طالب العلم والسيرة الأخلاقية

السید عادل العلوی


بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم

قال الإمام الصادق عليه السلام : لا يستغني أهل كلّ بلد عن ثلاثة يفزع إليهم في أمر دنياهم وآخرتهم ، فإن عدموا ذلك كانوا همجا : فقيهٌ عالمٌ ورع ، وأميرٌ خيّرٌ مطاع ، وطبيبٌ بصيرٌ ثقة. ( تحف العقول )

شاء اللّه سبحانه من دون التفات وقصد ، وفي أزمنة مختلفة ، أن أكتب عن هؤلاء الثلاثة وصفاتهم وأخلاقهم من خلال القرآن الكريم والسنّة الشريفة. فالأوّل : في رسالة ( طالب العلم والسيرة الأخلاقيّة ) ، والثاني : في رسالة ( خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم ) ؛ وطبعته في أعداد من مجلّة ( نور الإسلام ) البيروتيّة ، فجدّدت طبعها مع تنقيح وإضافات ، والثالثة : في رسالة ( أخلاق الطبيب في الإسلام ) ، فجمعت هذه الرسائل في هذا المجلّد الثالث من موسوعة ( رسالات إسلاميّة ). ومن اللّه التوفيق والسداد.

* * *

ـــــ

كتاب

طالب العلم والسيرة الأخلاقية

تأليف ـ السيّد عادل العلوي

ـــــ

نشر ـ المؤسسة الإسلامية العامة للتبليغ والإرشاد

إيران ، قم ، ص. ب ٣٦٣٤

الطبعة الاُولى ـ ١٤١٨ هجري قمري

الكمية المطبوعة ـ ١٠٠٠ نسخة

المطبعة ـ النهضة ، قم

قيمت ١٥٠٠ تومان

ـــــ

طبع هذا المجلّد على نفقة المرحومة المغفور لها الحاجّة زهراء علائي ، تغمّدها اللّه برحمته الواسعة وأسكنها فسيح جنانه، ورحم اللّه من قرأ الفاتحة على روحها الطاهرة.


الإهداء

إلى : قطب عالم الإمكان ، وليّ الله الأعظم مولانا وإمامنا صاحب الزمان (عليه السلام).

إلى : السلف الصالح من علمائنا الأعلام وفقهائنا العظام.

إلى : شهيد الإسلام الشهيد الثاني الشيخ زين الدين بن علي العاملي قدّس سرّه الشريف.

إلى : طلاّب العلوم وروّاد الفضائل وعشّاق الأخلاق.

اُقدّم هذا الجهد المتواضع برجاء القبول والدعاء والشفاعة يوم القيامة ، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنونَ إلاّ من أتى الله بقلب سليم.

العبد

عادل العلوي


بسم الله الرحمن الرحيم

( الذين يبلّغون رسالات الله ويخشونه ولايخشون أحداً إلاّ الله )

(القرآن الكريم ـ الأحزاب : ٣٩)

موسوعة

رسالات إسلاميّة

مئة وعشرن كتاباً ورسالةً في شتّى العلوم والفنون الإسلامية بقلم سماحة الاُستاذ العلاّمة السيّد عادل العلوي دام ظلّه.

بعد الاتّكال على الله وعناية رسوله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام عزمت مؤسستكم (المؤسسة الإسلامية العامة للتبليغ والإرشاد ـ إيران ـ قم ص ب ٣٦٣٤) على طبعها ونشرها ضمن مجلّدات :

صدرت الأجزاء التالية :

الجزء الأوّل : (محاضرات عقائدية) (٤٧٤ صفحة).

١ ـ دروس اليقين في معرفة اُصول الدين.

الجزء الثاني : (فقه استدلالي) (٤٩٠ صفحة).

٢ ـ زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار.

٣ ـ التقيّة في رحاب العلمين الشيخ الأنصاري والإمام الخميني (الطبعة الثانية).

٤ ـ التقيّة بين الأعلام (السنّة والشيعة) (الطبعة الثانية).

الجزء الثالث : (أخلاق) (٥٦٨ صفحة).

٥ ـ طالب العلم والسيرة الأخلاقية (دروس في الأخلاق).

٦ ـ خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم (الطبعة الثانية).

٧ ـ أخلاق الطبيب في الإسلام.

٨ ـ رسالتنا (الطبعة الثانية).

٩ ـ دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلامية (الطبعة الثانية).

الجزء الرابع : (أخلاق ـ أدعية) (٤٠٨ صفحة).

١٠ ـ التوبة والتائبون على ضوء القرآن والسنّة.

نحمدالله ونسأله أن يوفّقنا ويسدّد خطانا في إتمام هذا المشروع الضخم ، كما ونشكر أيادي الفضل والجميل والسخاء في مساهمتهم ومؤازرتهم في دعم مشاريع (المؤسسة) الدينية والخيرية والثقافية ، ومن الله الكريم العون والسداد والتوفيق والرشاد ، وطابت أوقاتكم ، ودمتم بخير.

ـ الناشر ـ


المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي علّم الإنسان ما لم يعلم ، والصلاة والسلام على منجي البشريّة ومنقذها من الجهل والضلال محمّد وعلى آله الأطهار الأئمة الهداة الميامين ، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

أمّا بعد :

قال الله تعالى في محكم كتابه ومبرم خطابه :

( الرَّحْمنُ عَلَّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الإنْسانَ عَلَّمَهُ البَيانَ ) (١) .

الرحمن اسمٌ جامع من أسماء الله الحسنى وصفاته العليا ، وإنّه صفة عامّة ، فإنّه رحمان على المؤمن والكافر ، وبرحمانيّته ورحيميّته العامّة ، يرزقهما في الدنيا ، ويسخّر لهما ما في السماوات والأرض ، وهداهما إلى الصراط المستقيم بإرساله الرسل وإنزاله الكتب ، وأمّا الرحيمية الخاصّة وأنّه الرحيم ، فإنّها مختصّة بالمؤمنين ، وإنّها قريبة من المحسنين ، كما جاء ذلك في الآيات الكريمة والروايات الشريفة.

فإنّه برحمانيّته ابتدأ سورة الرحمن ليدلّ على أنّ المعلّم لا بدّ له من رحمة وشفقة على كلّ الطلاّب على السواء ، ثمّ علّم القرآن قبل خلق الإنسان ، وهذا يعني

__________________

١ ـ الرحمن : ١ ـ ٣.


أنّ القرآن كان قبل الإنسان ، ثمّ خلقه وعلّمه البيان ، بيان ما جاء في القرآن ، الذي هو مجموع ما جاء في الكتب السماوية وفيه كلّ شيء :

( وَكُلَّ شَيْء أحْصَيْناهُ في إمام مُبين ) (١) .

( وَكُلَّ شَيْء أحْصَيْناهُ كِتاباً ) (٢) .

وإنّما الله يعلّم الإنسان البيان بحجّته الباطنية (العقل السليم والفطرة السليمة) وبحجّيته الظاهريّة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) والإمام المعصوم (عليه السلام) ، كما قال الله تعالى :

( وَأنْزَلـْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلـْنَّاسِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ ) (٣) .

فخلق الإنسان كان بين علمين : علم القرآن وعلم البيان.

وهذا إنّما يدلّ على عظمة الإنسان وشرف العلم ، وأنّه الأساس في كلّ شيء ، (وبه يمتاز الإنسان عن باقي الحيوانات ، لأنّ جميع الخصال سوى العلم يشترك فيها الإنسان وسائر الحيوانات ، كالشجاعة والقوّة والشفقة وغير ذلك ، وبه أظهر الله فضل آدم على الملائكة وأمرهم بالسجود له ، وهو الوسيلة إلى السعادة الأبديّة إن وقع على مقتضاه ، فالعلم الذي يفرض على المكلّف بعينه يجب تحصيله ، وتجبر عليه إن لم يحصل.

والذي يكون الاحتياج به في الأحيان فرض على سبيل الكفاية ، وإذا قام به البعض سقط عن الباقي ، وإن لم يكن في البلد من يقوم به اشتركوا جميعاً في تحصيله بالوجوب)(٤) .

__________________

١ ـ يس : ١٢.

٢ ـ النبأ : ٢٩.

٣ ـ النحل : ٤٤.

٤ ـ آداب المتعلّمين جامع المقدّمات ٢ : ٥١.


ثمّ الرسول الأكرم الذي نزل عليه القرآن الكريم ، قد خلّف وترك بعد رحلته (كتاب الله والعترة الطاهرة) الذين يفسّرون ويبيّنون ما جاء في القرآن ، فإنّما يعرف القرآن من خوطب به ، وإنّما نزل الكتاب في بيوتهم ، فهم معدن العلم ومهبط الوحي وعيبة علم الله (عليهم السلام) أبد الآبدين.

ثمّ لن يفترقا (الكتاب والعترة) حتّى يوم القيامة ، كما جاء ذلك في حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين ، في قول الرسول الأعظم في عدّة مواطن : « إنّي تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض »(١) ، ولن تفيد التأبيد ، أي أبداً لن يفترقا ، وكلّ ما في القرآن إنّما هو عند العترة الطاهرة ، وكذلك العكس ، وهذا يعني أنّ القرآن على نحوين : قرآن علميّ (القرآن الصامت المدوّن) ، وقرآن عيني (القرآن الناطق) وهم الذين تجسّد فيهم القرآن الكريم ، كما كان النبيّ ، وأنّه حينما سئلت عائشة عن خلق النبيّ ، لأنّ الله قد مدحه بخلقه في قوله :

(وَإنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظيم ) (٢) .

فأجابت : كان خلقه القرآن. أي كان يجسّد القرآن في سيرته وسلوكه ، فتظهر الآيات القرآنية على أفعاله وأعماله.

وإذا لن يفترق الكتاب والعترة في النهاية ، فكذلك لن يفترقا في البداية ، ولمثل هذا قال النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) : « أوّل ما خلق الله نوري » ، واشتقّ من نوري نور عليّ ، ثمّ نور فاطمة الزهراء والأئمة (عليهم السلام) ، فكانوا في عالم الأنوار والأرواح قبل

__________________

١ ـ لقد ذكرت تفصيل مصادر الحديث الشريف بين الفريقين السنّة والشيعة والمقارنة بين القرآن والعترة في رسالة (في رحاب حديث الثقلين) ، فراجع.

٢ ـ القلم : ٤.


خلق آدم ، « فجعلهم الله أنواراً بعرشه محدقين » ، « فرتبة القرآن العيني وزان رتبة القرآن العلمي ، وكما إنّهما في أصل الوجود متكافئان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر ، كذلك في رتبة الوجود أيضاً لا يفترق أحدهما عن الآخر ، فعند ثبوت وصف كمالي لأحدهما بالمطابقة ، يحكم بثبوت ذلك الوصف للآخر بالالتزام ، مثلا عند ثبوت تعدّد أنحاء الدعوة للقرآن العلمي ، وإنّه يدعو الناس إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، ويجادلهم بالتي هي أحسن ، يحرز بأنّ أنحاء دعوة القرآن العيني أيضاً كذلك ، وكما أنّ القرآن العلمي يهدي للتي هي أقوم ، كذلك القرآن العيني ـ أي المعصوم (عليه السلام) ـ يهدي للطريقة المثلى التي هي أقوم الطرق والعروة الوثقى التي هي أوثق العُرى »(١) .

فالإنسان الكامل المعصوم (عليه السلام) ـ أي الإمام ـ قرآن عينيّ كما أنّ القرآن إمام علميّ ، فلذا يدعو كلّ واحد منهما الناس إلى صاحبه ، يعني أنّ القرآن يدعوهم إلى إمامة الإمام وإطاعته كما قال سبحانه :

( يا أيُّها الذَّينَ آمَنوا أطيعوا اللهَ وَأطيعوا الرَّسولَ وَاُولي الأمْرِ مِنْكُمْ ) (٢) ، كذلك الإمام الرضا (عليه السلام) يقول حول القرآن الكريم : « لا تطلبوا الهدى في غيره فتضلّوا » ، فكلّ ما في القرآن هو عند العترة الطاهرة ، وكلّ ما عندهم هو في القرآن ، فإنّهما لن يفترقا ، في مبدئهما ومنتهاهما ، ولا ينفكّان في الأوصاف الكمالية ، وهما مظهران لله الذي ليس كمثله شيء ، وإنكارهما والإعراض عنهما جاهلية ، وهما ميزان الأعمال ، وإذا كان القرآن العلمي يزداد غضاضة في كلّ عصر :

__________________

١ ـ علي بن موسى الرضا والقرآن الكريم : ٣١.

٢ ـ النساء : ٥٩.


( وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَألـْتُموهُ ) (١) .

فكذلك العترة الطاهرة ، أئمّة الحقّ المعصومون (عليهم السلام) ، وإذا كان القرآن مصاحباً للحقّ من مبدأ ظهوره وصدوره إلى منتهى نزوله وهبوطه ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وإنّه حيّ لا يموت ، فهو المظهر التامّ لله سبحانه ، فهو في كلّ زمان جديد وعند كلّ قوم غضّ إلى يوم القيامة ، كذلك العترة الطاهرة (عليهم السلام) ، وهما مظهران تامّان للإسم المهيمن ، وحيث إنّ الإمام المعصوم قرآن ممثّل يوجد في كلماته محكمات ومتشابهات كالقرآن العلمي ، فهما نور إلهي متنزّل من الله سبحانه ، وإنّ الإنسان الكامل الإمام المعصوم إنّما هو ترجمان القرآن الكريم ، فلا يصحّ الفرق بينهما بأن يقال : « حسبنا كتاب الله » أو : حسبنا ما جاء عن العترة الطاهرة ، ويتمسّك بأحدهما دون الآخر ، إذ كلّ واحد من دون الآخر بمنزلة تركهما معاً ، فلا يجوز التفريط والإفراط فيهما ، فكلّ واحد منهما جاهلية جهلاء ، فالحياة العقلية اتّباعهما كما جاء في حديث الثقلين : « إنّي تارك فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما »(٢) .

فخلق الإنسان إنّما كان بين علمين وبين قرآنين ، وهذا إنّما يدلّ على كرامة الإنسان وفضيلته وشرافته على جميع المخلوقات :

( وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَني آدَمَ ) (٣) .

ثمّ هدى الله الإنسان النجدين : نجد الخير ونجد الشرّ ، وجعل فيه الاختيار

__________________

١ ـ إبراهيم : ٣٤.

٢ ـ المصدر : ٤١ ، عن مسند الإمام الرضا (عليه السلام) ١ : ١٠٦.

٣ ـ الإسراء : ٧٠.


والقدرة ، فإمّا أن يكون كفوراً ، وكان جهولا عجولا ، وإمّا أن يكون شاكراً عالماً صبوراً.

وقد أتمّ الله الحجّة عليه ، بحجّة ظاهرية ، وهم الأنبياء والكتب السماوية والعلماء الصالحين ، وبحجّة باطنية وهو العقل والفطرة :

( وَللهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ ) (١) .

فبعث الله (١٢٤) ألف نبيّ ـ كما جاء في رواياتنا ـ لهداية الإنسان وتربيته ، وليقيموا بين الناس بالقسط ، وليخرجونهم من الظلمات إلى النور.

فأوّل الأنبياء آدم أبو البشر (عليه السلام) ، وآخرهم خاتم النبيّين وسيّد المرسلين محمّد (صلى الله عليه وآله).

فجاء بدين الإسلام الحنيف للناس كافّة ، إلى يوم القيامة :

( لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكونَ ) (٢) .

والإسلام إنّما هو مجموعة قوانين إلهيّة ـ اُصول وفروع ـ وضعها الله سبحانه لسعادة الإنسان ، وتعديل وتنظيم حياته الفردية والاجتماعية في كلّ المجالات والميادين ، إلاّ أنّ الطابع العامّ على الإسلام أنّه مدرسة أخلاقية وجامعة تربويّة ، فإنّ حدود الإسلام هي مكارم الأخلاق ، حيث حدّده النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) بفلسفة بعثته في قوله : « بُعثت لاُتمّم مكارم الأخلاق » ، وبهذا حدّد حقيقة الإسلام والاُمّة المسلمة. فالإسلام مدرسة (مكارم الأخلاق) ، وجهاده الأكبر جهاد النفس الأمّارة بالسوء ، والعالم بالله العارف بدينه هو المحور في ساحة الجهاد الأكبر وعليه تدور رحاها ، فالعلماء والصلحاء إنّما تشكّل سيرتهم امتداداً حقيقياً لصاحب الخلق

__________________

١ ـ الأنعام : ١٤٩.

٢ ـ التوبة : ٣٣.


العظيم محمّد (صلى الله عليه وآله) ، فهم القدوة والنماذج الصالحة التي يجب على الاُمّة التواصل معها والاهتداء بهديها

وأنّ الله جلّ وعلا لم يمنّ على الإنسان ، لا سيّما المؤمن بما تنعّم عليه من النعم الظاهرية والباطنية :

( وَإنْ تَعُدُّوا نَعْمَةَ اللهِ لا تُحْصوها ) (١) .

إلاّ في موردين كما في كتابه الكريم :

الأوّل : ختم النبوّة بسيّد الأنبياء وأشرف خلق الله محمّد (صلى الله عليه وآله) ، وإنّما اُرسل في عصر الجاهلية الاُولى لينقذ البشرية من الجهل والضلال ، فكانت رسالته السماوية مطلع نور في اُفق الإنسانية ، وإنّما جاء ليزكّي المؤمنين ويعلّمهم الكتاب والحكمة ، وهذا يعني أنّ حقيقة كمال المؤمن وبلوغه المقامات العالية والدرجات الرفيعة ، حتّى يكون عند مليك مقتدر في مقعد صدق ، إنّما هو بالتزكية والعلم ، فيحلّق الإنسان بهذين الجناحين في آفاق السعادة الأبدية ، وإنّما قدّمت التزكية ربما لبيان أهمّيتها وعظمة رتبتها ، وإلاّ فإنّ الإنسان لا بدّ له في سيره التكاملي الإنساني الإلهي من التزكية والعلم سويّةً ومعاً.

فالله سبحانه منّ على المؤمنين بهذه النعمة العظمى ـ في بداية الإسلام ونشره ـ في الجاهليّة الاُولى ، الجاهليّة الجهلاء التي كانت عن جهل ، كما في قوله تعالى :

( لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلى المُؤْمِنينَ إذْ بَعَثَ فيهِمْ رسولا مِنْ أنْفُسِهِمْ يَتْلو عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمَهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَإنْ كانوا مِنْ قَبْلُ لَفي ضَلال مُبين ) (٢) .

__________________

١ ـ إبراهيم : ٣٤.

٢ ـ آل عمران : ١٦٤.


الثاني : ظهور خاتم الأوصياء المهدي والقائم من آل محمّد (عليهم السلام) ، فإنّه سيظهر بعد الجاهلية الثانية التي تكون عن علم :

( أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلـهَهُ هَواهُ فَأضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلـْم ) (١) .

ويكون ذلك في آخر الزمان ، ليملأ الأرض قسطاً وعدلا بعد ما ملئت ظلماً وجوراً.

فالله سبحانه وعد المؤمنين ومنّ عليهم بهذه النعمة العظمى ، بأنّ الدين الإسلامي سيكون هو الحاكم على الأرض ، وتكون الحكومة العالمية بيد المؤمنين عباد الله الصالحين ، كما في قوله تعالى :

( وَنُريدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذينَ اسْتُضْعِفوا في الأرْضِ وَنَجْعَلـْهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثينَ ) (٢) .

ثمّ الآية الاُولى تبيّن سبب الرسالة الإسلامية ومحتواها :

( يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمَهُمُ ) .

فإنّها عبارة عن التزكية والتعليم.

ومن لطف الله سبحانه حيث خلق الإنسان ، وكلّفه ليعرّضه إلى الثواب والنعيم الأبدي ، قد أودع فيه الخمرة الاُولى ورأس المال الأوّلي لتزكيته وتربيته ، وذلك عبارة عن (الإلهام) إلهام عامّ يتعلّق بالخير والشرّ ، فعرّفه في فطرته وعقله وروحه ونفسه وقلبه ، أوّلا التقوى والفجور ، ثمّ كمّل وعضد ذلك الإلهام ببعث الأنبياء وأوصيائهم وورثتهم من العلماء الصالحين ، فقال سبحانه :

__________________

١ ـ الجاثية : ٢٣.

٢ ـ القصص : ٥.


( فَألـْهَمَها فُجورَها وَتَقْواها قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) (١) .

وهذا من تمام الحجّة الإلهيّة البالغة ، فتدبّر. فلا مفرّ بعدئذ يوم القيامة من حكومة الله جلّ جلاله ، ولا يمكن الفرار من حكومتك.

فكلّ واحد بفطرته السليمة الموحّدة يعرف الخير من الشرّ ، والصالح من الطالح ، والسقيم من الصحيح ، والباطل من الحقّ. ولا بدّ أن يتحرّك هو أوّلا في تهذيب نفسه وصيقلة قلبه ، ثمّ لا بدّ له من إرشاد الحكيم ـ فإنّه كما ورد في الخبر الشريف : هلك من لم يكن له حكيمٌ يرشده ـ وهداية النبيّ إنّما تكون بمنزلة السائق والقائد ، وكلامه الحقّ بمنزلة وقود لديمومة الحركة وتسريعها.

فخلاصة الإسلام وجوهريّته هو الأخلاق ـ تخلّقوا بأخلاق الله ، كما عن الإمام الصادق (عليه السلام) ـ حتّى عُدّ الأخلاق وعلمه من أهمّ الواجبات الإسلامية ، لأنّ الله إنّما يقسم في كتابه على ما كان بالغ الأهميّة ، ولم يقسم على شيء كما أقسم على الأخلاق ، فإنّه في سورة الشمس بعد أحد عشر قسماً ، يشير إلى عظمة الأخلاق والتزكية في قوله تعالى :

( قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) .

ولولا حسن الخلق لما كان الإنسان ينتفع ـ كما هو المطلوب ـ من عقائده الصحيحة ـ علم الكلام ـ ومن صلاته وصومه وغير ذلك ـ علم الفقه ـ وهذه العلوم الثلاثة إنّما هي من علوم الآخرة كما ورد في الحديث النبويّ الشريف : « إنّما العلم ثلاثة : آية محكمة ، وفريضة عادلة ، وسنّة قائمة »(٢) .

__________________

١ ـ الشمس : ٨.

٢ ـ لقد شرحنا هذا المعنى في كتاب « التوبة والتائبون على ضوء القرآن والسنّة » ، وهو مطبوع ، فراجع.


وقد ورد في الحديث الشريف : « إنّ الله يحبّ الكافر السخيّ ، ويبغض المؤمن البخيل » ، أي إنّه يحبّ عمل الكافر وهو السخاء لا ذاته ، كما إنّه يبغض عمل البخل حتّى لو كان ذلك من المؤمن ، وما أكثر من كانوا يحملون صفات طيّبة كانت سبباً لهدايتهم وتوبتهم وتوجّههم إلى الله سبحانه ، وكم من صالح في بداية أمره ، إلاّ أنّه هلك وأصبح من الأشقياء ومن زمرة الظالمين ، لما يحمل من صفات ذميمة ، فحبط عمله وانحرف عن الصراط المستقيم ، واستهواه الشيطان واستحوذ عليه.

( اللهُ وَلِيُّ الَّذينَ آمَنوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وَالَّذينَ كَفَروا أوْلِيائُهُمُ الطَّاغوتُ يُخْرِجونَهُمْ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ ) (١) .

ومن تفسيرها أنّهم يخرجونهم من نور الأخلاق الحميدة إلى ظلمات الأخلاق السيّئة.

وبنظري أهمّ العلوم إنّما هو علم الأخلاق ، وإنّ جميع القيم والمثل العليا والعلوم النافعة ، ترتكز على محور تزكية النفس. وإذا لم يتمّ غسل القلب وتطهيره من الصفات الذميمة والسجايا الرذيلة والخبائث النفسية ، فإنّه لن يكون باستطاعة شيء حتّى العلم ، أن ينجّي الإنسان ، بل من لم يهذّب نفسه ، لم ينفعه العلم ، وإنّما يكون عليه وبالا ، ويكون هو الحجاب الأكبر ، ولم يزدد بعلمه من الله إلاّ بعداً ، ويسلب منه حلاوة المناجاة ـ كما ورد في الروايات الشريفة ـ.

وإنّما أفتى الشيخ ابراهيم الزنجاني من المعمّمين ـ كان يرتدي زيّ أهل العلم ـ بقتل الشهيد الشيخ فضل الله النوري (قدس سره) ، وإنّما أفتى بذلك لشقاوته لأنّه لم يهذّب نفسه في الحوزة.

وحدّثنا سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد محمّد رضا الگلپايگاني (قدس سره) في

__________________

١ ـ البقرة : ٢٥٢.


درس خارج الفقه كتاب القضاء سنة ١٤٠١ ، قال :

كان في السنين السابقة معمّماً وصل إلى درجة الاجتهاد ، وحين الاحتضار وهو على فراش الموت ، زاره زميله في الدراسة وكان من مراجع التقليد في زمانه ، فأخذ يلقّن زميله بالشهادتين ، إلاّ أنّ صاحبه كان يمتنع من ذلك ، فتعجّب من أمره ، وألحّ في تلقينه ، ولكن ما كان من صاحبه إلاّ الإباء والامتناع ، وفي آخر الأمر طلب ذلك المجتهد الشقيّ ـ الذي كان يتصارع مع الموت ـ القرآن ، فجيء به ، ففتح ذلك ، ثمّ قال لزميله : يا هذا ، هل تذكر أيّام تحصيلنا في بداية شبابنا؟ فقال له : نعم ، أذكر ذلك. فقال له : مَن كان أعلم وأفهم من الآخر ، أنا أم أنت؟ فقال له : أنت كنت أفهم منيّ لتلقيّ الدرس واستيعابه وحفظه. وهكذا كان يسأله عن سيره الدرسي ، وصاحبه يقول : كنت أنت أعلم منيّ. فقال له في آخر الأمر : ولكن وصلت المرجعيّة إليك ، ولم تصل إليَّ ، وهذا يعني أنّ الله ظلمني. ثمّ بصق في القرآن الكريم ومات من دون الشهادتين. نسأل الله أن يجعل عواقب اُمورنا خيراً.

ولا شكّ أنّه مات كافراً ، وهذا نتيجة عدم التهذيب من اليوم الأوّل في كسب العلوم ، فإنّ هدفه كان الوصول إلى الجاه والمقام الدنيوي. وكان سيّدنا الاُستاذ (قدس سره) يحدّثنا بهذه القصّة المرعبة والرهيبة لتصحيح النوايا من بداية الأمر ، وإلاّ فإنّ ما يبطنه الإنسان مهما أراد إخفائه فإنّه يظهر عند موته ، والعياذ بالله. نسأل الله حسن العاقبة ، ولا بدّ للمؤمن أن يكون بين الخوف والرجاء ، فهما نوران في قلبه لو وزن هذا على هذا لم يزدد أحدهما على الآخر.

وما أكثر الآيات الكريمة والروايات الشريفة التي تذمّ علماء السوء أصحاب الدنيا والجاه والمقام الذين لم يهذّبوا أنفسهم ولم يجاهدوها ـ وهو الجهاد الأكبر ـ ويقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : « قصم ظهري إثنان : عالمٌ متهتّك ، وجاهل


متنسّك ، فالجاهل يغشّ الناس بتنسّكه والعالم ينغرهم بتهتّكه »(١) .

فلا بدّ من الأخلاق ومكارمها ومعاليها ، وإنّما يحصل عليها الإنسان لا سيّما طالب العلم بالجهاد الأكبر ، أي محاربة النفس الأمّارة بالسوء (بالتخلية والتحلية والتجلية التي تعدّ هذه المراحل الثلاثة خلاصة علم الأخلاق والسير والسلوك).

(فينبغي لطالب العلم أن لا يغفل عن نفسه وما ينفعها وما يضرّها في أوّلها وآخرها فيستجلب بما ينفعها ، ويتجنّب عمّـا يضرّها لئلاّ يكون عقله وعلمه حجّة عليه فيزداد عقوبة)(٢) .

ثمّ العلم النافع الحقّ ، إنّما هو معرفة سلوك الطريق إلى الله سبحانه وقطع عقبات القلب التي هي الصفات الذميمة ، وهي الحجاب بين العبد وربّه سبحانه وتعالى.

قال الشهيد الثاني في كتابه القيّم « منية المريد في أدب المفيد والمستفيد » : « إعلم أنّ العلم بمنزلة الشجرة ، والعمل بمنزلة الثمرة ، والغرض من الشجرة المثمرة ليس إلاّ ثمرتها ، أمّا شجرتها بدون الاستعمال ، فلا يتعلّق بها غرض أصلا ، فإنّ الانتفاع بها في أيّ وجه كان ضرب من الثمرة بهذا المعنى.

وإنّما كان الغرض الذاتي من العلم مطلقاً العمل ، لأنّ العلوم كلّها ترجع إلى أمرين : علم المعاملة ، وعلم المعرفة. فعلم المعاملة هو معرفة الحلال والحرام ونظائرهما من الأحكام ومعرفة أخلاق النفس المذمومة والمحمودة ، وكيفية علاجها والفرار منها ، وعلم المعرفة كالعلم بالله تعالى وصفاته وأسمائه ، وما عداهما من العلوم إمّا آلات لهذه العلوم أو يراد بها عمل من الأعمال في الجملة ، كما لا يخفى على

__________________

١ ـ منية المريد : ١٨١.

٢ ـ آداب المتعلّمين ، جامع المقدّمات ٢ : ٥٠.


من تتبّعها ، وظاهر أنّ علوم المعاملة لا تراد إلاّ للعمل ، بل لولا الحاجة إليه لم يكن لها قيمة »(١) .

ثمّ الشهيد الثاني (قدس سره) في كتابه (المنية) بعد أن يذكر فضل العلم من القرآن الكريم والنبيّ الأكرم وأهل بيته الأطهار وما جاء في الكتب السالفة والحكم القديمة والدليل العقلي الدالّ على ذلك ، وأنّ آداب العلم تارة باعتبار اشتراك المعلّم والمتعلّم فيها ، واُخرى باعتبار ما يختصّ بالمعلّم ، ثمّ ما يختصّ بالمتعلّم ، فيقول في الآداب التي اشتركا فيها وهي قسمان : آدابهما في أنفسهما وآدابهما في مجلس الدرس ، والقسم الأوّل فيه اُمور أوّلها : ما يجب عليهما من إخلاص النيّة لله تعالى في طلبه وبذله ، فإنّ مدار الأعمال على النيّات ، وبسببها يكون العمل تارةً خَزَفة لا قيمة لها ، وتارةً جوهرة لا يُعلم قيمتها لِعِظم قدرها ، وتارة وبال على صاحبه مكتوب في ديوان السيّئات ، وإن كان بصورة الواجبات.

فيجب على كلّ منهما أن يقصد بعلمه وعمله وجه الله تعالى وامتثال أمره وإصلاح نفسه ، وإرشاد عباده إلى معالم دينه ، ولا يقصد بذلك غرض الدنيا من

__________________

١ ـ منية المريد ، تحقيق رضا المختاري : ١٥٠ ، ويضمّ الكتاب على مقدّمة في فضل العلم من الكتاب والسنّة والأثر ودليل العقل ، وعلى أبواب أربعة : الأوّل في آداب المعلّم والمتعلّم ، والثاني في آداب الفتوى والمفتي والمستفتي ، والثالث في المناظرة وشروطها وآدابها وآفاتها ، والرابع في آداب الكتابة وما يتعلّق بها ، والخاتمة في مطالب مهمّة في أقسام العلوم الشرعيّة والفرعيّة وغيرها ، وتتمّة الكتاب في نصائح مهمّة لطلاّب العلوم ، فراجع ، فإنّه قد أوصى السلف الصالح من علمائنا الأعلام بمدارسة ومطالعة هذا الكتاب القيّم ولو لعشر مرّات ، بل قيل في كلّ سنة مرّة ، حتّى من وصل إلى درجة الاجتهاد بل والمرجعيّة ، فإنّه لا يستغني عن هذا الكتاب وعن الموعظة والنصيحة.


تحصيل مال أو جاه أو شهرة أو تميّز عن الأشباه أو المفاخرة للأقران أو الترفّع على الإخوان ونحو ذلك ، من الأغراض الفاسدة التي تثمر الخذلان من الله تعالى ، وتوجب المقت ، وتفوّت الدار الآخرة والثواب الدائم فيصير من :

( الأخْسَرينَ أعْمالا الَّذينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبونَ أنَّهُمْ يُحْسِنونَ صُنْعاً ) (١) .

والأمر الجامع للإخلاص تصفية السرّ عن ملاحظة ما سوى الله تعالى بالعبادة.

ثمّ يذكر معنى الإخلاص وما ورد فيه من الآيات والروايات من الفريقين ، لا سيّما في طلب العلم ويقول : هذه الدرجة وهي درجة الإخلاص ، عظيمة المقدار كثيرة الأخطار دقيقة المعنى صعبة المرتقى ، يحتاج طالبها إلى نظر وتدقيق وفكر صحيح ومجاهدة تامّة ، وكيف لا يكون كذلك ، وهو مدار القبول وعليه يترتّب الثواب ، وبه تظهر ثمرة عبادة العابد ، وتعب العالم وجدّ المجاهد.

ثمّ يتعرّض إلى الأمر الثاني وهو أنّ الغرض من طلب العلم هو العمل ، ويبيّن ما يوجب غرور أهل العلم ، وذلك من خلال الآيات والروايات.

ويقول : ولكلّ واحد منهما ـ الإخلاص والعمل ـ شرائط متعدّدة ووظائف متبدّدة بعد هذين ، إلاّ أنّها بأسرها ترجع إلى الثاني ـ أعني استعمال العلم ـ فإنّ العلم متناول لمكارم الأخلاق وحميد الأفعال والتنزّه عن مساوئها ، فإذا استعمله على وجهه ، أوصله إلى كلّ خير يمكن جلبه ، وأبعده عن كلّ دنيّة تشينه(٢) .

ثمّ يذكر التوكّل على الله والاعتماد عليه ، ثمّ آدابهما واشتغالهما من الاجتهاد في

__________________

١ ـ الكهف : ١٠٣ ـ ١٠٤.

٢ ـ المنية : ١٥٩.


طلب العلم ، وأن لا يسأل أحداً تعنّتاً وتعجيزاً ، وأن لا يستنكف من التعلّم والاستفادة ممّن هو دونه في منصب أو سنّ أو شهرة أو دين أو في علم آخر ، ثمّ الانقياد للحقّ والرجوع عند الهفوة ، ولو ظهر على يد من هو أصغر منه ، ثمّ يتأمّل ويهذّب ما يريد أن يورده أو يسأل عنه ، وأن لا يحضر مجلس الدرس إلاّ متطهّراً من الحدث والخبث ، متنظّفاً متطيّباً في بدنه وثوبه.

ثمّ يذكر الآداب المختصّة بالمعلّم ، كأن لا ينتصب للتدريس حتّى تكمل أهليّته ، وأن لا يذلّ العلم فيبذله لغير أهله ، وأن يكون عاملا بعلمه ، وزيادة حسن الخلق فيه ، والتواضع وتمام الرفق وبذل الوسع في تكميل النفس ، وأن لا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النيّة. ثمّ بذل العلم عند وجود المستحقّ وعدم البخل به ، وأن يحترز من مخالفة أفعاله لأقواله وإن كانت على الوجه الشرعي ، ثمّ إظهار الحقّ بحسب الطاقة ، من غير مجاملة لأحد من خلق الله تعالى.

ثمّ يذكر الشهيد عليه الرحمة آداب المعلّم مع تلامذته بأن يؤدّبهم على التدريج بالآداب السنيّة ، والشيم المرضية ، ورياضة النفس بالآداب الدينية ، والدقائق الخفيّة ، ويعوّدهم في جميع اُمورهم الكامنة والجليّة ، سيّما إذا آنس منهم رشداً ، كدعوتهم إلى الإخلاص ، وترغيبهم في طلب العلم والعمل به ، وأن يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه ، ويكره لهم ما يكره لنفسه من الشرّ ، وأن يزجره عن سوء الأخلاق وارتكاب المحرّمات والمكروهات ، وأن لا يتعاظم على المتعلّمين ، وإذا غاب أحدهم زائداً على العادة يسأل عنه وعن أحواله وموجب انقطاعه ، وأن يستعلم أسماء طلبته وحاضري مجلسه وأنسابهم وكناهم ومواطنهم وأحوالهم ، ويكثر الدعاء لهم ، وأن يكون سمحاً ببذل ما حصّله من العلم ، ثمّ صدّ المتعلّم أن يشتغل بغير الواجب قبله ، وأن يكون حريصاً على تعليمهم باذلا وسعه في تفهيمهم وتقريب الفائدة إلى أفهامهم وأذهانهم ، وأن يذكر في تضاعيف الكلام ما يناسبه من قواعد


الفنّ ، وأن يحرّضهم على الاشتغال في كلّ وقت ، ويطالبهم في أوقات إعادة محفوظاتهم وأن يطرح على أصحابه ما يراه من مستفاد المسائل الدقيقة والنكت الغريبة ، وأن لا يظهر للطلبة تفضيل بعضهم على بعض عنده في مودّة واعتناء مع تساويهم في الصفات ، وأن ينصفهم في البحث ، وأن يقدّم في تعليمهم إذا ازدحموا الأسبق فالأسبق ، وأن يوصي طلاّبه بالرفق فيما لو طلبوا فوق طاقتهم ، وأن لا يقبّح العلوم التي لم يتعلّمها ، وأن لا يتأذّى ممّن يقرأ على غيره ويحضر عنده ، ثمّ يمدح من كان من أهل العلم بعد إكمال دراسته وأهليّته للاستفادة منه ويأمر الناس بالاشتغال عليه والأخذ منه.

ثمّ يذكر الشهيد آداب الدرس وهي عبارة عن ثلاثين أدباً ، ثمّ يتعرّض إلى الآداب المختصّة بالمتعلّم وهي تنقسم كما مرّ ثلاثة أقسام : آداب في نفسه ، وآداب مع شيخه ، وآدابه في مجلس درسه.

والمقصود من رسالتنا هذه إنّما هو القسم الأوّل ، فيذكر فيه اُموراً ثمانية(١) ، إنّما اُشير إليها ، متمسّكاً بعروة (خير الكلام ما قلّ ودلّ) طلباً للاختصار ، كما أضفت عليها ثمانية اُخرى ليكون المجموع ستّة عشر خصلة وخُلق ، لا بدّ لطالب العلم أن يراعيها في سيره الأخلاقي ، مستعيناً بالله سبحانه ، ومتوسّلا برسوله (صلى الله عليه وآله) وعترته (عليهم السلام) ، والله تعالى خير ناصر ومعين(٢) .

__________________

١ ـ منية المريد : ٢٢٤ ـ ٢٣٣ ، أذكر خلاصة ذلك مع تصرّف وإضافات وبعض قصص العلماء في مراعاة الأخلاق وتهذيب النفس.

٢ ـ خلاصة هذه الرسالة كانت على شكل محاضرات أخلاقيّة ألقيتها في حوزة الإمام الخميني (قدس سره) للطلبة الحجازيّين بقم المقدّسة ، في شهر رمضان المبارك سنة ١٤١٦ ه‍.


الدرس الأوّل

ما هو الأدب ، ولماذا الآداب الإسلاميّة؟

الأدب من الأخلاق الفرعيّة ومن منشآتها ، وهو بمعنى الهيئة الحسنة الممدوحة التي ينبغي أن يقع عليه الفعل المشروع ، إمّا في الدين ، أو عند العقلاء في مجتمعهم ، كآداب الدعاء والصلاة وملاقاة الأصدقاء ، وأدب المعاشرة ، وما شابه ذلك ، وإن شئت فقل : الأدب يعني ظرافة العمل ولطافته.

ولا يكون إلاّ في الاُمور المشروعة غير الممنوعة شرعاً وعقلا ، فلا أدب في الظلم والخيانة والكذب ، ولا أدب في الأعمال الشنيعة والقبيحة ، ولا يتحقّق أيضاً إلاّ في الأفعال الاختياريّة ، التي لها هيئات مختلفة فوق الواحدة ، حتّى يكون بعضها متلبّساً بالأدب دون بعض ، كأدب الأكل مثلا في الإسلام : وهو أن يبدأ فيه بالبسملة ـ بسم الله ـ ، ويختم بالحمدلة ـ الحمد لله ـ ويأكل دون الشبع وأن لا ينظر إلى الآخرين وغير ذلك من الآداب والسنن.

وإذا كان الأدب هو الهيئة الحسنة في الأفعال الاختياريّة ، والحسن وإن كان بحسب أصل معناه وهو الموافقة لغرض الحياة ، ممّـا لا يختلف فيه أنظار المجتمعات ، لكنّه بحسب مصاديقه ممّـا يقع فيه أشدّ الخلاف ، وبحسب اختلاف الزمان والمكان واختلاف الاُمم والشعوب والأديان والمذاهب ، وحتّى المجتمعات الصغيرة المنزليّة


وغيرها في تشخيص الحسن والقبيح يقع الاختلاف والخلاف بينهم في آداب الأفعال وحسنها وقبحها.

فربما كان عند قوم من الآداب ما لا يعرفه آخرون ، وربما كان بعض الآداب المستحسنة عند قوم شنيعة مذمومة عند آخرين ، كتحيّة أوّل اللقاء ، فإنّه في الإسلام بالتسليم تحيّة من عند الله مباركة طيّبة ، وعند قوم برفع القلانس ، وعند بعض برفع اليد حيال الرأس ، وعند آخرين بانحناء وطأطأة رأس ، وكما أنّ في آداب ملاقاة النساء عند الغربيّين اُموراً يذمّها الإسلام وينكرها ، إلى غير ذلك.

غير أنّ هذه الاختلافات إنّما نشأت في مرحلة تشخيص المصداق ، وأمّا أصل معنى الأدب ، وهو الهيئة الحسنة التي ينبغي أن يكون عليها الفعل ، فهو ممّـا أطبق العقلاء من بني آدم ، وأجمعوا على تحسينه فلا يختلف فيه اثنان.

وليست الآداب هي عين الأخلاق ، فإنّ الأخلاق بمعنى الملكات الراسخة في النفوس ، ولكنّ الآداب هيئات حسنة مختلفة تتلبّس بها الأعمال الصادرة عن الإنسان عن صفات مختلفة نفسيّة ، فبين المعنيين بون بعيد.

إنّما الآداب من منشآت الأخلاق ، والأخلاق من مقتضيات المجتمع بخصوصه بحسب غايته الخاصّة ، فالغاية المطلوبة للإنسان في حياته هي التي تشخّص أدبه في أعماله ، وترسم لنفسه حظّاً لا يتعدّاه إذا أتى بعمل في مسير حياته والتقرّب من غايته.

