآخرين والعطف نحو الطبقات الضعيفة.
( فَكُّ رَقَبَةٍ ) .
أولى مراحل اقتحام العقبة ، وأول خطوة يرفعها الانسان نحو آخرة سعيدة يكون جزاؤه فيها لنعيم الدائم هي : عتق العبيد في سبيل الله.
إنها نسائم الحرية يشمها هذا العبد الضعيف ليكون حراً طليقاً ، فيذوق طعم الانطلاق ، والتحرر ، والخلاص من كابوس الملكية. فعن الامام الصادق ( عليه السلام ) « قال : قال رسول الله (ص) من أعتق مسلماً أعتق الله العزيز الجبار بكل عضواً منه عضواً من النار»(٢) .
وإذا ما أكمل الانسان هذه الخطوة الخيرة كان القرآن الكريم يقرر الخطوة الثانية في سبيل تذليل المصاعب لاقتحام العقبة ليصل العبد بذلك إلى مرضاة الله ، ورضوانه.
( أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ *يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ) .
__________________
(١) سورة البلد : آية ( ١٣ ـ ١٦ ).
(٢) الوسائل : باب (١) من كتاب العتق ، حديث ٢.
أنه يوم الجوع الاسود ، والمرارة ، والالم حيث تنسد في وجه اليتيم أبواب الرحمة ، والاحسان فيئن من ألم الجوع ويتحمل المر في سبيل لقمة العيش.
في ذلك اليوم يتبرع المحسن ، فيطعم صغيراً تلاقفته عواصف الظلم الهوجاء ملبياً نداء الضمير بمد يد العون لهذا اليتيم البائس لينال بذلك الجزاء الاوفى بافتحام العقبة الكؤد.
( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) .
ذلك المسكين وهو الفقير الذي لصق بالتراب من شدة جوعه ، وفقره.
اطعام هذا وأمثاله هو الذي يوجب اقتحام العقبة ليصل من ورائها الى الجنة فعن النبي (ص).
« ان امامكم عقبة كؤداً لا يجوزها إلا المثقلون ، وأنا أريد أن أخفف عنكم لتلك العقبة ».
وإذاً فرعاية اليتيم ، وإكرامه بكل وسائل الرعاية هو أحد الاسس للجسد الذي يمر عليه المثقلون ليعبروا إلى شاطىء الامان.
وإذا كان الإِنفاق في سبيل الله مرغوباً ، ومطلوباً له سبحانه ، وهو في توفير الثواب كحبةٍ تزرع ، فتنتج وتعطي الخبر الوفير ، فليكن ذلك بلا من ، وأذىً ، ولا تحميل على حساب الآخرين تماما كما تصرح به الآية الكريمة في قوله سبحانه :
( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا
أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (١) .
وإذا كان الانفاق يتوخى من ورائه لم الشمل ، وانقاذ الطبقة الفقيرة من ويلات العوز فان هذه الفائدة تنعدم لو كان المنفق يتبع إحسانه بالمَنّ والأذى لمن ينفق عليه.
فالقضية ليست اشباعاً من جوع ، أو كساء من عري فقط بل إفهام الفقير أن هذه المساعدة مما يفرضها الذوق الانساني الرفيع ليصل المجتمع بعضه بالبعض الآخر.
( قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ) (٢) .
فالكلام الحسن الجميل يرد به الانسان السائل ، ويعتذر منه خير من صدقة تستتبع ايذاء السائل لان السائل في هذه الصورة وان حصل على الصدقة إلا أن الثواب يحرم منه المسؤول.
وقد جاء في الحديث عن النبي الأكرم (ص) « أنه إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها ثم ردوا عليه بوقار ، ولين أما بذل يسير ، أو رد جميل »(١) .
وبعد هذا فالله غني حينما يأمركم بهذا الاسلوب الرفيع لانه غني عن طاعاتكم وعما يقربكم ويمنحكم الثواب ، بل هو يدلكم على طرق الخير لحاجتكم إلى الثواب.
__________________
(١) سورة البقرة : آية (٢٦٢).
(٢) سورة البقرة آية (٢٦٣).
(٣) مجمع البيان في تفسيره للآية المذكورة.
( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا ) (١) .
ولم يترك الكتاب الكريم جانباً من جوانب انعاش اليتيم إلا وتعرض إليه ، وهذه الآية الكريمة تصور لنا مشهداً مألوفاً لنا طالما نرى مثله في حياتنا اليومية حيث يتجمع الضعفاء في كل مكان يرجون فيه خيراً من طعام ، أو كساء أو ما شاكل.
فنراهم اذا سمعوا بوليمة تجمعوا حول ذلك المكان علهم ينالوا من ذلك الطعام ما يسد به جوعهم.
وقد اختلف المفسرون في مجلس القسمة والذي يحضره هؤلاء الضعفاء من أولى القربى ، واليتامى ، والمساكين فهل هو مجلس تقسيم الميراث ، أو هو مجلس الوصية حيث يقسم الميت ما يستحقه من المال بعد وفاته ؟.
فقيل : ان المراد بذلك حضور الضعفاء من الاصناف المذكورة مجلس القسمة لميراث الميت فقد يتفق ان يحضر أقرباء الميت ممن لا ينالهم من الميراث شيء ، وهكذا من لف لفهم من اليتامى ، والمساكين يرجون أن ينالهم شيء من ذلك المال.
وعلى هذا التفسير ، فيكون الخطاب في قوله تعالى ـفَارْزُقُوهُم ـ موجهاً إلى الورثة الذين يستحقون الميراث بأن يأخذوا بعين الاعتبار رعاية هؤلاء الذين تجمعهم مع الميت وشائج النسب ، والرحم ولم تشملهم الفرائض الميراثية لوجود ممن هو أسبق منهم من الطبقات الميراثية.
__________________
(١) سورة النساء : آية ٨٠.
وبتعبير أوضح : المطلوب من الطبقات القريبة أن تعطف بشيء على الارحام تحقيقاً للاوامر التي تحث على رعاية صلة الرحم.
وهكذا بقية الطبقات الضعيفة ممن تناولتهم الآية الكريمة.
وذهب بعض المفسرين : إلى أن المجلس المذكور هو مجلس الوصية ، وحينئذ فيكون الخطاب موجهاً إلى ( المورثين ) وهم من تحضرهم الوفاة فقد أمروا أن لا يغفلوا ذوي قرباهم حين الوصية امتثالاً لما أوصى به الله من رعاية الارحام ، وتفقدهم وكذلك اليتامى ، والمساكين.
ولأي من التفسيرين يميل الباحث فان الآية الكريمة لا شك انها لاحظت باطارها العام جانب المعوزين ولم تتركهم حتى في حالة عدم استحقاقهم الشرعي وخاطبت الورثة ، أو المورث. على الخلاف فيه بلزوم رعاية المحتاجين من أرحامهم ليحققوا بذلك غاية نبيلة انسانية.
وتكون النتائج الحتمية لهذه العملية هي تقوية أواصر المحبة ، والود بين أفراد الاسرة الواحدة والتي تجمع أفرادها وحدة النسب ، والسبب.
وكان اليتامى على التفسيرين من جملة من شملهم العطف الإِلهي في هذه الوصية المقدسة.
* * *
( وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَىٰ ) .
والآن وحيث استوفت الآيات القرآنية الجوانب المعاشية لليتيم ودفعت بالاثرياء لأن يساعدوا الايتام ، ويهيئوا لهم الملاجيء السكينة فلا بد من الاتجاه ، والحث على تربية هؤلاء تربية صالحة للئلا يبقى اليتيم عاطلاً لا تستفيد الامة من مواهبه.
وفي هذه الآية الكريمة يتضح لنا جانب من هذه النقطة الدقيقة حيث جاء سياقها مذكراً النبي الاكرم (ص) بما منَّ الله عليه به من قبل فقد نشأ (ص) في جو مليء بالعقائد المنحرفة ، والاوضاع المتلونة النابعة من عادات جاهلية سالفة لذلك شملته العناية الالهية باتمام العقل ، والهداية ، وجعله بالمنزلة اللائقة لتحمل أعباء الرسالة ، والسفارة السماوية لابناء الارض.
فالهداية من متممات النعمة ، والمنّة عليه ، ولذلك لا بد من رعاية هذه الجهة بالنسبة إلى يتامى الناس ، وانتشالهم من هوة الجهل التي تلازم هؤلاء المساكين الذين باتوا ، ولا كافل لهم.
ولا بد من تطبيق هذا الدرس على يتامى الناس ، وإحتضانهم وهدايتهم بتثقيفهم ، وتعليمهم ، ورعايتهم من الجوانب التعليمية وجعلهم كأداة صالحة ، ونافعة في هذه الحياة.
فكما هداك ، ومن عليك من قبل لا بد أن تسير على هذا النهج من التطبيق وقد أسلفنا ان هذا النوع من التذكير للنبي الاكرم إنما هو لاجل جعل المشرع الاسلامي (ص) أمام أمر واقع مر به ، وذاق طعمه المرير ليكون التبليغ أوصل ، وأنفع.
( كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ) .
وفي هذه الآية الكريمة يبدو لنا واضحاً ما ترمي إليه من تصحيح المفاهيم الخاطئة والتي يبني البعض عليها الجوانب التي يتطلع إليها في حياته اليومية فقد جاءت هذه الآية تعقيباً لما يتصوره البعض من ذلك.
( فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ،وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ) (١) .
__________________
(١) سورة الفجر : آية ( ١٥ ـ ١٦ ).
لقد جعل الانسان هذا المقياس ركيزة يبني عليها واقعه الاجتماعي حيث يصرح بأن توفير الخير عليه هو لكرامته عند الله بينما يعتبر التقتير عليه مادياً اهانة له من الله.
ولكن الحقيقة تكمن وراء كل هذا اللف ، والدوران من هذا الانسان المراوغ.
أنه يجابه بها من القرآن الكريم في قوله تعالى :
( كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ) .
أنه ظن خاطيء يلجأ إليه الانسان في تكوينه لذلك المعيار الذي اعتبره لتحقيق كرامته ، واهانته.
إن الله جلّت عظمته بيده كل شيء ورحمته أوسع من كل هذه الحيالات ، والتصورات فلا يوفر الرزق لكرامة الانسان ولا يقتره لاهانته ، بل يعطي ، ويمنح حسبما تقتضيه الحكمة الإِلهية ولربما كان التوفير على أحد في رزقه نقمة عليه.
( إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ) .
وإنما الاهانة لها أسبابها الخاصة ومن تلك الاسباب هو : هذا الجفاء الذي يلاقيه الضعفاء منكم خصوصاً إذا كانوا يتامى( كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ) .
والاكرام بنفسه شامل لكل صور حفظ اليتيم من ناحية حقوقه الاجتماعية سواء فيها الايواء ، أو الانفاق ، أو التربية.
فمن اكرامه عدم تركه بلا تربية ، وتعليم.
ومن اكرامه تهذيبه كما يهذب الشخص أولاده.
وليس المراد بالاكرام في الآية الكريمة هو الانفاق عليه فقط بل
المقصود ـ كما قلنا ـ كل ما يحقق اكرامه ، ويظهر لنا ذلك جلياً من المقابلة بينه ، وبين المسكين في الآية التي تلي هذه الآية.
( وَلا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ المِسْكِينِ ) :
فالمسؤولية بالنسبة إلى المساكين إنما تنحصر في اطعامهم والانفاق عليهم ولذلك أخذ الشارع المقدس يصحح مفاهيمهم بإنكم لا تحاضون أي تتواصون على هذا الشيء فتتركون هؤلاء المساكين تفترسهم أنياب الفقر ، والجوع.
أما اليتيم فانكم لا تكرمونه ، والاكرام أمر يختلف عن التعبير بالتواصي على إطعام المسكين فهو يضم بين جوانبه كلما يحقق الأخذ بيده لما فيه رفعته ، وكلما يحتاج إليه كصبي فقد كفيله ، وليكن مكرماً كما لو كان أبوه حياً فبنفس تلك الطريقة من الايواء ، والانفاق ، والتربية لا بد من معاملته ليحصل بذلك تكريمه.
وهناك جهة عالجها الشارع المقدس ، فأولاها عناية وأكد عليها وهي الإِرفاق باليتيم في التحدث معه ، والابتسامة في وجهه لتبعد بذلك عنه الانكسار الذي يشعر به ، والذل الذي يحيط به من جميع جوانبه.
( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ) .
درس بليغ في التحذير من قهر اليتيم فلماذا هذا التطاول عليه ، ولماذا هذا العبوس في وجهه وهو صبي لا ذنب له.
والآية الكريمة تخاطب النبي (ص) وحاشاه أن يقهر يتيماً ، أو يقطب في وجهه وهو الذي قال فيه عز وجل :
( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) .
وجاء في بعض الأخبار عنه (ص) قوله :
« يا بني عبد المطلب انكم لن تسعوا الناس بأموالكم فألقوهم بطلاقه الوجه وحسن البشر »(١) .
« وقيل كان (ص) لا يأخذه أحد بيده فينزع يده حتى كان الرجل هو الذي يرسله ولم يكن ركبته خارجة من ركبة جليسه ولم يكن أحد يكلمه إلا أقبل بوجهه عليه ثم لم يصرفه عنه حتى يفرغ من كلامه »(٢) .
فالخطاب إنما هو للأمة على الصورة التذكيرية للنبي الأكرم.
