سلسلة من هدي الإسلام (١)

مُعطَيات

آية المودّة

السيّد محمود الهاشمي


مُشخّصات الكتاب:

اسم الكتاب: مُعطَيات آية المودّة.

المؤلف: السيّد محمود الهاشمي.

الناشر: مكتب السيّد محمود الهاشمي.

العدد: ١٠٠٠٠ نسخة.

المطبعة: نمونة.

عدد الصفحات: ١٠٤.

القياس: رقعي.

تاريخ النشر: ٢٠/١١/١٣٦٢


بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ

تتضمّن هذه الحلقة المؤلّفة من مجموعة من المحاضرات لسماحة السيّد محمود الهاشمي، معانٍ عديدة، جاءت بها من خلال معالجة مفهوم (مودّة أهل البيت (عليهم السلام»، فقد بيّنت بجلاء أنّ المراد بهذه المودّة، إنّما هي المودّة الرسالية التي هي في الحقيقة مودّة ومحبّة لأصل الرسالة، وليست مودّة مرتبطة برباط عاطفي، أو عشائري خاص، إنّ هذه المودّة التي تأمر السماء بها، تُمثِل حبّاً وتعلقاً بأصل الرسالة وامتداداً حقيقياً للمودّة الإلهية، وهؤلاء يُمثِلون الثقل الإلهي في الأرض والرموز التي تُجسِّد القمّة في الكمال، ومن خلالهم سوف تتصل الأرض بالسماء، بالإضافة إلى أنّ إقامة العدل في الأرض بحاجة إلى رسالة صالحة، وإلى صيانة لهذه الرسالة، فإذا علمنا أنّ مصدر الرسالات السماء، فإنّ مسؤولية التنزيل والتأسيس للرسالة تقع على عاتق الرسول، ومسؤولية الصيانة من الانحراف يتكفّل بها خط الإمامة.

إنّ مودّة أهل البيت (عليهم السلام) في نفسها وسيلة وهدف، والالتزام بمستلزمات هذه المودّة، هي الانطلاقة الجادّة نحو تكريس الخط الإلهي في الحياة.

تقديم مكتب

السيّد محمود الهاشمي


المُحاضرة الأُولى

١٤٠٣ هـ


بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ

وأفضل الصلاة والسلام على قائد المسيرة الصالحة، محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين(عليهم السلام).

كنتُ أقرأ القرآن هذا اليوم فمررت بهذه الآية، ففكّرت أن أجعلها موضوع حديثنا هذه الليلة، وهي قوله تعالى:(قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ المودّة فِي الْقُرْبَى) .

هذه الآية الواردة في سورة الشورى، وقعت مثاراً للبحث عند المُفسِرين، ولوحِظ عليها، أنّها رُبّما تكون منافية ومخالِفة مع ظاهر بعض الآيات الأخرى التي تقول:(لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِن أَجرٍ) ، حيث تنفي أن يكون للنبي أجرٌ على الرسالة، حتى ادُعي من قِبَل بعضهم أنّها منسوخة بتلك الآيات التي تنفي مُطلق الأجر.

وأيضاً لوحِظَ عليها، أنّ هذه الآية المباركة، ربّما بالتفسير الذي يفهمه الإنسان العُرفي واللُغوي الاعتيادي من الآية لا تكون مُناسِبة مع مقام النبوة، فكيف أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وهو في قمّة الموضوعية والفناء في الله سبحانه وتعالى، يُفتَرَض فيه أنّه يطلب على رسالته وتبليغه للرسالة أجراً، هو المودّة في قرباه الذي ربّما يُعطي نوعاً من الاهتمام بالأهل والعشيرة ونحو ذلك؟ هذه الأمور التي نحن نعلم أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أبعدَ الناس عنها، وعن التوهم في


أن يتصدّى لتثبيت مكاسب من هذا القبيل لعشيرته، أو لأقربائه، أو لأرحامه، لكن هنا اتّجه بعض الشُذّاذ من المُفسِرين إلى تفسير الآية وتأويلها بشكل آخر، ففسّروها تارةً: بأنّ المقصود في المودّة في القربى، هو التودّد في القُرب إلى الله سبحانه وتعالى، القربى يعني: التقرُب إلى الله، فلا أسألُكم عليه أجراً إلاّ أن تتودّدوا في التقرب إلى الله، وتلحّون في التقرب إليه.

وفسّروها أُخرى: بأنّ المقصود بالمودّة في القربى، أنّ هذا الخطاب إلى المشركين القريشيين، الذين كانوا مُعارِضين للنبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في مكّة، وسورة الشورى (هي من السور المكّية) فكأنّه خطاب لهؤلاء، لا أسألُكم عليه من أجرٍ إلاّ أن تَحفَظوا قَرَابتي منكم، وهناك تفسيرات أخرى، طبعاً هذه التفاسير، من الواضح أنّها على خلاف الظاهر القرآني الذي يستفيد منه الإنسان؛

أولاً: إنّ كلمة القربى بمعنى التقرُب غير مُستَعمَلة في اللغة العربية، لكي تُستعمَل كلمة القُربى في هذه الآية بمعنى التقرب إلى الله، وإنّما القربى تُستعمَل بمعنى الأقرباء.

وثانياً: سياق الآية سياق الأجر، ولا معنى أن تقول الآية: لا أسألُكم عليه من أجرٍ إلاّ التقرب إلى الله؛ لأنّ هذا ليس أجراً بحسب الحقيقة، وإنّما الذي يؤدي التقرُب إلى الله سبحانه وتعالى هو نفس


الرسالة، نفس الأحكام التي وردت في الرسالة، فيها وبها التقرُب إلى الله، وهذا التقرُب إلى الله هو نفس الرسالة الإلهية التي جاء بها محمد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وبلّغ بها، التي لا يسأل عليها أجراً، ولا يمكن أن يكون الأجر نفس المأجور عليه.

كما أنّ افتراض أنّ الآية تُخاطِب قريش، هذا من الناحية التاريخية غير صحيح؛ لأنّ هذه الآية بالذات من الآيات المدنيّة، من الآيات الواردة في أواخر الأيام في المدينة، في فترة وجود النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في المدينة، نعم أكثر آيات سورة الشورى هي مكّية، إلاّ أنّ هذه الآية، اعتبرها الكثير من المؤرخين والقرّاء من الآيات المدنيّة وليست من الآيات المكّية، بالإضافة إلى أنّه لا معنى لأن يُخاطِب النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قريش، الذين هم لم يكونوا يؤمنون بهذه الرسالة فيطلب منهم أجراً، إنّ هؤلاء الذين كانوا أعداء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ويعارضونه، ويمنعونه، عن التصديق برسالته، لا معنى لأن يقول لهم: لا أسألُكم عليه من أجرٍ إلاّ المودّة في القربى، فهذه التفاسير في الواقع، هي محاولات يستدِل بعض مَن لم يرق ولا يروق لهم معنى هذه الآية، يفكرون أن يُئوِّلوا، أو يُفسِّروا الآية بتفسير يُبعدها عن المعنى الحقيقي الظاهري للآية، سيّما إذا لاحظنا أنّ الروايات الواردة في كتب الفريقين السنّة والشيعة معاً، في تفسير هذه الآية أو منفصلة عن هذه الآية، لعلّها تكون متواترة بحيث لا يُمكن الخَدشَ والمُناقشةَ فيها،


الروايات الواردة كثيرة، والمحاججات التي وقعت بين الأئمة (عليهم السلام) وبين بعض المُخالِفين، نظير قضية الإمام زين العابدين (عليه السلام) في الشام، عندما يقول لذلك الشامي:

«هل قرأت القرآن؟

يقول: نعم.

فيتلو عليه الإمام هذه الآية، ويقول له:نحنُ القربى» أمثال هذه المحاورات والمحادَثات كثيرة في حياة الأئمة، هذه أيضاً من الأمور المُسلّمة، فمجموع الروايات الواردة والفهم الذي كان يستدل به الإمام (عليه السلام)، فإذا لم تكن لهذه الآية مفهوماً هو هذا المفهوم، إذن كيف يستطيع الإمام أن يُخاصِم به الطرف الآخر ويحتجّ به؟

معنى ذلك: أنّ الطرف الآخر كان يفهم أنّ معنى الآية، هو هذا المعنى (لا التقرب إلى الله)، وهذه في الواقع تمحّلات وتعسفّات من هؤلاء الذين يريدون أن يُحرِّفوا الآية، ويُحرِّفوا الكلم عن مواضعه، ويُفَسرون الآية بتفسير على خلاف ظاهرها، وخلاف ما تواترت الروايات وأكّدت أنّه هو المقصود، وهو المعنى الظاهر لهذه الآية، معنى الآية المودّة في قربى النبي، أي لا أسألُكم أجراً على الرسالة التي تصدّعتُ بها، إلاّ أن تَحفَظوا مودّتكم للقربى - يعني لأقرباء النبي - طبعاً وقد فَسّر وطَبّق النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بنفسه القربى أيضاً بروايات كثيرة واردة عنه، على أصحاب


الكِساء الخمسة وعلى الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، هذا أيضاً وارد في روايات الطرفين، إذن فلا ينبغي أن نُنَاقِش في أنّ الآية تاريخياً، ظاهرها وسياقها هو هذا المعنى، وهذا هو الذي يُناسِب أن يكون أجراً على التصديع بالرسالة، وأيضاً الروايات في تفسير الآية تؤكد هذا المعنى في الآية، الروايات الواردة من قِبَل العامّة والخاصّة، وتاريخ تعامل الأئمة في مجتمع المسلمين، وفي محاججاتهم مع الأشخاص المُخالِفين، أيضاً يدل على أنّ هذا المعنى، هو الظاهِر والمتفاهَم من قِبَل عامّة المسلمين وعلمائهم في ذلك الزمن - زمن الأئمة (عليهم السلام) - ولم يَرِد من أحدٍ منهم في هذه المُباحثات والمُحاورات، الإشكال في أنّ هذه الآية ليس معناها ذلك، كانوا يُسَلِّمون أنّ الآية معناها المودّة في قربى الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وهم أهل بيته.

وما قيل أو يُقال: من أنّ هذا لا يُناسب النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وأن يطلُب أجراً على رسالته على تصديعه برسالته، والأجر هو حفظ قَرابته والمودّة لأقربائه! هذه الشبهة أيضاً واضحة الجواب؛ باعتبار أنّ هذا الأجر في الواقع، وإن كان بحسب الظاهر والصورة أجراً للنبي حيث إنّ القربى قربى النبي، ولكن واقعاً أجراً يعود على المأجور لا على المُستَأجر، هذا نَفعهُ سوف يعود على المستأجَر لا على المأجور، على الطرف الآخر الذي يريد أن يدفع هذا الأجر؛ لأنّ المقصود


من التودّد والمودّة للقربى، لم يكن هو تعظيم الجانب العشائري للنبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، سيّما لو لاحظنا أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كان له قربى مع كل بطن من بطون قريش.

كما ورد في بعض التواريخ، أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان من أُسرة عريقة، واسعة العلاقات والارتباطات والقرابات مع أكثر الطوائف، والنبي أصلاً لم يلتفت إلى أولئك، وقد ورد في ذمِ كثير من أعمامهِ، أو بني أعمامهِ، آيات وأحاديث وروايات، لم يكن يهتم بجانب القربى بهذا المعنى القَبَلي، وإنّما يقصد من القربى هذه، خصوص أهل البيت (عليهم السلام) - كما طبّقه النبي (عليه السلام) بنفسه على أهل الكساء - إذن فهذه الشبهة موضوعاً مُندَفعة؛ لأنّها إنّما ترِد لو كان المقصود واقعاً تثبيت الأرحام وتثبيت الأقرباء والأقوام، بينما ليس هذا المقصود، وإنّما المقصود هو تثبيت خصوص أُناس مُعَينين، وهو مَن عَبّرت عنهم الآية المباركة بأهل البيت، الذين أذهبَ الله عنهم الرِجس وطهّرَهم تطهيراً، فقد خصّتهم بذلك المعنى، وإنّ سائر الوشائِج والعَلائق القريبة، كلّها قد أهملها النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ولم يلتفت إليها، ولم يركِّز عليها، ولم يتوجّه إليها بأي توجّه، فهذه المحبّة للقربى ليس بعنوان كونهم قربى، وإلاّ فعَم النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أيضاً قريبٌ له، ابن عباس أيضاً قريبٌ من النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، زوجات النبي أيضاً


من أقرباء النبي بمعنى من المعاني، لا يوجد في حقّهِم أي تأكيد، وأي توجّه، وأيُ حُكمٍ من هذا القبيل، بل كانت حياة النبي وتربيته واضحة في مكّة والمدينة، أنّه لا يهتم في هذه الحيثيات القوميّة والقَبَليّة والعشائريّة، بل العكسُ صحيح؛

فقد ثار ضدّ هذه الأعراف، وضدّ هذه التقاليد والنَزَعات، التي قد تكون في المجتمعات الجاهلية القديمة والحديثة معاً بمختلف الأشكال والصور والصياغات، بل كان منذ البداية من أوليّات رسالته رفضٌ تام لهذه القضايا وشَجبِها، وجَعلَ المبدأ، والعقيدة، والتقرُب إلى الله، والالتزام بطاعة الله هو الأساس، التقوى هي الميزان في كرامة الإنسان، وفي القُرب والبُعد حتى يَجعل سلمان - الذي هو فارسي الأصل - مُحَمّدياً والرسول يصفه:«سلمانٌ مِنّا أهل البيت» .

إذن، فحياةُ النبي وسُلوكه وكلماته وتربيته، كانت قائمة على شَجب هذه الفكرة بهذا الشكل، فكيف يمكن أن يُبَين مطلباً يكون مُناقِضاً مع تلك الأُسس التي ربّى الناس عليها، وعلّم الناس بها، تلك المبادئ الإسلامية القيّمة؟

ولهذا، عندما وردت هذه الآية، لم يقع المسلمون في التناقض بين هذه الآية وبين تلك التربية والمبادئ، ولم يستشكلوا على النبي بأنّه كيف تطلب أجراً على رسالتك، هو تعظيم وتقدير طائفته مثلاً، لماذا؟ لأنّ الآية لا تريد القربى بذلك المعنى، إنّما القربى كان واضحاً في زمن النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، أنّهم أُناسٌ مخصوصون، النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كان دائماً يُعبِّر


عنهم أنّهم القربى وأهل البيت، والروايات الواردة في التواريخ العامّة والخاصّة، تؤكد على أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان دائماً حريصاً على أن يُخَصِص هذا العنوان - عنوان القربى وعنوان أهل البيت (عليهم السلام) - بأهل البيت (يعني بأصحاب الكساء، بفاطمة الزهراء، والإمام علي بن أبي طالب، والحسنان عليهم السلام).

إذا نستعرض الروايات الواردة والتواريخ، ونجمعها من مواضعها المتفرِقة في التاريخ، والكتب الفقهية، وكُتب التراث، نجد أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان حريصاً جداً على أنّ هذا العنوان لا يُطبّقه، إلاّ على هؤلاء الخمسة، وكأنّه صار مُصطلحاً وعَلماً لهم، كما في علم الأصول يقولون: (حقيقة شرعيّة) هذا صار: (حقيقة نبويّة)، كلمة القربى، وأهل البيت في التراث الإسلامي والنبوي، أصبح مصطلحاً خاصّاً بأصحاب الكساء (أهل البيت).

إذن، فهذه الآية هي بحسب الحقيقة، تدل على أنّ أجر الرسالة إنّما هو مودّة ومحبّة أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا الأجر، أمرٌ بحسب الحقيقة يرِد خيرهُ على نفس الناس، بأنّ الناس عندما يتودّدون ويُحِّبون أهل البيت (عليهم السلام)، بهذا يرتبطون بالنبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وبرسالته ارتباطاً أكثر، فأيضاً ترجع خيرات وبركات هذا الأجر إلى المسلمين، إلى مَن سأل منهم الأجر، فصورته أجر، وواقعه ليس بأجر، وإنّما عُبِّر عنه بأجر لنكتتين:


النكتة الأولى: أنّهم قربى النبي، وهم القربى المُصطَلح عليهم من قِبَل النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فمن المُناسِب أدبياً ولفظياً أن يُسمّى ويُصطَلح على مودّتهم بكلمة أجر، وإلاّ واقعاً ليس أجراً، بل هذا أيضاً شيء من قِبَل النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلى الناس، لا من الناس إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، من قِبَل الله إلى الناس، وليس من قِبَل الناس إلى الله سبحانه وتعالى، الناس عندما يتحبّبون ويتودّدون إلى القربى، يستفيدون في تقرُبِهم من النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، من الرسالة التي جاء بها (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فواقعاً ليس أجراً، وإنّما هو لطف آخر من الله سبحانه وتعالى، ومَنّه في حقهم، وهداية أخرى من قِبَل الله سبحانه وتعالى في حق الناس، إلاّ أنّه عُبِّر بأجرٍ؛ لأنّ ظاهر الحال، أنّ هؤلاء من أقرباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وممّن يودّهم النبي، ويتعلّق بهم ويُحبّهم حُبّاً شديداً، كما هو وارد وثابت، إذن فبهذه المناسبة، أدبياً يمكن أن يُصطَلح عليه أجر.

ومن هنا نعرف، أنّه لا منافاة بين هذه الآية وبين الآيات التي تقول:(لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) ، الآيات الأخرى التي تنفي مُطلق السؤال عن الأجر، لا تُنَافي هذه الآية؛ لأنّ تلك تريد أن تقول: أنا بلغّتُ رسالة ربّي، وقمتُ بواجبي، ولا أسألُكم عليه أجراً، إن أجريَ إلاّ على الله - كما في آية أخرى - فهناك المنفي هو الأجر الحقيقي، وهذا أجر لفظي فقط، بمناسبة لفظية سُميَ بـ (أجر)،


وإلاّ واقعاً ليس هو بأجر، بل هو أيضاً شيء يرجع ببركاته وخيراته على الناس أنفسهم.

