ايمان أبي طالب وسيرته
تأليف العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني النجفي
أحسب أن القوم لم ينسجوا هذا الإفك [ اسلام والدي أبي بكر ] على نول الجهل بتراجم الرجال فحسب، ولا أن لهم مأربا في آباء المهاجرين أسلموا أو لم يسلموا، أو أن لهم غاية في إسلام أبوي أبي بكر، لكنهم زمروا لما لم يزل لهم فيه مكاء وتصدية من تكفير سيد الأباطيح شيخ الأئمة أبي طالب والد مولانا أمير المؤمنين سلام الله عليهما، وذلك بعد أن عجزوا عن الوقيعة في الولد فوجهوها إلى الوالد أو إلى الوالدين كما فعله الحافظ
العاصمي في زين الفتى. وكن من تهويلهم في تخفيف تلكم الوطأة أن جروا ذلك إلى والدي النبي المعظم صلى الله عليه وآله وسلم وعليهما حتى قال العاصمي في زين الفتى عند بيان وجه الشبه بين النبي والمرتضى صلى الله عليهما وآلهما: أما تشبيه الأبوين في الحكم والتسمية، فإن النبي في كثرة ما أنعم الله تعالى عليه ووفور إحسانه إليه لم يرزقه إسلام أبويه، وعلى هذا جمهور المسلمين(١) إلا شرذمة قليلين لا يلتفت إليهم، فكذلك المرتضى فيما أكرمه الله به من الأخلاق والخصال وفنون النعم والأفعال لم يرزقه إسلام أبويه. انتهى.
فلم تفتأ هلم في ذلك جلبة ولغط مكابرين فيهما المعلوم من سيرة شيخ الأبطح وكفالته لصاحب الرسالة، ودرئه عنه كل سوء وعادية، وهتافه بدينه القويم، وخضوعه لناموسه الإلهي في قوله وفعله وشعره ونثره، ودفاعه عنه بكل ما يملكه من حول وطول.
ولوأبو طالب وأبنه |
لما مثل الدين شخصا وقاما |
|
فذاك بمكة آوى وحامى |
وهذا بيثرب جس الحماما |
|
تكفل عبد مناف بأمر |
وأودى فكان علي تماما |
|
فقل في تبير مضى بعد ما |
قضى ما قضاه وأبقى شماما(٢) |
|
فلله ذا فاتحا للهدى |
ولله ذا للمعالي ختاما |
|
وما ضر مجد أبي طالب |
جهول لغا أو بصير تعامى |
|
كما لا يضر إياب الصبا(٣) |
ح من ظن ضوء النهار الظلاما(٤) |
____________
(١) أفك الرجل على جمهور المسلمين، فان الإمامية والزيدية على بكرة أبيهم ومن حذا حذوهم من محققي أهل السنة ذهبوا إلى إسلام والدي النبي الأقدس، ومن شذ عنهم فلا يؤبه به ولا يلتفت إليه. (المؤلف).
(٢) ثبير وثمام: اسما جبلين.
(٣) في شرح النهج: إياة، ومعناه الضوء.
(٤) ذكرها ابن أبي الحديد نفسه في شرحه: ٣ / ٣١٧ [ ١٤ / ٨٤ كتاب ٩ ]. ( المؤلف ).
وهناك طرق لا يمكن التوصل إلى الإذعان بنفسيات اي أحد إلا بها، ألا وهي:
١ - استنباطها مما يلفظ به من قول.
٢ - أو مما ينوء به من عمل.
٣ - أو مما يروي عنه آله وذووه. فإن أهل البيت أدرى بما فيه.
٤ - أو مما أسنده إليه من لاث به وبخع له.
- ١ -
أقوال أبي طالب المثبته لإيمانه:
أما أقوال أبي طالب سلام الله عليه فإليك عقودا عسجدية من شعره الرائق مثبتة في السير والتواريخ وكتب الحديث.
أخرج الحاكم في المستدرك(١) ( ٢ / ٦٢٣ ) بإسناده عن ابن إسحاق قال: قال أبو طالب أبياتا للنجاشي يحضه على حسن جوارهم والدفع عنهم - يعني عن المهاجرين إلى الحبشة من المسلمين:
ليعلم خيار الناس أن محمدا |
وزير لموسى والمسيح ابن مريم |
|
أتانا بهدي مثل ما أتيا بـه |
فكل بأمر الله يهدي ويعصم(٢) |
|
وإنكم تتلونه في كتابكــم |
بصدق حديث لا حديث المبرجم |
|
وإنك ما تأتيك منها عصابة |
بفضلك إلا أرجعوا بالتكــرم |
وقال سلام الله عليه من قصيدة:
فبلغ عن الشحناء أفناء غالب |
لويا وتيما عند نصر الكرائــم |
|
لانا سيوف الله والمجد كلـه |
إذا كان صوت القوم وجي الغمائم |
|
ألم تعلموا أن القطيعة مأثـم |
وأمر بلاء قاتم غير حـــازم |
|
وأن سبيل الرشد يعلم في غد |
وأن نعيم الدهر ليس بدائـــم |
____________
(١) المستدرك على الصحيحن: ٢ / ٦٨٠ ح ٤٢٤٧.
(٢) في البيت إقواء.
فلا تسفهن أحلامكــم في محمد |
ولا تتبعوا أمر الغواة الأشائــم |
|
وإنكـــــــم والله لا تقتلونه |
ولما تروا قطف اللحى والغلاصم(١) |
|
ولم تبصروا والأحياء منكم ملاحما |
تحوم عليها الطير بعد ملاحــم |
|
وتدعـــو بأرحام أواصر بيننا |
فقد قطع الأرحام وقع الصـوارم |
|
زعمتـــم بأنا مسلمون محمدا |
ولما نقاذف دونه ونزاحــــم |
|
من القوم مفضال أبي على العدى |
تمكن في الفرعين من آل هاشـم |
|
أمين حبيب فـــي العباد مسوم |
بخاتم رب قاهر في الخواتـــم |
|
يرى الناس برهانـا عليه و هيبة |
وما جاهل في قومه مثل عالــم |
|
نبي أتاه الوحــي من عند ربه |
ومن قال لا يقرع بها سن نـادم |
|
تطيف بـــه جرثومة هاشمية |
تذبب عنه كل عات و ظالـــم |
ديوان أبي طالب ( ص ٣٢ )، شرح ابن أبي الحديد ( ٣ / ٣١٣ )(٢) .
ومن شعره في أمر الصحيفة التي سنوقفك على قصتها قوله:
ألا أبلغا عنــي على ذات بينها |
لويا وخصا من لوي بنــي كعب |
|
ألـم تعلموا أنــا وجدنا محمدا |
رسولا كموسى خط في أول الكتب |
|
وأن عليه فـي العباد محبة |
ولا حيف فيمن خصه الله بـالحب |
|
وأن الذي رقشتم في كتابكم |
يكون لكــم يوما كراغية السقب(٣) |
____________
(١) في رواية: والجماجم. الغلاصم جمع الغلصمة: اللحم بين الرأس والعنق. ( المؤلف ).
(٢) ديوان أبي طالب: ٨٤ - ٨٥، شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧٣ كتاب ٩.
(٣) في رواية ابن هشام:
وإن الذي ألصقتم من كتابكم |
لكم كائن نحسا كراغية السقب |
رقش: كتب وسطر. الراغية من الرغاء: أصواب الإبل. السقب: ولد الناقة. ( المؤلف ).
أفيقوا أفيقوا قبل أن تحفر الزبى (١) |
ويصبح من لم يجن ذنبا كذي ذنب |
ولا تتبعوا أمــر الغواة وتقطعوا |
أواصرنا بعـــد المودة والقرب |
|
وتسجلبوا حربـاعوانا(٢) وربما |
أمر على مــن ذاقه حلب الحرب |
|
فلسنا وبيت الله نسلــــم أحمدا |
لعزاء من عض الزمان ولا كرب(٣) |
|
ولما تبن منا ومنكـــم سوالف |
وأيــد أترت(٤) بالمهندة الشهب |
|
بمعترك ضنك تــرى كسر القنا |
به والضباع العرج تعكف كالشرب(٥) |
|
كأن مجال الخيل فــي حجراته |
ومعمعة الأبطال معــركة الحرب |
|
ليس أبونا هاشــــم شد أزره |
وأوصـى بنيه بالطعان وبالضرب |
|
ولسنا نمل الحرب حتــى تملنا |
ولا نشتكي ممــا ينوب من النكب |
|
ولكننا أهـــل الحفائظ و النهى |
إذا طار أرواح الكماة مـن الرعب |
سيرة ابن هشام ( ١ / ٣٧٣ )، شرح ابن أبي الحدبد ( ٣ / ٣١٣ )، بلوغ الأرب ( ١ / ٣٢٥ )، خزانة الأدب للبغدادي ( ١ / ٢٦١ )، الروض الأنف ( ١ / ٢٢٠ )، تاريخ ابن كثير ( ٣ / ٨٧ )، أسنى المطالب ( ص ٦، ١٣ )، طلبة الطالب ( ص ١٠ )(٦) . ومن شعره قوله:
ألا ما لهم آخــــر الليل معتم |
طواني وأخـرى النجم لماتقحــم |
____________
(١) في سيرة ابن هشام [ ١ / ٣٧٧ ]: الترى، بدل الزبى. (المؤلف).
(٢) الحرب العوان: التي قوتل فيها مرة بعد أخرى. أشد الحروب. (المؤلف).
(٣) العزاء: السنة الشديدة. عض الزمان: شدته وكلبه. (المؤلف).
(٤) تبن: تنفصل. السوالف: صفحات الأعناق. أترت: قطعت. (المؤلف).
(٥) ضنك: ضيق. الضياع العرج مر ص ٥٨. الشرب: الجماعة من القوم يشربون. والشطر الثاني في سيرة ابن هشام [ ١ / ٣٧٩ ]: به والنسور الطخم يعكفن كالشرب. (المؤلف).
(٦) السيرة النبوية: ١ / ٣٧٧ - ٣٧٩، شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧٢ كتاب ٩، خزانة الأدب: ٢ / ٧٦، الروض الأنف: ٣ / ٢٨٣، البداية والنهاية: ٣ / ١٠٨.
طواني وقــد نامت عيون كثيرة |
وسامر أخرى قاعـــد لم ينوم |
|
لأحــــلام أقوام أرادوا محمدا |
بظلم ومــن لا يتقي البغي يظلم |
|
سعوا سفها واقتادهم سوء أمرهـم |
على خائل مـن أمرهم غير محكم |
|
رجاة أمور لم ينالوا نظامهــــا |
وإن نشدوا في كــل بدو وموسم |
|
يرجون منـــا خطة دون نيلها |
ضراب وطعن بالــوشيج المقوم(١) |
|
يرجون أن نسخـــي بقتل محمد |
ولم يختضب سمر العوالي من الدم |
|
كذبتم وبيت الله حتــــى تفلقوا |
جماجم تلقــى بالحميم وزمـوم(٢) |
|
وتقطع أرحــــام وتنسى حليلة |
حليلا ويغشى محـرم بعد محرم |
|
وينهض قـــــوم بالحديد إليكم |
يذبون عـن أحسابهم كل مجرم |
|
هم الأسد أسـد الزارتين إذا غدت |
على حنق لـم تخش إعلام معلم |
|
فيا لبنـــــي فهرأفيقوا ولم تقم |
نوائح قتلى تدعــــي بالتسدم(٣) |
|
على ما مضـى من بغيكم وعقوقكم |
وغشيانكم فــي أمرنا كل مأتم |
|
وظلم نبــي جاء يدعوالى الهدى |
وأمر أتى من عند ذي العرش قيم(٤) |
|
فلا تحسبونــــا مسلميه و مثله |
إذا كان فـــي قوم فليس بمسلم |
|
فهذي معاذيــــرو تقدمة لكم |
لكيلا تكــون الحرب قبل التقدم |
ديوان أبي طالب(٥) ( ص ٢٩ )، شرح ابن أبي الحديد ( ٣ / ٣١٢ )(٦) .
وله قوله مخاطبا للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم:
____________
(١) الوشيج: الرماح.
(٢) في الديوان: تفرقوا. بدلا من: تفلقوا. و: بالحطيم. بدلا من: بالحميم.
(٣) التسدم من السدم: الهم مع الندم، الغيظ مع الحزن. ( المؤلف ).
(٤) في رواية شيخ الطائفة: مبرم. ( المؤلف ).
(٥) ديوان أبي طالب: ص ٨٢ - ٨٣.
(٦) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧١ كتاب ٩.
والله لن يصلوا إليك بجمعهـــم |
حتى أوسد في التراب دفينا |
|
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة |
وابشر بذاك وقر منك عيونا |
|
ودعوتني وعلمت أنك ناصحـي |
ولقد دعوت وكنت ثم أمينا(١) |
|
ولقد علمت بأن ديـــن محمد |
من خيرأديان البريـة دينا |
رواها الثعلبي في تفسيره وقال: قد أتفق على صحة نقل هذه الأبيات عن أبي طالب: مقاتل، وعبد الله بن عباس، والقسم بن محضرة، وعطاء بن دينار.
راجع:(٢) خزانة الأدب للبغدادي ( ١ / ٢٦١ )، تاريخ ابن كثير ( ٣ / ٤٢ )، شرح ابن أبي الحديد ( ٣ / ٣٠٦ )، تاريخ أبي الفدا ( ١ / ١٢٠ )، فتح الباري ( ٧ / ١٥٣، ١٥٥ )، الإصابة ( ٤ / ١١٦ )، المواهب اللدنية ( ١ / ٦١ )، السيرة الحلبية ( ١ / ٣٠٥ )، ديوان أبي طالب ( ص ١٢ ) طلبة الطالب ( ص ٥ ) بلوغ الارب ( ١ / ٣٢٥ )، السيرة النبوية لزيني دحلان هامش الحلبية ( ١ / ٩١/ ٢١١ )، وذكر البيت الأخير في أسنى المطالب ( ص ٦ ) فقال: عدّة البرزنجي من كلام أبي طالب المعروف.
لفت نظر:
زاد القرطبي وابن كثير في تاريخه على الأبيات:
لولا الملامة أو حــذاري سبة |
لوجدتني سمحا بذاك مبينا |
____________
(١) وفي رواية القسطلاني:
ودعوتني وزعمت أنك ناصحي |
ولقد صدقت وكنت ثـــم أمينا |
( المؤلف )
(٢) خزانة الأدب: ٢ / ٧٦، البداية والنهاية: ٣ / ٥٦، شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٥٥ كتاب ٩، فتح الباري: ٧ / ١٩٤، ١٩٦، المواهب اللدنية: ١ / ٢٢٣، السيرة الحلبية: ١ / ٢٨٧، ديوان أبي طالب: ص ٤١، السيرة النبوية لزيني دحلان: ١ / ٤٥، أسنى المطالب: ص ١٠.
قال السيد أحمد زيني دحلان في أسنى المطالب(١) ( ص ١٤ ): فقيل: إن هذا البيت موضوع أدخلوه في شعر أبي طالب وليس من كلامه.
قال الأميني: هب أن البيت الأخير من صلب ما نظمه أبو طالب عليه السلام فإن أقصى ما فيه أن العار والسبة، اللذان كان أبو طالب عليه السلام يحذرهما خيفة أن يسقط محله عند قريش فلا تتسنى له نصرة الرسول المبعوث صلى الله عليه وآله وسلم، إنما منعاه عن الإبانة والإظهار لاعتناق الدين، وإعلان الإيمان بما جاء به النبي الأمين، وهو صريح قوله: لوجدتني سمحا بذاك مبينا، أي مظهرا، وأين هو عن اعتناق الدين في نفسه، والعمل بمقتضاه من النصرة والدفاع ؟ ولو كان يريد به عدم الخضوع للدين لكان تهافتا بينا بينه وبين أبياته الأولى التي ينص فيها بأن دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم من خير أديان البرية دينا، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم صادق في دعوته أمين على أمته.
ومن شعره قوله قد غضب لعثمان بن مظعون حين عذبته قريش ونالت منه:
أمن تذكــر دهرغير مأمون |
أصبحت مكتئبا تبكي كمحـزون |
|
أم مـن تذكر أقوام ذوي سفه |
يغشون بالظلم من يدعو إلى الدين |
|
ألا تـــرون أذل الله جمعكم |
إنا غضبنا لعثمان بــن مظعون |
|
ونمنع الضيم من يبغي مضيمنا |
بكل مطرد فــي الكف مسنون |
|
ومرهفات كـأن الملح خالطها |
يشفى بها الداء من هام المجانين |
|
حتى تقر رجـال لا حلوم لها |
بعد الصعوبة بالأسمـاح واللـين |
|
أو تؤمنوا بكتاب منزل عجب |
على نبي كموسى أو كذي النـون(٢) |
ومن شعره يمدح النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قوله:
____________
(١) أسنى المطالب: ص ٢٥.
(٢) شرح ابن أبي الحديد: ٣ / ٣١٣ [ ١٤ / ٧٣ كتاب ٩ ] (المؤلف).
لقد أكرم الله النبي محمدا |
فأكرم خلق الله في الناس أحمد |
|
وشق له من إسمه ليجله |
فذو العرش محمود وهذا محمد |
أخرجه(١) البخاري في تاريخه الصغير من طريق علي بن يزيد، وأبو نعيم في دلائل النبوة ( ١ / ٦ )، وابن عساكر في تاريخه (١/٢٧٥)، وذكره له ابن أبي الحديد في شرحه ( ٣ / ٣١٥ )، وابن كثير في تاريخه ( ١ / ٢٦٦ )، وابن حجر في الإصابة ( ٤ / ١١٥ )، والقسطلاني في المواهب اللدنية ( ١ / ٥١٨ ) نقلا عن تاريخ البخاري، والديار بكري في تاريخ الخميس ( ١ / ٢٥٤ ) فقال: أنشأ أبو طالب في مدح النبي أبياتا منها هذا البيت:
وشق له من إسمه ليجله |
.................................... |
حسان بن ثابت ضمن شعره هذا البيت فقال:
ألم تر أن الله أرسل عبده |
بآياته والله أعلـــى وأمجد |
|
وشق له من إسمه ليجله |
.................................... |
والزرقاني في شرح المواهب ( ٣ / ١٥٦ ) وقال: توارد حسان معه أو ضمنه شعره وبه جزم في الخميس، أسنى المطالب(٢) ( ص ١٤ ).
ومن شعره المشهور كما قاله ابن أبي الحديد في شرحه(٣) ( ٣ / ٣١٥ ).
أنت النبــــي محمد |
قـرم أغـــر مســـود |
|
لمسوديـــن أكــارم |
طابــوا وطاب المولـــد |
|
نعـــم الأرومة أصلها |
عمـرو الخضم الأوحــد |
____________
(١) التاريخ الصغير: ١ / ٣٨، دلائل النبوة: ١ / ٤٤ ح ٢، تاريخ مدينة دمشق: ٣ / ٣٢ - ٣٣، شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧٨ كتاب ٩، البداية والنهاية: ٢ / ٣٢٥، المواهب اللدنية: ٢ / ٢٥.
(٢) أسنى المطالب: ص ٢٤.
(٣) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧٧ كتاب ٩.
هشم الربيكــة في الجفا |
ن وعيش مكــة أنكـــد(١) |
|
فجــــرت بذلك سنة |
فيهـــا الخبيـزة تثـــرد |
|
ولنا السقايـــة للحجيـ |
ـج بهـا يماث العنجـــد(٢) |
|
والمأزمان(٣) وما حوت |
عرفاتها و المسجــــــد |
|
أنى تضام ولـــم أمت |
وأنا الشجاع العـربـــــد |
|
وبطاح مكـــة لا يرى |
فيها نجيع أســـــــود |
|
وبنـــــوأبيك كأنهم |
أسـد العرين توقـــــدوا |
|
ولقد عهـــدتك صادقا |
في القـــول لا يتزيـــد |
|
ما زلت تنطــق بالصوا |
ب وأنت طفــل أمـــرد |
جاء أبو جهل بن هشام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ساجد وبيده حجر يريد أن يرميه به، فلما رفع يده لصق الحجر بكفه فلم يستطع ما أراد، فقال أبو طالب:
أفيقوا بني غـالب وانتهوا |
عن الغي من بعض ذا المنطق |
____________
(١) عمرو: أسم هاشم بن عبد مناف. الخضم: كثير العطاء. الربيكة: طعام يعمل من تمر وأقط وسمن.
(٢) مات الشيء ميتا: مرسه. ومات الملح في الماء: أذابه. العنجد: الزبيب.
(٣) المأزمان: موضع بمكة بين المشعر الحرام وعرفة وهو شعب بين جبلين [ معجم البلدان: ٥ / ٤٠ ].
( المؤلف )
(٤) الأزرق: عاقر ناقة صالح.
غداة يعض بعـــرقوبهـا |
حساما مـن الهند ذا رونق |
|
وأعجب من ذاك فـي أمركم |
عجائب في الحجر الملصق |
|
بكف الذي قام مــن خبثـه |
إلى الصابر الصادق المتقي |
|
فأثبته الله فــــي كفــه |
على رغمه الجائر الأحمق |
|
أحيمق مخزومكــم إذ غوى |
لغي الغواة ولــم يصدق |
ديوان أبي طالب(١) ( ص ١٣ )، شرح ابن أبي الحديد ( ٣ / ٣١٤ )(٢) .
قال ابن أبي الحديد في شرحه(٣) ( ٣ / ٣١٤ ): قالوا: وقد اشتهر عن عبد الله المأمون رحمه الله أنه كان يقول: أسلم أبو طالب والله بقوله:
نصرت الرسول رسول المليك |
ببيض تلألا كلمع البروق |
|
أذب وأحمـــي رسول الإله |
حماية حام عليه شفيــق |
|
وما إن أدت لأعدائـــــه |
دبيب البكار حذار الفنيـق(٤) |
|
ولكن أزير لهــــم ساميا |
كما زار ليث بغيل مضيق |
وتوجد هذه الأبيات مع بيت زائد في ديوانه(٥) ( ص ٢٤ ).
ولسيدنا أبي طالب أبيات كتبها إلى النجاشي بعد ما خرج عمرو بن العاص إلى بلاد الحبشة ليكيد جعفر بن أبي طالب وأصحابه عند النجاشي. يحرض النجاشي على إكرام جعفر والإعراض عن ما يقوله عمرو(٦) منها:
____________
(١) ديوان أبي طالب: ص ٤٢.
(٢) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧٤ كتاب ٩.
(٣) المصدر السابق.
(٤) الفنيق: الفحل المكرم لا يؤذي ولا يركب لكرامته جمع فنق وأفناق. ( المؤلف ).
(٥) ديوان أبي طالب: ص ٧٠.
(٦) ديوان أبي طالب ص ١٠٩ وهي مما استدركه محقق الديوان على جامعه.
ألا ليت شعري كيف في الناس جعفر |
وعمرو وأعداء النبــي الأقارب |
|
وهــل نال إحسان النجاشي جعفرا |
وأصحابه أم عاق عن ذاك شاغب |
|
تعلـــم أبيت اللعن(١) أنك ماجد |
كريم فلا يشقى إليك المجــانب |
|
ونعلـــــم أن الله زادك بسطة |
وأسباب خير كلهـــابك لازب |
تاريخ ابن كثير(٢) ( ٣ / ٧٧ )، شرح ابن أبي الحديد (٣/٣١٤).
قال ابن أبي الحديد في شرحه(٣) ( ٣ / ٣١٥ ): ومن شعره المشهور أيضا قوله يخاطب محمدا، ويسكن جأشه، ويأمره باظهار الدعوة:
لا يمنعنك مــن حــق تقوم به |
أيد تصـول ولا سلق بأصوات |
|
فإن كفك كفي إن بهــم مليت(٤) |
ودون نفسك نفسي في الملمات |
قال ابن هشام(٥) : ولما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها، وتودد فيها أشراف قومه وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تاركه لشيء أبدا، حتى يهلك دونه، فقال أبو طالب:
خليلي ما أذنــي لأول عــاذل |
بصغواء في حـق ولا عند باطل |
|
ولما رأيت القــوم لاود فيهــم |
وقد قطعوا كل العـرى والوسائل |
|
وقد صارحونا بالعـداوة والأذى |
وقد طاوعوا أمر العـدو المزايل |
____________
(١) أبيت اللعن، كلمة كانت العرب تحيي بها ملوكها في الجاهلية، معناها: أبيت أيها الملك أن تأتي بها تلعن عليه.
(٢) البداية والنهاية: ٣ / ٩٧.
(٣) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧٧ كتاب ٩.
(٤) في المصدر: إن بليت بهم.
(٥) السيرة النبوية: ١ / ٢٩١.
وقـد حالفوا قوما علينا أظنة(١) |
يعضون غيظا خلفنا بالأنامـــل |
|
صبرت لهم نفسي بسمراء سمحـة |
وأبيض عضب مـن تراث المقاول(٢) |
* * *
أعوذ برب الناس من كـل طاعن |
علينا بسوء أو ملــــح ببـاطل |
|
ومــن كاشح يسعى لنا بمعيبـة |
ومن ملحق في الدين ما لـم نحاول |
|
وثــور ومـن أرسى ثبيرا مكانه |
وراق ليرقى فــي حـراء ونازل(٣) |
|
وبـالبيت حق البيت من بطن مكة |
وبالله إن الله لـيس بغـــــافل |
|
وبــالحجـر المسود إذ يمسحونه |
إذا اكتنفوه بالضحـى و الأصائـل |
* * *
كذبتم وبيت الله نتــــرك مكة |
ونظعن إلا أمركم فــــي بلابل |
|
كذبتم وبيت الله نبـــزى محمدا |
ولما نطاعن دونــــه ونناضل(٤) |
|
ونسلمه حتــــى نصرع حوله |
ونذهل عــــن أبنائنا والحلائل |
|
وينهض قــــوم بالحديد إليكم |
نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل(٥) |
|
وحتى نرى ذا الظغن يركب ردعه |
من الطعن فعل الأنكب المتحامــل(٦) |
|
وإنا لعمر الله إن جد مـــا أرى |
لتلتبس أسيافنا بالأماثـــــــل |
|
بكفي فتــى مثل الشهاب سميدع |
أخي ثقة حامــــي الحقيقة باسل |
____________
(١) أظنة: جمع ظنين: المتهم. ( المؤلف ).
(٢) سمراء سمحة: أراد بها قناة لينة تسمح بالانعطاف عند هزها. العضب: القاطع. المقاول: أراد بها السادات. ( المؤلف ).
(٣) نور وثبير وحراء: جبال في مكة. ( المؤلف ).
(٤) نبزى: تسلب.
(٥) الروايا: الإبل التي تحمل الماء، واحدتها: راوية. الصلاصل جمع الصلصلة: الصوت وذات الصلاصل: المزادات التي فيها بقية من الماء يسمع لها صوت حين تسير الإبل. ( المؤلف ).
(٦) يقال: ركب ردعه، أي خر صريعا لوجهه. الأنكب: الذي يمشي على شق. ( المؤلف ).
شهورا وأياما وحولا مجرما(١) |
علينا وتأتي حجة بعد قابــل |
|
وما ترك قوم - لا أبا لك - سيدا |
يحوط الذمار غير ذرب مواكل(٢) |
|
وأبيض يستسقى الغمام بوجهـه |
ثمال اليتامى عصمة للأرامـل |
|
يلوذ بـه الهلاك مــن آل هاشم |
فهم عنده في رحمة وفواضـل |
* * *
بميزان قسط لا يخيس شعيـرة |
له شاهد من نفسه غيــرعائل(٣) |
|
لقـد سفهت أحلام قـوم تبدلوا |
بني خلف قيضا بنـا والغياطل(٤) |
|
ونحن الصميم مـن ذؤابة هاشم |
وآل قصي في الخطوب الأوائل |
|
وسهم و مخـزوم تمالـوا وألبوا |
علينا العدا من كل طمل و خامل(٥) |
|
فعبـد مناف أمنتم خيـر قومكم |
فلا تشركوا في أمركم كل واغل(٦) |
* * *
ألـم تعلمــوا أن أبننا لا مكذب |
لدينا لا نعبا بقـــول الأباطل |
|
أشـم مــن الشم البهاليل ينتمي |
إلى حسب في حومة المجد فاضل |
|
لعمـري لقـد كلفت وجدا بأحمد |
وأحببته حـب الحبيب المـواصل |
____________
(١) حولا مجرما: أي مكملا. يقال: تجرمت السنة، إذا كملت وانقضت. ( المؤلف ).
(٢) الذمار: ما يلزمك أن تحميه. ذرب: فاسد. مواكل: يتكل على غيره. ( المؤلف ).
(٣) لا يخيس من قولهم: خاس بالعهد إذا نقضه وأفسده، ويروى لا يخس أي لا ينقص. عائل: جائر. ( المؤلف ).
(٤) قيضا بنا: عوضا منا تقول: قاضه بكذا أي عوضه به. الغيطلة: من بني مرة بن عبد مناة إخوة مدلج بن مرة وهي أم الغياطل، فقيل لولدها: الغياطل وهم من بني سهم بن عمرو بن هصيص.
( المؤلف )
(٥) الطمل: الرجل الفاحش لا يبالي ما صنع. اللئيم، الأحمق، اللص الفاسق. ( المؤلف ).
(٦) كل واغل: أراد كل ملصق ليس من صميم، وأصل الواغل الداخل على القوم وهم يشربون من غير أن يدعى. ( المؤلف ).
فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها |
وزينا لمن والاه رب المشاكل |
|
فأصبح فينا أحمـد في أرومة |
تقصر عنـه سورة المتطاول |
|
حدبت بنفسي دونـه وحميته |
ودافعت عنه بالذرى والكلاكل(١) |
|
فأيده رب العباد بنصـــره |
وأظهر دينا حقـه غير باطل |
هذه القصيدة ذكر منها ابن هشام في سيرته(٢) ( ١ / ٢٨٦ - ٢٩٨ )، أربعة وتسعين بيتا وقال: هذا ما صح لي من هذه القصيدة. وذكر ابن كثير منها اثنين وتسعين بيتا في تاريخه(٣) ( ٣ / ٥٣ - ٥٧ )، وفي رواية ابن هشام ثلاثة أبيات لم توجد في تاريخ ابن كثير وقال ( ص ٥٧ ) قلت: هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعها، وقد أوردها الأموي في مغازيه مطولة بزيادات أخر والله أعلم.
وذكرها أبو هفان العبدي في ديوان أبي طالب(٤) ( ص ٢ - ١٢ ) في مائة وأحد عشر بيتا ولعلها تمام القصيدة.
وقال ابن أبي الحديد في شرحه(٥) ( ٣ / ٣١٥ ) بعد ذكر جملة من شعر أبي طالب: فكل هذه الأشعار قد جاءت مجيء التواتر، لأنه إن لم تكن آحادها متواترة فمجموعها يدل على أمر واحد مشترك وهو تصديق محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومجموعها متواتر كما أن كل واحدة من قتلات علي عليه السلام الفرسان منقولة آحادا ومجموعها متواتر يفيدنا
____________
(١) حديث عطفت ومنعت. الذرى جمع ذرة: أعلى ظهر البعير. الكلاكل جمع كلكل: معظم الصدر.
( المؤلف ) -
(٢) السيرة النبوية: ١ / ٢٩١ - ٢٩٩.
(٣) البداية والنهاية: ٣ / ٧٠ - ٧٤.
(٤) ديوان أبي طالب: ص ٢١ - ٣٨.
(٥) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧٨ كتاب ٩.
العلم الضروري بشجاعته، وكذلك القول فيما روي من سخاء حاتم وحلم الأحنف ومعاوية وذكاء أياس وخلاعة أبي نواس وغير ذلك. قالوا: واتركوا هذا كله جانبا، ما قولكم في القصيدة اللامية التي شهرتها كشهرة قفا نبك ؟ وإن جاز الشك فيها أو في شيء من أبياتها جاز الشك في قفا نبك وفي بعض أبياتها.
وقال القسطلاني في إرشاد الساري(١) ( ٢ / ٢٢٧ ): قصيدة جليلة بليغة من بحر الطويل، وعدة أبياتها مائة وعشرة أبيات، قالها لما تمالأ قريش على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونفروا عنه من يريد الإسلام.
وذكر منها في المواهب اللدنية(٢) ( ١ / ٤٨ )، أبياتا فقال: هي أكثر من ثمانين بيتا قال ابن التين: إن في شعر أبي طالب هذا دليلا على أنه كان يعرف نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يبعث لما أخبره به بحيرا وغيره من شأنه. وقال العيني في عمده القاري(٣) : ( ٣ / ٤٣٤ ) قصيدة طنانة وهي مائة بيت وعشرة أبيات أولها:
خليلي مـا أذني لأول عاذل |
بصغواء في حق ولا عند باطل |
وذكر منها البغدادي في خزانة الأدب(٤) ( ١ / ٢٥٢ - ٢٦١ ) اثنين وأربعين بيتا مع شرحها، وقال: أولها:
خليلي مـا أذني لأول عاذل |
بصغواء في حق ولا عند باطل |
|
خليلي إن الرأي ليس بشركة |
ولا نهنه عند الأمـور البلابل(٥) |
____________
(١) إرشاد الساري: ٣ / ٢٦.
(٢) المواهب اللدنية: ١ / ١٨٥.
(٣) عمدة القاري: ٧ / ٣٠.
(٤) خزانة الأدب: ٢ / ٥٩ - ٧٥.
(٥) النهنه: المضيء، والنير الشفاف الذي يظهر الأشياء على جليتها. البلابل: جمع بلبلة أو بلبال، وهما بمعنى الهم ووساوس الصدر.
ولما رأيت القوم لاود عندهم |
وقد قطعوا كل العرى والوسائل |
وذكر الآلوسي عدة منها في بلوغ الأرب(١) ( ١ / ٢٣٧ ) وذكر كلمة ابن كثير المذكور وقال: هي مذكورة مع شرحها في كتاب لب لباب لسان العرب.
وذكر منها السيد زيني دحلان أبياتا في السيرة النبوية هامش الحلبية(٢) ( ١ / ٨٨ ) فقال: قال الإمام عبد الواحد السفاسقي(٣) في شرح البخاري: إن في شعر أبي طالب هذا دليلا على أنه كان يعرف نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يبعث لما أخبره به بحيرا الراهب وغيره من شأنه، مع ما شاهده من أحواله، ومنها الاستسقاء به في صغره ومعرفة أبي طالب بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم، جاءت في كثير من الأخبار زيادة على أخذها من شعره.
قال الأميني: أنا لا أدري كيف تكون الشهادة والاعتراف بالنبوة إن لم يكن منها هذه الأساليب المتنوعة المذكورة في هذه الأشعار ؟ ولو وجد واحد منها في شعر أي أحد أو نثره لأصفق الكل على إسلامه، لكن جميعها لا يدل على إسلام أبي طالب. فاعجب واعتبر !
هذه جملة من شعر أبي طالب عليه السلام الطافح من كل شطره الإيمان الخالص، والإسلام الصحيح، قال العلامة الأوحد ابن شهرآشوب المازندراني في كتابه متشابهات القرآن عند قوله تعالى:( وَلَيَنصُرَنَّ اللَّـهُ مَن يَنـصُرُهُ ) (٤) : إن أشعار أبي طالب الدالة على إيمانه تزيد على ثلاثة آلاف بيت يكاشف فيها من يكاشف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويصحح نبوته. ثم ذكر جملة ضافية ومما ذكر له قوله في وصيته:
____________
(١) بلوغ الإرب: ١ / ٣٢٦.
(٢) السيرة النبوية: ١ / ٤٣.
(٣) هو ابن التين المذكور في كلام القسطلاني. ( المؤلف ).
(٤) الحج: ٤٠.
أوصي بنصر نبي الخير أربعة |
إبني عليا وشيخ القوم عباســا |
|
وحمزة الأسد الحامـي حقيقته |
وجعفرا أن تذودا دونــه الناسا |
|
كونوا فداء لكم أمي وما ولدت |
في نصر أحمد دون الناس أتراسا(١) |
- ٢ -
ما ناء به من عمل بار وقول مشكور
أما ما ناء به سيد الأباطح أبو طالب سلام الله عليه من عمل بار وسعي مشكور في نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكلاءته والذب عنه والدعوة إليه وإلى دينه الحنيف منذ بدء البعثة إلى أن لفظ أبو طالب نفسه الأخير، وقد تخلل ذلك جمل من القول كلها نصوص على إسلامه الصحيح، وإيمانه الخالص، وخضوعه للرسالة الإلهية، فإلى الملتقى. روى القوم:
١ - قال ابن إسحاق: إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام تاجرا، فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير هب له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ بزمام ناقته وقال: يا عم إلى من تكلني لا أب لي ولا أم لي ؟ فرق له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا. قال: فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وتهيأ راهب يقال له بحيرا في صومعة له، وكان أعلم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة راهب إليه يصير علمهم من كتاب فيهم كما يزعمون يتوارثونه كائنا عن كائن، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيرا ما يمرون عليه قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يتعرض لهم، حتى إذا كان ذلك العام نزلوا به قريبا من صومعته فصنع لهم طعاما كثيرا وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا، وغمامة تظله صلى الله عليه وآله وسلم من بين القوم. ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة وتهصرت، يعني تدلت أغصانها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى
____________
(١) في النسخة المطبوعة من متشابهات القرآن تصحيف وتحريف في الأبيات. راجع: ٢ / ٦٥. ( المؤلف ).