ولماذا هذا القهر لليتيم وقد وجد في الاسلام مدافعاً عن حقوقه الاجتماعية ، والمالية.
أكرم اليتيم ولا تقهره ففي كنف الاسلام يأمن الضعيف.
وفي رعاية التشريع يجد اليتيم تلك اليد الرقيقة التي تحنو عليه ، وتمسح على رأسه لتزيل عنه غبار اليتم ، وتضفي عليه هالة من العطف ، والحنان.
( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ،فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ،وَلا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ المِسْكِينِ ) (٣) .
فدفع اليتيم ، وقهره كان سبباً لان يكون القاهر في نظر الآية المباركة هو المكذب بالدين لأن المتمسك بالدين لا يقهر اليتيم ولا يمنعه حقه وليحسب الانسان بعد كل هذا يترك سدى يطلق لنفسه عنان الشهوات ويختار لنفسه ما يشاء دون أن يحاسب على أفعاله يقهر يتيماً ، ويدفع
__________________
(١) المحجة البيضاء : للفيض نقلاً عن المواهب المدنية.
(٢) للقسطلاني ٣ / ٣٦٤.
(٣) سورة الماعون : آية ( ١ ـ ٢ ـ ٣ ).
مسكيناً عن حقه فهو مخطيء حينما ينسج له مقاييس وهمية ليبني عليها واقعه الاجتماعي ، وليهرب من مواجهة الحقيقة ، ويبرر بذلك موقفه من موجات الظلم المتلاحقة الصادرة منه.
( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصَادِ ) .
يحاسبه على كل صغيرة ، وكبيرة ، وسيجازيه عن كل ما يرتكبه وليقول العبد في ذلك اليوم( يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) ولتتمثل له عندها الطبقات الضعيفة تحاسبه على تجاوزه على حقوقها التي كانت له كنبتة الربيع.
( فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ،وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ) (١) .
وصدق الله العظيم في وعده وليعض الظالم في ذلك اليوم على يديه ندماً ، ولتتحرق نفسه وهو يرى أن لا مناص من الجزاء وبذلة النادم يضرع إلى ربه وهو يصيح والموت يتراءى له بمنظره الموحش ليجسد له أعماله.
( رَبِّ ارْجِعُونِ *لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ) .
وجاء في تفسير الآية الكريمة أن المراد بما ترك تركته المالية حيث لم يؤد ما عليه من الحقوق وقيل : المراد فيما فرطت وليكن هذا أو ذاك فالمعنى يحوم حول ندمه على ما لم يقم به في دنياه مما فرضته عليه الشريعة المقدسة ولكن :
( كَلاًّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ) .
فقد فاتته الفرصة ، وخسر الجولة فقد جاءه الموت ليلفه بشراعه ، وليجد أعماله تنتظره إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر.
__________________
(١) سورة الفجر : آية ( ٢٥ ، ٢٦ ).
وتتوالى التوسلات والفرد يجد نفسه نال الجزاء وفي جهنم يبقى خالداً وقد صدق الله في إخباره حيث قال :
( وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ *تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ) .
( قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ *رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ) .
وينتهي المشهد وتذهب التوسلات أدراج الرياح عندما يأتي النداء من الله عز وجل.
( قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ ) (١) .
وهذه اللفظة تستعمل لزجر الكلب ونزلوا وهم في النار منزلة الكلاب المزجورة اذلالاً لهم ، وإهانة ، وإظهاراً للغضب عليهم.
وفي الآيات الكريمة التي تلي هذه الآيات عرض للأسباب التي نال بها هؤلاء هذه العقوبة وهذا الاعراض حيث كانوا يسخرون من الأنبياء والمرشدين وكانوا منهم يضحكون.
لا ملازمة لعنوان اليتيم مع الفقر فكثير من الأيتام لهم من الاموال ما ليس للكبار منها شيء.
ومشكلة اليتامى الاثرياء ليست بأقل من مشكلة اليتامى الفقراء لان المشكلة تكمن في الرواسب الخلفية ، والتي تفسح المجال
__________________
(١) الايات الكريمة المذكورة من سورة المؤمنون : من آية ( ٩٩ ـ ١٠٩ ).
للاقوياء في التسلط على الضعفاء. واليتيم في أغلب الموارد ضعيف فقد من يكفله ، وبقي تحت رحمة الاولياء والاوصياء. لذلك نجد الشريعة المقدسة تولي الإِهتمام بهذه الجهة لتحافظ على الرصيد المالي لهذه الفئة الضعيفة كما أولتهم العناية بتوجيه النفوس إليهم في بقية المراحل الحياتية المعاشية ، والتربوية.
وقد بدى ذلك واضحاً من الآيات العديدة التي راعت هذه الجهة فأكدت على إحترام مال اليتيم ، وعدم التصرف فيه إلا بما فيه مصلحة تعود إليه.
لذلك نرى هذه المجموعة من الآيات ، والتي خصصت لمعالجة مشكلة اليتامى الأثرياء تتمشى مع اليتيم في ثلاثة مراحل :
المرحلة الأولى : |
في المحافظة على ما يترك لليتيم من مالٍ ميراثاً كان ذلك المال ، أو هبة تعود إليه ، وعدم التجاوز على حقوق هؤلاء الضعفاء. |
المرحلة الثانية : |
وتتكفل ببيان الخطوط التي تنهي دور اليتم ، وترفع عنه هذا العنوان ، وبذلك تنتهي مهمة الاولياء ، والاوصياء عندما يشب الطفل ، ويترعرع فيصبح قابلاً لتسلم ماله من الاموال وقادراً على إدارتها بنفسه شأنه في ذلك شأن بقية الكبار. |
المرحلة الثالثة : |
وهي في الحقيقة مرتبطة بالمرحلة الثانية حيث يؤكد فيها على تثبت ارجاع المال ، والتأكد من إستلامه بما يرفع النزاع في المستقبل من دعوى عدم التسليم أو دعوى نقصان المال المسلم ، ولذلك يطلق على هذه المرحلة إسم « الاشهاد على التسليم ». |
ومع هذه المراحل بنحو من التفصيل :
وبهذا الصدد يقول تعالى :
( وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ) (١) .
ايتاء اليتامى أمولهم يكون بالصرف عليهم من ذلك المال في حالة الصغر ، وأما في حال البلوغ وإستئناس الرشد منهم فيتحقق ذلك بتسليمه اليهم كما تتكفل بيانه المرحلة الثانية.
وأول شيء تعرضت له الآية الكريمة هو ترك عملية تبديل أموال اليتامى حيث كان ذلك سائداً عندهم فقد نقل أئمة التفسير أن بعض الاوصياء كانوا يأخذون الجيد من مال اليتيم ، والغالي منه ، ويبدلونه بالرديء لذلك جاءت الآية الكريمة لتنهي عن هذه التجاوزات غير المشروعة بتبديل أموال هذه المجموعات من الصغار الضعفاء.
وتستمر الآيات الكريمة لتعالج جميع الحالات التي كان التجاوز فيها حاصلاً فيما بينهم على أموال الضعفاء من الايتام فتشمل ما هو أعظم من التبديل ، ذلك هو التجاوز على أصل المال حيث كان الفرد إذا أمن العقوبة يضم مال اليتيم إلى ماله فيتصرف بالجميع ، ويترك هذا المسكين يقاسي متاعب هذه الحياة الكالحة ، وقد جمع بهذا التجاوز على اليتيم إضافة إلى مشكلة يتمه ، مشكلة الفقر.
لذلك وقف القرآن وهو يصرخ في وجوه هؤلاء الأولياء المتجاوزين ويحذرهم مغبة هذا التعدي الوقح فقال سبحانه :
__________________
(١) سورة النساء : آية (٢).
( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ) .
إثم عظيم يقترفه الانسان بضم مال اليتيم إلى ماله ليجحف به ويوصل الضرر إليه.
وتتوالى الصرخات التحذيرية من القرآن الكريم ناهية عن هذا النوع من التجاوز غير المشروع.
( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) (١) .
تصوير مرعب تطالعنا به الآية المباركة حيث صورت الفرد منا والنار تستعر في جوفه فيعلم أهل الموقف أن ذلك جزاء من أكل مال اليتيم ومن وراء ذلك جهنم سيصلاه مخلداً فيها.
وقد روي عن الامام الباقر ( عليه السلام ) أنه قال :
قال رسول الله (ص) : يبعث اناس من قبورهم يوم القيامة تأجج أفواهم ناراً فقيل له من هؤلاء فقرأ هذه الآية.
وجاء في كتب التفسير أن هذه الآية لما نزلت وكذلك قوله تعالى :( وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (٢) بادر كل من عنده مال ليتيم فعزل طعامه وشرابه واجتنبوا أمورهم نظراً لما في هذا التحذير من عقاب صارم ينتظر آكل مال اليتيم.
وطبيعي أن يوجب هذا الوضع التشويش ، والاضطراب في قلوب المسلمين لأن ذلك مما يوجب تنفير هذه الفئة الضعيفة منهم
__________________
(١) سورة النساء آية (١٠).
(٢) سورة الانعام : آية (١٥٢).
وليس ذلك في صلاح هؤلاء الاطفال لذلك قصدوا للسؤال من النبي (ص) عن أمر اليتامى ومخالطتهم وفيهم من لا يمكن تركه.
فجاءت الآية الكريمة لتخفف عنهم هذه الشدة ، وتصحح لهم المفهوم الخاطيء الذي تصوروه في ذلك فتسهل عليهم معاشرتهم.
( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ) (١) .
وكان الجواب صريحاً في الطريق الذي لا بد لهم من سلوكه مع الأيتام فلا داعي لهذا التجنب ولا داعي لهذه الهوة التي أحدثوها فيما بينهم فكلما فيه صلاح اليتيم لا بد من رعايته وإذا كانت هناك مصلحة في مخالطتهم والتعايش معهم فهم اخوانكم ، والمخالطة مع الاخوان مما يؤكد عرى المحبة.
والاصلاح في الآية مطلق لا يقتصر على جهة معينة بل يشمل كل صور الاصلاح لأموالهم باستثمارها ، وتنحيتها ، والعمل بها في ميادين التجارة والكسب لتوفر على اليتيم ربحاً وفيراً في ماله.
وفي الوقت نفسه تشمل اصلاح اليتيم مع بقية نواحيه ولو كانت غير مالية كالتربية ، والتهذيب إذ أن الآية الكريمة تريد أن يكون اليتيم في نظر الآخرين كالاخ الصغير حيث يختضنه الأخ الكبير ، ويحوطه بعنايته فهو يقوم برعايته من النواحي المالية ، والاخلاقية ، ويخالطه ، ويعاشره بنحو لا يكون في البين طمع من الكبير في أموال الصغير ، بل رعايته ، وتوجيهه بحسن نية ، واخلاص ممزوجين بعطف أخوي.
ولم تقتصر الآيات الكريمة في مقام التهديد على النهي عن
__________________
(١) سورة البقرة : آية (٢٢٠).
التجاوز ، وأكل مال اليتيم ، والتوعيد بالعذاب الاخروي بل سلكت طريقاً آخر مستوحىً من الواقع الحياتي الذي يعيشه الفرد في كل يوم.
إن هذه الطريقة الجديدة تتمثل في تنبيه المتجاوزين بإنهم لو ظلموا اليتامى ، وتجاوزوا على حقوقهم ، فليحذروا أن يكون جزاؤهم نفس ما عملوه مع اليتيم ، ولينتظروا يوماً يعامل فيه أيتامهم بنفس الطريقة التي أساؤوا بها إلى أيتام الآخرين.
قال تعالى :
( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا ) (١) .
وقد جاء عن الامام الصادق (ع) قوله :
« إن أكل مال اليتيم يخلفه وبال ذلك في الدنيا ، والآخرة. أما في الدنيا : فان الله تعالى يقول :( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ ) . وأما في الآخرة فان الله عز وجل يقول :( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) (٢) .
إذاً فلرعاية الايتام أثار وضعية دنيوية ، وللإِساءة اليهم مثلها إذ كل شخص في هذه الحياة عرضة إلى الموت وأبنائه معرضون إلى اليتم في كل لحظة ، فليتق الله في الأيتام ليتق غيره في أيتامه.
وبالعكس ، فرعايتهم ، والأخذ بأيديهم له الأثار الوضعية أيضاً
__________________
(١) سورة النساء : آية (٩).
(٢) وسائل الشيعة : ١٢ / ١٨١ حديث (٤) الطبعة الجديدة.
فالله لا ينسى تلك الأيادي البيضاء على هؤلاء المقطوعين الذين لف كفيلهم رداء الموت.
وقد عرض القرآن الكريم نماذج من هذا النحو من الرعاية المتقابلة فقال تعالى :
( وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ) (١) .
لقد حفظ الله ، ورعى لاب هذين اليتيمين جزاء صلاحه يتيميه فقيظ لهما من بنىٰ لهما الجدار الذي ذخر الكنز لهما تحته ريثما يبلغا أشدهما ، ويستخرجا كنزهما كل ذلك رحمة من ربك ، ومعاملة حسنة بالمقايضة ، والمقابلة.
لم تقف الشريعة المقدسة في أثناء مرحلة ولاية الولي على اليتيم في وجه الولي لتمنعه من تناول شيء من المال جزاء أتعابه ، ورعايته في هذه المدة ، بل سمحت له بذلك إلا أنها قيدته بما يقتضيه الحال لرعاية حال اليتيم الذي يكون في الغالب محتاجاً إلى ما يدخر له من مال.