النكتة الثانية: وهي أنّ هذا الفعل، وهو محبّة القربى بحسب صورته وظاهره، يكون من فعل الناس والمجتمع تجاه النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته، بل قد يُكلِّف الناس ثمناً باهضاً، كما كلفّت مودّة القربى المسلمين والمؤمنين حقاً ثمناً باهضاً، كلّفتهم حياتهم، كما كلّف أصحاب الأئمة والمُحبين للأئمة في التاريخ الإسلامي، هذا الحب وهذه المودّة كلّفتهم كثيراً، فلعلّ القرآن الكريم إنّما سمّاه أجراً؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى يعلم أنّ هذه المودّة تُكلِف هؤلاء ثمناً باهضاً؛ لأنّ المسألة سوف تتطوّر وتدخل المدخل الذي دخلت فيه، وسوف تُكلِف مَن يريد أن يتودّد إلى الأئمة (عليهم السلام)، ومَن يريد أن يحب القربى أثماناً؛ لأنّ هذه المودّة صعبٌ تَحمُلها وتحمّل مسؤوليتها والقيام بها، تُكلِف هؤلاء بأكثر مما تَحمّله المسلمون حينما دخلوا في الإسلام، خصوصاً أهل المدينة الذين دخلوا في الإسلام من دون المشاكل التي ابتلى بها المسلمون الأوائل في مكّة، هؤلاء واجهوا معاناةً ومحناً وبلايا ومواجهات من قِبَل قريش، بينما مسلموا المدينة لم يواجهوا مثل هذه المواجهات الصعبة، فكأنّ الإسلام جاءهم سهلاً، ومن دون تعب، ومن دون جهد، جاءهم الإسلام وهداهم إلى النور،


هذا الجهد متى يبدأ؟

حينما يريدون أن يُتَمِموا المسيرة، ويُتَمِموا العملية، ويُتمِموا الرسالة بحب الأئمة والتعلّق والارتباط بهم؛ لأنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يعلم أنّ هؤلاء في هذا العمل الثاني سوف يواجهون الإرهاب وغيره، المسائل التي واجهوها بالفعل في تاريخ الإسلام من الداخل، إذن فمودّة القربى وإن كانت تعود على الأمة بالفائدة، إلاّ أنّها حيث إنّ فيها جُهداً ونَصَباً وتضحية، فمن هذه الناحية يُناسِب أن يُعبّر عنها بأجر للرسالة أو للرسول، فأنت تجعل أجر الرسالة بأن تتحمّل المسيرة إلى النهاية، بأن تود القربى، وتحبّهم، وتتعلّق بالأئمة (عليهم السلام)، وهذا سُمِيَ أجراً؛ لأنّه سوف يُكلِفك نَصَباً وعناءً وجهداً، ويُكلِفك أن تبذل دمَك في هذا السبيل، كما بذلوا دمائهم في هذا السبيل.

هذه إذن مناسَبة أُخرى للتعبير عن مودّة القربى بالأجر، سُميَ أجراً؛ لما فيه من المشاقّ والصعوبات والتضحيات التي لابد وأن يقوم بها مَن يريد تلك المودّة القربى، فالآية لا ينبغي أن تكون في دلالتها مُناقَشة، وهي تدل على هذه الحقيقة، والنظرية القرآنية الإسلامية التي تُعتبر من أصول معتقداتنا نحن الشيعة، وهي أنّه لابدّ ويجب مودّة قربى النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)،


لا بمعنى مُطلَق القريب الذي له رَحمية، أوصِلةٍ بسببٍ، أو نسبٍ مع النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، بل خصوص أهل البيت، كما طبّق وحصر النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) مصداق القربى ومصداق أهل البيت في هؤلاء، وهذا أحد أصول الإسلام ومن أهم أصول العقيدة الإسلامية، وهذا الأصل الذي استفدناه من الآية، ونستفيده من الروايات المتواترة والواردة عن النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وعن الأئمة، هذا الأصل ما هو مضمونه؟ وما هي معطياته؟ ولماذا هذه المودّة في القربى؟ مودّة أهل البيت والمحبّة لأهل البيت، ماذا تتضمن من معاني أو أبعاد أو معطيات؟ هذا هو المُهم بحسب الحقيقة، فلهذا الأصل مُعطَيات منها:

المُعطَى الأول: في الواقع أول مُعطَى من مُعطَيات هذا الأصل هو: تثبيت الإمامة للأئمة، ولهذا هذه الآية يمكن أن تُجعل إحدى الآيات التي يُستدل بها على إمامة أئمة أهل البيت؛ وذلك باعتبار أنّ هذه الآية تحصر المودّة الواجبة بحكم الآية الكريمة بالقربى، تقول:(إِلاّ المودّة فِي الْقُرْبَى) ، نلاحظ لم يقل إلاّ المودّة القربى، لماذا لم تقل الآية إلاّ المودّة للقربى؟ قالت: إلاّ المودّة في القربى، هذا التبديل: تبديل اللام بفي، من ناحية، من أجل أن يُشعِر أنّ هذه المودّة لكم وليس لهم، صحيحٌ أنّكم تُحِبونهم، لكن أليس اللام تفيد المِلك؟

هذه المودّة لا تزيد القربى مقاماً، أو منزلة، أو شيئاً، نَفعُ هذه المودّة ليس للقربى، القربى هم مُستَغنون عنكم، وهم خِيرة الناس، وهم مقاماتهم عند الله محفوظة، وهم مُستَغنين عنكم، نحنُ المُحتاجون إليهم، ليسوا هم المُحتاجين لمودّتكم، أو لمحبّتكم، ولهذا لم يُعبِّر بلام؛ حتى لا يوحي أنّ


هذه المودّة كأنّها شيء ترجع لهم، وتفيدهم فائدة، وتعود عليهم بنفع، فليست المودّة لهم، بل لكم، أي أنّ فوائدها ونتائجها لكم، ولكن المودّة فيهم، هم محلّ المودّة، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، تُشعِر بالحصر أنّ هذه المودّة، لابد وأن يكون محلّها وموطنها ومكانها القربى، لا مكاناً آخر، فكأنّه عندما يقال: أنّ هذه المودّة ينبغي أن تكون في هذا الموضع، يعني لا تكون في موضع آخر، تُشعِر بشيء ما من الإشعار والدلالة، بأنّ هذه المودّة لابد وأن تُحصَر في هؤلاء.

ومن الواضح أنّ المحبّة والمودّة إذا أصبحت من الواجبات، فسوف يدل بالالتزام على أنّ هؤلاء لهم منزلة خاصة، ولهم مقام الولاية على الأمة؛ لأنّ الشريعة في نص القرآن الكريم توجِب المودّة في القربى، وتجعله أجراً للرسالة، يعني هذه المرتبة - من الاهتمام بالمودّة لأهل البيت، وجَعلْ هذه المودّة أجراً لتصديع النبي بهذه الرسالة - لا يُمكن أن تكون إلاّ أن يكون الشخص الذي قد حُصِرت المودّة فيه، وأُمرِنا بالمودّة والمحبّة في حقه، هذا على مقامٍ ومنزلةٍ كبيرة، كمقام النبوة فتتشكّل دلالة التزامية عُرفية بيّنة واضحة في هذه الآية، على أنّ هؤلاء القربى الذين قد أَمَرت الآية بمودّتهم


ومحبّتهم وحَصَرَتها فيهم، لهم مقام ومنزلة عظيمة في الرسالة وعند الله سبحانه وتعالى، ولا تكون إلاّ كمقام النبوة، الذي أيضاً نحنُ مُكَلَفين بحب صاحبها، والمودّة إليه، والتعلّق به.

ونحن نعلم أنّ الرسالة لا تأمر بالمودّات والمحبّات لقضايا شخصيّة جزئيّة وخارجية، إذ ليس ذلك من شؤون الرسالة، وليس هذا أدب الأحاديث، فكيف بالقرآن الكريم إذن؟ فأيُ عناية من هذا القبيل وارد في القرآن في حق القربى؟

هذه العناية لا يمكن أن تُفسّر، ولا يمكن أن توجّه إلاّ بتفسير وتوجيه واحد، وإلاّ في حالة واحدة وهي: أنّ هؤلاء على منزلة عظيمة، بمعيار أدبيات الرسالة الإسلامية، ومن خلال مقاييس الرسالة الإسلامية ومعاييرها، على منزلة عظيمة وكبيرة، بمثابة منزلة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، غير أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) هو الرسول المُصدِع، وهؤلاء هم داخل إطار الرسالة الإسلامية، فتدل هذه الآية بالدلالة الالتزامية على أنّ منزلتهم منزلة قادة الرسالة وحُماتها، وهذه هي الإمامة، نحن ماذا نريد بالإمامة؟

هذه التعابير: (إمامة، ولاية، خلافة) هذه تعابير من باب: (عباراتُنا شتّى وحُسنُك واحد)، واقع المسألة أنّ هؤلاء لهم امتياز على سائر الناس، وامتيازهم رسالي، امتياز مربوط بالله سبحانه وتعالى، امتياز خاص كامتياز النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهم مِحوَر الرسالة، وهم أصحاب الرسالة وحامليها، والمسؤولين عنها وحُماتها، وحينئذٍ قد يُعبّر عنها بالإمامة، أو الخلافة،


أو الولاية، واقع المسألة هذا التمحور الخاص، وهذه الميزة الخاصّة في هؤلاء، والالتصاق الخاص لهؤلاء بالرسالة والسماء باعتبار أنّ الرسالة رسالة السماء، ورسالة الله سبحانه وتعالى.

إذن، فأوّل مُعطَيات هذا الأصل الذي استفدناه من هذه الآية: أنّ القربى يعني أهل البيت (عليهم السلام)، وهم يملكون منزلة خاصّة عند الله سبحانه وتعالى كمنزلة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، مَنزِلة مِحورية وامتياز مِحوري، لا يكون إلاّ لهم بالخصوص، وللنبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) الذي هو صاحب هذه الرسالة، وحامل هذا اللواء، هذه الدلالة الأولى لهذا الأصل، ومن هنا من الصحيح أن يُستدل كما أستدلّ بعض علماء الشيعة بهذه الآية الكريمة، على مبدأ الإمامة والولاية والخلافة لأهل البيت (عليهم السلام)، وأنا أجد أنّ هذه الدلالة دلالة واضحة بينّة في هذه الآية الكريمة.

المُعطَى الثاني: إنّ هذه الآية تدل على مبدأ الولاية وزيادة - هذه الزيادة سوف تكون هي المُعطَى الثاني - وهي أنّه إضافةً إلى تثبيت منزلة خاصّة، لا تكون إلاّ للقائد، ولا تكون إلاّ للولي وللإمام، إضافةً إلى ذلك تُعطي لنفس المحبّة والمودّة أهمية، حيث توجِب المودّة والمحبّة لهؤلاء، وهذا بُعد


آخر في هذا الأصل، أو في هذه الآية، أنّ هؤلاء تارةً نؤمِن بهم كأئمة، وكقادة، وكخلفاء، وأنّهم خلفاء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، الذين كان ينبغي أن يَخلِفوا النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، والذين أقصوهم عن هذا المقام غاصبون، نؤمِن بذلك كحقيقة مرتبطة بنظريّة الحكم في الإسلام، أو نظريّة القيادة الإسلامية، وهذه مرتبة من الإيمان بالأئمّة، أنّنا نؤمِن بهم، يعني نؤمن بعصمتهم، وولايتهم، وهم الخُلفاء المُحِقون بعد النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهم الذين كان ينبغي أن يَحكُموا، إلاّ أنّ الغاصبين والمارِقين والناكِثين أقصَوهم، هذه مرتبة من الإيمان بالأئمّة (عليهم السلام).

هذه الآية تريد أكثر من هذه المرتبة، تريد أن تقول: أنّ هؤلاء ليس فقط يجب أن تفترضهم هم الخُلفاء، وهم الأئمّة والقادة، وهُم مَن لهم حق الحاكمية والحُكم، بل إضافةً على ذلك، لابد أن تَودّوهم وتُحِبّوهم، هذا مبدأ إضافي - مبدأ حُب هؤلاء والتودّد لهم - هذا الحب والولاء لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) بُعد آخر، ومُعطَى آخر من مُعطَيات هذا الأصل، ولهذا المُعطَى الجديد آثاره، ونتائجه، ودوره الذي سوف نشرحه إنشاء الله تعالى في الليلة القادمة، في تربية الإنسان وتثقيفه، وجَعْله يستطيع أن يأخذ الرسالة من مصدرها الصحيح، وشد المجتمع والأمّة بالمِحور القيادي الصحيح، بحيث لولا هذا البُعد والمُعطَى الثاني، يبقى المُعطَى الأول مُعطَى نظري غير قابل للتجسّد


في الخارج، فلابدّ من هذا البُعد الثاني؛ لكي ينحفظ البُعد الأول الموجود في هذا الأصل، وهذا سنتحدّث عنه في الليلة القادمة إن شاء الله تعالى.

**********



المُحاضَرة الثانية

١٤٠٣ هـ



بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ

تَحدّثنا بالأمس حول مفاد الآية الكريمة:(قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ المودّة فِي الْقُرْبَى‏) .

مفاد هذه الآية، مبدأ نعتبرهُ من أصول العقيدة الإسلامية المُتفّق على أصلها من قِبَل كافة طوائف المسلمين، وهو: مبدأ لزوم ووجوب المودّة لأهل البيت، وهذا ليس فقط مَدرَك مُنحصِراً في هذه الآية، بل دلّت الآيات الكثيرة المتواترة في طُرق الفريقين معاً، على أنّ محبة آل الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) هم: علي، وفاطمة، والحسن، والحسين (عليهم السلام)، بالخصوص، لا مُطلق مَن له قرابةٍ بسببٍ، أو نَسَبٍ مع النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

الروايات الكثيرة القطعيّة الصدور، باعتبار تواترها واستفاضتها في طُرق الفريقين معاً، أيضاً تدل على هذا المبدأ، بل نحنُ نعتقد أنّ هذا المبدأ من المبادئ اليقينيّة المُسلّمة عند المسلمين؛ نتيجة سيرة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ومواقفه التي ثبّتَها في تاريخه وحياته، أيُ شخصٍ يستعرض الإسلام والسيرة النبويّة الشريفة، يرى أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يكن يدع فرصةً، إلاّ وكان يؤكد فيها على هذا المبدأ، لم يكن يدع مُناسَبة حتى المناسَبات الصغيرة، إلاّ وكان يؤكد لهم من خلالها على هذا المبدأ.


إذن، فأصل مبدأ محبّة أهل البيت، مما يُقطَع به تاريخياً، وقامت عليه سيرة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على مرأىً ومسمع من المسلمين جميعاً، ولا يُخالِف أحدٌ في أصل هذا المبدأ، حتى المُخالِفين مع الشيعة، لا يَنفون أصل ثبوت المحبّة والوَلاء لأهل البيت.

وكما تعلمون، عُلماءَهم وفُقهاءَهم وكتبهم، كُلّها تُشير إلى هذا المعنى بشكلٍ أو آخر، ويُنسَب إلى الشافعي شِعرهُ المشهور:

يا أهلَ بيتَ رسول الله حُبّكمُ

فرضٌ من الله في القرآن أنزَلهُ

كفاكموا من عظيم الشأن أنّكُم

مَن لم يُصلِّ عليكم لا صلاة لهُ

إذن، فاستفادة وجوب فريضة محبّة أهل البيت، مسألةٌ ومبدأٌ مفروغٌ عنهُ عند المسلمين، هنا قد تسأل حينئذٍ، إذا كان هذا المبدأ مُسلّماً، أو ثابتاً بالكتاب والسُنّة والإجماع، وسيرة النبي ومواقفه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، إذن فأيُ خلافٍ واقع بينهم، وما هو محلُ الخلاف؟ في الواقع الخلاف بين الفريقين، ليس في أصل هذا المبدأ، وإنّما في كيفية فهم هذا المبدأ.

فقد وقع تشويش؛ نتيجة القضايا والبلايا التي امتحنت التجربة الإسلامية بها، بعد وفاة قائدها وحامل لوائها ورسولها.

بعد وفاة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) هناك أحداث سياسيّة وقعت، كمسألة السقيفة، والقضايا والمقدّمات والمؤخّرات التي أدّت إلى التشويش في كيفية فهم هذا المبدأ وتلقّيه. الذين لم يكن يروق لهم لوازم هذا المبدأ، وهذا الأصل الإسلامي الأصيل، حاولوا أن يُحرِّفوا ظاهر هذه النصوص والمواقف والآيات الكريمة، ويُفسِّروا هذا المبدأ بما لا يَتنافى مع ما نووه من الناحية السياسيّة، ويرمون إليه في الاستيلاء على قيادة التجربة الإسلاميّة.


فَفسّروا هذا المبدأ والأصل الإسلامي وشرحوه، بأنّ المقصود من مجموع هذه الآيات والروايات والمواقف النبويّة، هو: أنّه لابد من محبّة أهل البيت والمودّة إليهم، فهذا المعنى لا يُثبِت أكثر من المحبّة لأهل البيت، فالمُسلِم لابد وأن يكِنّ لهم المحبّة والاحترام والتقدير والود، كعلاقة عاطفية وإنسانية، بأنّ هؤلاء صالحين، من أولياء الله، مُتقرِبين إلى الله، وأيضاً منسوبين إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وموضع عناية النبي ومحبّته، حاولوا أن يُفسِّروا هذا المبدأ والأصل الثابت - والذي لاشك فيه - بهذا اللون.

كُل نص وموقف وَرَدَ من النبي، أمثال: حديث الغدير، وأمثال الأحاديث الأخرى الواردة في شخص علي (عليه السلام)، أو مجموع آل الرسول، حديث الكساء،... كل هذه النصوص الكثيرة المقطوع بصدورها، حاولوا أن يفهموها من خلال هذه الزاوية، وهذا الإطار، على أساس أنّ هذه تُلزِم المسلمين والمؤمنين التولّي، بمعنى الحُب والولاء الشخصي والإنساني والاحترام لهؤلاء، ولهذا حاولوا أن يَعزِلوا ويَفصِلوا بين مبدأ محبّة آل الرسول، وبين أن يكون لآل الرسول منزلة معيّنة اجتماعيّة، ودور قيادي لأصل التجربة الإسلاميّة،


حاولوا أن يفصِلوا بهذا الفهم المُحَرّف بين الأمرين، فيعزلوا آل الرسول، القادة الميامين، عن دورهم الفعّال، شبيه بالمحاولة الاستعمارية الحديثة، القاضية بفصل الدين عن السياسة؛ كي يتمكنوا من عزل العلماء، والفقهاء، والمتدينين، بمختلف أشكالهم ورُتبِهم، عن الحياة السياسيّة والساحة القياديّة للأمّة.