وإذا كان الأدب يتبع في خصوصيّته الغاية المطلوبة في الحياة ، فالأدب الإلهي الإسلامي ـ بالمعنى الأعمّ ـ الذي أدّب الله سبحانه به أنبيائه ورسله وأوصيائهم (عليهم السلام) ، ومن ثمّ ورثة الأنبياء العلماء الصالحين ، هو الهيئة الحسنة في الأعمال الدينيّة التي تحاكي غرض الدين وغايته وهي السعادة الأبديّة ـ سعادة


الدارين ـ المتمثّلة والمتبلورة في العبوديّة على اختلاف الأديان الحقّة بحسب كثرة موادّها وقلّتها ، وبحسب مراتبها في الكمال ومدارج الرقيّ والتعالي.

والإسلام دين الله القويم لمّا كان من شأنه التعرّض لجميع جهات وحقول الحياة الإنسانيّة ، بحيث لا يشذّ عنه شيء من شؤونها وتدبيرها ، يسيراً كان أو خطيراً ، فلذلك وسع الحياة أدباً وشملها خُلقاً ، ورسم في كلّ عمل هيئة حسنة تحاكي غايته ومقاصده.

وليس له غاية عامّة إلاّ توحيد الله سبحانه في مرحلتي الاعتقاد والعمل جميعاً ، فإنّ الحياة عقيدة وجهاد ، أي أن يعتقد الإنسان أنّ له إلهاً هو الذي منه بدء كلّ شيء ، وإليه يعود كلّ شيء ، له الأسماء الحسنى والصفات العليا ، ثمّ يجري في الحياة ويعيش بأعمال تحاكي بنفسها عبوديّته وعبوديّة كلّ شيء عنده لله الحقّ عزّوجلّ ، وبذلك يسري التوحيد في باطنه وظاهره ، في جوارحه وجوانحه ، في سيره وسيرته ، وتظهر حقيقة العبوديّة من أقواله وأفعاله وسائر أبعاد وجوده ظهوراً تامّاً لا حجاب عليه.

فالأدب الإلهي ـ أو الأدب النبويّ والولويّ ـ إنّما هي هيئة التوحيد الصادق في الفعل الناطق(١) .

وطالب العلم أولى الناس برعاية الأخلاق الحسنة والآداب الإسلامية ، أي بتجلّي التوحيد الكامل في أفعاله وأحواله وأقواله.

__________________

١ ـ اقتباس من كتاب سيّدنا العلاّمة الطباطبائي (الميزان في تفسير القرآن ٦ : ٢٥٦ ، وللموضوع تتمّة قيّمة يتعرّض المصنّف فيها إلى آداب الأنبياء مع الله ومع الناس ، ثمّ أدب النبيّ الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله) ، فراجع فيه فوائد جمّة.


والناس إنّما يتّبعون أهل العلم في أقوالهم ومواعظهم ، لو رأوا ذلك على حركاتهم وسكناتهم ، فمن عمل بما علم وبدأ بنفسه أوّلا ، فإنّه يؤثّر في النفوس وتنقاد له القلوب ، وإلاّ فإنّ الكلام إذا خرج من القلب دخل في القلب ، وإذا خرج من اللسان لم يتجاوز الآذان.

يقول العلاّمة الطباطبائي في تفسيره ـ الميزان ـ : « فمن الواجب عند التعليم أن يتلقّى المتعلّم الحقائق العلميّة مشفوعةً بالعمل ، حتّى يتدرّب ويتمرّن عليه لتزول بذلك الاعتقادات المخالفة الكائنة في زوايا نفسه ، ويرسخ التصديق بما تعلّمه في النفس ، لأنّ الوقوع أحسن شاهد على الإمكان ـ فإنّ أوّل دليل على إمكان الشيء وقوعه ـ ولذلك نرى أنّ العمل الذي لم تهد النفس وقوعه في الخارج يصعب انقيادها له ، فإذا وقع لأوّل مرّة بدا كأنّه انقلب من امتناع إلى إمكان ، وعظم أمر وقوعه ، وأورث في النفس قلقاً واضطراباً ، ثمّ إذا وقع ثانياً وثالثاً هان أمره وانكسر سورته ، والتحق بالعاديات التي لا يعبأ بأمرها ، وإنّ الخير عادة ، كما أنّ الشرّ عادة.

ورعاية هذا الاُسلوب في التعليمات الدينية وخاصّة في التعليم الديني الإسلامي من أوضح الاُمور ، فلم يأخذ شارع الدين في تعليم مؤمنيه بالكلّيات العقليّة والقوانين العامّة قطّ ، بل بدأ بالعمل وشفعه بالقول والبيان اللفظي ، فإذا استكمل أحدهم تعلّم معارف الدين وشرائعه ، استكمله وهو مجهّز بالعمل الصالح ، مزوّد بزاد التقوى.

كما أنّ من الواجب أن يكون المعلّم المربّي عاملا بعلمه ، فلا تأثير في العلم إذا لم يقرن بالعمل ، لأنّ للفعل دلالة كما أنّ للقول دلالة ، فالفعل المخالف للقول يدلّ على ثبوت هيئة مخالفة في النفس يكذب القول فيدلّ على أنّ القول مكيدة ونوع حيلة يحتال بها قائله لغرور الناس واصطيادهم.


ولذلك نرى الناس لا تلين قلوبهم ولا تنقاد نفوسهم للعظة والنصيحة إذا وجدوا الواعظ به أو الناصح بإبلاغه غير متلبّس بالعمل متجافياً عن الصبر والثبات في طريقه

فمن شرائط التربية الصالحة أن يكون المعلّم المربّي في نفسه متّصفاً بما يصفه للمتعلّم متلبّساً بما يريد أن يلبسه ، فمن المحال العادي أن يربّي المربّي الجبان شجاعاً باسلا ، أو يتخرّج عالم حرّ في آرائه وأنظاره من مدرسة التعصّب واللجاج وهكذا.

قال تعالى :

( أفَمَنْ يَهْدي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهْدي إلاّ أنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمونَ ) (١) .

وقال :

( أتَأمُرونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ ) (٢) .

وقال حكايةً عن قول شعيب لقومه :

( وَما اُريدُ أنْ اُخالِفَكُمْ إلى ما أنْهاكُمْ عَنْهُ إنْ اُريدُ إلاّ الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ ) (٣) .

إلى غير ذلك من الآيات.

فلذلك كلّه كان من الواجب أن يكون المعلّم المربّي ذا إيمان بموادّ تعليمه وتربيته.

على أنّ الإنسان الخالي عن الإيمان بما يقوله حتّى المنافق المتستّر بالأعمال

__________________

١ ـ يونس : ٣٥.

٢ ـ البقرة : ٤٤.

٣ ـ هود : ٨٨.


الصالحة المتظاهر بالإيمان الصريح الخالص لا يتربّى بيده إلاّ من يمثّله في نفسه الخبيثة ، فإنّ اللسان وإن أمكن إلقاء المغايرة بينه وبين الجنان بالتكلّم بما لا ترضى به النفس ، ولا يوافقه السرّ إلاّ أنّ الكلام من جهة اُخرى فعل ، والفعل من آثار النفس ورشحاتها ، وكيف يمكن مخالفة الفعل لطبيعة فاعله؟ انتهى كلامه رفع الله مقامه.

فالأدب في الإسلام ، أو الأدب الإسلامي يعني حكومة التوحيد في حياة الإنسان ، فيسري التوحيد في جميع الأعمال (ومعنى سراية التوحيد في الأعمال كون صورها تمثّل التوحيد وتحاكيه محاكاة المرآة لمرئيها بحيث لو فرض أنّ التوحيد تصوّر لكان هو تلك الأعمال بعينها ، وأنّ تلك الأعمال تجرّدت اعتقاداً محضاً لكانت هي هو بعينه).

فمن أدب الله قوله سبحانه وتعالى :

( وَجَعَلـْناهُمْ أئِمَّةً يَهْدونَ بِأمْرِنا وَأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ وَإقامَ الصَّلاةِ وَإيْتاءَ الزَّكاةِ وَكانوا لَنا عابِدينَ ) (١) .

وما أكثر الآيات الكريمة والروايات الشريفة التي تحثّ الإنسان على أن يراعي الآداب. يكفيك شاهداً نماذج ممّـا يقوله أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في ذلك :

قال (عليه السلام) :

« الأدب كمال الرجل ».

« يا مؤمن ، إنّ هذا العلم والأدب ثمن نفسك ، فاجتهد في تعلّمهما ، فما يزيد من علمك وأدبك يزيد في ثمنك وقدرك ».

« من لم يكن أفضل خلاله أدبه ، كان أهون أحواله عطبه ».

__________________

١ ـ الأنبياء : ٣٧.


« الأدب أحسن سجيّة ».

« أفضل الشرف الأدب ».

« خير ما ورّث الآباء الأبناء : الأدب ».

« حسن الأدب خير مؤازر وأفضل قرين ».

« طالب الأدب أحزم من طالب الذهب ».

« إنّ الناس إلى صالح الأدب أحوج منهم إلى الفضّة والذهب ».

« أشرف حسب حسن أدب ».

« حسن الأدب أفضل نسب وأشرف سبب ».

« عليك بالأدب فإنّه زين الحسب ».

« حسن الأدب يستر قبح النسب ».

« فسد حسب من ليس له أدب ».

« الأدب حلل جدد ».

« زينتكم الأدب ».

« لا زينة كالأدب ».

« من قلّ أدبه كثرت مساويه ».

« النفس مجبولة على سوء الأدب ، والعبد مأمور بملازمة حسن الأدب ، والنفس تجري في ميدان المخالفة ، والعبد يجهد بردّها عن سوء المطالبة ، فمتى أطلق عنانها فهو شريك في فسادها ، ومن أعان نفسه في هوى نفسه ، فقد أشرك نفسه في قتل نفسه ».

« نِعم قرين العقل الأدب ».

« كلّ شيء يحتاج إلى العقل ، والعقل يحتاج إلى الأدب ».


« الآداب تلقيح الأفهام ونتائج الأذهان ».

« تولّوا من أنفسكم تأديبها ، واعدلوا بها عن ضراوة عاداتها ».

« ذَكِّ قلبك بالأدب كما يُذكّى النار بالحطب ، ولا تكن كحاطب الليل وغثاء السيل ».

« ومعلّم نفسه ومؤدّبها أحقّ بالإجلال من معلّم الناس ومؤدّبهم ».

« سبب تزكية الأخلاق حسن الأدب ».

« ليس شيء أحمد عاقبةً ولا ألذّ مغبّةً ولا أدفع لسوء أدب ولا أعون على درك مطلب من الصبر ».

« كفاك أدباً لنفسك اجتناب ما تكرهه من غيرك ».

« قال الشعبيّ : تكلّم أمير المؤمنين (عليه السلام) بتسع كلمات ارتجلهنّ ارتجالا ، فقأنَ عيون البلاغة وأيتمن جواهر الحكمة ، وقطعن جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهنّ ، ثلاث منها في المناجاة ، وثلاث منها في الحكمة ، وثلاث منها في الأدب. فأمّا اللاتي في المناجاة ، فقال : إلهي كفى بي عزّاً أن أكون لك عبداً ، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً ، أنت كما اُحبّ فاجعلني كما تحبّ. وأمّا اللاتي في الحكمة ، فقال : قيمة كلّ امرئ ما يحسنه ، وما هلك امرؤ عرف قدره ، والمرء مخبوّ تحت لسانه. واللاتي في الأدب ، فقال : امنن على من شئت تكن أميره ، واحتج إلى من شئت تكن أسيره ، واستغنِ عمّن شئت تكن نظيره ».

« أفضل الأدب أن يقف الإنسان عند حدّه ولا يتعدّى قدره ».

« أحسن الآداب ما كفّك عن المحارم ».

« تحرّي الصدق وتجنّب الكذب أجمل شيمة وأفضل أدب ».

« ضبط النفس عند الرغب والرهب من أفضل الأدب ».


« جالس العلماء يزدد علمك ويحسن أدبك ».

« بالأدب تُشحذ الفِطَن ».

« إذا زاد علم الرجل زاد أدبه ، وتضاعفت خشيته لربّه ».

« قيل لعيسى بن مريم (عليه السلام) : مَن أدّبك؟ قال : ما أدّبني أحد ، رأيت الجهل فجانبته ».

« قال لقمان (عليه السلام) : من عنى بالأدب اهتمّ به ، ومن اهتمّ به تكلّف علمه ، ومن تكلّف علمه اشتدّ له طلبه ، ومن اشتدّ طلبه أدرك منفعته ، فاتّخذه عادة ، فإنّك تخلف في نفسك وتنفع به من خلفك »(١) .

من هذه الروايات الشريفة ومن أمثالها بالمئات والاُلوف نكتشف أنّ الواجب علينا لدرك سعادة الدارين وبلوغ الكمال والوصول إلى الله سبحانه أن نؤدّب أنفسنا بالتوحيد بأحسن الآداب ، ونقمعها عن الأهواء والزيغ والارتياب ، فإنّ النفس تفتقر دوماً إلى تأديب وتهذيب وترهيب وترغيب :

( إنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلاّ ما رَحِمَ رَبِّي ) (٢) .

( قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) (٣) .

ويكفينا واعظاً وزاجراً قوله تعالى :

( وَفي أنْفُسِكُمْ أفَلا تُبْصِرونَ ) (٤) .

__________________

١ ـ الروايات من ميزان الحكمة ١ : ٥٢ ، طبعة مؤسسة دار الحديث.

٢ ـ يوسف : ٥٢.

٣ ـ الشمس : ٩ ـ ١٠.

٤ ـ الذاريات : ٢١.


فالواجب على كلّ عاقل أن يؤدّب نفسه بمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات ، فكما أنّ تمام الشجرة بالثمرة ، فتمام السعادة بمكارم الأخلاق ومحاسنها.

ومعلوم أنّ تهذيب الأخلاق ورعاية الآداب علم شريف ، بل يعدّ من أشرف العلوم لا سيّما لأهل العلم ، فإنّ العلماء قادة وسادة ، والناس على دين ملوكهم ، فإذا كان القائد صالحاً ، فإنّ الرعيّة يلزمها الصلاح والفلاح والنجاح ، وإذا فسد العالِم فسد العالَم ، فأولى الناس بالآداب والأخلاق طلاّب العلوم ، لا سيّما طلبة العلوم الدينية.

قال بعض البلغاء في الاهتمام بما هو الأهمّ من إصلاح أمر النفس على تقديم البدن وتقديم طبّها وعلاجها عليه : بأنّ الإنسان إذا كان قد علم أنّه مركّب من شيئين : أحدهما أشرف وهو النفس ، والآخر أدنى وهو الجسم ، فاتّخذ للدنيء منها أطبّاء يعالجونه من أمراضه التي تعروه ، ويواظبون عليه بأقواته التي تغذوه ، ويتعاهدونه بأدويته التي تنقّيه ، وترك أن يفعل بالشيء الشريف مثل ذلك ، فقد أساء الاختيار عن بيّنة ، وأتى بالغلط عن بصيرة ، وأطبّاء هذه النفس هم الأفاضل العلماء ، وأقواتها الغاذية هي الآداب المأخوذة عنهم ، وأدويتهم المنقّية هي النواهي والمواعظ المسموعة منهم.

ومن الواضح أنّ من يدّعي علم الأشياء ومعرفتها ، وهو لا يعرف نفسه ولم يهذّبها ، فمثله مثل من يطعم الناس وهو جائع ، ويداويهم وهو عليل ، ويهديهم طريقاً وهو لا يدري طريقه ، فلا بدّ أن يبدأ الإنسان بنفسه يكون إماماً لها ثمّ ينصب نفسه إماماً لغيره.

الله الله في كسب الآداب ، فما أروع ما يقوله أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) في الديوان المنسوب إليه :


 

كن ابن من شئت واكتسب أدباً

يغنِكَ محموده عن النسب

فليس يغني الحسيب نسبته

ليس الفتى من يقول : كان أبي(١)

قيل : أوّل ما يؤدّب به المبتدي : التبرّي من الحركات المذمومة ، ثمّ التنقّل إلى الحركات المحمودة ، ثمّ التفرّد لأمر الله ، ثمّ التوقّف ، ثمّ الرشاد ، ثمّ الثبات ، ثمّ القرب ، ثمّ المناجاة ، ثمّ المصافاة ، ثمّ الموالاة ، ولا يستقرّ هذا بقلبه حتّى يرجع إلى إيمانه ، فيكون العلم والقدرة زاده ، فيكون مقامه عند الله مقام المبشّرين من الحول والقوّة ، وهذا مقام حملة العرش وليس بعده مقام.

وقيل : الأدب مع الله : القيام بأوامره على الإخلاص وصحّة المعاملة معه على الظاهر والباطن مع الخوف ، والصحبة مع الخلق بالرفق والحلم والسخاء والشفقة ، والأخذ بالفضل وصلة القاطع ، والإحسان إلى المسيء ، وتعظيم الجميع وأن ينأ عنه القلب ، وازدرته العين ، فإنّ كلّ أحد من المسلمين كائناً من كان لا يخلو من فضل الله ولعلّه ممّن يطيع الله.

وقال : كن لربّك عبداً ، ولإخوانك خادماً ، واعلم أنّه لا أحد من المسلمين إلاّ وله مع الله سرّاً ، فاحفظ حرمة ذلك السرّ.

وقيل : من أساء الأدب على البساط ردّ إلى الباب ، ومن أساء الأدب على الباب ردّ إلى سياسة الدوابّ.

وبالجملة : الناس في الآداب على أربع طبقات ، والأدب في نفسه على أربع مراتب.

فأمّا طبقات الناس في الأدب ، فمنهم : أهل الدنيا أكثر آدابهم في الفصاحة

__________________

١ ـ آداب النفس : ١٥٢ ، في الهامش.


والبلاغة والأسمار والأشعار والخطّ والحركة باليد خاصّة ، وبالبدن جملة.

وأهل الدين ، أكثر آدابهم : التفقّه في أحكام الشرع ، والتحلّي بالعبادة وأركانها وشرائطها ، والانتهاء في المعاملات إلى مأخذ الشرع ، توفّراً على المباحات وتصوّناً عن المحظورات.

وأهل الإرادة ، أكثر آدابهم في رياضة النفوس وتأديب الجوارح وحفظ الحدود وترك الشهوات.

وأهل المعرفة أكثر آدابهم في طهارة القلوب وحفظ الوقت ومراعاة الأسرار وقلّة التعريج على النفس وخواطرها وشدّة التحفّظ في مقامات القربة ومواقعها.

وأمّا مراتب الأدب الأربع ، فهي : أن يحافظ في المعاملات بحيث لا يعيب عليه الكبراء ، ولا يأخذ من الدنيا ما يعيب عليه الزهّاد ، ولا يقع من إيثار الاُمور ما يعيب عليه الحكماء ، وتكون الصلاة في مراعاتها بحيث لا يعيب عليه الحفظة ، فإنّ الصلاة مناجاة الربّ ، فلا ينظر سرّه إلاّ إلى مولاه ، ولا يطلب من الدارين إلاّ رضاه ، فهذا في معرفة الأدب(١) .

وإلى مثل هذه الآداب والكمالات يحتاج طالب العلم في سيرته الأخلاقية.

نشير إلى أهمّ الآداب التي على طالب العلم أن يراعيها ، ويعرف حدودها ، وما يترتّب عليها من الآثار في حياته الفردية والاجتماعيّة ، في الدنيا والآخرة ، ومن الله التوفيق والتسديد.

وعلينا أن نخاف يوم الوعيد ، كما نخاف من سوء العاقبة ، فإنّ من لم يهذّب نفسه ويخلص في علمه وعمله ، يبتلى بالحجاب الأكبر ، وتنطبق عليه مثل هذه

__________________

١ ـ آداب النفس : ١٥٢.


الآيات القرآنية في قوله تعالى :

( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرينَ أعْمالا الَّذينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبونَ أنَّهُمْ يُحْسِنونَ صُنْعاً ) (١) .

( أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلـهَهُ هَواهُ وَأضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلـْم وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلـْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْديهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أفَلا تَذَكَّرونَ ) (٢) .

( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوينَ وَلَوْ شَئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلـكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلـْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلـْهَثٌ أوْ تَتْرُكْهُ يَلـْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذينَ كَذَّبوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرونَ ساءَ مَثَلا القَوْمُ الَّذينَ كَذَّبوا بِآياتِنا وَأنْفُسَهُمْ كانوا يَظْلِمونَ ) (٣) .

( مَثَلُ الَّذينَ حُمِّلوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلوها كَمَثَلِ الحَمارِ يَحْمِلُ أسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذينَ كَذَّبوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدي القَوْمَ الظَّالِمينَ ) (٤) .

فهذه بعض أوصاف اُولئكَ العلماء الذين لم ينتفعوا من علمهم ، لأنّه لم يقترن العلم بالتربية والتزكية ، فإنّ أوّل ما ينبغي على طالب العلوم الدينيّة القيام به ، هو أن يكون بصدد تهذيب نفسه وتطهير روحه وصيقلة قلبه ، فإنّ جميع القيم والمثل ترتكز على محور تزكية النفس :

( قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ) .

__________________

١ ـ الكهف : ١٠٣ ـ ١٠٤.

٢ ـ الجاثية : ٢٣.

٣ ـ الأعراف : ١٧٥ ـ ١٧٦.

٤ ـ الجمعة : ٥.


وَما لم يتمّ غسل القلب من الأدران والصفات الشيطانيّة والرذائل النفسيّة فلن يكون باستطاعة شيء ـ حتّى العلم ـ أن ينجي الإنسان.

بل إنّ من لم يهذّب نفسه كلّما ازداد علماً علماً كلّما ازداد إضراره بنفسه وبمجتمعه ، إنّ العلم كالسكّين إذا كانت في يد جرّاح مختصّ ماهر فهي سبب الحفاظ على الحياة ، وإذا كانت في يد جاهل أحمق فهي خطر على الناس.

فيا أخي (الروحاني) فكّر جيّداً وانظر في عواقب الاُمور ، وليكن همّك قبل كلّ شيء تطهير باطنك وتنظيف قلبك.

إنّ حكم قتل آية الله الشهيد الشيخ فضل الله نوري رضوان الله عليه قد أصدره معمّم لم يهذّب نفسه ، أي الشيخ إبراهيم الزنجاني ممثّل زنجان في المجلس النيابي ، فقد تصدّى للقضاء في محاكمة الشيخ الشهيد وأفتى بقتله.

وقد ذمّت الروايات العلماء الذين لم يزكّوا أنفسهم ذمّاً كبيراً وبيّنت أنّ خطر هؤلاء لا تكاد تحدّه أبعاد.

يقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : « قصم ظهري اثنان : عالمٌ متهتّك وجاهل متنسّك ، فالجاهل يغشّ الناس بتنسّكه ، والعالم يغرّهم بتهتّكه ».

يقول الإمام الخميني (قدس سره) في هذا الصدد :

« إذا لم تصلحوا أنفسكم في الحوزات العلميّة ، فأينما ذهبتم فإنّكم تتسبّبون بانحراف الناس عن الإسلام وجعلهم يسيئون الظنّ بالروحانيّين ورجال الدين.

إذا درستم فقد تصبحوا علماء ، ولكن يجب أن تعلموا أنّ الفارق كبيرٌ جدّاً بين العالم والمهذّب ، فكلّما اختزنت هذه المفاهيم في القلب الأسود غير المهذّب يزداد الحجاب ، إنّ العلم في النفس غير المهذّبة حجاب ظلام العلم نورٌ ولكن في القلب


الأسود يصبح سبباً في ازدياد دائرة الظلمة والاسوداد.

انتبهوا ، إيّاكم أن تبذلوا الجهد خمسين سنة بكدّ اليمين وعرق الجبين في الحوزات ثمّ تكسبوا جهنّم فكّروا وادرسوا سبل إصلاح المناهج الدراسيّة في مجال الأخلاق وتزكية النفس وتهذيبها.

معاذ الله أن يقبل الناس على شخص ويحترموه قبل أن يهذّب نفسه ، عندها يخسر نفسه ، ابحثوا عن حلّ قبل أن تبيض اللحى.

على الشباب أن لا ينتظروا حتّى يعلو بياض غبار الموت رؤوسهم ووجوههم ، ما دمتم شباباً فباستطاعتكم أن تفعلوا شيئاً.

انتبهوا ما دامت الفرصة باقية ، وكونوا قبل كلّ شيء بصدد تهذيب أنفسكم وتزكيتها »(١) .

وزبدة المخاض ونتيجة ما تقدّم نصل إلى هذه الحقيقة الواضحة ، أنّ الوصول إلى الكمالات الروحيّة والمدارج المعنويّة ، والإحاطة بأسرار عالم الوجود ، وما وراء الطبيعة ، والانقطاع إلى الله سبحانه ، حتّى يكون الإنسان عالماً ربّانيّاً تتجلّى فيه صفات الله سبحانه وأسمائه الحسنى ، لا سبيل إليه إلاّ في إطار تهذيب النفس والتحلّي بالأخلاق الحسنة والسجايا الطيّبة.

« يقول صدر المتأ لّهين : عندما كنت في (كهك ـ قرية بأطراف قمّ المقدّسة) كنت أعمل على تهذيب نفسي ، كنت أخلو بنفسي واُفكّر ، أستعرض المعلومات التي تعلّمتها ، كنت اُحاول جاهداً أن أفهم أسرار الوجود بقوّة العلم والإيمان ، وبسبب الإخلاص وتزكية النفس ، أضاء قلبي وفتحت أمامي أبواب الملكوت ، وبعدها

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ٢٥ ، عن الجهاد الأكبر.


أبواب الجبروت وفهمت أسرار الدنيا الإلهية ، وفهمت أشياء لم أكن في البداية أتصوّر أن تفكّ لي رموزها »(١) .

( قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) (٢) .

__________________

١ ـ المصدر : ٣٢.

٢ ـ الشمس : ٩ ـ ١٠.


الدرس الثاني

لقد تحدّثنا في المقدّمة والفصل الأوّل عن أهميّة علم الأخلاق في الإسلام ، وبعض ما جاء في منية المريد ، ولماذا نراعي الآداب في حياتنا العلميّة والعمليّة. ووصلنا إلى الآداب والأخلاق التي على الطالب أن يراعيها ، وهي كما يلي :

الأمر الأوّل

صدق النيّة

النيّة الصادقة : أن يحسن نيّته ويطهّر قلبه من الأدناس والذنوب والمعاصي ، ليصلح لقبول العلم وحفظه واستمراره ، فإنّ القلب سلطان البدن ، فإذا صلح صلح الجسد كلّه ، وحرام على قلب مذنب ظلماني أن يدخله النور ، واستعن على الحفظ وزيادة الحافظة بقلّة الذنوب وتركها ، فإنّ الذنب على الذنب من دون التوبة ، وتبديل السيّئات بالحسنات ، يوجب النسيان ، وقلّة الحافظة ، وضعف القوّة الدرّاكة.

« لا بدّ لطالب العلم من النيّة في تعلّم العلم ، إذ النيّة هو الأصل في جميع


الأحوال لقوله تعالى :( إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيَّاتِ ) ، ولقوله (صلى الله عليه وآله) : (لكلّ امرئ ما نوى) فينبغي أن ينوي المتعلّم بطلب العلم رضاء الله تعالى وإزالة الجهل عن نفسه وعن ساير الجهّال ، وإبقاء الإسلام وإحياء الدين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من نفسه ومن متعلّقاته ومن الغير بقدر الإمكان ، فينبغي لطالب العلم أن يصبر في المشاقّ ويجتهد بقدر الوسع فلا يصرف عمره في الدنيا الحقيرة الفانية ، ولا يذلّ نفسه بالطمع ، ويجتنب عن الحقد ويحترز عن التكبّر »(١) .

ويجتنب الذنوب والمعاصي ، فإنّ إحدى آثار تصفية الروح ونتائجها اجتناب الذنوب والآثام ، فترك المعاصي من أهمّ الشروط في تحصيل العلوم الإسلاميّة ، فمن يسودّ قلبه بالمعاصي والمحرّمات ، كيف يتوفّق بكسب نور العلم.

شكوت إلى وكيع قلّة الحفظ ، فقال : استعن على الحفظ بترك الذنوب.

وعلمائنا الأعلام لم يتركوا الذنوب وحسب ، بل تركوا المكروهات ، وحتّى منهم من ترك الحلال. فإنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين ، فمن لم يراعِ جانب التقوى والورع عن المحارم في حياته الحوزويّة فإنّه لا يتوفّق في تحصيل العلم ، وكثيراً ما يترك الحوزة وينزع العمّة.

يقول العارف بالله الشيخ حسينقلي الهمداني في إحدى رسائله : « وما استفدته أنا الضعيف من العقل والنفل ، إنّ أهمّ الأشياء لطالب القرب هو الجدّ والسعي في ترك المعصية ، وما لم تؤدِّ هذه الخدمة فإنّ ذكرك وفكرك بحال قلبك ، لن ينفعك شيئاً ، لأنّ خدمة الشخص للسلطان أعظم من هذا السلطان العظيم الشأن ، وأيّ خصومة أقبح من هذه الخصومة.

__________________

١ ـ آداب المتعلّمين ، جامع المقدّمات ٢ : ٥٠ ، طبعة دار الهجرة ، قم.


فافهم ممّـا ذكرت أنّ طلبك محبّةً إلهيّة مع كونك مرتكباً للمعصية أمر فاسد جدّاً ، وكيف يخفى عندك أنّ ترك المعصية أوّل الدين وآخره وظاهره وباطنه ، فبادر إلى المجاهدة ، واشتغل بتمام الجدّ في المراقبة ، من أوّل قيامك من نومك في جميع آناتك إلى نومك ، والزم الأدب في مقدس حضرته ، واعلم أنّك بجميع أجزاء وجودك ذرّةً ذرّة أسير قدرته ، وراعِ حرمة شريف حضوره ، واعبده كأ نّك تراه(١) .

فطالب العلم لا بدّ له أوّلا من تصحيح النيّة ، بأن يطلب العلم لله سبحانه ، ثمّ يترك المعاصي ، فإنّه يغفر للجاهل سبعون ذنباً ، قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد ، وكيف من عرف أنّه في محضر ملك الملوك ، في محضر ربّ العالمين يعصي الله؟

كثيرٌ من سلفنا الصالح كانوا طيلة حياتهم لا يرتكبون مكروهاً ولا مباحاً ، فكيف بالحرام؟

وفي عصرنا ، يقال عن آية الله العظمى السيّد الخوانساري (قدس سره) : من يوم بلوغه لم يرتكب ذنباً. وسيّدنا الاُستاذ آية الله النجفي المرعشي (قدس سره) قال لي : لم أعمل ما يوافق هواي منذ البلوغ. وأحد الأخوين الشريف الرضي والسيّد المرتضى علم الهدى عليهما الرحمة لم ينوِ المكروه من يوم بلوغه ، ومثل هذه الحالات إن دلّت على شيء فإنّها تدلّ على طهارتهم ونزاهتهم وعصمتهم الأفعاليّة الجزئيّة ، التي هي تالي تلو العصمة الذاتيّة الكلّية الواجبة كما في الأنبياء والأئمّة الهداة المعصومين (عليهم السلام) وفاطمة الزهراء سيّدة النساء (عليها السلام).

فلا بدّ لطالب العلم في سيرته الأخلاقيّة منذ اليوم الأوّل أن يجتنب المكروهات فضلا عن المحرّمات ، ويشتغل بالمستحبّات والنوافل فضلا عن

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ٨٧.


الواجبات ، ولا يقول : (كلّ مكروه جائز) ، فربّ مكروه يبعّد الإنسان عن ربّه ، وربّ نافلة تقرّب العبد إلى الله كما ورد في الخبر الشريف : « يتقرّب العبد إليّ بالنوافل حتّى اُحبّه ، فإذا أحببته أكون سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها » أي يكون مظهراً لأسماء الله وصفاته العليا ، فعينه عين الله ويده يد الله وسمعه سمع الله ، وأيّ مقام أعظم من هذا ، فإنّه لا يلقاه إلاّ ذو حظٍّ عظيم.

يقول العارف الكبير آية الله البيدآبادي في وصيّته : عليه إذن أن يوحّد همومه (يجعلها همّاً واحداً) ، وأن يبذل كامل الجدّ والجهد ، ليضع قدمه في جادّة الشريعة ، ويحصّل ملكة التقوى ، أي لا يحوم بقدر الممكن حول الحرام والمشتبه المباح ، قولا وفعلا وحالا وخيالا واعتقاداً ، لتحصل له الطهارة الصوريّة والمعنويّة ، وهي شرط العبادة ، وليترتّب أثر على العبادة ، ولا تكون محض صوريّة(١) .

الله الله في صدق النيّة وتطهير النفس وتهذيبها وتزكية الروح وصيقلة القلب ونوره بالطاعة وترك المعاصي والمكروهات.

( وَما اُمِروا إلاّ لِيَعْبُدوا اللهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ ) (٢) .

فأوّل شرط طلب العلم : تطهير النيّة والإخلاص ، فلا يرفعوا قدماً ويضعوها منذ البداية إلاّ (لله) خالصاً مخلصاً ، ويبتعدوا عن الأوهام والخيالات الباطلة ، ولا يكون هدفهم أبداً الوصول إلى مطامع الدنيا وزخارفها الملوّثة.

فيبعد عن نفسه منذ اليوم الأوّل وساوس الشيطان والتفكير بالرئاسة

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ٩٣.

٢ ـ البيّنة : ٥.


والمرجعيّة وإمامة الجمعة والجماعة ونيابة المجلس في عصرنا هذا ، وإقبال الناس إليه وتقبيل يده ، وأمثال ذلك ، فإنّه يضرّه ولا ينفعه أبداً ، وما يزداد من علمه إلاّ بعداً عن ربّه ، ويكون العلم هو الحجاب الأكبر.

فالعمدة : النيّة الصادقة والتقوى والإخلاص ، وإنّما يحصل الطالب عليها بالتأمّل والتفكّر ، فإنّ التفكّر أبو كلّ خير واُمّه ـ كما ورد في الخبر الشريف ـ ثمّ الدعاء والتوسّل بالله ورسوله والأئمّة الأطهار وأرواح علمائنا الكرام ، والذين جاهدوا في الله سبحانه فإنّه يهديهم السبيل ويوصلهم إلى المطلوب ، ويفتح لهم أبواب السماوات والأرض ، فيوفّقهم ويسعدهم ويهيّئ لهم الأسباب ، فإنّه إذا أراد الله بعبد خيراً هيّأ له الأسباب ، ولا يكون ذلك إلاّ لمن كان من أهل الخير والصلاح وأراد الله بقلبه ، وتوجّه إليه بوجوده وكيانه وحياته.

واعلم أنّ الإنسان إنّما هو ذو بعدين : بُعد روحي وبُعد جسدي. والأوّل راكب والثاني مركوب يخدمه ، ثمّ الأوّل له مراحل في كمال مادّته من النطفة وحتى العلقة والمضغة ، وهكذا حتّى يكون إنساناً كاملا ، ثمّ يردّ إلى أرذل العمر ، ثمّ يموت ، وكلّ هذا إنّما هو بالجبر والقهر والقسر ، وليس باختيار الإنسان ، ويعبّر عن الإنسان في هذا البعد بالشخص لتشخّصه وتعيّنه بالامتداد الثلاثة ـ الطول والعرض والعمق ـ في عالم الخارج وعالم الجزئيات ، وأمّا البعد الآخر والذي يسمّى بالشخصيّة وتشير إليه كلمة (أنا) الملازمة على بساطتها وعدم تركّبها وتقسّمها وتجزّئها منذ تكوّن الجنين وحتّى المعاد ، وإنّها مخلّدة وباقية ، إلاّ أنّ سير تكاملها إنّما بالاختيار.

ثمّ كما ورد في الخبر الشريف : « الناس نيام إن ماتوا انتبهوا » ، فإنّ الإنسان بعد موته ، يرى ملكوت الأشياء بعدما كان يرى ملكها في الدنيا ، أي يرى حقائق


الأشياء كما هي ، ويكون بصره اليوم حديد ، ونافذ إلى عمق الأشياء وملكوتها ، فيكون يقظاً ومتنبّهاً بعد ما كان في سبات الغفلة ونوم السهو ، فإنّه بعد الموت يصحو ويتنبّه ، ويعبّر عنه باليقظة ، ويعدّ حقيقة الإنسان أو أوّل منازل السير والسلوك لمن أراد السير إلى الله سبحانه ، ولكن التنبّه واليقظة هذه إنّما هي اختيارية ، ويمكن للسالك أن يستيقظ في حياته الدنيوية ، ويشاهد ملكوت السماوات والأرض ، كما حدث ذلك لأنبياء الله وأوليائه وعباده الصالحين ، ومن هذا المنطلق ورد في الحديث الشريف : « موتوا قبل أن تموتوا » ، وهذا يعني أنّ الإنسان يمكنه أن يصل إلى حقيقته الإنسانية في حياته الدنيوية هذه ، ويدخل في منزل اليقظة ، ثمّ يسافر منها إلى منازل اُخرى ، فاُولى المنازل التوبة ، وإنّ الإنسان يتجلّى فيه اسم الله التوّاب ، فيتوب من القبائح لقبحها تقرّباً إلى الله سبحانه ، وطالب العلم لا بدّ له من حسن النيّة أوّلا ، لأنّ الأعمال إنّما هي بالنيّات ، فمن لم يكن لله عمله خالصاً فإنّه لا يفلح ولا يصعد الكلم إلى الله سبحانه ، إلاّ إذا كان طيّباً ، وهو العمل المخلص ـ كما ورد في الروايات ـ وبعد حسن النيّة عليه أن لا يعصي الله جلّ جلاله ، ويطهّر قلبه من أن يهمّ بالمعصية أو يخطر على ذهنه ذلك ، ويتّقِ الله حقّ تقاته ، فإنّ للتقوى مراحل ثلاثة :

١ ـ تقوى العامّ ، أي لعامّة الناس ، ومنهم طالب العلم ، وهي أن يأتي بالواجبات الشرعيّة ، ويترك المحرّمات والمعاصي.

٢ ـ تقوى الخاصّ ، بأن يترك الشبهات فضلا عن المحرّمات.

٣ ـ تقوى الخاصّ الخاصّ ، بأن يترك الحلال فضلا عن الشبهات ، كما يحدّثنا التأريخ بنماذج من علمائنا الأعلام حيث وصلوا إلى هذا المقام ونالوا العصمة الأفعالية الجزئية ، حيث من أوّل بلوغهم لم يرتكبوا المعصية ، بل لم يفكّروا بعمل


مكروه كما يقال ذلك عن السيّد المرتضى علم الهدى (قدس سره) ، وقال لي سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد النجفي المرعشي (قدس سره) يوماً : إنّي منذ بلوغي لم أعمل ما يوافق هواي ، وهذا مصداق تامّ لما جاء في الخبر الشريف عن صاحب الأمر (عليه السلام) : « أمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مطيعاً لمولاه مخالفاً لهواه ، فعلى العوامّ أن يقلّدوه ». وبمثل هذه النفوس القدسيّة الطاهرة المطهّرة بقي الدين الحنيف ، ومذهب أهل البيت (عليهم السلام).

حدّثني اُستاذي في السير والسلوك ، عن اُستاذه العارف بالله الشيخ رجب علي الخيّاط أنّه في إحدى ضيافاته وكنت معه ، قبل الظهر قال لصاحب الدار أحسّ بضعف في جسدي ، فجيء بقرص صغيرة من الخبر تصنع في الدار ، فأكلها وقام للصلاة ، وكان من عادته أن يسلّم بعد الصلاة على رسول الله وعترته الطاهرين (عليهم السلام) فيسمع الجواب ـ كما جاء في زيارة الإمام الرضا (عليه السلام) : « أشهد أنّك تسمع كلامي وتردّ سلامي » ـ إلاّ أنّه لم يسمع هذه المرّة ، فتعجّب وأخذ يحاسب نفسه من صلاة الصبح حتّى الظهر ، ماذا فعل من المعاصي حتّى حجبته عن سماع السلام ، فلم يقف على شيء ، فتوسّل بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) على أن يعلمه بالسبب ، فرأى الرسول الأكرم قائلا معاتباً : يا شيخ ، كان بإمكانك أن تأكل نصف القرصة لرفع ضعفك ، فلماذا أكلت القرصة كلّها؟! وهذا مصداق الحديث الشريف : وفي حلالها حساب ، وفي الشبهات عتاب ، وفي الحرام عقاب ، وكذلك اشتهر : أنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين ، فأكل القرصة لا حرمة فيه ، إلاّ أنّه يعدّ لمثل المقرّبين وأولياء الله عزّوجلّ ذنب يعاقب أو يعاتب عليه.

فترك المعصية والذنب من أهمّ الشروط التي توجب التوفيق في تحصيل العلوم الشرعيّة ، فإنّ العلم ليس بكثرة التعلّم ، إنّما هو نور يقذفه الله في قلب من شاء


أن يهديه ، وذلك لمن خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى ، فالله سبحانه يهديه بعد أن اختار بنفسه طريق الحقّ ونجد الخير ـ والهداية يعدّ المنزل الثاني أو الثالث في السير والسلوك ـ.

وذنوب طلبة العلوم الدينية تختلف ، فإنّ الشيطان لا يغويه بشرب الخمر ولعب القمار وما شابه ، إنّما يضلّه ويأتيه عن طريق الحسد وحبّ الجاه وعبادة الرئاسة والمقام والاستغابة والتهمة والافتراء على المؤمنين والثرثرة والكلام الزائد ـ ومن كثر كلامه كثر خطأه ـ والمزاح الجارح وفي غير موضعه وأمثال ذلك.

ويقول الإمام الصادق (عليه السلام) :

« وجدت علم الناس كلّه في أربع :

أوّلها : أن تعرف ربّك.

والثاني : أن تعرف ما صنع بك.

والثالث : أن تعرف ما أراد منك.

والرابع : أن تعرف ما يخرجك من دينك ».

وممّا يخرج طالب العلم من الدين أمثال هذه الذنوب كغيبة العلماء ، مع أنّ لحم العالم مسموم ، كما يقال في المثل ، وهذا يعني أنّ من يأكل لحم العالم في استغابته ، فإنّه سرعان ما يموت قلبه ، ويسلب منه التوفيق والتسديد. والحياة الروحيّة والقلبيّة ، ويكون حينئذ ميّت يمشي بين الأحياء ، وتكون بطن الأرض خيرٌ له من ظهرها ، لأنّه يزداد إثماً وذنباً ، يوماً بعد يوم.

وإذا كان مسجد قُبا يُعظّم عند الله وخلقه من يومه الأوّل ، لأنّه اُسّس من اليوم الأوّل على التقوى ، وأمّا مسجد ضرار فإنّه يعدّ وكر التآمر وبيت النفاق ، فإنّه


لا بدّ من أن يهدم ويزول ، وهذا يعني أنّ ظاهرهما من حيث البناء والشكل والمظهر واحد ، إلاّ أنّ ملكوتهما وباطنهما باعتبار النوايا والأهداف يختلفان ، فأحدهما مظهر الحقّ ومظهر الرحمان ، والآخر مظهر الباطل ومظهر الشيطان.

