كشف الغطاء عن وجوه مراسم الاهتداء
المؤلف: محمد حسن بن معصوم القزويني
المحقق: الشيخ محسن الاحمدي
بسم الله الرحمن الرحیم
باسمه تعالى
كتابهايى كه توسط كنگره بزرگداشت ملّا مهدى نراقى (ره) وملّا احمد نراقى (ره) با بودجه وزارت ارشاد اسلامى در ده مجلد در سال ١٣٨٠ ش چاپ شده است :
١ ـ معتمد الشّيعة في أحكام الشّريعة. تأليف ملّا مهدى نراقى (ره) ، فقه است وفقط كتاب طهارت آن تأليف شده.
٢ ـ شهاب ثاقب. تأليف ملّا مهدى نراقى (ره). بحث امامت وفارسى است.
٣ ـ جامعة الاُصول. تأليف ملّا مهدى نراقى (ره) اصول فقه است.
٤ ـ الحاشية على الشّفاء. تأليف ملّا مهدى نراقى (ره). حاشيه الهيات شفاء ابن سينا است.
٥ ـ رسائل ومسائل. تأليف ملّا احمد نراقى (ره). سؤال وجواب فقهى وغيره است بضميمه چند رساله (فارسى وعربى) در سه جلد.
٦ ـ مشارق الأحكام. تأليف ملّا محمّد بن ملّا احمد نراقى (ره). قواعد فقهى است.
٧ ـ شعب المقال في درجات الرجال. تأليف ميرزا ابو القاسم بن ملّا محمّد بن ملا احمد نراقى (ره). رجال حديث است.
٨ ـ كشف الغطاء عن وجوه مراسم الاهتداء. تأليف ملّا محمّد حسن قزوينى (ره). در علم اخلاق است. وشايد بتوان آن را مختصر جامع السعادات ملّا مهدى نراقى (ره) بشمار آورد.
٩ ـ شرح احوال وآثار ملّا مهدى نراقى وملّا احمد نراقى وخاندان ايشان بضميمه برخى از رساله هاي مختصر آنان.
ضمناً جامع الافكار ملّا مهدى نراقى (ره) (كلام وفلسفه است) نيز توسط يكى از دانشگاهيان در دست تحقيق وانتشار است.
بسم الله الرحمن الرحيم
هو المولى محمّد حسن بن معصوم القزويني (م ١٢٤٠)
قال السيّد مهدي بحر العلوم (ره) (م ١٢١٢) في حقّه :
كان ممّن وجمع بين المعقول والمنقول ، وبرع في الفروع والأصول ، وفاز بسعادتي العلم والعمل وحاز منهما الحظّ الأوفر الأجزل ، العالم الفاضل المحقّق المدقّق الكامل الأديب الأريب اللّبيب ، والالمعيّ اللوذعيّ المصيب ، الجاري على النهج الأبين والسالك في المسلك الاحسن ، محمّد حسن بن المرحوم المبرور الحاجّ معصوم القزويني أصلاً والحائري مسكناً وفّقه الله تعالى للوصول إلى غاية المرام والمراد وكثر من أمثاله في البلاد والعباد ، وقد استجاز من هذا الضعيف لحسن ظنّه به ـ وذلك من حسن أخلاسقه وعظيم إشفاقه ـ فجريت في ذلك على مذاقه وأجزت له ـ زيد مجده وسعد جدّه ـ أن يروي عنّي الكتب الأربعة الّتي عليها مدار الشيعة الأبرار في جميع الأعصار والأمصار(١)
وقال صاحب الروضات (ره)
المولى الحاجّ محمّد حسن بن المرحوم الحاجّ محمّد معصوم القزويني
__________________
١ ـ وكبت في آخر الإجازة : وكتب ذلك فقير عفو ربّه الغنيّ محمّد بن مرتضى بن محمّد المدعوّ بمهدي الحسني الحسيني الطباطبائي في سادس عشر شعبان المعظّم سنة ١٢١١ حامداً مصلّياً مسلّماً على خير خلقه محمّد وآله الطاهرين. راجع روضات الجنّات الطبعة الثنية ص ١٨١.
الأصل ، الحائري المنشأ والتحصيل ، الشيرازيّ الموطن والخاتمة.
كان فاضلاً نبيلاً ومجتهداً جليلاً هادياً من الهادين ومروّجاً للدين جامعاً للمعقول والمنقول ومشتهراً في المهارة في الأصول ، من تلامذة شيخ مشايخنا السميّ وأئمّة العالم العجمي ، فائقاً على سائر الأئمّة والأقران في بسطة اللسان وعذوبة البيان والقيام بحقّ الموعظة الحسنة للعوام ، والخروج عن عهدة إرشاد الأمّة بطيب الكلام كما نقلته جملة ممّن حضر مجلسه الشريف وسعد باستماع مواعظه الشافية من السمع اللطيف(١)
وقال صاحب الروضات (ره) أيضاً في رسالة علماء الاسرة :
ومنهم (أي من مشايخ والد والدي (ره)) الحبر العلم العلّام والخير الجامع التمام أكمل المتبحّرين وأفضل المتأخّرين ورأس المجتهدين ورئيس الأصوليّين نقّاد الاخبار وأستاذ الأخيار الفاضل البارع الواقف العارف الواعظ الأمين المؤتمن ابن المبرور المرحوم آميرزا محمد معصوم مولانا الحاجّ محمد حسن الشهير بالأصولي من أفاضل تلاميذ شيخنا الرئيس(٢)
وقال صاحب أعيان الشيعة (ره) :
الشيخ محمّد حسن بن الحاجّ معصوم القزويني الحائري توفّى سنة ١٢٤٠.
قرأ على الوحيد البهبهاني ويروي بالإجازة عنه وعن بحر العلوم وأطراه بحر العلوم إطراءاً بليغاً(٣)
__________________
١ ـ روضات الجنّات ص ١٨١.
٢ ـ علماء الاسرة ص ١٩.
٣ ـ أعيان الشيعة ٩ / ١٧٨ طبع ١٤٠٣.
وقال المحدّث القمي (ره) في الفوائد الرضويّة :
الحسن بن محمد معصوم القزويني الحائري الشيرازي.
فاضل نبيل وعالم جليل شاعر الديب اريب جامع معقول ومنقول ، مشتهر به مهارت در فنّ اصول ومروّج احكام به موعظه وعذوبت كلام. از شاگردان عالم ربّاني آقاي بهبهاني است ودر كتاب تكمله است كه كشف الغطاء او در اخلاق ، ومشهور است بالغرّة الغرّاء ومرحوم ملا حسينقلى همدانى ثنا مى گفت بر آن كتاب وامر مى فرمود به مطالعه آن(١)
وقال العلّامة الطهراني (ره) في اعلام الشيعة :
الشيخ المولى محمّد حسن القزويني (م ١٢٤٠)
هو الشيخ المولى محمّد حسن بن معصوم القزويني الحائري نزيل شيراز ، من أعاظم رجل الدين وأكابر فقهاء الطائفة المصنّفين كان في كربلاء من أجلّاء تلاميذ الاستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني وله إجازة من السيّد مهدي بحر العلوم رأيتها بخطّه ، وصفه فيها بقوله : العالم العامل الفاضل المحقّق المدقّق ـ إلى آخرها ـ وحسب المترجم هذه الشهادة التي حصل عليها من ذلك الحبر الجليل وهو في أولسط عمره فلا نحتاج بعد ذكرها إلى شرح حاله وبيان مقامه بعد أن تجلّى في هذه العبارات.(٢)
توفّي سنة ١٢٤٠ بشيراز ونقل نعشه الشريف إلى كربلاء ودفن في رواق حرم الحسينيعليهالسلام في جنب مدفن استاده الوحيد البهبهاني (ره) مما يلي أرجل الشهداء.
__________________
١ ـ الوائد الرضوية الطبع الأول ص ١٢٢.
٢ ـ أعلام الشيعة (القرن ١٣) ص ٣٥٤.
١ ـ مضابيح الهداية في شرح البداية للشيخ الحرّ العاملي (ره) في الفقه.
قال في الروضات : لم يتمّ. عندنا نسخة من طهارته فرغ منها في ذي القعدة سنة ثلاثين ومائتين بعد الألف.
٢ ـ ملخّص الفوائد الحائريّة لاستاده البهبهاني (ره). لخّصه في ثمانين فائدة وفرغ منه ـ كما في الذريعة للطهراني (ره) ـ في ٢٤ ج١ ـ ١٢٠٢ يعني في حياة استاده.
٣ ـ تنقيح المقاصد الصولية. هو شرح الكتاب السابق.
قال في أعلام الشيعة : فرغ منه في سنة ١٢١٢. وفي مكارم الآثار : فرغ منه في ٨ ج١ سنة ١٢١٦.
٤ ـ رياض الشهادة في ذكر مصائب السادة (فارسى).
قال في الروضات : « وضعه في مجلّدين وثلاثين مجلساً يشرح في الأوّل منهما المشتمل على أربعة منها أحوال الأربعة الأول من آل العباءعليهمالسلام وفي ثاني المجلّدين المتكفّل لتفصيل سائر المجالس جميع ما يتعلّق بمجاري جالات خامس آل العباءعليهالسلام وأصحابه الشهداء وأولاده الائمّة الأمناء صلوات الله عليهم أجمعين.
ولعمر الاحبّة انّه لقد تجاوز فيه الغاية وبلغ النهاية من تنقيح ذلك الشأن وتشييد ذلك البنيان وشاعت النسخ منه على أيدي الشيعة في هذه الأزمان شياع أحسن ما قد كتب في أمثال تلك المعان.
ويظهر من مطاوي ذلك الكتاب أنّه (ره) كان مضافاً إلى ما فيه من الفضائل والكمال شاعراً ماهراً وأديباً باهراً حسن المعرفة بلطائف التقرير
وطرائف ما يلتفت إليه الفاضل النحرير من دقائق نظرات التحرير ».
وقال العلّامة الطهراني في أعلام الشيعة : « لم يصنّف مثله في بابه ».
أقول : فرغ من تأليفه ـ كما في مكارم الآثار ـ في ١٢ شعبان سنة ١٢٢٧ في شيراز ، وطبع في ١٢٤٧ كما في فهرس المشار.
٥ ـ نور العيون ـ أو نور العين ـ وهو مختصر كتابه السابق يشتمل على أربعين مجلساً في ذكر مصائب أهل البيت. طبع ببميئى في حاشية كتاب أنوار الشهادة.
٦ ـ التحفة الخاقانية.
قال في أعلام الشيعة : « هي رسالة عمليّة فارسيّة كتبها بأمر السلطان فتح علي شاة القاجاري. وهي بابان ١ ـ أصول الدين ٢ ـ فروعه من العبادات والمعاملات إلى آخر كتاب الغصب. رأيت منه نسخة تاريخ كتابتها : ١٢٣١ ».
٧ ـ كتاب في الكلام. ذكره صاحب الروضات في رسالة علماء الاسرة.
٨ ـ رسالة في أنّ العبادات أسام للصحيحة أو الأعم. توجد يسختها في مكتبة آية الله المرعشي (ره) بقم.
٩ ـ ويظهر من عبارة الروضات أنّ له رسائل متفرقه في كثير من المسائل.
١٠ ـ كشف الغطاء عن وجوه مراسم الاهتداء ـ في الأخلاق ـ وهو كتابنا هذا واسمه الآخر : « الغرّة الغرّاء ».
قال في أعيان الشيعة : وله كتاب « الغرّة الغرّاء » وجدت منه نسخة مخطوطة في طهران في مكتبة شريعتمدار الرشتي فرغ منها مؤلّفها ضحوة يوم الثنين ١٢ شوّال سنة ١٢١٠.
وقال المحدّث القمي ي الفوائد الرضوية :
« در تكمله [ سيد حسن صدر (ره) ] است كه مرحوم ملا حسينقلى همدانى ثنا مى گفت بر آن كتاب وامر مىفرمود به مطالعه آن.
وقال العلّامة الطهراني (ره) في أعلام الشيعة : وهذا الكتاب من التحف لم يصنف مثله وقد بلغ من القبول أنّ الأخلاقيّ الشهير حجّة السالكين المولى حسين قلي الهمداني كان يستحسنه كثيراً ويأمر تلاميذه بالرجوع إليه ومن أجل ذلك كثرت نسخه.
وقال الذريعة :
« الغرّة الغرّاء » ويسمّى كشف الغطاء عن وجوه مراسم الاهتداء » توجد منه عدّة نسخ في المكتبة الرضويّة والحسينيّة التستريّة وغيرهما.
وقال في الذريعة أيضاً :
« كشف الغطاء عن وجوه مراسم الاهتداء » أو « الغرّة الغرّاء » في الأخلاق ، نظير « جامع السعادات » ذكر في أوّله أنّه ألّفه بعد ما رأى جامع السعادات النراقيّة وكان المرحوم العارف جمال السالكين المولى حسينقلي الهماني يستحسن هذا الكتاب ويثني على مؤلّفه كثيراً ولذا استنسخه كثيرمن تلاميذه. ونسخة منه بخطّ جيّد لطيف مذهّب في خزانة شيخنا الحاجّ محمّد حسن كبّة البغدادي ونسخة أخرى جيّدة في خزانة سيّدنا الحسن صدر الدين ، وأخرى بخطّ خادم طلبة العلوم محمد علي بن عبدالمولى الخويني الحائري عليها تملك السيّد حسن الخرسان النجفي المتوفّى ١٢٦٥ في
بيت الخرسان.
وفي فهرس المكتبة الرضويّة ج٦ ص ٤٤٩ : هو مختصر ومحرّر جامع السعادات للنراقي
وكتب آية الله المرعشي (ره) في ظهر نسخة مكتبته : كتاب « الغرّة الغرّاء » في تلخيص جامع السعادات والتخليص للعلّامة الحاجّ محمد حسن القزويني الحائري جدّ صاحب « طرائق الحقائق ».
ولكن يظهر من عبارة مؤلّفه في المقدّمة أنّه كتاب مستقلّ ، قال : « منها (أي من كتب الأخلاق) ما ألّفه بعض فضلاء عصرنا الأعلام وسمّاه بجامع السعادت والتمس منّي مع بضاعتي المزجاة أن أنظر فيه بعين النقد والانتخاب وتمييز القشر من اللباب والتبر من التراب والباطل من الصواب.
فنظرت فيه مع قصور الباع فإذا هو أكثرها نفعاً وأحسنها جمعاً لأحاديث أهل بيت العصمة ودقائق أفكار أساطين الحكمة ، إلاّ أنّه غير خال عن التطويل والإطناب والحشو المملّ الخارج عن المعيار اللائق بحال المتعلّمين والطلاب فاردت أن أكتب كتاباً يحتوي على خلاصة ما ينتفع به أولوا الألباب من كلام أساطين الحكمة وأخبار العترة الأطياب »
وكيف كان ، عزمنا على نشر هذا الكتاب في سلسلة منشرات مؤتمر المولى مهدي النراقي (ره) والمولى احمد النراقي (ره) ، أوّلاً لأهمّيّته وعظمة مؤلّفه وثانياً لارتباطه بجامع السعادات للنراقي واستفاده مؤلّفه (ره) كثيراً منه حتّى إنّ كثيراً من عباراته عين عبارة النراقي ولذا إن قيل : إنّه كتلخيص وتهذيب « جامع السعادات » لكان قولاً سديداً.
اعتمدنا في تحقيق الكتاب على ثلاث نسخ معتبرة :
١ ـ نسخة هي بخطّ المؤلّف ظاهراً محفوظة في « كتابخانه مركزى دانشگاه تهران » ورمزنا لها ب ـ « ألف ».
٢ ـ نسخة ثانية محفوظة في تلك المكتبة أيضاً ورمزنا لها ب ـ « ب ».
٣ ـ نسخة مكتبة آية الله العظمى المرعشي (ره) بقم بخطّ الجاني على الاصبهاني أصلاً والنجفى مسكناً ومدفناً في السنة الثلاث مائة والخامس عشر بعد الألف من الهجرة على مهاجرها ألف ألف تحيّة من خالق البريّة ورمزنا لها ب ـ « ج ».
ولله الحمد على نعمه.
مصادر التحقيق والتخريج
١ ـ القرآن الكريم
٢ ـ الحتجاج للطبرسي بتحقيق السيد محمّد باقر الخرسان ، طبعة الأوفست بمشهد الرضاعليهالسلام .
٣ ـ إحياء العلوم للغزالي طبع دار إحياء التراث العربي.
٤ ـ الإرشاد للشيخ المفيد.
٥ ـ أسرار الشريعة للسيد حيدر الآملي طبع مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگى ، سال ١٣٦٢.
٦ ـ الأمالي للشيخ الطوسي طبع مكتبة الداوري بقم المقدسة.
٧ ـ بحار الأنوار للعلامة المجلسي.
٨ ـ بصائر الدرجات للصفّار بتحقيق الحاج ميرزا محسن كوچه باغى.
٩ ـ تحف العقول طبع مؤسسة النشر الإسلامي ، سنة ١٤٠٤.
١٠ ـ التوحيد للشيخ الصدوق طبع مكتبة الصدوق سنة ١٣٩٨.
١١ ـ جامع الأخبار طبع مركز نشر كتاب ، سنة ١٣٤١.
١٢ ـ جامع السعادات للنراقي طبع مؤسسة اسماعيليان بالا وفست عن طبعة النجف الأشرف سنة ١٣٨٣.
١٣ ـ الجامع الصغير للسيوطي طبع دار الكتب العلمية (الطبعة الرابعة) سنة ١٣٧٣.
١٤ ـ الجواهر السنيّة للشيخ الحرّ العاملي مكتبة المفيد بالا وفست عن طبع سنة ١٣٨٤ ببغداد.
١٥ ـ الخصال للشيخ الصدوق طبع مكتبة الصدوق سنة ١٣٨٩.
١٦ ـ الدرّة الباهرة من الأصداف الطاهرة للشهيد الأوّل ، طبعة الآستانة الرضويّة المقدّسة ، ارديبهشت ١٣٦٥.
١٧ ـ ديوان أمير المؤمنينعليهالسلام انتشارات اسوه ، ١٣٧٩ شمسى.
١٨ ـ سنن ابن ماجة طبع دار الفكر بتحقيق محمّد فؤاد عبدالباقي.
١٩ ـ شرح ابن ميثم على المائة كلمة طبع سازمان چاب دانشگاه ، ١٣٤٩ شمسى.
٢٠ ـ الشفاء لابن سينا طبع مكتبة آية الله المرعشي بالا وفست عن طبع المطبعة الأميرية بقاهرة سنة ١٣٧١.
٢١ ـ الصحيفة السجادية على منشئها السلام.
٢٢ ـ عدّة الداعي لابن فهد الحلّي طبع مكتبة الوجداني بقم المشرفة ، سنة ١٣٩٢.
٢٣ ـ عوالي اللئالي لابن أبي الجمهور الأحسائي طبع مطبعة سيّد الشهداء ، سنة ١٤٠٥.
٢٤ ـ عيون الأخبار الرضاعليهالسلام للشيخ الصدوق طبع انتشارات جهان بتحقيق السيّد مهدي اللاجوردي.
٢٥ ـ فلاح السائل للسيّد ابن طاوس طبع دفتر تبليغات بالاوفست.
٢٦ ـ القواعد والفوائد للشهيد الأوّل طبع مكتبة الداوري بالاوفست عن طبعته الحجرية.
٢٧ ـ الكافي للكليني طبع دار الكتب الاسلامية بتحقيق الغفاري ، سنة ١٣٨٨.
٢٨ ـ الكشّاف للزمخشري طبع نشر ادب الحوزة ، بالاوفست عن طبع سنة ١٣٦٦.
٢٩ ـ كلمات مكنونة للفيض الكاشاني طبعة فراهاني بطهران ، سنة ١٣٦٠ شمسى.
٣٠ ـ مجمع البيان لأمين الإسلامن الطبرسي طبع مكتبة آية الله المرعشي بالاوفست عن طبع مطبعة العرفان سنة ١٣٣٣.
٣١ ـ المحجّة البيضاء للفيض الكاشاني طبع مكتبة الصدوق سنة ١٣٣٩ شمسى.
٣٢ ـ مستدرك الوسائل للمحدّث النوري طبع آل البيت سنة ١٤٠٧.
٣٣ ـ مسند أحمد طبع دار بالاوفست عن طبع المطبعة الميمنية بمصر سنة ١٣١٣.
٣٤ ـ مصباح الشريعة مع شرحه الفارسي بتحقيق المحدّث الارموي طبع مكتبة الصدوق سنة ١٣٦٠ شمسى.
٣٥ ـ مفاتيح الجنان للمحدّث القمّي (ره).
٣٦ ـ من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق طبع مكتبة الصدوق سنة ١٣٩٣.
٣٧ ـ منية المريد للشهيد الثاني طبع مركز نشر مكتبة الإعلام الاسلامي بتحقيق المختاري ، سنة ١٤٠٩.
٣٨ ـ النهاية لابن الأثير طبع دار إحياء التراث بالاوفست عن طبع القاهرة.
٣٩ ـ نهج البلاغة.
٤٠ ـ الوسائل للشيخ الحرّ العاملي ، في عشرين مجلّداً.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله الذي بدء خلق الإنسان من طين ، ثمّ جعل نسله من سلالة من ماء مهين ، فجعله نطفة في قرار مكين ، ثمّ خلق النطفة علقة ، فخلق العلقة مضغة ، فخلق المضغة عظاماً ، فكسى العظام لحماً ، ثمّ انشأه خلقاً آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين ، وأظهر فيه من العجائب والأسرار ما تدهش فيه العقول والأنظار ، تذكره وذكرى للناظرين ، وأفاض عليه من عظائم نعمته الدالة على جلائل حكمته ما تكلّ عن شرحه السنة الواصفين.
والحمد لله الّذي نورّ قلوب العلماء الراسخين بانوار الحكمة واليقين ، وأودع في صدورهم من حقائق الملك والملكوت وأسرار عالم الجبروت ما هو منتهى همم العارفين ومكّنهم من سير العوالم الملكوتيّة والغستغراق في بحار الأنوار اللاهوتية التي هي غاية آمال السالكين ، وقرّة أعين الطالبين ، وزينّ أبدانهم بزينة التقى والسكينة والوقار والطمأنينة والتحلّي بحلية المتّقين( ذلكم الله ربّكم هو الحي لا إله الا هو فادعوه مخلصين له الدين تبارك الله ربّ العالمين ) .
أحمده حمد الموقنين ، وأسأله أن يوفّقني لعبادة المؤمنين ، وأن يجزيني جزاء المحسنين.
وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك به شهادة تقرّبها عيون
الموحدّين ، وترغم بها أنوف الملحدين ، وتضمحلّ بها شبه الجاحدين.
وأشهد أنّ محمّداًصلىاللهعليهوآله خاتم النبيّين وصفوة المرسلين وسيّد الأوّلين والآخرين ، المنتجب لتتميم مكارم الأخلاق وإكمال الناقصة ، وتنبيه الغافلين ، وهداية الضالّين ، وإرشاد الجاهلين.
صلّى الله عليه وعلى عترته السادة الأطيبين ، والذادة الأنجبين ، والقادة المنتجبين ، سفن النجاة ، وأهل بيت العصمة ، ومعادن الحكمة ، وشفعاء الأمّة ، وأعلام المهتدين.
اللّهمّ فكما كرّمتنا بالفطرة السليمة والفكرة القويمة ، فاصرفنا عن مذاهب الشهواب ، وأرشدنا في غياهب الشبهات ، ووفّقنا للتمسّك بالعروة الوثقى والحبل المتين ، وكما ميّزتنا بالنفوس الناطقة والعقول الفائقة ، فاهدنا اللّهمّ إلى صراطك المستقيم ، وأعذنا من شرّ الشيطان الرجيم ، وابعثنا من فراش الغفلة متنبّهين ، وكما أيّدتنا بالحجج البالغة والنعم السابقة ، فأمل قلوبنا إلى الهدى والعفاف ونفوسنا إلى شرائف الاوصاف ، وأدخلنا في عبادك الصالحين ، أو اجعلنا بهم مشبّهين.
أمّا بعد : فيقول العبد المذنب الجهول بنفسه الظلوم ، خادم طلبة العلوم ، فقير عفو ربّه الحيّ القيّوم ، محمّد حسن بن المرحوم الحاج معصوم القزويني أصلاً والحائري موطناً ، وفّقه الله لما يحبّ ويرضى وجنّبه عن اتّباع الهوى والإغترار بالأباطيل والمنى :
انّ الغرض الاصلي من وضع الملك والأديان ، وبعث المصطفين من عالم الأكوان إلى بني نوع الإنسان ، رفع الحجب الظلمانية عن النفوس البشريّة الحائلة بينها وبين المعارف الحقيقيّة ، ووصولها إلى كما لاتها التي هي سعادة الأبديّة ، واتّصالها بالمبادىء العليّة واستغراقها في بحار الأنوار الإلهيّة ، ولا يمكن ذلك الا بتطهير القلب عن أو ساخ الطبيعة وأنجاسها ،
وتزكية النفس عن ذمائم الأخلاق وأرجاسها ، وتحلّيها بشرائف الصفات وفضائل الملكات.
وقد بذل الحماء الإلهيّون السلف جهدهم في تهذيب مقاصده وتوضيح مواردها ، واشتملت الشريعة المطهّرة النبويّة أيضاً على تبيين مسالكها وتنقيح مداركها ، والحثّ على تحصيلها ، والبحث عن إجمالها وتفصيلها.
ثم بالغ المتأخّرون من علمائنا الكرام ي كشف نقاب الإجمال والإبهام عن وجه المرام في هذا المقام وتقريب مطالبه إلى الأفهام في كتبهم ورسائلهم نظماً ونثراً ، بأطوار مختلفة الاسلوب والنظام.
ومنها ما ألّفه بعض فضلاء عصرنا الأعلام ، وسمّاه بجامع السعادات ، والتمس منّي مع بضاعتي المزجاة أن أنظر فيه بعين النقد والإنتخاب ، وتمييز القشر من اللباب ، والتبر من نالتراب ، والباطل من لصواب.
فنظرت فيه مع قصور الباع ، وفقد الإطلّاع ، وفقدان ما يحتاج إليه من الكتب وسائر الأسباب ، وضيق المجال ، ووفور الإشتغال ، وكثرة الهموم المقتضية لتوزّع البال ، وتراكم البلبال.
فإذا هو أكثرها نفعاً وأحسنها جمعاً لأحاديث أهل بيت العصمة ، ودقائق أفكار اساطين الحكمة ، الا أنّه غير خال عن التويل والإطناب ، والحشو المملّ الخارج عن المعيار اللائق بحال المتعلّمين والطلاب ، وعار عن النظام والأسلوب المعتبر في وضع الكتاب ، ومشتمل على الخلط والخبط في جملة من الفصول والأبواب.
فأردت أن أكتب كتاباً يحتوي عل خلاصة ما ينتفع به أولوا الالباب من كلام أساطين الحكمة وأخبار العترة الأطياب مع صرف المقدور من الوسع في النقد والإنتخاب بطريق الإيجاز الغير المخلّ بفهم المقصود من الخطاب على أحسن تقريب يرتفع به عن وجوه مطالبه نقاب الشكّ والإرتياب ،
وأوضح تقرير ينكشف به الحجاب المانع عن الوصول إلى مقاصده ، والأخذ من موارده الصعاب.
وأرجو من الله الكريم الوّهاب أن ينفع به كافّة الطالبين لمناهج الحقّ والصواب ، وأن يجعله عدة وذخراً لي في يوم الحساب.
وسميّة بكشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء.
ورتّتبته على عشرة أبواب وخاتمة يختتم بها الكتاب.
ومنه أرجو وأستعين ، وعليه أتوكّل فإنّه المعين في كلّ باب.
الباب الأوّل في المقدمات
وفيه فصول
فصل
الحكمة تنقسم إلى علم وعمل.
فالعلم منها هو العلم بأعيان الموجوات ، أي تصوّر حقائقها والتصديق باحكامها وما يلحق بها على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشريّة.
والعمل منها ممارسة الحركات ومزاولة الصناعات لإخراج الكمال الاستعدادي عن القوّة إلى الفعل بقدر القوّة البشريّة.
والكلام في الأوّل موكول إلى الكتب المصنفة في الحكمة النظرية.
وأمّا العلم الذي نبحث عنهم وهو العلم بالحكمة العلملية فهو العلم بمصالح الحركات الإرادية والأفعال الصناعية التي بها تنتظم أمور المعاش والمعاد وهو على أقسام ثلاثة :
أوّلها : ما يرجع إلى كل شخص بالنفراده وهو تهذيب الأخلاق.
وثانيها : ما يرجع إلى جماعة متشاركين في المنزل وهو تدبير المنزل.
وثالثها : ما يرجع إلى كل جماعة متشاركين في المدينة أو المملكة أو الاقليم وهو العلم بسياسة المدن ،ولقد ضربنا عن الأخيرين صفحاً ، وصرفنا الهمّة نحو الأوّل ، فإنّه الأعم نفعاً.
ثم إنّ مبادىء المصالح المشار إليها إمّا طبعيّة ، أي مقتضىعقول أولي البصر وتجربيّات أرباب الفكر والنظر ، فلا نخنتلف باختلاف الأعصار وتقلّبات الأدوار ، وهي ما تقدّمت إليها الإشارة ، أو وضعيّة ، أي مقتضى اتفاق بعض الآراء ، وهي الآداب والرسوم.
فإن كانت مقتضى رأي من لا ينطق عن الهوى كالأنبياء وأئمة الهدى فهي النواميس الالهية والشرائع النبوية.
والعلم الكافل لشعب ما جاء به نبيّنا الصادع بالحق ووصيّه وأو لاده الأطهرون سلام الله عليهم علم الفقه ، ولكن جملتها مقصورة على الوضع تتقلّب بتقلّب الأيّام وتتبدّل بتبدّل أهل الملل والنحل والدول من الأنام.
ولذا خرجت تفاصيلها عن أقسام الحكمة العملية لتفحّصها عن القوانين الكليّة التي لا يتطرّق إليها التغيير ، كما لايخفى على الفطن البصير ، لكنّها إجمالاً من أقسامها كما تبيّنت في مقامها
فصل
لما كان موضوع هذا العلم نفس الإنسان من حيث يصدر عنها الجميل والقبيح بحسب الارادة ويستحقّ بها المدح والذمّ وإطلاق لفظ الشقاوة والسعادة ، فلابدّ من معرفة النفس وقواها إجمالاً من باب المبادىء وإن كان التفصيل فيه موكولاً إلى الطبيعي.
فنقول : النفس ما يعبّر عنه كل أحد بأنا وأنت وأمثالهما ، ولاشك في مغايرتها للبدن ، لأن الإنسان يغفل عن كل شيء حتى أجزاء بدنه الا عن نفسه ، ولأن البدن يتغيّر عما كان عليه من الكيف والكمّ ، ولا تغيّر لها من حين تمييزها للأشياء إلى أن يموت.
وحدّها : أنّها جوهر ملكوتي مجرد يدرك المعقولات وله تصرف في الهيكل المحسوس بتوسّط القوى والآلات.
والدليل على جوهريتها وتجردّها كونهامحلاً للمجردات كالمعانى الكلّية من المعقولات ومحلّية العرض لها محال ، وكذا الجسم لكونه ذا وضع يقبل الانقسام ،فيلزم أن يكون الحال كالمحل فلا يكون مجرّداً ، هذا خلف ، ولعدم زوال الصور الحالّة فيها بطريان غيرها عليها ، بل يعينها ، ولا كذلك الجسم لزوال كلّ شكل منه بطريان آخر ، ولمخالفتها للماديات في الآثار والخواص ، وهي وإن كانت حادثة بحدوث البدن ، لكنّها باقية بفنائه لعدم
قيامها به بمعنى كونه محلاً لها لما عرفت ، بل هو آلة لتصرّفها ، فلا يستلزم فساده فسادها ، وهي أيضاً بنفسها لا تقتضيه ، إذ طروّ العدم على الموجود يكون من ضدّه ، ولا ضدّ للمجرّدات لكون التضاد في عالم الكون والفساد وتحقّقها فيه بتوسّط البدن ، والا فهي بالذات من سنخ المجردات ، فغذا لم يقتض ذاتها الفساد ، ولا ارتباطها بالبدن ، فلا يكون له موجب آخر.
والآثار الدالّة على بقائها بعد فنائه كثيرة ، كقوله تعالى :
( ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربّهم يرزقون ) (١) .
( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ) (٢) .
وفي الخبر : أرواح الشهداء تسرح في رياض الجنّة(٣) .
وما دلّ على أنّ أرواح المؤمنين تجتمع ويستأنس بعضها ببعض في وادي السلام ، وأرواح الكفّار في وادي برهوت(٤) .
وهذا ممّا رسخت في عقائد فرق المسلمين والكفّار جميعاً ، لابتناء سؤال المغفرة والصدقات والمنامات وغيرها عليه ، فلا تقبل العدم الا بالذات ، وعليه يحمل قوله تعالى :
( كلّ شيء هالك الا وجهه ) (٥) .
نقل إنّ أبا يزيد لّما سمع قوله : « كان الله ولم يكن معه شيء » قال : والآن كما كان.
وقال المعلّم الأوّل : المجرّد حقيقة ، والحقيقة لاتبيد.
__________________
١ ـ آل عمران : ١٦٩.
٢ ـ البقرة : ١٥٤.
٣ ـ راجع مجمع البيان : ج١ ، ذيل الآية ١٦٩ من آل عمران.
٤ ـ راجع البحار : ٦ / ٢٦٨ و ٢٨٧.
٥ ـ القصص : ٨٨.
فصل
من النفوس نفس نباتية وحيوانية وإنسانية ، وإن شئت أطلقت القوى عليها ، ولكل منها قوى متعدّدة ، كل منها مبدأ فعل خاص ، فقوى الأولى ثلاثة :
غاذية : يتم عملها بإعانة أرببع أخرى هي الجاذبة والماسكة والهاضمة والافعة.
ومنمية : يتم عملها بإعانة الغذية والمغيّرة.
ومولدة : يتم عملها بإعانتها والمصوّرة.
وللحيوانية قوتان :
قوّة على لإدراك بالآلات ، إمّا الظاهرة أي الباصرة والسامعة والذائقة والشامّة واللامسة ، أو الباطنة أعني الحسّ المشترك والخيال والوهم والحافظة والمتخيّلة.
وقوّة على التحريك الأرادي ، وهي إمّا باعثة وهي ما إذا ارتسم في الخيال أمر مطلوب الحصول حرّكت الفاعلة على الاتيان به ، فهى حينئذ قوّة شهويّة ، أو مطلوب الدفع و(١) حركاتها إليه ، فهي حينئذ قوّة غضبيّة ، أو فاعلة ، وهي تحرّك الآلات والعضلات الجسمانية بالقبض والبسط ، وجملة هذه القوى موجودة في جميع الحيوانات من الإنسان وغيره.
وأمّا النفس الانسانية فهي المختصّة بالانسان من بين الموجودات بها تميز عن غيره ، ولها قوّة النطق ، أعني إدراك الكلّيات بدون آلة جسمانية ، فإن توجّهت إلى معرفة حقائق الموجودات وقبول الفيض عن عالم المجرّدات سميّت عقلاً نظريّاً وقوّة نظريّة ، وإن تهيّأت لمزاولة الصناعات المؤدية غلى مصالح المعاش والمعاد والتأثير فيما تحت قدرته من القوى والآلات فهي عق ل عملي وقوّة عمليّة ، ولما كان تمييز النفس عن العقل بافتقارها إلى المادّة في
__________________
١ ـ كذا ، والظاهر زيادتها.
الفعل أي كلّ ما يصدر عنها من التأثير والتأثّر فهي في جميع إدراكاتها محتاجة إليها ، فقبل تعلّقها بالبدن واستعمال الآلات ليست فاعلة ولا قابلة ، وأمّا بعدهما فتحصل الصور الجزئيّة في الآلات ، الا أنّها خالية عن الصور الكلّية إلى أن تميّز به مابه تشرتك الجزئيّات عمّا به تختلف فهي قبل التمييز المذكور عقل هيولاني لمشابهتها للهيولى الأولى في خلوّها عن الصور بالفعل وقبولها لها بالقوّة ، وإذا ميزت فأوّل ما يرتسم فيها صور الكلّيات الضرورية الحاصلة من التمييز الحاصل من تكرير المشاهدات حكماً ومفهوماً ، كامتناع اجتماع النقييضين والحرارة الكلّية مثلاً ، وهي في هذه الحالة أي حصول الضروريات لها فعلاً واستعدادها لاكتساب النظريات منها عقل بالملكة ، وإذا اكتسبت النظريّات بالفعل وصارت لصيرورتها مخزونة فيها مستعدّة لا ستحضارها فهي عقل بالفعل ، وجميع ما يمكن إدراكها من المعقولات حاصلة لها بالفعل حينئذ ، الا أنها لاشتغالها بشواغل المادّة واحتجابها بحواجب البدن ليست حاضرة عندها مشاهدة لديها ، فإذا ارتفعت علاقتها بالبدن ولم يبق لها حجاب أصلاً وصار جميع إدراكاتها حاضرة عندها مشاهدة لها سميّت عقلاً مستفاداً ، وهذه غاية كمال القوّة النظريّة ، وكما أنّ مراتبها أربعة فكذا مراتب القوّة العمليّة.
أوّلها : استعمال النواميس الإلهيّة والشرائع النبويّة وامتثال الأوامر والنواهي الشرعيّة ، حيث إنها باب السلوك ومفتاح الوصول إلى المقصود ، فلا يمكن الا منه الورود.
وثانيها : التخلّي عن الرذائل والتحلّي بالفضائل وإزالة العلل الحاجبة عن التوجّه إلى عالم الملك والملكوت عن الخاطر ، حتّى يتمكّن من الوصول إليه.
وثالثها : ملكة الوصول إلى عالم القدس.
ورابعها : مرتبة الفناء والوحدة الصرفة وقصر الهمّة في النظر إلى
الأنوار السبحانية وتزكية السرّ عمّا سواه تعالى والاستغراق في بحر كبريائه ، وهذه غاية كمال القوّة العمليّة ، والكمال الأوّل بمنزلة الصورة ، والثاني بمنزلة المادة ، فإذا جمعتهما تمّت بهما دائرة الوجود منطوياً فيها عالم الغيب والشهود.
لكلّ شيء من الموجودات خاصيّة لايشاركه غيره فيها ، فكلّما كان صدور تلك الخاصية المختصّة به منه أتم وفيه أظهر كان بالكمال أقرب ، وإلا فهو ناقص. ألا ترى أن الفرس تشارش كثيراً من الحيوانات في مطلق العدو ، الا أنّ لها خاصية تختصّ بها في مطاوعة راكبها وخفّتها حالة العدو بحيث لأتوجد في غيرها ، وكلّما كانت الخاصية المزبورة فيها اظهر كانت في مراتب الفرسيّة أكمل وأشهر ، وكذا الإنسان له خاصية ها يتميّز عن سائر ما في الاكوان ، وإن كان مشاركاً لغيرها في جملة من الخاصيات ، فإنّ بلوغه إلى أعلى المراتب فيها لايعدّ له كمالاً لوجود من هو أعلى ربتة منه في الحيوانات والنباتات مثلاً ، بل كماله في بلوغه إلى أعلى المراتب في تلك الخاصية المختصّة به وهي ما ذكرناه من القوّتين ، فغن أو صلهما إلى أعلى مراتبهما الذي ذكرناه كان إنساناً كاملاً مستحقّاً لخلافة الله في البلاد ، مستعداً لقبول الفيض الابدي من بين العباد ، اتموذجاً لما في عالم الكون والفساد.
فصل
الأجسام الطبيعية متساوية في الجسمية ، فلا مزية لبعضها على بعض من هذه الحيثية ، بل ما كان قبوله للصور الشريفة وتأثره من المبادي العالية أظهر فهو أشرف ، أنواع الجمادات ما كانت له قوّة قبول النفس النباتيّة كالمرجان ، وهو متصّل بأخسّ أنواع النبات ، وبين أدناها إلى هذه المرتبة العليا مراتب غير محصورة من هذه الحيثية.
ثم من أخسّ مراتب النبات إلى أشرف أنواعه وهو النخل مثلاً المتّصل بأخسّ أنواع الحيوان ، والمتّصف باغلب صفاته المترتّبة على النفس الحيوانيّة كالضعيف من الدود وبعض أنواع الحشرات المتكونّة في بعض فصول السنة دون بعض ، مراتب كثيرة شرفاً ودوناً.
وكذا من أخسّ أنواع الحيوان إلى أشرفها كالصقر أو الفرس مثلاً ، المتّصل بادون أنواع الانسان مراتب موفورة شرفاً وخسّة ، لكن جميع المراتب المتقدّمة مع شدّة اختلافها مشتركة في كون حركاتها طبيعية.
ثم بعد هذه تناط الحركة بالارادة النفسانيّة ، ولها أيضاً مراتب غير محصورة ، فكلّما كان إدراكه أدون وأضعف كان أدون من حيث الشرف ، وكلّما كان وصوله من نقصان إلى كمال بتوسّط القوى والآلات أكثر وأظهر كان أعلى وأشرف ، إلى أن يصل إلى مقام الفناء والوحدة المحضة ، يكون أشرف الموجودات ، ويتصّل به دائرة الموجود كالخط المستدير إذا بدأت بنقطة منه ثم ختمته بها فتنتفي الوسائط والترتيب والتضاد ، ويتّحد المبدأ والمعاد( ويبقى وجه ربّك ذوالجلال والإكرام ) (١) .
فظهر ممّا ذكر أنّ المرتبة الإنسانية واقعة في بدو الفطرة في أوسط مراتب الموجودات ، وانّ للانسان طريقاً إلى الأعلى بإرادته ، وإلى الادنى بطبيعته ، فإن خلّى زمام أمره بيد طبيعته تنزل يوماً فيوماً ، وحفّ بالشهوات الرديّة ، وبقي في المرتبة الادنى من مراتب الموجودات ، بحيث لايوجد أدون منها في عالم الأكوان. وإن مال بإرادته إلى الطريق المستقيم والنهج القويم والعلوم الحقّة والمعارف الحقيقية والفضائل النفسانية وتوجّه إلى نيل الكمال المركوز في جبلّته واشتاق إلى السعادة الحاصل الستعدادها في فطرته ، وصل تدريجاً إلى المقام المحمود ، إعني مجاورة الملأ الأعلى والاستنارة بأنوار الحق تعالى.
هي النفس إن تهمل تلازم خساسة |
وإن تنبعث نحو الفضائل تلهج |
__________________
١ ـ الرحمن : ٢٧.
آدمى زاده طرفه معجونى است |
كز فرشته سرشتته زو حيوان |
|
گر كند ميل اين شود كم از اين |
ور كند عزم آن شود به از آن |
ولما كان الطريق الأول سهل الحصول لا حاجة فيه إلى نيل مشقّة وبذل مجهود ، بل يكفي فيه مجرّد السكون ، والطريق الثاني صعباً عسر الحصول مفتقراً إلى مزيد جهد وكلفة وبذل مجهود دعت العناية الأزليّة والرحمة الإلهيّة إرسال الأنبياء والأوصياء الكرام والعلماء الأعلام بالشرائع المستقيمة والنواميس القويمة إلى الأنام ، كي يمدّوهم في سلوك هذا الطريق رفقاً أو عنفاً ، ويعاونوهم بالتسديد والتقويم والتأديب والتعليم. وفّقنا الله لما يحبّ ويرضى ، وأعاننا على علاج هذه النفوس المرضى.
فصل
التخلّي عن رذائل الأخلاق من أهمّ المهامّ أوّلاً ، لأنّها الحجب المانعة عن المعارف الحقيقية والصداء للنفوس الحاجبة عن النفحات القدسيّة ، فإذا اشتغلت القلوب بغيره تعالى لم يدخلها معرفته وحبّه والأنس به ، كما أنّه لامجال للهواء في الاناء المملوّ من الماء.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم :( لولا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات والأرض ) (١) .
فإذا خلتعنها استعدّت للفيوضات المتواترة ، كالمرآة مالم يذهب الصداء عنها لم تستعدّ لارتسام الصور فيها ، والبدن مالم تزل عنه العلّة لم يقبل الصحّة ، فلا تنفع طاعة الا بعد تطهيرها عن ذمائم الأخلاق ، والا فهو كقبر ظاهره زينة وباطنه جيفة ، أو كبيت مظلم وضع السراج على ظاهره فاستنار ظاهره وباطنه مظلم.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم :( ألا إنّ لربّكم في أيّام دهركم نفحات ألا فتعرّضوا
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٢ / ١٢٥ ، وفيه : « ملكوت السماء » بدون والأرض.
لها ) (١) .
فإنّ التعرّض لها تطهير القلب عن الأخلاق الرديّة ، فكلّ إقبال على طاعة وإدبار عن المعصية يثمر نوراً به يستعدّ القلب لإفاضة العلوم الحقّة.
قال الله تعالى :( والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا ) (٢) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم »(٣) .
والرحمة الإلهيّة بحكم العناية الأزليّة عامّة للخلق غير مضنون بها على أحد ، لكنها تتوقّف على تصقيل مرآة القلب وتطهيرها عن أخباث الطبيعة ، فلا حجاب من بخل من المنعم تعالى شأنه.
هر چه هست از قامت ناساز بى اندام ماست
ور نه تشريف تو بر بالاى كس كوتاه نيست
والنور الحاصل بعد صفاء القلب بعناية المنعم هو العلم الحق الذي لا مرية فيه لكونه من الأنوار الإلهيّة ، وهو الذي أشير إليه في قولهعليهالسلام :
« ليس العلم بكثرة التعلّم ، بل هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء ».(٤)
وفي بعض الكتب السماويّة : « لا تقولوا : العلم في السماء من ينزل به ، ولا في تخوم الأرض من يصعد به ، ولا من وراء البحار من يعبر ويأتي به ، العلم مجعول في قلوبكم ، تأدّبوا بين يديّ بآداب الروحانيين ، وتخلّقوا إليّ بأخلاق الصدّيقين أظهر العلم من قلوبكم حتّى يغطّيكم ويعمّركم ».(٥)
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « قال الله تعالى : لايزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي
__________________
١ ـ البحار : ٧١ / ٢٢١ مرسلاً.
٢ ـ العنكبوت : ٦٩.
٣ ـ البحار : ٤٠ / ١٢٨ نقلاً عن الفصول المختارة ، وفيه « يعلم » بدل « علم ».
٤ ـ البحار : ١ / ٢٢٥مع اختلاف.
٥ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ١٤٨ ـ ١٤٩ ، وفيه : « يغمركم ».
يبصربه ... » الحديث.(١)
وفي كلام أمير المؤمنينعليهالسلام إشارة إليه أيضاً حيث قال : « إنّ من أحبّ عباد الله إليه عبداً أعانه الله على نفسه فاستشعر الحزن وتجلبب الخوف ، ـ إلى أن قال ـ : فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى وصار من مفاتيح أبواب الهدى ومغاليق أبواب الردى ، قد أبصر طريقه ، وسلك سبيله ، وعرف مناره ، وقطع غماره ، واستمسك من العرى بأوثقها ، ومن الحبال بأمتنها ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس ».(٢)
وقالعليهالسلام في وصف الراسخين في العلم : « هجم بهم العلم على حقيقة البصرة ، وباشروا روح اليقين ، واستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استو حشه الجاهلون ، وصحبوا الدنيا بأبدان معلّقة بالمحملّ الأعلى ».(٣)
وهذا العلم عبادة النفس وقربة السرّ ، فكما لا تصحّ الصلاة الظاهرة الا بتطهير من الظاهره ، فكذا لا تصحّ عبادة الباطن الا بتطهيره من الأخباث الباطنة ، كيف لا والملائكة لايدخلون بيتاً فيه كلب ، فكيف تفاض الأنوار الإليّة في بيوت مملوءه من كلاب نابحة؟ فكم من دقائق المعاني وغوامض الأسرار ، تخطر على قلب المتجرّد للأذكار والأفكار ممّا تخلو عنها كتب التفاسير والأخبار ، ولا يتفطّن بها علماء الدهور وفضلاء الأعصار ، وبعد عرضها عليهم يستحسنونها ويعلمون أنّها من تنبيهات القلوب الزكيّة وألطافه البهيّة السنيّة بذوي الهمم العالية المتوجّهة إليه تعالى بالقلوب الصافية.
فظهر أنّ ما يحصل من المجادلات الفكريّة والمباحثات النظريّة من دون
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٢٥٢ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب من آذى المسلمين ، ح ٨.
٢ ـ بحار الأنوار : ٢ / ٥٦ عن نهج البلاغة.
٣ ـ نهج البلاغة : الحكمة ١٤٧ مع اختلاف.
تصقيل لمرآت النفس عن أخباث الطبيعة ممّا لا يستحقّ أن يطلق عليه الا الخوص في فنون البطاعة وتفتيح أبواب الجهالة ، فإن للعلم الحقيقي أثراً ظاهراً ونوراً باهراً وبهجة وسروراً وطمأنينة وظهوراً وانقطاعاً عن الدنيا إلى الآخرة ، وخوضاً في لجج البحار الغامرة من أبحر عظمة الله وصفاته الباهرة ، وأنّى لهم الرصول إلى سعاد ودونها قلل الجبال ودونهنّ حتوفن فما يسمونه علماً او يقيناً إمّا تصديق مشوب بشبهة أو اعتقاد جازم خال عن النور والجلاء لأجل الصداء الحاصل لقلوبهم من الجهل والعماء.
فصل
الخلق ملكة للنفس تقتضي سهولة صدور الأفعال عنها من غير فكر ورويّة ، والملكة كيفيّة نفسانيّة بطيئة الزوال ، وبالأخير خرج الحال ، وسبب وجوده الطبيعة تارة ، فإنّ بعض الأمزجة في أصل الخلقة تقتضي استعداد صاحبها لحال من الأحوال ، كالخوف بأدنى سبب ، والضحك من أدنى تعجّب ، والعادة أخرى ، كأن يفعل فعلاً بالفكر والاختيار على سبيل التكلف ، ثمّ من كثرة المداومة والممارسة يأنس به إلى أن يصدر عنه بسهولة ، ويصير ملكة له.
وقد قيل بأنّ الأخلاق كلّها طبيعية يمتنع زوالها كالحرارة للنار ، والبرودة للعلماء ، لأنّها تتبع المزاج ، وهو مما لا يتبدّل ، ولا ينافيه اختلاف مزاج شخص واحد في مراتب سنّه لتبعيّتها لجميع مراتبه.
ويؤيّده قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة ، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام ».(١)
وقولهعليهالسلام : « إذا سمعتم أنّ جبلاً زال عن مكانه فصدّقوه ، وإذا سمعتم
__________________
١ ـ مسند أحمد : ٢ / ٢٥٧.
أنّ جلاً زال عن خلقه فلا تصدّقوه ، فإنّه سيعود إلى ما جبل عليه ».(١)
وفيه أنّ توابع المزاج من المقتضيات الممكنة زوالها لا من اللوازم ، لكون النفوس متفّقة الحقيقة ، وخلوّها في بدو الفطرة عن جميع الأخلاق والأحوال كما هو شأن العقل الهيولاني ، فهي كصحائف خالية عن النقوش وما يحصل منها إمّا من مقتضيات العادة بالاختيار والرويّة ، أو استعداد الأمزجة ، والمقتضى ممكن الزوال ، كالبرودة للماء ، ولا يمتنع انفكاله كالزوجيّة للأربعة ، والخبران بعد ثبوتهما لا دلالة لهما أصلاً.
وقيل ليست طبيعيّة ولا منافية للطبيعة ، بل هي خالية في بدو الفطرة عن جميعها ، فما يوافق مزاجه يسهل تصييرها ملكة بالممارسة والاعتياد ، وما يخالفه يصعب تحصيله فيحتاج إلى تكلّف.
ويظهر وجهه ممّا ذكرناه.
وربما يقرّر الحجّة هكذا : الأخلاق قابلة للتغيير ، وكلّ ما كان كذلك فليس طبيعيّاً والكبرى ضروريّة ، والصغرى وجدانيّة لما نجد من صيرورة الخيّر شريراً بمصاحبته وبالعكس ، وتأثير التأديب والتعليم في زوالها ولولاه لم يكن للفكر فائدة ، وبطلت السياسات.
ويؤيّده ورود الأمر به في الآيات والأخبار.
قال تعالى :( قد أفلح من زكّيها ) .(٢)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « بعثت لأتّمم مكارم الأخلاق ».(٣)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « حسّنوا أخلاقكم ».(٤)
وردّ بمنع الكلّية لما نشاهد من عدم قبول بعضها للتغيير سيّما ما يتعلّق بالقوّة النظريّة كالحدس والتحفّظ وجودة الذهن ومقابلاتها ، ويكفي فبول
__________________
١ ـ جامع السعادات : ١ / ٢٤.
٢ ـ الشمس : ٩.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٨٩.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٩٩.
بعضها له لصحّة السياسات والأوامر المذكورة وتحقّق فائدة البعثة ، كما أنّ صحّة علم الطب لاتنافي عدم قبول بعض الأمراض للعلاج.
والجواب : أنّ عدم القبول في البعض على سبيل الامتناع كما هو شأن الطبيعي ممنوع ، غاية ما هناك كون بعضها عسرة الحصول صعبة القبول على مقتضى الأمزجة ، والمقتضى ليس من اللوازم كما ذكرنا.
وقيل : يكون بعضها طبيعية وبعضها عادية ، ويظهر وجهه مما ذكر مع جوابه. فخير الأقوال أوسطها. قال المعلّم الأوّل : يمكن صيرورة الأشرار أخياراً بالتأديب.
فصل
المراد من تهذيب الأخلاق تعديلها إلى الوسط من الإفراط والتفريط ، وردّ كلّ قوّة إلى كمالها ، وهو المراد من التغيير لا إماطة القوّة رأساً ، لأنّ لكلّ من القوى فائدة ضروريّة خلقت لأجلها ، وهي بمنزلة الآلة لما هو مقصود لذاته ، ولولاها لضاع المقصود الأصلي ، فتعديل القوّة الغضبية خلوّ النفس عن الجبن والتهوّر ، وكونها بحيث يحصل منه(١) الغضب المحمود شرعاً وعقلاً ، ولا يحصل المذموم كذلك ، وكذا الشهوة ، ولا ريب في إمكانه ، فكما أن النواة يمكن صيرورتها بالتربية نخلاً لوجود قوة النخليّة فيها وتوقّف فعليّتها على التربية التي هي بيد الإنسان ، فكذا تعديل قوّتي الشهوة والغضب بالمجاهدة ممكن ، وإن لم يمكن رفعها بالكلّية.
ثم أنّه تختلف مراتب التأديب والسياسة باختلاف الاشخاص في الأمزجة ورسوخ العادة ، والأسهل قبولاً لها الأطفال ، لخلوّ نفوسهم عن الأضداد المانعة ، فيجب على أوليائهم تأديبهم بالآداب الحسنة ، وزجرهم عن الأفعال الذميمة ، حتّى تعتاد نفوسهم بذلك ، والمؤدّب الأوّل هو الناموس الإلهي ، والثاني أرباب المعارف الحقّة الراسخون في العلم ،
__________________
١ ـ كذا ، والظاهر : منها.
الحاملون لها ، فيجب تقييدهم بقيود النواميس الإلهيّة ، وتنبيههم بالحكم والمواعظ الشافية.
فصل
لما كان شرف كلّ علم بشرف موضوعه ولذا كان الطب أشرف من الدباغة ، كان هذا العلم أشرف العلوم وأبهاها وأنفعها وأعلاها ، لأنّ موضوعه النفس الناطقة التي هي حقيقة الإنسان ، وهي أشرف أنواع الأكوان ، كما تبيّن في محلّه باوضح بيان ، وقد اشرنا إليه سابقاً ، ولهم عرض عريض يتّصل أوّله بأخسّ الموجودات ، ويلحق آخره بأشرفها ، وغايته إكمالها وإيصالها من أوّل مدارجها إلى أعلى معارجها ، فبه تتمّ الإنسانيّة ، وأيّ علم أشرف ممّا يوصل أخسّ الموجودات إلى أشرفها ، بل هو الاكسير الأعظم ، ولذا بالغ السلف في تدوينه وتعليمه قبل سائر العلوم ، فكما أنّ المريض لايغذّى بالأغذية اللذيذة المقوّية الا بعد نقاء البدن عن الأخلاط الفاسدة ، ولو غذي بها [ قبله ] زاد مرضه ، فكذا النفوس الغير المتخليّة عن ذمائم الأخلاق لا يزيدها التعلّم بسائر العلوم الا فساداً ، كما نشاهد في عصرنا هذا من كون بعض المتزيّين بزيّ العلماء أسوأ حالاً وأعظم شقاوة وأقسى قلباً وأشدّ جرأة على المعاصي ومتابعة الشهوات من الجهّال والعوام ، بل فساد حال هؤلاء ناش في الحقيقة منهم.
فصل
قد تبيّن لك أنّ للنفس الحيوانيّة قوّة محرّكة تنقسم إلى الشهويّة والغضبيّة ، وهي الباعث لها على الفعل بالاختيار والإرادة بعد إدراك مايلائمها بالمدركة ، وللنفس الانسانيّة قوّة عقليّة بها تدرك حقائق الأمور وتميّز الخيرات عن الشرور ، وتميل إلى فعل ما تستحسنه وترك ما تستقبحه ، فهي أيضاً باعثة الفعل والترك بالرويّة والاختيار ، لكنّها تبعث على ملازمة
ما هو كمال لها من الاتّصال بعالم الملكوت ، والتشبّه بالملائكة المقدّسين ، والأوليان تبعثانها على ملازمة المآلك والملابس والمناكح والمشارب وفعل الأذيّات ودفع المضارّ والإقدام على الأهوال وشوق التسلّط على الناس.
وأمّا القوى المدركة الحيوانيّة فيمن شأنها الإدراكات الجزئيّة ، وليس من شأنها التحريك والبعث بالارادة ، فهي كالجنود لهذه الثلاث تعرض ماتدركه عليها ، فإن كان الحكم للعاقلة أخذ(١) من مدركاتها مايلائمها وترك ما ينافرها ، وكذا الاخريان.
وفائدة الشهويّة بقاء البدن الذي هو آلة لكمال القوّة العقليّة.
وفائدة الغضبيّة كسر سورة الشهويّة ، فإنها لتمرّدها لاتطيع العاقلة بسهولة ، بخلاف الغضبيّة ، فإنها تتأدب وتطيع بيسر.
قال افلاطون في الغضبية : هي بمنزلة الذهب في اللين والانعطاف ، وفي البهيميّة : هي بمنزلة الحديد في الكثافة والامتناع.
فمن صعب عليه تسخير الشهويّة فليستعن فيه بالغضبيّة ، وليجتهد ولاييأس من روح الله ، فإنّه تعالى وعد المجاهدين في سبيله بالهداية ، فإن طاوعت الشهوية والغضبية العاقلة اتّحدت الثلاثة ، وحصل الأثر المطلوب من كل منها في وقته ، وتحقّق الكمال المطلوب منها برأسه ، بحيث يتخيّل أنّ المؤثّر واحد بلا ضدّ منازع ، ولا جله قيل انّها قوى ثلاثة لنفس واحدة.
وهي المعبّر عنها حينئذ بالمطمئنّة لسكونها تحت حكم العاقلة ، وحينئذ صلحت النفس وقواها ، و( قد افلح من زكّيها ) (٢) وإن لم تفوّضا إليها الأمر ولم تطاوعاها وقعت المخالفة بينها ، فكلّما صارت العاقلة مغلوبة عنهما بارتكاب المعاصي حصل للنفس لوم وندامة ، وهي المعبّر عنها حينئذ باللوّامة ، إلى أن تصير مغلوبة عنهما بالمرّة مذعنة لهما من دون دفاع
__________________
١ ـ كذا ، والظاهر أخذت وتركت.
٢ ـ الشمس : ٩.
وتجاذب ، فتؤدّي إلى انحلال الآلة وهلاك النفس وقوامها( وقد خاب من دسّيها ) (١) ، وهي المعبّر عنها بالامّارة.
وحينئذ يصير الرئيس مرؤوساً ، والملك مملوكاً ، وهذا هو الظلم العظيم ، بل الكفر بالله الكريم ، وتعطيل نعمه وأياديه ، ووضع الشيء فيما لا يقتضيه. أعاذنا الله من نقمه بمنّه وجوده وكرمه.
فصل
قد أشرنا إلى أنّ النفوس في بدوا الخلقة خالية عن جميع الأخلاق الا أنّها مستعدّة لها وبتوسّط القوى تكتسبها وترتسم بالصور والأعمال إلى أن تتقوّم بها وتصل إلى ما هو المقصود منها ، ولمّا كانت القوى متخالفة في البعث والتحريك فما لما يغلب أحدها لم تدخل النفس في العالم الذي يخصّها فتدخل مع غلبة العاقلة في الملائكة ، والشهويّة في البهائم ، والغضبيّة في السباع.
واعلم أنّ هذا النزاع إنّما هو بين العاقلة والاخريين ، فإنّ نفوس الحيوانات لفقدان العاقلة يفها ليس فيها تنازع ، والملائكة لفقدان الاخريين في نفوسهم ليس فيها تدافع ، فالجامع لعوامل الكل المخصوص بالصفات المتقابلة هو الإنسان ، ولذا صار أشرف المخلوقات لاحاطته بجميع المراتب المتباينة وسيره في جميع المدارج المتخالفة من الجمادية والنباتية والحيوانية ولملكية ، ثم التجاوز إلى مرتبة الفناء المحض والوحدة الصرفة.
قال أمير المؤمنينعليهالسلام : « إنّ الله سبحانه خصّ الملك بالعقل دون الشهوة والغضب ، وخصّ الحيوانات بهما دونه ، وشرّف الإنسان بإعطاء الجميع ، فإن انقاد شهوته وغضبه لعقله صار أفضل من الملائكة لوصوله إلى هذه
__________________
١ ـ الشمس : ١٠.
المرتبة مع وجود المنازع ، والملائكة ليس لهم مزاحم ».(١)
فصل
الغاية في تهذيب الأخلاق هو الوصول إلى الخير والسعادة.
والخير إمّا غاية الوجود وهو المطلق أو آلة الوصول إليه وهو المضاف ، وهو إما ذاتي الشرف كالعقل والحكمة ، أو ممدوح كأنواع الفضائل والأفعال الجميلة ، أو خي بالقوّة ، وهو الاستعداد لما ذكر ، أو نافع في الوصول إليه كاثروة.
والسعادة وصول الشخص بحركته النفسانيّة إلى كماله ، فتختلف بالنسبة إلى الأشخاص بخلاف الخير لا شتراك الكل فيه ، واختلفوا في اختصاصها بالنفس أو شمولها للبدن أيضاً.
فقيل بالأوّل وأنها محصورة في الفضائل الأربع النفسانية ، لأن حقيقة الانسان عندهم عبارة عن النفس الناطقة والبدان آلة لهان فلو كان صاحب هذه الفضائل الأربع خامل الذكر ناقص الأضاء فقيراً ممتحناً بأنواع المحن والبلاء كان سعيداً الا مرضاً يمنع نفسه عن اقتناء تلك الفضائل الأربع كفساد العقل ورداءة الذهن ، وفرعوا عليه عدم حصول السعادة الحقيقيّة لها الا بعد مفارقتها عن البدن ، وأنّ كدورات الجسمية وأخباث الطبيعة مانعة لها عن انكشاف الحقائق لها كما هو حقّه وقبولها للآثار الحقة والأنوار الالهية وشاغلة لها بالضروريات البدنية والشواغل الجسمية ، وبعد المفارقة ترتفع عنها الحجب الظلمانية وتصفو لقبول الأنوار الحقة الربانية.
وقال المعلم الأوّل وأتباعه : بأنّ من السعادة ما يتعلّق بصحّة البدن وسلامة الحواس واعتدال المزاج ، وما يتعلّق بالأموال والأعوان حتى يتوصّل
__________________
١ ـ جامع السعادات : ١ / ٣٤ ، ونحوه في الوسائل : كتاب الجهاد ، باب وجوب غلبة العقل ، ح ٢.
بها إلى الكرام والمواساة وسائر الأفعال الموجبة للمدح ، وما يتعلق بحسن الحديث وذكر الخير حتى يشيع ثناؤه وإحسانه بين الناس فيرغبوا إليه ويهتدوا به ، وما يتعلق بإنجاح المقاصد وحصول المآرب على مقتضى الارادة ، وما يتعلّق بجودة الذني وصحّة الفكر والسلامة عن الخطا في المعارف الحقّة ، فمن حصلت له هذه الخمسة فهو سعيد تام ، والا فهو ناقص.
ثم قالوا : يستقبح العقل أن يكون المعتقد للعقائد الحقة المواظب على الخيرات الجامع لأنواع الفضائل الكامل بذاته المكمّل لغيره الموسوم بخلافة الله تعالى المشغول بإصلاح خلق الله تعالى شقيّاً وبمجرّد مفارقة روحه عن البدن يصير سعيداً ، بل لها مراتب تحصل تدريجاً بقدر السعي والهمّة إلى أن يصل إلى أقصى مراتبها فيصير سعيداً تاماً وإن كان حيّاً ولا ينحل بمفارقة البدن.
وقال المتأخّرون : السعادة على ضربين :
أحدهما : ما يتعلق بالنفس حال تعلّقها بالبدن ، وهو الأدنى ، لأنّ لها في هذه الحالة جنبتين روحانية وجسمانية. والثانية كالآلة للأولى ، فما لم يستجمع فضائلها لا يتيسّر له اقتناء الفضائل الروحانية ، الا أنّ لها أيضاً مرتبتين أدناهما حصول الفضائل الجسمانية لها بالفعل مع الشوق التامّ إلى اقتناء الفضائل النفسانية ، وأعلاهما حصول الفعلية والشوق كليهما لها في الفضائل النفسانية ، الا أنّ التفاتها إلى تنظيم العالم الجسماني واقتناء فضائله بالعرض.
والثاني : ما يتعلّق بالنفس بعد انقطاعها عنه فهي لا ستغنائها حينئذ عن السعادة البدنية لا سعادة لها الا الملكات الفاضلة ومشاهدة الجمال الأقدس والاستغراق في بحار الأنوار الإلية. والاولى لشوبها بالآلام الدنياوية ناقصة كدرة ، ولا يحصل للنفس لا حتجابها بحجاب البدن وتقيّدها بسجن الطبيعة العقل الفعلي والانكشاف التام واللذّة الكاملة الحقيقية الخالية عن
الكدورات ، ولو حصل لبعض المتجردين عن جلباب البدن مرّ كالبرق الخاطف ، بخلاف الثانية ، حيث أنّها لخلوصها عن الكدورات المذكورة واتّصالها بعالم القدس يشاهده كما هو حقّه ، وهي حينئذ سعادة أبدية لا انقطاع لها ولازوال ، فهذه أعلى من المرتبة الاولى ، وهن السعادة الحقيقية التامّة ، ولا تحصل إلا بعد مفارقة النفس عن البدن.
واعلم أنّ تفسير السعادة بالعشق أو الحبّ أو الزهد أو غير ذلك من الألفاظ المتداولة في ألسن العرفاء وعلماء الشريعة مبني على كونها من آثار المعارف الحقّة والوصول إلى مرتبة الوحدة الصرفة ومشاهدة تلك الحضرة المقدسة ، فهي من لوازمها الغير المنفكّة عنها ، فالسعادة في الحقيقة ليست الا تلك المعارف الحقّة كما فسّرها الحكماء الالهيّون ، وانّما وقع التعبير عن الملزوم باللازم مجازاً والمدّعى واحد.
تتميم
قيل : أول مراتب السعادة أن يصرف الهمّة نحو مصالح نفسه وبدنه من الأمور الحسّية وما يتّصل بهما بتدبير متوسّط بين الافراط والتفريط ، وهو في هذه الحالة إلى مايلزم أن يفعله أقرب ممّا لابدّ أن يتركه.
ثم أن يصرف الهمّة فيما هو أفضل من إصلاح نفسه وبدنه من غير ملابسة للشهوات الدنيوية والتفات إلى المقتضيات الحسيّة الا بقدر الضرورة ، ولهذا النوع من الفضيلة مراتب غير محصورة لا ختلاف طبائع الناس وعاداتهم ومدارج معرفتهم وفهمهم وشوقهم وعلمهم وصبرهم على المشاقّ وهممهم ، وربما كان للبخت والاتّفاق مدخل فيه أيضاً.
ثم أن يصرف الهمّة نحو الفضيلة الالهيّة وهي آخر مراتبها ، ولها أيضاً مراتب غير محصورة بحسب اختلاف الأشواق والهمم وقوّة الطبع وصحّة العقيدة وهي التشبّه بالمبدأ والاقتداء به في افعاله ، فلا يفعل الا الخير المحض ،
وغاية فعله نفسه ، لأنّ الخير المحض مقصود لذاته ، ولا يفعف ما هو كذلك الا لذاته ، لكنه موقوف على أن ينتفي عنه الوارض النفسانية ويصفو عن الشهوات الرديّة ، ويمتلأ قلبه من شعائر الله ومعرفته وحبّه والانس به ومشاهدة حضرته والحقائق الحقّة ، ويكون ذلك كالقضايا الأولية في نفسه ، بل أوضح وألطف وأظهر وأشرف ، فلا يبقى في نفسه شيء من جلب نفع أو دفع ضرّ أو غيرهما ، فيصير هو في نفسه خيراً محضاً ، ولا يطلب الا ما هو كذلك ، فيكون ذاته غاية لفعله ، وفعله غرضاً بذاته ، وإن ترتّبت على فعله فوائد أخرى كثيرة على الغير بالعوض.
تنبيه : لابدّ في سعادة المرء من إصلاح جميع صفاته وأفعاله على طريق الاستمرار والدوام ، بحيث لا يتغيّر حاله بتغيّرات الأزمان والأحوال ، فلا يزول صبره بحدوث النوائب والفتن وورود المصائب والمحن ، ولا يقينه بكثرة الشبهات ، ولا رضاه وشكره بتواتر البليّات ، ولو كان مثل بلاء أيّوب النبيعليهالسلام مثلاً ، ولا يحصل التفاوت في حاله لكن لا لنقصان فهمه وقلّة إدراكه وعدم إحساسه ، بل لكبر نفسه وشهامة ذاته وارتفاع همتّه ، فلا يكون لتقلّبات الأوار فيها تصرّف ، بل ربّما خرج بذلك عن تصرّف الطبائع الفلكية والكواكب السماوية ، فلا يتأثّر بسعدها ونحسها وقمرها وشمسها وربّما حصلت لهم قوّة على التصرّف في مواد الكائنات وتغييرها عن مقتضى طبائعها كما حصل لسيّد الرسلصلىاللهعليهوآلهوسلم من شقّ القمر وردّ الشمس وغير ذلك.
فصل
اللذّة الانفعالية تنفعل بعروض الأحوال المختلفة لها وتتبدّل بالزيادة والنقيصة بخلاف الفعلية لكونها ذاتية ، واللذّات الحسيّة كلها انفعالية لما نرى من تغيرها بالتزايد مع تزايد القوّة الحيوانيّة وضعفها بضعفها إلى أن ينتفي بالمرّة فتصير بنفسها آلاماً ، واللذّة الفعلية المتربتة على السعادة ذاتية عقلية
إلهية ، فلا زوال لها ولا اضمحلال ، مع انّ اللذّات الحسيّة ليست لذّات حقيقيّة ، بل هي رفع آلام ، ولو كانت لذّات فلاشكّ في كونها محفوفة بالمكاره والآلام الغير المحصورة ، كما قال سيّد الساجدينعليهالسلام :
« عجبت من قوم يطلبون الراحة في الدنيا مع أنّها مخلوقة في الآخرة ».(١)
وأيضاً فإنّ اللذّة إدراك الملائم والنفس لتجرّدها إنما تميل إلى المجرّدات من سنخها من الأمور العقلية والأنوار العلميّة ومشاهدة الذوات المجرّدة وهي لاتفنى بفناء البدن ، وكذا ما يلائمها فلذّتها دائمة أبدية ، بخلاف اللذّات الحسيّة لا ستنادها إلى الجسمانيّات الفانية فهي زائلة فانية.
وللشيخ الرئيس هنا كلام يؤكّد ويوضح ما أدرجناه في بحث السعادة من أوّله إلى هنا.
قال في الشفاء : « يجب أنّ يعلم أن لكلّ قوّة نفسانيّة لذّة يخصها وخيراً ، وأذى يخصّها وشراً ، فلذّة الشهوة وخيرها أن يتأدّى إليها كيفية مخصوصة ملائمة للحمية(٢) ، ولذّة الغضب الظفر ، ولذّة الوهم الرجاء ، ولذّة الحفض تذكّر الأمور الموافقة الماضية ، وأذى كل واحد منها ما يضاده ، ويشترك كلها نوعاً من الشركة هي أنّ الشعور لملائمها وموافقها(٣) هو الخير ، واللذّة الخاصّة بها وموافق كلّ واحد منها بالذات والحقيقة حصول الكمال الذي هو بالقياس إليه كمال بالفعل.
وأيضاً فهذه وإن اشتركت في هذه المعاني فإنّ مراتبها في الحقيقة مختلفة ، فالذي كماله أدوم وأتمّ ، والذي كماله أكثر والذي كماله أوصل إليه ، والذي هو في نفسه أكمل وأفضل ، والذي في نفسه أشدّ إدراكاً ، فاللذّة التي له أبلغ وأوفر.
__________________
١ ـ بحار الأنوار : ٧٣ / ٩٢ مع اختلاف يسير.
٢ ـ كذا ، وفي المصدر : « كيفيّة محسوسة ملائمة من الخمسة ».
٣ ـ كذا ، وفي المصدر : في أنّ الشعور بملائمتها وموافقتها.
وأيضاً فإنه قد يكون كمال ما بحيث يعلم أنه كائن ولذيذ ولا يتصوّر كيفيّته ولا يشعر باللذّة ، ومالم يشعر لم يشتق ، ولم ينزع نحوه مثل العنين ، فإنه متحقّق عنده أنّ للجماع لذّة ولكنه لايشتهيه ، ولا يحنّ نحوه ، وكذلك حال الأكمه عند الصور الجميلة ، والأصم عند الألحان المنتظمة. وربّما يتيسّر للقوّة الدرّاكة وهناك مانع أو شاغل للنفس فتكرهه وتؤثر ضدّه مثل كراهة بعض المرضى الطعم الحلو وشهوتهم الطعوم الرديّة ـ إلى أن قال ـ : وقد تكون القوّة الدرّاكة ممنوّة بضدّما هو كمالها ، ولا تحسّ به ولاتنفر عنه حتى إذا زال العائق عنها تأذّت به كلّ التأذّي مثل الممرورين ، فربما لم يحسّ بمرارة فمه إلى أن يصلح مزاجه فحينئذ ينفر عن الحالة العارضة له ، وقد يكون الحيوان غير مشته للغذاء وهو أوفق شيء له بل كارهاً له ، ويبقى عليه مدّة طويلة فإذا زال العايق عاد إلى واجبه في طبعه فاشتدّ جوعه وشهوته للغذاء حتّى لا يصبر عنه أو يهلك عند فقدانه ، وكذلك قد يحصل سبب الألم العظيم مثل إحراق النار وتبريد الزمهرير ، الا أنه يحسّ البدن آفة(١) فلا يتأذّى البدن به حتّى تزول الآفة ، فيحسّ حينئذ بالالم العظيم.
ثمّ قال : إذا تقرّرت هذه الأصول فنقول : إنّ النفس الناطقة كمالها الخاص بها أن يصير عالماً عقليّاً مرتسما فيها صورة الكلّ والنظام المعقول في الكلّ والخير الفائض في الكل مبتدءاً من مبدأ الكل وسالكاً إلى الجواهر الشريفة التي هو مبدأ لها(٢) ، ثم الروحانيّة المتعلّقة نوعاً بالأبدان ، ثمّ الأجسام العلويّة بهيئاتها وقواها ، ثم كذلك حتّى تستوفي في نفسها هيأة الوجود كلّه فتصير عالماً معقولاً موازياً للعالم الموجود كلّه ، مشاهدة لما هو الحسن المطلق والجمال الحق ومتّحدة به منتقشة بمثاله وهيأته ، منخرطة في
__________________
١ ـ كذا ، وفي المصدر : الا أنّ الحسّ مؤوف.
٢ ـ كذا ، وفي المصدر : مبتدأة من مبدأ الكلّ ، سالكة إلى الجواهر الشريفة الروحانيّة المطلقة ثم
سلكه صائرة إلى جوهره ، فليقس هذه بالكمالات المعشوقة للقوى الاخر ، فتجد هذا في المرتبة بحيث يقبح أن يقال : إنّه أفضل وأتمّ منها ، بل لانسبة لها إليه بوجه من الوجوه تماماً وفضيلة وكثرة ، أمّا الدوام فكيف يقاس الدوام الأبدي بدوام المتغير الفاسد ، وأمّا شدّة الوصول فكيف يقاس ما وصوله بملاقاة السطوح مع ما هو سار في جوهره حتى يكون بلا انفصال ، إذ العقل والعاقل والمعقول واحد ، وأمّا المدرك في نفسه فالأمر لا يخفى(١) .
ثم قال : ولكنّا في حال كوننا في البدن وأنعماسنا في الرذائل لانحسّ بتلك اللذّة ، إذا حصل عندنا شيء من أسبابها ، ولذلك لانطلبها ولا نحنّ إليها ، اللّهمّ الا أن يكون قد خلعنا ربقة الشهوة والغضب وأخواتهما عن أعناقنا وطالعنا شيئاً من تلك اللذّة ، فحينئذ ربّما نتخيّل منها خيالاً طفيفاً ضعيفاً خصوصاً عند انحلال المشكلات واستيضاح المطلوبات النفسيّة والتذاذنا بذلك شبيه بالالتذاد الحسيّ من المذوقات اللذيذة بروائحها من بعيد ، وأما إذا انفصلنا عن البدن وكانت القوة العقلية بلغت من النفس حدّاً من الكمال الذي يمكنها به إذا فارقت البدن أن تستكمل الاستكمال الذي لها أن تبلغه كان مثلنا مثل الخدر الذي أذيق المطعم الألذّ وتعرّض للحالة الاشهى وكان لا يشعر به فزال عنه الخدر وطالع اللذّة العظيمة دفعة فتكون تلك اللذّة لا من جنس اللذّة الحسّية الحيوانية ، بل لذّة تشاكل الأحوال الطيّبة التي للجواهر المحضة [ وهي ] أجل من كلّ لذّة وأشرفها ، وهذه هي السعادة.
ويجب أن لايتوهّم العاقل أنّ كل لذّة فهو كما للحمار في بطنه وفرجه وأنّ المبادىء الاولى المقربة إلى ربّ العالمين عادمة للذّة والغبطة ، وأنّ ربّ العالمين ليس له في سلطانه وعظمته وخاصيّته البهاء الذي له وقوّته الغير المتناهية أمر في غاية الفضيلة والشرف والطيب نجلّه عن أن نسميّه لذّة ،
__________________
١ ـ كذا ، وفي المصدر : وأما أنّ المدرك في نفسه أكمل فأمر لايخفى.
وللحمار والبهائم حالة طيّبة ولذّة ، كلا ، بل أيّ نسبة تكون لذلك مع هذه الخسيسة ، ولكنّا نتخيّل هذا ونشاهده ولم نعرف ذلك بالاستشعار بل بالقياس ، فحالنا عنده كحال الأصمّ الذي لم يسمع قط ولم يتخيّل اللذة اللحنيّة. انتهى »(١) .
فصل
ثم أنّ الشقوة ضدّ السعادة ، ولها أيضاً مراتب ، فمن لم يحصّل في دار الدنيا تصوّراً ولا تصديقاً ولم تقبل نفسه من المبادىء العالية صوراً ، وتسامح في أداء الطاعات والأعمال الحسنة ولم يتخلّ عن الرذائل الخلقيّة ولم يتحلّ بالفضائل النفسيّة وأهمل قوّتيه العلمية والعملية فإن كان له شعور جملي بالكمال وتصوّر إجمالي لما هو مركوز في جبلّه من تمييز الحسن عن القبيح ، والممدوح عن المذموم ، فهذا الرجل بعد كشف غشاوة الحجب الظلمانية عنه يدرك حقيقة حرمانه عن ملائمات جوهره وانهماكه في منافيات روحه وانقطاع ما كان يراه لذّة وملائماً ، وانسداد أبواب ما كان يطلبه مع رسوخ رغبته وميله في نيله عنه ويصل إليه من الالم والعذاب مايكون نسبته إلى سائر الآلام كنسبة عذاب الآخرة إلى الدنيا ، وهذه هي الشقاوة الحقيقية ، و
ولعلّ مراد من قال بتجسّد الأعمال وأنّ الهيأة النفسانيّة إذا صارت ملكة تصير متمثّلة في عالم الباطن بما يناسبها ، لأنّ صور الأشياء تختلف باختلاف العوالم كالعلم المدرك في اليقظة بالعقل أو الوهم وفي النوم باللبن وكالسرور المتصوّر في النوم بالبكاء ، فإنّ الحقيقة متحدّة ، الا أنها تتجلّى في كل عالم بصورة ، هو أنّ موادّ الأشخاص الاخروية هي الملكات النفسية
__________________
١ ـ الهيات الشفاء : المقالة التاسعة ، الفصل السابع في العاد. مع تقديم وتأخير ، وقد كانت بعض العبارات مشوّشةً صحّحناها من المصدر.
والنيّات القلبية المتصوّرة بصور روحانية وجودها الادراك ، فإذا انقطعت علاقة النفس عن دار الفناء وحان أو ان مسافرتها إلى دار البقاء وارتفعت عنها حجب الموادّ الظلمانية وخلصت عن عوائق الدنيا الدنيّة والتفتت إلى صحيفته صار الادراك فعلياً والعلم عينيّاً ، فيشاهد ويرى أفعاله.
( فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) (١) ،( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ) .(٢)
وبهذا المعنى يصحّ حديث الخلود ، فإنّ القول والعمل الفانيين لو كانا هما السبب ، لبقي المسبب مع زوال السبب ، وهو محال مع أنّه يقبح على الحكيم التعذيب أبداً على فعل قصير المدّة.
وهذا حال الناقصين في الكمالات العلمية ، سواء كانوا ناقصين في الكمالات العملية أيضاً أم لا ، فإنّ العمل لايجدي مع نقصان العلم ، وأمّا من كان كاملاً في العلم ناقصاً في العمل منقاداً لقوّتيه الشهوية والغضبية ، فهو وإن لم يحصل له الالتذاذ بما له من الكمالات بعد مفارقة روحه عن البدن ، فإنّ غفلة النفس وعدم التذاذها بالكمال مادام(٣) في البدن ليست لانطباعها فيه لتجرّدها بل للعلاقة التي لها معه وشوقها إلى تدبيره والاشتغال بآثاره ، فلو فارقته على هذه الحالة فكأنّها لم تفارقه لبقاء الشوق والعلاقة ، بل هو في هذه الحالة أسوء حالاً من السابق ، لأنّه من جهة حصول اللذّات الحسّية له بالفعل لم يكن متأذّياً من فقد الكمال العقلي ، فكان كالمريض الممرور ، وفي هذه الحالة لما انقطعت عنه اللذّات الحسّية لفقدان آلتها مع بقاء ميله إليها وحصول الشوق الأصلي المغفول عنه أولّاً على وجه آكد لعدم شاغل عنه حينئذ ، فالميل البدني يجذبه إلى السفل ، الشوق يجذبه إلى العلو ، فيحدث له من الحركات المشوشة ما يعظم أذاه
__________________
١ ـ ق : ٢٢.
٢ ـ السراء : ١٤.
٣ ـ اذا ، والظاهر : مادامت.
جدّاً ، على أنّ الهيأة البدنية الراسخة فيه الغير الزائلة عنه مضادّة لا محالة لجوهر ذاته ، فهي مؤلمة غاية الألم ، الا أنّه ليس لأمر ذاتي بل لأمر عرضي غريب هو حصول الملكات الردية من كثرة الاتيان بالملائمات الحسّية ، فبعد انقطاع آلتها عنه يضعف الميل تدريجاً إلى أن يفنى ويزول ، فلا يكون مخلداً في هذا النوع من العذاب ، بخلاف شوق الكمال العلمي ، فإنه لايزول أبداً فلو لم يحصّل في دار الدنيا شيئاً منه بقي ألمه أبداً ، وماذكرناه من أحوال الصنفين فإنّما هي للنفوس الذكيّة.
وأمّا النفوس الساذجة الغير المستشعرة بكمالها الحقيقي الغير المكتسبة له فلا يخلو إما أن يكون معتقداً للعقائد الحقّة على سبيل التقليد مع اجتماع شرائط التقليد فيه أو لا.
ولأوّل إن حصّل من الكمالات العملية الائقة بحاله بقدر ما اكتسبه من العقائد الحقّة ولو على سبيل التقليد فهو أيضاً من السعداء وهم المعبّرعنهم بالبله في قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أكثر أهل الجنّة البله ».(١)
وسعادتهم جسميّة لعدم إدراكهم العقلية والباعث لهم على اقتناء الملكات الحسنة واجتنابهم عن الأخلاق الذميمة والأعمال القبيحة هو الطمع في لذّة مجانسة لللذّات الجسميّة وإن كانت أرفع وألطف وأدوم وأشرف ، أو الخوف من الآلام المجانسة لهذه الآلام الجسمانيّة وإن كانت أشدّ وأدوم منها ، إذ لايتصوّر في حقّهم غير ذلك ، فنفوسهم بعد المفارقة عن البدن شائقة جاذبة إلى الأجسام العنصرية لا ستحالة التناسخ سواء قلنا بتعلّقها بالأجسام الشريفة السماوية على تفاوت مراتبهم ودرجاتهم كما هو رأي المشّائين ، أو بالأبدان المثالية كما هو رأي العرفاء والاشراقيين.
وإن لم يحصّلها ، بل حصّل الهيئات المردية والملكات الشهويّة
__________________
١ ـ الجامع الصغير : ١ / ٥٣.
والغضبيّة ، فهو من صنف الأشقياء الواصلين إلى الكمال العلمي دون العملي يعذّب ولايخلّد ، وإن كان شقاوته أهون وعذابه أخفّ من شقاوتهم وعذابهم ، والكلام في جنس ألمه وعذابه كما ذكرناه ، ولما كان أغلب الناس من هذين الصنفين فالمواعيد الشرعية ترغيباً وترهيباً منساقة إليهم.
وإن لم يجتمع فيه شرائط التقليد لم ينفعه تقليده ولا الأعمال الصالحة الصادرة عنه ، وكان كالمعتقد للعقائد الباطلة من صنف من لم يحصّل من الكمالين شيئاً ، مخلّداً في الألم والعذاب الحاصل لأولئك.
فقد ظهر ممّا فصّلناه أنّ انحصار اللذّة في الجسمانيّات كما يظنّه المسجونون بسجن الطبيعة ، فإنّ غاية همّتهم وشوقهم في تحصيل الملكات الفاظلة والأعمال الصالحة هي الوصول إلى أشرف أنواع اللذّات الحسّية ، كالجنّة والحور والغلمان ، وفي ترك الرذائل الخلقية والأفعال الفاظحة الخوف من أدوم أنواع آلامها كالنار والحيّات والعقارب ، إنّما يصدر توهّمه من عدم خلاص النفس عن سجن الطبيعة ورسوخ العلاقة بالجسم وما يلزمه من قواه الشهويّة والغضبيّة ، وكيف يرضى من له أدنى قريحة بأن يكون غاية همّته ونهاية سلوكه الوصول إلى أشرف لذّات البهائم ، ويكون نفسه المخلوقة لأمر عظيم خادماً في هذه المدّة للنفس البهيميّة. أو ما يتفكّر في أنّ ذلك عبادة الأجراء والعبيد؟ أو لم يسمع قول سيّد الموحّدين :
« إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا شوقاً إلى جنّتك ، بل لمّا وجدتك أهلاً للعبادة عبدتك ».(١)
بل كما قاله الشيخ : كيف يرضى بأن يكون ربّ العالمين الذي ليس له في بهائه وعظمته وكبريائه من يوازيه مسمّياً لهذه اللذّات لذّات قاصداً لها ممّا يكرّره في كتابه الكريم ويؤكّد عليه بلسان نبيّه الرسول الصادق الأمين ، وكذا المبادىء العالية المنزهّة عن هذه اللذّات الحسيّة لا يكون لها لذّة وغبطة أصلاً ،
__________________
١ ـ البحار : ٤١ / ١٤ مع اختلاف.
لكنه تعالى ألقى بواسطة النبوّة إلى كافة الناس ما تحتمله أفهامهم وتصل إليه أوهامهم.
قال الغزالي في المضنون : اللذّة المحسوسة الموعودة في الجنان من أكل وشرب ونكاح يجب التصديق بها لإمكانها وهي حسّي وخياليّ وعقليّ.
أمّا الحسّي فبعد ردّ الروح إلى البدن كما ذكرناه. ولا كلام في أنّ بعض هذه اللذّات ممّا لا يرغب فيها كلّ أحد كاللبن والاستبرق والطلح المنضود والسدر المخضود ، وقد خوطب بهذا جماعة يعظم ذلك في أعينهم ويشتهونه غاية الشهوة ، وفي كلّ صنف واقليم مطاعم ومشارب ومالبس يختصّ بقوم دون قوم ، ولكلّ أحد في الجنّة ما يشتهيه.
( ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدّعون ) .(١)
وربما عظّم الله شهوة في الآخرة لا يشتهيه أهل الدنيا في الدنيا كالنظر إلى ذاته سبحانه ، فإنّ الرغبة الصادقة فيها إنّما يكون في الآخرة دون الدنيا ، ـ إلى أن قال ـ :
وأمّا الوجه العقلي فهو أن يكون هذه المحسوسات أمثلة لللذات العقلية الغير المحسوسة ، لكنّها تنقسم إلى أنواع مختلفة الذات كالحسيّات ، فتكون أمثلة لها ، وكلّ واحد منها مثالاً للأخرى ، وإن كانت ممّا لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، فيجوز أن يجمع بين الكلّ ، ويجوز أن يكون نصيب كلّ واحد بقدر استعداده ، فالمشغوف بالتقليد المتقيّد بقيد الصورة الذي لم ينفسح له طريق الحقائق يمثّل له هذه الصور ، والعارفون المستبصرون يفتح لهم من لطائف السرور واللذّات العقليّة ما يليق بهم ويشفي شوقهم وشهوتهم ، إذ حدّ الجنّة أنّ فيها لكلّ امرىء ما يشتهيه ، فإذا اختلف الشهوات اختلفت العطيّات واللذّات ، والقدرة واسعة ، والقوّة البشريّة عن الاحاطة بعجائب القدرة قاصرة ، والرحمة الالهيّة ألقت بواسطة
__________________
١ ـ فصلت : ٣١.
النبوّة إلى كافّة الناس ما احتملته أفهامهم فيجب التصديق بما فهموه والاقرار بما وراء منتهى الفهم من أمور تليق بالكرم الإلهي ولا تدرك بالفهم البشري ، وإنّما تدرك في مقعد صدق عند مليك مقتدر. انتهى ملخّصاً.
الباب الثاني
في تفصيل الأخلاق
وأقسامها
وفيه فصول
فصل
قد تبيّن لك أنّ ما هو المصدر للآثار المتخالفة والمنشأ للأفعال المتبائنة بالارادة والاختيار من القوى الحاصلة للنفس الانسانية ثلاثة :
إحداها : قوّة النطق وآلتها في البدن الدماغ.
والثانية : الغضبيّة وآلتها في القلب.
والثالثة : الشهويّة وآلتها الكبد.
وسائر القوى حركاتها طبيعيّة ، فلا تكون منشأ لنقصان أو كمال.
وان ميل الناطقة إلى المعارف الحقّة ، والغضبيّة إلى الغضب والاقدام على الأهوال والترفّع على الناس ، والشهويّة إلى الالتذاذ بالمآكل والملابس والمناكح ، ويلزم من ذلك أن تكون أعداد فضائل النفس بحسب أعداد قواها ، لأنّ فضيلة كلّ قوّة اعتدالها في ماتطلبه عن طرفي الافراط والتفريط ، فلو اعتدلت الناطقة فيما تميل إليه من معرفة حقائق الموجودات مطلقاً بقدر الطاقة حصلت من ذلك فضيلة العلم ويتبعها الحكمة ، ولو اعتدلت الغضبية فيما تميل إليه بانقيادها للناطقة فيما تأمرها به وتنهاها عنه بحيث لم تضطرب النفس عند عظائم الأمور وشدائد الدهور وحصلت لها همّة عالية في تحصيل ما هو كمال لها ، ولو كان صعباً ، حصلت فضيلة الحلم ويتبعها الشجاعة ، ولو اعتدلت الشهوية بانقيادها للناطقة في أو امرها ونواهيها تظهور آثار الحرية والخلاص من عبودية المشتهيات البهيميّة في النفس حصلت فضيلة العفّة ويتبعها السخاء ، وكلّ من هذه الثلاث فضيلة مستقلّة برأسها ، ولها أنواع وآثار تخصّها.
ثم من حصول الثلاثة جميعاً وتسالم بعضها مع بعض وامتزاجها تحصل حالة متشابهة بها يتم كمال تلك الثلاثة وهي العدالة ، ولذا اتفق
أساطين الفنّ كون أصول الفضائل أربعة : الحكمة والشجاعة والعفّة والعدالة ، ولا يستحقّ المدح والفخر الا بها.
وربما يقرّر بطور آخر هو أنّ للنفس قوّتين : قوّة على الادراك بالذّات إمّا بالقوة النظرية ، أو بالقوّة العملية ، وقوّة على التحريك بالآلات إمّا بالشهوية لجلب المنفعة أو بالغضبية لدعف المضرّة ، فصارت القوى بهذا الاعتبار أربعة ، ويحصل من اعتدال تصرّف كلّ منها في موضوعها فضيلة ، فمن تعديل الاولى الحكمة ، والثانية العدالة ، والثالثة العفّة ، والرابعة الحلم.
ولا يخفى عليك أنه تغيير في طور التقرير والمدّعى واحد ، فإنّ هذه الفضائل ملكات حاصلة من مزاولة الأعمال والأفعال المؤديّة إلى صلاح النشأتين والتدبير في ذلك كله مفوّض إلى القوّة العملية ، وتلك الأفعال المذكورة لاتخلو عن الثلاثة ، فإن اعتبرنا تعديل قسم خاص منها من حيث هو خاص ، سميّت بالحكمة أو العفّة أو الحلم ، وإن اعتبرنا تعديل جميعها من حيث إنّها أفعال مؤدّية إلى صلاح النشأتين والتدبير فيها موكول إلى القوّة العملية سميّت بالعدالة.
فإن شئت فسّرت العدالة بتعديل القوّة العملية ، وإن شئت فسّرتها باعتدال القوى الثلاث وتسالمها ، فإنّ المدّعى واحد.
وقد حصل لبعض الأعلام خبط عظيم في هذا المقام ، حيث لم يتفطّن باتّحاد التقريرين وفرّع على تغايرهما فروعاً فاسدة في البين.
منها كون العدالة على الثاني كمالاً للعملية خاصّة ، وللقوى بأسرها على الأول مع ما عرفت من الملازمة بين الكمالين.
ومنها بساطة العدالة على الثاني واحتمالها لها إن قلنا إنّها قوّة الاستعلاء على القوى بأسرها ، وللتركيب إن قلنا إنها نفس الملكات الثلاث مع ورود كون جميع الأقسام قسماً منها عليه على الأول وهو أيضاً فاسد ، إذ ليس المراد نفس الملكات بل هيأة مخصوصة وخاصيّة مؤثّرة حاصلة من
اجتماعها وامتزاجها وتسالمها ، وهي عين الهيأة الحاصلة من تعديل القوّة العملية ، فهي بسيطة على التقريرين ، ولايلزم كون جميع الأقسام قسماً لأنها أقسام الفضائل النسانية وكلّ منها فضيلة مستقلّة ، واجتماعها يستلزم مناسبة مخصوصة وأثراً خاصّاً لبعضها بالنسبة إلى بعض ، وهي فضيلة أخرى من الفضائل مغايرة لها ، بل هي الفضيلة الحقيقية الجامعة لأنواعها.
ومنها : أنهم أدرجوا تحت العدالة أنواعاً من الفضائل كالثلاثة الأخرى مع أنها تتعلّق في الحقيقة بإحديها وإن كان بتوسّط العمليّة وضبطها فإنه لا يترتّب على مجرّد انقياد العملية للعقلية وعدمه رذيلة وفضيلة ، ولو كان مجرّد الضبط سبباً للاستناد لزم إسناد جميع الفضائل إليها والا لزم الترجيح من غير مرجّح.
وهذا أيضاً خبط فاحش ، لأن العدالة هيأة حاصلة من اجتماعها ، فكأنّها فضيلة كلّية جامعة لأنواعها ، وكما أنه يندرج تحت كلّ منها فضائل جزئيّة يناسب جزئيّة جنسها ، فكذا يندرج تحت هذه الفضيلة الكلّية فضائل كليّة ، ويترتّب عليها آثار مترتبة عليها دون تلك الفضائل الجزئية ، فكما أنّ كون زيد عالماً بالنحو أثره القدرة على استنباط المسائل النحويّة خاصّة ، وكونه ماهراً في جميع العلوم أثره القدرة على مشكلات كلّ علم فكذا الأثر المترتّب على انتظام فكره في تحصيل المجهولات النظريّة خاصّة غير الأثر الحاصل من انتظام كل أفعاله المؤدّية إلى صلاح نشأتيه ، ولو سلم ترتّب تعضها على تلك الفضائل وإمكان إدراجها تحتها فلا شكّ أنّ اختلاف الحيثية يرفع مايلزمه من الإشكال.
لايقال : قد ذكرت سابقاً أنّ تهذيب الأخلاق من أقسام الحكمة العمليّة التي هي من أقسام مطلق الحكمة ، وقد جعلت الحكمة هنا قسماً من تهذيب الأخلاق ، فيلزم كون الحكمة قسماً بنفسها.
لأنّا نقول : لكلّ من النظر والعمل تعلّقاً بالآخر وتوقّفاً عليه ، فمن
حيث تعلّق الأوّل بالثاني وتوقّفه عليه يكون من أقسام الحكمة العمليّة ، ومن حيث تعلق الثاني بالأوّل وتوقّفه عليه كان العلم الباحث عن ماله مدخل في التصرّف في أمور البدن من أقسام مطلق الحكمة.
وأمّا ما قيل من أنّ المراد من الحكمة المعدودة في الفضائل هي الحكمة العمليّة لا العلم بأعيان الموجودات ففيه أولّا انه لايبقى حينئذ فرق بينها وبين العدالة فيلزم جعل الشيء قسيماً لنفسه ، وثانياً أن الاشكال غير مندفع بعد ، فإنّ الحكمة من أفراد تهذيب الأخلاق وهو من أفراد الحكمة العمليّة ، وثالثا أنه خلاف ما صرّح به القوم قاطبة في تفسير الحكمة ، كما لايخفى على المتتبّع ، فهو توجيه بما لايرضى به المعتذر له.
قد صرّح القوم بأنّ أرباب هذه الفضال لا يستحقّون المدح عقلاً مالم يتعدّ فضائلهم إلى الغير ، لأنها إذا تعدّت إلى الناس صارت منشأ لرجائهم وخوفهم ، فيحكم العقل حينئذ بوجوب المدح جلباً للنفع ، أو دفعاً للضرر.
فصل
كلّ فضيلة بإزائها رذيلة هي ضدّها.
ولما كانت أصول الفضائل أربعة ، فلعلّك في باديء الرأي تحكم بأنّ أجناس الرذائل كذلك ، وهي الجهل الجبن والشره والجور ، وليس كذلك.
فإن الفضيلة اعتدال القوّة كونها على الوسط من الافراط والتفريط ، فهي كنقطة معيّنة على المركز متى تعدّيت عنها صارت رذيلة ، والثبات عليها كالحركة على الخطّ المستقيم الذي هو أقصر الخطوط الواصلة بين نقطتي المركز والمحيط وهو واحد ، وارتكاب الرذيلة كالانحراف عنه والخطوط المنحنية غير متناهية لعدم تناهي أطراف النقطة ، ولذا غلبت دواعي الشر على دواعي الخير.
روي أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم خطّ يوماً لأصحابه خطّاً وقال : هذا سبيل الله ، ثم خطّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله وقال : هذه سبل على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه ، ثمّ تلا هذه الآية :
( أنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ولا تتّبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) .(١)
لكن الوسط الحقيقي صعب ، والثبات عليه أوصعب ، ولذا لما نزل( فاستقم كما أمرت ) (٢) قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « شيّبتني سورة هود »(٣) ، بل قيل : إنّ الصراط الموصوف بأنّه أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف إشارة إليه ، ولذا امرنا بالدعاء له في قولة تعالى :( إهدنا الصراط المستقيم ) .(٤)
فإنّ لكلّ من هذه الأخلاق الأربعة طرفا(٥) افراط وتفريط ، وهما مذمومان ، والوسط في غاية البعد عنهما.
ولذا قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم « خير الأمور أوسطها ».(٦)
ومثاله : الخطّ الهندسي بين الظلّ والشمس لا من الظلّ ولا من الشمس.
والتحقيق أنّ كمال الآدمي ـ كما عرفت ـ في التشبّه بالمجرّدات وهم منفكّون عن هذه الأوصاف المتضادّة والانفكاك الكلّي ممتنع باليسبة إلى الانسان في أيّام حياته ، فكلّف بما يشبهه أعني الوسط ، فإن الماء الفاتر لا حار ولا بارد ، والعودي ليس بأبيض ولا أسود ، والبخل والتدبير من صفات الانسان ، فالمقتصد السخي لا بخيل ولا مبذّر ، فالصراط المستقيم هو الوسط
__________________
١ ـ الأنعام : ١٥٣ ، والرواية في الكشاف : ج٢ ، ص ٨٠ ، ذيل الآية.
٢ ـ هود : ١١٢.
٣ ـ مجمع البيان : ٥ / ١٩٩.
٤ ـ الحمد : ٦.
٥ ـ كذا ، والصحيح ، طرفي.
٦ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٠٢ ، وفيه « أوساطها ».
الحقيقي بين الطرفين الذي لا ميل له إلى أحد الجانبين ، وهو أدّق من الشعر ، والذي يطلب غاية البعد من الطرفين يطلب الوسط ، فلو فرض حلقة حديدة محاطة بالنار وقعت فيها تملة وهي تهرب بطبعها من الحرارة ، فلا تهرب الا إلى المركز لأنه غاية بعدها عن المحيط المحرق وهو الوسط ولا عرض لتلك النقطة ، فإذن الصراط المستقيم الذي لا عرض له أدقّ من الشعر ، ولذا خرج عن الطاقة البشريّة الوقوف عليه ، فلا جرم يرد أمثالنا النار.
( وان منكم الا واردها كان على ربّك حتكماً مقضيّاً ) .(١)
قال تعالى :( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كلّ الميل ) .(٢)
فمن استقام في هذا العالم على الصراط المستقيم الذي حكاه الله عزّوجلّ لنبيّه بقوله :( وانّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ) .(٣) مرّ على صراط الآخرة من غير ميل.
وفي الخبر : يمرّ المؤمن على الصراط كالبرق الخاطف.
ولعلّ ما أشرنا إليه في توجيه تجسّد الأعمال يؤكد ذلك ويحقّقه ، ولا ينافيه ما أجمع عليه علماء الشيعة من جسميّة الصراط ، لأنّ إرادة المعاني الكلّية من الألفاظ أوفق بمقتضى الحكمة ، فالقلم اسم لما ينقش به الصور على الألواح أعم من أن يكون الانتقاش محسوساً أم معقولاً وآلته قصباً أم حديداً أم غيرهما ، واللوح خشباً أم قرساطاً أم غيرهما ، والميزان اسم لما يوزن به الأشياء سواء وزنت به الأجرام والأثقال كذي الكفّتين أو المواقيت كالا سطرلاب أو الدوائر كالفرجار أو الأمدة كالشاقول أو الخطوط كالمسطر أو الشعر كالعروض أو العلم كالمنطق أو كل الأشياء كالعقل ، وعلى هذا القياس سائر الألفاظ.
__________________
١ ـ مريم : ٧١.
٢ ـ النساء : ١٢٩.
٣ ـ الأنعام : ١٥٣.
ويؤكّد ذلك ما في الأخبار الكثيرة من إنّ للقرآن ظهراً وبطناً وأنّ أدنى ماللامام أن يفتي على سبعة وجوه ، والتتبّع في الأخبار والاطلّاع على طريقة العترة الطاهرة صلوات الله عليهم في محاوراتهم مع الناس وأجوبة مسائلهم يكشف عن ذلك ، كيف لا ، وكلام الحكيم لابدّ وأن يكون على وجه ينتفع به كافة الناس على قدر عقولهم ومراتب فهمهم وإدراكهم ، فالصراط الذي أمر الله تعالى باتّباعه بقوله :( وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ) .(١) وبالدعاء له في قوله :( إهدنا الصراط المستقيم ) .(٢) لا يراد منه الجسر المحسوس الممدود على متن جهنّم. والذي يمكن حمله عليه لاينافي حمله على هذا أيضاً ، فأيّ مانع من إرادة الجميع حتّى يتطابق العقل والنقل.
ثم إنّك قد عرفت انّ الاعتدال الحقيقي في الفضائل متعذّر لايمكن وجدانه ولا الثبات عليه ، فلا يحكم بحصول فضيلة لصاحبها من حيث إنها حقيقية ، بل لكونها قريبة إليها ، ولا يمكن في حقه ما هو أقرب منها فهي الفضيلة الاضافية ، ولها عرض وسطها الحقيقية التي لا عرض لها وطرفا افراطها وتفريطها الخارجان عنها من الفضيلة الاضافية ، وكلّما قربت إلى الحقيقيّة كانت أكمل.
ثمّ أنّ الرذائل وإن كانت غير متناهية على ما ذكرنا الا أنه ليس لجميعها ولا لا غلبها أسماء معيّنة ، وليس على صاحب الصناعة حصرها وضبطها ، بل عليه بيان القواعد الكلّية ، والمعيار فيها أنّ بأزاء كلّ فضيلة رذيلتان من طرف الافراط والتفريط ، فأجناسها ثمانية. اثنان منها بإزاء الحكمة ، وهما الجربزة أو السفسطة في الافراط ، أعني استعمال الفكر فيما لا ينبغي والبله أو الجهل في التفريط ، أعني تعطيل القوّة الفكرية وترك استعمالها فيما ينبغي فإن حقيقة الحكمة هي العلم يحقائق الموجودات على ما هي عليه ، فيتوقّف
__________________
١ ـ الأنعام : ١٥٣.
٢ ـ الحمد : ٦.
على اعتدال العاقلة ، فمع الحدّة الخارجة عنه يستخرج أشياء دقيقة غير مطابقة للواقع ، فتخرج عن موضوع الحكمة ، ومع البلادة لاينتقل إلى بعضها ، فلا يكون حكمة.
واثنان بإزاء الشجاعة وهما التهوّر في الافراط أي الاقدام على ما يجب الحذر عنه ، والجبن في التفريط أي الحذر عمّا ينبغي الاقدام عليه.
واثنان بإزاء العفّة وهما الشره في الافراط ، أي الانهماك في الشهوات الغير المحمودة عقلاً وشرعاً ، والخمود في التفريط ، أي سكون النفس عن طلب الضروري منها.
وإثنان بإزاء العدالة وهما الظلم في الافراط ، أي التصرّف في حقوق الناس من غير حقّ ، والاتظلام في التفريط أي تمكين الظالم من الظلم عليه والانقياد له على وجه التذلّل ، والحقّ أنّ طرف افراط العدالة بالمعنى الذي أو ضحناه سابقاً هو طرف افراط كلّ من سوابقها وطرف تفريطها كذلك أيضاً.
وأمّا التصرّف في حقوق الناس فيرجع إلى أحدها وتمكين الظالم ـ إلى آخره ـ في الحقيقة ظلم على نفسه.
فصل
قد ذكر القوم لكلّ من الفضائل الأربع أنواعاً ، فللحكمة سبعة :
الذكاء ، أي الملكة الحاصلة من كثرة ممارسة المقدمات المنتجة ، بحيث يسهل بها ترتيب القضايا واستخراج النتائج.
وسرعة الفهم ، أي الانتقال من الملزوم إلى اللازم بحيث لا يحتاج إلى مزيد تأمل.
وصفا الذهن ، أي استعداد النفس لا ستخراج المطلوب من غير تشويش.
وسهولة التعلّم ، أي القوّة الحاصلة للنفس بحيث تتوجّه إلى المطلوب من دون مدافعة الخزاطر المترّقة.
وحسن التعقّل ، أي محافظة العيار الذي يلزم أخذه لاستكشاف المطلوب حتّى لايهمل ما يلزم أخذه ولايأخذ مايلزم تركه.
والحفظ ، أي ضبط ما لخّصه العقل أو الوهم بالفكر أو الخيال من جزئيات الصور.
والتذكّر ، أعني العلم بانه يعلم الشيء حتّى لا يغفل عنه في مقام الحاجة إليه.
وللشجاعة أحد عشر نوعاً :
كبر النفس ، أي وثوق النفس بثباتها حتّى لاتفزع في حالة الخوف.
وعلوّ الهمّة ، بأن لايمنعه صعوبة المسلك إلى الجميل عن الإتيان به.
والصبر ، أي قوّة تحمّل الشدائد والأهوال.
والحلم ، أي طمأنينة النفس عن الغضب من غير تأمّل عند عروض الدين والعرض.
والسكون ، أي ملكة الثبات في الحروب والخصومات الواقعة لحفظ الدين والعرض.
والشهامة ، أي حرص النفس على الأمور العظيمة الصعبة طمعاً في الذكر الجميل.
واحتمال الكّد ، أي تحمّل تعب الجوارح في الأفعال الجميلة.
والتواضع ، وهو أنّ لايفضّل نفسه على أحد.
والحميّة ، أعني عدم التهاون فيما يجب حفظه.
والرقّة ، أي التأثّر من تألم أبناء النوع بدون اضطراب.
وللعفّة اثنا عشر نوعاً :
الحياء ، أعني انحصار النفس حال ارتكابها القبيح خوفاً عن المذمّة.
والرفق ، أي حسن انقياد النفس لفعل الجميل تبرّعاً.
وحسن الهدي ، أي صدق الرغبة في التحلّي بالكمالات.
والمسالمة ، أي التسليم حالة المناعة مع القدرة من دون اضطراب.
والدعة ، أي تملّك زمام النفس حين تحرّك الشهوة.
والصبر ، أي إجبار النفس على ترك القبيح مع الرغبة والقدرة.
والقناعة ، أي الاكتفاء بالكفاف في المآكل وغيرها.
والوقار ، أي طمأنينة النفس سحال التوجّه إلى الفعل.
والورع ، أي ملازمة الأفعال الجميلة حتّى لايعتريه قصور.
والانتظام ، أي ملكة ترتيب الأمور على وفق المصلحة.
والحرّية ، أي قوّة للنفس بها تكتسب الأموال من وجهها وتعطي من وجهها وتمتنع من اكتسابها على غير وجهها ، وهذا هو الشائع في كلام القوم ، ولها إطلاق آخر على معنى أعم أعني استخلاص النفس عن أسر العبوديّة للقوّة الشهويّة.
والسخاء ، أي سهولة الإنفاق على أرباب الاستحقاق.
وذكر واللسخاء أنواعاً ثمانية :
الكرم ، أعني سهولة الإنفاق فيما يعمّ نفعه على وفق المصلحة.
والإيثار ، أي البذل مع الحاجة إلى ما يبذله.
والعفو ، أي سهولة ترك المكافاة على الإساءة مع القدرة عليها.
والمروّة ، أي الرغبة الصادقة في إيصال النفع إلى الغير ، كذا قيل ، والحق كما قاله بعض المتأخّرين : أنّها بذل ما لابدّ منه عرفاً ، فافهم.
والبتل ، أي السرور بملازمة المحاسن والمحامد.
والمواساة ، أي تشريك المستحقّين في أقواته وأمواله.
والسماحة ، أي بذل ما لايجب بذله.
والمسامحة ، أي ترك بعض ما لايجب تركه.
وللعدالة اثنا عشر نوعاً :
الصداقة ، أي صرف الهمّة في تهيئة ما يحتاج إليه الصديق محبّة له.
والألفة ، أي اتّفاق الآراء في طلب المعاش حتّى يتعاون تعضهم ببعض.
والوفاء ، أي عدم التجاوز عن طريق المواساة.
والشفقة ، أي صرف الهمّة في إزالة المكروه المتوقّع بالنسبة إلى الغير.
وصلة الرحم ، أي تشريك الأقارب مع نفسه في الخيرات الدنيويّة.
والمكافاة ، أي مقابلة الإحسان بالاحسان.
وحسن الشركة ، أي يكون أخذه وإعطاؤه موافقاً للجميع معتدلاً.
وحسن القضاء ، وهو أن يكون إحسانه خالياً عن المّن والأذى.
والتودّد ، أي طلب مودة الأكفاء من أهل الفضل بحسن اللقاء.
والتسليم ، أي حسن التلقّي والرضا بأفعال الله ورسله وأوليائه ، وإن لم يتعقّلها أو لم توافق طبعه.
والتوكل ، وهو تفويض الأمر الغير المقدور له إلى الله.
والعبادة ، أي تعظيم الله وإكرام أوليائه والعمل بموجبات الشريعة ، ولايتمّ الا بالتقوى.
ثمّ إنّ لكلّ من هذه الأنواع كاجناسها طرفي افراط وتفريط ، هي أنواع الرذائل ، وربما لم يكن لأغلبها أسماء معيّنة وألفاظ موضوعة ، لكن بعد العلم بحقيقة الفضيلة يعرف طرفا افراطها وتفريطها ، وإن لم يعرف اللفظ المخصوص.
ونحن نذكر في هذا الكتاب بما سيأتي فيه من الفصول والأبواب جنس كلّ فضيلة مع أعظم أنواعها ولوازمها شرفاً ونفعاً ، وجنس كلّ رذيلة مع أظهر أنواعها ولوازمها فساداً وإهلاكاً ، إذ ليس في كتب القوم ما يحيط
بضبط أنواعها ولوازمها وتمييز أصولها وفروعها ، ولا يليق بهذا الكتاب استقصاء الغاية في البحث عن جميعها.
فصل
قالوا كثيراً ما تظهر آثار أصحاب الفضائل في أرباب الرذائل فيما يصدر عنهم من الأفعال والأعمال ، فيشتبه الأمر على ضعفاء العقول من الرجل ، فيمدحون بصنوف المدائح والمناقب مع انغمارهم في المساوي والمثالب.
وكم من سمّي ليس مثل سميّه |
وإن كان يدعى باسنه فيجيب |
أمّا الحكمة فربّما يتلقّف مسائلها تقليداً على وجه يتعجّب المستمع من احسن التقرير واليبان مع خلوّها عن برد اليقين ونور الايقان ، فمثل حاملها كمثل الأطفال في التشبّه بالرجال أو كبعض الحيوانات في المحاكاة لما يراه أو يسمعه من سائر الحيوانات.
وأمّا العفّة فربّما يترك جنس من الشهوات الرديّة لتحصيل ما هو أتمّ أو أدوم من اللذّات الحسّية ، أو لخمود القوّة وقصورها وضعف البنية وفتورها ، أو عدم التمكّن من أسبابها ، أو عدم القدرة على الدخول من أبوابها ، أو لشبعه وتملّيه من كثرة تعاطيه والافراط فيه ، أو للحذر عن الأوجاع والأسقام ، أو اطلاع الخواص وتوبيخ العوام ، أو لعدم إدراك تلك اللذات ، كما هو شأن أهل الجبال والفلوات والصحاري ، مع أنّ فضيلة العفّة هي الحرية واستخلاص النفس عن أسر العبوديّة ، وانقيادها للقوّة العقليّة مع الاتيان بالقدر اللازم والمصلحة الضروريّة ، ويكون قصده في الفعل والترك مجرّد كونها سعادة حقيقية ، والتشبّه بالمجرّدات المنزّهة عن الشهوات الحسيّة.
وأمّا الشجاعة فربما يقدم بعض الرجال على الشدائد الصعبة وعظائم الأهوال ولايبالي عن الضرب والأسر والقتال مع الأبطال لتحصيل الجاه أو
المال أو الشهوة أو الجمال ، أو يقحم نفسه في شدائد المصائب ومكاره النوائب تعصّباً عن الأتباع والأقارب ، أو يعتمد على تكرّر الغلبة الحاصلة له في سوالف الأيام ، فلا يبالي على ما اعتاده من الاقدام مع أنها ناشئة إمّا عن الجبن أو الشره أو عن طبيعة القوّة والقدرة أو عن قلّة العقل والحماقة ، والشجاع الحقيقي من صدر فعله عن الحكمة ، ويكون الباعث على فعله نفس فضيلة الشجاعة ، فربّما كان الحذر عن بعض النوازل لازماً أو راجحاً عند الحكيم العاقل ، فيكون ممّا يناقضها(١) وينافيها ، وربما انعكس الأمر فيكون مما تقتضيها(٢) فهو لا يحذر الا عن نقصان دينه وشهامة ذاته(٣) ، ولايبالي بعد ذلك عن حياته ومماته ، ويجتنب عن زوال شرعه ولحوق عاره وهتك حرمته وشعاره ، ويرغب في طاعة ربّه ووليّ نعمته وحماية شريعته والذبّ عن شعائر الاسلام وحرمته ووقاية أهل ملته ولو بسفك دمه وقتل عترته وسبي ذريته ، كما وقع لسيّد الشهداءعليهالسلام وأصحابه البررة السعداء عليهم أفضل التحيّة والثناء ، ايثاراً للذكر الجليل والأجر الجزيل والثناء الجميل على الحظّ الناقص القليل ، وترجيحاً للسعادة الأبديّة على النعمة الفانية الدنيوية المشوبة بالذّل والهوان والكدورات المتجدّدة آناً بعد آن.
وبالجملة فالشجاع ساكن وقور متحمّل صبور مستخفّ بما يستعظمه الجمهور غير مضطرب من شدائد الدهور وعظائم الامور ، ذوهمّة عليّة وبصيرة جلية مقصور غضبه على مقتضى الفكر والروية.
وأما العدالة فربما يتكلف في تقلد ما لها من الآثار والأعمال وتجشم الزهد والعبادة وإظهار الفضل والكمال لجلب القلوب وتحصيل الجاه أو المال ، مع أنها كما عرفت ملكة راسخة حاصلة من استجماع الفضائل وسلب النقائص والرذائل ورفع التنازع بين القوى وتسالمها في الآراء
__________________
١ ـ كذا ، والصحيح : ممّا لا يناقضها ولا ينافيها ، أي الحذر حينئذ لاينافي الشجاعة.
٢ ـ كذا ، والصحيح : ممّا يناقضها.
٣ ـ كذا.
والأهواء وصدور الأفعال على نهج الاعتدال.
وكذا الحال في سائر أنواع الفضائل النفسيّة حيث تشتبه كثيراً ما بأنواع الرذائل الخلقية كالتواضع والوقار بالتملّق والاستكبار والتبذير بالسخاء والعبادة بالرياء ، وغير ذلك ممّا لايحصى.
فصل
العدالة أفضل الفضائل وأشرفها ، لأنّها الهيأة الحالصلة من استجماعها كما عرفت ، ولأنها بمعنى المساواة التي هي أقرب إلى الوحدة الحقيقية التي هي من خصائص الواحد الحقيقي الذي يفيض الوحدة على كل موجود بقدر استعداده ، كما يفيض نور الوجود ، فإنّ ملكة التوسطّ بين الأخلاق والأعمال المتضادّة التي هي بمثابة الأطراف لها هيأة وحدانيّة بها ترتعف القلّة والكثرة والزيادة والنقيصة ، وبها ينتقل عن الكمال الاستعدادي إلى الفعلي ، كما أنّ باعتدال امتزاجات العناصر الأربعة يتحقّق وجود المواليد الثلاثة ، فالاعتدال ظلّ من الوحدة الحقّة ، ولا يتطرّق إيه نقص ولازوال ، وبه يحصل العروج إلى أعلى معارج الكمال ، وللنفس تعشّق تامّ به في أيّ مظهر ظهر ، ولذّة غريبة منه في أيّ صورة تجلّى من الصور ، كما يظهر لك من التأمّل في حقيقة صحّة البدن الذي هو اعتدال المزاج ، والحسن الذي هو اعتدال الأعضاء ، والفصاحة التي هي اعتدال الكلام ، وتهذيب الأخلاق الذي هو اعتدال الملكات ، وحسن الصوت الذي هو اعتدال النغمات ، وحسن المشي الذي هو اعتدال الحركات ، وهكذا.
فإن قلت : أفضليّة العدالة ينافي ما ورد من مدح التفضّل لكونه زيادة فلا مساواة فيه.
قلت : قد عرفت أنّ التوسّط المعتبر فيها ليس حقيقيّاً لامتناعه كما أشرنا إليه ، بل اضافيّ وله عرض عريض ، فالوصول إليه عدالة ، والسير في
عرضه إلى ما هو أقرب إلى الحقيقي مع امكانه تفضّل ، فكأنّه احتياط ومبالغة في حصول العدالة الحقيقية ، ولذا هو أفضل من العدالة.
ثم إنّها لما كانت عبارة عن ردّ كلّ شيء إلى وسطه فهي إمّا في الأموال والكرامات ، أو في المعاملات والمعاوضات ، أو في التأذيبات والسياسات ، فلابدّ من كونه عالماً بالوسط في كلّ منها حتّى يمكن له الردّ إليه والعالم بأوساط جميع الأشياء حقيقة هو الناموس الالهي الذي هو ينبوع الوحدة ومبدأها ، ولما كان الانسان مدنيّاً بالطبع محتاجاً إلى التعاون في التعيّش ، وتقع بين الناس بسببه معاوضات لابدّ من حفظ المساواة فيها دفعاً للمشاجرة ، والأعمال مختلفة بالزيادة والنقيصة ، فربما يزيد العمل القليل كنظر المهندس وصاحب الجيش في لحظة واحدة على الكثير ممّن يعمل ويحارب مثلاً ، فلابدّ من مقوّم محصّل للاعتدال وتبيين وجوه الأخذ والاعطاء وسائر الأعمال ، وتصحيحها حتّى لايتضمّن إفراطاً ولا تفريطاً في حال من الأحوال ، وهو الدينار ، لكنّه صامت ، فربما لا يستقيم به الأمرر وحده فيستعان بالعادل الناطق ، أعني الحاكم حتّى يعين الدينار ويحصل الانتظام بالفعل ، فهو خليفة الناموس الأكبر في حفظ المساواة وهو الناموس الأوسط والأصغر هو الدينار ، ولابدّ أن يقتدى بالثاني كما أنّه يقتدي بالأوّل.
وقد قيل : إنّ في قوله تعالى :( وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه باس شديد ومنافع للناس ) (١) إشارة إلى الثلاثة ، ويقابل الأوّل الكافر الخارج عن الشريعة ، والثاني الباغي على الإمم والعاصي ، والثالث الخائن والسارق وغيرهما ممّن لا يقوم بحكم الدينار ويأخذ الأكثر ويعطي الأقلّ.
ثمّ للعدالة أقسم ثلاثة أشار إليها خاتم الأنبياءصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله :
__________________
١ ـ الحديد : ٢٥.
« التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله »(١) .
أوّلها : ما يجب مراعاته على كلّ أحد فيما بينه وبين ربّه تعالى ، فإنّه تعالى واهب الوجود والحياة والبقاء ، ومهذّب الصور بما يكلّ عن شرحه ألسن العارفين بدقائق علم التشريح ومنافع الأعضاء ، وتعجز عنه الأوهام البشريّة الناقصة عن الاحاطة بها والاحصاء ، ومفيض العقل والنور والبهاء والخيرات الخارجة عن حدّ الاستقصاء على النفوس والأرواح والقوى ، ومهيّىء النعمة الأبدّية والأنوار السر مدّية ، ممّا تدهش من تصوّرها عقول العقلاء وأفهم الحكماء الألبّاء وممدّمها في كلّ لحظة بمدد جديد من عظائم الآلاء وشرائف النعماء( وإن تعدّوا نعمة الله لاتحصوها ) (٢) .
فلو لم يقابها بما يتمكّن منه من المعرفة ولمحبّة والحمد والثناء والطاعة والعبادة والدعاء والرضا بما يجري عليه من القضاء ووضع كلّ شيء ممّا منحه في موضعه الائق به مع الشكر والصبر في الشدّة والرخاء كان في أخسّ مرتبة من الظلم والجور على نفسه والوقاحة وقلّة الحياء ، فإنّه لم اختصّ من غيره بناقص قليل من العطاء ولم يقابله بضرب من المكافاة والجزاء كان منسوباً إلى الظلم والجور وقلّة الوفاء ، فكيف ونعماؤه تعالى متواترة لاتحصى ، وأياديه متوالية لاتستقصى ، سيّما والاحسان المذكور عائد لى نفسه مع كونه أيضاً نعمة ممّا منحه من النعماء ، فإنّه تعالى غير مفتقر إلى أفعالنا ، لما له من العظمة والكبرياء بل هو في أعلى مرتبة من التنزّه عن ذلك والغناء.
وثانيها : ما يجب مراعاته بينه وبين الأحياء من الناس من أداء الحقوق والأمانات والنصفة في المعاملات وتعظيم الأكابر والعلماء وإغاثة الملهوفين والضعفاء. وفي الحديث النبويصلىاللهعليهوآلهوسلم :
__________________
١ ـ جامع السادات : ١ / ٨٢ ، الدرة الباهرة : في كلمات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
٢ ـ ابراهيم : ٣٤.
« إنّ للمؤمن على أخيه ثلاثين حقّاً لابراءة له منها الا بادائها أو العفو : يغفر زلّته ، وليرحم غربته ، ويستر عورته ، ويقيل عثرته ، ويقبل معذرته ، ويردّ غيبته ، ويديم نصيحته ، ويحفظ خلّته ، ويرعى ذمّته ، ويعود مرضته ، ويشهد ميتته ، ويجيب دعوته ، ويقبل هدّيته ، ويكافيء صلته ، ويشكر نعمته ، ويحسن نصرته ، ويحفظ حليلته ، ويقضي حاجته ، ويشفع مسالته ، ويسمت عطسته ، ويرشد ضالّته ، ويردّ سلامه ، ويطّيب كلامه ، ويبرّ إنعامه ، ويصدّق إقسامه ، ويواليه ، ولا يعادية ، وينصره ظالماً فيردّه عن ظلمه ، وينصره مظلوماً فيعينه على أخذ حقّه ، ولايسلمه ، ولا يخذله ، ويحبّ له من الخير ما يحبّ لنفسه ، ويكره له من الشرّ ما يكره لنفسه ».(١)
وثالثها : ما يجب مراعاته بينه وبين أمواتهم ، كأداء الديون وإنفاذ الوصايا والصدقة والدعاء.
تفريع
قد تلخّص ممّا ذكرناه أنّ سالك سبيل العدالة لابدّ له من المجاهدة حتّى يغلب عقله على جميع قواه ، فيستعمل كلاً منها فيما فيه صلاحه وكماله ، فلا يفسد النظام البشري ، إذ لوتهاجت وتغالبت ولم يقهرها قاهر حدثت أنواع الفساد ، وأنّ من لم يصر كذلك لم يتمكّن من إجراء أحكامها بين شركائه في التمدّن ، إذ العاجز عن نفسه كيف يصلح غيره؟ والشمع الذي لا يضيء القريب كيف يستضيء منه البعيد؟ فمن استقرّ على جادة الوسط في جميع صفاته وأفعاله وأعماله كان خليفة الله في بلاده حاكماً بين عباده ، فإذا أطاعوه وسلموا إليه الأمر وانقادوا له تنوّرت به البلاد وزادت به البركات وانتظم به كلّ الأمور ، أذ بعدالة من إليه زمام أمورهم يتمكّن كلّ أحد من رعاية العدالة لتوقّف تحصيل المعارف الحقّة والأخلاق الفاضلة غالباً على
__________________
١ ـ البحار : ٧٤ / ٢٣٦ ، كتاب العشرة ، باب حقوق الإخوان ، ح ٣٦ ، مع اختلاف.
فراغ البال وانتظام الأحوال ، ومع جوره يتلاطم أمواج الفتن ، ويتراكم أفواج المحن ، فلا يجد طالب العالم إليه سبيلاً ، ولا إلى الهادين إليه مرشداً ودليلاً ، وتبقى عرصاته دارسة الآثار وأرجاؤه مظلمة الأقطار ، وترغب طباع الرعيّة برغبته إلى الفساد وتشيع أنواع الفسوق والمعاصي بين العباد ، لكنّها موقوفة على حسن حالهم وسلوكهم مسلك العدالة فيمابينهم ، فإنّ فسادنيّة السلطان وفسقه وجوره ناش من فساد حالهم وخبث سريرتهم وكثرة معاصيهم ، بل هو عقوبة عاجلة لهم مترتّبة عليها ، ومنه يحبس غيث السماء وتنزل أنواع البلاء ويسلّط الله أدانيهم على أعاليهم فهما متلازمان.
شقشقة : ليت شعري كيف هجروا روابط المحبّة حتّى يحتاجوا إلى قهرمان العدالة ، إذ مع استحكامها يتحقّق الايثار ولو كان بهم خصاصة ، فلا يبقى للجور أثر بالمرّة ، مع أنّها الوحدة الطبيعيّة ، وهو الباعث على الايجاد ، كما يشير إليه قوله تعالى :( كنتُ كنزاً مخفيّاً فأحببتُ أن أُعرَف ) .(١)
والعدالة وحدة قسريّة ، ومع ذلك لا تنتظم بدونها ، فهي السلطان في الحقيقة والعدالة نائبها.
فصل
قالوا : الحركة المؤدّية إلى كمال إمّا طبيعيّة كحركة النطفة في حالاتها المختلفة إلى المرتبة الحيوانيّة ، أو صناعيّة كحركة الخشب في حالاته المتنوّعة إلى الهيأة السريرية ، والاولى مقدّمة بحسب الوجود والرتبة ، لصدورها عن الحكمة الالهيّة المحضة ، فكمال الصناعة في التشبّه بمبدأها في الترتيب أعني الطبيعة ، فيجب الاقتدداء في تهذيب الأخلاق الذي هو من القسم الثاني بها ، ولما كانت الحركة الطبيعية في بدو الخلقة :
أوّلاُ : في القوّة الشهوية أعني طلب الغذاء إلى أن يتمّ كمالها بحدوث الميل إلى النكاح وسائر المشتهيات.
__________________
١ ـ كلمات مكنونة : ٣٣.
وثانياً : في القوّة الغضبيّة ، أعني الاحتراز عن الموذيات ، ولو بالاستعانة إلى أن يحدث فيه الميل إلى صنوف الرئاسات والكرامات.
وثالثاً : في القوّة المميّزة من حفظ صورة الام والظئر مثلاً إلى أن يتمكّن من تعقّل الكلّيات ، وهذه غاية التدبير المفوض إلى الطبيعة.
ثم يناط الاستكمال بالحركة الصناعية ، فلو اقتدى فيها بالطبيعة بتهذيب الشهويّة أولّاً ، ثمّ الغضبيّة ، ثمّ العاقلة ، كان تحصيل كمالاتها في غاية السهولة ، ولو حصّل بعضها لا على الترتيب الطبيعي كان تحصيل الباقي صعباً ، لكنّها ليس بمتعذّر بالمرّة ، فلا يترك السعي ولا ييأس من روح الله تعالى ، وليجتهد حتّى يتيسّر له الوصول إلى المطلب الأقصى ، ولو لم يحصّل الكمال الصناعي بقي على الحالة الطبيعية ، ولم يبلغ إلى ما خلق له ، إذ لم يجبل أحد على الفضائل النفسية الا من أيّد بالنفس القدسيّة ، غاية ماهناك كون بعض الأمزجة أكثر استعداداً وأسهل قبولاً لبعضها.
ثم المحصّل للفضيلة يجب عليه السعي في حفظها وعادمها يلزمه الاهتمام في تحصيلها بإزالة ضدّها ، ولذا ينقسم هذا العلم المسمّى بطبّ الأرواح إلى حفظ الفضائل ودفع الرذائل ، كما أنّ طبّ الأبدان ينقسم إلى حفظ الصحة ودفع المرض ، ولكلّ منهما أسباب ومعالجات نذكرها إن شاء الله تعالى.
الباب الثالث
في كيفيّة المحافظة
على صحّة النفوس
وفيه فصول
فصل
لابدّ لمن وفّقه الله تعالى لاستجماع الفضائل الخلقيّة والملكات النفسيّة أن يعلم ويتذكّر دائماً أنّ ما وفّق له من أشرف الجواهر وأرغب النفائس بحيث لايعقل ما يوازنه يوازيه ، ولا يتصوّر ما يكافؤه ويساويه ، وأنّه النعمة الحقيقيّة الدائمة التي لايفارقه أبداً ، حيث إنه من مواهبه تعالى المنزّهة عن الاسترداد.
داده خويش چرخ بستاند |
نقش الله جاودان ماند |
فإن سعى في تبقيتها وتثميرها واهتمّ في تنميتها وتكثيرها وفّق في كلّ آن لنعمة عظيمة عديمة المثال ، إلى أن يتّصل بنعمة أبديّة لا يعتريها زوال ولا اضمحلال ، وإن ضيّعها ولم يعرف قدرها وأهمل في تنمية ثمرها فياحسرة له على الذلّ والهوان ، ووالهفاً له على الغبن والحرمان ، وواأسفاً له على الخيبة والخسران.
وإن يعلم أنّ حرص أبناء نوعه في اقتناء الشهوات الحسيّة ونيل اللذّات الدنيّة الدنيويّة واكتساب الفوائد المجازية والمنافع العرضية بحيث يتحمّلون لأجلها مشاقّ الأسفار في البراري والقفار والأودية والغياض والبحار ، ويتعرّضون لأسباب التلف من السباع وقطّاع الطرق والظلمة والأسر والنهب والقتل وغيرها من الأخطالر مع حصول الذلّ والهوان والخيبة والخسران في غالب ما يأملون ، والوقوع فيما يخافون عنه ويحذرون ، بل ربما ينجرّ سعيهم إلى أنواع الملامة وأصناف الحسرة والندامة ، بحيث تكاد تزهق أرواحهم وتتفطّر من الغمّ والهمّ أجسامهم وأشباحهم. والذي يظفر بمطلوبه بعد كدّ شديد وتعب ماله من مزيد ، لا وثوق له ببقائه ويضطرب دائماً من زواله وفنائه بتطرّق النوائب وحدوث الحوادث والمصائب ، فما يحدث له من
الخوف والاضطراب والألم والعذاب وتعب الخاطر في محافظتها أعظم من تعبه في تحصيلها.
وبالجملة فالمتاعب المتحمّلة لتحصيل اللذّات الدنيوية والأخطار المرتكبة لاقتناء المشتهيات الجسميّة والمكاره المعدّة لمحافظة تلك الاعتبارات العرضيّة مع كثرتها وشدّتها وزوال لذّة غايتها ، بل كونها في حال كونها لذّات مستلزمة لمتاعب موفورة وآلم غير محصورة ، بل كلّما ازداد إليها شوقا وطلباً اززداد خوفاً وتعباً ، وكلما ازداد منها كثرة وسعة اززداد كرهاً ومشقّة ، كما ترى من حال الوزراء والأمراء والسلاطين والحكّام من كونهم في معرض الآفات العظيمة والمكاره الشديدة ، والمخاوف الصعبة التي يطول بشرحها الكلام ويفوت بذكرها زمام المرام ، فإذا كان طلب الدنيا مع صعوبة مسالكها وضيق مداركها وشدّة متاعبها وعظم نوائبها لايبالي عن التعرّيض لآلامها والتحمّل لأوجاعها وأسقامها ، ولايشبع من حطامها ، ولا يرفع اليد عن زمامها ، فطالب الفضائل النفسيّة أولى بذلك مع علمه بما هنالك من النعيم الدائم الأبدي ولالتذاذ الذاتي السرمدي ، كما قال مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام :
رضينا قسمة الجبّار فينا |
لنا علم وللأعداء مال |
|
فإنّ المال يفنى عن قريب |
وإنّ لعلم ليس له زوال |
فإذا كان مؤيّداً بحصولها له فأولى بحفظها وتبقيتها وتوفيرها وتقويتها والحرص في تثميرها والشوق في تكثيرها فلابدّ له من تصوّر هذا المعنى دائماً حتّى يصير باعثاً كلّياً له على حفظ أسبابها والتجنّب عن موجبات زوالها وذهابها.
فصل
كما أنّ المزاج المعتدل يجب حفظ اعتدله باستعمال مايلائمه من
__________________
١ ـ ديوان امير المؤمنينعليهالسلام ، ص ٤٤٢.
الأغذية المعتدلة ، والاحتراز عمّا ينافيه ، فكذا ينبغي لصاحب الأخلاق المعتدلة حفظ اعتدالها باستعمال ملائماتها ومقتضياتها والتجنّب التامّ عن منافياتها ، فإنّ الخير والشرّ متعاندان ، ولكلّ منهما جنود وأعوان ، فمن وفق لتحصيل الأوّل فعمدة مايوجب حفظه تقويته بما يلائمه ويقتضي بقاءه ، والاحتراز عمّا يوجب زواله وفناءه بالمواظبة على مصاحبة من يماثله في اقتناء فضائل العلم والعمل ، أو من هو أعلى منه في ذلك وأكمل ، والتأسّي به في أخلاقه وآرائه والاقتداء به في سلوكه مع خالقه وشركائه ، والاجتناب عن مجالسة من يصرف عمره في اقتناء الشهوات الحسيّة ونيل اللذّات البهيميّة من اولي النفوس الخسيسة وذوي الأخلاق الخبيثة والاحتراز عن مخالطتهم ومجالستهم وموادّتهم ومصادقتهم واستماع محاوراتهم ومشاهدة سكناتهم وحركاتهم ، فإنّ سهام مكائد الشياطين الإنسيّة وصنوف حيلهم ومخائلهم في تحسين القبائح المحاسن أسرع وأنفذ في النفس من سائر آلات الشرّ ، وتسلّطهم على قهر العاقلة أقوى من تسلّط الشياطين الاخر.
عن المرء لاتسأل وسل عن قرينه |
فكلّ قرين بالمقارن يقتدي |
مع أنّ الصحبة مؤثّرة بذاتها ، وكلّ شيء يميل إلى ما يلائمه ويشتاق إلى ما يجانسه.
وقد عرفت أنّ أعوان الشر أكثر ، ودواعيه أوفر ، وجنوده أغلب ، وكسر صولته ودفع شوكته أصعب ، مع أنّ الطبيعة به أوفق فهو بصرف الهمّة نحو قمع بنيانه وإزالة سلطانه ولو بمعين خارجي أليق ، ولا كذلك الخير لقلّة جنوده وأعوانه وصعوبة مسلكه ومخالفته لمقتضى الطبيعة ، فهو بالتقوية والاستمداد بممدّ خارجي أحرى وأحقّ ، ولذا حفّت الجنّة بالمكاره والنار بالشهوات.
فصل
ثم أنّ إبقاء أحد الضدّين كما يمكن بتقويته والسعي في الاتيان بملائماته
والاحتراز عن مناقضاته ، فكذا يمكن بالسعي في إفناء ضدّه وكسر صولته وإزالة شوكته بالرياضة والمجاهدة ، فإنّه كما يوجب تقوّي أحد المتعاندين ضعف الآخر ، فكذا السعي في قلع الآخر وقمعه يوجب تقوّيه المستلزم لبقائه بلامزاحم يعوقه عن عمله وتدبيره المفوّض إليه ، وهو إنما يتحقّق بإعمال القوى والآلات في آثار فضائل الملكات من شرائف الأعمال ومحاسن الأفعال وعدم إهمالها حتّى تستريح وتكسل فيما هو مفوّض إليها من الأشغال.
ومبالغة القوم في سلوك هذا الطريق أكثر واهتمامهم فيه أشدّ وأوفر ، فإنّ إهمام القوّة النظريّة عن النظر في الحقائق العلميّة يؤدي إلى البله والبلادة وانقطاع موادّ عالم القدس عنه ، وتعطيل القوّة العملية عن الأعمال الفاضلة يوجب الف النفس بالكسل والبطالة وانسلاخه عن الصورة الانسانية والرجوع إلى المرتبة البهيميّة ، وهو الانتكاس الحقيقي ، وإعمالهما يوجب تصقيلاً لمرآة قلبه على سبيل الاستمرار ، فيترقّى يوماً فيوماً بقبولها للصور العالية وتمكّنها من تحصيل المجهولات النظريّة وتذكار معلوماتها الفعلية على سبيل القدرة والاختيار ، ويبعد عن آفة النسيان ويتشرّف بشرف المشاهدة والعيان.
ومن كثرة الأعمال الصالحة الموجبة لاستحكام الملكات الفاظلة وشدّة ارتباطه ولاعلاقته بها يبعد عن آفة النقص والزوال والتبدّل بما يضادّه من الأعمال ، لكن يجب أن يكون أعماله المذكورة طرّاً منوطة بالفكر والنظر الدقيق ، ملحوظة بعين التحقيق حتّى لايغفل عمّا هو بصدده من ارتكاب الفضائل واجتناب الرذائل ، فلو غفل وصدر عنها ما يخالفه أدّبها بارتكاب ضدّه بعد لومه وتوبيخه ، فلو أكل ما يضرّه أدّب نفسه بالصوم ، أو غضب في غير محله أدّبها بايقاعها في مثله مع الصبر ، أو ارتكاب ما يشقّ عليها من الصدقة والنذر ، أو عرّضها لاهانة السفهاء كسراً لجاهها ، ولابدّ له من
الاحتراز عمّا يهيّج الغضب الشهوة رؤية وسماعاً وتخيلّاً ، ولو حرّكتهما الطّبيعة اكتفى في تسكينهما يقدر الضرورة أو الرخصة.
فصل
لابدّ لحاوي الفضائل وطالب حفظها من الاستقصاء في طلب خفايا عيوبه من نفسه وخلاصها منها ، فإنها لمحبّتها بآثارها الصادرة عنها تخفى عليها معائبها ، بل تظهر عليها في صور المحاسن ، فلو تمكّن من اختيار صديق يثق بفحصه عن عيوبه وأنّه بسبب تصلبه في دينه لايحترز عن همّه وكدورته ولايكتمها عنه ، أو يؤمّنه بالعهود والمواثيق المؤكّدة وإظهار آثار السرور والبهجة بإخباره بها والحزن والكدورة بكتمانها عنه ، والا فليطّلع عليها من أعدائه ، فإنّهم يصرّون على إظهارها ، بل ربّما يتعدّون إلى الكذب والبهتان ، ولنعم ماقيل :
وعين الرضا عن كل عيب كليلة |
ولكّن عين السخط تبدي المساويا |
أومن الناس لرغبة النفس في الاطّلاع على عيوبهم والاستقصاء فيها فبعد الاطّلاع عليها يتأمّل في نفسه ، فإن وجدها معيوبة بمثلها اجتهد في رفعها وليحاسب نفسه في كلّ يوم وليلة فيما صدر عنها من الأعمال ، فإن لم يصدر عنه شيء من قبائح الأفعال حمد الله الواهب المتعال(١) على عظيم النوال ، والا عاتب نفسه وأدّبها بما ذكر مع التوبة والابتهال والاجتهاد في عدم الاتيان بمثله في سائر الأيّام والليال.
__________________
١ ـ كذا.
الباب الرابع
في معرفة الأمراض النفسانيّة
ومعالجاتها الكليّة
وفيه فصول
لابدّ في طبّ الأرواح من التأسّي بطبّ الأجسام في معرفة حقيقة المرض أولّاً ، ثمّ علاماته ، ثمّ معالجاته ، فهنا فصول :
فصل
الأمراض النفسانيّة هي انحرافات الأخلاق عن الاعتدال ، وإذ قد عرفت أنّ القوى الباعثة على الفعل والترك بالاختيار والارادة ثلاثة : قوّة التمييز والدفع والجذب ، فانحرافها إمّا عن خلل في الكمّية بالزيادة أو النقيصة ، أو الكيفيّة بالرداءة ، فأمراض كلّ منهما إنّما يتصوّر في ثلاثة أقسام :
أحدها : الزيادة عن الأعتدال ، كالجربزة والفسفسطة في المميّزة ، والغضب في غير محلّه في الدفع ، والحرص على المشتهيات في الجذب.
وثانيها : النقصان عنه ، كالبلاهة في الاولى ، والجبن في الثانية ، والخمود في الثالثة.
وثالثها : رداءة الكيفيّة ، كالشوق إلى الكهانة والقيافة والشعبدة لتحصيل الشهوات الدنيّة ، أو تحصيل السفسطة والجدل وغيرهما ممّا لايثمر يقيناً في اليقينيّات في الاولى ، والغيظ على الجمادات والبهائم في الثانية ، وأكل الطين ومباشرة الذكور في الثالثة : ولما كانت الفضائل أربعة فبسائط الرذائل اثناعشر ، ويحصل من تركيبها ما لايتناهى ، وبعض هذه الأمراض أشدّ إهلاكاً وأصعب علاجاً ، كالجهل المركّب ، والعشق ، والحسد وغيرها ، ممّا سنذكر إن شاء الله تعالى.
فصل
الانحراف المذكور إمّا طبيعيّ بحسب الفطرة ، أو عاديّ من مزاولة الأعمال الخبيثة ، أو عرضيّ من الأمراض الجسمانية ، فإنّ للنفس ارتباطاً
خاصّاً بالبدن ، وتأثّراً من تأثّره وبالعكس ، كما أنّ قطع بعض الأعضاء يحدث في النفس ألماً ، والخجلة والفرح يحدثان في اللون صفرة أو حمرة ، والخوف يحدث في البدن ارتعاشاً ، فتأثّر البدن بها سيّما مايتعلّق منها بالأعضاء الرئيسيّة يستلزم في القوّة النظرية نقصاً ، وفي إدراكها فساداً ، وربّما يحدث من غلبة البلغم الحمق والبلادة ، ومن غلبة الصفراء سوء الخلق والفظاظة ، ومن غلبة الدم قلّة الصبر وسرعة الغيظ ، ومن بعض الأمراض السوداوية الجبن ، ومن بعضها التهوّر وغير ذلك.
فصل
فإن كان الباعث عليها الأمراض الجسمانيّة عالجها بالمعالجات الطبيّة حتى ترتفع آثارها بارتفاعها ، وإن كان أحد الآخرين فعلاجها كالجسمانّي في المعاجة بالتغذية أوّلاً ، ثم التداوي ثانياً ، ثمّ السموم ثالثاً ، ثم الكيّ والقطع رابعاً ، فليبدأ فيها أيضاً بالتأمّل في مراتب قبح تلك الرذيلة واستقصاء وجوه مفاسدها المترتّبة عليها حتّى لايبقى له شائبة ريبة ، ويحكم ذلك في التخيّل بحيث لايبقى له مجال غفلة ، فيتجنّب عنها ذلك ، فإن حصل المقصود والا فليواظب على تحصيل ضدّها من الفضيلة والمواظبة على آثارها من الأعمال ، فكما أنّ الحرارة المزاجيّة تدفع البرودة العرضيّة ، فكذا الفضيلة الحادثة في النفس تزيل ضدّها من الرذيلة ، فهذه بمنزلة العلاج بالتغذية.
فإن لم تنجع فليوبّخ نفسه وليؤدّبها بالذّم واللوم فكراً وقولاً وعملاً ، فإن حصل المقصود والا فلينظر انّها من آثار أيّ قوّة من القوى فليعدّلها بالأخرى ، فإنّ نقوية احديها تستلزم ضعف الأخرى ، إذ قد عرفت أنّ فائدة الغضبية كسر صولة الشهويّة ، وهذه بمنزلة العلاج بالأدوية.
فإن لم تؤثر فليرتكب ما يقابلها من الرذائل مع حافظة التعديل ، فالجبون يعمل عمل المتهوّر والمتملّق يعمل عمل المتكبّر ، والخائف يخوض
في المخاوف والأهوال ، والبخيل يكثر من بذل الأموال ، فإذا حان أوان الاعتدال كفّ عنها حتّى لايتبدّل بها ، وهذه بمنزلة المعالجة بالسموم.
فإن لم ينفعه ذلك لصعوبة المرض واستحكاممه فليعذّبها بأنواع الرياضات المتعبة المضعفة للقوّة الباعثة عليها من النذور والعهود وغيرها ، وهي بمنزلة الكيّ والقطع وهو آخر الدواء.
الباب الخامس
في المعالجات المختصّة
برذائل القوّة العاقلة
وذكر ما يقابلها من الفضائل
قد أشرنا إلى أنّ العلم بالفضيلة ومحاسنها أعون شيء على إزالة ضدّها ، فإنّ تقوية أحد الضدّين يوجب ضعف الآخر ، كما أنّ ضعف الآخر يستلزم تقويته ، وأيضاً فإنّ التخلّي عن الرذائل كما أنه مأمور به لقبحها وايجابها للهلاكة ، فكذا التحلي بالفضائل مرغوب فيه لحسنها واستلزامها السعادة ، بل ربّما كان الثاني أهمّ وأشرف ، وإن كان متأخرّاً عن الأوّل في الوجود ، فإنّ قبح الرذيلة والمنع عن التّصاف بها ليس غالباً الا لقبح لوازمها وفساد آثارها المترتّبة عليها ، وحسن الفضيلة لذاتها وإن ترتّبت عليها الآثار الحسنة أيضاً الا أنّ الفرق بينهما بحسب التعقّل والاعتبار ، لعدم انفكاك أحدهما عن الآخر في الخارج ، ولذا عدّ كلّ منهما علاجاً للآخر ، ولأجل تأخّرها في الوجود عنها ناسب ذكرها عقيب ما يقابلها من الرذائل مع بيان ماهيّتها وما يكون باعثاً لتحصيلها مع الحثّ عليها حتّى يكون معيناً للطالب عليه ومحرّكاً له إليه ، حيث إنّها المطلوب الحقيقي ، وبها يستعان على معالجة تلك الرذائل أيضاً ، فهنا مقامان :
المقام الأوّل
في ذكر الرذائل ومعالجاتها
وإذ قد عرفت أنّ لكلّ فضيلة رذيلتين جنساً ولهما أنواع ولوازم كثيرة لاتحصى ، فلابدّ من ذكر الجنسين من رذائل العاقلة مع ماهو من أعظم أنواعها ولوازمها في عدّة فصول :
فصل
أوّل الجنسين الجربزة الباعثة لعدم الوقوف على شيء وعدم الاستقرار عليه فيؤدّي إلى الإلحاد وفساد الاعتقاد في الأصول وإلى الوسواس في الفروع ، وينجرّ بسببه إلى الحرمان من معظم الطاعات والعبادات ـ وعلاجها ـ بعد التذكّر لقبحها وما يترتّب عليها من المفاسد ، وما دلّ على مدح العلم وشرفه ، وذمّ الجهل ونقصه ، حيث إنّه خلوّ النفس عن الجزم بما يطابق الواقع سواء خلت عن مطلق الجزم خاصّة ، أو مع الشكّ أيضاً ، أو اشتملت عل الجزم بما يخالفه فيشمل الجنسين معاً ـ هو عرض ما فهمه على الأفهام السليمة والأذهان المستقيمة وعقائد أهل الحقّ والأخذ بما وافقها وطرح ما خالفها ، ولايزال يكرّر ذلك مكلّفاً نفسه عليه حتّى تعتاد بالقيام على الوسط. وربّما كان الاشتغال في العلوم الرياضيّة من الحساب والهندسة والاعتياد عليها نافعاً في رفع هذا المرض. ولما كان الغالب من حال من ابتلي بها الشكّ والحيرة ، فكلّ ما يعلج به ذاك فهو علاجها.
فصل
ثاني الجنسين البلادة المستلزمة لخلوّ النفس عن العلم أيضاً ، وهو
الجهل ، وعلاجها ـ بعد التذكّر لما يستلزمه من النقص وعدم الوصول إلى المارف الحقّة ، وما يدلّ على شرف العلم وقبح الجهل عقلاً ونقلاً ـ تصقيل الذهن بالفكر دائماً مع رياضة النفس بالتقليل في المنام والمطعم مع الاحتراز عن الأطعمة المبخّرة الغليظة رأساً والجماع ، فإنّ كثرته تورث البلادة والنسيان ، وكذا سائر المشتهيات الشاغلة للنفس عن الفكر والنظر ، مع التضرّع والابتهال والاستمداد من النفوس القدسيّة والاجتهاد في ذلك إلى أن يفتح الله عليه أبواب فيضه وفضله ، قال تعالى :( والّذين جاهدوافينا لنهدينّهم سبلنا ) .(١)
وقد جرّبنا أنّ كثيراً نم المحصّلين في بدو اشتغالهم كانوا في غاية البلاهة وجمود القريحة ، ثمّ وصلوا بالرياضة والفكر إلى أعلى مراتب الفضيلة.
فصل
الجنس الشامل لهما الجهل أي خلوّ النفس عن العلم وأحسن أنواعه البسيط منه وهو في بدو الخلقة غير مذموم لكونه فطريّاً ، ولتوقف التعلّم عليه ، لكن الثبات عليه من المهلكات. وعلاجه ـ بعد التذكّر لما يدلّ على ذمّه من الآيات والأخبار الكثيرة ومدح العلم وشرفه ممّا سيذكر نبذ منها في المقام الثاني ـ أن يتفكّر فيما يترتّب عليه من القبائح عقلاً ، فيتأمّل في أنّ شرافة الانسان على سائر الحيوانات بخاصيته المختصّة به ، رأي النطق وقوّة التمييز كما أشرنا إليه ، فإذا كان عادماً لها كان منها.
وممّا يزيده كشفاً أنّه لو جلس والحال هذه في مجلس العلماء لم يقدر على الخوض معهم فيما يتذاكرون ، ولم يكن له بدّ عن السكوت والتألّم من العجز عن درك ما يتحاورون ، فما أشبه ما كان يتنطق به في غير ذلك المجلس بأصواب البهائم ، إذ لو كان نطقاً حقيقياً لكان قادراً على استعماله مع أولئك
__________________
١ ـ العنكبوت : ٦٩.
الأعاظم ، وما أحراه حينئذ أن يكون أطلاق الانسان عليه كإطلاقه على التماثيل المنصوبة في الجدران ، بل لو كان منصفاً اعترف بأنّه ليس من هو أدون منه في عالم الأكوان ، لتنزّله بفقد خواصّ الانسانيّة عن مرتبتها ، فهو من هذه الحيثيّة يشبه البهائم.
وتنزّله بوجود الخواصّ البهيميّة التي هي غاية وجودها فيها وفقد ما هو غاية وجوده فيه عن المرتبة البهيميّة فهو من هذه الحيثية يشبه الجمادات.
وتنزّله عن المرتبة الجمادية بظهور غايات وجود الجمادات فيها دونه وهكذا.
وأدون أنواعه المركّب ، أي خلوّ النفس عن العلم بالشيء والعلم بأنّه لا يعلمه ، وعلاجه في غاية الصعوبة ، إذ مالم ينكشف للنفس خلوّها عن الكمال لم تمل إلى نيلها ، فتبقى على ضلالتها مادامت متعلّقة بالبدن.
وأنفع شيء في علاجه إن كان الباعث عليه اعوجاج السليقة تعلّم الرياضيّات ، لأنّها تورث الألف باليقينيّات واستقامة السليقة ، فيتنبّه على فساد العقيدة ، فيصير بسيطاً ، فيسهل رفعه بالطلب.
وإن كان من رسوخ الشبهات الفاسدة عرضها على أولي الأفهام السليمة والأذهان المستقيمة ممّن يقرّ بجودة قريحتهم مع استعمال القواعد المنطقيّة باحتياط بليغ واستقصاء تامّ ، وليكلّف نفسه على تصديق ما اختاره قسراً إلى أن يتأنّس بالأدلّة التحقيقيّة ، ويعتدل سليقته.
وإن كان من العصبيّة والتقليد فليجتهد في إزالتهما.
فصل
الحيرة إن كان الباعث عليها الجربزة كانت من لوازمها ، وإن كان العجز عن ترجيح الأدلّة أو عن الدليل الموصل إلى الحقّ المثمر لليقين كانت من لوازم جنس التفريط ، أعني البله والبلادة ، وهي أيضاً من المهلكات ، لأنّ ها
ضدّ اليقين الذي هو مناط الايمان.
قال أمير المؤمنينعليهالسلام : « لا ترتابوا فتشكّوا ولا تشكّوا فتكفروا ».(١)
وهو يدلّ على كفر الشاكّ ، وبمضمونه أخبار كثيرة.
وفي حديث أبي بصير عن الصادقعليهالسلام في من شكّ في الله تعالى قال : « كافر ، قال : فشكّ في الرسول ، فقال : كافر ، ثمّ التفت إلى زرارة فقال : إنّما يكفر إذا جحد »(٢) .
وليس المراد من الجحود الإنكار الصريح ، أي الجزم بخلاف الحقّ وإن أدّى الشك إليه أحياناً ، والا لزم أن لا يكون كافراً ما لم يجزم به ، مع أنه ليس كذلك جزماً ، إذ الكفر ما قابل الإيمان ، واليقين مناطه ، فالشاكّ الذي لايقين له لاإيمان له ، ومن لاإيمان له فهو كافر ، بل المراد جحود كون الحكم يقينيّاً(٣) وإنكار كون دليله مثمراً لليقين.
واعلم أنّ هذا الشكّ الموجب للكفر غير الوسوسة وحديث النفس الحاصل أحياناً لعدم منافاتهما للايمان ، كما سيجيء.
وعلاجه أن يتذكّر أنّ النقيضين لا يجتمعان ولايرتفعان ، فيحصل له العلم من ذلك بكون إحدى المحتملات مطابقة للواقع ، وبطلان باقيها.
ثمّ يتصفّح أدلّة كلّ منهما ويعرضها على القياسات المنطقيّة باحتياط تامّ واستقصاء بليغ ، حتّى يطّلع على موضع الخطأ ، ويقف على ماهو الحق ، وهذه فائدة المنطق. ولو لم يقدر على ذلك واظب على مطالعة الأخبار ومجالسة العلماء الأخيار والصلحاء الأبرار من أهل اليقين والاستبصار ، حتّى ترتفع ظلمانيّة نفسه بنورانيّة نفوسهم ، وتقتبس من مشكاة يقينهم.
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٣٩٩ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الشك ، ح ٢.
٢ ـ المصدر : ح ٣.
٣ ـ فيه نظر ، لأن الظاهر أن هذه الرواية بقرينة حصر الذيل في بيان ضابطة الارتداد وأنّه إنّما يكون بالشك المضمّ إليه الجحود ، وأنّ الشك المحض من دون إنكار باللسان لايوجب الكفر ، فهي على خلاف ما ذكره المصنّف أدلّ منها على مقصوده.
فصل
الخاطر ما يعرض للقلب من الأفكار.
فإن لم يكن مبدأ لفعل سميّت بالأماني ، سواء كانت من قبيل التمنّي مطلقاً ، أو تذكّر اللذّات الحسّية الحاصلة له بالفعل أو الائتة عنه ، أو البلايا الواردة عليه بالفعل أو الزائلة عنه ، أو التطّير بالأمور الاتّفاقية ، أو التفؤّل بها ، أو وسوسة في العقائد بما لاتؤدّي إلى شكّ مزيل لليقين كما عرفت.
وإن كانت محرّكة للارادة إلى الفعل ـ فإنّها أوّل مبادية ، ويتلوها الرغبة ، ثمّ العزم ، ثمّ النية ، فينبعث منها ـ فإن كانت مبدأ للخيرات سميّت إلهاماً ، وما يستعدّ به القلب له لطفاً وتوفيقاً ، والا وسواساً ، وما يتهيّؤ به القلب له إغواء وخذلاناً ، فإنّها لحدوثها تحتاج إلى سبب ، إمّا الملك أو الشيطان.
ثم النفوس في بدو الخلقة قابلة لهما بالنظر إلى القوى الثلاثة ، ولما كانت بينهما مدافعة ومنازعة ، فإن غلبت العاقلة على الأخنريين وصار لها السلطان في مملكة النفس لم تتمكّن الأخريان عن الذهاب في ودية الخواطر بدون رأيها ، فتتوجّه إلى ضبطهما وأمرهما بالخواطر المحمودة وصوالح الأعمال ، ومنعهما عن الخواطر الفاسدة وذمائم الأفعال ، إلى أن يحصل لهما ملكة الانقياد ، بحيث لايحدث منهما خاطر سوء في حال من الأحوال ، بل لم يخطر الا الخير من خزائنه الغيبية الفائضة من الواهب المفضال ، فلايبقى للشيطان مجال فيها الا على سبيل الاختلاس لامتلائها حينئذ من الخواطر المحمودة من المعارف الحقّة ومحاسن الأفعال ، فهي حينئذ مقرّ الملائكة ومهبطهم ومطلع الأنوار القدسيّة الفائضة من مشكاة الربوبيّة ، ولا مجال للشيطان حينئذ فيها ، كما لامجال لدخول الهواء في الاناء المملوّ من الماء.
وإن غلبت الأخريان عليها صارت من حزب الشيطان ومراتع جنوده ،
وانسدّت حينئذ أبواب الملائكة ، وامتلأت جوانبها من الظلمات ، وانطفت أنوار اليقين والايمان ، وصارت محلاً للوساوس الشيطانيّة أبداً ، ولم يبق حينئذ مجال لدخول الملائكة فيها.
وإن لم تحصل السلطنة والملكيّة التامّة المستقرّة لإحديهما ، بل كانت النفس مضماراً لمعركتهما ومحلاً لمنازعتهما فتارة تسوق العاقلة خصيميها وتطردهما فتخطر فيها خواطر الخير وتبعثها إليه ، وتارة بالعكس ، فتخطر فيها خاطر السوء وتدعوها إليه ، ولاتزال النفس متجاذبة من الطرفين إلى أن تصل إلى ما خلقت لأجله.(١)
لكنّك عرفت أن جند الشيطان أكثر ، وموافقة الطبيعة لها أظهر ، ومسالكه أسهل وأجلى ، فسلطنته سارية لناريّته ودوام حركته وطيرانه في دم الإنسان ولحمه ، ومحيطة بمجامع قلبه وبدنه ، ولذا قال :
( لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) (٢)
ولأجله ملكوا جلّ القلوب وفتحونها ، قلاعها ، وتمكّنوا في مساكنها ، وتوطّنوا في مواطنها ، وتصرفوا في حصونها ، فبعد ما صيّروا أبوابها بالغلبة مفتوحة لم يبق لأربابها عن وساوسهم مندوحة ، فلا منجى عنهم ولا مفزع منهم الا بالرياضة التامّة ، والمجاهدة العظيمة التي تحصل بها بصيرة مشرقة باطنية وقوّة قدسيّة ملكوتيّة على سدّ تلك الأبواب ، وفتح ذلك الباب بتأييد غيبيّ من المعين الوهّاب.
ثم لكلّ منهما أمارات ، كاليقين والهوى ، والتفكر في آيات الأنفس والآفاق على نظام يزيل الشك والشبهة ويحدث المعرفة والحكمة في القوّة
__________________
١ ـ لم يخلق الله نفساً لأجل الشر والسوء والشاء وإنّما خلقها الله مختارة وأعطاها ما به تختار الخير أو الشر من الحياة والقدرة والعلم وسائر ما تحتاج إليه في الوصول إلى القرب والسعادة ، فإن اختارت الشر حينئذ بسوء اختياره وصلت إلى ما اختياره وصلت إلى ما اختارت لا إلى ما خلقت لأجله « وما ربّك بظلّام للعبيد ».
٢ ـ الأعراف : ١٧.
العاقلة ، فإنّها مبادي اليقينيات كالعقول والنفوس المجرّدات ، والنظر إليها بعين الغفلة الحادثة منه الشبهة والوسوسة ، لكونها مبادي السفسطيات كالشياطين والنفوس الخبيثة ، وكالايمان والطاعة والانقياد لكلام الله تعالى والرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمّةعليهمالسلام ، والكفر والجحود لما ورد عنهم من آثار الحكمة ، وكتحصيل العلوم المفيدة الباحثة عن الأعيان الرشيفة والموضوعات العالية ، وما هي من قبيل السفسطة ، أو أنواع الادراكات المؤدّية إلى المكر والحيلة والخدعة في الأمور الدنيويّة.
ثمّ علاج القسم الثاني أن يتذكّر لسوء عاقبة المعصية ، وعظيم حقّ الله سبحانه ، وجسيم ثوابه ، وأليم عقابه ، فإذا عرفها بنور الايقان بعد عن وسواس الشيطان ، لأنّ نيّرات البراهين بمنزلة الشهب الثاقبة للشياطين.
وأمّا الأوّل فدفعه مشكل ، بل قطعه بالكلّية متعذّر الا لمن وفّق لمرتبة الفناء المحض في الله تعالى وقطع العلائق الدنيوية باسرها ، وامتلأ قلبه من حبّ الله وأنسه وجلاله وعظمته ، واستغرق في بحر كبريائه ، فلا يبقى للشيطان مجال فيه.
وأمّا من كان قلبه فارغاً عنه تعالى ولو في بعض الأحيان ، فلا محالة يدخل فيه الشيطان كدخول الهواء في الاناء الخالي عن الماء.
( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطاناً فهو له قرين ) .(١)
فهذا القسم وإن أمكن معالجته ببقطع العلائق كلها والتجرّد والانزواء والتفكّر في عجائب صنع الله تعالى ، أو الأذكار والأوراد مع التوجّه القلبي إليها ، لكن لامخلص له مع ذلك من اختلاساته الحاصلة احياناً من حادث يشغله عن فكره وذكره ، كمرض وخوف أو حفض ما يحتاج إليه في معيشته.
ثمّ إنّ محصّل العلاج المذكور ثلاثة أشياء :
سلب الرذائل باسرها ، فإنّها الأبواب التي تدخل منها الشياطين في
__________________
١ ـ الزخرف : ٣٦.
القلوب.
والتحلّي بما يقابلها من الفضائل حتّى ينفتح له باب التوفيق والوصول إلى المطلوب ، وبهذين يزول ملكيّته للقلوب وسلطنته عليها ، وتنقطع تصرّفاته الدائمية فيها ، لكن تبقى خطراته واختلاساته.
فبالمداومة على الأذكار القلبيّة واللسانية يحصل له أثر كلّي في دفعها ولا أقلّ من ضعفها وقلّتها ، لكنّها تنفع بعد الأولين ، ولو لاهما كانت حديث نفس لم يندفع بها تسلّطه وملكيّته ، فإنّ قولك للكلب الجائع « اخسأ » إنّما ينفع إذا رأى معك مايزجره ويؤذيه ، ولم يكن معك ما يميل إليه ويشتهيه. على أنّها من الفضائل التي لاينفع التحلّي بها الا بعد التخلّي عمّا يقابلها ، كما لا ينفع الغذاء المقوّي الا بعد نقاء البدن عن الأخلاط الفاسدة.
قال تعالى :( إنّ الّذين اتّقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون ) .(١)
ولو نفعت في دفع سلطنته لكان أولى الأذكار أعني الصلاة به أحرى ، مع أنّ تسلّطه فيها على القلب ومزاحمة جنوده وتقلّبهم ذات اليمين وذات الشمال أشدّ وأقوى.
ثمّ إنّ للذكر مراتب أربعة :
أحدها : اللساني فقط.
وثانيها : ما يسري إلى القلب مع عدم التمكّن منه ، بحيث يحتاج إلى مراقبته حتّى يحضر معه ولو خلاه استرسل في أودية الخواطر.
وثالثها : هو مع التمكّن بحيث لا يصرفه عنه بسهولة.
ورابعها : تمكّن المذكور في القلب بحيث لايلتفت إلى نفسه ولا إلى الذكر ، بل يستغرق في المذكور ، ويكون التفاته إلى الذكر حجاباً شاغلاً.
__________________
١ ـ الأعراف : ٢٠١.
تذنيب
الوسائس بأسرها تحدث في النفس ظلمة تمنعها عمّا خلقت لأجله ، لكن لا مؤاخذة في ظاهر الشريعة على حديث النفس وما يترتّب عليه من الميل يقيناً لعدم ترتّب أثر فعلي عليه ، ولخروجه عن الطاقة البشريّة الا من أيّد بالنفس القدسيّة ، وللأخبار الكثيرة.
منها لما نزل قوله تعالى :
( إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) (١) جاء ناس من الصحابة إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقالوا : كلّفنا مالا نطيق ، إنّ أحدثا ليحدث في نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه ، ثمّ يحاسب بذلك! فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لعلّكم تقولون كما قال بنو إسرائيل : سمعنا وعصينا ، قولوا : سمعنا وأطعنا ، فأنزل الله الفرج بقوله :( لا يكلّف الله نفساً الا وسعها ) (٢) .
ونحوه أخبار أخر.
والخبر المشهور عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : « وضع عن أّمتي تسع خصال : الخطأ ، والنسيان ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطرّوا إليه ، وما استكرهوا عليه ، والطيرة ، والوسوسة في التفكّر في الخلق ، والحسد مالم يظهر بلسان أويد »(٣) .
وعن الصادقعليهالسلام : « عن الوسوسة وإن كثرت؟ فقال : لا شيء فيها تقول لا إله الا الله »(٤) .
وأمّا العزم على المعصية والهمّ بها مع عدم فعلها ، فقد ادّعي إجماع الشيعة على عدم المؤاخذة عليه مطلقاً.
ويدّل عليه ظواهر الأخبار الكثيرة أيضاً.
__________________
١ ـ البقرة : ٢٨٤.
٢ ـ البقرة : ٢٨٦ ، وراجع الدر المنثور ذيل الآية.
٣ ـ الوسائل : ج١١ ، ب٥٦ من أبواب جهاد النفس ، ح ٢٣.
٤ ـ الكافي : ٢ / ٢٤٢ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الوسوسة ، ح ١.
كقول الباقرعليهالسلام : « إنّ الله تعالى جعل لآدم في ذرّيته : من همّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة ، ومن همّ بحسنة وعملها كتبت له عشر ، ومن همّ بسيّئة ولم يعملها لم تكتب عليه »(١) .
وربما يقال بأنّه يكتب عليه سيّئة إن لم يكن [ تركه أي الهمّ ] خوفاً من الله تعالى لكونه من الأفعال القلبيّة الاختياريّة ، وهي ممّا يترتب عليها الثواب والعقاب ، كأعمال الجوارح لقوله تعالى :
( إنّ السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤلاً ) (٢) .
وقوله تعالى :
( لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) .(٣)
« وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّما يحشر الناس على نيّاتهم »(٤)
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار ، قيل : يا رسول الله هذا القاتل ، فما بال المقتول؟ قال : لأنّه أراد قتل صاحبه »(٥) .
وكيف لا مؤاخذة عليها مع انّ المؤاخذة على الملكات الرديّة كالكبر والعجب والريا والحسد وغيرها قطيّة الثبوت من الشريعة ، ولذا إنّ من وطىء امرأته ظانّاً أنها أجنبيّة كان عاصياً.
وأدّلة الكبرى مدخولة بأسرها لإجمال الآية الأولى واحتمالها لمعان أظهرها ارادة العقائد خاصّة.
وغاية ما تدّل عليه الثانية وأخبار النيّة أنّ مناط التكليف ما اقترن
__________________
١ ـ الوسائل : ج١ ، ب٦ من أبواب مقدمة العبادات ، ح ٦.
٢ ـ الإسراء : ٣٦.
٣ ـ البقرة : ٢٢٥.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٧٧.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٧٧.
بالقصد من الأعمال دون ما خلا عنها ، ولا نزاع فيه.
وكون المقتول في النار معلّلاً بالإرادة انّما هو لأجل صدور فعل الجوارح عنه من الالتقاء بالسيف مع نيّة القتل ، وهذا ممّا لاشكّ في ترتّب العقاب عليه.
ومن قبيله وطي امرأته ظانّاً كونها أجنبيّة وما أشبهه.
والمؤاخذة على الملكات في ظاهر الشريعة إنّما هي على آثارها ومسبّباتها من قبائح الأفعال وذمائم الأعمال ، فهي من فبيل ذكر السبب وإرادة المسبّب ، ويشهد له الحديث النبويّ المتقدّم وغيره ، مع لزوم العسر والحرج لولاها ، لأنّ إزالة الملكات دفعة ممتنعة ، بل تحتاج إلى رياضة تامّة ومجاهدة ، وطول مدّة ، سيّما ما كانت منها طبيعيّة ، ولعلّ أكثر النفوس تعجز عن إزالتها مع تقيّدها بالعلائق الدنيويّة.
ولايمكن أن يدّعى أنّ كافة الخلق مكلّفون بطريق الوجوب العيني بقطعها ، إذ يختلّ به نظام العالم ، وما يحتاجون إليه في التمدّن والتعيّش مع أنّه يلزم أن يكون صاحب تلك الملكة قبل إزالتها حين ما يقهر نفسه على خلاف آثارها بعد معذّباً لبقاء تلك الملكة فيها مع أنّه بديهيّ البطلان ، بل ربّما كان ثوابه أعظم ممّن له ما يقابل تلك الملكة المذكورة من الفضائل ، أيضاً فإنّها إن كانت طبيعيّة لم يكن للمؤاخذة عليها وجه ، وإن كانت عادية من مزاولة الأعمال الخبيثة ، فالعقاب مترتّب على تلك الأعمال دونها ، وأيضاً ، فإنّ المؤاخذة من كافة الخلق على الملكات الراسخة التي بلغت صعوبة إزالتها حدّاً توهّم قوم كونها طبيعيّة بأسرها وملأ أطبّاء النفوس كتبهم بأنواع تقريراتها وأنحاء عباراتها من بيان صعوبة إزالتها وشدّة ضيق مسلكها وغموض مدركها وامتناع النفوس عنها ، وبيان أنواع معالجاتها. ووجوه الترغيبات والتأكيدات في شأنها ، ينافي كون الملّة النبويّة سمحة سهلة. فإذا كان مبنى الأحكام الشرعيّة في أعمال الجوارح على التسامح والتساهل
والتخفيف فكيف يؤاخذو برذائل ملكاتهم وأعمالهم وأعمال قلوبهم مع ما ذكر من شدّة صعوبتها؟ فإذا لم يؤخذوا بعدم تحصيل أصولهم وفروعهم بالأدلّة التفصيليّة مع كونها أسهل منها أسهل منها بمراتب شتّى ، فبالحري أن لا يكلّفوا عيناً بها بطريق أولى.
وأمّا الترغيبات والترهيبات الواردة عن معادن الحكمة وأهل بيت العصمةعليهمالسلام والتأكيدات البليغة في ذلك فلاينافي عدم اللزوم العيني مع شدّة الرجحان الذاتي لو أريد منها نفس تلك الملكات دون آثارها والأعمال المترتّبة عليها ، فإنّها موافقة لما هو مقتضى الحكمة في الأمور الصعبة الشاقّة التّي تهرب النفوس العامّة عنها كما ترى في كثير من المستحبّات التي لايمكن أن ينسب صعوبتها إلى صعوبتها.
ثمّ الأوامر والنواهي الواردة في الشريعة في فعل المعاصي وتركها منصرفة إلى أفعال الجوارح ، لأنّه الحقيقة من الفظ دون فعل القلب ، أي العزم عليه لوجود امارات المجاز فيه من عدم التبادر وصحّة السلب ، حيث يجزم العرف بأنّ العزم عليه ليس فعلاً ، وأنّ من همّ بفعل ولم يفعل لم يفعله حقيقة ، ولو فرض كونه حقيقة فلاشكّ في كونه خلاف المتبادر ، فلا يصرف إليه إطلاقاتها ، سيّما مع المخالفة للأصول والظواهر والآيات والاجماع المدّعي في كلام جماعة.
فصل
المكر والحيلة والخدعة والنكر والدهاء ألفاظ مترادفة ، وهي في اللغة شدّة الفطانة ، وفي العرف استنباط بعض الأمور من المآخذ الخفيّة البعيدة عن الفهم لإصابة مكروه إلى الغير من حيث لايعلم ، وهو المراد هنا.
والفرق بينها وبين الغشّ والغدر والتلبيس حيث عدّت الاولى من رذائل العاقلة ، والثانية من رذائل الشهويّة. إمّا خفاء المقدّمات وبعدها عن الفهم في الاولى دون الثانية كما قيل ، أو أنّ المراد من الاولى نفس
الاستنباط ، ومن الثانية استعمال آثارها ولوازمها وهو الأظهر ، وقد تستعل على سبيل الترادف.
ثمّ للمكر مراتب متفاوتة في الشدّة والضعف والظهور والخفاء ، وهو من المهلكات العظيمة ، لأنّه من أظهر صفات إبليس وجنوده ، وهو أقبح من الأذّية جهاراً ، لإمكان دفعها والحذر عنها بخلافه ، إذ ربّما يفعل في لباس الصداقة ، ولذا ورد أشدّ المنع عنه في الأخبار.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ليس منّا من ماكر مسلماً »(١) .
وكثيراً ما كان أمير المؤمنينعليهالسلام يتنفّس الصعداء ويقول : واويلاه يمكرون بي ويعلمون أنّي بمكرهم عالم وأعرف منهم بوجوه المكر ، ولكنّي أعلم أنّ المكر والخديعة في النار فأصبر على مكرهم »(٢) .
وعلاجه تحصيل ضدّه ، أعني النصيحة واستنباط وجوه الخير للمؤمنين حتّى يعتاد نفسه على ذلك ، وتقديم الترّوي في كلّ ما يصدر منه حتّى لا يخفى عليه وجوهه الخفيّة ، ويتذكّر قبحه العقلي وماورد من الآثار في ذمّة والمنع منه مع ما عرفه من التجربة والأخبار من عود جزائه إليه عاجلاً.
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٣٣٧ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب المكر والغدر ، ح ٣.
٢ ـ جامع السعادات : ١ / ٢٠٣.
المقام الثاني
في ذكر الفضائل المقابلة لها
مع ما بدل على الحث عليها
وفيه فصول
فصل
الحكمة هي العالم بحقائق الأشياء ، ولما كانت مباحث العلم من أشرف المباحث وأبهاها فبه يمتاز الإنسان عن النفوس البهيميّة ، وبه يترقّى عن المرتبة الملكّية ، فلا غرو لو أطلقنا عنان القلم في هذا المقام بما لم نطلقه في سائر الفضائل لكونه من أهمّ المهام في عدّة مقاصد :
قد تطابق العقل والنقل على كون العلم أشرف الأشياء ، ونحن نشير إجمالاً إلى الشواهد العقليّة والظواهر السمعيّة الدالّة ترغيباً للأصحاب إليه.
فنقول : لاريب في كون العلم محبوباً في نفسه ومطلوباً بالذات ، ولذّة اقتنائه من أعظم اللذّات ، فإنّ إدرك الأشياء نوع تملّك لها لتقرّر حقائقها وصورها في ذات المدرك وهو أقوى من ملكية الأعيان لزوالها ومبائنتها عن ذاته دونه ، والنفس لكونها من سنخ المجردات وعالم الربوبية يشبه المبدأ في ميله إلى الاستيلاء والتملّك للأشياء والتصرّف فيها كيف يشاء ، فإن كلّ معلول من سنخ علّته كما تقرّر في محلّه فيناسبها في آثارها وصفاتها ويبتهج
من الاتّصاف بكمالاتها ، ولذا قيل : إنّ الصادر عن شيء لايمكن أن يكون هو من جميع الجهات ولا أن يكون ليس هو كذلك ، وهو المراد من قولهم : الممكن زوج تركيبي ، وهذا المعنى وإن اشترك في جميع الممكنات الا أن الذوات النورانيّة التي هي من عالم الامر لكونها إليه أقرب والواسطة بينها وبينه أقلّ إليه أنسب ، فشوقه إلى الاتصاف بكمالاته أكثر ، ومنها النفس لقوله تعالى :( قل الروح من أمر ربّي ) .(١)
فلها غاية الميل إلى صفاته التي من جملتها الغلبة والاستيلاء والتسلّط على الأشياء والتصرّف فيها كيف تشاء ، لأنّها معنى الربوبيّة.