تقول الآية الكريمة موضحة الخط الذي يليق بالولي أن يسلكه في هذا الحال.
( وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ ) .
جاء ذلك بعد قوله تعالى :
__________________
(١) سورة الكهف : آية (٨٢).
( وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا ) (١) .
لقد بدى واضحاً من الآية الكريمة أنها صنفت الاولياء إلى قسمين :
١ ـ ولي غني له من المال ما يكف نفسه عن تناول شيء من أموال اليتيم.
٢ ـ وولي فقير قد يضر بحاله المالي أن ينشغل بادارة الشؤون المالية لليتيم لذلك نجده يصبو إلى أخذ شيء من المال لقاء ما يقدمه له من رعاية ، ومحافظة.
١ ـ الولي الغني : وقد خاطبت الآية هذا النوع من الاولياء بقوله تعالى :( فَلْيَسْتَعْفِفْ ) .
والإِستعفاف في اللغة هو : الامتناع عن الشيء. والإِمساك عنه ، فهي إذا تخاطب الأغنياء بترك أموال اليتامى وعدم أكلها لا قليلاً ، ولا كثيراً فلماذا هذا الجشع ، والغني قد أعطاه الله من المال ما كفاه عن التطلع إلى هؤلاء الضعفاء ؟ وكيف تتم حلقة التكافل الاجتماعي ، والتضامن ما دام الغني يلاحق هؤلاء الصغار الذين فقدوا من يكفلهم ليضيف إلى مخزونه المالي ما يتقاضاه لقاء عمله لرعاية الايتام ؟.
وأين إذاًَ النوايا الحسنة ، والضمير النابض ليستيقظ فيتجه الغني إلى ربه مبتغياً وجهه سبحانه فيما يقدمه من خدمة ، ورعاية ربما يكون هو في مستقبل الأيام محتاجاً لمثل هذه الرعاية من
__________________
(١) سورة النساء : آية (٦).
الآخرين لو اختطفه الموت ، وخلف أيتاماً كهؤلاء الذين تولى هو أمرهم ، ورعايتهم ؟.
( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا ) (١) .
٢ ـ الولي الفقير : أما إذا كان الولي فقيرا فقد خاطبته الآية الكريمة بقوله تعالى :( فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ ) .
وقد روعيت ظروف الفقير في هذه الحالة ، فان الاشتغال بهذه الرعاية المالية يوجب انشغال الفقير عن كسبه ، أو لا أقل من توزيع جهوده بين كسبه ، ورعاية اليتيم المالية لذلك سمحت له الاكل ، وهو كناية عن تناوله من مال اليتيم قدر الحاجة والكفاية على بعض التفاسير مع تقييد كون هذا الأخذ على نحو الفرض حيث لا بد من رده إذا تمكن بعد ذلك مالياً ، أو الأخذ على قدر ما يسد به جوعته ، وليستر به عورته لكن لا على جهة القرض بل على جهة تملك المأخوذ لقاء عمله ، ورعايته كما جاء في بعض التفاسير الأخرى.
وليكن هذا أو ذاك ، فالولي إذا كان فقيراً مقيد ، ومضيق عليه في تناول ما يشاء من مال المولى عليه.
( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) (٢) .
والتعدي عن المقدار اللازم في الاخذ من مال اليتيم هو أكل ذلك المال ظلماً ، وتجاوزاً وهو مهدد عليه بنص الآية الكريمة.
__________________
(١) سورة النساء : آية (٩).
(٢) سورة النساء : آية (١٠).
وأخيراً فرفقاً بهؤلاء الصغار الذين تقتضي الرحمة الانسانية ان يحافظ على ماله إلى الوقت الذي يسلم إليه ليتمكن من مواجهة هذه الحياة بظروفها القاسية.
ونقصد بالتجارة بمال اليتيم كل تصرف يعود بالنفع عليه تجارة ، أو زراعة ، أو تنمية من قبل الجد ، أو الوصي من قبل الأب ، أو الحاكم الشرعي ، أو الاولياء المنصوبين من قبله ، وهكذا حيث تصل النوبة إلى عدول المؤمنين.
ولم تحدد الآية الكريمة في قوله تعالى :
( وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (١) .
أبعاد هذا التصرف ، بل نهت عن التقرب إليه إلا على النحو الاحسن.
وقد ذكر الفقهاء للقرب المذكور في الآية معاني عديدة ، وكذلك النحو الاحسن ذكروا له معاني عديدة أيضاً.
ومن مجموع ما ذكروه نخرج بالنتيجة التالية :
أن الأدلة الواردة في رعاية اليتيم ، والاحسان إليه ثبت فيها أنه إذا كان الترك للتصرف بمال اليتيم مفسدة حرم ذلك لانه إتلاف له ، وإفساده ، وهذا ما لا يريده الشارع المقدس.
وأما لو لم يكن في ترك التصرف مفسدة ، بل كان التصرف فيه
__________________
(١) سورة الاسراء : آية (٣٤).
مصلحة فقد صرحت الآية الكريمة بسلوك الطريق الاحسن في مثل ذلك التصرف ، وقد جاء ذلك بصورة النهي إلى جميع المعنيين بشؤون اليتيم ، ورعايته أن يقربوا ، وهو كناية عن التصرف ـ لمال اليتيم إلا بالشيء الذي يصدق عليه التصرف الاحسن ، ويكون ذلك بحفظه ، وتثميره ، والانفاق عليه بالمعروف على ما لا يشك أنه أصلح له ، فأما لغير ذلك فلا يجوز لأحد التصرف فيه.
وإنما خص اليتيم بذلك ، وان كان التصرف في مال البالغ بغير إذنه لا يجوز أيضاً مما هي خصوصية اليتيم.
والجواب عن ذلك : أن اليتيم إلى هذه الرعاية أحوج والطمع في مثله أكثر(١) لذلك جاءت الآية الكريمة تحفظ حقه في التأكيد على ما هو أصلح له عند التصرف بماله.
ونقف أخيراً أمام السؤال الذي يفرض نفسه علينا ، ونحن نرى الآية الكريمة تجيز التصرف بالنحو الاحسن بأنه : لو دار الامر بين الأصلح ، والمصلحة ، ويمثل لذلك ، بما إذا كان يباع هذا المال في مكان بعشرة دنانير ، ولكنه يباع بعشرين دينار بمكان قريب من ذلك المكان ، ففي هذه الصورة يعد بيعه في المكان الأول ـ مع إمكان بيعه في المكان الثاني ـ إفساداً للمال ، ولو ارتكبه عاقل عد سفيهاً ليست لديه ملكة إصلاح المال ، وتثميره(٢) .
وإذاً فلا بد من رعاية الاصلح إن لم يكن ذلك موجباً لادخال الضرر على من يتصدى للتصرف بمال اليتيم.
__________________
(١) التبيان في تفسير القرآن في تفسيره لآية (٣٤) من سورة الاسراء.
(٢) مكاسب الشيخ الانصاري بحث الولاية.
وقد استدل الفقهاء على هذه الرعاية ، وعدم جواز الاخذ بالمصلحة في مورد يمكن الاخذ بالاصلح بعدة أدلّة :
الأول : |
أن الولي بحسب وضعه الاولي منصوب لرعاية مصلحة الصغير ، وإذا كان هذا الملاك ، فرعاية الاصلح مقدمة على المصلحة لان ذلك من مقتضيات نصب الولي ـ كما عرفت ـ. |
الثاني : |
أننا نشك عند بيع مال اليتيم بالاقل رعاية للمصلحة ، وعدم البيع بالأكثر رعاية للاصلح بأن المال انتقل من ملك اليتيم إلى المشتري بدون وجود الاصلحية ففي هذه الصورة استصحاب ملكية اليتيم يحكم ببقائه ، وعدم إنتقاله أما لو راعى الولي حالة الاصلحية فان الاستصحاب لا يبقى مجال لجريانه كما هو واضح. |
وهناك أدلة أخرى تعرضت لها الموسوعات الفقهية ، كما وقد ذكر من يكتفي بمجرد وجود المصلحة أدلة اعتمد عليها ، ودلل فيها على عدم لزوم تكليف الولي برعاية الاصلح ما دام عنوان المصلحة متحققاً في التصرف بمال اليتيم. وليس بالإِمكان التعرض لكل هذه الاراء ، والأدلة وملاحظة جميع ما ورد في هذا الموضوع. بل المهم أن نستفيد من وراء ما نقلناه أن رعاية اليتيم لا تقتصر على حفظ ماله ، وإيداعه إلى ان يصل إلى حد البلوغ ليسلم إليه بل لا بد من تثميره ، وتنميته رعاية لحق اليتامى ، واشعاراً لهم بأن القدر لو اختطف منهم اليد الحانية فقد عوضهم الله بمن يعطف عليهم لينسيهم مرارة الوحدة ، وذل اليتيم.
أما من ناحية تسليم أموال اليتامى فقد حدد الشارع المقدس لذلك وقتاً خاصاً يكون بإمكان الولي ، أو الوحي التخلي عن هذه المسؤولية الملقاة على عواتقهم بدفع أموال اليتامى إليهم.
قال عز وجل :
( وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ ) (١) .
وقال سبحانه :
( وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ ) (٢) .
وقال تعالى :
( وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ) (٣) .
خطوط المراحل النهائية للمحافظة على مال اليتيم حددتها الآيات الكريمة فبدى من خلالها لزوم شرطين أساسيين لتحقق هذه المرحلة الإِنتقالية ، وهما :
١ ـ البلوغ.
٢ ـ الرشد.
بلوغ النكاح : وهو كناية عن وصول الطفل إلى مرحلة النضوج البدني فيشهي بذلك النكاح والذي هو تعبير عن قدرة الطفل على ممارسة العملية الجنسية.
والرشد : وهو النضوج العقلي عند الانسان.
__________________
(١) سورة النساء : آية (٦).
(٢) سورة الانعام : آية (١٥٢).
(٣) سورة الاسراء : آية (٣٤).
وبحصول هذين يكون اليتيم ناضجاً ، وقادراً على إدارة شؤونه والتصرف بأمواله بنفسه على النحو الذي يقوم به كل شخصٍ كامل على أن الفقهاء قد إستفادوا من الآيات الكريمة المذكورة الارتباط بين هذين الشرطين فلم يقولوا بدفع المال إلى اليتيم بمجرد وصوله إلى حد البلوغ فقط ، أو حصول الرشد لوحده دون البلوغ إذ لربما يصل الانسان إلى حد يتجاوز بها السن المقررة شرعاً في البلوغ ، ولكنه بعد لا يستطيع من القيام بأعباء المسؤولية المالية.
لقد لاحظ الشارع المقدس ، ومن خلال الآيات الكريمة أن رفع الولاية عن الصبي يتيماً كان ، أو ذا أبٍ يتمتع بالحياة لا بد له من المقدرتين البدنية ، والعقلية.
فلا فائدة في طفل اكتملت رجولته البدنية بالوصول إلى مرحلة من العمر ، وهو على أبواب الشباب بتخطيه الخامسة عشرة ما لم يكتمل نضوجه العقلي حيث تصبح لديه القدرة الكافية لتمييز مضاره من منافعه ، وما يصلح له مما يفسده وقد جعل المشرع لكلٍ من هاتين المرحلتين علامة تشعر بتحققها ، وإكتمالها.
البلوغ علاماته :
وقد ذكر الفقهاء للبلوغ أسباباً خمسة :
ثلاثة يشترك فيها الذكور ، والإِناث.
واثنان تختص بالإِناث.
أسباب البلوغ المشتركة :
أما الاسباب المشتركة فهي :
١ ـ الإِنبات للشعر الخشن على العانة.
٢ ـ السن.
٣ ـ الاحتلام.
وهي كما قلنا مختصة بالنساء وقد قررت كما يلي :
١ ـ الحيض.
٢ ـ الحمل.
ومن الاجمال الى التفصيل. ونبدأ ببيان الاسباب المشتركة للبلوغ وهي كما قلنا :
وفي اللغة : أنبتت الارض إذا أخرجت نباتها ، وبقلها. وأنبت الغلام : إذا بلغ مبلغ الرجال(١) .
ويراد بالإِنبات : في مصطلح الفقهاء : نبات الشعر على العانة للرجل ، والمرأة.
وأما لعانة : فيقول عنها اللغويون.
وعانة الإِنسان إسبه : الشعر النابت على فرجه.
وقيل : هي منبت الشعر هناك(٢) .
وليس للفقهاء مصطلح خاص يختلف عما ذهب إليه اللغويون. بالنسبه إلى العانة بل يقول الجميع بنفس المقالة المذكورة.
__________________
(١ ، ٢) لسان العرب : مادة ( نبت ، وعون ).
لا شك أن خروج الشعر حول ذكر الرجل ، وفرج المرأة في القبل هو مورد قبول الفقهاء من جميع المذاهب الاسلامية ـ عدا المذهب الحنفي ـ لانهم لا يقولون بأن الانبات علامة من علامات البلوغ ليبحث عن موضع ذلك أين يكون.
وأما وجود الشعر على غير العانة من بدن الانسان ، فقد وقع الخلاف فيه ، فذهب معظم الفقهاء إلى عدم إعتباره دليلاً على البلوغ ، ومن موارده الإِنبات في الوجه في اللحية ، والشارب ، وفي الإِبط أيضاً.
وإذاً فبحصول الإنبات على العانة يكون الصبي قد أحرز أحد الشرطين في عملية إنتهاء دور الصبا ، وتسلم ما له من المال عند الغير.