وهذا في كلّ شيء ما سوى الله سبحانه ، فإنّ الإنسان إنّما يكون مظهراً لأسماء الله وصفاته ، ويصل إلى مقام الشهود والكشف ومقام الفناء في الله سبحانه ، لو أسّس بنيانه على التقوى من اليوم الأوّل ، فعندما يدخل الحوزة العلمية ، عليه أن يهذّب نفسه بتقوى الله وترك المعاصي والآثام ، وإلاّ فإنّه يكون باطلا ومظهراً للشيطان ، ويكون صاحب بدعة وضلالة وانحراف في العقيدة والسلوك ، ويكون ضالا ومضلا ـ صان الله الحوزات من أمثال هؤلاء الشياطين علماء السوء ومظاهر الرذائل والذمائم ـ.

وكم قرأنا في التأريخ أصحاب البدع والمذاهب الباطلة إنّما كانوا في بداية أمرهم من أهل العلم ، ومن الحوزات الدينيّة. فهذا محمّد بن عبد الوهاب النجدي مؤسّس الفرقة الوهابيّة بين السنّة لتهديم السنّة باسم السنّة ، وهو وليد الاستعمار البريطاني ، إنّما كان من أهل العلم ، وهذا علي محمّد الشيرازي المعروف بالباب ، مؤسّس الفرقة البهائيّة بين الشيعة باسم الشيعة لتهديم كيان التشيّع ، وهو من أهل العلم ، وكان وليد الاستعمار البريطاني أيضاً في ذلك العصر ، وقد أوجدهما الاستعمار لزرع التفرقة بين المسلمين كما في مخطّطهم الاستعماري ـ فرّق تسد ـ كلّ ذلك نتيجة عدم التهذيب من اليوم الأوّل.

فلا بدّ لطالب العلم في سيرته الأخلاقية والسلوك العرفاني أن يترك المعاصي ويتّقي الله حقّ تقاته.

لقد سأل موسى (عليه السلام) الخضر (عليه السلام) : ماذا فعلت حتّى اُمرت أن أتعلّم منك؟


بِمَ بلغتَ هذه المرتبة؟ فقال : بترك المعصية(١) .

ثمّ صاحب الزمان (عليه السلام) تعرّض عليه أعمالنا عصر الاثنين والخميس ، فإنّه لو اطّلع على ذنوبنا فإنّه يتألّم من ذلك ـ كما جاء ذلك في توقيعه الشريف ـ وحينئذ من أصاب قلب صاحب الأمر (عليه السلام) وألّمه وهو واسطة الفيض الإلهي ، فإنّه كيف يوفّق في حياته العلمية والعملية وفي دراساته الحوزوية ـ هيهات هيهات ـ إلاّ أن يتوب عاجلا غير آجل ، ويترك المعاصي بنيّة صادقة ، وإيمان وتقوى وإنابة وإخبات.

وكان شيخنا في الأخلاق (قدس سره) يقول : أتعجّب من بعض الطلبة أنّه يسألني كيف نترك الذنب ولا نعصي الله سبحانه ، والمفروض أن يفكّر كيف يكون سلمان زمانه وأويس دهره؟!

ولهذا كان علمائنا في السلف يتركون المباح والمكروهات فضلا عن الشبهات ، يقول الشهيد الأوّل في قواعده : « ومن الخسران صرف الزمان في المباح وإن قلّ ».

وقالوا في المقدّس الأردبيلي (قدس سره) أنّه لم يصدر عنه في أربعين سنة فعلٌ مباح فضلا عن الحرام والمكروه.

ويقول المحدّث القمي (رحمه الله) : لم يصدر من الميرداماد الفيلسوف الإسلامي فعلٌ مباح طيلة عشرين عاماً.

ويقول الملاّ عبد الله الشوشتري الذي هو من تلامذة المحقّق الأردبيلي في موعظته لابنه : يا بني ، إنّي بعدما أمرني مشايخي (رحمهم الله) بالعمل برأيي ما ارتكبت

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ٨٨.


مباحاً ولا مكروهاً إلى الآن ، حتّى الأكل والشرب والنوم.

فكلّ هذه يمكن الإنسان أن ينويها لله سبحانه فتكون مستحبّة ونافلة ، وإنّ العبد ليقرّب إلى الله بالنوافل بعد أداء الفرائض ، حتّى يحبّه الله سبحانه ، فإذا أحبّه يكون سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويديه التي يبطش بها ، فيكون مظهراً لعلم الله وقدرته.

يقول العارف بالله الشيخ محمد البهاري : الثاني (من شروط السالك) : أن يجتنب المكروهات مهما أمكن وينشغل بالمستحبّات ، ولا يحقّرن شيئاً من المكروهات فيقول : (كلّ مكروه جائز) فكثيراً ما يكون ترك المكروه أو فعل مستحبّ صغير أشدّ أثراً في القرب من المولى من كلّ ما عداه ، ويتّضح هذا من التأمّل في العرفيات.

الثالث : ترك المباحات في مقدار اللزوم والضرورة ، صحيح أنّ الشارع المقدّس أباح اُموراً كثيرة ، ولكن حيث أنّه في الباطن لا يرغب لعبده أن ينشغل بغيره وينصرف إلى اُمور الدنيا ، فمن المستحسن للعبد أن يستجيب لرغبة المولى ، فيترك هذه الزخرفات ، حتّى وإن لم يكن ارتكابها حراماً ، إقتداءً بالنبيّين وتأسّياً بالأئمة الطاهرين.

والمرحوم الملاّ محمد صالح البرغاني أخو الشهيد الثالث من علماء القرن الثالث عشر رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المنام وسأله عدّة أسئلة أحدها : ما هو السبب في أنّ العلماء في السابق كانوا أصحاب كرامات ومكاشفات ، وفي هذا الزمان ـ هذا قبل أكثر من مئة عام ، فكيف بزماننا هذا ـ سدّ باب المكاشفات؟

فأجابه (صلى الله عليه وآله) : السبب أنّ العلماء في الماضي قسّموا الأحكام في أعمالهم وسلوكهم إلى قسمين : واجب وحرام ، وكانوا يتركون الحرام ويضمّون إليه


المكروه والمباح فيتركونها ، ويأتون بالمستحبّات مع الواجبات ولكنّكم طبقة المتأخّرين ، قسّمتم الأحكام عملياً إلى خمسة أقسام ، وتتركون المستحبّات وتفعلون المكروهات والمباحات ، ولهذا سدّت دونكم أبواب الكرامات والمكاشفات(١) .

ثمّ هنا نقطة مهمّة جدّاً ، وهي : كما جاء مضمون ذلك في منية المريد للشهيد الثاني (قدس سره) : إنّ عامّة الناس أدنى من أهل العلم بدرجة في سلوكهم وأخلاقهم ، فإذا كان أهل العلم يأتون بالمستحبّات والنوافل فضلا عن الواجبات والفرائض ، فإنّ الناس يكتفون بالواجبات ، وإذا اشتغل أهل العلم بالمباحات فإنّ الناس يفعلون المكروهات ، وإذا دخل في الشبهات فإنّ العامي يدخل في المحرّمات ، والمصيبة فيما لو دخل رجل الدين في الحرام ـ والعياذ بالله ـ فإنّ العامي يكفر بالله سبحانه ، وهذا ما يشاهد بالعيان ، فلا يحتاج إلى نقل وبرهان.

والناس إذا رأوا الخطيئة من العالِم فإنّهم يسيئون الظنّ بالعلماء ، وحتّى الدين ، لا بالشخص نفسه ، وليتهم أنصفوا ويسيئوا الظنّ بالشخص الخاطئ نفسه.

الله الله يا طالب العلم في ترك المعاصي والذنوب ، وإن غلبت عليك شقوتك وشهوتك وتلوّثت بالمعاصي والآثام ولم توفّق للتوبة النصوحة(٢) ، فاخرج ولا تزيـد في ذنبـك وتضلّ الناس من حولك ، وتلوّث حوزة العلم والتقى والكرامة.

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ٩٢.

٢ ـ لقد تعرّضت للتوبة وشرائطها بالتفصيل في كتاب « التوبة والتائبون على ضوء القرآن والسنّة » ، فراجع.


وعليك أن تخلص في نيّتك وتسلّم وجهك لله ، وتقتدي في حياتك بسلفك الصالح ، فما أروع ما فعله آية الله السيّد حسين كوه كمري (رحمه الله) أحد تلامذة صاحب الجواهر ، وكان من المعروفين له حوزة دراسية كبيرة في أحد مساجد النجف الأشرف ، ويوماً مّا دخل المسجد قبل أوان الدرس ، فوجد في زاوية المسجد مدرّساً حوله مجموعة صغيرة من الطلاّب ، فسمع درسه فاُعجب به ، وكرّر المجيء حتّى تيقّن أنّه أفضل منه في العلم والبيان والإبداع ، فجمع طلاّبه واشترك معهم في درس الشيخ الجديد ، ولم يكن سوى الشيخ الأعظم شيخنا الأنصاري (قدس سره).

وهذا آية الله ملاّ عبد الله التستري (رحمه الله) ، إنّه ولمدّة ثلاثين عاماً لم يمتثل غير الواجبات الشرعيّة والمستحبّات الدينيّة ، دخل يوماً على الشيخ البهائي قبيل الظهر ، فحين صلاة الظهر طلب منه الشيخ البهائي أن يتقدّم لإمامة الجماعة ، فلمّـا استعدّ للصلاة خرج مسرعاً ، ولمّـا استفسروا عن ذلك أجابهم ، شعرت في نفسي العُجب بأنّ مثل الشيخ البهائي يقتدي بي ، فعلمت بعدم الإخلاص ، فتركت الجماعة.

وما أجمل ما فعله المقدّس الأردبيلي لمّـا اجتمع مع هذا الرجل في مجلس عامّ ، فسأله الملاّ عبد الله التستري ، فقال له المقدّس : سوف اُجيبك فيما بعد ، ولمّـا انتهى المجلس مشى معه صوب الصحراء وأجابه السؤال بالتفصيل ، فتعجّب الملاّ وسأله أنّه لماذا لم يجبه في المجلس؟ فقال له : لو أجبتك وكان النقاش بيني وبينك لكنّا معرّضين لهوى النفس ، لأنّ كلّ واحد منّا يريد أن ينتصر لرأيه ، فربما نقع في العجب والجدال المذموم وحبّ الظهور ، وهذا يتنافى مع الإخلاص ، أمّا في الصحراء فلا مجال للشيطان ولا الرياء ولا وسوسة النفس.


وهذا شيخنا القميّ عباس صاحب مفاتيح الجنان ، لمّـا كتب كتابه « منازل الآخرة » كان يقرأ الشيخ عبد الرزّاق في حرم السيّدة المعصومة (عليها السلام) بقم في جمع من الناس ، وكان منهم والد الشيخ عبّاس القميّ ، فاستحسن ما كان يفعله الشيخ عبد الرزّاق ، وذات يوم قال لولده : يا ليت أنّك مثل هذا الشيخ الذي يصعد المنبر ويقرأ من كتاب « منازل الآخرة » تقرأ منه أيضاً. ويقول الشيخ عبّاس القميّ : أردت أن أقول لأبي : إنّ هذا الكتاب الذي يقرأه من مؤلّفاتي ، ولكن امتنعت من ذلك ، وقلت لوالدي : تكرّم علَيَّ بالدعاء حتّى يوفّقني الله.

وأخيراً من كان لله كان الله له.

بعد رحلة صاحب الجواهر (قدس سره) إلى جوار ربّه ، انتقلت المرجعيّة إلى تلميذه البارع شيخنا الأعظم الشيخ الأنصاري ، إلاّ أنّه من شدّة ورعه واحتياطه امتنع في بداية الأمر وقال : إنّ سعيد العلماء في إيران كان زميلي في الدراسة ، وكان آنذاك أعلم منيّ وأكثر استيعاباً ، فكتب إليه رسالة يدعوه ليتحمّل مسؤوليّة المرجعيّة ، فأجابه سعيد العلماء (قدس سره) : لقد بقيت أنت خلال المدّة الماضية في الحوزة مشتغلا بالتدريس والمباحثة ، بينما انشغلت أنا باُمور الناس ، ولهذا فأنت أحقّ منيّ بهذا الأمر.

بعد وصول الجواب تشرّف الشيخ الأنصاري بزيارة حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) وطلب من ذلك الإمام العظيم أن يعينه بإذن الله تعالى في هذا الأمر الخطير ويسدّد خطاه.

وحول الميرزا الشيرازي الكبير جاء إنّ طلاّب الشيخ الأنصاري بعد وفاة الشيخ اختاروه للمرجعيّة وأصرّوا عليه إصراراً كبيراً حتّى أقنعوه بقبول هذه المسؤولية ، فجرت دموعه على خدّيه ولحيته المباركة ، ثمّ أقسم أنّه لم يخطر في ذهني


أبداً أنّي أحمل عبء هذه المسؤوليّة العظيمة(١) .

وهذا آية الله السيّد محمّد الفشاركي من أبرز تلامذة الميرزا الشيرازي الكبير ، بعد رحلة اُستاذه إلى جوار ربّه ، طلبوا منه أن يتصدّى للمرجعيّة ، فأبى عن ذلك ، وقال : لست أهلا لذلك ، لأنّ الرئاسة الشرعيّة تحتاج إلى اُمور غير العلم بالفقه والأحكام ، من السياسات ومعرفة واقع الاُمور ، وأنا رجل وسواسي في هذه الاُمور ، فإذا دخلت في هذا المجال اُفسد ولا اُصلح ، ولا يسوغ لي غير التدريس ، فأرجع الناس إلى الميرزا محمّد تقي الشيرازي.

ويقول آية الله السيّد أحمد الزنجاني في كتابه (الكلام يجرّ الكلام) : إنّ ابن المرحوم السيّد محمّد الفشاركي (رحمه الله) بعد وفاة الميرزا الشيرازي الكبير أرسلني والدي إلى المرحوم الميرزا محمّد تقي الشيرازي ـ الميرزا الصغير ـ لأقول له : إذا كنت تعتبر نفسك أعلم منيّ فتفضّل قل ذلك حتّى اُرجع زوجتي وأولادي إليك في التقليد ، وإذا كنت تعتبرني أعلم فارجع أنت عائلتك إليَّ في التقليد.

وعندما نقلت هذه الرسالة الشفويّة إلى الميرزا فكّر كثيراً وقال : قل لسماحته هو ما رأيه؟ فنقلت هذا السؤال إلى والدي فقال : إذهب وقل له أي شيء تراه أنت ميزاناً للأعلميّة ، إذا كان الميزان دقّة النظر فأنت أعلم ، وإذا كان الميزان الفهم العرفي فأنا أعلم. وذهبت ثانيةً إلى الميرزا وأبلغته بذلك ، ففكّر قليلا أيضاً وقال : سماحته أيّ الإثنين يعتبره ميزاناً؟ وأبلغت هذا الجواب ـ السؤال ـ ففكّر والدي قليلا وقال بسرور : لا يبعد أنّ دقّة النظر في ميزان الأعلميّة وملاكها ، ثمّ قال : فلنقلّد جميعنا الميرزا الشيرازي.

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ١١١.


أجل هكذا عظمائنا الأعلام ، يبقون أكبر من الرئاسة والمقام ، فلا تغرّهم الدنيا الدنيّة ، ومنذ اليوم الأوّل هذّبوا أنفسهم وطهّروا قلوبهم ، وصدقوا في نواياهم ، فبلغوا القمّة في الكمال والجمال ، وصاروا بدور العلم وشموس الحوزات ، يستضاء بنورهم المشرق.

فما أعظم مواقف اُولئك الأفذاذ والعباقرة في التقوى والعلم؟!

فهذا الشيخ عباس القمي في صلاة الليل عندما يقرأ سورة (يس) ويصل إلى هذه الآية الشريفة :

( هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتي كُنْتُمْ توعَدونَ ) .

يكرّرها حتّى يتغيّر حاله ويتعوّذ من النار ، ولم يتمكّن من إكمال السورة حتّى صلاة الصبح ، ومع هذه المرتبة من التقوى والخشوع عندما يتقدّم لصلاة الجماعة في گوهرشاد ، وبعد أيّام يكتضّ المسجد بالمصلّين ، وإذا بالشيخ بعد صلاة الظهر يخرج من المسجد ، وحينما يُسأل عن سبب ذلك ، يجيب : إنّي في ركوع الركعة الرابعة من صلاة الظهر سمعت أحد المصلّين يقول : يا الله ، إنّ الله مع الصابرين ، ويريد أن يلتحق بالجماعة وكان صوته من بعيد فتبادر إلى ذهني كثرة المصلّين ممّـا أوجب الاضطراب في نيّتي ، فخفت أن لا أكون مخلصاً في صلاتي فتركت الجماعة.

وأحد تلامذة العلاّمة الطباطبائي أربعين عاماً يطلب منه أن يصلّي خلفه جماعة فكان العلاّمة يأبى ويمتنع عن ذلك.

وهذا شريف العلماء اُستاذ الشيخ الأنصاري لم يكن يرضى أن يصليّ إماماً ، ولكن عندما أصرّ عليه الناس ذات مرّة وافق وصلّى ، وأثناء الصلاة انصرف ذهنه لا إراديّاً إلى حلّ مسألة علميّة ، فلم يصلّ بعد تلك الصلاة ، إذ أنّه لم يرَ نفسه أهلا لذلك.


وهذا آية الله السيّد صدر الدين الصدر كان مع آية الله الفيض وآية الله الحجّة الكوه كمري قدّس أسرارهم الزكيّة يتولّون إدارة الحوزة العلميّة بقم بعد آية الله العظمى مؤسّس الحوزة الشيخ عبد الكريم الحائري ، فمن أجل توحيد المرجعيّة عند دخول آية الله العظمى السيّد البروجردي (قدس سره) ، فوّض كلّ واحد من الثلاثة ما كان عنده من المسؤولية والوجاهة الاجتماعية إلى السيّد ، فترك السيّد صدر محلّ إقامته صلاة الجماعة واعتزل اُمور الرئاسة إلى حدٍّ كبير ، وقال في بيان سبب ذلك :

( تِلـْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذينَ لا يُريدونَ عَلُوَّاً في الأرْضِ وَلا فَساداً وَالعاقِبَةُ لِلـْمُتَّقينَ ) .

فمن تواضعه لله قدّم ما عنده إلى السيّد لتوحيد الزعامة الدينيّة.

فطالب العلم لا بدّ أن يخلص في نيّته وعمله وقوله ، ويتحرّر من أيّ نوع من أنواع التظاهر سواء كان بالعلم أو غيره ، بل يكون دائماً محرّكه هو العمل المخلص ، وحصول رضا الله سبحانه (أخلص العمل فإنّ الناقد بصير).

وهذا الشيخ جواد البلاغي المدافع عن الإسلام من شدّة إخلاصه طبع مؤلّفاته باسم مجهول.

وصاحب الذريعة الشيخ آقا بزرك الطهراني حينما يرى كتاب الغدير وعظمته يطلب من الله أن يهب بقيّة عمره لصاحب الغدير لينجز الغدير.

والشيخ عباس القمي عندما كان يعظ الناس في مسجد گوهر شاد وقع بصره على المرحوم الشيخ عباس تربتي وهو من العلماء الأبرار ، فقال الشيخ عباس : أيّها الناس سماحة الشيخ موجود في المجلس استفيدوا من علمه ، ثمّ نزل من المنبر ، وطلب من الشيخ أن يتولّى الحديث.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : « الدنيا كلّها جهل إلاّ مواضع العلم ، والعلم كلّه


حجّة إلاّ ما عمل به ، والعمل كلّه رياء إلاّ ما كان مخلصاً ، والإخلاص على خطر حتّى ينظر العبد بما يختم له »(١) .

( فَمَنْ كانَ يَرْجو لِقاءَ رَبِّهِ فَلـْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحاً وَلا يُشْرِكُ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَداً ) (٢) .

__________________

١ ـ بحار الأنوار ٧٠ : ٢٤٢.

٢ ـ الكهف : ١١٠.


الدرس الثالث

في الفصل السابق تحدّثنا عن الأمر الأوّل الذي يذكره الشهيد الثاني في منية المريد من الآداب التي يجب على طالب العلم أن يراعيها ، وإليك تتمّة الموضوع ، وهو بيان الأمر الثاني وما يليه :

الأمر الثاني

اغتنام الفرصة

أن يغتنم التحصيل في الفراغ والنشاط وحالة الشباب وقوّة البدن ونباهة الخاطر وسلامة الحواسّ وقلّة الشواغل وتراكم العوارض ، سيّما قبل ارتفاع المنزلة والاتّسام بالفضل والعلم ، فإنّه أعظم صادٍّ عن درك الكمال ، بل سبب تامّ في النقصان والاختلال.

هذا ما يقوله الشهيد الثاني وإنّه الرجل العالم الحكيم العارف بحقائق الاُمور والمجرّب لما يبتلى به طلاّب الحوزة.

وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبي ذرّ الغفاري : اغتنم خمساً قبل خمس : شبابك


قبل هرمك ، وصحّتك قبل سقمك ، ودنياك قبل آخرتك ، وحياتك قبل مماتك ، وفراغك قبل شغلك.

والعلم في الصغر كالنقش في الحجر ، ومثل الذي يتعلّم في كبره كالذي يكتب على البحر ، وما اُوتي عالم علماً إلاّ وهو شابّ ، فيلزم طالب العلم أن يستغلّ وقته ، منذ الصغر ، وفي بداية أمره وتعلّمه « ينبغي لطالب العلم أن يكون مستفيداً في كلّ وقت حتّى يحصل له الفضل ، وطريق الاستفادة أن يكون معه في كلّ وقت (قلم وقرطاس) حتّى يكتب ما يسمع من الفوائد ، قيل : (ما حفظ فرّ ، وما كتب قرّ) ، قيل : (العلم ما يؤخذ من أفواه الرجال ، لأنّهم يحفظون أحسن ما يسمعون ، ويقولون أحسن ما يحفظون) ، ووصّى شخص لابنه بأن يحفظ كلّ يوم شقصاً من العلم ، فإنّه يسير وعن قريب يصير كثيراً ، فالعلم كثير والعمر قصير ، فينبغي أن لا يضيّع الطالب له الأوقات والساعات ، ويغتنم الليالي والخلوات ، قيل : (الليل طويل فلا تقصّره بمنامك ، والنهار مضيء فلا تكدّره بآثامك).

وينبغي لطالب العلم أن يغتنم الشيوخ ويستفيد منهم ، ولا يتحسّر لكلّ ما فات ، بل يغتنم ما حصل له في الحال والاستقبال من تحميل المشاقّ والمذلّة في طلب العلم والتملّق مذموم ، إلاّ في طلب العلم ، فإنّه لا بدّ له من التملّق للاُستاذ والشركاء وغيرهم للاستفادة ، وقيل : (العلم عزّ لا ذلّ فيه ، ولا يدرك إلاّ بذلٍّ لا عزّ فيه) »(١) .

« قيل : وقت التعلّم من المهد إلى اللحد ، وأفضل أوقاته شرع الشباب ، ووقت السحر وما بين العشائين ، وينبغي أن يستغرق جميع أوقاته ، فإذا ملّ من علم

__________________

١ ـ آداب المتعلّمين ، جامع المقدّمات ٢ : ٥٧.


يشتغل بعلم آخر ، وكان محمّد بن الحسن لا ينام الليل ، وكان يضع عنده دفاتر إذا ملّ من نوع ينظر إلى نوع آخر ، وكان يضع عنده الماء ويزيل نومه بالماء ، وكان يقول : النوم من الحرارة »(١) .

وبنظري على طالب العلم أن يطالع كثيراً ، ليل نهار ، والمطالعة كباقي الصفات والأعمال من قسم العادة ، فإذا اعتاد الإنسان عليها ، فإنّه من الصعب تبديل العادة ، فإنّها طبيعة ثانويّة في الإنسان ، فلا بدّ أن يعوّد نفسه على المطالعة مع مراعاة شرائطها وآدابها ، وثمرتها أنّ سماء ذهن المطالع تمتلئ من الأسحبة المختلفة والمتفاوتة ، وهذا يعني أنّه يطالع كلّ شيء حتّى القصص البوليسيّة ، ونتيجة المطالعات الكثيرة والمختلفة ، أنّها في سماء الذهن تصطدم بعضها مع بعض فيتولّد منها الرعد والبرق ، ثمّ المطر والوابل ـ كما في سماء الطبيعة ـ وهي التي تسمّى بالرشحات الفكريّة ، والنتائج العقلانيّة ، ويأتي للمجتمع بشيء جديد ، وموضوع لم يسمع من قبل ، ويقال : فلان العالم منظّر وأنّه صاحب نظرية جديدة ، وفكر عملاق ، وما شابه ذلك من الكلمات التي تنبئ عن أمر مبتكر جديد.

ثمّ على طالب العلم أن يتأمّل فيما يقرأه ويطالعه ويدرسه (ينبغي لطالب العلم أن يكون متأمّلا في جميع الأوقات في دقائق العلوم ، ويعتاد ذلك ، فإنّما يدرك الدقائق بالتأمّل ، ولهذا قيل : « تأمّل تدرك » ، ولا بدّ من التأمّل قبل الكلام حتّى يكون صواباً ، فإنّ الكلام كالسهم ، فلا بدّ من تقديمه بالتأمّل قبل الكلام ، حتّى يكون ذكره مصيباً في اُصول الفقه ، هذا أصل كبير ، وهو أن يكون كلام الفقيه المناظر بالتأمّل ، ويكون مستفيداً في جميع الأحوال والأوقات ، وعن جميع الأشخاص ، قال

__________________

١ ـ آداب المتعلّمين ، جامع المقدّمات ٢ : ٥٧.


رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « الحكمة ضالّة المؤمن ، أينما وجدها أخذها » ، وقيل : « خذ ما صفى ، ودع ما كدر » ، وليس لصحيح البدن والعقل عذر في ترك العلم)(١) .

(ثمّ لا بدّ لطالب العلم من الجدّ والمواظبة والملازمة قيل : « من طلب شيئاً وجَدَّ وَجَد ، ومن قرع باباً ولَجَّ وَلَج » ، وقيل : « بقدر ما يسعى ينال ما يتمنّى ».

قيل يحتاج في التعلّم إلى جدّ الثلاثة : المتعلّم والاُستاذ والأب إن كان في الحياة.

ولا بدّ لطالب العلم من المواظبة على الدرس والتكرار في أوّل الليل وآخره وما بين العشائين ، ووقت السحر وقت مبارك ، قيل : « من أسحر نفسه بالليل فقد فرح قلبه بالنهار » ، ويغتنم أيّام الحداثة وعنفوان الشباب ، ولا يجتهد نفسه جهداً يضعف النفس ، وينقطع عن العمل ، بل يستعمل الرفق في ذلك ، والرفق أصل عظيم في جميع الأشياء.

ولا بدّ لطالب العلم من الهمّة العالية في العلم ، فإنّ المرء يطير بهمّته ، كالطير يطير بجناحيه ، فلا بدّ أن تكون همّته على حفظ جميع الكتب حتّى يحصل البعض ، فأمّا إذا كان له همّة عالية ولم يكن له جدّ ، أو كان له جدّ ولم يكن له همّة عالية ، لا يحصل له إلاّ قليلٌ من العلم ، وينبغي أن يتعب نفسه على الجدّ والتحصيل والمواظبة بالتأمّل في فضائل العلوم ودقائقها ، فإنّ العلم يبقى ، وغيره يفنى ، فإنّه حياة أبديّة ، قيل : « العالمون أحياء وإن ماتوا » ، « العلماء باقون ، أعيانهم مفقودة ، ومحبّتهم في القلوب » ، وكفى بلذّة العلم داعياً إلى التحصيل للعاقل)(٢) .

__________________

١ ـ آداب المتعلّمين ـ جامع المقدّمات ٢ : ٥٤.

٢ ـ المصدر : ٥٣.


فلا بدّ من النشاط الدائم في تحصيل العلم ، والتفقّه في الدين ، قيل : تفقّهوا قبل أن تسوّدوا ، أي تصيروا سادة ، فتأنفوا من التعلّم او تستحيوا منه بسبب المنزلة ، فيفوتكم العلم. وقال آخر : تفقّه قبل أن تترأّس ، فإذا رئست فلا سبيل إلى التفقّه. وعن ابن عباس : ما اُوتي عالم علماً إلاّ وهو شابّ ، وقد نبّه الله تعالى ذلك بقوله :

( وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيَّاً ) (١) .

وهذا باعتبار الغالب ، وإلاّ فمن كبر لا ينبغي له أن يحجم عن الطلب ، فإنّ الفضل واسع والكرم وافر ، والله المعين ، وأبواب الرحمة مفتّحة ، وإذا كان المحلّ قابلا تمّت النعمة وحصل المطلوب ، والله سبحانه يقول :

( وَاتَّقوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ ) (٢) .

( وَلَمَّـا بَلَغَ أشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حَكْماً وَعِلـْماً ) (٣) .

وقد اشتغل جماعة من السلف في حال كبرهم حتّى فاقوا الشباب ، فتفقّهوا وصاروا أساطين في الدين وعلماء مصنّفين في الفقه وغيره ، فليغتنم العاقل عمره ، وليحرز شبابه عن التضييع ، فإنّ بقيّة العمر لا ثمن لها(٤) .

فاطلب العلم من المهد إلى اللحد ، وليغتنم العاقل عمره الثمين ، وليحرز شبابه عن البطالة والتضييع.

وإذا رجعنا إلى سيرة فطاحل العلم وعباقرة الفنّ والأدب رأينا أنّ الغالب

__________________

١ ـ مريم : ١٢.

٢ ـ البقرة : ٢٨٢.

٣ ـ القصص : ١٤.

٤ ـ منية المريد : ٢٢٦.


فيهم إنّما نال درجات العلى ، وفاق الأقران وحاز السبق ، من اتّبع نفسه في صباه وأيّام شبابه ، ولهذا يقال : من أتعب نفسه في شبابه استراح في شيبته.

وقال بعض السلف : لا يطلب أحد هذا العلم بعزّ النفس فيفلح ، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح.

وقال آخر : ولا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتّى يضرّ به الفقر ، ويؤثره على كلّ شيء.

وقال بعضهم : لا ينال هذا العلم إلاّ من عطّل دكّانه ، وخرّب بستانه ، وهجر إخوانه ، ومات أقرب أهله ، فلم يشهد جنازته.

كما حدث ذلك لصاحب جامع السعادات المحقّق النراقي (قدس سره).

وهذا كلّه وإن كان فيه مبالغة ، فالمقصود أنّه لا بدّ فيه من جمع القلب واجتماع الفكر ، وأن يقطع من العوائق الشاغلة والعلائق المانعة من تحصيل العلوم والفنون.


الأمر الثالث

قطع العلائق المانعة من تحصيل العلم

أن يقطع ما يقدر عليه من العوائق الشاغلة ، والعلائق المانعة عن تمام الطلب وكمال الاجتهاد ، وقوّة الجدّ في التحصيل ، ويرضى ما تيسّر من القوت وإن كان يسيراً وبما يستر مثله من اللباس وإن كان خلقاً ، فبالصبر على ضيق العيش تنال سعة العلم ، والعلم لا يعطيك بعضه حتّى تعطيه كلّك.

أكتفي بقصّة واحدة من حياة المحقّق العالم الربّاني الملاّ محمّد مهدي النراقي صاحب (جامع السعادات) من خيرة المصنّفات في علم الأخلاق.

« كان في بداية تحصيله في غاية الفقر والفاقة بحيث لم يكن قادراً على إشعال قنديل للمطالعة ، فكان يستفيد من قنديل بيت الخلاء للمطالعة ، وإذا جاء أحد إلى بيت الخلاء ، كان يتنحنح إشارة منه إلى أنّه مشتغل بقضاء الحاجة ، فلا يعرف أحد بالأمر ويخجل.

هذا الرجل العظيم ـ وهكذا كلّ العظماء ـ قطع كلّ ما يشغله عن دراسته ، حتّى الرسائل التي كانت ترسل إليه من أهله ووالده ، كان يبقيها مقفلة لا ينظر إليها حتّى لا يوجب ذلك شرود ذهنه ، ويضع الرسائل تحت الفراش ، وعندما قُتل والده فبأمر من اُستاذه وبمعيّته ذهب إلى نراق ، وبعد ثلاثة أيّام رجع إلى مدرسته وهو شديد الشوق لتحصيل العلوم العقليّة والنقليّة ، ولمّـا أكمل دراسته وسكن في كاشان وكانت خالية من العلماء ، وببركته مُلئت من العلماء والفضلاء ، وصار مرجع ومحطّ رحال الرجال الكُمّل الأفاضل ، وظهر الكثير من العلماء من تلامذته »(١) .

__________________

١ ـ قصص العلماء للتنكابني : ١٤٦.


الأمر الرابع

عدم الزواج المبكّر

أن يترك التزويج حتّى يقضي وطَرَه من العلم ، فإنّه أكبر شاغل وأعظم مانع ، حتّى قيل : ذبح العلم في فروج النساء ، ومن احبّ أفخاذ ـ اتّخاذ ـ النساء لم يفلح.

ثمّ يقول الشهيد الثاني (قدس سره) : ولا يغترّ طالب العلم بما ورد في النكاح من الترغيب ، فإنّ ذلك حيث لا يعارضه واجب أولى منه ، ولا شيء أولى ولا أفضل ولا واجب أضيق من العلم ، سيّما في زماننا هذا

أقول : إنّما يترك الزواج لمن تمكّن من حفظ نفسه أن لا يقع في اللذائذ المحرّمة ، وإلاّ فإنّه يكون واجباً من مقدّمة الواجب واجب ، ولا يصحّ ترك الواجب من أجل عمل مندوب ، وطلب العلم أكثر من المسائل المبتلى بها مستحبّ في نفسه ، فتدبّر.

كان اُستاذي في الأخلاق في مقام النصيحة يقول : إذا كان بإمكان طالب العلم أن لا يتزوّج مبكّراً فليفعل ، فإنّ من يقدر على حفظ نفسه من التلوّث بالذنوب ، فعدم الزواج أفضل له ، لأنّ المرأة والأولاد بمنزلة القيود والسلاسل لطالب العلم ، فكثيراً ما تمنعه عن مواصلة الدراسة والتحقيق والتدقيق ، وينشغل ذهنه باُمور المعاش والمأكل والملبس والمسكن ، لا سيّما في عصرنا هذا ، فإنّ الحياة لطالب العلم من دون دغدغة صعبة جدّاً ، فمن أراد أن يتوفّق في تحصيل العلوم والفنون ويفوق فيها الأقران ، فعليه أن يكمل درسه في مرحلتي المقدّمات والسطوح ويدخل في درس خارج الاُصول والفقه لسنتين وما يزيد ، فحينئذ يقدم على الزواج ، وقد تزوّج الإمام الخميني وعمره خمسة وعشرون سنة ، وقد ألّف وصنّف في الفقه والاُصول والفلسفة والعرفان وعمره ثلاث وعشرون سنة ، فاعتبروا يا اُولي الأبصار.


الدرس الرابع

لقد عرفنا في المقدّمة والفصول التي مرّت أهميّة الأخلاق في حياة طالب العلوم الدينيّة ، وبعض الآداب التي لا بدّ من مراعاتها ، حتّى يتوفّق في طلب العلم النافع والعمل الصالح. وبقيت الآداب والأخلاق الحميدة الاُخرى ، وهي كما يلي :

الأمر الخامس

ترك العِشرة

أن يترك العِشرة مع من يشغله عن مطلوبه ، فإنّ تركها من أهمّ ما ينبغي لطالب العلم ، وأعظم آفات العِشرة ضياع العمر بغير فائدة ، وذهاب العرض والدين إذا كانت لغير أهل.

والذي ينبغي لطالب الحوزة العلمية أن لا يخالط إلاّ لمن يفيده أو يستفيد منه ، أي يغدو إمّا عالماً ربّانياً ، أو متعلّماً على سبيل النجاة ، ولا يكن الثالث همجٌ رعاع ،


وإن احتاج إلى صاحب وصديق وزميل فليختر الصاحب الصالح(١) ، الديّن التقي الذكي الورع ، الذي يعين على اُمور دينه ودنياه وآخرته ، إن نسي ذكّره ، وإن ذكر أعانه ، وإن احتاج واساه ، وإن ضجر صبّره. فيستفيد من خلقه ملكة صالحة ، فإنّ المرء يكسب من قرينه أخلاقه وملكاته ، وإن لم يتّفق مثل هذا العبد الصالح ، فإنّ الوحدة خيرٌ له من قرين السوء ، وإنّ الصبر على الوحدة في مثل هذه المواقف من قوّة العقل ، وقطعيّة الجاهل تعدل صلة العاقل.

وقد حثّ علماء الأخلاق على ترك العشرة المانعة من تحصيل العلم ، بل لا بدّ لمن آثر الله على من سواه من العزلة في ابتدائه توحّشاً من غير الله ، ومن الخلوة في انتهائه اُنساً بالله ، وقد ورد في الخبر الشريف عن الإمام العسكري (عليه السلام) : « من استأنس بالله استوحش من الناس »(٢) .

والسيّد الإمام الخميني في كتابه « الجهاد الأكبر » يرى أنّه من الحريّ لطالب العلم أن يبقى في الحوزة في مقام تهذيب نفسه ولو كان يستلزم ذلك خمسون سنة ، ثمّ بعد ذلك يخرج إلى المجتمع ، حتّى لا يتلوّث قبل تكميل نفسه بأوساخ المجتمع ، ولا يتغيّر بأهوائهم والأجواء التي يخلقونها ، بل يكون هو صاحب التصميم والقرار وهو الذي يلوّن المجتمع بصبغة الله ، لا أنّه يتلوّن بألوانه وينجرف مع سيله ، حتّى يفقد دينه ـ والعياذ بالله ـ.

__________________

١ ـ لقد تعرّضت لمواصفات الصديق وواجبات الصداقة في كتاب « معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) » ، فراجع.

٢ ـ لقد ذكرت مقامات عديدة تلزم مقام الاُنس بالله في رسالة « مقام الاُنس بالله » شرحاً وبياناً لهذه الرواية الشريفة ، وهي مطبوعة ، فراجع.


وروايات العزلة على نحوين ، كما في كتاب « المحاسن والمساوئ » ، منها تذمّ العزلة ، ومنها تمدح ، والجمع بينها ، كما هو واضح أنّ التي تحثّ على الاتّصال مع الناس لهدايتهم على أنّ هدف الأنبياء ذلك ، والعلماء ورثة الأنبياء ، إنّما ناضرة إلى من أكمل نفسه وهذّبها ، ووهبه الله قدرة إمامة الناس وسوقهم وهدايتهم إلى وادي السعادة والهناء ، وأمّا طالب العلم في بداية مسيرته العلميّة والاجتماعيّة ، فإنّه بحاجة ماسّة إلى العزلة الممدوحة ، التي يستتبعها العلم والتقوى وجهاد النفس ورجاحة العقل وكمال الأدب.

اُنظر إلى مدح الله أصحاب الكهف في قوله تعالى :

( وَإذِ اعْتَزَلـْتُموهُمْ وَما يَعْبُدونَ إلاّ اللهَ فَأوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أمْرِكُمْ مرْفقاً ) (١) .

( وَأعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعونَ مِنْ دونِ اللهِ وَأدْعو رَبيِّ عَسى أنْ أكونَ بِدُعاءِ شَقِيَّاً فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدونَ مِنْ دونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ وَيَعْقوبَ وَكُلاّ جَعَلـْنا نَبِيَّاً ) (٢) .

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« العزلة عبادة ».

« قال الله عزّوجلّ : إنّ من أغبط أوليائي عندي رجلا خفيف الحال ذا خطر أحسن عبادة ربّه في الغيب ، وكان غامضاً بين الناس ، جعل رزقه كفافاً فصبر عليه ، مات فقلّ تراثه وقلّ بواكيه ».

« إنّ أغبط أولياء الله عبدٌ مؤمنٌ خفيف الحال ذو حظٍّ من الصلاة أحسن

__________________

١ ـ الكهف : ١٦.

٢ ـ مريم : ٤٨ ـ ٤٩.


عبادة ربّه وأطاعه في السرّ ، وكان غامضاً في الناس لا يُشار إليه بالأصابع ».

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) :

« العزلة أفضل شيم الأكياس ».

« في اعتزال أبناء الدنيا جماع الصلاح ».

« الوصلة بالله في الانقطاع عن الناس ».

« من انفرد عن الناس أنس بالله سبحانه ».

« لا سلامة لمن أكثر مخالطة الناس ».

« ملازمة الخلوة دأب الصلحاء ».

« سلامة الدين في اعتزال الناس ».

« من اعتزل الناس سلم من شرّهم ».

« مداومة الوحدة أسلم من خلطة الناس ».

« كان لقمان (عليه السلام) يطيل الجلوس وحده ، وكان يمرّ به مولاه فيقول : يا لقمان ، إنّك تديم الجلوس وحدك ، فلو جلست مع الناس كان آنس لك. فيقول لقمان : إنّ طول الوحدة أفهم للفكرة ، وطول الفكرة دليل على طريق الجنّة ».

« من حديث الإمام الكاظم (عليه السلام) لهشام بن حكم ، قال (عليه السلام) : الصبر على الوحدة علامة على قوّة العقل ، فمن عقل عن الله اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها ، ورغب فيما عند الله ، وكان الله أنيسه في الوحشة ، وصاحبه في الوحدة ، وغناه في العيلة ومعزّه من غير عشيرة ».

« قال الإمام الصادق (عليه السلام) : إن قدرت أن لا تخرج من بيتك فافعل ، فإنّ عليك في خروجك أن لا تغتاب ولا تكذب ولا تحسد ولا ترائي ولا تتصنّع ولا تداهن ».


« كان شخص يبكي عند قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقيل له : ما يبكيك؟ فقال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : إنّ اليسير من الرياء شرك ، وإنّ الله سحبّ الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفقدوا ، وإن حضروا لم يعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ».

« يقول الإمام العسكري (عليه السلام) : الوحشة من الناس على قدر الفطنة بهم ».

« قال الإمام الصادق (عليه السلام) : خالط الناس تخبرهم ، ومتى تخبرهم تقلّهم ».

« قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : من عرف الله توحّد ، من عرف الناس تفرّد ».

« ولمّـا سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن علّة اعتزاله؟ قال : فسد الزمان وتغيّر الإخوان ، فرأيت الانفراد أسكن للفؤاد »(١) .

ولنا روايات كثيرة تمدح العزلة بشرطها ، كما أنّ العرفاء حثّوا طلاّب السير والسلوك في بداية أمرهم على ذلك.

