مقدمات في التفسير الموضوعي للقرآن
التجميع تفسير القرآن
الکاتب السيد محمد باقر الصدر
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

مُقدّمَاتٌ في التفسير الموضوعي للقرآن

السيد محمد باقر الصدر



مقدمة الناشر

( السيد محمد باقر الصدر ) التعريف عنه يبقى موجَزاً مهما طال وتشعّب، وما قدّمه للفكر الإنساني عامّةً والإسلامي بوجهٍ خاص، يُغني عن أيِّ تعريف.

فمِن كتاباته ( البنك اللاربوي في الإسلام ) إلى كتاب ( فلسفتنا ) إلى كتاب ( اقتصادنا ) ثم (الأُسس المنطقيّة للاستقراء) إضافةً إلى العديد من كتاباته الأُخرى، التي أصبحتْ مرجِعاً فلسفيّاً يَعتمد عليه أساتذةُ الفلسفة الحديثة على اختلاف اتجاهاتها.

حتى اعتُبِر ( مجدِّداً ) بحقٍّ، ولم تكن جهودُه هذه كلَّ همّه، فكانتْ جنباً إلى جنبٍ مع مساعيه، من دروسٍ ومحاضراتٍ يُلقيها على طَلَبَة العلوم الدينيّة في النجف الأشرف.

فكان بحدِّ ذاته، مدرسةً يُعتمد عليها في مُختلَف العلوم.

وهذا الكتاب الذي بين يديك أخي القارئ:

( مقدمات في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم )

يُمثّل محاضراتٍ ألقاها سماحته، متوِّجاً فيها أعمالَه باتجاهٍ تجديدي، يكون مُكمِّلاً لجهود المفسِّرين بإضافته الاتجاه الموضوعي في التفسير إلى الاتجاه التجزيئي، ولِيَكون بذلك إثباتاً فِعليّاً وعصريّاً لمقولة: (الإسلام نظام شامل وكامل للحياة).

وقد قام بعض الأفاضل من تلامذته بمراجعة هذه الدروس وتحقيقها؛ لتكون على شكل كتاب، فجزاه الله وإيّاهم عن الإسلام أفضل الجزاء.

الناشر



تقديم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

وأفضل الصلوات على سيد الخلق محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

ربّنا فقِّهْنا في كتابك، واكشف عن قلوبنا ظلمات الذنوب؛ لكي نتفهّم آياتك، وأزح عن بصائرنا غشاوة الدنيا وبريقها الكاذب؛ لكي تملأَ قلوبنا بِهُداك، واجعلنا من حَمَلَةِ قرآنك، وسُنّة نبيِّك، والسائرين على طريق طاعتك...

ربّنا اتمِم لنا نورَنا، واغفر لنا، إنّك على كلّ شيءٍ قديرٍ، ربّنا لا تؤاخذنا إنْ نسينا أو أخطأنا، ربّنا ولا تَحمل علينا إصراً كما حملْته على الذين من قَبلنا، ربّنا ولا تحمِّلنا ما لا طاقةَ لنا به، واعف عنّا، واغفر لنا، وانصرنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.


ربّنا واغفر لنا ولإخواننا الذين سَبَقونا للإيمان، ولا تَجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين كفروا، ربّنا إنّك رؤوف رحيم.


الدرس الأوّل:

لا شكّ في تنوّع التفسير، واختلاف مذاهبه، وتعدُّد مدارسه، والتباين في كثيرٍ من الأحيان بين اهتماماته واتجاهاته.

* فهناك التفسير الذي يَهتمّ بالجانب اللفظي والأدبي والبلاغي من النصّ القرآني.

* وهناك التفسير الذي يهتمّ بجانب المحتوى والمعنى والمضمون.

* وهناك التفسير الذي يركّز على الحديث ويفسّر النص القرآني بالمأثور عن الرسول وأهل بيته (عليهم السلام) أو بالمأثور عن الصحابة والتابعين.

* وهناك التفسير الذي يَعتمد العقلَ - أيضاً - كأساس من أُسُس التفسير، وفهم كتاب الله سبحانه وتعالى.

* وهناك التفسير المتميِّز الذي يَتّخِذ مواقفَ مذهبيّة مُسبَقة، ويحاول أنْ يطبّق النص القرآني على أساسها.

* وهناك التفسير غير المتحيِّز، الذي يحاول أنْ يَستنْطِق النصَّ القرآني، ويطبّق الرأي على القرآن، لا القرآن على الرأي. وإلى غير ذلك من الاتجاهات المختلِفة في التفسير الإسلامي.

إلاّ أنّ الذي يهمّنا - ونحن على أبواب هذه الدراسة القرآنية - أنْ نركّز على إبراز اتجاهين رئيسيَّين لحركة التفسير في الفكر


الإسلامي، ونطلق على أحدهما اسم:

( الاتجاه التجزيئي في التفسير ).

وعلى الآخر اسم:

( الاتجاه التوحيدي أو الموضوعي في التفسير ).

الاتجاه الأوّل:

الاتّجاه التجزيئي، المنهجُ الذي يتناول المفسِّرُ - ضمن إطاره القرآن الكريم - آيةً فآيةً، وِفقاً لتسلسل تدوين الآيات في المصحف الشريف.

والمفسّر في نطاق هذا المَنهج يسير مع المِصْحَف، ويفسّر قطعاته تدريجيّاً، بما يؤمن به مِن أدواتٍ ووسائلَ للتفسير، من الظهور أو المأثور من الأحاديث أو العقل أو الآيات الأُخرى، التي تشترك مع تلك الآية في مصطلحٍ أو مفهومٍ بالقَدر الذي يُلقي ضوءً على مدلول القِطعة القرآنيّة، التي يُراد تفسيرها، مع أَخذ السياق الذي وُضِعتْ تلك القطعة ضِمنه بعين الاعتبار في كلِّ تلك الحالات.

وطبعاً نحن حينما نتحدّث عن التفسير التجزيئي نقدّمه في أوسعِ وأكملِ صورةً، التي انتهى إليها، فإنّ التفسير التجزيئي تدرَّجَ تأريخيّاً، إلى أنْ وصل إلى مستوى الاستيعاب الشامل للقرآن الكريم بالطريقة التجزيئية.

وكان قد بدأ في عصر الصحابة والذي يُعِين على مستوى شرح تجزيئي لبعض الآيات القرآنيّة وتفسير لمفرداتها، وكلّما امتدّ الزمن ازدادتْ الحاجة إلى تفسير المزيد من الآيات، إلى أنْ انتهى إلى الصورة التي قدّم فيها ابنُ ماجَة والطبَرِي وغيرهما كتبَهما في


التفسير، في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع، وكانت تمثّل أوسع صورة للمنهج التجزيئي في التفسير.

فالمنهج التجزيئي في التفسير حيث إنّه كان يستهدِف فهم مدلول اللفظ، وحيث إنّ فهم مدلول اللفظ كان في البداية مُيسّراً لعددٍ كبيرٍ من الناس، ثم بدأ اللفظ يتعقّد - من حيث المعنى - بمرور الزمن، وازدياد الفاصل، وتراكم الخِبرات والتجارب، وتطوّر الأحداث والأوضاع.

من هنا توسّع التفسير التجزيئي؛ تبعاً لِمَا اعترى النصَّ القرآني من غموضٍ ومن شكٍ في تحديد مدلول اللفظ، حتى تَكامَل بالطريقة التي نراها في موسوعات التفسير.

حيث إنّ المفسّر يبدأ من الآية الأولى من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، فيفسِّر القرآن آيةً آيةً؛ لأنّ كثير من الآيات بمرور الزمن أصبح معناها ومدلولها اللفظي بحاجة إلى إبرازٍ أو تجربةٍ أو تأكيدٍ ونحو ذلك. هذا هو التفسير التجزيئي.

طبعاً نحن لا نعني بالتجزيئيّة في هذا المنهج التفسيري أنّ المفسّر يقطع نظرَه عن سائر الآيات، ولا يستعين بها في فَهْم الآية المطروحة للبحث، بل إنّه قد يستعين بآياتٍ أُخرى في هذا المجال، كما يستعين بالأحاديث والروايات، ولكنّ هذه الاستعانة تَتِمُّ بقصد الكشف عن المدلول اللفظي، الذي تَحْمله الآية المطروحة للبحث، فالهدف في كلّ خطوةٍ من هذا التفسير


فهمُ مدلولِ الآية التي يواجهها المفسِّر بكلّ الوسائل المُمْكِنة، أي إنّ الهدف ( هدفٌ تجزيئي )؛ لأنّه يقف دائماً عند حدود فهم هذا الجزء أو ذاك من النص القرآني، ولا يتجاوز ذلك غالباً.

وحصيلةُ تفسيرٍ تجزيئي للقرآن الكريم كلِّه، تساوي - على أفضل تقديرٍ - مجموعةَ مدلولاتِ القرآن الكريم، ملحوظةً بنظرةٍ تجزيئيّةٍ أيضاً، أي إنّه سوف نحصل على أعدادٍ كبيرةٍ من المعارف والمدلولات القرآنية.

لكنْ، في حالةِ تناثُر وتراكُم عددي، دون أنْ نكتشف أوجه الارتباط، دون أنْ نكتشف التركيب العضوي لهذه المجاميع من الأفكار، دون أنْ نُحدّد في نهاية المَطَاف نظريةً قرآنيةً لكلِّ مجالٍ من مجالات الحياة.

فهناك تراكم عددي للمعلومات، إلاّ أنّ الخيوط بين هذه المعلومات، أي الروابط والعلاقات التي تُحوِّلها إلى مركّباتٍ نظريّةً ومجاميعَ فكريّةً، بالإمكان أنْ نحصر على أساسها نظريةَ القرآن لمختلف المجالات والمواضيع، أمّا هذا فليس مستهدَفَاً بالذات في منهج التفسير التجزيئي، وإنْ كان قد يحصل أحياناً.

وقد أدّى هذا التناثر، ونَزْعَة الاتجاه التجزيئي، إلى ظهور التناقضات المذهبيّة العديدة في الحياة الإسلاميّة؛ لأنّه كان يكفي أنْ يجد هذا المفسِّر أو ذاك آيةً تُبَرِّر مذهبه، لكي يُعْلِن عنه، ويَجْمَع حوله


الأنصار والأشياع، كما وقع في كثيرٍ من المذاهب الكلاميّة، كمسألة الجبر والتفويض والاختيار مثلاً، بينما كان بالإمكان تفادي كثيراً من هذه التناقضات، لو أنّ المفسِّر التجزيئي خَطَا خطوةً أُخرى، ولم يَقْتصِر على هذا التجميع العددي، كما نرى ذلك في الاتجاه الثاني.

الاتجاه الثاني:

ونسمِّيه الاتجاه التوحيدي أو الموضوعي في التفسير.

هذا الاتجاه لا يتناول تفسيرَ القرآن آيةً فآيةً في الطريقة التي يمارسها التفسير التجزيئي، بل يُحاوِل القيام بالدراسة القرآنيّة لموضوعٍ من موضوعات الحياة العقائديّة، أو الاجتماعيّة، أو الكونيّة، فيُبيِّن ويَبحث ويدرس، مثلاً:

* عقيدة التوحيد في القرآن.

* أو يبحث عقيدة النبوّة في القرآن.

* أو عن المذهب الاقتصادي في القرآن.

* أو عن سنن التاريخ في القرآن.

* أو عن السماوات والأرض في القرآن الكريم، وهكذا.

ويَستهدِف التفسير التوحيدي أو الموضوعي من القيام بهذه الدراسات تحديدَ موقفٍ نظريً للقرآن الكريم، وبالتالي للرسالة الإسلاميّة من ذلك الموضوع أو من موضوعاتِ الحياة أو الكون.

وينبغي أنْ يكون واضحاً: إنّ الفصل بين الاتجاهين المذكورَين ليس حدِّيَّاً على


مستوى الواقع العملي والممارسة التاريخيّة لعمليّة التفسير؛ لأنّ الاتجاه الموضوعي بحاجةٍ - قطعاً - إلى تحديد المدلولات التجزيئية في الآيات، التي يُريد التعامل معها ضمن إطار الموضوع الذي يتبنّاه.

كما أنّ الاتجاه التجزيئي قد يعثر في أثناء الطريق على حقيقةٍ قرآنيّةٍ من حقائق الحياة الأخرى.

ولكنّ الاتجاهين - على أيّة حالٍ - يظلاَّن على الرغم من ذلك مختلِفَين في ملامحهما وأهدافهما وحصيلتهما الفكرية.

وممّا ساعد على شيوع الاتجاه التجزيئي للتفسير، وسيطرته على الساحة قروناً عديدة، النزعةُ الروائيّة والحديثيّة للتفسير؛ حيث إنّ التفسير لم يكنْ - في الحقيقة وفي البداية - إلاّ شعبة من الحديث بصورةٍ أو بأُخرى، وكان الحديث هو الأساس الوحيد تقريباً، مضافاً إلى بعض المعلومات اللغويّة والأدبيّة والتاريخيّة، التي يعتمد عليها التفسير، طيلةَ فترةٍ طويلةٍ من الزمن.

ومن هنا لم يكنْ بإمكان تفسيرٍ يَقِفُ عند حدود المأثور - من الروايات عن الصحابة والتابعين وعن الرسول والأئمّة - أنْ يتقدّم خطوةً أُخرى، وأنْ يحاول تركيب مدلولات القرآن، والمقارنة بينها، واستخراج النظرية من وراء هذه المدلولات اللفظية.

التفسير كان بطبعه تفسيراً لفظياً، تفسيراً للمفردات وشرحَ بعضِ المُستَجَد من المصطلحات


وتطبيقَ بعضِ المفاهيم على أسباب النزول.

ومثل هذه العمليّة لم يكن بإمكانها أنْ تقوم بدورٍ اجتهادي مُبْدِع في التوصّل إلى ما وراء المدلول اللغوي واللفظي، في التوصل إلى الأفكار الأساسيّة، التي حاول القرآن الكريم أنْ يعطيها من خلال المتناثر من آياته الشريفة.

ويمكننا أنْ نقرّب إلى أذهانكم فكرةَ هذين الاتجاهَين المختلِفَين في تفسير القرآن الكريم بمثالٍ من تجربتكم الفقهيّة: -

فالفقه:

هو - بمعنى من المعاني - تفسير الأحاديث الواردة عن النبيِّين والأئمة (عليهم السلام).

ونحن نعرف من البحث الفقهي أنّ هناك كتباً فقهيةً شرحتْ الأحاديث، حديثاً حديثاً، تناولتْ كلّ حديثٍ، وشرحتْه وتكلّمتْ عنه، دلالةً أو سنداً أو متناً، أو دلالة وسنداً ومتناً على اختلاف اتجاهات الشُرّاح، كما نجد ذلك في شُرّاح الكتب الأربعة وشرّاح الوسائل.

غير أنّ القسم الأعظم من الكتب الفقهية والدراسات العلميّة في هذا المجال لم تَتَّجه هذا الاتجاه، بل صُنّف البحث إلى مسائلَ، وِفقاً لوقائع الحياة، وجُعلتْ - في إطارِ كلّ مسألةٍ - الأحاديث التي تتّصل بها، وفسّرتْها بالقدر الذي يُلقي ضوءً على تلك المسألة، ويؤدّي إلى تحديد موقف الإسلام من تلك الواقعة التي تَفترِضُها المسألة المذكورة.

وهذا هو الاتجاه الموضوعي على الصعيد الفقهي، بينما ذاك هو الاتجاه التجزيئي في


تفسير الأحاديث على هذا الصعيد.

كتاب الجواهر:

في الحقيقة، شرحٌ كاملٌ شاملٌ لروايات الكتب الأربعة، ولكنّه ليس شرحاً يبدأ بالكتب الأربعة روايةً روايةً، وإنّما يُصنِّفُ رواياتِ الكتب الأربعة وِفقاً للحياة، وِفقاً لمواضيع الحياة، كتاب البيع، كتاب الجُعالة، كتاب إحياء الموات، كتاب النكاح، ثم يجمع - تحت كلِّ عنوان من هذه العناوين - الرواياتِ التي تتّصل بذلك الموضوع، ويشرحها ويقارِن فيما بينها، فيخرج بنظريةٍ؛ لأنّه لا يكتفي بأنْ يَفهم معنى الرواية فقط بصورةٍ مفردةٍ، ومعنى هذه الرواية بصورةٍ منفردةٍ، مع هذه الحالة من الفرديّة، لا يمكن أنْ يصل إلى الحكم الشرعي.

وإنّما يصل إلى الحكم الشرعي عن طريق دراسة مجموعة من الروايات، التي تحمل مسؤوليّة توضيح حكم واحد، أو باب واحد من أبواب الحياة.

ثمّ عن طريق هذه الدراسة الشامِلَة تخرج نظريةٌ واحدةٌ من قِبَل مجموعة من الروايات، لا من قِبَل رواية واحدة. هذا هو الاتجاه الموضوعي في شرح الأحاديث.

ومن خلال المقارنة بين الدراسات القرآنية والدراسات الفقهية نلاحظ:

* اختلاف مواقع الاتجاهَين على الصعيدَين.

فبينما انتشر الاتجاه الموضوعي والتوحيدي على الصعيد الفقهي، وما خَطَا الفقهُ والفكرُ الفقهي خطواتٍ في مجال تطوُّره حتّى ساد هذا


الاتجاه جُلَّ البحوث الفقهيّة، نَجِدُ أنّ العكس هو الصحيح على الصعيد القرآني، حيث سَيطر الاتجاه التجزيئي للتفسير على الساحة عبر ثلاثة عشر قرناً تقريباً، إذ كان كلُّ مفسِّرٍ يبدأ كما بدأ سَلَفُه، مفسّراً القرآنَ آيةً آيةً.

إذن الاتجاه الموضوعي هو الذي سيطر على الساحة الفقهية، بينما الاتجاه التجزيئي هو الذي سيطر على الساحة القرآنية.

وأمّا ما ظهر على الصعيد القرآني، من دراساتٍ تُسمّى: (بالتفسير الموضوعي) أحياناً - من قبيل دراسات بعض المفسّرين حول موضوعات معيّنة تتعلّق بالقرآن الكريم، كأسباب النزول في القرآن أو الناسخ والمنسوخ أو مجازات القرآن - فليست من التفسير التوحيدي والموضوعي بالمعنى الذي نريده؛ فإنّ هذه الدراسات ليس في الحقيقة إلاّ تجميعاً عدديّاً لقضايا من التفسير التجزيئي، لوحِظَ فيما بينها شيءٌ من التشابه. وفي كلمةٍ أُخرى:

ليستْ كلُّ عمليّةِ تجميعٍ أو عزلٍ دراسةً موضوعيةً، وإنّما الدراسة الموضوعيّة هي:

* التي تطرح موضوعاً من موضوعات الحياة العقائديّة، أو الاجتماعيّة، أو الكونيّة، وتتّجه إلى دَرْسِهِ وتقييمه من زاويةٍ قرآنيّةٍ؛ للخروج بنظريّةٍ قرآنيّة بصدده.

وأكثر ظنّي، أنّ الاتجاه التوحيدي والموضوعي في الفقه - بامتداده وانتشاره - ساعد بدرجةٍ كبيرةٍ على تطوير الفكر الفقهي وإثراء


الدراسات العلميّة في هذا المجال، بقدرِ ما ساعد انتشار الاتجاه التجزيئي في التفسير على إعاقة الفكر الإسلامي القرآني عن النموِّ المستمِر، وساعد على إكسابه حالة تَشْبه الحالات التكرارية، حتى تكاد تقول:

إنّ قروناً من الزمن متراكمة مرّتْ بعد تفاسير الطبري والرازي والطوسي، لم يحقِّق فيها الفكرُ الإسلامي مكاسبَ حقيقيةً جديدةً.

وظلّ التفسير ثابتاً لا يتغيّر إلاّ قليلاً، من خلال تلك القرون، على الرغم من ألوان التغيّر التي حفلتْ بها الحياة بمختلف الميادين، وسوف يتّضح إنشاء الله تعالى - من خلال المقارَنَة بين الاتجاهَين - السببُ والسرُّ الذي يكمن وراء هذه الظاهرة.

* لماذا كانت الطريقة التجزيئيّة عامِلاً في إعاقة النمو؟

* ولماذا تكون الطريقةُ الموضوعيّة والاتجاه التوحيدي عامِلاً في النمو والإبداع، وتوسيع نطاق حركة الاجتهاد؟

لكي نعرف لماذا كان هذا ولماذا كان ذاك، يجب أن نُكوِّن انطباعاتٍ أوضح وأكثر تحديداً عن هذين الاتجاهين، وأنْ يتّضح ذلك بعد أنْ نشرح بعض أوجه الاختلاف بين هذين الاتّجاهين التفسيريين فيما يلي:

أوّلاً:

إنّ دَور المفسّر التجزيئي سلبيٌّ على الأغلب، فهو يبدأ أوّلاً:

* بتناول النص القرآني المحدّد، آيةً مثلاً، أو مَقْطعاً قرآنيّاً، من دون أي افتراضاتٍ أو طروحات مسبَقَة.


* ويحاول أنْ يحدِّد المدلولَ القرآني على ضوء ما يُسعِفه به اللفظُ مع ما يُتاح له من القرائن المتّصلة والمنفصلة.

العمليّةُ في طابعها العام، عمليةُ تفسيرِ نصٍّ معيّنٍ، وكأنّ دورَ النصِّ فيها دورُ المتحدِّث، ودور المفسِّر هو الإصغاء والتفهُّم، وهذا ما نسمّيه بالدور السلبي.

المفسّرُ هنا شُغله أنْ يستمِع، لكنْ بذِهْنٍ مضيءٍ، بفكرٍ صافٍ، بروحٍ مُحيطة بآداب اللغة وأساليبها في التعبير، بمثل هذه الروح.

بمثل هذه الذهنية، وبمثل هذا الفكر يجلس بين يدي القرآن؛ ليستمع، وهو ذو دورٍ سلبي والقرآن ذو دور ايجابي، والقرآن يعطي حينئذٍ، وبقدر ما يفهم هذا المفسّرُ من مدلول اللفظ يُسَجِّل في تفسيره.

وخلافاً لذلك المفسّر التوحيدي والموضوعي، فإنّه:

* لا يبدأ في عمله من النص، بل من واقع الحياة، فيركِّز نظرَه على موضوعٍ من موضوعات الحياة العقائديّة، أو الاجتماعيّة، أو الكونيّة.

* ويستوعِب ما أثارتْه تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع من مشاكل، وما قدّمه الفكر الإنساني من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة ومن نقاط فراغ.

* ثم يأخذ النص القرآني، لا ليتّخذ من نفسه - بالنسبة إلى النص - دورَ المستمِع والمسجِّل فحسب، بل لِيطرح بين يدي النص موضوعاً جاهزاً مشرِقاً بعددٍ كبيرٍ من الأفكار والمواقف البشريّة.

* ويبدأ


مع النص القرآني حواراً، المفسّر يسأل، والقرآنُ يُجيبُ المفسِّرَ على ضوءِ الحصيلة التي استطاع أنْ يجمعها من خلال التجارب البشريّة النافِعة، وهو يَستهدِف من ذلك أنْ يكتشفَ موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح، والنظريّة التي بإمكانه أنْ يَسْتَلهِمَها من النص، من خلال مقارنة هذا النص بما استوعبه الباحِث عن الموضوع، من أفكارٍ واتجاهاتٍ.

ومنْ هنا كانت نتائج التفسير الموضوعي نتائجَ مرتبطةً دائماً بتيّار التجربة البشرية؛ لأنّها تمثّل المعالم والاتّجاهات القرآنية لتحديد النظرية الإسلامية بشأن موضوع من مواضيع الحياة.

ومنْ هنا - أيضاً - كانت عمليّة التفسير الموضوعي عمليّةَ حوارٍ مع القرآن الكريم واستنطاقٍ له، وليستْ عمليّةَ استجابةٍ سلبيّةٍ، بل استجابة فعّالة، وتوظيفاً هادِفاً للنص القرآني، في سبيل الكشف عن حقيقة من حقائق الحياة الكبرى.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يتحدّث عن القرآن الكريم:

(( ذلك القرآن فاستنطِقوه ولنْ ينطقَ، لكنْ أُخبركم عنه، ألاَ إنّ مِنْه علمَ ما يأتي، والحديثَ عن الماضي، ودواءَ دائكم، ونظْمَ ما بينكم )).

التعبير بالاستنطاق الذي جاء في كلام ابن القرآن ( عليه السلام ) أروعُ تعبيرٍ عن عمليّة التفسير الموضوعي، بوصفها حواراً مع القرآن الكريم، وطَرْحاً للمشاكل الموضوعيّة عليه، بقصد الحصول على الإجابة


القرآنيّة عليها.

إذنْ، فأوّل أوجه الاختلاف الرئيسيّة بين الاتجاه التجزيئي في التفسير، والاتجاه الموضوعي في التفسير: -

* أنّ الاتجاه التجزيئي يكون دورُ المفسّر فيه دوراً سلبيّاً، يستمِع ويسجِّل.

* بينما التفسير الموضوعي ليس هذا معناه، وليس هذا كُنْهُهُ، وإنّما وظيفةُ التفسير الموضوعي دائماً في كلّ مرحلةٍ وفي كلّ عصرٍ أنْ يحمل كلَّ تُراث البشريّة الذي عاشَهُ، يحمِل أفكار عصره، يحمِل المقولات التي تعلَّمها مِن تجربته البشرية، ثم يضعها بين يدي القرآن، الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خلْفه؛ ليحكم على هذه الحصيلة بما يُمكن لهذا المفسِّر أنْ يفهمه مِنْ خلال مجموعة آياته الشريفة.

إذنْ فهنا يَلْتَحِم القرآن مع الواقع، واقع الحياة؛ لأنّ التفسير يبدأ من الواقع وينتهي إلى القرآن، لا أنّه يبدأ مِن القرآن وينتهي في القرآن، فيكون عمليّةً مُنْعَزِلَةً عن الواقع، بل هذه العمليّة تبدأ مِن الواقع وتنتهي بالقرآن، بوصفه القَيِّم والمصدر الذي يُجَدَّد على ضوئه الاتجاهاتِ الربّانيّة بالنسبة إلى ذلك الواقع.

ومن هنا تبقى للقرآن حينئذٍ قدرته على القَيْمُوْمَة والعطاء المُستجِد، بشكلٍ دائمٍ.

فالقرآن الكريم دلّت الروايات على أنّه لا ينفد، وصرّح القرآن نفسُه بأنّ كلمات الله لا تنفَد، عطاءُ القرآن لا ينفَد، بينما


التفسير اللغوي ينفَد؛ لأنّ اللغة لها طاقات محدودة، وليس هناك تَجدُّد في الملول اللغوي، ولو وُجِد تجدّد في المدلول اللغوي فلا معنى لتحكيمه على القرآن، ولو وجدتْ لغةٌ أُخرى بعد القرآن فلا معنى لأنْ يُفهم القرآن من خلال لغةٍ جديدةٍ، أو ألفاظ تحمل مصطلحاتٍ جديدةٍ استُحْدثتْ بعد القرآن.

إذنْ فحالة عدم النفاد تَكْمن في منهج التفسير الموضوعي؛ لأنّنا نستنطِق القرآن - وفيه علم ما كان، وعلم ما يأتي، ودواء دائنا، ونظم ما بيننا - ما يمكن أنْ نَسْتشِف منه مواقف السماء تجاه تجربة الأرض.

فمن هنا كان التفسير الموضوعي قادراً على التطوّر والنمو؛ لأنّ التجربة البشرية تُثْرِيه، والدرس القرآني والتأمّل القرآني - على ضوء التجربة البشرية - يجعل هذا الثراء محوراً إلى فهمٍ إسلامي، قرآني، صحيح.

والحمد لله رب العالمين.


الدرس الثاني:

إنّ الاتجاهات الفقهيّة سارتْ في الاتجاه الموضوعي، بينما الأبحاث التفسيريّة سارتْ في الاتجاه التجزيئي، طبعاً لم نكنْ نعني من ذلك أيضاً أنّ البحث الفقهي استنفذ طاقة الاتجاه الموضوعي، فالبحث الفقهي اليوم مدعوّ أيضاً إلى أنْ يستنفِذ طاقة هذا الاتجاه الموضوعي أُفُقيّاً وعموديّاً؛ باعتبار أنّ الاتجاه الموضوعي كما قلنا:

عبارة عن أنّ الإنسان يبدأ من الواقع وينتهي إلى الشريعة.

هكذا كان دَيْدَن العلماء والفقهاء، كانوا يبدأون بالحياة، يبدأون من الواقع، وقائع الحياة كانتْ تنعكس عليهم على شكل جعالة ومضاربة ومزارعة ومساقات، لِيَسْتنبِطوا الحكم من مصادرها، ثم يردّونها إلى الشريعة.

هذا اتجاهٌ موضوعي؛ لأنّه يبدأ بالواقع وينتهي إلى الشريعة، في مقام التعريف على حكم هذا الواقع، لكن هنا لا بدّ أنْ يمتدّ الفقهُ أُفقيّاً على هذه الساحة أكثر؛ لأنّ العلماء الذين ساهموا في تكوين هذا الاتجاه الموضوعي عَبْر قرونٍ متعدّدة كانوا حريصين على أنْ يأخذوا هذه


الوقائع، ويحيلوها إلى الشريعة؛ ليستنبطوا أحكام الشريعة المرتبطة بتلك الوقائع، لكنّ وقائع الحياة تتكاثر وتتجدّد باستمرار، وتتولّد ميادين جديدة.

فلا بُدَّ لهذه العملية من النموّ باستمرار، فتبدأ من الواقع، لكنْ لا ذاك الواقع الساكن المحدود، والذي كان يعيشه الشيخ الطوسي أو المحقق الحلّي؛ لأنّ ذاك الواقع كان يفي بحاجات عصرهما.

فالإجار والمضاربة والمزارعة والمساقات، كانت تمثّل السوق قبل ألف سنة، أو قبل ثمانمائة سنة، لكنّ أبواب السوق قد اتسعت، ففيها العلاقات الاقتصادية أوسع وأكثر تشابكاً من هذا النطاق.

* فلا بدّ للفقه مِن أنْ يكون كما كان على يد هؤلاء العلماء، الذين كانوا حريصين على أنْ يعكسوا كلّ ما يَستجد مِن وقائع الحياة على الشريعة؛ ليأخذوا حكم الشريعة.

لا بدّ أيضاً مِن أنّ هذه العملية تسير أُفقياً، كما سارتْ أُفقياً في البداية. هذا من الناحية الأُفقيّة.

من الناحية العموديّة أيضاً، لا بدّ مِن أنْ يتوغّل هذا الاتجاه الموضوعي في الفقه، لا بدّ وأنْ يتوغّل، لا بدّ وأنْ يُنفَّذ عموديّاً، لا بدّ وأنْ يصل إلى النظريات الأساسية، لا بدّ وأنْ لا يُكتفي بالبناءات العِلْوِيّة وبالتشريعات التفصيليّة، لا بدّ وأنْ ينفّذ مِن خلال هذا التشريعات التي تمثّل وجهة نظر الإسلام؛ لأنّنا نعلم أنّ


كلّ مجموعةٍ مِن التشريعات في كل بابٍ مِن أبواب الحياة ترتبط بنظريات أساسيّة، ترتبِط بتطوّرات رئيسية لأحكام الإسلام، تشريعات الإسلام:

* في المذهب الاقتصادي بالإسلام.

* أحكام الإسلام في مجال النكاح والطلاق والزواج وعلاقات المرأة مع الرجل.

* ترتبط بنظرياته الأساسية عن المرأة والرجل ودور المرأة والرجل.

هذه النظريّات الأساسية التي تشكّل القواعد النظرية لهذه الأبنية العلويّة، لا بدّ أيضاً من التوغّل إليها، لا ينبغي أنْ يُنْظر إلى ذلك بوصفه عملاً منفصِلاً عن الفقه، بوصفه ترفاً، أدباً، بل بوصفه ضرورة وينبغي اكتشافها بقدر الطاقة البشرية.

الآن نعود إلى التفسير بما ذكرناه، مِن أوجه الخلاف بين التفسير الموضوعي، والتفسير التجزيئي، تبيّنتْ عِدّة أفضليّات تدعو إلى تفضيل المنهج الموضوعي في التفسير على المنهج التجزيئي في التفسير، فإنّ:

* المنهج الموضوعي في التفسير - على ضوء ما ذكرناه - يكون أوسع أُفقاً، وأرحب وأكثر عطاءً؛ باعتبار أنْ يتقدّم خطوةً عن التفسير التجزيئي.

* كما أنّه قادر على التجدّد باستمرار، على التطوّر والإبداع باستمرار؛ باعتبار أنّ التجربة البشريّة تُغني هذا التفسير بما تُقَدّمه مِن مواد.

ثم هذه


المواد تُطرح بين يدي القرآن الكريم.

وهذا هو الطريق الوحيد للحصول على النظريات الأساسية للإسلام وللقرآن، إزاء موضوعات الحياة المختلفة.

وقد يُقال: بأنّه ما الضرورة إلى تحصيل هذه النظريات الأساسية؟

ما الضرورة إلى أنْ نفهم نظرية الإسلام في النبوّة مثلاً بشكلٍ عامٍّ؟

أو نفهم نظريّة الإسلام في سنن التاريخ، أو في التغيّر الاجتماعي بشكلٍ عامٍّ؟

أو أنْ نفهم سنن الإسلام والأرض؟

ما الضرورة إلى أنْ ندرس ونحدِّد هذه النظريّات؟

فإنّنا نجد بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يُعطِ هذه النظريات على شكل نظريات محدودة وصِيَغ عامّة، وإنّما أعطى القرآن بهذا الترتيب للمسلمين.

ما الضرورة إلى أنْ نُتْعِب أنفسنا في سبيل هذه النظريات وتحديدها؟

بعد أنْ لاحظنا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) اكتفى بإعطاء هذا المجموع، هذا الشكل المتراكِم بهذا الشكل.

ما الضرورة أنْ نستحصِل هذه النظريات الحقيقيّة؟

بأنّه هناك اليوم ضرورة أساسية لتحديد هذه النظريات، ولتحصيل هذه النظريات، ولا يمكن أنْ يُفترض الاستغناء عنها.

النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان يعطي هذه النظريات، ولكنْ مِن خلال التطبيق، مِن خلال المناخ القرآني العام، الذي كان بيّنه في الحياة


الإسلامية، وكان كلّ فردٍ مسلمٍ في إطار هذا المناخ، كان يَحمل نظريةً، ولو فهماً إجماليّاً ارتكازيّاً؛ لأنّ المناخ والإطار الروحي والاجتماعي والفكري والتربوي، الذي وصفه النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان قادراً على أنْ يُعطي النظرة السليمة والقدرة السليمة، على تقييم المواقع والمواقف والأحداث. إذا أردنا أنْ نقرّب هذه الفكرة نقول: -

قايسوا بين حالتَين، حالة الإنسان الذي يعيش داخل عُرْفِ لُغَةٍ مِن اللغات، وإنسان يريد أنْ يعرف أبناء هذه اللغة، أبناء هذا العرف. كيف تتمثّل أذهانهم هذه المعاني إلى الألفاظ؟

كيف يحدّدون المعاني مِن الألفاظ؟

هنا توجد حالتين:

* إحداهما أنْ تأتي بهذا الإنسان وتجعله يعيش في أعماق هذا العُرْف وفي أعماق هذه اللغة، وإذا صار كذلك واستمرّتْ به الحياة في إطار هذا العرف وهذه اللغة، فترةً طويلةً مِن الزمن، سوف يتكوّن لديه الإطار اللغوي والعرفي، الذي يستطيع من خلاله أنْ يتحرّك ذهنُه وِفْقاً لِمَا يريده العُرف واللغة منه؛ لأنّ مدلولاته تكون موجودة وجوداً إجماليّاً ارتكازيّاً في ذهنه.

النظرةُ السليمةُ، والتفهّم السليم للكلمة الصحيحة، وتمييزها عن الكلمة غير الصحيحة، تكون موجودة عنده؛ باعتبار أنّه عاش عُرْف اللغة ووجدانها في ممارساته.

* بينما إذا كان الإنسان خارجَ جناح تلك اللغة وعُرْفها، وأردْتَ أنْ تُنْشِئ


في ذهنه القدرة على التمييز اللغوي الصحيح، فلا تستطيع التمييز اللغوي حينئذ إلاّ عن طريق الرجوع إلى قواعد تلك اللغة، والى العُرف الذي تربّى فيه الإنسان؛ لكي تستنتج منه القواعد العامّة والنظريات الشاملة، ومثاله: -

ما وقع بالنسبة إلى علوم العربية، كيف إنّ ابنَ اللغة لم يكنْ بحاجةٍ إلى أنْ يعلم علوم العربية في البداية؛ لأنّه كان يعيش في أعماق عُرْف اللغة.

لكن بعد أنْ ابتعد عن تلك الأعماق واختلفتْ الأجواء وضعفتْ اللغة، وتراكمتْ لغات أُخرى انْدَسّتْ إلى داخل حياة هؤلاء، بدأ هؤلاء بحاجةٍ إلى علمٍ للغة، إلى نظريات للغة؛ لأنّ الواقع لا يُسعفهم بنظرةٍ سليمةٍ، فلا بدّ حينئذٍ مِن علمٍ، لا بدّ مِن نظرياتٍ؛ لكي يفكّروا ولكي يناقشوا ولكي يتصرّفوا لغويّاً، وِفْقاً لتلك القواعد والنظريات. هذا المثال مثالٌ تقريبي لأجل توضيح الفكرة.

إذنْ، الصحابة الذين عاشوا في كَنَفِ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم) إذا كانوا لم يتلقّوا النظريات بِصِيَغٍ عامّة، فقد تلقَّوها تَلَقِّياً إجماليّاً ارتكازيّاً، انتَقَشَتْ في أذهانهم، وسرتْ في أفكارهم.

كان المناخُ العام الإطارَ الاجتماعي والروحي والفكري، الذي يعيشونه كلّه، كان إطاراً مساعِدَاً على تفهّم هذه النظريّات، ولو تفهّماً إجمالياً، وعلى توليد المقياس الصحيح في مقام التقييم.


أمّا، حيث لا يوجد ذلك المناخ، ذلك الإطار، إذا تكون الحاجة إلى دراسةٍ لنظرياتِ القرآن الكريم في الإسلام، تكون حاجةً حقيقيّةً ملحّةً، خصوصاً مع بروز نظريات عديدة مِن خلال التفاعل بين إنسان العالم الإسلامي وإنسان العالم الغربي، بكلّ ما يملك مِن رصيدٍ عظيمٍ ومِن ثقافةٍ متنوِّعةٍ في مختلف مجالات المعرفة البشرية.

حينما وقع هذا التفاعل بين إنسان العالم الإسلامي وإنسان العالم الغربي، وجد الإنسان المسلم نفسه أمام نظريات كثيرة في مختلف مجالات الحياة، فكان عليه لكي يحدّد موقف الإسلام من هذه النظريّات، كان لا بدّ وإنْ يَستنطِق نصوص الإسلام، ويتوغّل في أعماق هذه النصوص؛ ليصل إلى مواقف الإسلام سلباً وإيجاباً، لكي يكتشف نظريات الإسلام التي تُعَالِج نفسَ هذه المواضيع، التي عاشَ بَحْثُهَا التجاربَ البشريّةَ الذكيّةَ في مختلف مجالات الحياة.

إذنْ، فالتفسير الموضوعي في المقام هو أفضل الاتجاهَين في التفسير، إلاّ أنّ هذا لا ينبغي أنْ يكون المقصود منه الاستغناء عن التفسير التجزيئي

هذه الأفضليّة لا تعني استبدال اتجاهٍ باتجاهٍ، أو طرح التفسير التجزيئي رأساً والأخذ بالتفسير الموضوعي، وإنّما إضافة اتجاهٍ إلى اتجاهٍ؛ لأنّ التفسير الموضوعي


ليس إلاّ خطوة إلى الأمام بالنسبة إلى التفسير التجزيئي، ولا معنى للاستغناء عن التفسير التجزيئي باتجاه الموضوعي، وإنّما هي مسألة ضَمِّ الاتجاه الموضوعي في التفسير إلى الاتجاه التجزيئي في التفسير.

يعني افتراض خطوتين، خطوة هي التفسير التجزيئي وخطوة أخرى هي التفسير الموضوعي.


الدرس الثالث:

استعرضْنا فيما سبق المبرِّرات الموضوعيّة والفكريّة لإيثار التفسير الموضوعي التوحيدي على التفسير التجزيئي التقليدي، باعتبار أنّ التفسير الموضوعي أغنى عطاءً وأكثر قدرةً على التحرّك والإبداع، وعلى تحديد المواقف النظريّة الشاملة للقرآن الكريم..

الآن أودُّ أنْ أذْكر مبرّراً عمليّاً وهو: -

إنّ شوط التفسير التقليدي شوطٌ طويلٌ جدّاً؛ لأنّه يبدأ من سورة الفاتحة وينتهي بسورة الناس، وهذا الشوط الطويل بحاجةٍ - مِن أجل إكماله - إلى فترةٍ زمنيّةٍ طويلةٍ أيضاً، ولهذا لم يحضَ مِن علماء الإسلام الأعلام إلاّ عددٌ محدودٌ بهذا الشرف العظيم، شرف مرافقة الكتاب الكريم مِن بدايته إلى نهايته، ونحن نشعر بأنّ هذه الأيّام المحدودة المتبقّية لا تفي بهذا الشوط الطويل؛ ولهذا كان مِن الأفضل اختيار أشواط أقصر، لكي نستطيع أنْ نُكمل بضعة أشواط مِن هذا الجَوَلاَن في رحاب القرآن الكريم.

من هنا سوف نختار موضوعاتٍ متعدِّدة مِن القرآن الكريم، ونستعرِض


ما يتعلّق بذلك الموضوع، وما يُمكن أنْ يُلقي عليه القرآنُ مِن أضواءٍ.

وسوف نحاول أنْ يكون البحث مربوطاً بقدر الإمكان؛ لكي نستطيع أنْ نصل إلى عددٍ من المواضيع المهمّة، فنقتصر على الأفكار الأساسية والمبادئ الرئيسيّة بالنسبة إلى كل موضوع.

وسوف أَحرِص على أنْ لا يستوعِب كلُّ موضوعٍ إلاّ عدداً محدوداً من المحاضرات. أرجو أنْ يكون بين خمس محاضرات إلى عشر محاضرات؛ لكي نستطيع أنْ نستوعب مواضيع متنوِّعة مِن القرآن الكريم.

الآن نواجه هذا السؤال: -

ما هو الموضوع الأوّل الذي سوف نبدأ به الآن إنْ شاء الله تعالى؟

الموضوع الأوّل الذي سوف نختاره للبحث هو( سنن التاريخ في القرآن الكريم ) .

* هل للتاريخ البشري سنن في مفهوم القرآن الكريم؟

* هل له قوانين تتحكّم في مسيرته وفي حركته وتطوّره؟

* ما هي هذه السنن التي تتحكّم في التاريخ البشري؟

* كيف بدأ التاريخ البشري، كيف نما، كيف تطوّر؟

* ما هي العوامل الأساسيّة في نظريّة التاريخ؟

* ما هو دور الإنسان في عمليّة التاريخ؟

* ما هو موقع السماء أو النبوّة على الساحة الاجتماعيّة؟

هذا كلُّه ما سوف ندرسه تحت هذا العنوان، عنوان


(سنن التاريخ في القرآن الكريم) وهذا الجانب مِن القرآن الكريم قد بحث الجزء الأعظم من موادّه ومفرادته القرآنيّة، لكنْ من زوايا مختلِفة، فمثلاً:

قصص الأنبياء (عليهم السلام) التي تمثّل الجزء الأعظم من هذه المادّة القرآنية، بُحِثَتْ قصص الأنبياء مِن زاويةٍ تاريخيةٍ، تناولها المؤرخون واستعرضوا الحوادث والوقائع التي تكلّم عنها القرآن الكريم.