استظل تحتها، فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، وأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وحركم وعبدكم، فقال له رجل منهم: يا بحيرا إن لذلك اليوم لشأنا ما كنت تصنع هذا فيما مضى وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم ؟ فقال له بحيرا: صدقت قد كان ما تقولون، ولكنكم ضيوف فأحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم، فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة.
فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرفها وهي موجودة عنده، فقال: يا معشر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا، فقالوا: يا بحيرا ما تخلف عنك أحد ينبغي أن يأتيك إلا غلام هو أحدث القوم سنا تخلف في رحالهم، قال: فلا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم، فقال رجل من قريش: والات والعز أن لهذا اليوم نبأ. أيليق أن يتخلف ابن عبد الله عن الطعام من بيننا؟ ثم قام إليه فاحتضنه ثم أقبل به حتى أجلسه مع القوم. فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظاً شديداً وينظر الى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده في صفته حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا قام بحيرا فقال له: يا غلام أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما اسألك عنه. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تسلني باللات والعزى شيئاً قط، فقال بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه. فقال: سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من نومه وهيئته وأموره ورسول الله يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ثم نظر الى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده. الحديث.
فقال ابو طالب في ذلك:
إن ابـــن آمنة النبي محمداً |
عندي يفوق منـــازل الأولاد |
لما تعلـــق بالزمام رحمته |
والعيس قد قلصن(١) بـالأزواد |
|
فارفض مـن عيني دمع ذارف |
مثل الجمان مفـــرق الافراد |
|
راعيت فيــه قرابة موصولة |
وحفظت فيـه وصيـة الأجداد |
|
وأمرتــه بالسير بين عمومة |
بيض الوجوه مصالت أنجــاد(٢) |
|
ســـاروا لأبعد طية معلومة |
فلقد تباعد طية(٣) المرتــاد |
|
حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا |
لا قوا على شرك من المرصاد(٤) |
|
حبــراً فأخبرهم حديثاً صادقاً |
عنه ورد معاشر الحســـاد |
|
قوم يهــود قد رأوا لما رأى |
ظل الغمام وعـن ذي الأكباد(٥) |
|
ثاروا لقتل محمد فنهاهـــم |
عنه وجاهد أحســن التجهاد |
|
فثنى زبيراً مـن بحيرا فانثنى |
في القوم بعد تجاولٍ وبعــاد(٦) |
|
ونهى دريساً فانتهى عن قوله |
حبر يوافق أمره برشـــاد |
وقال أيضاً:
ألــم ترني من بعد هم هممته |
بفرقة حر الولدين حـــرام(٧) |
____________
(١) قلص القوم: اجتمعوا فساروا. قلصت الناقة: استمرت في مضيها. تقلص: انضم وانزوى، تدانى.
(المؤلف)
(٢) مصالت: الماضي في الحوائج. الصلت الجبين: الواضح. نجد جمع النجد: الضابط للأمور يذلل المصاعب. الشجاع الماضي فيما يعجز غيره. سريع الإجابة إلى ما دعي إليه. (المؤلف)
(٣) في الموضعين في رواية: طبة. بالموحدة مؤنث الطب بفتح الطاء. الناحية. (المؤلف)
(٤) في الديوان: على شرف من المرصاد.
(٥) وفي رواية:
قوم يهود قد رأوا ما قد رأوا |
ظل الغمامة ناغري الأكباد |
(المؤلف)
(٦) كذا في تهذب تاريخ دمشق: ١ / ٢٧٢، وفي الديوان: وثنى بحيراء زبيراً فانثنى…
(٧) كذا في تهذيب تاريخ دمشق، وفي الديوان والروض الأنف: كرام، بدلاً من حرام.
بأحمد لمــا أن شددت مطيتي |
برحلي وقد ودعته بســـلام |
|
بكى حزناً والعيس قد فصلت بنا |
وأخذت بالكفين فضل زمــام |
|
ذكرت أباه ثــم رقرقت عبرة |
تجود من العينين ذات سجـام |
|
فقلت: ترحـل راشداً في عمومة |
مواسير في البأساء غيـر لئام(١) |
|
فجاء مع العير التـي راح ركبها |
شآمي الهوى والاصل غير شآم |
|
فلما هبطنا أرض بصرى تشرفوا |
لنا فوق دور ينظرون جسـام |
|
فجاء بحيرا عند ذلك حاشــداً |
لنا بشراب طيب و طعـــام |
|
فقال اجمعوا أصحابكـم لطعامنا |
فقلنا جمعنا القوم غيرغــلام |
|
يتيم فقال ادعــوه إن طعامنـا |
كثير عليه اليوم غيرحــرام |
|
فلو لا الذي خبرتم عـن محمد |
لكنتم لدينا اليوم غير كــرام |
|
فلما رآه مقبلاً نحــــو داره |
يوقيه حر الشمس ظل غمـام |
|
حنا رأسه شبـه السجود وضمه |
إلى نحره والصدر أي ضمام |
|
وأقبل ركب يطلبـون الذي رأى |
بحيرا من الاعلام وسط خيام |
|
فثار اليهـم خشيةً لعرامهم(٢) |
وكانوا ذوي بغي لنا و عـرام |
|
دريس وتمام وقد كان فيهم(٣) |
زبير وكل القوم غيــر نيام |
|
فجـاؤوا وقد هموا بقتل محمد |
فردهم عنه بحسن خصــام |
|
بتأويلـــه التوراة حتى تيقنوا |
وقال لهم رمتم أشد مـــرام |
|
أتبغــــون قتلاً للنبي محمد |
خصصتم على شؤم بطول أثام |
|
وإن الذي نختاره منـه مانــع |
سيكفيه منكم كيد كــل طغام |
|
فذلك من أعلامه وبيانــــه |
وليس نهــار واضح كظلام |
____________
(١) في الديوان والروض الأنف، مواسين بدلاً من: مواسير.
(٢) العرام: الشراسة والأذى. (المؤلف)
(٣) دريس، وتمام، وزبير - في بعض النسخ: زدير. أحبار من اليهود. (المؤلف)
ديوان أبي طالب(١) (ص ٣٣ - ٣٥)، تاريخ ابن عساكر(٢) (١ / ٢٦٩ - ٢٧٢)، الروض الأنف(٣) (ا / ١٢٠).
وذكر السيوطي الحديث من طريق البيهقي في الخصائص الكبرى(٤) (١ / ٨٤) فقال في (ص ٨٥): وقال أبو طالب في ذلك أبياتاً منها:
فما رجعوا حتى رأوا من محمد |
أحاديث تجلو غم كـل فواد |
|
وحتــى رأوا أحبار كل مدينة |
سجوداً له من عصبةٍ وفراد |
|
زبيراً وتماماً وقـد كان شاهداً |
دريساً وهموا كلهم بفسـاد |
|
فقال لهــم قولاً بحيرا وأيقنوا |
له بعد تكذيب وطول بعـاد |
|
كمـا قال للرهط الذين تهودوا |
وجاهدهم في الله كـل جهاد |
|
فقال ولـم يترك له النصح رده |
فإن له إرصاد كل مصـاد |
|
فإنــي أخاف الحاسدين وإنه |
لفي الكتب مكتوب بكل مداد |
أخرج ابن عساكر في تاريخه في تاريخه(٥) عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة وهم في قحط فقالت قريش: يا أبا طالب أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلم واستسق. فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجن تجلت عنه سحابه قتماء وحوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بإصبعه الغلام، وما في السماء قزعة(٦) ،
____________
(١) ديوان أبي طالب: ص ٨٩ - ٩٠.
(٢) تاريخ مدينة دمشق: ٣ / ١٢ - ١٤.
(٣) الروض الأنف: ٢ / ٢٢٧.
(٤) الخصائص الكبرى: ١ / ١٤٤.
(٥) مختصر تاريخ دمشق: ٢ / ١٦١ - ١٦٢.
(٦) القزعة: القطعة من السحاب.
(المؤلف)
فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا، واغدق وأغدودق، وانفجر له الوادي، وأخصب البادي والنادي، وفي ذلك قول أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمم بوجهه |
ثمال اليتامى عصمة للأرامل |
|
يلوذ به الهلاك من آل هاشمٍ |
فهم عنده في نعمة وفواضـل |
|
وميزان عدل لا يخيس شعيرةً |
ووزان صدق وزنه غير هائل |
شرح البخاري للقسطلاني (٢ / ٢٢٧)، المواهب اللدنية (١ / ٤٨)، الخصائص الكبرى (٨٦ / ١٢٤)، شرح بهجة المحافل (١ / ١١٩)، السيرة الحلبية (١ / ١٢٥)، السيرة النبوية لزيني دحلان هامش الحلبية (١ / ٨٧)، طلبة الطالب (ص ٤٢)(١) .
ذكر الشهرستاني في الملل والنحل(٢) بهامش الفصل (٣ / ٢٢٥) سيدنا عبد المطلب وقال: ومما يدل علي معرفته بحال الرسالة وشرف النبوة أن أهل مكة لما أصابهم ذلك الجدب العظيم، وأمسك السحاب عنهم سنتين، أمر أبا طالب ابنه أن يحضر المصطفى عليه الصلاة والسلام وهو رضيع في قماط، فوضعه على يديه واستقبل الكعبة رماه إلى السماء وقال: يا رب بحق هذا الغلام. ورماه ثانياً وثالثاً وكان يقول: بحق هذا الغلام اسقنا غيثاً مغيثاً دائماً هاطلاً. أن يلبث ساعة طبق السحاب وجه السماء وأمطر حتى خافوا على المسجد، وأنشد أبو طالب ذلك الشعرالامي الذي منه:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه |
ثمال اليتامى عصمة للأرامل |
ثم ذكر أبياتاً من القصيدة، ولا يخفى على الباحث أن القصيدة نظمها أبو طالب عليه السلام أيام كونه في الشعب كما مر.
____________
(١) إرشاد الساري: ٣ / ٢٧، المواهب اللدنية: ١ / ١٨٤، الخصائص الكبرى: ١ / ١٤٦، ٢٠٨، السيرة الحلبية: ١ / ١١٦، السيرة النبوية: ١ / ٤٣.
(٢) الملل والنحل: ٢ / ٢٤٩.
فاستسقاء عبد المطلب وابنه سيد الأبطح بالنبي الأعظم يوم كان صلى الله عليه وآله وسلم رضيعاً يافعاً يعرب عن توحيدهما الخالص، وإيمانهما بالله، وعرفانهما بالرسالة الخاتمة، وقداسة صاحبها من أول يومه، ولو لم يكن لهما إلا هذان الموقفان لكفياهما، كما يكفيان الباحث عن دليل آخر على اعتناقهما الإيمان.
عن جابر بن عبد الله قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ميلاد علي بن أبي طالب فقال: «لقد سألتني عن خير مولود ولد في شبه المسيح عليه السلام، إن الله تبارك وتعالى خلق علياً من نوري وخلقني من نوره وكلانا من نور واحد، ثم إن الله عز وجل نقلنا من صلب آدم عليه السلام في أصلاب طاهرة إلى أرحام زكية، فما نقلت من صلب إلا ونقل علي معي، فلم نزل كذلك حتى استودعني خير رحم وهي آمنة. واستودع علياً خير رحم وهي فاطمة بنت أسد ». وكان في زماننا رجل زاهد عابد يقال له المبرم بن دعيب بن الشقبان قد عبد الله تعالى مائتين وسبعين سنة لم يسأل الله حاجة، فبعث الله إليه أبا طالب، فلما بصره المبرم قام إليه وقبل رأسه وأجلسه بين يديه ثم قال: من أنت؟ فقال: رجل من تهامة. فقال: من أي تهامة؟ فقال: من بني هاشم. فوثب العابد فقبل رأسه ثم قال: يا هذا إن العلي الأعلى ألهمني إلهاماً. قال أبو طالب: وما هو؟ قال: ولد يولد من ظهرك وهو ولي الله جل وعلى. فلما كان الليلة التي ولد فيها علي أشرقت الأرض، فخرج أبو طالب وهو يقول: أيها الناس ولد في الكعبة ولي الله، فلما أصبح دخل الكعبة وهو يقول:
يا رب هذا الغسق الدجي |
والقمر المنبلج المضـــي |
|
بين لنا مـن أمرك الخفي |
ماذا ترى في إسم ذا الصبي |
قال: فسمع صوت هاتف يقول:
يا أهل بيت المصطفى النبي |
خصصتم بالوالد الزكـي |
|
إن اسمه مـن شامخ العلي |
علي اشتق مـن العلـي |
أخرجه الحافظ الكنجي الشافعي في كفاية الطالب(١) (ص ٢٦٠) وقال: تفرد به مسلم بن خالد الزنجي وهو شيخ الشافعي، وتفرد به عن الزنجي عبد العزيز بن عبد الصمد وهو معروف عندنا.
أخرج فقيه الحنابلة إبراهيم بن علي بن محمد الدينوري في كتابه نهاية الطلب وغاية السؤول في مناقب آل الرسول(٢) بإسناده عن طاووس عن ابن عباس في حديث طويل: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للعباس رضى الله عنه إن الله قد أمرني بإظهار أمري وقد أنبأني واستنبأني فما عندك؟ فقال له العباس رضي الله عنه: يا بن أخي تعلم أن قريشاً أشد الناس حسداً لولد أبيك، وإن كانت هذه الخصلة كانت الطامة الطماء والداهية العظيمة ورمينا عن قوس واحد وانتسفونا نسفاً، صلتا(٣) ولكن قرب إلى عمك أبي طالب فإنه كان أكبر أعمامك إن لا ينصرك لا يخذلك ولا يسلمك، فأتياه، فلما رآهما أبو طالب قال: إن لكما لظنة وخبراً، ما جاء بكما في هذا الوقت؟ فعرفه العباس ما قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما أجابه به العباس، فنظر إليه أبو طالب وقال له: أخرج يا بن أخي فإنك الرفيع كعباً، والمنيع حزباً، والأعلى أباً، والله لا يسلقك لسان إلا سلقته ألسن حداد، واجتذبته سيوف حداد، والله لتذلن لك العرب ذل البهم لحاضنها، ولقد كان أبي يقرأ الكتاب جميعاً، ولقد قال: إن من صلبي لنبياً، لوددت أني أدركت ذلك
____________
(١) كفاية الطالب: ص ٤٠٦.
(٢) راجع الطرائف لسيدنا ابن طاووس: ص ٨٥ (ص ٣٠٢ - ٣٠٣ ح ٣٨٨)، وضياء العالمين لشيخنا أبي الحسن الشريف (المؤلف)
(٣) الصلت: الشديد.
الزمان فآمنت به، فمن أدركه من ولدي فليؤمن به.
قال الأميني: أترى أن أبا طالب يروي ذلك عن أبيه مطمئناً به؟ وينشط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا التنشيط لأول يومه، ويأمره بإشهار أمره والإشادة بذكر الله، وهو مخبت بأنه هو ذلك النبي الموعود بلسان أبيه والكتب السالفة، ويتكهن بخضوع العرب له، أتراه سلام الله عليه يأتي بهذه كلها ثم لا يؤمن به؟ إن هذا إلا اختلاف.
ذكر ابن سعد الواقدي في الطبقات الكبرى(١) (١ / ١٨٦) طبع مصر و (ص ١٣٥) طبع ليدن حديث ممشى قريش إلى أبي طالب في أمره صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن قال: فاشمأزوا ونفروا منها - يعني من مقالة محمد - وغضبوا وقاموا وهم يقولون: اصبروا على آلهتكم، إن هذا لشيء يراد، ويقال المتكلم بهذا عقبة بن أبي معيط. وقالوا: لا نعود إليه أبداً، وما خير من أن نغتال محمداً. فلما كان مساء تلك الليلة فقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجاء أبو طالب وعمومته إلى منزله فلم يجدوه، فجمع فتياناً من بني هاشم وبني المطلب ثم قال: ليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة، ثم ليتبعني إذا دخلت المسجد، فلينظر كل فتى منكم فليجلس إلى عظيم من عظمائهم فيهم ابن الحنظلية - يعني أبا جهل - فإنه لم يغب عن شر إن كان محمد قد قتل، فقال الفتيان: نفعل، فجاء زيد بن حارثة فوجد أبا طالب على تلك الحال؛ فقال: يا زيد أحسست ابن أخي؟ قال: نعم كنت معه آنفاً. فقال أبو طالب: لا أدخل بيتي أبداً حتى أراه؛ فخرج زيد سريعاً حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في بيت عند الصفا ومعه اصحابه يتحدثون فأخبر الخبر فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بي طالب، فقال: يا بن أخي أين كنت؟ أكنت في خير؟ قال: نعم. قال: ادخل بيتك، فدخل
____________
(١) الطبقات الكبرى: ١ / ٢٠٢ - ٢٠٣.
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلما أصبح أبو طالب غدا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأخذ بيده فوقف به على أندية قريش ومعه الفتيان الهاشميون والمطلبيون فقال: يا معشر قريش هل تدرون ما هممت به؟ قالوا: لا. فأخبرهم الخبر، وقال للفتيان: اكشفوا عما في أيديكم فكشفوا، فإذا كل رجل منهم معه حديدة صارمة فقال: والله لو قتلتموه ما بقيت منكم أحداً. حتى نتفانى نحو وأنتم، فانكسر القوم وكان أشدهم انكساراً أبو جهل.
لفظ آخر
وأخرج الفقيه الحنبلي إبراهيم بن علي بن محمد الدينوري في كتابه نهاية الطلب(١) بإسناده عن عبد الله بن المغيرة بن معقب، قال: فقد أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فظن أن بعض قريش اغتاله فقتله، فبعث إلى بني هاشم فقال: يا بني هاشم أظن أن بعض قريش اغتال محمداً فقتله، فليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة وليجلس إلى جنب عظيم من عظماء قريش، فإذا قلت: أبغي محمداً. قتل كل منكم الرجل الذي إلى جانبه. وبلغ رسول الله جمع أبي طالب وهو في بيت عند الصفا، فأتى أبا طالب وهو في المسجد، فلما رآه أبو طالب أخذ بيده ثم قال: يا معشر قريش، فقدت محمداً فظننت أن بعظكم أغتاله فأمرت كل فتى شهد من بني هاشم أن يخذ حديدةً ويجلس كل واحد منهم إلى عظيم منكم، فإذا قلت: أبغي محمداً قتل كل واحد منهم الرجل الذي إلى جنبه، فاكشفوا عما في أيديكما يا بني هاشم فكشف بنو هاشم عما في أيديهم فنظرت قريش إلى ذلك فعندها هابت قريش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أنشأ أبو طالب:
ألا أبلغ قريشاً حيث حلت |
وكل سرائر منها غرور |
____________
(١) راجع الطرائف لسيدنا ابن طاووس: ص ٨٥ (ص ٣٠٣ ح ٣٨٩). (المؤلف)
فإني والضوابــح عاديات(١) |
وما تتلو السفاســرة الشهور |
|
لآل محمد راعٍ حــــــفيظ |
وود الصدر منــي والضمير |
|
فلست بقاطع رحمـــي وولدي |
ولو جرت مظالمهــا الجزور |
|
أيأمر جمعهـــــم أبناء فهر |
بقتل محمد والأمــــر زور |
|
فلا وأبيك لا ظفرت قـــريش |
ولا أمت رشاداً إذ تشيــــر |
|
بني أخي ونوط القلب منـــي |
وأبيض ماؤه غـدق كثيــر |
|
ويشرب بعده الولدان ريــــاً |
وأحمد قد تضمنــه القبــور |
|
أيا بن الأنف أنف بني قصي(٣) |
كأن جبينك القمــر المنيــر |
لفت نظر: قال شيخنا العلامة المجلسي في البحار(٤) (٩ / ٣١): روى جامع الديوان - يعني ديوان أبي طالب - نحو هذا الخبر مرسلاً ثم ذكر الأشعار هكذا…
فذكر الأشعار وفيها زيادة عشرين بيتاً على ما ذكر، وهي لا توجد في الديوان المطبوع لسيدنا أبي طالب.
لفظ ثالث:
وقال السيد فخار بن معد في كتابه الحجة(٥) (ص ٦١): وأخبرني الشيخ الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد ابن الجوزي المحدث البغدادي - وكان ممن يرى كفر أبي طالب ويعتقده - بواسط العراق سنة إحدى وتسعين وخمسمائة بإسناد له إلى الواقدي،
____________
(١) في تاج العروس: ٣ / ٢٧٢: فإني والسوابح كل يوم. وفي ص ٣٢٠: فإني والضوابح كل يوم. (المؤلف)
(٢) السفاسرة: أصحاب الأسفار وهي الكتب. الشهور: العلماء جمع الشهر. كذا فسر البيت كما في تاج العروس: ٣ / ٢٧٢ن ٣٢٠. (المؤلف)
(٣) الأنف: السيد. (المؤلف)
(٤) بحار الأنوار: ٣٥: ١٤٩ ح ٨٥.
(٥) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ٢٥٤.
قال: كان أبو طالب بن عبد المطلب لا يغيب صباح النبي ولا مساءه، ويحرسه من أعدائه ويخاف أن يغتالوه فلما كان ذات يوم فقده فلم يره وجاء المساء فلم يره وأصبح الصباح فطلبه في مظانه فلم يجده فلزم أحشاءه وقال: واولداه، وجمع عبيده ومن يلزمه في نفسه فقال لهم: إن محمداً قد فقدته في أمسنا ويومنا هذا ولا أظن إلا أن قريشاً قد اغتالته وكادته وقد بقي هذا الوجه ما جئته، وبعيد أن يكون فيه واختار من عبيده عشرين رجلاً، فقال: امضوا وأعدوا سكاكين وليمض كل رجل منكم وليجلس إلى جنب سيد من سادات قريش، فان أتيت ومحمد معي فلا تحدثن أمراً وكونوا على رسلكم حتى أقف عليكم، وإن جئت وما محمد معي فليضرب كل منكم الرجل الذي إلى جانبه من سادات قريش. فمضوا وشحذوا سكاكينهم حتى رضوها، ومضى أبو طالب في الوجه الذي أراده ومعه رهطه من قومه فوجده في أسفل مكة قائماً يصلى إلى جنب صخرة فوقع عليه وقبله وأخذ بيده وقال: يا بن أخ قد كدت أن تأتي على قومك، سر معي، فأخذ بيده وجاء إلى المسجد وقريش في ناديهم جلوس عند الكعبة، فلما رأوه قد جاء ويده في يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: هذا أبو طالب قد جاءكم بمحمد إن له لشأناً، فلما وقف عليهم والغضب في وجهه قال لعبيده: أبرزوا ما في أيديكم فأبرز كل واحد منهم ما في يده. فلما رأوا السكاكين قالوا: ما هذا يا أبا طالب؟ قال: ما ترون؛ إني طلبت محمداً فلم أره منذ يومين فخفت أن تكونوا كدتموه ببعض شأنكم، فأمرت هؤلاء أن يجلسوا حيث ترون وقلت لهم: إن جئت وليس محمد معي فليضرب كل منكم صاحبه الذي إلى جنبه ولا يستأذني فيه، ولو كان هاشمياً، فقالوا: وهل كنت فاعلاً؟ فقال: أي ورب هذه وأومى إلى الكعبة، فقال له المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف وكان من أحلافه: لقد كدت تأتي على قومك؟ قال هو ذلك. ومضى به وهو يقول:
إذهب بني فما عليك غضاضة |
إذهب وقر بذاك منك عيونا |
والله لن يصلوا إليك بجمعهـم |
حتى أوسد في التراب دفينا |
|
ودعوتني وعملت أنك ناصحي |
ولقد صدقت وكنت قبل أمينا |
|
وذكرت ديناً لا محالــة أنه |
من خير أديان البرية دينـا(١) |
فرجعت قريش على أبي طالب بالعتب والاستعطاف وهو لا يحفل بهم ولا يلتفت إليهم.
قال الأميني: هذا شيخ الأبطح يروقه أن يضحي كل قومه دون نبي الإسلام وقد تأهب لأن يطأ القوميات كلها والأواصر المتشجة بينه وبين قريش بأخمص الدين، فحياها الله من عاطفة إلهية، وآصرة دينية هي فوق أواصر الرحم.
٦ - أبو طالب في بدء الدعوة:
لما نزلت: (وأنذر عشيرتك الأقربين)(٢) . خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصعد على الصفا فهتف: يا صباحاه. فاجتمعوا إليه، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح الجبل أكنتم مصدقي؟" قالوا: نعم ما جربنا عليك كذباً. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب: تباً لك، أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم أحضر قومه في داره، فبادره وقال: هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع الصبأة(٣) واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأن أحق من أخذك فحبسك بنو أبيك، وإن أقمت ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن ينب لك بطون قريش، وتمدهم العرب، فما رأيت أحداً جاء على بني أبيه بشر مما جئتهم به. فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يتكلم.
____________
(١) راجع ما اسلفناه: ص ٣٣٤. (المؤلف)
(٢) مر حديثها في الجزء الثاني: ص ٢٧٨. (المؤلف)
(٣) الصبأ: الخروج من دين إلى دين آخر. (المؤلف)
ثن دعاهم ثانية وقال: «الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له. ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إل هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنما الجنة أبداً والنار أبداً».
فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون وإنما أنا أحدهم غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت به، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب(١) .
قال الأميني: لم يكن دين عبد المطلب سلام الله عليه إلا دين التوحيد والإيمان بالله ورسله وكتبه غير مشوب بشيء من الوثنية، وهو الذي كان يقول في وصياه: إنه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه وتصيبه عقوبة. إلى أن هلك ظلوم لم تصبه عقوبة. فقيل له في ذلك، ففكر في ذلك، فقال: والله إن وراء هذه الدار داراً يجزى فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء باساته، وهو الذي قال لأبرهة: إن لهذ البيت رباً يدب عنه ويحفظه، وقال وقد صعد ابا قبيس:
لاهــم إن المرء يمـ |
ـنع حله فامنع حلالك |
|
لا يغلبـــن صليبهم |
ومحالهم عدوا محـالك |
|
فأنصر على آل الصليـ |
ـب وعابديه اليوم آلك |
|
إن كنت تاركهم وكعـ |
ـبتنا فمر مـا بدا لك(٢) |
____________
(١) الكامل لابن الأثير: ٢ / ٢٤ (١ / ٤٨٦). (المؤلف)
(٢) الملل والنحل للشهرستاني هامش الفصل: ٣ / ٢٢٤ ( ٢ / ٢٤٩)، الدرج المنيفة للسيوطي: ص ١٥ مسالك الحنفاء: ص ٣٧. (المؤلف)
ويعرب عن تقدمه في الإيمان الخالص والتوحيد الصحيح انتماء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليه ومباهاته به يوم حنين بقوله:
أنـا النبـــــي لا كـذب |
أنا ابـن عبـــد المطلب(١) |
وقد أجاد الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في قوله:
تنقل أحمد نوراً عظيمـاً تلالا |
فــــي جباه السـاجدينا |
|
تقلب فيهــــم قرنـاً فقرناً |
إلى أن جاء خيـر المرسلينا |
وهذا هو الذي أراده أبو طالب - سلام الله عليه - بقوله: نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب. وهو صريح بقية كلامه، وقد أراد بهذا السياق التعمية عل الحضور لئلا يناصبوه العداء بمفارقتهم، وهذا السياق من الكلام من سنن العرب في محوراتهم، قد يريدون به التعمية، وقد يراد به التأكيد للمعنى المقصود كقول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم |
بهن فلول من قراع الكتائب |
ولو لم يكن لسيدنا أبي طلب إلا موقفه هذا لكفى بمفرده في إيمانه الثابت، وإسلامه القويم، وثباته في المبدأ.
قال ابن الثير(٣) : فقال أبو لهب: هذه والله السوء(٤) ، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا. وفي السيرة الحلبية(٥) (١ / ٣٠٤): إن الدعوة كانت في دار أبي طالب.
____________
(١) طبقات ابن سعد طبع مصر رقم التسلسل ص ٦٦٥ ( ٢ / ١٥١)، تاريخ الطبري: (٣ / ٧٦ حوادث سنة ٨هـ). (المؤلف)
(٢) مسالك الحنفاء للسيوطي: ص ٤٠، الدرج المنيفة ص ١٤. (المؤلف)
(٣) الكامل في التاريخ: ١ / ٤٨٧.
(٤) في المصدر: السوأة.
(٥) السيرة الحلبية: ١ / ٢٨٥.
قال عقيل بن أبي طالب: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا وفي كعبتنا وفي ديارنا ويسمعنا ما نكره، فإن رأيت أن تكفه عنا فافعل. فقال لي: يا عقيل التمس لي أبن عمك. فأخرجته من كبس(١) من كباس أبي طالب. فجاء يمشي معي يطلب الفيء يطأ فيه لا يقدر عليه، حتى انتهى الى أبي طالب فقال: يا بن أخي والله لقد كنت لي مطيعاً جاء قومك يزعمون أنك تأتيهم في كعبتهم وفي ناديهم فتؤذيهم وتسمعهم ما يكرهون، فإن رأيت أن تكف عنهم. فحلق بصره إلى السماء وقال: والله ما أنا بقادر أن أرد ما بعثني به ربي، ولو أن يشعل أحدهم من هذه الشمس نارً. فقال أبو طالب: والله ما كذب قط، فارجعوا راشدين.
قال الأميني: هكذا أخرجه البخاري في تاريخه(٢) بإسناد رجاله كلهم ثقات، وبهذا اللفظ ذكره المحب الطبري في ذخائر العقبى (ص ٢٢٣). غير أن ابن كثير لما رأى لكلمة: راشدين. قيمة في إيمان بي طالب حذفها في تاريخه(٣) (٣ / ٤٢). حيا الله الأمانة!
وأخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى(٤) (١ / ١٧١) حديث الدعوة عن علي وفيه: «ثم قال لهم صلى الله عليه وآله وسلم: من يؤازرني على ما أنا عليه ويجيبني على أن يكون أخي وله الجنة؟ فقلت: أنا يا رسول الله، وإني لأحدثهم سناً، وأحمشهم ساقاً. وسكت القوم، ثم قالوا: يا أبا طالب الا ترى ابنك؟ قال: دعوه فلن يألو(٥) ابن عمه خيرا».
وروى أبو عمرو الزاهد الطبري عن تغلب عن ابن الأعرابي انه قال في لغة - العور - إنه الردي من كل شيء قال: ومن العور ما في رواية ابن عباس. ثم ذكر
____________
(١) الكبس: البيت الصغير. (٢) التاريخ الكبير: ٧ / ٥٠ رقم ٢٣٠. (٣) البداية والنهاية: ٣ / ٥٥. (٤) الطبقات الكبرى: ١ / ١٨٧. (٥) يألو: يقصر. ( المؤلف ).
حديث علي عليه السلام بطوله إلى أن قال: قال «فلما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتكلم اعترضه أبو لهب، فتكلم بكلمات وقال: قوموا. فقاموا وانصرفوا. قال: فلما كان من الغد أمرني فصنعت مثل ذلك الطعام والشراب ودعوتهم فأقبلوا ودخلوا فأكلوا وشربوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليتكلم فاعترضه أبو لهب فقال له ابو طالب: اسكت يا أعور ما أنت وهذا؟ ثم قال: لا يقومن أحد. قال: فجلسوا ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: قم يا سيدي فتكلم بما تحب وبلغ رسالة ربك فإنك الصادق المصدق».
وإلى هذا الحديث وكلمة أبي طالب - اسكت يا أعور ما أنت وهذا؟ - وقع الإيعاز في النهاية لابن الأثير(١) (٣ / ١٥٦), والفائق للزمخشري(٢) (٢ / ٩٨) نقلاً عن ابن الأعرابي، وفي لسان العرب(٣) (٦ / ٢٩٤)، تاج العروس (٣ / ٤٢٨).
قال الأميني: اي كافر طاهر هذا سلام الله عليه وهو يدافع عن الإسلام المقدس بكل حوله وطوله، ويسلق رجال قومه بلسان حديد، ويحض النبي الأعظم على الدعوة وتبليغ رسالته عن ربه، ويراه الصادق المصدق؟.
قال ابن إسحاق: ذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفياً من أبيه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فاذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثم إن با طالب عثر عليهما يوماً وهما يصليان، فقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا بن أخي ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: «اي عم هذا
____________
(١) النهاية: ٣ / ٣١٩.
(٢) الفائق: ٣ / ٣٧.
(٣) لسان العرب: ٩ / ٤٦٩.
دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم».
وذكروا أنه قال لعلي: اي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال: «يا أبت آمنت بالله وبرسول الله وصدقته بما جاء به، وصليت معه لله واتبعته» فزعموا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير، فالزمه. وفي لفظ عن علي: إنه لما أسلم قال له أبو طالب: إلزم ابن عمك. سيرة ابن هشام (١ / ٢٦٥)، تاريخ الطبري (٢ / ٢١٤)، تفسير الثعلبي، عيون الأثر (١ / ٩٤) الإصابة (٤ / ١١٦)، أسنى المطالب (ص ١٠)(١) .
وفي شرح ابن أبي الحديد(٢) ( ٣ / ٣١٤): روي عن علي قال: قال أبي: يا بني إلزم ابن عمك فإنك تسلم به من كل بأس عاجل وآجل. ثم قال لي:
إن الوثيقة في لـزوم محمدٍ |
فاشدد بصحبته على أيديكا |
فقال: ومن شعره المناسب لهذا قوله:
إن عليـــا ً وجعفراً ثقتي |
عند ملـم الزمـان والنوب |
|
لا تخذلا وانصرا ابن عمكما |
أخي لأمي مـن بينهم وأبي |
|
والله لا أخـــذل النبي ولا |
يخذله من بنـي ذو حسب |
وهذه الأبيات الثلاثة توجد في ديوان أبي طالب(٣) أيضاً (ص ٣٦) وذكرها العسكري كتاب الأوائل(٤) قال: إن أبا طالب مر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جعفر فرأى
____________
(١) السيرة النبوية: ١ / ٢٦٣، تاريخ الأمم والملوك: ٢ / ٣١٣، عيون الأثر: ١ / ١٢٥، أسنى المطالب: ص ١٧.
(٢) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧٥ كتاب ٩.
(٣) ديوان أبي طالب: ص ٩٤ - ٩٥.
(٤) الأوائل: ص ٧٥.
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي وعلي معه، فقال لجعفر: يا بني صل جناح ابن عمك. فقام إلى جنب علي، فأحس النبي فتقدمهما، وأقبلوا على أمرهم حتى فرغوا، فانصرف أبو طالب مسروراً وأنشأ يقول:
إن علياً وجعفـراً ثقتي |
عـــن ملم الزمان والنوب |
وذكر أبياتاً يذكرها ابن أبي الحديد ومنها:
نحن وهذا النبي ننصره |
نضرب عنه الأعداء كالشهب |
وأخرج أبو بكر الشيرازي في تفسيره: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أنزل عليه الوحي أتى المسجد الحرام وقام يصلي فيه، فاجتاز به علي عليه السلام وكان ابن تسع سنين فناداه: يا علي إلي أقبل. فأقبل إليه ملبياً فقال له النبي: «إني رسول الله إليك خاصة وإلى الخلق عامة فقف عن يميني وصل معي». فقال: «يا رسول الله حتى أمضي وأستأذن أبا طالب والدي»؛ فقل له: «اذهب فإنه سيأذن لك»، فانطلق إليه يستأذنه في اتباعه، فقال: يا ولدي تعلم ان محمداً أمين الله منذ كان، إمض إليه وأتبعه ترشد وتفلح. فأتى علي عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي في المسجد، فقام عن يمينه يصلي معه، فاجتاز أبو طالب بهما وهما يصليان فقال: يا محمد ما تصنع؟ قال: «أعبد إله السموات والأرض ومعي أخي علي يعبد ما أعبد وأنا ادعوك إلى عبادة الواحد القهار» فضحك أبو طالب حتى بدت نواجده وأنشأ يقول:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم |
حتى أغيب في التراب دفينا |
إلى آخر الأبيات التي أسلفناها (ص ٣٣٤).