الشعر الذي ينبت على العانة ، ويكون علامة على بلوغ الصبي ، وانهائه دور اليتم قيده الفقهاء بكونه « خشناً » وفي مقام توضيحه يعبرون عن مقدار الخشونة بقولهم :
« بحيث يحتاج إلى الحلق بالموسى ، أو غيره في مقام إزالته ».
ولهذا صرحوا بعدم الاعتبار بالزغب ، أو الشعر الضعيف وقد عرف الزغب بأنه : صغار الشعر ، ولينه ، أو هو أول ما يبدو من الشعر.
وأما الضعيف : فهو الشعر الذي يلي هذه المرحلة فينبت قبل الخشونة ، ولذلك بالامكان تقسيم الشعر في مراحله إلى هذه الادوار الثلاثة : زغب ، وضعيف ، وخشن.
ينفرد فقهاء المالكية بذكر بعض العلامات الأخرى غير الإِنبات حيث اعتبروها دليلاً على البلوغ.
وقد ذكروا تلك العلامات على ما يلي :
١ ـ فرق أرنبة المارن : والمارن هو الانف ، وقيل هو طرفه ، وقيل ما لان من الأنف.
٢ ـ نتونة رائحة الابط.
٣ ـ بروز الشعر في الابط.
٤ ـ نهود الثدي.
٥ ـ غلظ الصوت.
وغير هذه من العلامات التي يستدل بها على أن وجودها معناه تبدل أعضاء البدن ، وإنتقاله من مرحلة الطفولة إلى مرحلة نضوج البدن ، وبلوغه السن الذي يكون الطفل قد أهل إلى تحمل التكاليف الشرعية.
ولكن بقية الفقهاء من بقية المذاهب لم يعتبروا هذه العلامات التي تفتقر في مقام تقييمها إلى الدليل الشرعي. وأما مجرد الغالبية لحصول هذه العلامات مع البلوغ ، وحصولها بحسب العادة في مثل هذه السن فهذا مما لا يكون دليلاً يجعل هذه العلامات كعلامة ( الإِنبات ) على البلوغ حيث صرحت الادلة بأنه علامة من علامات البلوغ المشتركة بين الذكور والاناث.
تقرر كافة المذاهب الإِسلامية ( عدى المالكية ) بأن وصول الصبي
إلى مرحلة خاصة من العمر هو : البلوغ ولكنهم إختلفوا في الحد المقررة من السن لكل من الذكر والأنثى.
لذلك لا بد من بحث ذلك للذكر أولاً ، والأنثى ثانياً.
وقد تعددت أقوال المذاهب في ذلك.
١ ـ |
البلوغ بالخمس عشرة سنة ، وإلى هذا ذهب معظم الامامية. وهو المجمع عليه عندهم ، والمشهور فيما بينهم. وبه قال الشافعية ، والحنابلة ، وهو القول المشهور لاصحاب مالك ، وبه قال كثير من فقهاء العامة غير أصحاب المذاهب. |
٢ ـ |
البلوغ سبعة عشرة سنة ، أو ثمانية عشرة وهو المنقول عن أبي حنيفة. |
٣ ـ |
القول بالاكتفاء بما بين أربعة عشرة سنة إلى ستة عشرة وإلى هذا ذهب بعض فقهاء الامامية. |
٤ ـ |
أنه لا حد للبلوغ بالسن ، وإلى هذا القول ذهب مالك ، وداود الظاهري. وهناك أقوال أخرى قد لا تكون مهمة. |
وكما اختلفت كلمة الفقهاء بالنسبة للسن لبلوغ الذكر كذلك اختلفت كلمة الفقهاء بالنسبة لبلوغ الأنثى من ناحية السن.
فالقول السائد عند الامامية ، والمجمع عليه عندهم هو : اكمال التسع سنوات ، ويذهب البعض منهم إلى بلوغها بكمال العشر. أما
الشافعية ، والحنابلة فقد ذهبوا إلى بلوغها باستكمال الخامسة عشرة سنة.
أما الاحناف فقد نقل عن أبي حنيفة رأيه في البلوغ ، وأنه سبعة عشرة سنة برواية ، وبرواية أخرى خمسة عشرة سنة.
والاحتلام في اللغة هو الجماع ، أو يرى في منامه رؤيا وتكون من نتائج ذلك هو خروج المادة المنوية منه من الطريق المعهود. وعند الفقهاء : هو خروج المني ، وهو الماء الدافق الذي يخلق منه الذكر ، والأنثى.
هذا كله في أسباب البلوغ المشتركة بين الذكور والاناث. أما الاسباب المختصة بالاناث فقد تقدم أن قلنا أنها : الحيض ، والحمل.
وتتفق كافة المذاهب على أن الحيض علامة على بلوغ الأنثى ، وانها بذلك تكون مكلفة بكافة الأحكام الشرعية سواءً منها المشتركة بينها ، وبين الذكر البالغ ، أو الأحكام المختصة بها كأنثى مما لا يكلف بها الذكور.
ولسنا في صدد معرفة أن حيض المرأة هل هو البلوغ بنفسه ، أو أنه علامة على سبق البلوغ عليه ، فهذا النزاع ليس له كثير أهمية في موضوعنا بعد أن نعلم أن الانثى اليتيمة إذا حاضت ، فقد وصلت إلى السن الذي تصلح لأن يسلم إليها ما لها لو حصل الشرط الثاني ، وهو الرشد.
وقد اتفقت كلمة المذاهب الاسلامية على كون الحمل علامة على بلوغ المرأة مقربين وجهة نظرهم بأن الحمل لا يكون إلا بعد حصول الانزال من المرأة ، والذي هو خروج المني حيث اقتضت الحكمة الإلهية ان يخلق الجنين مكوناً من مائي الرجل والمرأة ، وهذا معناه أن الحمل إنما يكون بعد تكون الماء عند المرأة ونضوجها البدني ، وإنزالها إلى الرحم ليختلط به ماء الرجل فيتكون من المائين الجنين.
ولم تختلف وجهة نظر كافة المذاهب في هذه الجهة.
وهو ـ كما قلنا ـ الشرط الثاني في عملية تسليم أموال اليتيم إليه.
وقد عرفه اللغويون بأنه : نقيض الغي ، ونقيض الضلال.
ويقولون : رشد إذا أصاب وجه الأمر ، والطريق.
أما الرشد عند الفقهاء فهو :
١ ـ القول بأنه إصلاح المال ، وتدبيره.
وإلى هذا القول ذهب معظم الامامية ، والاحناف ، والمالكية والحنابلة.
٢ ـ القول بأنه صلاح الدين لا غير.
وإلى هذا القول ذهب الظاهرية ، والزيدية.
٣ ـ القول بأنه إصلاح المال ، والدين معاً.
وإلى هذا القول ذهب الشافعي ، وبعض فقهاء الامامية.
لم يحدد الفقهاء سناً معينة للرشد على العكس مما فعلوه في البحث عن البلوغ بالسن.
وعدم التحديد بالنسبة إلى السن لحصول الرشد يعتبر من الامور الطبيعية بعد أن أوضح تعريفه بما يلي :
أنه : كيفية نفسانية مانعة من تبذير المال ، وصرفه في غير الوجوه اللائقة بأفعال العقلاء.
وهذا الايضاح للتعريف مما تتفق عليه كافة المذاهب من حيث المضمون.
وبناءً على هذا التعريف ، وشبهه فليس من البعيد أن تحصل هذه الكيفية النفسانية قبل بلوغ الصبي السن المقررة للبلوغ ، وقد تحصل بعده حيث لا يحصل للانسان مثل هذا الاستعداد ، والتدبير حتى يتقدم في السن ، ويطعن فيه. وعليه : فان حصول هذه الحالة تتبع الظروف الإِجتماعية والنفسية للشخص قرب إنسان يكون محاطاً بأشخاص لهم تجاربهم العديدة ، والتي تضفي على الطفل المعلومات الكافية لتدبير حاله ، وإنعاش حياته كفرد مدبر ، ومعتدل في صرفه للأموال بينما يفقد الآخر هذا النوع بينما يفقد الآخر هذا النوع من الحنو من الآخرين.
يضاف إلى ذلك : إستعداد الطفل ، وثقافته ، وذكائه وتربيته الخاصة لذلك نرى الآية الكريمة لم تحدد ذلك بسن معينة ، بل خاطبت الاولياء بقوله تعالى :
( فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا ) .
ومن هذا المنطلق إذاً لم يكن بعيداً على بعض فقهاء الامامية وغيرهم من بقية المذاهب أن يقول في هذا الصدد.
لو بلغ الصبي غير رشيد لم يدفع إليه ماله ، وان صار شيخاً كبيراً ، وطعن في السن.
وإذا ففي هذه الحالة يبقى الولي محافظاً على مال اليتيم ولم يسلمه إليه نظراً لعدم تحقق الشرطين المأخوذين كأساس لعملية التسليم لأموال اليتامى : الرشد ، والبلوغ. إذ من المفروض أن البلوغ حصل ولكن الرشد لم يحصل والبلوغ لوحده لا يكفي لتسليم المال إليه وإمضاء تصرفاته المالية.
وينفرد أبو حنيفة برأي يقول فيه : أنه لو بلغ خمساً وعشرين سنة وهو باق على سفهه ، وعدم رشده سلم المال إليه ولم ينتظر بأكثر من هذا السن محجوراً عليه من هذه الجهة.
وقد رد هذا الرأي من طرف بقية فقهاء المذاهب ولم يأخذوا به.
يثبت الرشد ـ كما يقرره الفقهاء ـ بأحد طريقين :
١ ـ الإِختبار.
٢ ـ الشهادة.
١ ـ كيفية الإِختبار :
لم يحدد الفقهاء كيفية خاصة لإِختبار الصبي ذكراً كان أم أنثى ، بل أوكلوا الأمر إلى ما تقتضيه طبيعة الطفل الاجتماعية. ـ وعلى سبيل المثال ـ فقد ذكروا بأن أولاد التجار يكون إختبارهم بالبيع ، والشراء ، فان أحسنوا التصرف علم رشدهم.
أما لو كانوا من أولاد الطبقات غير التجارية دفع إليهم مقدار من
المال ، ويراقبون في صرفه فإن أحسنوا التصرف في ذلك المال دلّ ذلك على نضوجهم العقلي ، وتحولهم من عالم الطفولة إلى مراحل التكليف الشرعي.
وهكذا المرأه تختبر فيما يعود إلى تدبيرها المنزلي ، وتصرفها الإِجتماعي وإن قامت بدورها على النحو الذي تقوم به غيرها من الأهل ، ومتعلقيها دل ذلك على تحولها من طفلة إلى ربة بيت ، وحينئذٍ تسلم إليها أموالها كما تسلم إلى البالغ الرشيد.
وتجمع المذاهب الإِسلامية على إعتبار هذا كقاعدة أساسية لبيان كيفية الإِختبار من غير فرض مثالٍ خاص لذلك سواءً في الذكر ، أو الأنثى.
وفي الحقيقة أن هذه القاعدة مستوحاة من قوله تعالى : في الآية المتقدمة( فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا ) .
حيث تركت الآية الكريمة إيناس الرشد من دون تقييده بكيفية خاصة تبعاً لطبيعة الظروف الاجتماعية المحيطة بالطفل سواءً كان الطفل ذكراً ، أم أنثى.
وكبقية الموارد التي تقبل فيها الشهادة نرى موردنا ، وهو حصول الرشد ، فيثبت بشهادة رجلين ، أو رجل وإمرأتان.
يقول تعالى :
( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَىٰ ) (١) .
__________________
(١) سورة البقرة : آية (٢٨١).
وكما أوصى الله باليتيم ، ورعى له مصالحه لاحظ في الوقت نفسه جانب الولي من حيث تسليم أموال اليتيم.
إن مرحلة تسليم أموال اليتامى بعد وصولهم إلى سن الرشد والنضج العقلي ليس إلا وضع الحد النهائي لسلطة الولي أو الوصي ، وبدء مرحلة السلطة لاصحاب الاموال أنفسهم حيث كان بإمكانهم في تلك المرحلة من القيام بإدارة أنفسهم من دون أن يكون في البين ولي ، أو وصي يقوم بذلك.
وفي هذه المرحلة نبّه الشارع المقدس الأولياء لنقطة قد تحصل نتيجة معاكسات ، ومشاكسات تلازم هذه المرحلة الدقيقة ، وهي حصول إتهام الولي في المستقبل ، وتوجيه اللوم له من جهة اليتيم يرميه بالاختلاس ، أو التقصير ، وعدم القيام بما يلزم من التصرف ، أو المحافظة على المال على نحو يكون قد وصل إليه حقه.
واليتيم بعد كل هذا بشر ، ومهما يكن فقد يشك بالولي كأي إنسان آخر تحصل له الشكوك من بعض الملابسات ، والقضايا الخارجية ، فبدلاً من أن يقوم بما يمليه عليه الواجب من أداء فروض الشكر لمن رعاه طيلة هذه المدة نراه يتهمه بما بينّاه من الإِختلاس ، وعدم وصول حقه كاملاً إليه.
لذلك كانت الآية الكريمة تدفع بالأولياء ، وتهيب بهم أن يلتزموا جانب الحيطة ، والتدبير لانفسهم بالإِشهاد وإطلاع الغير على عملية تسليم المال إلى ذوي العلاقة فراداً مما قد يقع فيه من محذور الإِتهام نتيجة إحسانه وأتعابه.
( فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَىٰ بِاللهِ حَسِيبًا ) (١) .
__________________
(١) سورة النساء : آية (٦).
فكما كانت الشريعة تحافظ على حقوق الضعفاء من تلاعب الاقوياء كذلك تقضي الرحمة الإلهية أن تحمي الاقوياء من اتهام الضعفاء ، والتنكر لهم ، فرعاية المصلحة العامة ، وملاحظة الصالح العام تأخذ بنظر الاعتبار كل الجوانب. والافراد بنظر القانون سواسية فهو يحمي جميع الطبقات فلا يتجاوز قوي على ضعيف ـ وفي الوقت نفسه ـ لا يسمح بأن يتطاول ضعيف على قوي ، فلا أثرة لفئة على فئة بل كلهم عباد الله ، وفي نظر الشريعة سواسية.
لم يقرر الفقهاء وجوب الإِشهاد على الولي رغم أن الآية الكريمة خاطبت الأولياء ، والاوصياء بصيغة الامر فقالت :
( فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ) .
وذلك لان هذا الحكم ارفاقي إحتياطي روعي فيه حال الأولياء ليحتاطوا لانفسهم بالإِشهاد عليهم عند تسليم الاموال ليبعدوا التهمة عنهم. أما إذا لم يرد الولي أن يسلك هذا الطريق ، وشاء أن يسلم المال بلا إشهاد ، فإنه سيتحمل تبعات ما قد سيحدث لو أنكر اليتيم تسليم المال إليه ، أو ادعى أن فيه نقصاً ، أو تبديلاً ، وما إلى ذلك من صور الإِتهام.
وقد تكررت مثل هذه الأوامر في موارد عديدة وجاء ذلك في آيات أخرى من الكتاب الكريم.
يقول تعالى :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ) (١) .
__________________
(١ ، ٢) سورة البقرة : آية (٢٨١).
وقال سبحانه :( وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ) (١) .
ولم يقل أحد من الفقهاء بلزوم ، ووجوب الكتابة عند حصول المداينة بين الاشخاص ، أو حصول معاملة بيعية ، بل ترك ذلك إلى الاطراف التي تتبايع ، أو تتداين ، أو الأولياء ، والأوصياء عند تسليم أموال اليتامى إليهم ، فإن شاؤوا أخذ الحيطة لانفسهم فهو ما يريده الشارع المقدس لهم من الارفاق وحسم مادة النزاع ، وإن أبوا إلا أن تسير أمثال هذه الامور إعتماداً على الثقة المتبادلة بين الطرفين من دون كتابة أو إشهاد كان ذلك من تبعات مسؤولياتهم الشخصية ، والانتظار لكل ما تفرضه الظروف المعاكسة في بعض الاحيان.
إن عملية الإِشهاد في هذه الموارد هي عملية طبيعية تفرضها ظروف المجتمعات العامة ، وتقتضيها طبيعة الإِنسان في هذه الحياة تماماً كما يحمل الإِنسان السلاح تجنباً لما قد يلاقيه من أخطار ، ومخاوف.
وأخيراً تختم الآية الكريمة الأمر الاحتياطي بضرورة الإِشهاد على عملية تسليم أموال اليتامى من قبل الاولياء ، أو الاوصياء بقوله تعالى :
( وَكَفَىٰ بِاللهِ حَسِيبًا ) .
ورقيباً عليكم في أعمالكم ليحافظ كل فرد على ما هو مقرر في حقه ، فكما كان التشريع يقف في جانب اليتيم يحذر الآخرين مغبة التجاوز عليه ، ويشوقهم إلى مساعدته ، والأخذ بيده ، كذلك حذره من التطاول على من رعاه ، وسهر على شؤونه وهو الولي ، أو الوصي فلا يحسن به أن يعامله المعاملة السيئة فيرميه بالاختلاس ، والتقصير في الوقت الذي يكون بعيداً عن كل ذلك ، فإن الله ليس بغافل عن حساب الجميع ، وكفى به حسيباً ، ورقيباً في كل صغيرة ، وكبيرة ، وهو المطلع على السرائر ، ولا تخفى عليه خافية سواءً من جانب الاولياء في دور
__________________
(١) سورة البقرة : آية (٢٨١).
وليائهم على اليتامى ، أو بعد ذلك مما قد يتعقب عملية تسليم الاموال من إتهامات يوجهها اليتامى لاوليائهم.
لقد كان المجتمع الجاهلي يجور على المرأة بشكل خاص ، ويعاملها معاملة ملؤها الظلم ، والتعدي في جميع المراحل التي تمر بها فكانت سلعة رخيصة بيد الرجل يسيرها كيف يشاء ، ويتحكم في أمرها تماماً كما يفعل بالرقيق فلم تجد في تلك العصور للكرامة أي معنىً ، ولعزتها أي أثر.
لقد كانت المرأه في نظر الرجل قاصرة حتى ، ولو تزوجت وتقدم بها السن فليس لها في أمرها شيء على الصعيدين :
الاجتماعي ، والمالي.
أما على الصعيد الاجتماعي : فإنها كانت محتقرة ، ومظلومة.
ويبدأ ذلك من الدقائق الأولى عندما تبدأ مسيرتها الحياتية فعند ولادتها نرى الاب بدلاً من أن يستقبل وليدته ، وفلذة كبده ليطبع على جبينها قبلة الحب ، والحنو. وإذا به كما يحدث القرآن الكريم :
( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ *يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) (١) .
نظرة ملؤها الإحتقار يلقيها الرجل على زهرته المتفتحة وهي تستقبل حياتها الجديدة مكفهر الوجه مقطب الجبين يكظم غيظه ، ويحاول السيطرة على أعصابه كأنه أصيب بكارثة وهو يتجلد أمامها.
__________________
(١) سورة النحل : آية (٥٨).
( يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ) .
ولماذا هذا التخفي من الناس ؟ ويأتي الجواب. بأن هذا الاجراء ليس إلا لأن الله قد منحه العنصر الثاني الذي يشكل القاعدة الكبرى لخلق الإِنسان لانه سبحانه خلقهم من :
ذكر ، وأنثى. من غير تفضيل لبعض على بعض ، فكما يكون الرجل طرفاً لايجاد النسل ، كذلك الأنثى هي الطرف الآخر في هذه العملية التناسلية ، والتي منها يتكون هذا البشر.
ويبقى الاب الحائر وهو في صراع عنيف مع نفسه فماذا يصنع أيبقى ، والذل يحيطه من كل جانب ينظر كل يوم إلى وليدته وهي تتخطى عتبة الطفولة ، وتتفتح إلى الحياة ، أم يدفنها في التراب ، ويتخلص من هذا العار ، وينفض عن يديه غبار الجريمة النكراء ؟.
وأخيراً يقود ، ويصمم ، ويرجح الرأي الثاني. وإذا به يذهب بها ليدفنها ، وهي حية.
( وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ) (١) .
أما إذا افلتت من الموت حيث كانت بعض النساء يخفين الوليدة ، ويظهرن أمام الرجل بانهن قمن بعملية الدفن ، أو كانت القبلية تتسامح في موضوع الدفن ، فان المرأة كانت تعيش رخيصة في كنف الرجل ليس لها أن تختار من تقترن به في حياتها الزوجية ، بل يكون ذلك راجعاً إلى من يقوم عليها فهو الذي يتحكم في ذلك يتركها وحيدة ، ومحرومة من الزواج أو يزوجها ممن يشاء.
أنها كانت تفقد حرية الإِختيار الزوجي ، بل كان الرجل ـ كما قلنا ـ هو الذي يقود مصيرها ، ولتبقى تندب حظها التعس في كل لحظة تمر
__________________
(١) سورة التكوير : آية (٩).
عليها لا لشيء إلا لانها إمرأة لا غير.
وأما على الصعيد المالي : فان المرأة كانت تمنع من التجارة والميراث بحجة أنهم كانوا يورثون من يقاتل ، ويحمل السلاح ويدافع عن الحريم. أما المرأة فهي من الحريم.
وإذاً فلها على الرجل أن يحميها كما يحمي متاعه ، وأمواله ولتعيش بعد ذلك في كنفه تتناول ما يمنّ به عليها من فتات ما يأكل ، ويبقى بازاء ذلك مسيطراً على ما يصلها من ميراث يتمتع به كيف يشاء يمنعها من التصرف بحقها الطبيعي الشرعي.
وقد كان من تعسف الرجل يزداد بشكل أكثر بالنسبة إلى يتامى النساء فان الكثير منهن كن يواجهن مشكلة أخرى غير حرمانهن من الميراث ، أو حرمانهن من اختيار الزوج تلك هي حبس اليتيمة ، وعدم تزويجها طمعاً في مالها ، وليس ذلك إلا لانها يتيمة فقدت كفيلها ، وبقيت تحت رحمة الاولياء ، والاوصياء.
إن الولاية على اليتيمة كانت تتضاعف ، فهي مضافاً إلى كونها امرأة يتيمة فقدت تلك اليد التي تربت على كتفها أو تمسح على رأسها ، أو تجفف دموعها.
لقد عالج التشريع الاسلامي كل هذه الجهات ، وغيرها مما يمت إلى المرأة بصلة فنظم حياتها المعيشية ، والاجتماعية أما من الناحية الاجتماعية : فقد ندد القرآن الكريم بأولئك الذين يهينون المرأة ، ولا
يرون لها حق التمتع بهذه الحياة فحارب بشدة العادات البالية ، والرخيصة ، والتي كانت تجعل من الرجل عبوساً ، ومحبوساً لولادة الأنثى ، بل وصف تبرم الرجل وضيقه ، وعدم قبوله بهذه المنحة الإِلهية بأنه من الأحكام السيئة الجائرة وليس فيها ما يمت إلى الانصاف بصلة.
وعلى العكس فقد بدأ يبين في كثير من الأحاديث الكريمة التي جاءت من طريق النبي (ص) بأن الوليد إذا كان انثى فهي أدعى للبركة ، أو أنها مدعاة للرزق ، وتحسين الحالة المادية بفضل الله سبحانه.
وفي مقام تعليمها ، وحقوقها الاجتماعية الأخرى نرى التشريع لا يفرق بينها ، وبين الرجل إلا في بعض ما فرضه الله عليها من الحجاب ، والحشمة وما ذلك إلا ليحفظ بذلك كرامتها ، ويبعدها من الإِبتذال عندما تلاحقها نظرات الرجل المسعورة.
وهكذا الحال بالنسبة إلى حرية الاختيار الزوجي فان الشريعة أناطت ذلك إليها فمنعت الرجل أن يتدخل في أمرها ليمنعها من الاقتران بمن تريده فتىً لأحلامها.
نعم : شرك معها الأب ، والجد في هذا الاختيار إذا كان في ذلك الاقدام منها ما يضر بمصلحتها ما دامت باكراً أما إذا كانت ثيباً فان لها وحدها حرية الاختيار ، وليس لاحد معها في ذلك شيء.
وأما من الناحية المالية ، والتنظيم المعيشي ، فقد قرر لزوم الانفاق عليها من قبل الزوج ما دامت في حبالته ، ومرتبطة معه برباط الزواج المقدس.
ـ وفي الوقت نفسه ـ فقد حفظ لها حقها في المال الذي يخلفها قريبها الميت حيث طفحت سورة النساء من القرآن الكريم بذكر الآيات
التي تصدت لتنظيم الميراث ، وتقسيمه بين الرجل والمرأة بعد أن أخذت بعين الاعتبار ظروف الرجل ، وتكليفه بالانفاق على المرأة ، وعلى الاسرة التي تحيط به.
وكذلك لاحظت ظروف المرأة ، وأخذت في حسابها أنها في الغالب تكون في كفالة الرجل فكان من جراء هذه الاعتبارات زيادة حظ الرجل من الميراث أما ما يصلها من الميراث فقد جعلت أمره بيدها ، وأنها هي التي تقرر كيف تتصرف به بكامل الحرية والاختيار ، وبذلك نرى التشريع الإِسلامي قد كفل للمرأة جميع حقوقها المالية ، والاجتماعية.
وعلى الخصوص نرى الشريعة قد أولت يتامى النساء عناية أكثر فعالجت مشكلة اليتامى الصغيرات من الناحيتين أيضاً المادية ، والاجتماعية.
وبهذا الخصوص جاءت آيتان مرتبطتان من حيث الغاية والهدف لمعالجة هذه المشكلة :
يقول تعالى في الآية الأولى :
( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا ) (١) .
لقد نددت الآية الكريمة بأولئك الذين لم يلتفتوا إلى التشريع الاسلامي الكافل لحقوق المرأه المالية ، بل أصرّوا على التجاوز على ميراثها فقال تعالى :
__________________
(١) سورة النساء : آية (٣).
( اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ) وما كتب لهن هو ما أنزله الله من آيات المواريث التي سبق وان تقدمت في أوائل السورة وهي سورة النساء.
ومضافاً إلى جريمة التجاوز على الحقوق المالية من عدم اعطائهن ما كتب لهن من الميراث ، فإنهم كانوا يرغبون في الزواج منهن لاجل ذلك المال ، وطمعاً فيه.
أما إذا راعى الولي ، أو الوصي فحفظ لليتيمة من ميراث وتزوجها لاجل الاقتران لا لمالها فان هذا العمل منه خير.
( وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا ) .