وحينما لاحظوا الفراغات التي تركها هذا الكتاب العزيز، حاولوا أنْ يملأوا هذه الفراغات بالروايات والأحاديث، أو بما هو المأثور عن أديانٍ سابقةٍ، أو بالأساطير والخرافات، فتكوّنتْ سِجِلاّتٌ ذات طابع تاريخي؛ لتنظيم هذه المادة القرآنية.

كذلك أيضاً بُحثتْ هذه المادّة القرآنية من زاويةٍ أخرى، من زاويةِ منهجِ القصّة في القرآن، مدى ما يتمتّع به هذا المنهج من أصالةٍ وقوّةٍ وإبداع، ما تَزْخَرُ به القصّة القرآنيّة من حَيَويّة، من حركةٍ، من أحداثٍ، هذه أيضاً زاوية أخرى للبحث في هذه المادّة يضاف إلى زوايا عديدة.

نحن الآن نريد أنْ نتناول هذه المادّة القرآنيّة من زاويةٍ أُخرى، من زاوية مقدار ما تُلْقِي هذه المادّة من أضواء على سُنَن التاريخ، على تلك الضوابط والقوانين والنواميس التي تتحكّم في عمليّة التاريخ، إذا كان يوجد في مفهوم القرآن شيءٌ من هذه النواميس والضوابط والقوانين.


الساحة التاريخيّة - كأيّ ساحةٍ أُخرى - زاخرةٌ بمجموعةٍ من الظواهر، كما أنّ الساحة الفلكيّة، الساحة الفيزيائيّة، الساحة النباتيّة، زاخرةٌ بمجموعةٍ من الظواهر.

كذلك الساحة التاريخية - بالمعنى الذي سوف نُفصّل من التاريخ إنْ شاء الله بعد ذلك - زاخرةٌ بمجموعةٍ من الظواهر، كما أنّ الظواهر في كلّ ساحةٍ أخرى من الساحات، لها سننٌ ولها نواميسٌ، فمِنْ حقِّنا أنْ نتساءل: -

* هل إنّ هذه الظواهر التي تَزخر بها الساحة التاريخية، هل هذه الظواهر أيضاً ذات سنن وذات نواميس؟

* وما هو موقف القرآن الكريم من هذه السنن والنواميس؟

* وما هو عطاؤه في مقام تأكيد هذا المفهوم إيجاباً أو سلباً، إجمالاً أو تفصيلاً؟

وقد يُخَيَّل إلى بعض الأشخاص، أنّنا لا ينبغي أنْ نترقّب من القرآن الكريم أنْ يتحدّث عن سنن التاريخ؛ لأنّ البحث في سنن التاريخ بحثٌ علمي كالبحث في سنن الطبيعة والفلك والذرّة والنبات، والقرآن الكريم لم ينزل كتاب اكتشافٍ بل كتاب هدايةٍ، القرآن الكريم لم يكن كتاباً مدرسيّاً، لم ينزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بوصفه معلِّماً - بالمعنى التقليدي مِنَ المُعَلِّم - لكي يُدرِّس مجموعة من المتخصّصين والمثقّفين، وإنّما نزل هذا الكتاب عليه؛ ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجاهلية إلى نور


الهداية والإسلام. إذنْ فهو كتاب هدايةٍ وتغيير، وليس كتابَ اكتشافٍ.

ومن هنا لا نترقّب من القرآن الكريم أنْ يكشف لنا الحقائق والمبادئ العامّة للعلوم الأُخرى، ولا نترقّب من القرآن الكريم أنْ يتحدّث لنا عن مبادئ الفيزياء أو الكيمياء أو النبات أو الحيوان. صحيح أنّ في القرآن الكريم إشاراتٍ إلى كلّ ذلك، ولكنّها إشارتْ بالحدود التي تؤكِّد على البُعد الإلهي للقرآن، وبقدر ما يُمكن أنْ يثبِت العُمْق الربّاني لهذا الكتاب - الذي أحاط بالماضي والحاضر والمستقبل، والذي استطاع أنْ يسبق التجربة البشريّة مئات السنين، في مقام الكشف عن حقائق متفرِّقة في الميادين العلميّة المتفرِّقة - لكن هذه الإشارات القرآنيّة إنّما هي لأجل غَرَض عَمَلي مِن هذا القبيل، لا مِن أجل تعليم الفيزياء والكيمياء.

القرآن لم يطرح نفسه بديلاً عن قدرة الإنسان الخلاّقة، عن مواهبه وقابِلِيّاته في مقام الكدح، الكدح في كلِّ ميادين الحياة، بما في ذلك ميدان المعرفة والتجربة، القرآن لم يطرح نفسه بديلاً عن هذه الميادين، وإنّما طرح نفسه طاقةً روحيّةً موجّهةً للإنسان، مفجِّرةً طاقاته، محرِّكَةً له في المسار الصحيح.

فإذا كان القرآن الكريم كتابَ هدايةٍ وتوجيهٍ، وليس كتابَ اكتشافٍ وعلمٍ، فليس من الطبيعي أنْ


نترقّب منه استعراض مبادئ عامّة لأيّ واحدٍ من هذه العلوم، التي يقوم الفَهم البشري بمهمّة التوغّل في اكتشاف نواميسها وقوانينها وضوابطها.

لماذا ننتظر من القرآن الكريم أنْ يُعطينا عموميّات، أنْ يعطينا مواقف، أنْ يُبَلْوِر له مفهوماً عِلْميّاً، في سنن التاريخ على هذه الساحة من ساحات الكون، بينما ليس للقرآن مثل ذلك على الساحات الأُخرى، ولا حرجَ على القرآن في أنْ لا يكون له ذلك على الساحات الأُخرى؟

لأنّ القرآن لو صار لِمَقام استعراض هذه القوانين، وكشف هذه الحقائق، لكان بذلك يَتحوّل إلى كتابٍ آخر نوعيّاً، يتحوّل من كتابٍ للبشريّة جمعاء إلى كتابٍ للمتخصِّصين يُدَرَّس في الحلقات الخاصّة.

قد يلاحَظ بهذا الشكل على اختيار هذا الموضوع، إلاّ أنّ هذه الملاحظة رغم أنّ الروح العامّة فيها صحيحةٌ - بمعنى أنّ القرآن الكريم ليس كتابَ اكتشافٍ، ولم يطرح نفسَه ليجمِّد في الإنسان طاقات النمو والإبداع والبحث، وإنّما هو كتاب هدايةٍ - ولكنْ مع هذا يوجد فَرْق جوهري بين الساحة التاريخية وبقيّة ساحات الكون.

هذا الفرق الجوهري يجعل من هذه الساحة ومن سُنَن هذه الساحة أمراً مُرتبِطاً أشد الارتباط بوظيفة القرآن ككتاب هدايةٍ، خلافاً لبقيّة الساحات الكونيّة والميادين الأُخرى


للمعرفة البشرية؛ وذلك: -

إنّ القرآن الكريم كتابُ هدايةٍ وعمليّة تغيير، هذه العملية التي عبّر عنها في القرآن الكريم بأنّها إخراج للناس من الظلمات إلى النور، وعملية التغيير هذه فيها جانبان:

الجانب الأوّل:

جانب المحتوى المضمون إليه هذه العمليّة التغييريّة من أحكام، من مناهج، ما تتبنّاه من تشريعات، هذا الجانب من عمليّة التغيير جانبٌ ربّانيٌّ، جانب إلهي سماوي.

هذا الجانب يمثّل شريعة الله سبحانه وتعالى التي نزلتْ على النبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلّم) وتحدّتْ بنفس نزولها عليه كلَّ سنن التاريخ المادِّية؛ لأنّ هذه الشريعة كانت أكبر من الجوِّ الذي نزلتْ عليه، ومن البيئة التي حلّتْ فيها، ومن الفرد الذي كُلِّفَ بأنْ يقوم بأعباء تبليغها.

هذا الجانب من عمليّة التغيير، جانبُ المحتوى والمضمون، جانب التشريعات والأحكام والمناهج التي تدعو إليها هذه العملية، هذا الجانب جانبٌ ربّاني إلهي.

لكنْ هناك جانباً آخر:

عملية التغيير التي مارسها النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأصحابه الأطهار، هذه العملية حينما تُلْحَظ بوصفها عملية متجسّدة في جماعةٍ من الناس، وهم النبيُّ والصحابة، بوصفها عملية اجتماعية متجسِّدة في هذه الصفوة، وبوصفها عملية قد واجهتْ تيّارات اجتماعية مختلِفة من حولها، واشتبكتْ


معها في ألوان من الصراع والنزاع العقائدي والاجتماعي والسياسي والعسكري، حينما تُؤْخَذ هذه العملية التغييريّة بوصفها تجسيداً بشريّاً على الساحة التاريخية، مترابِطاً مع الجماعات والتيّارات الأُخرى، التي تَكْتَنِف هذا التجسيد، والتي تؤيِّد أو تقاوِم هذا التجسيد.

حينما تُؤْخَذ العمليّة من هذه الزاوية تكون عملية بشرية، يكون هؤلاء أُناساً كسائر الناس، تتحكّم فيهم إلى درجةٍ كبيرةٍ سننُ التاريخ التي تتحكّم في بقيّة الجماعات وفي بقيّة الفِئات على مرّ الزمن.

إذنْ عملية التغيير التي مارسها القرآن ومارسها النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لها جانبان من حيث صِلتها بالشريعة وبالوحي ومصادر الوحي، هي ربّانية، هي فوق التاريخ.

ولكنْ، من حيث كونها هي عملاً قائماً على الساحة التاريخية، من حيث كونها جُهداً بشريّاً يقاوِم جهوداً بشريّة أُخرى، من هذه الناحية يُعتبر هذا عملاً تاريخياً، تَحْكُمُه سننُ التاريخ وتتحكّم فيه الضوابطُ التي وضعها الله سبحانه وتعالى؛ لتنظيم ظواهر الكون في هذه الساحة، المسمّاة بالساحة التاريخية؛ ولهذا نرى أنّ القرآن الكريم حينما يتحدّث عن الزاوية الثانية، عن الجانب الثاني من عمليّة التغيير، يتحدّث عن أُناسٍ، يتحدّث عن بشر، لا يتحدّث عن رسالة


السماء، بل يتحدّث عنهم بوصفهم بشراً من البشر، تتحكّمُ فيهم القوانين التي تتحكّمُ في الآخرين.

حينما أراد أنْ يتحدّث عن انتصار المسلمين في غزوة أُحُد بعد أنْ أحرزوا ذلك الانتصار الحاسم في غزوة بدر، بعد ذلك انكسروا وخسروا المعركة في غزوة أُحُد، تحدّث القرآنُ الكريم عن هذه الخسارة، ماذا قال؟ هل قال بأنّ رسالة السماء خسرتْ المعركة، بعد أنْ كانت ربحتْ المعركة؟

لا؛ لأنّ رسالة السماء فوق مقاييس النصر والهزيمة بالمعنى المادّي، رسالة السماء لا تُهْزَم، ولنْ تُهزم أبداً، ولكنّ الذي يُهزم هو الإنسان، الإنسان، حتى ولو كان هذا الإنسان مجسِّداً لرسالة السماء؛ لأنّ هذا الإنسان تتحكّم فيه سننُ التاريخ.

ماذا قال القرآن؟ قال:(وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (١) . هنا أخذ يتكلّم عنهم بوصفهم أُناساً، قال: بأنّ هذه القضية هي في الحقيقة ترتبط بسنن التاريخ، المسلمون انتصروا في بَدْرٍ حينما كانتْ الشروط الموضوعية للنصر - بحسب منطق سنن التاريخ - تَفْرُضُ أنْ ينتصروا، وخسروا المعركة في أُحد، حينما كانت الشروط الموضوعية في معركة أُُحد تفرض عليهم أنْ يخسروا المعركة.

( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ

____________

(١) سورة آل عمران: الآية (١٤٠).


مَسَّ القًوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (١) . لا تتخيلوا أنّ النصر حقٌّ إلهي لكم، وإنّما النصر حقّ طبيعي لكم، بقدر ما يمكن أنْ تُوَفِّروا الشروط الموضوعية لهذا النصر، بحسب منطق سنن التاريخ التي وضعها الله سبحانه وتعالى كونيّاً لا تشريعيّاً، وحيث إنّكم في غزوة أُحد لم تتوفّر لديكم هذه الشروط؛ ولهذا خسرتم المعركة.

فالكلام هنا كلام مع بشرٍ، مع عمليّةٍ بشريّةٍ، لا مع رسالة ربانيّة، بل يذهب القرآن إلى أكثر من ذلك، يهدِّد هذه الجماعة البشريّة، التي كانت أنظفَ وأطهرَ جماعةٍ على مسرح التاريخ، يهدِّدهم بأنّهم إذا لم يقوموا بدَورهم التاريخي، وإذا لم يكونوا على مستوى مسؤوليّةِ رسالةِ السماء، فإنّ هذا لا يعني أنْ تتعطّل رسالة السماء، ولا يعني أنْ تَسْكتْ سننُ التاريخ عنهم، بل إنّهم سوف يُستبدَلون، سننُ التاريخ سوف تَعْزِلُهم، وسوف تأتي بأُمَمٍ أُخرى قد تهيّأتْ لها الظروف الموضوعيّة الأفضل؛ لكي تلعب هذا الدور، لكي تكون شهيدة على الناس إذا لم تتهيّأ لهذه الأُمّة الظروف الموضوعيّة لهذه الشهادة(إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ

____________

(١) نفس الآية السابقة.


قَدِيرٌ) (١) ،(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ..) (٢) .

إذنْ فالقرآن الكريم إنّما يتحدّث مع الجانب الثاني من عملية التغيير، يتحدّث مع البشر في ضَعفه وقوّته، في استقامته وانحرافه، في توفُّر الشروط الموضوعيّة له وعدم توفّرها.

من هنا يظهر بأنّ البحث في سنن التاريخ مرتبطٌ ارتباطاً عضوياً شديداً بكتاب الله، بوصفه كتاب هدى، بوصفه إخراج للناس من الظلمات إلى النور؛ لأنّ الجانب العملي من هذه العملية، الجانب البشري، يخضع لسنن التاريخ، فلا بدّ إذنْ أنْ نستلهم، ولا بدّ إذنْ أنْ يكون للقرآن الكريم تصوّرات وعطاءات في هذا المجال؛ لتكوين إطار عام للنظرة القرآنيّة والإسلامية عن سنن التاريخ.

إذنْ هذا لا يشبه سنن الفيزياء والكيمياء والفلك والحيوان والنبات، تلك السنن ليستْ داخلة في نطاق التأثير المباشِر على عمليّة التاريخ، ولكنّ هذه السنن داخلةٌ في

____________

(١) سورة التوبة: الآية ( ٣٩ ).

(٢) سورة المائدة: الآية ( ٥٤ ).


نطاق التأثير المباشِر على عمليّة التغيير، باعتبار الجانب الثاني.

إذنْ لا بدّ من شرح ذلك، ولا بدّ أنْ نترقّب من القرآن إعطاءَ عموميّات في ذلك.

نعم لا ينبغي أنْ نترقّب من القرآن أنْ يتحوّل أيضاً إلى كتاب مَدْرسي في علم التاريخ وسنن التاريخ، بحيث يَستوعب كلّ التفاصيل وكلّ الجزئيات، حتى ما لا يكون له دخل في منطق عملية التغيير التي مارسها النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وإنّما القرآن الكريم يَحتفظ دائماً بوصفه الأساسي والرئيسي، يَحتفظ بوصفه كتاب هدايةٍ، كتاب إخراج للناس من الظلمات إلى النور.

وفي حدود هذه المهمة الكبيرة العظيمة التي مارسها، يعطي مقولاته على الساحة التاريخية، ويشرح سنن التاريخ بالقدر الذي يُلقي ضوءاً على عمليّة التغيير التي مارسها النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بقدر ما يكون مُوجِّهاً وهادياً وخالِقَاً لتبصُّر موضوعي للأحداث والظروف والشروط.

ونحن في القرآن الكريم نلاحظ أنّ الساحة التاريخيّة عامِرَة بسننٍ كما عمرت كل الساحات الكونيّة الأُخرى بسنن.

هذه الحقيقة نراها واضحةً في القرآن الكريم، فقد بيّنتْ هذه الحقيقة بأشكال مختلِفَة وبأساليب متعدِّدة في عددٍ كثيرٍ من الآيات بيّنت على مستوى إعطاء نفس هذا المفهوم بالنحو الكلي: إنّ للتاريخ سنن وإنّ للتاريخ قوانين.

وبيّنت هذه الحقيقة في آياتٍ أُخرى


على مستوى عرض هذه القوانين وبيان مصاديق ونماذج وأمثلة من هذه القوانين التي تتحكّم في المسيرة التاريخية للإنسان.

وبيّنت في سياق آخر على نحوٍ تمتزج فيه النظريّة مع التطبيق، أي بُيِّنَ المفهوم الكلّي، وبَيِّنٍ في إطار مِصداقه.

وفي آيات أُخرى حصل الحثّ الأكيد على الاستفادة من الحوادث الماضية وشحذ الهمم؛ لإيجاد عمليّة استقراء للتاريخ، وعمليّة الاستقراء للحوادث كما تعلمون هي عمليّة عِلْمِيّة بطبيعتها، تُريد أنْ تُفتِّش عن سُنّةٍ، عن قانونٍ، وإلاّ فلا معنى للاستقراء من دون افتراض سنّة أو قانون.

إذنْ هناك أَلْسِنَةٌ متعدِّدةٌ درجت عليها الآيات القرآنية في مقام توضيح هذه الحقيقة وبلورتها.


الدرس الرابع:

قلنا: إنّ هذه الفكرة القرآنيّة، عن سنن التاريخ، بُلْوِرَتْ في عددٍ كثير من الآيات بأشكال مختلِفة وأَلْسِنَة متعدّدة، في بعض هذه الآيات أُعطيتْ الفكرة بصيغتها الكلِّيّة، وفي بعض الآيات أُعطيتْ على مستوى التطبيق على مصاديق ونماذج.

في بعض الآيات وقع الحثُّ على الاستقراء وعلى الفحص الاستقرائي للشواهد التاريخيّة من أجل الوصول إلى السنّة التاريخية.

وهناك عددٌ كثير من الآيات الكريمة استعرضتْ هذه الفكرة بشكلٍ وآخر، وسوف نقرأ جملة من هذه الآيات الكريمة، وبعض هذه الآيات التي سنستعرضها واضحُ الدلالة على المقصود، والبعض الآخر له نحو دلالة بشكلٍ وآخر، أو يكون معزَّزاً ومؤيَّداً للروح العامّة لهذه الفكرة القرآنية...

فمن الآيات الكريمة التي أُعطيتْ فيها الفكرة الكلّيّة، فكرة أنّ التاريخ له سننٌ وضوابط ما يلي:( لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً


وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ) (١) .

( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ) (٢) .

نلاحظ في هاتين الآيتين الكريمتين أنّ الأجل أُضيف إلى الأُمّة، إلى الوجود المَجموعي للناس، لا إلى هذا الفرد بالذات أو هذا الفرد بالذات.

إذنْ، هناك وراء الأجل المحدود المحتوم لكلِّ إنسان بوصفه الفردي، هناك أجلٌ آخر، وميقات آخر للوجود الاجتماعي لهؤلاء الأفراد، للأُمّة بوصفها مُجتَمَعاً يُنْشَئ ما بين أفراده العلاقاتُ والصلات القائمة على مجموعة من الأفكار والمبادئ المُسْنَدَة بمجموعةٍ من القوى والقابليّات.

هذا المجتمع الذي يُعبِّر عنه القرآن الكريم بالأُمّة، هذا له أجلٌ، له موتٌ، له حياةٌ، له حركةٌ، كما أنّ الفرد يتحرّك فيكون حيّاً ثم يموت، كذلك الأُمّة تكون حيّةً ثم تموت، وكما أنّ موت الفرد يخضع لأَجَلٍ ولِقَانونٍ ولِنَاموسٍ، كذلك الأُمم لها آجالها المضبوطة، وهناك نواميس تحدِّد لكلِّ أُمّة هذا الأجَل.

إذنْ هاتان الآيتان الكريمتان فيهما عطاءٌ واضحٌ للفكرة الكلِّيَّة، فكرةُ أنّ التاريخ له سننٌ تتحكّم به وراء السنن الشخصية التي تتحكّم في الأفراد بهويّاتهم الشخصيّة.

( وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ

____________

(١) سورة يونس: الآية (٤٩).

(٢) سورة الأعراف: الآية (٣٤).


مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ) (١) .

( مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ) (٢).

( أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) (٣) .

ظاهر الآية الكريمة أنّ الأجل الذي يترقّب أنْ يكون قريباً، أو يهدّد هؤلاء بأنْ يكون قريباً، هو الأجل الجماعي لا الأجل الفردي؛ لأنّ قوماً بمجموعهم لا يموتون عادةً في وقتٍ واحدٍ، وإنّما الجماعة بوجودها المعنوي الكلِّي هو الذي يمكن أنْ يكون قد اقترب أجله.

فالأجل الجماعي هنا يعبِّر عن حالةٍ قائمةٍ بالجماعة، لا عن حالة قائمة بهذا الفرد أو بذاك؛ لأنّ الناس عادةً تختلِف آجالهم حينما ننظر إليها بالمنظار الفردي، لكنْ حينما ننظر إليهم بالمنظار الاجتماعي بوصفهم مجموعة واحدة متفاعلة في ظُلْمها وعَدْلها، في سرَّائها وضَرَّائها، حينئذ يكون لها أجلٌ واحدٌ، فهذا الأجل الجماعي المُشار إليه إنّما هو أجل الأُمّة، وبهذا تلتقي هذه الآية الكريمة مع الآيات السابقة.

( وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ

____________

(١) سورة الحجر: الآية: (٤ - ٥).

(٢) سورة المؤمنون: الآية (٤٣).

(٣) سورة الأعراف: الآية (١٨٥).


يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلاً * وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً ) (٢) .

( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) (٢) .

( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً ) (٣) .

في هاتين الآيتين الكريمتين تحدّث القرآن الكريم عن أنّه لو كان الله يريد أنْ يُؤاخذ الناس بظلمهم وبما كسبوا لَمَا ترك على ساحة الناس من دابّةٍ، ولأَهْلَكَ الناس جميعاً.

وقد وقعتْ مشكلةٌ في كيفيّة تصوير هذا المفهوم القرآني، حيث إنّ الناس ليسوا كلّهم ظالمين عادةً، فيهم الأنبياء، فيهم الأئمّة، الأوصياء. هل يشمل الهلاكُ الأنبياءَ والأئمّة العدول من المؤمنين؟

حتى إنّ بعض الناس استغلّ هاتَين الآيتين لإنكار عصمة الأنبياء (عليهم السلام) والحقيقة إنّ هاتين الآيتين تتحدّثان عن عِقاب دنيوي لا عن عقاب أُخروي، تتحدّث عن النتيجة الطبيعيّة لِمَا

____________

(١) سورة الكهف: الآية (٥٨-٥٩).

(٢) سورة النحل: الآية (٦١).

(٣) سورة فاطر: الآية (٤٥).


تكسبه أُمّةٌ عن طريق الظلم والطغيان. هذه النتيجة الطبيعية لا تختصّ حينئذٍ بخصوص الظالمين من أبناء المجتمع، بل تعمُّ أبناء المجتمع، على اختلاف هويّاتهم وعلى اختلاف أنحاء سلوكهم.

حينما وقع التَيْهُ على بني إسرائيل نتيجةَ ما كسب هذا الشعب بظُلمه وطُغيانه وتمرّده، هذا التَيْه لم يختص بخصوص الظالمين من بني إسرائيل، وإنّما شمل موسى (عليه السلام) شمل أطهر الناس وأزكى الناس، وأشجع الناس، في مواجهة الظَلَمة والطواغيت؛ لأنّ موسى (عليه السلام) جزءٌ من تلك الأُمّة، وقد حلّ الهلاك بها، قد قُرِّرَ نتيجةَ ظلمهم أنْ يتيهوا أربعين عاماً، وبهذا شمل التَيْهُ موسى (عليه السلام).

حينما حلّ البلاء والعذاب بالمسلمين نتيجة انحرافهم فأصبح يزيدُ بن معاوية خليفةً عليهم، يتحكّم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم وعقائدهم، حينما حلّ هذا البلاء لم يختص بالظالمين من المجتمع الإسلامي، وقتئذٍ شمل الحسينَ (عليه السلام)، أطهر الناس، وأزكى الناس، وأطيب الناس، وأعدل الناس.

شمل الإمام المعصوم (عليه السلام) فَقُتِلَ تلك القتلة الفظيعة، هو وأصحابه وأهل بيته، هذا كله هو منطق سُنّة التاريخ.

والعذاب حينما يأتي في الدنيا على مجتمعٍ وِفْقَ سنن التاريخ، لا يختصُّ بالظالمين من أبناء ذلك المجتمع، ولهذا قال القرآن الكريم في آيةٍ أُخرى:

( وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ


تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (١) .

بينما يقول في موضع آخر:

(وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (٢) .

فالعقاب الأخروي دائماً ينصب على العامل مباشرة، وأمّا العقاب الدنيوي فيكون أوسع من ذلك.

إذنْ هاتان الآيتان تتحدّثان عن سنن التاريخ، لا عن العقاب بالمعنى الأخروي والعذاب بمقاييس يوم القيامة، بل عن سنن التاريخ وما يمكن أنْ يحصل نتيجةَ كسب الأُمّة، سعي الأمّة، جهد الأمّة.

( وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ) (٣) .

هذه الآية الكريمة أيضا تؤكّد المفهوم العام، يقول:( وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ) هذه سُنّة سَلَكْناها مع الأنبياء من قبلك، وسوف تستمر، ولنْ تتغير، أهلُ مكّة يحالون أنْ يستفزِّوك لِتَخرج منْ مكّة؛ لأنّهم عجزوا عن إمكانيّة القضاء عليك، وعلى كلمتك، وعلى دعوتك، ولهذا صار أَمَامهم طريق واحد، وهو إخراجك منْ مكّة.

وهناك سنّة منْ سنن التاريخ - سوف يأتي شرحها بعد

____________

(١) سورة الأنفال: الآية (٢٥).

(٢) سورة فاطر: الآية (١٨).

(٣) سورة الإسراء: الآية (٧٦-٧٧).


ذلك - يُشار إليها في هذه الآية الكريمة، وهي: أنّه إذا وصلتْ عملية المعارضة إلى مستوى إخراج النبي منْ هذا البلد بعد عجز هذه المعارضة عن كل الوسائل والأساليب الأخرى، فإنّهم لا يلبِثُون بعده إلاّ قليلاً.

ليس المقصود منْ: (أنّهم لا يلبِثون إلاّ قليلاً) يعني أنّه سوف يَنزل عليهم عذاب الله سبحانه وتعالى من السماء؛ لأنّ أهل مكّة أخرجوا النبيَّ بعد نزول هذه السورة، استفزّوه وأرعبوه، وخرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من مكة إذ لم يجد له أماناً وملجأً فيها، فخرج إلى المدينة ولم ينزل عذاب من السماء على أهل مكة.

وإنّما المقصود في أكبر الظن منْ هذا التعبير أنّهم لا يمكثون كجماعةٍ صامدةٍ معارِضةٍ، يعني كموقعٍ اجتماعيً لا يمكثون، لا كأناس، كبشر، وإنّما هذا الموقع سوف ينهار نتيجةَ هذه العمليّة، لا يمكثون إلاّ قليلاً؛ لأنّ هذه النبوّة التي عجز هذا المجتمع عن تطويقها، سوف تستطيع بعد ذلك أنْ تهزّ هذه الجماعة كموقع للمعارَضة.

وهذا ما وقع فعلاً، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) حين أُخرج منْ مكّة لم يمكثوا بعده إلاّ قليلاً، إذْ فقدتْ المعارَضة في مكّة موقعَها، وتحوّلتْ مكّة إلى جزءٍ من دار الإسلام بعد سنين معدودة.

إذنْ الآية تتحدّث عن سنّة من سنن التاريخ، وتؤكّد وتقول:

( وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ).( قَدْ خَلَتْ مِنْ


قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ) (١) .

تؤكّد هذه الآية على السنن وتؤكّد على الحقّ والتتبع لأحداث التاريخ؛ من أجل استكشاف هذه السُنن والاعتبار بها.

(وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ... ) (٢) .

هذه الآية أيضاً تثبّتُ قلبَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، تحدِّثه عن التجارب السابقة، تربطه بقانون التجارب السابقة، توضّح له أنّ هناك سنّة تجري عليه وتجري على الأنبياء الذين مارسوا التجربة من قبله، وأنّ النصر سوف يأتيه ولكنْ للنصر شروطه الموضوعية: -

الصبر، والثبات، واستكمال الشروط. هذا هو طريق الحصول على هذا النصر، ولهذا يقول:

( فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ) .

إذنْ، هناك كلمةٌ لله لا تتبدّل على مرِّ التاريخ، هذه الكلمة هي علاقةٌ قائمةٌ بين النصر وبين مجموعة من الشروط والقضايا والمواصفات، وُضِّحَتْ في آياتٍ متفرقة وجُمِعَتْ على وجه الإجمال هنا. إذنْ فهناك سنّة للتاريخ.

(... فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً *

____________

(١) سورة آل عمران: الآية (١٣٧).

(٢) سورة الأنعام: الآية (٣٤).


اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ) (١) .

( وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ) (٢) .

هناك آياتٌ استعرضتْ نماذجَ من سنن التاريخ:

(..إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ.. ) (٣) .

المحتوى الداخلي النفسي والروحي للإنسان هو القاعدة، الوضع الاجتماعي هو البناء العلْوِي، لا يتغيّر هذا البناء العلوي إلاّ وِفقاً لتغيّر القاعدة على ما يأتي - إنْ شاء الله - شرحُهُ بعد ذلك.

هذه الآية إذنْ تتحدّث عن علاقة معيّنة بين القاعدة والبناء العلوي، بين الوضع النفسي والروحي والفكري للإنسان وبين الوضع الاجتماعي، بين داخل الإنسان وبين خارج الإنسان، فخارج الإنسان يصنعه داخل الإنسان، مرتبطٌ بداخل الإنسان، فإذا تغيَّر ما بنفس القوم تغيّر وضْعُهم، وعلاقاتهم، والروابط التي تربط بعضهم ببعض.

إذنْ فهذه سنّة

____________

(١) سورة فاطر: الآية (٤٣).

(٢) سورة الفتح: الآية (٢٢-٢٣).

(٣) سورة الرعد: الآية (١١).


من سنن التاريخ ربطت القاعدة بالبناء العلوي.

( ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ.. ) (١) .

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ) (٢) . يستنكِر عليهم أنْ يأملوا في أنْ يكون لهم استثناء من سنن التاريخ، هل تطمعون أنْ يكون لكم استثناء من سنة التاريخ، وأنْ تدخلوا الجنّة، وأنْ تُحقِّقوا النصر، وأنتم لم تعيشوا ما عاشتْه تلك الأُمم التي انتصرتْ ودخلت الجنّة، من ظروفِ البأساء والضراء التي تصل إلى حدِّ الزلزال، على ما عبّر القرآن الكريم؟

إنّ هذه الحالات - حالات البأساء والضراء - التي تتعَمْلق على مستوى الزلزال، هي في الحقيقة مدرسة للأمّة، هي امتحان لإرادة الأمّة، لصمودها، لثباتها؛ لكي تستطيع بالتدريج أنْ تكتسب القدرة على أنْ تكون أمّةً وسطاً بين الناس.

إذنْ نصر الله قريب، لكنّ النصر له طريق. هكذا يريد أنْ يقول القرآن: نصر الله ليس أمراً عفويّاً، ليس أمراً على سبيل الصُدفة، ليس أمراً عمياويّاً. نصر الله قريب

____________

(١) سورة الأنفال: الآية (٥٣).

(٢) سورة البقرة: الآية (٢١٤).


ولكنْ اهْتدِ إلى طريقه، الطريق لا بدّ أنْ تعرف فيه سنن التاريخ، لا بدّ وأنْ تعرف فيه منطق التاريخ؛ لكي تستطيع أنْ تهتدي فيه إلى نصر الله سبحانه وتعالى.

قد يكون الدواء قريباً من المريض، لكنْ إذا كان هذا المريض لا يعرف تلك المعادلة العلميّة التي تؤدِّي إلى إثبات أنّ هذا الدواء يقضي على جرثومة هذا الداء، لا يستطيع أنْ يَستعمِل هذا الدواء، حتى ولو كان قريباً منه.

إذنْ، الاطِّلاع على سنن التاريخ هو الذي يُمكِّن الإنسان من التوصل إلى النصر، فهذه الآية تَستنكِر على المخاطَبين لها أنْ يكونوا طامعين في الاستثناء من سنن التاريخ.

(... وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ.. ) (١) .

هذه علاقة قائمة بين النبوّة على مَرِّ التاريخ، وبين موقع المُترَفين والمسرِفين في الأمم والمجتمعات. هذه العلاقة تمثّل سنّة من سنن التاريخ، وليستْ ظاهرة وقعتْ في التاريخ صُدفة، وإلاّ لَمَا تكرّرتْ بهذا الشكل المطّرد لمّا قال: -

( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا )

إذنْ، هناك علاقة سلبيّة، هناك علاقة تَطَارد وتناقض بين

____________

(١) سورة سبأ: الآيات (٣٤-٣٥).


موقع النبوّة الاجتماعي في حياة الناس على الساحة التاريخية، والموقع الاجتماعي للمُترفين والمسرفين.

هذه العلاقة ترتبط في الحقيقة بدور النبوّة في المجتمع، ودور المترفين والمسرفين في المجتمع. هذه العلاقة جزء من رؤية موضوعية عامة للمجتمع، بما سوف يتّضح إنْ شاء الله حينما نبحث عن دور النبوّة في المجتمع والمَوقع الاجتماعي للنبوّة، سوف يتّضح حينئذٍ أنّ النقيض الطبيعي للنبوة هي موقع المُترفين والمُسرفين. إذنْ هذه سنة من سنن التاريخ.

(.. وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً ) (١) .

هذه الآية أيضاً تتحدّث عن علاقة معيّنة بين ظلمٍ يسود ويسيطر، وبين هلاكٍ تُجرُّ إليه الأمّة جرّاً، وهذه العلاقة أيضاً الآيةُ تؤكِّد أنّها علاقةٌ مطَّرِدة على مرِّ التاريخ، وهي سنّة من سنن التاريخ.

( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم... ) (٢) .

( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ

____________

(١) سورة الإسراء: الآية (١٦-١٧).

(٢) سورة المائدة: الآية (٦٦).


وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) (١) .

( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقاً ) (٢) .

هذه الآيات الثلاث تتحدّث عن علاقة معيّنة، هي علاقة بين الاستقامة وتطبيق أحكام الله سبحانه وتعالى، وبين وَفرة الخيرات وكثرة الإنتاج وبِلُغَةِ اليوم بين عدالة التوزيع وبين وَفرة الإنتاج. القرآن يؤكِّد أنّ المجتمع الذي تسوده العدالة في التوزيع، هذه العدالة في التوزيع التي عبّر عنها القرآن تارةً:

( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً ) ،وأخرى:

( لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ ) ، وأُخرى بأنّهم:

( لَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ ) ؛ لأنّ شريعة السماء نزلتْ من أجل تقرير عدالة التوزيع، من أجل إنشاء علاقات التوزيع على أُسسٍ عادلةٍ. يقول: -

لو أنّهم طبّقوا عدالة التوزيع لَمَا وقعوا في ضيقٍ من ناحية الثروة المُنْتَجَة، وفي فقرٍ، بل لازداد الثراء والمال وازدادت الخيرات والبركات، لكنّهم تخيّلوا أنّ عدالة التوزيع تقتضي الفقر، بينما الحقيقة السُنّة التاريخية تؤكِّد عكس ذلك، تؤكِّد بأنّ

____________

(١) سورة الأعراف: الآية (٩٦).

(٢)سورة الجن: الآية (١٦).


تطبيق شريعة السماء وتجسيد أحكامها في علاقات التوزيع تؤدِّي - دائماً وباستمرار - إلى زيادة الإنتاج وإلى كثرة الثروة، إلى أنْ يفتح على الناس بركات السماء والأرض. إذنْ هذه أيضاً سنّة من سنن التاريخ.

وهناك آيات أُخرى أكّدتْ على الاستقراء والنظر والتدبّر في الحوادث التاريخية، من أجل تكوين نظرة استقرائية من أجل الخروج بنواميس وسنن كونية للساحة التاريخية: -

( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ) (١) .

( أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) (٢) .

( فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ... ) (٣) .

( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ

____________

(١) سورة محمّد: الآية (١٠).

(٢) سورة يوسف: الآية (١٠٩).

(٣) سورة الحج: الآية (٤٥ - ٤٦).


شَهِيدٌ ) (١) .

من مجموع هذه الآيات الكريمة يتبلْور المفهوم القرآني، وهو تأكيد القرآن على أنّ الساحة التاريخية لها سنن ولها ضوابط، كما يكون هناك سنن وضوابط لكل الساحات الكونية الأُخرى.

وهذا المفهوم القرآني يُعتبر فتْحاً عظيماً للقرآن الكريم؛ لأنّنا - بحدود ما نعلم القرآن - أوّلُ كتابٍ عَرَفَهُ الإنسان أكّد على هذا المفهوم وكشف عنه وأصرّ عليه، وقاوم بكلّ ما لديه من وسائل الإقناع والتفهيم، قاوم النظرة العَفَوِيَّة أو النظرة الغيبيّة الاستسلامية بتفسير الأحداث.

الإنسان الاعتيادي كان يفسِّر أحداث التاريخ بوصفها كومة متراكِمة من الأحداث، يفسِّرها على أساس الصُدفة - تارةً - وعلى أساس القضاء والقدرة والاستسلام لأمر الله سبحانه وتعالى.

القرآن الكريم قاوم هذه النظرة العَفَوِيَّة، وقاوم هذه النظرة الاستسلامية، ونبَّه العقلَ البَشَرِي إلى أنّ هذه الساحة لها سنن ولها قوانين، وأنّه لكي تستطيع أنْ تكون إنساناً فاعِلاً مؤثِّراً لا بدّ لك أنْ تكتشف هذه السنن، لا بدّ وأنْ تتعرّف على هذه القوانين؛ لكي تستطيع أنْ تتحكّم فيها، وإلاّ تحكّمتْ هي فيك وأنت مُغْمَضُ العينين، افتح عينيك على هذه

____________

(١) سورة ق: الآية (٣٦-٣٧).


القوانين وعلى هذه السنن؛ لكي تكون أنت المتحكِّم، لا لكي تكون هذه السنن هي المتحكِّمة فيك.

هذا الفتح القرآني الجليل، هو الذي مهّد إلى تنبيه الفكر البشري بعد ذلك بقرونٍ، إلى أنْ تَجْرِي محاولات لفهم التاريخ فهْماً عمليّاً.

بعد نزول القرآن بثمانية قرون بدأتْ هذه المحاولات على أيدي المسلمين أنفسهم، فقام ابن خلدون بمحاولة لدراسة التاريخ، وكشف سُنَنِهِ وقوانينه، ثمّ بعد ذلك بأربعة قرونٍ - على أقلّ تقديرٍ - اتجه الفكر الأوربِّي في بدايات ما يُسمَّى بعصر النهضة، بدأ؛ لكي يجسِّد هذا المفهوم الذي ضيَّعه المسلمون، والذي لم يستطع المسلمون أنْ يتوغّلوا إلى أعماقه.

هذا المفهوم أخذه الفكر الغربي في بدايات عصر النهضة، وبدأتْ هناك أبحاث مُتنوِّعة ومُختلِفة، حول فهم التاريخ وفهم سُنَنه، ونشأتْ على هذا الأساس اتجاهات مثاليّة ومادِّية ومتوسِّطة ومدارس متعدِّدة، كلُّ واحدةٍ منها تُحاوِل أنْ تحدّد نواميس التاريخ، وقد تكون المادّية التاريخيّة أشهر هذه المدارس، وأَوسعها تَغَلْغُلاً، وأكثرها تأثيراً في التاريخ نفسه.

إذنْ كلّ هذا الجهد البشري - في الحقيقة - هو استمرار لهذا التنبيه القرآني، ويبقى للقرآن الكريم مَجْدُه في أنّه طرح هذه الفكرة لأوّل مرّة على ساحة المعرفة البشريّة.


الدرس الخامس:

من خلال استعراضنا السابق للنصوص القرآنية البيِّنة، التي أوضحتْ فكرة السنن التاريخية، وأكّدت عليها، يمكننا أنْ نستخلص - من خلال المقارنة بين تلك النصوص - ثلاث حقائق أكّد عليها القرآن الكريم بالنسبة إلى سنن التاريخ: -

الحقيقة الأولى:

هي الاطّراد بمعنى أنّ السنّة التاريخية مطّرِدة، ليست علاقة عشوائية ذات طابع موضوعي، لا تتخلّف في الحالات الاعتيادية التي تجري فيها الطبيعة والكون وعلى السنن العامة.

وكان التأكيد على طابع الاطّراد في السنة تأكيداً على الطابع العلمي للقانون التاريخي؛ لأنّ القانون العلمي أهم مميِّز يميِّزه عن بقية المعادلات والفروض هو الاطّراد والتتابع وعدم التخلّف.

ومن هنا استهدَف القرآن الكريم من خلال التأكيد على طابع الاطّراد في السنة التاريخية، استهدَف أنْ


يؤكِّد على الطابع العلمي لهذه السنّة، وأنْ يخلق في الإنسان المسلم شعوراً على جريان أحداث التاريخ، متصبِّراً لا عشوائياً، ولا مستسلِماً ولا ساذِجاً.

( وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ) (١) .

( وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ) (٢) .

( وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ) (٣) .

هذه النصوص القرآنية تُقدّم استعراضاً، تؤكِّد فيه طابع الاستمراريّة والاطّراد، أي طابع الموضوعيّة والعلميّة للسنّة التاريخيّة، وتستنكِر هذه النصوص الشريفة، كما تقدّم في بعضها أنْ يكون هناك تفكير أو طمع لدى جماعة من الجماعات، بأنْ تكون مستثناة من سنّة التاريخ.

( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ) (٤).

هذه الآية تستنكر على مَن يطمع في أنْ يكون حالة استثنائية من سنّة التاريخ، كما شرحنا في ما مضى.

إذن الروح العامّة للقرآن تؤكِّد على هذه الحقيقة الأولى، وهي حقيقة

____________

(١) سورة الأحزاب: الآية (٦٢).

(٢) سورة الإسراء: الآية (٧٧).

(٣) سورة الأنعام: الآية (٣٤).

(٤) سورة البقرة: الآية (٢١٤).


الاطّراد في السنّة التاريخية الذي يعطيها الطابع العلمي؛ مِن أجل تربية الإنسان على ذِهنيّةٍ واعية علميّة، يتصرّف في إطارها ومِن خلالها مع أحداث التاريخ.

الحقيقة الثانية:

الحقيقة الثانية التي أكّدتْ عليها النصوصُ القرآنيّة هي ربّانيّة السنّة التاريخية.