أخرج ابن الأثير: أن أبا طالب رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلياً يصليان وعلي على
يمينه، فقال لجعفر رضي الله تعالى عنه: صل جناح ابن عمك، وصل عن يساره، وكان إسلام جعفر بعد إسلام أخيه علي بقليل. وقال أبو طالب:
فصبراً أبا يعلى علـى دين أحمد |
وكن مظهراً للدين وفقت صابرا |
|
وحط من أتى بالحق من عند ربه |
بصدق وعزم لا تكن حمز كافرا |
|
فقد سرنـــي إذ قلت إنك مؤمن |
فكن لرسول الله فـي الله ناصرا |
|
وباد قريشاً بالذي قــــد أتيته |
جهاراً وقل ما كان أحمد ساحرا |
أسد الغابة(١) ( ١ / ٢٨٧)، شرح ابن أبي الحديد(٢) (٣ / ٣١٥)، الإصابة (٤ / ١١٦)، السيرة الحلبية(٣) (١ / ٢٨٦)، أسنى المطالب(٤) (ص ٦) وقال: قال البرزنجي: تواترت الأخبار أن أبا طالب كان يحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويحوطه وينصره ويعينه على تبليغ دينه ويصدقه فيما يقوله؛ ويأمر أولاده كجعفر وعلى باتباعه ونصرته.
وقال في (ص١٠): قال البرزنجي: هذه الأخبار كلها صريحة في أن قلبه طافح وممتلئ بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قال أبو جعفر محمد بن حبيب رحمه الله في أماليه: كان أبو طالب إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحيناً يبكي وبقول: إذا رأيته ذكرت أخي، وكان عبد الله أخاه لابويه، وكان شديد الحب والحنو عليه، وكذلك كان عبد المطلب شديد الحب له، وكان أبو طالب كثيراً ما يخاف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البيات إذا عرف مضجعه، فكان يقيمه ليلاً من
____________
(١) أسد الغابة: ١ / ٣٤١ رقم ٧٥٩.
(٢) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧٦ كتاب ٩.
(٣) السيرة الحلبية: ١ / ٢٦٩.
(٤) أسنى المطالب: ص ١٠ و ١٧.
منامه ويضجع ابنه علياً مكانه، فقال له علي ليلة: «يا أبت إني مقتول»، فقال له:
أصبرن يا بنــي فالصبر أحجى |
كل حــي مصيره لشعـــوب |
|
قــــــد بذلناك والبلاء شديد |
لفــداء لحبيب وأبـن الــحبيب |
|
لفداء الأغـــر ذي الحسب الثا |
قب والباع والكريــم الــنجيب |
|
إن تصبك المنون فالنبل تبرى(١) |
فمصيب منهــا وغيــر مصيب |
|
كل حــي وإن تملى بعمر(٢) |
آخذ مــن مــذاقهــا بنصيب |
فأجاب علي بقوله:
أتأمرني بالصبر في نصر أحمد |
ووالله ما قلت الذي قلت جازعـا |
|
ولكنني أحببت أن ترى نصرتي |
وتعلم أني لــم أزل لك طائعـا |
|
سأسعى لوجه الله في نصر أحمد |
نبي الهدى المحمود طفلاً و يافعـا |
وذكره ابن أبي الحديد(٣) نقلاً عن الأمالي (٣ / ٣١٠) وهناك تصحيف في البيت الثاني والثالث من أبيات أبي طالب صححناه من طبقات السيد على خان الناقل عن شرح ابن أبي الحديد المخطوط، وذكر القصة أبو علي الموضح العمري العلوي كما في كتابه الحجة(٤) (ص ٦٩).
قل الأميني: إن القرابة والرحم تبعثان إلى المحاماة إلى حد محدود، لكنه إذا بلغت حد التضحية بولد كأمير المؤمنين هو أحب العالمين إلى والده، فهناك يقف التفاني
____________
(١) في بعض المصادر: تترى ( المؤلف ).
(٢) في المصادر مخطوطة عتيقة: كل حي وإن تطاول عمرا. ( المؤلف )
(٣) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٦٤ كتاب ٩.
(٤) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ٢٧٥.
على موقفه، فلا يستسهل الوالد أن يعرض ابنه على القتل كل ليلة فينيمه على فراش المفدى، ويستعوض منه ابن أخية، إلا أن يكون مندفعاً إلى ذلك بدافع ديني وهو معنى اعتناق أبي طالب للدين الحنيف، وهو الذي الذي تعطيه المحاورة الشعرية بين الوالد والولد فترى الولد يصارح بالنبوة، فلا ينكر عليه الوالد بأن هذا التهالك ليس إلا بدافع قومي، غير فاتر عن حض ابنه على ما يبتغيه من النصرة ولا متثبط عن النهوض بها. فسلام الله على والد وما ولد.
قال القرطبي في تفسيره(١) (ص ٤٠٦): روى أهل السير قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج إلى الكعبة يوماً وأراد أن يصلي، فلما دخل في الصلاة قال أبو جهل لعنه الله: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلته؟ فقام ابن الزبعرى فأخذ فرثاً ودماً فلطخ به وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فانفتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صلاته، ثم أتى أبا طالب عمه فقال: «يا عم ألا ترى إلى ما فعل بي؟» فقال أبو طالب: من فعل هذا بك؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «عبد الله بن الزبعرى». فقام أبو طالب ووضع سيفه على عاتقة ومشى معه حتى أتى القوم، فلما رأوا أبا طالب قد أقبل جعل القوم ينهضون؛ فقال أبو طالب: والله لئن قام رجل لجللته بسيفي فقعدوا حتى دنا إليهم، فقال: يا بني من الفاعل بك هذا؟ فقال: «عبد الله بن الزبعرى»؛ فأخذ أبو أبو طالب فرثاً ودماً فلطخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم، وأساء لهم القول.
حديث موقف أبي طالب هذا يوجد في غير واحد من كتب القوم وقد لعبت به أيدي الهوى، وسنوقفك إن شاء الله على حق القول فيه تحت عنوان: أبو طالب في الذكر الحكيم(٢) .
____________
(١) الجامع لأحكام القرآن: ٦ / ٢١٦.
(٢) الغدير: ٨ / ١١ - ٣٦.
قال أبن إسحاق: لما بادى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قومه بالإسلام، وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه، فيما بلغني، حتى ذكر آلهتهم وعابها. فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته، إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون، وحدب(١) على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أمر الله مظهراً لأمره، لا يرده عنه شيء.
وقال: إن قريشاً حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: يابن اخي إن قومك جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، قال: فظن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نه قد بدا لعمه فيه بداء، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر أو يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته». قال: ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يا بن أخي. قال: فاقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إذهب يا بن أخي فقل ماأحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبداً.
ثم إن قريشاً حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له: يا با ابا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولداً فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك، هذا الذي قد خالفك دينك ودين آبائك
____________
(١) حدب: عطف عليه ومنع له. (المؤلف)
وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنم هو رجل برجل، قال: والله لبئس ما تسومونني؛ أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدا. قال: فقال المطعم بن عدي بن نوفل: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً، فقال أبو طالب لمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك أو كما قال.
قال: فحقب الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضهم بعضاً، فقال أبو طالب عند ذلك يعرض بالمطعم بن عدي ويعم من خذله من عبد مناف ومن عاداه من قبائل قريش؛ ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم:
ألا قـــل لعمرو والوليد ومطعمٍ |
ألا ليت حظي من حياطتكم بكـــر(١) |
|
من الخــور حبحاب كثير رغاؤه |
يرش على الساقين من بوله قطــر(٢) |
|
تخلف خلف الــورد ليس بلاحق |
إذا ما عل الفيفاء قيل لــــه وبر(٣) |
|
أرى أخــــوينا من أبينا وأمنا |
إذا سئلا قالا إلــى غيرنا الأمــر |
|
بلـــى لهما أمر ولكن تجرجما |
كما جرجمت من رأس ذي علق صخر(٤) |
|
أخص خصوصاً عبد شمس ونوفلاً |
هما نبذانا مثل مــا ينبذ الجمـــر |
|
همـــا أغمزا للقوم في أخويهما |
فقد أصبحا منهم أكفهمـــا صفــر |
|
همـا اشركا في المجد من لا ابالة |
من الناس إلا ان يرش له ذكــــره(٥) |
____________
(١) البكر: الفتي من الإبل. (المؤلف)
(٢) الخور جمع أخور: الضعيف. حبحاب بالمهملتين: القصير. ويروى بالجيمين المعجمتين: الكثير الكلام. ويروى بالخاء المعجمة ومعناه: الضعيف. (المؤلف)
(٣) الفيفاء: الأرض القفر. وبر: دويبة على قدر الهرة. (المؤلف)
(٤) تجرجما: سقطا وانحدرا، يقال: تجرجم الشيء إذا سقط. ذو علق: جبل في ديار بني أسد. (المؤلف)
(٥) يرس له ذكر ذكراً خفيفاً. رس الحديث: حدث به في خفاء. (المؤلف)
وتيم ومخزوم وزهرة منهم |
وكانوا لنا مولـى إذا بني النصر(١) |
|
فــوالله لا تنفك منا عداوة |
ولا منهم ما كـان من نسلنا شفر(٢) |
|
فقد سفهت أحلامهم وعقولهم |
وكانوا كجفرٍ بئس ما صنعت جفر |
قال ابن هشام: تركنا منها بيتين أقذع فيهما.
قال الأميني: حذف أبن هشام منها ثلاثة أبيات لا تخفى على أي أحد غايته الوحيدة فيه، وإن الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره، ألا وهي:
وما ذاك إلا سؤدد خصنا بـه |
إله العباد واصطفانا لـه الفخر |
|
رجال تمالوا حاسدين وبغضة |
لأهل العلـــى فبينهم أبداً وتر |
|
وليد أبوه كان عبداً لجدنــا |
إلى علجةٍ زرقاء جال بها السحر |
يريد به الوليد بن المغيرة وكان من المستهزئين بالنبي الأعظم ومن الذين مشوا إلى أبي طالب عليه السلام في أمر النبي صلى لله عليه وآله وسلم وقد نزل قوله تعالى:( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ) (٣) وكان يسمى: الوحيد في قومه(٤) .
ثم قام أبو طالب - حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون - في بني هاشم وبني المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والقيام دونه فاجتمعوا إليه وقاموا معه، وأجابوه ما دعاهم، إليه، إلا ما كان من أبي لهب عدو الله الملعون.
فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره في جهدهم معه وحدبهم عليه؛ جعل يمدحهم ويذكر قديمهم؛ ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم، ومكانه منهم، ليشد لهم
____________
(١) في سيرة ابن هشام: ١ / ٢٨٧: إذ بغي النصر.
(٢) شفر. أحد. يقال: ما بالدار شفر، أي ما بها أحد. (المؤلف)
(٣) المدثر: ١١.
(٤) الروض الأنف: ١ / ١٧٣ (٣ / ٦٢)، تفسير البيضاوي: ٢ / ٥٦٢ ( ٢ / ٥٤٢)، الكشاف: ٣ / ٢٣٠ (٤ / ٦٤٧)، تاريخ ابن كثير: ٤ / ٤٤٣ (٣ / ٧٨) تفسير الخازن: ٤ / ٣٤٥ (٤ / ٣٢٨). (المؤلف)
رأيهم، وليحدبوا معه على أمره؛ فقال:
إذا اجتمعت يوماً قريش لمفخر |
فعبد منافٍ سرها وصميمهــــا(١) |
|
فإن حصلت أشراف عبد منافها |
ففي هاشم أشرافهـــا وقديمهـا |
|
وإن فخرت يوماً فـإن محمداً |
هو المصطفى من سرهـا وكريمها |
|
تداعت قريش غثهـا وسمينها |
علينا فلم تظفر وطاشت حلــومها(٢) |
|
وكنا قديماً لا نقـــر ظلامةً |
إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمهــا(٣) |
|
ونحمي حماها كل يوم كريهةٍ |
ونضرب عن أحجارها من يرومها |
|
بنا انتعش العـود الذواء وإنما |
بأكنافنا تندى وتنمى أرومهــــا(٤) |
سيرة ابن هشام (١ / ٢٧٥ - ٢٨٣)، طبقات ابن سعد (١ / ١٨٦)، تاريخ الطبري (٢ / ٢١٨)، ديوان أبي طالب (ص ٢٤)، الروض الأنف (١ / ١٧١، ١٧٢)، شرح ابن أبي الحديد (٣ / ٣٠٦)، تاريخ ابن كثير (٢ / ١٢٦، ٢٥٨، و ٣ / ٤٢، ٤٨، ٤٩)، عيون الأثر (١ / ٩٩، ١٠٠)، تاريخ أي الفداء (١ / ١١٧)، السيرة الحلبية (١ / ٣٠٦، أسنى المطالب (ص ١٥) فقال: هذه الابيات من غرر مدائح أبي طالب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الدالة على تصديقه اياه، طلبة الطالب (ص ٥ - ٩)(٥) .
____________
(١) سرها وصميمها: خالصها وكريمها. قال: فلان من سر قومه. أي: من خيارهم ولبابهم وأشرافهم. (المؤلف)
(٢) طاشت حلومها: ذهبت عقولها. (المؤلف)
(٣) ثنوا: عطفوا. صعر جمع أصعر: المائل. يقال: صعر خده. أي أماله الى جهة كما يفعل المتكبر. (المؤلف)
(٤) انتعش: ظهرت فيه الخضرة. الذواء: اليابس. الأكناف: النواحي. الأرومة: الأصل. (المؤلف)
(٥) السيرة النبوية: ١ / ٢٨٢ - ٢٨٨، الطبقات الكبرى: ١ / ٢٠٢، تاريخ الأمم والملوك: ٢ / ٣٢٢ - ٣٢٨، ديوان أبي طالب: ص ٧٢، الروض الأنف: ٣ / ٤٨ن ٦٠، شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٥٣ - ٥٥ كتاب ٩، البداية والنهاية: ٢ / ١٤٨، ٣١٧، ج ٣ / ٥٦، ٦٤، ٦٥، عيون الأثر: ١ / ١٣١ - ١٣٣، السيرة الحلبية: ١ / ٢٨٧، أسنى المطالب: ص ٢٨.
اجتمع قريش وتشاوروا أن يكتبوا كتاباً تعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب أن لا ينكحوا إليهم ولا يبيعوا منهم شيئاً ولا يتبايعوا، ولا يقبلوا منهم صلحاً أبداًَ، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للقتل، ويخلوا بينهم وبينه، وكتبوه في صحيفة بخط منصور بن عكرمة، أو بخط بغيض بن عامر، أو بخط النضر ابن الحرث، أو بخط هشام بن عمرو، أو بخط طلحة بن أبي طلحة، أو بخط منصور ابن عبد، وعلقوا منها صحيفة في الكعبة هلال المحرم سنة سبع من النبوة، وكان اجتماعهم بخيف بني كنانة وهو المحصب، فانحاز بنو هشام وبنو المطلب إلى أبي طالب ودخلوا معه في الشعب إلا أبا لهب فكان مع قريش، فأقاموا على ذلك سنتين وقيل ثلاث سنين، وإنهم جهدوا في الشعب حتى كانوا يأكلون الخبط(١) وورق الشجر.
قال ابن كثير: كان أبو طاب مدة إقامتهم بالشعب يأمره صلى الله عليه وآله وسلم فيأتي فراشه كل ليلة حتى يراه من أراد به شراً وغائلة، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوانه أو بني عمه أن يضطجع على فراش المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ويأمر هو أن يأتي بغض فرشهم فيرقد عليها.
ثم إن الله تعالى أوحى إلى النبي صلى الله علية وآله وسلم أن الأرضة أكلت جميع ما في الصحيفة من القطيعة والظلم فلم تدع سوى اسم الله فقط، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمه أبا طالب بذلك، فقال: يا بن أخي أربك أخبرك بهذا؟ قال: «نعم». قال: والثواقب ما كذبتني قط. فانطلق في عصابة من بني هاشم والمطلب حتى أتوا لمسجد، فأنكر قريش ذلك، وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال أبو طالب:
____________
(١) الخبط: الورق المتساقط من الشجر.
يا معشر قريش جرت بيننا وبينكم أمور لم تذكر في صحيفتكم، فأتوا بها، لعل أن يكون بينننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا فيها قبل أن يأتوا بها فأتوا بها وهم لا يشكون أن أبا طالب يدفع إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فوضعوها بينهم وقبل أن تفتح قالوا لأبي طالب: قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا وعلى أنفسكم، فقال: أتيتكم في أمر هو نصف بيننا وبينكم، إن ابن أخي أخبرني - ولم يكذبني - أن الله قد بعث على صحيفتكم دابة فلم تترك فيها إلا اسم الله فقط، فإن كان كما يقول فأفيقوا عما أنتم عليه، فوالله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا. ون كان باطلاً دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم! فقالوا: رضينا. ففتحوها فوجدوها كما قال صلى الله عليه وآله وسلم. فقالوا: هذا سحر ابن أخيك وزادهم ذلك بغياً وعدوانا.
وإن أبا طالب قال لهم بعد أن وجدوا الأمر كما أخبر به صلى الله عليه وآله وسلم: علام نحصر ونحبس وقد بان الأمر وتبين أنكم أولى بالظلم والقطيعة؟ ودخل هو ومن معه بين أستار الكعبة وقال: اللهم انصرنا على من ظلمنا، وقطع أرحامنا، وساتحل ما يحرم عليه منا.
وعند ذلك مشت طائفة من قريش في نقض تلك الصحيفة فقال ابو طالب:
ألا هل أتى بحرينا(١) صنع ربنا |
على نأيهم والله بــالناس أرود(٢) |
|
فيخبرهــم أن الصحيفة مزقت |
وأن كل ما لم يرضـه الله مفسد |
|
تراوحهـــا إفك وسحر مجمع |
ولم يلف سحر آخر الدهر يصعد |
|
تداعى لها مــن ليس فيا بقرقر |
فطائرها في رأسهـــا يتردد(٣) |
____________
(١) يريد به من كان هاجر من المسلمين إلى الحبشة في البحر. (المؤلف)
(٢) أرود: أرفق. (المؤلف)
(٣) القرقر: اللين السهل. وقال السهيلي: من ليس فيها بقرقر: أي ليس بذليل وطائرها: أي حظها من الشؤم والشر، وفي التنزيل( أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) الإسراء: ١٣. (المؤلف)
وكانت كفـــاءً وقعــــة بأثيمةٍ |
ليقطع منهـــا ساعـــد ومقلد |
|
ويظعن أهـــــل المكتين فيهربوا |
فرائصهم مــن خشية الشر ترعد |
|
ويترك حـــراك يقلب أمــــره |
أيتهم فيها عند ذاك و ينجــــد(١) |
|
وتصعد بيـــــن الاخشبين كتيبة |
لها حدج سهـــم وقوس ومرهد(٢) |
|
فمن ينش مـــن حضار مكة عزه |
فعرتنا فــي بطن مكـــة أتلد(٣) |
|
نشأنا بهـا والناس فيهــــا قلائل |
فلم تنفك نزداد خيراً و نحمـــد |
|
ونطعم حتـــى يترك الناس فضلهم |
إذا جعلت أيدي المفيضين تـرعد(٤) |
|
جزى الله رهطاً بالحجون تتابعوا(٥) |
على ملأ يهدي لحزم ويـــرشد |
|
قعوداً لدى خطم الحجـــون كأنهم |
مقاولة(٦) بل هم أعز و أمجــد |
|
أعان عليها كـــل صقــر كأنه |
إذا ما مشى في رفرف الدرع أحرد(٧) |
|
ألا إن خير الناس نفســــاً ووالداً |
إذا عد سادات البرية أحمــــد |
|
نبـــي الإلـــه والكريم بأصله |
وأخلاقـه وهـــو الرشيد المؤيد |
|
جريء علــى جلى الخطوب كأنه |
شهاب بكفــــــي قابس يتوقد(٨) |
____________
(١) الحراث: المكتسب. يتهم: يأتي تهامة. ينجد: يأتي نجداً. (المؤلف)
(٢) الأخشبان: جبلان بمكة. المرهد: الرمح للين. (المؤلف)
(٣) ينش: أي ينشأ بحذف الهمزة على غير قياس. أتلد: أقدم. (المؤلف)
(٤) المفيضين: الضاربون بقداح الميسر. يريد سلام الله عليه: أنهم يطعمون إذا بجل الناس. (المؤلف)
(٥) في سيرة ابن هشام: تبايعوا. والمقصود بهم الأشخاص الذين سعوا في نقض الصحيفة التي تعاهدت فيها قريش على مقاطعة بني هاشم.
(٦) المقاولة: الملوك. (المؤلف)
(٧) رفرف الدرع: ما فضل منها. أحرد: بطيء المشي لثقل الدرع. (المؤلف)
(٨) وفي رواية:
حزيم على جل الأمور كأنه |
شهاب بكفي قابس يتوقد |
(المؤلف)
مــن الأكرمين من لؤي بن غالب |
إذا سيـــم خسفاً وجهـه يتربد(١) |
|
طويل النجاد(٢) خارج نصف ساقه |
علــى وجهه يسقى الغمام ويسعد |
|
عظيـــم الرمــاد سيد ابن سيد |
يحض على مقرى الضيوف ويحشد |
|
ويبني لأبناء العشيرة صالحـــاً |
إذا نحن طفنا فــي البلاد ويمهـد |
|
ألظ(٣) بهذا الصلـــح كل مبراً |
عظيم اللواء أمــره ثــم يحمد |
|
قضوا ما قضوا في ليلهم ثم اصبحوا |
على مهل وسائــر الناس رقـد |
|
هـم رجعوا سهل بن بيضاء راضياً |
وسر أبو بكـر بهـــا ومحمد(٤) |
|
متــى شرك الأقوام في جل أمرنا |
وكنا قديمــــا ً قبلهــا نتودد |
|
وكنـــا قديمــا ً لا نقر ظلامةً |
وندرك مــــا شئنا ولا نتشدد |
|
فيال قصي هــل لكم في نفوسكم |
وهل لكم فيها يجــــيء به غد |
|
فأني وإياكــــم كما قـل قائل |
لديك البيان لو تكلمت أســــود(٥) |
طبقات ابن سعد (١ / ١٧٣، ١٩٢)، سيرة ابن هشام ٥١ / ٣٩٩ - ٤٠٤)، عيون الاخبار لابن قتيبة (٢ / ١٥١)، تاريخ اليعقوبي (٢ / ٢٢)، الاستيعاب ترجمة سهل بن بيضاء (٢ / ٥٧٠)، صفة الصفوة ( ١ / ٣٥ )، الروض الانف ( ١ / ٣٣١ ) خزانة الأدب للبغدادي (١ / ٢٥٢)، تاريخ ابن كثير (٣ / ٨٤، ٩٥ / ٩٧)، عيون الأثر (١ / ١٢٧)،
____________
(١) سيم - بالبناء للمجهول -: كلف. الخسف: الذل. يتربد: يتغير إلى السواد. (المؤلف)
(٢) النجاد: حمائل السيف. (المؤلف)
(٣) ألظ: ألح ولزم. (المؤلف)
(٤) ذكر الشطر الثاني في الديوان هكذا: وسر إمام العالمين محمد. وسهل بن بيضاء صحابي أسلم بمكة وأخفى إسلامه، وهو الذي مشى الى النفر الذين قاموا في شأن الصحيفة، حتى اجتمع له منهم عدة تبرروا منها وأنكروها.
(٥) أسود: جبل، قتل فيه قتيل فلم يعرف قاتله، فقال أولياء المقتول: لديك البيان لو تكلمت أسود. فذهب مثلاً. توجد في ديوان أبي طالب (ص ٤٦ و ٩٦) أبيات من هذه القصيدة غير ما ذكر لم نجدها في غيره. (المؤلف)
الخصائص الكبرى (١ / ١٥١)، ديوان ابي طالب ( ص١٣)، السيرة الحلبية (١ / ٣٥٧ - ٣٦٧)، سيرة زيني دحلان هامش الحلبية (١ / ٢٨٦ - ٢٩٠)، طلبة الطالب (ص ٩، ١٥، ٤٤)، أسنى المطالب (ص ١١ - ١٣)(١) .
وذكر ابن الأثير قصة الصحيفة في الكامل(٢) (٢ / ٣٦) فقال: قال أبو طالب في أمر الصحيفة وأكل الأرضة ما فيها من ظلم وقطيعة رحمٍ أبياتاً، منها:
وقد كان في أمر الصحيفة عبرة |
متى ما يخبر غائب القوم يعجب |
|
محـا الله منها كفرهم وعقوقهم |
وما نقموا من ناطق الحق معرب |
|
فأصبح ما قالوا من الأمر باطلاً |
ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب |
عن الكلبي قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال: يا معشر قريش أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب، فيكم السيد المطاع، وفيكم المقدام الشجاع، الواسع الباع، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيباً إلا أحرزتموه، ولا شرفاً إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، والناس لكم حرب وعلى حربكم إلب، وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية - يعني الكعبة - فإن فيها مرضاة للرب، وقواماً للمعاش، وثباتاً للوطأة، صلوا أرحامكم ولا تقطعوها فإن صلة الرحم منسأة في الأجل، وزيادة في العدد، واتركوا
____________
(١) الطبقات الكبرى: ١ / ١٨٨، ٢٠٨، السيرة النبوية: ٢ / ١٤ - ١٩، تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٣١، الاستيعاب: القسم الثاني / ٦٦٠ رقم ١٠٨٠، صفة لصفوة: ١ / ٩٨ رقم ١، الروض الأنف: ٣ / ٣٤١، خزانة الأدب: ٢ / ٥٧، البداية والنهاية: ٣ / ١٠٦، ١٢١، ١٢٢، عيون الأثر: ١ / ١٦٥،الخصائص الكبرى: ٢٤٩١، ديوان أبي طالب: ٤٥ - ٤٦، السيرة الحلبية ١ / ٣٣٧ - ٣٤٥، السيرة النبوية: ١ / ١٣٧، أسنى المطالب: ص ١٩ - ٢٢.
(٢) الكامل في التاريخ: ١ / ٥٠٤ - ٥٠٧.
البغي والعقوق ففيها هلكة القرون قبلكم، أجيبوا الداعي، وأعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة والممات، وعليكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة، فإن فيهما محبة في الخاص، ومكرمة في العام.
وإني أوصيكم بمحمد خيراً فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاءنا بأمر قبله الجنان، وأنكره اللسان مخافة الشنآن، وأيم الله كأني أنظر الى صعاليك العرب وأهل الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، وصارت رؤساء قريش وصناديدها أذناباً، ودورها خراباً، وضعفاؤها أرباباً، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأصفت له فؤادها، وأعطته قيادها، دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم، كونوا له ولاةً ولخزبه حماةً، والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة، وفي اجلي تأخير، لكففت عنه الهزاهز، ولدافعت عنه الدواهي.
الروض الأنف (١ / ٢٥٩)، المواهب (١ / ٧٢)، تاريخ الخميس (١ / ٣٣٩)، ثمرات الأوراق هامش المستطرف (٢ / ٩)، بلوغ الإرب (١ / ٣٢٧)، السيرة الحلبية (١ / ٣٧٥) السيرة لزيني دحلان هامش الحلبية (١ / ٩٣)، أسنى المطالب (ص ٥)(١) .
قل الأميني: في هذه الوصية الطافحة بالإيمان والرشاد دلالة واضحة على أنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما أرجأ تصديقه باللسان إلى هذه الآونة التي يئس فيها من الحياة حذرا شنآن قومه المستتبع لانثياله عنه، المؤدي إلى ضعف المنة(٢) وتفكك القوى، فلا يتسنى له حينئذ الذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن الإيمان به مستقراً في الجنان من
____________
(١) الروض الأنف: ٤ / ٣٠، المواهب اللدنية: ١ / ٢٦٥، تاريخ الخميس: ١ / ٣٠٠، ثمرات الأوراق: ص ٢٩٤، السيرة الحلبية: ١ / ٣٥٢، السيرة النبوية: ١ / ٤٥، أسنى المطالب: ص ١١.
(٢) المنة: القوة.
أول يومه، لكنه لما شعر بأزوف الأجل وفوات الغاية المذكورة أبدى ما أجنته أضالعه(١) فأوصى بالنبي صلى الله علية وآله وسلم بوصيته الخالدة.
أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى(٢) : أن أبا طالب حضرته الوفاة دعا بني عبد المطلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد، وما اتبعتم أمره، فاتبعوه وعينوه ترشدوا.
وفي لفظ: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمداً وصدقوه تفلحوا وترشدوا.
وتوجد هذه الوصية(٣) في تذكرة السبط (ص ٥)، الخصائص الكبرى (١ / ٨٧)، السيرة الحلبية (١ / ٣٧٢، ٣٧٥)، سيرة زيني دحلان هامش الحلبية (١ / ٩٢، ٢٩٣)، أسنى المطالب (ص ١٠). و رأى البرزنجي هذا الحديث دليلاً على إيمان أبي طالب ونعما هو، قال: قلت: جدا أن يعرف أن الرشاد في اتباعه ويأمر غيره بذلك ثم يتركه هو.
قال الأميني: ليس في العقل السليم مساغ للقول بأن هذه المواقف كلها لم تنبعث عن خضوع أبي طالب للدين الحنيف وتصديقه للصادع به صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا فماذا الذي كان يجدوه إلى مخاشنة قريش ومقاساة الأذى منهم وتعكير الصفو من حياته لا سيما أيام كان هو والصفوة من فئته في الشعب، فلا حياة هنيئة، ولا عيش رغداً، ولا أمن يطمأن به، ولا خطر مدروءاً، يتحمل الجفاء والقطيعة والقسوة المؤلمة من قومه، فماذا
____________
(١) أجنه: أخفاء وستره.
(٢) الطبقات الكبرى: ١ / ١٢٣.
(٣) تذكرة الخواص: ص ٨، الخصائص الكبرى: ١ / ١٤٧، السيرة الحلبية: ١ / ٣٥٢، السيرة النبوية: ١ / ٤٥ و ١٤٠، أسنى المطالب: ص ١٧.
الذي أقدمه على هذه كلها؟ وماذا الذي حصره وحبسه في الشعب عدة سنين تجاه أمر لا يقول بصدقه ولا يخبت إلى حقيقته؟ لاها الله لم يكن كل ذلك إلا عن إيمان ثابت، وتصديق وتسليم وإعان بما جاء به نبي الإسلام، يظهر ذلك للقارئ المستشف لجزئيات كل من هذه القصص، ولم تكن القرابة والقومية بمفردها تدعوه إلى مقاساة تلكم المشاق كما لم تدع أبا لهب أخاه، وهب أن القرابة تدعوه الى الذب عنه صلى الله عليه وآله وسلم لكنها لا تدعوا إلى المصارحة بتصديقه وأن ما جاء به حق، وأنه نبي كموسى خط في أول الكتب، وأن من اقتص اثره فهو المهتدي، وأن الضال من ازور عنه وتخلف، إلى أمثل ذلك من مصارحات قالها بملء فمه، ودعا إليه صلى الله عليه وآله وسلم فيها بأعلى هتافه.
ذكر ابن حجر في الإصابة (٤ / ١١٦) من طريق إسحاق بن عيسى الهاشمي عن أبي رافع قال: سمعت أبا طالب يقول: سمعت ابن أخي محمد بن عبد الله يقول: إن ربه بعثه بصلة الأرحام وأن يعبد الله وحده ولا يعبد معه غيره ومحمد الصدوق الأمين.
وذكره السيد زيني دحلان في أسنى المطالب(١) (ص ٦) وقال: أخرجه الخطيب، وأخرجه السيد فخار بن معد في كتاب الحجة(٢) ( ص ٢٦) من طريق الحافظ أبي نعيم الإصبهاني، وبإسناد آخر من طريق أبي الفرج الاصبهاني، وروى الشيخ إبراهيم الحنبلي في نهاية الطلب عن عروة الثقفي قال: سمعت أبا طالب رضي الله عنه يقول: حدثني بن أخي الصادق الأمين وكان والله صدوقاً: إن ربه أرسله بصلة الأرحام، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وكان يقول: اشكر ترزق، ولا تكفر تعذب.
____________
(١) أسنى المطالب: ص ١٥.
(٢) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ١٣٥.
- ٣ -
ما يروي عنه آله وذووه من طرق العامة فحسب
أما رجال آل هاشم، وأبناء عبد المطلب، وولد أبي طالب، فلم يؤثر عنهم إلا الهتاف بايمانه الثابت، وأن ما كان يؤثره في نصرة النبي الأقدس صلى الله عليه وآله وسلم كان منبعثاً عن تدين بما صدع به صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت أدرى بما فيه.
قال ابن الأثير في جامع الأصول: وما أسلم من أعمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير حمزة والعباس وأبي طالب عند أهل البيت عليهم السلام. انتهى.
نعم: هتفوا بذلك في أجيالهم وأدوارهم بملء الأفواه وبكل صراحة وجبهوا من خالفهم في ذلك.
إذا قالت حذام فصدقوها |
فإن القول ما قالت حذام |
١ - قال ابن أبي الحديد في شرحه(١) (٣ / ٣١٢): روي بأسانيد كثيرة بعضها عن العباس بن عبد المطلب وبعضها عن أبي بكر بن أبي قحافة: إن أبا طالب ما مات حتى قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. والخبر مشهور أن أبا طالب عند الموت قال كلاماً خفياً، فأصغى إليه أخوه العباس(٢) ، وروي عن علي عليه السلام أنه قال: «ما مات
____________
(١) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧١ كتاب ٩.
(٢) راجع سيرة بن هشام: ٢ / ٢٧ (٢ / ٥٩)، دلائل النبوة للبيهقي (٢ / ٣٤٦)، تاريخ ابن كثير: ٣ / ١٢٣ (٣ / ١٥٢)، عيون الأثر لأبن سيد الناس: ١ / ١٣١ (١ / ١٧٣)، الإصابة: ٤ / ١١٦ (رقم ٦٨٥)، المواهب اللدنية: ١ / ٧١ (١ / ٢٦٢)، السيرة الحلبية: ١ / ٣٧٢ (١ / ٣٥٠)، السيرة الدحلانية هامش الحلبية: ١ / ٨٩ (السيرة النبوية: ١ / ٤٤)، أسنى المطالب: ص ٢٠ (ص ٣٥). (المؤلف)
أبو طالب حتى أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من نفسه الرضا".
وذكر أبو الفداء والشعراني عن ابن عباس: أن أبا طلب لما أشتد مرضه قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عم قلها استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة يعني الشهادة، فقال له أبو طالب: يا بن أخي لولا مخافة السبة وأن تظن قريش إنما قلتها جزعاً من الموت لقلتها. فلما تقارب من أبي طالب الموت جعل يحرك شفتيه فأصغى إلية العباس بإذنه وقال: والله يا بن أخي لقد قال الكلمة التي أمرته أن يقولها. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحمد لله الذي هداك يا عم(١) .
وقال السيد أحمد زيني دحلان في السيرة الحلبية(٢) (١ / ٩٤): نقل الشيخ السحيمي في شرحه على شرح جوهرة التوحيد عن الإمام الشعراني والسبكي وجماعة أن ذلك الحديث - أعني حديث العباس - ثبت عند بعض أهل الكشف وصح عندهم سلامه.
قال الأميني: ذكرنا هذا الحديث مجاراة للقوم وإلا فما كانت حاجة أبي طالب مسيسة عند الموت إلى التلفظ بتينك الكلمتين اللتين كرس حياته الثمينة للهتاف بمفادهما في شعره ونشره، والدعوة إليهما، والذب عمن صدع بهما، ومعاناة الأ هوال دونهما حتى يومه الأخير. ما كانت حاجة أبي طالب مسيسة عندئذ إلى التفوه بها كأمر مستجد، فمتى كفر هو؟ ومتى ضل؟ حتى يؤمن ويهتدي بهما، أليس من الشهادة قوله الذي أسلفناه (ص ٣٣١).