هذه المحاولة، التي انطلت على كثير من أبناء الأمّة ولمدّة طويلة، عمليّة مشابهة لهذه العملية أيضاً، وقعت في تلك الفترة، حاولوا أن يُفسِّروا هذا المبدأ على أساس احترام ومحبّة وتقدير، هذا شيء، وأمّا قيادة المسلمين، ولاية الأمر، خلافة النبي، تولّي شؤون المسلمين، هذه من الأمور الأخرى المربوطة بنفس المسلمين، والمتروكة إلى رأي نفس المسلمين، هُم الذين يجتمعون ويتّخذون الموقف المناسِب، والصيغة المناسِبة لإدارة أوضاعهم، وقيادة أمورهم، وولاية شؤونهم، والمحبّة لهؤلاء والمودّة للقربى لا تعني أن يكونوا هؤلاء حكّام المسلمين، وأنّ الأمور كُلّها ترجع إلى هؤلاء، وأنّهم هم مصادر ومنابع التشريع، وأنّهم ولاة الأمر، وهم خلفاء رسول الله، كل هذه اللوازم فَصَلوها ونحّوها عن هذا المبدأ، وفكّكوا بينها وبين أصل المبدأ، مبدأ التودّد للقُربى.


 

طبعاً من الواضح أنّ هذا الفَهم، لا يمكن مُسانَدته وقبوله.

هذا الفَهم، على خِلاف صراحة الأدلّة والروايات والآية المباركة، وعلى خِلاف ظهور هذه الأدلّة اللفظيّة الواردة في هذا المجال، هذا بحث قديم بين السُنّة والشيعة، وفيه الكتب المطوّلة، وفيه تبيان لمعنى الولي والمَولى في حديث:«مَن كُنتُ مَولاه فهذا عليٌ مَولاه» .

وهكذا الروايات تدل على الولاية، والولاية بالمعنى الذي يكون له وجود حقيقي واجتماعي، لا مُجرّد محبّة ومودّة كعلاقة شخصية بين الإنسان وهؤلاء، وهذه بحوث مليئةٌ بها كُتب عِلم الكلام عند الشيعة، الظاهر في أكثر هذه النصوص النبويّة، والآيات الواردة في هذا الشأن، أنّ هذا المبدأ لا يُراد منه مُجرّد المبدأ في التولّي القلبي، والمحبّة القلبيّة، والمودّة القلبيّة بين الناس وبين هؤلاء، إضافةً إلى أنّ هذا خلاف الظواهر وخلاف النصوص، هذا أمرٌ لا يمكن أن نتعَقّل ونفترض أنّ النبي والكتاب يتصدّى لبيانه، ويؤكِّد عليه هذا التأكيد البالغ، ولا يدع فرصةً إلاّ ويؤكِّد عليه، مُنذُ نُعومة أظفار الحسن والحسين (عليهما السلام)، بمناسَبة وغير مناسَبة، في الشارع يستطرق الحسن وهو


يلعب، فيقف أمام المسلمين ويمدح هذا الطفل ويؤكِّد:«اللهم أحبّ مَن يُحبّه وأبغض مَن يُبغِضه» ، ما من أدنى مناسبة كانت تتحقق، إلاّ وكان النبي يستعملها لتركيز هذا المبدأ.

كيف يمكن أن نفترض أنّ الذكر الحكيم، الذي هو كتاب البشريّة الخالد يؤكِّد هذه الأُطر الضيّقة القبائليّة والعشائريّة؟! هذا الكتابُ العظيم الخالد - كتابُ الله تعالى - يؤكِّد في أكثر من مورد، ويَقصد به المحبّة الشخصية، والمحبّة القلبية! ويُجريها مجرى الأحكام التعبدية في وجوب محبّة ومودّة آل الرسول وقرابته، حُب بهذا المستوى والمضمون والمفاد! لا يمكن أن يُراد منه هذا المقدار الباهت الخفيف، الذي لا يكون له أي مردود اجتماعي حقيقي على الناس، وعلى التجربة والقيادة الإسلاميّة.

كيف يُمكن أن يُفترض أنّ مضموناً ومفاداً بهذه البساطة، يتصدّى الذكر الحكيم لتثبيته؟! يتصدّى النبي ليلاً ونهاراً، في كل مناسَبة لتركيزه في نفوس المسلمين، من الناحية المنطقيّة والعقليّة، هذا غير ممكن وغير معقول؟!

والنبي بهذه الشخصيّة العظيمة - الذي غيّرَ مسار التاريخ، بقطع النظر عن الجانب الربّاني الموجود فيها، كإنسان وكبشر أيضاً - كان يمتلك باعتراف غير المسلمين أيضاً، هذه العقليّة الجبّارة، بحيث استطاع أن يُغَيّر مجرى التاريخ، ويصنع من ذلك المجتمع الجاهل، مُجتمَعاً غَزى


العالم كلّه، وغيّر وجه الحضارات، فالإنسان الذي له هذه العظمة في التفكير والهمّة والبُعد الفكري والمعنوي، كيف يمكن أن يهتم بقضية صغيرة طابعها عاطفي ضيّق؟!

هذا ابن بنتهُ مثلاً، أيُّها الناس، أطلب منكم أن تحبّوه، تتودّدوا إليه، كيف يمكن لهذه الشخصية العظيمة الخالدة - التي لا نظير لها بقطع النظر عن الجانب الربّاني وارتباطها بالسماء كشخص وكبشر، لو كنا ننظر نظرة علميّة، كما ينظر المادّيون أيضاً بالنظرة الماديّة العلميّة، شخصيّة لا نظير لها في البشريّة كُلّها مُنذُ خِلقتها الأولى وإلى الآن - أن يؤكِّد ويتسنّح الفُرَص، ويهتم ليُصدِر العَشرات، بل المِئات من البيانات والنُصوص والأحاديث، من أجل أن يُبَيّن هذا المفهوم المحدود الساذج؟!

أنا أُحِبّهم، فأنتم أيها المسلمون، لابُدّ وأن تُحِبونهم! لا يمكن أن تكون كل هذه الإرهاصات، وهذه المقدّمات والتأكيدات والبيانات، من أجل إثبات مبدأ المحبّة القلبيّة، والعلاقة القلبيّة لهؤلاء؟!

إذن، لابُدّ أن يكون هناك بُعد أوسع، وأرفع من هذا المعنى والمفاد، لابُدّ أن يكون الشيء الذي يريده النبي - من وراء كل هذه البيانات الشريفة وكل هذه الإرهاصات، والنص القرآني يؤكِّد عليه، وعمل النبي أيضاً يؤكِّد عليه - موضوعٌ خطير ومهم للغاية، لابدّ أن تكون هناك صلة


بالمواضيع المهمّة الأساسيّة المصيريّة، المرتبطة بصميم الرسالة الإسلامية، حتى تكون بهذه الدرجة المهمّة، والتي يعتني بها النبي، ويستغل كل تلك الجهود والأوقات من أجل تثبيتها.

نحن إذا قطعنا النظر عن البحوث الكلامية بين السنّة والشيعة، في تفسير هذه النصوص وحلّلنا القضية كقضية تاريخية، كعمل، كسيرة من النبي، ترى من غير المنطقي وغير العُقلائي، أنّ المراد من كل هذه المواقف والنصوص مثل هذا المعنى، بل لابدّ وأن يكون هناك معنى عظيم كبير أساسي، ذلك المعنى وذلك المفاد هو الذي يستحق هذه الدرجة من الاهتمام البالغ، والرصد له، والإرهاص له، والإعداد من الكتاب والسنّة والسلوك واللفظ والتقرير، ومختلف التوصيات والتوجيهات، لابدّ أن يكون هذا المطلب أساسياً وخطيراً، ومبدأً من المبادئ التي لها ارتباط مصيري ونهائي بأصل الرسالة.

إذن، فهذا التفسير وهذا الفَهم الذي فَهَمه هؤلاء وحاولوا أن يُفَهِموه للأمّة، باطل ومُنحَرِف بالدليل العقلي، والعلمي، والتاريخي، فهذه مواقِفهم وكلماتهم قبل وفاة القائد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأيضاً مَن بقى منهم بعده.

في الأحداث التي تَلَت بعد ذلك، هناك عِبارة تُنقَل عن معاوية - الذي كان من ألدّ أعداء الإمام - يعترف فيها بعد وفاة الإمام، ويُبَيّن وضع الإمام ومنزلته في زمن الرسول حيث يقول:


كان عليٌ في زمن رسول الله، كالنجم في السماء لا يُطاول وأين نحنُ معه، لا نستطيع أن نقيس أنفُسنا مع هذا الرجل، هو كان كالنجم في السماء، ونحنُ كالتراب والحصى في الأرض.

هذا باعتراف ألدّ أعدائه، هو يعترف بأنّ النبي وسلوكهُ ودورهُ ومواقفهُ، كان بدرجةٍ مع علي، بحيث كان هذا الشخص في السماء من الرسالة الإسلامية، وعند حامل الرسالة الإسلامية، والناس الآخرين في الأرض.

معاوية يرى نفسه من كُتّاب الوحي، معاوية لم يكن إنساناً مُهملاً، كان له وجود ولو جزئي، هذا الرجل يُعَبِّر عن الانطباع العام الذي كان للمسلمين عن علي في زمن رسول الله، والانطباع ناشئ من سيرة النبي معهُ، والأحاديث الصادرة من النبي في حقه، لولا تلك المواقف، وتلك السيرة النبوية، والنصوص في كل شاردةٍ وواردة في كل مناسَبة،.... لمَا خُلِق هذا الانطباع في ذهن المسلمين، ولمَا بَقى في ذهن هذا الرجل، الذي عادَى الإمام، وخالَفَ كل ما تلقّاه في ذلك الزمان، وانحرف بذلك الشكل العجيب، لولا تلك المقدّمات، وتلك السيرة، وذلك السلوك، لمَا


حصل هذا الانطباع.

إذن، فقد كان من وراء هذا المبدأ معنى كبير جداً، ولا يمكن أن يكون المراد من هذا المبدأ، المودّة والمحبّة القلبيّة، وما شابه ذلك من المعاني.

مُعطَيات آية المودّة

نحنُ نعتقد أنّ هذا الأصل، وهذا المبدأ - مبدأ التولّي لأهل القربى - يَتضمّن أبعاداً مهمة جداً، وهذه الأبعاد في نفسها من الناحية العقائديّة، خطيرةٌ ومهمة، وآثارها في الحياة الاجتماعيّة، وفي حياة مجتمع المسلمين، أيضاً آثار خطيرة ومهمة انحرمَ المسلمون منها؛ نتيجة عدم إدراكهم وتلقّيهم لهذه الأبعاد المستَبطَنة في هذا المبدأ.

نحنُ نرى ونعتقد أنّ مبدأ التولّي في هذه الأحاديث والمواقف، وهذه السُنّة النبوية، يتضمّن مبدأ تولّي هؤلاء للأمر، الذي يعني القيادة للتجربة الإسلاميّة؛ فإنّ هذه المحبّة لا تُطلَب كعلاقة قلبيّة، ولا يمكن أن يكون مفادها بهذا المعنى، هذه المحبّة والمودّة، هي مرتبة ملازِمة لأن يكون هذا المحبوب، وهذا المودود، له منزلة ومقام يتلو مقام النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)؛ لأنّ هذا الأمر بالحُب، وهذا السؤال عن المودّة في القربى، إنّما جاء من خلال نفس الرسالة، وكأجرٍ عليها:


(لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ المودّة فِي الْقُرْبَى) ، الأجر على الرسالة، لابُدّ وأن يكون مرتَبِطاً بالرسالة، وليس قضية نفسيّة أو عاطفيّة، هذا الأجرُ من صِنف ما يُؤجَر عليه، من الأمور التي مرتَبِطة بصميم الرسالة نفسها، وهذا لا يكون إلاّ أن يكون هذا الشخص الذي أُمِرنا وكُلِّفنا بمودّته ومحبّته، لهُ مَنزِلة ومقام من هذا القبيل.

فتدل هذه الآية على أنّ المراد من وراء هذه المحبّة، تثبيت مقام ومَنزِلة مخصوصة ومُتَميزة لهؤلاء، تتلو منزِلة النبوّة، وأيضاً نعتقد بأكثر من هذا، نقول:

بأنّ هذا المبدأ، ليس فقط تولّي الولاية، وقيادة التجربة الإسلاميّة والرسالة، بل هذا المبدأ بحسب الحقيقة، يريد أن يُعَلِّم المسلمين بأنّ هؤلاء لهم تميّز ربّاني في المنظار الإلهي وصاحب الرسالة وهو الله، هؤلاء لهم تميّز خاص، وهم ثِقل صاحب الرسالة في الأرض، كما كان حامل الرسالة، وهو النبي أيضاً الثقل الإلهي والربّاني في الأرض، يُعطي للمسلمين هذا العِرفان، أنّهم همُ الحبل الممدود من السماء إلى الأرض بعد النبي، وهؤلاء هُم الذين بهم يَفتح الله، وبهم يَختِم.

وارتباط النصوص بهذا المعنى عن النبي نفسهُ واضحٌ، فالمسألة أنّ النبي لم يكن يَنظر إلى جانب الخِلافة والسياسة فَحسب، لم يكن يريد أن يُبَيّن نظريّة الحُكم والسياسة في الإسلام فَحسب،


فإنّ هذه النظريّة قطرةٌ من بحر الولاية، جزءٌ ضئيل من نظريّة الولاية، عندنا نظريّة الحكم والسياسة، ومَن الحاكم بعد النبي؟ لابُدّ أن يكون عليٌ (عليه السلام)، لا فُلان وفُلان.

هذه قضيّة مهمّة وأساسيّة، أنا أُريد أن أدّعي أنّ هذا المبدأ أوسع وأشمل من هذا المقدار، وهذا جزء مُتضمن فيه النبي والقرآن الكريم والأحاديث الصادرة عن النبي، والتأكيدات الواردة من النبي في كل مناسَبة، تريد أن تُثبِت حقيقةٌ أخرى أهم من مسألة الحُكم والحاكمية وأشمل، وليست مسألةُ الحاكمية إلاّ جزءً ضئيلاً من تلك الحقيقة؛ تلك الحقيقة: هي أنّ هؤلاء لهم تميّز روحاني من الآخرين، وهُم ثقلُ الله على الأرض، وهُم المرتبطون بالسماء، ولهذا لابُدّ وأن يكون هناك تودّد ومحبّة إليهم، هؤلاء رموز السماء في الأرض، فهذا الوِد، وهذا الحُب والوَلاء، ليس من باب إنساني وشخصي، كلاّ، هذا الوَلاء جزء من أصل الرسالة، إنّه وَلاء للرسالة ولله تعالى، من خلال هذا الوَلاء، سوف تتصل السماء بالأرض، ويستطيعون أن يعبدوا الله حقاً، ويلتزموا بأوامره حقاً.

هذا المبدأ حدوده، ودوافعه، وحقيقته بهذا المقدار، القرآن والنبي لا معنى لأن يؤكِدا على قضية شخصيّة، هذا الحُب إذا لله، يكون حُبّاً يرتبط بالله حقيقةً، ويرتبط بجوهر الرسالة حقيقةً، ويكون


هو العمود الفقري لنفس الرسالة، ما كان جديراً ومُستَحقاً لهذا المقدار من التأكيدات، والتثبيتات اللفظيّة، والعمليّة، والسلوكيّة إنّما هو ما ذكرناه، ولم يكن يُناسِب الذكر الحكيم أن يتصدّى لقضيّة لا تتعدّى مقدار العلاقة القلبيّة.

هذا التصدّي، وهذا التأكيد، إنّما يكون من جهة أنّ هذه المحبّة، وهذه المودّة، في جوهرها وواقعها سوف تؤول إلى حُب الإنسان لله، حُب الإنسان للحقيقة الواقعة في الكون والوجود، وهو الله سبحانه وتعالى، وأحكامه، ورسالته، وأنظمته، وما يريده في حق عِباده، إذن، فمَبدأ المحبّة والمودّة لأهل البيت، يتضمّن حقيقة كبرى من الحقائق الأساسيّة في فكرنا الإسلامي، وفي العقيدة الإسلامية والنظريّة الإسلامية،.... وهذه الحقيقة، أنّهم حبلُ الله الممدود بعد النبي، الذي يمتد من خلاله ارتباط السماء بالأرض.

موقع الرموز البشريّة في التربية الربّانيّة

نحنُ نؤمِن في معتقدنا الفلسفي، بأنّ الله حينما خَلق الإنسان والأرض، لم يَترك الأرض والناس سُدىً، بل بقى مُشرِفاً ومُهيمِناً ومُتصرِفاً في أمورهم من خلال ما يُسمّى بـ(خط الشهادة)، فخط


الشهادة هو ارتباطٌ بين السماء والأرض.

هذا الارتباط لابُدّ وأن يكون لهُ رموز، الإنسان لا يمكن أن يرتبط بعالَم الغيب ارتباطاً مُجرّداً، صحيحٌ أنّ الإنسان لهُ عقل، وعقلهُ مُجرّد يستطيع أن يَدرِك بعض القضايا، إلاّ أنّ الإنسان حِسّي بحسب نزعته أكثر من كونه مُجرّداً، هذه الحسيّة وهذه الأرضيّة، تجعل البشريّة دائماً بحاجة إلى رموز، إلى مَن يُجَسِّد هذا الارتباط تجسيداً بشريّاً ماديّاً، ولهذا الله سبحانه وتعالى جَعلَ الأنبياء من البشر، وتوجَد آيات قرآنية كثيرة تُصَرِّح بهذا المعنى؛ لأنّ الإنسان بطبيعته لهُ نَزعَة حسيّة، عندما تخرج القضيّة عن الجانب الحسّي، الفطرة البشريّة لا تَتَحمّله، لابُدّ أن يكون التوجّه إلى عالَم الغيب، والتوجّه إلى الله، لهُ رموز بشريّة حسيّة، فلابُدّ أن يكون هذا الارتباط وعناية السماء بالأرض، لهُ مَظهر بشري، وحسّي، ورابطة بشريّة، ورفد بشري، وهذا الرمز عبارة عن (الأنبياء والأئمّة).