وممّا يوضح كون العلم نوع استيلاء وتسلّط على الأشياء ، استتباعه للعزّ والوقار ونفوذ الحكم على الملوك وذوي الاقتدار ولزوم الاحترام في الطباع حتّى إنّ أغبياء الترك وأجلاف العرب طباعهم مجبولة على توقير شيوخهم لاختصاصهم بمزيد علم مستفاد من التجربة ، بل البهائم بطبعها توقر الانسان بكمال مجاوز لدرجتها ، وهكذا إلى أن تؤثّر في انقياد كلّ ما على الأرض من الجماد والنبات والحيوان ، ثم تجاوز إلى إطاعة النفوس المجرّدة الفلكيّة والكواكب النوريّة والأجرام السماويّة وغيرها.
وأيضاً فإنّ كلّ معقول إمّا موجود وإمّا معدوم ، والأوّل أشرف بالضرورة ، وهو إمّا جماد أو نام ، والثاني أشرف بالضرورة ، وهو إمّا حسّاس أو غيره والأوّل أشرف بالضرورة ، وهو إمّا عاقل أو غيره ، والأوّل أشرف بالضرورة وهو إمّا عالم أو جاهل ، والأول أشرف بالضرورة ، فظهر أن العالم أشرف الموجودات بالضرورة ، وأيضاً فكلّ فعل إمّا أن ترضاه
__________________
١ ـ الاسراء : ٨٥.
القوى الثلاثة كالعلم ، أو لاترضى به شيء منها كالجهل ، أو ترضى به العاقلة دون الاخريين كالمكاره الدنيويّة أو بالعكس كالمعاصي ، فالعلم بالنظر إلى الجهل كالجنّة والنار ، حيث لاترضى شيء من الثلاثة بالثانية دون الاولى ، والدليل عليه انّ الألم في البعد عن المحبوب ، فكلّما كان أبعد كان الألم أشدّ ، فكون الاحراق أشدّ الآلام لغوضه في جميع الأجزاء وتفريق بعضها عن بعض ، وكذا اللذّة في الوصول إلى المطلوب ، فكلّما كان أغوص والمدرك أشرف وأكمل والمدرك أبقى وأنقى ، كان اللذّة أشرف وأعلى ، فمحلّ العلم الروح الذي هو أشرف من البدن ، والادراك بالعقل أغوصي والمعلوم هو الله ربّ العالمين ومخلوقاته ، فايّ شيء أشرف من ذلك فمن رضي بالعلم فقد خاض في جنّة حاضرة ، فيقال له بعد الموت : تعوّدت المقام بالجنّة فادخلها ، فمن رضي بالجهل فقد رضي بنار حاضرة فيقال له بعد الموت : تعودّت المقام بالنار فادخلها.
وأيضاً قد عرفت أنّ اللذّة العقلية أقوى من الحسيّة لادراكه حاقّ الشيء ولبّه ، بخلاف الحسّ ، فلا يدركه الا مخلوطاً كاللون المدرك بالعرض والطول والوضع وغيرها.
ولأنّه يراعي القوانين المنطقيّة العقليّة ، ولايزاحمه الوهم والوسواس فهو منزّه عن الخطأ والأدناس بخلاف الحسّ ، حيث يغلط في الادراك ، فيرى ما يساوي الأرض مقداراً كالقمر ، أو يزيد عليه أضعافاً كالشمس مقدار قرصة.
ولأنّ مدركاته ذوات نوريّة ، وكلّيات أزليّة لتغيّر لها وأمور غير متناهية بحسب الوجود والتناسب ، فتقويه وتزيده نوراً وبهاء بازدياد نورها وبهائها بخلاف الحسّ الغير المدرك الا المتغيّر المستحيل المتناهي المفسد له مع قوّة التذاذه به.
ولشهادة التجربة والوجدان برفض ألذّ اللذّات الحسيّة بمعارضة اللذّة
الوهميّة أو الخياليّة ، بل العجم من الحيوانات تؤثّر اللذّات الباطنية عليها كاللكلاب المعلّمة وغيرها ، فإذا كانت الباطنية كذلك فما ظنّك بالعقليّة ، فطوبى لعقول شريفة تمثّلت فيها جلية الحقّ وما يمكنها أن تنال من بهائه ثم عالم الوجود بأسره ، كما أشرنا إليه سابقاً ، ولذا قيل : لو علم الملوك ما نحن فيه من لذّة العلم لحاربونا بالسيوف.
( وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ) .(١)
وقال الصادقعليهالسلام : « لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله ما مدّوا أعينهم إلى ما متّع به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها ، وكانت دنياهم عندهم أقلّ ممّا يطؤونه بأرجلهم ولنعموا بمعرفة الله وتلذّذوا بها تلذّذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله ، إنّ معرفة الله أنس من كلّ وحشة ، وصاحب من كلّ وحدة ، ونور من كلّ ظلمة ، وقوّة من كلّ ضعف ، وشفاء من كلّ سقم الحديث. »(٢)
وقد ورد في الأخبار الكثيرة تفسير قوله تعالى :( ما خلقت الجنّ والإنس الا ليعبدون ) (٣) بالمعرفة.
ويشهد له الخبر القدسي : « كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق لكي أعرف ».(٤)
وافتتح الله تعالى في أول سورة أنزلها على نبيّه بنعمة الايجاد ، ثم العلم فقال :
( اقرأ باسم ربّك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * إقرأ وربّك الأكرم * الّذي علم بالقلم * علّم الإنسان ما لم يعلم ) (٥) تذكيراً لغاية دناءة
__________________
١ ـ الإسراء : ٢١.
٢ ـ الكافي : ٨ / ٢٤٧ ، ح ٢٣٤٧.
٣ ـ الذاريات : ٥٦.
٤ ـ كلمات مكنونه : ٣٣.
٥ ـ العلق : ١ ـ ٥.
الانسان وخستّه في بدو خلقته ، ونهاية شرفه وجلالته في خاتمته ، فلو كان شيء أشرف من العلم كان أحرى بالذكر في مقام الامتنان ، مع أنّ تعلق الحكم بالأكرمية مع وصفها بالتعليم يشعر بالعلّية فلو كان أشرف منه كان أولى بالاقتران.
وخصّ العلماء مخمس مناقب :
الايمان :( والراسخون في العلم يقولون آمنّا ) .(١)
والتوحيد :( شهد الله أنّه لا إله الا هو والملائكة وأولوا العلم ) .(٢)
والحزن والبكاء :( إنّ الذين أوتوا العلم ـ إلى قوله ـويخرّون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ) .(٣)
والخشوع تلك الآية.
والخشية :( إنّما يخشى الله من عباده العلماء ) .(٤)
وقال لنبيّه مع ما آتاه من العلم :( وقل ربّ زذني علماً ) .(٥)
وقال :( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ) .(٦)
إلى غير ذلك من الآيات.
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ، فاطلبوا العلم في مظانّه ، واقتبسوه من أهله ، فإنّ تعلّمه لله حسنة ، وطلبه عبادة ، والمذاكرة له تسبيح ، والعمل به جهاد ، وتعليمه من لايعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة إلى الله لأنّه معالم الحلال والحرام ، ومنار سبيل الجنّة ، والمونس في الوحشة ، والصاحب في الغربة والوحدة ، والمحدث في الخلوة ، والدليل
__________________
١ ـ آل عمران : ٧.
٢ ـ آل عمران : ١٨.
٣ ـ الإسراء : ١٠٩.
٤ ـ فاطر : ٢٨.
٥ ـ طه : ١١٤.
٦ ـ البقرة : ٢٦٩.
على السرّاء والضرّاء ، والسلاح على الأعداء ، والزين عند الاخلاء ، يرفع الله تعالى به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة تقتبس آثارهم ، وتقتدى بفعالهم ، وينتهى إلى رأيهم ، ترغب الملائكة في خلّتهم ، وبأجنحتها تمسحهم ، وفي صلواتها تبارك عليهم ، ويستغفر لهم كلّ رطب ويابس حتّى حيتان البحر وهوامّه وسباع البرّ وأنعامه ، الحديث ».(١)
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : « العلم أفضل من المال بسبعة » :
الأوّل : انّه ميراث الأنبياء ، والمال ميراث الفراعنة.
الثاني : انّ العلم لا ينقص بالنفقة ، والمال ينقص بها.
الثالث : المال يحتاج إلى المحافظة (الحافظ ن خ) ، والعلم يحفظ صاحبه.
الرابع : العلم يدخل في الكفن ويبقى المال.
الخامس : المال يحصل للمؤمن والكافر ، والعلم لايحصل الا للمؤمن خاصة.
السادس : جميع الناس يحتاجون إلى العالم في أمور دينهم ولايحتاجون إلى صاحب المال.
السابع : العلم يقوي الرجل على المرور على الصراط والمال يمنعه ».(٢)
وقال سيّد الساجدينعليهالسلام :
« لوعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج الحديث ».(٣)
وقال الصادقعليهالسلام :
« إنّ العلماء ورثة الأنبياء ، إنّ الأنبياء لم يورثوا درهماً ولاديناراً ، وإنّما أورثوا أحاديث ، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظّاً وافراً ، فانظروا علمكم »
__________________
١ ـ أمالي الطوسي ٢ / ١٠٢ ـ ١٠٣ كما في منية المريد : ١٠٨ ـ ١٠٩.
٢ ـ تفسير الرازي : ٢ / ١٨٢ ـ ١٨٣ كما في منية المريد : ١١٠.
٣ ـ الكافي : ١ / ٣٥ ، كتاب فضل العلم ، باب ثواب العالم والمتعلّم ، ح ٥.
هذا عمّن تأخذونه الحديث.(١)
والأخبار أكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى.
قال بعض العلماء : « العلماء ثلاثة » عالم بالله غير عالم بأمر الله ، فهو عبد استولت المعرفة الالهيّة على قلبه فصار مستغرقاً بمشاهدة نور الجلال ، فلا يفرغ لتعلّم الأحكام الا ما لابدّ منه ، وعالم بأمر الله غير عالم بالله ، وهو الذي عرف الحلال والحرام ودقائق الأحكام ، ولم يعرف أسرار جلاله تعالى ، وعالم بهما معاً فهو الجالس على الحدّ المشترك بين عالم المجرّدات والمحسوسات ، فهو تارة مع الله بالحبّ له ، وتارة مع خلقه بالشفقة عليهم ، فإذا رجع منه تعالى إليهم كان كأحدهم ، كأنّه لايعرف الله ، وإذا خلا مشتغلاً بذكره وخدمته فكأنّه لم يعرف الخلق ، وهذا سبيل المرسلين ، وهو المراد بقولهعليهالسلام :
« سائل العلماء ، وخالط الحكماء ، وجالس الكبراء ».(٢)
فالعلماء هم الصنف الثاني أمر بمسائلتهم ، عند الحاجة إلى فتاويهم.
والحكماء هم الصنف الأوّل أمر بمخالطتهم.
والكبراء هم الصنف الثالث أمر بمجالستهم ، لأنّ فيها خير الدنيا والآخرة.
ولكلّ منهم ثلاث علامات :
فعلامة الثاني : الذكر اللساني دون القلبي ، والخوف من الخلق دون الرّب ، والاستحياء في ظاهر الناس وتركه في الباطن من الله.
وعلامة الأوّل : ذكر القلب وخوف الرجاء والحياء ممّا يخطر على القلب.
ويزيد الثالث بالجلوس على الفصل المشترك بين عالمي الغيب
__________________
١ ـ الكافي : ١ / ٣٢ ، كتاب فضل العلم ، باب صفة العلم وفضله ، ح ٢.
٢ ـ المحجة البيضاء : ١ / ٣٧ ، منية المريد : ١٢٥.
والشهادة ، وتعليم المسلمين واحتياج الأوّلين إليه دون العكس ، فمثله كمثل الشمس لاتزيد ولاتنقص ، والأوّل كالقمر ينقص ويكمل ، والثاني كالسراج يحرق نفسه ويضيء غيره ».(١)
المقصد الثاني : في تفصيل ما يحمد من العلوم ويذّم
العلوم إمّا شرعيّة أي مستفادة من سفرائه تعالى تحيث لايستقلّ العقل بإدراكها.
أو عقليّة كالسحاب والهندسة.
أو تجربيّة كالطبّ.
أو سماعيّة كاللغة.
والمحمود من غير الشرعيّة ما ترتبط به مصلحة دنيويّة ، فإن كانت ممّا لايستغنى عنها في قوام أمور الدنيا كالطبّ الضروري في بقاء الأبدان ، والحساب الضروري في قسمة المواريث وغيرها ، وأصول الصناعات وغيرها ، فهي من الفروض الكفائية ، وإن كانت تفيد زيادة قوّة في القدر الضروري كالتعمّق في دقائق علم الطبّ والحساب كانت فضيلة لا فريضة.
وأمّا المذموم منها ، فإنّ العلم من حيث إنه معرفة للأشياء على ما هي عليه كمال ممدوح ، وعدمه نقص مذموم ، لكن عروض الذّم له من أحد وجوه :
أحدها : أداؤه إلى الاضرار بصاحبه أو بغيره ، كالسحر والطلسمات والشعبذة ، حيث يتوصّل بها غالباً إلى الأذيّات.
وثانيها : ورود النهي عنه في الشريعة كالنجوم ، وسرّه ـ كما قيل ـ أنّ غالب أحكامم حدسيّة تخمينيّة ، فذمّه لكونه جهلاً ، ولو كان علماً كان ممدوحاً.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ١ / ٣٦ ـ ٣٧ ، منية المريد : ص ١٢٤ ـ ١٢٥ كلاهما نقلاً عن شقيق البلخي في تفسير الرازي.
فقد روي أنّه كان معجزة لادريسعليهالسلام .(١)
وعن الصادقعليهالسلام : « انّه علم الأنبياء وانّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان أعلم الناس به ».(٢)
والاصابة اتّفاقيّة ، إذ يطلع على بعض الأسباب وهناك أسباب أخر لايعلم ، فإن قدّر الله حصولها أيضاً وقعت الاصابة والا أخطا ، وما أشبهه بتخمين الأمطار من انطباق الغيم ، وتخمين سلامة السفينة من موافقة الريح ، ولذا قال الصادقعليهالسلام : « إنّ كثيره ل يدرك ، وقليله لا ينتفع به ».(٣)
مع أنّه خوض في بطالة ، لأنّ المقدر كائن والاحتراز غير ممكن ، ولاكذلك الطبّ ، لشدّة مسيس الحاجة إليه وظهور أدلّته ، ولا التعبير أيضاً لعدم الحظر فيه ، بل ورد أنّه جزء من ستّة وأربعين جزء من النبوّة(٤) مضافاً إلى إضراره بعقائد الضعفاء ، فتعظم وقع الكواكب في نفوسهم بترتّب الآثار عليها فتلتفت إليها وتحذر من الشرور من جهتها ، ويمحو ذكر الله من قولبهم بسببها لقصور نظر الضعيف على الوسائط القريبة.
ثالثها : عظم الخطر فيه ، وعدم استقلال الخائض فيه بإدراكه ، فيستضرّ بها كما لستضرّ الطفل الرضيع أو المريض من أكل لحم الطير وأنواع الحلاوات اللطيفة ، ولذا استعيذ من العلم الذي لاينفع ، كما في المعارف الحقّة ، فإنّه كما تتحقّق باقتنائها السعادة الأبديّة ، فكذا تحصل بأدنى خلل منها الشقاوة السرمدية ، وتصير باعثاً للخلود في النار مع المشركين والكفّار.
وأمّا الشرعيّات فكلّها محمودة ، وأصلها الكتاب والسنّة المعصومية ، ويتفرّع عليها ما يفهم منهما بأقسام الدلالات اللفظية والعقلية.
فما يتعلّق منه بتنظيم مصالح الدنيا هو علم ، الفقه ، فإنّ الدنيا من منازل
__________________
١ ـ مجمع البيان : ٦ / ٥١٩ ، الآية ٥٧ مريم.
٢ ـ البحار : ٥٨ / ٢٣٥.
٣ ـ روضة الكافي : الحديث ٢٣٣.
٤ ـ الجامع الصغير : ٢ / ٢٢ ، إلا أن فيه : « رؤيا المؤمن جزء ».
الآخرة ، خلقت ليتزوّد منها ما يصلح للوصول إليها ، فلو تناولها الناس بالعدل انقطعت الخصومات ، وتعطّلت الفقهيّات ، لكن تناولوها بالشهوات فمسّت الحاجة إلى قوانين السياسات. والفقيه هو العالم بها كما أشرنا إليه سابقاً ، فهو وإن تعلّق بالدين لكن بواسطة ، فكما أنّ الحج لايتمّ الا ببدرقة تحرس الحاج عن اللصوص ، لكن الحج شيء وسلوك الطريق إليه شيء ثان ، وحراسة الحاج عن اللصوص ثالث ومعرفة طرق الحراسة وحيلها وقوانينها شيء رابع ، فكذا الحال في الدين ، والفقه منه بمنزلة الرابع.
فإن قلت : لو سلّم ذلك في الحدود والديات والقضايا والشهادات وكثير من المعاملات فلا يتمشّى في الحلال والحرام والعبادات.
قلت : أقرب ما يتكلّم فيه الفقيه إلى أعمال الآخرة الاسلام والصلاة والزكاة والصيام والحلال والحرام.
أمّا الاسلام فلا يلتفت الا إلى اللسان ، والقلب خارج عن حكنه بعزل الرسول أرباب السيوف بمجرّد إقراره به ، فيحكم بعصمة الرقبة والمال بإظهاره ، وهذا لاينفعه في الآخرة ، وإنّما النافع هناك أنوار القلوب وأسرار الغيوب ، وليس من فنّه وإن تكلّم فيه بالتبع.
وكذا يحكم بصحّة الصلاة مع الاتيان بصورة الأعمال والشرائط ، ولو كان غافلاً من أوّلها إلى آخرها ، وفائدتها انقطاع القتل والتعزير في الدنيا ، وليس فيها مزيد نفع كالمسلم لحقن الدم والمال.
ونحوه الصوم.
وأمّا الزكاة فنظره في إبراء الذمّة ظاهراً بدفع السلطان الظاهري عنه ، فلو أخذت منه قهراً حكم بالابراء ظاهراً مع أنها لا تنفعه في الآخرة ، وكما يتوسّل لتحليل كثير من المحرّمات بأنواع الحيل فإنّه يدفع التسلّط الظاهري مع كونه ضاراً في الحقيقة في الآخرة.
وأمّا الحلال والحرام فسنذكر أنّ للورع مراتب ، وإنّما نظر الفقيه في
أدونها التي لايخرج بها عن أهليّة الشهادة والولاية والقضاء أي الاحتراز عن المحرّمات الظاهرة ، وهذه لاينافي الاثم في الآخرة. فإذن نظر الفقيه مرتبط بالدنيا ، وإن كانت الآخرة منوطة بها ، لأنّها مزرعتها. لكنّه أشرف من سائر علوم الدنيا ، كالطبّ والحساب وغيرهما ، لكونه مستفاداً من النبوّة وناموساً إلهيّاً تنتظم برعايته أمور الدارين وبإهماله يختلّ نظام النشأتين ، فلا يستغني عنه أحد في سلوك طريق الآخرة والمجاورته بعلم الآخرة لاتّصال الجوارح بالقلب ومنشأ أعمال الجوارح الصفات القلبيّة ، فمحمودها يصدر عن مجمودها ، ومذمومها عن مذمومها ، ولورود الأمر به الحثّ عليه وعظم شأنه خطره في الأخبار وما يتعلق بالآخرة على ضربين :
أحدهما : وهو الأصل معرفة الله وصفاته وأفعاله ، وأدنى ما يلزم منه على كافة الخلق عيناً معرفة أصول العقائد بدليل إجمالي يطمئنّ به نفسه ولو كان ضعيفاً في نفسه ، ولايكتفي فيها بالتقليد على الأظهر الأشهر ، كما فصّلنا الكلام فيه في أصول الفقه.
ثم فوقه مراتب كثيرة متفاوتة بتفاوت الناس في البهمّة والاستعداد والسعي والاجتهاد ، وأعلاها من حصل له يقين على مثل ضوء الشمس بحيث لو كشف الغطاء ما ازداد يقيناً ، ولايكفي في حصوله مجرّد التعلّم والتعليم والنظر ، لما نرى من اختلافهم فيها مع اشتراكهم في التصديق بأصولها على مقامات ، ضبعضهم يرى كمال المعرفة في المعجز عنها ، وبعضهم يدّعي فيها أموراً عظيمة ، وبعضهم يحدّها بعقائد العوام ، فيحتاج اتّضاح جليّة الحق على الطالب بحيث يجري له مجرى العيان إلى رياضة وتصقيل لمرآة القلب عن صفاته الذميمة ، وهو ممكن كما أشرنا إليه ، الا أنها لتراكم خبثها وصداها بالحواجب الجسمانيّة لاتدرك الا ألفاظاً مسموعة ومعاني مجملة غير متّضحة ، وقد تقدّمت الإشارة إلى ما يشهد عليه من كلام أميرالمؤمنينعليهالسلام وسنزيدك تنبيهاً عليه في فصل اليقين ، فمن لم يقدر على
مخالفة نفسه واقتناء فضائلها وإزالة كدوراتها كما هو حقّه حتى تقتبس من الأنوار الحقّة الملكوتيّة نوراً إلهيّاً ينكشف به الحجب والأستار عن العقائد الحقّة والمعارف الحقيقيّة ، كان اقتصاره على التصديق بظواهر الآيات والأخبار إجمالاً أسلم وأولى ، لما عرفت من عظم خطرها وعدم استقلال العقول الناقصة بإدراكها ، ولذا كان اهتمام الشيطان في تزليق أقدام طالبيها أشدّ من سائر الطلّاب ، ودخوله من هذا الباب لتغرير الأذكياء أسهل من سائر الأبواب ، حيث يظنّ كلّ أحد أنه يقدر على الخوض في غوامض المعارف الحقّة ومعرفة حقائقها وإدراك دقائقها ، وأنّه قويّ فيه فيخوض في بحر الجهالات من حيث لايعلم فيهلك ويهلك.
ومن هنا ورد ذمّ الخوض في الكلام والمنع عنه عن الأئمّةعليهمالسلام (١) .
ولما رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أصحابه يخوضون فيه غضب حتّى احمرّت وجنتاه وقال : « أفبهذا أمرتم ، تضربون كتاب الله تعضه ببعض؟ انظروا فيما أمركم الله فافعلوا وما نهاكم عنه فانتهوا »(٢) .
ومنه يظهر أيضاً سرّما ورد من الأخبار والآثار من المنع عن إفشاء دقائق الأسرار والمبالغة في كتمان جواهر المعارف وذوارف العوارف ، حيث إنه لاسبيل إلى التنبّه لها الا بعد تصفيه مرآة القلب وتزكيته عن ذمائم الأخلاق والأفعال والمجاهدة العظيمة وتحمّل المشاقّ والأخطار والأهوال حتّى يظهر جليّة الحال بعد السعي والاجتهاد بقدر القابلية والاستعداد وأنّى ذلك في النفوس الخسيسة العامة الملوّثة بالكدورات ، واالعقول الناقصة المغلوبة بالشهوات ، فإذا كان أبوذر مع جلالة قدره وعظم سأنه لايقدر على تحمّل ما أفسض على قلب سلمان فما ظنّك بسائر الناس سيّما في مثل هذا الزمان؟ كما ورد عن سيّد الساجدينعليهالسلام أنّه قال :
__________________
١ ـ راجع البحار : ١ / ١٣٦_١٣٨ ، والتوحيد للصدوق ، وباب النهي عن الكلام.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٣٢١.
« والله لو علم أبوذر ما في قلب سلمان لقتله ، ولقد آخى رسول الله بينهما فما ظنّكم بسائر الخلق؟ إنّ علم العلماء صعب مستصعب لايحتمله الا ملك مقرّب أو نبيّ مرسل ، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للايمان ، وإنّما صار سلمان من العلماء لأنّه امرؤمنّا أهل البيت ، فلذلك نسبته إلى العلماء »(١) .
أرادعليهالسلام أهل بيت الحكمة والعرفان دون أهل بيت الصبيان والنسوان.
وقال الصادقعليهالسلام : « إنّ امرنا سرّ مستور في سرّ مقنع بالمشاق من هتكه أذلّه الله ».(٢)
والأخبار بهذا المضمون كثيرة.
وثانيها : علم الأخلاق ومعرفة ذمائمها عن محاسنها وأسبابها وثمراتها وعلاجها ، ولهين القسمين من العلم خلق الإنسان وبهما تحصل السعادة الحقيقيّة ، وبتركهما في النشأة الأخروية بحكمهم وحكم علماء الآخرة كما يهلك المعرض عن الأعمال الظاهرة فيها وفي الدنيا بحكمهم وحكم علماء الظاهر أيضاً ، ولذا قيل : إنّ علماء الظاهر زينة الأرض والملك ، وعلماء الباطن زينة السماوات والملكوت.
وأمّا علم الكلام فما ينتفع بها من الأدلّة قد اشتملت عليها الأخبار والخارج عنها إمّا جدال مبتدع أو تطويل بنقل المقالات والشبه والترّهات ممّا لم يكن مألوفاً في العصر الأوّل ولا متعلّقاً في الدين ، وإنّما كان من بدع المبدعين الخارجين عن إطاعة الأئمّة المعصومين إضلالاً للخلق عن الدين المبين ، كما تبيّن في محلّه ، ولكنّه من فروض الكفاية إذا قصد به مقابلة المبتدع الداعي إلى الضلالة وحراسة قلوب الضعفاء عن تخليّلات أهل
__________________
١ ـ الكافي : ١ / ٤٠١ ، كتاب الحجة ، باب أنّ حديثهم صعب ، ح ٢.
٢ ـ بصائر الدرجات : ص ٢٨ ، وفيه : « مقنّع بالميثاق ».
البدعة ، فالحاجة إلى استيجار البدرقة للحج ، فإذا ترك المبتدع هذيانه لم يفتقر إلى الزائد عمّا كان في العصر الأوّل ، فلو تجرّد للمناظرة ولم يسلك سبيل علماء الآخرة لم يبق له من العقائد والأعمال الا ما للعوام من أعمال ظاهر القلب واللسان ، وأمّا الأستنارة الباطنيّة وبرد اليقين والايمان ، فلايحصل للمتكلّم ، بل ربّما كان حاجباً للقلب عنها ، وإنّما تحصل من مجاهدة النفس ، كما قال تعالى :( والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا ) .(١)
ثم الأخبار في مدح علم الآخرة وكون التشيّع والتقرّب إلى الله سبحانه موقوفاً عليه كثيرة.
ثم لهذه العلوم فروع بعضها من قبيل المقدّمات الجارية منها مجرى الآلات ، كالعلوم العربيّة ، فإنها وإن لم تكن شرعية لكن لزوم الخوض فيها بسبب الشرع النازل بلغة العرب فلاتظهر معانيها الا بمعرفتها ، كما أنّ من الآلات علم كتابة الخط لعجز الأغلب عن الاستقلال بحفظ جميع مايسمع ، وبعضها من قبيل المتمّمات كعلم القراءة والتفسير وأصول الفقه والرجال والداراية ، فكلّها شرعيّات محمودة ، بل من فروض الكفاية.
تلخيص فيه إرشاد
قد تبيّن لك ممّا ذكر أنّ من العلوم ما يذّم قليلهوكثيره ، مثل ما يكون ضرره أكثر من نفعه كالسحر والطلسمات ونحوها ، فصرف العمر الذي هو أنفس البضاعة في أمثالها بطالة مذمومة إضاعة ، ولو فض فيها نفع دنيويّ لم يعتدّ به في مقابلة منا يترتّب عليه من الضرر.
ومنها : ما يحمد عليه مطلقاً بلا حدّ إليها ينتهي كالعلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله ، فإنّه البحر الذي لايدرك غوره ، وإنّما يحوم المتحوّمون
__________________
١ ـ العنكبوت : ٦٩.
على أطرافه بقدر ما يسّر الله لهم من الأنبياء والأولياء والعلماء على اختلاف طبقاتهم يحسب اختلاف قوّتهم ، وما قدّر الله لهم من السعادة الأزليّة ، وهو العلم المطلوب بالذات ، وبه يتوصّل إلى اقصى السعادات ، وينال أشرف اللذّات ، وهو العلم المكنون الذي لايسطر في الكتب العلميّة ، وإنما يعين عليه أوّلاً التعلم ومشاهدة علماء الآخرة والاعتبار بأحوالهم وأطوارهم بعد معرفتهم باماراتهم وآثارهم وآخراً المجاهدة وتصفية القلب وتفريغه عن علائق الدنيا حتى يتّضح المراد بعد السعي والاجتهاد بقدر القابليّة والاستعداد ، وعلم الأخلاق الذي به يسلك إلى العلم الأوّل ، كما أشرنا إليه.
ومنها : ما لا يحمد منه الا مقدار مخصوص ، كالعلوم التي أشرنا إليه في فروض الكافايات ، فإنّ في كلّ منها اقتصاراً واقتصاداً واستقصاء.
فكن ياحبيبي ـ وفّقك الله وإيّاي ـ إمّا مشغولاً بنفسك ، أو متفرّغا بعد الفراغ منها إلى غيرك ، وإيّاك أن تشتغل بما يصلح غيرك قبل أن اصلاح نفسك ، فإن كنت الأوّل فلاتشتغل منه الا بما هو فرض عليك بحسب ما يقتضيه حالك من العبادات والمعاملات التي تحتاج إليها ولو تقليداً لمجتهد حيّ ، ثم اشتغل بالأهمّ الذي هو علم صفات القلب ومهلكاتها ومنحياتها ، فإنّ إهمالها مع الاشتغال بالأعمال الظاهرة يشبه الاشتغال بطلاء ظاهر البدن عند التأذّي بالجرب والدماميل ، والتهاون بإخراج المادّة بالفصد والحجامة والاسهال ، فلا يزال يتعب في الطلاء ويزيد في المواد والأمراض ، ولاتنظر إلى سهولة أعمال الجوارح وصعوبة أعمال القلب ، وعلّ همّتك بتحصيل ما يثمر النجاة في الآخرة من العلم بعللك الباطنة وأسبابها وعلاجها حتّى يوصلك إلى المقام الأعلى ، فإنّ الأرض إذا نقيت من الكثافات نبت فيها أصناف الرياحين ، ومالم تفرغ عن ذلك لاتشتغل بفروض الكفايات سيّما وفي الخلق من قد قام بها فما أشدّ حماقة من دخلت الأفاعي والعقارب داخل ثيابه وهمّت بقتله وهو يذبّ الذباب عن من لاينجيه ولايغنيه.
وإن كنت الثاني ـ وما أبعده ـ فلاضير عليك أن تشتغل بها متدرّجا مبتدءاً بالكتاب والسنّة ، ثمّ التفسير وأصول الفقه ثمّ الفقه وهكذا ، مراعياً فيها الأهمّ والأولى ، ولاتستغرق عمرك في فنّ واحد مستقصياً فيه ، فإنّ العلم كثير والعمر قصير ، وهذه آلات فلا ينبغي فيها الخوض المنسي لما هو المقصود بالذات.
المقصد الثالث : في آداب التعلّم والتعليم
أمّا الاولى فعشرة :
أحدها : وهي الأصول طهارة النفس عن رذائل الأخلاق ، إذ العلم عبادة الباطن وصلاة السرّ فلا تصحّ مع نجاسته ، وقد تقدّم ما يكفيك.
وثانيها : تقليل علائق الدنيا والبعد عن الأهل والوطن ، إذ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
وثالثها : أن لاتكبّر على العلم والمعلّم ، بل يسلم له الأمر بالكلّية تسليم المريض الجاهل للطبيب المشفق الحاذق ، قال الله تعالى :
(
إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد
)
.(١)
أي حاضر القلب يستقبل كلّ ما ألقي إليه بحسن الاصغاء والشكر وقبول المنّة لله تعالى ولمعلّمه ، ويبالغ في تواضعه وخدمته ، فلا يقتصر على التعلّم عند العلماء الرؤساء المشهورين ، فإنّ العلم سبب النجاة ، المهارب من السبع الضاري لايفرّق بين المرشد المشهور ، والخامل الغير المذكور ، والحكمة ضالّة المؤمن يغتنمها حيث يظفر بها ، وليقلد المعلّم فيما يشير إليه من طريق التعلّم ، وليدع رأيه ، فإن خطاءه أحسن من صوابه ، فكم من مريض محرور يعالجه الطبيب بالحرارة ليزيد في قوّته حتّى يتحمّل صدمة العلاج فيتعجّب من لا اطّلاع له ، وقد نبّه عليه بقصّة الخضر وموسى.
وعن على عليهالسلام : « أنّ من حقّ العالم أن لا تكثر عليه في السؤال ،
__________________
١ ـ ق٣٧.
ولا تعنته في الجواب ، ولاتلحّ عليه إذا كسل الحديث ».(١)
ورابعها : الاحترائ عن الاصغاء إلى اختلافات الناس سواء كان في علوم الدنيا أو الآخرة ، فإنّه يدهش العقل ويفتر الرأي ويؤيس الذهن عن الادراك ، بل يحصل أولّاً الطريقة المحمودة المرضيّة عند استاده. ثم يصغي إلى المذاهب والشبه ، ولو كان المعلّم ممّن لا رأي له ، بل عادته نقل كلام الناس فليحترز منه فإنّ الأعمى لايصلح قائداً للعميان. فكما يجب حفظ جديد الاسلام عن مخالطة ، الكفّار ، فكذا المبتدي يلزم منعه عن الشبه بخلاف الأقوياء ، حيث إنهم يندبون إليها ، كما يمنع العاجز عن التهجّم في صفّ القتال ويندب الشجاع إلى مصارعة الأبطال من الرجال ، فلا يجوز متابعة الضعفاء للأقوياء في أفعالهم.
قيل : معنى قوله : « من رآني في البداية صار صدّيقاً ، ومن رآني في النهاية صارزنديقاً »(٢) أنّ النهاية ترد الأعمال إلى الباطن وتسكن الجوارح الا عن الفرائض ، فيترائى للمبتي أنه بطالة وكسل ، هيهات ، بل هو مرابطة للقلب في عين الشهود والحضور ، وملازمة الذكر الذي هو الأفضل ، ولذا جوّز للنّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مالا يجوّز لغيره حتّى نكاح التسعة ، إذ كانت له قوّة العدل بين النساء وإن كثرن دون غيره.
وخامسها : النظر أوّلاً في فنون العلوم المحمودة بأسرها نظراً يطلع على غايتها ، فإن ساعده العمر تبحّر فيه ، والا اشتغل بالأهمّ فاستوفاه ، لارتباط العلوم وإعانة بعضها لبعض في الاستفاده ، وللانفكاك(٣) عاجلاً عن عداوة ذلك العلم بجهله. قال الله تعالى :( وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ) (٤) .
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ١ / ١١٤.
٢ ـ المحجة البيضاء : ١ / ١١٤ وفيه نسبه إلى البعض.
٣ ـ وفي نسخة « الف » و « ب » : « ولا ستفادة الانفكاك بدل في الاستفادة وللانفكاك ».
٤ ـ الأحقاب : ١١.
فكلّ العلوم لها مدخل في السلوك إلى الله تعالى ، ولها منازل في القرب والبعد عن المقصود ، والقوّام بها حفظتها كحفظة الثغور ، ولكلّ رتبة ، وبحسب رتبته أجر إن قصد به وجه الله تعالى.
وسادسها : أن لا يأخذ فرقة من فنون العلم دفعة ، بل يراعي الأهمّ ، لأنّ مقتضى الحزم مع كثرتها وقصر العمر الأخذ من أحسن كلّ شيء ، وخلاصته ، وصرف جمام قوّته في الميسور من علمه إلى استكمال الأشرف ، أعني علم الآخرة وهو بحر لاينزف.
وسابعها : أن يعرف وجه شرافة بعض العلوم على بعض ، وأنه إمّا شرافة ثمرته أو وثاقة دليله ، كعلم الدين والطبّ ، فإنّ ثمرة أحدهما الحياة الفانية ، والآخر الحياة الباقية ، وهو أشرف ، ولو تعارضا فالأولى أولى.
وثامنها : صدق النيّة في التعلّم ، بأن يقصد في الحال تحلية باطنه بفضيلة العلم ، وفي الآجل السعادة الأبديّة دون الرئاسة من الثناء على علم الآخرة خسّة سائر العلوم وحقارتها ، فإنّ المتكفّلين لها كالمرابطين للثغور والغزاة مجاهدون في سبيل الله ، فمنهم المقاتل ومنهم السقاء وحافظ الدوابّ ، ولكلّ أجر إذا كان قصيده إعلاء كلمة الله دون حيازة الغنائم ، فكذلك العلماء. قال الله تعالى :( يرفع الله الذين آمنوا منكم والّذين أوتوا العلم درجات ) .(١)
فاستحقار الصيارفة بالنظر إلى الملوك لايدل على حقارتهم بالنسبة إلى الكناسين ، فالدرجة العليا للأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم العلماء على اختلاف طبقاتهم( فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره ) ،(٢) ومن قصد الله بأيّ علم رفعه لامحالة.
__________________
١ ـ المجادلة : ١١.
٢ ـ الزلزلة : ٧.
وتاسعها : أن يعلم نسبة كلّ علم إلى المقصد كي لايؤثر غير المهم على المهم. وكما أنّ سالك طريق الحج له ثلاثة أصناف من الأشغال : تهيئة الأسباب من الزاد والراحلة وغيرها ، ثم مفارقة الأهل والوطن وقطع المراحل إلى الكعبة ، ثم الاشتغال بأعمال الحج ركناً بعد ركن إلى أن يفرغ من طواف الوداع(١) ، وله في كلّ من المقامات الثلاثة منازل من الشروع إلى الاختتام ، وليس قرب الأول إلى المقصد كالثالث ولا المبتدي في مقام كمنتهيه ، فكذا من العلوم مايجزي مجرى إعداد الزاد والراحلة كالفقه والطبّ وغيرهما ، وما يجري مجرى سلوك البراري وطيّ العقبات وهو علم الأخلاق ، أي تطهير البواطن عن ذمائم الصفات. وكما لايجدى في الوصول إلى الحج العلم بالطريق والمراحل دون طيّ المسافات ، فكذا لا يكفي العلم بها هنا بدون مباشرة الرياضات وتصقيل النفس عن خبث الشهوات وإن توقّفت عليه ، وما يجري مجرى نفس الحج وأركانه أعني معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله وما وعد وأوعد به عباده في الآخرة ، فالسعادة لاينالها الا العارفون المقرّبون ولهم نعمة الروح والريحان وجنّة النعيم والسلامة من الهلاك تعمّهم وسائر السالكين الغير الواصلين ، كما قال الله تعالى :( وأمّا إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك عن أصحاب اليمين ) .(٢)
ومن لم ينتهض للمقصد أو لم يتوجّه إليه أو توجّه لا على قصد الامتثال ، فهو من أصحاب الشمال وله نزل من حميم وتصلية جحيم(٣)
وعاشرها : تحاب المتعلمين عند واحد وإعانة بعضهم لبعض في الحوائج والمقاصد ، وهو إنّما يتمّ مع قصد الآخرة بالتعلّم ، حيث إنّهم
__________________
١ ـ هذا تعبير أبي حامد العامي ، فليت المصنّف بدّله بطواف النساء.
٢ ـ الواقعة : ٩٠ ـ ٩١.
٣ ـ اقتباس من الواقعة : ٩٣ ـ ٩٤.
سالكون سبيل الله ومسافرون إليه تعالى في الشهور والسنين التي هي منازل الطريق ، والترافق في الأسفار الدنيويّة يوجب المحبّة والمصادقة ، فكيف في المسافرة إلى الفردوس الأعلى ، وقد قال تعالى :
( إنما المؤمنون إخوة ) (١) ( الأخلّاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ الا المتّقين ) .(٢)
وأمّا الثانية : فسبعة :
أوّلها : كونه كالوالد للمتعلّم في المحبّة والنصح والشفقة ، فإنّه يقصد إنقاذه من الهلكة الاخرويّة التي هي أشدّ وأدوم ن الدنيوية ، ولذا كان حقّه أعظم من الولد الجسماني.
وثانيها : أن لا يقصد به الا وجه الله ، ولايرى لنفسه منّة عليه ، وإن تبعته المنّة بل يمتنّ منه بحصول عظيم الثواب له بواسطته ، فلا يطلب منه أجرا ولا جزاءاً دنيوياً ، إذ ما خلقت الدنيا الا لخدمة البدن الذي هو خادم النفس التي تخدم العلم ، فطلبه للمال هو الانتكاس الحقيقي.
وثالثها : أنّ لا يألو جهداً في نصحه بمنعه عن التصدّي لرتبة غير مستحقّة وعلم غير مستعدّ له ، وتنبيهه على أنّ المطلوب من التعلّم هو السعادة الأخرويّة دون الأغراض الفاسدة الدنيوية ، وتقريره له بأقصى ما يمكن ، فإن لم ينجعه وكان تعلّمه في العلوم التي يتوصّل بها إلى الأغراض الفاسدة ترك تعليمه ، إذ لاتزيده الا غفلة وقسوة وتمادياً في الضلالة ، ولابرهان عليه أحسن من التجربة والاعتبار بطلبة علوم الدنيا في الأعصار والأمصار ، وإن كان في علوم الآخرة فلا بأس باستمراره عليه ، إذ ربما أثّرت فيه طمعاً في الوعظ والاستتباع فيتنبّه في أثناء الأمر أو تاليه لما لم يكن يعرفه في مباديه ، فيوشك أن يردّ إلى الصواب ويتّعظ بما يعظ به المريدين والأصحاب.
__________________
١ ـ الحجرات : ١٠.
٢ ـ الزخرف : ٦٧.
ورابعها : منعه عن ذمائم الأخلاق والأعمال تعريضاً ورحمة لاتوبيخاً وتصريحاً بالمقال حتّى لايورث هتك حجاب الهيبة وتهييج الحرص على الاصرار على تلك الأفعال ، فإنّ الطبيعة مجبولة على الحرص على ما منع كما ينبّهك عليه قصّة آدم وحوّاء.
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لو منبع الناس عن فتّ البعير لفتّوه وقالوا ما نهينا عنه الا وفيه شيء ».(١)
على أنّ في التعريض ميلاً للأذهان الزكيّة(٢) إلى استنباط المعاني الدقيقة ، فيفيد فرح الفطنة لها رغبة في العمل.
وخامسها : أن لا يذمّ له ما ليس بصدده من العلوم كما هو عادة الفقيه يقبّح علوم العربية بأنّها نقل محض وسماع مجرّد لا تعمّق فيها فهو شأ ، العجائز ، ويقبح العلوم العقليّة بكونها مشتملة على عقائد باطلة وشبهات واهبة موجبة لفساد عقائد الناس(٣) ، ومعلّمها يقبّح الفقه بأنه كلام في حيض النسوان وأين هو من التكلّم في معرفة الرحمن ، فإنّه مذموم لما عرفت.
وسادسها : وهومن معظمها أن يقتصر على قدر فهم المتعلّم حتّى لا يخبط عقله فيورثه دهشة وحيرة بل كفراً وضلالة ، كما ورد في الأخبار أيضاً.
قيل وقوله تعالى :( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) (٤) تنبيه على ذلك
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ١ / ١٢٢.
٢ ـ كذا ، والظاهر : « الذكية » من الذكاه.
٣ ـ للفقيه بما هو حصن الشريعة أن يمنع من تعلّم ما يوجب فساد العقيدة أو وهنها ويبيّن حكمه ، وتعيين الموضوع والتدخل فيه أيضاً لازم عليه في بعض الموارد إرشاداً كما إذا كان سكوته مؤدّياً إلى وقوع الناس في الضلالة وفساد العقيدة لغفلتهم وخطأهم.
٤ ـ النساء : ٥.
بالفحوى فليس الظلم في إعطاء غير المستحقّ أقلّ من منع المستحقّ ، كما قيل :
ومن منح الجهّال علماً أضاعه |
ومن منع المستوجبين فقد ظلم |
وإذا بيّن له ما يليق به لم يذكر له أنّ وراءه شيئاً يدّخر عنه لقصور فهمه ، فإنّه يشوش عقله ويظنّ بمعلّمه الضنّة ، فإن أحداً لا يرضى بالجهل بل كلّ أحد يرضى عن الله بما أعطي من كمال العقل ، ومن هنا منع عن فتح باب البحث للعوام ، إذ فيه تشويش لعقائدهم وتعطيل لصنائعهم التي بها قوام الأنام.
وسابعها : أن يكون عاملاً بعلمه وهو وإن لم يختصّ بالمعلّم لكنّه فيه أشدّ ، فإنّ العلم يدرك بالبصيرة والعمل بالبصر وأرباب الأبصار أكثر من أهل البصيرة والاستبصار ، فكلّ من تناول شيئاً وقال للناس إنه سمّ مهلك فلا تناولوه سخروا به واتّهموه وزاد حرصهم عليه وقالوا لو لا إنه أطيب الأشياء لم يستأثره مع علمه ، والتجربة أحسن شاهد على عدم تأثيره وقبحه ، كما قيل :
لاتنه عن خلق وتأتي مثله |
عار عليك إذا فعلت عظيم |
وقال :( أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم ) .(١)
وقال عليعليهالسلام قصم ظهري رجلان : عالم متهتّك ، وجاهل متنسّك.(٢)
وفيه قيل :
فساد كبير عالم متهتّك |
وأكبر منه جاهل متنسّك |
|
هما فتنة للعالمين عظيمة |
ومن بهما في دينه يتمسّك |
قال الصادقعليهالسلام : « إنّ العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن
__________________
١ ـ البقرة : ٤٤.
٢ ـ المحجة البيضاء : ١ / ١٢٤ ، منية المريد : ١٨١.
القلوب كما يزلّ المطر عن الصفا »(١)
انظر يا حبيبي إلى علماء زماننا كيف أفسدوا العالم بفساد علمهم (عملهم ظ) وهجروا رعاية الآداب في تعلّمهم فانتهى الأمر إلى بذل المعلمين الرشاء وتحمّل أنواع الذلّ في خدمة الحكّام لا ستطلاق الو ظائف المناصب وتوقّع المتعلّمين منهم الانتهاض في حوائجهم والقيام فيما يلحقهم من الأخطار والنوائب ، فإن قصروا في مطموعاتهم ثاروا عليهم وفتحوا ألسن الطعن فيهم بالمثالب والمعائب ، ثم لا يرضون الا بالتمدّح والافتخار والعجب والاستكبار بنشر(٢) العلوم طمعاً لما عند الله من عظيم المواهب ، فاعتبر باماراتهم وتفطّن لصنوف اغترارتهم حتّى جعلوا أنفس الأشياء خادماً لأخسّ الأغراض والمآرب ، وها أنا أبيّن لك العلامات الفارقة بين الصنفين حتّى تستدلّ بها على الجنسين من المقاصد والمطالب.
المقصد الرابع : في آفات علماء السوء
أي الذين قصدوا من العلم التنعّم بالدنيا والتوصّل إلى جاه عند أهلها ، والامارات الفارقة بينهم وبين علماء الآخرة ، وقد ورد في الأخبار من المبالغة في الذمّ والطعن عليهم ما هو أكثر من أن يحصى.
قال الصادقعليهالسلام : « أوحى الله تعالى إلى داود : ياداود لاتجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا ، فيصدّك عن طريق محبّتي ، إنّ أولئك قطّاع طريق عبادي المريدين لي ، إنّ أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي عن قلوبهم ».(٣)
وقال علي بن الحسينعليهالسلام : « مكتوب في الانجيل : لا تطلبوا علم
__________________
١ ـ الكافي : ١ / ٤٤ ، كتاب فضل العلم ، باب استعمال العلم ، ح ٣.
٢ ـ الجارّ والمجرور متعلّق بالاستكبار بتضمين معنى « الادّعاء « يعني يدّعون نشر العلوم طمعاً لما عند الله ويفتخرون ويتكبّرون به.
٣ ـ الكافي : ١ / ٤٦ ، كتاب فضل العلم ، باب المستأكل بعلمه ، ح ٤.
مالا تعلمون ولمّا عملتم بما علمتم ، فإنّ العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه الا كفراً ، ولم يزدد من الله الا بعداً ».(١)
وقال الباقرعليهالسلام : « من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه فليتبوّء مقعده من النار ، إنّ الرئاسة لاتصلح الا لأهلها ».(٢)
وقال الصادقعليهالسلام : « إذا رأيتم العالم محبّاً لدنياه فاتّهموه على دينكم ، فإنّ كلّ محبّ لشيء يحوط ما أحبّ ».(٣)
وقالعليهالسلام : « طلبة العلم ثلاثة فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم ، صنف يطلبه للجهل والمراء ، وصنف يطلبه للاستطالة والختل ، وصنف يطلبه للفقه والعقل ، فصاحب الجهل والمراء موذ ممار متعرّض للمقال في أندية الرجال بتذاكر العلم وصفة الحلم ، قد تسربل بالخشوع وتخلّى عن الورع ، فدقّ الله تعالى من هذا خيشومه وقطع حيزومه ، وصاحب الاستطالة والختل ذو خبّ وملق ، يستطيل على مثله من أشباهه ويتواضع للأغنياء من دونه ، فهو لحوائهم هاضم ولدينه حاطم ، فأعمى الله على هذا خبره وقطع من آثار العلماء أثره وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة وحزن وسهر ، قد تحنك في برنسه وقام الليل في حندسه ، يعمل ويخشى وجلاً مشفقاً مقبلاً على شأنه عارفاً بأهل زمانه مستوحشاً من أوثق إخوانه ، فشدّ الله من هذا أركانه وأعطاه يوم القيامة أمانه ».(٤)
وفي الخبر : « يغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد ».(٥)
__________________
١ ـ الكافي : ١ / ٤٤_٤٥ ، كتاب فضل العلم ، باب استعمال العلم ، ح ٤ ، وفيه : « ولمّا تعملوا بما علمتم ».
٢ ـ الكافي ، ١ / ٤٧ ، كتاب فضل العلم ، باب المستأكل بعلمه ، ح ٦.
٣ ـ الكافي : ٤٦ / ١ ، كتاب فضل العلم ، باب المستأكل بعلمه ، ح ٤.
٤ ـ الكافي : ٤٩ / ١ ، كتاب فضل العلم ، باب النوادر ، ح ٥.
٥ ـ الكافي : ٤٧ / ١ ، كتاب فضل العلم ، باب لزوم الحجة على العالم ، ح ١.
وغير ذلك ممّا لا يحصى.
وقد تحقّق منها أنّ العالم للدنيا أخسّ حالاً من الجاهل ، وأنّ العلم الموجب للقرب إلى ربّ الأرباب هو ما كان للآخرة ، ولعلمائها أمارات عمدتها الزهد في الدنيا ، فإنّ أقلّ مراتب العلم العلم بحقارة الدنيا وكدورتها وفنائها وجلالة الآخرة وصفائها وبقائها ، وأنهما كالضرّتين (كالضدّين خ ل) لايجتمعان ، فإن لم يعلم الاولى كان فاسد العقل فلا يكون عالماً ، ومن لم يعلم الثانية كان كافراً فلا يكون عالماً ، ومن لم يعلم الثالثة كان جاهلاً أو كافراً بشرائع الأنبياء ، فكيف يعدّ من العلماء ومن علمها جميعاً ولم يؤثر الآخرة على الدنيا كان عبداً أسيراً لشهوته ، فكيف يكون له درجة العلماء ، كما قيل :
وراعي الشاء يحمي الذئب عنها |
فكيف إذا الرعاة لها ذئاب |
ويتفرّع على هذه الملكة الشريفة كون صاحبها متجنّباً من علوم الدنيا الا الآخرة بعد الفراغ من علومها وكونه هارباً عن أرباب الدول ومخالطتهم سيّما السلاطين متوسلّاً بها إلى مال أو جاه ، فلو جعلها وسيلة إلى إقامة نظام النوع وإعلاء الدين وقمع المبدعين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان من أفضل الأعمال كما كان عليه جماعة من أعيان أصحاب الأئمةعليهمالسلام وأكابر العلماء الأعلام ، وورد في الأخبار أيضاً.
وموافقة فعله لقوله :
فعن الصادقعليهالسلام في قوله تعالى :( إنّما يخشى الله من عباده العلماء ) (١) « يعني بالعماء من صدّق قوله فعله ، ومن لم يصدق قوله فعله فليس بعالم ».(٢)
ومن أماراتهم التوقّف في الفتوى والاحتراز عنه مهما أمكن ، وكذا
__________________
١ ـ فاطر : ٢٨.
٢ ـ الكافي : ١ / ٣٦ ، كتاب فضل العلم ، باب صفة العلماء ، ح ٢.
المناظرة مع العلماء في المجالس التي هي أمّ الخبائث ومصدرها ، وقد ورد التأكيد فيها في الأخبار كثيراً.
ومنها : اهتمامه بعلم الباطن ومراقبة القلب ومعرفة سبيل الآخرة وسلوكه إذ ينبعث منه الفيوضات الغيبية وينكشف به المعارف الحقيقية كما تقدّم ما يدلّ عليه وتقويته لليقين بتحصيل لوازمه وفروعاته التي تشير إليها.
ومنها : أن يكون منكسراً حزيناً متطرّقاً صامتاً ظاهراً منه أثر الخشوع والخشية ، بحيث يكون النظر إليه مورثاً لتذكّر الله تعالى ، وسيماه دالاً على علمه.
وفي الخبر : « إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان يقول : يا طالب العلم إنّ العلم ذوفضائل كثيرة ، فرأسه التواضع ، وعينه البراءة من الحسد ، وأذنه الفهم ، ولسانه الصدق ، وحفظه الفحص ، وقلبه حسن النيّة ، وعقله معرفة الأشياء والأمور ، ويده الرحمة ، ورجله زيارة العلماء ، وهمّته السلامة ، وحكمته الورع ، ومستقرّه النجاة ، وقائده العافية ، ومركبه الوفاء ، وسلاحه لين الكلمة ، وسيفه الرضا ، وقوسه المداراة ، وجيشه مجاورة العلماء ، وماله الأدب ، وذخيرته اجتناب الذنوب ، وزاده المعروف ، ومأواه الموادعة ، ودليله الهدى ، ورفيقه محبّة الأخيار ».(١)
وقال بعض العلماء : خمس علامات لعلماء الآخرة ، مفهومة من خمس آيات :
الخشية ، من قوله :( إنّما يخشى الله من عباده العلماء ) .(٢)
والخشوع ، من قوله :( خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً ) .(٣)
__________________
١ ـ الكافي : ١ / ٤٨ ، كتاب فضل العلم ، باب النوادر ، ح ٢. وفيه : « محاورة العلماء وماؤه الموادعة ».
٢ ـ فاطر : ٢٨.
٣ ـ آل عمران : ١٩٩.
والتواضع ، من قوله :( واخفض جناحكم لمن اتّبعك من المؤمنين ) .(١)
وحسن الخلق ، من قوله :( فبما رحمة من الله لنت لهم ) .(٢)
والزهد ، من قوله تعالى :( وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن ) .
ولما تلا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ) (٣) فقيل : ما هذا الشرح يارسول الله؟ فقال : « إنّ النور إذا قذف في القلب انشرح له الصدر وانفسح ، قيل : فهل لذلك علامة؟ فقال : التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزوله ».(٤)
قال الغزالي بعد نقل الخبر : يأن يكون أكثر بحثه عن علم الأعمال وما يفسدها ويشوّش القلوب ويهيج الوساوس ويثير الشرّ ، فانّ أصل الدين التوقّي من الشر ومن لا يعرفه يقع فيه ، والأعمال الفعلية قريبة ، وأقصاها المواظبة على الذكر بالقلب واللسان ، وإنما الشأن في معرفة مفسداتها ومشوشهاتها وهو ممّا يكثر شعبه ويغلب مسيس الحاجة إليه في سلوك طريق الآخرة.
قيل لحذيفة بن اليمان : نراك تتكلّم بكلام لانسمع من غيرك من الصحابة فمن أين أخذته؟ قال : خصّني به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كان الناس يسألونه عن الخير وأنا أسأله عن الشرّ مخافة أن أقع فيه ، وعلمت أنّ الخير لايسبقني ، فلما رآني أسأل عن آفات الأعمال ، خصّني بهذا العلم.
وكان حذيفة أيضاً خصّ بعلم المنافقين وأفرد بمعرفة علم النفاق وأسبابه
__________________
١ ـ الشعراء : ٢١٥.
٢ ـ آل عمران : ١٥٩.
٣ ـ القصص : ٨٠.
٤ ـ الأنعام : ١٢٥.
ودقائق الفتن ، فكان عمر وعثمان وغيرهما يسألونه عن الفتن العامة والخاصة ، وكان يسائل عن المنافقين فيخبر بأعداد من بقي منهم ، ولايخبر بأسمائهم ، وكان عمر يسأله عن نفسه هل يعلم به شيئاً من النفاق؟ وكان إذا باسمائهم ، وكان عمر يسأله عن نفسه هل يعلم به شيئاً من النفاق؟ وكان إذا رأى جنازة نظر فإن حضر حذيفة صلّى عليها والا ترك ، وكان يسمّى صاحب السرّ. ـ انتهى ملخّصاً.(١)
ومنها : أن يكون اعتماده على ما فهمه واستنبطه من كلام الله ورسول الله والأئمّة المعصومينعليهمالسلام وسيرتهم تحقيقاً دون ما سمعه من الغير أو جده في كتابه تقليداً ، إذ لاحجّة في كلام الغير ولا في فعله ، سيّما مع كثرة الحوادث من الأغراض الفاسدة ودواعي الشرّ والنفاق ، فلا عبرة بغير من عصمه الله تعالى عن جميع ذلك.
ومنه ظهر أمارات علماء السوء الذين باعوا ما يهمّهم بما يهمّ غيرهم ايثاراً لقرب الخلق على القرب من الله ، وغاية آمالهم من تحصيل العلم أن يعدوا عند الجهّال وأبناء الدنيا فضلاء محقّقين ، وجزاؤهم من الله تعالى أن يخيبوا عمّا أمّلوه بل يتكدّر عليهم العيش بالنوائب ، ثم يردوا يوم القيامة مفلسين نادمين ممّا يرونه من فوز المقربين وربح العالمين (العالمين خ ل) وذلك هو الخسران المبين.
فتيقّظ يا حبيبي من نومة الغفلة. واعلم أنّ الحقّ مرّ والوقوف عليه صعب ، وطريقه وعر ، ودركه شديد ، ولذا لم يمل إليه الخلق ، ولم يرغبوا الا إلى ما هو الأسهل والأوفق بالطبيعة ، ولقد أجاد من قال :
الطرق شتّى وطرق الحقّ مفردة |
والسالكون طريق الحقّ أفراد |
|
والخلق في غفلة عمّا يراد بهم |
فجلّهم عن سبيل الحقّ رقّاد |
|
لايعرفون ولايدرون مقصدهم |
فهم على مَهَل بمشون قصّاد |
أعاذنا الله من شرّ النفس وجماحها ، ووفّقنا لما فيه خيرها وصلاحها.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ١ / ١٦١ ـ ١٦٢.
فصل
اليقين من أقوى أسباب السعادة مطلقاً ، بل في الالهيّات من أعظم أصول الايمان وأركانه وأركانه وسائر مراتبه من فروعه وأغصانه ، فهو أشرف الفضائل والكمالات والكبريت الأحمر الذي لا يظفر به الا الخلّص من ذوي السعادات ولا يصل إليه الا شرذمة نم العرفاء وقليل من كمّل الأولياء.
قال النبّيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « اليقين كلّ الايمان ».(١)
وقال : « من أقلّ ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ، ومن أوتي حظّه منهما لم يبال ما فاته من صيام النهار وقيام الليل ».(٢)
هذا ، ولليقين معنيان :
أحدهما : وهو الشائع في الاصطلاحات الاعتقاد الثابت الجازم المطابق للواقع الذي لا يتصوّر فيه شكّ ، ولا يزول بشبهة ، سواء كان بديهياً أو نظريّاً ، فخرج الجهل المركّب والبسيط والشكّ ، فإن اعتبرنا الأخير في العلم كانا مترادفين ، والا كان نوعاً منه ، وعلى هذا التفسير لايوصف بالضعف والقوّة ، إذ لاتفاوت في نفي الشكّ.
ثانيها : للعرفاء والمتصوّفة وهو ميل النفس إلى التصديق بشيء واستيلاثه على القلب بحيث يصير هو الحاكم المتصرّف فيه بالأمر والنهي والمنع والتحريض ، ولاشكّ في أنّ الناس يشتركون في القطع بالموت وعدم الشكّ فيه ، لكن أكثرهم لا يلتفتون إليه ، فكأنّهم لم يؤمنوا به وفيهم من استغرق همّه فيه بالاستعداد له ، وهو بهذا المعنى يوصف بالقوّة والضعف ، ومراتبه لايتناهى بحسب استعداد الناس للوصول إليه ، ويختلف بكلا معنييه بالقلّة والكثرة بحسب المتعلّق ، فكما يقال فلان كثير العلم بكثرة معلوماته ،
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ١ / ١٥٠ ، وفيه : « اليقين الايمان كلّه ».
٢ ـ المحجة البيضاء : ١ / ١٥١.
فكذا يقال كثير اليقين بكثرة متعلّقاته ، وبالخفاء والظهور ، فإنّ اليقين بالبديهيّات أوضح منه بالنظريات ، وإن اتّفقت في نفي الشكّ عنه ، ومن كان استيلاء يقينه على أكثر كان أوضح عنده ممّا كان تصرّفه في نفسه أضعف وهكذا.
كذا أفاده بعض الأعلام.(١)
أقول : عروض القوّة والضعف له باعتبار أثره ، كما أنّ القلّة والكثرة تعرضه باعتبار متعلّقه ، فمعنى قولهم فلان قويّ اليقين أنّه قوي أثره فيه ، أعني الاستيلاء المذكور ، فإنّه أثر لليقين بالمعنى الأوّل ، وليس معنى آخر له وليس تفاوته بالقوّة والضعف باعتبار حقيقته حتّى يقال إنّ نفي الشك لاتفاوت فيه ، بل باعتبار اختلافه في الوضوح والخفاء ، فإنّه كلّما كان أظهر كان ترتّب أثره عليه أسرع ، وكلّما كان أخفى كان عن الترتّب المذكور أبعد.
وتفصيل ذلك أنّ الوجدان يشهد بالتفرقة بين ما يدرك بحسّ الإبصار كلأجسام أو بالخيال كصورها المرتسمة في الذهن لا من اختلافهما ضرورة اتّفاقهما ، بل بمزيد الكشف والوضوح ، حيث صارت بالرؤية أتّم وضوحاً ، كما في الرؤية في أوّل الإسفار والرؤية بعد طلوع الشمس ، فالخيال أوّل الادراك ، والرؤية كماله ، أي غاية الكشف ، وهذا الادراك له تأثير في نفس المدرك مختلف المراتب في الشدّة والضعف بحسب تفاوت نوعيه ، كما أنّ مدرك الوجه الحسن بالسماع والتخيّل لايتأثر منه مثل ما يتأثّر به مدركه بحسّ البصر ، وكما أنّ العالم بكون الأسد في الطريق بالخبر لا يتأثّر بمثل ما يتأثّر به المشاهد له حال قصده لإهلاكه من الدهشة والأضطراب ، وكذلك المعقولات التي لامدخل لحسّ الإبصار والتخيّل فيها ، فأوّل مرتبة ينفى عنها الشكّ علم ويقين ، كالعلم بوجود الأسد في الطريق من الخبر المتواتر.
وفوق هذه المرتبة في الادراك مرتبة منزّلة منزلة الإبصار تسمّى مشاهدة.
__________________
١ ـ هو أبو حامد الغزالي ، راجع المحجة البيضاء : ١ / ١٥١_١٥٤.
ولكلّ منهما مراتب لاتتناهى في شدّة الكشف والضعف بحسب استعداد المدرك وصفائه ونقائه عن الحجب الحسيّة وكدورة الظلمات الطبيعيّة وصقالته عن الأخباث الردّية ، والباعث لحصول الأولى بمراتبها هو الانتقال من الملزوم إلى الازم وبالعكس ، ويسمّى علم اليقين كالعلم بوجود النار من مشاهدة الدّخان فلا يترتّب عليها كثير أثر من استيلائها على القلب وتصرّفها فيه بالأمر والنّهي والقبض والبسط كما لا يترتّب على العالم بالتواتر كون الأسد في الطّريق من الدهشة والاضطراب وتغيّر اللّون ورجف الأعضاء الا قليل لايكمل به المطلوب.
وللمرتبة الثالثة مراتب مختلفة في الظهور والخفاء أيضاً الا أنّها مشتركة في تمام التأثير في النفس والبدن ، فإن كان بطريق مشاهدة المطلوب بالبصيرة الباطنة الحاصلة من التصفية وتجرّد النفس كليقين بوجود النار من مشاهدتها بالعيان وهو عين اليقين ، وقد أشار سبحانه إليه بقوله :( ثمّ لترونّها عين اليقين ) (١) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام لمّا سأل عنه ذعلب اليماني : هل رأيت ربّك؟ « لم أعبد ربّاً لم أره »(٢) .
وإن كان من مشاهدة فيضان الآثار والأنوار من المطلوب إليه بسبب ارتباط تامّ بين العاقل والمعقول واتّحاد معنوي بحيث يرى نفسه رشحة منه غير منفكّ عنه كاليقين بوجود النار من الدخول فيه فيسمّى حقّ اليقين ، ولا تحصل هاتان الدرجتان الا بعد مجاهدات عظيمة بهجر الرسوم والعادات وترك العلائق والشهوات وقطع الوساوس النفسانيّة وقلع الهواجس الشيطانيّة وقصر النظر في ملاحظة جماله ومشاهدة أنوار جلاله والاستغراق في بحر معرفته وأنسه والفناء في حضرة قدسه حتّى يحصل للنفس صفاء
__________________
١ ـ التكاثر : ٧.
٢ ـ التوحيد للصدوق : ص ٣٣٠٥ ، وفيه : « لم أكن بالذي أعبد ».
وتجرّد تامّ ومحاذاة لما هو فوق التمام ، فإنّها كمرآة ينعكس إليها صور الموجودات من العقل الفعّال ، فلابدّ لها من خمسة أشياء :
عدم نقصان جوهرها ، فلا يكون كالصبيّ الغير القابل القابل لتحلّي (لتجلّي ظ) المعلومات.
وصفاؤها عن أخباث الشهوات. ونقاؤها عن الرسوم والعادات ، كما يعتبر في المرآة صقالتها عن الخبث والصدا.
ومن التوجّه التامّ إلى المطلوب فلا يكون له ما يشوّش الخاطر من أسباب التعيّش والعلائق الدنيويّة ، كما يعتبر في المرآة محاذاتها لذات الصورة.
ومن تخليتها عن التعصّب والتقليد ، كما يعتبر فيها ارتفاع الحاجب بينها وبين ذات الصورة.
ومن استحصال المطلوب من ترتيب مخصوص للمقدّمات المناسبة له بشرائطها كما يعتبر فيها العثور على الجهة التي فيها الصورة.
ومن استحصال المطلوب من ترتيب مخصوص للمقدمات المناسبة له بشرائطها كما بعتبر فيها العثور على الجهة التي فيها الصورة.
فبعد حصول الشرائط المذكورة ينتقش فيها عالم الملك والشهادة لتناهيه ، فيمكن الاحاطة به ، وعالم الملكوت والجبروت بقدر ما يمكنه بحسب مرتبته لكونها من الأسرار التي لا تدرك بالأبصار ، بل بعين البصيرة والاعتبار ، وما يلوح منها للنفس أيضاً متناه ، وإن كانت في نفسها ، وبالاضافة إلى علمه تعالى غير متناهية ، ومجموع ما ذكر من العوالم هو العالم الربوبي ، لانتساب الموجودات بأسرها إليه تعالى وهو العالم المحيط بكلها ، فلا تحيط به النفس لعدم تناهية ، بل تحصل له السعادة واللذّة بقدر استعدادها وقوّتها وما يحصل لها من التصفية والتزكية وتجلّي الحقائق والأسرار ومعرفة صفاته وعظمته ، ويكون سعة مملكته فيها بقدر المعرفة الحاصلة لها بذلك ، ولعدم تناهيه لا يستقرّ النفس في مقام يكون غاية لطلبها في الكمال والمعرفة أبداً.
واعلم أنّ النفس في بدو الفطرة صالحة لما ذكر لكونها جوهراً ملكوتياً ، ولذا صارت قابلة لحمل أمانة الله تعالى أعني التوحيد والمعرفة ، وفاقت على كلّ موجود بالفضيلة والشرافة ، وإنما يمنعها عنه أحد الموانع المذكورة.
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « كلّ مولود يولد على الفطرة الا أنّ أبواه يمجّسانه ويهوّدانه وينصّرانه ».(١)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أيضاً : « لو لا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات والأرض ».(٢)
وقد عرفت أنّ الشياطين إنما يحومون عليها يغلبة الشهوية والغضبية على العقلية ، وينسدّ أبوابها بغلبة العقلية عليهما ، وينفتح أبواب الملائكة القدسية والأنوار القدوسيّة.
ثم اعلم أنّ من علامات اليقين أن يعلم صاحبه أن لا مؤثّر في الوجود الا هو ، ولا أثر الا وهو أثره ، فلا يلتفت الا إليه ولا يّتكل الا عليه ، ويستوي حالتا الفقر والغنى والصحّة والمرض لديه ، لأنه يرى جميع الاشياء بعين واحدة ، والوسائط مسخّرة تحت حكمه.
قال الصادقعليهالسلام : « من ضعف يقينه تعلّق بالأسباب ورخّص لنفسه بذلك واتّبع العادات » ، وأقاويل الناس بغير حقيقة والسعي في أمور الدنيا وجمعها وإمساكها مقرّاً باللسان أنّه لا مانع ولا معطي الا الله ، وأنّ العبد لا يصيب الا ما رزق وقسم له ، والجهد لا يزيد في الرزق ، وينكر ذلك بفعله وقلبه. قال الله تعالى :( يقولون بافواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون ) (٣) (٤)
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٢٧ مع اختلاف.
٢ ـ البحار : ٧١ / ٢٢١ ، المحجة البيضاء : ٢ / ١٢٥ ، بدون « والأرض ».
٣ ـ آل عمران : ١٦٧.
٤ ـ مصباح الشريعة : الباب السابع والثمانون ، في اليقين.
وفي حديث آخر : « حدّ اليقين أن لا تخاف مع الله شيئاً »(١) .
ومن علاماته أيضاً خضوع صاحبه لله تعالى وقيامه بوظائف العبادات مع الواظبة على امتثال الطاعات فارغاً قلبه عمّا سواه ومصروفاً فكره فيما يوجب رضاه ، لأنه يدري قدرته وعظمته واطّلاعه على خفايا ضميره وعلمه بأفعاله وأعماله فيكون في مقام الشهود أبداً والاشتغال بوظائف الأدب دائماً ، كيف لا ، وقد ترى أنّ كلّ من يحضر عند ذوي الشوكة والاقتدار من الملوك وأرباب الدول ، والاعتبار مع خساستهم ورذالتهم ومجازية دولتهم ونعمتهم يبالغ في أقصى وظائف الأدب والخدمة ، ويحصل له أعلى مراتب الخوف والدهشة ، سيّما إذا علم اطلاعه على أفعاله المخالفة لأمره ورضاه ، فكيف وهو ملك الملوك وجبّار الجبابرة والمنعم الحقيقي ، العالم بما تخفيه الصدور.
فمن تيقّن بأنّه يشاهد أعماله يجتهد أبداً في الامتثال والاطاعة والدعاء.
ومن أيقن بإحسانه وحقوقه المتواترة يكون دائماً في مقام الشكر والحياء.
ومن أيقن بما هيّأه لمحبّيه ومخلصيه في دار الجزاء يكون دائماً في مقام الاخلاص والرجاء.
ومن أيقن باستناد كلّ الأشياء إليه على أحسن نظام يقتضيه الحكمة والمصلحة يكون دائماً في مقام التسليم والرضا.
ومن أيقن بالموت وما بعده من العقبات الهائلة يكون دائماً في مقام الحزن والبكاء.
ومن تيقّن يخساسة الدنيا وفنائها لم يركن إليها لما يشاهد منها عدم الوفاء.
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٥٧ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب فضل اليقين ، ح ١. وفيه : « قلت : فما حدّ اليقين؟ قال : الاتحاف »
ففي الخبر : « أن الكنز الذي حكى الله تعالى لهصلىاللهعليهوآلهوسلم لليتيمين كان مكتوباً فيه : عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح ، وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن ، وعجبت لمن أيقن بالدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يركن إليها ».(١)
ومن أيقن بعظمته وكمال قدرته كان في مقام الخوف والدهشة والخشوع كما أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من شدّة خضوعه لله تعالى إذا مشى يظن أنه يسقط على الأرض.
ومن أيقن بكمالاته الغير المتناهية وكونه فوق التمام يكون دائماً في مقام الشوق والوله.
ولو تصفّحت كتب السير والأخبار لاطّلعت على ما كان عليه المخلصون من عباد الله تعالى وأنبيائه وأوليائه من الخوف والشوق ، وما كان يعتريهم من الارتعاش والاضطراب في الصلوات والوله والاستغراق والغشيات في الخلوات وغيرها ، وتفطّنت بآثار اليقين الحاصل لكمّل عباده المخلصين.
وفي الخبر عن الصادقعليهالسلام : « إنّ اليقين يوصل العبد إلى كل حال سنّي ومقام عجيب » ، كذلك أخبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من عظم شأن اليقين ، حين ذكر عنده أن عيسى بن مريم كان يمشي على الماء فقال : لو ازداد يقينه لمشى في الهوا » ، ومنه يظهر شدّة اختلاف مراتبه حتى في الأنبياءعليهمالسلام (٢) .
فصل
من جملة الفضائل المتعلقة بالعاقلة التفكّر وهو السير الباطني من
__________________
١ ـ راجع الكافي : ٢ / ٥٩ ، كتاب الايمان والكفر ، باب فضل اليقين ، ح ٩.
٢ ـ مصباح الشريعة : الباب السابع والثمانون ، في اليقين مع تلخيص وتغيير.
المبادي أعني آيات الآفاق والانفس إلى الغايات أعني معرفة ما لمبدعها من الحكمة والقدرة والعظمة وهو مفتاح الأسرار ومشكاة الأنوار وشبكة المعارف ومصدر العوارف ومنبع الحقائق وجناح النفس للطيران من حضيض النقصان إلى اوج العرفان وآلة صقالتها من خبث الجهالات وصدء الضلالات ، وقد ورد الحثّ عليه في الأخبار والآيات ، قال تعالى :
( أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ) (١) .
( أولم يتفكّروا في انفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما الا بالحق ) (٢) .
( الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض ) .(٣)
وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « التفكّر حياة القلب البصير ».(٤)
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « فكره ساعة خير من عبادة سنة » ، ولا ينال منزلة التفكّر الا من خصّه الله بنور المعرفة والتوحيد.(٥)
وعن عليعليهالسلام : « نبّه بالتفكّر قلبك وجاف عن الليل جنبك واتّق الله ربّك ».(٦)
وقال الصادقعليهالسلام : « الفكر مرآة الحسنات وكفّارة السيّئات وضياء القلوب وفسحة للخلق واصابة في إصلاح المعاد واطلاع على العواقب واستزاده في العلم وهي خصلة لايبعد الله بمثلها ».(٧)
__________________
١ ـ الأعراف : ١٨٥.
٢ ـ الروم : ٨.
٣ ـ آل عمران : ١٩١.
٤ ـ البحار : ٧٨ / ١١٥ نقلاً عن الدرة الباهرة ، وفيه : حياة قلب البصير ».
٥ ـ مصابح الشريعة : الباب السادس والعشرون في التفكّر.
٦ ـ الكافي : ٢ / ٥٤ ، كتاب الايمان والكفر ، باب التفكّر ، ح ١.
٧ ـ مصباح الشريعة : الباب السادس والعشرون في التفكّر.
وعن الرضاعليهالسلام : « ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم ، إنّما العبادة التفكّر في أمر الله تعالى ».(١)
ثم إنه لايجوز التفكّر في ذاته تعالى بل بعض من صفاته أيضاً لأنه أجلّ من أن يدرك بطوامح العقول والأحلام أو يحيط به غووامض الظنون والأوهام ، فالنظر فيه تعالى يوجب التحيّر والانسجام ولو أمكن لبعض المتجرّدين كان كالبرق الخاطف ولولاه لاحترقوا من سبحات وجهه.
قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : « تفكّروا في آلاء الله ولاتفكروا في الله تعالى فإنكم لن تقدروا قدره ».(٢)
وأمّا ما سواه تعالى من عوالم الوجود فهو من مطارح الأنظار ومسارح الأفكار لأنه بأسره من رشحات وجوده وآثار جوده ، وفي كلّ شيء منه من عجائب صنعه وغرائب حكمته ما تعجز عن ادراك عشر من أعشارها عقول ذوي الأحكام.
فمنه ما لا يعرف أصله فلا يمكن التفكر فيه وما يعرف اجمالاً فيمكن التفكّر في تفصيله ، وينقسم إلى عالم الملكوت أي ما لا يدرك بالبصر كالعقول والنفوس والملائكة والجنّ والشياطين ولها أجناس وطبقاتت لايعلمها الا الله وعالم الملك والشهادة أي ما يدرك به وينقسم إلى عالم السماوات وعالم الجوّ وعالم الأرضين ، ولكلّ منها أنواع ولأنواعها أصناف مختلفة في الصفات والهيئات واللوازم والآثار ولا يحيط بها الا موجدها.
ولكلّ منها في حركته وسكونه ووجوده حكم ومصالح لايحيط بها الا مبدعها.
وكلّ منها شواهد عدل على وحدانيّته وكمال قدرته وحكمته وعضمته.
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٥٥ ، كتاب الايمان والكفر ، باب التفكّر ، ح ٤.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٨ / ١٩٣ وفيه : تفكروا في خلق الله ، واجع أيضاً الجامع الصغير : ١ / ١٣٢.
وفي كلّ شيء له آية |
تدلّ على أنّه واحد |
ولكلّ منها مرتب مرتب على النهج الأصلح والنظام الأرجح بأمر الحكيم العليم مبتدأة من الأشرف فالاشرف إلى أن ينتهي بأخس العوالم أعني الأرض.
ولا قدر لكل منها بالنظر إلى مافوقه كما لا قدر لما على الأرض من الحيوان والنبات والجماد بالنسبة إليها ، ولذا تفسد بأدنى تغيّر لها ، فلو أنّ انساناً أوتي علم الأوّلين والآخرين ولازال باقياً ببقاء السماوات والأرضين وتفكّر في عجائب صنع ربّ العالمين لم يقدر على الاحاطة بعشر من معشارها ، بل قذف قطرة من بحارها ، ولذا ترى كتب العلماء البارعين وزبر الحكماء العارفين مع غاية بذل جهدهم في بيان مجاري أفكارهم فيها وكونها مشحونة من مطارح أنظارهم فيها لم تشتمل الا على شطر من يسيرها وتضمّنت العجز عن قليل من كثيرها ، كيف ولو صرفت عمرك في الاحاطة بعجائب نوع من صغار الحيوانات من البقّة والنملة والعنكبوت والنحلة وأشباهها من ترتيب أجزائها وأعضائها مع حقارة جثّتها وصغر حجمها واشتمال كلّ منها على مصالح معدّة لها ووضع منازلها وجمعها وادّخارها لأقواتها واهتدائها إلى حوائجها وغير ذلك لم تقدر عليه ، فكيف يمكن الاحاطة بعجائب صنع الله تعالى في سائر ما في عالم الأكوان.
( قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربّي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربّي ولو جئنا بمثله مدداً ) (١) .
ثم إنّ أحسن ما يمكن كونه مجالاً للتفكّر في عجائب صنعه هي النسخة الجامعة لجميع العوالم التي جعلها الله حجة على خلقه وكتاباً كتبه بيده وهيكلاً بناه بحكمته وانموذجاً لما أثبته في لوحه المحفوظ وشاهداً على كل غائب وحجّة على كلّ جاحد وطريقاً مستقيماً إلى كل خير وصراطاً ممدوداً
__________________
١ ـ الكهف : ١٠٩.
بين الجنّة والنار كما عبّر به مولانا الصادقعليهالسلام (١) أعني الانسان من بدو خلقته من قطرة ماء منتنة وكيفيّة تقلّباته من مقام إلى مقام بما أعطي من الحواس والأجزاء والأعضاء والألوان والأشكال والاشتمال على عالم الحيوان والنبات والجماد على أحسن ترتيب ونظام عجيب متضمّن لمصالح لاتحصى إلى أن وصل إلى مقام أوتي فيه العقل والادراك تدريجاً إلى أن بلغ فيه ما بلغ وأودع فيه من عجائب الأسرار ماتدهش فيه طوامح العقول وثواقب الأنظار.
منها : قوّة الخيال التي تطوي السماوات والأرضين في آن واحد مع عرضيتها الغير المنقسمة.
وقوّة الوهم التي تستنبط المعاني الكثيرة الجزئية من حاق الأشياء في لحظة واحدة.
وقوّة المتخيّلة المركبة بعضها مع بعض ، والآخذة مافيه صلاحها وسدادها من أمر معاشها ومعادها.
ومنها : احاطة النفس مع تجرّدها وعدم مناسبتها للأجسام بوجه بالبدن وحصول نوع اتحاد بينهما وارتباط خاص.
ثم اتصافها بالصفات الكماليّة وتمكّنها من الاحاطة بحقائق الأشياء بأسرها وتصرّفها في عالمي الملك والملكوت بقوّتيه العقلية والعملية مع عجزها عن إدراك ذاتها.
ثم تطوّراتها بالأطوار المتبائنة وترقّياتها من حين تعلّقها بالنطفة القذرة إلى أن صارت متّصلة بالملأعلى.
ثم اجتماع عوالم السباع والبهائم والشياطين والملائكة فيها وإطاعة الجنّ والشياطين والكواكب والطيور والسباع لها.
ومنها : إهداؤها إلى الطبع الموزون والصوت الحسن واستنباط أنواع
__________________
١ ـ كلمات مكنونة : ١٢٥.
الصنائع العجيبة.
ومنها : الرؤيا وإخباره بالمغيّبات.
ومنها : صيرورة هذه النطفة القذرة ملكاً شديد البأس والبطش ، ظلاً من الله على عباده ، سبباً لانتظام النوع وفساده.
ومنها : تصرّفه في مواد الكائنات حتّى في السماوات من خوارق العادات وصنوف المعجزات والكرامات.
فلو تفكّرت فيما ذكر ومالم يذكر من عجائب صنعه تعالى المودعة في الهيكل البشري كان كلّ منها برهاناً ظاهراً على سلطانه القاهر.
وتزعم أنّك جرم صغير |
وفيك انطوى العالم الأكبر(١) |
ومن جملتها : التفكّر في صفات الحقّ تعالى بالتفكّر في خواصّ النفس وإثبات ما يضاهيها في حصول المعرفة به تعالى فإنّ أوّل البغية آخر المدرك وأول المدرك آخر البغية ، فالمبادي تراد للغايات ، والغايات تظهر منها.
وقالعليهالسلام : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه »(٢) .
ثم إنّك لو تفكّرت في كلّ ما يمكن أن تتفكّر فيه من عوالم الوجود المشار إليها عرفت أنه ما من ذرّة في الأرض ولا في السماء الا وهي طائعة لربّه خاضعة لأمره خاشعة من هيبته.
وعلمت أنّ جلّ منافعها ومصالحها عائدة إليك وإلى بني نوعك وأنها مخلوقة لاجلك مدبّرة في مصالحك وأنت ذاهل عن ذلك غافل عمّا هنالك.
ابرو باد وخورشيد وفلك دركارند |
تاتو نانى به كف آرى وبه غفلت نخورى |
__________________
١ ـ ديوان أميرالمؤمنينعليهالسلام : ص ٢٣٦.
٢ ـ مائة كلمة لجاحظ : الكلمة الثالثة (من شرح ابن ميثم) ، ص ٥٧.
همه از بهر تو سرگشته وفرمانبردار |
شرط انصاف نباشد كه تو فرمان نبرى |
حتّى إنّ جوارحك التي تعصي بها ربّك مطيعة لأمره ، خاشعة من سطوته ، وجلة من هيبته ، خجلة عن موافقتها لك في مخالفته مع كونها بأمره ومشيئته ، ويقول كل منها بلسان حاله : أما ترى يا ضالّ من ذاالذي خلقني وأبدعني وأكمل هيأتي وصورني فأحسن صوّرتي وأو جدني فأجاد وجودي وخلقني وقلّبني في تقلّباتي وأحوالي وغيّرني في تطوّراتي انّما فعل ذلك لتهتدي بي إلى عظيم حكمته وجليل قدرته وتصرفني فيما يرضيه من طاعته ومعرفته ، فتبّاً لك يا جاهل يا قليل الحياء وتعساً لك يا مغرور يا عديم الوفاء ، وهل تظنّ أنك متمكّن بإرادتك فيما تأمرني به ومتسلّط على ماتصرفني فيه معاصيك ، كلّا بل هو الله الذي أمرني بموافقتك ولو أشار إلي بالانتقام منك أو مخالفتك لعلمت عجزك هوانك واطّلعت على ذلّك وخسرانك وستعلم عن قريب وبال ما اخترته لي ولنفسك من الظلم والجفاء.
جمله ذرّات زمين وآسمان |
لشكر حقّند گاه امتحان |
|
اى نموده ضدّ حق در فعل ودرس |
در ميان لشكر اويى بترس |
|
جزو جزوت لشكر او در وفاق |
مر ترا اكنون مطيعند از نفاق |
|
چونكه جان جان هر چيزى وى است |
دشمنى با جان جان آسان كى است |
قد تلخّص ممّا ذكرنا أنّ أحسن التفكّر هو ما كان في عجائب صنعه وحكمته حتّى يورث ازدياداً في اليقين والبصيرة بقدرته وحكمته وعظمته ورأفته وجزيل نعمته ، أو ما كان فيما يقرب العبد إلى طاعته ويبعده عن معصيته من الطاعات والفضائل والمعاصي والرذائل ، فيتفحّص في كل يوم وليلة كما أشرنا إليه عن حال قلبه وكلّ عضو من أعضائه فإن وجد كلاً منها
مستقيماً على وسط العدالة وملازمة الطاعة والعبادة المطلوبة منها وهاجرة من كلّ رذيلة ومعصية منهية عنها فليحمد الله على كمال التوفيق وتمام النعمة ، وإن وجدها ملوّثة بأخباث الرذائل والمعاصي فليبادر إلى معالجتها بالتفكّر في سوء الخاتمة وكونها مؤدّية إلى غضب الله تعالى والشقاوة الدائمة وتداركها بالتوبة والندم والبكاء والابتهال والتضرّع والدعاء وتحصيل فضائل الملكات وحسنات الأعمال المذهبة للسيّئات.
ومجال التفكّر في هذين القسمين وسيع ، والقدر الضروري منه للسالك يزيد على ما يستوعب فرصته من عمره لو صرفها في هذين القسمين خاصّة من فكره.
وقد كانت العادة المستمرّة لأسلافنا الصالحين المسافرين إلى المقام الأعلى أنهم يكتبون جميع المهلكات والمنجيات في جريدة ويعرضون صبيحة كل يوم أو عشية كل ليلة صفاتهم عليها ، فإذا أيقنوا بالتخلّي عن رذيلة واطمأنّوا بالتحلّي بفضيلة خطّوا عليها في الجريدة.
ثم يتفكّرون في أخرى إلى أن يوفّقهم الله تعالى للخطّ على الجميع وكانوا يرون هذا النوع من التفكّر من لوازم الايمان بالحساب ، فنعم الأسلاف السابقون وبئس الأخلاف اللاحقون ، حيث لا يشمّ من نفوسنا رائحة الايمان بيوم القيامة ولا تحصل فيها من كثرة الظلمات المحيطة بها رقّة وحزن وخوف تتبع اللوم والندامة.
ثمّ إنّ هذا النوع من التفكّر إنّما هو تفكّر العلماء الصالحين.
وأمّا الصدّيقون من الأنبياء والأولياء فشأنهم أجلّ وأرفع من ذلك لاستغراقهم في محبّة الله وانسه وفنائهم في جلاله وعظمته ، ففكر هم ليس الا الاستغراق في بحار أنوار جماله والاحتراق من نيران وصاله.
وأعلم انّ اللذّة الحاصلة من التفكّر بمراتبه المشار إليها ممّا لا تحصل الا مع الأنفكاك عن الرذائل الخلقية والاتّصاف بالفضائل النفسية وما أشبه حال من لم يتخلّ عنها ولم يتحلّ بها بحال من تمكّن من مشاهدة معشوقه فقام يحادثه وينظر إليه وتحت ثيابه حيّات وعقارب تلدغه ، فإنه مع شدّة الألم الحاصل له من لدغها لايبتهج ولايلتذّ من مشاهدته والتكلّم معه.
الباب السادس
في معالجة الرذائل الغضبية
وذكر ما يقابلها من الفضائل
ففيه أيضاً مقامان
المقام الأول
في ذكر الرذائل بمعالجاتها ولابدّ من ذكر جنسها مع ما هو من أعظم أنواعها ولوازمها في عدّة فصول :
فصل
أحد الجنسين من طرف الافراط التهوّر ، ويدلّ على ذمّه مادلّ على وجوب حفظ النفس عقلاً ونقلاً على أن من لا يتبع العقل في المحافظة عن الأخطار والمهالك أو لايخاف عن الزلازل العظيمة والصواعق المزعجة وأمثالها أصلاً يستحقّ أن يطلق عليه اسم الجنون والوقاحة.
وعلاجه بعد تذكّر مفاسده الدنيوية والأخروية تقديم التروّي في جميع أفعاله وارتكاب ما يجوّزه العقل دون ما يمنعه وربّما احتاج صاحبه في دفعه إلى الحذر عن بعض ما يجوّزه العقل إلى أن يقرب من الاعتدال فيأخذ بالشجاعة التي هو الوسط ويحتاط فيه حتى لايقع في جانب التفريط.
وثانيهما : الجبن أي سكون النفس عن الحركة إلى الانتقام وغيره مع كونها مطلوبة كما أن الغضب إفراطها فيها فهو ضدّ له وللتهوّر باعتبارين.
وعلى كلّ حال فهو من جانب التفريط وهو من المهلكات العظيمة ، ويتبعه من اللوازم الذميمة مهانة النفس والذلّة ، وسوء العيش ، وطمع الناس فيما يملكه ، وقلّة الثبات في الأمور ، والكسل ، وحبّ الراحة الموجبة للحرمان عن السعادات ، وتمكين الظالمين من الظلم عليه ، وتحمّل الفضائح في العرض والمال والعيال ، وعدم مبالاته بها ، وتعطيل مقاصده. والأخبار في ذمّه والاستعاذة منه في الدعوات كثيرة.
وعلاجه : تهييج الغضبية بما يبعث عليه لا متناع كون النفس عادمة لها
بالمرة ، غاية ما في الباب ضعفها ونقصها في بعض المواد ، فتزيد وتهيّج بالتحريك والتهييج ، كما يلتهب النار الضعيف وتتوقّد بالتحريك أو المتواتر ، وقد نقل عن بعض الحكماء أنهم كانوا يخوضون في الأخطار العظيمة دفعاً لهذه الرذيلة وطلباً لما يقابلها من الفضيلة.
وعن عليّذعليهالسلام : « إذا خفت أمرً فقع فيه ».(١)
وممّا يجرّىء المرء إكثاره ذكر الموت وأنه عاقبة كلّ حيّ وأن الآجال مقدّرة لا تزيد ولا تنقص.
فصل
من أعظم أنواعها الخوف من غير الله سبحانه ، سواء كان غير مقدور له مع كونه لازم الوقوع أو ممكن العدم ، أو كان مقدوراً له ناشئاً من سوء اختيار أو ما يتوحّذش منه الطبيعة بلا داع ظاهر كالجنّ والميّت وأشباههما سيّما مع الوحدة والظلمة ، فإنّ الخوف من ذلك كلّه خطا محض يقبح عند العقل لعدم فائدة في الاولى سوى تعجيل عقوبة مانعة عن تدبير مصالحه ، وكذا الثانية مضافاً إلى احتمال عدمه فلعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً ، فهو أجدر بعدمه ، وكون رفعه بيده في الثالثة وإن كان بعد الفعل ، وظنه حين الفعل بعدم ترتّب أثر السوء عليه ناش من حكمه بالامتناع المتفرّع على جهله ، كما أنّ ظنّه في الثانية ناش من حكمه بالوقوع ، ولو حكم في كلّذ منهما بما يقتضيه ذات الفعل أمن منهما ، وكونه في الرابعة من غلبة الواهمة المورثة للجبن ، فلابدّ من تحريك الغظبية وتهييجها حتّذى تغلب عليها العاقلة ، أو الالزام على نفسه تدريجاً بما يزيلها عنه.
قال الله تعالى :( إنّما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه فلا تخافوهم ) (٢) .
__________________
١ ـ نهج البلاغة : الحكمة ١٧٥ ، وفيه : « إذا هبت أمراً ».
٢ ـ آل عمران : ١٧٥.
ثم مما يعلمّ أغلب أفراد النوع الانساني منه خوف الموت ، ولعلّذة من قبيل الاولى والباعث الكلّي له أنّ للنفس ارتباطاً خاصّاً واتّحاداً معنويّذاً بالبدن ، كما تقدّم ، والطبيعة مجبولة على التألّم من المفارقة بعد حصول الانس والألفة ، كما قال الحكيم النظامي :
شنيدستم كه افلاطون شب وروز |
به كريه داشتى چشم جهانسوز |
|
يكى پرسيد از او كاين كريه از چيست |
بكفتا چشم كس بيهوده نكريست |
|
از آن ترسم كه جسم وجان ودمساز |
به هم خو كرده اند از ديركه باز |
|
جدا خواهند گشت از آشنايي |
همي گريم بدان روز جدايي |
ولذا ترى حرص الشيوخ والعجائز بالحياة وشوقهم إلى البقاء أكثر من الأحداث ، وكذا إلى المقتنيات الحسّية لطول الانس والعلاقة بها ، كما أنها مجبولة على التناكر والوحشة مع مشاهدة أمر غريب غير معهود لم تأنس به أصلاً.
ولذا إنّ الحسن بن عليعليهالسلام لما سئل عن سبب قلقه عند وفاته اعتذر بهول المطّلع وفراق الأحبّة(١) وأيّ محبّة أشدّ وأقوى من الاتّحاد والارتباط الحاصلين للنفس والبدن في مدّذة مديدة من الزمان.
والعمري إنّ إزالته من أصعب ما يمكن أن يكون ولا يتيسّر الا لمن وفّقه الله تعالى للتجرّذد التامّ والفناء المحض والاستغراق في حبّذ الله وأنسه بحيث يرى بدنه حجاجاً شاغلاً له عن الوصول إلى مطلوبه ومعشوقه ومحبوبه ، فيقول :
آزمودم مرك من در زندكى است |
چون رهم زين زندكى پايندكى است |
__________________
١ ـ الكافي : ١ / ٤٦١ ، كتاب الحجة ، باب مولد الحسن بن عليعليهالسلام ، ح ١ ، ولايخفى استهجان هذا التعميم لمعنى الأحبّة في كلام الإمامعليهالسلام .
اقتلوني اقتلوني يا ثقات |
إنّ في قتلي حياةً في حياة |
ولا يتمكّن منه الا بتحصيل ثالث المراتب المتقدّمة من اليقين ، ولا أقلّ من ثانيهما ، إذ بعدما حصل له أحد اليقينين بما له بعد مفارقة النفوس السبعيّة والبهيميّة والشياطين الانسيّة والجنيّة واتّصاله بالمباديء العالية ووصوله إلى الحضرة القدسية المتعالية كان دائماً طالباً للممات متعطّذشاً شائقاً كالمستسقي للنوع السرمدي الحقيقي من الحياة.
چونكه اندر مرك بيند صد وجود |
همچو پروانه بسوزاند وجود |
وهذا أحد معاني قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الدنيا سجن المؤمن ».
وقد عرفت أنّ هذه المرتبة لاتحصل الا بعد رياضات شاقّة ومجاهدات صعبة ، وقطع العلائق والشهوات بالمرّة ، وهجر الرسوم والعادات بالكلّية.
ثم إنّ سائر التصوّرات الباعثة للخوف المزبور يرجع حاصلها إلى نقص في التعقّل وجهل بالموت وما بعده ، وحزن على فوت الحطام الذي عنده ، وهذه سهلة الزوال بتحصيل فضائل العاقلة من العلم والفكر واليقين ، وسلب العلاقة بالزخارف الفانية بمشاهده أمثاله والاعتبار ببني نوعه من عدم وفاء الدنيا بهم ، فيتفكّر في أنّ توقع البقاء الأبدي له مستحيل لكون من الكائنات اللازم فسادها ، كما تقرّر في محلّه.
وأنّذ ما يفعله الباري تعالى هو النظام الأصلح الأكمل الذي لايعتريه شائبة قصور وخلل.
وأنّ خوفه منه إن كان لأجل حرمانه عن اقتناء الشهوات الحسّية فلاريب في أنه بعد كبر سنّه تنحلّ بنيته وتضعف قواه وتزول صحّته التي كان بها يلتذّذذ منها ، ولايخلو حينئذ عن ألم حادث ومرض جديد دائماً ، وعن
__________________
١ ـ الجامع الصغير : ٢ / ١٧.
مفارقة صديق وموت قريب أو رفيق ، والابتلاء بمصيبة أو بليّة فطالب العمر الطويل يطلب في الحقيقة هذه الآلام.
وإن كان من مرض جسماني لعلّه يعتريه بالموت فهو جهل منه ، إذ لا ألم جسمانياً بعد انقطاع علاقة النفس عن البدن ، بل ينقطع مواده بانقطاعها.
وكذا إن كان من تصوّر فنائه بالمرّة ، لأنّ النفس لاتفني بفناء البدن كما ذكرناه في صدر الكتاب ، بل ينقطع علاقتها به.
وكذا إن كان من تصور نقص يعتريه بسببه لما عرفت من أنه سبب وسرور أعدائهم بذلك وشماتتهم فإنه ناش من توهّم كونه سبباً لاستكمال الغير وهو ناش من نقصان عقله ، لأنّه تعالى هو الرزّاق ذوالقوّة المتين ، وهو الخالق للعباد الرؤوف بهم بهم المتكفّل لحوائجهم والمتمّم لنقائصهم ، وفيضه الأقدس لابدّ أن يصل إلى كل أحد يقدر استعداده ، وليس لأحد أن يغيّره عن الحدّ اللائق له ، فربّما يصل أيتام المساكين إلى أعلى المراتب الدنيوية ، ولايصل إلى أدناها أولاد السلاطين مع حشمتهم وغناهم ، فلو فوّض أمورهم إلى من خلقهم وربّاهم ووكلهم إلى ربّهم ومولاهم كان حسبهم ذلك الكفيل ، فإنه نعم المولى ونعم الوكيل.
وبالجملة فهذا الخوف من نتائج الجبن وضعف النفس ، وعلاجه بما ذكرناه هنا مع ما ذكرناه في دفع الجبن.
فصل
ومنها صغر النفس ، أي ملكة استعظام مايرد عليه من ملاذّ الدنيا
ومكارهها ، فيفرح وينشط بوجدان الاولى ويحزن من فقدانها ، ويجزع من عروض الثانية ، ويعجز عن تحمّلها ، ولايقوى على مقاومتها ، بل يصير رقّاً لها مفوّضاً أمره إليها ، كما قال أمير المؤمنينعليهالسلام في كلام له طويل :
« من عظمت الدنيا في عينه وكبر موقعها من قلبه آثرها على الله تعالى فانقطع إليها وصار عبداً لها ـ الحديث ».(١)
ويترتّب عليها أغلب الملكات الرديّة من الطمع والبخل ، وهي أيضاً من نتائج الجبن وضعف النفس ، ويلزمها الذلّ والمهانة وقصور النفس عن طلب المعالي والمسامحة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاضطراب من أدنى بليّة وحادثة وغير ذلك.
وعلاجها بعد تذكّر مفاسدها وما يترتّب على ضدّها أعني كبر النفس من المحاسن ، وماورد من الأمر به والحثّ عليه ، بما تقدّم في الجبن والتذكّر لمفاسد الدنيا وكثرة عيوبها ومخازيها وعدم وفائها بطالبيها ممّا سيذكر إن شاء الله تعالى.
فصل
ومنها : عدم الغيرة والحميّة بالاهمال في ما يلزم شرعاً وعقلاً محافظته من الدين والعرض والمال والعيال ، وهو من نتائج ضعف النفس ، ومن المهلكات العظيمة وربما يؤدّي إلى الدياثة والقيادة.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إذا لم يغر الرجل فهو منكوس القلب ».(٢)
وقال أيضاً : « جدع الله أنف من لايغار من المؤمنين والمسلمين ».(٣)
والفاقد للغيرة غير معدود من الرجال.
وعلاجه بعد التذكّر لما دلّ على قبحه عقلاً ونقلاً ومادلّ على مدح الحميّة والغيرة من العقل والنقل بما مرّ في الجبن.
__________________
١ ـ نهج البلاغة : الخطبة : ١٦٠.
٢ ـ الكافي : ٥ / ٥٣٦ ، ح ٢ ، وفيه عن الصادقعليهالسلام .
٣ ـ الكافي : ٥ / ٥٣٦ ، ح ٤.
فصل
ومنها : العجلة ، أعني المعنى الراتب في القلب الباعث على الاقدام على الأفعال بأوّل خاطر من دون تأمّل وتدّبر ، وهي من لوازم ضعف النفس ، وقد أهلك بها الشيطان أكثر بني نوع الانسان.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « العجلة من الشيطان والتأنّي من الله ».(١)
والعقل يحكم بأنّ العمل لابدّ وأن يكون بعد البصيرة والتروّي الموقوفين على التأمّل والتأنّي ، وهما ضدّان للعجلة ، فمن استعجل في أمره لقيه (تلقّاه خ ل) الشرّ من حيث لايعلم ، والتجربة شاهدة بأن ما يصدر عن العجلة يورث الندامة والخسران بخلاف التأنّي وأنّ كل خفيف عجول لاوقع له في القلوب.
ثم إنك عرفت أنّ أحبّ الأشياء للعاقلة هو التشبّه بالمبدأ في صفاته بطلب الاستيلاء والملكية للأشياء من الملك العظيم الذي لاغاية له ، والسعادة الأبديّة التي لانفاد لها والبقاء الذي لافناء بعده ، والعزّ الذي لاذلّ معه ، والغنى الذي لافقر معه ، والأمن الذي لاخوف فيه ، والكمال الذي لا نقصان يعتريه ، فإنّها من صفات الربوبية والشيطان لحسده الذاتي معه ثمّ شدّة عداوته له بصيرورته طريداً لأجله أضلّة من طريق العجلة وزيّن في نظره الاستيلاء على الملك العاجل المشوب بأنواع الآلام وصدّه عن الملك الآجل المقترن بالثبات والدوام ، فانخدع بغروره واشتغل لعجلته المركوزة في جبلّته بطلب الزخارف الفانية الدنيوية عن طلب السلطنة الباقية الحقيقيّة ، والرئاسة الدائمة الأبديّة ، فهو في طلب الاستيلاء غير ملوم ، إنّما اللوم والذمّ على الخطاء الصادر عنه من قبل الشيطان في متعلّقه ووضعه إيّاه في غير موضعه الذي هو الظلم في الحقيقة بنفسه.
ولذا ورد ما من ذمّ طلب الدنيا ومدح نعيم الآخرة من الآيات
__________________
١ ـ الجامع الصغير : ١ / ١٣٤ ، مع تقدم الجملة الثانية على الاولى.
والأخبار ، وهو الباعث لارسال الرسل الكرام إلى كافّة الأنام بالوعد والوعيد الترغيب والتأكيد.
قال الله تعالى :( يا أيّها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سيب الله اثّاقلتم إلى الأرض ، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قيل ) .(١)
ولو تأمّل وتفكّر ولم يبن أمره على العجلة علم أنّ ما يطلبه ويمييل إليه من الزخارف الدنيوية ليس استيلاء وتملّكا لها في الحقيقة ، بل عبوديّة وانقياد لبطنه وفرجه مثلاً ، وإن كان استيلاء والتملّك للملك العاجل متوقّف أيضاً على تركها ، إذ به يتحقّق الحريّة للعبد وملكيّته لقوّتيه الشهوية والغضبية ، فما أعظم اغترار الانسان حيث يظن أنّه ينال الملك بصيرورته مملوكاً ، والربوبية بصيرورته عبداً.
فظهر أنّ أكثر مفاسد النفس مترتّبة على العجلة.
وعلاجها : بعد تذكّر فسادها وسوء خاتمتها وتأديتها إلى الخفة في أعين الناس والندامة والخسران وتذكر شرافة الوقار الذي هو ضدّها أن يكلّف نفسه بعدم ارتكاب فعل الا بعد عرضه على العاقلة ، والتأمّل في وجوه مصالحها ومفاسدها ، فإذا فعل كذلك مدّة صارت له عادة واتّصف بصفة الوقار والطمأنينة.
فصل
ومن نتائج ضعف النفس سوء الظن بالخالق والخلائق.
قال الله تعالى :( يا أيّها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظنّ إنّ بعض الظنّ إثم ) .(٢)
وقال تعالى :( وذلكم ظنّكم الذي ظننتم بربّكم أرداكم فاصبحتم من
__________________
١ ـ التوبة : ٣٣٨.
٢ ـ الحجرات : ١٢.
الخاسرين ) .(١)
وقال تعالى :( وظننتم ظنّ السوء وكنتم قوماً بوراً ) .(٢)
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام : « لاتظنّن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً ».(٣)
ويتبعه الغيبة والحقد والحسد والتقصير في أداء حقوق الاخوان غير ذلك من المهلكات ، على أنّ كلّ إناء يترشّذح بما فيه.
فهو علامة لخبث الباطن ، حيث يقيس الناس بنفسه ، مع أنّه لا علم بأسرار القلوب الا لعلام الغيوب ، فما لم يعلمه يقيناً لا ينبغي أن يعتقده ويميل إليه وإن احتفّ بقرائن الفساد ، لأنّه من الشيطان حينئذ وهو فاسق والله أمر بتكذيبه بقوله :
( إن جاء كم فاسق بنبا فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا علا ما فعلتم نادمين ) .(٤)
والمراد منه عقد القلب وميل النفس لا مجرد حديثها ، بل الشكّ أيضاً لاختصاص النهي في الأخبار بالظنّ ، وكذا العقل يحكم بقبح الأوّل دون الثاني.
وعلمته تغيّر القلب عمّا كان عليه من الإلف والمحبّة إلى التنفّر والكراهة والجوارح عن العشرة بعنوان الصداقة إلى خلافها وهو السرّ في المنع عن التعرّض للتهمة صيانة لنفوس الناس عنه ، فإنّ من صار باعثاً لمعصية غيره شاركه فيها ، ولذا قال تعالى :
( ولا تسبّوا الّذين يدعون من دون الله فيسبّوا الله عدواً بغير علم ) .(٥)
__________________
١ ـ فصّلت : ٢٣٣.
٢ ـ الفتح : ١٢.
٣ ـ الكافي : ٢ / ٣٦٢ ، كتاب الايمان والكفر ، باب التهمة وسوء الظن ، ح ٣.
٤ ـ الحجرات : ٦.
٥ ـ الأنعام : ١٠٨.
وفي الخبر أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « كيف ترون من يسبّ أبوية؟ فقالوا : هل من أحد يسبّ أبويه؟ فقال : نعم يسبّ أبوي غيره فيسبّون أبويه ».(١)
وعلاجه : بعد تذكّر فساده وفضيلة ضدّه أن لايتبع خاطره ولا يغيّر قلبه وجوارحه عما كانت عليه قبل ذلك بل يزيد في التعظيم والتكريم والدعاء حتى يدفع الشيطان عن نفسه ويقنّطه ولو تكلّفاً إلى أن يصير له عادة.
فصل
الغضب كيفيّة نفسانيّة موجبة لحركة النفس إلى دفع الأذيات أو التشفّي بالانتقام ونحوه ، فإن كانت معتدلة كانت من فضيلة الشجاعة ، وإن خرجت عن الاعتدال إلى الافراط فهو من المهلكات ، وقد تشتدّ بحيث يمتلي لأجلها الدماغ والأعصاب من الدخان المظلم فيستر نور العقل ويضعف فعله ، فلا يؤثر في صاحبه الموعظة ، بل تزيده غلظة.
قيل(٢) : الغضب شعلة مقتبسة من نار الله الموقدة الّتي تطّلع على الأفئدة مستكنّة في طيّ الفؤاد كالجمر تحت الرماد ، تستخرجها حميّة الدين عن قلوب المؤمنين أو حميّة الجاهليّة والكبر الدفين في قلوب الجبابرة المترفين ، التي لها عرق من الشيطان اللعين ، حيث قال :
( خلقتني من نار وخلقته من طين ) (٣)
فشأن الطين السكون والتأنيّ ، وشأن النار التلهّب والتلظّي.
ثمّ إن صدر عن القادر على الانتقام مع استشعاره به احمرّ لونه من انبساط الدم من باطنه إلى ظاهره وهو الغضب الحقيقي ، وإن صدر عن العاجز عنه مع شعوره به اصفرّ لونه من الميل عن الظاهر إلى الباطن ، وهو
__________________
١ ـ جامع السعادات ، ١ / ٢٨٤ ، والمحجة : ٣ / ٣٧٧.
٢ ـ القائل هو أبو حامد الغزالي ، راجع المحجّة : ٥ / ٢٨٩ مع تغيير وتلخيص.
٣ ـ الأعراف : ١٢.
الحزن ، وإن صدر عن الشاكّ فيه اضطربت أحواله فيه.
والأخبار في ذمّه كثيرة :
فعن الصادقعليهالسلام : « أنّ الغضب مفتاح كلّ شرّ ».(١)
وعن الباقرعليهالسلام : « الغضب جمرة من الشيطان [ توقد ] في جوف ابن آدم ، وإنّ أحدكم إذا غضب احمرّت عيناه ، وانتفخت أوداجه ، ودخل الشيطان فيه »(٢) [ وعن الصادقعليهالسلام ] : « وكان أبي يقول : أيّ شيء أشدّ من الغضب ، انّ الرجل ليغضب فيقتل النفس التي حرّم الله ويقذف المحصنة ».(٣)
وقال : « إنّ الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتّى يدحل النار ».(٤)
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : « الحدّة نوع من الجنون » ، لأنّ صاحبها يندم ، فإن لم يندم فجنونه مستحكم »(٥)
ربما يؤدّي إلى اختناق الحرارة والموت فجأة.
وقيل : إنّ السفينة الواقعة في اللجج الغامرة المظطربة بأنواع الرياح العاصفة والأمواج الهائلة المتراكمة في الليلة الممطرة المظلمة أرجي إلى الخلاص من المتهب الغضبان.
ومن مفاسد ترتّب ذمائم الأخلاق التي نشير إلى بعضها كالحقد والحسد والبغضاء وقبائح الأعمال من الشتم وإفشاء الأسرار وهتك الأستار والاسهزاء والضرب والجرح والقتل وغيرها من الفحشاء عليه.
ومنها : أيضاً تألّم الروح ، وسقم البدن ، وشماتة الأعداء ، وعداوة
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٣٠٣ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الغضب ، ح ٣.
٢ ـ الكافي : ٢ / ٣٠٤_٣٠٥ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الغضب ، ح ٣.
٣ ـ الكافي : ٢ / ٣٠٣ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الغضب ، ح ٤ ، واعلم أنه وقع هنا في النسخ خلط بين الحديثين وصحّحناه على ما في الكافي.
٤ ـ الكافي : ٢ / ٣٠٢ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الغضب ، ح ٢ ، وفيه : عن الباقرعليهالسلام .
٥ ـ نهج البلاغة الحكمة ٢٥٥ ، وفيه : « ضرب من الجنون ».
الأحبّاء ، وغير ذلك.
والعجب ممّن يدّعي أنه من فرط الرجولية مع ما يشاهد من أنّ ظهور آثاره في ذوي العقول الناقصة كالمجانين والصبيان والشيوخ والنسوان والمرضى أكثر من الكاملين في العقل سيّما ما يتعلّق برداءة الكيفية من ضرب البهائم والحيوانات وسبّ الريح والمطر والشمس والقمر وأنواع الجمادات وتمزيق الثوب ولطم الوجه ونحوهما من المضحكات.
فكلّ ذلك أبين شاهد على أنه ناش من نقصان العقل وضعف النفس.
ولو تتبّعت كتب التواريخ والأخبار وتأمّلت في طبقات الناس من الأخيار والأشرار علمت أنّ الحلم والعفو وكظم الغيظ من شيم الأنبياء والعلماء والحكماء وأكابر الملوك وغيرهم من العقلاء والحدّة والغضب من عادات الأداني والأراذل والجهّذال وضعفاء العقول من الرجال.
ثم إنّذه قد اختلف في امكان إزالته بالمرة ، فقيل بامتناعه لأنه مقتضى الطبيعة ، وإنما يمكن كسر سورته وتضعيفه كي لا يشتدّ هيجانه ، وقيل بإمكانه لشهادة التجربة بزوالها بمعالجاتها المقرّرة لها ، والذمّ عليها عقلاً ونقلاً ، ولا ذمّ على الممتنع.
والتتحقق أنّ جنس القوّة الغضبية كالشهوية والعقلية جبلية يستحيل قمعها ، لكنها قد تضعف عن القدر الممدوح شرعاً ، وقد تزيد وهما طرفا إفراطها وتفريطها المعدودان من الرذائل ، والممدوح اعتدالها بحيث يكون تحت حكم العاقلة تأتمر بأمرها وتنزجر بزجرها.
فمراد القائل بالامتناع قمع جنسها بالمرة وإماطتها بالكلّية ، وهو من البيّن الواضح الذي لاشكّ فيه ولا مرية.
ومراد القائل بالامكان إزالة نوع خاص منها ، أي طرف إفراطها ، ولاينافي ذلك إطلاق اللفظ ، فإنّ الشائع المتعارف في طرف التفريط إطلاق الجبن عليه ، وفي الاعتدال إطلاق الشجاعة عليه وفي
الافراط إطلاق الغضب عليه ، وهذا أيضاً حقّ لاريب فيه ، فالنزاع لفظيّ ثمّ إنّ علاجه يتمّ بأمور :
منها : إزالة أسبابه من العجب والكبر والحقد والغدر واللجاج والخصومة والمزاح والمراء ، لأن كلّ حادث يحتاج إلى سبب ، فعدم السبب يستلزم المسبّب.
ومنها : التذكّر لما تقدّذم من قبحه وذمّه وما ورد في مدح دفعه وسلبه عن نفسه ، وماورد في مدح الحلم الذي هو ضدّه مع ما يترتّب عليه من المحاسن.
ومنها : تحصيل ملكة التروّذي والاستشارة بالعاقلة في كل فعل أو قول يصدر منه.
ومنها : الاحتراز عن مصاحبة أصحاب هذه الرذايلة ، والاختلاط باصحاب ما يقابلها من الفضيلة.
ومنها : تحصيل فضيلة التوحيد أعني معرفة أنّ جميع الأشياء مسخّرة تحت حكمه تعالى ، وكلّ شيء كائن بقضائه وقدره ، وأنّذ الأمر والملك لله ، وأنه لا يقدر له الا ما فيه خيره وصلاحه ، فيحصل له ملكة التوحيد والعلم بأن كل شيء حادث منه تعالى ، وأنه النظام الأصلح الذي لاريب فيه ، فلا يكون له التفات إلى الوسائط ، ولايغضب من شيء أبداً ، لكنه الكبريت الأحمر الذي لايظفر به إلا ما فيه خيره وصلاحه ، فيحصل له ملكة التوحيد والعلم بأن كل شيء حادث منه تعالى ، وأنه النظام الأصلح الذي لاريب فيه ، فلا يكون له التفات إلى الوسائط ، ولايغضب من شيء أبداً ، لكنه الكبريت الأحمر الذي لايظفر به الا خلّص الأنبياء والأولياء.
ومنها : تحصيل فضيلة التفكّر في أنّ قدرة الله تعالى وبطشه أقوى وأشدّ ، وهو ذوالبطش الشديد ، الفعّال لما يريد ، فإذا لم يغضب على عباده مع مايرى من شدّة مخالفتهم لأوامره ونواهيه وتضييعهم لحقوق إحسانه وأياديه وعظائم آلائه وكرائم نعمائه وقلّة حيائهم وشدة وقاحتهم ، ولاتخفى عليه خافية من أمورهم مع أنه ذوالقدرة الحقيقة وصاحبها ومعطيها وواهبها ، فهذا الضعيف مع مساواته لمن يغضب عليه في الحاجة والضعف
وكون قدرته الضعيفة من مواهبه تعالى أحقّ بترك الغضب ، واللائق بحالة استعمال الحياء والأدب.
ثم في انه كيف يأمن من مكافاته تعالى مع قدرته على نصرة المظلوم وأخذ حقّه سيّما مع وعده بذلك.
وقد روي أنّه ما كان ملك في بني إسرائيل الا ومعه حكيم إذا غضب أعطاه صحيفة فيها : ارحم المساكين ، واخش الموت ، واذكر ربّك ، فكان يقرؤها حتّى يسكن غضبه(١) .
وفي الحديث القدسي : « اذكرني حين تغضب ، أذكرك حين أغضب ، فلا أمحقك فيمن أمحق ».(٢)
ثم في أن تعالى يحبّ منه ترك الغضب ، فإن كان صادقاً في محبّذة الله أطفأ غضبه بشدّة حبّه له تعالى.
ثم في أن من يغضب الآن عليه ربّما تقوّى بعده للمعارضة والمكافاة بذكر فضائحه وترويج قبائحه وتشهير معائبه والشماتة عليه في مصائبه وغير ذلك.
ثم في أن السبب الداعي لغضبه إن كان الخوف من توصيف الناس له بالعجز والمهانة فلاشكّ في أن الحلم والعفو وكظم الغيظ من آثار قوّذة النفس والشجاعة ، وليست من الذلّ في شيء ، ولو في أعين الناس.
ولذا ترى أنّ من تعدّى على غيره بالسبّ والشتم والضرب وسكت الآخر عنه مع قدرته على الانتقام منه مدحه الناس ، وفتحوا لسان الذمّ والطعن على المتعدّي البادي ، ومع فرض سقوطه في أعين الأراذل ينبغي أن لايبالي به ، ويتفكّر في أنّ الاتّصاف بالذلّة في نظر الأخسّاء أحسن من ارتكاب ما يترتب عليه اللوم والندامة والذلّذة والخزي في يوم القيامة.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٣٠٦.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٣٠٦.
وإن كان الباعث فقد محبوب وفوت مطلوب ، فإن كان ممّا يمكن تحصيله والوصول إليه في ثاني الحال تمكّن منه بدون الغضب والاستعجال ، والا لم ينفعه غضبه على كلّ حال ، فلا فائدة فيه سوى زيادة الألم في العاجل وعقوبة الباري وسخطه في الآجل.
ومنها : الاستعاذة من الشيطان والجلوس إن كان قائماً والاضطجاع إن كان جالساً ، والوضوء أو الغسل بالماء البارد ، وإن كان على ذي رحم فليمسه ، لأنّ الرحم إذا مسّذت سكنت ، كما في الأخبار.(١)
كما أنّ الاعتدال في الغضب فضيلة والتعدّي عنه إلى الافراط مذموم ، فالانتقام الذي من نتائجه وآثاره المتفرّعة عليه كذلك أيضاً ، والاعتدال فيه الاقتصار على مارخّصه الشارع من القصاص في النفس والجوارح واسترداد ما أخذه من ماله بمثله وغير ذلك ممّا ورد له حدّ معيّن في الشريعة ، وإن كان العفو فيه أولى وأفضل.
وما لم يرد فيه حدّ معيّن يقتصر فيه على مالم يرد فيه منع بخصوصه بشرط أن يكون كذباً ، والتعدّي عنه إلى مالم يجوّزه الشرع كمقابلة الفحش والشتم والغيبة والبهتان وأمثالها بمثلها معصية.
وفي الخبر : « المستبّان شيطانان يتهاتران ».(٢)
وورد في الأخبار : « انّ البادي أظلم ووزر صاحبه عليه حتّى يعتدي المظلوم ».(٣)
ولاريب أنّذذ السكوت والعفو مطلقاً أفضل مالم ينجرّ إلى عدم الغيره والحميّة في الدين ، وأحوال الناس مختلفة في سرعة الغضب وزاله وبطئهما.
__________________
١ ـ راجع المحجة : ٥ / ٣٠٧ والكافي : ٢ / ٣٠٢.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٣١٥.
٣ ـ راجع الكافي : ٢ / ٣٢٢.
وفي الخبر : « المؤمن سريع الغضب ، سريع الرضا ».(١)
فصل
العنف وسوء الخلق من نتائج الغضب.
والأوّل غلظة وخشونة في الاقوال والافعال والحركات.
والثاني سوء الكلام والتضجر ، وكلّ منهما منفّر لطباع العباد ، ومؤدّ إلى اختلال أمور المعاش والمعاد.
قال تعالى :( ولو كنت فظّاً غليظ القلب لا نفضّوا من حولك ) .(٢)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ العبد ليبلغ من سوء خلقه أسفل درك من جهنّم ».(٣)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أبي الله لصاحب الخلق السيّء بالتوبة ، قيل : وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال : لأنّه إذا تاب من ذنب وقع في [ ذنب ] أعظم منه ».(٤)
وقال : « سوء الخلق ذنب لا يغفر ».(٥)
والتجربة شاهدة بأنّ كلّ من ساء خلقه صار اضحوكة بين الناس ، وما خلا عن الغمّ والهمّ أبداً.
ولذا قال الصادقعليهالسلام : « من ساء خلقه عذّب نفسه ».(٦)
وعلاجهما بعد تذكّر مفاسدهما وما ورد ف ذمّها ومحاسن ضدّيهما مع ما ورد في مدحهما ما ذكر في الجبن من تقديم التروّي في كلّ قول وفعل ، ولو بالتكلّف حتّى يصير له عادة.
__________________
١ ـ جامع السعادات : ١ / ٣٠٠ ، والمحجة : ٥ / ٣١٦.
٢ ـ آل عمران : ١٥٩.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٩٣.
٤ ـ الكافي : ٢ / ٣٢١ ، كتاب الايمان والكفر ، باب سوء الخلق ، ح ٢.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٩٣.
٦ ـ الكافي : ٢١ / ٣٢١ ، كتاب الايمان والكفر ، باب سوء الخلق ، ح ٤.
فصل
ومن نتائجه الحقد أيضاً ، أي العداوة الباطنة ، وإذا قويت ولم يقدر صاحبها على إضمارها أظهرها فصارت عداوة ظاهرة ، وهو من المهلكات العظيمة ، ويلزمه من الآفات الحسد والهجرة عن المحقود وأذيته بالضرب والشتم والغيبة والكذب والبهتان والشماتة والسخريّة وغيرها من المحرّمات ، وأدناه أن يحترز عن جميع ما ذكر ، لكن لايخلو بغضه عن باطنه ، وهو أيضاً مرض مولم للنفس مانع لها عن القرب إلى جناب القدس ، وعن الاتّذصاف بأوصاف المؤمنين من البشاشة والرفق والتواضع والقيام بحوائج الناس ومعاشرتهم.
قال الله تعالى :( ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ) .(١)
والأخبار في ذمّ كلا القسمين من العدواة كثيرة لاتحصى.
وعلاجهما : التذكّر لألمهما في العاجل وضررهما في الآجل ، ونفعهما بحال المحقود وعدم تضرّره منهما ، فلا يفعل ما يكون مضرّاً له نافعاً لعدوّه.
ثم لما دلّ على مدح ضدّهما أي النصيحة الظاهرة والباطنة من الأخبار وغيرها. ثمّ المداومة على آثارها من المصاحبة والرفق والانبساط والقيام بحوائج المحقود زيادة على مايفعله بأحبّائه جهاداً للنفس ، ورغماً لأنف الشيطان ، ويكرّر ذلك ولو تكلّفاً ، حتّى تزول تلك الملكة وتتبدّل بضدّها.
فصل
ومنها : العجب ، أي استعظام نفسه لما يرى لها من الكمال ، سواء اتّصف به في نفس الأمر أم لا ، وسواء كان كمالاً في الحقيقة أم لا ، وقيل : هو إعظا النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم ، فلو تصوّر كونها من عطاياه تعالى يسلبها متى شاء لم يكن عجباً.
__________________
١ ـ الحشر : ١٠.
ويمتاز الكبر عنه بتصوّر مزيته على الغير فيه ، فيستدعي متكبّراً عليه بخلافه ، فلو لم يخلق الا وحده أمكن في حقّه العجب دون الكبر ، ولايكفي في الكبر مجرّد استعظام نفسه أو استحقار غيره ، إذ لعلّه يرى نفسه أحقر منه أو غيره أعظم منه أو مساوياً له.
ويمتاز الادلال عنه باعتقاد ترتّب ثواب على فعله أو دفع مكروه عن نفسه بسبب عمله ، فهو أخصّ منه.
وفي الخبر : « إنّ العجب على درجات ، منها : أن يزيّن للعبد سوء عمله فيراه حسناً ، ويحسب أنه يحسن صنعاً ،ومنها : أن يؤمن العبد بربّه فيمنّ على الله ولله عليه المنّة ».(١)
وهو من المهلكات العظيمة ، كما قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ثلاث مهلكات : شحّ مطاع ، وهوىّ متّبع ، وإعجاب المرء بنفسه ».(٢)
وعن الباقرعليهالسلام : « من دخله العجب هلك ».(٣)
وفي كثير من الأخبار : « إنّ الذنب خير منه ولو لاه ما ابتلي مؤمن بذنب أبداً »(٤) .
وممّا يترتّب عليه الكبر كما سيأتي ، ونسيان الذنوب واستحقارها فلا يتداركها ، وتزكية نفسه وترك السؤال والتعلّذم إن كان في العلم وعدم قبول النصح وترك الاستشارة إن كان من خطأ ، وبه يحصل الضلال والهلاكة في أمور الدين والضرر والفضيحة في أمور الدنيا والفتور في السعي لظنّذه الفوز بما ينجيه مع أنّه الهلاك الذي وقع فيه.
وعلاجه الاجمالي : أن يعرف ربّذه بأن كل كمال له منته إليه.
باد ما وبود ما از داد اوست |
هستى ما جمله از ايجاد اوست |
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٣١٣ ، كتاب الايمان ولكفر ، باب العجب ، ح ٣ مع اختلاف.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٢٧٢.
٣ ـ الكافي : ٢ / ٣١٣ ، كتاب الايمان والكفر ، باب العجب ، ح ٢ ، وفيه ، عن الصادقعليهالسلام .
٤ ـ راجع الكافي : ٢ / ٣١٣ ، والمحجة البيضاء : ٦ / ٢٧٣.
فلا يليق العزّة والعظيمة إلّذا به.
ثم نفسه ثانياً من كونه عدماً محضاً واحتياجاً صرفاً ، وأنّ كلّ شيء له فهو من ربّه.
ما عدم هاييم وهستى هاى ما |
تو وجود مطلق وفانى نما |
|
ما همه شيران ولى شير علم |
حمله مان از باد باشد دم به دم |
|
حمله مان از باد ونا پيداست باد |
وانكه ناپيداست هرگز گم مباد |
ومن كون أوّذله نطفة وآخره جيفة ، وفيما بينهما حاملاً للقاذورات ، عاجزاً عن كلّذ شيء من الحادثات ، عبداً مملوكاً لايقدر على شيء من الخير والشرّذ ، ولايملك شيئاً من النفع والضرّ. فما له وللعجب لولا جهله؟ وأيّذ كمال له وهذا شأنه وعقله؟
ثمّ تضمحلّ صورته وأعضاؤه وتبلى عظامه وأجزاؤه ، ثم يساق بعد طول البلى إلى تحمّل أنواع البلاء ويوقفه الملائكة الغلاظ الشداد في موقف الحساب بين يدي ربّ العباد ، فإن أمر بتصليته إلى الجحيم باستحقاقه العذاب الاليم تمنّى أن يكون من التراب أو من جنس الخنازير والكلاب ، ولا يشاهد ما أعدّ له في الجحيم من الزقّوم والضريع والحميم والسلاسل والاغلال والعقوبات الشديدة والأنكال ، ممّا لو رآه أهل الدنيا في دنياهم صعقوا من تلك الرؤية الموحشة القبيحة ، القبيحة ، وشهقوا من استشمام كريه تلك الريحة ، ولو لم يؤمر به إلى مقرّ الفجّذذار كان عفواً وتفضّلاً من الرحيم الغفّار ، إذ مامن عبد إلّذذا وقد أذنب وعمل ما يستحقّذ به النار الا من عصمه الله من الانبياء والائمّذة الأطهار. فما لهذا الجاهل المغرور والعجب في دار الغرور؟
ألا ترى أنّ بعض مماليك السلطان إذا ابتلي بالخيانة والعصيان واستحقّ العقوبة والخذلان وحبس للتنبيه والتأديب وهو ينتظر الخروج لعرض أعماله عليه بمحضر من الشاهد والرقيب ثم الحكم عليه إما بالعفو أو
التعذيب ، فهو في هذا الحال مع ما له من أسباب التشويش والاذلال هل يعجب من نفسه مع كونه مسجوناً الا أن يكون سفيهاً أو مجنوناً.
بسته درر زنجير ، چون شادي كند |
كي اسيرر حبس ، آزادي كند |
فيكفيه التأمّل فيما ذكر معرفة بنفسه من كونه فاقداً لكلّ كمال باقياً في أدون مراتب المهانة والاذلال ، فلا يعجب بنفسه في حال من الأحوال.
وعلاجه التفصيلي : قطع مواده وأسبابه.
فإن كان سببه العلم ، تفكّر في أنّذ حقيقته العلم بربّذه ونفسه كما عرفت وهو جاهل بهما.
صد هزاران فضل دارد از علوم |
جان خود را مى نداند اين ظلوم |
|
داند او خاصيت هر جوهرى |
در بيان جوهر خود چون خرى |
|
قيمت هر كاله مى داند كه چيست |
قيمت خود را نداند احمقى است |
|
جان جمله علم ها اين است اين |
كه بدانى اصل خود را يوم دين |
فلوكان عالماً بهما ازداد خوفاً وتذلّلاً واعترافاً بالعجز والقصور. فما حصّله إما من العلوم الدنيوية والصناعات الرسمية التي ليست علوماً حقيقية ، أو اعتقادات خالية عن النور والضياء لخبث جوهره ، وما حصل من الصدأ ، وخوضه فيها قبل تهذيب نفسه بالرياضات وانلمجاهدات ، لما عرفت من أنّذ العلم بدون ذلك لايزيد في النفس الا تيهاً في الظلمات ، كما أنّ الغيث النازل من السماء مع ماله من العذوبة والصفاء يزيد شرب المنابت المرّة منه مرارة والحلوة منها حلاوة ، وأنّ الله يحبّذ من عبده الاستكانة والتذلّل ، حيث قال تعالى بلسان رسله :
« إنّ لك عندي قدراً ما لم تر لنفسك قدراً ، فإن رأيت لها قدراً فلا قدر لك عندي ».(١)
فإن كان صادقاً في محبّذذة مولاه كلّف نفسه على ما يحبّه منه ويرضاه ،
__________________
١ ـ جامع السعادات : ١ / ٣٣٠_٣٣١ ، المحجة : ٦ / ٢٦٢.
وأنّ خطر العالم أشدّ من الجاهل ، لأنّ الله تعالى يداقّ الناس على قدر عقولهم واستخفاف العالم في معصيته بالله أشدّ ، فالحجّة عليه ثم أتمّ وأوكد.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ أهل النار ليتأذّون من ريح العالم التارك لعلمه ، وإنّ أشدّ الناس حسرة وندامة رجل دعا عبداً إلى الله تعالى فاستحباب له وقبل منه فأطاع الله فأدخله الجنّذة وأدخل الداعي النار بتركه علمه واتباعه الهوى وطول الأمل ».(١)
وأيّ عالم يطمئنّ بعلمه يجميع ما علمه وامتثاله لجميع ما أريد منه من التحلّذي بالفضائل النفسيّة والأعمال الصالحة والتخلّي عن الرذائل الخلقيّة والاعمال الفاضحه؟ فلو تفكّر في ذلك طال حزنه وخوفه وزال عجبه وكبره ، بل كلّما ازداد علماً وتعقلّاً ازداد تواضعاً وتذلّلاً.
هر كه بيدارتر پر دردتر |
هر كه او آگاه تر رخ زردتر |
وإن كان الباعث عليه عبادته ، تأمّل في أنّ المقصود منها تحصيل ملكة العبودية ، أعني الانكسار والذلّة وهو يضاد العجب مع كثرة شرائطها وشدّذة آفاقها الموجبة لحبطها. فمن أين له العلم بحصولها وسلامتها عن آفات قبولها فلو ادّعاه كان في أدون مراتب القصور والجهل بحقائق الأمور. على أنّ فائدتها السعادة ، وهي ممّذا لايعلمها الا العالم بالقضاء الأزلي.
وإن كان أحد الفضائل النفسية ، تأمّذل في اشتراط ظهور خواصها وآثارها بفقد هذه الصفة وإبطالها لها ، فكيف يرضى بارتكاب ما يبطل فضائله التي حصّلها برياضات شاقة وممجاهدات عظيمة ، ولايهتمّ في حفظها؟ ولو علم مشاركة كثير من بني نوعه معه فيها بل مزّيتهم عليه زال إعجابه بها.
ويروى أنه كان من مشاهير الشجعان من يرتعد فرائصه وتضطرب
__________________
١ ـ الكافي : ١ / ٤٤ ، كتاب فضل العلم ، باب استعمال العلم ، ح ١ ، وفيه : « وإنّ أشدّ أهل النار حسرةّ ».
أحواله في حال الحرب ، فقيل له : ما هذه الحالة وأنت أشجع الناس؟ فقال : لم أمتحن خصمي فلعلّه أقوى منّي.
وأنّ إعجابه بكماله إن كان لكونه محلاً وقابلاً له فهو مسخّر تحت حكم الفاعل وليس له الا القبول والانفعال والفضل للمؤثّر الفاعل دونه. مع أنّ الاستعداد والقبول أيضاً من فيضه وفضله ، فإنه الخالق للأعضاء والجوارح والقوى والادراكات وغيرها ، وإن كان من تصوّر أنه البعث على حصوله وأنّه ناش عن قدرته ، فهو جهل منه بكون قدرته وأسبابه التي بها يحصل الكمال ويتمّ الأعمال من الكريم الواهب المتعال(١) من غير حق له عليه تعالى فبالحريّ أن يعجب من كرمه وفضله حيث أفاض عليه ما لايستحقّه وهو المنعم الحقيقي بجلائل النعم ودقائقها ، والواهب لصور الأشياء وحقائقها.
فالعجب ممّن يعجب بنفسه في عبادته أو عبادته أو غيرها مع عجزه عن جميع الأسباب والمصالح المؤدّية إلى ما أعجبه منها وعدم مدخليّته له فيها أصلاً ولا يعجب ممّن يستند إليه كل الأمور وهو الذي اختاره واجتباه وآثره واصطفاه على كثير من خلقه بتمكينهم من استعمال اللذّات التي أغفله عنها وذرأها(٢) عنه ، وصرف بواعث الخيرات عنهم وإعدادها له.
روي أنّ أيّوب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « إلهي إنّك ابتليتني بهذا البلاء ، وماورد عليّ أمر الا آثرت هواك على هواي ، فنودي من غمامة بعشرة آلاف صوت : يا أيّوب أنّى لك ذلك؟ فأخذ رماداً فوضعه على رأسه وقال : منك ياربّ [ ، منك يا ربّ ] »(٣) فلو لا فضله ورحمته الواسعة ما زكى أحد » ولذا قال نبيّناعليهالسلام الذي هو أشرف خلق الله سبحانه : « ما منكم من أحد ينجّيه عمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟ قال : ولا أنا الا أن يتغمّدني الله برحمته ».(٤)
__________________
١ ـ كذا ، والصحيح : المتعالى.
٢ ـ كذا ، والصحيح : زواها كما في المحجة : ٦ / ٢٨٠.
٣ ـ المحجة اليضاء : ٦ / ٢٨١_٢٨٢.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٢٨٢.
ولا يلزم منه سلب الاختيار كما حقّق في محلّه.
وإن كان من حسبه ونسبه تأمّل أوّلاً في أن إعجاب المرء من نفسه بكمال غيره حمق غريب ، وأنه لشيء عجيب ، فلو كان خسيساً في ذاته الانسان شرفاً على الدودة المخلوقة من فضلة الحمار؟ هيهات ، بل هما سيّان في الدناءة والاستقذار ، لو لم تكن الأولى أخسّ واأدنى بحسب الاعتبار.
لئن فخرت بآباء ذوي شرف |
قالوا صدقت ولكن بئس ما ولدوا |
ولذا قال عليعليهالسلام :
إن الفتى من يقول ها أنا ذا |
ليس الفتى من يقول كان أبي |
ونقل أنّ وحداً من أولاد الملوك افتخر على غلام حكيم ، فقال له الغلام : إن كان فخرك بأبيك فالفخر له ، وإن كان من ملبوسك فالشرف له ، وإن كان من مركوبك فالفضل له ، ولو أخذ كلّ حقه لم يبق فيك ما يصلح لافتخارك.
وثانياً : في أنّ الله تعالى قد عرّف نسبه بقوله :
( وبدأ خلق الإنسان من طين ثمّ جعل نسله من سلالة من ماء مهين ) .(٢)
وأيّ شرف في أصل تطأه الأقدام أو تتنجّس من ملاقاته الأجسام.
وثالثاً : في أنّ شرافة من يفتخر بهم إن كان من تحلّيهم بالكمالات النفسيّة وتخلّيهم عن الرذائل الخلقيّة فلم يكن فيهم العجب أيضاً لا محالة فلابدّ لمن يفتخر بهم أن يقتدي بهم في ترك إعجابه حتّى لا يكون طاغياً في أنسابه.
وإن كان من تحليهم بالزينة الدنيوية والشوكة المجازية فما أجهله بحقيقة
__________________
١ ـ ديوان أميرالمؤمنينعليهالسلام : ص ٧٨.
٢ ـ السجدة : ٧_٨.
حالهم وما أغفله عن كيفيّة مآلهم ، كيف والانتساب إلى الخنازير والكلاب أحسن من الافتخار بتلك الأنساب. ولو ارتفع عنه الحجاب واطّلع على ما هم فيه من أليم العذاب وعظيم المصاب ونظر إلى صورهم المشوّهة في النار وما لحقهم من النتن والاستقذار لا ستننكف منهم وتبرّأ عنهم.
وروي أنه افتخر رجلان عند الكليمعليهالسلام فقال أحدهما : أنا فلان بن فلان إلى أن عدّ تسعة ، فأوحى الله إلى الكليم قل له : « كلّ التسعة من أهل النار وأنت عاشرهم ».(١)
وإن كان من جماله ، تأمّل في سرعة زواله بعروض أدنى مرض وألم ، ثم عروض الشيب والهرم ، ثم لحوق الفناء والعدم.
ثم في ما وكل في كلّ عضو منه من الأقذار المنفرة والفضلات القبيحة القذرة كبصاق الفم ومخاط الأنف ووسخ الاذن وصديد البشرة ونتن الابط وفضلات المعدة كالبول والعذرة ووجع(٢) الأمعاء وديدان الأحشاء وخروج ما لو رآه تنفّر عن رؤيته من بطنه كلّ يوم ، فضلا عن مسّه أو شمّه لكثافته ونتنه مع ما كان في أوّل أمره من النطفة ودم الحيض وخروجه عن مجاري الأقذار كالذكر والرحم والفرج ولو لم يتعاهد لنفسه التنظيف من الأقذار على الدوام كان أشوه من مهملات الدوابّ والأنعام.
وما يؤول إليه أمره بعد شيبه من قبح الصورة ثم موته وصيرورته جيفة قذرة ، فكيف يعجب بالهيأة التي هذا دوامها وحقيقتها.
وإن كان من المال ، تأمّل في آفاته من الغصب والنهب والحرق والغرق وغيرها من أسباب وزواله.
ثم في كون كثير من النصارى واليهود والمجوس والهنود أكثر مالاً منه. فتّباً لشرف لا وثوق له ببقائه في ساعة فضلاً عن أيّام وليال ويسبقه فيه من
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٢٤٣.
٢ ـ كذا ، والظاهر : « رجيع الأمعاء » كما في المحجة : ٦ / ٢٥٨.
ذكرناه من الرجال.
بر مال وجمال خويشتن غرّه مشو |
كان را به شبى برند واين را به تبى |
ثم في ماورد في ذمّه وذمّ الأغنياء ومدح الفقر والفقراء وشرافتهم واستباقهم إلى ما أعدّ لهم من النعيم في دار البقاء.
ثم في موته وتمتّع زوج امرأته أو ابنته أو زوجة ابنه وسائر ورثته منه مع عظم خطره وكثرة حقوقه وطول المحاسبة عليه ، ففي حرامها العقاب ، وفي حلالها الحساب ، وفي الشبهات منها العتاب.
وإ ، كان من قوّته وشدّة بطشه ، تأمّل في حصول أشدّ الضعف له بأدنى مرض يسلّط عليه وأقلّه ، ولو توجّع عرق واحد من أعضائه صار من أعجز ما يكون وأذلّه ، ولو سلبه الذباب شيئاً لم يستنقذه منه ، وعجزه عن قمّلة وبقّة وأدنى شوكة تدخل في رجله ، وأنّ كثيراً من الحيوانات أشدّ بطشاً منه ، فأيّ إعجاب بما يكون في البهائم والسباع أكمل منه.
وإن كان من الجاه وقرب السلطان أو كثرة الأنصار والأتباع والأعوان من الأولاد والأقارب والعشائر والخدم الغلمان ، تفكّر في قرب أو ان انقطاعها ومفارقتها لها بفنائه أو فنائها ، وكونها اعتبارات ضعيفة كسراب بقيعة ، فإذا مرض عجزوا عن دفع أدنى مرضه ورفع أقلّ ما يؤذيه ، وأذا دفن في حفرته وخلّي في البيت الجديد وحيداً غريباً ذليلاً كئيباً سلمه أعوانه المذكورون إلى العقارب والحيّات والديدان ، وأنواع ما أعدّ له من الهموم والمصائب والأحزان ، وهو في أحوج حال إلى إعانتهم وإسعادهم وأبعده عن إغاثتهم وإمدادهم.
على أنّ التجربة شاهدة بأنّ محبّتهم وإعانتهم تبع لما يأملون منه من وجوه البذل والانفاق مادام يرونه متعرّضاً لسخط الله بتحصيل الأموال لهم من غير وجهها ، موقعاً نفسه في المهالك لتحصيلها وبذلها وصرفها فيهم ، فإذا نقص شيء مما يشتهونه مالوا إلى عداوته وتعرّضوا لمقته ومعارضته.
اين دغل دوستان كه مى بينى |
مگسانند دور (گردخ ل) شيرينى |
ثم من أقبح أنواعه العجب بالرأي الفاسد والجهل المركّب ، فإنّ جميع أهل البدع والضلال أصرّوا على آرائهم الفاسدة لعجبهم بها وبه هلك الأمم بفرقها فإنّ كلّ حزب بقما لديهم فرحون وقد أخبر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بظهوره في الأمّة بعد وفاته.
وعلاجه في غاية الصعوبة ، لما عرفت من صعوبة متعلّقة ، فلا يزول إلا بزواله. وأنفع شيء له الرياضة والمجاهدة التامّة والتضرّع والابتهال والاستعداد من النفوس القدسيّة وممارسة الكتاب والأخبار المعصومية ومجالسة العلماء ومدارسة العلوم الرياضية حتى يألف بالعلم واليقين ويهتدي إلى حبل الله المتين.
فصل
قد تبيّن لك حقيقة الكبر وأنّه من تنائج العجب ، وما يترتّب عليه من التحقير للغير كالاستنكاف عن مواكلته ومصاحبته وتوقّع التقديم فيما يدلّ عرفاً على التعظيم عليه ، وعدم الالتفات في المحاورات وغيرها إليه يسمّى تكّبراً ، وهو من الآفات العظيمة التي هلك بها خواصّ الأنام فضلاً عن العوام ، وهو أعظم الحجب المانعة عن الوصول إلى دار السلام.
ويترتّب عليه من المفاسد ترك التواضع وكظم الغيظ وقبول النصح والغضب والحقد والحسد والغيبة وازراء الناس وغيرها.
فما من رذيلة الا ويضطرّ إليها لحفظ عزّه الموهوم ، وما من فضيلة الا وهو عاجز عنها خوفاً عن ذلّه الموهوم.
وربما زاد إلى أن يؤدي إلى الاستكبار على الله ورسله وأمنائه الأطهار بإنكار كلامهم ونصائحهم والاستنكاف عن امتثال أو امرهم ونواهيهم ، فيصير كفراً بالله الكريم ، أعاذنا الله منه بمنّه العظيم ولطفه العميم.
قال الله تعالى :( إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين ) (١) ( ادخلوا أبواب جهنّم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبّرين ) (٢) ( إن في صدورهم الا كبر ماهم ببالغيه ) .(٣)
وفي النبويّ : « لايدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من الكبر ».(٤)
وفيه أيضاً : « قال الله تعالى : الكبرياء ردائي والعظمة أزاري ، فمن نازعني في واحد منهما ألقيته في جهنم ».(٥)
وقال عيسى بن مريمعليهالسلام : « كما أنّ الزرع ينبت في السهل ولاينبت على الصفا ، كذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولاتعمر في قلب المتكبّر ».(٦)
وبالجملة : فالأخبار كثيرة لاتحصى.
وأقبح أفراد المتكبّر من مكّنه (كمنه خ ل) في قلبه وأظهره بلسانه وجوارحه في أقواله وأفعاله. وأحسن منه في الجملة من مكنّه في القلب والجوارح ماخلا اللسان. وأحسنها من مكنّه في القلب ولم يظهره بقول ولا عمل ، بل يجتهد في التواضع. فإن كان قصده التلبيس على الناس بإثبات التواضع لنفسه فلعلّه أشدّ من الأولين لكونه متكبّراً ومرائياً معاً ، وإن كان منكراً لما يميل إليه قلبه مجتهداً في إزالته عنه ، كلن لايقدر عليه بسهولة ، بل يميل نفسه إلى ما يشتهيه من دون اختيار فيرجى له أجر المتواضع ، والله تعالى عسى أن يوفّقه بموجب وعده لغاية مراده وقصده.
__________________
١ ـ غافر : ٦٠.
٢ ـ الزمر : ٧٢.
٣ ـ غافر : ٥٦.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٢١٢.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٢١٣.
٦ ـ تحف العقول : ٥٠٤.
وعلاجه : بما ذكر في العجب لاشتراك بواعثهما وكونه من نتائجه ، ويخصّه بعد التذكّر لما دلّ على ذمّه ومدح ضدّه من الآيات والأخبار ، التأمّل في أنّ حكمه بمزيته على غيره من غاية جهله ، إذ شرف المرء بسعادته وحسن خاتمته ولا علم بهما الا للعالم بالقضاء الأزلي ، فربّما حسنت خاتمة المتكبّر عليه ووصل إلى أقصى مراتب السعادة وختم للمتكبّر بالشقاوة.
وأيضاً شرفه بالفضائل النفسيّة ، وخسّته بالرذائل الخلقية ، وهي أمور باطنية لا يعلمها الا علام الغيوب المطّلع بما تخفيه الضمائر والقلوب.
على أنه لو حصّل مرتبة الشوق والحبّ وبلغ إلى مرتبة اليقين نظر إلى كلّ الموجودات بعين واحدة ، وهي الانتساب إليه تعالى بكونها رشحة من رشحات وجوده وقطرة من قطرات بحار فضله وجوده ، وآثاراً لذاته ومظاهر لصفاته ، فلا ينظر إلى أحد بعين الحقارة.
ولايرد لزوم حسن التواضع والمحبّة للكفّار والأشرار ، مع كونه مأموراً ببغضهم ولعنهم وترك مودّتهم ، لاختلاف الحيثية ، فبغض الكافر مثلاً لكفره وعداوته لايستلزم ميل النفس إلى التكبّر عليه ، وحبّه لأجل كونه من مظاهره وآثاره لا ينافي بغضه لأفعاله وأخلاقه وعقائده ، فلو وكلّ أحد غلامه المأمون على ولده بمراقبته وتأديبه فالمطلوب المحمود من الغلام ضربه وتأديبه إذا أساء ظاهراً لمجرّد امتثال مولاه ، ومحبّته له باطناً من حيث إنه ولده ومنسوب إليه ، ولايحسن منه أن يتكبّر عليه ويرى لنفسه مزيّة بالنسبة إليه. فالمعيار الكلّي كون حبّه وبغضه خالصاً لوجه الله ، فاينافي حدوث كلّ منهما وزواله وزيادته ونقيصته بالنسيبة إلى ما يعرضه من العقائد والأخلاق والأعمال.
على أن المناط حسن الخاتمة وسوء العاقبة ، فلعلّ الكافر يسلم ويتوب ، والفاسق يندم ويؤوب.
والعلاج العملي له المواظبة على ضدّه ولو تكلّفاً إلى أن يعتاد عليه وينقلع عن قلبه شجرته الراسخة فيه بأصولها وأغصانها.
وله علامات كحصول السرور القلبي له من ظهور الخطأ في رأيه وحقّية رأي خصمه في مناظراته وشكره الظاهري له على تنبيهه عليه من دون ثقل عليه لا في الخلأ ولا في الملأ.
وكتقدم أقرانه على نفسه في المجلس والممشى من دون ثقل في الخلأ والملأ.
وكإجابة دعوة الفقراء وقضاء حوائجهم وحمل حوائجه وحوائجهم إلى منزله ومنازلهم بنفسه من دون ثقل عليه في الخلأ والملأ.
واللبس من دون زيّ أقرانه كلبس الصوف وغيره من الخشن.
والأكل مع الفقراء والمعلومين والخدم والغلمان من دون ثقل عليه في الخلأ والملأ.
وإن ثقل عليه أحد ماذكر في الملأدون الخلأ ، فهو وإن لم يكن متكبّراً الا أنّه مراء ، ينبغي له إعمال معالجات الرياء.
وفي الخبر : « أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يعلف الناضح ، ويعقل العبير ، ويقمّ البيت ، ويحلب الشاة ، ويخصف النعل ، ويرقّع الثوب ، ويأكل مع الخادم ، ويطحن عنه إذا أعيى ، ويشتري من السوق ويعلّقه بيده ، أو يجعله في طرف ثوبه ، ويصافح الغنيّ والفقير والصغير والكبير ، ويسلّم مبتدءاً على كلّ مستقبل من صغير وكبير وأحمر وأسود ، حرّ أو عبد من أهل الصلاة ، وكان أشعث أغبر ، ولايحقّر مادعي إليه الحديث ».(١) وسيجيء تمام الكلام في التواضع.
وأعلم انّ من أظهر أنواعه الافتخار ، وقد ورد في ذمّه بخصوصه أيضاً كثير من الاخبار وعلاجه بعلاجه.
كما أنّ الكبر طرف إفراط من فضيلة التواضع ، فالتذلّل والتخاسّ
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٢٥٠ نقلاً عن أبي سعيد الخدري.
ظرف تفريط منها من التملّق لأرباب الدول ، والتواضع للمتكبّرين وغير ذلك ممّا يذكر بعضها في التواضع مع ما يدلّ على ذمّها.
وعلاجه بعد التذكّر لقبحه عقلاً ونقلاً ، ومدح التواضع كذلك ، بتحصيل ضدّه الذي هو التواضع.
فصل
البغي عسر الانقياد لمن يجب انقياده عقلاً ، وربما فسّر بمطلق الاستطالة والعلوّ حتّى يشمل أنواع الكبر بأسرها مع الظلم والتعدّي ، وهو من أفحش أنواع الكبر ، والباعث لتكذيب المكذّبين للأنبياء والمرسلين ، وقد هلك به أغلب الكفّار والباغين.
والأخبار في ذمّه بخصوصه أكثر من أن تحصى.
وعلاجه ـ بعد تذكر تلك الأخبار ومادلّ على مدح التسليم والانقياد من الآيات والأخبار الدالّة على وجوب إطاعة الله ورسله وأوليائه ـ بما تذكر في الكبر والعجب وتكليف نفسه بالانقياد ولو تكلّفاً حتّى تنقاد ويصير لها ملكة.
فصل
ومن نتائج العجب تزكية النفس بنفي النقائص عنها ، وإثبات الفضائل لها. ويكفيك في قبحه ما قدّمناه في العجب ، مع أنّ فيه من القبح العرفي ما يشهد به الوجدان. ولذا قال أميرالمؤمنينعليهالسلام : « تزكية المرء لنفسه قبيح ».(١)
قال الله تعالى :( فلا تزكّوا انفسكم هو أعلم بمن اتّقى ) (٢) .
وعلاجه علاج العجب مع تكليف نفسه بضدّها ، أي هضمها وكسرها وإثبات النقص لها إلى أن يصير لها ملكة.
__________________
١ ـ جامع السعادات : ١ / ٣٦٦.
٢ ـ النجم : ٣٢.
فصل
العصبيّه أي حماية المرء لنفسه أو ما ينسب أليه من الدين والاتباع قولأً وفعلاً ، فإن لم يكن متعدّياً عن الانصاف ولم يقع بسببها في محرّم شرعي فهي غيرة ممدوحة ، وسيجيء ذكرها ، وإن تعدّى عنه أو وقع في المحرم فهي من رذائل قوّة الغضب من باب الرداءة (الإفراط خ ل).
وقد فسّرها سيّد الساجدينعليهالسلام بقوله : « العصبيّة التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين » ، وليس من العصبيّة أن يحبّ الرجل قومه ، ولكن من العصبيّة أن يعين قومه على الظلم ».(١)
فالذمّ المطلق في الأخبار مقيّد به ، لأنّه الشائع من معناه ، سيّما في أمثال ذلك الزمان.
وعلاجها ـ بعد التذكّر لما ورد في ذمّها من الأخبار ومدح ضدّها أي الانصاف ، والتأمّل في المفاسد المترتّبة عليها والمحاسن المترتّبة على ضدّها ـ تكليف نفسه بالعمل بمرّ الحق ولو تكلّفاً إلى يصير له عادة.
فصل
كتمان الحق إن كان ناشئاً من العصبية كان من رذائل الغضبية من جانب الافراط ، وإن كان من الجبن كن منها من جانب التفريط ، ويندرج فيه كثير من المحرمات ككتمان الشهادة وشهادة الزور والحكم بغير الحقّ وتصديق المبطل وتكذيب الحقّ وغيرها.
والأخبار في ذمّ مطلقه وكل ممّا يندرج تحته أكثر من أن تحصى.
وعلاجه ـ بعد التذكّر لكونه موجباً لسخط الله ومقته وفوائد ضدّه أي
__________________
(١) الكافي : ٢ / ٣٠٨ ـ ٣٠٩ ، كتاب الايمان والكفر ، باب العصبيّة ، ح ٧.
الاستقامة على الحق ـ تكليف نفسه على ذلك ولو تكلّفاً إلى أن يصير له عادة.
فصل
ومن رذائل قوّة الغضب القساوة أي ملكة عدم التأثّر من تألّم أبناه النوع. ويترتّب عليها من الصفات الذميمة الظلم والايذاء وترك إعانة الضعفاء ومواساة الفقراء ونحوها وامتناع النفس عن قبول المواعظ والنصائح والخوف من الله تعالى.
وفي الخبر النبويصلىاللهعليهوآلهوسلم : « يقول الله تعالى : اطلبوا الفضل من الرحماه من عبادي وتعيّشوا في أكنافهم فإنّي جعلت فيهم رحمتي ولا تطلبوه من القاسية قلوبهم ، فإني جعلت فيهم سخطي ».(١)
والأخبار في ذمّ القسوة وفضل ضدّها الرحمة أكثر من أن تحصى ، والله سبحانه وتعالى شبّه قلوبهم بالحجارة ، ثمّ قال :( أو أشدّ قسوة ) .(٢)
وبينّها بأنّ من الحجارة لما يتفجّر منه الأنهار وأنّ منها لما يهبط من خشية الله.
وبالجملة فذمّ القساوة في الكتاب والسنّة كثير ، والمفاسد المرتّبة عليها أظهر من أن تخفى ، وكذا مدح الرحمة وشرفها ، ويكفيها فضلاً كونها من أظهر الصفات الالهيّة التي ينسبها إلى ذاته في كلامه المجيد دائماً ، والله يحبّ من عبده التشبّه به في صفاته ، ويكره منه ما يضادّها. لكن إزالتها عن القلب في غاية الصعوبة ، فيحتاج إلى رياضة تامّة بترك لوازمها وآثارها ، و (من خ ل) المواظبة على آثار الرحمة والرأفة من الأعمال الظاهرة ، ويكلّف نفسه عليه تكليفاً عنيفاً حتّى تتبدّل تدريجاً.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٦٠.
٢ ـ البقرة : ٧٤.
المقام الثاني
في ذكر معظم الفضائل المتعلّقة بالقوّة الغضبية
وفيه فصول
فصل
الشجاعة إحدى الفضائل الأربع النفسانية وهي جنس لفضائل القوّة الغضبيّة.
وقد عرفت أنها عبارة عن تعديلها بإطاعتها بالقوّة العقلية في الاقدام على الأهوال وسكونها تحت أمرها ونهيها. وقد تقدّم في الفصول السابقة ما يكفيك في معرفة فضيلتها ، كما يظهر لك في الفصول الآتية أيضاً.
وبديهة العقل تشهد بحسنها ، وأن بها يتم الرجولية والفحلية ، وكفاه مدحاً كونه من أظهر صفات أميرالمؤمنينعليهالسلام وذرّيته الطيّبين سلام الله عليهم أجمعين.
وقد قال الله تعالى في مدح جماعة من المؤمنين :
( أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم ) .(١)
وقال الحسن بن عليعليهالسلام في وصف أخ له :
« كان ضعيفاً مستضعفاً فإذا جاء الجدّ كان ليثاً عادياً ».(٢)
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ثلاث خصال من كنّ فيه استكمل خصال الايمان : إذا »
__________________
١ ـ الفتح : ٢٩.
٢ ـ الكافي : ٢ / ٢٣٧ ـ ٢٣٨ ، كتاب الايمان والكفر ، باب المؤمن وعلاماته ، ح ٢٦.
رضي لم يدخله رضاه في باطل ، وإذا غضب لم يخرجه الغضب عن الحقّ ، وإذا قدر لم يتعاط ماليس له ».(١)
وعن الباقرعليهالسلام : « المؤمن أصلب من الجبل. الجبل يستقلّ منه ، والمؤمن لايستقلّ من دينه شيء ».(٢)
فصل
ومن جملة أنواعها الخوف من الله تعالى.
قال الصادقعليهالسلام : « يا إسحاق! خف الله كأنّك تراه ، فإن كنت لاتراه فإنّه يراك فان (وإن خ ل) كنت ترى أنّه لايراك فقد كفرت ، وإن كنت تعلم أنه يراك ثم برزت له بالمعصية فقد جعلته من أهون الناظرين اليك ».(٣)
وقالعليهالسلام في قوله تعالى :( ولمن خاف مقام ربّه جنّتان ) (٤) : « من علم أنّ الله يراه ويسمع ما يقول ويعلم ما يفعله من خير وشرّ فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال ، فذلك الذي خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى ».(٥)
وقالعليهالسلام : « من عرف الله خافه ، ومن خافه سخت نفسه عن الدنيا ».(٦)
وقالعليهالسلام : « من خاف الله أخاف الله منه كلّ شيء ، ومن لم يخف الله أخافه الله من كلّ شيء ».(٧)
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ألا إن المؤمن يعمل بين مخافتين : بين أجل قد مضى لايدري ما الله صانع فيه ، وأجل قد بقي لايدري ما الله قاض فيه
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٢٣٩ ، كتاب الايمان والكفر ، باب المؤمن وعلاماته ، ح ٢٩.
٢ ـ الكافي : ٢ / ٢٤١ ، كتاب الايمان والكفر ، باب المؤمن وعلاماته ، ح ٣٧.
٣ ـ الكافي : ٢ / ٦٧ ـ ٦٨ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الخوف والرجاء ، ح ٢.
٤ ـ الرحمن : ٤٦.
٥ ـ الكافي : ٢ / ٧٠ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الخوف والرجاء ، ح ١٠.
٦ ـ الكافي : ٢ / ٦٨ ، كتاب الايمان والكفرن باب الخوف والجاء ، ح ٤ ، وفيه : « خاف الله » في الموضعين.
٧ ـ الكافي : ٢ / ٦٨ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الخوف والرجاء ، ح ٣.
... الحديث »(١) .
وناهيك دالاً على فضاء أنه القامع للشهوات الذابّ عن السيّئات الباعث على الطاعات ، فإن السقيم إذا خاف طول السقام احتمى عمّا يضرّه من الطعوم ، والعالم بإهلاك السمّ يمتنع عن أكل الطعام المسموم.
ثم إنه لايتحقّق الا من انتظار مكروه إمّا لذاته كخوف الموت وسكراته وما يترتّب عليه من هول المطّلع وسؤال القبر وعذابه والحياء عن اطلاع أهل المحشر عن فضائح أعماله والحساب والصراط وعذاب النار والحرمان عن نعيم دار القرار والنقصان عن درجة المقرّبين والأبرار والبعد والاحتجاب عن ربّ الأرباب ، وهو خوف الزاهدين والعابدين.
وإمّا لغيره كالموت قبل التوبة عن ذمائم أخلاقه وأعماله ، أونقضها قبل الموت ، أو ضعفه عن استيفاء(٢) حقوق الله ، أو الاشتغال عن الله بغيره ، أو البطر والاستدراج بتواتر النعم والاغترار بالدنيا أو تعجيل العقوبة فيها ، أو غفلة عن القبائح ، أو سوء الخاتمة وهو من أعظم المخاوف الذي قطع قلوب السالكين العارفين بخطره ، وأعلى منه خوف السابقة لكونه أدلّ على كمال المعرفة لكون الخاتمة فرعها ومظهرها ، ولذا ورد : « الشقيّ شقّي في بطن أمّه ، والسعيد سعيد في بطن أمّه »(٣) .
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٧٠ ، كتاب الايمان والكفرن باب الخوف والرجاء ، ح ٩.
٢ ـ في نسخة « ب » : استقصاء.
٣ ـ الجامع الصغير : ٢ / ٣٧ ، توحيد الصدوق : ٣٥٦ ، واعلم أنّه ليس معنى الحديث أنّ السعادة والشقاوة أمران مقدّران أزليّان قاهران على الانسان ـ شاء أم لا ـ ولايمكن الفرار عنهما أبداً ، إذ لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ولسقط الوعد والوعيد ولم يكن حكمة في إرسال الرسل وإنزال الكتب ، بل معناه ـ كما عن الامام موسى بن جعفرعليهالسلام ـ أنّ الشقي من علم الله وهو في بطن أمّه أنّه سيعمل عمل الأشقياء وكذا السعيد ، وقول ذلك البعض الّذي يخاف من الأول إن رجع إلى الخوف من علم الله المتعلّق بأفعال العباد باختيارهم فهو ، والا فذلك قول الأشاعرة من العامّة ولاينبغي عدّه معرفة فضلاً عن كمالها.
وقال بعضهم : الناس يخافون من اليوم الآخر وأنا أخاف من الأوّل.
فظهر أنّه تابع للمعرفة واليقين ، فكلّما حصّل علماً بالمخوف عنه حصّل خوفاً مثمراً للاجتناب عن المفضي إليه ، وكلّما ازداد يقيناً تمواعيده تعالى وماله من الصفات والأفعال وبعيوب النفس وما أعدّ لها من الأخطار والأهوال زاد خوفه وخشوعه وتذلّله وخضوعه إلى أن يبلغ مبلغاً لايكون له همّ الا المجاهدة والمراقبة ومؤاخذة النفس دائماً بالمحاسبة ، كما لاهمّ لمن وقع في مخالب السبع الضاري الا استخلاص نفسه منه ، كما كان حال الخلّص من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين.
قال أميرالمؤمنينعليهالسلام : « أما والله لقد عهدت أقواماً على عهد خليلي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنهم ليصبحون ويمسون شعثاً غبراً خمصاً بين أعينهم كركب البعير يبيتون لرّبهم سجّداً وقياماً ، يراوحون بين أقدامهم وجباههم ، يناجون ربّهم في فكّ رقابهم من النار ، والله لقد رأيتهم مع هذا خائفين ، مشفقين ، وكأنّ زفير النار في آذانهم إذا ذكر الله عندهم مادوا كما يميد الشجر ، كأنّما القوم باتوا غافلين ، فما رئي أميرالمؤمنين بعد ذلك ضاحكاً حتّى قبض ».(١)
ثم ربما تبلغ المعرفة بصاحبها في الخوف مبلغ الصدّيقين ، وهو الاستغراق في بحار عظمة الله وجلاله فيصير مدهوشاً والهاً دائماً.
ويسمّى هذا القسم من الخوف في اصطلاح السالكين خشية ورهبة.
وله أيضاً مراتب بحسب اختلاف المعرفة الحاصلة في تلك المرتبة لعدم تناهي صفاته الجمالية والجلالية ، وقصور النفس عن الاحاطة بغير المتناهي مع العجز عن تحمّلها ، كيف ولو تجلّى ذرّة منها على أكمل العقول التامّة
__________________
١ ـ خلط المصنّف هنا بين روايتين : الاولى الرواية ٢١ من باب المؤمن وعلاماته من كتاب الايمان والكفر من الكافي ، وهذه الرواية تنتهي إلى قوله : « مشفقين » ، على أنّ في الكافي : « وهم خائفون مشفقين » بدل « خائفين مشفقين » وفيه أيضاً « كركب المغرى » بدل « كركب البعير » ، والثانية ذيل الرواية ٢٢ من نفس الباب وفيه بعد قوله « غافلين » : « قال (أي الراوي وهو عليّ بن الحسينعليهالسلام ) : ثمّ قام فما رئي ضاحكاً حتّى قبض صلوات الله عليه ».
لاحترق من أنواره الباهرة ، وذاب من مشاهدة عظمته القاهرة.
ولو تتبّعت ما في كتب السير والأخبار من عروض الغشيات المتواترة في كل ليلة لأميرالمؤمنين وأولاده المعصومين الأطهارعليهمالسلام وماكانوا عليه من الدهشة وعدم التفطّن في صلاتهم وغيرها من خلواتهم للآلام العظيمة وسائر الأولياء المخلصين الأبرار ، لاستشممت رائحة ماكانوا عليه من شدّة المعرفة والمحبّة والاستغراق في بحار العظمة ، فهؤلاء ليس لهم التفات إلى ماض وآت ولا كراهة من مكروه ، ولا شوق إلى مطلوب ، ولا خوف من شيء من مكاره الدنيا والآخرة ، ولا مطمع في مطالبها إذا فيض عليهم نور الوحدة ، فلم يبق فيهم حجاب الخوف والخشية.
ولذا : قيل إنّ المحبّ إذا شغل قلبه مع مشاهدة المحبوب بخوف الفراق كان نقصاً في دوام الشهود الذي هو غاية مقامات العارفين(١) .
لمّا عرفت أنّ الفضيلة من كلّ شيء وسطه ، فالخوف المزبور يكون فضيلة إذا كان بأعثاً للمواظبة على تحصيل المعارف الحقّة والأعمال الصالحة حتّى يحصل منه رتبة القرب ولذّة الحبّ ، فكما أنّ لسوق البهيمة وتأديب الصبيّ حدّاً لو قصر عنه لم تحصل الغاية المطلوبة منهما ، ولو تجاوز عنه في الكمّ أو الكيف أدّى إلى هلاكته وتضييعه ، فكذا الخوف.
وعلامة وصوله إلى حدّ الاعتدال تأثيره في الجوارح بالكفّ عن المعاصي ، والتقيّد بالطاعات ، فلو لم يصل إليه كان مجرّد حديث نفس كبكاء النساء والاطفال من أدنى شيء وعودهم إلى ماكانوا عليه بانقطاعه. ولو وصل إلى حدّ اليأس والقنوط كان ضلالاً وكفراً ومؤدّياً إلى ترك العمل
__________________
١ ـ لا اعتبار باقوال غير المعصومين وأتباعهم في هذه المسائل وما قيمة هذه الأقوال التي تنفي الخوف عن الأئمةعليهمالسلام وتعتبره حجاباً عن مشاهدة نور الوحدة في قبال ما ذكر من الآيات والروايات وسيرة الأئمةعليهمالسلام الذين أمرنا باتباعهم واقتصاص آثارهم ، ولذا ذكر في جامع السعادات بأن هذه الأقوال مما لا التفات لنا اليها. فراجعه : ١ / ٢٢٤.
وكسالة الأعضاء ، وهو الفساد المحض المحظور شرعاً وعقلاً.
وتلخيص الكلام في المقام أنّ الخوف في نفسه نقص وعجز ، ينشأ من الجهل بعاقبة الأمور والشكّ فيها ، وإنما يعدّ كمالاً بالنسبة إلى ما هو أعظم نقصاً منه ، وكونه آلة لتحصيل كمالات اخر ، فلو لم يؤدّ إليها بل أدىّ إلى النقائص كفساد العقل وترك تحصيل المعارف والأعمال الحسنة كان فساداً محضاً ونقصاناً صرفاً. وقد ظهر ممّا ذكر أنّ أعظم أسبابه المهيجة له اليقين بالله ، وصدق مواعيده ، والتفكّر في أهوال القيامة ، وأصناف مكاره الآخرة ، وعسر الثبات على الحقّ ، وعظم خطر الخاتمة ، وكثرة تقلّبات القلوب ، واستماع النذر وحكايات خوف الأنبياء والملائكة ، وكمّل الأولياء المسطورة في السير والآثار والاهتمام في زيادة المعرفة بالله ، وصفات جلاله وعظمته تعالى.
لسوء الخاتمة أسباب ، أعظمها غلبة الجحود أو الشكّ في بعض العقائد أو كلّها أصالة أو سراية عند سكرات الموت فيقبض الروح على تلك الحالة الحاجبة بينه وبين ربّه ، الباعثة لحرمان الأبد والعذاب المخلّد ، ونعني بالسراية أن يعتقد في ذاته تعالى وصفاته خلاف الواقع بالدليل أو التقليد ثمّ من جهة كون حالة الموت حالة كشف الغطاء ينكشف له في تلك الحالة فساده ، فيشكّ بسببه في سائر عقائده الحقّة كما نقل عن الفخر الرازي أنّه بكى يوماً ، فسئل عن سببه ، فقال : « قد ظهر لي اليوم بطلان ما اعتقدته منذ سبعين سنة ، فلا أدري أنّ حال سائر ما اعتقدته أيضاً كذلك أم لا ».(١)
وإنّما يتّفق هذا القسم للخائضين في غمرات الشكوك والشبهات والآخذين عقائدهم من بضاعتهم المزجاة من دون تثبّت لهم فيه لقصورهم عن درك حقائق الأمور على ما هي عليه في نفس الأمر وتعارض الأدلّة
__________________
١ ـ جامع السعادات : ١ / ٢٣٤.
المستخرجة لها ، وانفتاح أبواب الشكّ والحيرة فيها بالبحث والنظر ، فربّما اطمأنّوا ببعضها ، ثمّ تبيّن لهم بعد ذلك ضعفها فهم تائهون في غمرات الحيرة دائماً ، فلو أخذتهم سكرة الموت على هذه الحالة أمكن حصول الشكّ لهم في عقائدهم لأجل ذلك ، فمثلهم كمثل سفينة منكسرة في ملتطم الأمواج ومرماها ، فإنّ الغلب هلاكها ، وإن اتّفق نادراً رميها إلى الساحل.
وأمّا البله أعني الذين حصّلوا عقائدهم الراسخة بطريق الاجمال فهم بمعزل عن هذا الخطر ، ولذا حكم بأنهم أكثر أهل الجنّة ، وورد المنع عن الخوض في الكلام والبحث عن ذات الله تعالى.
فالاحسن تلقّي العقائد من صاحب الوحي مع تطهير الباطن من ذمائم الأخلاق وتحلّيه بمحاسنها ومحاسن الأفعال ، وترك التفكّر في حقائق المعارف ، الا من أيّده الله بالقوّة القدسيّة ، فأشرق في قلبه نور الحكمة ، فإنّ لكلّ صواب نوراً ، ولكلّ حقّ سطوعاً وظهوراً ، وأمّا من لم يبلغ تلك المرتبة فليأخذ أصول عقائده بوساطته بالاشتغال بخدمته حتّى تشمله بركات أنفاسه ، فإنّ العاجز عن القتال يخدم أهله ليحشر في زمرتهم ، وإن كان فاقداً لدرجتهم.
ثم بعدها ضعف الايمان وعلامته شدّة حبّ الدنيا وضعف حبّ الله ، بحيث لايلقى منه الا حديث نفس ، ولايظهر منه أثر في أداء الطاعات وترك الانهماك في الشهوات ، فيظلم القلب ويسودّ من تراكم الذنوب ، وينطفي نور الايمان رأساً ، فإذا حان حين الفراق والتفّت الساق بالساق ازدزاد حبّه لله ضعفاً ، ورأى فراق محبوبه أي الدنيا من الله تعالى كرهاً فينكر عليه ما قدّر له ، بل يبغضه ، فهذا سوء الختم ، نعوذ بالله منه فمن وجد حبّ الدنيا في قلبه أقلّ وأضعف من حبّ الله كان أبعد عن هذا الخطر ، ومن كان بالعكس فبالعكس.
( قل إن كان آباؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال
اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتّى ياتي الله بامره ) .(١)
فيكون قدوم الأوّل عليه تعالى قدوم العبد المحسن المشتاق إلى مواله ، ويلحقه الفرح والسرور ماشاء الله ، والثاني عليه تعالى قدوم العبد الآبق المبغض لمولاه إذا قدم عليه قهراً ، ولايخفى ما يكون فيه من الذلّ والهوان والخزي والحرمان.
ثمّ أهونها كثرة العصيان ، وإن قوي الايمان فتألف طبيعة الانسان بها في حياته فيعود ذكرها لأجله عند مماته ينعقد في قلبه حبّ ما خطر له منها ويقبض روحه على ذلك الخاطر ، ويكون ذلك حجاباً له عن ربّه ، وهو الختم بالسوء أيضاً.
وكلّ من غلبت عليه المعاصي وكان قلبه أميل إليها من الطاعات كان أقرب إلى هذا الخطر ، ومن كان بالعكس كان عنه أبعد ، ومن تساوى حاله فأمره إلى الله ، ولا يعلم ما يختم عليه.
والسرّ فيه أنّ الغشية التي قبل الموت شبيهة بالنوم ، فكما لايرى الانسان في منامه الا ما عهده وألف به في اليقظة حتّى إنّ المراهق إذا احتلم لايرى صورة الوقاع ، فكذلك الحال عند سكرات الموت ، فربّما صارت غلبة الانس سبباً لتمثّل فاحشة في قلبه وميله إليها فيقبض على تلك الحالة روحه فيكون بالسوء ختمه وإن كان ما يرجى به خلاصه من فضل الله تعالى أعني الايمان باقياً.
وكما أنّ ما يخطر بالبال في اليقظة إنما يخطر أسباب خاصّة يعرف بعضها كالانتقال من الشيء إلى ما يشابهه أو يضادّه أو يقارنه ، ولايعرف بعضها كالانتقال من شيء إلى أخر لايعرف وجه مناسبته ، أو الانتقال إلى شيء لايعرف سببه أصلاً ، فكذا ما يرى في المنام أو يختلج في حالة الموت له
__________________
١ ـ التوبة : ٢٤.
أسباب مخصوصة يعرف بعضها بالنّهج المزبور ، ولايعرف بعض آخر.
فمن أراد كفّ خاطره عن السيّئات فلابدّ له من المجاهدة في قمع الشهوات عن قلبه في حال الحياة ، كما أشرنا إليه وتقييده بحبّ الله وأنسه والتوجّه إليه حتّى يصير له عدّة في تلك الحالة ، إذ المرء يموت على عاش عليه ، ويحشر على مامات عليه ، كما ورد في الخبر(١)
وممّا ذكر يظهر أنّ أعمال العبد كلها ضائعة إن لم يسلم الوقت الأخير الذي فيه خروج الروح ، والسلامة مشكلة مع اضطراب الخواطر ولذا ورد في الخبر :« أن الرجل يعمل عمل أهل الجنة خمسين سنة حتّى لايبقى بينه وبين الجنّة الا فواق ناقة فيختم له بما سبق به الكتاب ».(٢)
والظاهر أنّ فواق الناقة ليتّسع للأعمال بل هي الخواطر التي تمرّ كالبرق الخاطف ولذا قيل : إني لا أعجب ممّن هلك ، كيف هلك ولكن أعجب ممّن نجى كيف نجى.(٣)
ومنه يظهر سرّ ما ورد في بعض الأخبار : « أنّ الناس كلّهم هلكى الا العالمون ، والعالمون كلّهم الا العاملون ، والعاملون كلّهم هلكى الا المخلصون على خطر عظيم ».(٤)
ولعظم خطره استعيد. من موت الفجأة ، فإنّ غلبة خواطر السوء واستيلائها على القلب في حالة الصحّة وبعد المظنة عن الموت أكثر ، وطلب الشهادة من الله تعالى في سيبله لأنها عبارة عن قبض الروح في حالة لايبقى
__________________
١ ـ نقل هذه الجملة في المحجة : ٧ / ٣٠٠ من دون إشارة إلى كونها خبراً ، نعم أطلق عليها الخبر في جامع السعادات : ١ / ٢٣٩.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٣٠٢.
٣ ـ قيل لعلي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام يوماً : إنّ الحسن البصري قال : ليس العجب ممّن هلك كيف هلك ، وإنّما العجب ممّن نجا كيف نجا؟ فقالعليهالسلام : أنا أقول : « ليس العجب ممّن نجا كيف نجا ، وأمّا العجب ممّن هلك كيف هلك مع سعة رحمة الله » البحار : ٧٨ / ١٥٣.
٤ ـ المحجة اليبضاء : ٧ / ٣٠٣ من دون اشارة إلى كونه خبراً ، نعم في مجموعة ورّام نسبه إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كما في هامش جامع السعادات : ١ / ٢٤٠.
لصاحبها فيها غير حبّ الله موطّنا نفسه على الموت لرضاه بائعاً دنياه بأخراه ، لامجرّد القتل ظلماً أو بجهاد يكون لدنيا يصيبها أو امرأة يأخذها.