ليعلم خير الناس أن محمداً |
وزير لموسى والمسيح ابن مريم |
|
أتانا بهـدي مثل ما أتيا به |
فكل بأمـر الله يهدي ويعصـم |
|
وإنكــم تتلونه في كتابكم |
بصدق حديثٍ لا حـديث مبرجم |
____________
(١) تاريخ أبي الفداء: ١ / ١٢٠، كشف للشعراني: ٢ / ١٤٤. (المؤلف)
(٢) السيرة النبوية: ١ / ٤٦.
وقوله في (ص ٣٣٢):
أمين حبيب في العباد مســوم |
بخاتم رب قاهر في الخـواتــم |
|
نبي أتاه الوحي من عند ربــه |
ومـن قال لا يقرع بها سن نـادم |
وقوله في (ص ٣٣٢):
ألــم تعلموا أنا وجدنا محمداً |
رسولاً كموسى خط في أول الكتب |
وقوله في (ص٣٣٤):
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة |
وابشر بذاك وقـر منك عيـونا |
|
ودعـوتني وعلمت أنك ناصحي |
ولقد دعـوت وكنت ثــم أمينا |
|
ولقــد علمت بأن ديــن محمد |
من خيـر أديان البريـــة دينا |
وقوله في (ص ٣٣٥):
أو تــؤمنوا بكتاب منزل عجب |
على نبي كموسى أو كذي النون |
وقوله في (ص ٣٣٧):
نصرت الـرسول رسول المليك |
ببيض تلألأ كلمع البـــروق |
|
أذب وأحمــي رســـول الله |
حمايــــة حام عليه شفيق |
وقوله في (ص ٣٤٠):
فأيده رب العباد بنصـــره |
وأظهر ديناً حقه غيــر باطل |
وقوله في ص ( ٣٥٦ ):
والله لا أخــذل لنبـــي ولا |
يخذله من بنـــي ذو حسب |
|
نــحـن وهذا النبـي ننصره |
نضرب عنـه الأعداء بالشهب |
وقوله في (ص ٣٤٥):
أتبغون قتلاً للنبـــــي محمد |
خصصتم علـى شؤم بطول أثام |
وقوله في (ص ٣٥٧):
فصبراً أبا يعلى علـى دين أحمد |
وكن مظهراً للدين وفقت صابرا |
|
وحط من أتى بالحق من عند ربه |
بصدق وعزم لا تكن حمز كافرا |
|
فقد سرني إذ قلت إنك مــؤمن |
فكن لرسول الله في الله ناصـرا |
وقوله وقد رواه أبو الفرج الأصبهاني:
زعمت قريش أن أحمد ساحــر |
كذبوا ورب الراقصات إلى الحرم(١) |
|
ما زلت أعرفه بصدق حديثــه |
وهو الأمين على الحرائب والحرم |
وقوله المروي من طريق أبي الفرج الإصبهاني كما في كتاب الحجة(٢) (ص ٧٢) ومن طريق الحسن بن محمد بن جرير كما في تفسير أبي الفتوح(٣) (٤ / ٢١٢).
قل لمن كان من كنانة فـي العز |
وأهل الندى وأهـــل المعالي |
|
قد أتاكم مـــن المليك رسول |
فاقبلوه بصالح الأعمــــال |
|
وانصروا أحمداً فــإن من اللـ |
ـه رداءً عليه غيـــر مدال |
وقوله من أبيات في شرح ابن أبي الحديد(٤) (٣ / ٣١٥):
____________
(١) أراد بالراقصات إلى الحر الإبل الراكضات. رقص الجمل إذا ركض. (المؤلف)
(٢) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ٢٨١.
(٣) تفسير أبي الفتوح: ٨ / ٤٧٣.
(٤) شرح نهج البلاغة: ٤ / ٧٨ كتاب ٩.
فخير بني هاشم أحمد |
رسول الإله على فترة(١) |
ولو كان يؤثر أقل من هذا عن أحد من الصحابة لطبل له، وزمر من يتشبث بالطحلب في سرد الفضائل لبعضهم مغالاةً فيهم، لكني أجد إسلام أبي طالب مستعصياً فهمه على هؤلاء ولو صرخ بألف هتاف من ضرائب هذه. لماذا؟ أنا لا أدري!
٢ - أخرج ابن سعد في طبقاته(٢) (١ / ١٠٥) عن عبيد الله بن بي رافع عن علي قال: أخبرت رسول الله صلى لله عليه وآله وسلم بموت أبي طالب، فبكى ثم قال: اذهب فاغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه.
وفي لفظ الواقدي: فبكى بكاءً شديداً ثم قال: اذهب فاغسله. إلخ. وأخرجه(٣) ابن عساكر كما في أسنى المطالب (ص ٢١)، والبيهقي في دلائل النبوة، وذكره سبط ابن الجوزي في التذكرة (ص ٦) وابن أبي الحديد في شرحه (٣ / ٣١٤)، والحلبي في السيرة (١ / ٣٧٣)، والسيد زيني دحلان في هامش السيرة الحلبية (١ / ٩٠)، والبرزنجي في نجاة أبي طالب وصححه كما في أسنى المطالب (ص ٣٥) وقال: أخرجه أيضاً أبو داود، وابن الجارود، وابن خزيمة وقال: إنما ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم المشي في جنازته أتقاءً من شر سفهاء قريش. وعدم صلاته لعدم مشروعية صلاة الجنازة يومئذٍ.
____________
(١) اشار إلى قوله تعالى: ( قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ ) { المائدة: ١٩} وتوجد الأبيات في كتاب الحجة للسيد فخار: ص ٧٤ {ص ٢٨٣}. (المؤلف)
(٢) الطبقات الكبرى: ١ / ١٢٣.
(٣) مختصر تاريخ مدينة دمشق: ٢٩ / ٣٢ أسنى المطالب: ص ٣٨، دلائل النبوة: ٢ / ٣٤٨، تذكرة الخواص: ص ٨، شرح نهج البلاغة ١٤ / ٧٦ كتاب ٩، السيرة الحلبية: ١ / ٣٥١، السيرة النبوية: ١ / ٤٤، أسنى المطالب: ص ٦٢.
عن السلمي وغيره: توفي أبو طالب للنصف من شوال في السنة العاشرة من حين نبئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ وتوفيت خديجة بعده بشهر وخمسة ايام فاجتمع على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها وعلى عمه حزن شديد حتى سمي ذلك العام عام الحزن.
طبقات ابن سعد (١ / ١٠٦)، الامتاع للمقريزي (ص ٢٧)، تاريخ ابن كثير (٣ / ١٣٤)، السيرة الحلبية (١ / ٣٧٣)، السيرة لزيني دحلان هامش الحلبية (١ / ٢٩١)، أسنى المطالب (ص ١١)(١) .
لفت نظر: عين ابن سعد لوفاة بي طالب يوم النصف من شوال كما سمعت، وقال أبو الفداء في تاريخه (١ / ١٢٠) توفي في شوال، وأوعز القسطلاني في المواهب(٢) (١ / ٧١) موته في شوال إلى لقيل، وقال المقريزي في الإمتاع (ص ٢٧): توفي أول ذي القعدة وقيل: النصف من شوال، وقال الزرقاني في شرح المواهب (١ / ٢٩١): مات بعد خروجهم من الشعب في ثامن عشر رمضان سنة عشر، وفي الاستيعاب: خرجوا من الشعب في أول سنة خمسين وتوفي أبو طالب بعده بستة أشهر فتكون وفاته في رجب. انتهى. وهذا الاختلاف موجود في تآليف الشيعة أيضاً.
٣ - أخرج البيهقي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاد من جنازة أبي طالب فقال: «وصلتك رحم، وجزيت خيراً يا عم» وفي لفظ الخطيب: عارض النبي جنازة أبي طالب فقال: «وصلتك رحم، جزاك الله خيراً يا عم».
دلائل النبوة للبيهقي، تاريخ الخطيب البغدادي (١٣ / ١٩٦)، تاريخ ابن كثير
____________
(١) الطبقات الكبرى: ١ / ١٢٥، البداية والنهاية: ٣ / ١٥٦، السيرة الحلبية: ١ / ٣٤٦، السيرة النبوية: ١ / ١٣٩، أسنى المطالب: ص ١٤، ٢٠.
(٢) المواهب اللدنية: ١ / ٢٦٢.
(٣ / ١٢٥)، تذكرة السبط (ص ٦)، نهاية الطلب للشيخ إبراهيم الحنفي كما في الطرائف (ص ٨٦)، الإصابة (٤ / ١١٦)، شرح شواهد المغني (ص ١٣٦)(١) .
وقال اليعقوبي في تاريخه(٢) (٢ / ٢٦): لما قيل لرسول الله: إن أبا طالب قد مات عظم ذلك في قبله واشتد له جزعه، ثم دخل فمسح جبينه الأيمن أربع مرات وجبينه الأيسر ثلاث مرات، ثم قال: «يا عم ربيت صغيرا، وكفلت يتيماً، ونصرت كبيراً، فجزاك الله عني خيراً، ومشى بين يدي سريره وجعل يعرضه ويقول: وصلتك رحم، وجزيت خيراً».
٤ - عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث قال: قال العباس: يا رسول الله أترجو لأبي طالب؟ قال: «كل الخير أرجو من ربي».
أخرجه ابن سعد في الطبقات(٣) (١ / ١٠٦) بسند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الصحاح وهم: عفان بن مسلم، وحماد بن سلمة، وثابت البنائي(٤) ، وإسحاق ابن عبد الله.
وأخرجه ابن عساكر(٥) كما في الخصائص الكبرى(٦) (١ / ٨٧)، والفقيه الحنفي
____________
(١) دلائل النبوة ٢ / ٣٤٩، البداية والنهاية: ٣ / ١٥٥، تذكرة الخواص: ص ٨، الطرائف: ص ٣٠٥ ح ٣٩٣، شرح شواهد المغني: ١ / ٣٩٧ رقم ١٩٧.
(٢) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٣٥.
(٣) الطبقات الكبرى: ١ / ١٢٤.
(٤) في الخصائص الكبرى: البناني، كذا ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى: ٧ / ٢٣٢، والذهبي في سير أعلام النبلاء: ٥ / ٢٢٠، وفي تذكرة الحفاظ: ١ / ١٢٥.
(٥) مختصر تاريخ مدينة دمشق: ٢٩ / ٣٢.
(٦) الخصائص الكبرى: ١ / ١٤٧.
الشيخ إبراهيم الدينوري في نهاية الطلب كما في الطرائف(١) (ص ٦٨)، وذكره ابن أبي الحديد في شرحه(٢) (٣ / ٣١١)، والسيوطي في التعظيم والمنة (ص ٧) نقلاً عن ابن سعد.
٥ - وعن أنس بن مالك قال: أتى أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله لقد أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صبي يصطبح(٣) ، ثم أنشد:
أتيناك والعــذراء يدمي لبانها |
وقد شغلت أم الصبي عــن الطفل |
|
وألقــى بكفيه الصبي استكانةً |
من الجوع ضعفاً ما يمـرولا يحلي |
|
ولا شيء مما يأكل الناس عندنا |
سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل(٤) |
|
وليس لنا إلا إليك فـــرارنا |
وأين فرار الناس إلا إلــى الرسل |
فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجر رداءه حتى صعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «اللهم سقنا غيثاً مغيثاً سحاً طبقاً غير رائث، تنبت به الزرع وتملأ به الضرع، وتحيي به الأرض بعد موتها، وكذلك تخرجون».
فما استتم الدعاء حتى التقت السماء بروقها؛ فجاء أهل البطانة يضجون: يا رسول الله الغرق، فقال: «حوالينا ولا علينا». فانجاب السحاب عن المدينة كالإكليل، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه وقال: «لله در أبي طالب لو كان حياً لقرت عيناه، من الذي ينشدنا شعره؟ فقال علي بن أبي طالب كرم الله
____________
(١) الطرائف: ص ٣٠٥ ح ٣٩٤.
(٢) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٦٨ كتاب ٩.
(٣) أطت الإبل: أنت تعباً أو حنيناً. يصطبح: يشرب اللبن صباحاً.
(٤) العهز: وبر الإبل يخط بالدم ثم يشوى بالنار، وكان أهل الجاهلية يتخذونه طعاماً في سني المجاعة. الفسل: الحقير الذي لا قيمة له.
وجهه: يا رسول الله كأنك ردت قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه |
ثمال اليتامى عصمة للأرامل |
قال: أجل فأنشده أبياتاً من القصيدة ورسول الله يستغفر لأبي طالب على المنبر، ثم قام رجل من كنانة وانشد:
لك الحمـد والحمد ممن شكر |
سقينا بــوجه النبي المطر |
|
دعــــا الله خالقـه دعوةً |
وأشخص معهـا إليه البصر |
|
فلم يك إلا كإلقاء الــــردا |
وأسرع حتــى رأينا الدرر |
|
دفاق العزالي جـم البعاق(١) |
أغاث به الله عليا مضــر |
|
فكان كما قالــه عمـــه |
أبو طالب أبيض ذو(٢) غرر |
|
بـه الله يسقي صيوب الغمام |
وهذا العيان لذاك الخبــر |
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن يك شاعراً يحسن فقد حسنت».
أعلام النبوة للماوردي (ص ٧٧)؛ بدائع الصنائع (١ / ٢٨٣)، شرح ابن أبي الحديد (٣ / ٣١٦)، السيرة الحلبية، عمدة القاري (٣ / ٤٣٥)، شرح شواهد المغني للسيوطي (ص ١٣٦)، سيرة زيني دحلان (١ / ٨٧)، أسنى المطالب (ص ١٥)، طلبة الطالب (ص ٤٣)(٣) .
قال البرزنجي كما في أسنى المطالب: فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم «لله در أبي طالب»
____________
(١) راجع ص ٤ من الجزء الثاني من هذا اكتاب. (المؤلف)
(٢) كذا في المصدر بالواو وحقه النصب بالألف لأنه خبر (كان).
(٣) أعلام النبوة: ص ١٣٠، شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٨١ كتاب ٩، السيرة الحلبية: ١ / ١١٦، عمدة القاري: ٧ / ٣١، شرح شواهد المغني: ١ / ٣٩٨ رقم ١٩٧، السيرة النيوية: ١ / ٤٣، أسنى المطالب: ص ٢٦.
يشهد له بأنه لو رأى النبي وهو يستسقي على المنبر لسره ذلك، ولقرت عيناه، فهذا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم شهادة لأبي طالب بعد موته أنه كان يفرح بكلمات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقر عينه بها، وما ذلك إلا لسر وقر في قلبه من تصديقه بنبوته وعلمه بكمالاته. انتهى.
قال الأميني: وذكر جمع هذا الحديث في استسقاء النبي صلى الله عليه وأله وسلم وحذف منه كلمة: «لله در أبي طالب». وأنت أعرف مني بالغاية المتوخاة في هذا التحريف، ولا يفوتنا عرفانها.
٦ - قال ابن أبي الحديد في شرحه(١) (٣ / ٣١٦): ورد في السير والمغازي أن عتبة ابن ربيعة أو شيبة لما قطع رجل أبي عبيدة بن الحارث بن المطلب يوم بدر أشبل(٢) عليه علي وحمزة فاستنقذاه منه وخبطا عتبة بسيفهما حتى قتلاه، واحتملا صاحبهما من المعركة إلى العريش فألقياه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن مخ ساقه ليسيل، فقال: يا رسول الله لو كان أبو طالب حياً لعلم أنه قد صدق في قوله:
كذبتم وبيت الله نخلي محمداً |
ولما نطاعن دونه ونناضل |
|
وننصره حتى نصرع حوله |
ونذهل عن أبنائنا والحلائل |
فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استغفر له ولأبي طالب يومئذٍ.
٧ - عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعقيل بن أبي طالب: «يا أبا يزيد إني أحبك حبين حباً لقرابتك مني، وحباً لما كنت أعلم من حب عمي أبي طالب إياك».
____________
(١) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٨٠ كتاب ٩.
(٢) أشبل: عطف.
أخرجه(١) أبو عمر في الاستيعاب (٢ / ٥٠٩)، والبغوي، والطبراني كما في ذخائر العقبى (ص ٢٢٢)، وتاريخ الخميس (١ / ١٦٣)؛ وعماد الدين يحيى العامري في بهجة المحافل (١ / ٣٢٧)، وذكره ابن أبي الحديد في شرحه (٣ / ٣١٢) وقال: قالوا: اشتهر واستفاض هذا الحديث، والهيثمي في مجمع الزوائد (٩ / ٢٧٣) وقال: رجاله ثقات.
هذا شاهد صدق على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعتقد إيمان عمه، وإلا فما قيمة حب كافر لأي أحد حتى يكون سبباً لحبه صلى لله عليه وآله وسلم أولاده؟
وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا لعقيل كان بعد إسلامه كما نص عليه الامام العامري في بهجة المحافل وقال: وفيها إسلام عقيل بن أبي طالب الهاشمي، ولما أسلم قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا يزيد. إلى آخره.
وقل جمال الدين الاشخر اليمني في شرح البهجة عند شرح لحديث: ومن شأن المحب محبة حبيب الحبيب.
ألا تعجب من حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا طالب إن لم يك معتنقاً لدينه - العياذ بالله - ومن إعرابه عنه بعد وفاته. ومن حبه عقيلاً لحب أبيه إياه؟ ٨ - أخرج أبو نعيم(٢) وغيره عن ابن عباس وغيره قالوا: كان أبو طالب يحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم حباً شديداً لا يحب أولاده مثله، ويقدمه على أولاده؛ ولذا كان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرجه معه حين يخرج.
____________
(١) الاستيعاب: القسم الثالث / ١٠٧٨ رقم ١٨٣٤، المعجم الكبير: ١٧ / ١٩١ ح ٥١٠، شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٧٠ كتاب ٩.
(٢) دلائل النبوة: ١ / ٢٠٩ و ٢١٢.
ولما مات أبو طالب نالت قريش منه من الأذى ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه تراباً، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيته والتراب على رأسه؛ فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وتبكي ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لها: «يا بنية لا تبكي فإن الله مانع أباك، ما نالت مني قريش شياً أكرهه حتى مات أبو طالب»(١) .
وفي لفظ: «ما زالت قريش كاعين - أي جبناء - حتى مات أبو طالب».
وفي لفظ: «ما زالت قريش كاعة حتى مات أبو طالب»..
تاريخ الطبري (٢ / ٢٢٩)، تاريخ بن عساكر (١ / ٢٨٤)، مستدرك الحاكم (٢ / ٦٢٢)، تاريخ ابن كثير (٣ / ١٢٢، ١٣٤)، الصفوة لابن الجوزي (١ / ٢١)، الفائق للزمخشري (٢ / ٢١٣)، تاريخ الخميس (١ / ٢٥٣)، السيرة الحلبية (١ / ٣٧٥)، فتح الباري (٧ / ١٥٣، ١٥٤)، شرح شواهد المغني (ص ١٣٦) نقلاً عن البيهقي، أسنى المطالب (ص١١، ٢١)، طلبة الطالب (ص٤/٥٤).
٩ - عن عبد الله قال: لما نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر إلى القتلى وهم مصرعون قال لأبي بكر: «لو أن أبا طالب حي لعلم أن أسيافنا قد أخذت بالأماثل» يعني قول أبي طالب:
كذبتم وبيت الله إن جد ما أرى |
لتلتبس أسيافنـــــا بالأماثل |
____________
(١) تاريخ الأمم والملوك: ٢ / ٣٤٤، مختصر تاريخ دمشق: ٢٩ / ٣٣، المستدرك على الصحيحين: ٢ / ٦٧٩ ح ٤٢٤٣، البداية والنهالية: ٣ / ١٠٦ و ١٥١، صفة الصفوة ١ / ٦٦ و ١٠٥ رقم ١، الفائق: ٣ / ٢٩٠، السيرة الحلبية: ١ / ٣٥٣، فتح الباري: ٧ / ١٩٤، شرح شواهد المغني: ١ / ٣٩٧ رقم ١٩٧، دلائل النبوة: ٢ / ٣٥٠، أسنى المطالب: ص ١٩ و ٣٨.
الأغاني(١) (١٧ / ٢٨)، طلبة الطالب (ص ٣٨) نقلاً عن دلائل لإعجاز(٢) .
١٠ - أخرج الحافظ الكنجي في الكفاية(٣) (ص ٦٨): من طريق الحافظ ابن فنجويه عن ابن عباس في حديث مرفوعاً قال صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: لو كنت مستخلفاً أحداً لم يكن أحد أحق منك لقدمتك في الإسلام، وقرابتك من رسول الله، وصهرك وعندك فاطمة سيدة نساء المؤمنين وقبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب، أياي حين نزل القرآن وأنا حريص أن أرعى ذلك في ولده بعده.
قال الأميني: إن شيئاً من مضامين هذه الأحاديث لا يتفق مع كفر أبي طالب، فهو صلى الله عليه وآله وسلم لا يأمر خليفته الإمام عليه السلام بتكفين كافر ولا تغسيله، ولا يستغفر له ولا يترحم عليه، كما في الحديث الثاني، ولا يجزيه خيراً كما في الحديث الثالث، ولا يرجو له بعض الخير - فضلاً عن كله - كما في الحديث الرابع، ولا يستدر له الخير كما في حديث الاستسقاء، ولا يستغفر له كما في الحديث السادس، ولا يحب عقيلاً لحبه إياه؛ فإن الكفر يزع المسلم عن بعض هذه، فكيف بكلها فضلاً عن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم؟ وهو الصادع بقول الله العزيز:( لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) (٤) .
وقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ ) (٥) .
____________
(١) الأغاني: ١٨ / ٢١٤.
(٢) دلائل الإعجاز: ص ١٥.
(٣) كفاية الطالب: ص ١٦٦. وانظر الدر المنثور: ٨ / ٦٦١.
(٤) المجادلة: ٢٢.
(٥) الممتحنة: ١.
وقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (١) .
وقوله تعالى:( وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ) (٢) . إلى آيات أخرى.
أخرج تمام الرازي في فوائده؛ بإسناده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمي أبي طالب وأخ لي كان في الجاهلية».
ذخائر العقبى (ص ٧)، الدرج المنيفة للسيوطي (ص ٧)، مسالك الحنفا (ص١٤)، وقال فيه: أخرجه أبو نعيم وغيره وفيه التصريح بأن الأخ من الرضاعة، فالطرق عدة يشد بعضها بعضاً؛ فإن الحديث الضعيف يتقوى بكثرة طرقه، وأمثلها حديث ابن مسعود فإن الحاكم صححه.
وفي تاريخ اليعقوبي(٣) (٢ / ٢٦) روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إن الله عز وجل وعدني في أربعة: في أبي وأمي وعمي وأخ كان لي في الجاهلية».
أخرج ابن الجوزي بإسناده عن علي عليه السلام مرفوعاً: «هبط جبرئيل عليه السلام علي فقال: إن الله يقرئك السلام ويقول: حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك»، أما الصلب فعبد الله، وأما البطن فآمنة، وأما الحجر فعمه - يعني أبا طالب -
____________
(١) التوبة: ٢٣.
(٢) المائدة: ٨١.
(٣) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٣٥.
وفاطمة بنت أسد. التعظيم والمنة للحافظ السيوطي (ص ٢٥).
وفي شرح ابن أبي الحديد(١) (٣ / ٣١١): قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قال لي جبرائيل: إن الله مشفعك في ستة: بطن حملتك آمنة بنت وهب، وصلب أنزلك عبد الله ابن عبد المطلب، وحجر كفلك أبو طالب، وبيت آواك عبد المطلب، وأخ كان لك في الجاهلية» إلى آخره.
ذكر سبط ابن الجوزي في تذكرته(٢) (ص ٦): أن علياً عليه السلام قال في رثاء أبي طالب:
أبـــا طالب عصمة المستجير |
وغيث المحول و نـور الظلم |
|
لقـــد هـد فقدك أهل الحفاظ |
فصلــى عليك ولي النعــم |
|
ولقــــاك ربـــك رضوانه |
فقد كنت للطهر من خيرعــم |
هذه الأبيات توجد في ديوان أبي طالب أيضاً (ص ٣٦)، وذكر أبو علي الموضح كما في كتاب الحجة(٣) (ص ٢٤) للسيد فخار ابن معد المتوفى (٦٣٠)، وقال ابن أبي الحديد: قال أيضاً:
أرقت لطيـــر آخر الليل غردا |
يذكرنـي شجواً عظيماً مجددا |
|
أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى |
جواداً إذا ما أصدر الأمر أوردا |
|
فأمست قــريش يفرحون بموته |
ولست أرى حياً يكون مخلداً |
|
أرادوا أمـــوراً زينتها حلومهم |
ستوردهم يوماً من الغي موردا |
____________
(١) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٦٧ كتاب ٩.
(٢) تذكرة الخواص: ص ٩.
(٣) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ١٢٢.
يرجون تكذيب النبي و قتلـــه |
وأن يفترى قدما عليــه ويجحدا |
|
كذبتم وبيت الله حتــى نذيقكـم |
صدور العوالـي والحسام المهندا |
|
فإمـــا تبيدونا وإمــا نبيدكم |
وإما تــروا سلم العشيرة أرشدا |
|
وإلا فــإن الحــي دون محمدٍ |
بنــي هاشم خير البرية محتدا(١) |
هذه الأبيات توجد في الديوان المنسوب إلى مولانا أمير المؤمنين عليه السلام مع تغيير يسير وزيادة وإليك نصها:
أرقت لنــوح آخـر الليل غردا |
يذكــرني شجواً عظيماً مجدداً |
|
أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى |
وذا الحلم لا خلفاً ولـم يك قعددا |
|
أخا ملك خلـى ثلمـــةً سيدسها |
بنو هاشــم أو يستباح فيهمدا |
|
أرادت أموراً زينتهـــا حلومهم |
ستورهم يوماً من الغـي موردا |
|
يرجــون تكــذيب النبي وقتله |
وأن يفتروا بهتاً عليـه ويجحدا |
|
كذبتـــم وبيت الله حتى نذيقكم |
صدور العوالي والصفيح المهندا |
|
ويبدو منا منظــــرذو كريهةٍ |
إذا ما تسربلنا الحديد المسـردا |
|
فإما تبيدونـا وإمــــا نبيدكم |
وإما تروا سلم العشيرة أرشـدا |
|
وإلا فــإن الحـي دون محمدٍ |
بنو هاشم خير البريــة محتدا |
|
وإن له فيكم مــن الله ناصـراً |
ولست بلاقٍ صاحب الله أوحدا |
|
نبي أتى من كل وحــي بحظه |
فسماه ربي فـي الكتاب محمدا |
|
أغر كضوء البدر صورة وجهه |
جلا الغيم عنـه ضوؤه فتوقدا |
|
أمن علــى ما استودع الله قلبه |
وإن كان قولاً كـان فيه مسددا |
____________
(١) هذه الأبيات لم نعثر عليها في شرح ابن أبي الحديد، وهي موجودة بتمامها في تذكرة الخواص: ص ٩.
قال ابن أبي الحديد في شرحه(١) (٣ / ٣١٢): روي أن علي بن الحسين عليه السلام سئل عن هذا - يعني عن إيمان أبي طالب - فقال: «واعجبا إن الله تعالى نهى رسوله أن يقر مسلمة على نكاح كافر وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام ولم تزل تحت أبي طالب حتى مات».
سئل عليه السلام عما يقول الناس إن أبا طالب في ضحضاح من نار فقال: «لو وضع إيمان أبي طالب في كفة ميزان وإيمان هذا الخلق في الكفة لأخرى لرجح إيمانه» ثم قال: «ألم تعلموا أن أمير المؤمنين علياً عليه السلام كان يأمر أن يحج عن عبد الله وابنه(٢) وأبي طالب في حياته ثم أوصى في وصيته بالحج عنهم».
شرح ابن أبي الحديد(٣) (٣ / ٣١١).
روي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن أصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الكفر فآتاهم الله أجرهم مرتين، وإن أبا طالب أسر الإيمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرتين». شرح ابن أبي الحديد(٤) (٣ / ٣١٢).
قال الأميني: هذا الحديث أخرجه ثة الإسلام الكليني في أصول الكافي(٥)
____________
(١) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٦٩ و ٦٨ كتاب ٩.
(٢) كذا في الطبعة التي اعتمدها العلامة رحمه الله من شرح النهج، وفي الطبعة المحققة: وأبيه أبي طالب.
(٣) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٦٨ كتاب ٩.
(٤) المصدر لسابق: ١٤ / ٧٠ كتاب ٩.
(٥) أصول الكافي: ١ / ٤٤٨ ح ٢٨.
( ص ٢٤٤) عن الإمام الصادق غير مرفوع ولفظه: «إن مثل أبي طالب مثل اصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين».
وبلفظ بن أبي الحديد ذكره السيد ابن معد في كتابه الحج(١) (ص ٧) من طريق الحسين بن أحمد المالكي وزاد فيه: «وما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من الله تعالى بالجنة».
كتب أبان بن محمد إلى علي بن موسى الرضا عليه السلام: جعلت فداك إني قد شككت في إسلام أبي طالب.
فكتب إليه:( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) (٢)
. الآية، وبعدها «إنك إن لم تقر بإيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار» شرح ابن أبي الحديد(٣) ٣ / ٣١١.
إن كلاً من هذه العقود الذهبية بمفرده كافٍ في إثبات الغرض فكيف بمجموعها، ومن المقطوع به أن الأئمة من ولد أبي طالب عليه السلام أبصر الناس بحال أبيهم، وأنهم لم ينوهوا إلا بمحض الحقيقة، فإن العصمة فيهم رادعة عن غير ذلك، ولقد أجاد مفتي الشافعية بمكة المكرمة في أسنى امطالب، حيث قال(٤) في (ص ٣٣):
هذا المسلك الذي سلكه العلامة محمد بن رسول البرزنجي في نجاة أبي
____________
(١) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ٨٤.
(٢) النساء: ١١٥.
(٣) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٦٨ كتاب ٩.
(٤) أسنى المطالب: ص ٥٩ - ٦٠.
طالب لم يسبقه إليه أحد فجزاه الله أفضل الجزاء، ومسلكه هذا الذي سلكه يرتضيه كل من كان متصفاً بالإنصاف من أهل الإيمان، لأنه ليس فيه إبطال شيء من النصوص ولا تضعيف لها، وغاية ما فيه أنه حملها على معانٍ مستحسنة يزول بها الإشكال ويرتفع الجدال، ويحصل بذلك قرة عين النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والسلامة من الوقوع في تنقيص أبي طالب أو بغضه، فإن ذلك يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال الله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّـهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ) (١)
وقال تعالى:( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّـهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (٢) .
وقد ذكر الإمام أحمد بن الحسين الموصلي الحنفي المشهور بابن وحشي في شرحه على الكتاب المسمى بشهاب الأخبار للعلامة محمد بن سلامة القضاعي المتوفى (٤٥٤): أن بغض أبي طالب كفر. ونص على ذلك أيضاً من أئمة المالكية العلامة علي الأجهوري في فتاويه، والتلمساني في حاشيته على الشفاء، فقال عند ذكر أبي طالب: لا ينبغي أن يذكر إلا بحماية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه حماه ونصره بقوله وفعله، وفي ذكره بمكروه أذية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم كافر، والكافر يقتل، وقال أبو طاهر: من أبغض أبا طالب فهو كافر.
ومما يؤيد هذا التحقيق الذي حققه العلامة البرزنجي في نجاة أبي طالب أن كثيراً من العلماء المحققين وكثيراً من الأولياء العارفين ارباب الكشف قالوا بنجاة أبي طالب، منهم: القرطبي و السبكي والشعراني وخلائق كثيرون، وقالوا: هذا الذي نعتقده وندين الله به، وإن كان ثبوت ذلك عندهم بطريق غير الطريق الذي سلكه البرزنجي، فقد أتفق معهم على القول بنجاته، فقول هؤلاء الأئمة بنجاته أسلم للعبد عند الله تعالى لا سيما مع قيام هذه الدلائل والبراهين التي أثبتها العلامة البرزنجي. انتهى.
____________
(١) الأحزاب: ٥٧.
(٢) التوبة: ٦١.
وذكر السيد زيني دحلان في أسنى لمطالب(١) (ص ٤٣) قال: ولله در القائل:
قفا بمطلـــع سعــد عـز ناديه |
وأمليا شرح شوقي فـي مغانيــه |
|
واستقبلا مطلـع الأنوار في أفق الـ |
ـحجون واحتـرسـا أن تبهرا فيه |
|
مغنىً بـــه وابل ارضوان منهمر |
ونائرات الهدى دلت منـاديـــه |
|
قفافذا بلبل الأفراح مــــن طربٍ |
يروي بديع المعاني فــي أماليـه |
|
واستمليا لأحاديث العجائب عـــن |
بحرٍ هناك بديعٍ فـــي معانيـه |
|
حامي الذمار مجير الجار من كرمت |
منه السجابا فلــم يفخر مباريـه |
|
عـــم النبي الذي لــم يثنه حسد |
عن نصـره فتغالى في مراضيـه |
|
هو الذي لم يــزل حصناً لحضرته |
مـوفقاً لـــرسول الله يحميــه |
|
وكل خيــر تـــرجاه النبي له |
وهـو الذي قط مــا خابت أمانيه |
|
فيا من أم العلى فــي الخالدات غدا |
أغث للهفانــه واسعف مناديــه |
|
قد خصك الله بالمختــار تكلــؤه |
وتستعز به فخـراً وتــطريــه |
|
عنيت بالحب فــي طـه ففزت به |
ومن ينل حب طـه فهــو يكفيه |
|
كم شمت آيات صدقٍ يستضاء بهـا |
وتملأ القلب إيماناً و تـرويـــه |
|
من الذي فاز فـي الماضين أجمعهم |
بمثل ما فزت مـن طــه باريه |
|
كفلت خير الورى فــي يتمه شغفاً |
وبت بالـروح والأبناء تفديـــه |
|
عضدته حيــن عادتــه عشيرته |
وكنت حائطـه من بغــي شانيه |
|
نصرت من لم يشم الكون رائحة الـ |
ـوجود لو لـم يقدر كونــه فيه |
|
إن الـذي قمت فــي تأييد شوكته |
هو الذي لم يكـن شــيء يساويه |
|
إن الذي أنت قـــد أحييت طلعته |
حبيب من كل شـيء فــي أياديه |
|
لله درك مـــن قناص فــرصته |
مذ شمت برق الأمـاني من نواحيه |
____________
(١) أسنى المطالب: ٧٧ - ٧٩.
يهنيك فــوزك أن قدمت منك يداً |
إلى ملي وفــي في جوازيــه |
|
من يسد أحسن معروفٍ لأحسن من |
جاز ينل فـوق مــا نلت مانيه |
|
ومـن سعــى لسعيدٍ في مطالبه |
فهو الحري بأن تحظــى أماليه |
|
فيــا سعيد المساعي في متاجره |
قد جئت ربعك أستهمـي غواديه |
|
ستمطـراً منك مزن الخير معترفاً |
بأن غرس المنى يعنـى بصافيـه |
إلى آخره.
ثم قال(١) في (ص ٤٤) وقيل أيضاً:
إن القلوب لتبكي حين تسمـع ما |
أبدى أبو طالب في حق من عظما |
|
فإن يكن أجمع الأعــلام أن له |
نارً فلله كـل الكون يفعــل مـا(٢) |
|
أما إذا اختلفوا فالـرأي أن نردا |
موارداً يرتضيها عقــل من سلما |
|
نتابع المثبتي الإيمان مـن زمرٍ |
في معظم الدين تابعناهـــم فكما(٣) |
|
وهم عدول خيار فـي مقاصدهم |
فلا نقل إنهم لــن يبلغوا عظمـا |
|
لا تزدريهم أتدري من همو فهمو |
هموعرى الدين قد أضحوا به زعما |
|
هم السيوطي(٤) والسبكي مع نفرٍ |
كعدة النقبا حفاظٍ أهــل حمــى |
|
وأهل كشف وشعــرانيهم وكذا |
القرطبي والسحيمي الجميع كمــا(٥) |
____________
(١) أسنى المطالب: ص ٨١.