فالتركيز والتنبيه على مبدأ المحبّة؛ من أجل أنّ قلوبَ الناس بالتدريج، تلتفت وتلتف حول هذه الرموز من بعد النبي، بالنسبة للنبي الرمزيّة واضحة، لكونهِ صاحب الرسالة، وصاحِب المعجزة الكُبرَى، أمّا بعد النبي، لابُدّ أن يبقى هذا الرباط، وهذا الحبل الممدود من السماء إلى الأرض، هذه


الواسطة البشريّة بين السماء والأرض، لابُدّ وأن تكون باقية، وهذه الواسطة البشريّة، إنّما هم عبارة عن آل الرسول، ومبدأ وجوب محبّة آل البيت، عبارةٌ عن شد الناس، وشدّ قلوبهم بهذا الرباط، فهذا الحُب، ليس حُبّاً قلبيّاً لشخص تجاه شخص آخر، لكونهم أُناس جيّدين، بل هذا حُب يوصي بالشخص، وبشد الشخص المُحِب بالمحبوب، هذا المحبوب، هو رباط الله في الأرض، هو الحبل المتصل بين السماء والأرض.

هذه هي حقيقة هذا المبدأ، مبدأ الوَلاء يَضمِن عندنا مثل هذا البُعد المُعمّق الواسع الضخم، ولولا هذا البُعد؛ لمَا كان جديراً أن يكون موضع اهتمام النبي والذكر الحكيم.

إذن، فمَبدأ الوَلاء والمحبّة للقربى، يتضمّن معنىً عظيماً، مُهمّاً، كبيراً، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، هذا المعنى الكبير الواسع، تُشَكِّل مسألة القيادة والحاكميّة جانباً ضئيلاً منه، ليست المسألة، مسألة الحُكُم والسياسة فحسب، بل مسألة البشريّة والسماء والأرض، والحياة السياسيّة جزء من حياة البشر وخلافته في الأرض.

هذا المبدأ، يريد أن يَربط البشريّة كُلّها بالسماء، لا فقط من جانب أنّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأولاده المعصومين أن يحكموا، فإنّ هذا جزء، أو مُقدّمة بحسب الحقيقة لتلك المسألة الأوسع والأعمق من مسألة الخلافة والتولّي، ومَن الذي يكون الحاكم على المسلمين، هذا ما نحنُ نفهمه من هذا المبدأ، وهنا يوجد وجه آخر لهذا المبدأ، وهو أنّ الإنسان صحيحٌ أنّ له فكر وعقل،


يُدرِك ويُشَخِّص الأشياء بفكره وعقله، إلاّ أنّ الإنسان أفكاره ومعتقداته إذا بقيت مُجرّد أفكار ومعتقدات، لا تكون قادرة لأن تُحرِكه حقيقة الفكر، إنّما يُحرِّك الإنسان إذا نَزَل عن عالم التجريد الذهني والعقلي إلى عالم الحُب القلبي، إلى عالَم الرغبة النفسيّة، إذا بقى الفِكر مُجرّد نظريّة وفِكر فلا يُحرِّك الإنسان، ولهذا تجدون الفلاسفة لم يستطيعوا أن يُحرِّكوا البشريّة كما حَرّكها الأنبياء، فالأنبياء صنعوا حضارات، وصنعوا الأمم، إلاّ أنّ الفلاسفة كنظرياتهم، واصطلاحاتهم، وفلسفاتهم لم يستطيعوا ذلك، ولا يستطيعون.

أرسطو عندهُ كلمات - فلسفيّة إغريقيّة، واستدلالات ومناقشات - في إثبات فكرة الله كثيرةٌ، إلاّ أنّها لم تُحَرِّك وتُغَيِّر في تاريخ الإنسان، نجد أنّه حتى تلك الحضارات المهمّة، كحضارة الإغريق مثلاً، لم تكن متّخذة من نظريات فلاسفتهم، بل كانت لها امتدادات أخرى، يرجع كثير منها إلى الديانات اليهوديّة والمسيحيّة بعد انتقالها من الشرق إلى أوربا، إلى اليونان، فالفكر المُجَرّد لا يستطيع أن يُحرِّك، إلاّ إذا أُنزِلَ إلى قلب الإنسان، فيتحوّل من مُجرّد فكر نظري، إلى رغبة وميل عاطفة، إلى مُعتقَد ومُتبَنّى، بحيث له رغبة نفسيّة إلى تبنّيه، حينئذٍ يكون الفكر مُحرِّكاً للإنسان، يستطيع أن يُكوِّن إرادة، والإرادة تُحفِّز الإنسان أن يتّخذ الموقف ويعمل، فالنظريات والأفكار


إذا بقت أفكار مُجرّدة، لا يمكن أن تكون مؤثِرة ومُغِيّرة للإنسان وسلوكه، ولذلك الإنسان رَغم أنّه مُتفكِر، لهُ حالة الشوق والحُب ما يُسمّى بـ(مقدّمات الإرادة).

هذه النظرة التي استخلصناها من هذا المبدأ بالنسبة لأهل البيت، لو كانت تُطرَح من قِبَل الإسلام والنبي كنظريّة، بأن يُقال: بأنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم حبلُ الله الممدود بين السماء والأرض بعد النبي، أهل البيت لهم هذا المقام المُقرّب عند الله وهم يتلون النبي، هم مصادر التشريع من دون أن يَربط هؤلاء وتُربَط هذه المَنزِلة بجانب العاطفة والحُب عند الناس، حينئذٍ كانت تبقى نظريّة شبيهة بنظريّات الفلاسفة.

ولهذا نجد أنّ المسألة قد دخلها الإسلام من خلال مبدأ الحُب والوِد، حتى يصبح هذا المبدأ مُترَكِزاً في القلوب وفي ضَمائر الناس، لا في أذهانهم كنظريّة فحسب، فلو بَقى هذا المبدأ في أذهان الأمة نظريّةً كنظريات الفلاسفة عن العقل الأول والثاني، والعقول العشرة بين الخالق والخَلق، كُنتَ لا تجد لهُ موطناً إلاّ في عقول الفلاسفة فقط، ولم يكن يوجد إنسان يتحرّك بعقل من هذه العقول؛


لأنّها كانت من المسائل التي بقيت نظريّة في مكامِن التجربة الذهنيّة، والناس أبعد ما يكون أن تُحَرِّكهم هذه التجربيات الذهنيّة، بخلاف ما إذا رُبِطت المسألة بالعواطف من خلال المودّة والمحبّة، من خلال الرباط العاطفي، هذا الرباط هو الذي يَضمن بحسب الحقيقة، تجسيد النظريات، واندفاع الناس نحو تحقيقها، وتحقيق الأهداف من ورائها.

ومن هنا كان مبدأ حُب آل البيت، هو الضمان العَمَلي، والرصيد الواقعي والتاريخي لهذه الحقيقة الكبرى، التي إذا شرحناها كنظريّة وكعقيدة، هذه النظريّة تكون فاعلة في نفوس المؤمنين، هذه الحقيقة جليّةٌ اليوم في هذه الجمهورية وحاكميتها الدينيّة، فأنتم تعلمون كم لحُب هذا الإمام العظيم - والتعلق العاطفي المُتعاظم في ذاته - تأثيرٌ في تحريك الجماهير قبل وبعد الثورة، وفي كل المجالات والجبهات، وهذا الحُب والوَلاء، هو أيضاً في الحقيقة امتداد وتشعّب من مبدأ حُب أهل البيت وولايتهم.

وعلى كُل حال، فالذي لابُدّ منه إنّما هو هذا الحُب، هذا الرباط القلبي، الذي لو لم يكن موجوداً، لمَا أمكن تحريك الناس بالنظريات، والثقافات، وتصدير الأحكام؛ لأنّ الأفكار إذا بقيت أفكار، لا تُحَرِّك شيء إذا لم تنزل إلى عالَم الحُب والقلب، فلابُدّ من رباط عاطفي وقلبي، لابُدّ من محبّة حقيقيّة ومودّة، لهذا تجدون أنّ هذه النصوص تؤكِّد على محبّة آل البيت، لا فقط الاعتراف والإيمان


بمنزلتهم وبعصمتهم، بل علاوةً على ذلك، لابُدّ من حالة الحُب، والانعطاف، والانجذاب، والتعلّق القلبي بهؤلاء، ولهذا أصبحت المودّة واجبة لهؤلاء؛ لأنّه من خلال هذا الحُب، وهذا الرباط، بهذه الحقيقة الكبرى والأساسيّة والمصيريّة، يمكن أن يكون لها دورٌ في تحريك الناس، وجعل الناس يتوجهون نحو كمالهم الحقيقي، يتحرّكون في كل مرحلة حسب تكليفهم الشرعي، ويتكاملون ويصلون إلى المراتب التي يريدها الله لعباده، والتي قد جَسّدها هؤلاء الرموز أفضل تجسيد، ليكون الإنسان بذلك خليفة الله في الأرض، هذا أيضاً بُعداً آخر من أبعاد هذا المبدأ، مبدأ الولاية والمحبّة للقربى.

**********



المُحاضَرة الثالثة

١٤٠٣ هـ



بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ

مبدأ المودّة لأهل البيت هدف ووسيلة

كُنّا نتحدّث حول آية المودّة:(قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ المودّة فِي الْقُرْبَى) وقلنا: إنّ مبدأ ولاية آل الرسول، هذا المبدأ الذي لا شكّ فيه لدى أحد من المسلمين، والذي دلّت عليه النصوص والمواقف والسيرة النبويّة، ليس كما قد يُفهَم من قِبَل بعض الفِرَق الإسلاميّة، أنّه مُجرّد مبدأ شخصي أراد النبي في هذا المبدأ أن يجعل المسلمين يُحبِون آل البيت فحسب، بل هذه المودّة والمحبّة هي من صميم الرسالة نفسها، هي كالمودّة والمحبّة التي لابُدّ أن تكون لكل إنسان مؤمن بالله محبّة لله، المودّة لقربى الرسول، أي للأئمة مودّة مشتقة من المودّة والحُب لله والنبي.

ولهذا جاءت ودلّت عليه النصوص الكريمة، والمواقف النبويّة، والإعدادات الكثيرة الضخمة، هذه المحبّة والمودّة لأهل البيت، إذا أردنا أن نتعمّق فيها هي في نفس الوقت الذي تكون هدفاً وغرضاً إسلامياً رسالياً، تكون طريقة ووسيلة للوصول إلى الأهداف الإسلامية، فمحبّة آل البيت مبدأ ذو


وجهين وذو ميزتين:

هدف وغاية طريق، ووسيلة في نفس الوقت، أمّا كونها هدف باعتبار ما أشرنا إليه من أنّه كمودّة الرسول نفسه، مودّة بالنتيجة لله وفي الله، مَن يَود ويَحُب الرسول بحسب الحقيقة يَحُبّ الله؛ لأنّ الرسول وأهل بيته المعصومين ما هم إلاّ مُمَثِلين من قِبَل الله، والثقل الإلهي في الأرض، والحبل الممدود بين السماء والأرض، فحُبّهم في الواقع لمّا يَرمِزون إليه، حُب لله سبحانه وتعالى، وحُب للكمال الإلهي؛ لأنّه هم مظهر من مظاهر الله، وجَلوَة من جَلوَات عالَم الغيب والكمال الربوبي، فمحبّتهم تكون محبّة لجَلوة من جَلوات الكمال، وهذه الجَلوة نفسها كمال.

ونحنُ نجد في القرآن، وفي الروايات، والنصوص، أنّ المؤمنين لابُدّ أن يُحبّون الله، ولكل ما يرتبط به ويَرمز إليه حتى الملائكة، توجد في الآيات والروايات أنّ حُب جبرائيل وميكائيل والروح الأمين معيار لتشخيص المؤمن عن الكافر، وهذه طبيعة واقعة في الذات الإنسانيّة، الإنسان إذا أحبّ أحداً أو شيئاً، يَحب كل المتعلّقات بذلك الشيء، فكيف بمَن يُمثل المحبوب، وبمَن يكون واسطة للمحبوب بين المُحب والمحبوب؟

إذن، فحُب آل البيت بنفسه كمال؛ لأنّه يرجع ويؤول إلى حُب الله، وإلى حُب الرموز التي تدل على


الله تعالى، وحُب آيات الله، والأئمة هم آيات الله والدالّون عليه والمشيرون إليه، وأيضاً ما فيهم من الصفات والكمالات هي في الواقع مشتقة من الكمالات الإلهيّة، وهم يُجسِّدون الكمالات بدرجة عالية، فحبّهم يُمثل في الواقع حُبّ الله، وحُب الحيثيات والقيم الربّانيّة، هذا بنفسه كمال.

منهج الأنبياء في تربية الإنسان

نحنُ لابُدّ أن نعلم بأنّ مدرسة الأنبياء ومنهاج التربية الإسلاميّة، تختلف عن مدرسة الفلاسفة والمفكّرين والمُنظّرين، مدرسةُ الأنبياء مدرسة تتعامل مع الجانب الإنساني والروحي، تتعامل مع عواطف البشر وقلوبهم، لا تتعامل فقط مع الأفكار المُجرّدة والنظريّة فيه - كما قلنا بالأمس - بل تتعامل مع الجانب القلبي، لأنّ هذا الجانب هو المُميّز للإنسان عن المخلوقات الأخرى، ربّما تكون المخلوقات لها درجة من الإدراك والقدرة على التعلُم، إلاّ أنّ هذا الجانب العاطفي - وما نُسميه (مدركات العقل العملي المتعلّقة بالوجدان والفطرة البشرية) - من مختصات الإنسان، وهو الذي يُميّز الإنسان عن سائر الموجودات ويعطيه هويته الخاصّة به، ولا يُشاركه فيها أيُ كائن آخر، مهما صُمِّم على شكل أنيق، وغريزة دقيقة في إدراك بعض الأمور، سواء كان من الحيوانات


أو الملائكة، أو من الجان، في الحيوان نستطيع أن نتصوّر شيء يُشبه الإدراك، يقال: إنّ النمل عندما يؤسِس بيته، له دقّة هندسيّة ربّما كبار المهندسين لا يستطيعون هندستها، هذه قد نعتبرها مرتبة شبيهة بمراتب الإدراك، إلاّ أنّ الجانب المتميز بالإنسان ذاك الذي نُعبِّر عنه بالقلب والعواطف والروح.

مدرسة الأنبياء تُركِز في تربيتها على هذا الجانب أكثر، ولهذا تجدون القرآن الكريم دائماً في وصفه للعلاقة بين المؤمنين بالرسالة الإسلاميّة وبين الله، يستعمل لفظ القلب:(إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ) (١) (رَحيمٌ) (٢) الرحمة من القضايا المتعلّقة بجانب العواطف والقلب...(وَدوُدٌ) (٣) الآيات التي تصف الله وتشرح سنخ العلاقة والعناية الإلهية بالبشر، تجدون هذه الآيات دائماً تُركِز على مقولات هي مقولات عالَم القلب والفؤاد والروح، لا عالَم المصطلحات البشريّة والأفكار المجرّدة لماذا؟

لهذه النكتة التي أشرنا إليها؛ لأنّ هذه المدرسة - مدرسة الأنبياء - تريد أن تُرَبي الإنسان وتُكمِل إنسانيته وكمالاته، في الواقع أساسها ومجراها هذا الجانب، جانب القلب والروح والوجدان.

الإنسان من خلال هذا الجانب، يستطيع أن يتكامل وينطلق إلى الخيرات، الصفات الأخلاقية

___________________

(١) المائدة ١٣.

(٢) هود ٩٠.

(٣) هود ٩٠.


والوجدانية الحميدة، تجدون أنّها جميعاً تصدر من القلب لا من العقل، حتى التضحية، الحسين (عليه السلام) عندما يُضَحي بنفسه وعياله؛ هذا كونه يعشق الله سبحانه وتعالى، له مرتبة من التعلّق العاطفي والوجداني على مستوى العشق المطلق الحقيقي، ولولا هذا العِشق وهذا الحُب والعُمق في الارتباط بالله، لمَا صدرت تلك التضحيات العظيمة.

إذن، فهذه خصّيصة لابُدّ أن ندركها في طبيعة مدرسة الأنبياء، والتربية التي اكتسبتها البشريّة في تاريخها من مدرسة الأنبياء، تختلف عن التربية التي تكتسبها من مدارس الفلاسفة ومدارس المُفكرين والعلماء.

هناك الفلاسفة يتعاملون مع الجانب العقلي المُجرّد في الإنسان، أمّا الأنبياء فلا يتعاملون مع الجانب العقلي المُجرّد فحسب، بل يصبّون اهتمامهم على الجانب القلبي والوجداني في الإنسان ويحاولون أن يُربّو هذا الجانب؛ لأنّ هذا الجانب في الواقع إذا تربّى، يستطيع أن يُبرِز جوهرة الإنسانيّة في الإنسان، ويصوغ منه كائناً متّصفاً بالكمال ومتشبّهاً بالله تعالى ومتّصفاً بأخلاقه، ومن خلال هذا المسار وهذا الجانب، يمكن للإنسان أن يتسامى ويصعد إلى ما أراده الله له أن يصعد إليه


ويجسّد خلافته الحقيقية.

ولذلك نجد أنّ القرآن لغته في شرح العلاقة الإلهية مع البشر، لغة الحُب والعواطف والأحاسيس الوجدانيّة، تجدون الآيات دائماً تصف علاقة الله بالمؤمنين وعلاقتهم بالله، بقولها:(يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ) ، الحُب في الطرفين، وإذا كانت هذه طبيعة المدرسة الإلهيّة وطبيعة تربية الأنبياء للبشريّة، ترتكز على هذه النقطة، إذن يكون من الطبيعي لنا أن نفهم كيف أنّ محبّة أهل البيت والمودّة والقربى لآل الرسول، هذه أيضاً جزء من هذه الخريطة، وهذه التربية، وهذه الرسالة، وفي ضمن هذا الهدف.

كما قلنا: هم ثقل الله في الأرض، وحبل الله الممدود بين السماء والأرض، فحُبّهم حُبّ الله، والمودّة إليهم مودّة إلى الله، وهذا هو الشيء الذي يريده الله للإنسان؛ لأنّ الإنسان عن طريق هذا الحُب - وعن طريق حُب الله ورموزه وما يرتبط به، والآيات الدالّة على الله - وبه ومن خلاله، يكون كاملاً متسامياً رفيعاً، لماذا يكمل الإنسان عن طريق هذا الحب؟

لأنّ الكمال الحقيقي للإنسان، يكون باقترابه من الكمال المطلق وهو الله، وباب هذا الاقتراب من الكمال المطلق هو القلب لا الذهن وحده؛ لأنّ الإنسان قد يُدرِك وجود الله، ولكن لا يتكامل ذلك؛ لأنّ إدراكه لم ينزل من عالَمه المجرّد - عالم النظريّات والمصطلحات - إلى قلبه وأحاسيسه ووجدانه


وفطرته لكي يتفاعل معه، كثيرٌ من الفلاسفة كانوا يَعرفون إثباتات على الصانع، واثبات العقل الأوّل، ومناقشات عريضة أخرى، إلا أنّ هذا كان تَرَفاً نظريّاً واستدلالاً ذهنياً مجردّاً، ولم يخرج من التجرّد الذهني عندهم إلى عالَم القلب فلم يتكاملوا، ولعلّ كثيرٌ غيرهم كانوا أكثر منهم كمالاً وأرفع مقاماً في الإنسانيّة والأخلاق.