إنّ السنة التاريخية ربّانيّة مرتبِطة بالله سبحانه وتعالى، سُنّة الله، كلمات الله، على اختلاف التعبير، بمعنى أنّ كلّ قانونٍ من قوانين التاريخ، هو كلمةٌ من الله سبحانه وتعالى، وهو قرار ربّاني.

هذا التأكيد مِن القرآن الكريم على ربّانيِّة السُنّة التاريخية وعلى طابعها الغيبي، يستهدف: -

* شدّ الإنسان - حتى حينما يريد أنْ يستفيد من القوانين الموضوعيّة للكون - شدّه بالله سبحانه وتعالى.

* وإشعار الإنسان بأنّ الاستعانة بالنظام الكامل لمختلف الساحات الكونيّة والاستفادة مِن مختلف القوانين والسنن التي تتحكّم في هذه الساحات، ليس ذلك انعزالاً عن الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ الله يمارِس قدرتَه من خلال هذه السُنن، ولأنّ هذه السنن والقوانين هي إرادة الله، وهي مُمَثَّلَةٌ لحكمة الله وتدبيره في الكون.

وقد يتوهّم البعضُ أنّ هذا الطابع الغَيبي الذي يُلْبِسُهُ القرآنُ


الكريم للتاريخ وللسنن التاريخية، يُبعِّد القرآن عن التفسير العلمي الموضوعي للتاريخ، ويجعله يتّجه اتجاه التفسير الإلهي للتاريخ، الذي مثَّلتْه مدرسةٌ مِن مدارس الفكر اللاهوتي، على يد عددٍ كبير مِن المفكّرين المسيحيين واللاهوتيين، حيث فسّروا تفسيراً إلهيّا قد يخلط هذا الاتّجاه القرآني بذلك التفسير الإلهي، الذي اتجه إليه (أغسطين) وغيره من المفكرين اللاهوتيين، فيقال:

بأنّ إسباغ هذا الطابع الغيبي على السنّة التاريخية، يحوِّل المسألة إلى مسألةٍ غيبيّةٍ وعقائديّة، ويَخرج التاريخ عن إطاره العلمي الموضوعي. ولكنّ الحقيقة أنّ هناك خَلْطاً أساسيّاً بين: -

الاتجاه القرآني وطريقة القرآن في ربط التاريخ بعالم الغيب، وفي إسباغ الطابع الغيبي على السنّة التاريخية،وبين ما يُسمّى بالتفسير الإلهي للتاريخ الذي تبنّاه اللاهوت.

هناك فرق كثير بين هذين الاتجاهين وهاتين النزعتين، وحاصل هذا الفرق هو: -

* إنّ الاتجاه اللاهوتي - التفسير الإلهي للتاريخ - يتناول الحادِثة نفسَها، ويربط هذه الحادثة بالله سبحانه وتعالى، قاطِعَاً صِلتها وروابطها مع بقيّة الحوادث، فهو يطرح الصِلة مع الله بديلاً عن صِلة الحادثة مع بقيّة الحوادث، بديلاً عن العلاقات والارتباطات التي تزخر بها الساحة


التاريخية والتي تُمثِّل السنن والقوانين الموضوعيّة لهذه الساحة.

* بينما القرآن الكريم لا يسبغ الطابع الغيبي على الحادثة بالذات.

ولا يَنتزِع الحادثة التاريخية مِن سياقها؛ ليربطها مباشرةً بالسماء.

ولا يطرح صِلة الحادثة بالسماء كبديلٍ عن أوجه الانطباق والعلاقات والأسباب والمسبّبات على هذه الساحة التاريخية.

بل إنّه يربط السنّة التاريخية بالله، يربط أوجه العلاقات والارتباطات بالله، فهو يقرِّر أوّلاً ويؤمِنُ بوجود روابطٍ وعلاقاتٍ بين الحوادث التاريخية، إلاّ أنّ هذه الروابط والعلاقات بين الحوادث التاريخية، هي في الحقيقة تعبير عن حكمة الله سبحانه وتعالى، وحسن تقديره وبناءه التكويني للساحة التاريخية.

إذا أردنا أنْ نستعين بمثالٍ لتوضيح الفرق بين هذين الاتجاهَين من الظواهر الطبيعية، نستطيع أنْ نستخدم هذا المثال: -

قد يأتي إنسانٌ فيُفسّر ظاهرة المطر، التي هي ظاهرة طبيعيّة فيقول: بأنّ المطر نزل بإرادةٍ من الله سبحانه وتعالى، ويجعل هذه الإرادة بديلاً عن الأسباب الطبيعيّة التي نَجَمَ عنها نزول المطر، وكأنّ المطر حادثةٌ لا علاقة لها ولا تُنسَب لها، وإنّما هي مفردة تُرتبَط - مباشرةً - بالله سبحانه وتعالى بِمَعْزِلٍ عن تيّار الحوادث.

هذا النوع من الكلام يتعارَض مع التفسير العِلْمي لظاهرة المطر.


لكنْ، إذا جاء شخصٌ وقال: بأنّ الظاهرة - ظاهرة المطر - لها أسبابها وعلاقاتها، وإنّها مرتبطة بالدَوْرَة الطبيعية للماء مثلاً، يتبخّر فيتحوّل إلى غاز، والغاز يتصاعد سحاباً، والسحاب يتحوّل بالتدريج إلى سائل؛ نتيجة انخفاض الحرارة، فينزل المطر، إلاّ أنّ هذا التسلسل السببي المُتقَن، هذه العلاقات المتشابِكة بين الظواهر الطبيعية، هي تعبيرٌ عن حكمة الله وتدبيره وحسن رعايته.

فمثل هذا الكلام لا يتعارض مع الطابع العلمي للتفسير الموضوعي لظاهرة المطر؛ لأنّنا ربطنا هنا السنّة بالله سبحانه وتعالى للحادِثة، مع عزلها عن بقية الحوادث، وقطع ارتباطها مع مؤثراتها وأسبابها.

إذنْ، القرآن الكريم حينما يسبغ الطابع الربّاني على السنّة التاريخية، لا يريد أنْ يتّجه اتجاه التفسير الإلهي في التاريخ، ولكنّه يريد أنْ يؤكّد أنّ هذه السنن ليست خارجةً من وراء قدرة الله سبحانه وتعالى، وإنّما هي تعبير وتجسيد وتحقيق لقدرة الله، هي كلماته وسننه وإرادته وحكمته في الكون؛ لكي يبقى الإنسان دائماً مشدوداً إلى الله، لكي تبقى الصلة الوثيقة بين العِلم والإيمان، فهو في نفس الوقت الذي ينظر فيه إلى هذه السنن نظرةً علميّة، ينظر أيضاً إليها نظرةً إيمانيّة.

وقد بلغ القرآن الكريم في حرصه على تأكيد الطابع الموضوعي للسنن التاريخية


وعدم جعلها مرتبطة بالصُدَف، أنّ نفس العمليّات الغيبيّة أناطها في كثيرٍ من الحالات بالسنّة التاريخية نفسها أيضاً، عملية الإمداد الإلهي بالنصر، الإمداد الإلهي الغيبي، الذي يساهم في كسب النصر، هذا الإمداد جعله القرآن الكريم مشروطاً بالسنّة التاريخية، مرتبِطاً بظروفها، غير مُنْفَكٍ عنها، وهذه الروح أبْعَد ما تكون عن أنْ تكون روحاً تفسِّر التاريخ على أساس الغيب، وإنّما هي روح تفسّر التاريخ على أساس المنطق والعقل والعلم، وحتى ذاك الإمداد الإلهي الذي يساهم بالنصر - ذاك الإمداد أيضا - رُبط بالسنّة التاريخية.

قرأنا في ما سبق صيغةً من صِيَغ السنن التاريخية للنصر، حينما قرأْنَا قوله سبحانه وتعالى: -

( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ... ) (١) .

والآن تعالَوا نتحدّث عن الإمداد الغيبي؛ لنلاحظ كيف أنّ هذه الآيات ربطتْ هذا الإمداد الإلهي الغيبي بتلك السنّة نفسها أيضاً: -

( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (٢) .

إذنْ فمن الواضح أنّ الطابع الربّاني الذي يُسبِغه القرآن الكريم ليس بديلاً عن التفسير

____________

(١) سورة البقرة الآية (٢١٤).

(٢) سورة الأنفال الآية (٩-١٠).


الموضوع، وإنّما هو ربْط هذا التفسير الموضوعي بالله سبحانه وتعالى؛ من أجل إتمام اتجاه الإسلام نحو التوحيد بين العلم والإيمان في تربية الإنسان المسلم.

الحقيقة الثالثة:

الحقيقة الثالثة التي أكّد عليها القرآن الكريم من خلال النصوص المتقدِّمة هي: -

حقيقة اختيار الإنسان، وإرادة الإنسان.

والتأكيد على هذه الحقيقة في مجال استعراض سنن التاريخ مهم جدّاً، إذ سوف يأتي إنْ شاء الله تعالى بعد محاضرتين، أنّ البحث في سنن التاريخ خَلَقَ وَهْمَاً، وحاصل هذا الوهم الذي خَلَقَه هذا البحث عند كثيرٍ من المفكِّرين: أنّ هناك تعارضاً وتناقضاً بين حريّة الإنسان واختياره، وبين سنن التاريخ. فإمّا أنْ نقول:

* بأنّ للتاريخ سُنَنُه وقوانينه، وبهذا نتنازل عن إرادة الإنسان واختياره وحرِّيّته.

* وإمّا أنْ نُسلّم: بأنّ الإنسان كائنٌ حرٌّ مُريد مُختار، وبهذا يجب أنْ نُلغي سننَ التاريخ وقوانينه، ونقول بأنّ هذه الساحة قد أُعفِيَتْ من القوانين التي لم تُعفى منها بقيّة الساحات الكونية.

هذا الوَهْم، وهمُ التعارض والتناقُض بين فكرة السنّة التاريخية أو القانون التاريخي، وبين فكرة اختيار الإنسان وحرِّيته، هذا


الوهم كان من الضروري للقرآن الكريم أنْ يُزيحه، وهو يعالِج هذه النقطة بالذات، ومن هنا أكّد سبحانه وتعالى على أنّ المحور في تسلسل الأعداد والقضايا إنّما هو إرادة الإنسان.

وسوف أتناول - إنْ شاء الله تعالى بعد محاضرتين - الطريقةَ الفنّية في كيفيّة التوجيه بين سنن التاريخ وإرادة الإنسان، وكيف استطاع القرآن الكريم أنْ يجمع بين هذين الأمرين، من خلال فحْص للصِيَغ التي يُمكن في إطارها صياغة السنّة التاريخية. سوف أتكلّم عن ذلك بعد محاضرتين، لكن يكفي الآن أنْ نستمِع إلى قوله تعالى: -

( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (١) .

( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً ) (٢) .

( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً ) (٣) .

انظروا كيف أنّ السنن التاريخية لا تجري من فوق يد الإنسان بل تجري من تحت يده، فإنّ الله لا يُغيّر ما بقومٍ حتّى يغيِّروا ما بأنفسهم، وأَلّوِ استقاموا على الطرِيقَة لأَسقَيناهم ماءً غدقاً

إذنْ، هناك مواقف ايجابية للإنسان تمثِّل حرِّيته واختياره وتصميمه، وهذه المواقف تستتبع ضمن

____________

(١) سورة الرعد: الآية (١١).

(٢) سورة الجن: الآية (١٦).

(٣) سورة الكهف: الآية (٥٩).


علاقات السنن التاريخية، تستتبع جزاءاتها المناسبة، تستتبع معلولاتها المناسبة. إذنْ، فاختيار الإنسان، له موضعه الرئيسي في التصوّر القرآني لسنن التاريخ، وسوف أعود إلى هذه النقطة مرةً أخرى بإذن الله تعالى.

إذن، نستخلص مِمّا سبق أنّ السنن التاريخية، أنّ السنن القرآنية في التاريخ: -

* ذات طابع علمي؛ لأنّها تتميّز بالاطِّراد الذي يميّز القانوني العلمي.

* وذات طابع ربّاني؛ لأنّها تمثِّل حكمة الله، وحسن تدبيره على الساحة التاريخية.

* وذات طابع إنساني؛ لأنّها لا تفصل الإنسان عن دوره الايجابي، ولا تعطّل فيه إرادته وحرِّيته واختياره، وإنّما تؤكِّد أكثر فأكثر مسؤوليَّته على الساحة التاريخية.

الآن بعد أنْ استعرضنا الخصائص الثلاث، التي تتميّز بها السنن التاريخية في القرآن الكريم، نواجه هذا السؤال: -

* ما هو ميدان هذه السنن التاريخية؟

كنّا حتى الآن نعبِّر ونقول: بأنّ هذه السنن تجري على الساحة التاريخية، لكن

* هل أنّ الساحة التاريخية بامتدادها هي ميدان للسنن التاريخية؟

* أو أنّ ميدان السنن التاريخية يُمثّل جزءً من الساحة التاريخية؟ بمعنى أنّ الميدان الذي يخضع للسنن التاريخية - بوصفها قوانين ذات طابع نوعي - مختلف عن القوانين الأخرى الفيزيائيّة


والفسلجيّة والبيولوجيّة والفلكيّة، هذا الميدان الذي يخضع لقوانين ذات طابع نوعي مختلف، هذا الميدان،

* هل تَتَّسِع له الساحة التاريخية؟

* هل يستوعِب كلّ الساحة التاريخية، أو يعبر عن جزء من الساحة التاريخية؟

لكن قبل هذا، يجب أنْ نعرف ماذا نقصد بالساحة التاريخية؟

الساحة التاريخية عبارة عن: -

الساحة التي تَحوي تلك الحوادث والقضايا التي يهتمُّ بها المؤرِّخون، المؤرِّخون أصحاب التواريخ بمجموعةٍ من الحوادث والقضايا يسجِّلونها في كُتُبهم، والساحة التي تزخر بتلك الحوادث التي يهتمّ بها المؤرِّخون ويسجِّلونها هي الساحة التاريخية، فالسؤال هنا إذنْ هكذا:

* هل أنّ كلّ هذه الحوادث والقضايا التي يربطها المؤرِّخون، وتدخل في نطاق مُهِمّتهم التاريخية والتسجيلية، هل كلُّها محكومة بالسنن التاريخية، بسنن التاريخ ذات الطابع النوعي المتميِّز عن سنن بقية حدود الكون والطبيعة؟

* أو أنّ جزءً معيّناً من هذه الحوادث والقضايا هو الذي تحكمه سنن التاريخ؟

الصحيح إنّ جزءً معيّناً من هذه الحوادث والقضايا هو الذي تحكمه سنن التاريخ، هناك حوادثٌ لا تنطبق عليها سنن التاريخ بل تنطبق عليها القوانين الفيزيائية أو الفسلجيّة أو قوانين الحياة أو أي قوانين أخرى لمختلف الساحات الكونية الأخرى، مثلاً: -

موت أبي طالبٍ، موت خديجة، في سَنَةٍ معيّنةٍ، حادِثَةٌ تاريخيةٌ مهمّةٌ


تدخل في نطاق ضبط المؤرِّخين.

وأكثر من هذا، هي حادثةٌ ذاتُ بُعْدٍ في التاريخ، ترتَّبتْ عليها آثارٌ كثيرة، ولكنّها لا يَحكُمها سُنّة تاريخية، بل تحكمها قوانين فسلجيّة، تحكمها قوانين الحياة التي فرضت أنْ يموت أبو طالبٍ (صلوات الله عليه) وأنْ تموت خديجة (عليها السلام) في ذلك الوقت المحدد.

هذه الحادثة تدخل في نطاق صلاحيّات المؤرِّخين، ولكنّ الذي يتحّكم في هذه الحادِثة هي قوانينُ فَسْلَجِةِ جِسم أبي طالبٍ وجسم خديجةٍ، قوانين الحياة التي تفرض المَرض والشيخوخة ضمن شروط معيّنة وظروف معيّنة.

حياة عثمان بن عفان الخليفة الثالث، طولُ عمره، حادِثَة تاريخية، فقد ناهز الثمانين، طبعاً هذه الحادثة التاريخية كانَ لها أثرٌ عظيم في تاريخ الإسلام، لو قُدِّر لهذا الخليفة أنْ يموت موتاً طبيعياً وِفقاً لقوانينه الفَسْلَجِيّة قبل يوم الثورة، كان من الممكن أنْ تتغيّر كثيرٌ من معالم التاريخ، كان من المحتمل أنْ يأتي الإمام أمير المؤمنين إلى الخلافة بدون تناقضات وبدون ضجيج وبدون خلاف، لكنّ قوانين فَسْلَجَة جسم عثمان بن عفان اقتضتْ إن يمتدّ به العمر إلى أنْ يُقْتَل من قِبَلِ الثائرين عليه، من المسلمين.

هذه حادثة تاريخية - بمعنى أنّها تدخل في اهتمامات المؤرِّخين، ولها بُعْدٌ تاريخي أيضاً - لعبت


دوراً سلباً أو إيجاباً في تكييف الأحداث التاريخية الأخرى، ولكنّها لا تتحكّم فيها سنن التاريخ. إنّ الذي يتحكّم في ذلك قوانينُ بُنْيَةِ جِسْمِ عثمان، قوانين الحياة وقوانين جسم الإنسان، التي أعطتْ لعثمان بن عفان عمراً ناهَزَ الثمانين.

مواقف عثمان بن عفان وتصرّفاته الاجتماعية تدخل في نطاق سنن التاريخ، لكن طول عُمْر عثمان بن عفان مسألة أخرى، مسألة حياتيّة أو مسألة فَسْلَجِيَّة أو مسألة فيزيائيّة، وليستْ مسألة تتحكّم فيها سنن التاريخ.

إذنْ، سنن التاريخ لا تتحكّم على كل الساحة التاريخية، لا تتحكّم على كلّ القضايا التي يُدْرِجها الطبري في تاريخه، بل على ميدان معيّن من هذه الساحات، يأتي ذكره إنْ شاء الله.


الدرس السادس:

قلنا إنّ الساحة التاريخية ساحةُ اهتمامات المؤرِّخين، لا يستوعِبُها كلُّ التاريخ؛ لأنّ هذه الساحة تشتمِل على ظواهر كونية وطبيعية، فيزيائيّة وحياتيّة وفَسْلجية أيضاً. هذه الظواهر تحكُمها قوانينُها النوعيّة، على الرغم مِن أنّ بعض هذه الظواهر ذاتُ أهميّةٍ بالمنظار التاريخي.

مِن منظار المؤرِّخين تعتبر هذه حوادث ذات أهميّة، لها بُعْدٌ زمني في امتدادِ وتيّارِ الحوادث التاريخيّة، ولكنّها - مع هذا - لا تَحكمها سنن التاريخ، بل تَحكمها سننُها الخاصّة.

سنن التاريخ تَحكم ميداناً معيّناً من الساحة التاريخية. هذا الميدان يشتمل على ظواهر متميِّزة تَميُّزاً نوعيّاً عن سائر الظواهر الكونية والطبيعية، وباعتبار هذا التميُّز النوعي استحقّتْ سنناً متميِّزة أيضاً تميُّزاً نوعيّاً عن سنن بقية الساحات الكونية.

المميِّز العام للظواهر التي تدخل في نطاق سنن التاريخ هو أنّ هذه الظواهر تحمِل علامةً جديدة لم تكنْ موجودة في سائر الظواهر الأخرى الكونيّة


والطبيعية والبشرية. الظواهر الكونيّة والطبيعيّة كلّها تحمِل علاقةً ظاهرة، بسببِ مُسَبَّبٍ، بسبب نتيجة بمقدِّمات، هذه العلاقة موجودة في كلّ الظواهر الكونية والطبيعية.

الغليان ظاهرة طبيعية مرتبِطة بظروف معيّنة، بدرجة حرارة معيّنة، بدرجةٍ معيّنةٍ مِمَّنْ قرَّبَ هذا الماء من النار. هذا الارتباط ارتباط المُسبب بالسبب، العلاقة هنا علاقة السببية، علاقة الحاضر بالماضي بالظروف المُسبَقة المُنجَزة.

لكنْ هناك ظواهر على الساحة التاريخية تَحمل علاقةً مِن نَمَطٍ آخر، وهي علاقةٌ ظاهرةٌ بهدفٍ، علاقةُ نشاطٍ بِغَايَةٍ، أو ما يُسمّيه الفلاسفة بالعلّة الغائية، تميّزاً عن العلّة الفاعليّة.

هذه العلاقة علاقة جديدة متميّزة، غليان الماء بالحرارة، يَحمل مع سببه مع ماضيه، لكنْ لا يحمل علاقةً مع غايةٍ ومع هدف ما لم يتحوّل إلى فعلٍ إنساني، والى جُهد بشري، بينما العمل الإنساني الهادف يحتوي على علاقةٍ لا فقط مع السبب، لا فقط مع الماضي، بل مع الغاية التي هي غير موجودة حين إنْجاز هذا العمل، وإنّما يترقّب وجودها.

أي العلاقة هنا علاقة مع المستقبل لا مع الماضي، الغاية دائماً تمثِّل المستقبل بالنسبة إلى العمل، بينما السبب يمثّل الماضي بالنسبة إلى هذا العمل.

فالعلاقة التي يتميّز بها العمل التاريخي، العمل الذي


تَحكمه سنن التاريخ هو أنّه عمل هادف، عملٌ يرتبِط بعلّة غائيّة سواء كانت هذه الغاية صالحة أو طالحة، نظيفة أو غير نظيفة، على أي حالٍ يعتبر هذا عملاً هادفاً، يعتبر نشاطاً تاريخيّاً، يَدخل في نطاق سنن التاريخ، على هذا الأساس وهذه الغايات التي يرتبط بها هذا العمل الهادِف المسؤول، هذه الغايات حيث إنهاّ مستقبليّة بالنسبة إلى العمل، فهي تؤثّر من خلال وجودها الذهني في العامل لا محالة؛ لأنّها بوجودها الخارجي، بوجودها الواقعي، طموح وتطلّع إلى المستقبل، ليست موجودة وجوداً حقيقيّاً، وإنّما تؤثّر من خلال وجودها الذهني في الفاعل.

إذنْ المستقبل أو الهدف الذي يشكِّل الغاية للنشاط التاريخي يؤثِّر في تحريك هذا النشاط وفي بَلْوَرَتِهِ من خلال الوجود الذهني، أي من خلال الفكر الذي يَمْثُلُ فيه الوجود الذهني للغاية، ضمن شروط ومواصفات، حينئذٍ يؤثّر في إيجاد هذا النشاط، إذ حصلْنا الآن على مميّز نوعي للعمل التاريخي لظاهرة على الساحة التاريخية، هذا المميِّز غير موجود بالنسبة إلى سائر الظواهر الأخرى على ساحات الطبيعة المختلفة، هذا المميِّز ظهورُ علاقةِ فِعْلٍ بغايةٍ، نشاط بهدفٍ، في التفسير الفلسفي: ظهور دور العلّة الغائيّة، كون هذا الفعل متطلِّعا إلى المستقبل، كون المستقبل


محرِّكاً لهذا الفعل من خلال الوجود الذهني الذي يرسم للفاعل غايتَه، أي من خلال الفكر.

إذنْ هذا هو في الحقيقة دائرة السنن النوعيّة للتاريخ. السنن النوعيّة للتاريخ موضوعها ذلك الجزء من الساحة التاريخية الذي يُمثِّل عملاً له غايةٌ، عملاً يَحمل علاقةً إضافيةً إلى العلاقات الموجودة في الظاهرة الطبيعيّة، وهي العلاقة بالغاية والهدف، بالعلة الغائية.

لكنْ ينبغي هنا أيضاً أنّه ليس كلُّ عملٍ له غايةٌ هو عمل تاريخي، هو عمل تجري عليه سنن التاريخ، بل يوجد بُعْدٌ ثالث لا بدّ أنْ يتوفّر لهذا العمل؛ لكي يكون عملاً تاريخيّاً، أي عملاً تَحكمه سنن التاريخ. البعد الأوّل كان هو(السبب) و البعد الثاني كان هو الغاية(الهدف) .

لا بد إذنْ من بُعْدٍ ثالث؛ لكي يكون هذا العمل داخِلاً في نطاق سنن التاريخ، هذا البُعْد الثالث هو: -

* أنْ يكون لهذا العمل أرضيّة تتجاوز ذات العامل، أنْ تكون أرضيّة العمل هي: عبارة عن المجتمع، العمل الذي يخلق موجاً، هذا الموج يتعدّى الفاعل نفسَه، ويكون أرضيّته الجماعة التي يكون هذا الفرد جزءً منها.

طبعاً الأمواج على اختلاف درجاتها، هناك موج محدود، هناك موج كبير، لكنّ العمل لا يكون عملاً تاريخيّاً إلاّ إذا كان له موج يتعدّى حدودَ العَامِل الفردي، قد يأكل الفرد إذا جاع،


ويشرب إذا عطش، وينام إذا أَحَسَّ بحاجته إلى النوم، لكن هذه الأعمال، على الرغم مِن أنّها أعمال هادِفة أيضاً، تريد أنْ تُحقِّق غايات، ولكنّها أعمال لا يمتَدّ موجُها أكثر من العامِل، خلافاً لعملٍ يقوم به الإنسان من خلال نشاطٍ اجتماعي وعلاقات متبادَلة مع أفراد جماعته، فمثلاً: -

التاجر حينما يعمل عملاً تجاريّاً، أو القائد حينما يعمل عملاً حربيّاً، أو السياسي حينما يمارِس عملاً سياسيّاً، المفكر حينما يتبنّى وِجْهة نظرٍ في الكون والحياة، هذه الأعمال موجٌ يتعدّى شخص العامِل، يتّخذ من المجتمع أرضيّة له، ويمكننا أيضاً أنْ نستعين بمصطلحات الفلاسفة فنقول: -

المجتمع يُشكِّل علّةً مادِّيةً لهذا العمل، يتبدّل من مصطلحات الفلاسفة التمييز الأرسطي بين العِلَّة الفاعليّة والعلّة الغائيّة والعلة المادِّية، هنا نستعين بهذه المصطلحات لتوضيح الفكرة، فنقول: -

المجتمع يشكِّل علّة مادِّية لهذا العمل، أي أرضيّة العمل لحالةٍ من هذا القبيل، يُعتبر هذا العمل عملاً تاريخيّاً، ويُعتبر عملاً للأمّة وللمجتمع، وإنْ كان الفاعل المباشِر - في جُمْلةٍ من الأحيان - هو فردٌ واحد، أو عدد من الأفراد، ولكنْ باعتبار الموج يُعتبر المجتمع.

إذنْ العمل التاريخي الذي تَحْكمه سنن التاريخ، هو العمل الذي يكون حاملاً لعلاقةٍ مع هدفٍ وغايةٍ، ويكون في نفس الوقت ذا أرضيّةٍ أوسع


من حدود الفرد، ذا موجٍ يَتَّخِذُ من المجتمع علَّة مادِّية له، وبهذا يُكَوِّنُ عملَ المجتمع.

وفي القرآن الكريم نجد تمييزاً بين عمل الفرد وعمل المجتمع، ونلاحظ في القرآن الكريم أنّه من خلال استعراضه للكتب الغيبيّة الإحصائية، تحدّث القرآن عن كتابٍ للفرد وتحدّث عن كتابٍ للأمّة، عن كتابٍ يحصي على الفرد عملَه، وعن كتاب يحصي على الأُمّة عملها.

وهذا تمييز دقيق بين العمل الفردي الذي ينسب إلى الفرد وبين عمل الأمّة، بين العمل الذي له ثلاثة أبعاد، والعمل الذي له بُعْدان، العمل الذي له بُعدان لا يدخل إلاّ في كتابِ الفرد، وأمّا العمل الذي له ثلاثة أبعاد فهو يَدخل في الكِتَابَيْن، يدخل في كتاب الأمّة، ويُعرض على الأمّة، وتُحاسب الأمّة على أساسه.

لاحظوا قولَه تعالى:

( وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (١) .

هنا القرآن الكريم يتحدّث عن كتابٍ للأمّة، أُمّةٌ جاثِيَةٌ بين يدي ربِّها ويُقدَّم لها كتابها، يُقدَّم لها سِجِلّ نشاطها وحياتها التي مارستْها كأُمّة. هذا العمل الهادف

____________

(١) سورة الجاثية: الآية (٢٨ - ٢٩).


ذو الأبعاد الثلاثة، يحتوي هذا الكتاب وهذا الكتاب - انتبهوا إلى العبارة - يقول:

( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) .

هذا الكتاب ليس تاريخ الطبري لا يُسَجِّل الوقائع الطبيعية، الفسلجيّة، الفيزيائيّة، إنّما يحدّد، ويَستنسِخ ما كانوا يعملون كأُمّة، ما كانت الأمّة تَعْمَله كأُمّة، يعني العمل الهادف ذو الموج بحيث يكون العمل منسوباً للأمّة، وتكون الأمّة مدعوّة إلى كتابِها. هذا العمل هو الذي يحويه هذا الكتاب، بينما في آية أُخرى نلاحظ قولَه سبحانه وتعالى:

( وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) (١) .

هنا الموقف يختلف، هنا كلّ إنسان مرهونٌ بكتابه، لكلّ إنسان كتابٌ لا يُغادِر صغيرةً ولا كبيرةً من أعماله، من حسناته وسيئاته، وهفواته وسَقَطَاتِهِ، من صعوده ونزوله إلاّ وهو مُحْصَى في ذلك الكتاب، والكتاب الذي كُتِبَ بِعِلْمِ مَنْ لا يعزبُ عن علمه مثقال ذرّةٍ في الأرض.

كلّ إنسان قد يفكِّر أنّ بإمكانه أنْ يُخفي نقطةَ ضعفٍ، أنْ يُخفي ذنباً، سيِّئةً عن جيرانه وقَومه وأُمّته وأولاده، وحتى عن نفسه، يخدع نفسَه، يرى أنّه لم يرتكب سيِّئةً، ولكنّ هذا الكتاب الحق

____________

(١) سورة الإسراء: الآية: ( ١٣ - ١٤ )


لا يُغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلاّ أحصاها، في ذلك اليوم يُقال: أنت حاسِبْ نفسك؛ لأنّ هذه الأعمال التي مارسْتَها سوف تواجهها في هذا الكتاب. أنْ تحكم على نفسك بموازين الحق في يوم القيامة، في ذلك اليوم لا يمكن لأيّ إنسان أنْ يُخفي شيئاً عن الموقف، عن الله سبحانه وتعالى، وعن نفسه.

هذا كتابُ الفرد، وذاك كتابُ الأمّة. هناك كتاب لأمّةٍٍ جاثيةٍ بين يدي ربِّها، وهنا لكلّ فردٍ كتابٌ. هذا التمييز النوعي القرآني بين كتاب الأمّة وكتاب الفرد، تعبيرٌ آخر عمّا قلناه:

* مِنْ أنّ العمل التاريخي هو ذاك العمل الذي يتمثّل في كتاب الأمّة، العمل الذي له أبعاد ثلاثة. بل إنّ الذي يُستظهَر ويلاحَظ مِن عددٍ آخر من الآيات القرآنية الكريمة أنّه ليس فقط يوجد كتاب للفرد ويوجد كتاب للأمّة، بل يوجد إحضار للفرد ويوجد إحضار للأمّة، هنا إحضاران بين يدي الله سبحانه وتعالى:

الإحضار الفردي:

يأتي بكلّ إنسان فرداً فرداً، لا يملك ناصراً ولا مُعيناً، لا يملك شيئاً يستعين به في ذلك الموقف، إلاّ العمل الصالح والقلب السليم والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، هذا هو الإحضار الفردي. قال الله تعالى:

( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ


يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً ) (١) .

هذا الإحضار هو إحضار فردي بين يدي الله تعالى، وهناك إحضار آخر:

إحضار للفرد في وسط الجماعة:

إحضار للأمّة بين يدي الله سبحانه وتعالى، كما يوجد هناك سِجِّلان كذلك يوجد إحضاران (كما تقدم)، ترى كلّ أُمّة جاثيةً تُدعى إلى كتابها، ذاك إحضار للجماعة، والمستأنَس به مِن سياق الآيات الكريمة أنّه هذا الإحضار الثاني يكون من أجل إعادة العلاقات إلى نصابها الحق.

العلاقات داخل الأمّة قد تكون غير قائمة على أساس الحق، فقد يكون الإنسان المستضعَف فيها جديراً بأنْ يكون في أعلى الأمّة، هذه الأمّة تُعاد فيها العلاقات إلى نصابها الحق. هذا اليوم هو اليوم الذي سمّاه القرآن الكريم بيوم التغابن.

* كيف يحصل التغابن؟

يحصل التغابن عن طريق اجتماع المجموعة، ثمّ كل إنسان كان مغبوناً في موقعه في الأمّة، في وجوده في الأمّة، بقدر ما كان مَغْبوناً في موقعه في الأمّة يأخذ حقّه، يأخذ حقّه يوم لا كلمة إلاّ للحق. لاحظوا قوله تعالى:

( يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ) (٢) .

إذنْ، فهناك سِجِّلان: هناك سِجِلٌ لعمل الفرد، وهناك سجل لعمل الأمّة. وعمل الأمّة هو عبارة عمّا قُلناه في العمل الذي يكون له ثلاثة أبعاد:

* بُعْدٌ مِنْ

____________

(١) سورة مريم: الآية (٩٣-٩٤-٩٥).

(١) سورة التغابن: الآية (٩).


ناحية العامل، ما يسمِّيه أرسطو بـ ( العلّة الفاعليّة ).

* وبُعْدٌ من ناحية الهدف، ما يُسمّيه أرسطو بـ ( العلّة الغائيّة ).

* وبُعْدٌ من ناحية الأرضيّة وامتداد الموج، ما يسمُّونه بـ ( العلّة المادِّيّة ).

هذا العمل ذو الأبعاد الثلاثة هو موضوع سنن التاريخ، هذا هو عمل المجتمع.

لكنْ لا ينبغي أنْ يُوهِم ذلك ما تَوَهَّمَهُ عددٌ من المفكّرين والفلاسفة الأوربيين مِن: أنّ المجتمع كائن عملاق له وجود وَحْدَوي عضوي، متميِّز عن سائر الأفراد، وكلّ فردٍ ليس إلاّ بمثابة الخليّة في هذا العملاق الكبير، (هكذا تصوّر هيجل مثلاً) وجملة من الفلاسفة الأوروبيين، تصوّروا عمل المجتمع بهذا النحو، أرادوا أنْ يُميّزوا بين عمل المجتمع وعمل الفرد فقال:

بأنّه يوجد عندنا كائن عضوي واحد عملاق، هذا الكائن الواحد هو في الحقيقة يَلفُّ في أحشاءه، وتندمِج في كيانه كلُّ الأفراد. لكل فرد يشكِّل خليّة في هذا العملاق الواحد، وهو يتّخذ من كل فرد نافذةً على الواقع، على العالم، بقدر ما يمكن أنْ يجسّد في هذا الفرد من قابليّاته هو، ومن إبداعه هو. إذنْ، كل قابليّة وكلّ إبداع، وكلّ فِكْرٍ هو تعبير عن نافذةٍ من النوافذ التي يُعبّر عنها ذلك العملاق الهيجلي.

هذا التصوُّر اعتقد به جملةٌ من الفلاسفة الأوربيين، تمييزاً لعمل المجتمع عن عمل الفرد،


إلاّ أنّ هذا التصوّر ليس صحيحاً، ولَسْنَا بحاجةٍ إليه، والى الإغراق في الخيال إلى هذه الدرجة لكي ننحت هذا العملاق الأسطوري من هؤلاء الأفراد، ليس عندنا إلاّ الأفراد: زيدٌ وبكرٌ وخالدٌ، ليس عندنا ذلك العملاق المُستتِر من ورائهم.

طبعاً مناقشة (هيجل) من الزاوية الفلسفية يخرج من حدود هذا البحث ومتروك إلى بحثٍ آخر؛ لأنّ هذا التفسير الهيجلي للمجتمع مرتبِطٌ بحسب الحقيقة بكامل الهيكل النظري لفلسفته، إلاّ أنّ الشيء الذي نُريد أنْ نعرفه: موقع أقدامِنَا من هذا التصوّر.

هذا التصور ليس صحيحاً. نحن لَسْنَا بحاجة إلى مثل هذا الافتراض الأُسطوري لكي نميِّز بين عمل الفرد وعمل المجتمع؛ لأنّ التمييز بين عمل الفرد وعمل المجتمع يتمّ من خلال ما أوضحناه من البُعْد الثالث.

عمل الفرد هو العمل الذي يكون له بُعدان، فإنْ اكتسب بُعْداً ثالثاً كان عمل المجتمع، باعتبار أنّ المجتمع يشكِّل أرضيّةً له، يشكِّل عِلَّة مادِّيّة له، يدخل حينئذ في سجل كتاب الأمّة الجاثِيَة بين يدي ربِّها، هذا هو ميزان الفرق بين العَمَلَيْن.

إذنْ الشيء الذي نستخلصه مِمّا تقدّم:

* إنّ موضوع السنن التاريخية هو العمل الهادف الذي يشكِّل أرضيّة ويَتَّخذ من المجتمع أو الأمّة أرضيّة له، على اختلاف سِعَة المَوْجَة وضيق الموجة، هذا هو موضوع السنن التاريخية.


الدرس السابع:

آن الأوان لكي نتعرّف على الصِيَغ المتنوِّعة التي تتّخذها السُنَّة التاريخية القرآنيّة.

* كيف يتمّ التعبير موضوعيّاً عن القانون التاريخي في القرآن الكريم؟

* ما هي الأشكال التي تَتَّخذها سنن التاريخ في مفهوم القرآن الكريم؟

هناك ثلاثة أشكال تتّخذها السنّة التاريخية في القرآن الكريم، لا بدّ من استعراضها ومقارنتها والتدقيق في أوجه الفرق بينها:

الشكل الأوّل للسنة التاريخية:

هو شكل القضية الشرطية، في هذا الشكل تتمثّل السنّة التاريخية في قضيّة شرطيّة تربِطُ بين حادثتين أو مجموعتين من الحوادث على الساحة التاريخية، وتؤكِّد العلاقة الموضوعيّة بين الشرط والجزاء، وأنّه متى ما تحقّق


الشرط، تحقّق الجزاء. وهذه صياغة نجدها في كثير من القوانين والسنن الطبيعية والكونية في مختلف الساحات الأُخرى.

فمثلا: حينما نتحدّث عن قانونٍ طبيعي لغليان الماء، نتحدّث بلغةِ القضية الشرطيّة، نقول: بأنّ الماء إذا تعرّض إلى الحرارة وبلغت الحرارة درجة معيّنة، مائة مثلاً في مستوى معيّن من الضغط، حينئذٍ سوف يحدُثُ الغليان، هذا قانون طبيعي يربط بين الشرط والجزاء، ويؤكّد أنّ حالة التعرّض إلى الحرارة ضمن مواصفات معيّنة تُذكر في طرف الشرط، تَستتبع حادثة طبيعية معيّنة، وهي غليان هذا الماء، تحوّل هذا الماء من سائل إلى غاز. هذا القانون مصاغ على نهج القضية الشرطية.

ومن الواضح أنّ هذا القانون الطبيعي لا يُنْبِئُنَا شيئاً عن تحقّق الشرط وعدم تحقُّقه، لا ينبئنا هذا القانون الطبيعي عن أنّ الماء سوف يتعرّض للحرارة أو لا يتعرّض للحرارة؟ هل أنّ درجة حرارة الماء ترتفع إلى الدرجة المطلوبة ضمن هذا القانون، أو لا ترتفع؟

هذا القانون لا يتعرّض إلى مدى وجود الشرط وعدم وجوده، ولا ينبئنا بشيء عن تحقق الشرط إيجاباً أو سلباً، وإنّما ينبئنا عن أنّ الجزاء لا ينفكُّ عن الشرط، فمتى ما وُجِد الشرط وُجِد الجزاء، فالغليان نتيجةٌ مرتبِطة


موضوعيّاً بالشرط، هذا هو تمام ما يُنبئنا عنه هذا القانون المُصاغ بِلُغة القضيّة الشرطية.

ومثل هذه القوانين تُقدِّم خدمةً كبيرة للإنسان في حياته الاعتيادية، وتلعب دوراً عظيماً في توجيه الإنسان؛ لأنّ الإنسان ضمن تعرُّفه على هذه القوانين يُصبح بإمكانه أنْ يتصرّف بالنسبة إلى الجزاء، ففي كلّ حالةٍ يرى أنّه بحاجةٍ إلى الجزاء، يُعْمِلُ هذا القانون، يوفّر شروط هذا القانون، ففي كل حالة يكون الجزاء متعارِضاً مع مصالحه ومشاعره، يحاول الحيلولة دون توفُّر شروط هذا القانون.

متى ما كان غليان الماء مقصوداً للإنسان يطبّق شروط هذا القانون، ومتى لم يكن مقصوداً للإنسان يحاول أنْ لا تتطبّق شروط هذا القانون.

إذنْ، القانون الموضوعي بنهج القضية الشرطية موجِّهٌ عملي للإنسان في حياته. ومن هنا تتجلّى حكمة الله سبحانه وتعالى في صياغة نظام الكون على مستوى القوانين، وعلى مستوى الروابط المطّردة والسنن الثابِتة؛ لأنّ صياغة الكون ضمن روابط مطّردة وعلاقات ثابتة هو الذي يجعل الإنسان يتعرّف على موضع قَدَمَيه، وعلى الوسائل التي يجب أنْ يسلكها في سبيل تكييف بيئته وحياته، والوصول إلى إشباع حاجته.

لو أنّ الغليان في الماء كان يَحْدُث صُدفةً ومن دون رابطة قانونيّة مطّردة مع حادثة أُخرى


كالحرارة، إذنْ لَمَا استطاع الإنسان أنْ يتحكّم في هذه الظاهرة، أنْ يخلق هذه الظاهرة متى ما كانت حياته بحاجةٍ إليها، وأنْ يتفاداها متى ما كانت حياته بحاجةٍ إلى تفاديها، إنّما كان له هذه القدرة؛ باعتبار أنّ هذه الظاهرة وُضِعت في موضعٍ ثابتٍ من سنن الكون، وطُرح على الإنسان القانون الطبيعي من لغة القضيّة الشرطيّة فأصبح ينظر في نورٍ لا في ظلامٍ، ويستطيع في ضوء هذا القانون الطبيعي أنْ يتصرّف.

نفس الشيء نجده في الشكل الأوّل من السنن التاريخية القرآنية، فإنّ عدداً كبيراً من السُنن التاريخية في القرآن قد تمّت صياغته على شكل القضية الشرطية التي تربط ما بين حادثتين اجتماعِيَّتين أو تاريخيَّتين، فهي لا تتحدّث عن الحادثة الأولى: أنّها متى توجد، ومتى لا توجد، لكنْ تتحدّث عن الحادثة الثانية، بأنّه: متى ما وُجدتْ الحادثة الأولى، وُجدتْ الحادثة الثانية.

قرأْنَا في ما سبق - استعراضاً للآيات الكريمة التي تدلُّ على سنن التاريخ في القرآن - جملةً من تلك الآيات الكريمة، مَفادُها هو السُنّة التاريخية بلغة القضية الشرطية، تتذكّرون ما قرأناه سابقاً( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (١) .

هذه السُنّة

____________

(١) سورة الرعد: الآية (١١).