(٢) أي يفعل ما يشاء. (المؤلف)
(٣) أي كما تابعناهم في معظم الدين نتابعهم في هذا. (لمؤلف)
(٤) للسيوطي كتاب: بغية الطالب لإيمان أبي طالب وحسن خاتمته. توجد نسخته في مكتبة (قوله) بمصر ضمن مجموعة رقم ١٦، وهي بخط السيد محمود، فرغ من الكتابة: سنة ١١٠٥. راجع الذريعة لشيخنا الطهراني: ٢ / ٥١١. (المؤلف)
(٥) أي كما ترى في الوثاقة. (المؤلف)
- ٤ -
ما أسنده إليه من لاث به وبخع له
هؤلاء شيعة أهل البيت عليهم السلام لا يشك أحد منهم في إيمان أبي طالب عليه السلام ويرونه في أسمى مراقيه وعلى صهوته العليا آخذين ذلك يداً عن يد حتى ينتهي الدور إلى الصحابة منهم والتابعين لهم بإحسان، ومذعنين في ذلك بنصوص أئمتهم عليهم السلام بعد ما ثبت عن جدهم الأقدس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال المعلم الاكبر شيخنا المفيد في أوائل المقالات(١) (ص ٤٥): أتفقت الإمامية على ان آباء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من لدن آدم إلى عبد الله مؤمنون بالله عز وجل موحدون. إلى أن قال: وأجمعوا على أن عمه ابا طالب مات مؤمناً، وأن آمنة بنت وهب كانت على التوحيد إلخ.
وقال شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي في التبيان(٢) (٢ / ٣٩٨): عن أبي عبد الله وأبي جعفر عليه السلام أن أبا طالب كان مسلماً، وعليه إجماع الإمامية لا يختلفون فيه، ولها على ذلك أدلة قاطعة موجبة للعلم.
وقال شيخنا الطبرسي في مجمع البيان(٣) (٢ / ٢٨٧): قد ثبت إجماع أهل البيت على إيمان أبي طالب وإجماعهم حجة؛ لأنهم أحد الثقلين اللذين مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتمسك بهما بقوله: «إن تمسكتم بهما لن تضلوا».
وقال سيدنا ابن معد الفخار: لقد كان يكفينا من الاستدلال على إيمان أبي طالب عليه السلام إجماع أهل بيت رسول الله صلى الله هليه وآله وسلم وعليهم أجمعين وعلماء شيعتهم على إسلمه واتفاقهم على إيمانه، ولو لم يرد عنه من الأفعال التي لا يفعلها إلا المؤمنون،
____________
(١) أوائل المقالات: ص ٥١.
(٢) التبيان: ٨ / ١٦٤.
(٣) مجمع البيان: ٤ / ٤٤٤.
والأقوال التي لا يقولها إلا المسلمون، ما يشهد له بصحة الإسلام وتحقيق الإيمان، إذ كان إجماعهم حجة يعتمد عليها ودلالة يصمد ليها، كتاب الحجة(١) (ص ١٣).
وقال شيخنا الفتال في روضة الواعظين(٢) (ص ١٢٠): أعلم أن الطائفة المحقة قد أجمعت على أن أبا طالب، وعبد الله بن عبد المطلب، وآمنة بنت وهب، كانوا مؤمنين وإجماعهم حجة.
وقال سيدنا الحجة ابن طاووس في الطرائف(٣) (ص٨٤): إنني وجدت علماء هذه العترة مجمعين على إيمان أبي طالب. وقل(٤) في (ص ٨٧): لا ريب أن العترة أعرف بباطن أبي طالب من الأجانب، وشيعة أهل البيت عليهم السلام مجمعون على ذلك، ولهم فيه مصنفات، وما رأينا ولا سمعنا أن مسلماً أحوجوا فيه إلى مثل ما أحوجوا في إيمان أبي طالب، والذي نعرفه منهم أنهم يثبتون إيمان الكافر بأدنى سبب وبأدنى خبر واحد وبالتلويح، وقد بلغت عدواتهم لبني هاشم إلى إنكار ايمان أي طالب مع ثبوت ذلك عليه بالحجج الثواقب، إن هذا من جملة العجائب.
وقال ابن أبي الحديد في شرحه(٥) (٣ / ٣١١): اختلف الناس في إيمان أبي طالب؛ فقالت الإمامية وأكثر الزيدية: ما مات إلا مسلماً، وقال بعض شيوخنا المعتزلة بذلك؛ منهم الشيخ أبو القاسم البلخي وأبو جعفر الإسكافي وغيرهما.
وقال العلامة المجلسي في البحار(٦) (٩ / ٢٩): قد أجمعت الشيعة على إسلامه وأنه
____________
(١) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ٦٤.
(٢) روضة الواعظين: ١ / ١٣٨.
(٣) الطرائف: ص ٢٩٨.
(٤) المصدر السابق: ص ٣٠٦.
(٥) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٦٥ كتاب ٩.
(٦) بحار الأنوار: ٣٥ / ١٣٨ ح ٨٤.
قد آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في أول الأمر، ولم يعبد صنماً قط بل كان من أوصياء إبراهيم عليه السلام واشتهر إسلامه من مذهب الشيعة حتى إن المخالفين كلهم نسبوا ذلك إليهم وتواترت الأخبار من طرق الخاصة والعامة في ذلك، وصنف كثير من علمائنا ومحدثينا كتاباً مفرداً(١) في ذلك كما لا يخفى على من تتبع كتب الرجال.
ومستند هذا الإجماعات إنما هو ما جاء به رجالات بيت الوحي في سيد الأبطح، وإليك أربعون حديثاً:
١ - أخرج شيخنا أبو علي الفتال وغيره عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: «نزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: إني قد حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك. فالصلب صلب أبيه عبد الله بن عبد المطلب، والبطن الذي حملك آمنة بنت وهب، وأما حجر كفلك فحجر أبي طالب». وزاد في رواية: «وفاطمة بنت أسسد»(٢) . ورضة الواعظين(٣) (ص ١٢١).
راجع(٤) الكافي لثقة الإسلام الكليني (ص ٢٤٢)، معاني الأخبار للصدوق، كتاب الحجة للسيد فخار بن معد (ص ٨)، ورواه شيخنا المفسر الكبير أبو الفتوح الرازي في تفسيره
(٤ / ٢١٠) ولفظه: «إن الله عز وجل حرم على النار صلباً أنزلك، وبطناً حملك، وثديً أرضعك، وحجرا كفلك».
٢ - عن أمير المؤمنين قال: قال رسول الله صل الله عليه وآله وسلم: «هبط علي جبرئيل فقال لي: يا محمد إن الله عز وجل مشفعك في ستة: بطن حملتك آمنة بنت وهب، وصلب
____________
(١) ستوافيك عدة ممن أفرد لتأليف في إيمان أبي طالب عليه السلم. (المؤلف)
(٢) راجع ما سلفناه: ص ٣٧٨. (المؤلف)
(٣) روضة الواعظين: ١ / ١٣٩.
(٤) أصول الكافي: ١ / ٤٤٦ ح ٢١، معاني الاخبار: ص ١٣٦ ح ١، الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ٤٨ تفسير بو الفتوح الرازي: ٨ / ٤٧٠.
أنزلك عبد الله بن عبد المطلب، وحجر كفلك أبو طالب، وبيت آواك عبد المطلب، وأخ كان لك في الجاهلية، وثدي رضعك حليمة بنت ابي ذؤيب».
رواه السيد فخار بن معد في كتاب الحجة(١) (ص ٨).
٣ - روى شيخنا المعلم الأكبر الشيخ المفيد بإسناد يرفعه قال: لما مات أبو طالب أتى أمير المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فآذنه بموته فتوجع توجعاً عظيماً وحزن حزناً شديداً ثم قال لأمير المؤمنين عليه السلام: «إمض يا علي فتول أمره، وتول غسله وتحنيطه وتكفينه؛ فإذا رفعته على سريره فإعلمني». ففعل ذلك امير المؤمنين عليه السلام، فلما رفعه على السرير اعترضه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرق وتحزن، وقال: «وصلتك رحم وجزيت خيراً يا عم، فلقد ربيت وكفلت صغيراً، ونصرت وآزرت كبيراً»، ثم أقبل على الناس وقال: «أم والله لأشفعن لعمي شفاعة يعجب بها أهل الثقلين».
وفي لفظ شيخنا الصدوق: «يا عم كفلت يتيماً، وربيت صغيراً، ونصرت كبيراً فجزاك الله عني خيراً»(٢) .
راجع(٣) : تفسير علي بن إبراهيم (ص ٣٥٥)، أمالي ابن بابويه الصدوق، الفصول المختارة لسيدنا الشريف المرتضى (ص ٨٠)، الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب (ص ٦٧)، بحار الأنوار (٩ / ١٥)، الدرجات الرفيعة لسيدنا الشيرازي، ضياء العالمين.
٤ - عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ما ترجو لأبي طالب؟ فقال: (٠كل الخير أرجو من ربي عز وجل».
____________
(١) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ٤٨.
(٢) راجع ما مر في صفحة: ٣٧٣. (المؤلف)
(٣) تفسير علي بن إبراهيم القمي: ١ / ٣٨٠، الأمالي: ص ٣٣٠، الفصول المختارة: ص ٢٢٨، الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ٢٦٥، بحار الأنوار: ٣٥ / ٦٨، الدرجات الرفيعة: ص ٦١.
كتاب الحجة(١) (ص ١٥)، الدرجات الرفيعة(٢) . راجع ما أسلفناه (ص ٣٧٣).
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعقيل بن أبي طالب" «أنا أحبك يا عقيل حبين: حباً لك وحباً لأبي طالب لأنه كان يحبك»(٣) .
علل الشرئع لشيخنا الصدوق، الحجة (ص ٣٤)، بحار الأنوار (٩ / ١٦)(٤) .
٦ - عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لو قمت المقام المحمود لشفعت في أبي وأمي وعمي وأخ {كان}(٥) لي مواخياً في الجاهلية». تفسير علي بن إبراهيم (ص ٣٥٥، ٤٩٠)، تفسير البرهان(٦) (٣ / ٧٩٤). راجع ما أسلفناه في صفحة (٣٧٨).
٧ - عن الإمام السبط الحسين بن علي عن والده أمير المؤمنين أنه كان جالساً في الرحبة والناس حوله فقام إليه رجل فقال له: يا أمير المؤمنين إنك بالمكان الذي أنزلك الله وأبوك معذب في النار، فثقال له: «مه فض الله فاك، والذي بعث محمداً بالحق نبياً لو شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه الله، أبي معذب في النار وابنه قسيم الجنة والنار؟ والذي بعث محمداً بالحق إن نور أبي طالب يوم القيامة ليطفئ أنوار الخلائق إلا خمسة أنوار: نور محمد ونور فاطمة ونور الحسن والحسين ونور ولده من الأئمة، ألا إن نوره من نورنا، خلقه الله من قبل خلق آدم بألفي عام».
____________
(١) الحجة على الذاهب الى تكفير أبي طالب: ص ٧١.
(٢) الدرجات الرفيعة: ص ٤٨.
(٣) راجع ما أسلفناه: ص ٣٧٥. (المؤلف)
(٤) علل الشرائع: ١ / ١٦٢، الحجة عل الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ١٧٩، بحار الأنوار: ٣٥ / ٧٥.
(٥) من المصدر.
(٦) تفسير علي بن إبراهيم: ٢ / ٢٥، ١٤٢، تفسير البرهان: ٣ / ٢٣.
المناقب المائة للشيخ أبي الحسن بن شاذان(١) ، كنز الفوائد للكراجكي (ص ٨٠)، أمالي ابن الشيخ (ص ١٩٢)، احتجاج الطبرسي كما في البحار، تفسير أبي الفتوح (٤ / ٢١١)، الحجة (ص ١٥)، الدرجات الرفيعة، بحار الأنوار (٩ / ١٥)، ضياء العالمين، تفسير البرهان (٣ / ٧٩٤)(٢) .
٨ - عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام إنه قال: «والله ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنماً قط»: قيل له: فما كانوا يعبدون؟ قال: «كانوا يصلون إلى لبيت على دين إبراهيم عليه السلام متمسكين به».
رواه(٣) شيخنا الصدوق بإسناده في كمال الدين (ص ١٠٤)، والشيخ أبو الفتوح في تفسيره (٤ / ٢١٠)، والسيد في البرهان (٣ / ٧٩٥).
٩ - عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: قال علي عليه السلام: «إن أبي حين حضره الموت شهده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرني عنه بشيء خير لي من الدنيا وما فيها».
رواه بإسناده السيد فخار بن معد في كتاب الحجة(٤) (ص ٢٣)، وذكره الفتوني في ضياء العالمين.
١٠ - عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: «ما مات أبو طالب حتى أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من نفسه الرضا» تفسير علي بن إبراهيم (ص ٣٥٥)، كتاب الحجة (ص ٢٣)، الدرجات
____________
(١) محمد بن أحمد القمي الفامي أحد مشايخ شيخ الطائفة الطوسي والكراجكي والكتاب مخطوط موجود عندنا. (المؤلف)
(٢) المناقب المائة: ص ١٦١، كنز الفوائد: ١ / ١٨٣، أمالي الطوسي: ص ٣٠٥ ح ٦١٢، الاحتجاج: ١ /٥٤٦ ح ١٣٣، تفسير أبي الفتوح: ٨ / ٤٧١، الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ٧٢، الدرجات الرفيعة: ص ٥٠، بحار الأنوار: ٣٥ / ٦٩، تفسير البرهان: ٣ / ٢٣١.
(٣) كمال الدين: ص ١٧٤، تفسير أبي الفتوح: ٨ / ٤٧٠، تفسير البرهان: ٣ / ٢٣٢.
(٤) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ١١٢.
الرفيعة، ضياء العالمين(١) .
١١ - عن الشعبي يرفعه عن أمير المؤمنين أنه قال: كان والله أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب مؤمناً مسلماً يكتم إيمانه مخافةً على بني هاشم أن تنابذها قريش. قال أبو علي الموضح: ولأمير المؤمنين في أبيه يرثيه:
أبا طالــبٍ المستجير |
وغيث المحول ونور الظلم |
|
لقد هد فقدك أهل الحفاظ |
فصلى عليك ولـي النعـم |
|
ولقاك ربـك رضوانه |
فقد كنت للمصطفى خيرعم(٢) |
كتاب الحجة(٣) (ص ٢٤).
١٢ - عن الأصبغ بن نباته قال: سمعت أمير المؤمنين علياً عليه السلام يقول: مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفر من قريش وقد نحروا جزوراً وكانوا يسمونها الفهيرة ويذبحونها على النصف فلم يسلم عليهم، فلما انتهى إلى دار الندوة قالوا: يمر بنا يتيم أبي طالب فلا يسلم علينا، فأيكم يأتيه فيفسد عليه مصلاه؟ فقال عبد الله بن الزبعرى السهمي: أنا أفعل؛ فأخذ الفرث والدم، فانتهى به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ساجد فملأ به ثيابه ومظاهره، فانصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى أتى عمه ابا طالب فقال: «يا عم من أنا؟» فقال: ولم يا بن أخي؟ فقص عليه القصة فقال: وأين تركتهم؟ فقال: «بالأبطح» فنادى في قومه: يا آل عبد المطلب يا آل هاشم يا آل عبد مناف، فأقبلوا إليه من كل مكان ملبين، فقال: كم أنتم؟ قالوا: نحن أربعون، قال: خذوا سلاحكم. فأخذوا سلاحهم وانطلق بهم انتهى إلى أولئك النفر، فلما رأوه أرادوا أن يتفرقوا، فقال
____________
(١) تفسير علي بن إبراهيم: ١ / ٣٨٠، الحجة عل الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ١٠٨.
(٢) راجع ما أسلفناه: ص ٣٧٨. (المؤلف)
(٣) الحجة عل الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ١٢٢.
لهم: ورب هذه البنية لا يقومن منكم أحد إلا جللته بالسيف. ثم أتى إلى صفاة كانت بالأبطح فضربها ثلاث ضربات حتى قطعها ثلاثة أفهار(١) ثم قال: يا محمد سألتني من أنت؟ ثم أنشأ يقول ويومي بيده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
أنت النبي محمد |
قرم أعز مسـود |
إلى آخر ما مر في (ص ٣٣٦) ثم قال: يا محمد أيهم الفاعل بك؟ فأشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى عبد الله بن الزبعرى السهمي الشاعر، فدعاه أبو طالب فوجأ أنفه حتى أدماها. ثم امر بالفرث والدم فأمر على رؤوس الملأ كلهم ثم قال: يا بن أخ أرضيت؟ ثم قال: سألتني من أنت؟ أنت محمد بن عبد الله، ثم نسبه إلى آدم عليه السلام ثم قال: أنت والله أشرفهم حسباً، وأرفعهم منصباً، يا معشر قريش من شاء منكم أن يتحرك فليفعل؛ أنا الذي تعرفوني(٢) .
رواه(٣) السيد ابن معد في الحجة (ص ١٠٦)، وذكر لدة هذه القضية الصفوري في نزهة المجلس (٢ / ١٢٢) وفي طبع (ص ٩١)، وابن حجة الحموي في ثمرات الأوراق بهامش المستطرف (ص ٢ / ٣) نقلاً عن كتاب الأعلام للقرطبي.
١٣ - ذكر ابن فياض في كتابه شرح الأخبار: أن علياً عليه السلام قال في حديث له: إن أبا طالب هجم على وعلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونحن ساجدان فقال: أفعلتماها؟ ثم خذ بيدي فقال: انظر كيف تنصره وجعل يرغبني في ذلك ويخصني عليه. الحديث.
راجع ضياء العالمين لشيخنا أبي الحسن الشريف الفتوني.
____________
(١) ثلاثة أفهار: ثلاث قطع منها تملأ الكف. (المؤلف)
(٢) راجع ما أسلفناه: ص ٣٥٩، ويأتي في الجزء الثامن في الآيات ما يؤيد هذه القصة. (المؤلف)
(٣) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ٣٤٦، نزهة المجالس: ٢ / ٩١، ثمرات الأوراق: ص ٢٨٥.
١٤ - روي أن أمير المؤمنين عليه السلام قيل له: من كان آخر الأوصياء قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: «أبي». ضياء العالمين للفتوني.
١٥ - عن الإمام السجاد زين العابدين علي بن الحسين بن علي عليه السلام أنه سئل عن أبي طالب أكان مؤمناً فقال عليه السلام: «نعم». فقيل له: إن هاهنا قوماً يزعمون أنه كافر. فقال عليه السلام: «واعجباً كل العجب أيطعنون على أبي طالب و على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ وقد نهاه الله تعالى أن يقر مؤمنة مع كافر في غير آية من القرآن، ولا يشك أحد أن فاطمة بنت أسد رضي الله تعالى عنها من المؤمنات السابقات، فإنها لم تزل تحت أبي طالب حتى مات أبو طالب رضي الله عنه».
راجع(١) : ما مر (ص ٣٨٠)، وكتاب الحجة (ص ٢٤)، والدرجات الرفيعة، ضياء العالمين فقال: قيل: إنها متواترة عندنا.
١٦ - عن أبي بصير ليث المرادي قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: سيدي إن الناس يقولون: إن أبا طالب في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه. فقال عليه السلام: «كذبوا والله إن إيمان أبي طالب لو وضع في كفة ميزان وإيمان هذا الخلق في كفة ميزان لرجح إيمان أبي طالب على إيمانهم». إلى آخر ما مر (ص ٣٨٠). رواه(٢) السيد في كتاب الحجة (ص ١٨) من طريق شيخ الطائفة عن الصدوق، والسيد الشيرازي في الدرجات الرفيعة، والفتوني في ضياء العالمين.
وروى السيد ابن معد في كتاب الحجة (ص ٢٧) من طريق آخر عن الإمام الباقر عليه السلام إنه قال: مات أبو طالب بن عبد المطلب مسلماً مؤمناً. إلى آخره.
١٧ - عن الإمام الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام قال: «إن مثل أبي
____________
(١) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ١٢٣، الدرجات الرفيعة: ص ٥٠.
(٢) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ٨٥، الدرجات الرفيعة: ص ٤٩.
طالب مثل أصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين».
راجع(١) : الافي لثقة الإسلام الكليني (ص ٢٤٤)، أمالي الصدوق (ص ٣٦٦)، روضة الواعظين (ص ١٢١)، كتاب الحجة (ص ١١٥)، وفي (ص ١٧) ولفظه من طريق الحسين بن أحمد المالكي:
قال عبد الرحمن بن كثير: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ان الناس يزعمون أن أبا طلب في ضحضاح من نار. فقال: «كذبوا، ما بهذا نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم»، قلت: وبما نزل؟ قال: «أتى جبرائيل في بعض ما كان عليه فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: إن أصحاب الكهف اسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين، وإن أبا طالب أسر الإيمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرتين، وما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من الله تعالى بالجنة، ثم قال كيف يصفونه بهذا وقد نزل جبرائيل ليلة مات أبو طالب فقال: يا محمد أخرج من مكة فما لك بها ناصر بعد أبي طالب؟».
وذكره(٢) العلامة المجلسي في البحار (٩ / ٢٤) والسيد في الدرجات الرفيعة، والفتوني في ضياء العالمين، وروى شيخنا أبو الفتوح الرازي هذا الحديث في تفسيره (٤ / ٢١٢).
١٨ - أخرج ثقة الإسلم الكليني في الكافي(٣) (ص ٢٤٤)؛ بالإسناد عن إسحاق بن جعفر عن أبيه عليه السلام قال: قيل له: إنهم يزعمون أن أبا طالب كان كافراً، فقال: «كذبوا، كيف وهو يقول:
____________
(١) أصول الكافي: ١ / ٤٤٨، أمالي الصدوق: ٤٩٢، روضة الواعظين: ١ / ١٣٩، الحجة علىالذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ٣٦٢، ص ٨٣.
(٢) بحار الأنوار: ٣٥ / ٧٢، الدرجات الرفيعة: ص ٤٩ تفسير أبي الفتوح: ٨ / ٤٧٤.
(٣) أصول الكافي: ١ / ٤٤٨.
ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً |
نبياً كموسى خط في أول الكتب |
وذكره غير واحد من ائمة الحديث في تآليفهم رضوان الله عليهم أجميعين.
١٩ - أخرج ثقة الإسلام الكليني في أصول الكافي(١) (٢٤٤)، عن الإمام الطادق قال «كيف يكون أبو طالب كافراً وهو يقول:
لقـد علموا أن ابننا لا مكذب |
لدينا ولا يعبا بقيــل الأباطل |
|
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه |
ثمال اليتامى عصمـة للأرامل |
وذكره السيد في البرهان(٢) (٣ / ٧٩٥)، وكذلك غير واحد من أعلام الطائفة أخذاً عن الكليني.
٢٠ - روى شيخنا أبو علي الفتال في روضة الواعظين(٣) (ص ١٢١) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: لما حضر أبا طالب رضي الله عنه الوفاة جمع وجوه قريش فوصاهم فقال: يا معشر قريش أنتم صفوة الله من خلقه، وقلب العرب، وأنتم خزنة الله في أرضه وأهل حرمه، فيكم السيد المطاع، الطويل الذراع، وفيكم المقدام الشجاع، الواسع الباع، إعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المفاخر نصيباً إلا حزتموه، ولاشرفاً لا أورثتموه فلكم على الناس بذلك الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، والناس لكم حرب إلى آخر مر في (ص ٣٦٦) من مواقف سيدنا أبي طالب المشكورة المروية من طرق أهل السنة، وذكر هذه الوصية شيخنا العلامة المجلسي في البحار(٤) (٩ / ٢٣).
٢١ - حدث شيخنا أبو جعفر الصدوق في إكمال الدين(٥) (ص ١٠٣)، بالإسناد
____________
(١) أصول الكافي: ١ / ٤٤٩.
(٢) تفسير البرهان: ٣ / ٢٣١.
(٣) روضة لواعظين: ١ / ١٣٩.
(٤) بحار الأنوار: ٣٥ / ١٠٦.
(٥) إكمال الدين ١ / ١٧٤.
عن محمد بن مروان عن الإمام الصادق عليه السلام «إن أبا طالب أظهر الكفر وأسر الإيمان، فلما حضرته الوفاة أوحى الله عز وجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أخرج منها فليس لك بها ناصر. فهاجر الى المدينة».
وذكره سيدنا الشريف المرتضى في الفصول المختارة(١) (ص ٨٠) فقال: هذا يبرهن عن إيمانه لتحقيقه بنصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتقوية أمره.
وذيل الحديث رواه السيد الحجة ابن معد في كتابه الحجة(٢) (ص ٣٠) وقال في (ص ١٠٣): لما قبض أبو طالب اتفق المسلمون على أن جبرئيل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال له: ربك يقرئك السلام ويقول لك: ان قومك قد عولوا على أن يبيتوك وقد مات ناصرك فاخرج عنهم. وأمره بالمهاجرة. فتأمل إضافة الله تعالى أبا طالب رحمه الله إلى النبي علية السلام وشهادته له أنه ناصره، فإن في ذلك لأبي طالب أوفى فخر وأعظم منزلة، وقريش رضيت من أبي طالب بكونه مخالطاً لهم مع ما سمعوا من شعره وتوحيده وتصديقه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يمكنهم قتله والمنابذة له لأن قومه من بني هاشم وإخوانهم من بني المطلب بن عبد مناف وأحلافهم ومواليهم وأتباعهم، كافرهم ومؤمنهم كانوا معه، ولو كان نابذ قومه لكانوا عليه كافة، ولذلك قال أبو لهب لما سمع قريشاً يتحدثون في شأنه ويفيضون في أمره: دعوا عنكم هذا الشيخ فإنه مغرم بابن أخيه، والله لا يقتل محمد حتى يقتل أبو طالب، ولا يقتل أبو طالب حتى تقتل بنو هاشم كافة، ولا تقتل بنو هاشم حتى تقتل بنو عبد مناف، ولا تقتل بنو عبد مناف حتى تقتل أهل البطحاء؛ فأمسكوا عنه وإلا ملنا معه. فخاف القوم أن يفعل فكفوا. فلما بلغت أبا طالب مقالته طمع في نصرته فقال يستعطفه ويرققه:
عجبت لحلم يا بن شيبة حادثٍ |
وأحلام أقوامٍ لديك ضعاف |
____________
(١) القصول المختارة: ص ٢٢٩.
(٢) الحجة على الذاهب الى تكفير أبي طالب: ص ٨٤ن ص ٣٤١.
إلى آخر أبيات ذكرها أبن أبي الحديد في شرحه(١) ( ٣ / ٣٠٧) مع زيادة خمسة أبيات لم يذكرها السيد في الحجة. وذكرها ابن الشجري في حماسته (ص ١٦).
فقال السيد: فلما أبطأ عنه ما أراد منه قال يستعطفه أيضاً:
وإن امراً من قومه ابو معتب |
لفي منعة من أن يسام المظالما |
|
أقول لـه وأين منه نصيحتي |
أبا معتب(٢) ثبت سوادك قائما |
إلى بيات خمسة. وقد ذكرها ابن هشام في سيرته(٣) (١ / ٣٩٤) مع زيادة أربعة بيات، غير ان البيت الأول فيه:
وإن امــراً أبو عتيبة عمه |
لفي روضة ما إن يسام المظالما |
وذكرها(٤) ابن أبي الحديد في الشرح (٣ / ٣٠٧)؛ وابن كثير في تاريخه (٣ / ٩٣).
٢٢ - عن يونس بن نباتة عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «يا يونس ما يقول الناس في أبي طالب؟» قلت: جعلت فداك يقولون: هو في ضحضاح من نار يغلي منها أم رأسه فقال: « كذب أعداء الله، إن أبا طالب من رفقاء النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا».
كنز الفوائد لشيخنا الكراجكي (ص ٨٠)، كتاب الحجة (ص ١٧)، ضياء العالمين.
٢٣ - روى الشريف الحجة ابن معد في كتابه الحجة(٥) (ص ٢٢) من طريق
____________
(١) شرح نهج البلاغة ١٤ / ٥٧ كتاب ٩ الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ٣٤٢.
(٢) يعني أبا لهب. (الؤلف)
(٣) السيرة النبوية: ٢ / ١٠.
(٤) شرح نهج البلاغة: ١٤ / ٥٧ كتاب ٩، البداية والنهاية: ٣ / ١١٦.
(٥) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ١٠٤.
شيخنا أبي جعفر الصدوق عن دواد الرقي قال: دخلت على ابي عبد الله عليه السلام ولي على رجل دين وقد خفت تواه(١) فشكوت ذلك إليه فقال عليه السلام: إذا مررت بمكة فطف عن عبد المطلب طوافاً وصل عنه ركعتين، وطف عن أبي طالب طوافا وصل عنه ركعتين وطف عن عبد الله طوافا وصل عنه ركعتين وطف عن آمنة طوافاً وصل عنها ركعتين، وعن فاطمة بنت أسد طوافاً وصل عنها ركعتين. ثم ادع الله عز وجل أن يرد عليك مالك. قال: ففعلت ذلك ثم خرجت من باب الصفا فإذا غريمي واقف يقول: يا داود جئني هناك فاقبض حقك.
وذكره العلامة المجلسي في البحار(٢) (٩ / ٢٤).
٢٤ - أخرج ثقة الإسلام الكليني في الكافي(٣) (ص ٢٤٤)؛ بالإسناد عن الإمام الصادق عليه السلام قال: بينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السجد الحرام وعليه ثياب له جدد فألقى المشركون عليه سلا(٤) ناقة فملؤوا ثيابه بها فدخله من ذلك ما شاء الله، فذهب إلى أبي طالب فقال له: «يا عم، كيف ترى حسبي فيكم؟» فقال له: وما ذاك يابن أخي؟ فأخبره الخبر، فدعا أبو طالب حمزة وأخذ السيف وقال لحمزة: خذ السلا ثم توجه إلى القوم والنبي صلى الله عليه وآله وسلم معه. فأتى قريشاً وهم حول الكعبة. فلما رأوه عرفوا الشر في وجهة ثم قال لحمزة: أمر السلا على أسبلتهم(٥) ففعل ذلك حى أتى على آخرهم ثم التفت أبو طالب إلى النبي فقال: يا بن أخي هذا حسبك فينا.
وذكره جمع من الأعلام وأئمة الحديث في تآليفهم.
____________
(١) التوى: الخسارة والضياع.
(٢) بحار الأنوار: ٣٥ / ١٢٢.
(٣) أصول الكافي: ١ / ٤٤٩.
(٤) السلا: الجلدة التي يكون فيها الولد.
(٥) وفي بعض النسخ: سبالهم جمع السبلة: مقدمة اللحية وما على الشارب من الشعر. (المؤلف)
٢٥ - أخرج أبو الفرج الأصبهاني؛ بإسناده عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «كان أمير المؤمنين عليه السلام يعجبه أن يروى شعر أبي طالب عليه السلام وأن يدون وقال: تعلموه وعلموه أولادكم فإنه على دين الله وفيه علم كثير».
كتاب الحجة (ص ٢٥)، بحار الأنوار (٩ / ٢٤)، ضياء العالمين للفتوني(١) .
٢٦ - روى شيخنا الصدوق في أماليه(٢) (ص ٣٠٤)، بالإسناد عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «أول جماعة كانت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب معه، إذ مر أبو طالب به وجعفر معه قال: يا بني صل جناح ابن عمك، فلما أحسه رسول الله تقدمهما، وانصرف ابو طالب مسروراً وهو يقول:
إن علياً وجعفراً ثقتي |
عند ملم الزمان والكرب |
إلى آخر أبيات مرت صحيفة (٣٥٦) وتأتي في (ص٣٩٧)، والحديث رواه الشيخ أبو الفتوح في تفسيره(٣) (٤ / ٢١١).
٢٧ - أخرج ثقة الإسلام الكليني في الكافي(٤) (ص ٢٤٢)، بإسناده عن درست بن أبي منصور؛ أنه سأل أبا الحسن الأول - الإمام الكاظم - عليه السلام: أكان رسول الله صلى الله عليه وآله سلم محجوجاً بأبي طالب؟ فقال: «لا، ولكنه كان مستودعاً للوصايا فدفعها إليه»، فقال: قلت: فدفع إليه الوصايا على أنه محجوج به؟ فقال: «لو كان محجوجاً به ما دفع إليه الوصية»، قال: قلت: فما كان حال أبي طالب؟ قال: «أقر بالنبي وبما جاء ودفع إليه الوصايا ومات من يومه».
____________
(١) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ١٣٠، بحار الأنوار: ٣٥ / ١١٥.
(٢) أمالي الصدوق: ص ٤١٠.
(٣) تفسير أبي الفتوح: ٨ / ٤٧٢.
(٤) أصول الكافي: ١ / ٤٤٥.
قال الأميني: هذه مرتبة فوق مرتبة الايمان، فإنها مشفوعة بما سبق عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام تثبت لأبي طالب مرتبة الوصاية والحجية في وقته فضلاً عن بسيط الايمان، وقد بلغ ذلك من الثبوت إلى حد ظن السئل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان محجوجاً به قبل بعثته، فنفى الإمام عليه السلام ذلك، وأثبت ما ثبت له من الوصاية وأنه كان خاضعاً للابراهيمية الحنيفية، ثم رضخ للمحمدية البيضاء، فسلم الوصايا للصادع بها، وقد سبق إيمانه بالولاية العلوية الناهض بها ولده البار صلوات الله وسلامة عليه.
٢٨ - أخرج شيخنا أبو الفتح الكراجكي(١) (ص ٨٠)؛ بإسناده عن بن بن محمد، قال: كتبت إلى الإمام الرضا علي بن موسي الرضا عليهما السلام: جعلت فداك. إلى آخر ما مر في (ص ٣٨١)(٢) .
وذكره(٣) السيد في كتاب الحجة (ص ١٦)، والسيد الشيرازي في الدرجات الرفيعة، والعلامة المجلسي في بحار الأنوار (ص ٣٣)، وشيخنا الفتوني في ضياء العالمين.
٢٩ - روى شيخنا المفسر الكبير بو الفتوح في تفسيره(٤) (٤ / ٢١١)؛ عن الإمام الرضا سلام الله عليه، وقال: روى عن آبائه بعدة طرق: أن نقش خاتم أبي طالب عليه السلام كان: رضيت بالله رباً، وبابن أخي محمد نبياً، وبابني علي له وصياً.
ورواه(٥) : السيد الشيرازي في الدرجات الرفيعة، والإشكوري في محبوب القلوب.
____________
(١) كنز الفوائد: ١ / ١٨٢.
(٢) مر ذكره هناك باسم أبان بن محمود كما في شرح ابن أبي الحديد، وفي كنز الفوائد: أبان بن محمد.
(٣) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ٧٦، الدرجات الرفيعة: ص ٥٠، بحار الأنوار: ٣٥ / ١١٠.
(٤) تفسير أبي الفتوح: ٨ / ٤٧١.
(٥) الدرجات الرفيعة: ص ٦٠، محبوب القلوب: ٢ / ٣١٩.
٣٠ - أخرج الشيخ ابو جعفر الصدوق بإسناد له: أن عبد العظيم بن عبد الله العلوي الحسني المدفون بالري كان مريضاً فكتب إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام عرفني يا بن رسول الله عن الخبر المروي أن أبا طالب في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه. فكتب إليه الرضا عليه السلام:
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإنك إن شككت في إيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار».
كتاب الحجة(١) (ص ١٦)، ضياء العلمين لأبي الحسن الشريف.
٣١ - أخرج شيخنا الفقيه أبو جعفر الصدوق، بالإسناد عن الإمام الحسن بن علي العسكري، عن آبائه عليهم السلام في حديث طويل: «إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم إني قد أيدتك بشيعتين: شيعة تنصرك سراً، وشيعة تنصرك علانية فأما التي تنصرك سرا فسيدهم وأفضلهم عمك أبو طالب، وأما التي تنصرك علانية فسيدهم وأفضلهم ابنه علي بن أبي طالب. ثم قال: وإن أبا طالب كؤمن آل فرعون يكتم إيمانه».
كتب الحجة(٢) (ص ١١٥): ضياء العالمين لأبي الحسن الشريف.
٣٢ - أخرج شيخنا الصدوق في أماليه(٣) (ص ٣٦٥) من طريق الأعمش عن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: قال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يابن أخي الله أرسلك؟ قال: «نعم». قال: فأرني آية. قال ادع لي تلك الشجرة. فدعاها فأقبلت حتى سجدت بين يديه ثم أنصرفت، فقال أبو طالب: أشهد أنك صادق، يا علي صل جناح ابن عمك.
____________
(١) الحجة علىالذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ٨٢.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٦٢.
(٣) أمالي الصدوق: ص ٤٩١.
ورواه أبو عي الفتال في روضة الواعظين(١) (ص ١٢١)، ورواه السيد ابن معد في الحجة(٢) (ص ٢٥) ولفظه: قال أبو طالب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمحضر من قريش ليريهم فضله: يا بن أخي الله أرسلك؟ قال: نعم. قال: إن للأنبياء معجزاً وخرق عادة فأرنا آية قال: «ادع تلك الشجرة وقل لها: يقول لك محمد بن عبد الله: أقبلي بإذن الله». فدعاها فأقبلت حتى سجدت بين يديه ثم أمرها بالانصراف فانصرفت، فقال أبو طالب: أشهد أنك صادق. ثم قال لابنه علي عليه السلام: يا بني الزم ابن عمك.