 إذن، كمال الإنسان إنّما يكون عن طريق الاقتراب من الكمال المطلق، وباب هذا الاقتراب هو القلب والوجدان، إنّ قلب الإنسان يتعلّق بالله وهو معنى المحبّة والمودّة، إنّ المودّة الحقيقية إنّما تكون إذا صَدرت من القلب، وهذا مؤشِره عادةً هو التشبّه بصفات المحبوب، الحُب الحقيقي هو أن لا يغفل المُحِب عن مَحبوبه (أي عن التشبّه بالمحبوب)، قد يكون كثيرٌ من الناس يدّعُون المودّة والمحبّة، ولكنّكم تجدون أنّ أعمالهم لا تُشِر إلى هذا الشيء، فلا تقولوا إذا كان الباب هو المحبّة والمودّة، فكيف هؤلاء هم موالين ومُحبّين ومع ذلك تصدر منهم معاصي....؟

في الواقع، هذا ضُعف في درجة الحُب وأصل الحُب، وتستطيع أن تقيس هذا الشيء على القضايا البشريّة، فالذي واقعاً يَحب ويَعشق محبوباً في الحياة، عادةً لا ينفك عن التوجّه إلى محبوبه والاتصال به،.... نعم، هذا الذي تجده ينفك ويدّعي أنّه يُحِب، هذا حُبّه مُزيّف أو لغاية أخرى،


والحُب الحقيقي والمودّة الحقيقيّة إذا كانت حقيقيّة، كان منبعها وموردها ومكانها القلب حقاً، لا اللسان والكلام، فالذي واقعاً يَحب الله والأدِلاّء على الله - وهم الأئمة (عليهم السلام) - لا ينفك عن الالتزام بشؤون المحبوب، وعن التخلّق بأخلاقه وبما يريده من إرشادات وتوجيهات وتوجّهات.

إذن، فحُب آل البيت (عليهم السلام) هدفٌ بنفسه وغاية؛ لأنّه جُزء وجانب ومظهر من مظاهر الحُب لله، والحُب فيه، وهذا هو الكمال الحقيقي في الإنسان بأن يَحب الكامل وهو الله، هذا هو حُب الكمال وحُب الكاملين، هذا هو الجانب الأول الموجود في هذا المبدأ.

قلنا: إنّ هذا المبدأ، هو هدفٌ وغايةٌ في نفسه، وأيضاً طريق حُب الأئمة طريق من طُرق الوصول إلى الأهداف التي تريدها الرسالة الإسلاميّة، طريقٌ من عدّة اعتبارات وجهات، من جهة؛ لأنّه عن طريق هذا الحُب، سوف يكون هناك توجّه وعناية بهذا المحبوب وهم آل البيت، وهذا المحبوب هو الثقل الحقيقي للرسالة السماوية في الأرض وهو عِدل القرآن.

 قلنا: إنّ الآية عبّرت بفي ولم تُعبِّر باللام، ولم تقل للقربى؛ لأنّ إحدى النكات في التعبير بفي، هو إفادة للحصول، ولأنّه هذا طريق، ومكان، ومحل وضع المحبّة فيه، والأمة إذا جعلت مودّتها


ومحبّتها في هؤلاء، سوف يكون هؤلاء باب ربطها بالله، لأنّهم معصومون ومكرّمون، وسوف يكونون مصادر ومنابع أمينة لعطاء الرسالة وأحكامها وأخلاقها ومفاهيمها، وبهذا الترتيب سوف يكون ضمان حفظ الشريعة الإسلاميّة، هو حُبّهم وعن هذا الطريق، وهذه إحدى الجوانب الطريقيّة في مودّة أهل البيت (عليهم السلام).

قلنا: إنّ المودّة ليست مودّة شخصيّة بل رساليّة، في الواقع مودّة تُعبِّر عن مَنزلة رفيعة لهؤلاء - كما شرحنا في الليلة السابقة - هذا النوع من التودّد لهؤلاء، سوف يجعل البشريّة يأخذون وينهلون أحكامهم وتشريعاتهم من هؤلاء.

بهذا تُحفَظ الرسالة من أي تحريفٍ، أو تشويشٍ، أو خطأٍ، كما وقع فيه مَن لم يجعل حُبّه لهؤلاء بهذا المعنى، حيث إنّه احتار وتاه وانتهى به الأمر إلى مذاهب ضالّة مضلّة، فمِن هذا الحُب سوف تُصان الرسالة، وتُحفَظ الشريعة الإسلاميّة كشريعة كاملة مُكمّلة، والرسالة الإسلاميّة كرسالة مُعطاءة، كعقيدة، كأفكار، كمفاهيم، كتشريعات، تُضيف للإنسان وللوجود الخير والكمال، هذا شيء.

الطريقيّة الثانية الموجودة في هذا المبدأ - مبدأ مودّة أهل البيت - أنّ هذه المحبّة وهذه المودّة


لهؤلاء سوف تجعل - بعد أن عرفنا أنّها مودّة رساليّة - قيادة الرسالة الإسلاميّة في الأرض، سليمة ومستقيمة صالحة.

إقامة العدل في الأرض بحاجة إلى رسالة صحيحة وقدوة صالحة

________________________________________________

الإنسانيّة في طلبها الدائم لإقامة أحكام الله في الأرض، تحتاج وتفتقر إلى عنصرين:

العنصر الأول: الرسالة الصحيحة، أو ما يُعبّر عنه اليوم بالأيديولوجيّة الكاملة وغير المحرّفة والمشوهّة.

العنصر الثاني: سلامة مَن يريد أن يُطبِّق هذه الرسالة، مَن يتحمل عبئها، وإقامة أحكامها، وتحكيمها في الأرض، وهذه ليست بأقل أهمية وخطورة من سلامة أصل الرسالة، بل هذه كثيراً ما تتداخل مع العنصر الأول، إذا فُقِد العنصر الثاني يُسبِب ذلك فقدان الأول أيضاً، فتُحَرّف الرسالة كما حُرِّفت الرسالات الصحيحة كثيراً على مرّ العصور.

ولهذا تجد حديث الثقلين، يجعل العترة والرسالة لا ينفكّا، فهما ثقلان لا ينفك أحدهما عن الآخر حتى يَردا على النبي الحوض، في الواقع أحدهما يَحمي الآخر، وإذا كان القرآن يُعبِّر عن العنصر الأول، فإذن القرآن يعرض الشريعة السماوية بشكل كامل، وأُكمِلت الشريعة الإسلاميّة واكتملت على يد النبي:(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) ، والعِدل الآخر وهم الأئمة، بالإضافة إلى دورهم في شرح


وتفسير وتوضيح الشريعة الإسلاميّة المثبّتة في القرآن، لهم دور آخر، وهو دور تحكيم الشريعة وإقامة حُكم الله في الأرض، وهذا الدور إن لم يكن أهم لن يقل أهميّة عن الأول؛ بل هو يحفظه ويصونه ويُجسِّده.

إذن، فنحنُ بحاجة إلى مَن يحفظ بقاء الرسالة، ويقوم بتطبيقها تطبيقاً سلميّاً في الأرض، وهذا الدور يقوم به الأئمة (عليهم السلام).

هذه المحبّة والمودّة التي أكّد عليها القرآن والسُنّة والمواقف النبويّة، حيث يُلاحظ من خلال السيرة النبويّة، أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لم يَدع فرصة، ولم يَدع مناسبةً إلاّ وأكّد فيها على المحبّة لأهل البيت (عليهم السلام).

أقول: هذا التأكيد البالغ الشديد من النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في كل شاردة وواردة، في الليل والنهار، في كل غزوة وبعد كل غزوة، كان يقف على باب بيت فاطمة (عليها السلام) ويُخاطِبهم بخطاب مُعيّن، عندما يرجع من الغزوة، أول ما يأتي إلى بيت فاطمة (عليها السلام) قبل أن يدخل إلى بيته وداره، ويتكلم في حُب فاطمة وأولادها، هذه المرتبة العظيمة، وهذا المقدار الزائد والكثير من التأكيدات، في الواقع من أجل أنّه من خلال هذه المحبّة والمودّة، يمكن للأمة أن تتوجّه للثقل الثاني، وأنّ هؤلاء يتوجّهون إليهم، وينصرفون عن غيرهم، ويجعلونهم الواسطة بينهم


وبين الله، والمُمثِلون لحُكم الله في الأرض.

وهذا العنصر الثاني، يُحفظ من خلال هذه المودّة والمحبّة، في الواقع عندما نُراجع تاريخ المسلمين، نجد أنّ لهذه التأكيدات المتواترة على هذا المبدأ - مبدأ محبّة آل البيت - دورٌ كبير شدّ الناس إلى الأئمة، وبالتالي دورٌ كبير في التقليل من التحريف والتشويه الذي مُنيَت به الرسالة الإسلاميّة، وقيادة الرسالة، والتجربة الإسلاميّة، فلولا هذه الإرهاصات والأدوار التي قام بها الأئمة كُلٌ في مرحلته، وبحسب مقتضيات حياته القياديّة، لكانت الشريعة الإسلاميّة قد ابتُلِيت بمَا ابتُلِيت به الشرائع السابقة ومُسِخَت، لأصبحت هذه الشريعة أكثر مسخاً من الشرائع السابقة، باعتبار أنّ الطواغيت الذين ابتُليت هذه الشريعة بهم، كانوا أكثر لؤماً وأكثر عدواناً على الإسلام، وأكثر كفراناً ممن ابتُليت بهم الشرائع والأمم السابقة.

الإنسان عندما يُطالع أعمال بني أميّة، يجد أنّ ما قامت به هذه الفئة الباغية، لم تقم به أيّة فئة من الطواغيت في أي زمان، تعلمون كم بَذل معاوية من الأموال في سبيل تشويه كل الأمور الواردة في حق علي (عليه السلام) وبأشكال مُختلفة من العمل، حَرّف الروايات الواردة عن الصحابة


والتابعين، واستطاع أن يشتري الضمائر من الذين كانوا يُعتبرون مرموقين على أن يضعوا الأحاديث، إمّا في ذم علي (عليه السلام)، أو في تثبيت نظائرها في الآخرين في حقه، أو بعض الصحابة الآخرين، ما بذله مَن الأموال الطائلة في استمالة كل مَن كان يمكنه استمالته من شيعة علي (عليه السلام)، يكتب لكل وِلاته وعمّاله، لاحِظوا مَن كان متشيعاً لأبي تراب - كان يطلق عليه أبي تراب - إذا كان يُمكن استمالته، استميلوه بالأموال، وإلاّ فاقتلوه واحذِفوا اسمه من الديوان،... محاولات وممارسات عجيبة.

حتى لاحظتُ في بعض التواريخ ممارسة في ممارسات هؤلاء تشبه ممارسات صدام يقول:

إنّ ولاة معاوية على العراق رَحّلوا وهَجّروا وسَفّروا (٥٠) ألف من شيعة علي، من الكوفة إلى خراسان، هذه التواريخ تذكُر أنّ الممارسات التي يُطبّقها هذا الطاغوت الجاثم على صدر شعبنا في العراق، نفسها كانت مُتّبعة في ذلك الزمان و(٥٠) ألف من المؤمنين سُفِّروا عن ديارهم، وهُجِّروا وشُرِّدوا لا لذنب، إلاّ أنّهم يوالون علياً(عليه السلام).

في كتب التاريخ يُذكر أنّ الشخص كان أخوف ما يخاف على نفسه، أن يُتّهم بأنّه من شيعة ومحبين علي، كان يَلعن والديه لماذا سمّوهُ باسم من الأسماء المشابِهة لأسماء آل البيت، إلى هذه الدرجة وصلت الممارسات القمعية الرهيبة، وسياسة الترهيب والترغيب أسلوبان أستعملها بنو أميّة


في سبيل تشويه هذا الخط الذي هو في الواقع خط الرسالة، والألاعيب التي مارسوها والنظريات التي جاءوا بها من أجل أن يمحو هذا الخط.

قرأت في كتاب... كان يقول:

جاء الوليد فأحضر أربعين صحابياً، هؤلاء الأربعون أجمعوا على أنّ خليفة المسلمين ليس له حساب وكتاب يوم القيامة؛ لأنّه ساقط ومرفوع عنه القلم، هذا المد المنُحَرف الهدّام الذي أوجدته الفئة الباغية، لو لم يقابله النبي منذ البداية بالأحاديث والتأكيدات على حب آل البيت، وأنّهم ثقل الله وعِدل القرآن،... وأيضاً المواقف التي وقفها الأئمة أنفسهم في صون الرسالة، والذّب عنها ورفع هذه التحريفات،... ولولا هذه المقابلة، كانت تقع المصيبة، وكانت الرسالة تُمسَخ حقاً.

في الواقع، من النكات التي تُستأثر باهتمام الإنسان في مقام استعراض التاريخ ومسيرة الأئمة، نجد هذه النقطة: وهي أنّ الأئمة استطاعوا لا فقط أن يحفظوا خط الإسلام المتمثل في الخط الشيعي، ومن أصحابهم، وحُملى تراثهم، وفكرهم، وهديهم، بل حتى الخط العام الإسلامي، عندما صار ما صار من الاتجاهات والتيارات والمشاكل؛ نتيجة أعمال هؤلاء المنحرفين، والبَلبَلة التي زَعزَعت الوضع العام للمسلمين، وأوجبت التشويش في ذهنيّة المسلمين ومعتقدات الإسلام الأولية، استطاعوا أن يَحفظوا سُمعتهم ومَنزلتهم حتى من الخط العام، ويَحفظوا بذلك ما يمكن حفظه من أصول


الرسالة الإسلاميّة على المستوى العام، ولهذا تجدون أنّ الأئمة يمتازون بدرجة من القدسيّة حتى عند غير أصحابهم، لا تجد شخصاً في المسلمين يُشكِّك في مقام الأئمة، كعلماء، وكذريّة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وكأكرم وكأفضل الناس، حتى الأعداء، حتى بنو أميّة، لم يستطيعوا أن يُشكِّكوا الأمة فيهم، فهذا معناه أنّ هؤلاء استطاعوا أن يقوموا بدورٍ دقيق وخطير، بحيث استطاعوا أن يحفظوا دورهم حتى في التأثير على الأعداء وعلى الساحة، ساحة الأعداء ومنطقتهم، وشعب العدو ونفسية المُخالفين، وبذلك استطاعوا أن يحفظوا ما يمكن حفظه من أصول الشريعة والرسالة، من الفكر الإسلامي الصحيح، والأخلاق والمبادئ الإسلاميّة الصحيحة، حتى الفقه السنّي أو كُتب السنّة، الآن تجدون فيها تشابهاً كبيراً وفي دائرة واسعة مع ما هو موجود في الفكر الشيعي، وهذا من نتاج عمل الأئمة.

هذا الحفظ في كُتب أبناء العامة، هذا المقدار المحفوظ فيه من الإسلام، هو مقدار مُعتد به خصوصاً في الفروع والتشريعات، والأحكام الإسلامية، والقضايا الإسلامية العامّة غير ما ترتبط بالخلافة والقيادة، وهذه المسائل المحفوظة في الواقع حَفَظها الأئمة في هذا المجال، بجهودهم ودقّة عملهم، وسياساتهم التي استطاعت أن تجعلهم مقياساً للحق والباطل حتى عند أولئك من حيث يشعرون


أو لا يشعرون.

إذن، هذا الحب بحسب الحقيقة له طريقيّة بهذا الشكل أيضاً، حيث استطاعت الأمة الإسلامية أن ترتبط بالأئمة ولو بهذا المقدار، أن تجعل منهم العلماء الفضلاء الذين هم أعرف الناس من غيرهم بأحكام الإسلام؛ لأنّها نزلت في بيوتهم، أخذوها عن آبائهم.

وأحد الشواهد أنّ الأئمة في كثير من الموارد عندما يذكُرون الحكم الشرعي، يسندوه إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول:

عن أبي، عن جدي،... عن رسول الله، والواقع أنّه لا يحتاج إلى ذلك، وهو يُحدِّث زرارة أو محمد بن مسلم، ولكن مع ذلك لا يكتفي بهذا المقدار، بل يسنده إلى النبي، لأنّه لا ينظر إلى زرارة فحسب، بل ينظر إلى أبعد منه، لو كان يريد أن يُحاكي زرارة، فقط يكفي أن يُبيّن له الحكم الشرعي، وزرارة مؤمن به، بل هو يقصد أن يؤثر حتى على الفقه السنّي؛ لأنّ أولئك يجدون رواية صدرت عن الصادق مسنودة إلى النبي، عندها لا يمكن أن يُناقش فيها، لأنّ هؤلاء أُناس معروفون لا يشك أحد في فضلهم، وتقواهم، ودينهم، وعلمهم.

والحديث المعروف بـ(ذات السلسلة الذهبية)، حديث الرضا (عليه السلام) عندما قَدِم إلى مرو، وكان أكثر المدينة من السُنّة آنذاك، تجدون أنّه لا يُبيّن الحديث من قِبل نفسه، بل يسنده عن أبيه،


عن جده، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ويصله إلى الله جلّ شأنه، هذه العنايات من أجل أن يبقى للأئمة دور حقيقي في حفظ ما يمكن حفظه، حتى في مجتمع الذين كانوا يُعادون خط الأئمة بشكل وآخر، والذين استعان بهم الطواغيت لغصب مقامهم وحقهم وغصب الخلافة عنهم، حتى في تلك الساحة والمجال كانوا يهتمون في حفظ الشريعة والرسالة.