التاريخية للقرآن، والتي تَقَدّم الكلام عنها، ويأتي إنْ شاء الله الحديث عن شرح محتواها، هذه السنّة التاريخية للقرآن بُيّنت بِلُغة القضية الشرطيّة؛ لأنّ مرجع هذا المفاد القرآني إلى أنّ هناك علاقة بين تغييرين:

* بين تغيير المحتوى الداخلي للإنسان.

* وتغيير الوضع الظاهري للبشرية والإنسانية.

مفاد هذه العلاقة قضية شرطية: أنّه متى ما وُجِد ذاك التغيير في أنفس القوم، وُجِد هذا التغيير في بناء القوم وكيان القوم، هذه القضية قضيّةٌ شرطيّةٌ بُيِّنَ القانون فيها بلغة القضية الشرطية.

( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقاً ) (١) .

قلنا في ما سبق: إنّ هذه الآية الكريمة تتحدّث عن سنّةٍ من سنن التاريخ، عن سنّة تربُط وُفْرَةَ الإنتاج بعدالة التوزيع. هذه السنّة أيضاً هي بِلُغَةِ القضيّة الشرطيّة كما هو الواضح من صياغتها النحوية أيضاً.

( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ) (٢) .

أيضاً سنّة تاريخية بُيِّنَتْ بِلُغة القضيّة الشرطيّة، رَبطتْ بين أمرين:

* بَيْن تأمير الفُسّاق والمترفين في المجتمع.

* وبَيْن دَمَار ذلك المجتمع وانحلاله.

هذا القانون التاريخي أيضاً مُبَيَّنٌ على نهج القضية

____________

(١) سورة الجن: الآية (١٦).

(٢) سورة الإسراء: الآية (١٦).


الشرطيّة، فهو لا يُبيِّن أنّه متى وُجِد الشرط، لكن يُبيِّن متى ما وجد هذا الشرط يوجد الجزاء. هذا هو الشكل الأول من أشكال السنّة التاريخية في القرآن.

الشكل الثاني الذي تتّخذه السُنَن التاريخيّة:

شكل القضية الفعلية الناجِزَة الوجوديّة المُحَقِّقة، وهذا الشكل أيضاً نَجِد له أمثلةً وشواهد في القوانين الطبيعية والكونيّة، مثلاً:

العالِم الفَلَكِي حينما يُصدر حُكْماً عِلْميّاً على ضوء قوانين مسارات الفلك، بأنّ الشمس سوف تَنْكسِف في اليوم الفلاني، أو أنّ القمر سوف يَنْخَسِف في اليوم الفلاني، هذا قانون علمي وقضيّة علميّة، إلاّ أنّها قضيّة وجوديّة ناجِزة، وليستْ قضيّة شرطيّة.

لا يملك الإنسان اتجاه هذه القضيّة، أنْ يُغيِّر مِن ظروفها وأنْ يعدِّل من شروطها؛ لأنّها لم تُبيِّن كَلُغَةِ قضيّةٍ شرطيّةٍ، وإنّما بُيِّنتْ على مستوى القضيّة الفعليّة الوجوديّة. الشمس سوف تنكسف، القمر سوف ينخسف، هذه قضية فعليّة، تنظر إلى الزمان الآتي، وتخبر عن وقوع هذه الحادثة على أي حالٍ.

وكذلك القرارات العلمية التي تصدر عن الأنواء الجويّة: المطر ينهمر على المنطقة الفلانيّة، هذا أيضا يُعبِّر عن قضيّة فعليّة وجوديّة لم تُصَغْ بلغة القضيّة الشرطيّة، وإنّما صِيْغت بِلُغة التنجيز والتحقيق، بلحاظ زمانٍ معيّنٍ


ومكانٍ معيّنٍ. هذا هو الشكل الثاني من السنن التاريخية، وسوف أذكر فيما بعد إن شاء الله - عند تحليل عناصر المجتمع - إلى أمثلةِ هذا الشكل من القرآن الكريم.

هذا الشكل من السنن التاريخية هو الذي أوحى في الفكر الأوروبي بتوهُّم التعارض، بين فكرة سنن التاريخ وفكرة اختيار الإنسان وإرادته. نشأ هذا التوهّم الخاطئ الذي يقول:

* بأنّ فكرة سنن التاريخ لا يمكن أنْ تجتمِع إلى جانبِ فكرةِ اختيارِ الإنسان؛ لأنّ سنن التاريخ هي التي تنظِّم مسار الإنسان وحياة الإنسان.

* إذنْ ماذا يبقى لإرادة الإنسان؟

هذا التوهم أدّى إلى أنّ بعض المفكِّرين يذهب إلى أنّ الإنسان له دورٌ سَلبي فقط، حفاظاً على سنن التاريخ، وعلى موضوعيّة هذه السنن ضحَّى باختيار الإنسان؛ من أجل الحفاظ على سنن التاريخ، فقال:

* بأنّ الإنسان دَوْره دورٌ سَلبي، وليس دوراً إيجابيّاً، يتحرَّك كما تتحرّك الآلة، وِفْقَاً لظروفها الموضوعية، ولعلّه يأتي بعض التفصيل أيضاً عن هذه الفكرة.

* وذهب بعضٌ آخر - في مقام التوفيق ما بين هاتين الفكرتَين ولو ظاهريّاً - إلى أنّ اختيار الإنسان نفسَه هو أيضاً يخضَع لسنن التاريخ ولقوانين التاريخ. لا نُضَحِّي باختيار الإنسان، لكنْ نقول: بأنّ اختيار الإنسان لنفسه حادِثة تاريخيّة أيضاً. إذنْ، هو بدوره


يخضع للسنن. هذه تضحية باختيار الإنسان، لكنْ بصورةٍ مبطَّنةٍ، بصورة غير مكشوفة.

* وذهب بعضٌ آخر إلى التضحية بسنن التاريخ لحساب اختيار الإنسان.

فذهب جملةٌ من المفكرين الأوروبيين إلى: أنّه ما دام الإنسان مختاراً فلا بدّ مِن أنْ تُستثنَى الساحة التاريخية من الساحات الكونيّة في مقام التقنين الموضوعي، لا بدّ وأنْ يُقال بأنّه لا سننَ موضوعية للساحة التاريخية، حِفاظاً على إرادة الإنسان، وعلى اختيار الإنسان.

وهذه المواقف كلُّها خاطئة؛ لأنّها - جميعاً - تقوم على ذلك الوَهْم الخاطئ، وهمُ الاعتقاد بوجود تناقض أساسي بين مقولة السنّة التاريخيّة ومقولة الاختيار، وهذا التوهُّم نشأ من قُصْر النظر على الشكل الثاني من أشكال السنّة التاريخيّة، أي قُصْر النظر على السنّة التاريخيّة المُصَاغة بِلُغَة القضيّة الفعليّة الوجوديّة الناجِزَة.

لو كنَّا نَقْصِر النظر على هذا الشكل من سنن التاريخ، ولو كنّا نقول: بأنّ هذا الشكل هو الذي يستوعِبُ كلّ الساحة التاريخيّة، لا يُبقي فراغاً لذي فراغ، لكان هذا التوهُّم وارِدَاً، ولكنّا يُمكننا إبطال هذا التوهُّم عن طريق الالتفات إلى الشكل الأوّل مِن أشكال السنّة التاريخيّة، الذي تُصاغ فيه السنّة التاريخيّة بوصْفها قضيّةً شرطيّةً.

وكثيراً ما تكون هذه القضية الشرطيّة في شروطها معبِّرةً عنْ إرادة الإنسان واختيار


الإنسان، يعني أنّ اختيار الإنسان يُمثِّل محور القضيّة الشرطيّة ( شرط القضيّة الشرطيّة ).

إذنْ، فالقضية الشرطيّة كالأمثلة التي ذكرناها من القرآن الكريم، تتحدّث عن علاقةٍ بين الشرط والجزاء، لكنْ ما هو الشرط؟

الشرط: هو فعل الإنسان، هو إرادة الإنسان:

( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (١).

التغيير هنا أُسنِد إليهم، فهو فِعْلهم، إبداعهم وإرادتهم.

إذنْ السنّة التاريخيّة حينما تُصَاغ بِلُغة القضيّة الشرطيّة، وحينما يُمثِّل إبداع الإنسان واختياره موضوع الشرط في هذه القضية الشرطية، في مثل هذه الحالة تصبح هذه السنّة متلائمةً تماماً مع اختيار الإنسان.

بل، إنّ السنّة حينئذٍ تقضي اختيار الإنسان، تزيده اختياراً وقدرةً وتمكُّناً من التصرّف في موقفه، كيف أنّ ذلك القانون الطبيعي للغليان كان يَزيد مِن قُدرة الإنسان؛ لأنّه يستطيع حينئذٍ أنْ يتحكَّم في الغليان، بعد أنْ عَرِفَ شروطه وظروفه، كذلك السنن التاريخية ذات الصِيَغ الشرطيّة.

هي في الحقيقة ليست على حساب إرادة الإنسان، وليستْ نقيضاً لاختيار الإنسان، بل هي مؤكِّدة لاختيار الإنسان، وتوضِّح للإنسان نتائج؛ لكي يستطيع أنْ يقتبِس ما يريده من هذه النتائج، لكي

____________

(١) سورة الرعد: الآية (١١).


يستطيع أنْ يتعرّف على الطريق الذي يسلك به إلى هذه النتيجة، أو إلى تلك النتيجة، فيسير على ضوءٍ وكتابٍ مُنيرٍ. هذا هو الشكل الثاني للسُنّة التاريخيّة.

الشكل الثالث للسُنّة التاريخيّة:

وهو شكل اهتمَّ به القرآنُ الكريم اهتماماً كبيراً، هو السنّة التاريخيّة المُصَاغة على صورة اتجاهٍ طبيعي في حركة التاريخ، لا على صورة قانون صارِم حَدِّي. وفَرْقٌ بين الاتجاه والقانون. ولكي تتَّضِح الفكرة في ذلك لا بُدّ وأنْ نطرح الفكرة الاعتياديّة التي نعيشها في أذهاننا عن القانون.

القانون العِلمي كما نتصوَّره عادةً: عبارة عن تلك السُنّة التي لا تَقْبل التحدِّي من قِبَل الإنسان؛ لأنّها قانونٌ من قوانين الكَوْن والطبيعة، فلا يمكن للإنسان أنْ يتحدَّاها، أنْ يَنْقُضها، أنْ يخرج عن طاعتها.

يمكنه أنْ لا يُصلِّي؛ لأنّ وجوبَ الصلاة حكمٌ تشريعي، وليس قانوناً تكوينيّاً، يمكنه أنْ يشرب الخمر، لأنّ حرمةَ الخمر قانونٌ تشريعي وليس قانوناً تكوينيّاً، لكنّه لا يُمْكِنه أنْ يتحدّى القوانين الكونيّة والسنن الموضوعيّة، مثلاً:

لا يمكنه أنْ يَجعل الماء لا يغلي إذا توفَّرتْ شروط الغليان، لا يُمْكِنه أنْ يتحدَّى الغليان وأنْ يؤخِّر الغليان لحظةً عن مَوْعِدِه المعيَّن؛ لأنّ هذا قانونٌ، والقانون صارِم، والصَرَامَة تأبى التحدِّي.

هذه هي الفكرة التي نتصوَّرها عادةً عن


القوانين، وهي فكرةٌ صحيحةٌ إلى حدٍّ ما، لكنْ ليس من الضروري أنْ تكون كلُّ سُنّةٍ طبيعيّةٍ موضوعيّةٍ على هذا الشكل، بحيث تأبى التحدِّي، ولا يمكن تحدِّيها من قِبَل الإنسان بهذه الطريقة، بل هناك اتجاهات موضوعيّة في حركة التاريخ وفي مسار الإنسان، إلاّ أنّ هذه الاتجاهات لها شيءٌ من المرونة بحيث إنّها تَقْبَل التحدِّي ولو على شوطٍ قصيرٍ، وإنْ لم تَقْبل التحدِّي على شوطٍ طويلٍ، لكن على الشوط القصير تَقْبل التحدِّي.

أنت لا تستطيع أنْ تؤخِّر موعد غليان الماء لحظةً، لكنْ تستطيع أنْ تُجمِّد هذه الاتجاهات لحظات مِن عُمْرِ التاريخ، لكنْ هذا لا يعني أنّها ليستْ اتجاهات تُمثِّل واقِعاً موضوعيّاً في حركة التاريخ، هي اتجاهات ولكنّها مَرِنَةٌ، تَقْبل التحدّي لكنّها تُحطّم المُتَحدّي، تُحَطِّمه بسنن التاريخ نفسِها، ومن هنا كانت اتجاهات.

* هناك أشياء يمكن تحدِّيها دون أنْ يَتَحطّم المُتحدّي، لكنْ هناك أشياء يُمكن تتحدّى على شوطٍ قصيرٍ، ولكنّ المتحدي يتحطّم على سنن التاريخ نفسها. هذه هي طبيعة الاتجاهات الموضوعية في حركة التاريخ.

لكي أُقرِّب الفكرة إلَيْكم، نستطيع أنْ نقول: بأنّ هناك اتجاهاً في تركيب الإنسان، وفي تكوين الإنسان اتجاهاً موضوعيّاً لا تشريعيّاً إلى إقامة العلاقات المعيَّنة بين


الذكر والأُنثى في مجتمع الإنسان، ضمن إطار من أُطُر النكاح والاتصال، هذا الاتجاه ليس تشريعيّاً ليس تَقْنِينَاً اعتباريّاً وإنّما هو اتجاه موضوعي أُعْمِلَتْ العناية في سبيل تكوينه في مسار حركة الإنسان.

لا نستطيع أنْ نقول: إنّ هذا مجرَّد قانون تشريعي، مجرد حكم شرعي، لا، وإنّما هذا اتجاه رُكِّبَ في طبيعة الإنسان وفي تركيب الإنسان، وهو الاتجاه إلى الاتصال بين الذكر والأنثى، وإدامة النوع عن طريق هذا الاتصال ضمن إطار مِن أُطُر النكاح الاجتماعي.

* هذه سنّة لكنّها سنّة على مستوى الاتجاه، لا على مستوى القانون.. لماذا؟

لأنّ التحدِّي لهذه السنّة لحظةً أو لحظاتٍ ممكنٌ. أمْكَن لقوم لوط أنْ يَتَحَدُّوا هذه السُنّة فترةً من الزمن، بينما لم يكن بإمكانهم أنْ يتحدُّوا سنّة الغَلَيَان بشكلٍ من الأشكال، إلاّ أنّ تحدِّي هذه السنّة يؤدّي إلى أنْ يتحطّم المتحدِّي، المجتمع الذي يتحدّى هذه السنّة يكتب بنفسه فناءَ نفسِه؛ لأنّه يتحدّى ذلك عن طريق ألوان أُخرى من الشذوذ، تؤدّي إلى فناء المجتمع، والى خراب المجتمع.

ومِن هنا كان هذا اتجاهاً موضوعيّاً يَقْبل التحدّي على شوطٍ قصيرٍ، لكنْ لا يَقْبل التحدِّي على شوط طويل؛ لأنّه سوف يحطِّم المُتَحَدِّي


بنفسه.

الاتجاه إلى توزيع الميادين بين المرأة والرجل، هذا الاتجاه اتجاهٌ موضوعي وليس اتجاهاً ناشِئاً من قرارٍ تشريعي. اتجاه رُكِّبَ في طبيعة الرجل والمرأة، ولكنّ هذا الاتجاه يمكن أنْ يتحدّى، يمكن استصدار تشريع يفرض على الرجل بأنْ يبقى في البيت ليتولّى دور الحضانة والتربية، وأنْ تخرج المرأة إلى الخارج؛ لكي تتولّى مَشَاقّ العمل والجُهد، هذا بالإمكان أنْ يتحقّق عن طريق تشريع مُعيّن.

وبهذا يحصل التحدّي لهذا الاتجاه، لكن هذا التحدِّي سوف لنْ يستمر؛ لأنّ سنن التاريخ سوف تُجيب على هذا التحدّي، لأنّنا بهذا:

* سوف نَخْسَر ونُجَمِّد كلّ تلك القابليّات التي زُوِّدَتْ بها المرأة من قِبَل هذا الاتجاه، لممارسة دور الحضانة والأمومة.

* وسوف نخسر كلّ تلك القابليّات التي زُوِّدَ بها الرجل مِن أجل ممارسة دورٍ، يتوقَّف على الجَلَد والصبر والثبات وطول النفس،تماماً من قبيل: أنْ تُسلِّم بنايةً، تُسلِّم نَجَّارِيَّاتِها إلى حدّاد، وحدّادِيَّاتِها إلى نجّار.

يمكن أنْ تصنع هكذا، ويمكن أن تُنْشَأ البنايةُ أيضاً، لكنّ هذه البناية سوف تَنْهار، سوف لن يستمر هذا التحدِّي على شوطٍ طويلٍ، سوف يتقطّع في شوطٍ قصيرٍ كلُّ اتجاهٍ من هذا القبيل، هو في الحقيقة سنّة موضوعيّة من سنن التاريخ ومن سنن حركة الإنسان، ولكنّها سنّة مَرِنَة تقبل التحدّي على الشوط القصير،


ولكنّها تُجيب على هذا التحدّي.

وأهمُّ مِصداق يعرضه القرآن الكريم لهذا الشكل من السنن هو الدين. القرآن الكريم يرى أنّ الدين نفسَه سنّةٌ من سنن التاريخ، سنّة موضوعيّة من سنن التاريخ، ليس الدين فقط تشريعاً، وإنّما هو سنّة من سنن التاريخ؛ ولهذا يَعْرِضُ الدينَ على شكلَين:

* تارةً يعرِضه بوصفه تشريعاً، كما يقول علم الأصول: بوصفه إرادةً تشريعيّةً، مثلاً يقول:

( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ) (١) . هنا يُبيِّن الدين كتشريعٍ، كقرارٍ، كأمرٍ من الله سبحانه وتعالى.

* لكنْ في مجالٍ آخر يُبَيِّنه سنّةً من سنن التاريخ، وقانوناً داخلاً في صميم تركيب الإنسان وفطرة الإنسان، قال سبحانه وتعالى:

( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) (٢) .

هنا الدين لم يُعَد مُجرَّد قرارٍ وتشريعٍ من أعلى، وإنّما الدين هنا فطرةٌ للنّاس،

____________

(١) سورة الشورى: الآية (١٣).

(٢) سورة الروم: الآية (٣٠).


فطرة الله التي فطر عليها الناس، ولا تبديل لخلق الله.

هذا الكلام كلامٌ موضوعي خبري، لا تشريعي إنشائي. لا تبديل لخلق الله.

وهكذا، إنّك لا يُمكنك أنْ تَنْتَزِع من الإنسان أيَّ جزءٍ من أجزاءه التي تقوِّمه، كذلك لا يُمكنك أنْ تَنْتزِع من الإنسان دينَه. الدين ليس مقولةً حضاريّةً مُكْتسَبة على مرِّ التاريخ، يمكن إعطاؤها ويمكن الاستغناء عنها؛ لأنّها في حالةٍ من هذا القبيل لا تكون فطرةَ الله التي فطر الناس عليها، ولا تكون خلق الله الذي لا تبديل له، بل تكون من المكاسِب التي حصل عليها الإنسان، من خلال تطوُّراته المدنيَّة والحضاريّة على مر التاريخ. القرآن يريد أنْ يقول:

* بأنّ الدين ليس مقولةً من هذه المقولات، بالإمكان أخْذُها وبالإمكان عطاؤها.

* الدين خلق الله، فطرة الله التي فطر الناس عليها ولا تبديل لخلق الله. في هذا الكلام ( لا ) ليست ناهيةً، بل نافيةٌ، يعني هذا الدين لا يُمكن أنْ ينفكَّ عن خلق الله ما دام الإنسانُ إنساناً.

فالدين يُعتبر سنّة لهذا الإنسان. هذه سنّةٌ ولكنّها ليست سنّة صارِمَة على مستوى الغليان، سنّةٌ تقبل التحدَّي على الشوط القصير، كما كان بإمكانٍ تحدِّي سنّة النكاح، اللقاء الطبيعي والتزاوج الطبيعي، كما كان بالإمكان تحدِّي ذلك عن طريق الشذوذ الجنسي، لكنْ على شوطٍ قصيرٍ، كذلك


يمكننا تحدِّي هذه السنّة على شوطٍ قصيرٍ عن طريق الإلحاد، وغَمْضِ العين عن هذه الحقيقة الكبرى، بإمكان الإنسان أنْ لا يرى الشمس، أنْ يُغْمِض عينَه عن الشمس، ويُلْحِد ولا يرى هذه الحقيقة، ولكنّ هذا التحدِّي لا يكون إلاّ على شوطٍ قصيرٍ؛ لأنّ العقاب سوف يَنْزِل بالمتحدِّي.

العقاب هنا ليس بمعنى العقاب الذي يَنزل على مَنْ يَرتكِب مخالفةً شرعيّةً، على يد ملائكة العذاب في السماء في يوم القيامة، ليس هو ذاك العقاب الذي يَنْزِل على مَنْ يُخالِف القانون على يد الشرطيّ، يضربه بالعصا على رأسه، وإنّما العقاب هنا ينزل مِنْ سنن التاريخ نفسِها، تفرض العقابَ على كلِّ أُمّةٍ تريد أنْ تبدِّل خَلْقَ الله سبحانه وتعالى، ولا تبديل لخلق الله.

( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) (١) .

نحن نقول بأنّ السنن التاريخيّة مِن الشكل الثالث إذا تحدَّاها الإنسان فسوف يأخُذ العقابَ مِن السنن التاريخيّة، سرعان ما يَنزل عليه العِقاب من السنن التاريخيّة نفسِها - كلمة (سرعان) هنا يجب أنْ تُؤخَذ بمعنى السرعة التاريخيّة لا السرعة التي نفهمها في حياتنا الاعتيادية - وهذا ما أرادتْ أنْ تُبَيِّنَه هذه

____________

(١) سورة الحج: الآية (٤٧).


الآية في المقام، تتحدّث عن العذاب، واقِعُهُ في سياق العذاب الجماعي الذي نزل بالقرى السابقة الظالمة، ثم بعد ذلك يتحدّث عن استعجال الناس في أيّام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم). الناس يَسْتعجِلون الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويقولون له أين هذا العقاب، أين هذا العذاب؟ لماذا لا يَنزل بنا، نحن الآن كفرْنَا، تحدَّيْنَاك، لم نُؤمِن بك، صَمَمْنَا آذانَنَا عن قُرْآنِكَ، لماذا لا ينزل بنا هذا العذاب؟

هنا القرآن يتحدّث عن السرعة التاريخيّة التي تَختلِف عن السرعة الاعتيادية يقول:

(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) (١) ؛ لأنّها سنّة، والسنّة التاريخيّة ثابتةٌ. لكن

(وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ) (٢) .

اليوم الواحد في سنن التاريخ عند ربك باعتبار أنّ سنن التاريخ هي كلمات الله كما قَرَأْنَا في ما سبق، كلمات الله سنن التاريخ.

إذنْ، في كلمات الله، في سنن الله، اليوم الواحد ( المهلة القصيرة ) هي ألف سنة. طبعاً في آيةٍ أخرى عبَّر بخمسين ألف سنة، لكنْ أُريدَ بذلك أيّام القيامة، لا يوم الدنيا، وهذا هو وجه الجمع بين الآيتين ( الكلمتين ).

في آيةٍ أخرى، قيل:( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ

____________

(١) سورة الحج: الآية (٤٧).

(٢) نفس الآية السابقة.


خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ) (١) .

هذا ناظر إلى يوم القيامة، إلى يومٍ تكون السماء كالمهل، فيوم القيامة قُدِّر بخمسين ألف سنةٍ، أمّا هنا يتكلّم عن يومِ توقيتِ نزولِ العذابِ الجماعي، وِفقاً لسنن التاريخ، يقول:

( وإنّ يوماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سنةٍ مِمَّا تَعُدُّوْنَ ) .

إذن، فهذا شكلٌ ثالث من السنن التاريخية، هذا الشكل هو عبارة عن:

اتجاهاتٍ موضوعيّةٍ من مسار التاريخ، وفي حركة الإنسان، وفي تركيب الإنسان، يمكن أنْ يتحدَّى على الشوط القصير، ولكنّ سنن التاريخ لا تقبل التحدِّي على الشوط الطويل، إلاّ أنْ الشوط القصير والطويل هنا ليس بحسب طموحاتنا، بحسب حياتنا الاعتيادية يوم أو يومين؛ لأنّ اليوم الواحد في كلمات الله وفي سنن الله كألف سَنَةٍ مِمّا نحسب.

هذا هو الشكل الثالث، الدين هو المثال الرئيسي للشكل الثالث، مِن أجل أنْ نعرف:

* كيف أنّ الدين سنّة من سنن التاريخ؟

* ما هو دوره؟

* ما هو موقعه؟

* لماذا أصبحت سنّة من سنن التاريخ ليس مجرد تشريع وإنّما هو سنّة، يعني حاجة أساسيّة موضوعيّة، حالُهُ حالُ قانون الزوجيّة بين الذكر والأنثى، هو سنّةٌ

____________

(١) سورة المعارج: الآية (٤ - ٨).


موضوعيّةٌ.

* لماذا صار هكذا؟

* وكيف صار هكذا؟

* وما هو دوره كَسُنَّةٍ تاريخيّة من سنن التاريخ؟

لكي نعرف ذلك، يجب أنْ نأخذ المجتمع، ونحلِّل عناصرَ المجتمع على ضوء القرآن الكريم؛ لنصل إلى مغزى قولنا:إنّ الدين سُنَّةٌ من سنن التاريخ .

* كيف نُحلِّل عناصر المجتمع؟

نُحلِّل عناصر المجتمع على ضوء هذه الآية الكريمة:

( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (١) .

على ضوء هذه الآية التي تُعْطِينا أروعَ وأدقَّ وأعمقَ صيغةً لتحليل عناصر المجتمع، سوف ندرس هذه العناصر، ونُقارِن ما بينها؛ لنعرف في النهاية أنّ الدين سُنَّةٌ من سنن التاريخ.

____________

(١) سورة البقرة: الآية (٣٠).


الدرس الثامن:

قلنا: بأنّ توضيح واقع هذه السنّة القرآنية في سنن التاريخ يتطلب مِنّا أن نُحلِّل عناصر المجتمع:

* ما هي عناصر المجتمع من زاوية نظر القرآن الكريم؟

* ما هي مقومات المركّب الاجتماعي؟

* كيف يتم التنفيذ بين هذه العناصر والمقوّمات وضمن أي إطارٍ وأي سننٍ؟

هذه الأسئلة نحصل على جوابها في النص القرآني الشريف الذي تحدّث عن خلق الإنسان الأوّل:

( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) (١) .

حينما نستعرض هذه الآية الكريمة نجد أنّ الله سبحانه وتعالى يُنَبِّأُ الملائكة بأنّه قرَّر إنشاء مجتمع على الأرض.

* فما هي العناصر التي تتحدّث عن هذه الحقيقة العظيمة؟ هناك ثلاثة عناصر يمكن استخلاصها من العبارة القرآنية:

____________

(١) سورة البقرة: الآية (٣٠).


١ - الإنسان.

٢ - الأرض أو الطبيعة على وجهٍ عام

( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) . فهناك أرض أو طبيعة على وجه عام، وهناك الإنسان الذي يجعله الله سبحانه وتعالى على الأرض.

٣ - العلاقة المعنوية التي تربط الإنسان بالأرض وبالطبيعة، وتربط من ناحية أخرى الإنسان بأخيه الإنسان، هذه العلاقة المعنوية التي سماها القرآن الكريم بالاستخلاف.

هذه هي عناصر المجتمع: الإنسان والطبيعة والعلاقة المعنوية التي تربط الإنسان بالطبيعة من ناحيةٍ، وتربط الإنسان بأخيه الإنسان من ناحيةٍ أخرى، وهي العلاقة التي سُمِّيَتْ قرآنياً بالاستخلاف.

ونحن حينما نلاحظ المجتمعات البشرية نجد أنّها جميعاً تشترك بالعنصر الأوّل والعنصر الثاني. فلا يوجد مجتمع بدون إنسان يعيش مع أخيه الإنسان، ولا يوجد مجتمع بدون أرض أو طبيعة يمارس الإنسان عليها دوره الاجتماعي. وفي هذين العنصرين تتفق المجتمعات التاريخية والبشرية.

وأمّا العنصر الثالث: ففي كلِّ مجتمعٍ علاقةٌ كما ذكرنا، ولكن المجتمعات تختلف طبيعة هذه العلاقة، وفي كيفية صياغتها.

فالعنصر الثالث هو العنصر المَرِن والمتحرِّك من


عناصر المجتمع، وكل مجتمع يبني هذه العلاقة بشكل قد يتّفق وقد يختلف مع طريقة بناء المجتمع الآخر لها.

وهذه العلاقة لها صيغتان:

* إحداهما: صيغة رباعية، وقد أُطلق عليها اسم ( الصيغة الرباعية ).

* والأخرى: صيغة ثلاثية.

الصيغة الرباعية: ( هي الصيغة التي ترتبط بموجبها الطبيعة والإنسان مع الإنسان ). هذه أطراف ثلاثة، فالعلاقة إذن اتخذتْ صيغةً تربط بموجبها بين هذه الأطراف وهي: الطبيعة والإنسان مع أخيه الإنسان، ولكن مع افتراض طرف رابع أيضاً.

الصيغة الرباعية تربط بين هذه، وهذا الطرف الرابع ليس داخلاً في إطار المجتمع، وإنّما خارج عن إطاره. ولكن الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية تعتبر هذا الطرف الرابع مقوِّماً من المقوِّمات الأساسية للعلاقة الاجتماعية على رغم خروجه خارج إطار المجتمع، وهذه الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية ذات الأبعاد الأربعة هي التي طرحها القرآن الكريم تحت اسم الاستخلاف.

الاستخلاف إذن: ( هو العلاقة الاجتماعية من زاوية نظر القرآن الكريم ). وعند تحليل الاستخلاف نجد أنّه ذو أربعة أطراف؛ لأنّه يَفترض مستخلِفاً أيضاً.

لا بدّ من مستخلِفٍ، ومستَخْلَفٍ عليه، ومستخلَف. فهناك


إضافةً إلى الإنسان وأخيه الإنسان والطبيعة، يوجد طرفٌ رابع في طبيعة وتكوين علاقة الاستخلاف وهو المستخلِف؛ إذ لا استخلاف بدون مستخلِف، فالمستخلِف هو الله سبحانه وتعالى، والمستخلَف هو الإنسان وأخوه الإنسان، أي الإنسانية ككل الجماعة البشرية، والمستخلَف عليه هو الأرض وما عليها ومَن عليها.

فالعلاقة الاجتماعية ضمن صيغة الاستخلاف تكون ذات أطراف أربعة، وهذه الصيغة تنطبق بوجهة نظرٍ معيّنة نحو الحياة والكون، بوجهة نظرٍ قائلة: بأنّه لا سيدَ ولا إلهَ للكون وللحياة إلاّ الله سبحانه وتعالى، وأنّ دور الإنسان في ممارسة حياته إنّما هو دور الاستخلاف والاستئمان.

وأي علاقة تنشأ بين الإنسان والطبيعة فهي في جَوهرها ليست علاقة مالك بمملوك وإنّما هي علاقة أمين على أمانة استُؤمِنَ عليها، وأي علاقة تنشأ بين الإنسان وأخيه الإنسان - مهما كان المركز الاجتماعي لهذا أو لذاك - فهي علاقة استخلاف وتفاعل بقدر ما يكون هذا الإنسان مؤدِّياً لواجبه بهذه الخلافة، وليس علاقة سِيَادَة أو الُوهِيَّة أو مالكيّة.

هذه الصيغة الاجتماعية الرباعية الأطراف التي صاغها القرآن الكريم تحت اسم الاستخلاف ترتبط بوجهة النظر المعينة للحياة والكون. في مقابلها يوجد للعلاقة الاجتماعية صيغة ثلاثية الأطراف، صيغة تربط بين


الإنسان والإنسان والطبيعة، ولكنّها تقطع صلة هذه الأطراف مع الطرف الرابع، تجرّد تركيب العلاقة الاجتماعية عن البُعد الرابع، عن الله سبحانه وتعالى، وبهذا تتحوّل نظرة كل جزء إلى الجزء الآخر داخل هذا التركيب وداخل هذه الصيغة.

وجدت الألوان المختلفة للمِلْكية والسيادة، سيادة الإنسان على أخيه الإنسان بأشكالها المختلفة التي استعرضها التاريخ بعد أن عطّل البُعد الرابع، وبَعْد أنْ افتُرض أنّ البداية هي الإنسان، حينئذٍ تنوّعتْ على مسرح الصيغة الثلاثية أشكال المِلكية وأشكال السيادة، سيادة الإنسان على أخيه الإنسان.

وبالتدقيق في المقارنة بين الصيغتين، الصيغة الرباعية والصيغة الثلاثية يتضح:

أنّ إضافة الطرف الرابع للصيغة الرباعية ليس مجرد إضافة عدديّة، ليس مجرد طرف جديد يُضاف إلى الأطراف الأخرى، بل إنّ هذه الإضافة تُحدِث تغييراً نوعياً في بُنْية العلاقة الاجتماعية وفي تركيب الأطراف الثلاثة الأخرى نفسها، ليس هذا مجرد عملية جمع ثلاثة زائد واحد، بل هذا الواحد الذي يُضاف إلى الثلاثة سوف يُعطي للثلاثة روحاً أُخرى ومفهوماً آخر، سوف يُحدث تغييراً أساسياً في بُنْية هذه العلاقة ذات الأطراف الأربعة كما رأينا؛


إذْ يعود الإنسان مع أخيه الإنسان مجرد شركاء في محلّ هذه الأمانة والاستخلاف، وتعود الطبيعة - بكل ما فيها مِن ثروات وبكل ما عليها ومَن عليها - مجرد أمانة، لابدّ من رعاية واجبها وأداء حقّها. هذا الطرف الرابع هو في الحقيقة مُغيِّر نوعي لتركيب العلاقة.

إذنْ، أمامنا للعلاقة الاجتماعية صيغتان: صيغة رباعية وصيغة ثلاثية، والقرآن الكريم آمن بالصيغة الرباعية كما رأينا في الآية الكريمة.

الاستخلاف هو الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية لكن القرآن الكريم أكثر مِن أنّه آمن بالصيغة الرباعية، في المقام أعتبر الصيغة الرباعية سنّة من سنن التاريخ، كما رأينا في الآية السابقة كيف اعتبر الدين سنّة من سنن التاريخ، كذلك اعتبر الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية التي هي صيغة الدين في الحياة، اعتبر هذه العلاقة بصيغتها الرباعية سنّة من سنن التاريخ. كيف؟

هذه الصيغة الرُباعية عرضها القرآنُ الكريم على نَحوَين:

* عرضها تارةً بوصفها فاعلية ربّانية مِن زاوية دَور الله سبحانه وتعالى في العطاء. وهذا هو العرض الذي قرأناه:

( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ). هذه العلاقة الرُباعية معروضة في هذا النص الشريف باعتبارها عطاءً من الله، جَعْلاً من الله، يُمثِّل الدور


الإيجابي والتكريمي من ربِّ العالمين للإنسان.

* وعرض الصيغة الرباعية نفسها من زاوية أخرى، عرضها بوصفها وبنحو ارتباطها مع الإنسان بما هي أمر يتقبّله الإنسان، عرضها من زاوية تقبّل الإنسان لهذه الخِلافة، وذلك في قوله سبحانه وتعالى:

( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) (١) .

الأمانة: هي الوجه التقبُّلي للخلافة.

الخلافة: هي الوجه الفاعلي والعطائي للأمانة.

الأمانة والخلافة: عبارة عن الاستِخلاف والاستِئمان وتحمّل الأعباء، عبارة عن الصيغة الرباعية.

* وهذه تارة نلحظها من زاوية ربْطها بالفاعل، وهو الله سبحانه وتعالى بقوله:

( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) .

* وأخرى نلحظها من زاوية القابل كما يقول الفلاسفة، من ناحية دَور الإنسان في تقبّل هذه الخلافة وتحمل هذه الأمانة، وذلك بقوله تعالى:

( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ... ) . وهذه الأمانة التي تقبّلها الإنسانُ وتحمّلها حينما عُرضت عليه بعض هذه الآية الكريمة، هذه الأمانة أو هذه الخلافة أو بالتفسير الذي قلناه: هذه العلاقة الاجتماعية بصيغتها الرباعية، لم تُعرض على الإنسان بوصفها

____________

(١) سورة الأحزاب: الآية (٧٢).


تكليفاً أو طلباً،

* ليس المقصود من عرضها على الإنسان هو العرض على مستوى التكليف والطلب،

* وليس المقصود من تقبّل هذه الأمانة هو تقبّل هذه الخلافة على مستوى الامتثال والطاعة، ليس المفروض أنْ يكون هكذا العرض وأنْ يكون هكذا التقبّل، بقرينة:

أنّ هذا العرض كان معروضاً على الجبال أيضاً، على السماوات والأرض أيضاً، فمن الواضح أنّه لا معنى لتكليف السماوات والجبال والأرض.

نعرف من ذلك أنّ هذا العرض ليس عرضاً تشريعيّاً، هذا العرض معناه أنّ هذه العَطيّة الربّانية كانت تفتِّش عن الموضع المُنْسجِم معها بطبيعته، بفطرته، بتركيبه التاريخي والكوني.

الجبال لا تنسجم مع هذه الخلافة، السماوات والأرض لا تنسجم مع هذه العلاقة الاجتماعية الرباعية، الإنسان هو الكائن الوحيد الذي - بحكم تركيبه، وبحكم بُنْيته، وبحكم فطرة الله التي قرأْناها في الآية السابقة - كان مُنْسجِماً مع هذه العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف الأربعة، والتي تصبح أمانة وخِلافة.

إذنْ، العرض هنا عرض تكويني، والقبول هنا قبول تكويني، وهو معنى سنّة التاريخ، يعني: أنّ هذه العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف الأربعة داخلةٌ في تكوينة الإنسان وفي تركيب مسار الإنسان الطبيعي والتاريخي.

ونلاحظ أنّه في


هذه الآية الكريمة أيضاً جاءت الإشارة إلى هذه السنّة التاريخية وأنّها سنّة من الشكل الثالث، سنّة تَقْبل التحدِّي وتقبل العصيان. ليست من تلك السنن التي لا تقبل التحدِّي أبداً ولو لِلَحظة، لا، هي سنّةٌ، فطرةٌ، ولكن هذه الفطرة تقبل التحدّي.

كيف أشار القرآن الكريم إلى ذلك بعد أنْ أوضح أنّها سنّة من سنن التاريخ؟ قال:

( وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) . هذه العبارة الأخيرة:

( إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) . تأكيدٌ على طابع هذه السنّة، وأنّ هذه السنّة على الرغم من أنّها سنّة من سنن التاريخ ولكنّها سنّة تَقْبل التحدِّي، تقبل أنْ يقف الإنسان منها موقفاً سلبيّاً. هذا التعبير يوازي تعبير:

( وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) في الآية السابقة.

إذنْ، الآية السابقة استخلصنا منها:

* أنّ الدين سنّة من سنن الحياة ومن سنن التاريخ. ومن هذه الآية نستخلص:

* أنّ صيغة الدين للحياة التي هي عبارة عن العلاقة الاجتماعية الرباعية، العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف الأربعة التي يسمِّيها القرآن بالخلافة والأمانة والاستخلاف، هذه العلاقة الاجتماعية هي أيضاً بدورها سنّة من سنن التاريخ بحسب مفهوم القرآن الكريم.

فالحقيقة أنّ الآية الأولى والآية الثانية متطابقتان تماماً في مفادهما؛ لأنّه في الآية الأولى قال:

( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ


الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) (١) .

التعبيرُ بالدين القيِّم تأكيدٌ على أنّ ما هو الفطرة، وما هو داخل في تكوين الإنسان وتركيبه وفي مسار تاريخه هو الدين القيِّم، يعني أنْ يكون هذا الدِّين قيِّماً على الحياة، أنْ يكون مُهَيْمِنَا على الحياة، هذه القيمومة في الدّين هي التعبير المُجمَل في تلك الآية عن العلاقة الاجتماعية الرباعية التي طُرِحَتْ في الآيتين، في آية:

( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) . وآية:

( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) .

فالدين سنّة الحياة والتاريخ، الدين يدخل فيها بُعْداً رابِعاً؛ لكي يحدث تغييراً في بُنْيَة هذه العلاقة، لا لكي تكون مجرّد إضافة عددية.

هذه مفاهيم القرآن الكريم مستخلصة من هذه الآيات عن هذه السنة، أمّا كيف؟

* نريد أنْ نتعرّف بصورة أوضح وأوسع عن هذه السنّة.

* عن دور التاريخ كسنّة.

* عن دور الدِّين القيِّم، ودور الخلافة والأمانة.

* عن دور العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف الأربعة. دور الطرف الرابع:

* ما هو دوره كسنّة من سنن التاريخ.

* وكيف كان سنّة من سنن التاريخ؟

* وكيف كان مقوّماً أساسياً لمسار الإنسان على الساحة التاريخية؟ لكي نتعرف على

____________

(١) سورة الروم: الآية (٣٠).


ذلك لا بدّ من أنْ نتعرّف على الرُكنين الثابتين في العلاقة الاجتماعية، هناك ركنان ثابتان في العلاقة الاجتماعية:

* أحدهما: الإنسان وأَخُوه الإنسان.

* والآخر: الطبيعة، الكون، والأرض.

هذان الركنان داخلان في الصيغة الثلاثية، وداخلان في الصيغة الرباعية، ومن هنا نسمِّيهما بالركنين الثابتين في العلاقة الاجتماعية. لكي نعرف دور الركن الجديد ودور هذا الركن الجديد، دور هذا الطرف الرابع، دور الله سبحانه وتعالى في تركيب العلاقة الاجتماعية، يجب أنْ نعرف - مقدّمةً لذلك - دور الركنين الثابتين.

* ما هو دور الإنسان في عمليّة التاريخ من زاوية النظرة القرآنية، من زاوية النظرة للقرآن والفهم الرباني من القرآن للتاريخ وسنن الحياة؟

* ما هو دور الإنسان في العلاقة الاجتماعية؟

* وما هو دور الطبيعة في العلاقة الاجتماعية؟

على ضوء تشخيص هذين الدورَين وتحديد هذين الموقفين سوف يتّضح حينئذٍ دور هذا الطرف الجديد، دور الطرف الرابع الذي تتميّز به الصيغة الرُباعية عن الصيغة الثلاثية. ويتّضح أنّ هذا الطرف الرابع عنصرٌ ضروري بحكم سنّة التاريخ وتركيب خلقة الإنسان، ولابدّ وأنْ يَنْدمج مع الأطراف الأخرى لتكوين علاقة


اجتماعية رباعيّة الأطراف.

إذنْ، ففهم هذه السنّة التاريخية يتطلّب منّا أنْ نتحدّث عن دور الإنسان والطبيعة في عملية التاريخ من زاوية نظر القرآن الكريم، وهذا ما سيأتي إنْ شاء الله.


الدرس التاسع:

قلنا في ما سبق: إنّ اكتشاف الأبعاد الحقيقية لدور الدين في حركة التاريخ والمسيرة الاجتماعية للإنسان، يتوقّف على تحقيق وتقييم دور العنصرَين أو الركنَين الثابتَين في الصيغة وهما: الإنسان والطبيعة.

الآن نتحدّث عن الإنسان ودور الإنسان في الحركة التاريخية من زاوية مفهوم القرآن الكريم.