فقد بان أنّ ما ذكر من أسباب الختم مع تفاوت مراتبها في الخطر مشتركة في كونها من أحوال القلب وأنّ من زهق روحه على شيء من الخواطر المذمومة كالعقد الفاسدة وكراهة ما قدّر الله له والميل إلى الشهوات الدنيوية فقد ضلّ ضلالاً بعيداً ومن زهق روحه على شيء من الخواطر المحمودة بأن يكون قلبه متوجّهاً إلى الله سبحانهمع الميل إلى الأعمال الصالحة فقد فاز فوزاً عظيماً وظهر أنّه كان سعيداً ، فلابدّ لمن لا يأمن مكر الله ويخاف من سوء الخاتمة من استدامة الخواطر المحمودة في قلبه ، وصرف الهمّة نحو قلع حبّ الشهوات عن نفسه ، والمواظبة على تحصيل المعارف والحسنات حتّى يصير استحضار صورها والميل إليها ملكة راسخة في قلبه.
فصل
الرجاء ارتياح القلب لانتظار محبوب وتوقّع مطلوب ، وهو لترتّبه على قوّة القلب وبعثه إلى الفعل من حيث الرغبة أقرب إلى إفراط الغضبية ، كما أنّ الخوف الممدوح لترتّبه على ضعفه وبعثه إلى الترك من حيث الرهبة أقرب إلى تفريطها ، ولذا أمر بجمعهما معاً وتحصيل المساواة بينهما حتى تحصل ملكة الاعتدال التي هي فضيلة قوّة الغضب.
قال الله تعالى :( يدعون ربّهم خوفاً وطمعاً ) *(١) ( يدعوننا رغباً ورهباً ) .(٢)
وفي وصيّة لقمان لابنه : « خف الله خيفة لو جئته بعبادة الثقلين لعذّبك ، وارج الله رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك ».(٣)
__________________
١ ـ السجدة : ١٦.
٢ ـ الأنبيا : ٩٠.
٣ ـ الكافي : ٢ / ٦٧ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الخوف والرجاء ، ح ١ ، وفيه : « لو جئته ببرّ الثقلين ».
ونحوه في وصيّة أميرالمؤمنينعليهالسلام لابنه الحسنعليهالسلام .(١)
وقال الباقرعليهالسلام : « ليس من عبد مؤمن الا وفي قلبه نوران ، نور خيفة ونور رجاء ، لو وزن هذا لم يزد على هذا ».(٢)
ثم إنّه يدلّ على فضل الرجاء ومدحه ظواهر لاتحصى ، مثل ماورد في النهي عن القنوط من رحمة الله تعالى : « لايتّكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي فإنّهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم في عبادتي كانوا مقصرّين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون من كرامتي ونعيم جنّاتي والدرجات العلى في جواري ، ولكن برحمتي فليثقوا وفضلي فليرجوا وإلى حسن الظنّ بي فليطمئنّوا ، فإنّ رحمتي عند ذلك يدركهم الحديث ».(٣)
وما ورد في استغفار الأنبياء ووالملائكة للمؤمنين كقوله تعالى :
( والملائكة يسبّحون بحمد ربّهم ويستغفرون لمن في الأرض ) .(٤)
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « حياتي خير لكم ومماتي خير لكم ، أمّا حياتي فاسنّ لكم السنن واشرّع لكم الشرائع ، وأمّا مماتي فإنّ أعمالكم تعرض عليّ فما رأيت منها حسناً حمدت الله على ذلك ، وما رأيت منها سيّئاً استغفرت لكم ».(٥)
وما ورد في تأخير كتابة السيّئة حتّى يستغفر ، ففي بعضه التأخير من الغدوة إلى العشية ، وفي بعضه إلى سبع ساعات.(٦)
وما ورد في شفاعة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال الله تعالى :
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٢٨٣ ، وفيه : « لبعض ولده » بدل الحسنعليهالسلام .
٢ ـ الكافي : ٢ / ٦٧ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الخوف والرجاء ، ح ١ ، وفي ذيلة : « ولو وزن هذا لم يزد على هذا ».
٣ ـ الكافي : ٢ / ٧١ ، كتاب الايمان والكفر ، باب حسن الظنّ بالله ، ح ١.
٤ ـ الشورى : ٥.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٢٦٠.
٦ ـ راجع الكافي : ج٢ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الاستغفار من الذنب.
( ولسوف يعطيك ربّك فترضى ) .(١)
ففي الخبر : « لا يرضى وواحد من أمّته في النار ».(٢)
وما ورد في حصول النجاة بحبّ أهل البيتعليهمالسلام وإن فعل ما فعل وما دل على كون النار معدّاً للكفّار ، وإنما يخوّف به المؤمنون.
قال الله تعالى :( ذلك يخوّف الله به عباده ) (٣) ( لايصليها الا الأشقى الّذي كذّب وتولّى ) .(٤)
وما ورد في سعة عفوه ومغفرته تعالى وجزيل رأفته ورحمته :( إنّ الله يغفر الذنوب جميعاً ) (٥) ( انّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) (٦) ( إنّ ربّك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ) .(٧)
وفي الحديث القدسي : « إنّما خلقت الخلق ليربحوا عليّ ولم أخلقهم لاربح عليهم ».(٨)
وما دلّ على أنّ البلايا التي يبتلي بها المؤمن في الدنيا كفّارة لذنوبه وأنّ الايمان أو حبّ أهل البيت لايضرّ معه عمل ، كما أنّ الكفر أو بغض أهل البيت لاينفع معه عمل.
وما دلّ على الحثّ في حسن الظنّ بالله ، وأنّه تعالى عند ظنّ المؤمن به.
وما دلّ على كون الكفّار أو النصّاب فدية للمؤمنين أو الشيعة يوم القيامة.(٩)
__________________
١ ـ الضحى : ٥.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٢٥٨.
٣ ـ الزمر : ١٦.
٤ ـ الليل : ١٥ ـ ١٦.
٥ ـ الزمر : ٥٣.
٦ ـ النساء : ٤٨.
٧ ـ الرعد : ٦ ، وفي النسخ : « إنّ الله لذو مغفرة ».
٨ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٢٦٢.
٩ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٢٥٩.
وبالجملة فالأخبار كثيرة لاتحصى.
واعلم أنّ الدنيا مزرعة الآخرة ، كما ورد في الاخبار(١) ، فالقلب بمنزلة الأرض ، والايمان وسائر الفضائل النفسية بمنزلة البذر فيها ، والتخلّي عن الرذائل والمعاصي كتنقيتها عن الشوك والأحجار وغيرها ، والطاعات بمنزلة سقيها ، ويوم القيامة يوم حصادها ، فكما أنّ الزارع يرجو النماء بعد حصول ماذكر من الشرائط والمقدّمات ، وبدونها يكون رجاؤه حمقاً وغروراً ، فكذا العبد إنما يحسن منه رجاء تثبيته على القول الثابت عند مماته وحسن خاتمته وسعادته بعد وفاته مع حصول الشرائط المزبورة في حال حياته ، فمن لم يلق بذر الفضائل في نفسه ، بل جعلها مشحونة من الرذائل والمعاصي أو لم يسقها بماء الطاعات ، بل روّاها من ماء المعاصي والسيّئات كان توقّعه لما ذكر مقاً محضاً وتمنّياً باطلاً ، فلا يصلح الرجاء الا بعد تمهيد الأسباب الاختيارية التي تحت قدرته ، وانتظار ماليس بيده ، أعني فضل الله ورحمته وتوفيقه بصرف الموانع عنه وتنظيم ما يعينه عليه.
ويدلّ على التخصيص المذكور قوله تعالى :
( إنّ الّذين آمنوا والّذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله ) .(٢)
وقيل للصادقعليهالسلام : قوم يعملون المعاصي ويقولون نرجو فلايزالون كذلك حتّى يأتيهم الموت ، فقال : « هؤلاء قوم يترجّحون بالأماني ، كذبوا ، ليسوا براجين ، إنّ من رجا شيئاً طلبه ، ومن خاف من شيء هرب منه ».(٣)
وبهذا المضمون أخبار أخر.
وفي الخبر : « لايكون المؤمن مؤمناً حتّى يكون خائفاً راجياً ، ولايكون »
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٣٦.
٢ ـ البقرة : ٢١٨.
٣ ـ الكافي : ٢ / ٦٨ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الخوف والرجاء ، ح ٥.
خائفاً راجياً حتى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو ».(١)
فليحذر الانسان المسكين عن خدع الشيطان اللعين وتثبيطه إياه عن صالحات الأعمال بالتسويف والأماني والآمال ، وليعتبر بحال الأنبياء والأولياء والأبدال في اجتهاجهم في الطاعة ، والخضوع والابتهال ونهاية خوفهم وخشيتهم عن الملك المتعال مع كونهم أعرف بجسيم فضله ونعمه وأعلم بعظيم عفوه وكرمه وأدرى بعميم لطفه ورحمته وأحرى بشمول منه ورأفته تعالى.
إذ قد عرفت أن الخوف لكونه نقصاً في نفسه لا فضيلة له إلا إذا أدى إلى كمال ، فكذلك الرجاء أيضاً ، لاشتراكهما في كونهما ناشئين عن الجهل ، إذ من تيقن بحصول مطلوبه لا يعد راجياً له ، والكمال الذي هو غاية الرجاء هو بعثه على العمل على ما أشرنا إليه ، كما أن غاية الخوف ذلك أيضاً ، فمن كان تأثير الأول فيه أكثر كان أعماله له أصلح ، ومن كان تأثره من الثاني أكثر كان العمل عليه له أولى وأصح ، ومن تساوى حاله في أثرهما كان اعتداله فيهما له أصوب وأرجح.
ومنه يعلم أن الرجاء أصلح لمن ضعفت نفسه عن القيام بآثار الفضائل المستحبة مقتصراً على الفرائض الواجبة ، فينشطه الرجاء لما وعد الله به عباده على الطاعة ويشمره على العبادة وتحصيل المعرفة ، ولمن كان منهمكاً في المعصية متوغلاً في السيئة فيقنطه الشيطان عن رحمة الله ويمنعه عن الانابة والتوبة ، فيجب عليه حينئذ التذكر لما ورد في سعة رحمته وعفوه ومغفرته والنهي عن القنوط ، لكن مع التوبة فإن توقع المغفرة بدونها غرور محض.
قال الله تعالى :( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ) (٢)
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٧١ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الخوف والرجاء ، ح ١١.
٢ ـ طه : ٨٢.
ولمن كان من شدّة الخوف على خطر من حفظ بدنه والاشتغال بما يلزم عليه أو يحسن من لوازم التمدّن.
واعلم أنّ الاعتماد على الرجاء وإن كان أعلى من الخوف لاستقائه من بحر الرحمة وترتّبه على المحبّة التي بها يحصل القرب بخلاف الخوف لابتنائه على الغضب ومن البيّن أن من يخدم مولاه شوقاً وحبّاً له أحسن ممّن يخدمه خوفاً منه ، لكنّه يختصّ بمن لم يغلب عليه المعاصي ولم يغترّ بخدع الشيطان ، ولم ينهمك في الشهوات ، فأمّا أغلب الخلق المغرورين بالمعاصي والمنهمكين في الشهوات فأدوية الرجاء بالنسبة إليهم كالسموم المهلكة والأصلح بحالهم غلبة الحوف بما لايؤدّي بهم إلى اليأس وقطع العمل ، بل يحثّهم على مقتضيات دار السرور ، ويزعجهم عن الركون إلى دار المغرور ، سيّما مع كثرة آفات الطاعات خفائها عنهم ، وكون طباعهم مجبولة على الشهوات وعظم خطر الخاتمة كما عرفت ، فلايمكن للعاقل مع ذلك غلبة الرجاء ، بل لو تفكّر في ماذكر غلب عليه الخوف إن كان ضعيفاً في قلبه ، واستوى لديه الخوف والرجاء إن كان ثابت الجأش كاملاً في المعرفة ، ولذا امر به فيما قدّمناه من الأخبار.
ثم اعلم أنّ ما ذكرناه يختصّ بحالة التمكّن ممّا يبعثان عليه من تدارك الأعمال والتوبة والابتهال ، وأمّا في حال الاشراف على الموت وانقطاع اليد عن التدبير والتدارك لما فاته فلا وجه للخوف حينئذ ، بل ربما أدّى إلى اليأس والقنوط أو سرعة الهلاك ، بل النافع له حينئذ هو الرجاء حتّى يتقوّى به قلبه ، ويحبّب إليه ربّه ، إذ الاختتام بالمحبّة أنفع شيء في تلك الحالة ، لأنّ من أحبّ لقاء الله أحبّ لقاءه ، ومن علم أنّه علم أنه تعالى بسبب حبّه له يحبّ لقاءه اشتاق إليه وفرح بالقدوم عليه ، وهو أوّل مايلقاه المحبّ لله تعالى من ملاذّ تلك النشأة بعد خروجه عن دار الدنيا التي كانت سجناً له لأن علائقها كانت حاجبة له عن الوصول إلى مطلوبه ، وحاجزة له عن القرب إلى محبوبه ،
فبالموت يحصل له الخلاص عن سجن دار الغرور والفرح العظيم من الوصول إلى دار الكرامة والأمن والسرور ، فضلاً عمّا اعدّ له بعد ذلك ممّا يعجز عن إدراكه الا الواصل إليه ، كما أنّ أوّل مايلقاه محبّ الدنيا والكاره للقاء الله تعالى هو الغمّ والهمّ والحسرة والألم من مفارقة محبوبة ، والخروج عن دار الدنيا التي هي جنّته ، فضلاً عما أعدّ له بعد ذلك من الخزي والوبال والسلاسل والأغلال.
ثم علاج من قنط عن رحمة ربّه التذكّر لما ورد في ذمّه من الآيات والأخبار ، والتفكّر في أنّه تعالى يحب صنائعه وآثاره التي هو من جملتها ، فإذا أعدّ له من عظائم نعمائه وجلائل آلائه في دار المحنة والفناء ما يعجز عن أحاطته عقول العقلاء ولم تقصر عنايته الكاملة ورحمته الشاملة في صرف وجوه الاحسان إليه وصنوف النعماء ، فبأن لايسوقه إلى الهلاك المؤبّد والعذاب المخلّد في دار البقاء أحقّ وأولى ، وبأن لايقطع عنه الفيض والجود في دار الدوام والخلود أجدر وأحرى ، وأنّه تعالى خير محض لا شرّ فيه أصلاً ، وأنه لم يخلق الخلق لينتفع منهم ، بل لينفعهم ويتمّم بهم جوده وفيضه وفضله ويفيض عليهم برّه وطوله.
من نكردم خلق تا سودى كنم |
بلكه تا بر بندگان جودى كنم |
فلا يفعل به الا ما هو أهله من الجود والعفو والغفران.
فصل
ومنها كبر النفس ، أي استحقار ما في الدنيا من المكاره والملاذّ ، فيتساوى لديه حالتا الشدّة والرخاء والسرّاء والضرّاء ، فلا يفرح من استيفاء لذّاتها ، كما لايجزع من فقدانها.
( قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتّقى ) .(١)
__________________
١ ـ النساء : ٧٧.
ولا يعجز عن تحمّل آلامها ، ولايفشل من مصابها وأحزانها ، لأنه ينظر إليها بعين الخساسة والحقارة.
وفي الخبر : « من كبرت عليه نفسه هانت عليه شهوته ».(١)
وفي كلام مولانا عليعليهالسلام : « إنّ دنياكم هذه أهون عليّ من عفطة عنز ».(٢)
وفي الخبر : أنّ الحسن بن عليعليهالسلام خطب الناس فقال : « أنا أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني ، وكان رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه ».(٣)
وعن الباقرعليهالسلام : « أعظم الناس قدراً من لايتناول(٤) الدنيا في يد من كانت ، فمن كبرت عليه نفسه صغرت الدنيا في عينيه ، ومن هانت عليه نفسه كبرت الدنيا في عينيه الحديث ».(٥)
وفي حديث همام في صفة المؤمن : « لايأسف على مافاته ، ولايحزن على ما أصابه ، ولايفشل في الشدّة ، ولايبطر في الرخاء ».(٦)
وعن الصادقعليهالسلام : في صفته : « لا يرغب في عزّ الدنيا ولايجزع من ذلّها ».(٧)
وعن الباقرعليهالسلام : « ما يبالي من عرفّه الله هذا الأمر أن يكون على قلّة جبل يأكل من نبات الأرض حتّى يأتيه الموت ».(٨)
وممّا ذكر ظهر أن تفسيره بملكة التحمّل للشائد وقوّة المقاومة للآلام
__________________
١ ـ نهج البلاغة : الحكمة ٤٤٩ ، وفيه : « كرمت عليه نفسه ».
٢ ـ راجع نهج البلاغة : الخطبة٣ ، وفي النسخ « عطفة ».
٣ ـ الكافي : ٢ / ٢٣٧ ، كتاب الايمان والكفر ، باب المؤمن وعلاماته ، ح ٢٦.
٤ ـ كذا ، والظاهر : « لايبالي ».
٥ ـ لم أجده.
٦ ـ الكافي : ٢ / ٢٣٠ ، كتاب الايمان والكفر ، باب المؤمن وعلاماته ، ح ١.
٧ ـ الكافي : ٢ / ٢٣١ ، كتاب الايمان والكفر ، باب المؤمن وعلاماته ، ح ٤.
٨ ـ الكافي : ٢ / ٢٤٥ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الرضا بموهبة الايمان ، ح ٣.
والمصائب غلط(١) ، وإن كانت من فروعه وآثاره ، وإنّما يسمّى هذه الملكة ثباتاً وصبراً ، ويقابلها الاضطراب من حصولها المتفرّق على صغر النفس وضعفه ، كما أشرنا إليه سابقاً.
قال الله تعالى :
( وكأيّن من نبيّ قاتل معه ربّيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحبّ الصابرين ) .(٢)
وأمّا الثبات في الايمان أي طمأنينة النفس في عقائدها وعدم اضطرابها وتزلزلها بالشكوك والشبهات ، كما قال الله تعالى :
( يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ، فله جهتان :(٣)
إحديهما : كبر النفس باستحقار مايعرض عليه من الشكوك والشبهات ، فلا تعجز عن دفعها وتقوى على مقاومتها ومنعها ، فمن هذه الحيثية يكون من أفراد مطلق الثبات الذي هو من فضائل القوّة الغضبية.
والأخرى : كما المعرفة وشدّة اليقين ، ومن هذه الجهة يكون من لوازمها وفضائل القوّة العقلية.
وكيف ما كان هو من أركان تحصيل الكمال وفضائل الأعمال ، إذ مالم تستقرّ النفس على عقائدها في المبدأ والمعاد لم تعزم على تحصيل ما يتوقّف فائدته عليها ، ولذا تجد المتّصف بهذه الصفة شائقاً إلى تحصيلها راغباً إلى نيلها مواظباً عليها من دون كسل وفتور ، وأمّا من لم يتّصف به فهو كالّذي استهوته الشياطين في الأرض حيران لايهتدي سبيلاً إلى تلك الأمور.
__________________
١ ـ إشارة إلى ما في جامع السعادات ، ٢٦٢ ١ / ٢٦٠.
٢ ـ آل عمران : ١٤٦.
٣ ـ إبراهيم : ٢٧.
فصل
ومنها : علوّ الهمّة ، أي ملكة السعي في نيل المعالي وما به كمال النفس وعدم الكسل والفتور في تحصيلها وإن كان عسر الحصول محتاجاً إلى بذل مجهود ، ونيل كلفة ومشقّة ، ولا تحصل هذه الملكلة الا بكبر النفس وشدّة اليقين ، لأنك إذا نظرت إلى ملاذّ الدنيا بعين الحساسة والاحتقار واطّلعت على زوالها وفنائها وعدم وفائها بطالبيها في هذه الدار ، وعلمت أنّ نعماءها مشوبة بالذلّ والهوان ، ولذّاتها مكدّرة بالهموم والآلام والأحزان ، وعرفت أنّ اللذّة الحقيقية مقصورة في الكمالات النفسيّة ، وأنّها لاتحصل بعد حصولها الا في النشأة الاخروية وتيقّنت بأنك مالم ترفع اليد عن الاولى لم يتيسّر لك الوصول إلى الاخرى ، حصلت لك همّة عالية في الاعراض عن حطام الدنيا ، قليلها وجليها ، والشوق والاهتمام في طلب السعادة الحقيقية وتحصيلها ، ولم تبال بما يعرض عليك من شدائد الدنيا ومصائبها ولم تخف عمّا يعتريك في سلوك هذا الطريق من مكارهها ونوائبها ، بل كنت طالباً للقتل بقواطع السيوف ، راغباً في الموت باعظم الحتوف ، شائقاً للوصول إلى الملأ الأعلى والاستنارة بأنوار الحق تعالى قائلاً :
مرگ اگر مرد است گو نزد من آى |
تا در آغوشش در آرم تنگ تنگ |
|
من از او عمرى ستانم جاودان |
او از من دلقى ستاند رنگ رنگ |
فهذه هي الشجاعة الحقيقية والسعادة الأبدية ، فلا تظنّ أنك تقدر على تحصيل الفضائل ونيل المعالي بدون هذه السجيّة ، أو يمكنك التشمّر لتحصيلها من غير حصول هذه الملكة القويّة.
ثم الشهامة فرد منه كما علم من تفسيرها سابقاً.
تنبيه
قد ظهر لك أنّ هذه الملكة من نتائج كبر النفس واليقين معاً ، فهي من فضائل القوّة العقلية لترتّبها على كمال المعرفة واليقين والقوّة الغضبية لتفرّعها على كبر النفس وقوّتها ، وضدّها أعني دناءة الهمّة مترتّبة على ضدّيهما أعني الجهل وصغر النفس. وعلجها بعد التذكّر لشرفها وكمالها برفع أسبابها وتحصيل أسباب ضدّها ممّا أشرنا إليه سابقاً.
فصل
ومنها : الغيرة والحميّة ، أي السعي في حفظ ما ينبغي حفظه عقلاً وشرعاً ، وهي من نتائج الشجاعة وقوّة النفس ومن شرائف الصفات ، وبها يتحقّق الفحليّة.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ سعداً لغيور ، وانّي لأغير من سعد ، والله أغير منّي ».(١)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ الله لغيور ولأجل غيرته حرّم الفواحش ».(٢)
وعن الصادقعليهالسلام : « إنّ الله تبارك وتعالى غيور يحب الغيرة ، ولأجل غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ».(٣)
ثم الغيرة في الدين حفظه عن بدع المبدعين وشبه الجاحدين والسعي في ترويجه ونشر أحكامه وإجرائها بين الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعدم المسامحة في ذلك بالخوف من لوم لائم وعذل عاذل.
وفي العيال عدم الغفلة عن المباديء التي يخشى غوائلها بحفظ الحريم عن الأجانب وما يحتمل أن يؤدي إلى فتنة أو فساد ، والسلوك معهن بما فصل
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٩٨.
٢ ـ جامع السعادات : ١ / ٢٦٥.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ١٠٣ ، نقلاً عن الكافي : ٥ / ٥٣٥ ، وفيهما « لغيرته » و « ظاهرها وباطنها ».
في علم تدبير المنزل ، ومراقبة الأولاد من أول الأمر ، واستعمال مايؤدّي إلى كمالهم وتحفظهم عمّا يورث إتلافهم وإظلالهم بما فصّل فيه أيضاً.
وفي المال بالاجتهاد في حفظه عن تغلّبات المتغلّبين ، وضبطه بعد تحصيله من المكاسب المحمودة والمداخل المستحسنة بعدم صرفه في مالا فائدة فيه لدنياه وعقباه ، كالانفاق رياء وتفاخراً وإسرفاً وغير ذلك ممّا ليست راجحة عقلاً. وسيجيء ما يزيدك إرشاداً إلى ذلك.
فصل
الوقار طمأنينة النفس وسكونها في الأقوال والأفعال قبل الدخول وبعده ، فيشمل التوقّف والتأنّي ، وهو من نتائج قوّة النفس وكبرها ، وقد مدح به الأنبياء ، وورد في صفات المؤمن أنّه وقور صبور ، وبديهة العقل تشهد بحسنها ، فلابدّ لكلّ عاقل من الاجتهاد في تكليف نفسه على آثاره من التأنّي في الحركات ، حتّى يصير له ملكة تدريجاً ، وتمتاز السكينة عنه باختصاصها بالباطن واختصاصه بالظاهر.
فصل
الحلم طمأنينة النفس بحيث لايزعجها الغضب بسهولة فهو المانع من حدوثه ابتداءاً ، ثم بعد هيجانه وظهور آثاره في جوارحه يسمّى المانع من سرايته إلى الغير تحلّماً وكظماً للغيظ ، فهما ضدّان له ، ولاشكّ في كون الحلم من شرائف الملكات ، وكفاه فضلاً كونه من صفاته تعالى الجمالية ، واقترانه بالعلم في الأدعية والآثار ومدحه تعالى أنبياءه في كتابه الكريم به.
والأخبار في الحثّ عليه ممّا لاتحصى ، وكذا كظم الغيظ ، وكفاه فخراً عدم حصول ملكة الحلم الا به.
ولذا قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّما العلم بالتعلّم والحلم بالتحلّم ».(١)
ومدحه تعالى عباده به بقوله :( والكاظمين الغيظ ) .(٢)
وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا ».(٣)
وعن الصادقعليهالسلام : « ما من عبد كظم غيظاً الا زاده الله عزّوجلّ عزّاً في الدنيا والآخرة ».(٤)
فصل
العفو إسقاط ما يستحقّه من قصاص أو غرامة ، والآيات والأخبار في مدحه أكثر من أن تحصى.
قال الله تعالى :( خذ العفو وأمر بالمعرف ) (٥) ( وإن تعفوا أقرب للتقوى ) .(٦)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « والعفو لايزيد العبد الا عزّاً ، فاعفوا يعزّكم الله ».(٧)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم لعقبة :« ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمّن ظلمك ».(٨)
وكفاه فضلاً أنه من أجمل صفاته تعالى.
قال سيّد العابدينعليهالسلام : « أنت الّذي سميّت نفسك بالعفو ، فاعف عنّي ».(٩)
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٣١١.
٢ ـ آل عمران : ١٣٤.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٣٠٩.
٤ ـ الكافي : ٢ / ١١٠ ، كتاب الايمان والكفر ، باب كظم الغيظ ، ح ٥.
٥ ـ الأعراف : ١٩٩.
٦ ـ البقرة : ٢٣٧.
٧ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٣١٨.
٨ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٣١٩.
٩ ـ جامع السعادات : ١ / ٤٣٠٢.
فصل
الرفق هو اللين في الحركات والأقوال ، وقريب منه حسن الخلق ، وهما من نتائج الحلم ، والأخبار في فضلهما واتّصاف المؤمن بهما ممّا لاتحصى.
فعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أنّ الله رفيق يحبّ الرفق ويعطي على الرفق [ مالا يعطي على العنف ] ».(١)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما اصطحب اثنان الا كان أعظمهما أجراً وأحبّهما إلى الله تعالى أرفقهما بصاحبه ».(٢)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أعطي حظّه من الرفق أعطي حظّه من خير الدنيا والآخرة ، ومن حرم حظّه من الرفق حرم حظه من خير الدنيا والآخرة ».(٣)
ويقرب من الرفق المداراة ، وربما يعتبر فيها تحمّل الأذى.
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما يوضع في ميزان امرء [ يوم القيامة ] أفضل من حسن الخلق ».(٤)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « حسن الخلق الله الأعظم ».(٥)
وقيل لهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أيّ المؤمنين أفظلهم إيماناً؟ فقال : « أحسنهم خلقاً ».(٦)
وقال : « حسن الخلق ليذيب الخطيئة كما تذيب (تميت خ ل) النار الجليد ».(٧)
والأخبار لاتحصى ، والتجربة شاهدة بأنّ إنجاح الأمور والمقاصد في
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٣٢٣.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٣٢٤.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٤٣٢٢.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢٨٩ نقلاً عن الكافي : ٢ / ٩٩.
٥ ـ جامع السعادات : ١ / ٣٠٨ ، المحجة البيضاء : ٥ / ٩٠.
٦ ـ جامع السعادات : ١ / ٣٠٨ ، المحجة البيضاء : ٥ / ٩٠.
٧ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٩٢ ، وفيه : « كما تذيب الشمس ».
طبقات الناس بأسرهم لايتمّ الا بهما ، وهما من أظهر صفات المرسلين ، وأشرف أعمال الصدّقين ، ومن تتبّع كتب السير والتواريخ والأخبار اطّلع على قليل ممّا ظهر من أشرف الأنبياء وذرّيته البررة الأوصياء المصطفين سلام الله عليهم من غرائب آثار هاتين الصفتين.
فصل
ومنها هضم النفس واستحقارها ، وهو ضدّ العجب ، فكلّ من بلغ إلى مرتبة عالية فقد بلغها بهذه الصفة ، ومالم يعلم الانسان فقدانه لصفة كمال لم يرغب إلى تحصيلها ، ولم يحنّ إلى طلبها ، والأخبار في اتّصاف المؤمن به وأنّه تعالى يحبّ المنكسرة قلوبهم أكثر من أن تحصى وإن ضمّ إليه استعظام الغير كان تواضعاً ، وهو ضدّ الكبر ، وهو من أعظم صفات المؤمن.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ».(١)
وقال عيسى بن مريمعليهالسلام : « طوبى للمتواضعين في الدنيا ، هم أصحاب المنابر يوم القيامة ».(٢)
وأوحى الله تعالى إلى داود : « يا داود! كما أنّ أقرب الناس إليّ المتواضعون كذلك أبعد الناس عنّي المتكبّرون ».(٣)
وقال الصادقعليهالسلام : « التواضع أصل كلّ شرف نفيس ، ومرتبة رفيعة والتواضع مايكون لله وفي الله ، وماسواه مكر ، ومن تواضع لله شرّفه الله على كثير من عباده ـ إلى أن قال ـ وأصل التواضع من إجلال الله وعظمته وهيبته ، وليس لله عبادة يرضاها ويقبلها الا وبابها التواضع ، ولايعرف ما في حقيقة التواضع الا المقرّبون من عباده ، المتّصلون بوحدانيّته » قال الله
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٢١٩.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٢٢٠.
٣ ـ الكافي : ٢ / ١٢٣ ـ ١٢٤ ، كتاب الايمان والكفر ، باب التواضع ، ح ١١ ، وفيه : « إلى الله » ومن « من الله » « إلىّ » و « عنّي ».
عزّوجلّ :( وعباد الرحمن الّذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ) .(١) وقد أمر الله تعالى خير خلقه وسيّد بريّته محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم بالتواضع فقال :( واخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمن ) ،(٢) والتواضع مزرعة الخضوع والخشوع والحياء والخشية ، وأنّهنّ لايأتين(٣) الا منها ، ولايسلم الشرف التامّ الحقيقي الا للمتواضع في ذات الله ».(٤)
ومنه يظهر أانّ ما شاع في عصرنا هذا من شدّة الخضوع الخشوع والتذلّل بالنسبة إلى أهل الدول والأغنياء والحكّام وغيرهم من أهل الدنيا ولاسيّما من العلماء وتسميتها تواضعاً [ خطأ و ](٥) تدليس ، بل هي مكر وتلبيس ، وهي التملّق والتذلّل المذموم الواقع في طرف التفريط من فضلية التواضع ، وإنّما التواضع الذي هوالعدل حقيقة إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه ، فتواضع العالم لمثله إذا ورد عليه القيام له وتخلية مجلسه وحفظ مراسم الأدب بالنسبة إليه ، ولو فعل ذلك للأغنياء وأهل الدول كان تملّقاً مذموماً ، ولو فعله للسوقي كان تخاسّاً وتذلّلاً ، وإنّما تواضع السوقي باليسر من الكلام واللين والرفق معه في المكالمة ، وإجابة دعوته والسعي في قضاء حاجته ، [ وأن لاينظر إليه بعين الحقارة ، وأنّ له مزيّة ](٦) وأمثال ذلك.
وتواضعه للمتكبّرين من أهل الدول بالكبر عليهم كما ورد في الخبر(٧) ، إذا الانكسار لهم مع كونه تملّقاً مذموماً إعانة لهم على عدوانهم وتثبيت لهم على تكبّرهم ومبالغتهم في صفتهم المذمومة ، فلعلّ في التكبّر عليهم يحصل لهم التنبّه على خطائهم الباعث على تركهم له.
__________________
١ ـ الفرقان : ٦٣٣.
٢ ـ الشعراء : ٢١٥.
٣ ـ كذا ، وفي مصابح الشريعة : « لاينتن الا منها وفيها ».
٤ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٢٥٥ نقلاً عن مصابح الشريعة (الباب ٥٨).
٥ ـ كما في « الف ».
٦ ـ كما في « ب ».
٧ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٢٢٢.
وبالجملة ؛ فهذا المقام من مزالق الاقدام ، حيث يشتبه فيه التكبّر بالتعزّز وترك التذلّل ، [ فيذمّ صاحبه ](١) ، والتملق بالتواضع ، وفيحمد عليه ، وإنّما القانون الكلّي في ذلك إخلاص النيّة بكون التواضع لله وفي الله تعالى من دون ملاحظة نفع دنيوي ، أو الاحتراز عن مكروه كذلك.
فصل
ومنها : الانصاف والاستقامة على الحقّ.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « سيّد الأعمال إنصاف الناس من نفسك »(٢)
وقال أميرالمؤمنينعليهالسلام : « ألا إنّه من أنصف عن نفسه لم يزده الله الا عزّاً(٣)
وقال الصادقعليهالسلام : « ألا أخبركم بأشدّ ما فرض الله على خلقه؟ فذكر ثلاثة أشياء أوّلها : إنصاف الناس من نفسك ».(٤)
وقالعليهالسلام : « إنّ لله جنّة لايدخلها الا ثلاثة : أحدهم من حكم في نفسه بالحقّ ».(٥)
والأخبار في ذلك لاتحصى.
ومنها : التسليم والانقياد لمن يلزم إطاعته من الله والرسول والأئمّة عليهم الصلاة والسلام والعلماء والفقهاء والوالدين ومن يحذو حذوهما.
والآيات والأخبار الواردة في وجوب إطاعتهم ممّا لاتحصى ، مع أنّه بذلك يحصل الهداية والنجاة ، وينقذ من شفا جرف الهلكات. وسنذكر في باب العدالة ما يزيدك ترغيباً عليه.
__________________
١ ـ كما في « الف ».
٢ ـ الكافي : ٢ / ١٤٥ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الإنصاف والعدل ، ح ٧.
٣ ـ الكافي : ٢ / ١٤٤ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الإنصاف والعدل ، ح ٤ ، وفيه : « من ينصف ».
٤ ـ الكافي : ٢ / ١٤٥ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الإنصاف ح ٦.
٥ ـ الكافي : ٢ / ١٤٨ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الإنصاف ، ح ١٩.
الباب السابع
في بيان ما يتعلّق بالقوّة الشهوية
من الرذائل
ومعالجاتها والفضائل وما يحثّ عليها
ففيه أيضاً مقامان
المقام الأوّل
في ذكر الرذائل ومعالجاتها ، ولابدّ من ذكر جنسها مع ما هو من أعظم أنواعها ولوازمها في عدّة فصول :
فصل
قد تبيّن لك أنّ أحد الجنسين الشره من طرف الافراط وهو الانهماك في الشهوات الغير المحمودة عقلاً ونقلاً كما عرفت ، فيشمل رذائل القوّة الشهوية من طرف الافراط بأسرها.
وهذا المعنى هو الذي فسّره القوم به وجعلوه جنساً في مقام حصر أجناس الرذائل ، لكنّهم في مثل هذا المقام فسّروه بما هو أخصّ منه أعني شهوة البطن والفرج.
ولعلّه مبنيّ على كونها من أظهر أفراده وأشيعها لعموم البلوي بها ، وكونها بمنزلة الأصل ، والباقي بمنزلة الفروع واللوازم المترتّبة عليها.
ولو فسّروه هنا بحبّ الدنيا على ما سنذكره ، وذكروا جميع ما يذكر هناك في المقام ، ثم ذكروا بعد ذلك شهوة البطن والفرج في جملة الأنواع اللوازم كان أصوب.
ولكنّا نتبعهم في ذلك كسائر ما تبعناهم فيه لسهولة الخطب وقلّة الجدوى.
فنقول : أمّا شهوة البطن فصاحبها ذليل بالبطع ، قصير الهمّة ، مستفرغ وسعه في تدبير القوّة البهيميّة ، صارف فكرته وجهده في خدمتها ، فهو أخسّ من البهيمية ، ضرورة كون الخادم أخسّ من المخدوم. والاستكثار منها يورث البلادة ويولد الأمراض البدنيّة والأسقام المادّية كالهيضة والتخمة والعفونات الحادثة من السدّة الامتلائية وانصباب المواد المجتمعة من فضلات الأغذية إلى الأعضاء ، فإنّ المعدة بيت كلّ داء كما أنّ الحمية رأس كلّ دواء.
وقال الصادقعليهالسلام : « كلّ داء من التخمة خلا العمى » فإنها ترد وروداً »(١)
وكفاها سناعة صيرورتها باعثة لخروج أبينا وأمّنا من أعلى غرفات الجنان إلى دار الذلّ والهوان ، فإنه منبع المعاصي والباعث على حصول كلّ رذيلة فتتبعها شهوة الفرج ، وتتبعهما الرغبة في الجاه والمال للتوسّع فيهما ، وتتولّد منها ضروب المحاسدات والمناقشات وصنوف الرذائل والآفات من الرياء والعجب والافتخار وغيرها ، ولذا ورد في ذمّها ما ورد.
فعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما ملأ ابن آدم وعاء شرّاً من بطنه حسبه لقيمات يقمن صلبه ، فإن كان هو فاعلاً لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ».(٢)
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لاتميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب ، فإنّ القلب كالزرع يموت إذا كثر عليه الماء ».(٣)
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أطول الناس جوعاً يوم القيامة أكثرهم شبعاً في الدنيا ».(٤)
وعن الباقرعليهالسلام : « ما من شيء أبغض إلى الله من بطن مملوء ».(٥)
وعن الصادقعليهالسلام : « ما من شيء أضر لقلب المؤمن من كثرة الأكل وهي مورثة شيئين قسوة القلب وهيجان الشهوة ، والجوع أدام المؤمن وغذاء للروح ، وطعام للقلب ، وصحّة للبدن ».(٦)
وقد ورد في مدح الجوع وفضل الصبر عليه ما ورد.
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أفضل الناس من قلّ طعمه وضحكه ورضي بما يستر به
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٥٠ نقلاً عن الكافي : ٦ / ٢٦٩ ، وفيهما : « الا الحمّى ».
٢ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٤٧.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٤٧.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٤٩.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٥٠ نقلاً عن الكافي : ٦ / ٢٧٠.
٦ ـ المحجة البيضاء : نقلاً عن مصباح الشريعة (الباب ٤١).
عورته ».(١)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « كلوا واشربوا في أنصاف البطون ، فإنّه جزء من النبوّة ».(٢)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « سيّد الأعمال الجوع وذلّ النفس ».(٣)
ويترتّب عليه من الفوائد صفاء القلب ورقّته ، وجلاء الذهن وحدّته ، والشوق إلى العبادة ، وسهولة المداومة عليها ، وترحّم أهل المسكنة ، والانكسار المانع عن العصيان والغفلة والطغيان ، ودفع النوم المضيّع للعمر المفوّت للتهجّد وسائر الطاعات ، وسهولة الايثار والصدقات ، وخفّة المؤونة المانعة عن تحصيل المقصد الأصلي وصحّة البدن ودفع الأمراض.
فعلاجها : بتذكّر ما يرد عليها من المفاسد ويترتّب على ضدّها من المحامد ، وما ورد في ذمّها ومدح ضدّها من الأخبار ، والتفكّر في خسّة الشركاء من البهائم الأكولة كالخنزير والفيل ، وأنّها ماحازت بكمال هذه الصفة فيها الا خسّة ودوناً ، وأنّ تناول الغذاء لدفع ألم الجوع وحفظ بدل ما يتحلّل ليتقوّم به البدن.
وممّا ينعف في دفعها صحبة الأماجد.
وربّما يستعان فيه بتحبيب الجاه والاحتشام إلى النفس لتعرض عنها عند الاقبال إلى ما يخالفها ويحافظ على ترك الافراط في الأكل ولو تكلّفاً إلى أن يعتاد عليه.
وأمّا شهوة الفرج والحرص على استبدال الزوجات والاكثار منها فهي من أقوى أسباب تضييع الدين وهلاك النفس والعقل بمقهوريّتهما تحت حكمهنّ حتّى يحرم بسببها عن سلوك المقصد الأصلي ، ويقتحم في الفواحش والمعاصي.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٤٦ ، وفيه : « قيل : يارسول الله : أيّ الناس أفضل؟ قال : من ».
٢ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٤٦ ، وفيه : « كلوا في أنصاف ».
٣ ـ المحجة البيضاء : ، وفيه : « وذل النفس لباس الصوف ».
وإتلاف البدن بدفع الكيموسات الصالحة التي هي غذاء الأعضاء وصرف الرطوبات الأصلية التي هي موادّ قوامها وتحليل الحرارة الغريزيّة التي هي آلة الطبيعة في تصرّفاتها كالعامل الظالم الذي يأخذ أموال الرعية قهراً ويهلكهم فاقة وفقراً ليصرفهان في مصارفه ، وقد حصلت التجربة بكون المفرط في الوقاع نحيفاً سقيماً بدنه قصيراً عمره ساقطة قوّته ، بل ربما صار فاسداً عقله ، مختلاً دماغه.
وإتلاف المال في وجوه التعمتّعات ، فكثيراً ما أوقعت صاحبها في أودية الفقر والفاقة ، وربما انتهى هذا المرض إلى العشق البهيمي الذي لايعرض الا لقلوب قصيرة الهمم ، فارغة عن حبّ الله ، فربّما أدّى إلى هلاك النفس والبدن ، ولذا ورد في ذمّها ما ورد.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « اتّقوا فتنة الدنيا وفتنة النساء ».(١)
وروي أنّ الشيطان قال : « المرأة نصف جندي ، وهي سهمي الذي أرمي به فلا اخطيء ، وهي موضع سرّي ورسولي في حاجتي ».(٢)
وفي الخبر : « النساء حبائل الشيطان ».(٣)
ولا يغرّنك كثرة زوجات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّ استغراقهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حبّ الله سبحانه كان بحيث يخشى احتراق قلبه والسراية إلى قالبه ، فكان يشغل نفسه الشريف بهنّ لئلا تنجّر كثرة استغراقه إلى مفارقة روحه عن بدنه.
ولذا كان يقول في بعض حالات استغراقه وخوضه في غمرات المشاهدة : « كلّميني أو اشغليني يا حميراء »(٤) وهي تشلغه بكلامها عن عظيم ما هو فيه لقصور طاقة قالبه عنه ، ثم من جهة كون هذا عرضيّاً له يتكلّفه رفقاً ببدنه الشريف ، وكان من جبلّته الاستغراق في بحار الحبّ والانس بالله
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٨٠.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٧٧ ، ونسبه فيه إلى « بعضهم ».
٣ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٧٦.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٧٩.
تعالى ، ماكان يطيق طول الجلوس والتحدّث مع الناس ويضيق صدره ويقول :« أرحنا يا بلال »(١) حتّى يعود إلى قرّة عينه في الصلاة ، فيس لأولي الأفهام القاصرة والعقول الناقصة المقايسة في أفعالهم بأفعاله المشتملة على أسرار عجيبة وحكم غريبة.
كار پاكان قياي از خود مگير |
گر چه باشد در نوشتن شير شير |
وعلاجها بعد تذكّر مفاسدها المشار إليها ، كسرها بالجوع والصوم وسدّ أبوابها من النظر والتخيّل والتكلّم والتخلّي بهنّ.
ولذا منع في الشريعة المطهّرة عن النظر واستماع الرجل لكلام المرأة من غير ضرورة.
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ».(٢)
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لكلّ عضو من ابن آدم حظّ من الزنا ، فالعينان تزنيان وزناهما النظر ».(٣)
وقيل ليحيى بن زكريّا ما بدؤ الزنا؟ قال : « النظرة والتمنّي »(٤)
فإن لم تنقمع بهما فبالنكاح أو بوطي زوجته » ، فإنّ تشابه النساء في التمتّع أكثر من تشابه الأغذية في سدّ الحاجة ، فكما يستقبح العقل السؤال عن الناس مع الاستغناء بما يتقوّت به ، فكذا يستهجن تتبّع النسوان مع القدرة على الاستمتاع بزوجته.
وأنفع العلاج الاشتغال بما يصرف همّه وفكره عن الشهوات من تحصيل العلوم والاشتغال بالطاعات سيّما الصلوت ، فإنّها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، والمجالسة مع أهل الورع والزهد والعلم.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٧٩.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٨٠.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٨١.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٨٠.
فصل
ثاني الجنسين الخمود وهو سكون النفس عن تحصيل الضروري منها بحيث يؤدّي إلى سقوط القوّة تضييع العيال وانقطاع النسل ، وهو رذيلة ، لأنّ المقصد الأصلي هو الوصول إلى السعادة ولاتحصل الا باكتساب المعارف واقتناء الفضائل وأداء الطاعات المتوقفة على قوّة البدن المتوقّفة على تحصيل الضروري من المأكل والملبس والمسكن ، وربّما توقّفت في بعض الأحيان وابالنسبة إلى بعض الأشخاص على حصول فراغ لها عن أمور المعيشة من الطحن والكنس والخبز وغيرها الغير المنتظمة الا بالتزويج ، مع ما فيه من بقاء النسل ودوام وجود آثار صنعه تعالى ومقايسة لذات الآخرة بها ، إذ لايمكن الخوف ولا الشوق الا بإدراك لذّة وألم ، ولايتصوّران في عالم الحسّ الا بالجسمانيّات المشابهة لللذّات والآلام الأخروية ، فيقاس بلذّة الجماع الحسّي الذي هو أقوى اللذّات الجسمانية ، وألم النار المحسوس الذي هو أعظم آلامها لذّات الآخرة وآلامها.
مع ما فيه من امتثال أمر الرسول بالتزويج طلباً لزيادة الامّة ، فيباهي بها سائر الأمم وطلب الخيرات الباقية بعد الممات من الأعمال الصالحة والآثار الحسنة الصادرة عن الأعقاب وشفاعة صغارهم الأموات ، كما ورد في الأخبار والتحصّن من وساوس الشيطان بقلع خطرات الشهوة عن القلب ، كما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من تزوّج أحرز نصف دينه ».(١) وترويح النفس وأيناسها بالنظر وغيرها تقوية للقلب على العبادة ، فإن النفس ملولة عن الحقّ نفور على ما يخالف طبعها(٢) ، فلو واظب الانسان على إكراهها على ما يخالفها جمحت ولو روّحت باللذّات أحياناً قويت وتشطت. ولذا قال تعالى :
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٥٥ نقلاً عن الكافي : ٥ / ٣٢٩.
٢ ـ في المحجة البيضاء (٣ / ٦٧) : فإنّ النفس ملولة وهي عن الحقّ نفور لأنّه على خلاف طبعها.
( ليسكن إليها ) .(١)
وفي الخبر : « روّحوا القلوب فإنها إذا اكرهت عميت ».(٢)
ومجاهدة النفس في السعي في حوائج العيال وتحمّل مشاقّهم ومكاره أخلاقهم والاجتهاد في إصلاح شأنهم وإرشادهم وكسب المال الحلال لوجوه معايشهم. كما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الكادّ في نفقة عياله كالمجاهد في سبيل الله ».(٣)
فالخمود المؤدّي إلى الحرمان عمّا ذكر رذيلة الا فيمن لم يكن له شبق يؤدي به إلى خطرة محرّمة ووسواس منهيّ عنه مع علمه بعجزه عن القيام بحقوق الزوجيّة ، وتحمّل أخلاق النساء وتحصيل المال الحلال في وجوه المعيشة وأيقن بأدائه إلى الانغمار في الدنيا وعدم تمكّنه من تحصيل ما ينفعه في العقبى ، فإنّ الراجح له حينئذ ترك التزويج يقيناً ، ، ولذا أجريت الأحكام الخمسة في النكاح.
وعلاجه ـ بعد التذكّر لمفاسده وما يترتّب على ضدّه من المحامد المشار إليها. والتأمّل في الأخبار الكثيرة الواردة في ذمّه ومدح تحصيل المال الحلال للكفاف ممّا سيذكر بعضها إن شاء الله ـ السعي في تحصيله ولو تكلّفاً إلى أن يعتاد عليه.
فصل
الدنيا في نفسها عبارة من الأرض من الضياع والعقار وما عليها من الحيوان والنبات والمعادن ، وفي حقّ العبد عبارة عمّاله في حياته من حظّ ونصيب والعلاقة الحاصلة له بها حبّه لها ، لكن من جملة الحظوظ الحاصلة له في دار الدنيا اقتناء الفضائل وتحصيل المعارف التي بها تحصل السعادة الحقيقية ، ولذا كانت مزرعة الآخرة ، فحبّ العبد لها ولما يتوقّف عليها من المأكل والملبس والمسكن والمنكح ليس من الرذائل بل يمدح عليه.
__________________
١ ـ الاعراف : ١٨٩.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٦٨ ، وفي النسخ : « روّحوا القلب » ، وصححناها.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٧٠.
كما قال نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم : « حبّب إليّ من دنياكم ثلاث : الطيب والنساء وقرّة عيني في الصلاة ».(١)
وإنما المذموم منه حبّ الحظوظ العالجلة التي لايتوسل بها إلى الآخرة ، كما أشرنا إليه وسنزيده توضيحاً.
فعلى هذا لابدّ من كون المراد من حبّ الدنيا المعدود في جملة الرذائل هذا القسم خاصّة ، وكلّه من رذائل الشهوية الا حبّ الجاه وتسخير القلب إذا قصد منه الاستيلاء فإنّه من رذائل الغضبية ، حينئذ كما سيجيء فيكون مرادفاً للشرة بالتفسير الذي ذكرناه حينئذ ، ويلزم منه أن يكون جنساً من طرف الافراط وما ذكرناه في الفصل السابق نوعاً منه كحب المال وغيره ممّا سيذكر.
ثمّ إنّ الحبّ المذكور إحدى علاقتي العبد بها وهي العلاقة القلبيّة بانصراف همّه إليها حتّى يصير رقّاً لها وهي الرقية بالمعنى الأعم ويقالها الحريّة كذلك أي استخلاص النفس من عبوديّتها ، ويترتّب عليها جميع الرذائل القلبية المتعلّقة بالدنيا من المكر والحسد والكبر والرياء وغيرها ، فهي الدنيا الباطنيّة ، والظاهرية الأعيان المجودة التي جمعها الله تعالى بقوله :
( زيّن للناس حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة والخيل المسمومّة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ) .(٢)
والأخرى العلاقة البدنيّة بالاشتغال بإصلاح تلك الأعيان في وجوه المصارف بالحرف والصنائع التي اشتغل بها الناس فأنستهم أنفسهم وخالقهم واستغرقوا في مشاغلها لجهلهم بحكمتها فاتّصلت وتوالت بعضها ببعض إلى غير النهاية ، إذ لايفتح منها باب الا وينفتح منه كثير من الأبواب وهلمّ جرّاً ، فكأنّهم وقعوا في هاوية لاقعر لها وسقطوا في مهاويها واحدة
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٩٦ / ١.
٢ ـ آل عمران : ١٤.
بعد اخرى.
ألا ترى أنّ ما يضطرّ إليه الانسان بالذات منحصر في المأكل والملبس والمسكن ومنه حدثت الحاجة إلى الفلاحة والرعاية للمواشي والحياكة والبناء والاقتناص أي حيازة المباحات من الصيد والمعادن والحشائش والأحطاب التي هي الاصول لسائر الصناعات المنتشرة في العالم فاشتغل كلّ بها الا أهل البطالة حيث غفلوا عنه أو منعهم عنه مانع في أوان الصبا ، ثم استمرّوا عليها فاضطرّوا إلى الأخذ من الناس ، ومنه حدثت حرفتان أخبث من كلّ الحرف الكدية واللصوصية ولكلّ منهما أنواع.
واعلم أنّ الدنيا لقطعها الطريق إلى الله تعالى على عباده عدوّة له ، ولذا لم ينظر إليهامنذ خلقها كما في الأخبار.(١) ولأوليائه أيضاً ، فإنّ العدوّ يبغض أولياء عدوّه كما يبغض الولي أعداء وليّه ، ولكون الدنيا سجناً لهم ، حيث لم ترض لهم الا بالبلايا والمتاعب والرزايا والمصائب ، ولكونها حاجبة لهم عن الوصول إلى محبوبهم ماداموا فيها. ولأعدائه أيضاً حيث غرّتهم بمكائدها واقتنعتهم بشبابكها(٢) ، ثم حرمتهم عن السعادة الأبدية وخذلتهم بعد أن أسقطتهم في مهاويها المهلكة الرديّة ، ولذا ترى أكثر القرآن مشتملاً على ذمّها.
قال أمير المؤمنينعليهالسلام في وصفها : « ما أصف من دار أوّلها عناء وآخرها فناء ، في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب ، من استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن ، ومن ساعاها فاتته ، ومن قعد عنها أتته ، ومن أبصر بها بصرّته ، ومن عمي عنها أعمته ».(٣)
وقالعليهالسلام : « لايغرّنكم الحياة الدنيا فإنّها دار بالبلاء محفوفة وبالفناء
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٣٥٥.
٢ ـ كذا في النسخ ، والصحيح : شباكها.
٣ ـ نهج البلاغة : الخطبة ٨٢ ، وفيه : « واتته » بدل « أتته » و « من أبصر إليها أعمته » بدل « من عمي عنها أعمته ».
معروفة وبالغدر موصوفة ، فكلّ ما فيها إلى زوال ، وهي بين أهلها دول وسجال بينما أهلها منها في رخاء وسرور ، فإذا هم منها في بلاء وغرور ، العيش فيها مذموم ، والرخاء فيها لايدوم ، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها ، وتفنيهم بحمامها الحديث ».(١)
وقال :« إنّما مثل الدنيا كمثل الحيّة ما ألين مسّها وفي جوفها السمّ الناقع ، يحذرها الرجل العاقل ، ويهوي إليها الصبيّ الجاهل ».(٢)
والأخبار الواردة في ذمّها من الأئمّة الراشدين سلام الله عليهم أجمعين ممّا لاتحصى ، ولايليق بهذا المختصر ذكرها ، بل لايمكن ضبطها وحصرها ، وإنّ بالتأمّل في خطب نهج البلاغة وغيرها ممّا وصل إلينا من أميرالمؤمنين وقدوة المتّقينعليهالسلام في ذمّها وسرعة زوالها وخساستها وهلاكة طلاّبها لبلاغاً لقوم يعقلون. وللحكماء في الزجر عنها وجعل ذمائمها محسوسة في أعين طلابها أمثلة معروفة مشهورة ، هي في الكتب المتداولة مذكورة.
الباقيات الصالحات للعبد المشار إليها بقوله تعالى :( والباقيات الصالحات خير عند ربّك ثواباً وخير أملاً ) (٣) بعد مفارقة الروح عن البدن هي صفاء القلب وحبّه تعالى والأنس به فبها تحصل اللذّة الحقيقية والابتهاج التامّ من مشاهدة جمال الحقّ.
أمّا صفاء القلب فلأنّ بالموت يرتفع الحواجب الحسّية والعلائق المادّية المانعة عنها كمنع الأجفان عن رؤية الأبصار ، فإن كانت النفس ملوّثة بكدورات الدنيا وشهواتها كانت كمرآة تراكم عليها الخبث والصدأ ، فلاتصل إلى مقام الكشف والشهود الا بعد زوالها ، فإذا كانت من شدة
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٦.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٣٦٣.
٣ ـ الكهف : ٤٦.
تكدّرها بها وطول صدأها قد وصلت إلى حد الرين والطبع لم تقبل الاصلح والتصقيل مطلقاً ، فلاتصال إلى مقام الكشف والشهود أبداً ، وإن لم تصل إلى ذلك الحد لم يصل إليه الا بعد مدّة مديدة يعرض عليها النار حتّى ينقلع عنها الخبث الحاصل لها من كدورات الدنيا بقدر ما حصل لها ، فكلّما كان صفاء القلب أكثر كان أمكمن من الوصول ، ولايحصل الا بالكفّ عن شهوات الدنيا وقطع العلاقة القلبيّة عنها وتطهير النفس عن أدناسها.
وأمّا اللذّة المترتّبة على حبّ الله الحاصل من المعرفة والتفكّر فلاتحصل أيضاً الا بترك الدنيا وحبّها ، فإنّ الموت ليس عدماً صرفاً ، بل هو فراق لمحابّ الدنيا وقدوم على الله ، فإذا كان العبد محبّاً لله تاركاً للدنيا ارتفع بموته الحجاب المانع له عن وصوله إلى محبوبه ، فتحصل له لذّة المشاهدة واللقاء ويصير له القبر روضة من رياض الجنّة حيث إنّ محبوبه منحصر فيما وصل إليه ، فيقدم عليه سالماً منالعوائق آمناً من الفراق مستخلصاً نفسه عن السجن الحاجب بينه وبين محبوبه ، وإن كان محبّاً للدنيا لم يتمكّن مع ذلك من حبّ الله لتناقض الحبّين ، فلايمكن اجتماعهما في قلب واحد ، ولو فرض إمكانه فلايمكن معه الوصول إلى الله ، لأنّ تلك العلاقة الباقية للنفس بعد الموت بالدنيا حاجبة لها عن الوصول إليه حتّى تلتذّ بمشاهدته ولقائه ، كما كان في الدنيا ، فلاتحصل له تلك اللذّة المتفرّعة على الحبّ ، بل يتألّم ويعذّب ، لأنّه حيل بينه وبين محبوبه ، أعني الدنيا وانسدّت عليه أبواب الحيلة في الرجوع إليه.
وأما الأنس به تعالى فهو إنّما يحصل بالمواظبة على ذكر الله والمداومة عليه حتّى يأنس قلبه به والانس والحبّ متلازمان [ فمن استأنس بشيء ابتهج بمشاهدته والتذّ بملاقاته ].(١)
وقد عرفت أنّ الحياة حاجبة عن اللقاء والمشاهدة وبالموت يرتفع
__________________
١ ـ كما في « الف » فقط.
الحجاب ويصل إلى لذّة اللقاء والمشاهدة ، بشرط أن لايكون له علاقة بالدنيا ، فإنّ المحبّ لها قد استأنس بزخارفها ، فتحصل له من الموت وحشة عظيمة من مفارقتها ، فتلك العلاقة حاجبة له عن تلك اللذّة المترتّبة على الانس كما في الحبّ ، فعلم أنّ سالك الآخرة لابدّ له من المواظبة على الذكر المحصّل للانس ، والفكر المحصل للحبّ ، والعمل المحصّل لصفاء القلب حتّى تقطعه عن ملاذّ الدنيا وتمنعه عن شهواتها وهي متوقّفة على صحّة البدن وهي على المأكل والملبس والمسكن ، ولكلّ منها لوازم وأسباب ، فمن أخذها لتحصيل هذه الثلاثة لم يكن من أبناء الدنيا ، وكلّ من يتنعّم منها ولو بسماع صوت طائر أو نظر إلى خضرة أو شربة ماء بارد كان منهم ، فإنّ حوظ الدنيا.
وإن لم تكن بأسرها معرضة لسخط الله وعذابه لكنّها حائلة بين العبد وبين الدرجات العالية مفوتّة لحظوظ دائمة باقية مع كونها في جنبها حقيرة زائلة فانية موجبة طول الحساب والمناقشة من ربّ الأرباب.
ومعلوم أنّ طول الموقف في عرصة القيامة لأجل الحساب أيضاً نوع من العذاب.
ولذا قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « في حلالها حساب وفي حرامها عقاب ».(١)
فمن كان معرفته بالله سبحانه أقوى وأتمّ كان حذره من الدنيا أكثر وأعظم حتّى إنّ عيسى بن مريمعليهمالسلام وضع رأسه على حجر لمّا نام ثم رمى به إذ تمثّل له إبليس وقال : رغبت في الدنيا.(٢)
وكلّ من كان عنايته تعالى به أكثر ومنّته عليه أوفر ابتلاه في الدنيا بأنواع المحن والبلاء من الأنبياء والأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل في درجات
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٢١ ، وفيه : « حلالها حساب ، وحرامها عقاب » نعم في النهج (الخطبة : ٨٥) عن أميرالمؤمنينعليهالسلام كما في المتن.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٢١ ـ ٢٢.
العلى ليوفّر من الآخرة حظّهم كما يمنع الوالد المشفق ولده عن لذائذ الفواكه والاطعمة ويلزمه بالفصد والحجامة حبّاً له وإشفاقاً عليه ، ولأجله لم يرض لهم بقليل الدنيا وكثيرها.
روي أنّ روح الله اشتدّ به المطر والريح والرعد والبرق يوماً فجعل يطلب بيتاً بلجا إليه ، فرفعت خيمة من بعيد ، فأتاها فإذا فيها امرأة فما دعته ، ثم نظر فإذا بكهف في جبل فأتاه فإذا فيه أسد فوضع يده عليه وقال : إلهي جعلت لكل شيء مأوى ، ولم تجعل لي مأوى ، فأوحى الله إليه : مأواك في مستقرّ من رحمتي الحديث.(١)
قد تلخّص ممّا ذكر أنّ من الدنيا ما ليس لله صورة ومعنى كالمعاصي وغيرها ممّا لايكون لتحصيل الآخرة.
ومنها : ما صورته منها ويمكن أن يكون معناه كذلك أيضاً ، مثل ما يتوقّف عليه تحصيل الآخرة إذا قصدت به الدنيا وحظّ النفس ، ويمكن كونه لله بالاستعانة به على الآخرة.
ومنها : عكس ذلك ، كترك الشهوات والاتيان بالطاعات ، فيمكن أن يكون معناه لله بقصد التقرّب إليه ، يمكن كونه من الدنيا إذا قصد به حفظ المال والاشتهار بالزهد والعلم.
فصل
ثمّ من أفراده حبّ المال ، لكونه من الحظوظ العاجلة ، لكنّه أعظمها آفة ، لاحتياج الكلّ إليه ، فبوجوده يحصل الغرور والطغيان ، وبعدمه الفقر المؤدّي إلى الكفر في أغلب الأحيان ، وله فوائد منجية وآفات مردية ، وتمييز كلّ منها عن الآخرة مشكلة ومعرفة دقائق أخطاره معظلة ، فلفاقده غالباً
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٣٥٧ ، وفيه : « فحاد عنها » بدل « فما دعته ».
خصلتان القناعة المحمودة والحرص المذموم ، ويترتّب على الحرص الانهماك(١) في الصناعة والطمع من الناس المؤدّي إلى الذلّة ودناءة الهمّة ، وللواجد حالتان إمساك مذموم وإنفاق محمود ، ويترتّب على الإنفاق اقتصاد محمود وإسراف مذموم ، فهذه أمور تشابهة لابدّ أوّلاً من تمييز مذمومها عن محمودها حتّى يمكن تحصيل محمودها والتجنّب عن مذمها ، فيحصل النجاة من غوائلها وسمومها. قال بعض الأكابر : الدرهم عقرب ، فإن لم تحسن رقيته فلاتأخذه ، فإنه إن لدغك قتلك سمّه ، قيل : ما رقيته؟ قال : أخذه من محلّه(٢) ووضعه في حقّه.
وقد ورد في ذمّه من الآيات والأخبار ما لاتحصى.
قال الله تعالى :( إنّما أموالكم وأولادكم فتنة ) .(٣)
( المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربّك ) .(٤)
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم وهما مهلكالكم ».(٥)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لكلّ أمّة عجل وعجل هذه الأمّة الدينار والدرهم ».(٦)
وغير ذلك ممّا لاتحصى.
وورد أيضاً في مدحه ما لا تحصى.
__________________
١ ـ عبارة أبي حامد هكذا : « وللحريص حالتان : طمع فيما في أيدي الناس أو تشمّر للحرف والصناعات مع الياس عن الخلق ، والطمع شرّ الحالتين » (المحجة البيضاء : ٦ / ٤٠).
٢ ـ كذا في النسخ ، والصحيح : « من حلّه » كما في المحجة : ٦ / ٤٣ ، قاله يحيى بن معاذ.
٣ ـ التغابن : ١٥.
٤ ـ الكهف : ٤٦.
٥ ـ الوسائل : كتاب الزكاة ، ب٦ من أبواب ، تجب فيه ، ح ٥.
٦ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٣٢٨.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « نعم المال الصالح للرجل الصالح ».(١)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال ».(٢)
وقال رجل للصادقعليهالسلام : « إنّا لنطلب الدنيا ونحبّ أن نؤتاها ، فقالعليهالسلام : تحبّ أن تصنع بها ماذا؟ فقال : أعود بها على نفسي وعيالي وأصل بها وأتصدّق وأحجّ وأعتمر ، فقال : ليس هذا طلب الدنيا ، هذا طلب الآخرة ».(٣)
وقال الباقرعليهالسلام : « ليس منّا من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه ».(٤)
وقالعليهالسلام في رجل قال : لأقعدنّ في بيتي ولأصلّينّ ولأصومنّ ولأعبدنّ ربّي فأما رزقي فسيأتيني : « هذا من أحد الثلاثة الذين لايستجاب لهم ».(٥)
وغيرها من الأخبار.
وطريق الجمع أنّك عرفت أنّ له فوائد كتحصيل السعادة بها (به ظ) ، فإنّ من جملة أسبابها الفضائل الخارجة التي لاتتحقّق بدونه ، ومفاسد كالمقاصد المانعة عن حصولها. فإذن هو محمود بالنظر إلى غاياته المحمودة ، ومذموم بالنظر إلى غاياته المذمومة ، وكيف يكون المال مذموماً مطلقاً مع إنّ به تحصل فضيلة الحرّية بالمعنى الأخصّ ، أعني تحصيل المال من المكاسب الطيّبة ، وبعدمه يحصل الافتقار إلى الناس فيما يحتاج إليه ، وحوالة رزقه عليهم إمّا بطريق محرّم كالغصب والنهب والسرقة وغيرها ، أو غير محرم كالأخذ من الصدقات التي هي أو ساخ الناس وهو معنى الرقية التي يقابلها ،
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٤٤.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢٠٦ نقلاً عن الكافي : ٥ / ٧٨.
٣ ـ الكافي : ٥ / ٧٢ ، كتاب المعيشة ، باب الاستعانة بالدنيا على الآخرة ، ح ١٠.
٤ ـ المحجة البيضا :٧ / ٤١٨ ، عن الصادقعليهالسلام .
٥ ـ الكافي : ٥ / ٧٧ ، كتاب المعيشة ، باب الحثّ على الطلب ، ح ١ عن الصادقعليهالسلام ، وفيه : « هذا أحد الثلاثة ».
وهي مذمومة مطلقاً ، لكون أول فرديها محرّماً وأداء ثانيهما إلى الذلّ والمسكنة والتخضّع والعبودية للناس الممنوع شرعاً والمذموم عقلاً ، رفع الوثوق بالله ، والتوكّل عليه ، وترجيح المخلوق على الخالق المنافي لقوّة اليقين.
فظهر أنّه كحيّة فيها سمّ وترياق ، فلابدّ للعاقل من معرفة غوائله حتّى يحترز من شروره وآفاته والاطّلاع على فوائده حتى يستدرّ منّ محاسنه وخيراته. فغوائله الدنيوية من المخاوف والمتاعب والأحزان وتفرّق الخاطر في كسبه وحفظه ودفع كيد حسّاده وغير ذلك غنيّة عن البيان ، لأنّ أصحابه أعرف بها ، فلا حاجة لهم إلى بيانها ، ومن غوائله الدينيّة أداؤه إلى المعصية لكونه من أقوى أسبابها المحصّلة للقدرة عليها ، فإذا استشعر الانسان به انبعث داعيه إلى فعلها ، فإن فعل عصى وإن ترك وقع في مضيق الصبر على تركها ، بخلاف العجز ، ثم إلف صاحبه بسبب ثمرّنه على الشهوات والتنعّمات بها ، بحيث لايقدر على تركها ، فإذا لم يقدر على حلالها اقتحم في الشبهات ، ثمّ في المحرّمات لتنظيم الشهوات وما أقلّ من قويت نفسه مع القدرة عليها على تركها والاكتفاء بقدر الضرورة منها.
ثم في أمثال هذا الزمان لايمكن محافظة المال وتنميته الا بارتكاب أنواع المكر والحيلة والتحمّل لما يسخط الله تعالى طلباً لمرضاة أهل الدنيا باحتياجه إلى معاشرتهم ومعاملتهم. هذا.
والعمدة فيه اشتغاله بسبب الدنيوي في تنمية ماله عن إصلاح حاله ، كما قال عيسى بن مريمعليهالسلام :
« في المال ثلاث آفات ، أن يأخذه من غير حلّه. فقيل : إن أخذه من حله؟ قال : يضعه في غير حقّه. فقيل : إن وضعه في حقّه؟ قال : يشغله إصلاحه عن الله تعالى ».(١)
فإنّ أودية الأفكار الدنيوية ممّا لا تنتهي إلى حدّ ».
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٤٩.
وأمّا قوائده الدنيوية فكالحظوظ العاجلة الحاصلة لصاحبه مضافاً إلى خلاصه عن ذلّ السؤال ، والعزّ والوقار عند الناس ، وكثرة الأصدقاء والأعوان ، وغير ذلك.
وأمّا فوائده الدينية فكالانفاق في الطاعة كالحج والجهاد والأكل واللبس والسكنى والنكاح للتقوّي عليها والصدقات الواجبة والمستحبّة والمروءات كالهدايا والضيافات وإقراض ذوي الحاجات واستجلاب فضيلة الجود والسخاء ووقاية العرض بدفع مثالب المغتابين والفحّاشين من السفهاء وهجاء الشعراء ومنع الظلمة والأعداء.
فقد ورد بكلّ منها أخبار لاتحصى ، مع شهادة الاعتبار بحسنها ، وكأجرة الاستخدام لتهيئة ما يحتاج إليه من الخياطة والنكس والغسل وطبخ الطعام وغيرها ممّا يحتاج إليه ، فإنّ المباشرة لها بنفسه يستوعب الأوقات ، فلايبقى له مجال لتحصيل ماهو المقصود بالذات من الذكر والفكر وسائر الطاعات وكالخيرات الباقية الجارية من بناء المسجد والقناطير والمدارس ونسخ المصاحف والأدعية والعلميّات.
فإذ قد ظهر لك محاسنه ومفاسده فينبغي لك التجنّب عن غوائله بمراعاة التفكّر والتأمّل في علّة الحاجة إليه والباعث على خلقته ، وما هو المقصود الأصلي منه ، فإنّك إذا عرفت أنّه خير مضاف وآلة وأنّ الافراط فيه مانع عن الوصول إلى ما هو المقصود بالأصالة ، لم تكتسب ولم تحفظ مايزيد عن حاجتك ولزمك الاجتناب عن الحرام والشهبة والسؤال الموجب للذلّ والمهانة ، ولم تنفقه الا على وجه الاقتصاد ، قال الله تعالى :
( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ) .(١)
فلا تصرفه في غير حقّه ولايكون قصدك في تحصيل ماتحصّله وترك
__________________
١ ـ الفرقان : ٦٧.
ما تترك الا كونها آلة يستعان بها على حصول السعادة ، فيصير كلّ عمل صادر منك خالصاً لوجه الله تعالى وفرداً من أفراد العبادة.
ثمّ إنّ حبّ المال إن كان لغاية أعني اقتناء ما يتوقّف عليه من المشتهيات مع طول الأمل بحياته واقتنائه منها أو بحيياة أولاده ومنت ينتسب إليه حيث إنه لحبه لهم يقدّر بقاءهم فيجمعها لأجلهم ، كان علاجه بضدّ تلك الغاية ، أعني الصبر على تركها والقناعة وكثرة ذكر الموت الماحي لطول الأزمل ، والتأمّل في مفاسد شهوة البطن والفرج والأموال وغوائلها المشار إليها ، وفي حال أقرانه الذين سبقوه في الجمع والحرص والادّخار وانقطاعهم عنها بالموت وتلفها بتمتع الظلمة والحكام بعده منها أو أزواج البنات أو الزوجات ، وغير ذلك من الحاثات ، وصيرورة أولادهم بعدهم بيسير من الأوقات في أقصى الفقر والفاقة ومن جملة ذوي الحاجات.
وإن كان لذاته حيث إن له تعشّقاً به من حيث هو مال كما نرى كثيراً من المعمّرين أنّ لهم من المال ما يكفيهم لغاية ما يحتمل بقاؤهم إليها من المدّة ، بل يزيد عليه ، وليس لهم من الأولاد وغيرهم من يحتاطون لأجله ، ومع ذلك لايسمحون بالواجبات فضلاً عن المستحبّات والمرؤات ، فليس ذلك الا لكون الدرهم والدينار معشوقاً لهم يلتذّون برؤيتها ووجودها في أيديهم ، كان من الأمراض الصعبة سيّما للمعمّرين ، حيث صار بطول المدّة مزمناً وضعفت الطبيعة عن مقاومته ، فسلمت الأمر إليه وحاله حال من يعشق أولّاً بأحد ثم يحبّ رسوله ويعشقه فينسى معشوقة الأوّل الأصلي ، ويشتغل بالرسول ، فإنّ الأموال رسل الشهوات ، ولأجلها حبّبت إلى القلوب ، وهذا قد نسيها وعشق برسلها ، فهو في غاية الجهالة ونهاية الضلالة. ولما كان هذا القسم مستلزماً للبخل فعلاجه بعد التذكّر لمفاسد الأموال وغوائلها وما ورد في ذمّها بما سيذكر في البخل.
فصل
ثم الحرص من أقوى شعب حبّ الدنيا وهو ملكة مهلكة تبعث على جمع الزائد عن الحاجة من الأموال من دون وقوف على حدّ مخصوص.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « يشيب ابن آدم ويشبّ فيه خصلتان الحرص وطول الأمل ».(١)
وقال الباقرعليهالسلام : « (مثل) الحريص على الدنيا كمثل دودة القزّ كلما ازدادت على نفسها لفّاً أبعد لها عن الخروج حتّى تموت غمّاً ».(٢)
وعن الصادقعليهالسلام فيما نزل به الوحي من السماء : « لو أنّ لابن آدم واديين يسيلان ذهباً وفضّة لبتغى لهما ثالثاً ، يابن آدم إنّما بطنك بحر من البحور ، وواد من الأودية لايملأه شيء الا التراب ».(٣)
وعلاجه التذكّر لما ورد في ذمّه من الأخبار وما فيه من الذلّ والمهانة ورقيّة الشهوة ، والتأمّل في أنّ ايثارها على غز النفس نقص في الإيمان والمعرفة ، ثم ما في جمعه من الآفات الدينية والدنيوية ، والاعتبار بالقرون الماضية والألم السالفة ، وأن القناعة من شيم عظماء الأمم من الأنبياء والأولياء والسلف الأتقياء الأبدال.
والحرص من خبائث طبائع الأداني والجهّال والأذال من الأعراب والأكراد وطوائف الكفّار من الرجال.
ويعرف أنّ المقصود من المال قضاء الضرورة وهو ممّا ضمنه الله تعالى على نفسه في مواضع كثيرة.
( فوربّ السماء والأرض إنّه لحقّ ) .(٤)
__________________
١ ـ جامع السعادات : ٢ / ١٠٠.
٢ ـ جامع السعادات : ٢ / ١٠٠ ، الكافي : ٢ / ٣١٦ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب حب الدنيا والحرص عليها ، ح ٧.
٣ ـ جامع السعادات : ٢ / ١٠٠.
٤ ـ الذاريات : ٢٣ ،
ولا خلف لو عده ، ولا مانع له عن فضله وجوده ، فإذا حصلت له المعرفة التأمة بذلك حصل له التوكل والاعتماد على الوهاب الجواد ، فليبادر بعده إلى العلاج العملي بالتوسط في أمر المعيشة والاقتصاد حتى لا يحتاج إلى المشقة الزائدة في تحصيله والاجتهاد ، ولذا ورد في مدح الاقتصاد أخبار كثيرة غنية عن الايراد ، وليكن نظره دائماً إلى من هو دونه ، دون من هو فوقه ، حتى يحصل له الرغبة في التشبه به.
قال أبوذررضياللهعنه : « أوصاني خليلي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن النظر إلى من هو دوني لا إلى من هو فوقي في الدنيا ».(١)
فصل
الطمع أيضاً من شعبه وهو التوقع لما في أيدي الناس من الأموال من غير استحقاق ولا عوض ، وهو من رذائل الحرص إذا انضم إليه البطالة الجهالة بحكمة الله وهو الرقية بالمعنى الأخص.
وقد أشرنا إليها سابقاً ، وذكرنا أنها من الرذائل المهلكات المؤدية إلى الاتيان بالمناهي والمحرمات في وجوه المعاشرات والمعاملات ، مضافاً إلى ما فيه من الذل والمهانة والعبادة لمن هو دونه أو مثله في الحاجة.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إياك والطمع ، فإنه الفقر الحاظر ».(٢)
وعن عليعليهالسلام : « استغن عمن شئت تكن نظيره ، وارغب إلى من شئت تكن أسيره ، وأحسن إلى من شئت تكن أميره ».(٣)
وعنهعليهالسلام : « المنية ولا الدنية والتقلل ولا التوسل ».(٤)
مع ما فيه من سلب التوكل والوثوق بالله تعالى والاعتماد على نظائره
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٥٨ ، « أي في الدنيا » والتفسير من أبي حامد.
٢ ـ جامع السعادات : ٢ / ١٠٦.
٣ ـ جامع السعادات : ٢ / ١٠٦.
٤ ـ نهج البلاغة : الحكمة : ٣٩٦.
في الفقر والحاجة.
وعلاجه بالتذكّر لمفاسده وغيره ممّا ذكر في الحرص ، ثم النظر في حكمة المعاملات والمعاوضات ، فإنّ النظام يختلّ بإطلاق الخيرات مجّاناً والعطيات والانتهاء عن كلّ مكسب حتى في التحف والهديّات ، وتشويق النفس إلى اللذّات الفعلية حتى تعلو همّتها عن الانفعاليات ومخالطة الأحرار واستماع كلماتهم وما نقل عنهم من الحكايات.
وعن بعض الأكابر : أنّ الحرّ من لايتوكّل على الله.
ومعناه أنه لا يطلب ما لا يستحقّه فيحتاج إلى تفويض حصوله إلى الله ، بل يدري أنّ كلّ ما يليق به ويقتضيه [ استعداده موهوب له من حضرته ](١) .
فصل
البخل هو الامساك حيث ينبغي البذل وعكسه الاسراف ، وقد نهى الله ورسوله عنها ، فقال :
( ولا تجلع يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كلّ البسط فتقعد ملوماً محسوراً ) .(٢)
وقال :( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ) .(٣)
والأولّ من نتائج حبّ المال ، ومن رذائل القوّة الشهويّة من طرف الافراط ، ويترتّب عليه مفاسد دينية ودنيوية يشهد بها الوجدان ، ويؤدّي إلى الحرمان عن صنوف السعادات من وجوه الخيرات والقربات وقسوة القلب وزوال المرؤّات بحيث يسري إلى الغير ممّن ينظر إليه ويتسلّط الناس بسبه على عرضه وماله وغير ذلك من الآفات ، وكفاه ذمّاً استعاذة الأئمّةعليهمالسلام عنه
__________________
١ ـ ساقط من « ج ».
٢ ـ الاسراء : ٢٩.
٣ ـ الفرقان : ٦٧.
في الدعوات.
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الشحّ والايمان لايجتمعان في قلب واحد ».(١)
« وما من صباح الا وكلّ الله تعالى به ملكين يناديان : اللّهمّ اجعل لكلّ منفق خلفاً ولكلّ ممسك تلفاً ».(٢)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « حلف الله بعزّته وجلاله لايدخلنّ الجنّة شحيح ولابخيل ».(٣)
إلى غير ذلك من الآيات والأخبار.
وعلاجه يتمّ بالعلم بمفاسده وآفاته ، وما ورد في ذمّه ، والعمل من البذل والانفاق [ تكلّفاً إلى أن يعتاد عليه ، وإذا هاجت رغبته إلى الانفاق ](٤) فلايتوقّف ولايعطي الشيطان فرصة بتوعيده الفقر وتخويفه بأنواع الوساوس فيمنعه عنه.
ومن معالجاته تحبيب الجاه والشهوة والعزّة بجلب القلوب إلى نفسه بالجواد والسخاء ، فيبذل ولو بقصد الرياء حتّى يعتاد نفسه على السخاوة ، ثم يعالج رياءه بما ذكر في علاج تلك الرذيلة ، وهذا من قبيل المعالجة السميّة ، فإن ذمائم الأخلاق ممّا ينبغي أن يسلّط بعضها على بعض حتّى يندفع الجميع فتكسر سورة الشهوة بالغضب وبالعكس ، وهذا عادة جارية من الله سبحانه وتعالى في دفع المؤذيات كتسليطه الظالمين بعضهم على بعض. ومثاله كما قيل أنّ الميّت يستحيل دوداً ثم تأكل الديدان بعضها على بعضاً إلى أن تنحصر في اثنين قوييّن فيتغالبان إلى أن يقتل أحدهما الآخر. فيأكله ويسمن به ، ثم
__________________
١ ـ جامع السعادات : ٢ / ١١١ ، ونحوه في الوسائل : كتاب الزكاة ، ب٥ من أبواب ما تحب فيه ، ح ١٥.
٢ ـ جامع السعادات : ٢ / ١١٢ ، وفيه : « روي » ونسبه في المحجة (٦ / ٧٦) إلى كعب ، وراجع أيضاً الكافي : ٤ / ٤٢ ، كتاب الزكاة ، باب الانفاق ، ح ١.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٧٤.
٤ ـ ساقط من « ب ».
يبقى جائعاً فيموت. فكذا المتّصف بذمائم الصفات يدفع بعضها ببعض إلى أن ينحصر في واحدة ، فيسهل إزالتها بعد ذلك.
وأنفع العلاج في إزالة البخل إزالة سببه ، أعني حبّ المال بإزالة أسبابه التي أشرنا إليها.
وأمّا الثاني وهو ملكة التبذير الذي نهى الله تعالى عنه ووصف صاحبه بأنه من إخوان الشياطين( وكان الشيطان لربّه كفوراً ) .(١) فدواعيه مختلفة ، وتدخل في الجنس الذي يختصّ داعيها به ومنشؤة غالباً قلّة المعرفة بمنافع المال وصعوبة مسلكة ، والغالب حصول هذه الملكة لمن يحصل له مال بغتة بالارث والهبة ونحوهما من دون كدّ في تحصيله.
وعلاجه التأمّل في فوائده الدينية والدنيوية ممّا ذكرناه.
ثم في متاعب المدخل الحلال وكون تحصيل الموال في المكسب الطيّب في غاية الصعوبة والاشكال ونهاية سهولة مخرج المال ، ولذا شبّه الأوّل بحمل الصخرة العظيمة إلى قلل الجبال والثاني بإطلاقها من الأعلى إلى الأسفل في سهولة الانتقال ، ولاسيّما بالنسبة إلى الأحرار من الرجال ، ولذا تراهم ناقصي الحظوظ من زخارف الدنيا وأموالها لعلوّ همّتهم عن تحصيلها من الوجوه الغير المحمودة كلطمع ممّا في أيدي الخلق بالذلّة والملق وارتكاب أصناف المحرّمات من المكر والخديعة والكذب والسعاية والغمز وغيرها ممّا يتوسّل بها في أمثال زماننا لتحصيلها أو مايكون مشعراً بالدناءة وخسّة الهمّة من صنوف المكاسب الخسيسة وغيرها فإذا عرف هذه المراتب واطّلع عليها بالغ في حفظها.
ثم الاعتبار بكثير من السفهاء الذين أتلفوا أموالهم التي حصلت لهم بغتة بموت من تركها لهم بصرفها في الشهوات وقبائح الأفعال ومصاحبة الأداني وأهل التلهّي والأرذال الذين كانوا يدّعون الصداقة والمودّة معه في
__________________
١ ـ الإسراء : ٢٧.
حال وجود المال ، ولمّا أيقنوا بخلاصه(١) وصرف الأموال بالكلّية في مصاحبتهم وأنه لم يبق شيء بالمرّة تجنّبوا عنهم وأنكروا معرفتهم وصاروا كأنّهم لم يروهم ولم يعرفوهم أبداً ، فباتوا في أسوء عيش وأذلّة مع شماتة الأعداء والأقران وتواتر الهموم والأحزان وآلت بهم إلى ضياع الأهل والعيال ، وتلف النفس على أسوء حال ، ومحو آثار سلسلتهم عن صفحة الزمان الغدّار ، فجمعوا بين خسران هذه الدار والحرمان عن سعادة دار القرار.
وبعد ذلك يبادر بالعلاج العملي بتقديم الفكر والتروّي في وجوه الانفاق وإمساك اليد عمّا لايليق بالاطلاق حتّى يتّصف بصفة الأحرار ويتحلّى بحلية الاقتصاد الممدوح في الأخبار والمحمود بحسب الاعتبار ، ويتحصّل فضيلة الجود والسخاء التي هي من شيم الأنبياء والأوصياء.
فصل
من رذائل القوّة الشهويّة ملكة كلّ معصية متعلّقة بها كالزنا واللواط وشرب الخمر واستعمال آلات الملاهي من العود والدفّ والغناء غيرها من الشهوات المحرّمة ، وقد ورد النهي من كلّ منها بخصوصه ، وفصّلت أحكامها في الكتب الفقهية فلا حاجة إلى ذكرها.
وعلاجها بالتوبة وتذكّر ما ورد من النهي والعقوبة والتخويف عليها ، والمواظبة على الطاعات سيّما الصلاة ، فإنّها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
ومنها : الخوض في الباطل ، أي التكلّم في المحظورات الحاصلة في سالف الزمان بدون داع له سوى التشهّي فلا يدخل فيه مثل الغيبة والنميمة والفحش والمراء ممّا له داع مخصوص ، وليس له حدّ مخصوص ، لأنّ أنواع الباطل لاتحصى ، فكذا الخوض فيه وكلّه آفة للنفس ومؤدّ إلى هلاكها
__________________
١ ـ مراده من الخلاص نفاد المال واستهلاكه ، وكأنّه مصطلح فارسى.
وخسرانها الا ما اشتملت على فائدة أخرويّة كالاعتبار والموعظة.
ويدخل فيه الخوض في المذاهب الفاسدة وحكايات البدع من غير إفادة الردّ والنقص.
وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أعظم الناس خطاء يوم القيامة أكثرهم خوضاً في الباطل ».(١)
وقد ذمّ الله الكفّار بقولهم :( وكنّا نخوض مع الخائضين ) (٣)
وعلاجه العلم بمفاسده أوّلاً حتّى يمنعه عنه ثم المواظبة على الذكر والفكر والعمل ، حتّى يعتاد بها ، فتمنعه الاشتغال بها عنه ، إذ :( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) (٤)
ومنها : التكلّم بما لا حاجة إليه في دينه أو دنياه أو بما يزيد عن حاجته ، وهو الفضول من الكلام ، وهذا وإن لم يترتّب عليه إثم الا أنه مذموم ، ولكون الباعث عليه مجرّد التشهّي يكون من رداءة القوة الشهوية.
وعلاجه التفكّر لما ورد في ذمّه من الأخبار.
ففي الخبر أنّه استشهد يوم أحد غلام من أصحابهصلىاللهعليهوآلهوسلم ووجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع ، فمسحت أمّه التراب عن وجهه وقالت : هنيئاً لك بالجنّة يا بنيّ! فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « وما يدريك لعلّه كان يتكلّم فيما لا يعنيه ويمنع ما لايضرّه ».(٥)
وما ورد في مدح الصمت من الأخبار الكثيرة التي نذكر بعضها
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٠٧ ، وفيه « خطايا ».
٢ ـ المدّثر : ٤٥.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٠٧.
٤ ـ الأحزاب : ٤.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٠٠.
إن شاء الله تعالى.
ثم في كونه موجباً لتضييع أوقاته التي هي رأس ماله بحرمانه بسببه عن الذكر والفكر والعمل ، وقد عرفت أنّ بها تحصل الباقيات الصالحات المحصّلة للذّة اللقاء والمشاهدة التي هي اللذّة الحقيقية والسعادة الأبدية بعد الوفاة أعني صفاء القلب والحبّ والأنس ، فمن تركها واشتغل بما لايعنيه ممّا لا يترتّب عليه فائدة دينية ولا دنيوية فهو وإن لم يترتب على فعله إثم الا أنه مفوّت للربح العظيم الجسيم بشيء حقير لاوقع له أصلاً.
والغالب أنه يؤدّي إلى الخوض في الباطل ، بل الكذب والغيبة ، ولذا قال بعضهم : يهلك الناس في خصلتين : فضول المال وفضول الكلام.
وقال بعضهم : من كثر كلامه كثر كذبه.
وكما أنّ التكلّم بما لايعني مذموم ، فكذا سؤال ما لايعني عن الغير بل هو أشدّ ، لأنّه مضيّع به وقته ووقت المسؤول معاً مضافأ غلى تعريضه المسؤول لآفة غالباً ، كما إذا أراد إخفاء ما سألته عنك فإن سكت ولم يجب بشيء كان مستخفّاً بك ، وإن أجاب بغير الواقع كان كذباً وإن احتال للجواب وقع في تعب الفكر ، وكما إذا كان صائماً فسألته عنه ، فإن قال : نعم ، كان مرائياً أو ساقطاً عن درجة السرّ التي هي أفضل من الجهر بمراتب ، وإن قال : لا ، كان كاذباً ـ إلى آخر ما تقدّم(١) ـ فهذا وأمثاله مضافاً إلى كونها ممّا لاتعنيه تتضمّن إثماً وأذيّة.
__________________
١ ـ لم يتقدّم.
المقام الثاني
في بيان معظم الفضائل المختصّة بالقوّة الشهوية
وفيه فصول
فصل
جنس الفضائل المزبورة هو العفّة ، وهي انفياد القوّة الشهوية للعاقلة في ما تأمرها به وتنهاها عنه وهي الوسط المحمود فيما بين الشره والخمود ، لما عرفت من أنّ هذه الفضائل الأربع عبارة عن اعتدال كلّ من القوى الثلاث أو جميعها ، ولاينافيه ماورد في فضل الجوع ، بل يؤكّده ويحقّقه ، فإنّ الحكيم إذا علم كون الطبيعة حريصة وباعثة على الإفراط حثّ على التفريط حتّى يحصل من تدافعهما ملكة الاعتدال.
ولذا ورد في مدح العفاف أخبار لاتحصى.
قال أميرالمؤمنينعليهالسلام : « أفضل العبادة العفاف ».(١)
وقال الباقرعليهالسلام : « ما من عبادة أفضل من عفّة بطن وفرج ».(٢)
وقال الصادقعليهالسلام : « أيّ الاجتهاد أفضل من عفّة بطن وفرج »(٣) إذ قد علمت أن المقصود من الأكل والشرب والجماع حفظ قوام البدن وبقاء النوع ، وأنّها ليست مقصوده لذاتها ، فالاعتدال في كلّ منها هو حصول غايته مع قصد تلك الغاية دون التلذّذ والشهوة ، وقد مرّ في النبوي تعيين الكمّ الضروري من الأكل.
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٧٩ ، كتاب الايمان والكفر ، باب العفّة ، ح ٣.
٢ ـ الكافي : ٢ / ٨٠ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب العفّة ، ح ٧.
٣ ـ الكافي : ٢ / ٧٩ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب العفّة ، ح ٤ ، وفيه : « عن الباقرعليهالسلام .
وورد في الأخبار أيضاً بيان وجوهه وآدابه كمّا وكيفاً ، وذكرها علماء الأخلاق وغيرهم مع زيادات مذكورة في الكتب المطّولة المشهورة ، فلا حاجة إلى ذكرها.
ثم إنّ للعرفاء ترغيبات على الجوع بكثرة فوائده وتوقّف كشف الأسرار الالهية والوصول إلى المراتب العليّة عليه ، ولهم حكايات غريبة من إمكان الصبر عليه شهراً أو شهرين أو سنة ، ووقوعه من بعضهم.
قيل : وهذا خلاف ما ورد في ظاهر الشريعة ، وكلف به عموم الامّة ، فإن كان ممدوحاً فإنّما هو لقوم مخصوص.
أقول : الأخبار الواردة في فضل الجوع وأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ومولانا أميرالمؤمنينعليهالسلام وكثيراً من خلّص الصحابة كانوا يمسكون عن الأكل يومين أو ثلاثة وكانوا يربطون الصخر على بطونهم من الجوع كثيرة ، وكذا ما نقل عن سائر الأنبياء والأولياء ، كما أشرنا إلى بعضهم ، ونشير إلى بعض آخر.
وغاية ما يدلّ عليه سائر الأخبار هي ما نبّهنا عليه من كون الراجح من الأكل مثلاً ما يحفظ به قوام البدن ، كما دلّ عليه قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « حسبه لقيمات يقمن صلبه »(١) .
وهو ممّا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص ، فربّما أطاق أحد الصبر عليه أيّاماً كثيرة ، ولم يتضرّر بالامساك عنه شهراً أو شهرين مثلاً ، ولم يطق آخر وتضرّر من أمساك يوم.
وربّما شبع أحد بثلث ما لا يشبع به آخر أو أقل ، فيكون في حقّه شبعاً مذموماً ، وفي حقّ الآخر جوعاً ممدوحاً.
والحاصل غاية ما يستفاد من الأخبار كون الممدوح منه ما يتقوّم به البدن(٢) ، وهذا مما لا أظن انّ أحداً ينكره ويدّعي حسن الموت جوعاً ، وأمّا
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٤٧.
٢ ـ في هامش « الف » : ما يبقى معه قوام البدن.
الزائد عليه فهو وإن جاء ت به الرخصة من الشريعة حتّى إنّ الشبع المذموم ليس حراماً شرعاً ، لكن لاريب في رجحان تركه بالمرّة ، وكونه بحيث يترتّب عليه فوائد جليلة ومنافع عظيمة ، والتحديد الوارد في بعض الأخبار ليس الا بباناً لأقلّ مراتب الرجحان وأدناها الذي يلحق تاليه بالمرتبة البهيمية كما قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في ذلك الحديث :
« فإن كان أولابدّ ـ فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث للنفس ».(١)
وهذا صريح في أنّه ليس راجحاً وممدوحاً في حدّ ذاته ، بل الممدوح كذلك ما أشار إليه أوّلاً وإنما هو أدون مراتبه الذي يلحق تاليه بمرتبة البهائم ، فإنّ التكاليف تختلف بالنسبة إلى الأشخاص والأحوال ، وكذا الحال في النكاح ، وهو واضح.
فصل
الزهد من أرفع منازل الدين وأعلى مقامات الساكين ، وهو ترك العلاقتين بالدنيا والعدول عن الدنيا إلى الآخرة ، أو عن غيره تعالى وهو أعلى مراتبه المختصّ بالصدّيقين ، فلا يكون في هذه المرتبة خوف من النار أو طمع في الجنّة ، فظهر أنّ تارك الدنيا للدنيا أو لعجزه عن تحصيلها أو لخوفه من آلامها ومشاقّها أو لثقل حفظها أو تحصيلها عليه ليس زاهداً.
والآيات في مدح ترك الدنيا متكاثرة ، والأخبار متظافرة ، وقد أشرنا إلى بعضها.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إذا رأيتم العبد أعطي صمتاً وزهداً في الدنيا فاقتربوا منه فإنه يلقي الحكمة ».(٢)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أراد أن يؤتيه الله علماً بغير تعلّم وهدى بغير هداية
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٤٧ مع اختلاف.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٣٥١.
فليزهد في الدنيا ».(١)
وقالعليهالسلام : « ازهد في الدنيا يحبّك الله وازهد فيما أيدي الناس يحبّك الناس »(٢) .
وقال الصادقعليهالسلام : « جعل الخير كلّه في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا ».(٣)
وقالعليهالسلام : « إذا أراد الله بعبد خيراً زهّده في الدنيا وفقّهه في الدين وبصّره عيوبها ، ومن أوتيهنّ فقد أوتي خير الدنيا والآخرة ».(٤)
وقالعليهالسلام : « الزاهد الّذي يختار الآخرة على الدنيا والذلّ على العزّ ، والجهد على الراحة ، والجوع على الشبع ، وعافية الآجل على محنة العاجل ، والذكر على الغفلة ، ويكون نفسه في الدنيا ، وقلبه في الآخرة(٥)
وكفاه فضلاً كونه من أظهر صفات الأنبياء وخلّص عباد الله فقد أخبر أميرالمؤمنينعليهالسلام في بعض خطب نهج البلاغة « بأنّ موسى الكليم كان غالب قوته نبت الأرض وأوراق الأشجار ، وكان ضعف بدنه من كثرة رياضته بحيث يرى الخضرة من صفاق بطنه.
وكان روح الله يلبس الشعر ، يأكل [ ورق ] الشجر ، ولم يكن له بيت يخرب ، وولد يموت ومال يدّخر ، أينما يدركه المساء نام ».(٦)
وقال الحواريّون : لو أمرتنا أن نبني لك بيتاً تعبد الله فيه؟ فقال : اذهبوا فابنوا لي بيتاً على الماء ، فقالوا : كيف يستقيم البنيان على الماء؟ قال : فكيف يستقيم العبادة مع حبّ الدنيا؟(٧)
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٣٥٧.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٣٥٦.
٣ ـ الكافي : ٢ / ١٢٨ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب ذم الدنيا والزهد فيها ، ح ٢.
٤ ـ الكافي : ٢ / ١٣٠ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب ذم الدنيا والزهد فيها ، ح ١٠.
٥ ـ مصباح الشريعة : الباب ٣١ ، في الزهد.
٦ ـ راجع نهج البلاغة : الخطبة ١٦٠.
٧ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٣٥٥.
وكان يحيى بن زكريّا يلبس المسوح حتى نقب جلدده تركاً للتنعّم والاستراحة ، فسألته أمّه ليس جبّة من الصوف ففعل ، فأوحى الله إليه : يا يحيى! [ عليّ ] الدنيا فنزع وعاد إلى ما كان عليه.(١)
وكان نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم المقصود من خلقة الدنيا من شدّة زهده لم يشبع هو وأهل بيته مدّة عمره غدوة الا وجاعوا عشية وبالعكس ، وإنّ بعض زوجاته بكت يوماً ممّا رأت به من الجوع وقالت له : ألا تستطعم الله فيطعمك؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « والذي نفسي بيده لو سألته أن يجري معي جبال الدنيا [ ذهباً ] لأجراها حيث شئت من الأرض ، ولكني اخترت جوع الدنيا على شعبها ، وفقرها على غنائها ، وحزنها على فرحها ، إن الدنيا لاينبغي لمحمد وآل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إنّ الله لم يرض لأولي العزم من الرسل الا الصبر على مكروه الدنيا والصبر عن محبوبها الحديث ».(٢)
وأخبار زهد أميرالمؤمنينعليهالسلام أشهر من أن يذكر ، وكذا من بعده من الأوصياء الماضين ، والسلف الصالحين ، فإنّ حكايات زهدهم مشهورة ، وفي السير وغيرها مسطورة.
ثم إنّ للزهد باعتبار نفسه درجات ثلاث :
أولاها : الزهد في الدنيا مع الميل إليها بالمجاهدة والرياضة ، وهو التزهّدو.
وثانيها(٣) : الزهد فيها بطوع وسهولة لاستحقاره لها ، بالاضافة إلى لذّات الآخرة ونعيمها ، كالذي يترك درهماً لألف درهم.
وثالثها : الزهد فيها لكراهته لها وعداوته إيّاها ، بعلمه بكونها أخباثاً قذرة وسموماً مهلكة فيهرب منها ويبغضها ، فهو كالتارك للحيّة القاتلة ،
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٣٦٣ ـ ٣٦٤ ، وفيه : « ثقب جلده ».
٢ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٣٥٣ ـ ٣٣٥٤.
٣ ـ كذا ، والظاهر : ثانيتها وثالثتها.
وآخذ الجوهرة الثمينة ، فلا يعدّ من المعاوضة في شيء ، وهو أعلى مراتبه لكونه ناشئاً من كمال المعرفة بآفاتها ومفاسدها وعدم وفائها ، بل عداوتها ومكرها بأبنائها ، والعلم بدوام لذّات الآخرة وبقائها.
وصاحبه في أمن من الالتفات إليها ، ومثاله أنّه إذا كان على باب الملك الذي تقصده كلب يعضّ الناس ويمنعهم عن الوصول إليه ، فألقيت إليه شيئاً يضرّك وينفعه ممّا نلته من موائد الملك فشغلته بذلك الشيء عن نفسك ودخلت ونلت منه غاية القرب ونهاية اللطف والاكرام ، فهل ترى أنّ مانلته منه عوضاً لما ألقيته إلى كلبه ، مع كونه من أخسّ الأشياء وأردائها وكونه منه أيضاً.
فنعماء الدنيا وإن كثرت ، بالنسبة إلى نعيم الآخرة أخسّ شيء وأقبحه ، لكدورتها بالآلام وفنائها ، فلا نسبة لها بلذّات الآخرة ونعمائها مع مقائها وصفائها.
وله من حيث المرغوب عنه خمس درجات :
أوّلها : الزهد في الحرام ، وهو زهد الفرض.
وثانيها : الزهد في الشبهات ، وهو زهد السلامة.
وثالثها : الزهد في الزائد عن الحاجة من الحلال أيضاً ، لكن مع التمتّع والتلذّذ ممّا يحتاج إلى صرفه.
ورابعها : الزهد فيه بدون التمتّع والتلذّذ من القدر الضروري ، بل لأجل الاضطرار من قبيل أكل لحم الميتة مع كراهة له باطناً ، وهذا وما قبله يسمّى زهد ثقل.
قال الصادقعليهالسلام : « الزاهد في الدنيا الذي يترك حلالها مخافة حسابه ويترك حرامها مخافة عذابه ».(١)
وخامسها : الزهد في جميع ما سوى الله حتّى النفس والبدن ، بحيث
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٣٦٢.
يكون ما يصحبه ويرتكبه إجاء.
قال الصادقعليهالسلام في بيان الزهد : « هو تركك كلّ شيء يشغلك عن الله من غير تأسّف على فوتها ، ولا إعجاب في تركها ، ولا انتظار فرج منها لا طلب محمدة عليها ، ولا عرض بها ، بل يرى فوتها راحة وكونها آفة الحديث ».(١)
ولا ينافيه الاشتغال بالضروريات والالتفات إليها ، فإنّ قصد حفظ البدن وامتثال أمره تعالى في الاتيان بها للاستعانة على العبادة وسائر القربات أيضاً إقبال على الله واشتغال به ، فكما أنّ من يعلف دابّته في طريق الحجّ لايكون معرضاً عنه تعالى فكذا الاشتغال بتهيئة ما يحتاج إليه البدن الذي هو كالدابّة للنفس في الوصول إلى المقصد لايكون معرضاً عنه تعالى إذا لم يكن متنعّماً متلذّذاً بها ، بل قاصداً للتقوّي بها على الطاعة ، فهو لاينافي الزهد ، بل هو شرطه.
ثم إنّه قد يتطرّق إلى القدر المهمّ الضروري شائبة فضول في القدر والجنس باختلاف الأوقات والأحوال ، فينبغي أن يراعى فيه الزهد أيضاً.
وغاية الزهد فيه الاقتصار في القوت على ما يكفي ليومه وليلته من خبز الشعير وإن كان الحنطة أو ضمّ إليها شيئاً من الإدوام الخفيف أو اللحم في بعض الأحيان لم ينافه ، وفي اللبس على الصوف الساتر للأعضاء الحافظ لها عن الحرّ والبرد ، وفي المسكن كذلك ، وفي أثاثه على ما يدفع الحاجة ويزول به الضرورة من أخفّ الأجناس وأهونها ، ومن المنكح على ما يحفظه عن الوساوس المانعة من الحضور في طاعته ، ويؤدي إلى حفظ النوع ، ومن المال ما يقضي به حاجة يومه بليلته إن كان كاسباً ، والا فما يكفيه لسنته ، بل قيل : إن مثله وإنّ عد من الزهّاد الا أنه لايلحق المرتبة العليا ممّا اعد لهم ، فإنّ من وصل إلى درجة التوكّل التامّ واليقين لم يحتط لغده مع حصول قوت يومه ،
__________________
١ ـ مصباح الشريعة : الباب ٣١ ، في الزهد.
كما كانت عليه طوائف النبيّين وكافة الأصياء وخلّص الأتقياء الماضين.
والحقّ أنّه يختلف باختلاف الأشخاص والأمكنة والأوقات ، فإنّ أمر المتفرّد في ذلك أخفّ من المعيل ، ومن اقتصر على العلم والعمل ولم يقدر على الكسب يخالف حاله حال الكالسب وكذا يمكن في بعض الأوقات والأماكن تحصيل الاجة كلّ يوم دون بعض ، فبالحريّ أن يلاحظ حاله ووقته ومكانه ، وأن الأصلح بحاله والأعون على تحصيل ما خلق لأجله ماذا ، فإن المعيار الصحيح في هذا الباب صحّة القصد وخلوص النيّة خاصّة.
وأمّا الجاه فقيل : إنّ القدر الذي يحصل به وقع في قلب الخادم ليخدمه أو في قلب السلطان ليدفع عنه شرّ الأشرار عن نفسه أو عن غيره ، ممّا لاينافي الزهد.
وقيل : إنّه يتمادى إلى هاوية لا عمق لها ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه ، وإن الحاجة إليه إما لجلب النفع ، والمال يغني عنه وإن لم يكن له قدر عند الخادم ، وإنما يحتاج إليه من أراد الخدمة بغير أجرة وهو ظالم حينئذ لا زاهد ، أو دفع الضر وهو مما يكفي عنه اشتغاله بالعبادة مع الأخلاص ، فإنّ الله تعالى أقدر على دفع الأذى عنه من الحكّام والسلاطين ، مضافاً إلى أنّه يحصل له من الله تعالى من دون كسب الوقع في قلب الكفّار فضلاً عن المسلمين.
وأمّا التصوّرات والتقديرات الباعثة على تحصيل الزائد من ذلك ، فهي أوهام كاذبة على سبيل التخمين ، إذ المحصّل له أقرب إلى أذى الناس من عادمه ، فالعلاج بالصبر والتحمّل أولى من العلاج بطلب الجاه وتسخير قلوب أعداء الله الظالمين ، فإنّ اليسير يدعو إلى الكثير ، والحفنة إلى البيدر الكبير ، وضراوته أشدّ من الخمر كما لا يخفى على من له أدنى إدراك ، فليحترز عن قليله وكثيره حتّى لايسلك به إلى الهلاك.
نعم ما يحصل للعبد منه تعالى من دون كسب لاتّصافه بالعلم أو غيره
من الكمالات المقتضية له فهو من نعمائه سبحانه الغير المنافية للزهد ، فإنّ جاه الرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان من أعظمه مع كونهصلىاللهعليهوآلهوسلم من أزهد الخلق.
وله من غايته النجاة من عذاب الآخرة سمّي زهد الخائفين.
فإن كانت الطمع في نعيم الجنان كان زهد الراجين.
وإن كانت الرغبة في لقاء الله تعالى واستغراق الهمّ به تعالى من دون التفات إلى الخلاص من الآلام ، أو الوصول إلى اللذّات كان زهد العارفين ، فإنّ الوصول إلى هذه المرتبة العلية لايمكن الا من كمال المعرفة بصفاته الكمالية ، فإنها تستتبع المحبّة ، فكما أنّ العارف بمنافع الدرهم والدينار وكمالاتها يحصل له محبّة تامّة بهما بحسب معرفته بهما ، فكذا من عرف لذّة النظر إلى وجهه الكريم وعرف أنها لاتجتمع مع لذّة الجنان بما فيها من الحور والقصور والغلمان ولا مع الخوف من عذاب النيران ، لم يؤثر غيرها عليها ، وكانت همّته مستغرقة في الوصول إليها ، بل كان طالب نعيم الجنّة في نظر العارف المذكور كالصبيّ الجاهل المغرور الطالب لللعب بالعصفور التارك لذّة الملك لما فيه من الجهل والقصور.
قد نبّهناك فيما مضى على أنّ كثيراً من الفضائل تشتبه بالرذائل ، ومنها الزهد ، فإنّه قد يترك التنّعم بزخارف الدنيا ويتكلّف في الخشونة في المأكل والملبس حبّاً المحجة البيضاء : للتسمّي بالزّهد والاشتهار بين الناس به وجلباً لقلوبهم بنيل الجاه ، فهذا ترك الدنيا للدنيا وليس زهداً ، فإنّه عبارة عن ترك جميع حظوظ الدنيا لله خاصّةً كما عرفت ، وعلامته استواء جميع ما يعرضه من الأحوال لديه.
فصل
الفقر هوالاحتياج إلى الغير فيما هو فاقده ، والغناء عدمه فيما هو
واجده ، ومن البيّن أنّ الغناء من أشرف الصفات ، كيف وهو صفة وجود وكمال وهما من لوازم وجوب الوجود ، وما يكون كذلك فهو أشرف ممّا يستلزم النّقص والعدم والحاجة التي هي من لوازم الامكان ، ولذا انحصر الغني الحقيقي في الواجب تعالى لا حتياج ما سواه من الممكنات في كلّ آن إلى إفاضة الوجود ولوازمه وكمالاته منه تعالى عليها كما نبّه تعالى عليه بقوله :
( والله الغنّي وأنتم الفقراء ) .(١)
ثم الغناء على ما عرفت معنى واحد بسيط ، وإنّما يكثر افراده ويختلف باختلاف ما به يتحقّق ، فإن ما به الغنى قد يكون ذات الشيء كالواجب تعالى ، فإنّه الغنيّ بذاته عن غيره ، وقد يكون غيره كالممكنات ، وهي وإن كانت مشتركة بأسرها في احتياجها في غناها إلى خارج عن حقائقها فيكون ذلك لها نقصاً وفقراً ، وفي كون غناها مستفادة من الغنيّ بالذات الميض على كافة الموجودات بقدر قابليّتها واستعدادها ، فيكون ذلك لها شرفاً واستكمالاً ، الا أنها مختلة في وجوه الاستفادة منه اختلافاً فاحشاً ، فإنّ منها ما يكون غناه عن جميع الأشياء به تعالى ، فيتساوى وجود كلّ شيء وعدمه بالنظر إلى ذاته لعدم احتياجه إليه مطلقاً ، وإن أحبّ فقدانه أو وجدانه بحسب ما قدّر الله له ، فإنّ هذا الشخص لعلمه بأنه تعالى لا يفعل الا ما هو الأصلح ، في مقام الرضا بما يقدّر له ، ومن أحبّ أحداً أحبّ كلّ ما يصدر عنه من الأفعال ، لكنه بالعرض لا بالذات ، وهذا مبلغ الصديقين المقربين ، والشائع عند القوم إطلاق الفقير على مثله ، ولعلّه لكون الباعث على غناه كمال معرفته بالله تعالى وبكونه غنيّاً بالذات ومغنياً لكافة الموجودات ومفيضاً عليها بقدر ما اعدّت لها ، وكون ما سواه تعالى مماثلاً له في الفقر والحاجة إليه تعالى ، وكيف يسأل محتاج محتاجاً ، وأنّى يرغب
__________________
١ ـ محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم : ٣٨.
معدم إلى معدم.
ويستتبع المعرفة التامّة بما ذكر قصداً ورغبة وانقطاعاً إليه تعالى وإعراضاً عمّا سواه بأسرها ، فكأنّه المحتاج لوجود خواصّه فيه من معرفة معناه ثم العمل بمقتضاه.
وأمّا سائر الناس فكأنّهم ليسوا بمحتاجين لفقد خواصّ الاحتياج ، وأماراته فيهم ، وهذا من قبيل اختصاص العبدية بنبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم ومن يتلوه في العبودية مع كونها عامّة لجميع البريّة ، وإطلاق الغنيّ على هذا الفرد أحقّ وأولى منه على سائر الأفراد لكون غناه أشرف غناء ، وكذا ما به غناه فهو أقرب في استفادته من الله تعالى من غيره ، ولتشبهه بالمبدأ غي حقيقة ما به الغنى وكونه دائماً لايزول ولايفنى ، وقد عرفت انّ كمال النفس في التشبّه بمبدأها.
ومنها : ما كان غناه عن بعض الممكنات ببعض آخر منها ، كالغنى بالمال الحاضر عن الكسبوبالعكس ، أو عن الرجال بالمال أو ببعض الأموال عن بعض وغير ذلك ممّا يختلف بالختلاف الحاجات بالنظر إلى اختلاف الأشخاص والأحوال.
ولابدّ فيه من تمهيد مقدمّة تتّضح بها جليّة الحال.
فنقول : الموجودات بأسرها لا نتسابها إليه تعالى وكونها من آثار صنعه تعالى ، وهو خير محض لايصدر منه الا الخير ، لاتكون الا خيراً.
وعروض الشرية لها من أجل خصوصيات عرضيّة واعتبارات إضافيّة ، ولو كانت محض الشرور أو جهة شرّيتها أغلب لم توجد أصلاً. ففقدان شيء منها من حيث إنّه خير نقص ووجدانه كمال ، بل هو من أشرف الكمالات ، فإن ملكيّة الأشياء بقصد استفادة خيراتها الباعثة لوجودها ومنع تحقّق آثار شرورها العرضيّة الاضافيّة ، هي الاستيلاء والتصرّف الحقيقي في الأشياء ، الذي به يحصل التشبّه بالمبدأ الأعلى ، كما أشرنا إليه فيما مضى.
نعم فقدانها باعتبار استفادة وجوه الشرّ منها كمال بالاضافة إلى وجدانها كذلك الاعتبار الا انه في نفسه وبالاضافة إلى الاشتغناء بوجوه خيرها والاستكسال بها كمال وخير ، كما لايخفى.
إذا تمهّد هذا ، فاعلم أنّ القسم المذكور من الغنى أي من كان غناه بالممكن إن كان ممّن لايسعى في طلبه سعياً بليغاً يصرفه عمّا هو الأهمّ له ، ولا يرغب فيه رغبة ذاتية شديدة ، ولا يتألّم بفقده ألماً طبيعيّاً الا أنّ حبّه لوجوده أكثر من عدمه إمّا بالذات لأنّه من أثار صنعه تعالى كما أشرنا إليه ، أو للتشبّه به تعالى في كون رزق بعض عباده بيده ، وأنّ له مدخلاً في نظام العالم الذي هو أحسن النظام ، أو لأجل اقتناء الخيرات وتحصيل السعادات ، فهذا أيضاً يتلو الأوّل في الشرافة والفضيلة ، ولذا ورد الحثّ الأكيد بالكسب والمتجر وتحصيل الرزق الحلال ، كما أشرنا إليه فيما مضى.
وإن كان حريصاً في جمعها متعباً نفسه في تحصيلها ولو من غير وجهها فرحاً بحصولها جزوعاً من فقدها متعشّقاً إمّا نفسها أو بمصارفها المضرّة بدينه مهملاً بسببه ما هو الأهمّ من كمالات نفسه المقصوة من إيجاده فهو بعينه ما بسطنا الكلام فيه في حبّ المال والبخل والحرص وغيرها ، وهذا بإطلاق الفقير عليه أجدر ، لعدم استغنائه بماله من الأموال وغيرها ، بل ازدادت حاجته إليها برقيته لشهوته.
وقد ذكرنا سابقاً أنّ مثل هذا كلما يزداد مالاً تزداد شهوته وحرصه لما هو فاقده توالداً ، وتتوالى إلى غير نهاية تقف ولا يتصوّر له حدّ من الغناء يعرف.
ولذا قال أميرالمؤمنينعليهالسلام : « يابن آدم إن كنت تريد من الدنيا ما يكفيك فإنّ أيسر ما فيها يكفيك ، وإن أيسر ما فيها يكفيك ، وإن كنت [ إنّما ] تريد منها ما لا يكفيك فإن كلّ ما فيها لا يكفيك ».(١)
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ١٣٨ ـ ١٣٩ ، كتاب الأيمان والكفر ، باب القناعة ، ح ٦.
فظهر ممّا ذكر أنّ جميع أفراد الغنى في نفسها خير وكمال ، نوبالنظر إلى ما به الغنى أيضاً وإنّما يعرض الذمّ والشرّ لبعض غاياته في بعض أفراده مع قصدها ، بخلاف الفقر فإنّه نقص بالذّات وحرمان عن وجوه الخيرات وإنّما يعرض المدح والخيرية لبعض غاياته في بعض أفراده مع قصدها.
فتبيّن أنّ الغني من حيث إنّه غني أي واجد للشيء أشرف من الفقير من حيث إنه فقير ومعدم له.
يبقى كلام وهو أنّ الآيات والأخبار الدالّة على ذمّ الأغنياء ومدح الفقراء بقول مطلق كثيرة فماذا يفعل بها؟
فنقول : لمّا كانت استفادة وجود الشرّ من الدنيا أيسر وأسهل والطباع إليه أميل ، وجنود الشرّ أقوى ودواعيه أظهر وأجلى كان صرفها في وجوه الخيرات من الأعمال والأفعال في غاية الصعوبة والاشكال.
ولذا لاترى من الأغنياء من يصف نفسه بالحرّية واستيلاء قوّته العقلية على الشهويّة والغضبية الا قليلاً من الماضين الذين سمعنا حكاياتهم ولم نطّلع بالمشاهدة على حقائق حالاتهم.
وأمّا أهل هذه الأعصار ممّن نشاهدهم في الأمصار فنفوس أغلبهم متّصفة بالرقية منقادة لقوتيه البهيمية والسبعيّة وجلّ هذه المعاصي والشرور والفضائح الحادثة على كرّ الدهور ناشئة من أرباب الدول ، وإن حدثت من الفقراء أيضاً لكنه أقل لحرمانهم من أسبابها وتعذّر الدخول عليهم من أبوابها ، فإذا كان اجتناب المعاصي والسيّئات واقتناء الفضائل والسعادات مع الفقر أيسر وأسهل ومع الغناء أصعب وإن كان بطريق أكمل ، فالحري اللائق بطبيب رفقاً بها ، وإهداء لها إلى الطريق الذي هو أقرب إلى الوصول ، فالتكاليف مختلفة باختلاف القابليات ، فمن لم يكن مستعداً للمرتبة العليا يجب الرفق به حتّى يصل إلى ما يتلوه ، وإن كان أدنى ، خوفاً من أن يحرم
عنها أصلاً ورأساً ، وهذا كما أنه السرّ في مدحهم للفقراء وذمّهم للأغنياء فكذلك هو السرّ في هرب الأنبياء والأولياء من أمتعة الدنيا وإعراضهم عنها وترجيحه فقدها على وجودها ، فإنّ شأن أرباب الهداية من المقربين النزول عن مرتبتهم القصوى إلى درجة المستضعفين حتّى يتمكّنوا من الاهتداء بهم والاقتداء بسيرتهم كالمعزّم الحاذق الذي يغيّر بين يدي أولاده عن أخذ الحية لا لضعفه عنه بل لعلمه بأنّهم يتبعونه ولا يقدرون فيهلكون ، وهذا مما لا يخفى على أولي البصائر والأفهام من التأمّل في الآيات والأخبار الواردة في المقام.
فصل
لما كان الفقر والغنى متقابلين فكلّ مرتبة من الغنى يقابلها مرتبة من الفقر ، الا أنّ المرتبة الاولى لعد صدق الفقر عليها أصلاً يقابلها مطلق الحاجة الشاملة أيضاً لسائر مراتب الغنى وسائرها إضافية يصدق على كل منها الغنى والفقر باعتبارين.
وحيثما تبيّن لك أنها بأسرها من الفضائل والكمالات فما يقابلها بأسرها من نقائص الممكنات الا إنّك لما عرفت أنّه لايمكن صرف ما يتحقّق به الغنى من الممكنات فيما خلقت لأجلها من الخيرات الا بعد استخدام العاقة للشهوية الذي هوالغني الحقيقي ، كان الغني الحقيقي المذكور لمن لم يؤيّد بالنفس القدسية من الأنبياء والأئمّة متوقّفاً على الفقر أوّلاً أي من حين سلوك هذا المسلك إلى أن يوفّقه الله للحرّية فيكون الأصلح بحاله بعد ذلك هو الغني.
ثم إنك لما عرفت أنّ المذموم في كلّ ما عددناه من الأقسام هوالقصد إلى غايات الشر المطلوبة للقوّة الشهوية ومن البيّن انّ وجود المال وحصول الغنى به كما يترتّب عليه تلك الغايات ويصير من جملة أسبابها فكذا يترتّب على فقده وحصول الحاجة إليه غايات شرّ لاتحصى كالحرص والجزع
والشكوى من الله تعالى ، بل الكفر في بعض الأشخاص ولذا قال تعالى في خبر المعراج : « يا محمّد! إنّ من عبادي من لا يصلحه الا الغنى ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك ، وإنّ من عبادي من لايصلحه الا الفقر ولم صرفته إلى غير ذلك لهلك ».(١)
فإذن يظهر أنّ الأولى لكل أحد ملاحظة حاله ، فإن كانت إعانة الفقر له على سولك طريق الآخرة أكثر كان هو الأولى له ، والا فالغنى أرجح ، فما تراه في كلام الأئمةعليهمالسلام والعلماء الأعلام من الاختلاف في ذمّها ومدحها مبنيّ على ذلك.
ثم إذ تبين لك أنّ أولوّية الفقر عرضية وأنّه في نفسه نقص الا أنّه صار مقدّمة لرفع ما هو أعظم منه بالنسبة إلى من يريد أن يستخد قوّته الشهوية ولم بتّصف بصفة الحرّية ، وكان طالباً لتحصيل السعادة الأبدية ، فهو إمّا أن يكون قصده في اختياره والصبر عليه إلى تحصيل ما يتوقّف عليه من الفضائل طمعاً في عظيم الثواب ورجاء لمام عند الكريم الوهّاب ، فهذا فقر الراجين ، وإن كان الخوف من الاتّصاف بالرذائل والابتلاء بالمعاصي التي بها يستحقّ العذاب في الآجل فهذا فقر الخائفين.
وأمّا من كان مستغنياً بالله عن غيره فهو وبأن كان بأن يسمّى غنيّاً أحقّ ممّن تعارف إطلاق الغني عليه ، أي من كانت له أموال كثيرة كما عرفت الا أنّه لما امتاز فقره عن سائر مراتب الفقر بكون فقره إلى الله خاصّة في جميع حالاته ، وغناه بالاستغناء عن كلّ شيء بأن يسمّى فقيراً أحرى ، فإن معاملته مع من هو فقير إليه دون من هو غنيّ عنه ، مع أنه الأوفق بالأدب لأنه تعالى هو المسمّى بالغني والمتّصف به حقيقة ، وقد سمّى غيره فقيراً ، فينبغي التأسّي به
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٣٥٢ ، كتاب الايمان والكفر ، باب من أذى المسلمين ، ح ٨ ، وفيه : « من عبادي المؤمنين ».
تعالى فيها ، وهذا فقر الصدّيقين والمقرّبين وكمّل العارفين ولاينايه وجود الأموال الكثيرة كما كانت لكثير من الأنبياء والأولياء ، بل السلطنة الظاهرة ، كما كانت لدواد وسليمان وذي القرنين.
قال بعض العلماء : وهذا الفقير رتبته فوق الزاهد ، لأنّ الزهد كمال الأبرار فهو سيّئة بالنسبة إلى المقرّبين ، وسرّه أن الزاهد في الدنيا يشارك محبّها في الاشتغال عن درجة الشهود وإن خالفه في الكيفيّة بكونه مشغولاً ببغضها وسالكاً في بعده مسلك القرب ، فيرجى في حقّه الوصول إلى مقام الشهود وكون الثاني مشغولاً بحبّها وسالكاً مسلك البعد فلا يتصوّر في حقّه.
والحاصل كما لايجتمع حبّان في قلب واحد ، فكذا لايجتمع الحبّ والبغض معاً فيه.
أقول : قد بيّنا أنّ من مراتب الزهد ترك كلّ ما يشغل عن الله تعالى ، فلو فرض كون البغض شاغلاً عنه تعالى لزمه الترك حتّى تصدق عليه تلك المرتبة من الزهد ، والمعتبر في حقيقة الزهد هو ترك الدنيا خاصّة ، فكما يصدق بتركها لأجل كونها شاغلة عن الله أي يكون الباعث عليه الالتفات إلى ذلك ، فكذا يصدق به إذا كان الباعث عليه الاشتغال بالله تعالى ، فإنّ الاشتغال بكل شيء يستلزم ترك الاشتغال بضدّه ، فيصدق عليه الزهد من حيث إنّه تارك للدنيا لله تعالى ، ويصدق عليه هذه المرتبة من حيث إنّه مشغول بالله عن كلّ شيء ، على أنّ الشاغل عن الله هو الالتفات إلى ما يبغضه لانفس البغض.
وقد مرّ ما يدلّ على بغض الأنبياء والأولياء للدنيا ، وكيف يكون مطلق الزهد كمالاً للأبرار مع اتّصاف أشرف الأنبياء به وهو سيّد المقرّبين وأشرف الأوصياء به وهو سيّد الصدّيقين ، وكذا موسى وعيسى ويحيىعليهمالسلام وغيرهم من أنبياء الله المرسلين.
تلخّص ممّا ذكر كون المعيار في رجحان أحدهما على الآخر قلّة صدّه عن سلوك الآخرة وسهولة الوصول به إلى السعادات الدائمة ، وهو متفرّع على حبّ العبد للدنيا وعدمه ، فإنّه الصاد عنها لا وجود متاع الدنيا لديه ، فكم من فقير يشغله الفقر عن المقصد وكم من غنيّ لا يشغل بغناه ولايصدّ ، بل يعينه على تقواه ويمدّه إلى ما فيه صلاح آخرته ودنياه ، فالغنيّ المحب لها مشغول عن الله تعالى بوصالها ، والفقير المحبّ لها مشغول عنه بفراقها ، فكلّ من كان علاقته بها أقلّ كان أفضل ، ومع التساوي فالغنيّ أكمل كما عرفت.
وأنت إذا أحطت خبراً بما فصّلناه كنت في سعة من استخلاص نفسك عن تطويلات القوم في مقام الترجيح ، وذكر كل منهم الشهواهد العقلية والنقلية على رأية الغير الصحيح ، وعلمت أنّ ما فعله بعض الأعلام من عدّ الفقر من الفضائل والغني من الرذائل غلط عظيم ناش من عدم التعمّق التامّ في المقام ، فإن الغناء في نفسه ممدوح ، لأنّه صفة كمال وليس من جنس الملكات حتى يقال إنّه فضيلة أم رذيلة.
وكذا حبّه لاستجلاب وجوه الخير منه أو لكونه صفة ممدوحة فضيلة وليست برذيلة.
نعم حبّه للتوصّل به إلى المشتهيات رذيلة ، الا أنه بعينه حبّ الدنيا وغيره ممّا أشرنا إليه سابقاً ، وأمّا الفقر فإنه صفة نقص في نفسه ، وليس من جنس الملكات حتّى يقال إنه رذيلة أو فضيلة ، وملكة البذل والانفاق حتى يصير فقيراً تبذير محرّم ، كما مرّت إليه الاشارة.
نعم إذا علم إنه لايتوصّل إلى الكمالات المطلوبة منه الا بالفقر كان حبّه له ممدوحاً من باب المقدّمة ، وهذا كمال أنّ الخوف في نفسه نقص وإنّما يعدّ كمالاً لو كان من الله تعالى لاستجلاب كما به ، فما لم يؤدّ إليه بل أدىّ
إلى نقص في العقل أو الدين يكون من الرذائل ، فكذا الفقر ، ولذا ورد في ذمّه من الأخبار ما لاتحصى ، واستعيذ منه في الأدعية.
قال أمير المؤمنينعليهالسلام : « من ابتلي بالفقر فقد ابتلي بأربع خصال : الضعف في يقينه ، والنقص في عقله ، والرقّة في دينه ، وقلّة الحياء في وجهه ، فنعوذ بالله من الفقر »(١) .
وأمّا عدم حبّ الدنيا فهو الزهد ، ولا دخل له بالفقر والغني لاجتماعه مع المال وعدمه ، وهو واضح.
ينبغي لمن قدّر له الفقر أن لا يكرهه ولا يجزع عليه ، فإنّ العالم بالأصلح قدّر له ذكل فلا يشكون الا إليه لو لم يمكنه الرضا بما آثره عليه وأن يتوكّل عليه تعالى ويثق في قدر ضرورته بما لديه قانعاً بالكفاف آيساً ممّا في أيدي الناس فلا يتملّق للأغنياء ويسمّيه تواضعاً ، فإنّ تواضع مثله لهم هو التكبّر عليهم من حيث أنهم أغنياء ، كما ورد في الأخبار ، ولايداهنهم في الخوض في الباطل طمعاً لما عندهم من الحطام العاجل ولا يقتر بسبب فقره عن العباة ، لما عرفت من كونه أسهل وصولاً معه إلى السعادة ، وأن يبذل قليلاً ممّا يزيد عن قوته ، فإنه أفضل من إنفاق الأغنياء كما ورد في الأخبار.
ثم إن علم أنّ ما يعطيه غيره من المال حرام وجب عليه الامتناع عنه ، وإن علم أنه شبهة أو حلال فيه منّة استحبّ له ردّه ، وإن علم أنه هدية محلّلة بغير منة استحب قبوله تأسّياً بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمّةعليهمالسلام ، وإن كان من الصدقات مطلقاً نظر في استحقاقه لها ، وإن كان رياء وسمعة حرم عليه أخذه لأنه إعانة له على إثمه.
ثم بعد سلامته من هذه الآفات إن كان سالكاً الآخرة اقتصر على قدر الحاجة لكونه رفقاً من الله تعالى والزائد ابتلاء وفتنة واختيار
__________________
١ ـ جامع السعادات : ٢ / ٨١ ، جامع الأخبار : الفصل ٦٧ ، ص ١٢٨ ـ ١٢٩.
ومحنة لينظر ما يفعل به ، فإن عصاه عذّبه والا حاسبه ، الا أن ينوي إنفاقه على المستحقين إذا اطمئنّ من نفسه بعدم الافتتان بعد الأخذ.
ينبغي للفقير التعفّف عن السؤال ما استطاع ، لأنّه فقر معجّل وحساب طويل وهو حرام لتضمّنه الشكوى عن الله تعالى وذهاب ماء الوجه والذلّ عند غيره تعالى ، وإيذاء المسؤول غالباً بتعريضه بالالحاح لشتم السائل [ وضربه ](١) وسائر المعاصي والأذيات أو الاعطاه استحياء وإلجاء أو سمعة ورياء حتّى [ لا ](٢) ينسب إلى البخل ، ولذا ورد أشدّ المنع منه.
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « مسألة الناس من الفواحش ».(٣)
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما من عبد فتح على نفسه باباً من المسألة الا فتح الله عليه سبعين باباً من الفقر ».(٤)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ الصدقة لاتحلّ الا لفقر مدقع أو غرم مفظع ».(٥)
وبايعصلىاللهعليهوآلهوسلم قوماً على الاسلام واشترط عليهم السمع والطاعة ، ثمّ قال لهم خفية : ولاتسالوا الناس شيئاً ، فكان بعد ذلك يقع المخصرة من يد أحدهم فينزل لها ، ولايقول لأحد ناولنيها.(٦)
قال سيّد الساجدينعليهالسلام : « ضمنت على ربّي أن لايسأل أحد أحداً من غير حاجة الا اضطرّته حاجة المسألة يوماً إلى أن يسأل.
ونظر يوم عرفة إلى رجال ونساء يسألون فقالعليهالسلام : « هم شرار خلق
__________________
١ ـ ساقط من « ج ».
٢ ـ ساقط من « ج ».
٣ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٣٣٧.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ١٤١ و ٢ / ١٠٧ و ٧ / ٣٣٨.
٥ ـ جامع السعادات : ٢ / ٩٦ ، وفيه : « إن المسألة لاتحلّ » ، وراجع أيضاً الكافي : ٤ / ٤٧ ، باب النوادر من كتاب الزكاكة ، ح ٧.
٦ ـ هذا مأخوذ من حديثيين فصدره إلى « لاتسالوا الناس شيئاً » في المحجة البيضاء : (٧ / ٣٣٧) وذيله فيه (٢ / ١٠٦).
الله ، [ من حاجة ] »(١) الناس مقبلون على الله وهم مقبلون على الناس »(٢) وهذا كلّه ، مختصّ بعدم الحاجة ، وأما معها فلابأس سواء بلغت أقصاها كالجائع الخائف على نفسه بالموت أو المرض أو كانت مهمّة كالجاجة إلى الكراء مع القدرة على المشي بمشقّة أو دونها أيضاً كالحاجة إلى الإدام مع وجود الخبز ، الا أن الأول راجح ، بل واجب ، والثاني مرجوح ، والثالث أشدّ كراهية بشرط الخلوّ عن الشكوى والذل ولايذاء بإظهار الحاجة تعريضاً مع الشكر لله سبحانه عند الصّديق [ والسخيّ ].
وبالجلمة : معرفة درجاتها وأوقاتها موكولة إلى العبد واجتهاده فيما بينه وبين الله تعالى فمن فمن كان يقينه أقوى وأظهر ووثوقه بمجيء رزقه من الله أتمّ وأوفر وقناعته بقوت أكثر ، فله المقام الأعلى عند الملك الأكبر.
فصل
القناعة ملكة توجب اكتفاء النفس في تحصيل المال وصرفها (صرفه ظ) على قدر الكفاف. [ الممدوح شرعاً وعقلاً ] بدون كدّ شديد وتعب ماله من مزيد وحرص مورث لطول الأمل وترك صالح العمل والخوض في غمرات وجوه تحصيل المقتنيات وصرف أنواع الحيل والتدبيرات وإيقاع النفس لتحصيلها في أنواع الأخطار والآفات وصنوف الذلّ والمهانات ، ولاريب أنها من أمّهات الفضائل ، إذ يمكن معها غالباً الفراغ لتحصيل أمور الدين والوصول إلى منازل المقرّبين.
وقد أسلفنا لك في الحرص ما يكفيك في تحصيلها والأخبار في مدحها وذمّ ضدّها أي الحرص ممّا لاتحصى.
فقد روي أنّ موسى سأل ربّه وقال : « أيّ عبادك أغنى؟ فقال : أقنعهم
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٢ / ١٠٥.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٢ / ١٠٥.
لما أعطيته ».(١)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « نفث روح القدس في روعي أنّه لن تموت نفس حتّى تستكمل [ أقصى ] رزقها ، فاتّقوا الله وأجملوا في الطلب ».(٢)
وقال الصادقعليهالسلام : « مكتوب في التوراة : ابن آدم كن كيف شئت ، كما تدين تدان ، من رضي عن الله بالقليل من الرزق قبل الله منه اليسير من العمل ، ومن رضي باليسير من الحلال خفّت مؤونته وزكت مكسبته ، وخرج من حدّ الفجور ».(٣)
إلى غير ذلك.
وهي تستلزم عزّاً للنفّس واستغناء عن الناس كما أنّ الحرص يستلزم ذلاً وطمعاً بما في أيديهم.
وقد ورد في مدح ذاك وذمّ هذا كثير من الأخبار.
ففي النبوي : « عليك باليأس عمّا في أيدي الناس فإنّه الغنى الحاضر ».(٤)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ليس الغنى من كثرة العرض ، إنّما الغنى غنى النفس ».(٥)
وقال الباقرعليهالسلام : « اليأس عمّا في أيدي الناس عزّ المؤمن في دينه ».(٦)
وقال الصادقعليهالسلام : « ثلاث هنّ فخر المؤمن وزينتته في الدنيا والآخرة : الصلاة في آخر الليل ، ويأسه عمّا في أيدي الناس ، وولايته للامام من آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ».(٧)
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٥١.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٥١ مع اختلاف وما بين المعقوقتين في « ج » فقط.
٣ ـ الكافي : ٢ / ١٣٣٨ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب القناعة ، ح ٤.
٤ ـ جامع السعادات : ٢ / ١٠٧.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٥١.
٦ ـ الكافي : ٢ / ١٤٩ ، كتاب الإيمان والفكر ، باب الاستغناء عن الناس ، ح ٦.
٧ ـ الوسائل : كتاب الزكاة ، الباب ٣٦ من أبواب الصدقة. ح ٨.
فصل
السخاء ملكة شريفة بها يسهل الانفاق فيما يليق به ، وكفاه فضلاً كونه من أظهر صفات الأنبياء والأوصياء ، كما قال الكاظمعليهالسلام :
« ما يعث الله عزّوجلّ نبيّاً ولا وصيّاً الا سخيّاً ، ولا كان أحد من الصالحين الا سخيّاً »(١) .
فلا يكفي مجرّد الانفاق إذا لم يكن عن طيبة نفس ، بل يكون حينئذ متسخيّاً الا أنه سبيل للوصول إليه ، إذ لاتحصل الملكة الا بتكرّر الفعل تكلّفاً حتّى يعتاد عليه.
ثم إنّ له مراتب كثيرة ، فمن أدّى واجب الشرع والمروّة ، [ والعادة ](٢) ممّا يستقبح المضايقة فيها عرفاً كان في أوّل درجة من السخاء ، ثم يترقّى بالازدياد بقدر ما يتّسع له نفسه طلباً للفضيلة على درجات مختلفة باختلاف قدر المال وحاجة المحتاجين وفضلهم وورعهم وقرابتهم وغير ذلك ، ويسمّى في جلمة هذه الدرجات جواداً إذا كان قصده مجرّد الفضيلة دون الأغراض الدنيوية من الخدمة والثناء وغيرهما ، وأرفعها الإيثار ، كما قال تعالى :
( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) .(٣) وإيثار عليعليهالسلام لنفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على نفسه في ليلة المبيت على الفراش وسائر معاركه وغزواته مشهور ، حتّى أنزل الله في حقّه :
( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ) .(٤)
وكذا إيثارهعليهالسلام لقوته في ثلاث ليال متواليات حتّى أنزل الله فيه :
( ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ) .(٥)
__________________
١ ـ الكافي : ٤ / ٣٩ ، كتاب الزكاة ، باب معرفة الجود والسخاء ، ح ٤.
٢ ـ ساقط من « ب ».
٣ ـ الحشر : ٩.
٤ ـ البقرة : ٢٠٧.
٥ ـ الانسان : ٨.
فمن أراد الاقتداء به واتباع منهاجه فليجتهد في المحافظة عليه مهما أمكنه.
فقد ورد في الخبر : « أن موسىعليهالسلام قال : يارب أرني بعض درجات محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وأمته ، قال : يا موسى إنك لن تطيق على ذلك ، لكني أربك أريك منزلة من منازله جليلة عظيمة [ فضلته ] عليك بها وعلى جميع خلقي ، فكشف له عن ملكوت السماء فنظر إلى منزلة كادت أن تتلف نفسه من أنوارها وقربها من الله تعالى فقال : يارب بماذا بلغت به إلى هذه الكرامة؟ فقال : بخلق اختصصته به من بينهم وهو الايثار ، ياموسى لايأتيني أحد منهم قد عمل بالايثار وقتاً من عمره إلا استحييت من محاسبته وبواته من جنتي حيث يشاء ».(١)
واعلم أن بذل الأموال المترتب على الجود والسخاء يتناول ما أوجبه الشارع كالخمس والزكاة والكفارات والنذورات والواجب من النفقات وما ندب إليه من تطوع الصدقات وأنواع الهدايا والضيافات والحق المعلوم والقرض ، وما يبذل لحفظ الحرمة ووقاية العرض والمنافع العامة ، وما يجري من الخيرات كالمساجد والمدارس وإجراء القنوات ونسخ المصاحف والكتب العلميات وغيرها مما فصل أحكامها في الفقهيات ، ووردت في فضلها الأخبار الكثيرة ، مضافاً إلى الآيات ، فلا نتعرض لها خوفاً من التطويل والاطناب ، وإنما نذكر قليلاً مما لها من الغايات والأسرار الدقيقة وبواطن الآداب ، فنقول :
من جملة غاياتها امتحان الموحدين لله ، المدعين لحبه ، المؤمنين بمواعيده في فراق محابهم التي يتمتعون منها ويتأنسون في عالم الحس بها والمدعين لمحبه رسوله وذريته الطاهرين وأداء حقوقهم في النصح والهداية ، ثم تطهير النفس عن رذيلة البخل التي هي من خبائث الملكات المهلكات كما
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٨٠ ، وما بين المعقوقتين ساقط من « ج ».
أشرنا إليه ، فإنّها لاتطهر الا بتكلّف الذل وتكريره حتّى تعتاد فتبدّل ملكة البخل بملكة السخاء ، ثم شكر المنعم المفضل ، فكما يستحقّ بإعطاء نعمة البدن الشكر بالعبادة البدنية والمجاهدات النفسيّة فكذا يستحقّ بإعطاء نعمة المال الشكر بالعبادة المالية ، وما أقبح بالغني المسلم أن ينظر إلى فقير محتاج إلى القوتفلا يؤدّي حق الشكر على أن لم يجعله مثله في الاحتياج.
ومن جملة فوائدها تكفير مظالم العباد التي ركبته في معاملاته معهم بها ، وفي خصوص الكفّارات تأديب العاصي بالرياضات على ما صدر منه من الخطأ والسيّئات ومقابلة المعاصي الصادرة عنه التي استحقّ بها العقاب ، وازدياد النعم التي لم يستحقّها ، ودفع البليا والمصائب الدنيوية التي استحقها بدعاء الفقراء المؤمنين ، وهذا كما أنّه السرّ في ترغيب الأغنياء في إعانة الفقراء والمساكين فكذلك هو السرّ في اختيار الفقر كثير من أوليائه الصالحين ، كما أوحى الله تعالى إلى موسىعليهالسلام لمّا شكا إليه تعالى من إجراء رزقه على أيدي بني إسرائيل :
« هكذا أصنع بأوليائي أجري أرزاقهم على أيدي البطّالين من عبادي ليؤجروا فيهم ».(١)
ثم من أعظم الغايات حصول التشبّه بالمبدأ بسببه ومدخليّته في النظام الأصلح.
وأمّا الآداب الباطنة للصدقات فمنها اغتنام الفرصة بخطور الخير من باطنه تعجيلاً لادخال السرور في قلب الفقير وحذراً من عوائق التأخير آفاتها التي معظمها لمّة الشيطان حيث يعد الفقر ويبتلي العبد بالنسيان ، وصون الفقير عن ذلّ السؤال حتى يتحقّق الاحسان ، والا فهي معاوضة بما بذله من ماء وجهه ، كما ورد في الأخبار.
ومنها : إعلان المعطي بواجبها ترغيباً للناس بالاقتداء به إن لم يستح
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٣٣٦.
الفقير منه وأمن المعطي من الرياء ، كما ورد النصّ به ، وإسراره بمندوبها ، كما ورد أيضاً الا مع اطمينان النفس عن آفات الاعلان والقصد إلى ترغيب الناس عليه.
وأمّا الآخذ فيختلف حكمه باختلاف الأحوال والأشخاص الموجب لاختلاف القصد ، فإنّ بعض النفوس تميل إلى الإسرار خوفاً من سقوط منزلتها عند الناس ، أو إفضاء علمهم به إلى عدم إعطائهم إيّاه بعده وبعضها تميل إليه لإبقاء التعفّف وستر المروءة وصيانة الناس عن الحسد وسوء الظنّ والغيبة ، وبعضها تميل إلى الاظهار حثاًّ للمعطي على الزيادة بتطييب خواطره وللناس على الاعطاء بإعلامهم كونه من المبالغين في شكر الاحسان ، وبعضها تميل إليه لاقامة سنّة الشكر والتحدّث بالنعمة ، وإذلال النفس بكسر جاها وغير ذلك من الأغراض الصحيحة والفاسدة.
ولكلّ منها علامات بها يمكن التمييز ، بعضها ظاهرة وبعضها خفيّة ، كميل النفس إلى الشكر في حضور المحسن أكثر من غيبته وبالعكس وغير ذلك.
فالأولى أن يلاحظ ويعلم ما هو الأقرب إلى خلوص النيّات وأبعد عن دقائق الآفات التي تشتبه كثيراً على أرباب الكياسات ، فإنه العلم الذي به يحصل النجاة ، وهو الذي فضّل قليل منه على كثير من العبادات ، فإنّ به حياتها كما أنّ بجهله مماتها.
ومنها : الاحتراز من المنّ بالاظهار عند الناس ، وطلب المكافاة بالشكر والمدح والتعظيم والخدمة والمتابعة وغيرها [ والأذى ](١) بالتحقير والتعيير والاهانة وتقطيب الوجه والقول السيّء والاستخدام.
قال الله تعالى :( يا أيّها الّذين آمنوا لاتبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى ) .(٢)
__________________
١ ـ ساقط من « ب ».
٢ ـ البقرة : ٢٦٤.
والأخبار كثيرة ، وما أشدّ جهل من يمنّ على الفقير [ أو يؤذيه ](١) أو يستعظم ما يعطيه مع أنّه لا يعطيه الا من ماله الذي أودعه الله إيّاه وجعله حمّال متاعبه لجهله وحماقته ، كما عليه قولهمعليهمالسلام : « إنّ الله شرّك الفقراء في أموال الأغنياء ».(٢)
ولو سلّم فلا ريب أنه من عطائه تعالى ، فلو أعطيت عبداً لك أموالاً كثيرة ث أمرته بإعطاء قليل منها لغيره ووعدته عليه أضعاف ذلك من الجزاء الجزيل والأجر الجميل ، فلو منّ عليه في ذلك كان منّه في غاية القباحة ، بل كان العبد في غاية الحمق والوقاحة ، ولو تأمّل علم أنّ الأمر بالعكس ، فإنه استحقّ بواسطته من رضا الله وحسن ثوابه ما لايمكن أن ينسب إلى الدنيا بما فيها ، فكان الأولى بحاله الاعتذار عنه والامتنان منه والتواضع والانكسار لديه ، وإظهار الخجلية من قلّة ما أهدى إليه ، سيّما بالنسبة إلى الذرّية العلويّة احتراماً لأجدادهم سادات البريّة ، وتأسّياً بالله تعالى في ذلك ، حيث شرّكهم بنفسه إعظاماً لهم وإكراماً ، فليكن احترازه من الاستعظام ووضع المنّة عليهم أكثر ، وتواضعه بالنسبة إليهم أوفر.
ومنها : إعطاء الأحبّ إليه الأبعد عن الشبهة ، فإنّه تعالى طيّب لايقبل الا مايكون أطيب ، فمن يدّخر الطيّب لنفسه وينفق الري في سبيل ربّه إن كان قصده في الانفاق هو وجه الله خاصّة كان مؤثراً لنفسه عليه تعالى ، وإن كان طمع الثواب في الآخرة كان مؤثر للملك العارية على الملك الذي لايفنى ، ولو فعل ذلك بضيف ورد عليه لكان من أقبح الاهانة ، فكيف يفعل بالله سبحانه مع كون ما يعطيه منه تعالى ، وقد أرشد الله إلى ذلك بقوله :( وأنفقوا من طيّبات ما كسبتم ) .(٣) وقال :( لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا
__________________
١ ـ ساقط من « ج ».
٢ ـ الوسائل : كتاب الزكاة ، الباب ٢ من أبواب المستحقّين للزكاة ، ح ٤ ، وفيه : « إنّ الله تبارك وتعالى أشرك بين الأغنياء والفقراء في الأموال ».
٣ ـ البقرة : ٢٦٧.
تحبّون ) .(١)
وقد ورد في الأخبار التماس الدعاء من الفقراء ، وأنه يستجاب لهم فيكم ولايستجاب لهم في أنفسهم.
وقيل : إنه نوع جزاء ، وأرباب القلوب لا ينفقون إلّأ خالصاً لوجه الله ، لا يريدون جزاءاً ولا شكوراً.
والحق أن التماس الدعاء حقيقة طلب مكافاة من الله تعالى لا من السائل ، إذ مطلوب المعطي فعل الله تعالى ، فإنّ الإجابة منه سيّما إذا كان القصد الباعث على الالتماس ورود الأمر به شرعاً وكون الدعاء الملتمس رضا الله تعالى عنه فافهم.
ومنها : أن يكون إعطاء واجب الصدقات للمستضعفين من الشيعة دون خلّص المؤمنين والعلماء المتّقين العارفين بآل محمد حقّ المعرفة واليقين ، فإنها أوساخ الناس فلا يرضى لهم بها.
وفي الخبر عن الصادقعليهالسلام : « فأمّا من قويت بصيرته وحسنت بالولاية لأوليائهم والبراءة من أعدائهم معرفته فذلك أخوكم في الدين أمسّ بكم رحماً من الآباء والأمّهات المخافين ، فلا تعطوه زكاة ولا صدقة ، فإنّ موالينا وشيعتنا منّا كالجسد الواحد ، يحرم على جماعتنا الزكاة والصدقة ، وليكن ما تعطونه من إخوانكم المستبصرين البرّ وارفعوهم عن الزكاة والصدقات ، ونزّهوهم عن أن تصبّوا عليهم أو ساخكم ، أيحبّ أحدكم أن يغسل وسخ بدنه ثم يصبّ على أخيه المؤمن؟ إنّ وسخ الذنوب أعظم من وسخ البدن »(٢) .
فليخصّ بالهدايا والصلات من أطيب ما له كما ذكرنا من كان من أهل المزيّة والاختصاص بشدّة اليقين بالله تعالى دون الأكثر الذين لايؤمنون بالله
__________________
١ ـ آل عمران : ٩٢.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٢ / ٩٣ نقلاً عن الإمام العسكريعليهالسلام في التفسير.
الا وهم مشركون ، فيقولون من ضعف يقينهم : لولا فلان لهلكت ، لولا فلان ما أصبت ، كما ورد عن الصادقعليهالسلام ، وبالستر والعفاف وتحمّل مشاقّ الفقر في سبيل الله تعالى. وليخصّ من بينهم الأقارب وذوي الأرحام المحتاجين ، حتّى يجمع فضيلتي الانفاق وصلة الرحم معاً ، فقد ورد : « لا صدقة وذو رحم محتاج ».(١)
ومنها : إنفاق المعيل على عياله والتوسعة عليهم خالصاً لوجه الله ، إذ لا عمل الا بنيّة ، واحترازه عن الوجوه المحرّمة والمشتبهة واقتصاده في التحصيل والانفاق حتى لا يضيّعهم ولا يضيع بهم ومراعاته التساوي بينهم في كيفيّة الانفاق وكمّيته ، بل لا يفضّل نفسه عليهم فيهما.
ومنها : قصد امتثال الأمر والتسنّن بسنّة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم والاستيناس والموادّة مع الاخوان في الهدايا والضيافات دون الرياء والمباهاة. وتخصيص الفقراء والأتقياء والجيران والأقارب بالمزيد. ويهتمّ في إكرام الضيف بالتواضع وطيب الكلام ، ونفاسة الطعام وسائر ما ينبىء عن الاحترام بدون الاسراف الحرام.
ومنها : قصد الامتثال والثواب في الإقراض ، ودفع ضرورة أخيه المؤمن بطلاقة وجه ، ويسر كلام ، وسهولة قضاء ، وترك الطب ما لم يعلم أنّه قادر على الأداء ، وإبراء ذمّته مع العلم بعجزه ، كما وردت به النصوص.
ويتفرّع عليه ترك ما شاع في عصرنا من ارتكاب وجوه الحيل الشرعية في استجلاب الأرباح من المديونين ، فإنّه مضافأً إلى الإشكال في حلّيته نوع معاملة دنيويّة مناف للخلوص وقصد القربة في النيّة.
وبالجملة ، فالآداب كثيرة اقتصرنا منها على القليل احترازاً عن الإطناب والتطويل.
__________________
١ ـ الوسائل : كتاب الزكاة ، الباب ٢٠ من أبواب الصدقة ، ح ٤.
فصل
للورع معنيان :
أحدهما : الكفّ عن المعاصي بأسرها ، وهو من فضائل القوتين معاً ، ولا حاجة إلى ذكره علي حدة ، إذ بعد الاطلّاع على ذمّ كلّ معصية ومممدح تركها يعلم كونه من أعظم المنجيات والفضائل ، بل هو المقصود في علم الأخلاق بالنسبة إلى العامة.
وثانيهما : ملكة الاجتناب عن المال الحرام ، وما يمكن أن يؤدى إليه ، وهو من فضائل القوّة الشهويّة ، وهوالمقصود بالذكر هنا ، ولما كان لطبّ النفوس تأسّ بطبّ الأبدان كما أشير إليه مراراً ، فكما أنّ الطبيب يحكم على الحلو كلياً بالحرارة ، ثم يجعل للحارّ أنواعاً على درجاتها في الشدّة والضعف ، فكذا نحكم على كل حلال بالطيب ، وكلّ حرام بالخباثة ، الا أنّهما على درجات فيهما.
ولما كان حصر مراتب الحرارة من الطبيب في أربع على سبيل التقريب ، فكذا نقتدي به في حصر درجات الورع في أربع تقريباً ، لأن في أفراد كل منها تفاوتاً لاينحصر.
أوّل درجة ورع العدول ، أي الاجتناب عمّا ينافي العدالة ويوجب الفسق في ظاهر الشريعة ، ممّا هي مبسوطة في الكتب الفقهيّة فروعاً وشقوقاً وأدلّة ، وفيها تفاوت عظيم ، فإنّ المغصوب قهراً أغلظ من المكتسب بالمعاملة الفاسدة تراضياً ، ثم المغصوب من اليتيم قهراً أغلظ من غيره ومن الفقير أغلظ من الغني ، ومن العالم أغلظ من غيره وهكذا ، ولولا اختلاف درجات المعاصي لما كان لاختلاف دركات النيران معنى.
وثانيها : ورع الصلحاء ، أعني التوقّي عن الشبهات التي يأتي فيها الاحتمالات بحيث لايجب اجتنابها ، وسيجيء ما يجب اجتنابه منها ،
فتلحق بالحرام.
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « دع ما يريبك إلى ما لايريبك ».(١)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « خذ بالحائطة لدينك ».(٢)
ومرجعه إلى الورع عن الحرام أيضاً ، لأنّ من الحرام حراماً بيّناً وحراماً مشتبهاً بالحلال ، ولكلّ منهما مراتب شدّة وضعفاً ، وقد أشرنا إلى الأول وكذا الثاني ، فإنّ الشبهة في النكاح سيّما إذا دارت المرأة بين الزوجة والبنت أو الأخت مثلاً أشدّ من غيرها ، فكلّما قوي احتمال الحرمة فيها كان أشدّ ، لكن لامجرّد الاحتمال الغير المستند إلى دلالة فإنّه كالعدم ، والورع فيه وسواس كالممتنع من أكل الصيد لاحتمال أن تزلق من يد الصيّاد بعد وقوعه في يده(٣) ، أو مستعير دار غاب المعير عنها فيخرج المستعير عنها ويقول لعلّه مات وانتقلت إلى الوارث ، فإنّ الشبهة المحذورة إنما تنشأ من الشكّ ، أعني تقابل اعتقادين ناشئين من سببين ، فما لاسبب له لا ينعقد في النفس حتّى يساوي الآخر ، فلا عبرة. به كما أنّ من سئل عن صلاة الظهر التي صلاّها قبل هذا بعدّة سنين كانت ثلاثاً ، لم يتحقق قطعاً أنها أربع ، فلعلها كانت ثلاثاً ، لكنه لا يكون شكاً بين الثلاث والأربع لعدم استناده إلى سبب. فمثل هذا النمط لايعد من الشبهات(٤) ، بل الشبهة ما اشتبه على المكلف أمره بتعارض اعتقادين صدرا من سببين مقتضيين ومنشأه أربعة :
أحدها : الشك في سبب الحلّ والحرمة سواء كانت الحرمة معلومة قبل
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢١٣ ، والوسائل : كتاب القضاء ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، ح ٤٣.
٢ ـ الوسائل : كتاب القضاء ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، ح ٤٢ ، وفيه : « وتأخذ ».
٣ ـ يعني يحتمل ملكية الصيّاد الأوّل له بالحيازة ثمّ أفلت من يده فصاده الصيّاد الثاني.
٤ ـ بل يعدّ لعدم اعتبار الاستناد إلى سبب في صدق الشبهة ، ولكن لايجب الاعتناء بها
ثم وقع الشكّ في المحلّل ، كمن رمى صيداً فجرحه ثم وقع في الماء ثم صادفه ميتاً ، فلا يدري هل مات بالغرق أو بالجرح ، فيجب الاجتناب عنه في ظاهر الشرع ، عملاً بالاستصحاب ، أو بالعكس ، كالماء الطاهر المشكوك في وقوع نجاسة فيه وإن جاز التهجّم فيه في ظاهر الشرع ، لكن تركه من الورع ، أو يظنّ بالمحلّل ظنّاً مستنداً إلى دليل شرعي كحلية صيد رماه فغاب ثم أدركه مستاً وليس عليه أثر سوى سهمه فهو كحلّية الجنين بذبح أمّه ، ولعلّه مات قبل الذبح أو لم ينفخ فيه الروح ، أو بالعكس فيجب الاجتناب ، وإن استند إلى القرائن(١) تأكّد فيه الورع ، وإن لم يوجب تركه الفسق.
الثاني : اختلاط الحلال بالحرام بحيث لا يتميّز عن الآخر ، وقد ذهب بعض المحقّقين إلى التفصيل بين المحصور ، فأوجب فيه الاجتناب نظراً إلى وجوب المقدمة ، وأنّ الحكم بحلية المجموع يستلزم الحكم بحلّية الحرام اليقيني ، وغير ذلك من الأصول المفصّلة ي محلّها ، وغير المحصور فلم يوجب بل جعل الاحتياط فيه مهما أمكن من الورع نظراً إلى لزوم العسر والحرج وغير ذلك ممّا فصّل في محلّه ، والنصوص في الانائين والثوبين المشتبهين يعضده ، ولكنّ الأخبار في خصوص موارد المحصور متّفقة المقالة واضحة الدلالة على حلّية المجموع ، وتفصيل الكلام يطلب من محلّه ، فالورع في المحصور آكد(٢) .
الثالث : اتّصال السبب الموجب للحلّ بمحرّم لا يقتضي فساد العقد ولا إبطاله.
إمّا في مقارناته كالبيع وقت النداء في يوم الجمعة والمذبوح بالسكّين المغصوب وفي تسميته شبهة نوع تسامح لكون الحلّ والعصيان معلومين ، فلا
__________________
١ ـ يعني الظنون الغير المعتبرة شرعاً.
٢ ـ التحقيق وجوب الموافقة القطبعية في اطراف العلم الإجمالي في الشبهة المحصورة ، ولا دلالة للأخبار على حلّية المجموع ، والتفصيل يطلب من مظانّه ، فالورع في المحصور لازم.
شبهة ولعلّه لكراهته ، والمكروه يشبه المحرّم.
أو لوا حقه كبيع العنب من الخمّار وغيره ممّا يفضى إلى المعصية وفيه خلاف بين الأصحاب ، والأخبار مختلفة ، والتفصيل يطلب من محلّه فالورع على القول بالحلّ والجواز آكد.
أو مقدّماته كالأكل من شاة معلوفة بالحرام أو مرعيّة في مرعى حرام ، وقد اهتمّ السلف في مراعاة الورع في هذا النمط ويظهر من الأخبار شدّة الاهتمام بشأنه أيضاً. وفيه مراتب : أشدّها ما بقي أثره في المتناول أو في عوضه كالمبتاع في الذمّة المؤدّى ثمنها من غصب أو حرام وله أيضاً درجات يشتدّ في بعضها ، والورع في كلّها مهمّ.
الرابع : تعارض الأدلّة المقتضية للحلّ أو الحرمة من الأدلة الشرعية ، كتعارض نصّين أو عمومين وغيرهما ، فإن لم يتمكّن من الاجتهاد أو من الترجيح كان الورع واجباً ، وإن رجّح ما يخالفه تأكّد فيه الورع. وله أيضاً درجات شتّى مثل ما يقوى فيه دليل المخالف وفي الترجيح دقّة وغموض ، وما يتاخم الوسواس كالزبيب المطبوخ في الطعام خوفاً من كونه عصيراً محرّماً ،
أو الامارات المتعارضة كخبر عدل بالحرمة والآخر بالحلّ أو فاسقين بهما وهذا ممّا يستحسن فيه الورع ، وله أيضاً درجات في الشدّة والضعف
أو الاشتباه في الصفات التي بها يناط الحكم كأن يوصى لفقهاء البلد فيعلم أنّ المتبحّر في الفقه داخل فيه ، والمبتدي المشتغل بالتعلّم منذ يوم أو شهر لايدخل فيه ، وبينهما درجات لاتحصى ، فيقع الشكّ في بعضها والورع في الاجتناب ، ولعلّه أغمض مثارات الشبهة ، لأن بينها صوراً يتحيّر المفتي تحيّراً لازماً لا محيص له عند فيها ، إذ يكون المتّصف بالصفة في درجة متوسّطة بين المتقابلين لا يظهر ميله عن أحدهما إلى الآخر ، وكذا الصدقات المصروفة إلى المحتاجين فمن لاشيء له محتاج يقيناً ، ومن له مال كثير غني كذلك ، ومن له بعض الأثاث والأشياء من الثياب الدار والكتب وغيرها
يستشكل فيه ، فإنّ قدر الحاجة لايمنع وهو غير محدود ، وإنّما يدرك تقريباً ويتعدّى منه النظر إلى سعة الدار وقيمتها وكونها في محلّ مرغوب وحصول الاكتفاء بمادونها ، وكذا الأثاث والكتب. وتعظم الحاجة إلى هذا الفن من الورع في الوصايا والأوقاف. فهذه مثارات الشبهة ولو اجتمعت على واحد كانت أغلظ ، فأوّل درجة نافعة من الورع في الآخرة هذه ، أعني ترك الشبهات بأسرها ، فإنّ الحرام المشتبه وإن حلّ في ظاهر الشرع لكن لا يرتفع عنه خاصيّة الحرمة ، كما لايرتفع أثر السكر من الخمر بحلّيتها من عدم العلم بها ، ولايخلص من إهلاك الطعام المسموم بأكله مع الجهل به.
ولذا قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات ، ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرّمات ، وهلك من حيث لايعلم ».(١)
ومن خواصّه انه يورث قسوة في القلب لايبالي معها عن الحرام البينّ ولا برهان عليه أقوى من التجربة والعيان ، فإن أغلب علماء السوء إنما نشأ تهتّكهم وفساد أعمالهم من أخذ الشبهات من عطايا الحكام وجوائزهم وهدايا الرعايا المشابهة للرشى.
ولذا قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « سيأتي علي الناس زمان يستحلّ فيه السحت بالهديّة »(٢) مع كون أموال الرعية بأسرها من جنس الشبهات لقلّة معرفتهم بالأحكام الشرعيّة ، وشدّة حرصهم في اقتنائها من دون تعمّق في وجوه حرمتها وحلّها ووصول الأيدي الخبيثة العادية إلى جلّها بل كلّها بحيث لايمكن الآن القطع بحلية الأقوات ، لكون المياه والأراضي مغصوبة ، ولا بحلية اللحوم والدسوم لكون المواشي والحيوانات منهوبة ، وهذه نار استطار شررها في البلاد ، وعمّ ضررها بين العباد ، فأكثروا بسببها من الفسق والفجور وقست قلوبهم وغرّهم بالله الغرور ، واجترؤوا على هتك ناموس
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢٣٥ نقلاً عن الكافي (١ / ٦٨) وفيها : « ارتكب المحرّمات ».
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢٧٤.
الشريعة وسلطت أيدي الفجّار والظلمة على الرعية ، ولم يبق أحد الا وقد ابتلي بأنواع المهالك الدنيويّة والأخروية ، لأجل صعوبة المدخل الحلال الذي لايتطرّق إليه شائبة شبهة ورد في الأخبار ما ورد.
ففيها قال تعالى : « يابن آدم اجتنب ما حرّمت عليك تكن من أورع الناس ».(١)
وفيها : « من طلب الدنيا حلالاً في عفاف كان في درجة الشهداء ».(٢)
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أكل الحلال أربعين يوماً نوّر الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ».(٣)
وطلب بعض منهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يصير مستجاب الدعوة فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أطب طعمتك يستجب دعوتك ».(٤)
ولو كان المراد من الحلال هذا الذي نحكم بحلّيته ظاهراً لكان آكله مستجاب الدعوة وانفتح من قلبه ينابيع الحكمة ، ونحن مانرى في هذا الزمان منه أثراً سوى قسوة القلب والشقاوة.
فإن قلت : ما دلّت الأدلة القطعية كالسنّة والاجماع على حلية مثل عطايا الحكام وجوائزهم والهدايا التي وغير ذلك يكون حلالاً بيّناً ، فكيف تطلق عليه لفظ الشبهة مع ما ذكرت من أنّه لابدّ فيها من الشكّ ، ولاشكّ مع وجود الدليل القطعي ، كما لا يخفى.
قلت : نعم ، لكن حليتها قطعاً إنّما هي بحسب الظاهر ، لا في نفس الأمر ، فإن المال المأخوذ غصباً في نفس الأمر الغير المعلوم ظاهراً كيف نحكم بكونه حلالاً بيّناً في نفس الأمر ، كما أنه لا معنى لحلية الخمر الغير المعلوم أنّه خمر في نفس الأمر ، وإن كان بحسب الظاهر حلالاً ، فإنّ قاعدة
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٧٧ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الورع ، ح ٧.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٢ / ٢٠٣.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢٠٤.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢٠٤.
التحسين والتقبيح العقليين تستلزم إناطة الأحكام بهما ، فالقبيح بالذات كيف يصير بالشك حسناً ، وكذا العكس ، ومعنى كونه في ظاهر حلالاً أنّ الأصل عدم كون هذا الفرد الخارجي خمراً أو مغصوباً مثلاً لا أنّه مع فرض الخمريّة والغصبية حلال ، وقد بيّنا لك أنّ أثر الحرام لاينفكّ عنه بصيرورته في الظاهر حلالاً ، فقد تبيّن أنّ الاشتباه إنّما هو في كون هذا الفرد الخارجي من أفراد الحرام الواقعي أو الحلال الواقعي ، ولذا تطلق عليه الشبهة في الموضوع.
ولو كانت الحلية الظاهرية المنوطة بالظن كافية في إخراجه عن حدّ الشبهة لم يحصل مصداق للشبهة أصلاً ، فإن كلّ ما لم يتحقّق كونه حراماً فالأصل حليته في ظاهر الشريعة ، الا ما ثبتت حرمته قبل الشكّ فتستصحب ، فلايبقى وجه لتثليث الأحكام ، فافهم فإنّه من مزالق الأقدام ،
هذا مع أنّ في كثير من المواضعيشتبه على الانسان من طرف النفس الحرام المحض البيّن ، كما في أغلب ما تعارف إطلاق الهدية عليه ، فإنه بعد التأمل يعرف كونه وشوة محرّمة ، وإنّما هو تلبيس من الشيطان وانخداع من النفس ينكشف بعد سلب الأغراض الشهوية ، فإنّ باذل المال لايبذل ماله الا لغرض إما الثواب في الآجل أو جزاء في العاجل إما بتوقّع مال أو إعانة في فعل معيّن ، أو تقرّب إلى قلب المهدى إليه بطلب محبّة إما للمحبّة في عينها أو للتوصّل بها إلى عوض ورائها ، وكلّ ذلك على درجات يحرم الأخذ في أكثرها ، ويتشكل الأمر في القليل منها ويحل في الأقلّ ، فلابدّ من التفصيل في ذلك.
فنقول : أمّا الثواب في الآخرة فإنّما يتصوّر بأن يكون المصروف إليه محتاجاً أو عالماً أو منتسباً بنسب ديني أو صالحاً متديّناً.
والأوّل لايحلّ له الأخذ الا مع علمه باتّصافه به.
وكذا الثاني ، الا أن يكون في العلم على الحدّ المعلوم للمعطي من
الكمال الذي تخيّله فيه حتّى صار باعثاً له على التقرب.
والثالث إن كان كاذباً أو شاكّاً في نسبه لم يحلّ له أخذه ، وقلّ ما يوجد من لو كشف من باطنه بقيت القلوب مائلة إليه ، وإنما حبّب الخلق إلى الخلق سترا لله تعالى عنهم ، والتقوى خفيّ ليس كالعلم والفقر والنسب.
وأمّا قصد المال كالفقير يهدي إلى الغني طمعاً فهو حلال مع تحقّق المطموع فيه ، والأخبار دالّة عليه أيضاً.
وأمّا الاعانة بالفعل المعيّن كالمهدي إلى خاصّة السلطان لغرض معيّن إن (فإن ظ) كان المقصود منه حراماً كالحكومة والظلم وغيرهما حرم الأخذ.
وإن كان واجباً كدفع ظلم متعيّن على القادر عليه أو أداء شهادة فكذلك وهي الرشوة بعينها ، كالقاضي يأخذ الرشوة على الحكم بالحقّ لصاحبه.
وإن كان مباحاً جاز الأخذ وكان كالجعالة كالوكيل للخصومة بين يدي القاضي إن لم يسع في حرام.
وإن كان المقصود يحصل بكلمة لا تعب فيها لكن من ذي الجاه ، حتّى تفيد ، كقول الوزير لبوّاب السلطان لاتمنعه عن الدخول ، فقيل : إنّه حرام لأنه عوض عن الجاه ، ولم يثبت جوازه في الشرع.(١)
قال : ونحوه أخذ الطبيب العوض على تعليم دواء ينفرد بمعرفته ، فإن عمله في التلفّظ غير متقوّم كحبة من سمسم فلايجوز العوض عليه ، ولا على علمه لعدم انتقاله منه إلى الغير ، وإنّما يحصل له مثله.
أقول : وفيه نظر
__________________
١ ـ قائل هذا القول وكذا الذي بعده هو أبو حامد الغزالي كما في المحجة البيضاء (٣ / ٢٧٦) وقال الفيضرحمهالله بعد الثاني : ولي فيه نظر ، بل وفيما قبله أيضاً.
وإن كان طلب المحبّة في عينها(١) طلباً للتودّد والاستيناس فهو مقصود للعقلاء مستحبّ شرعاً.
فعن أميرالمؤمنينعليهالسلام : « لأن أهدى إلى أخي المسلم هديّة أحبّ إليّ من أن أتصدّق بمثلها ».(٢)
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « تهادوا تحابّوا تذهب بالضغائن ».(٣)
فهذه هي الهدية المحلّلة.
وإن كان طلب المحبّة لا للانس من حيث هو انس بل ليتوصّل إلى أغراض غير محصورة النوع ، وإن انحصر جنسها ولولا جاهه لما أهدى إليه ، فإن كان جاهه لعلم أو نسب فهو وإن جاز وكان أخفّ ، لكنّه مكروه لمشابهته بالرشوة ، فالورع في مثله ممدوح ، وإن كان لولاية تولّاها من قضاء وولاية صدقات أو جباية مال أو غيره من الأعمال السلطانية فهو رشوة في صورة الهدية ، والأخبار صريحة في المنع عنه.
ففي الخبر : « أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعث والياً إلى صدقات الأزد ، فلمّا جاء أمسك بعض ما معه وقال : إنّه هديّة لي ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : هلّاً جلست في بيتك وبيت أبيك وبيت أمك حتى يأتيك هديّة إن كنت صادقاً ثمّ قال : والذي نفسي بيده لا يأخذ منكم أحد شيئاً بغير حقّه الا أتى الله يحمله ، ولا يأتينّ أحدكم يوم القيامة ببعير له خوار أو شاة تبعر. ثم رفع يديه إلى السماء حتّى رأيت بياض ابطيه ثم قال : اللّهمّ هل بلّغت ».(٤)
فلابدّ أن يقدّر نفسه في بيت أبيه وأمّه فما كان يهدى بعد العزل في بيت أمّه جاز له الأخذ في ولايته ، وما علم أنّه لأجل ولايته ولو عزل صرف
__________________
١ ـ كذا ، وفي المحجة البيضاء (٣ / ٢٧٣) ما يقصد به المحبّة وجلبها
٢ ـ الكافي : ٥ / ١٤٤ ، كتاب المعيشة ، باب الهدية ، ح ١٢ مع اختلاف.
٣ ـ الكافي : ٥ / ١٤٤ ، كتاب المعيشة ، باب الهدية ، ح ١٤ ، وفيه : « تهادوا تحابّوا ، تهادوا فإنّها تذهب بالضغائن ».
٤ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢٧٤ ـ ٢٧٥.
عنه إلى المنصوب بعده حرم أخذه ، وما استشكل عليه الأمر فيه فهو شبهة يحسن الاجتناب والورع عنه.
وأمّا عطايا الحكّام فهي وإن دلّ الإجماع والنصوص من طريق أهل البيتعليهمالسلام على جواز أخذها ولو علم أنّهم يظلمون بها الناس سواء كان أخذهم من الناس باسم الخراج والمقاسمة أو غير ذلك ، وسواء رضي المالك أم لم يرض ، وسواء كان العطايا على سبيل الهديّة ونحوها أو على سبيل المعاوضة الشرعيّة ، الا انّها مختصّة بسلاطين أهل الخلاف لورودها فيهم ، وبينهم وبين أهل الحقّ فرق لأنّهم يأخذون من المخالفين مع اعتقاد الاستحقاق وسلاطين الشيعة يأخذون من الشيعة مع اعتقادهم عدم الاستحقاق ، فلا مجال للمقايسة ، وليست العلّة للجواز هناك اختلاط الحلال بالحرام حتّى يجوز الأخذ مالم يعرف بعينه لأنّ القياس حرام الا مع النصّ بالعلّة ، وليس فليس. مع أنّ في الأخبار ما يدلّ على الجواز وإن عرف بعينه ، نعم لو لم يعرف بعينه جاز الأخذ هنا ، بناءاً على تلك القاعدة(١) ، لكن لاريب في الكراهة الشديدة وترتّب أثر الحرام الواقعي عليه لو كان حراماً ، وأيّ برهان أعظم من التجربة كما أشرنا إليه. هذا مع ما ورد من النهي الشديد عن مخاطتهم ومعاملتهم ونهاية احتراز علماء الآخرة من الصحابة والتابعين عن مجالستهم ، كما لايخفى على متتبّع الآثار ، بل كان مبالغتهم في الاحتراز عنهم بحيث لم ينقل عنهم مع الفسّاق والفجّار وأهل الأسواق وأرباب الحرف الخسيسة مع غلبة الفسق والفجور والكذب فيهم ، بل مع الكفّار أيضاً ، وإنّما كانت في خصوص الظلمة الآكلين أموال اليتامى والمساكين المواظبين على إيذاء المسلمين وطمس رسوم شرائع الدين ، والسرّ فيه أنّ الفسق لازم لايتعدّى ، وكذا الكفر وهما جنايتان على حقّ الله وحسابهما
__________________
١ ـ يعني بها ما مرّ (ص ٢٧٣) من شمول الأخبار المؤمنّه لأطواف العلم الإجمالي في المحصورات.
على الله ، وظلم الولاة متعدّ يعمّ ويزداد ويسري ، ويقدر العموم والسراية يزيد الغضب والمقب من الله تعالى ، فيجب الاحتراز خوفاً من أن يشمله الغضب.
روى محمد بن مسلم قال : مرّ بي الصادقعليهالسلام وأنا جالس عند قاضي المدينة ، فدخلت عليه من الغد فقال : « ما مجلس رأيتك فيه أمس؟. قلت : جعلت فداك إنّ هذا القاضي لي مكرم ، فربما جلست إليه ، فقال لي : ما يؤمنك أن تنزل اللعنة فتعمّ من في المجلس؟ ».(١)
وفي الخبر : أنّ الله تعالى أوحى إلى يوشع بن نون : أنّي مهلك من قومك أربعين ألفاً من خيارهم وستّين ألفاً من شرارهم! فقال : ياربّ ما بال الأخيار؟ قال : إنهم لن يغضبوا لغضبي ، وكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم.(٢)
وفي النبويصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ الله تعالى لعن علماء بني إسرائيل إذ خالصوا الظالمين في معائشهم ».(٣)
والأخبار كثيرة ، فالتورّع عن أكل أموالهم أمر مطلوب جداً ، محمود شرعاً وعقلاً.
وأمّا أخذهمعليهمالسلام فلا دخل له بالمقام ، لكونه حقّاً لهم ، والإذن لشيعتهم إمّا لعلمهم باحتياجهم وعدم تمكّنهم من الامتناع وإمّا تحليل لهمعليهمالسلام بقبوله عنهم من طرف حقّهم الذي لهم عليهم ، هذا مضافاً إلى ما عرفت من أنّ حكم الظاهر غير الورع ، ولذا جعلنا هذه المرتبة بعد تلك المرتبة ، وهذا واضح بحمد الله لا سترة ولاريب يعتريه.
وثالثها : ورع المتّقين ، وهو ترك الحلال المحض خوفاً من أدائه إلى الحرام ، كما ورد عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « انه لا يكون الرجل من المتّقين حتّى يدع ما
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢٧٠ نقلاً عن التهذيب (٢ / ٦٩).
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢٧٠.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢٧٠.
لا بأس به مخافة ما به بأس ».(١)
وذلك كالتورّع التحدّث بأحوال الناس خيفة أن ينجرّ إلى الغيبة ، والتورّع عن أكل لذائذ الأطعمة ولبس النفائس المكتسبة من الحلال المحض الذي لا شبهة فيه خوفاً من هيجان النشاط والبطر المؤدّي إلى مقارفة المحظورات.
ولعلّه هوالسرّ في منع بعضهم ولو على سبيل الكراهة عن تجصيص المسجد وتزيينه استناداً بنهي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عن تكحيل المسجد ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « بل عريش كعريش موسى »(٢) خوفاً من سريان اتباع الشهوات في المحباحات إلى مقارفة المحظورات ، فإنّ المباح والمحظور يشتهيان بشهوة واحدة ، وإلى هذه المراتب الثلاث أشير في الكتاب المجيد بقوله تعالى :
( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتّقوا وآمنوا وعملو الصالحات ثمّ اتّقوا وآمنوا ثمّ اتّقوا وأحسنوا والله يحبّ المحسنين ) .(٣)
قال مولانا الصادقعليهالسلام : « التقوى على ثلاثة أوجه ، تقوى من خوف النار والعقاب وهو ترك الحرام ، وهو تقوى العام ، وتقوى من الله وهو ترك الشبهات فضلاً عن الحرام ، وهو تقوى الخاصّ ، وتقوى في الله وهو ترك الحلال فضلاً عن الشبهة ».(٤)
ورابعها : ورع الصدّيقين ، وهو الاعراض عمّا سوى الله خوفاً من صرف ساعة من العمر فيما لايفيد قرباً إليه تعالى ، وإن علم أنّه لا يفضي إلى حرام ، وهؤلاء يرون كل ما ليس لله حراماً امتثالاً لقوله تعالى :
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢١٣ مع اختلاف.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢١٥.
٣ ـ المائدة : ٩٣.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٥ نقلاً عن مصباح الشريعة (الباب ٨٢ خ التقوى) مع تقديم وتأخير.
( ثمّ ذرهم في خوضهم يلعبون ) .(١)
والأخبار في فضل الورع ممّا لاتحصى ، وهو من أمّهات الفضائل كما أن ضدّه على ما عرفت من أمّهات الرذائل.
ولذا قال الصادقعليهالسلام : « لا ينال ما عند الله الا بالورع »(٢) وفّقنا الله للتقوى وجنّبنا عن اتّباع الهوى.
__________________
١ ـ الأنعام : ٩١.
٢ ـ الكافي : ٢ / ٧٦ ، كتاب الايمان والكفر ، باب الورع ، ذيل ح ٣.
الباب الثامن
فيما يمكن أن يتعلّق بكلّ من الثلاث
أو اثنين منها من الرذائل والفضائل
وفيه أيضاً مقامان
المقام الأوّل
في الرذائل ومعالجاتها
وفيه فصول
فصل
الحسد عبارة عن كراهة النعمة الحاصلة للغير ممّا يظنّ أنها مصلحة له من حيث إنها كذلك ، وبالأوّل يخرج الغبطة كما أنّ بالأخير يخرج الغيرة ، وله بواعث كثيرة.