وهو الرقيب عليكم يعلم حركاتكم ، وسكناتكم ، وما تنطوي عليه نفوسكم إن خيراً ، أو شراً.
وقد نقل السدي أن جابر بن عبد الله الانصاري كانت له بنت عم عمياء ذميمة قد ورثت من أبيها مالاً فكان جابر يرغب في نكاحها ، ولا ينكحها مخافة أن يذهب الزوج بمالها فسأل النبي (ص) وقال :
أترث إذا كانت عمياء فقال (ص) :
نعم : فأنزل الله فيه هذه الآية :( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ) الخ(١) .
ومن مجموع ما جاء في تفسير هذه الآية يتضح لنا أن القرآن الكريم حرص على تكريم المرأة ، وندد بهؤلاء المتجاوزين على حقوقها سواءً المالية ، أو الاجتماعية.
أما الآية الثانية : فهي ما جاء في قوله تعالى :
( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ
__________________
(١) مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية.
النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُوا ) (١) .
وقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة.
أنها نزلت في اليتيمة التي تكون في حجر وليها ، فيرغب في مالها وجمالها يريد أن ينكحها بدون صداق مثلها ، فنهو أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لها صداق مهر مثلها ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب مما سواهن إلى الأربع من النساء ، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة ممن سواهن أو ما ملكت أيمانكم »(٢) .
أن اليتيمة كغيرها من النساء لها الحرية الكاملة في إختيار من تشاء من الازواج ، وتهب له ما قرر لها من مهر المثل إذا كان ذلك نابعاً من رغبتها ، وإرادتها. أما أنها تقهر على ذلك فهذا ما لا يريده الشارع لها.
والوصي كأحد الخاطبين لا تمنعه الشريعة المقدسة من الإِقدام على الخطبة لليتيمة ، أو غيرها لو كان مستكملاً للشروط التي يقررها الشارع في الزوج.
ولكن النفوس غير المؤمنة تأبى أن تخضع للواقع ، وتترك الاثرة جانباً ، بل كانت تصر على أن تكون اليتيمة العوبة يتلاقفها من هي تحت يده من دون أن يكون لها أي إختيار في أمرها ، وفي صداقها.
إن الشارع المقدس : وهو الرحيم الودود لا يترك الباب مفتوحاً أمام الاقوياء ليتجاوزوا على الضعفاء دون أن يردعهم ، ويوجههم إلى ما فيه خير الامة ، وصلاحها.
__________________
(١) سورة النساء : آية (٣).
(٢) تفسير التبيان في تفسيره لهذه الآية الكريمة.
ويشمل اللطف الإِلهي طائفة خاصة من الايتام هم أيتام ( بني هاشم ) فيميزهم عن بقية اليتامى ، فيخصص لهم سهماً معيناً في الخمس الذي فرضه الله في موارد معينة من أموال الناس.
ولا بد لنا وقبل الدخول في طلب الموضوع من بيان بعض الايضاحات التي لها مساس في بحثنا وهي :
١ ـ الخمس ما هو ؟
٢ ـ الموارد التي يجب فيها الخمس.
٣ ـ من يستحق الخمس ؟
٤ ـ الخمس تشريعه.
الخمس : حق مالي فرضه الله سبحانه على عباده في موارد مخصوصة فكلفهم بإخراج سهم واحد من كل خمسة سهام مما يحصلون عليه من تلك الموارد المالية ، والتي سنتعرض لبيانها في ضمن البحث ، وإيصالها الى المستحقين ، والفقراء ممن تكتمل فيهم الشروط التي أخذت في أولئك الذين عينتهم الشريعة مصرفاً للخمس ، ومورداً له.
لقد فرض الله الخمس في الموارد الآتية :
١ ـ غنائم دار الحرب.
٢ ـ المعادن.
٣ ـ الغوص.
٤ ـ الكنوز.
٥ ـ أرباح المكاسب.
٦ ـ الحرام المختلط بالحلال.
٧ ـ أرض الذمي المنتقلة إليه من المسلم.
ومن الإِجمال في هذه العناوين إلى التفصيل.
أما الغنيمة : فهي ما يحوزه المسلمون بإذن النبي (ص) أو الإِمام (ع) من أموال أهل الحرب بغير سرقة ، ولا غيلة وهي الأخذ بغتة ، وإختلاساً من منقول ، وغيره ، ومن مال البغاة ، وهم : الذين يخرجون على الإِمام المعصوم (ع).
وأما المعادن : فهي ما يستخرج من الارض مما كانت الارض أصلاً له ، ثم اشتمل على خصوصية يعظم الإِنتفاع كالجواهر من العقيق ، والزبرجد ، والفيروز ، والملح ، وما شاكل ذلك.
وأما الغوص : فهو ما يؤخذ من داخل الماء من اللؤلؤ والمرجان والذهب ، والفضة ، والعنبر ، وما شاكلها مما تخبئه البحار ، والانهار بشرط أن لا تكون على الذهب ، والفضة.
وأما الكنوز : فهي الأموال المذخورة تحت الارض في دار الحرب من غير تقييد بوجود أثر للاسلام عليه ، أو في دار الاسلام وليس عليه أثر الاسلام أما إذا كان أثر الإِسلام عليه فيعتبر لقطة وللقطة أحكامها الخاصة.
وأما أرباح المكاسب : فهي ما يربحه الإِنسان ويحصل عليه من تجارة أو زراعة بل كلما يكتسب به ولو بنماء أو تولد وما شاكل.
وأما الحلال المختلط بالحرام : فهو ما يختلط عند الانسان من أمواله الحلال بأموال حرام بحيث يكون الاختلاط مانعاً من تمييز أحدهما عن الآخر وإلا فان أمكن التمييز كان المال الحرام حكمه حكم المال المجهول
مالكه ، وفي صورة عدم التمييز يكون إخراج الخمس منه موجباً لتطهير ، وحلية الجميع.
وأما أرض الذمي المنتقلة إليه من المسلم : وتصويرها :
أن الذمي والذي هو ـ الكافر الذي يدخل في ضمان المسلمين وعهدتهم على شروط مذكورة في مباحث الجهاد من كتب الفقه ـ إذا انتقلت إليه أرض من المسلم سواءً بشرائها من المسلم أو بكل نوع من أنواع الإِنتقال على الخلاف بين علمائنا في ذلك فإن في تلك الأرض الخمس ، ولا بد أن يدفع الذمي هذه الضريبة كبقية الضرائب التي يتقرر عليه دفعها بموجب بنود عقد الذمة ودخوله في حماية المسلمين وتختلف هذه الصورة عن الصور الستة السابقة فان الخمس في تلك كانت على المسلم يخرجه من ماله أما في هذه الصورة فان على الذمي دفع الخمس كضريبة عليه يقول الإِمام الصادق (ع) :
« الذمي إذا إشترى من المسلم الارض فعليه فيها الخمس »(١) .
هذه هي الاصناف السبعة التي يجب فيها الخمس وإنما تعرضنا لها على سبيل الايجاز كعرض لما يجب فيه الخمس الذي كان للايتام من آل محمد (ص) حصة فيه. أما الشروط في كل صنف والخلافات بين العلماء في كل منها فقد تجنبنا التطرق له لخروجه عن موضوعنا المبحوث عنه ، والذي هو ـ كما قلنا ـ وجود حصة ليتامى آل البيت المحمدي.
يقسم الخمس بنص الآية الكريمة ، والاخبار الواردة عن أهل البيت (ع) إلى ستة أقسام :
__________________
(١) وسائل الشيعة : الباب (٩) من أبواب ما يجب فيه الخمس / حديث (٢).
قال تعالى :
( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) (١) .
وبمثل هذا التقسيم جاء مكرراً في الاخبار الكريمة أن الخمس يقسم إلى هذه الاقسام الستة(٢) .
وقد صنفت هذه الأقسام الستة إلى قسمين :
ويشمل الأول : سهم الله ، وسهم رسوله ، وسهم ذوي القربى.
أما الثاني : فهو سهم اليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل.
أما القسم الاول : فهو في زمن النبي (ص) له بأقسامه الثلاثة ، وذلك لان سهمه له (ص) بالاصالة. وأما سهم الله فهو لوليه أيضاً ، والسهم الثالث ، والذي هو لذوي القربى فإِنه للإِمام (ع) حال حياته ولا إمام غيره وأما بعد وفاة النبي الاكرم (ص) فهو لخلفائه الأئمة الاثني عشر (ع) بدءاً بالإِمام علي أمير المؤمنين (ع) وختاماً بالحجة محمد المهدي (ع) وقد خصوا هؤلاء بهذه السهام الثلاثة ، وفي زمن غيبة الإِمام هذه تختص هذه السهام بالإِمام الحجة صاحب الزمان (ع).
يقول الامام الرضا (ع) في تفسير هذه الآية الشريفة بعد أن سئل « فما كان لله فلمن هو ؟ فقال :
لرسول الله (ص) وما كان لرسول الله (ص) فهو للإِمام.
وبعد ثبوت هذه السهام الثلاثة فعلاً للإِمام (ع) فإنه في زمن غيبته ، وعدم تمكننا من الوصول إليه فعلاً فيرجع أمره إلى نائبه ، وهو
__________________
(١) سورة الانفال : آية (٤١).
(٢) وسائل الشيعة : الباب (١) من أبواب قسمة الخمس / حديث (٨).
المجتهد الجامع للشراط. وليس بوسعنا التطرق بشكل أوسع إلى الاقوال في تعيين الوظيفة بالنسبة إلى سهمه (ع) في زمن غيبته فإنها كثيرة ـ وفي الوقت نفسه ـ ضعيفة المدرك إلا أن ما يذهب إليه الفقهاء ممن لهم الكلمة في مجال الفتوى من الامامية هو القول برجوع أمر هذا النصف وهو :
الذي يطلق عليه إسم ( سهم الامام ) إلى نواب الامام في غيبته وهم ـ كما قلنا ـ المجتهد الجامع للشرائط من الامامية الإِثنا عشرية.
أما القسم الثاني فقد صرحت الآية الكريمة بأنه :
إلى اليتامى والمساكين ، وابن السبيل.
ولم توضح بأكثر من ذلك.
ولكن فقهائنا إستفادوا من الاخبار الواردة عن أهل البيت (ع) تخصيص هؤلاء الطوائف الثلاث :
بالايتام ، والمساكين ، وأبناء السبيل من بني هاشم. وهو جد النبي (ص). وذريته محصورة في ولده : عبد المطلب وإسمه ( شيبة الحمد ) وأولاده عشرة وهم :
عبد الله ، أبو طالب. العباس ، حمزة ، الزبير ، أبو لهب ، ضرار ، الغيداق ، مقوم ، الحارث.
وقد إنحصر نسل عبد المطلب في عبد الله ، وأبي طالب ، والعباس ، وحمزة ، والزبير.
ولو لا حظنا ملياً لرأينا : أن نسل عبد المطلب إنحصر في الأربعة غير عبد الله ، وذلك :
لان عبدّالله ليس له إلا النبي (ص) والنبي إنحصر نسله في سيدة
النساء فاطمة (ع) وأمير المؤمين علي بن أبي طالب (ع) فدخل نسله في أبي طالب(١) .
وإعطاء ذرية هؤلاء الأربعة هو المشهور بين فقهاء الإِمامية ، بل عليه الإِجماع(٢) .
وهكذا الاخبار تصرح بذلك فقد جاء عن الامام الكاظم (ع) قوله :
« وهؤلاء الذين جعل اك لهم الخمس هم : قرابة النبي (ص) الذين ذكرهم الله فقال :( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) .
وهم بنو عبد المطلب أنفسهم الذكر ، والأنثى ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ولا من العرب أحد »(٣) .
وقد صرحت روايات عديدة بأن الصدقة لا تحل لبني عبد المطلب ، أو لا تحل الصدقة لولد العباس ، ولا لنظرائهم من بني هاشم ، أو بابني عبد المطلب ، أو بابني هاشم. إن الصدقة لا تحل لي ولا لكم(٤) .
وعن الامام الصادق (ع) قوله :
« إن الله لا إله إلا هو لما حرم علينا الصدقة أبدل لنا الخمس فالصدقة علينا حرام ، والخمس لنا فريضة ».
ومن الخبر الاخير يفهم أن الخمس إنما هو بدل الصدقة فحيث منعهم الله من الصدقة فقد عوضهم الخمس. ومن الاخبار المتقدمة نرى أن بني هاشم ممن منعوا من الصدقات فكان لهم الخمس ومن هنا يرى فقهائنا بأن بني عبد المطلب جميعهم يستحقون الخمس وقد صرحوا بذلك يقول الشيخ صاحب الجواهر :
__________________
(١ ، ٢) جواهر الكلام : ١٦ / ١٠٤ / طبعة دار الكتب الاسلامية / طهران.
(٣) وسائل الشيعة : باب (١) من أبواب قسمة الخمس / حديث (٨).
(٤) وسائل الشيعة : باب (٢٩) من أبواب المستحقين للزكاة.
« لم يعرف منهم ـ أي من ذرية عبد المطلب ـ إلا المنتسب إلى الأولين وهم ذرية أبي طالب ، والعباس ، بل لم يبارك الله إلا في ذرية الأول منهما ، وان كان لا خلاف في إستحقاق الجميع الخمس »(١) .