من الواضح على ضوء المفاهيم التي قرأناها سابقاً أنّ الانسان أو المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساس لحركة التاريخ.

وأنّنا ذكرنا أنّ حركة التاريخ تتميّز عن كل الحركات الأخرى بأنّها حركة غائية لا سببية فقط، ليست مشدودة إلى سببها، إلى ماضيها، بل هي مشدودة إلى الغاية؛ لأنّها حركةٌ هادفة، لها علة غائية متطلِّعة إلى المستقبل.

فالمستقبل هو المحرِّك لأي نشاط من النشاطات التاريخية، والمستقبل معدوم فعلاً، وإنّما


يحرِّك من خلال الوجود الذهني الذي يتمثّل فيه هذا المستقبل.

إذن، فالوجود الذهني هو الحافز والمحرِّك والمدار لحركة التاريخ، وهذا الوجود الذهني يجسِّد من ناحيةٍ:

* جانباً فكرياً، وهو الجانب الذي يضم تصورات الهدف.

* وأيضاً يمثّل من جانبٍ آخر: الطاقة والإرادة التي تحفِّز الإنسان نحو هذا الهدف.

إذن، هذا الوجود الذهني الذي يجسّد المستقبل المحرّك يعبِّر بجانبٍ منه عن: الفكر. وفي جانب آخر منه عن: الإرادة. وبالامتزاج بين الفكر والإرادة تتحقّق فاعلية المستقبل ومحرِّكيّته للنشاط التاريخي على الساحة الاجتماعية.

وهذان الأمران: الفكر والإرادة، هما في الحقيقة المحتوى الداخلي الشعوري للإنسان. إنّه يتمثّل في هذين الركنَين الأساسيين وهما الفكر والإرادة. إذنْ، المحتوى الداخلي للإنسان هو الذي يصنع هذه الغايات ويجسّد هذه الأهداف من خلال مَزْجَهُ بين فكرةٍ وإرادةٍ.

وبهذا صحّ القول بأنّ المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساس لحركة التاريخ. والبناء الاجتماعي العلوي بكل ما يضم من علاقات ومن أنظمة ومن أفكار وتفاصيل، هذا البناء العلوي في الحقيقة مرتبِط بهذه القاعدة في المحتوى الداخلي للإنسان، ويكون تغيّره وتطوّره تابعاً لتغيّر هذه القاعدة وتطورها، فإذا تغيّر الأساس تغيّر


البناء العلوي، وإذا بقي الأساس ثابتاً، بقي البناء العلوي ثابتاً.

فالعلاقة بين المحتوى الداخلي للإنسان والبناء الفَوقي والتاريخي للمجتمع، هذه العلاقة علاقةٌ تبعيّة، أي علاقة سبب بسبب. هذه العلاقة تمثل سنة تاريخية تقدم الكلام عنها في قوله سبحانه وتعالى:

( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (١) .

هذه الآية واضحة جداً في المفهوم الذي أعطيناه، وهو أنّ المحتوى الداخلي للإنسان هو القاعدة والأساس للبناء العلوي، للحركة التاريخية؛ لأنّ الآية الكريمة تتحدّث عن تغييرَين:

* أحدهما تغيير القول:

( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ ) .

يعني تغيير أوضاع القوم، شؤون القوم، الأبنية العلوية للقوم، ظواهر القوم، هذه لا تتغيّر حتى يتغيّر ما بأنفس القوم.

إذنْ، التغيير الأساس هو تغيير ما بـ ( نفس القوم ) والتغيير النابع المترتِّب على ذلك هو تغيير حالة القوم النوعية والتاريخية والاجتماعية.

ومن الواضح أنّ المقصود من تغيير ما بالأنفس: تغيير ما بأنفس القوم، بحيث يكون المحتوى الداخلي للقوم كقومٍ، وكأمَّةٍ، وكشجرةٍ مباركةٍ تُؤْتي أُكُلها كل حين، متغيِّراً، وإلاّ تغيُّر الفرد الواحد أو الفردَين أو الأفراد الثلاثة

____________

(١) سورة الرعد: الآية (١١).


لا يشكّل الأساس لتغيّر ما بالقوم، وإنّما يكون تغيّر ما بالقوم تابعاً لتغيّر ما بأنفسهم كقومٍ، وكأمّةٍ، وكشجرة مباركة تؤتي أُكلها كل حين.

فالمحتوى النفسي والداخلي للأمّة كأمّة لا لهذا الفرد أو لذلك الفرد، هو الذي يعتبر أساساً وقاعدة للتغييرات في البناء العلوي للحركة التاريخية كلها.

والإسلام والقرآن الكريم يؤمن بأنّ العمليّتَين يجب أنْ تسيرا جنباً إلى جنب في عملية صُنع الإنسان لمحتواه الداخلي وبناء الإنسان لنفسه ولفكره ولإرادته ولطموحاته.

هذا البناء الداخلي يجب أنْ يسير جنباً إلى جنب مع البناء الخارجي، مع الأبنية العلوية، ولا يمكن أنْ يفترض انفكاك البناء الداخلي عن البناء الخارجي، إلاّ إذا بقي البناء الخارجي بناءً مهزوزاً متداعياً.

ولهذا سَمَّى الإسلامُ عمليةَ بناء المحتوى الداخلي إذا اتجهت اتجاهاً صالحا بـ ( الجهاد الأكبر ). وسَمّى عمليةَ البناء الخارجي إذا اتجهت اتجاهاً صالحاً بعملية ( الجهاد الأصغر ). ورَبَطَ الجهاد الأصغر بالجهاد الأكبر، واعتبر أنّ الجهاد الأصغر إذا فُصِل عن الجهاد الأكبر فَقَدَ مُحتواه ومضمونه، بل فقد قدرته على التغيير الحقيقي على الساحة التاريخية والاجتماعية.

إذنْ هاتان العمليّتان يجب أنْ تسيرا جنباً إلى جنب. فإذا


انفكّت إحداهما عن الأخرى فقدتْ حقيقتها ومحتواها وسَمَّى الإسلامُ العمليةَ الأولى - عمليةَ بناءِ المحتوى الداخلي - بـ ( الجهاد الأكبر ) تأكيداً على الصفة الأساسية للمحتوى الداخلي وتوضيحاً لهذه الحقيقة، حقيقة أنّ المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساس، ولهذا سُمِّي بالجهاد الأكبر. فإذا بقي الجهاد الأصغر منفصلاً عن الجهاد الأكبر، حينئذٍ لا يحقِّق ذلك في الحقيقة أيّ مضمون تغييري صالح.

القرآن الكريم يعرض لحالة من حالات انفصال عملية البناء الخارجي عن عملية البناء الداخلي، قال سبحانه وتعالى:

( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ) (١) .

يريد أنْ يقول بأنّ الإنسان إذا لم ينفذ بعملية التغيير إلى قلبه وإلى أعماق روحه، إذا لم يَبْنِ نفسه بناءً صالحاً لا يمكنه أبداً أنْ يطرح الكلمات الصالحة، التي يمكن أنْ تتحوّل إلى بناءٍ صالح في المجتمع إذا نَبَعَتْ عن قلبٍ يعمر بالقِيَم التي تدلّ عليها تلك الكلمات، وإلاّ فتبقى الكلمات مجرد ألفاظ جوفاء دون أنْ يكون لها مضمون ومحتوى. فمسألة القلب هي التي

____________

(١) سورة البقرة: الآية (٢٠٤ - ٢٠٥).


تعطي للكلمات معناها، وللشعارات أبعادها، ولعملية البناء الخارجي أهدافها ومسارها.

إلى هنا عرفنا أنّ الأساس في حركة التاريخ هو المحتوى الداخلي للإنسان. وهذا المحتوى الداخلي للإنسان يشكّل القاعدة. الآن نتساءل:

* ما هو الأساس في هذا المحتوى الداخلي نفسه؟

* ما هي نقطة البدء في بناء هذا المحتوى الداخلي للإنسان؟

* وما هو المحور الذي يستقطب عملية بناء المحتوى الداخلي للإنسان؟

هو المثل الأعلى.

عرفنا أنّ المحتوى الداخلي للإنسان يجسّد الغايات التي تحرّك التاريخ، يجسِّدها من خلال وجودات ذهنية تمتزج فيها الإرادة بالتفكير، وهذه الغايات التي تحرِّك التاريخ يحدّدها المثل الأعلى، فإنّها جميعاً تنبثق عن وجهة نظر رئيسية إلى مثلٍ أعلى للإنسان في حياته، للجماعة البشرية في حياتها. وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدّد الغايات التفصيلية، وينبثق عنه هذا الهدف الجزئي وذلك الهدف الجزئي.

فالغايات بنفسها محرّكة للتاريخ، وهي بدورها نتاج لقاعدة أعمق منها في المحتوى الداخلي للإنسان، وهو المثل الأعلى الذي تتمحْور فيه كلُّ تلك الغايات، وتعود إليه كل تلك الأهداف، فبقدر ما يكون المثل الأعلى للجماعة البشرية صالحاً وعالياً وممتدّاً تكون الغايات صالحة وممتدّة،


وبقدر ما يكون هذا المثل الأعلى محدوداً أو منخفضاً تكون الغايات المنبثقة عنه محدودة ومنخفضة أيضاً.

إذنْ، المثل الأعلى هو:

* نقطة البدء في بناء المحتوى الداخلي للجماعة البشرية.

* وهذا المثل الأعلى يرتبط في الحقيقة بوجهة نظر عامّة إلى الحياة والكون، يتحدّد من قِبَل كل جماعة بشرية على أساس وجهة نظرها العامّة نحو الحياة والكون. على ضوء ذلك تحدِّد مَثَلها الأعلى.

* ومن خلال الطاقة الروحية التي تتناسب مع ذلك المثل الأعلى ومع وجهة نظرها إلى الحياة والكون تُحقِّق إرادتها للسير نحو هذا المثل، وفي طريق هذا المثل.

إذن هذا المثل الأعلى هو في الحقيقة أيضاً يتجسّد من خلال رؤية فكرية، ومن خلال طاقة روحية تزحف بالإنسان في طريقه، وكل جماعة اختارت مثلها الأعلى فقد اختارت في الحقيقة سبيلها وطريقها ومنعطفات هذا السبيل وهذا الطريق.

كما رأينا أنّ الحركة التاريخية تتميّز عن أيّ حركة أخرى في الكون بأنّها:

* حركة غائية وهادفة.

* وكذلك تتميّز وتتمايز الحركات التاريخية أنفسها بعضها عن بعض بمثلها العليا. فلكل حركة تاريخية مثلها الأعلى، وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدّد الغايات والأهداف، وهذه الأهداف والغايات هي التي تحدد النشاطات والتحركات ضمن مسار ذلك المثل الأعلى.

والقرآن الكريم والتعبير الديني يطلق على المثل الأعلى في


جملة من الحالات اسم: ( الإله ) باعتبار أنّ المثل الأعلى هو القائد الآمر المطاع الموجّه. هذه صفات يراها القرآن للإله، ولهذا يعبّر عن كل من يكون مثل أعلى، كل ما يمثّل مركز المثل الأعلى، يعبّر عنه بالإله؛ لأنّه هو الذي يصنع مسار التاريخ، حتى ورد في قوله سبحانه وتعالى:

( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) (١) .

عبّر حتى عن الهوى حينما يتصاعد تصاعداً مصطَنعاً، فيصبح هو المثل الأعلى، وهو الغاية القصوى، لهذا الفرد أو لذاك، عبّر عنه بأنّه إله. فالمثل العليا بحسب التعبير القرآني والديني هي آلهة في الحقيقة؛ لأنّها هي المعبودة حقّاً وهي الآمرة والناهية حقّاً وهي المحرِّكة حقّاً، فهي آلهة في المفهوم الديني والاجتماعي.

وهذه المثل العليا التي تتبنّاها الجماعات البشرية على ثلاثة أقسام:

* القسم الأوّل: المثل الأعلى الذي يستمد تصوّره من الواقع نفسه، ويكون منتزعاً من واقعٍ ما، تعيشه الجماعة البشرية من ظروف وملابسات، أي أنّ الوجود الذهني الذي صاغ المستقبل هنا، لم يستطع أنْ يرتفع على هذا الواقع، بل انتزع مثله الأعلى من هذا الواقع بحدوده، وبقيوده، وبشؤونه.

وحينما يكون المثل الأعلى منتزعاً عن واقع الجماعة بحدودها وقيودها

____________

(١) سورة الفرقان: الآية (٤٣).


وشؤونها تصبح حالة تكرارية، تصبح بتعبير آخر: محاولة لتجميد هذا الواقع وحمله إلى المستقبل، بدلاً عن التطلّع إليه فقط، يكون في الحقيقة تجميداً لهذا الواقع وتحويله من حالة نسبية ومن أمر محدود إلى أمر مطلق؛ لأنّ الإنسان يعتبره هدفاً ومثلاً أعلى.

وحينما يتحوّل هذا الواقع من أمر محدود إلى هدف مطلق، إلى حقيقة مطلقة، لا يتصوّر الإنسان شيئاً وراءها، حينما يتحوّل إلى ذلك، سوف تكون حركة التاريخ حركة تكرارية لحالة سابقة؛ ولهذا سوف يكون المستقبل تكراراً للواقع وللماضي.

هذا النوع من الآلهة يعتمد على تجميد الواقع وتحويل ظروفه النسبية إلى ظروف مطلقة؛ لكي لا تستطيع الجماعة البشرية أنْ تتجاوز الواقع، وأنْ ترتفع بطموحاتها عن هذا الواقع.

تبنِّي هذا النوع من المثل العليا له أحد سببين:

*السبب الأوّل :

الأُلفة، والعادة، والخمول، والضياع. وهذا سبب نفسي، وإذا انتشرتْ هذه الحالة في مجتمع حينئذٍ يتجمّد ذلك المجتمع؛ لأنّه سوف يصنع آلهة من واقعه، سوف يحوّل هذا الواقع النسبي المحدود الذي يعيشه إلى حقيقة مطلقة، إلى مثل أعلى، إلى هدفٍ لا يرى وراءه شيئاً.

وهذا في الحقيقة هو ما عرضه القرآن الكريم


في كثير من الآيات التي تحدّثت عن المجتمعات التي واجهت الأنبياء، حينما جاءوها بمُثُل عُلْيَا حقيقية ترتفع عن الواقع، وتريد أنْ تحرِّك هذا الواقع وتنتزعه من حدوده النسبية إلى وضع آخر.

واجه هؤلاء الأنبياءُ مجتمعاتٍ سادَتْها حالةُ الأُلفة، والعادة، والتميُّع، فكان هذا المجتمع يردّ على دعوة الأنبياء ويقول: بأنّنا وجدنا آباءنا على هذه السنّة، وجدنا آباءنا على هذه الطريقة، ونحن متمسِّكون بمثلهم الأعلى.

سيطرةُ الواقع على أذهانهم وتغلغل الحس في طموحاتهم بلغ إلى درجةٍ تحوّل هذا من خلالها إلى إنسان حِسِّي لا إلى إنسان مفكِّر، إلى إنسان يكون ابن يومه دائماً، ابن واقعه دائماً، لا أبا يومه، أبا واقعه؛ ولهذا لا يستطيع أنْ يرتفع على هذا الواقع.

لاحظوا القرآن الكريم وهو يقول:

( قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ) (١) .

( قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ) (٢) .

( قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ) (٣) .

____________

(١) سورة البقرة: الآية (١٧٠).

(٢) سورة المائدة: الآية (١٠٤).

(٣) سورة يونس: الآية (٧٨).


( أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) (١) .

( قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَـمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ) (٢) .

( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ) (٣) .

في كل هذه الآيات يستعرض القرآنُ الكريم السببَ الأوّل لتبنِّي المجتمع هذا المثل الأعلى المنخفض. هؤلاء بحكم الأُلفة والعادة، وبحكم التميّع والفراغ، وجدوا سنّةً قائمةً، وجدوا وضعاً قائماً، فلم يسمحوا لأنفسهم بأنْ يتجاوزوه، بل جسّدوه كمثلٍ أعلى، وعارضوا به دعوات الأنبياء على مرِّ التاريخ. هذا هو السبب الأوّل لتبنِّي هذا المثل الأعلى المنخفض.

* السبب الثاني:

لتبنِّي هذا المثل الأعلى المنخفض هو التسلّط الفرعوني على مرّ التاريخ. الفراعنةُ حينما يحتلّون مراكزهم، يجدون في أيّ تطلع إلى المستقبل وفي أيّ تجاوز للواقع الذي سيطروا

____________

(١) سورة هود: الآية (٦٢).

(٢) سورة إبراهيم: الآية (١٠).

(٣) سورة الزخرف: الآية (٢٢).


عليه، يجدون في ذلك زعزعةً لوجودهم وهزّاً لمراكزهم.

من هنا كان من مصلحة فرعون على مر التاريخ أنْ يغمض عيون الناس على هذا الواقع، أنْ يحوّل الواقع الذي يعيشه مع الناس إلى مطلق، إلى إله، إلى مثل أعلى لا يمكن تجاوزه، يحاول أنْ يحبس وأنْ يضع كلّ الأمّة في إطار نظرته هو، في إطار وجوده هو؛ لكي لا يمكن لهذه الأمّة أنْ تُفتِّش عن مثل أعلى ينقلها من الحاضر إلى المستقبل، من واقعه إلى طموح آخر، أو أكبر من هذا الواقع. هنا السببُ اجتماعي لا نفسي، السبب خارجي لا داخلي.

وهذا أيضاً ما عرضه القرآنُ الكريم:

( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) (١) .

( قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشَادِ ) (٢) .

هنا فرعون يقول: ما أُريكم إلاّ ما أرى. يريد أنْ يضع الناس الذين يعبدونه كلَّهم في إطار رؤيته، في إطار نظرته، يحوّل هذه النظرة وهذا الواقع إلى مطلق لا يمكن تجاوزه، هنا الذي يجعل المجتمع يتبنّى مثلاً أعلى مستمداً من الواقع هو التسلُّط الفرعوني، الذي يرى في تجاوز هذا المثل الأعلى خطراً عليه وعلى وجوده. قال الله سبحانه وتعالى:

( ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى

____________

(١) سورة القصص: الآية (٣٨).

(٢) سورة غافر: الآية (٢٩).


وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ * فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ) (١) .

نحن غير مستعدِّين أنْ نؤمن بهذا المثل الأعلى الذي جاء به موسى؛ لأنّه سوف يزعزع عبادة قوم موسى وهارون لنا.

إذنْ، هذا التجميد ضمن إطار الواقع الذي تعيشه الجماعة - أيّ جماعة بشرية - ينشأ من حرص أولئك الذين تسلّطوا على هذه الجماعة، على أنْ يَضْمِنوا وجودهم ويضمنوا الواقع الذي هم فيه، وهم بُنَاتِهِ. هذا هو السبب الثاني الذي عرضه القرآن الكريم.

والقرآن الكريم يسمِّي هذا النوع من القوى التي تحاول أنْ تحوِّل هذا الواقع المحدود إلى مطلق، وتحصر الجماعة البشرية في إطار هذا المحدود، يسمِّي هذا بـ ( الطاغوت ). قال سبحانه وتعالى:

( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ) (٢) .

لاحظوا، ذَكَرَ صفةً أساسية مميَّزة لِمَنْ اجتنب عبادة الطاغوت، ما هي؟

____________

(١) سورة المؤمنون: الآية (٤٥ - ٤٧).

(٢) سورة الزمر: الآية (١٧ - ١٨).


قال:

( فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) (١) .

* يعني لم يجعلوا هناك قيداً على ذهنهم.

* لم يجعلوا إطاراً محدوداً لا يمكنهم أنْ يتجاوزوه.

* جعلوا الحقيقة مدار همِّهم، هدفهم؛ ولهذا يستمعون القول فيتبعون أحسنه، يعني: هم في حالة تطلّع وموضوعية تسمح لهم بأنْ يجدوا الحقيقة، يتَّبعوها.

بينما لو كانوا يعبدون الطاغوت، حينئذٍ يكونون في إطار هذا الواقع الذي يريده الطاغوت، سوف لن يستطيعوا أنْ يستمعوا إلى القول فيتبعون أحسنه، وإنّما يتّبعون فقط ما يراد لهم أنْ يتبعوه. هذا هو السبب الثاني لاتباع وتبنِّي هذه المثل.

إذنْ، خلاصة ما مرّ بنا حتى الآن:

* أنّ التاريخ يتحرّك من خلال البناء الداخلي للإنسان، الذي يصنع للإنسان غاياته.

* هذه الغايات تُبْنى على أساس المثل الأعلى الذي تنبثق عنه تلك الغايات.

* لكلِّ مجتمع مثلٌ أعلى، ولكن مثل أعلى مسار ومسيرة. وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدِّد في تلك المسيرة معالم الطريق، وهو على ثلاثة أقسام، حتى الآن استعرضنا القسم الأوّل من المثل العليا وهو المثل الأعلى الذي ينبثق تصوره عن الواقع، ويكون منتزعاً

____________

(١) سورة الزمر: الآية (١٧ - ١٨).


عن الواقع الذي تعيشه الجماعة، وهذا مثل أعلى تكراري، وتكون الحركة التاريخية في ظل هذا المثل الأعلى حركة تكرارية، أخذ الحاضر لكي يكون هو المستقبل، وقلنا بأنّ تبنّي هذا النوع من المثل الأعلى يقود إلى أحد سببين بحسب تصورات القرآن الكريم:

* السبب الأوّل: سبب نفسي، وهو الأُلفة والعادة والضياع.

* والسبب الآخر: سبب خارجي، وهو تسلّط الفراعنة والطواغيت على مرّ التاريخ.


الدرس العاشر:

هذه المثل العليا المنخفضة المتنوّعة عن الواقع - والتي تحدّثنا عنها في الدرس السابق - في كثير من الأحيان تتّخِذ طابع الدِّين، ويُسبغ عليها هذا الطابع؛ من أجل إعطائها قُدسيّة تحافظ على بقائها واستمرارها على الساحة، كما رأينا في الآيات الكريمة المتقدِّمة كيف أنّ المجتمعات التي رفضت دعوة الأنبياء كثيراً ما كانت تصرّ على التمسّك بعبادة الآباء وبدين الآباء، بالمَثَل الأعلى المعبود للآباء.

بل إنّ الحقيقة أنّ كلّ مثل أعلى من هذه المثل العليا المنخفضة لا ينفكّ عن الثوب الديني، سواء اُبرز بشكل صريح أو لم يبرز؛ لأنّ المثل الأعلى دائماً يحتلّ مركز الإله بحسب التعبير القرآني والإسلامي.

ودائماً تستبطن علاقة الأمّة بمثلها الأعلى نوعاً من العبادة، من العبادة لهذا المثل الأعلى، وليس الدين بشكله العام إلاّ علاقة عابد بمعبود.

إذاً، المثل الأعلى لا ينفك عن الثوب الديني، سواء كان ثوباً دينياً صريحاً أو ثوباً


دينياً مستتراً مُبَرْقَعَاً تحت شعارات أخرى، فهو في جوهره دين وفي جوهره عبادة وانسياق.

إلاّ أنّ هذه الأديان التي تفرزها هذه المثل العليا المنخفضة أديانٌ محدودة، تبعاً لمحدودية نفس هذه المثل، لما كانت هذه المثل مُثُلاً منخفضة ومحدودة قد حوّلت بصورة مصطنعة إلى مطلقات، وإلاّ هي في الحقيقة ليست إلاّ تصوّرات جزئية عبر الطريق الطويل الطويل للإنسان، إلاّ أنّها حوّلت إلى مطلقات بصورة مصطنعة.

إذاً، هذه المحدودية في المثل تعكس الأديان التي تفرزها، فالأديان التي تفرزها هذه المثل، أو بالتعبير الأحرى:

الأديان التي يفرزها الإنسان من خلال صنع هذه المثل، ومن خلال عملقة هذه المثل، وتطويرها من تصوّرات إلى مطلقات، هذه الأديان تكون أدياناً محدودة، وضئيلة، وتجزئة.

وهذه التجزئة في مقابل دين التوحيد - الذي سوف نتكلّم عنه حينما نتحدّث عن مثله الأعلى القادر على استيعاب البشرية بأبعادها، وأديان التجزئة هذه، وهذه الآلهة، التي فرزها الإنسان بين حين وحين - هي التي يعبّر عنها القرآن الكريم بقوله:

( إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم ) (١) .

فهذه الآلهة التي يفرزها الإنسان، هذا الدين الذي يصنعه الإنسان، وهذا المثل الأعلى الذي هو نتاج بشري، هذا

____________

(١) سورة النجم: الآية (٢٣).


لا يمكن أنْ يكون هو الدين القيِّم، لا يمكن أنْ يكون هو المصعد الحقيقي للمسيرة البشرية؛ لأنّ المسيرة البشرية لا يمكن أنْ تخلق إلهَهَا بيدها.

المجتمعات والأُمم التي تعيش هذا المثل الأعلى المنخفض المستمَد من واقع الحياة، قلنا بأنّها تعيش حالة تكرارية، يعني: أنّ حركة التاريخ تصبح حركة تماثلية وتكرارية، وهذه الأمّة تأخذ بيدها ماضيها إلى الحاضر، وحاضرها إلى المستقبل، ليس لها مستقبل في الحقيقة وإنّما مستقبلها هو ماضيها.

ومن هنا إذا تقدّمنا خطوة في تحليل ومراقبة ومشاهدة أوضاع هذه الأمّة التي تتمسّك بمثل من هذا القبيل، إذا تقدّمنا خطوة إلى الأمام نجد:

أنّ هذه الأمّة بالتدريج سوف تفقد ولاءها لهذا المثل أيضاً، لنْ تظل متمسِّكة بهذا المثل؛ لأنّ هذا المثل بعد أنْ يفقد فاعليّته وقدرته على العطاء، بعد أنْ يصبح نسخة من الواقع ويصبح أجراً مفروضاً ومحسوساً وملموساً وغيرَ قادرٍ على تطوير البشرية وتصعيدها في مسارها الطويل، تفقد هذه البشرية وهذه الجماعة بالتدريج ولاءها لهذا المثل.

ومعنى أنّها تفقد ولاءها لهذا المثل يعني: أنّ القاعدة الجماهيرية الواسعة في هذه الأمّة سوف تتمزّق وحدتها؛ لأنّ وحدة هذه القاعدة إنّما هي بالمثل الواحد، فإذا ضاع المثل ضاعت هذه القاعدة.


هذه الأمّة بعد أنْ تفقد ولاءها لهذا المثل تصاب:

* بالتشتت، بالتمزق، بالتبعثر، تكون كما وصف القرآن الكريم:

( بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ ) (١) .

بأسهم بينهم شديد باعتبار أنّ هذه الأمّة التي لا يجمعها شيء إلاّ تماثل الوجوه وتقارب الوجوه.

- لا يجمعها مثل أعلى.

- لا تجمعها طريقة مثلى.

- لا يجمعها سبيل واحد.

- قلوب متفرّقة، أهواء متشتّتة، أرواح مُبَعْثَرَة، وعقول مجمَّدة.

في حالة من هذا القبيل لا تبقى أُمّة، وإنّما يبقى شبح أُمّة فقط، وفي ظل هذا الشبح سوف ينصرف كل فرد في هذه الأمّة:

* ينصرف إلى همومه الصغيرة، إلى قضاياه المحدودة؛ لأنّه لا يوجد هناك مثل أعلى تلتف حوله الطاقات، تلتف حوله القابليّات والإمكانات، تحشّد من أجله التضحيات، لا يوجد هذا المثل الأعلى حينما:

- يسقط هذا المثل الأعلى.

- تسقط الراية التي توحِّد الأمّة.

- يبقى كل إنسان مشدود إلى حاجاته المحدودة، إلى مصالحه الشخصية.

- إلى تفكيره في أموره الخاصّة، كيف يُصبح وكيف يُمسي؟ وكيف يأكل وكيف يشرب؟ وكيف يوفِّر الراحة والاستقرار له ولأولاده ولعائلته؟ أيّ راحة وأيّ استقرار؟

الراحة بالمعنى

____________

(١) سورة الحشر: الآية (١٤).


الرخيص، بالمعنى القصير من الاستقرار، يبقى كلُّ إنسان سجينُ حاجاته الخاصّة، سجين رغباته الخاصة، يبقى يدور ويلتف حول هذه الرغبات وحول هذه الحاجات لا يرى غيرها إذْ لا يوجد المثل، إذ ضاع المثل وتفتَّتَ وسقط.

في حالة من حالات هذه الأمّة، قلنا بأنّ الأمّة تتحوّل إلى شبح، لا يبقى أُمّة حقيقية، وإنّما هناك شبح أُمّة وقد علّمنا التاريخ أنّه في حالة من هذا القبيل توجد ثلاث إجراءات، ثلاث بدائل يمكن أنْ تنطبق على حالة هذه الأمّة الشبح:

الإجراء التاريخي الأوّل:

هو أنْ تتداعى هذه الأمّة أمام غزوٍ عسكري من الخارج؛ لأنّ هذه الأمّة التي أُفرغت من محتواها، التي تخلّت عن وجودها كأمّة وبقيت كأفراد، كلُّ إنسان يفكِّر في طعامه ولباسه ودار سكناه، ولا يفكِّر في الأمّة، مَنْ يُفَكِّر إذاً؟

ففي وضع من هذا القبيل يمكن أنْ تتداعى هذه الأمّة أمام غزو من الخارج، وهذا ما وقع بالفعل بعد أنْ فقد المسلمون مَثَلَهم الأعلى، وفقدوا ولاءهم لهذا المثل الأعلى، ووقعوا فريسةَ غزو التتار حينما سقطت حضارة المسلمين بأيدي التتار، هذا هو الإجراء التاريخي الأوّل.

والإجراء التاريخي الثاني:

هو الذوبان والانصهار في مَثَلٍ أعلى أجنبي، في مَثَلٍ مُستورَد من الخارج. هذه


الأمّة بعد أنْ فقدت مُثُلَها العليا النابعة منها، فقدت فاعليّتها وأصالتها، حينئذٍ تفتِّش عن مثل أعلى من الخارج تعطيه ولاءها؛ لكي تمنحه قيادتها. هذا هو الإجراء التاريخي الثاني.

والإجراء التاريخي الثالث:

أنْ ينشأ في أعماق هذه الأمّة بذور إعادة المثل الأعلى من جديد بمستوى العصر الذي تعيشه الأمّة.

هذان الإجراءان ( الثاني والثالث ) وقفتْ الأمّة أمامهما على مُفْتَرَق طريقين حينما دخلتْ عصر الاستعمار:

* كان هناك طريق يدعوها إلى الانصهار في مثل أعلى من الخارج، هذا الطريق الذي طبّقه جملةٌ من حكّام المسلمين في بلاد المسلمين ( رضا خان ) في إيران و ( أتاتورك ) في تركيا.

حاول هؤلاء أنْ يجسِّدوا المثل الأعلى للإنسان الأوروبي المُنتصِر، ويطبِّقوا هذا المثل الأعلى ويكسبوا ولاء المسلمين أنفسهم لهذا المثل الأعلى، بعد أنْ ضاع المثل الأعلى في داخل المسلمين.

* بينما روّاد الفكر الإسلامي في بدايات عصر الاستعمار وفي أواخر الفترة التي سبقتْ عصر الاستعمار، روّاد الفكر الإسلامي وروّاد النهضة الإسلامية أطلقوا جهودهم في سبيل الإجراء الثالث، في سبيل إعادة الحياة إلى الإسلام من جديد، في سبيل انتشار هذا المثل الأعلى وإعادة الحياة إليه وتقديمه بِلُغَةِ


العصر، وبمستوى العصر، وبمستوى حاجات المسلمين. الأمّة تتحوّل إلى شبح، فتواجه أحد هذه الإجراءات الثلاثة.

الآن تكلّمنا عن أُمّة هذه الآلهة المنخفضة. إذا تقدّمنا خطوة نجد:

- المثل التكراري يتمزّق.

- أنّ الأمّة تفقد ولاءها.

- أنّ الأمّة تتحوّل إلى شبح تواجه أحد هذه الإجراءات الثلاثة.

الآن نرجع إلى الوراء خطوة، سوف نواجه النوع الثاني من الآلهة، من المثل العليا. أليس قلنا في البداية: إنّ المثل العليا على ثلاثة أنواع؟ تكلّمنا الآن عن النوع الأوّل. إذا رجعنا خطوة أخرى إلى الوراء - وهذا ما سوف اشرح معناه بعد لحظات - سوف نواجه النوع الثاني من الآلهة من المثل العليا.

هذا النوع الثاني يعبّر عن كلّ مثل أعلى للأمّة يكون مشتقّاً مِن طموح الأمّة، مِن تطلّعها نحو المستقبل، ليس هذا المثل تعبيراً تكرارياً عن الواقع، بل هو تطلّع إلى المستقبل، وتحفّز نحو الجديد والإبداع والتطوير.

ولكنّ هذا المثل منتزَع عن خطوة واحدة من المستقبل، منتزع عن جزء من هذا الطريق الطويل المستقبلي، أي أنّ هذا الطموح الذي منه انتزعت الأمّة مثلها، كان طموحاً محدوداً، كان طموحاً مقيَّداً، لم يستطع أنْ يتجاوز المسافات الطويلة، وإنّما استطاع أنْ يكون


رؤية مستقبلية محدودة، وهذه الرؤية المستقبلية المحدودة انتزع منها مثلها الأعلى.

وفي هذا المثل الأعلى جانب موضوعي صحيح ولكنّه يحتوي على إمكانيات خطر كبير، أمّا الجانب الموضوعي الصحيح فهو:

إنّ الإنسان عبر مسيرته الطويلة لا يمكنه أنْ يستوعب برؤيته الطريق الطويل الطويل كلّه، لا يمكنه أنْ يستوعب المطلق؛ لأنّ الذهن البشري محدود، والذهن البشري المحدود لا يمكن أنْ يستوعب المطلق وإنّما هو دائماً يستوعب نفحةً من المطلق، شيئاً من المطلق، يأخذ بِيَدِهِ قبضةً من المطلق تُنير له الطريق، تُنير الدرب. فكون دائرة الاستيعاب البشري محدودة، هذا أمر طبيعي، أمر صحيح وموضوعي.

ولكن الخطير في هذه المسألة أنّ هذه القبضة التي يقبضها الإنسان من المطلق، هذه القبضة هذه الكومة المحدودة، هذه الومضة من النور التي يقبضها من هذا المطلق، يحوّلها إلى نور السماوات والأرض، يحوِّلها إلى مثل أعلى، يحوّلها إلى مطلق.

هنا يكمن الخطر؛ لأنّه حينما يصنع مَثَلَهُ الأعلى وينتزع هذا المثل من تصوّرٍ ذهني محدود للمستقبل، لكن يحوّل هذا التصور الذهني المحدود إلى مطلق، حينئذٍ هذا المثل الأعلى سوف يخدمه في المرحلة الحاضرة، سوف يهيئ له إمكانيّة النمو بقدر طاقات هذا المثل، بقدر ما يمثّل


للمستقبل، بقدر إمكاناته المستقبلية سوف يحرّك هذا الإنسان وينشّطه، لكن سرعان ما يصل إلى حدوده القصوى، وحينئذٍ سوف يتحول هذا المثل نفسه إلى قيد للمسيرة، إلى عائق عن التطوّر، إلى مجمِّد لحركة الإنسان؛ لأنّه أصبح مثلاً، اصحب إلها، أصبح ديناً، أصبح واقعاً قائماً، وحينئذٍ سوف يكون بنفسه عَقَبَة أمام استمرار زحْف الإنسان نحو كماله الحقيقي.

وهذا المثل الذي يعمّم خطأ، يحوّل من محدود إلى مطلق خطأ. التعميم فيه تارةً يكون تعميماً أفقيّاً خاطئاً، وأخرى تعميماً زمنيّاً خاطئاً. هناك تعميمان خاطئان لهذا المثل، هناك تعميم أفقي خاطئ، وهناك تعميم زمني عمودي خاطئ:

* التعميم الأفقي الخاطئ:

أنْ ينتزع الإنسان من تصوّره المستقبلي مثلاً، ويعتبر أنّ هذا المثل يضمُّ كلَّ قِيَم الإنسان التي يُجاهد من أجْلها، ويناضل في سبيلها، بينما هذا المثل على الرغم من صحَّته إلاّ أنّه لا يمثّل إلاّ جزءً من هذه القيم. فهذا التعميم تعميم أفقي خاطئ، هذا المثل يكون معبِّراً عن جزء من أفق الحركة، بينما جُرِّدَ منه ما يملأ كل أفق الحركة.

الإنسان الأوروبي الحديث في بدايات عصر النهضة وضع مثلاً أعلى وهو الحرّية. جعل الحرّية مثلاً أعلى؛ لأنّه رأى أنّ الإنسان الغربي كان


محطَّماً ومقيَّداً، كانت على يَدَيه الأغلال في كل ساحات الحياة:

- كان مقيَّداً في عقائده العلمية والدينية بحكم الكنيسة وتَعَنُّتِهَا.

- كان مقيّداً في قوَّته ورِزْقه بأنظمة الإقطاع.

- كان مقيّداً أينما يسير.

أراد الإنسان الأوروبي الرائد لعصر النهضة أنْ يُحرّر هذا الإنسان من هذه القيود، من قيود الكنيسة، من قيود الإقطاع، أراد أنْ يجعل من الإنسان كائناً مختاراً، إذا أراد أنْ يفعل يفعل، يفكّر بعقله لا بعقل غيره، ويتصوّر ويتأمّل بذاته ولا يستمد هذا التصوّر كصِيَغ ناجزة من الآخرين.

وهذا شيء صحيح، إلاّ أنّ الشيء الخاطئ في ذلك هو( التعميم الأفقي ) فإنّ هذه الحرّية بمعنى كَسْر القيود عن هذا الإنسان، هذا قيمة من القيم، هذا إطار للقيم، ولكن هذا وحده لا يصنع الإنسان، أنت لا تستطيع أنْ تصنع الإنسان بأنْ تكسر عنه القيود وتقول له: افعل ما شئت.

لا يوجد إنسان ولا كائن، لا يوجد إقطاعي ولا قِسِّيس، ولا سلطان ولا طاغوت يضطرّك إلى موقف، أو يفرض عليك موقفاً. هذا وحده لا يكفي فإنّ كسر القيود إنّما يشكّل الإطار للتنمية البشرية الصالحة، يحتاج هذا إلى مضمون، إلى محتوى، مجرد أنّه يستطيع أنْ يتصرّف، يستطيع أنْ يمشي في الأسواق هذا لا يكفي، أمّا كيف ويمشي؟ وما هو الهدف الذي من أجله يمشي في الأسواق؟


المحتوى والمضمون هو الذي فات الإنسان الأوروبي.

الإنسان الأوروبي جعل الحرّية هدفاً وهذا صحيح، ولكنّه صيّر من هذا الهدف مثلاً أعلى، بينما هذا الهدف ليس إلاّ إطاراً في الحقيقة، وهذا الإطار بحاجة إلى محتوى، وإلى مضمون، وإذا جرّد هذا الإطار عن محتواه سوف يؤدِّي إلى الوَيل والدمار، إلى الوَيل الذي تواجهه الحضارة الغربية اليوم، التي صنعتْ للبشرية كلَّ وسائل الدمار؛ لأنّ الإطار بقي بلا محتوى، بقي بلا مضمون. حينئذٍ هذا هو مثالٌ للتعميم الأفقي، التعميم الأفقي للمثل الأعلى.

وأمّا التعميم الزمني أيضاً، كذلك على مرّ التاريخ توجد خطوات ناجحة تاريخياً ولكنّها لا يجوز أنْ تحوّل من حدودها كخطوة إلى مطلق، إلى مثل أعلى، يجب أنْ تكون ممارسة تلك الخطوة ضمن المثل الأعلى لا أنْ تحوّل هذه الخطوة إلى مثل أعلى.

حينما اجتمع في التاريخ مجموعة من الأُسر فشكّلوا القبيلة. ومجموعة من القبائل فشكّلت عشيرة، ومجموعة من العشائر فشكّلت أُمّة، هذه الخطوات صحيحةٌ لتقدّم البشرية وتوحيد البشرية، ولكن كل خطوة من هذه لا يجب أنْ تتحوّل إلى مثل أعلى، لا يجوز أنْ تتحوّل إلى مطلق، لا يجوز أنْ تكون العشيرة هي المطلق الذي يحارب من أجله


هذا الإنسان، وإنّما المطلق الذي يحارب من أجله الإنسان يبقى هو ذاك المطلق الحقيقي، يبقى هو الله سبحانه وتعالى. الخطوة تبقى كأسلوب ولكن المطلق يبقى هو الله سبحانه وتعالى.

هذا التعميم الزمني أيضاً هو شكل من التعميم الخاطئ حينما يحوّل هذا المثل المنتزَع من خطوة محدودة عبر الزمن يحوّل إلى مثل أعلى.

وحال هذا الإنسان الذي يحوّل هذه الرؤية المحدودة عبر الزمن، يحوّلها إلى مطلق، حاله حال الإنسان الذي يتطلّع إلى الأفق فلا تساعده عينه إلاّ إلى النظر على مسافة محدودة، فيُخيّل له أنّ الدنيا تنتهي عند الأفق الذي يراه، أنّ السماء تنطبق على الأرض على مسافة قريبة منه، وقد يُخيّل له وجود الماء، وجود السراب على مقربة منه، إلاّ أنّ هذا في الحقيقة ناشئٌ من عَجز عينيه عن أنْ يتابع المسافة الأرضية الطويلة الأمد.

كذلك هنا، هذا الإنسان الذي يقف على طريق التاريخ الطويل، على طريق المسيرة البشرية، له أُفق بحكم قصوره الذهني وبحكم محدوديّة الذهن البشري، له أفق كذاك الأفق الجغرافي، ولكن هذا الأفق يجب أنْ يتعامل معه كأفق لا كمطلق، كما إنّنا نحن على الصعيد الجغرافي لا نتعامل مع هذا الأفق الذي نراه على بُعْد عشرين متراً أو مائتي متر أنّه نهاية الأرض، وإنّما


نتعامل معه بأنه أفق. كذلك أيضاً هنا يجب أنْ يتعامل هذا الإنسان معه كأفق لا يحوّل هذا الأفق التاريخي إلى مثل أعلى، وإلاّ كان من قبيل مَنْ يسير نحو سراب.

انظروا إلى التمثيل الرائع في قوله سبحانه وتعالى:

( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (١) .

يعبّر القرآن عن كل هذه المُثُل المصطنعة من دون الله سبحانه وتعالى بأنّها كبيت العنكبوت، حيث يقول:

( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (٢) .

اذا قارنّا بين هذين النَوعَين من:

* المُثُل العليا المشتقّة من الواقع.

* والمثل العليا المشتقّة من طموح محدود.

لَلاحظْنا أنّ المثل العليا المشتقّة من الواقع كثيراً ما تكون قد مرّتْ بمرحلة هذه المثل التي تعبّر عن طموح محدود، يعني كثيراً ما تكون تلك المثل من النوع الأوّل، امتداداً للمثل من النوع الثاني، بأنْ يبدأ هذا المثل الأعلى مشتقّاً من طموح، لكن حينما يتحقّق هذا الطموح

____________

(١) سورة النور: الآية (٣٩).

(٢) سورة العنكبوت: الآية (٤١).


المحدود، حينما تصل البشرية إلى النقطة التي أثارت هذه المثل، يتحوّل هذا المثل إلى واقع محدود بحسب الخارج، حينئذٍ يصبح مثلاً تكرارياً.