منها : ما يؤول إلى رذالة القوّة الشهوية ، كحبّ الجاه والمال وغيرهما من الشهوات الدنيوية ، وشدّة الحرص عليها ، فيحبّ أن يكون له ما حصل لغيره منها ، أو يزول عنه حتّى يتفرّد به.
والخوف(١) من فوت المقاصد كما يتّفق للمتزاحمين على أمر واحد كتحاسد الضرّات في الزوجية ، والاخوة في نيل المنزلة عند أبويهم ، والتلامذة عند استذهم ، وخواصّ الملك في التقرّب لديه ، وعلماء بلدة واحدة في نيل الجاه أو غيره.
أو البخل ، فإنّ من الناس من يفرح بابتلاء جميع الناس بأنواع المحن ، ويحزن من سعة عيشهم وحسن حالهم بدون باعث ظاهر من عداوة أو توقّع نفع أو وصول مكروه وغيرها ، بل يبخل بنعمة الله على عباده من دون غرض ، وهذا أخبث الحسّاد وأسوأهم.
ومنها : ما يؤول إلى الغضبية كالعداوة والبغضاء لكون الطباع مجبولة
__________________
١ ـ كذا والظاهر « أو الخوف ».
على الفرح من ابتلاء العدّو والحزن من وصول نعمة إليه.
أو التكبّر حيث إنّ بعض الطباع مجبولة على الترفّع على الناس ، وتوقّع الانقياد والتذلّل منهم ، فإذا نال أحد منهم نعمة خيف من عدم التحمّل لكبره والترفّع عن خدمته والانقياد له ، بل انعكاس الأمر كما يتّفق كثيراً ، وكان حسد قريش للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من هذا القبيل.
أو التعزّز ، وهو عدم التحمّل لترفّع الأقران ، وتكبّر النظراء عليه مع العلم بأنّهم لو أصابوا بعض النعم تكبّروا عليه واستصغروه.
أو التعجّب ، بحيث يرى النعمة أعظم ممّا يستحقّه صاحبها ، فيتعجّب عن فوزه بها ، ويحبّ زوالها عنه ، كما وقع للأمم السالفة مع أنبيائهم.
ومنها : ما يتركّب من الفسمين.
لكن الباعث الكلّي في جميع هذه الأقسام هو الجهل ، إذ العالم باستحالة اقتناء شخص واحد لجميع فوائد الدنيا لايطلبه ، والعالم بأنّ كلّ ما يحدث في العالم صادر عن الحكمة الأزليّة والارادة الذاتية التي يستحيل تخلّفه عنها والا لزم النقص أو الجهل عليه تعالى ، لايميل إلى خلافه. والعالم بأنّ زوال النعم الالهية مضافاً إلى كونه نقصاً وفقداً لكمال الافاضة في المحلّ اللائق بها شرّ لكونه عدماً ، وقد تحقّق في محلّه أنّ الاعدام شرور كما أنّ الموجودات خيرات يميل إلى الشرّ ويطمع حصوله من الخير المحض؟ والعالم بأنّ حصول المقاصد وفواتها ممّا يتعلّق بمشيئته تعالى بحيث إنّه القادر على مايشاء الفاعل لما يريد ، ولا مدخل لوصول النعمة إلى الغير وعدمه فيهما كيف يطلب زوالها منه أو عدم حصولها له؟ وكذا العالم بأنّه تعالى أعلم باستعداد الأشخاص للنعم وقابليّتهم ولولاه لما أثر بعضهم ببعضها دون بعض ، وفي حال دون حال مع كونه حكيماً كيف يستحقر غيره ويتعجّب عمّا أفيض عليه من النعم؟
وممّا ذكرنا ظهر أنّ الباعث على الحسد مركّب من رذائل القوّة العاقلة
إحدى القوّتين الأخريين(١) أو الثلاثة بأسرها ، وهو من أشدّ الأمراض وأصعبها ، وقد الله تعالى في مقام الانكار :
( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) (٢)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « قال الله تعالى لموسى بن عمران : لا تحسدنّ الناس على ما آتيتهم من فضلي ولا تمدّنّ عينيك إلى ذلك ولاتتبعه نفسك ، فإنّ الحاسد ساخط لنعمي ، صادّ لقسمي الذي قسمت بين عبادي ، ومن يك كذلك فلست منه وليس منّي ».(٣)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ».(٤)
وقال الصادقعليهالسلام : « الحاسد مضرّ بنفسه قبل أن يضرّ بالمحسود ، كإبليس أورث بحسده لنفسه اللعنة ولآدم الاجتباء والهدى والرفع إلى محلّ حقائق العهد والاصطفاء ، فكن محسوداً ولاتكن حاسداً ، فإنّ ميزان الحاسد أبداً خفيف يثقل ميزان المحسود ، والرزق مقسوم ، فما ينفع الحسد الحاسد وما يضرّ المحسود الحسد ، والحسد من عمى القلب وجحود فضل الله ، وهما جناحان للكفر ، وبالحسد وقع ابن آدم في حسرة الأبد ، وهلك مهلكاً لاينجو منه أبداً ، ولا توبة للحاسد لأنّه مصرّ عليه ، معتقد به ، مطبوع فيه يبدو بلا معارض ولاسبب ، والطبع لايتغيّر عن الأصل ، وإن عولج ».(٥)
وقد تبيّن من هذه الأخبار وممّا ذكرناه أوّلاً : أن الحسد يضرّ في دين الحاسد لما يتفرّع عليه من المعاصي كالغدر والعداوة للمؤمن وترك النصح والتعظيم والمرعاة له وغير ذلك ، ولكونه ساخطاً معانداً لله في قضائه طالباً
__________________
١ ـ في « ج » : مركب من رذائل القوّة والعاقلة في إحدى القوتين الآخرتين أو الثلاثة بأسرها.
٢ ـ النساء : ٥٣.
٣ ـ الكافي : ٢ / ٣٠٧ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الحسد ، ح ٦.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٣٢٥ ، وفي الكافي : ٢ / ٣٠٦ عن أبي عبداللهعليهالسلام : قال : « إنّ الحسد يأكل الإيمان » الحسنات ، وفي ب : الإيمان وفي ج الإيمان الحسنات واستظهر الكاتب عطف الثاني على الأوّل.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٣٢٨ نقلاً عن مصباح الشريعة الباب ٥١ ، في الحسد.
للشرّ والنقص له ولعباده. وفي دنياه أيضاً لعدم انقطاع فيوضه تعالى بتمناه (١) فيتعذّب دائماً بأشدّ الحسرة والألم مؤثرا لنفسه ما يريده لأعدائه من الحزن والغمّ والتعرّض للافتضاح ديناً ودنيا من دون فائدة ينالها.
ولايضرّ بدين المحسود ودنياه ، إذ لا ينقطع عنه ما قدّر له من أياديه تعالى ، ولاينفع تدبيراته في دفعها ، كما تشهد التجربة به ، ولو زالت النعم بالحسد لم يتنعّم من الخلق أحد ، إذ لا أحد الا وله حاسد يحسد ، ولضرّه وشرّه يقصد ، بل ينفع دينه بتخفيف أوزاره ومعاصيه ، وتثقيل حسناته بما يفعله الحاسد به من الغشّ والاهانة والبهتان والغيبة ، فيزيد بحسده نقمة أخرويّة إلى دنيوية ، كما يزداد الحاسد بحسده نعمة أخروية إلى دنيوية ، ودنياه أيضاً حيث إن أهمّ الأغراض الدنيوية مساءة الأعداء وابتلاؤهم بأنواع الهمّ والغمّ والبلاء ، وأيّ البلاء أعظم ممّا نال حاسده من الغموم والهموم وتجدّدها بتجدّد نعمة عليه من نعم الله تعالى ، بل ربما صار الحسد باعثاً لاشتهار المحسود وانتشار فضله ، كما قيل :
وإذا أراد الله نشر فضيلة |
طويت أتاح لها لسان حسوده |
فيكون الحاسد عدوّاً لنفسه صديقاً لعدوّه ، ولذا قيل : مارأيت ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد ، إنّه يرى النعمة عليك نقمة عليه.
واعلم أنّ الحسد إنما يتصوّر في الماديات الغير القابلة للاشتراك والعموم ، بحيث لو حظي بها واحد حرم الآخر عنها ، فحاطبها لايريد ضرّه بالذات ، وإنما يلزمه بواسطة اختلاف المقاصد ، فأمّا الفضائل النفسية والمعارف الحقّة والمطالب العلمية واللذّات الأخروية ، فهي لكونها عن المادة مبرّاة وعن سمة النقص والزوال معرّاة تزيد بكثرة الافاظة ، وتعمّ نفعها ، فلا بتصوّر فيها الحسد الا إذا استخدمت للدّنيا وجعلت من وسائلها كما في علمائها ، فيكون التحاسد بينهم فيما جعلوه غاية لها لا فيها نفسها ، إذ
__________________
١ ـ كذا ، والصحيح : بتمنّيه.
لايتصوّر التحاسد الا مع التوارد على المقاصد التي لاتفي بطلّابها وقاصديها وتضيق كالسجن على وارديها ، والعلم لايتناهى ولا يبيد ، فلا يقصر عنها ، بل يزيد ، وأمّا اللذّات الأخرويّة فلا تضيق بالكثرة وتقول هل من مزيد ، فلا حسد بين طلّاب الآخرة أصلاً.
( ونزعنا ما صدورهم من غلّ إخواناً على سرر متقابلين ) .(١)
ثم إنّ مساواة أحوال العدوّ لدى عدوّه ليست اختيارية لأغلب النفوس ، فالتكليف به لعامة الناس مما لايليق بالحكيم والقدر المكلّف به عموماً ما يظهر أثره في الجوارح ، ويبعث على المعاصي الظاهرة كالغيبة والبهتان والغشّ والإهانة وغيرها ، فإنّ التكاليف الظاهرة الشرعية العامة للمكلّفين لايتعلّق الا بأعمال الجوارح كما أشرنا إليه سابقاً.
ويدلّ عليه في خصوص المقام النبوي المشهور : « رفع عن أمّتي ـ إلى قوله : ـ والحسد مالم يظهر بلسان أويد ».(٢)
وفي الخبر النبوي أيضاً : « ثلاث لاينفكّ المؤمن عنهنّ : الحسد والظنّ والطيرة وله منهن مخرج ، إذا حسدت فلاتبغ ـ أي لاتعمل به ـ ، وإذا ظننت فلا تحقّق ، وإذا تطيّرت فامض ».(٣)
وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أيضاً : « ثلاثة في المؤمن له منهنّ مخرج ومخرجه من الحسد أن لا يبغي ».(٤)
والأخبار الدالّة على الذمّ والنهي كسائر ما دلّ على ذمّ صفات القلب والنهي عنها إمّا من قبيل ذكر الأسباب وإرادة المسبّبات كما هو الشائع في المحاورات ، أو من قبيل التأكيدات الواردة في المستحبّات والتغليظات الشديدة حثّاً للنفوس الناقصة عليها.
__________________
١ ـ الحجر : ٤٧.
٢ ـ راجع الوسائل : كتاب الجهاد ، الباب ٥٦ من أبواب جهاد النفس.
٣ ـ جامع السعادات : ٢ / ١٩٩.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٣٤٩.
وقد خبط في المقام بعض الأعلام(١) وأصرّ في القول بالحرمة مطلقاً ، وحمل ما ذكرناه من الأخبار على ما يكون فيه ارتياح للنفس بزوال النعمة طبعاً مع كراهته له من جهة العقل والدين حتّى يكون تلك الكراهة في مقابلة الحبّ الطبيعي بناء على أنّ الأخبار الناهية عن الحسد تدلّ على كون الحاسد آثماً ، والحسد عبارة عن صفة القلب دون الأفعال الظاهرة.
وفيه مضافاً إلى ما عرفت سابقاً أنّ ترك الأعمال الظاهرة مع التمكّن منها يستلزم الكراهة من جهة العقل والدين ، إذ مع فقد المانع ووجود الباعث المقتضي يتمّ علّة الوجود ، فلا يتصوّر تخلّف المعلول عنها.
وأمّا مع عدم التمكّن مع الشرق إلى الأعمال الظاهرة والهمّ بها فقد عرفت أنّ المستفاد من الأخبار الكثيرة الدالة على أنّ من همّ بسيّئة ولم يعملها لم يكتب عليه ، والاجماع المدّعى في كلام جماعة أنّه معفو عنه مضافاً إلى هذه الأخبار فإنّها مقيّدة وتلك مطلقة ، فلابدّ من حملها عليها ، على أنّ من اتّصف بالايمان بل اتّسم بالاسلام وعلم أنّ الحسد مبغوض لله تعالى ومذموم بحسب الشريعة سيّما إذا تبيّن له ذلك بحسب العقل أيضاً كيف لايكرهه ولايمقته بقلبه ، بل من يظهر آثاره في جوارحه أيضاً يمقته ويكرهه شرعاً كسائر المعاصي والآثام لوجود القوّة العقلية الكارهة لها والمانعة له عن ارتكابها فيه ، غاية ما هناك صيرورتها مغلوبة من الشهوية والغضبية والجنود الطبيعية والشيطانية ، وهو واضح ، ولمّا كانت أعمال الجوارح كلّها ناشئة عن أعمال القلب ومتسبّبه منها ورد كمل التأكيد في قلعها وقمعها كي لايبتلى برسوخ تلك الأسباب فيه بمسبّباتها ، فمن جاهد نفسه مع اتّصافها برذيلة تقودها إلى الآثار السيّئة بمنعها وحفظها عن تلك الآثار كان مجاهداً بالجهاد الأكبر الذي يوازي نزع الروح بل أشدّ وأصعب ، فكيف يعدّ عاصياً مع أنّه
__________________
١ ـ هو المولى مهدي النراقي صاحب جامع السعادات فراجع : ٢ / ٢١١ ، وكذا أبو حامد كما في المحجة البيضاء (٥ / ٣٤٨ ـ ٣٤٩).
السالك حينئذ إلى المقصد والمشتغل بعلم السلوك الصعب الذي نحث عليه من أوّل الكتاب إلى تاليه. والاقامة (كذا) بعد ما عوّد نفسه على ترك مقتضياتها وآثارها يلزمه زوال تلك الملكة تدريجاً ، ويسهل عليه ذلك إلى أن تنعدم بالمرّة.
وممّا ذكر يظهر أنّ علاج هذا المرض لايمكن الا بازاحة علله من الرذائل الباعثه عليه ، فيبدّل الحرص والطمع بالقناعة ، والتكبّر بالتواضع ، والدناءة بعلوّ الهمّة ، والجهل بالمعرفة ، والحقد بالمحبّة ، ثم المواظبة على الامتناع من آثاره ، والاتيان بأضدادها قولاً وفعلاً على سبيل العنف والقهر والمجاهدة للنفس حتى تعتاد ، ولو حصّل فضيلة التوحيد وشاهد الارتباط الخاص الذي بينه تعالى وبين خلقه وعلم أنه من أقوى الروابط وأضبطها لم يلاحظ الموجودات الا من حيث الانتساب إليه تعالى بارتضاعها من لبان الوجود بثدي واحدة وشرب ماء الفيض والجود من شريعة واحدة ، فلا ينظر إليهم بعين السخط والعدوان وإن أصيب منهم بأنواع البليّة ، بل لم يلحظهم الا بعين المودّة والرحمة ، كما هو شأن كمّل العارفين المستغرقين في حبّ الله وأنسه ، والمحظوظين بنعمة معرفته.
قد أشرنا إلى أنّ الغبطة تمنّي مثل ما للمغبوط من غير إرادة زواله عنه ، ويسمّى منافسة أيضاً ، وإطلاق الحسد عليه في بعض الأخبار اتّساع لمقاربتهما ، وهي في الأمور الدينية والفضائل النفسية ممدوحة ، إذ سببها حبّ الله وحبّ طاعته ، وأمّا في الأمور الدنيوية الغير المحرّمة فهي وإن لم تكن محرّمة الا أنّها لابتنائها على حبّ الدنيا والتنعّم بها مذموم ينقص بها درجته ويحجب بسببها عن المقامات المحمودة كالرضا والتوكّل والقناعة والزهد.
قال بعض الأعلام : لو كانت الغبطة مقصورة على مجرّد حبّ الوصول إلى مثل ما للمغبوط من دون حبّ المساواة له وكراهة النقصان عنه
لم يكن فيه حرج ، وإن كان معهما فهناك موضع خطر ، إذ زوال النقصان إما بالوصول إلى نعمة المغبوط أو زوالها عنه ، فإذا انسدّ أحدهما مالت النفس إلى الآخر ، إذ لايبعد أن يكون المريد للمساواة ، العاجز عنها منفكّاً عن الميل إلى زوالها عنه حتّى يزول نقصانه عنه به ، فإن كان بحيث لو فوّض الأمر إليه سعى فيه كان حسداً مذموماً وإن منعه العقل عنه لكن يجد من طبعه الفرح والسرور بزوالها عنه كان أيضاً حسداً مذموماً الا أن يكون مبغضاً لنفسه على تلك الحالة مجاهداً لها في دفعها ، فيكون معفوّاً عنه ـ انتهى ملخّصاً(١) فتأمل.
فصل
النميمة نوع من إفشاء السرّ وهتك الستر ، أعني ما يتضمّن فساداً ، والسعاية أخصّ منها ، أي ما كان المحكي له من يخاف جانبه كالحكام والظلمة ، فإن كان الباعث عليها العداوة كانت من رذائل الغضبية من طرف الافراط ، أو الطمع كان من رذائل الشهوية منه أيضاً ، وربما تصدر عن فضول في الكلام تشهيّاً واهترازاً للنفس بها من دون باعث خاص ، وحينئذ يكون منها من باب رداءة الكيفية. وربما تعمّم بحيث يشمل وجوه الإعلام بأسرها من الكتابة والكناية والاشارة وغيرها ، وهي من قبائح الأعمال وفضائحها ، الا إذا كانت مشتملة على نفع مسلم أو دفع أذى عنه أو المنع عن معصية قال الله تعالى :( همّاز مشّاء بنميم ) .(٢)
( ويل لكلّ همزة لمزة ) .(٣)
وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لمّا خلق الله الجنّة قال لها : تكلّمي ، قالت : سعد من دخلني ، فقال الجبّار جلّ جلاله : وعزّتي وجلالي لايسكن فيك ثمانية نفر من الناس : لايسكنك مدمن خمر ، ولا مصرّ على الزنا ، ولا قتّات وهو
__________________
١ ـ جامع السعادات : ٢ / ١٩٧ ـ ١٩٨.
٢ ـ القلم : ١١.
٣ ـ الهمزة : ١.
النمّام الحديث ».(١)
وروي أنّه أصاب بني إسرائيل قحط فاستسقى موسى مرّات فما أجيب ، فأوحى الله إليه : أنّي لا أستجيب لك ولمن معك وفيكم نمّام قد أصرّ على النميمة ، فقال موسى : ياربّ من هو حتّى نخرجه من بيننا؟ فقال : ياموسى! أنهاكم عن النميمة وأكون نمّاماً؟ فتابوا بأجمعهم وسقوا.(٢)
وقال الصادقعليهالسلام : « من روى على مؤمن رواية يريد بها شينهوهدم مروء ته ليسقطه من أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان ، ولا يقبله الشيطان »(٣)
وكيف لايكون النمّام من أخبث الناس مع عدم انفكاكه عن الكذب والغيبة والغدر والخيانة والنفاق والحقد والحسد والإفساد في الأرض وقطع ما أمر الله به أن يوصل.
ثم اللازم على من يحمل إليه النميمة تكذيب النمّام لفسقه بها ، وقد قال الله تعالى( إن جاء كم فاسق بنبا فتبينوا ) (٤) .
بل ينهاه وينصحه لقوله تعالى :
( وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ) (٥)
فإن لم يقبل أعرض عنه لقوله تعالى :( وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين ) .(٦)
وأن لايحكي عنه ما سمعه منه فيصير مثله.
روى محمد بن الفضيل عن الكاظمعليهالسلام أنه قال : جعلت فداك الرجل
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٧٦.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٧٦.
٣ ـ الكافي : ٢ / ٣٥٨ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الرواية على المؤمن ، ح ١.
٤ ـ الحجرات : ٦.
٥ ـ لقمان : ١٧.
٦ ـ الأعراف : ١٩٩.
من إخواني يبلغني عنه الشيء الذي أكرهه ، فأسأله عن ذلك فينكر ذلك وقد أخبرني عنه قوم ثقات؟ فقال : لي : « يا محمد كذب سمعك وبصرك عن أخيك ، فإن شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولاً فصدّقه وكذّبهم ، لا تذيعنّ عليه شيئاً تشينه به وتهدم مروء ته فتكون من الذين قال الله تعالى :( إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا الآية) .(١)
فصل
الشماتة هي إظهار المسرّة بمساءة الغير ، فإن كانت من العداوة والحسد كانت من رذائل الغضبيّة ، وإن كانت من الميل إليها بدون باعث فهي من رداءة الشهوية ، وهي من أعظم أنواع الأذية. والتجربة شاهدة مضافاً إلى الأخبار بأنّ الشامت لايخرج عن الدنيا حتى يبتلى بمثلها ، على أنّ ابتلاءه بالمصائب لايدلّ على سوء حاله ، بل ربّما دلّ على عدم استدراجه وكونه مرحوماً بها حتّى جعلت كفّارة لمعاصيه ، أو سبباً لرفع درجاته في الآخرة ، فإنّ الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر ، ولذا ترى أنّ أعظم المصائب ينزل بالأنبياء فالأولياء ، ثمّ الأمثل فالأمثل في درجات العلى.
وعلاجها برفع بواعثها والتأمّل فيما يترتّب عليه من الابتلاء بمثلها كما يشهد به التجربة والاعتبار ، مضافاً إلى الأخبار ، وأنّه لايرضى بشرّ الناس مطلقاً الا الشرير ، كما تقدّم ، ثم تكليف نفسه على سبيل القهر والتعنيف على ترك هذه الخصلة الخبيثة وفعل ما يضادّها من الحزن والمساءة وغيرهما حتّى تعتاد نفسه عليه.
فصل
السخرية والاستهزاء أي محاكاة أقوال الناس وأفعالهم وصفاتهم قولاً
__________________
١ ـ الوسائل : كتاب الحج ، الباب ١٥٧ من أبواب أحكام العشرة ، ح ٤ ، والآية في سورة النور : ١٩.
أو فعلاً أو إيماءاً على وجه يضحك منه الناس نوع من الأذية والاهانة. وتنبيه الناس على عيوب المستهزىء به ولو كانت في غيبته كانت غيبة أيضاً. ولو بالغ بما ليس فيه كان كذباً وبهتاناً أيضاً. فإن كان الباعث عليها الكبر والتحقير أو العداوة كانت من رذائل الغضبية ، وإن كان مجرّد ضحك الأغنياء وتنشيط قلوبهم طمعاً كان من رذائل الشهوية.
ويشتمل هذا القسم من خسّة النفس ودناءة الهمّة والوقاحة وهتك أستار الحياء والذلّ والهوان على مالا يخفى. وهو مضافاً إلى كونه بنفسه عقوبة عاجلة مستلزم لعقربات عظيمة في الآجل ، إذ لا ظلم أعظم من وضع النفس الشريفة التي هي بن سنخ عالم الربوبيّة القابلة لخلافة الله تعالى في أخس المراتب البهيمية. وأيّ شناعة أعظم من أخذ أذى المسلمين حرفة ، وما يؤدّي إى قسوة القلوب وغفلتها عن الله تعالى بالضحك الملاهي عملاً وصنعة ، فما هو الا من غاية الحمق وخفّة العقل والجهالة بخواصّ النفس الانسانيّة ، وما به تمتاز عن البهائم. ويشهد لذلك أنّ موسىعليهالسلام لمّا قيل له( أتتّخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) (١) فلو جعلت من رذائل القوّتين لم يكن بعيداً.
وعلاجها بإزاحة عللها ، أي الكبر والعداوة والجهل ، وتبديلها بأضدادها ، أي التواضع والمحبّة والعلم بما به امتياز النفس الانسانية من غيرها ، ويكون الأرزاق والأقوات والأموال من قبيل آلات لحفظ البدن الذي هو مركب للنفس ، فتضييع النفس وتنكيسها إلى المرتبة البهيميّة لأجل المال وغيره انتكاس على أمّ الرأس ـ نعوذ بالله منه فليزجر قوته الشهوية بهذه الزواجر القلية مع الأوامر والنواهي الشرعية ، قال الله تعالى :
( لا يسخر قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيراً منهنّ ) (٢)
__________________
١ ـ البقرة : ٦٧.
٢ ـ الحجرات : ١١.
وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « المستهزىء بين الناس يفتح لأحدهم باب من الجنّة ، فيقال له : هلمّ هلمّ فيجيء بكربه وغمّه ، فإذا أتى أغلق دونه ، ثم يفتح له باب آخر فيقال له : هلمّ هلمّ فيجيء بكربه وغمّه فإذا أتى أغلق دونه ، فمايزال كذلك حتى يفتح له الباب ويقال له : هلمّ هلمّ فما يأتيه »(١) .
وأمّا من يجعل نفسه مسخرة أي يسرّ بأن يسخر به الناس فهو وإن كان كالقسم الثاني في الظلم على نفسه ، لكن فعل ما يؤذن بإيذائه وتحقيره محرّم.
وعلاجه كما تقدّم. على أنّ من تفكّر فيما صدر ويصدر عنه من سيّئات الأعمال وتأمّل في حقيقة حاله يوم القيامة وما أعدّ له فيه من الشدائد والأهوال كان بأن يشغله الضحك على نفسه تارة ، والبكاء عليها أخرى أحقّ وأحرى.
فصل
المزاح إمّا من خفّة النفس فيكون من رذائل الغضبية أو ميل النفس إليه ، أو الطمع في أموال الناس بتطييب خواطرهم فيكون من رذائل الشهويّة ، وإكثاره مذموم يوجب قسوة القلب بكثرة الضحك ، وغفلته عن يوم الجزاء ويسقط المهابة ويورث البغضاء ، وربّما آل إلى الهزل والاستهزاء.
قال بعض الأكبر لابنه : يابني! لا تمازح من هو أعلى منك فيعاديك ، ولا من هو أدنى منك فيجتري عليك.
وقال الآخر : المزاح مسلبة للبهاء مقطعة للأصدقاء.
وقيل : لكلّ شيء بذر ، وبذر العداوة المزاح.
وأمّا القليل الذي يبعث على تطييب قلوب الاخوان وانبساط خواطرهم واستيناسهم ، ولا يتضمّن كذباً وايذاء ، فهو ممدوح لفعل الرسول والأئمةعليهمالسلام ، فكانصلىاللهعليهوآلهوسلم يمزح ويمزح به ، ويقول : « إنّي لأمزح ولا أقول
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٣٦ وفيه : « إنّ المستهزئين بالناس ».
إلا حقّاً ».(١)
وكان أميرالمؤمنينعليهالسلام مزّاحاً حتّى عابوه به وقالوا : لولا دعابة فيه لكان أولى الناس بالخلافة.(٢)
وقال له سلمان لما مازحه : هذا الذي أخرّك إلى الرابعة.
لكن الوقوف على حدّ الاعتدال كما قيل صعب ، وكم من دعابة خفيّة(٣) شاهدناه من بعض الظرفاء ازدادت تدريجاً إلى أن أورثت وحشة وبغضاء ، فيجب الاحتياط في رعاية القصد ومع العجز الترك بالكلّية.
فصل
قيل : إنّ المراء خصومة تحدث عن رعاية المصلحة الجزئية وشدّة تعلّق النفس بالمنافع البدنيّة والسعادات الخارجية ، فإنّه إذا كثر شعف النفس بالملاذّ الحسّية لم تجذب الا ما يخصّها من النفع ولم تخصّ الا ما يضرّها بالدفع ولم تبال مع حصول النفع له بما يحصل للغير من الضرر ، وهذا من قصور النظر وعدم إدراك المطالب الكلية والمنافع العامّة حتى تجلو به الغمّة وتعلو به الهمّة ، فلو أدركت قاعدة التوحيد زال عنها عشق الشيء المخصوص ، بل وجد نفعه في نفع الغير وضرّه في ضرّ الغير ، ومنشأ ظهور التوحيد في النفس النظر الكلّي العقلي ، كما أنّ مبدأ الكثرة النظر الجزئي الحسيّ.
وصاحب المراء أخسّ الناس رتبة ، أدونهم منزلة ، إذ به يبطل الألفة التي ابتنى عليها نظام العالم ، وهي أثر الوحدة التي بها قوام نوع بني آدم.
وأمّا الجدال فربّما كان له اختصاص اصطلاحيّ بالمسائل الاعتقاديّة وتقرير أدلّتها ، ويقرب منه المناظرة ، أو هي أعمّ ، وقد لايكون بقصد الأذى
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٣٢.
٢ ـ راجع البحار : ٤١ / ١٤٧.
٣ ـ كذا ، والظاهر ، خفيفة.
والترفّع ، بل للهداية أو الارشاد ، ودفع بدع أهل العناد ، أو طلب الحق الاسترشاد ، فيكون من لوازم الثبات في الايمان ونتائج قوّة المعرفة وكبر النفس ، وقد أمر الله به نبيّه فقال :( وجادلهم بالّتي هي أحسن ) .(١)
الا أنّ له آداباً وشروطاً لو قام بها ووفّاها حقّها فقد قام بحدودها واقتدى بالسلف فيها ، فإنّهم ماكانوا يناظرون الا لله وفي الله. وله علامات :
منها : أن لا توقعه الا مع رجاء التأثير ، ولا يكون هناك ما هو أهمّ منه ، لأنّه إذا كان في الواجب على الوجه المشروع كان من فروض الكفايات ، فلو عارضه عيني أو كفائي أهمّ منه لم يجز الاشتغال به. وأن يمكن له العمل برأيه باجتهاده حتّى إذا بان له الحقّ على لسان خصمه انتقل إليه ، فالمقلّد لايمكنه الانتقال مع ظهور ضعفه لديه ، فلا فائدة له فيه. وأن يكون مناظرته في مسألة مهمّة واقعة أو قريبة الوقوع دون الفروض النادرة ، أو البحث في التعريفات بانقوض والتزييفات. وأن يكون في الخلوة أحبّ إليه من المحافل ، لكونها أجمع للهمّ وأقرب إلى صفاء الفكر وأبعد عن الأغراض الفاسدة. وأن يكون كمنشد ضالّة يشكر متى وجد الحقّ في يده أو يد غيره ، فلايرى خصمه خصيماً ، بل معيناً فيفرح من جريان الحقّ على لسانه ويشكره لا أنّه يخجل ويسود وجهه ويجتهد في دفعه ، ولايكون مناظرته الا مع البارع المتفرّد حتّى يستفيد منه.
وأمّا الفرد المتبادر الشائع بين علماء الدنيا من المناظرة والجدال وهو ما كان بقصد الغلبة والافحام وإظهار الفضل وقصد المباهاة والمماراة واستمالة وجوه الناس فنسبته إلى الفواحش الباطنة كشرب الخمر إلى الفواحش الظاهرة من كونه مهيّجاً لها كالحسد ، حيث لايخلو عنه صاحبه ، فإنه يغلب تارة فيحمد عليه ، وتارة يغلب فيحمد كلام غيره ، فمادام يذكر أحد بقوّة
__________________
١ ـ النّحل : ١٢٥.
العلم والنظر يحسده ويحبّ انصراف وجوه الناس عنه إليه.
والتكبّر على الأمثال والأقران حتّى إنّ أرباب هذه الخصلة الخبيثة يقاتلون على القرب من وسادة الصدر ، والتقدّم في الدخول من مضائق الطرق.
والحقد لمن يرجّح كلام خصمه أو يتوقّف فيه ، إذ لايمكن اتّفاق المستمعين على ترجيج كلامه ، ولو قلّل خصمه الاعتناء به والالتفات بكلامه الغرس في صدره من الحقد له ما لا ينقلع عنه مدّة عمره.
والغيبة حيث لاينفكّ عن حكاية قول الخصم وتزييفه إن اقتصر على الواقع(١) وإن تعدّى كان كذباً وبهتاناً.
وذمّ المصغى إلى كلام خصمه والمقبل عليه بنفسه ، ونسبته إلى الجهل والحمق وتزكية النفس ، حيث لاينفكّ عنها في أثناء المجادلة بأنّي لست ممّن يخفى عليه أمثال هذه وأنا المتفرّد وأنا كذا وكذا إمّا صلفا أو للحاجة إلى ترويج كلامه.
والتجسّس عن عيوب الأقران والخصوم حتى إنّ بعضهم إذا سمعوا بورود عالم إلى بلد تفحّصوا عن خفايا أحواله واستخراج مقابحه حتى يدّخروها لتفضيحه وتخجيله لو مسّت الحاجة إليه إمّا تعريضاً على سبيل التشبيب مع الحياء أو تصريحاً مع الوقاحة ، والفرح بمساءتهم والغمّ من مساءتهم كالتباغض بين الضرّات بحيث لو رأيى الخصم ارتعدت فرائصه وتغيّر لونه واضطرب فكره.
والنفاق لاضطرارهم إلى ملاقاة خصومهم ومحبيّهم وأشياعهم فلابدّ لهم من التودّد اللساني وإظهار الشوق.
__________________
١ ـ مجرّد حكاية قول الخصم وتزييفه إن اقتصر على الواقع ليس غيبة ولذا قيّده الشهيد الثانيرحمهالله بكون الحكاية في معرض التهجين والذّم والتوهين ، وكذا أبوحامد. فراجع منية المريد : ٣٢٦ والمحجة البيضاء : ١ / ١٠٤.
وفي النبويصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إذا تعلّم الناس العلم وتركوا العمل ، وتحابّوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا بالأرحام لعنهم الله عند ذلك ، فأصمّهم وأعمى أبصارهم »(١)
والاستكبار عن الحقّ وكراهته ، والحرص على المماراة فيه حتّى إنّ أبغض شيء عنده ظهور الحقّ على لسان الخصم ، ولو ظهر تشمّر لجحده بأقصى جهده وبذل أنحاء الحيل في ردّه فيصير المراء طبيعيّاً بحيث لا يسمع كلاماً الا وينبعث من طبعه داعي الاعتراض عليه حتّى في أدلّة القرآن وألفاظ الشرع ، فيضرب بعضها ببعض.
والرياء ، وهو عمدة مقاصده لحبّه إطلاق ألسنة الناس بمدحه ، وصرف وجوههم إليه.
هذا حال الأكابر والعقلاء المعتبرين من أهل الخصومات والجدال والمراء ، ويتشعّب منها خصال اخر كالأنفة والغضب والبغضاء والطمع وحبّ المال والجاه للتمكّن من الغلبة والمباهاة والأشر وتملّق الحكّام والسلاطين للأخذ من حطامهم والاستعانة بهم على تزييف خصومهم والتجمّل بفاخر الثياب والمراكب والخوض فيما لايعني وكثرة الكلام وقسوة القلب والغفلة عن الله سبحانه.
وأمّا سفهاؤهم وأدانيهم فأكثر ما يؤول إليه أمرهم في المناظرة الضرّب والشتم والكلم وتمزيق الثياب والأخذ باللحى وسبّ الوالدين والأساتيد والقذف وغيرها من الفواحش الظاهرة.
فظهر أنّ الجدال والمراء والخصومة من أمّهات الخبائث ، ولذا ورد في ذمّهما ما ورد.
قال أميرالمؤمنينعليهالسلام : « إيّاكم والمراء والخصومة ، فإنّهما يمرضان
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ١ / ١٠٥ ، وفيه : « في الأرحام ».
القلوب على الاخوان ، وينبت عليهما النفاق ».(١)
وقال الباقرعليهالسلام : « الخصومة تمحق الدين وتحبط العمل وتورث الشكّ ».(٢)
وقال موسى بن جعفرعليهالسلام حينما سئل عمّن يحسن الكلام في الدين هل يجوز له ذلك؟ : « المحسن وغير المحسن لايتكلّم فيه فإنّ إثمه أكبر من نفعه.(٣) وغير ذلك.
لايقال : قد يترتّب على المجادلة والمناظرة في الدين فوائد دينية كرغبة الناس بسببها في طلب العلم ، إذ لولا حبّ الرئاسة لاندرست العلوم والتقويّ بها على دفع المبطل المجادل والمنع عن ضلالة المستضعفين بإضلال ذلك المضلّ.
قلت : نعم قد ذكرنا أنّ من المجادلة ما هو ممدوح ، ولذا أمر الله بها نبيّه ومناظرات الأئمّةعليهمالسلام مع المخالفين مشهورة ، وفي كتب السير والأخبار مسطورة ، لكن بشروطها وآدابها المذكورة ، وأمّا مع فقدها فهي موبقة مهلكة لصاحبها وإثمها له أشدّ من سائر المعاصي ، وإن انتفع بها غيره كالشمع المحرق لنفسه الذي يستضيء به غيره فصلاح غيره ، في هلاكه.
ولذا ورد : « إنّ الله يؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر »(٤) .
وربما أهلك غيره أيضاً إن دعاه إلى مالأجله هلك كالنار المحرقة الآكلة لنفسها وغيرها ، ولذا قال الصادقعليهالسلام :
« إذا رأيتم العالم محبّاً لدنياه فاتّهموه على دينكم ، فإنّ المرء يحوط على ما أحبّ ».(٥)
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٣٠٠ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب المراء والخصومة ، ح ١.
٢ ـ المحجة البيضاء : ١ / ١٠٧ نقلاً عن توحيد الصدوق : ٤٧٦.
٣ ـ المحجة البيضاء : ١ / ١٠٨ نقلاً عن توحيد الصدوق : ٤٧٧.
٤ ـ المحجة البيضاء : ١ / ١٠٩.
٥ ـ الكافي : ١ / ٤٦ ، كتاب فضل العلم ، باب المستأكل بعلمه ، ح ٤ ، وفيه : « فإنّ كلّ محبّ لشيء يحوط ما أحبّ ».
فتيقّظ يا حبيبي منرقاد الغفلة ولاتظنّن بعلام الغيوب أن تخفى عليه خافية من خفايا القلوب ، فإذا لم يقبل في أدنى عبادة ظاهرة منك الا ما كان خالصاً لوجهه الكريم ، فكيف يقبل من علمك الذي هو أشرف الطاعات والعبادات وبه يصل العبد إلى أفضل السعادات مالا أثر فيه من ابتغاء وجهه الأعلى ، وكان غاية همّك فيه الوصول إلى قليل من متاع الدنيا.
فصل
الكذب هو الخبر الغير للواقع. فإن كان باعثه الحسد والعداوة كان من رذائل الغضبية ، وإن كان حبّ المال والطمع أو الاعتياد عليه من الاختلاط مع الكذّابين كان من رذائل الشهوية.
وقد يطلق على النبية الغير الخالصة لله تعالى ومرجعه إلى الرياء ، وسيأتي حكمه إن شاء الله ، وعلى العزم الغير الثابت المشوب بالضعف والتردّد ، فيقال : إنّه كذب في العزيمة ، وقد يعزم وقد يعزم على فعل لعدم مشقّة فيه ، ثمّ إذا حصل التمكّن وهاجت الشهوات انحلّت العزيمة فيقال : إنّه كذب في الوفاء بها ، ولعلّهما من رذائل الشهويّة.
وقد يستعمل في الأفعال إذا دلّ ظاهرها على ما يخالف الباطن ، ويمتاز حينئذ عن الرياء باعتبار عدم الخلوص لله فيه دونه ، إذ ربّ واقف على هيأته خاضع لله في صلاته لاينوي بها غيره تعالى ، بحيث يدلّ على إقباله بشراشره إليه تعالى مع ذهول قلبه عنه تعالى وتوجّهه إلى أمور الدنيا ، وماش على هيئة الوقار بحيث يجزم من يشاهده باتّصافه به مع خلّوه عنه فهو كاذب في عمله ، وليس مرائياً لعدم التفاته في غاية فعله إلى الغير ، وهذا ينبعث في كلّ من الثلاثة.
ثم إنّ للفضائل النفسية مباديء وحقائق ولوازم وغايات ، فمن نالها بأسرها كان صادقاً محقّقاً فيها ، والا فكاذب ، فالخوف منه تعالى له مبدء هو
الإيمان به ، وحقيقة هي تألّم الباطن واحتراقه ، وآثار هي اصفرار اللون وارتعاد الفرائص والبكاء والإعراض عن المشتهيات الحسيّة ، وغايات هي المواضبة على الطاعات والاجتناب عن السيّئات ، فمن آمن به تعالى بدون تحقيق له وظهور آثاره ولوازمه أطلق عليه اسم الخائف منه تعالى ، لكنّه خوف كاذب.
قال أميرالمؤمنينعليهالسلام : « إيّاكم والكذب فإنّ كلّ راج طالب ، وكلّ خائف هارب ».(١)
وقال الصادقعليهالسلام لمّا قيل له قوم يعملون المعاصي ويقولون نرجو فلايزالون كذلك حتّى يأتيهم الموت : « هؤلاء قوم يترجّحون بالأماني ، كذبوا هؤلاء ليسوا براجين ، إنّ من رجا شيئاً طلبه ، ومن خاف من شيء هرب منه »(٢)
فقد تبيّن من ذلك أنّ مجرّد الاقرار بالشهادتين مع فقد اليقين الحقيقي والتعظيم لله ورسله وأوليائه والاهتمام في امتثال أوامرهم ونواهيهم كذب في دعوى الايمان.
ثمّ إنّ الكذب من أقبح الذنوب وأشنعها ، قال الله تعالى :
( إنّما يفتري الكذب الّذين لايؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون ) (٣) ( فاعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ) .(٤)
وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « المؤمن إذا كذب بغير عذر لعنه سبعون ألف ملك ، وخرج من قلبه نتن يبلغ العرش ، وكتب الله عليه بتلك الكذبة سبعين زنية أهونها كمن يزني بأمّه ».(٥)
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٣٤٣ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الكذب ، ح ٢١.
٢ ـ الكافي : ٢ / ٦٨ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الخوف والرجاء ، ح ٥.
٣ ـ النحل : ١٠٥.
٤ ـ التوبة : ٧٧.
٥ ـ البحار : ٧٢ / ٢٦٣ نقلاً عن جامع الأخبار ، مع اختلاف.
وقال أميرالمؤمنينعليهالسلام : « لايجد العبد طعم الايمان حتّى يترك الكذب هزله وجدّه ».(١)
وقال عليّ بن الحسينعليهالسلام : « اتّقوا الكذب الصغير منه والكبير في كلّ جدّ وهزل ، فإنّ الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير ».(٢)
وقال الباقرعليهالسلام : « إنّ الله تعالى جعل للشرّ أقفالاً ، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب ، والكذب شرّ من الشراب ».(٣)
وعن العسكريعليهالسلام : « جعلت الخبائث كلّها في بيت وجعل مفتاحها الكذب ».(٤)
إلى غير ذلك ممّا لا يحصى.
وأشدّ أنواعه الكذب على الله ورسوله والأئمّةعليهمالسلام وكفاه ذمّاً كونه مفطراً لصوم الصائم في ظاهر الشريعة على الأقوى.
ومن جملته الافتاء ممّن لا أهليّة له ، ومن هو أهل له بما لايتحقّقه.
قال الصادقعليهالسلام : « القضاء أربعة ، ثلاثة في النار وواحد في الجنّة » وعدّ من الثلاثة من حكم بالحقّ ولم يعلمه.(٥)
وقال الباقرعليهالسلام : « من حكم بما لم يعلم فقد ضاد الله فيما أحل وحرم »(٦) .
وحسبك دالاً على شناعته أنّه تعالى أوعد نبيّه ـ مع كونه أحبّ خلقه إليه وأكرمهم لديه وعلّمه بأنّه لاينطق عن الهوى ـ بقوله :
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٣٤٠ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الكذب ، ح ١١ ، وفيه : « عبد ».
٢ ـ الكافي : ٢ / ٣٣٨ ، كتاب الإيمان واكفر ، باب الكذب ، ح ٢.
٣ ـ الكفاي : ٢ / ٣٣٩ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الكذب ، ح ٣.
٤ ـ البحار : ٧٢ / ٢٦٣ نقلاً عن جامع الأخبار.
٥ ـ الوسائل : كتاب القضاء : الباب ٤ من أبواب صفات القاضي ، ح ٦.
٦ ـ الكافي : ١ / ٥٨ ، كتاب فضل العلم ، باب البدع والرأي والمقائيس ، ح ١٧ ، وفيه : « من أفتى الناس برأيه فقد دان الله بما لايعلم ، ومن دان الله بما لا يعلم فقد ضادّ الله حيث أحلّ وحرّم فيما لايعلم ».
( ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثمّ لقطعنا عنه الوتين ) .(١)
وأثبت به الفسق والظلم والكفر في آيات متواليات.
ثمّ أفحشها بعده شهادة الزور واليمين الكاذب وخلف الوعد.
قال تعالى :( واجتنبوا قول الزور ) (٢) ( يا أيّها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون * كبر مقتاً عند الله ) (٣)
والأخبار في ذمّ الثلاث لاتحصى.
وعلاجه ـ بعد التفكّر فيما ورد في ذمّه وما يترتّب عليه من الهلاك الأبدي وسقوط الكاذب في الدنيا عن القلوب ، فلا يعتني أحد بقوله ، وما يترتّب عليه من الخجلة والاقتضاح ، حتّى إنّه تعالى يسلّط عليه النسيان ، كما ورد في الأخبار(٤) ، والتذكّر لما ورد في مدح الصدق ـ أن يقدّم التروّي إذا أراد الكلام ، فإن كان كذباً هجره تكلّفاً حتّى يعتاد عليه ، وأن يجالس الصادقين ، ويحترز عن الاختلاط مع الكذّابين.
قبح الكذب ذاتّي ، فيختصّ حرمته بما لايكون فيه مصلحة عارضية أو كانت في الصدق(٥) ، والا زال قبحه وارتفع إثمه ، بل يجب إذا ترتّبت عليه مصلحة واجبة كإنقاذ المسلم من القتل وحفظ عرضه وماله ، ويستحبّ أو يباح إذا ترتّبت عليه مصلحة مستحبّة أو مباحة كالإصلاح بين الناس ، والغلبة في حالة الحرب وتطييب خاطر الزوجات والأولاد.
والأخبار وإن وردت في خصوص الثلاثة الا أنّه يلحقها ما يساويها في
__________________
١ ـ الحاقة : ٤٤ ـ ٤٦.
٢ ـ الحج : ٣٠.
٣ ـ الصف : ٢ ـ.
٤ ـ الكافي : ٢ / ٣٤١ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الكذب ، ح ١٥.
٥ ـ الظاهر أنّ المراد فرض وجود مفسدة في الصدق في هذا القسم.
المصلحة أو يترجّح عليها من باب الأولويّة أو اتّحاد الطريق ، لكن ينبغي الحتراز عنه مالم يضطرّ إليه ، والاقتصار على الواجب ، فالكذب لمصلحة الجاه أو المال المستغني عنه لعلّه محرّم لعدم إيجابه ضرراً أو فساداً أو إعداماً للوجود ، غايته فوات بعض الحظوظ النفسانيّة ، وأمّا ملا يستغنى عنه فينبغي للعاقل أن يوازنه بمحذور الصدق ، ويلاحظ أيّهما أشدّ محذوراً وأعظم وقعاً في نظر الشارع ، ويحترز عنه(١) ، ومع التردّد يميل إلى الصدق عملاً بالأصل.
الأولى في مقام يجوز فيه الكذب العدول إلى التعريض والتورية مهما أمكن ، وهو المراد من قولهم إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ، إذ معالاستغناء عنه يكون كالتصريح ، إذ خطر الكذب ناشىء من تفهيمه المخاطب خلاف الواقع ، وهو حاصل في التعريض أيضاً ، نعم إذا اضطرّ إليه وجاز له الكذب الصريح لصحّة قصده وحقّية نيّته ، حيث إنّ حس الصدق لدلالته على الحقّ ، وهذا أيضاً لارادته الخير والمصلحة طالب له ، فكأنّه صادق في الحقيقية ، وإن كان كاذباً في الصورة ومفهماً لما هو خلاف الحقّ ، كان التعريض أولى ، لكونه أقرب منه بحسب الصورة أيضاً ، وإن شارك الكذب في تفهيم خلاف الواقع.
وقال الصادقعليهالسلام في قوله تعالى في قصّة إبراهيم :( بل فعله كبيرهم ) (٢) ما فعل كبيرهم وما كذب إبراهيم ، قيل : وكيف ذاك؟ فقال : إنّما قال( فاسئلوهم إن كانوا ينطقون ) (٣) أي إن نطقوا فكبيرهم فعل ، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئاً ، فما نطقوا وما كذب إبراهيم.
__________________
١ ـ وظيفة المكلّف إن لم يكن مجتهداً في أمثال هذه الموارد الرجوع إلى مقلّده.
٢ ـ الأنبياء : ٦٣.
٣ ـ الأنبياء : ٦٣.
وسئل عن قوله :( أيتها العير إنكم لسارقون ) (١) فقال : « إنهم سرقوا يوسف عن أبيه ».
وعن قول إبراهيم :( إني سقيم ) (٢) فقال : « ما كان سقيماً وما كذب ، إنما عنى سقيماً ف دينه ، أي مرتاداً »(٣)
فظهر أن التعريض مطلقاً مما لايجوز ، نعم قد يباح لغرض خفيف كتطييب قلب الغير بالمزاح كقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم للعجوزة لاتدخل الجنة عجوز ، وفي عين زوجك بياض.(٤)
ثم إن من الكذب الجائز ماجرت به العادة ف المبالغة كقولك : قلت لك مائة مرة ، إذ ليس المقصود تعيين العدد بل تفهيم الكثرة ومنه ما يتحقق ف الاستعارات والتشبيهات ، وسائر أنواع المجازات ، إذ الغرض تفهيم المناسبة والمبالغة لا الحقيقة والمساواة من جميع الجهات.
فصل
الجاه ملك القلوب بالطاعة والانقياد لاعتقاد الاتصاف بكمال حقيقي أو وهمي ، فحبه إن كان لحب الغلبة والاستيلاء كان من رذائل الغضبية وإن كان لحب الحظوظ النفسانية والمشتهيات البهيمية حيث يتوصل به إليها كان من رذائل الشهوية وإن كان من الجنسين كان من رذائلهما معاً ، وهو الغالب في حدوثه ، والآيات والأخبار في ذمه مما لاتحصى.
قال الله تعالى :( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين ) (٥)
__________________
١ ـ يوسف : ٧٠.
٢ ـ الصافات : ٨٩.
٣ ـ الاحتجاج : ٢ / ٣٥٤ ـ ٣٥٥.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٣٤.
٥ ـ القصص : ٨٣.
وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « حبّ المال والجاه ينبتان النفاق في القلب ، كما ينبت الماء البقل ».(١)
وقال الصادقعليهالسلام : « فوالله ما خفقت النعال خلف رجل الا هلّك وأهلك ».(٢)
وقالعليهالسلام : « ملعون من ترأّس ، ملعون من همّ بها ، ملعون من حدّث بها نفسه ».(٣)
وقالعليهالسلام : « والله إنّ شراركم من أحبّ أن يوطأ عقبه ».(٤)
وغير ذلك مما لايحصى.
وممّا يوضح قول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه ينبت النفاق هو أنّ من ابتلي بهذه الخصلة قصرت همّته على مراعاة الخلق والتودّد إليهم ملتفتاً إلى ما يعظم منزلته عندهم وذلك بذر النفاق ، ويؤدّي إلى التساهل في العبادات واقتحام المحظورات للتواصل بها إلى اقتناص القلوب ، فإنّ النفاق مخالفة الظاهر للباطن قولاً أو فعلاً ، والطالب للمنزلة في قلوب الناس مضطرّ إليها وإلى التظاهر بخصال حميدة هو عار عنها ، وهو عين النفاق.
ثم الباعث لحدوث هذه الخصلة الذميمة والحرص على ازديادها إمّا دفع ألم الخوف الناشيء عن سوء الظنّ وطول الأمل حيث إنّه لطول أمله يقدّر تلف ما يحتاج إليه في معيشته ودفع ضرورته من الأقوات والأموال ، وحدوث بعض الحوادث والمصائب والأذياب ، فيحتاج إلى الاستعانة في تحصيل ما يحتاج إليه ودفع ما يريد الاجتناب عنه بتسخير قلوبهم له في ذلك ، وربما يزداد حرصه في ذلك كما يزداد حرصه في جمع الأموال بالتقديرات
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١١٢.
٢ ـ الكافي : ٢ / ٢٩٧ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب طلب الرئاسة ، ح ٣.
٣ ـ لكافي : ٢ / ٢٩٨ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب طلب الرئاسة ، ح ٤.
٤ ـ لكافي : ٢ / ٢٩٩ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب طلب الرئاسة ، ح ٨ ، وفيه : « بلى والله ، وإن ».
البعيدة من حدوث حادث يزعجه عن وطنه ، أو يزعج أهل الأمصار البعيدة عن أو طانهم إلى البلد الذي هو فيه ، فيحتاج إليهم في جلب نفع أو دفع ضرر ، فيطلب تسخير قلوبهم لذلك وهكذا ، فيحصل له بذلك أمن من الخوف الناشيء له من تلك التقديرات الناشئة من سوء الظنّ بالله عزّوجلّ وطول أمله.
وإمّا ما أشرنا إليه سابقاً من أنّ النفس الانسانية لتجرّدها يشبه المبدء في ميلها إلى صفات الربوبية كالعلم والقدرة والكبر والعزّ والاستعلاء ، فإنّ مقتضاها التمامية ، أي التفرّد بالوجود والكمال وما هو فوقها أعني رجوع كل وجود وكمال إليه ، فكما أنّ الكمال للشمس بوجودها وحدها فلو كان معها شمس أخرى كان نقصاً في حقّها إذ لم يتحقّق فيها كمال الشمسية ، وهذا وكمالاته إليه تعالى فلا يوجب حصولها نقصاً في كماله ، كما أنّ إشراق الشمس في الأقطار لايعد نقصاً في حقها ، وإنّما يتحقّق نقصانها بوجود شمس أخرى مساوية لها في الرتبة ، بل تعدّ كمالاً له لكونها من إشراق نور القدرة الالهية ، الا أنّ ذلك لايوجب زوال حبّه وتعشّقه للكمال ، لكونه محبوباً بالذات فيطلب الممكن في حقّه أي حصول نوع من الاستيلاء له على الموجودات إمّا بالعلم والمعرفة خاصّة فيما لايقبل التغيير(١) كذات الواجب وضفاته وعالم المجرّدات ، أو فيما لايقبله ولا يتمكّن من التصرفّ فيه كالسماوات وما فيها لما عرفت من أنّه نوع استيلاء ، بل هو أعظم من ملكيّة الأعيان ، أو به وبالقدرة بالتصرّف فيه كيف يشاء فيما يقبله ويتمكّن منه كالأراضي وأجزائها بالحيازة والضبط أو الزرع والغرس والركوب والحمل والرفع والوضع والأعطاء والمنع وكنفوس بني آدم بالتسخير والتصرّف فيها بالأمر والنهي والمحبّة والاطاعة والانقياد ، ولذا يطلب استرقاق العبيد
__________________
١ ـ كذا ، والظاهر : التغيّر.
واستعباد العباد ولو قهراً ، فالنفس تحبّ الكمال بالعلم والقدرة لذاته ، وإنّما تحبّ المال والجاه لكونها(١) من أسباب القدرة ، ولكونها غير متناهية لاتكاد تتف النفس في طلبهما إلى حدّ وتلتذّ على حسب ما تدركه وتطلب ما هو عادم له ممّا يتصوّر إمكانه في حقّه ، لكن حبّه للجاه أكثر من المال ، لأنّ المال معرض للتلف ، ومطمع الظلمة والسارقين ، فيحتاج إلى الحفظ والحراسة ، ويتطرّق إليه أخطار(٢) كثيرة بخلاف القلوب لا حتفاظها من الآفات الا بتغير الاعتقاد ، ولأنّ التوصّل به إليه أيسر من العكس ، لأنّ الأموال مسخّرة للقلوب ، فتسخير القلوب يستلزم تسخيرها بطريق أولى ، بخلاف صاحب المال اللئيم الخسيس العاري عن الكمال ، حيث إنّه لايمكن له التوصّل به إلى الجاه ولأنّ سرايته وازدياده لايحتاج إلى مزيد كلفة وتعب بخلاف المال ، حيث يحتاج استنماؤه إلى مقاساة شديدة ونصب.
ثم إنّ علاج هذه الرذيلة الموببقة مركّب من علم وعمل ، فالعلمي أن يتفكّر في أنّه وإن كان صادقاً فيما تصوّره كمالاً من العلم والقدرة وحبّه لهما الا أنّه اشتبه الأمر عليه بإغواء الشيطان في كون الكمال الحقيقي في الاستيلاء على الملك الذي لازوال له ، والتمكّن من العزّ الذي لا ذلّ معه ، والحياة الأبديّة التي لا فناء يعتريها ، والسعادة الحقيقية التي لا قصور فيها ، فإنّ كمال المعلول في التشبه بمبدئه ، فكلما كان عن التغيّر بالعوارض أبعد كان إليه تعالى أقرب ، وهذا مما لايحصل للعبد الا بالعلم بحقائق الأشياء سيّما ما لايكون قابلة للتغيّر والانقلاب ، كالعلم بالله سبحانه وصفاته وأفعاله على نهج أجلى وأوضح وأتقن وأوفق للمعلوم ، فإنّه الاستيلاء الحقيقي الذي تترتّب عليه تأثيرات بعض النفوس في موادّ الكائنات بأنواع التأثيرات بقدر
__________________
١ ـ كذا ، والظاهر : لكونهما.
٢ ـ في ج : خطا.
مراتبها كما أشرنا إليه مراراً ، بل يبقى تأثيرها بعد الموت أيضاً كما تشهد به التجربة الحاصلة من الاستغاثة بالأموات وبالتحلّي بسائر فضائل الملكات حتى توجب صفاء للنفس مؤدّياً إلى الاستخلاص عن أسر الشهوات وعبوديّة قواها الشهوية والغضبية واستيلائها عليها تشبّهاً بالملائكة المقدّسين عن القوّة البهيمية والسبعيّة.
على أنّه قد يقال بعدم ثبوت قدرة للعبد بحيث يكون له كمالاً حقيقياً ، فإن حقيقتها لله تعالى وما يحدث عقيب إرادة حادثة بإحداثه تعالى(١) فتأمل.
وأمّا الاستيلاء على الأعيان بالملك والتصرّف وعلى القلوب والنفوس بالطاعة والانقياد فهو من الزائلات الفانية ، وهو في الحقيقة عجز للنفس وعبودية بالنسبة إلى قواها الشهوية والغضبية ، مضافاً إلى كونها مبعدّة عن الله تعالى بعيدة عن كمالاته الدائمية وقدرته النافذة الحقيقية ، ولو تأمّلت في الحقيقية عرفت أنّ التمكّن من لذّات الدنيا بأسرها ليس تمكّناً حقيقياً لك منها ، بل هو تمكّن لها منك وتسلّط لها عليك ، فما أشدّ اغترارك حيث تظن العجز قدرة والنقص كمالاً. نعم لابدّ من أدنى جاه لضرورة المعيشة مع الخلق ، كما أنّه لابدّ من أدنى مال لضرورتها. فكما لايستغني عن طعام يتناوله ويجوز حبّه للتوصّل به إلى بقاء خادم النفس أعني البدن وحبّه لما يتوصّل به إليه أعني المال ، فكذا لايستغني عمّن يخدمه ويعينه في قضاء حوائجه ويحرسه عن شرّ الأشرار وظلمهم ، فحبّ ما يحصل بسببه في قلب الخادم ما يدعوه إلى الخدمة ، وفي قلب الرفيق ما يحسن بسببه الرفاقة ، وفي قلب السلطان ما يدفع به الشرّ عن نفسه ليس مذموماً ، فلا فرق بينهما في كون كلّ منها وسيلة إلى الأغراض ، فكما يحتاج الانسان إلى المبرز لقضاء حاجته ولو فرض استغناؤه عنه كرهه ، فكذا حبّهما لأجل التوصّل بهما إلى
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١٢٣.
ضروريات المعيشة ليس مذموماً كما أشرنا إليه سابقاً ، وإنّما المذموم حبّهما لذاتهما وفيما يجاوز الضرورة لتوهّم كونهما من الكمالات الحقيقة.
ولايذهب عليك أنّ الذمّ في اصطلاحنا هذا أعمّ ممّا يوجب الفسق والعصيان في ظاهر الشريعة ، فلا يحصل الثاني الا إذا حمله الحبّ لمزبور على مباشرة المعاصي أو اكتسابهما بكذب وتلبيس وغيرهما كأن يظهر للناس قولاً أو فعلاً يورث اعتقادهم فيه ما ليس فيه كالعلم والورع والنسب ونحوه العبادة ، إذ التوصّل إليها بها يؤول إلى الرياء الحرام ، كما يأتي.
نعم يستباح اكتسابهما بصفة يكون متّصفة بها كما قال يوسفعليهالسلام :
( اجعلني على خزائن الأرض إنّي حفيظ عليم ) .(١)
وكذا بستر عيوبه ومعاصيه حتى لايزول اعتقادهم فيه بعلمهم بها ، فإنّ حفظ الستر عن القبائح واجب وليس تلبيساً ، بل سدّ لطريق العلم الذي لا فائدة فيه نعم إظهار الورع مع الاتّصاف بها كذب وتلبيس.
فإذا تفكّر فيما ذكر علم خطاءه فيما دعاه إلى حبّ الجاه ، وانه لو سجد له كلّ من في الأرض كان آخره الموت ، فلا يترك العاقل ما به تحصل الحياة الدائمية لمثل ذلك ، كما قال الله تعالى :
( بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى ) .(٢)
ثم إذا تفكّر فيما يستهدف لها أرباب الجاه والاعتبار من المهالك والمتاعب والأخطار كحسد الناس وقصدهم له بأنواع الأذى وخوفه دائماً على جاهه بانقلاب اعتقادهم فيه لأنّ اضطرب قلوب الناس وشدّة تغيّرها أكثر من القدر في غليانه ، فمن يسكن إليها ويبني أمره عليها فكما يبني على أمواج البحار ، واشتغاله بما يشغله عن الله ويبعده عنه من مراعاة قلوب العباد ودفع كيد الأعداء والحسّاد ويشغله عن الله ويبعده عنه من مراعاة قلوب العباد ودفع كيد الأعداء والحساد ويشغله عن لذّاته البدنيّة فضلاً عن النفسية
__________________
١ ـ يوسف : ٥٥.
٢ ـ الأعلى : ١٦ ـ ١٧.
كما يعلم ن التجربة والعيان علم أنّ ذلك كلّه هموم عاجلة مكدّرة لجميع لذّاته الدنيوية عموماً ولذّة جاهه خصوصاً ، وصار سبباً لسلب اعتقاده بما توهّمه لذّة وفتور رأيه فيما كان يسعى في طلبه وقوي إيمانه ونفذت بصيرته في تحصيل اللذّات الحقيقية الدائمية وترك الالتفات إلى هذه اللذّات الدنية الدنيوية. وكلّ من أحب الله وأنس به وعرفه أحبّ الخمول واستوحش من انتشار الصيت والقبول.
وأمّا العملي فالسعي في رفع الجاه الحاصل له بتحصيل ضدّه أعني الخمول والعزلة عن مصاحبة الخلق المؤدّية إلى الغفلة ، والهجرة إلى المواضع التي لايعرفه أهلها.
ولما كان الباعث العمدة له الطمع فيما عند الناس كان علاج الطمع المذكور سابقاً أنفع شيء في علاجه والمواظبة على ملاجظة ماورد في ذمّه من الآيات والأخبار ، ومادلّ على مدح ضدّه الخمول منها ومن الآثار.
فعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أنّ الله يحبّ الأتقياء الأصفياء الذين إذا غابوا لم يفقدوا ، وإذ حضروا لم يعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى الحديث ».(١)
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ أهل الجنّة كلّ أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به الذين إذا استأذنوا على الامر لم يؤذن لهم ، وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا ، وإذا قالوا لم ينصب لهم لو قسم نوره يوم القيامة على الناس لو سعهم ».(٢)
وفي بعض الأخبار : « أنّ الله سبحانه يقول في مقام الامتنان على بعض عباده : ألم أنعم عليك؟ ألم أسترك؟ ألم أخمل ذكرك؟ »(٣)
ومن تتبّع كتب السير والأخبار وتفحّص عن حال الأكابر والسلف الأخيار واطّلع على إيثارهم الذلّ والخمول مع تمكّنهم من الجاه والاشتهار أيقن بكون الخمول من صفات المؤمنين الأبرار.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١١٠ ، وفيه : « الأتقياء الأخفياء ».
٢ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١١٠.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١١١ نقلاً عن الفضيل.
فصل
ومن نتائج حبّ الجاه حبّ المدح وكراهة الذمّ المستلزمين لجعل الأفعال والأقوال تابعة لأهواء الناس رجاءاً لمدحهم وخوفاً من ذمّهم وايثار رضا الخلائق على رضا الخالق بارتكاب المكروهات ، بل المحرّمات وترك السنن ، بل الواجبات والنهاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتجاوز عن الانصاف.
وهذا كلّه خارج عن الايمان ، لأنّ المؤمن لاتأخذه في الله لومة لائم.
وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّما هلك الناس باتّباع الهوى وحبّ الثناء ».(١)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم لرجل أثنى على آخر بحضرته : « لو كان صاحبك حاضراً فرضي بالذي قلت فمات على ذلك دخل النار ».(٢)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ألا لاتمادحوا وإذا رأيتم المدّاحين فاحثوا على وجوههم التراب ».(٣)
وأشدّ مراتبه الموجب للهلاكة التوصّل إليه بالرياء في العبادات ومقارفة المحظورات.
وأهون منه التوصّل إليه بالمباحات وهو على شفا جرف الاهلاك لعدم إمكان ضبط حدود الأقوال والأفعال التي بها تستمال القلوب.
ثمّ عدم السعي في طلبه ، لكن يسرّ صاحبه ويرتاح من غير كراهة لسروره وهو أيضاً نقص للسالك المعالج لقلبه وإن لم يكن آثماً في ظاهر الشريعة.
ثم السرور به مع كراهته وتوبيخ نفسه عليه ، فإن كان في مقام المجاهدة لم يترتّب عليه ذمّ ولا ملامة ، بل يثاب عليه إن شاء الله تعالى ، والا لم يكن خالياً عن شوب نقص.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١١٢.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١٣٣.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١٣٣ ، وفيه : « في وجوههم ».
والسبب العمدة فيه ما ذكر في حبّ الجاه من ميل النفس إلى تسخير القلوب واهتزازه منه ، سيّما إذا كان المادح ممّن يتّسع قدرته وينتفع من اقتناص قلبه ، أو كان ممّن يعتني الناس بمدحه ، وربّما يتسبّب من شعور النفس بكمالها المحبوب لها بذاته ، فإن كانت شاكّة في اتصافها به وصدر عن البصير الغير المجازف كالوصف(١) بكمال العلم من العالم عظمت اللذّة والسرور ، إذ بترتّب عليه طمأنينة بعد شكّ ، وعلم بعد جهل ، وإن كانت متيقّنة به لكونه من الكمالات الظاهرة الجليّة كاعتدال القامة وصفاء اللون حصلت لذّة ما من التنبّه بعد الغفلة ولم يكن عظيمة ، إذ لايترتّب عليه علم بعد جهل ، ولكن سكون بعد اضطراب ، وكذا إن كانت شاكّة فيه مع صدوره عمّن لابصيرة له لقلّة الاطمينان بقوله ، وإن علم انّ المادح غير صادق في المدح بطلت اللذّة رأساً.
وعلاجه أن يتفكّر في أنّ شعوره بكمال نفسه إن كان ثابتاً له في الواقع كان فرحه من فضل الله عليه أولى ، والا فإن علم أنّه معتقد لما بقوله كان حقيقاً بالسعي في تحصيل تلك الفضيلة وإزالة ضدّها عن نفسه شكراً لما أنعم الله عليه من ستر عيوبه عن أعين الناس ، ونشر الثناء الجميل الذي ليس أهلاً له ، فهو بالهمّ والغمّ أولى ، وإن علم أنّه غير معتقد له كان مستهزءاً له فهو بالهمّ والغمّ أحقّ وأحرى ، مع أنّه إن كان المدح بمثل الجاه والثورة وغيرهما من الكمالات الوهميّة ، فالفرح بها من قلّة العقل كما عرفت مراراً ، وإن كان من الفضائل النفسية فالتمدّح بها لكونها مقرّبة إلى الله وهو فرع حسن الخاتمة الذي لايعلمه الا الله ففي خطر الخاتمة شغل شاغل عن كلّ ما يفرح به. وسائر الأسباب مرجعها إلى حبّ الجاه ، وقد عرفت علاجه.
ويعلم علاج كراهة الذمّ من ضدّها ونزيدك تنبيهاً بأن قصد الذامّ منه إن كان النصح والارشاد فما أعظم حقّ إحسانه عليك ، وما أقبحك لو غضبت
__________________
١ ـ في « ج » : كما لو وصف.
على من كان قصده الاحسان وأحسن إليك ، فبالحريّ أن تجتهد في إزالة ما هداك إليه من عيوبك.
وإن كان قصده الأذية وكان صادقاً فيما نسبه إليك فقد حصّلت منه ما تنتفع به من الارشاد مع الجهل والتذكّر مع الغفلة ، والتقبيح مع التذكر ، فينبغي لك أن تغتنمه وتبادر إلى إزالته عنك ، فإنّه الأهمّ بحالك.
وإن كان مفترياً عليك فلا ينبغي لك الاشتغال بذمّه أيضاً.
أمّا أوّلاً : فلأنّك وإن خلوت عنه فلا تخلو عمّا يساويها أو يكون أفحش منها ، فالأولى بحالك الاشتغال بإزالة سائر عيوبك شكراً لما أنعم الله عليك من سترها عليك ، فهو جار في الحقيقة مجرى التنبيه من الله سبحانه والارشاد إلى السعي والاجتهاد في إزالتها.
وأمّا ثانياً : فلأنّه تعالى جعله كفّارة لذنوبك ، وقد أهدى إليك خصمك بذمّه لك حسناته ، كما ورد في كثير من الأخبار ، فلو غضبت عليه وصدر منك المكافاة أو التعدّي كنت قد حرمت نفسك عمّا هو كفّارة لذنوبك ، وعن الهدايا التي أهداها إليك ، فهو في الحقيقة ظالم لنفسه ومحسن إليك ، فلا يليق بلك ذمّه أصلاً ، فاللائق بحال السالك المعالج لقلبه أن يبدّل هذه الصفة إمّا بضدّها كما ورد عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال :
« ويل للصائم ، ويل للقائم ، ويل لصاحب الصوف الا من فقيل : يا رسول الله الا من؟ فقال : الا من تنزّهت نفسه عن الدنيا وأبغض المحدة واستحبّ المذمّة ».(١)
ولا أقلّ من تسويتهما في نظره. وقد يشتبه على السالك فلابدّ من الامتحان الصادق بالتفكّر في علاماتها حتّى يظهر صدقه فيما يدّعيه كأن لايكون نشاطه في قضاء حوائح المادح أكثر من الذامّ ولا غمّه في ابتلائه ببليّة أكثر منه ولا مصاحبته ومجالسته أهون عليه منه ولا ذلّة الذامّ في نظره أخفّ
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١٣٧.
من ذلّة مادحه وهكذا.
وبالجملة فالمعتبر استواؤهما عنده في كلّ الحالات. والله المستعان.
فصل
الرياء تسخير قلوب الناس يخصال الخير أو آثارها مطلقاً أو في العبادة خاصّة ، والباعث عليه إمّا حبّ الجاه بنيل الحكومة أو القضاء وأخذ الرشى والايتمان على الودائع والصدقات وأموال اليتامى ، فيكون من رذائل الشهويّة ، أو للتسلّط والترفّع على الناس فيكون من رذائل الغضبية ، وإمّا الطمع فيما هو عادم له من المشتهيات كحضور المجالس لمشاهدة النسوان والصبيان وإظهار الزهد والورع ليبذل له الأموال ويرغب فيه النساء فيكون من رذائل الشهوية ، أو الخوف من أن ينظر إليه بعين الحقارة أو ينسب إلى البطالة والكسالة كترك العجلة والضحك بعد اطّلاع الناس عليه والقيام بالتهجّد وسائر النوافل إذا جلس مع الصالحين وتركه في الخلوة وغير ذلك.
ثم الرياء إمّا في أصول العقائد وهو كفر النفاق سواء كان في الشهادتين أو في ضروريات الدين بالاقرار بها ظاهراً مع اعتقاد طي بساط الشرع باطناً ميلاً إلى عقائد الملاحدة وأهل الاباحة ، وهذا أسوء من المحارب لجمعه بين الكفر والنفاق.
أو في العبادة الواجبة مع التصديق بأصل الدين كالصلاة والصوم في الخلاء دون الملاء ، وهو وإن لم يكن كافراً الا أنّه شرّ المسلمين لبطلان عبادته أوّلاً ، فإن الأعمال بالنيات ، فلا يكون ممتثلاً خارجاً عن عهدة التكليف فكأنّه لم يصلّ ، وأقترانه(١) بالرياء المأثوم صاحبه والممقوت عند الله تعالى ثانياً ، فهو أسوء حالاً من التارك للعبادات حيث جمع بين معصية الله مع الاستهزاء
__________________
١ ـ كذا ، والظاهر : اقترانها.
به تعالى والاستحقار بمالك الملوك وتحقيره بالنسبة إلى أدنى مملوك(١) ، والتلبيس على خلق الله بتخيّل كونه من أهل التقوى والديانة.
أو في السنن المستحبّة وهو أيضاً مهلك وإن لم يكن كالثاني لوجود الجهة الثانية فيه.
أو في صافها كفعل ما تركه نقصان أو كراهة وبالعكس.
أو في زيادات خارجة عن نفسها كحضور الجماعة قبل القوم وقصد الصف الأوّل وغير ذلك ، وهو أيضاً مذموم.
أو في فعل الأفعال المباحة أو ترك المكروهة أو ما يستتبع الذّم من الناس أو سقوط الوقار في أعينهم كترك العجلة في المشء إذا رآه أحد أو تزيّنه بالملابس الفاخرة خوفاً من نسبتهم له إلى البخل وغير ذلك ، وهذا بعضه مباح وبعضه مستحبّ ، وبعضه واجب لوجوب صيانة المؤمن من عرضه ، فلا يليق بذي المرؤّات ارتكاب الأمور الخسيسة بأنفسهم عند مشاهدة الناس وإن جاز في الخلوة لكونها منافية للمرؤّة ، فتتنافي العدالة أيضاً ، الا أنّها تختلف باختلاف البلاد والأشخاص والأوقات.
وفي الخبر : أنّ الصادقعليهالسلام نظر إلى رجل من أهل المدينة اشترى لعياله شيئاً وهو يحمله ، فلمّا رآه استحى منه فقالعليهالسلام : « اشتري لعيالي الشيء وأحمله إليهم ».(٢)
ثمّ إنّه إمّا أن يتجرّد عن قصد القربة بحيث لولاء ترك العمل فهو الأعظم إثماً المبطل للعمل جزماً ، وكذا مع ضعف قصدها عن قصده ، وكذا مع المساواة لظواهر الأخبار الآتية.
__________________
١ ـ في « الف » كتب فوق هذه الجملة هكذا : « التفضيل لأدنى ل » والظاهر أنّ مراد الكاتب أنّ في بعض النسخ : « والتفضيل لأدنى مملوك » بدل « وتحقيره بالنسبة إلى أدنى مملوك » وفي « ب » كتبه أوّلاً ثمّ شطب عليه.
٢ ـ الكافي : ٢ / ١٢٣ ، كتاب الإيمان الكفر ، باب التواضع ، ح ١٠ ، مع اختلاف.
وأمّا مع رجحان قصد القربة حيث لو لم يكن لم يترك العمل لكنّه ممّا يقوّي نشاطه فقيل : إنّه لا يحبط أصل العمل ولكن ينقص الثواب أو يعاقب صاحبه على مقدار قصد القربة.
ويشهد له قول الباقرعليهالسلام لما سئل عن الرجل يعمل الشيء من الخير فيراه إنسان فيسرّه ذلك : « لا بأس ، ما من أحد الا ويحبّ أن يظهر الله له في الناس الخير إذا لم يكن صنع ذلك لذلك ».(١)
وفي الخبر : أنّ رجلاً قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّي أسرّ العمل لا احبّ أن يطّلع عليه أحد فيطلع عليه فيسرّني ، قال : لك أجران ، أجر السرّ وأجر العلانية.(٢)
والأظهر البطلان ، أيضاً لدلالة الظواهر السمعية على اشتراط الاخلاص في النية والبطلان مع قصد الرياء والنهي عن الشرك في العبادة الموجب للفساد فيها ، كما حقّق في محلّه.
ولا دلالة للخبرين على المدّعى ، بل على صحّة عبادة من أراد إخفاؤها ، لكن سرّ مع حصول الاطّلاع اتّفاقاً ، وهو ممّا لابأس به ، سيّما إذا كان باعث سروره حسن صنع الله به بإظهاره الجميل وستره القبيح.
( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ) .(٣)
فكأنّه اعتبر بحسن صنيعه به في الدنيا حسنه به في الآخرة.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما ستر الله على عبد في الدنيا الا ستر عليه في الآخرة ».(٤)
أو رغبة المطّلعين في التأسيّ به فيضاعف له الأجر بقصده السرّ أوّلاً ثم القصد الثاني.
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٢٩٧ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الرياء ، ح ١٨.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١٦٦.
٣ ـ يونس : ٥٨.
٤ ـ المحجة البيضاء : / ١٦٤ ـ ١٦٥ ، وفيه : « على عبد ذنباً في الدنيا ».
وبهذا يظهر أنّه لو كان سروره من ظهورها ابتداء لأحد هذه المقاصد الصحيحة لم يضرّ أيضاً.
وهذا كما أنّ كتمان المعاصي والاغتمام عن ظهورها كذلك أيضاً ، كما أشرنا إليه سابقاً ، وإن كان الأصل في الاخلاص استواء السرّ والعلانية ، ولذا قيل : عليك بعمل العلانية ، أي ما لو ظهر لم تستح منه الا أنّه ليس شريعة لكلّ وارد ومسلكاً يسلكه كلّ قاصد ، نعم يشترط أن لايكون الباعث على إخفائها التلبيس على الناس باعتقاد الورع فيه ، بل إمّا الانقياد للأمر به أو النهي عن الوقاحة والتهتّك ، أو دلالة ستر الدنيا على الستر ف الآخرة ، أو ايجاب ظهورها الذمّ واللوم المؤلمين للقلب ، والألم شاغل من الحضور والتوجّه إلى ما خلق لأجله ، ولذا جاز إخفاء ما يؤدّي إلى حدوثه مطلقاً نعم كمال الصدق استواء المدح والذمّ ، الا أنّه عزيز الوجود.
أو كون الخلق شهداؤه في الآخرة ، كما ورد.
أو الخوف من قصدهم إيّاه بالأذى ومعاداتهم له إذا اطّلعوا على ذنبه.
أو الخوف من صيرورة السامع بذمّه له عاصياً وهو من كمال الايمان ، ويعرف بمساواة ذمّه وذمّ غيره.
أو الخوف من سقوط وقع المعاصي عن نظره.
أو اقتداء الناس به ويختصّ بمن يقتدى به.
أو مجرّد الحياء الذي هو من كرم الطبع ، فمن جمع بين الفسق والتهتّك كان أسوء حالاً من الفاسق المستور ، ولذا يجوز غيبته. وما اشتهر من كون بعض أفراده من ضعف النفس يراد منه الاستحياء ممّا ليس بقبيح ، بل مستحبّ أو واجب شرعاً كالمامة والوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدون عذر شرعي ، ككون العاصي شائباً ، فقد ورد إجلال ذي الشيبة.
وقد يشتبه الرياء بالحياء كمن طلب من صديقه قرضاً ، فإن الرّد صريحاً من الوقاحة ، والاعطاء لمجرّد انقباض النفس من استشعار قبح ردّه مشافهة من
دون رغبة في الثواب ولا خوف من الذمّ أو رجاء للمدح ـ حتّى لو كان الطلب على سبيل المراسلة ردّه ـ من محض الحياء. وإن أشكل عليه الردّ للحياء والاعطاء للبخل ، فإن أعطى خوفاً من نسبته إلى البخل أو ذمّ الناس له فقد مزج الحياء والرياء ، وكان الباعث للرياء وإن [ أعطى ](١) لمجرّد الاخلاص وطلب الثواب بإدخال السرور في قلب أخيه المؤمن وغير ذلك فقد مزجه بالاخلاص.
وكالرياء في المباحات على ما أشير إليه سابقاً ، فربّما يظنّ أنّ الباعث عليه هو الحياء وهو غلط لاختصاصه بالقبائح العقليّة أو الشرعيّة أو العرفيّة ، فليس ذلك الا من الرياء.
ثم الرياء الجليّ ما يبعث على العمل لو لا قصد الثواب ، والخفيّ ما لايبعثه بمجرّده الا أنّه يخفف ما اريد به التقرّب في الخلوة ، ويعرف بالسرور باطّلاع الناس عليه لطلب منزلة في القلوب فيستبعد على نفسه تقصير الناس في إكرامه كأنّه يتقاضاه على عمله مع أنّه لم يطّلع عليه أحد ، فهذا لايخلو عن شوب خفي والا لم يكن وجه لتوقّعه. فعلامة الخلوص أن لا يفرّق بين حضور الانسان والبهيمة.
ثم إنّ الباعث إمّا حبّ المدح أو كراهة الذمّ أو الطمع ، ولما عرفت انّ المدة في إزالة شيء إزالة علله ودواعيه فأنفع شيء في علاجه قطع الثلاثة بما ذكر سابقاً.
ومن جملة العلاج العلمي له التذكّر لما ورد في ذمّه والتشديد فيه من الآيات والأخبار ، ثم لما يدلّ على قبحه من الاعتبار ، قال الله تعالى :
( فويل للمصلّين * الّذين هم عن صلاتهم ساهون * الّذين هم يراءون ويمنعون الماعون ) (٢) ( يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً ) (٣) ( كالّذي
__________________
١ ـ ساقط من « ج ».
٢ ـ الماعون : ٤ ـ ٧.
٣ ـ النساء : ١٤٢.
ينفق ماله رئاء الناس ».(١)
وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ، قيل : وما الشرك الأصغر؟ قال : الرياء ، يقول الله تعالى يوم القيامة للمرائين إذا جازى العباد بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون لهم فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء ».(٢)
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « يقول الله تعالى : من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو له كلّه وأنا بريء منه ».(٣)
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا يقبل الله عملاً فيه مقدار ذرّة من رياء ».(٤)
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أدنى الرياء شرك ».(٥)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ المرائي ينادى يوم القيامة يا فاجر! يا غادر يا مرائي! ضلّ عملك وحبط أجرك ، اذهب فخذ أجرك ممّن كنت تعمل له ».(٦)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم في حديث طويل : « يصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وزكاة وصيام وحجّ وعمرة وخلق حسن وصمت وذكر الله وتشيّعه ملائكة السماوات حتّى يقطع الحجب كلّها إلى الله تعالى فيقفون بين يديه ويشهدون له بالعمل الصالح المخلص الله ، فيقول الله : أنتم الحفظة على عمل عبدي ، وأنا الرقيب على نفسه ، إنه لم يردني بهذا العمل وأراد به غيري فعليه لعنتي ، فيقول الملائكة كلّها : عليه لعنتك ولعنتنا ، وتقول السماوات كلّها : عليه لعنة الله واعنتنا وتلعنه السماوات السبع ومن فيهنّ ».(٧)
__________________
١ ـ البقرة : ٢٦٤.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١٤٠ ، مع اختلاف.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١٤٠ مع اختلاف وزيادة.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١٤١.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١٤١.
٦ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١٤١.
٧ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١٤٣ ـ ١٤٤.
وقال عليعليهالسلام : « من عمل لغير الله وكله الله عمله ».(١)
وقال الصادقعليهالسلام : « من أراد الله بالقليل من عمله أظهر الله له أكثر ممّا أراد ، ومن أراد ، الناس بالكثير ن عمله في تعب من بدنه وسهر من ليله أبى الله عزّوجلّ الا أن يقلّله في أعين من سمعه ».(٢)
وغير ذلك ممّا لا تحصى.
هذا ، مع أنّ العاقل لايرغب فيما لانفع له فيه فضلاً عمّا كان مضرّاً له ، ولو قابل ما يفوته من صلاح القلب وسلب التوفيق والبعد عن الله تعالى والتعرض لمقته وعذابه وتشتّت الهمّ وتفرّق البال في ملاحظة القلوب(٣) حيث إنّ رضاهم غاية لا تدرك ، إذ كلّما رضي به قوم سخطه آخرون ، بما يحصل له من الناس لو سلم له ذلك لم يجده الا ضرراً محضاً خالصاً من شوائب النفع.
على أنّ ايثار رضى الخلائق على رضى الخالق إنّما يتصوّر لجلب نفع أو دفع ضرّ منهم ، وأيّ قدرة لهم عليهما مع كونهم شر كاوه في العجز والحاجة إليه تعالى وكونهم عبيداً مملوكين لا قدرة لهم على صلاح أنفسهم في الدنيا فكيف بغيرهم فيها وفي الأخرى ، والمسخّر لقلوبهم بالمنع والاعطاء هو الله تعالى الرازق لهم والمتكفّل لحوائجهم والمتمّم لنقائصهم بقدر قابليّاتهم ، فلو كان قابلاً لما يطمعه من غيره الّذي لم يصل إليه الا من الله تعالى لما رجّحه عليه لأنّه الفيّاض الذي لايبخل في الاعطاء والناس بالنسبة إليه سواء.
فلو كان قلبه مستنيراً بنور الايمان وصدره مشروحاً بحقيقة الاسلام والايقان وكمال العرفان بحقيقة الوجوب والإمكان وأنّ الواجب تامّ وفوق التمام ، فما سواه إمّا شؤونات لذاته الأعلى ومظاهر لصفاته وأسماءه الحسنى
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٢٩٧ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الرياء ، ح ١٧ مع زيادة.
٢ ـ الكافي : ٢ / ٢٩٦ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الرياء ، ح ١٣ ، وفيه : « في عين ».
٣ ـ في ج : « في قلوب الخلق ملاحظة » بدل « في ملاحظة القلوب ».
كما يدّعيه طائفة محقّقون عارفون أو ماهيّات إمكانيّة اعتبارية علماً وعيناً صادرة عنه بوجودات خاصّة ارتباطية بمحض الارادة والمشيّة كما زعمه قوم آخرون ، وأنّه لو لم يكن كذلك لم يتم دعوى كونه فوق التمام ، أو كان ما يستند إليه الأشياء بالنهج المذكور أتمّ منه وأقوى وأكمل وأبهى ، تيقّن بأنه ليس في عالم الوجود سواه وأنّ ماسواه أعدام محضة في نفسها ، فكيف يرفع اليد عنه تعالى ويطمع فيما في يد مثله في الحاجة ، ويرضى لنفسه بالذلّة والمهانة؟ ولو أعطوه شيئاً لم يخل إعطاؤهم عن المنّة والاهانة.
فلو قرّر هذه المطالب في نفسها فترت رغبته وهان ميله إلى الرياء وانقطع بشراشره إلى من إليه يرجع كلّ الأشياء. هذا مع شهادة التجربة بأنّ من آثر رضى الخلائق واقتفى أثر مدحهم وخاف من لومهم وذمّهم أخافه الله منهم وكشف عن سرّه فمقتوه وأبغضوه ، ومن آثر رضاه تعالى وأخلص له في قرباته كشف الله لهم عن إخلاصه وحبّبه إليهم وأطلق ألسنتهم بمدحه وكفّ ألسنة السوء عنه بقدرته النافذة.
ومن جملة معالجاته العملية تعويد نفسه على إخفاء العبادات وإغلاق الأبواب دونها كما تغلق في الفواحش حتّى لاتنازعه نفسه وإن شقّ عليه ذلك في بداية الأمر ، لكنّه يهون عليه بعد تدريجاً ويساعده لطف الكريم تحقيقاً ، ويمدّه من فضله وكرمه تأييداً وتوفيقاً ، والله لايضيع أجر المحسنين.
وهاهنا فوائد يحسن التنبيه عليها :
الأولى : لو عقد العمل على الإخلاص واستمرّ عليه إليه الفراغ لم يحبطه السرور بظهوره بعده لا من قبله ، ولا يعصي به أيضاً إن كان لأحد المقاصد الصحيحة والا كان عاصياً وإن كان من نفسه بالتحدّث بعده قيل بإحباطه ، لأنّ حبّ التحدّث يدلّ على انعقاد خفيّ من الرياء حال الاشتغال ، وايّد بقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمن قال : إنّي صمت الدهر : « لاصمت ولا
أفطرت ».(١)
وقول ابن مسعود لمن قال : قرأت البارحة سورة البقرة : « ذلك حظّه منها ».(٢)
وفيه نظر ، لأنّ المؤاخذة على الخفي الذي لايشعر به صاحبه تكليف بالمحال أو بما يلزم منه الحرج المنفي.
وليس في الخبرين كون الانكار لأجل المفروض ، فلعلّه لشيء آخر.
نعم يدل عليه قول الباقرعليهالسلام : « الإبقاء على العمل أشدّ من العمل ، قيل : وما الإبقاء على العمل؟ قال : يصل الرجل بصلة وينفق لله بنفقة فيكتب له سرّاً ثم يذكرها فتمحى وتكتب له علانية ، ثم يذكرها فتمحى وتكتب له رياء ».(٣)
والحق أنّه وإن ارتفع به اشتغال الذمّة ظاهراً فلا يجب عليه القضاء والاعادة الا أنّه لايوجر عليه ولايرفع بسببه في ميزان عمله ، بل يذمّ ويعاتب عليه.
ولو كان في الأثناء فإن كان بحيث لو لم يحدث أتمّ على إخلاصه ، لكن كان سروره لمقصد غير صحيح ، فقيل بالاثم والابطال للعمومات.
وفيه نظر ، لأنّ المتبادر من الإشراك أو كون العمل لغير الله هو كونه باعثاً أو شريكاً في البعث وليس الأمر كذلك ، فهو كقصد التبريد بالوضوء إذا لم يكن هو الباعث عليه ، فالظاهر أنّه يرتفع به اشتغال الذمّة ، لكن ليس بذاك المرفوع في ميزان الحسنات.
وإن كان باعثاً فهو الرياء المحرّم سواء كان راجحاً أو مرجوحاً أو مساوياً.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١٦٦.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١٦٦.
٣ ـ الكافي : ٢ / ٢٩٦ ـ ٢٩٧ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الرياء ، ح ١٦ مع اختلاف.
ثم لا يذهب عليك أنّ هذا يختصّ بالعبادة المركّبة من أجزاء يتوقّف صحّتها على صحّة كلّ منها كالصلاة والصيام ، وأمّا ما لا يكون أجزاؤه كذلك كالصدقة والقراءة ، فليس كذلك ، بل يختصّ الفساد بما طرء عليه الرياء دون السابق. ولو انعكس الأمر بأن عقد على الرياء ثم ندم في الأثناء فالحكم متّحد في جميع الشقوق.
الثّانية : اختلفت الأخبار والأقوال في ترجيح عمل(١) السرّ على العلانية وبالعكس وأنت في سعة من استخلاص نفسك بعدما نبّهناك على كون المناط الأصلي في الصّحة والفساد هو القصد ، فإنّ الأعمال بالنيّات ، وإنّ لكلّ امرىء ما نوى ، فما كان أبعد عن شوائب الرياء وأقرب إلى الاخلاص كان أرفع وأثقل في ميزان الأمال سرّاً كان أو علانية ، وما كان عن الإخلاص أبعد كان خفيفاً فيه كذلك فهما سيّان بالذات.
نعم لما كانت بواعث الرياء في الاعلان أكثر وأجلى مع نهاية غموض شعبها وخفاء مداركها مع ضعف أغلب النفوس عن مممدافعتها ولابدّ للحكيم من إجراء الحكم على وفق طباع النفوس الضعيفة رفقاً بها كما أشرنا إليه في بحث الفقر والغنى ، فلذا فضّل الاسرار على الاعلان ، لكنّه مرجّح عرضي يحصل بالنسبة إلى بعض الأشخاص لا في جميع الأحيان ، كما أنّ من كان عالماً بشعبه بأسرها فطناً بمزالق أقدام العباد في مواقعها وكانت له نفس قويّة لايتفاوت بالنسبة إليها الاسرار والأعلان واقتداء الناس به وبغيره من الأمثال والأقران يكون الاعلان بالنسبة إليه أفضل حتّى يرغب الناس بسببه إلى الخيرات ويتنبّهوا على الاقتداء به في الطاعات.
ويظهر لك بهذا وجه الجمع بينها ولو تعارض فائدة اقتداء الناس به بغائلة الشوائب الخفيّة من الرياء كان الاسرار أرجح وأتمّ ، لأنّ محافظة نفسه عن الهلاك أهمّ من إرشاد غيره حتّى لايكون حسرته في يوم القيامة أشدّ
__________________
١ ـ في « ج » : علل.
وأدوم.
الثالثة : لابدّ للسالك أن يعلم أنّ الشيطان باذل منتهى جهده بأقصى جدّه ـ لشدّة عداوته بصيرورته طريداً لأجله ـ في حرمانه عن السعادات المنحصر حصولها له في العبادات لما عرفت من أنّها هي التي بها يحصل التقرّب إلى الله تعالى حتّى يحبّه فيصير سمعه وبصره ويده ورجله ، وأنها الباب الذي به يفوز المرء بالمعرفة الحقيقية المخلوق لأجلها فهي السعادة الواقعيّة ، فكيف لايبذل جهده في حرمانه عنها وخذلانه وقد حلف بعزّته سبحانه وعظمة شأنه ليغوينّهم أجمعين الا المخلصين من عباده الفائزين عرفانه فيدعوه أوّلاً إلى ترك العمل ، فإن لم يجبه دعاه إلى الرياء ثم بعد يأسه عنه يقول : هنا مظنة رياء لاينفع معه العمل فالأحسن لك تركه ، فكما يجب للسالك ترك إجابته في الأوّلين فكذا الثالث.
فإن كان مطلوبة طاعة غير متعدّية إلى الغير كالصلاة والصوم والحجّ ، فإن كان باعثه الرياء من أوّل الأمر لم يشرع فيه الا بعد خلاصه عن هذه الغائلة ، وإن دخله بعد العقد أو في أثنائه فلا ينبغي له الترك لأنّه حصل له باعث دينيّ أوّلاً وباعث الرياء طار فليجاهد في دفعه وتحصيل الاخلاص وقهر نفسه عليه بلامعالجات السابقة ، فإنّه إذا كان في مقام المجاهدة مع نفسه وقهرها على ذلك سامحه الله بعظيم عفوه ورحمته ودفع عنه كيد الشيطان بجسيم منّه ورأفته.
وإن كان ممّا(١) لا يتعدّى كالامامة والوعظ والقضاء والتدريس والافتاء ، ففوائدها جسيمة وغوائلها عظيمة ، فمن منّ الله عليه بالوصل إلى مرتبة ينتفع به الناس حقيقة فإن كان ذانفس قدسيّة وقوّة عقليّة قويّة بحيث يكون الخلق في نظره ـ لاشتغاله بمراتب الاخلاص ومعرفته بعظمة الله سبحانه ـ كالبهائم أو دونها ، وجودها كعدمها ـ وما أقلّ من هذا شأنه ـ كان اللازم لمثله
__________________
١ ـ كذا في النسخ ، والظاهر زيادة « لا ».
التزام هذه المناصب حتى لايكون ممّن ألجمه الله بلجام من نار ، بل يستحقّ بهدايته للناس إلى سبيل ربّهم أعظم المثوبات في دار القرار. وإن لم يأمن على نفسه فالأحوط له تركها ، ولذا ورد ما ورد في عظم خطرها وآفتها ، ونقل التجنّب التامّ عن السلف عنها والاهتمام مهما أمكن في مدافعتها ، وقد أشرنا إلى بعض مايمكن الاشارة إليه في هذا الكتاب من ذمّ علماء السوء ونقل ما ورد في شأنهم ، فإن كنت منصفاً سالكاً سبيل ربّك كفتك الاشارة ، والا فلا يتأتّى لك الاهتداء ولو بألف عبارة.
ومن علامة القسم الأوّل عدم التفاوت في طريق التكلّم مع حضور الأكابر من أهل الدنيا في مجلسه وعدمه تغيّر حاله في تكلّمه ، ولو حصل من مثله أو من هو أحسن منه في فنّه وقبله الناس أكثر منه فرح به ولم يحسده وغير ذلك ممّا لا يخفى على الناظر البصير.
الرابعة : لو صار صدور العمل من واحد سبباً لصدوره عن الآخر لم يكن ذلك من الآخر رياء ، فلو حضرمن ليس من عادته التهجّد مثلاً مجلس الصلحاء فشاهدهم يتهجّدون فرغب فيه وتهجّد معهم ولو في ذلك المجلس خاصّة لم يكن رياء الا أن يكون قصده التلبيس عليهم والفرار من ذمّهم ولومهم أو الرغبة في مدحهم ، فإنّ الرياء كما يبعث على العمل فكذا الدين ، فإنّ كلّ مسلم آمن بالله ورسوله يرغب إلى الطاعات والأعمال الصالحة لولا الغفلة أو عوائق الدنيا.
الخامسة : الوساوس الحادثة في النفس المحدثة في القلب ميلاً خفيّاً إلى الرياء لاتفسد العبادة مع الكراهة لذلك الميل ومدافعة الشيطان في دفعها ، لأنّ الله لايكلّف عباده الا بما يطيقونه ويقدرون عليه ، وغايته المقابلة بالكراهة والمجاهدة بتذكّر المعالجات المقرّرة. والأخبار دلت أيضاً على عدم المؤاخذة على الوساوس كما أشرنا إليه فيما سبق. لكن قد عرفت أنّ السالك لابدّ له من المجاهدة في قلع الوساوس كلية بما أشير إليه سابقاً.
ومراتبه في خصوص المقام أربعة أدناها الاشتغال بالمجادلة مع الشيطان في دفعها وإطاعتها إلى الفراغ ، وهذا مانع عن الحضور والتوجّه التامّ إلى الله تعالى وفيه إجابة ما لغرض الشيطان وتفريج لغمّه بصدّه إيّاه عن التوجّه ، فحاله كالذي أراد التوجّه إلى مجلس خير ينال به فائدة فعارضه فاسق في الطريق يدعوه إلى مجلس فسق فلم يجبه فلمّا أيس منه أطال معه الجدال حتّى يحرمه عن الخير ، فهو يظنّ أنّه مصلحة له في ردّ ضالّ عن ضلاله مع أنّ فيه تحصيلاً لمرامه الذي هو حرمانه عن علوّ مقامه.
ثم الاقتصار على تكذيبه ودفعه من غير اشتغال بالمجادلة ، بل يصرف الفكر بعده إلى التوجّه والحضور بالقدر الميسور ، فهو كالذي توقّف في دفع الفاسق الداعي له إلى مجلس الفسق بأدنى الدفع ، ثم ذهب ماشياً في حاجته ففيه أيضاً إجابة ما لما يتمنّاه منه في دعوته.
ثم عقد الضمير على كراهة الرياء بدون الاشتغال بالتكذيب ، فمثله كالذي لم يقف عن مشيه بدعوة الفاسق ، بل استمرّ على ما كان عليه فحرمه عن مدعاه وآيسه عمّا كان يتمنّاه.
ثم مقابلة وسوسته بفعل خير آخر وازدياد في الاخلاص والتوجّه رغماً لأنفه وحرصاً فيما يقنّطه بل يغيظه فلا يعوّد إلى وسوسة أخرى خوفاً من اقتنائه لفائدة أخرى ، فمثله كالذي يستعجل في مشيه بعد دعوة الفاسق ، وهذا أعلى مراتبه المفيد في دفع وساوسه ، فينبغي للسالك أن يعود نفسه عليه في جميع ملكاته وأخلاقه.
واعلم أنّه قد يحدث الرياء في كيفية العبادة كالتأنّي والخضوع ، فيكتفي ناقص الحظّ من العرفان في دفعه بتركها ، وهذا كالأوّل ، فإنّه وإن دفعه بذلك عمّا دعاه إليه من الرياء الا أنّه أجابه فيما أراد منه من حرمانه عن المقام الأعلى.
فصل
النفاق إن فسّر بمخالفة السر للعلن مطلقاً فهو أعمّ من الرياء مطلقاً ، وإن فسّر بمخالفته له في خصوص مصاحبة الناس ومعاشرتهم فبينهما عموم من وجه ، وعلى كلّ حال إن كان باعثه الجبن كان من رذائل الغضب من طرف التفريط ، وإن كان طلب الجاه كان منهما من طرف الافراط ، وإن كان الطمع في المناكح والأموال كان من رذائل الشهوة ، وهو من المهلكات العظيمة.
فعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من كان له وجهان في الدنيا كان له لسانان من نار يوم القامة ».(١)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « يجيء يوم القيامة ذوالوجهين دالعاً لسانه في قفاه وآخر من قدّامه يلتهبان ناراً حتّى يلهبان خدّه الحديث ».(٢)
وغير ذلك من الأخبار.
وليس منه المجاملة مع المتعاديين فعلاً وقولاً ، إذا كان صادقاً فيما يظهره معهما وإن لم يكن من الصداقة التامّة. وكذا التقيّة ممّن يخاف شرّه بامجاملة معه وإظهار مدح لايعتقده فيه ليس من النفاق ، بل هي المداراة الممدوحة.
قال الله تعالى :( ادفع بالّتي هي أحسن السيئة ) (٣) الا أنّه مختصّ بحالة الاحتياج والضرورة ، فلو فعله مع الاستغناء عن معاشرته ومجاملته كان نفاقاً محرّماً.
وعلاجه العلمي تذكّر ما ورد في ذمّه من الآيات والأخبار ، والعملي تقديم التروّي فعلاً وقولاً حتّى يسهل عليه حفظ نفسه عنه.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٨٠.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٨٠ ، مع زيادة نقلاً عن الصدوقرحمهالله .
٣ ـ المؤمنون : ٩٦.
فصل
الوقاحة عدم مبالاة النفس وانفعالها من ارتكاب القبائح وهو من رداءة قوّتي الشهوة والغضب ، وقد أشرنا إلى كونها من رذائل المهلكات.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لاإيمان لمن لا حياء له ».(١)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الايمان والحياء مقرونان في قرن واحد ، فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه ».(٢)
وهي ممّا يتنفّر الطباع عن صاحبها ، وتشتمل على مهانة النفس وتستتبع كثيراً من الرذائل.
وعلاجه : التذكّر لقباحته وما يترتّب عليه من المفاسد ، ثم تكليف نفسه على تركه والالتزام بآثار الحياء الذي هو ضدّه حتّى يعتاد عليه.
فصل
طول الأمل ـ أي تقدير البقاء إلى مدّة يحتاج فيها إلى ما هو حريص في جمعه راغب في بقائه من الأهل والمال وغيرهما ـ من نتائج حبّ الدنيا ، فإنّ الانسان لمّا حصل له الانس والالتذاذ بشهواتها برهة من الزمان مضافاً إلى الميل الطبيعي ثقل على قلبه فراقها فكرهها وكاره الشيء يدفعه ويدفع أسبابه عن نفسه ويمنّيها بما يوافق مراده من البقاء فيها ووالتمتّع منها ويقرّرها في نفسه ويعكف عن (على ظ) فكر تحصيل أسبابه ولوازمه ودفع مونعه وعوائقه ، فيلهو عن ذكر الفناء والممات ولئن سنح له خواطر الاستعداد له في بعض الأوقات أقنع نفسه بالتسويف إلى أن يخطفه فجأة فينقطع إذذاك حيلته ويعظم حينئذ بليّته ويدوم مصيبته وحسرته ، ولايتصوّر المسوّف أنّ من يدعوه إلى الغد يكون معه غداً أيضاً ، وإنّما يزداد بطول المدّة رسوخاً وعلاقة
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ١٠٦ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الحياء ، ح ٥ ، عن الصادقعليهالسلام .
٢ ـ الكافي : ٢ / ١٠٦ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الحياء ، ح ٤ ، عن أحدهماعليهمالسلام .
فيصعب بسببه قطعها ويعظم عليه قلعها وقمعها.
قال بعض الأعلام : إنّه من رذائل قوّتي الشهوية والعاقلة ، وفسّره باعتقاد البقاء إلى مدّة كذا ، ففرّع عليه أن الاعتقاد يرجع إلى الجهل المتعلّق بالعاقلة والحبّ لتوابع البقاء الذي هو من شعب حبّ الدنيا.(١)
وفيه نظر ، إذ ليس معناه الاعتقاد فإنّك ترى كلّ أحد مبتلى بهذه الخصلة الذميمة الا من عصمه الله عن أدناس الطبيعة ، ولو سئل أنّك تعتقد أي تتيقّن بالبقاء إلى الغد أنكره ، فالاحتمال ممّا لايدفعه أحد عن نفسه ، نعم يرجّحون طرف البقاء إمّا بوجود علاماته كالصحة والشباب وقوّة البنية وغيرها ، وإمّا بالميل الطبيعي إلى الحياة وكراهة فراق ما استأنسوا به من اللذات ، فيجعلون احتمال الفجأة من أضعف الاحتمالات ، وهم وإن كانوا مخطئين في الترجيح المزبور لكن ليس باعثه الجهل ، فإنّ كلّ أحد يعلم بالعيان أنّه لابدّ له من الممات وأنّه لو لم يكن في الشبّان والصبيان أكثر لم يكن من الشيوخ أقلّ ، فهذا أمر لايحتاج إلى الفكر حتّى يجهله بعض الناس لكونه من المحسوسات ، بل الباعث ما ذكرناه من حبّ الدنيا والانس بلذّاتها ، ولذا ترى طول أمل الشيوخ والمعمّرين أكثر ، فهو من نتائجه وفروعه خاصّة ، نعم لو فسّر اليقين بثاني معنييه(٢) كانت هذه ناشئة عن عدمه ، لكن إطلاق الجهل عليه خلاف المصطلح في المحاورات كالعلم واليقين والاعتقاد ، مضافاً إلى أنّه يلزم منه كون جميع الرذائل الشهوية كذلك ، فالأحسن عدّه من رذائل الشهوية خاصّة ، ومن نتائج حبّ المال كالحرص.
وعلى كلّ حال فمفاسده غير خفيّة لكون جميع المعاصي ناشئة في الحقيقة من هذه الملكة الخبيثة وكلّ تقصير في عبادة أو تحصيل فضيلة ينال بها السعادة ناشىء من هذه الرذيلة.
__________________
١ ـ جامع السعادات : ٣ / ٣٢ ـ ٣٣.
٢ ـ مرّ ص ١٢٧.
والأخبار في ذمّها ومدح ضدّها كثيرة.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ أشدّ ما أخاف عليكم خصلتان اتّباع الهوى وطول الأمل ، فأمّا اتباع الهوى فإنه يعدل عن الحقّ ، وأمّا طول الأمل فإنّه يحبّب الدنيا ».(١)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « يشيب ابن آدم ويشبّ فيه خصلتان الحرص وطول الأمل الحديث ».(٢)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أيها الناس! أما تستحيون من الله؟ قالوا : وماذا يا رسول الله؟ قال : تجمعون ما لا تأكلون وتأملون ما لا تدركون وتبنون ما لا تسكنون ».(٣) وغير ذلك.
ثم الناس فيه على مراتب :
فبعضهم يأمل بقاءه أبداً بخوضه في غمرات الدنيا وزخارفها ، وليس له من الآخرة نصيب.
ومنهم من يأمل بقاءه إلى أقصى الممكن في حقّه ، وهو أيضاً يحبّ الدنيا ويهتمّ في جمع زخارفها بما يمكن له من المسالك ، ويسعى في طلب ما يكفيه لتلك المدّة ، أو أزيد من ذلك.
ومنهم من يكون أمله أهون من ذلك ، إلى أن يصل إلى من لا يأمل أزيد من يومه ، فلا يستعدّ لغده.
وأعلى منه من يكون الموت نصب عينيه ، كأنّه يراقبه.
سأل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عن بعض أصحابه عن حقيقة إيمانه ، فقال : « ما خطوت خطوة الا ظننت أنّي لا أتبعها أخرى ».(٤)
__________________
١ ـ المحجة البيضاء :
٢ ـ جامع السعادات ، ٢ / ١٠٠ وراجع الخصال : ١ / ٧٣ ، باب الاثنين ، ح ١١٢ و ١١٣ ، والمحجة البيضاء : ٦ / ٥٠ ، تجديد نحوه.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٨ / ٢٤٥.
٤ ـ جامع السعادات : ٣ / ٣٧.
وإن أردت اختبار الناس أو نفسك في مقدار طول الأمل فاعتبره بما يصدر من الأعمال في جمع أسباب المعاش والأموال وشتات البال من الديون والمحاسبات والمعاملات مع الناس والاضطراب معه من خوف الممات قبل جمعها والحرص في اقتناء ما يتزّود للمعاد في يوم القيام وادّخار ما ينتفع به في دار المقام.
وعلاجه التذكّر لما يترتّب عليه من المفاسد والتأمّل فيما ورد في ذمّه والاعتبار بمن مضى من بني نوعه المشاركين له في طول الآمال ، حبث لم ينتج الا الحسرة والندامة في آخر الحال.
وأنفع شيء في علاجه : ذكر الموت ، ولذا كثر الحثّ عليه في الأخبار.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أكثروا من ذكر هادم اللذّات ، قيل : وما هو يارسول الله؟ قال : الموت الحديث ».(١)
وقيل لهصلىاللهعليهوآلهوسلم : هل يحشر مع الشهداء أحد؟ قال : « هل يحشر مع الشهداء أحد؟ قال : نعم ، من تذكّر الموت في اليوم والليلة عشرين مرّة ».(٢)
وقال : « كفى بالموت واعظا »ً.(٣)
فواعجباً ممّن يغفل عن الموت وينساه ، مع أنّه أظهر شيء وأجلاه وأسرع عدوّ يلحقه ويغشاه.
قال الصادقعليهالسلام : « ما خلق الله يقيناً لاشكّ فيه أشبه بشكّ لا يقين فيه من الموت ».(٤)
فلعمري إنّه من الدواهي العظمى ولو لم يكن الا هو لكفى ، كيف وما بعده أعظم وأدهى ، فما أبعد الانسان عن الضحك والسرور لو علم أنّ
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٨ / ٢٤٢ نقلاً عن مصباح الشريعة (الباب ٨٣ في ذكر الموت).
٢ ـ المحجة البيضاء : ٨ / ٢٤٠.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٨ / ٢٤١.
٤ ـ الخصال : ١ / ١٤ ، باب الواحد ، ح ٤٨ ، وفيه : « لم يخلق الله » ، وفي النسخ : « أشبه بشك الأنفاس » وصحّحناه.
مضجعه التراب ومسكنه القبور ، وما أحراه بالبكاء والهموم والأحزان لو علم أنّ جليسه العقارب والحيّات والديدان ، فبالحريّ أن يطيل الحسرة ويكثر الفكره ويسكب العبرة.
قال أميرالمؤمنينعليهالسلام : « ما أنزل الموت حقّ منزلته من عدّ غداً من أجله ».(١)
وكيف لا يكون كذلك وهو في كلّ آن يمضي من عمره يقرب من الممات ويشبه الأموات.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لو أنّ البهائم تعلم ما تعلمون ما أكلتم منها سميناً ».(٢)
واعلم أنّ ذكر الموت وفكره إنّما ينفع مع تفريغ القلب عمّا سواه كالذي يعزم على السفر حيث لاهمّ له الا الاستعداد له ، فمن تفكّر بهذا الطريق وكرّر التفكّر مع التعميق قلّ سروره بالدنيا وشهواتها ، وهان أمله وانكسر قلبه عن لذّاتها وأمّا القلوب المشغولة بها فهي بزخارفها مسرورة وبالتعلّق بها مغرورة ، فالعاقل من جرّد نفسه للمنيّة وهيّأه لأنواع الرزيّة ، وأكثر من ذكر نظرائه الذين نقلوا مع طول آمالهم وانتظام أحوالهم من أنس العشرة إلى وحشة الهجرة ، ومن فسيح القصور إلى مضيق القبور ، ومن الحور والغلمان إلى العقارب والديدان ، ومن النظافة وحسن الصور إلى العفونة وقبح المنظر وخلوّ المساكن والديار منهم وانقطاع الأخبار والآثار عنهم مع ما كانوا فيه من النشاط والسرور في دار الغرور والغفلة عن هذه الأهوال والطمأنينة بحسن الحال والحرص في تدبير المعاش وجمع الأموال والركون إلى الشباب وجمع الأصحاب ، فلو تفكّر في جزئيات حال واحد واحد من أقرانه وما كان كل منهم فيه في عصره وأوانه واعتبر بأنّه أيضاً من أمثالهم وسيصير حاله كحالهم وأكثر من إتيان المقابر وتشييع الجنائز وعيادة
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٨ / ٢٤٢.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٨ / ٢٤٠ ، وفيه : « لو تعالم البهائم من الموت ما تعلمون ».
المرضى وغير ذلك ممّا يذكّر الموت الفناء وجدّدها دائماً إلى أن يصير نصب العين حصل له التجافي عن دار الغرور ، وانقطع صرف أمله إلى دار البقاء والسرور في البين.
ثم الناس بين منهمك في الدنيا وشهواتها خائض في غمرات لذّاتها ، وبين تائب مبتديء وعارف منتهي.(١)
والأوّل لا يذكر الا ذمّاً لصدّه إيّاه عن محبوبه وكونه حاجباً له عن مطلوبه ، بل يفرّ منه ويعاديه وإن كان ولابدّ يلاقيه فلا يستفيد من ذكره الا بعداً ولا يتذكّر نصحاً ولا عهداً.
والثاني يستعدّ بذكره لاقتناء الخيرات والمسارعة إلى تحصيل فضائل الملكات ، ويكرهه خوفاً من أن يلقاه قبل الوصول إلى ما يريده ويتمنّاه وهو في هذا الحال معذور ، ولا يعدّ من طلّاب دار الغرور ولا يحسب من الذين كرهوا لقاء الله فكره لقاءهم واختار لأجل ذلك بقاءهم ، وعلامته الاشتغال بما يعدّه للمات وتهيئة زاد معاده قبل الفوات.
وأمّا الثالث فإنّما يذكره ويثنى عليه حبّاً له وشوقاً منه إليه إذ فيه لقاء الحبيب والمحبّ لاينسى ميعاد اللقاء ، ويستبطىء مجيئه غاية الاستبطاء ويعدّه فوزاً ونجاحاً ويعتقده لنفسه خيراً وصلاحاً ، لما فيه من الخلاص عن سجن الطبيعة ومشاهدة بني نوعه بأفعالهم الشنيعة والوصول إلى الدرجات العالية الرفيعة. ولذا قال عليعليهالسلام : « فزت وربّ الكعبة ».(٢)
وأعلى منه من لايختار لنفسه شيئاً ، بل يفوّض أمره إلى الحبيب ويرضى بما قدّر له من الحظّ والنصيب ، كما قال مولانا الباقرعليهالسلام في جواب مارضية لنفسه جابر(٣) وهو درجة التسليم والرضا وهو غاية مقصد أهل السلوك وكمّل العرفاء.
__________________
١ ـ كذا ، والصحيح : منته.
٢ ـ البحار : ٤١ / ٢ ، تاريخ أميرالمؤمنينعليهالسلام ، باب يقينه ، ح ٤.
٣ ـ سيأتي في ص ٣٤٩.
فصل
الغرور انخداع النفس بميلها [ ما يوافق ](١) الهوى بسبب شبهة فاسدة تزيّنت لها.
وقد قيل : إنّه مركبّ من الاعتقاد المخالف للواقع وحبّ مقتضيات الشهوة والغضب كالواعظ الذي يقصد بوعظه طلب الجاه حيث يعتقد أنّه يستحقّ به الثواب مع رغبته إليه فيكون من رذائل العاقلة(٢) وإحدى القوتين الاخريين.(٣)
وفيه نظر ، فإنّ الواعظ المزبور قد أغفلته نفسه عن كون فعله مضراً له لقصده المنزلة فيه ، ولبّست عليه الأمر فزيّنت في نظره أنّه لكونه سبباً لهداية الناس يستحقّ به الأجر والثواب فهو وإن كان صادقاً في ذلك الا أنّه مخطىء في خصوص ما اعتقده موجباً للثواب من فعله لغفلته عن حبّ الجاه المستكنّ في قلبه ، فهذا الاعتقاد الفاسد الصادر عن الغفلة يسمّى غروراً وما استكنّ في قلبه من الحبّ المذكور لادخل له في حقيقة الغرور.
والحاصل الغرور اعتقاد كون ما قصد به الجاه موجباً للثواب دون المركب منه ومن حبّه له ، والحقّ انّه راجع إلى الجهل المركّب فيكون من رذائل القوّة العاقلة خاصّة ، وهذه الخصلة من أمّهات الخبائث ، ولذا ورد النهي الشديد عنه.
قال الله تعالى :( فلا تغرّنكم الحيوة الدنيا ولا يغرنّكم بالله الغرور ) .(٤)
وسميّت الدنيا دار غرور لتلبيسها الأمر على أبنائها وإغفالها إيّاهم عن مضارّها وعن فعل ما فيه خيرهم وصلاحهم.
__________________
١ ـ ساقط من « ج ».
٢ ـ في « ج » : « الغضبيّة » بدل « العاقلة ».
٣ ـ جامع السعادات : ٣ / ٤.
٤ ـ لقمان : ٣٣.
قال الصادقعليهالسلام : « المغرور في الدنيا مسكين وفي الآخرة مغبون ، لأنّه باع الأفضل بالأدنى ».(١)
ولما كان لمعرفة مداخل الآفات ومجاري الفساد مدخل في الاحتياط والاجتناب حسن التنبيه عليها إجمالاً.
فنقول : فرق المغترّين غير محصورة وجهات غرورهم موفورة.
فمنهم الكفّار بأسرهم. ومن جهات غرورهم كون نقد الدنيا أحسن من نسيئة الآخرة ، وفساده ظاهر ، لأنه صحيح مع التساوي في المقدار والمقصود والنفع والبقاء والا فالتاجر يتعب نفسه بأنواع المتاعب ويبذل نقوده مع إيقاعها في الأخطار لتحصيل النسيئة والمريض يصرف نقده في الدواء والطبيب للصحّة التي هي نسيئة والزارع يبثّ بذره في التراب طلباً للنسيئة وكذا سائر الناس في حرفهم وصنائعهم ، فإذا رجحت نسيئة الدنيا مع تناهيها وقلّتها وفنائها وشوبها بالكدورات وأنواع المنغّصات على نقدها فالآخرة لمن عرف نسبة الدنيا إليها أجدر بالتر جيح لكونها دائمة صافية عن الكدورات ، ولو حصل اليقين بوجود الواجب وحقّية الرسول بالبراهين صدّقهما في الأخبار الصادرة عنهم مما ذكر سيّما مع تأكّدها بالتجربة والعيان.
وإمّا أنّ لذّة الدنيا يقينية والآخرة لم يرها أحد حتى يعلم ما فيها ، وفساده أيضاً ظاهر ، إذ لاشكّ في الآخرة بعد ما يرى من اتّفاق العقلاء والعظماء من الأنبياء والأولياء والحكماء والعلماء عليها فمن لم يعرف المرض والداء يطمئنّ نفسه بما يقوله أرباب فنّ الطبّ فيهما ولا يطالبهم بالدليل أصلاً ، وهذا مدرك عامّ يشمل طبقات الناس بأسرهم لحصول اليقين ، وللخواصّ مسلك آخر ، وهو كشف حقائق الأشياء على ما هي عليها بطريق الوحي والالهام.
__________________
١ ـ مصباح الشريعة : الباب ٣٦ ، في الغرور.
وإما التقديرات الوهمية الكاذبة مثل أن المؤمن لو كان له حظ عند الله لكان ذاحظ من الدنيا ، فحسن حالنا فيها يدل عليه في الآخرة وأنه لو لم يحبنا لما أحسن إلينا ، وفسادها ظاهر أيضاً ، بل هذا هو الغرور بالله العظيم ، كما أشار إليه في كتابه الكريم ، لأن نعماء الدنيا مهلكات مبعدات عن الله يحمي بها أولياءه كما يحمي الوالد الشفيق ولده المريض عن لذائذ الأطعمة حباً له ، فمن كان له عبدان يمنع أحدهما من اللهو واللعب ويلزمه التعلم والأدب والاحتياط من لذائذ الأطعمة المضرة له ويأمره بالأدوية النافعة ويهمل الآخر فلا يسأل عن حاله ولا يبالي بأفعاله ، فهذا الفعل منه يدل على حبه للأول دون الثاني لا العكس ، وقد كان السلف يحزنون من إقبال الدنيا ويقولون : ذنب عجلت عقوبته ، ويفرحون بإدبارها ويقولون : مرحباً بشعار الصالحين ، والمغرور بالعكس ، حيث يظن الأول كرامة ، والثاني إهانة كما أخبر الله تعالى عنه ولو تدبر كلمات الله ورسله وأوليائه ولاحظ أحوالهم وأيقن بالله وصفاته لم يغتر بهذه الخيالات الفاسدة ، ونظر إلى حال الفراعنة الماضين وما انتهى إليه أمرهم من الهلاك والبوار وانقطاع الآثار.
( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) (١) ( سنستدرجهم من حيث لايعلمون ) (٢) ( فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) .(٣)
ومنهم عصاة أهل الحق وفساقهم ومن جهات غرورهم مضافاً إلى ما ذكر ، رحمة الله وفضله وحلمه وصفحه ، وما ورد في مدح الرجاء ، وربما اغتروا بالأنساب كالذرية العلوية ، فيطمئنون من كثرة المعاصي والخروج عن طريقة أجدادهم بذلك ، وقد تقدم في بحث الرجاء أن من رجا شيئاً طلبه ،
__________________
١ ـ المؤمنون : ٥٦ ـ ٥٧.
٢ ـ الأعراف : ١٨٢.
٣ ـ الأنعام : ٤٤.
فالذي لم ينكح أو نكح ولم يجامع ولم ينزل وهو يرجو الولد فهو مغرور أحمق.
وقد قال الله :( وأن ليس للإنسان الا ما سعى * وأنّ سعيه سوف يرى * ثمّ يجزاه الجزاء الأوفى ) .(١)
وقال :( كلّ نفس بما كسبت رهينة ) .(٢)
فالرجاء بدون العمل تمنّ وغرور.
وكذا النسب لا نفع له ، والله تعالى يقول :
( فلا أنساب بينهم يومئذ ولايتساءلون ) .(٣)
ويقول :( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) .(٤)
فمن زعم أنّه ينجو بصلاح أبيه كمن زعم أنّه يشبع بأكلة أبيه ويصل إلى المنزل بمشي أبيه أو يصير عالماً بعلم أبيه ، هيهات بل التقوى فرض عين على كلّ أحد ،( ولا يجزي والد عن ولده ) (٥) بل( يفرّ المرء من أخيه وأمّه وأبيه ) (٦) ولا شفاعة الا مع حصول شرائطها( ولا يشفعون الا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ) .(٧)
ومنهم العلماء أمّا في تحصيل العلوم فمنهم من يقتصر على الكلام والجدال ومعرفة آداب التعرّض في أندية الرجال من غير تحصيل العقائد الحقّة أو رسوخ فيها فهو كخيط مرسل في الهواء تفيّؤه الريح تارة كذا وتارة كذا ، وهو يظنّ أنّه أعلم الناس بالله وصفاته وأفعاله وآياته.
ومنهم المقتصر على العلوم الآلية ظنّاً منه أنّها مقدّمات للعلوم
__________________
١ ـ القمر : ٣٩ ـ ٤١.
٢ ـ المدثر : ٣٨.
٣ ـ المؤمنون : ١٠١.
٤ ـ الأنعام : ١٦٤.
٥ ـ لقمان : ٣٣.
٦ ـ عبس : ٣٤.
٧ ـ الأنبياء : ٢٨.
الشرعية ، فيفني عمره في طلبها ولم يحصل شيئاً ممّا خلق لأجلها (لأجله ظ).
ومنهم المقتصر على الفقهيات أو بعضها أو بعضها كالمعاملات أو مع مقدّماتها القريبة كأصول الفقه معرضاً عمّا خلق لأجله من المعارف الحقّة ، وتزكية نفسه عن ذمائم الصفات وتحلّيها بمحاسن الملكات وشرائف الطاعات.
ومنهم من تعمّق في جميع العلوم بأسرها مهملاً للقوّة العملية معرضاً عن تزكية نفسه عن الرذائل الخلقية أو مكتفياً فيها بالظاهر الجلي بدون تعمّق في إدراك الخفايا المكنونة في الزوايا فإنّها أغمض وأدقّ من كلّ شيء كما أشرنا مراراً إليه.
وقد بيّنا لك ما به يحصل النجاة ويفوز المرء بالسعادات.
وإمّا في صفات القلب حيث يتكبّر ويسمّيه إعزازاً للدين وإرغاماً لأنف الجاهلين ويحسد ويغتاب ويسمّيه ردّاً على المبطلين وغضباً للحقّ والدين ويرائي ويسمّيه إرشاداً للمسلمين.
وكلّ هذا تغرير لنفسه والله مطلع على سريرته.
ومن أعظم ما اغترّ به [ بعض ] علماء عصرنا الخوض في أموال اليتامى والمساكين ، وصرفها في شهواتهم ومن يختلف إليهم بنوع من الأنصار والمريدين ظنّاً منهم أنهم يستحقّون بذلك جزيل الأجر والمثوبة بإعانة الفقراء ذوي المتربة وتخليص الأغنياء عن اشتغال الذمّة بالحقوق الواجبة وترويجاً للعلم بإعانة الطلبة والله مطّلع على سرائرهم عالم بما في ضمائرهم.
وبالجملة فجهات الغرور سيّما في هذا الزمان أكثر من أن يسطر ببنان البيان ، بل انتهى الأمر إلى كونهم قطّاع طريق الاسلام والمسلمين ، فهلاكهم
أنفع للإيمان والمؤمنين ، لأنّهم عملة الجبت والطاغوت والشياطين ، فإلى الله المشتكى منهم ، ونسأله أن يخلّص الناس بظهور قائمهم عنهم.(١)
ومنهم الوعّاظ ، فمنهم المتكلّم في شرائف الملكات ومرغّب الناس في فضائل الصفات ، ومحذّرهم عن الذمائم والآفات مع كون المسكين مليّاً من الرذائل خليّاً من الفضائل ، فيزعم أنّه بمجرّد قوله واطّلاعه على الاصطلاحات وفهمه لمعاني الألفاظ والعبارات يعدّ من جملة السالكين وبإصلاحه الخلق وإهدائهم إلى الحقّ يستحقّ الأجر الجزيل من ربّ العالمين ، مع ما عرفت من أنّه من أعظم الناس حسرة يوم القيامة ، وأشدّهم تأسّفاً وندامة.
( يا أيّها الّذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا لا تفعلون ) .(٢)
ومنهم المشتغل بالطامّات وتلفيق كلمات خارجة عن قوانين الشرع والعقل مع تصنّعات في التشبيهات والاستعارات وتزيينات للألفاظ والعبارات طلباً للأعوان والأنصار بكثرة التواجد والرغبات والتذاذاً من ضجّة الناس وتحريك رؤوسهم على ما يلفّقه من الكلام وفرحاً من تكاثر المريدين من العوام الذين هم كالأنعام ، وربما لم يبال بالكذب في نقل
__________________
١ ـ من شؤون فقهائنا العظام الولاية على أموال اليتامى وتخليص الأغنياء عن اشتغال الذمة بالحقوق الواجبة وترويج العلم باعانة الطلبة وغير ذلك ، ولابدّ في كل عصر وزمان منهم حتّى يرجع الناس إليهم في الفتيا والحلال والحرام وسائر امورهم الدينية ويجب على الناس أيضاً الرجوع إليهم والأخذ منهم. نعم يمكن أن يوجد في كل زمان من يتصدّى هذا المقام وليس أهلاً له ولكن هذا لا يختص بهم فكم من مدّع للسير والسلوك أيضاً في كل عصر وزمان وليس عنده الا الدعوى الفارغ من الواقع.
٢ ـ الصف : ٢ ـ ٣.
الأخبار الغريبة ، وتلفيق الحكايات العجيبة حرصاً منه على حصول وقع لمقالته في الصدور مع أنّه في غاية الحمق والغرور ، وإنّما هو شرّ الناس ، بل أضرّبهم من الخنّاس لقصر همّته على ذكر ما يؤدي إلى سرورهم ويزيد في غرورهم من تقوية رجائهم وازدياد رغبتهم في المعاصي واجترائهم ، وهو يظنّ انّه سالك مسلك الهداية وإنقاذ الهكى من الجهالة والغواية ، مع أنّ ضرره أبقى وأدوم وفساده أكثر وأعظم.
ومنهم من وصل إلى الدرجة العليا في تهذيب الصفات وتصفية النفس عن لوث الكدورات وتخليصها عن الشواغل والعوائق وقطع الموانع والعلائق ، وصرف طمعه عن الخلائق إلى الخالق ، وإنّما دعته إلى سلوك سبيل الهداية والارشاد مجرّد الرحمة والشفقة على العباد ، الا أنّه بعد الاشتغال بذلك وجد الشيطان سبيلاً إلى ما هنالك ، فدعاه إلى الرئاسة دعاء خفيّاً ، ثمّ لم يزل يربو وينمو إلى أن صار قويّاً فصار يتصنّع لهم في الألفاظ والنغمات ، ثم في الزيّ والهيأة والحركات ، فقبله الناس قبولاً عميماً وآثروه بأموالهم وأنفسهم إيثاراً عظيماً ، وصاروا له بمنزلة الخدم والعبيد ، فعند ذلك ذاق لذّة مالها من مزيد ، وابتلي بشهوة هي فوق الشهوات ، ووقع في آفة هي من أعظم الآفات ، بعد ما كان مطمئناً بتركه لجميع اللذّات ، فابتلاه الشيطان بالاثم الأعظم وغرّه من حيث لايعلم ، وربما ترقّى فاطّلع على هذه المكيدة واجتهد في استخلاص نفسه فترك ما كان يفعله خوفاً من المفسدة فأعجبه علمه بكيد الشيطان وفراره من شروره ، فوقع في غرور آخر بعد غروره ، ولو كان سالكاً مسلك النجاة لم يأمن كيد الشيطان في حال من الحالات ، بل كان مواظباً على التضرّع والابتهال والاستعانة في دفع غوائله من الكريم المتعال ، خائفاً على نفسه من سلب ما أوتي ثم من خطر الخاتمة الذي لايمكن منه التفصّي.
قيل : ظهر الشيطان لبعض الأولياء في حالة النزع وقد بقي له نفس ،
فقال : أفلت منّي يا فلان؟ فقال : لابعد.
ومنهم : العبّاد والزهّاد.
فمنهم الغالب عليه الوسواس في الطهارات والنيّات ، والمبالغة في إجراء البعيد من الاحتمالات فيها ، وفي أداء الحروف من المخارج في الصلوات وأمثال ذلك من الجزئيات ، ثم يعكس تقديراته في المأكل وأخذ الأموال بطلب محامل بعيدة لتبديل الحرام بالحلال ، ظانّاً أنّه محتاط في تصحيح عباداته مع أنّه مضيع أوقاته ، وصارف عمره فيما لا يعنيه ، [ وتارك للتوجّه ](١) والحضور وغيرهما ممّا يعنيه ، فهو من أقبح أنواع الغرور والجهل بمواقع الأمور.
ثم من أغلب ما يقعون فيه العجب والرياء في العبادات ، مع ظنّهم أنّهم على تقوى وإخبات ، وربما يصومون في غالب الأوقات ، زعماً منهم انه مجرّد كفّ عن المفطرات ، مع عدم احتفاظهم عن الغيبة وسائر الأذيّات والافطار على المحرّمات وهم يرجون فيه جزيل الثواب من الكريم الوهّاب ، وكذا يحجّون بالمال الحرام من غير ردّ للمظالم وقضاء للديون الواجبات ، وعدم الاحتفاظ على الصوات والطهارات والتجنّب عن النجاسات ، مع قلوب ملوّثة بذمائم الصفات ورذائل الملكات ، وه يظنّون انّهم مسارعون إلى الخيرات.
ومنهم من يترك نفائس الملابس ولذائذ الممطاعم ، زعماً منه أنّه سالك مسلك الزهّاد مع حبّه للرئاسة باشتهاره بذلك بين العباد ، فقد ترك الأهون فساداً لأعظم الفساد.
ومنهم المغترّ بفعل النوافل والمستحبّات مع عدم معرفته بحدود الفرائض والواجبات ولأ أخذٍ لمسائله الدينية على وجه يحصل له البراءة ، اليقينيّة.
__________________
١ ـ ساقط من « الف » و « ب ».
ومنهم الصوفية.
وفمنهم القلندرية المنكرون لعقائد أهل الايمان ، والتاركون لشعائر الاسلام ، والجاهلون بمسائل الحلال والحرام ، الصارفون عمرهم في في التكدّي وإيذاء الأنام ، ظنّاً منهم أنّهم معرضون من كلّ لذّة وشهوة ، ولو أقبل عليهم شيء منها بغتة ماتوا من الفرح فجأة ، فهم أرذل البريّة ، وأجهلهم في الفكر والرويّة.
ومنهم من اكتفى من التصوّف بالنطق والزيّ واللبس وخفض الصوت وإطراق الرأس وتنفّس الصعداء وفعل ما يشبه البكاء سيّما إذا سمعوا كلاماً في العشق والوحدة مع عدم معرفة معناه بالمرّة ، وربما يتجاوز بعضهم إلى الرقص والصعيق وإبداء الشهيق والنهيق واختراع الأذكار والتغنّي بالأشعار وسائر الحركات الشنيعة والهيئات القبيحة الفظيعة ، ظنّاً منهم الوصول بأمثال هذه الحركات إلى أعلى المنازل والمقامات ، مع أنّها يقرب العبد إلى سخطه تعالى وعذابه ، ويستوجب بها الأليم من عقابه ، وبعض منهم يطوي بساط الشرع والأحكام ، والفصل بين الحلال والحرام متكالباً على الشبهات والمحرّمات تاركاً للسنن بل الواجبات مدّعياً أن الله غنّي عن الطاعات وأنّه لا عبرة بعمل الجوارح بل العبرة بالقلوب وأنّها واصلة إلى المطلوب والهة في مشاهدة المحبوب فيخوض في الشهوات الدنيوية زاعماً أنّها لاتصدّ عن المعارف الحقيقية مع قوة النفوس وثبات الأقدام ، وإنّما المحتاج إلى رياضة البدن خصوص العوام ، ولا يتفكّرون في أنّ أنبياء الله المرسلين وأولياء الله المقرّبين مع كونهم المقصود من خلق السماوات والأرضين وعن أدناس السيّئات والمعاصي طاهرين معصومين يبكون على ترك الراجح بل المرجوح(١) سنين متوالية ويحسبونها صادّة عن الدرجات الرفعية العالية ، فهم أضعف الناس عقلاً وأشدّهم حمقاً وجهلاً ، وربّما ادّعى بعضهم غاية
__________________
١ ـ كذا ، ولعل الصحيح : يبكون على فعل المرجوح ، بل ترك الراجح.
المعرفة واليقين ، والوصول إلى أعلى درجات المقرّبين ومشاهدة المعبود ومجاورة المقام المحمود ، ووالملازمة في عين الشهود ملفّقاً من الطامّات كلمات مزخرفات ، زاعماً أنّه المطلع على عالم الملك والملكوت ، بل ساحة القدس والجبروت ، ناظراً إلى الصلحاء والفقهاء والمحدّثين وسائر العلماء بعين الحقارة والازدراء ، مدّعياً لنفسه من خوارق العادات مالم يدّعه أحد من الأنبياء والأولياء مع أنّه لم يعرف من المعارف الا ألفاظاً مسموعة وكلمات موضوعة لم يتفطّن لحقائقها ولا أدرك دقائقها ، وربما ارتكب بعضهم قبائح الأعمال وشنائع الأفعال المزيلة للمروءات ، زعماً منه أنّه كسر النفس وإزالة لرذائل الملكات ، ولايدري أنّها بنفسها من ذمائم الصفات.
ومنهم من اشتغل بالرياضات وقطع بعض المراحل ووصل إلى بعض المقامات ، فتوقّف في البين ظنّاً منه الوصول إلى العين ، فإنّ لله سبعين حجاباً من نور لايصل السالك إلى واحد منها ، [ الا ](١) وهو يظنّ أنّه لامجال للتعدّي عنها.
قال بعض العرفاء(٢) : وإليه الاشارةت في الكتاب الكريم في حكاية إبراهيم ـ على نبيّنا وعليه أفضل التحيّة والتسليم ـ حيث رأى كوكباً فقال : « هذا ربّي » ثم انتقل إلى القمر ، ثم إلى الشمس ، إذ ليس المراد منها الأجسام المضيئة ، لأنّ شأنه أرفع من ذلك وأجلّ من أن يكون سلوكه من هذه المسالك ، بل استعيرت للأنوار الالهيّة المرئيّة للسالك الحاجبة عن الوصول إلى ما هنالك مع عدم إمكانه الا بالوصول إليها والتعدّي عنها ، وبعضها أعظم من بعض ، فلم يزل الخليل يصل عند سيره إلى حجاب أكبر بعد تجاوزه عن الحجاب الأصغر فيترائى له في باديء الرأي الوصول إلى المقصد ، ثم يكشف له أن وراءه أمراً آخر فيترقّى إليه ، فيقول : « هذا أكبر » ، ومتى
__________________
١ ـ ساقط من « الف » و « ج ».
٢ ـ هو أبو حامد الغزالي.
ظهر له إنّه مع عظمه غير خال عن الهوى في حضيض النقص عن ذروة الكمال ، قال : « لا أحبّ الآفلين »(١) .
ومن أصغر تلك الحجب القلب لكونه من سنخ عالم الربوبية ونوراً من أنوار الحضرة الالهية يتجلّى فيه صور الأشياء بأسرها ، فيشرق إشراقاً عظيماً يظهر به عوالم الوجود على ماهي عليها ، وقد كان محجوباً عنه في الابتداء ، فلمّا أشرق نور الله الأسنى ورأى بعد الالتفات إليه جمالاً فائقاً أسنى أدهشه ذلك ، فربّما سبق إلى لسانه كلمة أنا الحقّ ، فإن لم يتّضح له بعد ذلك ماكان محجوباً عنه من الحجب الاخر كان فيه هلاكه ، مع أنّه كان مغترّاً بأصغرها.
وهذا محلّ الالتباس لأنّ المتجلّي ملتبس بما يتجلّى فيه كالمرآة الملتبس نورها بنور ماظهر فيها ، ولذا قيل :
رقّ الزجاج ورقّت الخمر |
فتشابها وتشاكل الأمر |
|
فكأنّما خمر ولا قدح |
وكأنّما قدح ولا خمر |
وبهذه العين نظرت النصارى في المسيح فرأوا إشراق نور الله متلألئاً فيه فغلطوا فيه كمن يرى كوكباً في المرآة فيظنّ أنّه فيها أو في الماء فيمدّ يده إليه وهو مغرور.
انتهى ملخّصاً(٢) .
ومنهم الأغنياء وأصحاب الدول ، فمنهم من يحرص على بناء المساجد
__________________
١ ـ راجع سورة الأنعام : ٧٦ ـ ٧٨.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ٣٤٢ ـ ٣٤٣. لا يخفى أن الصوفية ـ خذلهم الله ـ هم أصحاب البدع والتأويلات يحرّفون الكلم عن مواضعه ، يفسرون القرآن بالرأي ويؤوّلون الروايات حسب أهوائهم ويعتمدون على آرائهم وآراء أقطابهم الفاسدين ومرشديهم المبطلين في الدين فالتفصيل بين فرقهم والحكم بأنّ بعضهم مغترّون والسكوت بالنسبة إلى آخرين منهم لاوجه له.
والمدارس والرباطات وغيرها بالأموال المحرّمة ، بل في الأراضي المغصوبة من دون باعث سوى الرياء والشهرة ويظنّ بفعله ذلك استحقاق المثوبة والمغفرة مع أنّه قد تعرّض للسخط والعذاب في كسبها وإنفاقها ، وكان اللازم عليه الامتناع من أخذها ، ثم الردّ على أهلها والتوبة منها ، وربما طلب فقير منهم درهماً فيبخلون منه ، ومنهم من ينفق جهراً على المشاهير ، ويكره الانفاق سرّاً على المستور الفقير للسمعة والرياء والاشتهار بالبذل والعطاء والجود والسخاء ، ومنهم من يمنّ ويؤذي بالاعطاء ، ومنهم من يبخل في الحقوق المالية ويصرف عمره في العبادات البدنية وكلّ ذلك محض الغرور الناشيء عن الجهل بحقائق الأمور.
إذ قد عرفت أنّ الغرور من فروع الجهل وآثاره ، فضدّه العلم واليقين بما يقرّبه إلى الله ويبعّده عن سخطه وبآفات طريقهما وغوائله ، فلا يتمكّن الشيطان من تغريره ولا تسكن نفسه إلى الشهوات ، ولا يطمئن بلذّات الدنيا لما فيها من الآفات.
قال الصادقعليهالسلام : « واعلم أنّك لن تخرج من ظلمات الغرور والتمنّي الا بصدق الانابة إلى الله تعالى والإخبات له ، ومعرفة عيوب نفسك من حيث لايوافق العلم والعقل ولايحمله الدين والشريعة وسنن القدوة وأئمّة الهدى ، وإن كنت راغباً بما أنت فيه ، فما أحد أشقى منك وأضيع عمراً ، فأورثت حسرة يوم القيامة ».(١)
فصل
الاضطراب من حصول الآلام والمصائب والمشاقّ فعلاً وتركاً من رذائل الملكات المتفرّعة على صغر النفس وضعفه ، فيشمل ما يحصل عند التمكّن
__________________
١ ـ مصباح الشريعة : الباب ٣٦ ، في الغرور ، مع اختلاف.
من الشهوات والمعاصي من اضطراب النفس وميلها إلى فعلها ، وما يحصل عند إرادة فعل الطاعات الشاقّة كالحجّ والجهاد وغيرهما من الاضطراب والميل إلى الترك ، فإنّ كلّ طاعة مكروهة للنفس كما سنشير إليه ، وما يحصل عند عروض المصائب والنوائب من احتراق القلب واضطرابه المترتّب عليه بعض الأعمال الركيكة كشقّ الجيب ولطم الخد والتضجّر والتبرّم وغيره ويختصّ هذا القسم منه باسم الجزع فهو فرد منه.
ثم أنّ ترتبّه على صغر النفس يقتضي إدخاله تحت رذائل الغضبية وهو وإن كان كذلك مطلقاً لما ذكر الا أنّ بعض أفراده ممّا يمكن إدخالها تحت الشهويّة أيضاً لكون الباعث عليها ميل النفس إلى الشهوات وعدم ائتمار القوّة الشهويّة تحت حكم العاقلة وإن كان الباعث للميل المذكور كبر الدنيا على النفس كما أشير إليه فيما سبق ، فإنّ هذا الباعث يعمّ جميع الرذائل الشهوية ، فلو صار ذلك سبباً لعدّها في رذائل الغضبية خاصّة لزم أن يكون جميع الرذائل الشهوية منها ، ولا يكون لها نوع خاصّ بها ، وهذا غير عزيز في باب الفضائل والرذائل حيث تكون لفضيلة واحدة جهتان يعدّ كلّ منهما في كلّ منهما ، فالاضطراب المذكور من حيث كونه مترتّباً على ميل النفس إلى الشهوات يمكن عدّها من رذائل الشهوية ، بل هذه الحيثية أظهر لكونها أخصّ ، ولذا عدّ القوم الصبر المقابل للجزع في أنواع الشجاعة لاختصاصها بتلك الحيثية الاولى خاصة وهذا القسم من أنواع العفّة لكون الحيثية الثانية فيه أظهر فافهم ، فإنّ هذا المقام من مزالق الأقدام.
ثم إنّه يدلّ على قبح هذه الخصلة وذمّها العقل والنقل.
أمّا الأوّل فلأنّه كراهة لقضاء الله وحكمه والمقدّر كائن فلا رادّ لقضائه ولا معقّب لحكمه.
وفي الحديث القدسي : « من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي
فليخرج من أرضي وسمائي [ وليطلب ربّاً سوائي ] ».(١)
ونقل أنّه مات ابن لبعض الأكابر فعزّاه مجوسي فقال : ينبغي للعاقل أن يفعل في يومه ما يفعل الجاهل بعد خمسة أيّام ، فقال : اكتبوا عنه.
وأمّا الاضطراب في مشقّة الطاعة فلأنّه يدلّ على جهله وقلّة إدراكه ، فإنّ أهل الدنيا يرتكبون أنواع المشاقّ والمتاعب ويوقعون أنفسهم في صنوف الأخطار والمهالك لأجل جزاء منقطع مشوب بأنواع الكدورات ، فمن عرف نسبة لذّات الآخرة الموعود بها لجزاء العبادات مع دوامها وشرافتها ، إلى لذّات الدنيا لما شقّ عليه العمل ، بل كان مثل المستسقي الذي يزيد عطشه ولايروي بشرب الماء ، ولو تفكّر في نعمائه المتواترة عليه في كلّ يوم ، بل في كلّ آن ، وعرف وجوب شكر المنعم عقلاً لما فرغ نفسه لشغل الا للعبادة والطاعة ، ولو حصل أدنى معرفة بالله وعظمته وصفاته وآياته حصلت له من المحبّة والانس ما عظمت به لذّة العبادة ، بحيث لم ير فوقها لذّة ، بل كان منتهى آماله وغاية مناه.
وأمّا الاضطراب في ترك المعصية فهو يدلّ على عدم تعديله لقوّتيه الشهوية والغضبية وعدم تحصيله العلم بغوائل النفس وجنود الشيطان وما يلحقها من البعد والبوار وعدم تذكّره لما ورد في ذمّ كلّ منهما من الأخبار والآثار وعدم تفطّنه لغوائله ومفاسده ، فلو حصل المعرفة المزبورة سهل عليه ترك الخصلة المذكورة المانعة له عن الاتّصاف بشرائف الصفات والاتّصاف بضدّه الصّبر الذي هو من أمّهات فضائل الملكات.
قال الله تعالى :( وكايّن من نبيّ قاتل معه ربّيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحبّ الصابرين ) .(٢)
__________________
١ ـ لم أجده بهذا اللفظ ، نعم يوجد نحوه في جامع الأخبار : ص ١٣٣. وما بين المعقوفتين في « ج » فقط.
٢ ـ آل عمران : ١٤٦.
وممّا ذكر يظهر علاجه العلمي مضافاً إلى التذكّر لما ورد في مدح ضدّه من الآيات والأخبار ، ودلّ عليه الاعتبار ممّا سيذكر إن شاء الله تعالى ، والعلمي تقديم التروّي في كلّ فعل يريده حتّى يتفطّن بمفاسده فيسهل عليه تركه أو بمحاسنه وفوائده حتى يسهل عليه فعله إلى أن يصير ملكة.
فصل
الحزن ألم نفساني يعرض من فوت مطلوب أو فقد محبوب أو الخوف من مكروه ، وعدّه بعض المحقّقين من رذائل الشهوة من طرف التفريط. وفيه نظر ، فإنّ الباعث عليه إن كان شدّة الشوق إلى المشتهيات فيحزن لفقدها أو فوتها كان من رذائل الشهوة لكن كونه من جانب التفريط ممنوع ، بل هو من تنائج الشره. وإن كان باعثه الميل إلى مقتضيات الغضب فيحزن على فوت ما يميل إليه قلبه من الاستيلاء والغلبة على الخصم أو الانتقام أو الكبر أو التعزّز أو غيرها كان من رذائل الغضب. وإن بني الأمر على ترتّبه على صغر النفس وضعفها كان الأوّل أيضاً منها من جانب التفريط وتعميم المعروض بالنسبة إلى الخوف مع عدم ذكر القوم له ، لأنّه قد يكون حزنه من حصول أمر يتوقّع فيه أثر السوء ، فمن حيث حصول تشويش الخاطر والاضطراب بذلك يسمّى خوفاً ، ومن حيث حصول الهمّ والغمّ له والتضجّر والتألّم يسمّى حزناً وإن كان هذا متفرّعاً على ذلك ، على أنّ الخوف إنّما يستعمل فيما يحتمل العدم ، والحزن أعم ، إذ يشمل ما يتيقّن كالذي يأكل ولده السمّ المهلك.
ومن جملة هذا القسم من الحزن كلّ حزن يترتّب على الخوف الممدوح ، إذ لايمكن حصول الخوف بدون الحزن ولو لم يعمّم بما ذكرناه شمله أيضاً فإنّ محبوب أهل الدنيا ومطلوبهم شهواتها ، ومحبوب أهل الآخرة ومطلوبهم لذّاتهامن لقاء الله والاعتزال عن أبناء الدنيا وعدم مشاهدة
أطوارهم فحزنهم أيضاً على ما يفقدونه.
فظهر أنّ عدّ الحزن من الرذائل مطلقاً ممّا لا وجه له ، كيف لا والدنيا سجن المؤمن ، ولا وجه له لفرحه فيها.
ويؤيّده ما ورد من ذمّ الغفلة والسرور وكثرة الضحك ومدح الخشوع والبكاء من حشية الله ، فإنّ البكاء يحدث من ألم القلب بالاحتراق لا بتشويش الخاطر والاضطراب ، فالحزن بهذا المعنى من أمّهات الفضائل.
وأمّا قوله تعالى :( ألا أنّ أولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون ) (١) فلا يحسن الاستشهاد به لذمّ الحزن بعد تخصيصه بالحزن على فقد لذّات الدنيا ، بل الأولى إما تفسيره بعدم بقاء هذا القسم من الحزن الممدوح الذي كانوا عليه في الدنيا لهم في الآخرة ، وكذا الخوف ، لوصولهم إلى ماكانوا يفقدونه في دار الدنيا من نعيم الجنان وخلاصهم عن أهوال يوم القيام ويؤيّده سوق الآية كما لايخفى.
وإمّا تفسيره بعدم حصولهما لهم في الدنيا أيضاً بناء على ما أشير إليه سابقاً من أنّ شأن أولياء الله المقرّبين أجلّ وأعظم من أن يخافوا من شيء أو يطمعوا في شيء ، إذ لا مطمع لهم الا النظر إلى وجهه الكريم ، وقد فازوا بالاستغراق في بحار جلاله وعظمته ، فلم يبق منهم خائف ولا مخوف عليه ولا طامع لهم ولا مطموع فيه ، كما قيل :
نترسد زو كسى كورا شناسد |
كه طفل از سايه خود مى هراسد |
|
نماند خوف اگر گردى روانه |
نخواهد اسب تازى تازيانه |
|
ترا از آتش دوزخ چه باك است |
كه از هستى تن وجان تو پاك است |
|
ز آتش زر خالص برفروزد |
چه غشى نبود اندر وى بسوزد(٢) |
__________________
١ ـ يونس : ٦٢.
٢ ـ گلشن راز : ٥٤.
ثم إنّه لا يحصل هذا القسم من الحزن الا بقطع العلاقة عن الدنيا واليقين التامّ بما وعد [ وأوعد ](١) الله به عباده في الآخرة.
ويتفرّع عليه آثار محمودة كالسعي في تدارك مافات بتحصيل شرائف الصفات والاهتمام في العبادة وأداء الطاعات.
وأما القسم الأول الشائع في كلام القوم فهو مع اشتماله على كراهة التقديرات الالهية متفرّع على الميل إلى مقتضيات الشهوة والغضب والجهل بفنائها وأنّ مالا يفني هو ما خلق لأجله من المعارف الحقيقية والفضائل النفسية ، فلو حصل اليقين بذلك صرفه الاشتغال والسعي في تحصيلها وحفظها عن الهمّ لفوات حطام الدنيا.
وفي أخبار داود : « يا داود! ما لأوليائي والهمّ بالدنيا ، إن لهمّ يذهب حلاوة مناجاتي عن قلوبهم ، إنّ محبّتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين لايغتمّون ».(٢)
مع أن الحزن كما قاله بعض الحكماء ليس أمراً طبيعيّاً للنفس ، بل ملكة حادثة من سوء اختيارها ، لأنّ كلّ محزون على فقد شيء يزول حزنه بيسير من الأوقات(٣) ويتبدّل بالسرور ولو كان طبيعياً لكان حاصلاً لكلّ أحد ، إذ لابدّ من فقد محبوب له.
ثم ما أشبه حاله بمن دعي في جماعة إلى دعوة في مجلس مشتمل على صنوف النفائس والشمائم الطيّبة ليتفرّج ألأصناف المدعوّ برؤيتها وينتفعو من روائحها خاصة ، فكان يأخذها كل منهم ساعة للتفرّج والاستشمام ويودعها إلى آخر ، فلو أخذها أحدهم وطمع في تملّكه واغتمّ من أخذ آخر منه نسب إلى الجنون وخفّة العقل ، فالعاقل لايصرف عمره في
__________________
١ ـ ساقط من « ج ».
٢ ـ جامع السعادات : ٣ / ٢١٤ ، الجواهر السنية : ٩٤ نقلاً عن مسكنّ الفؤاد.
٣ ـ في « ج » : الالتفات.
تحصيل ما يحزن على فقده بعد علمه بأنّه يصير مفقوداً ولا يعلّق قلبه به مع حصوله له ، بل يهتمّ في تحصيل الباقيات التي لاتفنى واللذّات التي ليس لها انتهاء ، ولنعم ما قيل :
ومن سرّه أن لايرى ما يسوؤه |
فلايتّخذ شيئاً يخاف له فقدا |
في الفضائل المتعلّقة بالقوتين أو الثلاث
أو المحتملة لكل منها
وفيه فصول
فصل
الصدق من شرائف الصفات ونفاش الملكات ، وقد كثر مدحه في الآيات والأخبار.
( يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين ) (١) ( الصابرين والصادقين والقانتين والمستغفرين بالأسحار ) (٢) ( رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه ) (٣)
وقال الصادقعليهالسلام : « انّ الرجل ليصدق حتّى يكتبه الله صدّيقاً ».(٤)
وقالعليهالسلام : « من صدق لسانه زكى عمله ».(٥)
وقالعليهالسلام : « لاتنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده ، فإنّ ذلك شيء اعتاده ، ولو تركه لاستوحش لذلك ، ولكن انظروا إلى صدق حديثه
__________________
١ ـ التوبة : ١١٩.
٢ ـ آل عمران : ١٧.
٣ ـ الأحزاب : ٢٣.
٤ ـ الكافي : ٢ / ١٠٥ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصدق وأداء الأمانة ، ح ٨ ، عن الباقرعليهالسلام .
٥ ـ الكافي : ٢ / ١٠٤ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصدق وأداء الأمانة ، ح ٣ ، عن الباقرعليهالسلام .
وأداء أمانته ».(١)
وقال : « إنّ عليّاًعليهالسلام إنّما بلغ به عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بصدق الحديث وأداء الأمانة ».(٢)
والأخبار كثيرة لاتحصى.
وله أنواع :
منها : الصدق في الشهادة ، ويقابله شهادة الزور ، والصدق في اليمين ، ويقابله اليمين الكاذبة ، والوفاء بالعهد ، ويقابله خلف الوعد وهو أفضل أنواعه.
وقد أثنى الله نبيّه إسماعيل به(٣) ويشمله نوع واحد ، وهو الصدق في القول ، ولايكمل في هذا النوع الا بترك المعاريض من غير ضرورة ورعاية معاني الألفاظ عند قراءتها ، فمن يقول :
( وجّهت وجهي للّذي فطر السماوات والأرض ) (٤) وهو مقبل على الدنيا فهو كاذب.
وكذا من يقول( أيّاك نعبد ) (٥) وقلبه مقيّد بالدنيا ، فإنّه عبادة للدنيا كما ورد.
ومنها : الصدق في النيّة ، أي تخليصها في الأقوال والأفعال لله تعالى وهوالاخلاص ، وسيأتي في مباحث النيّة إن شاء الله تعالى.
ومنها : الصدق في العزم ، فإنّ الانسان قد يعزم على عمل ، فإن كان مصمّماً جازماً كان صادقاً أي تاماً كما يقال : فلان صادق الشهوة أو كاذبها ، وإن كان فيه ضعف وشكّ كان كاذباً.
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ١٠٥ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصدق وأداء الأمانة ، ح ١٢.
٢ ـ الكافي : ٢ / ١٠٤ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصدق وأداء الأمانة ، ح ٥ ، مع زيادة.
٣ ـ مريم : ٥٤.
٤ ـ الأنعام : ٧٩ ، وفي النسخ : للذي فطرني.
٥ ـ الفاتحة : ٥.
ومنها : الصدق في الوفاء بالعزم ، فإنّ الانسان ربما يعزم يعزم على فعل معلّق بشرط أو صفة ، ثم بعد حصولها تمنعه الشهوات عن أدائه.
قال الله تعالى :( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) .(١)
ومنها : الصدق في الافعال ، أي مطابقة الظاهر والباطن واستواء السرّ والعلانية ، أو كون الباطن أحسن من الظاهر ، وهو أعزّ الأنواع السابقة وأعلاها.
إذا السرّ والإعلان المؤمن استوى |
فقد عزّ في الدارين واستوجب الثنا |
|
وإن خالف الاعلان سرّاً فما له |
على سعيه فضل سوى الكدّ والعنا |
|
كما خالص الدينار في السوق نافق |
ومردوده المغشوش لايقتضي المنى |
ويستلزم هذا النوع أن لا يقول ما لايفعل.
قال الصادقعليهالسلام : « إذا أردت أن تعلم أصادق أنت أم كاذب فانظر إلى قصد معناك وغور دعواك وغيّرهما بقسطاس من الله عزّوجلّ كأنّك في القيامة ، قال الله تعالى :( والوزن يومئذ الحق ) (٢) فإذا اعتدل معناك بدعواك ثبت لك الصدق » ، وأدنى حقّ الصدق أن لايخالف اللسان » القلب ، ولا القلب اللسان ».(٣)
ومنها : الصدق في مقامات الدين ، كالصبر والشكر والخوف والرجاء والزهد والتوكّل والتعظيم والرضا والحبّ والتسليم لتقديراته تعالى ، وهو من أعظم أنواعه ، كما أشير إليه في الكذب ، ومن علاماته كتمان الطاعات والمصائب جميعاً.
__________________
١ ـ الأحزاب : ٢٣.
٢ ـ الأعراف : ٨.
٣ ـ مصباح الشريعة : الباب ٧٤ ، في الصدق.
وفي الخبر : « أوحى الله إلى موسى أنّي إذا أحببت عبداً ابتليته ببلاء لايقوى عليه الجبال لأنظر كيف صدقه ، فإن وجدته صابراً اتّخذته وليّاً وحبيباً ، وإن وجدته جزوعاً يشكو إلى خلقي خذلته ولم أبال ».(١)
ثم إنّ لهذه المقامات عرضاً عريضاً(٢) لا غاية لها لإناطتها بمعرفة الله تعالى ، وهي غاية لاتدرك ، فكلّ من حصل له بقدر استعداده وسعيه من المعرفة حصلت له من تلك المقامات بقدرها ، فالصادق في كلّ مقام هو الواصل إلى ما يمكنه في حقّه.
فصل
الصمت من أفضل وأحسن الملكات.
وفي النبويصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من صمت نجيا ».(٣)
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ».(٤)
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إذا رأيتم المؤمن وقوراً صموتاً فادنوا منه ، فإنّه يلقي الحكمة ».(٥)
وقال عيسى بن مريمعليهالسلام : « العبادة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت وجزء في الفرار عن الناس ».(٦)
وقال الباقرعليهالسلام : « كان أبوذرّ يقول : يا مبتغي العلم : إنّ هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شرّ ، فاختم على لسانك كما تختم على ورقك
__________________
١ ـ جامع السعادات : ٢ / ٣٣٨ ـ ٣٣٩ ، المحجة البيضاء : ٨ / ١٤٧ ، وفيه : « لا تقوم لها الجبال ».
٢ ـ في النسخ : عرض عريض.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٩٢.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٩٤.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٩٥.
٦ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٩٦.
وذهبك ».(١)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّما شيعتنا الخرس ».(٢)
وقال الصادقعليهالسلام : « الصمت كنز وافر ، وزين الحليم ، وستر الجاهل ».(٣)
وقال الرضاعليهالسلام : « من علامات الفقه العلم والحلم والصمت ، إنّ الصمت باب من أبواب من أبواب الحكمة ، إنّ الصمت يكسب المحبّة ، إنّه دليل على كلّ خير ».(٤)
والأخبار كثيرة لاتحصى.
على أن جميع آفات اللسان كالكذب والغيبة والبهتان وأنواع الأذيّة من المزاح والسخرية والافساد بين الناس والسعادية والنميمة وغيرها ممّا سلف بعضها وسنذكر بعضها الآخر إنّما تنشأ من اللسان ، وهو أضرّ الجوارح بالانسان ، وأعظم آلة في إهلاكه للشيطان ، وهي وإن كانت من المعاصي الظاهرة الا أنّ تكريرها يؤثر في النفس فتصير ملكة ، فمراقبته أهم ، ومحافظته الزم.
قال بعض العلماء(٥) : إنّ اللسان وإن كان صغيراً جرمه لكن عظيم طاعته وجرمه ، إذ لا يظهر الكفر والايمان الا بشهادته ، ولا يهتدى إلى إصلاح النشأتين الا بدلالته ، وما من شيء الا وهو متعرّض له بنفي أو إثبات ، إذ كلّ معلوم يعبّر عنه باللسان والعلم يتناول جميع الأشياء ، وهذا خاصة اللسان دون سائر الجوارح لاختصاص العين بالألوان والصور ، والآذان
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ١١٤ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصمت ، ح ١٠.
٢ ـ الكافي : ٢ / ١١٣ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصمت ، ح ٢.
٣ ـ الاختصاص : ص ٢٣٢.
٤ ـ الكافي : ٢ / ١١٣ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصمت ، ح ١.
٥ ـ الظاهر هو أبوحامد الغزالي ، فراجع المحجّة البيضاء : ٥ / ١٩٠ ـ ١٩١ ترى أنّ المصنّف نقل كلماته بالمعنى.
بالأصوات ، والأيدي بالأجسام ، وكذا غيرها ، واللسان رحب الميدان ، وسيع الجولان ، ليس له مردّ ولا لمجاله منتهى ولا حدّ ، فله في الخير مجال رحب ، وفي الشر مجرى سحب ، فمن أطلق عذب اللسان وأهمله مطلق العنان سلك به الشيطان إلى أودية الخذلان ، وساقه إلى شفا جرف هار ، إلى أن يضطرّه إلى الهلاك والبوار ، ولذا قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
« لاتكبّ الناس على مناخرهم في النار الا حصائد ألسنتهم ».(١)
فلا منجى من شرّه الا أن يلجم بلجام الشرع ، فإنّ علم ما يحمد إطلاقه فيه ويذمّ غامض ، وهو أعصى الأعضاء على الانسان ، إذ لا تعب في تحريكه ، فلا يجوز التساهل في الاحتراز عن آفاته وغوائله ، والحذر عن مصائده وحبائله.
ولذا ورد الأخبار في ذمّه ، والأمر بالاجتناب والاحتراز عن غوائله كثير.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من تكفّل لي ما بين لحييه ورجليه أتكفّل له بالجنّة ».(٢)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من وقي شرّ قبقبه وذبذبه ولقلقه فقد وقي ».(٣)
وقيل له : ما النجاة؟ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « املك لسانك ».(٤)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلّها تستكفي اللسان أي تقول : اتقّ الله فينا فإنّك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا ».(٥) وغير ذلك.
ومنه يظهر أنّ السكوت مع سهولته أحسن الأعمال وأنفعها للانسان ،
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ١١٥ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصمت ، ح ١٤ ، وفيه : « وهل يكبّ الناس ».
٢ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٩٢.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٩٥.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٩٢ ، وفيه : « املك عليك لسانك ».
٥ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ١٩٣.
ولذا قال لقمان لابنه : « لو زعمت أنّ الكلام من فضّة ، فإنّ السكوت ذهب ».(١)
« وكان الربيع بن خثيم يضع قرطاساً بين يديه فيكتب ما يتكلّم إلى العشاء فيحاسب ما له وما عليه ويقول : واه! نجا الصامتون وبقينا ».(٢)
وهو من أخلاق الأنبياء وشعار الأوصياء.
قال الصادقعليهالسلام : « الصمت من شعار المحقّقين بحقائق ماجرى به القلم ».(٣)
قد تبيّن ممّا ذكر حسن الصمت وفوائده وغوائل الكلام ومفاسده ، الا أنّ للكلام أيضاً فوائد كثيرة ، فإنّ الله لم يجعل بينه وبين رسله معنى يكشف ما أسرّ إليهم من مكنونات علمه ومخزونات وحيه غير الكلام ، وكذا بينهم وبين الأمم ، إذ لايمكن تحصيل المعارف بالعقل والنقل الا بوساطته ، ولا يتحقق أشرف العبادات أعني الصلاة الا به ، ولا هداية الناس وإرشادهم إلى ما فيه خيرهم الا به ، فلابدّ للعاقل أن يقدّم التروّي في كلامه ، ويعرضه على عقله ، فإن كان مشتملاً على مصلحة تكلّم والا سكت ، فحسن الصمت إنّما هو بالنسبة إلى فضول الكلام وما يضرّ بدينه ودنياه لامطلقاً.
فصل
الخمول شعبة من الزهد ، وهو من صفات الموحّدين المستأنسين بالله تعالى ، كما ينادي به كتب السير والتواريخ ، وقد كثر مدحه في الأخبار والآثار.
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ١١٤ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصمت ، ح ٦ ، مع اختلاف.
٢ ـ مصباح الشريعة : الباب ٢٧ ، في صمت ، مع اختلاف.
٣ ـ مصباح الشريعة : الباب ٢٧ ، في صمت مع اختلاف.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ من أمتي من لو أتى أحدكم يسأله ديناراً لم يعطه إيّاه أو سأله درهماً لم يعطه إيّاه ، ولو سأل الله الجنّة أعطاه إيّاه ولو سأله الدنيا لم يعطها إيّاه وما منعها إيّاه لهوانه عليه ».(١)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ أغبط أوليائي عندي مؤمن ضعيف(٢) وذو حظّ من صلاة أحسن عبادة ربّه وأطاعه في السرّ والعلانية ، وكان غامضاً في الناس لا يشار إليه بالأصابع ، وصبر على ذلك ، قلّ تراثه وقلّت بواكيه ».(٣)
وتقدّم أيضاً ما يشبهه.
ثم من تأمّل في آفات الجاه والشهرة ديناً ودنيا كما أشرنا إلى بعضها سابقاً أحبّ الخمول واستوحش من الجاه والقبول.
فصل
ومنها : الحياء ، أي انقباض النفس وانزجاره عن ارتكاب القبيح العرفي أو العقلي أو الشرعي وهو من جودة الطّيع وكرمه ، ومن فضائل الملكات وشرائف الصفات ، وما بعث الله نبيّاً الا حييّاً ، وقد أشرنا إلى بعض ما يدلّ على مدحه من الأخبار ، وذكرنا أنّ الحياء مما ليس بقبيح من ضعف النفس.
ومنه يظهر أنّ بعضاً منه من فضائل القوّة الشهوية وهو الممدوح منه ، وبعضاً منه من رذائل الغضبية من طرف التفريط.
والأصحاب أطلقوا الكلام في عدّه من أنواع العفّة ، ولعلّ مرادهم منه القسم الأول خاصّة ، كما يظهر من تفسيرهم ، فالاستحياء من الأمر
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١١٠ مع اختلاف خصوصاً في آخره ففيه : « وما منعها إيّاه الا لهوانها عليه ».
٢ ـ كذا في « ج » وفي « الف » و « ب » : « الحاذر ، ذو حظّ » والصحيح كما في المحجة البيضاء وسنن ابن ماجة أيضاً (الرقم ٤١١٧) « خفيف الحاذ » والمعنى خفيف الحال أو خفيف الظّهر من العيال كما في النهاية : ١ / ٤٥٧ (حوذ).
٣ ـ المحجة البيضاء : ٦ / ١١١ ، مع اختلاف وزيادة.
بالمعروف والنهي عن المنكر وأمثال ذلك من ذمائم الصفات ، فمنه ما هو محرّم شرعاً مثل ذلك ويدلّ عليه ما يدلّ على حرمة التهاون فيهما ، وسيذكر بعض منه ، ومنه ما هو مكروه مثل الاستحياء عن بعض المستحبّات كالامامة والوعظ فيما لايشتمل على خطر ، ومنه ما ليس كذلك ، بل مباح ، الا أنّه لترتّبه على ضعف النفس المذموم يستحسن تركه وإن لم يكن بخصوصه مرجوحاً ، فافهم.
فصل
ومنها : استواء السرّ والعلانية ، أو كون الباطن خيراً من الظاهر ، وهو من شرائف الصفات ، وقد طلبه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من الله تعالى في بعض الأدعية ، وكان ذلك أهمّ مقاصد السلف ، ومن تأمّل فيما ورد في ذمّ النفاق ومفاسده وما ورد في مدح موافقة الظاهر للباطن وتقديم الرويّة في كلّ ما يصدر عنه من قول أو فعل لم تصعب عليه المحافظة المذكورة على هذه الخصلة التي هي من شرائف الأخلاق ، ولا التجنّب عن رذيلة النفاق.
فصل
الصبر ثبات النفس وسكونها في فعل ما يشقّ عليها فعله ، أو ترك ما يشقّ عليها تركه ، أو نازلة نزلت بها غير مقدورة لها.
وبعبارة أخرى : ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى ، وذلك لما عرفت من أنّ بين العاقلة وخصيميها تنازعاً وتدافعاً ، فإن غلبت عليهما بحيث صارتا مسلّمتين لها في الأمر والنهي ، محكومتين تحت حكمها لم يحدث للنفس في ترك القبائح وفعل المحسن تزلزل واضطراب ، بل كانت مطمئنّة كما أشير إليها في الكلام الإلهي بقوله تعالى :
( يا أيّتها النفس المطمئنّة ارجعي إلى ربّك راضية مرضيّة ) .(١)
__________________
١ ـ الفجر : ٢٧ ـ ٢٨.
فهي حينئذ متّصفة بوصف الصبر والثبات ، وإن غلبتا عليها فسلّمت الأمر إليهما بالمرّة كانت النفس أمّارة بالسوء خفابت وخسرت كما قال تعالى( وقد خاب من دسّيها ) .(١)
وإن طال التشاجر بينها فربما غلبتا عليها بالإقدام على المعاصي ، وربما غلبت عليهما باللوم والندامة ، فهي حينئذ لوّامة فيحث لها عند عروض داعي الهوى اضطراب عظيم لجذبهما لها إلى مايدعوانها إليه ومنعها إيّاهما عنه ، وحينئذ فإن غلب داعي الهوى ولم يقدر على ترك مايدعوه إليه ألحقت بالثانية ، وإن جاهد في دفعه إلى أن وفّقه الله للغلبة عليه تركه لما يدعوه إليه سمّي فعله ذلك تصبّراً.
ثم إذا استديم ذلك منه وقوي تصديقه بما في العاقبة من الحسنى وكرّر المجاهدة في دفع داعي الهوى تيسّر له ذلك بسهولة من غير تحمّل كلفة ، كما قال تعالى( وأمّا من أعطى واتّقى * وصدّق بالحسنى * فسنيسّره لليسرى ) .(٢)
وحينئذ يصير من زمرة الطائفة الاولى متّصفاً بالصبر والثبات ، ثم يورثه الله بعد رسوخ هذه الصفة التي هي من أشرف الصفات مقام الرضا بما يقدّر له من الحالات ثم ينتقل إلى مقام المحبّة التي هي من أعلى المقامات وغاية الغايات.
فظهر ممّا ذكر أنّ مقام الرضا أعلى من الصبر.
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « اعبد الله على الرضا فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكرهه خير كثير ».(٣)
ثم الصبر قد يطلق على خصوص الثبات في المكاره الذي يقابله
__________________
١ ـ الشمس : ١٠.
٢ ـ الليل : ٥ ـ ٧.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ١٢٠.
الجزع ، وعلى الثبات [ في الحروب خاصّة ، وعلى الثبات ](١) في كظم الغيظ والعفو عن الناس وهو التحلّم ، وهذه الثلاثة من أنواع الشجاعة ، وعلى تحمّل مشقّة الطاعة فيكون من أنواع العدالة التي هي عبارة عن اعتدال القوى الثلاث وعلى الثبات في ترك شهوة البطن والفرج ، وهو من أنواع العفّة ، والصبر من فضول العيش وهو الزهد من أنواعها أيضاً ، وعلى كتمان السرّ الذي يقابله الاذاعة ، وهو ممّا يحتمل الأمرين.
فظهر أنّه من أمّهات الفضائل.
ولذا قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لما سئل عن الايمان : « إنّه الصبر ».(٢)
وقال بعض العرفاء : إنّ للصبر على المكروه [ من حيث ذاته ](٣)
درجات ثلاث :
أوّلها : درجة التائبين ، أي ترك الشكوى إلى الغير ، بل إلى الله تعالى أيضاً.
وثانيها : درجة الزاهدين ، وهي الرضا بالمقدور.
وثالثها : درجة الصدّيقين ، هي المحبّة لما يصنعه مولاه. وكذا من حيث الغاية.
فأوّلها : صبر المرائين الذين يعملون(٤) ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون ،وهو ما كان باعثه الاشتهار عند الناس بقوّة النفس والثبات ، كما قال معاوية عند موته :
وتجلّدي للشامتين اريهم |
أنّي لريب الدهر لا أتزعزع |
وثانيها : صبر المتّقين ، وهو ما يكون باعثه توقّع الثواب نيل الدرجات.
__________________
١ ـ ساقط من « ج ».
٢ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ١٠٧.
٣ ـ ساقط من « ج ».
٤ ـ كذا في النسخ ، والظاهر : يعلمون.
قال الله تعالى :( إنّما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب ) .(١)
وثالثها : صبر الصدّيقين ، وهو ما يكون باعثه المحبّة لما يصدر عن الحبيب فيستقبله برحب على سكينة ووقار ، وهو الذي أشير إليه بقوله :( والله مع الصابرين ) (٢) كما قال الصادقعليهالسلام .(٣)
وفي الخبر : « أنّ جابراً لما سأله الباقرعليهالسلام من حاله ، قال : أنا في حال الفقر أحبّ إليّ من الغني ، والمرض أحبّ إليّ من الصحّة ، والموت أحبّ إليّ من الحياة ، فقالعليهالسلام : أمّا نحن أهل البيت فما يرد علينا من الفقر والغنى والمرض والصحّة والموت والحياة فهو أحبّ إلينا الخبر ».(٤)
ثم إنّه تجري فيه الاحكام الخمسة فيجب عن المحرّمات وعلى الواجبات ، ويستحبّ على المستحبّات ، ويحرم على ما يحرم تحمّله شرعاً ، كالصبر عل هتك عرضه بشهوة محظورة ، ويكره على ما يكره في الشرع ، ويباح على المباحات من حيث كونها مباحة.
ثم انّ الكتاب والسنّة قد أكثر من الحثّ عليه بما ليس في غيره ، لكونه من أمّهات الفضائل المستلزم حصوله لحصول أكثرها ، فقد ذكره الله تعالى في نيّف وسبعين موضعاً من القرآن.
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد ، ولا رأس لمن الجسد له ، ولا إيمان لمن لا صبر له ».(٥)
وقال : « ما تجرّع عبد جرعتين قطّ أحبّ إلى الله من جرعة غيظ ردّها بحمله ، وجرعة مصيبة يصبر لها ».(٦)
__________________
١ ـ الزمر : ١٠.
٢ ـ البقرة : ٢٤٩.
٣ ـ مصباح الشريعة : الباب ٩١ ، في الصبر.
٤ ـ جامع السعادات : ٣ / ٢٨٥.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ١٠٨ ، عن عليّعليهالسلام ، وفيه : « لا جسد لمن لا رأس له » وهو الصحيح.
٦ ـ المحجة اليبضاء : ٧ / ٢٣٣ مع اختلاف.
وفي الخبر : « أوحى الله تعالى إلى داود : تخلّق بأخلاقي ، ومن أخلاقي أنّي أنا الصبور ».(١)
ما يلقاه العبد في الدنيا إما موافق لطبعه كالصحّة واتّساع الجاه والمال وكثرة الأعوان والأولاد ، أو مخالف كالمصائب والأعمال الشاقّة وترك المعاصي.
فالأوّل إن لم يصبر عليه الانسان أدركه البطر والطغيان.
( إنّ الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى ) .(٢)
ولذا قيل : الصبر على العافية أشدّ من الصبر على البلاء.
ومن هنا قال تعالى :( لاتلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ) (٣) ( إنّما أموالكم وأولادكم فتنة لكم ) .(٤)
فالحري بحاله ترك الانهماك في التنعّمات والتعلّق بها والاعتماد عليها بترك التفاخر على فاقديها ورعاية حقوق الله فيها ببذلها ، وفي البدن والجاه بإعانة الضعفاء والمساكين وإغاثة الملهوفين ودفع الظلم عن المظلومين ، وهذا أشدّ مراتبه على الانسان لتمكّنه من التمتّع بها وميل الطبع إليها وعدم حاجز شرعي عنها.
والثاني لا يخلو عن قسمين :
إمّا مقدور له وهو أيضاً على قسمين :
الأول : فعل ما يشقّ فعله عليه كالطاعات ، والسرّ في صعوبتها أوّلاً : أنّ النفس بطبعها مائلة إلى الربوبية والتعزّز ، نافرة عن التذلّل ، كما أشير إليه فيما مضى.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ١٠٧.
٢ ـ العلق : ٦ ـ ٧.
٣ ـ المنافقون : ٩.
٤ ـ التغابن : ١٥.
وثانياً : ثقلها عليها إمّا كسلاً كأعمال الجوارح أو بخلاً كالانفاق فيما يؤمر به أو هما معاً كالحجّ والجهاد. ولها شرائط يزيد لأجلها المشقّة لمنافرتها للطبع أيضاً كالاخلاص في النيّة والتوجّه والحضور المتوقّفين على قلّة التعلّق بالدنيا من أوّل الفعل إلى آخره ، وعدم الاخلال بوظائفها وآدابها ، وعدم إبطال الصدقات بالمنّ والأذي ، وغير ذلك ممّا لاتشتهيه الأنفس.
والثاني : ترك ما يشقّ عليها تركه كالمعاصي ، لكون الطبيعة مجبولة عليها مع كثرة أعوانها من جنود الشرّ واعتياد النفس بها من مشاهدة كثرة الإتيان بها من بني نوعها ، فإنّ العادة كالطبيعة الثانية ، ولذا إنّ الاستبعاد في المعاصي الغير الشائعة أكثر منه في الشائعة وإن كانت أشدّ وأعظم.
ثمّ إنّ لها مراتب شدّة وضعفاً لاختلاف دواعيها قوّة وضعفاً ، واختلافها صعوبة وسهولة ، فما كانت أسهل كان تركه أشدّ كمعاصي اللسان من الكذب والغيبة والبهتان ، سيّما إذا اشتملت على ما يوافق الطبع من التعزّز والربوبيّة كتزكية النفس وكالخواطر النفسانية باختلاج الوساوس الشيطانية ، فلا يمكن الصبر عليها لغاية سهولتها الا بالاشتغال بهمّ يغلب عليه ويستغرق فيه.