وهذه المودّة والمحبّة والمبدأ الذي سُمّي بـ(المحبّة لأهل البيت)، كان له دور مهم في هذه النتيجة، وهذا الهدف الذي حقّقه الأئمة، بل أستطيع أن أقول أكثر من هذا، أنّ أحد عوامل نجاح الثورات الإسلامية في العالم، والتي منها الثورة الإسلامية في إيران، هو هذا المبدأ؛ فإنّ من أهم العوامل في نجاح الثورة الإسلامية في إيران هو:

مبدأ الوَلاء المطلق، والمحبّة على مستوى الفناء والذوبان في حُب آل البيت، هذا الارتباط والعرفان الذي نجده في الشعب الإيراني المُضحّي، هو قمّة العرفان الموجود اليوم للأئمة (عليهم السلام)؛ لأنّ عندهم درجة من التعلّق القلبي، والارتباط العاطفي بالأئمة من التقدم بمكان، ولعلّ هذه الدرجة غير موجودة في الكثير من شعوبنا الإسلامية، هذه الدرجة من العرفان والموالاة والمحبّة لأهل البيت التي تجدونها تتجسّد بصدق، كعبرات ساخنة، ودموع صادقة، عندما يُذكَر أسم الحسين


(عليه السلام) أو الحجّة (عليه السلام).

هذه الثورة المباركة إذا استعرضنا تاريخها قبل الثورة، نجد أنّ هذه الحالة كانت موجودة، وهذه المجالس الضخمة التي كانت تُعقد تحت العديد من العناوين، باسم دعاء الندبة الذي هو مناجاة مع الأمام الحجة (عليه السلام)، وأنتم تعلمون ما لهذا الدعاء من دور كبير في الربط بالأئمة، والشد الوثيق بمبدأ القيادة للمعصوم.

والارتباط بالقيادة المعصومة، يعني الارتباط بمستلزمات المعصوم، ويأتي منها خطّه وأفكاره، ومنها خط نوّاب المعصوم وهم (العلماء)، فلا إشكال أنّ هذا الارتباط العاطفي الوثيق الشديد، كان له دوره في شد الجماهير الإيرانية بعلمائها، بمراجعها، فاستطاعت هذه الجماهير أن تصل إلى ما وصلت إليه، بحيث لولا هذه التربية الحقيقية، على مستوى التعلّق والذوبان في حُب آل البيت، ما كان يمكن أن تنشد الأمة بهذا المستوى من الانشداد بخط الإمام ونوّابه.

الآن تجدون الذي يُحرِّك الجَبهات، حُب الحسين(عليه السلام)؛ لأنّه امتلك الضمائر، كذلك شعار كربلاء؛ لأنّها تربة سيّد الشهداء، تربة الإمام (عليه السلام) المقدّسة، لقد أسّروا الوجدان هؤلاء العظام، وكبّلوا العواطف والأحاسيس بعقال الحُب الصادق المتفاني، إذن هذا المبدأ - مبدأ المحبّة


لأهل البيت - بالإضافة إلى خلفياته الفلسفيّة والعقائديّة، هذا المبدأ له مِثل هذه الآثار الاجتماعية والتاريخية، وهي حتماً كانت منظورة للنبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عندما كان يؤكِّد على محبّة آل البيت (عليهم السلام)، كان ينظر إلى مثل هذه الآثار، وفي الواقع من دون هذا المبدأ، ومن دون التوغل العاطفي في مودّة الأئمة والعشق الحقيقي لهم، لا يمكن أن نُقيم حُكماً إسلامياً صحيحاً بالنحو الذي نريد، وبدونه إمّا لا ننجح في أصل القضية، أو إذا نجحنا ننتكس، من دون هذا الحُب لا نملك تلك الدرجة من التشبّه والتخلق بأخلاق الأئمة (عليهم السلام)، الذي لابدّ منه في صيانة الثورة أن تنحرف عن مسارها الإلهي الحقيقي، وهذا بُعد آخر لطريقية محبّة أهل البيت (عليهم السلام).

والحمدُ لله رب العالمين

**********



المحاضرة الرابعة

١٤٠٣ هـ



بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ

قلنا: إنّ مبدأ مودّة أهل البيت (عليهم السلام) ومحبّتهم وموالاتهم، هذا المبدأ فيه جنبتان:

جنبة موضوعيّة، وجنبة طريقيّة، محبّة أهل البيت وتوليهم، بنفسها هدف وغاية؛ لأنّها محبّة لله سبحانه وفي الله، وبهذا سيكون كمالاً وهدفاً، وهذا الجانب هو البُعد الأول.

وحيث إنّ هذا المبدأ يقع طريقاً لهدف كبير ومهم كانت تستهدفه الرسالة من خلال وضع هذا المبدأ، كانت محبّة أهل البيت طريقة ووسيلة أيضاً وهذا هو البُعد الثاني، ومعرفة هذا البُعد الثاني في محبّة أهل البيت (عليهم السلام)، تتوقف على معرفة الدور الذي أُلقي على عاتق أهل البيت، والمسؤولية التي يتحمّلونها تجاه الرسالة الإسلامية، والهدف الذي صمّموا وخُلِقوا من أجل تحقيقه، فمسبقاً يجب أن نعرف ما هو هذا الدور؟ وأئمة أهل البيت من أجل ماذا جُعلوا وصُمِّموا أئمة؟

الدور الرسالي لأئمة أهل البيت (عليهم السلام)

في الواقع أية رسالة وأية عملية تغيير ربّاني للبشريّة، تتوقف إتمامها وتكميلها على أمرين أو مرحلتين:

الأولى: مرحلة تأسيس الرسالة، وصنع الأمة الرسالية، وإيجاد المجتمع المؤمن بالرسالة السماوية،


وهذه هي المرحلة الأولى ولنصطلح عليها (مرحلة التأسيس والتنزيل)، وهذه هي التي تقع مسؤوليتها على عاتق الأنبياء، فإنّ الأنبياء والرسل مسؤوليتهم والهدف الذي خُلِقوا من أجله، إنّما هو تأسيس أصل الرسالة وتنزيلها من السماء وإيصالها إلى الناس.

الثانية: بعد ما تأسّست الرسالة، يعني نَزَلت وشرّعت واكتملت في نفس أمرها، وأيضاً صنعت أمة على أساسها، وإن كان مجتمعاً بشريّاً صغيراً قام بهذه الرسالة المشرّعة.

بعد ذلك تأتي مرحلة أخطر وأكثر صعوبة من المرحلة الأولى، وهي المرحلة الثانية ولنصطلح عليها بمرحلة (صيانة الرسالة)، تلك كانت مرحلة التأسيس، وهذه صيانة الرسالة عن التحريف والتأويل، فإنّ الرسالة قد تُبتلى بعقبات وهزّات من قِبَل الشياطين، شياطين الجن والإنس فتتعرّض لأخطار فلا تبقى؛ فإنّ الرسالة وإن كانت قد أُسِّست، إلاّ أنّها في مرحلة البقاء تُحبط تلك الرسالة وتُعوّق مشاريعها وأهدافها في الحياة البشريّة وتنتهي، هنا تَبرز الحاجة إلى مرحلة الصيانة وهي المرحلة الثانية، وهي المسؤولية الملقاة على عاتق الأوصياء، فمسؤولية الأنبياء تأسيس الرسالة


أيديولوجياً وتأسيس الأمة تربويّاً، وهي المرحلة الأولى.

في مقابل ذلك توجد مسؤولية ثانية ومرحلة ثانية، هي مسؤولية الأوصياء وماذا تعني الوصاية؟ تعني حفظ وصيانة الرسالة التي أسّسها النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وشرّعها، وصيانة الأمة الرساليّة التي أوجدها النبي وربّاها، فإنّ كِلا الأمرين يحتاج إلى صيانة، والذي يقوم بهذه الصيانة هُم الأوصياء، الذين هم في نبوّة نبينا الأئمة (عليهم السلام)، من هنا نُفرِّق أنّ الإطار العام والخط العام للأئمة(عليهم السلام) هو هذه المسؤولية، وهذه هي الخطوة الثانية التي تُكمِّل مرحلة التأسيس، ومن هنا كان التعبير القرآني عن مبدأ وصاية الأئمة بأنّ في هذا كمال الدين:(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (١) .

إنّ المرحلة الأولى لو بقيت من دون الثانية، كانت مَعرضاً للخطر ولا يكتمل البناء؛ إنّما يكتمل البناء وهذا الصرح، عندما تكتمل وتتم المرحلتان، وتُحدّد المسؤوليتان، وتُشخّص مهام الذين لابد وأن يقوموا بالمسؤولية الثانية، هذا هو الإطار العام لفهم دور الأئمة.

إنّ الأئمة هم الذين أكملوا الدين، ومعناه: أي هم الذين قاموا بمسؤولية صيانة الرسالة والأمة الرساليّة التي أوجدها وخلّفها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، هذا هو الإطار العام لوضع الأئمة جميعاً، من الإمام علي (عليه السلام) إلى الإمام الحجّة (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)،

____________________

(١) المائدة: ٣.


وهذا هو المضمون والقاسم المشترَك في مواقف وأعمال وجهود الأئمة جميعاً، وما يُرى في المواقف الخاصة لهذا الإمام، أو ذاك من تفاوت عن مواقف الإمام الآخر، فإمامٌ يُصالح، وإمامٌ يثور وينهض، وإمام يُدرِّس، وآخر يدعو، وهكذا،...

هذه الاختلافات، اختلافات في السطح والمظهر والشكل، وفي الواقع لا ترجع إلى الفَرق فيما بينهم من ناحية هذا المبدأ، مبدأ الصيانة؛ لأنّ كل هؤلاء ومواقفهم كانت من أجل تحقيق هذا الغرض، إلاّ أنّ طبيعة الصيانة تختلف من ظرف إلى ظرف، من مكان إلى مكان، من طاغوت إلى طاغوت، من نوعية الخطر المُحدِث بالرسالة والتجربة الإسلامية إلى نوعية أخرى، وهذا الخطر لم يكن ذا صيغة ثابتة واحدة، بل له أشكال مختلفة ومتعددة؛ نتيجة تعدد الظروف والأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة، واختلاف صيغ المجابهة العقائديّة والاجتماعيّة، تعدد الطواغيت، وتعدد أساليب المجابهة، والتحدي، والتحريف، والذين كانوا يهدفون من خلالها إلى تحريف الرسالة برمّتها، ويقفوا حجر عَثرة أمام حركة واستمرار الرسالة، اختلاف هذه الخصوصيات كانت تستوجب موقفاً خاصاً لكل إمام، وكانت هي الأساس في اختلاف نوع المواجهة، والعمل، والموقف الذي اتخذه كل إمام،


لكنّ الجوهر واحد، المحتوى في كل هذه المواقف رغم اختلاف الشكل واحد، وهو: صيانة الرسالة، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أنّ الصيانة لها جنبتان، هناك صيانة للشريعة، وصيانة للأمة كواقع بشري مجسّد في الخارج، الصيانة التي هي مسؤولية الأوصياء، لابدّ معها لوصي الرسول أن:

أولاً: يحفظ الشريعة والرسالة الربّانية، من أن تُحرّف وتغيّر مفاهيمها وقيمها، وتُطمَس مَعالمها، وهذه صيانة للرسالة.

هذا النوع الأول من الصيانة، التي ترتبط بحفظ الشريعة الربّانية والرسالة الإلهية، كتعاليم، وديانة، وأحكام، وعقائد، ومفاهيم، وقيم، وأخلاق.

وثانياً: صيانة الأمة، فإنّ الرسالة لا يُطلب منها رسالة بذاتها فقط، أي مفاهيم متكاملة وناضجة ومُبرهنة وسليمة، بل الرسالة الكاملة السليمة المنسجمة مع الفطرة البشريّة، لابدّ أن تتجسّد في الخارج مع المجتمع في الحياة، وإلاّ تبقى بين الدفّتين فقط، لابدّ أن تكون هذه الرسالة رسالة حيّة، يعني أن يكون هناك مجتمع وأمّة تؤمن بهذه الرسالة، وتُجسِّد تعاليمها في واقعها الخارجي، هذه الرسالة المُجسِّدة أيضاً مُعرّضة للخطر، بل أخطار الرسالة المجسِّدة أكثر من الرسالة المجرّدة، الرسالة المجسِّدة في أمّة معينة، هي في الحقيقة تتعرّض للأخطار، والتشويهات، والانحرافات التي


تنشأ من الواقع الاجتماعي والواقع المجسِّد.

إذن، هناك في الحقيقة صيانتان، مسؤولية الصيانة ترجع إلى مِحورين:

المِحور الأول: مِحور نفس الرسالة، بأن تُصان من التحريف، كما في كثير من الرسالات الربّانية السابقة التي حُرِّفت، إذا استوضحنا الرسالة اليهودية مثلاً، لا نستطيع أن نجد أصول ومبادئ وأحكام وتشريعات هذه الرسالة، نجد أشياء مكتوبة في الكتب المنتسبة إلى الديانات، إلاّ أنّها مليئة بالتحريفات، والخرافات، والمبادئ الفاسدة، والمعتقدات السخيفة،... خصوصاً ما يرجع إلى التوراة، وبالذات أوصاف الله سبحانه وتعالى وعلاقته مع الأنبياء وعلاقة الأنبياء به، تجد هناك من التصورات ما يكون أسفل وأحقر من أسخف الفلسفات المُلحدة والماديّة، على الأقل في التيارات الملحدة يُنفى عالم ما وراء الطبيعة، ولا تتصور في ذلك من سخافات.

فهذه الرسالة لم تنجو من التحريف كرسالة، وأنت إذا أردت أن تأخذ تعاليم الشريعة، شريعة التوراة لا تجد أمامك هذه الرسالة محفوظة، وإنّما تجد شيئاً ممسوخاً اسمه الرسالة اليهودية، وواقعه يختلف عن تلك الرسالة السماوية.

هذه الصيانة الأولى، صيانة نفس الرسالة أن لا تُحرّف وتُغيّر تعاليمها، وتُبدّل قيمها ومفاهيمها إلى


قيم ومفاهيم أخرى، وتشريعات أخرى ظالمة وفاسدة وغير صحيحة، إلاّ أنّ هذا النحو من الصيانة لا يكفى لتربية الإنسان.

توجد هناك تعاليم لبعض الفلاسفة أو الحُكماء الآن، كتعاليم ربّما تكون صحيحة ومضبوطة ومحفوظة في كتبه من دون تحريف، إلاّ أنّ المحفوظ أفكار مجردّة، نظريات وحِكم مجردّة محفوظة بين دفّتي الكتاب، إلاّ أنّه لا تجد أفكار هذا الحكيم، أو أفكار أفلاطون مثلاً، مجسّدة في مجتمع واقعي، أو أمة واقعية تقوم بتطبيق التعاليم التي جاء بها أفلاطون أو سقراط....

إذن، فحفظ الرسالة كرسالة مجردّة لا يكفي وحده، بل لابدّ من أن تكون للصيانة محوراً ثانياً وهو:

المِحور الثاني: جانب حفظ الأمة، استطاع النبي والرسول أن يصنعها ويجسِّد فيها رسالته السماوية؛ فإنّ الرسالة والتشريعات والقيم الإلهيّة التي نزلت على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لم تنزل من أجل أن تكون نظريات وآراء وفلسفة، بل نزلت من أجل أن تكون واقع وحقيقة في الخارج، من أجل أن يُقيم الناس القسط والعدل الذي جاءت به الرسالة، فالهدف النهائي من وراء تشريع الرسالة بكل أبعادها المفهوميّة والتشريعيّة، إنّما هو أن تنتهي الرسالة إلى واقع حيّ، إلى أمة رسالية، هذه الأمة الرسالية خَلقها وصَنعها النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بقدرته الفائقة


الرائعة التي لا نظير لها في التاريخ البشري كلّه، استطاع أن يخلق ذلك من خلال تسلسل الوحي وكانت العمليتان معاً، إذ هو يصنع الأمة ويربّيها.

وأيضاً يأتي في كل مرحلة التشريع المناسب، تأتي الرسالة ويكتمل هذا الجزء، وذاك الجزء، والأجزاء الأخرى من الرسالة نظرياً وتطبيقاً، هذه الأمة التي صَنعها الرسول، وربّاها بجهوده ونفسه المؤثرة، رغم قصر الفترة الزمنية.

أيضاً استطاع أن يخلق من تلك الأمة الجاهلية أمة رائدة - ويصنع من ذلك المجتمع البدوي القاسي، المليء بالتناقضات والمشاكل ونقاط الضعف - خلال فترة زمنية وجيزة، أمة رائدة للبشريّة كلّها، أمة ذات قيم، ومُثُل وحضارة، خَلق منهم أُناساً في قمّة الوعي، والدين، والفكر، والروح الجهادية، والاستعداد للتضحية والشهادة، خَلق من هؤلاء الأعراب الجافين من العطاء خيرة البشريّة، هذه أمة رسالية صُنِعت على يد النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ونجح النبي في أداء دوره ومسؤوليته، والتي سمّيناها (مسؤولية تنزيل الرسالة وتأسيس الأمة الرسالية).

هذه الأمة التي هي رسالة مجسّدة في الحياة، هذه البشريّة لابد وأن تنحفظ، وليس أشخاصها ينحفظون، فإنّ المجتمع له وجود موحّد بقطع النظر عن أجزائه وأفراده، المجتمع يكون باقياً


كوحدة نوعية الأمة الإسلامية، الآن هي ذاتها تلك الأمة التي مضى عليها مائة عام، الأفراد يتبدلون، يموتون ويأتي آخرون، وهكذا يتبادلون، إلاّ أنّ الأمة كوجود معنوي كائن بذاته، كموجود وحداني ثابت، في نظريات علم الاجتماع، يقال:

إنّ المجتمع كمجتمع له وجود خاص، غير الأجزاء والأفراد، وله أحكام وأوصاف خاصة، المقصود عندما نقول الأمة الرسالية باقية، أنّها تنحفظ كأمة، وليست كأشخاص، أولئك الذين كانوا يمثلون الأمة الإسلامية في أيام الرسول كلهم قد رَحلوا، انتهوا، ولكن كأمة تبقى، كمجموعة قيم مجسّدة في الحياة سوف تبقى، كحرارة وطاقة رسالية تبقى، من خلال الوجودات الأخرى التي تأتي وتحتمل مراكز الوجودات الأولى بالتدريج وتبقى بشكل متناوب.

إذن، هذه الأمة، لابدّ وأن تصان من أن تنحرف وتحكمها الحضارات، والقيم، والأفكار الفاسدة، وتحكمها الأنظمة والشرائع المنحرفة.