وذكره غير واحد من أعلام الطائفة.
٣٣ - أخرج أبو جعفر الصدوق قدس الله سره في الأمالي(٣) (ص ٣٦٦) بإسناده عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه سأله رجل فقال له: يا بن عم رسول الله أخبرني عن أبي طالب هل كان مسلماً؟ قال: وكيف لم يكن مسلماً وهو القائل:
وقد علموا أن ابننا لا مكذب |
لدينا ولا يعبا بقيل الأ باطل |
إن أبا طالب كان مثله كمثل أصحاب الكهف حين أسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين.
ورواه السيد ابن معد في الحجة(٤) (ص ٩٤، ١١٥)، وذكره غير واحد من أئمة الحديث.
٣٤ - أخرج شيخنا أبو علي الفتال النيسابوري في روضة الواعظين(٥)
____________
(١) روضة الواعظين: ١ / ١٣٩.
(٢) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ١٢٨.
(٣) أمالي الصدوق: ص ٤٩١.
(٤) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ٣١٩ - ٣٢٢.
(٥) روضة الواعظين: ١ / ١٤٠.
(ص ١٢٣) عن ابن عباس قال: مر أبو طالب ومعه جعفر ابنه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في المسجد الحرام يصلي صلاة الظهر وعلي عليه السلام عن يمينه، فقال أبو طالب لجعفر: صل جناح ابن عمك، فتقدم جعفر وتأخر علي واصطفا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قضى الصلاة، وفي ذلك يقول أبو طالب:
إن علياً وجعفـــراً ثقتي |
عند ملم الزمــان و النوب(١) |
|
أجعلهمـا عرضة العداء إذا |
أترك ميتاً وأنتمي إلى حسبي |
|
لا تخذلا وانصرا ابن عمكما |
أخي لأمي من بينهــم وأبي |
|
واللــه لا أخذل النبي ولا |
يخذله من بنــي ذو حسب(٢) |
وأخرج سيدنا ابن معد في كتاب بالحجة(٣) (ص ٥٩)، بإسناده عن عمران بن الحصين الخزاعي قال: كان والله إسلام جعفر بأمر أبيه، ولذلك: مر أبو طالب ومعه ابنه جعفر برسول الله وهو يصلي وعلي عليه السلام عن يمينه، فقال أبو طالب لجعفر: صل جناح اين عملك فجاء جعفر فصلى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما قضى صلاته قال له النبي صلىالله عليه وآله وسلم: «يا جعفر وصلت جناح ابن عمك، إن الله يعوضك من ذلك جناحين تطير بهما في الجنة». فأنشأ أبو طالب رضوان الله عليه يقول:
إن عليا ً وجعفـــراً ثقتي |
عند ملــم الزمان والنوب |
|
لا تخذلا وانصرا ابن عمكما |
أخي لأمي مـن بينهم وأبي |
|
إن أبا معتب قــد أسلمنا |
ليس أبـو معتب بذي حدب(٤) |
|
والله لا أخذل النبــي ولا |
يخذله من بنــي ذو حسب |
____________
(١) وفي نسخة: عند احتدام الهموم والكرب. (المؤلف)
(٢) راجع فيما أسلفناه: ص ٣٩٤. (المؤلف)
(٣) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ٢٤٩.
(٤) أبو معتب كنية أبي لهب كما مر. ذي حدب: ذي تعطف. (المؤلف)
حتى ترون الرؤوس طائحة |
منـا ومنكــم هناك بالقضب |
|
نحــن وهذا النبي أسرته |
نضرب عنـه الأعداء كالشهب |
|
إن نلتمــوه بكل جمعكم |
فنحن فــي الناس ألأم العرب |
ورواه شيخنا أبو الفتح الكرجكي(١) بطريق آخر عن أبي ضوء بن صلصال قال: كنت أنصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أبي طالب قبل إسلامي، فإني يوماً لجالس بالقرب من منزل أبي طالب في شدة القيظ إذ خرج أبو طالب إلي شبيهاً بالملهوف، فقال لي: يا أبي الغضنفر هل رأيت هذين الغلامين؟ يعني النبي وعلياً عليهما السلام فقلت: ما رأيتهما مذ جلست، فقال: قم بنا في الطلب لهما فلست آمن قريشاً أن تكون اغتالتهما، قال: فمضينا حتى خرجنا من أبيات مكة ثم صرنا إلى جبل من جبالها فاسترقيناه إلى قلته، فإذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عن يمينه وهما قائمان بإزاء عين الشمس يركعان ويسجدان، فقال أبو طالب لجعفر ابنه وكان معنا: صل جناح ابن عمك. فقام إلى جنب علي فأحس بهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتقدمهما وأقبلوا على أمرهم حتى فرغوا مما كانوا فيه، ثم أقبلوا نحونا فرأيت السرور يتردد في وجه أبي طالب ثم نبعث يقول الابيات.
٣٥ - عن عكرمة عن أبن عباس قال: أخبرني أبي أن أبا طالب رضي الله عنه شهد عند الموت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ضياء العالمين.
٣٦ - في تفسير وكيع(٢) من طريق أبي ذر الغفاري؛ أنه قال: والله الذي لا إله إلا هو ما مات أبو طالب رضي الله عنه حتى أسلم بلسان الحبشة، قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أتفقه الحبشة؟ قال: يا عم إن الله علمني جميع الكلام. قال: يا محمد اسدن لمصاقا قاطا لاها يعني أشهد مخلصاً لا إله إلا الله، فبكى رسول الله صلى الله علي وآله وسلم وقال: إن الله أقر
____________
(١) كنز الفوائد: ١ / ١٨١.
(٢) هو وكيع بن الجراح الرؤاسي، توفي سنة ١٩٧هـ كان حافظاً للحديث، له عدة تصانيف، منها تفسير القرآن، والمعرفة، والتاريخ.
عيني بأبي طالب. ضياء العالمين لشيخنا أبي الحسن الشريف.
أحب سيد الأبطح الشهادة بلغة الحبشة في موقفه هذا بعد ما أكثرها بلغة الضاد وبغيرها، كما فصل القول فيها شيخنا الحجة أبو الحسن الشريف الفتوني المتوفى (١١٣٨) في كتابه القيم الضخم ضياء العالمين، وهو أثمن كتاب ألف في الإمامة.
٣٧ - روى شيخنا أبو الحسن قطب الدين الراوندي في كتابه الخرائج والجرائح(١) عن فاطمة بنت أسد أنها قالت: لما توفي عبد المطلب أخذ أبو طالب النبي صلى الله عليه وأله وسلم عنده لوصية أبيه به، وكنت أخدمه، وكان في بستان دارنا نخلات، وكان أول إدراك الرطب، وكنت كل يوم ألتقط له حفنة من الرطب فما فوقها وكذلك جاريتي، فاتفق يوماً أن نسيت أن التقط له شيئاً ونسيت جارتي أيضاً، وكان محمد نائماً ودخل الصبيان وأخذوا كل ما سقط من الرطب وانصرفوا، فنمت ووضعت الكم على وجهي حياءً من محمد صلى الله علية وآله وسلم إذاانتبه، فانتبه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودخل البستان فلم ير رطبةً على وجه الأرض فأشار إلى نخلة وقال: أيتها الشجرة أنا جائع. فرأيت النخلة قد وضعت أغصانها التي عليها الرطب حتى أكل منها ما أراد ثم ارتفعت إلى موضعها، فتعجبت من ذلك وكان أبو طالب رضي الله عنه غائبا فلما أتى وقرع الباب عدوت إليه حافية وفتحت الباب وحكيت له ما رأيت فقال هو: إنما يكون نبياً وأنت تلدين له وزيراً بعد يأس. فولدت علياً عليه السلام كما قال.
٣٨ - روى شيخنا الفقيه الأكبر ابن بابويه الصدوق في أمامليه(٢) (ص ١٥٨)، بالإسناد عن أبي طالب سلام الله عليه قال: قال عبد المطلب: بينا أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني فأتيت كاهنة قريش وعلي مطرف خز وجمتي تضرب منكبي، فلما نظرت إلي عرفت في وجهي التغير، فاستوت وأنا يومئذ سيد قومي، فقالت: ما شأن
____________
(١) الخرائج والجرائح: ١ / ١٣٨.
(٢) أمالي الصدوق: ص ٢١٦.
سيد العرب متغير اللون؟ هل رابه من حدثان الدهر ريب؟ فقلت لها: بلى إني رأيت الليلة وأنا نائم في الحجر كأن شجرة قد نبتت عل ظهري قد نال رأسها السماء وضربت بأعضانها الشرق والغرب، ورأيت نوراً يظهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفاً، ورأيت العرب والنجم ساجدة لها، وهي كل يوم تزداد عظماً ونوراً، ورأيت رهطاً من قريش يريدون قطعها فإذا دنوا أخذهم شاب من أحسن الناس وجهاً وأنظفهم ثيابا فيأخذهم شاب من أحسن الناس وجهاً وأنظفهم ثياباً فيأخذهم ويكسر ظهورهم ويقلع أعينهم، فرفعت يدي لأتناول غصناً من أغصانها فصاح بي الشاب وقال: مهلاً ليس لك منها نصيب، فقلت: لمن النصيب والشجرة مني؟ فقال: النصيب لهؤلاء الذين قد تعلقوا بها وسيعود إليها، فانتبهت مذعوراً فزعاً متغير اللون، فرأيت لون الكاهنة قد تغير ثم قالت: لئن صدقت ليخرجن من صلبك ولد يملك الشرق والغرب وينبأ في الناس. فتسرى عني غمي، فانظر أبا طالب لعلك تكون أنت، وكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج ويقول: كانت الشجرة والله أب القاسم الأمين.
٣٩ - قال السيد الحجة في كتابه الحجة(١) (ص ٦٨): ذكر الشريف النسابة العلوي العمري المعروف بالموضح، بإسناده: أن أبا طالب لما مات لم تكن نزلت الصلاة على الموتى، فما صلى النبي عليه ولا على خديجة، وإنما اجتازت جنازة أبي طالب والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وجعفر وحمزة جلوس، فقاموا وشيعوا جنازته واستغفروا له فقال قوم: نحن نستغفر لمو تانا وأقاربنا المشركين أيضاً ظناً منهم أن أبا طالب مات مشركاً لأنه كان يكتم إيمانه، فنفى الله عن أبي طالب الشرك ونزه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم والثلاثة المذكورين عليهم السلام عن الخطأ في قوله:( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ ) (٢) ، فمن قال بكفر أبي طالب فقد حكم على النبي
____________
(١) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص ٢٦٨.
(٢) التوبة: ١١٣.
بالخطأ والله تعالى قد نزهه عنه في أقواله وأفعاله. إلى آخره.
وأخرج أبو الفرج الأصبهاني؛ بالإسناد عن محمد بن حميد قال: حدثني أبي قال: سئل أبو الجهم بن حذيفة: أصلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أبي طالب؟ فقال: وأين الصلاة يومئذ؟ إنما فرضت الصلاة بعد موته، ولقد حزن عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر علياً بالقيام بمره وحضر جنازته، وشهد له العباس وأبو بكر بالإيمان وأشهد على صدقهما لأنه كان يكتم إيمانه ولو عاش إلى ظهور الإسلام لأظهر إيمانه.
٤٠ - عن مقاتل: لما رأت قريش يعلو أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: لا نرى محمداً يزداد إلا كبراً وإن هو إلا ساحر أو مجنون، فتعاقدوا لئن مات أبو طالب رضي الله عنه ليجمعن كلها عن قتله فبلغ ذلك ابا طالب فجمع بني هاشم واحلافهم من قريش فوصاهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: ابن أخي كل ما يقول أخبرنا بذلك آباؤنا وعلماؤنا، وإن محمدا نبي صادق، وأمين ناطق، وأن شأنه أعظم شأن، ومكانه من ربه أعلى مكان، فأجيبوا دعوته واجتمعوا على نصرته، وراموا عدوه من وراء حوضته، فإنه الشرف الباقي لكم طول الدهر، ثم أنشأ يقول:
أوصي بنصر النبي الخير مشهده |
علياً أبني وعم الخيـــر عباسا |
|
وحمـزة الأسد المخشي صولته |
وجعفراً أن يذودا دونـــه الناسا |
|
وهاشماً كلهــا أوصي بنصرته |
أن يأخذوا دون حرب القوم أمراسا(١) |
|
كونوا فداءً لكـم أمي وما ولدت |
من دون أحمد عند الروع أتـراسا |
|
بكل أبيض مصقـول ٍ عوارضه |
تخاله في سواد الليل مقباســـا(٢) |
قال الأميني هذه جملة مما أوقفنا السير عليه من أحاديث رواة الحق والحقيقة وصفحنا عما يربو على الأربعين روماً للاختصار، فأنت ذا أضفت إليها ما أسلفناه مما
____________
(١) أمراس: جمع مرس، وهو الحبل.
(٢) ضياء العالمين لشيخنا الفتوني. (المؤلف)
يروى عن آل أبي طالب وذويه، وأشفعتها بما مر من أحاديث مواقف سيد الأباطح، وجمعتها مع ما جاء من الشهادات الصريحة في شعره تربو الأدلة على إيمانه الخالص وإسلامه القويم على مائة دليل، فهل من مساغ لذي مسكة أن يصفح عن هذه كلها؟ وكل واحد منها يحق أن يستند له في إسلام أي أحد، نعم، إن في أبي طالب سراً لا يثبت إيمانه بألف دليل، وإيمان غيره يثبت بقيل مجهول ودعوى مجردة! إقرأ واحكم.
وقد فصل القول في هذه الأدلة جمع من أعلام الطائفة؛ كشيخنا العلامة الحجة المجلسي في بحار لأنوار(١) (٩ / ١٤ - ٣٣)، وشيخنا العلم القدوة أبي الحسن الشريف الفتوني في الجزء الثاني من كتابه القيم الضخم ضياء العالمين - والكتاب موجود عندنا - وهو أحسن ما كتب في الموضوع، كما أن ما ألفه السيد البرزنجي ولخصه السيد أحمد زيني دحلان أحسن ما ألف في الموضوع بقلم أعلام أهل السنة، وأفرد ذلك بالتأليف آخرون منهم:
١ - سعد بن عبد الله أبو القاسم الأشعري القمي: المتوفى (٢٩٩، ٣٠١)، له كتاب فضل أبي طالب وعبد المطلب وعبد الله أبي النبي صلى الله عليه وآله وسلم. رجال النجاشي(٢) (ص ١٢٦).
٢ - أبو علي الكوفي أحمد بن محمد بن عمار: المتوفى (٣٤٦)، له كتاب إيمان أبي طالب كما في فهرست الشيخ (ص ٢٩)، ورجال النجاشي(٣) (ص ٧٠).
٣ - أبو محمد سهل بن أحمد بن عبد الله الديباجي، سمع منه التلعكبري سنة (٣٧٠) له كتاب إيمان أبي طالب، ذكره النجاشي في فهرسته(٤) (ص ١٣٣).
____________
(١) بحار الأنوار: ٣٥ / ٧٤ - ١٣١.
(٢) رجال النجاشي: ص ١٧٧ رقم ٤٦٧.
(٣) المصدر السابق: ص ٩٥ رقم ٢٣٦.
(٤) المصدر السابق: ص ١٨٦ رقم ٤٩٣.
٤ - أبو نعيم علي بن حمزة البصري التميمي اللغوي: المتوفى (٣٧٥)، له كتاب إيمان أبي طالب، توجد نسخته عند شيخنا الحجة ميرزا محمد الطهراني(١) في سامراء المشرفة، نقل عنه بعض فصوله الحافظ ابن حجر في الإصابة(٢) في ترجمة أبي طالب واتهم مؤلفه بالرفض.
٥ - أبو سعيد محمد بن أحمد بن الحسين الخزاعي النيسابوري جد المفسر الكبير الشيخ أبي الفتوح الخزاعي لأمه، له كتاب منى الطالب في إيمان أبي طالب. رواه الشيخ منتجب الدين كما في فهرسته(٣) (ص ١٠) عن سبطه الشيخ أبي الفتوح عن ابيه عنه.
٦ - أبو الحسن علي بن بلال بن أبي معاوية المهلبي الأزدي، له كتاب البيان عن خيرة الرحمن في إيمان ابي طالب وآباء النبي صلى الله عليه وآاله وسلم، ذكره له الشيخ في فهرسته (ص ٩٦) والنجاشي(٤) (ص ١٨٨).
٧ - أحمد بن القاسم، له كتاب إيمان أبي طالب، رآه النجاشي كما في فهرسته(٥) (ص ٦٩) بخط الحسين بن عبيد لله الغضائري.
٨ - أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن طرخان الكندي الجرجاني صديق النجاشي: المتوفى (٤٥٠)، ذكر له النجاشي في فهرسته(٦) (ص ٦٣) كتاب إيمان أبي طالب.
____________
(١) توفي قدس الله سره وأبقى له آثاراً ومآثر تذكر مع الأبد وتشكر. (المؤلف)
(٢) الإصابة: ٤ / ١١٥ - ١١٩ رقم ٦٨٥.
(٣) فهرس منتجب الدين: ص ١٥٧.
(٤) رجال النجاشي: ص ٢٦٥ رقم ٦٩٠.
(٥) المصدر السابق: ص ٩٥ رقم ٢٣٤.
(٦) المصدر السابق: ص ٨٧ رقم ٢١٠ وقيه: الجرجراني.
٩ - شيخنا الأكبر أبو عبد اللله المفيد محمد بن النعمان: المتوفى (٤١٣) له كتاب إيمان أبي طالب، كما في فهرست النجاشي(١) (ص ٢٨٤).
١٠ - أبو علي شمس الدين السيد فخار بن معد الموسوي: المتوفى (٦٣٠)، له كتاب الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب، قرظه العلامة السيد محمد صادق بحر العلوم بقوله:
بشراك فخار بما أولا |
ك الخالق في يوم المحشر |
|
نـزهت بحجتك الغرا |
شيخ البطحاء أبا حيــدر |
|
عما نسبوه إليه من الـ |
ـكفر المردود دعاة الشر |
|
أنـى وبه قام الإسلام |
م فنال بعلياه المفخـــر |
|
قسماً بولاء أبي حسنٍ |
لولاه الدين لما أزهــر |
|
فعليه من الله الرضوا |
ن وللعـــدا نارٌ تسعر |
١١ - سيدنا الحجة أبو الفضائل أحمد بن طاووس الحسيني: المتوفى (٦٧٣)، له كتاب إيمان أبي طالب، ذكره في كتابه بناء المقالة العلوية لنقض الرسالة العثمانية، وهو كتاب في الإمامة ألفه في الرد على رسالة أبي عثمان الجاحظ.
١٢ - السيد الحسين الطباطبائي اليزدي الحائري الشهير بالواعظ: المتوفى (١٣٠٦)، له كتاب بغية الطالب في إيمان أبي طالب، فارسي مطبوع.
١٣ - المفتي الشريف السيد محمد عباس التستري الهندي: المتوفى (١٣٠٦)، له كتاب بغية الطالب في إيمان أبي طالب، أحد شعراء الغدير، تأتي ترجمته في القرن الرابع عشر إ ن شاء الله تعالى.
١٤ - شمس العلماء ميرزا محمد حسين الكركاني، له كتاب مقصد الطالب في
____________
(١) رجال النجاشي: ص ٣٩٩ رقم ١٠٦٧.
إيمان آباء النبي وعمه أبي طالب، فارسي طبع في بمبي سنة (١٣١١).
١٥ - الشيخ محمد علي بن ميرزا جعفر علي الفصيح الهندي نزيل مكة المعظمة، له كتاب القول الواجب في إيمان أبي طالب.
١٦ - شيخنا الحجة الحاج ميرزا محسن ابن العلامة الحجة ميرزا محمد التبريزي(١) .
١٧ - السيد محمد علي آل شرف الدين العاملي(٢) ، له كتاب شيخ الأبطح و أبو طالب، طبع في بغداد سنة (١٣٤٩) في (٩٦) صفحة وقد جمع فيه فأوعى، ولم يبق في القوس منزعاً.
١٨ - الشيخ ميرزا نجم الدين ابن شيخنا الحجة ميرزا محمد الطهراني، له كتاب الشهاب الثاقب لرجم مكفر أبي طالب.
١٩ - الشيخ جعفر بن الحاج محمد النقدي المرحوم، له كتاب مواهب الواهب في فضائل أبي طالب، طبع في النجف الأشرف سنة (١٣٤١ في (١٥٤) صفحة، فيه فوائد جمة وطرائف ونوادر.
وقد نظم ذلك كثيرون من أعاظم الشيعة في قريضهم، ومما يسعنا إثباته هاهنا قول السيد أبي محمد عبد الله بن حمزة الحسني الزيدي من قصيدة:
حماه أبونا أبـــــو طالب |
وأسلم والناس لــم تسلــــم |
|
وقــــد كــان يكتم إيمانه |
وأما الولاء فلــــم يكتــــم |
____________
(١) له كتاب إيمان أبي طالب وأحوله وأشعاره. راجع الذريعة الى تصانيف الشيعة: ٢ / ٥١٣ رقم ٢٠١٥.
(٢) انتقل إلى دار البقاء سنة ١٣٧٢ وأبقى لهفةً وجوىً في قلوب أمة كبيرة كانت تعرفه بفضائله وفواضله. (المؤلف)
وقول الشريف العلامة السيد علي خان الشيرازي(١) في الدرجات الرفيعة(٢) :
أبــو طالب عــم النبي محمدٍ |
به قام أزر الـدين واشتد كاهلــه |
|
ويكفيــه فخراً في المفاخر أنه |
مــوازره دون الأنـام وكافلــه |
|
لئــن جهلت قوم عظيم مقامـه |
فما ضر ضوء الصبح من هو جاهله |
|
ولولاه مــا قامت لأحمد دعـوة |
ولا انجاب ليل الغـي وانزاح باطله |
|
أقـــر بديـن الله سـراً لحكمةٍ |
فقال عدو الحق ما هــو قائلــه |
|
وماذا عليه وهو فـي الدين هضبة |
إذا عصفت مــن ذي العناد أباطله |
|
وكيـف يحــل الذم ساحة ماجدٍ |
أواخـره محمــودةٌ وأوائلـــه |
|
عليـه سلام الله مــا ذر شارقٌ |
ومــا تليت أحسابــه وفضائله(٣) |
ومن قصيدة للشريف الأجل سيدنا آية الله السيد ميرزا عبد الهادي الشيرازي(٤) :
ولي ندحةٌ في مدحة الندب والد الـ |
أئمة أعدال الكتاب أولـي الأمــر |
|
هــو العلم الهادي أزين بمدحـه |
شعوري ويزهو فـي مآثره شعري |
|
أبـو طالب حامــي الحقيقة سيد |
تزان به البطحاء فـي البـر والبحر |
|
أبــو طالب والخيل والليل واللوا |
له شهدت في ملتقى الحرب بالنصر |
|
أبــو الأوصياء الغـر عم محمد |
تضوع به الأحساب عن طيب النجر |
|
لقد عرفت منـه الخطوب محنكاً |
تدرع يوم الزحف بالباس و الحجـر |
|
كما عرفت منه الجدوب أخا ندىً |
دوين سداه الغمر ملتطم البحــر |
____________
(١) أحد شعراء الغدير، تأتي ترجمته إن شاء الله تعالى. (المؤلف)
(٢) الدرجات الرفيعة: ص ٦٢.
(٣) في المصدر: وما تليت أخباره.
(٤) أحد شعراء الغدير، يأتي ذكره وترجمته في شعراء القرن الرابع عشر إن شاء الله تعالى. (المؤلف)
فــذا واحد الدنيا وثانٍ لــه الحيا |
وقل فـي سناه الث الشمس و البـدر |
|
وأنــى يحيط الوصف غر خصاله |
وقد عجزت عن سردها صاغة الشعر |
|
حمى المصطفى في باس ندب مدجج |
تذل له الأبطال فـي موقف الكــر |
|
فلولاه لــم تنجـح لطـه دعايـة |
ولا كان للإسلام مستوسق الأمــر |
|
وآمـن بالله المهيمن و الـــورى |
لهم وثبات من يعوق إلى نســـر |
|
وجابه أسراب الضلال مصدقـــاً |
نبي الهدى إذ جاء يصدع بالأمــر |
|
كفى مفخــراً شيخ الاباطح أنـه |
أبو حيدر المندوب في شدة الضـر |
|
وصلى عليه الله مــا هبت الصبا |
بريا ثنا شيخ الأباطح فـي الدهــرِ |
وقال العلامة الحجة شيخنا الأوردبادي(١) :
بشيــخ الأبطحين فشـا الصلاح |
وفــي أنـــواره زهت البطـاح |
|
براه اللــه للتوحيـد عضبــا |
يلين بـــه مـن الشرك الجمـاح |
|
وعم المصطفــى لولاه أضحى |
حمــى الإسلام نهبــا يستبـاح |
|
نضا للدين منــه صفيـح عـزم |
عنت لمضائـه القضب الصفــاح |
|
وأشرع للهدى بأسـا مـريعــا |
تحطم دونـه السمـر الـرمـــاح |
|
وأصحر بالحقيقة فـــي قريض |
عليه الحق يطفـح و الــصـلاح |
|
صريخة هاشم فــي الخطب لكن |
تـــزم لنيله الإبـــل الطـلاح(٢) |
|
أخو الشرف الصــراح أقام أمرا |
حداه لمثلــه الشـرف الصــراح |
|
فلا عاب(٣) يدنسه ولــكــن |
غرائز ما برحـن بــه سجــاح |
|
فعلم زانه خلــق كــريــم |
ودين فيــه مشفــوع سمــاح |
|
ومنــه الغيث إما عــم جدب |
وفيه الغـوث إن عـــن الصياح |
____________
(١) من شعراء الغدير، يأتي ذكره في شعراء القرن الرابع عشر إن شاء الله تعالى. ( المؤلف )
(٢) الطلاح: جمع الطليحة وهي الناقة المتعبة.
(٣) العاب: الوصمة والعيب.
مناقب أعيت البلغـاء مدحــا |
وتنفذ دونها الكلـــم الفصـاح |
|
وصفــو القول أن أبا عــلي |
له الدين الأصيل ولا بـــراح |
|
ولكــن لابنه نصبوا عــداء |
وما عن حيدر فضل يـــزاح |
|
فنالوا مـن أبيه وما المعــالي |
لكل محـاول قصدا تبـــاح |
|
وضوء البدر أبلج لا يــوارى |
وإن يك حوله كثـــر النبـاح |
|
وهبنـي قلت إن الصبح ليـل |
فهل يخفى لذي العين الصبــاح |
|
فدع بمتاهة التضليل قـومــا |
بمرتبك الهوى لهـم النبـــاح |
|
فذا شيخ الأباطــح فـي هداه |
تصافقـه الإمامــة والنجـاح |
|
أبو الصيد الأكارم من لــؤي |
مقاديـم جحاجحــة وضـاح |
|
لهـم كأبيهـم إن جال سهــم |
لأهل الفضل فـائـزة قــداح |
وقال العلامة الأوحد الشيخ محمد تقي صادق العاملي من قصيدة يمدح بها أله البيت عليهم السلام:
بسيف علي قـد أشيدت صروحه |
كما بأبيـه قــام قدمـــا بناؤه |
|
أبـو طالب أصل المعالي ورمزها |
ومبدأ عنـوان الهــدى وانتهاؤه |
|
توحـد في جمع الفضائل والنهى |
وضــم جميع المكرمـات رداؤه |
|
وتنحط عنه رفعة هامة السها(١) |
ويأرج فـي عرف الخزامى ثناؤه |
|
حمى الخائف اللاجي ومربع أمنه |
وكعبة قصد المــرتجى وغنـاؤه |
|
تحلــق في جمع المكارم نفسه |
ويسمو بــه للنيريــن إبــاؤه |
|
أصاخ إلــى الدين الحنيف ملبيا |
لدعـوتـه لـما أتــــاه نداؤه |
|
وباع بإعــزاز الشـريعة نفسه |
فبــورك قـــدرا بيعه وشراؤه |
____________
(١) السها: كويكب صغير خفي الضوء.
وقال العلامة الشريف المبجل السيد علي النقي اللكهنوي(١) :
زهت أم القـرى بأبـي الوصي |
غداة غدا يذود عـــن النبـي |
|
وقام بنصــرة الإسلام فـردا |
يراغم كــل مختال غـــوي |
|
يذب عن الهدى كيدا الأعـادي |
بأمضى من ذباب المشرقـــي(٢) |
|
وأبصـر رشده من ديـن طه |
فجاهر فيه بالسـر الخفـــي |
|
وآمــن بالإلـه الحق صدقا |
بقلب موحــد بــر تقــي |
|
بنـى للسؤدد العربـي صرحا |
محاطا بالفخــار الهــاشمي |
|
تلقـى الرشد عن آبـا صدق |
توارثـه صفيا عـن صفــي |
|
كــأن الأمهات لهـم أبت أن |
تلدن سوى نبي أو وصـــي |
|
فكان على الهـدى كأبيه قدما |
ولم يبرح على النهج الســوي |
|
وكان به رواء الشــرع بدءا |
وتم بنجله الزاكــي علـــي |
وقال العلامة الفاضل الشيخ محمد السماوي(٣) من قصيدة نشرت في آخر كتاب الحجة ( ص ١٣٥ ) مطلعها:
فــــؤادي بالغادة الكاعب |
غدا كرة فـي يـــدي لاعب |
|
كأنــي بدائــرة من هوى |
فمن طالع لــي ومـن غارب |
|
بليت بمـــن ضربت خدره |
بمنقطع النظــر الصــائب |
|
بحيث الصفـاح وحيث الرما |
ح فمن مشرفي إلــى راغبي |
|
لها منعة فــي ذرى قومها |
كــأن أباها أبــــو طالب |
|
فخار الأبـــي وعم النبي |
وشيخ الأباطـــح من غالب |
____________
(١) أحد شعراء الغدير، يأتي في شعراء القرن الرابع عشر إن شاء الله تعالى. ( المؤلف ).
(٢) ذباب المشرفي: حد السيف.
(٣) أحد شعراء الغدير، يأتي ذكره إن شاء الله، توفي في يوم الأحد ٢ محرم سنة ١٣٧٩. ( المؤلف )
أمنع لا يرتقـــى أجـدل |
إلى ذروة منـــه أو غارب |
|
إذا الرافع الطرف يرنـو له |
يعود بتنحيـــة الناصــب |
|
تهلل طلعتـــه للعيـــو |
ن كما جـرد الغمد عن قاضب |
|
أقام عماد العلـــى سامكا |
بأربعـــة كالسنــا الثاقب |
|
بمثل علـــي إلـى جعفر |
ومثـل عقيل إلـــى طالب |
|
أولئك لا زمعـــات الرجا |
ل مـن قالص الذيل أو ساحب |
|
ومــن ذا كعبد مناف يطو |
ل علــى راجل ثم أو راكب |
|
حمى الدين في سفينة فانبرى |
بمكــة ممتنــع الجـانب |
|
وآمن باللـــه فـي سره |
لامـر جليل علــى الطالب |
|
وصدق أحمد فــي وحيـه |
وقام بمـا كان مــن واجب |
|
فكم بين مخف لتصديقــه |
وآخـر مبد لــه كــاذب |
|
لنعم ملاذ الهــوى والتقى |
ومنتجع الوافــد الــراغب |
|
ومعتصم الدين فــي مكة |
إذ الدين منفـرد الصــاحب |
|
ومناح حوزة أهـل الهدى |
مد العمر من وثبــة الواثب |
|
فلولاه مـا طفق المصطفى |
ينادي علـى المنهج اللاحب |
|
ولم يعب الشرك مستظهرا |
بيوم يضيق علــى العائب |
وللبحاثة الفاضل صاحب التأليف القيم الشيخ جعفر بن حاج محمد النقيدي من قصيدة ذكرها في كتابه مواهب الواهب في فضائل أبي طالب(٢) . المطبوع في النجف الأشرف في ( ١٥٤ ) صفحة مطلعها:
____________
(١) من شعراء الغدير، يأتي تفصيل ترجمته في شعراء القرن الرابع عشر إنشاء الله. ارتحل الى رحمة ربه يوم السبت ٨ محرم ١٣٦٩ في الكاظمية، ونقل جثمانه الى النجف الأشرف. ( المؤلف ).
(٢) مواهب الواهب في فضائل أبي طالب: ص ٢٩٣.
برق ابتسامك قــد اضاء الوادي |
وحيا خدودك فيــه ري الصادث |
قوله:
مهما تراكمت الخطـــوب فإنها |
تجلى متى بأبــي الوصي انادي |
|
عبد المناف الطهر عـــم محمد |
الطاهــر الأبـاء والأجـــداد |
|
غيث المكـــارم ليث كـل ملمة |
غـوث المنــادي بدر افق الناد |
|
شيخ الأباطح مـن بصارم عزمه |
بلـغ الأنام لحظــة الأرشــاد |
|
دانت لديه المكرمات رقابهـــا |
وإليـه القى الدهر فصل قيـــاد |
|
جــد الأئمة شيخ أمــة أحمد |
ربـع الأماني مربع الــوفــاد |
|
سيف لـــه المجد الأثير حمائل |
ولـه الفخار غدا حلــي نجـاد |
|
دعاني الورى للرفد في عصر به |
لا يعـرفونه الناس نهج رشــاد |
|
وله قـريش كـم رأت من معجز |
عرفـوه فيه واحـد الاحـــاد |
|
كرضاعه خيـر البرية أحمد(١) |
وقبولـه دعوته لسقي الــوادي(٢) |
|
وبشــارة الاسد الهصور بنجله |
وشفائـه بدعاء النبي الهـــادي(٣) |
|
وكلامــه بالوحي قبل صدوره |
وله الفجـار الأرض اذ هو صادي |
|
وبيــــوم مولد أحمد أخباره |
عـن حيدر الكـرار بالميــلاد(٤) |
|
وله على الاسلام من سنن غدت |
للمسلميــن قلائـــد الأجيـاد |
|
كفل النبي المصطفى خير الورى |
ورعـى الحقـوق له بصدق وداد |
|
ربـــاه طفلا واقتفاه يافعــا |
وحماه كهلا مــن أذى الأضداد |
____________
(١) أخرج حديث هذه المكرمة شيخنا ثقة الاسلام الكليني في اصول الكافي: ص ٣٤٤ ( ٤٤٨ / ١ ). ( المؤلف ).
(٢) راجع ما أسلفناه ص: ٣٤٥. ( المؤلف ).
(٣) يوجد حديثه في غير واحد من كتب الفريقين. ( المؤلف ).
(٤) راجع ما مر في ص: ٣٤٧، ٣٩٨، ( المؤلف ).
ولأجله عاد قــريش بعدمـــا |
سلكوا سبيل الغـــي والافسـاد |
|
ورآهـــم متعاضدين ليقتلــوا |
خير البريـــة سيد الأمجــاد |
|
فسطا بعزم ناله مــــن معشر |
شم الأنـــوف مصالت أنجاد |
|
وانصاع يفدي أحمـــد في نفسه |
والجـاه والأمـــوال والأولاد |
|
وأقام ينصره إلــى أن أصبحت |
تزهــو شريعتــه بكل بلاد |
|
أفديه مــن صاد لــواء للهدى |
يحمي لأفصح ناطق بالضــاد |
|
قد كان يعلــم أنـه المختار من |
رب السماء عميـد كــل عماد |
|
ولقد روى عـــن أنبياء جدوده |
فيـه حديثا واضـــح الاسناد |
|
وعلا به عينا علــى كل الورى |
إذ قال فيـــه بمطرب الإنشاد |
|
إن أبـــن آمنـة النبي محمدا |
عندي يفـوق منــازل الأولاد(١) |
|
راعيت فيــه قـرابة موصولة |
وحفظت فيـه وصيــة الأجداد |
|
يا والــد الكرار والطبار والـ |
طهـار أبناء النبــي الهـادي |
|
كــم معجز أبصرته من أحمد |
باهلت فيـــه معاشـر الحساد |
|
من لصق أحجار ومزق صحيفة |
ونزول أمطار ونطـق جمــاد |
|
لا فخـر إلا فخرك السامي الذي |
فقئت بـه أبصـار أهــل عناد |
|
إن المكارم لــو رأت أجسادها |
عيـن رأتك الـــروح للأجساد |
|
شكر الآلـــه فعالك العز التي |
فرحت بهـا أملاك سبــع شداد |
|
لله همتك التـــي خضعت لها |
مـن خـوف بأسك شامخ الأطواد |
|
لله هيبتك التــي رجفت بهــا |
أعـداء مجدك عصبــة الإلحاد |
|
لله كفك كـــم بهـا من معدم |
أحييت فــي الأصـدار والإيراد |
إلى آخر.