وإما غير مقدور له وهو أيضاً على قسمين :
الأوّل : ما يقدر معه على تحصيل التشفّي بالاتيان بمثل ما فعل أو ما يزيد عليه كالأذّيات الصادرة عن الغير إذا أمكن له المعارضة بما ذكر كشتم بمثله أو ضرب بمثله ، والصبر عليه إمّا واجب كما ذكرنا ، أو مستحب نحو الجائز شرعاً ، ولذا أمر الله نبيّه وأمّة نبيّه بذلك في مواضع كثيرة ، فقال :
( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) (١) ( ودع أذاهم وتوكّل على الله ) .(٢)
__________________
١ ـ الأحقاف : ٣٥.
٢ ـ الأحزاب : ٤٨.
( واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً ) .(١)
( ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقّوا فإنّ ذلك من عزم الأمور ) (٢) ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) .(٣)
وهذا هو العفو ، وقد سبق ذكره.
والثاني : ما لم يقدر عليه أصلاً ، كالمصائب والنوائب.
وللصبر عليه درجتان ، أدناهما التلقّي بحسن فعل الجوارح من الحمد والشكر وعدم التشكّي إلى الغير ، وترك التلفّظ بما يشعر بالكراهة ولا فعله كلطم الخدّ وشقّ الجيب والصراخ ، بل التضجّر والتبرّم أيضاً.
ولا ينافيه كراهة القلب والتشكّي إلى الله والتضرّع إليه في رفعه وإعطاء عوضه.
قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : « قال الله تعالى : إذا ابتليت عبدي ببلاء فصبر ولم يشكني إلي عوّاده أبدلته لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه ، فإن أبرأته ولا ذنب له ، وإن توفّيته فإلى رحمتي ».(٤)
وأعلاهما التلقّي بالرحب والفرح والسرور قلباً رضاءاً بما فعله الحبيب.
فعن الصادقعليهالسلام : « فمن صبر كرهاً ولم يشك إلى الخلق ولم يجزع بهتك ستره فهو من العامّ ونصيبه ما قال الله عزّوجلّ :( وبشّر الصابرين ) (٥) أي بالجنّة والمغفرة.
ومن استقبل البلاء بالرحب وصبر على سكينة ووقار فهو من الخاصّ ،
__________________
١ ـ المزّمّل : ١٠.
٢ ـ آل عمران : ١٨٦.
٣ ـ النّحل : ١٢٦.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ١٢٧.
٥ ـ البقرة : ١٥٥.
ونصيبه ما قال الله تعالى( إنّ الله مع الصابرين ) .(١) »(٢)
وهذا أعلى مراتب الصبر ، وهو المراد من قولهم : « لا ينال الصبر الا ببضاعة الصديقين ».
ويحتاج نيل هذه المرتبة إلى تحصيل تمام اليقين ، كما قال عليعليهالسلام في بعض أدعيته « وهب لي من عندك يقيناً صادقاً يهوّن مصائب الدنيا والآخرة وأحزانهما ».(٣)
واعلم أنّه قد ورد في النبوي : « أنّ الصبر ثلاثة : صبر عند المصيبة ، وصبر على الطاعة وصبر عن المعصية ، فمن صبر على المصيبة حتّى يردها بحسن عزائها كتب الله لهثلاثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض ، من صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش ، ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمائة درجة مابين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش ».(٤)
وقال الصادقعليهالسلام : « الصبر صبران ، صبر عند المصيبة حسن جميل ، وأحسن منه الصبر عندما حرّم الله عزّوجلّ عليك ».(٥)
وهما يدلّان باطلاقهما على أفضليّة الصبر عن المعصية ، وايّد بكونه مقدوراً للعبد بخلاف المصيبة ، وترك المقدور أفضل وأدلّ على الاخلاص.
وقال الغزالي بأنّ الصبر على المصيبة أفضل ، لما ورد عن ابن عبّاسرضياللهعنه أنه قال « الصّبر في القرآن على ثلاثة أوجه : صبر على أداء فرائض الله فله ثلاثمائة درجة ، وصبر عن محارم الله وله ستمائة درجة
__________________
١ ـ البقرة : ١٥٣.
٢ ـ مصباح الشريعة : الباب ٩١ ، في الصبر.
٣ ـ لم أجده.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ١٢٦.
٥ ـ الكافي : ٢ / ٩٠ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الصبر ، ح ١١ عن أميرالمؤمنينعليهالسلام .
وصبر في المصيبة عند الصدمة الاولى فله تسعمائة درجة ».
ولأنّ كل مؤمن يقدر على الصبر عن المحارم ، وأما الصبر على بلاء الله فلا يقدر عليه الا ببضاعة الصدّيقين ، لكونه شديداً على النفس.(١)
قال بعض المعاصرين : والحقّ أنّ اطلاق الأفضلية في كلّ منهما غير صحيح ، إذ القول بأنّ الصبر عن كلمة كذب أو ليس ثوب حرير لحظة أكثر ثواباً من الصبر على موت أعزّة الأولاد بعيد.
وكذا القول بأنّ الصبر على فقد درهم أكثر ثواباً من كفّ النفس عن كبائر المعاصي فطامها عن اللذّات والشهوات مع القدرة عليها ، بل الصحيح التفصيل بأنّ كلّ ما كان أشقّ على النفس فثوابه أكثر ممّا هو أيسر وأسهل ، فإنّ أفضل الأعمال أحمزها ، وبه يحصل الجمع بين الأخبار.(٢)
وأنت تعلم أنّ هذا الكلام خال عن التحصيل ، لأنّ الكلام في ترجيح المتساويين في المشقّة على النفس والا فلا يلتزم أدنى محصّل فيما فرضه هذا الفاضل ترجيح الأسهل على الأصعب ، فضلاً عن مثل ذلك المحقّق الوحيد والامام الفريد. فالحقّ في الجمع بعدما بيّناه من مرتبتي الصبر عند المصيبة ، أنّ الصبر على المعصية أفضل من أدناهما خاصة ، لظهور أنّ مرتبة المحبّة والرضا والتسليم من أعلى المراتب ، ولا يفوز بها الا الصدّيقون والمقرّبون ، والمرتبة الأعلى منهما لاتحصل الا بعد حصولها.
وكيف يتأمّل أحد في كون آخر درجات الايمان أعلى من أوّلها أعني الصبر على المحارم؟
وأمّا الأدنى فهو سهل المأخذ ، بل هو أوّل درجات الصبر وأقلّ ثواباً من الصبر على المعصية لمقدوريّتها وكثرة دواعيها فتجرّع مرارة الصبر في تركها خوفاً من الله وشوقاً إلى رضاه أشقّ وأصعب من ترك الاعتراض على
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ١٢٦.
٢ ـ جامع السعادات : ٣ / ٢٨٩.
الله والتشكّي عند الغير على أمر غير مقدور له حادث منه تعالى ، قسراً ، بل الصبر على الطاعة أيضاً أشقّ وأصعب جزماً ، ويشهد لكون المراد من الصبر على المصيبة الذي رجّح عليه الصبر عن المعصية في الخبرين هذا الأدنى دون الأعلى أنّ الحكيم يتكلم فيما يعمّ نفعه للطباع البشرية ، وذلك الأعلى ليس من رتبة الأغلب ، حتى إنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مع كونه أشرف المقرّبين إلى الله تعالى لمّا مات ولده إبراهيم فاضت عيناه بالدمع وكان يقول : « العين تدمع والقلب يحزن والنقول مايسخط الرب ».(١)
فلا يتيسّر للأغلب الوصول إلى مرتبة الرضا التسليم ، بل من هو من خواصّ خواصّ المقرّبين ، كما نصّ عليه الخبر الذي نقلناه عن الصادقعليهالسلام فلا معنى لحثّ العامة عليه ، بل اللائق بحالهم الحث على الميسور ، أعني الأدنى.
ويشهد لما ذكرناه أيضاً ظهور النبوي المذكور في ذلك أيضاً ، حيث قال : « حتّى يردّها بحسن عزائها ».(٢)
مضافاً إلى نصّ الصادقعليهالسلام حيث قال : « فمن صبر كرهاً ولم يشك إلى عوّاده المصيبة ولم يجزع بهتك ستره فهو من العامّ ».(٣)
وبالجملة : إن كان المراد من الصبر على المعصيبة المرتبة الأدنى كان الصبر عن المعصية بل على الطاعة أيضاً أفضل.
والظاهر أنّه المراد من الخبرين المرجّحين له لما ذكرناه وإن كان الأقصى كانت هي أفضل.
والظاهر أنّه مراد ابن عبّاس ، وهو الذي رجّحه الغزالي ومن تبعه ،
__________________
١ ـ جامع السعادات : ٣ / ٣٠١ ، وكأنّ مراده من هذا المثال أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مع كونه أشرف المقرّبين وواصلاً إلى أعلى درجات التسليم والرضا والمحبّة كان في هذه الواقعة في مقام تعليم الناس كيفية المواجهة مع المصائب ، لأن هذا هو الذي يعمّ نفعه للطباع البشرية.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ١٢٦ ، وقد مرّ ص ٣٥٣.
٣ ـ مصباح الشريعة : الباب ٩١ ، في الشكر ، مع اختلاف.
ينادي بأنّ مراد الغزالي ذلك استدلاله الصبر على المحارم مما يقدر عليه كلّ مؤمن ، والصبر على البلاء مما لاينال الا ببضاعة الصدّيقين لظهور أنّ الأدنى ليس كذلك فظهر وجه الجمع بحمد الله تعالى.
بقى شيء وهو أنّ عدم كراهة المصبية وتلقّيها بالمحبّة مما يشكل تصوّره ، لأنّه غير مقدور للانسان ، إذ كيف يمكن الحبّ لما يؤلم القلب ويتنفّر عنه الطبع ، فلا يمكن إناطة التكليف به أصلاً.
ويشهد لذلك أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مع كونه أشرف المقرّبين وأعظم الصدّيقين كان يقول في موت إبراهيم : العين تدمع والقلب يحزن.
وكذا يظهر من أحوال سيّدنا الحسينعليهالسلام في كربلاء حصول الكراهة القلبية والبكاء من مشاهدة مصارع أولاده وإخوانه ومواليه وجزع أهل بيته وغير ذلك.
فنقول : ليس المراد من المحبّة والكراهة في هذا المقام المحبّة والكراهة الذاتيان(١) ، إذ لا يتفوّه عاقل بأنّ موت الولد محبوب للطبع لذاته ، ضرورة كونه مكروهاً بالطبع حتى للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ لم يكن منزّهاً عن الطبيعة ولوازم الجسمية.
نعم صدوره من الله سبحانه بعد اليقين بأن ما يفعله محض الخير والمصلحة صار باعثاً لحبّه ، فالحبّ لله لاينافي الكراهة بالطبع ، كما أنّ ضرب الحبيب وايذاءه محبوب للمحبّ لا لذاته ، بل لكونه صادراً عن الحبيب ، وشرب الدواء المرّ والحجامة محبوبان لفاعلهما لا لذاتهما ، بل للعلم باشتمالهما على المصلحة.
هذا ، مع أن وصل إلى درجة الاستغراق في بحار معرفة الله وانسه والاحتراق من أنوار جلاله وقدسه فأفنى نفسه في حضرته بكمال حبّه ومعرفته لم يبق له الالتفات إلى مقتضى طبيعته ، بل لم يبق له طبع يميل إلى
__________________
١ ـ كذا ، والصحيح : الذاتيّين.
لذّات الدنيا أو يتنفّر عن مكارهها.
وأمّا حزن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على فوت إبراهيم وأمثاله فقد سبقت منّا الاشارة مراراً إلى عدم إمكان مقايسة أحوالهم بأحوالنا ، فإنّهم لأجل وصولهم إلى مرتبة جمع الجمع أعني العود بعد الوصول إلى الغاية من المرتبة البشرية للارشاد والهداية لهم جنبتان : جنبة لاهوتية بها اتّصالهم بعالم القدس والجبروت ، وجنبة ناسوتية مضاهية لمادّيات عالم الناسوت ، فكثيراً ما يصدر عنهم أمور خارجة عن طوق البشر هي من آثار الجنبة الربّانية ، كما قال عليعليهالسلام : « ما قلعت باب خيبر بقوّة جسمانية ».(١)
وكثيراً ما يظهر منهم أمور مترتّبة على طباع البشرية ، كما نقل أنّهعليهالسلام كان يضعف في بعض الأوقات بحيث لايقوى على كسر قرص الشعير ولايقدر عليه الا بالاستعانة بركبتيه ، فليس للأفهام القاصرة التشكيك أو الاعتراض فيما يترائى ظاهراً من البون البعيد والتفاوت الشديد في أفعالهم وأطوارهم والتناقض الظاهر فيما ينقل من أحوالهم وآثارهم.
إنّما يتمكّن من تحصيل الصبر بتقوية باعث اليقين وتضعيف باعث الهوى.
والاولى إنّما يمكن بكثرة الفكر فيما ورد في فضله من الآيات والأخبار ، وأنّ الجزء الموعود به أكثر من الفائت لقصره وتناهيه بخلافه ، وأنّ الاضطراب والجزع قبيح يضرّ بالدين والدنيا ، ولا الفائدة له الا حبط الثواب وجلب العقاب ، لأنّ المقدّر كائن ، كما قال عليعليهالسلام :
« إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور ، وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور ».(٢)
__________________
١ ـ البحار : ٤٠ / ٣١٨ ، تاريخ أميرالمؤمنينعليهالسلام ، باب زهده وتقواه ، ح ٢.
٢ ـ جامع الأخبار : ١٣٦ ؛ نهج البلاغة : الحكمة ٢٩١ ، وفيه : « القدر بدل المقادير ».
فليعوّد نفسه على مصارعة باعث الهوى مع باعث الدين تدريجاً حتّى تدر بلذّة الظفر بها ، فتحصل له جرأة على مصارعتهما ومدافعته ، والثاني يحصل بالرياضة من الصوم والجوع وقطع مايهيّج الشهوة ومن النظر والتخيّل والتسلية بالمباح وغير ذلك.
اختلف القوم في ترجيح الصبر على الشكر وبالعكس ، والأخبار مضطربة في هذا الباب ، وسنذكر حقيقة الحال في بحث الشكر إن شاء الله تعالى.
الباب التاسع
في ذكر ما يتعلق بالعدالة
من الفضائل والرذائل
لمّا عرفت أنّ العدالة عبارة عن اعتدال القوى الثلاث وتسالمها عرفت أنّ رذائل كلّ منها معدودة من الظلم الذي هو ضدّها لاستلزام انتفاء الجزء انتفاء الكلّ ، وقد ذكرنا غير مرّة أنّ اضافة فضيلة واحة أو رذيلة واحدة إلى قوّتين أو أكثر من جهتين غير عزيزة فلا غرو في إضافة الرذائل إلى كلّ من القوى الثلاث أو بعضها تارة ، وإلى العملية أخرى ، فمن الحيثية الاولى تسمّى باسمها الخاص بها ، ومن الثانية ظلماً أو جوراً ، كما سمّى الله تعالى الشرك مع كونه من رذائل العاقلة ظلماً ، وهذا بخلاف الفضائل ، لعدم استلزام فضائلها ثبوت فضيلة العدالة ، لأنّ ثبوت العام لايستلزم ثبوت الخاص ، نعم ثبوتها يستلزم ثبوتها ، لأنّ حصول ملكة الأخذ بالوسط من كلّ شيء يتوقف على حصولها بأسرها لكونها أوساطاً من قواها ، لكن عرفت أنّ الشائع المتعارف مع تعارض الجهتين إضافتها إلى ما هي أقرب ، ولذا خصّصها علماء الفنّ بواحدة من الثلاث ، ولم يعدّ وها من أنواع العدالة لكونها بعيدة بحسب الاعتبار.
نعم لمّا كانت العدالة بمعنى الأخذ بالوسط من كل شيء ويؤول محصّله كما أشرنا إليه فيما سبق إلى ثلاثة : ما يجب للسالك مراعاته فيما بينه وبين الله تعالى كالشكر والعبادة والتوكّل والتسليم والرضا وما يجب مراعاته فيما بينه وبين الأحياء من الناس من أداء الحقوق وحسن المكافاة والنصفة في المعاملات وتعظيم الأكابر وإغاثة الملهوفين ونصح المستشيرين وقضاء حوائج إخوان الدين ونحوها ، وما يجب مراعاته بينه وبين أمواتهم كأداء الديون وإنفاذ الوصايا والصدقة والدعاء وأضرابها ، هذه ممّا لا اختصاص لها بإحدى الثلاث الا باعتبار بعيد ، فلذا عدّوها في أنواع العدالة وأضافوها إليها ، ويستلزم ذلك اندراج أضدادها تحت ضدّها أي الظلم ، ولم يضيفوها إلى تلك القوى مع إمكانها بنوع من الاعتبار لكونها عامة بعيدة ، والقريبة
أولى بالاعتبار كما عرفت.
وقد يطلق العدالة على معنى أخصّ ، أي الاستقامة على الحقّ ، وإقامة كلّ أحد عليه في الحقوق الخلقية ، وكذا الظلم على ما يقابله أي التعدّي عنها بالإضرار والأذية ، وسيذكر في أنواع ما يجب مراعاته بينه وبين الخلق إن شاء الله تعالى.
وإذ قد عرفت أنّ حاصل العدالة يؤول إلى أمرين ما يلزم مراعاته بين العبد وبين الخلق وما يلزم مراعاته بينه وبين الله تعالى ، وكذا الظلم فلنفصّل الكلام فيهما في مقامين ، وفي كلّ مقام في مقصدين :
المقام الأوّل
في ذكر أنواع الظلم بالمعنى الأعم
ويسمى جوراً أيضاً ، أي التعدّي عن الأوساط اللازمة مراعاتها ، وفيه مقصدان :
في أنواع التعدّي عن الأوساط اللازمة مراعاتها فيما بين العبد والخلق.
تمهيد
مراعاة الحقوق اللازمة مراعاتها في حصول العدالة فيما بينه وبين الخلق وتركها والتعدّي عنها حتّى يسمّى ظلماً إنّما يحتاج إلى معرفتهما مع الصحبة والمعاشرة معهم ، وأمّا مع الاعتزال والانفراد عنهم فلا ، فلابدّ أوّلاً من بيان الأفضل منهما ، فإنّ للناس اختلافاً فاحشاً في ترجيح أحدهما على الأخرى ، وظاهر كثير من قدماء الصحابة والتابعين ترجيح العزلة ، فإن بني الأمر عليه ووفّق الانسان لمرتبة الانس بالله والوحشة عن الخلق لم يحتج إلى تجشّم مراعاة حقوق العشرة وسلب رذيلة الظلم بهذا المعنى عن نفسه ، وتحصيل فضيلة العدالة كذلك ، وهذا أيضاً من فوائدها.
ونشير إلى أدلّة القولين إجمالاً ، فإنّ البسط فيها موكول إلى كتاب العزلة من الإحياء لأبي حامد ، حيث وفّاه حقّ البسط بما لامزيد عليه.
فأحسن ما يمكن أن يستدلّ به على تفضيل العزلة قول الصادقعليهالسلام : « صاحب العزلة متحصّن بحصن الله ومحترس بحراسته ، فياطوبى لمن تفرّد به سرّاً وعلانية ويحتاج إلى عشر خصال : علم الحقّ والباطل ، وتحبّب
الفقر ، واختيار الشدّة ، والزهد ، واغتنام الخلوة ، والنظر في العواقب ، ورؤية التقصير في العبادة مع بذل المجهود ، وترك العجب ، وكثرة الذكر بلا غفلة ، فإنّ الغفلة مصطاد الشيطان ، ورأس كلّ بليّة ، وسبب كلّ حجاب ، وخلوه البيت عمّا لا يحتاج إليه في الوقت قال عيسى بن مريمعليهالسلام : اخزن لسانك لعمارة قلبك ، وليسعك بيتك وفرّ من الربا وفضول معاشك ، وابك على خطيئتك ، وفرّ من الناس كفرارك من الأسد والأفعى فإنّهم كانوا دواءاً ، فصاروا اليوم داء ثم الق الله متى شئت ».(١)
وقالعليهالسلام : « فسد الزمان وتغيّر الإخوان وصار الانفراد أسكن للفؤاد ».(٢)
وروي أنّ معروفاً الكرخي قال لهعليهالسلام أوصني يابن رسول الله! فقالعليهالسلام : « أقلل معارفك ، قال : زدني ، قال : أنكر من عرفت منهم ».(٣)
ولهم أدلّة أخرى ضعيفة ، إذ غاية ما يدلّ عليه بعضها حسن الاعتزال عمّا لا فائدة فيه كمخالطة الكفّار بعد اليأس عن هدايتهم ، وبعضها الأخرى كون الأليق بحال البعض ذلك ، وأخرى على حسن الخمول والتوقّي عن الشهوة ولا ربط له بالعزلة.
وأحسن ما يمكن به الاستدلال للثاني ما ورد من الثناء على نفس الالفة وانقطاع الوحشة ، قال تعالى :
( فاصبحتم بنعمته إخواناً ) (٤) ( ولكنّ الله ألّف بينهم ) (٥)
« المؤمن ألف مألوف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف »(٦) ، و « من أراد
__________________
١ ـ مصباح الشريعة : الباب ٢٤ ، في العزلة.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٤ / ٥.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٤ / ٥.
٤ ـ آل عمران : ١٠٣.
٥ ـ الأنفال : ٦٣ ، وفي النسخ : « ألّف بين قلوب المؤمنين » ويمكن أن يكون اقتباساً من الآية.
٦ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢٨٥.
الله به خيراً رزقه خليلاً صالحاً إن نسي ذكّره وإن ذكر أعانه »(١) ، و « ما التقى المؤمنان قط الا أفاد [ الله ] أحدهما من صاحبه خيراً »(٢) ، إنّ حول العرش منابر من نور عليها قوم لباسهم نور ووجوههم نور ليسوا بأنبياء الله ولا شهداء يغبطهم النبيّون والشهداء ، فقيل : يارسول الله صفهم لنا ، فقال : هم المتحابّون في الله المتجالسون لله المتزاورون في الله »(٣) ، و « أوحى الله إلى داود ما لي أراك متفرّداً وحيداً؟ فقال : إلهي قليت الخلق لأجلك ، فقال : يا داود! كن يقظاناً وقدّر لنفسك إخواناً فكلّ خدن لايوافقك على مسرتي فلا تصحبه ، فإنّه لك عدوّ يقسي قلبك »(٤) والأخبار بهذا المضمون كثيرة.
وكذا ما يدلّ على حسن الخلق وطلاقة الوجه وقضاء حوائج المؤمنين وزيارتهم وعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم وغير ذلك ممّا لايحصى.
وما يقال : إنّ غاية ما تدلّ عليه نزع الغوائل عن الصدور وحسن الخلق وذمّ سوء الخلق الذي يمتنع بسببه المؤالفة ولايدخل فيها الحسن الخلق الذي إن خالط ألف والف وإنّما منعه عنها شيء آخر.
مدفوع بأنّه مع عدم جريانه في أكثرها خلاف المتبادر من اللفظ ، وقضية الجمع بينها وبين ما تقدّم على ما يساعده القرائن والاعتبار أنّ لكل منهما فوائد وغوائل ، فمن أمن من غوائل احديهما مع حصول فوائد الاخرى له أو عدم ايتمانه من غوائلها كان الأصلح له اختيارها ، وهو أمر مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأوقات كالنكاح ، فلابدّ من التدقيق في حال النفس والوقت وما هو الأصلح بحسبه وهو متوقّف على معرفة فوائدهما وغوائلهما.
فمن فوائد الاولى الفراغ للعبادة والتفكّر والانس بمناجاته تعالى ،
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢٨٥.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢٨٥.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢٨٦.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢٨٨.
واستكشاف أسرار عالم الملكوت ، فإنّ المخالطة شاغلة للنفس عنها ، ولذا كانصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل البعثة منعزلاً إلى جبل حراء حتى قوي فيه نور النبوّة ، بحيث لم يحجيه الخلق عن الله ، بل كان ببدنه مع الخلق وقلبه مع الله ، ولا يقوى على الجمع بينهما الا النبوّة أو الوالاية الكاملة ، وهو إنّما يتيسّر بالاستغراق في حبّ الله تعالى وانسه ، فلا يبقى لغيره متّسع فيه ، وليس بمستنكر مع ما ترى في الخلق من المستهترين بالحبّ من يخالطهم ببدنه ، ولا يفهم ما يقول أو يقال له لفرط عشقه فأمر الآخرة أعظم عند أهلها.
قال اويس لبعض من جاءه زائراً : ما جاء بك؟ قال : الانس بك ، فقال : ما كنت أرى أحداً يعرف ربّه فيأنس بغيره.
وقال بعضهم : من لايأنس بمحادثة الله عن محادثة المخلوقين فقد قلّ علمه وعمي قلبه وضيّع عمره ففي العزلة والخلوة انس بالله واستكثار من معرفته منه.
وقيل :
وإنّي لأستنعس وما بي نعسة |
لعل خيالاً منك يلقى خياليا |
|
وأخرج من بين الجلوس لعلّني |
أحدث نفسي عنك بالسرّ خاليا |
ولذا قيل : إنّ وحشة النفس عن الخلوة لخلوّها عن الفضيلة ، والاستيناس بالناس من علامات الافلاس ، وهذه من أتمّ الفوائد وأعظمها ، لأنّ الغاية القصوى هي المحبّة والمعرفة ، ولا مطمع فيهما الا بدوام الذكر والفكر الغير الحاصلين الا مع الفراغ الغير الممكن بالمخالطة.
ومنها : الاستخلاص عن المعاصي المسبّبة من المخالطة كالرياء والغيبة والسكوت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنفاق ومسارقة الطبع من أخلاق أهل الدنيا وأعمالهم الخبيثة ، فإنّ الاحتراز عن الغيبة مع الاختلاط صعب لكونها عادة مستمرّة للناس يتفكّهون بها ويستلذّون منها ، فلو وافقتهم أثمت ولو سكت أو استمعت كنت منهم ، ولو أنكرت أبغضوك
واغتابوك ، وكذا المخالطة لاتخلو عن مشاهدة المنكرات ، فإن سكت عصى والانكار معرّض للمضارّ ، وربّما انجرّ إلى معاصي اخر كثيرة ، فإنّ فيه إثارة للفتنة والخصومة وتحريكاً لغوائل الصدور ، كما قيل :
وكم سقت في آثاركم من نصيحة |
وقد يستفيد البغضة المتنصّح |
وكذا الرياء ، فإنه ممّا يعسر على الأوتاد والأبدال فلابدّ للمخالط من المداراة وللمداري من المراءاة فيقع فيما وقعوا ، وأقلّه النفاق بإظهار الشوق والمبالغة في إظهار التلطّف والاشفاق مع خلوّ القلب وفراغ الخاطر عنه حتى إنّ ذلك أمر بيّن لدى المستمع وكثيراً مّا تمتلىء القلوب من الأحقاد مع انطلاق الألسنة بالسؤال ، والأخير داء دفين قلّما يتنبّه له الأذكياء ، فإنّ وقع الفساد يسقط بكثرة المشاهدة إلى أن يذعن الطّبع بالميل إليه أو إلى مادونه ، فإن كثرة مشاهدة الكبائر من الأمثال والأقران يحقّر الصغائر في النفس ، بل يكفي في تغيّر الطباع مجرّد السماع ، فضلاً عن المشاهدة.
ولذا قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة »(١) ، فإن سببه انبعاث الرغبة عن القلب في الاقتداء بهم ، لكون فعل الخير مبداً للرحمة ، والرغبة مبدأ له وذكراً أحوال الصلحاء مبدأ لها ، فإذا كان الذكر كذلك فما ظنّك بالمشاهدة وكثرتها والطبع اللئيم مائل إلى اتّباع الهفوات والاعراض من الحسنات ، بل تقدير الاولى فيمن ليست فيه تنزيلاً له على قضيّة الشهوة.
وفي النبوي : « مثل الذي يستمع الحكمة ثم لا يحمل منها الا شرّ ما سمع كمثل رجل أتى راعياً فقال له : أحرز لي شاة من الغنم ، فقال : اذهب فخذ خير شاة منها ، فذهب وأخذ باذن كلب الغنم »(٢) ، ولذا تستنكر الطباع ما قلّ وقوعه من المعاصي وإن كانت صغائر كتختّم الفقيه بالذهب ولبسه الحرير دون ما شاع كالغيبة مثلاً فتفطّن لهذه الدقائق وفرّ من الناس
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٤ / ١٧ ، وفيه : « أجزر لي شاة ».
٢ ـ المحجة البيضاء : ٤ / ١٨.
فرارك من الأسد ، حيث لاترى منهم الا مايغفلك عن الآخرة ويهوّن عليك المعصية ، ويضعّف رغبتك في الطاعة.
ومنها : اخلاص من الخصومات والتعرّض للأخطار والفتن التي لايخلو بلد عنها.
وروى ابن مسعود أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « سيأتي على الناس زمان لايسلم لذي دين دينه الا من فرّ بدينه من قرية إلى قرية ومن شاهق إلى شاهق ومن حجر إلى حجر ، كالثعلب الذي يروغ ، قيل : ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال : إذا لم تنل المعيشة الا بمعاصي الله تعالى ، فإذا كان ذلك الزمان حلّت العزوبة ، قالوا : كيف ذلك يا رسول الله وقد أمرتنا بالتويج؟ قال : إذا كان ذلك الزان كان هلاك الرجل على يدي أبويه ، فإن ل يكن له أبوان فعلى يدي زوجته وولده ، فإن لم يكن فعلى يدي قرابته ، قالوا : فكيف ذلك يا رسول الله؟ قال : يعيّرونه بضيق اليد فيتكلّف ما لا يطيق حتى يورده ذلك موارد الهلكة ».(١) وهو وإن اختصّ بالعزوبة الا أنّه يفهم منه العزلة لعدم إمكان التزويج الا بالمعيشة المستلزمة للمخالطة اللازم منها الوقوع في الفتن والأخطار.
وقال بعضهم لمّا وبّخوه على الاعتزال وترك إتيان الجماعات والمساجد : ـ رأيت مساجدكم لاهية وأسواقكم لاغية والفاحشة في محاجّكم عالية وفيما هنا عمّا أنتم في عافية.(٢)
ومنها : الخلاص عن شرّ الناس من الغيبة وسوء الظنّ والتهمة والأطماع التي يعسر الوفاء بها والكذب والنميمة والحسد ونصب المكائد في إضراره وغير ذلك ممّا يطول الكلام بتفصيله.
وقد كان بعض الأكابر ملازماً للمقابر والدفاتر ، فقيل له في ذلك ،
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٤ / ٢٠.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٤ / ٢١.
فقال : « لم أر أنيساً أسلم من الوحدة ، وأوعظ من القبر ، ولا جليساً أمتع من الدفتر »(١) ، وبعضهم ملازماً للأشجار قائلاً « : إنّ فيها ثلاث خصال : إن سمع لم ينمّ وإن تفلت في وجهه احتمل ، وإن عربدت معه لم يغضب »(٢) ، ولايخلو الانسان في دينه وأفعاله ودنياه وأخلاقه من عورات يكون الأحسن بحاله سترها ولايمكن بالمخالطة.
ومنها : انقطاع الطمع عنه ، فإن رضى الناس غاية لاتدرك وتعميم الناس بجميع الحقوق متعسّر ، بل متعذّر ، والأشغال والأعذار كثيرة لايمكن إظهارها لكل أحد ، والتخصيص مورث للوحشة والبغضاء ، فإذا عمّمهم بالحرمان رضوا عنه ، وفي عكسه أيضاً فائدة جزيلة ، فإن من شاهد أهل الدنيا ومامتّعوا به من زهرتها ونعيمها فإما أن يقوى دينه ويقينه للصبر ففيه تجرّع لمرارته الذي هو أمرّ من الصبر ، أو تنبعث رغبته إلى الدنيا فيحتال في طلبها فيهلك مؤبّداً.
أمّا في الدنيا فبالخيبة عمّا يطمعه غالباً والوقوع في الأخطار والآفات والمهانة والاذلال بذلك.
وأمّا في الآخرة فبايثاره متاع الدنيا على الآخرة ولذا قيل :
إذا كان باب الذلّ من جانب الغنا |
سموت إلى العلياء من جانب الفقر |
ومنها : الخلاص عن مشاهدة الحمقى ومقاساة أخلاقهم ، فإنّ رؤية الثقيل هو العمى الأصغر ، وقال جالينوس : حمّى الروح مشاهة الثقلاء.
وأغلب هذه الفوائد وإن تعلّقت بالدنيا الا أنّها ربّما تؤدّي إلى الدين أيضاً ، فإنّ رؤية الثقيل يستلزم غيبته غالباً ، والاستنكار لصنع الله وغير ذلك.
ومن فوائد المخالطة التعلّم والتعليم وهما من أعظم العبادات كما أشير
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٤ / ٢٢.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٤ / ٢٢.
إليه ساببقاً إذا كانا فيما يحتاج ليه لأمر الآخرة وضروري الدنيا مع صحّة النيّة فيهما وخلوصهما عن الأغراض الفاسدة ، فالاعتزال قبل التعلّم اللازم تضييع للأوقات بما لا ينفع بل يضرّ ، بل يحسب( من الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً ) .(١)
وكذا ترويج العلوم بالتعليم وإرشاد الناس إلى الصراط المستقيم من أفضل الطاعات مع خلوص النيّات وحصول القابل للتعلّم الجامع لآدابه السالفة دون ماشاع في هذا العصر منهما ، فإنّ فسادهما أكثر من نفعهما كما لا يخفى.
ومنها : النفع والانتفاع بالمكاسب والمعاملات إن احتاج إليها أو قصد مقصداً صحيحاً شرعياً ، لكن لو كان عنده ما يكفيه مع القناعة كان الأفضل له العزلة لانسداد طرق المكاسب في هذه الأزمنة غالباً الا من المعاصي ، وكذا العزلة لتحصيل المعارف الحقّة أفضل من الكسب للصدقة على الناس ، ونفع الناس بماله أو بدنه وبالقيام بحوائجهم وقضائها له ثواب عظيم مع القيام بحدود الشرع فهو أفضل من العزلة للنوافل والأعمال البدنية الا أنّه لايعادل العزلة للاقبال بكنه الهمّة على الله والتجرّد لذكره والانس بمناجاته عن كشف وبصيرة لا عن أوهام فاسدة وخيالات باردة وظنون واهية لمن وفّقه الله للوصول إلى تلك المرتبة العالية.
ومنها : التأدّب ، أي الارتياض بمقاساة الناس والمجاهدة في تحمّل أذاهم كسراً للنفس وقهراً للشهوات ، وهذا مما يحتاج إليه في بدو السلوك ، وأمّا بعد حصول الارتياض فلا ، إذ ليس مقصوداً لذاته ، فإنّ البدن مركب للنفس تسلك به سبيل الآخرة ، فلابدّ من رياضتها وكسر شهواتها حتى لا تهمج(٢) وينتفع بركوبه وسلوكه للطريق بالوصول إلى المقصد ، فلو اشتغل برياضتها
__________________
١ ـ الكهف : ١٠٤.
٢ ـ كذا ، والظاهر : لاتجمع كما في المحجّة البيضاء (٤ / ٣٠).
دائماً بدون انتفاع منه باستعماله فيما يراد منه كان كالنائم والميّت في الخلاص عن ألم الشهوات مع عدم حصول الغاية المقصودة منها ، فالعزلة أفضل له حينئذ ، ونحوه التأديب ، أي تهذيب من كان مستعدّاً ، فإنّه لايمكن الا بالمخالطة معه كالمعلّم ، ويتطرّق إليه من الرياء وسائر الأخطار ما يتطرّق إليه ، فلابدّ من التدقيق في مقابلة ما تيسّر له منه بما يتيسر من العزلة ثم إيثار ما هو الأفضل له.
ومنها : الاستيناس بالناس في مواضع العشرة والانس كمجالس الولائم والدعوات وهو حظّ للنف في الحال ، فما يكون مشتملاً على فعل حرام محرّم ، أو مباح مباح ، فما أو مستحبّ كالانس بالملازمين لسمة التقوى بمشاهدة أحوالهم واستماع أقوالهم ، فمستحب ، ومنه ما لو كان الغرض منه ترويح القلب لتهييج النشاط في العبادة ، فإنّه يعمى إذا أكره ويتنفّر بتكليف المداومة في الرياضة والعبادة ، فلا يستغنى المتزل أبداً عن رفيق يستأنس به في بعض الأوقات ، الا أنّه يجتهد في طلب من لايفسد عليه بقيّة أوقاته ، وليكن غالب محادثته في أمور الدين والتشكّي من أحوال القلب والتفحّص عمّا به بهتدي إلى الحقّ.
ومنها : نيل الثواب بحضور الجنائز وعيادة المرضى والجمعة والعيدين والجماعا ، بل الإملاكات والدعوات من حيث إدخاله السرور على قلب مسلم ، وكذا إنالة الثواب بفتح الباب ليعزّوه أو يهنؤوه أو يعودوه ، فينالوا به الثواب ، أو كونه من العلماء فينالوا بزيارته الثواب.
ومنها : التواضع ، فإنّه من أفضل المقامات ولا يقدر عليه في العزلة ، بل قد يكون سببها الكبر بتحقير الناس أو خوف أن لا يوقّر ولا يقدّم أو كون عزلته أدخل في عزّته وجاهه عند الناس أو خوف ظهور قبائحه لو خالطهم فلا يعتقدوا فيه الزهد والعبادة فيستتر بها عن مقابحه إبقاء لاعتقادهم فيه ، وعلامة هؤلاء أنهم يحبّون أن يزاروا ولا يزوروا ويفرحون بتقرّب العوام
والحكام إليهم ، فمن ليس مشغولاً مع نفسه بذكر الله فسبب اعتزاله عن الناس شدّة اشتغاله بالناس فلا يستحبّ العزلة الا للمستغرق بربّه ذكراً وفكراً وعلماً وعبادة ، بحيث لو خالط الناس لضاعت أوقاته وكثرت آفاته وتشوّشت عليه عباداته.
ومنها : التجارب الحاصل(١) من مخالطة الخلق ومجاري أحوالهم إذ لايكفي العقل الغريزيّ في تفهّم مصالح الدارين ، بل يفيده التجربة والممارسة ، ومن أهمّها أن يجرّب نفسه وأخلاقه وصفاته حيث لايمكن الاطّلاع عليها في الخلوة ، فإنّ كل غضوب أو حقود أو حسود إذا خلّي ونفسه لم يترشّح منه خبثه ، وهذه الصفات مهلكات في أنفسها فتجب قلعها وقمعها ، ولا يكفي تسكينها بالتّباعد عن محركاتها ، فكما أنّ الدمل الممتلي بالقيح والمدّة(٢) لايحسّ صاحبه بألمه مالم يتحرّك أو يمسّه غيره ولو لم يكن له يد تمسّه أو عين تبصره أو معه أحد يحرّكه ربّما يظنّ بنفسه السلامة ، فكذا القلب المشحون برذائل الأخلاق إنّما تنفجر عنه خباثته بالتحريك ، ولذا كان السلف يجرّبون أنفسهم بحمل قرب الماء وحزم الحطب بين الناس في الأسواق ، ويحكى عن بعض الأكابر أنّه قال : أعدت صلاة ثلاثين سنة مع انّي كنت أصلّيها في الصفّ الأوّل ، ولكن تخلّفت يوماً لعذر فما وجدت موضعي فيه فوقفت في الصف الثاني فوجدت في نفسي تشعر خجلة من نظر الناس إليّ.
ولذا قيل : إنّ السفر سمّي سفراً لإسفاره من الأخلاق ، لكونه نوعاً من المخالطة.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الحكم بترجيح أحدهما على الآخر مطلقاً غلط ، بل ينبغي النظر إلى الشخص وحاله وخليطه وحاله والباعث على مخالطته والفائت بسببها من الفوائد المذكورة ويقاس الفائت بالحاصل ، فعند
__________________
١ ـ كذا ، والصحيح : الحاصلة.
٢ ـ المدّة كقلّة : ما يجتمع في الجرح من القيح.
ذلك يتضح الأفضل ، ويتبين من ذلك أن الاولى بحال السالك مراعاة الاعتدال فيهما.
ثم إن تعذر عليك أن تعيش معتزلاً عن الخلق ولم يتم عيشك إلا بالمخاطة لأبناء نوعك أو كانت أصلح بحالك من العزلة لم يكن لك بد من معرفة آدابها ولمخالطة كل من تريد أن تخالطه أدب خاص على قدر حقه عليك ، وبواسطة رابطته التي بها وقعت الخلطة وأخصها القرابة وأعمها الاسلام وفيما بينهما حق الجوار وحق الصحبة في السفر أو المكتب أو الدرس أو الصداقة أو الاخوة ولكل منهما درجات فحق الرحم المحرم آكد في حقوق القرابة من غيره ، وحق الوالدين آكد في حقوق المحارم من غيرها ، وحق المسلم يتأكد بالمعرفة التي لها درجات مختلفة ، وحق الصحبة في الدرس والمكتب آكد من صحبة السفر ، وكذا للصداقة مراتب ، فإنها إذا قويت صارت اخوة ثم إن ازدادت صارت خلة ، فإن الخلة عبارة عن تخلل الحب جميع أجزاء القلب ظاهراً وباطناً واستيعابه له فالخليل أخص من الحبيب ، فالتعدي في كل من مراتبها ظلم وجور ، أي تعد عن الوسط اللازم مراعاته فيما بينه وبين الخلق ، ونحن نشير هنا إلى أنواع التعديات المذكورة في عدة فصول.
فصل
إيذاء المؤمن بل المسلم وإهانته من المحرمات ، ومستوجب للهلاك.
قال الله تعالى :( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً ) .(١)
وفي النبوي : « من آذى مؤمناً فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ،
__________________
١ ـ الأحزاب : ٥٨.
ومن آذى الله فهو ملعون في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ».(١)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه ».(٢)
و « المؤمن حرام على المؤمن أن [ يظلمه أو ] يخذله أو يغتابه أو يدفعه دفعة ».(٣)
وفي النبوي : « قال الله تعالى : من أهان لي وليّاً فقد أرصد لممحاربتي ».(٤)
والأخبار كثيرة ، ومن عرف النسبة التي بين العلّة والمعلول والارتباط الخاص الذي بينهما علم أنّ أذيّة المسلم أذيّة الله ، فلابدّ للعاقل أن يتذكّر ذلك دائماً ويحافظ نفسه عنه حتّى لا يفتضح في الدنيا والآخرة ، ويصير له ضدّه ملكة.
فصل
من أعظم شعب الإيذاء وأنواعه التعدّي على حقوق الناس بالإضرار بهم والشائع المتعارف إطلاق الظلم عليه ، فيشمل القتل والنهب والسرقة والضرب والشتم والقذف والغيبة وغيرها من الأذيات ، ولعلّ تخصيصها عرفاً بالإطلاق لأظهريّة معناه وأكمليّته فيها.
ثم إنّ صدوركلّ منها إن كان من العداوة والحسد كان من تلك الحيثية من رذائل الغضبية ، ومن حيث إنّه ظلم وتعدّ عن الوسط اللازم مراعاته فيما بينه وبين الخلق ظلماً ، بل من الجهة الاولى أيضاً لكونها تعدّياً عن الوسط المطلوب في القوّة الغضبية ، وكذا إن كان باعثه الحرص والطمع كان من هذه الحيثية من رذائل الشهوية ، ومن حيث كونه تعدّياً عن حقوق الناس اللازمة مراعاتها في تحقّق معنى العدالة المطلوبة ظلماً.
__________________
١ ـ جامع الأخبار : ١٧٢.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٥٨ ، وفيه : « من لسانه ويده ».
٣ ـ الكافي : ٢ / ٢٣٥ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب المؤمن وعلاماته ، ح ١٩.
٤ ـ الكافي : ٢ / ٣٥١ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب من آذى المسلمين ، ح ٣.
فظهر أنّه لا وجه لعدّ الظلم من رذائل الغضبية والشهوية ، كما توهّم(١) ، إذ معناه التعدّي عن الحق الذي هو الوسط وهذا هو الضدّ للعدالة. نعم يمكن إلحاق خصوصيّات أفراده باعتبار بواعثها المخصوصة بكلّ منهما وإن كانت باعتبار أنّها ظلم من أفراد الظلم بالمعنى الأعم.
ثم إنّه من أعظم المعاصي شرعاً وأقبحها عقلاً ، وقد تأكّد ذمّه في الكتاب والسنّة.
قال الله تعالى :( ولا تحسبنّ الله غافلاً عمّا يعمل الظالمون ) .(٢)
( وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون ) .(٣)
( إنّما السبيل على الّذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحقّ أولئك لهم عذاب أليم ) .(٤)
وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أنّ جور ساعة في حكم أشدّ وأعظم عند الله تعالى من معاصي ستّين سنة ».(٥)
وقال الباقرعليهالسلام : « الظلم ثلاثة : ظلم يغفره الله ، وظلم لا يغفره ، وظلم لايدعه ، فالذي لايغفره الله الشرك ، والذي يغفره الله ظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله ، والذي لايدعه فالمداينة بين العباد ».(٦)
وقال الصادقعليهالسلام : « ما من مظلمة أشدّ من مظلمة لايجد صاحبها عليها عوناً الا الله عزّوجلّ ».(٧)
« وقالعليهالسلام : من ظلم سلّط الله عليه من يظلمه أو على عقبه أو على
__________________
١ ـ جامع السعادات : ٢ / ٢١٩.
٢ ـ إبراهيم : ٤٢.
٣ ـ الشعراء : ٢٢٧.
٤ ـ الشوري : ٤٢.
٥ ـ جامع الأخبار : ١٨٠.
٦ ـ الكافي : ٢ / ٣٢٠ ـ ٣٣١ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الظلم ، ح ١ ، مع تلخيص.
٧ ـ الكافي : ٢ / ٣٣١ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الظلم ، ح ٤.
عقب عقبة ، قال الراوي : يظلم هو فيسلّط على عقبه؟ فقالعليهالسلام : إنّ الله يقول :( وليخشى الّذين لو تركوا من خلفهم ذريّة ضعافاً خافوا عليهم فليتّقوا الله وليقولوا قولاً سديداً ) .(١)
قيل : والظاهر أنّ مؤاخذة الأولاد بظلم آبائهم إنما هو من الأولاد الذين كانوا راضين بفعل آبائهم أووصل إليهم أثر ظلمهم أي انتقل إليهم من أموال المظلومين.
وقيل : إنّ الدنيا دار مكافاة وانتقام ، وإن كان بعض ذلك ممّا يؤخّر إلى الآخرة ، وفائدته بالنسبة إلى الظالم ردعه عن الظلم إذا سمع به ، وبالنسبة إلى المظلوم [ استبشاره بنيل الانتقام في الدنيا مع نيله الثواب في الآخرة ، فإنّ ما يأخذه هناك من دين الظالم ](٢) لو كان له دين أكثر ممّا أخذه من ماله ، وبهذا يصحّ الانتقام على العقب وعقب العقب فإنّه وإن كان في صورة الظلم لكونه انتقاماً من غير أهله( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) (٣) الا أنّه نعمة من الله عليه في المعنى من جهة ثوابه في الدارين ، فإنّ ثوابه أكثر ممّا جرى عليه من الظلم.(٤)
أقول : مع أنّ في كونه في صورة الظلم لما ذكر تأملّاً لظهور أنّ لكلّ من المعاصي آثاراً ولوازم كاستلزام الخمر للسكر ، فلعلّه من هذا القبيل دون المجازاة والمكافاة حتّى يلزم الظلم في الانتقام من الغير على فعل الغير.
وكما أنّ الظلم قبيح مؤكّد إثمه ، فكذا الاعانة عليه ولو بمدّة قلم وربط كيس وتكثير سواد ، وهذا وإن كان كلياً في المعاصي بأسرها قال الله تعالى :
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٣٣٢ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب بالظلم ، ح ١٣ ، مع تغيير ، والآية في النساء : ٩.
٢ ـ ساقط من « ب ».
٣ ـ الإسراء : ١٥.
٤ ـ جامع السعادات : ٢ / ٢٢١ ـ ٢٢٢.
( ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) (١) الا أنّه منصوص في خصوص المقام.
قال الصادقعليهالسلام : « إذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين الظلمة وأعوان الظلمة ومن لاق(٢) لهم دواةً أو ربط لهم كيساً أو مدّهم بمدّة قلم؟ فاحشروهم معهم ».(٣)
فصل
ومن شعب الإيذاء والإضرار إخافة المسلم وإدخال الكرب في وجهه وطلب عثراته والتجسّس عن عوراته وإظهارها عند الناس.
وقد ورد في خصوص كلّ منها الذمّ الشديد في الأخبار.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من نظر إلى مؤمن نظرة يخيفه بها أخافه الله يوم لا ظلّ الا ظلّه ».(٤)
وقال الصادقعليهالسلام : « من روّع مؤمناً بسلطان ليصيبه منه مكروه فلم يصبه فهو في النار ، ومن روّعه بسلطان ليصيبه منه مكروه فأصابه فهو مع فرعون وآل فرعون في النار ».(٥)
وقال الله تعالى :( ولا تجسّسوا ) (٦) ،( إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا لهم عذاب أليم ) .(٧)
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « يا معشر من أسلم بلسانه ولم يسلم بقلبه لاتتبّوا عثرات المسلمين ، فإنّه من تتبّع عثرات المسلمين تتبّع الله عثراته ، ومن تتبّع
__________________
١ ـ المائدة : ٢.
٢ ـ في النسخ : « لان » وهو تصحيف.
٣ ـ جامع الأخبار : ١٨١.
٤ ـ الكافي : ٢ / ٣٨٦ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب من أخاف مؤمناً ، ح ١.
٥ ـ الكافي : ٢ / ٣٨٦ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب من أخاف مؤمناً ، ح ٢ ، مع اختلاف.
٦ ـ الحجرات : ١٢.
٧ ـ النور : ١٩.
الله عثراته يفضحه ».(١)
وقيل للصادقعليهالسلام : شيء يقوله الناس : عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ فقال : « ليس حيث يذهبون ، إنّما عنى عورة المؤمن أن يزلّ زلّة أو يتكلّم بشيء يعاب عليه فيحفظه عليه ليعيّره به يوماً ما ».(٢)
فما أقبح حال من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه ، بل هو أدلّ دليل على خبث باطنه وسوء سريرته.
ومنها : إفشاء السرّ والنميمة والشماتة والسخرية ، وقد تقدّم ذكرها.
ومنها : الإفساد بين الناس ، وهو من المهلكات العظيمة.
قال الله تعالى :( الّذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون ) (٣) ( ... لهم اللعنة ) .(٤)
وقال :( إنّما جزاء الّذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ) .(٥)
ومنها : الغدر والخيانة في المال أو الجاه أو العرض أو غيرها ، ويدخل فيها البخس في الكيل والوزن والغشّ بما يخفى وكلّ تدليس وتلبيس.
وقد ورد في ذمّ كلّ من أقسامه نصوص كثيرة ، وفي مدح الأمانة التي هي ضدّها ، فمن تأمّل فيها وعلم أنّ الخيانة توجب في الدنيا الفضيحة والعار والعذاب الأليم في دار القرار ، والأمانة تؤدّي إلى خير الدنيا وحسن القبول في نظر الخلق والسعادة في دار البقاء سهل عليه تركها والاتّصاف
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٣٥٥ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب من طلب عثرات المؤمنين ، ح ٤.
٢ ـ الوسائل : كتاب الطهارة ، أبواب آداب الحمام ، الباب ٨ ، ح ١.
٣ ـ البقرة : ٢٧.
٤ ـ الرعد : ٢٥.
٥ ـ المائدة : ٣٣.
بضدّها ، على أنّ الباعث إمّا العداوة وطلب الجاه ونحوهما من رذائل الغضبية ، وإمّا الحرص والطّمع وما يشابههما من رذائل الشهوية ، فأنفع شيء في علاجها قطع بواعثها بما ذكر في محلها.
فصل
ومنها : الغيبة ، وهي أن يذكر الغير ولو إيماءاً أو رمزاً أو كتابة أو محاكاة.
وبالجملة : ما يفهم منه نقص في بدنه أو أخلاقه أو أفعاله أو أقواله المتعلّقة بدينه أو دنياه ولو في لباسه أو داره ، بحيث لوبلغه كرهه ، ويشهد لهذا التعميم بعد الاجماع المدّعى في كلام جماعة قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « هل تدرون ما الغيبة؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ذكرك أخاك بما يكره ».(١)
وقيل بحضرته : فلان ما أعجزه! فقال : « قد اغتبتم صاحبكم ».(٢)
وقالت عائشة : فلانة قصيرة ، فقال : « اغتبتها ».(٣)
وقال أحد الشيخين للآخر : فلان نوّام ، ثم سألا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إداما ، فقال : « تأدّمتما من لحم صاحبكم ».(٤)
وربما قيل بأنّه لاغيبة في أمر الدين ، فإنّها ذمّ لمن ذمّه الله ورسوله.
وقال الصادقعليهالسلام : « صفة الغيبة أن يذكر أحد بما هو ليس عند الله بعيب وأمّا الخوض في ذكر غائب بما هو عند الله مذموم وصاحبه فيه ملوم فليس بغيبة وإن كره صاحبه إذا سمع به ، وكنت أنت معافى عنه طالباً منه وتكون مبيناً للحقّ من الباطل ببيان الله ورسوله ولكن على شرط أن لايكون للقائل بذلك مراد غير بيان الحقّ والباطل في دين الله
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٥٦.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٥٦.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٥٦ ـ ٢٥٧.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٠٦ ، في النسخ : « تاد تما من لحم صاحبكما ».
الحديث ».(١)
وذكر عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كثرة عبادة امرأة وأنها تؤذي جيرانها ، فقال : « هي في النار ».(٢)
وذكرت عنده امرأة أخرى وأنّها بخيلة ، فقال : « فما خيرها إذن؟ ».(٣)
وهو ضعيف ، فإنّ الأخبار الناهية عن هتك أستار العباد مع ما فيها من التشديدات ممّا لا تحصى ، ولعلّنا نقلنا بعضها فيما سبق والخبر الأوّل ظاهر في المموّه المبتدع إذا صار سبباً لالتباس الحقّ بالباطل وحينئذ يجوز بل يجب كما سيأتي والآخران لا دلالة لهما على تعيين شخصهما ، فلعلّ السؤال عن أمراة تكون بهذه الصفة فلا دخل له بالمقام حينئذ ، مع أنّ مقام السؤال والاستفتاء من المستثنيات كما سيجيء.
ويدلّ على التعميم الأوّل ما روي أنّ عائشة أو مأت بيدها إلى امرأة أي هي قصيرة ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « قد اغتبتها ».(٤)
ولمّا رآها حكت وأومأت قال لها : « ما يسرّني أنّي حاكيت ولي كذا وكذا ».(٥)
مع أنّ سرّ النهي تفهيم القبائح ، فربما كان في بعضها أبلغ من القول ، فلو لم يعيّن لم يضرّ ، كأن يقول : ما يقوله أو يفعله بعض الناس أن بعض أهل عصرنا إذا لم تكن قرينة معيّنة من عهد أو غيره ، لأنّ المحذور نشأ من التفهيم دون ما يحصل به ، وربما جامعت الرياء وتزكية النفس تصريحاً أو تعريضاً مثل الحمد لله الذي لم يجعلنا مثل فلان ، أو كذا فيتغلّظ إثمه ، وكذا لو جامع النفاق كذلك نحو نسأل الله أن يروّح عن صديقنا فلان فقد جرى
__________________
١ ـ مصباح الشريعة ، الباب ٤٩ ، في الغيبة.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٥٦.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٥٦.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٥٨.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٣٦ ، مع اختلاف.
عليه كذا ، أو مسكين فلان فقد ابتلي بكذا ، وهو كاذب فيما يظهره من التأسّف والدعاء ، وهي تشمل التصديق ، بل الإصغاء ولو ساكتاً.
فعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أنّ المستمع أحد المغتابين ».(١)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أذلّ عنده مؤمن وهو يقدر على أن ينصره فلم ينصره أذلّه الله يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ».(٢)
وقالعليهالسلام : « ما من رجل ذكر عنده أخوه المسلم وهو يستطيع نصره ولو بكلمة ولم ينصره الا أذلّة الله في الدنيا والآخرة ، ومن ذكر عنده أخوه المسلم فنصره نصره الله في الدنيا والآخرة ».(٣)
وعمّم التوبيخ والانكار والحكم بكونه غيبة بالنسبة إلى القائل والمستمع كما في حكاية الشيخين وغيرها.
وقد ورد في مدح نصرة المسلم والذب عن عرضه وفضلهما أخبار كثيرة :
ففي النبوي : « من ذبّ عن عرض أخيه المسلم كان حقّاً على الله أن يستقيله من النار ».(٤)
ثم ما يدلّ على ذمّ الغيبة من الكتاب والسنّة كثير ، وقد شبّهه الله تعالى بأكل لحم الميتة وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّها أشدّ من الزنا ، وإنّها أسرع في دين الرجل من الآكلة في جوفه.(٥)
وقال : « من اغتاب مسلماً أو مسلمة لم يقبل الله صلاته ولا صيامه أربعين يوماً وليلة الا أن يغفر له صاحبه ».(٦)
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٦٠.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٦٠ ، مع اختلاف.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٩٣ ـ ٣٩٤.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٣٦١ مع اختلاف.
٥ ـ راجع المحجة : ٥ / ٢٥١ و ٢٥٥.
٦ ـ جامع الأخبار : ١٧١.
وأوحى الله إلى موسىعليهالسلام : « أنّ من مات تائباً من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنّة ، ومن مات مصرّاً عليها فهو أوّل من يدخل النار ».(١)
وقال الصادقعليهالسلام : « من اغتاب أخاه المؤمن من غير ترة بينهما فهو شرك شيطان »(٢) و « إنّ الغيبة تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ».(٣)
إلى غير ذلك.
فما أقبح حال من أغفله الشيطان عن عيوب نفسه وأشغله بعيوب الناس ، وما أحسن حال من أشغله عيوب نفسه عنها ، كما قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم (٤) ، فاللازم على العاقل المؤمن بالله وما جاءت به رسله إذا ابتلي بهذه الخصلة الذميمة السعي في قلعها وقمعها بالتذكّر لمفاسدها الأخرويّة ، والمواظبة على ملاحظة التشديدات الواردة فيها والدنيوية من صيرورتها سبباً للعداوة أو ازديادها غالباً ، فربما انجرّ إلى ما لايمكن تداركه من الفواحش كالقتل والضرب ونحوهما.
وبالجملة : فليتفكّر بعد ذلك في أنّ العيب إن كان خلقيّاً فذمّه عليه في الحقيقة ذمّ لصنع الخالق ، وليس اختيارياً له حتّى يثبت له وإن كان اختيارياً فإنّ عيوب نفسه ليست بأقلّ وأهون منه ، ولو زعم أن لاعيب له كان ذلك من أعظم العيوب ، مضافاً إلى ما ارتكبه من الغيبة ، وأنّ تألّم الغير من غيبته كتألّمه من غيبة الغير له فإن رضي بذا فليرض بذا فليرض بذلك ، فيدعوه التذكّر والتفكّر المذكوران إلى العزم على الترك ، إن شاء الله تعالى.
والعمدة في تسهيله على النفس الاطلاع على أسبابها حتّى يمكن له الاحتراز عنها بالاحتراز عنها كما أشير إليه مراراً ، وهي لا تخلو من أحد أشياء.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٥٢.
٢ ـ البحار : ٧٣ / ٣٥٦ ، مساوى الأخلاق ، الباب ١٣٧ ، ح ٦٦ ، وكان ذيل الحديث في النسخ هكذا : « من غير تنزه منهما فهو شريك الشيطان » وصحّحناه.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٥٥.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٦٤.
تشفّي الغيظ بسكون هيجان الغضب بذكر المساوي طبعاً ، وقد لايتشفّى به لكمونه واستقراره في الباطن حتّى صار حقداً ثابتاً فيدعو إلى ذكر المساوي دائماً ، فهما من أعظم دواعيها.
أو موافقة الأقران ومجاملة الأصحاب خوفاً من تنفّرهم عنه لو خالفهم فيساعدهم ظنّاً منه أنّه من حسن العشرة والمجاملة في الصحبة.
أو توهّم سبقه عليه في الخوض في عيوبه وتقبيح حاله عند الناس أو شهادته عليه بسوء فيسبقه في ذلك يستشهد لأكاذيبه التالية به والتلبيس بتعرّضها في معرض الصدق أو دفع ما ينكر عليه من القبائح الصادرة عنه عن نفسها بإثباتها لغيره حتّى يسكتوا عنه.
وقد يكون غرضه الاعتذار في سلب القبح عن نفسه بعدم تفرّده فيه ووجود شريك له في ذلك ، هذا مع تسليمه القبح ، فلو اعتقد عدمه واستشهد بفعل من يرى فعله حجّة ، فلعلّه ليس بغيبة.
أو الافتخار وتزكية النفس نحو فلان ليس من شأنه فهم هذه المطالب وتعليمها ، بل هو محض ادّعاء منه إشعاراً بتفرّده فيها.
وربّما ذكره توقّعاً لمثل ما يفعله الناس بالمغتاب من الإكرام أو نحوه ، أو الحسد بما يراه منه من نعمة المال أو الجاه أو غيرهما ، فيتوقّع زوالها عنه بذكر معايبه فيسقط ماء وجهه عند الناس فلا حاجة إلى سابقة كلفة بينهما بل ربّما صار مع الصديق أو القريب الموافق.
أو اللعب والهزل وتضحيك الناس بالمحاكاة وأنواع التعجّبات أو الاستهزاء تحقيراً له وتكّبراً عليه ، فإنه يجري في الغيبة كما يجري في الحضور.
وربما نشأت من التعجّب أو الإنكار الناشئين من الدين مع الصدق في ذلك الا أنّ الشيطان غرّه بالتعيين بذكر اسمه فلم يتفطّن بإمكانه بدونه ومنه
ما شاع بين الناس من قولهم عجباً من فلان مع فضله وذكائه كيف يقرأ عند فلان مع أنّه لايفهم شيئاً ، أو العجب منه مع حسن سليقته واستقامة طبعه كيف يحبّ هذه الجارية او المرأة المكروهة وأمثال ذلك.
وقد تنشأ من الترحّم والاغتمام الصادقين ممّا ابتلي به فينسيه ذلك لم ينفع إلا بالتفضيح جاز ، وربما كان له عذر في فعله بحيث لم يطلع عليه فلا وجه لغيبته أولاً.
وقد تكون غضباً لله تعالى مع أنّ الواجب أوّلاً نصحه ومنعه سرّاً ، فإن لم ينفع إلا بالتفضيح جاز ، وربما كان له عذر في فعله بحيث لم يطّلع عليه فلا وجه لغيبته أوّلاً.
كما روي أنّ رجلاً مرّ على قوم فسلّم عليهم فردّوا عليه فلمّا جاوزهم قال واحد منهم : إنّي ابغضه لله تعالى ، فأنكر أصحابه عليه فبثوا إلى الرجل من يخبره بذلك ، فاشتكى إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فدعاه فسأله فصدّقه ، فقال : لم تبغضه؟ فقال : إنّي جاره وأنا به خبير ، والله مارأيته يصلّي صلاة الا هذه المكتوبة ، فقال : يا رسول الله! فاسأله هل رآني أخرّتها عن وقتها أو أسأت الوضوء لها والركوع والسجود؟ فسأله فقال : لا ، فقال : والله ما رأيته يصوم شهراً قطّ الا هذا الشهر الذي يصومه كلّ برّ وفاجر ، قال : فاسأله يارسول الله هل رآني أفطرت فيه أو نقصت من حقّه شيئاً؟ فسأله فقال : لا قال : والله مارأيته يعطي سائلاً قطّ ولا مسكيناً ولا رأيته ينفق من ماله شيئاً في سبيل الخير الا هذه الزكاة التي يؤدّيها البرّ والفاجر ، قال : فاسأله هل رآني نقصت منه شيئاً أو ماكست طالبها الذي يسألها؟ فسأله فقال : لا ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم للرجل : قم فلعلّه خير منك.(١)
فإذا علم أنّ دواعيها لا تخلو مما ذكر تفحّص عن نفسه أنّ داعيه من أيّها فإن كان الغضب عالجه بما ذكرناه فيه ، وكذا الحقد والحسد.
وأمّا الموافقة فبأن يعلم أنّ من طلب سخط الله تعالى في رضى
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٦٣ ـ ٢٦٤ مع اختلاف.
المخلوقين كان حقّاً على الله أن يسخط الخلق عليه كما جرّبناه مراراً ، وكيف يرضى عاقل بتوقير مثله العاجز عن إحسانه وإساءته وتحقير مولاه المنعم المحسن إليه القادر على الانتقام عنه وممّن يوفقهم في معصيته ، بل اللازم الغضب عليهم لله سبحانه لعصيانهم له بأفحش الذنوب.
وأمّا التنزيه فمرجعه إلى سابقه في الحقيقة لأنّه دفع لمقت الخلق شكّاً أو وهماً بما يسخط الربّ يقيناً وهو من غاية الجهل والحماقة ، وأشدّ منه الاعتذار بحصول شريك له فيه ، إذ لايجوز الاقتداء بالغير في المعاصي والقبائح ، فلو سقط أحد من الجدار بجهله فأسقطت نفسك مع التمكّن عن الشرع ، بل ضحكت بنفسك ممّن يعتذر بمثله تعجّباً من نقصان عقله ، فكيف وقد أضفت إلى حماقتك الفاضحة عصياناً مجدّداً.
وأمّا تزكية النفس والافتخار فبأنّ فضيلتك سقطت بهما عن الاعتبار عند الله سبحانه يقيناً وغير معلوم ثبوتها عند الخلق بذلك ، بل المظنون سقوط منزلتك عندهم أيضاً بمدح نفسك وذمّ غيرك فهو بيع لما عند الله يقيناً بما عند المخلوقين وهماً ، ولو فرض ثبوت اعتقادهم فيك لم يغنوا عنك من الله شيئاً ولم ينفعوك أصلاً.
وأمّا الاستهزاء فما أقبح حال من غفل عن خصارته في حسناته وخزيه وهوانه بحمله سيّئات من يستهزي به مساقاً(١) إلى جهنّم وما أجهله بعاقبة حاله ولو عرفها كان أولى بالضحك من نفسه والاستهزاء بها.
وأمّا التعجّب فهو أحرى بالتعجّب وهتك الستر فيتعجّب منه ، كما هتك ستر الغير بحيث تعجّب منه.
وأمّا الرحمة فهو حسن الا أنّ إبليس حسده فغرّه فإنّ تنطّقه بما ينقل
__________________
١ ـ كذا ، والظاهر : مسوقاً أي يحمل سيئات من يستهزىء به ويساق إلي جهنّم.
حسناته إليه أشدّ ممّا يتوقّع به من ترحّمه عليه.
وبالجملة فعمدة ما ينفع المرء في هذه الأبواب المعرفة لأبواب الإيمان واليقين بها.
قد تجوز الغيبة لأغراض مشروعة كالتظلّم عند من له رتبة الحكم وإحقاق الحقّ ، فيجوز لاستيفاء حقّه ، لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم « ليّ الواجد يحلّ عقوبته وعرضه »(١) ولم ينكرعلى هند حين اشتكت عن أبي سفيان بأنّه شحيح لايعطيني ما يكفيني وولدي أفآخذ من غير علمه؟ بل قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « خذي مايكفيك وولدك بالمعروف ».(٢)
والاستعانة على رفع المنكر وردّ العاصي إلى الصلاح إذا لم يمكن بدونه ، ونصح المستشير في التزويج والإيداع ونحوهما.
وكذا جرح الشاهد والقاضي والمفتي إذا سئل عنهم فله ذكر ما يعرفه من عدم العدالة والأهلية مع صحّة القصد بإرادة الهداية وتوقية المسلمين من الضرر أو سراية الفسق والبدعة دون الحسد والتلبيس ، وردّ من ادّعى نسباً ليس له ، والقدح في مقالة أو دعوى باطلة في الدين ، والشهادة على فاعل المحرّم حسبة وضرورة التعريف وتجاهره بالفسق مع عدم التعدّي عنه.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له ».(٣)
كفّارتها بعد التوبة والندم للخروج عن الحقّ الإلهي الاستحلال من المغتاب بالتأسّف والاعتذار والمبالغة في المدح والتودّد إليه والثناء عليه حتّى
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٧٠ ، وفيه : « عرضه وعقوبته ».
٢ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٧١.
٣ ـ مستدرك الوسائل : ٩ / ١٢٩ ، الباب ١٣٤ من أبواب أحكام العشرة ، ح ٣.
يطيب قلبه ويحلّه ، فإن لم يقبل كانت لا أقل حسنة تقابلها ، فإن لم يتمكّن لموته أو غيبته أكثر من الدعاء والاستغفار حتى يقابلها.
وكذا لو تمكّن وكان في إخباره مظنّة فتنة أو عداوة ، وعليه يحمل قوله : « وكفّارة من اغتبته أن تستغفر له ».(١)
قد ظهر لك الفرق بين الغيبة والبهتان ، فإن كان في غيبته كان كذباً وغيبة ، وإن كان بحضوره كان كذباً وأذيّة وإثمه أشدّ من الغيبة ، قال الله تعالى :
( ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثمّ يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً ) .(٢)
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من بهت مؤمناً أو مؤمنة أو قال فيه مما ليس فيه أقامه الله عزّوجلّ على تل من النار حتى يخرج ممّا قال فيه ».(٣)
فصل
ومنها : قطيعة الرحم أي أيذاء ذواللحمة لمروفين بالنسب وإن بعدت النسبة وجازت المناكحة ، قولاً وفعلاً أو منعاً عمّا يحتاجون إليه من الملبس والمطعم والمسكن مع القدرة عليه والتكاهل عن دفع الأذيّات عنهم مع الإمكان أو التباعد والهجران حقداً وحسداً ، وهي من أعظم المهلكات.
قال تعالى :( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) .(٤)
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أبغض الأعمال إلى الشرك ، ثم قطيعة الرحم ، ثم
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٥ / ٢٧٣.
٢ ـ النساء : ١١٢.
٣ ـ جامع الأخبار : ١٧٣.
٤ ـ الرعد : ٢٧.
الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ».(١)
وقال عليعليهالسلام : « أعوذ بالله من الذنوب التي تعجّل الفناء ، فسئل عنها ، فقال : قطيعة الرحم ، إنّ أهل البيت ليجتمعون ويتواسون وهم فجرة فيرزقهم الله عزّوجلّ ، وإنّ أهل البيت ليتفرّقون ويقطع بعضهم بعضاً فيحرمهم الله وهم أتقياء ».(٢)
وفي أخبار كثيرة أنّ الرحم معلقة بالعرش تقول : « اللّهمّ صل من وصلني واقطع من قطعني ».(٣)
وهو تمثيل للمعقول بالمحسوس ، وإثبات للرّحم على أبلغ وجه ، وتعلّقها بالعرش كناية عن مطالبة حقّها بمشهد من الله.
وقد ورد في كثير من الأخبار وساعدته التجربة والاعتبار أن صلة الرحم تبعث على طول العمر وقطيعته على نقصه.
وأشدّ أنواعها عقوق الوالدين ، لأنّ أخصّ الأرحام وأمسّها الولادة ، فدلّ على ذمّه مادلّ على ذمّ مطلق القطيعة مضافاً إلى خصوص ماورد فيه ، وقد أردف الله تعالى توحيده بإطاعة الوالدين ، كما أردف الشرك بالعقوق في عدّة مواضع.
وفي بعض الأخبار القدسيّة : « وعزّتي وجلالي وارتفاع مكاني لو أنّ العاقّ لوالديه يعمل بأعمال الأنبياء جميعاً لم أقبلها منه ».(٤)
وروي أنّ أوّل مكتوب في اللوح المحفوظ : « إنّي أنا الله لا إله الا أنا ، من رضي عنه والده فأنا عنه راض ، ومن سخط عليه والده فأنا عليه
__________________
١ ـ راجع الكافي : ٢ / ٢٩٠ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب أصول الكفر وأركانه ، ح ٤ ، والمصنف نقله بالمعنى.
٢ ـ الكافي : ٢ / ٣٤٧ ـ ٣٤٨ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب قطيعة الرحم ، ح ٧ مع تلخيص.
٣ ـ الكافي : ٢ / ١٥١ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب صلة الرحم ، ح ٧.
٤ ـ جامع السعادات : ٢ / ٢٦٣.
ساخط ».(١)
ودلّت التجربة والاعتبار على أنه لايردّ دعاء الوالد في حقّ ولده ، وإن لم ترض عنه أمّه يشتدّ عليه سكرات الموت وعذاب القبر.
وفي الإسرائيليات : أوحى الله إلى موسى : « اي من برّ والدية وعقني كتبته برّاً ، ومن برّني وعقّ والديه كتبته عاقاً ».(٢)
فليس للولد أن يرتكب مباحاً ولا مستحباً الا بإذنهما حتّى إنّ طلب العلم والمسافرة له بغير إذنهما غير جائز الا مع كونه واجباً عينيّاً عليه ، وسنذكر ما يزيده تأكيداً في المقام الثاني.
تذنيب
حقّ الجوار قريب من حقّ الرحم ، فإنّ له حقاً وراء حقّ المسلم على أخيه المسلم.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الجيران ثلاثة : جار له حقّ واحد ، وهو الجار المشرك له حقّ الجوار ، وجار له حقّان ؛ حقّ الجوار وحقّ الاسلام وهو الجار المسلم ، وجار له ثلاثة حقوق ؛ حقّ الجوار وحقّ الاسلام وحقّ الرحم ، وهو الجار المسلم ذوالرحم ».(٣)
وقيل : إنّ فلانة تصوم النهار وتقوم الليل الا أنّها تؤذي جيرانها ، فقال :صلىاللهعليهوآلهوسلم : « هي في النار ».(٤)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع ».(٥)
وروي أنّ الجار الفقير يتعلّق بالجار الغني يوم القيامة ويقول : « سل
__________________
١ ـ جامع السعادات : ٢ / ٢٦٣ ، وفيه : « والداه » في الموضعين.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٣٥.
٣ ـ راجع المحجة البيضاء : ٣ / ٤٢٢ ، المصنف نقله المعنى.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٣٣ / ٤٢٣.
٥ ـ الكافي : ٨ / ٦٦ ، كتاب العشرة ، باب حق الجوار ، ح ١٤.
ياربّ هذا لم منعني معروفه وسدّ بابه دوني؟ »(١)
ومعرفته موكولة إلى العرف ، وفي بعض الأخبار التحديد بالأربعين من أربع (أربعة ظ) جوانب.(٢)
ولا ينحصر حقّه في كفّ الأذى ، فإنّه حقّ كلّ أحد ، بل لابدّ من الرفق وإسداء الخير وتشريكه فيما يملكه ويحتاج هو إليه من لمطاعم وعيادته في المرض وتعزيته في مصيبته وتهنئته في مسرّته والصفح عن زلّته وستر عورته وغضّ البصر عن حرمته والتوجّه لعياله في غيبته وإرشاد إلى مصلحته وتشييع جنازته وأن لايضايقه فيما يلتمس منه إذا أمكنه ولم يضرّه مطلقاً ولا يطيل البناء عليه فيشرف على بيته أو يحجب الهواء عنه الا بإذنه ، وغير ذلك مما ورد في الأخبار ، والمعيار الكلي رضاؤهم عنك ، فإن قالوا : أحسنت كنت محسناً وإن قالوا : أسأت كنت مسيئاً ، كما في النبوي(٣) صلىاللهعليهوآلهوسلم .
فصل
ومنها : التكاهل عن أمور المسلمين والتكاسل عنها كسلاً أو بخلاً أو غيرهما.
وعن الصادقعليهالسلام : « أيّما رجل من شيعتنا أتاه رجل من إخوانه فاستعان به في حاجته فلم يعنه وهو يقدر ابتلاه الله بأن يقضي حوائج غيره من أعدائنا يعذّبه الله عليها يوم القيامة ».(٤)
وقالعليهالسلام : « أيّما مؤمن منع مؤمناً شيئاً ممّا يحتاج إليه وهو قادر عليه من عنده أو من عند غيره أقامه الله يوم أقامه الله يوم القيامة مسودّاً وجهه مزرقة عيناه مغلولة يداه إلى عنقه ، فيقال : هذا الذي خان الله ورسوله ، ثم يؤمر به إلى
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٢٤.
٢ ـ الكافي : ٢ / ٦٦٩ ، كتاب العشرة ، باب حدّ الجوار ، ح ٢.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٢٥.
٤ ـ الكافي : ٢ / ٣٦٦ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب من استعان به اخوه ، ح ٢ ، مع اخلاف.
النار ».(١)
وقالعليهالسلام : « من أتاه أخوه في حاجة يقدر على قضائها فلم يقضها له سلّط الله عليه شجاعاً ينهش إبهامه في قبره إلى يوم القيامة مغفوراً له أو معذّباً ».(٢)
وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من لم يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم ».(٣)
وسنذكر ما يزيده تأكيداً في المقام الثاني إن شاء الله تعالى.
وعلاج هذه الرذائل كما عرفت مركّب من علم وعمل ، بأن يتذكّر أوّلاً مادلّ على ذمّها ممّا ذكر ولم يذكر ومدح أضدادها مما سيذكر إن شاء الله تعالى ، ثم يتفكّر في بواعثها من الحقد والحسد والبخل وضعف النفس وأمثالها ، وبعد ما تعيّن الباعث توجّه نحو قلعه وقمعه ، حيث يستلزم زواله زواله ، ثم يكلّف نفسه على فعل أضدادها ولو قهراً إلى أن يعتاد فتصير له ملكات راسخة.
فصل
ومنها : المداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأشدّ منه الأمر بالمنكر والنهي عن العروف ، والغالب حوث الأول من ضعف النفس وصغرها ، وربما كان باعثه وهو الغالب في الثاني الطمع ممّن يسامح به أو يؤثر بضدّ الواجب إذا علم شوقه إليه ، أو الغضب والحسد والحقد على شخص خاص فيسامح في ردع من يغتابه أو يؤذيه مع تمكّنه منه أو بحثّه عليه وهي من المفاسد العامة البلوى الساري أثرها وضرّها إلى جلّ البرايا ، ولذا ترى الشرائع مضمحلّة والنبوّة متعطّلة وأحكام الدين ضائعة ، والضلالة شائعة والجهالة ذائعة ، ورسوم الهداية مندرسة ، وآثار الشرع منطمسة ،
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٣٦٧ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب من منع مؤمناً شيئاً ، ح ١.
٢ ـ الكافي : ٢ / ١٩٤ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب قضاء حاجة المؤمن ، ح ٥.
٣ ـ الكافي : ٢ / ١٦٤ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الاهتمام بامور المسلمين ، ح ٤ عن الصادقعليهالسلام .
ولأجله خربت البلاد وشاع الفسق والفجور بين العباد ، والمنشأ في الحقيقة لفساد حال الرعية فساد حال السلاطين ، والباعث له فساد حال العلماء المتردّدي إليهم وخبث طينتهم والطمع في حطامهم ، وإن سمعك أنّ في بعض الأزمنة السالفة نهض بعض الأمراء والحكّام بإقامة هذه السنّة في الرعية وردعهم عما شاع بينهم منهم المنكرات التي هي رأس كل رزيّة وبلية أو بعض العلماء الذين حصل لهم بسط يد في بعض الأيام ولم تك تأخذهم في الله لومة لائم من الأنام فقد سمعت أيضاً أنّه صار سبباً لانحرافهم عن السيّئات وميلهم إلى الخيرات والطاعات ، وانفتحت عليهم بسببه أبواب البركات من الأرضين والسماوات ، وأمّا في هذه الأيام وما شابهها من الأوقات فقد استرسلوا لتركها والمداهنة فيها في أودية الشهوات وخاضوا بسببه في لجج الهوى ، فانمحت أعلام الهدى وانسدّت أبواب التقى واندرس علمه وعمله ول يبق بينهم اسمه ولا رسمه فهم في بيداء الضلالة حيارى وفي أيدي الأبالسة أسارى.
وما ورد في ذمّ ذلك من الآيات والأخبار لاتكاد تحصى.
قال الله تعالى :( لولا ينهاهم الربّانيّون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ) .(١)
وقيل للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أتهلك بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم ».(٢)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر أو ليسلطنّ الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم ».(٣)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ الله لايعذّب الخاصة بذنوب العامة حتّى يظهر المنكر بين
__________________
١ ـ المائدة : ٦٣.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٤ / ١٠٢ ، وفيه : « بشهادتهم وسكوتهم عن معاصى الله عزوجل ».
٣ ـ المحجة البيضاء : ٤ / ٩٩ ، وفي : « ولتنهونّ » وهو الصحيح.
أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروا فلا ينكرونه ».(١)
وقال : « من ترك إنكار المنكر بقبله ويده ولسانه فهو ميّت بين الأحياء ».(٢)
وقال الباقرعليهالسلام : « أوحى الله إلى شعيب النبي أنّي معذّب من قومك مائة ألف ، أربعين ألفاً من شرارهم وستّين ألفاً من خيارهم ، فقال : ياربّ هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟! فأوحى الله إليه : داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي ».(٣)
وفي الأخبار النبوية : « أنّ أمتّي إذا تهاونوا ف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليأذنوا بحرب من الله ورسوله ».(٤)
وورد في الأخبار المنع من حضور مجالس المنكر ، فإنّ اللعنة تعمّ من فيها.
ولذا اختار جمع من السلف العزلة حذراً عن مشاهدة المنكرات مع عجزهم عن تغييرها ، وإذا كانت المداهنة في ذلك بهذه المثابة فما حال الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « كيف بكم إذا فسدت نساؤكم وفسق شبانكم فلم يؤمروا بعروف ولم ينهوا عن منكر ، فقيل : ويكون ذلك؟ قال : نعم ، وشرّ من ذلك ، قيل : وكيف ذاك يارسول الله؟ قال : كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ، فقيل : ويكون ذلك؟ قال : نعم وشرّ منه ، [ قيل : كيف ذاك يارسول الله؟ قال : ](٥) كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٤ / ١٠٠.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٤ / ١٠٥ ، عن أميرالمؤمنينعليهالسلام .
٣ ـ الكافي : ٥ / ٥٦ ، كتاب الجهاد ، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ح ١.
٤ ـ راجع الكافي : ٥ / ٥٩ ، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ح ١٣.
٥ ـ في « ج » فقط.
والمنكر معروفاً ، وعند ذلك يبتلى الناس بفتنة يصير الحليم فيها حيران ».(١)
ومن تتبّع السير والتواريخ والأخبار المشتملة على حكايات الأمم الماضية علم أنّ العقوبات العظيمة الأخروية والدنيوية السماوية والأرضية من القحط والغلاء والطاعون والوباء وحبس المياه والأمطار وتسلّط الظلمة والأشرار بالقتل والنهب والأسر وحدوث الصواعق والزلازل إنّما نزلت عليهم لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكيف يؤاخذ الله غير العاصي بالعاصي ، وسيجيء مزيد تحقيق لهذا الأصل وساير الأصول الماضية في المقام الثاني إن شاء الله تعالى.
الهجرة والاعتزال عن الناس ليس بمذموم مطلقاً ، بل من كلام الأخلاق كما عرفت ، وأمّا الاعتزال عن شخص معيّن للحقد أو الحسد أو الغضب فهي من رذائل الملكات ، وما دلّ على ذمّه كثير.
فعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أيّما مسلمين تهاجرا فمكثا ثلاثاً لايصطلحان الا كانا خارجين عن الإسلام ولم يكن بينهما ولاية ».(٢)
وقال : « لايحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ».(٣)
وقال الصادقعليهالسلام : « لايفترق رجلان عن الهجران الا استوجب أحدهما البراءة واللعنة ، وربما استوجبه كلاهما الحديث ».(٤)
وبالجملة : فالأخبار كثيرة فلابدّ من التأمّل فيها والتذكّر لما ورد في ضدّها من الثواب حتّى يحافظ نفسه عن هذه الخلة الذميمة ، ولو حصلت له فليكلّف نفسه بالمبادرة على المسالمة والتألّف حتّى يغلب على الشيطان ويفوز بما يرجوه من الأجر الجزيل والثناء الجميل ، والله الموفّق.
__________________
١ ـ راجع الكافي : ٥٩ ، والمحجة البيضاء : ٤ / ١٠٠ ، والظاهر أنّ المصنّف ركّب بينهما.
٢ ـ الكافي : ٢ / ٣٤٥ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الهجرة ، ح ١.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٦٢.
٤ ـ الكافي : ٢ / ٣٤٤ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الهجرة ، ح ١.
في أنواع الظلم التي حاصلها ترك العبد مايجب عليه مراعاته فيما بينه وبين الله تعالى لكونه ظلماً على نفسه وتعدّياً عن الوسط اللازم مراعاته في تحقّق معنى العدالة.
فمن جملتها العصيان مطلقاً ، وهو جنس لما ذكر ، وسيذكر إن شاء الله تعالى من المعاصي الظاهرة والباطنة ، وضدّه التقوى والورع ، وقد أشير إليهما فيما سبق.
فصل
ومنها : الأصرار على العصيان ، وهو من نتائج الأمن من مكر الله وعدم الحبّ له ، وكلّ ما يدلّ على ذمّ مطلق المعاصي أو خصوص أفرادها يدلّ على ذمّه بطريق أولى ، وقد أشير فيما سبق إلى بعض ماورد في ذمّ أفرادها المشار إليها.
ومن جملة ما دلّ على ذمّ مطلقة قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما من يوم طلع فجره ولا ليلة غاب شفقها الا وملكان يتجاوبان(١) بأربعة أصوات ، فيقول أحدهما : ياليت هذا الخلق لم يخلقوا ، فيقول الآخر : ياليتهم إذا خلقوا علموا لماذا خلقوا ، فيقول الآخر : ياليتهم إذا يعلموا لماذا خلقوا عملوا بما علموا ، فيقول الآخر : ياليتهم إذا لم يعملوا بما علموا تابوا ممّا عملوا ».(٢)
وقال أميرالمؤمنينعليهالسلام : « لاتبدّين عن واضحة وقد عملت الأعمال الفاضحة ، ولاتأمنّن البيات وقد عملت السيّئات ».(٣)
وقال الباقرعليهالسلام : « ما من شيء أفسد للقلب من الخطيئة ، إنّ القلب ليواقع الخطيئة فما تزال به حتّى تغلب عليه حتّى يصير أعلاه أسفله ».(٤)
__________________
١ ـ كما في المصدر ، وفي « الف » و « ب » : يتجاذبان ، وفي « ج » : يتحادثان.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٩٣.
٣ ـ الكافي : ٢ / ٢٧٣ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الذنوب ، ح ٢١.
٤ ـ الكافي : ٢ / ٢٦٨ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الذنوب ، ح ١.
وقالعليهالسلام : « إنّ العبد ليذنب فيزوى عنه الرزق ».(١)
وقال الصادقعليهالسلام : « يقول الله : إن أدنى ما أصنع بالعبد إذا آثر شهوته على طاعتي أن احرمه عن لذيذ مناجاتي ».(٢)
وقالعليهالسلام : « من همّ بسيّئة فلا يعملهما فإنّه ربما عمل العبد السيئة فرآه الرّب منه فيقول : وعزّتي وجلالي لا أغفر لك بعد ذلك أبداً ».(٣)
وقالعليهالسلام : « أما إنّه ليس من عرق يضرب ولا صداع ولا مرض الا بذنب ، وذلك قوله تعالى :( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) (٤) قال : وما يعفو الله أكثر ممّا يؤاخذ به ».(٥)
والأخبار لاتحصى ولا تظنّ أنّ أثر الذنوب لايصل إلى كثير من الناس ظاهراً ، فإنّه من المحالات ، فإذا لم يتجاوز عن الأنبياء مع تركهم الأولى حتّى أخرج بسببه من الجنّة أبونا ، وتطايرت عورته ، ونودي من فوق العرش : أن اهبط عن جواري ، فإنّه لايجاورني من عصاني ، ولم يقبل منه توبته الا بعد أن بكى مائتي سنة ، فإذا كنت مؤاخذته مع أصفيائه في المناهي التنزيهية على ما ذكر فما ظنّك بمن صرف عمره في كبائر المعاصي الموفورة والذنوب الغير المحصورة ، فلتطمئنّ خواطرك بأنّ من سعادة المرء تعجيل عقوبته في دار الدنيا وعدم تأخيره إلى الآخرة ، وإنّما أمهل المصرّون لكي يزدادوا إثماً ويستحقّوا من الله بعداً وهواناً وخزياً وخسراناً ، ولو لم يكن الا الحرمان بسببها عن نيل السعادات الحقيقية واستنارة القلوب بأنوار المعارف الإلهية والوصول إلى
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٢٧٠ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الذنوب ، ح ٨.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٩٦ من دون نسبته إلى الصادقعليهالسلام ، نعم في جامع السعادات (٣ / ٤٨) نسبه إليهعليهالسلام .
٣ ـ الكافي : ٢ / ٢٧٢ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الذنوب ، ح ١٧.
٤ ـ الشورى : ٣٠.
٥ ـ الكافي : ٢ / ٢٦٩ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الذنوب ، ح ٣.
درجات المقرّبين إلى الحضرة الربوبية لكفاه خزياً ووبالاً وخيبة ونكالاً.
واعلم أنّ مثارات الذنوب تنحصر في أربع :
الصفات الربوبية والشيطانية والبهيمية والسبعية ، لأنّ طينة الانسان معجونة من أخلاط مختلفة الآثار.
فممّا يقتضيه الاولى : الكبر والفجر وحبّ الجاه والمدح والذمّ والعجب ، ويتشعّب منه أشياء آخر هي من أمّهات المعاصي أشرنا إليها فيما سبق.
والثانية : كالحسد والبغي والمكر والحيلة والحيلة والإفساد والغشّ والنفاق والدعوة إلى البدع.
والثالثة : كالشره المتفرّع عليه الزنا والسرقة وأكل مال الأيتام ونحوها.
والرابعة : كالغضب والحقد والتهجّم على الناس بالضرب والشتم والقتل ونحوها.
فالذنوب كلّها منفجرة من هذه المنابع على الجوارح ، فبعضها في القلب خاصّة كالكفر والبدعة والنفاق ، وبعضها على السمع والعين. وبعضها على اللسان. وبعضها على البطن والفرج واليدين والرجلين. وبعضها على جميع البدن.
ثم إنّها تنقسم إلى مابين العبد وبين الله ، وما يتعلّق بحقوق العباد ، والثاني أغلظ.
وأمّا الأوّل ففيما سوى الشرك والبدعة يكون العفو أرجى وأقرب.
ففي الخبر : « أنّ الدواوين ثلاثة : ديوان يغفر ، وديوان لايغفر ، وديوان لايترك ».
فالذي يغفر ما بين العبد وبين الله ، والذي لايغفر الشرك ، والذي لايترك مظالم العباد »(١) ، أي لابدّ من المطالبة واستيفاء الحقّ.
واعلم أنّ صاحب الشرع قسم المعاصي إلى صغيرة وكبيرة ، وحكم بأنّ
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٢٩.
اجتناب الكبائر يكفّر عن الصغائر ، وكذلك الصلوات الخمس.
قال الله تعالى :( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم وندخدكم مدخلاً كريماً ) .(١)
وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أنّ الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة تكفّر ما بينهنّ إن اجتنب الكبائر »(٢) قيل : معنى الأولى أنّ من تمكن من الكبيرة كالجماع مثلاً وجاهد نفسه في تركه واكتفى بالصغيرة كالنظر مثلاً كان كفّه عن اجتناب الكبائر أشدّ تأثيراً في تنوير قلبه وتقرّبه إلى الله بسببه من تأثير الصغائر في إظلامه ، والا فإنّ اجتنابها عن عجز أو خوف أو فقد شهوة لايكفّر عن الصغائر.(٣)
ثم الكبيرة من مجملات الألفاظ ، إذ لا موضوع لها معيّناً لغة وعرفاً وشرعاً ، فإنّ الصغر والكبر إضافيان ، فما من ذنب الا وهو كبير بالنظر إلى مادونه وصغير بالنظر إلى مافوقه ، ولذا اختلفت الأقوال والأخبار في عددها اختلافاً فاحشاً لايرجى زواله.
قال بعض المحقّقين(٤) ما ملخّصة :
إنّا بعد ما تأمّلنا في أنّ الكبيرة ليست مكفّرة بالصلوات الخمس شاهدنا بنور البصيرة والاعتبار أن المعاصي تنقسم إلى مانعلم قطعاً أنه لاتكفّره ، وإلى ماينبغي أن تكفّره ، وإلى مايتوقّف فيه ، والثالث بعضه مظنون بالنفي والاثبات ، وبعضه مشكوك فيه شكّاً لايزيله الا نصّ كتاب أو سنّة ، وإذ لا مطمع فيهما فطلب رفع الشكّ فيه محال.
لايقال : إنّه إقامة برهان على استحالة معرفة حدّها فكيف يرد الشرع بما يستحيل معرفة حدوده؟
__________________
١ ـ النساء :٣١.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٣٠.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٤٠.
٤ ـ هو أبو حامد كما في المحجة البيضاء : ٧ / ٣٥ ـ ٤٠.
لأنّا نقول : إنّ كلّ ما لا يتعلّق به حكم في الدنيا يجوز أن يطرّق إليه الابهام ، لأنّ الدنيا دار التكليف والكبيرة من حيث إنّها كبيرة لا حكم لها فيها ، فإنّ موجبات الحدود معلومة بأساميها ، وإنّما كبيرة لا حكم لها فيهان فإنّ موجبات الحدود معلومة بأساميها ، وإنّما حكمها عدم تكفير الصلاة لها وهو أمر يتعلّق بالآخرة ، فالابهام أليق به حتّى يكون الناس منه على وجل ، فلا يجترؤا على المعاصي الصغائر اعتماداً على الصوات الخمس أو كون اجتناب الكبائر مكفّراً عن الصغائر.
أقول : فيه نظر ، فإن فعل الكبيرة قادح في العدالة على مذهبنا مطلقاً دون الصغيرة ، والعدالة أمر عامّ البلوى يتوقّف عليها كثير من الأحكام الشرعية كالشهادة والقضاء والفتوى والامامة وغيرها ، فكيف لايتعلّق بها حكم في الدنيا ، على أنّ التوبة واجبة بالاجماع والنصوص ، كما سيجيء إن شاء الله تعالى ، متصل وهي مقيّدة بالكبائر ، لأنّ اجتنابها يكفّر عن الصغائر بنصّ الكتاب ، فإذا لم تكن معلومة لزم تعليق التكليف بالمجمل وهو قبيح عقلاً.
نعم يمكن إن يقال : إنّ التكليف بالمجمل جائز مع إمكان الاتيان به ولو بمقدّمات يسهل تحصيلها بدون عس وحرج ، وله نظئر غير عزيزة فالمعاصي لاتخلو عمّا يعلم كونها كبيرة قطعاً أو يعلم كونها صغيرة كذلك ، أو يشكّ فيه والأوّلان لا إشكال فيهما ، والأخير يجب الاجتناب عنه ولو فرض صدوره عنه وجبت التوبة عنه من باب المقدّمة ، فمع علم الحاكم باجتنابه أو توبته عن القسمين على الوجه المعتبر ثبوته شرعاً يحكم بعدالته ومع شكّه أو علمه بعدمها يحكم بعدمها ، ولا أقلّ من الشكّ فيها الموجب لعدم إجراء ما يتوقّف عليها في حقّه ، فإنّ الشكّ في الشرط يوجب الشكّ في المشروط اللازم منه عدم ثبوته ، هذا حال الحاكم فيما يتعلّق به.
وأمّا ما يتعلّق به نفسه فهو أبصر بنفسه مع تمكّنه من التوبة عن المعاصي الصادرة عنه في نفس الأمر ممّا يعلمها العالم بخفايا الأمور ، وإن لم يعلم هو
تفاصيلها ، أو جزئياتها هذا مع أنّ التوبة إذا كانت مكفّرة للذنوب مطلقاً ، وواجبة على آحاد المكلفين عيناً فإمّا أن يتركها المكلّف ولايبالي بتركها أصلاً ، فهذا الترك منه حرام جزماً ، ولو سلم أنّه صغيرة ، فإنّ الاصرار على الصغائر كبيرة قطعاً ويلزم منه سقوط العدالة التي تتفرّع عليها الأحكام الشرعية ، وإمّا أن يواظب على القدر الممكن في حقّه منها بشرائطها الآتية فيرتفع آثار الكبائر عنه لو كان فاعلاً لها في نفس الأمر وثبت في حقّه العدالة ولا يبقى محذور أصلاً فتدّبر.
ثم اعلم أنّ الصغيرة تكبر بأسباب : أحدها الأصرار والمواظبة ، ولذا ورد « لا صغيرة مع الأصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار » ١ ـ وسرّه ، كما قيل أنّ قطرة من الماء لو وقعت على حجر لم تؤثّر فيه لقلّته ، ولو تعاقبت القطرات تدريجاً أثّرت فيه ، بل تأثيرها حينئذ أشدّ من تأثير الصبّ عليه دفعة واحدة. ولذا قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « خير الأعمال أدومها وإن قلّ ».(٢)
والسيّئة كالطاعة في التأثير في القلب ومعرفة الاصرار موكولة إلى العرف.
وفسّره الباقرعليهالسلام في قوله تعالى :( ولم يصرّوا على ما فعلوا ) (٣) « أنّه أن يذنب الذنب فلا يستغفر ولايحدّث نفسه بتوبة ، فذلك الاصرار ».(٤)
وثانيها : استصغار الذنب لصدوره عن الألف الموجب لشدّة الأثر في القلب المطلوب تنويره بالطاعات ، والمحذور تسويده بالسيّئات ، كما أنّ استعظامه يصدر عن نفور القلب وكراهيته له المانعة له عن شدّة التأثّر في ، ولذا عفي عن الغفلة.
قال أمير المؤمنينعليهالسلام : « لايصغر ما ينفع يوم القيامة ، ولا يصغر ما يضرّ
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٢٨٨ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الإصرار على الذنوب ، ح ١.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٥٨.
٣ ـ آل عمران : ١٣٥.
٤ ـ الكافي : ٢ / ٤٥٦ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب محاسبة العمل ، ح ١٤.
يوم القيامة ».(١)
وقال الكاظمعليهالسلام : « لاتستكثروا كثير الخير ولاتستقلّوا قليل الذنوب فإنّها تجتمع حتّى تكون كثيرة ».
والسرّ في عظم الذنوب في قلب المؤمن كونه عالماً بجلال الله وكبريائه ، فإذا نظر إلى عظم من عصاه رأى الصغير كبيراً ، وأوحى الله إلى بعض أنبيائه : « لاتنظر إلى قلّة الهدية وانظر إلى عظم مهديها ، ولاتنظر إلى صغر الخطيئة وانظر إلى كبرياء من واجهته بها ».(٢)
وثالثها : الغترار في فعلها والتهاون بها بستر الله عليه وحلمه عنه ظنّاً منه أنّه عناية منه تعالى به وهو أمن منه بمكر الله وجهل بأنّه يمهل مقتاً ليزداد إثماً.
ورابعها : السرور بفعلها وعدّها نعمة ، كما هو الشائع بين الناس ، فمنهم من يفتخر بما يفعله من المعاصي ويقول كيف رأيت صنعي ففلان ، غبّنته وروّجت عليه الزيف وأغلظت عليه في القول وخجّلته ، ومنهم من يحمد الله عليها فيقول : الحمد الله الذي غلبني على فلان حتّى مزّقت عرضه وفضحته بين الناس ونحو ذلك ، فكلّما غلبت حلاوة المعاصي في قلب العاصي عظم أثرها في تسويد قلبه ، وكان أشدّ ممن يندم عليها ، ويتحسرّ قلبه على فعلها ، ويتأسّف عليه لعلمه بظفر عدوّه الشيطان عليه ، بل يدلّ ذلك على غاية حمقه وجهله كالمريض الذي يفرح من انكسار إنائه الذي فيه دواؤه الذي يرجى منه شفاؤه.
وخامسها : التظاهر بذنوبه وذكرها للناس ، فإنّه هتك لستر الكريم الذي أسدله عليه ، وكفران لنعمة الذي هو إظهار الجميل وستر القبيح وتحريك لرغبة الناس في المعاصي فانضمّت خيانتان منه إلى خيانته ، وازداد
__________________
١ ـ راجع الكافي : ٢ / ٢٨٧ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب استصغار الذنب ، ح ٢.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٥٩.
بذلك تغليظاً في جرمه وجنايته ، وإن أضاف إلى ذلك الحمل والترغيب وتهيئة الأسباب للغير كان مضيفاً لمعصية رابعة إلى معصيته.
قال الصادقعليهالسلام : « من جاءنا يلتمس الفقه والقرآن فدعوه ، ومن جاءنا يبدي عورة سترها الله عليه فنحّوه ».(١)
وسادسها : أن يكون ممّن يقتدى به ، فيفعل المعصية بحيث يطّلع عليه الناس ويتبّعونه فيبقى شرّه مستطيراً في العالم بعد موته.
قال الله تعالى :( ونكتب ما قدّموا وآثارهم ) .(٢)
فكما أنّ العالم مأمور بترك الذنب فكذا بإخفائه مع فعله وكما يتضاعف ثوابه على الحسنات إذا اتّبع ، فكذا وزره في السيّئات ، ولذا إنّ البدعة من أشدّ المعاصي وأعظمها.
وفي الاسرئيليات : « أنّ عالماً كان يضلّ الناس بالبدعة ثم تاب فأصلح دهراً فأوحى الله إلى نبيه أن قل له : لو كان ذنبك فيما بيني وبينك لغفرت لك ، ولكن كيف بمن أضللت من عبادي فأدخلتهم النار »(٣) فطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه ».
فصل
الكراهة لأفعال الله تعالى والسخط لما يخالف هواه من الواردات الربّانية والتقديرات الالهيّة ونحوها الانكار والاعتراض عليه تعالى ممّا ينافي الإيمان والتوحيد ، فما للعبد الذليل العاجز الفقير والجاهل بموارد الحكم والمصالح ومواقع التقدير والانكار والسخط لما يفعله الحكيم الخبير؟!
قال الله تعالى : « إنّي خلقت الخير والشرّ فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يده ، وويل لمن خلقته للشرّ وأجريته على يديه ، وويل ثم ويل
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٤٤٢ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب اللّمم ، ح ٤.
٢ ـ يس : ١٢.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٦٢.
لمن قال : لم وكيف؟ ».(١)
وقال أيضاً : « إنّي أنا الله لا إله الا أنا ، لم يصبر على بلائي ولم يرض بقضائي ولم يشكر على نعمائي فليتّخذ ربّاً سواي ».(٢)
وقال أيضاً : « قدّرت المقادير ودبّرت التدبير وأحكمت الصنع ، فمن رضي فله الرضا عنّي حين يلقاني ، ومن سخط فله السخط منّي حين يلقاني ».(٣)
وأوحى الله إلى داود : « تريد واريد وإنّما يكون ما اريد ، فإن سلّمت لما اريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلّم لما اريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لايكون الا ما اريد ».(٤)
وقال الباقرعليهالسلام : « من سخط القضاء مضى عليه القضاء وأحبط الله أجره ».(٥)
وبالجملة : من عرف أنّ العالم بجميع أجزائه صادرة على وفق الحكمة المحضة والنظام الأصلح وعرف الله بالربوبيّة ونفسه بالعبودية عرف أنّ السخط والانكار على الله في أمر من الأمور من غاية الجهل والغرور ، وسيجيء تمام الكلام في فصل الرضا.
فصل
ترك الاعتماد على الله أو ضعف الثقة بالله فيما قدّر له من مجاري الأمور ناش إمّا من ضعف اليقين به تعالى ، أو ضعف القلب الذي هو من رذائل الغضبية من جانب التفريط ، وهو من المهلكات العظيمة المنافية
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٨ / ٨٩ ، الكافي : ١ / ١٥٤.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٨ / ٨٩.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٨ / ٨٩.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٨ / ٩٠.
٥ ـ الكافي : ٢ / ٦٢ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الرضا بالقضاء ، ح ٩.
للايمان ، بل من الشرك في الحقيقة.
قال الله تعالى :( إنّ الذين تعبدون من دون الله لايملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ) .(١)
وقال :( ولله خزائن السماوات والأرض ولكنّ المنافقين لايفقهون ) .(٢)
وفي أخبار داود : « ياداود ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك من نيّته الا قطعت أسباب السماوات من بين يديه والأرض من تحته ولم أبال بأيّ واد هلك ».(٣)
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من اغترّ بالعبيد أذلّه الله ».(٤)
وقيل : مكتوب في التوراة : « ملعون من كان ثقته بانسان مثله ».(٥)
فمن أيقن بأنّه لا فاعل الا الله ولا حول ولا قوّة الا بالله وأنّ له تمام العلم والقدرة والرحمة العناية وأنّ سواه عبيد مملو كون مضطرّون لايملكون خيراً ولا شرّاً ولا يستطيعون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً لم يلتفت إلى أحد سواه ولم يثق الا بالله ولم يطمع الا في عطاياه ، فالواجب على كلّ أحد تحصيل مراتب اليقين بالله وتقوية النفس بما ذكر سابقاً ، وسيجيء تمام الكلام في فصل التوكّل ، إن شاء الله تعالى.
ومن جملتها : كفران نعمة المنعم ، ويتبيّن لك حقيقته وما يترتّب عليه من المفاسد بمعرفة ضدّه ، أعني الشكر ، وسنفصّل الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
__________________
١ ـ العنكبوت : ١٧.
٢ ـ المنافقون : ٧.
٣ ـ الكافي : ٢ / ٦٣ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب التفويض إلي الله ، ح ١ ، مع اختلاف.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٤٠٨ ، وفيه : « من استعزّ ».
٥ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٤٠٨.
المقام الثاني
في ذكر أنواع العدالة بالمعنى الأعم
أي القيام بالحقوق اللازمة مراعاتها ، وفيه أيضاً مقصدان :
في الحقوق اللازمة مراعاتها فيما بينه وبين الخلق ، وقد بيّنا لك أنّ لها مراتب مختلفة بحسب اختلاف الروابط الباعثة للخلطة وأنّ أخصّها القرابة وأعمّها الاسلام.
وفيما بينهما درجات متفاوتة ونحن نشير إلى جوامع الحقوق في هذه المراتب إجمالاً إن شاء الله تعالى في عدّة فصول :
فصل
قد أشار مولانا الصادقعليهالسلام إلى حقوق المسلم في الخبر المروي في الكافي عن معلّي بن خنيس قال : قلت له ما حقّ المسلم على المسلم؟ فقالعليهالسلام : « سبع حقوق واجبات ما منهنّ حقّ الا وهو عليه واجب إن ضيع منها حقّاً خرج من ولاية الله وطاعته ، ولم يكن لله فيه من نصيب ، قلت : له جعلت فداك وما هي؟ قال : يامعلّى إنّي عليك شفيق أخاف أن تضيّع ولاتحفظ وتعلم ولا تعمل ، قال : قلت له : لاقوّة الا بالله ، قال : أيسر حقّ منها أن تحبّ له ما تحبّ لنفسك ، وتكره له ما تكره لنفسك.
والحقّ الثاني أن تجتنب سخطه وتتّبع مرضاته وتطيع أمره.
والحقّ الثالث أن تعينه بنفسك ومالك ولسانك ويدك ورجلك.
والحقّ الرابع أن تكون عينه ودليله ومرآته.
والحقّ الخامس أن لاتشبع ويجوع ولاتروي ويظماً ولا تلبس ويعرى.
والحقّ السادس أن يكون لك خادم وليس لأخيك خادم ، فواجب أن تبعث خادمك فيغسل ثيابه ويصنع طعامه ويتعهّد فراشه.
والحقّ السابع أن تبرّ قسمه وتجيب دعوته وتعود مريضه وتشهد جنازته وإذا علمت أنّ له حاجة تبادر إلى قضائها ، ولا تلجئه إلى أن يسألكها ، ولكن تبادر مبادرة فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته [ وولايته بولايتك ] ».(١)
فأعظم حقوق المسلم على أخيه أن يحبّ له مايحبّ لنفسه ، ويكره له ما يكره لنفسه.
قال الصادقعليهالسلام : « المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد إن اشتكى شيئاً منه وجد ألم ذلك في سائر جسده ، وأرواحهما من روح واحدة ، وإنّ روح المؤمن لأشدّ اتّصالاً بروح الله من اتّصال شعاع الشمس بها ».(٢)
وقالعليهالسلام : « يحقّ على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاون عل التعاطف والمواساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض حتّى يكونوا كما أمركم الله عزّوجلّ رحماء بينهم متراحمين مغتمّين لما غاب عنكم من أمرهم على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ».(٣)
وعن الصادقعليهالسلام : « أوحى الله إلى آدم : سأجمع لك الكلام في أربع كلمات ، قال : ياربّ وماهنّ؟ قال : واحدة لي وواحدة لك وواحدة فيما بيني وبينك وواحدة فيما بينك وبين الناس ، قال : ياربّ بيّنهنّ لي حتّى أعلمهنّ ، قال : أمّا التي لي فتعبدني لاتشرك بي شيئاً ، وأمّا التي لك فأجزيك بعملك أحوج ما تكون إليه ، وأمّا التي بيني وبينك فعليك الدعاء
__________________
١ ـ الكافي : / ١٩٦ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب حقّ المؤمن على أخيه ، ح ٢ ، وما بين المعقوفتين في المصدر.
٢ ـ الكافي : ٢ / ١٦٦ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب أخوة المؤمنين بعضهم لبعض ، ح ٤.
٣ ـ الكافي : ٢ / ١٧٥ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب التراحم والتعاطف ، ح ٤.
وعليّ الإجابة ، وأمّا التي بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضى لنفسك ، وتكره لهم ما تكره لنفسك ».(١)
ثم أن لا يوذي أحداً من المسلمين بقول ولا فعل.
قال الباقرعليهالسلام : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الا أنبّئكم بالمؤمن؟ من ائتمنه المؤمنون على أموالهم وأنفسهم ، الا انبّئكم بالمسلم؟ من سلم المسلمون من يده ولسانه ، والمهاجر من هجر السيّئات وترك ما حرّم الله ، والمؤمن حرام على المؤمن أن يظلمه أو يخذله أو يغتابه أو يدفعه دفعة ».(٢)
« ثم التواضع وترك التكبّر ، فإنّ الله لايحبّ كلّ مختال فخور ».
فعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أوحى الله إليّ أن تواضعوا حتّى لايفخر أحد على أحد ».(٣)
وقد مضى مايكفيك في ذلك.
وترك النميمة بينهم كما أشير إليه فيما مضى ، وأن لايهجر من يعرفه فوق ثلاث كما أشير إليه. قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا هجرة فوق ثلاث ».(٤)
وأن يحسن إلى كلّ من قدر منهم إن استطاع.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « اصنع المعروف إلى أهله ، فإن لم تصب أهله فأنت أهله ».(٥)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « رأس العقل بعد الدين التودّد إلى الناس ، واصطناع المعروف إلى كلّ برّ وفاجر ».(٦)
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ١٤٦ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الإنصاف والعدل ، ح ١٣.
٢ ـ الكافي : ٢ / ٢٣٥ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب المؤمن وعلاماته ، ح ١٩ ، وفيه : « من لسانه ويده ».
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٦٠.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٦٢ نقلاً عن الكافي : ٢ / ٣٤٤.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٦٣ ـ ٣٤٦.
٦ ـ المحجة البيضاء : ٣٣ / ٣٦٤.
وأن لايدخل على أحد الا بإذنه بل يستأذن ثلاثاً ، فإن لم يؤذن له انصرف.
فعن عليعليهالسلام : « كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يستأذن ثلاثاً فإن أذن له والا انصرف ».(١)
وأن يخالق كلّ أحد على طريقته.
قال الصادقعليهالسلام : « خالقوا الناس بأخلاقهم »(٢) فلقاء الجاهل بالعلم واللاهي بالفقه أو المعرفة تأذّ ».
وأن يوقّر المشايخ ويرحم الصبيان.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من تمام إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم ».(٣)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من عرف فضل كبير لسنّه فوقّره آمنه الله من فزع يوم القيامة ».(٤)
ومن جملة إتمامه أن لايتكلّم بين يديه الا بإذن.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما وقّر شاب شيخاً الا قيّض الله له في سنّة من يوقّره ».(٥) وهو بشارة بدوام الحياة ، وكان من عادتهصلىاللهعليهوآلهوسلم التلطّف بالصبيان.
وأن يكون مع الكافّة مستبشراً طلق الوجه.
فقد قيل للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : دلّنا على عمل يدخلنا الجنّة ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أنّ من موجبات المغفرة بذل السلام وطيب الكلام ».(٦)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أكرم أخاه المؤمن بكلمة يلفظه بها وفرّج عنه كربته لم يزل في ظلّ الله الممدود عليه الرحمة ما كان في ذلك ».(٧)
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٦٥ ، نقلاً عن الفقيه : / ٨٠.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٦٥.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٦٦.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٦٦ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٦٥٨.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٦٦.
٦ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٦٧.
٧ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٦٨ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٢٠٦ وفيها : « يلطفه » بدل « يلفظه ».
وأن يفي بما يعده.
فعن الصادقعليهالسلام : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليف إذا وعد ».(١)
وأن ينصف الناس من نفسه.
فعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لايستكمل العبد الايمان حتّى يكون فيه ثلاث خصال : النفاق من الإقتار ، والانصاف من نفسه ، وبذل السلام ».(٢)
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « طوبى لمن طاب خلقه ـ إلى أن قال ـ : وأنصف الناس من نفسه ».(٣)
وقال أميرالمؤمنينعليهالسلام : « [ ألا إنّه ](٤) من ينصف الناس عن نفسه لم يزده الله الا عزّاً ».(٥)
وأن ينزل الناس منازلهم فيزيد في توقير من يدلّ هيئته وثيابه على علوّ رتبته.
« فقد روي أنّ جرير بن عبدالله البجلي أتى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ومجلسه مملوء من أصحابه فقعد على الباب فلفصلىاللهعليهوآلهوسلم رداءه وألقاه إليه وأمره بالجلوس عليه فأخذه ووضعه على وجهه وقبّله وبكى ثم قال : ماكنت لأجلس على ثوبك أكرمك الله كما أكرمتني ، فنظر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يميناً وشمالاً وقال : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ».(٦)
وأن يصلح بين المسلمين مهما أمكنه.
وقد ورد فيه أخبار كثيرة كما ورد في ذمّ الإفساد.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٦٩ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٣٦٤.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٧٠.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٧٠ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ١٤٤.
٤ ـ كما في المصدر.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٧٠ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ١٤٤.
٦ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٧١ ـ ٣٧٢.
وعن أنس قال : « بينا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جالس إذ ضحك حتى بدت ثناياه فقال عمر : ما الذي أضحكك يارسول الله؟ قال : رجلان ممن أمّتي جثيا بين يدي ربّ العزّة فقال أحدهما : ياربّ خذ مظلمتي من هذا ، فقال الله تعالى : رد على أخيك مظلمته ، فقال : ياربّ لم يببق من حسناتي شيء ، فقال الله للطالب : كيف تصنع ولم يبق من حسناته شيء؟ فقال : ياربّ فليحمل عنّي من أوزاري ، ثم فاضت عينا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالبكاء ، فقال : إنّ ذلك اليوم عظيم ، يوم يحتاج الناس إلى أن يحمل من أوزارهم قال : فيقول الله تعالى للمظلوم : ارفع بصرك فانظر في الجنان ، فقال : ياربّ أرى مدائن من فضّة وقصوراً من ذهب مكللة باللؤلؤ ، لأيّ نبيّ هذا ولأيّ صدّيق أو لأيّ شهيد؟ قال الله تعالى : لمن أعطى الثمن ، قال : ياربّ ومن كان يملك ذلك؟ قال : أنت تملك ، قال : بماذا ياربّ؟ قال : بعفوك عن أخيك ، قال : ياربّ فقد عفوت منه ، قال الله تعالى : خذ بيد أخيك فادخل الجنّة ، ثم قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فاتّقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ، فإنّ الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة ».(١)
وأن يستر عورات المسلمين ، فإن الله يحبّ المتستّرين فإذا كان ستر عورته مطلوباً منه فكذا ستر عوره غيره ، فإن حقّ إسلامه عليه كحقّ اسلام غيره. وقد طلب الشارع ستر الفواحش فنيط الزنا وهو أفحشها بأربعة شهود يشاهدون المرود في المكحلة وهو أمر لايتّفق فانظر إلى الحكمة في سدّ باب الفواحش بإيجاب أعظم العقوبات أعني الرجم ، ثم إلى ستر الله الذي أسبله على العصاة بتضييق الطرق في كشفه ، فالمرجوّ من كرمه سبحانه أن لا يخرم ذلك يوم تبلى السرائر.
ففي الخبر : « أنّ الله إذا ستر على عبد في الدنيا فهو أكرم من أن يكشفها في الآخرة ، وإذا كشفها في الدنيا فهو أكرم من أن يكشفها مرّة
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٧٣.
أخرى ».(١)
هذا ، والأخبار في مدح الستر لاتحصى ، وكذا في ذمّ إذاعة الستر وتتبّع عورات المسلمين ، وقد أشير إلى بعضها.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة ».(٢)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لايرى امرء من أخيه عورة فيسترها عليه الا دخل الجنة ».(٣)
وأن يتّقي مواضع التهم صيانة لقلوب الناس من سوء الظن ، ولألسنتهم عن الغيبة لأنّهم إذا عصوا الله بسببه كان شريكاً معهم فيه.
وقد قال الله تعالى :( ولا تسبّوا الّذين يدعون من دون الله فيسبّوا الله عدواً بغير علم ) .(٤)
وفي الأخبار ما يشهد عليه.
وأن يهتمّ في قضاء حوائجهم بما يمكن له.
فعن الصادقعليهالسلام : « قضاء حاجة المؤمن خير من عتق ألف رقبة وخير من حملان ألف فرس في سبيل الله ».(٥)
وعنهعليهالسلام : « لقضاء حاجة امرىء مؤمن أحبّ إلى الله من عشرين حجّة كلّ حجّة ينفق فيها صاحبها مائة ألف ».(٦)
وقالعليهالسلام : « تنافسوا في المعروف لإخوانكم وكونوا من أهله ، فإنّ للجنّة باباً يقال لها المعروف ولايدخله الا من اصطنع المعروف في الحياة الدنيا ، فإنّ العبد ليمشي في حاجة أخيه المؤمن فيوكّل الله به ملكين واحداً
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٧٣.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٧٥.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٧٥.
٤ ـ الأنعام : ١٠٨.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٧٩ ، نقلاً عن الكافي : ١٩٣.
٦ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٧٩ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ١٩٣.
عن يمينه وأخرى عن شماله يستغفران له ربّه ويدعوان بقضاء حاجته ، ثم قال : والله لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أسرّ بقضاء حاجة المؤمن إذا وصلت إليه من صاحب الحاجة ».(١)
وقال الكاظمعليهالسلام : « إنّ الله عباداً يسعون في حوائج الناس هم الآمنون يوم القيامة ، ومن أدخل على مؤمن سروراً فرّح الله قلبه يوم القيامة ».(٢)
وعن الصادقعليهالسلام : « من سعى في حاجة أخيه المسلم طلب وجه الله كتب الله له ألف ألف حسنة يغفر فيها لأقاربه وجيرانه وإخوانه ومعارفه الحديث ».(٣)
والأخبار أكثر من أن تحصى.
وأن يبدأ بالسلام قبل الكلام ويصافحه عند السلام.
فعن الصادقعليهالسلام : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه ».(٤)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ابدؤوا بالسلام قبل الكلام ، فمن بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه ».(٥)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ الله عزّوجلّ يحبّ إفشاء السلام ».(٦)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إذا سلّم أحدكم فليجهر بسلامه ولايقول سلّمت فلم يردوا عليّ فلعلّه يكون قد سلّم ولم يسمعهم ، فإذا ردّ أحدكم فليجهر بردّه حتى لايقول المسلّم سلّمت فلم يردّوا عليّ ».(٧)
وقالعليهالسلام : « ثلاثة لايسلّمون : الماشي مع الجنازة ، والماشي إلى
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٨٠ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ١٩٣.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٨٠ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ١٩٧.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٨١ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ١٩٧ ـ ١٩٨.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٨١ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٦٤٤.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٨١ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٦٤٤.
٦ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٨١ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٦٤٥.
٧ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٨٤ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٦٤٥ مع اختلاف.
الجمعة ، والماشي في بيت حمّام ».(١)
وقالعليهالسلام : « من التواضع أن تسلّم من لقيت ».(٢)
وقالعليهالسلام : « يسلّم الصغير على الكبير ، والمارّ على القاعد ، والقليل على الكثير ».(٣)
وقالعليهالسلام : « يسلّم الراكب على الماشي والماشي على القاعد ».(٤)
وقال الباقرعليهالسلام : « إنّ المؤمنين إذا التقيا وتصافحا أدخل الله يده بين أيديهما فصافح أشدّهما [ حبّاً ](٥) أو [ شوقاً ] لصاحبه ».(٦)
وقالعليهالسلام : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا لقى أحدكم أخاه فليسلّم وليصافحه ، فإنّ الله أكرم بذلك الملائكة فاصنعوا صنع الملائكة ».(٧)
وقال الصادقعليهالسلام : « إنّ المؤمنين إذا التقيا غمرتهما الرحمة ، فإذا التزما لايريدان بذالك الا وجه الله ولا يريدان غرضاً من أغراض الدنيا قيل لهما مغفوراً لكما ، فإذا أقبلا على المسائلة قالت الملائكة بعضها لبعض : تنحّوا عنهما ، فإنّ لهما سرّاً ، وقد ستر الله عليهما ، قال الراوي : فقلت : فلا يكتب عليهما لفظهما وقد قال الله تعالى :( ما يلفظ من قول إلًا لديه رقيب عتيد ) ؟(٨) قال : فتنفًس أبوعبداللهعليهالسلام الصعداء ثم بكى حتًى اخضلًت دموعه لحيته وقال : يا إسحاق إنً الله أمر الملائكة أن تعتزل ع المؤمنين إذا
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٨٥ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٦٤٦ ، وفيهما : « وفي بيت الحمام » بدل الأخيرة.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٨٥ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٦٤٦.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٨٥ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٦٤٦.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٨٥ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٦٤٧.
٥ ـ كما في المصدر وليس في النسخ ، نعم في هامش « ج » استظهر الكاتب كون التميز « حباً » أو « شوقاً ».
٦ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٨٨ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ١٧٩.
٧ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٨٨ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ١٨١.
٨ ـ ق : ١٨.
التقيا إجلاً لهما ، وإنّه وإن كانت الملائكة لاتكتب لفظهما ولا تعرف كلامهما فإنّه يعرفه ويحفظه عليهما عالم السرّ وأخفى.(١)
واعلم أنّ أباحامد الغزالي منع عن الانحناء عند السلام ، وكذا القيام سيّما في المساجد لكونها موضع العبادة والقيام لله وحده فلا يشرك بعبادة ربّه أحداً.(٢)
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إذا رأيتموني فلا تقوموا كما يصنع الأعاجم ».(٣)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من سرّه أن يتمثّل له الرجال قياماً فليتبوّء مقعده من النار ».(٤)
وقال الشهيد (ره) في قواعده : « يجوز تعظيم المؤمن بما جرت به عادة الزمان وإن لم يكن منقولاً عن السلف لدلالة العموما عليه ، قال تعالى :
( ومن يعظّم شعائر الله فإنّها من تقوى القلوب ) .(٥)
( ومن يعظّم حرمات الله فهو خير له عند ربّه ) .(٦)
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لاتباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخواناً ».
فعلى هذا يجوز القيام والتعظيم بانحناء وشبهه ، وربّذما وجب إذا أدّى تركه إلى التباغض والتقاطع أو إهانة المؤمن.
وقد صحّ أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قام إلى فاطمةعليهالسلام وقام إلى جعفر لمّا قدم من الحبشة ، وقال للأنصار : قوموا إلى سيّدكم.
ونقل أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قام إلى عكرمة بن أبي جهل لما قدم من اليمن فرحاً بقدومه.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٨٩ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ١٨٤ مع اختلاف.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٩٠.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٩٠.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٩٠ ـ ٣٩١.
٥ ـ الحج : ٣٢.
٦ ـ الحج : ٣٠.
وأمّا قول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أحبّ أن يتمثل له الرجال إلى آخره » ، وما نقل من أنّه كان يكره أن يقام له فكان إذا قام لايقومون له لعلمهم بكراهته ذلك فإذا فارقهم قاموا حتّى يدخل منزله لما يلزمهم من تعظيمه ، فلعلّه إشارة إلى ما يصنعه الجبابرة من إلزام الناس بالقيام حال قعودهم إلى انقضاء مجلسهم دون القيام المخصوص القصير مدّته ، أو يحمل على من أراد ذلك تجبّراً وعلوّاً على الناس ، فيؤاخذ من لا يقوم له بالعقوبة ، أمّا من يريده لدفع إهانة عنه أو نقيصة به فلا حرج عليه ، لأن دفع الضرر عن النفس واجب.
وأمّا كراهته فتواضع لله وتخفيف على أصحابه ، وكذا نقول : ينبغي للمؤمن أن لا يحبّ ذلك ، وأن يؤاخذ نفسه بمحبة تركه إذا مالت إليه ، [ و ] لأنّ الصحابة كانوا يقومون كما في الحديث ، ويبعد عدم علمه به مع أنّ فعلهم يدلّ على تسويغ ذلك ، انتهى.(١)
وأن يصون عرض أخيه ونفسه وماله عن ظلم غيره مهما أمكن وينصره ، وقد أشرنا إلى بعض ما يدلّ عليه في الغيبة.
وفي النبويصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من حمى عرض أخيه المسلم في الدنيا بعث الله ملكاً يحميه يوم القيامة من النار ».(٢)
وعن جابر قال : « سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : ما من امرىء ينصر مسلماً في موضع ينهتك فيه عرضه ويستحلّ حرمته الا نصره الله في موطن يستحبّ نصره ، وما من امرىء خذل مسلماً في موطن ينتهك فيه حرمته الا خذله الله في موضع يستحبّ فيه نصره ».(٣)
وأن يسمّت العاطس ، فقد روي عن جماعة من أصحاب الصادقعليهالسلام
__________________
١ ـ القواعد : ص ٢٦٢ مع اختلاف ، المحجة البيضاء : ٣ / ٣٩٢ ، نقلاً عن قواعد الشهيدرحمهالله .
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٩٤.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٩٤.
أنّه قال : إنّ من حقّ المسلم على المسلم أن يعوده إذا اشتكى ، وأن يجيبه إذا دعاه ، وأن يشهده إذا مات ، وأن يسمّته إذا عطس.(١)
وأن يجامل الأشرار ويتّقيهم.
قال الصادقعليهالسلام في قوله تعالى :( أولئك يؤتون أجرهم مرّتين بما صبروا ) (٢) على التقيّة ، وفي قوله تعالى :( ويدرؤن بالحسنة السيّئة ) (٣) : الحسنة التقيّة والسيئة الإذاعة ».(٤)
وقالعليهالسلام : « لا دين لمن لا تقيّة له ».(٥)
وقال الباقرعليهالسلام : « التقيّة في كلّ ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به »(٦) « وأنّ التقيّة في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم ، فقد أحلّه الله » ،(٧)
وقالعليهالسلام : « إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم ، فإذا بلغ الدم فليست تقيّة ».(٨)
« وفي التوراة مكتوب : ياموسى! اكتم مكتوم سرّي في سريرتك وأظهر في علانيتك المداراة عنّي لعدوك وعدوّي من خلقي ولا تستسبّ لي عندهم بإظهار مكتوم سرّي فتشرك عدوّك وعدوّي في سبّي ».(٩)
وأن يخالط المساكين ، ويحسن إلى الأيتام دون الأغنياء من أهل الدنيا.
فقد كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : « أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين ».(١٠)
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣٣ / ٣٩٦ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٦٥٣.
٢ ـ القصص : ٥٤.
٣ ـ القصص : ٥٤.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٩٨ ـ ٣٩٩ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٢١٧.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٩٩ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٢١٧.
٦ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٠٠ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٢١٩.
٧ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٠٠ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٢٢٠.
٨ ـ المحجة البيضاء : ٣٣ / ٤٠٠ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٢٢٠.
٩ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٠٠ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ١١٧.
١٠ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٠٢.
وكان سليمان في ملكه إذا رأى مسكيناً جلس إليه وقال : « مسكين جالس مسكيناً ».(١)
وقال موسى : « إلهي أين أبغيك؟ فقال : عند المنكسرة قلوبهم ».(٢)
وعن الصادقعليهالسلام : « ما من عبد يمسح يده على رأس يتيم ترحّماً له الا أعطاه الله عزّوجلّ بكل شعرة نوراً يوم القيامة ».(٣)
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أنكر منكم قساوة قلبه فليدن يتيماً فيلاطفه ويمسح رأسه يلن قلبه بإذن الله ، فإنّ لليتيم حقّاً ».(٤)
وقال الصادقعليهالسلام : « إذا بكى اليتيم اهتزّ له العرش فقول الله تعالى : من هذا الذي أبكى عبدي الذي سلبته أبويه في صغره ، فوعزّتي وجلالي وارتفاع مكاني مكاني لايسكته عبد مؤمن الا وأوجبت له الجنّة ».(٥)
وأن ينصح المسلمين ويجتهد في إدخال السرور على قلوبهم.
فعن الصادقعليهالسلام : « يجب للمؤمن على المؤمن أن يناصحه ».(٦)
وقال الباقرعليهالسلام في تفسير قوله تعالى :( وقولوا للناس حسنا ) : « أي أحسن ما تحبّون أن يقال فيكم ».(٧)
وقال الصادقعليهالسلام : « إنّ أعظم الناس منزلة عند الله تعالى يوم القيامة أمشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه ».(٨)
وقال : « من أصبح لايهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم ».(٩)
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٠٢.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٠٢.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٠٣ ، نقلاً عن الفقيه : / ٤٩.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٠٤ ، نقلاً عن الفقيه : /
٥ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٠٤ ، نقلاً عن الفقيه : /
٦ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٠٥ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٢٠٨.
٧ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٠٦ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ١٦٥.
٨ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٠٦ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ٢٠٨.
٩ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٠٧ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ١٦٣.
وسئل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : من أحبّ الناس إلى الله تعالى؟ فقال : « أنفع الناس للناس ».(١)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الخلق عيال الله فأحبّ الخلق إلى الله من نفع عيال الله وأدخل على أهل بيت سروراً ».(٢)
وقال : « ما عبدالله بشيء أحبّ إلى الله من إدخال السرور على المؤمن ».(٣)
والأخبار في ذلك لاتحصى.
وأن يعود مرضاهم ويشهد جنائزهم.
فقد قال الصادقعليهالسلام : « أيّما مؤمن عاد مؤمناً حين يصبح شيّعه سبعون ألف ملك ، فإذا قعد غمرته الرحمة واستغفروا له حتى يمسي ، وإن عاده مساءاً كان له مثل ذلك حتّذى يصبح ».(٤)
وقالعليهالسلام : « إذا دخل أحدكم على أخيه عائداً له فليدع له فإنّ دعاءه مثل دعاء الملائكة »(٥) و « من عاد مريضاً في الله لم يسأل المريض للعائد شيئاً الا استجيب له ».(٦)
وقالعليهالسلام : « من تمام العيادة للمريض أن تدع يدك على ذراعه وتعجل القيام من عنده ».(٧)
وقال عليعليهالسلام : « إنّ من أعظم العوّاد أجراً عند الله تعالى من إذا عاد خفّف الجلوس عنده ، الا أن يكون المريض يحبّ ذلك ويريده ويسأله عن
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٠٧ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ١٦٤.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٠٧ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ١٦٤.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٠٧ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ١٨٨ ، عن الباقرعليهالسلام .
٤ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤١٠ ، نقلاً عن الكافي : ٣ / ١٢١.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤١١ ، نقلاً عن مكارم الأخلاق / ٣٦١ ، الباب ١١ ، وفيه : « فليدع له وليطلب منه الدعاء ، فإنّ دعاءه ».
٦ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤١١ ، نقلاً عن مكارم الأخلاق / ٣٦١ ، الباب ١١.
٧ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤١١ ، نقلاً عن الكافي : ٣ / ١١٨.
ذلك ».(١)
وقالعليهالسلام : « لا عيادة في وجع العين ، ولايكون عيادة [ في ] أقلّ من ثلاثة أيّام ، فإذا وجبت فيوم ويوم لا ».(٢)
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من شيّع جنازة فله قيراط من الأجر ، فإن وقف حتّى دفن فله قيراطان ».(٣)
وفي الخبر : « القيراط مثل جبل أحد ».(٤)
والقصد من التشييع قضاء حقّ المسلمين والعبرة ، فمن آدابه لزوم الخشوع وترك الحديث وملاحظة الميت والتفكّر في الموت والاستعداد له.
وعن الصادقعليهالسلام : « من أخذ بقائمة السرير غفر الله له خمساً وعشرين كبيرة ، وإذا ربّع خرج من الذنوب »(٥) أي أخذ بجوانبه الأربعة.
والتعزية
فقد قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من عزّى حزيناً كسي في الموقف حلّة يجرّبها ».(٦)
وعن الصادقعليهالسلام : « أنّها بعد الدفن وأنّه يكفيك أن يراك صاحب المصيبة ».(٧)
« وكان الكاظمعليهالسلام يعزّي قبل الدفن وبعده ».(٨)
وهي بالمأثور أحسن ، فيقول : « جبر الله وهنكم وأحسن عزاءكم ورحم متوفّيكم ».(٩)
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤١٢ ، نقلاً عن الكافي : ٣ / ١١٨ ـ ١١٩.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤١٢ ، نقلاً عن الكافي : ٣ / ١١٧.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤١٣.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤١٣.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤١٥ ، نقلاً عن الفقيه : ١ / ١٦٢ ، باب الصلاة على الميّت.
٦ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤١٥ ، نقلاً عن الفقيه : ١ / ١٧٣ ، باب التعزية ، وفيه : « يحبربها ».
٧ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤١٦ ، نقلاً عن الفقيه : ١ / ١٧٤.
٨ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤١٥ ، نقلاً عن الفقيه : ١ / ١٧٣ ـ ١٧٤.
٩ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤١٧ ، نقلاً عن الفقيه : ١ / ١٧٤.
وينبغي لأولياء الميّت أن يعلموا بموته حتى يشهدوا جنازته ويصلّوا عليه ويستغفروا له ، فيكتب لهم الأجر وللميّت الاستغفار. كما عن الصادقعليهالسلام (١)
وأن يقول إذا رأى جنازة : الله أكبر هذا ما وعدنا الله ورسوله.(٢)
وأن يزور قبورهم ، وقد عرفت أنّه مقلّل لطول الأمل ، ومذكّر للموت ، ومرقّق للقلب.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « القبر أوّل منزل من منازل الآخرة. ، فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر ، وإن لم ينج منه فما بعده أشدّ ».(٣)
وكان بعض الأكابر حفر في بيته قبراً فإذا وجد قساوة من قلبه دخل فيه واضطجع ومكث ساعة وقال : ربّ ارجعون لعلّي أعمل صالحاً فيما تركت ، ثم يقول : قد رجعت فاعمل الآن قبل أن لاترجع.(٤)
وكان عليعليهالسلام إذا دخل المقابر يقول : « يا أهل التربة ويا أهل الغربة أمّا الدور فقد سكنت ، وأمّا الأزواج فقد نكحت ، وأمّا الأموال فقد قسمت ، هذا آخر ما عندنا فليت شعري ما عندكم ، ثم التفت إلى أصحابه فقال : لو أذن لهم في الجواب لقالوا : إنّ خير الزاد التقوى ».(٥)
وأن يصلّي صلاة الوحشة أو غيرها من الأدعية والاستغفار وسائر أعمال الخير.
فقد قال الصادقعليهالسلام : « من عمل عن ميّت عملاً صالحاً أضعف له ونفع الله به الميّت ».(٦)
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤١٦ ، نقلاً عن الكافي : ٣٣ / ١٦٦.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤١٧ ، نقلاً عن الكافي : ٣ / ١٦٧ ، وفيه زيادة على ما ذكر.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤١٧ ـ ٤١٨.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤١٨.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤١٩ ، نقلاً عن الفقيه : ١ / ١٧٩ ـ ١٨٠.
٦ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٢٠ ، نقلاً عن الفقيه : ١ / ١٨٥.
فهذه جملة آداب العشرة مع عامّة الخلق ، فصّلها أبوحامد الغزالي وغيره ، ثم قال : « والجملة الجامعة فيها أن لاتستحقر منهم أحداً حيّاً كان أم ميّتاً ، لأنّك لاتدري لعلّه خير منك ، فإنّه وإن كان فاسقاً فإنّه(١) يختم له بالصلاح ، ويختم لك بمثل حاله ، ولاتنظر إليهم بعين التعظيم لهم في دنياهم ، فإنّها صغيرة عند الله تعالى مع ما فيها ، ولاتبذل لهم دينك لتنال من دنياهم فتصغر في أعينهم وتحرم من دنياهم وتسقط من عين الله ، وإن لم تحرم مندنياهم فقد استبدلت الذي هو أدنى بالّذي هو خير ، ولا تعادهم فتظهر لهم العداوة فيطو لأمرك في المعاداة ويذهب بها دينك ودنياك ودينهم بك الا إذا رأيت منهم منكراً في الدين فتعاديهم في الله مع النظر إليهم بعين الرحمة لتعرّضهم لمقت الله وعقابه فحسبهم جهنّم يصلونها ، فما لك تحقد عليهم ولا تسكن إليهم في مودّتهم لك وثنائهم في وجهك ، فإنّك إن طلبت حقيقة ذلك لم تجد من المائة واحداً لا تشك إليهم أحوالك فيكلك الله إليهم ، ولا تطمع أن تكون حالهم فيك واحداً في السرّ والعلانية ، فإنّه طمع كاذب ولا تظفر به ، ولا تطمع في مافي أيديهم فتستعجل الذلّ ولا تنال الغرض ولاتتكّبر عليهم باستغنائك عنهم فيلجئك الله إليهم عقوبة على تكبّرك.
وإن سألت أخاك حاجة فقضاها فهو أخ مستفاد ، والا فلا تعاتبه فيعاديك.
ولا تعظ من لا ترى منه مخائل القبول ، فلا يسمع منك ويعاديك ، وإن وعظت فلا تنصّ على شخص خاص ، بل أرسل إرسالاً ، وإن أكرمك أحد فاشكر الله على تسخيره لك واستعذ به من شرور الناس ولا تكافئه فيزيد ضررك ويضيع عمرك ، ولاتقل : لم يعرفوا محلّي وما قدروني حقّ
__________________
١ ـ كذا ، والظاهر : فلعلّه.
قدري ، فإنّك لو كنت مستحقاً له لسخّرهم ربّك لك ، فإنّه المؤلّف بين القلوب ومفرّقها واصمت عن باطلهم واحذر مصاحبتهم فإنّهم لايقيلون لك عثرة ولايسترون لك عورة ويحاسبونك على النقير والقطمير ويحسدونك على القليل والكثير ويؤاخذون على الخطا والنسيان ويعيّرون الإخوان بالنميمة والبهتان ، فصحبة أكثرهم ضرار وقطيعتهم رجحان ، إن رضوا فظاهرهم الملق ، وإن سخطوا فباطنهم الخنق ، واليؤمنون في خنقهم ولايرجون في ملقهم ، ظاهرهم ثياب ، وباطنهم ذئاب ، يستنصفون ولا ينصفون ويؤذونك ولا يعفون ، بل نيطقون بالظنون ويتربّصون بالصديق من الحسد ريب المنون ، يدّخرون عثراتك في صحبتهم ليحصوها عليك في وحشتهم.
ولا تعتمد بمودّة من لم تمتحنه حقّ الاختبار بالمصاحبة في محل واحد أو في الدار أو في الأسفار فتجرّبة في عزله وولايته وغناه وفقره أو معاملته أو تقع في شدّة فتحتاج إليه ، فإن رضيته في هذه الأحوال فاتّخذه أباً لك إن كان كبيرأً وابناً لك إن كان صغيراً ،وأخاً لك إن ساولك ، انتهى ملخّصاً ».(١)
قد بيّنا حقّ الجوار وحقّ الرحم ، ويدلّ على الثاني أخبار أكثر من أن تحصى ، وقد أشرنا إلى بعضها.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « يقول الله تعالى : أنا الرحمن وهذه الرحم قد اشتققت لها اسماً من اسمي ، فمن وصلها وصلته ، ومن قطعها قطعته ».(٢)
وقال الصادقعليهالسلام في قوله تعالى :( واتّقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) (٣) : « هي أرحام الناس إنّ الله أمر بصلتها وعظّمهما ، ألا ترى أنّه
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٢٠ ـ ٤٢٢.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٢٧ ـ ٤٢٨.
٣ ـ النساء : ١.
جعلها منه؟ ».(١)
وقال الباقرعليهالسلام : « صلة الأرحام تزكّي الأعمال وتنمي الأموال وتدفع البلوى وتيسّر الحساب وتنسىء في الآجال وتوسّع في رزقه ».(٢)
وعن السجّادعليهالسلام : « قال : قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : من سرّه أن يمدّ الله في عمره وأن يبسط له في رزقه فليصل رحمه ، فإنّ الرحم له لسان ذلق يوم القيامة ، يقول ربّ! صل من وصلني واقطع من قطعني ».(٣)
وقال الصادقعليهالسلام : « إنّ صلة الرحم والبرّ يهوّنان الحساب ويعصمان الذنوب ، فصلوا أرحامكم وبرّوا بإخوانكم ولو بحسن السّلام وردّ الجواب ».(٤)
وقالعليهالسلام : « صل رحمك ولو بشربة من ماء ، وأفضل ما توصل به الرحم كفّ الأذى عنها ، وصلة الرحم منسأة في الأجل ومحبّة في الأهل ».(٥)
وأفضلها وأحسنها الولادة.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « برّ الوالدين أفضل من الصلاة والصوم والحجّ والعمرة والجهاد في سبيل الله ».(٦)
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « برّ الوالدة على الولد ضعفان ».(٧)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الوالدة أسرع إجابة ، قيل : يارسول الله ولم ذاك؟ قال :
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٣٠ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ١٥٠.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٣٣٠ ، نقلاً عن الكافي : ٢ / ١٥٠ إلى « في الآجال » ثم قال في المحجّة : « وفي رواية : وتوسّع في رزقة وتحبّب في أهل بيته » والمصنّف كما ترى جمع بينهما وجعلهما رواية واحدة. والرواية الأخرى في الكافي : ٣ / ١٥٢.
٣ ـ الكافي : ٢ / ١٥٦ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب صلّة الرحم ، ح ٢٩.
٤ ـ الكافي : ٢ / ١٥٧ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب صلّة الرحم ، ح ٣١.
٥ ـ الكافي : ٢ / ١٥١ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب صلّة الرحم ، ح ٩.
٦ ـ المحجة البيضاء : ٣٣ / ٤٣٣٤.
٧ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٤٣٥ وفيه : « على الولد ».
هي أرحم من الأب ، ودعوة الرحم لاتسقط ».(١)
وعن الصادقعليهالسلام قال : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رحم الله والدين أعانا ولدهما على برّهما ».(٢)
[ وفي رواية اخرى ](٣) « قلت : كيف يعينه على برّه؟ قال : يقبل ميسوره ويتجاوز عن معسوره ولا يرهقه ولا يخرق به ، وليس بينه وبين أن يصير في حدّ من حدود الكفر الا أن يدخل في عقوق أو قطيعة رحم ».(٤)
وقال رجل من الأنصار للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : من أبرّ؟ فقال : والديك ، قال : قد مضيا ، قال : برّ ولدك.(٥)
وكلّ ما يذكر في حقوق الاخوة جار في حقوق الأبوين ، فإنّ هذه الرابطة آكد منها ويزيد عليها ما أشرنا إليه من وجوب إطاعتهما شرعاً فيما سوى الحرام المحض.
وحقّ الأمّ أظهر في الجسمانيات ، فلذا اكثر من الحثّ عليه ورجّح على حقّ الأب.
قال السجادعليهالسلام : « وحقّ أمّك أن تعلم أنّنها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحداً ، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحداً ، ووقتك بجميع جوارحها ، ولم تبال أن تجوع وتطمك ، وتعطش وتسقيك ، وتعرى وتكسوك وتضحى وتظلّك ، وتهجر النوم لأجلك ووقتك الحرّ والبرد لتكون لها ، فإنّك لاتطيق شكرها الا بعون الله وتوفيقه الحديث ».(٦)
فهذه الحقوق كلّها جسميّة والأب وإن كانت له حقوق جسميّة أيضاً ،
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٣٥ ، وفيه : « دعوة الوالدة ».
٢ ـ الكافي : ٦ / ٤٨ ، كتاب العقيقة ، باب حق الأولاد ، ح ٣٣.
٣ ـ هذه الزيادة لابدّ منها ، لأنّ المصنّف جمع بين روايتين من دون إشارة.
٤ ـ الكافي : ٦ / ٥٠ ، كتاب العقيقة ، باب برّ الأولاد ، ح ٦.
٥ ـ الكافي : ٦ / ٤٩ ، كتاب العقيقة ، باب برّ الأولاد ، ح ٢.
٦ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٥١ ، نقلاً عن الفقيه : ٢ / ٦٢١.
بل قد تكون أكثر الا أنّ حقوقها أظهر وتعبها فيما تتحمّله من المشاقّ أبين.
نعم حقّ الأب أظهر من حيث المعنى والروحانية ، فإنّه أصل وجودك والنعمة عليك ومربّيك والراغب في استجماعك لما يظنّه كمالاً في حقّك ، والواصل بك إلى كلّ مرتبة تعجبك إن وصلت إليها ، فهو في الحقيقة أحقّ من الأم بالحقوق المقرّرة لهما عليك ، والفرق بينهما بقدر الفرق بين الجسم والروح ، فإنّ أمّك مربّية لجسمك خاصّة وحافظة له عن الآفات الجسمانية بالقدر الممكن لها وأبوك مربّ لنفسك وروحك ، مضافاً إلى جسمك.
ألا ترى أنّه يرضى عليك بما تكرهه ويشقّ عليك من الحرّ والبرد والجوع والعطش والسهر وغيرها في تحصيل مايراه كمالاً في حقّك ممّا لاترضى به أمّك.
قال السجّادعليهالسلام : « وأمّا حقّ أبيك فأن تعلم أنّه أصلك فإنّك لو لاه لما تكن ، فمهما رأيت من نفسك ما يعجبك فاعلم أنّ أباك أصل النعمة عليك فيه الحديث ».(١)
فحقّه أعظم وأوجب حقيقة سيّما فيما يتعلّق بالروحانيّات كالإعظام والإكرام وطلب المغفرة والسعي في بقاء اسمه وأثره بعد موته وأضرابهما ، وهذا ممّا لا سترة فيه ، فاللازم توجيه ما ورد في ترجيح حقّ الأمّ وتقديمه بتخصيصه بالجسمانيات كالخدمة وحسن الإنفاق وأمثال ذلك ، فإنّها لكونها مرأة وهي قاصرة العقل في درك الكمالات والفضائل النفسانية قليلة الطاقة في تحمّل المكاره الجسمانيّة ، فمراعاة شأنها فيها أولى وأليق ، فافهم.
وممّا ذكر يظهر أنّ حقّ المعلّم أعظم لكونه روحانياً محضاً.
قال السجادعليهالسلام : « وحقّ سائسك بالعلم التعظيم والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع إليه والإقبال عليه ، وأن لاترفع عليه صوتك ، ولا تجيب أحداً يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يجيب ، ولا تحدّث في مجلسه
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٥٠ ، نقلاً عن الفقيه : ٢ / ٦٢٢.
أحداً ، ولا تغتاب عنده أحداً ، وأن تدفع عنه إذا ذكر عندك بسوء ، وأن تستر عيوبه وتظهر مناقبه ، ولاتجالس له عدوّاً ، ولا تعادي له وليّاً ، فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله بأنّك قصدته وتعلّمت علمه لله لا للناس ، إلى أن قالعليهالسلام :
« وأما حقّ رعيّتك بالعلم فأن تعلم أنّ الله عزّوجلّ إنّما جعلك قيّماً لهم فيما أتاك من العلم ، وفتح لك من خزائنه ، فإن أحسنت في تعليم الناس ولم تخرق بهم ولم تضجر عليهم زادك الله من فضله ، وإن أنت منعت الناس علمك أو خرقت بهم عند طلبهم العلم منك كان حقّاً على الله عزّوجلّ أن يسلبك العلم وبهاءه ، ويسقط من القلوب محلّك الحديث ».(١)
« فالمتعلّم منك ولد روحاني لك ، كما أنّ معلمك والد روحاني لك ، والتفاوت بين حقوقهما وحقوق الوالد والولد الجسمانيين كالتفاوت بين الجسم والروح ، فإن اجتمعتا عظمت الحقوق وواجتمعت » ، وقد أشرنا إلى بعض آداب التعلّم والتعليم فيما سبق بما فيه كفاية.
فصل
وأمّا حقوق الزوجة ، فالحقوق الظاهرة الواجبة شرعاً مذكور في كتاب النكاح من علم الفقه ، ولا حاجة إلى إعادتها ، وقد أشار السيّد السجّادعليهالسلام إليها إجمالاً ، فقال :
« وأمّا حقّ الزوجة فأن تعلم أنّ الله جعلها لك سكناً وأنساً ، فتعلم أنّ ذلك نعمة من الله تعالى عليك فتكرمها وترفق بها ، وإن كان حقّك عليها أوجب ، فإنّ لها عليك أن ترحمها لأنّها أسيرك وتطعمها وتكسوها ، وإذا
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٥٠ ، نقلاً عن الفقيه : ٢ / ٦٢٠ ـ ٦٢١.
جهلت عفوت عنها ».(١)
وحقوق الزوج وإن كانت أعظم وأكثر كما أشار إليها السجّادعليهالسلام وتكفّلت لبيانها مفصلّاً كتب الفقه ، الا أنّ الله تعالى يداقّ الناس على قدر عقولهم ، فإذا كان عقلك أتمّ وسلطنتك عليها أكثر كنت أولى بمراعاة جانبها ، وأحقّ بالاحسان إليها والمداراة معها.
فصل
وأمّا حقوق المملوك فقد أشير إليها أيضاً في كتب الفقه.
قال السجّادعليهالسلام : « وأمّا حقّ مملوكك فأن تعلم أنّه خلق ربّك وابن أبيك وأمّك ولحمك ودمك ، لم تملكه لأنّك صنعته دون الله ولا خلقت شيئاً من جوارحه ولا أخرجت له رزقاً ، ولكّن الله كفاك ذلك ثم سخّره لك وائتمنك عليه واستودعك إيّاه ليحفظ لك ما يأتيك من خير إليه فأحسن إليه كما أحسن الله إليك ، وإن كرهته استبدلت به ولم تعذّب خلق الله ».(٢)
وكان من آخر ما أوصى به النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أن قال : « اتّقوا الله فيما ملكت أيمانكم أطعموهم ممّا تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ، ولا تكلّفوهم من العمل ما لا يطيقون ، فما أحببتم فأمسكوا وما كرهتم فبيعوا ولا تعذّبوا خلق الله تعالى فإن الله ملّككم إيّاهم ولو شاء لملّكهم إيّاكم ».(٣)
فصل
وأما الصحبة والاخوّة فإنّ أحسنهما ما كان الله وفي الله وهو موقوف على معرفة حقيقة الحبّ والبغض وأقسامهما وسنذكرهما إن شاء الله تعالى
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٥٠ ، نقلاً عن الفقيه : ٢ / ٦٢١.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٥٠ ـ ٤٥١ ، نقلاً عن الفقييه : ٢ / ٦٢١ ، وفيهما : « ما يأتيه من خير إليه ».
٣ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٤٤٤.
وساعدنا التوفيق.
ثم إنّ لمن يختار صحبته شروطاً فلا يصلح للصحبة كلّ أحد.
ففي النبويصلىاللهعليهوآلهوسلم : « المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل ».(١)
وهي تظهر بحسب الغاية المطلوبة منها وهي دينية ودنيوية ، والثانية ليست من غرضنا ، والأولى مختلفة.
فمنها : استفادة العلم والعمل.
ومنها : استفادة الجاه دفعاً للأذية المشوّشة للقلب والصادّة عمّا هو مقصود لذاته ، أو المال احترازاً عن تضييع الأوقات في طلب الأقوات.
ومنها : الاستعانة في المهمّات والاستعداد للمصائب وسائر الحالات.
ومنها : التبرّك بالدعاء أو انتظار الشفاعة في العقبى.
فكلّ من هذه الفوائد تقتضي شروطاً لا تحصل الا بها ، وهي اجمالاً استجماعه لخمس خصال.
أن يكون عاقلاً فلا خير في صحبة الأحمق ، لأنّه يضرّك حال قصده لمنفعتك من حيث لايعلم ، ولذا قيل :
إنّي لآمن من عدوّ عاقل |
وأخاف خلاً يعتريه جنون |
|
فالعقل فنّ واحد وطريقه |
أدرى وأرصد والجنون فنون |
والمراد من العاقل من يفهم الأمور على ما هي عليها بنفسه ، أو بتفهيم الغير.
وأن يكون حسن الخلق ، إذ ربّ عاقل عاجز عن قهر شهوته وغضبه فيخالف ما يدركه عقله من غير شعور.
وأن لايكون فاسقاً ، فإنّ من لايخاف الله لا يوثق به ، بل يتغيّر بتغيّر الأغراض.
قال تعالى :( فأعرض عمّن تولّى عن ذكرنا ولم يرد الا الحياة
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٠٩.
الدنيا ) .(١)
وقال :( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتّبع هواه ) (٢) مع أن مصاحبته تهوّن العصيان على القلب ، فلا تتنفّر عنه ، وقد سبق في صدر الكتاب ما يؤكّد ذلك.
ولا مبتدعاً ، إذ فيه خطر السراية وشمول العذاب واللعنة.
قال الصادقعليهالسلام : « لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الله كواحد منهم ».(٣)
ولا حيصاً على الدنيا ، فإنّ صحبته سمّ قاتل والطبع سارق من حيث لايدري.
ونقل بعضهم أنّه أوصى ابنه عند وفاته فقال : إن عرضت لك حاجة إلى صحبة الرجال فاصحب من إذا خدمته صانك ، وإذا صحبته زانك ، وإن نفدت مؤونتك مانك.
اصحب من إذا مددت يدك لخير مدّها ، وإن رأى منك حسنة عدّها ، وإذا رأى سيّئة سدّها.
اصحب من إذا سألته أعطاك ، وإذا سكت ابتداك ، وإذا سكتّ ابتداك ، وإذا نزلت بل نازلة واساك.
اصحب من إذا قلت صدّق قولك ، وإذا صلت شدّ صولك ، من لاتأتيك منه البوائق ، ولا تلتبس عليك منه الحقائق ، ولا يخذلك عند الطرائق وإن حاولتما أمراً أمّرك ، وإن تنازعتما آثرك.
ولمّا ذكرت للمأمون قال : من أين هذا؟ فقيل : أراد أن لايصحب
__________________
١ ـ النجم : ٢٩.
٢ ـ الكهف : ٢٨.
٣ ـ الكافي : ٢ / ٣٧٥ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب مجالسة أهل المعاصي ، ح ٣ ووفيه : « عند الناس » مكان « عند الله ».
أحداً.(١)
وفي مصباح الشريعة عن الصادقعليهالسلام قال : « احذر أن تواخي من أرادك لطمع أو خوف أو فشل أو أكل أو شرب ، واطلب مواخاة الأتقياء ولو في ظلمات الأرض وإن أفنيت عمرك في طلبهم ، فإنّ الله لم يخلق بعد النبيين على وجه الأرض أفضل منهم ، وما أنعم الله على العبد بمثل ما أنعم الله به من التوفيق لصحبتهم. قال الله تعالى :( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ الا المتّقين ) .(٢) »(٣)
ولنعم ما قيل : « لو طلب أحد في زماننا صديقاً كذلك بقي بلا صديق ، ألا ترى أنّ أكرم كرامة أكرم الله بها أنبياءه وأمناءه صحبة أنبيائه ، وهو يدلّ على أنّه ما من نعمة في الدارين أجلّ وأزكى من الصحبة والمواخاة لوجه الله تعالى. »(٤)
فإن وجدت من تستفيد به أحد هذه المقاصد فاعرف قدره ، ولا ترفع اليد عنه ، فإنّه من أعظم ما أنعم الله به عليك والا فالوحدة أولى لك وأسلم.
قال أبوذر : « الوحدة خير من جليس السوء ، والجليس الصالح خير من الوحدة ».(٥)
فصل
إذا عرفت حقيقة الاخوّة والصحبة وحصّلت من استجمع شرائطها فاعلم أنّ له بعد انعقاد اخوتّك معه عليك حقوقاً ثمانية :
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣١٤.
٢ ـ الزخرف : ٦٧.
٣ ـ مصباح الشريعة : الباب ٥٥ ، في المواخاة.
٤ ـ هذا بقيّة ما في مصباح الشريعة ، ففيه بعد ذكر الآية : « وأظنّ من طلب في زماننا هذا صديقاً » مع تغيير في بعض عباراته.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣١٨.
أحدها : حقّ في مالك ، وأدناه تنزيله منزلة العبد والخادم فتعطيه من فضل مالك إن سنحت له حاجة بدون السؤال ، فإن أحوجته إليه كان تقصيراً في حقّه.
ثم تنزيله منزلة النفس فتشاركه فيه وتشاطره عليه بالسوية.
ثم إيثاره به مع حاجتك إليه ، وهو غاية درجات المتحابّين ، ومن تمامه الإيثار بالنفس أيضاً ، كما أنّ عليّاًعليهالسلام بات على فراش النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وآثره بنفسه فمن لم يصادف نفسه في إحداها كانت مصاحبته ضعيفة لا وقع لها في الدين والعقل ، بل الأولى ليست مرضية عند ذويهما كما لايخفى على متصفّح الآثار ومتتبّع الأخبار وإنّما المرضي عندهم المشار إليه بقوله :( وممّا رزقناهم ينفقون ) (١) ـ على ما قيل و ـ الاختلاط فيه بدون تمييز وهو المفضّل على الصدقات.
قال عليعليهالسلام : « لعشرون درهماً اعطيها أخي في الله أحبّ إليّ من مائة درهم أتصدّق بها على المساكين ».(٢)
والثاني : حقّ في نفسك بقضاء حوائجه ومهامّه قبل سؤاله وتقديمها على حوائجك وأدناه القيام بها عند السؤال والقدرة مع البشاشة والاستبشار والامتنان.
وبالجملة من تمام الاخوّة أن تكون حاجته كحاجتك أو أهمّ منها فلا تغفل عنه كما لاتغفل عن نفسك ، ونفسك ، وتغنيه عن السؤال فتقوم بحوائجه كأنّك لاتدري به(٣) حيث لاترى لك حقّاً فيه وتجتهد في الاكرام بالزيارة والإيثار وتقديم جانبه على الأقارب والأولاد ، بل التنفر بمسّرة ولذّة دونه وتستوحش من فراقه.
__________________
١ ـ البقرة : ٣.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٢٠ و ٢ / ٩٢.
٣ ـ أي لاتدري بقيامك بحوائجه فالضمير يرجع إلى المصدر المؤوّل المذكور قبله.
والثالث : حق في لسانك بالسكوت عن معايبه مع حضوره وغيبته ، بل تجاهل عنه ، ولا ترّد عليه فيما يتكلّم به ، وعن التجسس وعن أحواله أي تسكت عن أسراره التي ينهيها إليه دون غيره لأحد حتّى أخصّ أصدقائه ولو بعد الوحشة فإنّه من لؤم الطبع وخبث الباطن ، ولذا قيل :
وترى الكريم إذا اتصرّم وصله |
يخفي القبيح ويظهر الإحسانا |
|
وترى اللّئيم إذا تقضى وصله |
يخفي الجميل ويظهر البهتان |
بل من الجهل والحماقة.
فقد قال عليعليهالسلام : « قلب الأحمق في فيه ولسان العاقل في قلبه ».(١)
ولذا وجب مقاطعة الحمقى ، قيل لبعضهم : كيف تحفظ السرّ؟ فقال : أستره وأستر أنّي أستره ، وقيل فيه :
ومستودعي سرّاً تبوّءت كتمه |
فأودعته صدري فصار له قبرا |
وزاد آخر فقال :
وما السرّ في صدري كثاو بقبره |
لأني أرى المقبور ينتظر النشرا |
|
ولكنّني أنساه حتى كأنّني |
بما كان منه لم أحط ساعة خبرا |
والقدح(٢) في أهله وولده وأحبّائه بل عن حكايته عن غيره ، فإنّ التأذّي يحصل أوّلاً منه ثم من القائل بخلاف المدح من نفسه أو غيره ، حيث ينبغي إظهاره وافشاؤه لحصول السرور منه أوّلاً ، ثم من القائل إن كان ناقلاً ، والحاصل يسكت عمّا يكرهه مطلقاً الا إذا وجب في أمر بمعروف أو نهي عن منكر ، ولم يكن له رخصة في السكوت فلا يبالي بكراهته ، لأنّه إحسان إليه واقعاً ، وإنّ ظن أنّه إساءة.
وممّا يهوّن عليك السكوت عن معايب أخيك أن تطالع في معايبك ، فإن وجدت لنفسك عيباً فقدّر انّ أخاك مثلك في العجز عن قهر نفسه عنها.
__________________
١ ـ نهج البلاغة : الحكمة ٤١.
٢ ـ عطف على التّجسس أي : بالسكوت عن القدح في أهله
وأن تعلم أن المبرى من كل عيب سيما في هذا الزمان كالكبريت الأحمر ، فلو طلبته لزمك الاحتراز والاعتزال عن كل الناس.
فغاية المنى في المصاحب من غلتب محاسنه على مساويه ، والمؤمن لابد أن ينظر إلى محاسن صاحبه لينبعث منه الود والاحترام والشوق إلى تحصيله(١) إن كان فاقداً لها دون المساوي حتى ينتح نقائضها كما هو هو دأب المنافق اللئيم ، وكما ينبغي السكوت لساناً فكذلك قلباً بأن لاتسيء به الظن وتحمل أفعاله على السهو والنسيان مهما أمكن سواء كانت فراسة أي مستندة إلى علامة محركة للظن تحركاً ضرورياً أو ناشة من سوء الاعتقاد فيه حتى إنه يصدر منه فعل ذووجهين فيحمله سوء العقيدة على تنزيله على الوجه الأردى من غير علامة مخصصة ، وإن كان الأخير شاملاً لكل مسلم كما أشير إليه سابقاً.
والباعث الغالب لكشف العيوب والامتناع عن سترها الحقد والحسد لامتلاء باطنه منهما ، فإذا اغتنم فرصة انحلت الرابطة ورشح الباطن بخبثه والانقطاع حينئذ أولى.
وكذا ينبغي السكوت عن مما راته في تكلماته ، فإنها مثيرة لنار الحقد ، مضافاً إلى كونها من رذائل الأعمال في نفسها مع كل أحد ، وكونها موجبة للتكبر بإظهار التميز بمزيد العقل والفضل وتحقير المسلم بنسبته إلى الجهالة أو الحماقة أو السهو أو الغفلة عن فهم الشيء كما هو حقه ، وهو مذموم ، ومناف للاخوة ، ومستلزم للنفرة والوحشة والمعاداة.
والرابع : حق فيه أيضاً بالنطق ، بأن تتودد إليه باللسان وتسأل عما لابد منه من أحواله وإظهار السرور مما يسره ، والكراهة مما يكرهه ، فإنه مما تزيد به المحبة المطلوبة بين المؤمنين شرعاً وإفشاء محامدة بين الناس في حضوره وغيبته والدفع عما يقدح فيه فيهما أيضاً ، والشكر له إن كان له حق عليك
__________________
١ ـ كذا ، والظاهر : تحصيلها.
ولو بالقصد ، وتعليمه ونصحه حيث إنّ حاجته إلى العلم أكثر من المال ، فإن كنت غنيّاً فيه لزمتك مواساته بتعليمه وإرشاده ومع عدم عمله نصيحته بتذكيره لفوائده وتحذيره عن آفاته وتخويفه بما يزجره وتنبيهه على عيوبه وتقبيح القبيح في عينه وتحسين الحسن في نظره بحيث لايطّلع عليه أحد حتّى لايخجل ولايفتضح فيحمله على العداوة دون الإشفاق والنصيحة ، فإنّ من العلامات الفارقة بين النصيحة والتفضيح الاعلان والاسرار ، وذلك لأنّ « المؤمن مرآة المؤمن »(١) كما ورد في النبوي ، فيستفيد به من عيوب نفسه ما لايستفيد بنفسه والعاقل يمتنّ من صديقه بإعلامه لما لا يعلمه بنفسه من عيوبه كما تمتن من الذي ينبّهك على حيّة أو عقربة تحت ذيلك همّت بإهلاكك فعيوب المرء حيّات لادعة وتألّم روحه منها أكثر من تألّم جسمه منها.
نعم ، يستوحش بإعلام ما يعلمه سيّما إذا كان مخفياً له عنه فلا ينبغي له كشفه وإظهاره حينئذ أصلاً ، وأمّا مع إظهاره له فلابدّ من التلطّف في النصح تعريضاً وتصريحاً بحيث لايؤدّي إلى الإيحاش ومع العلم بعدم تأثيره فيه وكونه مقهوراً عليه طبعاً ، فالسكوت أولى ، هذا فيما يتعلّق به من مصالحه.
وأمّا ما يتعلّق بك من تقصيره في حقّك فالواجب العفو والتحمّل والتعامي عنه وإن كان بحيث يؤدّي إلى القطيعة فالعتاب سرّاً أولى من التفضيح والتعريض به خير من التصريح ، والاحتمال خير من الكلّ.
والخامس. عفوك عن زلّته ، وهي إمّا في دينه أو في حقّك ، والاولى إن أصرّ عليها وجب عليك التلطّف في نصحه بما يؤدّي به إلى الورع والصلاح فإن لم ينجع قيل : وجب انقطاعه ، لأنّ خير المحبّة والبغض ما كان لله وفي الله.
وقيل لاتتركه لأنّه يعوج مرّة ويستقيم أخرى ، وأنّه أحوج ماكان
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٣٤.
إليك في هذا الوقت بأن تأخذ بيده وتتلطّف في نصحه والدعاء له بالعود إلى ما كان عليه ، وهذا الطف وأفقه ، وإن كان الأول أحسن وأسلم لما فيه من الاستمالة والرفق المفضي إلى الرجوع لاستمرار الحياء عند دوام الصحبة وإذا أيس منها أصرّ واستمرّ ، ولأنّه عقد نزل منزلة القرابة فيتأكّد به الحقّ ويجب الوفاء به.
ومن جملته(١) أن لا يهمله في أيّام فقره وفقر الدين أشدّ ، فينبغي مراعاته والتلطف به حتّى يعان على الخلاص ممّا وقع فيه ، لأنّ الاخوّة عدّة للنوائب والحوادث ، وهذا من أشدّها وهي لحمة كلحمة النسب.
قال الصادقعليهالسلام : « مودّة يوم صلة ومودّة شهر قرابة ومودّة سنة رحم ماسّة ، من قطعها قطعه الله ».(٢)
ومنه يظهر سرّ عدم جواز مواخاة الفاسق ابتداء وحسن الاستدامة عليها انتهاء ، إذ لم يتقدّم في الأولى له حق بخلاف الثانية ، فنسبة قطع الاخوّة إلى تركها ابتداء كنسبة الطلاق إلى ترك النكاح ، فإن كانت مخالطة الكفّار من الممحذورات فمفارقة الأحبّة أيضاً من المحضورات ، وليس السالم عن المعارض كغيره.
والثانية لابدّ فيه من الصفح والتحمّل ، بل تنزيل أفعاله على الوجه الأحسن مهما أمكن ، وإن لم يمكن فضبط النفس عن الغضب المجبول عليه الطبع الزكي بكظم الغيظ والعمل بخلاف مقتضاه ممكن.
وقد قيل : الصبر على مضض الأخ خير من العتاب ، وهو خير من القطيعة ، وهي خير من الواقيعة ، ولاتبالغ في البغض مع الوقيعة عسى الله أن يجعل بينك وبينه مودّة.
والسادس : حقّ الدعاء له في حياته ومماته بما تحبّه لنفسك فإنّه في
__________________
١ ـ أي من جملة الوفاء به.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٣٨.
الحقيقة دعاء لنفسك.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إذا دعا الرجل لأخيه في ظهر الغيب قال الملك : ولك مثل ذلك. ».(١)
والأخبار بهذا المضمون أو ما يقرب منه كثيرة من الطريقين.
والسابع : الوفاء أي الثبات على الحب حتّى بعد الموت مع أولاده وأصدقائه لأنّه يراد للآخرة فقطيعته به إضاعة للسعي.
وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم يكرم عجوزاً لأنّها كانت تأتيه في أيّام خديجة(٢) ، والصديق يفرح بمراعاة صديقة لأجله أكثر ممّا يفرح بمراعاته ، إذ تدلّ على قوّة المحبّة ، والشيطان يجتهد في القطيعة فمعها يشمت بهما.
قال الله تعالى :( وقل لعبادي يقولوا الّتي هي أحسن ، إنّ الشيطان ينزغ بينهم ) .(٣)
ومن الوفاء أن لا يتغيّر حاله في التواضع مع أخيه وإن ارتفع شأنه وعظم جاهه.
إن الكرام إذا [ ما ] أسهلوا ذكروا |
من كان يألفهم بالمنزل الخشن |
ومن تمامه أن يكون شديد الجزع من فراقه ، نفور الطبع من أسبابه كما قيل :
وجدت مصيبات الزمان جميعها |
سوى مفارقة الأحباب هيّنة الخطب |
وقال الآخر :
يقولون إنّ الموت صعب على الفتى |
وإنّ مفارقة الأحباب والله أصعب |
وأن لايسمع بلاغات الناس على صديقه ، فإنّ بها تنقطع المودّة ، وأن لايصدّق عدوّه.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٤٠.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٤٢.
٣ ـ الأسرار : ٥٣٣.
والثامن : تسهيل الأمور عليه وترك التكليف بما يشقّ عليه وترفيهه عن حمل شيء من أعبائك وأن لاتستمدّ منه بحاه أو مال ولا تكلفه التواضع والتفقّد والقيام بحقوقك ، بل لاتقصد بمحبتّه الا الله تعالى بالتبرّك بدعائه والاستيناس من لقائه والاستعانة على دينه والتقرّب إلى الله بتحمّل أعبائه وقضاء حوئجه.
ولذا قيل : من جعل نفسه عند الإخوان فوق قدره أثم وأثموا ، ومن جعل نفسه في قدره أتعب نفسه وأتعبهم ، ومن جعلها دون قدره سلم وسلموا ، بل من تمام التخفيف طيّ بساط التكليف حتّى لايستحيي منه.
ولذا قيل : إذا وقعت الالفة بطلت الكلفة.
وقال الآخر : بين الأحباب تسقط الآداب.
هذا ، وقد قيل : لاتصحب الا من يتوب عنك إن أذنبت ويعتذر عنك إن أسأت ، ويحمل عنك مؤونتك ويكفيك مؤونته.
قال الغزالي : « وهذا تضييق لطريق المواخاة على الناس ، بل ينبغي أن يواخي كلّ متديّن عاقل ويعزم على أن يقوم بهذه الشروط ، ولايكلّفه إيّاها حتّى يكثر إخوانه وتكون اخّوته في الله دون حظوظ نفسه خاصّة. ولذا قال رجل للجنيد : قد عزّ الاخوان في هذا الزمان ، أين أخ في الله؟ فأعرض عنه حتّى أعاده ثلاثاً ، فلمّا أكثر قال : إن أردت أخاً في الله تحمّل أنت مؤونته وتصبر على أذاه فعندي جماعة أعرفهم لك ، فسكت الرجل ».(١)
أقول : لعلّ مراد القائل أنّ الحري بالمواخاة من يكون متّصفاً بهذه الصفات في نفسه لا أن يكون المطلوب من مواخاته تكلّفه له ، فلابدّ لك أن لاتتواخى الا من يتّصف بها ، والا لما كان أخاً في الله ، ولما كان حرّياً من حيث الاخوّة بهذه الحقوق ، وقد مرّ نظائر ذلك من الأخبار وغيرها الدالّة
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٤٥.
على أنّه لاينبغي المواخاة الا مع من يتّصف بهذه الصفات.
نعم ، ينبغي لك أن يكون قصدك من مواخاته الاخلاص والتقرّب إلى الله دون الحظوظ النفسانية ، فبعد ما واخيته لاتطلبها منه بل تعزم على قيامك بها مع عدم توقّعك منه شيئاً منها وإن كان فاعلاً لها ، حتى تكون مواخاتك له في الله دون حظوظ نفسك ، وهذا واضح.
قال الغزالي : « ومن ترك التكليف والتخفيف أن لاتعترض عليه في نوافل العبادات ، لأنّ طائفة من الصوفية كانوا يصحبون على شرط المساواة في أربعة : إن أكل أحدهم الدهر كلّه لم يقل صاحبه : صم ، وإن صام الدهر كلّه لم يقل له : لاتصم ، وإن نام الليل كلّه لم يقل له : قم ، وإن قام الليل كلّه لم يقل له : نم ـ إلى آخر ما قال ».(١)
أقول : بل من لوازم الوفاء بحقوق لاخوّة أن ينظر أنّ الباعث له على تركها ماذا؟ فإن كان من عذر أو اشتغال بما هو الأهمّ شرعاً أو عرفاً أو عقلاً سكت عنه ، وإن كان من كسل أو تكاهل أو عدم مبالاة منعه رفقاً ونصحه بما يرغّبه فيها ، نعم لايسيء به الظنّ ولا يتفاوت حاله عنده بزيادة ونقصان حتى يحرّكه ذلك إلى الرياء ونحوه الا من جهة الدين والشرع ، فافهم.
وبالجملة فالتكليف مذموم والنهي عنه في الشرع كثير.
قال الله تعالى :( قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلّفين ) .(٢)
فليس التكليف من أخلاق الصلحاء وشعار المتّقين ، ولايتمّ تركه إلا بأن يرى نفسه دون إخوانه ويحسن الظنّ بهم ويسيئه بنفسه وأن يشاورهم فيما يقصده ويقبل مشورتهم ، فهذه هي الحقوق الثابتة للاخوّة والصداقة ، وحاصلها أن تقيّد بحقوقهم جميع جوار حك.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٤٦.
٢ ـ ص : ٨٦.
أمّا النظر فبأن يكون مودّة فلا ترى منهم الا المحاسن ، ولا تصرفه عنهم حين إقبالهم عليك.
وأمّا السمع فبالاستماع لكلامهم والتلذّذ منه والتصديق لهم.
وأمّا اللسان ففيما ذكر ، وأن لاترفع صوتك عليهم وتفهّمهم مرادك.
وأمّا اليدان فبأن لاتقبضهما عن مؤونتهم فيما يتعاطى بهما وأمثال ذلك.
وأمّا الرجلان فأن تمشي وراءهم مشي الاتّباع والتعظيم لهم والسعي في قضاء حوائجهم فيما يتعاطى بهما وأمثال ذلك.
قال بعض الحكماء : إذا أردت حسن المعيشة فالق صديقك وعدوّك بعين الرضا من غير ذلّة ولا وحشة وتوقّر في غير كبر وتواضع في غير مذلّة ، وكن في جميع أمورك متوسّطاً ، ولاتنظر في عطفيك ، ولاتكثر الالتفات ، ولاتقف على الجماعات وتحفّظ من تشبيك أصابعك والعبث بلحيتك وخاتمك وتخليل أسنانك وإدخال يدك في أنفك وكثرة بصاقك وتنخّمك وذبّ الذباب عن ووجهك وكثرة التمطّي والتّثاؤب في وجوه الناس وفي الصلاة وغيرها ، وليكن مجلسك هاوياً(١) وحديثك منظوماً ، وأصغ إلى الكلامالحسن ممّن حدّثك بغير إظهار تعجّب مفرط ، ولاتسأله إعادته ، واسكت عن المضاحك والحكايات ، ولاتحدّث عن الإعجاب بولدك ولا جاريتك ولا شعرك ولا تصنيفاتك وسائر ما يخصّك ، ولاتتزيّن كما تتزيّن المرأة ولاتبتذل تبذّل العبيد وتوقّ كثرة الكحل والاسراف في الدهن ولاتلحّ في الحاجات ولاتشجّع الظالم في ظلمه ، ولا تخبر أهلك وولدك فضلاً عن غيرهم بمقدار ما لك فإنّهم إن رأوه قليلاً وهنت عندهم وإن روه كثيراً لم يمكنك إرضاؤهم واجفهم(٢) من غير عنف ولن لهم من غير ضعف ولا
__________________
١ ـ كذا في النسخ ، وفي المحجة البيضاء : هادياً.
٢ ـ كذا في النسخ : وفي المحجة البيضاء : وأخفهم.
تهازل العبيد والاماء فيسقط وقارك ، وإذا خاصمت فتوقّر وتحفّظ من جهلك وتفكّر في حجّتك ولا تكثر من الاشارة بيديك ولا تكثر الالتفات إلى ماوراءك ، وإذا هدأ غيظك فتكلم وإن تقرّبت إلى السلطان فكن منه على حدّ السنان ولاتأمن انقلابه عليك وارفق به رفقك بالصبي وكلّمه بما يشتهيه ولاتدخل بينه وبين أهله وولده وجيشه وإن كان معك في غاية اللطف.
وإيّاك وصديق العافية ، ولايكن مالك عندك أعزّ من عرضك ، وإذا دخلت مجلساً فسلّم على أهله ولاتتخطّ من سبقك واجلس حيث وسعك ، وكلّما كان أقرب إلى لتواضع كان أحسن ، ولاتجلس على الطريق وإن جلست فغضّ بصرك وانصر المظلوم وأغث الملهوف وأعن الضعيف وأرشد الضالّ وردّ السلام وأعط السائل وأمر بالمعروف وانه عن المنكر وارتد لموضع البصاق مايكون عن يسارك وتحتت قدمك اليسرى ولاتستقبل به وال تجالس الملوك ، وإن فعلت فلا تغتب ولا تكذب ، وأقلل حوائجك واحفظ أسرارهم وعذّب ألفاظك وإعرب في خطابك ، واذكر أخلاق الملوك وقلّل المداعبة وأكثر الحذر منهم وإن أظهروا المودّة ، ولا تجالس العامة ، فإن فعلت فلا تخض في حديثهم وقلّل الإصغاء إلى أراجيفهم ، وتجاهل عمّا يجري في سوء ألفاظهم.
واترك المزاح رأساً ، فإن اللبيب يحقد عليك والسفيه يجترىء عليك ، فإنّه مسقط لماء الوجه ومخرق للهيبة ، وهو يميت القلب ، ويباعد عن الربّ ، ويكسب الغفلة ، ويورث الذلّة ، والله المستعان.(١)
فصل
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الكفاية ، ويدلّ عليه الإجماع والكتاب والسنّة والاعتبار.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٣٥٠ ـ ٣٥٢.
أمّا الأول : فمن المسلمين كافّة.
وأما الثاني : فقال تعالى :
( ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) .(١)
والأمر يدلّ على الوجوب ، والنسبة إلى الأمّة منكّرة تدلّ على كونه كفائياً.