وقد يقف الباحث مع هذا الإِطباق من الفقهاء على استحقاق بني عبد المطلب الخمس على بعض الاخبار التي يظهر منها حصر المستحق بآل محمد ، وأهل بيته ، أو ذريته (ع) وما شاكل من هذه العبارات التي لا يظهر منها التعميم لكل من ولده هاشم حتى ولو كان من غير أبي طالب.
ومن تلك الاخبار ما جاء مرفوعاً في قوله :
« الخمس على خمسة أشياء ـ إلى قوله ـ والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد (ع) الذين لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة عوضهم الله مكان ذلك بالخمس »(٢) .
ومنها : ما عن قيس الهلالي عن أمير المؤمنين (ع).
قال فيها : « نحن والله عنى ( الله ) بذي القربى الذين قرننا بنفسه وبرسوله ـ إلى أن قال : ولم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيباً أكرم الله رسوله ، وأكرمنا أهل البيت أن يطعمنا من أوساخ الناس »(٣) .
وبمثل هذا جاءت بعض الروايات الأخرى.
وقد أجيب عن هذه الروايات ، وبالإِمكان تلخيص الاجوبة على النحو التالي :
أولا : |
أن بعض الاخبار مما يفيد ظاهرها الاختصاص بآل محمد (ص) |
__________________
(١) جواهر الكلام : ٦ / ١٠٤ طبعة دار الكتب الاسلامية / طهران.
(٢) وسائل الشيعة : باب (١) من أبواب قسمة الخمس / حديث (٩).
(٣) وسائل الشيعة : باب (١) من أبواب قسمة الخمس / حديث (٧).
ضعيف السند كما في مثل هذين الخبرين المذكورين(١) . |
وثانيا : |
أن هذا النوع من الإِختصاص محمول على نوع من التغليب لان أهل البيت هم السبب في تشريع الخمس(٢) . |
وثالثا : |
أنه لا منافاة بين كثير من هذه الاخبار ، وتلك الاخبار التي يظهر منها التعميم فان هذه محمولة على أن بعض الخمس لهم وهم ينوهون عن ذلك(٣) . |
ورابعاً : |
أنه لا منافاة بين ما يظهر من بعض هذه الاخبار أنها مختصة بهم بإعتبار أن الصدقة محرمة عليهم تكريماً منه تعالى لهم (ع) وبين تحريمها على غيرهم من سائر بني هاشم أيضاً لاقتضاء تكريمهم (ع) عموم التحريم لأقربائهم(٤) . على أن بعض الاخبار تعبر عن أن الخمس لقرابة رسول الله (ص) والقرابة تشمل غير أهل بيته من أولاد عمومته. |
من مجموع ما تقدم بيانه حيث عرضنا التقسيم الثنائي للخمس وتنصيفه بين حق الله ، ورسوله ، وقرباه من جهة ، وبين اليتامى والمساكين ، وأبناء السبيل من بني هاشم ، ومن الاخبار التي مرت علينا يتضح لنا أن فكرة الخمس في الموارد المالية يتوخى من ورائها تحقيق الأمور التالية :
__________________
(١ ، ٢) لاحظ مستند العروة الوثقى : ص ( ٣١٩ ـ ٣٢٠ ) مطبعة الأداب / النجف الأشرف.
(٣) لاحظ مستمسك العروة الوثقى : ٩ / ٥٧٦ / مطبعة الأداب النجف الأشرف.
(٤) مستند العروة الوثقى / ٣٢٠ مطبعة الأداب ، النجف الأشرف.
الامر الاول :
أن الخمس فكرة حية للتكافل الاجتماعي.
الامر الثاني :
دعم المركز المالي للسلطة التشريعية.
الامر الثالث :
تكريم البيت الهاشمي أسرة النبي (ص) وذوي قرابته.
١ ـ الخمس والتكافل الإِجتماعي :
وإذا ما عدنا إلى النصف الثاني من الخمس ، ورأينا تخصيصه بهذه الطوائف الثلاث : الايتام ، والمساكين ، وابن السبيل ، اتضح لدينا أن هذه العملية لا تخرج عن كونها صورة حية من صور التكافل الاجتماعي الذي يتوخاه الإِسلام ، ويحرص على تطبيقه لينشد الضعيف الى الغني فلا يتركه يعاني ويلات الفقر ، بل يبقى مواكباً مسيرته الحياتية يتحسس مشاكله المالية ، ويفكر فيه ، ويأخذ بيده ليدفع عنه شبح العوز والفاقة.
وبطبيعة الحال إن هذا التوجه من الغني ، والتودد منه نحو الفقير يوجب تعاطفه معه ، وجعله يتحين الفرص ليرد الجميل إليه بكل ما يستطيع من وسائل العرفان ، والإِعتراف بهذا التعاطف الذي لمس حنانه منه يوم كان يتيماً لا أب له ، أو كان فقيراً لا كافل له ، أو كان ابن سبيل انقطع به الطريق في بلدٍ لا معين له فيه.
وبذلك تتصل الحلقات التي يتكون منها هذا المجتمع بما يحتوي عليه من جنسيات عديدة ، ومذاهب عديدة ، وآراء مختلفة.
٢ ـ تمويل السلطة التشريعية :
نصف الخمس ـ كما بيّناه ـ يختص بالله ، والرسول ، وذوي قرباه ،
وكانت هذه السهام في زمن النبي (ص) بيده يديرها ، ويتصرف فيها بنظره.
أما بعد النبي فقد انحصر أمر هذه السهام بالأئمة الإِثنا عشر بدءاً بأمير المؤمنين الامام علي بن أبي طالب (ع) وختاماً بالإِمام الحجة محمد المهدي المنتظر.
أما بعد الأئمة (ع) فإن أمر هذا النصف فيعود إلى حكام الشرع والذين هم أمناء الله في خلقه إلى أن يختار الله لهذا العالم نهايته.
أن تخصيص هذا القسم بالنبي (ص) وأوصيائه (ع) وحكام الشرع من بعدهم إنما هو صورة واضحة لما يسمى في العرف الإِداري بالميزانية الخاصة ، والتي تتكفل بالصرف الخاص لادارة المنصب الذي يمثلونه في كافة المجالات.
إن الإِمام وهو الممثل الأعلى للسلطة التشريعية ، والتنفيذية لا بد له من الإِعتماد على المال لصرفه فيما يتطلبه منصبه في كافة الشؤون لذلك خصصت له الشريعة الاسلامية هذه الأموال نصف الخمس ، وكذلك ما يفضل من النصف الثاني ( سهم السادة ) لو اكتفوا منه ، وفضل من المال شيء وهكذا الانفال وغيرها مما منحه الله في الموارد الخاصة والتي يتعرض لها الفقهاء في كتبهم.
ان الشريعة الاسلامية أخذت بعين الاعتبار المنصب الاعلى وما يتطلبه من شؤون خاصة تتوقف على صرف المال لتدعيم مثل هذا المركز المرموق.
ولا مجال لسحب مثل هذه المصروفات من بيت مال المسلمين وان كان الامام والحكام من بعده هم القيمون على الادارة المالية في الامة ، وهم الذين يتولون تقسيم ما فيه وتوزيع ما يجتمع فيه من المال إلا أن بيت
مال المسلمين له مصارفه الخاصة في تمويل المشاريع العامة ، والتي تحتاجها الامة من قبيل انشاء الجسور ، وشق الانهر ، والطرق ، والمستشفيات والمساجد ، والمعاهد العلمية ، والإِجتماعية ، وكذلك الصرف على الجيوش ، والحراس الداخليين ، وكافة الموظفين الذين يعملون في الجهاز الذي تتشكل منه الدولة في كافة مرافقها العامة ، والخاصة.
إن احداث الميزانية الخاصة ، وتخويل الامام في الصرف الخاص لدعم مركز الامامة ، والحكومة في جميع الادوار إنما لتخفيف الضغط على بيت المال ليتوفر بذلك على المعوزين نصيبهم ، وبذلك يتمكن بيت المال من تلبية كافة الطلبات التي تتوجه إليه من جميع مرافق الدولة ، وأجهزتها الادارية ، والإِجتماعية.
وقد التفت المعنيون بالامور المالية إلى ضرورة إحداث مثل هذه المخصصات أكثرية ، أو تخصيص الميزانية الخاصة لكل رئيس دولة ، أو رئيس إدارة ليتمكن بذلك من تصريف الامور على نحو لا تزاحم هذه المصارف الخاصة المصدر الذي يمول مرافق الدولة بالمال وهو الخزانة العامة ان التشريع الإِسلامي قد سبق المشرعين إلى إحداث مثل هذه الميزانية ، وتخصيص المال للنثريات التي يحتاجها الرئيس الاعلى لدعم المركز الذي يمثله ، ولذلك جاءت التشريعات العرفية متأخرة عنه في هذا المجال.
تكريم البيت الهاشمي
وبعد هذه اللمحة عن الخمس نعود لنقول :
أن القرآن الكريم كرم اليتامى من آل بيت محمد (ص) بنحو خاص حيث جاء ذلك في آية الخمس من قوله تعالى :
( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) .
ومظاهر التكريم في الآية الكريمة تأتي مستوحاة من التدرج في تقديم اليتامى على المساكين ، وأبناء السبيل في إعطائهم حصة من الخمس وان كان الكل من بني هاشم.
ولا خلاف في عدم إشتراط الفقر في ابن السبيل وهو :
المنقطع به الطريق في غير بلده سواءً بسرقة ماله ، أو غير ذلك مما يجعله محتاجاً ، ولا يمنع غناه في بلده مع عدم تمكنه من الاستغناء في مثل هذا الحال ببيع شيء من ماله ، أو الإِفتراض أو غيرهما فيعطي حصة من الخمس بمقدار ما يليق بحاله من المأكول ، والملبوس ، والمركوب إلى أن يصل الى بلده ، أو إلى بلدٍ يمكنه تحصيل المال فيه فيمنع حينئذٍ من الصرف عليه ولا يختلف فقهاء الشيعة في ذلك.
وأما المسكين فهو الفقير ، أو أنه الاسوأ منه حالاً كما جاء ذلك عن الإِمام الصادق (ع) في قوله :
« الفقير الذي لا يسأل الناس. والمسكين أجهد منه »(١) .
__________________
(١) وسائل الشيعة : كتاب الزكاة : باب (١) من أبواب أصناف المستحقين للزكاة / حديث (٣).
ولكن الضابط في المسكين والفقير هو الذي لا يملك مؤونة سنته فعلاً ، أو قوة له ، ولعياله الواجبي النفقة بحسب حاله في الشرف ، وما دونه ، وليكن المسكين أسوأ حالاً من الفقير ، أو مساوياً له.
وإذا ما وصل الدور إلى اليتيم رأينا الخلاف في فقره من قبل فقهاء الشيعة فهل يعطى حصة من الخمس ، وان كان غنياً أم لا بد من فقره ؟
المشهور بين فقهائنا هو إشتراط فقره ، بينما يقول البعض منهم بعدم إشتراط الفقر فيه.
ولتوضيح وجهة نظر المشهور يقال : بإن العلة في تشريع الخمس هو تأمين احتياجات بني هاشم في قبال غيرهم حيث شرعت لهم الزكاة ، فكما أن الغني يمنع من الزكاة من غير بني هاشم كذلك يمنع بنو هاشم من الخمس لو كانوا أغنياء وغير محتاجين من غير فرق بين يتاماهم ، وغيرهم من المساكين.
أما من يقول بعدم إشتراط الفقر فيهم فيستدل على مدعاه بأن سياق الآية الكريمة والاخبار يقتضي أن يمنح يتامى بني هاشم وان كانوا أغنياء لخصوصية في اليتيم الذي لحقهم ولذلك جاءت الآية الكريمة فجعلتهم في قبال المساكين بل ومقدمين عليهم ، ولو كان الفقر شرطاً فيهم لما كان داع للتنصيص عليهم ، بل يكفي ذكر المساكين لشمول هذا العنوان لليتامى الفقراء ، فان الفقير داخل في المسكين بحسب العنوان وعليه فذكرهم في قبال المساكين دليل على عدم إشتراط الفقر فيهم.
وهكذا جاءت الاخبار لتقابل بينهما.
ومن هنا نرى القرآن الكريم يكرم هؤلاء اليتامى على كل تقدير سواءً إشترط فيهم الفقر ، أم لم يشترط.
أما على القول بعدم إشتراط الفقر ، فان إعطاء هؤلاء اليتامى يعتبر
في غاية التكريم والتجليل حيث أعطوا حصة من الخمس ولو كانوا أغنياء ، فهو حق من حقوقهم يقتضيه مقامهم وإنتسابهم لرسول الله (ص).
وأما على القول بإشتراط الفقر في اليتامى ، فان تميزهم عن المساكين ، والتنصيص عليهم بالذكر لهو دليل على إهتمام القرآن ، والسنة بهؤلاء الصغار الضعفاء ، وإلا فان عنوان المساكين يشملهم ، وبه يحصلون على حصه من الخمس.
وإذاً فالتنصيص عليهم هو تكريم لهم على كل حال سواءً أشترط فيهم الفقر أم لا.
إن هذه العملية التكريمية إنما قصد بها أن يصان هذا البيت الرفيع من الالتجاء الى الصدقات ، ومديد الإِستجداء إلى الآخرين فقد عوضهم عن كل ذلك بالخمس يستحقونه في أموال الاغنياء في الموارد الخاصة على نحو الحق ، والإِستحقاق لا على نحو المن من المعطي كما هو الحال في التصدق على الفقير أو الهبة إليه يقول الإِمام موسى بن جعفر (ع).