فقيل : ما اختار الخلوة على الصحبة فينبغي أن يكون خالياً عن جميع الأذكار إلاّ ذكره ، وعن جميع الإرادات إلاّ أمره ، وعن جميع مطالبات النفس إلاّ حكمه.

الوحدة جليس الصديقين وأنيس الصادقين ، ليكن خدنك الخلوة وطعامك الجوع وحديثك المناجاة ، فإمّا أن تموت وإمّا أن تصل.

وكان بعض العارفين يصيح : الإفلاس الإفلاس! فقيل : وما الإفلاس؟ قال : الاستيناس بالناس.

ودخل تلميذ على شيخه وكان وحيداً في داره ، فقال : أما تستوحش في هذه الدار وحيداً؟ فقال : ما كنت أظنّ أنّ أحداً استوحش مع الله ، وقال آخر في الجواب ، لمّـا دخلت صرت وحيداً ، فإنّي كنت مشغولا ومستأنساً بربيّ.

__________________

١ ـ ميزان الحكمة ، كلمة « العزلة » ٣ : ١٩٦٤ ، الطبعة الجديدة.


إرضَ بالله صاحباً وذر الناس جانباً ، كفى بالله محبّاً وبالقرآن مؤنساً وبالموت واعظاً.

صم عن الدنيا واجعل فطرك الآخرة ، وفرّ من الناس فرارك من الأسد ، واتّخذ الله مؤنساً.

قال بعض الحكماء : إنّما يستوحش الإنسان بالوحدة لخلاء ذاته وعدم الفضيلة من نفسه ، فيتكثّر حينئذ بملاقاة الناس ويطرد الوحشة عن نفسه بالكون معهم ، فإذا كانت ذاته فاضلة ونفسه كاملة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة ، ويتفرّغ لاستخراج العلم والحكمة.

وفي بعض الآثار : وجدنا خير الدنيا والآخرة في الخلوة والقلّة ، وشرّهما في الكثرة والخلطة.

وفي بعضها : إذا أراد الله أن ينقل العبد من ذلّ المعصية إلى عزّ الطاعة آنسه بالوحدة ، وأغناه بالقناعة ، وبصّره عيوب نفسه ، ومن اُعطي ذلك اُعطي خير الدارين.

ومن فوائد العزلة : السلامة من الآفات ، وترك النظر إلى زينة الدنيا وزهرتها ، ومنع النفس من التطلّع إليها ومنافسة الناس عليها. قال الله تعالى :

( وَلا تُمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فيهِ ) (١) .

وإنّها خالعة عنك ذلّ الإحسان ، وقاطعة رقّ الأطماع ، ومفيدة عزّ الناس عن الناس ، ومن آثر العزلة حصل العزّ له ، ومعاشرة الأشرار تورث سوء الظنّ بالأخيار.

__________________

١ ـ طه : ١٣١.


العزلة تستر الفاقة ، وتكفّ جلباب التجمّل ، إنّها معينةٌ لمن أراد نظراً في علم ، أو إثارة لدفين رأي ، واستنباطاً لحكمة ، لأنّ شيئاً منها لا يتمّ إلاّ مع خلاء الذرع وفراغ القلب ، ومخالطة الناس ملغاة ومشغلة.

وقال بعض الحكماء : من الطيور من جعل راحته في اعتزال العمران ، وآثر المواضع النائيه عن الناس ، فليتشبّه به من أراد النظر في كتب الحكمة.

وقال بعض الأخيار : لا يتمكّن أحد من الخلوة إلاّ بالتمسّك بكتاب الله ، والمتمسّكون بكتاب الله هم الذين استراحوا من الدنيا بذكر الله ، الذاكرون الله بالله ، عاشوا بذكر الله وماتوا بذكر الله ، ولقوا الله بذكر الله.

وقيل لبعض العبّاد ، ما أصبرك على الوحدة! فقال : ما أنا وحدي ، أنا جليس الله جلّ وعزّ! إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه ، وإذا أردت أن اُناجيه صلّيت.

وكان بعضهم يلزم الدفاتر والمقابر ، فقيل له في ذلك ، فقال : لم أرَ أسلم من وحدة ، ولا صاحباً أوعظ من قبر ، ولا جليساً أمنع من دفتر.

كان بعض العارفين يقول : مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطة. وكان يقول : من أراد أن يسلم له دينه ويستريح بدنه وقلبه ، فليعتزل الناس ويستوحش من الأغنياء وليجانب السلطان كما يجانب الرجل السباع الضارية والهوام العادية.

وعن بعض الحكماء حين قيل له : لماذا رفضت الناس؟ فقال : لم أرَ إلاّ عدوّاً يداجيني بعداوته ، وصديقاً يعدّ عليّ معايبي في أيام صداقته.

وطالب العلم إنّما يستأنس بكتبه ، وإنّ الكتب بساتين العلماء.

وكتبك حولي لا تفارق مضجعي

وفيها شفاء للذي أنا كاتم

كأنّي سقيمٌ قد اُصيب فؤاده

وهنّ حواليَّ الرقا والتمائم


وقال بعض العرفاء : العزلة في الحقيقة اعتزال الخصال المذمومة ، لا الانقطاع عن الإخوان والتنائي عن الأوطان ، فلهذا قيل للعارف : (كائن بائن) أي كائن مع الخلق ، بائن عنهم بالسرّ ، كما ورد في الأثر : (كن مع الناس ، ولا تكن معهم) ، أي : كن معهم بالأجساد ، ولا تكن بالأرواح ، فإنّ المؤمن تعلّقت روحه بالملأ الأعلى ، فإنّه يستأنس بالله ويطمئنّ قلبه بذكر الله سبحانه.

والعقلاء إنّما يختارون العزلة لفوائدها الجمّة ، ولقلّة إخوان الصفا وخُلاّن الوفاء ، وقد علموا أنّ المعاشرة مع الأبرار الصالحين والأخيار المتّقين ، أفضل من الوحدة والانفراد والعزلة ، ومن يترك الأخيار اختياراً ابتلي بالأشرار اضطراراً ، فإن لم نجد من يتحلّى بالعقل ، ولم يتجمّل بالعلم والفضل والأدب ، لزمنا زوايا البيوت والمدارس ، وتوكّلنا على الحيّ الذي لا يموت(١) ، ونعمل بما قاله الإمام الكاظم (عليه السلام) : « قطيعة الجاهل تعدل صلّة العاقل ».

هذا وكبار علمائنا الأعلام في وصاياهم لأولادهم وتلامذتهم ، كانوا يحثّونهم على اختيار العزلة ، عند فساد الزمان.

ومن وصايا سيّدنا الاُستاذ السيّد النجفي المرعشي (قدس سره) : وبتقليل المعاشرة ، فإنّ المعاشرة والدخول في نوادي الناس في هذه الأعصار محظور مخطور ، قلّما يرى ناد يخلو عن البهت والغيبة في حقّ المؤمنين والإرزاء بهم ، وتضييع حقوقهم واُخوّتهم.

__________________

١ ـ آداب النفس : ٤١ ـ ٦٣.


الدرس الخامس

من الآداب والأخلاق الطيّبة التي لا بدّ لطالب العلم في سيرته الأخلاقيّة من مراعاتها ، هي كما يلي ـ عطفاً على ما سبق ـ :

الأمر السادس

الحرص على التعلّم

أن يكون حريصاً على التعلّم مواظباً في جميع أوقاته ليلا ونهاراً سفراً وحضراً ، فلا يشتغل بغير طلب العلم أو ما هو ضروري في الحياة من أكل ونوم وما شابه ذلك ، وإنّ من استوى يوماه فهو مغبون ، ومن كان يومه خيرٌ من أمسه فبطن الأرض خيرٌ له من ظهرها ـ كنابة عن الموت ، وأنّ الحياة حينئذ لا قيمة لها ـ ولا يستطاع العلم براحة الجسد ، وإنّ الجنّة دار النعيم التي فيها ما لم يخطر على قلب بشر ، إنّما حُفّت بالمكاره والصعاب ، وإنّ من طلب العلى سهر الليالي.

وما أكثر الخواطر والقصص من حياة علمائنا الأعلام في هذا الباب ، كان سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد الگلپايگاني يقول : وكم من ليلة غرقت في


المطالعة فلم أنتبه على نفسي إلاّ بصوت مؤذّن صلاة الصبح. وكم من مرّة وضعت زوجة آية الله العظمى السيّد البروجردي (قدس سره) العشاء من أوّل الليل في غرفة زوجها ، فتأتي صباحاً وترى الأكل لا يزال على ما كان ، وكان السيّد مشغولا بالمطالعة حتّى الصباح.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« من لم يصبر على ذلّ التعلّم ساعة بقي في ذلّ الجهل أبداً ».

« ما من متعلّم يختلف إلى باب العالم إلاّ كتب الله له بكلّ قدم عبادة سنة ».

قال أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) :

« لا يستحينّ أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلّمه ».

« تعلّموا العلم فإنّ تعلّمه حسنة ، ومدارسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وهو أنيس في الوحشة ، وصاحب في الوحدة ، وسلاح على الأعداء ، وزين الأخلاّء ، يرفع الله به أقواماً يجعلهم في الخير أئمّة يقتدى بهم ، ترمق أعمالهم وتقتبس آثارهم ».

« في صفة المتّقين : من علامة أحدهم أنّك ترى له قوّة في دين وحزماً في لين ، وإيماناً في يقين ، وحرصاً في علم ، وعلماً في حلم ».

قال الإمام الصادق (عليه السلام) :

« كان فيما وعظ لقمان ابنه ، أنّه قال له : يا بني ، اجعل في أيّامك ولياليك نصيباً لك في طلب العلم ، فإنّك لن تجد تضييعاً مثل تركه ».

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « العلم رأس الخير كلّه ، والجهل رأس الشرّ كلّه ».

« العلم حياة الإسلام وعماد الدين » ، أقرب الناس إلى درجة النبوّة أهل العلم والجهاد ، مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء


الأمر السابع

علوّ الهمّة

أن يكون عالي الهمّة ، بعيد النظر ، كما قال أمير المؤمنين لولده محمّد بن الحنفيّة في ساحة الوغى : « اُنظر إلى أقصى القوم » ، وإنّ من ينظر إلى قمّة الجبل فإنّه يهون عليه صعوده ، ولا يتهيّب من وعره وصعوبة طريقه ، فلا يرضى باليسير مع إمكان الكثير ، ولا يؤجّل عمل اليوم إلى غد ، ولا عمل الساعة إلى بعدها ، فإنّ في التأخير آفات ، وخير البرّ عاجله ، وإنّ للساعة الثانية عملها ، فلا بدّ من السير الدؤوب المتواصل ، ولا يخافه قول حذار ، ولا تعيقه في السير عوائق ، بل يتجاوز العقبات والموانع والقواطع بحزم وعزم وصبر ومثابرة ، والوقت سيف فإن قطعته وإلاّ قطعك ، والليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.

واعلم أنّ أنفس شيء وأعظم شيء في الحياة هو العلم ، فإنّ الإمام السجّاد (عليه السلام) يقول : « لو علم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج » ، فمثل هذا الأمر الخطير يحتاج إلى أعلى مراتب الهمّة وأقوى درجات الإرادة ، وغاية الشوق ونهاية العشق ، ولِمَ لا يكون كذلك وسبحانه وتعالى يقول :

( هَلْ يَسْتَوي الَّذينَ يَعْلَمونَ وَالَّذينَ لا يَعْلَمونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ اُولو الألـْبابِ ) (١) .

( يَرْفَعِ اللهُ الَّذينَ آمَنوا مِنْكُمْ وَالَّذينَ اُوتوا العِلـْمَ دَرَجات ) (٢) .

__________________

١ ـ الزمر : ٩.

٢ ـ المجادلة : ١١.


الأمر الثامن

رعاية ترتّب العلوم

أن يأخذ في ترتيب التعلّم بما هو اولى ، ويبدأ في مقام التزاحم في الامتثال بالأهمّ فالأهمّ ، ولا يشتغل في النتائج قبل المقدّمات ، كما لا يطفر من كتاب إلى آخر قبل إتمامه ودراسته. فليحذر من التنقّل من كتاب إلى آخر ومن فنّ إلى غيره من غير موجب ، فإنّ ذلك علامة الضجر وعدم الفلاح ، ومن ضجر وكسل فإنّه يفوت منه الحقّ ، ويقصّر فيه. كما لا يختلف في كلّ برهة قصيرة وأيام معدودة عند عالم وآخر ، وبين ليلة وضحاها ، تجده قد ختم الكتب العقلية والفلسفية ، ويدّعي الربوبية في علمه ، وينتظر من الناس أن يقدّسونه ويلقّبونه بآية الله وإنّه العظمى ـ كما ابتلينا في عصرنا وحوزتنا بمثل هذه النماذج الضعيفة في الشخصية الفارغة من المحتوى والأخلاق الإسلامية ، تراهم سرعان ما يتلهّفون إلى جمع المردة وفتح المكاتب والبرّانيات ، وطبع الرسائل العملية أو دونها ، ويحبّون جمع المال حبّاً جمّاً ، ويحسبون أنّهم يحسنون صنعاً ـ بل لطالب العلم الذي يفكّر في تهذيب نفسه أن يتريّث ويتمهّل ويسعى بكلّ طاقته أن يصلح نفسه أوّلا ، ولو كان ذلك يستلزم سنين بل (وعلى حدّ تعبير الإمام الخميني (قدس سره) في كتابه « الجهاد الأكبر ») لو كان ذلك إلى خمسين سنة ، فلا يتقبّل المسؤوليات الاجتماعية قبل أن يكمل نفسه ، ولماذا هذه العجلة؟! فإنّه إن كنت من أهل الرئاسة الصالحة التي تنفعك في دينك ، فإنّها تأتيك ذليلةً حقيرة ، وحينئذ لا يُبال لو خرجت منه ، كما لا يرتكب المحرّمات من أجل حدوثها وبقائها ، فإنّه :


كلّ من أخذ البلاد بغير حرب

يهون عليه تسليم البلادِ

وأمّا من همّ بالرئاسة فهو ملعون ، بعيد عن رحمة الله سبحانه ، كما ورد في الروايات الشريفة ، وهلك من يخفق خلفه النعال.

وهناك من المعمّمين من علماء السوء من يطيل لحيته ويزيد في قطر عمامته ، ويسطّر الألقاب قبل اسمه ، ليغرّ بها عوامّ الناس ، وليكسب المال منهم ، ويحضى باحترامهم ، وتقبيل يده الأثيمة. وقد غفل أنّ الزبد يذهب جفاء ، وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

واعلم أنّ العمر لا يتّسع لجميع العلوم ، فالحزم أن يأخذ من كلّ علم أحسنه ، ويصرف جمام قوّته في العلم الذي هو أشرف العلوم ، وهو العلم النافع في الآخرة ، ممّـا يوجب كمال النفس وتزكيتها بالأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة والأعمال الصالحة والأفعال الطيّبة ، ومرجعه إلى معرفة الكتاب الكريم ، كتاب الله الحكيم ، والسنّة الشريفة المتمثّلة بقول المعصوم (عليه السلام) وفعله وتقريره ، وعلم مكارم الأخلاق وما ناسبه(١) .

واعلم أنّ لكلّ علم من هذه العلوم مرتبة من التعلّم ، لا بدّ لطالبه من مراعاتها لئلاّ يضيع سعيه أو يعسر عليه طلبه ، وليصل إلى بُغيته بسرعة ، وكم قد رأينا طلاّباً للعلم سنين كثيرة ، لم يحصلوا منه إلاّ على القليل ، وآخرون حصّلوا منه كثيراً في مدّة قليلة ، بسبب مراعاة ترتيبه ونظامه.

ثمّ الغرض الأوفى من هذه العلوم ليس مجرّد العلم بها ، بل المقصود موافقة

__________________

١ ـ هذا ما قاله الشهيد الثاني في منيته من آداب المتعلّم في نفسه ، ثمّ يذكر آدابه مع شيخه أربعين أدباً ، ثمّ آدابه في درسه وقراءته ثلاثون أدباً ، فراجع.


مراد الله تعالى منها والتقرّب إليه بها ، إمّا بالآلية ، أو بالعلم ، أو بالعمل ، أو بإقامة نظام الوجود ، أو إرشاد عباده إلى ما يراد منهم ، أو غير ذلك ، من المطالب السنيّة الدينية والدنيوية ، وبسبب ذلك يختلف ترتيب التعلّم وتقدمة بعض العلم على بعض من حيث المدارسة والمطالعة ، ومن حيث الكمّ والكيف ، كما يذكر ذلك بالتفصيل الشهيد الثاني (قدس سره) في المطلب الثالث في ترتيب العلوم بالنظر إلى المتعلّم ، فراجع(١) .

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« أكثر الناس قيمةً أكثرهم علماً ، وأقلّ الناس قيمةً أقلّهم علماً ».

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) :

« يا مؤمن ، إنّ هذا العلم والأدب ثمن نفسك ، فاجتهد في تعلّمهما ، فما يزيد من علمك وأدبك يزيد في ثمنك وقدرك ، فإنّ بالعلم تهتدي إلى ربّك ، وبالأدب تحسن خدمة ربّك ، بأدب الخدمة يستوجب العبد ولايته وقربه ».

عن زيد الزرّاد ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال : قال أبو جعفر (عليه السلام) : يا بني إعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم ومعرفتهم ، فإنّ المعرفة هي الدراية للرواية ، وبالدرايات للروايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان ، إنّي نظرت في كتاب لعليّ (عليه السلام) فوجدت في الكتاب : أنّ قيمة كلّ امرئ وقدره معرفته.

قال الإمام الصادق (عليه السلام) : اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنّا ، فإنّا لا نعدّ الفقيه منهم فقيهاً حتّى يكون محدّثاً ، فقيل له : أوَ يكون المؤمن محدّثاً؟ قال : يكون مفهّماً ، والمفهّم محدَّث.

عن المسيح (عليه السلام) : من عَلِمَ وعمل وعَلَّم عُدّ في الملكوت الأعظم عظيماً.

__________________

١ ـ منية المريد : ٣٨٧ ، تحقيق رضا المختاري.


الدرس السادس

لقد ذكرنا في الفصول الماضية الاُمور الثمانية التي ذكرها الشهيد الثاني في منيته حول ما يجب على طالب العلم مراعاته ، وأمّا الاُمور الاُخرى التي لا بدّ من رعايتها أيضاً ، فهي كما يلي عطفاً على ما سبق :

الأمر التاسع

اختيار المعلّم الصالح

ذكره الشهيد باعتبار الآداب التي يلزم المتعلّم أن يراعيها مع اُستاذه وشيخه ، إلاّ أنّي أذكره ضمن الآداب العامّة لطالب الحوزة الذي يفكّر في سيرته الأخلاقية وإصلاحها وهو : أن ينظر إلى المعلّم الذي يأخذ علمه منه ، فإنّ من استمع إلى ناطق فقد عبده ـ كما ورد في الخبر ـ فإن تكلّم عن الله فقد عبد الله سبحانه ، وإن تكلّم عن الشيطان أو هوى النفس ، فإنّه قد عبد الشيطان واتّخذ إلهه هواه ، وقد ورد في الخبر الشريف : إذا رأيتَ العالم مقبلا على دنياه فاتّهمه في دينه ، أي لا يحقّ لكم أن تأخذوا دينكم وسلوككم ممّن كان مقبلا على دنياه ، فكيف المتلبّس بها


والغاطّ في بحرها.

فيقول الشهيد الثاني (قدس سره) : أهمّ الاُمور التي يجب على المتعلّم أن يراعيها مع شيخه ، أن يقدّم النظر فيمن يأخذ عنه العلم ، ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه ، فإنّ تربية الشيخ لتلميذه ونسبة إخراجه لأخلاقه الذميمة ، وجعل مكانها خلقاً حسناً ، كفعل الفلاّح الذي يقلع الشوك من الأرض ، ويخرج منها النباتات الخبيثة من بين الزرع ، ليحسن نباته ويكمل ريعه.

وليس كلّ شيخ يتّصف بهذا الوصف ، بل ما أقلّ ذلك ، فإنّه في الحقيقة نائب عن الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وليس كلّ عالم يصلح للنيابة ، فليختر من كملت أهليّته ، وظهرت ديانته ، تحقّقت معرفته ، وعرفت عفّته ، واشتهرت صيانته وسيادته ، وظهرت مروّته وحسن تعليمه ، وجاد تفهيمه.

ولا يغترّ الطالب بمن زاد علمه ، مع نقص في ورعه أو دينه أو خُلقه ، فإنّ ضرره في خُلق المتعلّم ودينه أصعب من الجهل الذي يطلب زواله ، وأشدّ ضرراً. وعن جماعة من السلف : هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم.

وفي ذيل الآية الشريفة :

( فَلـْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ ) (١) .

قال الإمام الباقر (عليه السلام) : أي فلينظر إلى علمه ممّن يأخذ.

ثمّ قال الشهيد الثاني : وليحترز ممّن أخذ علمه من بطون الكتب من غير قراءة على الشيوخ ـ كما نجد في حوزتنا بعض الطلاّب من دون أن يحضر دروس الأساتذة يتصدّى للتدريس ، لا سيّما درس الخارج على أنّه من النوابغ ولا بدّ أن

__________________

١ ـ عبس : ٢٤.


يكسر الأعراف والسنن التي كان عليها السلف الصالح في الحوزة العلمية المباركة ، وهناك من يكتفي بأشرطة التسجيل ـ قال بعض السلف : من تفقّه من بطون الكتب ضيّع الأحكام. وقال آخر : إيّاكم والصحفيّون الذين يأخذون علمهم من الصحف ، فإنّ ما يفسدون أكثر ممّـا يصلحون. وقد ورد في الخبر الشريف : « هلك من لم يكن له حكيمٌ يرشده » ، فكلّ طالب يحتاج في مقام التعلّم إلى اُستاذ ومعلّم ، لا سيّما في علم الأخلاق ، فإنّه بأمسّ الحاجة إلى مربٍّ خلوق ، وحكيم مرشد ، واُستاذ قدير ، صاحب الأنفاس القدسيّة ، التي أتعب نفسه في تهذيبها ومجاهدتها.

ثمّ قال الشهيد الثاني : وليحذر من التقييد بالمشهورين ـ كما نجد هذه الظاهرة في الحوزة في العصر الراهن ، أنّه يحضر الطالب عند من كان مشهوراً ويتقيّد بذلك ـ وترك الأخذ بالخاملين ، فإنّ ذلك من الكِبر على العلم ، وهو عين الحماقة ، لأنّ العلم ضالّة المؤمن ، يلتقطها حيث وجدها ويغتنمها حيث ظفر بها ، ويتقلّد المنّة ممّن ساقها إليها ، وربّما يكون الخامل ممّن تُرجى بركته ، فيكون النفع به أعمّ والتحصيل من جهته أتمّ.

وإذا سبرت أحوال السلف والخَلَف لم تجد النفع غالباً ، إلاّ إذا كان للشيخ من التقوى والنصح والشفقة للطلبة نصيب وآخر ، وكذلك إذا اعتبرت المصنّفات وجدت الانتفاع بتصنيف الأتقى أوفر ، والفلاح بالاشتغال به أكثر ، وبالعكس حال العالم المجرّد من التقوى والعمل الصالح ، وإنّما عنده من العلم بالمصطلحات يتبختر بها ، حتّى كاد أن يدّعي الربوبيّة ، لما يحمل من نفس فرعونية ـ والعياذ بالله ، ونجّانا الله من شرور أنفسنا الأمّارة بالسوء ـ.

« فينبغي لطالب العلم أن يختار الاُستاذ الأعلم والأورع والأسنّ ، وينبغي أن يشاور في طلب العلم ، أي علم يراد في المشي إلى تحصيله ، فإذا دخل المتعلّم إلى بلد


يريد أن يتعلّم فيه ، فليكن أن لا يعجّل في الاختلاف مع العلماء ، وأن يصبر شهرين ، حتّى كان اختياره للاُستاذ ، ولم يؤدّ إلى تركه والرجوع إلى آخر ، فلا يبارك له ، فينبغي أن يثبت ويصبر على اُستاذ وكتاب حتّى لا يتركه أبتر ، وعلى فنّ لا يشتغل بفنٍّ آخر ، قبل أن يصير ماهراً فيه ، وعلى بلد حتّى لا ينقل إلى بلد آخر من غير ضرورة ، فإنّ ذلك كلّه يفرق الاُمور المقرّبة إلى التحصيل ، ويشغل القلب ويضيّع الأوقات »(١) .

كما على طالب العلم أن يختار شريكاً في الدرس والمباحثة ، فيختار المجدّ والأورع وصاحب الطبع المستقيم ، ويحترز عن الكسلان والمعطّل ومكثار الكلام والمفسد والفتّان ، قيل : يعرف المرء بخليله.

فاعتبروا الأرض بأسمائها

واعتبر الصاحب بالصاحب

ثمّ العمدة لطالب العلم أن يبحث عن اُستاذ في الأخلاق ، فإنّ العلم لا بدّ من مقارنته مع التربية والتزكية ، بل لأهميّة التزكية قدّمت في الآية الشريفة :( يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ ) على التعليم.

وقال الإمام السجّاد (عليه السلام) : « هلك من ليس له حكيم يرشده »(٢) .

فزخرف الحياة وزبرجها ، ووساوس الشياطين وأعوانهم ، وحديث النفس الأمّارة بالسوء ، وكثرة الأعداء في الظاهر والباطن ، ظلمات بعضها فوق بعض ، ومن الصعب أن ينجو الإنسان بنفسه من هذه المغريات والمهلكات ، بل لا بدّ له من خضر في وادي الظلمات ، فصناعة الإنسان وتربيته من دون اُستاذ وبشكل تلقائي

__________________

١ ـ آداب المتعلّمين ـ جامع المقدّمات ٢ : ٥١.

٢ ـ كشف الغمّة ٢ : ٣٢٥.


كأنّه يعدّ من المستحيلات ، ولا يمكن لأحد أن يدّعي الوصول وتهذيب النفس وصيقلة القلب وتطهير الذات من الرذائل من دون مربٍّ ومعلّم ، فعلى طالب العلم في بداية مسيرته أن يبحث عن (اُستاذ الأخلاق) فيختار إنساناً متّقياً كاملا يتولّى تربيته منذ الأيّام الاُولى عند دخوله الحوزة العلميّة ، فهذا من الهمّ الأوّل لطلاّب العلوم الدينيّة.

ويقول الإمام الخميني (قدس سره) : اختاروا أساتذة أخلاق لكم ، اعقدوا مجالس الوعظ والخطابة والنصيحة ، التهذيب تلقائياً (بدون اُستاذ) غير ممكن ، إنّ الحوزات محكومة بالفناء إذا خلت من مجالس الوعظ والنصيحة. كيف يعقل أن يكون علم الفقه والاُصول بحاجة إلى مدرّس ، بحاجة إلى درس وبحث؟! كيف يعقل أن يكون كلّ علم وصنعة في الدنيا بحاجة إلى اُستاذ ولا تكون العلوم المعنويّة والأخلاقيّة بحاجة إلى تعلّم وتعليم ، ثمّ يحصل عليها الإنسان تلقائيّاً (أوتوماتيكيّاً) ويحصلها بدون معلّم ، لقد سمعت كراراً أنّ سيّداً جليلا كان معلّم الأخلاق للشيخ الأنصاري ـ وهو السيّد علي الشوشتري اُستاذ العرفان في القرن الأخير ـ(١) .

يقول العارف الجليل آية الله السيّد علي القاضي اُستاذ العلاّمة الطباطبائي في العرفان والسير والسلوك : أهمّ ما يلزم في هذا الطريق الاُستاذ الخبير البصير الخارج عن أسر الهوى ، الواصل إلى المعرفة الإلهيّة ، والإنسان الكامل الذي سافر ـ بالإضافة إلى السير إلى الله ـ الأسفار الثلاثة الاُخرى ، شرط أن يكون تجوّله وتفرّجه في عالم الخلق (بالحقّ) إذا أمضى الإنسان الذي يطلب طريق الله وسلوك طريق الله ، نصف عمره يبحث عن اُستاذ هذا الطريق ، ويفتّش عنه فإنّه يكون

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ٣٨.


مصيباً ، لأنّ الأمر يستحقّ هذا الاهتمام ، من وصل إلى الاُستاذ ، وحصل عليه ، فقد قطع نصف الطريق.

أجل : لا بدّ من الاُستاذ في السير والسلوك ، وينبغي الاهتمام به جيّداً في اختيار الاُستاذ ، فيلزم على الطالب أن يكون دقيقاً جدّاً ومحتاطاً ، فلا يسلّم نفسه ودينه لأيّ مدّع ، حتّى يطمئنّ إلى صحّة دعواه.

إسمع إلى ما يقوله العلاّمة السيّد بحر العلوم في هذا المجال : وأمّا الاُستاذ العامّ ـ وهو غير المعصوم (عليه السلام) ـ فلا يعرف إلاّ بصحبته في السرّ والعلن ، ومعاشرته الباطنيّة ، وملاحظة اكتمال إيمان جوارحه وإيمان نفسه ، والحذر الحذر من أن يقع الانخداع بظهور خوارق العادات منه وبيانه لدقائق النكات ، وإخباره بالخفايا الآفاقيّة ، وخبايا الأنفس ، تبدّل بعض حالاتك نتيجة الاقتداء به ، لأنّ الإشراف على الخواطر والاطّلاع على الدقائق والعبور على الماء والنار ، وطيّ الأرض والهواء ، والإخبار بما يأتي وأمثال ذلك ، إنّما يحصل في مرتبة المكاشفة الروحيّة ، وبين هذه المرحلة والهدف المطلوب مسافة لا تتناهى. وكثير من المنازل والمراحل ، وما أكثر السالكين الذين يجتازون هذه المرحلة ، ثمّ يدخلون بعدها في وادي اللصوص والأبالسة ، ومن هنا يستطيع كثير من الكفّار أن يأتوا بكثير من الاُمور الغريبة(١) .

ومن أراد الاُستاذ في الأخلاق ، لا سيّما من يدخل الحوزة وهو لا يعرف أحداً ، فعليه أن يدعو الله كثيراً في ذلك ، ويتوسّل بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وبالأئمة الأطهار (عليهم السلام) وبفاطمة الزهراء (عليها السلام) ، وحتّى بأولاد الأئمة وبأرواح علمائنا الكبار

__________________

١ ـ المصدر : ٤٠.


الماضين قدّس الله أسرارهم الزكيّة ، فإنّ ذلك يعدّ من مفاتيح هذه الأبواب ، ومن المعدّات للوصول إلى الحلقات التربويّة الروحيّة لهؤلاء الأساتذة الكاملين والاستفادة منهم ، فمن كان متعطّشاً واقعاً من صميم القلب فإنّ الله تعالى يأخذ بيده ، ويضعه في يد إنسان آخر.

أعرف شخصاً من أهل العلم في بداية سيره السلوكي ، كان يدعو الله بالبكاء والتضرّع ويطلب منه اُستاذاً في الأخلاق والعرفان ، وفي يوم من الأيام كان مستلقياً وبين السِّنَة والنوم ، وإذا به يسمع صرير الباب ، ويسمع هاتفاً يقول : هذا اُستاذ أخلاقك ، وإذا بشخص يدخل الغرفة ، فيقوم لاحترامه وتقديره ، فلم يرَ أحداً ، ثمّ التقى به وبقي عنده سنين يأخذ منه المعارف ، ثمّ تعرّف على شيخه واُستاذه ، فحضر عند ذلك خمس سنوات أيضاً.

وهذا العلاّمة الطباطبائي (قدس سره) يحدّثنا عن حياته قائلا : عندما كنت في طريقي من تبريز إلى النجف الأشرف للدراسة ، لم أكن أعرف شيئاً عن النجف ، ولم أكن أعرف أين أذهب ، وماذا أفعل؟ كنت في الطريق اُفكّر دائماً أيّ درس أدرس؟ وعلى مَن أتتلمذ؟ وأيّ طريقة أختار ويكون فيها رضا الله تعالى؟ عندما وصلت إلى النجف الأشرف وحين الدخول توجّهت إلى حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) وقلت : سيّدي ، تشرّفت بمحضرك لمواصلة الدراسة ، ولكنّي لا أعرف أيّ نهج أسلك ، وأيّ برنامج أختار ، اُريد منك أن ترشدني إلى ما فيه صلاحي. استأجرت منزلا وسكنته ، وفي الأيام الاُولى ، وقبل أن أبدأ أيّ درس ، كنت جالساً في البيت اُفكّر في مستقبلي ، فجأةً طرق الباب ، فتحت الباب ، فرأيت أحد العلماء الكبار ، سلّم ودخل ، جلس في الغرفة ورحّب بي ، كانت له طلعة جذّابة ونورانيّة جدّاً ، حادثني بكامل الصفاء والصميميّة والاُنس ، وخلال أحاديثه قرأ لي أشعاراً ، وقال لي ما مضمونه :


الشخص الذي يأتي إلى النجف بهدف الدراسة من الجيّد أن يفكّر بالإضافة إلى الدراسة بتهذيب نفسه وتكميلها ، وأن لا يغفل عن نفسه ، قال هذا ومضى

وفي ذلك المجلس أسرتني أخلاقه وتصرّفاته ، وقد أثّرت في قلبي كلماته القصار والأخّاذة إلى حدّ أنّي عرفت منها برنامجي المستقبلي ، وطيلة الفترة التي كنت فيها في النجف لم أترك محضر ذلك العالم التقي ، اشتركت في درسه الأخلاقي واستفدت من سماحته ، ذلك العالم الكبير هو المرحوم آية الله الحاجّ الميرزا علي القاضي رضوان الله عليه(١) .

فيا طالب العلم ، لا تيأس من روح الله واطلب الاُستاذ منه ، وفّقك الله للعلم النافع والعمل الصالح.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« العلم دين ، الصلاة دين ، فانظروا عمّن تأخذون هذا العلم ».

قال الإمام الحسن (عليه السلام) :

« عجبت لمن يتفكّر في مأكوله كيف لا يتفكّر في معقوله؟! فيجنّب بطنه ما يؤذيه ويودع ما يرديه ».

قال الإمام الكاظم (عليه السلام) :

« لا علم إلاّ من عالم ربّاني ، ومعرفة العالم بالعقل ».

من وصيّة ذي القرنين :

« لا تتعلّم العلم ممّن لا ينتفع به ، فإنّ من لم ينفعه علمه لا ينفعك »(٢) .

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ٨٢.

٢ ـ ميزان الحكمة ٦ : ٤٨٤.


الأمر العاشر

تعظيم المعلّم والتواضع له

آية الحقّ الشهيد الثاني أعلى الله مقامه الشريف في منيته يذكر آداباً يختصّ بها المعلّم ، وإنّها تنقسم إلى ثلاثة أقسام : آدابه في نفسه ، وآدابه مع طلبته ، وآدابه في مجلس درسه.

فمن الأوّل ـ أي آدابه في نفسه ـ فاُمور :

١ ـ أن لا ينتصب للتدريس حتّى تكمل أهليّته ويظهر استحقاقه لذلك.

٢ ـ أن لا يذلّ العلم فيبذله لغير أهله.

٣ ـ أن يكون عاملا بعلمه.

٤ ـ زيادة حسن الخلق والتواضع وتمام الرفق وبذل الوسع في تكميل النفس.

٥ ـ أن لا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النيّة.

٦ ـ بذل العلم عند وجود المستحقّ وعدم البخل به.

٧ ـ أن يحترز من مخالفة أفعاله لأقواله.

٨ ـ إظهار الحقّ بحسب الطاقة من غير مجاملة لأحد من خلق الله تعالى.

ومن الثاني ـ أي آدابه مع طلبته ـ فاُمور :

١ ـ أن يؤدّبهم على التدريج بالآداب السنيّة والشيم المرضية ورياضة النفس بالآداب الدينيّة والدقائق الخفيّة.

٢ ـ أن يرغّبهم في العلم ويذكّرهم بفضائله وفضائل العلماء وأنّهم ورثة الأنبياء (عليهم السلام).


٣ ـ أن يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه ، ويكره لهم ما يكره لنفسه من الشرّ.

٤ ـ أن يزجره عن سوء الأخلاق وارتكاب المحرّمات والمكروهات أو ما يؤدّي إلى فساد حال أو ترك اشتغال أو إساءة أدب ، أو كثرة كلام من غير فائدة ، أو معاشرة من لا تليق معاشرته.

٥ ـ أن لا يتعاظم على المتعلّمين ، بل يلين لهم ويتواضع.

٦ ـ إذا غاب أحد منهم أو من ملازمي الحلقة زائداً على العادة يسأل عنه وعن أحواله.

٧ ـ أن يستعلم أسماء طلبته وحاضري مجلسه وأنسابهم وكناهم ومواطنهم وأحوالهم.

٨ ـ أن يكون سمحاً ببذل ما حصله من العلم.

٩ ـ صدّ المتعلّم أن يشتغل بغير الواجب قبله.

١٠ ـ أن يكون حريصاً على تعليمهم ، باذلا وسعه في تفهيمهم وتقريب الفائدة إلى أذهانهم.

١١ ـ أن يذكر في تضاعيف الكلام ما يناسبه من قواعد الفنّ.

١٢ ـ أن يحرّضهم على الاشتغال في كلّ وقت ، ويطالبهم في أوقات بإعادة محفوظاتهم.

١٣ ـ أن يطرح على أصحابه ما يراه من مستفاد المسائل الدقيقة والنكت الغريبة ، يختبر بذلك أفهامهم ويظهر فضل الفاضل.

١٤ ـ أن ينصفهم في البحث.

١٥ ـ أن لا يظهر للطلبة تفضيل بعضهم على بعض عنده في مودّة أو اعتناء مع تساويهم في الصفات.


١٦ ـ أن يقدّم في تعليمهم إذا ازدحموا الأسبق فالأسبق.

١٧ ـ إذا سلك الطالب في التحصيل فوق ما يقتضيه حاله ، أوصاه بالرفق بنفسه.

١٨ ـ إذا كان متكفّلا ببعض العلوم لا غير ، لا ينبغي له أن يقبّح في نفس الطالب العلوم التي وراءه.

١٩ ـ أن لا يتأذّى ممّن يقرأ عليه إذا قرأ على غيره أيضاً لمصلحة راجعة إلى المتعلّم.

٢٠ ـ إذا تكمّل الطالب وتأهّل للاستقلال بالتعليم واستغنى عن التعلّم فينبغي أن يقوم المعلّم بنظام أمره في ذلك ، ويمدحه في المحافل ويأمر الناس بالاشتغال عليه والأخذ عنه.

ومن الثالث ـ أي آدابه في درسه ـ فاُمور :

١ ـ أن لا يخرج إلى الدرس إلاّ كامل الاُهبة ، وما يوجب له الوقار والهيبة في اللباس والهيئة والنظافة في الثوب والبدن.

٢ ـ أن يدعو عند خروجه مريداً للدرس.

٣ ـ أن يسلّم على من حضر إذا وصل إلى المجلس ، ويصلّي ركعتين تحيّة المسجد إذا كان في المسجد ، وإلاّ نوى بهما الشكر لله تعالى.

٤ ـ أن يجلس بسكينة ووقار وتواضع وخشوع وإطراق.

٥ ـ قيل : يجلس مستقبل القبلة.

٦ ـ أن ينوي قبل شروعه ، بل حين خروجه من منزله تعليم العلم ونشره.

٧ ـ أن يستقرّ على سمت واحد مع الإمكان ، ويتّقي كثرة المزاح والضحك.

٨ ـ أن يجلس في موضع يبرز وجهه فيه لجميع الحاضرين.


٩ ـ أن يحسن خُلقه مع جلسائه زيادة على غيرهم.

١٠ ـ أن يقدّم على الشروع في البحث والتدريس تلاوة ما تيسّر من القرآن الكريم تيمّناً وتبرّكاً.

١١ ـ أن يتحرّى تفهيم الدرس بأيسر الطرق ، وأعذب ما يمكنه من الألفاظ.

١٢ ـ إذا تعدّدت الدروس ، فليقدّم منها الأشرف فالأشرف ، والأهمّ فالأهمّ.

١٣ ـ أن لا يطوّل مجلسه تطويلا يملّهم ، أو يمنعهم فهم الدرس أو ضبطه.

١٤ ـ أن لا يشتغل بالدرس وبه ما يزعجه ويشوّش فكره من مرض أو جوع أو مدافعة حدث أو ما شابه ذلك.

١٥ ـ أن لا يكون في مجلسه ما يؤذي الحاضرين من دخان أو غبار أو صوت مزعج وغير ذلك.

١٦ ـ مراعاة مصلحة الجماعة في تقديم وقت الحضور وتأخيره في النهار.

١٧ ـ أن لا يرفع صوته زيادة على الحاجة ، ولا يخفضه خفضاً يمنع بعضهم من كمال فهمه.

١٨ ـ أن يصون مجلسه عن اللغط.

١٩ ـ أن يزجر من تعدّى في بحثه ، أو ظهر منه لَدَد أو سوء أدب ، أو ترك إنصاف بعد ظهور الحقّ.

٢٠ ـ أن يلازم الإرفاق بهم في خطابهم وسماع سؤالهم.

٢١ ـ أن يتودّد لغريب حضر عنده وينبسط له لينشرح صدره.

٢٢ ـ إذا أقبل بعض الفضلاء وقد شرع في مسألة أمسك عنها حتّى يجلس ، وأعادها.

٢٣ ـ إذا سُئل عن شيء لا يعرفه ، فليقل : لا أعرفه ، فإنّ لا أدري نصف


العلم ، حتّى يراجع ويرى المسألة.

٢٤ ـ إنّه إذا اتّفق له تقرير أو جواب توهّمه صواباً ، يبادر إلى التنبيه على فساده وتبيّن خطأه قبل تفرّق الحاضرين ، ولا يمنعه الحياء أو غيره من المبادرة.

٢٥ ـ التنبيه عند فراغ الدرس أو إرادته بما يدلّ عليه إن لم يعرفه القارئ.

٢٦ ـ أن يختم الدرس بذكر شيء من الرقائق والحكم والمواعظ وتطهير الباطن ، ليتفرّقوا على الخشوع والخضوع والإخلاص.

٢٧ ـ أن يختم المجلس بالدعاء كما بدأ به.

٢٨ ـ أن يمكث قليلا بعد قيام الجماعة ، فإنّ فيه فوائد وآداباً له ولهم.

٢٩ ـ أن ينصب لهم نقيباً فطناً كيّساً يرتّب الحاضرين.

٣٠ ـ أن يقول إذا قام من مجلسه : سبحانك اللهمّ وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلاّ أنت ، أستغفرك وأتوب إليك ، سبحان ربّك ربّ العزّة عمّـا يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله ربّ العالمين.