من هنا قلنا في ما سبق: إنّنا لو رجعنا خطوة إلى الوراء بالنسبة إلى آلهة النوع الأوّل، مُثل النوع الأوّل، لو رجعنا إلى الوراء لوجدنا آلهة النوع الثاني، فالمسألة في كثير من الأحيان تبدأ هكذا:

* تبدأ بمثل أعلى له طموح مشتق من طموح مستقبلي.

* ثم يتحوّل هذا المثل الأعلى إلى مثل تكراري.

* ثم يتمزّق هذا المثل التكراري - كما قلنا - وتتحوّل الأمّة إلى شبح أمة.

في هذه الفترة الزمنية تمرّ الأمّة بمراحل في الحقيقة يمكننا تلخيصها في أربعة مراحل:

المرحلة الأولى:

هي مرحلة فاعلية هذا المثل بحكم أنّه قد بدأ مشتقّاً من طموح مستقبلي، ولكن طبعاً هذه الفاعلية وهذا العطاء هو عطاء يسمِّيه القرآن بالعاجل، هذه المكاسب عاجلة وليست مكاسب على الخط الطويل. عاجلة؟

- لأنّ عُمْر هذا المثل قصير.

- وعطاءه محدود.

- لأنّ هذا المثل سوف يتحوّل في لحظة من اللحظات إلى قوّة إبادة لكل ما أعطاه من مكاسب؛ ولهذا يسمى بالعاجل.

انظروا إلى قوله تعالى:

( مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ


مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً * كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً) (١) .

الله سبحانه وتعالى خيرٌ محض، عطاء محض، جود كلّه، فبقدر ما تتبنّى الأمّة مثلاً قابلاً للتحريك، الله سبحانه وتعالى أيضاً يعطي، لكنّه يعطي بقدر قابليّة هذا المثل، يعطي شيئاً عاجلاً لا أكثر.

في حالة من هذا القبيل تكون السلطة التي تمثّل هذا المثل ذات مثل أعلى، ذات مثل يعطي ويبدع، وتكون قيادة موجّهة للأمّة في حدود هذا المثل، وتكون للأمّة دور المشاركة في صنع هذا المثل، وفي تحقيق هذا المثل.

هذه المرحلة سوف تؤدي إلى مكاسب، ولكنّها في النظر القرآني العميق الطويل الأمد مكاسب عاجلة تعقبها جهنّم، جهنّم في الدنيا وجهنّم في الآخرة. هذه المرحلة الأولى، مرحلة الإبداع والتجديد.

المرحلة الثانية:

حينما يتجمّد هذا المثل الأعلى، حينما يستنفذ طاقته وقدرته على العطاء، حينئذٍ يتحوّل هذا المثل إلى تمثال، والقادة الذين كانوا يعطون ويوجِّهون على أساسه يتحوَّلون إلى سادة وكُبَراء لا إلى قادة، وجمهور الأمّة يتحوّل إلى مطيعين ومنقادين لا إلى مشاركين في الإبداع

____________

(١) سورة الإسراء: الآية (١٨ - ٢٠).


والتطوير. وهذه المرحلة هي المرحلة التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله:

( وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ ) (١) .

ثم تأتي المرحلة الثالثة:

مرحلة الامتداد التاريخي لهؤلاء. هذه السلطة تتحوّل إلى طبقة، بعد ذلك تتوارث مقاعدها عائليّاً أو طَبَقِيّاً وراثياً بشكل من أشكال الوراثة، وحينئذٍ تصبح هذه الطبقة هي:

- الطبقة المترفة، المنعّمة.

- الخالية من الأغراض الكبيرة.

- المشغولة بهمومها الصغيرة. وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم بقوله:

( وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ) (٢) .

هؤلاء امتداد تاريخي لآباء لهم تاريخ، وهم امتداد تاريخي، وهذا الامتداد التاريخي تحوّل من مستوى مُثُل وعطاء إلى مستوى طبقة مترفة تتوارث هذا المقعد بشكل من أشكال التوارث. هذه هي المرحلة الثالثة.

المرحلة الرابعة:

ثم حينما تتفتّت الأمّة، حينما تتمزّق الأمّة، حينما تفقد ولاءها لذلك المثل التكراري على ضوء ما قلناه، تدخل في مرحلة رابعة وهي أخطر المراحل.

ففي هذه المرحلة يسيطر عليها مجرموها، يسيطر عليها أُناس لا يرعون إلاًّ ولا ذِمَّة، وهذا ما عبّر

____________

(١) سورة الأحزاب: الآية (٦٧).

(٢) سورة الزخرف: الآية (٢٣).


عنه القرآن الكريم في قوله سبحانه وتعالى:

( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ... ) (١) . حينئذ يسيطر مجموعة من هؤلاء المجرمين.

يسيطر ( هتلر ) والنازية مثلاً في جزء من أوروبا؛ لكي يحطّم كلَّ ما في أوروبا من خير وكل ما فيها أوروبا من إبداع، لكي يقضي على كل تبعات ذلك المثل الأعلى الذي رفعه الإنسان الأوروبي الحديث، والذي تحوّل بالتدريج إلى مثل تكراري، ثم تفسَّخ هذا المثل لكنْ بقيتْ مكاسبه في المجتمع الأوروبي. يأتي شخص كهتلر؛ لكي يُمزِّق كلّ تلك المكاسب ويقضي عليها.

الآن نصل إلى النوع الثالث من المثل العليا وهو الله سبحانه وتعالى. في هذا المثل التناقض الذي واجهناه سوف يُحَل بأروع صورة، كنّا نجد تناقضاً، وحاصل هذا التناقض هو:

* إنّ الوجود الذهني للإنسان محدود، والمثل يجب أنْ يكون غير محدود، فكيف يمكن توفير المحدود وغير المحدود؟

* وكيف يمكن التنسيق بين المحدود وغير المحدود؟

هذا التنسيق سوف نجده في المثل الأعلى الذي هو الله سبحانه وتعالى.. لماذا؟

لأنّ هذا المثل الأعلى ليس من نتاج الإنسان، ليس إفرازاً ذهنيّاً للإنسان، بل هو مثل أعلى

____________

(١) سورة الأنعام: الآية (١٢٣).


عيني، له واقع عيني. هو:

- موجود مطلق في الخارج.

- له قدرته المطلقة.

- وله علمه المطلق.

- وله عدله المطلق.

هذا الوجود العيني بواقعه العيني يكون مثلاً أعلى؛ لأنّه مطلق، لكن الإنسان حينما يريد أنْ يستلهم من هذا النور، حينما يريد أنْ يمسك بحزمة من هذا النور، طبعاً هو لا يمسك إلاّ بالمقيّد، إلاّ بقدر محدود من هذا النور، إلاّ أنّه يميّز بين ما يمسك به وبين مثله الأعلى، المثل الأعلى خارج حدود ذهنه، لكنّه يمسك بحزمة من النور، هذه الحزمة مقيّدة لكن المثل الأعلى مطلق.

ومن هنا حرص الإسلام على التمييز دائماً بين الوجود الذهني وما بين الله سبحانه وتعالى الذي هو المثل الأعلى. فرّق حتى بين الاسم والمُسمّى، وأكّد على أنّه لا يجوز عبادة الاسم، وإنّما تكون العبادة للمسمَّى؛ لأنّ الاسم ليس إلاّ وجوداً ذهنيّاً، إلاّ واجهة ذهنية لله سبحانه وتعالى.

بينما الواجهات الذهنية دائماً محدودة، العبادة يجب أنْ تكون للمسمّى لا للاسم؛ لأنّ المسمَّى هو المطلق، أمّا الاسم فهو مقيّد ومحدود. الواجهات الذهنية تبقى كواجهات ذهنيّة محدودة مرحليّة، وأمّا صفة المثل الأعلى فتبقى قائمة بالله سبحانه وتعالى.


الدرس الحادي عشر:

قال الله سبحانه وتعالى:

( يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ) (١) .

هذه الآية الكريمة تضع الله سبحانه وتعالى هدفاً أعلى للإنسان، والإنسان هنا بمعنى: الإنسانية ككل. فالإنسانية بمجموعها تكدح نحو الله سبحانه وتعالى.

والكدح هنا - كدح الإنسانية ككل - نحو الله سبحانه وتعالى، يعني: ( السير المستمر بالمعاناة والجهد والمجاهدة ) لأنّ هذا السير ليس سيراً اعتيادياً، بل هو سير ارتقائي، هو تصاعد وتكامل، هو سير تسلّق.

فهؤلاء الذين يتسلّقون الجبال ليصلوا إلى القمم يكدحون نحو هذه القمم، يسيرون سير معاناة وجهد، كذلك الإنسانية حينما تكدح نحو الله فإنّما هي تتسلّق إلى قمم كمالها وتكاملها وتطورها إلى الأفضل

____________

(١) سورة الانشقاق: الآية (٦).


باستمرار.

وهذا السير الذي يحتوي على المعاناة باستمرار يفترض طريقاً لا محالة، فإنّ السير نحو هدف يفترض حتماً طريقاً ممتدّاً بين السائر وبين ذلك الهدف.

وهذا الطريق هو الذي تحدّثت عنه الآيات الكريمة في المواضع المتفرِّقة تحت اسم: سبيل الله، واسم الصراط، واسم صراط الله. هذه الصيغ القرآنية المتعدّدة كلّها تتحدّث عن الطريق الذي يفترضه ذلك السير، وكما أنّ السير يفترض الطريق، كذلك الطريق يفترض السير أيضاً، وهذه الآية الكريمة:

( يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ) . تتحدّث عن حقيقة قائمة، عن واقع موضوعي ثابت، فهي ليست بصدد دعوة الناس إلى أنْ يسيروا في طريق الله سبحانه وتعالى، ليست بصدد الطلب والتحريك، كما هو الحال في آيات أخرى في مقامات وسياقات قرآنية أخرى.

الآية القرآنية الكريمة لا تقول يا أيّها الناس تعالوا إلى سبيل الله، توبوا إلى الله، بل تقول:

( يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ) . لغةُ الآيةِ لغةُ التحدّث عن واقع ثابت، وحقيقة قائمة، وهي أنّ كل سير وكل تَقدُّم للإنسان في مسيرته التاريخية الطويلة الأَمَد، فهو تَقدُّم نحو الله سبحانه وتعالى، وسير نحو الله


سبحانه وتعالى، حتى تلك الجماعات التي تمسّكت بالمثل المنخفضة وبالآلهة المصطنعة، واستطاعتْ أنْ تحقِّق لها سيراً ضمن خطوة على هذا الطريق الطويل، حتى هذه الجماعات التي يسمِّيها القرآن بـ ( المشركين ) هم يسيرون هذه الخطوة نحو الله، هذا التقدُّم بقدر فاعليَّته وبقدر زخمه هو اقتراب نحو الله سبحانه وتعالى، لكن هناك فرق بين تقدّم مسؤول وتقدّم غير مسؤول على ما يأتي شرحه إنْ شاء الله.

حينما تتقدّم الإنسانية في هذا المفاض، واعيةً على المثل الأعلى وعياً موضوعياً، يكون التقدّم تقدّماً مسؤولاً، يكون عبادة بحسب لغة الفقه، لوناً من العبادة، يكون له امتداد على الخط الطويل، وانسجام مع الوضع العريض للكون.

وأما حينما يكون التقدّم منفصلاً عن الوعي على ذلك المثل فهو تقدّم على أي حال، سير نحو الله على أي حال، ولكنّه تقدّم غير مسؤول على ما يأتي تفصيله.

إذاً، كل تقدّم هو تقدم نحو الله، حتى أولئك الذين ركضوا وراء سراب كما تحدّثت الآية الكريمة فإنّ هؤلاء الذين يركضون وراء السراب الاجتماعي، وراء المُثُل المنخفضة، حينما يصلوا إلى هذا السراب لا يجدون شيئاً، ويجدون الله سبحانه وتعالى فَيُوَفِّيْهِم حسابهم، كما تتحدّث الآية الكريمة التي قرأْناها فيما سبق. والله


سبحانه وتعالى هو نهاية هذا الطريق ولكنّه ليس نهاية جغرافيّة، ليس نهاية على نمط النهايات الجغرافيّة للطرق الممتدّة مكانيّاً. كربلاء مثلاً نهاية طريق ممتد بين النجف وكربلاء، كربلاء بمعناها المكاني نهاية جغرافية، ومعنى أنّها نهاية جغرافيّة: أنّها موجودة على آخر الطريق، ليست موجودة على طول الطريق.

لو أنّ إنساناً سار نحو كربلاء ووقف في نصف الطريق، لا يحصل على شيء من كربلاء، لا يحصل على حفنة من تراب كربلاء إطلاقاً؛ لأنّ كربلاء نهاية جغرافية موجودة في آخر الطريق، ولكن الله سبحانه وتعالى ليس نهاية على نمط النهايات الجغرافية.

الله سبحانه وتعالى هو المطلق، هو المثل الأعلى، أي المطلق الحقيقي العيني، وبحكم كونه هو المطلق، إذاً:

- هو موجود على طول الطريق أيضاً.

- ليس هناك فراغ منه.

- ليس هناك انحسار عنه.

- ليس هناك حدّ له.

- الله سبحانه وتعالى هو نهاية الطريق، ولكنّه موجود أيضاً على طول الطريق، مَن وصل إلى نصف الطريق، مَن وصل إلى سرابه فتوقّف واكتشف أنّه سراب، ماذا يجد؟

ماذا وجد في الآية؟

وجد الله فوفاه الله حسابه؛ لأنّ المطلق موجود على طول الطريق، وبقدر زخم الطريق، وبقدر التقدّم في الطريق، يجد الإنسان مثله الأعلى، يَلقَى الله سبحانه وتعالى


أينما توقّف بحجم سيره، وبحجم تقدّمه على هذا الطريق.

وبحكم أنّ الله سبحانه وتعالى هو المطلق، إذاً، الطريق أيضاً لا ينتهي هذا الطريق، طريق الإنسان نحو الله هو اقتراب مستمِر بقدر التقدّم الحقيقي نحو الله.

ولكن هذا الاقتراب يبقى اقتراباً نِسْبياً، يبقى مجرّد خطوات على الطريق من دون أنْ يجتاز هذا الطريق؛ لأنّ المحدود لا يصل إلى المطلق. الكائن المتناهي لا يمكن أنْ يصل إلى اللامتناهي، فالفسحة الممتدة بين الإنسان وبين المثل الأعلى هنا فسحة لا متناهية، أي أنّه ترك له مجال الإبداع إلى اللانهاية، مجال التطور التكاملي إلى اللانهاية، باعتبار أنّ الطريق الممتد طريق لا نهائي.

وهذا المثل الأعلى الحقيقي حينما تتبنّاه المسيرة الإنسانية، وتُوفِّق بين وَعْيِها البشري والواقع الكوني الذي يفترض هذا المثل الأعلى حقيقةً قائمةً كما افترضتْه الآية، المسيرة الإنسانية حينما توفّق بين وَعْيِها على المسيرة وبين الواقع الكوني لهذه المسيرة، بوصفها سائرة ومتَّجِهة نحو الله، سوف يحدث تغييرٌ ( كَيْفِي وكَمِّي ) على هذه المسيرة، هذه الحركة سوف يحدث فيها تغيير كيفي وكمي.

* أمّا التغيّر الكمِّي على هذه الحركة فهو باعتبار ما أشرنا إليه مِن أنّ الطريق حينما يكون طريقاً إلى المثل الأعلى الحق يكون طريقاً غير


متناهي، أي أنّ مجال التطوّر والإبداع والنمو، قائم أبداً ودائماً، مفتوح للإنسان باستمرار من دون توقّف، هذا المثل الأعلى حينما يتبنّى سوف نمسح من الطريق كل الآلهة المزوَّرة، كل الأصنام وكل الأقزام المتصنّمة على طريق الإنسان، التي تقف عقبةً بين الإنسان وبين وصوله إلى الله سبحانه وتعالى.

ومن هنا كان دين التوحيد صراعاً مستمرّاً مع مختلف أشكال الآلهة والمثل المنخفضة والتكراريّة التي حاولت أنْ تحدِّد من كمِّية الحركة إلى نقطة، ثم تقول: قف أيّها الإنسان.

هذه الآلهة التي أرادت أنْ تُوقِف الإنسان في وسط الطريق وفي نقطة معيّنة، كان دين التوحيد على مرّ التاريخ هو حامل لواء المعركة ضدَّها.

هذا المثل الأعلى إذاً، سوف يُحدِث تغييراً كمِّيّاً على الحركة؛ لأنّه يطلقها من عقالها، يطلقها من هذه الحدود المصطَنَعَة لكي تسير باستمرار.

* وأما التغيير الكيفي الذي يحدثه المثل الأعلى على هذه المسيرة فهذا التغيير الكيفي هو إعطاء الحل الموضوعي الوحيد للجدل الإنساني، للتناقض الإنساني، إعطاء الشعور بالمسؤولية الموضوعية لدى الإنسان، الإنسان من خلال إيمانه بهذا المثل الأعلى ووعيه على طريق بحدوده الكونيّة الواقعيّة، من خلال هذا الوعي ينشأ بصورة موضوعية شعورٌ معمّق لديه بالمسؤولية تجاه


هذا المثل الأعلى لأوّل مرّة في تاريخ المُثُل البشريّة التي حرّكت البشر على مرّ التاريخ، لماذا؟

لأنّ هذا المثل الأعلى حقيقة وواقع عَيْنِي منفصل عن الإنسان، وبهذا يعطي للمسؤولية شرطها المنطقي، فإنّ المسؤولية الحقيقية لا تقوم إلاّ بين جهتين، بين مسؤول و مسؤول لديه، إذا لم تكن هناك جهة أعلى من هذا الكائن المسؤول، وإذا لم يكن هذا الكائن المسؤول مؤمناً بأنّه بين يديه جِهَة أعلى، لا يمكن أنْ يكون شعوره بالمسؤولية شعوراً موضوعياً، شعوراً حقيقياً.

مثلاً تلك المثل المنخفضة، تلك الآلهة، تلك الأقزام المُتَعَمْلِقَة على مرِّ التاريخ، على مرِّ المسيرة البشرية، هي في الحقيقة لم تكن كما رأينا وكما حلّلنا إلاّ إفرازاً بشرياً، إلاّ إنتاجاً إنسانياً، يعني أنّها جزء من الإنسان، جزء من كيان الإنسان، والإنسان يمكن أنْ يستشعر بصورة موضوعية حقيقة المسؤولية تجاه ما يفرزه، هو اتجاه ما يصنعه هو،

( إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا ).

تلك المثل لا تصنع الشعور الموضوعي بالمسؤولية، نعم قد تصنع قوانين، قد تصنع عادات، قد تصنع أخلاق، ولكنّها كلها عطاء ظاهري، وكلّما وجد هذا الإنسان مجالاً للتحلّل من هذه العادات، ومن هذه الأخلاق، ومن هذه القوانين، فسوف يتحلّل.


بينما المثل الأعلى لدين التوحيد، للأنبياء على مرّ التاريخ باعتباره واقعاً عينياً منفصلاً عن الإنسان، باعتباره جهة أعلى من الإنسان ليست إفرازاً بشرياً، ليست انتاجاً إنسانياً.

إذاً، سوف يتوصّل للشعور بالمسؤولية شرطُه الموضوعي في المقام،

* لماذا كان الأنبياء على مرّ التاريخ أصلاب الثوار على الساحة التاريخية أنظف الثوار على الساحة التاريخية؟

* لماذا كانوا على الساحة التاريخية فوق كل مساومة، فوق كل مهادنة، فوق كل تململ يمنة أو يسرة؟ لماذا كانوا هكذا؟

* لماذا انهار كثيرٌ من الثوّار على مرّ التاريخ، ولم يُسمع أنّ نبيّاً من أنبياء التوحيد انهار أو تململ أو انحرف يمنة أو يسرة عن الرسالة التي بيده، وعن الكتاب الذي يحمله من السماء؟

لأنّ المثل الأعلى المنفصل عنه الذي فوقه هو الذي أعطاه نفحة موضوعية من الشعور بالمسؤولية، وهذا الشعور بالمسؤولية تجسّد في كل كيانه، في كل مشاعره وأفكاره وعواطفه. ومن هنا كان النبي معصوماً على مرّ التاريخ.

إذاً هذا المثل الأعلى بحسب الحقيقة يحدث تغييراً كيفيّاً على المسيرة؛ لأنّه يعطي الشعور بالمسؤولية، وهذا الشعور بالمسؤولية ليس أمراً عرضياً، ليس أمراً ثانويّاً في مسيرة الإنسان، بل هو شرط أساسي في إمكان إنْجاح


هذه المسيرة وتقديم الحل الموضوعي للتناقض الإنساني، للجدل الإنساني؛ لأنّ الإنسان يعيش تناقضاً، بحسب تركيبه وخلقته؛ لأنّه هو تركيب من حفنة من تراب ونفخة من روح الله سبحانه وتعالى كما وصفت ذلك الآيات الكريمة.

الآيات الكريمة قالت: بأنّ الإنسان خُلق من تراب، وقالت: بأنّه نفخ فيه من روحه سبحانه وتعالى.

إذاً فهو مجموع نقيضين اجتمعا والتحما في الإنسان.* حفنة التراب:

- تجرّه إلى الأرض.

- تجرّه إلى الشهوات إلى الميول.

- تجرّه إلى كل ما ترمز إليه الأرض من انحدار وانحطاط.

* وروح الله سبحانه وتعالى التي نفخها فيها:

- تجرّه إلى أعلى.

- تتسامى بإنسانيته إلى حيث صفات الله، إلى حيث أخلاق الله.

- تتخلّق بأخلاق الله، إلى حيث:

العلم الذي لا حدّ له.

والقدرة التي لا حدّ لها.

إلى حيث العدل الذي لا حدّ له.

إلى حيث الجود والرحمة والانتقام، إلى حيث هذه الأخلاق الإلهية.

هذا الإنسان واقع في تيّار هذا التناقض، في تيّار هذا الجدل بحسب محتواه النفسي، بحسب تركيبه الداخلي، هذا الجدل وهذا التناقض الذي احتوته طبيعة الإنسان وشرحتْه قصةُ آدم - على ما يأتي إنْ شاء الله تعالى - هذا الجدل الإنساني له حل واحد فقط، هذا الحل الواحد


الذي يمكن أنْ يفرض لهذا التناقض هو الشعور بالمسؤولية، لا الشعور المنبثق عن هذا الجدل، فإنّ الشعور المنبثق عن نفس هذا الجدل لا يحلّ هذا الجدل، بل هو يساهم في إفراز هذا التناقض، وهذا الشعور الموضوعي بالمسؤولية لا يكفلّه إلاّ المثل الأعلى الذي يكون جهة عُلْيَا، يحسّ الإنسان من خلالها بأنّه بين يدي ربّ قادر سميع بصير محاسب مجازِ على الظلم، مجاز على العدل.

إذاً، هذا الشعور الموضوعي بالمسؤولية الذي هو التغيّر الكيفي على المسيرة، هو في الحقيقة الحل الوحيد للتناقض وللجدل الذي تستبطنه طبيعة الإنسان وتركيب الإنسان.

دور دين التوحيد إذاً، هو عبارة عن: تعبيد هذا الطريق الطويل الطويل، تعبيده وإزالة العوائق من خلال تنمية الحركة كمّياً وكيفيّاً، ومحاربة تلك المثل المصطنعة والمنخفضة والتكرارية التي تريد أنْ تجمد الحركة من ناحية، وأنْ تُعرِّيها من الشعور بالمسؤولية من ناحية أخرى، ومن هنا كان حرب الأنبياء - كما أشرنا - كان حرب الأنبياء مع الآلهة المصطَنعة على مرّ التاريخ.

ولما كان كل مثل من هذه المثل العُليا التي تتحوّل إلى تمثال ضمن ظروف تطوّرها بالشكل الذي شرحناه فيما سبق، حينما تتحوّل إلى تمثال نجد في مجموعة من الناس، تجد فيهم مدافعين طبيعيين عنها؛ باعتبار أنّ مجموعة من الناس ترتبط مصالحهم، وترفهم، وكيانهم المادِّي


والدنيوي ببقاء هذا المثال، الذي تحوّل إلى تمثال.

ولهذا يقف دائماً هؤلاء الذين يرتبطون مصلحيّاً بهذا التمثال، يقفون دائماً في وجه الأنبياء؛ ليدافعوا عن مصالحهم، عن دنياهم، عن ترفهم.

ومن هنا أبرز القرآنُ الكريم سنّةً من سنن التاريخ، وهي: أنّ الأنبياء دائماً كانوا يواجهون المترفين من مجتمعاتهم كقطب آخر من المعارضة مع هذا النبي؛ لأنّ هذا المُتْرف المستفيد من هذا المثال بعد أنْ تحوّل إلى ذلك التمثال، هذا المثال تحوّل إلى تمثال فمَنْ هو المستفيد منه؟

المستفيد منه المترفون في ذلك المجتمع، المنعمون على حساب الناس الذين يجعلون من هذا التمثال مبرراً لوجودهم، من هنا يكون من الطبيعي أنّ هؤلاء المترفين وهؤلاء المستفيدين تجدهم دائماً في الخط المُعارِض للأنبياء:

( وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ) (١).

( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ) (٢) .

( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَ

____________

(١) سورة الزخرف: الآية (٢٣).

(٢) سورة سبأ: الآية (٣٤).


يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِنْ يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ ) (١).

( وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ) (٢) .

إذاً، دين التوحيد هو الذي يستأصل مصالح هؤلاء المترفين، بالقضاء على آلهتهم وعلى مُثُلهم التي تحوّلت إلى تماثيل، يقطع صلة البشرية بهذه المثل العُليا المنخفضة، ولكنّه لا يقطع صلتها بهذه المُثُل العُليا المنخفضة لكي يطأ برأسها في التراب، لكي يحوّلها إلى كومة مادّية ليس لها أشواق، ليس لها طموحات، ليس لها تطلّعات إلى أعلى كما هو شأن الثوار الماديين الذين يستلهمون من المادّية التاريخية ومن الفهم المادي للتاريخ، أولئك أيضاً يحاربون هذه الآلهة المصطَنعة ويسمّونها( أفيون الشعوب ) ونحن أيضاً نحارب هذه الآلهة المصطَنعة، ولكنّنا نحن نحاربها:

- لا لكي نحوّل الإنسان إلى حيوان.

- لا لكي نقطع صلة الإنسان بأشواقه العليا.

- لا لكي نحوّل مسار

____________

(١) سورة الأعراف: الآية (١٤٦).

(٢) سورة المؤمنون: الآية (٣٣).


الإنسان من أعلى إلى أسفل.

وإنّما نقطع صلة الإنسان بهذه المُثل المنخفضة؛ لكي نشدّه إلى المثل الأعلى، لكي نشدّه إلى الله سبحانه وتعالى.

وتبني المسيرة البشرية لهذا المَثَل الأعلى الحق الذي يُحدث هذه التغيرات الكيفيّة والكمِّية على اتجاه المسيرة وحجمها، تَبَنِّي المسيرة البشرية لهذا المثل يتوقف على عدّة أمور:

١ - على رؤية واضحة فكرياً وإيديولوجيّاً لهذا المثل الأعلى.

وهذه الرؤية الواضحة لهذا المَثل الأعلى هو الذي تقدِّمه عقيدة التوحيد على مرّ التاريخ، عقيدة التوحيد التي تنطوي على الإيمان بالله سبحانه وتعالى، التي تُوحِّد بين كل المُثل، بين كل الغايات وكل الطموحات وكل التطلعات البشرية، وتوحِّد بينها في هذا المثل الأعلى الذي هو علم كلّه، وقدرة كلّه، وعدل كلّه ورحمة، كلّه انتقام من الجبارين.

هذا المثل الأعلى الذي تتوحَّد فيه كل الطموحات وكل الغايات، هذا المثل الأعلى تعطينا عقيدةُ التوحيد رؤيةً واضحة له، تُعلِّمنا على أنْ نتعامل مع صفات الله وأخلاق الله، بوصفها حقائق عينيّة منفصلة عنّا، كما يتعامل فلاسفة الإغريق، وإنّما نتعامل مع هذه الصفات والأخلاق بوصفها رائداً عملياً، بوصفها هدفاً لمسيرتنا العملية، بوصفها مؤشرات على الطريق الطويل للإنسان نحو الله


سبحانه وتعالى. عقيدة التوحيد هي التي توفِّر هذا الشرط الأوّل وهو الرؤية الواضحة فكريّاً وإيديولوجيّاً للمثل الأعلى.

٢- لابدّ من طاقة روحية مُستمَدّة من هذا المثل الأعلى؛ لكي تكون هذه الطاقة الروحية رصيداً ووقوداً مستمراً للإرادة البشرية على مرّ التاريخ.

هذه الطاقة الروحية، هذا الوقود الذي يستمد من الله سبحانه وتعالى يتمثّل في عقيدة يوم القيامة، في عقيدة الحشر والامتداد، عقيدة يوم القيامة تعلّم الإنسان أنّ هذه الساحة التاريخية الصغيرة التي يلعب عليها الإنسان مرتبطةٌ ارتباطاً وثيقاً بساحات برزخية وبساحات حشرية في عالم البرزخ والحشر. وأنّ مصير الإنسان على تلك الساحات العظيمة الهائلة مرتبطٌ بدوره على هذه الساحة التاريخية. هذه العقيدة تعطي تلك الطاقة الروحية وذلك الوقود الربّاني الذي ينعش إرادة الإنسان، ويحقّق له دائماً قدرته على التمديد والاستمرار.

٣ - إنّ هذا المثل الأعلى - الذي تحدّثنا عنه - يختلف عن المثل العليا الأخرى التكرارية والمنخفضة التي تحدثنا عنها سابقاً على أساس:

- أنّ هذا المثل منفصلٌ عن الإنسان.

- ليس جزءً من الإنسان.

- ليس من إفراز الإنسان.

- بل هو منفصل عنه. هو واقعٌ عَيْنِي قائم هناك، قائم في كل


مكان وليس جزءً من الإنسان، هذا الانفصال يفرض وجود صلة موضوعية بين الإنسان وهذا المثل الأعلى.

بينما الـمُثُل الأخرى السابقة كانت إنسانية، كانت إفرازاً بشريّاً لا حاجة إلى افتراض صِلة موضوعية، نعم هناك طواغيت وفراعنة على مرّ التاريخ نصبوا من أنفسهم صِلات موضوعية بين البشرية وبين آلهة الشمس، آلهة الكواكب، ولكنّها صلة موضوعية مزيَّفة؛ لأنّ هذا الإله هناك كان وهماً، كان وجوداً ذهنيّاً، كان إفرازاً إنسانياً، أمّا هنا فالمثل الأعلى منفصل عن الإنسان، ولهذا كان لابدّ من صلة موضوعية تربط هذا الإنسان بذلك المثل الأعلى.

وهذه الصلة الموضوعية تتجسّد في النبي في دور النبوة، فالنبي:

هو ذلك الإنسان الذي يركّب بين الشرط الأوّل والشرط الثاني بأمر الله سبحانه وتعالى، بين رؤية إيديولوجية واضحة للمثل الأعلى وطاقة روحيّة مُستمدَّة من الإيمان بيوم القيامة، يركّب بين هذين العنصرين ثم يجسّد بدَوْر النبوة الصلةَ بين المَثَل الأعلى والبشرية،ليحمل هذا المركّب إلى البشرية بشيراً ونذيراً.

٤ - البشريّة بعد أنْ تدخل مرحلة يسمِّيها القرآن مرحلة الاختلاف - على ما يأتي إنْ شاء الله شرحه في الدروس القادمة -سوف لن يكفي مجيء البشير النذير .


لأنّ مرحلة الاختلاف تعني مرحلة انتصاب تلك المُثُل المنخفضة أو التكرارية، تعني وجود تلك الآلهة المزوَّرة على الطريق، وجود تلك الحواجب والعوائق عن الله سبحانه وتعالى.

إذاً، لابدّ للبشرية من أنْ تخوض معركة ضد الآلهة المُصْطَنَعَة، ضد تلك الطواغيت والمُثُل المنخفضة التي تنصب من نفسها قيِّماً على البشرية، وحاجب وقاطع طريق بالنسبة للمسيرة التاريخية، لابدّ من معركة ضد هذه الآلهة، لابدّ من قيادة تتبنَّى هذه المعركة، وهذه القيادة هي الإمامة، هي دور الإمام، الإمام هو القائد الذي يتولّى هذه المعركة.

ودور الإمامة يندمج مع دور النبوة في مرحلة من مراحل النبوة، يتحدّث عنها القرآن، وسوف نتحدّث عنها إنْ شاء الله تعالى، ونقول: بأنّها بدأت في أكبر الظن مع نوح عليه الصلاة والسلام، ودور الإمام يندمج مع دور النبوة ولكنّه يمتد حتى بعد النبي إذا ترك النبي الساحة وبعد لا تزال المعركة قائمة، ولا تزال الرسالة بحاجة إلى مواصلة، هذه المعركة من أجل القضاء على تلك الآلهة، حينئذٍ يمتدّ دور الإمامة بعد انتهاء النبي. هذا هو الشرط الرابع في تبني المسيرة التاريخية لهذا المثل الأعلى.

على هذا الضوء سوف نُكَوِّن رؤية واضحة لِمَا نُسمِّيه ( الأصول الخمسة ) سوف تقع أُصول الدين الخمسة في موقعها الطبيعي، الصحيح،


السليم من مسار الإنسان، أصول الدين الخمسة:

* التوحيد:

هو الذي يعطي الرؤية الواضحة فكريّاً وإيديولوجياً، هو الذي يجمع ويعبّئ كل الطموحات وكل الغايات في مثل أعلى واحد، وهو الله سبحانه وتعالى.

* العدل:

هو جانب من التوحيد، ولكن إنّما فُصِلَ: العدلُ صفةٌ من صفات الله سبحانه وتعالى، حال العدل حال العلم، حال القدرة، لا يوجد ميزة عقائديّة في العدل في مقابل العلم، في مقابل القدرة، ولكنّ الميزة هنا ميزة اجتماعية، ميزة القدوة؛ لأنّ العدل هو الصفة التي تعطي للمسيرة الاجتماعية وتغنيها، والتي تكون المسيرة الاجتماعية بحاجة إليها أكثر من أي صفة أخرى.

أُبرز العدل هنا كأصل ثاني من أصول الدين باعتبار المدلول التوجيهي، باعتبار المدلول التربوي لهذه الصفة، قلنا بأنّ صفات الله وأخلاق الله علّمنا الإسلام بان لا نتعامل معها كحقائق عينية ميتافيزيقية فوقنا لا صلة لنا بها، وإنّما نتعامل معها كمؤشّرات وكمنارات على الطريق.

إذاً، من هنا كان العدل له مدلوله الأكبر بالنسبة إلى توجيه المسيرة البشرية، ولأجل ذلك أُفرز. وإنّ العدل في الحقيقة هو داخل في إطار التوحيد العام، في إطار المثل الأعلى.


* الأصل الثالث النبوّة:

النبوّة: هي التي توفّر الصلة الموضوعية بين الإنسان وبين المثل الأعلى. المسيرة البشرية كما قلنا حينما تبنَّتْ المثل الأعلى - الحق المنفصل عنها الذي ليس من إفرازها ومن إنتاجها المنخفض - كانت بحاجة إلى صلة موضوعية، هذه الصلة الموضوعية يجسّدها النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) النبي على مر التاريخ، الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم الذين يُجسِّدون هذه الصلة الموضوعية.

الإمامة:

الإمامة: هي في الحقيقة تلك القيادة التي تندمج مع دور النبوة، النبي هو إمام أيضاً، النبيُّ نبيٌّ والنبيُّ إمامٌ، ولكن الإمامة لا تنتهي بانتهاء النبي إذا كانت المعركة قائمة وإذا ما كانت الرسالة لا تزال بحاجة إلى قائد يواصل المعركة. إذاً، سوف يستمر هذا الجانب من دور النبي خلال الإمامة، فالإمامة هو الأصل الرابع من أصول الدين.

والأصل الخامس هو إيمان بيوم القيامة: هو الذي يوفّر الشرط الثاني من الشروط الأربعة التي تقدّمت، هو الذي يعطي تلك الطاقة الروحية، ذلك الوقود الربّاني الذي يجدّد دائماً إرادة الإنسان وقدرة الإنسان ويوفر الشعور بالمسؤولية والضمانات الموضوعية.

إذاً، أصول الدين في الحقيقة


وبالتعبير التحليلي - على ضوء ما ذكرناه - هي كلّها عناصر تساهم في تركيب هذا المثل الأعلى، وفي إعطاء تلك العلاقة الاجتماعية بصفتها التاريخية، بصفتها القرآنية الرباعية التي تحدّثنا عنها في الدروس الماضية.

تحدّثنا بأنّ القرآن الكريم طرح العلاقة الاجتماعية ذات أربعة أبعاد لا ذات ثلاثة أبعاد، طرحها بصيغة الاستخلاف، وشرحنا في ما سبق صيغة الاستخلاف وقلنا: بأنّ الاستخلاف يفترض أربعة أبعاد، يفترض إنساناً، وطبيعة، والله سبحانه وتعالى وهو المستخلف. هذه الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية هي التعبير الآخر عن صيغة تدمج أصول الدين الخمسة في مركّب واحد، من أجل أنْ يسير الإنسان ويكدح نحو الله سبحانه وتعالى في طريقه الطويل.

بما ذكرناه توضّح دور الإنسان في المسيرة التاريخية، توضّح:

- أنّ الإنسان هو مركز الثقل في المسيرة التاريخية.

- هو مركز الثقل لا بجسمه الفيزيائي وإنّما بمحتواه الداخلي، وهذا المحتوى الداخلي توضّح أيضاً من خلال ما شرحناه.

- أنّ الأساس في بناء هذا المحتوى الداخلي هو المثل الأعلى الذي يتبنّاه الإنسان؛ لأنّ المثل الأعلى هو الذي تنبثق منه كل الغايات التفصيليّة.


- والغايات التفصيلية هي المحرّكات التاريخية للنشاطات على الساحة التاريخية.

إذاً، المثل الأعلى وتبنّي المثل الأعلى هو في الحقيقة الأساس في بناء المحتوى الداخلي للإنسان، ومن هنا ظهر دور هذا البعد الرابع.


الدرس الثاني عشر:

مقدمة في تحليل عناصر المجتمع

إنّ المجتمع يتكوّن من ثلاثة عناصر وهي:

١- الإنسان.

٢- والطبيعة.

٣- والعلاقة في الحلقة التاريخية.

وقد تحدّثنا عن الإنسان ودوره الأساسي في الحلقة التاريخية، وتحدّثنا عن الطبيعة وشأنها على الساحة التاريخية، وبقي علينا أنْ نأخذ العنصر الثالث وهو: العلاقة الاجتماعية؛ لنحدد موقفنا من هذه العلاقة الاجتماعية على ضوء ما انتهينا إليه من مواقف قرآنيّة تجاه دور الإنسان والطبيعة على الساحة التاريخية.

العنصر الثالث هو العلاقة الاجتماعية، وقد تقدّم أنّ العلاقة الاجتماعية تتضمّن علاقتين مزدوجتين:

* إحداهما: علاقة الإنسان مع الطبيعة.

* والأخرى: علاقة الإنسان مع أخيه الإنسان.

هذان خطّان من العلاقة الاجتماعية، وهذان الخطّان نؤمن بأنّ كلّ واحد منهما مختلف عن الآخر، ومستقلّ استقلالاً نسبيّاً عن الآخر مع


شيء من التفاعل والتأثير المتبادل المحدود الذي سوف نشرحه بعد ذلك إنْ شاء الله تعالى من حيث الأساس.

هذان الخطّان أحدهما مختلف عن الآخر ومستقلّ استقلالاً نسبيّاً عنه، تبعاً للاختلاف النوعي في طبيعة المشكلة التي يواجهها كل واحد من هذين الخطّين ونوع الحل الذي ينسجم مع طبيعة تلك المشكلة.

فالخط الأوّل:

الذي يمثّل علاقات الإنسان مع الطبيعة من خلال استثمارها، ومحاولة تطويعها، وإنتاج حاجاته الحياتية منها. هذا الخط يواجه مشكلة وهي مشكلة التناقض بين الإنسان والطبيعة، ويعني تمرّد الطبيعة وتعصّيها عن الاستجابة للطلب الإنساني وللحاجة الإنسانية من خلال التفاعل ما بينهما. هذا التناقض بين الإنسان والطبيعة هو المشكلة الرئيسية على هذا الخط.

وهذا التناقض له حلّ من قانون موضوعي يمثّل سنّة من سنن التاريخ الثابتة، وهذا القانون هو قانون التأثير المتبادَل بين الخبرة والممارسة؛ ذلك لأنّ الإنسان كلّما تضاءل جهله بالطبيعة، وكلّما ازدادت خبرته بِلُغَتِهَا وبقوانينها ازدادت سيطرةً عليها وتمكّناً من تطويعها وتذليلها لحاجاته، وحيث إنّ كل خبرة هي تتولّد في هذا الحقل عادة من الممارسة، وكل ممارسة تولّد بدورها خبرة، ولهذا كان قانون التأثير المتبادَل بين الخبرة


والممارسة قانوناً موضوعيّاً يَكْفُل حلّ هذا التناقض، يقدّم الحلّ المستمر والمتنامي لهذا التناقض بين الإنسان والطبيعة؛ إذْ يتضاءل جهل الإنسان باستمرار، وتنمو معرفته باستمرار، من خلال ممارسته للطبيعة يكتسب خبرة جديدة، هذه الخبرة الجديدة تعطيه سيطرة على ميدان جديد من ميادين الطبيعة فيمارس على الميدان الجديد، وهذه الممارسة بدورها أيضاً تتحوّل إلى خبرة، وهكذا تنمو الخبرة الإنسانية باستمرار ما لم تقع كارثة كبرى طبيعية أو بَشَريّة.

وهذا القانون بنموّه وبتطبيقاته التاريخية يُعطي الحلول التدريجية لهذه المشكلة، فهي مشكلة محلولة تاريخيّاً ومحلولة موضوعيّاً، ولعلّ في الآية الكريمة:

( وَآتَاكُم مِن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدّوا نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ) (١) .

لعل في الآية الكريمة إشارة إلى هذا الحل الموضوعي المستمَد من قانون التأثير المتبادَل بين الخبرة والممارسة؛ لأنّ السؤال في الآية الكريمة:( وَآتَاكُم مِن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) . لا يراد منه الدعاء، طبعاً السؤال اللفظي الذي هو الدعاء؛ لأنّ الآية تتكلّم عن الإنسانية ككل، عمّن يؤمن بالله ومَن لا يؤمن بالله، مَن يدعو الله ومَن لا يدعو الله، كما أنّ الدعاء لا يتضمن حتماً تحصيل الشيء المدعو به، نعم كل دعاء له استجابة،

____________

(١) سورة إبراهيم: الآية (٣٤).


لكن ليس لكل دعاء تحقيق لِمَا تعلّق به الدعاء، بينما هنا يقول:

( وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) .

هنا إيتاء، استجابة فعليّة بعطاء ما سُئل عنه، فأكبر الظنّ أنّ هذا السؤال من الإنسانية ككل وعلى مرّ التاريخ وعبر الماضي والحاضر والمستقبل، يتمثّل في السؤال الفعلي والطلب التكويني الذي يحقّق باستمرار التطبيقات التاريخية لقانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة، هذه هي المشكلة التي يواجهها الخط الأوّل من العلاقات، وهذا هو الحل الذي يوضع لهذه المشكلة.