وقال تعالى :
( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمّة قائمة يتلون إلى آيات الله آناء اللّيل وهم يسجدون * يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ) .(٢)
وقال :( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ) .(٣)
وقال :( كنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) .(٤)
وقال :( الّذين إن مكّنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ) .(٥) وغير ذلك.
وأما الثالث : فقد أشير إلى بعضها.
وقال الباقرعليهالسلام في حديث طويل : « إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء فريضة عظيمة بها تقام الفرائض وتأمن المذاهب وتحلّ المكاسب وتردّ المظالم وتعمر الأرض وينتصف من الأعداء
__________________
١ ـ آل عمران : ١٠٤.
٢ ـ آل عمران : ١١٣ ـ ١١٤.
٣ ـ التوبة : ٧١.
٤ ـ آل عمران : ١١٠.
٥ ـ الحج : ٤١.
ويستقيم الأمر فأنكروا بقلوبكم واتّعظوا بألسنتكم وصكّوا بها جباههم ولاتخافوا في الله لومة لائم الحديث ».(١)
وقال الصادقعليهالسلام : « إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سئل عن أفضل الإسلام ، فقال : الايمان بالله ، قال : ثمّ ماذا؟ قال : صلة الرحم ، قال : ثم ماذا؟ قال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحديث ».(٢)
وقالعليهالسلام : « الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلقان من خلق الله ، فمن نصرهما نصره الله ، ومن خذلهما خذله الله ».(٣)
والأخبار كثيرة لاتحصى ، فإذن تبيّن انهما من أفضل الواجبات وأنّ تركهما من أبغض المحرّمات بعد الشرك بالله سبحانه كما ورد في النبوي.(٤)
وقد دلّ بعض ماتقدّم من الآيات والأخبار على كونه كفائياً.
وفي الخبر عن الصادقعليهالسلام : « عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب على الأمّة جميعاً؟ فقال : لا ، الحديث ».(٥)
ومنه يظهر ضعف القول بوجوبه عيناً.
واعلم أنّ المنكرات إمّا مكروهة أو محرّمة ، والمنع عن الأولى مستحبّ ، والسكوت عليه مكروه ، والثاني واجب ، وهي أي المنكرات وإن أمكن استعلامها من الكتب الفقهية لاشتمالها عليها الا أنّها متفرّقة في أبوابها ويعسر الاطّلاع عليها وجمعها ولم يشيروا إلى ما شاع في المساجد
__________________
١ ـ الكافي : ٥ / ٥٦ ، كتاب الجهاد ، باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، ح ١ ، وفيه : « والفظوا بألسنتكم ».
٢ ـ الكافي : ٥ / ٥٨ ، كتاب الجهاد ، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ح ٩ مع تلخيص وتغيير ، وكان عليه أن يقول : « قيل : ثمّ ماذا ».
٣ ـ الكافي : ٥ / ٥٩ ، كتاب الجهاد ، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ح ١١ ، وفيه : « فمن نصرها أعزّه الله ».
٤ ـ الكافي : ٥ / ٥٨ ، كتاب الجهاد ، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ح ٩ ، وورد فيه كونهما من أبغض المحرمّات بعد الشرك وقطيعة الرحم.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٤ / ١٠٧ ، الكافي : ٥ / ٥٩.
والأسواق والحمّامات والطرق من المنكرات ، واعتاد الناس بها ، ونحن(١) نشير إلى بعضها إجمالاً ، فممّا اعتيد عليه في المساجد ما يشاهد كثيراً فيها من إساءة الصلاة وترك شرائطها وآدابها وقراءة القرآن باللحن ، والاشتغال بالمنع عن أمثال ذلك أهمّ من الاشتغال بالنوافل لكونها فريضة يتعدّى إلى الغير فائدتها ، وهي أهمّ من النافلة التي يقتصر عليه.
ويستحب المنع عن تراسل المؤذنين في الأذان وتطويلهم مدّ الكلمات والانحراف عن صوب القبلة فيه لكونها مكروهة.
وكذا تكثير الأذان في مسجد واحد في أوقات متعاقبة بعد طلوع الفجر ، إذ لا فائدة فيه إذا لم يبق في المسجد نائم ولم ينته الصوت إلى غير من في المسجد.
وكذا الاذان قبل الصبح ، فإنّه مشوّش للصوم والصلاة الا إذا عرف بذلك.
وكذا الواعظ الخارج عن الحق في وعظه بالكذب أو البدعة يجب منعه ، ولايجوز حضور مجلسه الا لإظهار ردّه على كافّة الناس أو من أمكن منهم والا فلا يسمع أصلاً ، وإذا كان كلامه مائلاً إلى الارجاء وتجرئة الناس على المعاصي وجب منعه.
وكذا إذا تزيّن للنساء وأكثر من الأشعار والحركات والإشارات إليهنّ مع حضورهنّ وجب منعه ، ويتبيّن ذلك بقرائن الحال ، بل لاسيلم الوعظ الا لظاهر الصلاح والسكون والوقار ، والأحسن ضرب الحائل بينهنّ وبين الرجال حسماً لمادّة الفساد ومنعهنّ عن حضورها إذا خيفت الفتنة بهنّ.
ومنه أيضاً اجتماع الناس يوم الجمعة أو في شهر رمضان فيها لبيع الأدوية والأطعمة والتعويذات وقيام السؤّال وقراءتهم وإنشادهم للأشعار
__________________
١ ـ من هنا إلى آخر الفصل أخذه المصنّف (ره) من الإحياء (ج ٢ / ٣٣١٢ إلى ٣٤٣) ملخّصاً.
وأمثالها ، بل قد يكون بعضها محرمة بالأصالة لكونها تلبيساً وكذباً في المسجد وخارجه فمنعه واجب حينئذ. وكذا كل بيع فيه كذب وتلبيس.
أو بالعرض كتضييق المكان على المصلين وتشويش صلاتهم عليهم.
ومنه تمكين المجانين والصبيان والسكارى من دخولها ، ولابأس بالصبي إذا لم يلعب ، ولا يحرم لعبه ولا السكوت عليه إلا إذا أخذ المسجد ملعباً ، فيجب المنع عنه حينئذ ، وكذا المجنون إذا لم يخش نطقه بفحش أو شتم أو كشف عورة أو إيذاء مسلم ، وكذا السكران ، فإن خيف منه القيء أو الأذية أو كان مضطرب العقل وجب إخراجه ، وإلا فلا.
ومما اعتيد عليه من منكرات الأسواق الكذب في المرابحة وإخفاء العيب ، فعلى العالم بكذب البائع إعلام المشتري وسكوته مراعاةً له مشاركة في الخيانة.
وكذا العالم بالعيب ، وإلا كان راضياً بضرر أخيه وهو حرام.
وكذلك التفاوت في الذراع والمكيال والميزان ، ويجب على العارف به تغييره إن أمكنه أو رفعه إلى الحاكم.
وكذا الربويات وسائر التصرفات الفاسدة ، وبيع الملاهي والتصاوير والتماثيل والأواني المتخذة من الذهب والفضة ، وثياب الحرير وقلانس التذهب.
وكذا التلبيس على المشتري في الثياب المقصورة بكونها جديدة ، وانخراق الثوب بالرفو ونحو ، وكل ما فيه تلبيس وغش ، فإنها كثيرة لاتحصى.
ومما اعتيد عليه من منكرات الشوارع وضع الاساطين والدكات متصلاً بالأبنية المملوكة ، وغرس الأشجار ووضع الخشب وأحمال الأطعمة
والحبوب وغيرهما في الطريق إن كان مؤدّياً إلى التضييق والإضرار بالمارّة ولم يكن ممّا يشترك الكافة في الحاجة إليه ونحوها ربط الدوابّ الا بقدر الحاجة لأنّها مشتركة المنافع ، فلايختص بها أحد الا بقدر الحاجة التي تراد لأجلها الشوارع في العادة ، وسوق الدابة وعليها الشوك بحيث يضرّ الناس ويمزّق ثيابهم مع إمكان عدمه ، وتحميل الدوابّ مالاتطيقه ، وذبح القصابّ على الطريق أو على باب دكّانه وتلويث الطريق بالدم وطرح الكناسة على جوادّ الطرق وتبديد قشور البطّيخ أو رشّ الماء بحيث يخاف منهما التزلّق وإرسال الماء من الميازيب المخرجة من الحائط إلى الطرق الضيّقة وأمثال ذلك.
وممّا اعتيد عليه في الحمّامات من(١) كشف العورات والنظر إليها وأخذ الصبيان والأمارد للخدمة بحيث يخشى منهم الفتنة وغير ذلك ، أو في الضيافات أي بعضها من(٢) لبس الحرير واستعمال الأواني المحرّمة والصور الحيوانية والاسراف في الطعام والبناء والمصاحبة بطريق البدعة أو اللهو واللعب المحرّمين أو ما يختلف في حليّته وحرمته وشرب المحرّمات أو أكلها واتّخاذ الفواحش فيها وغير ذلك ممّا لايمكن حصره ، وقس على ما ذكر منكرات الجامع ومجالس القضاة ودواوين السلاطين ومدارس الفقهاء ورباطات المتصوّفة وخانات الأسواق.
ومن المنكرات العامة تكاهل الناس بأسرهم عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف مع جهلهم لشروط الصلاة وآدابها في البلاد ، فكيف بالقرى والبوادي وكذا سائر مسائل دينهم ، فعلى كلّ من تعلّم مسألة أن يعلّمها الجاهل بها ، ولو كان عامياً والانسان لايولد عالماً بالشرع.
والاثم على الفقهاء أشدّ ، لأنّ قدرتهم في تبليغ العلم إلى من لايعلم أظهر وهو بهم أحرى وأليق ، والمحترف لو ترك حرفته بطل المعاش ، وهؤلاء
__________________
١ ـ كذا ، والظاهر زيادتها.
٢ ـ كذا ، والظاهر زيادتها.
قد تقلّدوا أمراً لابدّ منه في صلاح الخلق وحرفتهم تبليغ ما بلغ عن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّ العلماء ورثة الانبياء ، فلا يجوز للعالم القعود في البيت مع ما يرى من مواظة الناس على هذه المنكرات مع إمكانه في حقّه واجتماع شرائطه فيه ، بل حقّ المسلم أن يبدأ بنفسه وإصلاحها باداء الفرائض وترك المحرّمات مع العلم بها بالتعلّم من أهلها ثم تعليم أهله وأقاربه ثمّ جيرانه ثمّ أهل محلته ثم أهل بلده ثم السواد المكتنف له ثم أهل القرى والبوادي وهكذا إلى أقصى العالم ، فإن قام به الأدنى سسقط عن الأبعد والا كان واجباً على كلّ من يسعه ذلك مادام جاهل على وجه الأرض باقياً ولايقدمّ عليه الا فرض عين أو كفاية أهمّ منه.
وأما أركانهما فأربعة :
أحدها : المحتسب ، ويعتبر في وجوبهما عليه كونه مكلّفاً مؤمناً ، ولايشترط العدالة على الأظهر في أفراد الحسبة الصادرة عن آحاد المكلّفين.
نعم يشترط في الناصب نفسه لتربيتهم وإرشادهم نيابة عن الرسول والأئمّةعليهمالسلام ، مضافاً إلى سائر شروط الاجتهاد ، ويشترط القدرة أيضاً ، فلا حسبة على العاجز ولو بالخوف على نفسه من مكروه أو العلم بعدم التأثير فيه ، بل يحرم فيما يتوقّع فيه ضرر بدنيّ أو عرضيّ أو ماليّ لقوله تعالى :
( ولا تلقوا بايديكم إلى التهلكة ) .(١)
وورد النهي عنه في الأخبار الا أنّ عليه أن لايحضر مجالس المنكر حينئذ ، ويعتزل في بيته الا لحاجة مهمّة أو واجب ، وهذا ممّا يختلف باختلاف الأزمان والأحوال ودرجات المكاره التي تنال بالحسبة ، والانسان على نفسه بصيرة ، ولايشترط إذن الحاكم في ما لاينجرّ إلى الفساد والفتنة من مراتب الحسبة كالوعظ بالكلام اللطيف والسبّ والتعنيف بما لايشتمل على محرّم ، والقهر الفعلي ككسر الملاهي وإراقة الخمر واختطاف الثوب منه إذا
__________________
١ ـ البقرة : ١٩٥.
لم يخف مكروهاً. وأمّا ما ينجرّ إليهما فنعم على الأظهر.
والثاني : ما فيه الحسبة ، وهو كلّ منكر موجود في الحال ظاهر للمحتسب من دون تفحّص معلوم كونه منكراً من غير اجتهاد ، والمنكر أعمّ من المعصية ، فمن رأى مجنوناً يزني وجب عليه منعه ، ولايجوز للآحاد على من فرغ عنه أو علم أنّه سيأتي به الا الوعظ ، بل لو أنكر حرم يضاً ، لأنّه سوء ظنّ به ، ولايجوز التجسّس على المستتر للنهي ، والظهور يشمل الشمّ والسمع واللمس. وبالجملة هو ما يفيد العلم من دون طلب الأمارات المعرّفة.
وثالثها : المحتسب عليه ، ولا يشترط كونه مكلّفاً لما عرفت من وجوب منع الجنون والصبي عن مثل الشرب والزنا.
نعم يشترط كونه إنساناً فلا حسبة على الحيوان ، وإن وجب منع البهيمة عن إتلاف زرع المسلم مثلاً ، فإنّه ليس من قبيل الحسبة التي هي المنع عن المنكر لحق الله صيانة له عن المنكر ، بل هو لحفظ مال المسلم الواجب عقلاً ونقلاً ، فافهم.
ورابعها : نفس الاحتساب وأوّله التعرّف ثم التعريف ثم النهي ثم الوعظ ثم التعنيف ثم التغيير باليد ثم التهديد بالضرب ثم إيقاعه ثم شهر السلاح ثم الاستظهار بالأعوان والجنود.
وتفاصيل ما أشرنا إليه في الأركان موكولة إلى الكتب الفقهيّة وغيرها من مطولات الفّن.
وللمحتسب آداب يرجع حاصلها على العلم والورع وحسن الخلق.
فعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لايأمر بالمعروف ولاينهى عن المنكر الا رفيق فيما يأمر به ، رفيق فيما ينهى عنه ، حليم يأمر به ، حليم فيما ينهى عنه ، فقيه فيما يأمر به ، فقيه فيما ينهى عنه ».(١)
فالفاسق يسقط أثره من القلوب ولا ينتفع بحسبته.
__________________
١ ـ إحياء العلوم : ٢ / ٣٣٣ ـ ٣٣٤.
فصل
التوبة عن الذنوب مبدء طريق السالكين ورأس مال الفازين ومفتاح استقامة المريدين ، وهي أصل النجاة ، وبها ينقذ من شفا جرف الهلكات ، والآيات والأخبار في مدحها وفضلها كثيرة.
قال تعالى :( وتوبوا إلى الله جميعاً أيّها المؤمنون لعلكم تفلحون ) .(١)
( توبوا إلى الله توبة نصوحاً ) .(٢)
والنصوح الخالص الخالي عن شوائب الأغراض.
( إنّ الله يحبّ التوّابين ) .(٣)
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « التائب حبيب الله ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ».(٤) وغير ذلك.
وفسّرها بعضهم بتنزيه القلب من الذنب والرجوع من البعد إلى القرب.
وقيل : إنّها ترك المعاصي في الحال والعزم على تركها في الاستقبال والتدارك لما سبق من التفريط.
وقيل : بل هي معنى ينتظم من العلم بضرر الذنوب وكونه حجاباً بين العبد والمحبوب ، والندم ، أي ألم القلب بفواته الحاصل منه ، والعزم على الترك حالاً واستقبالاً مع التلافي لما مضى فيما يقبله بالجبر والقضاء ، فالعلم مطلعها ، إذ المراد منه الإيمان أي التصديق واليقين بأن الذنوب سموم مهلكة فإذا استولى على القلب وأبصر بنور الإيمان كونه محجوباً عن مطلوبه
__________________
١ ـ النور : ٣١.
٢ ـ التحريم : ٨.
٣ ـ البقرة : ٢٢٢.
٤ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٧.
مفوتاً (كذا) لمحبوبة أشرق عليه نار الندم وتألّم به كمن أشرق عليه نور الشمس بعد ما كان في ظلمة سحاب أو حجاب فرأى محبوبه مشرفاً على الهلاك حيث تشتعل نيران الحبّ في قلبه ، فينبعث منه إرادة النهوض للتدارك.
وقد يطلق على الندم وحده ويجعل الأوّل مقدّمة سابقة والأخيرة ثمرة لاحقه. ولذا قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الندم توبة ».(١)
وإليه نظر من حدّها بأنّها ذوبان الحشا لما سبق من الخطا ، ومن قال إنّه نار تلتهب وصدع في الكبد لاينشعب.
وباعتبار معنى الترك قيل : إنّها خلع لباس الجفاء ونشر بساط الوفاء.
وما يقال من أنّ الندم غير مقدور إذ كثيراً ما يقع على أمور في القلب لايريد أن يكون كذلك ، والمقدور أسبابها أعني العلم المزبور ، فلايكون داخلاً في حقيقتها لأنّها مقدورة حيث أمر بها ، ضعيف لأنّ ماله سبب مقدور يكون مقدوراً كما تبيّن في محله.
ثم التوبة لايكون الا عن ذنب سابق والا كان تقوى وورعاً ، ولذا لايصحّ أن يقال إنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم تائب عن الشرك ، ولا إشكال في توبة من لايقدر على الإتيان بها في المستقبل إن فسّرناها بالندم خاصّة ، كما هو الظاهر ، فإنّ عدم ترتّب بعض الثمرات لاينافي ثبوت الحقيقة مع ترتّب بعض آخر عليها كالتلافي بالتضرّع والطاعة ، وكذا إن فسّرت بالمجموع ، لأنّ جزءها العزم على الترك مطلقاً ، فإنّ عدم كونه اختيارياً يجامع كون العزم عليه اختيارياً أي لو كان قادراً على الفعل ، فلا حاجة إلى تقييده بترك ماسبق مثله وتعميم المثل بالنسبة إلى الصورة والمنزلة كما قيل(٢) ، لعدم تبادره من اللفظ ، بل مخالفته لظواهر بعض الأخبار.
__________________
١ ـ بحار الأنوار : ٧٧ / ١٥٩ ، المحجة البيضاء : ٧ / ٥.
٢ ـ جامع السعادات : ٣٣ / ٥٢ ـ ٥٣.
ومنه يظهر فساد ما قيل من عدم قبول توبة العنّين من الزنا الذي قارفه قبل طريان العنّة لأنّها عبارة عن ندم ينبعث منه العزم على الترك فيما يقدر على فعله ، وما لايقدر عليه قد انعدم بنفسه لا بتركه إيّاه.
قيل : لو انكشف عليه بعدها ضرره وثار منه احتراق وندم بحيث لو بقيت فيه شهوة الوقاع قمعها وغلبها فهو ممّا يرجى تكفيره ، إذا لا خلاف في قبول توبته قبلها وإن لم يطرء عليه تهييج الشهوة وتيسّر أسباب قضائها ، وليس الا لبلوغ ندمه حدّاً صرف قصده عنه ، فلا يستحيل أن يبلغه في العنّين أيضاً ، فكلّ من لا يشتهي شيئاً يقدّر نفسه قادراً على تركه بأدنى خوف والله مطّلع على نيّته ومقدار ندمه وحسرته.
والحاصل محو ظلمة الذنب يكون بحرقة الندم وشدّة المجاهدة في الترك في المستقبل معاً فإذا امتنعت الثانية لم يبعد بلوغ الندم حدّاً يقوى على محوها بدونها ، ولولاه لزم عدم قبولها ممّن لايعيش بعدها مدّة يتمكّن من المجاهدة مرّات متعدّدة ، وليس في ظاهر الشرع اشتراطه.(١)
واعلم أنّ وجوب التوبة ثابت من الآيات والأخبار وإجماع الأمّة والاعتبار ، فإنّ وجوب الأفعال وحرمتها على اختلاف مراتبها فيهما لأجل كونها وسائل إلى السعادة الأبديّة أو الشقاوة السر مدية سيّما على طريقة العدلية من عقليّة الحسن والقبح ، وكون التكليف لطفاً ، وإذا علمت انحصار السعادة الحقيقية في لقاء الله تعالى في دار القرار علمت أنّ المحجوب عنه شقي محترق بنار الفراق في دار البوار.
وإذا تبيّن لك أن لا حاجب عنه الا اتّباع الشهوات وارتكاب السيّئات لكونها إعراضاً عن الله [ وانساً بالعالم الفاني ، ولا مقرّب إليه الا قطع العلائق عنها والإقبال بالكلّية إليه طلباً للأنس ](٢) بذكره الباقي علمت أيضاً
__________________
١ ـ القائل في الإشكال والجواب هو أبوحامد كما في المحجة البيضاء : ٧ / ٧٤ ـ ٧٥.
٢ ـ ساقط من « ج ».
انّ الانصراف عن طريق البعد واجب للوصول إلى القرب ، ولايتمّ الا بالثلاثة المشار إليها التي هي حقيقة التوبة كما عرفت. ومقدّمة الواجب واجبة عقلاً وشرعاً ، ولا ينافيه كون الندم والألم ضرورياً لايدخل تحت الاختيار ، لأنّ سببه اختياري ، والوجوب بالاختيار لاينافيه.
ثمّ إذا علمت أنّ العلم المزبور من الايمان وأنّه من علوم الأعمال التي لايمكن الخروج عن عهدتها الا إذا صارت باعثة على فعل أو ترك فمن لم يترك الذنب بعد العلم بضرره كان فاقداً لهذا الجزء من الايمان.
ولذا ورد « أنّ الزاني لايزني حين يزني وهو مؤمن »(١) ، حيث لم يرد من الايمان فيه العقائد الحقّة لعدم منافاتها للزناوأمثاله ، بل الايمان بكونه مبّعداً عن الله تعالى ، سبباً لمقته ، فالعاصي ناقص الإيمان لأنّه نيف وسبعون باباً أعلاها شهادة أن لا إله الا الله وأدونها إماطة الأذى عن الطريق والتوحيد بالنسبة إليه كالروح للانسان يوجب فقده فقده بالمرّة والطاعات بمنزلة الصورة والجوارح لا يتحقّق كمال النوع الا بها ، فالمقرّ بالشهادتين بدونها كإنسان فاقد الجوارح والأعضاء والآلات في كونه قريباً من الممات شبيهاً بالأموات لأنّ إيمان لم يثبت أصله في اليقين ولا فروعه في الأعمال لم يثبت على عواصف الأهوال ، وخيف عليه الختم على أسوء الأحوال الا ما سقي بماء الطاعات على مرّ الدهور وتعاقب الأوقات حتّى اتّصف بالدوام والرسوخ والثبات ، وهذا قاطع نياط قلوب العارفين خوفاً من دواهي الموت التي لاثبات معها الا للأقلّين ، فكما أنّ الصحيح الخائض في مضرّات المطعومات مغرور باستناده إلى صحّة بدنه في ظنّ عدم الممات لعدم وقوعها فجئة في أغلب الأوقات بل يمرض الصحيح ثم يصير من الأموات فكذا الموحّد المنهمك في معاصي الرحمن فإنّها كالمطاعم المضرّة بالنسبة إلى الأبدان فيخاف سواء الختم بسلب الايمان وبه يخلّد في النار كسائر المشركين والكفّار ، فإن وجب على الخائف
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ١٣.
من هلاك بدنه الحفظ عن أكل السموم ومضرّات الطعوم ومع أكله لها التقيّأ والاخراج من المعدة كيف كان على الفور والبدار تلافياً لبدنه المشرف على الهلاك والتبار مع أنّه لا يفوت بها الا الدنيا الدنيّة الفانية ، فبالحري أن يكون متناول سموم الذنوب أولى بالتدارك لما فاته من النعيم المقيم والملك العظيم ، وما يتوقّع من فواته من العذاب الأليم ونار الجحيم ، فالبدار يا إخوان الحقيقة وخلّان الطريقة إلى التوبة الرفيعة الأنيقة قبل أن يعمل سموم الذنوب بروح الايمان ما لا ينفع بعده الاحتماء وينقطع عنه تدبير الأطبّاء ، فلا ينجع نصح العلماء الأبرار ويحقّ القول عليكم من الله القهّار بالخسار والبوار ، فيقول :
( وجعلنا من بين أيديهم سدّاً ومن خلفهم سدّاً فاغشيناهم فهم لايبصرون * سواء ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لايؤمنون ) .(١)
قوله تعالى :( توبوا إلى الله جميعاً ) (٢) يعمّ الجميع مع أنّ معناها الرجوع عمّا يبعّد عن الله تعالى وعادته تعالى جارية بحصول كمال غريزتي الشهوة والغضب قبل حصول كمال العقل ، لحصوله غالباً في الأربعين وإن تمّ أصله عند مراهقة البلوغ ، وظهرت مباديه بعد سنّ التميز ، فإذا كان كمال الأوّلين قبله فقد سبق جند الشيطان واستولى على المكان وأنس القلب بمقتضياتهما بالعادة ، وتعسّر عليه النزوع عنها ، فبعد ظهور العقل الذي هو حزب الله شيئاً فشيئاً إن لم يبلغ حدّ كماله سلمت مملكة القلب للشيطان اللعين وحقّ منه قوله :( فبعزّتك لأغوينّهم أجمعين ) .(٣)
وإن بلغه كان أوّل شغله قمع جنوده بمفارقة العادات وردّ الطبع قهراً إلى العبادات ، وهذا معنى التوبة.
__________________
١ ـ يس : ٩ ـ ١٠.
٢ ـ النور : ٣٣١.
٣ ـ ص : ٨٢.
وليس في الوجودات الخارجية من لم يسبقه قوّتاه الشهويّة والغضبية على العقلية فكانت الأوبة عن مقتضياتهما إلى مقتضياته التي هي حقيقة التوبة ضرورية وحكماً أزليّاً مكتوباً على كلّ البرية. سنّة الله التي قد خلت في عباده ، ولن لسنّة الله تبديلاً.
وحينئذ فعلى الكافر التوبة عن كفره ، وعلى التابع في إسلامه لأبويه غافلاً عن حقيقته ، التوبة عن غفلته ، وعلى من فهم ذلك واسترسل وراء الشهوات التوبة عنها بالكفّ عن المقتضيات ومراعاة حدود الله فيها وفي الطاعات.
واعلم أنّك لا تخلو أبداً عن معصيته في جوارحك ، ولو فرض فلا تخلو عن رذائل نفسك والهمّ بها ، وإن سلمت فلا أقلّ من الخواطر المتفرّقة المذهلة عن ذكر الله ، ولو سلمت فلا أقلّ من غفلة وقصور في معرفة الله وصفات جماله وجلاله وعجائب صنعه وأفعاله ، وكلّ ذلك نقص يجب الرجوع عنه ، ولذا تجب التوبة في كلّ حال. حتّى قال أشرف الخلقصلىاللهعليهوآلهوسلم : « وإنّه ليغان على قلبي حتّى أستغفر الله في اليوم واليلة سبعين مرّة ».(١)
ولا ينافي إطلاق القول بالوجوب ، إذ لايراد منه الشرعي الذي يشترك فيه كافّة الخلق لاختصاصه بالمحرّمات وترك الواجبات الواردة في ظاهر الشريعة ، ممّا لو اشتغلوا به لم يخرب العالم والا لاختلّ النظام وفسدت المعائش ، بل بطلت التقوى أيضاً ، بل المراد منه الشرطي أي ما لابدّ منه للوصول إلى المطلوب والقرب إلى المحبوب ، ولايكفي فيه الأوّل لكونه بمنزلة أصل الحياة والباقي بمنزلة الجوارح والآلات كما أشرنا إليه ، وفيه كان اهتمام الأنبياء والأولياء والأمثل من العلماء ، ولأجله رفضوا الدنيا وأهلها ، ولو تفكّرت في احوالهم وتدبّرت في آثارهم وصرفت الهمّة في فهم أخبارهم عرفت أنّ التوبة لازمة في كلّ نفس للسالك البصير ولو عمرّ
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ١٧.
عمر نوح من غير مهلة وتأخير ، فإنّ العاقل إذا ملك جوهرة نفيسة فضاعت منه من غير فائدة بكى عليها ، ولو صار ضياعها سبباً لهلاكه اشتدّ بكاؤه عليها ، وكلّ ساعة من العمر من أنفس الجواهر الّتي لابدل لها حيث توصله إلى سعادة الأبد وتنقذه من شقاوة السرمد ، فإن ضيّعها في الغفلة خسر خسراناً مبيناً ، وإن صرفها في المعصية هلك هلاكاً عظيماً ، فلو لم يبك عليه كان مصيبته بهذا الجهل من أعظم المصائب حيث لايمكّنه من معرفتها لغفلته.
« الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ».(١)
نقل عن بعض العرفاء أنّ ملك الموت إذا ظهر للعبد أعلمه أنّه قد بقي من عمره ساعة لايستأخر عنها طرفة عين ، فيبدو له من الأسف ما لو كانت له الدنيا بحذافيرها لخرج منها على أن يضمّ إليها ساعة أخرى ليستعين بها على تدارك ما فاته فلا يجد إليه سبيلاً( وحيل بينهم وبين ما يشتهون ) (٢) ( ولن يؤخّر الله نفساً إذا جاء أجلها ) (٣) .
ولذا قال تعالى :( وليست التوبة للّذين يعملون السيّئات حتّى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن ) (٤) بل( إنّما التوبة على الله للّذين يعلمون السوء بجهالة ثمّ يتوبون من قريب ) (٥) أي عن قرب عهد بالخطيئة بأن يتندّم عليها ويمحو عنه أثرها بحسنة يردفها بها قبل أن يتراكم الرين على القلب فلا يقبل المحو ، وتارك التوبة بالتسويف على خطر الرين فلا يمكنه الإمحاء وخطر الممات فلا يمكّن منه ، وذلك أنّ كلّ شهوة يتبعها العبد يرتفع منه ظلمة إلى قلبه كما يرتفع من نفسه ظلمة إلى المرآة الصّقيلة فإن تراكمت صار ريناً كما يصير بخار النفس مع تراكمه خبثاً.( بل ران على قلوبهم
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٤٢ ، شرح ابن ميثم على المائة كلمة : ص ٥٤.
٢ ـ سبأ : ٥٤.
٣ ـ المنافقون : ١١.
٤ ـ النساء : ١٨.
٥ ـ النساء : ١٨.
ما كانوا يكسبون ) .(١)
ومع تراكم الرين يصير طبعاً كالخبث المتراكم الّذي طال بقاؤه في المرآة حيث يغوص في جرم الحديد ويفسده فلا يقبل التصقيل ، فكما لابدّ من التدارك فكذا لابدّ في رفع آثار المعاصي مضافاً إلى تركها تداركها بالطاعات حتّى تنمحي ظلمتها بنورها.
هذا حال تصقيل الظلمة العارضة بعد الجلاء ، وأمّا أوّله ففيه شغل طويل لأنّ إزالة الصدأ عن المرآة أسهل من عمل أصلها ، وإلى ما ذكرناه أشير فيما ورد عن الصادقينعليهمالسلام : « أنّه ما عبد الا وفي قلبه نكتة بيضاء ، فإذا أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتة سوداء ، فإن تاب ذهب ذلك السواد ، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتّى يغطّي البياض ، فإذا غطّى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً ، وهو قول الله عزّوجلّ :( كلّابل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) (٢) ».(٣)
وممّا فصّلناه علم أنّ وجوب التوبة فوري ، فما ذهب إليه بعضهم من عدم فوريّتها استناداً إلى بعض الأخبار كقول الصادقعليهالسلام في خبر زرارة : « إنّ العبد إذا أذنب ذنباً أجّل من غدوة إلى الليل ، فإن استغفر الله لم يكتب عليه »(٤) وأمثاله ممّا وقعت الاشارة إليها في باب الرجاء ضعيف لما عرفت من الأدلّة العقلية الدالّة على فوريّتها.
والأخبار المذكورة لاتنافيها ، ولعلّ ذلك تفضّل منه تعالى بتأخير العذاب لا أنّه استحقاق منّا له ، يدلّ عليه قول سيّد العابدينعليهالسلام في دعاء التوبة :
__________________
١ ـ المطفّفين : ١٤.
٢ ـ المطفّفين : ١٤.
٣ ـ الكافي : ٣٣ / ٢٧٣ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الذنوب ، ح ٢٠.
٤ ـ الكافي : ٢ / ٤٣٧ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الاستغفار من الذنب ، ح ١.
« إذا كان جزائي في أوّل ما عصيتك النار »(١) ، مع أنّه مقتضى إطلاقات الأوامر الشرعيّة أيضاً.
فعلى هذا لو تركها المكلف كان ذلك الترك أيضاً ذنباً يجب التوبة عنه وتأخير التوبة عن هذا أيضاً ذنب آخر ، وهكذا إلى أن يحصل أعداد لاتتناهى من الذنوب في زمان متناه.
وهذا هو السرّ في تفسير الباقرعليهالسلام الاصرار بترك التوبة [ في قوله تعالى :( ولم يصرّوا على ما فعلوا ) .(٢) ](٣) فافهم.
إنّك إذا فهمت معنى التوبة علمت أنّ صحيحها مقبول ، فإنّ القلب نقيّ في الأصل ، كلّ مولود يولد على الفطرة ، وإنّما تغيّرها الذنوب وتظلمها ، ونار الندم تدفع غبرتها ، ونور الطاعة ظلمتها كنور النهار الماحي لظلمة الليل ، والصابون المزيل لوسخ الثوب ، فالقلب يوسّخ بالشهوات كالثوب يوسّخ بالكثافات ، وماء الدمع يغسله ، ونار الندم ينظّفه كتنظيف الصابون والماء الحارّ للثوب الوسخ.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : في قوله تعالى :( إنّ الحسنات يذهبن السيّئات ) (٤) : « كما يذهب الماء الوسخ ».(٥)
والقلب النقيّ مقبول عند الملك الكريم كما قال :
( الا من أتى الله بقلب سليم ) .(٦)
فعليك يا حبيبي بالتوبة المزكّية للقلوب عن أو ساخ المعاصي والذنوب ،
__________________
١ ـ الصحيفة السجاديّة : الدعاء ١٦ ، في الاستقالة.
٢ ـ آل عمران : ١٣٣٥.
٣ ـ في « ج » فقط.
٤ ـ هود : ١١٤.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٢٥.
٦ ـ الشعراء : ٨٩.
والا فالقبول ممّا سبق به القضاء( قد أفلح من زكّيها ) (١) ( وهو الّذي يقبل التوبة عن عباده ) (٢) ( غافر الذنب وقابل التوب ) (٣) .
قال بعض العرفاء : إنّ الله عباداً نصبوا أشجار الخطايا نصب روامق القلوب وسقرها بماء التوبة فأثمرت ندماً وحزناً فجنّوا من غير جنون وتبلّدوا من غير عيّ ولا بكم وأنّهم لهم البلغاء الفصحاء العارفون بالله ورسوله ، ثم شربوا بكأس الصفا شربة فورثوا الصبر على طول البلاء ، ثم تولّهت قلوبهم في الملكوت وجالت فكرتهم بين سرادقات حجب الجبروت واستظلّوا تحت رواق الندم وقرأوا صحيفة الخطايا فأورثوا أنفسهم الجزع حتّى وصلوا إلى علّو الزهد بسلّم الورع فاستعذبوا مرارة الترك للدّنيا واستلانوا خشونة المضجع حتّى ظفروا بحبل النجاة وعروة السلامة وسرحت أرواحهم في العلى حتّى أناخوا في رياض النعيم وخاضوا في بحار الحياة وردموا خنادق الجزع وعبروا جسور الهوى حتّى نزلوا بفناء العلم واستقوا من غدير الحكمة وركبوا سفينة الفطنة وأقلعوا بريح النجاة في بحر السلامة حتّى وصلوا إلى رياض الراحة ومعدن العزّ والكرامة.(٤)
كلّما كان ألم الندم وتأثير القلب به أشدّ كان تكفير الذنوب أرجى وعلامة صدقه تبدّل حلاوة المعاصي في القلب بالمرارة.
وفي الاسرائيليات : « أنّ نبيّاً سأل من الله قبول توبة عبد بعد اجتهاده سنين في العبادة فقال : وعزّتي لو شفع فيه أهل السماوات والأرض ما قبلت توبته ، وحلاوة ذلك الذنب الذي تاب منه في قلبه »(٥) ولا يستحيل ذلك ،
__________________
١ ـ الشمس : ٩.
٢ ـ الشورى : ٢٥.
٣ ـ غافر : ٣.
٤ ـ إحياء العلوم : ٤ / ١٥ عن ذي النون المصري.
٥ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٦٣.
فإنّ المتناول للعسل الذي فيه سمّ لم يدركه واستلذّ منه إذا مرض وطال مرضه وتناثر شعره وفلجت أعضاؤه فقدّم إليه مثله وكان في غاية الجوع والشهوة تنفّر منه وكرهه قطعاً ، بل كره مطلق العسل لشبهه به فذوق كلّ ذنب كالعسل وأثره كالسمّ فلا تصحّ التوبة الا بمثل هذا الاعتقاد ، ولعزّته عزّت التوبة وفقد التائبون.
وينبغي له اعتقاد ذلك في كلّ ذنب لم يرتكبه أيضاً كما أنّ المتناول للعسل المزبور يتنفّر من الماء الذي فيه السمّ أيضاً فلا مدخل لخصوصيّة الذنب بل الباعث للسمّية مخالفة الأمر وهو جار في الجميع ، فهذا شرط الندم.
وأمّا القصد المنبعث منه فلابدّ من تعلقه بترك كلّ محظور وأداء كلّ فرض في الحال ويرد فكره فيه إلى أوّل يوم بلغ فيه ويفتّش يوماً فيوماً فينظر إلى ما فرط فيه من الطاعات وقارفه من الذنوب فيطيل الندم والبكاء ويقضي العبادات ويخرج من مظالم العباد ويذيب عن بدنه كلّ لحم نبت من المشتهيات المحرّمة والمشتبهة.
قال أميرالمؤمنينعليهالسلام : « الاستغفار اسم واقع على ستّة معان : أوّلها الندم على ما مضى ، ثمّ العزم على ترك العود إليه أبداً ، وأن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتّى تلى الله أملس ليس عليك تبعة ، وأن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها تؤدّي حقّها ، وأن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد ، وأن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية ، فعند ذلك تقول : أستغفر الله ».(١)
وينبغي أن تكون الطاعة من جنس المعصية كي يتمّ العلاج بالضدّ ، فإنّ البياض يزال بالسواد دون الحرارة والبرودة وإن كان لكلّ من الطاعات نوع
__________________
١ ـ نهج البلاغة : الحمكة ٤١٧ مع اختلاف.
تضادّ مع كلّ معصية ، ولذا تؤثر مطلقاً الا أنّ الثقة بما ذكرناه أظهر.
وممّا يدلّ على كون الضدّ كفّارة للضدّ أنّ حبّ الدنيا والسرور بها رأس كلّ خطيئة ، وهو أثر اتّباعها فكلّ أذى يصيبك يبعدك عنها وتتجافى بالهموم والغموم من دارها.
وفي الخبر : إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له عمل يكفّرها أدخل الله عليه الغموم ليكون كفّارة لذنوبه.(١)
وربما يقال : إنّ الهمّ ظلمة الذنوب وشعور القلب بموقفه للحساب.
والأخبار الدالّة على تكفير المصائب الدنيوية حتّى الشوكة تدخل في الرجل كثيرة ، فحبّ الدنيا خطيئة ، والتمتّع منها متمّمها والحرمان عنها كفّارتها ، ولابدّ من عقد قلبه مع الله عقداً مؤكّداً وعهداً موثّقاً أن لا يعود إليها وإلى أمثالها ، ومن مهمّاته إذا لم يكن عالماً تعلّم ما يجب عليه ويحرم حتّى يتمكّن من الاستقامة.
قيل : لايصحّ التوبة عن بعض المعاصي دون بعض ، فإنّ الندم حالة يوجبها العلم بتفويت المعاصي للمحبوب من حيث كونها معصية وكلّها متساوية من هذه الحيثية ، فرتبة التائب لاتنال الا بالندم وهو لايكون الا عن مخالفة الأمر لتي تعمّ المعاصي بأسرها ، وكما لايصحّ عن بعض المتماثلات دون بعض كشرب الخمر من هذا الدنّ دون ذاك ، لأن الدنّ آلة والمعصية واحدة ، فكذا المختلفات لأنّ أعيانها آلات لها والأصل واحد.
وفيه أنّ التوبة عن بعضها كالكبائر دون غيرها ، أو بعض الكبائر دون بعض ممكن من حيث كون المتروك أعظم إثماً من غيره ، فلا يستحيل الندم على الأعظم دون الأهون ، وقد كثر التائبون في القرون الماضية ولم يكن
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٦٦.
أحد منهم معصوماً ولم يشترطها أحد ، على أنّه ما من مؤمن الا وهو خائف نادم على معاصيه ضعيفاً أو قويّاً ، الا أنّ لذّة نفسه منها لشهوته أعظم من ألمه بخوفه لجهله أو غفلته أو غير ذلك ، فربما تبلغ الشهوة في بعض المعاصي مبلغاً لايقوى عليها الخوف المزبور ، وربّما تضعف بحيث يقوى عليها ، ولو لا ذلك لما تصوّر من الفاسق الصيام والصلاة مثلاً.
والنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « التائب من الذنب كمن لا ذنب له ».(١) ولم يقل من الذنوب.
ومنه يظهر فساد التشبيه بالمتماثلات لاتّحاد نوع الشهوة فيها فلا معنى لقمعه أحدها دون مثلها بخلاف المختلفات لاختلاف قدرها فيها ، وكذا الكثير دون القليل لكثرة العقوبة التي يخاف منها في الأوّل فيكثر الخوف بحيث يقاوم الشهوة بخلاف الثاني فلا يقاومها.
التائب إمّا يكون له شهوة في الذنب لكنّه يجاهد نفسه فيه أم لا ، والثاني إمّا أن يكون سكونه عليها لفتور في أصل الشهوة أو لأن قوّة يقينه وجهاده بلغ مبلغأً قمعها عن نفسه فتأدّب بآداب الشرع ، والثالث أفضل ممّا قبله ، إذ الجهاد ليس مقصوداً لذاته ، بل للوصول إلى هذه المرتبة والواصل إلى المطلوب أحسن من السالك الغير الواصل ، ومن ظفر على خصمه فاسترقّه فهو أعظم من المشغول بجهاده ، ولايعلم كيف يسلم ، والأوّل أفضل من الثاني ، فإنّ جهاده يدلّ على قوّة يقينه دونه وكون الثاني أسلم لايدلّ على كونه الأفضل ، والا لكان الصبيّ والعنّين أفضل من البالغ [ والفحل ](٢) ، فالعزّ في الأخطار ، والشهامة شرطها الاقتحام في الأوغار.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٧.
٢ ـ الزيادة أثبتناها من المحجة البيضاء : ٧ / ٧٥.
التائب إن وثق(١) بعزمه على الترك وهو يريد الاشتغال بما هو الأهمّ بحاله من المعارف وغيرها فنسي ذنبه والاحتراق والبكاء عليه لأجله فهو أفضل ممّن لم يصل إلى هذه المرتبة وإن اشتغل بالاحتراق والبكاء جاعلاً ذنبه نصب عينيه ، لأنّه ممنوع بعد من الوصول إليها ومحجوب عن درك المطلوب والوقوف في الطريق عائق عن الوصول إلى المحبوب ، ولايغرّنّك بكاء الأنبياء ونياحهم على ذنوبه فإنّه تنزل منهم إلى الدرجات اللائقة بحال أمّتهم ، إذ بعثوا لارشادهم فعليهم التلبّس بما ينتفعون به وإن كان أدون عمّا يليق برتبتهم ، فإنّ الأمم في كنفهم كالصبيان في كنف الآباء والمواشي في كنف الرعاء.
التائب إمّا أن يستقيم على توبته إلى آخر عمره ولايعود الا إلى الزلّات الّتي لايخلو غير المعصوم عنها وهو السابق في الخيرات المبدّل سيّئاته حسنات وتوبته النصوح ونفسه المطمئنّة ولأهل هذه المرتبة طبقات ، فمن ساكن عن الشهوات ومشتغل بالمجاهدات ، ومراتب المجاهدة غير محصورة لاختلافها بالقلّة والكثرة والمدّة والأنواع والأعمار.
وإمّا أن يستقيم عليها في الكبائر وأمّهات الطاعات دون الصغائر ، لكن من دون قصد وتعمّد ، بل ابتلاء يبتلى به في مجاري الأحوال ، وكلّما ابتلي به ندم وجدّد العزم على الاحتراز ، فنفسه لوّامة ، وهو وإن كان أدون من الأول الا أن رتبته أيضاً عالية لأنّ الشرّ معجون بطينة الانسان قلّما ينفكّ عنه أحد ، غاية الأمر السعي في غاية الأمر السعي في غلبة الخير على الشرّ حتى يثقل ميزان الحسنات.
( الّذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش الا اللّمم ) .(٢)
__________________
١ ـ في « ب » وفّق.
٢ ـ النجم : ٣٢.
( والّذين إذا فعلوا حشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ) .(١)
وإمّا أن يستقيم عليها مدّة ثم ينقضها في بعض شهواته بقصد وصدق شهوة لعجزه عن قهرها مع المواظبة على الطاعات وتركه لجملة من السيّئات مع شهوته لها أيضاً بقهره لها والندم على ما فعله بعد الفراغ وتسويف نفسه بالتوبة والمجاهدة في تركها مرّة بعد أخرى ، نفسه مسولة.
( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً ) .(٢)
وعاقبته مخطرة بالتسويف ، فربّما اختطفه الموت قبل التوبة ، فإن تداركه الله بفضله وجبر كسره وامتنّ عليه بالتوبة لحق بالسابقين ، وإن قهرته شهوته فغلبت عليه شقوته فيخشى عليه أن يحقّ عليه في الخاتمة ماسبق عليه القول في الأزل ، فإنّ ارتباط سعادات الآخرة وشقاوتها بالحسنات والسيّئات بحكم المقدّر الأزلي كارتباط المرض والصحّة بتناول الأدوية والأغذية ، فكون الذنب نقداً والتوبة نسية من علامات الخذلان كما أنّ التدافع من الأدوية والأغذية النافعة للمرض من علامات الممات ، فلا يصحّ لملك نعيم العقبى والقرب من جوار ربّ العلى الا القلب المزكّى ، كذا جرى الحكم في الأزل من خالق القضاء والقدر.
( ونفس وما سوّاها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكّاها * وقد خاب من دسّاها ) .(٣)
وإمّا أن يستقيم مدّة ثم يعود من غير إحداث للنفس بالتوبة وأسف على الفعل ، بل ينهمك كالغافل في شهواته فهو من المصرّين ونفسه أمّارة ، وأمره في المشيّة ، فإن ختم له بالسوء شقي شقاوة الهالكين ، وإن مات على
__________________
١ ـ آل عمران : ١٣٣٥.
٢ ـ التوبة : ١٠٢.
٣ ـ الشمس : ٧ ـ ١٠.
التوحيد انتظر له الخلاص من النار ولو بعد حين ، ولا يستحيل شمول العفو له بسبب خفيّ لايطلع عليه كما لايستحيل أن يدخل الانسان خراباً ليجد فيه كنزاً فيجده أو يجلس في البيت ليجعله الله عالماً بالعلوم من غير تعلّم كما للأنبياءعليهمالسلام ، فطلب المغفرة بالطاعة كطلب العلم بالجهد والتكرار والمال بالتجارة وركوب البحار وإن لم يكن كل طالب واصلاً إلى مطلوبه ، وطلبه بالرجاء دون عمل كطلب الكنز من المواضع الخربة ، فإن كان المضيّع نفسه وعياله منتظراً الكنز يجده في بيته مغروراً أحمق عند ذوي البصائر وإن لم يكن مستحيلاً بالنظر إلى قدرة القادر ، فكذا الراجي للمغفرة من دون عمل ، فالناس محرومون الا العالمون ، وهم كذلك الا العاملون ، وهم كذلك الا المخلصون ، وهم على خطر عظيم.
لايمنع العاصي من التوبة بها عدم وثوقه بها فيقول لافائدة فيها ، فإنّه غرور من الشيطان ، فلعلّه يموت تائباً قبل العود إلى الذنب وليتدارك الخوف بتجريد القصد وصدق العزم ، فإن وفي به نال مطلبه والا غفرت له ذنوبه السابقة ، ولم يكن عليه الا الحادث ، ثم إن لم يساعده النفس على العزم على الترك فلا يترك الاشتغال بحسنة تضادها وتكفّرها حتى يكون ممّن خلط عملاً صالحاً وآخر سيّئاً وهي بالقلب بالندم والتذلّل والتضرّع وإضمار الخير للمسلمين والعزم على الطاعات ، وباللسان بالاعتراف بالظلم والاستغفار وبالجوارح بالطاعات والصدقات ، ولايمنعه عن الاستغفار عدم حلّه لعقدة الإصرار لما في الخبر : « إنّ المستغفر من الذنوب مع إصراره عليها كالمستهزىء بآيات الله ».(١)
فإنّ الأخبار في فضله كثيرة ، والكذب والاستهزاء إنّما يتمّان مع عدم تأثّر القلب به ، ومشاركته له بالغفلة عنه فيكون مجرّد تحريك لسان.
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ٨٥ ـ ٨٦ مع اختلاف.
وأمّا مع انضياف التضرّع والابتهال في سؤال المغفرة عن صدق إرادة وخلوص نيّة فهي حسنة في نفسها تصلح لدفع السيّئة.
وعليه يحمل ما ورد في فضله وليس وجودها كعدمها ، إذ لايخلو ذرّة من الخير من أثر كما لاتخلو شعيرة تطرح في الميزان عنه ، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره أو شرّاً يره ، فكّل ذرّة ترجّح الميزان حتّى تثقل إحدى الكفّتين على الاخرى ، فإيّاك وأن تستصغر ذرّات الطاعات فلا تأتيها أو المعاصي فلا تنقيها كالمرأة الخرقاء تكسل عن الغزل تعللّاً بأنّها لاتقدر في كلّ ساعة الا على خيط واحد ، وأيّ غنى يحصل منه ولاتدري أنّ ثياب الدنيا اجتمعت خيطاً [ خيطاً ](١) بل الاستغفار اللساني الخالي عن الحضور القلبي أيضاً حسنة ، إذ هو خير من حركة اللسان بغيبة أو فحش ، بل من السكوت أيضاً.
نعم هو نقص بالاضافة إلى عمل القلب ، فمهما عوّدت الجوارح بالخيرات منعتها عن المعاصي فلا تفترنّ رغبتك فيها بهذه الخيالات التي هي من مكائد الشيطان فتسعف بذلك حاجته ، ولا تظن أنّ ذمّنا لحركة اللسان من جهة مكانها ذكراً ، بل هي عبادة من تلك الجهة ، بل من جهة غفلة القلب ، والحاجة إلى الاستغفار لأجلها ، فتارك الذكر اللساني محتاج إلى الستغفارين ، فهي أمور إضافية ، كما قيل : إنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين.
ثمّ الطريق إلى تحصيل التوبة وعلاج حلّ عقدة الإصرار تذكّر ما دلّ على الحثّ عليها وذمّ المعصية والتأمّل في أحوال الأنبياء وحكايات أكابر الأولياء وما جرى عليهم من المصائب بسبب تركهم الأولى والعلم بأن كلّ عقوبة تصل إلى العبد في الدنيا فهو بسبب المعصية كما ورد في الأخبار ، والتذكّر لعجزه وضعفه عن قليل من مكاره الدنيا وقوباتها فكيف بالآخرة
__________________
١ ـ في « ج » فقط.
وبلائها مما تطول مدته ويدوم بقاؤه ، ثم لخساسة الدنيا وشرف الآخرة وقرب الموت ولذة المناجاة مع الله سبحانه مع ترك الذنوب.
فمن تأمل فيما ذكر انبعث منه خاطر التوبة وإلا فهو أحمق أو منكر للمعاد. ومن أعظم أسبابها قلع حب الدنيا عن القلب ، فإن المعاصي بأسرها ناشئة عنه.
ويعالج تسويفه وطول أمله بالتفكر في أن بناء الموت على أمر ليس إليه ، وهو البقاء إلى تلك المدة ، فلعله يموت قبلها أو لايقدر على الترك فيها كما لايقدر عليه الآن ، فعجزه الآن ليس إلا من غلبة الشهوة ، وهي إن لم تتضاعف غداً بالعادة فلا تنقص قطعاً.
ويعالج رجاءه الكاذب بفضل الله وعفوه أيضاً بالتفكر في أن إمكان العفو من الذنب ليس بأقوى من إمكان أن يعطيه الله مالا بغتة من غير كد ، فإن أنفق ماله وضيع عياله على ذلك فليفعل هنا أيضاً كذلك ، فإن الكريم في الحالين واحد ، وإن نسب المتكل في ذلك عليه إلى الحمق والغرور فهنا أولى بذلك وأحرى.
ويعالج ضعف خوفه بسبب تأخر العقاب في الآخرة والإمهال في الدنيا بالحياة بالفكر في أن حصوله مجزوم به بعد ثبوت الايمان بالله ورسوله وما أتى به الرسول من الوعد والوعيد ، غاية ما في الباب فرض تأخره وهو فرض باطل ، إذ لعل أجله قريب فإن الموت أقرب إلى كل أحد من شراك نعله ، ولو أخبره نصراني بضرر الغذاء الفلاني وسوقه إياه إلى المرض والممات لتركه وإن كان ألذ شيء عنده مع أن ألم الموت لحظة لاخوف بعده أصلاً ، وهو أمر لابد منه ، فكيف يطمئن بقول كافر يدعي الطب من غير معجزة بمجرد شهادة العوام ويترك ما يأمره بتركه ولايثق بقول الأنبياء المؤيدين بالمعجزات القاهرة والبراهين الظاهرة ولا يتصور أن النار أعظم وأشد من المرض وأن كل عند ربه مقدار ألف سنة مما تعدون.
وبمثله يعلج الصبر على ترك اللذّة التي يعتقدها في فعل المعصية ، فإنّه إذا لم يقدر على الصبر على هذه اللذّة الضعيفة في المدّة القليلة فكيف يقدر على ألم النار العظيم أبد الآباد.
واعلم أنّه ربما ينجرّ كثرة المعصية والاستخفاف بحدود الله إلى قساوة القلب وانظلامه بحيث يشكّ في التهديدات الواردة من الشرع الشريف والمواعيد المختلفة المنساقة إلى أهل التكليف وهو كفر في الاعتقاد يخلّد به في النار مع الكفّار ، نعوذ بالله من ذلك.
ويمكن علاجه بالتفكّر في أنّ ما قالوه وإن لم يجزم به فلا أقلّ من عدم الجزم بكذبه ، إذ لابرهان عقلياً على استحالته والعاقل يدفع الضرر المحتمل عن نفسه ، إذ لا ضرر يلحقه في الإطاعة ، ولعلّ ضرراً يلحقه في العصيان ، وهذا نظير مناظرة الصادقعليهالسلام مع ابن أبي العوجاء.(١)
قال أبو العلاء المعرّي :
قال المنجم والطبيب كلاهما |
لاتحشر الأموات قلت إليكما |
|
إن صحّ قولكما فلست بخاسر |
أو صحّ قولي فالخسار عليكما |
فصل
لمّا علم أصحاب القلوب أنّ الله تعالى لهم بالمرصاد ، حيث قال :
( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً ) (٢)
( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ممّا فيه ) .(٣)
( ووفّيت كلّ نفس ما كسبت ) .(٤)
__________________
١ ـ الكافي : ١ / ٧٥ ، كتاب التوحيد ، باب حدوث العالم ، ح ٢.
٢ ـ الأنبياء : ٤٧.
٣ ـ الكهف : ٤٩.
٤ ـ آل عمران : ٢٥.
( اليوم تجزى كلّ نفس بما كسبت لاظلم اليوم ) .(١)
فيطالبون بمثقال ذرّة من الخطرات ، ولاينجيهم منه الا المحاسبة وصدق المراقبة ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات واللحظات والحركات ، ولذا أمرهم بالصبر والمرابطة ، فرابطوا أنفسهم أوّلاً بالمشارطة ثم بالمراقبة ثم بالمحاسبة ثم بالمعاقبة ثم بالمجاهدة ثم بالمعاتبة ، فلابدّ من شرح هذه المقامات التة :
أمّا المشارطة: فكما أنّ التاجر يستعين بشريكه ويسلّم إليه مالاً للتجارة ثم يحاسبه ، فكذا العقل تاجر في طريق الآخرة وربحه فلاح النفس ، وفلاحها بالأعمال الصالحة ، والعقل يستعين بها في التجارة ، وكما أنّ التاجر يشارطه النفس أولاً فيوظّف عليها الوظائف ويشترط عليها ويرشدها إلى ما فيه صلاحها ، ويجزم عليها ، ثم لا يغفل عن مراقبتها لحظة فإنّها لو أهملها لم ير منها الا الخيانة والتضييع ، ثم بعد الفراغ يحاسبها ويطالبها بالوفاء بما شرط ، فهذه تجارتها وربحها الفردوس الأعلى وهو أحسن الأرباح لكونه باقياً لايفنى ، وسائرها فانية لاتبقى ، ولاخير في خير فإن ، بل الشرّ الفاني أهون منه ، فإنّه إذا انقطع بقي الفرح بانقطاعه دائماً ، وقدً انقضى ، والثاني يبقى أسفه على انقطاعه دائماً.
أشدّ الغم عندي في سرور |
تيقّن عنه صاحبه انتقالاً |
فكلّ نفس جوهر نفيس لاعوض له ممكن أن يشترى به كنز لايتناهى نعيمه أبداً ، فتضييعه أو صرفه إلى ما يؤدّي إلى الهلاك خسران عظيم لا تسمح به نفس عاقل ، فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضته فرّغ قلبه لمشارطة النفس وقال لها : « مالي بضاعة الا العمر وبفنائه يفنى رأس المال ، فلا يمكن الربح وهذا يوم جديد ، أمهلني الله فيه وأنعم به عليّ ، ولو متّ تمنّيت أن
__________________
١ ـ غافر : ١٧.
يرجعني إلى الدنيا ساعة أعمل فيها صالحاً ، فاحسبي وفاتك ثم ردّك ، فإيّاك والتضييع ، فإنّه لاغبن ولاحسرة أعظم من ذلك ، ولذا سمّي يوم القيامة بيوم التغابن » ، فهذه وصيّة لنفسه في أوقاته ، ثم يستأنف لها وصيّة في أعضائه السبعة ويسلّمها إليها لكونها خادمة لها ، وبها يتمّ أعمال التجارة ، فإنّ لجهنّم سبعة أبواب ، لكلّ باب منها جزء مقسوم ، فيتعيّن تلك الأبواب بالمعاصي بأحد هذه ، فيوصيها بحفظها عنها كالنظر إلى عورة المسلم أو وجه محرّم أو إلى المسلم بعين الحقارة ، بل عن كلّ فضول ولايقنع به ، بل يشغله بالنظر إلى عجائب صنع الله للاعتبار وإلى أعمال الخير للاقتداء وإلى مطالعة الكتاب والسنّة وكتب الحكمة للاتّعاظ ، وكذا يفعل في كلّ عضو سيّما البطن واللسان لانطلاق الثاني بالطبع وكثرة آفاته مع كونه مخلوقاً للذكر وغيره من الخيرات فيكلّفه ويشترط عليه عدم تحريكه الا بها ويكلّف البطن بترك الشره وتقليل الأكل والاجناب عن الشبهات فضلاً عن المحرّمات ، ثم يستأنف الوصيّة بوظائف الطاعات ويرتّب لها تفصيلها ، وكيفيّة الاستعداد لها ، فإ ذا عوّد على نفسه المشارطة أيّاماً وطاوعته في الوفاء بها استغنى عن المشارطة بعده ، لكن لايخلو في كلّ يوم عن مهمّ جديد وأمر حادث لله عليه فيه حقّ فيشترط عليها الاستقامة فيها ويعظها كما يوعظ العبد المتمرّد الآبق( وذكّر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين ) .(١)
وأمّا المراقبة بعد ذلك ، فإذا خاض في الأعمال لاحظتها بالعين الكالئة.
قال الصادقعليهالسلام : « اعبد الله كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك ».(٢)
__________________
١ ـ الذاريات : ٥٥.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٨ / ١٥٥.
قال الله تعالى :( إنّ الله كان عليكم رقيباً ) .(١)
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل |
خلوت ولكن قل عليّ رقيب |
|
ولا تحسبنّ الله يغفل ساعة |
ولا أنّ ما تخفي عليه يغيب |
|
ألم تر أنّ اليوم أسرع ذاهب |
وأنّ غداً للناظرين قريب |
فالمراقبة ملاحظة الرقيب وانصراف الهمّ إليه ، وهي حالة يثمرها نوع من المعرفة بأنّ الله مطّلع على الضمائر رقيب على أعمال العباد ، قائم على كلّ نفس بما كسبت ، فهذه المعرفة إذا صارت يقيناً ، ثمّ استولت على القلب وقهرته جرّت إلى مراعاة جانب الرقيب وصرف همّته إليه.
ومراقبة العارفين الموقنين بما ذكر إمّا مراقبة التعظيم والاجلال ، أي استغراق القلب بملاحظته والانكسار تحته فلا يلتفت إلى غيره ، وحينئذ تكون الجوارح متعطّلة عن الالتفات إلى المباحات فضلاً عن المحظورات ، وإذا تحرّكت بالطاعات كانت كالمستعمل بها ، فلا يحتاج إلى تدبّر وتثبّت على حفظها بل تكون جارية على نهج السداد من غير تكلّف.
ومن نال هذه الدرجة استغرق همّه بالله فقد يغفل عن الخلق حتى لايرى من يحضر عنده ولايسمع ما يقال له ، ولايبعد ذلك ، فإنك ترى من استغرق قلبه بمهم حقير من مهمّات الدنيا فيعرض(٢) في الفكر فيه فيمشي فربّما يتخطّى عن مقصده وينسى الشغل الذي نهض له ، فكيف بمن استغرق همّه بملوك الدنيا ثم كيف بمن استغرق همّه بمالك الملوك ، فهذه مراقبة المقرّبين.
__________________
١ ـ النساء : ١.
٢ ـ كذا ، وفي المحجة البيضاء : (٨ / ١٥٧) فيغوص.
وإمّا بغلبة اليقين بإطّلاع تعالى على ظاهرهم وباطنهم مع عدم دهشتهم بملاحظة الجلال بل بقيت قلوبهم على حدّ الاعتدال ملتفتة إلى الأعمال والأحوال الا أنّه غلب عليهم الحياء من الله تعالى ، فلا يقدمون ولا يحجمون الا بعد التثبت فيه ويمتنعون عمّا يفضحهم في الآخرة ، فإنّهم يرونه تعالى في الدنيا مطّلعاً عليهم فلايحتاجون إلى انتظار القيامة ، وفرق ما بين الدرجتين يعرف بالتأمّل فيما تتعاطاه في خلوتك من الأعمال ، فبحضور صبيّ تعلم اطلاعه عليك تستحيي منه فتحسن جلوسك وتراعي أحوالك لا عن إجلال وتعظيم ، بل عن حياء ، وبحضور ملك أو كبير تعظّمه وتجلّه تترك ما أنت فيه شغلاً به لا حياء منه ، وهذا يحتاج إلى مراقبة جميع حركاته وسكناته وكلّ اختياراته فينظر قبل العمل فيما تحرّك إليه خاطره أهو لله خاصّة أو في هوى نفسه ، فيتوقّف حتى ينكشف له بنور الحقّ فيمضيه في الأوّل دون الثاني بل يلوم نفسه فيه على الميل والهمّ ، وهذا التوقّف في بدو(١) الأمر واجب.
ففي الخبر : « ينشر للعبد في كلّ حركاته وإن صغرت ثلاثة دواوين : الأوّل لم ، والثاني كيف ، والثالث لمن ».(٢)
ولايخلص من هذا الا بالمعرفة التامّة بأسرار الأعمال واغترارات النفس ومكائد الشيطان والتمييز بين ما يحبّه هواه أو يحبّه الله ويرضى به في نيّته وفكرته وسكونه وحركته ، والجاهل غير معذور ، بل ينبغي التوقّف حتى ينكشف بنور العلم أنّه لله فيمضيه ، أو لهوى النفس فيتّقيه ، فإنّ الخطرة الاولى في الباطل إذا لم تدفع أحدثت الرغبة المورثة للهمّ المورث للقصد الجازم المورث للفعل المنتج للبوار ، فلابدّ من حسم مادة الشرّ عن أصله أعني الخاطر وإن لم يستضيء له الحق لعجزه عن الفكر بنفسه استضاء بنور علماء
__________________
١ ـ كذا ، والصحيح : « بدء » فإنّ البدو بمعنى البادية لا الابتداء.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ١٥٨.
الدين المعرضين عن الدنيا.
ثم ينظر عند الشروع في العمل بتفقّد كيفيّته ليقضي حقّ الله فيه ويحسن النيّة في إتمامه(١) ويكمل صورته ، وهذا ملازم له في جميع الحالات ، إذ لايخلو عن حركة وسكون ، فإذا راقب الله فيها قدر على عبادته تعالى بالنيّة ومراعاة الأدب وحسن الفعل فلايخلو العبد عن طاعة أو مباح أو معصية ، فمراقبته في الطاعة بالاخلاص والاكمال ومراعاة الآداب وحراستها عن الآفات ، وفي المباح بمراعاة الأدب وشهود المنعم في النعمة والشكر عليها وفي المعصية بالتوبة والندم والحياء والتدارك لما فات ، ولايخلو أيضاً عن مصيبة لابدّ له من الصبر عليها أو نعمة لابدّ له من الشكر عليها ، بل لاينفكّ عن فرض في الفعل أو الترك أو ندب يسارع به إلى المغفرة أو مباح فيه صلاح جسمه وقلبه والعون على طاعته تعالى ، ولكلّ من ذلك حدود لابدّ من مراعاتها بدوام المراقبة.( ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه ) .(٢)
والساعات ثلاثة : ساعة فاتت لاتعب على العبد فيها كيف ما انقضت في تعب أو راحة ، ومستقبلة لايدري العبد يعيش إليها أم لا ، وما يقضي الله فيها ، وحاضرة ينبغي أن يجاهد فيها نفسه ويراقب ربّه ، فإن لم تأته الساعة المستقبلة لم يتحسرّ على فوت هذه الساعة ، وإن أتته استوفى حقّها أيضاً ، ولا يطول أمله بل يكون من وقته(٣) كأنّه آخر أنفاسه ، فلعلّه كذلك وهو لايدري ، فيكون على وجه لايكره أن يدركه الموت على تلك الحالة ، ويكون له كما قبل أربع ساعات : ساعة يناجي فيها ربّه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يتفكّر في صنع الله ، وساعة يخلو فيها للطعام والشراب(٤) ،
__________________
١ ـ كما في المحجّة البيضاء (٨ / ١٦٢) وفي النسخ : إيمانه.
٢ ـ الطلاق : ١.
٣ ـ في المحجّة البيضاء (٨ / ١٦٣) : بل يكون ابن وقته.
٤ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ١٦٤ مرسلاً.
بل لايخلو في هذه الأخيرة عمّا هو أفضل الأعمال ، أي الذكر والفكر فيما يتناوله ، فإنّ فيه من العجائب ما لو فطن به علم أنّه أفضل من كثير من الأعمال ، بأن يتفكّر إمّا في عجائب نفعها وكيفية ارتباط قوام الحيوانات بها وتقدير الله لأسبابها وخلق الشهوات الباعثة إليها والآلات المسخّرة للشهوة فيها ، أو يتفكّر في وجه الاضطرار إليها وأنّها تؤذي(١) لو استغنى عنها ، فيرى نفسه مقهوراً مسخّراً لشهواتها ، أو يتفكّر في صنع صانعها ويترقّى منها إلى صفاته فيتذكّر لأبواب تنفتح عليه من عالم الملكوت هي أعلى مقامات العارفين والمحبّين ، إذ المحبّ إذا رأى صنع حبيبه نسي الصنعة واشتغل بالصانع.
وأمّا المحاسبة للنفس بعد العمل ، فقد قال الله تعالى :( ولتنظر نفس ما قدّمت لغد ) .(٢)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « حاسبوا قبل أن تحاسبوا ».(٣)
فكما ينبغي أن يكون للعبد ساعة قبل العمل في أوّل النهار يشارط نفسه ويوصيّها فكذا ينبغي أن يكون له في آخر النهار ساعة يطالب النفس فيها أو يحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها ، كما يفعل التجّار في آخر السنة أو الشهر أو اليوم مع شركائهم خوفاً من أن يفوتهم ما يورث الحسرة في فواته ، مع كون الحسرة قليلة ، والثمرة ضعيفة فانية ، فكيف لايحاسب فيما يتعلّق بأمر الآخرة الباقبة من السعادة والشقاوة الدائمة.
ومعنى المحاسبة أن ينظر إلى أصل المال والربح والخسران لينكشف له الزيادة والنقصان ، فإن حصل فضل استوفاه وشكره ، وإن خسر طالبه وضمّنه بتداركه في المستقبل ، فرأس مال العبد في دينه الفرائض وربحه النوافل وخسرانه المعاصي ، وموسم العمل جملة النهار والتاجر النفس
__________________
١ ـ كذا ، وفي المحجّة (٨ / ١٦٤) : ويلاحظون وجه الاضطرار إليها وبودّهم لو استغنوا عنه.
٢ ـ الحشر : ١٨.
٣ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ١٦٥ ، وفيه : « حاسبوا أنفسكم ».
الأمّارة ، فليحاسبها على الفرائض ، فإن أدّاها على وجهها شكر الله عليه ورغّبها إلى مثلها ، وإن فوّتها من أصلها طالبها بالقضاء ، وإن أدّاها ناقصة جبر نقصها بالنوافل ، وإن عصى عاقبها وعذّبها حتّى يتدارك لما فرط ، وكما يفتّش التاجر عن الحبّة والقيراط في حساب الدنيا حتّى لايغبن في شيء منها فكذا هذا ، بل أشدّ فإنّ النفس خدّاعة ملبّسة فليتكفّل بنفسه من الحساب ما سوف يتولّاه غيره عن تكلّماته ونظراته وخطراته وقيامه وقعوده وجملة أفعاله حتّى عن سكونه وسكوته لم سكت.
ثم النفس غريم يمكن الاستيفاء منها بالغرامة والضمان في بعضها وردّ عينها في بعض آخر ، وتعذيبها في آخر ، ولايمكن تفصيل ذلك الا بتحقيق الحساب ، وتمييز الباقي من الحقّ الواجب عليه ، فإذا حصل ذلك اشتغل بعده بالاستيفاء والمطالبة.
وينبغي أن يحاسب على جميع العمر يوماً فيوماً وساعة ساعة ، في كل عضو ظاهر وباطن ، فلو رمى العبد بكلّ معصيته حجراً في داره امتلأت داره في مدّة قريبة ، ولكنه يساهل في حفظه والملكان يحفظان عليه ، أحصاه الله ونسوه.
وأمّا المعاقبة على تقصيرها مهما حاسب نفسه فإنّه لايسلم عن مقارفة معصية وارتكاب تقصير في حقّ الله ، فلا ينبغي له إهمالها والا سهلت عليه مقارفة المعاصي ، فأنست به نفسه وصار ذلك سبباً لهلاكها ، بل ينبغي أن يعاقبها ، فإن أكل لقمة بشهوة عاقب بطنه بالجوع ، وكذلك يمنع كلّ طرف من أطرافه عن شهواتها كما كانت عادة الأكابر السسلف في سلوك طريق الآخرة.
فقد روي أنّه كان في بني إسرائيل رجل يتعبّد في صومعته فمكث زماناً طويلاً فأشرف من صومعته يوماً فنظر إلى امرأة فافتتن بها فأخرج رجله بالنزول إليها فأدركه الله بلطفه فرجعت إليه نفسه وعصمه الله تعالى وندم ،
فلمّا أراد أن يعيد رجله إلى الصومعة قال : هيهات! رجل خرجت تريد المعصية تعود معي في صومعتي لايكن والله أبداً ، فتركها معلّقة من الصومعة تصيبها الأمطار الرياح والثلج والشمس حتّى تقطّعت ، فسمّي ذاالرجل ، فشكر الله له ذلك وأنزل في بعض الكتب ذكره(١) . والحكايات في هذا الباب كثيرة.
والعجب أنّك تعاقب عبدك وأمتك وأهلك وولدك على تقصير صدر من أحدهم لأنّك تخاف أن يخرج أمرك عن الاختيار لو داريتهم ويبغوا عليك ، ثم تهمل نفسك مع كونها أعظم عداوة وأشدّ طغياناً عليك وضررك من طغيانها أشدّ من ضررك منهم ، إذ غايته تشويش عيش الدنيا والعيش عيش الآخرة ، والنفس هي التي تخلّصه لك.
وأمّا المجاهدة ، فإنّ النفس إذا قارفت معصية عاقبها بما تقدّم ، وإن توانت بحكم الكسل في شيء من الطاعات والفضائل والأوراد أدّبها بتثقيل الأوراد عليها وإلزامها فنوناً من الوظائف جبراً لما فات ، كما نقل عن جملة من الأكابر حين كسلوا في ورد ونحوه عاقبوا النفس بصوم أو حجّ أو صلاة مرابطة للنفس ومؤاخذة لها بما فيه نجاتها ، وإن لم تطعك فعالجها بإسماعها ما ورد في فضيلة الاجتهاد.
قال الصادقعليهالسلام : « طوبى لعبد جاهد نفسه وهواه ، ومن هزم جند هواه ظفر برضا الله ، ومن جاوز عقله نفسه الأمّارة بالسوء بالجهد والاستكانة والخضوع على بساط خدمة الله فقد فاز فوزاً عظيماً ».
ولا حجاب أظلم وأوحش بين العبد وبين الله تعالى من النفس والهوى ، وليس لقتلهما وقطعهما سلاح مثل الافتقار إلى الله والخشوع والجوع والظمأ بالنهار والسهر بالليل ، فإن مات صاحبه مات شهيداً ، وإن عاش استقام أدّاه عاقبته إلى الرضوان الأكبر. [ قال الله تعالى : ]
__________________
١ ـ إحياء العلوم : ٤ / ٤٠٦.
( والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا وإنّ الله لمع المحسنين ) .(١)
وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يصلّي حتّى يتورّم قدماه ويقول : أفلا أكون عبداً شكوراً.
« ولو وجدت حلاوة العبادة ورأيت أنوارها وبركاتها لم تصبر عنها ولو قطعت ارباً اربا ، فما أعرض من أعرض عنها الا للحرمان عن التوفيق ».(٢)
والأخبار الواردة في فضل الاجتهاد أكثر من أن تحصى.
ثمّ عالجها بمصاحبة المجتهدين وملاحظة أحوالهم والتأسيّ بهم وإن تعذّر عليك الوصول إليهم فعليك بسماع آثارهم والاطّلاع على أعمالهم ، وقد انقضى تعبهم وبقي ثوابهم ونعيمهم أبداً ، فما أشدّ حسرة من لايقتدي بهم لأجل شهوات فانية ، ثم يأتيه الموت فيحول بينه وبين مايشتهيه ، وإن تمرّدت عليك النفس وحدّثتك بان هؤلاء رجال أقوياء لايطاق الاقتداء بهم فطالع أحوال النساء المجتهدات كرابعة العدوية وأمثالها ، وقل للنفس : الا تمتنعين من أن تكون أقلّ من امرأة في أمر دينك ودنياك؟
يحكى أنّ رجلاً كانت له جارية رومية وكان بها معجباً ، قال : كنت بعض الليالي نائمة يجنبي فانتبهت فلمستها فلم أجدها فطابتها فإذا هي ساجدة تقول : بحبّك لي إلّأ غفرت دنوبي ، فقلت : لاتقولي كذا وقولي : بحبّي لك ، فقالت : لا يامولاي بحبّه لي أخرجني من الشرك إلى الاسلام وبحبّه لي أيقظني وكثير من خلقه نيام.(٣)
وقال رجل : خرجت إلى السوق ومعي جارية حبشية ، فأجلستها في موضع بناحية السوق وقلت : لاتبرحي من مكانك حتّى أقضي حوائجي ، فلمّا رجعت لم أجدها فانصرفت إلى المنزل وأنا شديد الغضب عليها ، فلمّا
__________________
١ ـ العنكبوت : ٦٩ ، وما بين المعقوفتين في المصدر.
٢ ـ مصباح الشريعة : الباب ٨٠ ، في الجهاد والرياضة ، مع اختلاف.
٣ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ١٧٧.
عرفت الغضب في وجهي قالت : لاتعجل عليّ يامولاي! أجلستني في موضع لم أرفيه ذاكراً لله تعالى فخفت أن يخسف بي ذلك الموضع ، فتعجّبت منها وقلت : أنت حرّة لوجه الله ، فقالت : ساء ما صنعت ، كنت أخدمك فيكون لي أجران وأمّا الآن فقد ذهب أحدهما.(١)
ونقل عن بعضهنّ أنّها إذا جاءها النهار تقول : هذا يومي الذي أموتت فيه فما تطعم حتّى تمسي ، وإذا جاءها الليل تقول : هذه ليلتي التي أموت فيها فتصلّي حتّى تصبح ، فعليك بمطالعة أحوال هؤلاء حتّى ينبعث نشاطك على الجدّ والعبادة ، ولاتنظر إلى أهل عصرك فيضلّوك عن سبيل الله تعالى.
وأمّا المعاتبة فاعلم أنّ أعدى عدوّك نفسك الّتي بين جنبيك ، فهي الأمّارة بالسوء الميّالة إلى الشرّ الفرّارة عن الخير ، وقد أمرت بقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربّها ومنعها عن شهواتها ، فإن أهملتها شردت وجمحت وإن لازمتها بالتوبيخ والعتاب كانت لوّامة ، وقد حلف الله بها فيرجى أن تصير مطمئنّة داخلة في عباد الله فلا تغفلنّ ساعة عن عتابها وتذكيرها ولا تشتغل بوعظ غيرك أبداً مالم تعظ نفسك أوّلاً بتقرير جهلها وحمقها ، فإنّها تتعزّز أبداً بذكائها وفطنتها ويشتدّ أنفتها واستنكافها فتقول لها : ما أجهلك بنفعك وضرّك وخيرك وشرّك ، أما تدرين مابين يديك من الجنّة والنار ومصيرك إلى إحديهما ، فما لك تفرحين وتضحكين وأنت مطلوبة غداً ، ولعلّك تختطفين الآن أو غداً فالموت يأتي بغتة من غير مواطاة وتمهيد ، فمالك لا تستعدّين للموت الذي هو أقرب إليك من كلّ قريب.
قال تعالى :( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون * مايأتيهم من ذكر من ربّهم محدث الا استمعوه وهم يلعبون * لاهية قلوبهم ) .(٢)
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ١٧٨.
٢ ـ الأنبياء : ١ ـ ٣.
ويحك! إن كنت ترى(١) أنّ الله لايراك فما أعظم كفرك والا فما أعظم وقاحتك وأقلّ حياءك.
ويحك! أتظنّين أنّك تطيقين عذابه فجرّبي نفسك واحتبسي ساعة في البيت أو في الحمّام(٢) أو تقرّبي إلى النار ليتبيّن لك طاقتك ، أم تظنّين كرمه تعالى وعفوه واستغناءه عن عذابك ، فمالك لاتعوّلين على كرمه في حوائجك في الدنيا أفتحسبين أنّه كريم في الآخرة دون الدنيا ، ولا تعلمين أنّ الربّ واحد وأنّه ليس للانسان الا ما سعى.
ويحك! ما أعجب نفاقك! تدّعين الإيمان بلسانك وقد قال مولاك في أمر دنياك( وفي السماء رزقكم ) (٣) فضمن الرزق وتكفّله ولم يتكفّله في أمر الآخرة ووكله إلى سعيك فتكذّبينه بأفعالك وتكالبك على الدنيا كالمستهتر ، وإعراضك عن الآخرة كالمستخفّ المستحقر ، أما تدرين أنّ المنافق في الدرك الأسفل من النار؟
ويحك! ما أجهلك بحساب يوم الجزاء ، أتحسبين أنّك تتركين سدى ، ألم تكوني نطفة من مني يمنى؟ فخلقك وسوّاك ، أفلا يقدر أن يحييك مرّة أخرى؟ وإن صدّقته فما بالك لا تأخذين حذرك ويكون قول الأنبياء ووعدهم ووعيدهم عندك أهون من إخبار طفل بعقربة في أحد جنبيك ، أو يهودي يدّعي الطبابة بالضرر في أكلك ولزوم مداواتك ، أفتظنّين أنّ سموم النار وعقاربها وحيّاتها أحقر من لدغ العقربة التي لاتدوم يوماً فما أجهلك ولو انكشف على البهائم أمرك ضحكوا عليك.
ويحك! مالك تسوّفين نفسك وتقولين غداً وغداً ، فقد جاء الغد وصار يوماً ، ألا تعلمين أنّ الغد كالأمس في عجزك فيه عمّا كنت عاجزة عنه فيه وقدرتك على ماكنت تقدرين عليه؟ بل أنت أعجز في الغد من اليوم
__________________
١ ـ كذا ، والصحيح : ترين.
٢ ـ كذا ، وفي المحجّة البيضاء : (٨ / ١٨١) : ساعة في الشمس أو في بيت الحمّام.
٣ ـ الذاريات : ٢٢.
لرسوخ الشهوة ببقائها ، فيصعب قلعها ، فمن عجز في حال شبابه وقوته عن قلع الشجرة الشابّة كيف يقدر على قلعها بعد انقضاء مدّة طويلة تزيد قوتها ورسوخها وتزيد ضعفه بشيبه وهرمه واحتفاف الأسقام والأوجاع به وضعف الجوارح والآلات عنه.
ويحك! يانفس أتستعدّين للشتاء بقدر طول مدّته فتجمعين له القوت والحطب واللبد والجبة والحبوب ، ولا تتّكلين على فضل الله ورحمته حتى يدفع عنك البرد بغير حطب وجبّة ، فإنّه قادر على ذلك ، أفتظنّين أنّ الزمهرير أخفّ برداً أو أقصر مدّة من زمهرير الشتاء؟ أم تظنّين أن العبد ينجو من دون سعي ، هيهات! فكما لايندفع برد الشتاء الا بالجبّة والفرو والاستدفاء بالنار وغيرها ، فكذا لايندفع حرّ النار وبرد الزمهرير(١) الا بمحض الطاعات والاجتهاد في العبادات ، وإنّما كرمه تعالى في الهداية والإرشاد إلى طريق النجاة والخلاص عن الهلاك وتيسير الأسباب لا في اندفاع العذاب عنك بدون سبب من الأسباب ، كما أنّ كرمه في دفع برد الشتاء بخلق النار وإهدائك إلى طريق استخراجها ودفع البرد بها دون شراء الحطب والجبّة ، فارجعي عن جهلك ولاتبيعي آخرتك بدنياك.
ويحك! يا نفس أما تستحين؟ تزيّنين ظاهرك للخلق ، وتبارزين الله في السرّ بالعظائم؟ فتستحين من الخلق دون الخالق؟
ويحك! أتراه(٢) أهون الناظرين إليك قد جعلت نفسك حماراً لإبليس يقودك حيث يريد وتشتغلين بعمارة دنياك مع خراب آخرتك كأنّك غير مرتحلة منها إليها؟ أما تنظرين إلى أهل القبور قد جمعوا كثيراً وبنوا شديداً وأمّلوا بعيداً ، فأصبح جمعهم بوراً وبنيانهم قبوراً وأملهم غروراً ، فانظري إلى الدنيا اعتباراً واسعي اضطراراً وارفضيها اختياراً ، واطلبي
__________________
١ ـ كذا في « ج » ، وفي « الف وب » : بردها.
٢ ـ كذا ، والصحيح : أترينه.
الآخرة ابتداراً ، فاتّعظي وإن منعتك القساوة عن قبول الموعظة فاستعيني عليها بدوام التهجّد والقيام وكثرة الصلاة والصيام ، وقلّة المخالطة والكلام ، وصلة الأرحام ، واللطف بالأيتام ، وواظبي على النياحة والبكاء اقتداء بأبيك آدم وبأمّك حوّاء ، واستغيثي بأرحم الرحمين ، وتوسّلي بأكرم الأكرمين ، فإنّ مصيبتك أعظم وبليّتك أجسم ، وقد انقطعت عنك الحيل ، وزاحت عنك العلل ، فلا مذهب ولا مطلب ولا مستغاث ولا مهرب الا إليه ، فلعلّه يرحم فقرك ومسكنت ويغيثك ويجيب دعوتك ، فإنّه يجيب دعوة المضطرّ إذا دعاه ، ولايخيب رجاء من أمّله ورجاه ، ورحمته واسعة ، وأياديه متتابعة ، ولطفه عميم ، وإحسانه قديم ، وهو بمن رجاه كريم.
فصل
الرضا أفضل مقامات الدين ، وأعلى منازل المقرّبين ، وهو ترك الاعتراض السخط لأفعال الله تعالى ظاهراً وباطناً قولاً وفعلاً ، وهو من ثمرات المحبّة ، إذ المحبّ يستحسن مايفعله المحبوب ، وصاحب الرضا يستوي لديه الحالات كلّها ، والآيات والأخبار في مدحه ممّا لاتحصى.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لطائفة : « ما أنتم؟ فقالوا : مؤمنون ، فقال : ماعلامة إيمانكم؟ فقالوا : نصبر عند البلاء ونشكر عند الرخاء ونرضى بمواقع القضاء. فقال : حكماء علماء كادوا من الفقه أن يكونوا أنبياء ».(١)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، وإن رضي اصطفاه ».(٢)
وقال الصادقعليهالسلام : « أعلم الناس بالله أرضاهم بقضائه ».(٣)
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٨٧.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٦٧.
٣ ـ الكافي : ٢ / ٦٠ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الرضا بالقضاء ، ح ٢ ، مع اختلاف.
وفي الخبر : « أنّ موسىعليهالسلام سأل ربّه أن يدله على ما فيه رضاه ، فقال تعالى : إنّ رضاي في رضاك بقضائي ».(١)
وبهذا المضمون أخبار كثيرة ، وهذا من فوائد الرضا وهو من أعظمها ورضوان من الله أكبر.
وورد ذلك في تفسير :( ولدينا مزيد ) (٢) يقول الله تعالى : « إنّي عنكم راض وهو أفضل من النعيم والهدية والتسليم ».(٣)
ورضا الله من العبد حبّه له ، وهو سبب لدوام النظر والتجلّي وهو غاية مراد المريدين.
أنكر بعض الناس تحقّق الرضا في أنواع البلاء وما يخالف الهوى وجعل الممكن فيها الصبر ، وهو كما قيل في ناحية من إنكار المحبّة(٤) ، فإن حبّ المخلوق قد يستغرق الهمّ بحيث يبطل إحساس الألم فتصيبه الجراحات ولايحسّ بألمها ، بل الطالب المسارع في شغل قد يعدو فتصيبه جراحة من شوك يدخل في رجله ونحوه ولا يشعر به ، وقد حكى الله تعالى عنالنسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ ما هو أعظم ، وحكايات العشّاق مشهورة مسطورة نظماً ونثراً ، وحبّ الله تعالى أعظم المحابّ وشغل القلب به من أعظم المشاغل فلايقاس بجماله جمال ، وكلّ جمال من آثار جماله ومظاهر قدرته وجلاله ، فأيّ بعد في أن تدهش به عقول ذوي العقول فلا يحسّوا بما يجري عليهم من المصائب والآلام ، وربما لم يبلغ المحبّ هذا المبلغ فيحسّ بالألم ، لكن يرضى به ويرغب إليه بعقله دون طبعه ، كالذي يفصد أو يحتجم بإرادته
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٨٩.
٢ ـ ق : ٣٥.
٣ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٨٧ وفيه تفصيل يعرف به المراد من الهدية والتسليم ، وليس فيه ذكر « النعيم ».
٤ ـ كذا ، والظاهر أنّ الصحيح : كما قيل من ناحية إنكار المحبة.
ترجيحاً للنفع المتوقّع على الألم العاجل أو لرضاء محبوبه على رضاه فيسعف مأموله وينجح مطلوبه ومسؤوله.
فإذا حصلت هذه المراتب في المحبّة الضعيفة الحاصلة للمخلوقين فيما بينهم فأولى بحصولها في محبّة الله تعالى سبحانه.
الدعاء الذي تأكد الأمر به في الآيات والأخبار لاينافي الرضا ، وكذا بغض الكفّار والعاصين والأمر بنهيهم عن مخالفة شعائر الدين المبين ، ومع عدم الانزجار بدفعهم وقمعهم ومع عدم التمكّن بالاعتزال الهجرة عنهم.
وما توهّمه بعضهم من أنّ ما يقصد ردّه بالدعاء من قضاء الله وقدره وكذا الكفر والعصيان فيجب الرضا بها ، فرأوا السكوت عنها من مقامات الرضا ، واضح الفساد ، كيف ومقام الأنبياء والأوصياء من أعلاها وقد كثرت الأدعية المأثورة بما لاتحصى.
وكذا الحثّ والثناء في الكتاب والسنّة على الدعاء وأهل الدعاء وبولغ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهما وصرّح بموادّة المؤمنين وبغض الكفّار والمنافقين ، بل مطلق المخالفين بما هو أظهر من أن يخفى ، هذا مع ما يشاهد من إيجاب الدعاء لصفاء القلب وتنوّر النفس وكشف الأسرار وتواتر مزايا لطف الكريم الغفّار وإفاضة الخيرات والبركات بسببه إلى العباد ، فإنكار ذلك جهل وغرور أو مكابرة وعناد ، ولامنافاة بينها وبين مادلّ على علوّ مرتبته الرضا بالقضاء ، فإنّ عادة مبدع النظام الأصلح وربّ الأرباب قد جرت بترتيب المسببات على الأسباب وإسناد المبدعات والكائنات والأفعال طرّاً إلى الوسائط التي بها يتمّ الانتساب ، كما قال تعالى :
( وإن من شيء الا عندنا خزائنه وماننزّله الا بقدر معلوم ) (١)
والقدر عبارة عن وجود الأشياء مفصّلة في الخارج مرتّبة على أسبابها
__________________
١ ـ الحجر : ٢١.
التفصيلية واحداً بعد واحد ، والقضاء وجودها إجمالاً في العالم العقلي مجتمعة على سبيل الإبداع ، وذلك أنّه قد لمع في محلّه بنيّر البيان واتّضح بنور البرهان أنّ واجب الوجود وإن كان علّة لجميع الأشياء ، والوجودات بأسرها فائضة من وجوده الا أنّ حدوث الحوادث لمّا كان مفتقراً إلى تصرّف الطبائع وتحريك الموادّ ، وذلك ممّا لايليق بكبريائه تعالى ، فلذا نسبت إلى الوسائط ، ولايلزم منه نفي الفاعل المختار على ماتوهّم لما حقّق في محلّه ، فيكون المعلول الأوّل على هذا واسطة لفيضان الوجود على سائر الموجودات التي بعده فكان وجوده مشتملاً على وجوداتها اشتمالاً إجماليّاً ، فيكون القضاء عبارة عمّا ذكرناه من وجودها إجمالاً في العالم العقلي ، أي المعلول الأول ، والقدر عبارة عن وجوداتها الخارجيّة المترتّبة على وسائطها في الخارج مطابقة لمّا في القضاء ، ولما كان وجود المعلول الأوّل بما يشتمل عليه من الوجودات على الوجه الكلّي مفاضاً من الوجود الواجبي الذي هو عين ذاته ، وثبت أيضاً علمه بذاته بما هو عين ذاته لاجرم كان علمه محيطاً بالكلّ على ماهو عليه إحاطة تامّة ، فنسبة القضاء إليه كنسبة القدر إلى القضاء ، ويسمّى العالم المزبور بالعناية الأولى.
وإذا ثبت جريان عادته تعالى بترتب المسبّبات على الأسباب ، وكان ذلك هوالنظام الأصلح بحالها ، فمن جملتها الصدقة والدعاء وأمثالهما ، وكما أنّ شرب الماء سبب لإزالة العطش مثلاً فلا تحصل الا به فكذلك الدعاء سبب رتّبه الله تعالى لدفع البلاء ولو لم يدع نزل به كما لو لم يعالج المريض بالدواء والغذاء ، فإنّه لايصحّ بل يموت وهو واضح.
فإن قلت : إذا كان في علم الله وقضائه السابق أنّ زيداً يدعو ويتصدّق ويندفع بذلك بليّته لدعا وتصدّق واندفعت عنه والا فلا يفعل ولايندفع عنه ، فأيّ فائدة في سعيه واجتهاده؟
قلت : هذه شبهة تورد لنفي الاختيار في أفعال العباد ، ولا ربط لها
بحديث منافاة الدعاء للرضا.
ومجمل الجواب : أنّ علمه تعالى ليس علّة لفعل العبد وإن طابقة فالعبد لمّا كان يفعل باختيار ، علم الله كذلك ، لا أنّه لما علم كذلك فعل العبد.
والحقّ أنّ فعل العبد مخلوق له من دون واسطة بإرادته واختياره ومخلوق له تعالى بوساطة العبد كما في سائر الموجودات ، لا أنّه ليس له إرادة واختيار في الفعل ، كما يقوله المجبّرة ولا أنّه يحصل من غير علّة واجبى كما يقوله المفوّضة ، بل هو أمر بين أمرين بالنهج المزبور ، كما وردت به النصوص عن الأئمّة المصطفين ، فالاختيار والإرادة مخلوق لله تعالى في العبد كسائر الآلات والأسباب المخلوقة فيه ، وهو لاينافي الإختيار ، فإنّ المراد من الفعل الاختياري ما كان مبدؤه الاختيار ، وأمّا صدور الاختيار أيضاً عن اختيار آخر ، فلا ضرورة تلجىء إليه ، غاية ما هناك صيرورة الفعل واجباً بسبب الاختيار وهو لاينافيه ، وتمام الكلام يحتاج إلى بسط يفوت به زمام المرام.
وبالجملة فالدعاء مباشرة سبب رتّبه مسبّب الأسباب ، والتمسّك بالأسباب جرياً على سنّة الله تعالى لاينافي التوكل ولا الرضا ، كما أنّ شرب الماء وأكل الخبز ومعالجة المريض بالدواء والغذاء لاتنافيهما.
فإن قلت : مادلّ على كراهة المعاصي ينافي مادلّ على حسن الرضا بالقضاء الا أن يقال بعدم صدورها منه وهو قدح في التوحيد.
قلت : أفعال العباد وإن كانت كسائر الموجودات بقضاء الله وقدره ، الا أنّه فرق بين المقامين حيث إنّ ماسوى أفعال العباد من الموجودات الخارجية جارية بقضاء حتم وقدر لازم منه تعالى.
وأمّا هي فمعلّقة باختيارهم وإرادتهم ومستندة إليهم ، كما وردت في الأخبار عن العترة الأطهار ، واقتضاها نور البصيرة والاعتبار للزوم الجبر
و(١) الظلم من الله المجيد والعبث في التكليف والوعد والوعيد.
فالمراد من كونها بقضاء الله وقدره إمّا تعلقها بها كما فسّره أميرالمؤمنينعليهالسلام فإنّها أسباب ذاتية للطاعة عرضيّة للمعصية. والمراد منهما هنا السببيّة في الجملة.
وإمّا كونها صادرة عن الأسباب وبتوسّط الوسائط التي هي فعل الله حقيقة ، ومنها الارادة والاختيار كما عرفت ، حيث أنّ وجوده مشتمل على سائر الوجودات وعلمه محيط بكلّ المعلومات كما أشرنا إليه.
فعلى الأوّل يكون معنى الرضا بالقضاء فيها الرضا بتكليف الشارع ووعده ووعيده بها وهو من لوازم الايمان ، ولا منافاة له حينئذ أصلاً.
وعلى الثاني تكون لها جهتان واتّصافها بالمعصية والقبح وتعلّق الأمر ببغضها وزجر أربابها من حيث تعلّقها به وكونها أفعالاً اختيارية لهم حقيقة ، واتّصافها بكونها صادرة عن قضاء الله وقدره من الجهة الأخرى ، وليس الاتصاف بالعصيان من تلك الجهة لتعلّقه بنفس الفعل الذي هو فعل العبد دون أسبابه التي هي فعل الله تعالى.
وعليك بالتأمّل فيما تلوته عليك في هذا المقام فإنّه من مزالق الأقدام ، وقد خبط فيه بعض الأعلام بما يطول بنقله الكلام.
ومنه يظهر الجواب عن المنافاة بين ما دلّ على مدح الرضا وبين ما دلّ على بغض الكفّار والفجّار ومقتهم ، فإنّهم وإن كانوا من آثار صنعه ووجودهم صارد بقضائه وقدره الا أنّ بغضهم ليس لأجل وجودهم الذي هو منه ، بل هو خير محض يجب حبّه لأجله ، وإنما هو لأجل فعلهم الصادر عنهم بإرادتهم واختيارهم وليست الشرور الصادرة عنهم من لوازم وجودهم ، فإنّ كلّ مولود يولد على الفطرة ، والا لما صحّ التكليف والثواب والعقاب ، وما ينافي ذلك بظاهره من الآثار يجب تأويله بما ليس المقام مقام ذكره.
__________________
١ ـ كذا ، والظاهر زيادتها.
والعجب ممّن يزعم أنّ السكوت عن المعاصي والرضا بها من مقامات الرضا مع أنّه تعالى نهى عباده عنها وذمّهم عليها وبعث أنبياءه ورسله لردعهم عنها ، وكيف يتصوّر الرضا بما يقطع بعدم رضاه تعالى بفعلها ، إذ المعصية ما لا يرضى الله سبحانه بفعلها فالرضا بها مناف لغاية الرضا ، مع أنه لو أمكن القول بصحّة الرضا بها لكونها بقضاء الله وقدره أمكن القول بصحّة فعلها أيضاً لذلك ، ويلزم منه إنكار كون المعصية معصية.
وأما طريق تحصيل هذا المقام المنيف فإنّما يتمّ بكمال المعرفة المستتبعة للمحبّة وتحصيل مرتبة اليقين بالتوحيد الفعلي ، وأنّه لامردّ لقضائه والكراهة لأفعاله تعالى تعجيل عقوبة من دون فائدة بخلاف الفائز بمقام الرضاء حيث إنّه دائماً في حال راحة وسرور وبهجة وحبور.
واعلم أنّ التسليم قريب من الرضا ، ويسمّى تفويضاً أيضاً ، بل هو أعلى مقاماته ، لأنّ العلاقة ملحوضة في الرضا أعني موافقة الأفعال لطبعه بخلاف التفويض حيث يلاحظ فيه قطع العلائق بالمرّة وتفويض الأمر إليه بالكليّة ، كذا قيل ، فتأمّل.
وبالجملة ؛ فهما مشتركان في كونهما من آثار المحبّة ، والمحبّ لايظهر البلاء في معرض الشكوى ، بل ينكره بقلبه أبداً حتّى قال السلف : من حسن الرضا أن لايقول هذا يوم حارّ ، وأنّ العيال تعب ومحنة ، وأنّ في العبادة ونحوها كلفة ومشقّة إذا كان على سبيل التشكّي ، أمّا إذا تعلّق به غرض سحيح فلا ينافيه ، أرضانا الله بما يحبّ ويرضى ، وجنّبنا عمّا لايحبّ ولايرضى.
فصل
التوكّل أعلى منازل السالكين وأعظم درجات الموحّدين الموقنين.
وقد ورد في مدحه من الكتاب والسنّة ما ورد :
( إنّ الله يحبّ المتوكّلين ) .(١)
( وعلى الله فليتوكّل المتوكّلون ) .(٢)
( ومن يتوكّل على الله فهو حسبه ) .(٣)
وقال الصادقعليهالسلام : « من أعطي ثلاثاً لم يمنع ثلاثاً ، من أعطي الدعاء أعطي الاجابة ، ومن أعطي الشكر أعطي الزيادة ، ومن أعطي التوكّل أعطي الكفالة » ، [ ثمّ قالعليهالسلام : أتلوت كتاب الله عزّوجلّ : ]
قال الله تعالى :( ومن يتوكّل على الله فهو حسبة ) . وقال تعالى :( لئن شكرتم لأزيدنّكم ) .(٤) وقال :( أدعوني أستجب لكم ) .(٥) »(٦)
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لو أنّكم تتوكّلن على الله حقّ توكّله لرزقتم كما ترزق الطيور تغدو خماصاً تروح بطاناً ».(٧)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من انقطع إلى الله عزّوجلّ كفاه الله كلّ مؤونة ورزقه من حيث لايحتسب ، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها ».(٨)
وهو اعتماد القلب على الله في جميع الأمور أو حوالتها إليه أو التبرّي عن كلّ حول وقوّة بإسناد الأمور كلّها إلى حوله وقوّته ، وهو موقوف على الاعتقاد الجازم بأن لافاعل الا هو ولاحول ولا قوّة الا حوله وقوّته وأنّ له تمام العلم والقدرة على كفاية العباد ، ثم تمام الرحمة والعناية ، وليس وراءها علم وقدرة ولا رحمة ولا عناية ، فمن لم يجد في نفسه حالة التوكّل وترك
__________________
١ ـ آل عمران : ١٥٩.
٢ ـ إبراهيم : ١٢.
٣ ـ الطلاق : ٣.
٤ ـ إبراهيم : ٧.
٥ ـ غافر : ٦٠.
٦ ـ الكافي : ٢ / ٦٥ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب التفويض إلى الله والتوكّل عليه ، ح ٦ ، وفيه : « أعطي الكفاية ».
٧ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ٣٧٩.
٨ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ٣٧٩.
الالتفات إلى ماسواه فسببه إمّا ضعف اليقين بأحد ماذكر أو ضعف القلب بالستيلاء الجبن عليه وانزعاجه بالأوهام الكاذبة ، وذلك ممكن مع حصول اليقين ، فإنّ من تناول عسلاً فشبّه بالعذرة عنده قد ينفر طبعه منه ، وكذا المضاجع للميّت ويخاف منه مع حصول اليقين بأنّه جماد لايحيى بحسب العادة ، وكم من يقين لا طمأنينة معه ، ولذا قال الخليلعليهالسلام :( ولكن ليطمئنّ قلبي ) (١) وكذا العكس كأرباب الملل والمذاهب ، فالتوكّل موقوف على قوّة اليقين وقوّة القلب معاً.
قد تبيّن ممّا ذكر أنّ التوكّل حالة تثمر الانقطاع إلى الله في جميع الأحوال ، وسنذكر حقيقتها وأقسامها إن شاء الله تعالى ، وأن تلك الحالة تنشأ من علم واعتقاد بالأربعة المشار إليها ، أي الايمان بالتوحيد الذي يترجمه قولك : لا إله الا هو وحده لاشريك له ، وبالقدرة التي يترجمها قولك : له الملك ، وبالجود والحكمة التي يدلّ عليهما قولك : وله الحمد.
وبهذا يتمّ التوكّل ، ويثبت حقيقته التي هي تلك الحالة التي سنذكر البحث عنها.
والمراد من الإيمان بها صيرورتها وصفاً لازماً لقلبه غالباً عليه.
فأمّا التوحيد فهو الأصل فيه ، وهو البحر الخضمّ الذي لا ساحل له ، وليس لأحد إحاطة الكلام فيه ، والقدر الذي يمكن الإشارة إليه في هذا المقام أنّ له أربع مراتب كلّ قشر بالنسبة إلى مافوقه كالجوز.
فقشره الأعلى الذي غايته حفظ البدن عن السيوف الإقرار باللسان خاصّة كتوحيد المنافق.
وقشره الأسفل الذي غايته حصول الاسلام والنجاة من العذاب المخلّد إن توفّي صاحبه عليه ، ولم يضعّف بالمعاصي عقده إضافة التصديق بالقلب
__________________
١ ـ البقرة : ٢٦٠.
إليه مع انشراح لحقيقته وانفساح للصدر بمضمونه وصيرورته له محسوساً مشاهداً ، ويمكن تضعيف عقده بالشبه والبدع وتقويته بالفكر والنظر في الأدلّة الكلامية.
ثم لبّه مشاهدة فاعل الأشياء واحداً وانكشاف ذلك للقلب كما هو عليه ، فيرى الأشياء متكثّرة الا أنّه يسندها إلى فاعل واحد بطريق الكشف والشهود وانشراح الصدر ،( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) .(١)
ثم الدهن المأخوذ من اللب أعني أن لا يحضر في شهوده الا الفاعل الواحد فلايرى الأشياء بجهة كثرتها ، بل بجهة كونها صاردة عن الواحد ، وهي الفناء في التوحيد على اصطلاح(٢) ، فإنّه إذا لم ير الا واحداً فلا يرى نفسه أيضاً لاستغراقه بالواحد ففني عن رؤية نفسه وهي غاية التوحيد ومرتبة الصدّيقين.
فإن قلت : كيف لايشاهد الا واحداً وهو يشاهد بحسّه أشياء كثيرة فكيف يصير الكثير واحداً أو كيف يكذب حسّه؟
قلت : قد يكون الشيء واحداً من جهة وعلى طور من المشاهدة دون أخرى وطور آخر ، كالانسان إذا التفت إلى جزء جزء من أجزائه العقلية أو الخارجية ، وإذا التفت إلى الكلّ المركّب من حيث إنّه شيء واحد ، فكم من مشاهد للإنسان لايلتفت إلى أجزائه أو كثرتها فكذلك ما في الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات مختلفة يكون باعتبار أحدها واحداً والآخر متعدّداً ، ومشاهدة الوحدة تظهر غالباً كالبرق الخاطف ، وقلّما تدوم.
إذا عرفت هذا ، فاعلم أنّ الرابع ممّا لايجوز الخوض فيه ، ولايبنى عليه
__________________
١ ـ الأنعام : ١٢٥.
٢ ـ إحياء العلوم : ٤ / ٢٤٥.
التوكّل والأوّل نفاق محض ، والثاني موجود في عموم المسلمين ، وقد أشرنا إلى ما به يقوى ويتأكّد ولا دخل له أيضاً بالتوكّل الا قليل منه بعد تقوية كاملة.
وأمّا الثالث فهو مبنى التوكّل ، وهو انكشاف أن لا فاعل الا الله وأنّ كلّ ما يطلق عليه اسم من الغنى والفقر والخلق الرزق والبسط والقبض والموت والحياة قد تفرّد المبدع الحقيقي بإبداعه واختراعه ، وبعد ذلك لاتنظر الا إليه ولاتخاف الا منه ، ولا تثق الا به ، حيث إنّ ماسواه مسخّرون تحت قدرته لا استقلال لهم بتحريك ذرّة.
والمانع عن هذه المشاهدة أحد أمرين :
أوّلها : الالتفات إلى الجمادات كالاعتماد على المطر في الزرع ، والغيم في الامطار ، والبرد في الغيم ، والريح في سير السفينة ووصولها ونجاتها ،( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدّين فلمّا نجّاهم إلى البرّ إذا هم يشركون ) (١) أي يقولون لولا استواء الريح لما نجونا هذا جهل وغرور عظيم من الشيطان الرجيم كالتفات من نجا من ضرب السيّاف لرقبته بتوقّيع الملك إلى قلم الكاتب ودواته وكاغذه دون الملك الآمر والكاتب الموقع ، ولو علم أنّه لا حكم للقلم وإنّما هو مسخّر في يده لم يلتفت الا إليه ، بل ربما أدهشه الفرح بذلك عن تصوّره القلم ونحوه ، وكلّ جماد وحيوان مسخّر تحت يد القدرة كذلك ، بل أعظم من ذلك.
وثانيهما : وهو الخطر الأعظم الذي يغرّك به الشيطان بعد إياسه عن الأوّل الالتفات إلى اختيار العباد ، فيقول : كيف يكون الكلّ منه مع ماتشاهد من أنّ فلاناً يعطي ويمنع ويضرب ويقتل فكيف لاترجوه ولاتخاف منه وهو قادر عليك ، تشاهد ذلك بلاشكّ وريب ، فالقلم لايلتفت لكونه مسخّراً ، لكنّ الكاتب هو المسخّر له فتزلّ عنده الأقدام وتدهش فيه عقول
__________________
١ ـ العنكبوت : ٦٥.
ذوي البصائر والأفهام ، الا من شاهد بنور الله كون الكاتب مسخّراً كالقلم وإن غلط من لم يشاهده لعجز بصره عن إدراك المسخّر [ الحقيقي له ، أي جبّار السماوات والأرضين ](١) كالنملة التي تدبّ على الكاغذ ، فترى رأس القلم يسوّده وضيق حدقتها مانع عن وصول بصرها إلى أصابع الكاتب ، فضلاً عن نفسه ، وأرباب البصائر ينظرون بنور الله ويسمعون من كلّ ذرّة في الأرض والسماء بالنطق الذي أنطق الله به كلّ شيء حتّى سمعوا تقديسه وتسبيحه وشهادته على نفسه بالعجز بلسان فصيح ليس من لحم ودم وإنّما لم يسمعه الّذين هم عن السمع لمعزولون.
وهذا النطق مع أرباب القلوب يسمّى مناجاة السرّ ، وهو ممّا لاينحصر ، لأنّه كلام مستمدّ من بحر كلمات الله الّتي ينفد البحر قبل نفادها ، ولو جيء بمثله مدداً ، وهي من الأسرار التي قبورها صدور الأحرار ، فلا يحكون بها لغيرهم ، لأنّ إفشاءها لؤم ، وهل رأيت قطّ أميناً على أسرار الملك نوجي بخفاياه فنادى بها على الملأ من الناس ولو جاز ذلك لما وقع النهي عنه ، ولما قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً »(٢) بل ذلكر لهم حتى يبكوا ولايضحكوا.
وهذا الاستماع من ذرّات عالم الملك والملكوت لايحصل الا بالإيمان بعالم الملكوت والتمكّن من المسافرة إليه واستماع الكلام من أهله ، وفيه جبال شاهقة وبحار مغرقة ، وفيافي تائهة ، ومنازل وعرة ، فمن كان أجنبيّاً عنه ولم يكن مستعدّاً للوصول إليه لم يمكنه ذلك ، بل كان اللازم عليه الردّ إلى التوحيد الاعتقادي الحاصل في عالم الملك بالعلم به بالأدلّة الدالّة على وحدة الفاعل كقولك : المنزل يفسد بصاحبين والبلد يفسد بأميرين.( ولو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا ) .(٣)
__________________
١ ـ ساقط من « ج ».
٢ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٢٦٩.
٣ ـ الأنبياء : ٢٢.
وقد كلّف الأنبياء أن يكلّموا الناس على قدر عقولهم ، وقد أشرنا إلى أنّه يصلح أيضاً أن يكون عماداً للتوكّل إذا قوي ، وأن يتسارع إليه الضعف والأضطراب فاحتاج إلى حارس من الأدلة الكلامية بخلاف المشاهد حيث إنّه لو كشف له الغطاء ما ازداد يقيناً ، وإن ازداد وضوحاً.
فإن قيل : جميع ماذكر مبني على كون الأسباب والوسائط مسخّرات تحت القدرة الأزلية ، وذلك ظاهر في ماسوى أفعال العباد ، وأمّا فيها فإنّه مخالف لما يشاهد منه من حركاته وسكناته ، ولما تحقّق بالأدلّة الشرعية من التكليف والثواب والعقاب والوعد والوعيد.
قلت : قد عرفت سابقاً أنّ الأمر بين الأمرين الذي وردت به النصوص وعليه بناء الشيعة في أفعال العباد هو كون الفعل صادراً من العباد بدون واسطة باختيارهم وإرادتهم وإن كان الاختيار والإرادة كسائر الأسباب من أفعاله تعالى ضرورة استناد الممكن إلى علّة واجبة والا لزم التسلسل وهو محال.
ولو قيل : يلزم منه الجبر.
قلت : لو انكشف لك الغطاء علمت أنّك في عين الاختيار مجبور ، فأنت إذن مجبور على الاختيار ولاقصور في ذلك ، كما عرفت ، والزائد على هذا القدر ممّا لايمكن التصريح به ولا كشف الغطاء عنه الا بالانكشاف الحاصل من المجاهدات ، فالأحسن هو التأدّب بأدب الشرع ، والإعراض عن كشف الأسرار الغير الجائز عقلاً وشرعاً.
فإن قيل : هذا المعنى من التوحيد الذي بنيت عليه التوكّل وهو أنّه لافاعل الا الله ينافي ماثبت من الشرع من كون الأفعال للعباد ، إذ كيف يمكن إسناد الفعل الواحد إلى فاعلين؟
قلت : ذكرت لك أنّ الجهة مختلفة فنسبته إلى الله باعتبار استناد أسبابها إليه وإلى العبد بالاعتبار الآخر ، ولا مانع من الاطلاقين مع اختلاف
الجهات ، كما لايمنع عن إطلاق القاتل على الجلّاًد والأمير ، ولذا ترى القرآن مشحوناً من هذين الاطلاقين.
( قل يتوفّاكم ملك الموت الّذي وكلّ بكم ) .(١)
( الله يتوفّي الأنفس حين موتها ) .(٢)
( قاتلوهم يعذّبهم الله بأيديكم فلم تقتلوهم ولكنّ ال لهقتلهم ) .(٣)
( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) .(٤)
وإلى هذا المعنى من التوحيد أشار لبيد : ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل. فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّه أصدق كلمة [ قالها لبيد ] ».(٥)
وأما الثلاث الأخر فهي من متفرعات التوحيد المزبور ، إذ لايتمّ الا بالإيمان بالقدرة العامة وهو واضح ، وبالرحمة والعناية والحكمة ، فإنّ التوحيد يورث النظر إلى مسبّب الأسباب ، والإيمان بها يورث الوثوق به وهو يورث التوكّل ، فلو صدّقت تصديقاً يقينيّاً بأنّ ما حصل في عالم الإمكان مرتّب على النظام الأصلح الذي لايعترية ريب ولاقصور ولا تفاوت ولافطور(٦) على ما ينبغي وكما ينبغي وبالقدر الذي ينبغي وأنّ أفعاله جميعاً عدل محض لا جور فيه ، وليس في الامكان ما هو أتمّ منه وأكمل ، وأنّه ولو كان وادّخر مع القدرة كان بخلاً يناقض الجود وظلماً ينافي العدل ، ولو لم يقدر كان عجزاً ينافي الالهية ، وأنّ كلّ بالنسبة إلى ما تحته ، فلو لا الليل ما عرف النهار ، ولولا المرض ماعرف قدر الصحّة ، ولولا البهائم ما عرف
__________________
١ ـ السجدة : ١١.
٢ ـ الزمر : ٤٢.
٣ ـ التوبة : ١٤.
٤ ـ الأنفال : ١٧.
٥ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ٤٠٣ مع اختلاف وما بين المعقوفتين في « ج » فقط.
٦ ـ كذا ، والظاهر : فتور.
شرف الإنس وهكذا ، وأنّ تقديم الكامل على الناقص محض العدل ، فالكمال والنقص يعرفان بالاضافة حصل لك الوثوق التامّ بأفعاله تعالى ومنه يحصل التوكّل فإنّ الموكل لغيره في خصومة لايعتمد على وكيله اعتماداً تامّاً يسكن إليه ويثق به الا بعد علمه بكون الوكيل عالماً عارفاً بمواقع التلبيس حتى لا يخفى عليه شيء ، وقادراً على إحقاق الحقّ وإفصاحه حتّى لايداهن ولايخاف ولا يستحيي ولا يجبن في إجراء الحقّ والتصريح به ، ولايكلّ لسانه في المعارضة ، ومشفقاً على موكّله معتنياً به حتى يهمّ بأمره ويسعى في الظفر على خصمه ، وكلّما ازداد علمه بحصول هذه الخصال فيه قوي وثوقه به ولم ينزعج قلبه إلى الإهتمام بالحيلة والتدبير لدفع ما يحذره من قصور وتفوّق الخصم عليه.
وهذا العلم له مراتب غير محصورة إلى أقصاه الذي لامرتبة فوقها كما في العلم الحاصل للولد بالنسبة إلى والده بمنتهى إشفاقه عليه وسعيه في جمع الحلال الحرام لأجله ، فإن ثبت في نفسك بكشف أو اعتقاد قوي جازم بأنّه لافاعل الا هو وأنّ له منتهى العلم والقدرة على كفاية العباد وغاية العناية واللطف بهم حصل الاتّكان منك عليه وترك الالتفات معه إلى نفسك فضلاً عن غيرك ، فكنت صادقاً في قولك لا إله الا الله وقولك لاحول ولاقوّة الا بالله.
لما تبيّن لك أنّ التوكّل عبارة عن الحالة المترتّبة على العلم بالأمور المذكورة فاعلم أنّ لها درجات ثلاث(١) :
أوّلها : ما أشرنا إليه من كون حاله في الوثوق بكفالته عنه كوثوق الموكّل بالوكيل.
وثانيها : كون حاله مع الله فيه كالطفل مع أمّه حيث لايعرف غيرها في
__________________
١ ـ كذا ، والصحيح : ثلاث درجات أو درجات ثلاثاً.
جلب نفعه ودفع ضرّه ، فلو رآها تعلّق بهاولم يخل عنها ، ومع غيبتها عنه يكون أوّل سابق على لسانه يا أمّاه! فهذا قد فنى في توكّله فلا يلتفت إليه بل إلى المتوكّل عليه فقط ، وكأنّه فطري له بخلاف الأوّل ، لكونه كسباً وتكلّفاً منه وله التفات إلى توكّله وهو مانع عن دوام الشهود للمتوكّل عليه.
وثالثها : أن يكون بين يدي الله تعالى كالميّت بين يدي الغاسل فيرى نفسه ميّتاً تحت القدرة الأزليّة ، وهذا في غاية قوّة اليقين بكون الأشياء مستندة إليه تعالى ، فالصبيّ يفزع إلى أمّه ويصيح ويتعلّق بذيلها ويعدو خلفها ، بخلافه حيث إنّه انتظار محض فهو كمن يعلم أنّ أمّه من غاية إشفاقها عليه تحمله وتسقيه وإن لم يفزع إليها ولم يصح ولم يتعلّق بها ، وهذا المقام يثمر ترك السؤال والطلب منه تعالى كما قال الخليلعليهالسلام :
« حسبي من سؤالي علمه بحالي ، كفى علمه بحالي عن مقالي ».(١)
فكم من نعمة ابتدأها قبل السؤال بدون استحقاق بخلاف ما قبله ، حيث يثمر ترك السؤال عن غيره تعالى خاصّة.
هذا ، وقد قيل إنّه في الدوام كصفرة الوجل ، فإنّ انبساط القلب إلى الأسباب طبع وانقباضه عارض ، فلا يدوم.
وأمّا الثاني فهو كصفرة المحموم ربما تدوم يوماً أو يومين ، والأوّل كصفرة مريض استحكم مرضه فلا يبعد أن يدوم أو يزول ، ولاينافي التدبير والسعي الذي يشير إليه وكيله ، ولاسيّما ما كان معروفاً من عادة الوكيل وسنّته ، والثاني ينفي كلّ تدبير سوى الدعاء والطلب منه تعالى ، والفزع إليه كتدبير الطفل في التعلّق بأمّه.
والثالث ينفي كلّ تدبير وصاحبه كالمبهوت الواله.
ما يكون خارجاً عن الطاقة بأن لايكون له أسباب قطعية أو ظنّية لجلبها
__________________
١ ـ جامع السعادات : ٣ / ٢٢٥.
أو دفعها أو تكون له مع عدم التمكّن منها يكون قضيّة التوكّل فيه ترك السعي فيه بالتدبير والتحمّل والحوالة إليه تعالى رأساً ، ومالم يكن خارجاً عنها بحصول ما يتمكّن منه من الأسباب القطعية أو الظنية ، أو إمكان التوصّل إليه فالسعي فيه لاينافيه بشرط أن يكون وثوقه به تعالى في حصوله لا بتلك الأسباب ، فترك الكسب والتدبير والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة بعيد عن الحقّ ، بل محرّم في ظاهر الشريعة لثبوت التكليف بطلب الرزق بالزراعة أو التجارة أو الصناعة ، وإبقاء النسل بالتزويج وغيره ، ودفع الأشياء الموذية بما عيّن له عادة ، فإنّها أسباب جرت عادة الله بترتيب المسبّبات عليها كجريان عادته بحصول التقرّب إليه بالعبادة ونحوها.
نعم ينبغي عدم الاتّكال في حصولها عليها ، بل عليه تعالى والاعتماد على فضله ورحمته وعدم السكون إليها ، بل إلى قدرته وحكمته بتجويز قطعه تعالى الأسباب عن مسبّباتها وإعطائه السمبّبات من دون أسبابها ، وهذا في الأسباب القطعيّة أو الظنّية المطّردة النادرة التخلّف كمدّ اليد إلى الطعام للوصول إلى فيه وحمل الزاد للسفر وتحصيل بضاعة المتجر والوقاع للأولاد واتّخاذ السلاح للعدوّ والتداوي عن المرض وأمثاله.
ولاينافيه التوكّل لما عرفت ، ولذلك قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم للأعرابي لمّا أهمل بعيره وقال : توكّلت على الله : « اعقلها وتوكّل ».(١)
وقال الله تعالى :( خذوا حذركم ) (٢) ( وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ) .(٣)
( وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ) .(٤)
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ٤٢٦.
٢ ـ النساء : ٧١.
٣ ـ النساء : ١٠٢.
٤ ـ الأنفال : ٦٠.
وقال لموسىعليهالسلام :( فأسر بعبادي ليلاً ) .(١)
وفي الاسرائيليات : أن موسىعليهالسلام اعتلّ بعلّة فدخل عليه بنو إسرائيل فعرفوا علّته ، فقالوا له : لو تداويت بكذا لبرئت ، قال : لا أتداوى حتّى يعافيني الله من غير دواء ، فطالت علّته ، فأوحى الله تعالى إليه : وعزّتي وجلالي لا ابر أتك حتّى تتداوى بما ذكروه لك ، فقال لهم : داووني بما ذكرتم فداووه فبرأ ، فأوجس في نفسه من ذلك ، فأوحى الله إليه : أردت أن تبطل حكمتي بتوكّلك عليّ ، فمن أدع العقاقير منافع الأعضاء غيري؟(٢)
وروي أنّ زاهداً اعتزل الناس وأقام في سفح جبل وقال : لا أسأل أحداً شيئاً حتّى يأتيني ربّي برزقي فقعد سبعاً فكاد يموت ولم يأته رزق ، فقال : ربّي إن أحييتني فأتني برزقي الذي قسمت لي والا فاقبضني إليك ، فأوحى الله إليه : وعزّتي وجلالي لا أرزقك حتّى تدخل الأمصار وتقعد بين الناس ، فدخل وجاؤوه بطعام وشراب فطعم وشرب فأوجس في نفسه ، فأوحى الله إليه : أردت أن تذهب بحكمتي(٣) بزهدك في الدنيا ، أما علمت أنّي أرزق عبدي بأيدي عبادي أحبّ إليّ من أن أرزقه بيد قدرتي؟(٤)
وأمّا الموهومة كالاستقصاء في التدبيرات الدقيقة والحيل الخفيّة في تحصيل الكسب وجوهه فهي ممّا يبطل التوكّل ، إذ ليست مأموراً بها عقلاً ولا شرعاً ، بل ربّما كانت منهياً عنها ، وإنّما أمر بالإجمال في الطلب.
قيل(٥) : من كمل يقينه بحيث غابت عنه مطلق الأسباب ولم يبق معه الا الالتفات إلى ربّ الأرباب فسكنت نفسه بفقدها لأجله عن الاشتغال
__________________
١ ـ الدخان : ٢٣.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ٤٣٢ ، وفيه : منافع الأشياء.
٣ ـ كذا ، والصحيح : حكمتي كما في المصدر.
٤ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ٤١٥ ـ ٤١٦.
٥ ـ راجع جامع السعادات : ٣ / ٢٢٩ ـ ٢٣٠.
والاضطراب لم يكن عليه التمسّك بها مطلقاً ، فإنّ مثل هذا يحفظه وكيله ويصلح أموره كفيله ويشهد له ما حكي من فعل الكمّل لذلك ، وإن لم تغب عنه ، لكن مع اعتقاد جازم بعدم استناد التأثير إليها ، بل إلى الله فلا يجوز له الإعراض عنها وإلقاء نفسه في المهالك لأجلها.
وأنا أقول : إذ تبيّن لك أن من عادته تعالى وسنّته التي لاتجد لها تبديلاً تفريع المسبّبات على الأسباب ، وعدم حصولها الا بها لزمه(١) التأسّي بسنّته تعالى في إجرائها منها ولم يجز الفضول في مثل ذلك اعتماداً على توكّله.
وينبّه عليه ما في الخبرين السابقين ، فليست لأحد قوّة اليقين كما للأنبياء والرسل المقرّبين ، والمستحسن المطلوب منه هو القدر المشترك بين القسمين من عدم الاعتماد فيها الا عليه تعالى ، وهو حاصل بالفرض ، فلا حاجة إلى التخلّف عمّا جرت به عادة الله وترك التأدّب بأدب الشارع وما اقتضته الحكمة المحضة والمصلحة الأزليّة من ارتباط المسبّبات بالأسباب.
وأمّا فعل الكمّل لما يوهم خلافه فله جهة أخرى ، وهي أنّ النفس إذا كملت بالارتياض حصلت لها قوّة وقدرة على تسخير الكائنات كما عرفت مراراً ، فهو اعتماد منهم على حصول الأسباب لهم على كلّ حال لعدم انحصارها فيما نظنّه أسباباً أو نقطع به وعدم اكتفائنا بذلك لعدم قدرتنا على سائر الأسباب ولا عليها في غير الوقت الذي جرت العادة بحصولها ، هكذا يليق أن يفهم هذا المقام فافهمه ، فإنّه من مزالق الأقدام.
ثم قيل(٢) : إنّ الاكتفاء بالاسباب الخفيّة من الجليّة كالمسافرة في البوادي التي لايطرقها الناس الا نادراً ، ليس كالإعراض عنها مطلقاً في كونه جنوناً محضاً على ما أشير إليه وحراماً صرفاً على ماثبت من الشرع ، بل الحريّ فيه التفصيل بأن المكتفي بها أن راض نفسه بحيث تصبر وتطمئنّ مع
__________________
١ ـ كذا في النسخ ، وفي هامش « ج » : « فاللازم هو التأسي ».
٢ ـ هذا كلام أبي حامد ، راجع المحجّة البيضاء : ٧ / ٤١٤ ـ ٤١٦.
الجوع أسبوعاً ونحوه وتقنع بالتقوّت بالحشيش وأمثاله جاز له ذلك ، وإن جاز عدمه أيضاً اتّباعاً لسنّة الأوّلين وجرياً على العادة الغالبة والا فلا يجوز له الا التمسّك بالأسباب الظاهرة ، وذلك لأنّ عدم الجواز إمّا للنهي عن ذلك وكونه إلقاء نفس في التهلكة وإمّا لأنّ غاية التوكّل وثمرته حصول السكون إلى الله تعالى حتّى لاتشتغل نفسه بغيره ولايمنعه عمّا يبطله من الشهود ، فلو لم تسكن نفسه الا بالأسباب الظاهرة لم يجز له التخلّف والإعراض عنها ، بل يجوز لمن لاتسكن نفسه عن الاضطراب المانع لملازمة أسباب السعادة الا بادّخار مال أو ذخيرة قوت لنفسه وعياله مدّة مديدة تركه ، بل يجب عليه ذلك قطعاً ، والعلّتان مفقودتان في الاولى ، لأنّ المفروض حصول السكون المطلوب له بذلك ، وعدم هلاكه به بعد حصول الشرطين فلا مانع عنه.
وما يقال(١) : من أنّ ثقته حينئذ بها لا بالله فلم يكن متوكّلاً كلام قشري ، فإنّا إذا علمنا أنّ التمسّك بالأسباب الظاهرة بل ادّخار الأموال لاينافيه فإنّ مناطه إسناد التأثير إلى الله تعالى دونها ، فالتمسّك بها لعلمنا بأنّه تعالى لايجريها الا بها وأنّها مرتبطة في قضاء الله الأزلي بها ، فإذا لم يناف ذلك فهذا أولى فتسليم اختلاف مراتب التوكّل باختلاف مراتب اليقين وغيبوبة الأسباب عن النظر وعدمها ، ثم إنكار كون هذا الفرد توكّلاً تهافت لايليق بأهل التدقيق ، وبهذا التقرير الذي قرّرناه في كلام القائل يظهر وجه ما أورده عليه بعض الأفاضل مع جوابه.
لكن أقول ظاهر الأخبار والأدلّة الشرعية لايساعد ذلك كما أشرت إليه ، وكذا ترجيح البقاء في البلد بين الناس مع الاشتغال بالفكر والعبادة وترك التكسّب توكّلاً على الله لا على الكسب بناء على أنّه ليس من قسم الإعراض عن الأسباب فإنّ العادة جارية بوصول رزق مثله إليه ، بل رزق
__________________
١ ـ القائل هو المحقّق الفيض وتبعه النراقي ـ رحمهما الله ـ ، راجع المحجّة : ٧ / ٤١٦ وجامع السعادات : ٣ / ٢٣١.
جماعة من أمثاله من الناس سيّما إذا شاهدوا منه الزهد والورع والتقوى ولم نشاهد إلى الآن من أمثاله من مات بين الناس جوعاً ، سيّما إذا كان قانعاً بالقليل فهو خلاف ما ورد في الشريعة وصدر عن أئمّتنا الهداةعليهمالسلام ، بل هو تعرّض للذلّ وضرب على بواطن الناس وكلّ عليهم وهو مناف للحرية الممدوحة.
والتحقيق ما قرّرته لك من أن المناط في التوكّل هو الثقة بالله وسكون النفس إليه دون الأسباب فلا دخل له بوجودها وعدمها وجلائها وخفائها.
قد علمت أنّ عمدة ما يحصل به التوكّل قوّة القلب وقوّة اليقين فعلاج من يريد تحصيله تقوبة قلبه بما ذكر في الجبن وأضداده وتقوية يقينه بالتذكّر لما ورد في مدحه أوّلاً من الآيات والأخبار والاعتبار بحكايات الماضين ممّن توكّل فانتظمت أموره وأحواله على أحسن النظام ، وممّن لم يتوكّل بل اعتمد على الأسباب فأهلكه الله وسلّط عليه من مفرّقات المسبّبات عن الأسباب مايعجز عن إدراكه عقول المدبّرين الصارفين عمرهم في دقائق الحيل والتدابير وهي في الكتب المطوّلة مذكورة على الألسن مشهورة ، والتجربة في أحوال أهل العصر ممّا يكفيك ويغنيك عن استماع الحكايات الماضية.
ثم بالتفكّر في أنّك لمّا كنت جنيناً في بطن أمّك وعاجزاً عن السعي والاضطراب في تحصيل رزقك وصل مبدعك سرّتك بها حتّى ينتهي إليك بواسطتها فضلات غذائها ثم بعد انفصالك عنها سلّط عليها الحبّ حتّى كفلتك اضطراراً من اشتغال نار الحبّ في قلبها من الله تعالى حتّى احتملت لأجلك مرارة اليقظة والحرّ والبرد وأنواع المتاعب الغير المحصورة ، ولمّا لم يكن لك سنّ تمضغ به الطعام جعل رزقك من اللبن اللطيف ، فإنّ مزاجك يومئذ لرخاوته ما كان يحتمل الغذاء الكثيف حتّى إذا وافقك أنبت لك أسناناً قواطع لأجل المضغ وبعد كبرك هداك إلى ما يسّره لك من أسباب التعليم
وسلوك سبيل الآخرة ، وفي طول هذه المدّة كنت عاجزاً عن رزقك لا حيلة لك فيه فجبنك بعد بلوغك غاية الجهل ، إذ لم تنقص عنك أسباب معيشتك ، بل زادت بقدرتك على الاكتساب ، وشفقة أبويك وإن كانت مفرطة فإنّما هي من الله تعالى وكما هو قادر على إلجائهما في هذه المدّة على الإشفاق ، فكذلك قادر على إلجاء آخرين عليك فخلق في قلوب كافّة عباده رقّة ورحمة على اختلاف مراتبها فيهم بتألّمهم بعد العلم القطعي باحتياج محتاج فينبعث منها داعية رفعه عنه فالمشفق في الأوّل كان واحداً أو اثنين والآن أكثر من ألفين ، ولقد أجاد من قال :
جرى قلم القضاء بما يكون |
فسيّان التحرّك والسكون |
|
جنون منك أن تسعى لرزق |
ويرزق في غشاوته الجنين |
فقد دبّر الله الملك والملكوت تدبيراً كافياً لأهلهما فمن شاهده وثق بالمدبّر وأمن بأخباره وسكن إلى ضمانه ، نعم تدبيره يصل إلى من اشتغل به صنوف النعماء من الثياب الرفيعة السنيّة والمآكل البهيّة وأمثالها وإلى من اشتغل بعبادته ومعرفته ما يسدّ جوعه ويستر عورته ، وربما زاد عليه أيضاً فلا مانع من التوكّل عليه الا ميل النفس إلى التنعّم بنعماء الدنيا والانهماك في لذّاتها ، وهذا ينافي سلوك الخرة.
والحاصل إنّ علم استناد الأشياء بأسرها إليه تعالى وعدم مدخلية غيره فيها فلا وجه لاضطرابه وعدم وثوقه ، وإن مال قلبه إلى الوسائط والأسباب فليعلم أنّ من جملتها التوكّل أيضاً لما عرفت من شهادة السمع والتجربة بكفاية الله أمر من توكّل عليه على أحسن وجه يتصوّره.
ومن علامات حصول التوكّل استواء حالته لدى الفقر والغنى والنفع والخسران وطمأنينة النفس في ذلك من دون تزلزل واضطراب ، فإنّ الاضطراب لفقد الأشياء علامة السكون إليها ، وفّقنا الله لهذا الأمر الجليل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فصل
الشكر خلق من أخلاق الربوبيّة ، قال الله تعالى :
( والله شكور حليم ) (١) وهو مفتاح السعادة وسبب الزيادة( لئن شكرتم لأزيدنّكم ) (٢) وبه يتحقّق الإيمان وبتركه الكفران الموجب للنيران( ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد ) (٣) ، ولغاية فضله قرنه بالذكر( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ) .(٤)
ولعلوّ رتبتهطعن الشيطان في نوع الانسان( ولاتجد أكثرهم شاكرين ) .(٥) وصدّقه الرحمن( وقليل من عبادي الشكور ) .(٦)
وعن عائشة أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قام ليلة فبكى حتّى سالت دموعه على صدره ثم ركع فبكى ، ثم سجد فبكى ثم رفع رأسه فبكى ، فلم يزل كذلك حتّى أذّن بلال ، فقلت : وما يبكيك يارسول الله ، فقد غفر الله من ذنبك ما تقدّم وما تأخّر؟ قال : « أفلا أكون عبداً شكوراً؟ ».(٧)
وإذا علمت أنّ من الشكر البكاء تبيّن أنّ اللائق بحلك إدامته.
وفي الخبر : أنّ نبيّاً من الأنبياء مرّ بحجر صغير يخرج منه ماء كثير ، فتعجّب فأنطقه الله وقال : مذ سمعت قوله تعالى :( وقودها الناس والحجارة ) (٨) أبكي خوفاً ، فسأله أن يجيره من النار فأجاره ، ثم رآه بعد مدّة يخرج مثله ، فسأله عن ذلك ، فقال : كان ذلك بكاء الخوف ، وهذا بكاء
__________________
١ ـ التغابن : ١٧.
٢ ـ إبراهيم : ٧.
٣ ـ إبراهيم : ٧.
٤ ـ البقرة : ١٥٢.
٥ ـ الأعراف : ١٧.
٦ ـ سبأ : ١٣.
٧ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ١٤٢ مع تلخيص.
٨ ـ البقرة : ٢٤.
الشكر والسرور.(١)
وقلب العبد أشدّ قسوة من الحجارة ، ولاتزول الا بالبكاء.
وأوحى الله تعالى إلى داود : « أنّي رضيت بالشكر مكافاة لأوليائي ».(٢)
ولما نزل في ادّخار الأموال ما نزل قالوا للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : فماذا نتّخذ؟ فقال : « ليتّخذ أحدكم لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً ».(٣)
وعن ابن مسعود : الشكر نصف الايمان.(٤)
ثم الشكر حالة مستفادة من علم مثمرة لعمل.
أمّا العلم فهو العلم بحقيقة النعمة ووصفها في حقّه ، وذات المنعم وصفاته التي بها يتمّ الإنعام ، وهذا في حقّ الغير.
وأمّا في حقّه تعالى فبالتوحيد الفعلي المشار إليه ، فإنّ من أنعم عليه الملك بشيء فإن رأى لوزيره مثلاً دخلاً في تيسيره وإيصاله كان إشراكاً له في نعمته فلم يرها منه من كلّ وجه ويتوزّع فرحه عليهما ، وإن رآها بتوقيعه المكتوب بالقلم والكاغذ مع العلم بأن ليس لهما مدخل فيه فلا يفرح منهما لعلمه بأنّهما مسخّران تحت حكمه مضطرّان إلى قدرته فيرى الوزير والخازن كالكاغذ والقلم في ذلك فلم يورث ذلك شركاً في توحيده في إضافة النعمة إليه ، فكذا لو علمت أنّ جميع الأفعال صادرة عن الله وأنّ كلّ شيء مسخّر بيد قدرته حتى من له اختيار من العباد وأنّ من يحسن إليك فإنّما يحسن بأسباب مخلوقة من الله فيه كالإرادة وتهييج المحبّة والإلقاء في قلبه أنّه خير له في دنياه أو آخرته ، فقد أعطاك وأحسن إليك لغرض نفسه ، ولو لم ير فيه نفعاً لنفسه لما نفعك فليس منعماً عليك ، بل المنعم مسخّر القلوب ومحبّبك
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ١٤٢.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ١٤٣ ، وفيه : « إلى أيّوب » و « من أوليائي ».
٣ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ١٤٣.
٤ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ١٤٣.
إليها ، تيسر(١) لك حينئذ شكره ، بل كانت هذه المعرفة بنفسها شكراً منك له كما في الخبر المشهور عن موسىعليهالسلام .(٢)
ومما ذكرنا يظهر أن هذا أزيد من التوحيد ، لأن معرفة كونه منعماً خاصة بجميع النعم وأن كل منعم مسخر تحت حكمه شيء وراء التقديس ، فينطوي فيها مضافاً إليه كمال القدرة والانفراد بالفعل والعناية بالعباد.
ولذا قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من قال سبحان الله فله عشر حسنات ، ومن قال لا إله إلا الله فله عشرون ، ومن قال الحمد الله فله ثلاثون ».(٣)
ولا تظن أنها بإزاء تحريك اللسان من غير انكشاف لمعانيها وشهود لحقائقها ، بل هي بإزاء المعارف التي هي من أبواب الإيمان اليقين.
وأما الحالة المستفادة منه وهي الفرح بالمنعم مع هيئة الخضوع وهي الشكر حقيقة ، وإن كانت أصل المعرفة أيضاً كذلك إلا أنها متوقفة على شرط هو كون الفرح بالمنعم دون النعمة والانعام ، فمن يفرح بأصل النعمة من حيث إنها لذيذة حاصلة له وموافقة لغرضه بعيد عن معنى الشكر لقصور نظره عليها وفرحه بها دون المنعم ، فلا يكون شاكراً للمنعم بل للنعمة.
ومن يفرح بها من حيث أنها عطية من المنعم دالة على عنايته به والتفاته إليه واستدلاله(٤) منه على الإنعام في المستقبل فهو شاكر للمنعم إلا أنه ليس شكراً له لذاته ، بل لعطائه ورجاء زيادة نعمائه وهو شكر الصلحاء الذين يعبدون الله طمعاً في ثوابه أو خوفاً من عقابه.
ومن يفرح بها للوصول بها إلى قرب المنعم وكونها وسيلة له إليه ووصلة للنزول في جواره والنظر إلى وجهه فهو الشاكر للمنعم حقيقة ، وهذه الرتبة العليا ، وعلامتها أن لايفرح من الدنيا إلا بما هو مزرعة للآخرة
__________________
١ ـ جواب « لو علمت أن جميع الأفعال ».
٢ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ١٤٦ ، ١٥١ ـ ١٥٢.
٣ ـ المحجة البيضاء : ٧ / ١٤٥.
٤ ـ كذا.
ويحزن عن كلّ نعمة ملهية له عن ذكر الله وصادّة له عن سبيله ، ولا يدرك هذه المرتبة من انحصرت لديه اللذّات في الحسيّات وخلا قلبه عن اللذّات العقلية ، فكم من فرق بين من يريد المنعم للنعمة وعكسه.
وأمّا الثمرة المترتّبة عليها من العمل فهي إما بالقلب بإضمار الخير للمسلمين أو باللسان بالاظهار بالألفاظ الدالّة عليه أو بالجوارح باستعمال نعم الله تعالى في طاعته والتوقّي من الاستعانة على معصيته ، فشكر العينين ستر كلّ عيب يراه من مسلم ، والسمع ستر كلّ عيب مسموع ، واللسان إظهار الرضا من الله وهكذا ، فالمراد من خلق الدنيا وأسبابها الاستعانة على الوصول إلى الله ولا وصول الا بالمحبّة له والانس به وبغض الدنيا والتجافي عن لذّاتها وعلائقها ، ولا انس الا بدوام الذكر ، ولا محبّة الا بالمعرفة الحاصلة من دوام الفكر ، ولا يمكن الذكر والفكر الا بواسطة البدن ولا بقاء له الا بالأرض والماء والهواء والنار ، ولايتمّ ذلك الا بخلق السماء والأرض وما بينهما وكلّ ذلك للبدن وهو مطيّة للنفس المطمئنّة الراجعة إلى الله فكلّ من استعمل شيئاً في غير طاعة الله فقد كفر بنعمة الله في جميع الأسباب التي لابدّ منها لإقدامه على تلك المعصية.
فإن قيل : كيف يتمّ الشكر على النعمة مع أنّه إنما يتمّ في حقّ منعم ذي حظّ من الشكر وهو محال في حقّه تعالى لتنزّهه من الحظوظ والأغراض ، ولأنّ جميع مانتعاطاه باختيارنا نعمة أخرى مضافة إلى نعمه ، إذ جوارحنا وقدرتنا واختيارنا وسائر أسباب حركاتنا من الله تعالى فكيف نشكر نعمته بنعمته؟
قلت : قد خطر هذا الخاطر لموسى وداودعليهالسلام وناجيا به ربّهما فأوحى إليهما : « إذا عرفت هذا المعنى فقد شكرتني ».(١)
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ١٥١ ـ ١٥٢.
وتوضيح ذلك على الوجه الذي يسكن إليه النفس هو أنّ الملك غذا بعد عبد من عبيده عنه فأرسل إليه زاداً ومركوباً وعدّة لوصوله إليه واشتغاله بخدمة عيّنها له فلا يخلو إمّا أن يكون قصده من ذلك قيامه ببعض مهامّه ، ويحصل له غنى بخدمته أو لايكون له حظّ من ذلك ، فلا يزيد حضوره في ملكه شيئاً كما لاينقص غيابه عنه ، بل قصده من ذلك الإنعام عليه واللطف بالنسبة إليه ليحظى بقربه وينال سعادة حضرته فيصل النفع إليه لا إلى نفسه ، والأوّل محال بالنسبة إليه تعالى ، وإنّما الثابت في حقّه الثانية وفي هذا القسم إنما يتصوّر الشكر باستعمال العبد ما أنفذه إليه الملك فيما أحبّه له لأجل نفسه ، والكفران إمّا بالتعطيل أو بالاستعمال فيما يزيد بعده عنه ، فإذا ركب المركوب وصرف الزاد والعدّة في طريق الوصول إليه فقد شكره أي استعمل نعمته فيما أحبّه لأجله وإن ركبه واستدبر عن حضرته أخذ طريق البعد عنه فقد كفر النعمة ، أي استعملها فيما كرهه له ، وإن جلس ولم يركب ولم يبعد ولم يقرب فقد عطّل نعمته وهو أيضاً كفران وإن كان أدون ممّا قبله ، فالخلق في بدو فطرتهم لمّا احتاجوا إلى استعمال الشهوات لتكميل أبدانهم بعدوا بذلك عن حضرته تعالى ، ولمّا كان سعادتهم بالقرب أعد لهم ما قدروا بها على نيل درجة القرب كما قال :
( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثمّ رددناه أسفل سافلين * الا الّذين آمنوا وعملوا الصالحات ) .(١)
والله تعالى لم يفعل لم يفعل ذلك الا لطفاً بهم وإرادة لنفعهم وسعادتهم ، فمن استعملها فيما أحبّه الله لهم فقد شكر لموافقة فعله لما أحبّه مولاه له ، ومن لم يستعملها فيه فقد كفر بفعله مالم يرض تعالى له ، فإنّ الله لايرضى لعباده الكفر ، فالطاعة والمعصية داخلان في المشيّة دون المحبّة والكراهة ، فربّ مشية محبوبة وربّ مشيّة مكروهة ، فقولك إنه لايصل إلى المشكور حظ اتّضح
__________________
١ ـ التين : ٤ ـ ٦.
جوابه ، وكذا كلامك الثاني فإنّ مرادنا من الشكر صرف نعمة الله في جهات محبّته ، فإذا تحقّق ذلك حصلالمراد وظهر سرّ الزيادة المترتّبة على الشكر أيضاً ، إذ النعمة الحقيقية هي القرب فإذا صرف العبد الزاد والركوب في طريق الوصول إلى المولى فقد قرب ، وبقطع كلّ منزل من المنازل يزداد القرب وهو واضح.
ثمّ إن كان صرف النعمة فيما أحبّه الله محمولاً على ظاهرة من استناد الأفعال إلى العباد ، فنسبة الشكر إلى العبد واضحة ، وإن نظر إلى خلق الآلات والأسباب من الله تعالى فتكون الأفعال كلّها من الله بناء على معنى التوحيد الفعلي المتقدّم إليه الإشارة كان معنى شاكريّة العبد كونه محلاً للشكر وقابلاً له كما هو معنى علمه وقدرته وسائر صفاته فافهم.
وممّا ذكر ظهر جواب آخر بناء على نظر التوحيد الفعلي ، فإنّه الشكر حينئذ حقيقة كما أنّه المشكور ، فإنّ من عرف أن ليس في الوجود غيره وأنّ( كلّ شيء هالك الا وجهه ) (١) إذ الغير ما كان قوامه بنفسه وهو محال ، إذ كلّ ما في الوجود سواه تعالى فهو موجود قائم بالغير ولو لم يعتبر الغير ولم يلتفت إليه بل إلى ذاته بذاته لم يكن له قوام ولا وجود بالمرّة ، والموجود حقيقة مالو فرض عدم غيره كان موجوداً بنفسه وهو القائم بنفسه ، فإذا كان قوام كل شيء به أيضاً كان قيّوماً والقيّوم واحد لاتعدّد له( الله لا إله الا هو الحيّ القيّوم ) (٢) فهو مصدر كلّ الأشياء ومرجعها ، فيكون(٣) هوالمحبّ والمحبوب والشاكر والمشكور.
روي أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لمّا قرأ( نعم العبد إنّه أوّاب ) (٤) قال : « واعجباه
__________________
١ ـ القصص : ٨٨.
٢ ـ البقرة : ٢٥٥.
٣ ـ هذا دالّ على خبر إنّ المذكورة آنفاً.
٤ ـ ص : ٣٠.
أعطى وأثنى ».(١)
قيل : فيه إشارة إلى أنّ ثناءه على إعطائه ثناء على نفسه.
وقيل في قوله تعالى :( يحبّهم ويحبّونه ) يحبّهم لأنّه لايحبّ الا نفسه ، فإن الصنع إذا أحب صنعه فقد أحب نفسه والوالد إذا أحب ولده فقد أحب نفسه ، وكل ما سوى الله فهو صنيعه فإن أحبّه فما أحبّ الا نفسه ، والتوحيد بهذا المعنى هو الذي يعبّر عنه بقناء النفس أي استغرق في جلال الله وصفات كبريائه فلا يرى في الكون الا وجوده وآثار وجوده من حيث إنّها آثار وجوده « ياكائناً قبل كلّ شيء ويا كائناً بعد كلّ شيء ، ويا مكّون كلّ شيء »(٢) وهذه المرتبة لايدركها أكثر الناس ، بل يخصّ بها الصدّيقون.
قيل : لمّا نزل قوله تعالى :( واسجد واقترب ) (٣) قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في سجوده : « أعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ».(٤)
فأوّل مقاماتهصلىاللهعليهوآلهوسلم آخر مقامات الكمّل وهو التوحيد الفعلي أي مشاهدة الأفعال طرّاً من الله تعالى.
ثمّ ترقّى إلى التوحيد الوصفي أعني المعاني الكلّية للأفعال وهي الصفات ، ثم رآه نقصاً بالنظر إلى التوحيد الذاتي وهو مشاهدة الذات من غير ملاحظة صفة أو فعل ، ثم لاحظ كونه فارّاً منه إليه وهو مستلزم لإثبات نفسه وملاحظتها فوجده نقصاً لحقّه ، ففنى عنها فقال : « أنت كما أثنيت على نفسك » فانظر إلى ماوصل إليه في درجات القرب ، ولمّا كان كلّ درجة عنده
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ١٥٣ ونسبة فيه إلى رجل مسمّى بحبيب بن أبي حبيب لا إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم . وكذا في الاحيا : ٤ / ٨٦.
٢ ـ بحار الأنوار : ٩٥ / ٢٢٥ ، باب الأدعية والأحراز لدفع كيد الأعداء ، ح ٢٣.
٣ ـ العلق : ١٩.
٤ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ١٥٥.
نقصاً بالنظر إلى مافوقه قال : « وإنّه ليغان على قلبي حتّى أستغفر الله في كلّ يوم سبعين مرّة ».(١)
فإنّ مقامات أهل السلوك تصل إلى هذا المقدار بل تزيد في طرف البداية ، فإنّ هذه مقامات النبي في حال نبوتّه وللوصول إليها مقامات غير محصورة ، وقد عرفت أنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين والاستغفار منها لازم للعارف بكونها نقصاً وسيّئة.
لابدّ للسالك الشاكر من معرفة ما يحبّه الله عمّا يكرهه حتّى يمكنه الصرف في الأوّل دون الثاني ، ومدرك هذه المعرفة إما الشرع حيث كشف عن جميع ذلك وعبّر عن الأوّل بالواجبات والمستحبّات ، وعن الثاني بالمحرّمات والمكروهات ، فمعرفة ذلك موقوفة على معرفة الأحكام بأسرها وإلّأ لم يمكنه القيام بحقّ الشكر ، وإمّا العقل لتمكّنه من إدراك بعض وجوه الحكم في الموجودات ، إذ ما من شيء في عالم الوجود الا يترتّب على وجود حكم كثيرة تحتها مقاصد ومصالح محبوبة لله ، فمن استعمله على الوجه المؤدّي إلى المقاصد المطلوبة فقد شكر نعمته تعالى والا فقد كفربها ، وتلك الحكم إمّا جليّة كحكمة حصول الليل والنهار في وجود الشمس وحكمة انشقاق الأرض بأنواع النبات في وجود الغيم ونزول المطر والإبصار في العين والبطش في اليد وحصول الأولاد وبقاء النسل في آلات التناسل ونحوها ، أو خفيّة كحكم الكواكب السيّارة والثابتة واختصاص كلّ منها بوضع خاصّ وقدر معيّن وحكمة آحاد العروق والأعصاب والعضلات وما فيها من التجاويف والالتفات والدقّة والغلظ والانحراف وغيرها حيث لايعرفها كلّ أحد والعارف لايعرف منه الا اليسير من الحكم المتوسّطة التي يعرفها المتفكّرون في خلق السماوات والأرض وأكثر الحكم الدقيقة لايعرفها
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ١٧ ، مع اختلاف.
الا خالقها ، سيّما المجرّدات والروحانيات.
ثمّ ماعدا الانسان مستعمل ذواتها وأجزاءها وما يتعلّق بها على الوجه الذي هو مقتضى المصلحة المقصودة منها والإنسان لكونه محلّ الاختيار قد يستعمل ما بيده استعماله على ذلك الوجه أيضاً فيسمّى شاكراً ، وقد يستعمله على خلافه فيكون كافراً ، فضرب الغي باليد كفران بنعمة اليد ، فإنّ خلقها لأخذ ما ينفعه ودفع ما يؤذيه لا إيذاء الغير وإهلاكه.
وكذا النظر إلى غير المحرم كفران بنعمة العين وادّخار النقدين كفران لنعمة الله فيهما لكونهما حجرين لا غرض في أعيانهما ، بل القصد كونهما حكمين يحصل بهما التعديل والتقدير بين الأعمال والأموال المتباينة المتباعدة فنسبتهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة ، ولذا يكون المالك لهما كأنّه مالك كلّ شيء بخلاف مالك الطعام والثوب مثلاً ، واستواء نسبة الشيء إلى المختلفات إنّما يكون مع فقد صورة خاصّة مقيّدة لها بخصوصها كالمرآة لا لون لها وتحكي عن كلّ لون ، والحرف لا معنى له في نفسه ، وتظهر به المعاني فكذا النقدان لاغرض في أعيانهما ، بل التحكيم بين الأموال ومعرفة المقادير المختلفة وتقويم الأشياء المتباينة والتوصّل بهما إلى سائر الأموال ، فلابدّ من إطلاقهما ليتداولهما الأيدي ويحصل المقصود منهما فادّخارهما وحبسهما إبطال للحكمة وكفر للنعمة وحبس لحاكم أهل الاسلام في سجن الظلمة اللئام.
ومنه يظهر أنّ من اتّخذ الأواني منهما أو عامل فيهما معاملة الربا فقد كفر النعمة وأبطل الحكمة أيضاً لما عرفت من أنّه لا غرض في أعيانهما للشارع فالمتّجر فيها قد اتّخذها مقصوده لأنفسها على خلاف وضع الحكمة ، وكذا حكمة الطعام إغتذاء الناس به ، ولذا ورد المنع عن الاحتكار ، وكذا الربا فيها لأنّه صرف للحكمة المقصودة فيها ، وقس على ذلك جميع الأفعال ، فلايخلو فعل عن شكر أو كفران ، ولا يتصوّر انفكاكه عنهما فخلق
اليمين مثلاً أقوى من اليسار ، واستحقّ بذلك الفضيلة عليه فتفضيل الناقص عليه عدول عن الحكمة المقصودة ، بل لابدّ من تخصيصه بالأفعال الشريفة وصرف الأضعف إلى الأعمال الخسيسة ، وكذا استقبال القبلة بالبول كفران للنعمة في خلق الجهات ، إذ خلق الجهات متّسعة متعدّدة وشرّف بعضها بوضع بيته فيها ، فالعدل استقباله الشريفة كالصلاة والذكر والاغتسال والوضوء وأمثالها دون الخسيسة كقضاء الحاجة ، وكذا كسر الغصن من شجرة ظلم وكفر بنعمة اليد إذ لم يخلقها للعبث ، والشجر إذ خلقه بعروقه وساق إليه الماء وأعطاه قوّة الاغتذاء والانتماء ليبلغ منتهى نشوه فينتفع به عباده ، فكسره قبله لا على وجه الانتفاع مخالفة لمقصود الحكمة ، نعم إذا كان فيه غرض صحيح جاز إذ الشجر والحيوان جعلا فداء للانسان ، فإنّها جميعاً فانية ، فإفناء الأخسّ في بقاء الأشرف ولو مدّة ما أقرب إلى العدل من تضييعهما معاً.
ثمّ هذه الأفعال المتّصفة بالكفران قد يوجب نقصان القرب وانحطاط المنزلة ، وقد يوجب البعد بالمرّة ، ويعبّر عن الأوّل بالكراهة في لسان أهل الشرع ، والثاني بالحرمة ، ولكلّ منهما درجات مختلفة ، الا أنّها في لسان أهل القلوب متّصفة بالحضر مطلقاً ولا يسامحون في شيء منهما أبداً.
النعمة عبارة عن كلّ خير ولذّة وسعادة ، بل كلّ مطلوب ، وهو إمّا لذاته ويختصّ بالآخرة وهو النظر إلى وجه الله وسعادة لقائه وسائر لذّات الجنّة من البقاء الذي لافناء له ، والسرور الذي لاغمّ فيه ، والعلم الذي لا جهل فيه ، والغني الذي لا فقر بعده ، فإنّها لاتطلب لغاية مقصودة وراءها فهي النعمة الحقيقية واللذّة الواقعية. ولذا قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا عيش الا عيش الآخرة ».(١)
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ١٨٢.
أو لغيره ولايخلو عن أربعة :
أوّلها الأقرب الأخص : الفضائل النفسانية ، وهي الأربعة المذكورة في هذا الكتاب ، ويحمعها الإيمان وحسن الخلق ويدخل في الأوّل العلم بالله ورسله وصفاته وأفعاله ، وعلم المعاملة ، أي ما به يحصل التوسّط في الأخلاق وكمال النفس في قوّته العمليّة ، وفي الثاني ترك مقتضيات الشهوة والغضب ومراعاة الاعتدال فيها ، ولايتمّ هذه الأربعة غالباً الا بثانيها أعني الفضائل البدنية وهي أيضاً أربعة : الصّحة والجمال والقوّة وطول العمر.
ولايتهيّأ هذه الأربعة الا بثالثها ، أي النعم الخارجة المطيفة بالبدن وهي أيضاً أربعة : المال والأهل والجاه وكرم العشيرة ، ولا ينتفع بشيء منها الا برابعها ، أي الأسباب التي تجمع بينها وبين ما يناسب الفضائل النفسية الداخلة ، وهي أيضاً أربعة : هداية الله ورشده وتأييده وتسديده ، فحاجة السعادة الأخروية إلى الأربعة الأولى ضررورية(١) واضحة ، إذ لا سبيل إليها الا بها ، وليس لأحد في الآخرة الا ماتزوّد من الدنيا وكذا حاجة الثانية إلى صحّة البدن ، وحاجتها مع صحّة البدن إلى المال والجاه والأهل والأولاد نافعة إجمالاً إذ بفقدها ربّما تطرّق الخلل إليها وذلك لجريانها مجرى الجناح المبلّغ ولا آلة المسهّلة للمقصود.
فطالب العلم والكمال بدون كفاية كالساعي إلى الهيجاء من غير سلاح.
ولذا قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « نعم العون على تقوى الله المال »(٢) كيف ومن عدمه صار مستغرق الأوقات في تهيئة أسباب معيشته وضروريّاتها والتعرّض لأنواع الهموم والغموم والأذيّات المانعة عن الفكر والذكر.
__________________
١ ـ قال في المحجّة البيضاء : (٧ / ١٨٣) نقلاً عن أبي حامد : وهذه الجملة (أي مجموع هذه النعم) يحتاج البعض منها إلى البعض إمّا حاجة ضروريّة أو نافعة.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ١٨٣.
هذا ، مضافاً إلى حرمانه عن فضائل الحجّ الزكاة والصدقات وإفاضة الخيرات والمبّرات والبركات ، وكذا المرأة الصالحة والولد الصالح.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « نعم العون على الدين المرأة الصالحة ».(١)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إذا مات الرجل انقطع عمله الا من ثلاث : ولد صالح يدعو له ».(٢)
وقد أشرنا إلى فوائد النكاح مجملاً في فضيلة العفّة ، وأمّا الأقارب فإنّهم بمنزلة الأعين والأيدي له فتيسّر بهم من الأمور المهمّة مالو انفرد بها طال شغله.
وأمّا العزّ والجاه فبهما يندفع الذلّ والضيم ، ولا يستغني عن ذلك مسلم ، إذ لاينفكّ عن عدوّ يؤذيه وظالم يشوّش عليه شغله ويشغل به قلبه الذي هو رأس ماله والجاه ملك القلوب كما عرفت ، وبه يندفع الذئب عن ماشيته ، والشرّ عن نفسه ، وقصد الأنيباء والعلماء السلف في مراعاة السلاطين والتردّد إليهم وطلب الجاه عندهم إنّما هو ذلك لاتناول حطامهم الاستكبار على الخلق بسببهم ، ولقد منّ الله على نبيّه بذلك في مواضع كثيرة ، وشرف الأهل والعشيرة أيضاً من النعم ، ولذا ورد أنّ الأئمّةعليهمالسلام من قريش.(٣) وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « تخيّروا لنطفكم ».(٤) ونهىصلىاللهعليهوآلهوسلم عن خضراء الدمن.(٥)
ولا أقصد منه الانتساب إلى أرباب الدنيا ، بل إلى شجرة النبوّة والعلماء الصالحين.
وأمّا الفضائل البدنيّة فواضح عدم تماميّة العلم والعمل الا بها ، ولذا
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ١٨٤.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ١٨٤ ، مع اختلاف.
٣ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ١٨٥.
٤ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ١٨٥.
٥ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ١٨٥.
ورد الدعاء بطول العمر والصحّة والقوّة جميعاً في الأدعية المأثورة.
فإن قلت : هذا واضح فيما سوى الجمال فأيّ فائدة فيه؟
قلت : أمّا نفعه في الدنيا فظاهر ، وأمّا في الآخرة فلنفرة الطباع عن القبيح وقرب حاجة الجميل إلى الاجابة واتّساع محلّه في الصدور ، فكأنّه نوع قدرة على تنجّز الحاجات الغير المقدورة للقبيح فهو جناح مبلّغ كالمال ، وربّما دلّ على فضيلة النفس لأنّ نور النفس إذا تمّ إشراقه تأدّى إلى البدن ، ولذا عوّل أصحاب الفراسة في معرفة مكارمها على هيئة البدن وقالوا : الوجه والعين مرآة الباطن ، ولذا يظهر فيه أثر السرور والهمّ والغمّ.
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « اطلبوا الخير عند حسان الوجوه ».(١)
وأفتى الفقهاء في صورة تساوي المصلّين في الصفات المعتبرة بتقدم الأحسن وجهاً ولا أقصد من الجمال المحرّك للشهوة فإنّه أنوثة ، بل ارتفاع القامة على الاستقامة مع الاعتدال في اللحم وتناسب الأعضاء وموافقة خلقة الوجه بحيث لاينبو الطباع عن النظر إليه.
فإن قلت : ما ذكرته من كون المال والجاه من النعم ينافي ماتواتر من ذمّهما وذمّ حبّهما.
قلت : تقدّم التفصيل في ذلك وأنّهما كحيّة فيها سمّ وترياق ، ولهما غوائل ومنافع ، وإنّما هما من النعم لمن عرف الوجهين وأخذ منهما ما ينتفع به لآخرته ، وأمّا من أخذهما من غير معرفة صار ذلك باعثاً للهلاكة فلا يكونان حينئذ من النعم ، ولذا ورد المدح أيضاً وإن كان الذمّ أكثر ، فإنّ غير العارف أكثر من العارف.
وأمّا الأربعة الأخيرة الراجعة إلى الهداية والتوفيق ، فلا يستغني عنها أحد ، إذ التوفيق عبارة عن الاجتماع والمطابقة بين إرادة العبد وقضاء الله تعالى وقدره فيشمل الخير والشرّ والسعادة والشقاوة ، فما يوافق السعادة من
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ١٨٦.
جملة قضاء الله وقدره يسمّى توفيقاً ، ولا سبيل لأحد إلى طلب السعادة الا بهداية الله فإنّ مجرّد الميل إلى مافيه الصلاح لايكفي الا بعد العلم به والا فربما يظنّ الفساد صلاحاً فلا فائدة في الارادة والقدرة وسائر الأسباب الا بعد الهداية.
ولذا قال تعالى :( ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكنّ الله يزكّي من يشاء ) .(١)
وللهداية ثلاثة منازل :
أوّلها : معرفة طرق الخير والشرّ ، وقد أنعم الله به على كافّة العباد تارة بالعقل وتارة بالرسل.
( وهديناه النجدين ) .(٢)
( وأمّا ثمود فهديناهم فاستحبّوا العمى على الهدى ) .(٣)
ومن جملة أسباب العمى الحسد والكبر وحبّ الدنيا والإلف والعادة ، وغير ذلك من الأسباب.
ثم الهداية الحاصلة بالمجاهدة مرّة بعد أخرى.
( والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا ) .(٤)
( والّذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ) .(٥)
ثم النور المشرق في عالم النبوّة والولاية بعد كمال المجاهدة فيهتدى به إلى ما لايمكن بالتعلّم والتعليم والعقل الذي به مناط التكليف. وهذا ممّا شرّفه الله بالإضافة إلى نفسه :
__________________
١ ـ النور : ٢١.
٢ ـ البلد : ١٠.
٣ ـ فصّلت : ١٧.
٤ ـ العنكبوت : ٦٩.
٥ ـ محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم : ١٧.
( قل إنّ هدى الله هو الهدى ) .(١)
( أو من كان ميتاً فاحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس ) .(٢)
( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربّه ) .(٣)
وأمّا الرشد فهو العناية الالهية التي يعين الانسان على التوجّه إلى المقصد ويقوبّه على مافيه صلاحه وينفّره عمّا في فساه ويكون ذلك من الباطن.( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل ) .(٤)
فهو عبارة عن الهداية الباعثة إلى جهة السعادة ، المحرّكة إليها ، فكم من شخص يقدم على مايعلم أنّه يضرّه ، فقد أعطي الهداية لكنّها قاصرة عن تحريك داعيته فهو أكمل من مطلق الهداية ، ومن أعظم النعم الالهيّة.
وأمّا التسديد فهو توجيه الحركات إلى صوب المطلوب وتيسيرها عليه في أسرع زمان ، فالهداية محض التعريف والرشد تنبيه الداعية للتحريك والتسديد إعانته ونصرته بتحريك الأعضاء في صوت الصواب وكأنّ التأييد يجمع الكلّ فهو عبارة عن تقوية الأمر بالبصيرة من الباطن ومساعدة الأسباب من الخارج. ويقرب منه العصمة ، وهي جود إلهي يسنح في الباطن يقوى به الإنسان على تحرّي الخير وتجنّب الشر حتى يصير كمانع من باطنه غير محسوس ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :( ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه ) .(٥)
فهذه هي مجامع وهي ستّة عشر(٦) ، وهي تستدعي أسباباً
__________________
١ ـ البقرة : ١٢٠.
٢ ـ الأنعام : ١٢٢.
٣ ـ الزمر : ٢٢.
٤ ـ الأنبياء : ٥١.
٥ ـ يوسف : ٢٤.
٦ ـ كذا ، والصحيح : ستّ عشرة ، نعم في الإحياء كما في المتن ولكن تمييزه هنالك أسباب وهاهنا مجامع النعم.
وأسبابها أسباباً إلى أن ينتهي إلى دليل النتحيّرين ربّ الأرباب ومسبّب الأسباب.
إذا قد عرفت مجامع النعم وأنّ ممّا وقع منها في المرتبة الأخيرة صحّة البدن فاعلم أنّ هذه الواحدة لو أريد استقصاء الأسباب التي بها تمّت الإنعام والتنعّم بها لم يقدر عليه ولكن الأكل من أحد أسبابها وله أسباب لا تحصى ، وقد ذكر بعضهم بعضاً من أسبابه تنبيهاً للغافلين ، وتصديقاً قلبياً لقوله تعالى :( وإن تعدّوا نعمة الله لاتحصوها ) .(١)
ولنشر إلى بعض ما ذكروه اقتداء بالمشايخ الأطياب وتعميماً لنفع الكتاب في عدّة تنبيهات :
الأوّل(٢) : يتوقّف الأكل على إدراك المأكول رؤية ولمساً وشمّاً وذوقاً لعدم التمكّن من التمييز والطلب ودرك بعض الأوصاف اللازمة في الأكل وتشخيص الطيّب عن الخبيث وموافقته للطبع أو مخالفته الا به فيتوقّف على خلق الحواسّ الظاهرة المتوقّفة على أسباب غير متناهية لايمكن حصرها ، ثمّ على إدراك كون ماذاقه أوّلاً مخالفاً لطبعه أو موافقاً له ثانياً من دون ذوق جديد ، فإنّ الذوق مدرك المرارة دون اللون والبصر مدرك الثاني دون الأوّل فلابدّ من حاكم يجتمع عنده اللون والطعم ، حتّى إذا رأى أحدهما حكم بالآخر حتى يمتنع من تناوله ثانياً وهو الحسّ المشترك الثابت لكلّ حيوان ، ولايمتاز الانسان عن غيره الا بتمييز مابه يصلح عاقبة أمره عمّا به تفسد من ضرر المطاعم ونفعها وكيفيّة طبخها وتركيبها وإعداد أسبابها بقوّة مختصّة به ، أي العقل وهو أخسّ فوائده وحكمه ، فإنّها أكثر من أن تحصى وأعظمها
__________________
١ ـ النحل : ١٨.
٢ ـ كما في « ب » ، وفي « ج » : الأولى وكذا الثانية والثالثة و نعم استظهر كاتب « ج » أن الصحيح : الأوّل ، فشطب على « الأولى » وكتب « الأوّل » واضعاً علامة « ظ » فوقه.
معرفة الله وصفاته وأفعاله ، فهو بمنزلة السلطان وسائر الحواسّ والقوى كلجواسيس والموكّلين بنواحي المملكة ، كلّ موكّل بأمر خاصّ ، إمّا اللون أو الصوت أو الرائحة أو غيرهما ، وينفذ بلك بهم ما أدركه إلى الحس المشترك القائم في مقدّم الدماغ كالكاتب وصاحب القصص على باب السلطان فيسلّمها إليه مختومة فيطالعها ويطّلع على أسرار المملكة ويحكم يفها بأمور عجيبة لايمكن حصرها وليس دركها في مقدرة البشر ، ويحرّك الجنود أي الأعضاء بحسب أحكامه المختلفة في الطلب ، وله أسباب لايحصرها الا الله.
الثاني : ثمّ الادرك لايكفي بدون الميل والشهوة كالمريض يرى الطعام ويدرك ولا يتناوله فيتوقّف بعد الادراك على ميل إلى الموافق يسمّى شهوة ، وبعد عن المخالف يسمّى نفرة وكراهة ، فخلق الله الشهوة وسلّطها على الانسان حتى اضطّر بها إلى التناول ، ثم لو لم تسكن بعد أخذ مقدار الحاجة لأهلكته فخلق الكراهة بعد الشبع ليترك الأكل ولا يصير كالزرع الذي يجتذب الماء دائماً ، إذا انصبّ في أسافله إلى أن يفسد ، ولذلك يحتاج إلى من يحرسه عن الزيادة والنقيصة ، ثم مجرّد الشهوة لايكفي مالم ينبعث داعيها إلى التناول ، فخلق الارادة أي انبعاث النفس إلى التناول ، واحتاج إلى قوّة الغضب أيضاً في دفع الموذي والمخالف ، ومن يريد أخذ ما يحتاج إليه من الغذاء.
ثم لكلّ من الشهوة والغضب والكراهة أسباب لاتحصى. ثم لاتفيد الإرادة بدون الطلب والأخذ في الفعل بالآلات ، فكم من مشيّة مريد لايتمكّن منه لفقد الآلة كفقد اليد أو فلج الرجل مثلاً فلابدّ من الآلات والقدرة فيها لتكون حركتها بمقتضى الارادة طلباً ، فخلق الآلات للطلب كالرجل للانسان والقوائم للدوابّ والجناح للطير وللدفع عن الموانع والموذيات كالقرن والأنياب للحيوانات والأسلحة للانسان ، ولكلّ منها
أسباب لايمكن حصرها.
الثالث : ومن عمدة ما يتوقّف عليه الأغذية والأطعمة المأكولة ولله في خلقها عجائب غير محصورة وأسباب غير متناهية وهي من الكثرة بحيث لايمكن حصرها فضلاً عن ذكر عجائبها وأسبابها ، فنذكر بعضاً من عجائب حبّ الحنطة وأسبابها وحكمها ، فإنّه تعالى خلق فيها من القوى ما تغتذي به كما في الانسان ، حيث يتوقّف اغتذاء النبات على أرض فيها ماء ، ولابدّ من أن يكون الأرض ورخوة متخلخلة بتخليل(١) الهواء إليها ، فلو تركت في أرض صلبة متراكمة لم تنبت لفقد الهواء ، ثم الهواء لايتحرّك إليها بنفسه ، فلابدّ من حصول أسباب الريح حتى يحرّكه ويقرّبه ويبعّده بقهر وعنف.
وقوله تعالى :( وأرسلنا الرياح لواقح ) (٢) إشارة إلى لقاحها الذي هو عبارة عن الزدواج بين الهوء والماء والأرض ، ثم لايكفي في الإنبات البرد المفرط بل يحتاج إلى حرارة الصيف والربيع ، فهذه أربعة أسباب ، إذ لابدّ من انسياق الماء إلى أرض الزرع من البحار والعيون والشطوط والأنهار والسواقي ، وربّما كانت الأرض مرتفعة لايرتفع إليها الماء من العيون ونحوها ، فأرسل السحب الثقال الحوامل بالماء وسلّط عليها الرياح ليسوقها إلى أقطار العالم ويرسلها مداراراً على الأراضي في الخريف والربيع على حسب الحاجة ، وخلق الجبال حافظة للمياه ويتفجّر منها العيون تدريجاً على حسبها فلو خرجت دفعة غرقت البلاد وهلكت الزروع والمواشي ، ونعم الله وعجائب صنعه في السحاب والجبال والبحار والأمطار لايمكن إحصاؤها.
وأمّا الحرارة فلا يمكن حصولها بنفسها في الماء والأرض لكون طبعهما باردين فخلق الله الشمس وسخّرها وجعلها مع بعدها عن الأرض مسخّنة لها في وقت دون وقت ليحصل الحرّ عند الحاجة إليه والبرد كذلك ، وهذه
__________________
١ ـ كذا في « ج » و « ب » ، وفي « الف » والمحجّة (٧ / ٢٠٥) : يتغلغل.
٢ ـ الحجر : ٢٢.
أخسّ حكم الشمس ولها حكم عظيمة عجيبة أكثر من أن تحصى. ثم مع ارتفاع النبات إلى الأرض يحصل في الفواكه انعقاد وصلابة فيحتاج إلى رطوبة ينضجها ، فخلق الله القمر وجعل من خاصيته الترطيب كما يظهر لك إذا كشفت رأسك باليل فإنّه يغلب عليك الزكام ، فهو بترطيبه ينضج الفواكه ويرطّبها ويصبغها بتقدير الخالق الحكيم ، وهذا أيضاً من أخسّ فوائد القمر ، فإنّ له حكماً لامطمع في استقصائها ، بل كلّ كوكب في السماء مسخّر لفوائد كثيرة لاتفي القوى البشرية بإحصائها ، بل كلّ ما في عالم الكون من ملكوت المساوات والأرضين والآفاق والأنفس والحيوانات والنباتات مشتملة على عجائب صنع الله ، وأرباب القلوب لاينظرون إلى شيء منها الا من حيث كونها من آثار قدرته ويتفكّرون في عجائبها ويبتهجون من ظهور حكمها لهم كما أنّ من أحبّ عالماً لم يزل يشتغل بمطالعة تصانيفه فالعالم كلّه من تصنيفه تعالى حتّى تصانيف المصنّفين أيضاً.
الرابع : ثم ما ينبت من الأرض والنبات وما يحصل من الحيوانات لايمكن أكلها كذلك ، بل لابدّ من إصلاحه بطبخ وتركيب وتنظيف بإلقاء بعضه وإبقاء بعضه وغير ذلك من الأعمال ، وكلّ طعام يحتاج إصلاحه إلى أمور كثيرة لايمكن استقصاؤها ، ونقتصر منه على ذكر بعض ما يحتاج إليه الرغيف ، فأوّل ما يحتاج إليه الأرض ثم البذر الثور الذي يثير الأرض مع آلاته كالفدان وغير ذلك ثم تنقية الأرض من الحشائش والتعهّد لسقي الماء إلى أن يعقد الحبّ ويبدو صلاحه ثم الحصاد ثم الفرك ثم التنقية والتصفية ثم الطحن والعجن والخبز ، فاستحضر هذه الأفعال وغيرها ممّا لم نذكره ثم عدد الأشخاص القائمين بها وعدد الآلات التي يحتاج إليها من الحديد والخشب والحجر وغيرها.
وانظر إلى أعمال الصنّاع في إصلاح آلات الحراثة والتصفية والطحن والخبز واحتياج كلّ منها إلى آلات كثيرة ، وانظر كيف ألّف الله سبحانه بين
قلوب هؤلاء الصنّاع المصلحين وسلّط عليهم الانس والمحبّة حتى ائتلفوا واجتمعوا وبنوا المدن ورتّبوا المساكن والدور متقاربة متجاورة والدكاكين والخانات وسائر البقاع ، ولو تفرّقت آراؤهم وتنفّرت طباعهم تنافر طباع الوحوش لتبدّدوا وتباعدوا ولم ينتفع بعضهم من بعض ، ولمّا كان في جبلّة الانسان الحسد والعداوة والبغضاء والشهوات المختلفة الباعثة للانحراف عن الحقّ ، فربما زالت المحبّة وأدّى إلى التنافر والمعاداة والمقائلة بعث الله الأنبياء بقوانين السياسات ليرجعوا إليها عنها التنازع وبعث العلماء لحفظ تلك الشرائع والعلم بها وبعث السلاطين ليقيموا الناس عليها قهراً إذا لم يرضوا بها وألقى في قلوبه الرغبة إلى نظام أمور الرعية بتعيين الحكّام والقضاة والشحن وضبط الأسواق وقهر الناس على قانون الشريعة وألزموهم التعاون والتآلف ومنعوهم عن التفرّق والتباغض ، فإصلاح الرعايا بالسلاطين وإصلاح السلاطين بالعلماء وإصلاح العلماء بالأنبياء وإصلاح الكلّ بالحضرة الربوبية التي هي ينبوع كلّ نظام ومطلع كلّ حسن وجمال ومنشأ كل ترتيب وتأليف.
الخامس : ثم جميع الأطعمة لمّا لم يكن وجودها في كلّ مكان إذ لكلّ واحد منها شروطاً مخصوصة لعلّها لاتوجد في بعض الأماكن والناس منتشرون في الأرض ، فربما يبعد عن بعضهم ما يحتاجون إليه منها بحيث يحول بينهم وبينها البراري والقفاز والبحار سخّر الله التجّار وسلّط عليهم حرص المال وشره الربح حتى التزموا الأخطار في قطع المفاوز وركوب البحار وحمل لأطعمة وغيرها من الشرق إلى الغرب وبالعكس ، فانظر كيف علّمهم صنعة السفن وكيفية الركوب عليها وكيف خلق الحيوانات وسخّرها للحمل والركوب في البراري من الجمال ، وكيف خلق الحيوانات وسخرها للحمل والركوب في البراري من الجمال ، وكيف قطعها للمنازل تحت الأعباء الثقيلة ، وصبرها على الجوع والعطش ، وإلى الحمار وصبره على التعب.
وانظر إلى ما خلق الله ممّا يحتاج إليه السفن والحيوانات من الأسباب والغذاء بما لايمكن تحديده ووصفه.