هذه خلاصة ما ذكره الشهيد الثاني عليه الرحمة بالنسبة إلى آداب المعلّم(١) ، إنّما ذكرتها في هذا الفصل المنعقد لبيان آداب المتعلّم مع اُستاذه وتعظيمه والتواضع له استطراداً ولتعميم الفائدة.

وأمّا آداب الطالب والتلميذ مع شيخه واُستاذه ، وما يجب عليه من تعظيم حرمته ، فقد ورد ذلك في الآيات والروايات الكثيرة ، منها :

قال الإمام الصادق (عليه السلام) : « كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول : إنّ من حقّ العالم أن لا تكثر عليه السؤال ، ولا تأخذ بثوبه ، وإذا دخلت عليه وعنده قوم فسلّم

__________________

١ ـ منية المريد : ١٧٩ ـ ٢٢١.


عليهم جميعاً وخصّه بالتحيّة دونهم ، واجلس بين يديه ، ولا تجلس خلفه ، ولا تغمز بعينك ، ولا تشر بيدك ، ولا تكثر من القول : قال فلان وقال فلان ، خلافاً لقوله ، ولا تضجر لطول صحبته ، وإنّما مثل العالم مثل النخلة تنتظرها حتّى يسقط عليك منها شيء ، والعالم أعظم أجراً من الصائم القائم الغازي في سبيل الله.

وفي حديث الحقوق الطويل المرويّ عن سيّد الساجدين الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) : « وحقّ سائسك بالعلم التعظيم له والتوقير لمجلسه ، وحسن الاستماع إليه والإقبال عليه ، وألاّ ترفع عليه صوتك ، ولا تجيب أحداً يسأله عن شيء حتّى يكون هو الذي يجيب ، ولا تحدّث في مجلسه أحداً ، ولا تغتاب عنده أحداً ، وأن تدفع عنه إذا ذُكر عندك بسوء ، وأن تستر عيوبه وتظهر مناقبه ، ولا تجالس له عدوّاً ولا تعادي له وليّاً ، فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله جلّ وعزّ بأ نّك قصدته ، وتعلّمت علمه لله جلّ اسمه لا للناس.

وهذا الشهيد الثاني عليه الرحمة يذكر وجوهاً لطيفة وآداباً ظريفة تستفاد من ثلاث آيات في قصّة موسى والخضر (عليهما السلام) في قوله تعالى :

( هَلْ أتِّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَني مَمَّـا عُلِّمْتَ رُشْداً ) (١) .

وقوله عزّوجلّ :

( سَتَجِدُني إنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أعْصي لَكَ أمْراً ) (٢) .

وقوله تعالى :

( إنَّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ مَعِيَ صَبْراً ) (٣) ، فراجع.

__________________

١ ـ الكهف : ٦٦.

٢ ـ الكهف : ٦٩.

٣ ـ الكهف : ٦٧.


ثمّ يقول : إذا تقرّر ذلك فلنعد إلى ذكر الآداب المختصّة بالمتعلّم مع شيخه ، حسب ما قرّره العلماء ، تفريعاً على المنصوص منها ، وهي اُمور :

١ ـ أن يقدّم النظر فيمن يأخذ عنه العلم ، ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه ، وقد مرّ بيان ذلك ، بأنّ الطالب لا بدّ أن يختار المعلّم الصالح ، العامل بعلمه.

٢ ـ أن يعتقد في شيخه أنّه الأب الحقيقي والوالد الروحاني ، وهو أعظم من الوالد الجسماني. وقد ورد في الخبر الشريف : الآباء ثلاثة : أب ولّدك ، وأب زوّجك ، وأب علّمك ، وهو أفضلهم ، فيؤدّي حقّ الاُبوّة ولا يكون عاقّاً لوالده ، وقد سئل الاسكندر : ما بالك توقّر معلّمك أكثر من والدك؟ فقال : لأنّ المعلّم سبب لحياتي الباقية ، ووالدي سبب لحياتي الفانية.

وما أروع ما ينقل عن الشريف الرضي ، أنّه كان أبيّ النفس لم يقبل الهدايا ، فوهبه اُستاذه داراً ، فأبى قائلا : لا أقبل الهديّة حتّى من أبي. فقال له اُستاذه : ولكنّي اُستاذك وأباك الروحاني ، فقبل منه الهديّة.

وحكي عن السيّد موسى الصدر في أيّام زعامته ، دخل قم المقدّسة ، وفي طريقه رأى شيخاً كبير السنّ فانحنى ليقبّل ركبتيه ، فتعجّب من كان معه وسألوه عن سبب ذلك؟ فقال : لقد قرأت ألفيّة ابن مالك عند هذا الشيخ ، فهو اُستاذي ، ولا بدّ لي من تقديره واحترامه.

فاحترام الأساتذة والعلماء وتوقيرهم يعني توقير الله سبحانه ، وأنّه من أسباب التوفيق وهو أمر واجب على كلّ مسلم ، لا سيّما طلاّب العلوم الدينية.

فعدم احترامهم ذنب لا يغتفر وسبب للشقاء والهلاك ، وقصر العمر والحرمان من تحصيل العلم والعمل الصالح.


فلا تردّ على أهل العلم إلاّ عن علم واطّلاع ورجوع إلى المصادر ، فتعظيم علماء الدين وأهل التقوى وأصحاب الورع من المؤمنين وتكريمهم ، منشأ البركات وصلاح الدين والدنيا ، ونجاة العقبى.

ولمّـا سئل المحقّق الوحيد البهبهاني (قدس سره) : كيف بلغت هذا المقام العلمي والعزّة والشرف والإذعان من الآخرين؟ فكتب في الجواب : أنا لا أعتبر نفسي شيئاً أبداً ، ولا أعدّ نفسي في مستوى العلماء الموجودين ولعلّ الذي أوصلني إلى هذا المقام ، وهو أنّني لم أكفّ أبداً عن تعظيم العلماء وإجلالهم ، وذكر أسمائهم بالخير وإنّي لم أترك الدراسة في أيّ وقت ما استطعت ذلك ، وكنت اُقدّمها دائماً على سائر الأعمال.

كان المحدّث الجليل الشيخ عباس القمي (قدس سره) شديد الاحترام لأهل العلم ، وخصوصاً السادات وأولاد رسول الله ، وإذا وجد سيّداً في المجلس لم يكن يتقدّم عليه ولا يمدّ رجله باتّجاهه.

وكان نصير الدين الطوسي (رحمه الله) إذا جرى ذكر السيّد المرتضى علم الهدى يقول : صلوات الله عليه ، ويلتفت إلى القضاة والمدرّسين الحاضرين درسه ، ويقول : كيف لا يُصلّى على المرتضى.

عندما جاء آية الله الكلباسي إلى مدينة قم المقدّسة وذهب إلى مزارها الشريف ، كان يمشي في طريقه إلى المزار حافياً ، وقال : هذا المزار وطريقه مليء بالعلماء ورواة الحديث لذا ورعايةً للآداب لا اُريد أن أسير على قبورهم منتعلا.

يقول آية الله الشهيد دستغيب (قدس سره) : ورد الوعيد بالعقوبة الشديدة على كفران نعمة وجود العلماء ، منها ما ورد عن النبيّ الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله) : « سيأتي زمان على الناس يفرّون من العلماء كما يفرّ الغنم من الذئب ، فإذا كان ذلك ابتلاهم الله بثلاثة أشياء : الأوّل : يرفع البركة من أموالهم ، والثاني : سلّط الله عليهم سلطاناً جائراً ،


والثالث : يخرجون من الدنيا بلا إيمان »(١) .

ويقول العلاّمة الشعراني (قدس سره) : والنصيحة الأخيرة أن لا يعتبروا أنّ العلم بدون التقوى والورع ذا قيمة أبداً ، وأن لا يستخفّوا بكلام علماء الدين ، وأن يعلموا أنّ تعظيمهم أحياءً وأمواتاً يوجب مزيد التوفيق.

وأنا أغتنم هذه الفرصة هنا واُحذّر طلاّب العلوم الدينية الذين هم مثلي لم يصلوا إلى كمال العلم ، أن لا يسيئوا الظنّ أبداً بكبار علماء الدين ، إذ أنّ أقلّ جزاء لهذا العمل هو الحرمان من فيض علومهم.

هذا بالنسبة إلى تعظيم العلماء ورجال الدين ، ومن وقّر عالماً فقد وقّر ربّه ، وأمّا تعظيم الاُستاذ فله امتياز خاصّ ، فإنّ يشتدّ الاحترام بالنسبة إليه ، فإنّ من لم يحترم اُستاذه سلب منه بركة العلم ، ولا يوفّق في الدراسة.

فهذا الآخوند الخراساني صاحب الكفاية المحقّق الكبير لم يرتقِ المنبر للتدريس طيلة حياة اُستاذه الميرزا الكبير الشيرازي مع أنّ عمر الآخوند كان قد جاوز الخمسين ، وكان مجتهداً ويدرّس طلاّبه جالساً على الأرض.

وفي أوّل درس بعد وفاة الميرزا في سامراء ارتقى الآخوند المنبر وجلس في صدره وقال : قال الاُستاذ رحمه الله ، وأقول.

قالوا : وقد كان لهذه ال‍ (أقول) دويّ في المحافل العلميّة في النجف الأشرف.

وكان بعد وفاة اُستاذه يقدّم ولده الميرزا علي على نفسه ، فلمّـا سُئل عن سبب ذلك؟ قال : هذا ابن اُستاذي واحترامه واجب عليّ ـ وذلك من باب يحفظ المرء في ولده ـ.

__________________

١ ـ الذنوب الكبيرة ٢ : ٣٥.


ويحدّثنا آية الله العظمى الشيخ مرتضى الحائري عن والده مؤسّس الحوزة العلميّة بقم أنّه قال : التوفيقات التي كانت من نصيبي واستطعت في ظلّها أن أؤسس الحوزة كلّها رهن الخدمات التي قدّمتها لاُستاذي المرحوم السيّد محمّد الفشاركي ، في الفترة التي ابتلي بها سماحته بمرض شديد ، بلغ به إلى حدّ أنّي كنت طيلة ستّة أشهر اُقدّم له الإناء لقضاء الحاجة وكنت أفتخر بذلك.

وكثير من علمائنا الأعلام حينما يذكرون اسم أساتذتهم يتبعونه بقولهم : (روحي فداه).

هذا في مقام التعظيم والاحترام ، وأمّا سوء الأدب مع الاُستاذ فتلك الشقاوة والهلاك.

يقول المحدّث الجليل آية الله العظمى السيّد نعمة الله الجزائري (قدس سره) : وكان في إصفهان رجلٌ عالم من مجتهدينا رأيناه ، وقرأنا عليه ، وقد كان في أوّل تحصيله يقرأ عند مجتهد آخر ، فلمّـا نشأ ذلك التلميذ ، أنكر قراءته على ذلك الشيخ ، ولم يقرّ له بالفضل ، فبلغ الاُستاذ قوله ، فدعا عليه وقال : اللهمّ اسلبه كلّ ما قرأه عندي وأخذه عنّي ، فسلبه الله الحافظة بعدما كان مشهوراً بالحفظ ، فصار لا يحفظ مسألة على خاطره ، بل لا بدّ له في كلّ مسألة من مراجعة كتبه ومؤلفاته ، وهو الآن موجود في إصفهان ، ونحن نحمد الله على توفيقه لنا لبرّ المشايخ ، والقيام بوظائف خدمتهم ، والاستغفار لهم أحياءً وأمواتاً ورضاهم عنّا(١) .

وجاء في هامش الأنوار النعمانيّة : كان في النجف رجل فاضل له خبرة بالعبارات الغامضة والمطالب المعقّدة في مختلف الكتب ، وكان يبحث عن مثل هذه

__________________

١ ـ الأنوار النعمانيّة ٣ : ٩١.


المسائل ويستخرجها من الكتب ويطرحها على العالم الجليل الشيخ محمّد حسن المامقاني ـ الذي كان من المراجع الكبار وتوفّي سنة ١٣٢٣ ه‍ ـ يطرحها عليه في المجالس العامّة ومجالس العلماء والطلاب ، ولم يكن له هدف إلاّ إهانة ذلك الرجل العظيم وتحقيره وإظهار عجزه أمام الآخرين. وعندما تنبّه العلماء لنيّته ، نهوه عن هذه العادة القبيحة ، ونصحه أصدقاءه ، ولكنّه لم يكن يتقبّل النصيحة ، وسرعان ما مات ، إذ ابتلي بمرض عضال ، وقضى في شبابه ، ولم يشكّ أحد أنّ السبب في مرضه وقصر عمره إساءته الأدب مع الشيخ المامقاني.

وأخيراً : كان الشيخ الأنصاري (قدس سره) عائداً من كربلاء إلى النجف ومعه جمع من العلماء ، منهم العارف الكبير السيّد علي الشوشتري وصي الشيخ ، فعندما ركبوا السفينة وقع حذاء الشيخ سهواً على بساط أحد مشايخ العرب ، وكان يبغض الشيخ ويحسده ، فقال بوقاحة : العجم لا أدب لهم ولا معرفة ، خصوصاً أهل شوشتر ، فلم يقل الشيخ شيئاً ، وطلب السيّد علي الشوشتري من الشيخ أن يجيبه على وقاحته ، إلاّ أنّ الشيخ بقي ساكتاً ، وعصر ذلك اليوم ابتلي الشيخ العراقي بالقولنج ، وبعد قليل أخرجوا جنازته من السفينة للدفن(١) .

الله الله في تعظيم واحترام العلماء والاُستاذ ، وإيّاكم وسوء الأدب ، فإنّ فيه الهلاك والحرمان ، وأمّا حسن الأدب ففيه البركة والتوفيق والإحسان.

٣ ـ أن يعتقد الطالب أنّه مريض النفس واُستاذه هو الطبيب ، ولا يصحّ في مقام المعالجة مخالفة الطبيب.

٤ ـ أن يحترم اُستاذه ، فإنّ بركة العلم في تعظيم الاُستاذ ، فيضرب صفحاً عن

__________________

١ ـ نقلت القصص من الكتاب القيّم والمفيد « سيماء الصالحين » : ٢٠٩ ـ ٢٢٨ ، فراجع.


عيوبه إن كانت ، فإنّ ذلك أقرب إلى انتفاعه به ، ولقد كان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدّق بشيء وقال : اللهمّ استر عيب معلّمي عنّي ، ولا تذهب ببركة علمه منّي.

وقال آخر : والله ما اجترأت أن أشرب الماء وشيخي ينظر إليَّ هيبةً له.

وقال حمدان الإصفهاني : كنت عند شريك ، فأتاه بعض أولاد الخليفة المهدي ، فاستند إلى الحائط وسأله عن حديث ، فلم يلتفت إليه وأقبل علينا ، ثمّ عاد ، فعاد شريك لمثل ذلك ، فقال : أتستخفّ بأولاد الخلفاء؟ قال : لا ، ولكنّ العلم أجلّ عند الله من أن اُضيّعه ، فجثا على ركبتيه ، فقال شريك : هكذا يطلب العلم.

وقد ذكرنا تفصيل هذا الأدب في ما مرّ ، وأتينا بشواهد من حياة علمائنا الأعلام.

٥ ـ أن يتواضع للاُستاذ زيادة على ما اُمر به من التواضع للعلماء وغيرهم ، ويعلم أنّ ذلّه لشيخه عزّ ، وخضوعه له فخر ، وتواضعه له رفعة ، وتعظيم حرمته مثوبة ، وخدمته شرف.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : من علّم أحداً مسألة ملك رقّه. قيل : أيبيعه ويشتريه؟ قال : بل يأمره وينهاه.

٦ ـ أن لا ينكر عليه ، ولا يتآمر ولا يشر عليه بخلاف رأيه ، فيرى أنّه أعلم بالصواب منه ، بل ينقاد إليه في اُموره كلّها.

٧ ـ أن يبجّله في خطابه وجوابه ، في حضوره وغيبته ، ولا يخطابه بتاء الخطاب وكافه ولا يناديه من بعد ، بل يقول : يا سيّدي ، ويا مولاي ، وما شابه ذلك ، ويخاطبه بصيغ الجمع تعظيماً ، نحو : « ما تقولون في كذا » ، ولا يسمّيه في غيبته باسمه إلاّ مقروناً بما يشعر بتعظيمه.


٨ ـ تعظيم حرمته في نفسه واقتداؤه به ، ومراعاة سيرته في حضوره وغيبته وبعد موته ، فيدعو له مدّة حياته ويردّ من يستغيبه ، زيادة عمّـا يجب رعايته مع غيره ، ويرعى ذرّيته وأقاربه ومحبّيه في حياته وبعد موته ، ويتعاهد زيارة قبره والاستغفار له ، كما رأيت ذلك تكراراً ومراراً ، بل ما كان يدخل الحرم الشريف للسيّدة المعصومة (عليها السلام) شيخنا في الرواية آية الله العظمى الشيخ محمّد علي الأراكي إلاّ وكان يجلس على قبر آية الله العظمى السيّد الخوانساري (قدس سره) ويزوره ، وسيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد الگلپايگاني ما كان يبدأ بالدرس إلاّ ويقرأ سورة الحمد ليهدي ثوابها على روح أساتذته.

٩ ـ أن يشكر الشيخ على توفيقه له على ما فيه فضيلة ، وعلى توبيخه له على ما فيه نقيصة أو كسل يعتريه ، أو قصور يعانيه ، أو غير ذلك.

١٠ ـ أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه واُستاذه ، أو سوء خلق ، ولا يصدّه ذلك على ملازمته وحسن عقيدته واعتقاد كماله ، ويتأوّل أفعاله على أحسن تأويل وأصحّه ، ويعتذر منه ، ومن لم يصبر على بذل التعليم ، بقي عمره في عماية الجهالة ، ومن صبر عليه آل أمره إلى عزّ الدنيا والآخرة ، فلا بدّ من الصبر الجميل مع الاُستاذ.

١١ ـ أن يجتهد على أن يسبق بالحضور إلى المجلس قبل حضور الشيخ ، ويحترز أن يدع الشيخ جالساً بانتظاره.

١٢ ـ أن لا يدخل على الشيخ في غير المجلس العامّ بغير إذنه ، سواء كان الشيخ وحده أم معه غيره.

١٣ ـ أن يدخل على الشيخ كامل الهيئة ، فارغ القلب من الشواغل ، نشيطاً منشرح الصدر ، صافي الذهن ، متطهّراً متنظّفاً.


١٤ ـ أن لا يقرأ على الشيخ عند شغل قلبه وملله ونعاسه وما شابه ذلك ، ممّـا يشقّ عليه فيه البحث.

١٥ ـ إذا دخل على الشيخ ووجده مشغولا ويريد انصرافه فليسلّم ، ويخرج سريعاً ، إلاّ إذا طلب الشيخ مكثه فيستجيب.

١٦ ـ إذا حضر مكان الشيخ فلم يجده انتظره ، ولا يفوّت على نفسه درسه.

١٧ ـ أن لا يطلب من الشيخ إقراءً في وقت يشقّ عليه فيه ، أو لم تجرِ عادته بالإقراء فيه.

١٨ ـ أن يجلس بين يديه جلسة الأدب بسكون وخضوع وإطراق رأس وتواضع وخشوع.

١٩ ـ أن لا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط أو وسادة ونحو ذلك ، ولا يعطي الشيخ جنبه أو ظهره.

٢٠ ـ أن يصغي إلى الشيخ ناظراً إليه ، ويقبل بكلّيته عليه ، متعقّلا وفاهماً لقوله ، ولا يلتفت إلى الجهات من غير ضرورة ، ولا يتمطّى ولا يكثر التثاؤب ، ولا يلفظ النخامة من فيه بل يأخذها منه بمنديل ونحوه ، ولا يتجشّأ ، وإذا عطس حفظ صوته جهده ، وستر وجهه بمنديل وغيره ، وذلك كلّه ممّـا يقتضيه النظر المستقيم والذوق السليم.

٢١ ـ أن لا يرفع صوته رفعاً بليغاً من غير حاجة ، ولا يسار في مجلسه ، ولا يغمز أحداً ولا يغتاب عنده ولا ينمّ وما شابه ذلك.

٢٢ ـ أن يحسن خطابه مع الشيخ بقدر الإمكان ، ولا يقول له : لِمَ؟ ولا نسلّم ولا (من نقل هذا؟) ولا (أين موضعه) وما شابه ذلك ، فيراعي آداب الكلام وعفّة اللسان مع اُستاذه.


٢٣ ـ إذا ذكر الشيخ تعليلا وعليه تعقّب ولم يتعقّبه أو بحثاً وفيه إشكال ولم يستشكله ، أو إشكالا وعنه جواب ولم يذكره ، فلا يبادر إلى ذكر ذلك ، بل يشير إليه بألطف إشارة.

٢٤ ـ أن يتحفّظ من مخاطبة الشيخ بما يعتاده بعض الناس في كلامه ولا يليق خطابه به مثل : أيش بك؟ وفهمت؟ وما شابه ذلك.

٢٥ ـ إذا خطأ الشيخ في كلامه فلا يضحك ولا يستهزئ ويعيدها ، أو يلفت الطلاب إليه ، فإنّ هذا ممّـا يوجب مقت الله والحرمان من بركات العلم.

٢٦ ـ أن لا يسبق الشيخ إلى شرح مسألة أو جواب سؤال منه أو من غيره ، إلاّ إذا علم من الشيخ أنّه يودّ أن يجيب هو فلا بأس به.

٢٧ ـ أن لا يقطع كلامه على الشيخ أيّ كلام كان ، ولا يسابقه فيه ولا يساوقه به بل يصير حتّى يتمّ الشيخ كلامه فيتكلّم.

٢٨ ـ أن يصغي إلى كلام الشيخ حتّى فيما لو عرف كلام أو حفظ الشعر الذي يقرأه الشيخ أو ما شابه ذلك ، بل إذا سأله الشيخ هل يعرف ذلك ، فليقل : اُحبّ أن أستفيده من الشيخ أو أسمعه منه.

٢٩ ـ لا ينبغي له أن يكرّر سؤال ما يعلمه ، ولا استفهام ما يفهمه ، فإنّه يضيّع الزمان وربما يوجب ضجر الاُستاذ ، فإنّ إعادة الحديث أثقل من نقل الصخر كما قيل.

٣٠ ـ أن لا يسأل عن شيء في غير موضعه ، ففاعل ذلك لا يستحقّ جواباً ، والعاقل الذي يضع الأشياء في مواضعها.

٣١ ـ أن يغتنم سؤاله عند طيب نفسه وفراغه ، ويتلطّف في سؤاله ويحسن في جوابه.


٣٢ ـ أن لا يستحيي من السؤال عمّـا أشكل عليه ، بل يستوضحه أكمل استيضاح ، فمن رقّ وجهه رقّ علمه ، وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : إنّ هذا العلم عليه قفل ومفتاحه المسألة.

٣٣ ـ إذا قال له الشيخ : أفهمت؟ فلا يقول : نعم. قبل أن يتّضح له المقصود اتّضاحاً جليّاً ، لئلاّ يكذب ويفوته الفهم ، ولا يستحي من قول : لم أفهم.

٣٤ ـ أن يكون ذهنه حاضراً في جهة الشيخ ، بحيث إذا أمره بشيء أو سأله عن شيء أو أشار إليه ، لم يحوجه إلى إعادته ثانياً.

٣٥ ـ إذا ناوله الشيخ الاُستاذ شيئاً تناوله باليمنى ، وكذلك العكس ، ولا يرمي إليه شيئاً من كتاب أو ورقة أو غيرهما.

٣٦ ـ إذا ناوله قلماً ليكتب به فليعده قبل إعطائه إيّاه للكتابة.

٣٧ ـ إذا ناوله سجّادة ليصلّي عليها نشرها أوّلا ، وأولى منه أن يفرشها هو عند قصد ذلك ، وبعبارة اُخرى يكون دائماً بخدمة اُستاذه.

٣٨ ـ إذا قام الشيخ بادر القوم إلى أخذ السجّادة إن كانت ممّـا تنقل له ، وإلى الأخذ بيده أو عضده إن احتاج إليه ، وإلى تقديم نعله إن لم يشقّ ذلك على الشيخ ، ويقصد بذلك كلّه التقرّب إلى الله تعالى بخدمته والقيام بحاجته ، وقيل : أربعة لا يأنف الشريف منهنّ ، وإن كان أميراً : قيامه من مجلسه لأبيه ، وخدمته للعالم الذي يتعلّم منه ، والسؤال عمّـا لا يعلم ، وخدمته للضيف.

٣٩ ـ أن يقوم لقيام الشيخ ، ولا يجلس وهو قائم ، ولا يضطجع بحضرته مطلقاً ، إلاّ أن يكون في وقت نوم ويأذن له.

٤٠ ـ إذا مشى مع شيخه ، فليكن أمامه بالليل ووراءه بالنهار ، إلاّ أن يقتضي الحال خلاف ذلك لزحمة أو غيرها ، أو يأمره الشيخ بحالة فيتمثّلها.


فهذه جملة من الآداب التي على طالب العلم أن يراعيها مع اُستاذه ومعلّمه ، وهناك آداب كثيرة اُخرى يستنبط ممّـا قدّمناه ، يقف عليها الألمعيّ الذكي ، والله خير ناصر ومعين ، ومنه التوفيق والسداد.


الأمر الحادي عشر

رعاية آداب محفل الدرس

عندما كنت أكتب عن وظائف طالب العلم مع اُستاذه ، وكنت أعيش مع الشهيد الثاني وبستانه الفتّان ، ذات الأشجار اليانعة والأغصان المثمرة ، قلت في نفسي ، وكلّها شوق وسرور ، حقّاً ما أروع تلك المدرسة والحوزة التي يحكمها مثل هذه الأخلاق العالية والآداب الرفيعة ، وإنّها هي الجنّة ، وعرفت مغزى زهد سلفنا الصالح ، وأنّهم زهدوا في الدنيا لمثل هذه المكارم والأخلاق السامية ، ولا ريب من يستلذّ بالعلم النافع والعمل الصالح ، يترك الدنيا وما فيها لأهلها ، بل يهتف صارخاً : أين الملوك وأبناء الملوك من هذه اللذائذ الروحيّة والمستلذّات المعنويّة والعقليّة.

فيصبر على الغربة والفقر لطلب العلم ولا يشبع منه ، وقد قيل : لا يأتي العلم إلاّ بالغربة والفقر ، وفي الخبر الشريف : منهومان لا يشبعان : طالب علم وطالب دنيا.

ومن أسعد الناس ذلك العالم الذي عمل بعلمه ، فإنّه فاز بخير الدنيا والآخرة ، وأنت يا طالب العلم ، إنّما توفّق في حياتك العلميّة والعمليّة ، لو تخلّقت بأخلاق الله ، وبأخلاق أنبيائه والأئمة الأطهار (عليهم السلام) ، لو راعيت الآداب حقّ المراعاة ، فمن واجبك أن تحفظ حقوق وآداب الدرس ، وهي ـ كما يذكرها الشهيد الثاني (قدس سره) في منيته ـ كما يلي :

١ ـ بداية أمرك أن تحفظ كتاب الله الكريم حفظاً متقناً ، فهو أصل العلوم وأهمّها ، وكان السلف لا يعلّمون الحديث والفقه إلاّ لمن حفظ القرآن المجيد ، وعليه


أن يتعهّد دراسته حتّى لا ينساه.

٢ ـ أن تقتصر على المطالعة على ما يحتمله فهمك وينساق إليه ذهنك ، واحذر من الاشتغال بما يبدّد الفكر ، ويضيع الذهن ، وليتقن الكتاب الذي يقرأه.

٣ ـ عليك بالاعتناء التام بتصحيحك درسك تصحيحاً متقناً ، ثمّ تحفظه حفظاً محكماً ، ثمّ تكرّره تكراراً جيّداً.

وكان والدي العلاّمة السيّد علي بن الحسين العلوي (قدس سره) في مقام النصيحة يقول : إذا أردت أن تحفظ مادّة الدرس فعليك بالاُمور الأربعة التالية : أن تقرأ الدرس قبل حضوره ، ثمّ تحضر عند الاُستاذ وتتوجّه إليه أكثر في ذلك الموضع الذي لم تفهمه حين المطالعة ، ثمّ تطالعه مرّةً اُخرى ، ثمّ تتباحث فيه مع مباحثك ، ولا بدّ لك من زميل تتباحث معه الدرس ، بمعنى أن يكون يوماً هو الاُستاذ ، وأنت تناقشه ، وفي اليوم الآخر تكون أنت الاُستاذ وهو يناقشك ، وبهذا لا تنسى الدرس.

٤ ـ أن تحضر معك القلم والقرطاس للتصحيح وضبط النكات واللطائف التي يذكرها الاُستاذ.

٥ ـ على طالب العلم أن يرتّب الأهمّ فالأهمّ في الحفظ والتصحيح والمطالعة ، وليذاكر بمحفوظاته ويديم الفكر فيها ، ويعتني بما يحصل فيها من الفوائد.

٦ ـ أن يقسّم أوقات ليله ونهاره على ما يحصّله ، ويغتنم ما بقي من عمره ، وأجود الأوقات للحفظ الأسحار ، وللبحث الأبكار ، وللكتابة وسط النهار ، وللمطالعة والمذاكرة الليل وبقايا النهار.

٧ ـ أن يبكّر بدرسه ، كما ورد في الخبر الشريف : « بورك لاُمّتي في بكورها » ، ولخبر : « اغدوا في طلب العلم ، فإنّي سألت ربّي أن يبارك لاُمّتي في بكورها ».

٨ ـ أن يبكّر بسماع الحديث ولا يهمل الاشتغال به وبعلومه ، فإنّه أحد


جناحي العالم بالشريعة ، والجناح الآخر القرآن الكريم.

٩ ـ أن يعتني برواية كتبه التي قرأها أو طالعها سيّما محفوظاته ، فإنّ الأسانيد أنساب الكتب.

١٠ ـ إذا حفظ وفهم المختصرات ، فلينتقل إلى المبسوطات والمطوّلات مع الفهم الدقيق والعناية التامّة ، ويقيّد فوائد العلم بالكتابة ، وقيل : العلم وحشي إن تركته يمشي ، فقيّدوا العلم بالكتابة.

١١ ـ أن يبالغ في الجدّ والطلب والتشمير ، ولا يقنع من إرث الأنبياء باليسير ، ويغتنم وقت الشباب ، ولا يرى في نفسه أنّه استغنى عن المشايخ.

١٢ ـ أن يلازم محفل اُستاذه فإنّه لا يزيده إلاّ خيراً وتحصيلا وعلماً وأدباً ، فلا يملّ من طول صحبته.

١٣ ـ إذا حضر مجلس اُستاذه ، فليسلّم على الحاضرين بصوت يسمعهم ، ويخصّ الاُستاذ بزيادة التحيّة والإكرام.

١٤ ـ إذا سلّم لا يتخطّى رقاب الحاضرين إلى قرب الاُستاذ ، وإن لم يكن منزلته كذلك ، بل يجلس حيث ينتهي به المجلس كما ورد في الحديث ، فإنّ تخطّي الرقاب سخافة.

١٥ ـ أن يحرص على قربه من الشيخ حيث يكون منزلته ، ليفهم كلامه فهماً كاملا بلا مشقّة.

١٦ ـ أن يتأدّب مع زملائه في الدرس ، فإنّ التأدّب معهم تأدّب مع الاُستاذ ومن احترامه.

١٧ ـ أن لا يزاحم أحداً في مجلسه ، ولا يؤثر قيام أحد له من محلّه.

١٨ ـ أن لا يجلس في وسط حلقة الدرس ، ولا قدّام أحد لغير ضرورة ، فقد


روي أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لعن من جلس وسط الحلقة.

١٩ ـ أن لا يجلس بين أخوين أو أب وابن أو قريبين أو متصاحبين إلاّ برضاهما معاً.

٢٠ ـ ينبغي للحاضرين إذا جاء القادم أن يرحّبوا به ويفسحوا المجلس له ، ولا يضايقهم.

٢١ ـ أن لا يتكلّم في أثناء الدرس إلاّ بإذن من الاُستاذ.

٢٢ ـ أن لا يشارك أحدٌ من الجماعة أحداً في حديثه مع الشيخ والاُستاذ.

٢٣ ـ إذا أساء أحد الطلبة أدباً ، لم ينهه غير الاُستاذ ، إلاّ بإشارة منه.

٢٤ ـ إذا أراد القراءة على الشيخ فليراعِ نوبته تقديماً وتأخيراً ، ويراعي النوبة في كلّ شيء ، حتّى لا يكون ظالماً للغير. وهذا من العدالة الاجتماعية ، كما أنّ حرّية الفرد ممدوحة ما لم تتجاوز حقوق الآخرين.

٢٥ ـ أن يكون جلوسه مع الاُستاذ في كمال الأدب.

٢٦ ـ أن لا يقرأ حتّى يستأذن الاُستاذ ، فإن أذن له استعاذ بالله ثمّ سمّى الله وحمده وصلّى على النبيّ وآله ، ثمّ يدعو للاُستاذ ولوالديه ولمشايخه وللعلماء ولنفسه ثمّ يقرأ.

٢٧ ـ ينبغي أن يباحث ويذاكر من يرافعه من زملاء الدرس ومواظبي مجلس الشيخ بما وقع فيه من الفوائد والضوابط والقواعد وغير ذلك.

٢٨ ـ أن تكون المذاكرة والمباحثة المذكورة في غير مجلس الاُستاذ ، أو فيه بعد انصرافه.

٢٩ ـ على الطلبة مراعاة الأدب المتقدّم أو قريباً منه مع كبيرهم ومعيد درسهم ، فإنّه بمنزلة الاُستاذ.


٣٠ ـ يجب على من علم منهم بنوع من العلم وضرب من الكمال أن يرشد رفقته وزملائه ، ويرغّبهم في الاجتماع والتذاكر والتحصيل ، وإنّ زكاة العلم نشره ، فلا يبخل عليهم ما داموا من أهل العلم ، ولا يحتقرهم ولا يحسدهم ، ولا يعجب بفهمه وسبقه لهم ، وليحمد الله على ما أنعم عليه ، فإنّه كان مثلهم ، والله وليّ التوفيق(١) .

__________________

١ ـ منية المريد : ٢٦٣ ـ ٢٧٦.


الدرس السابع

الأمر الثاني عشر

حسن الخلق والحلم

من أهمّ فلسفة البعثة النبويّة نشر الخلق الحسن في المجتمع ، والعلماء ورثة الأنبياء ، فهم أولى من غيرهم بحسن الخلق والتحلّي به ، ونشره سلوكاً وعملا وقولا ، فإنّ سوء الخلق ممّـا ينفّر الطباع ويوجب فرار الناس ، ورجل العلم والدين هدفه السامي هداية الناس كالأنبياء (عليهم السلام) ، وهذا يعني أنّه لا بدّ أن يحتكّ بالناس بعد أن يهذّب نفسه ويزكّي قلبه ، وينشرح صدره ، ويتزيّن بالعلم والحلم والوقار والسكينة ، فيحتاج في مقام الإرشاد والتبليغ وأداء المسؤوليّة إلى خلق رفيع وحسن حتّى يجذب الناس إليه ، كما يشهد بذلك سيرة نبيّنا المصطفى حبيب القلوب وطبيب النفوس رسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله).

وعلماء الآخرة يتّصفون بصفات الله سبحانه ، ولهم علامات ودلائل ، أهمّها خمسة يفهم من خمس آيات ، وهي : الخشية والخشوع والتواضع وحسن الخلق والزهد ، أي إيثار الآخرة على الدنيا الدنيّة.


أمّا الخشية ، فيدلّ عليها قوله تعالى :

( إنَّما يَخْشى اللهَ مِنْ عِبادِهِ العُلَماءُ ) (١) .

وأمّا الخشوع ، فمن قوله تعالى :

( خاشِعينَ للهِ لا يَشْتَرونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَليلا ) (٢) .

وأمّا التواضع ، فشاهده قوله تعالى :

( وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنينَ ) (٣) .

وأمّا حسن الخلق ، فمن قوله تعالى :

( فَبِما رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ ) (٤) .

وأمّا الزهد ، فمن قوله عزّوجلّ :

( وَقالَ الَّذينَ اُوتوا العِلـْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ ) (٥) .

فلين الجانب وحسن الخلق الذي هو مظهر رحمة الله سبحانه وتعالى اتّصف بها نبيّ الله محمّد الذي كان رحمةً للعالمين ، وقد ورث العلماء صفات الأنبياء وعلومهم وأخلاقهم الحسنة ، فعاشروا الناس برفق وحلم ولين ورحمة ومداراة ، وتجرّعوا الغصص والأحزان من أيدي الناس ، وتحمّلوا جهلهم وعداءهم وحتّى اتّهاماتهم وإشاعاتهم من أجل إعلاء كلمة الحقّ ، والذي كان يطيّب خاطرهم

__________________

١ ـ فاطر : ٢٨.

٢ ـ آل عمران : ١٩٩.

٣ ـ الشعراء : ٢١٥.

٤ ـ آل عمران : ١٥٩.

٥ ـ القصص : ٨٠.


ويخفّف من آلامهم أنّه كان بعين الله سبحانه.

فحسن الخلق من أهمّ العوامل في تعليم الناس وتربيتهم وتهذيبهم ، وإصلاح المجتمع وإدارته.

وما أروع ما يقوله سماحة المجدّد الشيرازي الكبير (قدس سره) قائد ثورة التبغ في إيران سنة (١٨٩١ م) : إنّ للمرجعيّة مئة شروط ومواصفات ، أوّلها : العلم. والثانية : التقوى ، والبقيّة فنّ الإدارة لشؤون المجتمع ومداراة الناس والنظر في حوائجهم وفق مقتضيات العصر الذي يعيشونه(١) .

ومن روائع قصص علمائنا الأعلام في حسن الخلق ومداراة الناس وآيات الحلم ما ينقل عن المحقّق خواجة نصير الدين الطوسي عليه الرحمة لمّـا شتمه شخص في رسالة قائلا : يا كلب. فأجابه بحلم وهدوء وسكينة : أمّا قولك : يا كلب ، فغير صحيح ، فإنّ الكلب من ذوات الأربع وهو نابح طويل الأظفار ، وأنا منتصب القامة بادي البشرة عريض الأظفار ، ناطق ضاحك ، فهذه الفصول والخواصّ غير فصول وخواصّ الكلب.

ويقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : ما أرضى المؤمن ربّه بمثل الحلم ، ولا أسخط الشيطان بمثل الصمت ، ولا عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه.

وهذا الآية العظمى الشيخ الأكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء (قدس سره) لمّـا كان جالساً في محراب الصلاة ، جاءه سيّد فقير وطالبه مالا ، ولم يكن عند الشيخ شيئاً ، فغضب السيّد وبصق في وجه الشيخ ، فقام الشيخ وأخذ طرف ردائه أو عمامته ودار بين صفوف المصلّين ، وهو يقول : من كان يحبّ لحية الشيخ فليساعد

__________________

١ ـ قصص وخواطر : ٦٥٥.


هذا السيّد ، وملأ الناس طرف رداء الشيخ بالمال فأعطاه الشيخ للسيّد ثمّ وقف يصلّي.

وبمثل هـذا الحلم والخلق الحسن كان يتعامل مراجعنا العظام مع عوامّ الناس.

قال الشهيد الثاني في منيته في بيان ما يلزم المعلّم والمتعلّم وآدابهما في أنفسهما :

فالأوّل : ما يجب عليهما إخلاص النيّة لله تعالى في طلبه وبذله ، فإنّ مدار الأعمال على النيّات ـ ثمّ يذكر الإخلاص من خلال القرآن الكريم والروايات الشريفة ـ.

ثمّ يتعرّض للأمر الثاني : وهو استعمال العلم.

ثمّ الأمر الثالث : التوكّل على الله سبحانه.

والرابع : حسن الخلق زيادة على غيرهما من الناس والتواضع وتمام الرفق وبذل الوسع في تكميل النفس. روى معاوية بن وهب ، قال : سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول : اطلبوا العلم وتزيّنوا معه بالحلم والوقار ، وتواضعوا لمن تعلّمونه العلم ، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم ، ولا تكونوا علماء جبّارين ، فيذهب باطلكم بحقّكم. وروى الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : ألا اُخبركم بالفقيه حقّ الفقيه؟ من لم يقنّط الناس من رحمة الله ، ولم يؤمّنهم من عذاب الله ، ولم يرخّص لهم في معاصي الله ، ولم يترك القرآن رغبةً عنه في غيره ، ألا لا خير في علم ليس فيه تفهّم ، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر ، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكّر.

واعلم أنّ المتلبّس بالعلم منظور إليه ، ومتأسّى بفعله وقوله وهيئته ، فإذا


حسن سمته وصلحت أحواله وتواضعت نفسه ، وأخلص لله تعالى عمله ، انتقلت أوصافه إلى غيره من الرعيّة ، وفشا الخير فيهم ، وانتظمت أحوالهم ، ومتى لم يكن كذلك كان الناس دونه في المرتبة التي هو عليها فضلا عن مساواته ، فكان مع فساد نفسه منشأً لفساد النوع وخلله ، وناهيك بذلك ذنباً وطرداً عن الحقّ وبعداً ، ويا ليته إذا هلك انقطع عمله ، وبطل وزره ، بل هو باق ما بقي من تأسّى به واستنّ بسنّته.

وقد قال بعض العارفين : إنّ عامّة الناس أبداً دون المتلبّس بالعلم بمرتبة ، فإذا كان ورعاً تقيّاً تلبّست العامّة بالمباحات ، وإذا اشتغل بالمباح ، تلبّست العامّة بالشبهات ، فإن دخل في الشبهات تعلّق العامي بالحرام ، فإن تناول الحرام كفر العامي ، وكفى شاهداً على صدق هذه العيان وعدول الوجدان ، فضلا عن نقل الأعيان(١) .

فعلى طالب العلم في سيرته الأخلاقيّة أن يراعي حسن الخلق غاية المراعاة ، ويحافظ على القيام بشعائر الإسلام وظواهر الأحكام ، كإقامة الصلوات في مساجد الجماعات محافظاً على شريف الأوقات ، وإفشاء السلام للخاصّ والعامّ مبتدئاً ومجيباً ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى بسبب ذلك ، صادعاً بالحقّ ، باذلا نفسه لله ، لا يخاف لومة لائم ، متأسّياً في ذلك بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) وغيره من الأنبياء ، فإنّ العلماء ورثه الأنبياء ، متذكّراً ما نزل بهم من المحن عند القيام بأوامر الله تعالى.

ولا يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز ، بل يأخذ نفسه بأحسنها

__________________

١ ـ منية المريد : ١٦٢.


وأكملها ، فإنّ العلماء هم القدوة وإليهم المرجع ، وهم حجّة الله تعالى على العوامّ ، وقد يراقبهم للأخذ منهم ، من لا ينظرون إليه ، ويقتدي بهم من لا يعملون به ، وإذا لم ينتفع العالم بعلمه ، فغيره أبعد من الانتفاع به ، ولهذا عظمت زلّة العالم لما يترتّب عليها من المفاسد.