وأمّا الخط الثاني من العلاقات:

- علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان في مجال توزيع الثورة.

- أو في سائر الحقول الاجتماعية.

- أو في أوجه التفاعل الحضاري بين الإنسان وأخيه الإنسان.

فهذا الخط يواجه مشكلة أخرى، ليست المشكلة هنا هي التناقض بين الإنسان والطبيعة بل هي التناقض الاجتماعي بين الإنسان وأخيه الإنسان.

وهذا التناقض الاجتماعي بين الإنسان وأخيه الإنسان يتّخذ على الساحة الاجتماعية صِيَغَاً متعدِّدة وألواناً مختلفة، ولكنّه يظل في حقيقته وجوهره، يظل شيئاً ثابتاً، وحقيقة واحدة، وروحاً عامّة، وهي التناقض ما بين القوي والضعيف، بين كائن في مركز القوّة وكائن في مركز الضعف.

هذا الكائن


الذي هو في مركز القوّة إذا لم يكن قد حلّ تناقضه الخاص، جدله الإنساني من الداخل، فسوف يفرز لا محالة صيغة من صيغ التناقض الاجتماعي، ومهما اختلفت الصيغة في مضمونها القانوني، وفي شكلها التشريعي، وفي لونها الحضاري، فهي بلا شك صيغة من صيغ التناقض بين القوي والضعيف، قد يكون هذا القوي فرداً فرعوناً، قد يكون طبقة، قد يكون شعباً، قد يكون أُمّة.

كل هذه ألوان من التناقض، كلّها تحتوي روحاً واحداً وهي روح الصراع، روح الاستغلال من القوي الذي لم يَحل تناقضه الداخلي وجدله الإنساني، الصراع بينه وبين الضعيف ومحاولة استغلال هذا الضعيف.

هذه أشكال متعدِّدة من التناقض الاجتماعي الذي يواجهه خط العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان، وهذه الأشكال المتعدّدة ذات الروح الواحدة كلّها تنبع من مَعِين واحد، من تناقض رئيسي واحد، وهو ذلك الجدل الإنساني - الذي شرحناه - القائم بين حفنة التراب وبين أشواق الله سبحانه وتعالى.

ما لم ينتصر أفضل النقيضين في ذلك الجدل الإنساني، فسوف يظل هذا الإنسان يفرز التناقض تِلْوَ التناقض، والصيغة بعد الصيغة حسب الظروف والملابسات، حسب الشروط الموضوعية ومستوى الفكر والثقافة.

إذاً، النظرة الإسلامية من


زاوية المشكلة التي يواجهها خط العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان:

- نظرة واسعة، منفتحة، مُعمّقة.

- لا تقتصر على لون من التناقض.

- ولا تهمل ألوان أخرى من التناقض.

- بل هي تستوعب كلّ أشكال التناقض على مرّ التاريخ.

- وتَنْفُذُ إلى عُمْقها، وتكشف حقيقتها الواحدة، وروحها المشتركة.

- ثم تربط كل هذه التناقضات، تربطها بالتناقض الأعمق، بالجدل الإنساني.

ومن هنا يؤمن الإسلام بأنّ الرسالة الوحيدة القادرة على حلّ هذه المشكلة التي يواجهها خط علاقات الإنسان مع الإنسان، هو تلك الرسالة التي تعمل على مستوَيَيْن في وقت واحد:

* تعمل مِن أجل تصفية التناقضات الاجتماعية على الساحة.

* لكن في نفس الوقت، وقبل ذلك، وبعد ذلك، تعمل من أجل تصفية ذلك الجدل في المحتوى الداخلي للإنسان، من أجل تجفيف منبع تلك التناقضات الاجتماعية.

ويؤمن الإسلام بأنّ ترك ذلك المَعِين من الجدل والتناقض على حالةٍ، والاشتغال بتصفية التناقضات على الساحة الاجتماعية بصيغتها التشريعية فقط، هذا نصف العمليّة، النصف المبتور من العمليّة؛ إذْ سرعان ما يفرز ذلك المعين صِيَغَاً أخرى، وِفق هذه العملية التي سوف نستأصل بها الصيغ السابقة.

فلا بدّ للرسالة التي تريد أنْ تضع الحل الموضوعي للمشكلة، أنْ تعمل على كلا المستوَيَيْن،


أنْ تؤمِن بجهادَيْن، جهاد أكبر سمّاه الإسلام:

* بالجهاد الأكبر:

وهو الجهاد لتصفية ذلك التناقض الرئيسي، لحلّ ذلك الجدل الداخلي.

* وجهاد آخر:

جهاد في وجه كل صيغ التناقض الاجتماعي، وفي وجه كل ألوان استئثار القوي للضعيف، من دون أنْ نحصر أنفسنا في نطاق صيغة معيّنة من صيغ هذا الاستئثار؛ لأنّ الاستئثار جوهرهُ واحد مهما اختلفت صِيَغُه.

هذه هي النظرة المنفتحة الواقعيّة التي أثبتت التجربة البشرية باستمرار انطباقها على واقع الحياة، خلافاً للنظرة الضَيِّقة التي فَسّرت بها المادِّية والثوّار المادِّيون التي فسّروا بها التناقض، فإنّ ( ماركس ) على الرغم من ذكائه الفائق إلاّ أنّه لم يستطع أنْ يتجاوز حدود النظرة التقليدية للإنسان الأوروبّي، كان بحكم كونه فرداً أوروبِّيَّاً، كان رَهِيْن هذه النظرة التقليدية.

الإنسان الأوروبّي دائماً يرى العالم ينتهي حيث تنتهي الساحة الأوروبّية أو الساحة الغربية، بتعبيرٍ أَعَم كما يعتقد اليهود بأنّ الإنسانية هي كلّها في إطارهم:

( لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) (١) . أولئك ليسو بشراً، ليسو أُناساً، أولئك أُمّيُّون هَمَجٌ، كذلك الإنسان الأوروبّي اعتاد أنْ يضع الدنيا كلّها في إطار ساحته الأوروبّية والغربية. لم يتخلّص هذا

-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-

(١) سورة آل عمران: الآية (٧٥).


الرجل(١) من تقاليد هذه النظرة الأوروبّية، كما أنّه لم يتخلّص من هيمنة العامل الطبقي الذي لعب دوراً في أفكار المادّية التاريخية.

ومن هنا جاء لنا بتفسير محدود ضيِّق للتناقض الذي تواجهه الإنسانية على هذا الخط: اعتَقَدَ بأنّ مَرَدّ كل التناقضات على الساحة البشرية إلى تناقض واحد هو( التناقض الطَبَقِي ) .

* التناقض بين طبقة تملك كل وسائل الإنتاج أو معظم وسائل الإنتاج.

* وطبقة لا تملك شيئاً من وسائل الإنتاج، وإنّما تعمل من أجل مصالح الطبقة الأولى، تستثمر في تشغيل وسائل الإنتاج التي تملكها الطبقة الأولى.

ثم هذه الثرْوَة المنتَجَة التي جسّدتْ عَرَق جَبِين هذا العامل المُسْتَغَل، هذه الثورة المنتجَة تستولي عليها الطبقة الأولى المالِكَة ولا تعطي للطبقة الثانية منها إلاّ الحد الأدنى، حدّ الكفاف الذي يضمن استمرار حياة هذه الطبقة لكي تواصل خدمتها وممارستها ضمن إطار الطبقة الأولى.

هذا هو التناقض الطَبَقِي الذي اتخذه قاعدةً وأساساً لكلّ ألوان التناقض الأخرى، وهذا التناقض يتّخذ مدلوله الاجتماعي من خلال صراع مرير بين الطبقة المالكة وبين الطبقة العاملة، وهذا الصراع المرير بين هاتين الطبقَتَين ينمو ويشتدّ كلّما تطوّرت الآلة وكلّما نَمَتْ الآلة الصناعية

____________

(١) يقصد به كارل ماركس.


وتعقّدتْ؛ وذلك لأنّ الآلة كلّما تطوّرت أدّت إلى تخفيض في مستوى المعيشة، وهذا التخفيض في مستوى المعيشة يعطي فرصةً للطبقة الرأسمالية المالِكة في أنْ تخفض أجرَ العامِل؛ لأنّها لا تريد أنْ تعطي العامل أكثر مِمّا يُدِيْم به حياته ونفسه.

* إذاً، باستمرار تتطور الآلة، باستمرار تنخفض كُلفة المعيشة، وباستمرار يخفِّض الرأسمالي أُجرة العامِل، هذا من ناحية.

* من ناحية ثانية إنّ تطوّر الآلة وتعقّدها يقتضي إمكانية التعويض عن العدد الكبير من العمّال بالعدد القليل من العمّال؛ لأنّ دقّة الآلة وعَمْلَقَة الآلة سوف يُعوِّض عن الجزء الآخر من العمّال، وهذا يجعل الطبقة الرأسمالية تَطْرد الفائض من العمّال باستمرار.

وهكذا يشتدّ الصراع بين الطبقتين ويَحْتدِم التناقض حتى ينفجر في ثورة، هذه الثورة تُجَسِّدها الطبقة العامِلَة، تقضي بها على التناقض الطَبَقِي في المجتمع، وتوحِّد المجتمع في طبقة واحده، وهذه الطبقة الواحدة تمثّل حينئذٍ كل أفراد المجتمع، وفي حالة من هذا القبيل سوف تستأصل كل ألوان التناقض؛ لأنّ أساس التناقض هو التناقض الطبقي، فإذا أُزيل التناقض الطبقي زالتْ كلّ التناقضات الأخرى الفرعيّة والثانوية.

هذا تلخيص سريع جدا لوِجْهَة نظر هؤلاء الثوّار تجاه التناقض الذي عالجناه. إلاّ أنّ هذه النظرة الضيِّقة لا


تنسجم في الحقيقة مع الواقع، ولا تنطبق على تيّار الأحداث في التاريخ.

ليس التناقض الطبقي وليد تطوّر الآلة، بل هو وليد الإنسان، هو من صنع الإنسان الأوروبي، ليست الآلة هي التي صنعت استغلال الرأسمالي للعامِل، ليست الآلة هي التي خلقتْ النظام الرأسمالي، وإنّما الإنسان الأوروبي الذي وقعتْ هذه الآلة بيده أفرز نظاماً رأسماليّاً يُجسِّد قِيَمَه في الحياة وتصوّراته للحياة.

- وليس التناقض الطبقي هو الشكل الوحيد من إشكال التناقض، هناك صِيَغ كثيرة للتناقض على الساحة الاجتماعية.

- وليس التناقض الطبقي هو التناقض الرئيسي بالنسبة إلى تلك الأشكال، وإنّما كل هذه الأشكال من التناقض على الساحة الاجتماعية هي وليد تناقض رئيس، وهو جدل الإنسان، هو الجدل المخبوء في داخل محتوى الإنسان، ذاك هو التناقض الرئيس الذي يفرز دائماً وأبداً صِيَغاً متعدِّدة من التناقض.

تعالَوا نلاحظ ونقارن بين هذه النظرة الضيِّقة وبين واقع التجربة البشريّة المعاصِرَة:

* لنرى أيَّ النظريتَين أكثر انطباقاً على العالم الذي نعيشه؟

* ونرى ماذا كنّا نتوقّع، ماذا كنا ننتظر لو كانت هذه النظرة وكان هذا التفسير للتناقض، لو كان صحيحاً وواقعيّاً؟ ماذا كنّا ننتظر وماذا كنّا نتوقّع؟

كنّا ننتظر ونتوقّع أنْ


يزداد يوماً بعد يوم التناقضُ الطبقي، والصراع بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة في المجتمعات الأوروبية الصناعية، التي تطوّرت فيها الآلة تطوّراً كبيراً.

كان من المفروض أنّ هذه المجتمعات: ( كانكلترا، والولايات الأمريكية المتحدة، وفرنسا، وألمانيا ):

- أنْ يشتدّ فيها التناقض الطبقي والصراع يوماً بعد يوم.

- ويتزلزل النظام الرأسمالي المستغِل ويتداعى يوماً بعد يوم.

- ويزداد الثراء على حساب هؤلاء العامِلين في طبقة الرأسماليين المستغِلِّين من ( الأمريكان، والانجليز، والفرنسيين، وغيرهم ).

كما نترقّب حالة من هذا القبيل، كنّا نترقّب:

- أنْ تتضاعف النقمة.

- أنْ يشتدّ إيمان العامِل الأوروبي، والعامل الأمريكي بالثورة وبضرورة الثورة، وبأنّها هي الطريق الوحيد لتصفية هذا التناقض الطبقي. هذا ما كنّا ننتظره لو صحّت هذه الأفكار عن تفسير التناقض.

لكن ما وقع خارجاً هو عكس ذلك تماماً، نرى وبكلّ أسف:

- أنّ النظام الرأسمالي في الدول الرأسمالية المستغِلَّة يزداد ترسّخاً يوماً بعد يوم.

- لا تَبْدُو عليه بوادر الانهيار السريع.

- تلك التمنِّيات الطيِّبة التي تَمَنّاها ثوّارُنا المادِّيُّون لانكلترا وللدول الأوروبّية المتقدّمة صناعيّاً، تمنّوا لها الثورة في أقرب وقت، بحكم التطوّر الآلي والصناعي فيها، تلك التمنِّيات الطيِّبة


تحوّلت إلى سراب.

بينما تحقّقت هذه النبوءات بالنسبة إلى بلادٍ لم تعش تطوّراً آليّاً، بل لم تعِش تناقضاً طبقيّاً بالمعنى الماركسي؛ لأنّها لم تكن قد دخلت الباب العريض الواسع للتطوّر الصناعي، من قبيل: ( روسيا القيصرية والصين ).

من ناحية أخرى:

* هل ازداد العمال بؤساً وفقراً؟

* هل ازدادوا استغلالاً؟

لا، بالعكس:

- العمّال ازدادوا رخاءً.

- ازدادوا سعةً.

- أصبحوا مُدَلَّلِين من قِبَل الطبقة الرأسمالية المستغِلّة.

العامل الأمريكي يحصل على ما لا يطمع به إنسان آخر يعمل بِكَدّ يمينه، ويقطف ثمار عمله في المجتمعات الاشتراكية الأخرى.

* هل ازدادت النقمة لدى الطبقة العاملة؟

العكس هو الصحيح. العمّال والهيئات التي تُمثّل العمّال في الدول الرأسمالية المستغِلّة تحوّلت بالتدريج أكثر هذه الهيئات:

- تحوّلت إلى هيئات ذات طابع شبه ديمقراطي.

- تحوّلت إلى أشخاص لهم حالة الاسترخاء السياسي.

- تركوا هموم الثورة، تركوا منطق الثورة.

- أصبحوا يتصافحون يداً بيد مع تلك الأيدي المستغِلّة، مع أيدي الطبقة الرأسمالية.

- أصبحوا يرفعون شعار تحقيق حقوق العمّال عن طريق النقابات، وعن طريق البرلمانات، وعن طريق الانتخابات.

هذه الحالة هي حالة الاسترخاء السياسي، كل هذا وقع في هذه الفترة القصيرة من


الزمن التي نحسّها.

* كيف وقع هذا كله؟

* هل كان ماركس سيّء الظن إلى هذه الدرجة بهؤلاء الرأسماليين، بهؤلاء المجرمين، والمستغلّين، بحيث تنبّأَ بهذه النبوءات ثم ضاعت هذه النبوءات كلّها فلم يتحقّق شيء منها؟

* هل كان هذا سوء ظن من ( ماركس ) لهؤلاء المستغلّين؟

* هل أنّ هؤلاء الرأسماليين المستغلّين دخل في نفوسهم الرعب من ( ماركس ) ومن الماركسية، ومن الثورات التحرّريّة في العالم؟

* هل دخل في أنفسهم الرعب فحاولوا أنْ يتنازلوا عن جزء من مكاسبهم، خوفاً من أنْ يثور العامل عليهم؟

* هل هذا صحيح؟

* هل أنّ المليونير الأمريكي يُخَالِج ذهنه فعلاً أيّ شبح من خوف من هذه الناحية؟

أشدّ الناس تفاؤلاً بمصائر الثورة في العالم لا يمكنه أنْ يفكّر في أنّ ثورةً حقيقية على الظلم في أمريكا يمكن أنْ تحدث قبل مئة سنة من هذا التاريخ.

* فكيف يمكن أنْ نفترض أنّ المليونير الأمريكي أصبح أمامه شبح الخوف والرعب، على أساس هذا الشبح تنازل عن جزء من مكاسبه؟

* هل أنّه دخلت إلى قلوبهم التقوى فجأةً؟ استنارت قلوبهم بنور الإسلام الذي أنَارَ قلوب المسلمين الأوائل الذين كانوا لا يعرفون حدّاً للمشاركة والمواساة، والذين كانوا يُشاطِرُون إخوانَهم غنائِمَهم وسَرَّائِهِم وضَرَّائِهِم؟

* هل تحوّل هؤلاء بين عَشِيَّة وضُحاها إلى مسلمين، إلى


قلوب مسلمة؟

لا.. لم يتحقّق شيء من ذلك:

* لا ( كارل ماركس ) كان سَيّء الظن بهؤلاء، كان ظنّه مُنطبِقا على هؤلاء انطباقاً تامّاً.

* ولا أنّ هؤلاء أَرْعَبَهم شبح العامِل فتنازلوا من أجل إسكاته.

* ولا أنّ قلوبهم خفقت بالتقوى. لم تعرف التقوى ولن تعرف التقوى؛ لأنها انغمستْ في لذّات المال وفي الشهوات، لم يتحقّق شيء من ذلك.

إذاً، ماذا وقع وكيف نُفَسِّر هذا الذي وقع؟

هذا الذي وقع في الحقيقة كان نتيجة تناقض آخر عاش مع التناقض الطبقي منذ البداية، ولكن ( ماركس ) والثوّار الذين ساروا على هذا الطريق، لم يستطيعوا أنْ يكتشفوا ذلك التناقض؛ ولهذا حصروا أنفسهم في التناقض الطبقي، في التناقض بين المليونير الأمريكي والعامِل الأمريكي، بين الغني الانجليزي والعامل الانجليزي، ولم يُدْخِلُوا في الحسابِ التناقضَ الآخر الأكبر، الذي أفرزه جَدَل الإنسان الأوروبي، أَفْرَزَه تناقض الإنسان الأوروبي، فغطّى على هذا التناقض الطبقي، بل جمّده، بل أوقفه إلى فترة طويلة من الزمن.

* ما هو ذلك التناقض؟

نحن بنظرتنا المنفتحة يمكننا أنْ نُبْصر ذلك التناقض، أنْ نضع أصبعنا على ذلك التناقض؛ لأنّنا لم نحصر أنفسنا في إطار التناقض الطبقي، بل قلنا: إنّ جَدَل الإنسان دائماً يفرز أيّ شكل من أشكال التناقض الاجتماعي.


ذلك التناقض الآخر وجد فيه الرأسمالي المستغِل الأوروبي والأمريكي، وجد فيه أنّ من طبيعة هذا التناقض أنْ يتحالف مع العامل، مع مَن يستغلّه لكي يشكّل هو والعامِل قُطْباً في هذا التناقض.

لم يعد التناقض تناقضاً بين الغني الأوروبي والعامِل الأوروبي، بل إنّ هذين الوجودَين الطبقيين تحالفا معاً وكوّنا قُطْبَاً في تناقض أكبر، بدأ تاريخياً منذ بدأ ذلك التناقض الذي تحدّث عنه ماركس.

* لكن ما هو القطب الآخر في هذا التناقض؟

القطب الآخر في هذا التناقض هو:

أنا وأنت، هم الشعوب الفقيرة في العالم، هم شعوب ما يسمّى بـ ( العالم الثالث ) هم شعوب ( آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ) هذه الشعوب هي التي تمثّل القطب الثاني في هذا التناقض.

إنّ الإنسان الأوروبي بكلا وجودَيه الطبقِيَّين تحالفٌ وتمحْوُر من أجل أنْ يُمارس صراعه واستغلاله لهذه الشعوب الفقيرة، وقد انعكس هذا التناقض الأكبر، انعكس اجتماعيّاً من خلال صِيَغ الاستعمار المختلفة، التي زخرتْ بها الساحة التاريخية منذ خرج الإنسان الأوروبي والأمريكي من دياره ليفتش عن كنوز الأرض في مختلف أرجاء العالم، ولينهب الأموال بلا حساب من مختلف البلاد والشعوب الفقيرة.

هذا التناقض غطّى على التناقض الطبقي، بل جمّد


التناقض الطبقي؛ لأنّ جَدَل الإنسان من وراء هذا التناقض كان أقوى من جَدَل الإنسان من وراء ذلك التناقض، والثراء الهائل الذي تكدّس في أيدي الطبقة الرأسمالية في الدول الرأسمالية لم يكن كلّه - بل ولا معظمه - نِتَاج عَرَق جبين العامل الأوروبي والأمريكي، وإنّما:

- كان نِتَاج غنائم حرب.

- كان نِتَاج غنائم غارات، غارات على هذه البلاد الفقيرة، على بلاد أخرى استطاع الإنسان الأبيض أنْ يغزوها وأنْ يَنْهَبَهَا.

هذا النعيم الذي تَغْرق فيه تلك الدول:

- ليس من عَرَق جبين العامِل الأوروبي.

- ليس من نتاج التناقض الطَبَقِي بين الرأسمالي والعامِل.

وإنّما هذا النعيم:

- هو من نفط آسيا وأمريكا اللاتينية.

- هو من أَلْمَاس تَنْزَانْيَا.

- هو من الحديد، والرصاص، والنحاس، واليورانيوم في مختلف بلاد أفريقيا.

- هو من قطن مصر.

- هو من تنباك لبنان.

- هو من خمر الجزائر! نعم من خمر الجزائر؛ لأنّ الكافر المستعمِر الذي استعمر الجزائر، حوّل أرضَها كلّها إلى بستان عنب، لكي يقطف هذا العِنَب ويحوِّله إلى خمر؛ ليسكر به العمّال، ولِيُشْعِر أولئك العمّال بالنشوة والخُيَلاَء؛ لأنّهم يشربون خمر الجزائر، يقطفون عنب الجزائر فيُحَوِّلُونَه إلى خمر.

نعم ذلك النعيم، لكن من


هذه المصادر، من هذه الينابيع. سكروا على خمر الجزائر ولم يسكروا على عَرَق جَبِين العامِل الفرنسي أو الأوروبي أو الأمريكي.

إذاً، التناقض الذي جمّد ذلك التناقض والذي أوقف ذلك التناقض هو هذا التناقض الأكبر، التناقض بين المحور الرأسمالي ككل بِكِلْتَا طبقتَيه وما بين الشعوب الفقيرة في العالم.

من خلال هذا التناقض وجد الرأسمالي الأوروبي والأمريكي أنّ من مصلحته:

- أنْ يُقاسم العامِل شيئاً من هذه الغنائم التي نَهَبَهَا ( مِنِّي ومِنْكَ ) التي نهبها من فقراء الأرض والمستضعَفين في الأرض.

- وأنّ من مصلحته أنْ يعطي نعمةً منها، أنْ يَسكر هو ويُسكر العمّال أيضاً بخمر الجزائر.

- أنْ يتزيّن بماس تنزانيا ويتزيّن العامِل أو زوجته بماسّة من ماسّات تنزانيا.

ولهذا نرى أنّ العامل بدأتْ حياته تختلف عن نبوءات ماركس:

- ليس ذلك لأجل كرم طبيعي في الرأسمالي الأوروبي والأمريكي.

- وليس لتقوى.

وإنّما هي غنيمة كبيرة كان من المفروض أنْ يعطي جزءً منها لهذا العامل، والجزء وحده يكفي لأجل تحقيق هذا الرفاه بالنسبة إلى هذا العامل الأوروبي والأمريكي.

إذاً، الحقيقة التي يثبتها التاريخ دائماً هو أنّ التناقض لا يمكن حصره في صيغة واحده، التناقض له صيغ متعدِّدة؛


وذلك لأنّ كل هذه الصِيَغ تَنْبع من منبع واحد وهو التناقض الرئيسي، الجدل الإنساني والجدل الإنساني لا تعوزه صيغة. إذا حُلّت صيغة وُضِتْ صيغة أُخرى مكانها.

ليس من الصحيح أنْ نطوِّق كلّ التناقضات في التناقض الطَبَقِي، في التناقض بين مَن يملك ومَن لا يملك، فإذا حَلَلْنا هذا التناقض قلنا بأنّ التناقضات كلّها قد حُلّتْ.

التناقض لا يمكن حصره في هذه الصيغة، التناقض هو استغلال القوي للضعيف.


الدرس الثالث عشر:

قلنا: إنّ خط علاقات الإنسان مع الطبيعة مختلِف، مشكلةً وقانوناً عن خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، وذكرنا أنّ هذَين الخطَّين كلّ واحدٍ منهما مستقل استقلالاً نسبِيّاً عن الخط الآخر، لكن هذا الاستقلال النسبي لا ينفي التفاعل والتأثير المتبادَل إلى حدِّ ما بين هذين الخطَّين، فلكلٍّ منهما لون من التأثير الطرْدي أو العَكْسي على الخط الآخر.

وهذا التأثير المتبادَل بين الخطَّين يمكن إبرازه ضمن علاقتين قرآنيّتَين بين هذين الخطّين:

* العلاقة الأولى:

تُبْرِز مدى تأثير خط علاقات الإنسان مع الطبيعة على خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان.

* والعلاقة القرآنية الثانية:

تُبْرِز من الجانب الآخر مدى تأثير علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان على علاقات الإنسان مع الطبيعة.

* أمّا العلاقة الأولى:

التي تُبْرِز تأثير علاقات الإنسان مع الطبيعة على


الخط الآخر، فمؤدّى هذه العلاقة:

هو أنّه كما نَمَتْ قدرة الإنسان على الطبيعة، واتَّسعتْ سيطرته عليها، وازداد اغتناءً بكنوزها ووسائل إنتاجها، تحقّقت بذلك إمكانية أكبر فأكبر للاستغلال على خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان:

( كَلاّ إِنَّ الإنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) (١) .

هذه الآية الكريمة تشير إلى هذه العلاقة، إلى أنّ الإنسانية بقدر ما تتمكّن وتستقطب الطبيعة وتتوصّل إلى وسائل إنتاج أقوى وأدوات توليد أوسع، تكون انعكاسات ذلك على حقل علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، انعكاساته على شكل إمكانيات وإغراءات وفَتْح الشهيّة للأقوياء؛ لكي يستثمروا أداة الإنتاج في سبيل استغلال الضعفاء.

تصوّروا مجتمعاً يعيش على الصيد باليد، والحجارة، والهراوة، مثل هذا المجتمع لا يتمكّن من أنْ يمارس بذور الأقوياء، بذور الوحوش فيه، لا يتمكّنون على الأغلب من أنْ يمارِسوا أدواراً خطيرةً من الاستغلال الاجتماعي؛ لأنّ مستوى الإنتاج محدود، والقدرة محدودة، وكل إنسان لا يكسب عادةً بعرق جبينه إلاّ قوت يومه فلا توجد إمكانية الاستغلال بشكله الاجتماعي الواسع، وان كان توجد ألوان أُخرى من الاستغلال الفردي.

ولكنْ لاحظوا من الجانب الآخر

____________

(١) سورة العلق: الآية ( ٦-٧ ).


مجتمعاً متطوّراً استطاع الإنسان فيه أنْ يصنع الآلة البخاريّة، والآلة الكهربائية، استطاع فيه أنْ يُخْضِع الطبيعة لإرادته، في مثل هذا المجتمع سوف تكون الآلة البخارية والآلة الكهربائية المعقّدة المتطوِّرة الصُنْع تكون أداةً، إمكانيةً على ساحة علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، تشكّل بحسب مصطلح الفلاسفة ما بالقوة للاستغلال ويبقى أنْ يخرج ما بالقوّة إلى ما بالفعل؛ وذلك على عهدة الإنسان، ودوره التاريخي على الساحة الاجتماعية.

فالإنسان هو الذي يصنع الاستغلال، هو الذي يفرز النظام الرأسمالي المستغل حينما يجد الآلة البخارية والكهربائية، ولكن الآلة البخارية والكهربائية هي التي تُعطيه إمكانية هذا الاستغلال، هي التي تهيئ له فرصةً تفتح شهيّته، توقظ مشاعره، تحرّك جَدَلَه الداخلي وتناقضه الداخلي من أجل أنْ يبرز صيغة تتناسب مع ما يوجد على الساحة من قوى الإنتاج ووسائل التوريد.

وهذا هو الفرق بيننا وبين المادية التاريخية، المادية التاريخية اعتقدت بأنّ الآلة هي التي تصنع الاستغلال، هي التي تصنع النظام المتناسب لها، ولكنّنا نحن لا نرى أنّ دور الآلة هو دور الصانع، وإنّما دور الآلة هو دور الإمكانية، دور توفير الفرصة والقابليّة، وأمّا الصانع الذي يتصرّف إيجاباً وسلباً،


أمانةً وخيانةً، صموداً وانهياراً، إنّما هو الإنسان وِفْقَاً لمحتواه الداخلي، لِمَثَلِهِ الأعلى، لمدى الْتِحَامِهِ مع هذا المثل الأعلى. هذه هي العلاقة الأولى.

* وأمّا العلاقة القرآنية الثانية:

التي تمثّل وتجسِّد تأثير علاقات الإنسان مع الطبيعة، فمؤدى هذه العلاقة القرآنية:

هو أنّه كلّما جسّدت علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان العدالةَ، وكلّما استطاعت أنْ تستوعب قِيَم هذه العدالة وأنْ تبتعد عن أي لون من ألوان الظلم والاستغلال من الإنسان لأخيه الإنسان، كلّما وقع ذلك:

- ازدهرتْ علاقات الإنسان مع الطبيعة.

- وتفتّحتْ الطبيعة عن كنوزها.

- وأعطت المخبوء من ثرواتها.

- ونزلت البركات من السماء.

- وتفجّرت الأرض بالنعمة والرخاء.

هذه العلاقة القرآنية هي العلاقة التي شرحها القرآن الكريم في نصوص عديدة، قال سبحانه وتعالى:

( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقاً ) (١) .

( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ) (٢) .

( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ

____________

(١) سورة الجن: الآية (١٦).

(٢) سورة المائدة: الآية (٦٦).


يَكْسِبُونَ ) (١) .

هذه العلاقة مؤدّاها:

أنّ علاقات الإنسان مع الطبيعة تتناسب عكسيّاً مع ازدهار العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان:

- فكلّما ازدهرت العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان أكثر فأكثر، ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة.

- وكلّما انْحَسرتْ العدالة عن الخط الأوّل، انحسر الازدهار عن الخط الثاني.

أي إنّ:

مجتمع العدل: هو الذي يصنع الازدهار في علاقات الإنسان مع الطبيعة.

ومجتمع الظلم: هو الذي يؤدّي إلى انحسار تلك العلاقات، علاقات الإنسان مع الطبيعة.

وهذه العلاقة ليست ذات محتوى غَيْبِي فقط، نعم نحن نُؤمِن أيضاً بمحتواها الغيبي، ولكن إضافةً إلى محتواها الغيبي الربّاني هي تُشكِّل سُنّة من سنن التاريخ بحسب مفهوم القرآن الكريم؛ وذلك لأنّ مجتمع الظلم، مجتمع الفراعنة - على مرّ التاريخ - مجتمع ممزّق، مُشَتّت.

الفرعونية على مرّ التاريخ حينما تتحكّم في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان تستهدِف:

- تمزيق طاقات المجتمع.

- وتشتيت فئاته.

- وبَعْثَرة إمكانياته.

ومن الواضح أنه تشتيت وبعثرة وتفتيت وتجزئة من هذا القبيل لا يمكن لإفراد المجتمع أنْ يحشدوا قواهم الحقيقية والسيطرة على الطبيعة.

وهذا هو الفرق بين

____________

(١) سورة الأعراف: الآية (٩٦).


المُثُل العُليا المنخفضة الفرعونية، وبين المَثَل الأعلى الحق، مثل: التوحيد [لله] سبحانه وتعالى، فإن المثل الأعلى:

- يوحِّد الجامعة البشرية.

- ويُلْغِي كلّ الفوارق والحدود. باعتبار شموليّة هذا المثل الأعلى.

باعتبار شموليته فهو يستوعِب:

- كلّ الحدود وكلّ الفوارق.

- يهضم كلّ الاختلافات.

- يصهر البشرية كلّها في وحدة متكافِئة، لا يوجد ما يُميِّز بعضها عن بعض، لا من دمٍ ولا من جنسٍ ولا من قوميّةٍ ولا من حدودٍ جغرافية أو طبقيّة، المثل الأعلى بشموليّته يوحِّد البشرية، ولكنّ المُثُل العليا المنخفضة تجزئ البشرية، وتُشَتِّت البشرية.

انظروا إلى المثل الأعلى كيف يقول:

( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (١) .

( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ) (٢) .

هذا هو منطق شمولية المثل الأعلى التي لا تعترف بحدٍّ وبحاجزٍ في داخل هذه الأسرة البشرية، انظروا، استمعوا إلى المثل المنخفض، إلى مجتمع الظلم وآلهة مجتمع الظلم كيف يقولون، أو كيف يتحدّث عنهم القرآنُ الكريم:

( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ) (٣) . فرعون المثل الأعلى المنخفض.

____________

(١) سورة الأنبياء: الآية (٩٢).

(٢) سورة المؤمنون: الآية (٥٢).

(٣) سورة القصص: الآية (٤).


- الفرعونية على مرّ التاريخ التي تبني العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان على أساس الظلم والاستغلال.

- الفرعونية تجزِّئ المجتمع.

- تبعثر إمكانيات المجتمع، وطاقات المجتمع.

ومن هنا تَهْدر ما في الإنسان من قدرة على الإبداع والنمو الطبيعي على ساحة علاقات الإنسان مع الطبيعة.

وعمليّة التجزئة الفرعونيّة للمجتمع:

تقسّم المجتمع إلى فصائل وجماعات:

* الجماعة الأُولى:

* ظَالِمُوْن مُسْتَضْعَفُوْن.

هذه الجماعة الأُولى في التقسيم الفرعوني هم( الظالمون المستضعَفون ) في نفس الوقت( الظالمون الثانويّون ) أو بحسب تعبير أئمّتنا عليهم الصلاة والسلام:( أعوان الظلمة ) .

هؤلاء الظالمون المستضعفون يشكّلون حماية لفرعون وللفرعونية، وسنداً في المجتمع لبقاء الفرعونية واستمرار وجودها وإطارها، قال الله سبحانه وتعالى:

( إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ) (١) .

هنا القرآن يتحدّث عن الظالمين يقول:( إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ ) . لكنّ الظالمين صنّفهم إلى قسمين:

١- إلى من استضعفت منهم.

٢- ومن استكبر منهم.

إذاً، فالظالمون فيهم مستكبرون: وهم الذين يمثّلون الفرعونية في المجتمع. وفيهم

____________

(١) سورة سبأ: الآية (٣١).


مستضعفون. فالطائفة الأولى إذن في التجزئة الفرعونية لمجتمع الظلم هم الظالمون المستضعفون، هؤلاء الذين يُحشَرون يوم القيامة في زُمرة الظالمين، ثم يقولون للمستكبرين من الظالمين: لولا انتم لكنّا مؤمنين. هذه هي الطائفة الأولى التي تشكّل الحماية والسند للفرعونية.

* الطائفة الثانية:

في عملية التمزقة الفرعونية لمجتمع الظلم ظالمون يشكلون حاشية ومتملقين، أولئك الذين قد لا يمارسون ظلماً بأيديهم بالفعل، ولكنّهم دائماً وأبداً على مستوى نَزَوَات فرعون، وشهوات فرعون، ورغبات فرعون، يسبقونه بالقول من أجل أنْ يُصَحِّحوا مسلكه ومسيرته، قال الله سبحانه وتعالى:

( وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ) (١) .

شكّلوا دور الإثارة لفرعون، هؤلاء كانوا يعرفون أنّهم بهذا الكلام يضربون على الوتر الحسّاس في قلب فرعون، وأنّ فرعون كان بحاجة إلى كلام من هذا القبيل، فتسابقوا إلى هذا الكلام؛ لكي يجعلوا فرعون يعبّر عمّا في نفسه، ويتّخذ الموقف المنسجِم مع مشاعره وعواطفه وفرعونيّته.

* الطائفة الثالثة:

في عمليّة

____________

(١) سورة الأعراف: الآية (١٢٧).


التجزئة الفرعونيّة لمجتمع الظلم، أولئك الذين عبّر عنهم الإمام علي ( عليه الصلاة والسلام ): بـ ( الهَمَج الرُعَاع )، جماعةٌ هم مجرّد:

- آلات مستسلِمة للظلم.

- لا تحس بالظلم.

- لا تدرك أنّها مظلومة.

- ولا تدرك أنّ في المجتمع ظلماً.

- هي آلات تتحرّك تحرُّكاً آليّاً، تحرّكاً يشبه التحرّك الميكانيكي للآلة، تحرّك التبعيّة والطاعة دون تدبير، دون وعي، سلب فرعون منها تدبّرها، عقلها، وعيها، ربط يدها به لا عقلها به؛ ولهذا فهي تحرّك يدها تحريكاً آليّاً وتستسلِم للأوامر، للأوامر الفرعونية دون أنْ تناقشها، حتى دون أنْ تتدبّرها، حتى بينها وبين نفسها لا بينها وبين الآخرين.

هذه الفئة طبعاً تفقد كلّ قدرة على الإبداع البشري في مجال التعامل مع الطبيعة، تفقد كل قابليّات النمو؛ لأنّها تحوّلت إلى آلات، إذا وجد أنّ هناك إبداع في هذه الفئة إنّما هو إبداع من يحرِّك هذه الآلات، إبداع تلك الفرعونية التي تحرّك هذه الآلات، وأمّا هذه الفئة فلم تعد أُناساً وبشراً يفكِّرون ويتدبَّرون لكي يستطيعوا أنْ يحقِّقوا لوناً من الإبداع على هذه الساحة. قال الله سبحانه وتعالى:

( وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ ) (١) .

لا يوجد في كلام هؤلاء ما يُشعِر بأنّهم

____________

(١) سورة الأحزاب: الآية (٦٧).


كانوا يحسّون بالظلم، أو كانوا يحسّون بأنّهم مظلومون، وإنّما هو مجرّد طاعة، مجرّد تبعيّة، هؤلاء هم القسم الثالث في تقسيم مولانا أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام حينما قال:

(( الناس ثلاثة: عالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع ينعقون مع كل ناعق )) (١) .

وهذا القسم الثالث يشكّل مشكلة بالنسبة إلى أي مجتمع صالح.

وبقدر ما يمكن للمجتمع الصالح أنْ يستأصل هذا القسم الثالث بتحويله إلى القسم الثاني، بتحويله:

- إلى متعلّم على سبيل النجاة على حدّ تعبير الإمام.

- إلى تابع بإحسان على حدّ تعبير القرآن.

- إلى مقلّد بِوَعْي وتَبَصُّر على حدّ تعبير الفقه.

بقدر ما يمكن تحويل هذا القسم الثالث إلى القسم الثاني يمكن للمجتمع الصالح أنْ يستمر وأنْ يمتد.

ولهذا كان من ضرورات المجتمع الصالح في نظر الإمام عليه الصلاة والسلام هو شجب هذا القسم الثالث، هؤلاء همج رعاع ينعقون مع كلّ ناعق، ليس لهم عقل مستقل وإرادة مستقلّة. كان الإمام ( عليه السلام ) يرى أنّ هذا القسم الثالث يجب تصفيته من المجتمع الصالح، ذلك لا بالقضاء عليه فردياً، بل بتحويله إلى القسم الثاني ضمن أحد الصيغ الثلاثة التي ذكرناها، لكي يستطيع المجتمع الصالح أنْ يواصل إبداعه، ولكي يستطيع كل أفراد

-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-

(١) يراجع نهج البلاغة، قصار الحكم: ١٤٧، وفيه: (( الناس ثلاثة: فعالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق... ))


المجتمع الصالح أنْ يشكّلوا مشاركة حقيقية في مسيرة الإبداع.

وخلافا لذلك الفرعونية، الفرعونية تحاول أنْ توسّع من هذا القسم الثالث، هؤلاء الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كلّ ناعق تحاول الفرعونية أنْ توسّع منهم، وكلّما توسّعت هذه الفئة أكثر فأكثر قدّمت المجتمع نحو الدمار خطوة بعد خطوة؛ لأنّ هذه الفئة لا تستطيع بوجه من الوجوه أنْ تدافع عن المجتمع إذا حلّت كارثة في الداخل أو طَرَأَت كارثة من الخارج.

فكلّما توسّعت هذه الفئة، هذا القسم الثالث، هؤلاء الذين ينعقون مع كل ناعق، كلما توسعوا في المجتمع ازداد خطر فناء المجتمع، وبهذا تموت المجتمعات موتاً طبيعياً.

مفهوم الموت لدى القرآن ( للمجتمعات وللأقوام وللأمم ) الموت الطبيعي للمجتمع لا الموت المخروم. المجتمع له موتان، موت طبيعي وموت مخروم.

الموت الطبيعي للمجتمع: يكون عن طريق توسّع هذه الفئة الثالثة وازديادها نوعيّاً وعددياً في المجتمع، إلى أنْ تحل الكارثة فينهار المجتمع. هذه الطائفة الثالثة في عملية التجزئة الفرعونية.

* أما الطائفة الرابعة:

هم أولئك الذين يستنكرون الظلم في أنفسهم، أولئك الذين لم يفقدوا لُبّهم أمام فرعون والفرعونية، فهم يستكنرون الظلم لكنّهم يهادنونه ويسكتون عنه فيعيشون حالة التوتّر


والقلق في أنفسهم وهذه الحالة - حالة التوتر والقلق - أبعد ما تكون عن حالةٍ تسمح للإنسان بالإبداع والتجديد والنمو على ساحة علاقات الإنسان مع الطبيعة. هؤلاء يسميهم القرآن الكريم( ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) ، قال الله سبحانه وتعالى:

( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ) (١) .

- هؤلاء لم يظلموا الآخرين.

- ليسوا من الظالمين المستضعفين كالطائفة الأولى.

- وليسوا من الحاشية المتملّقين.

- وليسوا أيضاً من الهمج الرعاع الذين فقدوا لبّهم.

بل بالعكس هم يشعرون بأنّهم مستضعفون:

( قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ ) .

هؤلاء لم يفقدوا لبّهم، يدركون واقعهم ولكنّهم كانوا عملياً مهادنين، ولهذا عبّر عنهم القرآن بأنّهم ظلموا أنفسهم.

* هذه الطائفة هل يترقّب منها أنْ تساعد بإبداع حقيقي في مجال علاقات الإنسان مع الطبيعة؟ طبعاً كلاّ.

* الطائفة الخامسة في عملية التجزئة الفرعونية للمجتمع هي:

الطائفة التي تتهرّب من مسرح الحياة، تبتعد عن المسرح وتتهرّب منه وتترهّب، وهذه الرهبانية موجودة في كلّ مجتمعات الظلم على مرّ التاريخ، وهي تتّخذ

____________

(١) سورة النساء: الآية (٩٧).


صيغتين:

١- الأولى صيغة جادّة، رهبانية جادّة، تريد أنْ تفر بنفسها لكي لا تتلوّث بأوحال المجتمع، هذه الرهبانية الجادّة التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله:

( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ) (١) .