إذن، فالأئمة الذين هم أوصياء الرسول، مسؤوليتهم مسؤولية صيانة الرسالة، وهذه الصيانة لها بُعدان وجانبان:

الجانب الأول: جانب صيانة نفس الرسالة، فتنحفظ من أن تُحرّف وأن تُطمس مَعالمها، وتُغيّر من شكل إلى شكل، من فلسفة إلى فلسفة أخرى، وهذه حفظ للشريعة والرسالة كرسالة مجردّة.

الجانب الثاني: جانب صيانة للأمة الرسالية، تُصان هذه الأمة من أن لا تتناولها أيدي الطامعين


والظالمين والطواغيت، فتُغيِّر من مجرى حركتها ومسارها التاريخي في الحياة، تجعل منها أمة ذليلة يسودها الظلم والعدوان والفساد، فهذه صيانة للأمة كأمة نوعية متميزة، هاتان الصيانتان هي مسؤولية الأوصياء والأئمة.

لماذا الاختلاف بين الأئمة في مواقفهم السياسيّة؟

عندما نجد فوارق في حياة إمام عن إمام ثاني، فهذا التمييز بين الصيانتين يُفسر لنا قسماً من هذه الفروق وجانباً منها، فإنّك مثلاً عندما تجد الإمام الباقر أو الصادق (عليهما السلام)، يهتمان ويتوجهان إلى تعليم الناس فقه الرسول، والأحكام الشرعية، والنظريات الإسلامية، يهتمان بذلك ويُكرِّسان جهودهما ووضعهما وحياتهما، بينما نجد الإمام الآخر، كأنّه ليس له شغل بالنظريات العلميّة والشرعيّة، وإنّما همّه الأكبر الجانب السياسي مثلاً والثورة،....

هذا الفرق بين الموقفين، بين دور هذا الإمام الظاهر في التاريخ ودور ذاك الإمام، أيضاً قد يكون راجعاً إلى هذه النقطة التي أشرنا إليها، أي أنّ الخطر الذي كان يهدّد الإسلام في زمن الإمام الباقر أو الإمام الصادق (عليهما السلام)، كان خطراً يهدّد تحريف الرسالة كرسالة؛ نتيجة الأفكار


والنظريات التي طُرِحت، والتي جرّها الحُكّام إلى العالم الإسلامي، وحاولوا من خلال تلك النظريات والأفكار التي كانت تخدم سلطتهم وحُكمهم، بلبلة الأحكام والنظريات والمعتقدات وتشويهها.

فحينئذٍ تجد أنّ الإمام الصادق والباقر (عليهما السلام)، قد أدركوا بأنّ الرسالة كرسالة هُدِّدت بالخطر فلابدّ من صيانتها كرسالة، الخطر توجّه إلى صميم الرسالة كمحتوى إلهي هادف، إذن توجّه الإمام إلى صيانة الرسالة من هذا الجانب.

بينما الإمام الآخر، الإمام الحسين (عليه السلام) مثلاً، الخطر بدأ بالجانب الثاني، الخطر يُهدّد الرسالة الحيّة المجسّدة، الخطر متوجه إلى الأمة الرسالية، وإنّ الطغاة بدأوا بتفتيت الأمة الرسالية وتذليلها وأخذ الحيويّة الرسالية منها ومسخها، أمة ذليلة طائعة لا تُفكر إلاّ في لقمة العيش، تخاف من كل سطوة، تلتزم وتطيع وتبايع أي شخص مهما كان هذا الشخص فاسقاً فاجراً، هذا تمييع للأمة، المفاهيم قد تكون واضحة؛ لأنّ الأئمة بين ظهرانّي المسلمين، والصحابة موجودون، والأحاديث كانت كتشريع وكرسالة مجردّة، محفوظة في زمن الإمام الحسين (عليه السلام)، فالخطر لم يكن متوجهاً ابتداءً في زمن الحسين للرسالة كرسالة، بل كان متوجهاً للأمة الرسالية كأمة.

من هنا تجد أنّ موقف الإمام الحسين (عليه السلام) قد اختلف، ذهب إلى إحياء الأمة الرسالية


وصيانتها من أن تموت وتنتهي.

نستطيع أن نُفسر قِسماً من الفوارق بين مواقف هذا الإمام وذاك الإمام على هذا الأساس، وكلا الموقفين هو في الواقع ذا محتوى واحد، وهو ما أشرنا إليه أي (الصيانة)، إلاّ أنّ الصيانة نفسها كما هي مجسّدة في مواقف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لها جنبتان - كما قلنا سابقاً -.

الآن وبشكل إجمالي، عرفنا أنّ الدور الذي يتحمّله الأوصياء عبارة عن: دور صيانة الرسالات وحفظها من أن تمسّها يد التحريف والهدم، إذا كان هذا هو الدور الذي من أجله خُطِّط لمبدأ الإمامة والوصاية بعد الرسول، حينئذٍ نفهم أنّ هذا المبدأ والهدف بحاجة إلى مقدّمة أساسيّة، وهذه المقدمة هي أنّ هؤلاء الذين يُراد منهم، وتريد السماء منهم أن يصونوا الرسالة ويحفظوها من الانحراف والهدم، لابدّ أن يكون لهم موقع ومنزلة خاصة بين هذه الأمة التي أسّسها النبي وأوجدها، هذا الموقع وهذه المنزلة تُمكنهم من أن يقوموا بهذا الدور.

ومن أهم الأسس في تحقيق هذا الهدف أن يكون هناك تعلّق قلبي، وحُب، ومودّة خاصة من قِبل الناس لا يشوبها أي شك؛ لأنّه مبدأ ثابت في أصل الشريعة، كأصل من أصول الرسالة، لذلك نجد النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يهتم اهتماماً أكيداً بالغاً، في أن يُكرِّس ويُرسِّخ فكرة محبّة أهل البيت (عليهم السلام) ومودّتهم في نفوس الأمة الإسلامية؛ لأنّه يعلم أنّه بهذا سوف يتمكن هؤلاء من أن يقوموا


بالدور الذي لابدّ أن يقوموا به، فتأكيد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على محبّة أهل البيت، في الواقع تخطيط وبداية من النبي والرسالة، بالإعداد لدور الوصاية لهؤلاء، النبي بدأ يُعِدّ الأمة وهؤلاء أن يكونوا حَفَظة هذا الدين، وأن يصونوه عن أي تحريفٍ، وهدمٍ، وطمسٍ لمعالمه، وأي تمييع للأمة الرسالية، فهذا إعداد وتمهيد لدور الصيانة التي لابدّ وأن يتحمّلها الوصي وهو الإمام.

فمسألة محبّة أهل البيت (عليهم السلام) ومودّتهم، بالإضافة إلى الجانب الأول الذي هو في نفسه حُب لله، وكمال الحُب لله هو التكامل في الإسلام، الإنسان يتكامل بالقرب إلى الله، الذي يعني قُرب القلب والتوجّه والذوبان، والاتصال الروحي والقلبي بالله، فحُب هؤلاء حيث إنّه حُب لله، في نفسه كمال وتكامل للإنسان، إلاّ أنّ هذا أحد الجانبين في فلسفة هذا المبدأ، وفي حكمة هذا المبدأ الأصيل.

والجانب الثاني، أنّ هذا المبدأ هو الذي كان يُعدّ هؤلاء في الأمة، أن يقوموا بدورهم الحقيقي وهو (دور الصيانة) فلولا تأكيد النبي، والقرآن، والنصوص التي لا يمكن أن يُشكّك فيها؛ لكثرتها وتضافرها على مبدأ محبّة أهل البيت ومودّتهم، لمَا ترسّخ هذا المبدأ في قلوب الناس، ولهذا لا تجدون في تاريخ الأئمة جميعاً في زمن أي واحد منهم - باستثناء مشكلة الخوارج المصطَنعة والمنتهية التي كانت مشكلة فنيّة ولم تكن واقعيّة - أي تشكيك في حقّانيّة الإمام من قِبل أي شخص،


حتى من الأعداء الذين كانوا يريدون أن يقتلوا الإمام، فَقتلة الحسين (عليه السلام) كانوا يعترفون أنّ الحسين كان ابن بنت رسول الله، والرسول أكّد على محبّته ومودّته، ولهذا قال الفرزدق للحسين (عليه السلام) في طريقه إلى العراق:

(قلوبهم معك وسيوفهم عليك)، إذن قلوبهم معك، ما الذي جَعل هؤلاء أن تكون قلوبهم معه مع أنّهم كانوا يريدون قتله؟ لأنّ سيوفهم كانت عليه أي: يريدون قتاله، ما هو العمل الذي أدّى إلى أن تكون قلوب القاتلين مع القتيل؟

الجواب: إنّ هذا كان من جرّاء هذا المبدأ، من جرّاء أنّ القرآن أكّد عليه، والنبي لم يدع فرصة ومناسبة إلاّ استغلها في سبيل ترسيخ هذا المبدأ وهو (محبّة أهل البيت)، كان النبي على عظمته يتبرّك بالحسين (عليه السلام)، وهو طفل صغير ويُصدِر في حقّه البيانات الفخمة، بحيث الإنسان الذي لا يعرف خلفيّة المسألة يستغرب، هذا النبي - الذي هو نبي البشريّة، خاتم الأنبياء جميعاً - كيف لا يتمالك نفسه أمام طفل من أطفاله؟

هذه المواقف كانت لها أبعادها، ومدلولاتها، ونتائجها في حياة المسلمين، أنّ أحداً لا يمكن أن يشك في أنّه لابدّ أن يوالي هؤلاء - بقطع النظر عن الجانب الحقيقي الموجود فيهم من الكمال المطلق - فإنّ المثالية التي لا يوجد نظير لها لأي فردٍ من المسلمين، وهي موجودة في كل


جانب من جوانب الفضيلة في هؤلاء، لا تكفي وحدها، كثيرٌ في العالَم كانوا عند الله من أكمل الناس، إلاّ أنّه لم يعرفهم أحد في التاريخ، ولم يكن لهم دور فيه، هذا كامل معصوم أريد له موقع اجتماعي خاص، وكُلِّف بعملية تغييريّة خاصة، صيانة الأمة بالنحو الذي بيّناه، فإذا كان معّداً لمثل هذه المهمة، فلا يكفي أن يكون واقعاً وثبوتاً إنساناً كاملاً ومعصوماً، بل هذه العصمة الثبوتية لابدّ أن تكون إثباتية أيضاً، بحيث تنعكس على الناس، بل لا يكفي الانعكاس لابدّ أن يكون له أرضية، ورصيد قلبي عند الناس أيضاً، وهي المحبّة والوَلاء والمودّة لهؤلاء.

هذه المحبّة إذن، كانت حَجر الأساس لجعل هؤلاء يستطيعون أن يقوموا بدورهم الحقيقي في صيانة التجربة الإسلامية في المجالين، كلٌ بحسب ظروفه وخصوصياته. إذن، فمبدأ محبّة آل البيت (عليهم السلام) هو بنفسه هدف وغاية، وفي نفس الوقت طريقة ووسيلة وخط، يحفظ الدور الذي كُلِّف هؤلاء بأدائه، وهو دور صيانة الرسالة الإسلامية، انتهينا من الجانب الطريقي من هذا المبدأ، وننتقل إلى موضوع آخر، وهو موضوع الدور الذي قام به الإمام الحسين (عليه السلام).

الإمام الحسين (عليه السلام) وقضيته، لابدّ أن نفهمها، الإطار العام لعمل ودور الأئمة هو:


إطار الصيانة، وحفظ الرسالة في الجانبين عن الانحراف والتغيير والهدم، إلاّ أنّ هذا الإطار العام سوف لن نخرج عنه، دائماً نجد هذا الإطار في موقف كل إمام من الأئمة، ولا يمكن أن نخرج عنه في تفسير حياة هذا الإمام أو ذاك، نريد أن نفهم طبيعة الإطار في ومن الإمام الحسين (عليه السلام)، وهذه الصيانة كيف وقعت، وما هو الخطر الذي كان مُحدِقاً بالرسالة، أو بالأمة الرسالية، وكيف خطّط الإمام الحسين لدرئ هذا الخطر المُحدِق بالرسالة والأمة الرسالية، وكيف كان تخطيطه أنجح وأروع تخطيط؟ في الوقت الذي كان أكمل تخطيط للبشريّة؛ لأنّه يحمل قيمة ذاتية كبرى، لا يقابلها أية قيمة بشريّة في علاقة الإنسان بربّه ورسالته.

**************


المُحاضرة الخامسة

١٤٠٣ هـ



بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ

انتهينا بالأمس إلى هذه النقطة، وهي أنّ رسالة الأنبياء والرسل ومسؤوليتهم هي تأسيس الشريعة وصنع الأمة الرساليّة الربانيّة، ومسؤولية الأوصياء والأئمة صيانة الأمة الرساليّة، وصيانة الرسالة المؤسّسة، وقلنا: إنّ هذا الإطار العام لفهمنا وإدراكنا لموقف الأوصياء والأئمة، فالأئمة، هم المسؤولون عن مسألة الصيانة، وقلنا أيضاً إنّ مسألة الصيانة يكون لها مجالان:

المجال الأول: هو صيانة نفس الرسالة من التحريف والتشويه والتغيّر في قيمها وأحكامها، كما وقع لكثير من الرسالات قبل الإسلام.

المجال الثاني: هو أهم وأخطر وأصعب من ذلك، وهو صيانة الأمة الرساليّة من التميّع والتذلّل والتحوّل والانحراف،.. ولا تحكمها الرسالة، بل تحكمها أفكار ومفاهيم فاسدة غير صالحة، هذا أيضاً المجال الثاني لمسألة الصيانة.

الدور المشترَك لجميع أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، كان عبارة عن كيفيّة صيانة الرسالة كرسالة من التحريف، وكيفيّة المحافظة على روح الإسلام في الأمة، تلك الروح التي خَلقها وربّاها وأسّسها


النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في هذه الأمة، كيف يحافظوا على تلك الروح، وكيف يحفظوا الإسلام المجسّد في الواقع الخارجي الحيّ لكي يُبقوه خالداً باقياً مع الناس، وتبقى الأمة الرسالية باقية وخالدة في عمود الزمان.

هذا هو القاسِم المشترَك بين مواقف وأدوار الأئمة جميعاً، والتغيرات التي نحن نجدها في مواقف هذا الإمام، أو ذاك قلنا: إنّها ترجع إلى اختلاف الظروف التي كان يمرّ بها كل واحد من الأئمة، هذه الظروف تختلف من زمن إمام إلى زمن إمام آخر، وطبيعة الخطر المُحدِق بالرسالة والأمة الرساليّة في زمن هذا الإمام، تختلف عن طبيعة الخطر المُحدِق في زمن الإمام الآخر، اختلاف هذه الأخطار ونوعيتها وشكلها، كانت تقتضي أيضاً اختلافاً في شكل الحلول والصيانة التي تتحمّل عبؤها ومسؤوليتها الإمامة.

فاختلفت المواقف في زمن هذا الإمام عن المواقف في زمن ذاك الإمام، ثار أحد الإمامين وصالح الإمام الآخر، اهتم بالجانب الفكري والتشريعي بالرسالة هذا الإمام، واهتم بالجانب السياسي، والمعارَضة، والجهاد، والقيام في وجه الظالمين الإمام الآخر، هذا هو الإطار العام الذي نفهم من خلاله حياة أئمتنا (عليهم السلام)، وقلنا من خلال هذا الإطار ندخل في تحليل ثورة الحسين


(عليه السلام)، ونستوعب موقفه، وماذا كان يقصد من ثورته، وكيف صان الرسالة الإسلامية في زمن إمامته عن الأخطار المُحدِقة بهذه الرسالة، وما هي أبعاد الصيانة وخصوصياتها؟ هذا هو البحث الذي لابدّ وأن ندخل فيه.

أبعاد صيانة الرسالة في حياة كل إمام.

قبل الدخول في هذا البحث نُمهِّد ونتكلم في بعض المقدمات:

المقدّمة الأولى: سلوك الأئمة كأقوالهم حُجة على الناس.

إنّ أئمتنا (عليهم السلام) من الناحية العقائدية، نعتقد أنّ أفعالهم، وأعمالهم، وسلوكهم، كأقوالهم حُجة على العباد، لا تختلف درجة اعتبار عمل الإمام عن قول الإمام، بل درجة حجيّته واعتباره كحجيّة واعتبار كلامه وقوله، إذن، فعندما نبحث وندرس تحليل مواقف هذا الإمام أو ذاك الإمام، لا نقصد من ذلك، أنّنا نريد أن نُصحِّح فعل الإمام، ونوجِّه ونبرِّر على أساسه صحة ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) مثلاً، وصُلح الحسن (عليه السلام)، وصحة دعاء الإمام السجّاد (عليه السلام)، لا نريد أن نعطي بهذه الأبحاث التوجيهات والتصحيحات لمواقف الأئمة (عليه السلام)، بل مواقفهم وأعمالهم حُجة، سواء فهمناها


وأدركناها ووعينا أهدافها، أو لم ندرك هذه المواقف والأعمال؛ لأنّ السلوك الصادر من الإمام، سلوك صادر من معصوم، وسلوك المعصوم، وعمله، وتقريره، كلّها حُجة وسنّة، يُحتج بها في مقام الاعتبار والموقف الشرعي الصحيح.

إذن، نحن لا نريد ولا ينبغي أن نريد بمثل هذه الأبحاث، والتعليلات التاريخية لموقف أئمتنا (عليهم السلام)، أن نُعطي توجيهاً وتصحيحاً - أعوذ بالله - لمواقفهم وأعمالهم، عملهم هو الحُجة لنا، هو عين الصحة ومدارها، كما أنّ أقوالهم هي المدار والميزان، وهي التي تبيّن وتفرّق الحق من الباطل، كذلك أعمالهم، ومواقفهم، وسلوكهم الاجتماعي.

هذه المواقف والأعمال، كلّها هي مقياس للفصل بين الحق والباطل، وهي مقياس الحق، فليس هذا البحث لذلك؛ بل من أجل أن نستفيد ولنتعمّق في فهم أدوار وحُكم هذه المواقف، نظير ما نفعله بالنسبة إلى بعض التشريعات والأنظمة الإسلامية، مثل: نظام الاقتصاد، أو نظام المِلكية في الإسلام.