ويتخلّق بالمحاسن التي ورد بها الشرع وحثّ عليها ، والخلال الحميدة والشيم المرضية ، من السخاء والجود وطلاقة الوجه من غير خروج عن الاعتدال وكظم الغيظ وكفّ الأذى واحتماله والصبر والمروّة والتنزّه عن دنيّ الاكتساب والإيثار وترك الاستئسار والإنصاف وترك الاستنصاف وشكر المتفضّل والسعي في قضاء الحاجات وبذل الجاه والشفاعات والتلطّف بالفقراء والتحبّب إلى الجيران والأقرباء ، والإحسان إلى ما ملكت الأيمان ومجانبة الإكثار من الضحك والمزاح والتزام الخوف والحزن والانكسار والإطراق والصمت بحيث يظهر أثر الخشية على هيئته وسيرته وحركته وسكونه ونطقه وسكوته ، لا ينظر إليه ناظر إلاّ وكان نظره مذكّراً لله تعالى ، وصورته دليلا على علمه.

وملازمة الآداب الشرعيّة القوليّة والفعليّة الظاهرة والخفيّة ، كتلاوة القرآن الكريم متفكّراً في معانيه ، ممتثلا لأوامره ، منزجراً عند زواجره ، واقفاً عند وعده ووعيده ، قائماً بوظائفه وحدوده ، وذكر الله تعالى بالقلب واللسان ، وكذلك ما ورد من الدعوات والأذكار في آناء الليل والنهار ونوافل العبادات من الصلاة والصيام وحجّ البيت الحرام ، ولا يقتصر من العبادات على مجرّد العلم ، فيقسو قلبه ، ويظلم نوره ، كما تقدّم التنبيه عليه ـ وسيأتي أيضاً ـ.

وزيادة التنظيف بإزالة الأوساخ ، وقصّ الأظفار وإزالة الشعور المطلوب زوالها ، واجتناب الروائح الكريهة ، وتسريح اللحية ، مجتهداً في الاقتداء بالسنّة


الشريفة والأخلاق الحميدة المنيفة.

ويطهّر نفسه من مساوئ الأخلاق وذميم الأوصاف : من الحسد والرياء والعجب واحتقار الناس ، وإن كانوا دونه بدرجات ، والغِلّ والبغي والغضب لغير الله ، والغش والبخل والخبث والبَطَر والطمع والفخر والخيلاء والتنافس في الدنيا والمباهاة بها والمداهنة والتزيّن للناس وحبّ المدح بما لم يفعل ، والعمى عن عيوب النفس والاشتغال عنها بعيوب الناس ، والحميّة والعصبيّة لغير الله ، والرغبة والرهبة لغيره ، والغيبة والنميمة والبهتان والكذب والفحش في القول.

ولهذه الأوصاف تفصيل وأدوية وترغيب وترهيب ، محرّر في مواضع تخصّه ـ كجامع السعادات والمحجّة البيضاء وآداب النفس ومرآة الرشاد ـ والغرض من ذكرها هنا تنبيه العالم والمتعلّم على اُصولها ، ليتنبّه لها ارتكاباً واجتناباً على الجملة ، وهي وإن اشتركت بين الجميع ، إلاّ أنّها بهما أولى ، فلذلك جعلناها من وظائفهما ، لأنّ العلم ـ كما قال بعض الأكابر ـ عبادة القلب وعمارته وصلاة السرّ ، وكما لا تصحّ الصلاة التي هي وظيفة الجوارح ، إلاّ بعد تطهّرها من الأحداث والأخباث ، فكذلك لا تصحّ عبادة الباطن إلاّ بعد تطهيره من خبائث الأخلاق.

ونور العلم لا يقذفه الله تعالى في القلب المتنجّس بالكدورات النفسيّة والأخلاق الذميمة ، كما قال الإمام الصادق (عليه السلام) :

« ليس العلم بكثرة التعلّم ، وإنّما هو نورٌ يقذفه الله تعالى في قلب من يريد الله أن يهديه ».

ونحوه قال ابن مسعود : « ليس العلم بكثرة الرواية ، إنّما العلم نورٌ يقذف في


القلب ».

وبهذا يعلم أنّ العلم ليس هو مجرّد استحضار المعلومات الخاصّة ، وإن كانت هي العلم في العرف العامي ، وإنّما هو النور المذكور الناشئ من ذلك العلم الموجب للبصيرة والخشية لله تعالى(١) .

قال الله تعالى :( وَاللهُ عَليمٌ حَليمٌ ) (٢) ،( إنَّ إبْراهيمَ لَحَليمٌ أوَّاهٌ مُنيبٌ ) (٣) .

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : فأمّا الحلم فمنه ركوب الجميل ، وصحبة الأبرار ، ورفع الضعة ، ورفع الخساسة ، تشهي الخير ، ويقرب صاحبه من معالي الدرجات والعفو والمهل والمعروف والصمت ، فهذا ما يتشعّب للعاقل بحلمه. ليس بحليم من لم يعاشر بالمعروف من لا بدّ من معاشرته. وما جمع شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : الحلم سجيّة فاضلة ، زينة ، غطاء ساتر ، فاستر خلل خلقك بحلمك ، حجاب من الآفات ، رأس الرئاسة ، عشيرة ، نور جوهره العقل ، تمام العقل ، نظام أمر المؤمن ، خليل المؤمن ووزيره ، أنصر من شجعان العرب ، زينة الأدب ، جمال الرجل ، وخير الحلم التحلّم ، ومن لم يتحلّم لم يحلم ، والحليم من احتمل إخوانه ، وبوفور العقل يتوفّر الحلم ، ولا يكون حليماً حتّى يكون وقوراً ، وعليك بالحلم فإنّه ثمرة العلم ، ومن حلم ساد ، ويظفر من حلم ، فكفى بالحلم ناصراً وبه تكثر الأنصار ، والحلم كظم الغيظ وملك النفس مع القدرة ، وكمال العلم الحلم ، وكمال الحلم كثرة الاحتمال والكظم ، فلن يثمر العلم حتّى يقارنه الحلم ، والعلم أصل الحلم ، والحلم زينة العلم

قال الإمام الصادق (عليه السلام) : عليك بالحلم فإنّه ركن العلم ، الحلم لباس العالم فلا تعرينّ منه(٤) .

__________________

١ ـ منية المريد : ١٦٢ ـ ١٦٨. (٢) النساء : ١٢. (٣) هود : ٧٥. (٤) ميزان الحكمة ٢ : ٥١١.


الأمر الثالث عشر

عفّة النفس وعزّتها

من أهمّ الخصائل التي يحتاجها طالب العلم في سيرته الأخلاقية عفّة النفس ، وهي تعني ضبط النفس عن اللذات المشتركة بين عامّة الحيوانات من المأكولات والملموسات ، والاعتدال في تناولها واستعمالها من دون إفراط ، وليس معنى ضبط النفس رفض كلّ الشهوات والملاذّ وقهرها وكبتها على كلّ حال ، فإنّ هذا يتنافى مع أصل خلقها وتكوينها في وجود الإنسان. فإنّ بقاء البدن بالمأكولات والمشروبات ، وفي المناكح بقاء النسل ، ولو كان يمكن الاستغناء عن الشهوة مثلا لكان خلقها في أصل التركيب الحيواني عبثاً ، ووبالا على صاحبها ، فمعنى عفّة النفس ضبطها بنحو معقول ، بأن يستعملها على أربعة أنحاء : أن يتناول منها ما ينبغي ، وفي الوقت الذي ينبغي ، ومن المقدار الذي ينبغي ، ومن الوجه الذي ينبغي ، فتكون شهوته تحت طاعة عقله ، والعفّة جارية في كلّ الأخلاق فهي بمعنى الحدّ الوسط من دون إفراط ولا تفريط في الصفات والسجايا الأخلاقيّة(١) .

قال الله تعالى :

( يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ) (٢) .

__________________

١ ـ راجع في ذلك جامع السعادات للمرحوم المحقّق النراقي (قدس سره) ، وكذلك المحجّة البيضاء للمحقّق الفيض الكاشاني (قدس سره).

٢ ـ البقرة : ٢٧٢.


( وَلـْيَسْتَعْفِفِ الَّذينَ لا يَجِدونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) (١) .

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« إنّ الله يحبّ الحييّ المتعفّف ، ويبغض البذيّ السائل الملحف ».

« من طالب حقّاً فليطلبه في عفاف واف أو غير واف ».

« اللهمّ إنّي أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى ».

« لمّـا نفذ المال حين تقسيمه عند رسول الله فسأله الأنصار ، فقال : ما يكون عندي من خير فلن أدّخره عنكم ، ومن يستعفف يعفّه الله ، ومن يستغنِ يغنه الله ».

« أحبّ العفاف إلى الله تعالى عفاف البطن والفرج ».

« أكثر ما تلج به اُمّتي النار الأجوفان : البطن والفرج ».

« ثلاثٌ أخافهنّ على اُمّتي من بعدي : الضلالة بعد المعرفة ، ومضلاّت الفتن ، وشهوة البطن والفرج ».

« أمّا العفاف : فيتشعّب منه الرضا والاستكانة والحظّ والراحة والتفقّد والخشوع والتذكّر والتفكّر والجود والسخاء ، فهذا ما يتشعّب للعاقل بعفافه رضى بالله وبقسمه ».

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) :

« من سكن قلبه العلم بالله سكنه الغنى عن خلق الله ».

ويقول مولانا أمير المؤمنين علي (عليه السلام) :

« أفضل العبادة العفاف ».

« ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه ، ألا وإنّ إمامكم

__________________

١ ـ النور : ٦٠.


قد اكتفى من دنياه بطمريه ، ومن طُعمه بقرصيه ، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد ، وعفّة وسداد ».

« ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممّن قدر فعفّ ، لكاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة ».

« العفّة شيمة الأكياس ، الشره سجيّة الأرجاس ».

« العفّة رأس كلّ خير ».

« العفّة أفضل الفتوّة ».

« العفاف يصون النفس وينزّهها عن الدنايا ».

« عليك بالعفاف فإنّه أفضل شيم الأشراف ».

« عليك بالعفّة فإنّها نعم القرين ».

« إذا أراد الله بعبد خيراً أعفّ بطنه وفرجه ».

« أصل العفاف القناعة ، وثمرتها قلّة الأحزان ».

« من قنعت نفسه أعانته على النزاهة والعفاف ».

« الرضا بالكفاف يؤدّي إلى العفاف ».

« قدر الرجل على قدر همّته ، وعفّته على قدر غيرته ».

« دليل غيرة الرجل عفّته ».

« من عقل عفّ ».

« الصبر عن الشهوة عفّة ، وعن الغضب نجدة ».

« الفضائل أربعة أجناس : أحدها الحكمة وقوامها في الفكرة ، والثاني : العفّة وقوامها في الشهوة ، والثالث : القوّة وقوامها في الغضب ، والرابع : العدل وقوامه في اعتدال قوى النفس ».


« ثمرة العفّة الصيانة ».

« من عفّ خفّ وزره وعظم عند الله قدره ».

« من عفّت أطرافه حسنت أوصافه ».

« النزاهة آية العفّة ».

« من اُتحف العفّة والقناعة حالفه العزّ ».

قال الإمام الباقر (عليه السلام) :

« ما عبد الله بشيء أفضل من عفّة بطن وفرج ».

« وقال لرجل : أي الاجتهاد أفضل من عفّة بطن وفرج ».

وقال أمير المؤمنين في وصيّته لمحمّد بن أبي بكر لمّـا ولاّه مصر :

« يا محمّد بن أبي بكر ، اعلم أنّ أفضل العفّة الورع في دين الله والعمل بطاعته ، وإنّي اُوصيك بتقوى الله في أمر سرّك وعلانيتك »(١) .

فهذه نماذج من الأخبار الشريفة ، وحقّاً كلام الأئمة أئمة الكلام ، وإنّ كلامهم نور في الطريق إلى الله سبحانه وتعالى ، لا يستغني السائر إليه منه.

وطالب العلم لا بدّ له من العفاف بكلّ ما للكملة من مغزى ومعنى ومصداق ، فإنّما ينال عزّة الدارين ، ويوفّق في حياته العلميّة والعمليّة ، لو تمثّلت العفّة في وجوده وحقيقته.

ولو عرف الدنيا لعفّ عنها وزهد فيها.

لقد سئل بعض العلماء عن رغبة الناس في دنياهم مع شدّة إتعابها إيّاهم ، فقال : ذلك لقلّة معرفتهم بها ، كالصبيّ الغِرّ أعجبه من لين الرقشاء ـ الحيّة ـ لونها

__________________

١ ـ ميزان الحكمة ٣ : ٢٠٠٦ ، الطبعة الجديدة.


ومسّها ، فلم يبرح حتّى قتله نهشها ، ولو أنّهم عرفوها حقّ معرفتها لنظروا إليها نظر المريض إلى وجوه العوّد ، نظر الجزور إلى أشفار الجازر ، فلا سماعه يطيق إن ذُكر بين يديه ، ولا إذا اُحضر أمكنه النظر إليه.

قال بعض الصالحين : من عرف عفّ ، ومن عفّ خفّ.

عجباً لقوم يعجبون برأيهم

وأرى بعقلهم الضعيف قصورا

هدموا قصورهم بدار بقائهم

وبنوا لعُمرهم القصير قصورا

أجل إنّ عفّة النفس كرامة إنسانية ، وشرف نبيل ، وخلق رفيع ، وموهبة قدسيّة ، كان ولا يزال يتحلّى بها علماؤنا الأعلام ، فعلّمونا بسلوكهم وسيرتهم الحسنة كيف يكون طالب العلم عفيف النفس ، حتّى يحسبهم الجهّال أغنياء من التعفّف ، فيقارعون الفقر ويكابدون الحرمان ويصبرون على البؤس بعفّة نفس وسداد.

نقل المرحوم الاُستاذ جلال همائي خلال مقابلة إذاعيّة معه القصّة التالية : كنت مع آية الله الشيخ هاشم القزويني ندرس في إصفهان فترة شبابنا ، فذات يوم كنّا نتباحث في الدرس ، وإذا بالشيخ يغمى عليه ، فأتيت بالطبيب مسرعاً ، فسقاه الماء المحلّى بالسكّر ، فشرب قليلا ففتح عينه فجلس وفتح كتابه مباشرةً وهو يسألني : أين وصلنا في البحث؟ وكأنّه لم يحدث له طارئ! ثمّ الطبيب أشار عليَّ أنّ إغماء الشيخ من شدّة الجوع ، ناوله طعاماً في أسرع وقت ، فلمّـا حقّقت أمره وجدته لم يتذوّق طعاماً لمدّة يومين لشدّة الفقر وتعفّفه وعدم إخباره أحداً عن حاله وجوعه(١) .

فلذّة العلم تغني طالب العلم ، وتعلّمه الإباء وعزّة النفس وصرف النظر عن

__________________

١ ـ تعليم وتعلّم : ٧٦ ، قصص وخواطر : ٢٤٦.


مال هذا وذاك وثروته ، فيصون كرامته ويحفظ شخصيّته وعزّته ، ويبقى متحرّراً من قيود الرقّية لفلان وفلان.

فمن يطمع بمال الآخرين وعطائهم ويتقبّل هداياهم كيف يمكنه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويذبّ عن حياض الإسلام ويقف في وجه الظالمين بشجاعة.

وسلفنا الصالح من أخلاقهم الحسنة العفّة والسداد ، وكانوا يرفضون هدايا أصحاب المناصب والأثرياء التي تشكّل في الحقيقة وثيقة عبوديّة ذلك العالم لصاحب تلك الهديّة.

يقول الشهيد الثاني في منيته : فممّـا يلزم لكلّ واحد منهما (العالم والمتعلّم) بعد تطهير نفسه من الرذائل المذكورة وغيرها ، توجيه نفسه إلى الله تعالى والاعتماد عليه في اُموره وتلقّي الفيض الإلهي من عنده ، ولا يعتمد على الأسباب فيتّكل إليها وتكون وبالا عليه ، ولا على أحد من خلق الله تعالى ، بل يلقي مقاليد أمره إلى الله تعالى في أمره ورزقه وغيرهما ، يظهر عليه من نفحات قدسه ولحظات اُنسه ما يقوم به أوده ويحصل مطلبه ، ويصلح به أمره ، وقد ورد في الحديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) : إنّ الله تعالى قد تكفّل لطالب العلم برزقه خاصّة عمّـا ضمنه لغيره ، بمعنى أنّ غيره يحتاج إلى السعي ، وطالب العلم لا يكلّف بذلك ، إن أحسن النيّة وأخلص العزيمة.

وعندي في ذلك من الوقائع والدقائق ما لو جمعته بلغ ما يعلمه الله من حسن صنع الله تعالى بي ، وجميل معونته منذ اشتغلت بالعلم وبالجملة ليس الخبر كالعيان(١) .

__________________

١ ـ منية المريد : ٦١.


فعالم الدين لا بدّ له من أن يترفّع عن السفاسف ، مرفوع الهام محلّقاً في سماء العفّة والعزّة والإباء ، غنيّاً بقناعته وزهده وورعه ، وفي نفس الوقت الذي يحرص على أن يكون متواضعاً ، فإنّه يكون أبيّ النفس عزيزاً عفيفاً قنوعاً ، ويدع الدنيا لأهلها.

اُنظر إلى قدوة العلماء شيخنا الأعظم الشيخ الأنصاري (قدس سره) لمّـا دفع إليه أحد أثرياء إيران مالا ليبني به بيتاً أو يشتري بيتاً لسكنه ، فإنّه لعزّة نفسه لم يصرف ذلك المبلغ في شؤونه الخاصّة ، وإنّما صرفه جميعه في شراء أرض وبناء مسجد عليها وهو أحد المساجد المعروفة في النجف الأشرف باسم مسجد الشيخ الأنصاري.

وعندما رجع ذلك الثريّ من الحجّ أراه الشيخ الأنصاري ذلك المسجد وقال له : هذا هو منزلي الذي كنت أنت السبب فيه.

كان الشريف الرضي (رحمه الله) شديد الالتزام بمبادئ الدين الحنيف وأحكام الشريعة ، فكان شديد الاجتناب للتملّق والمداهنة ، ولم يقبل الصِلات والهدايا من الملوك والسلاطين ، فكان عفيف النفس عالي الهمّة لم يقبل من أحد صلة ولا جائزة.

يقول أحد الوزراء المعاصرين للسيّد الرضي (رحمه الله) :

ولِد للسيّد الرضيّ مولود ، فأرسلت إليه ألف دينار في طبق على ما هو المتعارف في مثل ذلك ، فردّه الرضيّ قائلا : الوزير يعلم أنّي لا أقبل من أحد شيئاً. أرسلت ذلك الطبق ثانيةً وقلت : إنّ هذا المبلغ للمولود ولا علاقة لك به ، فردّه ثانيةً وقال : أطفالنا أيضاً لا يقبلون من أحد شيئاً. أرسلته إليه ثالثةً وقلت : إعطِ هذا المبلغ للقابلة ، فردّه وقال : إنّنا أهل بيت لا نطلع على أحوالنا قابلةً غريبة ، وإنّما عجائزنا يتولّين هذا الأمر من نسائنا ، ولسنَ ممّن يأخذن اُجرة ، ولا يقبلنَ صلة. أرسلته إليه رابعةً وقلت : هذا للطلاّب الذين يدرسون عندك ، فقال السيّد الرضيّ :


ها هم الطلاّب جميعاً حاضرون ليأخذ كلّ منهم ما يريد. عندها قام أحد الطلاّب وتناول ديناراً واقتطع منه مقداراً احتفظ به ثمّ ردّ الباقي إلى الطبق. وسأله السيّد الرضي عن سبب ذلك فقال : احتجت البارحة شيئاً من الزيت للمصباح ولم يكن المتولّي لنفقة المدرسة موجوداً ، فاستدنت من البقّال حاجتي من الزيت ، وقد أخذت هذا المقدار من الدينار لأداء ديني هذا ، ثمّ ردّ الطبق.

بعد ذلك أمر السيّد بأن يكون مع كلّ طالب من طلاّب المدرسة مفتاح لصندوق ماليّة المدرسة ليأخذ حاجته عند الضرورة ، ولا يضطرّ أحد لمراجعة المسؤول عن ذلك(١) .

وهذا شيخنا القمي صاحب مفاتيح الجنان ، في إحدى السنوات طلب أحد المحسنين من المحدّث القمّي أن يقبل التزامه بدفع مبلغ خمسين ديناراً عراقياً بإزاء مجلس وعظ المحدّث وخطابته ، وكان مصرف المحدّث آنذاك شهرياً ثلاثة دنانير ، إلاّ أنّه رغم ذلك قال لهذا المحسن : أنا أرتقي المنبر لأجل الإمام الحسين (عليه السلام) ، ورفض قبول ذلك المبلغ.

هكذا كان سلفنا الصالح ، إلاّ أنّه نسمع اليوم بين آونة واُخرى ما يحزّ القلب ويقطع أنياطه ، بأنّ فلان خطيب معروف يتعامل مع صاحب المجلس على منبره ، وفي بعض الأحيان لا يتّفق معه ، لأنّ هناك من يعطيه أكثر منه.

يحكى أنّ العالم الشيخ رضا الاسترآبادي قال : أيّام إقامتي في كربلاء والتشرّف بملازمة الوحيد البهبهاني ، جاء أحد التجّار للزيارة وأحضر قطعة قماش ثمينة هديّة لسماحته ، وحيث إنّه كان قد سمع أنّه لا يقبل شيئاً من أحد ، فقد حاول أن

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ٣٣٧ ، وفيه قصص بديعة في هذا المضمون ، فراجع.


يجد الطريقة المناسبة ليقبلها منه ، فقيل له : إذا توسّط لك في قبول الهديّة الشيخ رضا الاسترآبادي فقد يقبلها الشيخ الوحيد لأنّه يكرمه ، فجائني فلم أقبل وساطة ذلك لعلمي بعدم قبول الهديّة ، فقال التاجر : لو تمكّنت لأهديت له قطعةً اُخرى ، فرضيت فأتيت الشيخ ، وبعد أن فتح الباب وأخبرته بالواقعة ، قبل أن اُكمل كلامي أغلق الباب عليَّ وقال : تصوّرت أنّك أتيت في هذا الحرّ الشديد لحلّ مشكلة علميّة ، فطرقت الباب مرّة اُخرى وقلت له : لو قبلتها لأهدى إليَّ قطعةً اُخرى فلا تجعلني أخسرها ، فضحك الشيخ وقال : بُني ، عليك بالدرس ولا تصرف وقتك في هذه الاُمور العبثيّة ، ثمّ قبل الهديّة وقال : بشرط أن لا تتوسّط بعد في مثل هذه الاُمور.

وأخيراً يقول العارف بالله الشيخ محمّد البهاري من تلامذة آية الله الشيخ حسينقلي الهمداني الكبار ، ومن الواصلين إلى حريم القرب الإلهي ، يتحدّث عن صفات العالم :

الثالث : لا بدّ أن يكون متوكّلا على مولاه ، آيساً عمّـا في أيدي الناس ، فلا يتملّق لأحد من الأغنياء ، ويسمّي ذلك تواضعاً ، فإنّ تواضع الفقير هو التكبّر عليهم من حيث أنّهم أغنياء.

الرابع : أن لا يداهنهم بالخوض في الباطل طمعاً بما في أيديهم من حطام الدنيا

السابع : ما يعطيه إيّاه غيره من المال ، إن علم أنّه حرام وجب عليه الامتناع ، وإن علم أنّه مشتبه أو حلال فيه منّة فردّه له راجح ، وإن علم أنّه هديّة محلّلة بغير منّة استحبّ له القبول تأسّياً بالنبيّ والأئمة (عليهم السلام) ، وإن كان من الصدقات وهو مستحقّ ، فإن علم أنّه يعطي رياءً وسمعةً يمكن أن يقال بعدم جواز الأخذ إذا صدق أنّه إعانة على الإثم.


وينبغي له التعفّف عن السؤال ما استطاع ، فإنّه فقر معجّل وحساب طويل لعدم خلوّه من الآفات غالباً ، إذ هو متضمّن للشكوى وذهاب ماء الوجه ، والذلّ عند غيرالله وإيذاء المسؤول ، وإعطائه استحياءً أو رياءً أو إلجاءً أمر يورث شتم السائل وإيذاءه ، إلى غير ذلك من الآفات ، ولذا روي : « أنّ مسألة الناس من الفواحش » ، نعم لو كان في مقام الاضطرار ، فله ذلك ، بل قد يجب ، إلاّ أنّ تشخيص درجات هذه المقامات في غاية الإشكال والصعوبة(١) .

هذه بعض النماذج والوصايا من سيرة علمائنا الأعلام في عفّة النفس وعزّتها ، والعفّة تعدّ من اُمّهات الأخلاق الحسنة ، كما جاء في المحجّة البيضاء ، قال بعض الأعلام :

« كما أنّ حسن الصورة الظاهرة مطلقاً لا يتمّ بحسن العينين دون الأنف والفم والخدّ ، بل لا بدّ من الحسن في جميعها حتّى يتمّ حسن الخلق ، فإذا استوت الأركان الأربعة واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق ، وهي : قوّة العلم ، وقوّة الغضب ، وقوّة الشهوة ، وقوّة العدل بين هذه القوى الثلاث ، وحسن القوّة الغضبيّة واعتدالها يعبّر عنه بالعفّة ، فإن مالت قوّة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة سمّي ذلك تهوّراً ، وإن مالت إلى الضعف والنقصان سمّي ذلك جُبناً وخوراً ، وإن مالت قوّة الشهوة إلى طرف الزيادة سمّي شرهاً ، وإن مالت إلى النقصان سمّي خموداً ، والمحمود هو الوسط وهو الفضيلة ، والطرفان مذمومتان. والعدل إذا فات فليس له طرفان زيادة ونقصان ، بل له ضدّ واحد وهو الجور ، وأمّا الحكمة فيسمّى إفراطها عند الاستعمال في الأغراض الفاسدة خبّاً وجربزة ، ويسمّى تفريطها بلهاً ، والوسط هو

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ٣٤٩.


الذي يختصّ باسم الحكمة ، فإذن اُمّهات الأخلاق واُصولها أربعة : الحكمة والشجاعة والعفّة والعدل ، فمن اعتدال هذه الاُصول الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلّها(١) .

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : لا تكمل المكارم إلاّ بالعفاف والإيثار(٢) .

ويقول الشهيد الثاني في منيته في الآداب التي يشترك فيها المعلّم والمتعلّم :

الخامس : أن يكون عفيف النفس عالي الهمّة منقبضاً عن الملوك وأهل الدنيا ، لا يدخل إليهم طمعاً ، ما وجد إلى الفرار منهم سبيلا ، صيانة العلم عمّـا صانه السلف. فمن فعل ذلك ، فقد عرض نفسه وخان أمانته ، وكثيراً ما يثمر عدم الوصول إلى البُغْية ، وإن وصل إلى بعضها لم يكن حاله كحال المتعفّف المنقبض ، وشاهده مع النقل والوجدان.

قال بعض الفضلاء لبعض الأبدال : ما بال كبراء زماننا وملوكها لا يقبلون ولا يجدون للعلم مقداراً ، وقد كانوا في سالف الزمان بخلاف ذلك؟ فقال : إنّ علماء ذلك الزمان كان يأتيهم الملوك والأكابر وأهل الدنيا ، فيبذلون لهم دنياهم ، ويلتمسون منهم علمهم ، فيبالغون في دفعهم وردّ منّتهم عنهم ، فصغرت الدنيا في أعين أهلها ، وعظم قدر العلم عندهم ، نظراً منهم إلى أنّ العلم لولا جلالته ونفاسته ما آثره هؤلاء الفضلاء على الدنيا ، ولولا حقارة الدنيا وانحطاطها لما تركوها رغبةً عنها ، ولمّـا أقبل علماء زماننا على الملوك وأبناء الدنيا ، وبذلوا لهم علمهم التماساً لدنياهم ، عظمت الدنيا في أعينهم ، وصغر العلم لديهم لعين ما تقدّم.

__________________

١ ـ ميزان الحكمة ٣ : ١٤٤.

٢ ـ المصدر : ١٤٧.


وقد سمعت جملةً من الأخبار في ذلك سابقاً ، كقول النبيّ (صلى الله عليه وآله) : « الفقهاء اُمناء الرسل ، ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل : يا رسول الله ، وما دخولهم في الدنيا؟ قال : اتّباع السلطان ، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم » ، وغيره من الأحاديث.

واعلم أنّ القدر المذموم من ذلك ليس هو مجرّد اتّباع السلطان كيف اتّفق ، بل اتّباعه ليكون توطئةً له ، ووسيلة إلى ارتفاع الشأن ، والترفّع على الأقران وعظم الجاه والمقدار ، وحبّ الدنيا والرئاسة ونحو ذلك ، أمّا لو اتّبعه ليجعله وصلةً إلى إقامة نظام النوع ، وإعلاء كلمة الدين ، وترويج الحقّ ، وقمع أهل البدع ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونحو ذلك ، فهو من أفضل الأعمال فضلا عن كونه مرخّصاً ، وبهذا يجمع بين ما ورد من الذمّ وما ورد أيضاً من الترخيص في ذلك ، بل عن فعل جماعة من الأعيان كعليّ بن يقطين وعبد الله النجاشي وأبي القاسم بن روح أحد الأبواب الأربعة الشريفة ، ومحمّد بن إسماعيل بن بزيغ ونوح بن درّاج وغيرهم من أصحاب الأئمّة ، ومن الفقهاء مثل السيّدين الأجلّين المرتضى والرضي وأبيهما والخواجة نصير الدين الطوسي والعلاّمة بحر العلوم جمال الدين بن المطهّر وغيرهم كالعلاّمة المجلسي والشيخ البهائي قدّس الله أسرارهم الزكيّة.

وأخيراً ، يا طالب العلم ـ زاد الله في توفيقك ـ إجعل شعارك في الحياة قوله تعالى :

( يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ) (١) .

__________________

١ ـ البقرة : ٢٧٢.


الدرس الثامن

الأمر الرابع عشر

الدعاء والتوسّل وصلاة الليل

قال الله تعالى :

( ادْعوني أسْتَجِبْ لَكُمْ ) (١) .

( قُلْ ما يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ ) (٢) .

( وَما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدونِ ) (٣) .

ورد في الحديث النبويّ الشريف :

« الدعاء مخّ العبادة ».

« أفضل العبادة الدعاء ».

__________________

١ ـ غافر : ٦٠.

٢ ـ الفرقان : ٧٧.

٣ ـ الذاريات : ٥٦.


« الدعاء سلاح المؤمن وعمود الدين ونور السماوات والأرضين »(١) .

ونتيجة الآية الكريمة والرواية الشريفة : أنّ فلسفة الحياة العبادة ، وأصل العبادة الدعاء. فمن حكمة الحياة الدعاء ، وما أكثر الآيات والأخبار التي تحثّ الإنسان على الدعاء وابتغاء الوسيلة إلى الله سبحانه وتعالى ، وما أكثر فوائد الدعاء الفرديّة والاجتماعيّة ، فإنّ الدعاء قرآن صاعد ، وإنّه حلقة وصل بين العبد وربّه ، ومحضر اُنس وحديث العشّاق وكلام المحبّين.

وطالب العلم في سيرته الأخلاقية منذ البداية وحتّى آخر لحظة من حياته العلميّة والعمليّة لا بدّ أن يستأنس بالأدعية والأذكار والأوراد ، فإنّه بدعائه يشفع العلم ليكون نافعاً له ولغيره ، وإنّما تزداد بركات العلم وثمراته بمثل الدعاء والتوسّل بالله وبرسوله وأوليائه (عليهم السلام) ، وإنّه يفلح الطالب في الحياة وفي تحصيل العلوم والفنون.

يقول أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) :

« الدعاء مقاليد الفلاح ومصابيح النجاح ».

« الدعاء مفاتيح النجاح ومقاليد الفلاح ».

« الدعاء مفتاح الرحمة ومصباح الظلمة ».

« أحبّ الأعمال إلى الله في الأرض الدعاء ».

وأخطر شيء على طالب العلم هو الشيطان ووساوسه وحبائله وحزبه وأعوانه ، ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : « أكثر من الدعاء تسلم من سورة الشيطان » ، وكان هو (عليه السلام) رجل دعّاء.

__________________

١ ـ الروايات من ميزان الحكمة ٣ : ٢٤٥.


فالدعاء سلاح المؤمن وسلاح الأنبياء (عليهم السلام) ، وكلّما ازداد الإنسان علماً ازداد دعاءً ، قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : « أعلم الناس بالله سبحانه أكثرهم له مسألةً ».

والجهل يُعدّ من أمرّ الداء ، ويقول الإمام الصادق (عليه السلام) :

« عليك بالدعاء فإنّ فيه شفاء من كلّ داء ».

كما أنّه علينا أن نسأل الله في كلّ الأشياء صغارها وكبارها ، حتّى شسع النعل ، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« سلوا الله عزّوجلّ ما بدا لكم من حوائجكم حتّى شسع النعل ، فإنّه إن لم ييسّره يتعسّر ».

« يا موسى سلني كلّ ما تحتاج إليه حتّى علف شاتك وملح عجينك ».

وموسى هذا من أنبياء اُولي العزم ، والعلماء ورثة الأنبياء ، وأولى الناس باتّباعهم والاقتداء بهم ، فلا بدّ أن يدعو الله في كلّ شيء حتّى ملح الطعام.

وأمّا التوسّل وابتغاء الوسيلة بمحمّد وآله الطاهرين ، فما أكثر النصوص الدينية والقضايا التأريخية والحوادث الواقعيّة تدلّ على أهميّة ذلك في حياة المؤمن ، لا سيّما طالب العلوم الدينيّة.

كما إنّ الأذكار والأوراد والنوافل والأعمال المستحبّة ، لا سيّما صلاة الليل لها دور عظيم جدّاً في توفيق وسعادة طالب العلم ، والانتفاع بعلمه المبارك ، وتكامله في حياته العلمية والعمليّة.

ومن هذا المنطلق نجد حياة أسلافنا في العلم والعمل مشحونة بالحكايات والخواطر ذات العبر والدروس ، كما إنّها مليئة بالوصايا والاهتمام البالغ بهذا الجانب الروحي الملكوتي.


يقول العلاّمة الطباطبائي صاحب الميزان في تفسير القرآن : كنت أيّام شبابي في النجف الأشرف حين كسب علوم أهل البيت (عليهم السلام) أتردّد على المرحوم آية الله العارف بالله السيّد علي القاضي ، فذات يوم كنت واقفاً عند باب المدرسة ، فمرّ بي المرحوم القاضي ، فلمّـا اقترب منّي وضع يده على كتفي وقال : بنيّ ، إن كنت تريد الدنيا فعليك بصلاة الليل ، وإن كنت تريد الآخرة فعليك بصلاة الليل. يقول السيّد : لقد أثّرت هذه المقولة الروحيّة في نفسي غاية التأثير ، فصرت اُلازم السيّد القاضي ليل نهار لاُدرك فيضه وكمالاته الروحيّة.

ويحدّثنا مؤسّس حوزة قم المباركة آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري أنّه حين كان في سامراء يتلقّى العلوم من اُستاذه آية الله العظمى المجدّد الشيرازي ، دخل عليه في يوم آية الله السيّد محمّد الفشاركي منقبض الوجه قلقاً وكان مضطرباً من مرض الوباء الذي اجتاح العراق تلك الأيّام ، فقال المجدّد لتلامذته : هل تروني مجتهداً؟ فقالوا : نعم. ثمّ قال : وهل تروني عادلا؟ فقالوا : نعم. فلمّـا أقرّوا باجتهاده وعدالته ، قال : آمر كلّ امرأة ورجل من الشيعة بأن يقرأوا زيارة عاشوراء نيابة عن اُمّ صاحب الزمان (عليه السلام) السيّدة نرجس خاتون ، فيتوسّلون بها بحقّ ولدها عجّل الله فرجه الشريف أن يشفع عند الله بنجاة المسلمين من الوباء.

وبمجرّد صدور هذا الحكم التزم شيعة سامراء بالزيارة ، فدفع الله عنهم الوباء.

وفي عصرنا هذا حدث لنا مثل هذه الواقعة حيث كان صدّام الكافر يقصف مدن إيران ومنها قم المقدّسة ، فأمر آية الله العظمى السيّد محمّد رضا الكلبايكاني أن يتوسّل الناس بسيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) ، فدفع الله شرّ صدّام.


« إنّ هذه التوسّلات تساعد الإنسان مساعدةً عظيمة جدّاً في تحصيل العلم وكسب الإخلاص وتهذيب النفس وترك الذنوب والمعاصي ، وحتّى المكروهات والمباحات.

فهذا الإمام الخميني قائد الثورة الإسلامية طيلة إقامته في النجف الأشرف لم يترك زيارة حرم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كلّ ليلة ، كان يقصد ضريح سيّد الشهداء (عليه السلام) ، وكان يقرأ دائماً زيارة عاشوراء مع تكرار الفقرات التي ينبغي تكرارها مئة مرّة.

كان عابداً متهجّداً مستغفراً في الأسحار ، وابنه يقول : ذات ليلة وقع في العراق انقلاب عسكري ، وفرضت الأحكام العرفيّة ، وجاء وقت زيارة الإمام ، فتبيّن أنّه ليس موجوداً فاضطربت وفتّشت عنه الغرف فوجدته على السطح أمام قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) مشغولا بالزيارة ، كان يقرأ زيارة الجامعة في كلّ ليلة إلاّ عند الضرورة.

وفي أواخر أيّامه في طهران بعد انتصار ثورته كان كلّ يوم يتمشّى ساعتين أو ثلاثة والسبحة بيده ، وهو مشغول بالذكر أو بزيارة عاشوراء.

وكان بمجرّد أن يسمع كلمة (يا حسين) يبكي لعشقه بأهل البيت (عليهم السلام).

ذات يوم قال أحد طلاّب مدرسة الرفاه للإمام : لماذا لا تذكرون في أحاديثكم الإمام المنتظر إلاّ قليلا ، وبمجرّد أن سمع الإمام ذلك وقف وقال : ماذا تقول؟ ألا تعلم أنّ كلّ ما عندنا هو من الإمام صاحب الزمان عجّل الله فرجه ، وكلّ ما عندي هو من الإمام صاحب الزمان ، وكلّ ما عندنا من الثورة هو من الإمام صاحب الزمان (عليه السلام).

وهذا العلاّمة الأميني (قدس سره) صاحب الغدير ، من خصائصه العشق والولاء


الكامل لآل محمّد (عليهم السلام) عشقاً كان مشهوراً تتناقله الألسن ، بحيث يمكن القول أنّ الغدير أثر من آثار العشق العارم ، ومن هنا كانت له علاقة خاصّة بسماع مصائب الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه الكرام والتأمّل في مصائبهم ، وكان يبكي بصوت عال بكاءً مريراً ومتفجّعاً.

وهذا العبقري العظيم الشيخ الوحيد البهبهاني صاحب مدرسة في الاُصول ، كان عندما يتشرّف بحرم سيّد الشهداء (عليه السلام) للزيارة يقبّل أوّلا عتبة الباب (الكفشداريّة) « محلّ نزع الأحذية » ويمسح وجهه المبارك ولحيته الشريفة ، وبعد ذلك يتشرّف بدخول الحرم بخضوع وخشوع وبكاء ، ثمّ يقرأ الزيارة.

يقول المحدّث القمّي : حيث إنّ السيّد نعمة الله الجزائري لم يكن يستطيع في بدء دراسته أن يشتري مصباحاً للمطالعة ، فقد كان يطالع في ضوء القمر ، ونتيجة كثرة المطالعة ، ضعف بصره ، ولذلك بدأ يمسح بتربة سيّد الشهداء وتربة سائر الأئمة (عليهم السلام) على عينيه ، ومن بركة تلك التربة كان نور بصره يزداد ويقوى.

ويضيف المحقّق القمّي : وليس هذا الأمر غريباً ، لأنّ الدميري في (حياة الحيوان) وغيره ، ينقلون أنّ الأفعى عندما تصاب بالعمى تمسح عينيها بنبات معيّن فتبصر ، وإذا كان الله تعالى يجعل تلك الخاصّية في نبتة ما ، فما العجب في أن يجعل مثلها في تربة ابن النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، ويضيف قائلا : وهذا الحقير أيضاً كلّما ضعف بصري بسبب كثرة الكتابة أتبرّك بتراب مراقد الأئمة (عليهم السلام) ، وأحياناً بمسّ كتابة الأحاديث والأخبار ، وبحمد الله فإنّ يميني في غاية القوّة ، وأملي إن شاء الله أن تقرّ عيني ببركتهم في الدنيا والآخرة.

يقول ابن المحدّث القمّي : حينما كنّا في النجف الأشرف سنة ١٣٥٧ ه‍ قبل وفاة الوالد بسنتين استيقظ والدي وقال : اليوم تؤلمني عيناي ولا أستطيع المطالعة


والكتابة ، فذهبت إلى الدرس ، ولمّـا رجعت ظهراً وجدته يطالع ويكتب ، فسألته عن ذلك فقال : توضّأت وجلست تجاه القبلة ومسحت كتاب الكافي على عيني فارتفع الألم ، والعجيب أنّه لم يبتلِ بعدها بألم العينين طيلة عمره.

وقد كان الفقيه العادل المرحوم الشيخ جواد مشكور مرجع تقليد قسم من الشيعة في العراق ، وفي ليلة ٢٦ صفر ١٣٣٦ ه‍ ق رأى في منامه في النجف الأشرف عزرائيل سلام الله عليه ، وبعد السلام سأله من أين جئت؟ قال : من شيراز ، وقد قبضت روح المرحوم الميرزا إبراهيم المحلاّتي. فسأله : ما حال روحه في عالم البرزخ؟ فقال : في أحسن الحالات وفي أحسن حدائق البرزخ ، وقد وكّل الله به ألف ملك يطيعون أوامره. فقال : بأيّ سبب وصل إلى هذا المقام؟ فأجابه عزرائيل : بسبب قراءة عاشوراء. وفي اليوم التالي جاءت برقية من شيراز إلى النجف تحمل نبأ وفاة الميرزا المحلاّتي ، وثبت صدق منام الشيخ.

كان آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري مؤسس الحوزة بقم قبل التدريس يأمر خطيباً أن يقرأ العزاء على سيّد الشهداء (عليه السلام) أوّلا ، ثمّ كان يدرّس ، وكان يشترك حافي الأقدام في مواكب اللطم والعزاء ، وكان يقول : كلّ ما عندي فهو من الإمام الحسين (عليه السلام) ، وكيف نجّاه من الموت أيّام شبابه.

وهذا السيّد مير حامد حسين صاحب عبقات الأنوار ، كان يغشى عليه عندما يسمع مصائب سيّد الشهداء (عليه السلام).