____________
(١) راجع ما أسلفناه في ص ٣٤٣. ( المؤلف ).
(٢) أشار شاعرنا النقيدي إلى أربعة مكرمات للرسول صلى الله عليه وآله شاهدها الشيخ الأبطح أبو طالب، مر حديثها ص ٣٣٦، ٣٦٢، ٣٧٥، ٣٩٦. ( المؤلف ).
وله قصيدة ( ٤٣ ) بيتا يمدح بها شيخ الأباطح أبو طالب سلام الله عليه توجد في الواهب(١) ( ص ١٥١ ) مستهلها:
بالله يا قاصد الاطلال في العلم |
سلمت سلم على سلمى بذي سلم |
ها هنا نجعجع بالقلم عن الافاضة في القول لأن نطاق الجزء ضاق عن التبسط فنرجى تكلمة البحث إلى أوليات الجزء الثامن إن شاء الله تعالى وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
____________
(١) مواهب الواهب: ص ٢٩٦.
لقد أغرق القوم نزعا في الوقيعة والتحامل علي بطل الاسلام والمسلم الاول بعد ولده البار، وناصر دين الله الوحيد، فلم يقنعهم ما اختلقوه من الاقاصيص حتى عمدوا الى كتاب الله فحرفوا الكلم عن مواضعه، فافتعلوا في آيات ثلاث أقاويل نأت عن الصدق، وبعدت عن الحقيقة بعد المشرقين، وهي عمدة ما استند اليه القوم في عدم تسليم ايمان أبي طالب، فاليك البيان:الاية الاولي
قوله تعالى:( وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) (١) .
أخرج الطبري وغيره من طريق سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عمن سمع ابن عباس أنه قال: انها نزلت في أبي طالب، ينهى عن أذى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يؤذي، وينأى أن يدخل في الاسلام(٢) .
وقال القرطبي: هو عام في جميع الكفار، أي ينهون عن اتباع محمد صلى الله عليه وآله وسلم وينأون عنه، عن ابن عباس والحسن. وقيل: هو خاص بأبي طالب ينهى الكفار عن أذاية محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويتباعد عن الايمان به، عن ابن عباس أيضا. روى أهل السير قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج الى الكعبة يوما وأراد أن يصلي، فلما دخل في الصلاة
____________
(١) الأنعام: ٢٦.
(٢) طبقات ابن مسعود ١ / ١٠٥ ( ١ / ١٢٣ )، تفسير الطبري: ٧ / ١١٠ ( مج ٥ / ج ٧ / ١٧٣ )، تفسير ابن كثير: ٢ / ١٢٧، الكشاف: ١ / ٤٤٨ ( ٢ / ١٤ )، تفسير ابن جزي: ٢ / ٦، تفسير الخازن: ٢ / ١٠. ( المؤلف ).
قال أبو جهل - لعنه الله: من يقوم الى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته؟ فقام ابن الزبعري فأخذ فرثا ودما فلطخ به وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فانفتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صلاته، ثم أتى أبا طالب عمه فقال: يا عم ألا ترى الى ما فعل بي؟» فقال أبو طالب: من فعل هذا بك؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « عبد الله بن الزبعري »، فقام أبو طالب ووضع سيفه على عاتقه ومشى معه حتى أتى القوم، فلما رأوا أبا طالب قد أقبل جعل القوم ينهضون، فقال أبو طالب: والله لئن قام رجل لجللته بسيفي. فقعدوا حتى دنا اليهم، فقال: يا بني من الفاعل بك هذا ؟ فقال: عبد الله بن الزبعري». فأخذ أبو طالب فرثا ودما فلطخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول، فنزلت هذه الاية:( وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ) فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا عم نزلت فيك آية. قال: وما هي؟ قال تمنع قريشا أن تؤذيني، وتأبي أن تؤمن بي. فقال أبو طالب:
والله لن يصلوا اليك بجمعهم |
حتى أوسد في التراب دفينــا |
الي آخر الابيات التي أسلفناها ( ٧ / ٣٣٤، ٣٥٢ ) فقالوا: يا رسول الله هل تنفع نصرة أبي طالب(١) ؟ قال: نعم دفع عنه بذاك الغل، ولم يقرن مع الشياطين، ولم يدخل في جب الحيات والعقارب، انما عذابه في نعلين من نار [في رجليه](٢) يغلي منهما دماغه في رأسه، وذلك أهون أهل النار عذابا(٣) .
قال الاميني: نزول هذه الاية في أبي طالب باطل لا يصح من شتى النواحي:
١ - ارسال حديثه بمن بين حبيب بن أبي ثابت وابن عباس، وكم وكم غير ثقة في أناس رووا عن ابن عباس، ولعل هذا المجهول أحدهم.
٢ - ان حبيب بن أبي ثابت انفرد به ولم يروه أحد غيره ولا يمكن المتابعة
____________
(١) في المصدر: هل تنفع أبا طالب نصرته ؟
(٢) الزيادة من الصدر.
(٣) تفسير القرطبي: ٦ / ٤٠٦ ( ٦ / ٢٦١ ). ( المؤلف ).
على ما يرويه، ولو فرضناه ثقة في نفسه بعد قول ابن حبان(١) انه كان مدلسا. وقول العقيلي(٢) غمزه ابن عون وله عن عطاء أحاديث لا يتابع عليها. وقول القطان: له غير حديث عن عطاء لا يتابع عليه وليست بمحفوظة. وقول الاجري عن أبي داود: ليس لحبيب عن عاصم بن ضمرة شيء يصح، وقول ابن خزيمة: كان مدلسا(٣) .
ونحن لا نناقش في السند بمكان سفيان الثوري، ولا نؤاخذه بقول من قال: انه يدلس ويكتب عن الكذابين(٤) .
٣ - ان الثابت عن ابن عباس بعدة طرق مسندة يضاد هذه المزعمة، ففيما رواه الطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة وطريق العوفي عنه أنها في المشركين الذين كانوا ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به، وينأون عنه يتباعدون عنه(٥) .
وقد تأكد ذلك ما أخرجه الطبري وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وعبد بن حميد من طريق وكيع عن سالم عن ابن الحنفية، ومن طريق الحسين بن الفرج عن أبي معاذ، ومن طريق بشر عن قتادة.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة والسدي والضحاك، ومن طريق أبي نجيح عن مجاهد، ومن طريق يونس عن ابن زيد قالوا: ينهون عن القرآن وعن النبي، وينأون عنه يتباعدون عنه(٦) .
____________
(١) الثقاة: ٤ / ١٣٧.
(٢) الضعفاء الكبير: ١ / ٢٦٣ رقم ٢٢٢.
(٣) تهذيب التهذيب: ٢ / ١٧٩ ( ٢ / ١٥٦ ). ( المؤلف ).
(٤) ميزان الاعتدال: ١ / ٣٩٦ ( ٢ / ١٦٩ ) رقم ٣٣٢٢. ( المؤلف ).
(٥) تفسير الطبري: ٧ / ١٠٩ ( مج ٥ / ج ٧ / ١٧٢ )، الدر المنثور: ٣ / ٨ ( ٣ / ٢٦٠ - ٢٦١ ). ( المؤلف ).
(٦) الطبري: ٧ / ١٠٩ ( مج ٥ / ج ٧ / ١٧٢ )، الدر المنثور: ٣ / ٨، ٩ ( ٣ / ٢٦٠، ٢٦١ )، تفسير الآلوسي: ج ٧ / ص ١٢٦. ( المؤلف ).
وليس في هذه الروايات أي ذكر لابي طالب، وانما المراد فيها الكفار الذين كانوا ينهون عن اتباع رسول الله أو القرآن، وينأون عنه بالتباعد والمناكرة، وأنت جد عليم بأن ذلك كله خلاف ما ثبت من سيرة شيخ الابطح الذي آواه ونصره وذب عنه ودعا اليه الى آخر نفس لفظه.
٤- ان المستفاد من سياق الاية الكريمة أنه تعالى يريد ذم أناس أحياء ينهون عن اتباع نبيه ويتباعدون عنه، وان ذلك سيرتهم السيئة التي كاشفوا بها رسول الله صلى الله عيه وآله وسلم وهم متلبسون بها عند نزول الاية، كما هو صريح ما أسلفناه من رواية القرطبي وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أبا طالب بنزول الاية.
لكن نظرا الى ما يأتي عن الصحيحين فيما زعموه من أن قوله تعالى في سورة القصص:( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ) نزلت في أبي طالب بعد وفاته. لا يتم نزول آية ينهون عنه وينأون النازلة في أناس أحياء في أبي طالب، فان سورة الانعام التي فيها الاية المبحوث عنها نزلت جملة واحدة(١) بعد سورة القصص بخمس سور كما في الاتقان(٢) ( ١، ١٧ ) فكيف يمكن تطبيقها على أبي طالب وهو رهن أطباق الثرى، وقد توفي قبل نزول الاية ببرهة طويلة؟
٥ - ان سياق الايات الكريمة هكذا:( وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَـٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ، وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ
____________
(١) أخرجه أبو عبيده وابن المنذور والطبراني ( في المعجم الكبير: ١٢ / ١٦٦ ح ١٢٩٣٠ ) وابن مردويه والنحاس من طريق ابن عباس والطبراني وابن مردويه من طريق عبد الله بن عمر، راجع تفسير القرطبي: ٦ / ٣٨٢، ٣٨٣ ( ٦ / ٢٤٦ )، تفسير ابن كثير: ٢ / ١٢٢، الدر المنثور: ٣ / ٢ ( ٣ / ٢٤٥ )، تفسير الشوكاني: ٣ / ٩١، ٩٢ ( ٢ / ٩٦، ٩٧ ). ( المؤلف ).
(٢) الاتقان في علوم القرآن: ١ / ٢٤، ٢٧.
وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) (١) .
وهو كما ترى صريح بأن المراد بالايات كفار جاؤوا النبي فجادلوه وقذفوا كتابه المبين بأنه من أساطير الاولين، وهؤلاء الذين نهوا عنه صلى الله عليه وآله وسلم وعن كتابه الكريم، ونأوا وباعدوا عنه، فأين هذه كلها عن أبي طالب، الذي لم يفعل كل ذلك طيلة حياته، وكان اذا جاءه فلكلاءته والذب عنه بمثل قوله:
والله لــن يصلوا اليك بجمعهم |
حتي أوسد فــــي التراب دفينا |
وان لهج بذكره نوه برسالته عنه بمثل قوله:
ألـم تعلمـوا أنا وجدنا محمدا |
رسولا كموسى خط في أول الكتب |
وان قال عن كتابه هتف بقوله:
أو يؤمنوا بكتاب منـزل عجب |
على نبي كموسى أو كذي النـون |
وقد عرف ذلك المفسرون فلم يقيموا للقول بنزولها في أبي طالب وزنا، فمنهم من عزاه الى القيل، وجعل آخرون خلافه أظهر، ورأى غير واحد خلافه أشبه، واليك جملة من نصوصهم:
قال الطبري في تفسيره(٢) ( ٧ / ١٠٩ ) المراد المشركون المكذبون بآيات الله ينهون الناس عن اتباع محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقبول منه وينأون عنه ويتباعدون عنه. ثم رواه من الطرق التي أسلفناها عن ابن الحنفية وابن عباس والسدي وقتادة وأبي معاذ، ثم ذكر قولا آخر بأن المراد ينهون عن القرآن أن يسمع له ويعمل بما فيه، وعد ممن قال به قتادة ومجاهد وابن زيد، ومرجع هذا الى القول الاول، ثم ذكر القول بنزولها في
____________
(١) الانعام: آية ٢٥، آية ٢٦.
(٢) جامع البيان: مج ٥ / ج ٧ / ١٧١ - ١٧٤.
أبي طالب وروى حديث حبيب ابن أبي ثابت عمن سمع ابن عباس وأردفه بقوله في (ص ١١٠):
وأولى هذه الاقوال بتأويل الاية قول من قال: تأويل وهم ينهون عنه عن اتباع محمد صلى الله عليه وآله وسلم من سواهم من الناس وينأون عن اتباعه، وذلك أن الايات قبلها جرت بذكر جماعة المشركين العادين به والخبر عن تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاعراض عما جاءهم به من تنزيل الله ووحيه، فالواجب أن يكون قوله:
( وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ) خبرا عنهم، اذ لم يأتنا ما يدل على انصراف الخبر عنهم الى غيرهم، بل ما قبل هذه الاية وما بعدها يدل على صحة ما قلنا من أن ذلك خبر عن جماعة مشركي قوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون أن يكون خبرا عن خاص منهم، واذ كان ذلك كذلك فتأويل الاية: وان ير هؤلاء المشركون يا محمد كل آية لا يؤمنوا [بها](١) حتى اذا جاؤوك يجادلونك يقولون ان هذا الذي جئتنا به الا أحاديث الاولين وأخبارهم، وهم ينهون عن استماع التنزيل وينأون عنك، فيبعدون منك ومن اتباعك، وان يهلكون الا أنفسهم. انتهى.
وذكر الرازي في تفسيره(٢) (٤ / ٢٨ ) قولين: نزولها في المشركين الذين كانوا ينهون الناس عن اتباع النبي والاقرار برسالته. ونزولها في أبي طالب خاصة، فقال: والقول الاول أشبه لوجهين:
الاول: أن جميع الايات المتقدمة على هذه الاية تقتضي ذم طريقتهم فكذلك قوله:( وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ) ينبغي أن يكون محمولا على أمر مذموم، فلو حملناه على ان أبا طالب كان ينهى عن ايذائه لما حصل هذا النظم.
والثاني: إنه تعالى بعد ذلك:( وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ) يعني به ما تقدم
____________
(١) من المصدر.
(٢) التفسير الكبير: ١٢ / ١٨٩.
ذكره، ولا يليق ذلك بأن يكون المراد من قوله وهم ينهون عنه النبي عن أذيته، لان ذلك حسن لا يوجب الهلاك.
فإن قيل: إن قوله:( وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ) يرجع الى قوله:( وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ) لا إلى قوله: ( وينهون عنه ). لأن المراد بذلك أنهم يبعدون عنه بمفارقة دينه وترك الموافقة له ذلك ذم فلا يصح ما رجحتم به هذا القول قلنا: إن ظاهر قوله:( وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ) يرجع الي كل ما تقدم ذكره لانه بمنزلة أن يقال: ان فلانا يبعد عن الشيء الفلاني وينفر عنه ولا يضر بذلك الا نفسه، فلا يكون هذا الضرر متعلقا بأحد الامرين دون الاخر. انتهى.
وذكر ابن كثير في تفسيره (٢/١٢٧ » القول الاول نقلا عن ابن الحنفية وقتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد، فقال: وهذا القول أظهر والله أعلم، وهو اختيار ابن جرير.
وذكر النسفي في تفسيره(١) بهامش تفسير الخازن ( ٢ / ١٠ ) القول الاول ثم قال: وقيل: عني به أبو طالب: والاول أشبه.
وذكر الزمخشري في الكشاف(٢) (١/٤٤٨ ) والشوكاني في تفسيره(٣) (٢/١٠٣) وغيرهما القول الاول وعزوا القول الثاني الى القيل، وجاء الالوسي(٤) وفصل في القول الاول ثم ذكر الثاني وأردفه بقوله: ورده الامام. ثم ذكر محصل قول الرازي.
وليت القرطبي لما جاءنا يخبط في عشواء وبين شفتيه رواية التقطها كحاطب ليل دلنا على مصدر هذا الذي نسجه، ممن أخذه؟ والى من ينتهي اسناده؟ ومن ذا
____________
(١) تفسير النسفي: ٢ / ٨.
(٢) الكشاف: ٢ / ١٤.
(٣) سطح القدير: ٢ / ١٠٨.
(٤) رواح المعاني: ٧ / ١٢٦ - ١٢٧.
الذي صافقه على روايتها من الحفاظ؟ وأي مؤلف دونه قبله، ومن الذي يقول: ان ما ذكره من الشعر قاله أبو طالب يوم ابن الزبعري؟ ومن الذي يروي نزول الاية يوم ذلك؟ وأي ربط وتناسب بين الاية واخطارها النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أبي طالب وبين شعره ذاك؟ وهل روي قوله في هذا النسيج: يا عم نزلت فيك آية. غيره من أئمة الحديث ممن هو قبله أو بعده؟ وهل وجد القرطبي للجزء الاخير من روايته مصدرا غير تفسيره؟ وهل أطل علي جب الحيات والعقارب فوجده خاليا من أبي طالب؟ وهل شد الاغلال وفكها هو ليعرف أن شيخ الابطح لا يغل بها؟ أم أن مدركه في ذلك الحديث النبوي؟ حبذا لو صدقت الاحلام، وعلى كل فهو محجوج بكل ما ذكرناه من الوجوه.
١ - قوله تعالي:( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) (١) .
٢ - قوله تعالي:( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (٢) .
أخرج البخاري في الصحيح في كتاب التفسير في القصص(٣) (٧/ ١٨٤ ) قال: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبدالله بن أبي أمية بن المغيرة فقال: أي عم قل: لا اله الا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل
____________
(١) البراءة: ١١٣.
(٢) القصص: ٥٦.
(٣) صحيح البخاري: ٤ / ١٧٨٨ ح ٤٤٩٤.
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما تكلم(١) على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا اله الا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والله لاستغفرن لـك ما لم أنه عنك. فأنزل الل ه:( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْـمُشْرِكِينَ ) . وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ) .
وفي مرسلة الطبري(٢) : فنزلت:( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ) الاية. ونزلت:( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) .
وأخرجه مسلم في صحيحه(٣) من طريق سعيد بن المسيب، وتبع الشيخين جل المفسرين لحسن ننهم بهما وبالصحيحين.
١ - ان سعيدا الذي انفرد بنقل هذه الرواية كان ممن ينصب العداء لامير المؤمنين علي عليه السلام فلا يحتج بما يقوله أو يتقوله فيه وفي أبيه وفي آله وذويه، فان الوقيعة فيهم أشهى مأكلة له، قال ابن أبي الحديد في الشرح(٤) ( ١ / ٣٧٠ ): وكان سعيد بن المسيب منحرفا عنه عليه السلام، وجبهه عمر بن علي عليه السلام في وجهه بكلام شديد، روى عبد الرحمن بن الاسود عن أبي داود الهمداني قال: شهدت سعيد بن المسيب وأقبل عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له سعيد: يابن أخي ما أراك تكثر غشيان مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما يفعل أخوتك وبنو أعمامك؟ فقال عمر: يابن المسيب أكلما دخلت المسجد أجيء، فأشهدك؟ فقال سعيد: ما أحب أن تغضب
____________
(١) في المصدر: آخر ما كلمهم.
(٢) جامع البيان: مج ٧ / ج ١١ / ٤١.
(٣) صحيح مسلم: ١ / ٨٢ ح ٣٩ كتاب الإيمان.
(٤) شرح نهج البلاغة: ٤: ١٠١ الاصل ٥٦.
سمعت أباك يقول: ان لي من الله مقاما لهو خير لبني عبد المطلب مما على الارض من شيء. فقال عمر: وأنا سمعت أبي يقول: ما كلمة حكمة في قلب منافق فيخرج من الدنيا الا يتكلم بها. فقال سعيد: يابن أخي جعلتني منافقا؟ قال: هو ما أقول لك. ثم انصرف.
وأخرج الواقدي من أن سعيد بن المسيب مر بجنازة السجاد علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليه السلام ولم يصل عليها، فقيل له: ألا تصلي على هذا الرجل الصالح من أهل البيت الصالحين؟ فقال: صلاة ركعتين أحب الي من الصلاة على الرجل الصالح !
ويعرفك سعيد بن المسيب ومبلغه من الحيطة في دين الله ما ذكره ابن حزم في المحلي ( ٤ / ٢١٤ ) عن قتادة قال: قلت لسعيد: أنصلي خلف الحجاج؟ قال: انا لنصلي خلف من هو شر منه.
٢ - أن ظاهر رواية البخاري كغيرها تعاقب نزول الايتين عند وفاة أبي طالب عليه السلام، كما أن صريح ما ورد في كل واحدة من الايتين نزولها عند ذاك، ولا يصح ذلك لان الاية الثانية منهما مكية والاولى مدنية نزلت بعد الفتح بالاتفاق وهي في سورة براءة المدنية التي هي آخر ما نزل من القرآن(١) فبين نزول الايتين ما يقرب من عشر سنين أو يربو عليها.
٣ - ان آية الاستغفار نزلت بالمدينة بعد موت أبي طالب بعدة سنين تربو
____________
(١) صحيح البخاري: ٧ / ٦٧ في آخر سورة النساء ( ٤ / ١٦٨١ ح ٤٣٢٩ )، الكشاف: ٢ / ٤٩ ( ٢ / ٣١٥ )، تفسير القرطبي: ٨ / ٢٧٣ ( ٨ / ١٧٣ )، الإتقان: ١ / ١٧ ( ١ / ٢٧ )، تفسير الشوكاني: ٣ / ٣١٦ ( ٢ / ٣٣١ )، نثلا عن ابن أبي شيبة ( في مصنفه: ١٠ / ٥٤٠ ح ١٢٦٢ ) والبخاري والنسائي ( في السنن الكبرى: ٦ / ٣٥٣ ح ١١٢١٢ ) وابن الضريس وابن المنذر والنحاس وأبي الشيخ وابن مردويه عن طريق البراء بن عازب. ( المؤلف ).
على ثمانية أعوام، فهل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلال هذه المدة يستغفر لابي طالب عليه السلام أخذا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: والله لاستغفرن لك ما لم أنه عنك؟ وكيف كان يستغفر له؟ وكان هو صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون ممنوعين عن موادة المشركين والمنافقين وموالاتهم والاستغفار لهم - الذي هو من أظهر مصاديق الموادة والتحابب منذ دهر طويل بقوله تعالى:( لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ) الاية.
هذه آية (٢٢) من سورة المجادلة المدنية النازلة قبل سورة براءة التي فيها آية الاستغفار بسبع سور كما في الاتقان(١) (١ / ١٧ ) أخرج:(٢) ابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وأبو نعيم، والبيهقي، وابن كثير كما في تفسيره (٤/ ٣٢٩ )، وتفسير الشوكاني (٥/ ١٨٩ )، وتفسير الالوسي (٢٨/ ٣٧ ) أن هذه الاية نزلت يوم بدر وكانت في السنة الثانية من الهجرة الشريفة، أو نزلت على ما في بعض التفاسير في أحد وكانت في السنة الثالثة باتفاق الجمهور كما قاله الحلبي في السيرة(٣) فعلى هذه كلها نزلت هذه الاية قبل آية الاستغفار بعدة سنين.
وبقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّـهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا ) .
هذه الاية ( ١١٤ ) من سورة النساء وهي مكية على قول النحاس وعلقمة وغيرهما ممن قالوا: ان قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ) حيث وقع انما هو مكي(٤) وان
____________
(١) الإتقان في علوم القرآن: ١ / ٢٧.
(٢) المعجم الكبير: ١ / ١٥٤ ح ٣٦٠، المستدرك على الصحيحن: ٣ / ٢٩٦ ح ٥١٥٢، حلية الأولياء ١ / ١٠١ رقم ١٠، السنن الكبرى للبيهقي ٩ / ٢٧، فتح الغدير: ٥ / ١٩٤.
(٣) السيرة الحلبية: ٢ / ٢١٦.
(٤) تفسير القرطبي: ٥ / ١ ( ٥ / ٣ ).
أخذنا بما صححه القرطبي في تفسيره (٥/١) وذهب اليه الاخرون من أنها مدنية أخذا بما في صحيح البخاري(١) من حديث عائشة: ما نزلت سورة النساء الا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانها نزلت في أوليات الهجرة الشريفة بالمدينة، وعلى أي من التقديرين نزلت قبل سورة آية الاستغفار - البراءة باحدى وعشرين سورة كما في الاتقان(٢) ( ١ / ١٧ ).
وبقوله سبحانه:( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ ) .
هذه الاية ( ١٣٩ ) من سورة النساء وقد عرفت أنها نزلت قبل براءة.
وبقوله تعالي:( لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّـهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّـهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّـهِ الْمَصِيرُ ) .
هذه الاية ( ٢٨ ) من آل عمران، نزل صدرها الى بضع وثمانين آية في أوائل الهجرة الشريفة يوم وفد نجران كما في سيرة ابن هشام(٣) ( ٢ / ٢٠٧ )، وأخذا بما رواه القرطبي وغيره(٤) نزلت هذه الاية في عبادة بن الصامت يوم الاحزاب كانت في الخمس من الهجرة، وعلى أي من التقديرين وغيرهما نزلت آل عمران قبل براءة - سورة آية الاستغفار - بأربع وعشرين سورة كما في الاتقان(٥) ( ١ / ١٧ ).
وبقوله تعالى:( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّـهُ لَهُمْ )
____________
(١) صحيح البخاري: ٧ / ٣٠٠ ( ٤ / ١٩١٠ ح ٤٧٤٧ ) في كتاب التفسير باب تأليف القرآن، وذكره القرطبي في تفسيره: ٥ / ١. ( المؤلف ).
(٢) الإتقان في علوم القرآن: ١ / ٢٧.
(٣) السيرة النبوية: ٢ / ٢٢٥.
(٤) تفسير القرطبي: ٤ / ٥٨ ( ٤ / ٣٨ )، تفسير الخازن: ١ / ٢٣٥ ( ١ / ٢٢٧ ). ( المؤلف ).
(٥) الإتقان في علوم القرآن: ١ / ٢٧.
وهي الاية السادسة من المنافقين نزلت عام غزوة بني المصطلق سنة ست، وهو المشهور عند أصحاب المغازي والسير كما قاله ابن كثير(١) ونزلت قبل براءة بثماني سور كما في الاتقان ( ١ / ١٧ ).
وبقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) وبقوله تعالى:( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّـهُ لَهُمْ ) .
وهذه وما قبلها الايتان ( ٢٣ و ٨٠ ) من سورة التوبة نزلتا قبل آية الاستغفار.
أترى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع هذه الايات النازلة قبل آية الاستغفار كان يستغفر لعمه طيلة سنين وقد مات كافرا - العياذ بالله - وهو ينظر اليه من كثب؟ لاها الله، حاشا نبي العظمة.
ولعل لهذه كلها استبعد الحسين بن الفضل نزولها في أبي طالب وقال: هذا بعيد لان السورة من آخر ما نزل من القرآن، ومات أبو طالب في عنفوان الاسلام والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة، وذكره القرطبي وأقره في تفسيره(٢) ( ٨ / ٢٧٣ ).
٤ - إن هناك روايات تضاد هذه الرواية في مورد نزول آية الاستغفار من سورة براءة، منها:
صحيحة أخرجها(٣) الطيالسي، وابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي،
____________
(١) تفسير القرطبي: ١٨ / ١٢٧ ( ١٨ / ٨٣ )، تفسير ابن كثير: ٤ / ٣٦٩، ( المؤلف ).
(٢) الجامع لأحكام القرآن: ٨ / ١٧٣.
(٣) مسند أبي داود الطيالسي: ص ٢٠ ح ١٣١، المصنف في الأحاديث والآثار: ١٠ / ٥٢٢ ح ١٠١٩٠، مسند أحمد ١: ٢١٠ ح ١٠٩٩، سنن الترمذي: ٥ / ٢٦٢ ح ٣١٠١، السنن الكبرى: ١ / ٦٥٥ ح ٢١٦٣، مسند أبي يعلى: ١ / ٢٨٠ ح ٣٣٥، جامع البيان: مج ٧ / ج ١١ / ٤٣، المستدرك على الصحيحين: ٢ / ٣٦٥ ح ٣٢٨٩، شعب الإيمان: ٧ / ٤١ ح ٩٣٧٨.
والنسائي، وأبو يعلي، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الايمان، والضياء في المختارة عن علي قال: «سمعت رجلا يستغفر لابويه وهما مشركان فقلت: تستغفر لابويك وهما مشركان؟ فقال: أولم يستغفر ابراهيم؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت:( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ، وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّـهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) (١) ».
يظهر من هذه الرواية أن عدم جواز الاستغفار للمشركين كان أمرا معهودا قبل نزول الاية ولذلك ردع عنه مولانا أمير المؤمنين الرجل، وقوله عليه السلام هذا لا يلائم استغفار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمه على تقدير عدم اسلامه، وترى الرجل ما استند في تبرير عمله الى استغفار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمه علما بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يستغفر لمشرك قط.
قال السيد زيني دحلان في أسنى المطالب(٢) ( ص ١٨ ) هذه الرواية صحيحة وقد وجدنا لها شاهدا برواية صحيحة من حديث ابن عباس رضى الله عنه قال: كانوا يستغفرون لابائهم حتى نزلت هذه الاية، فلما نزلت أمسكوا عن الاستغفار لامواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للاحياء حتى يموتوا ثم أنزل الله تعالى:( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ ) الاية يعني استغفر له ما دام حيا فلما مات أمسك عن الاستغفار له، قال: وهذا شاهد صحيح فحيث كانت هذه الرواية أصح كان العمل بها أرجح، فالارجح أنها نزلت في استغفار أناس لابائهم المشركين لا في أبي طالب. انتهى.
ومنها: ما أخرجه(٣) - في سبب نزول آية الاستغفار - مسلم في صحيحه،
____________
(١) التوبة: ١١٣، ١١٤.
(٢) أسنى المطالب: ص ٤٥.
(٣) صحيح مسلم: ٢ / ٣٦٥ ح ١٠٦ كتاب الجنائز، مسند أحمد: ٣ / ١٨٦ ح ٩٣٩٥، سنن أبي داود: ٣ / ٢١٨ ح ٣٢٣٤، السنن الكبرى: ١ / ٦٥٤ ح ٢١٦١، سنن ابن ماجة: ١ / ٥٠١ ح ١٥٧٢.
وأحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، والنسائي، وابن ماجة عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي. فزوروا القبور فانها تذكرة الاخرة(١) .
وأخرج: الطبري، والحاكم(٢) وابن أبي حاتم، والبيهقي(٣) عن ابن مسعود وبريدة، والطبراني(٤) وابن مردويه، والطبري من طريق عكرمة عن ابن عباس: أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما أقبل من غزوة تبوك اعتمر فجاء قبر أمه فاستأذن ربه أن يستغفر لها، ودعا الله تعالى أن يأذن له في شفاعتها يوم القيامة فأبى أن يأذن فنزلت الاية(٥) .
وأخرج الطبري في تفسيره(٦) ( ١١ / ٣١ ) عن عطية: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها حتى نزلت:( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ) الى قوله:( تَبَرَّأَ مِنْهُ ) .
وروى الزمخشري في الكشاف(٧) ( ٢ / ٤٩ ) حديث نزول الاية في أبي طالب، ثم ذكر هذا الحديث في سبب نزولها وأردفها بقوله: وهذا أصح لان موت أبي طالب كان قبل الهجرة وهذا آخر ما نزل بالمدينة.
____________
(١) إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري: ٧ / ١٥١ ( ١٠ / ٣١٤ ح ٤٦٧٥ )، ( المؤلف ).
(٢) المستدرك على الصحيحن: ٢ / ٣٦ ح ٣٢٩٢.
(٣) دلائل النبوة: ١ / ١٨٩.
(٤) المعجم الكبير: ١١ / ٢٩٦ ح ١٢٠٤٩.
(٥) تفسير الطبري: ١١ / ٣١ ( مج ٧ / ج ١١ / ٤٢ )، إرشاد الساري: ٧ / ٢٧٠ ( ١٠ / ٣١٤ ح ٤٦٧٥ )، الدر المنثور: ٣ / ٢٨٣ ( ٤ / ٣٠٢ ). ( المؤلف ).
(٦) جامع البيان: مج ٧ / ج ١١ / ٤٢.
(٧) الكشاف: ٢ / ٣١٥.
وقال القسطلاني في ارشاد الساري(١) ( ٧ / ٢٧٠ )، قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الاية. رواه الحاكم
(٢) وابن أبي حاتم عن ابن مسعود، والطبراني(٣) عن ابن عباس، وفي ذلك دلالة على تأخر نزول الاية عن وفاة أبي طالب والاصل عدم تكرار النزول.
قال الاميني: هلا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلم الى يوم تبوك بعد تلكم الايات النازلة التي أسلفناها في (ص ( ١٠ - ١٢ )، أنه غير مسوغ له وللمؤمنين الاستغفار للمشركين والشفاعة لهم، فجاء يستأذن ربه أن يستغفر لامه ويشفع لها؟ أو كان يحسب أن لامه حسابا آخر دون سائر البشر؟ أو أن الرواية مختلقة تمس كرامة النبي الاقدس، وتدنس ذيل قداسة أمه الطاهرة عن الشرك.
ومنها: ما أخرجه الطبري في تفسيره(٤) ( ١١ / ٣١ ) عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: يا نبي الله ان من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الرحم، ويفك العاني، ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلي](٥) والله لاستغفرن لابي كما استغفر ابراهيم لابيه، فأنزل الله:( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ) ، ثم عذر الله ابراهيم عليه الصلاة والسلام فقال:( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ ) الى قوله:( تَبَرَّأَ مِنْهُ ) .
وأخرج الطبري من طريق عطية العوفي عن ابن عباس قال: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يستغفر لابيه فنهاه الله عن ذلك بقوله:( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن
____________
(١) إرشاد الساري: ١٠ / ٥٦٠ - ٥٦١ ح ٤٧٧٢.
(٢) المستدرك على الصحيحن: ٢ / ٣٦٦ ح ٣٢٩٢.
(٣) المعجم الكبير: ١١ / ٢٩٦ ح ١٢٠٤٩.
(٤) جامع البيان: مج ٧ / ج ١١ / ٤٣.
(٥) من المصدر.
يَسْتَغْفِرُوا لِلْـمُشْرِكِينَ ) الاية. قال: فان ابراهيم قد استغفر لابيه، فنزلت:( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ ) الاية: الدر المنثور(١) ( ٣ / ٢٨٣ ).
وفي هاتين الروايتين نص على أن نزول الاية الكريمة في أبيه وآباء رجال من أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم لا في عمه ولا في أمه.
ومنها: ما جاء به الطبري في تفسيره(٢) ( ١١ / ٣٣ )، قال: قال آخرون: الاستغفار في هذا الموضع بمعنى الصلاة. ثم أخرج من طريق المثنى عن عطاء بن أبي رباح قال: ما كنت أدع الصلاة على أحد من أهل هذه القبلة ولو كانت حبشية حبلى من الزنا، لاني لم أسمع الله يحجب الصلاة الا عن المشركين يقول الله:( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) الاية.
وهذا التفسير ان صح فهو مخالف لجميع ما تقدم من الروايات الدالة على أن المراد من الاية هو طلب المغفرة كما هو الناهر المتفاهم من اللفظ.
ونفس هذا الاضطراب والمناقضة بين هذه المنقولات وبين ما جاء به البخاري مما يفت في عضد الجميع، وينهك من اعتباره، فلا يحتج بمثله ولا سيما في مثل المقام من تكفير مسلم بار، وتبعيد المتفاني دون الدين عنه.
٥ - ان المستفاد من رواية البخاري نزول آية الاستغفار عند موت أبي طالب كما هو ناهر ما أخرجه اسحاق بن بشر وابن عساكر عن الحسن، قال: لما مات أبو طالب قال النبي: صلى الله عليه وآله وسلم ان ابراهيم استغفر لابيه وهو مشرك وأنا أستغفر لعمي حتى أبلغ، فأنزل الله( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُـشْرِكِينَ ) . الاية. يعني به أبا طالب، فاشتد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ
____________
(١) الدر المنثور: ٤ / ٣٠٢.
(٢) جامع البيان: مج ٧ / ج ١١ / ٤٤.
إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ) الدر المنثور(١) ( ٣ / ٢٨٣ ) وان ناقضها ما أخرجه ابن سعد وابن عساكر عن علي قال: أخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بموت أبي طالب فبكي فقال: اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه. ففعلت وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستغفر له أياما ولا يخرج من بيته حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الاية:( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) الآية(٢) .
ولعله ناهر ما أخرجه ابن سعد وأبو الشيخ وابن عساكر من طريق سفيان بن عيينة عن عمر قال: لما مات أبو طالب قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحمك الله وغفر لك، لا أزال أستغفر لك حتى ينهاني الله، فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون فأنزل الله( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) الدر المنثور ( ٣ / ٢٨٣ ).