وإنما جعل هذا الخمس لهم خاصة دون مساكين الناس وأبناء سبيلهم عوضاً لهم من صدقات الناس تنزيهاً لهم لقرابتهم من رسول الله (ص) وكرامة من الله لهم عن أوساخ الناس فجعل لهم خاصة من عنده ما يغنيهم به عن أن يصيرهم في موضع الذل ، والمسكنة. ولا بأس بصدقات بعضهم على بعض ، وهؤلاء الذين ذكرهم الله فقال :
( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) وهم بنو عبد المطلب أنفسهم : الذكر منهم ، والأنثى ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ، ولا من العرب أحد »(١) .
__________________
(١) وسائل الشيعة : الباب (١) من أبواب قسمة الخمس / حديث (٨).
ويظهر هذا المعنى جلياً في موقف بطلة كربلاء الثانية السيدة الجليلة ( أم كلثوم ) بنت الإِمام علي أمير المؤمنين (ع) في الكوفة عندما وصل إليها موكب السبي الحسيني.
فقد ذكرت المصادر التأريخية أن إحدى المتفرجات أشفقت على الأطفال من الذين ضمهم موكب السبي لما رأت عليهم من آثار الجوع ، والإِرهاق فجاءت لهم بطعام وتمر وأخذت تلقيه عليهم وهي تقول : « إن الصدقة حرام علينا أهل البيت »(١) .
ويرمي الصبيان ما بأيديهم ، وأفواههم من الطعام ، وهم يرددون مقالة عمتهم :
« إن الصدقة حرام علينا أهل البيت ».
إن يتامى البيت المحمدي أجل من أن يتناولوا الصدقات وهي أوساخ الناس ما بأيدي الناس من المال ، ولذلك جعل الله الخمس لهم خاصة كما يقول الامام الكاظم (ع) في الحديث المتقدم.
ويذهب فقهائنا إلى أن نصف الخمس لو زاد عن كفاية آل البيت المحمدي يرجع إلى الإِمام ، أو نائبه ، وان حصل العوز ولم يكتفوا بما يصل إليهم من ذلك النصف أكمله الإِمام أو نائبه وأبعد عنهم شبح الفقر.
حصة اليتامى من الفيء :
ولم تقتصر الشريعة الإِسلامية على هذا المقدار من إعطاء بني هاشم نصف الخمس ، وليتاماهم على الخصوص تكريماً لهم ، ووفاءً لنبيه
__________________
(١) حياة الامام الحسين بن علي للقرشي : ٣ / ٣٣٤.
الكريم في تجليل ذوي قرباه ، بل كرمهم في مجال آخر حيث خصص لهم قسماً من الفيء فقال تعالى :
( مَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ) (١) .
والفيء هو الرجوع. يقال : فاء يفيء فيئاً إذا رجع ، وأفأته عليه إذا رددته عليه.
أما في المصطلح الفقهي فانه أيضاً لوحظ فيه رجوع ما للكفار إلى المسلمين ، أو إلى النبي خاصة على تفصيل يتعرض إليه الفقهاء ، وملخص ما ورد في هذا الخصوص هو :
أن القرآن الكريم ، تعرض إلى ذكر الفيء في آيتين الأولى قوله تعالى :
( وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (٢) .
والآية الثانية :
( مَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ) (٣) .
والآيتان وردتا في سورة واحدة ، وإحداهما بعد الثانية على نحو الإِتصال ، وبدون عاطف بينهما ، وفي كليهما جاء لفظ الفيء إلا أنه في
__________________
(١) سورة الحشر : آية (٧).
(٢ و ٣) سورة الحشر : الآية : ٦ / ٧.
الأولى جعل ذلك الفيء وهو المأخوذ من الكفار بغير أن يقاتل عليه بخيل ، وركاب إلى الله ، ورسوله فقط. أما في الآية الثانية فقد جاء الفيء فيها بغير قيد أنه لم يوجف عليه بخيل ، وركاب ، وقد خصص إلى الله ورسوله ولذي القربى ، واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل.
ولا إشكال في أن الآية الأولى وردت في قضية بني النضير وهم اليهود حيث صالحوا رسول الله (ص) في أن يتجنبوا أمر المسلمين فلا يقاتلوا معه ، ولا يقاتلوه فقبل ذلك منهم. ثم أنهم نقضوا العهد ، وتحالفوا مع كفار قريش على أن تكون كلمتهم واحدة على النبي (ص) وبعد ذلك أرادوا قتل النبي لذلك حاربهم ، وسار إليهم مشياً من غير خيل ، وركاب لان مواقع بني النضير كانت في ناحية من نواحي المدينة فتحصنوا فحاصرهم (ص) حتى بلغ منهم كل مبلغ ، فصالحهم على أن يحقن دمائهم ، وأن يخرجهم من أرضهم ، وأوطانهم وفعلاً فقد خرجوا وأخذ كلما خلفوه والآن تبين لنا أن ما خلفه اليهود بعد خروجهم من ديارهم من الأموال هي فيء لله ، وللرسول بنص هذه الآية الأولى الكريمة ، ولا يشاركهما أحد من شركائهما في آية الخمس وأما الآية الثانية « فالفيء لم يحكي بظاهره قضية بني النضير بل جاء مطلقاً ومستحقه ـ كما قلنا ـ هو الله. ورسوله ، وشركائهم في آية الخمس ، ومنهم اليتامى.
والتساؤل يقع في أن هاتين الآيتين هل الموضوع فيهما واحد ، وأن الآية الثانية بيان للأولى ، أم أنهما تختلفان من حيث الموضوع فكل منهما أفادت موضوعاً يختلف عن الآخر ؟
قيل بالأول : وان الآية الأولى جاءت لتبين الفيء الذي لم يوجف عليه بخيل ، ولا ركاب ، وهو أموال بني النضير ، ويعم الحكم غيرهم من الكفار ، وأنه لله ، وللرسول ، وجاءت الآية الثانية لتبين موارد مصرف الفيء المذكور في الآية الأولى.
ذهبت إلى ذلك الشيخ الطوسي في التبيان ، والفيض في تفسيره ، والفاضل المقداد في كنز العرفان ، والكشاف وغيرهم(١) .
وأما القول الثاني : فيذهب إلى أن الموضوع في الآيتين مختلف فموضوع الآية الأولى : الفيء ، وهو الأموال التي تؤخذ من الكفار بغير خيل ، ولا ركاب ، ومعناه بغير قتال ، بل بالصلح ، أو انجلاء أهله قبل أن تقع الحرب بين الطرفين وهذا يرجع إلى النبي خاصة بنص هذه الآية.
أما موضوع الآية الثانية : فهو الفيء أي المال المأخوذ من الكفار بالقتال ، والغلبة ، وهذا يقسم إلى خمسة أقسام ، أو خمسة حصص وحصة واحدة إلى الرسول ، ولذي القربى واليتامى ، والمساكين ، وأبناء السبيل من بني هاشم. أما بقية الحصص فهي تقسم بين المقاتلة ، ومن حضر ، ولو لم يقاتل ، وكذا من اتصل بالمقاتلين من المدد على تفصيل تتعرض اليه المصادر الفقهية في كتاب الجهاد.
ومن الواضح أن هذا القول الثاني يعتمد على دعوى أن الفيء في الآية الثانية : هو المأخوذ بعد القتال ، والغلبة. أما في الأولى : فهو المأخوذ بغير حرب ، ومن يذهب إلى هذا القول لا يحتاج إلى سوق الدليل على أن الآية الأولى مسوقة لبيان كون الفيء فيها هو المأخوذ بغير حرب ، وقتال لان الآية نفسها تصرح بذلك.
نعم : يحتاج هذا القائل لإِقامة الدليل على الفيء الذي جاء في الآية الثانية ـ مع أنه مطلق لم يقيد أنه يؤخذ بحرب ، أو بغير حرب ـ هو الفيء الذي يؤخذ بعد الحرب ، والقتال.
وقد اعتمد القائل بذلك على دليلين :
__________________
(١) لاحظ لهؤلاء تفاسيرهم لآية الفيء من سورة الحشر.
الأول : ان نفس مقابله الآية الثانية بالأولى يعطينا إعتبار الفيء في الثانية مأخوذاً بعد الحرب ، والقتال لأن موضوعها كما هو صريحها المأخوذ بغير قتال ، فطبيعي أن الثانية تكون قد وردت لبيان حكم ما أخذ بعد الحرب ، والقتال.
الدليل الثاني : ما جاء عن الامام الباقر (ع) في الخبر الصحيح قوله :
« الفيء : والانفال ما كان من أرضٍ لم يكن فيها هراقة الدماء وقوم صولحوا ، وأعطوا بأيديهم ، وما كان من أرضٍ خربة أو بطون ، أودية فهو كله من الفيء فهذا لله ، ولرسوله وأما قوله :( مَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ ) .
فهذا بمنزلة المغنم كان أبي يقول ذلك ، وليس لنا فيه غير سهمين سهم الرسول ، وسهم القربى ، ثم نحن شركاء الناس فيما بقي(١) .
ولا يخفى الفرق بين هذين القولين :
أما القول الأول : فحيث كان المراد من الفيئين في الآيتين واحداً فمعناه : أن ما يتركه الكفار ، وما يؤخذ منهم كله لرسول الله ، وشركائه الذين ذكرتهم الآية الثانية.
وأما القول الثاني : فانه يعطي الفيء موضوع الآية الأولى الذي لم يؤخذ بقتال كله لرسول الله (ص) فالمال كله له يصنع به ما يشاء.
أما الفيء الذي يؤخذ بالقتال ، والغلبة ، فان لرسول الله وشركائه
__________________
(١) لاحظ للخبر المذكور وسائل الشيعة حديث (١٢) من الباب (١) من الأنفال وهذا القول الثاني ذهب إليه سيدنا الاستاذ الإِمام السيد الخوئي. ( دام ظله ) لاحظ مستند العروة الوثقى / كتاب الخمس ( ٣٥٠ ـ ٣٥٣ ) ه لزيادة التوضيح.
الخمس منه أما الاربعة أخماس الباقية ، فهي تقسم على ما فرضه الله في آية الخمس ـ كما سبق أن بينّاه ـ حيث يقسم على المقاتلة على تفصيل في ذلك.
والآن ونحن نودع هذا البحث فنقول :
إن الشريعة الاسلامية مرة أخرى عطفت على اليتامى فجعلت لهم حصة من الفيء على الخلاف بين القولين :
حصة كبيرة على القول الأول.
وحصة أقل على القول الثاني.
والمهم هو ما يناله اليتيم ، وإهتمام القرآن به ، وتقديمه على المسكين ، وابن السبيل.
وإلى الله العلي القدير نضرع داعين أن يأخذ بأيدينا إلى ما فيه الخير ، والصلاح ، وأن يوفقنا لخدمة المجتمع في أبنائه من يتامى ، وغيرهم :
إنه سميع مجيب.
الفهرست
اليتيم في القرآن والسنة ١
مع الكتاب في طبعته الثانية ٥
الطفل : ٧
من هو اليتيم ؟ ١١
سبب التسمية باليتيم : ١٢
اليتيم في القرآن والسّنة : ١٣
اليتيم في الشرائع السابقة : ١٣
اليتيم في الاسلام : ٢٠
اليتيم والتقييم التشريعي : ٢٢
اليتيم وحقوقه الاجتماعية : ٢٢
إيواء اليتيم : ٢٤
الانفاق على اليتيم : ٢٦
التجارة مع الله. ٢٧
الأسرة الخاصة : ٣٤
الوالدان : ٣٤
الاقربون ؟ : ٤٣
الاسرة العامة : ٤٦
الانفاق لوجه الله : ٤٧
الإِنفاق بلا من : ٥٥
اليتيم حال القسمة : ٥٧
تربية اليتيم : ٥٨
الرفق باليتيم : ٦١
اليتيم وحقوقه المالية : ٦٤
المحافظة على أموال اليتامى : ٦٦
حقوق الأولياء والأوصياء : ٧٠
التجارة بمال اليتيم : ٧٣
ـ تسليم أموال اليتامى : ٧٥
أسباب البلوغ المختصة : ٧٨
ـ الانبات : ٧٨
الإِنبات موضعه : ٧٩
الإِنبات صفته : ٧٩
غير الانبات من العلامات الجسدية : ٨٠
ـ البلوغ بالسن : ٨٠
السن للذكر : ٨١
السن لبلوغ الأنثى : ٨١
ـ البلوغ بالاحتلام : ٨٢
١ ـ الحيض : ٨٢
٢ ـ الحمل : ٨٣
٣ ـ الرشد : ٨٣
هل للرشد سن معينة ؟ : ٨٤
كيف يثبت الرشد ؟ : ٨٥
ـ ثبوت الرشد بالشهادة ٨٦
ـ الإِشهاد على تسليم أموال اليتامى : ٨٧
هل الإِشهاد واجب ؟ : ٨٨
المرأة وحقها الطبيعي : ٩٠
يتامى النساء : ٩٢
المرأة في ظل الإِسلام : ٩٢
يتامى بني هاشم : ٩٧
١ ـ الخمس ما هو ؟ : ٩٧
٢ ـ الموارد التي يجب فيها الخمس : ٩٧
٣ ـ من يستحق الخمس : ٩٩
٤ ـ الخمس : تشريعه : ١٠٤
عود على بدء : ١٠٨
تكريم البيت الهاشمي. ١٠٨
الخاتمة : ١١٦