كما امتاز العلاّمة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان بولائه وعشقه الخاصّ بأهل البيت (عليهم السلام) ، وحينما كان يدخل حرم الإمام الرضا (عليه السلام) كان يقبّل عتبة الباب ، وكان يشترك في عزاء سيّد الشهداء (عليه السلام) ، وفي بعض الأحيان حتّى السحر وكان يبكي بكاءً مريراً وبصوت عال ، ولا شكّ أنّ كثير من توفيقاته وليدة هذه الخصلة.


فسيرة علمائنا الكرام ـ رحم الله الماضين وحفظ الباقين ـ هي التوجّه والتوسّل بالأئمة الأطهار (عليهم السلام) وقراءة الأدعية والأوراد والأذكار والزيارات(١) .

وهذا سيّدنا الاُستاذ يقول في وصيّته(٢) :

واُوصيه بتهذيب النفس والمجاهدات الشرعيّة ، فإنّي نلت به ما نلت ، ورزقني ربّي الكريم ما لم تره أعين أبناء العصر ، ولا طرقت أسماعهم ، ولا سمعت آذانهم ، فالحمد لله تعالى على هذه الموهبة العظيمة والفضل الجسيم.

واُوصيه ونفسي الخاطئة بتقوى الله في السرّ والعلن والاهتمام في الورع والزهد في زخارف هذه الدنيا الدنيّة ، وأن لا يترك زيارة أهل القبور والاعتبار بهم ، فإنّهم من كانوا بالأمس فما صاروا اليوم؟ وأين كانوا فإلى أين صاروا؟ وكيف كانوا فكيف صاروا؟ الأموال قد قسمت ، والأكفاء قد زوّجت ، والدور قد سكنت ، وما بقي لهم إلاّ ما كانوا يفعلون ويعملون ، وأن لا يترك تلاوة القرآن ومطالعة الأحاديث والتدبّر فيهما والاستنارة من أنوارهما وأن لا يترك صلاة الليل والتهجّد في آنائه والاستغفار في أسحاره ، فقد قال مولانا سيّد المظلومين أمير المؤمنين روحي له الفداء في وصاياه : عليك بصلاة الليل

واُوصيه بمداومة قراءة زيارة الجامعة الكبيرة ولو في الاُسبوع مرّة.

واُوصيه بقراءة سورة (يس) بعد فريضة الفجر كلّ يوم مرّة ، وبقراءة سورة (النبأ) بعد فريضة الظهر كذلك ، وبقراءة (العصر) بعد فريضة العصر كذلك ، وبقراءة سورة (الواقعة) بعد فريضة المغرب ، وبقراءة سورة (الملك) بعد فريضة العشاء كذلك ، واُؤكّد عليه بالمداومة على ما ذكرت ، فإنّي أروي هذه الطريقة عن

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ١٧٠.

٢ ـ قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ : ١٢٢ ـ ١٣١.


مشايخي الكرام وجرّبتها مراراً

واُوصيه بمداومة تسبيحات جدّتنا الزهراء البتول روحي لها الفداء.

واُوصيه بالتوسّل ومداومة الأدعية والأذكار.

واُوصيه بالاستغفار في آناء الليل والنهار.

واُوصيه أن يجعل على صدري في كفني المنديل الذي نشفت دمعاتي في رثاء جدّي الحسين المظلوم وأهل بيته المكرمين سلام الله عليهم أجمعين.

واُوصيه بالمداومة على السنن والمستحبّات وترك المرجوحات والمكروهات مهما أمكن.

واُوصيه بتلاوة القرآن الشريف وإهداء ثوابه إلى أرواح شيعة آل الرسول الذين لا وارث لهم أو لا متذكّر في حقّهم ، فإنّي قد جرّبت هذه الحسنة مراراً ووفّقني ربّي الكريم بما وفّقني بسببها ، فالموفّقية والرشد والتقدّم في التضرّع والدعاء :

( وَإذا سَألَكَ عِبادي عَنِّي فَإنِّي قَريبٌ اُجيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذا دَعانِ فَلـْيَسْتَجيبوا لي وَلـْيُؤْمِنوا بي لَعَلَّهُمْ يِرْشُدونَ ) (١) .

وأمّا صلاة الليل ، فإنّ القلم ليعجز عن بيان فضلها وتأثيرها في حياة طالب العلم ، فإنّها سرّ النجاح ومفتاح الفلاح ، ويكفي في فضلها أنّها كانت واجبة على رسول الله (صلى الله عليه وآله).

يا طويل الرقاء والغفلات

كثرة النوم تورث الحسرات

إنّ في القبر إن نزلت إليه

لرقاداً يطول بعد الممات

ومهاداً ممهّداً لكَ فيه

بذنوب عملت أو حسنات(٢)

__________________

١ ـ البقرة : ١٨٦.

٢ ـ المحجّة البيضاء ٢ : ٢٩٧.


« من الاُمور التي يجب على جميع المسلمين ، لا سيّما طلاّب العلوم الدينيّة ورجال الدين أن يهتمّوا بها غاية الاهتمام قضيّة قيام الأسحار والتهجّد والتضرّع فيها.

وقد أشار القرآن الكريم في أكثر من عشر مواضع على هذا الأمر الخطير ، وقد ورد الثناء والإطراء الإلهي على المتهجّدين بالأسحار بعبارات مختلفة.

ويقول العارف بالله الميرزا جواد الملكي التبريزي صاحب (المراقبات) : إنّ الروايات في فضيلة صلاة الليل وذمّ تركها قد بلغت حدّ التواتر(١) .

يقول الإمام الصادق (عليه السلام) : ليس من شيعتنا من لم يصلّ صلاة الليل.

ويرى علماء الأخلاق أنّ من الواجبات الأخلاقية على الطلاّب أن يهتمّوا بهذا المستحبّ ويلتزموا به لإنارة قلوبهم والاختلاء بالله حبيب القلوب.

يقول المرحوم الملكي التبريزي : وحكى لي شيخي في العلوم الحقّة : أنّه ما وصل أحد من طلاّب الآخرة إلى شيء من المقامات الدينية إلاّ إذا كان من المتهجّدين.

وكيف كان ، فإنّ من له أدنى تتبّع في أخبار أهل البيت (عليهم السلام) وأحوال السلف من مشايخنا العظام (رحمهم الله) ، لا يشكّ في أنّ صلاة الليل ليست ضدّ تحصيل العلم ، بل هي من أسبابه القريبة والقويّة ، وكثيراً ما رأينا من المحصّلين من كان من المتهجّدين وصار ذلك سبباً لاستقامة فهمه وجودة ذهنه في الوصول إلى المطالب الحقّة في المسائل العلميّة ، وارتقى إلى المراتب العالية في العلم بخلاف الطلاّب المجدّين

__________________

١ ـ أسرار الصلاة : ٢٩٣ ، وقد تناول المصنّف أهميّة صلاة الليل وكيفيّتها بالتفصيل ، فليراجع. كما ذكرنا ذلك في كتاب (التوبة والتائبون) ، فراجع.


في مطالعة الكتب العلميّة ـ غير المتهجّدين ـ فقلّما خرج منهم صاحب ملكة مستقيمة ، نعم ، ربما يوجد فيهم مشكّك مدقّق ، ولكن لا يكون محقّقاً ، ولا يكون في علمه بركة كاملة ، بل يقلّ خيره ونوره ولا يوفّق لفوائد هذا العلم.

وهذه زينب الكبرى ، الصدّيقة الصغرى ، العالمة غير المعلَّمة ، في مثل ليلة الحادي عشر من يوم الطفّ وتلك الرزيّة العظمى تصلّي صلاة الليل من جلوس لانهيار طاقتها ، فلم تترك التهجّد.

وما ألذّ تلك السويعة الروحانيّة التي يقوم فيها طالب العلم لأداء صلاة الليل وليخلو بحبيبه ربّ العالمين.

وهذا السيّد الإمام الخميني (قدس سره) منذ شبابه وحتّى آخر أيّامه لم يترك صلاة الليل سواء في حالة الصحّة أو المرض ، وفي السجن وغيره ، حتّى في الطائرة التي نقلته إلى إيران أيّام الثورة.

وهذا سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد النجفي المرعشي يوصي ولده أن يدفن معه سجّادته التي صلّى عليها سبعين سنة صلاة الليل.

وجاء في ترجمة آية الله الملكي التبريزي أنّه قبل أذان الصبح كان يقوم لصلاة الليل بالبكاء والنحيب.

والمحدّث القمّي (قدس سره) كان في كلّ أيّام السنة في الفصول الأربعة يستيقظ قبل طلوع الفجر بساعة على الأقلّ ، ويشتغل بالصلاة والتهجّد. يقول ابنه الكبير : في حدود ما أتذكّر لم يفته قيام آخر الليل حتّى في الأسفار ، كان ملتزماً بذلك.

كان الشيخ محمّد الأشرفي عليه الرحمة من تلامذة سعيد العلماء ، يشتغل من منتصف الليل حتّى الصباح بالتضرّع ومناجاة الله عزّ وعلا ، ويلطم على صدره ورأسه ، وعندما يطلع الصباح يكون في غاية الضعف ، بحيث أنّ من لا يعرفه كان


يتصوّر إذا رآه أنّه غادر فراش المرض الآن.

أجل ، كما يقول مولانا أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) : قد براهم الخوف بَرْي القداح ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى ، وما بالقوم من مرض(١) .

كان آية الله العظمى الشيخ جعفر كاشف الغطاء في العبادة وصفاء الباطن وحالة التضرّع والبكاء بين يدي الله تعالى والتهجّد وقيام الليل والدعاء والمناجاة أحد أوتاد الدهر ، وكان يبذل جهده مهما استطاع حتّى لا يفوته عمل مستحبّ.

وفي إحدى أسفاره زار (رشت) من مدن إيران فاُخبر أنّ أئمّة الجماعات لا يصلّون النوافل ، فقال : لا تقتدوا خلف من لا يصلّي النوافل ، وعندما سمع أئمة الجماعة ذلك التزموا بالنوافل.

ويقول ولده الشيخ حسن : كان من عادة والدي كلّ ليلة قبل السحر أن يوقظ العيال والأطفال جميعاً لصلاة الليل ، وكان الجميع يستيقظون.

وآية الله النجفي القوجاني صاحب (سياحة الشرق وسياحة الغرب) ، يقول عن أيّام دراسته في إصفهان : في هذه الغرفة الجديدة التي كانت متّصلة بغيرها من الغرف ، فتحنا في وسط المشكاة ثقباً ، ومددنا منه حبلا ، كان أحد طرفيه في غرفة صديقي ، وطرفه الآخر في غرفتي ، كان صديقي وقت النوم يربط ذلك الطرف بيده ، وأربط أنا هذا الطرف بيدي ، حتّى إذا ما استيقظ أحدنا سحراً لصلاة الليل يستيقظ الآخر بواسطة هذا الحبل بدون أيّ صوت حذراً من أن يستيقظ طالب آخر على صوتنا ، ولا يكون راضياً بذلك.

كان بعض الأعلام يقرأ دعاء أبي حمزة الثمالي في صلاة الليل.

__________________

١ ـ نهج البلاغة ، صبحي الصالح : ٣٠٤ ، خطبة همام ١٩٣.


هنيئاً لهذه الكواكب الدرّية في الليالي المظلمة الذين كانوا مصداق قوله تعالى :

( كانوا قَليلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعونَ وَبِالأسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرونَ ) (١) .

يقول آية الله الملكي التبريزي (رحمه الله) : كان لي شيخ جليل عارف قدّس الله تربته ـ المراد آية الله الشيخ حسينقلي الهمداني ـ ما رأيت له نظيراً ، سألته عن عمل مجرّب يؤثّر في إصلاح القلب وجلب المعارف ، فقال قدّس سرّه العزيز : ما رأيت عملا مؤثّراً في ذلك مثل المداومة على سجدة طويلة في كلّ يوم وليلة مرّة واحدة يقال فيها :

( لا إلـه إلاّ أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمينَ ) .

يقوله وهو يرى نفسه مسجونة في سجن الطبيعة ، ومقيّد بقيود الأخلاق الرذيلة مقرّاً بأ نّك يا إلهي لم تفعل ذلك بي ولم تظلمني وإنّما أنا الذي ظلمت نفسي ، وأوقعتها في هذه الهوّة ، بالإضافة إلى قراءة سورة القدر في ليلة الجمعة وفي عصرها مئة مرّة. انتهى كلامه رفع الله مقامه.

أقول : عن بعض مشايخي في السير والسلوك ، إنّ هذه الآية والتي تسمّى بالذكر اليونسي من قالها كما وردت فإنّه يبتلي بالهمّ والغمّ ، بل لا بدّ من إكمالها إلى قوله تعالى :

( وَكَذلِكَ نُنْجي المُؤْمِنينَ ) .

ثمّ فيها أعداد خاصّة ، فمنها أربعمائة ، واُخرى ألف وواحدة ، وربما أربعة آلاف مرّة ، فيحتاج الذاكر إلى اُستاذ وحكيم يرشده ويجيزه ، فإنّ في ذلك الأثر

__________________

١ ـ الذاريات : ١٧.


البالغ ، يقف عليه من كان من أهله.

يقول العلاّمة الطباطبائي (قدس سره) ضمن تعداد الاُمور التي يجب أن يلتزم بها السالك :

الثاني والعشرون : الورد هو عبارة عن الأذكار والأوراد اللسانيّة ، وكيفيّتها وكمّيتها منوطتان برأي الاُستاذ ، لأنّ لها حكم الدواء الذي ينفع البعض ويضرّ الآخرين ، وأحياناً قد يشتغل السالك بذكرين أحدهما يوجّهه إلى الكثرة والآخر إلى الوحدة ، وفي حالة اجتماعهما تبطل نتيجة كلّ منهما ولا ينتفع بشيء طبعاً ، إذن الاُستاذ شرط في الأوراد التي لم يرد فيها إذن عامّ ، وأمّا ما ورد فيه إذن عامّ فلا مانع منه.

فلا بدّ لطالب العلم في سيرته الأخلاقية أن يواظب المواظبة التامّة على التهجّد وقيام السحر والاشتغال بنافلة الليل مع كمال حضور القلب والإقبال والاشتغال بالتعقيب وقراءة القرآن إلى طلوع الشمس والاستغفار لا سيّما سبعين مرّة أو مئة مرّة صباحاً ومساءاً والتهليل والتسبيح والتحميد والتكبير والصلاة على محمّد وآله الطاهرين.

هذا وقد كتب آية الله التبريزي رسالة إلى الفيلسوف والاُصولي المشهور الشيخ محمّد حسين الاصفهاني ، نقل فيها تعليمات عن اُستاذه المرحوم العارف بالله الهمداني (قدس سرهما) ، جاء فيها :

يجب أن يقلّل الإنسان الطعام والنوم أكثر من المتعارف قليلا ، ليضعف البعد الحيواني فيه ويقوى البعد الروحي ، وميزان ذلك كما بيّنه سماحته هو :

أوّلا : أن لا يتناول الإنسان الطعام في اليوم والليلة إلاّ مرّتين ـ كما ورد في الأخبار ـ ويترك حتّى المتفرّقات التي يتناولها بين الطعامين.


ثانياً : عندما يأكل يجب أن يكون ذلك بعد الجوع بساعة مثلا ، ثمّ يأكل بحيث لا يشبع تمام الشبع ، هذا في كمّ الطعام ، وأمّا كيفيّته ، فبالإضافة إلى الآداب المعروفة ، أن لا يأكل اللحم كثيراً ، بمعنى أن لا ياكله في وجبتي اليوم والليلة معاً ، ويتركه في كلّ اُسبوع مرّتين أو ثلاثاً في الليل وفي النهار ، ويتركه مرّة إذا استطاع للتكيّف ، ويجب أن لا يكون ممّن اعتاد غلي تناول البزورات (المخلوطة) ولا يترك صيام ثلاثة أيّام في كلّ شهر إذا استطاع.

وأمّا تقليل النوم فكان يقول : أن ينام في اليوم والليلة ستّ ساعات ، ويهتمّ طبعاً بحفظ اللسان واجتناب أهل الغفلة كثيراً.

هذه الاُمور تكفي في إضعاف البعد الحيواني ، وأمّا في تقوية البعد الروحاني :

أوّلا : يجب أن يكون دائماً متّصفاً بالهمّ والحزن القلبي لعدم وصوله إلى المطلوب.

ثانياً : أن لا يترك الذكر والفكر ما استطاع لأنّ هذين هما جناح سير سماء المعرفة.

وفي الذكر كان عمدة ما يوصي به : أذكار الصبح والعشاء ، أهمّها ما ورد في الأخبار ، وأهمّ ذلك تعقيبات الصلوات ، والأكثر أهمّية ذكر وقت النوم المأثور في الأخبار ، لا سيّما أن يغلب عليه النوم حال الذكر متطهّراً.

وحول قيام الليل كان يقول :

في الشتاء ثلاث ساعات ، وفي الصيف ساعة ونصف ، وكان يقول : لقد لمست آثاراً كثيرةً في سجدة الذكر اليونسي( لا إلـهَ إلاّ أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمينَ ) ، أي في المداومة على ذلك بحيث لا تترك في اليوم والليلة ، وكلّما كانت أكثر ، كلّما ازداد تأثيرها ، وأقلّ ذلك أربعمائة مرّة ، وأنا العبد جرّبت ذلك ، كما إدّعي


تجربتها عدّة أشخاص ، وواحدة أيضاً قراءة القرآن بقصد هديّته إلى خاتم الأنبياء محمّد (صلى الله عليه وآله)(١) .

وأخيراً : قال الله تعالى :

( إنَّ المُتَّقينَ في جَنَّات وَعُيون آخِذينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إنَّهُمْ كانوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنينَ كانوا قَليلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعونَ وَبِالأسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرونَ ) (٢) .

( تَتَجافى جُنوبُهُمْ عَنِ المَضاجِعِ يَدْعونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّـا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما اُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُن جَزاءً بِما كانوا يَعْمَلونَ ) (٣) .

( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْموداً ) (٤) .

من وصايا النبيّ (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام) :

« عليك بصلاة الليل » ـ يكرّره أربعاً ـ.

« يا عليّ ، ثلاث فرحات للمؤمن : لقى الإخوان ، والإفطار من الصيام ، والتهجّد في الليل ».

« ما زال جبرئيل يوصيني بقيام الليل حتّى ظننت أنّ خيار اُمّتي لن يناموا ».

« ما اتّخذ الله إبراهيم خليلا إلاّ لإطعامه الطعام ، وصلاته بالليل والناس نيام ».

قال الإمام الباقر (عليه السلام) :

__________________

١ ـ من سيماء الصالحين : ١٧٥ ـ ٢٠٠.

٢ ـ الذاريات : ١٨.

٣ ـ السجدة : ١٦.

٤ ـ الإسراء : ٧٩.


« كان عليّ (عليه السلام) يقول : إنّا أهل بيت اُمرنا أن نطعم الطعام ، ونؤدّي في النائبة ، ونصلّي إذا نام الناس ».

« شرف المؤمن صلاته بالليل ، وعزّ المؤمن كفّه عن أعراض الناس ».

« لا تدع قيام الليل ، فإنّ المغبون من حرم قيام الليل ».

يا طلاّب علوم آل محمّد (عليهم السلام) ، ويا تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام) ، هذا الإمام الناطق يقول : « إنّي لأمقت الرجل قد قرأ القرآن ، ثمّ يستيقظ من الليل فلا يقوم حتّى إذا كان عند الصبح قام يبادر بالصلاة ».

وهذا ليس بالطالب نفسه ، بل قوا أهليكم ناراً ، ويقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« إذا أيقظ الرجل أهله من الليل ، وتوضّيا وصلّيا ، كتبا من الذاكرين لله كثيراً والذاكرات ».

« عليكم بقيام الليل ، فإنّه دأب الصالحين قبلكم ، وإنّ قيام الليل قربة إلى الله ومنهاة عن الإثم ».

« عليكم بصلاة الليل فإنّها سنّة نبيّكم ، ودأب الصالحين قبلكم ، ومطردة الداء من أجسادكم ».

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) :

« قيام الليل مصحّة للبدن ، وتمسّك بأخلاق النبيّين ، ورضى ربّ العالمين ».

« ما تركت صلاة الليل منذ سمعت قول النبيّ (صلى الله عليه وآله) : صلاة الليل نور ، فقال ابن الكوّاء : ولا ليلة الهرير؟ قال : ولا ليلة الهرير ».

قال الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى :( إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) ، قال :

« صلاة المؤمن بالليل تذهب بما عمل من ذنب بالنهار ».


هذا وكما ورد في الخبر الشريف :

« ليس العلم بكثرة التعلّم ، إنّما العلم نورٌ يقذفه في قلب من يشاء هدايته ، وصلاة الليل نور ، ممّـا يزيد في العلم النافع صلاة الليل ».

« صلاة الليل تبيّض الوجه ، وصلاة الليل تطيّب الليل ، وصلاة الليل تجلب الرزق ».

سئل الإمام عليّ بن الحسين (عليهما السلام) : ما بال المتهجّدين بالليل من أحسن الناس وجهاً؟ قال : لإنّهم خلوا بالله فكساهم الله من نوره.

وأمّا العمل الذي يحرم الإنسان من توفيق صلاة الليل ، فقد جاء رجلٌ إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال : إنّي قد حرمت الصلاة بالليل ، فقال : « قد قيّدتك ذنوبك ».

وقال الإمام الصادق (عليه السلام) :

« إنّ الرجل ليكذب الكذبة فيُحرم بها صلاة الليل ».

« إنّ الرجل يذنب الذنب فيُحرم صلاة الليل ، وإنّ العمل السيّئ أسرع في صاحبه من السكّين في اللحم »(١) .

يا طالب العلم ، بالله عليك هل تغمض العين في الأسحار لمن يقرأ هذه الآيات القرآنية والروايات الشريفة ، ويسمع حالات علمائنا الأعلام؟!

فمن هذه الليلة توكّل على الله سبحانه وصمّم على أن لا تترك صلاة الليل ، وعليك بالدعاء والمناجاة والأذكار ، ومن الله التوفيق والسداد والرشاد ، وهو نعم المولى ونعم النصير.

__________________

١ ـ الروايات من ميزان الحكمة ٥ : ٤١٦.


وهذا شيخنا الأنصاري (قدس سره) إضافة على العبادات التي كان مواظباً عليها يومياً إلى آخر عمره الشريف من الفرائض والنوافل الليليّة والنهاريّة والأدعية والتعقيبات إضافة على ذلك ، كان يقرأ في كلّ يوم جزء من القرآن ويصلّي صلاة جعفر الطيّار ويقرأ الجامعة الكبيرة وزيارة عاشوراء.

وهذا هو العلاّمة الطباطبائي صاحب الميزان يحدّثنا عنه تلميذه ، أنّه كان من أهل الذكر والدعاء والمناجاة ، كنت أراه في الطريق كان في الغالب مشتغلا بذكر الله ، وفي الجلسات التي اشتركت فيها بين يديه ، عندما يخيّم السكوت على المجلس كانت شفتاه تتحرّكان بذكر الله ، وكان متلزماً بالنوافل ، وكان أحياناً يرى في الطريق يصلّي النافلة. كان يحيي ليالي شهر رمضان ، يطالع قليلا ، ويقضي باقي الوقت في الدعاء وقراءة القرآن والصلاة والأذكار.

وهذا صاحب الرياض على كبر سنّه دخل الحوزة ، ونال ما نال من العلم بالدعاء والعبادة والتوسّل بأهل بيت النبوّة (عليهم السلام).

ولو أردنا أن نذكر تراجم سلفنا الصالح في توجّههم للعبادة والدعاء والأذكار لاستدعى ذلك إلى مؤلّفات قطورة ، إنّما نكتفي بهذه النماذج الطيّبة ، ومن أراد الله هدايته يشرح صدره للإسلام ولنور العلم النافع والعمل الصالح ، وتكفيه هذه المواعظ إن كان من أهلها ، والله الموفّق والمعين.

ثمّ لا يخفى أنّ بعض الطلاّب بمجرّد أن تعلّم بعض المصطلحات يبتلى بالتكبّر ، فيترك جانب العبادة مدّعياً أنّ ذلك شغل العجائز ، وأنّه أمرٌ مستحبّ ، ولا يدري أنّ فطاحل العلم وأساطين الفقه والاُصول كان من دأبهم الدعاء والعبادات والزيارات ، والبعض الآخر يدّعي أنّ العلم هو الحجاب الأكبر فيفرط في العبادات غافلا عن العلم والتعليم والتعلّم ، فلا يدرسون أو يكتفوا بدرس واحد ، ويقضون


أكثر أوقاتهم بالبطالة ، هؤلاء كالصنف الأوّل أخطأوا الطريق أيضاً ، وينطبق عليهما معاً كلام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : « لا ترى الجاهل إلاّ مفرطاً أو مفرّطاً » ونتيجة ذلك أنّ الإفراط والتفريط كلاهما خطأ ، بل كما قال مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) : « اليمين والشمال مضلّة ، والطريق الوسطى هي الجادّة ».

فعلى الطالب أن يسلك طريقة الاعتدال ، فيشتغل بالدراسة بكلّ جهده وطاقته ويبذل ما في وسعه في طلب العلم ، وبجنبه يشتغل بالعبادات والزيارات والأدعية والأذكار ، فهما جناحان لطالب العلم يحلّق بهما في آفاق الكمال وسماء السعادة ، وهما عبارة اُخرى عن التزكية والعلم ، والتربية والتعليم ، فعبادة من دون دراسة يجرّه جهله إلى وادي الهلاك ، وعلم بلا عبادة يؤدّيه إلى وادي الشقاء ، فالعلم والعبادة معاً جنباً إلى جنب(١) .

قال الله تعالى :

( يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمْهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ ) (٢) .

__________________

١ ـ مقتبس من سيماء الصالحين : ١٤٨.

٢ ـ آل عمران : ١٦٤ ، الجمعة : ٢.


الدرس التاسع

الأمر الخامس عشر

مداراة الناس ورعاية الآداب الاجتماعية

قال الله سبحانه وتعالى :

( خُذِ العَفْوَ وَأمُرْ بِالعُرْفِ وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلينَ ) (١) .

( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ في الأمْرِ ) (٢) .

( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إنَّ اللهَ يُحِبُّ الُمحْسِنينَ ) (٣) .

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« أمرني ربّي بمداراة الناس كما أمرني بالفرائض ».

« جاء جبرائيل إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقال : يا محمّد ، ربّك يقرئك السلام ويقول لك : دارِ خلقي ».

__________________

١ ـ الأعراف : ٩٩.

٢ ـ آل عمران : ١٥٩.

٣ ـ المائدة : ١٣.


« مداراة الناس نصف الإيمان ، والرفق بهم نصف العيش ».

« إنّ الأنبياء إنّما فضّلهم الله على خلقه بشدّة مداراتهم لأعداء دين الله ، وحسن تقيّتهم لأجل إخوانهم في الله ».

« ثلاث من لم يكنّ فيه لم يتمّ له عمل : ورعٌ يحجزه عن معاصي الله ، وخلقٌ يداري به الناس ، وحلمٌ يردّ به جهل الجاهل ».

يقول أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) :

« المداراة أحمد الخِلال ».

« ثمرة العقل مداراة الناس ».

« رأس الحكمة مداراة الناس ».

« مداراة الرجال من أفضل الأعمال ».

« دارِ الناس تأمن غوائلهم وتسلم من مكائدهم ».

« سلامة الدين والدنيا في مداراة الناس ».

« من دارى أضداده أمن المحارب ».

سئل الرضا (عليه السلام) : ما العقل؟ قال : التجرّع للغصّة ، ومداهنة الأعداء ، ومدارة الأصدقاء.

قال الإمام الصادق (عليه السلام) : « إنّ قوماً من قريش قلّت مداراتهم للناس فنفوا من قريش ، وأيم الله ما كان بأحسابهم بأس ، وإنّ قوماً من غيرهم حسنت مداراتهم فاُلحقوا بالبيت الرفيع ، ثمّ قال : من كفّ يده عن الناس ، فإنّما يكفّ عنهم يداً واحدة ويكفّون عنه أيادي كثيرة »(١) .

__________________

١ ـ الروايات من ميزان الحكمة ٣ : ٢٣٨.


طالب العلم يمثّل بزيّه وسلوكه زيّ وسلوك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، والناس يتقرّبون إليه ويتبرّكون به ويقتدون بفعله ويهتدون بعمله وقوله ، فهو الاُسوة والقدوة ، والقائد الناجح الموفّق من كان يحمل صدراً رحباً وسيعاً ، وخُلقاً سمحاً ، وروحاً لطيفة شفّافة ، وأحاسيس ظريفة مرهفة ، يحسّ آلام الناس ويعيش مشاكلهم وقضاياهم ، ويشاورهم في الأمر ، يفتح لهم صدره ويستقبلهم بثغر باسم ، ووجه بشوش ، وقلب عطوف رؤوف.

فلا بدّ له أن يراعي شعور الناس ويداريهم بخير مداراة ، فإنّ التودّد إلى الناس نصف العقل ، وربما يضيّع علمه بسوء خلقه ، وحتّى أهله وعياله لا بدّ لهم حفظاً لمقام والدهم من مراعاة الآداب والأحكام الشرعيّة.

فحسن الخلق ورعاية آداب المعاشرة والقضايا الاجتماعية أصل مهمّ في حياة طالب العلم ، وكان سلفنا الصالح يبالغون في حفظ ذلك ، ورعاية حال الناس لا سيّما الفقراء والمحرومين.

يقول شيخنا الاُستاذ آية الله الشيخ فاضل اللنكراني دام ظلّه : رافقت اُستاذي آية الله العظمى السيّد البروجردي عليه الرحمة إلى المياه المعدنيّة في مدينة محلاّت ، وهي تنفع لعلاج آلام العظام والمفاصل ، وكان السيّد الاُستاذ مصاباً بألم في رجله. بقينا هناك عدّة أيّام وكان الناس يزورون السيّد بشوق ولهفة ، فأمر السيّد بشراء كمّية من الأغنام وذبحها وتوزيع لحمها بين الفقراء ، وعزلوا شيئاً من اللحم لطعام الظهر يعملون منه كباباً للسيّد ، وحينما وضعوا الكباب في المائدة اكتفى السيّد بخبز ولبن وخيار ، ولم يأكل من الكباب ، قالوا للسيّد بأنّ الفقراء أخذوا سهمهم ، وهذا من حقّكم. فأجاب السيّد : من المستحيل أن آكل من كباب استنشق رائحته الفقراء ، فتركنا أكل الكباب احتراماً للسيّد واُعطي للفقراء مرّة اُخرى.


قيل لبعض العرفاء المرتاضين : إنّ رجلا من المتصوّفة بلغ في ترويضه لنفسه إلى حدّ أنّه يمشي على الماء! فقال العارف : وكذلك يفعله الضفدع. فقيل له : وإنّ واحداً منهم يطير في الهواء! فقال : وكذلك يفعله الذباب. قيل له : ومنهم من يسير من بلد إلى بلد في لحظة بطيّ الأرض! فقال : وكذلك يفعل الشيطان ، يسير من المشرق إلى المغرب ، ثمّ قال : ليس بهذه الأشياء قيمة الرجل ، بل الرجل كلّ الرجل مَن كان يخالط الناس بحسن ويعاشرهم بمعروف ويخدمهم ولا يغفل عن الله طرفة عين.

وإليك ما فعله العلاّمة آية الله السيّد محسن العاملي صاحب (أعيان الشيعة) ، فإنّه كان يمشي خلف جنازة أحد كبار علماء السنّة في سوق الحميدية بالشام ، ثمّ صلّى عليه في المسجد الاُموي ، ثمّ أقبل الناس يقبّلون يد السيّد. فسئل السيّد : كيف هؤلاء السنّة يقبّلون يدك؟ فأجاب : هذه ثمرة حسن معاشرتي مع الناس لمدّة عشرة أعوام ، فإنّي لمّـا قدمت إلى الشام حرّض بعض الجهلة أشدّ الأعداء عليّ ، فكان أطفالهم يرمونني بالحجارة ، وأحيانا يجرّوا عمامتي من الخلف ، ولكنّي صبرت على الأذى وعاملتهم بلطف وإحسان ، وشاركت في تشييع جنائزهم ، وعدت مرضاهم ، وتفقّدت أحوالهم ، كنت أبتسم معهم دائماً اُظهر لهم حناني ، إلى أن استبدلوا العداء بالمحبّة(١) .

وهاك ما فعله العلاّمة المجلسي (قدس سره) عندما التجأ إليه أحد المؤمنين بأنّ جاره من المطربين وشقاوات إصفهان يؤذيه في الليالي ، فطلب منه العلاّمة أن يدعوهم إلى العشاء ويحضر هو أيضاً ، ولمّـا دخل المطربون المجلس وجدوا في زاوية الدار

__________________

١ ـ قصص وخواطر : ١٢٧.


العلاّمة المجلسي ، فتعجّب من حضوره ، فجلس بجواره ، فأراد أن يسخر من العلاّمة ليضحك أصحابه عليه فقال : يا شيخ ، سجاباكم أفضل أم سجايانا؟ فإنّا وإن كنّا من الفاسقين إلاّ أنّ لنا صفة وسجيّة تفقدونها أنتم المؤمنون. فقال العلاّمة : وما هي؟ فقال : نحن معاشر الشقاوات من أخلاقنا أنّه إذا أكلنا من طعام أحد لا نكسر مملحته ولا نخونه (كنايةً عن رعاية الذمّة والملح وعدم الخيانة بمال وناموس مَن يأكلون زاده). فقال له الشيخ : لا تصدق في كلامك. فغاض الشقيّ وقال : أنا وأصحابي كلّنا ملتزمون بهذه السجيّة ، فإمّا أن تثبت خلاف ذلك وإلاّ فأجابه العلاّمة : يا هذا ، ألست طيلة عمرك تأكل ملح الله وزاده وتكسر المملحة وتخالفه وتعصيه؟! ما أن سمع الرجل هذه الكلمة التي خرجت من الأعماق ، إلاّ وارتعدت فرائصه وأمر حاشيته بالخروج من المجلس ، وعند السحر أتى العلاّمة مع جماعته ، وقال له : يا شيخ ، حتّى الفجر فكّرنا في مقولتك هذه ، فوجدنا الحقّ معك وكسرنا المملحة ، وهذه ليست من شيمتنا ، والآن أتيناك تائبون مستغفرون ، فهل لنا توبة؟ فرحّب بهم العلاّمة ، واهتدى هو وأصحابه على يديه ، فحسن حالهم(١) .

وقد دخل سارق بيت أحد العلماء ، فأخذ يفتّش في كلّ زاوية من البيت فلم يجد شيئاً ، فلمّـا همّ بالخروج ناداه العالم : إنّك جئت في طلب الدنيا فليس عندنا منها شيء ، فهل تريد من الآخرة؟ فقال السارق : نعم ، فاحتضنه العالم وعلّمه التوبة حتّى أسفر الصباح ، وبعد الصلاة ذهب إلى المسجد للدرس ، فسأل التلامذة عن الرجل ، فأجاب : أراد أن يصيدني ولكنّي اصطدته فجئت به إلى المسجد ، وهكذا أصبح السارق من التائبين المؤمنين.

__________________

١ ـ قصص العلماء : ٢٣٣.


وما أجمل المنطق الذي تحلّى به شيخنا الأعظم الأنصاري ، حينما اجتمع تجّار بغداد يوماً وجمعوا من أموالهم مبلغاً ، فجاؤوا به إلى الشيخ وقالوا : هذا المال ليس من الحقوق الشرعيّة (الخمس والزكاة) ، إنّما هو تبرّع وهديّة منّا إليك لتحسن به معيشك وترتاح في أواخر عمرك. رفض الشيخ ذلك وقال : يؤسف عليّ بعد عمر من مواساة الفقراء أن أعيش غنيّاً في آخر العمر ، فيمحى اسمي من قائمة الفقراء ، وأتخلّف عن مكانتهم السامية التي أعدّها الله لهم يوم القيامة في جنّة عرضها السماوات والأرض(١) .

وإليك هذه الحكاية الرائعة عن سلوكيّة مرجع من مراجعنا العظام : حكى أحد العلماء : كنت جالساً قرب تلّ الزينبيّة وبجانبي رجلٌ واقف ، وفي الأثناء وقعت عيني على المرحوم آية الله العظمى السيّد أبي الحسن الإصفهاني أكبر مرجع زمانه للشيعة ، قد خرج مع مرافقيه من حرم الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) ، والتفتّ فجأة إلى الرجل الذي كان واقفاً عندي فرأيته انطلق منفعلا نحو السيّد الإصفهاني وهو يقول بصوت عال : « سوف أشتمه بئس شتيمة » وبعد دقائق رأيته عاد باكياً عليه آثار الخجل والندامة! سألته عن السبب لهذه المفارقة بين الموقف الأوّل وهذا الموقف؟ فأجاب : لقد شتمت السيّد حتّى باب منزله ، وعند الباب طلب منّي الانتظار ، فرجع وبيده مبلغاً من المال ، أعطاني ذلك وقال لي : راجعنا لدى كلّ مضيقة تعترضك ، إذ أخشى أن تراجع غيرنا فلا يقضي حاجتك ، ولي إليك حاجة ، هي أنّني أتحمّل كلّ شتيمة موجّهة إليَّ شخصياً ، ولكن أرجوك أن لا تشتم عرضي وأهل بيتي ، فإنّي لا أتحمّل ذلك(٢) . وبمثل هذا الخلق الرفيع تغيّر الرجل.

__________________

١ ـ المصدر : ١٩٨.

٢ ـ قصص وخواطر : ٢٢٢.


وأمّا سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد النجفي المرعشي (قدس سره) ، فأتذكّر يوماً أنّه حينما كان صدّام اللعين يقصف مدينة قم المقدّسة وأكثر مدن إيران بالصواريخ والقذائف ، وقد خرج أهالي قم من المدينة خوفاً ورعباً وحفظاً للنفوس ، بقي سيّدنا لابثاً مع من كان ، وكان يركب من قبل السيارة من داره إلى الحرم الشريف لأداء صلاة الجماعة ، ولكن في تلك الأيّام العصيبة ، على كبر سنّه وشيخوخته ، كان يأتي إلى الحرم الشريف في مواعيد الصلاة مشياً على الأقدام ، فسئل عن ذلك؟ فأجاب : اُريد أن يراني الناس حتّى تطمئنّ القلوب ويرتاح البال ولو جزءاً يسيراً.

كنت جالساً في غرفته بجواره ، فدخل عليه رجل طاعن في السنّ من عوامّ الناس ، فقال بعد السلام والترحيب : سيّدي ، اُعرّفك بنفسي ، أنا غلام الدلاّك ، وأودّ أن أذكر لك قصّة من حياتك ، كنت دلاّكاً في حمّـام عامّ ، وكنت أيّام شبابك تأتي مع أولادك الصغار السيّد محمود والسيّد جواد إلى ذلك الحمّـام ، فدخلتم يوماً ورأيت أطفالا فسألتني عنهم ، فأخبرتكم أنّهم أيتام ، فقلت لأولادك لا تنادوني بكلمة (بابا) رعايةً لمشاعر هؤلاء اليتامى ، ثمّ أعطيتني نقوداً لأشتري لهم لوازم قرطاسية لمدرستهم ، فاشتريت لهم ذلك. أجل ، لم يكن بينه وبين الناس حاجب ، كان بابه مفتوحاً دائماً للوافدين والمراجعين ، رجالا ونساءً ، لا أنسى تلك الساعة التي كنت عنده قبل رحلته بيومين حينما دخلت عليه عجوز لأداء خمسها ، فطلبت منه أن يشفع لها يوم القيامة ، فقال (قدس سره) : إن كنت من أهل الشفاعة سأشفع لكِ. كان شفيقاً بأعدائه ، فكيف لا يداري أحبّائه وأصدقائه؟

حدّثني يوماً عمّـا جرى عليه من حسّاده وأعدائه ، حيث كان يأتمّ به عشرات الصفوف في الصحن الشريف ، وآل الأمر إثر وشاية الأعداء وسعاية الحسّاد أن يأتمّ به نفرٌ قليلٌ من المؤمنين ، فصبر وقاوم حتّى عادت الاُلوف تصلّي


خلفه. قال : في تلك الأيّام المرّة دخلت مجلساً ، كان فيه شخص من المعمّمين ، فجلست بجنبه ، ولكن من شدّة عداوته أدار ظهره عليَّ أمام الناس ، فهضمت ذلك في نفسي واحتسبتها لله ، وحينما أردت الخروج ، من حيث لا يشعر ألقيت في حجره بعض المال ، وبعد هذا كان يحدّث الناس أنّه في تلك الليلة لم يكن عنده شيء من المال وكان في حيرة ، وأنّه من كراماته قد وجد مالا في حجره ، ولم يشعر أنّه أنا الذي وضعت في حجره المال. كان يقضي حوائج الناس بالمقدار الممكن ، ولا تثني عزيمته كبر سنّه ، ولا الأمراض والأسقام ، ولا الهموم والأحزان ، ولا القيل والقال ، بل بكلّ صلابة وقوّة وحول من الله سبحانه يقاوم المصاعب والمشاكل. فكان خير مثال للخلق الاجتماعي ، وأفضل آية للآداب الاجتماعية ومداراة الناس ، وبمثل هؤلاء الفقهاء العظام وعلمائنا الكرام نقتدي ونتأسّى في رعاية حقوق الآخرين ، وملاطفة الناس ، وإدارة شؤونهم ، بثغر باسم ، ووجه بشوش ، وصدر رحب ، وقلب وسيع ، وأخلاق رفيعة ، وسجايا حميدة ، نتقرّب إلى الله سبحانه بذلك ، ولنا اُسوةٌ حسنة برسول الله (صلى الله عليه وآله) :( وَإنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظيم ) (١) .

الله الله في مداراة الناس ، والتواضع في المجتمع ، فما أعظم الإمام الخميني ، مع علوّ مقامه الشامخ يتواضع للمجاهدين في الجبهات قائلا : اُقبّل أياديكم وسواعدكم ، لأنّ الله معها ، وأفتخر بذلك.

ويقول سماحته مخاطباً نوّاب مجلس الشورى الإسلامي : فكّروا جميعاً بالناس دائماً ، هؤلاء هم عباد الله ، هؤلاء هم الذين يقتلون الآن على الحدود ، هم الذين يواجهون صعوبات الحرب ، وهم الذين تشرّدوا ، وهم يعيشون في هذه الأماكن

__________________

١ ـ القلم : ٤.


وهذه الخيم دون أبسط المقوّمات ، هؤلاء هم عباد الله وهم أفضل ، هم أفضل منّي ، ويحتمل أن يكونوا أفضل منكم ، فلماذا لا نفكّر بهم دائماً.