من أجل أن نفهم حِكمة هذا النظام، وهذه المفردة من مفردات النظام الاقتصادي، ونبيّن أنّ فكرة مِلكيّة الدولة في الإسلام، هذه ما هي حُكمها، وما هي الأغراض والأهداف الاقتصادية من ورائها؟ من أجل استيضاح الخلفيّة الموجودة من وراء هذا التشريع، فهناك تشريعات إسلامية نحن


بعض الأوقات، أو في بعض المجالات، نضطر إلى شرح خلفيتها وحِكمتها وآثارها،... هنا أيضاً بنفس الروح والنفس، نعالج دراستنا وبحثنا عن مواقف الأئمة (عليهم السلام)، فإذن، نحن نريد أن نستفيد في تلقّينا لهذه المواقف الصادرة من المعصوم، بمقدار ما نتمكن من معرفتها، وإذا لم نتمكن في موقف معيّن التعرف على كل أبعاد الحِكمة المخبوءة من وراء ذلك الموقف، هذا لا يعني أنّنا لا نجد ذاك الموقف موقفاً صحيحاً، بل الموقف هو الصحيح، ولكن عقولنا لم تصل إلى إدراك أبعاده، هذا هو المنهج الصحيح، الذي على أساسه لابدّ وأن تقوم كل الدراسات عن مواقفهم وأعمالهم وسلوكهم.

ولكن نحن في نفس الوقت، نعتقد أنّ هذه المواقف التي وقفها الأئمة لم تكن مواقف ارتجالية - والعياذ بالله - كما نعتقد بأنّ أحكام الشريعة لها حِكم ومصالح، وأنّ الله لم يُصدرها أحكاماً بدون مِلاكات، وكل حُكم من الأحكام الإلهية له مِلاكات وراءها، ربّما تغفل البشريّة عن إدراكها في مورد أو موردين، إلاّ أنّها بالتدريج خصوصاً عندما تُطبّق الشريعة كاملةً، تستطيع أن تتعرف على الحُكم من وراء التشريع.

 كذلك نحن نعتقد أنّ مواقف الأئمة، لم تكن مرتجَلة وغير هادفة،....بل كانت مواقف هادفة


خصوصاً في الوضع الاجتماعي، المواقف والأدوار الاجتماعية التي قام بها الأئمة، كانت كلّها مواقف هادفة؛ يستهدفون من وراءها هدفاً معيناً، وتحقيق ما يمكن تحقيقه من فكرة الصيانة بالشكل المتناسب والمنسجم مع ظروف وطبيعة واقع الإمام المعاصر.

إذن، فالإيمان والاعتقاد بحجيّة أعمال الأئمة ومواقفهم كأقوالهم، هذا الإيمان كما يمنعنا من التحليل والتفسير التبريري لمواقفهم، كذلك لا ينبغي أن يجعلنا هذا المبدأ، أن نفهم المواقف، والأدوار، والسلوك الفردي الذي قام به الإمام المعين كسلوك مرتجل، وغير هادف، وليس من ورائه أي غاية ونتيجة كان يقصدها الإمام، بل في نفس الوقت الذي نعتقد بأنّ أعمالهم كلّها حُجة وصحيحة - بل هي عين الصحة والصواب - نعتقد أنّ هذه الأعمال، وهذه المواقف، كانت من ورائها أهداف، وكانت طريقاً إلى حفظ الإسلام وصيانة الأمة الرساليّة، وأنّها لم تكن مواقف بلا أهداف، أو لم تكن مواقف ناتجة من حالات خاصة وأمزِجَة شخصيّة، من موقع قلبي، أو عاطفي، أو اجتماعي معين، هذه القضايا كلّها لا يمكن القبول والمساعدة على شيء منها، بل كانت هذه المواقف جميعها في سبيل وفي طريق هدف الصيانة.


من خلال هذه المقدّمة، نحن نريد أن نصل إلى هذه النتيجة: أنّ مواقف الأئمة وأدوارهم موجّهة على كل حال، ونحن لا نريد أن نعطيها توجيهاً، وأنّها في نفس الوقت مواقف هادفة، من ورائها حِكم وأهداف كان الأئمة يُخططون للوصول إليها، خصوصاً في الحقل الاجتماعي في عملية التغيّر الاجتماعي، والقيادة الاجتماعية التي كانوا مُكلّفين بها.

ونحن في هذه الدراسات، والتحليلات، والتعليلات لمواقفهم وأدوارهم، أو لسائر الأدوار التي قام بها الأئمة، نريد أن نستزيد فهماً لهذه الحِكم الموجودة وراء هذه الأعمال الصادرة من هؤلاء المعصومين؛ لنستفيد ونهتدي بتلك الحِكم في منهجنا، وننتهج سلوكاً يحفظ نفس الأهداف التي خطّطوا لها، واستهدفوها من وراء تلك المواقف.

المقدّمة الثانية: فقدان البحوث التحليلية لتاريخ أئمتنا (عليهم السلام).

إنّ التحليلات والبحوث التاريخية عن حياة أهل البيت والأئمة (عليهم السلام)، بحوثٌ فيها كثير من نقاط الضعف والفراغ.

هذه البحوث الموجودة في كتب التاريخ التي يطالعها الإنسان، عندما يراجع كتب التأريخ والسيَر، غالباً ما تقتصر على سرد الأحداث التاريخية، أو سرد جملة من الأحداث والوقائع التي حدثت


في زمن هذا الإمام أو ذاك الإمام، أو سرد المناقب الخاصة لهذا الإمام أو لذاك، طبيعة هذا السرد، طبيعة نقل الحادثة والواقعة كمجرّد تاريخ، نقل حادثة تاريخية مجردّة، أي نقل شيء مبهم، لا يعطي معنى ايجابي حي، فنقل تلك الحادثة، أو ذاك الموقف، أو هذه المنقبة التي حدثت في زمن هذا الإمام، لا يفيد في توضيح خلفيّة هذا الحادث وايجابياته ومُعطياته، هذه الحادثة وقعت لماذا؟ هذا الموقف صدر لأي هدفٍ من الإمام؟

النقل التاريخي لا يبيّن هذه النقطة، لا يتكفّل إلاّ بنقل الصورة التي وقعت، النيّة الموجودة من ورائها في أغلب الأحيان لا تصل إليها نظارة النقل التاريخي، هذه بحاجة إلى طبيعة أخرى من البحث، وهو ما يسمّى بـ(التحليل التاريخي)، كذلك بحاجة إلى جمع مفردات، وشواهد عديدة. وإيجاد ترابط بين هذه الأحداث التاريخية، واستكشاف الأهداف والخلفيّات من مجموعة هذه الأحداث، من خلال جمع أحداث تاريخية وتنظيمها في نسق واحد؛ لتكون دلالة فاعلة تستوضح لنا الأهداف، والغايات المرتقبة من خلال مواقف أئمتنا، فهناك مجرّد عملية نقل تاريخي وهو (التاريخ)، وهناك تحليل للتاريخ، والذي يعني: استكشاف الخلفيات والنوايا، وإيجاد الترابط بين


هذا الحدث أو ذاك الحدث.

من خلال هذا الموقف أو ذاك الموقف، نستطيع إخراج صورة متكاملة وفيها الأسس والنتائج والأسباب والعِلل، هذه الناحية من الدراسة التاريخية غير موجودة في كتب التاريخ، التي تقتصر عادة على النقل التاريخي ومجرّد تاريخ الحادثة وذكرها، إضافةً إلى أنّ هذه النقول التاريخية:

أولاً: ليست مضبوطة مائة بالمائة، فيها الكثير من التغيّر والتلاعب والاشتباه، أو الدس والتزوير.وثانياً: ليست مستوعِبة لكل المفردات التي صدرت من هذا الإمام، أو ذاك الإمام، وليس تمام ما صدر في حياة هذا الإمام أو ذاك، هناك فترات من حياة الأئمة، أصلاً لا نملك في كتب التاريخ أي خبر عنها، وضع الإمام المعيّن في فترة معيّنة من التاريخ، وماذا كان سلوكه وديدنه لا يوجد شيء عنه، مسكوت في كتب التاريخ.

وثالثاً: ظروف الأئمة (عليهم السلام) حيث كانت مُبتلات من حيث المواجهة، وحالة المراقَبة من قِبَل الطواغيت والسلطات الظالمة كانت ظروف تقية، فإنّ ظروف التقية كانت كثيراً ما تجعل القضايا الأساسية، وكثير من الحلقات - التي تستطيع أن تُفسر وتَشرح لنا الخريطة الكاملة لهدف الإمام - مستورة تحت ستار التقية؛ لأنّ الإمام غير مستعد أن يُبرز تلك الحلقات، والمواقف،


والخصوصيات لكل أحد، كانت تبقى مستورة حسب الظروف الصعبة والشديدة التي كانوا يمرون بها، وهذا أيضاً يجعل هناك نقطة فراغ أخرى وأكبر مما سجّله التاريخ عن حياة أئمتنا (عليهم السلام)، فهناك قضايا كثيرة نحن لا نعلم أنّها كانت قضايا تصدر من الأئمة، لكن بحاجة إلى حلقات مفقودة، التي هي في كتب التاريخ - على الأقل - مفقودة قد يستكشفها الباحث التاريخي استكشافاً بالحدس يحدسه، أو على أساس عقيدة خاصة.

إذن، هذه نقطة فراغ ثالثة موجودة في الكتب التاريخية، وما تسجّله لنا عن حياة أئمتنا (عليهم السلام).

ورابعاً: وهي لا تقل أهمية عن النقاط السابقة، فهي نقطة مهمة لفهم الخريطة التي كان يخطط لها هذا الإمام أو ذاك الإمام، فِهمها بالشكل الكامل - في نظري - تتوقف على أن يكون الإنسان له خلفيّة صحيحة، وله تلقي صحيح للإمام، ومعنى الإمام، وموقعه في الأمة بحيث الأشخاص والفِرَق الذين لا يعرفون الإمام ومعنى إمامته حق المعرفة، ولا يعرفون موقع الأئمة من الرسالة


وموقعهم الرسالي، قد لا يستطيعون أن يفهموا جملة من النوايا، والتخطيطات، والأهداف التي كان يقصدها الإمام.

في نظري أنّ هذه النقطة، هي السبب في أنّ الباحثين الجدّد، الذين قد طرقوا هذا اللون من البحوث التحليلية لا النقلية، حيث إنّها بدأت منذ فترة في العالم، وأيضاً تسرّبت إلى عالَم المسلمين، إلى المكتبات الإسلامية والثقافة الإسلامية، حيث توجد دراسات حديثة عن حياة الأئمة، أو تاريخ بعضهم بشكل تحليلي، يحاولون خلالها أن يحلِّلوا ويستوضحوا ثورة الحسين(عليه السلام)، يبيّنوا أهدافها، وأسبابها، وعِللها، ونتائجها، خصوصاً البحوث الاستشراقية منها، حيث إنّ الطبيعة الجديدة للبحث العلمي التاريخي، بدأ باستثناء مقدمة ابن خلدون، يقولون: إنّه أيضاً فيه هذا الجانب، حيث هناك دعوى أنّ هذه المقدّمة تتميّز عن سائر الكتب التاريخية، في أنّها تحليلية، وأنّ ابن خلدون أوّل مَن استعمل هذا الأسلوب العلمي والتاريخي في دراسة التاريخ، إلاّ أنّ شيوع هذا النحو من الدراسة التاريخية بدأ في الغرب أولاً، ثم انتقل إلى عالَم المسلمين، فهناك دراسات للمستشرقين أو للمفكّرين المسلمين أنفسهم، دراسات لبعض الأئمة لثورة الحسين (عليه السلام) على الخصوص، هذه دراسات بحسب منهجيتها منهجية تحليليّة، لا سرديّة، لا تقتصر على سَرد التاريخ وتبدأ بتحليله، إلاّ أنّنا


نجد الباحثين في هذه الدراسات، لم يكونوا على اطلاع وإيمان بمبدأ الولاية ومعناها ومعنى الإمام، لم يكونوا على اطلاع بتراث أهل البيت (عليهم السلام)، ولم يكونوا متربّين في مدرستهم.

في كثير من الموارد، بل في كثير من الأحيان يخطأون في تحليلهم، ويحاولون أن يربطوا قصة الحسين (عليه السلام) بعِلل شخصيّة مثلاً: أنّه امتداد لصراع بين هاشم وبين أميّة،.. أو يُفسرون ثورته بِعلل مزاجية، أنّ الإمام الحسين كان مِزاجه مزاجاً خاصاً، وهكذا في طبيعة تحليلاتهم، حيث إنّهم لا يؤمنون بالعقيدة الخاصة في حقل الأئمة، وأيضاً لم يتربّوا في مدرستهم، فلا يستطيعوا أن يُعطوا التفسير الصحيح لموقف هذا الإمام، أو ذاك الإمام.

إذن، إعطاء التفسير الصحيح والمعمّق لمواقف الأئمة، لابدّ وأن يكون الشخص الباحث لا فقط على تماس وصِلة بمعتقدات الإمامية، بل من الأشخاص الذين لهم اطلاع حقيقي، وتربية حقيقيّة بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وتراثهم.

من خلال هذه المدرسة، وتراثها، ومبادئها، وقيمها، ومفاهيمها،.... يستطيع الإنسان أن يُعطي التفسير الصحيح، وإلاّ يتخبّط كما تخبّط هؤلاء في محاولاتهم لتفسير مواقف أئمة أهل البيت،


كفشلهم في تقييم الثورة الحسينية المباركة، فهذه لا تصدر من إنسان اعتيادي، عن ناس غير كاملين أصلاً، وغير متربّين تربية رسالية كاملة، فضلاً من أن يكون إنساناً معصوماً مثل: الحسين (عليه السلام).

إذن، في هذه النقطة، نحن نؤكد على أهمية التحليل التاريخي، والدراسة التحليلية لمواقف الأئمة، والدراسة التي تحاول أن تكشف خلفيّات، وأبعاد، وأهداف حركة هذا الإمام وتحرّك ذاك الإمام، في نفس الوقت ينبغي أن نعلم، أنّ هذا التحليل ما يضمن لنا أن يكون صحيحاً هو: أن نكون على قرب من مدرسة آل البيت (عليهم السلام)، على أن نستخلص ونستخرج هذا التفسير من خلال المفاهيم التي وضعوها هُم، والأمور التي بيّنوها أيضاً، ولا نقتصر على الاستفادة ممّا تُسجّله الكتب التاريخية العامّة، من الوقائع، والأهداف المطلوب جمع المفردات التاريخية وصياغتها صياغة حيّة؛ لاستخراج التحليل التاريخي الفعّال، أو التفسير التاريخي المعطاء لموقف الإمام الحسين (عليه السلام) الثائر، أو لصلح الإمام الحسن (عليه السلام) الواقي.

المقدّمة الثالثة: ثورة الحسين (عليه السلام) مدرسة متكاملة

إنّ الحسين (عليه السلام) - وموقفه، أو ثورته فيها جوانب كثيرة - في الواقع مدرسة كاملة، الإنسان من خلال دراسته لهذه الثورة، يمكنه أن يطّلع على أكثر قيم، ومُثل الرسالة الإسلامية مجسّدة في أعمال هذا الثائر الإلهي، وأعمال أصحابه ومواقفهم، الثورة أجلّ وأعظم من أن


تحيطها الألباب، أو الوقائع والتحليلات، الرسالة كلّها مجسّدة فيها، بكل قِيمها ومبادئها، وإذا أراد أحد أن يشرح ما فيها من الحِكم والدِلالات، وما كانت لها من النتائج، يستطيع أن يستخلص من هذه الثورة كل المبادئ الخيّرة، والمفاهيم الإسلامية المُعطاءة، لأنّها كلّها كانت موجودة في الإمام المعصوم وأصحابه، كلّها كانت موجودة في تفاصيل ثورته، وجزئيات حركته، وهذه سوف تكون مسألة كبيرة وواسعة، ونحن لا نستطيع أن نؤدّي ونتحمل عِبء هذه المسألة بهذا الشكل، هذا معناه أنّه نستخلص الرسالة الإسلامية كلّها من خلال ثورة الحسين (عليه السلام)؛ لأنّ هذه الثورة المباركة والمقدّسة، لها هذا العمق وفيها هذا المقدار من العطاء، ولهذا قال النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم):«حسين مني وأنا من حسين» .

واقعاً ثورة الحسين (عليه السلام) فيها كل محمد ورسالته (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، إلاّ أنّنا سوف نقتصر في البحث على جانب ضئيل بضآلة أنفسنا، وإدراكنا، ومفهومنا، وقصورنا، على جانب فقط من جوانب الثورة المباركة، وهذا الجانب هو (الجانب الاجتماعي السياسي)، نريد أن نبحث عن أنّ هذه العملية الضخمة التي قام بها الحسين (عليه السلام)، من الناحية العمليّة والسياسيّة، ماذا كان يستهدف الإمام من ورائها سياسيّاً واجتماعيّاً؟


قلنا: إنّ أعمالهم ومواقفهم هادفة، فهذه الثورة كان لها هدف من نظر الإمام الحسين (عليه السلام)، ما هو هذا الهدف الاجتماعي والسياسي الذي كان يستهدفه؟ نحن نحاول أن نقتصر في حديثنا على هذه النقطة، وهذا الجزء من أجزاء مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام).

والحمدُ لله رب العالمين


الفهرس

المُحاضرة الأُولى. ٤

١٤٠٣ هـ ٤

المُحاضَرة الثانية ٢٣

١٤٠٣ هـ ٢٣

مُعطَيات آية المودّة ٣٤

موقع الرموز البشريّة في التربية الربّانيّة ٣٧

المُحاضَرة الثالثة ٤٥

١٤٠٣ هـ ٤٥

مبدأ المودّة لأهل البيت هدف ووسيلة ٤٧

منهج الأنبياء في تربية الإنسان. ٤٩

إقامة العدل في الأرض بحاجة إلى رسالة صحيحة وقدوة صالحة ٥٦

العنصر الأول: ٥٦

العنصر الثاني: ٥٦

المحاضرة الرابعة ٦٧

١٤٠٣ هـ ٦٧

الدور الرسالي لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) ٦٩

الأولى: ٦٩

الثانية: ٧٠

لماذا الاختلاف بين الأئمة في مواقفهم السياسيّة؟ ٧٨

المُحاضرة الخامسة ٨٥

١٤٠٣ هـ ٨٥

أبعاد صيانة الرسالة في حياة كل إمام. ٨٩

المقدّمة الأولى: سلوك الأئمة كأقوالهم حُجة على الناس. ٨٩

المقدّمة الثانية: فقدان البحوث التحليلية لتاريخ أئمتنا (عليهم السلام). ٩٣

المقدّمة الثالثة: ثورة الحسين (عليه السلام) مدرسة متكاملة ٩٩