السادس : ثم مجرّد وجود الغذاء وإصلاحه لايكفي ولا يفيد مالم يؤكل ويصر جزء للبدن وهو موقوف على أعمال كثيرة محتاجة إلى أسباب كثيرة من الطحن والجذب والهضم المعدي والكبدي وغير ذلك من الأسباب الغير المحصورة ، فللملائكة أصناف وطبقات غير محصورة( وما يعلم جنود ربّك الا هو ) (١) فمنهم طبقات الملائكة الأرضية والسماوية وحملة العرش العظيم ، ومنهم المسلمون والمهيمنون وكلّ صنع من صنائعه تعالى في الأرض والسماء لايخلو عن ملك أو ملائكة موكّلين به ، ونحن نشير إلى بعض الملائكة الموكّلين بأكلك ، فإنّ كلّ جزء من أجزاء بدنك لايغتذي إلأ بسبعة من الملائكة هم أقل الأعداد إلى عشرة إلى مائة إلى أكثر من ذلك ، فإنّ معنى الاغتذاء أن يقوم جزء من الغذاء مقام جزء تلف من بدنك وهو موقوف على ملكات وتغيّرات واستحالات الغذاء حين يصير جزو للبدن كالجذب والهضم وصيرورته لحماً وعظماً ، ومعلوم أنّ الغذاء واللحم والدم أجسام ليس لها قدرة ومعرفة واختيار حتّى يتحرّك ويتغيّر بأنفسها ، ومجرّد الطبع لايكفي في تردّدها في أطوارها ، كما أنّ البرّ لايصير بنفسه طحيناً وعجيناً وخبزاً الا بصنّاع ، والصنّاع في الباطن هم الملائكة كما أنّ صنّاع الظاهر هم أهل البلد فالغذاء بعد وضعه في الفم إلى أن أن يصير جزء للبدن يتوقّف على عمل سبعة من الملائكة : ملك يجذب الدم إلى جوار اللحم أو العظم ، إذ لا يتحرّك بنفسه ، وملك يمسك الغذاء في جواره ، وثالث يخلع عنه صورة الدم ، ورابع يكسوه صورة اللحم والعظم والعرق ، وخامس يدفع الفضل الزائد من الحاجة ، وسادس يلصق ما اكتسب صفة
__________________
١ ـ المدّثّر : ٣١.
اللحم باللحم والعظم والعرق بالعرق حتّى لايكون مفصّلاً ، وسابع يرعى المقادير في الإلصاق فيلحق بالمستدير على ما لايبطل استدارته وبالعريض على مالأيزيل عرضه وبالمجوّف على ما لايبطل تجويفه وهكذا ، ويراعى في الإلصاق لكلّ عضو مايليق به ، فلو جمع للأنف مايليق بفخذه لكبر أنفه وبطل تجويفه وتشوّهت صورته ، بل يسوق إلى الأجفان مع دقّتها وإلى الأفخاذ مع غلظتها وإلى الحدقة مع صفائها والعظم مع صلابته مايليق بكلّ منها قدراً وشكلاً ويراعي العدل في القسمة والتقسيط حتّى لاتبطل الصورة ولا تشوّه الخلقة فمراعاة هذه الهندسة مفوّضة إلى ملك.
وإيّاك أن تظنّ أنّه موكول إلى الطبع ، فإنّ المراد بالطبع إن كان قوّة عديمة الشعور والإدراك فهو أدلّ على قدرة الله وحكمته ، إذ مالا شعور له في نفسه لايمكنه أن يفعل فعلاً ما ، فضلاً عن أن يفعل أفعالاً متقنة محكمة مشتملة على الحكم الدقيقة فيكون هذه شروطاً ناقصة لإيجاد الله تعالى هذه الأفعال بلا واسطة أو بواسطة عدد هذه شروطاً ناقصة لإيجاد الله تعالى هذه الأفعال بلا واسطة أو بواسطة عدد هذه القوى من الملائكة.
وعلى أيّ حال لابدّ من سبعة أشخاص من مخلوق الله تعالى مسخّرات في باطنك موكّلين بهذه الأفعال قد شغلوا بك وأنت في النوم تستريح وفي الغفلة تتردّد وهم يصلحون الغذاء في باطنك ولا خبر لك منهم ، وكذلك كلّ جزء من أجزائك التي لاتتجزّى حتى يفتقر بعضها كالعين والقلب إلى أكثر من مائة ملك. ثم الملائكة الأرضيّة مددهم من الملائكة السماوية على ترتيب معلوم لايحيط بكنهه الا الله ومدد السماويات من حملة العرش ، والمنعم على جميعهم بالتأييد والتسديد والهداية الملك القدّوس المهيمن المتفرّد بالملك والملكوت.
ومن أراد الاطّلاع على كثرة الملائكة الموكّلين فليرجع إلى الأخبار الواردة عن العترة الأطهار ، ولابدّ من تفويض كلّ فعل وحده إلى ملك وحده ، إذ الملك وحداني الصفة ليس فيه تركّب من المتضادّات كما قال
تعالى :( وما منّا الا له مقام معلوم ) .(١)
ولذلك ليس بينهم تحاسد وتباغض ، فلكلّ منهم طاعة خاصّة معيّنة ، فالراكع منهم راكع أبداً والساجد كذلك لا اختلاف في أفعالهم ولا فتور ، وإذ تبيّن لك كثرة ما تحتاج إليه في الاغتذاء برغيف مثلاً فقس عليه سائر الغذاء وغيره من الافعال الظاهرة والباطنة ، ثم جملة صنائعه تعالى وأفعاله الواقعة في عالمي الجبروت والملكوت وعالم الملك والشهادة ، فإنّ أعداد الملائكة الموكّلين بها غير متناهية ، فظهر توقّف كلّ نعمة على نعم كثيرة غير متناهية إلى أن ينتهي إلى الله ، وأنّ من كفر بنعمة من نعم الله فقد كفر بجميعها لارتباط بعضها ببعض ارتباط بعض الأعضاء ببعض ، فلايبقى جماد ولا نبات ولا حيوان ولا ماء ولا هواء ولا ملك ولا فلك الا ويلعنه ، ولذا ورد أنّ الملائكة تلعن العصاة وتستغفر للعلماء(٢) ، بل يستغفر لهم كلّ شيء حتّى الحيتان في البحار ، فاعتبر بذلك واعلم أنّك لاتخرج عن عهدة شكر نعمة جزئية من نعمه تعالى ، كيف وفي كلّ نفس ينقبض ينبسط نعمتان ، إذ بانبساطه يخرج الدخان المحترق من القلب بحيث لو لم يخرج لهلكت ، وبانقباضه يجتمع روح الهواء ولو لم يدخل لهلكت ، واليوم والليلة أربع وعشرون ساعة ، وفي كلّ ساعة تتنفّس آلافاً ، فإذا اعتبرت ذلك عرفت أنّه يكون عليك في كلّ يوم وليلة آلاف ألوف نعمة في نفسك فضلاً عن أشياء أخر من أجزاء بدنك فضلاً عن أجزاء العالم.
المانع عن الشكر إمّا قصور المعرفة بكون النعم من الله بأسرها ، أو قصور الإحاطة لصنوفها وآحادها والجهل بأنّ الشكر صرف النعمة في المحكمة المقصودة منها وتوهّم أنّه بمجرّد اللسان ، أو الغفلة الناشئة عن غلبة
__________________
١ ـ الصافّات : ١٦٤.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ٢١٦.
الشهوة بحيث لايمكن معها التنبّه له كسائر الفضائل والطاعات ، أو لابتذالها عمومها للخلق والاعتياد بها ، فارتفع لأجل ذلك وقعها عن النظر ، فلا يرى النعمة الا ما فيه مزيد اختصاص به ، ولذا قلّما ترى أحداً يشكر على روح الهواء ووفور الماء والسمع والبصر ونحوها الا إذا عرض عارض الخلاف ، فعند ذلك يحسب الفائت نعمة ويتحسّر عليه ، وإذا أعيدت عليه عدّها نعمة إلى أن يعتاد عليه ثانياً فيزول وقعه عن نظره أيضاً ، وهذا من غاية الجهل ، فإنّ النعمة الدائمة أحقّ بالشكر فوسعة الرحمة والعناية وعموم اللطف والإحسان صار باعثاً لاغترار أكثر الخلق ، ولو تأمّلوا لعرفوا أنّ شربة ماء عند العطش أعظم من ملك الأرض باسرها ، مع أنّه لايخلو أحد من نعمة مخصوصة به من بين أغلب الناس في عقله ودينه وهيئته وصورته وسائر ما أعطاه الله ولو بحسب اعتقاده بحيث لو خيّر مابين أن يسلب منه ويبدل بما أعطي الآخر لم يرض سيما في العقل والدين ، بل لو خير في التبدّل مع كلّ أحد من الخلق في جميع صفاته وأحواله لم يرض قطّ كما قال تعالى :( كلّ حزب بما لديهم فرحون ) (١) فكيف لايشكر الله على ما يعتقده مخصوصاً به فضلاً عن النعم العامة ، ولو لم يكن للرجل الا نعمة الصحّة والأمن والاستغناء عن الناس لكان ذلك من أعظم النعماء في حقّه ولم يمكنه الخروج عن عهدة الشكر.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أصبح آمناً في سربه ، معافىً في بدنه وعنده قوت يومه فكأنّما حيزت له الدنيا بحذافيرها ».(٢)
بل لو كان عاقلاً ولم يكن له سوى نعمة الإيمان الموصلة به إلى دارالنعيم لكان جديراً بأن يستعظم النعمة ، ويسمع [ أنّه ] من السلف من كان بحيث لو سلّم إليه ممالك الشرق والغرب بما فيهما لم يبدل أقل جزء من
__________________
١ ـ الروم : ٣٢.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ٢٢١.
علمه بها لعلمه بأنّه المقرّب إلى الله ، بل لو استبدلت لذّته في الدنيا أيضاً بلذّتها لما رضي بذلك لعلمه بكونها لذّة دائمة لاتزول ولا تفنى.
فالطريق إلى تحصيل الشكر أمور :
أحدها : معرفة صنائعه والتفكّر في ضروب نعمه الظاهرة والباطنة.
والثاني : النظر إلى الأدنى في الدنيا والأعلى في الدين.
والثالث : حضور المقابر والتذكّر لعذاب الآخرة وثوابها ، فيفرض نفسه منهم ويتذكّر ما يأملونه بعد الممات من العود والتدارك لما فاتهم مع عدم تمكّنهم منه ثم يفرض أنّه قد أجيبت دعوته وردّ إلى الدنيا بعد مماته فليتدارك حينئذ.
والرابع : التذكّر للآلام والأمراض والمصائب النازلة عليه في سابق أيّامه وصرف الله تعالى إياها عنه ، وأنّه لو هلك لم يقدر على التدارك فليغتنم الفرصة حينئذ وليشكر الله سبحانه ولايحزن على مايرد عليه من المصائب.
والخامس : أن ينظر إلى سلامة دينه فيفرح بها ولايحزن من مصائبه الدنيوية ، ويشكر الله على أنّه لم يجعل مصيبته في دينه.
قال رجل لبعض العرفاء : دخل اللصّ في بيتي وأخذ متاعي ، فقال : اشكر الله لو كان الشيطان يدخل بدله في قلبك ويفسد توحيدك فماذا كنت تصنع؟(١)
ويتفكّر في أنّ مصيبته النازلة به كفّارة لمعاصية ، فلو لم تحلّ به المصيبة في الدنيا لكان معذّباً بالآخرة فيشكر الله على استبدال العذاب الباقي بالعذاب القليل الفاني.
وقد ورد في الأخبار الكثيرة ما يدلّ على أنّ الله إذا عذّب عبده في
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ٢٢٧.
الدنيا لذنب ابتلي به فهو أكرم من أن يعذّبه ثانياً ، وأنّ لهذه المصيبة ثواباً في الآخرة فيشكر الله على إيصاله الثواب إليه ، وانّ هذه المصيبة تنقص ميله وحرصه في الدنيا وتشوّقه إلى الآخرة ، فإنّ استمرار النعم الدنيوية من دون حصول ما ينغّص العيش يورث بطراً وغفلة وسكوناً إليها حتى تصير جنّة في حقّه فيعظم بلاؤه عند موته من مفارقتها بخلاف المصاب بالآلام والمصائب الدنيوية حيث ينزعج قلبه من الدنيا ، فلا يركن إليها ، بل تصير سجناً عليه ، ويميل إلى الخروج عنها والنجاة من مصائبها.
فإن قيل : كيف يتصوّر الشكر على البلاء مع أنّه يستدعي فرحاً ونعمة ، ولو فرض تحقّقه فكيف يجتمع مع الصبر الممدوح المأمور به في الكتاب والسنّة؟
قلت : الجهة مختلفة ، فجهة الصبر عند ملحظة كونه ألماً ومصيبة والطبع متنفّراً عنه والشكر من حيث كونه موجباً لنعمة عظيمة كالثواب وغيره ممّا ذكرناه ، وهذا إنّما يتصوّر في البلاء الذي يكون له جهتان كالفقر والخوف والمرض.
وأمّا البلاء المطلق وهو ما لايكون له جهة سعادة ونعمة لا في الدنيا ولا في الآخرة كالكفر والجهل والمعاصي فلا معنى للصبر عليها حينئذ ، بل يكون الشكر في عدمها من جميع الوجوه مطلقاً وهو واضح.
ثمّ إنّك عرفت في باب الصبر أنّه قد يكون على الطاعة ، وقد يكون عن المعصية وفيهما يتحقّق الشكر والصبر ، إذ الشكر كما عرفت عرفان النعمة من الله والفرح به وصرفها إلى الحكمة المقصودة ، والصبر على ماعرفت ثبات باعث الدين في مقابل باعث الهوى ، وباعث الدين خلق لحكمة دفع باعث الهوى ، فمن أدّى الطاعة وترك المعصية تحقّقت الحكمة المزبورة وصرفت النعمة فيها.
وحينئذ يظهر اتّحاد فعلهما إذ فعل الصبر هو الثبات والمقاومة وهو عين
الطاعة وترك المعصية وصرف النعمة في مقصود الحكمة هو أيضاً عين الطاعة وترك المعصية.
نعم يختلف متعلّقهما ، فإنّ متعلّق الصبر هذه الطاعة وترك هذه المعصية مثلاً ، ومتعلّق الشكر هو العقل الباعث لهما ، فتأمّل.
لاتظنّ ممّا قرع سمعك من فضيلة البلاء وأدائه إلى السعادة كونه خيراً من العافية ، بل هي خير من عدمها مطلقاً ، فإيّاك أن تسأل البلاء منه تعالى.
ولذا ورد في الأخبار والأدعية المأثورة الاستعاذة من البلايا وطلب العافية ، فالبلاء نعمة بالاضافة إلى ما يكون أكبر منه في الدنيا والآخرة فاللازم سؤال إتمام النعمة في الدنيا والثواب في الآخرة على شكر النعم والتجافي عن دار الغرور والانابة إلى دار الخلود لكونه قادراً على إعطاء الجميع.
ولاينافيه كلام بعض العرفاء من سؤال البلاء والمصائب ، فإنّه من الكلمات الصادرة عن العشق وفرط الحبّ ، وإنّما يستلذّ بسماعه ولايعوّل عليه ، ولعلّ صيرورته عندهم أحبّ لاستشعارهم برضى المحبوب به ، ورضى المحبوب محبوب ، هذا.
وفي بعض الأخبار مايدلّ على أنّ في الجنّة درجات عالية لايصل العبد إليها الا بالبلايا والمصائب الصبر والشكر عليها.
ويؤيّده ابتلاء أكابر النوع من الأنبياء والأولياء بها وما ورد من أنّها موكّلة بالأنبياء والأولياء ثم الأمثال في درجات العلى.
وعلى هذا فالظاهر اختلاف ذلك باختلاف مراتب الناس في قوّة النفس وقوّة اليقين والمحبّة وضعفها ، بل التحقيق أنّ ما يفعله تعالى هو النظام الأصلح ، فألذي يبتلى ببلاء يكون الأصلح بحاله ذلك ، والذي لايبتلى به يكون الأصلح بحاله ذلك ، كما ورد في الأخبار وشهد به الاعتبار ، وهذا أحسن وجه في الجمع كما لايخفى.
اختلفوا في أفضليّة كلّ من الشكر والصبر والظاهر عدم الجحان لعدم انفكاك أحدهما عن الآخر ، بل اتّحادهما في كثير من المواضع كما عرفت ، والصابر على المصائب لابدّ له من تصوّره للمنافع الواصلة إليه بسببها وحصول انزعاج له عن الدنيا وشوق إلى الآخرة فلا ينفكّ عن الشكر لأنّه يعرف هذه النعم من الله كما يعرف البلاء منه ، ويفرح بها ويعمل بمقتضى فرحه من الطاعة ونحوها ، وفي النعمة المطلقة كالسعادة والعلم وسائر الفضائل كما أنّ حصولها وتصوّر كونها نعمة مستلزم للشكر فكذا إبقاؤها لاينفكّ عن المقاومة مع الهوى ومنع النفس عن الميل إليه وعن الكفران بالعصيان ، هو الصبر فشكر العينين بالنظر إلى عجائب صنع الله يستلزم الصبر عن الغفلة والنوم ونحوها.
هذا ، المعيار الكلي في أفضليّة بعض الأعمال عن بعض كونها أشدّ تأثيراً في إصلاح النفس وصفيتها وتطهيرها عن شوائب الدنيا وأشد إعداداً لمعرفة الله وانكشاف الحقائق لديه ، فاللازم على العاقل الموازنة بين كلّ درجتين من درجات الصبر والشكر فيما ذكر والترجيح بمقتضاه وهي مختلفة باختلاف أقسام النعم وأقسام البلاء واختلاف مراتب المعرفة والفرح المأخوذين في حقيقة الشكر واختلاف الطاعة المأتي بها في كلّ منهما صعوبة وسهولة ، فربّما كان بعض درجات الصبر أشدّ تنويراً وأكثر إصلاحاً(١) للقلب من بعض درجات الشكر وبالعكس ، فإنّ الأعمال الأحوال المندرجة تحتهما كثيرة ، فممّا يندرج منها تحت الشكر حياء العبد من تتابع نعم الله عليه ومعرفته بتقصيره عن الشكر واعتذاره من قلّة الشكر واعترافه بكون النعم ابتداء منه تعالى من غير استحقاق لها ، وعلمه بأنّ الشكر أيضاً من نعمه ومواهبه وحسن تواضعه بالنعم تذلله وقلّة اعتراضه وحسن أدبه بين
__________________
١ ـ في « ب » و « ج » : اختلاجاً.
يدي المنعم وتلقّي النعم بحسن القبول واستعظام ما صغر منها وشكر الوسائط بقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من لم يشكر الله ».(١)
فكلّما ازدادت هذه الأحوال في الشكر وطال زمانه أزدادت فضيلته.
وأمّا ما دلّ على أفضلية الصبر على الشكر من الأخبار فاللازم فيه إمّا التقييد ببعض مراتبها أو الحمل على ظاهر العامّة من الشكر والصبر دون ماتبيّن لك من حقيقتهما اللازم منه الملازمة أو الاتّحاد.
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ٢٤٧.
الباب العاشر
في العبادات
وهي وإن كانت من حقوق الله اللازمة مراعاتها في تحقّق معنى الفضيلة الرابعة أي العدالة كسائر ما أسلفناه في الباب السابق الا أنّها لمّا كانت أصلاً كبيراً مشتملاً على جزئيات كثيرة أفردناها عن أخواتها ، ولمّا كانت من أعظم شروطها التي تتوقّف صحّتها عليها ظاهراً وباطناً النيّة ، ومن شرط النيّة الاخلاص وهي وإن تكرّر ذكرها في الكتب الفقهيّة الا انّ لها دقائق وشعباً قلما فصّلت فيها ، التزمنا القول في حقيقتها وشعبها ودقائقها وشروطها تفصيلاً لايخلو عن إجمال مقدّمة عليها ، ثم نذكر كلاً من العبادات التي هي صنوف الطاعة المفسّرة بالتخضيع والخشوع والتمجيد لله الملك المجيد في عدّة فصول ، وهو المؤمّل في بلوغ كلّ مأمول.
النيّة عبارة عن انبعاث النفس إلى ماتراه موافقاً لغرضها حالاً ومآلاً ويرادفها القصد والرادة وضدّها الغفلة أي فتورها عن التوجّه إلى مافيه غرضها ، وهي كسائر ماتقدّم واسطة بين علم هو مبدؤها وعمل هو ثمرتها ، إذ مالم يعلم أمراً يقصده ، وما لم يقصد لم يفعل ، فكلّ فعل يصدر عن الفاعل المختار لايتمّ الا بعلم وشوق وإرادة وقدرة ، وذلك لموافقة بعض الأمور لغرضه ومخالفة بعضها له فاحتاج إلى جلب الموافق ودفع المخالف الموقوفين على إدركهما إذ ما لم يعرف ذلك لم يعقل طلبه له أو هربه عنه وهو العلم ، وعلى الميل والرغبة والشهوة الباعثة عليه وهو الشوق لعدم الاكتفاء في الطلب والهرب بمجرّد الإدراك من دون شوق ، وعلى القصد والتوجّه إليه وهو النيّة ، إذ كم من مدرك للذّة الطعام شائق إليه راغب فيه لصدق شهوته غير مريد له لعذر من الأعذار المانعة له عنه ، وعلى القدرة المحرّكة للأعضاء إلى جلب الملائم ودفع المضارّ ، وبها يتمّ الفعل ، فهي كالجزء
الأخير للعلّة التامّة التي بها يصدر الفعل عن الفاعل المختار ، فلا تتحرّك الأعضاء نحو الفعل أو الترك الا بالقدرة المنتظرة للقصد المنتظر للداعي الباعث أي الشوق المنتظر للعلم أو الظنّ بكون ما يفعله أو يتركه موافقاً لغرضه أو منافياً.
ثم الباعث قد يكون متّحداً كالانزعاج الحاصل من مشاهدة السبع مهتجماً عليه ، وحينئذ يسمّى إخلاصاً ، والنيّة خالصة عن ممازجة الغير ، وقد يتعدّد مع استقلال كلّ بالباعثية والانهاض لو انفرد كالذي يسأله الفقير القريب له فيقضي حاجته لفقره وقرابته مع العلم بأنّه لولا الفقر لحصل القضاء أيضاً بمجرّد القرابة وبالعكس ، أو عدمه مع الانفراد كمن يقصده الفقير الأجنبي أو الغنني القريب فلا يعطيه ويعطي قريبه الفقير والمتصدّق للثواب وثناء الناس ، ولو انفرد كلّ واحد لم يفعل ، أو استقلال أحدهما به دون الآخر وإن أعانه الآخر عليه وسهل الفعل بسببه على الفاعل كالذي يكون له ورد في العبادات وعادة في الصدقات فاتّفق حضور جماعة فصار بسبب ذلك أنشط على الفعل مع العلم بأنّه لو انفرد لم يترك ورده وعادته ، والباعث الذي يكون رفيقاً أو شريكاً أو معيناً نذكر حكمه في الإخلاص.
واعلم أنّ الطاعة غذاء للقلب والمقصود منها شفاؤه وبقاؤه وسلامته وتنعّمه بلقائه تعالى وسعادته ، ولن يتنعّم بلقائه تعالى الا من مات محبّاً لله عارفاً به ، ولن يحبّه الا من عرفه ، ولن يعرفه الا من دام فكره ، ولن يأنس به الا من طال ذكره ولن يتفرغ القلب لهما الا مع الفراغ عن شواغل الدنيا ، ولن يفرّغ عنها الا مع الانقطاع عن شهواتها حتى يميل إلى الخير ويريده وينفر عن الشر ويبغضه ، ولايتحقق الميل والنفرة الا مع العلم بإناطة السعادة بذلك.
وإذا حصل أصل الميل بسبب المعرفة قوي بالعمل بمقتضاه والمواظبة عليه ، إذ المواظبة على صفات القلب وإرادتها بالعمل تجري مجرى الغذاء
والقوت لتلك الصفة حتّى تقوى بسببها فالمائل إلى العلم أو الرئاسة لايكون ميله إليهما في الابتداء الا ضعيفاً فإن اتّبع مقتضاه واشتغل به تأكّد ميله ورسخ وعسر عليه النزوع والا ضعف وانكسر ، بل ربّما زال وانمحى ، وكذا سائر الصفات والخيرات ، فإنّ الطاعات ما يراد للآخرة والشرور مايراد للدنيا ، فميل النفس إلى الاولى وانصرافها عن الأخرى هو الذي يفرغها للذكر والفكر ولن يتأكّد الا بأعمال الطاعات وترك المعاصي والمواضبة عليهما بالجوارح ، لأنّ بين القلب والجوارح ارتباطاً تامّاً يتأثّر كلّ منهما بتأثّر الآخر الا أنّ القلب هو الأصل والأمير والجوارح كالخدّام والرعايا له تؤكّد فصاتها فيها ، وحينئذ يظهر أنّ أعمال القلب أفضل من الجوارح ، وانّ النيّة من بينها أفضل ، لأنّها عبارة عن ميل القلب إلى الخير وإرادته له وليس الغرض من أعمال الجوارح الا تعويد القلب على ذلك حتّى يتفرّغ عن الشهوات وينكبّ على الذكر والفكر ، وهذا كما أنّ تداوي المعدة [ بالشرب خير من طلاء الصّدر ، إذ لم يرد من الطّلاء الا سراية الأثر من الصّدر إلى المعدة ، وتأثّر المعدة ](١) من الشرب أكثر.
ومنه يظهر معنى قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « نية المرء خير من عمله »(٢) أي إذا اجتمع العمل مع النيّة كان هذا الجزء أنفع من الجزء الآخر فلا تظنّن أنّ في وضع الجبهة على الأرض غرضاً من حيث لصوقها بها ، بل لتأكيده صفة التواضع في القلب ، وكذا مسح رأس اليتيم يؤكّد الرقّة في قلبه ، ولهذا قيل : « لا عمل الا بنية »(٣) ، فإنّ الماسح لرأس اليتيم إذا كان غافلاً أو ظانّاً أنّه يمسح ثوباً لم ينتشر من أعضائه أثر إلى قلبه بتأكّد الرقّة ، ونحوه الساجد الذاهل ، فكان وجودهما كعدمهما في الغرض المطلوب منهما فيكونان باطلين
__________________
١ ـ ساقط من « ج ».
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ١٠٩ ، وفيه : « نيّة المؤمن ».
٣ ـ الكافي : ٢ / ٨٤ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب النيّة ، ح ١ ، عن زين العابدينعليهالسلام .
لغوين. وإن انضمّ إليه قصد رياء مثلاً ازداد شرّاً لتأكّد الصفة التي أريد قمعها ، أي الرياء الذي هو من جملة الميل إلى الدنيا ، وبه يظهر سرّ ماورد من « أنّ من همّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة »(١) لأنّ همّ القلب ميله إى الخير وانصرافه عن الشر ، وذلك غاية الحسنات ، وإنّما العمل مؤكّد له.
واعلم أنّ المعاصي لاتتغيّر عن موضوعاتها ولاتنقلب طاعة بالنيّة فمن يغتاب إنساناً مراعاة لغيره أو يطعم فقيراً من مال غيره ويبني مسجداً او رباطاً أو مدرسة من مال حرام وقصده الخير ونحو ذلك فهو جاهل ، إذ لاتؤثّر في إخراجها عن كونها ظلماً وعدواناً ، بل قصد الخير بالشرّ على خلاف مقتضى الشرع شرّ آخر لمعاندته للشرع مع علمه وعصيانه بجهله معه ، إذ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة ، والجاهل غير معذور ، الا إذا كان قريب عهد بالاسلام ولم يجد بعد مهلة التعلّم ، ومن ذلك تعليم العلم للسفهاء المقصور همّتهم على مماراة العلماء ومباراة السفهاء استمالة وجوه الناس وجمع حطام الدنيا وأخذ أموال السلاطين والمساكين وهم قطّاع طريق الله تعالى يتّبعون الهوى ويتباعدون عن التقوى ويستجريء الناس بسبب مشاهدتهم على معاصي الله ، ثم ينتشر ذلك العلم إلى أمثالهم وهكذا ووبال الجميع لى المعلّم الذي علّم العلم أوّلاً مع علمه بفساد نيّته.
والعجب من جهل هذا المعلّم حيث يقول : إنّما الأعمال بالنيّات ، وقد قصدت به نشر الدين فإن استعمله في الفساد كان المعصية منه لا منّي ، وهذا تلبيس من الشيطان عليه بواسطة حبّ الرئاسة وغرور منه ، فهو كمن وهب سيفاً قاطعاً من قاطع طريق وأعدّ له أسبابه وقال : أردت البذل والسخاء وقصدت به أن يغزو بها في سبيل الله تعالى ، فإنّه من أعظم المثوبات ، فإن هو صرفه إلى المعاصي كان هو المعاصي ، ولاشكّ في حرمة ذلك ، بل إذا لاح له من عادته الاستعانة بها على الشرّ وجب السعي في سلب سلاحه لا
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ٤٢٨ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب من يهمّ بالحسنة أو السيّئة ، ح ١.
إعانته بسلاح آخر ، والعلم أيضاً سلاح يقاتل به الشيطان فمن لايزال مؤثراً لدنياه على دينه وهو عاجز عن الميل إلى الآخرة لضعف يقينه ، فكيف يجوز إمداده بنوع علم يتمكّن معه من الوصول إلى شهواته ، فإذن المعصية لاتنقلب طاعة بالنيّة وإن تضاعف وزرها بانضمام مقاصد خبيثة إليها كما أشرنا إليها وعظم وبالها كما أشرنا إليه في باب التوبة.
وأمّا الطاعة فهي مرتبطة بالنيّة في أصل صحّتها بأن ينوي بها عبادة الله لاغير فلو نوى الرياء صارت معصية كما مرّ ، وفي زيادة فضلها أيضاً بكثرة النيّات الحسنة فيكون له بكلّ نيّة ثواب كالقعود في المسجد الذي هو طاعة ويكثر ثوابه بكثرة النيّات الحسنة كاعتقاد أنّه بيت الله فيقصد به زيارة مولاه رجاء لما عوده الرسول وانتظار الصلاة بعد أخرى والترهّب بكفّ السمع والبرصر سائر الأعضاء ، فإنّ الاعتكاف في المسجد نوع من الصوم الذي هو الكفّ ، ولذا ورد : « رهبانية أمّتي القعود في المساجد »(١) وعكوف الهمّ على الله تعالى ولزوم السرّ للفكر في الآخرة ورفع الشواغل عن نفسه بالاعتزال في المسجد والتجرّد لذكر الله تعالى أو استماعه أو التذكّر به لما روي : « أنّ من فعل ذلك كان كالمجاهد في سبيل الله »(٢) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إذ لا يخلو المسجد عن تارك معروف أو الآتي بمنكر ، أو استفادة أخ في الله لكون السمجد معشر(٣) أهل الدين المحبّين لله وفي الله ، وترك المعاصي حياء من الله وخوفاً من هتك حرمته ، وقس عليه سائر الطاعات.
وأمّا المباحات فما من شيء منها إلا ويحتمل نيّة أو نيّات يصير بها من محاسن القربات وما بها يصير من المساوي والسيّئات ، فما أخسر من ذهل عنها وتعاطاها تعاطي البهائم المهملة عن شهوة وغفلة ، فلا ينبغي استحقار
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ١١٧.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ١١٧.
٣ ـ كذا ، وفي المحجّة البيضاء : (٨ / ١١٧) : معشّش.
خطرة أو خطوة أو لحظة لأنّ كلّ ذلك مسؤول عنه يوم القيامة ، فمن تطيّب بطيب يمكنه أن يقصد التنعّم بلذّات الدنيا الذي هو مباح أو التفاخر بكثرة المال أو رياء الخلق ليتحبّب به إلى الناس أو يتودّد به إلى قلوب النساء الأجنبيّات ونحو ذلك من الأغراض الفاسدة التي تجعل الفعل معصية أنتن من الجيفة ، أو اتّباع سنّة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وتعظيم المسجد واحترام بيته تعالى وترويح جيرانه ليستريحوا من روائحه في المسجد ونحوه ودفع الروائح الكرية المؤدّية إلى إيذاء الناس ومعالجة دماغه ليزيد به ذكاءه ويسهل عليه الفكر ونحو ذلك ، ولذلك قيل : « [ إنّي ] لاستحبّ أن يكون لي نيّة في كلّ شيء حتّى الأكل والشرب والنوم ودخول الخلاء »(١) ونحوها ، إذ كلّ ذلك إنما يمكن أن يقصد به وجه الله تعالى كالتقوّي على العبادة من الأكل ، وتحصين دينه وتطييب قلب أهله وحصول ولد يعبد الله ويكثر به أمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم من الجماع.
فإيّاك أن تستحقر شيئاً من حركاتك وسكناتك ، فلا تحترز من غرورها وشرورها ولاتعدّ جوابها يوم السؤال والحساب ، فإنّ الله مطّلع عليك وشهيد.( ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد ) .(٢)
فراقب أحوالك ولا تسكن ولا تتحرّك مالم تتأمّل أوّلاً أنّك لم تتحرّك ولم تسكن وماذا تقصد وما الذي تنال به من الدنيا وما يفوتك به من الآخرة وبماذا ترجّح الدنيا على الآخرة ، فإذا علمت أنّه لا باعث الا الدين فامض على عزمك ، وراقب أيضاً قلبك في إمساكك وتركك ، فإنّ ترك الفعل أيضاً فعل ، ولابدّ أيضاً له من نيّة صحيحة ، فلا يكون لداعي هوى خفيّ لاتطّلع عليه ولاتغرّنك ظواهر الأمور.
فقد روي أنّ زكريّاعليهالسلام كان يعمل بالطين في حائط وكان أجير القوم
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ١١٩.
٢ ـ ق : ١٨.
فقدّموا إليه رغيفين إذ كان يأكل الا من كسب يده ، فدخل عليه قوم فلم يدعهم إلى الطعام حتى فرغ ، فتعجّبوا منه لما علموا من سخائه وزهد ، فقال : إنّي أعمل للقوم بأجرة وقدّموا إليّ الرغيفين لأتقوّى بهما على عملهم ، فلو أكلتم معي لم يكفكم ولم يكفني وضعفت عن عملهم.(١)
فإنّ ضعفه عن العمل نقص في فرض وترك الدعوة إلى الطعام نقص في نفل(٢) ولا حكم للفضائل مع الفرائض. فهكذا ينبغي للبصير أن ينظر إلى البواطن بنور الله تعالى.
واعلم أنّ النية لاتحصل بمجرّد حديث النفس وحديث اللسان أو النتقال من خاطر إلى خاطر ، بل هي على ما عرفت انبعاث النفس وميلها إلى ما ظهر لها أنّ فيه غرضاً عاجلاً أو آجلاً ، فلا يمكن اختراع الميل بمجرّد الارادة كما لايمكن أن يقول الفارغ : نويت أن أعشق فلاناً وأحبّه ، بل لاطريق إلى اكتساب الميل الا باكتساب أسبابه المقدورة تارة وغير المقدورة أخرى ، وإنّما ينبعث النفس إلى الفعل إجابة إلى الغرض الباعث الموافق للنفس ومالم يعتقد الإنسان أنّ غرضه منوط بفعل لم يتوجه إليه قصده ، وذلك ممّا لايقدر عليه كلّ حين ، وإذا اعتقد فإنما يتوجّه القلب إذا كان فارغاً غير مصروف عنه بشاغل أقوى ، وذلك لايمكن في كلّ حين ، والدواعي والصوارف لها أسباب كثيرة بها تجتمع ، وتختلف ذلك بالأشخاص والأحوال والأعمال ، فمن يغلب عليه شهوة النكاح من دون اعتقاد غرض صحيح في الولد ديناً ودني لايمكنه الوقاع على نيّة الولد إذ النيّة إجابة الباعث ولا باعث الا الشهوة ، ومن لم يغلب عليه عظم فضل النكاح اتّباعاً لسنّة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لايمكنه نيّة اتّباع السنّة الا بحديث اللسان أو النفس.
نعم طريق اكتسابها تقوية إيمانه بالشرع أوّلاً وبعظم ثواب كثرة أمّة
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ١٢٠ ـ ١٢١.
٢ ـ كذا ، وفي المحجّة البيضاء : « فضل » ويؤيّده التعليل.
النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ثانياً ، ودفع منفّرات الولد من ثقل المؤونة وطول التعب وغيره عن نفسه ثالثاً ، فإذا فعل ذلك انبعث رغبته إلى تحصيل الولد للثواب وحركة أعضائه لمباشرة العقد ، فإذا انتهضت القدرة المحرّكة للّسان لقبول العقد طاعة لهذا الباعث الغلب على القلب كان نوياً ، والا كان مايقدره في نفسه ويردّده من قصد الولد وسواساً وهذياناً ، ولمّا كان الانبعاث المذكور يجري مجرى الفتوح من الله تعالى يتيسّر في بعض الأوقات دون بعض الا لمن كان الغالب عليه أمر الدين وقلبه مائلاً إلى الخيرات إجمالاً ، فإنّه ينبعث إلى التفاصيل غالباً امتنع أكابر السلف في كثير من الأوقات عن جملة من الطاعات ، إذ لم يحضرهم النيّة خالصاً له تعالى ، والعمل بدونها رياء موجب للمقت دون القرب فالطاعة على نيّة إجلال الله تعالى واستحقاقه الطاعة والعبودية لايتيسّر للراغب في الدنيا فهذه أعزّ مراتب النيّة وأعلاها ويعزّ من يفهمها فضلاً عمّن يتعاطاها.
وأمّا العمل إجابة لباعث الخوف من النار أو رجاء الجنّة فهو وإن كان من جملة النيّات الصحيحة لكونه ميلاً إلى الموعود في الآخرة ، الا أنّه نازل بالنسبة إلى الأوّل لكونه من جنس المألوف في الدنيا ، وباعثه باعث البطن والفرج الذي موضع قضاء وطره الجنّة ، وعبادة المقرّبين العارفين لايجاوز ذكر الله والفكر لجلاله وعظمته ودرجتهم أرفع من الالتفات إلى المنكوح المطعوم في الجنّة وإنّما يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه لاغير ، ويتنعّمون بلقاء الله تعالى كما يتنعّم عبدالبطن بأكل الحلاوات ولحوم الطيرويسخرون ممّن يتنعّم بالنظر إلى الحور العين ، كما يسخر ذلك ممّن يتنعّم بالنظر إلى الصور المصنوعة من الطين ، بل أشدّ من ذلك وأعظم بيقين ، بل عمى أكثر القلوب عن إبصار جماله وجلاله أيضاً هي عمى الخنفساء عن إدراك جمال النساء ، ولايزال الفرق يختلفون( كلّ حزب بما لديهم فرحون ) .(١)
__________________
١ ـ الروم : ٣٢.
وبالجملة ؛ فالنيّات متفاوتة الدرجات ومن غلب على قلبه واحدة منها لم يتيسّر له العدول عنها ، ومعرفة هذه الحقائق تورث أعمالاً يستنكرها أكثر الخلائق من الظاهريين الذين لم يتفطّنوا لهذه الدقائق ، فمن حضرت له نيّة في مباح ولم تحضر له في فضيلة ، فالمباح أولى وانتقل(١) إلى الفضيلة كما انتقلت إلى النقيصة ، فالأكل والشرب والنوم بنيّة التقوّي للعبادة في المستقبل مع عدم انبعاثها نحو الصوم والصلاة هو الأفضل.
قد علم مما ذكر ، أنّ النيّة روح الأعمال ففي الحقيقة يترتّب الجزاء عليها.
قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّما الأعمال بالنيّات ، وإنّما لكلّ امرء ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوّجها فهجرته إلى ماهاجر إليه ».(٢)
وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أن العبد ليعمل أعمالاً حسنة فتصعد بها الملائكة في صحف مختمة فتلقى بين يدي الله تعالى فيقول : ألقوا هذه فإنّه لم يرد بها وجهي ، ثم ينادي الملائكة اكتبوا له كذا وكذا ، فيقولون : ربّنا إنّه لم يعمل شيئاً من ذلك ، فيقول : إنّه نواه ، إنّه نواه ».(٣)
وقال الصادقعليهالسلام : « إنّما خلّد أهل النار في النار لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو خلّدوا فيها أن يعصوا الله أبداً وإنّما خلّد أهل الجنّة في الجنّة لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن ولو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبداً فبالنيّات خلّد هؤلاء وهؤلاء ، ثم تلا قوله تعالى :( قل كلّ يعمل على شاكلته ) (٤) أي على نيّته ».(٥)
__________________
١ ـ أي انتقل المباح في حقّه إلى الفضيلة ، كما انتقلت الفضيلة إلى النّقيصة.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ١٠٣.
٣ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ١٠٣.
٤ ـ الإسرار : ٨٤.
٥ ـ الكافي : ٢ / ٨٥ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب النيّة ، ح ٥.
واعلم أيضاً أنّ أعلى مراتبها إرادة وجهه تعالى من حيث كونه أهلاً للعبادة ومحبّته له واستغراقه في بحار جلاله وعظمته ومشاهدته فأنس به وفرح بعبادته وإلى هذه المرتبة أشار عليعليهالسلام بقوله :
« إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنّتك لكنّي وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك ».(١)
وأدنى منها قصد الثواب أو الخنوف من العقاب كما أشرنا إليه ولا تصغ إلى من قال ببطلان العبادة بذلك زعماً منه أنّه مناف لقصد الاخلاص الّذي هو إرادة الله وحده ، لأنّه قصد جلب نفع لنفسه ودفع ضرّ عنها لا وجه الله تعالى ، فإنّ أكثر الناس لإلفهم بالمحسوسات يتعذّر عليهم الوصول إلى مرتبة فهم تلك المرتبة ، فلا يعرفون منه تعالى الا المرجوّ والمخوف فلو كلّفوا بذلك عموماً كان تكليفاً بما لايطاق لما عرفت من عدم إمكان حصولها الا بعد قطع الشهوات وقمعها والإعراض عن الدنيا بالكليّة والإقبال إلى الله وحبّه وأنسه المتفرّعين على كمال معرفته وحصولها لعامّة الناس غير ممكن ولو كلفوا بذلك لفسدت المعائش وبطل النظام.
والمراد من الاخلاص المشروط في صحّة النيّة المشروطة في العبادة أن لاتكون مشوبة بحظوظ الدنيا والأغراض النفسانية دون الحظوظ الأخرويّة وإن كانت ممّا يشابهها ، ولو كان ذلك مفسداً للعبادة بطل الوعد والوعيد والترغيب والترهيب بالجنّة والنار.
وأمّا قول الصادقعليهالسلام : « العبّاد ثلاثة : قوم عبدوا الله خوفاً فتلك عبادة العبيد ، وقوم عبدوا الله طلباً لثوابه فتلك عبادة الأجراء ، وقوم عبدوا الله حبّاً له فتلك عبادة الأحرار ، وهي أفضل العبادة »(٢) فهو وإن دلّ على ذمّ القسمين ونقصان درجاتهما الا أنّ آخره صريح في صحّتهما ، بل كونهما مستلزماً لفضل وإن كان أقلّ وهو عين ما حققناه.
__________________
١ ـ بحار الأنوار : ٤١ / ١٤ ، غوالي اللئالي : ١٠ / ٤٠٤.
٢ ـ الكافي : ٢ / ٨٤ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب العبادة ، ح ٥ ، مع اختلاف.
فصل
الإخلاص شرط في النيّة.
( وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) .(١)
( ألا الله الدين الخالص ) .(٢)
( الا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله ) .(٣)
وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « قال الله تعالى : الإخلاص سرّ من أسراري استودعته قلب من أحببته من عبادي ».(٤)
وعن أميرالمؤمنينعليهالسلام : « ما من عبد يخلص العمل لله أربعين صباحاً الا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ».(٥)
وكفاه فضلاً أنّ الشيطان اللعين لم يستثن الا المخلصين ، فلا يتخلّص العبد من حبائله الا بالإخلاص.
واعلم أنّ كلّ شيء يتصوّر أن يشوبه غيره ، فإذا خلص وصفا عنه سمّي خالصاً.
قال الله تعالى :( من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين ) .(٦)
وضدّ الإخلاص الإشراك ، وللشرك درجات ، فمنه خفي ومنه جلّي ، فهما يتواردان على القلب وإنّما يكون ذلك في القصود والنيّات ، وقد أشرنا إلى أنها ترجع إلى إجابة البواعث وأنّه إذا اتّحد الباعث سمّي الفعل الصادر عنه إخلاصاً بالإضالة إلى المنوي ، فالمتصدّق لمحض الرياء مشرك محض ولمحض التقرّب إلى الله مخلص ، وقد تكلّمنا في الرياء بما لا مزيد عليه ،
__________________
١ ـ البيّنة : ٥.
٢ ـ الزمر : ٣.
٣ ـ النساء : ١٤٦.
٤ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ١٢٥.
٥ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ١٢٦ ، عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
٦ ـ النحل : ٦٦.
ونذكر الآن حكم امتزاج قصد التقرّب بشيء آخر من الرياء وغيره من حظوظ النفس كالذي يحجّ ليصحّ مزاجه بحركة السفر ، ويتوضّا للتبريد ويصوم للحمية ويصلّي باللّيل دفعاً للنعاس عن نفسه ويغزو ليمارس الحرب ويتعلّم العلم ليسهل عليه طلب المال أو يعتزّ بين الناس ونحو ذلك ، فمهما كان الباعث قصد القربة وانضمّت إليه خطرة ممّا ذكر حتى خفّ عليه العمل بسببها فقد خرج عمله عن حدّ الإخلاص وتطرّق إليه الشرك ، وقد قال الله تعالى :( فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً ) .(١)
وبالجملة ؛ حظوظ الدنيا قليلها وكثيرها إذا تطرّقت إلى العمل تكدّر بها صفوته وزال إخلاصه والإنسان منغمس في الشهوات ، قلّما ينفكّ فعل منه عن حظوظ عاجلة ، ومهما كان الباعث نفسها اشتدّ الأمر على صاحبها فيها.
ثم إنّ هذه الشوائب كما أشير إليها في النيّة إمّا موافقة أو مشاركة أو معينة للباعث الديني ، والإخلاص تخليص العمل عنها بأسرها وهو لايتمّ الا لمستهتر بحبّ الله مستغرق الهمّ بالآخرة حتّى لايكون رغبته في الأكل والشرب الا من حيث التقوّي بهما على عبادته تعالى والا فبابه بالنسبة إليه مسدود إذ تكتسب جميع أفعاله وحركاته الصفة الغالبة في قلبه المهتمّ بها فلا تتمّ له عبادة الا نادراً ، ولذا قال سيّد الرسلصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ سئل عن الإخلاص : « أن تقول ربّي الله ثم تستقيم كما أمرت »(٢) أي لاتعبد هواك ونفسك ولاتعبد الا ربّك وتستقيم في عبادته كما أمرت ، فعلاج تحصيله كسر الحظوظ الدنيوية وقطع الطمع عنها بحيث يغلب على القلب التجرّد للآخرة ، فكم من عمل يتعب فيه الإنسان ويظنّ فيه الخلوص وهو مغرور لايدري وجه الآفة فيه فإنّه
__________________
١ ـ الكهف : ١١٠.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٨ / ١٣٣.
دقيق غامض ، وهم المرادون بقوله :
( قل هل ننبّئكم بلأخسرين أعمالاً ) (١) ( وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون ) .(٢)
فلابدّ للعبد من التفقّد الشديد والمراقبة لهذه الدقائق حتى لايلتحق بأتباع الشياطين من حيث لايشعر.
أعظم ما يشوّش لا إخلاص هو الرياء الظاهر كان يصلّي الرجل مخلصاً فيدخل جماعة فيقول له الشيطان : حسّن صلاتك حتى ينظروا إليك بعين الوقار والصلاح ، فلا يغتابوك ولا يستحقروا بك.
ثم أن يفهم ذلك فيحترز منه ولا يلتفت إليه ويستمرّ في صلاته كما كان فيأتيه في معرض النصيحة فيقول : أنت متبوع ومنظور إليه فإذا اقتدى بك الناس كان لك ثواب أعمالهم إن أحسنت وعليك الوزور وإن أسأت ، فأحسن عملك حتّى يتأسّوا بك وهذا رياء غامض لايدركه كثير من الناس فإنّه مبطل للإخلاص لأنّ الخشوع إذا كان خيراً يرضاه لغيره فكيف لم يرض به لنفسه في الخلوة فليست نفس غيره أعزّ عليه من نفسه ، فالمقتدى به من استقام في نفسه واستنار قلبه فأنتشر نوره إلى غيره. وأمّا هذا فهو منافق ملبّس يطالب بتلبيسه ، وإن أثيب من اتّبعه.
ثم أن يتنبّه لذلك فيحسن صلاته في الخلاء على الوجه الذي يرتضيها في الملأ حتى لايقع تفاوت بين خلائه وملئه ، وهذا أغمض أنواع الرياء ، لأنّ تحسين صلاته في الخلوة إنّما كان لأجل تحسينه في الملأ ، والإخلاص مساواة الخلق مع البهائم في نظره وهذا يشقّ على نفسه إساءة الصلاة في نظر الناس ، ثم يستحيي أن يكون في صورة المرائين فهو مشغول الهمّ بالخلق في
__________________
١ ـ الكهف : ١٠٢.
٢ ـ الزمر : ٤٧.
الخلاء والملأ جميعاً.
ثم أن يتنبّه لذلك فلا يلتت إليه الا أنّه لما نظر إليه الناس قال له الشيطان : تفكّر في عظمه الله وجلاله ومن أنت واقف بين يديه واستح من أن ينظر إليك وأنت غافل عنه ، فيحضر بذلك قلبه وتخشع جوارحه ويظن أنّه الإخلاص مع أنّه عين المكر والخداع ، فإنّه لو كان كذلك لكانت هذه الخطرة تخطر في الخلوة أيضاً ، ولايختصّ بحالة حضور الناس.
وعلامة الأمن من هذه الآفات أن يكون هذا الخاطر ممّا يألفه في الخلاء كما في الملأ ويكون حضور الناس عنده كالبهائم ، فمادام لم يفرق بينهما ليس خارجاً عن شوب الشرك وإن كان خفيّاً ، فإنّ بعض مراتبه أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصمّاء ، ولايسلم منه الا من سعد بعصمة الله وحسن توفيقه ، والشيطان ملازم للمتشمّرين للعبادة لايغفل عنهم ساعة حتّى يحملهم على الرياء في كلّ حركة حتى كحل العين وقصّ الشارب ولبس الثياب ، لترتّب الثواب عليها في بعض الأوقات ، وارتباط الحظوظ النفسيه بها ، والغشّ الذي يمزج خالص الذهب له درجات متفاوتة ، فمنها ما يغلب ، ومنها ما يقلّ ويسهل دركه ، ومنها ما يدقّ دركه ، وخبث النفس أغمض وأدقّ بكثير ، ولذا قيل : ركعتان من عالم أفضل من عبادة سنة من جاهل.
واعلم أنّ العمل الذي لايراد به الا الرياء فهو سبب العذاب قطعاً ، والخالص لوجه الله سبب الثواب والتقرّب إلى ربّ الأرباب جزماً.
وأمّا المشوب فظاهر بعض الأخبار أنّه لاثواب له وإن كان ظاهر بعضها خلافه ، وقد أشرنا في بحث الرياء إلى أنّه إن كان الباعث المشوب أحد المقاصد الصحيحة الراجحة شرعاً لم يبطل العمل والإخلاص ، وإن كان مقصداً دنيويّاً محضاً كان مبطلاً وموجباً للعقاب ، سواء كان أضعف أو مساوياً أقوى. هذا في الواجبات.
وأمّا في المستحبّات فهي وإن لم توجب العقاب من حيث العبادة الا انّها تصير لغواً ، ويترتّب العقاب على الرياء. كذا قيل فتأمّل.
وقال بعض العلماء(١) : والذي ينقدح بحسب الاعتبار أنّ الباعث الديني إن ساواه الباعث النفسي تقاوما وتساقطا فليس العمل له ولا عليه ، وإن غلبه فهو عليه لا له ، وإن كان بالعكس فبالعكس.
فينبغي أن يكون دائماً في الاجتهاد متردداً في القبول والرد ، خائفاً من أن يكون في عبادته آفة يكون وبالها أكثر من ثوابها.
وينبغي أن لايترك مع ذلك العمل خوفاً من وباله وآفته ، فإنّه منتهى بغية الشيطان ، إذ المقصود أن لايفوت الإخلاص ومهما ترك العمل فقد ضيّعهما معاً كما فصّلنا في بحث الرياء.
وقيل(٢) : في هذا الكلام نظر ، فإنّ إطلاق الأخبار يفيد كون شوب الرياء محبطاً للثواب والعمل ، كما تقدّم بعضها ، والنهي في العبادة موجب للفساد ، وقد قال الله تعالى :( ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً ) .(٣)
وأمّا إنّ لكلّ فعل وقصد تأثيراً خاصّاً فمع امتزاج القصدين يتحقّق الأثران ويبقى الخالص بعد التقاوم ، ففيه أنّ ذلك إنّما يصحّ إذا لم يبطله ضدّه ، فإذا كان قضيّة العقل والأخبار بطلان قصد القربة بما مازجه [ من ] غيره فلايبقى له حينئذ أثر حتّى يتّصف بالزيادة ويبقى الزائد سليماً عن المعارض.
وأنا أقول : قد تبيّن لك أنّ قلع مغارس الرياء بدجاتها المتفاوتة في الظهور والخفاء بالكلّية عن القلب مشكل ، ولايمكن ذلك الا بقطع العلائق الدنيويّة بالمرّة والإقبال إلى الله بالكلّية ، وحينئذ فمتى لم يجاهد نفسه بحيث
__________________
١ ـ هو الغزالي كما في المحجّة البيضاء : ٨ / ١٣٦.
٢ ـ هو النراقي في جامع السعادات : ٢ / ٤١٠.
٣ ـ الكهف : ١١٠.
يحصل له تلك المرتبة لم يتمكّن من الإخلاص الحقيقي الغير الممزوج بشيء من شوائب الرياء ولو بأنواعها الخفيّة الغامضة التي هي أخفى من دبيب انملة وحينئذ فكون الناس بأسرها مكلّفين بذلك ممّا ينجرّ إلى العسر والحرج ، بل التكليف بما لايطاق ، مع أنّه إذا خفي عليه ذلك لم يكن مكلّفاً ، فإنّ العلم شرط التكليف ، وإن قلنا بأنّ الجاهل غير معذور وأنّ مباديء العلم باختيار العبد فإنّ تحصيل تلك المباديء من العامة متعسّر بل متعذّر ، يلزم منه فساد النظام وبطلان المعائش ، وعلى هذا فالأحسن التفصيل بان الشوب الممزوج إن كان شوباً ظاهراً لا يخفى على العامّة أو خفيّا أدركه صاحبه واطّلع عليه كان مبطلاً والا فلا ، وإطلاق الأخبار منصرف إلى الأفراد ظاهرة المتبادرة التي هي مناط فهم العامّة فلا يضرّ حصول ما لايدركه العامّة إذا خفي عليه ذلك ولم يطّّلع على وجه شوبه ، بل أقول : الظاهر من الإخلاص المأمور به الإخلاص بحسب علمه الحاصل له في ظاهر الحال دون الفرد الكامل الغير المتحقّق الا بالنسبة إلى الفرد الكامل من الانسان.
فصل
في الطهارة
الطهارة لها أربع مراتب :
أحدها : تطهير الظاهر من الأخباث والأحداث والفضلات.
وثانيها : تطهير الجوارح من الجرائم والمعاصي والسيّئات.
وثالثها : تطهير القلب عن مساوي الأخلاق وذمائم الملكات.
ورابعها : تطهير السرّ عما سوى الله تعالى من المخلوقات ، وهي في كلّ مرتبة نصف العمل الذي يشترط بها ، إذ الغاية القصوى في عمل السرّ انكشاف جلال الله وعظمته وحصول الحبّ والأنس ، ولايحصل ذلك الا بارتحال ما سوى الله عنه.
( قل الله ثم ذرهم ) (١) فإنّ الله وغيره لا يجتمعان في قلب واحد.
( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) .(٢)
فنصف العمل تطهير القلب عمّا سوى الله ، والنصف الآخر ظهور الحقّ وإشراق نوره ، وفي عمل القلب عمارته بالأخلاق المحمودة والعقائد الحقّة ، ولا يتّصف بها مالم يتظّف عن نقائضها ، فتطهيرها عنها نصف وتحلّيها بأضدادها النصف الآخر ، وفي عمل الجوارح عمارتها بالطّاعات ، ولايمكن ذلك الا بطهارتها واجتنابها عن المعاصي فهو نصف ، والتحلّي بالطاعات نصف آخر ، وكذا الأولى.
وإليه أشير في قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الطهور نصف الايمان ».(٣)
فإنّ المقصود تخلية البدن والنفس عن الذمائم والرذائل وتحلّيها بالمحاسن والفضائل ، وهذه المراتب ممّا يتفرّع بعضها على بعض ، فلا يصل إلى طهارة السرّ ممّا سوى الله وعمارته بمعرفته الا بطهارة الجوارح عن المعاصي وعمارتها بالطاعات ، ولايصل إليها الا بإزالة الأخباث والأحداث الظاهرة وعمارة الظاهر بانظافة.
طهارة الظاهر إمّا عن الخبث أوعن الحدث أو عن فضلات البدن والأحكام الظاهرة مستقصاة في الكتب الفقهيّة ومن الآداب الباطنيّة لطهارة الخبث وإزالة عند التخلي لقضاء الحاجة تذكير نقصه وحاجته وخيث باطنه وخسّة حاله واشتماله على الاقذار وحمله لها ، ويعتبر من استراحة نفسه عند إخراجها وسكون قلبه عن دنسها وفراغه للعبادات والمناجاة استراحة
__________________
١ ـ الأنعام : ٩١.
٢ ـ الأحزاب : ٤.
٣ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٢٨١.
نفسه الناطقة القدسية أيضاً من الأخلاق الذميمة التي هي نجاسات باطنية بإخراجها وتزكية نفسه عنها وطمأنينتها بذلك وند ذلك يصلح للوقوف على بساط الخدمة ويتأهّ للقرب إلى حريم العزّ ، فكما يجتهد في إخراج النجاسات الظاهرة وتحصيل الاستراحة منها مع كونها قليلة فانية ، فعليه الجتهاد في إخراج النجاسات الكامنة الغئصة في الأعماق من ذمائم الملكات ومساوي الأخلاق وتحصيل استراحة نفسه أبداً منها.
قال الصادقعليهالسلام : « سمّ المستراح مستراحاً لاستراحة النفوس من أثقال النجاسات واستفراغ الأقذار الكثافات فيها ».
والمؤمن يعتبر عندها أنّالخالص من حطام الدنيا والمتخلّي عن شهواتها وأقذارها كذلك يصير في العاقبة فيستريح بالعدول عنها وبتركها ويفرغ نفسه وقلبه من شغلها.
« فينبغي أن يستنكف عن جمعها وأخذها استنكافه عن النجاسة والغئط والقذر ويتفكّر في نفسه المكرّمة في حال كيف تصير ذليلة في حال إلى آخره ».(١)
وأن يتفكّر في أنّ هذا الشيء الكريه الذي يفرح ويحرص في دفعه هو الذي كان يشتهيه ويحرص في طلبه ويستلذّ منه ، فما كان عاقبته كذلك فليحذر من أن يأخذه من غير حلّه فيعذب أبداً لأجله.
ولطهارة الحدث أنّ يستحضر عند اشتغاله بها ان الحكمة في تكليف الشارع بها أن لايدخل في عبادة الله سبحانه ولايشتغل بمناجاته الا مع تطهير أعضائه التي باشر بها الأمور الدنيوية وانهمكت في كدوراتها والتبست منها ظلمة خرجت بسببها عن أهليّة القيام بين يديه تعالى.
فإذا علم أنّ الباعث ذلك فليتنبه منه لأنّ مجرّد ذلك لايطهّرها عنها الا بعد انضمام تطهير القلب من العلاقة بها وعزمه على الرجوع إليه تعالى ،
__________________
١ ـ مصباح الشريعة : الباب ٩ في المبرز ، مع اختلاف كثير.
والانقطاع عن الدنيا وشهواتها ، فإنّ الأعضاء كما عرفت خدّامه وأتباعه ، فما لم يتنوّر أوّلاً لم يسر نورانيّته إليها ولم ترتفع عنها ظلمة الأخباث والكدورات الحاصلة لها من مباشرة أمور الدنيا.
ثم إنّه أمر في الوضوء أوّلاً بغسل الوجه الذي هو مجمع أكثر الحواسّ الظاهرة التي هي عمدة أسباب مباشرة الأمور الدنيويّة ليتوجّه بوجه قلبه إليه تعالى خالياً عن تلك الأدناس ، وثانياً بغسل اليدين لمباشرتها أكثر الأمور الدنيوية والشهوات الطبيعية المانعة عن الإقبال إلى الآخرة ، وثالثاً بمسح الرجلين للتوصّل بهما إلى أغلب المطالب الدنيوية فأمر بتطهيرهما جميعاً ليسوغ له الدخول في عبادة الله والإقبال إلى الله بعد إقباله إلى الدنيا.
وفي الغسل بغسل جميع البدن ، لأنّ أدنى حالات الإنسان وأشدّها تعلّقاً بالملكات الشهوية حالة الجماع ولجميع البدن مدخل فيها كما ورد عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أنّ تحت كلّ شعرة جنابة »(١) فكان غسله أجمع مهمّاً في التأهّل لمقابلة الجهة الشريفة.
وفي التيمّم بمسح الأعضاء بالتراب كسراً لتلك الأعضاء الرئيسة وهضماً لها بملاقاة التربة الخسيسة ، ولمّا كان القلب هو الرئيس الآمر لها بها يبعّده عن الربّ ، وهو موضع التفاته تعالى ، كما ورد « أنّ الله لاينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم »(٢) فله الحظّ الأوفر والمقام الأليق في تطهيره عن الرذائل المانعة عن تحليته بالفضائل من الأعضاء الظاهرة عند الفطن العاقل ، فإذا لم يمكنه ذلك لغاية رسوخ تلك الملكات فيها فلا أقلّ من إقامته مقام الهضم والانكسار والذلّ والعجز والافتقار ، كما أنّ في الأعضاء مع عدم التمكن من الماء يذلّلها بوضعها على التراب عسى أن يرحمه ربّه بذلّه وانكساره ، فإنّه عند المنكسرة قلوبهم فيهبّه نفحة من نفحات نوره ،
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٠٦.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٦ / ١٠٨ و ٣١٢.
فيحصل للعبد بالتفطّن لهذه الإشارات حالة الاقبال إلى العبادات والتدارك لما فات.
وقد ورد عن مولانا الصادقعليهالسلام في مصباح الشريعة ما يستنبط منه هذه الإشارات مع زيادات أخر تظهر على من راجعه.
وقال الرضاعليهالسلام : « إنّما أمر العبد بالوضوء ليكون طاهراً إذا قام بين يدي الجبّار عند مناجاته بين يديه تعالى ، مطيعاً له فيما أمره ، نقيّاً عن الأدناس والنجاسة ، مع ما فيه من ذهاب الكسل وطرد النعاس وتزكية الفؤاد للقيام بين يدي الجبّار ، وانّما وجب على الوجه واليدين والرأس والرجلين ، لأن العبد إذا قام بين يديه تعالى فإنّما ينكشف عن جوارحه ويظهر ما وجب فيه الوضوء وذلك أنّه بوجهه يسجد ويخضع ، وبيده يسأل ويرغب ويرهب ويتبتّل ، وبرأسه يستقبله في ركوعه وسجوده ، وبرجليه يقوم ويقعد.
وأمر بالغسل من الجنابة دون الخلاء لأنّ الجنابة من نفس الإنسان وهو شيء يخرج من جميع جسده ، والخلاء ليس من نفس الانسان ، إنّما هو غذاء يدخل من باب ويخرج من باب ».(١)
ولطهارة البدن عن الفضلات كشعر الرأس بالحلق وشعر الأنف والحاجب وما طال من اللحية بالقصّ ، وشعر الإبط والعانة وسائر الأعضاء بالنورة ، وأظفار اليدين والرجلين بالقلم ، وما يجتمع من الوسخ والقمّل في شعر الرأس واللحية بالغسل والتسريح بالمشط ، وما يجتمع من الوسوخ في معاطف الأذنين بالمسح ونحوه ، وما يجتمع على الأسنان وأطراف اللسان بالسواك والمضمضة ، وفي الأنف من الرطوبات الملتصقة بالاستنشاق ، وما في رؤوس الأنامل ومعاطف ظهورها عقيب الأكل بالغسل وما يجتمع على البدن من الوسخ الحاصل من العرق والغبار ونحوهما بدخول الحمّام ، التذكّر لسرّها أوّلاً ، فإنّه يوجب تنوير القلب وانشراح الصدر وطرد
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٠٨ نقلاً عن علل ابن شاذان ( عيون أخبار الرضاعليهالسلام : الباب ٣٤ ).
الشيطان.
ومن تأمّل في الآداب والأفعال والأقوال الواردة من الشرع وترتيبها الخاص وتخصيصها بعدد أو الابتداء بموضع أو بواحد من المتماثلات عرف اشتمالها على حكمة البتّة.
مثال ذلك أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يكتحل في عينه اليمنى ثلاثاً واليسرى مرّتين ، فاليمنى أشرف فيبدأ به والتفاوت لتحصيل الوتر الذي هو من صفاته تعالى ، وخصوص الخمسة دون الثلاث ، لأنّ الواحدة لاتستوعب أصول الأجفان ، وتخصيص اليمنى بالزيادة لفضلها واختيار الزوج في اليسرى لتحصيل الإيتار في المجموع الذي هو كخصلة واحدة ، وكذا كلّ فعل ورد عنهم وإن كانت عقولنا قاصرة عن إدراك أكثرها.
ويتذكّر داخل الحمام بحرّه حرّ النار ويستفيد منه.
قال الصادقعليهالسلام : « فإذا دخلت البيت الثالث فقل : نعوذ بالله من النار ونسأله الجنّة ، تردّدهما إلى وقت خروجك ».(١)
وذلك لئلّا يغفل عن ذكر الآخرة لحظة ، فإنّ للعاقل في كلّ مايراه ويفعله عبرة وموعظة ، وكلّ ينظر بقدر فهمه فهمه وهمّته وشغله ، فالبنّاء إذا دخل داراً معمورة نظر إلى بنائها بعين الدقّة والبصيرة والنجّار إلى أبوابها وشبائكها ، والحائك إلى ثيابها وكيفيّة نسجها وهكذا سالك طريق الآخرة لاينظر إلى شيء من الدنيا الا ويعتبر إلى أمر من أمور الآخرة ، فإن تظر إلى ظلمة تذكّر ظلمة اللحد وإلى نار تذكّر نار جهنّم ، وإلى عقرب أو حيّة تذكّر حيّات جهنّم وعقاربها ، وإلى صوت هائل تذكّر نغمة الصور ، وإلى مأء حارّ تذكّر الحميم ، وإلى مطعوم مرّ تذكّر الزقّوم ، وإلى محاسبة قوم في مال تذكّر حساب يوم القيامة ، وهكذا.
__________________
١ ـ الفقيه : ١ / ١١٣ ، باب غسل يوم الجمعة ودخول الحمام ، ح ٢٣٢.
فصل
في الصلاة ، وفيه مطالب :
الصلاة معجون سماوي وتركيب إلهي مركّبة من أجزاء مختلفة :
فمنها : ما هو بمنزلة الروح.
ومنها : ما هو بمنزلة الأعضاء الرئيسة.
ومنها : ما هو بمنزلة سائرها.
توضيحه : أنّ الإنسان لايكون كاملاً في إنسانيّته الا بمعنى باطني هو الروح يتوقّف [ عليه ] أصل وجوده وأعضاء محسوسة بعضها في جوفه كالقلب والكبد والمعدة والدماغ ، وبعضها ظاهر لاينعدم بانعدامه الا أنّه يرتفع به تماميّته ويصير ناقصاً كاليد والرجل وأمثالهما ، وبعضها ظاهر لايصير ناقصاً عرفاً بانعدامه الا أنّه يفوت به حسنه كا لحاجبين وتناسب الخلقة وسواد اللحية وامتزاج البياض بالحمرة ، فكذا الصلاة حقيقة مركّبة صوّرها الشارع من أمور متفاوتة تعبّدنا باكتسابها ، فروحها النيّة والقربة والحضور والإخلاص ، وأركانها من تكبيرة الاحرام والركوع والسجود والقيام كالأعضاء الرئيسة يفوت بفواتها حقيقة الصلاة ، ولاتصحّ بدونها ، وسائر واجباتها كالقراءة والأذكار والطمأنينة والهويّ ورفع الرأس ونحو ذلك بمنزلة اليدين والرجلين قد تفوت بفواتها كالعمد والجهل ، وقد لاتفوت كالسهو والنسيان والجهل في بعض المواضع ، وآدابها ومستحبّاتها من القنوت وسائر الأدعية والأذكار ونحوها ممّا لاتفوت بفواتها حقيقة الصلاة ، بل حسنها وكمالها وزيادة الثواب ، ولها أيضاً تفاوت في الفضل والثواب كتفاوت ما يفوّت حسن الإنسان في تفويت أصل الحسن أو كماله فتصير بفواتها مكروهة غير مرغوب فيها.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الصلاة تحفة وهديّة تهديها وتتقرّب بها إلى حضرة ملك الملوك كفرس يهديها طالب القرب من السلاطين إليهم ، وهي تعرض عليه تعالى وترد عليك يوم العرض الأكبر ، فإليك الأمر في تقبيحها أو تحسينها ، فهل ترضى بإهداء عبد ميّت بلا روح أو فرس حيّ أعمى أو أبكم أو أصمّ أو مقطوع الأطراف أو قبيح الصورة إلى ملك من ملوك الدنيا أو تجتهد في تحصيل الفرد الأجود منها بقدر وسعك ، فإن لم ترض الا بالثاني فما بالك لاتجتهد ولاتهتمّ في تجويد هديّتك التي تهديها إلى مالك الملوك ومذلّ رقاب الجبابرة والمنعم عليك بكلّ شيء حتى بصلاتك التي تهديها إليه ، وهل(١) رضاك بالأوّل في حقّه تحقير بالنسبة إليه وهتك لناموس ملكه وسلطنته وحرمة عزّه وجبروته ، وقد ورد في الأخبار أنّ كلّ صلاة لايحسن الإنسان ركوعها وسجودها فهي أوّل خصم على صاحبها يوم القيامة وتقول : مابالك ضيّعتني ضيّعك الله تعالى.(٢)
المعاني الباطنية التي هي روح الصلاة وحقيقتها سبعة :
أحدها : الإخلاص في النية ، وقد تقدّم.
وثانيها : حضور القلب ، أي تفريغه عن غير ما هو متلبّس به حتّى يكون عالماً بما يقوله ويفعله من دون ذهول وغفلة ، ويعبّر عنه بالإقبال والتوجّه والخشوع والخضوع ، وهو يتعلّق بالقلب بتفريغ الهمّة لها والإعراض عمّا سواها ، حتى لايكون في القلب غير المعبود ، وبالجوارح بغضّ البصر وترك الالتفات والعبث والتثاؤب والتمطّي وفرقعة الأصابع وغيرها من المكروهات التي لاتتعلّق بالصلاة.
__________________
١ ـ كذا ، والمناسب : أليس.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٦٥ ويظهر منه أنّه فهم أبي حامد من الأخبار لا أنّه خبر ، نعم نسبة إلى المعصوم النراقي في جامع السعادات : ٣ / ٣٢٣ بلفظ « قد ورد » ، ويؤيّد عدم كونه رواية أيضاً ما رواه في الكافي : ٣ / ٢٦٨ ، الحديث ٤ فراجع.
والثالث : فهم المعنى زيادة على الحضور مع اللفظ لتفارقهما والناس فيه على تفاوت عظيم ، فكم من دقائق ولطائف تنكشف على بعض المصلّين في أثنائها لم تنكشف على غيره ولا عليه قبلها ، ولذا تنهى عن الفحشاء والمنكر.
والرابع : التعظيم وهو أمر وراء حضور القلب والتفهّم.
والخامس : الهيبة ، أي الخوف الناشي من التعظيم ، فمن لايخاف لايسمى هائباً ، وكم من خوف ناش عن غير التعظيم.
والسادس : الرجاء زائداً على الخوف منه لبرّه وإحسانه.
والسابع : الحياء الناشي من استشعار قصور أو تقصير في الخدمة ، وكون هذه السبعة بمنزلة الروح لها ظاهر ، إذ الغرض الأصلي كما عرفت تصفية النفس وتصقيلها ، فكلّ ما يكون أثره أشدّ فهو أفضل ، والمقتضي لصفائها وصقالتها عن الأخباث والكدورات الحاصلة لها من مزاولة الشهوات ليس الا ما ذكر ، وليس للحركات الظاهرة مدخل فيها الا من حيث التقوية كما عرفت.
هذا ، مع أن الصلاة مناجاة ، وإفشاء عمّا في الضمير ، ولامناجاة ولا إفشاء مع الغفلة وعدم الحضور وحركة اللسان على مقتضى العادة ، وكيف تصير هذه الحركة العادية مع سهولة خطبها عماداً للدين ، فاصلاً بين الكفر والإيمان ، مقدّماً على كلّ عبادة موصولاً بها إلى كل خير وسعادة ، ولذا ورد الحثّ على ذلك في الآيات والأخبار ممّا لاتحصى ، والذّم على الغفلة والوساوس الشيطانية أيضاً فيها خارج عن حدّ الاستقصاء وتظاهرت الأخبار بكون الأنبياء والأولياء في حالتها على غاية الإقبال والخشوع والخوف.
( الّذين هم في صلاتهم خاشعون ) .(١)
__________________
١ ـ المؤمنون : ٢.
( ولا تكن من الغافلين ) .(١)
( فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون ) .(٢)
وفي أخبار موسىعليهالسلام : « يا موسى إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك ، وكن عند ذكري خاشعاً مطمئنّاً ، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك وراء قلبك ، وإذا قمت بين يديّ فاجعل قيامك قيام العبد الذليل ، وناجني بقلب وجل ولسان صادق ».(٣)
وقال عليعليهالسلام : « طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء ، ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه ، ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه ».(٤)
وروي انّ الخليلعليهالسلام كان يسمع تأوّهه على حدّ ميل ، وكان في صلاته يسمع له أزيز كأزيز المرجل ، وكذلك كان يسمع من صدر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .(٥)
وقالت بعض أزواجه : إذا حضرت الصلاة فكأنّه لم يعرفنا ولم نعرفه.(٦)
وكان عليعليهالسلام إذا توضّأ تغيّر وجهه خوفاً ، وإذا حضر وقت الصلاة يتزلزل ويتلوّن ، فقيل له في ذلك ، فقال : « جاء وقت أمانة عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ».(٧)
وأخرج النصل من رجله في حالة صلاته فلم يشعر بها.(٨)
وكان السجّادعليهالسلام إذا توضّأ اصفرّ لونه ويقول : « أتدرون بين يدي من
__________________
١ ـ الأعراف : ٢٠٥.
٢ ـ الماعون : ٤ ـ ٥.
٣ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٧٢ ـ ٣٧٣.
٤ ـ الكافي : ٢ / ١٦ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الإخلاص ، ح ٣.
٥ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٥١ نقلاً عن عدّة الداعي.
٦ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٥٠ ـ ٣٥١.
٧ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٥١.
٨ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٧٩ ـ ٣٩٨.
أريد أن أقوم؟ ».(١)
وقالعليهالسلام : « إنّ العبد لايقبل من صلاته الا ما أقبل فيها ».(٢)
وكانعليهالسلام إذا قام إلى الصلاة تغيّر لونه وإذا سجد لم يرفع رأسه حتّى يرفضّ عرقاً ، وكان في الصلاة كأنّه ساق شجرة لا حركة له الا ما حرّكت الريح.(٣)
وخرّ الصادقعليهالسلام مغشّياً عليه في الصلاة ، فقيل له في ذلك ، فقال : مالت أردّد هذه الآية على قلبي حتّى سمعتها من المتكلّم بها ، فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته ، قيل : وكانت لسان الإمام في تلك الحالة كشجرة طور حين قالت : إنّي أنا الله.(٤)
وحينئذ تعلم أنّ من الناس من يتمّ صلاته ولايحضر قلبه لحظة ، ومن يغفل في بعضها ويحضر في بعض ، ويختلف ذلك بحسب أختلاف الحضور والغفلة في الكثرة والقلّة ، ومن يحضر في صلاته بأسرها ولايغفل لحظة لاستيعاب همّه بها بحيث لايحسّ بما يجري عليه أو بين يديه ، ولايستبعد هذا بعد مشاهدة من استغرق همّه عند الدخول على الملوك أو على المعشوق مع خساسة حظّه ، فلكلّ درجات ممّا عملوا ، وحظّ كلّ واحد بقدر خضوعه وخشوعه لما عرفت أنّ الله لاينظر إلى الجوارح ، بل إلى القلوب ولاينجو الا من أتى الله بقلب سليم.
فإن قلت : يظهر ممّا ذكرت عدم قبول ما ليس فيه إقبال وهو خلاف فتوى الفقهاء فيما سوى النيّة والتكبير؟
قلت : فرق بين القبول والإجزاء ، فمرادنا من الأوّل مايحصل له التقرّب إلى الله ، ومن الثاني ما يسقط به التكليف والخروج عن العهدة
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٥١.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٥٢.
٣ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٥٢.
٤ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٥٢.
والناس مختلفون فيه ، إذ ليس التكليف الا بالمقدور ولايمكن تلكيف الجميع بالحضور في كلّ الصلاة ، بل لا يقدر عليه الا الأقلّون ، ولعدم التمكّن سقط الوجوب الا عن القدر المقدور للجميع وهو الجزء اليسير من النيّة والتكبير فاقتصر عليه ، والمرجوّ من الله سبحانه أن لايكون حال الغافل في جميع صلاته عند الله كالتارك بالمرّة لإقدامه على الفعل وإحضاره القلب ولو في لحظة.
ثم إنّ لهذه السبعة أسباباً لاتتمّ بدونها ، فسبب الحضور الاهتمام ، فإنّ القلب يتبع ما يهمّه ويحضر عند همّه شاء أم لم يشأ ، فهو مجبول عليه ، مسخّر تحت حكمه ، فعدم حضوره في الصلاة إنّما هو لأجل حضوره فيما يهمّه من أمور الدنيا ، إذ لايبقى متعطّلاً ، ولذا تراه حاضراً إذا حضرت عند ملك من ملوك الدنيا مستغرقاً همّه فيه فلا يمكن إحضاره للصلاة الا بصرف همّه إليها وهو لايمكن الا باليقين بكون الآخرة خيراً وأبقى ، والصلاة وسيلة إليها مع حقارة الدنيا ، فعدم الحضور في الصلاة ليس الا من ضعف الإيمان ، فلابدّ من السعي في تقويته.
وسبب التفهمّ بعد الحضور إدمان الفكر وصرف الذهن إلى فهم المعنى. وعلاجه بما ذكر مع الإقبال على الفكر والتشمّر لرفع الخواطر الشاغلة بقطع موادّها من علائق الدنيا التي حدث الخاطر النفساني بسببها ، فمن أحبّ شيئاً أو أبغضه أو خاف منه أكثر ذكره ، فذكرها يغلب على القلب ضرورة.
وأما التعظيم فإنّه حالة للقلب تتولّد من معرفتين :
إحديهما : معرفة جلاله تعالى ، إذ لاتذعن النفس لتعظيم أحد الا بعد اعتقاد عظمته ، وهذه من أصول الايمان.
والثانية : معرفة حقارة النفس وذلّتها وكونها مسخّرة تحت حكمه تعالى
غير قادرة على نفع أو ضرّ فيتولّد منها الاستكانة والانكسار والخشوع ، ويعبّر عنها بالتعظيم ، ولا يتحقّق بدون انضمام الثانية إلى الأولى ، إذ من استغنى عن غيره وأمن منه على نفسه لم يعظّمه ولم يخشع له ، وإن عرف جلاله وعظمته.
وأمّا الهيبة والخوف فحالة للنفس تتولّد من المعرفة يقدرته وسطوته ونفوذ مشيّته فيه ، وأنّه لو أهلك الأوّلين والآخرين لم ينقص من ملكة شيء مع تذكّر ما جرى على الأنبياء والأوصياء من المصائب وأنواع البلاء مع قدرته على دفعها ، فكلّما ازداد العلم بالله وصفاته وأفعاله زادت الخشية والهيبة.
وأمّا الرجاء فسببه معرفة لطف الله وإكرامه وعميم إحسانه وإنعامه ولطائف صنعه ومعرفة صدقه في وعده الجنّة بالصلاة ، فإذا حصل اليقين بوعده ولطفه انبعث الرجاء.
وأمّا الحياء فسببه استشعار القصور في المعرفة والتقصير في الطاعة وعلمه بالعجز عن القيام بتعظيم حقّ الله ، ويقوى ذلك بمعرفة عيوب النفس وآفاتها وقلّة إخلاصها وخبث باطنها وميلها إلى الحظّ العاجل في جميع أفعالها مع علمها بجميع ما يقتضيه جلال الله وعظمته واطلاعه على السرائر وخطرات الضمائر وإن كانت خفيّة ، فبعد حصول هذه المعارف ينبعث الانفعال والحياء ضرورة.
ثم العلاج في تحصيل هذه الأسباب يتمّ بتحصيل معرفة الله وجلاله وعظمته واستناد الأشياء باسرها إليه وعلمه بكلّ شيء ، ولابدّ من كونها يقينيّة ليترتّب عليها الأثر ، إذ مالم يحصل اليقين بأمر لايحصل التشمّر في طلبه والهرب عنه ، وهذه المعرفة يعبّر عنها بالإيمان ، ثمّ تفريغ القلب عن مشاغل الدنيا ، إذ لا ينفكّ العارف المذكور عن المعاني المذكورة الا لتفرق الفكر وغفلة القلب الغير الحاصلين الا من الخواطر الرديّة الشاغلة فالدواء في الإحضار بعد المعرفة المذكورة رفع تلك الخواطر بدفع أسبابها وهي إما
أمور خارجة مثل ما يظهر للبصر أو يقرع على السمع فإنّه قد يختطف الهمّ حتّى يتبعه ويتصرّف فيه ، ثم ينجرّ منه إلى غيره ، ويتسلسل فيصير النظر الأوّل باعثاً لفكر ، وذلك الفكر لآخر وهكذا. فعلاج هذا القسم بغضّ البصر واختيار مكان مظلم ضيّق خال عن الأشياء الملهية كما كان ذلك عادة لأكابر السلف.
وإمّا أمور باطنة في نفسه ، وهي أشدّ فإنّ من تفرّقت همومه وكثرت مشاغله وعلائقه في الدنيا لم ينحصر فكره في فنّ واحد ، بل لايزال يطير من جانب إلى آخر ، فلا يغنيه غضّ البصر وأخواته لكفاية ما وقع في القلب سابقاً في الهمّ.
وعلاجه ردّ نفسه قهراً إلى ما يشغلها به من غيره ويعينه بالإعداد له قبل التحريم بتجديد ذكر الآخرة وعظم خطر المقام بين يدي الله تعالى وهول المطّلع فيفرغ قلبه قبل التحريم عمّا يهمّه من أمور الدنيا فلا يترك لنفسه شيئاً يلتفت إليه ، فإن سكن داؤه بهذا الدواء والا فلا ينجيه الا المسهل الذي يقمع مادته من أعماق العروق بأن نظر فيما يصرفه من إحضار القلب ، ومآله إلى مهمّاته التي اهتمّ بها لأجل علائقه وشهواته فليعاقب نفسه بالنزوع عنها وقطعها لكونها مضادّة لدينه ومعاونة لعدوّه الذي هو الشيطان في إخراجه عن الجنّة التي يستحقّها بصلاته وهذا هو الدواء الحقيقي القامع للمادّة والنافع في قطع الشهوة القويّة التي لاتزال تجاذب وتجادل حتّى تغلب فتنقضي الصلاة في الجدال معها والا فالأوّل ينعف فيما يضعف من الشهوات والهموم الشاغلة لحواشي القلب ، فمن جلس تحت شجرة لمطالعة أو فكر يهتمّ به فإن أصوات العصافير تؤذيه وتشوّش عليه فكره ، فالأول بمنزلة تطهيرها بالعصا ، ثم إذا عاد إلى فكره عادت العصافير وهكذا ، والثاني بمنزلة قطع الشجرة فلا تعود العصافير أبداً ، وكذلك شجرة الشهوة إذا استقلت وتفرّعت أغصانها انجذبت إليها الأفكار انجذاب العصافير إلى الأشجار والذياب إلى الأقذار ،
ويطول الشغل في دفعها ويجمعها حبّ الدنيا وهو رأس كلّ خطيئة ، فمن انطنوى باطنه عليه ومال إلى شيء منها لا ليتزوّد بها إلى الآخرة فلا يطمعنّ في أن يصفو له لذّة المناجاة ، فهمّة الرجل مع قرّة عينه ، فهذا هو الدواء ولمرارته استبشعته الطباع وصار الداء عضالاً مزمناً.
هذا كلّه في الخواطر الناشئة عن مشاغل الدنيا وعلائقها.
وأمّا الوساوس الباطلة الحاصلة من دون اختيار للعبد في خطورها مع عدم تعلّقها بعمل دنيوي فالأمر فيها أصعب وإن كان لقطع حبّ الدنيا وقلع شهواتها عن القلب مدخل عظيم فيها أيضاً ، وقد تقدّم التفصيل في ذلك في بحث الوساوس.
في كلّ من الشروط والأركان والأفعال أسرار وإشارات ينبغي لسالك الآخرة أن لايغفل عنها ، فإذا سمعت الأذان تنبّه لنداء يوم القيامة وهوله وتشمّر للاجابة والمسارعة ، فإنّ المسارعين إلى هذا النداء ينادون بالطلف هناك ، واعرض قلبك عليه ، فإن وجدته فرحاً راغباً إلى المسارعة فأبشر بالنداء بالبشرى والفوز يوم الجزاء ، كما قال سيّد الرسلصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أرحنا يا بلال »(١) إذ كانت قرّة عينه وسروره فيها.
واعتبر بفصوله كيف افتتحت بالله واختتمت به ، فإنّه الأوّل والآخر والظاهر والباطن ، ووطّن قلبك بالتعظيم عند سماع التكبير واستحقر الدنيا بما فيها حتّى لاتكون كاذباً فيه ، واسلب عن خاطرك كلّ معبود سواه بالتهليل ، وأحضر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وتأدّب بين يديه واشهد له بالرسالة مخلصاً وصلّ عليه وآله أداء لبعض حقوقهم وحرّك نفسك ووسّع قلبك وقالبك عند الدعاء إلى الصلاة وما يوجب الفلاح وما هو خير الأعمال وجدّد عهدك بالتكبير واختمه به كما بدأت واجعل بدأك منه وعودك إليه وقوامك به
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٧٧.
وحولك وقوتّك بحوله وقوتّه.
واعتبر من الوقت ميقاتاً وقتّه ربّك لتقوم فيه بخدمته وتنال الفوز بحضرته ، وأظهر على قلبك السرور ووجهك البهجة بدخوله لكونه سبباً لقربك وفوزك ، واستعدّ له بالطهارة والنظافة ، ولبس ما يصلح للمناجاة كما تتأهّب للقدوم على ملوك الدنيا ، وتلقّاه(١) بالسكينة والوقار والخوف والرجاء واستحضر عظمته وجلاله وكمال قدرته ونقصانك عن القابليّة للقيام بخدمته وقصورك عن أداء وظائف الطاعة.
وإذا أتيت بالطهارة في مكانك وهو الظرف الأبعد ، وثيابك وهو غلافك الأقرب ، وبشرتك وهي قشرك وهي قشرك الأدنى فلا تغفل عن ذاتك ولبّك ، أي نفسك وقلبك فطهّره بالتوبة والندم على مافرّط والعزم على الترك في المستقبل ، فإنّه موضع نظره ، وغذا سترتت مقابح بدنك عن أبصار الخلق فاستحضر قبائح باطنك التي لا يطّلع عليها الا ربّك وطالب نفسك بسترها ، فحيث أذعنت بأنهّ لايستتر عن الله شيء الا بتكفيره بالخوف والندامة والحيء انبعثت منها جنودها فتذّل وتستكين وتقوم بين يدي الملك الحقّ المبين كالعبد المسيء الآيق المسكين الذي ندم من تفريطه في جنب مولاه في فعله فجاءه خائفاً مستحيياً راجياً لعفوه وصفحه وفضله.
قال الصادقعليهالسلام : « أزين اللباس للمؤمن لباس التقوى وأنعمه الإيمان ». قال الله تعالى :( ولباس التقوى ذلك خير ) .(٢)
وأمّا اللباس الظاهر فنعمة من الله يستر بها عورات بني آدم وهي كرامة أكرم الله بها عباده ذرّية آدم مالم يكرم بها غيرهم ـ إلى أن قال ـ : فإذا لبست ثوبك فاذكر ستر الله عليك ذنوبك برحمته وألبس باطنك بالصدق كما ألبست ظاهرك بثوبك ، وليكن باطنك في ستر الرهبة وظاهرك في ستر
__________________
١ ـ كذا ، والظاهر : تلقّه.
٢ ـ الأعراف : ٢٦.
الطاعة ، واعتبر بفضل الله عزّوجلّ حيث خلق أسباب اللباس ليستر العورات الظاهرة ، وفتح أبواب التوبة والإنابة ليستر بها عورات الباطن من الذنوب وأخلاق السوء ، ولاتفضح أحدأً حيث ستر الله عليك أعظم منه الحديث ».(١)
وإذا أتيت مصلّاك فاستحضر فيه أنّك كائن بين يدي الملك تريد مناجاته والتضرّع إليه والتماس رضاه فاختر موضعاً شريفاً يصلح له كالمساجد والمشاهد الشريفة مهما أمكن ، إذ جعلها الله محلاً للإجابة ونزول الفيوض والرحمة ، وادخلها على سكينة ووقار مراقباً للخشوع والانكسار.
قال الصادقعليهالسلام : « إذا بلغت باب المسجد فاعلم إنّك قصدت ملكاً عظيماً لايطأ بساطه الا المطهّرون ولايؤذن لمجالسته الا الصدّيقون وهب القدوم على بساط خدمته هيبة الملك ، فإنّك على خطر عظيم إن غفلت. واعلم انه قادر على ما يشاء من العدل والفضل معك وبك ، فإن عطف عليك بفضله ورحمته قبل منك يسير الطاعة وأجزل لك عليها ثواباً كثيراً ، وإن طالبك باستحقاقه الصدق والاخلاص عدلاً بك حجبك وردّ طاعتك وإن كثرت ، وهو فعّال لما يريد ».(٢)
وأمّا الاستقبال فهو صرف لظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله وهو إشارة إلى صرف وجه القلب عن كلّ الأشياء إلى الله ، لكون الظواهر محرّكات إلى البواطن بما يناسبها ، فضبط الجوارح وتسكينها إلى جهة واحدة لئلا تطغى على القلب ، فإنّها إذا توجّهت إلى جهات عديدة تبعها القلب كما عرفت فأمر الله بالتوجّه نحو بيته ليتذكّر القلب صاحب البيت ويثبت عليه حين الصلاة كما تثبت الأعضاء.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ الله يقبل على المصلّي مالم يلتفت ».(٣)
__________________
١ ـ مصباح الشريعة : الباب ٧ ، في اللباس.
٢ ـ مصباح الشريعة : الباب ١٢ ، في دخول المسجد.
٣ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٨٩ ، وفيه ، مقبل.
فكما يجب حرامة الرأس والعين عن الالتفات إلى غير القبلة فكذا يجب حراسة القلب عن الالتفات إلى غير الصلاة بتذكيره اطّلاع الله عليه ، وقبح غفلة المناجي عمّن يناجيه ، سيّما إذا كان ملك الملوك وألزم الخشوع ، فإنّ الخلاص عن الالتفات لايتمّ الا به ، وخشوع الباطن يستلزم خشوع الظاهر كما قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم للذي رآه في صلاته عابثاً بلحيته : « أمّا هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه »(١) فإنّها بمنزلة الرعية له وهي تحت حكم راعيها.
وفي الدعاء : « اللّهم أصلح الراعي والرعيّة »(٢) إشارة إلى القلب والجوارح ، فكما لايتمّ الاستقبال الظاهر الا بصرف الجوارح عن غير البيت فكذا لايتمّ الاستقبال القلبي إلى الله الا بالتفرّغ عمّا سواه.
وفي الخبر : أما يخاف الذي يحوّل وجهه في الصلاة أن يحوّل الله وجهه وجه حمار؟(٣)
قيل : إنّه نهى عن الألتفات عن الله تعالى وملاحظة عظمته في حال الصلاة ، فإنّ الملتفت يميناً وشمالاً غافل عن الله وعن مطالعة أنوار كبريائه ، ومن كان كذلك فيوشك أن يدوم تلك الغفلة عليه فيحوّل وجه قلبه كوجه قلب الحمار في قلة عقله للأمور المعلومة وعدم فهمه للمعارف.
وأمّا القيام فهو وقوف بالشخص والقلب بين يديه تعالى ، فليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك مطرقاً مطأطأ تنبيهاً للقلب على لزوم التواضع والانكسار والتبرّي عن العجب والاستكبار ، وتذكّر خطر وقوفك في هول المطّلع عند التعرّض للسؤال وتذكّر في الحال قيامك بين يدي ذي الجلال واطّلاعه عليك في كلّ الأحوال ، فليكن قيامك بين يديه تعالى على مايليق بعظمته ، وإن عجزت عن معرفته فلا تجعله أهون من ملوك
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٨٩.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٨٩.
٣ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٨٢.
الدنيا ، بل عامله معاملتك معهم ، بل أنزله منزلة من يشاهدك وينظر إليك في صلاتك ممّن يتوقع منك الصلاح ، فإنك تخشع وتسكن فيها حتّى يكون لك موقع في نظره ، فما أقصر عرفان من خشع لغير الله ولم يخشع لجلاله وعظمته واطّلاعه على ضميره لعدم تدبّره في قوله تعالى :
( الّذي يراك حين تقوم * وتقلّبك في الساجدين ) .(١)
وأمّا التوجّه بالتكبيرات فاستحضر عنده عظمته وجلاله وصغر نفسك في جنبهما وقصورك عن وظائف خدمته وإجلاله وتذكّر عظيم ملكه وعموم قدرته استيلائه على العالمين.
وإذا قلت : « لبّيك إلى آخره » ، مثّل نفسك بين يديه. وأعلم أنّه أقرب منك إليك يسمع نداءك ويستجيب دعاءك ، وأنّ خير الدنيا والآخرة بيده لا بيد غيره وأنّه خير محض لا شرّ في فعله ، وإذا قلت : « عبدك إلى آخره » ، اعترفت له بالعبوديّة وأنّه ربّك وخالقك ومالكك وموجدك وبه قوامك ، ومنه مبدؤك وإليه معادك وأنت صنيعه فلا يترك إحسانك والرحمة عليك ، فتوكّل عليه في أمورك ، ولا تعتمد الا عليه في مقاصدك فتفطّن لهذه الحقائق وترقّ منها إلى ما ينفتح عليك من الأسرار والدقائق.
وأمّا النيّة فقد عرفت معناها فاجتهد في خلوصها عن شوائب الأغراض فيفسد حقيقة إخلاصك ، وتذكّر عظم لطفه وامتنانه عليك ، حيث اذنك في المناجاة مع سوء أدبك وكثرة جنايتك ، وعظّم في نفسك قدر مناجاة ، وانظر مع من تناجي وماذا تناجي وكيف تناجي ، وعنده ليغرق جبينك من عرق الخجالة ويرتعد فرائصك من الهيبة.
وإذا كبّرت التحريمة تذكّر لمعناها وأنّه أكبر من يوصف أو من كلّ شيء وأن يدرك بالحواسّ ويقاس بالناس ، فانتقل منه أيضاً إلى جلاله وعظمته واستناد ما سواه إليه بالإيجاد ، وكن موقناً بذلك حتّى لايكذّب
__________________
١ ـ الشعراء : ٢١٨ ـ ٢١٩.
لسانك قلبك ويشهد الله تعالى بكذبك ، وإن كنت صادقاً في كلامك كما شهد على المنافقين في إثبات الرسالة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإن كان هواك أغلب عليك من أمر الله ونفسك أطوع له منه فهواك إلهك وهو الأكبر عندك ، فقولك : « الله أكبر » مجرّد قال باللسان ، وما أعظم خطره لولا التوبة والإذعان حسن الظنّ بالله في الكرم والإحسان والجود الامتنان.
قال الصادقعليهالسلام : « إذا كبّرت فاستصغر ما بين [ السماوات ] العلى والثرى دون كبريائه ، فإنّ الله إذا اطّلع على القلب وهو يكبّر وفي قلبه عارض عن حقيقة تكبيره قال : يا كاذب أتخدعني؟ وعزّتي وجلالي لأحرمنّك حلاوة ذكري ولأحجبنّك عن قربي والمسارّة بمناجاتي ».(١)
فاعتبر قلبك حين صلاتك ، فإن وجدت لذّة المناجاة فاعلم أنّه قد صدّقك في تكبيرك والا فقد كذّبك وطردك من بابه وأبعدك عن جنابه ، فابك بكاء الثكلى على حرمانك عن الدرجات العلى ، وعالج نفسك قبل أن يبدرك الحسرة العظمى.
وأمّا دعاء الاستفتاح فمعلوم أنّ المراد منه وجه القلب دون الظاهر لتنزّهه عن الجهات ، فقد ادّعيت التوجّه القلبي إلى فاطر الأرضين والسماوات ، فإيّاك أن يكون أوّل افتتاحك بالكذب في المناجاة فاجتهد في إقبالك عليه ولو في هذا الوقت خاصّة من بين سائر الأوقات.
وإذا قلت : « حنيفاً مسلماً » ، فليخطر ببالك أنّ المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه ، فإن لم تكن كذلك كذبت أيضاً ، فلا أقلّ من الندم على سابق الأحوال والعزم على ذلك في الاستقبال.
وإذا قلت : « وما أنا من المشركين » فليخطر ببالك الشرك الخفّي وكونه داخلاً في الشرك ، إذ يطلق على القليل والكثير ، فلو قصدت بجزء من عبادتك غيره تعالى من مدح الناس وطلب المنزلة في قلوبهم كنت مشركاً
__________________
١ ـ مصباح الشريعة : الباب ١٣ ، في افتتاح الصلاة ، وما بين المعقوفتين في المصدر.
كاذباً في كلامك فانفه عن نفسك واستشعر الخجالة في قلبك إن وصفت نفسك بما ليست متّصفة به في الواقع.
وإذا قلت : « محياي ومماتي لله ربّ العالمين » ، فاعلم أنّه حال مفقود بنفسه ، فان بذاته موجود بسيّده ، باق بربّه ، فإن رأى لنفسه قدرة وأثراً وفعلاً من الرضاً والغضب والقيام والقعود والرغبة في الحياة والخوف من الموت كان كاذباً.
فإذا قلت : « أعوذ بالله من الشيطان الرجيم » فاعلم أنّ الشيطان أعدى عدوّك مترصّد لصرفك عن الله ويحسدك في مناجاتك وسجودك له لصيرورته طريداً لأجل ترك السجود ، ولاينفع في دفع شره مجرد القول كما لاينفع في دفع شرّ مجرد القول كما لاينفع في دفع شرّ السبع الذي يقصدك أن تقول : أعوذ منك بهذا الحصن الحصين وأنت ثابت على مكانك غير متحرّك إلى الحصن ، بل لابدّ في الاستعاذة من ترك مايحبّه عدوّك من الشهوات ، والإتيان بما يحبّه الله من الطاعات ، فليقترن تعوّذك بالحصن الذي هو كلمة التوحيد ، كما ورد في الخبر بالعزم الثابت واليقين الشهودي بأنّ كلّ شيء منه وله وبه وإليه وأن لا فاعل ولا مؤثّر الا هو بحيث يترتّب عليه أثر الشهود من الرضا والتوكّل وسائر المقامات اللازمة له ، فإنّه الحصن حقيقة.
وأمّا من اتّخذ إلهه هواه فهو في ميدان الشيطان دون حصن الرحمن ، وإن حدّث نفسه بذلك.
وإذا قلت : « بسم الله الرحمن الرحيم » ، فانو به التبرّك لابتدائك بقراءة كلام الله ، والمراد بالاسم هنا المسمّى ، فمعناه كون كلّ الأمور بالله فيتفرّع عليه انحصار الحمدلله ، إذ المراد منه الشكر والشكرعلى النعم ، فإذا كانت كلّها من الله انحصر الشكر له ، فمن يرى نعمة من غير الله أو يقصد غيره تعالى فشكره لا من حيث كونه مسخّراً لله ففي تسميته وتحميده نقصان بقدر التفاته إلى الغير.
وإذا قلت : « الرحمن الرحيم » فأخطر في قلبك أنواع لطفهوإحسانه ليتّضح لك رحمته ، فينبعث به رجاؤك.
وإذا قلت : « مالك يوم الدين » فاستشعر من قلبك التعظيم والخوف ، إذ لا مالك الا هو ، ويوم الجزاء هائل وحسابه أهول وأدهى.
ثم جدّد الإخلاص بقولك : « أيّاك نعبد » ، والعجز والاحتياج بقولك : « وإيّاك نستعين » ، وانّه ماتيسّرت طاعتك الا به ، وأنّ له المنّة على ذلك حيث جعلك أهلاً للمناجاة ، ولو حرمك عنها لكنت من المطرودين كالشيطان العين ، وأنّه إذا كانت الإعانة منحصرة فيه فيأخرج الوسائل والأسباب عن القلب الا من حيث إنّها مسخّرة منه تعالى.
وإذا قلت : « اهدنا الصراط المستقيم » فاعلم أنّه طلب للأهمّ ، أي الهداية السائقة بك إلى جواره ، والمفضية بك إلى مرضاته ومجاورة من أنعم عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين دون المغضوب عليهم من الكفّار والفجّار.
وإذا تلوت الفاتحة كذلك فيشبه أن تكون ممّن قال الله على لسان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصف لي ونصفها لعبدي ، يقول العبد : الحمدلله ربّ العالمين فيقول الله : حمدني عبدي وأثنى عليّ وهو معنى قوله : سمع الله لمن حمده الحديث ».(١)
وكذلك ينبغي أن تخرج الأسرار والدقائق من السورة ، فلا تغفل عن أمره ونهيه ووعده ووعيده قصصه ومواعظه الإخبار عن مننه وإحسانه ، فإنّ لكلّ حقّاً ، فحقّ الأمر والنهي العزم ، وحقّ الوعد الرجاء ، وحقّ الوعيد الخوف ، والموعظة الاتّعاظ ، والقصص العبرة ، والمنّة الشكر ، كلّ بحسب درجات الفهم ، وهو بحسب العلم وصفاء القلب ، ودرجات ذلك لاتنحصر ، والصلاة مفتاح القلوب بها ينكشف الأسرار.
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٨٨.
فهذا حقّ القراءة والأذكار والتسبيحات ، والناس فيها على ثلاث مراتب :
حركة اللسان مع غفلة القلب ، ثم متابعة القلب له كما يسمع من الغير إذا خاطب شيء وهودرجة أصحاب اليمين.
ثم متابعة اللسان للقلب فيسبق المعاني إلى القلب ثم يترجمه اللسان ، وفرق بين كون اللسان ترجمان القلب أو معلّمه ، وهو درجة المقرّبين.
ولابدّ من مراعاة الترتيل وترك التعجيل والتفرقة بين آيات الوعد والوعيد والرحمة والعذاب.
ثم إذا ركعت فجدّد ذكر كبريائه وجلاله وارتفاعه من أن يصل إليه أيدي العقول مستجيراً بعفوه من عقابه ، وبالهويّ ذلك وانكسارك فترققّ قلبك وتزيد في خشوعك وتستعين على تقريره في القلب باللسان وتكرّره على القلب لترسخ فيه عظمته وجلاله ، وتذكر مؤاخذته لك عن أداء حقوق نعمائه وسؤاله عنك وعجزك عن الجواب فتهوي حياء ، ثم بعد ذلك ترفع رأسك راجياً منه الرحمة والعفو مؤكّداً له في قلبك بقولك : سمع الله لمن حمده ، وتتبعه بالشكر المستلزم للمزيد فتقول : الحمدلله ربّ العالمين.
وعن عليعليهالسلام في مدّ العنق في الركوع : « آمنت بك ولو ضربت عنقي ».(١)
وقال الصادقعليهالسلام : « الركوع أدب ، والسجود قرب ، من لايحسن الأدب لايصلح للقرب ، فاركع ركوع خاضع لله بقلب متذلّل وجل تحت سلطانه ، خافض له بجوارحه خفض خائف حزن على ما يفوته من فائدة الراكعين ».(٢)
فإذا سجدت جدّد على قلبك غاية الذلّ والعجز والانكسار ، لأنّه أعلى
__________________
١ ـ الفقيه : ١ / ٣١١ ، باب وصف الصلاة ، ح ٩٢٧ ، وفيه : أمنت بالله.
٢ ـ مصباح الشريعة : الباب ١٥ ، في الركوع ، مع اختلاف.
درجات الاستكانة فتمكّن الوجه الذي هو أعزّ عضو منك على أذلّ شيء أي التراب ، ولاتجعل بينهما حاجزاً بل اسجد على الأرض لأنّه أدلّ على الخضوع.
واعلم أنّك رددت الفرع إلى الأصل ، لأنّك خلقت من التراب ورددت إليه وعنده تجدّد ذكر جلاله وعظمته وتقول : سبحان ربّي الأعلى وتؤكّده بالتكرار تحصيلاً للرسوخ والدوام ، فإن رقّ قلبك فليصدق رجاؤك في رحمة ربّك ، لأنّ رحمته تتسارع إلى محلّ الذلّ دون الكبر والعجب ، فارفع رأسك مكبّراً مستغفراً وسائلاً حاجتك ، ثم أكّد التواضع بالتكرار وعد إلى السجود ثانياً.
قال عليعليهالسلام في معنى السجدة الاولى : « اللّهمّ إنّك منها خلقتنا » يعني من الأرض ، ورفع الرأس عنها « ومنها أخرجنا » ، والسجدة الثانية « وإليها تعيدنا » ، ورفع الرأس عنها « ومنها تخرجنا تارة أخرى ».(١)
وقال الصادقعليهالسلام : « فاسجد سجود متواضع لله ذليل علم أنّه خلق تراب يطأه الخلق وأنّه ركّب من نطفة يستقذرها كلّ أحد ، وقد جعل الله معنى السجود سبب التقرّب إليه بالقلب والسرّ والروح ، فمن قرب منه بعد عن غيره الحديث ».(٢)
فإذا جلست للتشهّد بعد هذه الدقائق المشتملة على الأخطار فاستشعر الخوف التاّم والوجل والحياء أن لايكون جميع ماسلف منك واقعاً على وجهه حاصلاً بوظائفه مكتوباً في ديون القبول ، فاجعل يدك صفراً من فوائدها وعد إلى مبدء الأمر وأصل الدين أعني كلمة التوحيد الذي هو الحصن الحصين واستمسك به في كلّ حين ، فاشهد لربّك بالوحدة على سبيل شهود اليقين واحضر ببالك رسوله الصادق الأمين ، واشهد بأنه
__________________
١ ـ الفقيه : ١ / ٣١٤ ، باب وصف الصلاة ، ح ٩٣٠ ، مع اختلاف.
٢ ـ مصباح الشريعة : الباب ١٦ ، في السجود ، مع اختلاف.
عبدالله وسيّد المرسلين ، وأدّ شيئاً من حقوق نبيّك وعترته الأطهرين بالصلاة عليه وعلى آله الطاهرين ، فلو وصلت إليه فائدة أحدها فزت بالنجاة والفلاح في يوم الدين.
قال الصادقعليهالسلام : « التشهّد ثناء على الله فكن عبداً له في السرّ خاضعاً له في الفعل كما أنّك عبد له في القول ، وصل صدق لسانك بصفاء سرّك ، فإنّه خلقك عبداً وأمرك [ أن تعبده ] بقلبك ولسانك وجوارحك ، وأن تحقّق عبوديّتك له بربوبيّته لك وتعلم أنّ نواصي الخلق بيده فليس لهم نفس ولا لحظة الا بمشيّته وقدرته ـ إلى أن قال ـ : فاستعمل العبودية في الرضا بحكمته ، وبالعبادة في أداء أو امره وقد أمرك بالصلاة على نبيّه محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأوصل صلاته بصلاته ، وطاعته تطاعته ، وشهادته بشهادته ، وانظر أن لايفوتك بركات معرفة حرمته ، فتحرم عنفائدة صلاته الحديث ».(١)
فإذا فرغت من التشهّد فأحضر قلبك بحضرة سيّد المرسلين وبقيّة الأنبياء والأئمّة الطاهرين والملائكة المقرّبين الحفظة المحصين لأعمالك وأحضرهم جميعاً في بالك فسلّم أوّلاً على نبيّك الذي هو أفضل الكلّ وواسطة هدايتك إلى خير الأديان والسبل ، ثم توجّه إلى الجميع وسلم عليهم أجمعين ، ولاتطلق لسانك بالخطاب من غير حضور المخاطب في ذهنك فتكون من اللاعبين ، وكيف يسمع الخطاب لمن لا يقصد لولا فضل الله في الاجتزاء بذلك عن أصل الواجب ، وإن كان بعيداً عن درجة الوصول والقرب ، وإن كنت إماماً فاقصد المأمومين مع من تقدّم ، وليقصدوا هم الرّد عليك أيضاً ، فإذا فعلتم ذلك فقد أدّيتم الأمانة وصرتم مستحقّين من الله بمزيد الإكرام والرحمة.
قال الصادقعليهالسلام : « معنى السلام الأمان ، أي من أدّى أمر الله وسنّة نبيّه خاصاً خاشعاً قلبه فله الأمان من بلاء الدنيا وبراءة من عذاب الآخرة ،
__________________
١ ـ مصباح الشريعة : الباب ١٧ ، في التشهّد.
ـ إلى أن قال ـ : وإن أردت أن تضع السلام موضعه وتؤدّي معناه فاتّق الله وليسلم دينك وعقلك وقلبك أن لاتدنّسها بظلمة المعاصي ، وليسلم حفظتك أن لاتبرمهم وتوحشهم وتملّهم منك بسوء معاملتك معهم ، ثم صديقك ، ثم عدوّك ، فإن لم يسلم من هو الأقرب إليه فالأبعد أولى ، ومن لايضع السلام موضعه فلا سلام ولا إسلام ولا تسليم وكان كاذباً في سلامه وإن أفشاه في الخلق »(١) والله المستعان.
تخليص الصلاة عن الآفات وأداؤها بالشروط الباطنة المذكورة يوجب نوراً في القلب تنفتح به العلوم والحقئق من صفات الله وأفعاله ودقائق علوم المعاملة وغير ذلك ممّا يهمّه ويكون في طلبه. على قدر صفائه عن الكدورات المختلفة بالقلّة والكثرة والقوّة والضعف والجلاء والخفاء ، فيختلف الانكشاف بسببه أيضاً.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ العبد إذا قام في الصلاة رفع الله الحجاب بينه وبين عبده ، وواجهه وبوجهه ، وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء يصلّون بصلاته ويؤمّنون على دعائه ، وإنّ المصلّي لينثر عليه البرّ من أعنان السماء تفتح للمصلين ، وإن الله يباهي ملائكته بصدق المصلّي ».(٢)
فرفع الحجاب وفتح أبواب السماء كناية عن إفاض المعارف والأسرار عليه ، فالعبد إذا جمع في عبادته بين هذه الأفعال بشروطها باهى الله به مائة ألف من ملائكته أو أكثر كما في الخبر ، إذ ليس لأحد منهم هذا القسم من العبادة ، بل لكلّ منهم فعل مخصوص أبداً ، فمن قائم لايركع أبداً ، ومن راكع لايسجد أبداً ، ومن ساجد لايقوم أبداً وهكذا.( وما منا الا له مقام
__________________
١ ـ مصباح الشريعة : الباب ١٨ ، في السّلام ، مع اختلاف.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٩٥ ـ ٣٩٦.
معلوم ) .(١)
فمرتبة الترقّي من حال إلى حال ومن نقص إلى كمال مختص بالإنسان.
قال الله تعالى :( قد أفلح المؤمنون * الّذين هم في صلاتهم خاشعون ـ إلى قوله ـأولئك هم الوارثون ) (٢) وصفهم بالفلاح أوّلاً ووراثة الفردوس الذي هو شهود نور الله والقرب من جواره أخيراً.
ينبغي لإمام الجماعة اختصاصه بمزيد صفاء القلب وسائر الآداب المتقدّمة من بينهم ، لأنّه الجاذب لنفوسهم إلى الله ، فما أقبح ذهوله عن الله ووقوعه في أودية الوساوس الباطلة مع خشوع بعض من يقتدي به واتّصافه بما تقدّم ، وما أفضح حاله مع تعلّق باله والتفات خياله إلى المأمومين الذين لايقدرون على نفعه وضرّه وعدم التفاته إلى مالك الرقاب وخالق الأسباب وربّ الأرباب العالم بضمائر العباد والمطّلع على سرائرهم ، أو لايستحيي من رسول الله وخلفائه الراشدين(٣) فيحلّ محلّهم مع هذا البون الشديد وعدم المناسبة أبداً؟ فليمتحن كلّ ديّن نفسه أوّلاً ، فإن لم يتّصف بهذه الصفات فليترك ولايهلك نفسه.
ومن جملة الامتحان أن يكون فرحه بإمامة غيره باطناً أكثر من إمامة نفسه لحصول المقصود من إجراء السنّة مع السلامة عن الغوائل المحتملة ، ولايكون قصده منها الا القربة وطلب الثواب ، فلو كان في زوايا قلبه داع خفي آخر من الشهرة والجاه وانتظام أمر المعاش فله الويل والثبور ، وعليه وزر كلّ المأمومين ، وهو الذي يصير رقبته جسراً لرقابهم ، كما ورد في الآثار.
__________________
١ ـ الصافّات : ١٦٤.
٢ ـ المؤمنون : ١ ـ ١٠.
٣ ـ يعنى الأئمّة المعصومينعليهمالسلام .
ثم الحاضر إلى الجمعة والعيدين يستحضر كونها أياماً شريفة وأعياداً كريمة خص الله بها هذه الأمة وجعلها سبباً لقربه وثوابه والأمن من عذابه وحثهم فيها على الإقبال والإتيان بصالح الأعمال وتلافي التفريط الصادر عنهم في خلال سائر الأيام والليالي فلا جرم ينبغي مزيد الاهتمام بصلاتها بالتهيؤ والاستعداد للقاء الله والتمثل في حضرته ، فليجتهد بعد الإتيان بالو ظائف الظاهرة المذكورة في كتب الادعية وغيرها في تخليص النية وحضور القلب والخشوع والابتهال ، ويستحضر قسمة الجوائز والعطايا على من تقبلت طاعته ، فيكبر الله قبل الصلاة وفيها وبعدها مراراً ويبتهل ويجد في سؤال العفو عن تقصيراته من حياء وخوف تام من خسران صفقته وظهور أسفه وحسرته يوم يفوز الفائزون ويسبق السابقون ويخسر الخاسرون.
وإذا ظهرت الآيات من الكسوف والزلازل وغيرها استحضر أهوال يوم القيامة وزلازله وتكور الشمس والقمر وظلمة القيامة فإنه يوم عظيم( تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) .(١)
ويستحضر أن ذلك علامة لغضبه تعالى على عباده بمعاصيهم أو تنبيه لهم عليها كما ورد في الأخبار ، فليستشعر من نفسه خوفاً وخشية وهيبة وندماً وتوبة ومن الله كمال القدرة والعظمة ، فيكثر في صلاتها من الدعاء والتضرع والابتهال والخشوع والخضوع وسؤال النجاة من تلك الأهوال مع انكسار وإطراق رأس دال على الخجالة والحياء.
قال الرضاعليهالسلام : « إنما جعلت للكسوف صلاة لأنه من آيات الله لايدرى للرحمة ظهرت أم للعقاب ، فأحب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يفزع أمته إلى
__________________
١ ـ الحج : ٢.
خالقها وراحمها عند ذلك ليصرف عنهم شرّها ويقيهم مكروهما ، كما صرف عن قوم يونس حين تضرّعوا إلى الله تعالى ».(١)
فصل
في الذكر والدعاء ، وهما ممّا ينبغي إكثارهما للمؤمن ، سيّما عقيب الصلوات المفروضة ، والآيات والأخبار الدالة على فضلهما كثيرة غنيّة عن البيان ، والنافع من الذكر ما كان دائماً أو غالباً حتّى يتمكّن في القلب مع حضوره وفراغ البال والإقبال إلى ذي الجلال حتّى يتجلّى له عظمته وجلالته فينشرح صدره بنوره ، وهو غاية الغايات ونهاية ثمرة العبادات.
وأوّل الذكر يوجب الأنس والحبّ ، وآخره يوجبانه ، وهما المقصد الأصلي منه ، لأنّ العبد في بدو الأمر متكلّف في صرف القلب واللسان عن الوسواس والوصول إلى ذكر الله ، فإذا حصل الأنس حصل الصرف والانقطاع القلبي ، فعند الموت الذي يحصل به الانقطاع الحسّي أيضاً يتمتّع بما كان آنساً به ، ويتلذّذ من انقطاع ما كان منقطعاً عنه في حياته أيضاً ، وإنّما كانت ملابسته لها من باب الضرورات الصادّة عن ذكر الله وبالموت انقطعت الضرورة أيضاً ، فكأنّما خلّي بينه وبين محبوبه فخلص من سجن الحاجب والمانع ، وهذا التلذّذ باق له بعد الموت إلى أن ينزل في جوار الله ويترقّى من الذكر إلى اللقاء.
والأذكار كثيرة كالتهليل والتمجيد والتسبيح والتكبير والحولقة(٢) والتسبيحات الأربع وأسماء الله الحسنى وغيرها.
وقد ورد في فضل كلّ منها أخبار لاتحصى.
والمداومة على كلّ منها توجب صفاء للنفس وانشراحاً للصدر ، وكلّما
__________________
١ ـ الفقيه : ٥٤١ ، باب صلاة الآيات ، ح ١٥١٠ ، مع اختلاف.
٢ ـ كذا ، والصحيح : الحوقلة.
كانت دلالته على جلاله وعظمته أكثر كان أفضل ، ولذا صرّحوا بأنّ أفضل الأذكار التهليل لدلالته على التوحيد المشتمل على كلّ صفة كمال.
وقد تقدّم في بحث الوساوس أنّ للذكر مراتب أربعاً فانظر إليه.
وأمّا الدعاء فهو محلّ(١) العبادة ، ولذا ورد في فضله ما ورد ، والأدعية المأثورة عن الأئمّة الأطهارعليهمالسلام كثيرة مذكورة في كتب الأدعية المشهورة ، ولايتصوّر شيء من مطالب الدنيا والآخرة الا وقد وردت منهمعليهمالسلام فيه أدعية متكرّرة فليأخذها طالبها من مظانّها.
وله آداب وشروط كالترصّد للأوقات والأماكن المشرّفة ، والتطهّر ، واستقبال القبلة ، ورفع اليدين بحيث يرى باطن الإبطين ، وخفض الصوت بين الجهر والإخفات ، وأن لايتكلّف السجع في الدعاء ، وأن يكون في غاية الخضوع والخشوع واليقين بإجابة الدعاء ، وصدق الرجاء ، والإلحاح فيه وتكريره ثلاثاً ، وافتتاحه بالذكر والتمجيد ، ولايبتديء بالسؤال ، وأن يتوب ويردّ مظالم العباد ، ويقبل إلى الله بكنه الهمّة ، وهو السبب القريب للإجابة ، وأن يكون طعمه ولبسه من الحلال ، وهو أيضاً من عمدة الشرائط. ففي النبويصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أطب طعمتك تستجب دعواتك ».(٢)
وتسمية الحاجة والتعميم في الدعاء والبكاء وهو أيضاً سيّد الآداب ، وأن يقدّمه على حصول الحاجة ، وأن لا يعتمد في حوائجه على غيره تعالى.
قال الصادقعليهالسلام : « احفظ أدب الدعاء وانظر من تدعو؟ وكيف تدعو؟ ولماذا تدعو؟ وحقّق عظمة الله وكبرياءه وعاين بقلبك علمه بما في ضميرك واطّلاعه على سرّك [ وما تكنّ فيه من الحقّ والباطل ](٣) واعرف طريق نجاتك وهلاكك كيلا تدعو الله بشيء عسى فيه هلاكك وأنت تظنّ أنّ فيه نجاتك ».
__________________
١ ـ كذا ، والظاهر : « مخّ العبادة » كما في الخبر.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٣ / ٢٠٤.
٣ ـ ساقط من « الف » و « ب ».
قال الله تعالى :( ويدع الإنسان بالشرّ دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولاً ) .(١)
وتفكّر ماذا تسأل؟ وكم تسأل؟ ولماذا تسأل؟ والدعاء استجابة للكلّ منك للحقّ ، وتذويب المهجة في مشاهدة الربّ وترك الأختيار جميعاً وتسليم الأمور كلها ظاهراً وباطناً إلى الله ، فإن لم تأت بشرط الدعاء فلا تنتظر الإجابة ، فإنّه يعلم السرّ وأخفى ، فلعلّك تدعوه بشيء قد علم من نيّتك خلاف ذلك.
واعلم أنّه ولو لم يكن الله أمرنا بالدعاء لكنّا إذا أخلصنا الدعاء تفضّل علينا بالإجابة فكيف وقد ضمن ذلك لمن أتى بشرائط الدعاء؟
وسئل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن اسم الله الأعظم ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « كلّ اسم من أسماء الله أعظم ، ففرّغ قلبك عن كلّ ماسواه وادعه بأيّ اسم شئت ».(٢)
وقيل لهعليهالسلام : ما لنا لايستجاب لنا؟ قال : « لأنّكم تدعون من لاتعرفونه وتسألون من لاتفهمونه ، فالاضطرار عين الدين ، وكثرة الدعاء مع العمى عن الله من علامة الخذلان ، من لم يعرف ذلّة نفسه وقلبه وسرّه تحت قدرة الله حكم على الله بالسؤال ، وظنّ أنّ سؤاله دعاء ، والحكم على الله من الجرأة على الله ».(٣)
فصل
في تلاوة القرآن ، ولا حدّ لثوابه ، والأخبار فيه كثيرة لاتحصي ، وكيف لايعظم أجره وهو كلام الله ربّ العالمين ، حامله روح الأمين ، والمرسل إليه محمّد بن عبدالله خاتم النبيّينصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو مشتمل على حقائق وأسرار لاتحملها الا قلوب الأحرار.
__________________
١ ـ الإسراء : ١١.
٢ ـ مصباح الشريعة : الباب ١٩ ، في الدعاء ، مع اختلاف.
٣ ـ جامع السعادات : ٣ / ٣٦٧.
وبالجملة ؛ يشهد بتأثيره الكامل في القلب العقل والنقل والاعتبار ، إلا أن لها آداباً ظاهرة وباطنة.
فمن الأولى : الوضوء والوقوف على هيئة الأدب والطمأنينة قائماً كان أو جالساً ، مستقبل القبلة مطرقاً رأسه غير متربع ولا متكيء ، والترتيل والبكاء والجهر المتوسط لو أمن من الرياء ، وإلا فالسر ، وتحسين القراءة ، ومراعاة حق الآيات ، فإذا مر بآية السجود سجد ، وآية العذاب استعاذ ، وآية الرحمة طلب ، وآية التسبيح أو التكبير سبح أو كبر ، وآية الدعاء والاستغفار دعا واستغفر ، وافتتاح القراءة بالاستعاذة ، وعند الفراغ « صدق الله [ العلي ] العظيم وصدق رسوله الكريم » ، وسائر ما ورد من الأدعية المأثورة.
ومن الثانية : فهم عظمة الكلام وعلوه وفضل الله ولطفه بنزوله من عرش جلاله إلى درجة أفهام خلقه.
فانظر كيف لطف بهم في إيصال نبذ من آثار حكمته وعلمه إليهم في طي حروف وأصوات هي من صفات البشر ، ولولا استتار كنه جلاله بكسوة الحروف والأصوات لما ثبت لسماع كلامه العرش والثرى وما بينهما ، بل تلاشت من عظمته وسبحات نوره.
( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله ) .(١)
فلو لا تثبيته لموسىعليهالسلام لم يطق سماع كلامه ، كما لم يطق الجبل مبادي تجليه حتى صار دكاً.
وهذا كما أن الانسان إذا أراد تفهيم الطيور أو البهائم بما يزيد على إقبالها وإدبارها وكان تمييزها قاصراً عن فهم كلامه الصادر عن عقله مع حسنه وترتيبه وبديع نظمه تنزل إلى درجاتها وأوصل مقاصده إليها بأصوات
__________________
١ ـ الحشر : ٢١.
تليق بها من النقر والصفير وما يشبه بأصواتها وتطيق حمله ، فكذا الناس لمّا عجزوا عن حمل كلام الله بكنهه وكمال صفاته تنزّل إلى درجة أفهامهم فتجلّي في مظاهر الحروف والاصوات ، وقد يشرّف الصوت للحكمة المخبوّة فيه كما يكرم البدن لكرامة الروح ، فالكلام عاللي المنزلة رفيع الدرجة قاهر السلطان في إنفاذ الحكم في الحقّ والباطل ، عدل في أمره ونهيه ، لا طاقة للباطل في قيامه قدّامه كما لا طاقة للظلمة قبل الشعاع ، ولا طاقة لبصائر الناس أن تنفذ نور الحكمة كما لا طاقة لأبصارهم أن تنفذ نور الشمس ، وإنما ينال كلّ بقدر قوّة بصره.
فالكلام للبصائر كالملك المحجوب الغائب وجهه المشاهد أمره ، فهو مفتاح نفائس الخزائن ، وشراب الحياة الذي لايموت شاربه ولايسقم.
ثم تعظيم المتكلّم فيحضره في قلبه عند الشروع ، وأنّه ليس من كلام البشر ، بل تلاوته في غاية الخطر ، فكما لاينبغي مس جلده وورقه وحروفه بالبشرة المتنجّسة بخبث أو حدث ، فكذا لاينبغي قراءته بلسان مستقذر بآفات معاصيه ، وقلب مكدّر بذمائم الصفات ، بل باطن معناه محجوب عن بواطن القلوب الا من استنار قلبه بأنوار الغيوب ، وتطهرّت نفسه وجوارحه عن الأخلاق الخبيثة والذنوب ، ولولا تعظيم المتكلّم لم يتمكّن من تعظيم الكلام.
والعلاج في تحصيله مع الغفلة التفكّر في صفاته وأفعاله المورث لاستشعار عظمته ، ولذا كان بعض السلف إذا نشر المصحف غشي عليه وقال : هو كلام ربّي.
ومنها : الخضوع والرقّة.
قال الصادقعليهالسلام : « من قرأ القرآن ولم يخضع له أو لم يرقّ لقلبه له ولم ينشىء حزناً ووجلاً في سرّه فقد استهان بعظم شأن الله ، وخسر خسراناً
مبيناً فمن تفرّغ قلبه عن الأسباب واعتزل عن الخلق بعد أن أتى بالخصلتين(١) استأنس روحه بالله ووجد حلاوة مخاطباته لعباده الصالحين ولطفه بهم ومقام اختصاصه بهم بقبول كراماته وبدائع إشاراته ، فإذا شرب من هذا المشرب كأساً لم يختر عليه شيئاً أصلاً ورأساً ، بل آثره على كلّ طاعة وعبادة ، لأنّ فيه مناجاة مع الربّ بلا واسطة ».(٢)
ولذا قال الصادقعليهالسلام : « كنت أردّدها حتّى سمعت من المتكلّم بها ».(٣)
ومنها : حضور القلب ، وهو يترتّب على التعظيم ، فإنّ من عظّم شخصاً لم يغفل عنه سيّما إذا كان كلامه ممّا يستأنس به القلب ويفرح.
ومنها : التدبّر زائداً على حضور القلب ، إذ التالي [ ربما ] لم يتفكّر في غيره ، ولكن اقتصر على سماعه من نفسه بدون تدبّر ، والمقصود هو التدبّر.
قال تعالى :( أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) .(٤)
وقال عليعليهالسلام : « لا خير في قراءة لا تدبّر فيها ».(٥)
وإن توقّف على التكرير والترديد ردّد كما حكيناه عن الصادقعليهالسلام وحكايته عن الأكابر كثيرة.
ومنها : التفهّم ، أي أن يستوضح من كلّ آية مايليق بها لاشتمال القرآن على ذكر صفات الله وأفعاله وأحكامه وأحوال النشأة الاخروية والقرون السالفة من الأنبياء والأمم وغير ذلك ، فإن مرّ بصفة تفكّر في معناها لينكشف
__________________
١ ـ المراد من الخصلتين خشوع القلب وفراغ البدن.
٢ ـ ففي الكافي عن جابر عن أبي جعفرعليهالسلام ، قال : قلت : إنّ قوماً إذا ذكروا شيئاً من القرآن أو حدّثوا به صعق أحدهم حتّى يرى أنّ أحدهم لو قطعت يداه أو رجلاه لم يشعر بذلك. فقالعليهالسلام : « سبحان الله ذاك من الشيطان ، ما بهذا نعتوا ، إنّما هو اللينوالرقّة الدمعة والوجل » (الكافي : ٢ / ٦١٦).
٣ ـ مصباح الشريعة : الباب ١٤ ، في قراءة القرآن مع اختلاف كثير وراجع المحجّة : ١ / ٣٥٢.
٤ ـ محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم : ٢٤.
٥ ـ المحجّة البيضاء : ٢ / ٢٣٧.
له أسرارهأن ، فإنّها لاتكشف إلا للمؤيّدين في فهم كتابه ، وإن مرّ بفعل كخلق السماء والأرض وغيرهما تفكّر في عظمته ، إذ عظمة الفعل تدلّ على عظمة الفاعل ، وينبغي شهوده الفاعل في الفعل ، إذ من عرف الحقّ رآه في كلّ شيء ، لأنّ كلّ شيء منه وله وبه وإليه ، فهو واحد في الكلّ ، فمن لم يره فيما يراه لم يعرفه.
وإذا تلا شيئاً من عجائب صنعه فليتأمّل فيها ثم يترقّى منها إلى أعجابها أي الصفة الصادرة عنه هذه الأعاجيب ، وإذا سمع وصف الجنة والنار فليتذكّر أنّه لا نسبة لما في هذا العالم إلى عالم الآخرة ، فلينتقل منه إلى عظمته تعالى مع الانقطاع إليه ليخلص من عقوبات تلك النشأة ويصل إلى لذّاتها. ولايمكن استقصاء مايفهم من القرآن ، إذ لانهاية له.
( قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربّي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربّي ) .(١)
الا أنّ كلّ واحد يستفيد منه بقدر استعداده وصفاء نفسه.
ومنها : التخلّي عن موانع الفهم من التعصّب والتقليد لما عرفت من كونهما حجابين لمرآة النفس يحجبانها عن انعكاس غير ماتعتقده فيها ، وكذا الجمود على التفاسير الظاهرة ظنّاً أنّ غيرها تفسير بالرأي وصرف الهمّة نحو تحقيق الحروف وما شاع بين القرّاء ، فإنّ ذلك أيضاً مانع عن انكشاف الحقائق والإصرار على الذنوب الظاهرة والباطنة المظلمة للقلب الباعثة لحرمانه عن انكشاف الأسرار والحقائق فيه.
قال الله تعالى :( وما يتذكّر الا من ينيب ) (٢) ( تبصرة وذكرى لكلّ عبد منيب ) (٣) ( إنّما يتذكّر أولوا الألباب ) .(٤)
__________________
١ ـ الكهف : ١٠٩.
٢ ـ غافر : ١٣.
٣ ـ ق : ٨.
٤ ـ الزمر : ٩.
ومنها : التخصيص ، أي تقدّر أنك المقصود بكلّ خطاب فيه من الأمر والنهي والوعد والوعيد ، إذ ما من شيء في القرآن الا وسياقه لفائدة في حقّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأمّته. قال تعالى :( لنثبّت به فؤادك ) .(١)
فالقرآن كلّه هدى وشفاء ورحمة ونور وموعظة ، فقدّر أنّ مولاك كتب لك كتاباً لتدبّره وتعمل بمقتضاه.
ومنها : التأثّر ، أي يتأُثّر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات ، فيكون له بحسب كلّ فهم حال من الخوف والحزن والوجد والفرح والرجاء والقبض والانبساط ، فإذا سمع المخوّف اضطرب قلبه وتضاءل من الخوف كأنّه يموت ، وإن سمع الرحمة والمغفرة فليفرح ويستبشر كأنّه يطير من الابتهاج ، وإذا سمع صفات جلاله تطأطاً خضوعاً واستشعاراً لعظمته ، وإذا سمع ذكر الكفّار وما يصفون به الله من الأولاد غضّ صوته بانكسار في قلبه وحياء من قبح مقالتهم ، وكذا غيرها ، ومهما تمّت المعرفة كان الغالب على القلب الخشية ، لكون التضييق غالباً في القرآن ، فلا ترى ذكر الرحمة والمغفرة الا مقروناً بشروط يقصر أغلب الناس عن نيلها ، ولذا كان بعض الأكابر يغشى عليه من استماعها ، بل مات بعضهم منه.
وبالجملة ؛ المقصد الأصلي استجلاب هذه الأحوال إلى القلب والعمل به ، والا فالمؤونة بتحريك اللسان خفيفة ، وحقّ التلاوة اشتراك اللسان والعقل والقلب فيها فاللّسان حظّه تصحيح الحروف بالترتيل ، وحظّ العقل إدراك المعاني ، وحظّ القلب تأثّره بالحالات المذكورة.
ومنها : الترقّي ، أي يرقى إلى أن يسمع الكلام من الله لا من نفسه ، وله درجات ثلاث ، أدناها تقدير العبد قراءته واقفاً بين يدي الله وهو ناظر إليه مستمع له ، فحاله حينئذ التملّق والتضرّع والسؤال ، وأعلى منه أن يرى بقلبه ربّه يخاطبه بألطافه يناجيه بإحسانه ، فمقاومه الهيبة والحياء والتعظيم
__________________
١ ـ الفرقان : ٣٢.
والإصغاء ، وأعلى منه أن يرى في الكلام المتكلّم ، وفي الكلمات الصفات ، فلا ينظر إلى نفسه ولا إلى تلاوته ولا إلى إنعامه ، بل يكون مقصور الهمّ مستغرقاً في مشاهدة المتكلّم ، وهذا حال المقرّبين والصدّيقين ، وقد أخبر عنها سيّد الشهداءعليهالسلام فقال :
« الذي تجلى لعباده في كتابه ، بل في كلّ شيء ، وأراهم نفسه في خطابه ، بل في كلّ نور وفيء ».(١)
وقال الصادقعليهالسلام : « لقد تجلّى الله لخلقه في كلامه ، ولكن لايبصرون ».(٢)
وقد سبق منّا نقل قولهعليهالسلام : « أردّدها حتّى سمعتها من المتكلّم بها ».
ومنها : التبرّي عن حوله وقوّته ، فلا يلتفت إلى نفسه بعين الرضا والتزكية ، فإذا قرأ آيات الوعد فلا يدخل نفسه في زمرتهم ، ولا يلاحظ الا أهل الصدق واليقين ، ويسأله تعالى أن يلحقه بهم ، وإذا قرأ آيات المقت والعذاب شهد على نفسه بها ، وإليه أشار مولانا عليعليهالسلام في وصف المتّقين :
« وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنّوا أنّ زفير جهنّم في آذانهم ».(٣)
قيل : « وإذا رأى القاريء نفسه بصورة التقصير في القراءة كان رؤيته سبب قربه ، فإنّ من شهد البعد في القرب لطف له بالخوف حتّى يسوقه إلى درجة أخرى في [ القرب وراءها ، ومن شهد القرب في البعد مكر به بالأمن الّذي يفضيه إلى درجة أخرى في ] البعد أسفل ممّا هو فيه ، وإذا شاهد نفسه بعين الرضا صار محجوباً بنفسه ، وإذا جاوز حدّ الالتفات إلى نفسه ولم يشاهد الا الله في قراءته انكشف له الملكوت بحسب أحواله ، فحيث
__________________
١ ـ جامع السعادات : ٣ / ٣٧٧.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٢ / ٢٤٧.
٣ ـ نهج البلاغة : الخطبة ١٩٣.
يتلو آيات الرحمة والرجاء وغلب عليه الاستبشار ظهرت له الجنّة فشاهدها عياناً كأنّه يراها ، وإن غلب عليه الخوف كوشف له النار حتّى كأنّه يرى أنواع عذابها ، فإنّ كلامه تعالى مشتمل على السهل اللطيف والشديد العسوف والمرجوّ والمخوف ، فبحسب مشاهدة الكلمات والصفات يتقلّب القلب في الحالات وبحسب كلّ حالة يستعدّ لمكاشفة مناسبة لتلك الحالة ، إذ يمتنع مع اختلاف الكلام اتّحاد حال المستمع ، إذ فيه كلام راض وكلام غضبان وكلام منعم وكلام منتقم وهكذا »(١) والله المستعان.
فصل
في الصدقة والصوم
قد تقدّم في باب السخاء بعض الأسرار والآداب الباطنة المتعلّقة بالصدقات ، وفي باب الفقر والغنى ما يتعلّق بالسائل والفقير من الآداب.
وأمّا الصوم فأجره عظيم وثوابه جسيم ، والآيات والأخبار الدالة عليه أكثر من أن تحصى ، ومن آدابه غضّ البصر عمّا لايحلّ إليه النظر أو يكره أو يلهيه عن ذكر الله واللسان عن آفاته المتقدّمة ، والسمع عن كلّ ما يحرم أو يكره استماعه ، والبطن عن المحرّمات والشبهات وسائر الجوارح عن كافّة المكاره.
وقد ورد في اشتراط جميع ذلك أخبار كثيرة ، وأن لايستكثر من الحلال عند الإفطار بحيث يمتليء ، إذ ما من مباح أبغض إلى الله من بطن مملوّ كما تقدّم ، كيف والسرّ في شرع الصوم قهر الشهوة وكسرها لتقوى النفس به على الورع والتقوى والارتقاء من حضيض النفس البهيمية إلى ذروة التشبّه بالملائكة المقدّسين وماجرت به عادة الناس من الازدياد في ألوان
__________________
١ ـ القائل هو أبو حامد كما في المحجّة البيضاء : ٢ / ٢٤٨ ـ ٢٤٩ ، وما بين المعقوفتين ساقط من النسخ أُثبتناه من المصدر.
المطعومات يؤدّي إلى تضاعف لذّتها وقوّتها وانبعاث ما كانت راكدة من الشهوات لو تركت على عادتها ، فلا يحصل تضعيف القوى الشهوية ، فلابدّ من التقليل حتّى ينتفع بصومه ، ولو جعل سرّه إدراك الأغنياء ألم الجوع والانتقال منه إلى شدّة حال الفقراء فيبعث على مواساتهم بالأموال والأقوات لم يتمّ أيضاً الا بالتقليل في الأكل ، وينبغي للصائم أن يكون قلبه معلّقاً بين الخوف والرجاء ، إذ لايدري أيقبل صومه أم لا ، وكذا في كلّ عبادة يفرغ منها.
روي أنّ الحسنعليهالسلام مرّ بقوم يوم العيد وهم يضحكون ، فقال : « إنّ الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه لطاعته ، فسبق أقوام ففازوا وتخلّف أقوام فخابوا ، فالعجب كلّ العجب من الضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون وخاب فيه المبطلون ، أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه والمسيء عن إساءته »(١) أي يشغله سرور القبول وحسرة الردّ عن الضحك واللعب.
ثم للصوم درجات ثلاث ، أدناها صوم العموم ، أي كفّ البطن والفرج عن قضاء الشهوة ، وغايته سقوط العذاب والقضاء ، ثم صوم الخصوص ، أي كفّ جميع الجوارح عن المعاصي ، وعليه يترتّب ما وعد في الأخبار ، ثم خصوص الخصوص ، وهو الكفّ المزبور مع كفّ القلب عن الهمم الدنيّة والأخلاق الرذيلة ، والأفكار الدنيوية ، بل عمّا سواه تعالى بالكلّية ، ففطره بالالتفات إلى ما سواه تعالى.( قل الله ثمّ ذرهم ) .(٢)
وهو درجة الأنبياء والصدّيقين ، ويتفرّع عليه الوصول إلى الشهود والفوز بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر.
وإليه أشار الصادقعليهالسلام حيث قال : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الصوم جنّة أي
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٢ / ١٣٥.
٢ ـ الأنعام : ٩١.
سترة من آفات الدنيا وحجاب من عذاب الآخرة ، فإذا صمت فانو بصومك كفّ نفسك عن الشهوات وقطع الهمّة عن خطرات الشيطان ، فأنزل نفسك منزلة المرضى لاتشتهي طعاماً ولا شراباً متوقّعاً في كلّ لحظة شفاءك من داء الذنوب وطهّر باطنك من كلّ كدر وغفلة وظلمة يقطعك عن معنى الإخلاص لوجه الله الحديث ».(١)
ففوائد الصوم كثيرة منها : إماتة موادّ الشهوات ، وصفاء القلب وطهارة الجوارح ، والشكر على النعم ، والإحسان إلى الفقراء ، وزيادة الخضوع والخشوع والبكاء ، فهو سبب لانكسار الهمّة وتخفيف الحساب وتضاعف الحسنات.
من صام شهر رمضان تقرّباً إلى الله مع تطهير باطنه عن ذمائم الأخلاق وظاهره عن المعاصي ولم يأكل الا القليل من الحلال بحيث أحسّ بألم الجوع وواظب على الأدعية والنوافل وسائر آدابه استحقّ المغفرة والخلاص من النار بمقتضى الأخبار والاعتبار ، فإن كان من العامّة حصل له من صفاء النفس ما يوجب استجابة دعائه ، وإن كان من الخواصّ فعسى الشيطان لايحوم حول قلبه ، وينكشف له في ليلة القدر شيء من الملكوت ، إذ فيها تنكشف الأسرار وتفاض على القلوب الطاهرة الأنوار ، والعمدة تقليل الأكل بحيث يحسّ بألم الجوع ، إذ يستحيل أن ينكشف على الشيطان شيء من أسرار الايمان ، والله المستعان.
فصل
في الحجّ ، وهو من معظم الأركان وأحكامها الظاهرة محوّلة إلى الفقهاء.
__________________
١ ـ مصباح الشريعة : الباب ٢٠ ، في الصوم.
وأمّا السرّ في وضعه وشرعه فهو أنّ المقصد الأصلي من خلق الإنسان معرفة الله الوصول إلى حبّه وأنسه المتوقّفين على صفاء النفس المتوقف على كفّها عن الشهوات وانقطاعها عن الدنيا وإيقاعها في ما يشقّها من أعمال القلب والجوارح ، وهذا هو المقصود من وضع العبادات ، إذ بعضها كالصدقات والخمس إنفاق موجب للانقطاع عن حطام الدنيا ، وبعضها كفّ للنفس عن الشهوات كالصوم ، وبعضها تجرّد للذكر ، وتوجيه القلب إليه تعالى الغير المتحقّق أيضاً الا بالانقطاع عن علائق الدنيا.
والحجّ من بينها مشتمل على جميع ما ذكر مع زيادة ، ففيه هجر الأوطان وقطع المنازل البعيدة بتعب الأبدان ، والإنفاق مع تحمّل المشاقّ ، وتجديد العهد والميثاق والتجرّد للأذكار والعبادات بصنوف الطاعات ، مع كون كثير منها ممّا لايهتدي إليها العقول ، ولايستأنس بها الطباع كرمي الجمار بالأحجار ، وتكرار السعي بين الصفا والمروة مع الهرولة بين المنارتين ، فيظهر فيها كمال الإخلاص والعبوديّة ، لأنّ مايفهم سرّه العقل يكون معيناً للشرع على فعله بخصوصه بخلاف ما لايدركه ، فإنّه لايعينه على الخصوصن وإنّما يأمره بالإطاعة والامتثال إجمالاً ، وهذا أحد الأسرار في وضع التعبّديات.
هذا ، مع دلالة كلّ من أعماله على بعض أحوال الآخرة كما يأتي ، مع ما فيه من اجتماع الخلق الكثير والوصول إلى موضع نزول الوحي وهبوط الملائكة على الرسول الأمين وقبله على الخليل ومجمع الأنبياء والمرسلين ، ومحلّ ولادة سيّد المرسلين وخير الوصيّين ، وتشرّف أماكنها بتوطّىء أقدامهم الشريفة ، مضافاً إلى الشرافة الحاصلة من الإضافة إلى نفسه ، وجعل ما حوله حرمناً آمناً يأوي الناس إليه وعرفات ميداناً لحرمه وأكدّ حرمته بتحريم صيده وقطع شجره ، وأمر الناس بقصده من كلّ فجّ عيمق شعثاً غبراً متواضعين له مع الاعتراف بتنزّهه عن المكان.
ولا ريب في أن الاجتماع في مثله مع ما فيه من الإلف والأنس ومجاورة الأبدال والأوتاد والأخيار المجتمعين من أقطار البلاد وتعاون النفوس على التضرع والابتهال الموجب لسرعة الاجابة وذكر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وإجلاله الموجب لرقة القلب وصفاء النفس(١) ، هذا ، والحج لكونه من أعظم التكليفات وأشقها كالرهبانية لهذه الأمة ، فإنه لما اندرست الأعمال الشاقة والرياضات الصعبة المعهودة في الأمم السالفة بسبب الفترة ، وأقبل الناس على الشهوات وهجروا الطاعات والعبادات بعث الله محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم لإحياء طريق الآخرة وتجديد سنة المرسلين ، فسأله أهل الملل عن الرهبانية والسياحة في دينة ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أبدلنا بالرهبانية الجهاد والتكبر على كل شرف يعني الحج ـ وابدلنا بالسياحة الصوم ».(٢)
وهذه نعمة عظيمة من الله على هذه الامة.
وأما آدابه الباطنة : فاعلم أنه ينبغي للحاج عند توجهه إلى الحج مراعاة أمور :
أحدها : تجريد النية لله من غير شائبة ، فلا يكون غرضه إلا امتثال أمر الله ونيل ثوابه والحذر من عذابه ، وكلما دخل شوب الرياء أو الخوف من تفسيق الناس أو من الفقر لما اشتهر من أن تاركه يبتلى به أو قصد التجارة أو شغل آخر كان مخرجاً له عن الإخلاص وحاجباً عن الوصول إلى الغاية المقصودة ، وما أجهل حال من تحمل مثل هذه المشقة العظيمة لخيالات ضعيفة لايترتب عليها سوى الخسران ، ولايفهم أن من أقبح قصد الملك وحريمه لذلك.
والثاني : التوبة الخالصة ورد المظالم وقطع العلاقة الباعثة للالتفات إلى ماوراءه ليتوجه إليه تعالى بوجه قلبه ويقدر أنه لايعود وليكتب وصيته لأهله
__________________
١ ـ كذا ، والجملة كما ترى لاخبر لها.
٢ ـ المحجة البيضاء : ٢ / ١٩٧ مع اختلاف.
وأولاده ويتهيّأ لسفر الآخرة ، ويذكر عند تهيئة أسباب الحج وقطع العلائق لسفره تهيئة أسباب الآخرة وقطع العلائق لأجله فما أشبه هذا السفر به.
والثالث : تعظيم قدر البيت وربّه ويعلم [ أنّ ] تركه للأهل والأوطان للعزم على أمر رفيع الشأن أي زيارة بيت الله التي لاتضاهي أسفار الدنيا ، فليحضر في قلبه ماذا يقصد ، وأنّه زيارة ملك الملوك بزيارة بيته حتّى يرزق منتهى مناه فيسعد بالنظر إلى مولاه فينوي أنّه أدركته المنيّة قبل الوصول لقي الله وافداً إليه بمقتضى وعده.
والرابع : أن يفارق في سفره عمّا يشغل قلبه في الطريق أو الطريق أو المقصد من معاملة ونحوها حتى يكون همّه مجرّداً لله ، والقلب مطمئنّاً في ذكره وتعظيم شعائره متذكّراً في كلّ حركة وسكون ما يناسبه.
والخامس : أن يكون زاده حلالاً ويوسّع فيه ويطيّبه ولايغتمّ ببذله وإنفاقه ، إذ إنفاق المال في سبيل الحجّ إنفاق في سبيل الله والدرهم منه بسبعمائة.
وكان السجّادعليهالسلام إذا حجّ تزوّد من أطيب الزاد من اللوز والسكّر والسويق المحض(١) والمحلّى.
نعم يكره الإسراف بطلب التنعّم والترفّه بصرف أنواع الأطعمة كما هو عادة المترفين.
وأمّا كثرة البذل على المستحقّين فليس بإسراف إذ لا خير في السرف ولاسرف في الخير ، وإن ضاع منه شيء فليطيّب نفسه ولا يجزع من المصائب التي تدركه ، فإنّ درهماً يضيع في هذا السفر يوازي سبعمائة في سبيل الله كما ورد.
والسادس ، حسن الخلق وكثرة التواضع والاجتناب عن الفظاظة والغلظة في الكلام والرفث أي كلّ فحش ولغو ، والفسوق أي ما يخرجه عن
__________________
١ ـ كذا ، والصحيح : المحمّض كما في الفقيه : ٢ / ٢٨٢ ، كتاب الحج ، باب الزاد في السفر.
طاعة الله ، والجدال هو المبالغة في الخصومة والمماراة بما يورث الضغائن ، وليس حسن الخلق مجرّد كفّ الأذى ، بل احتمال الأذى ولين الجانب وخفض الجناح بالنسبة إلى الرفيق والمكاري وسائر الأصحاب.
والسابع : أن يكون أشعث أغبر غير مائل إلى أسباب التفاخر والتكاثر ، فيدخل في المتكبّرين ويخرج من سلك الضعفاء والمساكين ، وإن أمكنه المشي مشي في المشاعر ، فما عندالله شيء أفضل منه إن قصد به رياضة النفس ومشقّتها في سبيل الله ، فلو قصد قلة الإنفاق كان الركوب أفضل ، وكذا إن ضعف عن العمل.
وكان الحسن بن عليعليهالسلام يمشي ويساق معه المحامل ، وإذا أراد الركوب فليشكر الله بقلبه على تسخيره الدوابّ ليتحمّل عنه الأذى ويخفّف عنه المشاقّ ، وليرفق بالدابّة ولايحمّلها ما لاتطيق.
ثم إذا خرج من وطنه وقطع البوادي مشاهداً للميقات والعقبات فليتذكّر مابين الخروج عن الدنيا بالموت إلى يوم القيامة وما فيها من الأهوال ومن هول السارقين هول منكر ونكير ، ومن سباع البوادي وحيّاتها وعقاربها حيّات القبر وأفاعيها وعقاربها وديدانها ، ومن انفراده عن أهل بيته وحشة القبر وكربته.
وبالجملة ؛ يتذكّر في كلّ هول وخوف هول الموت والخوف ممّا بعده.
ثم إذا دخل الميقات ولبس ثوبي الإحرام تذكّر لبس الكفن ، فكما لايلقى الله في بيته بزيّه وعادته ، فكذا لايلقاه بعد الموت الا بذلك ، وهذا الثوب قريب منه ، إذا ليس مخيطاً.
وإذا أحرم ولبّى تذكّر أنّها إجابة نداء الله تعالى ، فليتردّد في الردّ والقبول ترددّ الراجي الخائف متّكلاً على حول الله وقوّته وفضله ورحمته ، فإنّ التلبية أوّل أمره وهو حينئذ في محلّ الخطر.
وقد روي أنّ عليّ بن الحسينعليهالسلام كان إذا أحرم استوت به راحلته
يصفرّ لونه ويرتعد أعضاؤه ولا يستطيع أن يلبّي ، فقيل : لم لاتلبّي؟ فقال : أخشى أن يقول ربي : لالبّيك ، ولمّا لبّى غشي عليه وسقط من راحلته ولم يزل يعتريه ذلك حتّى يقضي حجّه.(١)
وليعتبر من هذا النداء نداء يوم النفخ في الصور ، وحشر الخلق من القبور عراة حفاة مزدحمين وإلى المقبولين والمردودين والمقرّبين والمرودين منقسمين مع كونهم جميعاً في أوّل الأمر متردّدين منسجمين (كذا).
ثم إذا دخل مكّة تذكّر دخوله للحرم الذي من دخله أمن فيرجو أمنه من عذاب الله وسخط ، مع الخوف عن الطرد والعبد واستحقاق الخيبة والمقت مع غلبة رجائه ، فإنّ شرف البيت عظيم وصاحبه بمن رجاه كريم ، وباب الرحمة واسع غير مسدود ، وحقّذ الوافد منظور ، والمستجير غير مردود ، وليشكر الله على إيصاله إلى بيته وإلحاقه بالزائرين له الوافدين إليه ، ويسأله أن يرزقه لقاءه كما رزقه الوصول إلى بيته.
ثمّ ليملأ قلبه عند الطواف من التعظيم والحبّ والخوف والرجاء وليتذكّر حينئذ أنّه متشبّه بالملائكة الطائفين حول عرشه ، وأنّ المقصود طواف القلب بذكر ربّ البيت لامجرّد طواف الجسم بالبيت ، فليبتديء في ذكره به ويختم به كما يبدأ في الطواف من البيت ويختم به ، فروح الطّواف طواف القلب بحضرة الربوبية والبيت مثال في عالم الشهادة لتلك الحضرة الغير المدركة بالبصر وهو عالم الغيب الذي يتوصّل إليه وإلى عالم الملكوت بعالم الشهادة لمن فتح له الباب.
ويشير إلى ما ذكرناه ما ورد من أنّ البيت المعمور في السماوات بإزاء الكعبة ، والملائكة يطوفون بها كطواف الإنس بها.
ثم يتذكّر عند استلام الحجر أنّه يمين الله في أرضه يصافح بها خلقه
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٢ / ٢٠١.
مصافحة العبد أو الدخيل(١) ، كما قاله الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو تشبيه في كونه واسطة بين الله وعباده في النيل والوصول والرضا والتحبيب.
وينوي في الإستلام والالتصاق بالمستجار وغيره من أجزاء البيت طلب القرب حبّاً وشوقاً للبيت وصاحبه ، ورجاء التحصّن عن النار في كلّ جزء لاقاه ببركته.
وفي التعلّق بأستاره العجز والإلحاح في العفو والأمان كالمتعلّق بثياب من يتضرّع ويلتمس منه باعتقاد إنّه لا ملجأ منه الا إليه ، فلا يفارق ذيله الا بعفوه عنه وأمانه له.
ثم السعي بين الصفا المروة يضاهي تردّد العبد بفناء دار الملك جائياً وذاهباً مرّة بعد أخرى إظهاراً للخلوص في الخدمة ورجاء للنظر بعين الرحمة ، وليتذكّر تردّده بين الكفّتين(٢) ناظراً إلى النقصان والرجحان متردّداً بين العذاب والغفران.
وأمّا الوقوف بعرفات فليتذكّر عند ازدحام الخلق وارتفاع أصواتهم واختلاف لغاتهم واتّباع كلّ فرقة لأئمّتهم في التردّد في المشاعر عرصات يوم القيامة وأهوالها واتشار الخلق فيها حيارى واقتفاء كلّ أمّة لنبيّهم وطمعهم في شفاعة الأنبياء لهم.
ثم ليتضرّع إلى الله ويبتهل لقبول حجّه وحشره في زمرة الفائزين مع رجائه ، فإن اليوم شريف والموقف عظيم والنفوس مجتمعة والقلوب إليه تعالى منقطعة وأيدي الناس إلى الحضرة الربوبيّة مرتفعة والأعناق مادّة والأبصار شاخصة ولايخلو الموقف عن الأبدال والأخيار وأرباب القلوب ، فلا يستبعد حصول الفيض بواسطتهم إلى كافّة الخلق ، ولا يظنّ بلطفه وكرمه أن يضيّع سعي الجميع فلا يرحم غربتهم وانقطاعهم عن الأهل والأولاد.
__________________
١ ـ كذا ، وفي الكافي (٤ / ٤٠٦) : العبد أو الرجل.
٢ ـ أي بين كفّني الميزان في القيامة.
ولذا ورد أنّه من أعظم الذنوب أن يحضر عرفات ويظن أنّه لا يغفر له.
وإذا أفاض من عرفات ودخل المشعر فليتذكّر عند دخوله فيه إذنه له في دخول حرمه بعد ما كان خارجاً منه ، لأنّ المشعر من جملته ، عرفات خارجة منه ، فليتفأّل من دخوله بعد خروجه قبول حجّه وقربه منه تعالى وأمنه من العذاب وصيرورته من أهل الجنّة.
فإذا ورد منى ورمى الجمار قصد الأمتثال والعبوديّة والتشبّه بالخليلعليهالسلام حين عرض له الشيطان لإفساد حجّه ، فأمره الله برمي الجمار إليه طرداً له ، وأنّه في الحقيقة رمي للشيطان وطرد له وإرغام لأنفه في امتثال الباري وعبوديّته.
فإذا ذبح الهدي أشار إلى أنّه بفعل الحج غلب على النفس والشيطان وقتلهما فاستحقّ به الرحمة والغفران ، كما ورد أنّه يعتق بكلّ جزء الهدي عضو منه من النار.
وليجتهد في أن يكون عمله بعد ذلك أحسن ممّا قبله حتّى يكون مصدّقاً لفعله وعلامة لقبول حجّة كما ورد في الخبر.
قال الصادقعليهالسلام : « إذا أردت الحجّ فجرّد قلبك لله من كلّ شغل مشاغل وصحاب كلّ صاحب وفوّض أمورك كلّها إلى خلقك ، وتوكّل في جميع ما يظهر من حركاتك وسكناتك وسلّم لقضائه وحكمه وقدره ، وودّع الدنيا والراحة والخلق ، واخرج من حقوق تلزمك من جهة المخلوقين ، ولا تعتمد على زادك وراحلتك وأصحابك وقومك وثيابك ومالك مخافة أن يصير ذلك عدواً ووبالاً ، فإن من ادّعى رضا الله تعالى واعتمد على ماسواه صيّره عليه وبالاً وعدوّاً ، ليعلم أنّه ليس له قوّة وحيلة ، ولا لأحد الا بعصمة الله وتوفيقه.
فاستعدّ استعداد من لايرجو الرجوع ، وأحسن الصحبة ، وراع أوقات
فرائض الله وسنن نبيّه ، وما يجب عليك من الأدب والاحتمال والصبر والشكر الشفقة والسخاوة وإيثار الزاد على دوام الأوقات.
ثم اغسل بماء التوبة الخالصة ذنوبك والبس كسوة الصدق والصفا والخضوع والخشوع وأحرم من كلّ شيء يمنعك عن ذكر الله ويحجبك عن طاعته ، ولبّ بمعنى إجابة صادقة صافية خالصة زاكية لله في دعوتك متمسّكاً بالعروة الوثقى ، وطف ببقلبك مع الملائكة حول العرش كطوافك مع المسلمين بنفسك حول البيت ، وهرول هرولة من هواك ، وتبرّاً من حولك وقوّتك ، واخرج عن غفلتك وزلّاتك بخروجك [ إلى منى ] ، ولا تتمنّ ما لا يحلّ لك ولاتستحقّه ، واعترف بخطاياك بعرفات ، وجدّد عهدك عند الله بوحادنيّته والقرب إليه ، واتّقه بمزدلفة ، واصعد بروحك إلى الملأ الأعلى بصعودك على الجبل ، واذبح حنجرة الهوى والطمع عند الذبيحة ، ورام الشهوات والخساسة والدناءة عند رمي الجمرات ، واحلق العيوب الظاهرة والباطنة بحلق رأسك ، وادخل في أمان الله وكنفه وستره وكلائته من متابعة مرادك بدخول الحرم ، و[ زر ] البيت متحقّقاً لتعظيم صاحبه ومعرفة جلاله وسلطانه ، واستلم الحجر رضاً لقسمته وخضوعاً لعزّته ، وودّع ماسواه بطواف الوداع ، وأصف روحك وسرّك بلقائه يوم تلقاه بوقوفك على الصفا ، وكن بمرئى من الله نقياً أوصافك عند المروة ، واستقم على شرط حجتك هذه ووفاء عهدك الذي عاهدت مع ربّك وأوجبته له إلى يوم القيامة الحديث ».(١)
فصل
في زيارة مشاهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمة الطاهرينعليهالسلام .
فاعلم أنّ النفوس القدسيّة سيّما نفوس الأئمّةعليهالسلام المعصومين من
__________________
١ ـ مصباح الشريعة : الباب ٢٢ في الحج مع اختلاف في كثير من الموارد ومنها ما جعلته بين المعقوفتين.
أدناس كل خطيئة إذا فارقوا أبدانهم واتّصلوا بعالم القدس والمجرّدات صارت غلبتهم وإحاطتهم بهذا العالم أقوى ولهم التمكّن من التصرّف في عالم الملك وتغيّر أجزائه عن مقتضى طباعها بعد مماتهم ، كما كان في حال فهم( أحياء عند ربّهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ) (١) وذلك يوجب هبوب نسائم ألطافهم وفيضان رشحات أنوارهم على الخلّص من قاصديهم وزوّارهم وشفاعتهم في غفران ذنوبهم وستر عيوبهم وكشف كروبهم ، مع ما فيه من صلتهم وبرّهم وتجديد عهد ولا يتهم وإعلاء كلمتهم وتشميت أعدائهم.
وكيف لاتكون من أعظم القربات ولو لم يكن الا من حيث كونه زيارة المؤمن لأجل إيمانه لكفى في عظيم الأجر والثواب ، كما ورد به الحثّ الأكيد في أخبار العترة الأطياب ، وصارت زيارة الأحبّاء(٢) سنّة طبيعية متعارفة بين الشيخ والشابّ ، فكيف بزيارة المعصومين عن الخطايا والأدناس والمطهّرين عن المعاصي والأرجاس مع مالهم من الحقوق الكثيرة على الناس وتحمّلهم المشاقّ العظيمة في إرشاد الضالين وتنبيه الجاهلين مع كونهم أئمّة وقدوة للمسلمين ، حججاً من الله على العالمين والمخلوق لأجلهم الأرض والسماء وأبوابه التي منها يؤتى ، وأنواره التي بها يستضاء ، أدلّاء العباد وأمناء الله في البلاد والأسباب المتّصلة بينهم وبين ربّ الأرباب.
هذا مع ورود الأخبار الكثيرة عنهم في هذا الباب بما هي مذكورة في كتب المزارات للأصحاب.
فإذا عرفت فضل زيارتهم وما فيها من الأسرار فأكثر من التواضع والخشوع والأنكسار عند الدخول إلى مراقدهم الفائضة الأنوار وأحضر في
__________________
١ ـ آل عمران : ١٦٩ ـ ١٧٠.
٢ ـ في « الف » : الأحياء.
قلبك ما لهم من رفعة الشأن وجلالة المقدار عند الملك الجبّار.
ثم عظّم جهدهم وجدّهم وسعيهم في إرشاد الناس وتطهيرهم عن الذمائم والأرجاس وإعلاء كلمة الله وتقويتها على مكائد الخنّاس.
ثم اطّلاعهم على ما في ضميرك من خير وشرّ ومجازاتهم إيّاك عل وفق ما تقصده من نفع أو ضرّ فأخلص نيّتك في زيارتهم وأحضر في قلبك معاني ما تلفظه في مخالبتهم ، فإن ادعيت محبّة وولاية أو طاعة واقتداء فاحترز عن أن تكون كاذباً في دعواك مستحقّا للمقت والسخط في عقباك.
ثم أحضر ما وصل إليهم من أعدائهم من المشاقّ والمتاعب والظلم والغصب والاستيلاء على حقوقهم التي خصّصهم الله بها وقتلهم وأسرهم وفعل أنواع الأذى بالنسبة إليهم وتحمّلهم لها مع قدرتهم على دفعهم ودفعها محبّة لله وإطاعة لأمره وشوقاً في هداية الضعفاء وتكثيراً لأمّة سيّد الأنبياء ببقاء نسل أولئك الأطغياء سيّما ماجرى على سيّد الشهداء الحسين بن عليعليهالسلام وأولاده وأصحابه البررة الأتقياء ممّا اهتزّ به عرش ربّ العالمين وبكت عليه كافّة أهل السماوات والأرضين ، وكذا سائر الأئمّة الطاهرين فتذكر مصائبهم وترقّ لهم وتبكي عليهم وتلعن على أعدائهم وظالميهم لعناً صحيحاً وتحبّهم حبّاً عظيماً وتراعي الآداب الظاهرة المذكورة في كتب المزار وتخصّص كلاً منهم بما يليق بشأنه من الإجلال وتذكر ماجرى عليه واعتقاد مايليق بظالميه من اللعن والنكال ، وتبالغ في التضرّع والأستشفاع منهم ، فإنّهم معادن الجود والكرم ومصابيح الهداية للأمم ، والسلام على من اتّبع الهدى.
خاتمة
من أشرف المباحث وأبهاها وأسنى المقاصد وأعلاها المحبّة لله والشوق إليه والأنس به ، فلنفصّل الكلام فيها في عدّة فصول :
فصل
الحبّ عبارة عن ميل الطبع إلى الملائم ، وتوضيحه : أنّ الحبّ لايتصوّر بدون الإدراك كما لا يتّصف به الجماد ولا يحبّ الانسان من لايعرفه.
والمدرك ينقسم إلى ما يوافق طبع المدرك فيلتذّ منه وما يخالفه فيتألّم منه وما لا يتأثّر منه بلذّة ولا ألم.
ولابدّ لمدرك الأوّل من ميل إليه يسمّى حبّاً. والثاني من نفرة عنه تسمّى كراهة وبغضاً.
والمدرك إمّا حسّ ظاهر كما في الصور الجميلة والألحان الحسنة والروائح الطيّبة والمطاعم النفسية والملموسات الليّنة ، أو باطن كالصور الملائمة الخيالية والمعاني الملائمة الجزئية ، أو عقل كالمعاني الكلّية والذوات النورية.
وقد أشرنا سابقاً إلى أنّ العقل أشدّ إدراكاً ونفوذاً في حقائق الأشياء ومدركاته أشرف وأبهى وأدوم وأبقى ، فلذّته أتّم وأبلغ.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « حبّب إليّ من دنياكم ثلاث : النساء والطيب وقرّة عيني في الصلاة »(١) لكونها لذّة عقيلة ، والأوليان لذّتان حسّيتان.
ولمّا عرفت أنّ هذه القوى بمنزلة الخدّام للنفس وهي السلطان المدبّر تعرض ما تدركه إليها فهي المدركة الملتذّة والمتألّمه حقيقة.
أحدها : حبّ الانسان وجوده وبقاءه وكماله ، وهو أقواها ، لأنّ الحبّ بقدر الإدراك والملاءمة ، والانسان أبصر بنفسه وأعرف ولا ملائم له أقوى من نفسه ، وكيف لا وثمرة الحبّ حصول الاتّحاد بين المحبّ والمحبوب ، وهو حاصل هنا حقيقة ، فالوجود ودوامه محبوب له كما أنّ العدم مبغوض له ،
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٣٣ / ٦٨.
ولذا يكره الموت لظنّه عدمه أو عدم بعضه.
وكذا كمال الوجود محبوب له لأنّ النقص عدم بالإضافة إلى المفقود ، فالنقائص أعدام في الحقيقة ، كما أنّ الكمالات وجودات.
فحاصله حبّ الوجود وبغض العدم أيضاً فكلّما كان الوجود أقوى ونحوه أتمّ كان أجمع لمراتب الوجودات والوجود الواجبي لكونه تامّاً وفوق التمام وقيّوماً محيط بكلّ الموجودات وجامع لها بأسرها ، وحبّ المرء لأقاربه وأولاده وعشائره راجع إلى هذا القسم ، أي حبّه لكمال نفسه إذ يرى الولد جزءاً منه قائماً مقامه ، فبقاؤه بمنزلة بقائه ويرى نفسه قويّاً كثيراً بأقاربه لأنّهم كالأجنحة المكمّلة له.
الثاني : حبّ من يحصل له نفع بسببه أي ما يكون وسيلة إلى لذّاته كحبّه للمرأة التي بها تحصل لذّة الوقاع ، والطعام الذي يحصل به لذّة الأكل ، والطّيب الذي به يحصل الصحّة ، والمعلّم الذي به يحصل العلم ، وهذا أيضاً يؤول إلى الأوّل ، لأنّه باعث لحصول الحظوظ التي بها يتمّ كمال الوجود ، فإذا أحبّ الانسان غيره بحظّ واصل منه إليه فما أحبّه لذاته بل لأجل الحظّ المزبور ، ولو ارتفع طمعه فيه زال حبّه مع بقائه بذاته ، وإذا كان الحظّ واصلاً إليه(١) ، فما أحبّ في الحقيقة الا نفسه.
والثالث : المحبّة الحاصلة بسبب الأنس والإلف والاجتماع كما في الأسفار البعيدة ، فإنّ المؤانسة لاتنفكّ عن الحبّ ، والانسان مجبول عليها.
وهذا أحد أسرار التعبّد بالجماعات والجماعات.
والرابع : الحبّ الحاصل بالمجانسة والمشاركة في الصفة كالصبي لمثله والشيخ لمثله والتاجر لصنفه.
والخامس : محبّة المتشاركين في سبب واحد كالقرابة ، وكلّما قرب كانت أشدّ.
__________________
١ ـ كذا ، وفي العبارة سقط.
والسادس : الحبّ لمجانسة خفيّة ومناسبة معنويّة من دون سبب ظاهر ، فإنّ الأرواح لها تناسب كما ورد في الأخبار.
والسابع : حبّ العلل لمعلولاتها وبالعكس ، لأنّ المعلول مثال للعلة مترشّح منها منبجس عنها لكونه من سنخها ، فالعلّة تحبّه لأنه فرعها المنطوي فيها ، والمعلول يحبّها لأنّها أصله الذي يحتوي عليه ، فحبّ كلّ منهما للآخر حبّ لنفسه في الحقيقة ، والعلّة الحقيقيّة في ذلك أقوى من المعدّة.
فأقوى أقسام الحبّ ما كان الحبّ للواجب تعالى بالنسبة إلى معلولاته.
ثمّ محبّة عباده العارفين به له ، فإنّ هذه متوقّفة على المعرفة بكون العلّة تامّة فوق التمام ، وكونها سبباً لإخراجهم من العدم الصرف إلى الوجود المحض وإعطائهم ما يحتاجون إليه في النشأتين ، وحينئذ تشتاق النفس إلى العلّة بالضرورة.
قال سيّد الرسلصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما اتّخذ الله وليّاً جاهلاً قطّ ».(١)
قيل : ويشبه حبّ الأب لابنه وبالعكس هذا القسم لكون الأب علّة معدّة له فيحبّه لأنّه يراه مثالاً لذاته وجزءاً له ، ولذا يريد له ما يريد لنفسه ، ويفرح بتفضيله عليه ويرجو منه إنجاح مقاصده ومطالبه في حياته ومماته ، وكذا محبّة المعلم للمتعلّم وبالعكس ، لأنّ المعلّم سبب لحياته الروحانيّة وإفاضة الصورة الانسانيّة علي وبقدر شرف الروح على الجسم يكون المعلّم أشرف من الأب.
ومنه يظهر أنّ حبّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وخلفاء (أي أو صياؤه) الراشدين(٢) أوكد من سائر أقسام الحبّ بعد الله تعالى ، لأنّه المعلّم الحقيقي والمكمّل الأوّل.
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لايكون أحدكم مؤمناً حتّى أكون أحبّ إليه من نفسه وأهله
__________________
١ ـ جامع السعادات : ٣٣ / ١٤٠.
٢ ـ قال في جامع السعادات (٣ / ١٤١) : « ينبغي أن يكون حبّ النبي وأوصيائه الراشدينعليهالسلام أوكد من جميع أقسام الحبّ ».
وولده ».(١)
والثامن : حبّ الشيء لذاته ، فيكون حظّه منه عين ذاته ، وهو الحبّ الحقيقي كحبّ الجمال والحسن ، فإن إدراك الجمال عين اللذّة الروحانية المحبوبة لذاتها ، وأمّا حبّه لقضاء الشهوة فهي من اللذّات الحيوانية ، ولذا يذمّ العشق الحاصل منه دون ماكان حاصله الابتهاج بإدراك الجمال ولا لتباسهما وقع الخلاف فيه ، والخضرة والماء الجاري محبوبان من نفس الرؤية دون إدراك حظّ آخر من الأكل والشرب ونحوهما ، كما كان يعجب بهما النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وكذا النظر إلى الأزهار والأنوار والأطيار المليحة بل يزول به الغمّ والهمّ عن الانسان ، والجمال ليس مقصوراً على ما يدرك بانظر ، بل يقال : صوت حسن وريح طيّب ، ويقال أيضاً : خلق حسن وعلم شريف وسيرة حسنة ممّا لايدرك الا بالبصيرة الباطنة ، فهذه الخصال وأمثالها محبوبة للعقل بالطبع وصاحبها محبوب كذلك ، ولذا إنّ الطباع السليمة مجبولة بحبّ الأنبياء والأئمّةعليهمالسلام مع عدم مشاهدتهم بحسّ البصر ولا استماع كلامهم بل ربما يصل حبّهم إلى حد العشق فينفق ماله بل يبذل نفسه في نصرة مذهبه ونبيّه ويقاتل من يطعن فيه ، فالحامل على حبّهم صفاتهم الباطنة الراجعة إلى علمهم بوجوه الخيرات والشرور وقدرتهم على نشرها بين الناس وصرفهم إليها وعنها.
ولذا إنّه إذا وصف أحد بالشجاعة أو العلم أو الملك أو ملك بالعدل أحبّه المستمع حبّاً ضرورياً مع عدم رؤيته له ويأسه عن وصول نفع منه إليه ، وكذا لو وصف أحد حواسّه الظاهرة كان حبّه للمعاني الباطنة والموصوفين بها أكثر وأشدّ.
__________________
١ ـ راجع المحجة البيضاء : ٨ / ٤ ـ ٥.
فإذ علمت وجوه الحبّ فاعلم أنّه لا مستحقّ له من جميع هذه الوجوه الا الله تعالى فلا محبوب حقيقة الا هو ، وكلّ من ينسب إليه الحبّ فلنسبته إليه تعالى لا لذاته والا كان جهلاً في معرفة الله ومعرفة محبوبه ، إذ كيف يصلح للحبّ من هو مع قطع النظر عنه تعالى عدم محض.
فإثبات الحبّ لغيره تعالى مجاز محض ، بل وهم وخيال.
أمّا حبّ الشخص لنفسه ووجوده وكماله فبيّن أنّ وجود كلّ أحد فرع وجوده تعالى وظلّ له ، فلا وجود له من ذاته ، بل عدم محض لولا فضله تعالى بالإيجاد ، وناقص لولا فضله بالكمال ، وهالك لو لا فضله بالإبقاء ، فوجوده ودوامه وكماله به ومنه وإليه ، فيرجع محبة كل أحد لوجوده إلى محبّته لوجود ربّه وإن لم يشعر به ، وكيف يتصوّر حبّك لنفسك من دون محبّتك لمن به قوامك ، مع أنّ من أحبّ الظلّ أحبّ الشجر الذي به قوامه بالضرورة ، ومن أحبّ النور أحب الشمس التي بها قوامه لامحالة ، والحال أنّ مانحن فيه أولى من ذلك وأحقّ ، فإنّ تبعيّة النور للشمس والظلّ للشخص(١) ليست الا موهومة للعوام ، إذ في الحقيقة هما فائضان من الله موجودان به بعد حصول الشرائط ، كما أنّ أصل الشخص والشمس وجميع مايعرضهما من اللون والشكل وسائر الأوصاف كذلك.
وأمّا الالتذاذ والإحسان مطلقاً فمعلوم انحصارهما فيه تعالى ، لأنّه خالق كلّ ما يلتذّ به ومبدع الإحسان وذويه وفاعل أسبابه ودواعيه.
وأمّا الحسن والجمال والكمال فهو الجميل الخالص بذاته ، الكامل بذاته لاغير ، وغيره تعالى ممّا يطلق عليه الجميل والكامل غير خالص عن شائبة النقصان ، إذ لايخلو لامحالة عن نقص الحاجة والإمكان ، مع ما عرفت من أنّ الجمال الباطني المعنوي أقوى وأشدّ تأثيراً من الصوري الظاهري ، وحقيقة
__________________
١ ـ كذا ، والظاهر : « للشجر » وكذا في الخطّ الأتي.
الجمال المعنوي هي وجوب الوجود وكمال العلم والقدرة المنحصرة في الله تعالى ، فحبّ الجمال الناقص الصوري إذا كان ضرورياً لاينفكّ عنه عاقل فحبّ الجمال الأقوى الأكمل أحقّ وأحرى بل لا محبوب الا هو حقيقة.
باده خاك آلودتان مجنون كند |
صاف اگر باشد ندانم چون كند |
سيّما مع ماعرفت من استناد كلّ جمال صوري ومعنوي إليه تعالى ورجوع كلّ كمال وحسن وبهاء إليه وتفرّه عليه ، فكل محبّ لجميل محبّ في الحقيقة لمن هو خالق الجميل ، الا أنّه محتجب تحت حجب الأسباب غير شاعر لأجل ذلك بما هو الأصل في الإحباب.
هذا ، مع أنّ عمدة جمال المخلوق علمه بالله وبصفاته وأفعاله وقدرته على إصلاح نفسه وتسخيرها تحت عاقلته بالتخلية عن الرذائل والتحلية بالفضائل وإصلاح غيره بالهداية والإرشاد والنصح والسياسة ، وكلّها إضافات إليه تعالى ، فيرجع حبّها إلى حبّه تعالى.
وأمّا المناسبة الخفيّة والمجانسة المعنوية فقد تبيّن لك فيما سلف أنّ للنفس الناطقة التي هي من عالم أمره وشعلة من مشاعل جلاله ونوره وبارقة من بوارق جماله وظهوره مناسبة مجهولة مع بارئها ، ولذا استحقّت خلافته تعالى.
وورد في الخبر : « انّ الله خلق آدم على صورته »(١) ولأجلها تنقطع إليه تعالى عند انقطاع حيلتها في الحوادث النزلة بها ، وقد تظهر هذه المناسبة الخفيّة بالمواظبة على النوافل بعد إحكام الفرائض.
وهذا موضع زلّت فيه أقدام أولي النهى والأحكام وتحيّرت فيه أفهام أولي البصائر والأفهام ، فوقعوا في الحلول والاتّحاد أو التشبيه تعالى الله عن ذلك ، وقلّ من وقف واستقام على الصراط المستقيم الا من اعتصم بحبل الله وفاز بقلب سليم.
__________________
١ ـ إحياء العلوم : ٢ / ١٦٨ وراجع توحيد الصدوق : ص ١٥٢ ـ ١٥٣.
ومن مناسباتها الخفيّة ما عرفت من ميله وقربه إليه تعالى في الصفات الربوبية والأخلاق الالهيّة وأمر بالتخلق بها حتّى يصير بها قريباً مناسباً منه.
وأمّا العليّة والمعلولية فظاهرة لا سترة فيه ، وباقي الأسباب ضعيفة نادرة ، واعتبارها نقص في حقّه تعالى.
ثم إنّه يتصوّر في الخلق مشاركة بعضهم لبعض في الصفة الموجبة للحبّ فيوجب ذلك نقصاً في حبّ بعض الشركاء ، والله تعالى لا شريك له ولا نظير في أوصاف الجلال والجمال وجوباً وجوباً وإمكاناً ، فلا يتصوّر في حبّه شركة ولايتطرّق إليه نقيصة ، فهو المستحقّ لأصل المحبّة وكمالها ، ولا متعلّق للمحبّة الا هو وإن لم يتمّ ذلك لأحد الا بالمعرفة التامّة ، فسبحان من احتجب عن أبصار العميان احتجاب الشمس عن أبصار الخفافيش غيرة على ماله من الجمال والجلال وتجلّى لأوليائه العرفاء بما له من البهاء والكبرياء حتى لم يحبّوا سواه ولم يحنّوا إلى ماعداه في حال من الأحوال.