كان يقول (قدس سره) : « أنا طلبة » أي طالب علم ، أنا خادم الناس ، لا تقولوا لي قائداً ، يا ليتني كنت أحد حرّاس الثورة الإسلامية

وهذا الآخوند الخراساني المحقّق الكبير كان متواضعاً جدّاً خصوصاً مع أهل العلم ، كان يبادر أصغر الطلاّب بالسلام ، ويقف لهم في المجالس احتراماً ، كان يجلّ أهل العلم كثيراً. وعندما يطرق أحد الطلبة داره بعد منتصف الليل ليرسل خادمه معه إلى قابلة لوضع حمل زوجته ، فيأبى الآخوند على أنّ الخادم نائم وأنا شخصيّاً أذهب معك ، فيذهب معه حاملا الفانوس ينتقل معه من زقاق إلى زقاق حتّى قضى حاجته.

وهذا الشيخ الأنصاري الشيخ الأعظم كان يداري الناس ويعاملهم معاملة جميلة ، لا سيّما طلاّب العلوم الدينية ، في بعض الأيّام كان يتأخّر عن وقت الدرس المحدّد ، فسئل عن سبب ذلك؟ فأجاب : أحد السادة الهاشميّين يحبّ دراسة العلوم الدينيّة ، وفاتح بذلك عدّة أشخاص ليدرّسوه المقدّمات ، إلاّ أنّ أحداً منهم لم يوافق ، واعتبروا أنّ شأنهم أجلّ من أن يتصدّوا لهذا الدرس ، وقد تولّيت تدريسه.

رأى أحد زوّار أمير المؤمنين (عليه السلام) المقدّس الأردبيلي في الطريق ولم يعرفه ، وكان ذلك الزائر يبحث عمّن يغسل له ثيابه ، فقال للمقدّس : خذ ثيابي واغسلها وائتني بها ، فأخذها وغسلها وجاء بها ليدفعها إليه ، فعرف بعض من كان بما جرى ، فعاتب ذلك الزائر وأنكر عليه ، فقال المقدّس (قدس سره) : ولِمَ تلومه ، وماذا حدث؟ إنّ حقوق المؤمن على المؤمن أكثر من هذا بكثير.

كان العلاّمة الشيخ محمّد جواد البلاغي (رحمه الله) يتواضع لله ، فكان يذهب بنفسه إلى السوق ويشتري ما يحتاجه ويحمله في الشارع والزقاق كسائر الناس ، ولم يكن


يرضى أبداً أن يساعده أحد في شؤونه ، وكان يقول : المرء أولى بحمل متاعه ـ كما ورد في الخبر الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام) ـ.

كان مراجعنا الكرام من تواضعهم يصدّرون أسمائهم في التوقيع بقولهم : الأحقر ، أقلّ الطلاّب ، وكان صدر المتألّهين يكتب بعض الفقراء من الاُمّة المرحومة.

كان آقا رضا الهمداني ، ذلك الرجل المحقّق الكبير ، من شدّة تواضعه يقوم للطلاّب جميعهم حتّى في أثناء الدرس ، وكان يشتري لوازم بيته بنفسه ، ويعيش بين الناس ، وهكذا رجال الدين اقتداءً برسول الله من الناس وإلى الناس ومع الناس ، كان فينا كأحدنا ، من دون امتياز واستعلاء ، بل في خدمة الناس ، فخير الناس من نفع الناس ، تقرّباً إلى الله تعالى ، وبهذا يمتاز طالب العلم في سيرته الأخلاقية عن الباقين.

فرجل الدين يحمل هموم الناس :( حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنينَ رَؤوفٌ رَحيمٌ ) .

فيعاملهم معاملة الأب العطوف الذي يتمنّى لأبنائه الصالحين السعادة الأبديّة. ويشهد التأريخ أنّ أنفع الناس للناس ، وأشدّهم خدمةً لهم ، يشاركونهم في أفراحهم وأحزانهم بعد الأنبياء والأوصياء هم العلماء ، فإنّهم تحمّلوا المشاقّ والصعاب وواجهوا التحدّيات وأنواع الجور والظلم والجنايات ، وبذلوا جهوداً جبّارة في خدمة الناس وحلّ مشاكلهم ، وفي سبيل تحريرهم من نير الفقر والظلم ، وإحياء القيم الإلهية والإنسانية ، ووضع إصر الأغلال عن الناس.

فالعالم جماهيريّ العقليّة والروح ، يكنّ بين أضلعه حبّ الناس.

كان والدي (قدس سره) حينما تسأله والدتي عن كثرة لقائه بالناس ليل نهار ، فكان في خدمتهم حتّى منتصف الليل ، فأجابها تكراراً : من حين لبسنا هذا الزيّ ـ العمّة والعباءة ـ فإنّا وقف للناس ، وصاحب الزمان (عليه السلام) يرضى منّا بذلك.

كان الشيخ زين العابدين المازندراني من أوتاد الأرض ، يروي ولده أنّه


يوماً جاءته امرأة بعد صلاة المغرب ، وبعد سويعة تحرّك والدي وذهب إلى بيت ، فطرق الباب فخرج صاحب مقهى ، ما أن رأى الشيخ إلاّ انحنى على يده يقبّلها ، فأمره الشيخ أن يرجع زوجته ، فعرفنا أنّ الرجل قد طلّق زوجته مع أنّ لها أولاد وأخرجها من المنزل ، فاستنجدت بالشيخ ليتوسّط لها مع زوجها ، فرجع إليها.

وعندما طغى الماء في كربلاء خرج الشيخ من المدينة وبدأ بنقل التراب بعباءته ليضعه في طريق الماء ، فعندما رأى الناس ذلك من الشيخ خرجوا جميعاً ينقلون التراب ، فأقاموا سدّاً بقي لعدّة سنوات.

كان الشيخ الأعظم كاشف الغطاء يرهن بيته من أجل الفقراء والمساكين ، وكان الشيخ الأنصاري آية في مساعدة الفقراء والمحرومين ، كان يصلّي استيجاراً ليسهّل عليهم إمرار المعاش ولقمة العيش.

فيا طالب العلم ، الله الله بمداراة الناس وخدمتهم ، لا سيّما البؤساء والفقراء ، فهم عيال الله سبحانه وتعالى ، فكن مباركاً ومنشأً للخيرات والمبرّات والمشاريع الخيريّة والاجتماعية ، وعند الله الحساب ، جنّات عدن تجري من تحتها الأنهار ورضوان الله أكبر ، ولمثل هذا فليعمل العاملون ، وليتنافس المتنافسون.

فرجل الدين كالأنبياء دائماً يفكّر في الناس ، ويعيش مثل أفقرهم.

من طريف ما يحكى عن حياة السيّد الإمام (قدس سره) ، أنّه عندما كان قبيل انتصار الثورة الإسلامية في إيران كان في ضاحية باريس ، وظهرت أزمة نفط في إيران ، فلم يعد باستطاعة الناس تدفئة بيوتهم إلاّ بمشقّة وعسر ، قال الإمام : اتركوا غرفتي بدون تدفئة مواساةً للناس(١) . وجاءه شخص وقال له : إنّ عباءتي ممزّقة فساعدني ،

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ٣٨٥ ، وفي هذا الكتاب قصص نافعة وكثيرة ، اُوصي الطلاّب بمطالعته ولو تكراراً كما فعلت. ومثله كتاب (قصص العلماء) للمحقّق التنكابني ، و (قصص وخواطر).


فتناول الإمام عباءته وقال له : اُنظر إنّ عباءتي أيضاً ممزّقة.

كان صاحب المعالم ابن الشهيد الثاني (رحمهما الله) لا يدّخر أبداً ما يزيد على قوته لمدّة اُسبوع ، مواساةً للفقراء والمحتاجين وحرصاً على عدم التشبّه بالأثرياء.

وكان صدر المتألّهين يقول : حيث إنّ قسماً من الذنوب ينشأ من كثرة الأكل والاهتمام بالبطن ، فيجب التقليل من الطعام ، وكان دائماً يردّد بيتاً لسعدي ـ الشاعر الإيراني ـ مضمونه : (إبقِ داخلك خالياً من الطعام ، لترى فيه نور المعرفة). كان يعيش البساطة ، وكان يتحدّث مع الناس مباشرةً ومن دون حاجب وكاتب.

بلغ زهد الوحيد البهبهاني حدّاً بحيث أنّ ثيابه كانت من (الكرباس الردي) ـ نوع من القماش ينسج باليد ـ وغالباً ما كانت زوجته المكرّمة هي تهيّؤها وتنسجها ، ولم يكن يرغب أبداً بألبسة الدنيا وأقمشتها.

لم يبالِ أبداً بجمع زخارف الدنيا التي كانت في متناول أصغر طلاّبه وبأدنى التفاتة منه ، اعتزل الذين يكنزون الذهب ، اجتنب معاشرتهم ومحادثتهم ، وكان يأنس بالفقراء ويواسيهم في مأكلهم وملبسهم ، وكان يطلب من اُسرته أن يراعوا ذلك لكي يقتدي الناس به وبعائلته ، ولا ينتقدوا اُسرة الروحانيين ، كما نرى ومع كلّ الأسف هذه الظاهرة الخطرة على الحوزة والعلماء والدين في مجتمعنا الحاضر.

اللهمّ أصلح كلّ فاسد من اُمور المسلمين ، ووفّقنا وعوائلنا للزهد والعلم النافع والعمل الصالح.

يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً

تالله ما لخراب الدهر عمران

ودع الفؤاد عن الدنيا وزخرفها

فصفوها كِدرٌ والوصل هجران

يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته

فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان


الدرس العاشر

الأمر السادس عشر

الزهد والحياة المتواضعة

قال الله سبحانه وتعالى :

( إذْ تصْعدونَ وَلا تَلـْوونَ عَلى أحَد وَالرَّسولُ يَدْعوكُمْ في اُخْراكُمْ فَأثابَكُمُ غَمَّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أصابَكُمْ وَاللهُ خَبيرٌ بِما تَعْمَلونَ ) (١) .

( لِكَيْلا تَأسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحوا بِما آتاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتال فَخور ) (٢) .

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قول الله تعالى :( وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيَّاً ) ، يعني الزهد في الدنيا. وقال الله تعالى لموسى : « يا موسى ، إنّه لن يتزيّن المتزيّنون بزينة أزين في عيني مثل الزهد » ، « ما اتّخذ الله نبيّاً إلاّ زاهداً ».

__________________

١ ـ آل عمران : ١٥٣.

٢ ـ الحديد : ٢٣.


وورد في الخبر : « العلماء ورثة الأنبياء » ، وهذا يعني أنّ كلّ عالم لا بدّ أن يكون زاهداً ، فإنّه يرث النبيّ في زهده ، وإذا أراد أن يتوفّق في حياته العلميّة فمن أقرب الوسائل الزهد. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « النار لمن ركب محرّماً ، والجنّة لمن ترك الحلال ، فعليك بالزهد ، فإنّ ذلك ممّـا يباهي الله به الملائكة ، وبه يقبل الله عليك بوجهه ، ويصلّي عليك الجبّار ».

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) :

« الزهد أقلّ ما يوجد وأجلّ ما يعهد ، ويمدحه الكلّ ويتركه الجُلّ ».

« الزهد شيمة المتّقين وسجيّة الأوّابين ».

« الزهد متجر رابح ».

« إنّ علامة الراغب في ثواب الآخرة زهده في عاجل زهرة الدنيا ».

« الزهد أصل الدين ».

« الزهد ثمرة الدين ».

« الزهد أساس اليقين ».

« عليك بالزهد فإنّه عون الدين ».

« إنّ من أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا ».

« الزهد كلّه في كلمتين من القرآن ، قال الله تعالى :

( لِكَيْلا تَأسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحوا بِما آتاكُمْ ) .

فمن لم يأسَ على الماضي ولم يفرح بالآتي فهو الزاهد ».

« أيّها الناس ، إنّما الناس ثلاثة : زاهد وراغب وصابر ، فأمّا الزاهد فلا يفرح بشيء من الدنيا أتاه ولا يحزن على شيء منها فاته ، وأمّا الصابر فيتمنّاها بقلبه فإن أدرك منها شيئاً صرف عنها نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها ، وأمّا الراغب فلا يبالي


من حلٍّ أصابها أم من حرام ».

« يا ابن آدم ، لا تأسف على مفقود لا يردّه إليك الفوت ، ولا تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت ».

« الزهد تقصير الآمال وإخلاص الأعمال ».

« أصل الزهد حسن الرغبة فيما عند الله ».

« أيّها الناس ، الزهادة قصر الأمل والشكر عند النعم ، والتورّع عند المحارم ، فإن عزب ذلك عنكم فلا يغلب الحرام صبركم ولا تنسوا عند النعم شكركم ».

قال الإمام الصادق (عليه السلام) :

« جُعِل الخير كلّه في بيت ، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا ».

عماد طالب العلم زهده في الدنيا ، ولا بدّ له من ذلك ، فإنّ ما يطلبه هو علم الآخرة ، علم الله والأنبياء والأولياء ، ولا يتأتّى ذلك مع الرغبة بما يكرهه الله ، وإنّ الله ليبغض الدنيا الدنيّة وزخرفها وزبرجها ، فهي التي تبعد عباده عن ساحة قدسه وفيض لقائه ، فيحبّ من زهد فيها ، ورسول الله يقول :

« الزهـد في الدنيـا قصر الأمر وشكر كلّ نعمة ، والورع عن كلّ ما حرّم الله ».

« الزهد ليس بتحريم الحلال ، ولا إضاعة المال ، ولكنّ الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق منك بما في يد الله ، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت اُصبت بها أرغب فيها لو أنّها اُبقيت لك ».

وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : الزهد مفتاح باب الآخرة ، والبراءة من النار وهو تركك كلّ شيء يشغلك عن الله ، من غير تأسّف على فوتها ولا إعجاب في تركها ، ولا انتظار فرج منها ولا طلب محمدة عليها ، ولا عوض منها ، بل ترى


فوتها راحة وكونها آفة ، وتكون أبداً هارباً من الآفة ، معتصماً بالراحة.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام) حينما سئل عن الزاهد في الدنيا؟ قال : الذي يترك حلالها مخافة حسابه ، ويترك حرامها مخافة عذابه.

ويقول زين العابدين (عليه السلام) : إنّ علامة الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة تركهم كلّ خليط وخلل ، ورفضهم كلّ صاحب لا يريد ما يريدون ، ألا وإنّ العامل لثواب الآخرة هو الزاهد في عاجل زهرة الدنيا.

عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) في حديث أنّه قال : قلت : يا جبرائيل : فما تفسير الزهد؟ قال : الزاهد يحبّ من يحبّ خالقه ويبغض من يبغض خالقه ، ويتحرّج من حلال الدنيا ولا يلتفت إلى حرامها ، فإنّ حلالها حساب وحرامها عقاب ، ويرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه ، ويتحرّج من الكلام كما يتحرّج من الميتة التي قد اشتدّ نتنها ، ويتحرّج عن حطام الدنيا وزينتها كما يتجنّب النار أن تغشاه ، ويقصر أمله ، وكان بين عينيه أجله.

يقول الإمام الصادق (عليه السلام) : الزاهد الذي يختار الآخرة على الدنيا ، والذلّ على العزّ ، والجهد على الراحة ، والجوع على الشبع ، وعاقبة الآجل على محبّة العاجل ، والذكر على الغفلة ، ويكون نفسه في الدنيا وقلبه في الآخرة.

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : « لا يكون زاهداً حتّى يكون متواضعاً ».

« ويقول في صفة الزهّاد ، كانوا قوماً من أهل الدنيا وليسوا من أهلها ، فكانوا كمن ليس منها ، عملوا فيها بما يبصرون ، وبادروا فيها ما يحذرون ، تقلّب أبدانهم بين ظهرانيّ أهل الآخرة ، يرون أهل الدينا يعظمون موت أجسادهم ، وهم أشدّ إعظاماً لموت قلوب أحبّائهم ».

« إنّ الزاهدين في الدنيا تبكي قلوبهم ، وإن ضحكوا أو يشتدّ حزنهم وإن


فرحوا ، ويكثر مقتهم أنفسهم وإن اغتبطوا بما رزقوا ».

هذه بعض صفات الزاهدين ، ولا بدّ لأهل العلم منها ، ومقدّمتها التفكّر والتزهّد ، بمعنى أن يلقي نفسه في الزهد حتّى يزهد ، وهذا حكم جار في كلّ الصفات الحميدة ، فإنّ الحليم في بداية أمره يتحلّم حتّى يحلم.

ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام) :

« أوّل الزهد التزهّد ».

« التزهّد يؤدّي إلى الزهد ».

وأصل الزهد اليقين وحسن الرغبة فيما عند الله ، وثمرته السعادة ، وإنّما يزهد الإنسان بمقدار علمه بالله سبحانه ، وكيف يزهد في الدنيا من لا يعرف قدر الآخرة؟

ويقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في وصيّة لولده الإمام الحسن (عليه السلام) : « أكثر ذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم ، فإنّ ذلك يزهدك في الدنيا ، ويصغّرها عندك وقد نبأّك عنها ، ونعتت لك نفسها ».

« من صوّر الموت بين عينيه هان امر الدنيا عليه ».

« أحزمكم أزهدكم ».

يقول الإمام الباقر (عليه السلام) : أكثر ذكر الموت فإنّه لم يكثر إنسان ذكر الموت إلاّ زهد في الدنيا.

وعن مولانا الكاظم (عليه السلام) ، عند قبر حضره : إنّ شيئاً هذا آخره لحقيقٌ أن يزهد في أوّله ، وإنّ شيئاً هذا أوّله لحقيقٌ أن يخاف آخره.

ثمّ الزهد كلّي مشكّك له مراتب طوليّة وعرضيّة ، يتعرّض لها علماء السير والسلوك والأخلاق.


وقد ورد عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) : الزهد عشرة أجزاء فأعلى درجات الزهد أدنى درجات الورع ، وأعلى درجات الورع أدنى درجات اليقين ، وأعلى درجات اليقين أدنى درجات الرضا ».

وأمّا ثمرات الزهد وآثاره في حياة المؤمن ولا سيّما طالب العلم فأوّلها :

الحكمة والعلم المبارك النافع ، والمخزون في القلوب والنفوس من لدن حكيم عليم.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبي ذرّ : « يا أبا ذرّ ، ما زهد عبدٌ في الدنيا إلاّ انبت الله الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه ، ويبصّره عيوب الدنيا وداءها ودواءها ، وأخرجه منها سالماً إلى دار السلام ».

« من يرغب في الدنيا فطال فيها أمله أعمى الله قلبه على قدر رغبته فيها ، ومن زهد فيها فقصر فيها أمله أعطاه الله علماً بغير تعلّم ، وهدىً بغير هداية ، وأذهب عنه العماء وجعله بصيراً ».

« يا أبا ذرّ : إذا رأيت أخاك قد زهد في الدنيا فاستمع منه ، فإنّه يلقى الحكمة ».

يقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : « من زهد في الدنيا ولم يجزع من ذلّها ، ولم ينافس في عزّها هداه الله بغير هداية من مخلوق ، وعلّمه بغير تعليم ، وأثبت الله الحكمة في صدره وأجراها على لسانه ».

ومن ثمرات الزهد شرح الصدر ، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قوله تعالى :( أفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلى نُور مِنْهِ ) ، إنّ النور إذا وقع في القلب انفسخ له وانشرح. قالوا : يا رسول الله ، فهل لذلك علامة يعرف بها؟ قال : التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزول الموت.


ومنها : المكاشفة ورؤية ملكوت الأشياء وحقائقها كما هي ، وإنّ علمائنا الأعلام نالوا في هذا المقام درجات من الحديث المستصعب ، أعطاهم الله الكرامات والمقامات الرفيعة وفتح سمعهم وأبصارهم ، فكانوا يسمعون ما لا يسمع غيرهم ويبصرون ما لا يبصر غيرهم.

عن سلام ، قال : كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فدخل عليه حمران بن أعين ، فسأله عن أشياء ، فلمّا همّ حمران بالقيام قال لأبي جعفر (عليه السلام) : اُخبرك أطال الله بقاك وأمتعنا بك ، أنّا نأتيك فما نخرج من عندك حتّى ترقّ قلوبنا وتسلوا أنفسنا عن الدنيا ، ويهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال ، ثمّ نخرج من عندك ، فإذا صرنا مع الناس والتجّار أحببنا الدنيا؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) : إنّما هي القلوب مرّة يصعب عليها الأمر ومرّةً يسهل. ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام) : أما إنّ أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالوا : يا رسول الله ، نخاف علينا النفاق! قال : فقال لهم : ولِمَ تخافون ذلك؟ قالوا : إنّا إذا كنّا عندك فذكرتنا روعنا ووجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا فيها حتّى كأ نّا نعاين الآخرة والجنّة والنار ، ونحن عندك. وإذا دخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل والمال يكاد أن نحوّل عن الحال التي كنّا عليها عندك ، وحتّى كأ نّا لم نكن على شيء؟ أفتخاف علينا أن يكون هذا النفاق؟ فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) : كلاّ ، هذا من خطوات الشيطان ليرغّبكم في الدنيا ، والله لو أنّكم تدومون على الحال التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة ومشيتم على الماء ».

وفي خبر آخر : « لولا هيام الشياطين على قلوبكم لرأيتم ما أرى ولسمعتم ما أسمع ».

قال الحواريّون لعيسى (عليه السلام) : ما لَكَ تمشي على الماء ونحن لا نقدر على ذلك؟


فقال لهم : وما منزلة الدينار والدرهم عندكم؟ قالوا : حسن. قال : لكنّهما عندي والمدر سواء.

ومن ثمرات الزهد تسهيل الطريق إلى الله سبحانه ، فإنّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يقول : « العلم يرشدك إلى ما أمرك الله به ، والزهد يسهّل لك الطريق إليه ».

ومن ثمراته : معرفة الدنيا وعيوبها ، عن أمير المؤمنين : « إزهد في الدنيا يبصّرك الله عوراتها ، ولا تغفل فلست بمغفول عنك ».

ومن ثمراته : أنّ كلّ واحد يجب أن يكون من الصلحاء في حياته ، وأن يصلح حاله ودنياه وآخرته ، فمفتاح الصلاح الزهد ، قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : « الزهد مفتاح صلاح ، الورع مصباح نجاح ».

ومنها : نزول الرحمة وشمولها ، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) : « إزهد في الدنيا تنزل عليك الرحمة » ومعلوم أثر نزول الرحمة على طالب العلم أن يوفّق في حياته ويرى بركات علمه.

ومنها : سعادة الدنيا ، والسعادة كلّ واحد يطلبها(١) ، وأمير المؤمنين (عليه السلام) يقول : « إنّكم إن زهدتم خلصتم من شقاء الدنيا وفزتم بدار البقاء ».

ومنها : الحرّية ، وهي اُنشودة الأحرار في العالم ، وما أكثر الدماء التي سفكت من أجلها ، ولكنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول : « من زهد في الدنيا أعتق نفسه وأرضى ربّه ».

__________________

١ ـ ذكرت مفهوم السعادة ومن هو السعيد من خلال آراء الأعلام والروايات والآيات في كتاب (السعيد والسعادة بين القدماء والمتأخّرين) ، وهو مطبوع ، فراجع.


ومنها : العزّ والكرامة ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « أفلح الزاهد في الدنيا ، حظى بعزّ العاجلة وبثواب الآخرة ».

ومنها : الراحة واستهانة المصيبات ، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) :

« الزهد في الدنيا الراحة العظمى ».

« السلامة في التفرّد ، الراحة في الزهد ».

« من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات ».

« من زهد في الدنيا هانت عليه مصائبها ولم يكرهها ».

« من زهد في الدنيا استهان بالمصيبات ».

« الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن ، والرغبة فيها تتعب القلب والبدن ».

« الرغبة تورث الهمّ والحزن ».

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « إنّ الزاهد في الدنيا يريح ويريح قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة ، والراغب فيها يتعب قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة ».

قال الإمام عليّ (عليه السلام) : « من زهد في الدنيا لم تفته ، من رغب فيها أتعبته وأشقته ».

وفي وصاياه لولده الحسن (عليه السلام) يقول : « يا بني ، فإن تزهد فيما زهّدتك فيه وتعزف نفسك عنها ، فهي أهل ذلك ، وإن كنت غير قابل نصيحتي إيّاك فيها ، فاعلم يقيناً أنّك لن تبلغ أملك ولا تعدو أجلك ، فإنّ في سبيل من كان قبلك ، فخفّض في الطلب وأجمل المكتسب ».

ومنها : الغنى ، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « لن يفتقر من زهد ».

ومنها : الحكمة التي هي ضالّة المؤمن ، أين وجدها أخذها ، وإنّها من الخير الكثير ، وتزيد على الدنيا وما فيها ، فإنّها متاع قليل ، فمن ثمرات الزهد الحكمة ،


وإنّما تثمر مع الزهد ، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « مع الزهد تثمر الحكمة ».

ومنها : الصبر ، الذي هو أساس الأخلاق ، قال الإمام الكاظم (عليه السلام) : « إنّ أصبركم على البلاء لأزهدكم في الدنيا » ، فبين الزهد والصبر تلازم ، فمن صبر زهد ، ومن زهد صبر.

ومنها : اجتناب الحرام وترك المعاصي ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « أزهد الناس من اجتنب الحرام » ، فالزهد يوجب ترك الحرام وترك الحرام يوجب الزهد.

وهناك فوائد وثمرات كثيرة لمن زهد في هذه الدنيا الدنيّة وزخرفها وزبرجها ، ويكفي في دناستها وخسّتها ، أنّها مطلوبة الظالمين والفاسقين والكفّار والمنافقين.

الله الله في الزهد ، فلا يفتنك يا طالب العلم ، أيّها الأخ العزيز ، فكما قال مولانا وإمامنا الصادق (عليه السلام) : « ألا من صبّار كريم ، وإنّما هي أيّامٌ قلائل ».

فعلينا أن نصبر في هذه الأيّام القلائل لسنين ، صبروا أيّاماً قليلة وأعقبتهم أيّاماً طويلة في راحة وجنّة نعيم ، عند مليك مقتدر في مقعد صدق ، يطوف عليهم الحور العين والولدان المخلّدين بأكواب وأباريق ، تجري من تحتهم الأنهار ـ رزقنا الله وإيّاكم ـ.

فكن يا طالب العلم الإلهيّ زاهداً وابحث عن الزهّاد وعاشرهم وصاحبهم وخذ الحكمة والعلم منهم ، وافعل كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « إذا هرب الزاهد من الناس فاطلبه ، إذا طلب الزاهد الناس فاهرب منه » ، ولا تقل في الدنيا قول الزاهدين وتعمل فيها عمل الراغبين ، فكن الاُسوة الحسنة والقدوة الصالحة ، ولا تفعل ما تندم عليه في الدنيا والآخرة.

هذه جملة من الروايات الشريفة في فضل الزهد ومقامه الشامخ وآثاره في


الدنيا والآخرة ، وسلفنا الصالح جسّدوا آيات الزهد في حياتهم.

فهذا شيخنا الأعظم الشيخ الأنصاري (قدس سره) لمّا اشتهر بالزعامة الدينية والمرجعية بعثت الحكومة العثمانية مندوباً إليه ، فلمّـا دخل عليه وكان يتوقّع أن يعيش في القصور الزاهية حوله الحشم والخدم ، إلاّ أنّه رأى شيخاً جالساً على حصير عتيق وعلى رأسه عمامة بيضاء لابساً جبّة زهيدة الثمن ، ثمّ رآه قام بنفسه وصبّ حليباً في قدح وأضاف عليه قليلا من الماء وقدّمه إليه ، ولمّـا شرب الحليب استاذن منه الشيخ على أنّ تلامذته بانتظاره للدرس فودّعه ، ولمّـا رجع المندوب فأخبر القوم قائلا : وجدت الشيخ زاهداً كما أوصى نبيّ الإسلام بالزهد(١) .

كان صدر المتألّهين يعتقد بأنّ طالب العلم يجب أن لا يفكّر في المال والجاه إلاّ ما كان ضرورياً لمعاشه ، وكان يقول : من طلب العلم للمال والجاه فإنّه موجودٌ خطر ، يجب الحذر منه.

وفي جلسات درسه كان يقول : تعلّم العلم والفنّ بدون جوهره أشبه ما يكون بتمكين قاطع الطريق من الخنجر ، إنّ تمكين الزنجي السكران من الخنجر أفضل من وقوع العلم بيد من ليس أهلا له.

وسلفنا الصالح كان يطلب العلم للعلم ، ولتبليغ الرسالة وهداية الناس ، وللأجر والثواب ، لا للمال والمنال والجاه والمقام واحترام الناس وما شابه ، فكانوا يدرسون ليصبحوا علماء صلحاء حتّى إذا علموا بأنّهم سيعيشون الفقر والحرمان المادّي حتّى آخر يوم من حياتهم.

فالزهد عنوان رجل الدين ، وخلقه الأوّل والأخير ، وإليكم هذه القصّة في

__________________

١ ـ قصص وخواطر : ٢٢٨.


الزهد : لمّـا وضع الاسكندر في تابوته ، قيل للعلماء : تكلّموا فقد كان يسمع إليكم وينصت لكم ، وكان اثني عشر عالماً.

فقال الأوّل : يا أيّها الساعي المتعصّب! جمعت ما خانك عند الاجتماع ، وودّعك عند الاحتياج ، فلا قرابة يعضدك ، ولا وزير يفتقدك.

وقال الثاني : قد ذهبت زهرة بهجته كما ذهب شعاع الشمس بنور النبات.

وقال الثالث : هذا الاسكندر صاحب الاُسراء أصبح اليوم أسيراً.

وقال الرابع : قد أمنك من كان يخافك ، فهل أمنت من الذي كنت تخافه؟

وقال الخامس : بل هل أمنت ما كنت تخاف نزوله بك؟

وقال السادس : اُنظروا إلى حلم النائم كيف انقضى ، وإلى ظلّ الغمام كيف انجلى.

وقال السابع : قد كان هذا الشخص يسأل عمّا قبله ، ولا يسأل عمّـا بعده.

وقال الثامن : ورد علينا هذا الجسد بما كان يستبقيه.

وقال التاسع : ما أرغبنا فيما فارقت وأغفلنا عمّـا عاينت!

وقال العاشر : ما أبعد شبه مكانك الذي أنت به اليوم من مكانك الذي كنت به الأمس!

وقال الحادي عشر : لم يقضِ هذا الجسد نهمته من هذه الدنيا حتّى قضت الدنيا نهمتها منه.

وقال الثاني عشر : أنت أمس كان أنطق منك اليوم ، وأنت اليوم أوعظ منك بالأمس.

من الديوان المنسوب لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) :

أضحت قبورهم من بعد عزّهم

تسفي عليها الصبا والحرجف الشمل


لا يدفعون هواها عن وجوههم

كأنّهم خشب بالقاع منجدل

ناداهم صارخ من بعد ما قبروا

أين الأسرّة والتيجان والحلل؟

أين الوجوه التي كانت منعّمة

من دونها تضرب الأستار والكلل؟

فأفصح القبر عنهم حين ساءله

تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

قال طال ما أكلوا دهراً وما شربوا

فأصحبوا بعد طول الأكل قد اُكلوا(١)

أجل ، من نظر إلى حقيقة الدنيا ، فإنّه يزهد فيها لا محالة.

ومن زهد طالب العلم أن لا يعجل للتصدّي إلى مسؤولية التدريس وإمامة الجماعة ، وما شابه ذلك ، بل لا يكون منه ذلك حتّى تكمل أهليّته ، ويظهر استحقاقه لذلك على صفحات وجهه ونفحات لسانه ، وتشهد له به صلحاء مشايخه وأساتذته. ففي الخبر الشريف : « المتتبّع لما لم يعطَ كلابس ثوبي زور » ، وقال بعض الفضلاء : من تصدّر قبل أوانه فقد تصدّى لهوانه ، وقال آخر : من طلب الرئاسة في غير حينه ، لم يزل في ذلّ ما بقي ، وأنشد بعضهم :

لا تطمحنّ إلى المراتب قبل أن

تتكامل الأدوات والأسباب

إنّ الثمار تمرّ قبل بلوغها

طعماً وهنّ إذا بلغن عِذاب(٢)

وقد شاهدنا في عصرنا هذا كم من أشخاص ادّعوا المرجعيّة قبل أوانها فذلّوا ، وكم تصدّى لتدريس درس الخارج وهو شابّ لم يبلغ الحلم في العلم والأدب فأهان نفسه ، وأصبح في خبر كان.

وكم من مرجع ورع تقي قد زهد في الرئاسة ، وفرّوا منها ، فأتتهم ذليلة

__________________

١ ـ آداب النفس : ١٠٠.

٢ ـ منية المريد : ١٧٩.


حقيرة ، وتصدّوا لها لأداء التكليف الشرعي ، لا طمعاً بها وحبّاً لها ، فاعتبروا يا ذوي النهى.

ومن الواضح جدّاً أنّ أبرز خصيصة في القادة الإلهيّين في الشرائع السماويّة المختلفة ، ولا سيّما في دين الإسلام الحنيف ، هي البساطة والزهد واجتناب مظاهر الترف والكماليّات.

وكان السلف الصالح يوصون أهل العلم دائماً باجتناب البذخ والترف ، واختيار بساطة العيش ، والتزهّد في حطام الدنيا ، ومظاهرها الخلاّبة.

وخير ما نقتدي به سيرة المعصومين (عليهم السلام) ، فكانوا يعيشون بمنتهى البساطة والزهد ، والتأريخ حافل بالشواهد على ذلك.

فهذه فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين (عليها السلام) ، جاء في حديث طويل حولها : « فنهضت والتفّت بشملة لها خَلِقَة (بالية) قد خيطت في اثني عشر مكاناً بسعف النخل ، كلّما خرجت نظر سلمان الفارسي إلى الشملة ، وبكى وقال : وا حزناه ، إنّ بنات قيصر وكسرى لفي السندس والحرير ، وابنة محمّد (صلى الله عليه وآله) عليها شملة صوف خلقة قد خيطت في اثني عشر مكاناً.

فلمّـا دخلت فاطمة الزهراء (عليها السلام) على النبيّ (صلى الله عليه وآله) قالت : يا رسول الله ، إنّ سلمان تعجّب من لباسي : فوالذي بعثك بالحقّ ما لي ولعليّ (عليه السلام) منذ خمس سنين إلاّ مسك كبش نعلف عليها بالنهار بعيرنا ، فإذا كان الليل افترشناه ، وإنّ مرفقتنا لمن أدم حشوها ليف ، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : يا سلمان ، إنّ ابنتي لفي الخيل السوابق(١) .

يقول السيّد الإمام الخميني (قدس سره) : « يجب أن تكون حياة الروحانيين بسيطة ،

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ٣٧٩ ، عن البحار ٤٣ : ٨٨.


الذي حفظ الروحانيّة وجعلها تتطوّر إلى هنا ، بساطة العيش ، اُولئك الذين كانوا منشأ آثار كبيرة في الحياة التزموا ببساطة العيش ، اُولئك الذين كانوا موجّهين لدى الناس ، وكان الناس يلتزمون بتعاليمهم ، التزموا ببساطة العيش.

كلّما مشيت خطوة واحدة باتّجاه أن يكون بيتك أحسن ، نقص من معنويّتك من قيمتك بنفس ذلك المقدار ، قيمة الإنسان ليس بالبيت ، ولا بالحديقة ، لو كانت قيمة الإنسان بمثل هذا لاهتمّ به الأنبياء ، قيمة الإنسان ليست بأن يكون له ضجيج وعجيج وسيارة فخمة ، أن يكون كثير الذهاب والإياب ، قيمة الروحانية ليست بأن يكون للروحاني جهاز ، مكتب ومفكّرة ».

يقول بعض خواصّ الإمام عليه الرحمة : كان الحرّ في النجف الأشرف شديداً جدّاً ، وكانت تصل درجة الحرارة أحياناً إلى ٥٠ درجة ، وذات يوم ذهبت مع عدد من الإخوة للإمام وقلنا : سيّدنا الحرّ شديد وأنت مُسنّ ، وبما أنّ حرّ الكوفة معتدلا فلماذا لا تذهب إليها كما يذهب الآخرون.

قال في الجواب : وكيف أذهب إلى الكوفة من أجل برودة هوائها ، وإخواني في إيران في السجن.

نقل عن بنت الشيخ الأنصاري أنّها قالت : في أيّام الطفولة ، عندما كنت أذهب إلى المدرسة ، كان الأهالي يرسلون الطعام أحياناً إلى المدرسة ليتناول الطالبات الطعام مع المعلّمة ، ذات يوم قلت لوالدتي : إنّهم يحضرون معهم ألوان الأطعمة وأنت ترسلين لي الخبز والكرّاث فقط ، إنّي أخجل من ذلك ، سمع الشيخ كلامي فقال منزعجاً : من الآن فصاعداً أرسلي لها خبزاً فقط ، حتّى تصبح تتذوّق الخبز والكرّاث.

لم يكن الشيخ الأعظم قدوتنا في العلم والعمل يملك أيّة ثروة ، وكان يكتفي


دائماً بأقلّ ما يقنع به ، كما كان أليف الضائقة المادّية والإعسار ، كان يقول : أنا شخص فقير ، يجب أن أعيش كواحد من الفقراء(١) .

وكان رسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله) يقول : أنا مسكين وأحبّ المساكين واُجالس المساكين.

فماذا تقول أنت يا طالب العلم في حياتك وسيرتك ـ الذاتيّة والأخلاقيّة ـ؟

فاصبر صبراً جميلا ، وعليك بالجهاد الأكبر ، وتخلية القلب من الصفات الذميمة ، وتحلية الروح بالسجايا الحميدة ، وتجليتها في سيرك إلى الله سبحانه ، حتّى تصل إلى كمالك المنشود ومقامك المحمود ، ليس ذلك إلاّ التخلّق بأخلاق الله عزّوجلّ والتحلّي بصفات الأنبياء والأئمة الأطهار (عليهم السلام) ، فأنت وارثهم فيما يحملون من المسؤوليّات الثقيلة والمقامات الرفيعة.

وإنّما تنال ذلك بالعلم والعمل الصالح ، بالورع والتقوى.

وقد ذكر علماء الأخلاق مراتب أربعة للورع ، بين الواحدة والاُخرى ممّـا عليه الناس وطلاّب العلوم الدينيّة مسافات بعيدة المدى ، فالورع يتفاوت بين الناس في مراحل :

١ ـ المرحلة الاُولى سمّيت بورع التائبين : وذلك حين يمنع العبد إيمانه من ارتكاب المحرّمات خوفاً من المولى تبارك وتعالى أن تنطبق عليه صفة الفسق في دينه ، واتّباع الشيطان ، وهذا ما يسمّى بتقوى العامّ ـ كما مرّ ـ فإذا ترقّى فيه ذلك الخوف اتّصف :

٢ ـ بورع الصالحين : وذلك حين يمتنع عن اقتحام الشبهات خوفاً من ارتطامه في المحرّمات ، لأنّ من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه ، فيدع ما يريبه

__________________

١ ـ سيماء الصالحين : ٣٩٤.


إلى ما لا يريبه ، وهذا ما يسمّى بتقوى الخاصّ ، ويترقّى عنده هذا الشعور أو الخوف فيصبح ورعه :

٣ ـ ورع المتّقين : وذلك حين يبتعد عن المباحات خوفاً من أن تجرّه إلى المحرّمات والمكروهات كمن يتوقّف عن ذكر أحوال الناس ـ المباح ـ خشيةً من أن يجرّه إلى الغيبة المحرّمة ، وهذا يسمّى بتقوى الخاصّ الخاصّ ، ويترقّى هذا الخلق في بعضهم حتّى يكون من المقرّبين فينهيه إلى :

٤ ـ ورع السالكين : إذ يكون حينئذ قد توحّدت غاياته في غاية واحدة ، والتقت أهدافه في هدف واحد هو ذكر الله تعالى والعمل بما يحبّه الله تعالى ، فيتجنّب كلّ خوض في غير ذلك الله ، ويستغفر من كلّ لذّة ليس فيها اسم الله ، ويمتنع عن كلّ سعي إلاّ ما يحبّه الله تبارك وتعالى له.

فهي وإن كانت مباحة لا يخشى أنّها تجرّه إلى المحرّمات ، ولكن فلسفته في الحياة المستمدّة من إيمانه العميق تزهّده في كلّ أمر لا يؤدّي إلى الغاية التي من أجلها خلقه المولى وبها امتنّ عليه.

فكلّ حديث غير الله عزّوجلّ يعدّ عنده لغوٌ فارغ ، لأنّه لا يحقّق الهدف الأسمى الذي يسعى لتحقيقه ، أو لأنّه يحجبه عن محبوبه الذي لا يرغب أن يحجبه شيء عنه ، وكلّ حركة وسكون في غير ما يحبّ الله فضول لا يرضاه لنفسه ، وهو يأخذ نفسه بالجدّ والحزم في اُموره كلّها(١) .

وأنتم يا طلاّب العلوم الدينية والفضائل دعيتم في سيرتكم الأخلاقيّة ـ العلميّة والعمليّة ـ إلى مثل هذا الورع السامي والكامل ، وإلى ربّك المنتهى ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله ، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

__________________

١ ـ من مقدّمة كتاب (الطريق إلى الله) : ١٢.


الفهرست

طالب العلم والسيرة الأخلاقية ١

المقدّمة ٥

ما هو الأدب ، ولماذا الآداب الإسلاميّة؟ ٢١

الأمر الأوّل. ٣٧

صدق النيّة ٣٧

الأمر الثاني. ٥٥

اغتنام الفرصة ٥٥

الأمر الثالث.. ٦١

قطع العلائق المانعة من تحصيل العلم. ٦١

الأمر الرابع. ٦٢

عدم الزواج المبكّر ٦٢

الأمر الخامس.. ٦٣

ترك العِشرة ٦٣

الأمر السادس. ٧١

الحرص على التعلّم. ٧١

الأمر السابع. ٧٣

علوّ الهمّة ٧٣

الأمر الثامن. ٧٤

رعاية ترتّب العلوم ٧٤

الأمر التاسع. ٧٧


اختيار المعلّم الصالح. ٧٧

الأمر العاشر ٨٥

تعظيم المعلّم والتواضع له ٨٥

الأمر الحادي عشر ١٠٢

رعاية آداب محفل الدرس.. ١٠٢

الأمر الثاني عشر ١٠٧

حسن الخلق والحلم. ١٠٧

الأمر الثالث عشر ١١٥

عفّة النفس وعزّتها ١١٥

الأمر الرابع عشر ١٢٧

الدعاء والتوسّل وصلاة الليل. ١٢٧

الأمر الخامس عشر ١٤٧

مداراة الناس ورعاية الآداب الاجتماعية ١٤٧

الأمر السادس عشر ١٥٩

الزهد والحياة المتواضعة ١٥٩

الفهرست.. ١٧٦