لكن الامة أصفقت على أن نزول سورة البراءة التي تضمنت الاية الكريمة آخر ما نزل من القرآن كما مر في ( ص ١٠ ) وكان ذلك بعد الفتح، وهي هي التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر ليتلوها علي أهل مكة ثم استرجعه بوحي من الله سبحانه وقيض لها مولانا أمير المؤمنين فقال: «لا يبلغها عني الا أنا أو رجل مني »(٣) وقد جاء في صحيحة مرت من عدة طرق في ( ص ل١٣ ) من أن آية الاستغفار نزلت بعد ما أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك وكانت في سنة تسع فأين من هذه كلها نزولها عند وفاة أبي طالب أو بعدها بأيام؟ وأني يصح ما جاء به البخاري ومن يشاكله في رواية البواطيل.
____________
(١) الدر المنثور: ٤ / ٣٠١.
(٢) طبقات ابن سعد: ١ / ١٠٥ ( ١ / ١٢٣ )، الدر المنثور: ٣ / ٢٨٢ ( ٤ / ٣٠١ ) نقلا عن ابن سعد وعساكر ( مختصر تاريخ مدينة دمشق: ٢٩ / ٣٢ ). ( المؤلف ).
(٣) راجع الجزء السادس من كتابنا هذا: ص ٣٣٨ - ٣٥٠. ( المؤلف ).
٦ - ان سياق الاية الكريمة - آية الاستغفار سياق نفي لا نهي فلا نص فيها على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استغفر فنهى عنه، وانما يلتئم مع استغفاره لعلمه بايمان عمه، وبما أن في الحضور من كان لا يعرف ذلك من ظاهر حال أبي طالب الذي كان يماشي به قريشا، فقالوا في ذلك أو اتخذوه مدركا لجواز الاستغفار للمشركين، كما ربما احتجوا بفعل ابراهيم عليه السلام فأنزل الله سبحانه الاية وما بعدها من قوله تعالى:( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ ) الاية. تنزيها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعذيرا لابراهيم عليه السلام، وايعازا الى أن من استغفر له النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن مشركا كما حسبوه، وأن مرتبة النبوة تأبى عن الاستغفار للمشركين، فنفس صدوره منه صلى الله عليه وآله وسلم برهنة كافية على أن أبا طالب لم يكن مشركا، وقد عرفت ذلك أفذاذ من الامة فلم يحتجوا بعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاستغفارهم لابائهم المشركين، وانما اقتصروا في الاحتجاج بعمل ابراهيم عليه السلام كما مر في صحيحة عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قال: «سمعت رجلا يستغفر لابويه وهما مشركان فقلت: تستغفر لابويك وهما مشركان؟ قال: أو لم يستغفر ابراهيم؟». الحديث.
راجع صفحة (١٢) من هذا الجزء.
ولو كان يعرف هذا الرجل أبا طالب مشركا لكان الاستدلال لتبرير عمله باستغفار نبي الاسلام له - ولم يكن يخفي على أي أحد أولى من استغفار ابراهيم لابيه لكنه اقتصر على ما استدل به.
٧ - انا علي تقدير التسليم لرواية البخاري وغض الطرف عما سبق عن العباس من أن أبا طالب لهج بالشهادتين، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحمد لله الذي هداك يا عم وما مر عن مولانا أمير المؤمنين من أنه ما مات حتى أعطى رسول الله من نفسه الرضا، وما مر من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «كل الخير أرجو من ربي لابي طالب». وما مر من وصية أبي طالب عند الوفاة لقريش وبني عبد المطلب باطاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه والتسليم لامره وأن فيه الرشد والفلاح، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم الامين في قريش والصديق في العرب. الى تلكم النصوص الجمة في نثره وننمه، فبعد غض الطرف عن هذه كلها
لا نسلم أن أبا طالب عليه السلام أبى عن الايمان في ساعته الاخيرة لقوله: على ملة عبد المطلب. ونحن لا نرتاب في أن عبد المطلب سلام الله عليه كان على المبدأ الحق، وعلى دين الله الذي ارتضاه للناس رب العالمين يومئذ، وكان معترفا بالمبدأ والمعاد، عارفا بأمر الرسالة، اللائح على أساريره نورها، الساكن في صلبه صاحبها، وللشهرستاني حول سيدنا عبدالمطلب كلمة ذكرنا جملة منها في الجزء السابع ( ص ٣٤٦ و ٣٥٣ ) فراجع الملل والنحل(١) والكتب التي ألفها السيوطي(٢) في آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتي تعرف جلية الحال، فقول أبي طالب عليه السلام: على ملة عبد المطلب. صريح في أنه معتنق تلكم المبادي كلها، أضف الى ذلك نصوصه المتواصلة طيلة حياته على صحة الدعوة المحمدية.
٨ - نظرة في الثانية من الايتين، ولعلك عرفت بطلان دلالتها على ما ارتأوه من كفر شيخ الاباطح - سلام الله عليه من بعض ما ذكرناه من الوجوه، فهلم معي لننظر فيها خاصة وفيما جاء فيها بمفردها، فنقول:
أولا: ان هذه الاية متوسطة بين آي تصف المؤمنين، وأخرى يذكر سبحانه فيها الذين لم يؤمنوا حذار أن يتخطفوا من مكة المعظمة، فمقتضى سياق الايات أنه سبحانه لم يرد بهذه الاية الا بيان أن الذين اهتدوا من المذكورين قبلها لم تستند هدايتهم الى دعوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فحسب، وانما الاستناد الحقيقي الي مشيئته وارادته سبحانه على وجه لا ينتهي الى الالجاء بنحو من التوفيق، كما أن استناد الاضلال اليه سبحانه بنحو من الخذلان، وان كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيطا في تبليغ الدعوة( فَإِن تَوَلَّوْا
____________
(١) الملل والنحل: ٢ / ٢٤٩.
(٢) منها: مسالك الحنفا في والدي المصطفى، الدرج المنيفة في الآباء الشريفة، المقامة السندسية في النسبة المصطفوية، التعظيم والمنة في أن أبوي رسول الله في الجنة، نشر العلمين في إحياء الأبوين، السبل الجلية في الآباء العلية. ( المؤلف ).
فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) (١) . وفي الذكر الحكيم:( إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَـٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ ) (٢) ، كما أن ابليس اللعين يزين للعاصي عمله( أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ ) (٣) ،( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ) (٤) ،( اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّـهِ ) (٥) ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ) (٦) وقد جاء فيما أخرجه العقيلي(٧) وابن عدي(٨) وابن مردويه والديلمي(٩) وابن عساكر وابن النجار عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( بعثت داعيا ومبلغا وليس الى من الهدي شيء، وخلق ابليس مزينا وليس اليه من الضلالة شيء )(١٠) .
فهذه الاية الكريمة كبقية ما جاء في الذكر الحكيم من اسناد كل من الهداية والضلال اليه سبحانه كقوله تعالي:
١ -( لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ) البقرة: ٢٧٢.
٢ -( إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ ) النحل: ٣٧.
____________
(١) النور: ٥٤.
(٢) النمل: ٩١ و ٩٢.
(٣) لقمان: ٢١.
(٤) العنكبوت: ٣٨، النمل: ٢٤.
(٥) المجادلة: ١٩.
(٦) محمد: ٢٥.
(٧) الضعفاء الكبير: ٢ / ٩ رقم ٤١٠.
(٨) الكامل في ضعفاء الرجال: ٣ / ٣٩ رقم ٥٩٧.
(٩) الفردوس بمأثور الخطاب: ٢ / ١١ ح ٢٠٩٤.
(١٠) مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي، الجامع الصغير للسيوطي ( ١ / ٤٨٧ ح ٣١٥٣ ). ( المؤلف ).
٣ -( أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) الزخرف:٤٠.
٤ -( وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ ) النمل:٨١.
٥ -( أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّـهُ ) النساء: ٨٨.
٦ -( أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ ) يونس: ٤٣.
٧ -( مَن يَهْدِ اللَّـهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا ) الكهف:١٧.
٨ -( إِنَّ اللَّـهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ) الرعد:٢٧.
٩ -( فَيُضِلُّ اللَّـهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ابراهيم: ٤.
١٠ -( وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ) النحل: ٩٣.
الى آيات كثيرة مما يدل على استناد الهداية والضلال الى الله تعالى على وجه لا ينافي اختيار العبد فيهما، ولذلك أسندا اليه والى مشيئته أيضا في آي أخرى كقوله تعالى:
١ -( فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ) يونس:١٠٨.
٢ -( وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) الكهف:٢٩.
٣ -( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ، لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ) التكوير: ٢٧، ٢٨.
٤ -( مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ) الاسراء: ١٥.
٥ -( فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ ) النمل:٩٢.
٦ -( أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ ) البقرة: ١٦.
٧ -( فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ) الاعراف: ٣٠.
٨ -( رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) القصص: ٨٥.
٩ -( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ) الاسراء: ٧.
١٠ -( فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ) آل عمران: ٢٠.
الى آيات أخرى، ولا مناقضة بين هذين الفريقين من الاي الكريمة بما قدمناه وبما ثبت من صحة اسناد الفعل الى الباعث تارة والى المباشر المختار أخرى.
فآيتنا هذه صاحبة البحث والعنوان من الفريق الاول، وقد سيق بيانها بعد آيات المؤمنين لافادة ما أريدت افادته من لداتها، ولبيان أن هؤلاء المذكورين من المهتدين هم على شاكلة غيرهم في اسناد هدايتهم اليه سبحانه، فلا صلة لها بأي انسان خاص أبي طالب أو غيره، وان ماشينا القوم على وجود الصلة بينها وبين أبي طالب عليه السلام فانها بمعونة سابقتها على ايمانه أدل. هكذا ينبغي أن تفسر هذه الاية غير مكترث لما جاء حولها من التافهات مما سبق ويأتي.
وثانيا: ان ما روي فيها بمفردها كلها مراسيل، فان منها: ما رواه عبد بن حميد ومسلم(١) والترمذي(٢) وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه عنه قال: لما حضرت وفاة أبي طالب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عماه قل: لا اله الا الله، أشهد لك بها عند الله يوم القيامة، فقال: لولا أن تعيرني قريش يقولون: ما حمله عليها الا جزعه من الموت لاقررت بها عينك فأنزل الله عليه:( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) الآية(٣) .
كيف يرويه أبو هريرة وكان يوم وفاة أبي طالب شحاذا من متكففي دوس
____________
(١) صحيح مسلم: ١ / ٨٤ ح ٤٢ كتاب الإيمان.
(٢) سنن الترمذي: ٥ / ٣١٨ ح ٣١٨٨.
(٣) الدر المنثور: ٥ / ١٣٣ ( ٦ / ٤٢٨ ). ( المؤلف ).
باليمن الكفرة، يسأل الناس الحافا، ويكتنفه البؤس من جوانبه، وما ألم بالاسلام الا عام خيبر سنة سبع من الهجرة الشريفة باتفاق من الجمهور؟ فأين كان هو من وفاة أبي طالب، وما دار هنالك من الحديث؟ فان صدق في روايته فهو راو عمن لم ينوه باسمه، وان كان تدليس أبي هريرة قد اطرد في موارد كثيرة، روي أشياء ادعى فيها المشاهدة أو دل عليها السياق لكنه لم يشاهد شيئا منها، ومن أراد الوقوف على هذه وغيرها من أمر أبي هريرة فليراجع كتاب أبو هريرة لسيدنا المصلح الشريف الحجة السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي حياه الله وبياه فقد جمع ذلك فأوعى.
ومنها: ما أخرجه ابن مردويه وغيره من طريق أبي سهل السري بن سهل بالاسناد عن عبد القدوس، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزلت:( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) الاية، في أبي طالب ألح عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسلم فأبى، فأنزل الله( إِنَّكَ لَا تَهْدِي ) ، الحديث(١) .
أبو سهل السري أحد الكذابين وضاع كان يسرق الحديث كما مر في سلسلة الكذابين ( ٥ / ٢٣١ )، وعبد القدوس أبو سعيد الدمشقي أحد الكذابين كما أسلفناه في الجزء الخامس
( ص ٢٣٨ ).
وظاهر هذه الرواية كسابقتها هو المشاهدة، والاثبت على ما قاله ابن حجر في الاصابة( ٢ / ٣٣١ ): أن ابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث. فهو عند وفاة عمه أبي طالب كان يرضع ثدي أمه فلا يسعه الحضور في ذلك المشهد.
وان صدقت الرواية عنه - وأنى تصدق؟ فان ابن عباس أسند ما يقوله الى من لا نعرفه، ولعل رواة السوء حذفوه لضعفه، كما حذف غير واحد من المؤلفين أبا سهل السري وعبد القدوس ونظراءهما من أسانيد هذه الافائك سترا على عللها.
____________
(١) الدر المنثور: ٥ / ١٣٣ ( ٦ / ٤٢٩ ).
والقول الفصل: ان حبر الامة لم يلهج بتلكم الخزاية، وان لهج بشيء من أمر ذلك المشهد عن أحد فأولى له أن يقول ما قاله أبوه من أنه سمع أبا طالب يشهد بالشهادتين عند وفاته
(١) . أو يفوه بما أسلفناه عن ابن عمه الاقدس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(٢) ، أو يروي ما جاء عن ابن عمه الطاهر أمير المؤمنين عليه السلام(٣) أليس ابن عباس راوي ما ثبت عنه من قول أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما مر في( ٧ / ٣٥٥ ): قم يا سيدي فتكلم بما تحب وبلغ رسالة ربك فانك الصادق المصدق؟
ومنها: ما أخرجه أبو سهل السري الكذاب المذكور من طريق عبد القدوس الكذاب أيضا، عن نافع، عن ابن عمر قال:( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) ا لاية. نزلت في أبي طالب عند موته، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم عند رأسه وهو يقول: يا عم قل لا اله الا الله أشفع لك بها يوم القيامة، قال أبو طالب: لاتعيرني نساء قريش بعدي أني جزعت عند موتي، فأنزل الله تعالي:( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) الحديث(٤) .
لعل ابن عمر لا يدعي في روايته الحضور في ذلك المحضر. وليس له أن يدعي ذلك لانه كان وقتئذ ابن سبع سنين تقريبا، فان مولده كان بعد البعثة بثلاث(٥) ومن طبع الحال أن من هو بهذا السن لا يطلق سراحه الى ذلك المنتدى الرهيب، والمسجى فيه سيد الاباطح ويلي أمره نبي العظمة، ويحضره مشيخة قريش، فلابد من أنه سمع من يقول ذلك ممن حضر واطلع، ولا يخلو أن يكون ذلك اما ولد المتوفي وهو مولانا أمير المؤمنين والثابت عنه ما مر في الجزء السابع، أو عن بقية أولاده من طالب وجعفر
____________
(١) راجع ما أسلفناه في صحفة: ٣٧٠ من الجزء السابع. ( المؤلف ).
(٢) راجع ما مر في صفحة ٣٧٣ من الجزء السابع. ( المؤلف ).
(٣) راجع ما سبق في صفحة ٣٧٩ من الجزء السابع. ( المؤلف )
(٤) القصص: ٥٦.
وعقيل ولم ينبسوا في هذا الامر ببنت شفة، أو عن أخيه العباس وقد صح عنه ماأسلفناه في الجزء السابع، أو عن ابن أخيه الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم فقد عرفت قوله فيه فيما مر، فممن أخذ ابن عمر؟ ولماذا حذف اسمه؟ ولما شرك أبا جهل مع أبي طالب في احدى روايتيه، ولم يقل به أحد غيره؟ وهل في الرواة من تقول عليه كل ذلك؟ فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر.
واعطف على هذه ما عزوه الى مجاهد وقتادة في شأن نزول الاية(١) فان مستند أقوالهما اما هذه الروايات أو أنهما سمعاها من أناس مجهولين، فمراسيل كهذه لا يحتج بها على أمر خطير مثل تكفير أبي طالب بعد ثبوت ايمانه بما صدع به الصادع الكريم وتفانيه دونه والذب عنه بالبرهنة القاطعة.
ومن التفسير بالرأي والدعوى المجردة ما عن قتادة ومن يشاكله مرسلا من تبعيض الاية بين أبي طالب والعباس، فجعل صدرها لابي طالب وذيلها للعباس(٢) الذي أسلم بعد نزول الاية بعدة سنين كما هو المتسالم عليه عنه الجمهور.
وأنت تعرف بعد هذه كلها قيمة قول الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب. وما عقبه به القرطبي من قوله: والصواب أن يقال: أجمع جل المفسرين على أنها نزلت في شأن أبي طالب(٣) .( انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّـهِ الْكَذِبَ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا ) (٤) .
____________
(١) تاريخ ابن كثير: ٣ / ١٢٤ ( ٣ / ١٥٣ ).( المؤلف ).
(٢) تفسير القرطبي: ١٣ / ٢٩٩ ( ١٣ / ١٩٨ )، الدر المنثور: ٥ / ١٣٣ ( ٦ / ٤٢٩ ). ( المؤلف )
(٣) تفسير القرطبي: ١٣ / ٢٩٩ ( ١٣ / ١٩٨ ). ( المؤلف )
(٤) النساء: ٥٠.
الى هنا انتهي كل ما للقوم من نبل تقله كنانة الاحقاد، أو ذخيرة في علبة الضغائن رموا بها أبا طالب، وقد أتينا عليها فجعلناها هباء منثورا، ولم يبق لهم الا رواية الضحضاح، وما لاعداء أبي طالب حولها من مكاء وتصدية، وهي على مايلي:
أخرج البخاري ومسلم من طريق سفيان الثوري عن عبد الملك بن عمير، عن عبدالله بن الحارث قال: حدثنا العباس بن عبد المطلب أنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أغنيت عن عمك فانه كان يحوطك ويغضب لك. قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الاسفل.
وفي لفظ آخر: قلت: يا رسول الله ان أبا طالب كان يحفظك وينصرك فهل نفعه ذلك؟ قال: نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته الى ضحضاح.
ومن حديث الليث حدثني ابن الهاد عن عبدالله بن خباب، عن أبي سعيد أنه سمع النبي صل عليه وآله وسلم ذكر أبو طالب عنده فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه.
وفي صحيح البخاري من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن يزيد بن الهاد نحوه، غير أن فيه تغلي منه أم دماغه.
راجع(١) صحيح البخاري في أبواب المناقب باب قصة أبي طالب (٦/٣٣، ٣٤ ) وفي كتاب الادب باب كنية المشرك (٩/٩٢ )، صحيح مسلم كتاب الايمان،
____________
(١) صحيح البخاري: ٣ / ١٤٠٨ ح ٣٦٧٠، ص ١٤٠٩ ح ٣٦٧٢ و ٥ / ٢٢٩٣ ح ٥٨٥٥، ص ٢٤٠٠ - ٢٤٠١ ح ٦١٩٦، صحيح مسلم: ١ / ٢٤٧ ح ٣٥٧ كتاب الإيمان، الطبقات الكبرى: ١ / ١٢٤، مسند أحمد: ١ / ٣٣٩ ح ١٧٦٦، ص ٣٤٠ ح ١٧٧١، عيون الأثر: ١ / ١٧٢، البداية والنهاية: ٣ / ١٥٤.
طبقات ابن سعد (١/١٠٦) طبعة مصر، مسند أحمد (١/٢٠٦، ٢٠٧)، عيون الاثر ( ١ / ١٣٢ ) تاريخ ابن كثير ( ٣ / ١٢٥ ).
قال الاميني: نحن لا تروقنا المناقشة في الاسانيد لمكان سفيان الثوري وما مر فيه (ص٤) من أنه كان يدلس عن الضعفاء ويكتب عن الكذابين. ولا لمكان عبدالملك بن عمير اللخمي الكوفي الذي طال عمره وساء حفنه، قال أبو حاتم(١) : ليس بحافظ تغير حفنه، وقال أحمد(٢) : ضعيف، وقال ابن معين(٣) مخلم، وقال ابن خراش: كان شعبة لا يرضاه، وذكر الكوسج عن أحمد أنه ضعفه جدا(٤) .
ولا لمكان عبد العزيز الدراوردي، قال أحمد بن حنبل: اذا حدث من حفنه يهم ليس هوبشيء، واذا حدث من كتابه فنعم، واذا حدث جاء ببواطيل، وقال أبو حاتم(٥) لا يحتج به، وقال أبو زرعة: سيئ الحفظ(٦) .
كما أنا لا نناقش بتضارب متون الرواية بأن قوله: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، يعطي أن الضحضاح مؤجل له الى يوم القيامة بنحو من الرجاء المدلول عليه لقوله: لعله. وان قوله: وجدته في غمرات النار فأخرجته الى ضحضاح. هو واضح في تعجيل الضحضاح له وثبوت الشفاعة قبل صدور الكلام.
لكن لنا هاهنا كلمة واحدة وهي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أناط شفاعته لابي طالب عند وفاته بالشهادة بكلمة الاخلاص بقوله صلى الله عليه وآله وسلم يا عم قل لا اله الا الله كلمة
____________
(١) الجرح والتعديل: ٥ / ٣٦١ رقم ١٧٠٠.
(٢) العلل ومعرفة الرجال: ١ / ٢٤٩ رقم ٣٣٩.
(٣) التاريخ: ٢ / ٣٧٣.
(٤) ميزان الاعتدال: ٢ / ١٥١ ( ٢ / ٦٦٠ رقم ٥٢٣٥ ). ( المؤلف ).
(٥) الجرح والتعديل: ٥ / ٣٩٥ رقم ١٨٣٣.
(٦) ميزان الاعتدال: ٢ / ١٢٨ ( ٢ / ٦٣٣ رقم ٥١٢٥ ). ( المؤلف ).
استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة(١) كما أنه صلى الله عليه وآله وسلم أناطها بها في مطلق الشفاعة، وجاء ذلك في أخبار كثيرة جمع جملة منها الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب(٢) ( ٤ / ١٥٠ - ١٥٨ ) منها في حديث عن عبدالله بن عمر مرفوعا: قيل لي: «سل فان كل نبي قد سأل فأخرت مسألتي الى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا اله الا الله» فقال: رواه أحمد(٣) باسناد صحيح.
ومنها: عن أبي ذر الغفاري مرفوعا في حديث: «أعطيت الشفاعة وهي نائلة من أمتي من لا يشرك بالله شيئا»: فقال: رواه البزار واسناده جيد الا أن فيه انقطاعا.
ومنها: عن عوف بن مالك الاشجعي في حديث: «ان شفاعتي لكل مسلم» فقال: رواه الطبراني(٤) بأسانيد أحدها جيد، وابن حبان في صحيحه(٥) وفي لفظه:
« الشفاعة لمن مات لا يشرك بالله شيئا ».
ومنها: عن أنس في حديث: أوحي الله الى جبريل عليه السلام أن اذهب الى محمد فقل له: ارفع رأسك سل تعم واشفع تشفع - الى قوله: أدخل من أمتك من خلق الله من شهد أن لا اله الا الله يوما واحدا مخلصا ومات على ذلك.
فقال المنذري(٦) رواه أحمد(٧) ورواته محتج بهم في الصحيح.
____________
(١) مستدرك الحاكم: ٢ / ٣٢٦ ح ٣٢٩١، وكذا في تلخيصه ) صححه هو والذهبي في التلخيص، تاريخ أبي الفداء: ١ / ١٢٠، المواهب اللدنية: ١ / ٧١ ( ١ / ٢٦٢ )، كشف الغمة للشعراني: ٢ / ١٤٤، كنز العمال: ٧ / ١٢٨ ( ١٤ / ٣٧ ح ٣٧٨٧٤ )، شرح المواهب للزرقاني: ١ / ٢٩١. ( المؤلف ).
(٢) الترغيب والترهيب: ٤ / ٤٣٢ - ٤٣٧ ح ٩١، ٩٣، ٩٤، ٩٦، ٩٨.
(٣) مسند أحمد: ٢ / ٤٤٤ ح ٧٠٢٨.
(٤) المعجم الكبير: ١٨ / ٥٩ ح ١٠٧.
(٥) الإحسان في تقريب صححي ابن حبان: ١٤ / ٣٧٦ ح ٦٤٦٣.
(٦) الترغيب والترهيب: ٤ / ٤٣٦ ح ٠٩٦
(٧) مسند أحمد: ٣ / ٥٦١ ح ١١٧٤٣.
ومنها: عن أبي هريرة مرفوعا في حديث: «شفاعتي لمن شهد أن لا اله الا الله مخلصا، وأن محمدا رسول الله، يصدق لسانه قلبه وقلبه لسانه». رواه أحمد(١) وابن حبان في صحيحه(٢) .
ومنها: ما مر في ( ص ١٣ ) من طريق أبي هريرة وابن عباس من أنه صلى الله عليه وآله وسلم دعا ربه واستأذنه أن يستغفر لامه ويأذن له في شفاعتها يوم القيامة فأبى أن يأذن.
وقال السهيلي في الروض الانف(٣) ( ١ / ١١٣ ): وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: أستأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي. وفي مسند البزار من حديث بريدة أنه صلى الله عليه وآله وسلم حين أراد أن يستغفر لامه ضرب جبريل عليه السلام عفي صدره وقال له: لا تستغفر لمن كان مشركا، فرجع وهو حزين(٤) .
فالمنفي في صورة انتفاء الشهادة جنس الشفاعة بمعنى عدمها كلية لعدم أهلية الكافر لها حتى في بعض مراتب العذاب، فالشفاعة للتخفيف في العذاب من مراتبها المنفية، كما أنها نفيت كذلك في كتاب الله العزيز بقوله تعالي:( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ) فاطر: ٣٦.
وبقوله تعال:( وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ) النحل: ٨٥. وبقوله تعالى:( خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ) البقرة: ١٦٢، آل عمران: ٨٨.
____________
(١) مسند أحمد: ٣ / ٣٢٣ ح ١٠٣٣٥.
(٢) الإحسان في تقريب ابن حبان: ١٤ / ٣٨٤ ح ٦٤٦٦.
(٣) الروض الأنف: ٢ / ١٨٥.
(٤) نحن لا نقيم لمثل هذه الرواية وزنا ولا كرامة، غير أن خضوع القوم لها يلجئنا إلى الحجاج بها. ( المؤلف ).
وبقوله تعالى:( وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ ، قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَىٰ قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ) غافر: ٤٩، ٥٠.
وبقوله تعالى:( أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ) البقرة: ٨٦.
وبقوله تعالى:( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّـهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ) الانعام: ٧٠.
وبقوله تعالى:( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ، إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ، فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ، عَنِ الْمُجْرِمِينَ ، مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ) إلى قوله تعالى:( فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) . المدثر: ٣٨ - ٤٨.
وبقوله تعالى:( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ) غافر: ١٨.
وبقوله تعالى:( وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا ، لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـٰنِ عَهْدًا ) مريم: ٨٦، ٨٧.
الاستثناء في الاية الشريفة منقطع، والعهد: شهادة أن لا اله الا الله والقيام بحقها. أي لا يشفع الا للمؤمن.
راجع(١) تفسير القرطبي ( ١١ / ١٥٤ ) تفسير البيضاوي ( ٢ / ٤٨ ) تفسير ابن كثير( ٣ / ١٣٨ ) تفسير الخازن ( ٣ / ٢٤٣ ).
____________
(١) الجامع لأحكام القرآن: ١١ / ١٠٢ - ١٠٣، تفسير البيضاوي: ٢ / ٤٠، تفسير الخازن: ٣ / ٢٣٢.
فرواية الضحضاح على تقدير أن أبا طالب عليه السلام مات مشركا - العياذ بالله وما فيها من الشفاعة لتخفيف العذاب عنه بجعله في الضحضاح منافية لكل ما ذكرناه من الايات والاحاديث، فحديث يخالف الكتاب والسنة الثابتة يضرب به عرض الحائط، وقد جاء في الصحيح مرفوعا: «تكثر لكم الاحاديث من بعدي فاذا روي لكم حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق كتاب الله فاقبلوه وما خالفه فردوه »(١) (٢) .
ولا يغرنك اخراج البخاري لها، فان كتابه المعبر عنه بالصحيح هو علبة السفاسف وعيبة السقطات، وسنوقفك على جلية الحال في البحث عنه ان شاء الله تعالى.
نختم البحث هاهنا عن ايمان سيدنا أبي طالب - سلام الله عليه بقصيدة شيخ الفقه والفلسفة والاخلاق شيخنا الاكبر آية الله الشيخ محمد الحسين الاصبهاني النجفي(٣) قال:
نور الهدى في قلب عم المصطفى |
في غاية الظهور في عين الخفا |
|
فــي ســـره حقيقة الايمان |
سر تعالى شأنه عـــن شان |
|
ايمانــه يمثل الـــواجب في |
مقام غيب الذات والكنـز الخفي |
|
ايمانه المكنـون ســـام اسمه |
الا المطهــرون لا يمســه |
|
ايمانـــه بالغيب غيب ذاتـه |
له التجلـــي التام فـي آياته |
|
آياتــه عند أولــي الابصار |
أجلـى من الشمس ضحى النهار |
____________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه. ( المؤلف ).
(٢) سنن الدارقطني: ٤ / ٢٠٨ - ٢٠٩ ح ١٧ - ٢٠، المعجم الكبير للطبراني: ٢ / ٩٧ ح ١٤٢٩، مجمع الزوائد: ١ / ١٧٠، كنز العمال: ١ م ١٧٩ و ١٩٦ ح ٩٠٧ و ٩٩٢ - ٩٩٤ بألفاظ مختلفة.
(٣) أحد شعراء الغدير في القرن الرابع عشر تأتي ترجمته إن شاء الله تعالى. ( المؤلف ).
وهو كفيل خاتـــم النبـوه |
وعنه قد حامى بكـــل قـوه |
|
ناصره الوحيد فـــي زمانه |
وركنه الشديد فـــي أوانــه |
|
عميد أهله زعيـــم أسرتـه |
وكهفه الحصين يـوم عسـرته |
|
حجابه العزيز عــن أعدائه |
وحرزه الحــريز فـي ضرائه |
|
فما أجل شــــرفا وجاها |
من حــرز ياسيـن وكهف طه |
|
قام بنصــرة النبـي السامي |
حتى استوت قـواعــد الاسلام |
|
جاهد عنه أعظـم الجهـــاد |
حتى علا أمر النبـي الهــادي |
|
حماه عن أذى قريش الكفــره |
بصولة ذلت لهـــا الجبـابره |
|
صابر كل محنة وكربــــه |
والشعب من تلك الكـروب شعبه |
|
أكرم به من ناصر وحامــي |
وكافــل لسيـد الانــــام |
|
كفاه فخـــرا شرف الكفاله |
لصاحب الدعوة و الـرسالــه |
|
لسانــه البليغ فـــي ثنائه |
أمضى مـن السيف علـى أعدائه |
|
لـه مــن المنظوم والمنثور |
ما جعـل العالـم مـلء النــور |
|
ينبيء عــن ايمانــه بقلبه |
وأنه علـى هـدى مــن ربـه |
|
وأشرقت أم القـــرى بنوره |
وكل نـور هـو نـور طـوره |
|
وكيف لا وهو أبــو الانوار |
ومطلـع الشمــوس والاقمـار |
|
مبدأ كـــل نيـر وشارق |
وكيف وهـو مشرق المشـارق |
|
بل هــو بيضاء سماء المجد |
مليك عرشه أبـا عــن جـد |
|
لـــه السمو كابرا عن كابر |
فهو تراثه مـن الاكـابـــر |
|
أزكــى فروع دوحة الخليل |
فيا له من شــــرف أصيـل |
|
بل شرف الاشراف من عدنان |
ملاذها فــــي نـوب الزمان |
|
لـه من السمو ما يسمو على |
ذرى الصراح والسمـاوات العلى |
|
وكيف لا وهو كفيل المصطفى |
أبـــو الميامين الهـداة الخلفا |
ووالــد الوصـي والطيـار |
وهــو لعمري منتهى الفخار |
|
بضـوئـه أضاءت البطحاء |
لا بـل بــه أضاءت السماء |
|
والنيـر الاعظم فـي سمائه |
مثل السها في النور من سيمائه |
|
كيف ومـن غـرتـه تجلى |
لاهله نور العلـــي الاعلى |
|
ساد الورى بمـكـة المكرمه |
فحاز بالســؤدد كل مكرمه |
|
بل هـو فخــر البلد الحرام |
بل شــرف المشاعر العظام |
|
وقبلة الامــال و الامانـي |
بل مستجــار كعبة الايمان |
|
وفي حمـى سـؤدده وهيبته |
تم لداع الحق أمــر دعوته |
|
ما تمـت الـدعـوة للمختار |
لولاه فهو أصل ديـن الباري |
|
كيف وظل الله فــي الانام |
في ظله دعـا الــى الاسلام |
|
وانتشر الاسلام فـي حمـاه |
مكرمــة ما نالهــا سواه |
|
رايته علت بعالـي همتـه |
كفاه هذا فــي علـو رتبته |
|
مفاخـر يعلو بهـا الفخـار |
مآثر تحلـو بها الاثـــار |
|
ذاك أبــو طالب المنعـوت |
من قصرت عن شأنه النعوت |
|
يجل عــن أي مـديح قدره |
لكنه يحيي القلـــوب ذكره |
ومن قصيدة للعلامة الحجة شيخنا الشيخ عبد الحسين صادق العاملي قدس سره قوله:
لولاه ما شد أزر المسلمين ولا |
عين الحنيفة سالت في مجاريها |
|
آوى وحامى وساوى قيد طاقته |
عن خير حاضرها طرا وباديها |
|
ماكان ذاك الحفاظ المر أطة أر |
حام وضرب عروق فارغاليها(١) |
____________
(١) أطيط الإبل: حنينها.
بل للاله كمــا فاهت روائعه الــ |
عصماء في كل شطـر من قوافيهـا |
|
ضاقت بمـا رحبت أم القرى برسو |
ل الله مـن بعده واسـود ضاحيهـا |
|
فانصاع يدعــو له بالخير مبتهلا |
بدعــوة ليس بالمجبـوه داعيهـا |
|
لولم تكن نفس عم المصطفى طهرت |
ما فاه فوه بمــــا فيـه ينجيهـا |
|
عامـــا قضى عمه فيه وزوجته |
قضاه بالحزن يبكيــه ويبكيهــا |
|
أعظم بايمان مبكـي المصطفي سنة |
أيامها البيض أدجى مـن لياليهــا |
|
من صلبـــه انبثت الانوار قاطبة |
فالمرتضى بدؤها والذخر تاليهـــا |
هذا أبو طالب شيخ الاباطح وهذه نبذة من آيات ايمانه الخالص( مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّـهِ ) (١) ( لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ) (٢) ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) (٣) .
____________
(١) الحديد: ٢٧.
(٢) المدثر: ٣١.
(٣) الحشر: ١٠.
الفهرس
تمهيد: ٢
- ١ -
أقوال أبي طالب المثبته لإيمانه: ٤
- ٢ -
ما ناء به من عمل بار وقول مشكور ١٩
استسقاء أبي طالب بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. ٢٣
٣ - أبو طالب في مولد أمير المؤمنين عليه السلام: ٢٥
٤ - بدء أمر النبي وأبو طالب.. ٢٦
٥ - أبو طالب وفقده النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ٢٧
٧ - قول أبي طالب لعلي: إلزم ابن عمك: ٣٥
٨ - قول أبي طالب: صل جناح ابن عمك: ٣٧
٩ - أبو طالب وحنوه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ٣٨
١٠ - أبو طالب وابن الزبعرى: ٤٠
١١ - سيدنا أبو طالب وقريش: ٤١
١٢ - سيد الأباطح وصحيفة قريش: ٤٥
١٣ - وصية ابي طالب عند موته: ٤٩
١٤ - وصية أبي طالب لبني أبيه: ٥١
١٥ - حديث عن أبي طالب: ٥٢
- ٣ -
ما يروي عنه آله وذووه من طرق العامة فحسب ٥٣
الكلم الطيب: ٦٦
رثاء أمير المؤمنين والده العظيم: ٦٧
كلمة الإمام السجاد: ٦٩
كلمة الإمام الباقر: ٦٩
كلمة الإمام الصادق: ٦٩
كلمة الإمام الرضا: ٧٠
قصارى القول في سيد الأبطح عند القوم: ٧٠
- ٤ -
ما أسنده إليه من لاث به وبخع له ٧٤
أبو طالب في الذكر الحكيم. ١٠٩
الاية الثانية والثالثة ١١٦
مواقع النظر في هذه الرواية: ١١٧
حديث الضحضاح. ١٣٥
القصيدة ١٤٢