قد صرّح الحكماء بأنّ الأشياء المختلفة لاتتألّف تألّفاً تامّاً يحصل منه الاتّحاد بخلاف المتماثلات المتشالكة حيث يشتاق بعضها إلى بعض ويحصل منها الحبّ والوحدة والاتّحاد ، وذلك لأنّ التغاير من لوازم الماديّة ، فالجواهر البسيطة لكونها متشاكلة ومتماثلة يحنّ بعضها إلى بعض ويحصل من تألّفها اتّحاد حقيقي في الذات والحقيقة حتى لا يبقى بينها مغايرة واختلاف أصلاً والمادّيات لشدّة تباينها وتغايرها لو حصل بينها إلف وشوق كان غايته تلاقي السطوح والنهايات دون الحقائق والذوات ، فلا يبلغ درجة الاتّحاد والجوهر البسيط المودع في الانسان أعني الروح الانساني إذا صفا عن أخباث الطبيعة وخلص عن سجنها بالتطهّر عن العلائق المادّية وتخلّى عنها انجذب بحكم المناسبة المشار إليها إلى عالم القدس واشتاق إلى أشباهه من الذوات النورية المجرّدة. ثم إلى نور الأنوار ومنبع الخيرات واستغرق في مشاهدة جمال الحق
ومطالعة جلاله ، وانمحى في أنوار تجلياته المفاضة عليه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على خاطر ، ووصل إلى مقام التوحيد الذي هو من أعلى المقامات ، وهذا وإن أمكن حصوله له في حال التعلّق بالبدن والتجرّد عنه كما عرفت في بحث السعادة الا أنّك عرفت أيضاً أنّ الشهود التامّ والابتهاج الصافي عن شوب كلّ كدر لايحصل الا بعد التجرّد وأنّه وإن لاحظ بنور البصيرة في هذه النشأة جمال الحقّ الا أنّه في الأغلب غير خال وإن بلغ مابلغ عن كدورات الطبيعة ، وأنّ الصافي منه لو حصل له مرّ كالبرق الخاطف ولذا إنّ الدنيا سجنه ويشتاق أبداً إلى خلاصه من هذا السجن الذي به احتجب عن مشاهدة محبوبه والوصول إلى مطلوبه ، ويقول :
حجاب چهره جان مى شود غبارتنم |
خوشا دمى كه از آن چهره پرده برفكنم |
|
چنين قفس نه سزاى چو من خوش الحانى است |
روم به گلشن رضوان كه مرغ آن چمنم |
وهذا هو آخر مراتب العشق الذي هو أقصى الكمال المتصوّر في حقّ الإنسان ، فلا مقام بعده الا وهو من ثمراته كالأنس والرضا والتوحيد ولا قبله الا وهو من مقدّماته ومباديه كالصبر والزهد وغيرهما وهو غاية منى السالكين ومنتهى آمال العارفين ، بل هو غاية الإيجاد ومنه المبدء وإليه المعاد.
قالوا أكثر أقسام المحبّة فطريّة طبيعيّة كمحبّة المتجانسين والمتناسبين والعلّة والمعلول والجمال لذاته ، والكسبي الإرادي قليل كمحبّة المتعلّم للمعلّم ، بل يمكن إرجاعه إلى الطبيعي أيضاً ، وإذا كان الحبّ طبيعيّاً فأثره ومقتضاه أعني الاتّحاد يكون كذلك أيضاً ، ولذا إنّه أفضل من العدالة المثمرة للاتّحاد الصناعي ، بل لا حاجة معه إليها ، لأنّها فرع الكثرة المحوجة إلى الاتّحاد القسري كما عرفت ، بل صرّح قدماؤهم بأنّ قوام عالم الوجود
ونظامه بالمحبّة الفطرية الثابتة بين الموجودات بأسرها من الأفلاك والعناصر والمركّبات كما لا يخلو شيء منها عن الوجود والوحدة ، إذا الحبّ والشوق إلى التشبّه بالمبدأ رقّص الأفلاك وأدار رحاها.( بسم الله مجريها ومرسيها ) .(١)
ولأجله مالت العناصر إلى أحيازها الطبيعيّة والمركبات بعضها إلى بعض.
سرّ حبّ أزلى بر همه اشيا سارى است |
ورنه بر گل نزدى بلبل شيدا فرياد |
ولما كان ظلّ الوحدة أعني الحبّ مقتضياً للبقاء والكمال وضدّه الفساد والاختلال فباختلاف درجاتهما تختلف مراتب النقص والكمال.
نعم خصّ المتأخّرون الحبّ والكراهة بالإرادي الثابت لذوي العقول وأطلقوا على ميل العناصر إلى مراكزها والمركّبات بعضها إلى بعض كالحديد إلى المغناطيس ونفرة بعضها عن بعض اسم الميل والهرب خاصّة والالف والنفرة على الحاصل للعجم من الحيوانات من الموافقة والمعاداة.
فصل
قد تبيّن ممّا ذكر ثبوت المحبّة ولوازمها لله تعالى ، وأنّه المستحقّ لها دون غيره ، وأنّ إنكار من أنكر ذلك ناش عن فراغ قلبه عنها وإلفه بعالم الحسّ حيث زعم أنّها لاتكون الا مع الجنس والمثل ، فلا معنى لها بالنسبة إلى الواجب والممكن ، وإنما المراد المواظبة على الطاعات ، فلم يدرك هؤلاء(٢) لذّة المناجاة والعشق والأنس والشوق مع كون كلّ من الكتاب
__________________
١ ـ هود : ٤١.
٢ ـ قال في الإحياء (٤ / ٢٩٤) : « أنكر بعض العلماء إمكانها وقال : لا معنى لها الا المواظبة على طاعة الله تعالى ».
والسنّة مشحوناً من الحثّ على حبّ الله ورسوله واتّصاف الأنبياء والأولياء به وحكايات المحبّين بلغت حدّاً لايقبل الشكّ والارتياب.
( يحبّهم ويحبّونه ) (١) ( والّذين آمنوا أشدّ حبّاً لله ) (٢) ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ـ إلى قوله ـ :أحبّ إليكم من الله ورسوله ) .(٣)
وفي الحديث القدسي : « لايزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه فإذا أحببته إلى آخره ».(٤)
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لايؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما ».(٥)
« اللّهمّ ارزقني حبّك وحبّ من يحبّك إلى آخره ».(٦)
وفي الخبر المشهور : أنّ إبراهيمعليهالسلام قال الملك الموت : هل رأيت خليلاً يميت خليله؟ فقال تعالى : هل رأيت حبيباً يكره لقاء حبيبه؟(٧)
وجاء أعرابي إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : متى الساعة؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما أعددت لها؟ فقال : ما أعددت لها كثير صلاة وصيام الا أنّي أحبّ الله ورسوله ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : المرء مع من أحبّ.(٨)
وقال عليعليهالسلام : « إنّ لله شراباً لأوليائه إذا شربوا سكروا وإذا سكروا طربوا وإذا طربوا طابوا وإذا طابوا ذابوا وإذا ذابوا خلصوا وإذا خلصوا طلبوا وإذا طلبوا وجدوا وإذا وجدوا وصلوا وإذا وصلوا اتّصلوا وإذا اتّصلوا لا فرق
__________________
١ ـ المائدة : ٥٤.
٢ ـ البقرة : ١٦٥.
٣ ـ التوبة : ٢٤.
٤ ـ راجع الكافي : ٢ / ٣٥٢ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب من آذى المسلمين ، ح ٨.
٥ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٤.
٦ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٥ ـ ٦.
٧ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٥.
٨ ـ المحجّة البيضاء : ٥ / ٣٤٥ ، مع اختلاف.
بينهم وبين حبيبهم ».(١)
وقال في دعاء كميل بن زياد : « وقلبي بحبّك متّيماً ».
وقال سيّد الشهداءعليهالسلام : « أنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبّائك حتّى لم يحبّوا سواك ».(٢)
وقال سيّد الساجدينعليهالسلام في دعاء أبي حمزة : « اللّهمّ إنّي أسألك أن تملأ قلبي حبّاً لك وخشية منك إلى قوله : حبّب إليّ لقاءك وأحبب لقائي ».(٣)
وقال في مناجاة المحبّين : « إلهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبّتك فرام منك بدلاً ، ومن ذا الذي أنس بقربك فابتغى عنك حولاً ـ إلى أن قال ـ : يا من أنوار قدسه لأبصار محبّيه رائقة ، وسبحات وجهه لقلوب عارفيه شائفة ، يا منى قلوب المشتاقين ، ويا غاية آمال العارفين أسألك حبّك وحبّ من يحبك وحب كل عمل يوصلني إلى قربك وأن تجعلك أحبّ إليّ ممّا سواك إلى آخره ».(٤)
وفي مناجاة المريدين : « وما أطيب طعم حبّك وما أعذب شرب قربك ».(٥)
وجميع الأدعية المأثورة عن الأئمّة الطاهرينعليهمالسلام مشحونة من دعوى الحبّ وطلبه والالتذاذ منه ، ولايمكن حصرها.
وقال الصادقعليهالسلام : « حبّ الله إذا أضاء على سرّ عبد أخلاه عن كلّ شاغل ، وكلّ ذكر سوى الله ، والمحب أخلص الناس سرّاً وأصدقهم قولاً وأوفاهم عهداً وأزكاهم علماً وأصفاهم ذكراً وأعبدهم نفساً يتباهى به
__________________
١ ـ جامع السعادات : ٣ / ١٥٢. أسرار الشريعة ص ٢٨.
٢ ـ راجع مفاتيح الجنان : ذيل دعاء عرفة.
٣ ـ راجع مفاتيح الجنان : دعاء أبي حمزة.
٤ ـ مفاتيح الجنان : المناجاة التاسعة.
٥ ـ مفاتيح الجنان : المناجاة الثانية عشرة ، مناجاة العارفين لا المريدين.
الملائكة عند ما مناجاته ويفتخر برؤيته وبه يعمر الله بلاده ، وبكرامته يكرم الله عباده ، يعطيهم إذا سألوه بحقه ، ويدفع عنهم البلاء برحمته ، فلو علم الخلق ما محله عند الله ومنزلة لديه ما تقربوا إلى الله تعالى إلا بتراب قدميه ».(١)
قد ظهر لك في بحث السعادة أن لكل من القوى الانسانية لذة تخصها وأذى يختص بها وأنها في نيلها بمقتضى غريزتها التي خلقت لأجلها وعدمه ، فغريزة الغضب خلقت للتشفي والانتقام ، فلذتها في حصولهما وغريزة قوة شهوة الطعام خلقت لتحصيل الغذاء الذي به يتقوم البدن ، فلذتها في نيله وكذا غيرهما من القوى ، كما أن للحواس الظاهرة والباطنة ملائمات ومنافرات طبيعية ، فكذا القلب له غريزة لذته في الوصول إلى مقتضى طبعها المخلوقة لأجله ، وهي العقل الذي خلق ليعلم به حقائق الأشياء على ما هي عليها ، فمقتضى طبعه العلم والمعرفة حتى إن الانتساب إلى العلم ولو بالأمور الخسيسة يوجب فرحاً ونشاطاً للنفس ، والجهل بها يوجب غماً وكدورة وألماً ، بل لايكاد الانسان يصبر عن التحدي والتمدح به فيما يعلمه وإن كان حقيراً في مجلس يبحث عنه أقرانه ويرتاح طبعه إذا أثني عليه بالذكاء وغزارة العلم ، وليس ذلك إلا لفرط لذة العلم واستشعار النفس بكمالها بسببه ، لأن العلم من أخص صفات الربوبية وهو نهاية الكمال كما عرفت غير مرة ، فيستشعر مما ذكر مايعجبه عن نفسه ويلتذ به.
ثم لاشك في أن العلم وإن كان كمالاً مطلقاً إلا أن لذته بقدر شرفه وشرفه بقدر شرف المعلوم ، فليست لذة العلم بالحياكة والحراثة كلذة العلم بسياسة الملك وتدبير أمور الخلق ولا العلم بالنحو والشعر كلذة العلم بالله وصفاته وأفعاله.
ولذا يختار لو خير الأشرف على غيره ، فإن كان في المعلومات ماهو
__________________
١ ـ مصباح الشريعة : الباب ٩٦ ، في الحب في الله.
الأجلّ والأكمل والاشرف كان العلم به ألذّ ولذّته أقوى وأعظم وأدوم.
وهل في الوجود شيء أجلّ وأعلى وأشرف وأبهى من خالق الأشياء ومكمّلها ومبدعها ومدبّرها ومزيّنها؟
وهل يمكن أن تكون حضرة أعظم في البهاء والثناء والكمال والجلال والجمال عن الحضرة الربوبية التي لايحيط بمباديء جلالها وعجائب أحوالها وصف الواصفين ، فإن أيقنت بذلك فأيقن بأنّ العلم بأسرار الربوبية من أعلى أنواع المعارف وأشرفها وأبهاها وأطيبها وألذّها وأشهاها بعد ما علمت أنّ لذّة العلم من أقوى اللذّات وأسناها ، فإن اللذّات تختلف نوعاً كالختلاف لذّة الوقاع مع لذّة الأكل ، ولذة السماع مع لذّة الرئاسة ، ولذّة الرئاسة مع لذّة المعرفة ، وكلّ نوع منها يختلف فيما تحته ضعفاً وقوّة ، كلذّة الشبق المغتلم من الجماع مع لذّة الشائب الفاتر الشهوة ، ولذّة النظر إلى الوجه البالغ في الجمال أقصاه بالنظر إلى مادونه ، والمعيار الكلّي في استعلام الأقوى من الأضعف اختيار المخيّر المتمكّن من كلّ منهما ، فإذا استمرّ اللاعب بالشطرنج على لعبه بعد حضور الطعام في وقته وترك الأكل علم أنّه عنده ألذّ منه وهكذا.
ثّم قد تبيّن لك سابقاً أنّ اللذّات الباطنة كالرئاسات والكرامات والعلوم أقوى من الظاهرة المستندة إلى الحسّ ، ولذا لايختارها عليها الا من كان خسيساً همّته ، ميّتاً قلبه ، ناقصاً عقله ، كالصبي والمجنون ، بل كلّما كمل العقل انتقل من لذّة ظاهرة إلى ماهو فوقها ، ولذا إنّ الصبي في أوّل حركته وتمييزه تظهر منه غريزة بها يستلذّ من اللهو واللعب ، وهما عنده من ألذّ الاشياء حينئذ ، ثم لبس الثياب والتزين وركوب الدوابّ حتى يستحقر معها اللهو واللعب ، ثم لذّة الوقاع حتّى يستحقر معها ما تقدّم ويتركها حين الوصول إليها ، ثم لذّة الرئاسة والتكاثر والعلوّ وهي آخر لذّات الدنيا من اللذّات الباطنية.
قال الله تعالى :( اعلموا أنّما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال الأولاد ) .(١)
ثم بعد هذا تظهر غريزة يدرك بها لذّة المعرفة ويستحقر معها ما قبلها ، إذ يظهر حبّ اللعب في أوّل سنّ التمييز ، وحبّ النساء في سنّ البلوغ ، وحبّ الرئاسة بعد العشرين ، وحبّ المعارف بقرب الأربعين ، وكلّ متأخّر أقوى فهي الغاية القصوى ، وكما أنّ الصبي يضحك على تارك اللعب وطالب الرئاسة يضحك على المشتغل بالنساء ، فطالب المعارف الحقّة يضحك على أبناء الدنيا ، كما أنّهم يضحكون عليه أيضاً ، ويقول لهم :( إن تسخروا منّا فإنّا نسخر منكم كما تسخرون ) (٢) فلذّة المعرفة ومطالعة جمال الحضرة الربوبية والنظر في الأسرار الإلهية ألذّ من كل شيء يتصوّر ، وغاية مايعبّر عن هذه اللذّة أن يقال : فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرّة أعين وأنّه أعدّ لهم ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وكيف لا يستحقر طالب هذه المعارف والواصل إلى مبادئها سائر اللذّات الدنيوية مع مايرى من انقطاعها بالموت وشوبها بالآلام والكدورات ، وخلوّ هذه عن هذه المزاحمات واتّساعها للمتواردين لاتضيق عنهم بكثرتهم ، فلايزال العارف في جنّة عرضها السماوات الأرض يرتع في رياضها ويقطف من ثمارها آمناً لا خوف عليه فيه ولا حزن يعتريه لأنّ ثمارها أبدية غير مقطوعة ، سرمدية غير ممنوعة لاتنقطع بالموت ، لأنّ محلّها الروح الذي هو أمر ربّاني ولا فناء له وإنّ غير الموت أحواله وقطع حجبه وشواغله.( ولا تحسبنّ الّذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربّهم يرزقون ) .(٣)
لكن إدراك هذه اللذّة مخصوصة بمن نالها ، ولايمكن إثباته لمن لا قلب
__________________
١ ـ الحديد : ٢٠.
٢ ـ هود : ٣٨.
٣ ـ آل عمران : ١٦٩.
له ، كما لايمكن إثبات لذّة الوقاع للعنّين.
ولعمري أنّ طلاب العلوم الرسمية وإن لم يشغلوا بالمعارف الإلهيّة الا أنّهم قد استنشقوا رائحة هذه اللذّة عند انكشاف المشكلات والشبهات التي قوي حرصهم على طلبها لكونها علوماً ومعارف أيضاً ، وإن كانت غير شريفة شرف العلوم الالهيّة فكيف بمن اشتغل بها ونال لذّتها.
ولذا قيل : « إنّ الله عباداً ليس يشغلهم عنه خوف النار ولا طمع الجنّة ، فكيف يشغلهم الدنيا؟ ».
وقد يتعجّل بعض هذه اللذّات في الدنيا لمن صفا قلبه إلى الغاية حتى قال بعضهم : اني أقول يا ربّ يا الله وأجده أثقل عليّ من الجبال لأنّ النداء يكون من وراء الحجاب وهل رأيت جليساً ينادي جليسه؟ فمقصد العارف وصله ولقاؤه وهو قرّة العين التي إذا حصلت انمحقت الهموم والشهوات واستغرق القلب بحيث لو ألقي في النار لم يحسّ بها ، ولو عرضت عليه النعيم لم يلتفت إليها لكمال نعيمه وبلوغه الغاية.
ولذا قال سيّد الساجدينعليهالسلام : « يا نعيمي وجنّتي ويا دنياي وآخرتي »(١) بل من عرف الله عرف أنّ اللذّات المقرونة بالشهوات المختلفة كلها منطوية تحت هذه اللذّة كما قيل :
كانت لقلبي أهواء مفرّقة |
فاستجمعت إذ رأتك العين أهوائي |
|
فصار يحسدني من كنت أحسده |
وصرت مولى الورى إذ صرت مولائي |
|
تركت للناس دنياهم ودينهم |
شغلاً بذكرش يا ديني ودنيائي |
__________________
١ ـ مفاتيح الجنان : مناجاة المريدين.
والله ما طلعت شمس ولا غربت |
الا وأنت مع قلبي وأهوائي |
|
ولا ذكرتك محزوناً ولا فرحاً |
الا وذكرك مقرون بآرائي |
|
وما جلست لقوم لست بينهم |
الا رأيت فتوراً بين أعضائي |
|
ولا هممت بشرب الماء من عطش |
الا رأيت خيالاً منك في الماء |
قد سبق في بحث اليقين ما استبان لك أنّ الرؤية عبارة عن كمال الإدراك ونهاية الكشف وأنّها لاتسمّى رؤية لكونها العين ، بل لو خلق هذا القدر من الكشف في الجبهة أو الصدر استحقّ أن يسمّى رؤية ، وأنّه إذا كان الحال في المحسوسات كذلك فكذا في المعلومات ، فيسمّى آخر مراتب العلم بالنسبة إلى مباديه كشفاً ومشاهدة ولقاءاً ورؤية ، فكما أنّ سنّة الله جارية بأن تطبيق الأجفان يمنع من تمام الكشف بالرؤية في المحسوسات ويكون حجاباً بين البصر والمرئي ولابدّ من ارتفاع الحجاب حتّى يصدق الرؤية والا كان خيالاً لا رؤية فكذا عادته تعالى جرت بأنّ النفس مادامت محجوبة بعوارض البدن وعلائق الشهوات والصفات البشرية لم تنته إلى المشاهدة واللقاء في المعلومات الالهيّة.
ثم بعد ارتفاع تلك الحجب بالموت تبقى في النفس كدرتها ولاتنفكّ عنها دفعة بالمرّة وإن تفاوتت ، فمن النفوس ماتراكم عليها الخبث فصارت كالمرايا الفاسدة بطول تراكم الخبث بحيث لاتقبل التصقيل واصلة إلى حدّ الرين والطبع فهم محجوبون عن ربّهم أبدالآباد ، أعاذنا الله منه بمنّه وجوده.
ومنها مالم يصل إليه فيعرض على النار ليقمع منه الخبث العارض ويتفاوت ذلك بقدر حاجتها إلى التزكية ، وأقلّها لحظة إلى سبعة آلاف سنة.
( وإن منكم الا واردها كان على ربّك حتماً مقضيّاً ) .(١)
فكلّ نفس تتيقّن بالورود عليها ولايقين لأحد بالصدور منها ، فإذا كملت التزكية وبلغ الكتاب أجله وفرغ عن جملة ماوعد الله به عباده من أحوال الموت وأهوال منكر ونكير والبرزخ والحساب والصراط وغيرها إلى أن يستوفي استحقاق الجنّة ويستعدّ بصفائه عن الكدورات حتّى لايرهق وجهه غبرة ولا قترة ولا ذلّة لأن يتجلّى فيه الحقّ ، تجلّى تجلّياً يكون انكشافه بالإضافة إلى ماعلمه سابقاً كانكشاف المرئي بالنسبة إلى المتخيّل.
وهذا هو الرؤية والمشاهدة واللقاء دون الرؤية بحسّ الأبصار فإنّه ممّا يتعالى عنه ربّ الأرباب ولو في يوم الحساب كما وردت به الأخبار عن الأئمّة الأطهارعليهمالسلام وشهدت به بصيرة العقل بنور الاعتبار وصارت من ضروريات مذهب الشيعة كالشمس في رابعة النهار ، وإنّما المقصود هو الأوّل ، كما سئل أميرالمؤمنينعليهالسلام : هل رأيت ربّك حين عبدته؟ فقال : ويحك لم أعبد ربّاً لم أره ، قيل : وكيف رأيته؟ قال : ويلك لاتدركه العيون في مشاهدة الأبصارن ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان.(٢)
فما دلّ بظاهره من كلماتهم على خلاف ذلك ينبغي تأويله جمعاً بينه وبين النصوص المصرّحة بخلافه ، فإنّ تأويل الظاهر بالقاطع أمر شائع وباب المجاز باب واسع.
فظهر أنّه لايفوز بدرجة المشاهدة واللقاء الا العارفون في الدنيا لأنّ المعرفة هي البذر الّذي ينقلب في الآخرة مشاهدة كما تنقلب النواة نخلة والبذر زرعاً ومن لا نواة له كيف يحصل له نخل ، ومن لم يعرف الله في
__________________
١ ـ مريم : ٧١.
٢ ـ الكافي : ١ / ٩٨ ، كتاب التوحيد ، باب في إبطال الرؤية ، ح ٦ ، مع اختلاف.
الدنيا كيف يراه الآخرة؟
ولمّا كانت مراتب المعارف في الدنيا مختلفة فمراتب التجلّيات في الآخرة كذلك كاختلاف النبات باختلاف البذور بسبب قلّتها وكثرتها وحسنها وضعفها وقوّتها فكما أنّ في الدنيا من يؤثر لذّة الرئاسة على الجماع والأكل والشرب ، فكذا في الآخرة من يؤثر لذّة النظر إلى وجهه الكريم على ما في الجنان من الحور والنعيم.
وإذ علمت أنّ للعارفين في معرفتهم وفكرتهم ومناجاتهم مع الله سبحانه في الدنيا لذّات لو عرضت عليهم الجنّة في الدنيا بدلاً عنها لم يستبدلوا بها وعلمت أنّها مع كمالها لانسبة لها إلى لذّة اللقاء والمشاهدة ، فكما أنّ لذّة النظر إلى وجه المعشوق في الدنيا يتفاوت بكماله في الحسن ونقصانه وكمال الحبّ والشهوة ونقصانهما وكمال الإدراك وضعفه فإنّ رؤيته من وراء الستر الرقيق أو في الظلمة أو من بعد غير رؤيته في وسط النهار على قرب منه واتّصال به من دون حائل وحجاب.
وكذا بالخلّو عن المشاغل القلبيّة والعوائق النفسية ومشوّشات الخاطر وعدمه كالصحيح على(١) المريض والمهموم المشغول قلبه بحادث يزعجه عن السكون مع الفارغ المطمئنّ ، فلو فرض عاشق ضعيف العشق ينظر إلى وجه معشوقه من بعد ومن وراء ستر رقيق مع اجتماع عقارب وحيّات تلدغه وتؤذيه وتشغل قلبه فلا يخلو حينئذ من لذّة ما من مشاهدة معشوقه ، فلو عرضت له على الفجأة حالة انهتك معها الستر واندفعت عنه المؤذيات وبقي سليماً فارغاً وهجم عليه العشق المفرط ، فانظر هل للذّة الحادثة له حينئذ نسبة إلى اللذّة الاولى ، فالبدن ستر حاجب للنفس كما أشرنا إليه ، والشهوات الحسيّة كالعقارب والزنابير والحيّات وفتور الشهوة مثال لقصور النفس ونقصانها عن الميل إلى الملأ الأعلى كقصور الصبّي عن إدراك لذّة الرئاسة
__________________
١ ـ كذا ، والظاهر : مع.
وعكوفه على اللعب بالعصفور ، فالعارف وإن قويت معرفته في الدنيا الا أنّه لايخلو عن هذه المشوّشات وإن ضعفت في بعض الأحيان لاح عليه من جمال المعرفة مايبهر به العقل بحيث يكاد القلب يتفطّر لغظمته ، الا أنّه كالبرق الخاطف قلّما يدوم بل يعرض له من ضروريات البدن من الشواغل والأفكار مايشوّشه وينغصه ، فالحياة الطيّبة بعد الموت وإنّ الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون ، وسالك الآخرة مالم يصل إلى المرتبة التي أعدّ لها يكره الموت طلباً للاستكمال في المعرفة ، فإنّها بحر لا ساحل له ، وهي بمنزلة البذر في القلب كلما كثرت قويت المشاهدة وعظمت اللذّة والإحاطة بكنه صفات الله وأفعاله متعذّرة.
نعم ربما عظمت اللذّة بحيث ذهل عن هذا المعنى وتفطّن بأنّ اللذّة الحقيقية إنّما تتم بعد الموت خاصّة واشتاق إليه ، فمحبّة العارف للممموت لشوقه إلى الوصل واللقاء ومحبّته للقاء لحرصه على المعارف التي لاتتناهى طلباً لقوّة اللذّة وعظم كيفيّة المشاهدة بزيادتها ، ولذا عدّ طول العمر من أقسام السعادة وأسبابها ، وطلب في الأدعية من الله سبحانه ، بخلاف طالب الدنيا ، فإنّه يكره الموت إذا اشتدت علاقته بالدنيا واستلذّ من حطامها ، ويحبّه إذا ضاقت عليه الدنيا بحذافيرها.
فإذ قد تبيّن لك أن أصل السعادة في حبّ الله سبحانه وأنّ الآخرة معناها القدوم على الله ودرك سعادة اللقاء وما أعظم نعيم المحبّ بملاقاة المحبوب بعد الهجران وطول مدّة الشوق من غير منغّص ورقيب وانقطاع ، فهذا النعيم على قدر المحبّة ، فكلّما ازدادت زادت اللذّة ، وهذا الحبّ ممّا لايخلو عنه مؤمن وإن لم يبلغ الأكثرون إلى درجة العشق أعني استيلاء الحبّ على القلب والجوارح وانتهاءه إلى حدّ الاستهتار ، وإنّما الوصول إليها مشروط بأمرين :
أحدهما : قطع العلائق وإخراج محبة غيره تعالى عن القلب فإنه كالإناء مالم يكن خالياً لم يتسع لوضع شيء فيه.( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) (١) فبقدر الاشتغال بغيره تعالى ينقص حب الله تعالى كما أنه بقدر ما بقي في الاناء من الشيء الذي كان فيه أولاً لايتسع لشيء آخر ، وإلى هذا التجريد والتفريد أشار تعالى بقوله :( قل الله ثم ذرهم ) .(٢)
وقد أشرنا فيما سبق إلى سبيل قلع حب الدنيا وعلائقها.
والآخر : قوة المعرفة واستيلاؤها على القلب وهي تجري مجرى إلقاء البذر في الأرض بعد تطهيره عن الحشيش ومهما حصلت المعرفة تتبعها المحبة ولايوصل إلى المعرفة بعد قطع العلائق إلا الفكر الصافي والذكر الدائم والجد البالغ والنظر المستمر في الله وصفاته وملكوت سماواته وسائر مخلوقاته والواصلون إليها بذلك على قسمين :
أقواهما من كان معرفته بالله تعالى أولاً ثم يعرف به غيره ، وأضعفهما العكس ، وإلى المرتبتين أشير في الكتاب الإلهي :
( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) .(٣)
وقال السجادعليهالسلام : « بك عرفتك وأنت دللتني عليك ولولا أنت لم أدر ما أنت ».(٤)
وقال أبوهعليهالسلام : « كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو ألمظهر لك ».(٥)
وهذا وإن كان غامضاً صعباً على أفهام الاكثرين فالآخر متسع
__________________
١ ـ الأحزاب : ٤.
٢ ـ الأنعام : ٩١.
٣ ـ فصلت : ٥٣.
٤ ـ مفاتيح الجنان : دعاء أبي حمزة الثمالي.
٥ ـ مفاتيح الجنان : ذيل دعاء عرفة.
الأطرفا متكثّر الشعوب والأكناف ، فما من ذرّة من المخلوقات الا وفيها عجائب آيات دالّة على كمال قدرة الله وحكمته وجلال الله وعظمته كما أشرنا في فصل التفكر ، وإنما لايصل الناس إلى المعرفة مع وضوح الطريق وسهولة مأخذة لإعراضهم عن التفكّر واشتغالهم بحظوظ النفس ، كيف لا وأوضح ما أودع فيها من العجائب النفس الانسانية وهي مع كونها أوضح شيء على الأنسان نفسه مجهولة عليه وذلك عقوبة للخلق بما أعرضوا عن الله واستخفّوا بعظائم نعمائه وجلائل آلائه.( نسوا الله فأنساهم أنفسهم ) .(١)
وقد أشرنا في الفصل المذكور إلى أنّ عجائب ملككوت السماوات والأرض ممّا لايمكن أن يحيط بها الأفهام ، فإنّ القدر اليسير الذي تصل إليه أوهامنا مع قصورها ممّا ينقضي فيه الأعمار دون إيضاحه ، ولانسبة له إلى ما أحاط به علم العلماء ولا له إلى ما أحاط به علم الأنبياء ولا له إلى ما علم الله سبحانه وتعالى ، بل كلّ ما عرفه الخلائق أجمعون لايستحقّ أن يسمّى علماً في جنب علم الله تعالى.
( قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربّي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربّي ) .(٢)
فانظر ياحبيبي ما تيسّر لك في عجائب صنع الله تعالى وانبذ الدنيا وراء ظهرك واستغرق العمر في الذكر والفكر عساك تحظى منها بقدر يسير تنال به ملكاً عظيماً.
قد علمت أنّ المؤمنين مشتركون في أصل الحبّ لاشتراكهم في أصل الإيمان ، الا أنّ تفاوتهم فيه كتفاوتهم في المعرفة وفي حبّ الدنيا لأنّ تفاوت
__________________
١ ـ الحشر : ١٩.
٢ ـ الكهف : ١٠٩.
الأشياء إنّما يكون بتفاوت أسبابها وليس حظّ الأكثر من المعرفة الا تلفيق بعض ماقرعه(١) سمعهم من الأسماء والصفات وحفظه فربّما تخيّلوا لها مايتعالى عنه الربّ تعالى وهؤلاء الضالون ، وربّما آمنوا بها إيمان تسليم من دون تصوّر معنى صحيح أو فاسد فاشتغلوا بالعمل ولم يبحثوا عن المعنى وهؤلاء الناجون السالمون ، والعارفون بالحقائق هم المقرّبون ، فالفرق في المعرفة الحاصلة لهم بالإجمال والتفصيل ، فالعامي ومن يتلوه يعلم حسن صنع الله وإحكامه وإتقانه إجمالاً ، ويعتقد ذلك ولأجله يحبّه أيضاً ، والبصير العارف يطالع تفصيل صنع الله فيها حتى يرى في البعوض مثلاً من العجائب مايبهر به عقله ويتحيّر فيه لبّه وتزداد بذلك لامحالة عظمة الله وجلاله في قلبه ، ثم تزداد بسبب ذلك حبّه له.
وقد عرفت أن هذا الاطّلاع التفصيلي بحر لا ساحل له ، فلا جرم يتفاوت بتفاوت مراتب العلم والمعرفة مراتب المحبّة لا أصلها.
ومن جملة أسباب أختلاف مراتب الحبّ اختلاف أسبابه المشار إليها في صدر المبحث ، فإنّ حبّه تعالى لأجل نعمته وإحسانه ربّما يتغيّر بتغيّر الإحسان فلا يتساوى حبّه في حالتي الشدّة والرخاء والسرّاء والضرّاء.
وأمّا من يحبّه لذاته تعالى ولكونه مستحقّاً للحبّ بسبب كماله وجماله وعظمته فلا يتفاوت أصلاً ، وقس على ذلك سائر الأسباب. والتفاوت في المحبّة سبب للتفاوت في السعادة الاخروية.
( وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ) .(٢)
من الضروريات الأوليّة كون الباري تعالى من أجلى الموجودات
__________________
١ ـ كذا في النسخ ، والظاهر : « الا تلقّن بعض ما قرع سمعهم » كما يظهر من المحجّة البيضاء : ٨ / ٥٠.
٢ ـ الإسراء : ٢١.
وأظهرها ، إذ كلّ موجود فإنّما يستدلّ على وجوده ببعض صفاته المحسوسة دون بعض وبه نفسه دون الموجودات الأخر بخلافه تعالى ، فإنه يدلّ عليه كلّ موجود.
وفي كل شيء له آية |
تدلّ على أنّه واحد |
في وجوب الوجود وعلّيته لجميع الأشياء ، فأظهر الأشياء في علمنا نفوسنا ، ثم محسوساتنا الظاهرة ، ثم الباطنة ، ثم المدركات العقليّة وكلّ منها لها مدرك واحد وشاهد ودليل على وجوب وجود خالقها ومدبّرها وعلمه وحكمته وقدرته ، هذا مع قضاء الضرورة بوجود موجود قائم بذاته ، أي ما يكون صرف الوجود مقوّماً لغيره من الموجودات بأسرها ، بحيث لولاه لم يتحقّق مصداق للوجود أصلاً.
( الله نور السماوات والأرض ) .(١)
أي الظاهر في نفسه المظهر لغيره فمبدأ الإدراك هو المدرك وكلّ مدرك فإنّما يدرك أوّلاً وجوده وإن لم يشعر به ، والظاهر بنفسه أظهر من المظهر بغيره بالبديهة ، فإن كانت حياة الكاتب ظاهرة عندك مع أنّه لايشهد عليها والا شاهد واحد من حركة يده فكيف لايكون ظاهراً ما لايتصوّر في عالم الوجود من داخل نفوسنا وخارجها [ شيء ] الا وهو يشهد على وجوبه وعظمته وجلاله وينادي بلسان حاله بأن لا وجود له بنفسه ولا حركة بذاته ، يشهد به تركيب الأعضاء وائتلاف العظام واللحوم والأعصاب ومنابت الشعور وتشبّك(٢) الأطراف وسائر أجزائنا الظاهرة والباطنة.
فكان الحريّ أن يكون معرفته تعالى من أوّل المعارف وأسبقها إلى الأفهام وأسهلها على العقول والأحلام ، فما يترائى من خلاف ذلك ليس الا من جهة أنّ شدّة ظهوره وشهادة كلّ مدرك محسوس ومعقول وحاضر
__________________
١ ـ النور : ٣٥.
٢ ـ في المحجّة البيضاء : (٨ / ٥٢) : تشكّل.
وغايت به من دون تفرقة بعضها لبعض صارت سبباً لذهول العقول عن إدراكه ، وليست خفائه وغموض مدركه كسائر المخفيات الملتبسة.
وكما أنّ الخفاش يبصر بالليل دون النهار لا لخفاء النهار بل لشدّة ظهوره وضعف بصر الخفاش ، يبهره نور الشمس إذا أشرقت فلا يرى شيئاً الا مع امتزاجه بالظلمة وضعف نوره وظهوره ، فكذا عقولنا قد انبهرت لضعفها وقصورها وغاية استغراق جمال الحضرة الربوبية وشمول نورها ونهاية إشراقها ظهورها حتّى لم يشدّ عنه ذرّة من ملكوت السماوات والأرض ، ولاغرو في ذلك ، إذ الأشياء تستبان بأضدادها وما عمّ وجوده حتّى لم يبق له ضدّ عسر إدراكه.
ولو اختلفت الأشياء في الدلالة أدركت الفرق سريعاً كالشمس المشرقة على الأرض لحصول العلم بأنّ نورها عرض يحدث في الأرض ويزول عند غيبتها ، فلو كانت دائمة الإشراق لا غروب لها لكان يدخل في الظنون أن لاهيئة في الأجسام الا ألوانها ، إذ ما كنّا نرى في الأسود الا السواد والأبيض الا البياض ، وما كنّا ندرك الضوء وحده ، لكن لمّا غابت الشمس وأظلمت المواضع حصلت التفرقة وعلم أنّ استضاءة الأجسام كانت من ضوء عارض وصفة حادثة فارقتها بالغروب ، فعرف وجود النور من عدمه ، فالله أظهر الأشياء وبه ظهرت كلّها ، ولو كانت له غيبة أو تغيّر لانهدّت السماوات والأرض وبطل الملك والملكوت وأدركت التفرقة بين الحالتين في الدلالة ، لكن لمّا كانت دلالته عامة على نسق واحد ووجوده دائماً في كلّ الأحوال مستحيلاً خلافه فلا جرم أورث ظهوره خفاء ، لكن هذا حال الضعفاء الذين يحتاجون في الدلالة على وجوده تعالى بمشاهدة معلولاته وتغيّراتها.
وأمّا القوّي البصير فلا يرى الا الله ولا يعرف الا إيّاه ويذهل عن الأشياء من حيث هي بل يراها من حيث كونها من صنائعه تعالى.
فهذا هو السبب الأصلي في قصور الأفهام عن معرفته تعالى ، وقد
تأكّد بأنّ المدركات التي هي شواهد على الله أدركها الانسان في الصبا حال فقد العقل ، ثم لمّا بدت غريزة العقل قليلاً ، كان مستغرق الهمّ في الشهوات ذاهلاً عن هذه الدلالات ، مستأنساً بما أحسّه من المدركات ، ساقطاً وقعها عن قلبه بطول الأنس وكثرة العادات ، ولذا إذا رأى حيواناً غريباً أو شيئاً عجيباً خارجاً عن العادة المستأنس بها انطلق لسانه إلى المعرفة طبعاً فقال : سبحان الله! وهو يرى طول النهار نفسه وأعضاءه وسائر المخلوقات المشتملة على صنوف البدائع والحكم الشواهد الصادقة على ربّه ولا يحسّ بشهادتها لكثرة إلفه وأنسه بها ، ولو فرض أكمه بلغ عاقلاً ، ثم انقشعت عنه غشاوة الكمه ومدّ بصره إلى الأرض والسماء وما فيهما دفعة واحدة لخيف عليه أن يبهر عقله لعظم تعجّبه.
ولذا قيل :
لقد ظهرت فما تخفى على أحد |
الا على أكمه لايعرف القمرا |
|
لكن بطنت بما أظهرت محتجبا |
فكيف يعرف من بالعرف استترا(١) |
وقال آخر :
خفيّ لافراط الظهور تعرّضت |
لإدراكه أبصار قوم أخافش |
|
وحظّ عيون الزرق عن نور وجهه |
لشدّته حظّ العيون العوامش |
وعن عليعليهالسلام : « لم تحظ به الأوهام بل تجلّى لها وبها امتنع منها ».(٢)
وقالعليهالسلام : « لايجنّه البطون عن الظهور ولا يقطعه الظهور عن البطون قرب فنأى ، وعلا فدنا ، وظهر فبطن ، وبطن فعلن ».(٣)
فصل
قد دلّ كثير من الآيات والأخبار على أنّ الله يحبّ العبد أيضاً.
__________________
١ ـ في المحجّة البيضاء : (٨ / ٥٥) : قد سترا.
٢ ـ نهج البلاغة : الخطبة ١٨٥.
٣ ـ نهج البلاغة : الخطبة ١٩٥.
( يحبّهم ويحبّونه ) .(١)
( إنّ الله يحبّ الّذين يقاتلون في سبيله ) .(٢)
( إنّ الله يحبّ التوّابين ويحبّ المتطهّرين ) .(٣)
وفي الحديث القدسي : « لايزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى احبّه فإذا أحببته الحديث ».(٤)
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إذا أحبّ الله عبداً لم يضرّه ذنب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له والنائب حبيب الله » ثم تلا :( إنّ الله يحبّ التوّابين ) .(٥)
والمحبّة في أصل الوضع ميل النفس إلى الموافق والعشق هو الميل الغالب المفرط ، فإطلاقها في العبد صحيح حقيقة ، وأمّا في الله تعالى فمستحيل بهذا المعنى ، لأنّه يتصوّر في نفس ناقصة(٦) تستفيد كمالاً بنيل ما يوافقها وتستلذّ به ، والواجب تعالى يجب أن يكون كلّ كمال وبهاء وجمال وجلال ممكن في الالهيّة حاصلاً له بالفعل أبداً وأزلاً ،.................................................................................... ....................................................................................
__________________
١ ـ المائدة : ٥٤.
٢ ـ الصف : ٤.
٣ ـ البقرة : ٢٢٢.
٤ ـ راجع الكافي : ٢ / ٣٥٢ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب من آذى المسلمين ، ح ٨.
٥ ـ راجع المحجّة البيضاء : ٧ / ٧ و ٨ / ٦٣ فالمصنّف (ره) جمع بين الروايتين ظاهراً.
٦ ـ في « الف » و « ب » : ناطقة.
قلت : لابدّ من التأويل وصرف اللفظ عن معناه الظاهر بعد البرهان القاطع على استحالته بأنّ المراد كشف الحجاب عن قلبه حتّى يراه به وتمكينه من التقرّب إليه وإرادته له في الأزل لا لحصول كمال له بذلك تعالى عن ذلك ، بل كما أنّ الملك قد يقرّب عبداً له إليه لا للانتفاع به واستخدامه لحوائجه بل لكونه موصوفاً من مرضيّ الأخلاق ومستحسن الخصال بما يليق به أن يكون قريباً من حضرته من دون غرض يعود إليه في ذلك ، فرفع الملك الحجاب بينه وبينه إذا اكتسب ما يقتضيه يسمّى حبّاً له ، ويقال توصّل العبد وحبّب نفسه إلى الملك ، والقرب المستعمل هنا ليس على حذو مايستعمل في الأجسام من القرب في الجهة والمكان ، تعالى الله عن تغيّرات المكان والجهة والزمان ، بل لايزال تعالى شأنه في نعوت الجلال والجمال على ما كان عليه في أزل الآزال.
وكما أنّ القرب المحسوس بين الشخصين قد يحصل بترّحكهما معاً وقد يكون بسكون الآخر مع تحرّك أحدهما فيحصل التغيّر في المتحرّك دون الساكن ، وكذا في الصفات كتقرّب التلميذ إلى الاستاذ مع سكون الاستاذ في مرتبته الحاصلة له بالفعل ، فكذا تقرّب العبد بالنسبة إلى الله تعالى بكمال العلم والإحاطة بحقائق الأشياء والتجرّد عن المادّيات والتشبّه به في صفاته وأفعاله ، وإن كان يتصوّر في التلميذ بلوغه بل تجاوزه عن درجة الأستاذ لتناهيها ، ولايمكن هنا لتناهي كمالات العبد وعدم تناهي معلومات الله وكمالاته فلا مطمع في المساواة ، ولذلك يتفاوت درجات القرب إلى مالا نهاية لها لعدم انتهاء ما يتقرّب إليه. فهذا محبّة الله للعبد.
ويمكن أيضاً أن يراد معناه الحقيقي ويكون الإسناد مجازياً أي بالعرض ، فإنّ محبّة الله لذاته حقيقة فمحبّة للعبد راجعة إلى محبّته لذاته ،
فيكون المراد محبته للعبد من حيث إنّه رشحة من رشحاته ، مظهر من مظاهر جماله وكماله ، والفرق بين المعنيين أنّ التجوّز في الأول قد ارتكاب في لفظ الحبّ ، وفي الثاني في متعلقه أو في الإسناد ، فتطّن.
ثم لكلّ من الحبّين علامات.
فمن علامة حبّ الله للعبد ما قاله النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه ، فإذا أحبّه الحبّ البالغ أفناه ، قيل : وما أفناه؟ قال : لم يترك له مالاً ولا أهلاً ».(١)
فالعلامة أن يوحشه عن غيره ويحول بينه وبين غيره.
قيل لعيسىعليهالسلام : لم لاتشتري حماراً فتركبه؟ قال : أنا أعزّ على الله من أن يشغلني عن نفسه بحمار.(٢)
وفي الخبر : « إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه فإن صبر اجتباه وإن رضي اصطفاه ».(٣)
ومن أختصّ علاماته حبّه لله تعالى ، فإنّه يدلّ على حبّ الله له.
وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إذا أحبّ الله عبداً جعل له واعظاً من نفسه وزاجراً من قلبه يأمره وينهاه ».(٤)
ومن علاماته أن يتولّى أموره ظاهراً وباطناً ، سرّاً وجهراً فيكون هو الوكيل والمشير والمدبّر في أمره ومسدّد ظاهره وباطنه وجاعل همومه همّاً واحداً وكاشف الحجب بينه وبين معرفته.
وأمّا علامات حبّ العبد لله فهي كثيرة :
منها : حبّ لقاء الحبيب بطريق الكشف والمشاهدة في دار الخلود ، فلا معنى لادّعاء الحبّ من عدم حب اللقاء.
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٦٧ ، وفيه : « اقتناه ، قيل : وما اقتناؤه؟ ».
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٦٧.
٣ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٦٧.
٤ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٦٧.
فمن علم أنّه لايمكن الوصول واللقاء الا بالموت والفناء أحبّذ الموت لامحالة ، إذ لايثقل على المحبّ السفر عن الوطن إلى مستقرّ المحبوب ليتنعّم بمشاهدته ، والموت مفتاح اللقاء.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه ».(١)
وقال السجّادعليهالسلام : « حبّب إليّ لقاءك وأحبب لقائي واجعل لي في لقائك الراحة والفرج والكرامة ».(٢)
ولذا قال تعالى :
( قل يا أيّها الّذين هادوا إن زعمتم أنّكم أولياء لله من دون الناس فتمنّوا الموت إن كنتم صادقين ) .(٣)
فكراهة الموت غالباً إنّما يكون لحبّ الدنيا والعلاقة بها ولن يجتمع حبّان في قلب واحد كما عرفت.
( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) .(٤)
سيّما إذا فرض تنافيهما وتعاديهما وكونهما كالضرّتين لايجتمعان ، وقد علمت أنّ الدنيا عدوّة لله ولأوليائه ، فكيف يجتمع حبّ المتعاديين في قلب واحد وبقدر حبّه للدنيا يكون خالياً عن حبّ الله ، ويكون نعيمه بلقاء الله عند القدوم عليه على قدر حبّه ، وعذابه بفراق الدنيا عند الموت على قدر حبّها وكثيراً ما يكره الموت لكثرة المعاصي وعدم الاستعداد لللقاء.
فإن كان في هذا الحال سالكاً سبيل الآخرة ساعياً في تحصيل الزاد والاستعداد وكان كراهته للموت مخافة أن لايكمل لقاءه للحبيب على النهج الذي يريده فهو لاينافي الحبّ لله ، بل هو كالمحبّذ الذي وصل الخبر بقدوم حبيبه عليه فأحبّ أن يتأخّر ساعة ليهدي له داره ويعدّ أسبابه فيلقاه كما يهواه
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٦٨.
٢ ـ مفاتيح الجنان : دعاء أبي حمزة الثمالي.
٣ ـ الجمعة : ٦.
٤ ـ الاحزاب : ٤.
فارغ القلب عن المشاغل خفيف الظهر عن العوائق. وعلامته المواظبة على العمل استغراق الهمّ في الاستعداد.
وإن كان مع بقاء الغفلة والذهول وتثقيل الظهر بالمعاصي الجديدة وتسويف النفس بالآمال من دون إنابة واستعداد ، فمآل كراهته في الحقيقة إلى كراهة لقاء الله وعدم حبّه له ، وحبّه للدنيا وأسره تحت حكم الشهوات أيضاً.
ومنها : إيثار محابّ الله على ما يحبّه في ظاهره وباطنه من الشهوات والكسل في الطاعات بالاجتهاد في الطاعة ولزوم المراقبة والمرابطة ومزايا الدرجات.
وبالجملة ، يترك هوى لنفسه لهوى محبوبه.
أريد وصاله ويريد هجري |
فأترك ما أريد لما يريد |
وقال آخر :
وأترك ما أهوى لما قد هويته |
وأرضى بما ترضى وإن سخطت نفسي |
بل إذا غلب الحبّ قمع الهوى فلا يبقى له تنعّم بغير المحبوب.
روي أنّ زليخا لمّا تزوّجها يوسف كانت تسوّفها وتهرب منه منقطعة إلى الله تعالى ، متخلّية للعبادة ، فلمّا أصرّ عليها قالت : إنّما كنت أحبّك قبل أن أعرفه ، والآن ما أبقت محبّته محبّة لسواه ، وما أريد به بدلاً.(١)
وبالجملة : الصادق في الحبّ لايعصي حبيبه.
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه |
هذا لعمري في الفعال بديع |
|
لو كان حبّك صادقاً لأطعته |
إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع |
هذا ، وقد قيل : إنّ العصيان لاينافي أصل الحبّ ، وإنّما ينافي كماله ، فكم من مريض يأكل ما يضرّه مع حبّه لنفسه ضرورة ، ولذا أنّ نعيمان لمّا حدّه
__________________
١ ـ إحياء العلوم : ٤ / ٣٣١.
رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مراراً لعنه رجل مرّة وقال : ما أكثر ما يؤتى به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : لاتلعنه فإنّه يحبّ الله ورسوله(١) ، فتأمّل.
ومنها : استهتاره بذكر الله تعالى بلا فتور في اللسان وفراغ القلب عنه فمن أحبّ شيئاً أكثر ذكره لامحالة.
فعلامة حبّ الله الإكثار من ذكره وقراءة كلامه وحبّ رسوله وكلّ ما ينسب إليه ، فإنّ المحبّة إذا قويت تعدّت عنه إلى من ينتسب إليه ويتعلّق به وليس ذلك شركة في المحبّ لأنّه حبّ عرضيّ من حيث إنّه منتسب إليه فإنّه المقصود من الحبّ خاصّة في الحقيقة ، وهذا دليل على كمال حبّه له ، بل من غلب حبّه تعالى على قلبه أحبّ جميع خلقه ، لأنّهم صنيعه [ فكيف بخواصّهم الذين محبّتهم له محبّة خاصّة وبالعكس ].(٢)
ولذا قال تعالى :( إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله ) .(٣)
ومنها : استيناسه بالخلوة والمناجاة والعبادة ، سيّما في هدوء الليل وصفاء الوقت بانقطاع العوائق ، فأوّل مراتب الحبّ التلذّذ بالخلوة بالحبيب والتنعّم بمناجاته والاستيحاش من كلّ ما ينغّصها ويعوق عن لذّتها.
ومنها : أن لايتأسّف على فوت شيء من الدنيا ويعظم أسفه على فوت ساعة خلت عن ذكر الله وطاعته فيكثر بعد التذكّر من الاستغفار والتوبة وأن يتنعّم بالطاعة ولايثقلها ويسقط عنه تعبها.
قال بعض الأكابر : علامة المحبّة دوام النشاط والدؤوب على العبادة بشهوة ، يفتر بدنه ولا يفتر قلبه وكيف يستثقل العاشق السعي في هوى معشوقه ولا يستلذّ من خدمته الشاقّة على بدنه.
قيل لبعض المحبّين وقد بذل ماله ونفسه في سبيل الله حتّى لم يبق معه
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٧٠.
٢ ـ مابين المعقوفتين في « ج » فقط.
٣ ـ آل عمران : ٣١.
شيء : ما سبب حالك في هذه المحبّة قال : سمعت يوماً محبّاً يقول لمحبوبه : أحبّك والله بقلبي كلّه وتعرض عنّي بوجهك كله ، فقال المحبوب : إن كنت صادقاً فماذا تنفق عليّ؟ فقال : أملكك ما أملك ثم أنفق روحي حتّى أهلك ، فقلت : هذا خلق بخلق وعبد بعبد فكيف عبد بمعبود؟
أقول : بل هذا حال محبّ بمن لا يحبّه فكيف بمحبّ مع من هو أحبّ إليه منه.
ومنها : أن يكون مشفقاً على جميع عباد الله رحيماً عليهم شديداً على عداوة أعداء الله ، أشدّاء على الكفّار رحماء فيما بينهم ، لاتأخذه في الله لومة لائم.
ومنها : أن يكون في حبّه خائفاً متضائلاً تحت الهيبة والتعظيم ، ومن ظنّ أن الحبّ ينافي الخوف فقد أخطأ ، بل إدراك العظمة تورث الهيبة كما أنّ إدراك الجمال يورث الحبّ ، ومخاوف المحبّين في مقام المحبّة أشدّ وأعظم من غيرها ، وبعض منها أشدّ من بعض آخر.
فأوّلها : خوف الإعراض ، وأشدّ منه خوف الحجاب ، ثم خوف الإبعاد ، وإنما يعظم هيبة البعد وخوفه في قلب من وصل إلى القرب وألف به.
آتش قرب ز بعد افزون است |
جگر از محنت قربم خون است |
|
نيست در بعد جز اميد وصال |
هست در قرب بسي بيم زوال |
فالوزير الأعظم أشدّ خوفاً وهيبة من السلطان ممّن هو من عرض العسكر ومضطرب دائماً من أن يصدر عنه ما يزيله عن تقرّبه ويبعده عن حضرة الملك.
ثم خوف الوقوف وسلب المزيد ، فإنّ درجات القرب غير متناهية كما أشرنا إليه ، وحقّ السالك أن يجتهد في كلّ نفس حتى يزداد قرباً.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من ساوى يوماه فهو مغبون ، ومن كان يومه شرّاً من
أمسه فهو ملعون ».(١)
ولذا قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « وإنّه ليغان على قلبي حتّى استغفر الله في كلّ يوم سبعين مرّة ».
فكان استغفار من المقام الأوّل بعد وصوله إلى المقام الثاني.
ثمّ خوف ما لايدرك بعد فوته ، ثم التسلية بلطف جديد يعرضه فيتكيء عليه فيقف أو يرجع والسلوّ يدخل عليه من حيث لايشعر كما يدخل الحبّ كذلك ، فإنّ لهذه التقلبات في القلب أسباب خفيّة سماوية ليس في قوّة البشر الاطّلاع عليها ، وإذا أراد الله المكر والاستدراج أخفى عنه ما ورد عليه من التسلية فيقف مع الرجاء أو يغترّ بحسن الظنّ أو تغلبه الغفلة والنسيان ، وكلّ ذلك من جنود الشيطان التي تغلب جنود الملائكة من العقل والعلم والذكر والبيان.
ثم خوف الاستبدال به من حبّه إلى حبّ غيره. وعلامته الانقباض عن دوام الذكر وملالته عن وظائف الأوراد وملازمة الخوف عن هذه الأمور والحذر منها بصفاء المراقبة دليل على صدق الحبّ ، فإنّ من أحبّ شيئاً خاف فقده إذا كان المحبوب ممّن يمكن فواته.
ولذا قال بعض العرفاء : من عبدالله بمحض المحبّة من غير خوف هلك بالبسط والإدلال ، ومن عبده من طريق الخوف دون المحبّة انقطع عنه بالبعد والاستيحاش ومن عبده بهما أحبّه الله فقرّبه ومكّنه وعلّمه ، فالمحبّ لايخلو عن الخوف والخائف لايخلو عن الحبّ ، وكان شوب الخوف يسكن قليلاً من سكر الحب ، فلو غلب الحبّ واستولت المعرفة لم يثبت لها طاقة البشر فالخوف يعدله ويخفّف وقعه على القلب.
فقد روي أن بعض الصديقين ساله بعض الأبدال أن يسأل الله أن
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٧٥.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٧ / ١٧.
يرزقه ذرّة من معرفته ، ففعل ذلك فهام في الجبال وحار عقله ووله لبّه وبقى سبعة أيّام شاخصاً لاينتفع بشيء ولا ينتفع منه شيء فسأل الصدّيق أن ينقص بعض الذرّة ، فأوحى الله إليه إنّما أعطيناه جزءاً من مائة ألف جزء من الذرّة ، فإنّ مائة ألف عبد سألوني في ذلك الوقت الذي سأله أن أعطيهم ذرّة من المعرفة فقسمتها بينهم ، فهذا ما أسابه منه فقال : سبحانك يا أحكم الحاكمين انقصه ، فأذهب الله عنه جملة من الجزء وبقي فيه عشر معشاره أي جزء من عشرة ألف ألف جزء من الذرّة ، فاعتدل خوفه وحبّه ورجاؤه وسكن وصار كسائر العارفين.
ومنها : كتمان الحبّ والتوقّي من إظهار الوجد والمحبّة تعظيماً للمحبوب وإجلالاً وغيرة على سرّه فإنّ الحبّ سرّ من أسرار الله تعالى ولأنّه قد يدخل في الدعوى ما يجاوز ويزيد على المعنى ويكون ذلك من الافتراء وتعظم العقوبة عليه في العقبى ويتعجّل عليه البلوى في الدنيا ،
ولقد كان أكثر الشيعة من أصحاب الأئمّةعليهمالسلام لايطيقون لما يرونه من جمال أئمّتهم الصوري ممّا يدهش العقول والألباب. فربّما لاحظوا فيهم بعين الربوبية أو وقع في أوهامهم ذلك مع أنّه قليل من كثير ما هم فيه.
وكذا لايطيقون لاستماع أصواتهم وألحانهم فضلاً عن مراتب معارفهم العالية.
وهذا هو السرّ في طعن جملة من علماء الرجال وقدماء الأصحاب في جملة من وراة أسرار أخبار الأئمّة الأطهار كمحمّد بن سنان والجعفي والمفضّل بن عمر والمعلى بن خنيس وأضرابهم ، فإنّهم كانوا يحتملون ما لايحتمله غيرهم كما صرّح به المفيد في إرشاده والسيد الأجل ابن طاووس.(١)
قال السيّد (ره) : إنّ بعض أجلّاء الشيعة الذين رووا أسرار الأئمةعليهمالسلام كان جلالة قدرهم وعلوّ مرتبتهم سبباً لانحطاطها عند أصحابنا حتى نسبوهم إلى ما لايليق بجنابهم وعدّ منهم محمد بن سنان مع أنّ حديثه في الضعف عند أصحابنا أشهر من أن يذكر.
ولمّا كان قصور قوالبهم وضعف طاقتهم عن تحمّلها يفضي إلى الافشاء احياناً من غير اختيار ، فربّما رخصّوا لهم الجنون والخروج عن زيّ العقلاء ، وربّما منعوهم فلم ينتهوا وعصوا فخرج لعنهم من الأئمةعليهمالسلام إمّا لمخافتهم وعصيانهم أولئلّاً يفتتن بهم الناس ويفشى سرّهم ويذيع بواطن الأمور عند من لايليق به ، وهذا أحد أسباب لعنهم ، وربما افتتنوا ففهموا الزائد على ما أشرنا إليه فكفروا واقعاً ، ولذلك لعنوا فإذا لم يكن لخواصّ الشيعة الواصلين إلى المراتب العليا ببركات أنفاس أولئك الأقطاب قوّة تحمّل قليل من كثير ممّا همعليهمالسلام فيه فكيف يطيق أحد يمكن أن يدعي الطاقة في الوصول إلى المرتبة معرفة الله سبحانه وحبّه ويتظاهر به.
نعم قد يكون للمحبّ سكرة في حبّه حتى يدهش ويضطرب أحواله
__________________
١ ـ لم يصرّح المفيدرحمهالله بأن محمد بن سنان كان يحتمل مالا يحتمل غيره ، نعم صرّح في إرشاده (ج٢ / ٢٤٨) بكونه من خاصّة الكاظمعليهالسلام مع أنّه ضعّفه في الرسالة العدديّة (ص ٢٠ طبع المؤتمر) وقال : وهو (أي محمّد بن سنان) مطعون فيه لا تختلف العصابة في تهمته وضعفه.
وكذا لم يصرّح السيّد بما قاله المصنّف (ره) بل صرّح بجلالته وعلوّ شأنه ورئاسته ولقائه ثلاثة من الأئمّة : ومعجزة لأبي جعفر الثاني بالنسبة إليه فراجع فلاح السائل : ١٣.
فيظهر شيئاً من غير اختيار واكتساب فهو معذور ، لأنّه مقهور وليس طاقة الناس على نمط واحد ، فالقادر على الكتمان يقول :
وقالوا قريب قلت ما أنا صانع |
بقرب شعاع الشمس لو كان في حجري |
|
فمالي منه غير ذكر بخاطري |
يهيج نار الحبّ والشوق في صدري |
والعاجز عنه يقول :
ومن قلبه مع غيره كيف حاله |
ومن سرّه في جنبه(١) كيف يكتم |
على أنّ العارف لو كان صادقاً في عرفانه وعرف أحوال الملائكة في حبّهم الدائم وشوقهم اللازم الذي به يسبّحون الليل والنهار لايفترون لاستنكف عن نفسه ومن إظهار حبّه وقطع بأنّه من أخسّ المحبّين في مملكته ، وكذا لو عرف أحوال الأنبياء والأولياء وما اعترفوا به من العجز والقصور لخرس لسانه عن التظاهر بدعوى المحبّة ، فسبحان من لا سبيل إلى معرفته الا بالعجز عن معرفته.
ومن علامات المحبّة : الرضا وقد تقدّم ، والأنس وسيأتي.
وبالجملة ؛ جميع محاسن الدين ومكارم الأخلاق من ثمرات الحبّ ، وقد جمع بعض العرفاء علامات الحبّ في عدة أبيات فقال :
لاتخد عنّ فللمحبّ دلائل |
ولديه من تحف الحبيب وسائل |
|
منها تنعّمه بمرّ بلائه |
وسروره في كلّ ما هو فاعل |
|
فالمنع منه عطية مقبولة |
والفقر إكرام وبرّ عاجل |
|
ومن الدلائل أن يرى من عزمه |
طوع الحبيب وإن ألحّ العاذل |
|
ومن الدلائل أن يرى متبسّما |
والقلب فيه من الحبيب بلابل |
__________________
١ ـ في الإحياء (٤ / ٣٣٧) : جفنه.
ومن الدلائل أن يرى متفهّماً |
لكلام من يحظى لديه السائل |
|
ومن الدلائل أن يرى متقشفا |
متحفّظاً عن كلّ ما هو قائل |
وزاد آخر :
ومن الدلائل أن تراه مشمّراً |
في خرقتين على شطوط الساحل |
|
ومن الدلائل حزنه ونحيبه |
جوف الظلام فماله من عاذل |
|
ومن الدلائل أن تراه مسافراً |
نحو الجهاد وكلّ فعل فاضل |
|
ومن الدلائل زهده فيما يرى |
من دار ذلّ والنعيم الزائل |
|
ومن الدلائل أن تراه باكياً |
أن قد رآه على قبيح فعائل |
|
ومن الدلائل أن تراه مسلّماً |
كلّ الأمور إلى المليك العادل |
|
ومن الدلائل أن تراه راضياً |
بمليكه في كلّ حكم نازل |
|
ومن الدلائل ضحكة بين الورى |
والقلب محزون كقلب الثاكل |
فصل
من الوازم المحبّة ونتائجها الشوق وهو الميل إلى الوصول إلى الشيء بعد غيبة عنه أو إدراك ما أدرك بوجه دون آخر ، فإنّ الحاصل الحاضر لايشتاق إليه ، وكذا ما لم يدرك بوجه أصلاً فالشخص الغير المسموع وصفه ولا المرئي مطلقاً لايتصوّر التشوّق إليه ، وكذا الحاضر حين الرؤية فإنّه من قبيل تحصيل الحاصل.
نعم المتّضح [ له ] بوجه ما مع عدم استكمال الوضوح يشتاق إلى الكمال الذي هو عادمه حين الشوق ، كمن غاب معشوقه عنه وهو في خياله حيث يشتاق إلى استكماله بالرؤية ، والذي رآه في ظلمة واستتر عليه بعض ما يطلبه من صورته يشتاق إلى إشراق الضوء عليه باطلباً لإكمال الرؤية ، أو يكون ممدركاً لبعض كمالات المعشوق مع العلم بأنّ له كمالات أخر لم يدركها كان يرى وجهه ويشتاق إلى رؤية شعره وسائر أعضائه ، والشوق
إلى الله ثابت للمشتاقين ، ممكن في حقّ غيرهم بجميع ما ذكر ، فإنّ ما يتضح للعارف من المعارف الالهية.
[ وإن اتّضح لديه في الدنيا الا أنّك عرفت أنّه لا يحصل له النكشاف التامّ الرافع لمطلق الأستار والحجب الا في الآخرة ، لكونه في الدنيا مشوباً بأنواع الكدورات والمنغّصات ، فيشتاق إلى الوصول إلى تلك المرتبة العالية التي لايتصوّر بالنسبة إليه ما هي فوقها ، وأيضاً قد عرفت أنّ المعارف الالهيّة ](١) وصفات كماله وجماله وجلاله ممّا لا نهاية لها ، والذي ينكشف للعارف شيء متناه قليل جدّاً بالإضافة إلى ما لم ينكشف ، مع علمه إجمالاً بوجوده فلايزال متشوّقاً إليه.
قال أبو حامد ما ملخّصه : إنّ الشوق الأوّل ربما انتهى في الآخرة إذا حصل اللقاء بخلاص النفس عن ظلمة البدن وحصول تمام التجرّد لها عن العلائق المادية ، بخلاف الثاني ، إذ نهايته كشف مثل معلوماته تعالى عليه وهو محال ، لأنّها غير متناهية فيمتنع الإحاطة بها ، بل لايزال عالماً بوجود درجات غير متنناهية فوق درجاته ويشتاق إلى الوصول إليها فلا ينتهي شوقه لعدم انتهاء متعلّقه.(٢)
أقول : ادّعاء الفرق بين الكمّ والكيف في التناهي وعدمه لايخلو عن نظر قد أشرنا إليه سابقاً ، فإنّ زيادة الانكشاف والإشراق إنما تكون بكثرة المعارف والمعلومات.
فإذا كانت غير متناهية كانت مراتب المشاهدات والانكشافات كذلك أيضاً ، فلايزال متشوّقاً إلى المراتب الانكشاف المعلومة له إجمالاً كتشوّقه إلى علله.
وبالجملة ، فكما أنّ المعلومات غير متناهية فكذا التجلّيات
__________________
١ ـ ما بين المعقوفتين في هامش « ج » فقط ولابدّ منه لارتباط كلام أبي حامد به.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٥٦ ـ ٥٧.
والإشارقات ، فادّعاء التناهي في الثاني دون الأوّل غير معقول ، الا أن يقال : إنّ عدم تناهي المعلومات النكشافات ممّا لا يستريب فيه أحد وهو ما حكمنا بعدم تناهيه.
والمراد من الأوّل الذي حكم فيه بالوصول إليه في الآخرة هو أنّ المرتبة الحاصلة للعارف في دار الدنيا من المعرفة حيثما هي حاصلة له متكدّرة بنوع من الظلمة تزول بالممات وتتبدّل بنوع أجلى من الانكشاف ، وهذا هو الذي يشتاق إليه ويصل إليه بالموت ، وهذا وإن كان صحيحاً ، الا أنّه مضافاً إلى أنّه حينئذ سكون لا حركة فيه ، والمطلوب من هذه المقامات حصول سير تدريجي للسالك من المباديء إلى الغايات.
يرد عليه أنّ ما يتيقّن الوصول إليه جنس النكشاف المغاير للانكشاف الحاصل له في الدنيا وكونه أشرف وأبهى وأكمل وأسنى ، الا أنّ له في جنسه مراتب لاتتناهي في كيفيّة التجلّيات والنكشافات والترقّيات الحاصلة له في الآخرة كعدم تناهي المعلومات ، فتفطّن.
فإن قلت : الشوق هو الميل إلى شيء غير مدرك كما ذكرت وهو لايخلو عن ألم والآخرة دار الراحة والأمن ن الآلام فكيف يتصوّر فيها الشوق المحرق المؤلم للقلب؟
قلت : أمّا أوّلاً : فالمراد من الشوق الذي نبحث عنه هنا وندّعي عدم تناهيه مايحصل للعبد في دار الدنيا كما أشرنا إليه حتى يحصل منه السير ويترتّب علي الكمال الاكتسابي الصناعي ، والمراد من عدم تناهيه عدم وقوفه إلى حدّ يقف عنده ، وهو وإن كان موجباً للألم من الجهة التي ذكرت ، الا أنّ لهذا الألم مع كونه ألماً لذّة غريبة لايدركها الا من أدرك حقيقة الحبّ والعشق وأدرك لذّتهما مع أنّ الدنيا سجن المؤمن ودار ألمه واحتراق قلبه.
وأمّا ثانياً : فلو فرض ذلك في الآخرة أيضاً لم يبعد أن يكون الشوق شوقاً لذيذاً لايظهر فيه الألم لحصول أصل الوصال ، وكون الشوق مؤلماً إنّما
هو إذا وقف على حدّ خاص من عدم الإدراك وبقي على تلك الحالة مدّة من الزمان.
ولعلّ توالي لطائف الإشراقات والابتهاجات وعدم انقطاع مراتب ترقّيات العبد وتجلّيات المعبود لايبقي له ألماّ ، إذ لا يزال اللذّة والنعيم يتزايد له أبدالآباد.
فالبهجة الحاصلة له في كل آن بالفعل واللذّة المتجدّدة من غير انقطاع تشغله عن الإحساس بألم مالم يدركه ، فإن أمكن حصول الكشف في الآخرة فيما لم يحصل أصله في الدنيا من المعارف فيتجدّد له فيها ويتوارد عليه منها على سبيل الاستمرار من غير زوال ولا انقطاع.
وربما كان في قوله تعالى :( نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربّنا اتمم لنا نورنا ) (١) إشارة إليه ، وإن اختصّت النعم الاخرويّة وأنوار تلك النشأة بما تزوّد أصلها في الدنيا وامتنع حصولها مالم يحصل له فيها ، وإن تغايرا في الكيف كان الكمّ متناهياً في الآخرة لتفرّعه على المتناهي الذي حصل له في الدنيا ، الا أنّ الكيف الذي هو من فيوض الوّهاب المطلق وفنون أنواره وتجلياته الباقية الصافية مجازاة لما اكتسبه في دار الدنيا من المعرفة المتناهية الكدرة الناقصة المشوبة بأنواع الشوائب غير متناه كما أشرنا إليه.
ولعلّ الظاهر من الآية هذا الذي أوضحناه أخيراً فيكون المراد من إتمام النور إفاصة فنون النكشافات وكيفيّات التجلّيات تفضّلاً منه تعالى عليه.
قيل : ويشهد للأخير قوله تعالى :( انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً ) (٢) فافهم.
ولا يمكن تعيين الأصل الذي ترتّب عليه الغير المتناهي من الأنوار كيفاً
__________________
١ ـ التحريم : ٨.
٢ ـ الحديد : ١٣.
وكمّاً الا على سبيل الإجمال والإبهام بتحصيل اليقين ـ بالمعنى الثاني الذي يستولي على القلب بالأمر والنهي دون مجرّد الاعتقاد الثابت الجازم ، فإنّه لايترتّب عليه شيء ـ بوجوده ووجوبه ووحدانيته ذاتاً وصفة وفعلاً ، وعظمته وجلاله وقدرته وحكمته واتّصافه بأشرف ما يمكن أن يتّصف به.
فأصل هذه العقائد ممّا يشترك فيه عامّة المؤمنين ، والانكشاف عن حقائقها بالكنه متعذّر لأشرف المخلوقات ، وإنما ينكشف بالرياضات والمجاهدات القدر الممكن في حقّ الممكن ما يترتّب عليه تلك الأنوار المتناهية بقدر السعي والاجتهاد والقابلية والاستعداد الحاصلة في دار الدنيا ، فهذا مايمكن أن يفهم من الأصل والفرع ، والله العالم.
من أنكر المحبّة يلزمه إنكار الشوق أيضاً ، لأنّه من فروعه وثمراته ، وقد عرفت ما يدلّ على ثبوته عقلاً ، والشواهد النقلية الدالّة عليه أيضاً أكثر من أن تحصى.
ففي الدعاء النبويصلىاللهعليهوآلهوسلم : « اللّهمّ إنّي أسألك الرضا بعد القضاء ، وبرد العيش بعد الموت ، ولذّة النظر إلى وجهط الكريم وشوقاً إلى لقائك ».(١)
وفي أخبار داودعليهالسلام : « أنّي خلقت قلوب المشتاقين من نوري ونعّمتها بجلالي »(٢) .
وفيها : « يا داود! إلى كم تذكر الجنّة ولاتسألني الشوق إليّ؟ قال : ياربّ من المشتاقون إليك؟ قال : إنّ المشتاقين إليّ الذين صفيّتهم عن كلّ كدر ـ إلى أن قال ـ : وإنّ قلوبهم لتضيء في سمائي لملائكتي ، كما تضيء الشمس لأهل الأرض. يا داود! إنّي خلقت قلوب المشتاقين من رضواني ونعّمتها بنور وجهي واتّخذتهم لنفسي محدّثين وجعلت أبدانهم موضع
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٥٧ ـ ٥٨.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٥٨.
نظري إلى الأرض وقطعت من قلوبهم طريقاً ينظرون به إليّ ، يزدادون في كلّ يوم شوقاً »(١) .
وفي بعض الأخبار القدسيّة : « إنّ لي عباداً يحبّونني وأحبّهم ، ويشتاقون إليّ وأشتاق إليهم ، ويذكرونني وأذكرهم وأوّل ما أعطيهم أن أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عنّي كما أخبر عنهم »(٢) .
وقال سيّد العابدينعليهالسلام : « اللّهم املأ قلبي حباً لك وخشية منك وإيماناً بك وفرقا منك وشوقاً إليك يا ذالجلال والإكرام »(٣) .
وقالعليهالسلام : « يا من قلوب المشتاقين إليه والهة [ وعقولهم في بحار عظمته تائهة ] »(٤) .
وقال الصادقعليهالسلام : « المشتقا لايشتهي طعاماً ، ولايلتذّ شراباً ولا يستطيب رقاداً ، ولايأنس حميماً ، ولايأوي داراً ، ولايسكن عمراناً ، ولايلبس ليناً ، ولايقرّ قراراً ، ويعبد الله ليلاً ونهاراً راجياً لأن يصل إلى ما يشتاق إليه ويناجيه بلسان شوقه الحديث »(٥) .
وبالجملة ؛ فهي ممّا لاتحصى ، وإنّما ذكرنا اليسير تبرّكاً بكلماتهم.
فصل
ثم من ثمرات الحبّ الأنس كالشوق والخوف ، والفرق بينها بالاعتبار واختلاف نظر المحبّ إلى المحبوب وما يغلب عليه في وقته ، فإن غلب عليه التطلّع من وراء حجب الغيوب إلى منتهى الجمال واستشعر قصوره من الاطّلاع على كنه الجلال انبعث القلب إلى الطلب وانزعج له وهاج إليه ،
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٥٩.
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٥٨ ـ ٥٩.
٣ ـ مفاتيح الجنان : دعاء أبي حمزة ، مع اختلاف.
٤ ـ لم أجده.
٥ ـ مصباح الشريعة : الباب ٩٨ ، في الشوق.
فتسمّى هذه الحالة في الانزعاج شوقاً ، وإذا غلب عليه الفرح بالقرب والحضور وحصول ماتيسّر له بالفعل من الانكشاف ومطالعة الجمال الحاضر المكشوف له من دون التفات إلى ما لم يدركه سمّي استبشاره بذلك أنساً ، وإن نظر إلى عزّ المحبوب وغناه وجلاله وعظمته وعدم مبالاته وكونه تحت لواء الخطر بزوال ما هو فيه وبعده ، تألّم قلبه من ذلك وسمي تألّمه المزبور خوفاً ، فالأنس معناه استبشار القلب وفرحه بمطالعة الجمال الأقدس ، فإذا غلب على القلب ذلك وتجرّد عن ملاحظة الغائب وخطر الزوال عظمت اللذّة ولابتهاج بما ناله فلا يكون شهوته الا في العزلة والخلوة والانفراد والمناجاة ، فإنّ الانس بالحبيب يستلزم التوحّش عن كلّ ما يعوق عن الخلوة ، فيكون من أثقل الأشياء على القلب ، ولذا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمصلىاللهعليهوآلهوسلم لتضجّره وتبرّمه عن مصاحبه الناس يقول : « أرحني يا بلال »(١) حتّى يعود إلى قرّة عينه من مناجاة حبيبه.
ومن علامته الخاصّة ضيق الصدر من معاشرة الخلق واستهتاره بعذوبة الذكر ، فإن خالط فهو منفرد في جماعة ومجتمع في خلوة وغريب في حضر وحاضر في سفر ومشاهد في غيبة وغائب في حضور ومخالط بالبدن منفرد بالقلب كما قال عليعليهالسلام :
« هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة فباشروه بروح اليقين واستلانوا ما استوعوه المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالملأ الأعلى ، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه »(٢) .
ومنهم من أنكر الشوق والانس والحبّ ، بل أنكروا مقام الرضا أيضاً كما سبق الكلام في جميعها ظنّاً منهم أنّ الأنس يدلّ على التشبيه ، وهذا
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ١ / ٣٧٧ ، وفيه : « أرحنا ».
٢ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٨٠ ، نهج البلاغة : الحكمة : ١٤٧.
جهل منهم بالمدركات العقليّة وقصور منهم على القشور الحسيّة ، فكيف يمكن لهم إدراك هذه المقامات العالية؟
الأنس بالله لايحوية بطّال |
وليس يدركه بالحول محتال |
|
والآنسون رجال كلّهم نجب |
وكلّهم صفوة الله عمّال |
والكلمات الدالّة على طلب الانس من سادتنا الأطيبين سلام الله عليهم ممّا لايحصى.
قيل : إذا استحكم الأنس وغلب على القلب ولم يشوّشه قلق الشوق ولا خوف الحجاب والبعد أثمر نوعاً من النبساط والإدلال في الأقوال والأفعال والمناجاة مع الملك المتعال ، وقد ينكر بحسب الصورة لما فيه من الجرأة ، لكنّه محتمل ممّن أقيم ذلك المقام ، ومن لم يصل إليه وأراد التشبيه به في الفعل والكلام هلك وكفر ، ومثاله مناجاة برخ الأسود الذي أمر الله تعالى كليمهعليهالسلام في سبعين ألفاً للاستسقاء فأوحى الله تعالى : كيف أستجيب لهم وقد أظلمت عليهم ذنوبهم ، يدعونني على غير يقين ويأمنون مكري ، ارجع إلى عبد من عبيدي يقال له : برخ ، فقل له يخرج حتّى أستجيب له ، فسأل عنه موسىعليهالسلام فلم يعرف ، فبينما هو ذات يوم في الطريق إذاً بعبد أسود قد استقبله وبين عينيه تراب من أثر السجود في شملة قد عقدها على عنقه ، فعرفه موسى بنور الله تعالى فسلّم عليه وقال : ما اسمك؟ قال : برخ ، فقال : أنت طلبتنا منذ حين اخرج بنا فاستسق لنا ، فخرج وقال في كلامه : « ما هذا من فعالك؟ وما هذا من حلمك؟ وما الذي بدالك؟ أنقصت عيونك أم عاتت الرياح عن طاعتك؟ أم فقد ما عندك ، أم أشتدّ غضبك على المذنبين؟ ألست كنت غفّاراً قبل خلق الخاطئين خلقت الرحمة وأمرت بالعطف؟ أم ترينا أنّك ممتنع أم تخشى الفوت فتعجل
بالعقوبة؟ » فما برح حتّى أخصبت بنو إسرائيل بالمطر وأنبت الله العشب في نصف يوم حتّى بلغ الركب ، فرجع برخ ، فاستقبله موسىعليهالسلام فقال له : كيف رأيت حين خاصمت ربّي كيف أنصفني؟ فهمّ به موسىعليهالسلام فأوحى الله إليه : أنّ برخا يضحكني في كلّ يوم ثلاث مرّات »(١) فالإدلال والانبساط يحتمل من بعض دون بعض ، كما احتمل من موسىعليهالسلام قوله :
( إن هي الا فتنتك ) (٢) و( أخاف أن يكذبون ) *ويضيق صدري ولهم عليّ ذنب فاخاف أن يقتلون ) (٣) مع ما فيه من سوء الأدب(٤) لأنّ الذي يقام مقام الانس يحتمل منه ويلاطف معه بما لا يحتمل من غيره ، كما لايحتمل من يونس أدون من ذلك فأقيم مقام الغيظ والهيبة وعوقب في السجن في بطن الحوت في ظلمات ثلاث ، وقيل فيه :( لولا أن تدراكه نعمة من ربّه لنبذ بالعراء وهو مذموم ) (٥) .
ونهى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عن اتباعه فقيل له :( ولا تكن كصاحب الحوت ) (٦) وهذا إمّا لا ختلاف الأحوال والمقامات ، أو لما سبق في الأزل من التفاضل والتفاوت يوم القيامة.
( ولقد فضّلنا بعض النبيّين على بعض ) (٧) .
ولذلك سلّم عيسىعليهالسلام على نفسه فقال :( والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ) (٨) وسكت يحيىعليهالسلام حتّى سلّم الله عليه فقال تعالى :
__________________
١ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٨١ ـ ٨٢.
٢ ـ الأعراف : ١٥٥.
٣ ـ الشعراء : ١٢ ـ ١٤.
٤ ـ قال الغزالي في الأحياء ٤ / ٣٤٢ والنراقي في جامع السعادات ٣ / ١٩٣ : وهذا من غير موسىعليهالسلام من سوء الأدب فراجع ولعلّه مراد الصنّف (ره) أيضاً.
٥ ـ القلم : ٤٩.
٦ ـ القلم : ٤٨.
٧ ـ الإسراء : ٥٥.
٨ ـ مريم : ٣٣.
( وسلام عليه يوم ولد ) (١) .
واحتمل من إخوة يوسف نيف وأربعون خطيئة في عشرين آية جمعها بعض العلماء فغفرت لهم ، ولم يحتمل من عزير مسألة سألها في القدر حتّى قيل له : لأمحونّ اسمك من ديوان النبوّة ، ولم يحتمل من بلعم بن باعورا مع ما كان عليه من الرتبة العظيمة في العلم خطيئة واحدة حتّى طرد ولعن ، واحتمل من آصف بن برخيا ما احتمل.
فقد روي أنّه تعالى أوحى إلى سليمان : يا رأس العابدين ويا ابن محجّة الزاهدين إلى كم يعصيني ابن خالتك آصف وأنا أحلم عنه مرّة بعد مرّة ، فوعزّتي وجلالي لئن أخذته عطفة من عطفاتي(٢) عليه لأتركنّه مثلة لمن معه ونكالاً لمن بعده ، فأخبره سليمان بذلك فعلا على كثيب من رمل ورفع رأسه ومدّ يده إلى السماء وقال : إلهي وسيّدي! أنا أنا وأنت أنت ، وكيف أتوب إن لم تتب عليّ ، وكيف أستعصم إن لم تعصمني ، فوعزّتك وجلالك إن لم تعصمني لأعودنّ ثم لأعودنّ ، فأوحى الله إليه : صدقت يا آصف أنت أنت وأنا أنا ، استقبل التوبة عليّ فقد تبت عليك وأنا التوّاب الرحيم(٣) .
والقصص الواردة في القرآن من جملة فوائدها تعريف سنّته وعادته الجارية في الأمم الخالية ، فما فيه من شيء الا وهو نور وهدى ولو تأمّلت كلمات أئمّتك السادة الأطيبين أيضاً في أدعيتهم ومناجاتهم عرفت شرذمة ممّا فيها من الإشارة إلى المقامات العالية المختلفة التي كانوا عليها من الخوف والرجاء والحبّ والعجز والهرب منه إليه والبسط والإدلال أو الفناء في التوحيد وغير ذلك من الأسرار الغريبة التي لايدرك حقائقها الا المتخاطبان بها ، فعليك إن كنت سالكاً حريصاً على المعارف الحقّة بالتفكّر في كلام
__________________
١ ـ مريم : ١٥.
٢ ـ كذا ، وفي المحجة : « غضبة من غضباتي » ، وفي الإحياء (٤ / ٣٤٢) : عصفة من عصفاتي.
٣ ـ المحجّة البيضاء : ٨ / ٨٤.
إلهك ونبيّك وسادتك الأطيبين ، ففيها شفاء علّتك وبردّ غلّتك ، وتعليم للحكم الغربية والأسرار العجيبة ، ولك فيها غنى عن علوم الأوّلين والآخرين.
والسلام على من اتّبع الهدى.
ختام فيه إتمام
قد كثرت الأخبار في مدح الحبّ في الله والبغض في الله ، وعظم ثوابه وفضله ، ومعناه لايخلو عن إجمال وإبهام ، فلابدّ من الإشارة إلى ما يدلّ على مدحه وفضله في الجملة ، ثمّ بيان ماهيته وأقسامه ، وهذا وإن كان أنسب بالذّكر في باب صحبة الإخوان كما فعله أبوحامد وغيره الا أنّه لمّا كان متوقّعاً على معرفة معنى الحبّ وتفصيل الكلام فيه ، والتكرير ينافي الاختصار المقصود من وضع الكتاب فلذا ألحقناه بهذا الباب ، والله الموفّق للصّواب.
فنقول : قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ودّ المؤمن في الله من أعظم شعب الإيمان ، ألا ومن أحبّ في الله وأبغض في الله ومنع في الله فهو من أصفياء الله »(١) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم لأصحابه : « أيّ عرى الإيمان أوثق؟ فقالوا : الله ورسوله أعلم ـ إلى أن قال ـ : لكن أوثق عرى الإيمان الحبّ في الله والبغض في الله وتوالي أولياء الله والتبرّي من أعداء الله »(٢)
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « المتحابّون في الله يوم القيامة على أرض زبر جدة خضراء في ظلّ عرشه عن يمينه ـ وجوههم أشدّ بياضاً وأضوء من الشمس الطّالعة يغبطهم بمنزلتهم كلّ نبيّ مرسل وملك مقرّب الحديث »(٣) .
وقال الباقرعليهالسلام : « إذا أردت أنّ تعلم أن فيك خيراً فانظر إلى قلبك ،
__________________
١ ـ الكافي : ٢ / ١٢٥ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الحبّ في الله والبغض في الله ، ح ٣.
٢ ـ الكافي : ٢ / ١٢٥ ـ ١٢٦ كتاب الإيمان والكفر ، باب الحبّ في الله والبغض في الله ، ح ٦.
٣ ـ الكافي : ٢ / ١٢٦ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الحبّ في الله والبغض في الله ، ح ٧.
فإن كان يحبّ أهل طاعته ويبغض أهل معصيته ففيك خير ، والله يحبّك ، وإن كان يبغض أهل طاعة الله ويحبّ أهل معصيته فليس فيك خير ، والله يبغضك ، والمرء مع من أحبّ »(١) .
وقالعليهالسلام : « لو أنّ رجلاً أحبّ رجلاً لله أثابه الله على حبّه إيّاه وإن كان المحبوب في علم الله من أهل النّار ، ولو أنّ رجلاً لبغض رجلاً لله لاثابه الله على بغضه إيّاه ولو كان المبغض في علم الله من أهل الجنّة »(٢) .
وقال الصادقعليهالسلام : « [ كلّ ] من لم يحبّ على الدين ولم يبغض على الدين فلا دين له »(٣) .
والأخبار أكثر من أن تحصى ، ذكرنا هذا القدر تبرّكاً.
واعلم أنّ الحبّ بين إنسانين يحصل غالباً بمجرّد الصحبة الاتفاقيّة كصحبة الجار وأهل سوق واحد ، أو مدرسة واحدة ، أو سفر واحد ، أو خدمة سلطان أو غير ذلك ، وظاهر أنّ أمثال هذه لاتعدّ من الحبّ في الله ، بل هو الحبّ الاتّفاقي ، وربما يحصل من سبب وباعث آخر ، وهو على أقسام أربعة أشرنا إليها في صدر المبحث.
أحدها : الحبّ لذاته لاليتوصّل إلى أمر محبوب ومفقود وراءه ، بل يلتذّ برؤيته ومعيّته ومشاهدة أخلاقه استحساناً منه له ، لما عرفت من لذّة الجمال في حقّ من أدركه ، واللذّة فرع الاستحسان ، وهو فرع المناسبة والملائمة بين الطّباع ، والمناسبة إمّا ظاهرة كجمال الصورة ، أو كمال العقل والعلم وحسن الأفعال والأخلاق ، وإمّا خفيّة معنويّة بين شخصين بخصوصهما ، فكثيراً ما يستحسن رجل آخر من غير حسن ظاهر فيه بوجه من الوجوه ، بل لمناسبة باطنيّة أو جبت إلفهما ، فإنّ شبه الشيء ينجذب إليه
__________________
١ ـ الكافي : / ١٢٦ ـ ١٢٧ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الحبّ في الله والبغض في الله ، ح ١١.
٢ ـ الكافي : ٢ / ١٢٧ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الحبّ في الله والبغض في الله ، ح ١٢.
٣ ـ الكافي : ٢ / ١٢٧ ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الحبّ في الله والبغض في الله ، ح ١٦.
بالطّبع ، والأشباء الباطنة خفيّة ، ولها أسباب دقيقة ليس في قوّة البشر الاطّلاع عليها. وإلى هذا القسم أشير في قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الأرواح جنود مجنّدة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف »(١) .
وهذا لايدخل في الحبّ في الله ، بل مرجعه إلى الطّبع وشهوة النّفس ، ولذا يتصوّر من غير المؤمن مع المؤمن وبالعكس ، فإن اتّصل به غرض مذموم كان مذموماً ، والا كان مباحاً.
والثاني حبّه لبنال منه محبوباً مفقوداً وراء ذاته من المحابّ الدنيويّة ، ولاريب في أنّ وسيلة المحبوب محبوب ، وهذا أيضاً مثل الأوّل.
والثالث كذلك الا أنّه من المطالب الأخرويّة كحب التلميذ للاستاذ ، فإنّ المقصود سعادة الآخرة ، وهذا يعدّ من الحبّ لله ، وكذلك العكس ، لأنّه ينال بواسطته رتبة التعليم ويستحقّ به التعظيم في ملكوت السماء.
والضابط أنّ كلّ من يحبّ أحداً لصفته أو فعله الذي يوجب تقرّبه إلى الله فهو من المحبّين في الله كحبّ من يخدمه من حيث إنّه يفرغه لتحصيل العلم والعمل ، وحبّ زوجته لأجل ذلك وما يضاهيه في القصد الصّحيح.
الرابع : حبّه لله وفي الله لا لينال منه علماً ولا عملاً أو يتوسّل به إلى شيء وراء ذاته ، بل من حيث إنّه صنع الله ومنسوب إليه إمّا بنسبة عامّة تشمل كلّ الممكنات أو خصوصيّة نسبة من يقرّبه إليه بعلم أو عمل ، وقد أشرنا إلى أنّ كلّ من يحبّ أحداً بالحبّ البالغ يسرى حبّه إلى كلّ من ينتسب إليه حتّى من يمدحه ويحفظ غيابه ، بل محلّه ومسكنه وبلده وطائفته ، كما قيل :
أمّر على الديار ديار سلمى |
اقبّل ذا الجدار وذا الجدارا |
|
وما حبّ الديار شغفن قلبي |
ولكن حبّ من سكن الديارا |
والبغض في الله بغضك كلّ من يعصي الله ويخالفه من حيث العصيان والمخالفة ، وقد مرّ الخلاف في أنّ من تصادق مع أخ له في الله ثمّ
__________________
١ ـ المحجة البيضاء : ٣ / ٢٤٩.
رأى منه المخالفة والعصيان فهل يحسن حينئذ تركه وتبديل حبّه ببغضه ومهاجرته وقطع أخوّته لما ذكر ، أو لابل يهتمّ بكلّ ما يمكنه من القول والفعل حتّى رياضة نفسه في التضرّع والدعاء له ليهديه الله إلى ما كان عليه أوّلاً ، وقد ذكرنا ما يغنيك في باب حقوق الإخوان.
ثمّ المعاصي لها درجات مختلفة بعضها أكبر وأشدّ من بعض ، وكذا البغض والهجران له مراتب مختلفة شدّة وضعفاً ، فينبغي أن يراعي الترتيب والمماثلة في الشدّة والضّعف. وهذا كلّه بعد النّصح والتلطيف في الكلام بالرفق واللّين بما سبق تفصيله في باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وباب حقوق المعاشرة.
وكثيراً ما يتّصف الإنسان بصفتين : إحداهما محمودة والأخرى مذمومة ، فلابدّ من موازنة إحداهما بالاخرى فيرجّح الأشد على لا أضعف ، بل لابدّ من ملاحظة الحيثّية ، فيحبّه من حيث صفته المحمودة ، بل من الجهة الكليّة العامّة المشتركة بين كلّ الممكنات في الانتساب إلى ربّ الأرباب ، بل يكون ملاحظته لهذه الجهة أكثر وأدوم ، ويبغضه من الجهة المذمومة ، ويوازن إحداهما بالاخرى ويعمل بمقتضى الجهتين معاً في السعي في الهداية والإرشاد ، والمنع بالكلام الطيّب والدّعاء والاستغفار له مهما أمكن ، وبالجملة ؛ لمّا كان المقصود من الحبّ والبغض شيء وراء ذات المحبوب والمبغوض ، وإنّما تعلّق الحبّ والبغض به واطلق عليه بالتّبع ، فالمعيار الكلّي مراعاة ماهو الأصل في ذلك.
واعلم أنّ من تمام الحبّ لله والوفاء ، أي الثبات عليه والمواظبة على مقتضياته ولوازمه وإدامته إلى الموت وما بعده مع أولاده ، وأصدقائه. وضدّه الجفاء وهو قطعه وترك لوازمه بالنسبة إليه أو إلى من ينتسب إليه في حياته أو بعد موته ، ولولا الوفاء لما كان للحبّ فائدة ، لأنّه إنّما يراد للآخرة ، فإن انقطع قبل الوصول إليها ضاع السعي وحبط العمل ، ولأنّها إن كانت لله فلا
معنى لانقطاعها لأنّ انتفاء المسبب مع بقاء السبّب غير معقول ، فهو يدلّ على كونه لله ، وما قيل من أنّ قليله بعد الممات أحسن من كثيره في الحياة إنّما هو لأجل دلالته على الخلوص وكونه لله. وقد تقدّم من أحكام الصحبة وآداب الاخوّة ما يغنيك إن كنت طالباً.
ولنقطع الكلام على حبّ الله ورسوله وأوليائه الكرام حامدين له تعالى على التوفيق للإتمام والفوز بسعادة الاختتام مصلّين على محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم سيّد الأنام وآله امناء الملك العلام وشفعاء يوم القيامة ، آملين من فضله العميم ومنّه الجسيم أن يوفّقنا وسائر إخواننا لطاعته ومرضاته وأن يسدّد قلوبنا وجوارحنا بتأييداته وتسديداته ، ويحفظنا من شرّ نفوسنا الأمّارة بألطافه وكراماته ويميل قلوبنا ويصفّي عقولنا للتدبّر في بدائع الحكم المودعة في آياته بمحمّد سيّد رسبه وبريّاته.
وكتب مؤلّفه الراجي رحمة ربّه الحيّ القيّوم ، خادم طلبة العلوم محمّد حسن بن المرحوم الحاج معصوم القزويني أصلاً والحائري موطناً ومسكناً ـ وفّقه الله لسلوك مسالك مراضيه وجعل مستقبل أيّامه خيراً من ماضيه ـ.
وفرغ من تأليفه ضحوة يوم الاثنين الثاني من شهر شوّال المكرّم من سنة العاشرة بعد المأتين والألف من الهجرة النبويّة على مهاجرها ألف صلاة وثناء وتحيّة حامداً لله ومصلّياً على محمّد وآله سادات البريّه(١) .
__________________
١ ـ في نسخة ج : هكذا كان في آخر نسخة ظاهرها بخطّ المصنّف ...
التعليقات
پس از اينکه کار تحقيق وتخريج وتصحيح اصل کتاب بدون تعليقات مؤلف توسط حجة الاسلام والمسلمين احمدى به پايان رسيد ودر ٦٤٨ صفحه چاپ شد بهتر ديديم که مجموع حواشى مؤلف که در نسخه خطى ما موجود است در پايان کتاب چاپ شود. زحمت استنساخ حواشى را که کار مشکلى بود حضرت آقاى زمانى نژاد ، قبول کردند وپس از استنساخ ، توسط اين جانب در حد ميسور تصحيح شد وبه صورتى که ملاحظه مى فرماييد در آمد.
بايد يادآورى کنم که تعدادى از تعليقات ( که شايد حدود ده تاى آنها مفصل ، وچندتايى هم تعليقاتى کوتاه بود ) بيشتر به خاطر ناخوانا بودن استنساخ نشده بود وچاپ نشد.
وچون در بيشتر موارد مؤلف محل دقيق تعليقه را مشخص نکرده بود به ذکر صفحه ( ص ) وسطر ( س ) تقريبى بسنده شد.
رضا استادى ٥ / ١٠ / ١٣٨٠ |
( ١ )
ص ٢٣ س ٧
اعلم أنه قد وقع الخلاف في أن النفس الناطقة حادثة بحدوث البدن أو مخلوقة قبلها.
فقيل بالثاني استنادا الى ظواهر بعض الأخبار ، كقوله : خلق الله تعالى الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ، وقولهصلىاللهعليهوآله : أنا أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا ، وأول ما خلق الله روحي ونوري ، وكنت نبيا وآدم بين الماء والطين ، وغيرها.
وأن النفس مقوم للبدن قواما محصلا لترتيب أفعال القوى عليه من التغذية والتنمية والحس والحركة والتوليد وغيرها ، ولولا تقومه بها لما كان له وجود فعلي ، وكل ما يتقوم به الشيء يجب أن يكون مقدما في الوجود العيني.
وأيضا فان النفس جوهر مجرد مدبر في البدن وكل ما كان كذلك لم يجز أن يكون وجوده موقوفا على وجوده.
وقيل بالأول بناءا على أنها مع تجرده بمنزلة الصورة النوعية للبدن ، فهي نوع واحد لا يتحقق تكثر لها بالنظر الى ذاتها ولوازم ذاتها كما هو مقتضي النوع ، بل بعوارضها الممتنع عروضها الا بواسطة البدن فانها بحسب ذاتها ليست فاعلة ولا منفعلة وكذلك تمتاز النفس عن العقل فيكون تكثرها بواسطة البدن ، أي وجود كل فرد منها ، اذ ليس المراد من الفرد الا الماهية
المخلوقة بالعوارض المشخصة ، فلا يتحقق فرد منها في الخارج قبل وجود البدن وهو المطلوب.
ويأولون الأخبار المذكورة بأن المراد من الأروح المتقدمة ، العقول المجردة والنفوس الفلكية ، فان النفوس الانسانية بعد استكمالها تتصل بها.
ورد بأنه لا يعقل كون المجرد بمنزلة الصورة النوعية للبدن ولا يلزم كون تعدد النوع بالعوارض البدنية ، بل يجوز أن يكون تعدده وتشخصه بالفاعل ، كما أن تعدد الطبائع والأشخاص الفلكية به ، لا بالقابل ، والا لزم الدور أو التسلسل ، ويشهد لذلك عدم فنائها بفناء البدن لبقاء مشخصها ، أعني الفاعل المفارق.
وما ذكر في توجيه الأخبار غير موجه مع أنه مثبتا للمطلوب أيضا ؛ فان الأرواح الفلكية والملكية أيضا لها تشخصات قبل أبدانها. فافهم. منه عفي عنه.
( ٢ )
ص ٢٤ س ٢
هذا مناف المذاق المتشرعة ، مضافا الى منع انحصار طرو العدم بها ذكر ، بل يكون به وبغلبة الواجب على الممكن ، كما صرح به المحقق اللاهيجي.
( ٣ )
ص ٢٤ س ١٣
قال صدر المحققينرحمهالله : فالنفس خلقت ووجدت مثالا للباري تعالى ذاتا وصفة وفعلا ، مع التفاوت الحاصل بينهما والباري تعالى منزه عن
المثل ، اذا لا مشاركة له في الحقيقة ، لا عن المثال فانه ليس من حقيقة الممثل له ، فللنفس الانسانية في ذاتها عالم خاص ومملكة شبيهة بمملكة باريها مشتملة على أنوع الجواهر والأعراض المجردة والمادية وأصناف البسائط والمركبات من الأفلاك المتحركة والساكنة والنبات والجماد والحيوانات البرية والبحرية وسائر الخلائق يشاهدها بنفس حصولها منها ولها. والناس في غفلة من عالم القلب وعجائب الملكوت الانساني لشدة اهتمامهم باصلاح الظواهر واشتغالهم بعالم الأجسام ونسيانهم أمر الآخرة والرجوع الى الحق وعرفانه نسوا الله فأنساهم أنفسهم والحق تعالى خلق النفس مثالا له ذاتا وأحواله الباطنة وأفعالها الملكوتية فهو بان يجهل باريه أحق وأحرى لأن من لا يعرف المثال الحاضر القريب فكيف يعرف ما هو مثاله له ومرقاة الى معرفته كما في الخبر المشهور ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ).
أما كونها مثالا بحسب الذات فلكونها مجردة عن الأحوال والأخبار والجهات غنية عن الأجسام وعوارضها ، وأما كونها مثالا بحسب الصفات فلكونها ذات صفة العلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام ، وأما كونها مثالا له في الأفعال فلأن لها مملكة شبيهة بمملكة باريها في الملك والملكوت والخلق والأمر تفعل في عالمها الخاص مايشاء ويختار ما يريد لكنها لأجل تعلقها بهذا البدن العنصري ضعيفة القوام والفعلية ضعيفة التأثير والتكوين ، فكلما يصدر عنها من الأفعال المختصة بها أو مشاركة بشيء من المقامات الخارجية والآلات البدنية يكون لماهيته ومعناه نحو ضعيف من الوجود والكون ، لا يترتب عليها الخواص والآثار على نحو وجود الأظلال والعكوس المرئية ، فان الثابت في المرآت وان كان مشاركا للشخص الخارجي
في الماهية وصفاتها الفلكاتية الا أنهما متفارقان في الوجود والقوام. وكذلك الصور المتصورة في الحقيقة نفس الانسانية وعالمها الخاص مشاركة للأمر الخارجي الذي هذه الصورة صورة له ومتوجه اليه في الماهية والمعنى ومخالفة له في الاتصاف بالوجود المخصوص به فهذا الوجود للأشياء الذي لا يترتب عليه الآثار المختلفة عن تصور النفس وحضورها في عالمها وان قطع النظر عن الخارج يسمى وجودا ذهنيا وظليا للأمثال والاخر المترتب عليه الآثار ، وجودا خارجيا عينيا وأصليا. صدر الدين محمد الشيرازيرحمهالله .
شعر
چه مه وچه آفتاب وچه فلک |
چه عقول وچه نفوس وچه ملک |
|
چه وحوش وچه طيور وچه جهاد |
چه ملوک وچه گدا چه کيقباد |
|
چه بلاد وچه جبال وچه بحار |
چه مه وچه سال وچه ليل ونهار |
|
چه تراب وآب وچه باد وچه نار |
چه خريف وصيف وچه دى وچه بهار |
|
جمله اندر حکم ودر فرمان او |
همچو گوئى در خم چوگان او |
( ٥ )
ص ٣٠ س ٣
وفي الأخبار : من أخلص لله أربعين صباحا جرت ينابيع الحكمة من قلبه الى لسانه. منهرحمهالله .
( ٦ )
ص ٣١ س ١٤
قال الغزالي في قولهصلىاللهعليهوآله : لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ـ الخ ـ : القلب بيت هو منزل الملائكة ومهبط أثرهم ومحل استقرارهم والصفات
الردية مثل الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب وأخواتها كلاب نابحة فأنى تدخله الملائكة وهو مشحون بالكلاب ـ الى أن قال ـ : ولست أقول : المراد بلفظ البيت هو القلب وبالكلب هو الغضب والصفات المذمومة.
ولكن أقول : هو تنبيه عليه وفرق بين تغيير الظواهر الى البواطن ، وبين التنبيه الى البواطن من ذكر الظواهر ، ففارق الباطنية بهذا الاعتبار فانه مسلك العلماء الأبرار ، اذ معنى الاعتبار أن يعبر مما ذكر الى غيره ولا يقف عليه كما يرى مصيبة غيره فيكون له فيها عبرة بالتنبه لكونه أيضا عرضة للمصائب وكون الدنيا بصدد الانقلاب فعبوره من غيره الى نفسه ومن نفسه الى أصل الدنيا عبرة محمودة ، فاعبر أنت أيضا من البيت الذي هو بناء الخلق الى القلب الذي هو بيت من بناء الله سبحانه ومن الكلب الذي ذم لصفته لا لصورته وهو لما فيه من سبعية ونجاسة الى روح الكلبية أعني السبعية ـ الى آخره ـ. منه عفي عنه.
( ٧ )
ص ٣٣ س ٢٠
وقد شاهدنا كثيرا ما مما يتعلق بالقوى النظرية تغيرت وتبدلت بالرياضات والمجاهدات والأدعية بل الأدوية أيضا. والعمدة في ذلك حديث سعادة النفس وخذلانها والا فلا شك في كون جميع الأخلاق من حيث هي قابلة للتغيير والتبديل ، وأما التنظير بالطب على النهج الذي قرره ففيه أنه قياس مع الفارق ، وهو ظاهر. منه عفي عنه.
( ٨ )
ص ٣٥ س ٣
فان قلت : أشرف العلوم هو العلم الالهي ؛ لأن موضوعه أشرف وأعلى من كل شيء ؛ قلت : نعم ولكن كمال هذا العلم يستلزم الكمال في ذلك العلم وبدونه لا يكون كاملا في هذا العلم ، ولكثرة ارتباط أحدهما بالآخر وشدة تلازمهما كأنهما علم واحد ، ولذا قالعليهالسلام : من عرف نفسه فقد عرف ربه. منه عفي عنه.
( ٩ )
ص ٣٨ س ٣
اعلم أن لكل فعل غاية تتوجه اليها وبذلك الغاية يجب تصورها قبل الفعل والا كان الفعل عبثا ، ولذا قيل :
اول فكر آخر آمد در عمل.
وقال الحكيم : أول البغية آخر المدرك وبالعكس.
وهي اما أن يكون مقصودة لذاتها خيرا في نفسها أو لأمر آخر هو خير منها والأول هو المطلق ، والثاني هو المضاف ، فالخير المطلق هو غاية الغايات والمقصود من جميع الموجودات ، والاضافي ما يتوسل اليه. منه عفي عنه.
( ١٠ )
ص ٣٨ س ٩
فان كمال كل أحد تغاير كمال الآخر وأما الخير فلا لأن العاقل لا يفعل ما لا غاية له ، والغاية ان كانت نفس الفعل كان خيرا مطلقا ، وان كان الوصول اليه كان مضافا ، فاشترك كل العقلاء في هذا المعنى. منه عفي عنه.
( ١١ )
ص ٤١ س ٢٠
فان قلت : لذة الرؤية لذة المعرفة وهي في الدنيا لأهلها قليلة ضعيفة ، فلذة الرؤية أيضا كذلك وكان أضعف منها.
قلت : استحقار لذة المعرفة منشأه الخلو عنها وذلك لأن لذة النظر الى المعشوق في الدنيا يتفاوت بأسباب : أحدها كمال المعشوق في الجمال ونقصانه فيه ، والثاني كمال الحب ، الثالث كمال الادراك ، والرابع اندفاع العوائق المشوشة والآلام الشاغلة للقلب.
فاذا قدر عاشق ضعيف العشق ينظر الى وجه معشوقه من وراء ستر رقيق على بعد بحيث يمنع بذلك كنه صورته مع اجتماع عقارب وزنابير عليه تؤذيه وتلدغه فهو في هذا الحال لا يخلو عن لذة ما من مشاهدة معشوقه فاذا مات في هذه الحالة عرضته على الفجأة حالة انهتك به الستر وأشرق واندفع عنه المؤذيات وبقى سليما فارغا وهجمت عليه القوة الشهوية المفرطة والعشق المفرط ، فالنظر كيف يتضاعف اللذة حتى لا يبقى للاولى اليه نسبة يعتد بها ، فكذلك نسبة لذة الرؤية الى لذة المعرفة.
فالستر الرقيق مثال البدن والاشتغال به والعقارب والزنابير مثال للشهوات المسلطة على الانسان وضعف الحب مثال لقصور النفس ونقصانها عن الشوق الى الملأ الأعلى ، وهو مثل قصور الصبي عن لذة الرئاسة والعكوف على اللعب ، فالعارف وان قويت معرفته في الدنيا فلا يخلو عن هذه المشوشات وان ضعفت في بعض الأحيان ، فلاح من كمال المعرفة بسببه مايبهت العقل وتعظم لذته بحيث يكاد القلب ينفطر لعظمته الا أنه كالبرق الخاطف تزول بعروض الشواغل والأفكار الضرورية في الحياة الفانية فيكون
لذته ضعيفة مادام الحياة وانما يطلب في الآخرة ( وأن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون ) من بعض العارفين ملخصا(١) . منه عفي عنه.
( ١٢ )
ص ٤٥ س ١٦
هذا مناف لمذاق الشرع بل لظاهره. [ ولذا حذفناه ]
( ١٣ )
ص ٤٦ س ٤
فان قلت : يلزم على هذا التوجيه كون العاصين بأسرهم مخلدين ، لرسوخ الملكات وثباتها بعد الممات.
قلت : سنشير بعد هذا الى أن الملكات المتعلقة بالعلم والجهل تبقى دائما ولا تزول بطول المدة ، وأما الملكات الحاصلة من مزاولة الأعمال بالعرض فانها تزول وتنقطع بانقطاع آلتها تدريجا. منه عفي عنه.
( ١٤ )
ص ٥٠ س ٣
وكما أن اللذات غير محصورة في الجسميات ـ كما بين في المتن ـ فكذا الآلام كما أشرنا اليه في صدر المبحث ، فان نار الفراق أشد احراقا من النار المحسوس ؛ لأنها نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة. والنار المحسوس لا شغل لها الا مع الأجساد وألم الأجساد يستحقر مع ألم الفؤاد. ولذا قيل :
__________________
١ ـ راجع إحياء العلوم ٤ / ٣٠٦.
وفي فؤاد المحب نار هوى |
أحر نار الجحيم أبردها |
ولا مجال لانكار هذا في الآخرة مع وجود نظيره في الدنيا فقد روي أن بعض من غلب عليه الوجد تعدى على النار وعلى اصول القصب الجارحة للقدم وهو لا يحس به لفرط غلبة ما في قلبه. وترى الغضبان يستولي عليه الغضب في القتال فتصيبه جراحات وهو لا يشعر بها في الحال ؛ لأن الغضب نار في القلب ، قال النبيصلىاللهعليهوآله : الغضب قطعة من النار. واحتراق الفؤاد أشد من احتراق الأجساد والأشد يبطل الاحساس بالأضعف كما تراه فليس التألم من النار والسيف الا أنه من حيث انه يفرق بين جزئين يرتبط أحدهما بالآخر برابطة التأليف الممكن في الأجسام فالذي يفرق بين القلب وبين محبوبه المرتبط به برابطة التأليف أشد احكاما من تأليف الأجسام فهو أشد ايلاما عند أهل القلوب وان لم يدركه من لا قلب له واستحقره بالاضافة الى ألم الجسم. فان من غلب عليه شهوة البطن لو خير بين الهريسة والحلوا وبين فعل جميل يقهر به الأعداء ويفرح به الأصدقاء لآثر الهريسة والحلوا وما ذلك الا لوجود المعنى الذي بوجوده يصير الطعام لذيذا وفقد المعنى الذي بوجوده يصير الجاه محبوبا وكما لا يكون الذوق الا في اللسان والسمع الا في الآذان ، فكذا لا تكون هذه الصفة الا في القلب فمن لا قلب له لا يحس بها كما أن من لا سمع له ولا بصر لا يدرك لذة الألحان ولا حسن الصور والألوان وليس لكل انسان قلب والا لما خصه الله بمن يتذكر القرآن حيث قال :( ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) . وليس المراد من القلب اللحم الصنوبري بل السر الذي هو من عالم الأمر وهذا اللحم الذي هو من عالم الخلق عرشه والصدر كرسيه وسائر الأعضاء مملكته ولله الخلق والأمر جميعا.
من كلام الغزالي ملخصا. منه عفى الله عنه.
( ١٥ )
ص ٥٧ س ١٤
فان مبنى هذا التحقيق على أن التوسط في الأخلاق هو الصراط الموصوف بأنه أدق من الشعر وأحد من السيف أعني الصراط الممدود على جهنم أي الرذائل الخلقية. ومبنى ذلك التحقيق على أن الفضائل النفسانية وكذا أضدادها من الرذائل تتصور بصور روحانية وجودها ( كذا ) الادراك في العالم الروحاني بعد رفع الحجب الجسمانية ، فيكون الصراط الذي هو من جملة تلك الموجودات في تلك النشأة عين هذه الملكات الفاضلة ، والفضائل النفسانية. وظهر مما ذكر أن من ادعى(١) الفرق بين هذا التوجيه لمعنى الصراط وذلك التوجيه وأن هذا لا ينافي ظاهر الشريعة وذاك ينافيه فقد أتى بالزور فان كانت منافاة ثمة فكذا هنا ، والا فلا ، الا أن يدعى في التجسد معنى آخر غير ما ذكرناه هنا وهو أن غير الملكة في هذه النشأة جسما ماديا محسوسا في تلك النشأة مع أنه صرح بأن من قال بالتجسد مراده ذلك وحينئذ لا يبقى بينهما أصلا وقد أشرنا الى عدم المنافاة أيضا. فافهم. منه عفي عنه.
( ١٦ )
ص ٥٩ س ١١
لأن العدالة على ما فسرناها به سابقا هي اعتدال القوى الثلاثة وتسالم بعضها مع بعض فرذيلة كل من تلك القوى رذيلة لهذه فان كانت بحسب الافراط فيها كانت بحسب الافراط في هذه وان كانت بحسب التفريط فيها كانت بحسب التفريط في هذه. منه عفى الله عنه.
__________________
١ ـ راجع جامع السعادات ١ / ٦١.
( ١٧ )
ص ٥٩ س ١٤
أما في طرف الافراط من فضيلة ( خصلة ) الشهوية أعني الشره ان كان الباعث له الحرص على اقتضاء المال وغيره أو في طرف الافراط من فضيلة ( خصلة ) الغضبية أعني الأذية والاتيان بما يجب الحذر عنه ان كان الباعث له العداوة والبغضاء. منه عفي عنه.
( ١٨ )
ص ٦١ س ١٦
واعلم أن بعض المتأخرين حصر الأنواع في سبعة ولم يعد العفو نوعا عليحدة وهو الأحسن من جهتين : أحدهما أن العفو من فضائل القوة الغضبية ، والسخاء من فضائل القوة الشهوية. وثانيهما أن العفو داخل في المسامحة فلا يعد نوعا عليحدة. منه عفي عنه.
( ١٩ )
ص ٦٩ س ١١
وتوضيح الكلام على سبيل الاجمال أن ارادة الباري تعالى لبراءته عن النقص والكثرة وكونه فوق التمام ، عين علمه بنظام الخير في نفسه المقتضى له وهو تابع لعلمه بذاته وهو داع الى افادة الخير والجود لأنه يحب ذاته فيحب كل ما يصدر عنه من حيث انها صادر عنه. فالغاية في ايجاده هو ذاته المقدسة وكلما كانت فاعلة لشيء على هذا النمط كان فاعلا وغاية معا ولا يلزم منه الاستكمال المنفي ؛ لأنه ليس ذاتيا بل بالعرض فلو أحب الواجب ما صدر عنه لأجل كونه من رشحات فيضه وآثار ذاته كان محبته في
الحقيقة لذاته وبهجته منه في الحقيقة. قرأ القاري : يحبهم ويحبونه. فقال الشيخ أبو سعيد : الحق يحبهم لأنه لا يحب الا نفسه والصانع اذا مدح صنيعه فقد مدح نفسه وأنت اذا أحببت انسانا فأحببت آثاره ، كان المحبوب في الحقيقة هو الانسان كما قيل :
أمر على الديار ديار سلمى |
اقبل ذاالجدار وذاالجدارا |
|
وما حب الديار شغفن قلبي |
ولكن حب من سكن الديارا |
ومنه قيل : لولا العشق لم يوجد سماء ولا أرض ولا بر ولا بحر. فعلم أن محبه ذاته علة غائية لايجاد الأشياء ، كما أنه علة فاعلية ، كما أشار اليه في الحديث القدسي. منه عفي عنه.
( ٢٠ )
ص ٨٥ س ٢٠
فليس من باب رداءة الكيفية كما ذكره بعض الأعلام(١) ولا من باب الافراط مطلقا ، كما ذكره المحقق الطوسيرحمهالله بل اما من باب الافراط أو من باب التفريط على ما بينا. منه عفي عنه.
( ٢١ )
ص ٩٢ س ٧
ويمكن أن يكون المراد من السؤال عن الثلاثة ، السؤال عن شكر هذه النعم ؛ فان شكر نعمة السمع استماع مواعظ الله تعالى وتكاليفه والاجتناب عما نهى عنه استماعه ، وأداء حق البصر النظر الى مخلوقات الله مع التفكر
__________________
١ ـ راجع جامع السعادات ١ / ١١٦.
في الآفاق والأنفس من عجائب صنعه والاستدلال بها على معرفة صانعها والاجتناب عن النظر الى محارمه ، وأداء حق الفؤاد الذي هو سلطان في مملكه البدن ويمتاز به النفس الانسانية عن البهائم تحصيل ماخلق لأجله وتصقيله عن أخباث الطبيعة حتى ترتفع عنه الحجب الجسمانية ، فيمتلأ من معرفة الله وحبه فافهم ، منه عفي عنه.
( ٢٢ )
ص ٩٢ س ٧
و ذلك لما ورد في تفسيره عن الصادقعليهالسلام : أنه قال : ( يسأل السمع عما سمع والبصر عما نظر اليه والفؤاد عما عقد عليه ).
وفي الأخبار الاخر ففرض على القلب غير ما فرض على السمع وفرض على السمع غير ما فرض على العينين ـ الى أن قال ـ : وأما ما فرض على القلب من الايمان والاقرار والمعرفة والعقد والرضا والتسليم بأن لا اله الا الله وحده لا شريك له الها واحدا أحدا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، وأن محمدا عبده ورسوله والاقرار بما جاء من عند الله من نبي أو كتاب فذلك ما فرض الله على القلب من الاقرار والمعرفة وهو عمله ، وهو قول الله عز وجل :
( الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ) .
وقال :( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) .
وقال :( الذين أمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ) .
وقال :( ان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) .
فذلك ما فرض الله على القلب من الاقرار والمعرفة وهو عمله وهو
رأس الايمان ـ الحديث ـ(١) .
وبهذا المضمون أخبار اخر.
ومما يوضح ما ادعيناه أن صدر الآية قوله تعالى :( ولا تقف ما ليس لك به علم ) فهذا بمنزلة العلة للنهي المذكور ، ولاشك أن العلم والظن والشك من أعمال القلب دون الجوارح فيكون السؤال عن الفؤاد بالنسبة الى ما اعتقده واقتفى أثره بدون العلم به ، فافهم. منه عفي عنه.
( ٢٣ )
ص ٩٤ س ٩
كصلاة الجماعة والنوافل اليومية وغيرها من شدة المبالغة في أمرها والتعبير بما يدل على وجوبها وحرمة تركها. منه عفي عنه.
( ٢٤ )
ص ٩٤ س ١٣
المراد أن اطلاق الفعل على الأمر القلبي مجاز فلا يمكن صرف الأحكام الشرعية اليه ؛ لأن الحكم الشرعي عبارة عن الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين والفعل حقيقة من فعل الجوارح دون القلب. وكذا الأوامر والنواهي الواردة في الشريعة مصروفة اليه دونه فيبقى على مقتضى الأصل عن عدم تعلق التكليف. منه عفي عنه.
__________________
١ ـ بحار الأنوار ٦٦ / ٢٤.
( ٢٥ )
ص ٩٩ س ١٤
قال بعض العارفين في التعبير عن المعرفة بالعبادة في الآية ايماء الى أن تحصيل المعرفة الحقيقية التي هي الغاية القصوى في ايجاد الخلق لا طريق لها الا بالعبادة التي حقيقتها تصفية الظاهر والباطن عن ذمائم الأخلاق والأعمال وتحليتها بمحاسن الصفات والأفعال وهو علم المكاشفة التي لأجلها خلق الانسان وهو النور الحاصل من قلب الذي أشرنا اليه في صدر الكتاب مع أن بالانصاف يجزم العاقل بأن لا سبيل الى المعرفة الحقيقية المطابقة للواقع الا بها كما قال تعالى في موضع آخر :( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) وأي برهان أعظم من التجربة والعيان ، فان العقول المتناقضة مع شدة اختلافها في مراتب الادراك متفقة في اعتقادها صحة ما تسكن اليها العقائد مع مناقضاتها الشديدة التي لا تحصى ، وقد عرفت شدة خطر هذا العلم بحيث يكون الشك فيه موجبا للكفر فضلا عن اعتقاد ما يخالف الواقع ، فكيف يحصل الاعتقاد الجازم واليقين الثابت بكون ما اعتقده مطابقا للواقع بمجرد التفكر في القوانين الأدلة التي تتطرق الى ترتيبها أنواع السهو والغلط في رعاية الشرائط في مقدماتها غالبا ، ولولاها لما وقع التناقض المذكور في الآراء والعقائد لا متناع صحة المتناقضات بأسرها فلا يكون مسلك الى الواقع الذي لا تتطرق اليه السهو والغلط الا بالتقليد لمن عصمه الله منه من الأئمة المعصومين ثم مجاهدة النفس بالرياضات وتصقيلها بالطاعات حتى يلهمه الله المعارف الحقة اذ لا يتطرق اليه بعد ذلك احتمال الغلط والسهو اذا كانت على وفق الشريعة المطهرة برعاية قوانينها وآدابها وشرائطها وكيف لا ينكشف بذلك مع أن النفس الناطقة بمنزلة المرآة كلما
ازدادت صقالة عن الشهوات النفسية برعاية القوانين الشرعية ازدادت قبولا لانتقاش المارف الحقة كما هو حقه فيها كما سيجيء في بحث اليقين. منه عفي عنه.
( ٢٦ )
ص ١٠٦ س ٩
فاعلم ان تحصيل حقيقة الايمان وبرد اليقين بدلك الطريق أسهل وأسلم وأولى من المسائل الحكمية والجدلية الكلامية فان تأثير كلمات الله ورسله وأنبيائه في القلوب أعظم من تأثير الكلمات العميائية الصادرة عن النفوس الناقصة والعقول الضعيفة ، وان كانت ما كانت ، ويغنيك في ذلك التجربة والمشاهدة عن اقامة البرهان والحجة ، فانا نرى اعتقاد صلحاء العوام كالطود الشامخ لا تحركه العواصف وعقيدة أهل الجدل والكلام كالخيط المرسل في الهواء يفيؤه الريح تارة هكذا وتارة هكذا.
قال الغزالي ما ملخصه : ان العقيدة التقليدية غير خالية عن الضعف في الابتداء ، بمعنى قبولها للازالة لو ألقى الى صاحبها بنقيضها. وليس طريق تقويتها تعلم صنعه الجدل والكلام بل الاشتغال بتلاوة القرآن وتفسيره والحديث وتفسيره ووظائف العبادات ، فلا يزال يقوي اعتقاده ويزداد رسوخا بما يقرع سمعه من أدلة القرآن وحججه وبما يرد عليه من شواهد الأخبار وفوائدها وبما يسطع عليه من أنوار العبادات ووظائفها وما يسرى اليه من مشاهدة الصلحاء ورؤية سيماهم ومما بهم من الخوف والخضوع والاستكانة ، فيكون أول التلقين كالقاء بذر في الصدر وتكون هذه الأسباب كالسقي والتربية له حتى ينمو ذلك البذر ويقوي وترتفع شجرة طيبة راسخة أصلها
ثابت وفرعها في السماء. انتهى(١) .
ونحن جربنا أن كلمات المرتاضين من أهل القلوب لها تأثير خاص في النفوس الشقية فضلا عن الساذجة فكيف بكلام من بيده النفس والقلب وله الأمر والسلطان في الظاهر والباطن وكلمات أنبيائه وأوليائه الذين بلغت نفوسهم من الكمال مبلغا تؤثر في النفوس الفلكية المدبرة ، فمن لم ينتفع بكلامهم ولم يتعظ بمواعظهم وخطابهم ، فكيف يتعظ بكلام من هو شاك في اهتداء نفسه والناس أكثر منه شكا أو يقينا في ضلاله فما أشد حماقة من يهجر كلام الله ورسوله والأئمة المعصومين وتقتفي أثر كلام الفلاسفة وأهل الجدل من المتكلمين. وسنذكر في المتن أن الفخر الرازي كان يبكي يوما فسئل عن سببه؟ فقال : ظهر لي اليوم فساد ما اعتقدته منذ سبعين سنة فلا أدري سائر عقائدي كذلك أم لا. منه عفي عنه.
( ٢٧ )
ص ١٢٤ س ١٦
ويشهد له قول أمير المؤمنين في صفة العلماء الذين نقلناه سابقا في أوائل الكتاب : هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا أرواح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون وصحبوا الدنيا بأبدان معلقة بالمحل الأعلى(٢) . منهرحمهالله
__________________
١ ـ إحياء العلوم ١ / ١٠٠.
٢ ـ نهج البلاغة ح ١٤٧.
( ٢٨ )
ص ١٢٥ س ٥
قال بعض المتأخرين : اعلم أن أوائل الايمان تصديقات مشوبة بالشكوك والشبه على اختلاف مراتبها ، ويمكن معها الشرك( وما يؤمن أكثرهم بالله الا وهم مشركون ) وعنها يعبر بالاسلام في الأكثر( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبهم ) .
وعن الصادقعليهالسلام : الايمان أرفع من الاسلام بدرجة أن الايمان يشارك الاسلام في الظاهر ، والاسلام لا يشارك الايمان في الباطن ، وان اجتمعا في القول والصفة.
وأوسطها تصديقات لا يشوبها شك ولا شبهة( الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا * انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا ) .
وأواخرها تصديقات كذلك مع كشف وشهود وذوق وعيان ومحبة كاملة لله سبحانه وشوق تام الى حضرته المقدسة( يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين وأعزة على الكافرين * لا يخافون في الله لومة لائم ) ويعبر عنها تارة بالاحسان. ( الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه ) والاخرى بالايقان( وبالآخرة هم يوقنون ) .
والى المراتب الثلاثة اشير في قوله تعالى :( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا اذا ما اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) .
الى مقابلاته التي هي مراتب الكفر أشار بقوله تعالى :( ان الذين كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا
ليهديهم سبيلا ) .
فنسبة الاحسان واليقين الى الايمان كنسبة الايمان الى الاسلام ، قال الصادقعليهالسلام : ان الايمان أفضل من الاسلام وان اليقين أفضل من الايمان ، وما من شيء أعز من اليقين.
ولليقين ثلاث مراتب : علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين ( كلا لو تعلمون علم اليقين ، لترون الجحيم ، ثم لترونها عين اليقين * ان هذا لهو الحق اليقين ) .
والفرق بينها أنما يكشف بمثال : فعلم اليقين بالنار مثلا مشاهدة المرئيات بتوسط نورها ، وعين اليقين هو معاينة جرمها ، وحق اليقين بها الاحتراق فيها ، والصيرورة نارا ، وليس وراء هذا غاية ولا هو قابل للزيادة ولو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ـ(١) انتهى كلامه ـ فتأمل.
فان هذا على تفسير اليقين بالمعنى الثاني من المعنيين المذكورين في المتن دون الأول ولا مشاحة في الاصطلاح كما لا مشاحة في تفسير حق اليقين بما ذكره ، والحال أن بعضهم فسروه بما ذكرنا في المتن ، وقرروا هناك مرتبة رابعة يسمونها حقيقة حق اليقين ، وهي ما ذكره هذا الفاضل ونحن عممناه حتى يشمل المتبتين. منه عفي عنه.
( ٢٩ )
ص ١٢٦ س ٣
والسبب لاختلاف مراتبها ان الباعث للانتقال الى الملزوم هو اللوازم وهي مختلفة في كيفية اللزوم ، فبعضها لازم مساو وبعضها أعم وبعضها لازم بين وبعضها لوازم خفية.
__________________
١ ـ محجّة البيضاء ج ١ ص ٢٧٩.
وللتعدد أيضا مدخل فيه فان ما اقيم عليه أدله قطعية متعددة أوضح مما اقيم عليه دليل واحد ، والبديهي أعلى من النظري وغير ذلك مما لا يخفى. منه عفي عنه.
( ٣٠ )
ص ١٢٦ س ١٠
المشاهدة تصدق على القريب الملاصق بحيث لا يخفى عليه شيء من خفاياه ، وعلى البعيد الذي لا يستبان منه الا الشبح ، وكذا على ما يمنع العين نوره من ادراك خفاياه كالشمس لقصور البصر عن ادراكه ، وعلى ما لا يمنع كمشاهدة شخص بمثله ، وكذا على مالم يحل بينه وبين المرئى شيء أصلا أو جعل بينهما ستر رقيق حاك لأغلب خفاياه أو ستر غليظ يمنع عن محاكاة ظواهره أيضا الا الشبح ، فكل هذه يسمى مشاهدة فأول ما يوازي رؤية الشبح يسمى عين اليقين ثم فوقها مراتب في الظهور الى أن يتحد بالمرئي ويحترق منه وهو أعلاها بحيث لا يكون له مزيد. منه عفي عنه.
( ٣١ )
ص ١٢٧ س ٣
فكما أن للمتلون صورة ومثالا فتلك الصورة تنطبع في المرآة وتحصل فيها ، فكذلك للمعلوم حقيقة وتلك الحقيقة صورته فينطبع في المرآة صورته ، وهي القلب فيتضح فيه ، وكما أن المرآة غير والصورة غير وحصولها في المرآة غير فهي ثلاثة امور ويحتاج الى رابع هو نور بواسطته ينكشف الصورة في المرآة ، فكذلك هنا أربعة امور : القلب ، وحقائق الأشياء ، وحصولها فيه أو حضورها لديه ، ونور به ينكشف تلك الحقائق في القلب وهو في الشرع
عبارة عن جبرئيل تارة ، والحقيقة المحمدية اخرى ، والعقل الأول ، والقلم الالهي ، وروح القدس ، والروح من أمره ، وفي عرف الحكماء عبارة عن العقل الذي بواسطته يفاض العلوم على الأرواح البشرية ، والعالم عبارة عن القلب الذي يحل ويظهر فيه مثل الحقائق والمعلوم عن تلك الحقائق ، والعلم عبارة عن حصول تلك الصور في القلب ، والنور والشعاع عبارة عن الملك الموكل لافاضتها على القلوب البشرية. لبعض العارفين ملخصا(١) . منه عفي عنه.
( ٣٢ )
ص ١٢٧ س ٥
لأنها تمنع صفاء القلب وجلائه فيمنع ظهور الحق كالشمس الذي ينكشف بعضه أو كله فيذهب نورها وبهاؤها بقدر ظلمتها ، واليه الاشارة بقولهعليهالسلام : من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود اليه أبدا. أي حصل في قلبه كدورة لا يزول أثرها أبدا ؛ اذ غايته أن يتبعها بحسنة تمحوها فلو جاء بالحسنة ولم تتقدم السيئة لازداد لا محالة اشراق نور القلب ، فلما تقدمت السيئة سقطت فائدة الحسنة لكن عاد القلب الى ما كان عليه قبل السيئة ولم يزدد بها نورا فالاقبال على الطاعة والاعراض عن المعصية هو الذي يجلو القلب ويصفيه ، ولذا قالعليهالسلام : من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم(٢) . منه عفي عنه.
__________________
١ ـ راجع إحياء العلوم ٣ / ١٢.
٢ ـ إحياء العلوم ٣ / ١٣.
( ٣٣ )
ص ١٢٧ س ٨
وكذا لا يكون له التفكر في تحصيل الطاعات البدنية أي لا يكون مستوعب الهم فيها اذ مع ذلك لا ينكشف له الا ما هو متفكر فيه من دقائق آفات الأعمال أو خفايا عيوب النفس فيعوق التأمل في الحضرة الربوبية والخفايا الحقيقية ، فاذا كان تقييد الهم في الطاعات مانعا فما ظنك في صرفه في الشهوات الدنيوية وزخارفها(١) . منه عفي فنه.
( ٣٤ )
ص ١٣٧ س ١٠
وهو الحجاب الأعظم الذي به احتجب أكثر المتكلمين والمتعصبين من أولي المذاهب الفاسدة ، بل أكثر الصلحاء المتفكرين في خلق ( ملكوت خ ) السماوات والأرضين لاحتجابهم باعتقاداتهم التقليدية الخامدة في نفوسهم عن درك الحقائق. منه عفي عنه.
( ٣٥ )
ص ١٢٧ س ١٥
اعلم أن الحضرات الالهية والربوبية خمسة ؛ الغيب المطلق وعالمها عالم الأعيان الثابتة في الحضرات العلمية ؛ وفي مقابلتها الشهادة المطلقة وعالمها عالم الملك ؛ وحضرة الغيب المضاف وهي تنقسم الى ما يكون أقرب الى الغيب المطلق وعالمه عالم الأرواح الجبروتية والملكوتية ، أعني عالم العقول والنفوس المجردة ، والى ما يكون أقرب الى الشهادة المطلقة وعالمه عالم المثال
__________________
١ ـ راجع إحياء العلوم ٣ / ١٣.
ويسمى عالم الملكوت ؛ والخامسة الحضرة الجامعة للأربعة المذكورة وعالمها عالم الانسان الجامع لجميع العوالم وما فيها ، فعالم الملكوت وهو المثال المطلق هو(١) مظهر عالم الجبروت أي عالم المجردات ، وهو مطهر عالم الأعيان الثابتة في الحضرات العلمية ، وهو مظهر الأسماد الالهية والحضرة الواحدية ، وهي مظهر الحضرة الأحدية.
( ٣٦ )
ص ١٢٨ س ١١
اعلم أن المراتب الثلاثة لليقين على ما ذكرناه في المتن مما جعلها العرفاء للسالك في حال حياته وجعلوا فوق المرتبة الثالثة مرتبة رابعة سموها بحقيقة حق اليقين وهي مرتبة الفناء ، وهي أن يرى العارف ذاته مضمحلا في أنوار الله تعالى محترقا من سبحات وجهه بحيث لا يرى لها تحصلا أصلا كاليقين بوجود النار بدخوله فيها واحتراقه منها.
وقال بعض العارفين : ان هذه المراتب من أقسام ؛ فالأولى متوقف على البدنية حال كون الانسان ملابس بالمادة الهيولائية مقارنا للجواهر السفلائية متوغلا في المعارف الالهية.
والثانية غير متوقفة عليها وهي عين التجرد عن الملابس الحسية والمفارقة عن الكدورات الأنسية مخالطا بلملأ الأعلى قال الله تعالى :( كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ) .
وكذا الثالثة والرابعة لكنها عند انقطاع العارف عن ذاته وصفاته وانغماسه في بحر الالوهية وغمراته وانتفاء انيته ونعته وبقاء هويته.
وأهل المرتبة الأولى هم العلماء والحكماء المحققون.
__________________
١ ـ في الأصل : وهو
و أهل المرتبة الثانية قسمان ، قسم غلبت عليهم الروحانية واستولت عليهم السلطنة العقلية فجذبت زمام الحس وتوجهت الى جناب القدس فلم يتفرغوا لتدبير المعاش وحفظ النظام وهم صنف من المتصوفة والحكماء ومن جملتهم العقلاء المجانين كلقمان السرخسي وغيرهم فهم ناقصون عن رتبة الهداية وان كانوا واصلين. وقسم تمكنوا في هذا المقام من استعمال القوة البشرية واستقاموا الى الله في جميع أحوالهم النظرية والعملية ووفت قوتهم لفرط طمأنينتهم وسكينتهم بضبط الامور الكلية والجزئية فشرعوا في تكميل الناقصين المستعدين وتنكيل الطاغين المتمردين وتنظيم قواعد العدالة والحفظ لبني نوع الانسان فهم الأنبياء والمرسلون والأوصياء المعصومون.
وأهل المرتبة الثالثة والرابعة هم أهل الوحدة وأهل الله الذين يصفوا عن شوائب التعدد والاثنينية وتخلوا عن علائق التحيز و فهم وان كانوا من الواصلين وأهل القرب الا أنهم ناقصون أيضا عن مرتبة أهل الصفوة من الأنبياء والمرسلين لأنهم محجوبون عن مرتبة الجمع وتخلفوا عن مرتبة جمع الجمع التي هم أكمل مراتب الانسان. منه عفي عنه.
( ٣٧ )
ص ١٣٥ س ١٣
مثل أن العلم بوجود النفس النباتية انما كان من آثارها من التغذية والتنمية وتوليد المثل ، والنفس الحيوانية بآثارها من الحس والحركة الاختيارية ، والنفس الانسانية بآثارها من التحريك وادراك الكليات وانها
تتعلق بمبدأ هو النفس فقوامها ووجودها خاصيتها بها ، فكذا العلم بوجود الباري تعالى وبعض من صفاته يعلم من عجائب صنعه وآثاره ، وأن النفس مع كونها جوهرا لا يعزب عن ذاتها ولا مقدار لها ولا كمية فمبدعها الذي ليس بجوهر أولى بهذه الصفة منها وان علمها بنفسها عين معلومها فعلم الباري بذاته عينه ، وهكذا. فمن كانت له استقامة فكر واعتدال ذهن أمكن له معرفة خواص الواجب وصفاته من معرفة خواص النفس وصفاته ، وكذا معرفة ترتيب أفعاله تعالى وتوجيه الأسباب الى المسببات من ترتيب معرفة النفس في قواها وبدنها.
فان قلت : يظهر مما ذكر ثبوت مشابهة ومضاهاة بينه تعالى وبين العبد مع أنه ليس كمثله شيء ولا يشبهه شيء عقلا وشرعا.
قلت : المشاركة في بعض الأوصاف لا يوجب المماثلة ؛ فان الضدين كالسواد والبياض مشتركان في كثير من الصفات كالوجود والعرضية واللونية والدركية بالأبصار وغيرها ، ولو كان كذلك لكان الخلق كلهم مشبهة ، اذ لا أقل من اثبات المشاركة في الوجود ، بل المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية ، والفرس وان كان بالغا من الكياسة خارج عن الماهية المقومة للذات الانسانية ، والخاصية الالهية أنه الموجود الواجب الوجود بذاته يوجد منه كل ما في الامكان على أحسن نظام وكمال ، وهذا مما لا يتصور مشاركة أحد فيه حتى يحصل المماثلة. فكون العبد رحيما صبورا شكورا لا يوجب المماثلة لكونه تعالى كذلك. ومزيد التحقيق في هذا الباب موكول الى محل آخر. منه عفي عنه.
( ٣٨ )
ص ١٤٤ س ٢
من كلام مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام :
اذا عاش الفتى ستين عاما |
فنصف العمر تمحقه الليالي |
|
ونصف النصف يمضي ليس يدري |
لغفلته يمينا من شمال |
|
وثلث النصف آمال وحرص |
وشغل بالمكاسب والعيال |
|
وباقي العمر أسقام وشيب |
وهم بارتحال وانتقال |
|
فحب المرء طول العمر جهل |
وقسمته على هذا المثال |
( ٣٩ )
ص ١٧٧ س ٢
قال بعض معاصرينا الأعلام أدام الله وجوده : فالخوف المحمود ما يفضى الى العمل مع بقاء الحياة وصحة البدن وسلامة العقل فان تجاوز الى زوال شيء منها فهو مرض يجب علاجه. وما قيل ان من مات من خوفه تعالى مات شهيدا معناه أن موته بالخوف أفضل من موته في هذا الوقت بدونه فهو بالنسبة اليه فضيلة لا بالنظر الى تقدير بقائه وطول بقائه وطول عمره في تحصيل الطاعات والمعارف ، اذ للمترقي في درجاتها في كل لحظة ثواب شهيد أو شهداء ـ الى آخر كلامه ـ(١) .
أقول : في هذا الكلام نظر فان التأمل في السير والأخبار مثل ما يحكى عن والبشر الحافي من الأولياء وغيره وعبارات بعض الأدعية السماوية وغيرها يدل على أن الموت من خوف الله تعالى فضيلة عظيمة بل هي الشهادة المطلوبة وكيف يكون مؤديا الى النقص مع أنه انما ينشأ من شدة المعرفة كما عرفت وأي كمال أعظم منها فكلما ازداد خوفا تبين أنه ازداد معرفة وكيف يمكن أن يقال : ان زيادة المعرفة مرض يجب علاجه.
__________________
١ ـ جامع السعادات ١ / ٢٣١.
وأما أن البقاء مع تحصيل المعارف والطاعات أفضل ، ففيه أولا أنه لا ينافي كون هذا فضيلة وان كان ذاك أفضل. وثانيا أن مراتب التحمل والقوة للخوف المزبور مختلفة والموت والحياة بيد الله سبحانه وليس بيده ، وهو يدري أنه لو بقي مع هذا الخوف الحاصل له كان أقوى له في تحصيل المعارف لكن الله لا يفعل الا ما فيه صلاحه ولعل قوته وبنيته لا يتحمل أزيد من هذا القدر من المعرفة أو لعل الله سبحانه من شدة حبه له أحب لقاءه فأماته ، فلا يرد على هذا الخائف الذي يمرض ويموت من شدة الخوف اعتراض في خوفه. وأي داع الى تأويل الخبر المذكور مع ظهور معناه وموافقته للاعتبار العقلي وظواهر الأخبار الاخر. نعم ، الخوف الذي يؤدي الى الكسل والبطالة واليأس من رحمة الله نقص يجب ازالته كما أشرنا اليه في المتن وهذا واضح. منه عفي عنه.
( ٤٠ )
ص ١٨٨ س ١٨
اشارة الى اشتباه صدر من بعض معاصرينا الأعلام(١) حيث فسره بها وجعل الثبات فردا منه بتخصيصه بقوة المقاومة والتحمل للشدائد والأهوال وتعميم الأول بالواردات كائنا ما كان وهو مخالف لكلام علماء الأخلاق قاطبة ، ولا مناسبة له بهذا المعنى فان لفظ الكبر صريح في أن هناك تحقيرا وتعظيما ، فاذا عد نفسه بالنسبة الى واردات الدهر كبيرة كانت هي بالنسبة اليه حقيرة سواء كانت من جنس الملائم أو المنافر ، كما أن الكبر معناه استعظام النفس بالنسبة الى الغير مع أنه اذا فسر بقوة التحمل على الواردات فالتحمل لا يصدق الا بالنسبة الى أمر شاق فلا يبقى فرق بينه وبين الثبات بل يكونان مترادفين مع أنهم جعلوا نوعين من الفضائل وفسروا الأول بما
__________________
١ ـ في جامع السعادات ١ / ٢٦٢.
ذكرناه ، والثاني بهذا الذي ذكرناه أيضا. ولا شك في تغاير المعنيين وان كان الثاني متفرعا على الأول ولازما له فان ألأغلب هذه الأنواع المذكورة مما يتفرع بعض منها على بعض مع انهم جعلوا كلا منها(١) نوعا على حدة ولا ضير فيه كما لا يخفى. منه عفي عنه.
( ٤١ )
ص ١٩١ س ٧
كان الأنسب بالترتيب الذي رتبنا كتابنا عليه ذكر هذه الرذيلة وما يقابلها من الفضيلة في الباب الثامن ، وانما أدرجناه في هذا الباب اقتداءا بالقوم وتأسيا لهم فيما فعلوه ، ونظائر ذلك غير عزيزة في هذا الكتاب. منه عفي عنه.
( ٤٢ )
ص ٢٠٥ س ٩
قيل : ان في التوصل الى الولد قربة من أربعة أوجه :
أحدها وهو الأدق أن من كشف له عجائب المصنوعات وتنبه لسر خلق السماوات والأرض علم أنه تعالى مريد لبقاء جنس الانس ومرتب له أسبابا ممهدا وأن الراغب عن النكاح راغب عن مراده تعالى ومعطل لأسبابه. فان السيد اذا أسلم بيده عبده البذر وآلة الحرث وهيأ له أرضا للحراثة وأقدر العبد عليها ووكل به من يتقاضاه عليها فان تكاسل وعطل آلة الحرث وضيع البذر حتى فسد ودفع الموكل بنوع من الحلية عن نفسه استحق المقت والعقاب من سيده. فالله تعالى خلق الذكر والانثى والنطفة في الأصلاب وهيأ فيهما عروق ومجاري وخلق الرحم قرارا مستودعا لها وسلط متقاضي الشهوة عليها فهذه تشهد بلسان ذلق بمراد خالقها وتنادي بتعريف ما أعدت له. هذا
__________________
١ ـ منهما.
ان لم يصرح بلسان نبيه بالمراد فكيف وقد صرح وباح بالسر ، فالممتنع عنه مضيع للبذر معطل للآلات المعدة غير جار على مقصود الفطرة والحكمة المفهومة من شواهد الخلقة المكتوبة على هذه الأعضاء بخط الهي ليس برقم حروف وأصوات ، يقرؤه كل من له بصيرة ربانية نافذة في درك دقائق الحكمة الأزلية ولا منافاة بين محبته لبقاء النسل وكراهة انقطاعه وبين تقديره الموت والفناء ، فان التقدير المزبور مسبب عن الارادة المجامعة للحب والكراهة كالمعاصي المكروهة المرادة والطاعات المحبوبة المرادة وكيف يساوق الفناء البقاء في المحبة والكراهة مع أنه تعالى يقول : ما ترددت في شيء كترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه فأشار الى اجتماع الارادة مع الكراهة. والتفصيل في المقام له محل آخر ، انتهى ملخصا. منه عفي عنه(١) .
( ٤٣ )
ص ٢٠٦ س ٧
فان الغالب في حق من لا عجز له مع غلبة الشهوة كما هو الأغلب وعدم مقاومة قوة التقوى لها اقتحام الفواحش كما قال تعالى :( الا تفعلوه تكن في الأرض فتنة وفساد كبير ) (٢) وأما مع كونه ملجما بلجام التقوى فغايته كف الجوارح عن اجابتها بغض البصر وحفظ الفرج. فأما حفظ القلب عن الوسواس فلا يدخل تحت الاختيار ، بل لاتزال النفس تجاذبه وتحدثه بأمور الوقاع ولا يبعد عنه شيطانه الموسوس اليه في اكثر أوقاته حتى في صلاته فيحدثه بأمور لو تكلم به أخس الخلق لاستحيى منه والله مطلع على قلبه وهو في حقه تعالى كاللسان في حق الخلق وهذه محنة عامة لا
__________________
١ ـ إحياء العلوم ٢ / ٢٦.
٢ ـ اقتباس من الآية في سورة الأنفال.
مخلص منها للأغلب ولذا فسر قوله تعالى :( ولا تحملنا ما لا طاقة لنا ) بشدة الشهوة ، وقوله تعالى :( خلق الانسان ضعيفا ) بعدم الصبر عن النساء وقوله :( ومن شر غاسق اذا وقب ) بقيام الذكر ، فالزوجة حقيقة بمنزلة القوة سبب لطهارة القلب ولذا أمر النبيصلىاللهعليهوآله كل من وقع بصره على امرأة فتاقت نفسه اليها أن يجامع أهله ؛ لأنه يدفع الوسواس عن النفس. وقالصلىاللهعليهوآله : لا تدخلوا على المغيبات أي التي غاب زوجها عنها فان الشيطان يجري من ان آدم مجري الدم قيل : ومنك؟ وقال : مني ، ولكن الله أعانني عليه فأسلم.(١) منه عفي عنه.
( ٤٤ )
ص ٢٠٦ س ٤
فان في الصبر على ذلك رياضة النفس وكسر الغضب وتحسين الخلق ؛ فان المنفرد بنفسه أو المشارك لمن حسن خلقه لا تترشح منه خبائث النفس ولا ينكشف باطن عيوبه. فحق على سالك طريق الآخرة أن يجرب نفسه بالتعرض لأمثال هذه الحركات واعتياد الصبر عليها لتعتدل أخلاقه وترتاض نفسه ويصفو عن الصفات الذميمة باطنه. ففي أخبار الأنبياء أن قوما دخلوا وتستطيل عليه وهو ساكت فتعجبوا من ذلك فقال : لا تعجبوا من ذلك فاني سألت الله عزوجل وقلت : ما أنت معاقب لي في ألآخرة فعجله لي في الدنيا فقال تعالى : ان عقوبتك بنت فلان فتزوج بها فتزوجت بها وأنا صابر على ما ترون منها.(٢) منه عفي عنه.
__________________
١ ـ إحياء العلوم ٢ / ٣٠.
٢ ـ احياد العلوم ٢ / ٣٤.
( ٤٥ )
ص ٢٢٥ س ١٠
وفي النهج من كلامهعليهالسلام : من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره.
ومن رضي برزق الله لم يحزن على ما فاته.
ومن سل سيف البغي قتل به.
ومن كابد الامور عطب.
ومن اقتحم اللجج غرق.
ومن دخل مداخل السوء اتهم.
ومن كثر كلامه كثر خطؤه ومن كثر خطؤه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه ومن مات قلبه دخل النار.
ومن نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذلك الأحمق بعينه.
[ والقناعة مال لا ينفد ]
ومن أكثر من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير.
ومن علم أن كلامه من علمه قل كلامه الا فيما يعنيه.(١)
( ٤٦ )
ص ٢٢٩ س ١١
قال أمير المؤمنينعليهالسلام : ولقد كان في رسول اللهصلىاللهعليهوآله كاف لك في الاسوة. ودليل لك على ذم الدنيا وعيبها وكثرة مخازيه ومساويها اذ قبضت عنه أطرافها ووطئت لغيره أكنافها وفطم عن رضاعها وزوي عن زخارفها
__________________
١ ـ نهج البلاغة ح ٣٤٩.
وان شئت ثنيت بموسى كليم اللهعليهالسلام اذ يقول :( رب اني لما أنزلت الي من خير فقير ) والله ما سأله الا خبزا يأكله لأنه كان يأكل بقلة الأرض ولقد كانت خضرة البقل وترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشذب لحمه. وان شئت ثلثت بداوود صاحب المزامير وقارىء أهل الجنة. فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده ويقول لجلسائه : أيكم يكفيني بيعها ويأكل قرص الشعير من ثمنها. وان شئت قلت في عيسى ابن مريم فلقد كان يتوسد الحجر ويلبس الخشن ويأكل الجشب وكان ادامه الجوع وسراجه بالليل القمر وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم ولم تكن له زوجة تفتنه ولا ولد يحزنه ولا مال يلفته ولا طمع يذله ، دابته رجلاه وخادمه يداه. فتأس بنبيك الأطيب الأطهر فان فيه اسوة لمن تأسى وعزاء لمن تعزى وأحب العباد الى الله المتأسي بنبيه والمقتص لأثره. قضم الدنيا قضما ولم يعرها طرفا أهضم أهل الدنيا كشحا وأخمصهم من الدنيا بطنا عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئا فأبغضه وحقر شيئا فحقره وصغر شيئا فصغره ـ الحديث ـ(١) منه عفي عنه.
( ٤٧ )
ص ٢٤٨ س ١٣
في متعلق الزكاة من الضغث بعد الضغث والحفنة بعد الحفنة فسر قوله تعالى :( وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ) بذلك. وأوجبه الشيخ والمشهور أنه مستحب وظواهر الأخبار وان دلت بعضها على الوجوب الا أنها محمولة على الاستحباب للأدلة المفصلة في محلها.(٢) منه عفي عنه.
__________________
١ ـ نهج البلاغة الخطبة ١٦٠.
٢ ـ راجع جواهر الكلام ج ١٥ ص ١١.
( ٤٨ )
ص ٢٨٠ س ٩
قال أبو حامد : المراء طعن في كلام الغير لاظهار خلل فيه من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير واظهار مزية الكياسة ، والجدال عبارة عن أمر يتعلق باظهار المذاهب وتقريرها ، والخصومة لجاج في الكلام ليستوفي به مال أو حق مقصود ، وذلك قد يكون ابتداءا وقد يكون اعتراضا والمراء لا يكون الا اعتراضا عن كلام سبق. انتهى(١) منه عفي عنه.
( ٤٩ )
ص ٣١٦ س ٤
في ارشاد الديلمي : أما طول الأمل فانه ينسي الآخرة ...
( ٥٠ )
ص ٣٦٥ س ١٦
ونقل عن بعض الصلحاء أنه قال : كنت سائرا في بعض بلاد الشام فاذا أنا بعابد خاج عن بعض تلك الجبال فلما رآني تنحى الى أصل شجرة وتستر بها فقلت : سبحان الله تبخل علي بالنظر اليك فقال : يا هذا اني أقمت في هذا الجبل دهرا طويلا اعالج قلبي في الصبر عن الدنيا وأهلها فطال في ذلك تعبي وفنى فيه عمري فسألت الله أن لا يجعل حظي من أيامي في مجاهدة قلبي فسكنه الله عن الاضطراب وألف بالوحدة والانفراد ، فلما نظرت اليك خفت أن أقع في الأمر الأول فاليك عني فاني أعوذ من شرك برب العارفين وحبيب القانتين ثم صاح : واغماه من طول المكث في الدنيا
__________________
١ ـ إحياء العلوم ٣ / ١١٥.
ثم حول وجهه عني ونفض يديه وقال : اليك عني يا دنيا ، لغيري فتزيني ، وأهلك فغري ، ثم قال : سبحان من أذاق قلوب العارفين لذة الخلوة وحلاوة الانقطاع اليه ما ألهى قلوبهم عن ذكر الجنان والحور الحسان(١) ، منه عفي عنه.
( ٥١ )
ص ٤٢٤ س ١٩
فلا تبالي بما حصلته من كمال حتى ترضى عنك بل تنتظر الى الخدمة والانفاق وانتظام امور دنياها منك ، وأما قلة الطاقة في تحمل ما تكرهه فتبعث على انكسار قلبها بأدنى مكروه تراه منك بخلاف الأب فانه لكمال عقله لا يبالي بما تقصر في حقه من الامور الدنيوية والحقوق الجسمية اذ يرى منك ما يرضاه كمالا لنفسك وبقاءا لاسمه وأثره بواسطتك ولقوة طاقته في المكاره والمشاق لا ينكسر قلبه عنك بسهولة وتعجيل الا اذا شاهد منك ما هو ضرر في اسمه وأثره وكمالاته التي يظنها كمالا في حقك وحقه فافهم ، منه عفي عنه.
( ٥٢ )
ص ٤٢٨ س ٥
ففي الكافي عن الجعفري قال : قال لي أبوالحسنعليهالسلام : ما لي رأيتك عند عبدالرحمن بن يعقوب؟ فقال : انه خالي ، فقال : انه يقول في الله قولا عظيما يصف الله ولا يوصف فاما جلست معه وتركتنا واما جلست معنا وتركته؟ فقلت : هو يقول ما شاء أي شيء علي منه اذا لم أقبل ما يقول؟ فقال أبوالحسن : أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعا ، أما علمت بالذي
__________________
١ ـ إحياء العلوم ٢ / ٢٢٨.
كان من أصحاب موسىعليهالسلام وكان أبوه من أصحاب فرعون فلما لحقت خيل فرعون موسى تخلف عنه ليعظ أباه فيلحقه بموسى فمضى أبوه وهو يراغمه حتى بلغا طرفا من البحر فغرقا جميعا فأتى موسى الخبر فقال : هو في رحمة الله ولكن النقمة اذا نزلت لم يكن لها عمن قارف الذنب دفاع(١) منه عفي عنه.
( ٥٣ )
ص ٤٢٩ س ٨
قال المأمون : الاخوان ثلاثة : أحدهم مثله مثل الغذاء لا يستغنى منه ، والآخر مثله مثل الدواء يحتاج اليه في وقت دون وقت ، والآخر مثله مثل الداء لاحاجة اليه أصلا ، ولكن العبد قد يبتلى به وهو من لا يمكن الاستيناس به ولا الانتفاع منه.
وقيل : مثل الناس كالشجر والنبات ، منها ما له ظل ولا ثمر له وهو النافع في الدنيا دون الآخرة ، لأن نفع الدنيا كالظل السريع الزوال ، ومنها ما له ثمر بلا ظل وهو الصالح للآخرة دون الدنيا ، ومنها ما له ظل وثمر جميعا ، ومنها ما ليس له شيء منها كام غيلان تمزق الثياب ولا طعام فيها ولا شراب ، ومثاله في الحيوانات الفأرة والعقرب. منه عفي عنه(٢) .
( ٥٤ )
ص ٤٣١ س ٢٢
قال أبو حامد : وأقل درجات الاخوة أن يعامل أخاه بما يحب أن يعامله به ولا شك أنه ينتطر منه ستر العورة والسكوت عن المساوي والمعائب ، ولو
__________________
١ ـ الكافي ٢ / ٣٧٤.
٢ ـ إحياء العلوم ٢ / ١٧٠.
ظهر له منه نقيض ما ينتظره اشتد عليه غضبه وغيظه فما أبعده عن الحق اذا كان ينتظر منه ما لا يضمره له ولا يعزم عليه لأجله وويل له في نص كتاب الله حيث قال :( ويل للمطففين * الذين اذا اكتالوا على الناس يستوفون * واذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ) الآية.
فكل من يلتمس من الانصاف أكثر مما تسمح به نفسه فهو داخل تحت مقتضى هذه الآية.(١) منه عفي عنه.
( ٥٥ )
ص ٤٦٩ س ١٠
أي لم فعلت هذا الأمر اذا كان عليك أن تفعله؟ لمولاك أو ملت اليه لشهواتك؟ ثم كيف فعلته فان لكل عمل شرطا وحكما لا يدرك قدره وصفته ووقته الا بعلم ، فيقال له : كيف فعلت؟ بعلم محقق أم بجهل أم بظن؟ ثم بالاخلاص فيقال : عملته لوجه الله خالصا؟ فيكون أجرك على الله أو لمراياة خلق مثلك؟ فخذ أجرك منه أم لحظ عاجل فقد نلته في الدنيا أم بسهو وغفلة؟ فقد ضاع سعيك. منه عفي عنه.
( ٥٦ )
ص ٤٧٣ س ١٤
مر بعض الأكابر بغرفة فقال : متى بنيت هذه الغرفة؟ ثم أقبل على نفسه وقال : تسألين عما لا يعنيك لاعاقبنك بصوم سنة فصامها. ومنع بعضهم نفسه عن النوم سنة عقوبة لما قال : لم نام فلان بعد العصر. وشغل
__________________
١ ـ إحياء العلوم ٢ / ١٧٤.
بعضهم بطير في حائطه حين الصلاة فتصدق بالحائط. وفاتت صلاة العصر جماعة عن بعضهم فتصدق بأرض قيمته مائتا ألف درهم. والحكايات كثيرة. منه عفي عنه.
( ٥٧ )
ص ٤٧٤ س ١٣
قال الربيع بن الخثيم : أتيت اويسا فوجدته جالسا قد صلى الفجر فجلست موضعا وقلت : لا أشغله التسبيح فمكث مكانه حتى صلى الظهر ولم يقم حتى صلى العصر ولم يقم حتى صلى المغرب ثم ثبت حتى صلى العشاء ، ثم ثبت حتى صلى الصبح ثم جلس فغلبت عيناه فقال : اللهم اني أعوذ بك من عين نوامة وبطن لا يشبع. وكان يصلي اويس ويقول في بعض الليالي : هذه ليله الركوع فيحيي الليل كلها في ركعة وفي بعض الليالي : هذه ليلة السجود ويحيي الليلة كله في سجدة. منه عفي عنه.
( ٥٨ )
ص ٤٨١ س ١٣
هذا بناءا على مذهب المتشرعة المتكلمين وبعض الحكماء ، وأما على طريقة. القائلين بوحدة الوجود فانهم بناء على قولهم ذلك يجرون مثل ذلك في جميع الصفات بلا تفاوت بينها ويقولون : ان العلم لكونه عين الذات لابد من كونه علة وبناؤهم في دفع الشبهة على الطريقة المذكورة فان كثرة المعلومات بقيود اعتبارية ومن هذه الحيثية يظهر المعلولية ووحدتها بسلب تلك القيود ومنه يظهر العلية الا أنه لما كان خلاف ظاهر الشريعة بل أنه وان أمكن التلفظ بمثله وفهم شيء ما منه أيضا الا أنه لا يمكن التصديق
بمعناه وبحقيقته بما سكن اليه النفس كسائر ما يدعونه(١) ويشترطون فيه المكاشفة الحاصلة من المجاهدات فلذا ضربنا عنه صفحا والله أعلم. منه عفي عنه.
( ٥٩ )
ص ٤٨٣ س ٢
روى في كافي عن علي بن محمد عن رفعوه قال : كان أمير المؤمنينعليهالسلام جالسا بالكوفة بعد منصرفه من صفين اذ أقبل شيخ فجثا بين يديه ، ثم قال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا الى أهل الشام أبقضاء من الله وقدر؟ فقال له أمير المؤمنينعليهالسلام : أجل يا شيخ ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد الا بقضاء الله وقدره ، فقال له الشيخ : عند الله احتسب عنائي يا أمير المؤمنين فقال له : مه يا شيخ لقد عظم الله لكم الأجر في مسيركم وأنتم سائرون وفي مقامكم وأنتم مقيمون وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا اليه مضطرين.
فقال له الشيخ : وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا اليه مضطرين وقد كان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا؟ فقال له : أو تظن أنه كان قضاءا حتما وقدرا لازما؟ انه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والزجر من الله وسقط معنى الوعد والوعيد فلم تكن لائمة للمذنب ولا محمدة للمحسن ولكان المذنب أولى بالاحسان من المحسن ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المسيء ، تلك مقالة اخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وحزب الشيطان وقدرية هذه الامة ومجوسها.
__________________
١ ـ وفي نسخة : ومنه يظهر العلّيه لكن هذا كلام وإن سهل التلفّظ به إلّا أنّه يشكل فهم معناه والركون إليه كسائر ما يدّعونه.
ان الله تبارك وتعالى كلف تخييرا ونهى تحذيرا وأعطى على القليل كثيرا ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها ولم يملك مفوضا ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ولم يبعث النبيين مبشرين ومنذرين عبثا( ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) . الحديث(١) . فتفطن. منه عفي عنه.
( ٦٠ )
ص ٤٨٣ س ١٦
حيث أجاب عن هذا لاعتراض بأن الشرور الواقعة في عالم الكون والفساد ، اما شرور عرضية اضافية أو أنها بالنسبة الى النظام الكلي معدومة لقلتها ثم ذكر أن لأبي حامد الغزالي في هذا المقام توجيها لايشفي العليل ولا يروي الغليل.(٢)
وتوجيه الغزالي مبني على مذهبه في أفعال العباد حيث يلزم كونها أفعالا لله سبحانه فاعتبر الجهة في المقام وطول الكلام بذكر تمثيل يناسب المرام بأن من يدعي الصداقة معك ويلبس الأمر على أصدقائك في ادعائه اذا أردت توضيح نفاقه وتفضيح حاله على أصدقائك فشتمته وآذيته حتى اجترأ عليك وغير سلوكه معك فشتمك فان هذا الفعل الصادر عنه أعني الأذية بالنسبة اليك حسن لكونه فعلك الذي اتضح به غدر المنافق لدى أصدقائك وقبيح من حيث كونه سوء أدب واظهار عداوة معك. هذا حاصل كلامه(٣) .
وأنت اذا تأملت في كلامه علمت أن توجيه هذا الفاضل أيضا كتوجيه
__________________
١ ـ الكافي ١ / ١٥٥.
٢ ـ جامع السعادات ٣ / ٢١٢.
٣ ـ إحياء العلوم ٤ / ٣٤٢.
الغزالي في ابتنائه على كون الأفعال من الله تعالى بلا استناد الى العباد وانكار لكون المعاصي شرورا وقبائح بالذات واقرار بلزوم الرضا من حيث كونها معاصي وهو باطل على طريقة العدلية.
وما ذكروه من توجيه دخول الشرور في قضاء الله وقدره مختص بالشرور الواقعة في عالم الكون والفساد من الزلازل والصواعق والوباء والطاعون والطوفان المهلكة وأمثال ذلك من الأفعال المستندة الى الله بلا واسطة ظاهرة من العباد دون الأفعال الصادرة ظاهرا عنهم ، فانها شرور وقبائح حقيقية صادرة عنهم بالأصالة باختيارهم وارادتهم ولذا منعوا عنها وذموا عليها وبعث الرسل لأجلها ولا يلزم منه اشكال على طريقتنا حتى يوجه بما ذكروه كما بيناه في المتن ، فافهم. منه عفي عنه.
( ٦١ )
ص ٤٨٣ س ١٩
فمعنى كونها بقضاء الله وقدره كون أسبابها من الله وهذا الفعل ليس قبيحا فان خلق اليد والشهوة والاختيار خير محض لا شرية فيه أصلا ، ومعنى كونها معصية يجب بغضها وتركها معناه الحقيقي أعني نفس تلك الأفعال ، فلا منافاة بينهما أصلا. منه عفي عنه.
( ٦٢ )
ص ٤٨٤ س ٨
كما أن قشر الجوز الأسفل يحفظ اللب ويصونه عن الفساد عن الادخال واذا فصل يحطب أيضا فله نفع عظيم بالنسبة الى القشر الأول الا
أنه ناقص القدر بالنسبة الى اللب فكذا هذا التوحيد بالنسبة الى الكشف والانشراح واشراق نور الحق عليه. منه عفي عنه.
( ٦٣ )
ص ٤٨٦ س ٢٠
كما أن قشر الجوز الأعلى غايته صون الجوز الى أن يستكمل ثم يرمى والا فهو مر في المذاق وباطنه كريه المنظر وحطبه يطفىء النار ويكثر الدخان فكذا هذا التوحيد يحفظ البدن عن ضرر السيف والسنان الى حين الموت ، والبدن كالقشر للنفس مثلا. منه عفي عنه.
( ٦٤ )
ص ٤٨٦ س ٢٢
فكما أن اللب شيء نفيس الا أنه لا يخلو عن عصارة وثفل بالاضافة الى الدهن المخرج منه ، فكذا هذا التوحيد مقصد عال لأرباب السلوك الا أنه لا يخلو عن شوب كثرة التفات الى الغير بخلاف الأخير حيث استغرق في الواحد فلم ير الا واحدا. منه عفي عنه.
( ٦٥ )
ص ٤٩٧ س ١٢
حيث قال : زعم بعض الناس أن حق التوكل أن يكتفي بالأسباب الخفيفة عن الأسباب الجليلة كان يسافر بالوادي التي لا يطرقها الناس بغير زاد ـ الى أن قال ـ : وهو محض الخطأ اذ من جاهد نفسه وراضها بحيث يصبر
على الجوع الاسبوع وتمكن من التقوت بالحشيش صارت له الأسباب جلية ( جليلة ) فان عدم الحاجة أحد الغنائين ثم ان كان اعتماده على صبره وتمكنه فأين التوكل والا فليقم في بلده مع الأسباب كما أمر الله به ، وأما توطين النفس على الموت فهو محرم شرعا وعقلا ـ الى آخر ما قال ـ(١) منه عفي عنه.
( ٦٦ )
ص ٥٠٩ س ١٥
لأن الخطاب فيه مع العوام الذين هم كالأنعام وقد انغمسوا في ظلمات المعاصي التي لا تظهر هذه الظلمات بالنسبة اليها كمن خرج(٢) بسكين سيده حيث لا يبقى لأخذ السكين من غير اذن سيده حكم حينئذ. منه عفي عنه.
( ٦٧ )
ص ٥٠٩ س ٢٢
قيل : قالهصلىاللهعليهوآله مرة في الشدة تسلية للنفس وقت حفر الخندق في مدة الحصر. ومرة في السرور منعا للنفس من الركون الى سرور الدنيا عند احداق الناس به في حجة الوداع. منه عفي عنه.
( ٦٨ )
ص ٥٢٨ س ٦
وقد نقل ان رجلا كان يهوى ابنة عم له وهي أيضا تهواه فاتفق الوصال منهما بالزواج ، فقال الرجل ليلة الوصال لها : تعالي نحيي الليلة شكرا لله على ما جمعنا ، فقالت : نعم فصليا تلك الليلة بأسرها ولم يتفرغ أحدهما
__________________
١ ـ جامع السعادات ٣ / ٢٣١.
٢ ـ جرح. ط.
الى صاحبه فلما كانت الليلة الثانية قالا مثل ذلك فصليا طول الليل وهكذا فعلا منذ ثمانين سنة وهما على تلك الحالة من دون رجوع لأحدهما الى الآخر ومضاجعة ، فهذا الشكر أفضل من الصبر بمراتب شتى. منه عفي عنه.
( ٦٩ )
ص ٥٣٢ س ٣
كالذي ينظر على وجه حسن فيميل اليه فلو أتبعه ودام على النظر والمجالسة والمصاحبة معه تأكد ميله الى أن يحصل العشق ويخرج الأمر عن يد اختياره فلا يقدر على النزوع ، ولو فطم نفسه ابتداء وخالف مقتضى ميله كان ذلك لقطع القوت والغذاء عن صفة الميل ويكون ذلك دافعا له(١) حتى يضعف وينكسر بسببه أو ينقمع أو ينمحى عن أصله وهكذا جميع الصفات. منه عفي عنه.
( ٧٠ )
ص ٥٣٣ س ١٥
وقيل : معناه أن النية بمجردها خير من العمل بمجرده من دون النية اذ العمل بلا نية باطل ، والنية بدون العمل صحيحة. وظاهر لفظ الخير الاشتراك في أصل الرجحان.
وقيل : ان النية سر لا يطلع عليه الا الله والعمل ظاهر ، وعمل السر أفضل. وهو صحيح الا أنه لا يشمل أعمال السر حينئذ وظاهر الخبر العموم.
وقيل : ان النية تدوم الى آخر العمل ، والعمل لا يدوم. وهو ضعيف
__________________
١ ـ ردءاً ودفعاً له.
لأن حاصله كون الكثير خير من القليل وليس كذلك فان نية أعمال الصلاة قد لا تدوم الا في لحظات معدودة والأعمال تدوم والخير ( والخبر ) عام. منه عفي عنه.
( ٧١ )
ص ٥٤٤ س ٢
وجه التأمل ما سبق منا الاشارة اليه من أن النهي والذم الواردة على صفات القلب راجع الى مسبباتها وآثارها التي هي أعمال الجوارح في ظاهر الشريعة فلا يحرم الا هي ولا يجب الا هي فتفطن. منه عفي عنه.
( ٧٢ )
ص ٥٤٩ س ٤
فقال : اذا أردت الطهارة والوضوء فتقدم الى الماء تقدمك الى رحمة الله فان الله قد جعل الماء مفتاح قربته ومناجاته ودليلا الى بساط خدمته وكما ان رحمته تطهر ذنوب العباد كذلك النجاسات الظاهرة يطهرها الماء لا غيره قال الله تعالي :( وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماءا طهورا ) قال الله تعالى :( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) فكما أحيى به كل شيء من نعيم الدنيا كذلك بفضله ورحمته جعل حياة القلوب بالطاعات. وتفكر في صفاء الماء ورقته وطهره وبركته ولطيف امتزاجه بكل شيء واستعمله في تطهير الأعضاء التي أمرك الله بتطهيرها وتعبدك بأدائها في فرائضه وسننه فان تحت كل واحدة منها فوائد كثيرة فاذا استعملتها بالحرمة انفجرت لك عيون فوائده عن قريب ، ثم عاشر خلق الله تعالي كامتزاج الماء بالأشياء يؤدي كل شيء حقه ولا يتغير عن معناه معتبراً
لقول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مثل المؤمن الخالص كمثل الماء. وليكن صفوتك مع الله تعالى في جميع طاعتك كصفوة الماء حين أنزله من السماء وسماه طهورا. وطهر قلبك بالتقوى واليقين عند طهارة جوارحك بالماء. الحديث. منه عفي عنه.
( ٧٣ )
ص ٥٦٧ س ١٠
في طور القراءة كان بعضهم اذا سمع آية من العذاب بكى واستعاذ واذا سمع آية من الرحمة أظهر السرور والابتهاج وطور التمني والسؤال من كيفية القرآن وآية نفي الشريك والأولاد ( كذا ) وخفض صوته كالمستحيي من الاظهار باللسان. منه عفي عنه.
( ٧٤ )
ص ٦١٣ س ١٠
اشارة الى ما يقوله أهل السنة والجماعة من جواز الرؤية بالعين الظاهرة في الآخرة ، والأخبار بطرقنا متواترة في رده والمنع عنه ، مضافا الى الأدلة العقلية المفصلة في الكتب الكلامية. فبعض الظواهر الدالة عليه نحو قول سيد الشهداءعليهالسلام في دعاء عرفة : عميت عين لا تراك عليها رقيبا وأضرابه تأول بظهوره تعالى في كل موجود كما أفادعليهالسلام بقوله : ( تعرفت لكل شيء فما جهلك شيء ) وقال أيضا : ( تعرفت الي في كل شيء فرأيتك ظاهرا في كل شيء ) فمن لا يراه في الموجودات بأسرها فهو أعمى القلب. واطلاق ألفاظ العين والعمى والبصر والنظر وغيره مما شاع اطلاقها في الحس
__________________
١ ـ مصباح الشريعة الباب العاشر.
الظاهر على الحس الباطن والبصيرة القلبية أشيع وأظهر من أن يذكر. منه عفي عنه.
( ٧٥ )
ص ٦١٩ س ٢
فلا يدل وجود زيد على وجود عمرو ولا صفاته تعينه ابتداء ( كذا ) بل يستدل به عليها بأن(١) يستدل مثلا بحركته وتكلمه وبعض آخر من أعراض نفسه على وجوده. منه عفي عنه.
( ٧٦ )
ص ٦٢٢ س ٥
قيل معناه : أنه اذا أحبه تاب عليه قبل الموت فلم تضره الذنوب الماضية وان كثرت كماله بعد الاسلام وقد شرط الذنوب فقال :( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ) .
__________________
١ ـ في الأصل : بل يستدلّ.
فهرس المطالب
كشف الغطاء عن وجوه مراسم الاهتداء....................................... ١
المؤلّف :.................................................................. ٥
تاليفاته :.................................................................. ٨
نسخ الكتاب :........................................................... ١٢
الباب الأوّل في المقدمات................................................. ٢١
وفيه فصول فصل.......................................................... ٢١
فصل..................................................................... ٢٢
توضيح.................................................................. ٢٧
تنبيه.................................................................... ٥٥
المقصد الأول :........................................................... ٩٦
ايقاظ................................................................. ١١٨
تذنيب................................................................ ١٣٦
تنبيه................................................................... ١٥٤
تنبيه................................................................... ١٦٨
تنبيه................................................................... ١٧٦
تذنيب................................................................ ١٧٧
تذنيب................................................................ ١٨٥
تنبيه................................................................... ٢٠٩
تلخيص............................................................... ٢١٢
إرشاد................................................................. ٢١٦
تنبيه................................................................... ٢٣٤
تلخيص............................................................... ٢٤٢
إرشاد................................................................. ٢٤٣
تتميم.................................................................. ٢٤٤
فنقول :............................................................... ٢٥٤
تذنيب................................................................ ٢٧٤
تنبيه................................................................... ٢٨٨
تفريع.................................................................. ٢٨٩
تذنيب................................................................ ٣٣١
تنبيه................................................................... ٣٤٤
تلخيص............................................................... ٣٥٠
تذنيب................................................................ ٣٥٧
فائدة.................................................................. ٣٥٨
المقصد الأول........................................................... ٣٦٢
تفريع.................................................................. ٣٧٢
تنبيه................................................................... ٣٨٥
تذنيب................................................................ ٣٨٥
تتمّة................................................................... ٣٨٦
ختام.................................................................. ٣٩٣
المقصد الثاني........................................................... ٣٩٤
تتمّه................................................................... ٤٠٣
المقصد الأول........................................................... ٤٠٤
تذنيب................................................................ ٤٢١
تتميم.................................................................. ٤٣٨
تاكيد وتنصيص........................................................ ٤٥١
تفريع.................................................................. ٤٥٥
تلميع.................................................................. ٤٥٦
إزالة وهم.............................................................. ٤٥٨
تقسيم................................................................. ٤٥٩
تقسيم آخر............................................................ ٤٦٠
تنبيه................................................................... ٤٦٢
تذنيب................................................................ ٤٦٣
تنبيه................................................................... ٤٧٩
تمحيص وتحقيق......................................................... ٤٨٠
تذنيب................................................................ ٤٨٤
إشراق................................................................. ٤٨٦
تتميم.................................................................. ٤٩٢
تنوير.................................................................. ٤٩٣
تبصرة................................................................. ٤٩٥
إرشاد................................................................. ٤٩٨
بحث وتحقيق............................................................ ٥٠٣
إنارة................................................................... ٥٠٧
تفصيل................................................................ ٥٠٩
تذييل................................................................. ٥١٥
تذنيب................................................................ ٥٢٢
تبيين.................................................................. ٥٢٤
تنوير.................................................................. ٥٢٦
فائدة.................................................................. ٥٢٧
مقدّمة................................................................. ٥٣٠
تلخيص............................................................... ٥٣٨
تنبيه................................................................... ٥٤٢
فائدة.................................................................. ٥٤٦
المطلب الأوّل :......................................................... ٥٥١
المطلب الثاني........................................................... ٥٥٢
المطلب الثالث.......................................................... ٥٥٦
المطلب الرابع........................................................... ٥٥٩
تذنيب................................................................ ٥٧٠
المطلب الخامس......................................................... ٥٧١
المطلب السادس........................................................ ٥٧٢
المطلب السابع.......................................................... ٥٧٢
تذنيب................................................................ ٥٨٤
تتمّة................................................................... ٥٩١
تقسيم................................................................. ٥٩٧
تفريع.................................................................. ٦٠١
تنوير.................................................................. ٦٠٣
تلميع.................................................................. ٦٠٤
تبصرة................................................................. ٦٠٨
تذييل................................................................. ٦١٢
تفريع.................................................................. ٦١٥
تفريع.................................................................. ٦١٧
تلميع.................................................................. ٦١٨
تذنيب................................................................ ٦٣٧
إنارة................................................................... ٦٤٠