هذه الرهبانية يشجبها الإسلام؛ لأنّها موقف سلبي تجاه مسؤولية خلافة الإنسان على الأرض.

٢- وهناك صيغة مفتعلة للرهبانية، يترهّب ويلبس مسوح الرهبان، ولكنّه ليس راهباً في أعماق نفسه، وإنّما يريد بذلك أنْ يخدِّر الناس ويشغلهم عن فرعون وظلم فرعون، ويسطو عليهم نفسيّاً وروحيّاً، وهذا هو الذي عبّر عنه القرآن الكريم بقوله:

( إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ ) (٢) .

* الجماعة السادسة والأخيرة في عملية التجزئة الفرعونية للمجتمع هم المستضعَفون:

الفرعونية حينما جزّأت المجتمع إلى طوائف، فرعون حينما اتخذ من قومه شِيَعَاً، استضعف طائفة معيّنة منهم خصّها بالاستضعاف والإذلال وهدر الكرامة؛ لأنّها كانت هي الطائفة التي يتوسّم أنْ تشكّل إطاراً للتحرّك ضِدّه، ولهذا استضعفها بالذات:

( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ

____________

(١) سورة الحديد: الآية (٢٧).

(٢) سورة التوبة: الآية (٣٤).


نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ) (١) . هذه هي الطائفة السادسة.

وقد علّمنا القرآن الكريم - ضمن سُنّة من سنن التاريخ أيضاً - أنّ موقع أيّ طائفة في التركيب الفرعوني لمجتمع الظلم يتناسب عكساً مع موقعه بعد انحسار الظلم، وهذا معنى قوله سبحانه وتعالى:

( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (٢) .

تلك الطائفة السادسة التي كانت هي منحدر التركيب يريد الله سبحانه وتعالى أنْ يجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، وهذه علاقة أخرى وسُنّة تاريخية أخرى يأتي الحديث عنها إنْ شاء الله تعالى.

* إذاً، فإلى هنا استخلصنا هذه الحقيقة وهي:

- أنّ المجتمع يتناسب مدى الظلم فيه تناسباً عكسيّاً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة، ويتناسب مدى العدل فيه تناسبا طرديّاً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة.

- مجتمع الفرعونية المجزّأ، المشتّت، مهدور القابليّات والطاقات والإمكانيّات، ومن هنا تحبس السماء قطرَها، وتمنع الأرض بركاتها.

- وأمّا مجتمع العدل فهو على العكس تماماً هو مجتمع تتوحّد فيه كلّ القابليّات وتتساوى فيه كلّ الفُرَص والإمكانيّات.

هذا المجتمع الذي تُحدِّثُنَا الرواياتُ عنه،

____________

(١) سورة البقرة: الآية (٤٩).

(٢) سورة القصص: الآية (٥).


تَحَدَّثْنَا عنه من خلال ظهور الإمام المهدي عليه الصلاة والسلام، تحدثنا عمّا تحتفل به الأرض والسماء في ظل الإمام المهدي ( عليه السلام ) من بركات وخيرات، وليس ذلك إلاّ لأنّ العدالة دائماً وأبداً تتناسب طرداً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة، هذه العلاقة الثانية بين الخطّين.


الدرس الرابع عشر:

خرجنا ممّا سبق بنظرية تحليلية قرآنية كاملة:

* لعناصر المجتمع.

* ولأدوار هذه العناصر.

* وللعلاقة القائمة بين الخطّين المزدَوجَين في العلاقة الاجتماعية:

١- خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان.

٢- وخط علاقات الإنسان مع الطبيعة.

وانتهينا على ضوء هذه النظرية القرآنية الشاملة إلى أنّ هذين الخطّين أحدهما مستقل عن الآخر استقلالاً نسبيَّناً، ولكن كل واحد منهما له نحو تأثير في الآخر على الرغم من ذلك الاستقلال النسبي.

وهذه النظرية القرآنية في تحليل عناصر المجتمع وفهم المجتمع فهماً موضوعياً تشكّل أساساً للاتجاه العام في التشريع الإسلامي، فإنّ التشريع الإسلامي في اتجاهاته العامّة وخطوطه يتأثّر وينبثق ويتفاعل مع وجهة النظر القرآنية والإسلامية إلى المجتمع، وعناصره، وأدوار هذه العناصر، والعلاقات المتبادلة بين الخطين.

هذه النظريات التي قرأناها والتي


انتهينا إليها على ضوء المجموعة المذكورة سابقاً من أنّ النصوص القرآنية هذه النظريات هي في الحقيقة الأساس النظري للاتجاه العام للتشريع الإسلامي، فإنّ الاستقلال النسبي بين الخطّين:

١- خط علاقات الإنسان مع أخيه.

٢- الإنسان وخط علاقات الإنسان مع الطبيعة، هذا الاستقلال النسبي يشكّل:

- القاعدة لعنصر الثبات في الشريعة الإسلامية.

- والأساس لتلك المنطقة الثابتة من التشريع، التي تحتوي على الأحكام العامّة المنصوصة ذات الطابع الدائم المستمر في التشريع الإسلامي.

بينما منطقة التفاعل بين الخطين: بين خط علاقات الإنسان مع الطبيعة وخط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، منطقة التفاعل والمرونة تشكّل في الحقيقة الأساس لما أسميناه في كتاب( اقتصادنا ) بمنطقة الفراغ، تشكّل الأساس للعناصر المرنة والمتحرّكة في التشريع الإسلامي.

هذه العناصر المرنة والمتحركة في التشريع الإسلامي هي انعكاس تشريعي لواقع تلك المرونة وذلك التفاعل بين الخطين، والعناصر الأولى الثابتة والصامدة في التشريع الإسلامي هي انعكاس تشريعي لذلك الاستقلال النسبي الموجود بين الخطين: بين خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، وخط علاقات الإنسان مع الطبيعة.

ومن هنا نؤمن بأنّ الصورة التشريعية الإسلامية الكاملة للمجتمع


هي في الحقيقة تحتوي على جانبين:

١- تحتوي على عناصر ثابتة.

٢- وتحتوي على عناصر متحركة ومرنة.

وهذه العناصر المتحرّكة والمرنة التي تُرك للحاكم الشرعي أنْ يملأها، فُرضت أمامه مؤشِّرات إسلامية عامّة أيضاً، لكي يملأ هذه العناصر المتحرّكة وِفقاً لتلك المؤشّرات الإسلامية العامّة.

وهذا بحث يحتاج إلى كلام أكثر من هذا، تفصيلاً وإطناباً. من المفروض أنْ نستوعب هذا البحث - إن شاء الله تعالى - لكي نربط الجانب التشريعي من الإسلام بالجانب النظري التحليلي من القرآن الكريم لعناصر المجتمع.

وبعد ذلك يبقى علينا بحث آخر في نظرية الإسلام عن أدوار التاريخ، عن أدوار الإنسان على الأرض، فإنّ القرآن الكريم يقسّم حياة الإنسان على الأرض إلى ثلاثة أدوار:

١- دور الحضانة.

٢- ودور الوحدة.

٣- ودور التشتت والاختلاف.

وهذه أدوار ثلاثة تحدّث عنها القرآنُ الكريم، بيّن لِكُلِّ دورٍ الحالات والخصائص والمميِّزات التي يتميَّز بها ذلك الدور، هذا أيضا بحث سوف نخرج منه بنظرية شاملة كاملة لهذا الجانب من تاريخ الإنسان، كل ذلك لا يمكن أنْ يسعه يوم واحد وبحث واحد. إذاً فمن الأفضل أنْ نؤجِّل ذلك.

وننصرف الآن من منطقة الفكر إلى منطقة القلب، من منطقة العقل إلى منطقة الوجدان.


أريد أنْ نعيش معاً لحظات بقلوبنا لا بعقولنا فقط، بوجداننا، بقلوبنا، نريد أنْ نعرض هذه القلوب على القرآن الكريم، بدلاً عن أنْ نعرض أفكارنا وعقولنا.

* نعرض صدورنا، لِمَنْ وَلاؤُها؟

* ما هو ذاك الحب الذي يسوِّدها ويُمحورها ويَستقطبها؟

إنّ الله سبحانه وتعالى لا يجمع في قلب واحد ولاءين، لا يجمع حبين مستقطبين. إمّا حب الله وإمّا حب الدنيا، أمّا حب الله وحب الدنيا معاً فلا يجتمعان في قلب واحد، فَلْنَمتحِن قلوبنا، فلنرجع إلى قلوبنا لنمتحنها، هل تعيش حب الله سبحانه وتعالى، أو تعيش حب الدنيا؟

- فإنْ كانت تعيش حب الله، زِدْنا ذلك تعميقاً وترسيخاً.

- وإنْ كانت (نعوذ بالله ) تعيش حب الدنيا، حاولنا أنْ نتخلّص من هذا الداء الوبيل، من هذا المرض المهلك.

إنّ كلّ حبٍّ يستقطب قلب الإنسان يتّخذ إحدى صيغتين وإحدى درجتين:

* الدرجة الأولى:

أنْ يشكّل هذا الحب محوراً وقاعدةً لمشاعر وعواطف وآمال وطموحات هذا الإنسان، قد ينصرف عنه في قضاء حاجة في حدود خاصة ولكنْ يعود، سرعان ما يعود إلى القاعدة؛ لأنّها هي المركز، وهي المحور، قد ينشغل بحديث، قد ينشغل بكلام، قد ينشغل بعمل، بطعام، بشراب، بمواجهة، بعلاقات ثانوية، بصداقات، لكن يبقى ذاك الحب هو المحور، هذه هي الدرجة الأولى.


* والدرجة الثانية من الحب المحور:

أنْ يستقطب هذا الحب كلّ وجدان الإنسان بحيث لا يشغله شيء عنه على الإطلاق، ومعنى أنّه لا يشغله شيء عنه:

أنّه سوف يرى محبوبه وقِبْلَته وكَعْبَته أينما توجّه، أينما توجّه سوف يرى ذلك المحبوب. هذه هي الدرجة الثانية من الحب المحور.

هذا التقسيم الثنائي ينطبق على حب الله وينطبق على حب الدنيا. حب الله سبحانه وتعالى، الحب الشريف لله المحور يتّخذ هاتين الدرجتين:

* الدرجة الأولى:

يتّخذها في نفوس المؤمنين الصالحين الطاهرين الذين نظّفوا نفوسهم من أوساخ هذه الدنيا الدنية، هؤلاء يجعلون من حب الله محوراً لكل عواطفهم ومشاعرهم وطموحاتهم وآمالهم، قد ينشغلون:

- بوجبة طعام.

- بمتعة من المتع المباحة.

- بلقاء مع صديق.

- بتنزه في شارع. ولكن يبقى هذا هو المحور الذي يرجعون إليه بمجرد أنْ ينتهي هذا الانشغال الطارئ.

* وأمّا بالدرجة الثانية:

فهي الدرجة التي يصل إليها أولياء الله من الأنبياء والأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام ( علي بن أبي طالب ) الذي نحظى بشرف مجاورة قبره، هذا الرجل العظيم، كلّكم تعرفون ماذا قال، هو الذي قال:

(( بأنّي ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله معه وقبله وبعده وفيه )) (١) ؛ لأنّ حب الله في هذا القلب العظيم استقطب وجدانه إلى الدرجة التي منعه

-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-

(١) لم نعثر على الرواية بكاملها، والموجود في كتاب علم اليقين ١: ٤٩ ( للفيض الكاشاني ):(( ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيتُ الله قبله )) .


منْ أنْ يرى شيئاً آخر غير الله، حتّى حينما كان يرى الناس، كان يرى فيهم عَبِيْد الله، حتّى حينما كان يرى النعمة الموفورة، كان يرى فيها نعمة الله سبحانه وتعالى. دائماً هذا المعنى الحرفي، هذا الربط بالله، دائماً وأبداً يتجسّد أمام عينه؛ لأنّ مَحْبُوبه الأَوْحد، ومَعشوقه الأكمل، قِبْلَة آماله وطموحاته، لم يسمح له بشريك في النظر، فلم يكن يرى إلاّ الله سبحانه وتعالى. هذه هي الدرجة الثانية.

نفس التقسيم الثنائي يأتي في حب الدنيا، الذي هو رأسُ كلّ خطيئةٍ على حدِّ تعبير رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حب الدنيا يتّخِذ درجتَين:

* الدرجة الأولى:

- أنْ يكونَ حبُّ الدنيا محوراً للإنسان.

- قاعدةً للإنسان في تصرّفاته وسلوكه.

- يتحرَّك حينما تكون المصلحة الشخصيّة في أنْ يتحرّك.

- ويَسْكن حينما تكون المصلحة الشخصية في أنْ يَسْكن.

- يتعبّد حينما تكون المصلحة الشخصية في أن يتعبّد. وهكذا.

الدنيا تكون هي القاعدة، لكنْ أحياناً أيضاً يُمكن أنْ يفلتَ مِن الدنيا، يَشتغِل أشغالاً أُخرى نظيفةً، طاهرة:

- قد يُصلِّي لله سبحانه وتعالى.

- قد يصوم لله سبحانه وتعالى. لكنْ سُرعان ما يرجع مرةً أُخرى إلى ذلك المحور، ويَنْشَدُّ إليه، فَلَتَاتٌ يخرج بها من إطار ذلك الشيطان، ثم يرجع إلى الشيطان مرةً أُخرى. هذه درجة أولى من هذا المرض


الوبيل، مرض حبِّ الدنيا.

* وأمّا الدرجة الثانية من هذا المرض الوبيل:

فهي الدرجة المُهْلِكة، حينما يعمي حبُّ الدنيا هذا الإنسان، يَسُدّ عليه كلّ منافِذ الرؤية، يكون بالنسبة إلى الدنيا كما كان سيِّد الموحِّدين وأمير المؤمنين بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى:

إنّه لم يكنْ يرى شيئاً إلاّ وكان يرى الله معه وقَبْله وبَعْده.

حبُّ الدنيا في الدرجة الثانية يَصِلُ إلى مستوى بحيث:

- إنّ الإنسان لا يرى شيئاً إلاّ ويرى الدنيا فيه وقبله وبعده ومعه.

- حتّى الأعمال الصالحة تتحوّل عنده وبمنظاره إلى دُنْيا، تتحوّل عنده إلى مُتْعة، إلى مصلحة شخصيّة، حتّى الصلاة، حتّى الصيام، حتّى البَحْث، حتّى الدرس، هذه الألوان كلّها تتحوّل إلى دُنْيا لا يمكنه أنْ يرى شيئاً:

- إلاّ من خلال الدنيا.

- إلاّ مِن خلال مقدار ما يُمكن لهذا العمل أنْ يُعطيه، يعطيه مِن حَفْنَةِ مالٍ أو مِن كَوْمَةِ جاهٍ، لا يمكن أنْ يستمرَّ معه إلاّ بِضْعة أيّام معدودة. هذه هي الدرجة الثانية.

وكلّ مِن الدرجتَين مُهلِكة، والدرجة الثانية أشدّ هَلَكَة من الدرجة الأولى، ولهذا قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):

(( حبُّ الدنيا رأْسُ كلِّ خطيئة )) .

قال الإمام الصادق ( عليه السلام ):

(( الدنيا كماء البحر مَنْ ازداد شُرْباً مِنْه ازداد عَطَشَاً )) .

لا تقل: فَلآخُذ هذه الحَفْنَة من الدنيا ثمّ أنْصرِفُ عنها،


فلأحصل على هذه المرتبة من جاه الدنيا ثم أنصرفُ إلى الله. ليس الأمر كذلك، فإنّ أيّ مقدار تحصل عليه من مال الدنيا، من مقامات هذه الدنيا الزائلة، سوف يزداد بك العطش والنهم إلى المرتبة الأخرى:

(( الدنيا كماء البحر ))، (( الدنيا رأس كل خطيئة )) .

الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول:

(( من أصبح وأكبر همّه الدنيا فليس له من الله شيء )) .

* هذا الكلام يعني:

- قَطْع الصِلَة مع الله.

- يعني أنّ ولاءين لا يجتمعان في قلبٍ واحدٍ.

- مَنْ كان ولاءُه للدنيا فليس له من الله شيء.

- ليس له صِلَةٌ مع الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ ولاءين لا يجتمعان في قلبٍ واحدٍ.

(( حب الدنيا رأس كل خطيئة ))؛ لأنّ حبَّ الدنيا هو الذي يُفْرِغُ الصلاة من معناها، ويفرغ الصيام من معناه، ويفرغ كل عبادة من معناها، ماذا يبقى من معنى لهذه العبادات إذا استولى حبُّ الدنيا على قلب الإنسان.

أنا وأنتم نعرف أنّ أولئك الذين نُآخِذُهم على ما عملوا مع أمير المؤمنين، أولئك:

- لم يتركوا صلاةً.

- ولم يتركوا صياماً.

- ولم يشربوا خمراً، على الأقلّ عدد كبير منهم لم يقوموا بشيء من هذا القبيل.

* لكنّهم مع هذا، ما هي قيمة هذه الصلاة؟

* وما هي قيمة هذا الصيام؟

* وما هي قيمة العفّة عن شرب الخمر إذا كان حب الدنيا هو الذي يملأ


القلب؟

* ما قيمة صلاة عبد الرحمن بن عوف؟

- عبد الرحمن بن عوف كان صحابيّاً جليلَ القدر.

- كان من السابقين إلى الإسلام.

- كان مِمَّنْ أسْلم والناس كفّارٌ ومشركون.

- تربّى على يَدِ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

- عاش مع الوحي، مع القرآن، مع آيات الله تَتْرَى.

* لكنْ ماذا دهاه؟

* ماذا دهاه حينما فتح الله على المسلمين بلادَ كِسْرَى وقَيْصَر، وكنوز كسرى وقيصر؟

* ماذا دهى هذا الرجل المسكين؟

هذا الرجل المسكين مَلأَ قلبَه حبُّ الدنيا.

كان يُصلِّي وكان يصوم، ولكنْ مَلأَ قلبَه حبُّ الدنيا.

حينما وقف في خيار واحد بين عثمان وعلي ( عليه السلام ): إمّا أنْ يكون عثمانُ خليفةَ المسلمين، وإمّا أنْ يكون علي خليفةَ المسلمين، وهو يعلم:

- أنّه لو أعطى هذه الخلافة لعليٍّ لأَسْعَدَ المسلمين إلى أَبَد الدهر.

- ولكنّه يعلم أيضاً أنّه حينما يعطيها إلى عثمان فقد فتح بذلك باب الفتن إلى آخر الدهر.

يعلم بذلك وقد سمع ذلك مِنْ عمر نَفْسِه أيضاً، ولكنّه في هذا الخيار غَلَبَ حبُّ الدنيا على قلبِه، ضرب على يَدِ عثمان وترك يَدَ عليٍّ مبسوطةً تنتظر مَنْ يُبايع، جعل عثمان خليفةً، وأَقْصَى عليّاً ( عليه السلام ) عن الخلافة.

قد تقولون: إنّ هذه معصيةٌ، هذا كتَرْكِ الصلاة؛ لأنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) جعل عليّاً خليفةً بعده بلا فصل.

هذا صحيح، تولِّي عليّ بن أبي طالب أَهَمّ


الواجبات، ولكن افْرُضُوا - وفَرْض المُحَال ليس بمحال - لو أنّ رسول الله لم يَنُص على عليِّ بن أبي طالب،

* أَكَانَ هذا الموقف من عبد الرحمن بن عوف مهضوماً؟

* أكان هذا الموقف من عبد الرحمن بن عوف صحيحاً؟

- لو تَرَكْنَا كلَّ نصوص الرسول.

- وتَرَكْنا حديثَ الغدير وحديثَ الثقلين، لو تركْنا كلَّ ذلك،

لكنْ:

- بمنطق حبِّ الله وحبِّ الدنيا.

- بمنطق الحرص على الإسلام.

- بمنطق الغيرة على الدين والمسلمين.

أكان هذا الموقف من عبد الرحمن بن عوف سليماً، أنْ يطرح يَدَ عليٍّ ( عليه السلام ) مبسوطةً دون أنْ يُبَايعها، ويبايع إنساناً غيرَ جديرٍ بأنْ يتحمَّل الأمانة، ان يبايع عثمان بن عفان.

إذاً، المسألة هنا ليست فقط مسألة نص، وإنّما المسألة هنا مسألة حبّ الدنيا، مسألة خيانة الأمانة؛ لأنّ حبّ الدنيا يعمي ويصم، حبّ عبد الرحمن بن عوف للدنيا أفْقَدَ الصلاة معناها، أَفْقَدَ الصيام معناه، أفْقَدَ شهر رمضان معناه، أفقد كل شيء مغزاه الحقيقي ومحتواه النبيل الشريف.

(( حبّ الدنيا رأْسُ كلِّ خطيئة )) ، وحبّ الله سبحانه وتعالى أساسُ كلِّ كمال، حبّ الله هو الذي يُعطي للإنسان الكمال، العزّة، الشرف، الاستقامة، النظافة، القدرة على مُغَالَبَة الضعف في كلّ الحالات، حبّ الله سبحانه وتعالى هو الذي جعل أولئك السحرة،


يتحوّلون إلى رُوَّاد على الطريق، فقالوا لفرعون:

( فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنّمَا تَقْضِي هذِهِ الْحَيَاةَ الدّنْيَا ) (١).

كيف قالوا هكذا؟

لأنّ حبَّ الله اشتعل في قلوبهم، فقالوا لفرعون بكلِّ شجاعة وبطولة:

( فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنّمَا تَقْضِي هذِهِ الْحَيَاةَ الدّنْيَا ) .

حبُّ الله هو الذي جعل عليّاً عليه الصلاة والسلام دائماً يقف مواقف الشَجَاعة، مواقف البطولة. هذه الشجاعة شجاعة علي ( عليه السلام ) ليست شجاعة السباع، ليست شجاعة الأسود، وإنّما هي شجاعة الإيمان وحبّ الله، لماذا؟

لأنّ هذه الشجاعة لم تكن فقط شجاعة البراز في ميدان الحرب، بل كانت:

- أحياناً شجاعة الرفض.

- أحياناً شجاعة الصبر.

علي بن أبي طالب ضرب المثل الأعلى في شجاعة المُبَارَزَة في ميدان الحرب:

- شَدَّ حِزَامَهُ وهو ناهز الستِّين من عمره الشريف.

- وهَجَمَ على الخوارج وَحْدَهُ، فقاتل أربعة آلاف إنسان.

هذه قِمّة الشجاعة في ميدان المبارزة؛ لأنّ حبّ الله أَسْكَرَهُ، فلم يجعلْه يلْتفت أنّ هؤلاء أربعة آلاف وهو واحد، وضرب قِمَّة الشجاعة:

- في الصبر.

- في السكوت عن الحق، حينما فرض عليه الإسلام أنْ يصبر عن حَقِّه وهو في قِمَّة شبابه، لم يكن في شيخوخته، كان في قِمَّة شبابه، كانت حرارة الشباب مِلْءَ وِجْدَانه، ولكنّ الإسلام قال له:

اسْكُتْ، اصْبِر عن حقِّك حِفاظاً على

-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ

(١) سورة طه: الآية (٧٢)


بيضة الدين، ما دام هؤلاء يتحمّلون حِفْظ الشعائر الظاهرية للإسلام وللدين.

سَكَتَ ما دام هؤلاء كانوا يتحفَّظون على الظواهر والشعائر الظاهرية للإسلام والدين، وكان هذا قِمّة الشجاعة في الصبر أيضاً، هذه ليست شجاعة الأسود، هذه شجاعة المؤمن الذي أسْكَرَهُ حبُّ الله، وكان قِمَّة الشجاعة في الرفض، وفي الإِبَاءِ حينما طرح عليه ذلك الرجل أنْ يُبَايعه على شروط تُخالِف كتابَ الله وسُنَّة رسوله بعد مقتل الخليفة الثاني، ماذا صنع هذا الرجل العظيم؟

هذا الرجل العظيم الذي كان:

- يَحْتَرِق؛ لأنّ الخلافة ذهبتْ مِن يده.

- يحترق مِن أَجْل الله، لا مِن أَجْل نفسه، يقول:

(( وَلَقَد تَقَمَّصَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَة وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّ مَحَلِّيَ مِنْهَا مَحَلُّ القُطْبِ مِنَ الرَحَى )) .

هذا الرجل الذي كان يحترق لأنّ الخلافة خرجت مِن يده، لو أنّ إنساناً يقرأ هذه العبارة وَحْدها لقال: ما أكثر شهوة هذا الرجل إلى السلطان وإلى الخلافة!

لكن هذا الرجل نَفْسُهُ، هذا الرجل بذاته عُرِضَتْ عليه الخلافة، عُرضتْ عليه رئاسة الدنيا فرفضها، لا لشيء إلاّ لأنّها شُرِطَتْ بشرط يُخالف كتابَ الله وسُنَّةَ رسوله، من هنا نعرف أنّ ذلك الاحتراق لم يكن مِن أَجْل ذاته، وإنّما كان مِن أَجْل الله سبحانه وتعالى.

إذاً، هذه الشجاعة:

- شجاعة البراز في يوم البراز.

- وشجاعة الصبر في يوم


الصبر.

- وشجاعة الرفض في يوم الرفض.

هذه الشجاعة خَلَقها في قلب علي حُبُّهُ لله لا اعتقاده بوجود الله، هذا الاعتقاد الذي يشاركه في فلاسفة الإغريق أيضاً:

- أرسطو أيضاً يعتقد بوجود الله.

- أفلاطون أيضاً يعتقد بوجود الله.

- الفارابي أيضاً يعتقد بوجود الله.

* ماذا صنع هؤلاء للبشرية؟

* وماذا صنعوا للدين أو للدنيا؟

ليس الاعتقاد وإنّما حبّ الله إضافةً إلى الاعتقاد. هذا هو الذي صنع هذه المواقف، ونحن أَوْلَى الناس بأنْ نُطَلِّق الدنيا،

- إذا كان حبُّ الدنيا خطيئةً، فهو مِنَّا نحن الطَلَبَة(١) مِن أَشَدّ الخَطَايَا.

- هذا الشيء الذي هو خطيئة مِن غَيْرِنَا هو أكثر خطيئة مِنَّا.

- نحن أَوْلَى مِن غَيْرِنا بأنْ نكون على حَذَر من هذه الناحية:

أوّلاً لأنّنا نَصَبْنَا أنفسَنا أَدِلاّءَ على طريق الآخرة.

* ما هي مُهِمَّتُنا في الدنيا؟

* ما هي وظيفتنا في الدنيا؟

إذا سَأَلَكَ إنسانٌ: ماذا تعمل؟ ما هو مُبَرِّر وُجُوْدك؟ ماذا تقول؟

تقول: بأنِّي أُريد أنْ أَشُدَّ الناسَ إلى الآخرة، أَشُدَّ دُنْيَا الناسِ إلى الآخرة، إلى عالَم الغيب، إلى الله سبحانه وتعالى.

* إذاً، كيف تقطع دنياك عن الآخرة؟

إذا كانت دُنْيَاك مقطوعةً عن الآخرة، فسوف تَشُدُّ دُنْيَا الناس إلى دُنْياك لا إلى آخرة رَبِّك، سوف نتحوّل إلى قُطَّاع طريق،

____________

(١) يقصد طلبة العلوم الدينية الإسلامية في النجف.


ولكنْ أيّ طريق؟ الطريق إلى الله، لا طريق ما بين بلدٍ وبلد، هذا الطريق إلى الله نحن رُوَّادُه، نحن القائمون على الدَلاَلَة إليه، على الأخْذِ بِيَد الناس فيه، فلو أنّنا أَغْلقنا بابَ هذا الطريق، لو أنّنا تحوَّلْنا عن هذا الطريق إلى طريقٍ آخر، إذن سوف نكون حاجباً عن الله، حاجباً عن اليوم الآخر.

كلُّ إنسانٍ يَستَوْلِي حبُّ الدنيا على قَلْبه يَهْلَكُ هو، أمّا الطَلَبَة، أمّا نحن إذا استَوْلَى حبُّ الدنيا على قلوبنا سوف نَهلك ونُهلك الآخرين؛ لأنّنا وَضَعْنا أنفسنا:

- في موضع المسؤولية.

- في موضع رَبْط الناس بالله سبحانه وتعالى، والله لا يعيش في قلوبنا.

إذاً، سوف لنْ نتمكّن مِن أنْ نربط الناس بالله، نحن أَوْلى الناس وأحقّ الناس باجتناب هذه المهلكة؛ لأنّنا ندَّعي:

- أنّنا وَرَثَة الأنبياء.

- وَوَرَثَة الأئمّة والأولياء.

- أنّنا السائرون على طريق محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وعلي والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام.

أَلَسْنَا نُحاول أنْ نعيش شَرَفَ هذه النسبة؟ هذه النسبة تَجْعل مَوْقِفَنا أَدَقّ من مواقف الآخرين؛ لأنّنا نحن حَمَلَةُ أقوال هؤلاء وأفعال هؤلاء، أَعْرف الناس بأقوالهم، وأَعْرف الناس بأفعالهم، أَلَم يَقُل رسولُ الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ):

(( إنّا مَعَاشِر الأنبياء لا نُوَرِّثُ ذَهَبَاً ولا فِضَّةً ولا عقاراً، إنّما نُوَرِّث العِلْمَ والحكمةَ )) (١).

ألم يقل عليُّ بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام:

(( إِنّ

-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج١٦: ص٢١٤.


إمَارَتَكُم هذه أو خِلاَفَتَكُم هَذِهِ لاَ تُسَاوِي عِنْدِي شَيْئَاً إلاّ أنْ أُقِيْمَ حقّاً أو أدْحَضَ بَاطِلاً )) .

أَلَمْ يَقُلْ عليُّ بن أبي طالب ذلك، أَلَم يُجَسِّد هذا في حياته، في كلِّ حياته؟!

عليُّ بن أبي طالب كان يعمل لله سبحانه وتعالى، لم يكن يعمل لدنياه، لو كان عليّ يعمل لدنياه لكان أشْقى الناس وأتْعس الناس؛ لأنّ عليّاً حَمَلَ دَمَهُ على يده منذ طفولته، منذ صِبَاه، يذبُّ عن وجْه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وعن دين الله وعن رسالة الله.

- لم يتردَّد لحظة في أنْ يُقدِّم.

- لم يكن يحسب للموت حساباً.

- لم يكن يحسب للحياة حساباً.

- كان دَمُهُ دائماً على يده.

- كان أَطْوَع الناس لرسول الله في حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكان أطوع الناس لرسول الله بعد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

- كان أكثر الناس عملاً في سبيل الدين، ومعاناة من أجل الإسلام.

* ماذا حصل، ماذا حصل عليه علي بن أبي طالب ( عليه السلام )؟

* لو جئنا إلى مقاييس الدنيا، ماذا حصل عليه هذا الرجل العظيم؟

* أَلَمْ يُقْصَى هذا الرجل العظيم؟

* أَلَمْ يكن جليس بيته فترةً من الزمن؟

* أَلَمْ يُسَبّ هذا الرجل العظيم ألْف شَهْر على منابر المسلمين؟ التي أُقيمت أعوادها بجهاده، بدمه، بتضحياته؟ سُبَّ على منابر المسلمين.

إذاً، لم يحصل على شيء من الدنيا، لا على حطامٍ، ولا على مالٍ، ولا على منصبٍ، ولا على


كنى(١) ولا على تقديرٍ، ولكنّه على الرغم من ذلك حينما ضربه عبد الرحمن بن ملجم بالسيف على رأسه(٢) ماذا قال هذا الإمام العظيم؟

قال: ( لقد فُزْتُ وربِّ الكَعْبَة ).

لو كان عليٌّ يعمل لدنياه لقال: والله إنّي أتْعس إنسان؛ لأنّي لم أحصل على شيءٍ في مقابل عُمْرٍ كُلّه جهاد، كلّه تضحية، كلّه حبّ لله، لم أحصل على شيءٍ، لكنّه لم يقل ذلك، قال: ( لقد فُزْتُ وربِّ الكَعْبَة ).

إنّها والله الشهادة؛ لأنّه لم يكن يعمل لدنياه، كان يعمل لربه، والآن لحظة اللقاء مع الله، هذه اللحظة هي اللحظة التي سوف يلتقي بها عليٌّ مع الله سبحانه وتعالى فَيُوَفِّيْه حسابه ويعطيه أجره، يُعَوِّضُهُ عمّا تحمّل مِن شدائد، عمّا قاسى من مصائب.

* أليس هذا الإمام هو مَثَلُنَا الأعلى؟!

* أليستْ حياة هذا الإمام هي السُنَّة؟!

* أليستْ مصادر التشريع عندنا الكتاب والسُنَّة؟!

* أليستْ السُنَّة هي قول المعصوم وفِعْلُه و تقريره؟!

* علينا أنْ نحذر مِن حبّ الدنيا؛ لأنّه لا دنيا عندنا لكي نُحِبُّهَا. ماذا نحب؟ نحب الدنيا؟!

* نحن الطلبة! ما هي هذه الدنيا التي نُحِبّها ونُريد أنْ نُغْرِق أنفسَنا فيها ونترك رضواناً من الله أكبر؟

* نترك ما لا عَيْن رَأَتْ ولا

____________

(١) كنى: جمع كنية.

(٢) ضربه في مسجد الكوفة وهو ساجد في صلاة الفجر.


أُذْنٌ سَمِعَتْ، ولا اعترض على خَيَال بَشَر.

* ما هي هذه الدنيا؟

هذه الدنيا دنيانا هي مجموعة من الأوهام، كلُّ دُنْيَا وَهْم، لكنّ دُنْيَانَا أكثرُ وَهْمَاً مِن دُنيا الآخرين، مجموعةٌ من الأوهام، ماذا نحصل من الدنيا إلاّ على قدرٍ محدودٍ جدّاً.

لسنا نحن أولئك الذين نهبوا أموال الدنيا وتحدثنا عنهم سابقاً، لسنا نحن أولئك الذين تركع الدنيا بين أيدينا لكي نُؤْثِر الدنيا على الآخرة، دنيا هارون الرشيد كانت عظيمة، نَقِيْسُ أنفسنا بهارون الرشيد، هارون الرشيد نَسُبُّهُ ليلاً نهاراً؛ لأنّه غرق في حب الدنيا، لكنْ تَعْلَمُوْن:

* أيّ دُنْيا غرق فيها هارونُ الرشيد؟!

* أيّ قصورٍ مرتفِعة عاش فيها هارون الرشيد؟!

* أيّ بَذَخٍ وَتَرَفٍ كان يحصل عليه هارون الرشيد؟!

* أيّ زَعَامَة وخِلافة وسُلطان امتدّ مع أرجاء الدنيا حصل عليه هارون الرشيد؟!

هذه دُنْيا هارون الرشيد.

نحن نقول بأنّنا:

- أفضل من هارون الرشيد.

- أوْرَع من هارون الرشيد.

- أتْقَى من هارون الرشيد.

عجباه! نحن عُرِضَتْ علينا دُنيا هارون الرشيد فرفضناها حتى نكون أورع من هارون الرشيد. يا أولادي، يا أخواني، يا أعزّائي، يا أبناء علي.. هل عُرِضَتْ علينا دُنْيا هارون الرشيد؟

لا.. عُرِضَتْ علينا دُنْيا هزيلة، محدودة، ضئيلة، دنيا ما أسرع ما تَتَفَتَّتُ، ما أسرع ما تزول، دُنْيا لا يستطيع


الإنسانُ أنْ يتمدّد فيها كما كان يتمدّد هارونُ الرشيد.

هارون الرشيد يلتفت إلى السحابة يقول لها: أيْنَما تَمْطُرِيْنَ يأتيني خِرَاجُكِ، في سبيل هذه الدنيا سَجَنَ موسى بن جعفر (عليه السلام).

* هل جَرَّبْنا أنّ هذه الدنيا تأتي بِيَدِنا ثمّ لا نَسْجن موسى بن جعفر؟

* جربنا أنفسنا؟ سألْنا أنفسَنا؟ طَرَحْنا هذا السؤال على أنفسِنا؟

كلُّ واحدٍ مِنَّا يطرح هذا السؤال على نفسه: بينه وبين الله أنّ هذه الدنيا، دنيا هارون الرشيد كلَّفَتْه أنْ يسجن موسى بن جعفر، هل وُضِعَتْ هذه الدنيا أمامنا لكي نفكِّر بأنّنا أتْقى مِن هارون الرشيد؟

* ما هي دنيانا؟

- هي مَسْخٌ من الدنيا.

- هي أَوْهَامٌ من الدنيا.

- ليس فيها حقيقة إلاّ حقيقة رِضَى الله سبحانه وتعالى، إلاّ حقيقة رضوان الله.

كلُّ طالب عِلْمٍ حَالُه حالُ عليِّ بن أبي طالب: إذا كان يعمل للدنيا فهو أتْعَسُ إنسانٍ؛ لأنّ أبواب الدنيا مفتوحة، خاصةً إذا كان طالبٌ له قابلية، له إمكانية، له ذكاء، له قابليّات، هذا أبواب الدنيا مفتوحةٌ له، فإذا كان يعمل للدنيا فهو أتْعَسُ إنسان؛ لأنّه سوف يخسر الدنيا والآخرة، لا دنيا الطلبة دنيا ولا الآخرة يحصل عليها، فَلْيَكُن هَمُّنا أنْ نعمل للآخرة، أنْ نعيش في قلوبنا حبّ الله سبحانه وتعالى بدلاً عن حبّ الدنيا؛ لأنّه لا دنيا مُعْتَد بها عندنا.


الأئمة عليهم السلام علّمونا بأنّ تذكّر الموت دائماً يكون من العِلاجات المفيدة لحبِّ الدنيا، أنْ يتذكّر الإنسان الموت.

كلّ واحدٍ مِنّا يعتقد: بأنّ كلّ مَنْ عليها فَانٍ، لكن القضية دائماً وأبداً لا يُجسِّدُها بالنسبة إلى نفسه، من العلاجات المفيدة أنْ يُجسِّدها بالنسبة إلى نفسه، دائماً يتصوّر: بأنّه يمكن أنْ يموت بين لحظة وأخرى.

كلّ واحدٍ مِنَّا:

- يوجد لديه أصدقاء ماتوا.

- إخوان انتقلوا من هذه الدار إلى الدار الأخرى.

- أبي لم يعش في الحياة أكثر مِمَّا عِشْتُ حتّى الآن.

- أخي لم يعش في الحياة أكثر مِمَّا عشت حتّى الآن.

أنا الآن استَوْفَيْتُ هذا العمر:

- من المعقول جدّاً أنْ أموت في السنِّ الذي مات فيها أبي.

- من المعقول جدّاً أنْ أموتَ في السنِّ التي مات فيها أخي.

كلُّ واحد مِنَّا لا بدّ وأنْ يكون له قدوةٌ مِن هذا القبيل، لا بدّ وأنّ أحباباً له قد رحلوا، أَعِزَّةً له قد انتقلوا، لم يبقَ مِن طموحاتهم شيء، لم يبقَ مِن آمالهم شيء. إنْ كانوا قد عملوا للآخرة فقد رحلوا إلى مليكٍ مُقْتَدِرٍ، إلى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيْكٍ مُقْتَدِرٍ، وإذا كانوا قد عملوا للدنيا فقد انتهى كلُّ شيء بالنسبة إلَيْهِم.

هذه عِبَرٌ، هذه العِبَر التي علَّمَنَا الأئمّة عليهم السلام أنْ نَسْتَحْضِرَهَا دائماً، تَكْسِرُ فينا شَرَهَ الحياة، ما هي هذه الحياة؟ لعلّها أيامٌ فقط، لعلّها أشهرٌ فقط، لعلّها


سنواتٌ.

* لماذا نعمل دائماً ونحرص دائماً على أساسِ أنّها حياةٌ طويلةٌ؟

- لعلّنا لا ندافع إلاّ عن عشرة أيّام.

- إلاّ عن شَهْرٍ.

- إلاّ عن شهرين.

* لا ندري عن ماذا نُدافِع؟

لا ندري أنّنا نحتمل هذا القدر من الخطايا؟ هذا القدر من الآثام؟ هذا القدر من التقصير أمام الله سبحانه وتعالى، وأمام ديننا؟ نتحمّله في سبيل الدفاع عن ماذا، عن عشرة أيام، عن شهر، عن أشهر...؟ هذه بضاعة رخيصة، نسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يُطهّر قلوبنا ويُنَقِّي أرواحنا، ويجعل الله أكثر همّنا، ويملأها حبّاً له، وخشيةً منه، وتصديقاً به، وعملاً بكتابه.


Contents

مقدمة الناشر ٣

( مقدمات في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ) ٣

تقديم. ٥

الدرس الأوّل: ٧

الاتجاه الأوّل: ٨

الاتجاه الثاني: ١١

الدرس الثاني: ٢١

الدرس الثالث: ٢٩

الجانب الأوّل: ٣٥

لكنْ هناك جانباً آخر: ٣٥

الدرس الرابع: ٤٢

الدرس الخامس: ٥٨

الحقيقة الأولى: ٥٨

الحقيقة الثانية: ٦٠

الحقيقة الثالثة: ٦٥

الدرس السادس: ٧١

الإحضار الفردي: ٧٨

إحضار للفرد في وسط الجماعة: ٧٩

الدرس السابع: ٨٢

الشكل الأوّل للسنة التاريخية: ٨٢

الشكل الثاني الذي تتّخذه السُنَن التاريخيّة: ٨٧

الشكل الثالث للسُنّة التاريخيّة: ٩١

الدرس الثامن: ١٠١

الدرس التاسع: ١١٣


الدرس العاشر: ١٢٨

الإجراء التاريخي الأوّل: ١٣٢

والإجراء التاريخي الثاني: ١٣٢

والإجراء التاريخي الثالث: ١٣٣

* التعميم الأفقي الخاطئ: ١٣٦

المرحلة الأولى: ١٤١

المرحلة الثانية: ١٤٢

ثم تأتي المرحلة الثالثة: ١٤٣

المرحلة الرابعة: ١٤٣

الدرس الحادي عشر: ١٤٦

* أمّا التغيّر الكمِّي. ١٥٠

* وأما التغيير الكيفي. ١٥١

* التوحيد: ١٦٢

* العدل: ١٦٢

* الأصل الثالث النبوّة: ١٦٣

الإمامة: ١٦٣

والأصل الخامس هو إيمان بيوم القيامة: ١٦٣

الدرس الثاني عشر: ١٦٦

مقدمة في تحليل عناصر المجتمع. ١٦٦

فالخط الأوّل: ١٦٧

وأمّا الخط الثاني من العلاقات: ١٦٩

الدرس الثالث عشر: ١٨٤

* أمّا العلاقة الأولى: ١٨٤

* وأمّا العلاقة القرآنية الثانية: ١٨٧


وعمليّة التجزئة الفرعونيّة للمجتمع: ١٩٠

* الطائفة الثانية: ١٩١

* الطائفة الثالثة: ١٩١

* أما الطائفة الرابعة: ١٩٤

* الطائفة الخامسة في عملية التجزئة الفرعونية للمجتمع هي: ١٩٥

* الجماعة السادسة والأخيرة في عملية التجزئة الفرعونية للمجتمع هم المستضعَفون: ١٩٦

الدرس الرابع عشر: ١٩٩

* الدرجة الأولى: ٢٠٢

* والدرجة الثانية من الحب المحور: ٢٠٣

* الدرجة الأولى: ٢٠٣

* وأمّا بالدرجة الثانية: ٢٠٣

* الدرجة الأولى: ٢٠٤

* وأمّا الدرجة الثانية من هذا المرض الوبيل: ٢٠٥